######OpenITI# #META# MULTIVOLUME: IDs 3931, 3932, 3933, 3938, 3942, 3944, 3945, 3946, 3947, 3950, 3951, 3952, 3955, 3956, 3957 #META# المؤلف: الدكتور محمد سيد طنطاوي #META# الناشر: دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع #META# الطبعة: ١ #META# الموضوع : #META# تاريخ النشر : ١٩٩٧ هـ.ق #META# ISBN (ردمك): 977-14-0523-3 #META# الصفحات: ٦٧١ #META#Header#End# ![](https://books.rafed.net/Books/3931_altafsir-alwasit-01/images/image001.gif) PageV01P001 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * ( @QUR@07 ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ) (127) PageV01P003 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة # الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا هو ، وحده لا شريك له ، ألا ~~له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، ~~أرسله رحمة للعالمين ، وأنزل عليه كتابا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا ~~من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ~~وأتباعه الذين آمنوا به وعزروه ونصروه ، واتبعوا النور الذي أنزل معه ، ~~أولئك هم المفلحون. # وبعد : فإن القرآن الكريم هو كتاب الله الذي أنزله على قلب نبيه محمد ~~صلى الله عليه وسلم ، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ، ولينقذهم من الكفر ~~والظلم والفجور. ( @QUR@015 كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى ~~النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ) (1). # وقد أنزل الله تعالى هذا القرآن على قلب نبيه صلى الله عليه وسلم ، لمقاصد ~~عالية ، وحكم سامية ، وأغراض شريفة ... # من أهمها أن يكون هذا القرآن هداية للإنس وللجن في كل زمان ومكان إلى ~~الصراط المستقيم ، وإلى السعادة التي تصبو إليها النفوس ، وتتطلع إليها ~~الأفئدة والقلوب ... # وقد أودع تعالى في هذا الكتاب من العقائد السليمة ، والعبادات القويمة ، ~~والأحكام الجليلة ، والآداب الفاضلة ، والعظات البليغة ، والتوجيهات ~~الحكيمة ... ما به قوام الملة الكاملة ، والأمة الفاضلة ، والجماعة الراشدة ~~، والفرد السليم في عقيدته وسلوكه وفي كل شئونه. # فكان هذا الكتاب أفضل الكتب السماوية ، وأوفاها بحاجة البشرية ، وأجمعها ~~للخير ، وأبقاها على الدهر ، وأعمها وأتمها وأصحها في هدايته الناس إلى ما ~~يصلحهم في معاشهم ومعادهم. PageV01P005 # قال تعالى : ( @QUR@016 إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين ~~الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا ) (1). # وقال تعالى : ( @QUR@025 قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين. يهدي به الله ~~من اتبع رضوانه سبل السلام ، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ، ويهديهم ~~إلى صراط مستقيم ) (2). # وقال تعالى ( @QUR@022 قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ، فقالوا إنا ~~سمعنا قرآنا عجبا. يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن ms0001 نشرك بربنا أحدا ) (3). # كذلك من أهم المقاصد التي من أجلها أنزل الله تعالى على نبيه ~~صلى الله عليه وسلم هذا القرآن ، أن يكون هذا القرآن معجزة ناطقة في فم الدنيا ~~بصدقه فيما يبلغه عن ربه. # ولقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس فدعاهم إلى وحدانية الله ، ~~وإلى مكارم الأخلاق ، وقال لهم : معجزتي الدالة على صدقى هذا القرآن ، فإن ~~كنتم في شك من ذلك فأتوا بمثله فعجزوا ، فأرخى لهم العنان وتحداهم بأن ~~يأتوا بعشر سور من مثله فما استطاعوا ، فزاد في إرخاء العنان لهم وهم أرباب ~~البلاغة والبيان وتحداهم بأن يأتوا بسورة واحدة من مثله ، فأخرسوا وانقلبوا ~~صاغرين. فثبت أن هذا القرآن من عند الله ، ولو كان من عند غير الله لوجدوا ~~فيه اختلافا كثيرا. # قال الله تعالى : ( @QUR@033 وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا ~~بسورة من مثله ، وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين. فإن لم تفعلوا ~~ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين ) (4). # كذلك من أهم المقاصد التي من أجلها أنزل الله هذا القرآن على قلب نبيه ~~صلى الله عليه وسلم أن يتقرب الناس به إلى خالقهم عن طريق تلاوته ، وحفظه ، ~~وتدبره ، والعمل بتشريعاته وآدابه وتوجيهاته ... # ولقد تكلم الإمام القرطبي بإسهاب في مقدمة تفسيره عن فضائل القرآن ، ~~والترغيب فيه ، وفضل طالبه ، وقارئه ، ومستمعه ، والعامل به ، وكيفية ~~تلاوته ... فقال ما ملخصه : # اعلم أن هذا الباب واسع كبير. ألف فيه العلماء كتبا كثيرة ، نذكر من ذلك ~~نكتا تدل على فضله ، وما أعد الله لأهله إذا أخلصوا الطلب لوجهه ، وعملوا ~~به. فأول ذلك أن يستشعر المؤمن من فضل القرآن أنه كلام رب العالمين. كلام ~~من ليس كمثله شيء .... PageV01P006 # ومن الآثار التي جاءت في هذا الباب ما أخرجه الترمذي عن أبى سعيد قال : ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى : «من شغله القرآن وذكرى عن ~~مسألتى ، أعطيته أفضل ما أعطى السائلين ..». # وعن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله ms0002 عليه وسلم : «إن هذا ~~القرآن مأدبة الله ، فتعلموا من مأدبته ما استطعتم ...». # وروى البخاري عن عثمان بن عفان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «خيركم من ~~تعلم القرآن وعلمه» ، وروى مسلم عن أبى موسى الأشعرى قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة (1) ريحها ~~طيب وطعمها طيب. ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها ~~وطعمها حلو. ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها ~~مر. ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة لا ريح لها وطعمها مر». # وروى مسلم عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الماهر ~~بالقرآن مع السفرة الكرام البررة ، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه أى يقرؤه ~~بصعوبة وهو عليه شاق له أجران». # وروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: «من قرأ حرفا من كتاب الله فله بكل حرف حسنة ، والحسنة بعشر أمثالها. لا ~~أقول الم حرف ، ولكن ألف حرف ، ولام حرف ، وميم حرف» (2). # هذا جانب من الأحاديث الشريفة التي أوردها القرطبي ، وهو يتحدث عن فضائل ~~القرآن ، والترغيب فيه ... إلخ. # ولقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم : أمته تحذيرا شديدا من نسيان القرآن ، ~~فقد روى الشيخان عن أبى موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «تعاهدوا ~~القرآن ؛ فو الذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا أى : تفلتا من الإبل في عقلها». # وروى الترمذي وأبو داود عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~«عرضت على ذنوب أمتى فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ~~ثم نسيها». # هذه أهم المقاصد والحكم التي من أجلها أنزل الله تعالى القرآن على نبيه ~~صلى الله عليه وسلم : أن PageV01P007 # يكون هداية للناس ، وأن يكون معجزة خالدة باقية شاهدة بصدق الرسول ~~صلى الله عليه وسلم : فيما يبلغه عن ربه ، وأن يتقرب الناس بقراءته والعمل به ~~إلى خالقهم عز وجل ولقد ms0003 تكفل الله تعالى بحفظ هذا القرآن ، وصانه من التحريف ~~والتبديل ، والتغيير والمعارضة. قال تعالى : ( @QUR@07 إنا نحن نزلنا الذكر ~~وإنا له لحافظون ) (1). # وكان من مظاهر عنايته سبحانه بكتابه ، أن جعله محفوظا في كل العصور ~~بالتواتر الصادق القاطع ، يرويه الخلف عن السلف بالكيفية المروية عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، وأن وفق له في كل عصر حفاظا متقنين جمعوه في صدورهم ~~، وعمروا به ليلهم ونهارهم ... # وأن قيض له رجالا قضوا معظم أيام حياتهم في خدمته ودراسة علومه ، فمنهم ~~من كتب في إعجازه وبلاغته ، ومنهم من كتب في قصصه وأخباره ، ومنهم من كتب ~~في أسباب نزوله ، ومنهم من كتب في قراءته ورسمه ، ومنهم من كتب في محكمه ~~ومتشابهه ، ومنهم من كتب في ناسخه ومنسوخه ، ومنهم من كتب في مكية ومدنية ، ~~ومنهم من كتب في غريب ألفاظه ..... إلى غير ذلك من ألوان علومه. # وكثير منهم كتبوا في تفسيره. وتوضيح معانيه ومقاصده وألفاظه ، وذلك لأن ~~سعادة الأفراد والأمم لا تتأتى إلا عن طريق الاسترشاد بتعاليم القرآن ~~وتوجيهاته ، وهذا الاسترشاد لا يتحقق إلا عن طريق الكشف والبيان ، لما تدل ~~عليه ألفاظ القرآن. وهو ما يسمى بعلم التفسير. # فتفسير القرآن هو المفتاح الذي يكشف عن تلك الهدايات السامية ، ~~والتوجيهات النافعة ، والعظات الشافية والكنوز الثمينة التي احتواها هذا ~~الكتاب الكريم. # وبدون تفسير القرآن ، تفسيرا علميا سليما مستنيرا لا يمكن الوصول إلى ما ~~اشتمل عليه هذا الكتاب من هدايات وتوجيهات ، مهما قرأه القارئون وردد ~~ألفاظه المرددون. # قال إياس بن معاوية : مثل الذين يقرءون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره ، ~~كمثل قوم جاءهم كتاب من مليكهم ليلا ، وليس عندهم مصباح ، فتداخلتهم روعة ~~ولا يدرون ما في الكتاب. ومثل الذي يعرف التفسير كمثل رجل جاءهم بمصباح ~~فقرأوا ما في الكتاب» (2). # ولقد أفاض الامام ابن كثير في بيان هذا المعنى «وفي بيان أحسن طرق ~~التفسير فقال : «فالواجب على العلماء الكشف عن معاني كلام الله ، وتفسير ~~ذلك ، وطلبه من مظانه ، وتعلم ذلك وتعليمه .... # فإن قال قائل : فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب : إن أصح ms0004 الطريق في ذلك أن يفسر PageV01P008 # القرآن بالقرآن فما أجمل في مكان فإنه قد بسط في موضع آخر ، فإن أعياك ~~ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له .... وقد قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «ألا إنى أوتيت القرآن ومثله معه» ، يعنى السنة ... # والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه ، فإن لم تجده فمن السنة .... فإن لم ~~تجده فمن أقوال الصحابة ، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوا من القرائن والأحوال ~~التي اختصوا بها ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح ، لا ~~سيما علماؤهم وكبراؤهم كالخلفاء الراشدين ، والأئمة المهتدين المهديين ... ~~قال عبد الله بن مسعود : والذي لا إله غيره ، ما نزلت آية من كتاب الله إلا ~~وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت. ولو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله منى تناله ~~المطايا لأتيته». وقال : كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى ~~يعرف معانيهن والعمل بهن». # وقال أبو عبد الرحمن السلمى : «حدثنا الذين كانوا يقرئوننا أنهم كانوا ~~يستقرئون من النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها ~~حتى يعلموا بما فيها من العمل ، فتعلمنا القرآن والعمل جميعا» .... # فإذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة ولا وجدته عن الصحابة ، فقد ~~رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين كمجاهد بن جبر ، وسعيد ابن ~~جبير. وعكرمة مولى ابن عباس ، وعطاء بن أبى رباح ، والحسن البصري وغيرهم» (1). # هذا ، وأنت إذا سرحت طرفك في المكتبة الإسلامية ترى العشرات من كتب ~~التفسير ، منها القديم والحديث ، وترى منها الكبير والوسيط والوجيز ، وترى ~~منها ما يغلب عليه طابع التفسير بالمأثور ، وترى ما يغلب عليه طابع التفسير ~~بالرأى ، وترى منها ما تغلب عليه الصبغة الفقهية ، أو البلاغية ، أو ~~الفلسفية ، أو الصوفية ، أو العلمية ، أو الاجتماعية ، أو الطائفية .... أو ~~غير ذلك من الاتجاهات والميول التي تختلف باختلاف أفكار الكاتبين وثقافتهم ~~ومذهبهم ... # وترى منها المحرر أو شبه المحرر من الخرافات ، والأقوال السقيمة ، والقصص ~~الباطلة ... كما ترى منها ما هو محشو بذلك. # ولقد انتفعت ms0005 كثيرا بما كتبه الكاتبون عن كتاب الله تعالى ، وها أنذا أخى ~~القارئ أقدم لك تفسيرا وسيطا لسورتى الفاتحة والبقرة ، وقد بذلت فيه أقصى ~~جهدي ليكون تفسيرا علميا محققا ، محررا من الأقوال الضعيفة ، والشبه ~~الباطلة ، والمعاني السقيمة .. PageV01P009 # وستلاحظ خلال قراءتك له أننى كثيرا ما أبدأ بشرح الألفاظ القرآنية شرحا ~~لغويا مناسبا ثم أبين المراد منها إذا كان الأمر يقتضى ذلك . # ثم أذكر سبب النزول للآية أو الآيات إذا وجد وكان مقبولا # ثم أذكر المعنى الإجمالى للآية أو الجملة ، عارضا (1) ما اشتملت عليه من ~~وجوه البلاغه والبيان ، والعظات والآداب والأحكام ... ، مدعما ذلك بما يؤيد ~~المعنى من آيات أخرى ، ومن الأحاديث النبوية ، ومن أقوال السلف الصالح. # وقد تجنبت التوسع في وجوه الإعراب ، واكتفيت بالرأى أو الآراء الراجحة ~~إذا تعددت الأقوال ... # وذلك لأننى توخيت فيما كتبت إبراز ما اشتمل عليه القرآن الكريم من هدايات ~~جامعة ، وأحكام سامية ، وتشريعات جليلة ، وآداب فاضلة ، وعظات بليغة ، ~~وأخبار صادقة ، وتوجيهات نافعة ، وأساليب بليغة ، وألفاظ فصيحة ... # والله أسأل أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا ، وأنس نفوسنا ، وبهجة أفئدتنا ، ~~وأن يعيننا ويوفقنا لإتمام ما بدأناه من خدمة كتابه ، وأن يجعل أعمالنا ~~وأقوالنا خالصة لوجهه ، ونافعة لعباده. # وصلى الله على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم. ||كتبه الراجي عفو ربه محمد سيد طنطاوى شيخ الأزهر| PageV01P010 ### ||| * سورة الفاتحة ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم (1) # ( @QUR@04 الحمد لله رب العالمين (2) @QUR@02 الرحمن الرحيم (3) @QUR@03 ~~مالك يوم الدين (4) @QUR@04 إياك نعبد وإياك نستعين (5) @QUR@03 اهدنا ~~الصراط المستقيم (6) @QUR@09 صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين ) (7) # سورة الفاتحة هي السورة الوحيدة التي أمر الإسلام أتباعه أن يقرءوها في ~~كل صلاة. وفي جميع الركعات ، وفي كل الأوقات ، ولهذا أصبح حفظها ميسورا لكل مؤمن. # وهذه السورة على صغر حجمها ، وقلة آياتها ، قد اشتملت بوجه إجمالى على ~~مقاصد الدين من توحيد ، وتعبد ، وأحكام ، ووعد ووعيد. # ونرى من الخير قبل أن نبدأ في تفسيرها بالتفصيل ، أن نمهد لذلك بالكلام ~~عما يأتى : أولا : متى نزلت سورة الفاتحة؟ # للإجابة على هذا السؤال نقول : إن الرأى الراجح بين المحققين ms0006 من العلماء ~~أنها نزلت بمكة ، بل هي من أوائل ما نزل من القرآن بمكة. # وقيل : إنها مدنية. وقيل : إنها نزلت مرتين مرة بمكة حين فرضت الصلاة ~~ومرة بالمدينة حين حولت القبلة. # قال القرطبي : الأول أصح لقوله تعالى في سورة الحجر : ( @QUR@07 ولقد ~~آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم ) وسورة الحجر مكية بالإجماع. ولا ~~خلاف في أن فرض الصلاة كان بمكة ، وما حفظ أنه لم يكن في الإسلام قط صلاة ~~بغير ( @QUR@04 الحمد لله رب العالمين ) «يدل على ذلك قوله PageV01P011 # صلى الله عليه وسلم : «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب». وهذا خبر عن الحكم لا عن ~~الابتداء» (1). # ثانيا : عدد آياتها : وهي سبع آيات لقوله تعالى : ( @QUR@07 ولقد آتيناك ~~سبعا من المثاني والقرآن العظيم ). قال العلماء : السبع المثاني هي ~~الفاتحة. # وقال ابن كثير : هي سبع آيات بلا خلاف. وقال عمرو بن عبيد : هي ثماني ~~آيات لأنه جعل ( @QUR@02 إياك نعبد ) آية. وقال حسين الجعفي : هي ست آيات ~~وهذان القولان شاذان» (2). # ثالثا : اسماؤها : لسورة الفاتحة أسماء كثيرة من أشهرها : # 1 «الفاتحة أو فاتحة الكتاب ، وسميت بذلك لأنه تفتتح قراءة القرآن بها ~~لفظا. وتفتتح بها الكتابة في المصحف خطا ، وتفتتح بها الصلوات ، وإن لم تكن ~~هي أول ما نزل من القرآن. وقد اشتهرت بهذا الاسم في أيام النبوة. # وقد أصبح هذا الاسم علما بالغلبة لتلك الطائفة من الآيات التي مبدؤها ( ~~@QUR@02 الحمد لله ).. ونهايتها .. ( @QUR@02 ولا الضالين ). # 2 «أم القرآن أو الكتاب» وسميت بذلك لاشتمالها إجمالا على المقاصد التي ~~ذكرت فيه تفصيلا ، أو لاشتمالها على ما فيه من الثناء على الله بما هو أهله ~~، والتعبد بأمره ونهيه ، وبيان وعده ووعيده ، أو على جملة معانيه من الحكم ~~النظرية ، والأحكام العملية التي هي سلوك الصراط المستقيم ، والاطلاع على ~~معارج السعداء ومنازل الأشقياء. # قال ابن جرير : «والعرب تسمى كل أمر جامع أما ، وكل مقدم له توابع تتبعه ~~«أما» فتقول للجلدة التي تجمع الدماغ : «أم الرأس». وتسمى لواء الجيش ~~ورايتهم التي يجتمعون تحتها «أما» (3). # 3 «السبع المثاني» جمع مثنى كفعلى اسم مكان. أو مثنى بالتشديد ms0007 من التثنية ~~على غير قياس. وسميت بذلك لأنها سبع آيات في الصلاة ، أى تكرر فيها ؛ أخرج ~~الإمام أحمد ، عن أبى هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «هي أم ~~القرآن ، وهي السبع المثاني ، وهي القرآن العظيم» (4). # 4 وتسمى أيضا سورة «الحمد». 5 و «الكنز». 6 و «الواقية». PageV01P012 # 7 و «الشفاء» ، لحديث. هي الشفاء من كل داء. # 8 و «الكافية» لأنها تكفى عن سواها ولا يكفى سواها عنها. # 9 و «الأساس». 10 و «الرقية». # هذا ، وقد ذكر القرطبي للفاتحة اثنى عشر اسما ، كما ذكر السيوطي لها في ~~كتابه «الإتقان» خمسة وعشرين اسما. # رابعا : فضلها : ورد في فضل سورة الفاتحة أحاديث كثيرة منها : # ما رواه البخاري في صحيحه عن أبى سعيد بن المعلى رضي الله عنه قال : كنت ~~أصلى في المسجد ، فدعاني النبي صلى الله عليه وسلم فلم أجبه فقلت : يا رسول ~~الله ، إنى كنت أصلى. فقال : ألم يقل الله : ( @QUR@05 استجيبوا لله ~~وللرسول إذا دعاكم ). # ثم قال لي : «لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من ~~المسجد». ثم أخذ بيدي ، فلما أراد أن يخرج ، قلت : يا رسول الله. ألم تقل : ~~لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن. قال : ( @QUR@04 الحمد لله رب ~~العالمين )، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» (1). # وروى مسلم والنسائي ، عن ابن عباس ، قال : # بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم سمع نقيضا من فوقه أى : صوتا ~~فرفع رأسه فقال : هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم. فسلم ~~وقال : أبشر بنورين قد أوتيتهما ، ولم يؤتهما نبي قبلك : فاتحة الكتاب ، ~~وخواتيم سورة البقرة ، لم تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته» (2). # وروى مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : # «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج (ثلاثا): غير تمام» فقيل ~~لأبى هريرة : إنا نكون وراء الإمام؟ فقال : اقرأ بها في نفسك ؛ فإنى سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : قال الله ms0008 تعالى : «قسمت الصلاة بيني وبين ~~عبدى نصفين ، ولعبدي ما سأل» ، فإذا قال العبد : ( @QUR@04 الحمد لله رب ~~العالمين ). قال الله : حمدنى عبدى ، وإذا قال : ( @QUR@02 الرحمن الرحيم ~~). قال الله تعالى : أثنى على عبدى. وإذا قال : ( @QUR@03 مالك يوم الدين ~~) قال الله : مجدنى عبدى. فإذا قال : ( @QUR@04 إياك نعبد وإياك نستعين ). ~~قال الله : هذا بيني وبين عبدى ولعبدي ما سأل. فإذا قال : PageV01P013 # ( @QUR@012 اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين ). قال الله : «هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» (1). # وأخرج الإمام أحمد في مسنده ، عن عبد الله بن جابر ، أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال له : ألا أخبرك بأخير سورة في القرآن؟ قلت : بلى يا ~~رسول الله. قال : اقرأ : ( @QUR@04 الحمد لله رب العالمين ) حتى تختمها (2). # تلك هي بعض الأحاديث التي وردت في فضل هذه السورة الكريمة. # وقد ذكر العلماء أنه يسن للمسلم قبل القراءة أن يستعيذ بالله من الشيطان ~~الرجيم ، استجابة لقوله تعالى ( @QUR@08 فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من ~~الشيطان الرجيم ) (3). # ومعنى «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» : ألتجئ إلى الله وأتحصن به ، ~~واستجير بجنابه من الشيطان الرجيم أن يضرني في ديني أو دنياى. # قال ابن كثير : «والشيطان في لغة العرب كل متمرد من الجن والإنس والدواب ~~وكل شيء. وهو مشتق من شطن إذا بعد ، فهو بعيد بطبعه عن طباع الشر ، وبعيد ~~بفسقه عن كل خير. وقيل : مشتق من شاط لأنه مخلوق من نار. والأول أصح إذ ~~عليه يدل كلام العرب ، فهم : يقولون تشيطن فلان إذا فعل أفعال الشيطان ، ~~ولو كان من شاط. لقالوا : تشيط ، فالشيطان مشتق من البعد على الصحيح» (4). # والرجيم : فعيل بمعنى مفعول أى أنه مرجوم مطرود من رحمة الله ومن كل خير ~~، وقيل : رجيم بمعنى راجم لأنه يرجم الناس بالوساوس والشكوك. # قال بعض العلماء : «وإنما خصت القراءة بطلب الاستعاذة مع أنه قد أمر بها ~~على وجه العموم في جميع الشئون ، لأن القرآن مصدر الهداية والشيطان مصدر ~~الضلال ، فهو يقف للإنسان بالمرصاد في هذا الشأن على وجه خاص ، فيثير أمامه ms0009 ~~ألوانا من الشكوك فيما يقرأ ، وفيما يفيد من قراءته ، وفيما يقصد بها ، ~~فيفوت عليه الانتفاع بهدى الله وآياته ، فعلمنا الله أن نتقي ذلك كله بهذه ~~الاستعاذة التي هي في الواقع عنوان صدق ، وتعبير حق ، عن امتلاء قلب المؤمن ~~بمعنى اللجوء إلى الله ، وقوة عزيمته في طرد الوساوس والشكوك ، واستقبال ~~الهداية بقلب طاهر ، PageV01P014 # وعقل واع ، وإيمان ثابت» (1). # قال القرطبي : وقد أجمع العلماء على أن التعوذ ليس من القرآن ولا آية منه ~~، وهو قول القارئ : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (2). # والآن وبعد هذا التمهيد الموجز الذي تكلمنا فيه عن نزول سورة الفاتحة ، ~~وعن عدد آياتها ، وعن أشهر أسمائها ، وعن بعض الأحاديث التي وردت في فضلها ~~نحب أن نبدأ في تفسير السورة الكريمة فنقول وبالله التوفيق : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # الاسم : اللفظ الذي يدل على ذات أو معنى. وقد اختلف النحويون في اشتقاقه ~~على وجهين ، فقال البصريون : هو مشتق من السمو ، وهو العلو والرفعة ، فقيل ~~: اسم ، لأن صاحبه بمنزلة المرتفع به. # وقال الكوفيون : إنه مشتق من السمة وهي العلامة ، لأن الاسم علامة لمن ~~وضع له ، فأصل اسم على هذا «وسم». # ويرى المحققون أن رأى البصريين أرجح ، لأنه يقال في تصغير «اسم» سمى ، ~~وفي جمعه أسماء ، والتصغير والجمع يردان الأشياء إلى أصولها. ولو كان أصله ~~وسم كما قال الكوفيون لقيل في جمعه : أوسام ، وفي تصغيره وسيم. # ولفظ الجلالة وهو «الله» علم على ذات الخالق عز وجل تفرد به سبحانه ولا ~~يطلق على غيره ، ولا يشاركه فيه أحد. # قال القرطبي : قوله «الله» هذا الاسم أكبر أسمائه سبحانه وأجمعها حتى قال ~~بعض العلماء : إنه اسم الله الأعظم ولم يتسم به غيره ، ولذلك لم يثن ولم ~~يجمع : فالله اسم للموجود الحق الجامع لصفات الإلهية ، المنعوت بنعوت ~~الربوبية ، المنفرد بالوجود الحقيقي ، لا إله إلا هو سبحانه (3). # و ( @QUR@02 الرحمن الرحيم ) صفتان مشتقتان من الرحمة. والرحمة في أصل ~~اللغة : رقة في القلب تقتضي الإحسان ، وهذا المعنى لا يليق أن يكون وصفا ~~لله تعالى ولذا فسرها بعض العلماء بإرادة الإحسان. وفسرها ms0010 آخرون بالإحسان نفسه. PageV01P015 # والموافق لمذهب السلف أن يقال : هي صفة قائمة بذاته تعالى لا نعرف ~~حقيقتها ، وإنما نعرف أثرها الذي هو الإحسان. # وقد كثرت أقوال المفسرين في العلاقة بين هاتين الصفتين ، فبعضهم يرى أن ( ~~@QUR@01 الرحمن ) هو المنعم على جميع الخلق. وأن ( @QUR@01 الرحيم ) هو ~~المنعم على المؤمنين خاصة. ويرى آخرون أن ( @QUR@01 الرحمن ) هو المنعم ~~بجلائل النعم ، وأن ( @QUR@01 الرحيم ) هو المنعم بدقائقها. # ويرى فريق ثالث أن الوصفين بمعنى واحد وأن الثاني منهما تأكيد للأول. ~~والذي يراه المحققون من العلماء أن الصفتين ليستا بمعنى واحد ، بل روعي في ~~كل منهما معنى لم يراع في الآخر ، فالرحمن بمعنى عظيم الرحمة ، لأن فعلان ~~صيغة مبالغة في كثرة الشيء وعظمته ، ويلزم منه الدوام كغضبان وسكران. ~~والرحيم بمعنى دائم الرحمة ، لأن صيغته فعيل تستعمل في الصفات الدائمة ~~ككريم وظريف. فكأنه قيل : العظيم الرحمة الدائمة (1). # أو أن ( @QUR@01 الرحمن ) صفة ذاتية هي مبدأ الرحمة والإحسان. و ( ~~@QUR@01 الرحيم ) صفة فعل تدل على وصول الرحمة والإحسان وتعديهما إلى ~~المنعم عليه. # ولعل مما يؤيد ذلك أن لفظ الرحمن لم يذكر في القرآن إلا مجرى عليه الصفات ~~كما هو الشأن في أسماء الذات. قال تعالى : ( @QUR@03 الرحمن علم القرآن ) و ~~( @QUR@04 الرحمن على العرش استوى )، ( @QUR@06 قل ادعوا الله أو ادعوا ~~الرحمن )، وهكذا ... # أما لفظ الرحيم فقد كثر في القرآن استعماله وصفا فعليا ، وجاء في الغالب ~~بأسلوب التعدية والتعلق بالمنعم عليه. قال تعالى ( @QUR@05 إن الله بالناس ~~لرؤف رحيم ) ( @QUR@03 وكان بالمؤمنين رحيما )، ( @QUR@04 إنه كان بكم ~~رحيما ) إلخ. # قال بعض العلماء «وهذا الرأى في نظرنا هو أقوى الآراء ، فإن تخصيص أحد ~~الوصفين بدقائق النعم أو ببعض المنعم عليهم لا دليل عليه ، كما أنه ليس ~~مستساغا أن يقال في القرآن : إن كلمة ذكرت بعد أخرى لمجرد تأكيد المعنى ~~المستفاد منها» (2). # والجار والمجرور «بسم» متعلق بمحذوف تقديره ابتدئ. # والمعنى : ابتدئ قراءتي متبركا ومتيمنا باسم الله الذي هو الأول والآخر ، ~~والظاهر والباطن ، والذي رحمته وسعت كل شيء ، وأتبرأ مما كان يفعله ~~المشركون والضالون ، من ابتدائهم قراءتهم وأفعالهم باسم اللات أو باسم ms0011 ~~العزى أو باسم غيرهما من الآلهة الباطلة. PageV01P016 # هذا وقد أجمع العلماء على أن البسملة جزء آية من سورة النمل في قوله ~~تعالى ( @QUR@08 إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ). # ثم اختلفوا بعد ذلك في كونها آية مستقلة أنزلت للفصل بين السور مرة واحدة ~~، أو هي آية من سورة الفاتحة ومن كل سورة إلخ. # فبعضهم يرى أن البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة ، ومن حججهم أن السلف ~~قد أثبتوها في المصحف مع الأمر بتجريد القرآن مما ليس منه ، ولذا لم يكتبوا ~~«آمين». فثبت بهذا أن البسملة جزء من الفاتحة ومن كل سورة. # وبهذا الرأى قال ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وسعيد بن جبير والشافعى ، ~~وأحمد في أحد قوليه. # ويرى آخرون أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور ، ~~وقالوا : إنها آية فذة (1). من القرآن أنزلت للفصل والتبرك للابتداء بها ، ~~ومن حججهم أنها لو كانت آية من الفاتحة ومن كل سورة ، لما اختلف الناس في ~~ذلك ، ولما اضطربت أقوالهم في كونها آية من كل سورة أو من الفاتحة فقط. # وكما وقع الخلاف بين العلماء في كونها آية مستقلة أو آية من كل سورة ، ~~فقد وقع الخلاف بينهم أيضا في وجوب قراءتها في الصلاة ، وفي الجهر بها أو ~~الإسرار إذا قرئت. # وتحقيق القول في ذلك مرجعه إلى كتب الفقه ، وإلى كتب التفسير التي عنيت ~~بتفسير آيات الأحكام. ### ||| * ( @QUR@06 الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم ) # ( @QUR@01 الحمد ) هو الثناء باللسان على الجميل الصادر عن اختيار من ~~نعمة أو غيرها. # ( @QUR@02 رب العالمين ) أى : مالكهم ، إذ الرب مصدر «ربه يربه» إذا ~~تعاهده بالتربية حتى يبلغ به شيئا فشيئا درجة الكمال. وهو اسم من أسماء ~~الله تعالى ولا يطلق على غيره إلا مقيدا فيقال : رب الدار ، ورب الضيعة أى ~~: صاحبها ومالكها. # والعالمين : جمع عالم ، وهو كل موجود سوى الله تعالى # قال القرطبي : «وهو مأخوذ من العلم والعلامة لأنه يدل على موجده» وقيل : ~~المراد بالعالمين أولو العلم من الإنس والجن والملائكة. PageV01P017 # وقد افتتحت سورة ms0012 الفاتحة بهذه الجملة الكريمة ( @QUR@04 الحمد لله رب ~~العالمين ) لأنه سبحانه أول كل شيء وآخر كل شيء ، ولكي يعلمنا سبحانه أن ~~نبدأ كتبنا وخطبنا بالحمد والثناء عليه ، حتى نبدأ ونحن في صلة بالله تكشف ~~عن النفوس أغشيتها ، وتجلو عن القلوب أصداءها. # والمعنى كما قال ابن جرير «الشكر خالصا لله جل ثناؤه دون سائر ما يعبد من ~~دونه ، ودون كل ما برأ من خلقه بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها ~~العدد. ولا يحيط بعددها غيره أحد ، في تصحيح الآلات لطاعته ، وتمكين جوارح ~~أجسام المكلفين لأداء فرائضه ، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق ، وغذاهم ~~به من نعيم العيش ، عن غير استحقاق لهم عليه ، ومع ما نبههم عليه ودعاهم ~~إليه ، من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم ~~المقيم. لربنا الحمد على ذلك كله أولا وآخرا (1). # فالآية الكريمة قد قررت بصراحة ووضوح ثبوت الثناء المطلق الذي لا يحد لله ~~تعالى وإنه ليس لأحد أن ينازعه إياه سبحانه هو رب العالمين. # وجملة ( @QUR@02 الحمد لله ) مفيدة لقصر الحمد عليه سبحانه نحو قولهم : ~~«الكرم في العرب». كما أن أل في «الحمد» للاستغراق. أى : أن جميع أجناس ~~الحمد ثابتة لله رب العالمين. # وإنما كان الحمد مقصورا في الحقيقة على الله ، لأن كل ما يستحق أن يقابل ~~بالثناء فهو صادر عنه ومرجعه إليه ، إذ هو الخالق لكل شيء ، وما يقدم إلى ~~بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم ، فهو في الحقيقة حمد لله ، لأنه سبحانه هو ~~الذي وفقهم لذلك وأعانهم عليه. # ولم تفتتح السورة بصيغة الأمر بأن يقال : احمدوا الله ، وإنما افتتحت ~~بصيغة الخبر ( @QUR@02 الحمد لله )، لأن الأمر يقتضى التكليف : والتكليف ~~قد تنفر منه النفوس أحيانا ، فأراد سبحانه وهو يبادئهم بشرعة جديدة وتكاليف ~~لم يعهدوها ، أن يؤنس نفوسهم ، ويؤلف قلوبهم ، فساق لهم الخطاب بصيغة الخبر ~~، ترفقا بهم ، حتى يديموا الإصغاء لما سيلقيه عليهم من تكاليف. وقد تكلم ~~بعض المفسرين عن الحكمة في ابتداء السورة الكريمة بقوله تعالى ( @QUR@02 ~~الحمد لله )، دون قوله تعالى ms0013 : المدح لله ، أو : الشكر لله. فقال : # اعلم أن المدح أعم من الحمد ، والحمد أعم من الشكر. أما بيان أن المدح ~~أعم من الحمد فلأن المدح يحصل للعاقل وغير العاقل ، ألا ترى أنه كما يحسن ~~مدح الرجل العاقل على أنواع فضائله ، فكذلك قد يمدح اللؤلؤ لحسن شكله. أما ~~الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من الإنعام ~~والإحسان ، فثبت أن المدح أعم من الحمد. PageV01P018 # وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر ، فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل ~~لأجل ما صدر عنه من الإنعام. سواء أكان ذلك الإنعام وأصلا إليك أم إلى ~~غيرك. وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك ، فثبت بما ~~ذكرنا أن المدح أعم من الحمد ، وأن الحمد أعم من الشكر. # إذا عرفت هذا فنقول : إنما لم يقل : المدح لله ، لأننا بينا أن المدح كما ~~يحصل للفاعل المختار فقد يحصل لغيره. وأما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل ~~المختار. فكان قوله «الحمد لله» تصريحا بأن المؤثر في وجود هذا العالم فاعل ~~مختار خلقه بالقدرة والمشيئة ... وإنما لم يقل : الشكر لله ، لأننا بينا أن ~~الشكر عبارة عن تعظيمه بسبب إنعام صدر منه ووصل إليك ، وهذا يشعر بأن العبد ~~إذا ذكر تعظيمه بسبب ما وصل إليه من النعمة. فحينئذ يكون المطلوب الأصلى له ~~وصول النعمة إليه. وهذه درجة حقيرة. فأما إذا قال «الحمد لله» ، فهذا يدل ~~على أن العبد حمده لأجل كونه مستحقا للحمد لا لخصوص أنه سبحانه أوصل النعمة ~~إليه ، فيكون الإخلاص أكمل ، واستغراق القلب في مشاهدة نور الحق أتم ، ~~وانقطاعه عما سوى الحق أقوى وأثبت (1). # وقد أجرى سبحانه على لفظ الجلالة نعت الربوبية للعالمين ، ليكون ~~كالاستدلال على استحقاقه تعالى للحمد وحده ، وفي ذلك إشعار لعباده بأنهم ~~مكرمون من ربهم ، إذ الأمر بغير توجيه فيه إيماء إلى إهمال عقولهم ، أما ~~إذا كان موجها ومعللا فإنه يكون فيه إشعار لهم برعاية ناحية العقل فيهم ، ~~وفي تلك الرعاية تشريف وتكريم لهم. # فكأنه سبحانه يقول لهم : اجعلوا ms0014 حمدكم وثناءكم لي وحدي. لأنى أنا رب ~~العالمين. وأنا الذي تعهدتكم برعايتي وعنايتي وتربيتي منذ تكوينكم من الطين ~~حتى استويتم عقلاء مفكرين. # وقد أتبع سبحانه هذا الوصف وهو ( @QUR@02 رب العالمين )، بوصف آخر هو ( ~~@QUR@02 الرحمن الرحيم ) لحكم سامية من أبرزها : أن وصفه تعالى ( @QUR@02 ~~رب العالمين ) أى : مالكهم ، قد يثير في النفوس شيئا من الخوف أو الرهبة ، ~~فإن المربى قد يكون خشنا جبارا متعنتا ، وذلك مما يخدش من جميل التربية ، ~~وينقص من فضل التعهد. # لذا قرن سبحانه كونه مربيا ، بكونه الرحمن الرحيم ، لينفى بذلك هذا ~~الاحتمال ، وليفهم عباده بأن ربوبيته لهم مصدرها عموم رحمته وشمول إحسانه ، ~~فهم برحمته يوجدون ، وبرحمته يتصرفون ويرزقون ، وبرحمته يبعثون ويسألون. PageV01P019 # ولا شك أن في هذا الإفهام تحريضا لهم على حمده وعبادته بقلوب مطمئنة ، ~~ونفوس مبتهجة ، ودعوة لهم إلى أن يقيموا حياتهم على الرحمة والإحسان ، لا ~~على الجبروت والطغيان ، فالراحمون يرحمهم الرحمن. ### ||| * ( @QUR@03 مالك يوم الدين ) # بعد أن بين سبحانه لعباده موجبات حمده ، وأنه الجدير وحده بالحمد ، لأنه ~~المربى الرحيم ، والمنعم الكريم ، أتبع ذلك ببيان أنه سبحانه ( @QUR@03 ~~مالك يوم الدين ). # والمالك وصف من الملك بكسر الميم بمعنى حيازة الشيء مع القدرة على التصرف ~~فيه. واليوم في العرف : ما يكون من طلوع الشمس إلى غروبها ، وليس هذا مرادا ~~هنا ، وإنما المراد مطلق الزمن وهو يوم القيامة. # والدين : الجزاء والحساب ، يقال : دنته بما صنع ، أى : جازيته على صنيعه ~~، ومنه قولهم. كما تدين تدان. أى : كما تفعل تجازى ، وفي الحديث (الكيس من ~~دان نفسه وعمل لما بعد الموت) أى : حاسب نفسه : والمعنى : أنه تعالى يتصرف ~~في أمور يوم الدين من حساب وثواب وعقاب ، تصرف المالك فيما يملك ، كما قال ~~تعالى ( @QUR@09 يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله ). # وهناك قراءة أخرى للآية وهي ملك يوم الدين من الملك بضم الميم وعليها ~~يكون المعنى : أنه تعالى هو المدبر لأمور يوم الدين ، وأن له على ذلك اليوم ~~هيمنة الملوك وسيطرتهم ، فكل شيء في ذلك اليوم يجرى بأمره ، وكل تصرف فيه ~~ينفذ باسمه ، كما ms0015 قال تعالى ( @QUR@06 لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ). # قال الإمام ابن كثير : «وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه ، ~~لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين ، وذلك عام في الدنيا والآخرة. ~~وإنما أضيف إلى يوم الدين ، لأنه لا يدعى أحد هنالك شيئا ، ولا يتكلم أحد ~~إلا بإذنه ، كما قال تعالى ( @QUR@014 يوم يقوم الروح والملائكة صفا. لا ~~يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا ). # والملك في الحقيقة هو الله ، قال تعالى ( @QUR@010 هو الله الذي لا إله ~~إلا هو الملك القدوس السلام ) وفي الصحيحين عن أبى هريرة ، عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : «يقبض الله الأرض ، ويطوى السماء بيمينه ثم يقول ~~: أنا الملك أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون ، أين المتكبرون» ثم قال : وأما ~~تسمية غيره في الدنيا بملك فعلى سبيل المجاز كما قال تعالى ( @QUR@07 إن ~~الله قد بعث لكم طالوت ملكا ) (1). PageV01P020 # وفي هذه الأوصاف التي أجريت على الله تعالى ، من كونه ربا للعالمين وملكا ~~للأمر كله يوم الجزاء ، بعد الدلالة على اختصاص الحمد به في قوله : ( ~~@QUR@02 الحمد لله ) في كل ذلك دليل على أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحد ~~أحق منه للحمد والثناء عليه ، بل لا يستحق ذلك على الحقيقة سواه ، فإن ترتب ~~الحكم على الوصف مشعر بعليته له» (1). # والمتدبر لهذه الآية الكريمة يراها خير وسيلة لتربية الإنسان وغرس ~~الإيمان العميق في قلبه ، لأنه إذا آمن بأن هناك يوما يظهر فيه إحسان ~~المحسن وإساءة المسيء ، وأن زمام الحكم في ذلك اليوم لله الواحد القهار ، ~~فإنه في هذه الحالة سيقوى عنده خلق المراقبة لخالقه ، ويجتهد في السير على ~~الطريق المستقيم. ### ||| * ( @QUR@04 إياك نعبد وإياك نستعين ) # كانت الآيات الثلاث التي تقدمت هذه الآية تقريرا للحقيقة في جانب ~~الربوبية وعظمتها وعموم سلطانها وسعة رحمتها تقريرا جمع أمور الدنيا ~~والآخرة ثم جاءت هذه الآية لتقرر أن الذي يجدر بنا أن نعبده وأن نستعين به ~~إنما هو الله الذي تجلت أوصافه ، ووضحت عظمته ، وثبتت هيمنته على هذا الكون. # ولفظ «إيا» ضمير ms0016 منفصل ، و «الكاف» الملحقة به للخطاب. # والعبارة تفيد أن الطاعة البالغة حد النهاية في الخضوع والخشوع والتعظيم ~~، والعبادة الصحيحة تتأتى للمسلم بتحقق أمرين : إخلاصها لله ، وموافقتها ~~لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم . # قال ابن جرير : «لأن العبودية عند جميع العرب أصلها الذلة ، وأنها تسمى ~~الطريق المذلل الذي وطئته الأقدام وذللته السابلة معبدا» (2). # والاستعانة : طلب المعونة ، من أجل الاقتدار على الشيء والتمكن من فعله. # والمعنى : لك يا ربنا وحدك نخشع ونذل ونستكين ، فقد توليتنا برعايتك ~~وغمرتنا برحمتك ، فنحن نخصك بطلب الإعانة على طاعتك وعلى أمورنا كلها ، ولا ~~نتوجه بهذا الطلب إلى أحد سواك ، فأنت المستحق للعبادة ، وأنت القدير على ~~كل شيء ، والعليم ببواطن الأمور وظواهرها ، لا تخفى عليك طوية ، ولا تتوارى ~~عنك نية. # وقدم سبحانه المعبود على العبادة فقال : ( @QUR@02 إياك نعبد )، لإفادة ~~قصر العبادة عليه ، وهو ما يقتضيه التوحيد الخالص. PageV01P021 # وقال : ( @QUR@01 نعبد ) بنون الجماعة ولم يقل أعبد ، ليدل على أن ~~العبادة أحسن ما تكون في جماعة المؤمنين ، وللإشعار بأن المؤمنين المخلصين ~~يكونون في اتحادهم وإخائهم بحيث يقوم كل واحد منهم في الحديث عن شئونهم ~~الظاهرة وغير الظاهرة مقام جميعهم ، فهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ~~«المؤمنون تتكافأ دماؤهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم ، وهم يد على من سواهم». # وقدمت العبادة على الاستعانة ، لكون الأولى وسيلة إلى الثانية. وتقديم ~~الوسائل سبب في تحصيل المطالب ، وليدل على أنهم لا يستقلون بإقامة العبادات ~~، بل إن عون الله هو الذي ييسر لهم أداءها. # ولم يذكر المستعان عليه من الأعمال ، ليشمل الطلب كل ما تتجه إليه نفس ~~الإنسان من الأعمال الصالحة. # وجاءت الآية الكريمة بأسلوب الخطاب على طريقة الالتفات ، تلوينا لنظم ~~الكلام من أسلوب إلى أسلوب. وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال : «فإن ~~قلت : لم عدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب؟ قلت : هذا يسمى الالتفات في ~~علم البيان. وهو قد يكون من الغيبة إلى الخطاب ، ومن الخطاب إلى الغيبة ، ~~ومن الغيبة إلى التكلم ... وذلك على عادة العرب في افتنانهم في الكلام ~~وتصرفهم ms0017 فيه. لأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب ، كان ذلك أحسن تطرية ~~لنشاط السامع ، وإيقاظا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد : وقد تختص ~~مواضعه بفوائد. ومما اختص به هذا الموضع : أنه لما ذكر الحقيق بالحمد ، ~~وأجرى عليه تلك الصفات العظام ، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن ، حقيق ~~بالثناء وغاية للخضوع والاستعانة في المهمات ، فخوطب ذلك المعلوم المتميز ~~بتلك الصفات فقيل : إياك يا من هذه صفاته نخصك بالعبادة والاستعانة ، ولا ~~نعبد غيرك ولا نستعينه ...» (1). # هذا ، وقد جاءت في فضل هذه الآية الكريمة آثار متعددة ، ومن ذلك قول بعض ~~العلماء : الفاتحة سر القرآن ، وسرها هذه الكلمة ( @QUR@04 إياك نعبد وإياك ~~نستعين ) فالأول تبرؤ من الشرك ، والثاني تبرؤ من الحول والقوة والتفويض ~~إلى الله» (2). # ثم بين سبحانه أن أفضل شيء يطلبه العبد من ربه ، إنما هو هدايته إلى ~~الطريق الذي يوصل إلى أسمى الغايات ، وأعظم المقاصد ، فقال تعالى : # ( @QUR@012 اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم. غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين )، PageV01P022 # والهداية : هي الإرشاد والدلالة بلطف على ما يوصل إلى البغية ، وتسند ~~الهداية إلى الله وإلى النبي وإلى القرآن ، وقد يراد منها الإيصال إلى ما ~~فيه خير ، وهي بهذا المعنى لا تضاف إلى الله تعالى . # قال أبو حيان في البحر ما ملخصه : وقد تأتى بمعنى التبيين كما في قوله ~~تعالى ( @QUR@03 وأما ثمود فهديناهم ) أى بينا لهم طريق الخير. أو بمعنى ~~الإلهام كما في قوله تعالى. ( @QUR@014 قال : فمن ربكما يا موسى؟ قال : ~~ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ). قال المفسرون معناه : ألهم ~~الحيوانات كلها إلى منافعها ، أو بمعنى الدعاء كما في قوله. تعالى : ( ~~@QUR@03 ولكل قوم هاد ) أى : داع. والأصل في هدى أن يصل إلى ثانى معموليه ~~باللام كما في قوله. تعالى. ( @QUR@07 إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) ~~أو بإلى كما في قوله تعالى : ( @QUR@05 وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ) ثم ~~يتسع فيه فيعدى إليه بنفسه ومنه : ( @QUR@03 اهدنا الصراط المستقيم ) (1). # والصراط : الجادة والطريق ، من سرط الشيء إذا ابتلعه ، وسمى الطريق بذلك ~~لأنه يبتلع المارين ms0018 فيه ، وتبدل سينه صاد على لغة قريش. # والمستقيم : المعتدل الذي لا اعوجاج فيه. # وأنعمت عليهم : النعمة لين العيش وخفضه ، ونعم الله كثيرة لا تحصى # ( @QUR@03 غير المغضوب عليهم ) الغضب هيجان النفس وثورتها ، عند الميل ~~إلى الانتقام ، وهو ضد الرضا. وإذا أسند إلى الله فسر بمعنى إرادة الانتقام ~~أو بمعنى الانتقام نفسه. # والموافق لمذهب السلف أن يقال : هو صفة له تعالى لائقة بجلاله لا نعلم ~~حقيقتها مجردة عن اللوازم البشرية وإنما نعرف أثرها وهو الانتقام من العصاة ~~، وإنزال العقوبة بهم. # والمعنى : اهدنا يا ربنا إلى طريقك المستقيم ، الذي يوصلنا إلى سعادة ~~الدنيا والآخرة ، ويجعلنا مع الذين أنعمت عليهم من خلقك ، وجنبنا يا مولانا ~~طريق الذين غضبت عليهم من الأمم السابقة أو الأجيال اللاحقة بسبب سوء ~~أعمالهم وطريق الذين هاموا في الضلالات ، فانحرفوا عن القصد ، وحق عليهم ~~العذاب. # وفي هذا الدعاء أسمى ألوان الأدب ، لأن هذا الدعاء قد تضرع به المؤمنون ~~إلى خالقهم بعد أن اعترفوا له سبحانه قبل ذلك بأنه هو المستحق لجميع ~~المحامد ، وأنه هو رب العالمين ، والمتصرف في أحوالهم يوم الدين. # قال الإمام ابن كثير : وهذا أكمل أحوال السائل. أن يمدح مسئوله ثم يسأل ~~حاجته وحاجة PageV01P023 # إخوانه المؤمنين بقوله : ( @QUR@03 اهدنا الصراط المستقيم ) لأنه أنجح ~~للحاجة ، وأنجع للإجابة ، ولهذا أرشدنا الله إليه لأنه الأكمل (1). # وقد تكلم المفسرون كلاما كثيرا عن المراد بالصراط المستقيم الذي جعل الله ~~طلب الهداية إليه في هذا السورة أول دعوة علمها لعباده. والذي نراه : أن ~~أجمع الأقوال في ذلك أن المراد بالصراط المستقيم ، هو ما جاء به الإسلام من ~~عقائد وآداب وأحكام ، توصل الناس متى اتبعوها إلى سعادة الدنيا والآخرة ، ~~فإن طريق السلام هو الطريق الذي ختم الله به الرسالات السماوية ، وجعل ~~القرآن دستوره الشامل ، ووكل إلى النبي صلى الله عليه وسلم أمر تبليغه وبيانه. # وقد ورد في الأحاديث النبوية ما يؤيد هذا القول ، ومن ذلك ما أخرجه ~~الإمام أحمد في مسنده ، عن النواس بن سمعان ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال : «ضرب الله ms0019 مثلا صراطا مستقيما ، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما ~~أبواب مفتحة ، وعلى الأبواب ستور مرخاة ، وعلى باب الصراط داع يقول : يا ~~أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا ولا تعوجوا ، وداع يدعو من فوق الصراط ، ~~فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال له : ويحك لا تفتحه ، ~~فإنك إن تفتحه تلجه ، فالصراط الإسلام ، والسوران حدود الله ، والأبواب ~~المفتحة محارم الله ، وذلك الداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم». # والمراد بقوله تعالى ( @QUR@03 اهدنا الصراط المستقيم ) أى : ثبتنا عليه ~~، واجعلنا من المداومين على السير في سبيله ، فإن العبد مفتقر إلى الله في ~~كل وقت لكي يثبته على الهداية ، ويزيده منها ، ويعينه عليها. وقد أمر ~~سبحانه المؤمنين أن يقولوا : ( @QUR@015 ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ~~وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ). # وجملة ( @QUR@04 صراط الذين أنعمت عليهم ) بدل من الصراط المستقيم. # ولم يقل : اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم مستغنيا عن ذكر الصراط المستقيم ~~، ليدل أن صراط هؤلاء المنعم عليهم هو الصراط المستقيم. # وقال : ( @QUR@04 صراط الذين أنعمت عليهم ) ولم يقل صراط الأنبياء أو ~~الصالحين ، ليدل على أن الدين في ذاته نعمة عظيمة ، ويكفى للدلالة على ~~عظمتها إسنادها إليه تعالى في قوله : ( @QUR@02 أنعمت عليهم ) لأن المراد ~~بالإنعام هنا على الراجح الإنعام الديني. فالمنعم عليهم هم من عرفوا الحق ~~فتمسكوا به ، وعرفوا الخير فعملوا به. # قال بعض العلماء : (وإنما اختار في البيان أن يضيف الصراط إلى المنعم ~~عليهم لمعنيين : PageV01P024 # أولهما : هو إبراز نفسية المحب المخلص ، وأنه يكون شديد الاحتياط دقيق ~~التحري عن الطريق الموصل إلى ساحة الرضا في ثقة تملأ نفسه ، وتفعم قلبه ، ~~ولا يجد في مثل هذا المقام ما يملأ نفسه ثقة إلا أن يبين الطريق ، بأنه ~~الطريق الذي وصل بالسير عليه من قبله الأنبياء والصديقون والشهداء ~~والصالحون. # وثانيهما : أن من خواطر المؤمل في نعيم ربه أن يكون تمام أنسه في رفقة من ~~الناس صالحين ، وصحب منهم محسنين (1). # وقوله تعالى ( @QUR@03 غير المغضوب عليهم ) بدل من ( @QUR@03 الذين أنعمت ~~عليهم ) وأتى في وصف ms0020 الإنعام بالفعل المسند إلى الله تعالى فقال : ( ~~@QUR@02 أنعمت عليهم ) وفي وصف الغضب باسم المفعول فقال : ( @QUR@03 غير ~~المغضوب عليهم ) وفي ذلك تعليم لأدب جميل ، وهو أن الإنسان يجمل به أن يسند ~~أفعال الإحسان إلى الله ، ويتحامى أن يسند إليه أفعال العقاب والابتلاء ، ~~وإن كان كل من الإحسان والعقاب صادرا منه ، ومن شواهد هذا قوله تعالى حكاية ~~عن مؤمنى الجن ( @QUR@013 وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ~~ربهم رشدا ) (2). # وحرف (لا) في قوله ( @QUR@02 ولا الضالين ) جيء به لتأكيد معنى النفي ~~المستفاد من كلمة غير. والمراد بالمغضوب عليهم اليهود. وبالضالين النصارى. ~~وقد ورد هذا التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث رواه الإمام أحمد في ~~مسنده وابن حبان في صحيحه. # ومن المفسرين من قال بأن المراد بالمغضوب عليهم من فسدت إرادتهم حيث ~~علموا الحق ولكنهم تركوه عنادا وجحودا ، وأن المراد بالضالين من فقدوا ~~العلم فهم تائهون في الضلالات دون أن يهتدوا إلى طريق قويم. # وقدم المغضوب عليهم على الضالين ، لأن معنى المغضوب عليهم كالضد لمعنى ~~المنعم عليهم ، ولأن المقابلة بينهما أوضح منها بين المنعم عليهم والضالين ~~، فكان جديرا بأن يوضع في مقابلته قبل الضالين. # قال العلماء : ويستحب لمن يقرأ الفاتحة أن يقول بعدها (آمين) ومعناه ~~اللهم استجب وليس هذا اللفظ من القرآن بدليل أنه لم يثبت في المصاحف ~~والدليل على استحباب التأمين ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن ~~وائل بن حجر قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ( @QUR@05 غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين ) فقال : (آمين) مد بها صوته. PageV01P025 # وفي الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «إذا أمن ~~الإمام فأمنوا ، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر الله له ما تقدم من ذنبه». # هذا ، وقد أفاض العلماء في الحديث عما اشتملت عليه سورة الفاتحة من آداب ~~وعقائد وعبادات وأحكام ، ومن ذلك قول ابن كثير. # (اشتملت هذه السورة الكريمة ، وهي سبع آيات على حمد الله وتمجيده والثناء ~~عليه بذكر أسمائه ms0021 الحسنى المستلزمة لصفاته العليا ، وعلى ذكر المعاد وهو ~~يوم الدين ، وعلى إرشاد عبيده إلى سؤاله والتضرع إليه والتبري من حولهم ~~وقوتهم ، إلى إخلاص العبادة له وتوحيده بالألوهية ، وتنزيهه عن أن يكون له ~~شريك أو نظير ، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم ، وهو الدين ~~القويم وتثبيتهم عليه ، واشتملت على الترغيب في الأعمال الصالحة ليكونوا مع ~~أهلها يوم القيامة ، والتحذير من مسالك الباطل لئلا يحشروا مع سالكيها يوم ~~القيامة ، وهم المغضوب عليهم والضالون) (1). # وقال بعض العلماء : سورة الفاتحة مشتملة على أربعة أنواع من العلوم هي ~~مناط الدين. # أحدها : علم الأصول وإليه الإشارة بقوله ( @QUR@06 الحمد لله رب ~~العالمين. الرحمن الرحيم )، ومعرفة النبوات وإليه الإشارة بقوله : ( ~~@QUR@02 أنعمت عليهم ) ومعرفة المعاد وإليه الإشارة بقوله ( @QUR@03 مالك ~~يوم الدين ). # وثانيها : علم الفروع وأعظمه العبادات وإليه الإشارة بقوله ( @QUR@02 ~~إياك نعبد ). # وثالثها : علم الأخلاق ، وإليه الإشارة بقوله ( @QUR@05 وإياك نستعين. ~~اهدنا الصراط المستقيم ). # ورابعها : علم القصص والأخبار عن الأمم السابقة السعداء منهم والأشقياء ، ~~وهو المراد بقوله ( @QUR@09 صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين ). # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV01P026 ### ||| * سورة البقرة # سورة البقرة أطول سورة في القرآن الكريم ، فقد استغرقت جزءين ونصف جزء ~~تقريبا من ثلاثين جزءا قسم إليها القرآن. وتبلغ آياتها ستا وثمانين ومائتي ~~آية. وقيل سبع وثمانون ومائتا آية. # وسميت بذلك لأنها انفردت بذكر قصة البقرة التي كلف قوم موسى بذبحها بعد ~~أن قتل فيهم قتيل ولم يعرفوا قاتله. # وهي مدنية بإجماع الآراء ، وقد ابتدأ نزولها بعد هجرة النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، وقد نزل معظمها في السنوات الأولى من الهجرة ~~، واستمر نزولها إلى قبيل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بفترة قليلة. وكانت ~~آخر آية من القرآن نزولا منها ، هي قوله تعالى : # ( @QUR@015 واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم ~~لا يظلمون ). # مناسبتها لسورة الفاتحة : هناك مناسبة ظاهرة بين السورتين ، لأن سورة ~~الفاتحة قد اشتملت على أحكام الألوهية والعبودية وطلب الهداية إلى الصراط ~~المستقيم ms0022 اشتمالا إجماليا ، فجاءت سورة البقرة ففصلت تلك المقاصد ، ووضحت ~~ما اشتملت عليه سورة الفاتحة من هدايات وتوجيهات. # فضلها : وقد ورد في فضل سورة البقرة أحاديث متعددة ، وآثار متنوعة منها ~~ما جاء في مسند أحمد وصحيح مسلم والترمذي والنسائي عن أبى هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تجعلوا بيوتكم قبورا ، فإن البيت الذي تقرأ ~~فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان. # وروى ابن حبان في صحيحه عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم (إن لكل شيء سنام وإن سنام القرآن البقرة ، وإن من قرأها ~~في بيته لم يدخله الشيطان ثلاث ليال ، ومن قرأها في بيته نهارا لم يدخله ~~الشيطان ثلاثة أيام). # وروى الترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبى هريرة قال : (بعث النبي ~~صلى الله عليه وسلم بعثا ، وهم ذوو عدد فاستقرأ كل واحد منهم عما معه من ~~القرآن ، فأتى على رجل من أحدثهم سنا فقال : ما معك يا فلان؟ فقال : معى ~~كذا وكذا وسورة البقرة. فقال : أمعك سورة البقرة؟ قال : نعم. قال. اذهب ~~فأنت أميرهم. فقال رجل من أشرافهم : والله ما منعني أن أتعلم سورة البقرة ~~إلا أنى خشيت ألا أقوم بها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرءوا القرآن ~~وتعلموه ، فإن مثل القرآن PageV01P027 # لمن تعلمه فقرأه وقام به كمثل جراب أوكى أى أغلق على مسك. # قال القرطبي : وهذه السورة فضلها عظيم ، وثوابها جسيم ، ويقال لها فسطاط ~~القرآن ، وذلك لعظمها وبهائها وكثرة أحكامها ومواعظها (1). # مقاصدها : عند ما نفتح كتاب الله فنطالع فيه سورة البقرة بتدبر وعناية ، ~~نراها في مطلعها تنوه بشأن القرآن الكريم ، وتصرح بأنه حق لا ريب فيه ، ~~وتبين لنا أن الناس أمام هدايته على ثلاثة أقسام : # قسم آمن به وانتفع بهداياته فكانت عاقبته السعادة والفلاح. # ( @QUR@08 أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ) # وقسم جحد واستكبر واستحب العمى على الهدى ، فأصبح لا يرجى منه خير ولا ~~إيمان ، فكانت عاقبته الحرمان والخسران. # ( @QUR@012 ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ms0023 ولهم عذاب ~~عظيم ). # ثم فصلت السورة الحديث عن قسم ثالث هو شر ما تبتلى به الأمم وهم ~~المنافقون الذين يظهرون خلاف ما يبطنون. وقد تحدثت السورة عنهم في ثلاث ~~عشرة آية ، كشفت فيها عن خداعهم ، وجبنهم ، ومرض قلوبهم ، وبينت ما أعده ~~الله لهم من سوء المصير ، ثم زادت في فضيحتهم وهتك سرائرهم فضربت مثلين ~~لحيرتهم واضطرابهم ، قال تعالى : # ( @QUR@021 ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين. ~~يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ). # إلى أن يقول : ( @QUR@012 ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على ~~كل شيء قدير ). # ثم وجهت السورة نداء إلى الناس جميعا دعتهم فيه إلى عبادة الله وحده ~~وأقامت لهم الأدلة الساطعة على صدق هذه القضية ، وتحدتهم إن كانوا في ريب ~~من القرآن أن يأتوا بسورة من مثله. وبينت لهم أنهم لن يستطيعوا ذلك لا في ~~الحاضر ولا في المستقبل. # ثم ختم الربع الأول منها ببشارة الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأن لهم ~~جنات تجرى من تحتها الأنهار ، جمعت لذائذ المادة والروح ، وهم فيها خالدون. ~~ثم قررت السورة الكريمة أن الله تعالى لا يمتنع عن ضرب الأمثال بما يوضح ~~ويبين دون نظر إلى قيمة الممثل به في ذاته أو عند PageV01P028 # الناس ، كما قررت أن المؤمنين يقابلون هذه الأمثال بالإيمان والإذعان ، ~~أما الكافرون فيقابلونها بالاستهزاء والإنكار. # وقد وبخت السورة بعد ذلك أولئك الكافرين على كفرهم ، مع وضوح الدلائل على ~~وحدانية الله في أنفسهم وفي الآفاق فقالت : # ( @QUR@032 كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ، ثم يحييكم ~~، ثم إليه ترجعون. هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ، ثم استوى إلى ~~السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم ). # ثم ذكرت السورة بعد ذلك جانبا من قصة آدم ، وقد حدثتنا فيه عن خلافة آدم ~~في الأرض ، وعما كان من الملائكة من استفسار بشأنه وعن سكن آدم وزوجه الجنة ~~، ثم عن خروجهما منها بسبب أكلهما من الشجرة المحرمة. # ( @QUR@028 وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في ms0024 الأرض خليفة ، قالوا : ~~أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ، قال : ~~إني أعلم ما لا تعلمون ).. إلخ الآيات الكريمة. # هذا ، وقد عرفنا قبل ذلك أن سورة البقرة نزلت بالمدينة بعد أن هاجر ~~المسلمون إليها ، وأصبحت لهم بها دولة فتية ، وكان يجاورهم فيها عدد كبير ~~من اليهود الذين كان أحبارهم يبشرون. بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم . فأخذت ~~السورة الكريمة تتحدث عنهم في أكثر من مائة آية حديثا طويلا متشعبا .. # فنراها في أواخر الربع الثاني توجه إليهم نداء محببا إلى نفوسهم ، تدعوهم ~~فيه إلى الوفاء بعهودهم ، وإلى الإيمان بنبي الله محمد صلى الله عليه وسلم ~~فتقول : # ( @QUR@032 يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ، وأوفوا بعهدي ~~أوف بعهدكم وإياي فارهبون. وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول ~~كافر به ، ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون ). # ثم تذكرهم في الربع الثالث بنعم الله عليهم ، وبموقفهم الجحودى من هذه ~~النعم ، تذكرهم بنعمة تفضيلهم على عالمي زمانهم ، وبنعمة إنجائهم من عدوهم ~~، وبنعمة فرق البحر بهم ، وبنعمة عفو الله عنهم مع تكاثر ذنوبهم ، وبنعمة ~~بعثهم من بعد موتهم ، وبنعمة تظليلهم بالغمام ، وبنعمة إنزال المن والسلوى ~~عليهم. إلخ. PageV01P029 # ولقد كان موقف بنى إسرائيل من هذه النعم يمثل الجحود والعناد والبطر ، ~~فكانت نتيجة ذلك أن. # ( @QUR@08 ضربت عليهم الذلة والمسكنة ، وباؤ بغضب من الله ). # ثم تحدثت السورة بعد ذلك حديثا مستفيضا عن رذائلهم وقبائحهم ودعواهم ~~الباطلة ، والعقوبات التي حلت بهم جزاء كفرهم وجحودهم. # فنراها في الربع الرابع تذكر لنا تنطعهم في الدين وإلحافهم في المسألة ~~عند ما قال لهم نبيهم موسى : ( @QUR@06 إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ). ~~ثم تذكر قسوة قلوبهم فتقول على سبيل التوبيخ لهم : # ( @QUR@037 ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة ، وإن من ~~الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ، وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء. وإن ~~منها لما يهبط من خشية الله ، وما الله بغافل عما تعملون ). # ونراها في الربع الخامس تحدثنا عن تحريفهم ms0025 للكلم عن مواضعه عن تعمد ~~وإصرار ، وتتوعدهم على ذلك بسوء المصير : # ( @QUR@024 فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ~~ليشتروا به ثمنا قليلا ، فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون ). # ثم تحدثنا عن قولهم الباطل : ( @QUR@06 لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ). # وترد عليهم بما يبطل حجتهم ، وعن نقضهم لعهودهم ومواثيقهم مع الله ومع ~~الناس ومع أنفسهم ، وعن عدائهم لرسول الله ، وعن جحودهم للحق بدافع الحسد ~~والعناد فتقول : # ( @QUR@053 ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل ~~يستفتحون على الذين كفروا ، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على ~~الكافرين. بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا ، أن ينزل ~~الله من فضله على من يشاء من عباده ، فباؤ بغضب على غضب وللكافرين عذاب ~~مهين ). # ثم نراها في الربع السادس تحكى لنا نماذج من مزاعمهم الباطلة ، ومن ذلك ~~زعمهم أن الجنة خالصة لهم من دون الناس ، ثم ترد عليهم بما يخرس ألسنتهم ، ~~وبصور جبنهم وحرصهم المشين على أية حياة حتى لو كانت ملطخة بالذل والهوان. # استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى ذلك بأسلوبه البليغ فيقول : # ( @QUR@016 قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس ~~فتمنوا الموت إن كنتم PageV01P030 # @QUR@035 صادقين. ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين ~~ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ، ومن الذين أشركوا ، يود أحدهم لو يعمر ألف ~~سنة ، وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون ). # ثم تسوق لنا نماذج من سوء أدبهم مع الله ، وعداوتهم لملائكته ؛ ونبذهم ~~كتاب الله ، واتباعهم للسحر والأوهام. # ثم نراها في الربع السابع تقص علينا بعض الصور من المجادلات الدينية ، ~~والمخاصمات الكلامية ، التي استعملوها مع النبي صلى الله عليه وسلم لحرب ~~الدعوة الاسلامية ، كجدالهم في قضية النسخ ، وفي كون الجنة لن يدخلها لا من ~~كان هودا أو نصارى ، وفي كون القرآن ليس معجزة في زعمهم وإنما هم يريدون ~~معجزة كونية .. إلخ. # وقد رد القرآن عليهم ms0026 بما يزهق باطلهم ، ويزيد المؤمنين إيمانا على ~~إيمانهم. # وكما ابتدأ القرآن الحديث معهم ابتداء محببا إلى نفوسهم ( @QUR@03 يا بني ~~إسرائيل )، فقد اختتمه أيضا بالنداء نفسه ، لكي يستحثهم على الإيمان فقال : # ( @QUR@030 يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم ~~على العالمين. واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ، ولا يقبل منها عدل ، ~~ولا تنفعها شفاعة ، ولا هم ينصرون ). # ثم أخذت السورة بعد ذلك في الربع الثامن منها تحدثنا عن الكلمات التي ~~اختبر الله بها نبيه إبراهيم ، وعن قصة بناء البيت الحرام ، وعن تلك ~~الدعوات الخاشعات التي كان إبراهيم وإسماعيل يتضرعان بها إلى خالقهما وهما ~~يقومان بهذا العمل الجليل. # ( @QUR@024 ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم. ربنا واجعلنا مسلمين لك ~~ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ، وأرنا مناسكنا ، وتب علينا ، إنك أنت التواب ~~الرحيم ). # ثم أخذت تقيم الحجج الباهرة ، والأدلة الساطعة على أن إبراهيم ما كان ~~يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما ، وعلى أن يعقوب قد وصى ذريته من ~~بعده أن يعبدوا الله وحده ولا يشركوا به شيئا. # ثم ختمت تلك المحاورات والمجادلات التي أبطلت بها دعاوى أهل الكتاب ~~الباطلة ، ببيان سنة من سنن الله في خلقه ، هذه السنة تتلخص في بيان أن كل ~~إنسان سيجازى بحسب عمله يوم القيامة ، إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، وأن ~~اتكال اليهود أو غيرهم على أنهم من نسل الأنبياء أو الصالحين دون أن يعملوا ~~بعملهم لن ينفعهم شيئا. فقال تعالى : # ( @QUR@015 تلك أمة قد خلت ، لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ، ولا تسئلون عما ~~كانوا يعملون ). PageV01P031 # ثم عادت السورة في الربع التاسع منها إلى الحديث عن الشبهات التي أثارها ~~اليهود عند تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام ، وقد رد ~~القرآن عليهم بما يدحض هذه الشبهات ، ويهوى باليهود ومن حذا حذوهم في مكان ~~سحيق ، قال تعالى : # ( @QUR@021 سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ~~، قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) إلى أن يقول : ( ~~@QUR@031 ومن حيث ms0027 خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام ، وحيث ما كنتم فولوا ~~وجوهكم شطره ، لئلا يكون للناس عليكم حجة ، إلا الذين ظلموا منهم فلا ~~تخشوهم واخشوني ، ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون ). # وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد فصلت الحديث عن بنى إسرائيل تفصيلا يحمل ~~المسلمين على العظة والاعتبار ، ويعرفهم طبيعة أولئك القوم الذين خسروا ~~أنفسهم حتى يأخذوا حذرهم منهم ، وينفروا من التشبه بهم. # أما المقدار الباقي من السورة الكريمة وهو أكثر من نصفها بقليل فعند ما ~~نراجعه بتفكر وتدبر ، نراه زاخرا بالتشريعات الحكيمة ، والآداب العالية ، ~~والتوجيهات السامية. # نرى السورة الكريمة في هذا المقدار منها تحدثنا في الربع العاشر منها عن ~~بعض شعائر الله التي تتعلق بالحج ، وعن الأدلة على وحدانية الله. # ( @QUR@052 وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم. إن في خلق ~~السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ، والفلك التي تجري في البحر بما ~~ينفع الناس ، وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث ~~فيها من كل دابة ، وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات ~~لقوم يعقلون ). # ثم بعد أن تصور لنا بأسلوب بليغ مؤثر حسرة المشركين يوم القيامة وهم ~~يتبادلون التهم ، ويتبرأ بعضهم من بعض ، بعد كل ذلك توجه نداء عاما إلى ~~الناس ، تأمرهم فيه أن يقيدوا أنفسهم بما أحل الله .. وأن يبتعدوا عن ~~محارمه فتقول : # ( @QUR@028 يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين. إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على ~~الله ما لا تعلمون ). # فإذا ما وصلنا إلى الربع الحادي عشر منها ، رأيناها تسوق لنا في مطلعه ~~آية جامعة لألوان البر ، وأمهات المسائل الاعتقادية والعملية وهي قوله ~~تعالى : # ( @QUR@018 ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من ~~آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ). إلخ. PageV01P032 # ثم أتبعت ذلك بالحديث عن القصاص ، وعن الوصية ، وعن الصيام وحكمته ، وعن ~~الدعاء وآدابه ، ونهت المسلمين في ختامها عن مقارفة الحرام في شتى صوره ~~وألوانه فقالت : ( @QUR@017 ولا تأكلوا ms0028 أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها ~~إلى الحكام ، لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون ). # وفي مطلع الربع الثاني عشر حكت بعض الأسئلة التي كان المسلمون يوجهونها ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وأجابت عنها بطريقة حكيمة تدعوهم إلى التدبر ~~والاتعاظ ، ثم حضت المسلمين على الجهاد في سبيل الله ، ونهتهم عن البغي ~~والاعتداء. استمع إلى القرآن وهو يحرض المؤمنين على القتال ويرسم لهم حدوده ~~وآدابه فيقول : # ( @QUR@059 وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا ~~يحب المعتدين. واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ، والفتنة ~~أشد من القتل ، ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ، فإن ~~قاتلوكم فاقتلوهم. كذلك جزاء الكافرين. فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم. ~~وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على ~~الظالمين ). # ثم فصلت السورة الحديث عن الحج ، فتحدثت عن جانب من آدابه وأحكامه ، وحضت ~~المسلمين على الإكثار من ذكر الله ، وأن يتجنبوا التفاخر بالأحساب والأنساب ~~، وأن يرددوا في دعائهم قوله تعالى : # ( @QUR@011 ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ). # وفي الربع الثالث عشر نراها تبين لنا ألوان الناس في هذه الحياة ، وأن ~~منهم من يسعى في الإفساد وإهلاك الحرث والنسل ، فإذا ما نصح أخذته العزة ~~بالإثم ، وتمادى في طغيانه وإفساده ، وأن منهم من يبيع نفسه عن طواعية ~~واختيار ابتغاء مرضاة الله. # ( @QUR@011 ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله ، والله رؤف ~~بالعباد ). # ثم تبين لنا بأن الناس جميعا كانوا أمة واحدة ، وأن هذه الحياة مليئة ~~بالمصائب والمحن والفتن ، وأن العاقل هو الذي يقابل كل ذلك بإيمان عميق ، ~~وصبر جميل ، حتى يفوز برضى الله يوم القيامة ، ويظفر بنصره في الحياة ~~الدنيا. # ( @QUR@030 أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ~~مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه : متى نصر ~~الله؟ ألا إن نصر الله قريب ). # ثم تحدثنا السورة الكريمة في الربعين الرابع عشر والخامس عشر حديثا جامعا ~~عن ms0029 النكاح PageV01P033 # وما يتعلق به من أحكام ، فحدثتنا عن الإيلاء وعن الطلاق. وعن الرضاع ، ~~وعن العدة ، وعن الخطبة ، وعن غير ذلك مما يتعلق بهذا الشأن ، ثم ختمت ~~حديثها بهذه الآية الكريمة : ( @QUR@07 كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم ~~تعقلون ). # ثم عادت السورة في الربع السادس عشر منها إلى الحديث عن الملأ من بنى ~~إسرائيل : ( @QUR@011 .. قالوا لنبي لهم : ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل ~~الله ). # فساقت لنا قصتهم بأسلوب زاخر بالعظات والعبر ، التي من أهمها أن الدين هو ~~أساس العزة والمنعة ، وأن الشدائد من شأنها أن تصهر النفوس فتجعلها تتجه ~~إلى معالى الأمور ، وأن الأمير يجب أن يكون له من قوة العقل وقوة الجسم ~~وسعة العلم ، وكمال التجربة ما يقود به أمته إلى صالح الأمور ، وأن العاقل ~~هو الذي يسلك الوسائل السليمة لبلوغ غايته الشريفة ، ثم يفوض الأمور بعد ~~ذلك إلى الله. # وفي الربع السابع عشر منها أفاضت في الحديث عن مظاهر قدرة الله ووحدانيته ~~، وأقامت على ذلك من الأدلة ما يشفى الصدور ، ويطمئن القلوب ، ويزيد ~~المؤمنين إيمانا ، استمع إلى آية الكرسي وهي تصور عظمة الله وقدرته فنقول. # ( @QUR@050 الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم ، له ما ~~في السماوات ، وما في الأرض ، من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ، يعلم ما ~~بين أيديهم وما خلفهم ، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه ~~السماوات والأرض ، ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم ). # وبعد هذا الحديث عن مظاهر قدرة الله ساقت السورة في أواخرها أنماطا من ~~التوجيهات التي تسعد المجتمع ، وتنزع الأحقاد من قلوب الأفراد ، فقد حضت ~~المسلمين في جملة من آياتها على الإنفاق والإحسان ، وضربت لذلك أروع ~~الأمثال ونهتهم عن المن والأذى ، وصرحت بأن الكلمة الطيبة للسائل خير من ~~العطاء الذي تتبعه الإساءة. # ( @QUR@011 قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم ). # ثم بعد أن عقدت مقارنه مؤثرة بين من ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله ، ~~وبين من ينفقونها رئاء الناس ، بعد كل ذلك مدحت الفقراء ms0030 الذين يتعففون عن ~~السؤال ، ولا يلجئون إليه إلا عند الضرورة القصوى فقالت : # ( @QUR@045 ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء ، وما تنفقوا من خير ~~فلأنفسكم ، وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله ، وما تنفقوا من خير يوف إليكم ~~وأنتم لا تظلمون. للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في ~~الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ، تعرفهم PageV01P034 # @QUR@013 بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافا ، وما تنفقوا من خير فإن الله ~~به عليم ). # ثم حذرت السورة بعد ذلك المؤمنين من التعامل بالربا ، ووصفت آكليه بصفات ~~تنفر منها القلوب ، وتعافها النفوس ، ووجهت إلى المؤمنين نداء أمرتهم فيه ~~بتقوى الله ، وأنذرتهم بحرب من الله لهم إن لم يتوبوا عن التعامل بالربا ~~فقالت : # ( @QUR@031 يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن ~~كنتم مؤمنين. فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ، وإن تبتم فلكم ~~رؤس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ). # ثم تحدثت بعد ذلك عن الديون والرهون ، فصاغت للمؤمنين دستورا هو أدق ~~الدساتير المدنية في حفظ الحقوق وضبطها وتوثيقها بمختلف الوسائل ، ثم ختمت ~~السورة حديثها الجامع عن العقائد والشرائع والآداب والمعاملات ، بذلك ~~الدعاء الخاشع : # ( @QUR@037 ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، ربنا ولا تحمل علينا ~~إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ، ~~واعف عنا واغفر لنا وارحمنا ، أنت مولانا ، فانصرنا على القوم الكافرين ). # تلك هي سورة البقرة ، أرأيت وحدتها في كثرتها؟ أعرفت اتجاه خطوطها في ~~لوحتها؟ أرأيت كيف التحمت لبناتها وارتفعت سماؤها بغير عمد تسندها؟ أرأيت ~~كيف ينادى كل عضو فيها بأنه قد أخذ مكانه المقسوم وفقا لخط جامع مرسوم ، ~~رسمه مربى النفوس ومزكيها ، ومنور العقول وهاديها ومرشد الأرواح وحاديها. ~~فتالله لو أن هذه السورة رتبت بعد تمام نزولها ، لكان جمع أشتاتها على هذه ~~الصورة معجزة ، فكيف وكل نجم منها كان يوضع في رتبته من فور نزوله ، وكان ~~يحفظ لغيره مكانه انتظارا لحلوله. وهكذا كان ما ينزل منها معروف الرتبة ، ~~محدد الموقع قبل أن ms0031 ينزل. # لعمري لئن كانت للقرآن في بلاغة تعبيره معجزات ، وفي أساليب ترتيبه ~~معجزات ، وفي نبوءاته الصادقة معجزات ، وفي تشريعاته الخالدة معجزات ، وفي ~~كل ما استخدمه من حقائق العلوم النفسية والكونية معجزات لعمري إنه في ترتيب ~~آياته على هذا الوجه لهو معجزة المعجزات (1). # وبعد : فهذا عرض سريع لأهم مقاصد سورة البقرة ، قدمناه بين يديها لنعطى ~~القارئ الكريم صورة متميزة عنها. ومن هذا العرض نرى أنها بجانب احتوائها ~~على أصول العقائد ، وعلى كثير من أدلة التوحيد ، قد وجهت عنايتها إلى أمرين ~~اقتضتهما حالة المسلمين ، بعد أن PageV01P035 # أصبحت لهم دولة بالمدينة يجاورهم فيها عدد كبير من اليهود. # أما الأمر الأول فهو توجيه الدعوة إلى بنى إسرائيل ، ومناقشتهم فيما ~~كانوا يثيرونه حول الرسالة الإسلامية من مؤامرات. وإماطة اللثام عن تاريخهم ~~المظلم ، وأخلاقهم المرذولة حتى يحذرهم المسلمون. # وأما الأمر الثاني فهو التشريع للدولة الإسلامية الفتية ، وقد رأينا أن ~~سورة البقرة في النصف الثاني منها قد تحدثت عن تلك الجوانب التشريعية حديثا ~~مفصلا منوعا تناول أحكام القصاص ، والوصية ، والصيام والاعتكاف والحج ، ~~والعمرة ، والقتال ، والنكاح ، والإنفاق في سبيل الله. والمعاملات المالية. ~~إلى غير ذلك من التشريعات التي سبق الحديث عنها. والآن فلنبدأ في تفسير ~~السورة الكريمة فنقول وبالله التوفيق . PageV01P036 ### ||| * تفسير سورة البقرة ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@01 الم (1) @QUR@07 ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (2) ~~@QUR@08 الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) ~~@QUR@012 والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ~~(4) @QUR@08 أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ) (5) # سورة البقرة من السور التي ابتدئت ببعض حروف التهجي. # وقد وردت هذه الفواتح تارة مفردة بحرف واحد ، وتارة مركبة من حرفين أو ~~ثلاثة أو أربعة أو خمسة. # فالسور التي بدأت بحرف واحد ثلاثة وهي سور ص ، ق ، ن. # والسور التي بدأت بحرفين تسعة وهي : طه ، يس ، طس ، وحم في ست سور هي : ~~غافر ، فصلت ، الزخرف ، الدخان ، الجاثية ، الأحقاف. # والسور التي بدأت بثلاثة أحرف ثلاث عشرة سورة وهي : ( @QUR@01 الم ) في ~~ست سور : البقرة ، وآل عمران ، العنكبوت ms0032 ، الروم ، لقمان ، السجدة و ( ~~@QUR@01 الر ) في خمس سور هي : يونس ، هود ، يوسف ، الحجر ، إبراهيم و ( ~~@QUR@01 طسم ) في سورتين هما : الشعراء ، القصص. # وهناك سورتان بدئتا بأربعة أحرف وهما. الرعد ، ( @QUR@01 المر )، ~~والأعراف ، ( @QUR@01 المص )، وسورتان أيضا بدئتا بخمسة أحرف وهما : مريم ~~( @QUR@01 كهيعص )، والشورى ( @QUR@02 حم عسق ). PageV01P037 # فيكون مجموع السور التي افتتحت بالحروف المقطعة تسعا وعشرين سورة. # هذا ، وقد وقع خلاف بين العلماء في المعنى المقصود بتلك الحروف المقطعة ~~التي افتتحت بها بعض السور القرآنية ، ويمكن إجمال خلافهم في رأيين رئيسين : # الرأى الأول يرى أصحابه : أن المعنى المقصود منها غير معروف ، فهي من ~~المتشابه الذي استأثر الله بعلمه. # وإلى هذا الرأى ذهب ابن عباس في إحدى رواياته كما ذهب إليه الشعبي ، ~~وسفيان الثوري ، وغيرهم من العلماء ، فقد أخرج ابن المنذر وغيره عن الشعبي ~~أنه سئل عن فواتح السور فقال : إن لكل كتاب سرا ، وإن سر هذا القرآن في ~~فواتح السور. ويروى عن ابن عباس أنه قال : عجزت العلماء عن إدراكها. وعن ~~على رضي الله عنه أنه قال : «إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف ~~التهجي». وفي رواية أخرى عن الشعبي أنه قال : «سر الله فلا تطلبوه». # ومن الاعتراضات التي وجهت إلى هذا الرأى ، أنه إذا كان الخطاب بهذه ~~الفواتح غير مفهوم للناس ، لأنه من المتشابه ، فإنه يترتب على ذلك أنه ~~كالخطاب بالمهمل ، أو مثله كمثل المتكلم بلغة أعجمية مع أناس عرب لا ~~يفهمونها .. # وقد أجيب عن ذلك بأن هذه الألفاظ لم ينتف الإفهام عنها عند كل الناس ، ~~فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يفهم المراد منها ، وكذلك بعض أصحابه المقربين ~~ولكن الذي ننفيه أن يكون الناس جميعا فاهمين لمعنى هذه الحروف المقطعة في ~~أوائل بعض السور. # وهناك مناقشات أخرى للعلماء حول هذا الرأى يضيق المجال عن ذكرها أما ~~الرأى الثاني فيرى أصحابه : أن المعنى المقصود منها معلوم ، وأنها ليست من ~~المتشابه الذي استأثر الله بعلمه. # وأصحاب هذا الرأى قد اختلفوا فيما بينهم في تعيين هذا المعنى المقصود على ~~أقوال كثيرة ، من أهمها ما يأتى ms0033 : # 1 أن هذه الحروف أسماء للسور ، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم (من قرأ ~~حم السجدة حفظ إلى أن يصبح) وبدليل اشتهار بعض السور بالتسمية بها كسورة ( ~~@QUR@01 ص ) وسورة ( @QUR@01 يس ). # ولا يخلو هذا القول من الضعف ، لأن كثيرا من السور قد افتتحت بلفظ واحد ~~من هذه الفواتح ، والغرض من التسمية رفع الاشتباه. PageV01P038 # 2 وقيل إن هذه الحروف قد جاءت هكذا فاصلة للدلالة على انقضاء سورة ~~وابتداء أخرى. # 3 وقيل : إنها حروف مقطعة ، بعضها من أسماء الله تعالى وبعضها من صفاته ، ~~فمثلا ( @QUR@01 الم ) أصلها : أنا الله أعلم. # 4 وقيل : إنها اسم الله الأعظم. إلى غير ذلك من الأقوال التي لا تخلو من ~~مقال ، والتي أوصلها السيوطي في «الإتقان» إلى أكثر من عشرين قولا. # 5 ولعل أقرب الآراء إلى الصواب أن يقال : إن هذه الحروف المقطعة قد وردت ~~في افتتاح بعض السور للإشعار بأن هذا القرآن الذي تحدى الله به المشركين هو ~~من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التي يعرفونها ، ويقدرون على تأليف ~~الكلام منها ، فإذا عجزوا عن الإتيان بسورة من مثله ، فذلك لبلوغه في ~~الفصاحة والحكمة مرتبة يقف فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها بمراحل شاسعة ، وفضلا عن ~~ذلك فإن تصدير السور بمثل هذه الحروف المقطعة يجذب أنظار المعرضين عن ~~استماع القرآن حين يتلى عليهم إلى الإنصات والتدبر ، لأنه يطرق أسماعهم في ~~أول التلاوة ألفاظ غير مألوفة في مجاري كلامهم ، وذلك مما يلفت أنظارهم ~~ليتبينوا ما يراد منها ، فيستمعوا حكما وحججا قد تكون سببا في هدايتهم ~~واستجابتهم للحق. # هذه خلاصة لآراء العلماء في الحروف المقطعة التي افتتحت بها بعض السور ~~القرآنية ، ومن أراد مزيدا لذلك فليرجع مثلا إلى كتاب «الإتقان» للسيوطي ، ~~وإلى كتاب «البرهان» للزركشى ، وإلى تفسير الآلوسي. # ثم قال تعالى : ( @QUR@07 ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ). # ( @QUR@01 ذلك ) اسم إشارة واللام للبعد حقيقة في الحس ، مجازا في الرتبة ~~، والكاف للخطاب ، والمشار إليه على الراجح الكتاب الموعود به ~~صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى ( @QUR@05 إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ). # قال صاحب ms0034 الكشاف : فإن قلت : أخبرنى عن تأليف ( @QUR@02 ذلك الكتاب ) مع ~~( @QUR@01 الم ) قلت : إن جعلت ( @QUR@01 الم ) اسما للسورة ففي التأليف ~~وجوه. أن يكون ( @QUR@01 الم ) مبتدأ و ( @QUR@01 ذلك ) مبتدأ ثانيا ، و ( ~~@QUR@01 الكتاب ) خبره. والجملة خبر المبتدأ الأول. # ومعناه أن ذلك الكتاب هو الكتاب الكامل ، كأن ما عداه من الكتب في ~~مقابلته ناقص ، وأنه الذي يستأهل أن يسمى كتابا ، كما تقول : هو الرجل ، أى ~~: الكامل في الرجولية ، الجامع لما يكون في الرجال من مرضيات الخصال. PageV01P039 # وإن جعلت ( @QUR@01 الم ) بمنزلة الصوت ، كان «ذلك» مبتدأ خبره «الكتاب» ~~، أى : ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل (1)... ا ه ملخصا. # وقيل : المشار إليه ( @QUR@01 الم ) على أنه اسم للسورة والمراد المسمى. # و ( @QUR@01 الكتاب ) مصدر كتب كالكتب ، وأصل الكتب ضم أديم إلى أديم ~~بالخياطة. واستعمل عرفا في ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط ، وأريد به هنا ~~المنظوم عبارة قبل أن تنظم حروفه التي يتألف منها في الخط ، تسمية للشيء ~~باسم ما يؤول إليه. # و (الريب) في الأصل مصدر رابه الأمر إذا حصل عنده فيه ريبة ، وحقيقة ~~الريبة ، قلق النفس واضطرابها ، ثم استعمل في معنى الشك مطلقا. وقال ابن ~~الأثير : الريب هو الشك مع التهمة. # و (هدى). مصدر هداه هدى وهداية وهدية بكسرها فهدى ، ومعناه الدلالة ~~الموصلة إلى البغية ، وضده الضلال. # و (المتقون) جمع متق ، اسم فاعل من اتقى وأصله اوتقى بوزن افتعل من وقى ~~الشيء وقاية ، أى : صانه وحفظه مما يضره ويؤذيه. # والمعنى : ذلك الكتاب الكامل ، وهو القرآن الكريم ، ليس محلا لأن يرتاب ~~عاقل أو منصف في أنه منزل من عند الله ، وأنه هداية وإرشاد للمتقين الذين ~~يجتنبون كل مكروه من قول أو فعل ، حتى يصونوا أنفسهم عما يضرها ويؤذيها. # وكانت الإشارة بصيغة البعيد ، لأنه سامى المنزلة أينما توجهت إليه ، فإن ~~نظرت إليه من ناحية تراكيبه فهو معجز للبلغاء ، وإن نظرت إليه من ناحية ~~معانيه فهو فوق مدارك الحكماء ، وإن نظرت إليه من ناحية قصصه وتاريخه فهو ~~أصدق محدث عن الماضين ، وأدق محدد لتاريخ السابقين ، فلا جرم أن كانت ~~الإشارة في ms0035 الآية باستعمال اسم الإشارة للبعيد لإظهار رفعة شأن هذا القرآن ~~، وقد شاع في كلام البلغاء تمثيل الأمر الشريف بالشيء المرفوع في عزة ~~المنال ، لأن الشيء النفيس عزيز على أهله ، فمن العادة أن يجعلوه في مكان ~~مرتفع بعيد عن الأيدى. # وصحت الإشارة إلى الكتاب وهو لم ينزل كله بعد ، لأن الإشارة إلى بعضه ~~كالإشارة إلى الكل حيث كان بصدد الإنزال ، فهو حاضر في الأذهان ، فشبه ~~بالحاضر في العيان. # ونفى عنه الريب على سبيل الاستغراق مع وقوع الريب فيه من المشركين حيث ~~وصفوه بأنه PageV01P040 # أساطير الأولين ، لأنه لروعة حكمته ، وسطوع حجته ، لا يرتاب ذو عقل متدبر ~~في كونه وحيا سماويا ، ومصدر هداية وإصلاح. # فالجملة الكريمة تنفى الريب في القرآن عمن شأنهم أن يتدبروه ، ويقبلوا ~~على النظر فيه بروية ، ومن ارتاب في القرآن فلأنه لم يقبل عليه بأذن واعية ~~، أو بصيرة نافذة ، أو قلب سليم. # وقدم جملة ( @QUR@03 لا ريب فيه ) على جملة ( @QUR@02 هدى للمتقين ) لأنه ~~أراد أن ينفى عن ساحة كونه كتابا هاديا غبار الريب ، وغيوم الشكوك ، حتى ~~يستقر في النفوس وصفه ، وتطمئن القلوب لآثاره ومقاصده وهداياته. # وفصل جملة ( @QUR@03 لا ريب فيه ) عما قبلها لكمال الاتصال ، حيث كانت ~~جملة ( @QUR@02 ذلك الكتاب ) مفيدة لكماله ، وجملة ( @QUR@03 لا ريب فيه ) ~~مفيدة لنفى الريب عنه. # والمراد بكونه ( @QUR@02 هدى للمتقين ) مع أنه هداية لهم ولغيرهم ، لأنهم ~~هم المنتفعون به دون سواهم. # قال تعالى : ( @QUR@020 قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ، والذين لا يؤمنون ~~في آذانهم وقر وهو عليهم عمى ، أولئك ينادون من مكان بعيد ). # ومعنى كونه هدى لهم أنه يزيدهم هدى على ما لديهم من الهدى كما قال تعالى ~~: ( @QUR@06 والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم ). # ويصح أن يكون المعنى : هدى للناس الذين صاروا متقين بهذه الهداية ، كما ~~أقول : هديت مهتديا ، أو كتبت مكتوبا ، على معنى أنى هديت شخصا صار مهديا ~~بهذه الهداية ، وكتبت خطابا صار مكتوبا بهذه الكتابة ، وهو أسلوب عربي ~~صحيح. كما ورد في حديث «من قتل قتيلا فله سلبه». # قال صاحب الكشاف : ومحل ( @QUR@02 هدى للمتقين ) الرفع ، لأنه ms0036 خبر مبتدأ ~~محذوف ، أو خبر مع ( @QUR@03 لا ريب فيه ) ل «ذلك» ... والذي هو أرسخ عرقا ~~في البلاغة أن يضرب عن هذه المحال صفحا ، وأن يقال : إن قوله ( @QUR@01 الم ~~) جملة برأسها أو طائفة من حروف المعجم مستقلة برأسها. # و ( @QUR@02 ذلك الكتاب ) جملة ثانية. و ( @QUR@03 لا ريب فيه ) ثالثة. و ~~( @QUR@02 هدى للمتقين ) رابعة. وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة وموجب حسن ~~النظم ، حيث جيء بها متناسقة هكذا من غير نسق ، وذلك لمجيئها متآخية آخذا ~~بعضها بعنق بعض. فالثانية متحدة بالأولى معتنقة لها ، وهلم جرا إلى الثالثة ~~والرابعة : بيان ذلك أنه نبه أولا على أنه الكلام المتحدى به ، ثم أشير ~~إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال. فكان تقريرا لجهة التحدي ، وشدا من ~~أعضاده ثم نفى عنه أن يتشبث به من طرف الريب ، فكان شهادة وتسجيلا بكماله. ~~لأنه لا كمال أكمل من الحق PageV01P041 # واليقين. ولا نقص أنقص مما للباطل والشبه. # وقيل لبعض العلماء : فيم لذتك؟ فقال : في حجة تتبختر اتضاحا ، وفي شبهة ~~تتضاءل افتضاحا. ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين ، فقرر بذلك كونه يقينا لا ~~يحوم الشك حوله ، وحقا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ثم لم تخل ~~كل واحدة من الأربع بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق من نكتة ذات جزالة. ففي ~~الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه وأرشقه. وفي الثانية ما في ~~التعريف من الفخامة ، وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف ، وفي ~~الرابعة الحذف (1)... # ثم فصل القرآن بعد ذلك أوصاف المتقين ، ومدحهم بجملة من المناقب الحميدة ~~، فقال : ( @QUR@03 الذين يؤمنون بالغيب ) أى : يصدقون بما غاب عن حواسهم ، ~~كالصانع وصفاته ، وكاليوم الآخر وما فيه من بعث وحساب وثواب وعقاب. # والإيمان لغة التصديق والإذعان ، وهو إفعال من الأمن. وشرعا التصديق بما ~~علم بالضرورة أنه من الدين ، كالايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر ... إلخ ، وعدى ( @QUR@01 يؤمنون ) بالباء لتضمينه معنى أقر واعترف. # والغيب : مصدر غاب يغيب ، وكثيرا ما يستعمل بمعنى الغائب ، وهو الظاهر من ~~هذه الآية الكريمة. ومعناه : ما لا تدركه ms0037 الحواس ، ولا يعلم ببداهة العقل. # قال بعض العلماء : وخص بالذكر الإيمان بالغيب دون غيره من متعلقات ~~الإيمان ، لأن الإيمان بالغيب هو الأصل في اعتقاد إمكان ما تخبر به الرسل ~~عن وجود الله والعالم العلوي ، فإذا آمن به المرء تصدى لسماع دعوة الرسول ~~وللنظر فيما يبلغه عن الله تعالى فسهل عليه إدراك الأدلة ، وأما من يعتقد ~~أنه ليس من وراء عالم الماديات عالم آخر ، فقد راض نفسه على الإعراض عن ~~الدعوة ، كما هو حال الماديين الذين يقولون : «ما يهلكنا إلا الدهر (2): # والإيمان بالغيب : يستلزم التصديق به على وجه الجزم ، وهو لا يحصل إلا عن ~~دليل. ولا شك أن قيام البراهين على صدق من أخبر بالغيب يجعل المؤمن بهذا ~~الغيب مصدقا عن دليل ، فنحن لا نحتاج في الإيمان بالملائكة والكتب السماوية ~~السابقة ، والرسل الذين أرسلوا من قبل ، والبعث وما فيه من ثواب وعقاب ، لا ~~نحتاج في الإيمان بكل ذلك إلى دليل زائد على الأدلة التي قامت على صدق ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم . # والإيمان بالغيب دليل على اتساع العقول ، وسلامة القلوب ، إذ أن معنى ~~الإيمان بالغيب هو PageV01P042 # أن عقولهم قد سلم إدراكها ، وتقشعت عنها غشاواتها ، وامتد نظرها في ~~الكائنات فأدركت أن لها مبدعا حكيما وخالقا قديرا ، جعلها تسير بنظام محكم ~~، فهذه كواكب تظهر وتغيب ، وسماء مرفوعة بغير عمد ، وأرض راسية لا تميد ولا ~~تضطرب ... ( @QUR@06 صنع الله الذي أتقن كل شيء ) فكان من ذلك لتلك العقول ~~براهين قاطعة على وجود خالق مدبر ، وحكيم قدير ، ومبدع لا تأخذه سنة ولا نوم. # والإيمان بالغيب الذي أخبر به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم يقوى ويعظم ~~كلما قوى الإيمان في القلوب ، واستولى الصفاء على النفوس ، وقد مدح النبي ~~صلى الله عليه وسلم المؤمنين بالغيب في أحاديث متعددة ، منها ما جاء عن خالد ~~بن دريك ، عن ابن محيريز قال : قلت لابن جمعة : حدثنا حديثا سمعته من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال : نعم أحدثك حديثا. تغدينا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ومعنا أبو ms0038 عبيدة بن الجراح فقال : يا رسول الله ، هل أحد ~~خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك. قال : نعم ، قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم ~~يرونى». # قال ابن كثير : فقد مدحهم على ذلك وذكر أنهم أعظم أجرا من هذه الحيثية لا ~~مطلقا (1). # وأخرج ابن أبى حاتم والطبراني وابن مندة وأبو نعيم عن بديلة بنت أسلم ~~قالت : صليت الظهر أو العصر في مسجد بنى حارثة ، واستقبلنا مسجد إيلياء ~~فصلينا سجدتين ، ثم جاء من يخبرنا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقبل ~~البيت ، فتحول الرجال مكان النساء ، والنساء مكان الرجال ، فصلينا السجدتين ~~الباقيتين ونحن مستقبلون البيت الحرام ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال : «أولئك قوم آمنوا بالغيب» (2). # تلك أول صفة نتيجة التقوى وهي الإيمان بالغيب ، أما الصفة الثانية التي ~~مدح الله بها المتقين فهي قوله تعالى : # ( @QUR@02 ويقيمون الصلاة ). # الصلاة في اللغة الدعاء ، من صلى يصلى إذا دعا ، واستعملها الشارع في ~~العبادة ذات الركوع والسجود لاشتمالها على الدعاء ، والإقامة في الأصل : ~~الدوام والثبات ، من قولك : قام الحق أى : ظهر وثبت. # ومعنى ( @QUR@02 يقيمون الصلاة ): يؤدونها في أوقاتها المقدرة لها ، مع ~~تعديل أركانها ، وإيقاعها مستوفية لواجباتها وسننها وآدابها وخشوعها ، فإن ~~الصلاة المقامة بحق هي تلك التي يصحبها PageV01P043 # الإخلاص ، واستحضار جلال الله في الركوع والسجود ، وهي التي تترتب عليها ~~الآثار العظيمة من تزكية النفس ، وعفافها ، وتركها لكل الشرور والآثام ، ~~كما قال تعالى : ( @QUR@06 إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ). # وقدم الإيمان بالغيب على إقامة الصلاة تعظيما لعمل القلب ، واعتدادا ~~بشرطية الإيمان في صحة أعمال الجوارح. # وقدم إقامة الصلاة على الإنفاق ، لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ، ولأنها ~~تتكرر في اليوم خمس مرات ، ولأنها صلة بين العبد وربه ، والإنفاق صلته ~~بالناس ، ولأن مشروعيتها كانت سابقة على مشروعية الزكاة. # أما الصفة الثالثة التي مدح الله بها المتقين فهي قوله تعالى : # ( @QUR@03 ومما رزقناهم ينفقون ). # أى : ومما أعطيناهم وملكناهم يتصدقون في وجوه الخير ، ويمدون أيديهم ~~بالإحسان إلى الفقير والمسكين. # والرزق عند جمهور العلماء ما صلح للانتفاع به حلالا كان أو ms0039 حراما ، خلافا ~~للمعتزلة الذين يرون أن الحرام ليس برزق. والإنفاق : إخراج المال وإنفاده ~~وصرفه ، يقال : نفق كفرح ونصر نفد وفنى أو قل. وأنفق ماله أنفده ، وأصل ~~المادة يدل على الخروج والذهاب ، ومنه : نافق فلان ، والنافقاء ، والنفق. ~~وقال «ينفقون» ولم يقل أنفقوا ، ليشعر بأن الإنفاق منهم يتجدد بين وقت ~~وآخر. ولم يحدد وجوه الانفاق بل تركها مطلقة لتشمل الفرض والواجب وغيرهما ~~من وجوه الإحسان. # وإيراد «من» في قوله تعالى ( @QUR@02 ومما رزقناهم ) للإشارة إلى أن ~~مواظبتهم على إنفاق أموالهم بين الحين والحين ، كفيل بتوصيلهم إلى زمرة ~~المهتدين المفلحين ، وللإشعار بأنهم ينفقون بعض أموالهم مبتعدين عن الإسراف ~~والتبذير حتى لا يتركوا ورثتهم عالة يتكففون وجوه الناس. # هذا ، وقد عنى القرآن الكريم عناية فائقة بالحض على الإنفاق في وجوه ~~الخير ، ومدح الذين يفعلون ذلك مدحا عظيما في عشرات الآيات ، وذلك لأن ~~الأمة التي يكثر فيها المنفقون لأموالهم في وجوه الخير ، لا بد أن تعز ~~كلمتها ، وتسلم من كوارث شتى ، كالجهل ، والفقر ، والمرض. فببذل المال تسد ~~حاجات البؤساء ، وتشاد معاهد التعليم ، وتقام وسائل حفظ الصحة ، وتنمو ~~المحبة والمودة بين الأغنياء والفقراء. PageV01P044 # قال تعالى : ( @QUR@024 مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة ~~أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ، والله يضاعف لمن يشاء والله واسع ~~عليم ). # ثم أضاف القرآن إلى صفات المتقين وصفا رابعا فقال : # ( @QUR@09 والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ). # والمراد بقوله تعالى ( @QUR@03 بما أنزل إليك ) القرآن الكريم ، وإنما ~~عبر عنه بلفظ الماضي وإن كان بعضه مترقبا تغليبا للموجود على ما لم يوجد. # والمراد بقوله تعالى ( @QUR@04 وما أنزل من قبلك )، الكتب الإلهية ~~السابقة التي أنزلها الله على أنبيائه كموسى وعيسى وداود. وهذا كقوله تعالى : # ( @QUR@017 يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ، والكتاب الذي نزل ~~على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ) (1). # والإيمان بما أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم يستلزم الإيمان برسالته ، ~~ويستوجب العمل بما تضمنته شريعته. # وإيجاب العمل بما تضمنه القرآن الذي أنزله الله على محمد صلى الله ms0040 عليه وسلم ~~باق على إطلاقه. أما الكتب السماوية السابقة فيكفى الإيمان بأنها كانت وحيا ~~وهداية ، وقد تضمن القرآن الكريم ما اشتملت عليه هذه الكتب من هدايات وأصبح ~~بنزوله مهيمنا عليها ، قال تعالى : ( @QUR@06 ونزلنا عليك الكتاب تبيانا ~~لكل شيء ). # وصار من المحتم على كل عاقل أن يعمل بما جاء به القرآن من توجيهات. # وقدم الإيمان بما أنزل عليه على الإيمان بما أنزل على الذين من قبله مع ~~أن الترتيب يقتضى العكس لأن إيمانهم بمن قبله لا قيمة له إلا إذا آمنوا ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم : # ولم يقل : ويؤمنون بما أنزل من قبلك بتكرير يؤمنون ، للإشعار بأن الإيمان ~~به وبهم واحد ، لا تغاير فيه وإن تعدد متعلقه. # ويرى بعض العلماء أن المراد من الآية الكريمة ، أهل الكتاب الذين آمنوا ~~بالكتب السماوية التي نزلت قبل القرآن ، نم لما نزل القرآن على النبي محمد ~~صلى الله عليه وسلم وعرفوا أنه الحق آمنوا به أيضا ، فصار لهم أجران ، كما جاء ~~في الحديث الشريف ، الذي ثبت في الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين يوم القيامة : رجل من PageV01P045 # أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي ، ورجل مملوك أدى حق الله وحق مواليه ، ~~ورجل أدب جاريته فأحسن تأديبها ، ثم أعتقها. # ثم وصف الله المتقين بوصف خامس فقال : ( @QUR@03 وبالآخرة هم يوقنون ) ~~الآخرة تأنيث الآخر. وهذا اللفظ تارة يجيء وصفا ليوم القيامة مع ذكر ~~الموصوف ، كما في قوله تعالى «وللدار الآخرة خير للذين يتقون» وتارة بهذا ~~المعنى ولكن بدون ذكر الموصوف ، كما في الآية التي معنا ، وكما في قوله ~~تعالى ( @QUR@05 وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ). # وسميت آخرة لأنها تأتى بعد الدنيا التي هي الدار الأولى. # و ( @QUR@01 يوقنون ) من الإيقان وهو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع ، ~~بحيث لا يطرأ عليه شك ، ولا تحوم حوله شبهة. يقال يقن الماء إذا سكن وظهر ~~ما تحته ، ويقال : يقنت بالكسر يقنا ، وأيقنت ، وتيقنت ، واستيقنت بمعنى واحد. # والمعنى : وبالدار الآخرة وما فيها من بعث وحساب وثواب ms0041 وعقاب هم يوقنون ~~إيقانا قطعيا ، لا أثر فيه للادعاءات الكاذبة ، والأوهام الباطلة. # وفي إيراد «هم» قبل قوله «يوقنون» تعريض ، بغيرهم ، ممن كان اعتقادهم في ~~أمر الآخرة غير مطابق للحقيقة أو غير بالغ مرتبة اليقين. # ولا شك أن الإيمان باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب ، له أثر عظيم في ~~فعل الخيرات ، واجتناب المنكرات ، لأن من أدرك أن هناك يوما سيحاسب فيه على ~~عمله ، فإنه من شأنه أن يسلك الطريق القويم الذي يكسبه رضي الله يوم يلقاه. # قال أبو حيان : وذكر لفظة ( @QUR@01 هم ) في قوله : ( @QUR@03 وبالآخرة ~~هم يوقنون ) ولم يذكرها في قوله : ( @QUR@03 ومما رزقناهم ينفقون ) لأن وصف ~~إيقانهم بالآخرة أعلى من وصفهم بالإنفاق فاحتاج هذا إلى التوكيد ولم يحتج ~~ذلك إلى تأكيد ولأنه لو ذكر هم هناك لكان فيه قلق لفظي ، إذ يكون التركيب ~~«ومما رزقناهم هم ينفقون» (1). # ثم بين سبحانه بعد ذلك الثمار التي ترتبت على تقواهم فقال : # ( @QUR@08 أولئك على هدى من ربهم ، وأولئك هم المفلحون ). # المفلحون : من الفلاح وهو الظفر والفوز بدرك البغية ، وأصله من الفلح ~~بسكون اللام وهو الشق والقطع ، ومنه فلاحة الأرض وهو شقها للحرث. وأستعمل ~~منه الفلاح في الفوز ، كأن الفائز شق طريقه وفلحه للوصول إلى مبتغاه ، أو ~~انفتحت له طريق الظفر وانشقت. PageV01P046 # والمعنى : أولئك المتصفون بما تقدم من صفات كريمة ، على نور من ربهم ، ~~وأولئك هم الفائزون بما طلبوا ، الناجون مما منه هربوا ، بسبب إيمانهم ~~العميق ، وأعمالهم الصالحة. # والآية الكريمة كلام مستأنف لبيان أن أولئك المتقين في المنزلة العليا من ~~الكمال الإنسانى ، فقد وصفهم سبحانه بأنهم على هدى عظيم ، ويدل على عظم هذا ~~الهدى إيراده بصيغة التنكير ، إذ من المعلوم عند علماء البيان أن التنكير ~~يدل بمعونة المقام على التعظيم. كما يدل أيضا على عظم هذا الهدى وصفه بأنه ~~«من ربهم» ، فهو الذي وفقهم إليه ، ويسر لهم أسبابه. # وفي قوله تعالى : ( @QUR@02 على هدى ) إشعار بأنهم تمكنوا منه تمكن من ~~استعلى على الشيء ، وصار في قرار راسخ منه. # وجملة «وأولئك هم المفلحون» بيان لما ظفر به ms0042 المتقون الحائزون لتلك ~~الخصال ، من سعادة في الدنيا والآخرة. # وتعريف الخبر وهو ( @QUR@01 المفلحون ) مع إيراد ضمير الفصل «هم» يفيد أن ~~الفلاح مقصور على أولئك المتقين ، فمن لم يؤمن بالغيب ، أو أضاع الصلاة ، ~~أو بخل بالمال الذي منحه الله إياه فلم يؤده في وجوهه المشروعة ، فإنه لا ~~يكون من المهتدين ، ولا من المفلحين الذين سعدوا في دنياهم وآخرتهم. # قال الإمام الرازي : «وفي تكرير» ( @QUR@01 أولئك ) تنبيه على أنهم كما ~~ثبت لهم الاختصاص بالهدى ، فقد ثبت لهم الاختصاص بالفلاح أيضا فقد تميزوا ~~عن غيرهم بهذين الاختصاصين ، فإن قيل : فلم جيء بالعاطف؟ وما الفرق بينه ~~وبين قوله : ( @QUR@08 أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ). # قلنا : قد اختلف الخبران هاهنا فلذلك دخل العاطف ، بخلاف الخبرين ثمة ~~فإنهما متفقان ، لأن التسجيل عليهم بالغفلة وتشبيههم بالبهائم شيء واحد ، ~~وكانت الثانية مقررة لما في الأولى ، فهي من العطف بمعزل» (1). # وقال صاحب الكشاف بعد تفسيره لهذه الآية الكريمة «... فانظر كيف كرر الله ~~التنبيه على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله أحد على طرق شتى ، وهي : ذكر ~~اسم الإشارة ، وتكريره ، وتعريف المفلحين ، وتوسيط ضمير الفصل بينه وبين ~~أولئك ، ليبصرك مرتباتهم ، ويرغبك في طلب ما طلبوا ، وينشطك لتقديم ما ~~قدموا ، ويثبطك عن الطمع الفارغ والرجاء الكاذب PageV01P047 # والتمني على الله ما لا تقتضيه حكمته ولم تسبق به كلمته ...» (1). # وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد مدحت القرآن الكريم بما يستحقه ، وأثنت ~~على من اهتدوا بهديه ، ووصفتهم بالصفات السامية ، وبشرتهم بالبشارات ~~الكريمة. # وبعد أن انتهى القرآن من بيان شأن الكتاب وأثره في الهداية والإرشاد ، ~~وتصوير حال المتقين الذين اهتدوا به ، وما اكتسبوه بالهداية من أوصاف سامية ~~، وما كان لهم على ذلك من خير العاقبة وحسن الجزاء ، أقول بعد أن انتهى من ~~بيان كل ذلك شرع في بيان حال الكافرين ، وما هم عليه من سوء الحال وقبيح ~~الأوصاف فقال : # ( @QUR@011 إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ~~(6) @QUR@012 ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب ~~عظيم ) (7) # ففي هاتين ms0043 الآيتين بيان لأحوال طائفة ثانية من الناس ، على الضد في ~~طبيعتها وأوصافها ومآلها من الطائفة الأولى التي فازت برضوان الله. # والكفر بالضم ضد الإيمان. وأصله المأخوذ منه الكفر بالفتح وهو ستر الشيء ~~وتغطيته ، ومنه سمى الليل كافرا ، لأنه يغطى كل شيء بسواده ، وسمى السحاب ~~كافرا لستره ضوء الشمس. # ثم شاع الكفر في مجرد ستر النعمة ، كأن المنعم عليه قد غطى النعمة بجحوده ~~لها. ويستعمله الشارع في عدم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. # وسمى من لم يؤمن بما يجب الإيمان به بعد الدعوة إليه كافرا ، لأنه صار ~~بجحوده لذلك الحق وعدم الإذعان إليه كالمغطى له. # والمراد بالذين كفروا في الآية التي معنا ، طائفة معينة صمت آذانها عن ~~الحق ، عنادا وحسدا ، وليس عموم الكافرين ، لأن منهم من دخل في الإسلام بعد ~~نزول هذه الآية. PageV01P048 # وسواء : اسم مصدر بمعنى الاستواء والمراد به اسم الفاعل أى : مستو ولذلك ~~يوصف به كما يوصف بالمصدر ، كما في قوله تعالى : # ( @QUR@010 قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ). # أى : مستوية. # والإنذار : إخبار معه تخويف في مدة تتسع للتحفظ من المخوف ، فإن لم تتسع ~~له فهو إعلام وإشعار لا إنذار ، وأكثر ما يستعمل في القرآن في التخويف من ~~عذاب الله تعالى . # والمعنى : إن الذين كفروا برسالتك يا محمد مستو عندهم إنذارك وعدمه ، فهم ~~لا يؤمنون بالحق ، ولا يستجيبون لداعي الهدى ، لسوء استعدادهم ، وفساد فطرهم. # وجاءت جملة «إن الذين كفروا : مستأنفة ولم تعطف على ما قبلها لاختلاف ~~الغرض الذي سيق له الكلام ، إذ في الجمل السابقة حديث عن الكتاب وآثاره ~~وعظمته ، وهنا حديث عن الكافرين وأحوالهم. # وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال : «فإن قلت لم قطعت قصة الكفار عن ~~قصة المؤمنين ولم تعطف كنحو قوله : ( @QUR@08 إن الأبرار لفي نعيم. وإن ~~الفجار لفي جحيم ). وغيره من الآيات الكثيرة؟ قلت : ليس وزان هاتين ~~القصتين وزان ما ذكرت. لأن الأولى فيما نحن فيه مسوقة لذكر الكتاب وأنه هدى ~~المتقين ، وسيقت الثانية لأن الكفار من صفتهم كيت وكيت ms0044 ؛ فبين الجملتين ~~تباين في الغرض والأسلوب ، وهما على حد لا مجال فيه للعاطف». # وقوله ( @QUR@01 سواء ) خبر إن و ( @QUR@01 عليهم ) متعلق به ، و ( ~~@QUR@01 أأنذرتهم ) مؤول بمصدر فاعل سواء. أى : إن الذين كفروا سواء عندهم ~~إنذارهم وعدم إنذارهم وإنما استوى لديهم الإنذار وعدمه ؛ مع أن الإنذار ~~إنما يواجههم به نبي قوى أمين مؤيد من الله تعالى ، لأنهم لما جحدوا نعم ~~الله ، وعموا عن آياته ، وحسدوا رسوله على ما آتاه الله من فضله ، صاروا ~~بسبب ذلك في حضيض جمد معه شعورهم ، وبرد فيه إحساسهم ، فلا تؤثر فيهم ~~موجعات القول ، ولا تنفذ إلى قلوبهم بالغات الحجج. فهم كما قال الشاعر : # لقد أسمعت إذ ناديت حيا %~% ولكن لا حياة لمن تنادى # ولم يذكر سبحانه التبشير مع الإنذار ، لأنهم ليسوا أهلا للبشارة ، ولأن ~~الإنذار أوقع في القلوب ، والذي لا يتأثر به يكون عدم تأثره بغيره أولى. # ولم يقل سبحانه سواء عليك أأنذرتهم أم لم تنذرهم .. إلخ ، لأنه بالنسبة ~~له صلى الله عليه وسلم لا يستوي الأمران ، إذ هو في حالة إنذاره لهم مثاب ~~ومأجور ، أما في حالة عدم إنذاره فهو PageV01P049 # مؤاخذ من الله تعالى لأنه مكلف بتبليغ ما أنزل إليه من ربه. # وجملة ( @QUR@02 لا يؤمنون ) مفسرة لمعنى الجملة التي قبلها ومؤكدة لها ، ~~لأنه حيث كان الإنذار وعدمه سواء ، فلا يتوقع منهم الإيمان. ولذلك فصلت. # وفي هذه الجملة إخبار بعدم إيمانهم ألبتة ، وذلك لأن حرف «لا» إذا دخل ~~على الفعل المضارع كما هنا أفاد أن الفعل لا يقع في المستقبل حتى تقوم ~~قرينة تقصر النفي في المستقبل على وقت محدد. # والحكمة في الإخبار بعدم إيمان هذه الطائفة المعينة من الكفار ، تسلية ~~النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يكون في صدره حرج من تمردهم وعدم إيمانهم بعد ~~أن قام بواجب دعوتهم ، وفي ذلك تذكرة لكل داع مصلح بأن لا يحترق قلبه أسفا ~~على قوم أعرضوا عن سلوك الصراط المستقيم بعد أن دعاهم إليه ، وبذل قصارى ~~جهده في تبصيرهم وإرشادهم. # ثم بين سبحانه بعد ذلك الموانع التي حالت ms0045 بينهم وبين الاهتداء إلى الحق ~~في الماضي والمستقبل فقال تعالى : # ( @QUR@09 ختم الله على قلوبهم ، وعلى سمعهم ، وعلى أبصارهم غشاوة ). # والختم : الوسم بطابع ونحوه ، مأخوذ من وضع الخاتم على الشيء وطبعه فيه ~~للاستيثاق ، لكي لا يخرج منه ما هو بداخله ، ولا يدخله ما هو خارج عنه. # قال القرطبي : «والختم مصدر ختمت الشيء ختما فهو مختوم مختم ، شدد ~~للمبالغة ، ومعناه التغطية على الشيء والاستيثاق منه ، وقد يكون محسوسا كما ~~في ختم الكتاب والباب ، وقد يكون معنويا كالختم على القلوب ...» (1) ~~والقلوب : جمع قلب ، وهو المضغة التي توجد بالجانب الأيسر من صدر الإنسان ، ~~ويستعمل في القوة العاقلة التي هي محل الفهم والعلم. # والسمع : مصدر سمع. ويطلق على الآلة التي يقع بها السمع. # ولما كان الختم يمنع من أن يدخل في المختوم عليه شيء ، استعير لإحداث ~~هيئة في القلب والسمع تمنع من خلوص الحق إليهما. # الأبصار : جمع بصر ، وهو في الأصل الإدراك بالعين ، ويطلق على القوة التي ~~يقع بها الإبصار ، وعلى العين نفسها. وهذا المعنى أقرب ما تحمل عليه ~~الأبصار في الآية. وهو الأنسب PageV01P050 # لأن تجعل عليه غشاوة. ومفاد الآية أن تصير أبصارهم بحيث لا تهتدى إلى ~~النظر في حكمة المخلوقات وعجائب المصنوعات. باعتبار وتدبر وحتى لكأنما جعلت ~~عليها غشاوة. # والغشاوة : ما يغطى به الشيء ، من غشاه إذا غطاه. يقال : # غشيه غشاوة مثلثة وغشاية. أى : ستره وغطاه. # فهذه الآية الكريمة تفيد عن طريق الاستعارة أو التمثيل أن هناك حواجز ~~حصينة ، وأقفالا متينة قد ضربت على قلوبهم وعلى أسماعهم ، وغشاوات مطبقة ~~على أبصارهم حتى أصبحوا لا يخيفهم نذير ولا يرغبهم بشير. # وعبر في جانب القلب والسمع بالختم ، وفي جانب البصر بالغشاوة ، لمعنى سام ~~، وحكمة رائعة ، ذلك أن آفة البصر معروفة ، إذ غشاوة العين معروفة لنا ، ~~فالتعبير في جانب العين بالغشاوة مما يحدد لنا مدى عجزهم عن إدراك آيات ~~الله بتلك الجارحة ، وأما القلب والسمع فإنهما لما كانا لا تدرك آفتهما إلا ~~بصعوبة ، فقد صور لنا موانعهما عن الاستجابة للحق بصورة الختم. # وعبر في جانب القلب والسمع ms0046 بجملة فعلية تفيد التجدد والحدوث ، وفي جانب ~~البصر بجملة اسمية تفيد الثبات والاستقرار ، لأنهم قبل الرسالة ما كانوا ~~يسمعون صوت نذير ، ولا يواجهون بحجة ، وإنما كان صوت النذير وصياغة ~~البراهين بعد ظهور النبي صلى الله عليه وسلم . وأما ما يدرك بالبصر من دلائل ~~وجود الله وآيات قدرته ، فقد كان قائما في السماوات وفي الأرض وفي الأنفس ، ~~ويصح أن يدرك قبل الرسالة النبوية ، وأن يستدل به المتبصرون والمتدبرون على ~~وجود ربهم وحكمته ، فلم يكن عماهم عن آيات الله القائمة حادثا متجددا ، بل ~~هم قد صحبهم العمى من بدء وجودهم ، فلما دعوا إلى التبصر والتدبر صمموا على ~~ما كانوا عليه من عمى ، وجمع القلوب والأبصار وأفرد السمع ، لأن القلوب ~~تختلف باختلاف مقدار ما تفهمه مما يلقى إليها من إنذار أو تبشير ، ومن حجة ~~أو دليل ، فكان عن ذلك تعدد القلوب بتعدد الناس على حسب استعدادهم ، وكذلك ~~شأن الناس فيما تنظره أبصارهم من آيات الله في كونه ، فإن أنظارهم تختلف في ~~عمق تدبرها وضحولته ، فكان من ذلك تعدد المبصرين بتعدد مقادير ما يستطيعون ~~تدبره من آيات الله في الآفاق. وأما المسموع فهو بالنسبة للناس جميعا شيء ~~واحد هي الحجة يناديهم بها المرسلون ، والدليل يوضحه لهم النبيون. # لذلك كان الناس جميعا كأنهم على سمع واحد ، فكان إفراد السمع إيذانا من ~~الله بأن حجته واحدة ، ودليله واحد لا يتعدد. PageV01P051 # ونرى القرآن هنا قدم القلب في الذكر على السمع ، بينما في سورة الجاثية ~~قدم السمع في الذكر على القلب فقال : # ( @QUR@024 أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ، وأضله الله على علم وختم على سمعه ~~وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون ). # وذلك لأنه سبحانه في سورة الجاثية قد ذكر الختم معطوفا على قوله «اتخذ ~~إلهه هواه ، ومن اتخذ إلهه هواه يكون أول ما يبدو منه للناس ويعرف هو ~~إعراضه عن النصح ، ولى رأسه عن استماع الحجة ، فكان مظهر عدم السماع منه ~~أول ما يبدو للناظرين ، فلذلك قدم السمع على القلب. # وأما آيتنا هذه ms0047 وهي قوله تعالى ( @QUR@06 ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ~~) فقد جاءت إثر الآية المختومة بقوله ( @QUR@02 لا يؤمنون ). والإيمان ~~تصديق يقوم على الحجة والبراهين ، وإدراك الحجة والبرهان إنما هو بالقلب ~~فكان التعليل المتصل الواضح لنفى الإيمان أن قلوبهم مغلقة لا تنفذ إليها ~~الحجة ، أولا يتسرب إليها نور البرهان لذلك قدم القلب على السمع. # هذا وقوله تعالى ( @QUR@04 ختم الله على قلوبهم ).. إلخ. لا ينفى عنهم ~~تبعة الكفر ، لأنهم هم الذين باشروا من فاسد الأعمال ، وذميم الخصال ، ~~ومتابعة الهوى ، ما نسج على قلوبهم الأغلفة السميكة ، وأصم إلى جانب ذلك ~~آذانهم وأعمى أبصارهم ، ( @QUR@07 وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ). # ولعلماء الكلام كلام طويل حول هذه المسألة فليرجع إليه من شاء. # ثم بين سبحانه ما يستحقونه من عذاب بسبب إغراقهم في الكفر. واستحبابهم ~~للمعاصي فقال : # ( @QUR@03 ولهم عذاب عظيم ). # أى : ولهم بسبب سوء أعمالهم عذاب موجع مؤلم لأبدانهم وأجسامهم. # وأصل العذاب : المنع ، يقال : عذب الفرس كضرب امتنع عن العلف. وعذب الرجل ~~إذا ترك المأكل والنوم ، فهو عاذب وعذوب. ثم أطلق على الإيجاع الشديد لما ~~فيه من المنع عن اقتراف الذنب. والعظيم : الكبير ، من عظم الشيء ، وأصله ~~كبر عظمه ، ثم استعير لكل كبير محسوسا كان أو معقولا. # ووصف العذاب بالعظيم على معنى أن سائر ما يجانسه من العذاب يكون بالنسبة ~~إليه حقيرا هينا. PageV01P052 # قال أبو حيان في البحر : وقد ذكروا في هاتين الآيتين من ضروب الفصاحة ~~أنواعا. # الأول : الخطاب العام اللفظ ، الخاص المعنى. # الثاني : الاستفهام الذي يراد به تقرير المعنى في النفس. أي : يتقرر أن ~~الإنذار وعدمه سواء عندهم. # الثالث : المجاز ويسمى الاستعارة وهو في قوله تعالى ( @QUR@06 ختم الله ~~على قلوبهم وعلى سمعهم ) وحقيقة الختم وضع محسوس على محسوس يحدث بينهما رقم ~~يكون علامة للخاتم ، والختم هنا معنوي ؛ فإن القلب لما لم يقبل الحق مع ~~ظهوره استعير اسم المختوم عليه ، فبين أنه من مجاز الاستعارة. # الرابع : الحذف وهو في مواضع منها ( @QUR@03 إن الذين كفروا .. ) أي : ~~القوم الذين كفروا بالله وبك وبما جئت به ، ومنها ( @QUR@02 لا يؤمنون ms0048 ) أى ~~بالله وبما أخبرتهم به عنه (1). # وإلى هنا يكون القرآن قد حدثنا عن طائفتين من الناس : طائفة المتقين وما ~~لها من جميل الصفات ، وجزيل الثواب ، وطائفة الكافرين وما لها من ذميم ~~النعوت ، وشديد العقاب. # ثم ابتدأ القرآن بعد ذلك حديثه عن طائفة ثالثة ليس عندها إخلاص المتقين ، ~~وليس لديها صراحة الكافرين ، وإنما هي طائفة قلقة مذبذبة لا إلى هؤلاء ولا ~~إلى أولئك ، تلك الطائفة الثالثة هي طائفة المنافقين الذين فضحهم القرآن. ~~وأماط اللثام عن خفاياهم وخداعهم فقال : # ( @QUR@011 ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ~~(8) @QUR@010 يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ~~(9) @QUR@012 في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا ~~يكذبون ) (10) # قال صاحب الكشاف : «افتتح سبحانه كتابه بذكر الذين أخلصوا دينهم لله ، ~~وواطأت قلوبهم ألسنتهم ، ووافق سرهم علنهم ، وفعلهم قولهم ، ثم ثنى بالذين ~~محضوا الكفر ظاهرا PageV01P053 # وباطنا ، قلوبا وألسنة ، ثم ثلث بالذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ، ~~وأبطنوا خلاف ما أظهروا. وهم الذين قال فيهم : ( @QUR@09 مذبذبين بين ذلك ~~لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء )، وسماهم المنافقين وكانوا أخبث الكفرة ~~وأبغضهم إليه وأمقتهم عنده ، لأنهم خلطوا بالكفر تمويها وتدليسا ، وبالشرك ~~استهزاء وخداعا ، ولذلك أنزل فيهم : ( @QUR@07 إن المنافقين في الدرك ~~الأسفل من النار ) ووصف حال الذين كفروا في آيتين ووصف حال الذين نافقوا في ~~ثلاث عشرة آية ، نعى عليهم فيها خبثهم ، ومكرهم ، وفضحهم ، وسفههم. ~~واستجهلهم ، واستهزأ بهم ، وتهكم بفعلهم ، وسجل طغيانهم ، ودعاهم صما بكما ~~عميا ، وضرب لهم الأمثال الشنيعة. وقصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة ~~الذين كفروا ، كما تعطف الجملة على الجملة» (1). # والناس : اسم لجماعة الإنس. قال القرطبي : «واختلف النحاة في لفظ الناس ~~فقيل : هو من أسماء الجموع ، جمع إنسان وإنسانة على غير اللفظ ، وتصغيره ~~نويس ، فالناس من النوس وهو الحركة ، يقال : ناس ، ينوس أى : تحرك. وقيل : ~~أصله نسى ، فأصل ناس نسى ، قلب فصار نيس ، تحركت الياء وانفتح ما قبلها ~~فانقلبت ألفا ، ثم دخلت الألف واللام فقيل : الناس ، قال ابن عباس : نسى ms0049 ~~آدم عهد الله فسمى إنسانا. وقيل : سمى إنسانا لأنسه بربه ، قال الشاعر : # وما سمى الإنسان إلا لأنسه %~% ولا القلب إلا أنه يتقلب (2) # واليوم الآخر : هو اليوم الذي يبتدئ بالبعث ولا ينقطع أبدا ، وقد يراد ~~منه اليوم الذي يبتدئ بالبعث وينتهى باستقرار أهل الجنة في الجنة. وأهل ~~النار في النار. # وقال القرآن في شأن المنافقين ( @QUR@02 ومن الناس ) مجردا إياهم من ~~الوصفين السابقين ، وصف الإيمان ووصف الكفر ، لأنهم لم يكونوا بحسب ظاهر ~~الأمر مع الكافرين ، ولا بحسب باطنه مع المؤمنين ، لذا عبر عنهم بالناس ~~لينطبق التعبير على ما حاولوه لأنفسهم من أنهم لا هم مؤمنون. ولا هم كافرون ~~وفي ذلك مبالغة في الحط من شأنهم. فهم لم يخرجوا عن كونهم ناسا فقط ، دون ~~أن يصلوا بأوصافهم إلى أهل اليمين أو إلى أهل الشمال الصرحاء في كفرهم ، بل ~~بقوا في منحدر من الأرض ، لا يمر بهم سالك الطريق المستقيم ولا سالك المعوج ~~من الطرق. # وعبر القرآن بلفظ ( @QUR@02 يقول آمنا ) ليفيد أنه مجرد قول باللسان ، لا ~~أثر له في القلوب ، وإنما هم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. PageV01P054 # وحكى القرآن عن هؤلاء المنافقين أنهم اقتصروا في إظهار الإيمان على ذكر ~~الإيمان بالله واليوم الآخر ، ليزيدوا في التمويه على المؤمنين بادعاء أنهم ~~أحاطوا بالإيمان من طرفيه ، لأن من يؤمن بالله واليوم الآخر ، استجابة ~~لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فإن من شأنه أن يكون أيضا مؤمنا برسل الله ~~وملائكته وكتبه. # وقد كذبهم الله تعالى في دعواهم الإيمان ، فقال : # ( @QUR@03 وما هم بمؤمنين ). # فهذه الجملة الكريمة رد لما ادعوه من الإيمان ، ونفى له على أبلغ وجه ، ~~إذ جاء النفي مؤكدا بالباء في قوله ( @QUR@01 بمؤمنين ). ثم ان الجملة نفت ~~عنهم الإيمان على سبيل الإطلاق ، فهم ليسوا بمؤمنين لا بالله ولا باليوم ~~الآخر ، ولا بكتب الله ولا برسله ولا بملائكته. # ثم بين سبحانه الدوافع التي دفعتهم إلى أن يقولوا ( @QUR@07 آمنا بالله ~~وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ) فقال : # ( @QUR@04 يخادعون الله والذين آمنوا ). # والخدع في أصل اللغة : الإخفاء والإبهام ، يقال خدعه ms0050 كمنعه خدعا ، ختله ~~وأراد به مكروها من حيث لا يعلم ؛ وأصله من خدع الضب حارسه إذ أظهر الإقبال ~~عليه ثم خرج من باب آخر. # وخداعهم لله تعالى معناه إظهارهم الإيمان وإبطانهم الكفر ليحقنوا دماءهم ~~وأموالهم ، ويفوزوا بسهم من الغنائم ، وسمى فعلهم هذا خداعا لله تعالى لأن ~~صورته صورة الخداع ، فالجملة الكريمة مسوقة على أسلوب المشاكلة ، ولا يجوز ~~حملها على الحقيقة ، لأنه سبحانه لا يخفى عليه صنع المنافقين ؛ بل لا يخفى ~~عليه شيء في الأرض ولا في السماء. قال تعالى ( @QUR@06 إن المنافقين ~~يخادعون الله وهو خادعهم ). # أما خداعهم للمؤمنين فمن مظاهره إظهارهم لهم أنهم إخوانهم في العقيدة ~~وأنهم لا يريدون لهم إلا الخير. بينما هم في الحقيقة يضمرون لهم العداوة ~~ويتربصون بهم الدوائر. # وجاءت الآية الكريمة هكذا بدون عطف ، لأنها جواب سؤال نشأ من الآية ~~السابقة ، إذ أن قول المنافقين «آمنا» وما هم بمؤمنين ، يثير في نفس ~~السامعين استفهاما عما يدعو هؤلاء لمثل تلك الحال المضطربة والحياة القلقة ~~المقامة على الكذب ، فكان الجواب : إنهم يفعلون ذلك محاولين مخادعة ~~المؤمنين ، جهلا منهم بصفات خالقهم. PageV01P055 # وقال القرآن : ( @QUR@04 يخادعون الله والذين آمنوا ). ولم يذكر ~~مخادعتهم للرسول صلى الله عليه وسلم ، ولعل الحكمة في ذلك أن القرآن يعتبر ~~مخادعة الله مخادعة لرسوله ، لأنه هو الذي بعثه إليهم ، وهو المبلغ عن الله ~~أحكامه وشرائعه. قال تعالى : # ( @QUR@010 إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم ) ~~وقال تعالى ( @QUR@06 من يطع الرسول فقد أطاع الله ). # ثم بين سبحانه غفلتهم وغباءهم فقال : ( @QUR@06 وما يخدعون إلا أنفسهم ~~وما يشعرون ). # الأنفس : جمع نفس بمعنى ذات الشيء وحقيقته. وتطلق على الجوهر اللطيف الذي ~~يكون به الحس والحركة والإدراك. # ويشعرون : مضارع شعر بالشيء كنصر وكرم يقال : شعر بالشيء أى : فطن له ، ~~ومنه الشاعر لفطنته ، لأنه يفطن لما لا يفطن له غيره من غريب المعاني ~~ودقائقها. # والشعور : العلم الحاصل بالحواس ، ومنه مشاعر الإنسان أى : حواسه. # والمعنى : أن هؤلاء المنافقين لم يخادعوا الله لعلمه بما يسرون ، ولم ~~يخادعوا المؤمنين لأن الله يدفع عنهم ضرر ms0051 خداع المنافقين ، وإنما يخدعون ~~أنفسهم لأن ضرر المخادعة عائد عليهم ، ولكنهم لا يشعرون بذلك. لأن ظلام ~~الغي خالط قلوبهم ، فجعلهم عديمي الشعور ، فاقدى الحس. # وأتى بجملة «وما يخدعون إلا أنفسهم» ، بأسلوب القصر مع أن خداعهم ~~للمؤمنين قد ينالهم بسببه ضرر ، لأن أولئك المنافقين سيصيبهم عذاب شديد ~~بسبب ذلك ، أما المؤمنون فحتى لو نالهم ضرر فلهم عند الله ثوابه. # ونفى عنهم الشعور مع سلامة مشاعرهم ، لأنهم لم ينتفعوا من نعمتها ، ولم ~~يستعملوها فيما خلقت له ، فكانوا كالفاقدين لها. # ثم بين سبحانه العلة في خداعهم لله وللمؤمنين فقال : ( @QUR@03 في قلوبهم ~~مرض ). # والمرض : العلة في البدن ونقيضه الصحة ، وقد يستعمل على وجه الاستعارة ~~فيما يعرض للمرء فيخل بكمال نفسه ، كسوء العقيدة والحسد ، والبغضاء والنفاق ~~، وهو المراد هنا. # وسمى ما هم فيه من نفاق وكفر مرضا ، لكونه مانعا لهم من إدراك الفضائل. ~~كما أن مرض الأبدان يمنعها من التصرف الكامل. # وجعل القرآن قلوبهم ظرفا للمرض ، للإشعار بأنه تمكن منها تمكنا شديدا كما ~~يتمكن الظرف من المظروف فيه. PageV01P056 # ثم أخبر سبحانه بأنهم بسبب سوء أعمالهم قد زادهم الله ضلالا وخسرا فقال : ~~( @QUR@03 فزادهم الله مرضا ). # لأنهم استمروا في نفاقهم وشكهم ، ومن سنة الله أن المريض إذا لم يعالج ~~مرضه زاد لا محالة مرضه ، إذ المرض ينشئ المرض ، والانحراف يبدأ يسيرا ثم ~~تنفرج الزاوية في كل خطوة وتزداد. # والمعنى : أن هؤلاء المنافقين قد زادهم الله رجسا على رجسهم ، ومرضا على ~~مرضهم ، وحسدا على حسدهم ، لأنهم عموا وصموا عن الحق ، ولأنهم كانوا يحزنون ~~لأى نعمة تنزل بالمؤمنين. كما قال تعالى : ( @QUR@09 إن تمسسكم حسنة تسؤهم ~~، وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها ). # ثم بين سبحانه سوء عاقبتهم فقال : ( @QUR@06 ولهم عذاب أليم بما كانوا ~~يكذبون ). # ( @QUR@01 أليم ) أى : مؤلم وموجع وجعا شديدا. من ألم كفرح فهو ألم ، ~~وآلمه يؤلمه إيلاما ، أى : أوجعه إيجاعا شديدا. # والكذب : الإخبار عن الشيء بخلاف الواقع. ولقد كان المنافقون كاذبين في ~~قولهم «آمنا بالله وباليوم الآخر» وهم غير مؤمنين ، وجعلت الآية الكريمة ~~العذاب الأليم مرتبا على كذبهم مع أنهم ms0052 كفرة ، والكفر أكبر معصية من الكذب ~~، للإشعار بقبح الكذب ، وللتنفير منه بأبلغ وجه ، فهؤلاء المنافقون قد ~~جمعوا الخستين ، الكفر الذي توعد الله مرتكبه بالعذاب العظيم ، والكذب الذي ~~توعد الله مقترفه بالعقاب الأليم. # وعبر بقوله : ( @QUR@02 كانوا يكذبون ) لإفادة تجدد الكذب وحدوثه منهم ~~حينا بعد حين ، وأن هذه الصفة هي أخص صفاتهم ، وأبرز جرائمهم ، ثم وصفهم ~~الله تعالى بعد ذلك بجملة من الرذائل والقبائح مضافة إلى قبائحهم السابقة فقال : # ( @QUR@011 وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون (11) ~~@QUR@07 ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون (12) @QUR@019 وإذا قيل لهم ~~آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن ~~لا يعلمون ) (13) PageV01P057 # الفساد : خروج الشيء عن حالة الاعتدال والاستقامة ، وعن كونه منتفعا به ، ~~وضده الصلاح ، يقال : فسد الشيء فسادا ، وأفسده إفسادا. # والمراد به هنا كفرهم ، ومعاصيهم ، ومن كفر بالله وانتهك محارمه فقد أفسد ~~في الأرض ، لأن الأرض لا تصلح إلا بالتوحيد والطاعة. # ومن أبرز معاصى هؤلاء المنافقين ، ما كانوا يدعون إليه في السر من تكذيب ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وإلقاء الشبه في طريق دعوته ، والتحالف مع المشركين ~~ضد المسلمين كلما وجدوا إلى ذلك سبيلا. # وسلك القرآن هذا الأسلوب فقال : ( @QUR@03 وإذا قيل لهم ) بالبناء ~~للمفعول دون أن يسند الفعل إلى فاعله ، لأن مصدر القول المعبر عن النهى عن ~~الإفساد ليس مصدرا واحدا ، فقد يصل آذانهم هذا النهى مرة من صريح القول. ~~وأخرى مما كانوا يقابلون به من ناحية الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من ~~تجهم وإعراض. # وعلق بالفعل الذي هو الإفساد قوله : ( @QUR@02 في الأرض ) إيذانا بأن ~~الإفساد مهما ضاقت حدوده ، فإنه لا بد يوما أن يتعدى الحدود إلى ما وراء ~~ذلك فقد يعم ويشمل إذا لم يشتد في الاحتياط له ، لذلك جعل ظرف إفسادهم ~~الأرض كلها مع أنهم موجودون في بقعة محصورة هي المدينة المنورة. # ولقد حكى القرآن جوابهم على نصيحة الناصحين وما فيه من تبجح وادعاء فقال ~~: ( @QUR@04 قالوا : إنما نحن مصلحون ). # فقد بالغوا في الرد فحصروا ms0053 أنفسهم أولا في الإصلاح مبالغة المفجوع الذي ~~أذهلته المفاجأة بكشف أستار حقيقته ، فتراهم لم يقتصروا على أن يقولوا : ~~إنا مصلحون بل قالوا «إنما». ثم أكدوا الجملة بكونها اسمية ليدلوا بذلك على ~~أن شأنهم في الإصلاح ثابت لازم. # قال الراغب : صوروا إفسادهم بصورة الإصلاح لما في قلوبهم من المرض ، كما ~~في قوله تعالى ( @QUR@07 أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا ). وقوله : ( ~~@QUR@06 وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون ). وقوله : ( @QUR@016 قل هل ~~ننبئكم بالأخسرين أعمالا. الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا ). # ولقد كذبهم الله تعالى تكذيبا مؤكدا في دعواهم أنهم مصلحون فقال : # ( @QUR@07 ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ). # فأنت ترى أن القرآن الكريم قد وضع في الرد عليهم جملة صدرها بأداة ~~الاستفتاح إيذانا بأن PageV01P058 # ما قالوه يجب أن يهمل إهمالا ، بل يجب أن يكون وصفهم بالإفساد قضية ~~مبتدأة مقررة حتى يتلقاها السامع وهو منتبه النفس ، حاضر الذهن. # ثم أكد الجملة بعدة تأكيدات منها : وصل «ألا» «بإن» الدالة على تأكيد ~~الخبر وتحقيقه ، ومنها تأكيد الضمير بضمير منفصل حتى يتم التصاق الخبر ~~بالمبتدأ ، ومنها اسمية الجملة ، ومنها إفادة قصرهم على الإفساد في مقابل ~~تأكيدهم أنهم هم المصلحون. # ولما كان هذا الرد المؤكد عليهم يستدعى عجبا ، لأنهم زعموا أنهم لا حال ~~لهم إلا الإصلاح ، مع أنهم في الحقيقة لا حال لهم إلا الإفساد ، لما كان ~~الأمر كذلك ، فقد أزال القرآن هذا العجب بقوله : # ( @QUR@03 ولكن لا يشعرون ). # أى : أنهم ما قالوه إلا عن غباء استولى على إحساسهم ، ونفى عنهم الشعور ~~بما يصدر عنهم من الفساد ، فأمسوا لا يدركون من شأن أنفسهم شيئا ، ومن أسوأ ~~ألوان الجهل أن يكون الإنسان مفسدا ولا يشعر بذلك ، مع أن أثر فساده ظاهر ~~في العيان ، مرئى لكل ذي حس. فعدم شعورهم بالفساد الواقع منهم منبئ باختلاف ~~آلات إدراكهم ، حتى صاروا يحسبون الفساد صلاحا ، والشر خيرا. # وليس عدم شعورهم رافعا العقاب عنهم ، لأن الجاهل لا يعذر بجهله خصوصا إذا ~~كان جهله يزول بأدنى تأمل لوضوح الأدلة ، وسطوع ms0054 البراهين. # ثم بين القرآن أن الناصحين قد أمروهم بالمعروف بعد أن نهوهم عن المنكر ~~فقال : ( @QUR@012 وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس ، قالوا أنؤمن كما آمن ~~السفهاء ). # المراد من الناس : المؤمنون بالرسول صلى الله عليه وسلم الصادقون في ~~إيمانهم. # السفهاء : جمع سفيه ، وأصل السفه : الخفة والرقة والتحرك والاضطراب يقال ~~: ثوب سفيه ، إذا كان رديء النسج خفيفه ، أو كان باليا رقيقا. وتسفهت الريح ~~الشجر. أى : مالت به. وزمام سفيه : كثير الاضطراب ، لمنازعة الناقة إياه ، ~~وشاع في خفة العقل وضعف الرأى. وهو المعنى المقصود بالسفهاء في الآية. فقد ~~كان المنافقون يصفون المسلمين بذلك فيما بينهم. وروى أنهم كانوا يقولون : ~~أنؤمن كما آمن سفيه بنى فلان ، وسفيه بنى فلان؟! فأوحى الله للنبي ~~صلى الله عليه وسلم بهذا الذي كانوا يقولونه. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم وصفوهم بالسفه وهم العقلاء المراجيح؟ قلت ~~لأن المنافقين لجهلهم وإخلالهم بالنظر ، اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق ، ~~وأن ما عداه باطل ، ومن PageV01P059 # ركب متن الباطل كان سفيها ، ولأنهم كانوا في رئاسة من قومهم ويسار ، وكان ~~أكثر المؤمنين فقراء ومنهم موال كصهيب وبلال وخباب ، فدعوهم سفهاء تحقيرا ~~لشأنهم (1) ا ه ملخصا. # وقد رد الله عليهم بما يكبتهم ويفضحهم فقال : # ( @QUR@07 ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون ) لأنهم أعرضوا عن النظر ~~في الدليل وباعوا آخرتهم بدنياهم ، وهذا أقصى ما يبلغه الإنسان من سفه العقل. # وقد تضمن هذا الرد تسفيههم وتكذيبهم في دعوى سفه الصادقين في إيمانهم ، ~~فإن قوله تعالى ( @QUR@04 ألا إنهم هم السفهاء ) يفيد أن السفه مقصور عليهم ~~فلا يتجاوزهم إلى المؤمنين ، وقد تضمنت هذه الجملة من المؤكدات ما تضمنته ~~الجملة السابقة في قوله تعالى ( @QUR@04 ألا إنهم هم المفسدون ). # وإنما قال في الآية السابقة «ولكن لا يشعرون» وقال في هذه الآية ( ~~@QUR@03 ولكن لا يعلمون ) لأن الآية السابقة وصفتهم بالإفساد ، وهو من ~~المحسوسات التي تدرك بأدنى نظر فيناسبه نفى الشعور الذي هو الإدراك ~~بالمشاعر : الحواس ، أما هذه الآية فقد وصفتهم بالسفه ، وهو ضعف الرأى ~~والجهل بالأمور ، وهذا لا يدركه ms0055 الشخص في نفسه إلا بعد نظر وإمعان فكر. ~~فيناسبه نفى العلم. # ثم بين القرآن ما هم عليه من سلوك ذميم ، وأنهم يقابلون الناس بوجوه ~~مختلفة فقال : # ( @QUR@016 وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم ~~قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن (14) @QUR@07 الله يستهزئ بهم ويمدهم في ~~طغيانهم يعمهون (15) @QUR@011 أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت ~~تجارتهم وما كانوا مهتدين ) (16) # ( @QUR@04 وإذا لقوا الذين آمنوا ) يقال لقيته ولاقيته إذا استقبلته ~~وصادفته وكان قريبا منك. والمصدر PageV01P060 # اللقاء واللقى واللقية. والمقصود : استقبلوهم وكانوا في مواجهتهم وقريبا ~~منهم. ومرادهم بقولهم «آمنا» أخلصنا الإيمان بقلوبنا لأن الإقرار باللسان ~~معلوم منهم. # وإذا خلوا إلى شياطينهم ، أى : انفردوا مع رؤسائهم وقادتهم المشبهين ~~الشياطين في تمردهم وعتوهم وصدهم عن سبيل الحق. يقال : خلا به وإليه ومعه ، ~~خلوا وخلاء وخلوة : سأله أن يجتمع به في خلوة ففعل وأخلاه معه. # أو المعنى : وإذا مضوا وذهبوا إلى شياطينهم ، يقال : خلا بمعنى مضى وذهب ~~، ومنه قوله تعالى ( @QUR@05 قد خلت من قبلكم سنن ). أى مضت. # وعبر عن حالهم مع المؤمنين بالملاقاة ، وعن حالهم مع الشياطين بالخلوة ~~إيذانا بأن هؤلاء المنافقين لا أنس لهم بالمؤمنين ، ولا طمأنينة منهم إليهم ~~فهم لا يجالسونهم ولا يسامرونهم ، وإنما كل ما هنالك أن يلقوهم في عرض طريق ~~، أما شأنهم مع شياطينهم فهم إليهم يركنون ، وإليهم يتسامرون ويتحادثون ، ~~لذلك هم بهم يخلون. # والمعية في قولهم ( @QUR@02 إنا معكم )، المراد منها موافقتهم في دينهم ~~، وأكدوا ما خاطبوا به شياطينهم بحرف التأكيد ، إذ قالوا ( @QUR@02 إنا ~~معكم ) ليزيلوا ما قد يجرى في خواطرهم من أنهم فارقوا دينهم وانقلبوا إلى ~~دين الإسلام بقلوبهم ولم يؤكدوا ما خاطبوا به المؤمنين ، إذ قالوا لهم ( ~~@QUR@01 آمنا ) ولم يقولوا «إنا آمنا» ليوهموهم أنهم بمرتبة لا ينبغي أن ~~يترددوا في إيمانهم حتى يحتاجوا إلى تأكيد. # وقوله تعالى حكاية عنهم : ( @QUR@03 إنما نحن مستهزؤن ). وارد مورد ~~الجواب عما قد يعترض به عليهم شياطينهم إذا قالوا لهم : كيف تدعون أنكم ~~معنا مع أنكم توافقون المؤمنين في عقيدتهم وتشاركونهم في مظاهر دينهم؟ # فكان ms0056 جوابهم عليهم ( @QUR@03 إنما نحن مستهزؤن ) والاستهزاء : السخرية ~~والاستخفاف بالغير ، يقال : هزأ منه وبه كمنع وسمع واستهزأ به ، أى : سخر. # والمعنى : إننا نظهر للمؤمنين الموافقة على دينهم استخفافا بهم وسخرية ~~منهم ، لا أن ذلك صادر منا عن صدق وإخلاص. # ثم بين سبحانه موقفه منهم فقال : ( @QUR@03 الله يستهزئ بهم ). # حمل بعض العلماء استهزاء الله بهم على الحقيقة وإن لم يكن من أسمائه ~~المستهزئ ، لأن معناه يحتقرهم على وجه شأنه أن يتعجب منه ، وهذا المعنى غير ~~مستحيل على الله ، فيصح إسناده إليه تعالى على وجه الحقيقة. PageV01P061 # ويرى جمهور العلماء أن الاستهزاء لا ينفك عن التلبيس كأن يظهر المستهزئ ~~استحسان الشيء وهو في الواقع غير حسن ، أو يقر المستهزأ به على أمر غير ~~صواب ، وهذا المعنى لا يليق بجلال الله ، فيجب حمل الاستهزاء المسند إليه ~~تعالى على معنى يليق بجلاله ، فيحمل على ما يلزم على الاستهزاء من الانتقام ~~والعقوبة والجزاء المقابل لاستهزائهم ، وسمى ذلك استهزاء على سبيل المشاكلة ~~(1) كما في قوله تعالى : ( @QUR@04 وجزاء سيئة سيئة مثلها ). # وهذا دليل على غيرة الله على عباده المؤمنين ، وانتقامه من كل من يستهزئ ~~بهم أو يؤذيهم. # وعبر بالمضارع في قوله ( @QUR@01 يستهزئ ) للإيذان بأن احتقاره لهم ، أو ~~مجازاتهم على استهزائهم يتجدد ويقع المرة بعد الأخرى : # ثم بين سبحانه لونا آخر من ألوان غضبه عليهم فقال : ( @QUR@04 ويمدهم في ~~طغيانهم يعمهون ). # المد : الإمهال والمطاولة والزيادة ، من المد بمعنى الإمهال ، يقال : مده ~~في غيه من باب رد أمهله وطول له ، ويقال : مد الجيش وأمده إذا ألحق به ما ~~يقويه ويكثره ويزيده ، وقيل : أكثر ما يستعمل المد في المكروه ، والإمداد ~~في المحبوب ، والطغيان : مجاوزة الحد ، ومنه طغا الماء ، أى : ارتفع. # ويعمهون : يعمون عن الرشد ، أو يتحيرون ويترددون بين الإظهار والإخفاء ، ~~أو بين البقاء على الكفر وتركه إلى الإيمان. يقال : عمه كفرح ومنع عمها ، ~~إذا تردد وتحير ، فهو عمه وعامه ، وهم عمهون وعمه كركع والمعنى : أن الله ~~تعالى يجازى هؤلاء المنافقين على استهزائهم وخداعهم ، ويمكنهم من المعاصي ~~أو يملى لهم ليزدادوا إثما. حال كونهم ms0057 يعمون عن الرشد ، فلا يبصرون الحق ~~حقا ولا الباطل باطلا. # ثم بين سبحانه لونا من ألوان غبائهم وبلادتهم فقال : ( @QUR@05 أولئك ~~الذين اشتروا الضلالة بالهدى ). # الاشتراء : أخذ السلعة بالثمن. والمراد : أنهم استبدلوا ماكره الله من ~~الضلالة بما أحبه من الهدى قال ابن عباس : أخذوا الضلالة وتركوا الهدى. # والمشار إليه ب «أولئك» هم المنافقون : الموصوفون في الآيات السابقة ~~بالكذب والمخادعة ، والإفساد في الأرض ، ورمى المؤمنين بالسفاهة واستهزائهم بهم. # والسر في الإشارة إليهم والتعبير عنهم بأولئك تمييزهم وتوضيحهم بأكمل ~~صورة وأجلى بيان. PageV01P062 # إذ من المعروف عند علماء البلاغة أن اسم الإشارة إذا أشير به إلى أشخاص ~~وصفوا بصفات يلاحظ فيه تلك الصفات ، فهو بمنزلة إعادة ذكرها وإحضارها في ~~أذهان المخاطبين. فتكون تلك الصفات ، وهي هنا الكذب والمخادعة وما عطف ~~عليها ، كأنها ذكرت في هذه الآية مرة أخرى ليعرف بها علة الحكم الوارد بعد ~~اسم الإشارة ، وهو هنا اشتراء الضلالة بالهدى. أى : اختيارها. واستبدالها به. # وعبرت الآية بالاشتراء على سبيل الاستعارة ليتحدد مقدار رغبتهم في ~~الضلالة ، وزهدهم في الهدى ، فإن المشترى في العادة يكون شديد الرغبة فيما ~~يشترى ، رغبة تجعله شديد الزهد فيما يبذله من ثمن. فهم راغبون في الضلالة ، ~~زاهدون في الهدى. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ) لا يقتضى ~~أنهم كانوا على هدى من ربهم فتركوه ، بل يكفى فيه أن يجعل تمكنهم من الهدى ~~لقيام أدلته. بمنزلة الهدى الحاصل بالفعل. # ثم بين سبحانه نتيجة أخذهم الضلالة وتركهم الهدى فقال : # ( @QUR@03 فما ربحت تجارتهم ) أى : أنهم لم يحصلوا من اشترائهم الضلالة ~~بالهدى على الربح ، وإذا كانت التجارة الحقيقية قد يفوت صاحبها الربح ، ~~ولكنه لا يقع في خسارة بأن يبقى له رأس ماله محفوظا ، فإن التجارة المقصودة ~~من الآية هي استبدال الضلالة بالهدى ، لا يقابل الربح فيها إلا الخسران ، ~~فإذا نفى عنها الربح فذلك يعنى أنها تجارة خاسرة. # ثم قال تعالى : ( @QUR@03 وما كانوا مهتدين ) أى : وما كانوا مهتدين إلى ~~سبيل الرشاد وما تتجه إليه العقول الراجحة من الدين الحق ، وما كانوا ~~مهتدين إلى طرق ms0058 التجارة الرابحة ، فهم أولا لم يربحوا في تجارتهم بل خسروها ~~، وهم ثانيا ذهب نور الهدى من حولهم فبقوا في ظلمة الضلال. # وما أوجع أن يجتمع على التاجر خسارته وتورطه ، وما أوجع أن يجتمع عليه أن ~~ينقطع عن غايته ، وأن يكون في ظلمة تعوقه عن التبصر. # وبعد أن وصف الله تعالى حال المنافقين في الآيات السابقة ، ساق مثلين ~~لتوضيح سوء تصرفهم ، وشدة حيرتهم واضطرابهم. فقال تعالى : # ( @QUR@017 مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله ~~بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون (17) @QUR@06 صم بكم عمي فهم لا يرجعون ~~(18) @QUR@05 أو كصيب من السماء فيه PageV01P063 # @QUR@014 ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت ~~والله محيط بالكافرين (19) @QUR@025 يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم ~~مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله ~~على كل شيء قدير ) (20) # وقوله تعالى : ( @QUR@01 مثلهم ) أى : صفتهم ، وأصل المثل بمعنى المثل ~~بكسر الميم وسكون الثاء والمثل النظير والشبيه ، ثم أطلق على القول السائر ~~المعروف لمماثلة مضربه وهو الذي يضرب فيه لمورده الذي ورد فيه أولا ، ولا ~~يكون إلا فيما فيه غرابة ثم استعير للصفة أو الحال أو القصة إذا كان لها ~~شأن عجيب وفيها غرابة ، وعلى هذا المعنى يحمل المثل في هذه الآية ، وإنما ~~تضرب الأمثال لإيضاح المعنى الخفى وتقريب المعقول من المحسوس ، وعرض الغائب ~~في صورة الشاهد ، فيكون المعنى الذي ضرب له المثل أوقع في القلوب ، وأثبت ~~في النفوس. # واستوقد النار : طلب وقودها بسطوع نارها واندلاع لهيبها ، أو أوقدها لأن ~~أوقد واستوقد قد يكونان بمعنى واحد كأجاب واستجاب. # والنار : جوهر لطيف حار محرق من نار ينور إذا نفر لحركتها واضطرابها ، ~~وأضاءت ما حوله : جعلت ما حوله مضيئا ، أو أشرقت فيما حوله. وحول الشيء : ~~ما يحيط به من جميع نواحيه ، ولذا قيل للعام حول ، للفه ودورانه حتى يعود ~~كما كان. # والنور : الضوء الذي يكون للشيء المضيء ، وهو مأخوذ من النار .. # ومعنى : ( @QUR@03 ذهب الله بنورهم ) سلبه منهم ، وفي إسناد ذهب إلى ms0059 الله ~~تعالى إشعار بأن النور الذي سلب عنهم لن يستطيع أحد أن يرده عليهم ، لأن ~~الذي سلبه عنهم إنما هو الله الغالب على أمره. # وقال ( @QUR@01 بنورهم ) ولم يقل بنارهم ، لأن إيقاد النار يكون للإضاءة ~~وللإحراق والمقصود من إيقاد النار الواردة في المثل إنما هو الإضاءة. # وقال ( @QUR@01 بنورهم ) ولم يقل بنوره ، مع أن الضمير يعود على ( ~~@QUR@02 الذي استوقد ) وهو بحسب PageV01P064 # الظاهر مفرد ، لأن ( @QUR@01 الذي ) قد يطلق أحيانا بمعنى الذين ، كما في ~~قوله تعالى : ( @QUR@03 وخضتم كالذي خاضوا ) أو لأن ( @QUR@01 الذي ) أريد ~~منه جنس المستوقد ، لا مستوقد بعينه ، فصار في معنى جماعة من المستوقدين. ~~وصح أن يعود عليه ضمير الجمع في قوله ( @QUR@01 بنورهم ) لذلك. # وأورد الظلمات بصيغة الجمع للمبالغة في شدتها ، فكأنها لشدة كثافتها ~~ظلمات بعضها فوق بعض ، وأكد هذا بقوله ( @QUR@02 لا يبصرون ) أى : أن هذه ~~الظلمات بالغة في الشدة حتى أولئك المحاطين بها لا يتأتى لهم أن يبصروا ، ~~كما أن الشان كذلك بالنسبة للذين طمس على أعينهم. # وعبر سبحانه بقوله : ( @QUR@01 وتركهم ) ولم يقل : ذهب بنورهم وبقوا في ~~ظلمات ، ليدل بذلك على قطع الصلة بينهم وبين ربهم ، وأنهم متروكون غضبا ~~عليهم ونكاية بهم. # هذا ، وللعلماء رأيان في تطبيق هذا المثل على المنافقين ، أما الرأى ~~الأول فيرى أصحابه ، أن هذا المثل قد ضرب في قوم دخلوا في الإسلام عند وصول ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، ثم تحولوا بعد ذلك إلى الكفر والنفاق ~~فيقال في تطبيق هذا المثل عليهم : إن قصة هؤلاء المنافقين الذين اكتسبوا ~~بإيمانهم نورا ، ثم أبطلوا ذلك بنفاقهم ، ووقعوا في حيرة عظيمة ، كقصة من ~~استوقدوا نارا ؛ فلما أضاءت ما حولهم ، سلب الله منهم الضوء فراحوا في ظلام ~~لا يهتدون إلى الخروج منه سبيلا. # وأما الرأى الثاني فيرى أصحابه أن هذا المثل إنما ضرب في قوم لم يسبق لهم ~~إيمان وإنما دخلوا في الإسلام من أول أمرهم نفاقا ، فيقال في تطبيق هذا ~~المثل عليهم : إن قصة هؤلاء الذين دخلوا في الإسلام نفاقا ، فظفروا بحقن ~~دمائهم وبغنائم الجهاد وسائر أحكام المسلمين ، وتمتعوا ms0060 بذلك في الدنيا ~~قليلا ثم صاروا إلى ظلمات العذاب الدائم في الآخرة قصة هؤلاء كقصة من ~~استوقدوا نارا لتضيء لهم وينتفعوا بها ، فأضاءت ما حولهم قليلا ، ثم طفئت ~~وصاروا إلى ظلمة شديدة مطبقة. # ثم قال تعالى : ( @QUR@06 صم بكم عمي فهم لا يرجعون ). # قال القرطبي : والصمم في كلام العرب : الانسداد ، يقال : قناة صماء إذا ~~لم تكن مجوفة ، وصممت القارورة إذا سددتها. فالأصم من انسدت خروق مسامعه. ~~والأبكم الذي لا ينطق ولا يفهم ، والعمى ذهاب البصر. وليس الغرض مما ذكرناه ~~نفى الإدراكات عن حواسهم جملة ، وإنما الغرض نفيها من جهة ما (1). # والآية الكريمة خبر لضمير مقدر يعود على المنافقين ، أى : هم صم بكم عمى. PageV01P065 # ووصف المنافقون بهذه الصفات لأنهم وإن كانت لهم آذان تسمع ، وألسنة تنطق ~~، وأعين تبصر ، إلا أنهم لا يسمعون خيرا. ولا يتكلمون بما ينفعهم ولا ~~يبصرون مسلكا من مسالك الهداية ، ومن كان كذلك كان هو ومن فقد حواسه سواء ، ~~فقد صرف الله عنهم عنايته ووكلهم إلى أنفسهم. # ووردت هذه الصفات مجردة من حرف العطف ، فلم يقل : صم وبكم وعمى ، لما عرف ~~من استعمالات البلغاء. أن تجريد أمثال هذه الأوصاف من حرف العطف يفيد ~~تأكيدها ، حيث إن المتكلم قد قصد إلى تقرير كل صفة منها على حدة. # ومعنى ( @QUR@03 فهم لا يرجعون )، لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه ، ~~أو لا يرجعون عن الضلالة بعد أن اشتروها. # والفاء في قوله تعالى ( @QUR@01 فهم ) للتفريع أو التسبيب ، لأنها توحى ~~بأن عدم رجوعهم عما هم فيه من النفاق متفرع على تلك الآفات ، ومسبب عن هذه ~~العاهات. # ثم ساق سبحانه المثل الثاني فقال : ( @QUR@08 أو كصيب من السماء فيه ~~ظلمات ورعد وبرق ). «أو» للتسوية بين الشيئين وهي مفيدة أن التمثيل بأيهما ~~أو بمجموعهما يؤدى إلى المقصود ، فهي مانعة خلو مجوزة للجمع بينهما. # و (الصيب) كسيد المطر ، من الصوب وهو النزول. يقال : صاب صوبا ، إذا نزل ~~أو انحدر ، سمى به المطر لنزوله ، وفي الجملة الكريمة إيجاز بحذف ما دل ~~عليه المقام دلالة واضحة. والتقدير : أو كمثل ذوى ms0061 صيب. والمعنى أن قصة ~~هؤلاء المنافقين مشبهة بقصة الذي استوقد نارا ، أو بقصة ذوى صيب. # والسماء : كل ما علاك من سقف ونحوه ، والمراد بها السحاب. # والرعد : الصوت الذي يسمع بسبب اصطدام سحابتين محملتين بشحنتين كهربيتين ~~إحداهما موجبة والأخرى سالبة. # والبرق : هو الضوء الذي يحدث بسبب الاصطدام ذاته. # وإيراد هذه الألفاظ بصفة التنكير للتهويل ، ويكون المعنى : أو أن مثل ~~هؤلاء المنافقين كمثل قول نزل بهم المطر من السماء تصحبه ظلمات كأنها سواد ~~الليل ، ورعد يصم الآذان ، وبرق يخطف الأبصار ؛ وصواعق تحرق ما تصيبه. # ثم قال تعالى : ( @QUR@08 يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت ). PageV01P066 # الصواعق : جمع صاعقة من الصعق وهو شدة الصوت الذي يصحبه غالبا قطعة من ~~نار لا تأتى على شيء إلا أهلكته. # (ومن) في قوله تعالى : ( @QUR@02 من الصواعق ) للتعليل. وإنما كانت ~~الصواعق داعية إلى سدهم آذانهم بأصابعهم ، من جهة أنها قد تفضى بصوتها ~~الهائل إلى الموت ، وجاء هذا مصرحا به في قوله تعالى ( @QUR@02 حذر الموت ). # والمعنى : يسدون آذانهم من أجل الصواعق خوفا من أن تقتلهم بشدة صوتها. # ومن المعروف أن الذي يجعل في الآذان عند الفزع بعض الأصابع لا كلها ، إلا ~~أنه عبر بالأصابع مبالغة في فرط فزعهم وشدة اضطرابهم ، ومسايرة للمألوف في ~~اللغة من نسبة ما يكون لبعض الشيء إلى ذلك الشيء ، حيث يكون المراد جليا ~~واضحا. وهو مجاز مرسل من باب إطلاق الكل وإرادة البعض. # وقوله : ( @QUR@02 حذر الموت ) يدل على أنهم لم يموتوا من تلك المفزعات ~~وهذه المروعات. إمدادا في عذابهم. ومطاولة في نكالهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 والله محيط بالكافرين ) جملة معترضة في أثناء ~~ضرب المثل بذوي الصيب. # وإحاطته سبحانه بالكافرين على معنى أنهم لا مهرب لهم منه ، فهو محيط بهم ~~إحاطة تامة وهو قادر على النكال بهم متى شاء وكيف شاء. # ولم يقل محيط بهم مع تقدم مرجع الضمير وهو أصحاب الصيب ، إيذانا بأنهم ~~إنما استحقوا ذلك العذاب بكفرهم. # ثم قال تعالى : ( @QUR@04 يكاد البرق يخطف أبصارهم ). # يكاد من الأفعال التي تدخل على اسم يسند اليه فعل بعده ms0062 نحو ( @QUR@02 ~~البرق يخطف ). فتدل على أن المسند إليه وهو البرق قد قارب أن يقع منه ~~الفعل وهو خطف الأبصار. # والخطف : الأخذ بسرعة. والأبصار : جمع بصر ، وهو قوة مودعة في العين يدرك ~~بها الألوان والأشكال. # والمعنى : أن البرق لشدة لمعانه يقرب من أن يخطف أبصارها ، وهو تصوير ~~بليغ لشدة ذلك البرق ، وترك بيان شدة الرعد اكتفاء بما ذكره في جانب البرق ~~، ولم يذكر توقيهم للأعين بوضع شيء عليها اكتفاء بما ذكره في توقى الآذان ~~أو لأنهم شغلوا بالآذان عن الأعين. # وقوله تعالى : ( @QUR@09 كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ) ~~وصف رائع لما يصنعه PageV01P067 # أهل الصيب في حالتي ظهور البرق واختفائه. # وكل ظرف ، وما مصدرية ولاتصالها بكل أفادت الشرط والعامل فيها هو جوابها ~~وهو ( @QUR@01 مشوا ) و ( @QUR@01 أضاء ) بمعنى لمع ، و ( @QUR@01 أظلم ) ~~من الإظلام وهو اختفاء النور. و ( @QUR@01 قاموا ) أى وقفوا وثبتوا في ~~مكانهم. من قام الماء إذا جمد. ويقال : قامت الدابة إذا وقفت. # والمعنى : أنهم إذا صادفوا من البرق وميضا انتهزوا ذلك الوميض فرصة ، ~~فخطوا خطوات يسيرة ، وإذا خفى لمعانه وقفوا في مكانهم ، فالجملة الكريمة ~~تدل على فرط حرصهم على النجاة من شدة ما هم فيه من أهوال. # ثم قال تعالى : ( @QUR@06 ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم ). # لو : أداة شرط ، وشاء بمعنى أراد. أى : لو أراد الله أن يذهب بسمعهم ~~وأبصارهم لزاد في قصف الرعد فأصمهم ، وفي ضوء البرق فأعماهم. أو يقال : إن ~~قصف الرعد ولمعان البرق المذكورين في المثل سببان كافيان لأن يذهبا بسمع ~~ذوى الصيب وأبصارهم لو شاء الله ذلك. فيكون قوله تعالى : ( @QUR@04 ولو شاء ~~الله لذهب )، إشعارا بأن تأثير الأسباب في مسبباتها إنما هو بإرادته تعالى . # وخص السمع والبصر بالذهاب مع أنها من جملة مشاعرهم ، لأهميتها. ولأنها هي ~~التي سبق ذكرها ، أو من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى ، لأنه إذا كان ~~قادرا على إذهاب ما حافظوا عليه ، كان قادرا على غيره من باب أولى. # ثم ختم الآية بقوله تعالى ( @QUR@06 إن الله على كل شيء قدير ). # الشيء في ms0063 أصل اللغة كل ما يصح أن يعلم ويخبر عنه ، ويحمل في هذه الآية ~~على الممكن خاصة موجودا كأن أو معدوما ، لأن القدرة إنما تتعلق بالممكنات ~~دون الواجب والمستحيل. # والقدير : الفعال لما يريد ، يقال : قدره على الشيء أقدره قدرة وقدرا. # وهذه الجملة الكريمة بمنزلة الاستدلال على ما تضمنته الجملة السابقة من ~~أن الله تعالى قادر على أن يذهب بأسماع أصحاب الصيب وأبصارهم متى شاء. # وتطبيق هذا المثل على المنافقين يقال فيه : إن أصحاب الصيب لضعفهم وخورهم ~~لا يطيقون سماع الرعد الهائل ، ولا يستطيعون فتح أعينهم في البرق اللامع ، ~~فيجعلون أصابعهم في آذانهم فزعا من قصف الرعد ، وخوفا من صواعق تجلجل فوق ~~رءوسهم فتدعهم حصيدا خامدين ، وكذلك حال هؤلاء المنافقين فإنهم لضعف ~~بصائرهم ، وانطماس عقولهم ، تشتد عليهم زواجر القرآن ووعيده وتهديده ~~وأوامره ونواهيه ، فتشمئز قلوبهم ويصرفون عنه أسماعهم PageV01P068 # خشية أن تتلى عليهم آيات تقع على أسماعهم وقع الصواعق المهلكة. # قال ابن كثير : «وذهب ابن جرير ومن تبعه من المفسرين إلى أن هذين المثلين ~~مضروبان لصنف واحد من المنافقين ، وتكون «أو» في قوله تعالى ( @QUR@02 أو ~~كصيب ) بمعنى الواو ، كقوله تعالى «ولا تطع منهم آثما أو كفورا» أو تكون ~~للتخيير ، أى ، اضرب لهم مثلا بهذا وإن شئت بهذا ، أو للتساوى مثل : جالس ~~الحسن أو ابن سيرين. قلت : وهذا يكون باعتبار أجناس المنافقين ، فإنهم ~~أصناف ولهم أحوال وصفات كما ذكرها الله تعالى في سورة براءة بقوله : ( ~~@QUR@05 ومنهم من يقول ائذن لي ). ( @QUR@04 ومنهم من عاهد الله ). ( ~~@QUR@05 ومنهم من يلمزك في الصدقات ). إلخ. فجعل هذين المثلين لصنفين منهم ~~أشد مطابقة لأحوالهم وصفاتهم (1).» # هذا ، ويرى فضيلة المرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز. أن المثلين ~~لطائفتى الكافرين والمنافقين ، فالمثل الأول وهو قوله تعالى «مثلهم كمثل ~~الذين استوقد نارا» ينطبق تمام الانطباق على الأوصاف التي ذكرها الله ~~للكافرين وأن الذي ينطبق على صفات المنافقين إنما هو المثل الثاني وحده وهو ~~قوله تعالى ( @QUR@08 أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق .. ) فقد ضرب ~~الله لكلتا الطائفتين مثلا يناسبها. # قال فضيلته : فضرب ms0064 مثلا للمصرين المختوم على قلوبهم بقوم كانوا يسيرون في ~~ظلام الليل فيهم رجل استوقد لهم نارا يهتدون بضوئها ، فلما أضاءت ما حوله ~~لم يفتح بعض القوم أعينهم لهذا الضوء الباهر ، بل لأمر ما سلبوا نور ~~أبصارهم ، وتعطلت سائر حواسهم عند هذه المفاجأة ، فذلك مثل النور الذي طلع ~~به محمد صلى الله عليه وسلم في تلك الأمة على فترة من الرسل ، فتفتحت له ~~البصائر المستنيرة هنا وهناك ، لكنه لم يوافق أهواء المستكبرين الذين ألفوا ~~العيش في ظلام الجاهلية ، فلم يرفعوا له رأسا بل نكسوا على رؤسهم ، ولم ~~يفتحوا له عينا بل خروا عليه صما وعميانا. # وضرب مثلا للمترددين المخادعين بقوم جاءتهم السماء بغيث منهمر في ليلة ~~ذات رعد وبرق ، فأما الغيث فلم يلقوا له بالا ولم ينالوا منه نيلا ، فلا ~~شربوا منه قطرة ، ولا استنبتوا به ثمرة .. وأما تلك التقلبات الجوية من ~~الظلمات والرعد والبرق فكانت هي مثار اهتمامهم ، ومناط تفكيرهم ، ولذلك ~~جعلوا يترصدونها ، ويدبرون أمورهم على وفقها ، لابسين لكل حال لبوسها : ~~سيرا تارة ، ووقوفا تارة ، واختفاء تارة أخرى. # فكانوا إذا رأوا عرضا قريبا وسفرا قاصدا وبرقت لهم (بروق) الأمل في ~~الغنيمة ساروا مع PageV01P069 # المؤمنين جنبا إلى جنب ، وإذا دارت رحا الحرب وانقضت صواعقها منذرة ~~بالموت والهزيمة أخذوا حذرهم وفروا من وجه العدو قائلين «إن بيوتنا عورة» ~~حتى إذا كانت الثالثة فلم يلمحوا من الآمال بارقة ولم يتوقعوا من الآلام ~~صاعقة ، بل اشتبهت عليهم الأمور فهناك يقفون متربصين لا يتقدمون ولا ~~يتأخرون ، ولكن يلزمون شقة الحياد ريثما تنقشع سحابة الشك ( @QUR@021 فإن ~~كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم ، وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم ~~نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين ). # ذلك دأب المنافقين في كل أمرهم ، إن توقعوا ربحا عاجلا التمسوه في أى صف ~~وجدوه ، وإن توقعوا أذى كذلك تنكروا للفئة التي ينالهم في سبيلها شيء مكروه ~~؛ وإذا أظلم عليهم الأمر قاموا بعيدا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ؛ أما ~~الذي يؤمن بالله واليوم الآخر فإن له قبلة واحدة يولى ms0065 وجهه شطرها ، هي قبلة ~~الحق لا يخشى فيها لومة لائم : # وليس يبالى حين يقتل مسلما %~% على أى جنب كان في الله مصرعه (1). # هذا هو رأى فضيلة الدكتور دراز ، وهو رأى مستساغ يتمشى مع روح الآيات ~~وأهداف السورة ، وأياما كان فالمثلان يصوران أحوال المبطلين بصورة حسية ~~واضحة تتجلى فيها بلاغة القرآن الكريم في إبراز المعاني المعقولة في صورة ~~محسة واضحة من شأنها أن تهدى الناس إلى طريق الحق والرشاد. # وبعد أن بينت السورة الكريمة أقسام الناس الثلاثة ، وعاقبة كل قسم منهم ، ~~ساقت لهم نداء عاما دعتهم فيه إلى عبادة الله وحده ، قال تعالى : # ( @QUR@012 يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم ~~تتقون (21) @QUR@023 الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من ~~السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم ~~تعلمون ) (22) PageV01P070 # ففي هاتين الآيتين توجيه للناس إلى الأمر الذي خلقوا من أجله وهو عبادة ~~الله دون ما سواه ، وبيان البراهين الساطعة التي تدل على وحدانية الله ~~وعظيم قدرته. # و «يا» حرف نداء وهو أكثر حروف النداء استعمالا ، فهو أصل حروف النداء. # و «أى» اسم مبهم لكن يزول إبهامه بالاسم المقصود بالنداء الذي يأتى بعده. # و «ها» المتصلة به مؤكدة للتنبيه المستفاد من النداء. # و «العبادة» الخضوع البالغ الغاية. # وقد كثر النداء في القرآن الكريم بهذه الطريقة لما فيها من التأكيد الذي ~~كثيرا ما يقتضيه المقام. # وفي ذكره تعالى باسم الرب ، وإضافته إلى المخاطبين ، تقوية لداعية ~~إقبالهم على عبادته. # فإن الإنسان إذا اتجه بفكره إلى معنى كون الله مالكا له ، أو مربيا له ~~وتذكر ما يحفه به من رفق ، وما يجود به عليه من إنعام ، لم يلبث أن يخصه ~~بأقصى ما يستطيع من الخضوع والخشوع والإجلال. # وإفراد اسم الرب دل على أن المراد رب جميع الخلق وهو الله تعالى ، إذ ليس ~~ثمة رب يستحق هذا الاسم بالإفراد والإضافة إلى جميع الناس إلا الله. # ثم بين سبحانه الموجبات التي من شأنها أن تحملهم على عبادته وحده ms0066 فقال ~~«الذي خلقكم والذين من قبلكم». # والخلق : أصله الإيجاد على تقدير وتسوية ، ويطلق في القرآن وفي عرف ~~الشريعة على إيجاد الأشياء المعدومة ، فهو إخراجها من العدم إلى الوجود ~~إخراجا لا صنعة فيه للبشر. # والمعنى : اجعلوا أيها الناس عبادتكم لله تعالى وحده ، لأنه هو الذي ~~أوجدكم في أحسن تقويم بعد أن كنتم في عدم ، كما أوجد الذين تقدموكم. # وقدم وصفه بخلق المخاطبين مع أنه متأخر بالزمان عن خلق من تقدموهم ، لأن ~~علم الإنسان بأحوال نفسه أظهر من علمه بأحوال غيره. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 والذين من قبلكم ) فيه رد على الدهريين من ~~المخاطبين الذين يزعمون أنهم إنما خلقهم آباؤهم فقالوا ما هي إلا حياتنا ~~الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر. # فكان قوله : ( @QUR@03 والذين من قبلكم ) تذكيرا لهم بأن آباءهم الأولين ~~لا بد أن ينتهوا إلى أب أول قد خلقه الله تعالى. PageV01P071 # وجملة «لعلكم تتقون» تعليل للأمر بالعبادة ، ولذلك فصلت. # و «لعل» حرف موضوع ليدل على الترجي ، وهو توقع حصول الشيء عند ما يحصل ~~سيبه وتنتفى موانعه. والشيء المتوقع حصوله في الآية هو التقوى وسببه ~~العبادة ، إذ بالعبادة يستعد الإنسان لأن يبلغ درجة التقوى وهي الفوز ~~بالهدى والفلاح ، والترجي قد يكون من جهة المتكلم وهو الشائع وقد تستعمل ~~لعل في الكلام على أن يكون الترجي مصروفا للمخاطب ، فيكون المترجى هو ~~المخاطب لا المتكلم ، وعلى هذا الوجه يحمل الترجي في هذه الآية ، لاستحالة ~~توقع حصول الشيء من عالم الغيب والشهادة ، لأن توقع الإنسان لحصول الشيء هو ~~أن يكون مترددا بين الوقوع وعدمه مع رجحان الوقوع ، وعليه فيكون المعنى : ~~اعبدوا ربكم راجين أن تكونوا من المتقين ، الذين بلغوا الغاية في الهدى ~~والفلاح. # ثم أضاف سبحانه أسبابا أخرى تحمل الناس على عبادته وطاعته فقال : ( ~~@QUR@05 الذي جعل لكم الأرض فراشا ). # الفراش : ما يفترشه الإنسان ليستقر عليه بنحو الجلوس أو المنام. أى : ~~اجعلوا عبادتكم لله الذي صير الأرض لأجلكم مهادا كالبساط المفروش ، فذللها ~~لكم ولم يجعلها صعبة غليظة ، لكي يتهيأ لكم الاستقرار عليها. والتقلب في ~~مناكبها ، والانتفاع بما ms0067 أودع الله في باطنها من خيرات. # وتصوير الأرض بصورة الفراش لا ينافي كونها كروية ، لأن الكرة إذا عظمت ~~جدا كانت القطعة منها كالسطح في إمكان الانتفاع بها. # ( @QUR@02 والسماء بناء ) يقال لسقف البيت بناء أى : جعل السماء كالسقف ~~للأرض ، لأنها تظهر كالقبة المضروبة فوقها كما قال تعالى ( @QUR@08 وجعلنا ~~السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون ). # وقدم خلق الأرض على خلق السماء لأن الأرض أقرب إلى المخاطبين ، وانتفاعهم ~~بها أظهر وأكثر من انتفاعهم بالسماء. # قال بعض الأدباء : «إذا تأملت هذا العالم وجدته كالبيت المعد فيه كل ما ~~يحتاج إليه ، فالسماء مرفوعة كالسقف ، والأرض ممدودة كالبساط ، والنجوم ~~منورة كالمصابيح ، والإنسان كما لك البيت المتصرف فيه وضروب النبات مهيأة ~~لمنافعه ، وضروب الحياة مصروفة لمصالحه «فهذه جملة واضحة دالة على أن ~~العالم مخلوق بتدبير كامل ، وتقدير شامل ، وحكمة بالغة ، وقدرة غير ~~متناهية». PageV01P072 # ثم قال تعالى ( @QUR@010 وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا ~~لكم ): # السماء : السحاب. والثمرات : ما ينتجه الشجر. والرزق : ما يصلح لأن ينتفع ~~به. والباء في. (به) للسببية. # أى : أنه جعل الماء سببا في خروج الثمرة ، وهو القادر على أن ينشئها بلا ~~سبب كما أنشأ الأسباب. # وأورد ( @QUR@01 ماء ) و ( @QUR@01 رزقا ) في صيغة التنكير التي تستعمل ~~عند إرادة بعض أفراد المعنى الذي وضع له اللفظ لغة ، وذلك لأن من الماء ما ~~لم ينزل من السماء ، ومن الرزق ما لا يكون من الثمرات. فمعنى الجملة ~~الكريمة : أنزل من السماء بعض الماء ، فأخرج به من الثمرات بعض ما يكون ~~رزقا لكم. # ثم قال تعالى ( @QUR@06 فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ). # الأنداد : جمع ند ، وهو مثل الشيء الذي يضاده وينافره ويتباعد عنه. # وأصله من : ند البعير يند ندا وندادا وندا ، إذا تفرد وذهب على وجهه شاردا. # والمعنى : فلا تجعلوا لله أمثالا ونظراء تعبدونها وتسمونها آلهة ، ~~وتعتقدون فيها النفع والضر ، وتجعلون لها ما لله تعالى وحده ، وأنتم تعلمون ~~أنها أشياء لا يصح جعلها أندادا مساوية له تعالى ( @QUR@02 وأنتم تعلمون ) ~~أى : وأنتم من ذوى العلم والنظر ، فلو تأملتم ms0068 أدنى تأمل لانصرفتم بقوة إلى ~~عبادة الله وحده. ولتركتم الإشراك به. # وصدرت الجملة الكريمة بالفاء لترتبها على الكلام السابق ، المترتب على ~~الأمر بعبادة الله وحده. # وسمى القرآن الشركاء المزعومين أندادا تهكما بالعابدين لها ، ولأن ~~المشركين لما تركوا عبادة الله إلى عبادة الأوثان ، وسموها آلهة شابهت ~~حالهم حال من يعتقد أنها آلهة ، قادرة على مخالفته ومضادته ، وذلك معنى ~~جعلها أندادا الذي هو مصب النهى في الآية. # وجملة (وأنتم تعلمون)، حالية ، ومفعول تعلمون متروك ، لأن الفعل لم يقصد ~~تعليقه بمفعول ، بل قصد إثباته لفاعله فقط فنزل منزلة اللازم ، وفي هذه ~~الجملة مبالغة في زجرهم عن عبادة الأوثان من دون الله ، لأن ارتكاب الباطل ~~من الجاهل قبيح ، وهو من العالم ببطلانه أشد قبحا ، وأدعى إلى أن يقابل ~~بأغلظ ألوان الإنكار. كما أن فيها إثارة لهممهم ليقلعوا عن عبادة غير الله ~~، فإن من كان من ذوى العلم لا يصح منه أن يفعل أفعال من لا عقل له ، وهذا ~~لون جليل من ألوان التربية ، فإن من سمات المربى الناجح أن يجمع بين القسوة ~~في النهى عن القبيح ، وبين إثارة همة الموعوظ حتى لا يقتل همته باليأس ، ~~لأن الإنسان إذا ساءت ظنونه بنفسه PageV01P073 # خارت عزيمته ، وفترت همته. # هذا ، وقد استفاضت الأحاديث النبوية التي تدعو إلى توحيد الله ، وتنهى عن ~~الإشراك ، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال : قلت يا ~~رسول الله أى الذنب أعظم عند الله؟ (قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك). # قال الإمام ابن كثير : وهذه الآية دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده ~~لا شريك له ، فإن من تأمل هذه الموجودات السفلية والعلوية واختلاف أشكالها ~~وألوانها وطباعها ومنافعها ، علم قدرة خالقها وحكمته وعلمه وإتقانه وعظيم ~~سلطانه ، كما قال بعض الأعراب وقد سئل : ما الدليل على وجود الله تعالى ؟ ~~فقال : يا سبحان الله!! إن البعر ليدل على البعير ؛ وإن أثر القدم يدل على ~~المسير ، فسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج ، وبحار ذات أمواج ، ألا يدل هذا ~~على وجود اللطيف الخبير) ms0069 (1). # وبعد أن ساق سبحانه في هاتين الآيتين البراهين الساطعة الدالة على ~~وحدانية الله ؛ ونفى عقيدة الشرك ، أورد بعد ذلك الدلائل الدالة على صدق ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه ، وعلى أن هذا القرآن ليس من صنع ~~بشر ، وإنما هو كلام واهب القوى والقدر فقال تعالى : # ( @QUR@020 وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ~~وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين (23) @QUR@013 فإن لم تفعلوا ~~ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين ) (24) # ففي هاتين الآيتين انتقال لإثبات الجزء الثاني من جزأى الإيمان ، وهو صدق ~~النبي صلى الله عليه وسلم في رسالته ، بعد أن تم إثبات الجزء الأول من ذلك وهو ~~وحدانية الله تعالى وعظيم قدرته. # والمعنى : إن رتبتم أيها المشركون في شأن هذا القرآن الذي أنزلناه على ~~عبدنا محمد على مهل وتدريج ، فأتوا أنتم بسورة من مثله في سمو الرتبة ، ~~وعلو الطبقة واستعينوا على ذلك بآلهتكم وبكل من تتوقعون منهم العون ، ~~ليساعدوكم في مهمتكم ، أو ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بما يماثله ، إن كنتم ~~صادقين في زعمكم أنكم تقدرون على معارضة القرآن الكريم. PageV01P074 # والمقصود بقوله : ( @QUR@08 وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ... ) ~~نفى الريب عن المنزل عليه وهو محمد صلى الله عليه وسلم بنفيه عن المنزل وهو ~~القرآن الكريم. # والتعبير عن اعتقادهم في حقه بالريب للإيذان بأن أقصى ما يمكن صدوره عنهم ~~هو الارتياب في شأنه ، أو للتنبيه على أن كلامهم في شأن القرآن هو بمنزلة ~~الريب الضعيف لكمال وضوح الدلائل الدالة على أن القرآن من عند الله تعالى . # وعبر بقوله : ( @QUR@04 وإن كنتم في ريب ) ولم يقل : وإن ارتبتم فيما ~~نزلنا ، للإشارة إلى أن ذات القرآن لا يتطرق إليها ريب ، ولا يطير إلى ~~أفقها شرارة من شك ، وأنه إن أثير حوله أى شك فمرجعه إلى انطماس بصيرتهم ، ~~وضعف تفكيرهم ، واستيلاء الحقد والعناد على نفوسهم. # وأتى بإن المفيدة للشك مع أن كونهم في ريب مما نزل على النبي ~~صلى الله عليه وسلم ms0070 أمر محقق ، تنزيلا للمحقق منزلة المشكوك فيه ، وتنزيها ~~لساحة القرآن عن أن يتحقق الشك فيه من أى أحد ، وتوبيخا لهم على وضعهم ~~الأمور في غير مواضعها. # ووجه الإتيان بفي الدالة على الظرفية ، للإشارة إلى أنهم قد امتلكهم ~~الريب وأحاط بهم إحاطة الظرف بالمظروف. # وقال ( @QUR@01 نزلنا ) دون أنزلنا ، لأن المراد النزول على سبيل التدريج ~~، ومن المعروف أن القرآن قد نزل منجما في مدة تزيد على عشرين سنة. # قال صاحب الكشاف : (فإن قلت : لم قيل : (مما نزلنا) على لفظ التنزيل دون ~~الإنزال؟ قلت : لأن المراد النزول على سبيل التدريج والتنجيم وذلك أنهم ~~كانوا يقولون : لو كان هذا القرآن من عند الله ، لم ينزل هكذا نجوما سورة ~~بعد سورة ، وآيات عقب آيات ، على حسب النوازل ، وعلى سنن ما نرى عليه أهل ~~الخطابة والشعر من وجود ما يوجد منهم مفرقا حينا فحينا حسب ما يعن لهم من ~~الأحوال المتجددة ... فقيل لهم : إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله هكذا ~~على مهل وتدريج ، فهاتوا أنتم نوبة واحدة من نوبه ، وهاتوا نجما فردا من ~~نجومه : سورة من أصغر السور ، أو آيات شتى مفترقات ، وهذا غاية التبكيت ~~ومنتهى إزاحة العلل) (1) ا ه ملخصا. # والمراد بالعبد في قوله تعالى : ( @QUR@02 على عبدنا ) محمد ~~صلى الله عليه وسلم وفي إضافته إلى الله تعالى تنبيه على شرف منزلته عنده ، ~~واختصاصه به. # وفي ذكره صلى الله عليه وسلم باسم العبودية ، تذكير لأمته بهذا المعنى ، حتى ~~لا يغالوا في تعظيمه فيدعوا PageV01P075 # ألوهيته كما غالت بعض الفرق في تعظيم أنبيائها أو زعمائهم فادعت ~~ألوهيتهم. # والسورة : الطائفة من القرآن المسماة باسم خاص ، والتي أقلها ثلاث آيات ، ~~والضمير في قوله (من مثله) يعود على المنزل وهو القرآن. # والمراد من مثل القرآن : ما يشابهه في حسن النظم ، وبراعة الأسلوب وحكمة ~~المعنى. وهذا الوجه من الإعجاز يتحقق في كل سورة. # وقيل : إن الضمير في قوله (من مثله) يعود على المنزل عليه القرآن ، وهو ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولكن الرأى الأول أرجح. # قال الإمام الرازي ما ملخصه : وعود ms0071 الضمير إلى القرآن أرجح لوجوه : # أحدها : أن ذلك مطابق لسائر الآيات الواردة في باب التحدي لا سيما ما ~~ذكره في سورة يونس من قوله : ( @QUR@03 فأتوا بسورة مثله .. ). # وثانيها : أن البحث إنما وقع في المنزل وهو القرآن ، لأنه قال : ( ~~@QUR@06 وإن كنتم في ريب مما نزلنا .. ) فوجب صرف الضمير إليه ، ألا ترى أن ~~المعنى ، وإن ارتبتم في أن القرآن منزل من عند الله فهاتوا أنتم شيئا مما ~~يماثله ، وقضية الترتيب لو كان الضمير مردودا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يقال : وإن ارتبتم في أن محمدا منزل عليه فهاتوا قرآنا مثله. # وثالثها : أن الضمير لو كان عائدا إلى القرآن لاقتضى كونهم عاجزين عن ~~الإتيان بمثله سواء اجتمعوا أو انفردوا وسواء كانوا أميين أو عالمين ، أما ~~لو كان عائدا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فذلك لا يقتضى إلا كون آحادهم من ~~الأميين عاجزين عنه ، لأنه لا يكون مثل محمد إلا الشخص الأمى ، فأما لو ~~اجتمعوا وكانوا قارئين لم يكونوا مثل محمد ، لأن الجماعة لا تماثل الواحد. ~~والقارئ لا يكون مثل الأمى ، ولا شك أن الإعجاز على الوجه الأول أقوى. # ورابعها : أننا لو صرفنا الضمير إلى محمد صلى الله عليه وسلم لكان ذلك يوهم ~~أن صدور مثل القرآن مما لم يكن مثل محمد في كونه أميا ممكن ، ولو صرفناه ~~إلى القرآن لدل ذلك على أن صدور مثله من الأمى ومن غير الأمى ممتنع فكان ~~هذا أولى) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@05 وادعوا شهداءكم من دون الله ) معطوف على قوله : ~~( @QUR@02 فأتوا بسورة ). # وادعوا : من الدعاء ، والمراد به هنا : طلب حضور المدعو أى : نادوهم. # وشهداءكم : أى : آلهتكم ، جمع شهيد وهو القائم بالشهادة ، فقد كانوا ~~يزعمون أن آلهتهم PageV01P076 # تشهد لهم يوم القيامة بأنهم على حق. وقيل : الشهداء جمع شهيد بمعنى ~~الحاضر أو الناصر أو الإمام ، وكأنه سمى به لأنه يحضر المجالس وتبرم بمحضره ~~الأمور. # ودون : بمعنى غير : وتطلق في أصل اللغة على أدنى مكان من الشيء ، ومنه ~~تدوين الكتب لأنه إدناء البعض من البعض ، ودونك هذا أى ms0072 : خذه من أدنى مكان ~~منك ، ثم استعير للتفاوت في الرتب فقيل : زيد دون عمرو أى : في الشرف ، ~~ومنه الشيء الدون ، ثم اتسع فيه فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد ، وتخطى أمر ~~إلى أمر. # قال الجمل : (والمعنى): وادعوا إلى المعارضة من حضركم أو رجوتم معونته ~~من إنسكم وجنكم وآلهتكم غير الله ، فإنه لا يقدر على أن يأتى بمثله إلا ~~الله .. ، أو ادعوا من دون الله شهداء يشهدون لكم بأن ما أتيتم به مثله ، ~~ولا تستشهدوا بالله ، فإن الاستشهاد به من عادة المبهوت العاجز عن إقامة ~~الحجة ، أو شهداءكم الذين اتخذتموهم من دون الله آلهة وزعمتم أنها تشهد لكم ~~يوم القيامة (1)...). # وفي أمرهم بدعوة أصنامهم وهي جماد ، وفي تسميتها شهداء مع إضافتها إليهم ~~مع أنها لا تعقل ولا تنطق ، في كل ذلك أقوى ألوان التهكم ، لكي يثير في ~~نفوسهم من الألم ما قد يكون سببا لتنبيههم إلى جهلهم ، وانصرافهم عن ~~ضلالهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 إن كنتم صادقين ) جملة معترضة في آخر الكلام ~~وجواب الشرط محذوف دل عليه الكلام السابق دلالة واضحة حتى صار ذكره في نظم ~~الكلام مما ينزل به عن مرتبة البلاغة. # والمعنى : إن كنتم صادقين في زعمكم أنكم تقدرون على معارضة القرآن فأتوا ~~بسورة من مثله. وادعوا آلهتكم وبلغاءكم وجميع البشر ليعينوكم أو ليشهدوا ~~لكم أنكم أتيتم بما يماثله في حكمة معانيه وحسن بيانه. # وفي هذه الآية الكريمة إثارة لحماستهم ، إذ عرض بعدم صدقهم ، فتتوفر ~~دواعيهم على المعارضة التي زعموا أنهم أهل لها. # ثم قال تعالى : ( @QUR@011 فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي ~~وقودها الناس والحجارة ). # المعنى : فإن لم تفعلوا أى : تعارضوا القرآن ، وتبين لكم أن أحدا لا ~~يستطيع معارضته ، فخافوا العذاب الذي أعده الله للجاحدين وهو النار التي ~~وقودها الناس والحجارة». # والوقود : ما يلقى في النار لإضرامها كالحطب ونحوه ، والحجارة : الأصنام ~~التي كانوا PageV01P077 # يعبدونها من دون الله كما قال تعالى : ( @QUR@011 إنكم وما تعبدون من دون ~~الله حصب جهنم أنتم لها واردون ). # واقتران المشركين بما كانوا يعبدون في النار ms0073 مبالغة في إيلامهم وتحسيرهم ~~والاقتصار على ذكر الناس والحجارة لا يؤخذ منه أن ليس في النار غيرهما ~~بدليل ما ذكر في مواضع أخرى من القرآن أن الجن والشياطين يدخلونها. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : انتفاء إتيانهم بالسورة واجب فهلا جيء ب ~~«إذا» الذي للوجوب دون «ان» الذي للشك؟ قلت : فيه وجهان : # أحدهما : أن يساق القول معهم على حسب حسبانهم وطمعهم ، وأن العجز عن ~~المعارضة كان قبل التأمل كالمشكوك فيه لديهم لاتكالهم على فصاحتهم ~~واقتدارهم على الكلام. # والثاني : أن يتهكم بهم كما يقول الموصوف بالقوة الواثق من نفسه بالغلبة ~~على من يعاديه : إن غلبتك لم أبق عليك وهو يعلم أنه غالبه ويتيقنه تهكما به (1). # وقال : فإن لم تفعلوا ، ولم يقل فإن لم تأتوا بسورة من مثله ، لأن قوله ( ~~@QUR@03 فإن لم تفعلوا ) جار مجرى الكناية التي تعطى اختصارا ووجازة تغنى ~~عن طول المكنى عنه ، ولأن الإتيان ما هو إلا فعل من الأفعال ، تقول : أتيت ~~فلانا. فيقال لك : نعم ما فعلت. # وجملة ( @QUR@02 ولن تفعلوا ) جملة معترضة بين الشرط والجزاء ، جيء بها ~~لتأكيد عجزهم عن معارضته. فإن في نفيها في المستقبل بإطلاق تأكيدا لنفيها ~~في الحال. # قال الإمام الرازي : (فإن قيل : فما معنى اشتراطه في اتقاء النار انتفاء ~~إتيانهم بسورة من مثله؟ فالجواب أنه إذا ظهر عجزهم عن المعارضة صح عندهم ~~صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا صح ذلك ثم لزموا العناد استوجبوا ~~العقاب بالنار ، فاتقاء النار يوجب ترك العناد ، فأقيم المؤثر مقام الأثر ، ~~وجعل قوله : ( @QUR@02 فاتقوا النار ) قائما مقام قوله فاتركوا العناد ، ~~وهذا هو الإيجاز الذي هو أحد أبواب البلاغة ، وفيه تهويل لشأن العناد ، ~~لإنابة اتقاء النار منابه متبعا ذلك بتهويل صفة النار) (2). # ومعنى ( @QUR@02 أعدت للكافرين ) هيئت لهم ، لأنهم الذين يخلدون فيها ، ~~أو أنهم خصوا بها وإن كانت معدة للفاسقين أيضا لأنه يريد بذلك نارا مخصوصة ~~لا يدخلها غيرهم كما قال تعالى ( @QUR@07 إن المنافقين في الدرك الأسفل من ~~النار ). PageV01P078 # وفي هذه الآية الكريمة معجزة من نوع الإخبار بالغيب ، إذ لم تقع ms0074 المعارضة ~~من أحد في أيام النبوة وفيما بعدها إلى هذا العصر. # قال صاحب الكشاف : (فإن قلت : من أين لك أنه إخبار بالغيب على ما هو عليه ~~حتى يكون معجزة؟ قلت : لأنهم لو عارضوه بشيء لم يمتنع أن يتواصفه الناس ~~ويتناقلوه ، إذ خفاء مثله فيما عليه مبنى العادة محال ، لا سيما والطاعنون ~~فيه أكثف عددا من الذابين عنه ، فحين لم ينقل علم أنه إخبار بالغيب على ما ~~هو به ، فكان معجزة) (1). # وقال بعض العلماء : (هذه الآية الجليلة من جملة الآيات التي صدعت بتحدى ~~الكافرين بالتنزيل الكريم). وقد تحداهم الله في غير موضع منه فقال في سورة ~~القصص : # ( @QUR@013 قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم ~~صادقين ) وقال في سورة الإسراء : ( @QUR@019 قل لئن اجتمعت الإنس والجن على ~~أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) وقال ~~في سورة يونس : ( @QUR@016 أم يقولون افتراه ، قل فأتوا بسورة مثله وادعوا ~~من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ). وكل هذه الآيات مكية. # ثم تحداهم أيضا في المدينة بهذه الآية ( @QUR@04 وإن كنتم في ريب ).. ~~إلخ. فعجزوا عن آخرهم ، وهم فرسان الكلام ، وأرباب النظام ، وقد خصوا من ~~البلاغة والحكم ما لم يخص به غيرهم من الأمم ، جعل الله لهم ذلك طبعا وخلقة ~~وفيهم غريزة وقوة. يأتون منه على البديهة بالعجب ويدلون به إلى كل سبب ، ~~فيخطبون ، ويمدحون ، ويقدحون ، ويتوسلون ، ويتوصلون ، ويرفعون ، ويضعون ، ~~فيأتون بالسحر الحلال ... ومع هذا فلم يتصد لمعارضة القرآن منهم أحد ، ولم ~~ينهض لمقدار سورة منه ناهض من بلغائهم ، ولم ينبض منهم عرق العصبية مع ~~اشتهارهم بالإفراط في المضارة والمضادة. وقد جرد لهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~الحجة أولا ، والسيف آخرا فلم يعارضوا إلا السيف وحده ، وما أعرضوا عن ~~معارضة الحجة إلا لعلمهم أنهم أعجز من المعارضة ، وبذلك يظهر أن في قوله ~~تعالى ( @QUR@02 ولن تفعلوا ) معجزة أخرى ، فإنهم ما فعلوا ، وما قدروا .... # وحيث عجز عرب ذلك العصر فما سواهم أعجز في هذا الأمر .... فدل على ms0075 أن ~~القرآن ليس من كلام البشر ، بل هو كلام خالق القوى والقدر أنزله تصديقا ~~لرسوله ، وتحقيقا لمقوله (2)... # وبعد أن ذكر القرآن الكفار ومآلهم ، عطف على ذلك ذكر المؤمنين وما يفوزون ~~به من نعيم PageV01P079 # في حياتهم الباقية ، كما هي سنة القرآن في الجمع بين الترغيب والترهيب ~~والوعد والوعيد فقال تعالى : # ( @QUR@034 وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا ~~به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون ) (25) # البشارة : الخبر السار فهو أخص من الخبر ، سمى بذلك لأن أثره يظهر على ~~البشرة وهي ظاهر جلد الإنسان ، والمأمور بالتبشير هو النبي صلى الله عليه وسلم ~~أو كل من يتأتى منه تفخيما لأمره ، وتعظيما لشأنه. # والصالحات : جمع صالحة وهي الفعلة الحسنة ، وهي من الصفات التي جرت مجرى ~~الأسماء في إيلائها العوامل. # والجنات : جمع جنة ، وهي كل بستان ذي شجر متكاثف ، ملتف الأغصان ، يظل ما ~~تحته ويستره ، من الجن وهو ستر الشيء عن الحاسة ، ثم صارت الجنة اسما شرعيا ~~لدار النعيم في الآخرة ، وهي سبع درجات : # جنة الفردوس ، وجنة عدن ، وجنة النعيم ، ودار الخلد ، وجنة المأوى ، ودار ~~السلام ، وعليون ... وتتفاوت منازل المؤمنين في كل درجة بتفاوت الأعمال ~~الصالحة. # والأنهار جمع نهر بفتح الهاء وسكونها والفتح أفصح وهو الأخدود الذي يجرى ~~فيه الماء على الأرض ، وهو مشتق من مادة نهر الدالة على الانشقاق والاتساع ~~، ويكون كبيرا أو صغيرا. # وأسند إليه الجري في الآية مع أن الذي يجرى في الحقيقة هو الماء ، أخذا ~~بفن معروف بين البلغاء ، وهو إسناد الفعل إلى مكانه ، توسعا في أساليب ~~البيان. # وقوله : «من تحتها» وارد على طريقة الإيجاز بحذف كلمة «أشجار» اعتمادا ~~على تبادرها إلى الذهن ، والمعنى : تجرى من تحت أشجارها الأنهار. ثم بين ~~سبحانه أحوال هؤلاء المؤمنين الصالحين فقال : # ( @QUR@012 كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا. قالوا هذا الذي رزقنا من قبل ). PageV01P080 # أى : إن سكان الجنة كلما رزقوا في الجنة ثمرة من ثمراتها ، وجدوها مثل ms0076 ~~الذي رزقوه فيها من قبل ، في بلوغه الغاية من حسن المنظر ولذة الطعم. # وفي هذا إشارة إلى أن ثمار الجنة متماثلة في حسن منظرها ، ولذة طعمها ~~بحيث لا تفضل ثمرة في ذلك على أخرى ، فجميع ثمرها يسر له القلب ، ويستحليه ~~الذوق ، وإن اختلفت المناظر والطعوم. # ثم قال تعالى ( @QUR@03 وأتوا به متشابها ) أى : يشبه بعضه بعضا في ~~الصورة والرائحة ، ويختلف في اللذة والطعم ، أو في المزية والحسن ، وعن ابن ~~عباس : «ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسامى» ؛ وهذه الجملة مؤكدة لما ~~قبلها في معنى أن كل ثمر يشابه ما قبله في حسن المنظر ولذة الطعم مشابهة لا ~~يفضل فيها ثمر على آخر ؛ بخلاف ثمر الدنيا ، فإنه يتفاوت في مناظره حسنا ، ~~وفي طعومه لذة. # ويرى بعض العلماء حمل قوله تعالى : ( @QUR@06 قالوا هذا الذي رزقنا من ~~قبل ) على تقدير : من قبل دخول الجنة ، أى هذا الذي رزقناه في الدنيا ، ~~وإلى هذا الرأى مال صاحب الكشاف فقد قال : «فإن قلت : كيف قيل. «هذا الذي ~~رزقنا من قبل؟ وكيف تكون ذات الحاضر عندهم في الجنة هي ذات الذي رزقوه في ~~الدنيا؟ قلت : معناه هذا مثل الذي رزقناه من قبل وشبهه ، بدليل قوله : ( ~~@QUR@03 وأتوا به متشابها ) فإن قلت : إلام يرجع الضمير في قوله : ( ~~@QUR@02 وأتوا به )؟ قلت : إلى المرزوق في الدنيا والآخرة جميعا ، لأن ~~قوله : «هذا الذي رزقنا من قبل» انطوى تحته ذكر ما رزقوه في الدارين. فإن ~~قلت : لأى غرض يتشابه ثمر الدنيا وثمر الجنة؟ قلت : لأن الإنسان بالمألوف ~~آنس ؛ وإلى المعهود أميل ، وإذا رأى ما لم يألفه نفر عن طبعه ، وعافته نفسه (1)». # ثم قال تعالى : ( @QUR@07 ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون ). # الأزواج : جمع زوج وهي المرأة يختص بها الرجل ، والضمير في «فيها» يعود ~~إلى الجنات. # والمعنى : أن لهؤلاء المؤمنين نساء مختصات بهم ، مطهرات غاية التطهير من ~~كل دنس وقذر ، حسى ومعنوي ، لا كنساء الدنيا ، وهم في هذه الجنات باقون على ~~الدوام ، لأن النعيم إنما يتم باطمئنان صاحبه على أنه دائم ، أما إذا كان ms0077 ~~محتملا للزوال فإن صاحبه يبقى منغص البال ، إذ سيتذكر أنه سيفقده في يوم من ~~الأيام ، فجملة «وهم فيها خالدون» جيء بها على سبيل الاحتراس من وهم ~~الانقطاع. PageV01P081 # وبعد هذا البيان الجامع عن أحوال المهتدين بهديه أو الناكبين عن صراطه ، ~~وما تخلل ذلك من المواعظ النافعة ، والتمثيلات الرائعة ، والبشارات الطيبة ~~لمن آمن وعمل صالحا ، بعد كل ذلك بين سبحانه أنه لا يعبأ أن يضرب مثلا بشيء ~~حقير أو غير حقير ، فقال تعالى : # ( @QUR@040 إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما ~~الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ما ذا أراد ~~الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين (26) ~~@QUR@020 الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن ~~يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون ) (27) # روى الواحدي في أسباب النزول عن ابن عباس أن الله تعالى لما أنزل قوله ~~تعالى ( @QUR@019 إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا ~~له ، وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ) وقوله تعالى : ( @QUR@011 ~~مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا ). # لما نزل قال المشركون : أرأيتم أى شيء يصنع بهذا؟! فأنزل الله ( @QUR@011 ~~إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها .. ). # وروى عن الحسن وقتادة أن الله لما ذكر الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب ~~بهما المثل ضحك اليهود وقالوا : ما يشبه أن يكون هذا من كلام الله! فأنزل ~~الله هذه الآية ( @QUR@04 إن الله لا يستحيي ). إلخ. # وقال السدى : لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين ، يعنى قوله تعالى : ( ~~@QUR@05 مثلهم كمثل الذي استوقد نارا .. ) وقوله تعالى : ( @QUR@04 أو كصيب ~~من السماء ) قال المنافقون : الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال! فأنزل ~~الله هذه الآية. PageV01P082 # ويبدو أن الآية الكريمة قد نزلت للرد على جميع تلك الفرق الضالة ، فقد ~~قرر العلماء أن لا مانع من تعدد أسباب النزول للآية الواحدة أو للطائفة من ~~الآيات. # والاستحياء ms0078 والحياء واحد ، فالسين والتاء فيه للمبالغة مثل استقدم ~~واستأجر واستجاب. وهو في أصل اللغة انقباض النفس وانكسارها من خوف ما يعاب ~~به ويذم. وهذا المعنى غير لائق بجلال الله ، لذا ذهب جمع من المفسرين إلى ~~تأويله بإرادة لازمة ، وهو ترك ضرب الأمثال بها. # والمعنى : إن الله لا يترك أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها ، وإطلاق ~~الفعل كالاستحياء على ما يترتب عليه كترك الفعل ، مألوف في الكلام البليغ ~~حيث يكون المراد واضحا. # ومذهب السلف : إمرار هذا وأمثاله على ما ورد ، وتفويض علم كنهه وكيفيته ~~إلى الله تعالى مع وجوب تنزيهه عما لا يليق بجلاله من صفات المحدثات. # أى : ليس الحياء بمانع لله تعالى من ضرب الأمثال بهذه المخلوقات الصغيرة ~~في نظركم ؛ كالبعوض والذباب والعنكبوت ، فإن فيها من دلائل القدرة ، وبدائع ~~الصنعة ما تحار فيه العقول ، ويشهد بحكمة الخالق. # والمثل في اللغة : الشبيه. وهو في عرف القرآن : الكلام البليغ المشتمل ~~على تشبيه بديع ، كالمثلين السابقين اللذين ضربهما الله في حال المنافقين ؛ ~~أو وصف غريب نحو قوله تعالى : ( @QUR@026 يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا ~~له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ؛ وإن ~~يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ). # وضرب المثل : إيراده ، وعبر عن إيراده بالضرب ، لشدة ما يحدث عنه من ~~التأثير في نفس السامع. # و (ما) في قوله (مثلا ما) هي ما الإبهامية ، تجيء بعد النكرة فتزيدها ~~شيوعا وعموما ، كقولك : أعطنى كتابا ما ، أى كتاب كان. # والبعوضة واحدة البعوض وهي حشرة صغيرة تطلق على الناموس وهي بدل أو بيان ~~من قوله (مثلا). # وقوله : ( @QUR@02 فما فوقها ) عطف على بعوضة ، والمراد فما فوقها في ~~الحجم كالذباب والعنكبوت ، والكلب والحمار ، أو فما فوقها في المعنى الذي ~~وقع التمثيل فيه ، وهو الصغر والحقارة كجناحها أو كالذرة. # قال صاحب الكشاف : سيقت هذه الآية لبيان أن ما استنكره الجهلة والسفهاء ~~وأهل العناد PageV01P083 # والمراء من الكفار واستغربوه من أن تكون المحقرات من الأشياء مضروبا بها ~~المثل ، ليس بموضع للاستنكار والاستغراب ، من جهة أن ms0079 التمثيل إنما يصار ~~إليه لما فيه من كشف المعنى ورفع الحجاب عن الغرض المطلوب ، وإدناء المتوهم ~~من المشاهد .. وأن لله تعالى أن يتمثل للأنداد وحقارة شأنها بما لا شيء ~~أصغر منه وأقل ، كما لو تمثل بالجزء الذي لا يتجزأ أو بما لا يدركه لتناهيه ~~في صغره إلا هو وحده .. وقوله : ( @QUR@02 فما فوقها ) فيه معنيان : # أحدهما : فما تجاوزها وزاد عليها في المعنى الذي ضربت فيه مثلا وهو القلة ~~والحقارة نحو قولك لمن يقول : فلان أسفل الناس وأنذلهم ، هو فوق ذلك ، تريد ~~هو أعرق فيما وصف من السفالة والنذالة. # والثاني : فيما زاد عليها في الحجم كأنه قصد بذلك رد ما استنكروه من ضرب ~~المثل بالذباب والعنكبوت لأنهما أكبر من البعوضة (1). # ثم بين سبحانه بعد ذلك موقف الناس أمام هذه الأمثال فقال : # ( @QUR@08 فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم ). # أما حرف مفيد للشرط والتفصيل والتأكيد ، أما الشرط فلوقوع الفاء في ~~جوابها ، وأما التفصيل فلوقوعها بعد مجمل مذكور أو مقدر ، وأما التأكيد ~~فلأنك إذا قلت : زيد ذاهب ، ثم قصدت تأكيد ذلك وإفادة أن ذهابه واقع لا ~~محالة قلت : أما زيد فذاهب. # ولضمير في قوله (أنه) يعود على المثل ، أو على ضربه المفهوم من قوله : ( ~~@QUR@03 أن يضرب مثلا ). # والحق : خلاف الباطن ، وهو الثابت الذي لا يسوغ إنكاره. # ووجه كون المثل أو ضربه حقا ، أنه يوضح المبهم ، ويفصل المجمل ، فهو ~~وسيلة إلى تقرير الحقائق وبيانها. # ووجه تفصيل الناس في هذه الآية إلى قسمين ، أنهم بالنسبة إلى التشريع ~~والتنزيل كذلك ، فهم مؤمن أو كافر. # والمقصود من ذكر المؤمنين هنا الثناء عليهم بثبات إيمانهم ، وتيئيس الذين ~~أرادوا تشكيكهم ببيان أن إيمانهم يحول بينهم وبين الشك. # وعبر في جانب المؤمنين بيعلمون تعريضا بأن الكافرين إنما قالوا ما قالوا ~~عنادا ومكابرة ، وأنهم يعلمون أن ذلك تمثيل أصاب المحز. PageV01P084 # وقال : ( @QUR@02 أنه الحق ) معرفا بأل ، ولم يقل : أنه حق للمبالغة في ~~حقية المثل. # ومن المعروف في علم البيان أن الخبر قد يؤتى به معرفا بأل ، للدلالة على ~~أن المخبر عنه بالغ ms0080 في الوصف الذي أخبر به عنه مرتبة الكمال. # وقوله : ( @QUR@02 من ربهم ) حال من الحق ، ومن ابتدائية ، أى : إن هذا ~~الكلام وارد من الله ، لا كما زعم الذين كفروا أنه مخالف للصواب ، فهو مؤذن ~~بأنه من كلام الخالق الذي لا يقع منه الخطأ. # ثم بين سبحانه موقف الكافرين من هذه الأمثال عند ما تتلى عليهم فقال : # ( @QUR@010 وأما الذين كفروا فيقولون ما ذا أراد الله بهذا مثلا ). # كلمة (ماذا) مركبة من ما الاستفهامية وذا اسم الإشارة ، غير أن العرب ~~توسعوا فيها فاستعملوها اسم استفهام مركبا من كلمتين ، وذلك حيث يكون ~~المشار إليه معبرا عنه بلفظ آخر غير الإشارة ، حتى تصير الإشارة إليه مع ~~التعبير عنه بلفظ آخر لمجرد التأكيد نحو : ماذا التواني؟ أو حيث لا يكون ~~للإشارة موقع كقوله تعالى : ( @QUR@08 وما ذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم ~~الآخر ) وقد يتوسعون فيها توسعا أقوى فيجعلون ذا اسم موصول ، وذلك حين يكون ~~المسئول عنه معروفا للمخاطب بشيء من أحواله ، فلذلك يجرون عليه جملة أو ~~نحوها هي صلة ويجعلون ذا موصولا نحو ( @QUR@04 ما ذا أنزل ربكم ) ونحو ( ~~@QUR@06 ما ذا أراد الله بهذا مثلا )، أى : ما الذي أراده الله بهذا المثل. # والإرادة في أصل اللغة : نزوع النفس إلى الفعل ، وإذا أسندت إلى الله دلت ~~على صفة له تتعلق بالممكنات ، فيترجح بها أحد وجهى المقدور ، وقد كان جائز ~~الوقوع وعدم الوقوع. # وقوله : ( @QUR@01 مثلا ) واقع في موقع التمييز لاسم الإشارة «هذا» كقولك ~~لمن أجاب بجواب غير مقبول : ماذا أردت بهذا جوابا؟ # والاستفهام الذي حكاه القرآن على ألسنة هؤلاء الكافرين ، المقصود به ~~الإنكار والتحقير لهذه الأمثال ، ولأن يكون الله تعالى قد ضربها للناس. # والمعنى : فأما المؤمنون الذين من عادتهم الإنصاف ، والنظر في الأمور ~~بنظر العقل واليقين ، فإنهم إذا سمعوا بمثل هذا التمثيل علموا أنه الحق ~~الذي لا تمر الشبهة بساحته ، وأما الكافرون فإنهم لانطماس بصيرتهم ، وتغلب ~~الأحقاد على قلوبهم فإنهم إذا سمعوا ذلك عاندوا وكابروا وقابلوه بالإنكار. PageV01P085 # ثم ساق سبحانه جملتين بين فيهما الحكمة من ضرب الأمثال فقال : ( @QUR@06 ~~يضل ms0081 به كثيرا ويهدي به كثيرا ). # فقد دلت هاتان الجملتان على أن العلم بكون المثل حقا ، مما يزداد به ~~المؤمنون رشدا على رشدهم ، وأن إنكاره ضلال يزداد به الكافرون تخبطا في ~~ظلمات جهلهم. # ووصف كلا من فريقى المؤمنين والمنكرين له بالكثرة مع أن المهديين وصفوا ~~بالقلة كثيرا كما في قوله : ( @QUR@04 وقليل من عبادي الشكور )، وذلك لأن ~~أهل الهدى كثيرون في أنفسهم ، وإذا وصفوا بالقلة فبالقياس إلى أهل الضلال ، ~~وأيضا فإن القليل من أهل الهدى كثير في الحقيقة ، وإن قلوا في الصورة ، ~~فوصفوا بالكثرة ذهابا إلى هذه الحقيقة. # وقدم الإضلال على الهداية ، ليكون أول ما يقرع أسماع المبطلين عن الجواب ~~أمرا فظيعا يسوءهم ويفت في أعضادهم. # ثم ختمت الآية بقوله تعالى : ( @QUR@05 وما يضل به إلا الفاسقين ). # الفاسقون : جمع فاسق ، من الفسق ، وهو في أصل اللغة : الخروج. # يقال : فسقت الرطبة من قشرها. أى : خرجت منه ، وشرعا : الخروج عن طاعة ~~الله ، فيشمل الخروج من حدود الإيمان ، وهو الكفر ، ثم ما دون الكفر من ~~الكبائر والصغائر ، ولكنه اختص في العرف بارتكاب الكبيرة ، ولم يسمع الفسق ~~في كلام الجاهلية ، بمعنى الخروج عن الطاعة فهو بهذا المعنى من الألفاظ ~~الإسلامية. # وقصر الإضلال بالمثل على الفاسقين ، إيذان بأن الفسق هو الذي أعدهم لأن ~~يضلوا به ، حيث إن كفرهم قد صرف أنظارهم عن التدبر فيه حتى أنكروه وقالوا : ~~ماذا أراد الله بهذا مثلا. # ثم وصف الله تعالى هؤلاء الفاسقين بثلاث خصال ذميمة فقال : في بيان ~~الخصلة الأولى : ( @QUR@07 الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ). # والنقض : في اللغة حقيقة في فسخ وحل ما ركب ووصل ، بفعل يعاكس الفعل الذي ~~كان به التركيب مثل نقض الحبل المفتول وقد استعمل هنا مجازا في إبطال العهد ~~بقرينة إضافته إلى عهد الله. # وعبر عن إبطال العهد بالنقض ، لأنه أبلغ في الدلالة على الإبطال من القطع ~~والصرم ونحوهما ، لأن في النقض إفسادا لهيئة الحبل. # والعهد : اسم للموثق الذي يلزم مراعاته وحفظه ، يقال : عهد إليه في كذا ، ~~إذا أوصاه به ووثقه عليه. PageV01P086 # وعهد الله : تارة يكون ms0082 بما ركز في العقول من الحجة على التوحيد ، وتارة ~~يكون بما أوجبه الله على الناس على لسان رسله صلوات الله عليهم وتارة بما ~~يلتزمه المؤمن. وليس بلازم له في أصل الشرع مما ليس بمعصية كالنذور وما ~~يجرى مجراها. # والميثاق : التوثقة ، وهي التقوية والتثبيت ، والمراد به : ما قوى الله ~~به عهده. # وقوله : ( @QUR@03 من بعد ميثاقه ) متعلق بينقضون ، ومن لابتداء الغاية ، ~~وميثاقه الضمير فيه يجوز أن يعود على العهد ، وأن يعود على اسم الله تعالى ~~فهو على الأول مصدر مضاف إلى المفعول ، وعلى الثاني مضاف للفاعل. # أما الصفة الثانية التي وصفهم الله بها فهي قوله : «ويقطعون ما أمر الله ~~به أن يوصل» وهو عام في كل قطيعة لا يرضاها الله ، كقطع الرحم ، والإعراض ~~عن موالاة المؤمنين ، وترك الجماعات المفروضة ، وعدم وصل الأقوال الطيبة ~~بالأعمال الصالحة ، وسائر ما فيه رفض خير أو تعاطى شر ، وأما الصفة الثالثة ~~التي وصفهم بها فهي قوله تعالى : # ( @QUR@03 ويفسدون في الأرض ). # والفساد في الأرض يقع بعبادة غير الله ، وبالدعاية إلى الكفر به ، ~~وبالاستهزاء بالحق ، وبالاعتداء على حقوق الغير ، وبغير ذلك من الأمور التي ~~حرمها الله تعالى . # وعبر بقوله : ( @QUR@02 في الأرض ) للإشعار بأن فسادهم لا يقتصر عليهم ، ~~وإنما هو يتعداهم إلى غيرهم. # ثم بين سبحانه بعد أن دمغهم بتلك الصفات المرذولة عاقبة أمرهم فقال : ( ~~@QUR@03 أولئك هم الخاسرون ). # الخاسرون : جمع خاسر مأخوذ من الخسر والخسران وهو النقص ، ومن نقض عهد ~~الله ، وقطع ما أمر الله بوصله ، وأفسد في الأرض ، لا شك أنه قد نقص نفسه ~~حظها من الفلاح والفوز ، وكانت عاقبته الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة. # قال ابن جرير : «والخاسرون جمع خاسر ، وهم الناقصون أنفسهم حظوظهم من ~~رحمة الله بسبب معصيتهم له ، كما يخسر الرجل في تجارته بأن يوضع من رأس ~~ماله في بيعه ، وكذلك المنافق والكافر قد خسرا بحرمان الله لهما من رحمته ~~التي خلقها لعباده (1)...». PageV01P087 # وبعد أن عدد القرآن مساوئ أولئك الضالين ، وبين سوء مصيرهم ، ومآلهم ، ~~وجه إليهم الإنكار والتوبيخ فخاطبهم بقوله : # ( @QUR@013 كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا ms0083 فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ~~ثم إليه ترجعون (28) @QUR@019 هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى ~~إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم ) (29) # ( @QUR@01 كيف ) اسم استفهام للسؤال عن الأحوال ، وليس المراد به هنا ~~استعلام المخاطبين عن حال كفرهم ، وإنما المراد منه معنى تكثر تأديته في ~~صورة الاستفهام وهو الإنكار والتوبيخ ، كما تقول لشخص : كيف تؤذى أباك وقد ~~رباك؟ ؛ لا تقصد إلا أن تنكر عليه أذيته لأبيه وتوبيخه عليها. # وفي الآية الكريمة التفات من الغيبة إلى الخطاب ؛ لزيادة تقريعهم والتعجب ~~من أحوالهم الغريبة ، لأنهم معهم ما يدعو إلى الإيمان ومع ذلك فهم منصرفون ~~إلى الكفر. # وقوله : ( @QUR@03 وكنتم أمواتا فأحياكم ) جار مجرى التنبيه على أن كفرهم ~~ناشئ عن جهل وعدم تأمل في أدلة الإيمان القائمة أمام أعينهم. # والأموات : جمع ميت بمعنى المعدوم. والإحياء : بمعنى الخلق. # والمعنى : كيف تكفرون بالله وحالكم أنكم كنتم معدومين فخلقكم ، وأخرجكم ~~إلى الوجود كما قال تعالى : # ( @QUR@011 هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ). # ويصح أن يفسر الأموات بمعنى فاقدى الحياة. والإحياء بنفخ الروح فيهم ~~فيكون المعنى : وكنتم أمواتا يوم استقراركم نطفا في الأرحام إلى تمام ~~الأطوار بعدها ، فنفخ فيكم الأرواح ؛ وأصبحتم في طور إحساس وحركة وتفكير وبيان. # وبعد أن وبخهم على كفرهم بمن أخرجهم من الموت إلى الحياة ، أورد جملا ~~لاستيفاء الأطوار التي ينتقل فيها الإنسان من مبدأ الحياة إلى مقره الخالد ~~في دار نعيم أو عذاب فقال : ( @QUR@01 ثم PageV01P088 # @QUR@01 يميتكم ) بقبض أرواحكم عند انقضاء آجالكم ( @QUR@02 ثم يحييكم ) ~~يبعثكم بعد الموت ( @QUR@03 ثم إليه ترجعون ). # أى تصيرون إليه دون سواه ، فيجمعكم في المحشر ؛ ويتولى حسابكم ، والحكم ~~في أمركم بمقتضى عدله ( @QUR@012 فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره ). # أما الإماتة فهم يشاهدونها بأعينهم بين الحين والحين ، وأما البعث فقد ~~أخبر الله عنه بما يدل على صحته وينفى استبعاده ، أو استحالته ، بأدلة ~~عقلية ونقلية كثيرة ، أما الأدلة العقلية ، فمنها : أن الذي قدر على ~~إحيائهم من العدم ، قادر على إحيائهم ms0084 وإعادتهم بعد موتهم فإن الإعادة أهون ~~من البدء دائما ، وأما الأدلة النقلية ، فمنها قوله تعالى : # ( @QUR@010 ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون ). # وفي قوله تعالى ( @QUR@03 ثم إليه ترجعون ) ترهيب لمن ينزع إلى الشر ، ~~ويرتكب المعاصي من غير مبالاة ، وترغيب لمن يقبل على فعل الخير ، ويقدم على ~~الطاعات. # قال الجمل : «والفاء في قوله ( @QUR@01 فأحياكم ) على بابها من التعقيب ، ~~وثم على بابها من التراخي ، لأن المراد بالموت الأول ، العدم السابق ، ~~وبالحياة الأولى الخلق ، وبالموت الثاني الموت المعهود ، وبالحياة الثانية ~~الحياة للبعث فجاءت الفاء وثم على بابيهما من التعقيب والتراخي ، على هذا ~~التفسير وهو أحسن الأقوال ، ويعزى لابن عباس وابن مسعود ومجاهد ، والرجوع ~~إلى الجزاء أيضا متراخ عن البعث» (1). # وبعد أن ذكر سبحانه ما يشهد بقدرته ووحدانيته عن طريق الأدلة المتعلقة ~~بذوات المكلفين ، أردف ذلك بالكلام عن الأدلة الكونية فقال تعالى : # ( @QUR@08 هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ). # أى : أنه خلق جميع ما في الأرض من نحو الحيوان والنبات والمعادن والجبال ~~من أجلكم ، فهو المنعم عليكم لتنتفعوا بها في دنياكم ، وتستعينوا بها على طاعته. # وقد أخذ العلماء من هذه الآية شاهدا على أن الأشياء التي فيها منافع ~~مأذون فيها حتى يقوم دليل على حرمتها. # ثم استدل سبحانه على مظاهر قدرته بخلق السموات فقال : # ( @QUR@011 ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم ). PageV01P089 # استوى إلى السماء : أقبل وعمد إليها بإرادته. وتسويتها معناه : تعديل ~~خلقها وتقويمه. والسماء ليس المراد منها فردا من أفراد السموات ، وإنما ~~المراد منها الأجرام العلوية الشاملة لجميع السموات ، فصح أن يعود عليها ~~ضمير جمع الإناث في قوله : ( @QUR@01 فسواهن )، وكذلك علماء البيان يزيدون ~~أن اللفظ إذا أريد منه جنس ما وضع له صار في معنى الجمع. # فمعنى ( @QUR@04 ثم استوى إلى السماء ) علا إليها وارتفع ، من غير تكييف ~~ولا تحديد ولا تشبيه ، مع كما التنزيه عن سمات المحدثات ، وقد سئل الإمام ~~مالك عن الاستواء على العرش فقال. الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، ~~والإيمان به واجب ، والسؤال ms0085 عنه بدعة. # وقدم الأرض هنا لأنها أدل لشدة الملابسة والمباشرة. # وجملة ( @QUR@02 ثم استوى ) معطوفة على جملة (خلق لكم)، وكان العطف بثم ~~لعظم خلق السماء عن خلق الأرض. # وعبر بسواهن للإشعار بأنه سبحانه خلقهن في استقامة ، واستقامة الخلق هي ~~انتظامه على وجه لا خلل فيه ولا اضطراب. قال تعالى : # ( @QUR@07 ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ). # وجملة ( @QUR@04 وهو بكل شيء عليم ) مقررة لما ذكر قبلها من خلق السموات ~~والأرض وما فيهما على هذه الصورة الحكيمة ، فقد دلت على أن ترتيب أجزاء تلك ~~المصنوعات وموافقة جميعها للمنافع المقصودة منها ، إنما حدث عن عالم بحقائق ~~تلك الأجزاء وخواصها ، ولإحاطته بكل شيء علما وضع كل جزء في موضعه اللائق به. # وبعد أن بين سبحانه للناس أنه قد من عليهم بنعمة خلقه ما في الأرض جميعا ~~، بدأ بعد ذلك يذكرهم بنعمة أخرى هي نعمة خلقه لأبيهم آدم ، وخلق آدم مبدأ ~~لخلق ذريته ، وتكريمه موصول بتكريمهم فقال تعالى : # ( @QUR@028 وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل ~~فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما ~~لا تعلمون (30) @QUR@08 وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة PageV01P090 # @QUR@07 فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين (31) @QUR@012 قالوا ~~سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم (32) @QUR@023 قال ~~يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب ~~السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ) (33) # ففي هذه الآيات الكريمة عطف سبحانه قصة خلق آدم أبى البشر على قصة خلق ~~لأنفس وخلق السماوات والأرض انتقالا في الاستدلال على أن الله واحد ، وجمعا ~~بين تعدد لأدلة وبين مختلف الحوادث وأصلها ، حتى يكون التدليل أجمع ، ~~والإيمان بالله أقوى وأثبت. # وإذ وإذا ظرفان للزمان ، الأول للماضي والثاني للمستقبل ، فإن جاء إذ مع ~~المضارع أفاد لماضى كقوله : # ( @QUR@06 وإذ تقول للذي أنعم الله عليه ... ) وإن جاء إذا مع الماضي ~~أفاد الاستقبال كقوله : ( @QUR@05 إذا جاء نصر الله والفتح ). # وإذ هنا واقعة موقع ms0086 المفعول به لعامل مقدر دل عليه المقام. # والمعنى : واذكر يا محمد وقت أن قال ربك للملائكة إنى جاعل في الأرض خليفة. # وقد جاء هذا المقدر هنا مصرحا به في آيات أخرى كما قال تعالى : # ( @QUR@08 واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ). # والملائكة جمع ملك. والتاء لتأنيث الجمع ، وأصله ملاك ، من ملك ، نحو ~~شمال من شمل ، والهمزة زائدة وهو مقلوب مالك ، وقيل : إن ملاك من لأك إذا ~~أرسل ، ومنه الألوكة ، أى : الرسالة. # والملائكة ، هم جند من خلق الله ، ركز الله فيهم العقل والفهم ، وفطرهم ~~على الطاعة ، وأقدرهم على التشكيل بأشكال مختلفة ، وعلى الأعمال العظيمة ~~الشاقة ، ووصفهم في القرآن بأوصاف كثيرة منها أنهم يسبحون الليل والنهار لا ~~يفترون وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ومنها : أنهم رسل ~~الله أرسلهم بأمره «ومنهم رسل الوحى إلى من PageV01P091 # اصطفاهم من خلقه للنبوة والرسالة. قال تعالى : # ( @QUR@03 جاعل الملائكة رسلا ) وقال تعالى : ( @QUR@07 الله يصطفي من ~~الملائكة رسلا ومن الناس ) وقال تعالى : ( @QUR@010 ينزل الملائكة بالروح ~~من أمره على من يشاء من عباده ). # و (الخليفة) من يخلف غيره وينوب منابه ، فهو فعيل بمعنى فاعل ، والتاء فيه ~~للمبالغة ، والمراد به آدم عليه السلام لأنه كان خليفة من الله في الأرض ، ~~وكذلك سائر الأنبياء استخلفهم الله تعالى في عمارة الأرض ، وسياسة الناس ، ~~وتكميل نفوسهم ، وإجراء أحكامه عليهم ، وتنفيذ أوامره فيهم. وقيل : آدم ~~وذريته ، لأنه يخلف بعضهم بعضا في عمارة الأرض ، واستغنى بذكره عن ذكر ~~ذريته لكونه الأصل. # وخطاب الله لملائكته بأنه سيجعل في الأرض خليفة ، ليس المقصود منه ~~المشورة ، وإنما خاطبهم بذلك من أجل ما ترتب عليه من سؤالهم عن وجه الحكمة ~~من هذه الخلافة ، وما أجيبوا به من بعد ، أو من أجل تعليم العباد المشاورة ~~في أمورهم قبل أن يقدموا عليها وعرضها على ثقاتهم ونصائحهم وإن كان هو ~~سبحانه بعلمه وحكمته البالغة غنيا عن المشاورة. أو الحكمة تعظيم شأن ~~المجهول ، وإظهار فضله ، بأن بشر بوجود سكان ملكوته ، ونوه بعظيم شأن ~~المجعول بذكره في الملأ الأعلى قبل ms0087 إيجاده ، ولقبه بالخليفة. # ثم حكى سبحانه إجابة الملائكة فقال : # ( @QUR@013 قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ~~ونقدس لك ). # الفساد : الخروج عن الاعتدال والاستقامة ويضاده الصلاح. يقال فسد الشيء ~~فسادا وفسودا وأفسده غيره. # والسفك : الصب والإهراق ، يقال : سفكت الدم والدمع سفكا من باب ضرب ~~صببته. والفاعل سافك وسفاك ، والمراد به حصول التقاتل بين أفراد بنى ~~الإنسان ظلما وعدوانا. # والتسبيح : مشتق من السبح وهو المر السريع في الماء أو في الهواء ، ~~فالمسبح مسرع في تنزيه الله وتبرئته من السوء. # والتقديس : التطهير والتعظيم ووصفه بما يليق به من صفات الكمال. # فيكون التسبيح نفى ما لا يليق ، والتقديس إثبات ما يليق ، وقدم التسبيح ~~على التقديس من باب تقديم التخلية على التحلية. # والمعنى : أتجعل في الأرض يا إلهنا من يفسد فيها ويريق الدماء والحال ~~أننا نحن ننزهك عما PageV01P092 # لا يليق بعظمتك ، تنزيها متلبسا بحمدك والثناء عليك ، ونطهر ذكرك عما لا ~~يليق بك تعظيما لك وتمجيدا. # وقولهم : ( @QUR@05 أتجعل فيها من يفسد فيها ... ) إلخ إنما صدر منهم على ~~وجه استطلاع الحكمة في خلق نوع من الكائنات يصدر منه الإفساد في الأرض وسفك ~~الدماء. وقطعهم بحكمة الله في كل ما يفعل لا ينافي تعجبهم من بعض أفعاله ، ~~لأن التعجب يصدر عن خفاء سبب الفعل ، فمن تعجب من فعل شيء وأحب الاطلاع على ~~الحكمة الباعثة على فعله لا يعد منكرا. # والملائكة لا يعلمون الغيب ، فلا بد أن يكونوا قد علموا ماذا سيكون من ~~الفساد في الأرض وسفك الدماء بوجه من الوجوه التي يطلع الله بها على غيبه ~~بعض المصطفين الأخبار من خلقه. # قال الإمام ابن كثير في توضيح هذا المعنى : قوله تعالى : ( @QUR@07 أتجعل ~~فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) أرادوا أن من هذا الجنس من يفعل ذلك ~~وكأنهم علموا ذلك بعلم خاص ، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية ، فإنه ~~أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف من صلصال من حمأ مسنون ، أو فهموا من الخليفة ~~أنه الذي يفصل بين الناس ما يقع بينهم من المظالم. ويردعهم عن ms0088 المحارم ~~والمآثم .. وقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على الله ولا على وجه ~~الحسد لبنى آدم كما قد يتوهمه البعض .. وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن ~~الحكمة في ذلك ، يقولون يا ربنا ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد ~~في الأرض ، ويسفك الدماء فإن كان المراد عبادتك فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك ، ~~ولا يصدر منا شيء من ذلك فهلا وقع الاقتصار علينا؟ (1). # وقد رد الله تعالى على الملائكة بقوله : ( @QUR@06 قال إني أعلم ما لا ~~تعلمون ). # أى : إنى أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ~~ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم ، فإنى سأجعل فيهم الأنبياء ، وأرسل فيهم الرسل ~~ويوجد منهم الصديقون والشهداء والصالحون والعباد والزهاد والأولياء ~~والأبرار والمقربون والعلماء العاملون والمحبون له تعالى المتبعون رسله. # فالجملة الكريمة إرشاد لهم إلى الأمر الذي من شأنه أن يقف بهم عند حدود ~~الأدب اللائق بمقام الخالق عز وجل وتنبيه إلى أنه تعالى عالم بما لا يحيط به ~~علم أحد من خلقه ، فله أن يفعل ما يشاء ويأمر بما يشاء ، وليس من أدب ~~المؤمنين بأنه العليم الحكيم أن يسألوه حين يأمرهم بشيء ، أو يعلمهم بأنه PageV01P093 # سيفعل شيئا ، عن حكمة ما أمر به أو ما سيفعله ، بل شأنهم أن يتجهوا إلى ~~استطلاع حكمة الأفعال والأوامر من أنفسهم ، فإذا أدركوها فقد ظفروا ~~بأمنيتهم ، وان وقفت عقولهم دونها ، ففي تسليمهم لقدر الله ، وامتثالهم ~~لأوامره الكفاية في القيام بحق التكليف والفوز برضا الله ، الذي هو الغاية ~~من الإيمان به والإقبال على طاعته. # قال بعض العلماء : «وفي هذه الآية الكريمة تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ~~عن تكذيب بعض الناس له ، لأنه إذا كان الملأ الأعلى قد مثلوا على أنهم ~~يختصمون ويطلبون البيان والبرهان فيما لا يعلمون ، فأجدر بالناس أن يكونوا ~~معذورين وبالأنبياء أن يعاملوهم كما عامل الله الملائكة المقربين ، أى : ~~فعليك يا محمد أن تصبر على هؤلاء المكذبين ، وترشد المسترشدين ، وتأتى أهل ~~الدعوة بسلطان مبين (1). # ثم أخذ سبحانه في بيان جانب من ms0089 حكمة خلق آدم ، وجعله خليفة في الأرض ، ~~بعد أن أجاب الملائكة على سؤالهم بالجواب المناسب الحكيم فقال تعالى : # ( @QUR@015 وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني ~~بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ). # علم : من التعليم وهو التعريف بالشيء. وآدم : اسم لأبى البشر ، قيل إنه ~~عبراني مشتق من أدمه ، وهي لغة عبرانية معناها التراب ، كما أن «حواء» كلمة ~~عبرانية معناها «حي» وسميت بذلك لأنها تكون أم الأحياء. # و ( @QUR@01 الأسماء ) جمع اسم ، والاسم ما يكون علامة على الشيء ، ~~وتأكيد الأسماء بلفظ «كلها» في أنه علمه أسماء كل ما خلق من المحدثات من ~~إنسان وحيوان ودابة ، وطير ، وغير ذلك. ويصح حمل الأسماء على خواص الأشياء ~~ومنافعها ، فإن الخواص والمنافع علامات على ما تتعلق به من الحقائق. # وقوله : ( @QUR@04 ثم عرضهم على الملائكة ) عرض الشيء : إظهاره وإبانته ~~والضمير في ( @QUR@01 عرضهم ) يعود على المسميات ، وهي مفهومة من قوله : ( ~~@QUR@02 الأسماء كلها ) إذ الأسماء لا بد لها من مسميات ، فإذا أجرى حديث ~~عن الأسماء حضر في ذهن السامع ما هو لازم لها ، أعنى المسميات. # ودل على المسميات بضمير جمع الذكور العقلاء فقال : ( @QUR@01 عرضهم ) ولم ~~يقل عرضها ، لأن في جملة هذه المسميات أنواعا من العقلاء : كالملائكة ، ~~والإنس ، ومن الأساليب المعروفة بين PageV01P094 # فصحاء العرب تغليب الكامل على الناقص ، فإذا اشتركا في نحو الجمع أو ~~التثنية أتى بالجمع أو التثنية على ما يطلق حال الكامل منهما. # والأمر في قوله : ( @QUR@03 أنبئوني بأسماء هؤلاء )، ليس من قبيل ~~الأوامر التي يقصد بها التكليف ، أى : طلب الإتيان بالمأمور به ، وإنما هو ~~وارد على جهة إفحام المخاطب بالحجة. # والمعنى : أن الله تعالى ألهم آدم معرفة ذوات الأشياء التي خلقها في ~~الجنة ، ومعرفة أسمائها ومنافعها ، ثم عرض هذه المسميات على الملائكة. فقال ~~لهم على سبيل التعجيز : ( @QUR@06 أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ) ~~فيما اختلج في خواطركم من أنى لا أخلق خلقا إلا وأنتم أعلم منه وأفضل. # قال ابن جرير : «وفي هذه الآيات العبرة لمن اعتبر والذكرى لمن ذكر ، ~~والبيان لمن كان له قلب أو ألقى السمع ms0090 وهو شهيد ، عما أودع الله في هذا ~~القرآن من لطائف الحكم التي تعجز عن أوصافها الألسن ، وذلك أن الله تعالى ~~احتج فيها لنبيه صلى الله عليه وسلم على من كان بين ظهرانيه من يهود بنى ~~إسرائيل ، بإطلاعه إياه من علوم الغيب التي لم يكن تعالى أطلع عليها من ~~خلقه إلا خاصا ، ولم يكن مدركا علمه إلا بالإنباء والإخبار ليقرر عندهم صدق ~~نبوته ، ويعلموا أن ما أتاهم به إنما هو من عند الله». # ثم حكى سبحانه ما كان من الملائكة فقال : # ( @QUR@012 قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ). # سبحان : اسم مصدر بمعنى التسبيح ؛ أى التنزيه ، وهو منصوب بفعل مضمر لا ~~يكاد يستعمل معه. # وهذه الآية الكريمة واقعة موقع الجواب عن سؤال يخطر في ذهن السامع للجملة ~~السابقة ، إذ الشأن أن يقال عند سماعهم قوله تعالى : ( @QUR@03 أنبئوني ~~بأسماء هؤلاء )، ماذا كان من الملائكة؟ هل أنبأوا بأسماء المسميات ~~المعروضة عليهم؟ فقال تعالى : ( @QUR@05 قالوا سبحانك لا علم لنا ) إلخ الآية. # ولو قال الملائكة : لا علم لنا بأسماء هذه المسميات لكان جوابهم على قدر ~~السؤال ، ولكنهم قصدوا الاعتراف بالعجز عن معرفة أسماء تلك المسميات ~~المعروضة على أبلغ وجه فنفوا عن أنفسهم أن يعلموا شيئا غير ما يعلمهم الله ~~، ودخل في ضمن هذا النفي العام الاعتراف بالقصور عن معرفة الأسماء المسئول عنها. # ومعنى ( @QUR@04 إنك أنت العليم الحكيم ) أى : أنت يا ربنا العليم بكل ~~شيء ، الحكيم في خلقك وأمرك وفي تعليمك ما تشاء ومنعك ما تشاء ، لك الحكمة ~~في ذلك ، والعدل التام. PageV01P095 # وقدم الوصف بالعلم على الوصف بالحكمة ، ليكون وصفه بالعلم متصلا بنفيهم ~~عن أنفسهم في قولهم : ( @QUR@06 لا علم لنا إلا ما علمتنا ). # وبعد أن بين القرآن أن الملائكة قد اعترفوا بالعجز عن معرفة ما سئلوا عنه ~~، وجه سبحانه الخطاب إلى آدم ، يأمره فيه بأن يخبر الملائكة بالأسماء التي ~~سئلوا عنها ، ولم يكونوا على علم بها ، فقال تعالى : # ( @QUR@023 قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل ~~لكم إني أعلم ms0091 غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ). # ففي هذه الآية الكريمة أخبرنا الله تعالى أنه قد أذن لآدم في أن يخبر ~~الملائكة بالأسماء التي فاتتهم معرفتها ليظهر لهم فضل آدم ، ويزدادوا ~~اطمئنانا إلى أن إسناد الخلافة إليه ، إنما هو تدبير قائم على حكمة بالغة. # وعلم الغيب يختص به واجب الوجود سبحانه لأنه هو الذي يعلم المغيبات بذاته ~~، وأما العلم بشيء من المغيبات الحاصل من تعليم الله فلا يقال لصاحبه إنه ~~يعلم الغيب. # وقوله تعالى ( @QUR@05 ألم أقل لكم إني أعلم ... ) إلخ الآية ، استحضار ~~وتأكيد لمعنى قوله قبل ذلك ، ( @QUR@05 إني أعلم ما لا تعلمون ). وإعادة ~~له على وجه من التفصيل أفاد أن علمه يشمل ما يظهرونه بأقوالهم أو أفعالهم ، ~~وما يضمرونه في أنفسهم. # وفي قوله : ( @QUR@03 ألم أقل لكم ... ) إلخ تعريض بمعاتبتهم على ترك ~~الأولى ، حيث بادروا بالسؤال عن الحكمة ، وكان الأولى أن يأخذوا بالأدب ~~المناسب لمقام الألوهية ، فيتركوا السؤال عنها إلى أن يستبين لهم أمرها ~~بوجه من وجوه العلم. # ومن الفوائد التي تؤخذ من هذه الآيات ، أن الله تعالى قد أظهر فيها فضل ~~آدم عليه السلام من جهة أن علمه مستمد من تعليم الله له ، فإن إمداد الله له ~~بالعلم يدل على أنه محاط منه برعاية ضافية ، ثم إن العلم الذي يحصل عن طريق ~~النظر والفكر قد يعتريه الخلل ، ويحوم حوله الخطأ. فيقع صاحبه في الإفساد ~~من حيث إنه يريد الإصلاح ، بخلاف العلم الذي يتلقاه الإنسان من تعليم الله ~~، فإنه علم مطابق للواقع قطعا ، ولا يخشى من صاحبه أن يحيد عن سبيل الإصلاح ~~، وصاحب هذا العلم هو الذي يصلح للخلافة في الأرض ، ومن هنا ، كانت السياسة ~~الشرعية أرشد من كل سياسة ، والأحكام النازلة من السماء أعدل من القوانين ~~الناشئة في الأرض. # وبعد أن بين القرآن في الآيات السابقة بعض الكرامات التي خص الله بها آدم ~~، انتقل إلى PageV01P096 # بيان كرامة أخرى أكرم الله بها آدم عليه السلام وهي أمره للملائكة بالسجود ~~له ، ثم بيان ما حصل بينه وبين إبليس ، فقال تعالى ms0092 : # ( @QUR@013 وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر ~~وكان من الكافرين (34) @QUR@019 وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا ~~منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (35) ~~@QUR@019 فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم ~~لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين (36) @QUR@011 فتلقى آدم من ~~ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم (37) @QUR@017 قلنا اهبطوا منها ~~جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (38) ~~@QUR@010 والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) (39) # وقوله تعالى : ( @QUR@05 وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم .. ) إلخ ، معطوف ~~على قوله تعالى قبل ذلك ( @QUR@04 وإذ قال ربك للملائكة .. ) إلخ ، من باب ~~عطف القصة على القصة ، وإعادة (إذ) بعد حرف العطف المغني عن إعادة ظرفه ، ~~تنبيه على أن الجملة مقصودة بذاتها ، لأنها متميزة بهذه القصة العجيبة ~~فجاءت على أسلوب يؤذن بالاستقلال والاهتمام. # والسجود : لغة التذلل والخضوع مع انخفاض بانحناء وغيره ، وخص في الشرع ~~بوضع الجبهة على الأرض بقصد العبادة. # وللعلماء في كيفية السجود الذي أمر الله به الملائكة لآدم أقوال : أرجحها ~~أن السجود المأمور به في الآية يحمل على المعنى المعروف في اللغة ، أى : أن ~~الله تعالى أمرهم بفعل تجاه آدم PageV01P097 # يكون مظهرا من مظاهر التواضع والخضوع له تحية وتعظيما ، وإقرارا له ~~بالفضل دون وضع الجبهة على الأرض الذي هو عبادة ، إذ عبادة غير الله شرك ~~يتنزه الملائكة عنه. # وعلى هذا الرأى سار علماء أهل السنة. وقيل : إن السجود كان لله ، وآدم ~~إنما كان كالقبلة يتوجه إليه الساجدون تحية له ، وإلى هذا الرأى اتجه علماء ~~المعتزلة ، وقد قالوا ذلك هربا من أن تكون الآية الكريمة حجة عليهم ، فإن ~~أهل السنة قالوا : إبليس من الملائكة ، والصالحون من البشر أفضل من ~~الملائكة ، واحتجوا بسجود الملائكة لآدم ، وخالفت المعتزلة في ذلك ، وقالت ~~: الملائكة أفضل من البشر ، وسجود الملائكة لآدم كان كالقبلة. # والذي نراه أن ما سار عليه أهل السنة أرجح ، لأن ما ذهب إليه المعتزلة ms0093 ~~يبعده أن المقام مقام لإظهار فضل آدم على الملائكة ، وإظهار فضله عليهم لا ~~يتحقق بمجرد كونه قبلة للسجود. # وأمر الملائكة بالسجود لآدم هو لون من الابتلاء والاختبار ، ليميز الله ~~الخبيث من الطيب ، وينفذ ما سبق به العلم ، واقتضته المشيئة والحكمة : # ثم بين سبحانه ما حدث من الملائكة ومن إبليس فقال : # ( @QUR@08 فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين ). # إبليس : اسم مشتق من الإبلاس ، وهو الحزن الناشئ عن شدة اليأس ، وفعله ~~أبلس ، والراجح أنه اسم أعجمى ، ومنعه من الصرف للعلمية والعجمة وهو كائن ~~حي ، وقد أخطأ من حمله على معنى داعي الشر الذي يخطر في النفوس ، إذ ليس من ~~المعقول أن يكون كذلك مع أن القرآن أخبرنا بأنه يرى الناس ولا يرونه. قال ~~تعالى ( @QUR@08 إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ). # وقوله : ( @QUR@02 أبى واستكبر ) الإباء : الامتناع عن الفعل أنفة مع ~~التمكن منه. والاستكبار : التكبر والتعاظم والغرور ، بمعنى أن يرى الشخص في ~~نفسه علوا على غيره ، وهو خلق مذموم. # وكان في قوله : ( @QUR@03 وكان من الكافرين ) بمعنى صار. # وجاء العطف في قوله ( @QUR@01 فسجدوا ... ) بالفاء المفيدة للتعقيب ، ~~للإشارة إلى أن الملائكة قد بادروا بالامتثال بدون تردد ، ولم يصدهم ما كان ~~في نفوسهم من التخوف من أن يكون هذا المخلوق ، مظهر فساد وسفك دماء ، لأنهم ~~منزهون عن المعاصي. # وللعلماء في كون إبليس من الملائكة أم لا قولان : # أحدهما : أنه كان منهم لأنه سبحانه أمرهم بالسجود لآدم ، ولو لا أنه كان ~~منهم لما توجه إليه الأمر بالسجود ، ولو لم يتوجه إليه الأمر بالسجود لم ~~يكن عاصيا ، ولما استحق الخزي والنكال. PageV01P098 # ولأن الأصل في المستثنى أن يكون داخلا تحت اسم المستثنى منه حتى يقوم ~~دليل على أنه خارج عنه. وقد اختار هذا الرأى ابن عباس ، وابن مسعود وجمهور ~~المفسرين. # وقيل إنه ليس منهم لقوله تعالى ( @QUR@09 إلا إبليس كان من الجن ، ففسق ~~عن أمر ربه )، فهو أصل الجن ، كما أن آدم أصل الإنس ، ولأنه خلق من نار ، ~~والملائكة خلقوا من نور ، ولأن له ذرية ولا ذرية للملائكة. ms0094 وقد اختار هذا ~~القول الحسن وقتادة وغيرهما. # وقد حاول ابن القيم أن يجمع بين الرأيين فقال : والصواب التفصيل في هذه ~~المسألة ، وأن القولين في الحقيقة قول واحد ، فإن إبليس كان مع الملائكة ~~بصورته وليس منهم بمادته وأصله. كان من نار وأصل الملائكة من نور ، فالنافي ~~كونه من الملائكة. والمثبت لم يتواردا على محل واحد (1). # ولما كان استثناء إبليس من الساجدين لا يدل على أنه ترك السجود عصيانا ، ~~إذ قد يكون تركه لعذر ، دل بقول : ( @QUR@02 أبى واستكبر ) على أنه امتنع ~~من السجود أنفة ، وتعاظما ، وأردف هذا التعاظم والغرور باعتراضه على الله ~~تعالى في تفضيل آدم ، فصار بذلك في فريق الكافرين ، ولذا ختمت الآية بقوله ~~تعالى : ( @QUR@03 وكان من الكافرين ) أى : صار بسبب عصيانه واستكباره من ~~الكافرين بالله ، الجاحدين لنعمه ، البعيدين عن رحمته ورضوانه. # وقوله تعالى ( @QUR@07 وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ) معطوف على ~~قوله ( @QUR@03 وإذ قلنا للملائكة ... ) إلخ أي : بعد أن أمرنا الملائكة ~~بالسجود لآدم ، قلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ، فهذه تكرمة أكرمه الله ~~بها بعد أن أكرمه بكرامة الإجلال من تلقاء الملائكة. # وقوله : ( @QUR@01 اسكن ) أمر من السكنى بمعنى اتخاذ المسكن على وجه ~~الاستقرار. # والزوج : يطلق على الرجل والمرأة والمراد به هنا حواء ، حيث تقول العرب ~~للمرأة زوج ، ولا تكاد تقول زوجة. # والجنة : هي كل بستان ذي شجر متكاثف ، ملتف الأغصان ، يظلل ما تحته ~~ويستره ، من الجن ، وهو ستر الشيء عن الحاسة. # وجمهور أهل السنة على أن المراد بها هنا دار الثواب. التي أعدها الله ~~للمؤمنين يوم القيامة ، لأن هذا هو المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق. # ويرى جمهور علماء المعتزلة أن المراد بها هنا بستان بمكان مرتفع من الأرض ~~، خلقه الله PageV01P099 # لإسكان آدم وزوجه ، واختلفوا في مكانه ، فقيل بفلسطين. وقيل بغيرها. # وقد ساق الإمام ابن القيم في كتابه (حادي الأرواح) أدلة الفريقين دون أن ~~يرجح شيئا منها. والأحوط والأسلم : الكف عن تعيينها وعن القطع به ، وإليه ~~ذهب أبو حنيفة وأبو منصور الماتريدى في التأويلات ، إذ ليس لهذه المسألة ~~تأثير ms0095 في العقيدة. # والمخاطب بالأمر ، بسكنى الجنة آدم وحواء ، ولكن الأسلوب جاء في صيغة ~~الخطاب لآدم وعطفت عليه زوجه ، لأنه هو المقصود بالأمر وزوجه تبع له. # ثم بين سبحانه أنه قد أباح لهما أن يأكلا من ثمار الجنة أكلا واسعا فقال ~~: ( @QUR@05 وكلا منها رغدا حيث شئتما ) أى كلا من مطاعم الجنة وثمارها ~~أكلا هنيئا أو واسعا في أى مكان من الجنة أردتم. # يقال : رغد عيش القوم أى : اتسع وطاب ، وأرغد القوم ، أى : أخصبوا وصاروا ~~في رزق واسع. # والضمير في قوله ( @QUR@01 منها ) يعود إلى الجنة ، والمراد بالأكل منها ~~: الأكل من مطاعمها وثمارها ، لأن الجنة تستلزم ثمارا هي المقصودة بالأكل. # ثم بين سبحانه أنه نهاهم عن الأكل من شجرة معينة فقال : ( @QUR@07 ولا ~~تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ). # القرب : الدنو ، والمنهي عنه هو الأكل من ثمار الشجرة ، وتعليق النهى ~~بالقرب منها إذ قال ( @QUR@02 ولا تقربا ) القصد منه المبالغة في النهى عن ~~الأكل ، إذ في النهى عن القرب من الشيء قطع لوسيلة التلبس به ، كما قال ~~تعالى : ( @QUR@03 ولا تقربوا الزنى ) فنهى عن القرب من الزنا ليقطع ~~الوسيلة إلى ارتكابه وهي القرب منه. وأكد النبي بأن جعل عدم اجتناب الأكل ~~من الشجرة ظلما فقال : ( @QUR@03 فتكونا من الظالمين ) وقد ظلما أنفسهما إذ ~~أكلا منها ، فقد ترتب على أكلهما منها أن أخرجا من الجنة التي كانا يعيشان ~~فيها عيشة راضية. # وقد تكلم العلماء كثيرا عن اسم هذه الشجرة ونوعها فقيل هي التينة ، وقيل ~~: هي السنبلة ، وقيل هي الكرم .. إلخ. إلا أن القرآن لم يذكر نوعها على ~~عادته في عدم التعرض لذكر ما لم يدع المقصود من سوق القصة إلى بيانه. # وقد أحسن الإمام ابن جرير في التعبير عن هذا المعنى فقال : «والصواب في ~~ذلك أن يقال : إن الله تعالى نهى آدم وزوجه عن الأكل من شجرة بعينها من ~~أشجار الجنة دون سائر أشجارها فأكلا منها ، ولا علم عندنا بأى شجرة كانت ~~على التعيين ، لأن الله لم يضع لعباده دليلا PageV01P100 # على ذلك في القرآن ولا من السنة الصحيحة ms0096 ، وقد قيل : كانت شجرة البر ، ~~وقيل كانت شجرة العنب. وذلك علم إذا علم لم ينفع العالم به علمه ، وإن جهله ~~جاهل لم يضره جهله به (1). # ثم بين القرآن بعد ذلك ما وقع فيه آدم من خطأ فقال : ( @QUR@07 فأزلهما ~~الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه ) أى : اذهبهما عن الجنة بكذبه عليهما ~~ومقاسمته أنه لهما من الناصحين. # وأزل من الإزلال وهو الإزلاق : زل يزل زلا وزللا ، أى : زلق في طين أو ~~منطق ، والاسم الزلة. وأزله غيره واستزله : أى أزلقه. أطلق وأريد به لازمه ~~وهو الإذهاب. # وقرئ فأزالهما أى : نحاهما من الإزالة ، تقول أزلت الشيء عن مكانه إزالة. ~~أى : نحيته وأذهبته عنه. # ثم استعمل هذا اللفظ في ارتكاب الخطيئة كما استعمل في خطأ الرأى مجازا. ~~والضمير في قوله : ( @QUR@01 عنها ) يعود إلى الشجرة ، ومعنى أزلهما عن ~~الشجرة أوقعهما في الزلة بسببها. # والتعبير بقوله : ( @QUR@04 فأخرجهما مما كانا فيه ) أبلغ في الدلالة على ~~فخامة الخيرات التي كانا يتقلبان فيها مما لو قيل : فأخرجهما من النعيم أو ~~من الجنة لأن من أساليب البلاغة في الدلالة على عظم الشيء أن يعبر عنه بلفظ ~~مبهم كما هنا. لكي تذهب نفس السامع في تصور عظمته وكماله إلى أقصى ما ~~يمكنها أن تذهب إليه. # ونسبة إخراجهما من الجنة إلى الشيطان في قوله : ( @QUR@01 فأخرجهما ) من ~~قبيل نسبة الفعل إلى ما كان سببا فيه ، وذلك أن أكلهما من الشجرة الذي ترتب ~~عليه إخراجهما من الجنة إنما وقع بسبب وسوسة الشيطان لهما. # وقوله تعالى ( @QUR@05 وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ) الخطاب فيه لآدم ~~وحواء ، وإبليس ، وقيل الخطاب لآدم وحواء ونسلهما. # والهبوط : النزول من أعلى إلى أسفل ضد الصعود. يقال : هبط يهبط ويهبط أى ~~: نزل من علو إلى سفل. # والعداوة معناها التناكر والتنافر بالقلوب. # أى : قلنا لآدم وحواء والشيطان انزلوا إلى الأرض متنافرين متباغضين ، ~~يبغى بعضكم على بعض. # وعداوة الشيطان لآدم نشأت عن حسد وتكبر منذ أن أمر بالسجود له فأبى ~~وامتنع وقال : أنا خير منه. PageV01P101 # وعداوة آدم وذريته للشيطان من جهة أنه يكيد لهم بالوسوسة ms0097 والإغراء وفي ~~هذه الجملة الكريمة إرشاد لآدم وذريته ، ونهى لهم عن اتباع خطوات الشيطان ، ~~لأنه عدو لهم ، ومن شأن العدو أنه يسعى لمضرة عدوه. # قال تعالى : ( @QUR@013 إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا ، إنما يدعوا ~~حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ). # ثم ختمت الآية بقوله تعالى : ( @QUR@07 ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى ~~حين ). # المستقر : موضع الاستقرار والثبات ، وهو مقابل القلق والاضطراب ، والمتاع ~~: اسم لما يستمتع به من مأكل ومشرب وملبس وحياة وأنس وغير ذلك ، مأخوذ من ~~متع النهار متوعا إذا ارتفع ، ويطلق على الانتفاع الممتد الوقت. # والحين : الجزء من الزمان غير محدد بحد ، والمراد به هنا وقت الموت أو ~~يوم القيامة. # والمعنى : انزلوا إلى الأرض بعضكم لبعض عدو ؛ ولكم فيها منزل وموضع ~~استقرار. وتمتع بالعيش إلى أن يأتيكم الموت. # ومن كان على ذكر دائم من أن استقراره في الأرض وتمتعه بنعيمها سينتهي في ~~وقت ، لا يدرى متى يدركه ، فشأنه أن ينتفع بخيراتها ويتمتع بطيب العيش فيها ~~، وهو مقبل على العمل لمرضاة الله ما استطاع ، وشاكر لأنعمه بالقلب واللسان ~~، لا يشغله عن الشكر شاغل من ملذات هذه الحياة ومظاهر زينتها. # ثم حكى القرآن أن آدم قد بادر بطلب العفو والمغفرة من ربه فقال : ( ~~@QUR@011 فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم ). # التلقي في الأصل : التعرض للقاء ، ثم استعمل بمعنى أخذ الشيء وقبوله ، ~~تقول : تلقيت رسالة من فلان. أى أخذتها منه وقبلتها. # والكلمات : جمع كلمة ، وهي اللفظة الموضوعة لمعنى ، وأرجح ما قيل في ~~تعيين هذه الكلمات ، ما أشار إليه القرآن في سورة الأعراف بقوله : # ( @QUR@012 قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين ). # والتوبة في أصل اللغة معناها : الرجوع ، وإذا عديت بعن كان معناها الرجوع ~~عن المعصية إلى الطاعة ، وإذا عديت بعلى كما في هذه الآية كان معناها قبول ~~التوبة ، فالعبد يتوب عن المعصية ، والله يتوب على العبد أى : يقبل توبته. # وجملة ( @QUR@04 إنه هو التواب الرحيم ) واردة مورد التعليل لقوله : ( ~~@QUR@02 فتاب عليه ). PageV01P102 # والتواب وصف له تعالى من تاب ms0098 ، أى : قبل التوبة ، وجاء التعبير بصيغة ~~فعال ، للإشعار بأنه كثير القبول للتوبة من عباده ، وليدل على أنه يقبل ~~توبة العبد وإن وقعت بعد ذنب يرتكبه ويتوب منه ثم يعود إليه بعد التوبة ثم ~~يتوب بعد العودة إليه توبة صادقة نصوحا. # وبعد أن أخبر القرآن في الآيات السابقة أن الله تعالى قد أمر آدم وحواء ~~وإبليس بالهبوط من الجنة ، نراه بعد ذلك قد أعاد خبر الأمر بالهبوط فقال : # ( @QUR@017 قلنا اهبطوا منها جميعا ، فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي ~~فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ). # وليست هذه الإعادة من قبيل التكرار الذي يقصد منه مجرد التوكيد ، بل قص ~~الأمر بالهبوط أولا ليعلق عليه معنى ؛ هو كون بعضهم لبعض عدوا. # ثم قصه ثانية ليعلق عليه معنى آخر هو ما ترتب على الهبوط من تفصيل لحال ~~المخاطبين ، وانقسامهم إلى مهتدين وضالين. # والفاء في قوله ( @QUR@01 فإما ) لإفادة ترتيب انقسام المخاطبين إلى ~~مهتدين وكافرين على الهبوط المفهوم من قوله : ( @QUR@01 اهبطوا ). # وإما هي إن الشرطية دخلت عليها «ما» لإفادة التوكيد ، ويغلب على فعل ~~شرطها أن يكون مؤكدا بالنون وأوجب بعضهم ذلك. # والهدى من الله معناه الدلالة على ما هو حق وخير بلسان رسول ، أو بآيات كتاب. # وقد صرح سبحانه بأن الهدى صار منه بقوله : ( @QUR@02 مني هدى ) ثم أضافه ~~إلى نفسه بقوله : ( @QUR@01 هداي ) للإيذان بتعظيم أمر الهدى ؛ وأنه أحق ~~بأن يتبع ، ويتخذ سبيلا لطمأنينة النفس في الدنيا ، والفوز بالسعادة في ~~الأخرى. # والخوف : الفزع وهو تألم النفس من مكروه يتوقع حصوله. # والحزن : الغم الحاصل لوقوع مكروه أو فقد محبوب. # ومعنى ( @QUR@03 فلا خوف عليهم ) أن نفوسهم آمنة مطمئنة بحيث لا يعتريها ~~فزع ، ولا ينتابها ذعر ، كما أن قوله : ( @QUR@03 ولا هم يحزنون ) ينفى ~~عنهم الاغتمام لفوات مطلوب أو فقد محبوب. # ونفى الخوف والحزن ورد في الآية على وجه الإطلاق ، وظاهره أن المهتدين لا ~~يعتريهم الخوف ولا الحزن في دنياهم ولا في آخرتهم ، ولكن قوله تعالى فيما ~~يقابله من جزاء الكافرين ( @QUR@06 أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون )، ~~يرجح أن يكون المراد ms0099 نفى الخوف والحزن في الدار الآخرة. PageV01P103 # ونفى الخوف والحزن عن المهتدين يوم القيامة كناية عن سلامتهم من العذاب ~~وفوزهم بالنعيم الخالد في الجنة ، فتمت المقابلة بين جزاء المهتدين وجزاء ~~الكافرين المشار إليه بقوله تعالى : # ( @QUR@010 والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون ). # إذ هذه الآية الكريمة معطوفة على قوله تعالى ( @QUR@03 فمن تبع هداي ). ~~إلخ ، وواردة مورد المقابل له في تفصيل أحوال من يأتيهم الهدى من الله. # ولم يقل : والذين لم يتبعوا هداي أولئك أصحاب النار .. وإنما قال : ( ~~@QUR@05 والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك .. ) إلخ ، وذلك لأن من لم يتبع ~~هدى الله يشمل من لم تبلغه الدعوة ، وغير المكلفين مثل الصبيان وفاقدى ~~العقل ، وهؤلاء ليسوا من أصحاب النار. فظهر أن قوله : ( @QUR@04 والذين ~~كفروا وكذبوا بآياتنا .. ) جيء به على قدر من يستحقون الحكم عليهم بأنهم من ~~أصحاب النار والمجازاة بالعذاب الخالد الأليم. # والآيات : جمع آية ، وهي في الأصل العلامة ، وتستعمل في الطائفة من ~~الكتاب المنزل ، وفيما يستدل به على وجود الله وتوحيده ، من نحو بدائع ~~مصنوعاته ومظاهر عنايته بالإنسان. # وأضاف سبحانه الآيات إلى نفسه فقال : ( @QUR@01 بآياتنا ) ليكون قبح ~~التكذيب بها أظهر ، وأتى بنون العظمة فقال (بآياتنا) دون أن يقول «بآياتى» ~~لبعث المهابة في نفوس السامعين ، وذلك أدعى إلى تلقى الوعيد باهتمام وخشية. # وأصحاب : جمع صاحب مأخوذ من الصحبة ، وهي الاقتران والملازمة ، ودل بقوله ~~: ( @QUR@03 هم فيها خالدون ) على أن صحبتهم للنار دائمة ، وليست من الصحبة ~~التي تستمر مدة ثم تنقطع. # هذا جانب من قصة آدم كما حكاه القرآن في هذه السورة ، ومن الحكم التي ~~تؤخذ منها : أن سياسة الأمم على الطريقة المثلى إنما تقوم على أساس راسخ من ~~العلم ، وأن فضل العلم النافع فوق فضل العبادة ، وأن روح الشر الخبيثة إذا ~~طغت على نفس من النفوس ، جعلتها لا ترى البراهين الساطعة ، ولا يوجهها إلى ~~الخير وعد ، ولا يردعها عن الشر وعيد. # كما يستفاد منها كيف أن الرئيس يفسح المجال لمرءوسيه المخلصين ، يجادلونه ~~في أمر يريد قضاءه ، ولا يزيد عن أن يبين لهم ms0100 وجهة نظره في رفق ، وإذا ~~تجاوزوا حدود الأدب اللائق به راعى في عتابهم ما عرفه فيهم من سلامة القلب ~~، وتلقى أوامره بحسن الطاعة. # كما يؤخذ منها أن المتقلب في نعمة يجب أن يحافظ عليها بشكر الله ، ولا ~~يعمل عملا فيه مخالفة لأوامر الله ؛ لأن مخالفة أوامر الله ، كثيرا ما تؤدى ~~إلى زوال تلك النعمة ، ومن أراد أن تزداد النعم بين يديه ، فعليه أن يلتزم ~~طاعة الله وشكره. PageV01P104 # وقال بعض العلماء : وقد يتبادر إلى الذهن أن آدم قد ارتكب ما نهى عنه ، ~~ارتكاب من يتعمد المخالفة ، فيكون أكله من الشجرة معصية ، مع أنه من ~~الأنبياء المرسلين ، والرسل معصومون من مخالفة أوامر الله. # والجواب عن ذلك أن آدم تعمد الأكل من الشجرة ، ناسيا النهى عن الأكل منها ~~، وفعل المنهي عنه على وجه النسيان لا يعد من قبيل المعاصي التي يرتكبها ~~الشخص وهو متذكر أنه يرتكب محرما ، إذ أن ارتكاب المحرم عن علم وتذكر هو ~~الذي يجعل مرتكبه مستحقا للعقاب ، والأنبياء معصومون من ذلك. # وإذا عاتب الله بعض الأخيار من عباده على ما صدر منهم على وجه النسيان ، ~~فلأن علمهم بالنهى يدعوهم إلى أن يقع النهى من نفوسهم موقع الاهتمام ، بحيث ~~يستفظعون مخالفته استفظاعا يملأ نفوسهم بالنفور منها ، ويجعلهم على حذر من ~~الوقوع في بلائها. # فالذي وقع من آدم عليه السلام هو أنه غفل عن الأخذ بالحزم في استحضار ~~النهى وجعله نصب عينيه حتى أدركه النسيان ، ففعل ما نهى عنه غير متعمد ~~للمخالفة ، قال تعالى : # ( @QUR@011 ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما ). # هذا ، وبعد أن ذكر القرآن الكريم الناس جميعا بنعم الله عليهم ، ليحملهم ~~بذلك على إخلاص العبادة له ، وتصديق رسوله صلى الله عليه وسلم فيما جاء به ، ~~ومن بين هذه النعم خلق آدم وإظهار فضله على الملائكة ، بعد كل ذلك اتجه إلى ~~تذكير طائفة خاصة من الكافرين المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم وهم بنو ~~إسرائيل ، استمالة لقلوبهم نحو الإيمان بالله ، وكسرا لعنادهم ولجاجتهم ، ~~فقال تعالى : # ( @QUR@014 يا بني ms0101 إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي ~~أوف بعهدكم وإياي فارهبون (40) @QUR@018 وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ~~ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون (41) ~~@QUR@08 ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون (42) @QUR@07 ~~وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين ) (43) PageV01P105 # وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن ابراهيم عليهم السلام وفي إضافتهم إلى ~~أبيهم إسرائيل تشريف لهم وتكريم ، وحث لهم على الامتثال لأوامر الله ~~ونواهيه ، فكأنه قيل : يا بنى العبد الصالح ، والنبي الكريم ، كونوا مثل ~~أبيكم في الطاعة والعبادة. # ويستعمل مثل هذا التعبير في مقام الترغيب والترهيب ، بناء على أن الحسنة ~~في نفسها حسنة وهي من بيت النبوة أحسن ، والسيئة في نفسها سيئة وهي من بيت ~~النبوة أسوأ ، ففي هذا النداء. خير داع لذوي الفطر السليمة منهم إلى ~~الإقبال على ما يرد بعده من التذكير بالنعمة ، واستعمالها فيما خلقت له. # ومعنى ( @QUR@05 اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ) تنبهوا بعقولكم وقلوبكم ~~لتلك المنافع التي أتتكم على سبيل الإحسان منى ، وقوموا بحقوقها وأكثروا من ~~الحديث عنها بألسنتكم ، فإن التحدث بنعم الله فيه إغراء بشكرها. # والمراد بالنعمة : المنعم بها عليهم ، وتجمع على نعم ، وقد وردت في ~~القرآن الكريم بمعنى الجمع كما في قوله تعالى : ( @QUR@06 وإن تعدوا نعمة ~~الله لا تحصوها ) فإن لفظ العدد والإحصاء قرينة على أن المراد بالنعمة : ~~النعم الكثيرة. ويبدو أن المراد بالنعمة في الآية التي معنا كذلك النعم ~~المتعددة حيث إنه لم يقم دليل على أن المراد بها نعمة معهودة ، وعلماء ~~البيان يعدون استعمال المفرد في معنى الجمع اعتمادا على القرينة من أبلغ ~~الأساليب الكلامية. # ثم أمرهم سبحانه بالوفاء بما عاهدهم عليه ، فقال تعالى : ( @QUR@04 ~~وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) العهد ما من شأنه أن يراعى ويحفظ ، كاليمين ~~والوصية وغيرهما ، ويضاف إلى المعاهد والمعاهد جميعا ، يقال : أوفيت بعهدي ~~، أى بما عاهدت غيرى عليه ، وأوفيت بعهدك ، أى بما عاهدتني عليه ، وعهد ~~الله : أوامره ونواهيه ، والوفاء به يتأتى باتباع ما أمر به ، واجتناب ما ~~نهى عنه ، ويندرج فيه كل ما أخذ ms0102 على بنى إسرائيل في التوراة ، من اتباع ~~محمد صلى الله عليه وسلم متى بعث ، والإيمان بما جاء به من عند الله وتصديقه ~~فيما يخبر عن ربه. # والمعنى : وأوفوا بما عاهدتموني عليه من الإيمان بي ، والطاعة لي ، ~~والتصديق برسلي ، أوف بما عاهدتكم عليه من التمكين في الأرض في الدنيا ~~والسعادة في الآخرة. # ثم أمرهم سبحانه بأن يجعلوا خوفهم من خالقهم وحده ، فقال تعالى : ( ~~@QUR@02 وإياي فارهبون ) أى : خافوني ولا تخافوا سواي ، ولتكن قلوبكم عامرة ~~بخشيتى وحدي ، فإن ذلك يعينكم على طاعتي ، ويبعدكم عن معصيتي. # وحذف متعلق الرهبة للعموم ، أى ارهبونى في جميع ما تأتون ، وما تذرون ، ~~حتى لا أنزل PageV01P106 # بكم من النقم مثل ما أنزلت بمن قبلكم من المسخ وغيره ، فالآيات الكريمة ~~قد تضمنت وعدا ووعيدا وترغيبا وترهيبا. # ( @QUR@06 وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ). # وبعد أن أمر الله عز وجل بنى إسرائيل ، أن يوفوا بعهده عموما أتبع ذلك ~~بأمرهم بأن يوفوا بأمر خاص وهو القرآن الكريم ، وفي التعبير عنه بذلك تعظيم ~~لشأنه ، وتفخيم لأمره. وأفرد سبحانه أمرهم بأن يؤمنوا به مع اندراجه في ~~قوله تعالى ( @QUR@02 وأوفوا بعهدي ) للإشارة إلى أن الوفاء بالعهد لا يحصل ~~منهم إلا إذا صدقوا به. # والمراد بما معهم التوراة ، والتعبير عنها بذلك للإشعار بعلمهم بتصديقه ~~لها. والمعنى : آمنوا يا بنى إسرائيل بالكتاب المنزل على محمد ~~صلى الله عليه وسلم وهو القرآن الكريم المصدق لكتابكم التوراة ، ومن مظاهر هذا ~~التصديق اشتمال دعوته على ما يحقق دعوتها ، من الأمر بتوحيد الله تعالى ~~والحث على التمسك بالفضائل ، والبعد عن الرذائل ، وإخباره بما جاء بها من ~~الإشارة إلى بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ، ومطابقة ما وصفته به مطابقة ~~واضحة جلية وموافقته لها في أصول الدين الكلية ، وهيمنته عليها ، ولذا قال ~~عليه الصلاة والسلام : «لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعى» (1). # وفي إخبار بنى إسرائيل بأن القرآن الكريم مصدق لما معهم ، إثارة لهممهم ~~لو كانوا يعقلون للإقبال عليه ، متدبرين آياته ، حتى تستيقن نفوسهم أنه ~~دعوة الحق والإصلاح المؤدية إلى السعادة في ms0103 الدنيا والآخرة وحتى تطمئن ~~قلوبهم إلى أن الإيمان به معناه الإيمان بما معهم ، والكفر به ، كفر بما ~~بين أيديهم ، حيث إن ما بين أيديهم قد بشر ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم ~~المنزل عليه القرآن الكريم. # قال الإمام الرازي : (وهذه الجملة الكريمة تدل على صدق النبي ~~صلى الله عليه وسلم من وجهين : # أولهما : أن الكتب السابقة قد بشرت به ، وشهاداتها لا تكون إلا حقا. # وثانيهما : أنه عليه الصلاة والسلام قد أخبرهم عما في كتبهم بدون معرفة ~~سابقة لها ، وهذا لا يتأتى إلا عن طريق الوحى (2). # وبعد أن أمرهم سبحانه بالإيمان الخالص ، عرض بهم لتكذيبهم وجحودهم ، فقال ~~تعالى : ( @QUR@05 ولا تكونوا أول كافر به ) أى : لا تكونوا أول فريق من ~~أهل الكتاب يكفر بالقرآن الكريم ، فيقتدى بكم أناس آخرون وبهذا تصيرون أئمة ~~للكفر مع أن من الواجب PageV01P107 # عليكم أن تسارعوا إلى الإيمان به لأنكم أدرى الناس بأنه من عند الله ، ~~وأكثرهم علما بأنه الرسول الذي نزل عليه هذا القرآن ، وهو الصادق الأمين ~~فيما يبلغه عن ربه. # والمقصود من هذه الجملة الكريمة ، تبكيتهم على مسارعتهم في الكفر ، ~~واستعظام وقوع الجحود منهم ، وتوعدهم عليه بسوء المآل. # قال الإمام الرازي : (هذه الجملة خطاب لبنى إسرائيل قبل غيرهم فكأنه ~~سبحانه يقول لهم : لا تكفروا بمحمد ، فإنه سيكون بعدكم كفرة ، فلا تكونوا ~~أنتم أولهم لأن هذه الأولية موجبة لمزيد الإثم ، وذلك لأنهم إذا سبقوا إلى ~~الكفر ، فإما أن يقتدى بهم غيرهم أولا ، فإن اقتدى بهم غيرهم كان عليهم ~~وزره ووزر كل كافر إلى يوم القيامة ، وإن لم يقتد بهم غيرهم ، اجتمع عليهم ~~أمران : السبق إلى الكفر ؛ والتفرد به وكلاهما منقصة عظيمة ، وتؤدى إلى ~~العاقبة الوبيلة) (1). # ثم نهاهم عن أن يبيعوا دينهم بدنياهم ، فقال تعالى : ( @QUR@05 ولا ~~تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ). والاشتراء هنا استعارة للاستبدال ، والذي ~~استبدل به الثمن القليل هو الإيمان بالآيات ، والمراد بالآيات : البراهين ~~المؤيدة لصدق النبي صلى الله عليه وسلم وفي مقدمتها القرآن الكريم والتوراة. # والمراد بالثمن القليل : حظوظ الدنيا وشهواتها من نحو الرياسة والمال ~~والجاه ms0104 ، وما إلى ذلك من الأمور التي خافوا ضياعها لو اتبعوا الرسول ~~صلى الله عليه وسلم . # والمعنى : لا تستبدلوا بالإيمان بما أنزلت مصدقا لما معكم شيئا من حطام ~~الدنيا ، ولا تختاروا على ثواب الله بديلا من الأموال ، فإنها مهما كثرت ~~فهي قليلة مسترذلة بالنسبة لما يناله أولو الإيمان الخالص من رعاية ضافية ~~في الدنيا ، وخيرات حسان في الأخرى. # وليس وصف الثمن بالقلة من الأوصاف المخصصة للنكرات ، بل هو من الأوصاف ~~اللازمة للثمن المحصل بالآيات ؛ إذ لا يكون إلا قليلا وإن بلغ ما بلغ من ~~أعراض الدنيا بجانب رضا الله عز وجل . # ونزل تمكينهم من الإيمان بالآيات لوضوحها منزلة حصوله بالفعل ، فكأن ~~الإيمان كان في حوزتهم ، ولكنهم خلعوه ونبذوه ، مستبدلين الذي هو أدنى ~~بالذي هو خير ؛ فباءوا بغضب على غضب لكفرهم بالقرآن الكريم وبتوراتهم التي ~~بشرت بالرسول عليه الصلاة والسلام . # ثم حذرهم سبحانه من التمادي في الكفر بما أنزل ، مصدقا لما معهم ، فقال ~~تعالى «وإياى فاتقون» الاتقاء معناه الحذر ، يقال : فلان اتقى الله أى حذر ~~عقابه وبطشه ، والحذر من PageV01P108 # عقاب الله ، يستلزم امتثال أوامره ، واجتناب نواهيه ، فمعنى «وإياى ~~فاتقون» آمنوا بي ، واتبعوا الحق وأعرضوا عن الباطل. # وبعد أن نهى القرآن الكريم بنى إسرائيل عن الكفر والضلال ، عقب ذلك ~~بنهيهم عن أن يعملوا لإضلال غيرهم ، فقال تعالى : ( @QUR@08 ولا تلبسوا ~~الحق بالباطل ، وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ). # اللبس بفتح اللام الخلط ، وفعله : لبس ، من باب : ضرب تقول : لبست عليه ~~الأمر ، ألبسه إذا مزجت بينه بمشكله ، وحقه بباطله. # ولدعاة الضلالة طريقتان في إغواء الناس : # إحداهما : طريقة خلط الحق بالباطل حتى لا يتميز أحدهما عن الآخر وهي ~~المشار إليها بقوله تعالى : ( @QUR@04 ولا تلبسوا الحق بالباطل ). # والثانية : طريقة جحد الحق وإخفائه حتى لا يظهر ، وهي المشار إليها بقوله ~~تعالى : ( @QUR@02 وتكتموا الحق ). # وقد استعمل بنو إسرائيل الطريقتين لصرف الناس عن الإسلام ، فقد كان بعضهم ~~يؤول نصوص كتبهم الدالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم تأويلا فاسدا ، ~~يخلطون فيه الحق بالباطل ، ليوهموا العامة أنه ليس هو النبي المنتظر ، وكان ms0105 ~~بعضهم يلقى حول الحق الظاهر شبها ، ليوقع ضعفاء الإيمان في حيرة وتردد ، ~~وكان بعضهم يخفى أو يحذف النصوص الدالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~والتي لا توافق أهواءهم وشهواتهم ، فنهاهم الله تعالى عن هذه التصرفات ~~الخبيثة. # والمعنى : ولا تخلطوا الحق الواضح الذي نطقت به الكتب السماوية ، وأيدته ~~العقول السليمة ، بالباطل الذي تخترعونه من عند أنفسكم ، إرضاء لأهوائكم ، ~~ولا تكتموا الحق الذي تعرفونه ، كما تعرفون أبناءكم ، بغية انصراف الناس ~~عنه «لأن من جهل شيئا عاداه ، فالنهي الأول عن التغيير والخلط ، والنهى ~~الثاني عن الكتمان والإخفاء. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 وأنتم تعلمون ) جملة حالية ، أى وأنتم من ذوى ~~العلم ، ولا يناسب من كان كذلك أن يكتم الحق ، أو يلبسه بالباطل ، وإذا كان ~~هذا الفعل وهو لبس الحق بالباطل ، أو كتمانه وإظهار الباطل وحده يعد من ~~كبائر الذنوب ، فإن وقعه يكون أقبح ، وفساده أكبر ، وعاقبته أشأم متى صدر ~~من عالم فاهم ، يميز بين الحق والباطل. # ففي هذه الجملة الكريمة بيان لحال بنى إسرائيل ، المخاطبين بهذا النهى ، ~~وتبكيت لهم ، لأنهم لم يفعلوا ما فعلوه عن جهالة ، وإنما عن علم وإصرار على ~~سلوك هذا الطريق المعوج. PageV01P109 # قال أبو حيان في البحر : «وهذه الحال ، وإن كان ظاهرها أنها قيد في النهى ~~عن اللبس والكتم ، فلا تدل بمفهومها على جواز اللبس والكتم حالة الجهل ، إذ ~~الجاهل بحال الشيء لا يدرى كونه حقا أو باطلا ، وإنما فائدتها بيان أن ~~الإقدام على الأشياء القبيحة ، مع العلم بها ، أفحش من الإقدام عليها مع ~~الجهل (1). # وبعد أن أمرهم سبحانه بأصل الدين الذي هو الإيمان به وبرسوله محمد ~~صلى الله عليه وسلم أردفه بركنين من أركانه العملية ، إذا قاموا بهما لانت ~~قلوبهم للحق ، وانعطفت نفوسهم نحو خشية الله وحده ، فقال تعالى : ( @QUR@07 ~~وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين ) والمراد بإقامة الصلاة ~~، أداؤها مستوفية لأركانها وشرائطها وآدابها. والمراد بإيتاء الزكاة دفعها ~~لمستحقيها كاملة غير منقوصة. # والمعنى : عليكم يا معشر اليهود أن تحافظوا على أداء الصلاة ، التي هي ~~أعظم العبادات البدنية ، وعلى إيتاء الزكاة ms0106 التي هي أعظم العبادات المالية ~~، وأن تخضعوا لما يلزمكم في دين الله تعالى لأن في محافظتكم على هذه ~~العبادات تطهيرا لقلوبكم ، وتأليفا لنفوسكم ، وتزكية لمشاعركم ، ولأنكم إن ~~لم تحافظوا عليها كما أمركم الله تعالى فسيلحقكم الخزي في الدنيا ، والعذاب ~~في الأخرى. # هذا ، ونرى من المناسب أن نختم تفسير هذه الآيات الكريمة ، وبيان ما ~~اشتملت عليه من توجيه سليم ، وتركيب بليغ ، بما قاله أبو حيان في تفسيره ، ~~فقد قال رحمه الله : # «وفي هذه الجمل وإن كانت معطوفات بالواو التي لا تقتضي في الوضع ترتيبا ~~ترتيب عجيب من الفصاحة ، وبناء الكلام بعضه على بعض ، وذلك أنه تعالى أمرهم ~~أولا بذكر النعمة التي أنعمها عليهم ، إذ في ذلك ما يدعو إلى محبة المنعم ~~ووجوب طاعته : ثم أمرهم بإيفاء العهد الذي التزموه للمنعم ، ثم رغبهم ~~بترتيب إيفائه هو تعالى بعهدهم في الإيفاء بالعهد ، ثم أمرهم بالخوف من ~~نقمه إن لم يوفوا ، فاكتنف الأمر بالإيفاء أمر بذكر النعمة والإحسان ، وأمر ~~بالخوف من العصيان. ثم أعقب ذلك بالأمر بإيمان خاص وهو ما أنزل من القرآن ، ~~ورغب في ذلك بأنه مصدق لما معهم ، فليس أمرا مخالفا لما في أيديهم ، لأن ~~الانتقال إلى الموافق أقرب من الانتقال إلى المخالف ثم نهاهم عن استبدال ~~الخسيس بالنفيس ، ثم أمرهم تعالى باتقائه ثم أعقب ذلك بالنهى عن لبس الحق ~~بالباطل ، وعن كتم الحق ، فكان الأمر بالإيمان أمرا بترك الضلال ، والنهى ~~عن لبس الحق بالباطل ، وكتمان الحق تركا للإضلال. PageV01P110 # ولما كان الضلال ناشئا عن أمرين : # إما تمويه الباطل حقا ، إن كانت الدلائل قد بلغت المستمع ، وإما عن كتمان ~~الدلائل إن كانت لم تبلغه ، أشار إلى الأمرين بلا تلبسوا وتكتموا ، ثم قبح ~~عليهم هذين الوصفين مع وجود العلم ، ثم أمرهم بعد تحصيل الإيمان ، وإظهار ~~الحق بإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، لأن الصلاة آكد العبادات البدنية ، ~~والزكاة آكد العبادات المالية ثم ختم ذلك بالأمر بالانقياد والخضوع له ~~تعالى مع جملة الخاضعين الطائعين. # فكان افتتاح هذه الآيات بذكر النعم واختتامها بالانقياد للمنعم ، وما ~~بينهما من تكاليف ms0107 اعتقادية ، وأفعال بدنية ومالية ، وبنحو ما تضمنته هذه ~~الآيات من الافتتاح والإرداف والاختتام يظهر فضل كلام الله تعالى على سائر ~~الكلام ، وهذه الأوامر والنواهي ، وإن كانت خاصة ببني إسرائيل في الصورة ، ~~إلا أنها عامة في المعنى ، فيجب على كل مكلف في كل زمان ومكان أن يعمل بها» (1). # وبعد كل هذه الأوامر والنواهي ، وبخهم الله تعالى وقرعهم على ارتكابهم ~~لأمور لا تصدر عن عاقل. وهي أنهم يأمرون الناس بالخير ولا يفعلونه ، فقال ~~تعالى : # ( @QUR@010 أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا ~~تعقلون ) (44) # الأمر : طلب إيجاد الفعل. والبر : اسم يتناول كل عمل من أعمال الخير. ~~والنسيان : ضد الذكر ، وهو السهو الحادث بعد حصول العلم. والعقل : يطلق على ~~قوة في النفس ، تستعد بها لقبول العلم. وإدراك الشيء. # والمعنى : كيف يليق بكم يا معشر اليهود ، وأنتم تأمرون الناس بأمهات ~~الفضائل ، وألوان الخيرات ، أن تنسوا أنفسكم ، فلا تأتمروا بما تأمرون به ~~غيركم ، وأنتم مع ذلك تقرأون توراتكم ، وتدركون أى عقوبة أليمة لمن يأمر ~~الناس بالخير وينسى نفسه ، أفلا عقل لكم يحبسكم عن هذا السفه الذي ترديتم ~~فيه ، ويحذركم من سوء عاقبته؟ # قال ابن عباس رضي الله عنهما كان يهود المدينة يقول الرجل منهم لصهره ، ~~ولذي قرابته ، ولمن بينه وبينه صلة من المسلمين أثبت على الذي أنت عليه ، ~~وما يأمرك به هذا PageV01P111 # الرجل يريدون محمدا صلى الله عليه وسلم فإن أمره حق ، فكانوا يأمرون الناس ~~بذلك ولا يفعلونه (1). # والمراد بالنسيان في الآية الكريمة ، تركهم العمل بما يأمرون به غيرهم ، ~~لأن الناسي حقيقة ليس مؤاخذا على ما نسيه ، فلا يستحق هذا التوبيخ الشديد ~~الوارد في الآية الكريمة ، وليس التوبيخ متوجها إلى كونهم كانوا يأمرون ~~الناس بالبر ، لأنه فعل محمود ، وإنما التوبيخ متوجه إلى كونهم تركوا العمل ~~بما يرشدون إليه سواهم ، فهم يداوون الناس ، وقلوبهم مليئة بالأمراض ~~والعلل. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 وأنتم تتلون الكتاب ) مزيد تقبيح لشأنهم ، ذلك ~~أن قراءتهم لكتبهم أبطلت اعتذارهم بالجهل الذي قد يتشبث به بعض الفاسقين ~~على أمر الله عند ما ينكر الناس عليهم ms0108 فسوقهم. # وفي قوله تعالى : ( @QUR@02 أفلا تعقلون ) أسمى أنواع الهداية والإرشاد ~~السليم ، فإن من ألطف الأساليب في الخطاب والتوجيه ، أن يكون للموجه إليه ~~النصح صفة من شأنها أن تسوقه إلى خير ، ولكنه ينساق إلى غيره من أنواع ~~الشرور فيقع فعله من الناس موقع الدهشة والغرابة ، فيذكر له مسدي النصح تلك ~~الصفة في معرض الاستفهام بغية تذكيره بأن ما صدر منه لا يلتقى مع ما عرف عنه. # وتطبيقا لهذا المبدأ نقول : إن المخاطبين بقوله تعالى : ( @QUR@02 أفلا ~~تعقلون ) يعقلون ويدركون الأشياء ، وبهذا الإدراك توجه إليهم التكليف ~~بالعقائد والشرائع ، ولكنهم لم يسيروا على مقتضى ما لديهم من عقول ، حيث ~~كانوا يأمرون الناس بالخير ، ويصرفون أنفسهم عنه ، فكأنه سبحانه يقول لهم : ~~إن ما أتيتم من أفعال سقيمة. يجعل الناظر إليكم يحكم عليكم بلا أدنى تردد ~~بأنكم لا عقول لكم ، ولا فضيلة لديكم ، وفي هذا الأسلوب ما فيه من الترغيب ~~في فعل الخير ؛ والترهيب من فعل الشر. # ولما كانت الأمور التي كلفهم الله بها قبل ذلك فيها مشقة لا يتحملها كل ~~أحد بسهولة. فقد أرشدهم إلى الوسائل التي تقوى عزائمهم ، وتطهر قلوبهم ، ~~وتعالج أمراض نفوسهم فقال تعالى : # ( @QUR@08 واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين (45) ~~@QUR@08 الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون ) (46) PageV01P112 # قوله تعالى : ( @QUR@03 واستعينوا بالصبر والصلاة ) الاستعانة : طلب ~~المعونة ، والصبر حبس النفس على ما نكره. يقال : صبر على الطاعة. أى حبس ~~نفسه عليها متحملا ما يلاقيه في أدائها من مشاق وصبر عن المعصية. أى كف ~~نفسه عما تنزع إليه من أهواء. # والمعنى : واستعينوا على ترك ما تحبون من شهوات الدنيا ، والدخول فيما ~~تستثقله نفوسكم من قبول الإسلام ، والتقيد بتكاليفه بفضيلة الصبر التي تحجز ~~أنفسكم من غشيان الموبقات ، وبفريضة الصلاة التي تنهاكم عن الفحشاء ~~والمنكر. # قوله تعالى : ( @QUR@05 وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ) كبيرة : أى صعبة ~~شاقة. يقال كبر الشيء إذا شق وثقل ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@06 كبر على ~~المشركين ما تدعوهم إليه ) أى ثقل وصعب والخاشعين : من الخشوع وهو في الأصل ~~اللين والسهولة «ومعناه في الآية ms0109 الكريمة. الخضوع والاستكانة لله تعالى ، ~~والضمير في إنها للصلاة لعظيم شأنها واستجماعها لضروب من الصبر ، ~~والاستثناء مفرغ. أى كبيرة على كل الناس إلا على الخاشعين. # والمعنى : إن الصلاة صعبة إلا على الخاضعين المخبتين المتطامنة قلوبهم ~~وجوارحهم لله تعالى لأنهم موقنون أنها من أهم وسائل الفلاح في الدنيا ، ~~والسعادة في الآخرة ، ولأنهم يجدون عند أدائها اغتباطا وسرورا يجعل نفوسهم ~~تنشط إليها كلما حل وقتها بهمة وإخلاص. # قال الإمام الرازي : «فإن قيل : إن كانت ثقيلة على هؤلاء سهلة على ~~الخاشعين ، فيجب أن يكون ثوابهم أكثر ، وثواب الخاشع أقل ، وذلك منكر من ~~القول؟ قلنا : ليس المراد أن الذي يلحقهم من التعب أكثر مما يلحق الخاشع. ~~وكيف يكون ذلك ، والخاشع يستعمل في الصلاة جوارحه وقلبه ، ولا يغفل فيها ؛ ~~وإذا كان هذا فعل الخاشع فالثقل عليه يفعل الصلاة أعظم. وإنما المراد بقوله ~~تعالى : ( @QUR@02 وإنها لكبيرة ). أى ثقيلة على غير الخاشع ؛ لأنه لا ~~يعتقد في فعلها ثوابا ، ولا في تركها عقابا ، فيصعب عليه فعلها ، فالحاصل ~~أن الملحد لاعتقاده عدم المنفعة في أدائها ثقل عليه فعلها ، لأن الاشتغال ~~بما لا فائدة فيه يثقل على الطبع. أما الموحد فلما اعتقد في فعلها أعظم ~~المنافع ، وفي تركها أكبر المضار ، لم يثقل عليه أداؤها. بل أداها وهو سعيد ~~بها ، ألا ترى إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم : «جعلت قرة عيني في الصلاة» ~~وصفها بذلك لأنها كانت لا تثقل عليه. # ثم وصف سبحانه الخاشعين وصفا يناسب المقام ، ويظهر وجه الاستعانة ، فقال ~~تعالى : ( @QUR@08 الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون ). # الظن : يرد في أكثر الكلام بمعنى الاعتقاد الراجح ، وهو ما يتجاوز مرتبة ~~الشك ، وقد يقوى حتى يصل إلى مرتبة اليقين والقطع ، وهو المراد هنا ؛ ومثل ~~ذلك قوله تعالى ( @QUR@02 ألا يظن PageV01P113 # @QUR@05 أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم ) أى ألا يعتقد أولئك أنهم مبعوثون ~~ليوم عظيم. وقوله تعالى : ( @QUR@05 إني ظننت أني ملاق حسابيه ) أى علمت ~~أنى ملاق حسابيه. # وملاقاة الخاشعين لربهم معناها الحشر إليه بعد الموت ، ومجازاتهم على ما ~~قدموا من عمل. # والمعنى ms0110 : إن الصلاة لثقيلة إلا على الخاشعين ، الذين يعتقدون لقاء الله ~~تعالى يوم الحساب ، وأنهم عائدون إليه لينالوا ما يستحقونه من جزاء على حسب ~~أعمالهم. # قال ابن جرير مرجحا أن المراد بالظن هنا العلم واليقين : «إن قال لنا ~~قائل : وكيف أخبر الله تعالى عمن قد وصفه بالخشوع له بالطاعة أنه يظن أنه ~~ملاقيه ، والظن شك ، والشاك في لقاء الله كافر؟ قيل له : إن العرب قد تسمى ~~اليقين ظنا : والشك ظنا ؛ نظير تسميتهم الظلمة سدفة. والضياء سدفة ، ~~والمغيث صارخا ، والمستغيث صارخا ، وما أشبه ذلك من الأسماء التي يسمى بها ~~الشيء وضده ، ومما يدل على أنه يسمى به اليقين ، قول دريد بن الصمة : (فقلت ~~لهم ظنوا بألفى مدجج ...). # يعنى بذلك : تيقنوا أن ألفى مدجج تأتيكم ، ثم قال : والشواهد من أشعار ~~العرب وكلامها على أن الظن في معنى اليقين أكثر من أن تحصى ، وفيما ذكرنا ~~لمن وفق في فهمه كفاية ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@06 ورأى المجرمون النار ~~فظنوا أنهم مواقعوها ) وعن مجاهد قال : «كل ظن في القرآن فهو علم» (1). # والذين قالوا إن الظن هنا على معناه الحقيقي ، وهو الاعتقاد الراجح ، ~~فسروا «ملاقاة الخاشعين لربهم» بمعنى قربهم من رضاه يوم القيامة «ورجوعهم ~~إليه» بمعنى حلولهم بجواره الطيب ، واستقرارهم في جناته ، أى : وإن الصلاة ~~لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يتوقعون قربهم من ربهم ، ودخولهم جناته عند ~~رجوعهم إليه. # وإلى هذا التفسير ذهب صاحب الكشاف ، فقد قال : (فإن قلت : مالها لم تثقل ~~على الخاشعين والخشوع في نفسه مما يثقل؟ قلت : لأنهم يتوقعون ما ادخر ~~للصابرين على متاعبها فتهون عليهم. ألا ترى إلى قوله تعالى : ( @QUR@05 ~~الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ) أى يتوقعون لقاء ثوابه ، ونيل ما عنده ~~ويطمعون فيه) (2). # وإنما كان شعور الخاشعين بذلك كله ظنا لا يقينا ، لأن خواتيم الحياة لا ~~يعلمها كيف تكون PageV01P114 # سوى علام الغيوب ، ففي وصفهم بأنهم ( @QUR@01 يظنون ) إشارة إلى خوفهم ، ~~وعدم أمنهم مكر الله تعالى وهكذا يكون المؤمن دائما بين الخوف والرجاء. # ومن هذا العرض لمعنى الآية الكريمة يتبين لنا ، أن من فسر الظن ms0111 هنا بمعنى ~~اليقين والعلم ، يرى أن لقاء الخاشعين لله معناه الحشر بعد الموت ، ورجوعهم ~~إليه معناه مجازاتهم على أعمالهم. والحشر والمجازاة يعتقد صحتهما الخاشعون ~~اعتقادا جازما. # أما من فسر الظن هنا بمعنى الاعتقاد الراجح ، فيرى أن لقاء الخاشعين لله ~~معناه توقعهم لقاء ثوابه ، ورجوعهم إليه معناه ظفرهم بجناته ، وتوقع الثواب ~~والظفر بالجنات يرجح الخاشعون حصولهما لأن مرجعهما إلى فضل الله وحده. # والذي نراه أن الرأى الأول أكثر اتساقا مع ظاهر معنى الآية الكريمة وبه ~~قال قدماء المفسرين ، كمجاهد وأبى العالية وغيرهما. # وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة توبيخ أحبار اليهود على نصحهم لغيرهم ~~وتركهم لأنفسهم وإرشادهم إلى العلاج الذي يشفيهم من هذا الخلق الذميم ، ومن ~~غيره متى استعملوه بصدق وإخلاص ، وهذا العلاج يتمثل في تذرعهم بالصبر. ~~ومداومتهم على الصلاة ، وشكرهم لله تعالى على نعمه التي فصلت الآيات بعد ~~ذلك الحديث عنها ، وها نحن نذكرها مرتبة كما ساقها القرآن الكريم. # أولا : نعمة تفضيلهم على العالمين : قال تعالى : # ( @QUR@012 يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم ~~على العالمين ) (47) # أعاد القرآن الكريم نداءهم ، تأكيدا لتذكيرهم بواجب الشكر ، واهتماما ~~بمضمون الخطاب وما يشتمل عليه من أوامر ومنهيات ، وتفصيلا لما أسبغه الله ~~عليهم من منن بعد أن أجملها في النداء الأول ، ليكون التذكير أتم والتأثير ~~أشد ، والشكر عليها أرجى. # وقد جرت سنة القرآن الكريم أن يكرر الجمل المشتملة على أمور تستوجب ~~المزيد من العناية كما في حال ذكر النعم ، لأن تكرارها يغرى النفوس الكريمة ~~بطاعة مرسلها ، والسير على الطريق القويم. PageV01P115 # وقوله تعالى : ( @QUR@04 وأني فضلتكم على العالمين ) عطف على نعمتي ، أى ~~واذكروا تفضيلي إياكم على العالمين ، وهذا التفضيل نعمة خاصة ، فعطفه على ( ~~@QUR@01 نعمتي ) من عطف الخاص على العام للعناية به ، وهو أى : التفضيل ~~مبدأ تفصيل النعم وتعدادها ، والمقصود منه الحض على الاتصاف بما يناسب تلك ~~النعم ، ويستبقى ذلك الفضل. # وقد ذكر الله تعالى بنى إسرائيل المعاصرين للعهد النبوي بهذه النعم مع ~~أنها كانت لآبائهم. كما يدل عليه سياق الآيات ؛ لأن النعم على الآباء نعم ~~على ms0112 الأبناء لكونهم منهم ، ولأن شرف الأصول يسرى إلى الفروع ، فكان التذكير ~~بتلك النعم فيه شرف لهم ، وحسن سمعة تعود عليهم ، وتغريهم بالإيمان والطاعة ~~لو كانوا يعقلون . # ومن مظاهر ، تفضيل الله لبنى إسرائيل على عالمي زمانهم ، جمعه لهم من ~~المحامد قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم . ما لم يجمع لغيرهم. فقد حياهم ~~بكثير من النعم ، وبعث فيهم عددا كبيرا من الأنبياء ، ونجاهم من عدوهم ، ~~ولم يعجل العقوبة عليهم رغم عصيانهم واعتدائهم ، واقترافهم شتى ألوان ~~المنكرات عن تعمد وإصرار ، ولم ينزل بهم قارعة تستأصلهم بذنوبهم كما استأصل ~~غيرهم كقوم عاد وثمود. # ولكن بنى إسرائيل لم يقابلوا نعم الله بالشكر والعرفان. بل قابلوها ~~بالجحود والطغيان فسلبها الله عنهم ، ومنحها لقوم آخرين لم يكونوا أمثالهم ~~ولقد حكى القرآن ألوانا من النعم التي منحها الله لبنى إسرائيل ولكنهم ~~قابلوها بالبطر والكفران فأزالها الله عنهم. من ذلك قوله تعالى : # ( @QUR@020 سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ، ومن يبدل نعمة الله ~~من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب ) (1). # أى : سل يا محمد بنى إسرائيل المعاصرين لك. سؤال تقريع وتوبيخ. كم آتاهم ~~الله على أيدى أنبيائهم من النعم الجليلة ، والمعجزات الباهرة ، ولكنهم بعد ~~أن جاءتهم هذه الآيات ، وتمكنوا منها وعقلوها قابلوها بالعناد والاستهزاء ، ~~وجعلوها من أسباب ضلالهم مع أنها مسوقة لهدايتهم وسعادتهم ، فكانت نتيجة ~~ذلك أن ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة في الدنيا ، وتوعدهم بشديد العقاب في ~~الآخرة. # ومن الآيات التي صرحت بأن الله تعالى أعطى بنى إسرائيل نعما وفيرة ، ~~ولكنهم لم يحمدوه عليها. قوله تعالى : PageV01P116 # ( @QUR@027 ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين* من فرعون إنه كان ~~عاليا من المسرفين. ولقد اخترناهم على علم على العالمين* وآتيناهم من ~~الآيات ما فيه بلؤا مبين ) (1). # أى : ولقد نجينا بفضلنا وكرمنا بنى إسرائيل من العذاب المهين الذي كان ~~ينزله بهم فرعون وجنده ، بأن أغرقناه ومن معه أمام أعينهم ؛ لأنه كان ظلوما ~~غشوما ، وفضلا عن ذلك فقد اصطفينا بنى إسرائيل على علم منا بما يكون منهم ~~على عالمي زمانهم ms0113 وآتيناهم من النعم والمعجزات. ما فيه اختبار لقلوبهم ، ~~وامتحان لنفوسهم. فكانت نتيجة هذا الاختبار والامتحان أن كفروا بنعم الله ، ~~وكذبوا برسله وقتلوهم. فتوعدهم الله في الدنيا بأن يسلط عليهم من يسومهم ~~سوء العذاب إلى يوم القيامة. أما في الآخرة فمأواهم جهنم وبئس المهاد. # وأيضا من الآيات التي ساقت أنواعا من نعم الله على بنى إسرائيل ولكنهم لم ~~يشكروه عليها قوله تعالى : # ( @QUR@037 ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من ~~الطيبات وفضلناهم على العالمين. وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا ~~من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم. إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما ~~كانوا فيه يختلفون ) (2). # والمعنى : ولقد آتينا بنى إسرائيل التوراة لتكون هداية لهم ومنحناهم ~~الحكمة والفقه في الدين ، وجعلنا النبوة في عدد كبير منهم ، ورزقناهم من ~~طيبات الأغذية والأشربة ، وفضلناهم على من عاصرهم من الأمم قيل بعثة النبي ~~صلى الله عليه وسلم وفضلا عن ذلك فقد سقنا لهم على أيدى أنبيائهم الكثير من ~~المعجزات والدلائل التي تقوى إيمانهم ، وتهديهم إلى الطريق المستقيم ولكنهم ~~لم ينتفعوا بهذه النعم. بل جعلوا علمهم بالدين الحق سببا للخلاف والشقاق ، ~~والسير في طريق الضلال ، وسيعاقبهم الله بما يستحقونه جزاء جحودهم وعنادهم. # والعبرة التي نستخلصها من هذه الآيات وأمثالها. أن الله تعالى فضل بنى ~~إسرائيل على غيرهم من الأمم السابقة على الأمة الإسلامية. ومنحهم الكثير من ~~النعم ، ولكنهم لم يقابلوا ذلك بالشكر. بل قابلوه بالتمرد والحسد والبطر. ~~فسلب الله عنهم ما حباهم من نعم ، ووصفهم في كتابه بأقبح الصفات وأسوأ ~~الطباع. كقسوة القلب ، ونقض العهد ، والتهالك على شهوات الدنيا ، والتعدي ~~على الغير. والتحايل على استحلال محارم الله ، ونبذهم للحق واتباعهم الباطل ~~... إلى غير ذلك من الصفات التي توارد ذكرها في القرآن الكريم. PageV01P117 # وهذا مصير كل أمة بدلت نعمة الله كفرا ؛ لأن الميزان عند الله للتقوى ~~والعمل للصالح ، وليس للجنس أو اللون أو النسب. # قال الإمام الرازي ما ملخصه : فإن قيل : إن تفضيلهم على العالمين يقتضى ~~تفضيلهم على أمة محمد صلى الله عليه ms0114 وسلم ، وهذا باطل. فكيف الجواب؟ قلنا : ~~الجواب من وجوه أقربها إلى الصواب أن المراد : فضلتكم على عالمي زمانكم ~~وذلك لأن الشخص الذي سيوجد بعد ذلك وهو الآن ليس بموجود لم يكن من جملة ~~العالمين حال عدمه ، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم ما كانت موجودة في ذلك ~~الوقت ، فلا يلزم من كون بنى إسرائيل أفضل العالمين في ذلك الوقت. أنهم ~~أفضل من الأمة المحمدية. وهذا هو الجواب أيضا عن قوله تعالى : ( @QUR@013 ~~إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين ). ~~وعن قوله تعالى : ( @QUR@06 ولقد اخترناهم على علم على العالمين ) (1). # وبهذا يتعين بطلان دعوى اليهود أنهم شعب الله المختار. استنادا إلى هذه ~~الآية الكريمة وأمثالها ، لأنها دعوى لا تؤيدها النصوص ، ولا يشهد لها ~~العقل السليم. ثم قال تعالى : # ( @QUR@019 واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا ~~يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون ) (48) # بعد أن ذكرهم سبحانه في الآية السابقة بنعمة عظمى من نعمه حذرهم في هذه ~~الآية الكريمة من التقصير في العمل الصالح ، وذلك لأن وصفهم بالتفضيل على ~~عالمي زمانهم قد يحملهم على الغرور ، ويجعلهم يتوهمون أنهم مغفور لهم لو ~~أذنبوا. فجاءت هذه الآية الكريمة لتقتلع من أذهانهم تلك الأوهام بأحكم ~~عبارة وأجمع بيان. # والمراد باتقاء اليوم ، وهو يوم القيامة ، الحذر مما يحدث فيه من أهوال ~~وعذاب ، والحذر منه يكون بالتزام حدود الله تعالى وعدم تعديها ، فهو من ~~إطلاق الزمان على ما يقع فيه كما تقول «مكان مخيف» وتنكير النفس في ~~الموضعين وهو في حيز النفي يفيد عموم النفوس. أى : لا تقضى فيه نفس كائنة ~~من كانت عن نفس أخرى شيئا من الحقوق. # ووصف اليوم بهذا الوصف ، ولم يقل «يوم القيامة» مثلا ، للإشعار بأن ~~التصرف في ذلك اليوم لله وحده. فليس فيه ما اعتاد الناس في هذه الدنيا من ~~دفاع بعضهم عن بعض. PageV01P118 # والمعنى : احذروا يا بنى إسرائيل يوما عظيما أمامكم ، سيحصل فيه من ~~الحساب والجزاء ما لا منجاة من هوله إلا ms0115 بتقوى الله في جميع الأحوال ~~والإخلاص له في كل الأعمال ، فهو يوم لا تقضى فيه نفس مهما كان قدرها عظيما ~~عن نفس شيئا ما ، مهما يكن ذنبا صغيرا. # ثم وصف القرآن الكريم ذلك اليوم بوصف آخر يناسب المقام. فقال تعالى : ( ~~@QUR@04 ولا يقبل منها شفاعة ) الضمير في (منها) يعود إلى النفس المحاسبة ~~في ذلك اليوم. والشفاعة : من الشفع ضد الوتر ، وهي انضمام الغير إلى الشخص ~~ليدفع عنه ، أى لا يقبل منها أن تأتى بشفيع ليحصل لها نفعا ، أو يدفع عنها ضررا. # والآية الكريمة قد نفت قبول الشفاعة من أحد نفيا مطلقا ، ولكن هنالك آيات ~~كريمة تنفى قبول الشفاعة إلا ممن أذن له الرحمن في ذلك ، من هذه الآيات ~~قوله تعالى : ( @QUR@07 من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ) (1) وقوله تعالى ~~: ( @QUR@012 يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا ) (2). # وللجمع بين هذه الآيات ، تحمل الآيات التي تنفى الشفاعة نفيا مطلقا على ~~أنها واردة في شأن النفوس الكافرة ، وتحمل الآيات التي تبيح الشفاعة على ~~أنها واردة في شأن المؤمنين إذا أذن الله فيها للشافعين ، وقد وردت أحاديث ~~صحيحة بلغت مبلغ التواتر المعنوي في أن النبي صلى الله عليه وسلم ستكون له ~~شفاعة في دفع العذاب عن أقوام المؤمنين ، وتخفيفه عن أهل الكبائر من ~~المسلمين ، من ذلك ما أخرجه البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي : نصرت ~~بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وجعلت أمتى خير الأمم ، ~~وأعطيت الشفاعة ، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة (3). # قال الإمام ابن جرير : (وهذه الآية وإن كان مخرجها عاما في التلاوة فإن ~~المراد بها خاص في التأويل ، لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~. أنه قال : شفاعتي لأهل الكبائر من أمتى ، وأنه قال : ليس من نبي إلا وقد ~~أعطى دعوة ، وإنى خبأت دعوتي شفاعة لأمتى ، وهي نائلة إن شاء الله منهم ms0116 من ~~لا يشرك بالله شيئا. فقد تبين بذلك أن الله جل ثناؤه قد يصفح لعباده ~~المؤمنين بشفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لهم عن كثير من عقوبة إجرامهم ~~بينه وبينهم ، وأن قوله ( @QUR@03 ولا يقبل منها PageV01P119 # @QUR@01 شفاعة ) إنما هي لمن مات على كفره غير تائب إلى الله عز وجل » ه (1). # ثم وصف اليوم بوصف ثالث فقال تعالى : ( @QUR@04 ولا يؤخذ منها عدل ). # العدل : العوض والفداء. سمى بالمصدر لأن الفادي يعدل المفدى بمثله في ~~القيمة أو العين ويسويه به. يقال : عدل كذا بكذا : أى سواه به. # والمعنى : لا يؤخذ منها فداء أو بدل في ذلك اليوم إن هي استطاعت إحضاره ~~على سبيل الفرض والتقدير. # ثم وصفه بوصف رابع فقال تعالى : ( @QUR@03 ولا هم ينصرون ) والنصر هو ~~الإعانة في الحرب وغيره بقوة الناصر ، وقدم المسند إليه لزيادة التأكيد ~~المفيد أن انتفاء نصرهم محقق. فضلا عما استفيد من نفى الفعل وإسناده ~~للمجهول وجاء الضمير في قوله تعالى : ( @QUR@03 ولا هم ينصرون ) جمعا مع ~~أنه عائد على النفس وهو قوله تعالى : ( @QUR@03 لا تجزي نفس )؛ لأن النكرة ~~إذا وقعت في سياق النفي تناولت كل فرد من أفرادها ، وبهذا صارت في معنى ~~الجمع ، وصح أن يعود عليها ضمير الجمع وهو (هم). # والمعنى. أنهم لا يجدون من يعينهم ويمنعهم من عذاب الله يوم القيامة. # ولما كان اليهود يعتقدون أنهم شعب مميز ، وأن نسبتهم إلى الأنبياء ~~ستجعلهم في مأمن من العقاب رغم عصيانهم وفسوقهم ، وأن آباءهم سيشفعون لهم ~~... لما كانوا كذلك جاءت هذه الآية الكريمة لتبطل ما اعتقدوه ، وتقطع ما ~~أملوه ، ولتنقض كل ما يحتمل أن يكون وسيلة للنجاة يوم القيامة سوى الإيمان ~~والعمل الصالح. # فقد نفت الآية الكريمة وجود من ينوب عنهم بقولها ( @QUR@06 لا تجزي نفس ~~عن نفس شيئا ). # ونفت انتفاعهم بشفاعة الشافعين يوم الحساب بقولها (ولا يقبل منها شفاعة). # ونفت قبول البدل أو الفداء عما ارتكبوه من خطايا بقولها ( @QUR@04 ولا ~~يؤخذ منها عدل ). # ونفت وجود من ينتصر لهم أو يدافع عنهم بقولها ( @QUR@03 ولا هم ينصرون ). # وهكذا سدت عليهم الآية ms0117 الكريمة كل منفذ يتوهمون نجاتهم من عذاب الله ~~بسببه ، ما داموا مصرين على كفرهم وجحودهم. # هذا ، وقد اشتملت هاتان الآيتان على أسلوب حكيم في التوجيه ، وطريقة ~~فريدة في الإرشاد ، جمعت بين الترغيب والترهيب ، فإن الآية الأولى ابتدأت ~~بندائهم باسم أبيهم PageV01P120 # إسرائيل عليه السلام الذي هو أصل عزهم ، ومنشأ تفضيلهم لتحيى الشعور ~~بالكرامة في نفوسهم ، ولتغرس الإحساس بالشرف في مشاعرهم ، ولتحملهم على ~~الترفع عن الدنايا ؛ لأن الذي يشعر أنه من منبت كريم تعاف نفسه الحقد ~~والكذب والصغار ، ثم جاءت الآية الثانية فأرشدتهم إلى أن التقوى هي سبب ~~السلامة والفوز ، وحذرتهم من أهوال يوم القيامة وأفهمتهم بأن انتسابهم إلى ~~أولئك الآباء لن يغنى من الله شيئا يوم الجزاء ، وإنما الذي ينفعهم في ذلك ~~اليوم هو اتباع تعاليم الإسلام ، التي أتى بها النبي عليه الصلاة والسلام ~~وفي ذلك ما فيه من كبح غرورهم ، وإبطال ظنونهم. # ثانيا : نعمة إنجائهم من عدوهم : # ثم ذكرهم سبحانه بنعمة جليله الشأن ، هي نعمة إنجائهم من عدوهم فقال ~~تعالى : # ( @QUR@018 وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ~~ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ) (49) # الآية الكريمة معطوفة على قوله تعالى : ( @QUR@02 اذكروا نعمتي ) في ~~الآية السابقة ، من باب عطف المفصل على المجمل : أى : اذكروا نعمتي ، ~~واذكروا إذ نجيناكم من آل فرعون. # وإذ : بمعنى وقت ، «وهي مفعول به لفعل ملاحظ في الكلام وهو اذكروا أى : ~~اذكروا وقت أن نجيناكم ، والمراد من التذكير بالوقت تذكيرهم بما وقع فيه من أحداث. # وآل الرجل : أهله وخاصته وأتباعه ، ويطلق غالبا على أولى الخطر والشأن من ~~الناس ، فلا يقال آل الحجام أو الإسكاف. # وفرعون : اسم لملك مصر كما يقال لملك الروم قيصر ، ولملك اليمن تبع ~~ويسومونكم : من سامه خسفا إذا أذله واحتقره وكلفه مالا يطيق. # والابتلاء : الامتحان والاختبار ، ويكون في الخير والشر ، قال تعالى ( ~~@QUR@04 ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) (1). # والمعنى : اذكروا يا بنى إسرائيل وقت أن نجيناكم من آل فرعون الذين كانوا ~~يعذبونكم أشق PageV01P121 # العذاب وأصعبه ، ويبغونكم ما فيه إذلال لكم واستئصال لأعقابكم ، وامتهان ms0118 ~~لكرامتكم ، حيث كانوا يزهقون أرواح ذكوركم ، ويستبقون نفوس نسائكم ، وفي ~~ذلكم العذاب ، وفي النجاة منه امتحان لكم بالسراء لتشكروا ، ولتقلعوا عن ~~السيئات التي تؤدى بكم إلى الإذلال في الدنيا ، والعذاب في الأخرى. # قال الإمام الرازي رحمه الله ما ملخصه : واعلم أن الفائدة في ذكر هذه ~~النعمة أى نعمة إنجائهم من عدوهم يتأتى من وجوه أهمها : # 1 أن هذه الأشياء التي ذكرها الله تعالى لما كانت من أعظم ما يمتحن به ~~الناس من جهة الملوك والظلمة ، صار تخليص الله عز وجل لهم من هذه المحن من ~~أعظم النعم ، وذلك لأنهم عاينوا هلاك من حاول إهلاكهم ، وشاهدوا ذل من بالغ ~~في إذلالهم ، ولا شك في أن ذلك من أعظم النعم ، وعظم النعمة يوجب المبالغة ~~في الطاعة والبعد عن المعصية ، لذا ذكر الله هذه النعمة العظيمة ليلزمهم ~~الحجة ، وليقطع عذرهم. # 2 أنهم لما عرفوا أنهم كانوا في نهاية الذل. وكان عدوهم في نهاية العز ، ~~إلا أنهم كانوا محقين ، وكان خصمهم مبطلا ، لا جرم زال ذل المحقين ، وبطل ~~عز المبطلين ، فكأنه تعالى يقول لهم : لا تغتروا بكثرة أموالكم ولا بقوة ~~مركزكم ، ولا تستهينوا بالمسلمين لقلة ذات يدهم ، فإن الحق إلى جانبهم. ومن ~~كان الحق إلى جانبه ، فإن العاقبة لا بد أن تكون له) ا ه (1) وخوطب بهذه ~~النعمة اليهود الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ومع أن هذا ~~الاتجاء كان لأسلافهم ، لأن في نجاة أسلافهم نجاة لهم ، فإنه لو استمر عذاب ~~فرعون للآباء لأفناهم ، ولما بقي هؤلاء الأبناء ، فلذلك كانت منة التنجية ~~تحمل في طياتها منتين ، منة على السلف لتخليصهم مما كانوا فيه من عذاب ومنة ~~على الخلف لتمتعهم بالحياة بسببها ، فكان من الواجب عليهم جميعا أن يقدروا ~~هذه النعمة قدرها ، وأن يخلصوا العبادة لخالقهم الذي أنجاهم من عدوهم. ولأن ~~الإنعام على أمة يعتبر إنعاما شاملا لأفرادها سواء منهم من أصابه ذلك ~~الإنعام ومن لم يصبه. لأن الآثار التي تترتب عليه كثيرا ما يرثها الخلف عن ~~السلف ، ولأن في إخبارهم بذلك ms0119 تصديقا للنبي عليه الصلاة والسلام فيما يبلغه ~~عن ربه ، فقد أخبرهم بتاريخ من مضى منهم بصدق وأمانة ، وفي ذلك دليل على ~~أنه صادق في نبوته ورسالته. # وجعلت النجاة هنا من آل فرعون ولم تجعل منه ، مع أنه الآمر بتعذيب بنى ~~إسرائيل ، للتنبيه على أن حاشيته وبطانته كانت عونا له في إذاقتهم سوء ~~العذاب ، وإنزال الإذلال والإعنات بهم. PageV01P122 # وجعلت الآية الكريمة استحياء النساء عقوبة لليهود وهو في ظاهره خير لأن ~~هذا الإبقاء عليهن ، كان المقصود منه الاعتداء على أعراضهن واستعمالهن في ~~الخدمة بالاسترقاق. فبقاؤهن كذلك بقاء ذليل وعذاب أليم ، تأباه النفوس ~~الكريمة ، والطباع الطيبة. # قال الإمام الرازي ما ملخصه : (في ذبح الذكور دون الإناث مضرة من وجوه : # أحدها : أن ذبح الأبناء يقتضى فناء الرجال ، وذلك يقتضى انقطاع النسل ، ~~لأن النساء إذا انفردن فلا تأثير لهن البتة في ذلك ، وهذا يقضى في نهاية ~~الأمر إلى هلاك الرجال والنساء جميعا. # ثانيهما : أن هلاك الرجال يقتضى فساد مصالح النساء في أمر المعيشة ، فإن ~~المرأة لتتمنى الموت إذا انقطع عنها تعهد الرجال. لما قد تقع فيه من نكد ~~العيش بالانفراد. فصارت هذه الخطة عظيمة في المحن ، والنجاة منها تكون في ~~العظم بحسبها. # ثالثها : أن قتل الولد عقب الحمل الطويل ، وتحمل التعب ، والرجاء القوى ~~في الانتفاع به ، من أعظم العذاب ، فنعمة الله في تخليصهم من هذه المحنة كبيرة. # رابعها : أن بقاء النساء بدون الذكران من أقاربهم ، يؤدى إلى صيرورتهن ~~مستفرشات الأعداء وذلك نهاية الذل والهوان) (1). # وقد رجح كثير من المفسرين أن المراد بالأبناء في قوله تعالى : ( @QUR@02 ~~يذبحون أبناءكم ) الأطفال دون البالغين ، لأن اللفظ من حيث وضعه يفيد ذلك ، ~~ولأن قتل جميع الرجال لا يفيدهم حيث أنهم كانوا يستعملونهم في الأعمال ~~الشافة والحقيرة ، ولأنه لو كان المقصود بالذبح الرجال ، لما قامت أم موسى ~~بإلقائه في اليم وهو طفل صغير لتنجيه من الذبح. # ويرى بعض المفسرين أن المراد بالأبناء الرجال لا الأطفال ، لأن لفظ ~~الأبناء هنا جعل في مقابلة النساء ، والنساء هن البالغات. # والذي نرجحه هو القول الأول ms0120 لما ذكرنا ، ولأنه أتم في إظهار نعمة الإنجاء ~~، حيث كان أهل فرعون يقتلون الصغار قطعا للنسل ، ويسترقون الأمهات استعبادا ~~لهن ، ويبقون الرجال للخدمة حتى ينقرضوا على سبيل التدرج ، وبقاء الرجال ~~على هذه الحالة أشد عليهم من الموت. # وقد جاءت جملة ( @QUR@02 يذبحون أبناءكم ) في هذه الآية الكريمة بدون عطف ~~وجاءت في سورة إبراهيم معطوفة بالواو (2). لأنها هنا بيان وتفسير لجملة ( ~~@QUR@03 يسومونكم سوء العذاب ) فيكون PageV01P123 # المراد من سوء العذاب هنا تذبيح الأبناء واستحياء النساء. # وأما في سورة إبراهيم. فقد جاء سياق الآيات لتعداد المحن التي حلت ببني ~~إسرائيل ، فكان المراد بجملة ( @QUR@03 يسومونكم سوء العذاب ) نوعا منه ، ~~والمراد بجملة ( @QUR@02 ويذبحون أبناءكم ) نوعا آخر من العذاب ، لذا وجب ~~العطف ، لأن الجملة الثانية ليست مفسرة للأولى وإنما هي تمثل نوعا آخر من ~~المحن التي حلت بهم. # هذا ، وقد تكرر تذكير بنى إسرائيل بنعمة إنجائهم من عدوهم في مواضع ~~متعددة من القرآن الكريم ، وذلك لجلال شأنها ، ولحملهم على الطاعة والشكر. # 1 من ذلك قوله تعالى في سورة الأعراف : ( @QUR@018 وإذ أنجيناكم من آل ~~فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء ~~من ربكم عظيم ) (1). # 2 وقوله تعالى في سورة طه : ( @QUR@043 يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من ~~عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى * كلوا من ~~طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ، ومن يحلل عليه غضبي فقد ~~هوى * وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ) (2). # فهذه الآيات الكريمة وغيرها مما هي في معناها فيها تذكير لبنى إسرائيل ~~بنعمة من أجل نعم الله عليهم ، حيث أنجاهم سبحانه ممن أراد لهم السوء ، ~~وعمل على قتلهم وإبادتهم واستئصال شأفتهم ، وفي ذلك ما يدعوهم إلى الاجتهاد ~~في شكر الله عز وجل لو كانوا ممن يحسنون شكر النعم. # ثالثا : نعمة فرق البحر بهم. # ثم ذكرهم سبحانه بعد ذلك بنعمة ثالثة عظيمة حصل بها تمام الإنجاء وتجلى ~~فيها إكرام الله لهم ، وهي نعمة فرق البحر بهم فقال تعالى : # ( @QUR@010 وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا ms0121 آل فرعون وأنتم تنظرون ) (50) # والمعنى : واذكروا يا بنى إسرائيل من جملة نعمنا عليكم ، نعمة فرق البحر ~~بكم ، وانفصاله بعد اتصاله ، حين ضربه موسى بعصاه ، فأصبحت فيه طريق يابسة ~~فولجتموها ، وسرتم فيها PageV01P124 # هربا من فرعون وجنده؟ بذلك تمت لكم النجاة ، وحصل الغرق لأعدائكم ، وقت ~~أن عبروا وراءكم وقد شاهدتموهم والبحر يلفهم بأمواجه ، مشاهدة لا لبس فيها ~~ولا غموض. ولقد كان فيما رأيتم ما يدعو إلى الاتعاظ ، ويحمل على الشكر ~~الجزيل لله العزيز الرحيم. # فالآية الكريمة تشير إلى قصة نجاة بنى إسرائيل وغرق فرعون وقومه ، ~~وملخصها : أن الله عز وجل أوحى إلى نبيه موسى عليه السلام أن يرحل ببني ~~إسرائيل ليلا من أرض مصر التي طال عذابهم فيها إلى أرض فلسطين ، ونفذ موسى ~~عليه السلام ما أمره به الله تعالى وعلم فرعون أن موسى وقومه قد خرجوا إلى ~~أرض الشام ، فتبعهم بجيش كبير ، وأدركهم مع طلوع الشمس قرب ساحل البحر ~~الأحمر ، وأيقن بنو إسرائيل عند ما رأوه أنه مهلكهم لا محالة. ولجئوا إلى ~~موسى عليه السلام يشكون إليه خوفهم وفزعهم ، ولكنه رد عليهم بقوله : ( ~~@QUR@04 إن معي ربي سيهدين ) وأوحى الله إليه ( @QUR@04 أن اضرب بعصاك ~~البحر ) فضربه ( @QUR@06 فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ) وأمر موسى ~~عليه السلام بنى إسرائيل أن يعبروا فعبروا بين فرقى الماء دون أن يمسهم أذى. ~~واقتفى فرعون وجنوده أثرهم طمعا في إدراكهم وعند ما عبر بنو إسرائيل البحر ~~ولم يبق منهم أحد بين المياه المنحسرة ، كان فرعون وجنده ما زالوا بين فرقى ~~البحر ، فأطبق عليهم وعاد كما كان أولا ، فغرقوا جميعا ، وبنو إسرائيل ~~ينظرون إليهم في دهشة وسرور. # وأسند سبحانه فرق البحر إلى ذاته الكريمة. ليدل على أن القوم عبروه ~~وقطعوه وهم بعنايته ، وقوله تعالى : ( @QUR@04 فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون ~~) بيان للمنة العظمى التي امتن بها عليهم ، والتي ترتبت على فرق البحر ، ~~لأن فرق البحر لهم ترتب عليه أمران. # أولهما : نجاتهم. # وثانيهما : إهلاك عدوهم وكلاهما نعمة عظيمة. # والإيمان الصحيح يقضى بأن تفهم واقعة انفصال البحر لموسى وقومه على أنها ~~معجزة ms0122 كونية له ، وقد زعم البعض أنها كانت حادثة طبيعية منشؤها المد والجزر ~~، وهو زعم لا سند له ولا دليل عليه. # واقتصرت الآية هنا على ذكر إغراق آل فرعون أى جنده وأنصاره ، وصرحت آيات ~~أخرى بغرقه مع آله ، من ذلك قوله تعالى : ( @QUR@04 فأغرقناه ومن معه جميعا ~~) (1) وقوله تعالى : ( @QUR@01 فأخذناه PageV01P125 # @QUR@06 وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم ) (1) ومن تمام النعمة أن الله ~~تعالى أهلك مع فرعون كل مناصر له : # وقوله تعالى ( @QUR@02 وأنتم تنظرون ) أى : أغرقنا آل فرعون وأنتم ~~تشاهدونهم بأعينكم ، فكان ذلك أدعى لليقين بهلاك عدوكم ، وأبلغ في الشماتة ~~به ، وأرجى لشكر النعمة ولا شك أن مشاهدة المنعم عليه للنعمة فيها لذة كبرى ~~، ورؤيته لهلاك عدوه فيها عبرة عظمى ، ومعاينته لانفراق البحر فيها تقوية ~~لإيمانه ، وتثبيت ليقينه ، إذا كانوا ممن يحسنون الانتفاع بما يشاهدون. # قال الإمام الرازي ما ملخصه : (اعلم أن هذه الواقعة أى واقعة فلق البحر ~~تضمنت نعما كثيرة على بنى إسرائيل في الدين والدنيا ، أما نعم الدنيا فمن وجوه : # أولها : أنهم لما اقتربوا من البحر أصبحوا في موقف حرج ، لأن فرعون ~~وجنوده من ورائهم والبحر من أمامهم ، فإن هم توقفوا أدركهم عدوهم وأهلكهم ، ~~وإن هم تقدموا أغرقوا. فحصل لهم خوف عظيم ، جاءهم بعده الفرج بانفلاق البحر ~~وهلاك عدوهم. # ثانيها : أن الله تعالى خصهم بهذه النعمة العظيمة والمعجزة الباهرة ~~تكريما ورعاية لهم. # ثالثها : أنهم بإغراق فرعون وآله تخلصوا من العذاب ، وتم لهم الأمن ~~والاطمئنان ، وذلك نعمة عظمى ، لأنهم لو نجوا دون هلاك فرعون لبقي خوفهم ~~على حاله ، فقد يعود لتعذيبهم مستقبلا ، لأنهم لا يأمنون شره ، فلما تم ~~الغرق تم الأمان والاطمئنان لبنى إسرائيل. # أما نعم الدين فمن وجوه : # أولها : أن قوم موسى لما شاهدوا تلك المعجزة الباهرة. زالت عن قلوبهم ~~الشكوك والشبهات ، لأن دلالة مثل هذا المعجز على وجود الصانع الحكيم وعلى ~~صدق موسى ، تقترب من العلم الضروري. # ثانيها : أنهم لما شاهدوا ذلك صار داعيا لهم على الثبات والانقياد لأوامر نبيهم. # ثالثها : أنهم عرفوا أن الأمور كلها بيد الله ، فإنه لا عز ms0123 في الدنيا ~~أكمل مما كان لفرعون ، ولا ذل أشد مما كان لبنى إسرائيل ، ثم إن الله تعالى ~~في لحظة واحدة جعل العزيز ذليلا ، والذليل عزيزا ، والقوى ضعيفا ، والضعيف ~~قويا ، وذلك يوجب انقطاع القلب عن علائق الدنيا ، والإقبال كلية على اتباع ~~أوامر الخالق عز وجل (2). # هذا ، ونعمة فرق البحر لبنى إسرائيل ، وإنجائهم من عدوهم قد تكرر ذكرها ~~في القرآن ، PageV01P126 # من ذلك قوله تعالى في سورة الشعراء : ( @QUR@038 فلما تراءا الجمعان قال ~~أصحاب موسى إنا لمدركون. قال كلا إن معي ربي سيهدين. فأوحينا إلى موسى أن ~~اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم. وأزلفنا ثم الآخرين. ~~وأنجينا موسى ومن معه أجمعين. ثم أغرقنا الآخرين ) (1) # وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ذكرت بنى إسرائيل بنعمة من أجل النعم وهي ~~نعمة فرق البحر بهم لكي يشكروا خالقهم عليها ، ويتبعوا نبيه محمدا ~~صلى الله عليه وسلم ولكنهم ما قاموا بواجب الشكر لخالقهم ، فحقت عليهم اللعنة ~~في الدنيا والعقوبة في الآخرة ، جزاء جحودهم وطغيانهم وما ربك بظلام ~~للعبيد. # رابعا : نعمة عفوه سبحانه عنهم بعد عبادتهم للعجل : # ثم ذكرهم سبحانه بعد ذلك بنعمة رابعة وهي عفوه عنهم رغم جحودهم وكفرهم ~~وعبادتهم لغيره ، فقال تعالى : # ( @QUR@012 وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ~~ظالمون (51) @QUR@08 ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون ) (52) # المواعدة : مفاعلة من الجانبين ، وهي هنا على غير بابها ، لأن المراد بها ~~هنا أمر الله تعالى لموسى أن ينقطع لمناجاته أربعين ليلة تمهيدا لإعطائه ~~التوراة ، ويؤيد ذلك قراءة أبى عمرو وأبى جعفر (وعدنا). وقيل : المفاعلة ~~على بابها ، على معنى أن الله تعالى وعد نبيه موسى عليه السلام أن يعطيه ~~التوراة وأمره بالحضور للمناجاة ، فوعد موسى ربه بالطاعة والامتثال فكان ~~الوعد حاصلا من الطرفين. # وملخص هذه القصة أن قوم موسى بعد أن نجاهم الله ، وأغرق عدوهم أمام ~~أعينهم ، طلبوا من نبيهم موسى أن يأتيهم بكتاب من عند الله ليعملوا بأحكامه ~~، فوعده سبحانه أن يعطيه التوراة بعد أربعين ليلة ينقطع فيها لمناجاته ، ~~وبعد انقضاء تلك ms0124 الفترة وذهاب موسى لتلقى التوراة من ربه اتخذ بنو إسرائيل ~~عجلا جسدا له خوار فعبدوه من دون الله ، وأعلم الله موسى PageV01P127 # بما كان من قومه بعد فراقه ، فرجع إليهم غاضبا حزينا ، وأعلمهم بأن ~~توبتهم لن تكون مقبولة إلا بقتل أنفسهم ، فلما فعلوا ذلك عفا الله تعالى ~~عنهم لكي يشكروه ، ويلتزموا الصراط المستقيم. # ومعنى الآيتين الكريمتين : واذكروا يا بنى إسرائيل وقت أن وعدنا موسى أن ~~نؤتيه التوراة بعد انقضاء أربعين ليلة من هذا الوعد ، فلما حل الوعد وجاء ~~موسى لميقاتنا عبدتم العجل في غيبته ، ولا شك أنكم ظلمتم أنفسكم بعبادة غير ~~الله ، وبوضعكم الأمور في غير مواضعها ، ومع هذا فلم نعاجلكم بالعقوبة ، بل ~~قبلنا توبتكم ، وعفونا عنكم ، لتكونوا من الشاكرين لله تعالى. # وهذا التذكير يحمل في طياته التعجيب من حالهم ، لأنهم قابلوا نعم الله ~~بأقبح أنواع الكفر والجهالة ، حيث عبدوا في غيبة نبيهم ما هو مثال في ~~الغباوة والبلادة وهو العجل. # وفي اختيار حرف العطف (ثم) المفيد للتراخي الرتبى في جملة ( @QUR@05 ثم ~~اتخذتم العجل من بعده ) إشعار بأنهم انحدروا إلى دركات سحيفة من الجحود ~~والجهل ، وأن ما ارتكبوه هو من عظائم الأمور في القبح والمعصية وحذف ~~المفعول الثاني لاتخذتم وهو «إلها أو معبودا لشناعة ذكره ولعلمهم بأنهم ~~اتخذوه إلها. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 من بعده ) معناه : من بعد مضيه لميقات ربه إلى ~~الطور وغيابه عنهم. وفي ذلك زيادة تشنيع عليهم ، حيث وصفهم سبحانه بعدم ~~الوفاء ، لأنهم كان من الواجب عليهم لو كانوا يعقلون أن يستمروا على توحيد ~~الله في غيبة نبيهم لا سيما وقد رأوا من المعجزات والنعم ، ما يطمئن النفوس ~~، ويقوى الإيمان ويغرس في القلوب الطاعة لله تعالى. # وجملة ( @QUR@02 وأنتم ظالمون ) حالية مقيدة لاتخذتم ، ليكون اتخاذهم ~~العجل معبودا ، مقرونا بالتعدي والظلم من بدئه إلى نهايته ، وللإشعار ~~بانقطاع عذرهم فيما فعلوا. # وقوله تعالى ( @QUR@08 ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون ) معناه ثم ~~تركنا معاجلتكم بالعقوبة ، ومحونا ذنوبكم ، لتوبتكم من بعد اتخاذكم العجل ~~معبودا من دون الله ، رجاء أن تشكروا خالقكم على عفوه ms0125 عنكم وتستعملوا نعمه ~~فيما خلقت له وتتبعوا رسوله صلى الله عليه وسلم . # وقد تضمنت هاتان الآيتان الكريمتان ، ما يدل على غباء بنى إسرائيل وقصر ~~نظرهم. لأنهم اتخذوا العجل إلها بعد أن شاهدوا البراهين على صدق نبيهم ، ~~كما تضمنتا تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما كان يشاهده من اليهود ~~المعاصرين للدعوة الإسلامية ، فكأنه سبحانه يقول : إن ما قام به بنو ~~إسرائيل المعاصرون لك من أذى وحقد قد فعلوا ما يشبه آباؤهم الأقدمون مع ~~نبيهم موسى عليه السلام فلقد اتخذوا في غيبته عجلا جسدا له خوار دون أن ~~يفطنوا إلى أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا ، اتخذوه وكانوا ظالمين. PageV01P128 # خامسا : نعمة إيتاء موسى التوراة لهدايتهم. # ثم ذكرهم سبحانه بنعمة خامسة فيها صلاح أمورهم ، وانتظام شئونهم ألا وهي ~~إعطاء نبيهم موسى عليه السلام التوراة ، فقال تعالى : # ( @QUR@07 وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون ) (53) # ومعنى الآية الكريمة : اذكروا يا بنى إسرائيل نعمة إعطاء نبيكم موسى ~~عليه السلام التوراة ، وفيها الشرائع والأحكام ، لكي تهتدوا بها إلى طريق ~~الفلاح والرشاد في الدنيا ، وإلى الفوز بالسعادة في الآخرة. # فالمراد بالكتاب التوراة التي أوتيها موسى عليه السلام فأل للعهد. # والفرقان بضم الفاء مأخوذ من الفرق وهو الفصل ، استعير لتمييز الحق من ~~الباطل ؛ وقد يطلق لفظ الفرقان على الكتاب السماوي المنزل من عند الله كما ~~في قوله تعالى ( @QUR@06 تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ) (1) كما يطلق ~~على المعجزة كما في قوله تعالى ( @QUR@05 ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ) ~~(2) أى المعجزات لأن هارون لم يؤت وحيا. # والمراد بالفرقان هنا التوراة نفسها ويكون المراد بالعطف التفسير. # قال ابن جرير ما ملخصه : (وأولى الأقوال بتأويل الآية ما روى عن ابن عباس ~~وأبى العالية ومجاهد ، من أن الفرقان الذي ذكر الله تعالى أنه آتاه موسى في ~~هذا الموضع ، هو الكتاب الذي فرق به بين الحق والباطل وهو نعت للتوراة وصفة ~~لها ، فيكون تأويل الآية حينئذ. # وإذ آتينا موسى التوراة التي كتبناها له في الألواح ، وفرقنا بها بين ~~الحق والباطل. فيكون الكتاب نعتا للتوراة ms0126 ، أقيم مقامها استغناء به عن ذكر ~~التوراة ثم عطف عليه بالفرقان ، إذ كان من نعتها) (3). # وقوله تعالى : ( @QUR@02 لعلكم تهتدون ) بيان لثمرة المنة والنعمة بإيتاء ~~التوراة ؛ لأن إتيان موسى الكتاب والفرقان ، المقصود منه هدايتهم ، ~~وإخراجهم من الظلمات إلى النور. # ولكن ماذا كان موقف بنى إسرائيل من التوراة التي أنزلها الله لهدايتهم ~~وسعادتهم؟ كان PageV01P129 # موقفهم منها كما هي عادتهم موقف الجاحد لنعم الله فقد امتدت أيديهم ~~الأثيمة إليها فحرفوها كما شاءت لهم أهواؤهم وشهواتهم ولقد وبخهم القرآن ~~الكريم على ذلك ، وشبههم في تركهم العمل بها وعدم انتفاعهم بما فيها ، ~~بالحمار الذي يحمل كتب العلم ولكنه لا يدرى ما فيها. # فقال تعالى في سورة الجمعة : ( @QUR@023 مثل الذين حملوا التوراة ثم لم ~~يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا. بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله. ~~والله لا يهدي القوم الظالمين ) (1). # حملوا التوراة : أى علموها وكلفوا العمل بها ، ثم لم يحملوها : أى : لم ~~يعملوا بها ولم ينتفعوا بما اشتملت عليه. والأسفار : جمع سفر وهو الكتاب ~~الكبير ، لأنه يسفر عن المعنى إذا قرئ. # ومعنى الآية الكريمة : مثل هؤلاء اليهود الذين علموا التوراة وكلفوا ~~العمل بأحكامها ولكنهم لم يعملوا بها ، مثلهم كمثل الحمار يحمل الكتب ولكنه ~~لا يدرى ما فيها ، ولا يناله من حملها إلا التعب ، بئس مثلا مثل هؤلاء ~~اليهود الذين كذبوا بآيات الله التي تشهد بصدق النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~وتذر صفاته التي لا تنطبق إلا عليه ، وقد جرت سنة الله تعالى في خلقه ألا ~~يهدى إلى طريق الحق أمثال هؤلاء القوم الظالمين ، لأنهم استحبوا العمى على ~~الهدى ، وباعوا دينهم بدنياهم. # قال صاحب الكشاف : «شبه الله تعالى اليهود في أنهم حملة التوراة وقراؤها ~~، وحفاظ ما فيها ثم إنهم غير عاملين بها ، ولا منتفعين بآياتها وذلك أن ~~فيها نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم والبشارة به ، ولم يؤمنوا به شبههم ~~بالحمار يحمل أسفارا ، أى : كتبا كبارا من كتب العلم ، فهو يمشى بها ولا ~~يدرى منها إلا ما يمر بجنبيه وظهره من الكد والتعب ، وكل من ms0127 علم ولم يعمل ، ~~فهذا مثله وبئس المثل» (2). # وقال الإمام ابن القيم : «شبه الله تعالى من حما كتابه ليؤمن به ويتدبره ~~ويعمل به ويدعو إليه ، ثم خالف ذلك ، ولم يحمله إلا على ظهر قلب ، فقراءته ~~بغير تدبر ولا تفهم ولا اتباع له ، ولا تحكيم لنصوصه شبهه بحمار على ظهره ~~زاملة أسفار لا يدرى ما فيها ، وحظه منها حملها على ظهره ليس إلا ، فحظه من ~~كتاب الله كحظ هذا الحمار من الكتب التي على ظهره ، فهذا المثل ، وإن كان ~~قد ضرب لليهود ، فهو متناول من حيث المعنى ، لمن حمل القرآن فترك العمل به ~~ولم يؤد حقه ، ولم يرعه حق رعايته» (3). PageV01P130 # ومن هذا نرى أن اليهود قد أنعم الله عليهم بالتوراة ، وجعلها نورا وهدى ~~لهم ، ولكنهم تركوها ، ولم يعملوا بما فيها ، واستحبوا العمى على الهدى ، ( ~~@QUR@07 فباؤ بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين ). # سادسا : (نعمة إرشادهم إلى ما به يتخلصون من ذنوبهم): # ثم ذكرهم سبحانه بنعمة جليلة ، وهي إرشادهم إلى ما به يتخلصون من ذنوبهم ~~، وإخبارهم بقبول توبتهم ، فقال تعالى : # ( @QUR@027 وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل ~~فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه ~~هو التواب الرحيم ) (54) # والمعنى : واذكروا يا بنى إسرائيل لتنتفعوا وتعتبروا وقت أن قال موسى ~~لقومه الذين عبدوا العجل حين كان يناجى ربه بعيدا عنهم : يا قوم إنكم ظلمتم ~~أنفسكم وهبطتم بها إلى الحضيض بعبادتكم غير الله تعالى فإذا أردتم التكفير ~~عن خطاياكم. فتوبوا إلى ربكم توبة صادقة نصوحا ، واقتلوا أنفسكم لتنالوا ~~عفو ربكم ، فذلكم خير لكم عند خالقكم من الإقامة على المعصية ، ففعلتم ذلك ~~فقبل الله توبتكم ؛ لأنه هو الذي يقبل التوبة عن عباده على كثرة ما يصدر ~~عنهم من ذنوب ؛ لأنه هو الواسع الرحمة لمن ينيب إليه ويستقيم على صراطه ~~الواضح. # وفي نداء موسى عليه السلام لهم بقوله : «يا قوم» تلطف في الخطاب ليجذب ~~قلوبهم إلى سماعه ، وليحملهم على تلقى أوامره بحسن الطاعة ، وليشعرهم بأنهم ~~قومه فهو منهم وهم ms0128 منه ، والشأن فيمن كان كذلك ألا يكذب عليهم أو يخدعهم ، ~~وإنما يريد لهم الخير. # والبارئ هو الخالق للمخلوقات بدون تفاوت أو اضطراب ، فهو أخص من الخالق ، ~~ولذا قال تعالى : ( @QUR@04 ... الخالق البارئ المصور ). # وفي هذا التعبير الحكيم ، تحريض لهم على التوبة والاستجابة للبارئ الذي ~~أحسن كل شيء خلقه ، وفيه أيضا تقريع لهم على غباوتهم ، حيث تركوا عبادة ~~بديع السموات والأرض ، وعبدوا عجلا ضرب به المثل في الغباوة فقالوا «أبلد ~~من ثور» فكأنه سبحانه يقول لهم : لقد اتخذتم هذا العجل إلها لتشابهكم معه ~~في البلادة وضيق الأفق. PageV01P131 # قال صاحب الكشاف : «فإن قلت : من أين اختص هذا الموضع بذكر البارئ؟ قلت : ~~البارئ هو الذي خلق الخلق بريئا من التفاوت ، ( @QUR@07 ما ترى في خلق ~~الرحمن من تفاوت ) ومتميزا بعضه عن بعض بالأشكال المختلفة والصور المتباينة ~~، فكان فيه تقريع بما كان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذي برأهم بلطف ~~حكمته على الأشكال المختلفة ، أبرياء من التفاوت والتنافر إلى عبادة البقر ~~التي هي مثل في الغباوة والبلادة ، حتى عرضوا أنفسهم لسخط الله ونزول أمره ~~بأن يفك ما ركبه من خلقهم ، ونثر ما نظم من صورهم وأشكالهم ، حين لم يشكروا ~~النعمة في ذلك ، وغمطوها بعبادة ما لا يقدر على شيء منها» ه (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@02 فاقتلوا أنفسكم ) أمر من موسى عليه السلام لهم ~~بقتلهم أنفسهم حتى تكون توبتهم مقبولة ، وهذا الأمر بلغه موسى إياهم عن ربه ~~، إذ مثل هذا الأمر لا يصدر إلا عن وحى لأنه تشريع من الله تعالى . # والمراد بقتلهم أنفسهم أن يقتل من لم يعبد العجل منهم عابديه ، فيكون ~~المعنى : ليقتل بعضكم بعضا ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@012 فإذا دخلتم ~~بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة ) أى فليسلم بعضكم ~~على بعض. # وقيل : المراد أن يقتل كل من عبد العجل نفسه قتلا حقيقيا حتى يكفر عن ~~ردته بعبادته لغير الله ، وقد ورد أنهم فعلوا ذلك ، وأن الله تعالى رفع ~~عنهم القتل وعفا عمن بقي منهم على قيد الحياة كرما منه وفضلا ، وهذا ms0129 هو ~~معنى التوبة في قوله تعالى «فتاب عليكم» ، ومعنى العفو في قوله تعالى : في ~~الآية السابقة ( @QUR@08 ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون ). # وقد ساق ابن كثير وغيره من المفسرين كثيرا من الآثار التي تحدثت عن كيفية ~~حصول هذا القتل ، من ذلك ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ، أنه قال : ~~«قال تعالى لموسى : إن توبة عبدة العجل أن يقتل كل واحد منهم من لقى من ~~والد وولد فيقتله بالسيف ولا يبالى من قتل في ذلك الموطن فتاب أولئك الذين ~~كانوا خفى على موسى وهارون ، ما اطلع الله على ذنوبهم فاعترفوا بها. وفعلوا ~~ما أمروا به ، فغفر الله للقاتل والمقتول» (2). # وأخرج ابن جرير عن ابن شهاب الزهري أنه قال : «لما أمر بنو إسرائيل بقتل ~~أنفسهم برزوا ومعهم موسى ، فتضاربوا بالسيوف ، وتطاعنوا بالخناجر وموسى ~~رافع يديه ، حتى إذا فتروا أتاه بعضهم ، فقال له : يا نبي الله ادع الله ~~لنا ، وأخذوا بعضديه يشدون يديه. فلم يزل أمرهم على PageV01P132 # ذلك حتى إذا قبل الله توبتهم قبض أيدى بعضهم عن بعض ، فألقوا السلاح ، ~~وحزن موسى وبنو إسرائيل للذي كان من القتل فيهم ، فأوحى الله جل ثناؤه إلى ~~موسى. ( @QUR@02 لا تحزن ) أما من قتل فحى عندي يرزق ، وأما من بقي ، فقد ~~قبلت توبته ، فسر بذلك موسى وبنو إسرائيل» (1). # وجملة ( @QUR@05 ذلكم خير لكم عند بارئكم ) تعليلية ، جيء بها لتحريضهم ~~على الامتثال والطاعة لما أمرهم به نبيهم عليه السلام واسم الإشارة ( ~~@QUR@01 ذلكم ) يعود إلى التوبة والقتل المفهومين مما تقدم. # وقال ( @QUR@02 عند بارئكم ) ولم يقل عنده ، لأن في هذا التكرير حملا ~~للمخاطبين على التفكير والتذكير والطاعة ، وإشعارا لهم بأن عبادة من برأهم ~~وذرأهم وخلقهم في أحسن تقويم ، خير لهم في دنياهم وأخراهم. # وجملة ( @QUR@02 فتاب عليكم ) جواب لشرط محذوف للإيجار ، أى فامتثلتم ما ~~أمرتم به ، فقيل الباري توبتكم ، وهي خطاب من الله تعالى لبنى إسرائيل على ~~لسان موسى ، فيه تذكير بنعمته ، وإرشاد لهم إلى موطن المنة والفضل وهو قبول ~~توبتهم. # وعطفت هذه الجملة ( @QUR@02 فتاب عليكم ) بالفاء ، لإشعارهم ms0130 بأنه سبحانه ~~لم يتركهم ليستأصلوا أنفسهم جميعا بالقتل ، بل تداركهم بلطفه ورحمته ، فقبل ~~توبتهم ، ورفع عقوبة القتل عمن بقي منهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 إنه هو التواب الرحيم ) إخبار وثناء على الله ~~تعالى بما هو أهله من عفو ورحمة. وأكدها سبحانه لتنزيلهم منزلة من يشك في ~~قبول توبته ، لعظم جريمتهم وضخامة خطيئتهم وسيرهم إلى أمد بعيد في طريق ~~الشيطان. # وهذه الآية الكريمة قد تضمنت نعمة كبرى على بنى إسرائيل فإن الله تعالى ~~لطف بهم ، ورحمهم ، وقبل توبتهم ، وعفا عن قتلهم أنفسهم ، بعد أن صدر منهم ~~ما يدل على صدقهم في توبتهم ، كما تضمنت أيضا تذكير بنى إسرائيل المعاصرين ~~للعهد النبوي بنعم الله عليهم ، لأنه لو لا عفوه سبحانه عن آبائهم لما ~~وجدوا هم ، وفيها كذلك إشارة إلى سماحة الشريعة التي أتى بها محمد ~~صلى الله عليه وسلم وإغراء لليهود المعاصرين له بالدخول في الإسلام لأنه إذا ~~كان آباؤهم لم تقبل توبتهم إلا بقتلهم أنفسهم فإن شريعة الإسلام تقول لهم : ~~لقد جاءكم النبي الذي رفع عنكم إصركم والأغلال التي كانت على أسلافكم ، ~~فآمنوا به واتبعوه لعلكم ترحمون. PageV01P133 # سابعا : نعمة بعثهم من بعد موتهم : # ثم ذكرهم سبحانه بعد ذلك بنعمة جليلة ، أسبغها الله عليهم رغم مطالبهم ~~المتعنتة ، وهذه النعمة تتجلى في بعثهم من بعد موتهم ، فقال تعالى : # ( @QUR@015 وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم ~~الصاعقة وأنتم تنظرون (55) @QUR@07 ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون ) (56) # جهرة : في الأصل مصدر من قولك جهرت بالقراءة والدعاء واستعيرت للمعاينة ~~لما بينهما من الاتحاد في الوضوح والانكشاف ، إلا أن الأول في المسموعات ~~والثاني في المبصرات. # والصاعقة : كما قال ابن جرير «كل أمر هائل رآه الرائي أو عاينه أو أصابه ~~، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل. صوتا كان ذلك أو ~~نارا أو زلزلة أو رجفة ، ومما يدل على أن الشخص قد يكون مصعوقا وهو حي غير ~~ميت ، قوله تعالى : ( @QUR@03 وخر موسى صعقا ) يعنى مغشيا عليه ، فقد علم ~~أن موسى لم ms0131 يكن حين غشى عليه وصعق ميتا ، لأن الله أخبر عنه أنه لما أفاق ~~قال : ( @QUR@03 سبحانك تبت إليك .. ) (1). # وأصل البعث في اللغة : إثارة الشيء من محله ، وتحريكه بعد سكون ومنه : ~~بعث فلان الناقة : إذا أثارها من مبركها للسير ، ويستعمل بمعنى الإيقاظ ، ~~كما ورد في قصة أهل الكهف ( @QUR@09 فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا. ~~ثم بعثناهم ... ) أى : أيقظناهم. # ويستعمل أيضا بمعنى الإحياء. وهو المراد في الآية التي معنا ، بدليل قوله ~~تعالى : ( @QUR@03 من بعد موتكم ). # ومعنى الآيتين الكريمتين : واذكروا يا بنى إسرائيل وقت أن تجاوزتم حدودكم ~~، وتعنتم في الطلب ، فقلتم لنبيكم موسى بجفاء وغلظة : لن نؤمن لك ، ولن نقر ~~بما جئتنا به ، حتى نرى الله عيانا وعلانية ، فيأمرنا بالإيمان بك ، وبما ~~جئت به ، فأخذتكم العقوبة التي صعقتكم بسبب جهلكم وتطاولكم وأنتم تشاهدونها ~~بعيونكم ، ثم مننا عليكم بلطفنا ورحمتنا فأحييناكم من PageV01P134 # بعد أن أخذتكم الصاعقة ، لكي تشكروا الله على نعمه التي من جملتها ~~إعادتكم إلى الحياة من بعد موتكم. # قال الإمام ابن جرير : ذكرهم الله تعالى بذلك اختلاف آبائهم. وسوء ~~استقامة أسلافهم مع أنبيائهم ، مع كثرة معاينتهم من آيات الله وعبره ما ~~تثلج بأقلها الصدور ، وتطمئن بالتصديق معها النفوس ، وذلك مع تتابع الحجج ~~عليهم وسبوغ النعم من الله لديهم ، وهم مع ذلك مرة يسألون نبيهم أن يجعل ~~لهم إلها غير الله ، ومرة يعبدون العجل من دون الله ، ومرة يقولون : ( ~~@QUR@07 لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ). وأخرى يقولون له إذا دعوا إلى ~~القتال : ( @QUR@07 فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ) ومرة يقال ~~لهم : ( @QUR@08 وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم ) فيقولون ~~حنطة في شعيرة ، ويدخلون الباب من قبل أستاهم ، مع غير ذلك من أفعالهم ~~القبيحة التي يكثر إحصاؤها ، فأعلم الله تعالى الذين خاطبهم بهذه الآيات من ~~يهود بنى إسرائيل الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنهم لن يعدوا أن يكونوا في تكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم وجحودهم نبوته ~~كآبائهم وأسلافهم ، الذين فصل عليهم قصصهم في ارتدادهم ms0132 عن دينهم مرة بعد ~~أخرى ، وتمردهم على نبيه موسى عليه السلام تارة بعد أخرى مع ابتلاء الله لهم ~~، وسبوغ آلائه عليهم (1). # والقائلون لموسى عليه السلام : ( @QUR@07 لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ) ~~يرى جمهور المفسرين أنهم هم السبعون الذين اختارهم موسى للذهاب معه إلى ~~ميقات ربه ، وقد وردت آثار تؤيد هذا الرأى. # من ذلك ما أخرجه ابن جرير عن الربيع بن أنس في قوله تعالى : ( @QUR@02 ~~فأخذتكم الصاعقة ) أنه قال : هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه. ~~وقالوا : اطلب لنا ربك لنسمع كلامه. قال : سمعوا كلاما ، فقالوا : ( ~~@QUR@07 لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ) قال : فسمعوا صوتا فصعقوا يقول : ~~ماتوا ، فذلك قوله : ( @QUR@05 ثم بعثناكم من بعد موتكم ) فبعثوا من بعد ~~موتهم ، لأن موتهم ذلك عقوبة لهم ، فبعثوا لبقية آجالهم. # وقال ابن كثير : الذين قالوا لموسى : ( @QUR@03 أرنا الله جهرة ) المراد ~~بهم السبعون المختارون منهم ولم يحك كثير من المفسرين سواه. # وقيل : إن الذين طلبوا من موسى رؤية الله جهرة هم عامة بنى إسرائيل بدون ~~تحديد لهؤلاء PageV01P135 # السبعين ، فقد روى عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه قال في تفسير هذه ~~الآية. «قال لهم موسى لما رجع من عند ربه بالألواح قد كتب فيها التوراة ، ~~فوجدهم يعبدون العجل. فأمرهم بقتل أنفسهم ، ففعلوا ، فتاب الله عليهم ، ~~فقال لهم موسى : (إن هذه الألواح فيها كتاب الله فيه أمركم الذي أمركم به ، ~~ونهيكم الذي نهاكم عنه ، فقالوا : ومن يأخذ بقولك أنت؟ لا والله حتى نرى ~~الله جهرة ، حتى يطلع الله علينا فيقول : هذا كتابي فخذوه ، فما له لا ~~يكلمنا كما يكلمك أنت يا موسى؟! وقرأ قول الله تعالى : ( @QUR@07 لن نؤمن ~~لك حتى نرى الله جهرة )؛ قال : فجاءت غضبة من الله تعالى ، فجاءتهم صاعقة ~~بعد التوبة. فصعقتهم فماتوا جميعا. قال : ثم أحياهم الله من بعد موتهم ، ~~وقرأ قوله تعالى : ( @QUR@07 ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون ). ~~فقال لهم موسى : خذوا كتاب الله ، فقالوا لا ، فقال : أى شيء أصابكم؟ ~~فقالوا : أصابنا أننا متنا ثم أحيينا. قال : خذوا ms0133 كتاب الله ، قالوا لا ، ~~فبعث الله ملائكة فنتقت الجبل فوقهم) (1). # قال الإمام ابن كثير : (وهذا السياق يدل على أنهم كلفوا بعد ما أحيوا ثم ~~قال : وقد حكى الماوردي في ذلك قولين : # أحدهما : أنهم سقط التكليف لمعاينتهم الأمر جهرة حتى صاروا مضطرين إلى ~~التصديق. والثاني : أنهم مكلفون لئلا يخلو عاقل من تكليف (2). # وهذا هو الصحيح لأن معاينتهم للأمور الفظيعة لا تمنع تكليفهم ، لأن بنى ~~إسرائيل قد شاهدوا أمورا عظاما من خوارق العادات وهم مع ذلك مكلفون ؛ وهذا ~~واضح ، والله أعلم) (3). # وقال ابن جرير : «ولا خبر عندنا بصحة شيء مما قاله من ذكرنا قوله في سبب ~~قيلهم ذلك لموسى تقوم به حجة ، فنسلم لهم ، وجائز أن يكون ذلك بعض ما قالوه ~~، فإذا كان لا خبر بذلك تقوم به حجة فالصواب من القول فيه أن يقال : إن ~~الله جل ثناؤه قد أخبر عن قوم موسى أنهم قالوا له ( @QUR@09 يا موسى لن ~~نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ) كما أخبر عنهم أنهم قالوه ...» (4) وفي ندائهم ~~لنبيهم باسمه «يا موسى» سوء أدب منهم معه ، لأنه كان من الواجب عليهم ، PageV01P136 # أن يقولوا له : يا رسول الله أو يا نبي الله ، من الصفات التي تشعر بصفات ~~التعظيم والتوقير ، وقد تكررت مناداتهم باسمه مجردا في كثير من المواطن. # ومن أدب الصحابة مع الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يقولون له : يا ~~رسول الله ، استجابة لأمر الله تعالى في قوله : ( @QUR@08 لا تجعلوا دعاء ~~الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ). # وقولهم : ( @QUR@07 لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ) دليل على تمردهم ~~وعصيانهم ، وقلة اكتراثهم بما أوتوا من نعم ، وما شاهدوا من معجزات ، إذ ~~أنهم طلبوا منه أن يروا الله عيانا ، فإن لم يروه داخلهم الشك في صدق نبيهم. # وعبر عنهم القرآن الكريم بأنهم يريدون الرؤية (جهرة) لإزالة احتمال أنهم ~~يكتفون بالرؤية المنامية ، أو العلم القلبي ، فهم لا يعتقدون إلا بالرؤية ~~الحسية ، لغلظ قلوبهم ، وجفاء طباعهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 فأخذتكم الصاعقة ) إشارة إلى أن العقوبة قد ~~فاجأتهم بعد وقت قصير من مطالبهم ms0134 المتعنتة ، لأن الفاء تفيد التعقيب. # وجملة ( @QUR@02 وأنتم تنظرون ) تفيد أن العقوبة نزلت عليهم وهم ~~يشاهدونها وفي مشاهدتها رعب وخوف أخذ بمجامع قلوبهم ، قبل أن يأخذ العذاب ~~أجسادهم ، وإن إصابتهم بهذه العقوبة كان في حالة إساءتهم وتمردهم وطمعهم في ~~أن ينالوا ما ليس من حقهم. # والآية الكريمة تفيد أن بنى إسرائيل طلبوا من نبيهم رؤية الله جهرة في ~~الدنيا ، وأنهم علقوا إيمانهم عليها ، ولم يأبهوا للآيات الدالة على صدق. ~~موسى عليه السلام فكان ذلك محض تعنت وعناد منهم ، فأخذتهم الصاعقة عقوبة لهم ~~على ذلك ، وليس على مجرد سؤالهم رؤية الله تعالى ومن هنا يتبين أن الآية لا ~~تدل على استحالة الرؤية كما يقول المعتزلة. # وجملة ( @QUR@05 ثم بعثناكم من بعد موتكم ) هي محل النعمة والمنة ، وهي ~~معطوفة على قوله تعالى ( @QUR@02 فأخذتكم الصاعقة ) ودل العطف بثم على أن ~~بين أخذ الصاعقة والبعث زمانا نتصور فيه المهلة والتأخير. # والمراد ببعثهم : إحياؤهم من بعد موتهم ، وهو معجزة لموسى عليه السلام ~~استجابة لدعائه. # وقد اشتملت الآيتان الكريمتان على تحذير اليهود المعاصرين للعهد النبوي ، ~~من محاربة الدعوة الإسلامية ، حتى لا يصابوا بما أصيب به أسلافهم من ~~الصواعق وغيرها ؛ وفيهما أيضا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عما لاقاه من ~~اليهود ، لأن ما فعلوه معه قد فعل ما يشبهه آباؤهم مع أنبيائهم ، وفيها ~~كذلك لون جديد من نعم الله عليهم ما أجدرهم بشكرها لو كانوا يعقلون. PageV01P137 # ثامنا : نعمة تظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم : # ثم عطف سبحانه على نعمة بعثهم من بعد موتهم نعمة أخرى بل نعمتين ، وهما ~~تظليلهم بالغمام ومنحهم المن والسلوى ، فقال تعالى : # ( @QUR@018 وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من ~~طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) (57) # الغمام : جمع غمامة ، وهي السحابة ، وخصه بعض علماء اللغة بالسحاب ~~الأبيض. والمن : اسم جنس لا واحد من لفظه ، وهو على أرجح الأقوال مادة ~~صمغية تسقط على الشجر تشبه حلاوته حلاوة العسل. # والسلوى : اسم جنس جمعى ، واحدته سلواة ، وهو طائر برى لذيذ اللحم ، سهل ~~الصيد ، يسمى ms0135 بالسمانى ، كانت تسوقه لهم ريح الجنوب كل مساء ، فيمسكونه ~~قبضا بدون تعب. # وتظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم ، كان في مدة تيههم بين مصر ~~والشام المشار إليه بقوله تعالى ( @QUR@09 قال فإنها محرمة عليهم أربعين ~~سنة يتيهون في الأرض ). # قال السدى : «لما دخل بنو إسرائيل التيه ، قالوا لموسى عليه السلام كيف ~~لنا بما ها هنا ، أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المن فكان ينزل على شجرة ~~الزنجبيل ، والسلوى وهو طائر يشبه السمانى أكبر منه فكان يأتى أحدهم فينظر ~~إلى الطير فإن كان سمينا ذبحه وإلا أرسله ، فإذا سمن أتاه فقالوا هذا ~~الطعام فأين الشراب؟ فأمر الله تعالى موسى أن يضرب بعصاه الحجر فضربه ~~فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، فشرب كل سبط من عين ، فقالوا : هذا الشراب ~~فأين الظل؟ فظلل الله عليهم الغمام. فقالوا : هذا الظل فأين اللباس؟ فكانت ~~ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان ولا يتمزق لهم ثوب ، فذلك قوله تعالى : ~~( @QUR@07 وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى .. ). # ومعنى الآية الكريمة : واذكروا يا بنى إسرائيل من بين نعمى عليكم نعمة ~~إظلالكم بالغمام وأنتم في التيه ليقيكم حر الشمس ، وحرارة الجو ، ولو لا ~~منحى إياكم الطعام اللذيذ المشتهى بدون تعب منكم في تحصيله لهلكتم ، وقلنا ~~لكم كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا الذي PageV01P138 # رزقكم هذه النعم ، ولكنكم كفرتم بها ، فظلمتم أنفسكم دون أن ينالنا من ~~ذلك شيء ، لأن الخلق جميعا لن يبلغوا ضرى فيضرونى ولن يبلغوا نفعي ~~فينفعونى. # فالآية الكريمة قد أشارت إلى جحودهم النعمة بقوله تعالى : ( @QUR@06 وما ~~ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ). # وقوله تعالى : ( @QUR@02 وما ظلمونا ) معطوف على محذوف ، أى فعصوا ولم ~~يقابلوا النعم بالشكر. # ويرى البعض أنه لا حاجة إلى التقدير ، وأن جملة ( @QUR@02 وما ظلمونا ) ~~معطوفة على ما قبلها لأنها مثلها في أنها من أحوال بنى إسرائيل. # والتعبير عن ظلمهم لأنفسهم بكلمة ( @QUR@01 كانوا ) والفعل المضارع ( ~~@QUR@01 يظلمون ) يدل على أن ظلمهم لأنفسهم كان يتكرر منهم ، لأنك لا تقول ~~في ذم إنسان كان يسيء إلى الناس إلا إذا كانت الإساءة تصدر منه المرة ms0136 تلو ~~الأخرى. # قال الإمام ابن جرير رحمه الله في تفسير قوله تعالى : ( @QUR@06 وما ~~ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) ما ملخصه : (هذا من الذي استغنى بدلالة ~~ظاهره على ما ترك منه ، وذلك أن معنى الكلام : كلوا من طيبات ما رزقناكم ~~فخالفوا ما أمرناهم به ، وعصوا ربهم ، ثم رسولنا إليهم ، وما ظلمونا فاكتفى ~~بما ظهر عما ترك ، وقوله ( @QUR@02 وما ظلمونا ) أى : ما ظلمونا بفعلهم ذلك ~~ومعصيتهم ، وما وضعوا فعلهم ذلك وعصيانهم إيانا موضع مضرة علينا ومنقصة لنا ~~، ولكنهم وضعوه من أنفسهم موضع مضرة عليها ومنقصة لها فإن الله تعالى لا ~~تضره معصية عاص ، ولا يتحيف خزائنه ظلم ظالم ، ولا تنفعه طاعة مطيع ، ولا ~~يزيد في ملكه عدل عادل ، بل نفسه يظلم الظالم وحظها يبخس العاصي ، وإياها ~~ينفع المطيع ، وحظها يصيب العادل) (1). # وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ذكرت بنى إسرائيل بنعمة من أعظم النعم وهي ~~تظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم ، ولكن بنى إسرائيل لم يشكروا ~~الله على نعمه ، ولذا أرسل الله عليهم رجزا من السماء بسبب ظلمهم وفسقهم. # تاسعا : نعمة تمكينهم من دخول بيت المقدس ونكولهم عن ذلك. # ثم ذكرهم سبحانه بعد ذلك بمنة عظيمة مكنوا منها فما أحسنوا قبولها وما ~~رعوها حق رعايتها وهي تخليصهم من عناء التيه ، والإذن لهم في دخول بلدة ~~يجدون فيها الراحة والهناء ، وإرشادهم إلى القول الذي يخلصهم مما استوجبوه ~~من عقوبات ولكنهم خالفوه فقال تعالى : PageV01P139 # ( @QUR@020 وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا ~~الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين (58) @QUR@018 ~~فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من ~~السماء بما كانوا يفسقون ) (59) # القرية : هي البلدة المشتملة على مساكن ، والمراد بها بيت المقدس على ~~الراجح. # والرغد : الواسع من العيش الهنيء ، الذي لا يتعب صاحبه ، يقال : أرغد ~~فلان : أصاب واسعا من العيش الهنيء. # الحطة : من حط بمعنى وضع ، وهي مصدر مراد به طلب حط الذنوب. # قال صاحب الكشاف : (حطة) فعلة من الحط كالجلسة. وهي خبر مبتدأ محذوف ms0137 ، أى ~~مسألتنا حطة ، والأصل فيها النصب بمعنى : حط عنا ذنوبنا حطة ، وإنما رفعت ~~لتعطى معنى الثبات ..) (1). # والمعنى : اذكروا يا بنى إسرائيل لتتعظوا وتعتبروا وقت أن أمرنا أسلافكم ~~بدخول بيت المقدس بعد خروجهم من التيه ، وأبحنا لهم أن يأكلوا من خيراتها ~~أكلا هنيئا ذا سعة وقلنا لهم : ادخلوا من بابها راكعين شكرا الله على ما ~~أنعم به عليكم من نعمة فتح الأرض المقدسة متوسلين إليه سبحانه بأن يحط عنكم ~~ذنوبكم ، فإن فعلتم ذلك العمل اليسير وقلتم هذا القول القليل غفرنا لكم ~~ذنوبكم وكفرنا عنكم سيئاتكم ، وزدنا المحسن منهم خيرا جزاء إحسانه ، ولكنهم ~~جحدوا نعم الله وخالفوا أوامره ، فبدلوا بالقول الذي أمرهم الله به قولا ~~آخر أتوا به من عند أنفسهم على وجه العناد والاستهزاء ، فأنزلنا على الذين ~~ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون. # قال الإمام ابن كثير رحمه الله : (وهذا كان لما خرجوا من التيه بعد أربعين ~~سنة مع يوشع بن نون عليه السلام وفتحها الله عليهم عشية جمعة ، وقد حسبت لهم ~~الشمس يومئذ قليلا PageV01P140 # حتى أمكن الفتح ، ولما فتحوها أمروا أن يدخلوا الباب (باب البلد) سجدا أى ~~شكرا لله تعالى على ما أنعم به عليهم من الفتح والنصر ورد بلدهم عليهم ~~وإنقاذهم من التيه والضلال) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@05 فكلوا منها حيث شئتم رغدا ) فيه إشعار بكمال ~~النعمة عليهم واتساعها وكثرتها. حيث أذن لهم في التمتع بثمرات القرية ~~وأطعمتها من أى مكان شاءوا. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة ) إرشاد لهم إلى ~~ما يجب عليهم نحو خالقهم من الشكر والخضوع ، وتوجيههم إلى ما يعينهم على ~~بلوغ غاياتهم. بأيسر الطرق وأسهل السبل ، فكل ما كلفوا به أن يدخلوا من باب ~~المدينة التي فتحها الله لهم خاضعين مخبتين وأن يضرعوا إليه بأن يحط عنهم ~~آثامهم ، ويمحو سيئاتهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 نغفر لكم خطاياكم ) بيان للثمرة التي تترتب على ~~طاعتهم وخضوعهم لخالقهم ، وإغراء لهم على الامتثال والشكر ، لو كانوا ~~يعقلون لأن غاية ما يتمناه العقلاء غفران الذنوب. # قال الإمام ابن جرير : يعنى بقوله تعالى ms0138 : ( @QUR@03 نغفر لكم خطاياكم ) ~~نتغمد لكم بالرحمة خطاياكم ، ونسترها عليكم ، فلا نفضحكم بالعقوبة عليها. ~~وأصل الغفر : التغطية والستر ، فكل ساتر شيئا فهو غافر .. والخطايا : جمع ~~خطية بغير همز كالمطايا جمع مطية .. (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@02 وسنزيد المحسنين ) وعد بالزيادة من خيرى الدنيا ~~والآخرة لمن أسلم لله وهو محسن ، أى : من كان منكم محسنا زيد في إحسانه ومن ~~كان مخطئا نغفر له خطيئاته. # وقد أمرهم سبحانه أن يدخلوا باب المدينة التي فتحوها خاضعين وأن يلتمسوا ~~منه مغفرة خطاياهم ، لأن تغلبهم على أعدائهم ، ودخولهم الأرض المقدسة التي ~~كتبها الله لهم ، نعمة من أجل النعم ، وهي تستدعى منهم أن يشكروا الله ~~عليها بالقول والفعل لكي يزيدهم من فضله ، فشأن الأخيار أن يقابلوا نعم ~~الله بالشكر. # ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يظهر أقصى درجات الخضوع لله تعالى عند ~~النصر والظفر وبلوغ المطلوب ، فعند ما تم له فتح مكة دخل إليها من الثنية ~~العليا ، وإنه لخاضع لربه ، حتى إن رأسه الشريف ليكاد يمس عنق ناقته شكرا ~~لله على نعمة الفتح ، وبعد دخوله مكة اغتسل وصلى ثماني ركعات سماها بعض ~~الفقهاء صلاة الفتح. # ومن هنا استحب العلماء للفاتحين من المسلمين إذا فتحوا بلدة أن يصلوا ~~فيها ثماني ركعات PageV01P141 # عند أول دخولها شكرا لله تعالى وقد فعل ذلك سعد بن أبى وقاص عند ما دخل ~~إيوان كسرى ، فقد ثبت أنه صلى بداخله ثماني ركعات. # ولكن ، ماذا كان من بنى إسرائيل بعد أن أتم الله لهم نعمة الفتح؟ # إنهم لم يفعلوا ما أمروا بفعله ، ولم يقولوا ما كلفوا بقوله ، بل خالفوا ~~ما أمروا به من قول وفعل ، ولذا قال تعالى : ( @QUR@08 فبدل الذين ظلموا ~~قولا غير الذي قيل لهم ). # أخرج البخاري عن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال : (قيل لبنى إسرائيل : ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة فبدلوا ودخلوا ~~يزحفون على أستاهم ، وقالوا : حبة في شعيرة) (1). # قال الإمام ابن كثير : (وحاصل ما ذكره المفسرون وما دل عليه السياق ، ~~أنهم بدلوا أمر الله لهم من ms0139 الخضوع بالقول والفعل ، فأمروا أن يدخلوا الباب ~~سجدا ، فدخلوا يزحفون على أستاههم رافعين رؤسهم ، وأمروا أن يقولوا : حطة ، ~~أى احطط عنا ذنوبنا وخطايانا فاستهزءوا وقالوا : حنطة في شعيرة ، وهذا في ~~غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة ، ولهذا أنزل الله بهم بأسه وعذابه ~~بفسقهم وخروجهم عن طاعته) (2). # فقوله تعالى : ( @QUR@08 فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم ) بيان ~~للسبب الذي من أجله نزل عليهم العذاب ، وتوبيخ لهم على مخالفتهم أوامر الله ~~تعالى ، لأن تبديل الشيء معناه تغييره وإزالته عما كان عليه بإعطائه صورة ~~تخالف التي كان عليها. # والفعل (بدل) يقتضى بدلا ومبدلا منه ، إلا أن مقام الإيجاز في الآية ~~استدعى الاكتفاء بذكر البدل وهو القول الذي لم يقل لهم دون ذكر المبدل منه ~~وهو القول الذي قيل لهم والتقدير : فاختار الذين ظلموا بالقول الذي أمرهم ~~الله به ، قولا آخر اخترعوه من عند أنفسهم على وجه المخالفة والعصيان. # قال صاحب الكشاف : ( @QUR@08 فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم ) ~~أى : وضعوا مكان ( @QUR@01 حطة ) قولا غيرها ، يعنى أنهم أمروا بقول معناه ~~التوبة والاستغفار فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أمروا به ، ولم ~~يمتثلوا أمر الله ، وليس الغرض أنهم أمروا بلفظ بعينه. وهو لفظ الحطة ~~فجاءوا بلفظ آخر ، لأنهم لو جاءوا بلفظ آخر مستقل ، بمعنى ما أمروا به لم ~~يؤاخذوا به كما لو قالوا مكان حطة : نستغفرك ونتوب إليك. أو اللهم اعف عنا ~~وما أشبه ذلك» (3). PageV01P142 # والعبرة التي تؤخذ من هذه الجملة الكريمة ، أن من أمره الله تعالى بقول ~~أو يفعل ، فتركه وأتى بآخر لم يأذن به الله ، دخل في زمرة الظالمين ، وعرض ~~نفسه لسوء المصير. # وقوله تعالى : ( @QUR@010 فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما ~~كانوا يفسقون ) تصريح بأن ما أصابهم من عذاب كان نتيجة عصيانهم وتمردهم ~~وجحودهم لنعم الله تعالى والرجز في لغة العرب : هو العذاب سواء أكان ~~بالأمراض المختلفة أو بغيرها. # وفي النص على أن الرجز قد أتاهم من جهة السماء إشعار بأنه عذاب لا يمكن ~~دفعه وأنه لم يكن ms0140 له سبب أرضى من عدوى أو نحوها ، بل رمتهم به الملائكة من ~~جهة السماء. فأصيب به الذين ظلموا دون غيرهم ، ولم يقل القرآن «فأنزلنا ~~عليهم» ، بالإضمار ، وإنما قال ( @QUR@04 فأنزلنا على الذين ظلموا ) ~~بالإظهار ، تأكيدا لوصفهم بأقبح النعوت وهو الظلم ، وإشعارا بأن ما نزل ~~عليهم كان سبيه بغيهم وظلمهم. # وقد تضمنت الآيتان الكريمتان أن بنى إسرائيل مكنوا من النعمة فنفروا منها ~~، وفتحت لهم أبواب الخير فأبوا دخولها ، وأرشدوا إلى القول الذي يكفر ~~سيئاتهم فخالفوا ما أرشدوا إليه مخالفة لا تقبل التأويل ، فكانت نتيجة ~~جحودهم ومخالفتهم لأمر الله حرمانهم من تلك النعمة إلى حين ، ومعاقبتهم ~~لظلمهم بالعذاب الأليم ، وفي هذا التذكير امتنان عليهم ببذل النعمة ، لأن ~~عدم قبولهم لها لا يمنع كونها نعمة ، وفيه إثارة لحسرة اليهود المعاصرين ~~للعهد النبوي على ما ضاع من أسلافهم بسبب مخالفتهم وتمردهم وفيه أيضا تحذير ~~لهم من سلوك طريق آبائهم حتى لا يصيبهم ما أصاب أسلافهم من عذاب أليم. # عاشرا : نعمة إغاثتهم بالماء بعد أن اشتد بهم العطش. # ثم ذكرهم سبحانه بعد ذلك بنعمة من أجل نعمه عليهم ، وهي إغاثتهم في التيه ~~بالماء بعد أن اشتد بهم العطش ، فقال تعالى : # ( @QUR@028 وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه ~~اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا ~~في الأرض مفسدين ) (60) PageV01P143 # الاستسقاء : طلب السقيا عند عدم الماء أو حبس المطر ، وذلك عن طريق ~~الدعاء لله تعالى في خشوع واستكانة ، وقد سأل موسى ربه أن يسقى بنى إسرائيل ~~الماء بعد أن استبد بهم العطش ، عند ما كانوا في التيه ، فعن ابن عباس أنه ~~قال : «كان ذلك في التيه ، ضرب لهم موسى الحجر ، فصارت منه اثنتا عشرة عينا ~~من ماء ، لكل سبط منهم عين يشربون منها (1). # وهذه النعمة كانت نافعة لهم في دنياهم ؛ لأنها أزالت عنهم الحاجة الشديدة ~~إلى الماء ولولاه لهلكوا ، وكانت نافعة لهم في دينهم ؛ لأنها من أظهر ~~الأدلة على وجود الله. وعلى قدرته وعلمه ، ومن أقوى البراهين على ms0141 صدق موسى ~~عليه السلام في نبوته (2). # ومعنى الآية الكريمة : واذكروا يا بنى إسرائيل وقت أن أصاب آباءكم العطش ~~الشديد وهم في صحراء مجدبة ، فتوسل إلينا نبيهم موسى عليه السلام في خشوع ~~وتضرع أن أمدهم بالماء الذي يكفيهم ، فأجبناه إلى ما طلب ، إذ أوحينا إليه ~~أن اضرب بعصاك الحجر. ففعل ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا بمقدار عدد ~~الأسباط ، وصار لكل سبط منهم مشرب يعرفه ولا يتعداه إلى غيره ، وقلنا لهم : ~~تمتعوا بما من الله به عليكم من مأكول طيب ومشروب هنيء رزقكم الله إياه من ~~غير تعب ولا مشقة ، ( @QUR@05 ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) فتتحول النعم ~~التي بين أيديكم إلى نقم وتصبحوا على ما فعلتم نادمين. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 وإذ استسقى موسى لقومه ) يفيد أن الذي سأل ربه ~~السقيا هو موسى عليه السلام وحده ، لتظهر كرامته عند ربه لدى قومه ، ~~وليشاهدوا بأعينهم إكرام الله تعالى له ، حيث أجاب سؤاله ، وفجر الماء لهم ~~ببركة دعائه. # واللام في قوله تعالى ( @QUR@01 لقومه ) للسببية ، أى لأجل قومه. # والفاء في قوله تعالى ( @QUR@04 فقلنا اضرب بعصاك الحجر )، عطفت الجملة ~~بعدها على محذوف ، والتقدير : فأجبناه إلى ما طلب ، وقلنا اضرب بعصاك الحجر. # وال في ( @QUR@01 الحجر ) لتعريف الجنس أى اضرب أى حجر شئت بدون تعيين ، ~~وقيل للعهد ، ويكون المراد حجرا معينا معروفا لموسى عليه السلام بوحي من ~~الله تعالى. وقد أورد المفسرون في ذلك آثارا حكم المحققون بضعفها ولذلك لم ~~نعتد بها. # والذي نرجحه أنها لتعريف الجنس ، لأن انفجار الماء من أى حجر بعد ضربه ~~أظهر في إقامة البرهان على صدق موسى عليه السلام وأدعى لإيمان بنى إسرائيل ~~وانصياعهم للحق بعد PageV01P144 # وضوحه ، وأبعد عن التشكيك في إكرام الله لنبيه موسى عليه السلام إذ لو كان ~~انفجار الماء من حجر معين لأمكن أن يقولوا : إن تفجير الماء كان لمعنى خاص ~~بالحجر لا لكرامة موسى عند ربه تعالى . # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@05 فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ) ~~كسابقتها للعطف على محذوف تقديره : فضرب فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، وقد ~~حذفت هذه الجملة ms0142 المقدرة لوضوح المعنى. # وكانت العيون اثنتي عشرة عينا ؛ لأن بنى إسرائيل كانوا اثنى عشر سبطا ، ~~والأسباط في بنى إسرائيل كالقبائل في العرب. وهم ذرية أبناء يعقوب ~~عليه السلام الاثنى عشر ، ففي انفجار الماء من اثنتي عشرة عينا إكمال للنعمة ~~عليهم ، حتى لا يقع بينهم تنازع وتشاجر : # وقال سبحانه : ( @QUR@01 فانفجرت ). وقال في سورة الأعراف ( @QUR@01 ~~فانبجست ) والانبجاس خروج الماء بقلة. والانفجار خروجه بكثرة ، ولا تنافى ~~بينهما في الواقع ؛ لأنه انبجس أولا. ثم انفجر ثانيا ، وكذا العيون يظهر ~~الماء منها قليلا ثم يكثر لدوام خروجه. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 قد علم كل أناس مشربهم ) إرشاد وتنبيه إلى حكمة ~~الانقسام إلى اثنتي عشرة عينا أى : قد عرف كل سبط من أسباط بنى إسرائيل ~~مكان شربه ، فلا يتعداه إلى غيره ، وفي ذلك ما فيه من استقرار أمورهم ، ~~واطمئنان نفوسهم ، وعدم تعدى بعضهم على بعض. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 كلوا واشربوا من رزق الله ) مقول لقول محذوف ~~تقديره : وقلنا لهم : كلوا واشربوا من رزق الله. # وقد جمع سبحانه بين الأكل والشرب وإن كان الحديث عن الشراب لأنه قد تقدمه ~~إنزال المن والسلوى ، وقد قيل هنالك : ( @QUR@05 كلوا من طيبات ما رزقناكم ~~) فلما أتبع ذلك بنعمة تفجير الماء لهم اجتمعت المنتان. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) تحذير لهم من البطر ~~والغرور واستعمال النعمة في غير ما وضعت له ، بعد أن أذن لهم في التمتع ~~بالطيبات ، لأن النعمة عند ما تكثر قد تنسى العبد حقوق خالقه فيهجر الشريعة ~~، ويعيث في الأرض فسادا. قال تعالى : ( @QUR@07 كلا إن الإنسان ليطغى أن ~~رآه استغنى ). # والمعنى : ولا تسعوا في الأرض مفسدين ، وتقابلوا النعم بالعصيان فتسلب عنكم. # قال ابن جرير رحمه الله : (وأصل العثا شدة الإفساد بل هو أشد الإفساد ، ~~يقال منه : PageV01P145 # عثى فلان في الأرض : إذا تجاوز الحد في الإفساد إلى غايته ، يعثى ، عثا ~~مقصورا ، ويقال للجماعة يعثون ..) (1). # وبذلك تكون الآية الكريمة قد ذكرت بنى إسرائيل بنعمة جليلة ، ونصحتهم بأن ~~يعملوا على شكرها : وحذرتهم عاقبة الإفساد في الأرض وجحودهم النعمة ~~واستبدالهم الذي هو أدنى بالذي ms0143 هو خير : # ثم ذكرهم سبحانه بما كان منهم من جحود النعمة واستخفافهم بها وإيثارهم ~~بسوء اختيارهم ما هو أدنى على ما هو خير ، فقال تعالى : # ( @QUR@060 وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج ~~لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون ~~الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة ~~والمسكنة وباؤ بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون ~~النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ) (61) # الصبر : حبس النفس على الشيء ، بمعنى إلزامها إياه ، ومنه الصبر على ~~الطاعات ، أو يطلق على حبسها بمعنى كفها. ومنه الصبر عن المعاصي. والطعام : ~~ما رزقوه في التيه من المن والسلوى : والبقل : ما تنبته الأرض من الخضر مما ~~يأكله الناس والأنعام من نحو النعناع والكراث وغيرهما. والفوم : قيل هو ~~الثوم ، وقيل هو الحنطة. والقثاء : نوع من المأكولات أكبر حجما من ~~(الخيار). # قال ابن جرير : (وكان سبب مسألتهم موسى عليه السلام ذلك فيما بلغنا عن ~~قتادة أنه قال : كان القوم في البرية قد ظلل عليهم الغمام ، وأنزل عليهم ~~المن والسلوى : فملوا ذلك ، PageV01P146 # وذكروا عيشا كان لهم بمصر ، فسألوه موسى ، فقال الله تعالى : ( @QUR@06 ~~اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم ) (1). # ثم ساق ابن جرير رواية ، فيها تصريح بأن سؤالهم لم يكن في البرية بل كان ~~في التيه فقال : حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب قال : ~~أنبأنا ابن زيد قال : # «كان طعام بنى إسرائيل في التيه واحدا ، وشرابهم واحدا. كان شرابهم عسلا ~~ينزل لهم من السماء يقال له المن ، وطعامهم طير يقال له السلوى ، يأكلون ~~الطير ويشربون العسل ، لم يكونوا يعرفون خبزا ولا غيره ، فقالوا يا موسى : ~~إنا ( @QUR@015 لن نصبر على طعام واحد ، فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت ~~الأرض من بقلها ) فقرأ حتى بلغ قوله تعالى ( @QUR@06 اهبطوا مصرا فإن لكم ~~ما سألتم ) (2). # وقد جرى أبو حيان وصاحب الكشاف في تفسيريهما على أن سؤالهم لموسى ~~عليه ms0144 السلام كان في التيه. # قال أبو حيان عند تفسير قوله تعالى ( @QUR@09 وإذ قلتم يا موسى لن نصبر ~~على طعام واحد ): «لما سئموا من الإقامة في التيه. والمواظبة على مأكول ~~واحد لبعدهم عن الأرض التي ألفوها ، وعن العوائد التي عهدوها ، أخبروا عما ~~وجدوه من عدم الصبر على ذلك ، وتشوقهم إلى ما كانوا يألفون ، وسألوا موسى ~~أن يسأل الله لهم» (3). # وقال صاحب الكشاف : «كانوا أهل فلاحة فنزعوا إلى عكرهم (4) فأجموا أى ~~ملوا وكرهوا ما كانوا فيه من النعمة وطلبت أنفسهم عدم البقاء ( @QUR@03 على ~~طعام واحد ) أرادوا ما رزقوه في التيه من المن والسلوى» (5). # ومعنى الآية الكريمة إجمالا : واذكروا يا بنى إسرائيل بعد أن أسبغنا ~~عليكم نعمنا ما كان من سوء اختيار أسلافكم ، وفساد أذواقهم ، وإعناتهم ~~لنبيهم موسى عليه السلام حيث قالوا له ببطر وسوء أدب : لن نصبر على طعام ~~المن والسلوى في كل وقت ، فسل ربك أن يخرج لنا مما تنبته الأرض من خضرها ~~وفاكهتها وحنطتها وعدسها وبصلها ، لأن نفوسنا قد عافت المن والسلوى ، ~~فوبخهم نبيهم موسى عليه السلام بقوله : أتختارون الذي هو أقل فائدة وأدنى PageV01P147 # لذة ، وتتركون المن والسلوى وهو خير مما تطلبون لذة وفائدة؟ انزلوا إلى ~~مصر من الأمصار فإنكم تجدون به ما طلبتموه من البقول وأشباهها. # وأحاطت ببني إسرائيل المهانة والاستكانة كما تحيط القبة بمن ضربت عليه ، ~~وحق عليهم غضب الله. # ثم بين الله تعالى السبب في جحودهم للنعم وفي أنه ضرب عليهم الذلة ~~والمسكنة وأنزل عليهم غضبه بقوله : ( @QUR@010 ذلك بأنهم كانوا يكفرون ~~بآيات الله ، ويقتلون النبيين بغير الحق ) إلخ أى : إن الكفر بآيات الله قد ~~تأصل فيهم ، وقتل أنبيائهم بغير الحق قد تكرر منهم حتى صار كالطبيعة ~~الثانية والسجية الثابتة ، فليس غريبا على هؤلاء أن يقولوا لن نصبر على ~~المن والسلوى وأن ينزل بهم غضب الله ونقمته من أجل جحودهم وكفرهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@09 وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد ) تذكير ~~لهم برغبة من رغباتهم الناشئة عن ذوق سقيم. لا يقدر النعمة قدرها ، وفيه ~~انتقال من ms0145 تعداد النعم عليهم إلى بيان موفقهم الجحودى منها ، وانسياقهم ~~وراء شهواتهم وأهوائهم وحماقاتهم ، وفيه إشعار بسوء أدبهم في مخاطبتهم ~~لنبيهم موسى عليه السلام إذ عبروا عن عدم رغبتهم في تناول المن والسلوى بحرف ~~( @QUR@01 لن ) المفيد تأكيد النفي فقالوا ( @QUR@02 لن نصبر ).. إلخ ~~فكأنهم يقولون له مهددين ، ليلجئوه إلى دعاء ربه سريعا : إننا ابتداء من ~~هذا الوقت الذي نخاطبك فيه إلى أن نموت ، لن نحبس أنفسنا عن كراهية على ~~تناول طعام واحد ، لأننا قد سئمناه ومللناه ، ولن نعود إليه : فالتعبير ~~«بلن» يشعر بشدة ضجرهم ، وبلوغ الكراهية لهذا الطعام منهم منتهاها. # قال الحسن البصري رضي الله عنه : «بطروا طعم المن والسلوى فلم يصبروا ~~عليه ، وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه ، وكانوا قوما أهل أعداس وبصل وبقل ~~وثوم» (1). # ووصفوه بالوحدة مع أن المن والسلوى نوعان ، لأنهم أرادوا من الوحدة أنه ~~طعام متكرر في كل يوم لا يختلف بحسب الأوقات ، والعرب تقول لمن يفعل على ~~مائدته في كل يوم من الطعام أنواعا لا تتغير ، إنه يأكل من طعام واحد. # وسألوا موسى عليه السلام أن يدعو لهم ، لأن دعاء الأنبياء أقرب إلى ~~الإجابة من دعاء غيرهم ، وكذلك دعاء الصالحين ، حيث يصدر من قلوب عامرة ~~بتقوى الله وجلاله ، فيلاقى من الإجابة ما لا يلاقيه دعاء نفوس تستهويها ~~الشهوات ، وتستولى عليها السيئات. # وقولهم : ( @QUR@03 فادع لنا ربك ) ولم يقولوا ربنا ، لعدم رسوخ الإيمان ~~في قلوبهم ، ولأنه سبحانه قد اختصه بما لم يعط مثله من مناجاته وتكليمه ~~وإيتائه التوراة. PageV01P148 # وقولهم : ( @QUR@011 يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها ~~وعدسها وبصلها ) هو مضمون ما طلبوه من موسى عليه السلام وهو في معنى مقول ~~قول محذوف والتقدير : أى قل لربك يخرج لنا. # وجاء التعبير بالفعل ( @QUR@01 يخرج ) مجزوما مع أن مقتضى الظاهر أن يقال ~~: «أن يخرج للإيماء إلى أنهم واثقون بأنه إن دعا ربه أجابه ، حتى لكأن ~~إخراج ما تنبت الأرض متوقف على مجرد دعاء موسى ربه ، وأنه لو لم يدع لهم ، ~~لكان شحيحا عليهم بما فيه نفعهم (1). # والجملة الكريمة : ( @QUR@07 أتستبدلون الذي هو ms0146 أدنى بالذي هو خير ) من ~~مقول موسى عليه السلام لهم ، وفيها توبيخ شديد لهم على سوء اختيارهم ، وضعف ~~عقولهم. لإيثارهم الأدنى وهو البقل وما عطف عليه ، على ما هو خير منه وهو ~~المن والسلوى. # قال ابن جرير عند تفسيره للآية الكريمة : «أى قال لهم موسى : أتاخذون ~~الذي هو أخس خطرا وقيمة وقدرا من العيش ، بدلا بالذي هو خير منه خطرا وقيمة ~~وقدرا ، وذلك كان استبدالهم ، وأصل الاستبدال : هو ترك شيء لآخر غيره مكان ~~المتروك ، ومعنى قوله : ( @QUR@01 أدنى ) أخس واضع وأصغر قدرا وخطرا ، ~~وأصله من قولهم : هذا رجل دنى بين الدناءة ، وإنه ليدنى في الأمور بغير همز ~~إذا كان يتتبع خسيسها. ثم قال : ولا شك أن من استبدل بالمن والسلوى : ~~البقول والقثاء والعدس والبصل والثوم ، فقد استبدل الوضيع من العيش بالرفيع ~~منه» (2). # ثم أضاف موسى عليه السلام إلى توبيخهم السابق على بطرهم وجحودهم توبيخا ~~آخر فقال لهم : ( @QUR@06 اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم ) أى إذا كان هذا ~~هو مرغوبكم ، فاتركوا هذا المكان ، وانزلوا إلى مصر من الأمصار ، لكي تجدوا ~~ما سألتمونى إياه من البقل والثوم وأشباههما ، لأن ما اخترتموه لا يوجد في ~~المكان الذي حللتم به ، وإنما يوجد في الأمصار والقرى. # وقوله تعالى : ( @QUR@01 مصرا ). # قال ابن كثير : «هكذا هو منون مصروف مكتوب بالألف في المصاحف الأثمة ~~العثمانية وهو قراءة الجمهور بالصرف» (3). # وقال ابن جرير : «فأما القراءة فإنها بالألف والتنوين ( @QUR@02 اهبطوا ~~مصرا ) وهي القراءة التي PageV01P149 # لا يجوز عندي غيرها ، لاجتماع خطوط مصاحف المسلمين واتفاق قراءة القراء ~~على ذلك ..» ا ه (1). # وقال أبو حيان في البحر : «وقرأ الحسن وطلحة والأعمش وأبان ابن تغلب ~~(مصر) بغير تنوين ، وقد وردت كذلك في مصحف أبى بن كعب وعبد الله بن مسعود ، ~~وبعض مصاحف عثمان رضي الله عنه» ا ه (2). # والمعنى على القراءة الأولى : اهبطوا مصرا من الأمصار لأنكم في البدو ، ~~والذي طلبتم لا يكون في البوادي والفيافي وإنما يكون في القرى والأمصار ، ~~فإن لكم إذا هبطتموه ما سألتم من العيش. # والمعنى على القراءة الثانية : اتركوا المكان ms0147 الذي أنتم فيه ، واهبطوا ~~مصر التي كنتم تسامون فيها سوء العذاب فإنكم تجدون فيها ما تبغونه ، لأنكم ~~قوم لا تقدرون نعمة الحرية ، ولا ترتاحون للفضائل النفسية ، بل شأنكم دائما ~~أن تستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير. # ومن حجة الذين قالوا إن الله أراد بالمصر في الآية الكريمة ، مصر فرعون ، ~~قوله تعالى في سورة الشعراء : ( @QUR@011 فأخرجناهم من جنات وعيون. وكنوز ~~ومقام كريم. كذلك وأورثناها بني إسرائيل ) (3). # وقوله تعالى في سورة الدخان : ( @QUR@016 كم تركوا من جنات وعيون. وزروع ~~ومقام كريم. ونعمة كانوا فيها فاكهين. كذلك وأورثناها قوما آخرين ) (4). # قالوا : فأخبر الله تعالى أنه قد ورثهم ذلك ، وجعلها لهم ، فلم يكونوا ~~يرثونها ، ثم لا ينتفعون بها ، ولا يكونون منتفعين إلا بمصير بعضهم إليها ~~قال ابن جرير : «ومن حجة من قال إن الله تعالى إنما عنى بقوله : ( @QUR@02 ~~اهبطوا مصرا ) أى : مصرا من الأمصار دون مصر فرعون بعينها ، أن الله تعالى ~~جعل أرض الشام لبنى إسرائيل مساكن بعد أن أخرجهم من مصر ، وإنما ابتلاهم ~~بالتيه. بامتناعهم عن موسى في حرب الجبابرة ، إذ قال لهم ( @QUR@015 يا قوم ~~ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا ~~خاسرين ).. إلى قوله تعالى : ( @QUR@06 فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا PageV01P150 # @QUR@01 قاعدون ). فحرم الله تعالى على قائل ذلك فيما ذكر لنا دخولها ~~حتى هلكوا في التيه وابتلاهم بالتيهان في الأرض أربعين سنة. ثم أهبط ذريتهم ~~الشام ، فأسكنهم الأرض المقدسة ، وجعل هلاك الجبابرة على أيديهم مع «يوشع ~~بن نون» بعد وفاة موسى بن عمران. فرأينا أن الله تعالى قد أخبر عنهم أنه ~~كتب لهم الأرض المقدسة ، ولم يخبرنا عنهم أنه ردهم إلى مصر بعد إخراجه ~~إياهم منها ، فيجوز لنا أن نقرأ اهبطوا مصر ونتأوله أنه ردهم إليها. قالوا ~~: فإن احتج محتج بقوله تعالى : ( @QUR@011 فأخرجناهم من جنات وعيون. وكنوز ~~ومقام كريم. كذلك وأورثناها بني إسرائيل )؟ قيل لهم : فإن الله تعالى إنما ~~أورثهم ذلك فملكهم إياها. ولم يردهم إليها وجعل مساكنهم الشام» ا ه (1). # قال أبو حيان في البحر : (ولم ms0148 يصرح أحد من المفسرين والمؤرخين أنهم هبطوا ~~من التيه إلى مصر) ا ه (2). # ومع أن ابن جرير رحمه الله قد رد على من قال ، إن المراد بالمصر مصر فرعون ~~: استنادا إلى قراءة غير الجمهور ، إلا أنه لم يرجح أحد الرأيين فقد قال : ~~(والذي نقول به في ذلك ، أنه لا دلالة في كتاب الله تعالى على الصواب من ~~هذين التأويلين ، ولا خبر به عن الرسول صلى الله عليه وسلم يقطع مجيئه العذر ، ~~وأهل التأويل متنازعون تأويله ، فأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن ~~يقال : إن موسى سأل ربه أن يعطى قومه ما سألوه من نبات الأرض على ما بينه ~~الله تعالى في كتابه وهم في الأرض تائهون فاستجاب الله لموسى دعاءه وأمره ~~أن يهبط بمن معه من قومه قرارا من الأرض التي تنبت ما سأل لهم من ذلك ، إذا ~~صاروا إليه ، وجائز أن يكون ذلك القرار مصر ، وجائز أن يكون الشام ...» (3). # ومن هذا النص الذي نقلناه عن ابن جرير ، نرى أنه لم يقطع برأى في المكان ~~الذي أمر بنو إسرائيل بالهبوط فيه وأنه يرى أن الله تعالى قد استجاب لموسى ~~عليه السلام دعاءه ، وأن موسى وقومه قد هبطوا فعلا إلى قرار من الأرض التي ~~تنبت البقول وأشباهها. # وقد عارض الإمام ابن كثير في تفسيره رأى ابن جرير فقال : # وهذا الذي قاله أى ابن جرير فيه نظر ، والحق أن المراد مصر من الأمصار ، ~~كما روى عن ابن عباس وغيره والمعنى على ذلك ، لأن موسى عليه السلام يقول لهم ~~: هذا الذي سألتم ليس بأمر عزيز ، بل هو كثير في أى بلد دخلتموها وجدتموه ، ~~فليس يساوى مع دناءته PageV01P151 # وكثرته في الأمصار أن أسأل الله فيه ، ولهذا قال : ( @QUR@013 أتستبدلون ~~الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم ) أى ما طلبتم ، ~~ولما كان سؤالهم هذا من باب البطر والأشر ولا ضرورة فيه لم يجابوا إليه ~~والله أعلم (1). # وبذلك يظهر لنا أن ابن كثير رحمه الله يرى أن المراد بالمصر مكان غير معين ms0149 ~~وأن موسى عليه السلام لم يسأل ربه إجابة طلبهم لأنهم كانوا متعنتين. بطرين ، ~~والله تعالى يكره من كان كذلك ، وأن قول موسى عليه السلام لهم «اهبطوا مصرا ~~فإن لكم ما سألتم» من باب التوبيخ والتجهيل لهم ، إذ ليس حينئذ بلد قريب ~~يستطيعون الوصول إليه. # هذا ، والذي نرجحه في هذا المقام هو ما ذهب إليه الإمام ابن كثير لما يأتى : # أولا : أن القراءة بالتنوين متواترة ، وابن جرير نفسه لم يجوز القراءة ~~بغيرها ، وهذه القراءة المتواترة ، نص في أن المراد من مصر ، أى بلد كان ، ~~لا مصر فرعون ، ثم إذا كان المراد به ذلك فليس لنا أن نقول إنه يصدق على ~~مصر فرعون ، وذلك لأن الأمصار التي تنبت ما طلبوا من البقول والخضر أقرب ~~إليهم من مصر ، فليس من المعقول أن يؤمروا بالذهاب إلى مصر فرعون وهي بعيدة ~~عن مكانهم بعدا شاسعا ، ويتركوا الأمصار الأقرب إليهم وفيها ما يريدون. # ثانيا : لم ينقل أحد من المؤرخين أنهم رجعوا إلى مصر بعد خروجهم منها كما ~~قال أبو حيان وغيره ، بل الثابت أن بنى إسرائيل خرجوا من مصر ، وأمروا بعد ~~خروجهم بدخول الأرض المقدسة لقتال الجبارين ولكنهم أبوا طاعة نبيهم ~~عليه السلام فعذبوا بالتيه أربعين سنة لتخلفهم عن قتال الجبارين ، ولعصيانهم ~~أمر نبيهم وماتوا جميعا في التيه ، وبقي أبناؤهم فامتثلوا أمر الله تعالى ~~وهبطوا إلى الشام. وقاتلوا الجبارين ودخلوا الأرض المقدسة بقيادة يوشع بن نون. # ثالثا : ليس في الآية ما يشعر بأن موسى عليه السلام طلب من ربه أن يجيبهم ~~إلى رغبتهم فكيف نقول بما لم يدل عليه القرآن الكريم ولو من طريق الإشارة؟ # رابعا : دخولهم في التيه كان عقوبة لهم على نكوصهم عن قتال الجبارين ، ~~ليدخلوا الأرض المقدسة التي كتبها الله لهم. فالتيه والحالة هذه كان بمثابة ~~سجن لهم يعاقبون فيه ، كما يشعر بذلك قوله تعالى : ( @QUR@08 فإنها محرمة ~~عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ) فكيف يخرج السجين من سجنه تلبية لبعض ~~رغباته المنكرة. وبناء على ذلك يكون الأمر في قول موسى لهم : ( @QUR@06 ~~اهبطوا مصرا ms0150 فإن لكم ما سألتم ) للتهديد والتوبيخ والتجهيل. PageV01P152 # ثم بين سبحانه العقوبات التي حلت بهم جزاء ظلمهم وفجورهم فقال تعالى : ( ~~@QUR@08 وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤ بغضب من الله ): # ضرب الذلة والمسكنة عليهم كناية عن لزومهما لهم ، وإحاطتهما بهم ، كما ~~يحيط السرادق بمن بداخله. # قال صاحب الكشاف : (جعلت الذلة محيطة بهم ، مشتملة عليهم ، فهم فيها كمن ~~يكون في القبة من ضربت عليه ، أو ألصقت به حتى لزمتهم ضربة لازب كما يضرب ~~الطين على الحائط فيلزمه ، فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة ومدقعة) (1). # وأصل الضرب في كلام العرب يرجع إلى معنى التقاء ظاهر جسم ، بظاهر جسم آخر ~~بشدة ، يقال : ضرب بيده الأرض إذا ألصقها بها ، وتفرعت عن هذا معان مجازية ~~ترجع إلى شدة اللصوق. # والذلة : على وزن فعلة من قول القائل : ذل فلان يذل ذلة وذلة ، والمراد ~~بها الصغار والهوان والحقارة. # والمسكنة : مفعلة من السكون ، ومنها أخذ لفظ المسكين ، لأن الهم قد أثقله ~~فجعله قليل الحركة والنهوض ، لما به من الفاقة والفقر ، والمراد بها في ~~الآية : الضعف النفسي ، والفقر القلبي الذي يستولى على الشخص ، فيجعله يحس ~~بالهوان ، مهما يكن لديه من أسباب القوة. # والفرق بينهما وبين الذلة. أن الذلة هوان تجيء أسبابه من الخارج ، كأن ~~يغلب المرء على أمره نتيجة انتصار عدوه عليه فيذل لهذا العدو. # أما المسكنة فهي هوان ينشأ من داخل النفس نتيجة بعدها عن الحق واستيلاء ~~المطامع والشهوات عليها ، وتوارث الذلة قرونا طويلة يورث هذه المسكنة ، ~~ويجعلها كالطبيعة الثابتة في الشخص المستذل. ولقد عاش اليهود قرونا وأحقابا ~~مستعبدين لمختلف الأمم ، فأكسبهم هذا الاستعباد ضعفا نفسيا جعلهم لا يفرقون ~~بين الحياة الذليلة والكريمة ، بل إنهم ليفضلون الأولى على الثانية ما دامت ~~تجلب لهم غرضا من أغراض الدنيا ، ومهما كثر المال في أيديهم ، فإنهم لا ~~يتحولون عن فقرهم النفسي وظهورهم أمام الناس بمظهر البائس الفقير. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 وباؤ بغضب من الله ) بيان لسوء عاقبتهم في ~~الآخرة ومبالغة في إهانتهم وتحقيرهم ، فهم في الدنيا أذلاء حقراء ، وفي ~~الآخرة سيرجعون بغضب من الله بسبب أفعالهم ms0151 القبيحة. PageV01P153 # قال ابن جرير رحمه الله يعنى بقوله تعالى ( @QUR@04 وباؤ بغضب من الله ): ~~انصرفوا ورجعوا ، ولا يقال باءوا إلا موصولا إما بخير وإما بشر يقال منه ~~باء فلان بذنبه يبوء بوأ وبواء ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@06 إني أريد أن ~~تبوء بإثمي وإثمك ) يعنى تنصرف متحملهما ، وترجع بهما قد صارا عليك دوني ، ~~فمعنى الكلام إذا. ورجعوا منصرفين متحملين غضب الله ، قد صار عليهم من الله ~~غضب ، ووجب عليهم منه سخط (1). # وقال صاحب الكشاف : ( @QUR@04 وباؤ بغضب من الله ) من قولك باء فلان ~~بفلان ، إذا كان حقيقا بأن يقتل به لمساواته له ومكافأته ، أى صاروا أحقاء ~~بغضبه (2). # ثم صرح سبحانه بعد ذلك بسبب ما أحاط بهم من الذلة والمسكنة واستحقاقهم ~~غضب الله وسخطه ، فقال تعالى : ( @QUR@015 ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات ~~الله ، ويقتلون النبيين بغير الحق ، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ). ~~والجملة الكريمة استئناف بيانى جواب عن سؤال تقديره : لم فعل بهم كل ذلك؟ ~~فكان الجواب ، فعلنا بهم بسبب جحودهم لآيات الله ، وبسبب قتلهم لأنبيائه ، ~~وخروجهم عن طاعته ؛ ومجاوزتهم حدودهم والآيات تطلق ويراد بها الأدلة ~~الشاهدة على وحدانية الله تعالى وربوبيته ، وتطلق ويراد بها النصوص التي ~~تشتمل عليها الكتب السماوية ، وتطلق ويراد بها الأدلة الشاهدة على صدق ~~الرسل عليهم الصلاة والسلام فيما يبلغون عن الله تعالى وهي التي يسميها ~~علماء التوحيد المعجزات ، وقد كفر اليهود بكل هذه الضروب من الآيات ، ~~ومردودا على ذلك كما يفيده التعبير بالفعل المضارع ( @QUR@01 يكفرون ). # وقوله تعالى : ( @QUR@04 ويقتلون النبيين بغير الحق ) أى ويقتلون أنبياء ~~الله الذين بعثهم مبشرين ومنذرين ، ولقد قتل اليهود فيمن قتلوا من الأنبياء ~~زكريا وابنه نحيى عليهما السلام لأنهما أبيا الانقياد وراء شهواتهم ~~وأهوائهم. # وقال سبحانه ( @QUR@02 بغير الحق ) مع أن قتل الأنبياء لا يكون بحق أبدا ~~، لإفادة أن قتلهم لهم كان بغير وجه معتبر في شريعتهم لأنها تحرمه ، ( ~~@QUR@014 أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس ~~جميعا ) فهذا القيد المقصود به الاحتجاج عليهم بأصول دينهم وتخليد مذمتهم ، ~~وتقبيح إجرامهم ، حيث إنهم قتلوا أنبياءهم ms0152 بدون خطأ في الفهم ، أو تأول في ~~الحكم ، أو شبهة في الأمر ، وإنما فعلوا ما فعلوا وهم عالمون بقبح ما ~~ارتكبوا ، وخالفوا شرع الله عن تعمد وإصرار. # قال صاحب الكشاف : «فإن قلت : قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق فما ~~فائدة ذكره؟ PageV01P154 # قلت : معناه أنهم قتلوهم بغير الحق عندهم ، لأنهم لم يقتلوا ولا أفسدوا ~~في الأرض فيقتلوا ، وإنما نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم ، فلو سئلوا ~~وأنصفوا من أنفسهم لم يذكروا وجها يستحقون به للقتل عندهم» (1). # وقال الإمام الرازي : «فإن قيل : قال هنا ( @QUR@04 ويقتلون النبيين بغير ~~الحق ) وقال في آل عمران ( @QUR@04 ويقتلون النبيين بغير حق ) فما الفرق؟ ~~قلت. إن الحق المعلوم فيما بين المسلمين الذي يوجب القتل يتجلى في حديث : ~~«لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : «كفر بعد إيمان ، وزنا بعد إحصان ، ~~وقتل نفس بغير حق» فالحق المذكور هنا بحرف التعريف إشارة إلى هذا وأما الحق ~~المنكر فالمراد به تأكيد العموم ، أى لم يكن هناك أى حق يستندون إليه ، لا ~~هذا الذي يعرفه المسلمون ولا غيره البتة» (2). # ثم قال تعالى : ( @QUR@05 ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ). # العصيان : الخروج عن طاعة الله. والاعتداء : تجاوز الحد الذي حده الله ~~تعالى لعباده إلى غيره. وكل متجاوز حد شيء إلى غيره فقد تعداه إلى ما جاوز ~~إليه. وللمفسرين في مرجع الإشارة «ذلك» رأيان : # أحدهما : أنه يعود إلى كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء ، وعليه يكون ~~المعنى : # إن هؤلاء اليهود قد مرنوا على عصيانهم لخالقهم ، وتعديهم حدوده بجرأة ~~وعدم مبالاة فنشأ عن هذا التمرد والطغيان أن كفروا بآيات الله تعالى وامتدت ~~أيديهم الأثيمة إلى قتل الأنبياء بقلوب كالحجارة أو أشد قسوة. # والجملة الكريمة على هذا الرأى تفيد أن التردي في المعاصي وارتكاب ~~المناهي ، وتجاوز الحدود المشروعة ، يؤدى إلى الانتقال من صغير الذنوب إلى ~~كبيرها ، ومن حقيرها إلى عظيمها ، لأن هؤلاء اليهود لما استمرءوا المعاصي ~~وداوموا على تعدى الحدود ، هانت على نفوسهم الفضائل ، وانكسرت أمام شهواتهم ~~كل المثل العليا ، فكذبوا بآيات الله تكذيبا وقتلوا من جاءهم ms0153 بالهدى ودين الحق. # والثاني : يرى أصحابه أن اسم الإشارة الثاني يعود إلى نفس المشار إليه ~~باسم الإشارة الأول ، وتكون الحكمة في تكرار الإشارة هو تمييز المشار إليه ~~حرصا على معرفته ويكون العصيان والاعتداء سببين آخرين لضرب الذلة والمسكنة ~~عليهم ، واستحقاقهم لغضب الله تعالى PageV01P155 # كما بينا ، والإشارة حينئذ من قبيل التكرير المغني عن العطف كما في قوله ~~تعالى : ( @QUR@08 أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ). # والمعنى أن هؤلاء اليهود قد لزمتهم الذلة والمسكنة ، وصاروا أحقاء بسخط ~~الله بسبب كفرهم بآياتنا. وقتلهم أنبياءنا ، وخروجهم عن طاعتنا وتعديهم ~~لحدودنا. # وعلى هذا الرأى يكون ذكر أسباب العقوبة التي حلت بهم في الدرجة العليا من ~~حسن الترتيب ، فقد بدأ سبحانه بما فعلوه في حقه وهو كفرهم بآياته ، ثم ثنى ~~بما يتلوه في العظم وهو قتلهم لأنبيائه ، ثم وصمهم بعد ذلك بالعصيان ~~والخروج عن طاعته ثم ختم أسباب العقوبة بدمغهم بالاعتداء ، وتخطى الحدود ، ~~وعدم المبالاة بالعهود ، وهذا الترتيب من لطائف أسلوب القرآن الكريم في سوق ~~الأحكام ، مشفوعة بعللها وأسبابها. # وبهذا تكون الآية الكريمة قد وصفت بنى إسرائيل بجحود النعم ، وسوء الأدب ~~وحمق التفكير ، وهوان النفس ، وبلادة الطبع ، وبطر الحق ، والبغي على ~~أنفسهم وعلى غيرهم ، وما وصفتهم به أيدته الأيام وصدقته الأحداث في كل زمان ومكان. # وبعد أن بين القرآن الكريم ما حل باليهود من عقوبات بسبب جحودهم لنعم ~~الله ، وكفرهم بآياته أردف بذلك ما وعد الله به المؤمنين من جزيل الثواب. # فقال تعالى : # ( @QUR@024 إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله ~~واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) (62) # ففي هذه الآية الكريمة حدثنا القرآن عن أربع فرق من الناس : # أما الفرقة الأولى : فهي فرقة الذين آمنوا ، والمراد بهم الذين آمنوا ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وصدقوه. # وابتدأ القرآن بهم للإشعار بأن دين الإسلام دين قائم على أساس أن الفوز ~~برضا الله لا ينال إلا بالإيمان الصادق والعمل الصالح ، ولا فضل لأمة على ~~أمة إلا بذلك ، كما ms0154 قال تعالى : ( @QUR@05 إن أكرمكم عند الله أتقاكم ). # وأما الفرقة الثانية : فهي فرقة الذين هادوا ، أى : صاروا يهودا ، يقال : ~~هاد وتهود ، أى دخل في اليهودية ، وسموا يهودا نسبة إلى يهوذا أكبر أولاد ~~يعقوب بقلب الذال دالا في PageV01P156 # التعريب أو سموا يهودا حين تابوا من عبادة العجل ، من هاد يهود هودا ~~بمعنى تاب. ومنه (إنا هدنا إليك) أى : تبنا. # والفرقة الثالثة : هي فرقة النصارى ، جمع نصران بمعنى نصراني ، كندامى ~~وندمان والياء في نصراني للمبالغة ، وهم قوم عيسى عليه السلام قيل سموا بذلك ~~لأنهم كانوا أنصارا له ، وقيل إن هذا الاسم مأخوذ من الناصرة وهي القرية ~~التي كان عيسى عليه السلام قد نزلها. # وأما الفرقة الرابعة : فهي فرقة الصابئين جمع صابئ ، وهو الخارج من دين ~~إلى دين ، يقال : صبا الظلف والناب والنجم كمنع وكرم إذا طلع. والمراد بهم ~~الخارجون من الدين الحق إلى الدين الباطل ، وهم قوم يعبدون الكواكب أو ~~الملائكة ، ويزعمون أنهم على دين صابئ بن شيث بن آدم. # وذكر القرآن الصابئة في هذا المقام وهم من أبعد الأمم ضلالا. لينبه على ~~أن الإيمان الصحيح والعمل الصالح يرفعان صاحبهما إلى مرتقى الفلاح. حتى ولو ~~سبق له أنه بلغ في الكفر والفجور أقصى غاياته. # والإيمان المشار إليه في قوله تعالى : ( @QUR@05 من آمن بالله واليوم ~~الآخر ). إلخ ، يفسره بعض العلماء بالنسبة لليهود والنصارى بمعنى صدور ~~الإيمان منهم على النحو الذي قرره الدين الحق ، فمن لم تبلغه منهم دعوة ~~الإسلام ، وكان ينتمى إلى دين صحيح في أصله بحيث يؤمن بالله واليوم الآخر ~~ويقدم العمل الصالح على الوجه الذي يرشده إليه دينه ، فله أجره على ذلك عند ربه. # أما الذين بلغتهم دعوة الإسلام من تلك الفرق ولكنهم لم يقبلوها ؛ فإنهم ~~لا يكونون ناجين من عذاب الله مهما ادعوا بأنهم يؤمنون بغيرها ، لأن ~~الشريعة الإسلامية قد نسخت ما قبلها والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : «لو ~~كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعى». # ويفسرونه أى الإيمان بالنسبة للمؤمنين المشار إليهم بقوله تعالى : ( ~~@QUR@03 إن الذين آمنوا .. ) على أنه ms0155 بمعنى الثبات والدوام والإذعان ، ~~وبذلك ينتظم عطف قوله تعالى : ( @QUR@02 وعمل صالحا ) على قوله ( @QUR@01 ~~آمن ) مع مشاركة هؤلاء المؤمنين لتلك الفرق الثلاث فيما يترتب على الإيمان ~~والعمل الصالح من ثواب جزيل ، وعاقبة حميدة. # وبعض العلماء يرى أن معنى ( @QUR@02 من آمن ) أى : من أحدث من هذه الفرق ~~إيمانا بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما جاء من عند ربه ، قالوا : لأن مقتضى ~~المقام هو الترغيب في دين الإسلام ، وأما بيان من مضى على دين آخر قبل نسخه ~~فلا ملابسة له بالمقام ، فضلا عن أن الصابئين ليس لهم دين تجوز رعايته في ~~وقت من الأوقات. PageV01P157 # ثم بين سبحانه عاقبتهم فقال : ( @QUR@010 فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون ). # الأجر : الجزاء على العمل ، وسمى الله ما يعطيه للمؤمن العامل أجرا على ~~سبيل التفضل منه. # وقال : ( @QUR@02 عند ربهم ) ليدل على عظم الثواب ، لأن ما يكون عند الله ~~من الجزاء على العمل لا يكون إلا عظيما ، ولأن المجازى لهم هو ربهم المنعوت ~~بصفات الكرم والرحمة وسعة العطاء. # والمعنى : إن هؤلاء الذين آمنوا بالله عن تصديق وإذعان ، وقدموا العمل ~~الصالح الذي ينفعهم يوم لقائه ، هؤلاء لهم أجرهم العظيم عند ربهم ، ولا ~~يفزعون من هول يوم القيامة كما يفزع الكافرون ، ولا يفوتهم نعيم ، فيحزنون ~~عليه كما يحزن المقصرون. # ثم واصل القرآن حديثه مع بنى إسرائيل ، فذكرهم بنعمة شمول الله إياهم ~~برحمته وفضله رغم توليهم عن طاعته ونقضهم لميثاقه فقال تعالى : # ( @QUR@015 وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة ~~واذكروا ما فيه لعلكم تتقون (63) @QUR@014 ثم توليتم من بعد ذلك فلو لا فضل ~~الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين ) (64) # قال ابن جرير : «وكان سبب أخذ الميثاق عليهم فيما ذكره ابن زيد ، ما ~~حدثني به يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال ابن زيد : لما ~~رجع موسى من عند ربه بالألواح قال لقومه بنى إسرائيل : إن هذه الألواح فيها ~~كتاب الله ، وأمره الذي أمركم به ونهيه الذي نهاكم عنه. فقالوا : ومن يأخذ ~~بقولك أنت ، لا والله ms0156 حتى نرى الله جهرة ، حتى يطلع الله علينا فيقول : ~~«هذا كتابي فخذه» فما له لا يكلمنا كما كلمك أنت يا موسى : قال فجاءت غضبة ~~من الله ، فجاءتهم صاعقة فصعقتهم فماتوا جميعا ، قال : ثم أحياهم الله بعد ~~موتهم فقال لهم موسى : خذوا كتاب الله. فقالوا : لا. قال : أى شيء أصابكم؟ ~~قالوا : متنا جميعا ، ثم حيينا ؛ PageV01P158 # قال : خذوا كتاب الله. قالوا : لا. فبعث الله ملائكة فنتقت الجبل فوقهم ، ~~فقيل لهم : أتعرفون هذا؟ قالوا نعم ، هذا الطور. قال : خذوا الكتاب وإلا ~~طرحناه عليكم ، قال : فأخذوا بالميثاق. قال : ولو كانوا أخذوه أول مرة ~~لأخذوه بغير ميثاق» (1). # ومعنى الآيتين الكريمتين : واذكروا يا بنى إسرائيل لتعتبروا وتنتفعوا وقت ~~أن أخذنا عليكم جميعا العهد بأن تعبدوا الله وحده ، وتتبعوا ما جاءكم به ~~رسله ، وتعملوا بما في التوراة ، واذكروا كذلك وقت أن رفعنا فوق أسلافكم ~~الطور تهديدا لهم بالعقوبة إذا لم يطيعوا أوامر الله ، وليشهدوا آية من ~~آيات الله الدالة على قدرته ، وقلنا لكم جميعا. خذوا ما آتيناكم في كتابكم ~~من تكاليف بجد وعزم واجتهاد ، واذكروا ما فيه وتدبروه وسيروا على هديه ~~لتتقوا الهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة ، ولكن الذي حصل منكم جميعا ~~أنكم أعرضتم عن العمل بما أخذ عليكم ، فتركتم تعاليم كتابكم وآذيتم ~~أنبياءكم ، ولو لا أن الله تعالى رأف بكم ، ووفقكم للتوبة ، وعفا عن زلاتكم ~~، لكنتم من الهالكين في دنياكم وآخرتكم. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 وإذ أخذنا ميثاقكم ) تذكير لبنى إسرائيل بنعمة ~~من أمثال النعم الواردة في الآيات السالفة ، لأن أخذ الميثاق عليهم ليعملوا ~~بما في التوراة من الأمور العائد عليهم نفعها. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 ورفعنا فوقكم الطور ) أى : أعليناه ، وجعلناه ~~فوق رءوسكم كالمظلة. # والطور : اسم للجبل الذي ناجى عليه موسى ربه تعالى كان بنو إسرائيل ~~بأسفله فرفع فوق رءوسهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 خذوا ما آتيناكم بقوة ) مقول لقول محذوف ، دل ~~عليه المعنى ، والتقدير : وقلنا لهم : خذوا ما آتيناكم بقوة ، أى : تمسكوا ~~به ، واعملوا بما فيه يجد ونشاط ، وتقبلوه ، واجتنبوا نواهيه ، واعملوا ما ~~جاء به بدون تردد. # والمراد «بما ms0157 آتيناكم» التوراة التي أنزلها الله تعالى على موسى لتكون ~~هدى ونورا لهم. وقوله تعالى : ( @QUR@03 واذكروا ما فيه ) أى احفظوه ~~وتدبروه وتدارسوه ، وامتثلوا أوامره ، واجتنبوا نواهيه ، واعملوا بكل ما ~~جاء فيه بلا تعطيل لشيء منه. # قال الإمام القرطبي : «وهذا هو المقصود من الكتب ، العمل بمقتضاها لا ~~تلاوتها باللسان فحسب ، فقد روى النسائي عن أبى سعيد الخدري رضي الله عنه ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : «إن من أشر الناس رجلا فاسقا يقرأ ~~القرآن ، لا يرعوى إلى شيء منه» (2). PageV01P159 # و «لعل» في قوله تعالى : ( @QUR@02 لعلكم تتقون ) إما للتعليل ، فيكون ~~المعنى : خذوا الكتاب بجد وعزم ، واعملوا بما فيه بصدق وطاعة ، لتتقوا ~~الهلاك في عاجلتكم وآجلتكم ، وإما للترجى ، وهو منصرف إلى المخاطبين ، ~~فيكون المعنى : خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه ولا تنسوه ، وأنتم ~~ترجون أن تكونوا من طائفة المتقين. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 ثم توليتم من بعد ذلك ) بيان لنقضهم وإعراضهم عن ~~العمل بالميثاق الذي أخذ عليهم ، ونبذوه خلف ظهورهم. # والمشار إليه بقوله تعالى : ( @QUR@01 ذلك ) أخذ الميثاق عليهم ، وقبول ~~ما أوتوه من الكتاب ، والمعنى : ثم أعرضتم وانصرفتم عن طاعتي بعد أخذ ~~الميثاق عليكم ، ومشاهدتكم للآيات التي تستكين لها القلوب ؛ لأن قلوبكم ~~كالحجارة أو أشد قسوة. # وقوله تعالى : ( @QUR@09 فلو لا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين ~~) تصريح بما حباهم به سبحانه من رأفة بهم ، وقبول لتوبتهم ، وعفو عن ~~خطيئاتهم ، فكأنه سبحانه يقول لهم : إنكم بإعراضكم عن طاعتي ، ونقضكم لعهدي ~~، وإهمالكم العمل بكتابي ، وعدم تأثركم بآياتى ونذرى ، قد استحققتم غضبى ~~وعذابي ، ولكن حال دون حلولهما بكم. فضلي الذي تدارككم ورحمتي التي وسعتكم ~~، ولطفي وإمهالى لكم ، ولو لا ذلك لكنتم من الخاسرين في دنياكم وآخرتكم ، ~~بسبب ما اجترحتم من نقض ميثاقكم وبذلك تكون الآيتان قد ذكرتا بنى إسرائيل ~~المعاصرين للعهد النبوي بما كان من أسلافهم من جحود النعمة ، ونقض للعهد ، ~~وفي هذا التذكير تحذير لهم من السير على طريقتهم ، ودعوة لهم إلى الدخول في ~~الإسلام واتباع محمد صلى الله عليه وسلم . # ثم ذكرهم سبحانه بسوء ms0158 عاقبة الذين اعتدوا منهم في السبت ، وحذرهم من أن ~~ينهجوا نهجهم فقال تعالى : # ( @QUR@012 ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة ~~خاسئين (65) @QUR@09 فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة ~~للمتقين ) (66) # الاعتداء : مجاوزة الحد ، يقال : اعتدى فلان وتعدى إذا ظلم. # والسبت : المراد به اليوم المسمى بهذا الاسم ، وأصل السبت كما قال ابن ~~جرير الهدوء PageV01P160 # والسكون في راحة ودعة ، ولذلك قيل للنائم : مسبوت لهدوئه وسكون جسده ~~واستراحته. كما قال جل ثناؤه ( @QUR@03 وجعلنا نومكم سباتا ) أى راحة ~~لأبدانكم ، وهو مصدر ، من قول القائل سبت فلان يسبت سبتا (1). # وملخص قصة اعتداء بنى إسرائيل في يوم السبت ، أن الله تعالى أخذ عليهم ~~عهدا بأن يتفرغوا لعبادته في ذلك اليوم ، وحرم عليهم الاصطياد فيه دون سائر ~~الأيام ، وقد أراد سبحانه ان يختبر استعدادهم للوفاء بعهودهم ، فابتلاهم ~~بتكاثر الحيتان في يوم السبت دون غيره ، فكانت تتراءى لهم على الساحل في ~~ذلك اليوم قريبة المأخذ سهلة الاصطياد فقالوا : لو حفرنا إلى جانب ذلك ~~البحر الذي يزخر بالأسماك يوم السبت حياضا تنساب إليها المياه في ذلك اليوم ~~ثم نصطادها من تلك الحياض في يوم الأحد وما بعده ، وبذلك نجمع بين احترام ~~ما عهد إلينا في يوم السبت ، وبين ما تشتهيه أنفسنا من الحصول على تلك ~~الأسماك ، فنصحهم فريق منهم بأن عملهم هذا إنما هو امتثال ظاهرى لأمر الله ~~، ولكنه في حقيقته خروج عن أمره من ترك الصيد في يوم السبت ، فلم يعبأ ~~أكثرهم بذلك ، بل نفذ تلك الحيلة ، فغضب الله عليهم ومسخهم قردة ، وجعلهم ~~عبرة لمن عاصرهم ولمن أتى بعدهم .. # والحديث عن أصحاب السبت قد جاء ذكره مفصلا في سورة الأعراف (2) كما جاءت ~~الإشارة إليه في سورتي النحل (3) والنساء (4). # ثم بين سبحانه العقوبة التي حلت بهم بسبب اعتدائهم في يوم السبت ، ~~وتحايلهم على استحلال محارم الله فقال تعالى : # ( @QUR@05 فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ). # أى : صاغرين مطرودين مبعدين عن الخير أذلاء. # والخسوء : الطرد والإبعاد. يقال : خسأت الكلب خسأ وخسوءا من باب منع ~~طردته وزجرته ، وذلك إذا ms0159 قلت له : اخسأ. # وجمهور المفسرين على أنهم مسخوا على الحقيقة ثم ماتوا بعد ذلك بوقت قصير. # ويرى مجاهد أنهم لم تمسخ صورهم ولكن مسخت قلوبهم ، أى : إنهم مسخوا مسخا ~~نفسيا فصاروا كالقردة في شرورها وإفسادها لما تصل إليه أيديها. # وتلك العقوبة كانت بسبب إمعانهم في المعاصي ، وتأبيهم عن قبول النصيحة ، ~~وضعف إرادتهم أمام مقاومة أطماعهم ، وانتكاسهم إلى عالم الحيوان لتخليهم عن ~~خصائص الإنسان ، PageV01P161 # فكانوا حيث أرادوا لأنفسهم من الصغار والهوان. # والضمير في قوله : ( @QUR@01 فجعلناها ) يعود إلى العقوبة التي هي مسخهم ~~قردة و «نكالا» أى عبرة تنكل المعتبر بها بحيث تمنعه وتردعه من ارتكاب الشر. # يقال : نكل به تنكيلا إذا صنع به صنعا يردعه ويجعل غيره يخاف ويحذر. ~~والاسم النكال وهو ما نكلت به غيرك ، وأصله من النكل بالكسر وهو القيد ~~الشديد وجمعه أنكال. # وقوله : «لما بين يديها وما خلفها. أى : للذين كانوا قبل هذه العقوبة ~~وعاشوا حتى شاهدوها ، وللذين أتوا بعدها وعرفوا عن يقين خبرها. # والمعنى : فجعلنا هذه العقوبة عبرة زاجرة لمن كان قبلها وعاش حتى رآها ~~ولمن أتى بعدها وعلم يقينا بحال العادين في السبت الذين مسخوا بسبب عصيانهم ~~تحذيرا له من أن يعمل عملهم ، فيمسخ كما مسخوا ، ويحل به العذاب الذي حل ~~بهم. كما جعلناها أيضا ( @QUR@02 موعظة للمتقين ) الذين يسمعون قصتها فهم ~~الذين من شأنهم أن ينتفعوا بالعظات ، ويعتبروا بالمثلات. # ثم ساق القرآن بعد ذلك قصة من قصص بنى إسرائيل تدل على تنطعهم في الدين ، ~~ومحاولتهم تضييق ما وسعه الله عليهم ، وتهربهم من الانصياع لكلمة الحق ، ~~وتشككهم في صدق أنبيائهم ، وتعنتهم في السؤال. وهذه القصة هي قصة أمرهم على ~~لسان نبيهم موسى عليه السلام بذبح بقرة. استمع إلى القرآن الكريم ، وهو يحكى ~~هذه القصة بأسلوبه البليغ الحكيم فيقول. # ( @QUR@020 وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا ~~أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين (67) @QUR@023 قالوا ادع ~~لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ~~ذلك ms0160 فافعلوا ما تؤمرون (68) @QUR@018 قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها ~~قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين (69) PageV01P162 # @QUR@017 قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن ~~شاء الله لمهتدون (70) @QUR@024 قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ~~ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا ~~يفعلون (71) @QUR@010 وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم ~~تكتمون (72) @QUR@011 فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى ويريكم ~~آياته لعلكم تعقلون (73) @QUR@037 ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة ~~أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج ~~منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون ) (74) # روى المفسرون أنه كان في بنى إسرائيل رجل غنى ، وله ابن عم فقير لا وارث ~~له سواه ، فلما طال عليه موته قتله ليرثه ، وحمله إلى قرية أخرى فألقاه ~~فيها ، ثم أصبح يطلب ثأره وجاء بناس إلى نبيهم موسى عليه السلام يدعى عليهم ~~القتل ، فسألهم موسى عليه السلام فجحدوا فسألوه أن يدعو الله ليبين لهم ~~بدعائه القاتل الحقيقي ، فدعا موسى ربه فأوحى الله تعالى إليه أن يطلب منهم ~~أن يذبحوا بقرة ، فقال لهم موسى : ( @QUR@06 إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ~~... ) (1). PageV01P163 # وقد ساق القرآن الكريم هذه القصة بأسلوبه البديع الذي يأخذ بمجامع القلوب ~~، ويحرك النفوس إلى النظر والاعتبار ، فقال تعالى : # ( @QUR@020 وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ، قالوا ~~أتتخذنا هزوا ، قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ). # ومعنى الآية الكريمة : واذكروا يا بنى إسرائيل لتعتبروا وتتعظوا وقت أن ~~حدث في أسلافكم قتيل ولم يعرف الجاني. فطلب بعض أهله وغيرهم ممن يهمه الأمر ~~من موسى عليه السلام أن يدعو الله تعالى ليكشف لهم عن القاتل الحقيقي ، فقال ~~لهم ( @QUR@06 إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) فدهشوا وقالوا بسفاهة ~~وحماقة ( @QUR@02 أتتخذنا هزوا )؟ أى أتجعلنا موضع سخريتك؟ ( @QUR@07 قال ~~أعوذ بالله أن أكون من ms0161 الجاهلين ) الذين يخبرون عنه بما لم يأمر به. # والذي عليه جمهور المفسرين أن أمرهم بذبح البقرة كان بعد تنازعهم في شأن ~~القاتل من هو؟ وذلك ليعرف القاتل الحقيقي إذا ضرب القتيل ببعضها ، كما ~~سيأتى في قوله تعالى : ( @QUR@010 وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ~~ما كنتم تكتمون ). # وقد أمرهم الله تعالى بذبح بقرة دون غيرها من الحيوانات ؛ لأنها من جنس ~~ما عبدوه وهو العجل ، وفي أمرهم بذلك تهوين لشأن هذا الحيوان الذي عظموه ~~وعبدوه وأحبوه فكأنه سبحانه يقول لهم : إن هذا البقر الذي يضرب به المثل في ~~البلادة ، لا يصلح أن يكون معبودا من دون الله ، وإنما يصلح للحرث والسقي ~~والعمل والذبح. # وقولهم ( @QUR@02 أتتخذنا هزوا )؟ يدل على سفههم وسوء ظنهم بنبيهم وعدم ~~توقيرهم له وجهلهم بعظمة الله تعالى وما يجب أن يقابل به أمره من الانقياد ~~والامتثال ، لأنهم لو كانوا عقلاء لامتثلوا أمر نبيهم ، وانتظروا النتيجة ~~بعد ذلك. ولكنهم قوم لا يعقلون. # ولما كان قولهم هذا القول يدل على اعتقادهم بأن موسى عليه السلام قد أخبر ~~عن الله بما لم يؤمر به ، أجابهم موسى بقوله : ( @QUR@06 أعوذ بالله أن ~~أكون من الجاهلين ): أى ألتجئ إلى الله وأبرأ إليه من أن أكون من السفهاء ~~الذين يروون عنه الكذب والباطل ، وفي هذا الجواب تبرؤ وتنزه عن الهزء ، وهو ~~المزاح الذي يخالطه احتقار واستخفاف بالممازح معه لأنه لا يليق بعقلاء ~~الناس فضلا عن رسل الله عليهم السلام كما أن فيه أيضا ردا لهم عن طريق ~~التعريض بهم إلى جادة الأدب الواجب في جانب الخالق ، حيث بين لهم أن ما ~~ظنوه به لا يليق إلا بمن يجهل عظمة الله تعالى . # قال فضيلة المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين عند تفسيره للآية الكريمة : PageV01P164 # (وقد نبهت الآية الكريمة ، على أن الاستهزاء بأمر من أمور الدين جهل كبير ~~، ومن الجهل ما يلقى صاحبه في أسوأ العواقب ، ويقذف به في عذاب الحريق ، ~~ومن هنا منع المحققون من أهل العلم استعمال الآيات كأمثال يضربونها في مقام ~~المزح والهزل ، وقالوا : إنما أنزل ms0162 القرآن الكريم ليتلى بتدبر وخشوع ، ~~وليعمل به بتقبل وخضوع) (1). # هذا وما أرشدهم إليه نبيهم عليه السلام كان كافيا لحملهم على أن يذبحوا أى ~~بقرة تنفيذا لأمر ربهم ، ولكن طبيعتهم الملتوية المعقدة لم تفارقهم ، ~~فأخذوا يسألون كما أخبر القرآن عنهم بقوله : ( @QUR@08 قالوا ادع لنا ربك ~~يبين لنا ما هي )؟ # أى : قال بنو إسرائيل لموسى اطلب لنا من ربك أن يبين لنا حالها وصفاتها ~~(2). وسبب سؤالهم عن صفتها ، تعجبهم من بقرة مذبوحة بأيديهم ، يضرب ببعضها ~~ميت لتعود إليه الحياة ، وكأنهم لقلة فهمهم قد توقعوا أن البقرة التي يكون ~~لها أثر في معرفة قاتل القتيل ، لا بد أن تكون لها صفة متميزة عن سائر جنسها. # وسؤالهم بهذه الطريقة يوحى بسوء أدبهم مع الله تعالى ومع نبيهم موسى ~~عليه السلام لأنهم قالوا ( @QUR@03 ادع لنا ربك ) فكأنما هو رب موسى وحده ، ~~لا ربهم كذلك ، وكأن المسألة لا تعنيهم هم إنما تعنى موسى وربه ومع هذا فقد ~~أجابهم إجابة المربى الحكيم للأتباع السفهاء الذين ابتلى بهم فقال : ( ~~@QUR@07 قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ) (3) ( @QUR@08 ولا بكر عوان بين ~~ذلك فافعلوا ما تؤمرون ). # أى : قال لهم موسى بعد أن أخبره الله بصفتها : إنه تعالى يقول : إن ~~البقرة التي آمركم بذبحها لا مسنة ولا صغيرة ، بل نصف بينهما ، فاتركوا ~~الإلحاح في الأسئلة ، وسارعوا إلى امتثال ما أمرتم به. PageV01P165 # وقد أكد سبحانه جملة ( @QUR@05 قال إنه يقول إنها بقرة ) تنزيلا لهم ~~منزلة المنكرين لتعنتهم في السؤال ومحاولتهم التنصل مما أمروا به. # ولم يقل القرآن الكريم من أول الأمر : إنها بقرة عوان بل جاء بالوصفين ~~السابقين ( @QUR@04 لا فارض ولا بكر ) للتعريض بغباوتهم ، والتلميح بعدم ~~فهمهم للأساليب الموجزة ، لذا لجأ في جوابهم إلى تنكير التوصيف حتى لا ~~يعودوا إلى تكرار الأسئلة. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 فافعلوا ما تؤمرون ) يقصد به قطع العذر مع الحض ~~على الطاعة والامتثال. وما موصولة ، والعائد محذوف بعد حذف جاره ، على ~~طريقة التوسع ، أى : إذا كان الأمر كذلك ، فبادروا إلى تنفيذ ما تؤمرون به ~~، لتصلوا إلى معرفة القاتل الحقيقي بأيسر ms0163 طريق ، ولا تضيقوا على أنفسكم ما ~~وسعه الله لكم ، ولا تكثروا من المراجعة ، فإنها ليست في مصلحتكم. # ومع ذلك فقد أبوا إلا تنطعا ، واستقصاء في السؤال ، فأخذوا يسألون عن ~~لونها بعد أن عرفوا سنها ، فقالوا كما حكى القرآن عنهم : # ( @QUR@018 قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها. قال إنه يقول إنها بقرة ~~صفراء فاقع لونها تسر الناظرين ). # والمعنى : قال بنو إسرائيل لنبيهم ، مشددين على أنفسهم بعد أن عرفوا صفة ~~البقرة من جهة سنها : سل لنا ربك يبين لنا ما لونها ، لكي يسهل علينا ~~الحصول عليها ، فأجابهم بقوله : إنه تعالى يقول إن البقرة التي أمرتكم ~~بذبحها صفراء فاقع لونها ، تعجب في هيئتها ومنظرها وحسن شكلها الناظرين ~~إليها ... # قال ابن جرير : «والفقوع في الصفرة نظير النصوع في البياض ، وهو شدته ~~وصفاؤه» (1). # وقال صاحب الكشاف : «الفقوع أشد ما يكون مع الصفرة ، وأنصعه يقال في ~~التوكيد أصفر فاقع ووارس ، كما يقال : أسود حالك ، .. ثم قال فإن قلت : ~~فهلا قيل : صفراء فاقعة ، وأى فائدة في ذكر اللون؟ قلت : الفائدة فيه ~~التوكيد ، لأن اللون اسم للهيئة وهي الصفرة ، فكأنه قيل : شديد صفرتها فهو ~~من قولك : جد جده» (2). # وإلى هنا يكونون قد عرفوا وصف البقرة من حيث سنها ووصفها من حيث لونها ، ~~فهل أغنتهم هذه الأوصاف؟ ، كلا! ما أغنتهم. فقد أخذوا يسألون للمرة الثالثة ~~عما هم في غنى عنه فقالوا كما حكى القرآن عنهم : ( @QUR@013 قالوا ادع لنا ~~ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا. وإنا PageV01P166 # @QUR@028 إن شاء الله لمهتدون. قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول ، تثير ~~الأرض ولا تسقي الحرث ، مسلمة لا شية فيها : قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها ~~وما كادوا يفعلون ). # ومعنى الآيتين الكريمتين : قال بنو إسرائيل لموسى بعد أن عرفوا سن البقرة ~~ولونها : سل من أجلنا ربك أن يزيدنا إيضاحا لحال البقرة التي أمرنا بذبحها. ~~حيث إن البقر الموصوف بالوصفين السابقين كثير ، فاشتبه علينا أيها نذبح ، ~~وإنا إن شاء الله بعد هذا البيان منك لمهتدون إليها ، ومنفذون لما تكلفنا ~~به ، فأجابهم موسى ms0164 بقوله : «إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقى الحرث ، ~~مسلمة لا شية فيها» أى قال إنه سبحانه يقول : أنها بقرة سائمة ليست مذللة ~~بالعمل في الحراثة ولا في السقي ، وهي بعد ذلك سليمة من كل عيب ، ليس فيها ~~لون يخالف لونها الذي هو الصفرة الفاقعة ، فلما وجدوا أن جميع مشخصاتها ~~ومميزاتها قد اكتملت ( @QUR@04 قالوا الآن جئت بالحق ) الواضح ، ولم يبق ~~إشكال في أمرها ، وبحثوا عنها ، وحصلوها ( @QUR@04 فذبحوها وما كادوا ~~يفعلون ) لكثرة أسئلتهم وترددهم. # فقوله تعالى : ( @QUR@08 قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ) حكاية ~~لسؤالهم الثالث الذي وجهوه إلى نبيهم عليه السلام ليزدادوا معرفة بحال ~~البقرة وصفتها من حيث نفاستها ، بعد أن عرفوا سنها ولونها. # فكأنهم يقولون له : إن في أجوبتك السابقة عنها تقصيرا يشق معه تمييزها ، ~~فسل من أجلنا ربك ليزيدنا بيانا لحالها ، وكأنما أحسوا بأنهم قد أثقلوا ~~عليه وتجاوزوا الحدود المعقولة في الطلب ، فعللوا ذلك بقولهم. # ( @QUR@04 إن البقر تشابه علينا ) أى : لا تتضايق من كثرة أسئلتنا ، فإن ~~لنا عذرنا في هذا التكرار. لأن البقر الموصوف بالعوان وبالصفرة الفاقعة ~~كثير ، فاشتبه علينا أمر تلك البقرة التي تريدنا أن نذبحها. # قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور : «وإنما لم يعتذروا في المرتين الأوليين ~~واعتذروا في الثالثة ، لأن للثلاثة في التكرير وقعا من النفس في التأكيد ~~والسآمة وغير ذلك ، ولذا كثر في أحوال البشر وشرائعهم التوقيت بالثلاثة» (1). # وقولهم : ( @QUR@05 وإنا إن شاء الله لمهتدون ) حض لنبيهم موسى ~~عليه السلام على الدعاء ، ووعد له بالطاعة والامتثال ، ودفع للسآمة عن نفسه ~~من كثرة أسئلتهم ، وتبرير لمسلكهم في كثرة المراجعة حتى يتفادوا غضبه ، ~~فكأنهم يقولون له : PageV01P167 # اجتهد في الدعاء من أجل أن يزيدنا ربك إيضاحا ، وكشفا لحال تلك البقرة ~~التي تريد منا أن نذبحها ، وإنا إن شاء الله بسبب هذا الإيضاح سنهتدى إليها ~~، ثم إلى القاتل الحقيقي ، وبذلك ندرك الحكمة ، التي من أجلها أمرتنا ~~بذبحها. # قال ابن جرير : وأما قوله تعالى : ( @QUR@05 وإنا إن شاء الله لمهتدون ) ~~فإنهم عنوا وإنا إن شاء الله لمبين لنا ما ms0165 التبس علينا وتشابه من أمر ~~البقرة التي أمرنا بذبحها. ومعنى اهتدائهم في هذا الموضع تبينهم ذلك الذي ~~لزمهم ذبحه مما سواه من أجناس البقر» (1). # وفي قوله تعالى : ( @QUR@016 قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ~~، ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها ) إضافة أوصاف جديدة للبقرة المطلوبة ، ~~كانوا في غنى عنها لو أطاعوا نبيهم من أول الأمر ، ولكنهم للجاجتهم ، وسوء ~~اختيارهم ، وبعد أفهامهم عن مقاصد الشريعة ، ضيقوا على أنفسهم دائرة ~~الاختيار ، فأصبحوا مكلفين بالبحث عن بقرة موصوفة بأنها متوسطة السن ، ~~لونها أصفر فاقع ، تبهج الناظرين إليها ، وهي ، بعد ذلك ، سائمة نفيسة غير ~~مذللة ولا مدربة على حرث الأرض أو سقى الزرع ، سليمة من العيوب ، ليس فيها ~~لون يخالف لونها الذي هو الصفرة الفاقعة. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 لا ذلول ) (2) صفة لبقرة ، يقال : بقرة ذلول ، ~~أى : ريضة زالت صعوبتها ، وإثارة الأرض : تحريكها وقلبها بالحرث والزراعة ~~والحرث : شقها لإلقاء البذور فيها. # والمراد : نفى التذليل ونفى إثارة الأرض وسقى الزرع عن البقرة المطلوبة. # أى : هي بقرة صعبة لم يذللها العمل في حراثة الأرض ، ولا في سقى الزرع ، ~~فهي معفاة من العمل في هذه الأشياء. و ( @QUR@01 لا ) في قوله تعالى : ( ~~@QUR@02 لا ذلول ) للنفي ، وفي قوله تعالى : ( @QUR@03 ولا تسقي الحرث ) ~~مزيدة لتوكيد الأولى ، لأن المعنى : لا ذلول تثير وتسقى ، وأعيد في قوله ~~تعالى ( @QUR@03 ولا تسقي الحرث ) مراعاة للاستعمال الفصيح. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 مسلمة لا شية فيها ) صفتان للبقرة ، ومسلمة ~~مفعلة من السلامة. # والشية : اللون المخالف لبقية لون الشيء ، وأصله من وشى الشيء ، وهو ~~تحسين عيوبه التي تكون فيه بضروب مختلفة من ألوان سداه ولحمته. # والمعنى : إن هذه البقرة سليمة من العيوب المختلفة ، وليس فيها لون يخالف ~~لون جلدها من PageV01P168 # بياض أو سواد أو غيرهما ، بل هي صفراء كلها. # وأرادوا بالحق في قوله تعالى : ( @QUR@04 قالوا الآن جئت بالحق ) الوصف ~~الواضح الذي لا اشتباه فيه ولا احتمال ، فكأنهم يقولون له : الآن فقط جئتنا ~~بحقيقة وصف البقرة ، فقد ميزتها عن جميع ما عداها ، من جهة اللون وكونها من ~~السوائم لا ms0166 العوامل ، وبذلك لم يبق لنا في شأنها اشتباه أصلا. # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@04 فذبحوها وما كادوا يفعلون ) قد عطفت ما ~~بعدها على محذوف يدل عليه المقام ، والتقدير فظفروا بها فذبحوها ، أى : ~~فذبح قوم موسى البقرة التي وصفها الله تعالى لهم ، بعد ما قاربوا أن يتركوا ~~ذبحها ، ويدعوا ما أمروا به ، لتشككهم في صحة ما يوجه إليهم من إرشادات ~~ولكثرة مما طلتهم. # قال صاحب الكشاف : وقوله تعالى : ( @QUR@03 وما كادوا يفعلون ) استثقال ~~لاستقصائهم ، وأنهم لتطويلهم المفرط. وكثرة استكشافهم ، ما كادوا يذبحونها ~~وما كادت تنتهي سؤالاتهم ، وما كاد ينقطع خيط إسهابهم فيها وتعمقهم ، وقيل ~~: ما كادوا يذبحونها لغلاء ثمنها ، وقيل لخوف الفضيحة في ظهور القاتل» (1). # ثم كشف الله تعالى بعد ذلك عن الغاية التي من أجلها أمروا بذبح البقرة ~~فقال تعالى : # ( @QUR@021 وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون ~~فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون ). # المعنى : واذكروا يا بنى إسرائيل إذ قتلتم نفسا ، فاختلفتم وتنازعتم في ~~قاتلها ، ودفع كل واحد منكم التهمة عن نفسه ، والله عز وجل مخرج لا محالة ما ~~كتمتم من أمر القاتل ، فقد بين سبحانه الحق في ذلك فقال على لسان رسوله ~~موسى عليه السلام اضربوا القتيل بأى جزء من أجزاء البقرة ، فضربتموه ببعضها ~~فعادت إليه الحياة بإذن الله وأخبر عن قاتله ، وبمثل هذا الإحياء لذلك ~~القتيل بعد موته ، يحيى الله الموتى للحساب والجزاء يوم القيامة ، ويبين ~~لكم الدلائل الدالة على أنه قدير على كل شيء رجاء أن تعقلوا الأمور على ~~وجهها السليم. # وجمهور المفسرين على أن واقعة قتل النفس وتنازعهم فيها ، حصلت قبل الأمر ~~بذبح البقرة ، إلا أن القرآن الكريم أخرها في الذكر ليعدد على بنى إسرائيل ~~جناياتهم وليشوق النفوس إلى معرفة الحكمة من وراء الأمر بذبحها ، فتتقبلها ~~بشغف واهتمام. # قال صاحب الكشاف. فإن قلت فما للقصة لم تقص على ترتيبها ، وكان حقها أن ~~يقدم ذكر PageV01P169 # القتيل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها ، وأن يقال : وإذ قتلتم نفسا ~~فادارأتم فيها فقلنا اذبحوا ms0167 بقرة واضربوه ببعضها؟ قلت : كل ما قص من قصص ~~بنى إسرائيل إنما قص تعديدا لما وجد منهم من الجنايات ، وتقريعا لهم عليها ~~، ولما جدد فيهم من الآيات العظام ، وهاتان قصتان كل واحدة منهما مستقلة ~~بنوع من التقريع وإن كانتا متصلتين متحدتين. # فالأولى : لتقريعهم على الاستهزاء وترك المسارعة إلى الامتثال وما يتبع ذلك. # والثانية : للتقريع على قتل النفس المحرمة وما تبعه من الآية العظيمة ، ~~وإنما قدم قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل ، لأنه لو عمل على عكسه ~~لكانت القصة واحدة ، ولذهب الغرض من تثنية التقريع ، ولقد روعيت نكتة بعد ~~ما استؤنفت الثانية استئناف قصة برأسها ، أن وصلت بالأولى ، دلالة على ~~اتحادهما ، بضمير البقرة لا باسمها الصريح في قوله : ( @QUR@02 اضربوه ~~ببعضها ) حتى تبين أنهما قصتان فيما يرجع إلى التقريع ونيته ، بإخراج ~~الثانية مخرج الاستئناف مع تأخيرها ، وأنها قصة واحدة بالضمير الراجع إلى ~~البقرة» (1). # وقد أسند القرآن الكريم القتل إلى جميعهم في قوله تعالى : ( @QUR@02 وإذ ~~قتلتم ) مع أن القاتل بعضهم ، للإشعار بأن الأمة في مجموعها وتكافلها ~~كالشخص الواحد. # وأسند القتل أيضا إلى اليهود المعاصرين للعهد النبوي ، لأنهم من سلالات ~~أولئك الذين حدث فيهم القتل ، وكثيرا ما يستعمل القرآن الكريم هذا الأسلوب ~~للتنبيه على أن الخلف قد سار على طريقة السلف في الانحراف والضلال. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 فادارأتم فيها ) بيان لما حصل منهم بعد قتل ~~النفس التي ذكرنا قصتها ومعنى ادارأتم فيها : اختلفتم وتخاصمتم في شأنها ~~لأن المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضا أى يدفعه ويزحمه ، أى تدافعتم بمعنى طرح ~~قتلها بعضكم على بعض فدفع المطروح عليه الطارح ، ليدفع الجناية عن نفسه ~~ويتهم غيره. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 والله مخرج ما كنتم تكتمون ) معناه : والله ~~تعالى مظهر ومعلن ما كنتم تسترونه من أمر القتيل الذي قتلتموه ، ثم تنازعتم ~~في شأن قاتله ، وذلك ليتبين القاتل الحقيقي بدون أن يظلم غيره. # وهذه الجملة الكريمة ( @QUR@05 والله مخرج ما كنتم تكتمون ) معترضة بين ~~قوله تعالى ( @QUR@01 فادارأتم ) وبين قوله تعالى : ( @QUR@03 فقلنا اضربوه ~~ببعضها ). وفائدته إشعار المخاطبين قبل أن يسمعوا ما أمروا بفعله ، بأن ms0168 ~~القاتل الحقيقي سينكشف أمره لا محالة. PageV01P170 # قال صاحب تفسير التحرير والتنوير : «وإنما تعلقت إرادة الله بكشف حال من ~~قتل هذا القتيل مع أنه ، ليس أول قتيل طل دمه في الأمم إكراما لموسى ~~عليه السلام أن يضيع دم في قومه وهو بين أظهرهم ، وبمرأى ومسمع منه ، لا ~~سيما وقد قصد القاتلون استغفاله ودبروا المكيدة في إظهار المطالبة بدمه ، ~~فلو لم يظهر الله تعالى هذا الدم ويبين سافكه لضعف يقين القوم برسولهم موسى ~~عليه السلام ولكان ذلك مما يزيد شكهم في صدقه فينقلبوا كافرين ، فكان إظهار ~~القاتل الحقيقي إكراما من الله تعالى لموسى ، ورحمة بالقوم لئلا يضلوا» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@03 فقلنا اضربوه ببعضها ) إرشاد لهم إلى الوسيلة ~~التي عن طريقها سيهتدون إلى القاتل الحقيقي ، والضمير في قوله ( @QUR@01 ~~اضربوه ) يعود على النفس ، وتذكيره مراعى فيه معناها هو الشخص أو القتيل. # وضرب القتيل ببعضها أيا كان ذلك البعض دليل على كمال قدرة الله تعالى. ~~وفيه تيسير عليهم. واسم الإشارة في قوله تعالى : ( @QUR@04 كذلك يحي الله ~~الموتى ) مشار به إلى محذوف دل عليه سياق الكلام. # والتقدير : فقلنا لقوم موسى الذين تنازعوا في شأن القتيل اضربوه ببعض ~~البقرة ليحيا ، فضربوه فأحياه الله ، وأخبر القتيل عن قاتله ، وكمثل إحيائه ~~يحيى الله الموتى في الآخرة للثواب والعقاب. # وبذلك تكون الآية ظاهرة في أن الذي ضرب ببعض البقرة قد صار حيا بعد موته. # قال الإمام ابن جرير رحمه الله : فإن قيل : وما كان معنى الأمر بضرب ~~القتيل ببعضها؟ قيل : ليحيا فينبئ نبي الله والذين ادارءوا فيه عن قاتله. # فإن قال : وأين الخبر عن أن الله تعالى أمرهم بذلك؟ قيل : ترك ذلك اكتفاء ~~بدلالة ما ذكر من الكلام الدال عليه ، والمعنى : فقلنا اضربوه ببعضها ليحيا ~~فضربوه فحيي ، يدل على ذلك قوله تعالى : ( @QUR@08 كذلك يحي الله الموتى ~~ويريكم آياته لعلكم تعقلون ) (2). # والمقصود بالآيات في قوله تعالى : ( @QUR@04 ويريكم آياته لعلكم تعقلون ) ~~الدلائل الدالة على أن الله على كل شيء قدير والتي منها ما شاهدوه بأعينهم ~~من ترتب الحياة على ضرب القتيل بعضو ميت ms0169 ، وأخباره عن قاتله ، واهتدائهم ~~بسبب ذلك إلى القاتل الحقيقي. وذلك لكي تستعملوا عقولكم في الخير. وتوقنوا ~~بأن من قدر على إحياء نفس ، واحدة فهو قادر على إحياء الأنفس جميعا لأنه ~~سبحانه لا يصعب عليه شيء. PageV01P171 # هذا ولصاحب النار رحمه الله رأى في تفسير الآية الكريمة ، فهو يرى أن ~~المراد بالإحياء في قوله تعالى ( @QUR@04 كذلك يحي الله الموتى ) حفظ ~~الدماء واستبقاؤها وليس المراد به عنده الإحياء الحقيقي بعد الموت. # فقد قال في تفسيره : وأما قوله تعالى : ( @QUR@07 فقلنا اضربوه ببعضها ~~كذلك يحي الله الموتى ) فهو بيان لإخراج ما يكتمون ، ويروون في هذا الضرب ~~روايات كثيرة. قيل : إن المراد اضربوا المقتول بلسانها وقيل بفخذها وقيل ~~بذنبها ، وقالوا : أنهم ضربوه فعادت إليه الحياة ، وقال قتلني أخى أو ابن ~~فلان ، إلخ ما قالوه ، والآية ليست أيضا نصا في مجمله فكيف بتفصيله؟ ~~والظاهر مما قدمنا أن ذلك العمل كان وسيلة عندهم للفصل في الدماء عند ~~التنازع في القاتل إذا وجد القتيل قرب بلد ولم يعرف قاتله ليعرف الجاني من ~~غيره فمن غسل يده وفعل ما رسم لذلك في الشريعة برىء من الدم ومن لم يفعل ~~ثبتت عليه الجناية. # ومعنى إحياء الموتى على هذا حفظ الدماء التي كانت عرضة لأن تسفك بسبب ~~الخلاف في قتل تلك النفس ، أى يحييها بمثل هذه الأحكام ، وهذا الإحياء على ~~حد قوله تعالى ( @QUR@06 ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) وقوله تعالى ~~( @QUR@04 ولكم في القصاص حياة ). # فالإحياء هنا معناه الاستبقاء كما هو المعنى في الآيتين (1)... # والذي نراه أن المراد بالإحياء في قوله تعالى : ( @QUR@04 كذلك يحي الله ~~الموتى ) الإحياء الحقيقي للميت بعد موته ، وأن تفسيره بحفظ الدماء ~~واستبقائها ضعيف لما يأتى : # أولا : مخالفته لما ورد عن السلف في تفسير الآية الكريمة فقد أخرج ابن ~~جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : «لما ضرب المقتول ببعضها يعنى ببعض ~~البقرة جلس حيا ، فقيل له من قتلك؟ قال : بنو أخى قتلوني ثم قبض (2).. # ثانيا : ما ذهب إليه صاحب المنار لا يدل عليه القرآن الكريم لا إجمالا ms0170 ~~ولا تفصيلا ، ولا تصريحا ولا تلميحا ، لأن قوله تعالى ( @QUR@04 كذلك يحي ~~الله الموتى ) ظاهر كل الظهور ، في أن المراد بالإحياء رد الحياة إليهم بعد ~~ذهابها عنهم ، إذ الموتى هم الذين ماتوا بالفعل ، وإحياؤهم رد أرواحهم بعد ~~موتهم وليس هناك نص صحيح يعتمد عليه في مخالفة هذا الظاهر ، ولا توجد أيضا ~~قرينة مانعة من إرادة هذا المعنى المتبادر من الآية بأدنى تأمل وما دام ~~الأمر كذلك فلا يجوز تأويله بما يخالف ما يدل عليه اللفظ دلالة واضحة ، ومن ~~التعسف الظاهر أن يراد من الموتى PageV01P172 # الأحياء من الناس ، وبإحياء الموتى تشريع العقوبات صونا لدماء الأحياء ~~منهم والله تعالى حينما أراد أن يدل على هذا المعنى قال ( @QUR@09 ولكم في ~~القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون ). # فهذه الآية الكريمة تدل على أن القصاص من الجناة يحفظ على الناس حياتهم ~~بدون التواء أو تعمية. # ثالثا : تفسير الإحياء برد الحياة إلى الموتى ، كما قال المفسرون ، يؤدى ~~إلى غرس الإيمان بصحة البعث في القلوب ، لأن المعنى عليه ، كهذا الإحياء ~~العجيب وهو إحياء القتيل بضربه ببعض البقرة ليخبر عن قاتله يحيى الله ~~الموتى بأن يبعثهم من قبورهم يوم القيامة ، ليحاسبهم على أعمالهم ، فيكون ~~إثباتا للبعث عن طريق المشاهدة حتى لا ينكره منكر. # رابعا : قوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@04 ويريكم آياته لعلكم تعقلون ) ~~قرينة قوية على أن المراد بالإحياء ، رد الحياة إلى الموتى بعد موتهم لأن ~~المراد ب ( @QUR@01 آياته ) في هذا الموضع ، كما قال المفسرون الدلائل ~~الدالة على عظم قدرته تعالى وذلك إنما يكون في خلق الأمور العجيبة الخارقة ~~للعادة والتي ليست في طاقة البشر ، كإحياء الموتى وبعثهم من قبورهم للحساب ~~والجزاء. # ثم بين القرآن الكريم ، بعد ذلك أن هذه المعجزات الباهرة التي تزلزل ~~المشاعر ، وتهز القلوب ، وتبعث في النفوس الإيمان ، لم تؤثر في قلوب بنى ~~إسرائيل الصلدة لأنه قد طرأ عليهم بعد رؤيتها ما أزال آثارها من قلوبهم ، ~~ومحا الاعتبار بها من عقولهم ، فقال تعالى : ( @QUR@037 ثم قست قلوبكم من ~~بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من ms0171 الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ، ~~وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء ، وإن منها لما يهبط من خشية الله ، وما ~~الله بغافل عما تعملون ). # والمعنى : ثم صلبت قلوبكم يا بنى إسرائيل وغلظت من بعد أن رأيتم ما رأيتم ~~من معجزات منها إحياء القتيل أمام أعينكم ، فهي كالحجارة في صلابتها ~~وببوستها ، بل هي أشد صلابة منها ، لأن من الحجارة ما فيه ثقوب متعددة ، ~~وخروق متسعة ، فتتدفق منه مياه الأنهار التي تعود بالمنافع على المخلوقات ، ~~ولأن من بينها ما يتصدع تصدعا قليلا فيخرج منه ماء العيون والآبار ولأن ~~منها ما يتردى من رأس الجبل إلى الأرض والسفح من خوف الله وخشيته ، أما ~~أنتم يا بنى إسرائيل فإن قلوبكم لا تتأثر بالمواعظ ولا تنقاد للخير ، ولا ~~تفعل ما تؤمر به ، مهما تعاقبت عليكم النعم والنقم والآيات ، وما الله ~~بغافل عما تعملون : # وقوله تعالى : ( @QUR@011 ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد ~~قسوة ) بيان لما طرأ على قلوب بنى إسرائيل من بعد عن الاعتبار ، وعدم تأثر ~~بالعظات وإعراض عن الإنابة والإذعان لآيات الله وتحلل من المواثيق التي ~~أقروا بها على أنفسهم. PageV01P173 # وجيء (بثم) التي هي للترتيب والتراخي. لاستبعاد استيلاء الغلظة والقسوة ~~على قلوبهم بعد أن رأوا الكثير من المعجزات ، فكأنه سبحانه يقول لهم بعد أن ~~ساق لهم قصة البقرة وما ترتب عليها من منافع وعبر : ومع ذلك كله لم تلن ~~قلوبكم يا بنى إسرائيل ولم تفدكم المعجزات : فقست قلوبكم وكان من المستبعد ~~أن تقسوا. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 من بعد ذلك ) فيه زيادة تعجيب من إحاطة القساوة ~~بقلوبهم ، بعد توالى النعم ، وتكاثر المعجزات التي أشار القرآن الكريم إلى ~~بعضها في الآيات السابقة. # واسم الإشارة (ذلك) مشار به إلى إحياء القتيل بعد ضربه بجزء من البقرة أو ~~إلى جميع النعم والمعجزات الواردة في الآيات السابقة. # و (أو) في قوله تعالى : ( @QUR@05 فهي كالحجارة أو أشد قسوة ) قيل : ~~للتنويع ، فإن قلوبهم متفاوتة في القسوة ، فمنها ما هو قاس كالحجارة ، ~~ومنها ما هو أشد منها قسوة ، أى : فبعض ms0172 قلوبكم كالحجارة في صلابتها وبعضها ~~أشد من الحجارة في صلابتها. # وقيل : للتشكيك بالنسبة للمخاطبين ، لا إلى المتكلم ، كأن يقول أحد الناس ~~لآخر ، إن هذه القلوب قسوتها تشبه الحجارة أو تزيد عليها. # والأظهر أن تكون للإضراب على طريقة المبالغة والمعنى : ثم قست قلوبكم من ~~بعد ذلك فهي كالحجارة بل هي أشد منها قسوة ، إذ لا شعور فيها يأتى بخير ، ~~والحجارة ليست كذلك. # وشبه سبحانه قلوبهم بالحجارة في القسوة ، لأن صلابة الحجر أعرف للناس ~~وأشهر ، حيث إنها محسوسة لديهم ومتعارفة بينهم ولذا جاء التشبيه بها. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت لم قيل أشد قسوة ، وفعل القسوة مما يخرج منه ~~أفعل التفضيل وفعل التعجب؟ قلت : لكونه أبين وأدل على فرط القسوة ، ووجه ~~آخر ، وهو أن لا يقصد معنى الأقسى ولكن قصد وصف القسوة بالشدة. كأنه قيل ~~اشتدت قسوة الحجارة ، وقلوبهم أشد قسوة». (1) وقوله تعالى : ( @QUR@021 وإن ~~من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ، وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء ، ~~وإن منها لما يهبط من خشية الله ) بيان لفضل الحجارة على قلوبهم القاسية ، ~~قصد به إظهار زيادة قسوة قلوبهم عن الحجارة ، لأن هذا الأمر لغرابته يحتاج ~~إلى بيان سببه. # فكأنه سبحانه يقول لهم. إن هذه الحجارة على صلابتها ويبوستها منها ما ~~تحدث فيه المياه خروقا واسعة تتدفق منها الأنهار الجارية النافعة ، ومنها ~~ما تحدث فيه المياه شقوقا مختلفة PageV01P174 # تنجم عنها العيون النابعة ، والآبار الجوفية المفيدة. ومنها ما ينقاد ~~لأوامر الله عن طواعية وامتثال. أما قلوبكم أنتم فلا يصدر عنها نفع ، ولا ~~تتأثر بالعظات والعبر ، ولا تنقاد للحكم التي من شأنها هداية النفوس. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 وما الله بغافل عما تعملون ) تهديد وتخويف ، حيث ~~إنه سبحانه سيحاسبهم على أعمالهم ، وسيذيقهم ما يستحقونه من عقاب جزاء ~~جحودهم لنعمه ، وعصيانهم لأمره. # وبذلك تكون الآية الكريمة قد وصفت بنى إسرائيل بما هم أهله. من قساوة ~~القلب وانطماس البصيرة ، وعدم التأثر بالعظات مهما كثرت. وبالآيات مهما توالت. # ما يؤخذ من هذه القصة من العظات والعبر : # اشتملت هذه القصة على كثير من ms0173 العظات والتوجيهات الإلهية من ذلك. # 1 دلالتها على ما جبل عليه بنو إسرائيل من فظاظة وغلظة ، وسوء أدب مع ~~مرشديهم ، وإحفاء في الأسئلة بلا موجب ، وعدم استعداد للتسليم بما يأتيهم ~~به الرسل ، ومما طلة في الانصياع للتكاليف ، وانحراف عن الطريق المستقيم. # 2 دلالتها على صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه ، فقد أخبر ~~في هذه القصة الواقعية التي لم يشهد حوادثها بما أوحاه الله إليه وهذا ~~الإخبار من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم كما أنها تدل على صدق نبوة موسى ~~عليه السلام وأنه رسول من رب العالمين. # 3 دلالتها على أن التنطع في الدين ، والإلحاف في المسألة يؤديان إلى ~~التشديد في الأحكام ، لأن بنى إسرائيل لو أنهم أول الأمر عمدوا إلى ذبح أى ~~بقرة لأجزأتهم ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم. # أخرج ابن جرير رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : «لو أن القوم ~~أخذوا أدنى بقرة لأجزأتهم. لكنهم شددوا فشدد الله عليهم» (1). # وقد أدى بهم هذا التنطع والتشديد إلى تضييق دائرة اختيارهم ، وتكثير ~~للشروط التي يجب توافرها في البقرة المطلوبة ، وذلك لتأديبهم على مما طلتهم ~~وبلادة عقولهم ، وسوء تلقيهم للشريعة بأنواع من التقصير عملا وشكرا وفهما ، ~~وبذلك يعلم أن ما كلفهم الله به أولا هو ذبح بقرة ما ، وأن ما أمروا به بعد ~~ذلك من كونها صفراء سالمة من آثار الخدمة ليس من باب تأخير PageV01P175 # البيان عن وقت الخطاب ، وإنما هو تشريع طارئ قصد منه تأديبهم على تعنتهم ~~ولجاجهم وكثرة أسئلتهم. # وقد جاءت تعاليم الإسلام بالنهى عن كثرة السؤال قال تعالى : # ( @QUR@035 يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ، ~~وإن تسئلوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم قد ~~سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين ). # وفي الحديث الشريف : «ذروني ما تركتكم ، فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة ~~سؤالهم ، واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشيء فأتوه ، وإذا نهيتكم ~~عن شيء فانتهوا عنه ms0174 ما استطعتم» (1). # قال صاحب النار : «وقد امتثل سلفنا لأمر الله فلم يشددوا على أنفسهم ، ~~فكان الدين عندهم فطريا وحنيفيا سمحا ، ولكن من خلفهم عمد إلى ما عفا الله ~~عنه فاستخرج له أحكاما استنبطها باجتهاده ، حتى صار الدين حملا ثقيلا على ~~الأمة فسئمته وملت وألقته وتخلت» (2). # 4 قال الإمام ابن القيم رحمه الله : وفي هذه القصة أنواع من العبر منها. # (أ) أنه لا يجوز مقابلة أمر الله الذي لا يعلم المأمور به وجه الحكمة فيه ~~بالإنكار ، فإن القوم لما قال لهم نبيهم ( @QUR@06 إن الله يأمركم أن ~~تذبحوا بقرة ) قابلوا هذا الأمر بقولهم : ( @QUR@02 أتتخذنا هزوا ) فلما لم ~~يعلموا وجه الحكمة في ارتباط هذا الأمر بما سألوا عنه قالوا «أتتخذنا ~~هزوا». وهذا من غاية جهلهم بالله ورسوله ، فإنه أخبرهم عن أمر الله لهم ~~بذلك ، ولم يكن هو الآمر به ، ولو كان هو الآمر به لم يجز لمن آمن بالرسول ~~أن يقابل أمره بذلك فلما قال لهم : ( @QUR@06 أعوذ بالله أن أكون من ~~الجاهلين ) وتيقنوا أن الله تعالى أمره بذلك ، أخذوا في التعنت بسؤالهم عن ~~عينها ولونها ، فلما أخبروا عن ذلك رجعوا إلى السؤال مرة ثالثة ، فلما ~~تعينت لهم ولم يبق إشكال توقفوا في الامتثال ، ولم يكادوا يفعلون. # ثم من أقبح جهلهم وظلمهم قولهم لنبيهم : ( @QUR@03 الآن جئت بالحق ) فإن ~~أرادوا بذلك : أنك لم تأت بالحق قبل ذلك في أمر البقرة ، فتلك ردة وكفر ~~ظاهر ، وإن أرادوا : أنك الآن بينت لنا البيان التام في تعيين البقرة ~~المأمور بذبحها فذلك جهل ظاهر ، فإن البيان قد حصل بقوله : ( @QUR@06 إن ~~الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) فإنه لا إجمال في الأمر ولا في الفعل ولا في ~~المذبوح فقد جاء رسول الله بالحق من أول مرة. PageV01P176 # قال الإمام بن جرير : «وقد كان بعض من سلف يزعم أن القوم ارتدوا عن دينهم ~~وكفروا بقولهم لموسى «الآن جئت بالحق» وزعم أن ذلك نفى منهم أن يكون موسى ~~عليه السلام أتاهم بالحق في أمر البقرة قبل ذلك ، وأن ذلك كفر منهم ، وليس ~~الأمر كما ms0175 قال عندنا ، لأنهم قد أذعنوا بالطاعة بذبحها ، وإن كان قولهم ~~الذي قالوه لموسى يعد من جهالاتهم وهفوة من هفواتهم». # (ب) ومنها : الدلالة على صحة ما اتفقت عليه الرسل من أولهم إلى خاتمهم من ~~معاد الأبدان ، وقيام الموتى من قبورهم. # (ج) ومنها : إقامة أنواع الآيات والبراهين والحجج على عباده بالطرق ~~المتنوعات ، زيادة في هداية المهتدى ، وإعذارا وإنذارا للضال : # (د) ومنها : الإخبار عن قساوة هذه الأمة وغلظها ، وعدم تمكن الإيمان فيها. # قال عبد الصمد بن معقل عن وهب : كان ابن عباس يقول «إن القوم بعد أن أحيا ~~الله تعالى الميت فأخبرهم يقاتله ، أنكروا قتله ، وقالوا : والله ما قتلناه ~~بعد أن رأوا الآيات الحق». # (ه) ومنها : مقابلة الظالم الباغي بنقيض قصده شرعا وقدرا ، فإن القاتل ~~قصد ميراث المقتول ، ودافع القاتل عن نفسه ، ففضحه الله تعالى وهتكه ، ~~وحرمه ميراث المقتول. # (و) ومنها : أن بنى إسرائيل فتنوا بالبقرة مرتين من سائر الدواب ففتنوا ~~بعبادة العجل وفتنوا بالأمر بذبح البقرة ، والبقرة من أبلد الحيوان حتى ~~ليضرب به المثل في البلادة. # ثم قال الإمام ابن القيم في ختام حديثه عن هذه القصة : والظاهر أن هذه ~~كانت بعد قصة العجل ؛ ففي الأمر بذبح البقرة تنبيه على أن هذا النوع من ~~الحيوان الذي لا يمتنع من الذبح والحرث والسقي ، لا يصلح أن يكون إلها ~~معبودا من دون الله ، وأنه إنما يصلح للذبح والحرث والسقي والعمل» (1) # 5 دلالتها على قدرة الله تعالى فإن إحياء الميت عن طريق الضرب بقطعة من ~~جسم بقرة مذبوحة دليل على قدرة الله تعالى على الإحياء والإماتة وما هذا ~~الضرب إلا وسيلة كشفت للناس عن طريق المشاهدة عن آثار قدرته تعالى التي لا ~~يدرون كيف تعمل ، فهم يرون آثارها الخارقة ولكنهم لا يعرفون كنهها ، وصدق ~~الله حيث يقول : ( @QUR@011 فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى ~~ويريكم آياته لعلكم تعقلون ). PageV01P177 # وإلى هنا تكون هذه القصة قد دمغت بنى إسرائيل برذيلة التنطع في الدين ، ~~والتعنت في الأسئلة ، والإساءة إلى نبيهم عليه السلام وعدم اعتبارهم بالعظات ~~والمثلات. لقساوة قلوبهم ms0176 ، وسوء طباعهم ، وانطماس بصيرتهم ( @QUR@07 ومن ~~يضلل الله فما له من هاد ). # ثم ساق القرآن بعد ذلك لونا آخر من ألوان رذائلهم. ويتمثل هذا اللون في ~~تحريفهم للكلم عن مواضعه ، واشترائهم بآيات الله ثمنا قليلا ، وذلك لقسوة ~~قلوبهم ، وانطماس بصيرتهم ، وبيعهم الدين بالقليل من حطام الدنيا ، قال ~~تعالى . # ( @QUR@019 أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ~~ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون (75) @QUR@023 وإذا لقوا الذين ~~آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله ~~عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون (76) @QUR@09 أولا يعلمون أن الله ~~يعلم ما يسرون وما يعلنون (77) @QUR@011 ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا ~~أماني وإن هم إلا يظنون (78) @QUR@024 فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم ~~يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم ~~وويل لهم مما يكسبون ) (79) # والآيات الكريمة التي معنا قد افتتحت بتيئيس المؤمنين من دخول اليهود في ~~الإسلام ولكن هذا التيئيس قد سبق بما يدعمه ويؤيده ، فقد بينت الآيات ~~السابقة عليها «موقف اليهود الجحودى من نعم الله عز وجل كما بينت تنطعهم في ~~الدين ، وسوء إدراكهم لمقاصد الشريعة ، وقساوة قلوبهم من بعد أن رأوا من ~~الآيات البينات ما رأوا ، وبعد هذا البيان الموحى بالقنوط من استجابتهم ~~للحق ، خاطب الله المؤمنين بقوله : PageV01P178 # ( @QUR@01 أفتطمعون (1) @QUR@012 أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون ~~كلام الله ثم يحرفونه (2) @QUR@06 من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ). # ومعنى الآية الكريمة : أفتطمعون أيها المؤمنون بعد أن وصفت لكم من حال ~~اليهود ما وصفت من جحود ونكران ، أن يدخلوا في الإسلام. والحال أنه كان ~~فريق من علمائهم وأحبارهم يسمعون كلام الله ثم يميلونه عن وجهه الصحيح من ~~بعد ما فهموه ، وهم يعلمون أنهم كاذبون بهذا التحريف على الله تعالى ، أو ~~يعلمون ما يستحقه محرفه من الخزي والعذاب الأليم. # فالخطاب في الآية الكريمة للمؤمنين ، والاستفهام يقصد به الإنكار عليهم ، ~~إذ طمعوا في استجابة اليهود لدعوة الحق ، بعد أن علموا سوء أحوالهم ، وفساد ms0177 ~~نفوسهم. والنهى عن الطمع في إيمانهم لا يقتضى عدم دعوتهم إلى الإيمان ، ~~فالمؤمنون مأمورون بدعوتهم إليه ، لإقامة الحجة عليهم في الدنيا عند إجراء ~~أحكام الكفر عليهم ، ولقطع عذرهم في الآخرة وقد تصادف الدعوة إلى الإسلام ~~نفوسا منصفة تستجيب لدعوة الحق ، وتهتدى إلى الطريق المستقيم ، وهذا ما ~~فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم هو وأصحابه من بعده. ولكن اليهود صموا ~~آذانهم عن الحق بعد ما عرفوه فأصبحت دعوتهم إلى الإسلام غير مجدية ، وهنا ~~يأتى النهى عن الطمع في إيمانهم بهذه الآية وأمثالها. # وجملة ( @QUR@07 وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ) حالية ، مشتملة ~~على بيان أحد الأسباب الداعية إلى القنوط من إيمانهم ، وبذلك يكون التقنيط ~~من إيمانهم قد علل بعلتين : # إحداهما : ما سبق هذه الآية من تصوير لأحوالهم السيئة. # والثانية : ما تضمنته هذه الجملة الكريمة من تحريفهم لكلام الله عن علم وتعمد. # والمراد بالفريق في قوله تعالى : ( @QUR@04 وقد كان فريق منهم ) أحبارهم ~~وعلماؤهم الذين عاصروا الرسل الكرام ، فسمعوا منهم ، أو الذين أتوا بعدهم ~~فنقلوا عنهم. # والتحريف أصله انحراف الشيء عن جهته وميله عنها إلى غيرها. والمراد به ~~هنا : إخراج الوحى والشريعة عما جاءت به ، بالتغيير والتبديل في الألفاظ ، ~~أو بالكتمان والتأويل الفاسد ، والتفسير الباطل. PageV01P179 # وقوله تعالى : ( @QUR@08 ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ) زيادة ~~تشنيع عليهم ، حيث إنهم حرفوا كلام الله بعد فهمهم له عن تعمد وسوء نية ، ~~وارتكبوا هذا الفعل الشنيع ، رغم علمهم بما يستحقه مرتكبه من عقوبة دنيوية ~~وأخروية. # ففي هذين القيدين من النعي عليهم ما لا مزيد عليه ، حيث أبطل بهما عذر ~~الجهل والنسيان ، وسجل عليهم تعمد الفسوق والعصيان. # وإنما كان قيام الفريق من أحبار اليهود بتحريف الكتاب سببا في اليأس من ~~إيمان عامتهم ، لأن هؤلاء العامة المقلدون ، قد تلقوا دينهم عن قوم فاسقين ~~، دون أن يلتفتوا إلى الحق ، أو يتجهوا إلى النظر في الأدلة الموصلة إليه ، ~~وأمثال هؤلاء الذين شبوا على عماية التقليد ، وغواية الشيطان ، لا يرجى ~~منهم الوصول إلى نور الحق ، وجلال الصدق ، ولأن ms0178 أمة بلغ الحال بعلمائها وهم ~~مظهر محامدهم أن يجرؤوا على كلام الله فيحرفوه لا تنتظر من دهمائها أن ~~يكونوا خيرا منهم حالا أو أسعد مآلا. # ثم أخبر القرآن الكريم عن بعضهم ، بأنهم قد ضموا إلى رذيلة التحريف رذيلة ~~النفاق والتدليس فقال تعالى : ( @QUR@032 وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ~~وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا : أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به ~~عند ربكم أفلا تعقلون. أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ). # والمعنى : وإذا ما تلاقى المنافقون من اليهود مع المؤمنين ، قالوا لهم ~~نفاقا وخداعا. صدقنا أن ما أنتم عليه هو الحق. وأن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~رسول من عند الله ، وإذا ما انفرد بعض اليهود ببعض قال الذين لم ينافقوا ~~لإخوانهم الذين نافقوا معاتبين : أتخبرون المؤمنين بما بينه الله لكم في ~~كتابكم مما يشهد بحقية ما هم عليه ، لتكون لهم الحجة عليكم يوم القيامة ، ~~أفلا تعقلون أن هذا التحديث يقيم الحجة لهم عليكم؟ # فالآية الكريمة فيها بيان لنوع آخر من مساوئ اليهود ومخازيهم التي تدعو ~~إلى اليأس من إيمانهم وتكشف النقاب عما كانوا يضمرونه من تدليس (1). # قال الإمام الرازي : «وإنما عذلوهم على ذلك لأن اليهودي إذا اعترف بصحة ~~التوراة ، واعترف بشهادتها على صدق النبي صلى الله عليه وسلم كانت الحجة قوية ~~عليه ، فلا جرم كان بعضهم يمنع بعضا من الاعتراف بذلك أمام المؤمنين» (2). PageV01P180 # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@05 أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ) ~~للإنكار والتوبيخ والفتح يطلق على القضاء ومنه قوله تعالى : ( @QUR@06 ربنا ~~افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) أى : اقض بيننا وبين قومنا بالحق. # قال ابن جرير : «أصل الفتح في كلام العرب القضاء والحكم والمعنى ~~أتحدثونهم بما حكم الله به عليكم وقضاه فيكم؟ ومن حكمه تعالى وقضائه فيهم ~~أخذه ميثاقهم بأن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد بشرت به التوراة» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@04 ليحاجوكم به عند ربكم ) متعلق بالتحديث ومرادهم ~~تأكيد النكير على إخوانهم الذين أظهروا إيمانهم نفاقا ، فكأنهم يقولون لهم ~~: أتحدثون المؤمنين بما يفضحكم يوم القيامة ms0179 أمام الخالق عز وجل وفي حكمه ~~وقضائه ، لأنهم سيقولون لكم. ألم تحدثونا في الدنيا بما في كتابكم من حقيقة ~~ديننا وصدق نبينا؟ فيكون ذلك زائدا في ظهور فضيحتكم وتوبيخكم على رءوس ~~الخلائق يوم الموقف العظيم ، لأنه ليس من اعترف بالحق ثم كتم كمن ثبت على ~~الإنكار. # وجملة ( @QUR@02 أفلا تعقلون ) من بقية مقولهم لمن نافق منهم. وقد أتوا ~~بها لزيادة توبيخهم لهم حتى لا يعودوا إلى التحدث مع المؤمنين. # والمعنى : أليست لكم عقول تحجزكم عن أن تحدثوا المؤمنين بما يقيم لهم ~~الحجة عليكم يوم القيامة؟ # ثم وبخهم الله على جهلهم بحقيقة علمه فقال تعالى : ( @QUR@09 أولا يعلمون ~~أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ) أى : أيقول الذين لم ينافقوا من اليهود ~~لإخوانهم الذين نافقوا ما قالوا ، ويكتمون من صفات النبي صلى الله عليه وسلم ~~ما كتموا ، ويحرفون من كتاب الله ما حرفوا ، ولا يعلمون أن الله يعلم. ما ~~يخفون من كفر وحقد ، وما يظهرون من إيمان وود؟ # فالآية الكريمة فيها توبيخ وتجهيل لليهود الذين عاتبوا المنافقين منهم ~~على تحديث المؤمنين بما في توراتهم مما يؤيد صدق النبي صلى الله عليه وسلم ~~لأنهم لو كانوا مؤمنين إيمانا صادقا بإحاطة علمه بسرهم وعلانيتهم ، لما ~~نهوا إخوانهم عن تحديث المؤمنين بما فيها فإن ما فيها من صفات للنبي ~~صلى الله عليه وسلم من الحقائق التي أمرهم الله ببيانها ونهاهم عن كتمانها. # ثم بين القرآن الكريم بعد ذلك حال عوام اليهود ومقلديهم ، بعد أن بين حال ~~علمائهم PageV01P181 # ومنافقيهم فقال تعالى : ( @QUR@011 ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا ~~أماني وإن هم إلا يظنون ) (1) أى : ومن اليهود قوم أميون لا يحسنون الكتابة ~~، ولا يعلمون من كتابهم التوراة سوى أكاذيب اختلقها لهم علماؤهم أو أمنيات ~~باطلة يقدرونها في أنفسهم بدون حق ، أو قراءات عارية عن التدبر والفهم ، ~~وقصارى أمرهم الظن من غير أن يصلوا إلى مرتبة اليقين المبنى على البرهان ~~القاطع والدليل الساطع. # فالآية الكريمة فيها زيادة تيئيس للمؤمنين من إيمان كافة اليهود بفرقهم ~~المختلفة. فإنهم قد وصلوا إلى حال ms0180 من الشناعة لا مطمع معها في هداية ، ~~فعلماؤهم محرفون لكتاب الله على حسب أهوائهم وشهواتهم ، وعوامهم لا يعرفون ~~من كتابهم إلا الأكاذيب والأوهام التي وضعها لهم أحبارهم ، وأمة هذا شأن ~~علمائها وعوامها لا ينتظر منها أن تستجيب للحق أو أن تقبل على الصراط ~~المستقيم. # و (الأمانى) بالتشديد جمع أمنية ، مأخوذة من تمنى الشيء أى : أحب أن يحصل ~~عليه ، أو من تمنى إذا كذب ، أو من تمنى الكتاب أى قرأه. # فإن فسرنا الأمانى بالأول كان قوله تعالى : ( @QUR@02 إلا أماني ) معناه ~~: إلا ما هم عليه من أمانيهم في أن الله لا يؤاخذهم بخطاياهم ، وأن آباءهم ~~الأنبياء يشفعون لهم ، وأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودات. # وإن فسرناها بالكذب ، كان قوله تعالى : ( @QUR@02 إلا أماني ) معناه : ~~إلا ما يقرءونه من قراءات خالية من التدبر ، وعارية عن الفهم. من قوله تمنى ~~كتاب الله أول ليلة ... أى قرأ. # هذا ، وقد رجح ابن جرير تفسير (الأمانى) بالأكاذيب فقال : ما ملخصه ~~«وأولى ما روينا في تأويل قوله تعالى : ( @QUR@02 إلا أماني ) بالصواب ، أن ~~هؤلاء الأميين لا يفقهون من الكتاب الذي أنزله الله على موسى شيئا ، ولكنهم ~~يتخرصون الكذب ، ويتقولون الأباطيل كذبا وزورا ، والتمني في هذا الموضع هو ~~تخلق الكذب وتخرصه وافتعاله بدليل قوله تعالى بعد ( @QUR@04 وإن هم إلا ~~يظنون ) فأخبر عنهم أنهم يتمنون ما يتمنون من الأكاذيب ظنا منهم لا يقينا» (2). # والذي نراه أن المعاني الثلاثة للأمانى تنطبق على اليهود ، وكلها حصلت ~~منهم ؛ وما دام PageV01P182 # يصدق عليهم المعاني الثلاثة لغة فجميعها مرادة من الآية ، ولا معنى لأن ~~نشتغل بترجيح بعضها على بعض كما فعل ابن جرير وغيره. # وعلى أى تفسير من هذه التفاسير للأمانى ، فالاستثناء منقطع ، لأن أى واحد ~~من هذه المعاني ليس من علم الكتاب الحقيقي في شيء. # وفي قوله تعالى : ( @QUR@04 وإن هم إلا يظنون ) زيادة تجهيل لهم ، لأن ~~أمنياتهم هذه من باب الأوهام التي لا تستند إلى دليل أو شبه دليل ، أو من ~~باب الظن الذي هو ركون النفس إلى وجه من وجهين يحتملهما الأمر دون أن ms0181 تبلغ ~~في ذلك مرتبة القطع واليقين. وهذا النوع من العلم لا يكفى في معرفة أصول ~~الدين التي يقوم عليها الإيمان العميق ، فهم ليسوا على علم يقيني من أمور ~~دينهم ، وإنما هم يظنونها ظنا بدون استيقان ، والظن لا يغنى من الحق شيئا. # وبعد أن بين القرآن الكريم فرق اليهود ، توعد الذين يحرفون الكلم عن ~~مواضعه بسوء المصير فقال تعالى : ( @QUR@01 فويل ) (1) ( @QUR@023 للذين ~~يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا ، ~~فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون ): # والمعنى : فهلاك وفضيحة وخزي لأولئك الأحبار من اليهود الذين يكتبون ~~الكتابات المحرفة والتأويلات الفاسدة بأيديهم ، بدلا مما اشتملت عليه الكتب ~~من حقائق ، ثم يقولون لجهالهم ومقلديهم كذبا وبهتانا هذا من عند الله ، ومن ~~نصوص التوراة التي أنزلها الله على موسى ، ليأخذوا في نظير ذلك عرضا يسيرا ~~من حطام الدنيا ، فعقوبة عظيمة لهم بسبب ما قاموا به من تحريف وتبديل لكلام ~~الله ، وخزي كبير لهم من أجل ما اكتسبوه من أموال بغير حق. # فالآية الكريمة فيها تهديد شديد لأحبار اليهود الذين تجرءوا على كتاب ~~الله بالتحريف والتبديل ، وباعوا دينهم بدنياهم ، وزعموا أن ما كتبوه هو من ~~عند الله. # وصرح سبحانه بأن الكتابة ( @QUR@01 بأيديهم ) ليؤكد أنهم قد باشروها عن ~~تعمد وقصد ، وليدفع توهم أنهم أمروا غيرهم بكتابتها ، ولتصور حالتهم في ~~النفوس كما وقعت ، حتى ليكاد السامع لذلك أن يكون مشاهدا لهيئتهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 ثم يقولون هذا من عند الله ) كشف عن كذبهم ~~وفجورهم ، فهم يحرفون الكلم عن مواضعه ، ثم يزعمون أنه من عند الله ليتقبله ~~أتباعهم بقوة واطمئنان. # ثم بين سبحانه العلة التي حملتهم على التحريف والكذب فقال تعالى : ( ~~@QUR@02 ليشتروا به PageV01P183 # @QUR@02 ثمنا قليلا ) أى كتبوا الكتابة بأيديهم ، ونسبوها إلى الله زورا ~~وبهتانا ؛ ليحصلوا على عرض قليل من أعراض الدنيا ، كاجتلاب الأموال الحرام ~~، وانتحال العلم لأنفسهم والطمع في الرئاسة والجاه ، وإرضاء العامة بما ~~يوافق أهواءهم. # وعبر سبحانه عن الثمن بأنه قليل ، لأنه مهما كثر فهو قليل بالنسبة إلى ما ~~استوجبوه من ms0182 العذاب ، وحرموه من الثواب المقيم. # وقوله تعالى : ( @QUR@09 فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون ) ~~تهديد لهم مرتب على كتابة الكتاب المحرف ، وعلى أكلهم أموال الناس بالباطل ~~، فهو وعيد لهم على الوسيلة وهي الكتابة وعلى الغاية وهي أخذ المال بغير حق . # قال الشيخ القاسمى : قال الراغب : فإن قيل : لم ذكر ( @QUR@01 يكسبون ) ~~بلفظ المستقبل ، و ( @QUR@01 كتبت ) بلفظ الماضي؟ قيل : تنبيها على ما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، «من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى ~~يوم القيامة» فنبه بالآية إلى أن ما أثبتوه من التأويلات الفاسدة التي ~~يعتمدها الجهلة هو اكتساب وزر يكتسبونه حالا فحالا ، وعبر بالكتابة دون ~~القول لأنها متضمنة له وزيادة ، فهي كذب باللسان واليد. وكلام اليد يبقى ~~رسمه ، أما القول فقد يضمحل أثره» (1). # وبهذا تكون الآيات الكريمة قد دمغت اليهود برذيلة التحريف لكلام الله عن ~~تعمد وإصرار ووصفتهم بالنفاق والخداع ، ووبختهم على بلادة أذهانهم وسوء ~~تصورهم لعلم الله تعالى وتوعدتهم بسوء المصير جزاء كذبهم على الله. # ثم حكى القرآن بعد ذلك لونا من ألوان دعاواهم الباطلة ، وأقاويلهم ~~الفاسدة ، ورد عليهم بما يخرس ألسنتهم ويقطع حجتهم ، فقال تعالى : # ( @QUR@023 وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله ~~عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون (80) @QUR@011 ~~بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم PageV01P184 # @QUR@02 فيها خالدون (81) @QUR@010 والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك ~~أصحاب الجنة هم فيها خالدون ) (82) # روى المفسرون في سبب نزول هذه الآيات آثارا ، منها ما روى عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما قال : «إن اليهود كانوا يقولون إن هذه الدنيا سبعة آلاف سنة ~~، وإنما نعذب بكل ألف سنة يوما في النار ، وإنما هي سبعة أيام معدودة» ، ~~فأنزل الله تعالى : ( @QUR@04 وقالوا لن تمسنا النار ... ) الآيات (1). # وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال : «حدثني أبى أن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~قال لليهود أنشدكم بالله وبالتوراة التي أنزلها الله على موسى يوم طور ~~سيناء ، من أهل النار ms0183 الذين أنزلهم الله في التوراة؟ قالوا : إن ربنا غضب ~~علينا غضبة ، فنمكث في النار أربعين ليلة ، ثم نخرج فتخلفوننا فيها ، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبتم والله لا نخلفكم فيها أبدا ، فنزل القرآن ~~تصديقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم وتكذيبا لهم نزل قوله تعالى ( @QUR@07 ~~وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة .. ) إلى قوله تعالى : ( @QUR@03 ~~هم فيها خالدون ) (2). # وأخرج ابن جرير أيضا عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى : ( @QUR@07 ~~وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ) ذلك أعداء الله اليهود ، قالوا : ~~لن يدخلنا الله النار إلا تحلة القسم. الأيام التي أصبنا فيها العجل أربعين ~~يوما ، فإذا انقضت عنا تلك الأيام انقطع عنا العذاب والقسم (3). # هذه بعض الآثار التي وردت في سبب نزول الآيات الكريمة ، والمعنى : # وقالت اليهود يا محمد إن النار لن تصيبنا ، ولن نذوق حرها ، إلا أياما ~~قلائل قل لهم يا محمد ردا على دعواهم الكاذبة هل اتخذتم من الله عهدا بذلك ~~حتى يكون الوفاء به متحققا؟ أم تقولون على الله الباطل جهلا وجراءة عليه؟ # ثم أبطل القرآن الكريم دعواهم بأصل عام يشملهم ويشمل غيرهم فقال. ليس ~~الأمر كما تدعون ، بل الحق أنه من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ومات عليها ~~دون أن يتوب إلى PageV01P185 # الله تعالى منها ( @QUR@016 فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ، والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ). # وقوله تعالى : ( @QUR@07 وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ) بيان ~~لضرب من ضروب غرورهم وكذبهم ، معطوف على رذائلهم السابقة التي حكاها القرآن ~~الكريم ، إذ الضمير في قوله تعالى (وقالوا) يعود على اليهود الذين مر ~~الحديث عنهم ولما ينته بعد. # والمس : اتصال أحد الشيئين بآخر على وجه الإحساس والإصابة .. # والمراد من النار : نار الآخرة. والمراد من المعدودة : المحصورة القليلة ~~، يقال : شيء معدود أى قليل. وشيء غير معدود أى كثير فهم يدعون أن النار لن ~~تمسهم إلا مدة يسيرة قد تكون سبعة أيام ، وقد تكون أربعين يوما ، وبعدها ~~يخرجون إلى الجنة لأن كل معدود ms0184 منقض. # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم فيما زعموه فقال ~~تعالى : ( @QUR@016 قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون ~~على الله ما لا تعلمون ) أى : قل لهم يا محمد إن مثل هذا الإخبار الجازم ~~بأن النار لن تمسكم إلا أياما معدودة ، لا يكون إلا ممن اتخذ عهدا من الله ~~بذلك ، فهل تقدم لكم من الله عهد بأن النار لن تمسكم إلا أياما معدودة ، ~~فكان الوفاء متحققا ، لأن الله تعالى لا يخلف وعده ، أم تقولون على الله ~~شيئا لا علم لكم به. # فالاستفهام للإنكار ، وهو متوجه إلى زعمهم أن النار لن تمسهم إلا أياما ~~معدودة ، فكأنه سبحانه يقول لهم. إن قولكم هذا يحتمل أمرين لا ثالث لهما : ~~إما اتخاذ عهد عند الله به ، وإما القول عليه سبحانه بدون علم ، وما دام قد ~~ثبت أن اتخاذ العهد لم يحصل ، إذا أنتم يا معشر اليهود كاذبون فيما تدعون ~~من أن النار لن تمسكم إلا أياما معدودة. # قال الإمام الرازي : قوله تعالى : ( @QUR@01 أتخذتم ) ليس باستفهام بل هو ~~إنكار ؛ لأنه لا يجوز أن يجعل الله تعالى حجة رسوله في إبطال قولهم أن ~~يستفهمهم بل المراد التنبيه على طريقة الاستدلال ، وهي أنه لا سبيل إلى ~~معرفة هذا التقدير إلا بالسمع ، فلما لم يوجد الدليل السمعي وجب ألا يجوز ~~الجزم بهذا التقدير (1). # وإنما ساق القرآن الكريم الرد عليهم في صورة الاستفهام ، لما فيه من ظهور ~~القصد إلى تقريرهم بأنهم قالوا على الله ما لا يعلمون ، إذ هم لا يستطيعون ~~أن يثبتوا أن الله وعدهم بما ادعوه من أن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة ~~، ولا يوجد عندهم نص صحيح من كتابهم يؤيد مدعاهم. PageV01P186 # وبذلك تكون الآية الكريمة قد أبطلت مدعاهم إبطالا يحمل طابع الإنكار ~~والتوبيخ. # ثم ساق سبحانه آية أبطلت مدعاهم عن طريق إثبات ما نفوه فقال تعالى : ( ~~@QUR@013 بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ، فأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون ). # بلى حرف جواب يجيء لإثبات فعل ورد ms0185 قبلها منفيا ، والفعل المنفي هنا هو ~~قول اليهود «لن تمسنا النار إلا أياما معدودة» فجاءت «بلى» لإثبات أن النار ~~تمسهم أكثر مما زعموا فهم فيها خالدون جزاء كفرهم وكذبهم. # ومعنى الآية الكريمة : ليس الأمر كما تدعون أيها اليهود ، من أن النار لن ~~تمسكم إلا أياما معدودة ، بل الحق أنكم ستخلدون فيها. فكل من كسب شركا ~~مثلكم ، واستولت عليه خطاياه ، وأحاطت به كما يحيط السرادق بمن في داخله ، ~~ومات على ذلك دون أن يدخل الإيمان قلبه ويتوب إلى ربه فأولئك أصحاب النار ~~هم فيها خالدون. # فالآية الكريمة فيها إبطال لمدعاهم ، وإثبات لما نفوه ، على وجه يشملهم ~~ويشمل جميع من يقول قولهم ، ويكفر كفرهم. # هذا والمراد بالسيئة هنا الشرك بالله كما قال جمهور المفسرين لورود ~~الآثار عن السلف بذلك ، وفائدة الإتيان بقوله تعالى ( @QUR@03 وأحاطت به ~~خطيئته ) بعد ذلك ، الإشعار بأن الخطيئة إذا أحاطت بصاحبها أخذت بمجامع ~~قلبه فحرمته الإيمان ، وأخذت بلسانه فمنعته عن أن ينطق به. # وقوله تعالى ( @QUR@06 فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) بيان لما أعد ~~لهم من عقوبات جزاء كفرهم وكذبهم على الله ، فهم يوم القيامة سيكونون ~~أصحابا للنار ملازمين لها على التأييد لإيثارهم في الحياة الدنيا ما يوردهم ~~سعيرها ، وهو الكفر وسوء الأفعال على ما يدخلهم الجنة وهو الإيمان وصالح ~~الأعمال. # وبعد أن ذكر سبحانه ما أعد لهؤلاء اليهود وأمثالهم من الكافرين الذين ~~يفترون على الله الكذب ، عقب ذلك ببيان ما أعده سبحانه لأهل الإيمان ~~والتقوى فقال تعالى : ( @QUR@010 والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب ~~الجنة هم فيها خالدون ) أى : والذين آمنوا بالله ورسوله ، وأطاعوا الله ~~فأقاموا حدوده ، وأدوا فرائضه ، واجتنبوا محارمه ، فأولئك أصحاب الجنة هم ~~فيها خالدون خلودا أبديا ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل ~~العظيم. # وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ردت على اليهود أبلغ رد. حيث كذبتهم في ~~دعواهم أن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة ، وأنهم صائرون بعد ذلك إلى ~~الجنة ، وأخبرتهم بخلودهم وخلود كل كافر في النار ، وأما الجنة فهي لمن آمن ~~وعمل ms0186 صالحا واتبع سبيل المرسلين فهؤلاء أصحابها وهم فيها خالدون. PageV01P187 # ثم تحدث القرآن بعد ذلك عن رذيلة من أبرز الرذائل التي طبع عليها بنو ~~إسرائيل ، وهي رذيلة نقضهم للعهود والمواثيق فقال تعالى : # ( @QUR@029 وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين ~~إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون ) (83) # ومعنى الآية إجمالا : واذكروا يا بنى إسرائيل لتعتبروا وتستجيبوا للحق ~~وليذكر معكم كل من ينتفع بالذكرى وقت أن أخذنا عليكم العهد ، وأمرناكم ~~بالعمل به على لسان رسلنا عليهم السلام وأمرناكم فيه بألا تعبدوا سوى الله ، ~~وأمرناكم فيه كذلك ، بأن تحسنوا إلى آبائكم وتقوموا بأداء ما أوجبه الله ~~لهما من حقوق ، وأن تصلوا أقرباءكم وتعطفوا على اليتامى الذين فقدوا آباءهم ~~، وعلى المساكين الذين لا يملكون ما يكفيهم في حياتهم ، وأمرناكم فيه أيضا ~~بأن تقولوا للناس قولا حسنا فيه صلاحهم ونفعهم ، وأن تحافظوا على فريضة ~~الصلاة ، وتؤدوا بإخلاص ما أوجبه الله عليكم من زكاة ، ولكنكم نقضتم أنتم ~~وأسلافكم الميثاق ، وأعرضتم عنه ، إلا قليلا منكم استمروا على رعايته ~~والعمل بموجبه. # والمراد ببني إسرائيل في الآية الكريمة ، سلفهم وخلفهم ، لأن هذه الأوامر ~~والنواهي التي تناولتها الآية الكريمة ، والتي هي مضمون العهد المأخوذ ~~عليهم ، قد أخذت عليهم جميعا على لسان أنبيائهم ورسلهم. # والدليل على أن المقصود ببني إسرائيل ما يتناول الخلف المعاصرين منهم ~~للعهد النبوي ، قوله تعالى في ختام هذه الآية ( @QUR@07 ثم توليتم إلا ~~قليلا منكم وأنتم معرضون ) فإنه قد أسند إليهم فيه أنهم تولوا عن الميثاق ~~معرضين ، والاعراض عنه لا يكون إلا بعد أخذه عليهم كما سيأتى. # وقوله تعالى ( @QUR@06 لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا ... ) إلى ~~قوله تعالى ( @QUR@02 ثم توليتم ... ) # بيان للميثاق وتفصيل له. وجاء التعبير بقوله تعالى ( @QUR@04 لا تعبدون ~~إلا الله ) في صورة الخبر المنفي والمراد منه النهى عن عبادة غير الله ، ~~لإفادة المبالغة والتأكيد ، فكأن الأمر والنهى قد امتثلا فيخبر PageV01P188 # بوقوعها ، أو أنهما لأهميتهما يخبر عنهما بأنهما سيتلقيان بحسن الطاعة ~~حتما ، فينزل ms0187 ما يجب وقوعه منزلة الواقع ، ويخبر عن المأمور بأنه فاعل لما ~~أمر به ومجتنب لما نهى عنه في الحال ، وفي ذلك ما فيه من إفادة المبالغة في ~~وجوب امتثال الأمر والنهى. # وقد تضمنت الآية الكريمة لونا فريدا من التوجيه المحكم الذي لو اتبعوه ~~لحسنت صلتهم مع الخالق والمخلوق ، لأنها ابتدأت بأمرهم بأعلى الحقوق ~~وأعظمها وهو حق الله تعالى عليهم ، بأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، ثم ثنت ~~ببيان حقوق الناس فبدأت بأحقهم بالإحسان وهما الوالدان لما لهما من فضل ~~الولادة والعطف والتربية ، ثم الأقارب الذين تجمع الناس بهم صلة قرابة من ~~جهة الأب والأم ، ورعايتهم تكون بالقيام بما يحتاجون إليه على قدر ~~الاستطاعة ، ثم باليتامى لأنهم في حاجة إلى العون بعد أن فقدوا الأب الحانى ~~، ثم بالمساكين لعجزهم عن كسب ما يكفيهم ، ثم بالإحسان إلى سائر الناس عن ~~طريق الكلمة الطيبة ، والمعاملة الحسنة ، لأن الناس إن لم يكونوا في حاجة ~~إلى المال ، فهم في حاجة إلى حسن المقال ، ثم أرشدتهم إلى العبادات التي ~~تعينهم على إحسان صلتهم بالخالق والمخلوق فأمرتهم بالمداومة على الصلاة ~~بخشوع وإخلاص ، وبالمحافظة على أداء الزكاة بسخاء وطيب خاطر ، ولعظم شأن ~~هاتين العبادتين البدنية والمالية ذكرتا على وجه خاص بعد الأمر بعبادة الله ~~، تفخيما لشأنهما وتوكيدا لأمرهما ، وكان من الواجب على بنى إسرائيل أن ~~ينتفعوا بهذه الأوامر الحكيمة ، لكنهم عموا وصموا عنها فوبخهم القرآن ~~الكريم بقوله : ( @QUR@07 ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون ). # أى : ثم توليتم أيها اليهود عن جميع ما أخذ عليكم من مواثيق فأشركتم ~~بالله وعققتم الوالدين ، وأسأتم إلى الأقارب واليتامى والمساكين وقلتم ~~للناس أفحش الأقوال ، وتركتم الصلاة ، ومنعتم الزكاة ، وقطعتم ما أمر الله ~~به أن يوصل. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 إلا قليلا منكم ) إنصاف لمن حافظ على العهد منهم ~~، حيث إنه لا تخلو أمة من المخلصين الذين يرعون العهود ، ويتبعون الحق ، ~~وإرشاد للناس إلى أن وجود عدد قليل من المخلصين في الأمة ، لا يمنع نزول ~~العقاب بها متى فشا المنكر في الأكثرين منها. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 وأنتم ms0188 معرضون ) جملة حالية تفيد أن الأعراض عن ~~الطاعة ، وعدم التقيد بالمواثيق التي أقروا بها ، عادة متأصلة فيهم ووصف ~~ثابت لهم ، وسجية معروفة منهم. # قال صاحب المنار : «قد يتولى الإنسان منصرفا عن شيء وهو عازم على أن يعود ~~إليه ويوفيه حقه ، فليس كل متول عن شيء معرضا عنه ومهملا له على طول الدوام ~~، لذلك كان ذكر هذا القيد «وأنتم معرضون لازما لا بد منه ، وليس تكرارا كما ~~يتوهم ، ثم قال : وقد كان سبب ذلك التولي مع الإعراض أن الله أمرهم ألا ~~يأخذوا الدين إلا من كتابه فاتخذوا أحبارهم أربابا من دون الله ، يحلون ~~برأيهم ويحرمون ، ويبيحون باجتهادهم ويحظرون ويزيدون في الشرائع PageV01P189 # والأحكام ويضعون ما شاءوا من الشعائر فصدق عليهم أنهم اتخذوا من دونه ~~شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ، فإن الله هو الذي يضع الدين ~~وحده وإنما العلماء أدلاء يستعان بهم على فهم كتابه ، وما شرع على ألسنة ~~رسله ...» (1) وخلاصة الفرق بين التفسير الذي بدأنا به وبين تفسير صاحب ~~المنار ، لقوله تعالى : ( @QUR@02 وأنتم معرضون ) أن هذه الجملة على ~~التفسير الأول تبين عادة في القوم تأصلت فيهم حتى كأنها سجية ، والمعنى : ~~«ثم توليتم ، أى أعرضتم وأنتم قوم عادتكم الإعراض. وعلى تفسير صاحب المنار ~~تكون هذه الجملة مبينة. لنوع التولي ومتممة لمعناه : والتفسير الأول الذي ~~سقناه أدخل في باب الذم ، وأوفى ببيان ما عليه حال اليهود. # ثم قال تعالى : # ( @QUR@015 وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من ~~دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون (84) @QUR@049 ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ~~وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم ~~أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ~~فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون ~~إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون (85) @QUR@013 أولئك الذين ~~اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون ) (86) PageV01P190 # بعد أن بين سبحانه في الآية السابقة أن الله تعالى قد أخذ على ms0189 بنى ~~إسرائيل عهدا بأن يعبدوه ويؤدوا فرائض الله ، إلا أنهم نقضوا هذا العهد ~~وتولوا عنه سوى قليل منهم بعد ذلك بين في هذه الآيات الكريمة أنه سبحانه ~~أخذ عليهم عهدا آخر ولكنهم نقضوه كما هو دأبهم. # وملخص هذا العهد الذي ذكرته الآيات الكريمة ، أن الله تعالى أخذ عليهم ~~الميثاق ألا يقتل بعضهم بعضا ، وألا يخرج بعضهم بعضا من داره ، وأنهم إذا ~~وجدوا أسيرا منهم في يد غيرهم فإن عليهم أن يبذلوا أموالهم لفدائه من الأسر ~~، وتخليصه من أيدى أعدائهم ، ثم لما نشبت الحرب بين قبيلتي الأوس والخزرج ، ~~انضمت قبيلة بنى قريظة إلى الأوس ، وانضمت قبيلة بنى قينقاع وبنى النضير ~~إلى الخزرج ، وصارت كل طائفة من طوائف اليهود تقاتل بجانب أبناء ملتهم ~~المنضمين إلى حلفائهم الآخرين فإذا وضعت الحرب أوزارها ، بذل جميع اليهود ~~أموالهم لتخليص الأسرى من أعدائهم كما أمرهم تعالى وبهذا يكونون قد آمنوا ~~ببعض الكتاب وهو بذل الفداء لتخليص الأسرى ، وكفروا ببعضه وهو تحريم سفك ~~دماء إخوانهم وإخراجهم من ديارهم ، ويحكى التاريخ أن العرب كانوا يعيرونهم ~~فيقولون لهم : كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم بأموالكم؟ فكان اليهود يقولون : قد ~~حرم علينا قتالهم ولكنا نستحي أن نخذل حلفاءنا وقد أمرنا أن نفتدى أسرانا. # وقد توعدهم سبحانه بالخزي في الدنيا والآخرة ، جزاء نقضهم لعهوده ، ~~وتفريقهم بين أحكامه. # والمعنى الإجمالى للآيات الكريمة : واذكروا أيضا يا بنى إسرائيل وقت أن ~~أخذنا عليكم العهد ، وأوصيناكم فيه بألا يتعرض بعضكم لبعض بالقتل ، وبألا ~~يخرج بعضكم بعضا من مساكنهم ، ثم أقررتم وأنتم تشهدون على الوفاء بهذا ~~العهد ، والالتزام بما جاء فيه ، ثم أنتم هؤلاء يا معشر اليهود بعد إقراركم ~~بالميثاق ، وبعد شهادتكم المؤكدة على أنفسكم بأنكم قد قبلتموه ، خرجتم على ~~تعاليم التوراة ، فنقضتم عهودكم ، وأراق بعضكم دماء بعض ، وأخرجتم إخوانكم ~~في الملة والدم من ديارهم ظلما وعدوانا ، وتعاونتم على قتلهم وإخراجهم مع ~~من ليسوا من ملتكم أو قرابتكم ، ومع ذلك فإذا وقع إخوانكم الذين قاتلتموهم ~~وأخرجتموهم من ديارهم في الأسر فاديتموهم ، فلم لم تتبعوا حكم التوراة في ~~النهى ms0190 عن قتالهم وإخراجهم كما اتبعتم حكمها في مفاداتهم؟ وكيف تستبيحون ~~القتل والإخراج من الديار ، ولا تستبيحون ترك الأسرى في أيدى عدوهم؟ إن هذا ~~التفريق بين أحكام الله جزاء فاعله الهوان في الدنيا. والعذاب الدائم في ~~الأخرى ، وما الله بغافل عما تعملون. ولا شك أن أولئك اليهود الذين PageV01P191 # نقضوا عهودهم ، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل ، قد باعوا دينهم بدنياهم ~~، فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون. # وقوله تعالى : ( @QUR@011 وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون ~~أنفسكم من دياركم ) معناه : اذكروا حين أخذنا العهد عليكم يا بنى إسرائيل ~~ألا يسفك أحد منكم دم غيره ، وألا يخرجه من دياره. على حد قوله : ( @QUR@06 ~~فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم ) (1) أى فليسلم بعضكم على بعض. # وفائدة هذا التعبير ، التنبيه إلى أن الأمة المتواصلة بالدين ، يجب أن ~~يكون شعورها بالوحدة قويا وعميقا ، بحيث يكون قتل الرجل لغيره قتلا لنفسه ، ~~وإخراجه له من داره إخراجا لها. # قال صاحب المنار : (وقد أورد سبحانه النهى عن سفك بعضهم دم بعض ، وإخراج ~~بعضهم بعضا من ديارهم وأوطانهم ، بعبارة تؤكد وحدة الأمة ، وتحدث في النفس ~~أثرا شريفا ، يبعثها على الامتثال إن كان هناك قلب يشعر ، ووجدان يتأثر ~~فقال تعالى : # ( @QUR@03 لا تسفكون دماءكم ) فجعل دم كل فرد من أفراد الأمة كأنه دم ~~الآخر عينه حتى إذا سفكه كان كأنه بخع نفسه وانتحر بيده ، وقال تعالى : ( ~~@QUR@05 ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ) على هذا النسق ، وهذا التعبير ~~المعجز ببلاغته خاص بالقرآن الكريم» (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@04 ثم أقررتم وأنتم تشهدون ) تسجيل عليهم بأنهم قد ~~قبلوا العمل بالميثاق والتزموا به ، إذ المعنى : ثم اعترفتم بهذا الميثاق ~~أيها اليهود ولم تنكروه ، فكان من الواجب عليكم أن تفوا به ، فماذا كان ~~موقفهم بعد هذا الإقرار والإشهاد؟. # لقد بين القرآن الكريم بعد ذلك أنهم نقضوا عهودهم ، وارتكبوا ما نهوا عن ~~ارتكابه ، فقال تعالى : ( @QUR@010 ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون ~~فريقا منكم من ديارهم .. ) أى : ثم أنتم يا معشر اليهود بعد اعترافكم ~~بالميثاق ، والتزامكم به ، نقضتم عهودكم ، وارتكبتم ms0191 في حق إخوانكم ما نهيتم ~~عنه ، من القتل والإخراج ، وفعلتم ما لا يليق بالعقلاء ، ومن يحترم ~~المواثيق. # ولما كان قتل بعضهم لبعض ، وإخراجهم من أماكنهم يحتاج إلى قوة وغلبة ، ~~بين سبحانه أنهم يرتكبون ذلك وهم متعاونون عليه بالشرور ومجاوزة الحدود ، ~~فقال تعالى : ( @QUR@04 تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان ) تظاهرون : من ~~التظاهر وهو التعاون ، وأصله من الظهر ، كأن المتعاونين يسند كل واحد منهم ~~ظهره إلى الآخر. والمعنى : تتعاونون على قتل إخوانكم PageV01P192 # وإخراجهم من ديارهم مع من ليسوا من أقاربكم وليسوا من دينكم ، وأنتم ~~مرتكبون ذلك الإثم والعدوان. # وقوله تعالى : ( @QUR@08 وإن يأتوكم أسارى تفادوهم ، وهو محرم عليكم ~~إخراجهم ) بيان لتناقضهم وتفريقهم لأحكام الله تعالى. # وأسارى : جمع أسير بمعنى مأسور ، وهو من يؤخذ على سبيل القهر فيشد ~~بالإسار وهو القد بكسر القاف ، والقد : سير يقد من جلد غير مدبوغ. وتفادوهم ~~: تنقذوهم من الأسر بالفداء ، يقال : فاداه وفداه : أعطى فداءه فأنقذه. # أى : أنتم يا معشر اليهود إن وجدتم الذين قاتلتموهم وأخرجتموهم من ديارهم ~~أسرى تسعون في فكاكهم ، وتبذلون عرضا لإطلاقهم ، والشأن أن قتلهم وإخراجهم ~~محرم عليكم كتركهم أسرى في أيدى أعدائكم ، فلما ذا لم تتبعوا حكم التوراة ~~في النهى عن قتالهم وإخراجهم كما اتبعتم حكمها في مفاداتهم؟ # وصدرت الجملة الكريمة «وهو محرم عليكم إخراجهم» بضمير الشأن للاهتمام ~~بها. والعناية بشأنها ، وإظهار أن هذا التحريم أمر مقرر مشهور لديهم ، وليس ~~خافيا عليهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ) توبيخ ~~وتقريع لهم على تفريقهم بين أحكام الله. # والمعنى : أفتتبعون أحكام كتابكم في فداء الأسرى ، ولا تتبعونها في نهيكم ~~عن قتال إخوانكم وإخراجهم من ديارهم؟ فالاستفهام للإنكار والتوبيخ على ~~التفريق بين أحكامه تعالى بالإيمان ببعضها والكفر بالبعض الآخر. # وبعض الكتاب الذي آمنوا به هو ما حرم عليهم من ترك الأسرى في أيدى عدوهم ~~، وبعضه الذي كفروا به ما حرم عليهم من القتل والإخراج من الديار ، ~~فالإنكار منصب على جمعهم بين الكفر والإيمان. # قال فضيلة المرحوم للشيخ محمد الخضر حسين : «وإنما سمى سبحانه عصيانهم ~~بالقتل والإخراج من الديار كفرا ms0192 ؛ لأن من عصى أمر الله تعالى بحكم عملي ~~معتقدا أن الحكمة والصلاح فيما فعله ، بحيث يتعاطاه دون أن يكون في قلبه ~~أثر من التحرج ، ودون أن يأخذه ندم وحزن من أجل ما ارتكب. فقد خرج بهذه ~~الحالة النفسية عن سبيل المؤمنين ، وفي الآية الكريمة دليل واضح على أن ~~الذي يؤمن ببعض ما تقرر في الدين بالدليل القاطع ويكفر ببعضه ، يدخل في ~~زمرة الكافرين لأن الإيمان كل لا يتجزأ» (1). PageV01P193 # ثم بين سبحانه العقاب الدنيوي والأخروى الذي استحقه أولئك المفرقون ~~لأحكامه فقال تعالى : ( @QUR@022 فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في ~~الحياة الدنيا ، ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما ~~تعملون ) # اسم الإشارة (ذلك) مشار به إلى القتل والإخراج من الديار ، اللذين نقضوا ~~بهما عهد الله بغيا وكفرا والخزي في الدنيا هو الهوان والمقت والعقوبة ومن ~~مظاهره : ما لحق اليهود بعد تلك الحروب من المذلة بإجلاء بنى قينقاع ~~والنضير عن ديارهم ، وقتل بنى قريظة وفتح خيبر ، وما لحقهم بعد ذلك من هوان ~~وصغار ، وتلك سنة الله في كل أمة لا تتمسك بدينها ولا تربط شئونها بأحكام ~~شريعتها وآدابها. # ولما كان البعض قد يتوهم أن خزيهم في الدنيا قد يكون سببا في تخفيف ~~العذاب عنهم في الأخرى ، نفى سبحانه هذا التوهم ، وبين أنهم يوم القيامة ~~سيصيرون إلى ما هو أشد منه. لأن الله تعالى ليس ساهيا عن أعمالهم حتى يترك ~~مجازاتهم عليها. # فالمراد من نفى الغفلة نفى ما يتسبب عنها من ترك المجازاة لهم على ~~شرورهم. # وفي ذلك دليل على أن الله تعالى يعاقب الحائدين عن طريقه المستقيم ، ~~بعقوبات في الدنيا ، وفي الآخرة ، جزاء طغيانهم ، وإصرارهم على السيئات. # ثم أكد سبحانه هذا الوعيد الشديد وبين علته فقال تعالى : ( @QUR@013 ~~أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ~~ينصرون ). # والمعنى : أولئك اليهود الذين فرقوا أحكام الله ، وباعوا دينهم بدنياهم ، ~~وآثروا متاع الدنيا على نعيم الآخرة قد استحقوا غضب الله فلا يخفف عنهم ~~العذاب يوم القيامة ، ولا يجدون ms0193 من دون الله وليا ولا نصيرا. # وبذلك تكون الآيات الكريمة قد دمغت اليهود بنقضهم للعهد ، وإيمانهم ببعض ~~الكتاب وكفرهم ببعض ، فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين. # ثم ذكرهم سبحانه بعد ذلك بلون آخر من ألوان جناياتهم ، فقال تعالى : # ( @QUR@023 ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ~~ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم PageV01P194 # @QUR@05 استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون (87) @QUR@010 وقالوا ~~قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون ) (88) # ففي هاتين الآيتين تذكير لبنى إسرائيل بضرب من النعم التي أمدهم الله بها ~~ثم قابلوها بالكفر والإجرام. # والمراد بالكتاب الذي أعطاه الله لموسى التوراة ، فقد أنزلها عليه ~~لهدايتهم ولكنهم حرفوها وبدلوها وخالفوا أوامره وأولوها تأويلا سقيما. # ومعنى ( @QUR@04 وقفينا من بعده بالرسل ) أردفنا وأرسلنا من بعد موسى ~~رسلا كثيرين متتابعين ، لإرشاد بنى إسرائيل ، وإخراجهم من الظلمات إلى النور. # يقال : قفا أثره يقفوه قفوا وقفوا ، إذا تبعه. وقفى على أثره بفلان إذا ~~أتبعه إياه. وقفيته زيدا وبه : أتبعته إياه. واشتقاقه من : قفوته إذا أتبعت ~~قفاه ، والقفا مؤخر العنق ، ثم أطلق على كل تابع ولو بعد الزمن بينه وبين ~~متبوعه. # والرسل : جمع رسول بمعنى مرسل ، وقد أرسل الله تعالى رسلا بعد موسى ~~عليه السلام : منهم : داود ، وسليمان ، وإلياس ، واليسع ، ويونس ، وزكريا ، ~~ويحيى عليهم الصلاة والسلام . # فمن مظاهر نعم الله على بنى إسرائيل ، أنه لم يكتف بإنزال الكتب لهدايتهم ~~، وإنما أرسل فيهم بجانب ذلك رسلا متعددين ، لكي يبشروهم وينذروهم ، ولكن ~~بنى إسرائيل قابلوا نعم الله بالجحود والكفران ، فقد حرفوا كتب الله ، ~~وقتلوا بعض أنبيائه. # والمراد بالبينات في قوله : ( @QUR@05 وآتينا عيسى ابن مريم البينات ) ~~الحجج والبراهين والآيات الدالة على صدقه وصحة نبوته ، فتشمل كل معجزة ~~أعطاها الله لعيسى كإبراء الأكمه والأبرص ، وإحياء الموتى ، والإخبار ببعض ~~المغيبات ، وغير ذلك من المعجزات التي أيد الله بها عيسى عليه السلام . # وخص القرآن عيسى بالذكر لكونه صاحب كتاب هو الإنجيل ، ولأن شرعه نسخ ~~أحكاما من شريعة موسى عليه السلام . # وفي إضافة عيسى ms0194 إلى أمه إبطال لما يزعمه اليهود من أن له أبا من البشر. # وقوله : ( @QUR@03 وأيدناه بروح القدس ) أى : قويناه مأخوذ من الأيد وهو القوة. PageV01P195 # وروح القدس هو جبريل عليه السلام ، قال تعالى : # ( @QUR@07 قل نزله روح القدس من ربك بالحق )، والإضافة فيه من إضافة ~~الموصوف إلى الصفة ، أى : الروح المقدس. ووصف بالقدس لطهارته وبركته. وسمى ~~روحا لمشابهته الروح الحقيقي في أن كلا منهما مادة لحياة البشر. فجبريل من ~~حيث ما يحمل من الرسالة الإلهية تحيا به القلوب. والروح تحيا به الأجسام. # أى : أننا أعطينا عيسى بن مريم الحجج الدالة على صدقه في نبوته وقويناه ~~على ذلك كله بوحينا الذي أوحيناه إليه عن طريق جبريل عليه السلام . # ثم وبخ الله اليهود على أفعالهم القبيحة فقال : ( @QUR@012 أفكلما جاءكم ~~رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون ). # أى : أفكلما جاءكم يا بنى إسرائيل رسول بما لا تحبه أنفسكم الشريرة ~~استكبرتم عن اتباعه والإيمان به وأقبلتم على هؤلاء الرسل ففريقا منهم كذبتم ~~، وفريقا آخر منهم تقتلونه غير مكتفين بالتكذيب : # وتهوى : من هوى إذا أحب «والهوى يكون في الحق ويكون في الباطل كما في هذه الآية. # واستكبرتم : تكبرتم ، والتكبر ينشأ عن الاعجاب بالنفس الذي هو أثر الجهل ~~بها. وهو من الصفات التي متى تمكنت في النفس أوردتها المهالك ، وساقتها إلى ~~سوء المصير. # وقدم تكذيبهم للرسل على قتلهم إياهم ، لأن التكذيب أول ما يصدر عنهم من الشر. # وعبر في جانب القتل بالفعل المضارع فقال : ( @QUR@01 تقتلون ) ولم يقل ~~قتلتم كما قال كذبتم ، لأن الفعل المضارع كما هو المألوف في أساليب ~~البلاغة. يستعمل في الأفعال الماضية التي بلغت من الفظاعة مبلغا عظيما. ~~ووجهه أن المتكلم يعمد بذلك الفعل القبيح كقتل الأنبياء ، ويعبر عنه بالفعل ~~المضارع الذي يدل بحسب وضعه على الفعل الواقع في الحال. فكأنه أحضر صورة ~~قتل الأنبياء أمام السامع ، وجعله ينظر إليها بعينه ، فيكون إنكاره لها ~~أبلغ ، واستفظاعه لها أعظم. # ثم حكى القرآن بعض الدعاوى الباطلة التي كان يدعيها اليهود في العصر ~~النبوي ورد عليها بما ms0195 يدحضها فقال : # ( @QUR@03 وقالوا قلوبنا غلف ) أى : قال اليهود الذين كانوا في العهد ~~النبوي : قلوبنا يا محمد مغطاة بأغطية حسية مانعة من نفوذ ما جئت به فيها. ~~ومقصدهم من ذلك ، إقناطه صلى الله عليه وسلم من إجابتهم لدعوته حتى لا يعيد ~~عليهم الدعوة من بعد. PageV01P196 # والغلف : جمع أغلف ، وهو الذي جعل له غلاف ، ومنه قيل للقلب الذي لا يعي ~~ولا يفهم ، قلب أغلف ، كأنه حجب عن الفهم بالغلاف. # قال ابن كثير : وقرأ ابن عباس بضم اللام وهو جمع غلاف. أى : قلوبنا أوعية ~~لكل علم فلا نحتاج إلى علمك. # وقد رد الله تعالى على كذبهم هذا بما يدحضه ويفضحه فقال : # ( @QUR@04 بل لعنهم الله بكفرهم ) أى : أن قلوبهم ليست غلفا بحيث لا تصل ~~إليها دعوة الحق بل هي متمكنة بأصل فطرتها من قبول الحق ، ولكن الله أبعدهم ~~من رحمته بسبب كفرهم بالأنبياء واستحبابهم العمى على الهدى. # والفاء في قوله : ( @QUR@03 فقليلا ما يؤمنون ) للدلالة على أن ما بعدها ~~متسبب عما قبلها و ( @QUR@01 ما ) في قوله ( @QUR@02 فقليلا ما ) لتأكيد ~~معنى القلة. # والمعنى أن الله لعنهم وكان هذا اللعن سببا لقلة إيمانهم فلا يؤمنون إلا ~~إيمانا قليلا ، وقلة الإيمان ترجع إلى معنى أنهم لا يؤمنون إلا بقليل مما ~~يجب عليهم الإيمان به. وقد وصفهم الله تعالى فيما سبق بأنهم كانوا يؤمنون ~~ببعض الكتاب ويكفرون ببعض. # ثم نبه القرآن المؤمنين إلى نوع آخر من رذائل اليهود ، ويتجلى هذا النوع ~~في جحودهم الحق عن معرفة وعناد ، وكراهتهم الخير لغيرهم يدافع الأنانية ~~والحسد ، وتحولهم إلى أناس يتميزون من الغيظ إذا ما رأوا نعمة تساق لغير ~~أبناء ملتهم. # استمع إلى القرآن وهو يصور كل ذلك بأسلوبه البليغ الحكيم فيقول : # ( @QUR@026 ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل ~~يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على ~~الكافرين (89) @QUR@027 بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله ~~بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباؤ بغضب على غضب ~~وللكافرين ms0196 عذاب مهين ) (90) PageV01P197 # روى المفسرون في سبب نزول الآية الأولى من هاتين الآيتين آثارا متعددة ، ~~من ذلك ما جاء عن عاصم بن عمرو بن قتادة الأنصارى عن رجال من قومه قالوا : ~~مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله وهداه ، أنا كنا نسمع من رجال يهود حين ~~كنا أهل شرك وكانوا أهل كتاب ، عندهم علم ليس عندنا ، وكانت لا تزال بيننا ~~وبينهم شرور ، فكنا إذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا : قد تقارب زمان ~~نبي يبعث الآن ، نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم ، فلما بعث الله محمدا ~~صلى الله عليه وسلم رسولا من عند الله أجبنا حين دعانا إلى الله وعرفنا ما ~~كانوا يتوعدوننا به فبادرناهم إليه ، فآمنا به وكفروا به ، ففينا وفيهم نزل ~~قوله تعالى ( @QUR@06 ولما جاءهم كتاب من عند الله )... إلخ الآية» (1). # ومعنى الآيتين الكريمتين : ولما جاء إلى اليهود محمد صلى الله عليه وسلم ~~ومعه القرآن الكريم وهو الكتاب الذي أوحاه الله إليه ، مصدقا لما معهم من ~~التوراة فيما يختص ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم ونعته ، وكانوا قبل ذلك ~~يستنصرون به على أعدائهم ، لما جاءهم النبي المرتقب ومعه القرآن الكريم ~~جحدوا نبوته ، وكذبوا كتابه ( @QUR@04 فلعنة الله على الكافرين ). بئس ~~الشيء الذي باعوا به أنفسهم. الكفر بما أنزل الله على نبيه محمد ~~صلى الله عليه وسلم ، وكفرهم هذا كان من أجل البغي الذي استولى على نفوسهم ، ~~والحسد الذي خالط قلوبهم ، وكراهية لأن ينزل الله وحيه على محمد العربي ~~صلى الله عليه وسلم فباءوا بسبب هذا الخلق الذميم ، بغضب مترادف متكاثر من ~~الله (2) تعالى ( @QUR@03 وللكافرين عذاب مهين ) جزاء كفرهم وحسدهم. # والمراد بالكتاب في قوله تعالى ( @QUR@09 ولما جاءهم كتاب من عند الله ~~مصدق لما معهم ) القرآن الكريم ، وفي تنكيره زيادة تعظيم وتشريف له ، وفي ~~الأخبار عنه بأنه من عند الله ، إشارة إلى أن ما يوحى به سبحانه جدير بأن ~~يتلقى بالقبول وحسن الطاعة لأنه صادر من الحكيم الخبير ، والذي مع اليهود ~~هو التوراة ، ومعنى كون القرآن مصدقا لها ، أنه يؤيدها ويوافقها ms0197 في أصول ~~الدين ، وفيما يختص ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم وصفته. # وفي وصف القرآن الكريم بأنه مصدق لما معهم ، زيادة تسجيل عليهم بالمذمة ~~لأنهم لم يكفروا بشيء يخالف أصول كتابهم وإنما كفروا بالكتاب الذي يصدق ~~كتابهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@07 وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ). # بيان لحالتهم قبل البعثة المحمدية ، فإن اليهود كانوا عند ما يحصل بينهم ~~وبين أعدائهم نزاع ، PageV01P198 # يستنصرون عليهم بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثته فيقولون اللهم انصرنا ~~عليهم بالنبي الذي نجد نعته في التوراة ، والاستفتاح معناه : طلب الفتح وهو ~~الفصل في الشيء والحكم فيه ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@06 ربنا افتح ~~بيننا وبين قومنا بالحق ). ويستعمل بمعنى النصر لأن فيه فصلا بين الناس ~~قال تعالى : ( @QUR@05 إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) أى : إن تستنصروا فقد ~~جاءكم النصر ، فالمراد به في الآية الاستنصار. # ثم بين سبحانه حقيقة حالهم بعد أن جاءهم الكتاب والرسول فقال تعالى : ( ~~@QUR@06 فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ) أى : فلما جاءهم ما كانوا يستفتحون ~~به على أعدائهم ويرتقبونه جحدوه وكفروا به. # وقال سبحانه ( @QUR@04 فلما جاءهم ما عرفوا ) ولم يقل فلما جاءهم الكتاب ~~أو الرسول ، ليكون اللفظ أشمل ، فيتناول الكتاب والرسول الذي جاء به لأنه ~~لا يجيء الكتاب إلا عن طريق رسول. # ومعرفتهم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه حاصلة بانطباق ~~العلامات والصفات الواردة في التوراة عن النبي صلى الله عليه وسلم فكان من ~~الواجب عليهم أن يؤيدوا هذه المعرفة بالإيمان به ، ولكن خوفهم على زوال ~~رئاستهم وأموالهم ، وفوات ما كانوا يحرصون عليه من أن يكون النبي المبعوث ~~منهم لا من العرب ، ملأ قلوبهم غيظا وحسدا ، وأخذ هذا الغيظ والحسد يغالب ~~تلك المعرفة حتى غلبها ، وحال بينها وبين أن يكون لها أثر نافع لهم لعدم ~~اقترانها بالقبول والتصديق. # ولقد حاول رئيسهم (عبد الله بن سلام) رضي الله عنه أن يصرفهم عن العناد ~~وأقسم لهم بأن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم هو الحق المصدق لما معهم أن ~~يتبعوه ولكنهم عموا ms0198 وصموا وتنقصوه ولذا لعنهم الله تعالى ، وأبعدهم عن ~~رحمته كما قال تعالى : ( @QUR@04 فلعنة الله على الكافرين ). # وقال سبحانه ( @QUR@02 على الكافرين ) ولم يقل عليهم ، للإشعار بأن حلول ~~اللعنة عليهم كان بسبب كفرهم. # ثم ذكر سبحانه أنهم بكفرهم قد باعوا أنفسهم بثمن بخس. فقال تعالى : ~~«بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله» أى : بئس الشيء الذي باع ~~به اليهود أنفسهم كفرهم بما أنزل الله بغيا وحسدا أن ينزل الله من فضله على ~~من يشاء من عباده. # وجمهور المفسرين على أن ( @QUR@01 اشتروا ) هنا بمعنى باعوا ، لأن أولئك ~~اليهود ، لما كانوا متمكنين من الإيمان الذي يفضى بهم إلى السعادة الأبدية ~~بعد أن جاءهم ما عرفوا من الحق فتركوه، PageV01P199 # واستمروا على كفرهم بغيا وحسدا وحبا في الرياسة وتعصبا لجنسيتهم لما ~~كانوا كذلك ، صار اختيارهم للكفر على الإيمان ، بمنزلة اختيار صاحب السلعة ~~ثمنها على سلعته ، فكأنهم بذلوا أنفسهم التي كان باستطاعتهم الانتفاع ~~بإيمانها ، وقبضوا الكفر عوضا عنها فأنفسهم بمنزلة السلعة المبيعة وكفرهم ~~بمنزلة ثمنها المقبوض ، فبئس هذا الثمن الذي أوردهم العذاب الأليم. # وعبر سبحانه عن كفرهم بصيغة المضارع ( @QUR@02 أن يكفروا ) وعن بيعهم ~~لأنفسهم بالماضي ، ( @QUR@01 اشتروا ) للدلالة على أنهم صرحوا بكفرهم ~~بالقرآن الكريم من قبل نزول الآية ، وإن بيعهم أنفسهم بالكفر طبيعة فيهم ~~مستقرة منذ وقت بعيد ، وأنهم ما زالوا مستمرين على تلك الطبيعة المنحرفة. # وقوله تعالى : ( @QUR@011 بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من ~~عباده )، تعليل لكفرهم وبيان للباعث عليه ، أى كفروا بما أنزل الله على ~~عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم بدافع من البغي والحقد ، وكراهة أن ينزل ~~الله الوحى من فضله على من يشاء من عباده ، فالبغي هنا مصدر بغى يبغى إذا ~~ظلم. والمراد به ظلم خاص هو الحسد ، وإنما عد الحسد ظلما ، لأن الظلم معناه ~~المعاملة التي تبعد عن الحق وتجافيه. والحسد معناه تمنى زوال النعمة عن ~~الغير والظالم والحاسد قد جانب كل منهما الحق فيما صنع ، والحاسد لن يناله ~~نفع من زوال نعمة المحسود ، كما أنه لن ms0199 يناله ضر من بقائها ، وما دام الأمر ~~كذلك فالحاسد ظالم للمحسود بتمني زوال النعمة وصدق الشاعر في قوله. # وأظلم خلق الله من بات حاسدا لمن بات في نعمائه يتقلب . # فاليهود قد كفروا بما أنزل الله ، من أجل حسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم ~~على النبوة ولأنه لم يكن منهم وكان من العرب ، وكراهية لأن ينزل الله الوحى ~~على من يصطفيه للرسالة من غيرهم ، فعدم إيمانهم بما عرفوه وارتقبوه سببه ~~أنانيتهم البغيضة ، وأثرتهم الذميمة التي حملتهم على أن يحسدوا الناس على ~~ما آتاهم الله من فضله ، وأن يتوهموا أن النبوة مقصورة عليهم ، فليس لله ~~تعالى في زعمهم أن ينزعها من ذرية إسحاق ليجعلها في ذرية إسماعيل ~~عليهما السلام . # ولم يصرح سبحانه بأن المحسود هو النبي صلى الله عليه وسلم لعلم ذلك من سياق ~~الآيات الكريمة وللتنبيه على أن الحسد في ذاته مذموم كيفما كان حال ~~المحسود. # ثم بين سبحانه بعد ذلك ما آل إليه أمرهم من خسران مبين فقال تعالى : # ( @QUR@07 فباؤ بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين ): باء بإثمه يبوء أى ~~: رجع أى : فرجعوا من أجل كفرهم وحسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم بغضب مضموم ~~إلى غضب آخر كانوا قد استحقوه بسبب كفرهم بعيسى عليه السلام وبسبب تحريفهم ~~للكلم عن مواضعه ، PageV01P200 # وتضييعهم لأحكام التوراة. فهم بسبب كفرهم المستمر الذي تعددت أسبابه ، ~~يصيبهم غضب كثير متعاقب من الله تعالى . # ويصح أن يكون معنى قوله : ( @QUR@04 فباؤ بغضب على غضب ) أنهم رجعوا بغضب ~~شديد مؤكد ، لصدوره من الله تعالى . # والمراد بالكافرين ، اليهود الذين تحدث عنهم فيما سبق ، فهم الذين عرفوا ~~صدق محمد صلى الله عليه وسلم في نبوته بما نطقت به التوراة ، ومع ذلك كفروا به ~~فاستحبوا العمى على الهدى. # وعبر عنهم بهذا العنوان للتنبيه على أن ما أصابهم من عذاب مذل لهم كان ~~بسبب كفرهم ، ويصح أن يراد بالكافرين : كل كافر وهم يدخلون فيه دخولا أوليا ~~؛ وإنما كان لهم العذاب المهين لأن كفرهم لما كان سببه البغي والحسد ~~والتكبر والأنانية ، قوبلوا بالإهانة والصغار. ms0200 # وبذلك تكون الآيتان الكريمتان قد كشفتا عن لون من صفات اليهود الذميمة ~~وهو إعراضهم عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي كانوا يستنصرون به على ~~أعدائهم قبل بعثته ، وبيعهم الإيمان الذي كان في مكنتهم الظفر به بالكفر ~~بما أنزل الله من دين قويم ، وكتاب كريم إرضاء لغريزة الحقد الذي استحوذ ~~على قلوبهم ، وتمشيا مع أثرتهم التي أبت عليهم أن يؤمنوا بنبي ليس من نسل ~~إسرائيل ولو جاءهم بالحق المبين ، فحق عليهم قول الله تعالى : ( @QUR@08 ~~فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ). # ثم حكى القرآن بعد ذلك بعض المعاذير الكاذبة التي كان اليهود يعتذرون بها ~~عند ما يدعون إلى الدخول في الإسلام ، فقد كانوا يقولون إننا مكلفون ألا ~~نؤمن إلا بكتابنا التوراة ، فنحن نكتفي بالإيمان به دون غيره. استمع إلى ~~القرآن وهو يعرض دعاواهم الكاذبة ثم يقذفها بالحق فيدمغها حيث يقول : # ( @QUR@030 وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ~~ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من ~~قبل إن كنتم مؤمنين (91) @QUR@011 ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم ~~العجل من بعده وأنتم ظالمون (92) PageV01P201 # @QUR@027 وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة ~~واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما ~~يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين ) (93) # ومعنى الآيات الكريمة. أن اليهود المعاصرين للعهد النبوي كانوا إذا عرض ~~عليهم الإيمان بما أنزل الله من القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم أجابوا ~~بقولهم : نؤمن بما أنزل علينا وهو التوراة التي أنزلها الله تعالى على موسى ~~، ويجحدون غيرها وهو القرآن الكريم المصدق لها في الأمر باتباع محمد ~~صلى الله عليه وسلم ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يكذبهم في ~~دعواهم الإيمان بما أنزل عليهم فقال : ( @QUR@010 قل فلم تقتلون أنبياء ~~الله من قبل إن كنتم مؤمنين ) بالتوراة فإنها تنهاكم عن قتلهم ثم كذبهم ~~القرآن الكريم مرة أخرى فقال : ( @QUR@04 ولقد جاءكم موسى بالبينات ) أى : ~~بالآيات الواضحات ms0201 الدالة على صدقه ، ولكنكم ( @QUR@04 اتخذتم العجل من بعده ~~) أى : من بعد ذهابه لميقات ربه ( @QUR@02 وأنتم ظالمون ) لعبادتكم غير ~~الله تعالى. # ثم كذبهم القرآن الكريم في دعواهم الإيمان بما أنزل عليهم بصورة أخرى سوى ~~ما سبقها فقال تعالى : ( @QUR@06 وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور ) ~~وقلنا لكم : ( @QUR@03 خذوا ما آتيناكم ) من التوراة ( @QUR@01 بقوة ) أى ~~بجد وحزم ( @QUR@01 واسمعوا ) ما أمرتم به فيها سماع تدبر وطاعة. ولكن ~~أسلافكم الذين أنتم على شاكلتهم قالوا لنبيهم : «سمعنا» قولك «وعصينا» ~~أمرك. وخالط حب العجل قلوبهم كما يخالط الماء أعماق البدن ، وكل هذه ~~الأفاعيل منكم لا تناسب دعواكم الإيمان بما أنزل إليكم ، وإذا فبئسما ~~يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين بالتوراة كما تزعمون ، فالواقع أن ~~التوراة بريئة من أعمالكم ، وأنتم بعيدون عن الإيمان بها. # وقوله تعالى : ( @QUR@012 وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن ~~بما أنزل علينا ) تصوير لنوع آخر من قبائح اليهود ، وإخبار عن إعراضهم عن ~~الحق بدعوى أنهم مكلفون بعدم الإيمان إلا بما أنزل الله على موسى وهو ~~التوراة. # والمقصود ( @QUR@03 بما أنزل الله ) القرآن الكريم. ولم يذكر المنزل عليه ~~وهو محمد صلى الله عليه وسلم للعلم به أو للتنبيه على أن وجوب الإيمان بالكتاب ~~، يكفى فيه العلم بأنه منزل من عند الله تعالى ومتى PageV01P202 # استقر في النفس أن القرآن الكريم من عند الله ، استتبع ذلك استحضار أنه ~~أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم . # وقولهم : ( @QUR@04 نؤمن بما أنزل علينا ) معناه : نؤمن بالتوراة التي ~~أنزلها الله على نبينا موسى دون غيرها مما أنزله الله عليك يا محمد ، ~~وجوابهم هذا يدل على غبائهم وعنادهم. لأن الداعي لهم إلى الإيمان ، يطلب ~~منهم أن يؤمنوا بكل ما أنزل الله من الكتب السماوية ، ولكنهم قيدوا أنفسهم ~~بالإيمان ببعض ما أنزل الله وهو ما أنزل عليهم ، فلم يكن إيمانهم مطابقا ~~لما أمر الله به وهو التصديق بجميع الكتب السماوية ، ولا شك أن من آمن ببعض ~~الكتب السماوية وكفر ببعضها يكون كافرا بجميعها. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 ويكفرون بما وراءه ) قصد به بيان التصريح ms0202 بكفرهم ~~بالقرآن الكريم بعد أن لمحوا بذلك في قولهم : ( @QUR@04 نؤمن بما أنزل ~~علينا ). والضمير في ( @QUR@01 وراءه ) يعود على ( @QUR@03 بما أنزل علينا ~~) المكنى به عن التوراة ، أى : قالوا نؤمن بما أنزل علينا والحال أنهم ~~يكفرون بما سوى التوراة أو بما بعدها وهو القرآن الكريم. # قال ابن جرير رحمه الله : «وتأويل وراء في هذا الموضع : سوى ، كما يقال ~~للرجل المتكلم بالحسن ، ما وراء هذا الكلام الحسن شيء. يراد به : ليس من ~~عند المتكلم به شيء سوى ذلك الكلام ، فكذلك معنى قوله تعالى : ( @QUR@03 ~~ويكفرون بما وراءه ) أى بما سوى التوراة ، وبما بعده من كتب الله التي ~~أنزلها على رسله» (1). # والضمير «هو» في قوله تعالى : ( @QUR@05 وهو الحق مصدقا لما معهم ) يعود ~~إلى القرآن الكريم المكنى عنه بقوله «بما وراءه». والحق : الحكم المطابق ~~للواقع. ووصف به القرآن الكريم لاشتماله على الأحكام المطابقة للواقع. # ومعنى كون القرآن مصدقا لما مع اليهود وهو التوراة ، أنه يدل على نبوة ~~النبي صلى الله عليه وسلم . وبهذا كان مؤيدا للتوراة التي بشرت بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم وذكرت له نعوتا لا تنطبق إلا عليه ، وبذلك يكون اليهود ~~الذين يدعون الإيمان بما أنزل عليهم كاذبين في دعواهم ، لأنهم لم يؤمنوا ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي بشرت به توراتهم وأمرتهم بالإيمان به وأيدها ~~القرآن الكريم في ذلك. # قال صاحب الكشاف : وفي قوله تعالى : ( @QUR@05 وهو الحق مصدقا لما معهم ) ~~رد لمقالتهم ( @QUR@04 نؤمن بما أنزل علينا ) لأنهم إذ كفروا بما يوافق ~~التوراة فقد كفروا بها» (2). PageV01P203 # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوبخهم ويبطل دعواهم الإيمان ~~بما أنزل عليهم بدليل إلزامى فقال تعالى : ( @QUR@010 قل فلم تقتلون أنبياء ~~الله من قبل إن كنتم مؤمنين ). # والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء اليهود الذين إذا دعوتهم إلى الإيمان بك ~~قالوا. ( @QUR@04 نؤمن بما أنزل علينا ) قل لهم : إن كنتم حقا مؤمنين بما ~~أنزل عليكم وهو التوراة ، فلأى شيء تقتلون أنبياء الله مع أن التوراة تحرم ~~عليكم قتلهم ، بل هي تأمركم باتباعهم وتصديقهم وطاعتهم لأنه أرسلهم ms0203 ~~لهدايتكم وسعادتكم. # إن قتلكم لهم أكبر دليل على أنكم لم تؤمنوا لا بما أنزل عليكم ولا بغيره ~~وأنكم كاذبون في مدعاكم لأن جميع ما أنزل الله من وحى يحرم قتل الأنبياء ، ~~ويأمر الناس باتباعهم وطاعتهم. # ويرجع معنى الآية إلى نفى فعل الشرط وهو كونهم مؤمنين ، إذ لا وجه لقتلهم ~~الأنبياء إلا عدم إيمانهم بالتوراة ، وهذا كما تريد أن تنفى عن رجل العقل ~~لفعله ما ليس من شأنه أن يصدر من عاقل ، فتقول له : إن كنت عاقلا فلم فعلت ~~كذا؟ أى أنت لست بعاقل. # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@02 فلم تقتلون ) واقعة في جواب محذوف دل ~~عليه ما بعده ، والتقدير إن كنتم مؤمنين بما أنزل عليكم فلم تقتلون أنبياء ~~الله تعالى والإتيان بالمضارع في قوله تعالى : ( @QUR@01 تقتلون ) مع أن ~~القتل للأنبياء وقع من أسلافهم بقرينة قوله تعالى : ( @QUR@02 من قبل ) ~~لقصد استحضار تلك الجناية الشنيعة ، وللتنبيه على أن ارتكابهم لتلك الجريمة ~~البشعة يتجدد ويقع منهم المرة تلو الأخرى ، وللإشعار بأن الخلف يمشون على ~~عماية السلف ، في التعدي والعصيان ، فلقد حاول اليهود المعاصرون للعهد ~~النبوي قتل الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن الله تعالى عصمه منهم ، ونجاه من مكرهم. # وأضاف سبحانه الأنبياء إليه فقال : ( @QUR@02 أنبياء الله ) للتنبيه على ~~شرفهم العظيم ، وللدلالة على فظاعة عصيان اليهود واجتراحهم المنكر ، إذ ~~قابلوا بالقتل من يجب عليهم أن يقابلوهم بالتصديق والتوقير والطاعة. # ثم ذكر القرآن الكريم لهم جنايات أخرى تدل على أنهم لم يؤمنوا بما أنزل ~~عليهم كما يدعون. ومن تلك الجنايات عبادتهم العجل ، فقال تعالى : ( ~~@QUR@011 ولقد جاءكم موسى بالبينات ، ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ). # البينات : جمع بينة وهي الآيات والمعجزات الدالة على صدقه وحقية نبوته ، ~~كانقلاب العصا ثعبانا ، وفلق البحر ، وانفجار العيون من الحجر ... إلخ. # وإنما سماها الله بينات ، لأنها لما كانت لا يقدر على أن يأتى بها بشر ~~إلا بتسخير الله ذلك له PageV01P204 # دلت على صدق موسى عليه السلام في نبوته ورسالته. # والمعنى : ولقد جاءكم يا بنى إسرائيل نبينا موسى بالآيات الواضحات الدالة ~~على ms0204 صدقه ، وحقية نبوته ، وكان من الواجب عليكم أن تتبعوه وتطيعوه ولكنكم ~~لم تفعلوا فقد اتخذتم العجل إلها من بعد مفارقة نبيكم موسى لكم لمناجاة ربه ~~، ومن بعد مشاهدتكم لتلك المعجزات ، التي استبان بها صدقه فيما يبلغكم عن ~~ربه فأنتم ظالمون بذلك ، لأنكم تركتم عبادة من يستحق العبادة وهو الله ~~تعالى وعبدتم العجل الذي لا يملك ضرا ولا نفعا. # فالآية الكريمة فيها أبطال لدعواهم الإيمان بما أنزل عليهم ، لأنهم لو ~~كانوا مؤمنين حقا بنبيهم الذي جاءهم بالبينات ، لما تركوا ما أمرهم به وهو ~~عبادة الله ، وفعلوا ما نهاهم عنه وهو عبادة العجل. # ثم ذكر القرآن الكريم جناية أخرى تكذبهم في دعواهم : أنهم يؤمنون بما ~~أنزل عليهم وهي إباؤهم التوراة عنادا واستكبارا فقال تعالى : # ( @QUR@027 وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور ، خذوا ما آتيناكم بقوة ~~واسمعوا ، قالوا سمعنا وعصينا ، وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم ، قل بئسما ~~يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين ). # ومعنى الآية الكريمة : واذكروا يا بنى إسرائيل وقت أن أخذنا الميثاق ~~عليكم بأن تعملوا بما في التوراة ، وتتلقوا أحكامها بالتقبل والطاعة ورفعنا ~~فوقكم الطور لنريكم آية من آياتنا العظمى التي تقوى قلوبكم ، وتجعلكم ~~تقبلون على تعاليم التوراة برغبة واستجابة ، وقلنا لكم خذوا ما آتيناكم بجد ~~وحزم ، واسمعوا ما أمرناكم به سماع تدبر وطاعة ، ولكنكم يا بنى إسرائيل يا ~~من تدعون الإيمان بما أنزل عليكم أعرضتم عما أمرتم به من قبول التوراة ~~وقلتم لنبيكم سمعنا قولك وعصينا أمرك ، وخالط حب عبادة العجل قلوبكم كما ~~يخالط الماء أعماق البدن ولم تأبهوا بما جاءكم في التوراة من الهدى والنور ~~وبما صحب عرضها عليكم من الآية البينة وهي رفع الجبل فوقكم حتى ظننتم أنه ~~واقع بكم فكفرتم بذلك كله ولا زالت نفوسكم تحن إلى عبادة العجل ولقد سرتم ~~على منهج أسلافكم في العناد والجحود والإعراض عما ينزله الله من الحق ، ~~وإذا كان هذا شأنكم فكيف تدعون الإيمان بما أنزل عليكم؟ # ثم أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يوبخهم على تخرصاتهم فقال تعالى : ( ~~@QUR@08 قل ms0205 بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين ). # وقوله تعالى : ( @QUR@03 ورفعنا فوقكم الطور ) معناه : أننا حركناه ~~ونقلناه معلقا فوقكم في الهواء ، لتروا بأعينكم آية كونية من شأنها أنها ~~تحملكم على الإيمان والطاعة إن كانت لكم عقول تعقل. PageV01P205 # ومعنى قوله تعالى : ( @QUR@05 خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا ): قلنا لكم ~~خذوا ما أمرناكم به في التوراة بجد واجتهاد في تأديته ، واسمعوا ما تؤمرون ~~به سماع طاعة وتفهم. فقوله تعالى ( @QUR@01 واسمعوا ) ليس المراد به مجرد ~~السماع للقول فقط ، بل المقصود منه السماع الذي يصحبه التدبر والاستجابة ~~للأمر : فهو مؤكد ومقرر لقوله تعالى : ( @QUR@04 خذوا ما آتيناكم بقوة ). # ثم حكى سبحانه جوابهم الذي يدل على عنادهم فقال : ( @QUR@03 قالوا سمعنا ~~وعصينا ). # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف طابق قوله جوابهم؟ قلت طابقه من حيث إنه ~~قال لهم اسمعوا : وليكن سماعكم سماع تقبل وطاعة ، فقالوا سمعنا ولكن لا ~~سماع طاعة (1). # وقد اختلف المفسرون هل صدر منهم هذا اللفظ حقيقة باللسان نطقا أو أنهم ~~فعلوا فعلا مقام القول فيكون مجازا؟ # قال الفخر الرازي : الأكثرون من المفسرين على أنهم قالوا هذا القول ~~حقيقة. وقال أبو مسلم : وجائز أن يكون المعنى سمعوه فتلقوه بالعصيان فعبر ~~عن ذلك بالقول ولم يقولوه ، كقوله تعالى ( @QUR@010 فقال لها وللأرض ائتيا ~~طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ). قال : والأول أولى لأن صرف الكلام عن ~~ظاهره بغير دليل لا يجوز (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@05 وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم ) عطف على قولهم ~~سمعنا وعصينا والإشراب ؛ السقي وجعل الشيء شاربا ، واستعمل على وجه التجوز ~~في خلط لون بآخر كأن أحد اللونين سقى الآخر ، يقال : بياض مشرب بحمرة أى ~~مختلط ، وفلان أشرب قلبه حب كذا بمعنى خالط حبه قلبه. # قال الإمام الرازي : قوله تعالى : ( @QUR@04 وأشربوا في قلوبهم العجل ) ~~في وجه هذه الاستعارة وجهان : الأول : معناه تداخلهم حبه والحرص على عبادته ~~كما يتداخل الصبغ الثوب ، وقوله في قلوبهم بيان لمكان الإشراب كقوله : ( ~~@QUR@05 إنما يأكلون في بطونهم نارا )، الثاني : كما أن الشرب مادة لحياة ~~ما تخرجه الأرض ، فكذا تلك المحبة كانت مادة لجميع ما ms0206 صدر عنهم من الأفعال (3). # وفي الجملة الكريمة ( @QUR@05 وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم ) مضاف ~~محذوف وهو لفظ (حب) لدلالة المعنى عليه. # والمعنى : إن هؤلاء اليهود الذين مردوا على العصيان قد خالط حب العجل ~~نفوسهم حتى PageV01P206 # استقر في قلوبهم كما يخالط الماء أعماق الجسد. وحذف لفظ الحب من الجملة ~~الكريمة ، يشعر بشدة تعلق قلوبهم بالعجل حتى لكأنهم أشربوا ذاته. # والتعبير بقوله : ( @QUR@01 أشربوا ) يشير إلى أنه بلغ حبهم العجل مبلغ ~~الأمر الذي لا اختيار لهم فيه كأن غيرهم أشربهم إياه. # وقوله تعالى : ( @QUR@01 بكفرهم ) دليل على أن محبتهم للعجل ناشئة عن كفر ~~سابق ، وجحود متأصل فكفرهم الذي ترتب على عبادتهم للعجل ، قد سبقه كفر آخر ~~، فهو كفر على كفر. # ثم أمر الله تعالى نبيه في ختام الآية الكريمة بتوبيخهم فقال تعالى : # ( @QUR@08 قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين ) أى : قل يا محمد ~~لهؤلاء اليهود الذين يدعون الإيمان بما أنزل عليهم قل لهم بئس الشيء الذي ~~يأمركم به إيمانكم قتل الأنبياء وعبادة العجل والعصيان إن كنتم مصدقين كما ~~زعمتم بالتوراة ، والحق أن التوراة ما أمرتكم بشيء من ذلك فما أنتم بمؤمنين ~~بها ولا بغيرها من كتب الله ، لأنها لا تأمر بالفحشاء. # فالجملة الكريمة خلاصة لإبطال قولهم «نؤمن بما أنزل علينا» بعد أن أبطله ~~الله تعالى فيما سبق بشواهد متعددة ، لأنهم لما زعموا ذلك ، وكانوا مع هذا ~~يفعلون أفعالا قبيحة تناقض الإيمان بأى كتاب سماوي ، أمر الله تعالى رسوله ~~صلى الله عليه وسلم أن يذمهم على هذه الأفعال التي تناقض الإيمان بما أنزل ~~عليهم لكي يعلم الناس جميعا أن دعواهم لا أساس لها من الصحة. # وأضاف سبحانه الإيمان إليهم فقال ( @QUR@01 إيمانكم ) ولم يقل الإيمان ، ~~لأنه ليس إيمانا صحيحا وإنما هو إيمان مزعوم ، فإضافة الإيمان إليهم من باب ~~التهكم بهم والاستهزاء بعقولهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 إن كنتم مؤمنين ) تشكيك في إيمانهم بالتوراة ، ~~وقدح في صحة دعواهم فإن الإيمان الحق إنما يأمر بعبادة الله وحده ، وينهى ~~عن عبادة سواه وعن ارتكاب السوء والفحشاء. # فالجملة الكريمة في معنى النفي ms0207 لادعائهم الإيمان بالتوراة لأنها ما أمرت ~~بشيء يبغضه الله تعالى. # قال الإمام ابن جرير : وقوله : ( @QUR@03 إن كنتم مؤمنين ) أى إن كنتم ~~مصدقين كما زعمتم بما أنزل الله عليكم. وإنما كذبهم الله بذلك لأن التوراة ~~تنهى عن ذلك كله ، وتأمر بخلافه ، فأخبرهم أن تصديقهم بالتوراة إن كان ~~يأمرهم بذلك ، فبئس الأمر تأمر به. وإنما ذلك نفى من الله تعالى عن التوراة ~~أن تكون تأمر بشيء مما يكرهه الله من أفعالهم وأن يكون التصديق بها يدل على ~~شيء من مخالفة أمر الله ، وإعلام منه جل ثناؤه أن الذي يأمرهم بذلك أهواؤهم ، PageV01P207 # والذي يحملهم عليه البغي والعدوان» (1). # وبذلك تكون الآيات الكريمة قد أقامت الأدلة المتعددة ، والبراهين القاطعة ~~على كذب اليهود في دعواهم الإيمان بما أنزل عليهم ، ووبختهم على مزاعمهم ~~الباطلة ، وأقوالهم الفاسدة. # هذا ، ولفضيلة أستاذنا الدكتور محمد عبد الله دراز كلام رصين عند حديثه ~~عن هذه الآيات ، فقد قال رحمه الله : # يقول الله تعالى في ذكر حجاج اليهود : ( @QUR@030 وإذا قيل لهم آمنوا بما ~~أنزل الله ، قالوا : نؤمن بما أنزل علينا ، ويكفرون بما وراءه ، وهو الحق ~~مصدقا لما معهم ، قل : فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ... ). # هذا قطعة من فصل من قصة بنى إسرائيل ، والعناصر الأصلية التي تبرزها لنا ~~هذه الكلمات القليلة تتلخص فيما يلي : # 1 مقالة ينصح بها الناصح لليهود : إذ يدعوهم إلى الإيمان بالقرآن. # 2 إجابتهم لهذا الناصح بمقالة تنطوى على مقصدين. # 3 الرد على هذا الجواب بركنيه من عدة وجوه. # وأقسم لو أن محاميا بليغا وكلت إليه الخصومة بلسان القرآن في هذه القضية ~~، ثم هدى إلى استنباط هذه المعاني التي تختلج في نفس الداعي والمدعو لما ~~وسعه في أدائها أضعاف أضعاف هذه الكلمات ، ولعله بعد ذلك لا يفي بما حولها ~~من إشارات واحتراسات وآداب وأخلاق. # قال الناصح لليهود : آمنوا بالقرآن كما آمنتم بالتوراة ، ألستم قد أمنتم ~~بالتوراة التي جاء بها. # موسى لأنها أنزلها الله؟ فالقرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أنزله ~~الله ، فآمنوا به كما ms0208 آمنتم بها. # فانظر كيف جمع القرآن هذا المعنى الكثير في هذا اللفظ الوجيز ( @QUR@04 ~~آمنوا بما أنزل الله ). وسر ذلك أنه عدل بالكلام عن صريح اسم القرآن إلى ~~كنايته. فجعل دعاءهم إلى الإيمان به دعاء إلى الشيء بحجته ، وبذلك أخرج ~~الدليل والدعوى في لفظ واحد. # ثم انظر كيف طوى ذكر المنزل عليه فلم يقل : آمنوا بما أنزل الله (على ~~محمد)، مع أن هذا جزء متمم لوصف القرآن المقصود بالدعوة. # أتدري لم ذلك؟ لأنه لو ذكر لكان في نظر الحكمة البيانية زائدا ، وفي نظر ~~الحكمة الإرشادية مفسدا. PageV01P208 # أما الأول فلأن هذه الخصوصية لا مدخل لها في الإلزام ، فأدير الأمر على ~~القدر المشترك وعلى الحد الأوسط الذي هو عمود الدليل. # وأما الثاني فلأن إلقاء هذا الاسم على مسامع الأعداء من شأنه أن يخرج ~~أضغانهم ويثير أحقادهم فيؤدى إلى عكس ما قصده الداعي من التأليف والإصلاح ... # كان جواب اليهود أن قالوا : إن الذي دعانا للإيمان بالتوراة ليس هو كونها ~~أنزلها الله فحسب ، بل إننا آمنا بها لأن الله أنزلها علينا. والقرآن لم ~~ينزله علينا ، فلكم قرآنكم ولنا توراتنا ، ولكل أمة شرعة ومنهاج. # هذا هو المعنى الذي أوجزه القرآن في قوله : ( @QUR@04 نؤمن بما أنزل ~~علينا ) وهذا هو المقصد الأول ، وقد زاد إيجاز هذه العبارة أن حذف منها ~~فاعل الإنزال وهو لفظ الجلالة ، لأنه تقدم ذكره في نظيرتها. # ومن البين أن اقتصارهم على الإيمان بما أنزل عليهم يومئ إلى كفرانهم بما ~~أنزل على غيرهم ، وهذا هو المقصد الثاني ، ولكنهم تحاشوا التصريح به لما ~~فيه من شناعة التسجيل على أنفسهم بالكفر ، فأراد القرآن أن يبرزه ، أنظر ~~كيف أبرزه؟ إنه لم يجعل لازم مذهبهم مذهبا له ، ولم يدخل مضمون قولهم في ~~جملة ما نقله من كلامهم ، بل أخرجه في معرض الشرح والتعليق على مقالتهم فقال : # ( @QUR@03 ويكفرون بما وراءه ) أليس ذلك هو غاية الأمانة في النقل؟ .. ثم ~~جاء دور الرد والمناقشة فيما أعلنوه وما أسروه. # فتراه لا يبدأ بمحاورتهم في دعوى إيمانهم بكتابهم ، بل يتركها مؤقتا ~~كأنها مسلمة ليس ms0209 عليهم وجوب الإيمان بغيره من الكتب فيقول : كيف يكون ~~الإيمان بكتابهم باعثا على الكفر بما هو حق مثله؟ لا بل هو الحق كله ، وهل ~~يعارض الحق الحق حتى يكون الإيمان بأحدهما موجبا للكفر بالآخر؟ # ثم يترقى فيقول : وليس الأمر بين هذا الكتاب الجديد وبين الكتب السالفة ~~عليه كالأمر بين كل حق وحق ، فقد يكون الشيء حقا وغيره حقا فلا يتكاذبان ، ~~ولكنهما في شأنين مختلفين ، فلا يشهد بعضها لبعض ، أما هذا الكتاب فإنه جاء ~~شاهدا ومصدقا لما بين يديه من الكتب ، فكيف يكذب به من يؤمن بها. # فانظر إلى الإحكام في صنعة البيان : إنما هي كلمة رفعت وأخرى وضعت في ~~مكانها عند الحاجة إليها ، فكانت هذه الكلمة حسما لكل عذر ، وسدا لكل باب ~~من أبواب الهرب ، بل PageV01P209 # كانت هذه الكلمة وحدها بمثابة حركة تطويق للخصم تمت خطوة واحدة ، وفي غير ~~ما جلبة ولا طنطنة. # ولما قضى وطر النفس من هذا الجانب المطوى الذي ساقه مساق الاعتراض ~~والاستطراد ، استوى إلى الرد على المقصد الأصلى الذي تبجحوا بإعلانه ~~والافتخار به ، وهو دعواهم الإيمان بما أنزل عليهم ، فأوسعهم إكذابا ~~وتفنيدا. وبين أن داء الجحود فيهم داء قديم ، قد أشربوه في قلوبهم ومضت ~~عليه القرون حتى أصبح مرضا مزمنا وأن الذي أتوه اليوم من الكفر بما أنزل ~~على محمد ما هو إلا حلقة متصلة بسلسلة كفرهم بما أنزل عليهم ، وساق على ذلك ~~الشواهد التاريخية المفظعة التي لا سبيل لإنكارها في جهلهم بالله ، ~~وانتهاكهم لحرمة أنبيائه ، وتمردهم على أوامره ( @QUR@010 قل فلم تقتلون ~~أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ). # تأمل كيف أن هذا الانتقال كانت النفس قد استعدت له في آخر المرحلة ~~السابقة ، إذ يفهم السامع من تكذيبهم لما يصدق كتابهم أنهم صاروا مكذبين ~~لكتابهم نفسه ، وهل الذي يكذب من يصدقك يبقى مصدقا لك؟؟ ... # ثم انظر بعد أن سجل القرآن على بنى إسرائيل أفحش الفحش وهو وضعهم البقر ~~الذي هو مثل في البلادة موضع المعبود الأقدس ، وبعد أن وصف قسوة قلوبهم في ~~تأبيهم على أوامر الله ms0210 مع حملهم عليها بالآيات الرهيبة. بعد كل ذلك تراه لا ~~يزيد على أن يقول في أول الأمر : إن هذا «ظلم» ، وفي الثانية (بئسما) صنعتم ~~، أذلك كل ما تقابل به هذه الشناعات؟ نعم إنهما كلمتان وافيتان بمقدار ~~الجريمة لو فهمتا على وجههما ، ولكن أين حدة الألم وحرارة الاندفاع في ~~الانتقام؟ بل أين الإقذاع والتشنيع؟ وأين الإسراف والفجور الذي تراه في ~~كلام الناس ، إذا أحفظوا بالنيل من مقامهم. # تالله ما أعف هذه الخصومة وما أعز هذا الجناب ، وأغناه عن شكر الشاكرين ~~وكفر الكافرين ، وتالله إن هذا الكلام لا يصدر عن نفس بشر» (1). # ثم أمر الله تعالى نبيه «صلى الله عليه وسلم» أن يرد على اليهود في دعواهم ~~أن الجنة لن يدخلها إلا من كان على ملتهم فقال تعالى : # ( @QUR@017 قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس ~~فتمنوا الموت إن كنتم صادقين (94) PageV01P210 # @QUR@09 ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين (95) ~~@QUR@025 ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ~~ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون ) (96) # ومعنى الآيات الكريمة إجمالا : # قل يا محمد لأولئك اليهود الذين ادعوا أن الجنة لن يدخلها إلا من كان ~~هودا : إن كانت الجنة مختصة بكم ، وسالمة لكم دون غيركم ، وليس لأحد سواكم ~~فيها حق. فتمنوا الموت إن كنتم صادقين في دعواكم ، لأن من أيقن أنه من أهل ~~الجنة اشتاق إليها وأحب الوصول إليها. # ثم أخبر الله أن هذا التمني لن يحصل منهم فقال : ( @QUR@03 ولن يتمنوه ~~أبدا ) أى الموت ( @QUR@03 بما قدمت أيديهم ) أى بسبب ما ارتكبوه من كفر ~~ومعصية ( @QUR@03 والله عليم بالظالمين ) الذين وضعوا الأمور في غير موضعها ~~، فادعوا ما ليس لهم ، ونفوه عمن هو لهم. # ثم أخبر القرآن بأن حرصهم على الحياة لا نظير له ولا مثيل فقال : ( ~~@QUR@05 ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ) متطاولة ( @QUR@03 ومن الذين ~~أشركوا ) أى : وأحرص عليها أيضا من الذين أشركوا الذين لا يعرفون إلا ~~الحياة الدنيا ( @QUR@06 يود أحدهم لو يعمر ms0211 ألف سنة ) أى يتمنى الواحد من ~~هؤلاء اليهود أن يعيش السنين الكثيرة ولو تجاوزت الحدود المعقولة لعمر ~~الإنسان والحال أنه ما أحد منهم بمزحزحه ومنجيه تعميره من العذاب ( @QUR@04 ~~والله بصير بما يعملون ) أى : لا يخفى عليه أعمالهم ، فهو محاسبهم عليها ، ~~ومجازيهم بما يستحقونه من عقاب. # وقوله تعالى : ( @QUR@017 قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من ~~دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ) رد على زعمهم الباطل أن الجنة لا ~~يدخلها إلا من كان هودا ، والمراد بالدار الآخرة : الجنة ونعيمها ، ومعنى ~~«خالصة» سالمة لكم مختصة بكم ، لا يشارككم فيها أحد من الناس. # قال الإمام ابن جرير : «يقال : خلص لي فلان بمعنى صار لي وحدي وصفا لي ، ~~ويقال منه خلص هذا الشيء ، فهو يخلص خلوصا وخالصة ، والخالصة مصدر مثل ~~العافية ..» (1). PageV01P211 # وقوله تعالى : ( @QUR@02 فتمنوا الموت ) التمني هو ارتياح النفس ورغبتها ~~القوية في الشيء. بحيث توده وتحب المصير إليه ، وهو يستعمل في المعنى ~~القائم بالقلب كما بينا ، ويستعمل في اللفظ الدال على هذا المعنى ، كأن ~~يقول الإنسان بلسانه ، ليتني أحصل على كذا. # والاستعمال الثاني هو المراد بقوله تعالى : ( @QUR@02 فتمنوا الموت ) أى ~~اذكروا بألسنتكم لفظا يدل على أنكم تحبون الموت وترغبون فيه. وإنما قلنا إن ~~ذلك هو المراد من الآية لأن المعنى الكائن بالقلب لا يعرفه أحد سوى الله ~~تعالى والتحدي لا يقع بتحصيل المعاني القائمة بالضمائر والقلوب. # ومعنى الآية الكريمة. قل يا محمد لليهود : إن كانت الجنة خاصة بكم ، ولا ~~منازع لكم فيها ولا مزاحم كما تزعمون ، فتمنوا الموت بألسنتكم لكي تظفروا ~~بنعيمها الدائم ، إن كنتم صادقين في دعواكم أنها خالصة لكم ، وإلا فإنكم لا ~~تكونون صادقين في دعواكم ، إذ لا يعقل أن يرغب الإنسان عن السعادة المحضة ~~الدائمة المضمونة له في الآخرة ، إلى سعادة ممزوجة بالشقاء في الدنيا. # قال الإمام الرازي : (وبيان هذه الملازمة أن نعم الدنيا قليلة حقيرة ~~بالقياس إلى نعم الآخرة. ثم إن نعم الدنيا على قلتها كانت منغصة عليهم بسبب ~~ظهور محمد صلى الله عليه وسلم ومنازعته معهم ms0212 ، بالجدال والقتال ، ومن كان في ~~النعم القليلة المنغصة. ثم تيقن أنه بعد الموت لا بد أن ينتقل إلى تلك ~~النعم العظيمة ، فإنه لا بد أن يكون راغبا في الموت ، لأن تلك النعم ~~العظيمة مطلوبة ولا سبيل إليها إلا بالموت وحيث كان الموت يتوقف عليه ~~المطلوب وجب أن يكون هذا الإنسان راضيا بالموت متمنيا له ، فثبت أن الدار ~~الآخرة لو كانت خالصة لهم ، لوجب أن يتمنوا الموت. ثم إن الله تعالى أخبر ~~أنهم ما تمنوا الموت ، بل لن يتمنوه أبدا ، وحينئذ يلزم قطعا بطلان ادعائها ~~في قولهم : «إن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس» (1). # وتحديهم بتمني الموت يكون بأن يقولوا بألسنتهم ليتنا نموت ، أو يقولوا ما ~~في معنى هذه الكلمة كما أشرنا إلى ذلك سابقا ، وهذا رأى جمهور المفسرين. # وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ذلك يكون عن طريق المباهلة ، بأن ~~يحضروا مع المؤمنين في صعيد واحد ، ثم يدعو الفريقان بالموت على الكاذب منهما. # ويبدو لنا أن الرأى الأول أرجح لأنه أقرب إلى موافقة اللفظ الذي نطقت به ~~الآية وأقرب أيضا إلى معناها. إذ ليس في الآية إشارة ما إلى طلب المباهلة ، ~~والقرآن حينما دعا إليها نصارى PageV01P212 # نجران ، جاء اللفظ بها صريحا في قوله تعالى : ( @QUR@025 فمن حاجك فيه من ~~بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ، ونساءنا ونساءكم ~~وأنفسنا وأنفسكم ، ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين ) (1). # ثم أخبر سبحانه بأن هؤلاء اليهود لن يتمنوا الموت أبدا بسبب ما فعلوا من ~~شرور فقال تعالى : ( @QUR@09 ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم ~~بالظالمين ). # أى : لا يتمنى اليهود الموت أبدا بسبب ما قدمت أيديهم من آثام ، والله ~~عز وجل لا تخفى عليه خافية من سيئاتهم واعتداءاتهم بل هو سيسجلها عليهم ، ~~ويجازيهم عليها الجزاء الذي يستحقونه ، والآية الكريمة خبر من الله تعالى ~~عن اليهود بأنهم يكرهون الموت ، ويمتنعون عن الإجابة إلى ما دعوا إليه من ~~تمنيه ، لعلمهم بأنهم إن فعلوا فالموت نازل بهم ، وذلك لأن رسول الله ms0213 ~~صلى الله عليه وسلم لم يخبرهم خبرا إلا كان حقا كما أخبر فهم يحذرون أن يتمنوا ~~الموت ، خوفا من أن يحل بهم عقاب الله بما كسبت أيديهم من الذنوب. # وقد صح من عدة طرق عن ابن عباس أنه قال : «لو تمنوا الموت لشرق أحدهم ~~بريقه». # وقال ابن جرير في تفسيره : «وبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «لو ~~أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ؛ ولرأوا مقاعدهم من النار ، ولو خرج الذين ~~يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا» قال ~~حدثنا بذلك أبو كريب ، حدثنا زكريا بن عدى ، حدثنا عبيد الله بن عمرو ، عن ~~عبد الكريم عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (2). # وقال الإمام ابن كثير : ورواه الإمام أحمد عن إسماعيل بن يزيد الرقى ~~حدثنا فرات عن عبد الكريم به» (3). # وقال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@03 ولن يتمنوه أبدا ) من المعجزات لأنه ~~إخبار بالغيب وكان كما أخبر به ، كقوله تعالى : ( @QUR@02 ولن تفعلوا ) فإن ~~قلت : ما أدراك أنهم لم يتمنوا الموت : قلت لو تمنوا لنقل ذلك عنهم كما ~~نقلت سائر الحوادث ، ولكان ناقلوه من أهل الكتاب وغيرهم من أولى المطاعن في ~~الإسلام أكثر من الذر وليس أحد منهم نقل عنه ذلك» (4). # ويكفى في تحقيق هذه المعجزة ، ألا يصدر تمنى الموت عن اليهود الذين ~~تحداهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، وهم الذين كانوا يضعون العراقيل في ~~طريق دعوته ، ويصرون على جحود نبوته ؛ فلا يقدح في هذه المعجزة أن ينطق ~~يهودي بعد العهد النبوي بتمني الموت وهو حريص على الحياة ، لأن المعنيين ~~بالتحدي هم اليهود المعاصرون للعهد النبوي. PageV01P213 # وقوله تعالى : ( @QUR@03 والله عليم بالظالمين ) وارد مورد التهديد ~~والوعيد لهم وكان اليهود ظالمين بسبب ما قدمت أيديهم وبسبب كونهم قد كذبوا ~~على الله في دعواهم أن الجنة لا يدخلها إلا من كان منهم. # ثم بين سبحانه بعد ذلك بأن هؤلاء اليهود الذين يزعمون أن الجنة خالصة لهم ~~في غاية الحرص على الحياة فقال تعالى : ( @QUR@025 ولتجدنهم أحرص الناس ms0214 على ~~حياة ومن الذين أشركوا ، يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من ~~العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون ). # ومعنى الآية الكريمة : ولتجدن يا محمد أولئك اليهود الذين يزعمون أن ~~الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس لتجدنهم أحب الناس للحياة ، وأحرصهم ~~عليها ، وأشدهم كراهية للموت «وليس ذلك عند ما يكونون متمتعين بالطمأنينة ~~والعافية فقط بل هم كذلك حتى ولو زالت عنها كل معاني الراحة والطمأنينة ، ~~فهم أحرص عليها حتى من المشركين الذين لا يؤمنون بالبعث ، والذين يعتبرون ~~نعيمهم الأكبر هو ما يتمتعون به من اللذائذ في هذه الدنيا ، وهم في حرصهم ~~على الحياة يتمنون أن تطول أعمارهم دهورا طويلة ، لا يصل إليها خيال أحد ~~ممن يحرصون عليها كما قال تعالى : ( @QUR@06 يود أحدهم لو يعمر ألف سنة ). ~~وبذلك تكون الآية الكريمة قد كذبتهم في دعواهم أن الدار الآخرة خالصة لهم ~~من دون الناس لأن الأمر لو كان كما يزعمون لرحبوا بالانتقال إليها ، ولكنهم ~~لا يحبون الموت ولا يكاد يخطر ببالهم ، ويحرصون كل الحرص على اللقاء حتى مع ~~سوء الحالة ورذالة العيش ، كما يشعر بذلك التنكير في قوله تعالى ( @QUR@02 ~~على حياة ). # والمراد بالناس جميعهم ، وأفعل التفضيل في «أحرص» على بابه ، لأن الحرص ~~على الحياة غريزة في البشر إلا أنهم متفاوتون فيه قوة وكيفية وأسبابا ، كما ~~قال الشاعر : # أرى كلنا يهوى الحياة بسعيه %~% حريصا عليها مستهاما بها صبا فحب الجبان النفس أورده التقى %~% وحب الشجاع النفس أورده الحربا # فالناس جميعا وإن كانوا يشتركون مع اليهود في الحرص على الحياة ، إلا أن ~~اليهود يزيدون على سائر الناس أنهم أحرصهم ، وأنهم من أجل حرصهم عليها ~~يضحون بدينهم وبكرامتهم وبكل شيء. # ونكر سبحانه الحياة التي يحرصون عليها ، زيادة في تحقيرهم ، فكأنه سبحانه ~~يقول : إنهم شديد والحرص على الحياة ، ولو كانت حياة بؤس وشقاء ، وللإشعار ~~بأن ما يهمهم PageV01P214 # هو مطلق حياة كيفما كانت ، بصرف النظر عن العزة والكرامة ، فمن أمثال ~~اليهود المشهورة «الحياة وكفى». # ولا شك أن شدة التهالك على الحياة ، تؤدى إلى ms0215 الجبن ، واحتمال الضيم ، ~~وتجعل الأمة التي تنتشر فيها هذه الرذيلة لا تفرق بين الحياة الكريمة ~~والحياة الذليلة. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 ومن الذين أشركوا ) عطف على الناس ، لأنه لما ~~كان قوله تعالى : ( @QUR@02 أحرص الناس ) في معنى : أحرص من جميع الناس صح ~~أن يراعى المعنى ، فيكون قوله : ( @QUR@03 ومن الذين أشركوا ) معطوف عليه ، ~~فيكون المعنى : أحرص من جميع الناس ، وأحرص من الذين أشركوا على الحياة. # والذين أشركوا ، هم الذين جعلوا لله شركاء وإنما أفردوا بالذكر مع أنهم ~~من الناس ، مبالغة في توبيخ اليهود وذمهم ، لأنهم إذا زاد حرصهم على الحياة ~~وهم أهل كتاب على المشركين الذين لا كتاب لهم ولا يدينون ببعث أو نشور كان ~~ذلك دليلا على هوان نفوسهم ، وابتذال كرامتهم وعدم اعتدادهم بوصايا كتبهم ~~التي تنهاهم عن الحرص على الحياة الذليلة. # قال صاحب الكشاف : «وفيه توبيخ عظيم ، لأن الذين أشركوا لا يؤمنون بعاقبة ~~ولا يعرفون إلا الحياة الدنيا ، فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم ، فإذا ~~زاد عليها في الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء ، كان حقيقا بأعظم التوبيخ ~~، فإن قلت : لم زاد حرصهم على حرص المشركين؟ قلت : لأنهم علموا أنهم صائرون ~~إلى النار لا محالة والمشركون لا يعلمون ذلك» (1). # ثم بين سبحانه مظهرا من مظاهر حرصهم على الحياة فقال تعالى : ( @QUR@06 ~~يود أحدهم لو يعمر ألف سنة ) أى يتمنى الواحد منهم أن يعيش دهورا كثيرة ، ~~ليس من عادة الناس أن يحبوا بلوغها ، لأنها تؤدى بهم إلى أرذل العمر ، وعدم ~~طيب العيش. # فالجملة الكريمة مستأنفة لإظهار مغالاتهم في التهالك على الدنيا ولتحقيق ~~عموم النوعية في الحياة المنكرة ، ولدفع ما يظنه بعض الناس من أن حرصهم على ~~الحياة مهما اشتد فلن يصل بهم إلى تمنى أن يعيش الواحد منهم ألف عام ، أو ~~أكثر ، فجيء بهذه الجملة الكريمة. لتحقيق أن تعلقهم بالدنيا يشمل حتى هذه ~~السن المتطاولة ، التي لا هناء فيها ولا راحة ، والتي استعاذ من بلوغها ~~المؤمنون. # ثم بين سبحانه أن تعميرهم الطويل لن ينجيهم من العقوبة ، لأن الموت لا ~~يتركهم مهما PageV01P215 # طال عمرهم ms0216 ، فقال تعالى : ( @QUR@07 وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر ) ~~أى : وما أحد منهم بمبعده تعميره عن العذاب المعد له ، ولا بمنجيه منه. # والجملة الكريمة فيها بيان مصيرهم المحتوم ، وقطع لحبال مطامعهم ، لأن ~~الموت سيلحقهم مهما بلغ عمرهم ، وسيلقون جزاءهم على سوء صنيعهم. # وفي التعبير ( @QUR@01 بمزحزحه ) إشارة إلى أن طول عمرهم ، ليس له أى أثر ~~في تخفيف العذاب عنهم ، وقوله : ( @QUR@04 والله بصير بما يعملون ) تهديد ~~ووعيد لهم لأنه سبحانه عليم بأعمالهم ، محيط بما يخفون وما يعلنون ، ~~وسيجازيهم على كل ذلك بما يستحقون. # ومن هذا العرض للآيات الكريمة نرى أنها قد ردت على اليهود في دعواهم أن ~~الجنة خالصة لهم ، ردا يبطل حجتهم ، ويفضح مزاعمهم ، ويكبت نفوسهم ، ويخرس ~~ألسنتهم ، ويعلن أن الجنة إنما هي لمن أسلم وجهه لله وهو محسن ، وهم ليسوا ~~من هذا النوع من الناس ولذا حرصوا على الحياة وفزعوا من الموت ، لأنهم ~~يعلمون أن من ورائهم النار وبئس القرار بسبب ما ارتكبوا من سيئات ، ~~واقترفوا من أكاذيب. # ثم ساق القرآن بعد ذلك لونا عجيبا من ألوان رذائل اليهود وهو مجاهرتهم ~~بالعداوة لأمين الوحى جبريل عليه السلام فقال تعالى : # ( @QUR@018 قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا ~~لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين (97) @QUR@012 من كان عدوا لله وملائكته ~~ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين ) (98) # فهاتان الآيتان تكشفان عن رذيلة غريبة حقا من رذائل اليهود وهي عداوتهم ~~لملك من ملائكة الله ، لا يأكل مما يأكلون ، ولا يشرب مما يشربون وإنما هو ~~من الملائكة المقربين ، الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، ~~وإذا فليس هناك مقتض لعداوته ، فلما ذا هذا التصريح منهم ببغضه وكراهيته؟ # لقد سمعوا أن جبريل عليه السلام ينزل بالوحي من عند الله على محمد ~~صلى الله عليه وسلم وهم PageV01P216 # يحسدونه على النبوة ، فلج بهم الحقد والغيظ إلى أن أعلنوا عن عدائهم ~~لجبريل أيضا وهذه حماقة وجهالة منهم ، لأن جبريل عليه السلام نزل بالخير لهم ~~في دينهم وفي دنياهم. ولكن الحقد والحسد إذا ms0217 استوليا على النفوس جعلاها لا ~~تفرق بين الخير والشر. # ومعنى الآيتين الكريمتين ، قل يا محمد لهؤلاء اليهود الذين أعلنوا عداءهم ~~لجبريل أنه لا وجه لعداوته لأنه لم ينزل بالقرآن من تلقاء نفسه وإنما نزل ~~على قلبك بأمر الله ليكون مؤيدا لما نزل قبله من الكتب السماوية وليكون ~~هداية إلى طريق السعادة وبشارة للمؤمنين بالجنة ، وقل لهم كذلك من كان ~~معاديا لله أو لملك من ملائكته أو لرسول من رسله ، فقد كفر وباء بغضب من ~~الله ، ومن غضب الله عليه ، فجزاؤه الخزي وسوء المصير. # قال الإمام ابن جرير : (أجمع أهل العلم بالتأويل جميعا ، على أن هذه نزلت ~~جوابا ليهود من بنى إسرائيل ، إذ زعموا أن جبريل عدو لهم ، وميكائيل ولى ~~لهم) (1). # وروى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : سمع عبد الله ~~بن سلام بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم وهو في أرض يخترف أى يجنى ثمارها فأتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : إنى سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي ، ~~فما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة ، وما ينزع الولد إلى أبيه ~~أو إلى أمه؟ قال : أخبرنى بهن جبريل آنفا قال : جبريل؟ قال : نعم قال ذلك ~~عدو اليهود من الملائكة فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية : ( @QUR@09 ~~قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك ... ) الآية ثم قال : أما أول ~~أشراط الساعة ، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب! وأما أول طعام أهل ~~الجنة فزيادة كبد الحوت ، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد ، وإذا ~~سبق ماء المرأة نزعت فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله. ~~يا رسول الله : إن اليهود قوم بهت ، وإنهم إن يعلموا بإسلامى قبل أن تسألهم ~~يبهتونى ، فجاءت اليهود فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أى رجل فيكم عبد ~~الله؟ قالوا : حبرنا وابن حبرنا ، وسيدنا وابن سيدنا : قال «أرأيتم إن أسلم ~~عبد الله بن سلام؟ فقالوا : أعاذه الله من ذلك؟ فخرج ms0218 عبد الله فقال : «أشهد ~~أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله» ، فقالوا : شرنا وابن شرنا ، ~~وانتقصوه ، قال : فهذا الذي كنت أخاف يا رسول الله (2). # وأخرج الإمام أحمد عن ابن عباس : «أن اليهود بعد أن سألوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم أسئلة أجابهم عنها ، قالوا صدقت فحدثنا من وليك من ~~الملائكة فعندها نجامعك أو نفارقك. قال : وليي جبريل ، لم يبعث الله نبيا ~~قط إلا وهو وليه ، قالوا : فعندها نفارقك ، ولو كان وليك سواه من PageV01P217 # الملائكة لتابعناك وصدقناك ، قال : فما يمنعكم أن تصدقوه؟ قالوا : إنه ~~عدونا ، فأنزل الله تعالى قوله : ( @QUR@015 قل من كان عدوا لجبريل فإنه ~~نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه ... ) الآيات. # وفي حديث للإمام أحمد والترمذي والنسائي «قال اليهود للنبي ~~صلى الله عليه وسلم بعد أن سألوه عن أشياء أجابهم عنها إنما بقيت واحدة وهي ~~التي نتابعك إن أخبرتنا بها ، إنه ليس من نبي إلا وله ملك يأتيه بالخبر ، ~~فأخبرنا من صاحبك؟ قال جبريل عليه السلام قالوا : جبريل ذلك الذي ينزل ~~بالحرب والقتال والعذاب عدونا ، لو قلت ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والقطر ~~والنبات لكان. فأنزل الله تعالى : ( @QUR@05 قل من كان عدوا لجبريل ) الآية (1). # فيؤخذ من هذه الأحاديث وما في معناها أن اليهود في عهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم كانوا يجاهرون بعداوتهم لجبريل عليه السلام وأن هذه ~~المجاهرة بالعداوة ، قد تكررت منهم في مواقف متعددة بينهم وبين النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأن الذي حملهم على ذلك هو حسدهم له ، وغيظهم من جبريل ، ~~لأنه ينزل بالوحي عليه. # قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور : «ومن عجيب تهافت اعتقادهم أنهم يثبتون ~~أنه ملك مرسل من عند الله ، ومع ذلك يبغضونه ، وهذا أحط درجات الانحطاط في ~~العقل والعقيدة ، ولا شك أن اضطراب العقيدة من أكبر مظاهر انحطاط الأمة ~~لأنه ينبئ عن تضافر آرائهم على الخطأ والأوهام» (2). # وفي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بلفظ (قل) كي يرد على اليهود ، تثبيت له ~~، وتطمين لنفسه وتوبيخ لهم على معاداتهم لأمين ms0219 الوحى ، وهو جبريل ~~عليه السلام . # وقوله تعالى : ( @QUR@04 من كان عدوا لجبريل )، شرط عام قصد الإتيان به ~~ليعلموا أن الله تعالى لا يعبأ بهم ولا بغيرهم ممن يعادى جبريل ، إن وجد ~~معاد آخر له سواهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 على قلبك ) زيادة تقرير للتنزيل ، ببيان محل ~~الوحى ، وإشارة إلى أن السبب في تمكنه صلى الله عليه وسلم من تلاوة القرآن ~~الكريم ، وإبلاغه للناس ، ثباته في قلبه. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 فإنه نزله على قلبك بإذن الله ) معناه : فلا ~~موجب لعداوته. لأنه نزل القرآن على قلبك يا محمد بإذن الله وأمره. وإذا ~~فعداوته عداوة لله في الحقيقة والواقع ، ومن هنا يتبين أن هذه الجملة تعليل ~~لجواب الشرط وقائمة مقامه. PageV01P218 # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف استقام قوله تعالى : ( @QUR@04 فإنه ~~نزله على قلبك ) جزاء للشرط؟ قلت : فيه وجهان : # أحدهما : إن عادى جبريل أحد من أهل الكتاب فلا وجه لمعاداته ، حيث نزل ~~كتابا مصدقا للكتب التي بين يديه ، فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه في ~~إنزاله ما ينفعهم ويصحح المنزل عليهم. # والثاني : إن عاداه أحد فالسبب في عداوته أنه نزل عليك القرآن مصدقا ~~لكتابهم ، وموافقا له ، وهم كارهون للقرآن ولموافقته لكتابهم ، ولذلك ~~يحرفونه ويجحدون موافقته له. كقولك : «إن عاداك فلان فقد آذيته وأسأت إليه» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@02 بإذن الله ) أى بأمره ، وهو توبيخ لهم على ~~عداوتهم لجبريل ، الذي أنزل بالقرآن بإذن الله ، لا من تلقاء نفسه ، وهذه ~~حجة أولى عليهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@01 مصدقا ) حال من الضمير العائد على القرآن الكريم ~~، في قوله ( @QUR@01 نزله ) أى أنزله حالة كونه مؤيدا للكتب السماوية التي ~~قبله ومن بينها التوراة ، وهذه حجة ثانية عليهم. # ثم عززهما بثالثة ورابعة فقال تعالى : ( @QUR@03 وهدى وبشرى للمؤمنين ) ~~أى هذا القرآن الذي نزل مصدقا لكتبكم ، هو هاد إلى طريق الفلاح والنجاح ، ~~والعاقل لا يرفض الهداية التي تأتيه وتنقذه مما هو فيه من ضلالات ولو كان ~~الواسطة في مجيئها عدوا له ، وهو أيضا مبشر للمؤمنين برضا الله تعالى عنهم ~~في الدنيا والآخرة ، أما الضالون فقد أنذرهم بسوء العقبى فعليكم أن ms0220 تتبعوا ~~طريق الإيمان لتكونوا من المفلحين وبذلك يكون القرآن قد أقام حججا متعددة ~~على حماقتهم وعنادهم وجحودهم للحق بعد ما تبين. وتكون الآية الكريمة قد ~~مدحت القرآن بخمس صفات. # أولها : أنه منزل من عند الله وبإذنه. # وثانيها : أنه منزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم . # وثالثها : أنه مصدق لما نزل قبله من الكتب السماوية. # ورابعها : أنه هاد إلى الخير أبلغ هدى وأقواه. # وخامسها : أنه بشارة سارة للمؤمنين. # ثم بين تعالى حقيقة الأمر فيمن يعادى جبريل وأن عداوته عداوة لله تعالى ~~فإنه أمين وحيه إلى رسله ليس له في ذلك شيء إلا أن يبلغ ما أمر به فقال ~~تعالى : ( @QUR@04 من كان عدوا لله PageV01P219 # @QUR@08 وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين ). # والمعنى : أن عداوة جبريل عداوة لله ، وأن عداوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~عداوة لله أيضا فالإيمان بالله وملائكته ورسله وحدة لا تتجزأ فمن كفر بواحد ~~منهم فهو كافر بالجميع. # ومعنى عداوة العبد لله : كفره به ومخالفته لأوامره ونواهيه ومعنى عداوته ~~لملائكته : إنكار فضلهم ووصفهم بما ينافي عصمتهم ورفعة منزلتهم. ومعنى ~~عداوته لرسله : تكذيبه لهم وتعمده إلحاق الأذى بهم ومعنى عداوة الله لعبده ~~: غضبه سبحانه عليه ، ومجازاته له على كفره. وصدر سبحانه الكلام باسمه ~~الجليل تفخيما لشأن ملائكته ورسله وإشعارا بأن عداوتهم إنما هي عداوة له ~~تعالى . # وأفرد سبحانه جبريل وميكال بالذكر ، مع اندراجهما تحت عموم ملائكته ، ~~لتصريح اليهود بعداوة جبريل وتعظيم ميكائيل ، فأفردهما بالذكر للتنبيه على ~~أن المعاداة لأحدهما معاداة للجميع ، وأن الكفر بأحدهما كفر بالآخر. # قال ابن جرير : «فإن قال قائل : أو ليس جبريل وميكائيل من الملائكة؟ قيل ~~بلى ، فإن قال : فما معنى تكرير ذكرهما بأسمائهما في الآية في جملة أسماء ~~الملائكة؟ قيل : معنى إفراد ذكرهما بأسمائهما أن اليهود لما قالت جبريل ~~عدونا وميكائيل ولينا ، وزعمت أنها كفرت بمحمد صلى الله عليه وسلم من أجل أن ~~جبريل صاحبه ، أعلمهم الله تعالى أن من كان لجبريل عدوا فإن الله عدو له ~~وأنه من الكافرين ، فنص عليه باسمه وعلى ms0221 ميكائيل باسمه ، لئلا يقول منهم ~~قائل : إنما قال الله : من كان عدوا لله وملائكته ورسله ، ولسنا لله ولا ~~لملائكته ولا لرسله أعداء ، لأن الملائكة اسم عام محتمل خاصا ، وجبريل ~~وميكائيل غير داخلين فيه ، وكذلك قوله ورسله فلست يا محمد داخلا فيهم ، فنص ~~الله تعالى على أسماء من زعموا أنهم أعداؤه بأعيانهم ليقلع بذلك تلبيسهم ~~على أهل الضعف منهم ، ويحسم تمويههم أمورهم على ضعاف الإيمان» (1). # وقال سبحانه في ختام الآية الكريمة ( @QUR@04 فإن الله عدو للكافرين ) ~~ولم يقل فإن الله عدو له أو لهم ، ليدل على أن عداوة كل واحد ممن اشتملت ~~الآية الكريمة على ذكرهم كفر وجحود ، وليكون اندراجهم تحت هذا الحكم العام ~~من باب إثبات الحكم بالدليل ، وللإشعار بأن عداوة الله تعالى لهم سببها ~~كفرهم فإن الله لن يعادى قوما لذواتهم ولا لأنسابهم ، وإنما يكره لهم الكفر ~~ويعاقبهم عليه معاقبة العدو للعدو. # قال صاحب المنار : «فهذه الآية الكريمة وعيد لهم بعد بيان فساد العلة ~~التي جاءوا بها ، فهم لم يدعوا عداوة هؤلاء كلهم ، لكنهم كذلك في نفس الأمر ~~، فأراد أن يبين حقيقة حالهم في PageV01P220 # الواقع ، وهي أنهم أعداء الحق وأعداء كل من يمثله ويدعو إليه ، فالتصريح ~~بعداوة جبريل كالتصريح بعداوة ميكائيل الذي يزعمون أنهم يحبونه. وأنهم ~~كانوا يؤمنون بالنبي صلى الله عليه وسلم لو كان هو الذي ينزل بالوحي عليه ، ~~ومعاداة القرآن الكريم كمعاداة سائر الكتب الإلهية لأن المقصود من الجميع ~~واحد فقولهم السابق وحالهم يدلان على معاداة كل من ذكر ، وهذا من ضروب ~~إيجاز القرآن الكريم التي انفرد بها» (1). # وبهذا تكون الآيتان الكريمتان قد دمغتا اليهود بالكفر والجهالة ، ~~لمعاداتهم لجبريل وتكذيبهم لمحمد صلى الله عليه وسلم وبينتا ما عليه أمرهم من ~~خزي وهوان بسبب هذه العداوة التي لا باعث عليها إلا الحسد ، وكراهية أن ~~ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده. # ثم أخذ القرآن في تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم وتسليته عما يفعله ~~معه اليهود فقال تعالى : # ( @QUR@010 ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها ms0222 إلا الفاسقون (99) ~~@QUR@010 أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون ) (100) # أى : لقد أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات دالة على معانيها وعلى كونها ~~من عند الله ، وبينا لك فيها علوم اليهود ، ومكنونات سرائرهم وأخبارهم ، ~~وما حرفه أوائلهم وأواخرهم من كتبهم ، وما بدلوه من أحكامهم قال تعالى : # ( @QUR@012 إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون ). # وإن هذه الآيات التي أنزلها الله إليك يا محمد ، ما يكفر بها ، ويجحد ~~صدقها إلا المتمردون من الكفرة ، الخارجون على حدود الله المنتهكون ~~لحرماته. # والهمزة في قوله ( @QUR@01 أوكلما ) للإنكار ، والواو للعطف على محذوف ~~يقتضية المقام : أى أكفروا بالآيات البينات ، وكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق ~~منهم ، أى : طرحوه ونقضوه من النبذ وهو إلقاء الشيء وطرحه لقلة الاعتداد به ~~ومنه سمى النبيذ وهو التمر والزبيب إذا طرحا في الماء وهو حقيقة في الأجرام ~~وإسناده إلى العهد مجاز. PageV01P221 # والضمير في قوله : ( @QUR@01 منهم ) يعود لليهود الذين اشتهروا بنقض ~~العهود وقوله : ( @QUR@04 بل أكثرهم لا يؤمنون ) يفيد الترقي إلى الأغلظ ~~فالأغلظ ، أى أن فريقا منهم عرف بنقضه للعهد ، وأكثرهم عرف بكفره وجحده للحق. # قال صاحب الكشاف ، واليهود موسومون بالغدر ونقض العهود ، وكم أخذ الله ~~الميثاق منهم ومن آبائهم فنقضوا ، وكم عاهدوا رسول الله فلم يفوا ( ~~@QUR@012 الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون ). (1) ~~وقال الرازي : «والمقصود من هذا الاستفهام الإنكار وإعظام ما يقدمون عليه ~~لأن مثل ذلك إذا قيل بهذا اللفظ كان أبلغ في التوبيخ والتبكيت. ودل بقوله : ~~( @QUR@02 أوكلما عاهدوا ) على عهد بعد عهد نبذوه ونقضوه ، بل يدل على أن ~~ذلك كالعادة منهم ، فكأنه تعالى أراد تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عند ~~كفرهم بما أنزل عليه من الآيات ، بأن بين له أن ذلك ليس ببدع منهم ، بل هو ~~سجيتهم وعادتهم وعادة سلفهم ...» (2) ثم تحدث القرآن بعد ذلك عن نبذ اليهود ~~لكتاب الله ، واتباعهم للسحر والأوهام ، فقال تعالى : # ( @QUR@022 ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين ~~أوتوا ms0223 الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون (101) @QUR@034 ~~واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين ~~كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما ~~يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر PageV01P222 # @QUR@040 فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به ~~من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ~~ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون (102) ~~@QUR@012 ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون ) (103) # والمعنى : وحين جاء اليهود وأحبارهم رسول من عند الله ، وهو محمد ~~صلى الله عليه وسلم الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ، طرح فريق كبير منهم ~~تعاليم التوراة التي تشهد بصدقه ، وراء ظهورهم ، حتى لكأنهم يجهلون أنها من ~~عند الله ، واتبعوا ما قصته واختلقته الشياطين من السحر والأوهام ~~والمفتريات على عهد سليمان عليه السلام ومن هذه المفتريات والأكاذيب زعمهم ~~أن سليمان عليه السلام كان ساحرا ، وما تم له ملكه العريض ، ولا ظهرت على ~~يديه المعجزات الباهرة من تسخير الجن والريح إلا بهذا. # وقد أكذبهم الله تعالى في هذا الزعم بقوله : ( @QUR@03 وما كفر سليمان ) ~~أى : بتعلم السحر والعمل به ، كما يزعم هؤلاء «ولكن الشياطين» هم الذين ~~«كفروا» بتعلم السحر وتعليمه للناس ، وتعليمهم أيضا ضربا آخر منه وهو ( ~~@QUR@07 ما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت ) من وصف السحر وماهيته ~~وكيفية الاحتيال به ، ولقد كان الملكان لا يعلمان أحدا من الناس السحر حتى ~~ينصحاه بقولهما : إن السحر الذي نعلمك إياه. القصد منه التمييز بين المطيع ~~والعاصي ، وبين السحر والمعجزة ، فحذار أن تستعمله فيما نهيت عنه فتكون من ~~الكافرين ، بخلاف الشياطين فإنهم تعلموه وعلموه لغيرهم لاستعماله في الشرور ~~والآثام ، ولإحداث التفرقة بين الزوجين ، ولكن هذا السحر الذي يتعاطاه ~~الشياطين وأتباعهم لن يضر أحدا بذاته ، وإنما ضرره يتأتى إذا أراد الله ~~تعالى ذلك وشاءه ، ولقد علم أولئك النابذون لكتاب الله المؤثرون عليه ms0224 اتباع ~~السحر ، أن من استبدل السحر بكتاب الله ، فليس له نصيب من نعيم الجنة ، ( ~~@QUR@08 ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ) علما نافعا. ( @QUR@03 ~~ولو أنهم آمنوا ) PageV01P223 # بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم كما أرشدتهم إليه التوراة ، ( @QUR@01 ~~واتقوا ) المعاصي والآثام لأثيبوا مثوبة من عند الله هي خير لهم مما آثروه ~~واختاروه على كتاب الله ( @QUR@03 لو كانوا يعلمون ). # وقوله تعالى : ( @QUR@019 ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ ~~فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم ).. إلخ الآية. # بيان لما صدر عن اليهود من تكذيب للرسول صلى الله عليه وسلم وطرح لتعاليم ~~كتابهم التي أمرتهم باتباعه. # أخرج ابن جرير عن السدى قال في قوله تعالى : ( @QUR@029 ولما جاءهم رسول ~~من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب : كتاب الله ~~وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ). ~~أى لما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم عارضوه بالتوراة فخاصموه بها. فاتفقت ~~التوراة والقرآن ، فنبذوا التوراة والقرآن وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت ، ~~فذلك قول الله ( @QUR@03 كأنهم لا يعلمون ) أى كأن هؤلاء الذين نبذوا كتاب ~~الله من علماء اليهود ، فنقضوا عهد الله ، لا يعلمون ما في التوراة من ~~الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه (1). # وفي وصف الرسول بأنه آت من عند الله تعظيم له ، ومبالغة في انكار عدم ~~إيمانهم به ، وإغراء للناس جميعا بالدخول في دعوته ، لأنه ليس رسولا من ~~تلقاء نفسه ، وإنما هو رسول من عند الله تعالى : # والمراد «بما معهم» التوراة. وتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم لها ، معناه ~~أن ما جاء به من تعاليم موافق لها في أصول الدين ، وأن ما جاءت به من صفات ~~للرسول المنتظر بعد عيسى عليه السلام لا تنطبق إلا عليه صلى الله عليه وسلم . # وعبر سبحانه عن تركهم العمل بالكتاب الذي نزل لهدايتهم بالنبذ ، مبالغة ~~في عدم اعتدادهم ، وتناسيهم إياه ، لأن أصل النبذ طرح وإلقاء ما لا يعتد به. # وفي إسناد النبذ إلى ms0225 فريق من الذين أوتوا الكتاب ، سخرية بهم ، واستجهال ~~لهم ، لأن الذين أوتوه هم الذين نبذوه ، ولو كان النابذون من المشركين لكان ~~لهم بعض العذر لجهلهم ، ولكن أن يكون التاركون للنور هم الذين أوتوه ~~وأكرموا به ، فذلك هو الضلال المبين. # والمراد من ( @QUR@02 كتاب الله ) الذي نبذوه لما جاءهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم التوراة ، لأنهم لو كانوا مؤمنين بها حقا ، لاتبعوا الرسول ~~صلى الله عليه وسلم الذي ذكرت صفاته فيها ، والذي وجب عليهم بمقتضى كتابهم ~~التوراة الإيمان به ، فهم بجحودهم لنبوته ، يكونون جاحدين لتوراتهم التي ~~شهدت له بالصدق. PageV01P224 # وقيل المراد بكتاب الله الذي نبذوه القرآن ، لأنهم لم يؤمنوا به ، بل ~~تركوه بعد سماعه ، وتناسوا ما اشتمل عليه من هداية وإرشاد ، مع أنه كان من ~~المتحتم عليهم أن يتلقوه بالقبول. # والذي نراه أن الرأى الأول أرجح ، لأن النبذ يقتضى سابقة الأخذ ، في ~~الجملة. وهو متحقق بالنسبة للتوراة ، بخلاف القرآن الكريم فإنهم لم يسبق ~~لهم أن تمسكوا به ، ولأن مذمتهم تكون أشد وجحودهم أكثر ، إذا كان المراد ~~بالكتاب الذي نبذوه ، هو عين الكتاب الذي نزل لهدايتهم وآمنوا به وهو ~~التوراة. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 وراء ظهورهم ) كناية عن إعراضهم الشديد عنه ، ~~وتوليهم عن تعاليمه. # تقول العرب : جعل هذا الأمر وراء ظهره ، أى تولى عنه معرضا ، لأن ما يجعل ~~وراء الظهر لا ينظر إليه ، ففي هذه الجملة الكريمة تصوير صادق لإعراضهم عن ~~كتاب الله تعالى حيث شبه سبحانه تركهم لكتابه ، بحالة شيء يرمى به وراء ~~الظهر استهانة به. وفي إضافة الوراء إلى الظهر ، تأكيد لنبذ ما ترك بحيث لا ~~يؤخذ بعد ذلك. # قال الأستاذ الإمام : ليس المراد بنبذ الكتاب وراء ظهورهم أنهم طرحوه ~~برمته ، وتركوا التصديق به في جملته وتفصيله. وإنما المراد أنهم طرحوا ~~أجزاء منه وهو ما يبشر بالنبي صلى الله عليه وسلم ويبين صفاته ويأمرهم ~~بالإيمان به واتباعه. فهو تشبيه لتركهم إياه وإنكاره ، بمن يلقى الشيء وراء ~~ظهره حتى لا يراه فيتذكره ، وترك الجزء منه كتركه كله ، لأن ترك البعض يذهب ~~بحرمة الوحى ms0226 من النفس ، ويجزئ على ترك الباقي (1)... # وقوله تعالى : ( @QUR@03 كأنهم لا يعلمون ) جملة حالية ، أى طرحوه وراء ~~ظهورهم مشبهين بحال من لا يعلم منه شيئا ، ومن لا يعرف أنه كتاب الله. # وشبههم بمن لا يعلمون مع أنهم في الواقع يعلمون أنه من عند الله حق العلم ~~لأنهم نبذوه مكابرة وعنادا ، ولأنهم لم يعملوا بمقتضى علمهم ومن كان هذا ~~شأنه فهو والجاهل سواء ، في جحود الحق والانغماس في الآثام. # وقال سبحانه : ( @QUR@03 كأنهم لا يعلمون ) بنفي الحال والاستقبال ~~للإشعار بأنهم قوم لا أمل في توبتهم وإنابتهم ، بل هم تمر بهم الأيام ، ~~وتتوالى عليهم العظات ، ومع ذلك لا يتوبون ولا يرجعون إلى الحق ، فهم ~~مستمرون على طرح كتاب الله في كل وقت وآن ، ومصممون على ذلك. # ثم حكى سبحانه لونا آخر من زيغهم وضلالهم واتباعهم للأباطيل بعد أن وبخهم على PageV01P225 # نبذهم لكتابه فقال تعالى : ( @QUR@07 واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك ~~سليمان ). # اتبعوا : من الاتباع وهو الاقتداء ، والضمير فيه يعود على اليهود ~~المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم . # وتتلو : من التلاوة بمعنى الاتباع أو القراءة ، وقال الراغب : تلا عليه ~~كذب عليه. # والشياطين : جمع شيطان ، وهو كائن حي خلق من النار ، ويطلق على الممتلئ ~~شرا من الأنس. # والمعنى : إن هؤلاء اليهود نبذوا كتاب الله ، واتبعوا الذي كانت تتلوه ~~وتقصه الشياطين على عهد ملك سليمان ، وفي زمانه ، من الأكاذيب والكفر ومن ~~ذلك زعمهم أن ملكه قام على أساس السحر ، وأنه ارتد في أواخر حياته ، وعبد ~~الأصنام إرضاء لنسائه الوثنيات إلى غير ذلك من الأكاذيب التي ألصقوها به ~~عليه السلام وهو برىء منها. # قال صاحب الكشاف : وقوله تعالى : ( @QUR@03 على ملك سليمان ) أى على عهد ~~ملكه وفي زمانه ، وذلك أن الشياطين كانوا يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما ~~سمعوا أكاذيب يلفقونها ويلقونها إلى الكهنة ، وقد دونوها في كتب يقرءونها ~~ويعلمونها للناس ، وفشا ذلك في زمان سليمان عليه السلام حتى قالوا : إن الجن ~~تعلم الغيب ، وكانوا يقولون : ما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم وبه يسخر ~~الإنس والجن والريح التي ms0227 تجرى بأمره (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@06 وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ) معناه : ~~وما كفر سليمان ولكن الشياطين هم الذين كفروا إذ تعلموا السحر وعلموه ~~لغيرهم بقصد إضلالهم ، وصرفهم عن عبادة الله تعالى إلى عبادة غيره من ~~المخلوقات. # ففي الجملة الكريمة تنزيه لسليمان عليه السلام عن الردة والشرك وتبرئة له ~~من عمل السحر الذي كان يتعاطاه أولئك الشياطين وينسبونه إليه زورا وبهتانا ~~، ودلالة على أن ذلك السحر الذي نسبوه إليه وباشرته الشياطين نوع من الكفر. # وقد كان اليهود يعتقدون كفر سليمان ، وأنه ارتد في آخر عمره ، وعبد ~~الأصنام وبنى لها المعابد ، وكانوا عند ما يذكر النبي صلى الله عليه وسلم ~~سليمان بين الأنبياء يقولون : انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل ، يذكر ~~سليمان مع الأنبياء ، وإنما كان ساحرا يركب الريح. # فإن قال قائل : ما الحكمة في نفى الكفر عن سليمان مع أن صدر الآية لا ~~يفيد أن أحدا نسب إليه ذلك. # فالجواب : أن اليهود الذين نبذوا كتاب الله ، واتبعوا ما تلته الشياطين ~~من السحر أضافوا PageV01P226 # هذا السحر إلى سليمان ، وقالوا إنه كان يسخر به الجن والإنس والريح ، ~~فأكذبهم الله تعالى بقوله : ( @QUR@06 وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ~~) كما بينا. # والضمير في قوله تعالى : ( @QUR@03 يعلمون الناس السحر ) يعود على ~~الشياطين الذين افتروا الأكاذيب على سليمان عليه السلام . # ويجوز أن يعود على اليهود الذين نبذوا كتاب الله واتبعوا ما تلته ~~الشياطين على سليمان. # قال الأستاذ الإمام : في قوله تعالى ( @QUR@03 يعلمون الناس السحر ): ~~وجهان : # أحدهما : أنه متصل بقوله تعالى : ( @QUR@03 ولكن الشياطين كفروا ) أى : ~~أن الشياطين هم الذين يعلمون الناس السحر. # والثاني : وهو الأظهر أنه متصل بالكلام عن اليهود وأن الكلام في الشياطين ~~قد انتهى عند قوله تعالى ( @QUR@01 كفروا ) وانتحال اليهود لتعليم السحر ~~أمر كان مشهورا في زمن التنزيل ولا يزالون ينتحلون ذلك إلى اليوم ، أى أن ~~فريقا من اليهود نبذوا كتاب الله واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ~~وهاهنا يقول القائل : بما ذا اتبعوا أولئك الشياطين الذين كذبوا على سليمان ~~في رميه بالكفر وزعمهم أن ms0228 السحر استخرج من كتبه التي كانت تحت كرسيه؟ فأجاب ~~على طريق الاستئناف البياني ( @QUR@03 يعلمون الناس السحر ). # ونفى الكفر عن سليمان والصاقه بالشياطين الكاذبين ذكر بطريق الاعتراض ، ~~فعلم أيضا أنهم اتبعوا الشياطين بهذه الفرية ، وإنما كان القصد إلى وصف ~~اليهود بتعلم السحر ، لأنه من السيئات التي كانوا متلبسين بها ، ويضرون بها ~~الناس خداعا وتمويها وتلبسا (1). # وإنما أضاف الله تعالى إلى اليهود أنهم اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك ~~سليمان خاصة مع أنه كان معروفا قبل سليمان عليه السلام كما أخبر به القرآن ~~عن سحرة فرعون ، وإنما أضاف ذلك إليهم ، لأن هذا كان هو الواقع منهم ، ولأن ~~سحر هؤلاء الشياطين الذين كانوا على عهد سليمان ، كان مدونا في صحف اليهود ~~من قديم ، وتوارثه خلفهم عن سلفهم إلى أن وصل إلى من عاصر النبي ~~صلى الله عليه وسلم منهم ولأن سليمان عليه السلام أعطاه الله تعالى ملكا واسعا ~~، وسخر له الإنس والجن والريح ، فعزت الشياطين ذلك كله إلى تعلمه السحر. # و ( @QUR@01 ما ) في قوله تعالى : ( @QUR@07 وما أنزل على الملكين ببابل ~~هاروت وماروت ) موصولة ، وهي معطوفة على السحر في قوله تعالى : ( @QUR@03 ~~يعلمون الناس السحر ) أى يعلمون الناس السحر ، ويعلمونهم الذي أنزل على ~~الملكين. PageV01P227 # والذي أنزل عليهما هو وصف السحر وماهيته وكيفية الاحتيال به. ليعرفاه ~~الناس فيجتنبوه ، على حد قول الشاعر : # عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه %~% ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه. # فالشياطين عرفوه فعملوا به ، وعلموه للناس ليستعملوه في الشرور والمآثم ~~بينما المؤمنون عرفوه واستفادوا من الاطلاع عليه فتجنبوه (1). # هذا ، واختصت بابل (2) بالإنزال ، لأنها كانت أكثر البلاد عملا بالسحر ، ~~وكان سحرتها قد اتخذوا السحر وسيلة لتسخير العامة لهم في أبدانهم وعقولهم ~~وأموالهم ، ثم جروهم إلى عبادة الأصنام والكواكب فحدث فساد عظيم ، وعمت ~~الأباطيل فألهم الله تعالى هاروت وماروت أن يكشفا للناس حقيقة السحر ~~ودقائقه ، حتى يعلموا أن السحرة الذين صرفوهم عن عبادة الله إلى عبادة ~~الكواكب وغيرها قد خدعوهم وأضلوهم ، وبذلك يعودون إلى الصراط المستقيم. # واللام في ( @QUR@01 الملكين ) مفتوحة في القراءات ms0229 العشر المتواترة ، ~~وقرئ شاذا ( @QUR@01 الملكين ) بكسر اللام. # قال بعض المفسرين : المراد بالملكين بفتح اللام رجلان صالحان اطلعا على ~~أسرار السحر التي كانت تفعلها السحرة ، فعلماها للناس ليحذراهم من الانقياد ~~لتلبيسات الشياطين ، وسميا ملكين مع أنهما من البشر لصلاحهما وتقواهما ، ~~ويؤيد هذا الرأى قراءة الملكين بكسر اللام وإن كانت شاذة : # وقال جمهور المفسرين : إنهما ملكان على الحقيقة أنزلهما الله تعالى ~~ليعلما الناس السحر ابتلاء لهم ، ليفضحا مزاعم السحرة الذين كانوا يدعون ~~النبوة كذبا ، ويسخرون العامة لهم ويخرجونهم إلى عبادة غير الله ، (وهاروت ~~وماروت) اسمان للملكين الذين أنزل عليهما السحر ، وهما بدل أو عطف بيان ~~للملكين. PageV01P228 # وقوله تعالى : ( @QUR@011 وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا ~~تكفر ) بيان لما كان ينصح به الملكان من يريد تعلم السحر منهما. والجملة ~~حالية من هاروت وماروت. # والفتنة ، المراد بها هنا الابتلاء والاختبار ، تقول : فتنت الذهب في ~~النار ، أى : اختبرته لتعرف جودته ورداءته. # والمعنى : أن الملكين لا يعلمان أحدا من الناس السحر إلا وينصحانه ~~بقولهما إن ما نعلمك إياه من فنون السحر الغرض منه الايتلاء والاختبار ~~لتمييز المطيع من المعاصي. فمن عمل به ضل وغوى ، ومن تركه فهو على هدى ونور ~~من الله ، ولإظهار الفرق بين المعجزة والسحر. فحذار أن تستعمل ما تعلمته ~~فيما نهيت عنه فتكون من الكافرين. كما كفر السحرة بنسبتهم التأثيرات إلى ~~الكواكب وغيرها من المخلوقات. # فالمقصود من تعليم الملكين للناس السحر ، فضح أمر السحرة الذين كثروا في ~~تلك الأيام ، وادعوا ما لم يأذن به الله ، وإظهار الفرق بين المعجزة والسحر ~~حتى يعلم الناس أن هؤلاء السحرة الذين قد يزعمون بمرور الأيام أنهم أنبياء ~~ليسوا كذلك ، وإنما هم أفاكون ، وأخبروا على أنفسهم بطريق القصر بأنهم فتنة ~~للمبالغة في الإقرار بأنهما لا يملكان نفعا ولا ضرا لأحد ، وإنما هما فتنة ~~محضة ، وابتلاء من الله لعباده لتمييز المطيع من العاصي. # ثم بين سبحانه لونا من السحر البغيض الذي استعمله أولئك السحرة في الأذى ~~فقال تعالى : ( @QUR@08 فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه ms0230 ) أى ~~فيتعلم بعض الناس من الملكين ما يحصل به الفراق بين المرء وزوجه. # فالجملة الكريمة تفريع عما دل عليه قوله تعالى قبل ذلك : ( @QUR@09 وما ~~يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة ) لأنه يقتضى أن التعليم حاصل ، وأن ~~بعض المتعلمين قد استعملوه في التفريق بين الزوجين. # وخصص سبحانه هذا اللون من السحر بالنص عليه للتنبيه على شدة فساده. وعلى ~~شناعة ذنب من يقوم به. لأنه تسبب عنه التفريق بين الزوجين اللذين جمعت ~~بينهما أواصر المودة والرحمة. # والضمير في قوله تعالى : ( @QUR@01 فيتعلمون ) راجع لأحد ، وصح عود ضمير ~~الجمع عليه مع أنه مفرد ، لوقوعه في سياق النفي ، والنكرة إذا وردت بعد نفى ~~كانت في معنى أفراد كثيرة ، فصح أن يعود ضمير الجمع إليه كذلك. # ثم نفى سبحانه أن يكون السحر مؤثرا بذاته فقال تعالى : ( @QUR@05 وما هم ~~بضارين به من PageV01P229 # @QUR@04 أحد إلا بإذن الله ) أى : أن أولئك السحرة لن يضروا أو ينفعوا ~~أحدا بسحرهم إلا بإذن الله وقدرته ، فالسحر سبب عادى لما ينشأ عنه من ~~الاضرار ويجوز أن يتخلف عنه مسببه إذا أذن الله بذلك. # والجملة الكريمة معترضة لدفع توهم أن يكون السحر مضرا بذاته ، بحيث لا ~~يتخلف عنه الضرر متى تعاطاه الساحر. # والمراد ( @QUR@02 بإذن الله ) هنا. تخليته سبحانه بين المسحور وضرر ~~السحر ، أى : إن شاء حصل الضرر بسبب السحر ، وإن شاء منعه فلا يصيب المسحور ~~منه شيء من الأذى. # وعبر سبحانه عن هذا المعنى بطريق القصر ، مبالغة في نفى أى تأثير للسحر ~~بذاته ، وإغراء للناس بتكذيب ما يزعمه السحرة من أن لهم قوى غيبية سوى ~~الأسباب التي ربط الله بها المسببات ، وإرشادا لهم إلى حسن الاعتقاد ، ~~وسلامة اليقين. # ثم بين سبحانه أن أولئك المتعلمين السحر للأذى وللتفرقة بين المتحابين ~~يتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ، فقال تعالى : ( @QUR@05 ويتعلمون ما يضرهم ~~ولا ينفعهم ) أى : أن أولئك الذين تعلموا السحر ليضروا به غيرهم ، ولم ~~يتعلموه ليفرقوا به بين الحق والباطل ، أو ليدفعوا به الشر عن أنفسهم ، قد ~~سلكوا بهذا التعليم الطريق الذي يضرهم ولا ينفعهم ms0231 ، وأصبحوا بذلك عاصين لما ~~نصحهم به الملكان عند تعليم السحر. # وفي هذه الجملة الكريمة زيادة تنبيه على تفاهة عقول المشتغلين بالسحر ~~للأذى ومبالغة في تجهيل المصدقين لهم ، لأن الساحر مهما بلغت براعته فلن ~~يستطيع أن يمنع شيئا أراده الله ، ولا أن يأتى بشيء منعه الله مادام الأمر ~~كذلك فالمشتغل به ، والمصدق له كلاهما وقع في ضلال مبين. # وقد أفادت الجملة الكريمة بجمعها بين إثبات الضر ونفى النفع مفاد الحصر ~~فكأنه سبحانه يقول : ويتعلمون ما ليس إلا ضررا بحتا. # ثم بين سبحانه مآل أولئك اليهود التاركين للحق ، والمتبعين للباطل فقال ~~تعالى : ( @QUR@010 ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ) أى : ~~ولقد علم أولئك اليهود الذين نبذوا تعاليم كتابهم واتبعوا السحر ، أن من ~~استبدل السحر بكتاب الله ليس له من حظ في الجنة ، لأنه قد اختار الضلال ~~وترك الهدى ، وعلمهم مرجعه إلى أن التوراة قد حرمت عليهم تعلم السحر أو ~~تعليمه للأذى والضرر ، وشددت العقوبة على مرتكبه ، وعلى متبع الجن ~~والشياطين والكهان. # فالضمير في ( @QUR@01 علموا ) يعود إلى أولئك اليهود الذي تركوا كتاب ~~الله واستبدلوا به السحر. PageV01P230 # والاشتراء هو اكتساب شيء ببذل غيره ، والمراد أنهم اكتسبوا السحر الذي ~~تتلوه الشياطين بعد أن بذلوا في سبيل ذلك إيمانهم ونصيبهم من الجنة ، وغدوا ~~مفلسين من حظوظ الآخرة ، لإقبالهم على التمويه والكذب ، واستبدالهم الذي هو ~~أدنى بالذي هو خير. # وأكد سبحانه علمهم بضرر السحر بقوله ( @QUR@02 ولقد علموا ) للإشارة إلى ~~أن اختيارهم للسحر لم ينشأ عن جهلهم بضرره ، وإنما هم الذين اختاروه ومالوا ~~إليه متعمدين وعالمين بعاقبته السيئة. # ثم قال تعالى : ( @QUR@08 ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ). # شروا : بمعنى باعوا ، وبيع الأنفس هنا معناه بيع نصيبها من الجنة. ~~ونعيمها. # والمعنى : ولبئس شيئا باع به أولئك السحرة حظوظ أنفسهم تعلم ما يضر من ~~السحر والعمل به ، ولو كانوا ممن ينتفعون بعلمهم لما فعلوا ذلك. # وأثبت لهم العلم في قوله تعالى : ( @QUR@04 ولقد علموا لمن اشتراه ) ثم ~~نفاه عنهم في قوله تعالى : ( @QUR@03 لو كانوا يعلمون ) جريا ms0232 على الأسلوب ~~المعروف في فنون البلاغة من أن العالم بالشيء إذا لم يعمل بموجب علمه نزل ~~منزلة الجاهل ونفى عنه العلم كما ينفى عن الجاهلين. # وإلى هذا المعنى الذي قررناه أشار صاحب الكشاف بقوله. # فإن قلت كيف أثبت لهم العلم أولا في قوله : ( @QUR@04 ولقد علموا لمن ~~اشتراه ) على سبيل التوكيد القسمي ، ثم نفاه عنهم في قوله : ( @QUR@03 لو ~~كانوا يعلمون )؟ # قلت : معناه لو كانوا يعملون بعلمهم. جعلهم حين لم يعملوا به كأنهم ~~منسلخون عنه (1). # ثم بين سبحانه المنافع التي تعود عليهم لو اتبعوا الحق ، بعد أن بين ~~الاضرار التي ترتبت على اتباعهم للباطل فقال تعالى : ( @QUR@012 ولو أنهم ~~آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون ) أى : لو أن أولئك ~~اليهود النابذين لكتاب الله المتبعين للأوهام والأباطيل ، آمنوا بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم أو بالتوراة إيمانا حقا ، واتقوا الله ، فاجتنبوا ما ~~يؤثمهم ومنه السحر والتمويه ، لكانت لهم مثوبة (2) من عند الله ، هي خير ~~لهم من السحر وغيره ، ولو كانوا من اولى العلم النافع لفهموا ذلك ، ~~واستبدلوا بالسحر الإيمان والتقوى ، ولكنهم قوم لا يعقلون. # فقوله تعالى : ( @QUR@05 لمثوبة من عند الله خير ) جواب للو الشرطية ، ~~وأصل التركيب ، لأثيبوا مثوبة PageV01P231 # من عند الله خيرا مما شروا به أنفسهم ، فحذف الفعل ، وغير السبك إلى ما ~~عليه النظم الكريم ، للدلالة على ثبوت المثوبة لهم والجزم بخيريتها. # وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف (1) بقوله : (فإن قلت : كيف أوثرت ~~الجملة الاسمية على الفعلية في جواب لو؟ قلت : لما في ذلك من الدلالة على ~~ثبات المثوبة واستقرارها ، كما عدل عن النصب إلى الرفع في سلام عليكم لذلك. # وقال الإمام الآلوسى : (المثوبة : اسم مصدر أثاب إذا أعطى الثواب ، ~~والثواب الجزاء الذي يعطى للغير. ولم يقل سبحانه لمثوبة الله مع أنه أخصر ، ~~ليشعر التنكير بالتقليل فيفيد أن شيئا قليلا من ثواب الله تعالى في الآخرة ~~الدائمة ، خير من متاع كثير في الدنيا الفانية ، فكيف وثواب الله تعالى ~~كثير دائم ، وفيه من الترغيب والترهيب المناسبين للمقام ما لا يخفى (2). # وقوله تعالى ms0233 : ( @QUR@03 لو كانوا يعلمون ) شرط آخر محذوف الجواب لدلالة ~~ما تقدم عليه ، وحذف مفعول ( @QUR@01 يعلمون ) لدلالة ( @QUR@05 لمثوبة من ~~عند الله خير ) عليه. أى : لو كانوا يعلمون مثوبة الله لما اشتروا السحر ~~بالإيمان. # وبذلك تكون الآيات الكريمة التي سقناها في هذا المبحث قد دمغت بنى ~~إسرائيل بجحود الحق ، ونبذهم لتعاليم كتابهم وإيثارهم عليها الأكاذيب ~~والأباطيل ، وسيرهم في طريق الشر عن تعمد وإصرار ، وعدم عملهم بما يعلمون ~~لانحراف طباعهم ، وحماقة تفكيرهم وسوء تدبيرهم. واستحواذ الشيطان عليهم .. ~~( @QUR@07 فباؤ بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين ). # هذا ، ويحسن بنا قبل أن نختم هذا البحث ، أن نذكر كلمة موجزة عن السحر ~~فنقول : السحر : في أصل اللغة معناه : الصرف ، ومنه قوله تعالى ( @QUR@02 ~~فأنى تسحرون ) أى : فكيف تصرفون عن الحق إلى الباطل. # وقد ذكر السحر في القرآن والسنة ، واتفق علماء المسلمين على أن هناك شيئا ~~يسمى سحرا ، إلا أنهم اختلفوا في تصويره. # فجمهور أهل السنة ذهب إلى أن للسحر آثارا حقيقية ، وأن الساحر قد يأتى ~~بأشياء غير عادية ، إلا أن الفاعل الحقيقي في كل ذلك هو الله تعالى ~~واستدلوا على ذلك بأدلة منها. PageV01P232 # أولا : أن الله تعالى قد أمر نبيه صلى الله عليه وسلم ، أن يستعيذ به ( ~~@QUR@05 من شر النفاثات في العقد ) وهم السحرة على أرجح الأقوال. # قال الإمام ابن كثير : قوله تعالى ( @QUR@05 ومن شر النفاثات في العقد ) ~~قال مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك ، يعنى السواحر قال مجاهد «إذا ~~رقين ونفثن في العقد» (1). # فالآية الكريمة تدل على أن للسحر آثارا حقيقة ، وإلا لما أمر الله تعالى ~~نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ من شرور السحرة. # ثانيا : قال الإمام البخاري : في باب هل يستخرج السحر : حدثني عبد الله ~~بن محمد ، قال : سمعت سفيان بن عيينة يقول : أول من حدثنا به ابن جريج يقول ~~: حدثني آل عروة عن عروة ، فسألت هشاما عنه فحدثنا عن أبيه عن عائشة قالت : ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سحر حتى كان يرى أنه يأتى النساء ولا يأتيهن ~~، قال سفيان : وهذا أشد ما يكون ms0234 من السحر إذا كان كذلك. فقال : «يا عائشة ~~أعلمت أن الله قد أفتانى فيما استفتيته فيه؟ أتانى رجلان فقعد أحدهما عند ~~رأسى والآخر عند رجلي ، فقال الذي عند رأسى للآخر ، ما بال الرجل : مطبوب ، ~~قال ومن طبه؟ قال : لبيد بن الأعصم رجل من بنى زريق حليف اليهود كان منافقا ~~قال. وفيم : قال : في مشط ومشاطه ، قال : وأين؟ قال في جف طلعة ذكر تحت ~~راعوفة في بئر ذروان. قالت : فأتى البئر حتى استخرجه ، فقال : «هذه البئر ~~التي أريتها وكأن نخلها رءوس الشياطين» قال فاستخرج أى السحر قالت : فقلت ~~أفلا أى تنشرت؟ فقال : «إن الله قد شفاني وأكره أن أثير على أحد من الناس ~~شرا» (2). # فهذا الحديث الصحيح يفيد أن السحر قد أثر في جسم الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بنوع من المرض أو الثقل ، دون أن يكون لذلك أدنى تأثير في عقله. # وهذا تفسير موجز لمفردات الحديث : «هشام» هو ابن عروة بن الزبير ومعنى : ~~«أفتانى فيما استفيته فيه» : أجابنى فيما دعوته من أن يطلعني على حقيقة ما ~~«مطبوب» أى مسحور يقال : طب الرجل بالضم إذا سحر. «المشط» : الآلة التي ~~يسرح بها شعر الرأس واللحية «والمشاطة» : ما يخرج من الشعر إذا مشط «وجف ~~طلع نخلة ذكر» هو الغشاء الذي يكون على الطلع ويطلق على الذكر والأنثى ~~فلهذا قيده بالذكر. «والراعوفة» حجر يوضع على رأس البئر يقوم عليه المستقى ~~وقد يكون في أسفلها «وبئر ذروان» : اسم لموضع البئر» كأن ماءها نقاعة ~~الحناء» : يعنى أحمر اللون. «أفلا أى تنشرت» : النشرة بالضم ضرب من العلاج ~~يعالج به من يظن أن به سحرا أو مسا من الجن قيل لها ذلك : لأنه يكشف بها ~~عما خالطه من الداء. PageV01P233 # قال الإمام ابن القيم : هذا هو الحديث الذي رواه البخاري ، وهو ثابت عند ~~أهل العلم بالحديث لا يختلفون في صحته ، وقد اتفق أصحاب الصحيحين على ~~تصحيحه ، ولم يتكلم فيه أهل الحديث بكلمة واحدة ، والقصة مشهورة عند أهل ~~التفسير والسنن والحديث والتاريخ والفقه ، وهؤلاء أعلم بأحوال الرسول ~~صلى الله عليه ms0235 وسلم وأيامه (1). # وقال الإمام القرطبي «الأدلة متوفرة على أن للسحر حقيقة ، فهو مقطوع به ~~بإخبار الله تعالى ورسوله على وجوده ووقوعه ، وعلى هذا أهل الحل والعقد ~~الذين ينعقد بهم الإجماع ولا عبرة مع اتفاقهم بحثالة المعتزلة ومخالفتهم ~~أهل الحق ، ولقد شاع السحر وذاع في سابق الزمان ، وتكلم الناس فيه ، ولم ~~يبد من الصحابة ولا من التابعين إنكار لأصله (2). # وقال الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي. قال المازري : «مذهب أهل السنة ~~وجمهور علماء الأمة على إثبات السحر وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء ~~الثابتة. خلافا لمن أنكر ذلك ونفى حقيقته وأضاف ما يقع منه إلى خيالات ~~باطلة لا حقائق لها. وقد ذكره الله تعالى في كتابه وذكر أنه مما يتعلم. ~~وذكر فيه إشارة إلى أنه مما يكفر به. وأنه يفرق بين المرء وزوجه. وهذا كله ~~لا يمكن فيما لا حقيقة له ، وهذا الحديث أيضا مصرح بإثباته. وأنه أشياء ~~دفنت وأخرجت ولا يستنكر في العقل أن الله سبحانه يخرق العادة عند النطق ~~بكلام ملفق أو تركيب أجسام ، أو المزج بين قوى على ترتيب لا يعرفه إلا ~~الساحر. قال : وقد أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث لسبب آخر. فزعم أنه يحط من ~~منصب النبوة ويشكك فيها ، وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع وهذا الذي ادعاه ~~بعض المبتدعة باطل لأن الدلائل القطعية قد قامت على صدقه وصحته وعصمته فيما ~~يتعلق بالتبليغ والمعجزة شاهدة بذلك. قال القاضي عياض : وقد جاءت روايات ~~مبينة أن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه ، لا على قوله وقلبه ~~واعتقاده ، ويكون معنى قوله في الحديث : «حتى يظن أنه يأتى أهله ولا ~~يأتيهن» أن يظهر من نشاطه ومتقدم عادته القدرة عليهن ، فإذا دنا منهن أخذته ~~أخذة السحر فلم يأتهن ولم يتمكن من ذلك كما يعترى المسحور (3). # أما المعتزلة فقد ذهبوا إلى أن السحر لا حقيقة له ، وإنما هو تخييل ~~وتمويه كما قال تعالى في سحرة فرعون ( @QUR@09 فإذا حبالهم وعصيهم يخيل ~~إليه من سحرهم أنها تسعى ) فأخبر سبحانه PageV01P234 # أن ما ظنوه سعيا منها لم ms0236 يكن سعيا على الحقيقة إنما كان تخييلا وتمويها. ~~وقال تعالى في سحرة فرعون أيضا ( @QUR@09 فلما ألقوا سحروا أعين الناس ~~واسترهبوهم وجاؤ بسحر عظيم ) أى فلما ألقوا عصيهم موهوا على الناس حتى ظنوا ~~أن حبالهم وعصيهم تسعى ، وأرهبوهم بما فعلوه ، وجاءوا بسحر عظيم في فنه. # والذي نراه أن السحر على أضرب منها : # أولا : ضرب يترتب على مزاولته قلب الحقائق كقلب الإنسان حيوانا وعكسه ، ~~وهذا قد منعه المعتزلة بحجة أن الساحر لو أمكنه ذلك لا لتلبس فعله هذا ~~بمعجزات الأنبياء. وأهل السنة أجازوا وقوعه وإن كان لم يقع فعلا. ويفرقون ~~بينه وبين المعجزة إن وقع ، بأن المعجزة خارق يظهر على يد من يدعى النبوة ~~على سبيل التحدي والمعارضة ، والسحر ليس فيه دعوى نبوة ولا معارضة. # هذا ، مع ملاحظة أن السحر يمكن تعلمه وتعليمه ، ولا يظهر إلا على يد شرير ~~بخلاف المعجزة. # قال فضيلة المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين : وهذا النوع لم يقع لنا دليل ~~في الشريعة على وقوعه ، وربما كانت الحاجة إلى الفرق بين المعجزة والسحر ~~فرقا واضحا تقتضي عدم وقوعه ، فالساحر لا يبلغ أن يقلب العصا ثعبانا ، ولا ~~أن يفلق البحر فتمر بين فرقيه الجيوش ولا أن يجعل الماء ينبع بين الأصابع ~~فتروى منه العطاش ، أعنى أنه لا يجرى على يده من خوارق العادات ، مثل ما ~~يجرى على أيدى الأنبياء للإعجاز (1). # ثانيا : أن يزاول بعض أرباب النفوس الخبيثة أفعالا يترتب عليها الضرر ~~بدون مماسة ولا ملابسة لمن وقع عليه الضرر ، وهذا الضرب قد جوز وقوعه أهل ~~السنة ومنعه المعتزلة ، ومن أمثلته ما يفعله السحرة للتفريق بين المرء ~~وزوجه والظاهر في هذا الضرب قول أهل السنة لأن القرآن الكريم قد حكى عن ~~السحرة انهم يتعلمون من السحر ما يفرقون به بين المرء وزوجه ، وقد صح ~~الحديث أن لبيد بن الأعصم اليهودي سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه ~~حينما استخرج السحر خف جسمه صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من عقال. # ثالثا : مزاولة أسباب يترتب عليها آثار ظاهرية لا حقيقية وهذا ms0237 الضرب واقع ~~باتفاق بين أهل السنه والمعتزلة ، وقد حكاه القرآن الكريم عن سحرة فرعون في ~~قوله تعالى : ( @QUR@03 فلما ألقوا سحروا PageV01P235 # @QUR@03 أعين الناس واسترهبوهم ) وفي قوله تعالى : ( @QUR@09 فإذا حبالهم ~~وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ). # هذا ، وقد حذر الإسلام من تعاطى السحر للاذى ، وجاءت تعاليمه بذمه ~~وتحريمه ، وتوعدت مرتكبه بالعقوبات الأليمة ، ففي الحديث الشريف «حد الساحر ~~ضربه بالسيف». # وقد أفتى بعض الفقهاء بقتل الساحر لأنه زنديق ، وبعضهم أفتى بأن الساحر ~~إذا كان قد أحدث في المسحور جناية توجب القصاص اقتص منه ، وإن كان قد أحدث ~~به ما لا قصاص فيه ، حكم عليه بدية مناسبة. # وبعد ، فهذه كلمة ذكرناها عن السحر ، لم نقصد بها الخوض في تفصيلاته. ~~وإنما قصدنا بها إعطاء القارئ فكرة مختصرة عنه بمناسبة حديثنا عن رذائل ~~اليهود التي منها نبذهم لكتاب الله واتباعهم للأوهام والأباطيل والأكاذيب. # ثم وجه القرآن نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن مخاطبة النبي ~~صلى الله عليه وسلم بألفاظ معينة حتى لا يتخذها اليهود ذريعة للإساءة إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال تعالى : # ( @QUR@013 يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا ~~وللكافرين عذاب أليم ) (104) # ( @QUR@01 راعنا ) من المراعاة ، وهي المبالغة في الرعي بمعنى حفظ الغير ~~، وإمهاله ، وتدبير أموره ، وتدارك مصالحه ، وكان المؤمنون يقولون لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا حدثهم بحديث راعنا يا رسول الله ، أى : راقبنا ~~وانظرنا حتى نفهم كلامك ونحفظه ، فتلقف اليهود هذه الكلمة لموافقتها كلمة ~~سيئة عندهم ، وأخذوا يلوون بها ألسنتهم ، ويقولون «راعنا» يا أبا القاسم ، ~~يظهرون أنهم يريدون طلب المراعاة والانتظار ، وهم يريدون في الحقيقة ~~الإساءة إليه صلى الله عليه وسلم إذ أن هذه الكلمة عبرية كانوا يتسابون بها ~~يقصدون جعله راعيا من رعاة الغنم أو من الرعونة التي هي الحمق والخفة ، ~~فنهى الله تعالى المسلمين عن استعمال هذه الكلمة حتى لا يتخذها اليهود ~~وسيلة إلى إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم والتنقيص من شأنه. # قال قتادة : «كانت اليهود تقول للنبي صلى الله عليه وسلم راعنا سمعك ، ~~يستهزئون ms0238 بذلك وكانت هذه الكلمة في اليهود قبيحة». # وقال الإمام ابن كثير : «نهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يتشبهوا ~~بالكافرين في مقالهم وفعالهم ، PageV01P236 # وذلك أن اليهود كانوا يعلنون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من ~~التنقيص فإذا أرادوا أن يقولوا : اسمع لنا ، يقولوا راعنا يورون بالرعونة ~~كما قال تعالى : # ( @QUR@038 من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا ~~، واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ، ولو أنهم قالوا ~~سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ، ولكن لعنهم الله بكفرهم ~~، فلا يؤمنون إلا قليلا ). وكذلك جاءت الأحاديث بالإخبار عنهم بأنهم كانوا ~~إذا سلموا ، إنما يقولون السام عليكم والسام هو الموت ولهذا أمرنا أن نرد ~~عليهم بقولنا وعليكم ، وأنما يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا ، والغرض ~~أن الله تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولا وفعلا» (1). # وقال الإمام ابن تيمية : «كان المسلمون يقولون راعنا يا رسول الله وأرعنا ~~سمعك ، يعنون المراعاة ، وكانت هذه اللفظة سبا قبيحا بلغة اليهود فلما ~~سمعتها اليهود اغتنموها وقالوا فيما بينهم : كنا نسب محمدا سرا فأعلنوا له ~~الآن بالشتم ، وكانوا يأتونه ويقولون : راعنا يا محمد ويضحكون فيما بينهم ، ~~فسمعها «سعد بن معاذ» ففطن لهم ، وكان يعرف لغتهم فقال لليهود : عليكم لعنة ~~الله ، والذي نفسي بيده يا معشر اليهود لئن سمعتها من رجل منكم يقولها ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأضر بن عنقه ، فقالوا : أولستم تقولونها ، ~~فأنزل الله تعالى ( @QUR@07 يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا ) لكي لا ~~يتخذ اليهود ذلك سبيلا إلى شتم الرسول صلى الله عليه وسلم (2). # ثم أرشد الله تعالى المؤمنين إلى ما يقولونه بدل هذه الكلمة فقال تعالى : ~~( @QUR@02 وقولوا انظرنا ) أى : لا تقولوا تلك الكلمة وهي ( @QUR@01 راعنا ~~) أيها المؤمنون لئلا يتخذها اليهود ذريعة لسب نبيكم صلى الله عليه وسلم ~~وقولوا مكانها «انظرنا» أى : انتظرنا وتأن معنا حتى نفهم عنك ، من نظر ~~بمعنى انتظر تقول نظرت الرجل انظره إذا انتظرته وارتقبته ، وبهذا المعنى ~~ورد قوله تعالى ( @QUR@04 انظرونا نقتبس من نوركم ms0239 ) أى : انتظرونا نقتبس من نوركم. # فالآية الكريمة تنبيه وإرشاد إلى الأدب الجميل ، وهو أن يتجنب الإنسان في ~~مخاطباته الألفاظ التي توهم جفاء أو تنقيصا في مقام يقتضى إظهار مودة أو تعظيم. # ثم بين سبحانه مصير اليهود المؤلم جزاء تعديهم على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال : ( @QUR@03 وللكافرين عذاب أليم )، أى : لهؤلاء ~~اليهود الذين اتخذوا كلمة ( @QUR@01 راعنا ) وسيلة إلى سب الرسول ~~صلى الله عليه وسلم عذاب أليم جزاء كفرهم وتطاولهم وسفاهتهم. PageV01P237 # هذا ، وقد وردت أحاديث صحيحة صرحت بأن اليهود كانوا يحيون رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بكلام محرف لا يفطن له أكثر الناس يقصدون به الدعاء عليه ~~بالموت ، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يرد عليهم بما يكبتهم ويخزيهم ومن ~~هذه الأحاديث ما أخرجه البخاري عن أنس بن مالك قال : # 1 مر يهودي برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال السام عليك ، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم (وعليك)، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه ~~أتدرون ما يقول؟ قالوا : لا ، قال يقول (السام عليك) قالوا يا رسول الله ~~ألا نقتله. قال : (لا ، إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم) (1). # 2 وأخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت : # دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : # السام عليك قالت عائشة : ففهمتها ، فقلت : عليكم السام واللعنة ، قالت : ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «مهلا يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر ~~كله» فقلت يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا؟ قال «لقد قلت وعليكم» (2). # 3 وروى مسلم عن جابر بن عبد الله قال : «سلم ناس من اليهود على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقالوا السام عليك يا أبا القاسم فقال : «وعليكم» فقالت ~~عائشة وغضبت : ألم تسمع ما قالوا : قال بلى قد سمعت فرددت عليهم ، وإنما ~~نجاب ولا يجابون علينا» (3). # وإذن فالآية الكريمة وهي قوله تعالى : ( @QUR@07 يا أيها الذين آمنوا لا ~~تقولوا راعنا ) إلخ ، وهذه الأحاديث الشريفة تثبت أن اليهود ms0240 كانوا يستعملون ~~من بين مسالكهم الخبيثة لكيد الدعوة الإسلامية القول الملتوى القبيح ، ~~والخطاب المحرف السيئ ، ولكن الله تعالى أحبط خطتهم ، ونهى المؤمنين عن ~~استعمال الألفاظ التي كان يتخذها اليهود ذريعة لبلوغ مآربهم ، وكان الرسول ~~صلى الله عليه وسلم يرد عليهم بما يغيظهم ويخزيهم ، وبذلك ذهبت مكايد اليهود ~~أدراج الرياح وأيد الله تعالى رسوله والمؤمنين بقوته ونصره. # ثم نبه القرآن المؤمنين إلى ما يضمره لهم المشركون وأهل الكتاب وعلى ~~رأسهم اليهود من شرور وأحقاد فقال تعالى : PageV01P238 # ( @QUR@025 ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم ~~من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) (105) # ( @QUR@02 ما يود ) أى : ما يجب ، إذ الود محبة الشيء مع تمنيه ، يقال : ~~ود فلان كذا يوده ودا ومودة بمعنى أحبه وتمناه. # قال صاحب الكشاف : «ومن الأولى في الآية للبيان ، لأن الذين كفروا جنس ~~تحته نوعان ، أهل الكتاب والمشركون ، والثانية مزيدة لاستغراق الخير ~~والثالثة لابتداء الغاية» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@02 ما يود ).. إلخ الآية بيان لما يبيته الكافرون ~~خصوصا اليهود للمسلمين من حقد وكراهية وتحذير لهم من الاطمئنان إليهم ، ~~والثقة بهم. # وفي التعبير بقوله تعالى : ( @QUR@07 ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ) ~~دون ما يود أهل الكتاب تنبيه إلى أنهم قد كفروا بكتبهم ، لأنهم لو كانوا ~~مؤمنين بها لصدقوا محمدا صلى الله عليه وسلم الذي أمرتهم كتبهم بتصديقه ~~واتباعه. # وعطف عليهم المشركين ليدل على أن عبدة الأصنام أيضا يضاهون كفرة أهل ~~الكتاب ، في كراهة نزول أى خير على المؤمنين ، وأن الجميع يحسدونهم على ما ~~آتاهم الله من فضله عن طريق نبيه صلى الله عليه وسلم من دين قويم ، وقرآن كريم ~~، وهداية عظمى ، وأخوة شاملة ، وأمن بعد خوف ، وقوة بعد ضعف. # والخير : النعمة والفضل ، والمراد به في الآية الكريمة النبوة وما تبعها ~~من الوحى الصادق ، والقرآن العظيم المشتمل على الحكمة الرائعة والحجة ~~البالغة والبلاغة الباهرة والتوجيه النافع. # وأهل الكتاب قد كرهوا ذلك للمؤمنين لعنادهم وحسدهم ، وكراهتهم أن تكون ~~النبوة في رجل عربي ليس منهم. ms0241 # والمشركون كرهوا ذلك أيضا لأن في انتشار الإسلام ، وفي تنزيل الوحى على ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما يخيب آمالهم في إبطال الدعوة الإسلامية ، وإضعاف ~~شوكتها والنصر على أتباعها. # وقوله تعالى : ( @QUR@09 والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل ~~العظيم ). PageV01P239 # رد عليهم بما يكشف عن جهلهم وجهل جميع الحاسدين ، لأن الحاسد لغباوته ~~يسخط على قدر الله ، ويعترض عليه لإنعامه سبحانه على المحسود والله تعالى ~~هو صاحب التصرف المطلق في الإعطاء والمنع فكان من الواجب على هؤلاء الذين ~~لا يودون أن ينزل أى خير على المؤمنين أن يريحوا أنفسهم من هذا العناء ، ~~وأن يتحولوا عن ذلك الغباء ، لأن الله تعالى يهب خيره لمن يشاء. # والاختصاص بالشيء : الانفراد به ، تقول : اختص فلان بكذا أى انفرد به ، ~~ويستعمل متعديا إلى المفعول به ، فتقول : اخصصت فلانا بكذا أى أفردته به ~~وجعلته مقصورا عليه. وعلى هذا الوجه ورد الاختصاص في الآية الكريمة. # وقيد سبحانه اختصاص رحمته بمن يشاء ليعلم الناس جميعا ، أن إفراد بعض ~~عباده بالرحمة منوط بمشيئته وحدها ، وليس لأحد كائنا من كان أى تأثير في ذلك. # ومفعول المشيئة محذوف كما هو الشأن فيه إذا تقدم عليه كلام أو تأخر عنه. ~~أى : يختص برحمته من يشاء اختصاصه بها ، وهي تتناول النبوة. والقرآن ، ~~والنصر ، وكل ذلك مما لا يود الكافرون إنزاله على المؤمنين. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 والله ذو الفضل العظيم ) تذييل لما سبق أى كل ~~خير يناله العباد في دينهم أو دنياهم إنما هو من عنده تعالى يتفضل به عليهم ~~، وفي ذلك إشعار للحاسدين بأن يقلعوا عن حسدهم ، وتعريض باليهود وغيرهم ممن ~~حسدوا محمدا صلى الله عليه وسلم على أن آتاه الله النبوة ، فكأنه سبحانه يقول ~~لهم : إنى أصطفى للنبوة من أشاء من عبادي وهي لا تدرك بالأمانى ، ولكني ~~أهبها لمن هو أهل لها. # وبذلك تكون الآية الكريمة قد حذرت المؤمنين مما يبيته لهم الكافرون من ~~حقد وبغضاء وبشرتهم بأن ما يبيتونه لن يضرهم ما داموا معتصمين بكتاب ربهم ، ~~وسنة نبيهم. # ثم انتقل القرآن إلى الحديث ms0242 عن موضع النسخ الذي أثار اليهود حوله الشبهات ~~، وجادلوا فيه النبي صلى الله عليه وسلم . # لقد استنكر اليهود أن يبدل الله آية بآية ، أو حكما بحكم ، وقالوا : ألا ~~ترون إلى محمد صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمر ~~بخلافه ، ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا ، ما هذا من شأن الأنبياء وما هذا ~~القرآن إلا من كلام محمد ، يقوله من تلقاء نفسه ، وهو كلام يناقض بعضه بعضا. # ولم يترك القرآن الكريم تلك الشبهات التي أثارها اليهود حول شريعة ~~الإسلام بدون PageV01P240 # جواب ، بل أنزل الله تعالى آيات كريمة لدحضها وإزالتها من الصدور ، ~~ليزداد المؤمنون إيمانا ، وهذه الآيات هي قوله تعالى : # ( @QUR@019 ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن ~~الله على كل شيء قدير (106) @QUR@017 ألم تعلم أن الله له ملك السماوات ~~والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (107) @QUR@018 أم تريدون أن ~~تسئلوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء ~~السبيل ) (108) # والنسخ في اللغة الإبطال والإزالة ، يقال. نسخت الشمس الظل تنسخه ، إذا ~~أذهبته وأبطلته. # وفي عرف الشرع : بيان انتهاء مدة الحكم بخطاب لو لا هذا الخطاب لاستمر ~~الحكم على مشروعيته ، بمقتضى النص الذي تقرر به أولا. # وننسها من أنسى الشيء جعله منسيا. # فمعنى نسخ الآية في قوله تعالى : ( @QUR@04 ما ننسخ من آية ) رفع حكمها ~~مع بقائها. # ومعنى إنسائها في قوله تعالى : ( @QUR@01 ننسها ) رفع الآية من نظم ~~القرآن جملة. # وسمى رفع الآية من نظم القرآن جملة إنساء ، لأن من شأن ما لا يبقى في ~~النظم أن ينساه الناس لقلة جريانه على الألسنة بالتلاوة والاحتجاج به. # ويصح إبقاء الإنساء على حقيقته ، وهو إذهاب الآية من القلوب وإزالتها من ~~الحافظة ، بعد أن يقضى الله بنسخها. # وإنما قلنا بعد أن يقضى الله بنسخها ، لأن إنساء الناس آية لم تنسخ إضاعة ~~لشيء من القرآن ، والله يقول ( @QUR@07 إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له ~~لحافظون ) (1). PageV01P241 # ومما يدل على نسخ الآية المنساة ، أى ms0243 : انتهاء مدة التكليف بها قوله ~~تعالى : ( @QUR@05 نأت بخير منها أو مثلها ) أى نأت بخير من المنسية ~~المنسوخة أو مثلها ، فيكون قوله تعالى : ( @QUR@02 أو ننسها ) معبرا عن ~~حالة تعرض في بعض ما سيرفع من القرآن وهي أن ينساه الناس لذهابه من قلوبهم ~~، بعد أن يقضى الله بنسخه كما ذكرنا . # ووجه ذكر هذه الحال بوجه خاص ، أن ما ينسى لعدم حضوره في الذهن لا تعرف ~~الآيات التي تقوم مقامه ، فربما يقع في الوهم أنه ذهب من غير أن ينزل من ~~الآيات ما يغنى غناءه. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ننسأها بالهمزة ، من النساء وهو التأخير وعلى ~~هذه القراءة يحمل النسخ في قوله تعالى : ( @QUR@04 ما ننسخ من آية ) على ~~النوعين السابقين وهما : نسخ الآية حكما فقط ، ونسخها حكما وتلاوة. # ومعنى ننسأها تؤخر إنزالها إلى وقت ثان فلا ننزلها ، وننزل ما يقوم ~~مقامها في القيام بالمصلحة. # والخيرية والمماثلة في قوله تعالى : ( @QUR@05 نأت بخير منها أو مثلها ) ~~ترجع إلى ثواب العمل بها. فقد يكون ثواب العمل بالناسخة أوفر من ثواب العمل ~~بالمنسوخة قبل نسخها ، وقد يكون مماثلا له ، وإن كانت كل واحدة من الآيتين ~~الناسخة والمنسوخة بالنظر إلى الوقت المقدر للعمل بها ، أقوم على المصلحة ~~من الأخرى. # وبعد أن أثبت سبحانه أن النسخ جائز وواقع بقوله : ( @QUR@011 ما ننسخ من ~~آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ) ساق جملة كريمة في صورة الاستفهام ~~التقريرى ، مخاطبا بها الأمة الإسلامية في شخص نبيها صلى الله عليه وسلم لتكون ~~دليلا على هذا الثبوت ، وهذه الجملة هي قوله تعالى : ( @QUR@08 ألم تعلم أن ~~الله على كل شيء قدير ) والمعنى أن الله تعالى متمكن من أن يفعل ما يشاء ~~على الوجه الذي تقتضيه حكمته وإرادته ، ومن كان هذا شأنه فله أن يأمر في ~~وقت بأمر ، ثم ينسخه أو يستبدل به آخر لمقتضيات الظروف والأحوال. # ثم أقام سبحانه الدليل على كمال قدرته وشمولها لكل شيء فقال : # ( @QUR@017 ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض ، وما لكم من دون ~~الله من ولي ولا ms0244 نصير ). # والمعنى : أنه سبحانه مالك لجميع الكائنات العلوية والسفلية ، وأنه هو ~~المتصرف كما يشاء في ذواتها وأحوالها ، وأنه يتصرف في أمورهم ويجريها على ~~حسب ما يصلحهم ، وهو أعلم بما يتعبدهم به من ناسخ ومنسوخ وليس للناس من أحد ~~يتولى أمورهم ، ويعينهم على أعدائهم سواه ، ومن كان الله وليه ونصيره علم ~~يقينا أنه لا يفعل به إلا ما هو خير له في دنياه وأخراه. PageV01P242 # وإذن فأنتم أيها اليهود ما قدرتم الله حق قدره ، لزعمكم أن النسخ محال ~~على الله لأن المالك لكل شيء ، من حقه أن يمحو ما يشاء ويثبت ما يريد على ~~حسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته. # فالآية واقعة موقع الدليل على ما تضمنته الجملة السابقة من إحاطة قدرته ~~سبحانه بكل شيء. # ثم حذر القرآن الكريم المؤمنين من الاستماع إلى وساوس اليهود ، تثبيتا ~~لقلوبهم ، وتقوية لإيمانهم ، فقال تعالى : ( @QUR@018 أم تريدون أن تسئلوا ~~رسولكم كما سئل موسى من قبل ، ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل ~~) والمعنى : لا يصح لكم أيها المؤمنون أن تقترحوا على رسولكم محمد ~~صلى الله عليه وسلم مقترحات تتنافى مع الإيمان الحق كأن تسألوه أسئلة لا خير ~~من ورائها لأنكم لو فعلتم ذلك لصرتم كبني إسرائيل الذين طلبوا من نبيهم ~~موسى عليه السلام بعد أن جاءهم بالبينات مطالب تدل على تعنتهم وجهلهم فقالوا ~~له : ( @QUR@03 أرنا الله جهرة ) (1) وقالوا له : ( @QUR@06 اجعل لنا إلها ~~كما لهم آلهة ) (2) ولو صرتم مثلهم لكنتم ممن يختار الكفر على الإيمان ، ~~ولخرجتم عن الصراط المستقيم الذي يدعوكم إليه نبيكم صلى الله عليه وسلم . # والاستفهام في الآية الكريمة للإنكار ، وفي أسلوبها مبالغة في التحذير من ~~الوقوع فيما وقع فيه اليهود من تعنت مع رسولهم ، إذ جعل محط الإنكار ~~إرادتهم للسؤال ، وفي النهى عن إرادة الشيء ، نهى عن فعله بأبلغ عبارة. # ثم نبه الله تعالى عباده المؤمنين إلى ما يضمره لهم اليهود من أحقاد ~~وشرور فقال تعالى : # ( @QUR@033 ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا ~~من عند أنفسهم من بعد ما ms0245 تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره ~~إن الله على كل شيء قدير ) (109) PageV01P243 # ومعنى الآية الكريمة : أحب وتمنى عدد كثير من اليهود الذين هم أهل كتاب ، ~~أن ينقلوكم أيها المؤمنون من الإيمان إلى الكفر ، حسدا لكم وبغضا لدينكم ، ~~من بعد ما ظهر لهم أنكم على الحق باتباعكم محمدا صلى الله عليه وسلم فلا ~~تهتموا بهم ، بل قابلوا أحقادهم وشرورهم بترك عقابهم ، والإعراض عن أذاهم ، ~~حتى يأذن الله لكم فيهم بما فيه خيركم ونصركم ، فإنه سبحانه على كل شيء قدير». # وقوله تعالى : ( @QUR@011 ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد ~~إيمانكم كفارا ) بيان للون من ألوان الشرور التي يضمرها أهل الكتاب وعلى ~~رأسهم اليهود ، وهو تمنيهم ارتداد المسلمين عن دينهم الحق ، إلى الكفر الذي ~~أنقذهم الله تعالى منه. # وإنما أسند سبحانه هذا التمني الذميم إلى الكثرة منهم ، إنصافا للقلة ~~المؤمنة التي لم ترتض أن ينتقل المسلمون إلى الكفر بعد أن هداهم الله إلى ~~الإسلام. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 من بعد إيمانكم ) مبالغة في ذمهم بسبب ما تمنوه ~~وأحبوه إذ ودوا وهم أهل كتاب أن يحل الكفر محل الإيمان ، وفيه إشعار بأن ما ~~تمنوه بعيد الحصول ؛ لأن الإيمان متى خالطت بشاشته القلوب ، منع صاحبه من ~~الانتقال إلى الكفر. # ثم بين سبحانه أن الذي حملهم على هذا التمني الذميم هو الحقد والحسد ، ~~فقال تعالى : ( @QUR@010 حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ) أى ~~: أن هذا التمني لم يكن له من سبب أو علة سوى الحسد الذي استولى على نفوسهم ~~، واستحوذ على قلوبهم فجعلهم يحسدون المؤمنين على نعمة الإيمان ويتمنون ~~التحول عنه إلى الكفر ، فالجملة الكريمة علة لما تضمنته الجملة السابقة من ~~محبتهم نقل المؤمنين إلى الكفر. # قال فضيلة المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين : «والحسد : قلق النفس من رؤية ~~نعمة يصيبها إنسان ، وينشأ عن هذا القلق تمنى زوال تلك النعمة عن الغير ~~وتمنى زوال النعم مذموم بكل لسان ، إلا نعمة أصابها فاجر أو جائر يستعين ~~بها على الشر والفساد ، فإن تمنى ms0246 زوالها كراهية للجور والفساد لا يدخل في ~~قبيل الحسد المذموم فإن لم تتمن زوال النعمة عن شخص وإنما تمنيت لنفسك ~~مثلها فيه الغبطة والمنافسة ، وهي محمودة لأنها قد تنتهي بالشخص إلى اكتساب ~~محامد لو لا المنافسة لظل في غفلة عنها ، والحسد قد يهجم على الإنسان ولا ~~يكون في وسعه دفعه لشدة النفرة بينه وبين المحسود ، وإنما يؤاخذ الإنسان ~~على رضاه به ، وإظهار ما يستدعيه من القدح في المحسود ، والقصد إلى إزالة ~~النعمة عنه» (1). PageV01P244 # وقوله تعالى : ( @QUR@03 من عند أنفسهم ) إعلام للمؤمنين ، بأن هؤلاء ~~اليهود لم يؤمروا بذلك في كتابهم ، بل إن كتابهم لينهاهم عن هذا الخلق ~~الذميم ولكنهم لخبث نفوسهم وسوء طباعهم ، رسخ الحسد في قلوبهم لدرجة يعسر ~~معها صرفه عنهم ، أو صرفهم عنه. # والجملة الكريمة ( @QUR@04 حسدا من عند أنفسهم ) تدل على أن أولئك اليهود ~~يعتقدون صحة دين الإسلام ، إذ الإنسان لا يحسد غيره على دين إلا إذا عرف في ~~نفسه صحته ، وأنه طريق الفوز والفلاح. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 من بعد ما تبين لهم الحق ) يدل على أن محبة ~~اليهود لتحويل المؤمنين من الكفر إلى الإيمان وقعت ، بعد أن ظهر لهم صدق ~~النبي صلى الله عليه وسلم وبعد أن تبين لهم أن الصفات التي وردت في التوراة ~~بشأن المبشر به ، لا تنطبق إلا عليه ، وإذا فكفرهم به لم يكن عن جهل وإنما ~~كان عن عناد وجمود على الباطل ، وذلك هو شأن أحبارهم الذين كانوا على علم ~~بالتوراة ، وبتبشيرها بالنبي صلى الله عليه وسلم . # ثم أمر الله تعالى المؤمنين في ختام الآية أن يقابلوا شرور اليهود بالعفو ~~والصفح ، وأن يوادعوهم إلى حين فقال تعالى : ( @QUR@012 فاعفوا واصفحوا حتى ~~يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير ). # العفو : ترك العقاب على الذنب. والصفح : ترك المؤاخذة عليه ، فكل صفح عفو ~~ولا عكس. # والمعنى : عليكم أيها المؤمنون أن تتركوا معاقبة أولئك اليهود الحاسدين ~~وأن تعرضوا عن رفع السيف في وجوههم حتى يأذن الله لكم في أن تشفوا صدوركم ~~منهم ، ويبيح قتالهم الذي يترتب عليه نصركم ، إذ ms0247 أن كل شيء داخل تحت سلطان ~~قدرته تعالى . # فالمراد بالأمر في قوله تعالى : ( @QUR@04 حتى يأتي الله بأمره ) الإذن ~~للمسلمين بقتالهم في الوقت الذي يختاره الله تعالى لهم ، عند ما تكون لهم ~~القوة التي يتمكنون بها من جهاد أعدائهم. # قال صاحب المنار : قال الأستاذ الإمام : «وفي أمره تعالى لهم بالعفو ~~والصفح إشارة إلى أن المؤمنين على قلتهم هم أصحاب القدرة والشوكة لأن الصفح ~~إنما يطلب من القادر على خلافه كأنه يقول : لا يغرنكم أيها المؤمنون كثرة ~~أهل الكتاب مع باطلهم ، فإنكم على قلتكم أقوى منهم بما أنتم عليه من الحق ، ~~فعاملوهم معاملة القوى العادل ، للضعيف الجاهل وفي إنزال المؤمنين على ~~قلتهم منزلة الأقوياء ، ووضع أهل الكتاب على كثرتهم موضع الضعفاء ، إيذان ~~بأن أهل الحق هم المؤيدون بالعناية الإلهية ، وأن العزة لهم ما ثبتوا على ~~حقهم ، ومهما يتصارع الحق PageV01P245 # والباطل فإن الحق هو الذي يصرع الباطل كما قلنا غير مرة ، وإنما بقاء ~~الباطل في غفلة الحق عنه» (1). # وقد أكد الله تعالى وعده بقوله : ( @QUR@06 إن الله على كل شيء قدير ) أى ~~أن كل شيء داخل تحت قدرته النافذة التي لا يعجزها شيء. # وقد أنجز الله تعالى وعده ، فأذن للمؤمنين في الوقت المناسب بقتال اليهود ~~وتأديبهم ، وقد ترتب على ذلك النصر للمؤمنين ، والطرد والقتل لليهود ~~الحاقدين. # وبعد أن أمر القرآن المؤمنين في الآية السابقة بالعفو والصفح عن أعدائهم ~~لأن الحكمة تجعل العفو والصفح خيرا من العقوبة والتأنيب ، انتقل بعد ذلك ~~إلى أمرهم بالمحافظة على الشعائر التي تطهر قلوبهم ، وتزكى نفوسهم فقال ~~تعالى : # ( @QUR@017 وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه ~~عند الله إن الله بما تعملون بصير ) (110) # فقد أمرهم سبحانه في هذه الآية بالمواظبة على عمودي الإسلام وهما العبادة ~~البدنية التي تؤكد حسن صلة العبد يخالقه وهي الصلاة والعبادة المالية التي ~~تؤلف بين قلوب الموسرين والمعسرين وهي الزكاة. # وجاءت جملة ( @QUR@08 وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ) بعد ~~ذلك ، لترغبهم في فعل الخير على وجه عام ، ولتحثهم على التزود من الأعمال ms0248 ~~الصالحة سواء أكانت فرضا أم نفلا. # وقال ( @QUR@01 لأنفسكم ) للإشعار بأن ما يقدمه المؤمن من خير إنما يعود ~~نفعه إليه ، وأنه سيجد عند الله نظير ذلك الثواب الجزيل ، والأجر العظيم ، ~~وفي قوله ، عند الله ، إشارة إلى ضخامة الثواب ، لأنه صادر من الغنى ~~الحميد. # وجاءت جملة «إن الله بما تعلمون بصير» لتأكيد ذلك الوعد ، فقد دلت على أن ~~الله تعالى لا يخفى عليه عمل عامل قليلا كان أو كثيرا. وإذا كان عالما ~~محيطا بكل عمل يصدر من الإنسان ، كانت الأعمال محفوظة عنده تعالى ، فلا ~~يضيع منها عمل دون أن يلقى العامل جزاء يوم الدين. PageV01P246 # وفي إعادة ذكر اسم الجلالة في هذه الجملة مع تقدم ذكره في قوله : ( ~~@QUR@03 تجدوه عند الله ) إشعار باستقلال هذه الجملة ، وبشدة الاهتمام ~~بالمعنى الذي تضمنته. # كذلك من فوائد إظهار اسم الجلالة في مقام يجوز فيه الإضمار ، أن تكون ~~الجملة كحكمة تقال عند كل مناسبة ، بخلاف ما لو أتى بدل الاسم الظاهر ~~بالضمير فإن إلقاءه عند المناسبة يستدعى أن تذكر الجملة السابقة معها حتى ~~يعرف المراد من الضمير. # ثم حكى القرآن لونا من ألوان المزاعم الباطلة التي درج عليها أهل الكتاب ~~، ورد عليها بما يبطلها فقال : # ( @QUR@018 وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم ~~قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (111) @QUR@017 بلى من أسلم وجهه لله وهو ~~محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) (112) # الضمير في «قالوا» يعود على أهل الكتاب من الفريقين. # والهود : جمع هائد أى متبع اليهودية وقدمهم القرآن الكريم على النصارى ~~لتقدمهم في الزمان. # والمعنى : وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هودا ، وقالت النصارى ~~لن يدخلها إلا من كان نصرانيا ، إلا أن الآية الكريمة سلكت في طريق الإخبار ~~عما زعموه مسلك الإيجاز ، فحكت القولين في جملة واحدة ، وعطفت أحد الفريقين ~~على الآخر بحرف «أو» ثقة بفهم السامع ، وأمنا من اللبس ، لما عرف من ~~التعادي بين الفريقين ، وتضليل كل واحد منهما لصاحبه ، ونظير هذه الآية ~~قوله تعالى حكاية ms0249 عنهم ( @QUR@06 وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا ) أى : ~~قالت اليهود : كونوا هودا تهتدوا ، وقالت النصارى : كونوا نصارى تهتدوا. # ولذا قال الإمام ابن جرير : «فإن قال قائل : وكيف جمع اليهود والنصارى في ~~هذا الخبر مع اختلاف مقالة الفريقين ، واليهود تدفع النصارى عن أن يكون لها ~~في ثواب الله نصيب ، والنصارى تدفع اليهود عن مثل ذلك؟ # قيل : إن معنى ذلك بخلاف الذي ذهبت إليه ، وإنما عنى به وقالت اليهود : ~~لن يدخل الجنة PageV01P247 # إلا من كان هودا ، وقالت النصارى : لن يدخل الجنة إلا النصارى ، ولكن ~~معنى الكلام لما كان مفهوما عند المخاطبين به جمع الفريقان في الخبر عنهما ~~فقيل : ( @QUR@010 وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@02 تلك أمانيهم ) جملة معترضة قصد بها بيان أن ما ~~يدعونه من أن الجنة خاصة بهم ، ما هو إلا أمانى منهم يتمنونها على الله ~~بغير حق ولا برهان. سولتها لهم أنفسهم التي استحوذ عليها الشيطان فخدعها ~~بالأباطيل والأكاذيب. # واسم الإشارة «تلك» مشار به إلى ما تضمنه قوله تعالى : ( @QUR@010 وقالوا ~~لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ) وهو يتضمن أمانى كثيرة : منها ، ~~أن اليهود أمنيتهم أنه لن يدخل الجنة غيرهم ، والنصارى كذلك أمنيتهم أنهم ~~هم وحدهم أصحاب الجنة ، وكلا الفريقين يعتقد أن المسلمين ليسوا أهلا لها ، ~~ولهذا جاء خبر اسم الإشارة جمعا فقال تعالى ( @QUR@02 تلك أمانيهم ). # ويرى صاحب الكشاف أن المشار إليه أمور قد تعددت لفظا وحكاها القرآن عنهم ~~في قوله ( @QUR@016 ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل ~~عليكم من خير من ربكم ) وفي قوله : ( @QUR@015 ود كثير من أهل الكتاب لو ~~يردونكم من بعد إيمانكم كفارا ، حسدا من عند أنفسهم ) وفي قوله : ( ~~@QUR@010 وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى )، وعبارته : # فإن قلت : لم قيل ( @QUR@02 تلك أمانيهم ) وقولهم لن يدخل الجنة أمنية ~~واحدة؟ قلت : أشير بها إلى الأمانى المذكورة وهو أمنيتهم أن لا ينزل على ~~المؤمنين خير من ربهم ، وأمنيتهم أن يردوهم كفارا ، وأمنيتهم ألا يدخل ms0250 ~~الجنة غيرهم. أى تلك الأمانى الباطلة أمانيهم (2). # ويرى صاحب الانتصاف : أن المشار إليه واحد وهو قولهم ( @QUR@09 لن يدخل ~~الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ) وجمع لإفادة أن تلك الأمنية قد تمكنت من ~~نفوسهم وأشربتها قلوبهم. فقال : والجواب القريب أنهم لشدة تمنيهم لهذه ~~الأمنية ، ومعاودتهم لها ، وتأكدها في نفوسهم جمعت ليفيد جمعها أنها متأكدة ~~في قلوبهم بالغة منهم كل مبلغ ، والجمع يفيد ذلك ، وإن كان مؤداه واحدا ~~ونظيره قولهم : معى جياع ، فجمعوا الصفة ومؤداها واحد ، لأن موصوفها واحد ، ~~تأكيدا لثبوتها وتمكنها ، وهذا المعنى أحد ما روى في قوله تعالى : ( ~~@QUR@04 إن هؤلاء لشرذمة قليلون ) (3) فإنه جمع «قليلا» وقد كان الأصل ~~إفراده فيقال «لشرذمة قليلة» كقوله تعالى ( @QUR@04 كم من فئة قليلة ) لو ~~لا ما قصد إليه من تأكيد القلة بجمعها ، ووجه إفادة الجمع في مثل هذا ~~التأكيد ، أن الجمع PageV01P248 # يفيد بوضعه الزيادة في الآحاد فنقل إلى تأكيد الواحد ، وإبانته زيادة على ~~نظرائه ، نقلا مجازيا بديعا فتدبر هذا الفصل فإنه من نفائس صناعة البيان ~~والله المرفق» (1). # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يطالبهم بالدليل على صحة ما ~~يدعون ، فقال تعالى «قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين». # أى قل يا محمد لهؤلاء الزاعمين أن الجنة لهم خاصة من دون الناس ، هاتوا ~~حجتكم على خلوص الجنة لكم ، إن كنتم صادقين في دعواكم ، لأنه لما كانت ~~دعواهم الاختصاص بدخول الجنة لا تثبت إلا بوحي من الله وليس لمجرد التمني ، ~~أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يطالبهم بالدليل من كتبهم على صحة ~~دعواهم ، وهذه المطالبة من قبيل التعجيز لأن كتبهم خالية مما يدل على صحتها. # قال الإمام ابن جرير : «وهذا الكلام وإن كان ظاهره دعاء القائلين ( ~~@QUR@09 لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ) إلى إحضار حجة على ~~دعواهم ، فإنه بمعنى التكذيب من الله لهم في دعواهم وقيلهم ، لأنهم ليسوا ~~بقادرين على إحضار برهان على دعواهم تلك أبدا» (2). # هذا ، ويؤخذ من الآية الكريمة بطلان التقليد في أمور الدين ، وهو ms0251 قبول ~~قول الغير مجردا من الدليل ، فلا ينبغي للإنسان أن يقرر رأيا في الدين إلا ~~أن يسنده إلى دليل ، كما أنه لا يقبل من غيره قولا إلا أن يكون مؤيدا بدليل. # أما عدم صحة التقليد في أصول الدين : أى فيما يرجع إلى حقيقة الإيمان ~~فالأمر فيه جلى ، لأنه يكتفى في إيمان الشخص بأى دليل ينشرح به صدره ~~للإسلام ، وتحصل له به الطمأنينة ، كأن يستمد إيمانه بالله من التنبيه ~~لحكمة الله في إتقان المخلوقات ، أو في رعاية اللطف والرفق بالإنسان ، ~~ويستمد إيمانه بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم من الاستماع إلى القران الكريم ~~، أو من سيرته التي لم يظهر بمثلها أو بما يقرب منها بشر غير رسول ، والقصد ~~أن لا يكون إسلامه لمجرد أنه في بيئة إسلامية أو ولد من أب وأم مسلمين. # وأما التقليد في الفروع أى في الأحكام العملية ، فالناس بالنظر إلى ~~القدرة على تمييز الخطأ من الصواب درجات ، فمن له قدرة على فهم الأدلة ~~ومعرفة الراجح من الأحكام ، لا يجوز أن يتلقى الحكم من غيره إلا مقرونا ~~بدليل ، وإن كان قاصرا عن هذه الدرجة أخذ بما يفتيه به العالم PageV01P249 # المشهود له بالرسوخ في علم الشريعة ، والمعروف بالمحافظة على لباس التقوى ~~ما استطاع» (1). # ثم أبطل القرآن الكريم مدعاهم بطريق آخر وهو إيراد قاعدة كلية رتبت دخول ~~الجنة على الإيمان والعمل الصالح بلا محاباة لأمة أو لجنس أو لطائفة فقال ~~تعالى : # ( @QUR@017 بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون ). # ( @QUR@01 بلى ) حرف يذكر في الجواب لإثبات المنفي في كلام سابق ، وقد ~~صدرت الآية التي معنا بحرف «بلى» لإثبات ما نفوه وهو دخول غيرهم الجنة ممن ~~لم يكن لا من اليهود ولا من النصارى ، مادام قد أسلم وجهه لله وهو محسن. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 أسلم وجهه لله ) المراد به اتجه إليه ، وأذعن ~~لأمره ، وأخلص له العبادة ، وأصل معناه الاستسلام والخضوع. # وخص الله تعالى الوجه دون سائر الجوارح بذلك ، لأنه أكرم الأعضاء وأعظمها ~~حرمة ، فإذا ms0252 خضع الوجه الذي هو أكرم أعضاء الجسد فغيره من أجزاء الجسد أكثر خضوعا. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 وهو محسن ) من الإحسان ، وهو أداء العمل على وجه ~~حسن أى : مطابق للصواب وهو ما جاء به الشرع الشريف. # والمعنى : ليس الحق فيما زعمه كل فريق منكم يا معشر اليهود والنصارى من ~~أن الجنة لكم دون غيركم ، وإنما الحق أن كل من أخلص نفسه لله ، وأتى بالعمل ~~الصالح على وجه حسن ، فإنه يدخل الجنة ، كما قال تعالى : ( @QUR@010 فله ~~أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ). # وقد أفادت الآية الكريمة ما يأتى : # (أ) إثبات ما نفوه من دخول غيرهم الجنة. # (ب) بيان أنهم ليسوا من أهل الجنة ، إلا إذا أسلموا وجوههم لله ، وأحسنوا ~~له العمل فيكون ذلك ترغيبا لهم في الإسلام ، وبيانا لمفارقة حالهم لحال من ~~يدخل الجنة ، لكي يقلعوا عما هم عليه ، ويعدلوا عن طريقتهم المعوجة. # (ج) بيان أن العمل المقبول عند الله تعالى يجب أن يتوفر فيه أمران : # أولهما : أن يكون خالصا لله وحده. # ثانيهما : أن يكون مطابقا للشريعة التي ارتضاها الله تعالى وهي شريعة ~~الإسلام. PageV01P250 # قال الإمام ابن كثير : «فمتى كان العمل خالصا ولم يكن صوابا لم يتقبل ، ~~ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» ~~فعمل الرهبان ومن شابههم وإن فرض أنهم مخلصون فيه لله فإنه لا يتقبل منهم ~~حتى يكون ذلك متابعا للرسول صلى الله عليه وسلم المبعوث فيهم وإلى الناس كافة ~~، وفي أمثالهم قال الله تعالى ( @QUR@09 وقدمنا إلى ما عملوا من عمل ~~فجعلناه هباء منثورا ) وأما إن كان العمل موافقا للشريعة في الصورة الظاهرة ~~، ولكن لم يخلص عامله القصد لله ، فهو أيضا مردود على فاعله ، وهذا حال ~~المرائين والمنافقين ولهذا قال تعالى : ( @QUR@013 فمن كان يرجوا لقاء ربه ~~فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) (1). # وبذلك تكون الآيتان الكريمتان قد أبطلتا دعوى اليهود أن الجنة لهم دون ~~غيرهم ، وأثبتتا أن مزاعمهم هذه ما هي إلا من قبيل الأمانى والأوهام ~~وكذبتهم ms0253 في أن يكون عندهم أى برهان أو دليل على ما يدعون ثم أصدرتا حكما ~~عاما وهو أن الجنة ليست خاصة لطائفة دون أخرى ، وإنما هي لكل من أسلم وجهه ~~لله وهو محسن. # ثم بين القرآن بعد ذلك أن أهل الكتاب قد دأبوا على تضليل بعضهم البعض ، ~~وأن الخلاف بينهم قد أدى إلى التنازع والتخاصم فقال : # ( @QUR@031 وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود ~~على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم ~~بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) (113) # فالآية الكريمة معطوفة على قوله تعالى قبل ذلك : ( @QUR@010 وقالوا لن ~~يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ).. إلخ ، لزيادة بيان طبيعة أهل ~~الكتاب ، المعوجة ، وأن رمى المخالف لهم بأنه ضال شنشنة فيهم. # والشيء : يطلق على الموجود ، أو ما يصح أن يعلم ويخبر عنه ، وقد ينفى ~~مبالغة في عدم الاعتداد به واليهود كفرت عيسى عليه السلام وما زالوا يزعمون ~~أن المسيح المبشر به في التوراة لم يأت ، وسيأتى بعد ، فهم يعتقدون أن ~~النصارى باتباعهم له ليسوا على أمر حقيقى من PageV01P251 # التدين ، والنصارى تكفر اليهود لعدم إيمانهم بالمسيح الذي جاء لإتمام ~~شريعتهم ، ونشأ عن هذا النزاع عداوة اشتدت بها الأهواء والتعصب حتى صار كل ~~فريق منهم يطعن في دين الآخر ، وينفى عنه أن يكون له أصل من الحق. # وجملة ( @QUR@03 وهم يتلون الكتاب ) حالية ، والكتاب للجنس. أى : قالوا ~~ذلك وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب ، إذ اليهود يقرءون التوراة ~~والنصارى يقرءون الإنجيل ، وحق من حمل التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب ~~الله وآمن به ألا يكفر بالباقي ، لأن كل واحد من الكتابين مصدق للثاني ، ~~شاهد بصحته وكذلك كتب الله جميعا متواردة على تصديق بعضها البعض. # وقوله : ( @QUR@07 كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم ) معناه : كما أن ~~أهل الكتاب قد قال كل فريق منهم فيمن خالفه إنه ليس على شيء من الدين الحق. ~~فكذلك قال الذين لا يعلمون ، وهم مشركو العرب ، في شأن المسلمين : إنهم ~~ليسوا على ms0254 شيء من الدين الحق ، فتشابهت قلوب هؤلاء وقلوب أولئك في الزيغ ~~والضلال. # والهدف الذي ترمى إليه هذه الجملة ، هو أن إنكار اليهود والنصارى لرسالة ~~محمد صلى الله عليه وسلم لا ينبغي أن يثير شبهة على عدم صحتها ، حيث يسبق إلى ~~أذهان الضعفاء من الناس أن تلاوتهم للكتاب تجعلهم أعرف بالنبوة الصادقة من ~~غيرها. فكأن القرآن يقول : إن تلاوتهم للكتاب وحدها لا ينبغي أن تكون شبهه. # ألا ترون اليهود والنصارى وهم يتلون الكتاب كيف أنكر كل فريق منهما أن ~~يكون الآخر على شيء حقيقى من التدين ، فسبيلهم في إنكار دين الإسلام كسبيل ~~المشركين الذين أنكروه عن جهالة به. # وفي هذه الجملة توبيخ شديد لأهل الكتاب ، حيث نظموا أنفسهم مع علمهم في ~~سلك من لا يعلم. # وقوله : ( @QUR@09 فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ~~). صدر بالفاء ، لأن التوعد بالحكم بينهم يوم القيامة ، وإظهار ما أكنته ~~ضمائرهم من الهوى والضلال ، متفرع عن هذه المقالات ومسبب عنها ، وهو خبر ~~المقصود منه التوبيخ والوعيد. # والضمير المجرور بإضافة بين إليه راجع إلى الفرق الثلاث ، وما كانوا فيه ~~يختلفون يعم ما ذكر وغيره وقيل الضمير يعود على اليهود والنصارى. # والاختلاف : تقابل رأيين فيما ينبغي انفراد الرأى فيه. PageV01P252 # ولم تصرح الآية الكريمة بما ذا يحكم الله بينهم ، لأنه من المعلوم أن من ~~مظاهر حكم الله يوم القيامة إثابة من كان على حق ، وعقاب من كان على باطل. # وبذلك تكون الآية الكريمة قد فضحت أهل الكتاب ، حيث بينت كيف أن كل فريق ~~منهم قد رمى صاحبه بالضلال ، وفي هذا تثبيت للمؤمنين ونهى لهم عن أن ينهجوا نهجهم. # ثم تحدث القرآن عن سوء عاقبة من يسعى في خراب بيوت الله ، فقال : # ( @QUR@030 ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في ~~خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في ~~الآخرة عذاب عظيم ) (114) # ويرى بعض المفسرين أن هذه الآية نزلت في شأن الرومانيين الذين غزوا بيت ~~المقدس وخربوه. ويرى آخرون ms0255 أنها نزلت في كفار قريش حين منعوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية. # وكيفما كان سبب النزول ، فالآية تشمل بذمها ووعيدها ، كل من منع مساجد ~~الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها. # ومن اسم استفهام يراد منه النفي ، أى : لا أظلم. والمساجد : جمع مسجد ، ~~وهو المكان الخاص للعبادة ، مأخوذ من السجود ، وهو وضع الجبهة على الأرض ~~خضوعا لله وتعظيما. # والظلم : الاعتداء على حق الغير ، بالتصرف فيه بما لا يرضى به ، ويطلق ~~على وضع الشيء في غير ما يستحق أن يوضع فيه ، والمعنيان واضحان هنا. # وذكر اسم الله كناية عما يؤدى فيها من العبادات ، إذ لا تكاد عبادة تخلو ~~من ذكر اسمه تعالى : # والسعى في الأصل : المشي بسرعة في معنى الطلب والعمل. # والخراب : ضد التعمير ، ويستعمل لمعنى تعطيل المكان وخلوه مما وضع له. # قال القرطبي : «وخراب المساجد قد يكون حقيقيا ، كتخريب بختنصر والرومان لبيت PageV01P253 # المقدس حيث قذفوا فيه القاذورات وهدموه. ويكون مجازا كمنع المشركين حين ~~صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام ، وعلى الجملة فتعطيل ~~المساجد عن الصلاة وإظهار شعائر الإسلام فيها خراب لها» (1). # والمعنى : لا أحد أظلم ممن حال بين المساجد وبين أن يعبد فيها الله ، ~~وعمل في خرابها بالهدم كما فعل الرومان وغيرهم ببيت المقدس. أو بتعطيلها عن ~~العبادة كما فعل كفار قريش ، فهو مفرط في الظلم بالغ فيه أقصى غاية. # قال صاحب الكشاف : «فإن قلت : فكيف قيل مساجد الله ، وإنما وقع المنع ~~والتخريب على مسجد واحد هو بيت المقدس أو المسجد الحرام؟ قلت لا بأس أن ~~يجيء الحكم عاما ، وإن كان السبب خاصا ، كما تقول لمن آذى صالحا واحدا : ~~ومن أظلم ممن آذى الصالحين ، كما قال عز وجل : ( @QUR@03 ويل لكل همزة ) ~~والمنزول فيه هو الأخنس بن شريق» (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@08 أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين ) معناه ~~: ما ينبغي لأولئك الذين يحولون بين المساجد وذكر الله ويسعون في خرابها أن ~~يدخلوها إلا خائفين من الله تعالى لمكانها ms0256 من الشرف والكرامة بإضافتها إليه ~~تعالى أو إلا خائفين من المؤمنين أن يبطشوا بهم ، فضلا عن أن يستولوا عليها ~~ويمنعوا المؤمنين منها. # قال ابن كثير : «وفي هذا بشارة من الله للمسلمين بأنه سيظهرهم على المسجد ~~الحرام ، ويذل لهم المشركين حتى لا يدخل المسجد الحرام واحد منهم إلا خائفا ~~يخاف أن يؤخذ فيعاقب ، أو يقتل إن لم يسلم ، وقد أنجز الله هذا الوعد فمنع ~~المشركين من دخول المسجد الحرام ، وذلك أنه بعد أن تم فتح مكة للمسلمين أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم من العام القابل مناديا ينادى برحاب منى «ألا لا ~~يحجن بعد العام مشرك ، ولا يطوفن بالبيت عريان ، ومن كان له أجل فأجله إلى ~~مدته». وعند ما حج النبي صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع لم يجترئ. أحد من ~~المشركين أن يحج أو أن يدخل المسجد الحرام. وهذا هو الخزي في الدنيا لهم ، ~~المشار إليه بقوله تعالى : ( @QUR@04 لهم في الدنيا خزي ) لأن الجزاء من ~~جنس العمل (3). # ثم ختمت الآية الكريمة ببيان عاقبة هؤلاء الساعين في خراب مساجد الله ~~فقال تعالى : ( @QUR@09 لهم في الدنيا خزي ، ولهم في الآخرة عذاب عظيم ). ~~أى : لهم في الدنيا هوان وذلة بسبب ظلمهم وبغيهم ، ولهم في الآخرة عذاب ~~عظيم يخلدون معه في النار. وليس هناك أشقى ممن PageV01P254 # يعيش دنياه في هوان وذلة ، ثم ينتقل إلى أخراه فيجد مصيره العذاب الأليم ~~الذي لا يموت فيه ولا يحيا. # ثم أخذ القرآن في تسلية المسلمين الذين أخرجوا من مكة وفارقوا المسجد ~~الحرام ، مبينا لهم أن الجهات كلها لله تعالى فقال : # ( @QUR@012 ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع ~~عليم ) (115) # المشرق والمغرب : مكان شروق الشمس وغروبها ، والمراد بهما هنا جميع جهات ~~الأرض واللام في قوله : «ولله» تفيد معنى الملك. # والتولية : التوجه من جهة إلى أخرى. و (ثم) اسم إشارة للمكان. # والوجه : الجهة ، فوجه الله الجهة التي ارتضاها وأمر بالتوجه إليها وهي ~~القبلة. # والمعنى : أن جميع الأرض ملك لله وحده ، ففي أى مكان من المشرق والمغرب ms0257 ~~توليتم شطر القبلة التي أمركم الله بها ورضيها لكم ، فهناك جهته سبحانه ~~التي أمرتم بها ، والتي تبرأ ذممكم باستقبالها. # ومعنى هذا : الإذن بإقامة الصلاة في أى مكان من الأرض دون أن تختص بها ~~المساجد ، ففي الحديث الشريف : «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا». # وكأن الآية تومي ، إلى أن سعى أولئك الظالمين في منع المساجد من ذكره ~~تعالى وتخريبها ، لا يمنع من أداء العبادة لله تعالى : لأن له المشرق ~~والمغرب وما بينهما ، فأينما حل الإنسان وتحرى القبلة المأمور بالتوجه ~~إليها فهناك جهة الله المطلوب منه استقبالها. # وذيلت الآية بقوله ( @QUR@04 إن الله واسع عليم ) لإفادة سعة ملكه أو سعة ~~تيسيره على عباده في أمر الدين. أى : إن الله يسع خلقه جميعا برحمته ~~وتيسيره وجوده وهو عليم بأعمالهم لا يخفى عليه عمل عامل أينما كان وكيفما كان. # ثم حكى القرآن بعض الأقاويل الباطلة التي افتراها أصحاب القلوب المريضة ~~فقال تعالى : # ( @QUR@014 وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل ~~له قانتون (116) @QUR@011 بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول ~~له كن فيكون ) (117) PageV01P255 # قوله تعالى : ( @QUR@04 وقالوا اتخذ الله ولدا ) معطوف على قوله تعالى ~~قبل ذلك وقالت اليهود ليست النصارى على شيء إلخ». # واتخذ : من الاتخاذ وهو الصنع والجعل والعمل. والولد : يطلق على الذكر ~~والأنثى ، والواحد والجمع. # والذين قالوا اتخذ الله ولدا هم اليهود والنصارى والمشركون ، فقد حكى ~~الله عن اليهود أنهم قالوا : ( @QUR@03 عزير ابن الله ) وحكى عن النصارى ~~أنهم قالوا : ( @QUR@03 المسيح ابن الله ) وحكى عن المشركين أنهم قالوا ~~«الملائكة بنات الله» فيصح أن يكون الضمير في قالوا عائدا على الفرق الثلاث ~~أو على بعضهم. فمن المعروف أن القرآن يجرى على الأسلوب المعروف في ~~المخاطبات حيث يسند إلى القوم ما صدر من بعضهم فحين قال : ( @QUR@05 وقالت ~~اليهود عزير ابن الله ) أصبح من السائغ في صحة المعنى أن يكون هذا القول قد ~~صدر من طائفة منهم : # وقوله : ( @QUR@01 سبحانه ) تنزيه له عما هو نقص في حقه ومحال عليه من ~~اتخاذ الولد ، لاقتضاء الوالدية : النوعية والجنسية ms0258 والتناسل والافتقار ، ~~والتشبيه والحدوث وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : # «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله ، إنهم يجعلون له ولدا ، وهو يرزقهم ~~ويعافيهم». # وسبحان : مصدر لسبح بمعنى نزه ، وهو منصوب بفعل لم يسمع من العرب التصريح ~~به معه ، والأصل : أسبحه سبحانه ، فحذف الفعل وأقيم المصدر مقامه ، وأضيف ~~إلى ضمير المنزه. # وقوله : ( @QUR@06 بل له ما في السماوات والأرض ) إضراب عن مقالاتهم التي ~~نسبوا بها إلى الله اتخاذ الولد ، وشروع في الاستدلال على بطلانها. # واللام في قوله : ( @QUR@01 له ) للاختصاص الكامل وهو الملك الحقيقي ، ~~و (ما) اسم موصول يراد منه الكائنات : ما يعقل وما لا يعقل ومن جملة هذه ~~الكائنات من ادعوا أنه ولد لله. # والمقصود إثبات أن قولهم ( @QUR@03 اتخذ الله ولدا ) زعم باطل ، فإن جميع ~~ما احتوت عليه السموات والأرض مملوك لله يتصرف فيه كيف يشاء ، فلا حاجة إلى ~~اتخاذ الولد ، إذ الولد إنما يسعى إليه الوالد ، أو يرغب فيه ليعتز به أو ~~ليحيى ذكره ، أو ليستعين به على القيام بأعباء الحياة. والله تعالى منزه عن ~~أمثال هذه الأغراض التي لا تليق إلا بمن خلق ضعيفا كالإنسان ثم إن الحكمة ~~من التوالد بقاء النوع محفوظا بتوارد أمثال الوالد حيث لا سبيل إلى بقائه ~~بعينه ، أما الخالق تعالى فهو الواحد في ذاته وصفاته ، الباقي على الدوام ، ~~كما قال تعالى : PageV01P256 # ( @QUR@010 كل من عليها فان. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ). وقوله ~~تعالى : ( @QUR@03 كل له قانتون ). # معناه : كل له مطيعون طاعة تسخير وانقياد ، خاضعون لا يستعصى منهم شيء ~~على مشيئته وإرادته : شاهدون بلسان الحال والمقال على وحدانيته من القنوت ~~وهو لزوم الطاعة مع الخضوع ، وإنما جاء ( @QUR@01 قانتون ) بجمع المذكر ~~المختص بالعقلاء ، مع أن الخضوع لله يكون من العقلاء وغيرهم تغليبا للعقلاء ~~على غيرهم ، لأنهم أهل القنوت عن إرادة وبصيرة ، ولأن ظهوره فيهم أكمل من ~~ظهوره في غيرهم. # وفصلت جملة ( @QUR@03 كل له قانتون ) عن سابقتها ، لقصد استقلالها ~~بالاستدلال على نفى أن يكون لله ولد ، حتى لا يظن السامع أنها ms0259 مكملة للدليل ~~المسوق له قوله تعالى : ( @QUR@05 له ما في السماوات والأرض ). # ثم بين سبحانه بعض مظاهر قدرته فقال : ( @QUR@03 بديع السماوات والأرض ) ~~أى : مبدعهما ومنشئهما بلا احتذاء ولا اقتداء. وبلا آلة ولا مادة ، وبديع ~~صفة مشبهة من أبدع ، والذي ابتدعهما من غير أصل ولا مثال هو الله تعالى . ~~وخص السموات والأرض بالإبداع ، لأنهما أعظم ما يشاهد من المخلوقات. # قال القرطبي : «قوله تعالى : ( @QUR@03 بديع السماوات والأرض ) فعيل ~~للمبالغة. وارتفع على أنه خبر ابتداء محذوف ، واسم الفاعل مبدع كبصير من ~~مبصر. أبدعت الشيء لا عن مثال ، فالله تعالى بديع السموات والأرض ، أى ~~منشئهما وموجدهما ، ومخترعهما ، على غير حد ولا مثال ، وكل من أنشأ ما لم ~~يسبق إليه قيل له مبدع ، ومنه أصحاب البدع ؛ وسميت البدعة بدعة لأن قائلها ~~ابتدعها من غير فعل أو مقال إمام ...» (1). # وقوله : ( @QUR@08 وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) معناه : وإذا ~~أراد سبحانه إحداث أمر من الأمور حدث فورا. «وكن فيكون ، فعلان من الكون ~~بمعنى الحدوث. ويرى كثير من أهل السنة أن الجملة واردة على وجه التمثيل ، ~~لحدوث ما تتعلق به إرادته سبحانه بلا مهلة وبلا توقف. وليس المراد أنه إذا ~~أراد إحداث أمر أتى بالكاف والنون ، ففي الكلام استعارة تمثيلية. # ويرى آخرون أن الأمر يكن محمول على حقيقته ، وأنه تعالى أجرى سنته في ~~تكوين الأشياء أن يكونها بكلمة كن أزلا. # وبذلك نرى أن الآيتين الكريمتين قد حكتا بعض الشبهات الباطلة التي أوردها ~~الضالون PageV01P257 # حول وحدانية الله وردت عليها بما يدحضها ويثبت كذبها. # ثم أورد القرآن بعد ذلك الشبهات التي أثاروها حول نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم وأجاب عنها بما يبطلها فقال تعالى : # ( @QUR@025 وقال الذين لا يعلمون لو لا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك ~~قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون ) (118) # عن ابن عباس قال : قال رافع بن حريملة اليهودي لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يا محمد ، إن كنت رسولا من الله كما تقول ، فقل لله يكلمنا ~~حتى نسمع ms0260 كلامه فأنزل الله هذه الآية (1). # فالآية الكريمة معطوفة على قوله : ( @QUR@04 وقالوا اتخذ الله ولدا .. ). # ومعنى الآية الكريمة. ( @QUR@04 وقال الذين لا يعلمون ) علما نافعا أمثال ~~هؤلاء اليهود الذين طالبوك بالمطالب المتعنتة يا محمد ( @QUR@04 لو لا ~~يكلمنا الله ) إما مشافهة ، أو بواسطة الوحى إلينا لا إليك ، أو يرينا حجة ~~تقوم على صدق رسالتك ، قالوا هذا على وجه العناد والجحود أن تكون الآيات ~~التي أقامها الله على صدق رسالته آيات حقا. # وقد رد الله تعالى عليهم بقوله : ( @QUR@07 كذلك قال الذين من قبلهم مثل ~~قولهم ) أى : مثل هذا القول المتعنت ، قال الجاحدون من أسلافهم الذين أرسل ~~الله إليهم الرسل ليخرجوهم من الظلمات إلى النور وفي هذه الجملة تسلية ~~للرسول صلى الله عليه وسلم بأن ما لاقاه من قومه مثل ما لقيه الرسل من قبله. # ( @QUR@02 تشابهت قلوبهم ) أى تشابهت قلوب هؤلاء وأولئك في العناد ~~والضلال. # ( @QUR@05 قد بينا الآيات لقوم يوقنون ) أى : جعلناها بينة واضحة في ~~ذاتها لمن شأنهم الإخلاص في طلب الحق أينما كان ، فيتجهون إليه عن طريق ~~الأدلة الصحيحة بقلوب نقية من الأهواء موقنة بجلال الحق ووجوب الطاعة. PageV01P258 # قال الإمام الرازي : وتقرير شبهتهم أن الحكيم إذا أراد تحصيل شيء ، اختار ~~أقرب الطرق إليه ، وبما أن الله قد كلم موسى وكلمك يا محمد فلم لا يكلمنا ~~مشافهة ، أو يخصك بمعجزة يتجلى من ورائها صدق نبوتك ، وهذا منهم طعن في أن ~~القرآن معجزة ، لأنهم لو أقروا بذلك لاستحال أن يقولوا ما قالوه. # فأجابهم الله عن هذه الشبهة بقوله ( @QUR@07 كذلك قال الذين من قبلهم مثل ~~قولهم ) وحاصل هذا الجواب : أنا قد أيدنا قول محمد بالمعجزات ، وبينا صحة ~~قوله بالقرآن وسائر الحجج ، فكان طلب هذه الزوائد من باب التعنت. وعليه فلن ~~تجاب مطالبكم لوجوه منها : # 1 لو كان في معلوم الله أنهم يؤمنون عند إنزال هذه الآيات لفعلها ولكنه ~~علم أنه لو أعطاهم ما سألوه لازدادوا لجاجا. # 2 أن حصول الدلالة الواحدة تمكن المكلف من الوصول إلى المطلوب ، فإذا لم ~~يكتف بها ، كان طلبه من باب المعاندة. # 3 ms0261 ربما كانت كثرة المعجزات وتعاقبها تقدح في كونها معجزة لأن الخوارق متى ~~توالت كان انخراق العادة عادة. فثبت أن عدم إسعافهم بهذه الآيات لا يقدح في ~~النبوة (1). # هذا ، وبعض المفسرين يرى أن المراد «بالذين لا يعلمون» اليهود ، وبعضهم ~~يرى أن المراد بهم مشركو العرب وبعضهم يرى أن المراد بهم النصارى ، ونحن ~~نرى أن اللفظ صالح لأن يندرج تحته جميع هذه الطوائف قضاء لحق الموصول ~~المفيد للتعميم ، ولكنا نختار أن اليهود هم المقصودون قصدا أوليا من هذه ~~الآية للأسباب الآتية : # 1 الآية ضمن سلسلة طويلة من الآيات السابقة عليها واللاحقة لها ، وكلها ~~تتحدث عن بنى إسرائيل وأحوالهم وأخلاقهم. # 2 جملة ( @QUR@07 كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم ) قرينة على أن ~~المقصود بالذين لا يعلمون هم اليهود المعاصرون للعهد النبوي ، حيث كان ~~أجدادهم يطلبون من موسى مثل هذه المطالب ، لقد قالوا له : ( @QUR@07 لن ~~نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ) وقالوا : ( @QUR@03 أرنا الله جهرة ) وطلبوا ~~منه كثيرا من المطالب المتعنتة. # 3 الآية مدنية ومن سورة البقرة التي هي من أوائل ما نزل على الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، ومن المعروف أن حديث القرآن المدني عن أهل ~~الكتاب بصفة عامة ، وعن اليهود بصفة خاصة ، أكثر من حديثه عن مشركي العرب ، ~~لأن البيئة المدنية صلتها بأهل الكتاب أشد وألصق. PageV01P259 # 4 سبب نزول الآية الذي ذكرناه يؤيد أن اليهود مقصودون قصدا أوليا في هذه الآية. # 5 القائلون بأن المراد بالذين لا يعلمون مشركو العرب ، دعموا قولهم بأن ~~آيات القرآن التي تحكى عنهم أمثال هذه المقترحات مستفيضة. وكأنهم يستبعدون ~~أن تصدر مثل هذه الأسئلة عن اليهود. # وردنا عليهم أن القرآن الكريم قد حكى عن اليهود أمثال هذه الأسئلة بدليل ~~قوله تعالى : ( @QUR@037 يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء ~~فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ، فأخذتهم الصاعقة ~~بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا ~~موسى سلطانا مبينا ) (1). # 6 الإمام ابن جرير رجح أن المراد ب ms0262 ( @QUR@03 الذين لا يعلمون ) النصارى ~~، مستدلا بأن ذلك في سياق خبر الله عنهم ، فالآية السابقة على هذه الآية تقول. # ( @QUR@014 وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه ، بل له ما في السماوات والأرض ~~كل له قانتون ) والنصارى هم الذين قالوا ذلك. # وهذا الاستدلال لا نوافقه عليه لما يأتى : # (أ) لأن الآية ليست في سياق خبر الله عن النصارى ، وإنما هي في سياق خبر ~~الله عن اليهود ، الذين زخرت سورة البقرة ببيان مواقفهم وحجاجهم وأخلاقهم ~~في أكثر من مائة آية سابقة ولاحقة من هذه السورة. # (ب) ليس النصارى وحدهم هم الذين قالوا اتخذ الله ولدا وإنما اليهود أيضا ~~قالوا ذلك ، قال تعالى : ( @QUR@010 وقالت اليهود عزير ابن الله ، وقالت ~~النصارى المسيح ابن الله ) (2). # (ج) لم يأت الإمام ابن جرير بدليل واحد ينقض به رأى القائلين بأن المراد ~~بالذين لا يعلمون اليهود ، ولم يتعرض للنص الذي أورده ابن عباس في سبب نزول ~~الآية بالتضعيف أو الإعلال ، مع أنه انتقد رأى القائلين بأن المراد بهم ~~مشركو العرب (بأنه قول لا برهان على حقيقته في ظاهر الكتاب). # هذا وبعد تلك الأدلة على ما ذهبنا إليه نعود فنقول مرة أخرى : إننا لا ~~نمانع في أن يكون المراد بالذين لا يعلمون جميع الطوائف المشركة ولكنا نرجح ~~أن اليهود هم المقصودون قصدا أوليا مهما دخل غيرهم معهم في السياق ، وإن ~~الآية قد نزلت للرد على مطالبهم المتعنتة واقتراحاتهم التي لا خير من ~~ورائها ، ومحاولاتهم الطعن في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم . PageV01P260 # ثم ساق القرآن للنبي صلى الله عليه وسلم ما يسلبه ويثبته فقال : # ( @QUR@010 إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسئل عن أصحاب الجحيم ~~(119) @QUR@031 ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى ~~الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ~~ولي ولا نصير (120) @QUR@015 الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك ~~يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون ) (121) # وقوله : ( @QUR@05 إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ) معناه : إنا أرسلناك ~~يا محمد بالدين ms0263 الصحيح المشتمل على الأحكام الصادقة ، لتبشر بالثواب من آمن ~~وعمل صالحا ، وتنذر بالعقاب من كفر وعصى. # وصدرت الآية الكريمة بحرف التأكيد ، لمزيد الاهتمام بهذا الخبر ، ~~وللتنويه بشأن الرسول صلى الله عليه وسلم . # وجيء بالمسند إليه ضمير الجلالة ، تشريفا للنبي صلى الله عليه وسلم فكأن ~~الله تعالى يشافهه بهذا الكلام بدون واسطة ، ولذا لم يقل له إن الله أرسلك. # وقوله : ( @QUR@01 بالحق ) متعلق بأرسلناك. والحق : مأخوذ من حق الشيء ، ~~أى : وجب وثبت ، ويطلق الحق على الحكم الصادق المطابق للواقع ، ويسمى الدين ~~الصحيح حقا لاشتماله على الأحكام الصادقة. # وقوله : ( @QUR@02 بشيرا ونذيرا ) حالان ، والبشير : المبشر ، وهو المخبر ~~بالأمر السار للمخبر به الذي لم يسبق له علم به. والنذير : المنذر ، وهو ~~المخبر بالأمر المخوف ليحذر منه. # وجملة ( @QUR@05 ولا تسئل عن أصحاب الجحيم ) معطوف على جملة ( @QUR@02 ~~إنا أرسلناك ). # والجحيم : المتأجج من النار. وأصحابها : الملازمون لها. والسؤال : كناية ~~عن المؤاخذة واللوم. PageV01P261 # والمعنى : لا تذهب نفسك عليهم حسرات يا محمد ، فإن وظيفتك أن تبشر وتنذر ~~ولست بعد ذلك مؤاخذا ببقاء الكافرين على كفرهم ، ولست مسئولا عن عدم ~~اهتدائهم ( @QUR@05 فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ). # وفي وصفهم بأنهم أصحاب الجحيم ، إشعار بأنهم قد طبع على قلوبهم ، فصاروا ~~لا يرجى منها الرجوع عن الكفر. # وفي هذه الجملة مع قوله : «بشيرا ونذيرا» تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ~~حيث لم يؤمن به أولئك الجاحدون المتعنتون. # ثم بين القرآن موقف أهل الكتاب من الدعوة الإسلامية فقال : ( @QUR@09 ولن ~~ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ). # الملة : الطريقة المسلوكة ، ثم جعلت اسما لما شرعه الله لعباده على لسان ~~نبيه ليتوصلوا إلى السعادة الدائمة ، وقد تطلق على ما ليس حقا من الأديان ~~المنحرفة أو الباطلة ، كما حكى القرآن عن يوسف عليه السلام أنه قال : # ( @QUR@011 إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون ). # وأفرد القرآن الملة فقال تعالى ملتهم «مع أن لكل من اليهود والنصارى ملة ~~خاصة ، لأن الملتين بالنظر إلى مخالفتهما لدين الإسلام وما طرأ عليهما من ~~التحريف بمنزلة واحدة ، فاتباع إحداهما ms0264 كاتباع الأخرى في قلة الانتفاع به. # ومعنى الغاية في قوله : «حتى تتبع ملتهم الكناية عن اليأس من اتباع أهل ~~الكتاب لشريعة الإسلام ، لأنهم لما كانوا لا يرضون إلا باتباعه ~~صلى الله عليه وسلم ملتهم وكان اتباع النبي صلى الله عليه وسلم لملتهم مستحيلا ، ~~فقد صار رضاهم عنه كذلك مستحيلا ، فالجملة الكريمة مبالغة في الإقناط من ~~إسلامهم ، وتنبيه على أنه لا يرضيهم إلا ما لا يجوز وقوعه منه. # ثم لقن الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم الجواب فقال : ( @QUR@06 قل إن ~~هدى الله هو الهدى ). # وهدى الله : دينه والهدى ، بمعنى الهادي إلى طريق الفلاح في الدنيا ~~والآخرة. أى : ما أنت عليه يا محمد من هدى الله الحق الذي يضعه في قلب من ~~يشاء هو الهدى الحقيقي لا ما يدعيه هؤلاء من الأهواء. # وإيراد الهدى معرفا بأل مع اقترانه بضمير الفصل «هو» يفيد قصر الهداية ~~على دين الله ، وينفى أن يكون في دين غير دين الله هدى. وإذا كانت الهداية ~~مقصورة على الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فكيف يطمع أهل الكتاب ~~في أن يتبع ملتهم؟ PageV01P262 # ثم حذر القرآن من اتباع أهل الكتاب فقال : ( @QUR@016 ولئن اتبعت أهواءهم ~~بعد الذي جاءك من العلم ، ما لك من الله من ولي ولا نصير ). # اللام في قوله : ( @QUR@01 ولئن ) تشعر بأن في الجملة قسما مقدرا روعي في ~~صدرها ليفيد تأكيد ما تضمنته من أن متبع أهواء أهل الكتاب لا يجد من الله ~~وليا ولا نصيرا. # والأهواء : جمع هوى ، والمراد بها آراؤهم المنحرفة عن الحق الصادرة من ~~شهوات في أنفسهم. والعلم : الدين : وسمى علما لأنه يعلم بالأدلة القاطعة. # والولي : القريب والحليف. والنصير : كل من يعين غيره على من يناوئه ويبسط ~~إليه يده بسوء. # والمعنى : ولئن اتبعت يا محمد آراءهم الزائفة ، بعد الذي جاءك من العلم ~~بأن دين الله هو الإسلام ، أو من الدين المعلوم صحته بالبراهين الواضحة ، ~~مالك من الله من ولى يلي أمرك ولا نصير يدفع عنك عقابه. # وإنما أوثر خطابه صلى الله عليه ms0265 وسلم بذلك ليدخل دخولا أوليا من اتبع ~~أهواءهم بعد الإسلام من المنافقين تمسكا بولايتهم ، وطمعا في نصرتهم. # وبعد أن ذكر القرآن في الآيات السابقة أحوال الكافرين من أهل الكتاب أخذ ~~في بيان حال المؤمنين ، فقال : # ( @QUR@06 الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته ). # أى : يقرءونه قراءة حقة ، مصحوبة بضبط لفظه ، وتدبر معانيه ، ولا شك أن ~~ضبط لفظه يقتضى عدم تحريف ما لا يوافق أهواء أهل الكتاب ، كالجمل الواردة ~~في نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن تدبره يستدعى اتباعه والعمل به. # وجملة : ( @QUR@03 يتلونه حق تلاوته ) حال من الضمير (هم) أو من الكتاب ~~وهذه الحال من قبيل الأحوال التي تلابس صاحبها بعد وقوع عاملها ، فإنهم ~~إنما يتلون الكتاب بعد أن يؤتوه. وهي التي تسمى بالحال المقدرة أى : مقدرا ~~وقوعها بعد وقوع عاملها. # والمراد بالذين أوتوا الكتاب ، مؤمنو أهل الكتاب. والمراد بالكتاب ~~التوراة والإنجيل. أو هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والكتاب : القرآن. # وأجاز بعضهم أن تكون الآية سيقت مدحا لمن آمن من أهل الكتاب بالقرآن ، ~~فيكون الضمير في يتلونه القرآن. # وقوله : ( @QUR@03 أولئك يؤمنون به ) خبر عن قوله : ( @QUR@03 الذين ~~آتيناهم الكتاب ). PageV01P263 # وفي ذكر الإشارة ووضعه في صدر الجملة المخبر بها ، زيادة تأكيد لإثبات ~~إيمانهم. # وفي هذه الجملة تعريض بأولئك المعاندين الذين كانوا يسمعون كلام الله ثم ~~يحرفونه من بعد ما عقلوه ، فكأن الآية التي معنا تقول : ( @QUR@03 الذين ~~آتيناهم الكتاب ) وكان من حالهم أن قرءوه حق قراءته ، يؤمنون به إيمانا لا ~~ريبة فيه ، بخلاف المعاندين المحرفين للكلم عن مواضعه. # ثم بين سبحانه عاقبة الكافرين بكتبه فقال : ( @QUR@06 ومن يكفر به فأولئك ~~هم الخاسرون ). # والكفر بالكتاب يتحقق بتحريفه وانكار بعض ما جاء فيه ، أى ومن يكفر به ~~فأولئك هم الخاسرون في الدنيا حيث لا يعيشون فيها عيش المؤمنين وهم ~~الخاسرون في الآخرة ، إذ سيفوتهم ما أعده الله لعباده من نعيم دائم ، ومقام كريم. # وكما بدأ القرآن حديثه مع اليهود بندائهم بأحب أسمائهم إليهم ، فقد ~~اختتمه أيضا بهذا النداء فقال : # ( @QUR@012 يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي ms0266 أنعمت عليكم وأني فضلتكم ~~على العالمين (122) @QUR@018 واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل ~~منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون ) (123) # ففي هاتين الآيتين تكرير لتذكير بنى إسرائيل بما سبق أن ذكروا به في صدر ~~الحديث معهم في هذه السورة ، وذلك لأهمية ما ناداهم من أجله وأهمية الشيء ~~تقتضي تكرار الأمر به إبلاغا في الحجة وتأكيدا للتذكرة. # قال القاضي : ولما صدر القرآن قصة بنى إسرائيل بذكر النعم والقيام ~~بحقوقها والحذر من إضاعتها ، والخوف من الساعة وأهوالها ، كرر ذلك وختم به ~~الكلام معهم ، مبالغا في النصح وإيذانا بأنه فذلكة القضية ، والمقصود من القصة. # هذا وبعد أن ذكر الله تعالى في الآيات السابقة نعمه على بنى إسرائيل ، ~~وبين كيف كانوا يقابلون النعم بكفر وعناد ، ويأتون منكرات في الأقوال ~~والأعمال ، وختم الحديث معهم بإنذار بالغ. وتذكير بيوم لا يغنى فيه أحد عن ~~أحد شيئا ، بعد كل ذلك واصل القرآن حديثه عن PageV01P264 # قصة إبراهيم عليه السلام لأنهم هم والمشركون ينتمون إليه ويقرون بفضله ، ~~فقال تعالى : # ( @QUR@019 وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس ~~إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ) (124) # والابتلاء : الاختبار. أى. اختبره ربه تعالى بما كلفه به من الأوامر ~~والنواهي ، ومعنى اختبار الله تعالى لعبده ، أن يعامله معاملة المختبر ~~مجازا ، إذ حقيقة الاختبار محالة عليه تعالى لعلمه المحيط بالأشياء والله ~~تعالى تارة يختبر عباده بالضراء ليصبروا. وتارة بالسراء ليشكروا وفي كلتا ~~الحالتين تبدو النفس البشرية على حقيقتها. # وفي إسناد الابتلاء إلى الرب إشعار للتالي أو للسامع بأنه ابتلاه بما ~~ابتلاه به تربية له ، وتقوية لعزمه ، حتى يستطيع النهوض بعظائم الأمور. # وقد اختلف المفسرون في تعيين المراد بالكلمات التي اختبر الله بها نبيه ~~إبراهيم عليه السلام على أقوال كثيرة. # قال ابن جرير : «ولا يجوز الجزم بشيء مما ذكروه منها أنه المراد على ~~التعيين إلا بحديث أو إجماع. قال : ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد ولا ~~بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له ، ولعل أرجح الآراء في ms0267 المراد بهذه ~~الكلمات ، أنها الأوامر التي كلفه الله بها ، فأتى بها على أتم وجه». # وقوله : ( @QUR@01 فأتمهن ) أى أتى بهن على الوجه الأكمل ، وأداهن أداء ~~تاما يليق به عليه السلام ولذا مدحه الله بقوله : ( @QUR@03 وإبراهيم الذي ~~وفى ). # وجيء بالفاء في ( @QUR@01 فأتمهن ) للدلالة على الفور والامتثال. وذلك من ~~شدة العزم ، وقوة اليقين. # وفي إجمال القرآن لتلك الكلمات التي امتحن الله بها إبراهيم ، وفي وصفه ~~له بأنه أتمهن ، إشعار بأنها من الأعمال التي لا ينهض بها الا ذو عزم قوى ~~يتلقى أوامر ربه بحسن الطاعة وسرعة الامتثال. # وقدم المفعول وهو لفظ إبراهيم ؛ لأن المقصود تشريف إبراهيم بإضافة اسم ~~الرب إلى اسمه مع مراعاة الإيجاز ، فلذلك لم يقل وإذ ابتلى الله ابراهيم. PageV01P265 # وجملة ( @QUR@05 قال إني جاعلك للناس إماما ) مستأنفة لبيان ما من الله ~~به على إبراهيم من الكرامة ورفعة المقام ، بعد أن ذكر سبحانه أنه عامله ~~معاملة المختبر له ، إذ كلفه بأمور شاقة فأحسن القيام بها. # جاعلك : من جعل بمعنى صير. والإمام : القدوة الذي يؤتم به في أقواله ~~وأفعاله. # والمراد بالإمامة هنا : الرسالة والنبوة ، فإنهما أكمل أنواع الإمامة ، ~~والرسول أكمل أفراد هذا النوع ، وقد كان إبراهيم عليه السلام رسولا يقتدى به ~~الناس في أصول الدين ومكارم الأخلاق. # وقال : ( @QUR@04 إني جاعلك للناس إماما ) ولم يقل : «إنى جاعلك للناس ~~رسولا ، ليكون ذلك دالا على أن رسالته تنفع الأمة المرسل إليها بطريق ~~التبليغ ، وتنفع غيرهم من الأمم بطريق الاقتداء ، فان إبراهيم عليه السلام ~~قد رحل إلى آفاق كثيرة ، فانتقل من بلاد الكلدان إلى العراق ، وإلى الشام ، ~~وإلى الحجاز ، وإلى مصر وكان في جميع منازله أسوة حسنة لغيره. # وقد مدح القرآن إبراهيم في كثير من آياته ، ومن ذلك قوله تعالى : ( ~~@QUR@08 ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ). # وجملة ( @QUR@03 قال ومن ذريتي ) واقعة موقع الجواب عما من شأنه أن يخطر ~~في نفس السامع ، فكأنه قال : وماذا كان من إبراهيم عند ما تلقى من ربه تلك ~~البشارة العظمى؟ فكان الجواب أن إبراهيم قد التمس الإمامة لبعض ذريته أيضا. # أى ms0268 : قال إبراهيم : واجعل يا رب من ذريتي أئمة يقتدى بهم. # وقد رد الله تعالى على قول إبراهيم بقوله : ( @QUR@05 قال لا ينال عهدي ~~الظالمين ). # وإنما قال إبراهيم ومن ذريتي ولم يقل وذريتي ، لأنه يعلم أن حكمة الله من ~~هذا العالم لم تجر بأن يكون جميع نسل أحد ممن يصلحون لأن يقتدى بهم فلم ~~يسأل ما هو غير مألوف عادة ، لأن سؤال ذلك ليس من آداب الدعاء. # أى : قال الله لإبراهيم : قد أجبتك وعاهدتك بأن أحسن إلى ذريتك لكن لا ~~يصيب عهدي الذي عهدته إليك بالإمامة الذين ظلموا منهم ، فالعهد هنا بمعنى ~~الإمامة المشار إليها في قوله : ( @QUR@03 جاعلك للناس إماما ). # وفي هذه الجملة الكريمة إيجاز بديع ، إذ المراد منها إجابة طلب إبراهيم ~~من الإنعام على بعض ذريته بالإمامة كما قال تعالى : # ( @QUR@05 وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب ) ولكنها تدل صراحة على أن ~~الظالمين من ذريته ليسوا PageV01P266 # أهلا لأن يكونوا أئمة يقتدى بهم ، وتشير إلى أن غير الظالمين منهم قد ~~تنالهم النبوة ، وقد نالت من ذريته إسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وغيرهم من ~~الأنبياء. # قال تعالى : ( @QUR@010 وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم ~~لنفسه مبين ). # ثم تحدث القرآن بعد ذلك عن مكانة البيت الحرام ، وعن قصة بنائه ، وعن ~~الدعوات الخاشعات التي كان إبراهيم يتضرع بها إلى الله عند رفعه البيت فقال : # ( @QUR@022 وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم ~~مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع ~~السجود (125) @QUR@030 وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله ~~من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم ~~أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير (126) @QUR@014 وإذ يرفع إبراهيم القواعد ~~من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم (127) @QUR@017 ~~ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا ~~إنك أنت التواب الرحيم (128) @QUR@016 ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا ~~عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم ) (129) # وقوله تعالى : ( @QUR@06 وإذ جعلنا ms0269 البيت مثابة للناس وأمنا ) معطوف على ~~قوله تعالى : ( @QUR@04 وإذ ابتلى إبراهيم ربه ). PageV01P267 # وجعلنا : بمعنى صيرنا. والبيت : المقصود به الكعبة ، إذ غلب استعمال ~~البيت فيها حتى صار اسما لها. # ومثابة للناس : مرجعا للناس يرجعون إليه من كل جانب ، وهو مصدر ميمى من ~~ثاب القوم إلى المكان رجعوا إليه. فهم يثوبون إليه ثوبا وثوبانا ، أو معاذا ~~لهم يلجئون إليه أو موضع ثواب يثابون بحجه واعتماره. # والأمن : السلامة من الخوف ، وأمن المكان : اطمئنان أهله به ، وعدم خوفهم ~~من أن ينالهم فيه مكروه فالبيت مأمن ، أى موضع أمن. وأخبر سبحانه بأنه جعله ~~أمنا ليدل على كثرة ما يقع به من الأمن حتى صار كأنه نفس الأمن. # وكذلك صار البيت الحرام محفوظا بالأمن من كل ناحية ، فقد كان الناس في ~~الجاهلية يقتتلون ويعتدى بعضهم على بعض من حوله ، أما أهله فكانوا في أمان ~~واطمئنان. قال تعالى : # ( @QUR@010 أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ) وقال ~~تعالى : ( @QUR@09 فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ). # وقد أقرت تعاليم الإسلام هذه الحرمة للبيت الحرام على وجه لا يضيع حقا ~~ولا يعطل حدا ، وزادت في تكريمه وتشريفه بأن جعلت الحج إليه فريضة على كل ~~قادر عليها. # قال الإمام ابن كثير : «ومضمون ما فسر به العلماء هذه الآية أن الله ~~تعالى يذكر شرف البيت وما جعله موصوفا به شرعا وقدرا من كونه مثابة للناس. ~~أى : جعله محلا تشتاق إليه الأرواح وتحن إليه ولا تقضى منه وطرا ولو ترددت ~~إليه في كل عام استجابة من الله تعالى لدعاء خليله إبراهيم في قوله تعالى : ~~( @QUR@06 فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ) ويصفه تعالى بأنه جعله أمنا ~~من دخله أمن ولو كان قد فعل ما فعل ثم دخله كان آمنا ، وقال عبد الرحمن بن ~~زيد بن أسلم : كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فيه فلا يعرض له : # ( @QUR@05 واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) الاتخاذ : الجعل ، تقول اتخذت ~~فلانا صديقا أى : جعلته صديقا. والمقام في اللغة : موضع القدمين من قام ~~يقوم ms0270 ، ومقام إبراهيم : هو الحجر الذي كان إبراهيم يقوم عليه عند بناء ~~الكعبة لما ارتفع الجدار ، وهو على المشهور تحت المصلى المعروف الآن بهذا الاسم. # ومعنى اتخاذ مصلى منه : القصد إلى الصلاة عنده. فقد ورد في الحديث الصحيح ~~الذي رواه الإمام مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~طاف بالبيت سبعا وصلى خلف المقام ركعتين». PageV01P268 # ومن العلماء من فسر مقام إبراهيم بالمسجد الحرام ، ومنهم من أطلقه على ~~الكعبة لأن إبراهيم كان يقوم عندها لعبادة الله تعالى. # قال الإمام ابن كثير : «وقد كان هذا المقام أى الحجر الذي يسمى مقام ~~إبراهيم ملصقا بجدار الكعبة قديما ، ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما ~~يلي الحجر على يمين الداخل من الباب في البقعة المستقلة هناك ، وكان الخليل ~~عليه السلام لما فرغ من بناء البيت وضعه إلى جدار الكعبة .. ثم قال : وإنما ~~أخره عن جدار الكعبة إلى موضعه الآن عمر رضي الله عنه ولم ينكر ذلك عليه ~~أحد من الصحابة (1): # ثم قال تعالى : ( @QUR@011 وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي ~~للطائفين والعاكفين والركع السجود ). # عهدنا : أمرنا وأوحينا ، و ( @QUR@01 أن ) مفسرة المأمور به أو الموصى به ~~المشار إليه بقوله : ( @QUR@01 عهدنا ) أى : أوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل ~~أن طهرا بيتي. # وأضاف سبحانه البيت إليه للتشريف والتكريم ومعنى تطهيره : صيانته من كل ~~ما لا يليق ببيوت الله من الأقذار والأرجاس والأوثان وكل ما كان مظنة للشرك ~~، فالمقصود تطهيره من كل رجس حسى ومعنوي. # والطائفين : جمع طائف من طاف يطوف طوفا وطوافا إذا دار حول الشيء والمراد ~~بهم : المتقربون إلى الله بالطواف حول الكعبة. # والعاكفين : جمع عاكف ، من عكف على الشيء عكوفا إذا أقام عليه ملازما له ~~، والمراد بهم : المقيمون في الحرم بقصد العبادة ، ويدخل في العبادة مدارسة ~~العلوم الدينية وما يساعد على فهمها. # والركع السجود : الركع جمع راكع ، والسجود : جمع ساجد. # والركوع والسجود من هيئات الصلاة وأركانها ، فمعنى «والركع السجود» ~~المصلون. # فالآية الكريمة جمعت أصناف العابدين في البيت الحرام : وهم الطائفون وإن ~~لم ms0271 يكونوا مقيمين ، كمن يأتون لحج أو عمرة ثم ينصرفون. # والعاكفون الذين يقيمون في الحرم بقصد الإكثار من العبادة في المسجد ~~الحرام. والمصلون يتقربون إلى الله بالصلوات سواء أكانت فرائض أم نوافل. PageV01P269 # ولم يعطف السجود على الركع ، لأن الوصفين متلازمان ولو عطف لتوهم أنهما ~~وصفان مفترقان. # ثم ساق القرآن بعد ذلك نماذج من الدعوات التي تضرع بها إبراهيم إلى ربه فقال : # ( @QUR@08 وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا ) أى : أضرع إليك يا ~~إلهى أن تجعل الموضع الذي فيه بيتك مكانا يأنس إليه الناس ، ويأمنون فيه من ~~الخوف ، ويجدون فيه كل ما يرجون من أمان واطمئنان. # والمشار إليه بقوله : ( @QUR@01 هذا ) مكة المكرمة. والبلد كل قطعة من ~~الأرض عامرة أو غامرة. # والمقصود بالدعاء إنما هو أمن أهله لأن الأمن والخوف لا يلحقان البلد ، ~~وإنما يلحقان أهل البلد. # قال الإمام الرازي : وإنما قال هنا ( @QUR@02 بلدا آمنا ) على التنكير ، ~~وقال في سورة إبراهيم ( @QUR@05 رب اجعل هذا البلد آمنا ) على التعريف ~~لوجهين : # الأول : أن الدعوة الأولى وقعت ولم يكن المكان قد جعل بلدا ، كأنه قال : ~~اجعل هذا الوادي بلدا آمنا. والدعوة الثانية وقعت وقد جعل بلدا ، فكأنه قال ~~: اجعل هذا المكان الذي صيرته بلدا ذا أمن وسلامة. # الثاني : أن تكون الدعوتان وقعتا بعد ما صار المكان بلدا ، فقوله : ( ~~@QUR@04 اجعل هذا بلدا آمنا ) تقديره : أجعل هذا البلد بلدا آمنا كقولك : ~~كان اليوم يوما حارا ، وهذا إنما تذكره للمبالغة في وصفه بالحرارة ، لأن ~~التنكير يدل على المبالغة فقوله : رب اجعل هذا البلد بلدا آمنا معناه : ~~اجعله من البلدان الكاملة في الأمن. وأما قوله : ( @QUR@05 رب اجعل هذا ~~البلد آمنا ) فليس فيه إلا طلب الأمن لا طلب المبالغة (1). # أما الدعوة الثانية التي توجه بها إبراهيم إلى ربه من أجل أهل مكة فقد ~~حكاها القرآن في قوله : # ( @QUR@010 وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر ). # أى : كما أسألك يا إلهى أن تجعل هذا لبلد بلدا آمنا. أسألك كذلك أن ترزق ~~المؤمنين من أهله من الثمرات ما يسد حاجاتهم ms0272 ، ويغنيهم من الاحتياج إلى غيرك. # وقوله : «ارزق» مأخوذ من رزقه يرزقه إذا أعطاه ما ينتفع به من مأكول وغيره. PageV01P270 # والثمرات : جمع ثمرة ، وهي ما يحمله شجر أو زرع أو غيره من النبات. وإنما ~~طلب ابراهيم عليه السلام من الله أن يجعل مكة بلدا آمنا ، وأن يرزق أهلها من ~~الثمرات بما يغنيهم لأن البلد إذا امتدت إليه ظلال الأمن ، وكانت مطالب ~~الحياة فيه ميسرة ، أقبل أهله على طاعة الله بقلوب مطمئنة وتفرغوا لذلك ~~بنفوس مستقرة. # وقال في دعائه : ( @QUR@06 من آمن منهم بالله واليوم الآخر ) لأن أهل مكة ~~قد يكون من بينهم كافرون ، فأراد تخصيص المؤمنين منهم بدعائه ، لذا أتبع ~~قوله : ( @QUR@02 وارزق أهله ) بقوله : ( @QUR@03 من آمن منهم ) على وجه ~~البدل فصار المعنى وارزق المؤمنين من أهله على ما تقتضيه القاعدة العربية ~~من أن البدل وهو هنا ( @QUR@02 من آمن ) هو المقصود بطلب الرزق. # وخص إبراهيم المؤمنين بطلب الرزق لهم حرصا على شيوع الإيمان بين سكان مكة ~~، لأنهم إذا علموا أن دعوة إبراهيم إنما هي خاصة بالمؤمنين تجنبوا ما ~~يبعدهم عن الإيمان ، أو أنه خص المؤمنين بذلك تأدبا مع الله تعالى إذ سأله ~~سؤالا أقرب إلى الإجابة ، ولعله استشعر من رد الله عليه عموم دعائه السابق ~~إذ قال : ( @QUR@02 ومن ذريتي ) فقال : ( @QUR@04 لا ينال عهدي الظالمين ) ~~أن غير المؤمنين ليسوا أهلا لإجراء رزق الله عليهم. # واقتصر على ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر في التعبير عن المؤمنين لأن ~~الإيمان بالله واليوم الآخر لا يقع على الوجه الحق إلا إذا صاحبه الإيمان ~~بكتب الله ورسله وملائكته. # ثم بين سبحانه مصير الكافرين فقال : ( @QUR@012 قال ومن كفر فأمتعه قليلا ~~ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير ). # الضمير في ( @QUR@01 قال ) يعود إلى الله تعالى ومن في قوله ( @QUR@02 ~~ومن كفر ) منصوب بفعل مقدر دل عليه «فأمتعه». والمعنى : قال الله وأرزق من ~~كفر وإيراد المتكلم قولا من عنده معطوفا على قول متكلم آخر مألوف في اللغة ~~العربية ، ويحسن موقعه عند ما يقتضى المقام إيجازا في القول ، ولو لا هذا ~~العطف لكان المعنى ms0273 متطلبا لأن يقال : قال الله أرزق من آمن ومن كفر. # و ( @QUR@01 فأمتعه ): من التمتع وهو إعطاء ما ينتفع به. و ( @QUR@01 ~~قليلا ): وصف لمصدر محذوف في النظم ، والمعنى : أمتعه تمتيعا قليلا. ووصف ~~التمتع في الدنيا بالقلة ، لأنه صائر إلى نفاد وانقطاع. # و ( @QUR@01 أضطره ) أى ألجئه وأسوقه بعد متاعه في الدنيا إلى عذاب لا ~~يمكنه الانفكاك عنه وجملة «ثم أضطره إلى عذاب النار» احتراس من أن يغتر ~~الكافر بأن تخويله النعم في الدنيا يؤذن برضا الله فلذلك ذكر العذاب هنا. PageV01P271 # ( @QUR@01 وبئس ) فعل يستعمل لذم المرفوع بعده ، وهو ما يسميه النحاة ~~بالمخصوص بالذم ، ووردت هنا لذم النار المقدرة في الجملة ، والمعنى : بئس ~~المصير النار. أى أنها مصير سىء كما قال تعالى في آية أخرى. # ( @QUR@04 إنها ساءت مستقرا ومقاما ). # وقد أفادت الآية الكريمة أن الله يرزق الكافر في الدنيا كما يرزق المؤمن ~~وإذا كان إمتاع المؤمن بالرزق لأنه أهل لأن ينعم عليه بكل خير ، فإمتاع ~~الكافر بالرزق له حكم منها استدراجه المشار إليه بقوله تعالى : # ( @QUR@05 سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ) ولو خص الله المؤمنين بالتوسعة ~~في الرزق وحرم منها الكافرين لكان هذا التخصيص سائقا للكافرين إلى الإيمان ~~على وجه يشبه الإلجاء. وقد قضت حكمته تعالى أن يكون الإيمان اختياريا حتى ~~ينساق الإنسان من طريق النظر في أدلة عقلية يبصر بها أقوام ولا يبصر بها آخرون. # ثم حكى القرآن دعوة ثالثة تضرع بها إبراهيم إلى ربه فقال : ( @QUR@014 ~~وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع ~~العليم ). # القواعد : جمع قاعدة ، وهي أساس البناء الموالي للأرض ، وبها يكون ثبات ~~البناء. ورفعها : إبرازها عن الأرض بالبناء عليها. والمراد بالبيت الكعبة. # والتقبل : القبول ، وقبول الله للعمل أن يرضاه أو يثيب عليه. # والمعنى : واذكر يا محمد ما صدر من الرسولين الكريمين إبراهيم وإسماعيل ~~فقد كانا وهما يقومان يرفع قواعد الكعبة يتضرعان إلى ويقولان : يا ربنا ~~تقبل منا أقوالنا وأعمالنا ، إنك أنت السميع العليم. # وتصدير الدعاء بندائه سبحانه باسم الرب المضاف إلى ضميرهما مظهر من مظاهر ms0274 ~~خضوعهما ، وإجلالهما لمقامه ، والخضوع له سبحانه ، وإجلال مقامه من أسنى ~~الآداب التي تجعل الدعاء بمقربة من الاستجابة. # وعبر بالمضارع فقال : ( @QUR@02 وإذ يرفع ) مع أن رفع القواعد كان قبل ~~نزول الآية ، وذلك ليخرجه في صورة الحاضر في الواقع لأهميته. # وختما دعاءهما بذكر اسمين من أسمائه الحسنى ، ليؤكدا أن رجاءهما في ~~استجابة دعائهما وثيق ، وأن ما عملاه ابتغاء مرضاته جدير بالقبول. لأن من ~~كان سميعا عليما بنيات الداعين وصدق ضمائرهم ، كان تفضله باستجابة دعاء ~~المخلصين في طاعته غير بعيد. PageV01P272 # ثم حكى القرآن جملة من الدعوات الخاشعات ، التي توجه بها إبراهيم ~~وإسماعيل إلى الله تعالى فقال : ( @QUR@04 ربنا واجعلنا مسلمين لك ). # مسلمين من الإسلام ، وهو الخضوع والإذعان ، وقد كانا خاضعين لله مذعنين ~~في كل حال ، وإنما طلبا الثبات والدوام على ذلك ، والإسلام الذي هو الخضوع ~~لله بحق إنما يتحقق بعقيدة التوحيد ، وتحرى ما رسمه الشارع في العبادات ~~والمعاملات ، والإخلاص في أداء ما أمر به ، واجتناب ما نهى عنه. # وقوله : ( @QUR@05 ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ) معناه : واجعل يا ربنا من ~~ذريتنا أمة مخلصة وجهها إليك ، مذعنة لأوامرك ونواهيك. # ومن (من) للتبعيض ، أو للتعيين كقوله : ( @QUR@05 وعد الله الذين آمنوا ~~منكم ). وإنما خص الذرية بالدعاء لأنهم أحق بالشفقة ، ولأنهم إذا صلحوا ~~صلح بهم الأتباع ؛ ولأن صلاح الذرية مرغوب فيه طبعا ، والدعاء لهم بالصلاح ~~مرغب فيه شرعا ، وقد حكى القرآن من دعاء الصالحين قوله تعالى : # ( @QUR@011 ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين ~~إماما ) # ( @QUR@02 وأرنا مناسكنا ) أى : علمنا شرائع ديننا وأعمال حجنا ، كالطواف ~~والسعى والوقوف. أو متعبداتنا التي تقام فيها شرائعنا ، كمنى ، وعرفات ، ~~ونحوهما. # والمناسك : جمع منسك بفتح السين وكسرها بمعنى الفعل وبمعنى الموضع من ~~النسك مثلثة النون وبضمها وضم السين وهو غاية العبادة والطاعة ، وشاعت ~~تسمية أعمال الحج بالمناسك كالطواف والسعى وغيرهما. # ( @QUR@02 وتب علينا ) تسند التوبة إلى العبد فيقال : تاب فلان إلى الله ~~ومعناها الندم على ما لابس من الذنب ، والإقلاع عنه ، والعزم على عدم العود ~~إليه ، ورد المظالم إن استطاع ، أو نية ردها إن ms0275 لم يستطع وتسند إلى الله ~~فيقال : تاب الله على فلان ، ومعناها حينئذ توفيقه إلى التوبة ، أو قبولها ~~منه. فمعنى ( @QUR@02 وتب علينا ) وفقنا للتوبة أو تقبلها منا. # والتوبة تكون من الكبائر والصغائر ، وتكون من ترك ما هو أولى أو من تقصير ~~يؤدى إلى خطأ في الاجتهاد ، وعلى أحد هذين الوجهين ، تحمل التوبة التي يسأل ~~الأنبياء والمرسلون ربهم قبولها أو التوفيق لها. # ( @QUR@04 إنك أنت التواب الرحيم ) التواب : كثير القبول لتوبة المنيبين ~~إليه ، وقبول توبتهم يقتضى عدم مؤاخذتهم بما يأتونه من سيئات ، ثم بعد ~~تخلصهم من عقوبة الخطيئة أو المعاتبة عليها ينتظرون من رحمة الله أن تحفهم ~~بإحسان. PageV01P273 # وإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام قد طلبا قبول توبتهما صراحة في قولهما ( ~~@QUR@02 وتب علينا ) ولوحا إلى طلب الرحمة بذكر اسمه الرحيم ، إذ الرحمة ~~صفة من أثرها الإحسان ، فكأنهما قالا : تب علينا وارحمنا ، وهذا من أكمل ~~آداب الدعاء وأرجاها للقبول عند الله تعالى. # ثم ختم إبراهيم وإسماعيل دعواتهما بتلك الدعوة التي فيها خيرهم في الدنيا ~~والآخرة ، فقالا كما حكى القرآن عنهما : # ( @QUR@016 ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم ). # الضمير في قوله : ( @QUR@01 منهم ) يعود إلى الذرية أو الأمة المسلمة في ~~قوله : ( @QUR@05 ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ). # والرسول : من أوحى إليه بشرع وأمر بتبليغه : وتلاوة الشيء : قراءته ~~والمراد بقوله تعالى : ( @QUR@03 يتلوا عليهم آياتك ) يقرؤها عليهم قراءة ~~تذكير وفي هذا إيماء إلى أنه يأتيهم بكتاب فيه شرع. # والآيات : جمع آية ، والمراد بها ما يشهد بوحدانية الله ، وبصدق رسوله ~~صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عنه ، أو المراد بها آيات القرآن الكريم فهو ~~يتلوها عليهم ليحفظوها بألفاظها كما نزلت ، ويتعبدوا بتلاوتها ، وليعرفوا ~~من فضل بلاغتها وروعة أساليبها وجها مشرقا من وجوه إعجازها. # والكتاب : القرآن ، وتعلمه يكون ببيان معانيه وحقائقه ، ليعرفوا ما أقامه ~~لهم من دلائل التوحيد وما اشتمل عليه من أحكام وحكم ومواعظ وآداب. # والحكمة : العلم النافع المصحوب بالعمل الواقع موقعه اللائق به. ووضعها ~~بجانب الكتاب يرجح أن المراد بها السنة النبوية ms0276 المطهرة التي تنتظم أقوال ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله ، إذ بالكتاب وبالسنة يعرف الناس أصلح ~~الأعمال ، وأعدل الأحكام وأسنى الآداب ، وتنفتح لهم طرق التفقه في أسرار ~~الدين ومقاصده. # ويزكيهم : أى يطهرهم من أرجاس الشرك ومن كل ما لا يليق التلبس به ظاهرا ~~أو باطنا. يقال : زكاه الله ، أى طهره وأصلحه ، ومنه زكاة المال لتطهره بها ~~، وأصل الزكاة بالمد النماء والزيادة ، يقال. زكا الزرع زكاء وزكوا ، أى نما. # والمعنى : ونسألك يا ربنا أن تبعث في الأمة المسلمة ، أو في ذريتنا رسولا ~~منهم يقرأ عليهم آياتك الدالة على وحدانيتك ، ويعلمهم كتابك بأن يبين لهم ~~معانيه ، ويرشدهم إلى ما فيه من حكم ومواعظ وآداب ، كما يهديهم إلى الحكمة ~~التي تتمثل في اتباع سنة نبيك والتي بها يتم التفقه في الدين ومعرفة أسراره ~~وحكمه ومقاصده ، والتي يكمل بها العلم بالكتاب إنك يا مولانا أنت العزيز ~~الحكيم. PageV01P274 # أى القادر الذي لا يغلب على أمره ، العالم الذي يدبر الأمور على وفق ~~المصلحة ، ومن كان قادرا على كل ما يريد ، عليما بوجوه المصالح ، كانت ~~استجابته قريبة من دعاء الخير الصادر عن إخلاص وابتهال. # وقد جاء ترتيب هذه الجمل في أسمى درجات البلاغة والحكمة ؛ لأن أول تبليغ ~~الرسالة يكون بتلاوة القرآن ثم بتعليم معانيه ، ثم بتعليم العلم النافع ~~الذي تحصل به التزكية والتطهير من كل ما لا يليق التلبس به في الظاهر ، أو ~~الباطن. # وقد سأل إبراهيم وإسماعيل ربهما أن تكون بعثة الرسول في ذريتهما فيكون ~~أمر الإيمان قريبا منهم ، فإن نشأته بينهم ، ومعرفة سيرته قبل الرسالة ~~وشهادتهم له بالصدق والأمانة ، وكل ذلك يحمل العقلاء على المبادرة إلى ~~تصديقه فيما يبلغه عن ربه. # ولقد حقق الله تعالى دعوة هذين النبيين الكريمين ، فأرسل في ذريتهما ~~رسولا منهم ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم أرسله إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا. # وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنه دعوة إبراهيم ، فقال : (أنا دعوة أبى ~~إبراهيم ، وبشارة عيسى بي ، ورؤيا أمى التي رأت ، وكذلك أمهات المؤمنين يرين). # ثم عرض القرآن بعد ms0277 ذلك بالجاحدين والمعاندين الذين تركوا الحق الواضع ~~الذي هو ملة إبراهيم فقال : # ( @QUR@018 ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في ~~الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين (130) @QUR@09 إذ قال له ربه أسلم قال ~~أسلمت لرب العالمين (131) @QUR@017 ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن ~~الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون (132) @QUR@016 أم كنتم ~~شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد PageV01P275 # @QUR@011 إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له ~~مسلمون (133) @QUR@015 تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا ~~تسئلون عما كانوا يعملون ) (134) # قوله تعالى : ( @QUR@09 ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ) معناه ~~: لا أحد من الناس يكره ملة إبراهيم وينصرف عنها إلى الشرك بالله ، إلا من ~~امتهن نفسه ، واستخف بها وظلمها بسوء رأيه حيث ترك طريق الحق إلى طريق ~~الضلالة. # يقال رغب لي كذا إذا أراده ، ورغب عن كذا إذا كرهه وانصرفت عنه نفسه ~~والملة في الأصل الطريقة ، وغلب إطلاقها على أصول الدين من حيث إن صاحبها ~~يصل عن طريقها إلى دار السلام وسفه نفسه امتهنها واستخف بها. # ثم بين الله تعالى منزلة نبيه إبراهيم عليه السلام وخطأ من يرغب عن طريقته ~~المثلى فقال تعالى : ( @QUR@09 ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين ) أى : ولقد اخترناه للرسالة وهداية الناس وإرشادهم في الدنيا ، ~~وإنه في الآخرة لمن الصالحين المستقيمين على الطريقة المثلى. فمن يرغب عن ~~ملة من هذا شأنه إلى غيرها من طرق الضلال لا يماثله أحد في سفهه وسوء رأيه. # ثم بين الله تعالى كمال استقامة إبراهيم التي رفعته إلى المنازل العليا ~~فقال تعالى ( @QUR@09 إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ) أى : ~~اصطفى الله تعالى إبراهيم لأنه أمره بطاعته وإسلام وجهه إليه في كل حال ~~فبادر إلى الامتثال وقال ( @QUR@03 أسلمت لرب العالمين ) أى : أخلصت ديني ~~لله الذي فطر الخلق جميعا. كما حكى عنه القرآن الكريم نحو هذا القول في ms0278 ~~قوله تعالى : ( @QUR@012 إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما ~~أنا من المشركين ). # وبعد أن بين الله تعالى أن إبراهيم عليه السلام كان كاملا في نفسه ، أتبع ~~ذلك ببيان أنه كان أيضا يعمل على تكميل غيره ، ودعوته إلى توحيد الله ~~تعالى. فقال سبحانه : ( @QUR@017 ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن ~~الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ). # الضمير في «بها» يعود إلى الملة ذكرت قبل ذلك في قوله تعالى : ( @QUR@05 ~~ومن يرغب عن ملة إبراهيم ) والمعنى : ووصى إبراهيم بنيه باتباع ملته ويعقوب ~~كذلك أوصى بنيه باتباعها ، فقال PageV01P276 # كل منهما لأبنائه : يا بنى إن الله اصطفى لكم دين الإسلام ، الذي لا يقبل ~~الله دينا سواه ( @QUR@05 فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) أى : فاثبتوا على ~~الإسلام. واستقيموا على أمره حتى يدرككم الموت وأنتم مقيمون على هذا الدين ~~الحنيف. # ثم أنكر القرآن الكريم على اليهود افتراءهم على يعقوب وزعمهم أنه كان على ~~اليهودية التي أقاموا عليها تاركين دين الإسلام فقال تعالى : ( @QUR@014 أم ~~كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي ). # روى أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ألست تعلم أن يعقوب أوصى بنيه ~~باليهودية ، فنزلت هذه الآية الكريمة (1). # والمعنى : ما كنتم يا معشر اليهود حاضرين وقت أن أشرف يعقوب على الموت ، ~~ووقت أن قال لبنيه حينئذ ( @QUR@04 ما تعبدون من بعدي ) فكيف تدعون أنه كان ~~على اليهودية التي أنتم عليها وأنه أوصى بها بنيه؟ ومراد يعقوب عليه السلام ~~من هذا السؤال أخذ الميثاق عليهم بالثبات على ملة أبيهم إبراهيم من بعده ، ~~لكي يسعدوا في دنياهم وأخراهم ، وقد أجابوه بما يدل على رسوخ إيمانهم إذ ~~قالوا : ( @QUR@012 نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها ~~واحدا ونحن له مسلمون ). # وهذا الجواب يتضمن أنهم متمسكون بملة إبراهيم عليه السلام وهي ملة لا ~~تثليث فيها ولا تشبيه بمخلوق ، وإنما هي إفراد لله تعالى بالعبودية ~~والاستسلام له بالخضوع والانقياد. # ثم حذر الله تعالى أهل الكتاب من ترك طاعته اتكالا على ms0279 انتسابهم لآباء ~~كانوا أنبياء أو صالحين فقال تعالى : ( @QUR@015 تلك أمة قد خلت ، لها ما ~~كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون ). # الإشارة (بتلك) إلى إبراهيم وبنيه ، أى أن إبراهيم وذريته ، أمة قد مضت ~~وانقرضت ، لها جزاء ما كسبت من خير أو شر ، ولا تسألون يوم القيامة عن ~~أعمالهم في الدنيا فلا يقال لكم على وجه المحاسبة لم عملوا كذا وإنما ~~ستسألون عن أعمالكم وحدها فأصلحوها وحسنوها ، وآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~الذي هو دعوة إبراهيم عليه السلام وعلى دينه وملته. # فالآية الكريمة واردة لتقرير سنة من سنن الله العامة في خلقه وهي أن لكل ~~نفس وحدها ثواب ما كسبت من خير وعليها وحدها يقع عقاب ما اكتسبت من شر. ~~وبذلك تكون الآيات PageV01P277 # الكريمة قد بينت بوضوح لبنى إسرائيل وغيرهم أن ملة إبراهيم الإسلام وأنه ~~هو ويعقوب عليهما السلام قد أوصيا أبناءهما بأن يثبتوا على هذه الملة حتى ~~الموت ، وأن أبناء يعقوب قد عاهدوه عند موته أن يستمروا على ملته وملة ~~إبراهيم عليهما السلام . # وهذا الذي بينته الآيات الكريمة يطابق ما دعاهم إليه محمد ~~صلى الله عليه وسلم وهو الإيمان بالله تعالى وتصديق رسوله واتباع تعاليم ~~الإسلام. # وفي القرآن الكريم آيات أخرى صرحت بأن الإسلام اسم للدين الذي دعا اليه ~~كل الأنبياء ، وانتسب إليه أتباعهم ، فنوح قال لقومه : ( @QUR@05 وأمرت أن ~~أكون من المسلمين ) (1). # وموسى قال لقومه : ( @QUR@011 يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا ~~إن كنتم مسلمين ) (2) والحواريون قالوا لعيسى عليه السلام : ( @QUR@05 آمنا ~~بالله واشهد بأنا مسلمون ) (3). # بل إن فريقا من أهل الكتاب حين سمعوا القرآن أشرقت قلوبهم لدعوته وقالوا ~~: ( @QUR@011 آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين ) (4). # وإلى هنا نكون قد ذكرنا بعض الآيات الكريمة التي أرشدت إلى أن ما جاء به ~~محمد صلى الله عليه وسلم يطابق ما جاء به الأنبياء السابقون ، فعليهم أن ~~يؤمنوا به ويصدقوا ، لأن كفرهم به كفر بجميع الرسل السابقين. # وقبل أن نختم هذا الموضوع ننبه إلى مسألة مهمة. ms0280 وهي أن ما جاء به النبي ~~صلى الله عليه وسلم يطابق كما قلنا ما جاء به الأنبياء قبله في أصول الدين ~~وكلياته كتوحيد الله تعالى واختصاصه بالعبادة ، وتصديق الأنبياء السابقين ~~فيما أتوا به عن الله تعالى والإيمان بالبعث وما يكون فيه من نعيم وعذاب ~~والحض على مكارم الأخلاق ، أما ما عدا ذلك مما يتعلق بتفاصيل العبادات ~~وأحكام المعاملات فإن الشرائع تختلف فيه بوجه عام حسب ما يتناسب وحالة ~~الأمة التي بعث الله لها رسولا من لدنه كما قال تعالى ( @QUR@05 لكل جعلنا ~~منكم شرعة ومنهاجا ). # ومن هنا جاءت الشريعة الإسلامية بما لم يكن موجودا في الشرائع السابقة ، ~~ومن مظاهر ذلك أن القرآن الكريم أعلن للناس ، أن محمدا صلى الله عليه وسلم من ~~مميزات شريعته أنها أحلت للناس كل الطيبات وحرمت عليهم كل الخبائث ووضعت ~~عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم وشرعت لهم أمورا تتعلق بعباداتهم ~~ومعاملاتهم امتازت باليسر والتخفيف. PageV01P278 # ويعجبني في هذا المقام قول فضيلة أستاذنا المرحوم الشيخ محمد عبد الله ~~دراز : (يجب أن يفهم أن تعديل الشريعة المتأخرة للمتقدمة ليس نقضا لها ، ~~وإنما وقوفا بها عند وقتها المناسب وأجلها المقدر. # مثل ذلك كمثل ثلاثة من الأطباء جاء أحدهم إلى الطفل في الطور الأول من ~~حياته ، فقصر غذاءه على اللبن ، وجاء الثاني من مرحلته التالية فقرر له ~~طعاما لينا ، وطعاما نشويا خفيفا ، وجاء الثالث في المرحلة التي بعدها فأمر ~~له بغذاء قوى كامل. # لا ريب أن هاهنا اعترافا ضمنيا من كل واحد منهم بأن صاحبه كان موفقا كل ~~التوفيق في علاج الحالة التي عرضت عليه ، نعم إن هناك قواعد صحية عامة في ~~النظافة والتهوية والتدفئة ونحوها ، لا تختلف باختلاف الأسنان فهذه لا ~~تعديل فيها ولا تبديل ، ولا يختلف فيها طب الأطفال والناشئين عن طب الكهول ~~الناضجين. # هكذا الشرائع السماوية ، كلها صدق وعدل في جملتها وتفصيلها ، وكلها يصدق ~~بعضها بعضا من ألفها إلى يائها ، ولكن هذا التصديق على ضربين. # تصديق للقديم مع الإذن ببقائه واستمراره ، وتصديق له مع إبقائه في حدود ~~ظروفه ms0281 الماضية ، ذلك أن التشريعات السماوية تحتوى على نوعين من التشريعات. # (تشريعات خالدة) لا تتبدل بتبديل الأصقاع والأوضاع (كالوصايا التسع ~~ونحوها). # و (تشريعات موقوتة) بآجال طويلة أو قصيرة ، فهذه تنتهي بانتهاء وقتها. ~~وتجيء الشريعة التالية بما هو أوفق بالأوضاع الناشئة الطارئة. # فشريعة التوراة مثلا عنيت بوضع المبادئ الأولية لقانون السلوك (لا تقتل). ~~(لا تسرق) فطابعها البارز تحديد الحقوق وطلب العدل والمساواة. # وشريعة الإنجيل تجيء بعدها فتقرر هذه الأمور ، ثم تترقى فتزيد آدابا ~~مكملة (أحسن إلى من أساء إليك). # وأخيرا تجيء شريعة القرآن فتراها تقرر كلا المبدأين في نسق واحد ( ~~@QUR@05 إن الله يأمر بالعدل والإحسان ). # هكذا كانت الشرائع السماوية خطوات متصاعدة ، ولبنات متراكمة في بنيان ~~الدين والأخلاق وسياسة المجتمع. وكانت مهمة اللبنة الأخيرة منها أن أكملت ~~البنيان وملأت ما بقي فيه من فراغ وأنها في الوقت نفسه كانت بمثابة حجر ~~الزاوية الذي يمسك أركان البناء. # وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صور الرسالات السماوية في جملتها ~~أحسن تصوير فقال : «مثلي PageV01P279 # ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وجمله إلا موضع لبنة ~~فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون : هلا وضعت هذه اللبنة. فأنا ~~اللبنة وأنا خاتم النبيين» (1). # وبذلك يتبين لنا أن مطابقة الشريعة الإسلامية لغيرها من الشرائع السابقة ~~إنما هي في الأصول والكليات ، لا في الفروع والجزئيات. # ثم حكى القرآن بعد ذلك لونا من ألوان مزاعم أهل الكتاب ورد عليها بما ~~يبطلها فقال : # ( @QUR@015 وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا ~~وما كان من المشركين (135) @QUR@031 قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما ~~أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما ~~أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (136) @QUR@019 ~~فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق ~~فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم (137) @QUR@010 صبغة الله ومن أحسن من ~~الله صبغة ونحن له عابدون (138) @QUR@014 قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا ~~وربكم ولنا أعمالنا ولكم ms0282 أعمالكم ونحن له مخلصون (139) @QUR@07 أم تقولون ~~إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب PageV01P280 # @QUR@023 والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ~~ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون (140) @QUR@015 تلك ~~أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون ) (141) # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : «قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتبعنا يا محمد تهتد ، ~~وقالت النصارى مثل ذلك ، فأنزل الله عز وجل ( @QUR@015 وقالوا كونوا هودا أو ~~نصارى تهتدوا ، قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ) (1). # ومعنى الآية الكريمة : وقالت اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم وللمسلمين ~~اتركوا دينكم واتبعوا ديننا تهتدوا وتصيبوا طريق الحق. وقالت النصارى مثل ~~ذلك قل لهم يا محمد ليس الهدى في اتباع ملتكم ، بل الحق في أن نتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ، فاتبعوا أنتم يا معشر أهل الكتاب ما ~~اتبعناه لتكونوا حقا سالكين ملة إبراهيم الذي لا تنازعون في هداه. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا ) حكاية لما ~~زعمه كل من فريقى اليهود والنصارى من أن الهدى في اتباع ملتهم. # و (أو) للتنويع ، أى قال اليهود لغيرهم لا دين إلا اليهودية ولا يقبل الله ~~سواها ، فاتبعوها تهتدوا. وقال النصارى لغيرهم كونوا نصارى تهتدوا ، إلا أن ~~القرآن الكريم ساق هذا المعنى بقوله : ( @QUR@06 وقالوا كونوا هودا أو ~~نصارى تهتدوا ) لمعرفة السامع أن كل فريق منهم يكفر الآخر ، ويعد ديانته ~~باطلة ، كما حكى القرآن عنهم ذلك في قوله تعالى : ( @QUR@012 وقالت اليهود ~~ليست النصارى على شيء ، وقالت النصارى ليست اليهود على شيء ). # ثم لقن الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم الرد الملزم لهم ، فقال تعالى : ~~( @QUR@09 قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ). # الملة : الدين ، والحنيف في الأصل المائل عن كل دين باطل إلى الدين الحق ~~ووصف به PageV01P281 # إبراهيم عليه السلام لميله عن الأديان الباطلة التي كانت ms0283 موجودة في عهده ~~إلى الدين الحق الذي أوحى الله به إليه. # وذهب بعض المفسرين إلى أن حنيفا من الحنف وهو الاستقامة. # قال الإمام الرازي : «لأهل اللغة في الحنيف قولان : # الأول : أن الحنيف هو المستقيم ، ومنه قيل للأعرج أحنف تفاؤلا بالسلامة ، ~~كما قالوا للديغ سليم وللمهلكة مفازة ، قالوا فكل من أسلم لله ولم ينحرف ~~عنه في شيء فهو حنيف ، وهو مروى عن محمد بن كعب القرظي. # الثاني : أن الحنيف المائل ، لأن الأحنف هو الذي يميل كل واحد من قدميه ~~إلى الأخرى بأصابعها. وتحنف إذا مال ، فالمعنى : إن إبراهيم عليه السلام حنف ~~إلى دين الله ، أى مال إليه ، فقوله : ( @QUR@04 بل ملة إبراهيم حنيفا ) أى ~~: مخالفا لليهود والنصارى. # والمعنى : قل يا محمد لليهود ليس الهدى في أن نتبع ملتكم ، بل الهدى في ~~أن نتبع ملة إبراهيم المائل عن كل دين باطل إلى الدين الحق ، والذي ما كان ~~من المشركين بأى صورة من صور الشرك» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@08 بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ) أى ~~: بل نتبع ملة إبراهيم حنيفا. وقد تضمن هذا القول إبطال ما ادعاه كل من ~~اليهود والنصارى ، لأن حرف (بل) يؤتى به في صدر الكلام لينفى ما تضمنته ~~الجملة السابقة ، والجملة السابقة هنا هي قول أهل الكتاب ( @QUR@06 وقالوا ~~كونوا هودا أو نصارى تهتدوا ) فجاءت بل بعد ذلك لتنفى هذا القول ، ولتثبت ~~أن الهداية إنما هي في اتباع ما كان عليه إبراهيم عليه السلام وفي اتباع من ~~سار على نهجه وهو محمد صلى الله عليه وسلم . # وفي هاتين الجملتين وهما قوله تعالى : ( @QUR@04 بل ملة إبراهيم حنيفا ) ~~. ( @QUR@04 وما كان من المشركين ) دعوة لليهود إلى اتباع ملة إبراهيم ~~لاستقامتها ، ولبعدها عن الشرك ، وفي ذلك تعريض بأن ملتهم ليست مستقيمة ، ~~بل هي معوجة ، وبأن دعواهم اتباع إبراهيم لا أساس لها من الصحة ؛ لأنهم ~~أشركوا مع الله آلهة أخرى ، ونسبوا إلى الله تعالى ما لا يليق به. # قال الإمام الرازي ما ملخصه : في الآية الكريمة جواب إلزام لهم وهو قوله ~~تعالى ( @QUR@04 بل ملة إبراهيم ms0284 حنيفا ) وتقرير هذا الجواب : أنه إن كان ~~طريق الدين التقليد ، فالأولى في ذلك اتباع ملة إبراهيم لأن هؤلاء ~~المختلفين قد اتفقوا على صحة دين إبراهيم ، والأخذ بالمتفق عليه ، أولى من ~~الأخذ بالمختلف فيه. PageV01P282 # وإن كان طريقه الاستدلال والنظر. فقد سقنا الكثير من الدلائل على أن ما ~~جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو الموافق لما جاء به إبراهيم عليه السلام في ~~أصول الدين (1). # ثم أرشد الله تعالى المؤمنين إلى جواب جامع وكلمة سواء تفيد نبذ التعصب ~~جانبا وتدعو إلى اتباع الوحى الإلهى الذي أرسل الله به الرسل مبشرين ~~ومنذرين بدون تفرقة بين أحد منهم ، وهو يتضمن دعوة أهل الكتاب إلى الطريق ~~الحق فقال تعالى : ( @QUR@031 قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل ~~إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ، وما أوتي موسى وعيسى وما ~~أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ، ونحن له مسلمون ) # أى : قولوا أيها المؤمنون لأولئك اليهود الذين يزعمون أن الهداية في ~~اتباع ملتهم ، قولوا لهم : ليست الهداية في اتباع ملتكم فقد دخلها الشرك ~~والتحريف ، وإنما الهداية في أن نصدق بالله ، وبالقرآن الكريم الذي أنزله ~~الله إلينا ( @QUR@08 وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط )، وبالتوراة التي أنزلها الله على موسى وبالإنجيل الذي أنزله ~~الله على عيسى ، ونحن في تصديقنا بالأنبياء لا نفرق بين أحد منهم فنؤمن ~~ببعضهم ونكفر بالبعض الآخر كما فعلتم أنتم يا معشر اليهود وإنما نؤمن بهم ~~جميعا بدون تفرقة بينهم ، ونحن لربنا مسلمون خاضعون بالطاعة. مذعنون له ~~بالعبودية. # قال الإمام الرازي : «فإن قيل : كيف يجوز الإيمان بإبراهيم وموسى وعيسى ~~مع القول بأن شرائعهم منسوخة؟ قلنا : نحن نؤمن بأن كل واحد من تلك الشرائع ~~كان حقا في زمانه ، فلا يلزم من المناقصة ، أما اليهود فإنهم لما اعترفوا ~~بنبوة بعض من ظهر المعجز على يديه ، وأنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم مع ~~قيام المعجز على يديه ، فحينئذ يلزمهم المناقضة فظهر الفرق (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@03 قولوا آمنا بالله ) خطاب للمؤمنين. # والأسباط : جمع سبط ، وهو ms0285 الحفيد ، وهم أبناء يعقوب عليه السلام سموا بذلك ~~لكونهم حفدة إبراهيم وإسحاق عليهما السلام وكانوا اثنى عشر سبطا كما قال ~~تعالى : ( @QUR@05 وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما )، والمراد : الإيمان ~~بما أنزل الله من الوحى على الأنبياء منهم. # قال الإمام القرطبي : والأسباط : ولد يعقوب ، وهم اثنا عشر ولدا ، ولكل ~~واحد منهم أمة من الناس ، واحدهم سبط ، والسبط في بنى إسرائيل بمنزلة ~~القبيلة في ولد إسماعيل ، وسموا PageV01P283 # الأسباط من السبط وهو التتابع ، فهم جماعة متتابعون ، وقيل أصله من السبط ~~«بالتحريك» وهو الشجر ، أى هم في الكثرة بمنزلة الشجر : الواحد سبطة ، ~~ويبين لك هذا ما روى عن ابن عباس ، قال : كل الأنبياء من إسرائيل إلا عشرة ~~: نوحا وشعيبا ، وهودا وصالحا ولوطا وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ~~ومحمدا صلوات الله وسلامه عليهم جميعا» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@09 وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم ) ~~معناه : وآمنا أيضا بالتوراة التي أعطاها الله تعالى لموسى ، وبالإنجيل ~~الذي أعطاه لعيسى ، وبكل ما آتاه الله لأنبيائه تصديقا لهم في نبوتهم. # وعطف سبحانه عيسى على موسى بدون إعادة الفعل لأن عيسى جاء مصدقا للتوراة ~~، وما نسخ منها إلا أحكاما يسيرة ، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم في قوله ~~حكاية عنه ( @QUR@012 ومصدقا لما بين يدي من التوراة ، ولأحل لكم بعض الذي ~~حرم عليكم ). # وقدم سبحانه الإيمان بالله على غيره لأن الإيمان بالأنبياء. وما أنزل ~~إليهم متوقف على الإيمان بالله. # وقدم الإيمان بما أنزل إلينا نحن معشر المسلمين وهو القرآن الكريم لأن ~~الإيمان به يجب أن يكون على وجهى الإجمال والتفصيل ، أما ما أنزل على ~~الأنبياء من قبل كالتوراة والإنجيل ، فيكفى الإيمان به على وجه الإجمال. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 لا نفرق بين أحد منهم ) معناه : لا نفرق بين ~~جماعة النبيين ، فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلتم يا معشر اليهود ، إذ ~~كفرتم بعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم وفعلكم هذا في حقيقته كفر بالأنبياء ~~جميعا لأن من كفر بواحد منهم فقد كفر بالكل ، ولذلك فنحن معشر المسلمين ~~نؤمن بجميع الأنبياء بدون تفرقة أو استثناء. # ثم ms0286 بين سبحانه أن أهل الكتاب إن آمنوا بما دعوتموهم إليه معشر المسلمين ، ~~فقد أصابوا الهدى ، وإن نأوا وأعرضوا فهم معاندون مستكبرون فقال تعالى : # ( @QUR@019 فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا ، وإن تولوا فإنما هم ~~في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ). # والفاء التي صدرت بها الآية الكريمة لترتيب ما بعدها على ما قبلها. لأن ~~قول المؤمنين «آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم إلخ. # من شأنه أن يرقق القلوب الجاحدة ، ويستميل النفوس الشاردة ، لبعده عن التعصب PageV01P284 # والعناد ، لأنه الحق الذي تؤيده العقول السليمة ، وإذا لم يؤمنوا به فمرد ~~ذلك إلى شدة عنادهم والتواء أفكارهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 فقد اهتدوا ) ترغيب لهم في اتباع الحق الذي ~~اتبعه المؤمنون ، أى : فإن آمنوا مثل إيمانكم فقد اهتدوا ورشدوا. # وكلمة : (مثل) في الآية الكريمة معناها ، نفس الشيء وحقيقته. المراد فإن ~~آمنوا بنفس ما آمنتم به فقد اهتدوا ، ومنه قول العرب : «مثلك لا يبخل» ~~والمراد أنت لا تبخل. ويرى بعض المفسرين أن كلمة «مثل» هنا على حقيقتها وهي ~~الشبيه والنظير ، وأن المماثلة وقعت بين الإيمانيين ، وأنها لا تقتضي تعدد ~~ما أمرنا الله أن نؤمن به. # قال الإمام القرطبي : «المعنى : فإن آمنوا مثل إيمانكم ، وصدقوا مثل ~~تصديقكم فقد اهتدوا» (1). # وقال ابن جرير : فإن صدقوا مثل تصديقكم بجميع ما أنزل عليكم من كتب الله ~~وأنبيائه ، فقد اهتدوا فالتشبيه إنما وقع بين التصديقين والاقرارين اللذين ~~هما إيمان هؤلاء وإيمان هؤلاء ، كقول القائل : (مر عمرو بأخيك مثل ما مررت ~~به) يعنى ذلك (مر عمرو بأخيك مثل مرورى به) والتمثيل إنما دخل تمثيلا بين ~~المرورين لا بين عمرو وبين المتكلم ، فكذلك قوله : ( @QUR@06 فإن آمنوا ~~بمثل ما آمنتم به ) إنما وقع التمثيل بين الإيمانين لا بين المؤمن به» (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@011 وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو ~~السميع العليم ) بيان لحالهم عند إعراضهم عن دعوة الحق ، ووعد من الله ~~تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالنصر عليهم ، والعصمة من شرورهم. # والشقاق : المنازعة والمخالفة والتعادي وأصله من ms0287 الشق وهو الجانب فكأن كل ~~واحد من الفريقين في شق غير شق صاحبه. # وقيل : إن الشقاق مأخوذ من فعل ما يشق ويصعب فكأن كل واحد من الفريقين ~~يحرص على ما يشق على صاحبه. # والمعنى : وإن أعرض هؤلاء الذين زعموا أن الهداية ميلهم عن الإيمان الذي ~~تدعوهم إليه يا محمد فاعلم أن إعراضهم سببه المخالفة والمعاندة والمعاداة ~~إذ لا حجة أوضح من حجتك ، وما داموا هم كذلك فسيقيك الله شرهم ، وينصرك ~~عليهم ، فهو سميع لما يقولونه PageV01P285 # فيك ، عليم بما يبيتونه لك ولأتباعك من مكر وكيد ، وهو الكفيل بكف بأسهم ~~، وقطع دابرهم. # وعبر سبحانه عن شدة مخالفتهم بقوله : «فإنما هم في شقاق» مبالغة في وصفهم ~~بالشقاق حيث جعله مستوليا عليهم استيلاء الظرف على ما يوضع فيه. # ورتب قوله : ( @QUR@02 فسيكفيكهم الله ) على قوله ( @QUR@04 فإنما هم في ~~شقاق ) تثبيتا للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لأن إعلامهم أن أهل الكتاب ~~في مخالفة ومعاداة لهم قد يحملهم على الخوف منهم بسبب كثرتهم وقوتهم ، فبشر ~~الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأنهم مهما بلغت قوتهم فلن يستطيعوا أن ~~يصلوا إليك بأذى. وأنه سبحانه سيكفيك شرهم. # وقد أوفى الله تعالى بوعده ، فنصر نبيه صلى الله عليه وسلم عليهم وعصمه من ~~كيدهم بإلقاء العداوة بينهم وطرد من يستحق الطرد منهم ، وقتل من لا بد من ~~قتله بسبب خيانته وغدره. فالآية الكريمة قد تضمنت وعدا للمؤمنين بالنصر ، ~~ووعيدا لليهود ومن على شاكلتهم بالهزيمة والخيبة. ثم بين سبحانه بعد ذلك أن ~~دين الله وهو الإسلام أولى بالاتباع فقال تعالى : ( @QUR@010 صبغة الله ومن ~~أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون ). # الصبغة فعلة من صبغ كالجلسة من جلس وهي في أصل اللغة. الحالة التي يقع ~~عليها الصبغ وهو تلوين الأشياء كالثياب وغيرها بألوان معينة واستعملت ~~الصيغة في الآية بمعنى الإيمان بما فصلته الآية الكريمة وهي قوله تعالى قبل ~~ذلك ( @QUR@018 قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى ). إلخ الآية. وإنما ~~أطلقت ms0288 الصبغة على الإيمان بما ذكرته الآية مفصلا ، لأن الإيمان يمتزج ~~بالقلوب امتزاج الصبغ بالمصبوغ ، وتبدو آثاره على المؤمنين كما تبدو آثار ~~الصبغ على المصبوغ. ويقال : تصبغ فلان في الدين إذا أحسن دينه وتقيد ~~بتعاليمه تقيدا تاما. # وقوله : ( @QUR@02 صبغة الله ) هكذا بالنصب على أنه وارد مورد المصدر ~~المؤكد لقولهم (آمنا) فإنه في معنى صبغنا الله بالإيمان ، وكأنهم قالوا ~~صبغنا الله بالإيمان صبغته. وإيراد المصدر تأكيدا لفعل يوافقه في المعنى ~~ويخالفه في اللفظ معهود في الكلام البليغ. # قال القاضي : قوله تعالى : ( @QUR@02 صبغة الله ) متعلق بقوله : ( ~~@QUR@03 قولوا آمنا بالله ) إلى قوله : ( @QUR@03 ونحن له مسلمون ) فوصف ~~هذا الإيمان منهم بأنه صيغة الله ، ليبين أن المباينة بين هذا الدين الذي ~~اختاره الله وبين الدين الذي اختاره المبطلون ظاهرة جلية ، كما تظهر ~~المباينة بين الألوان والأصباغ لذي الحس السليم» (1). PageV01P286 # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@05 ومن أحسن من الله صبغة ) للإنكار ~~والنفي والمعنى : لا أحد أحسن من الله صبغة لأنه هو الذي يصبغ عباده ~~بالإيمان ويطهرهم من أدران الكفر والضلال ، فهي صبغة ثابتة لا تزول لأن ~~الإيمان متى خالطت بشاشته القلوب لا يرتد عنه أحد سخطة له. # بخلاف ما يتلقنه أهل الكتاب عن أحبارهم ورهبانهم من الأديان الباطلة فهو ~~من الصيغة البشرية ، التي تجعل من الدين الواحد أديانا مختلفة ومذاهب ~~متنافرة. # وهذا التركيب «ومن أحسن من الله صبغة» يدل بحسب أصل الوضع اللغوي على نفى ~~أن يكون دينا أفضل من دين الله ، ويبقى احتمال أن يوجد دين يساويه في الحسن ~~، وهذا الاحتمال لم ينفه التركيب بحسب أصل الوضع ولكن مثل هذا التركيب صار ~~أسلوبا يفهم منه بمعونة مقام المدح نفى مساواة دين لدين الله في الحسن ، ~~كما يفهم منه نفى أن يكون هناك دين أحسن منه. وأفضلية دين الله من جهة ~~هدايته إلى الاعتقاد الحق ، والأخلاق الكريمة ، والآداب السمحة والعادات ~~الصحيحة ، والسياسة الرشيدة والمعاملات القائمة على رعاية المصالح. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 ونحن له عابدون ) عطف على آمنا بالله في قوله ~~تعالى : ( @QUR@03 قولوا آمنا بالله ) والمعنى : قل لهم يا محمد ms0289 إننا نحن ~~معاشر المسلمين نعبد الله وحده وصبغته هي صبغتنا ولا نعبد غيره فلا نتخذ ~~الأحبار والرهبان أربابا يزيدون في ديننا وينقصون ويحلون ويحرمون ويمحون من ~~النفوس صبغة التوحيد ، ليحلوا محلها بأهوائهم صبغة الشرك والكفر. # ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يزيد في تذكيرهم ودحض حجتهم ~~فقال تعالى : ( @QUR@059 قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ~~ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون. أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط كانوا هودا أو نصارى ، قل. أأنتم أعلم أم الله؟ ومن أظلم ممن كتم ~~شهادة عنده من الله ؛ وما الله بغافل عما تعملون. تلك أمة قد خلت لها ما ~~كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون ). # ومعنى الآية الكريمة : قل يا محمد لأهل الكتاب الذين قالوا لك ولأصحابك ( ~~@QUR@05 كونوا هودا أو نصارى تهتدوا ) وزعموا أن دينهم هو المعتبر عند الله ~~دون دينك ، قل لهم : أتجادلوننا في دين الله وهو ملة الإسلام التي بعثني ~~بها للعالمين هدى ورحمة ، وتزعمون أن الهداية فيما أنتم عليه من اليهودية ~~والنصرانية ، وتستبعدون عليه تعالى أن ينزل وحيه على من ليس منكم ، بدعوى ~~أنكم أقرب إلى الله منا ، وأنكم أبناء الله وأحباؤه ، والحال أنه سبحانه هو ~~( @QUR@02 ربنا وربكم ) أى خالقنا وخالقكم ورازقنا ورازقكم ومحاسبنا ~~ومحاسبكم على ما يصدر منا ومنكم من أعمال. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ) معناه : لكل منا ~~ومنكم أعمال يترتب عليها الثواب والعقاب ، فكما أننا نتساوى معكم في أن ~~الله ربنا وربكم فكذلك نتساوى معكم في PageV01P287 # استحقاق الجزاء على الأعمال التي نعملها ، فانظروا إلى أعمالنا وأعمالكم ~~تجدوا أعمالنا خيرا من أعمالكم ، لأننا نزيد عليكم الإخلاص لله في تلك ~~الأعمال فلا تستبعدوا أن يؤهل أهل إخلاصه بإكرامهم بالنبوة. # فقوله تعالى : ( @QUR@07 وهو ربنا وربكم ، ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ) ~~حجتان مبطلتان لدعوى أهل الكتاب أنهم أحق لأن تكون النبوة فيهم لأن نسبة ~~العباد إلى الله تعالى واحدة هو ربهم وهم عباده ، والتفاضل في المنازل لديه ~~إنما يكون بالأعمال الصالحة والإخلاص ms0290 لله فيها ، وهو أعلم حيث يجعل رسالته ~~، ويختص بوحيه من يراه أهلا لذلك ، وقد شاء سبحانه أن ينزل وحيه على محمد ~~صلى الله عليه وسلم النبي الأمى العربي ، بدين عام خالد فيه الهداية والنور ~~والفلاح في الدنيا والآخرة. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 ونحن له مخلصون ) بيان لسبب أحقية المسلمين ~~بالهداية والكرامة ، والمعنى ، ونحن يا معشر المسلمين لربنا موحدون ، نخلص ~~لله العبادة والعمل ، ولا نشرك معه آلهة أخرى ، أما أنتم فقد أشركتم وضللتم ~~فقال بعضكم : «عزير ابن الله» وقال بعضكم ( @QUR@03 المسيح ابن الله ) فنحن ~~أهدى منكم سبيلا ، وأقوم قيلا. # ولم يصف المسلمون أعمالهم بالحسن ، ولا أعمال المخاطبين بالسوء تجنبا ~~لنفور المخاطبين من سماع خطابهم ، بل أوردوا كلامهم مورد قوله تعالى ( ~~@QUR@04 لكم دينكم ولي دين ) كما أنهم لم يقولوا : ونحن مخلصون وأنتم ~~مخطئون ، بل اقتصروا على نسبة الإخلاص لأنفسهم ، وفي ذلك تعريض لطيف بأن ~~المخاطبين غير مخلصين لله ، فإن إخبار الإنسان باشتراكه مع جماعة في أمر أو ~~أمور ، وإفراد نفسه بعد ذلك بأمر ، يومئ إلى أن هذا الأمر الذي أثبته لنفسه ~~خاصة معدوم في أولئك الجماعة. # فمعنى الجملة : ونحن مخلصون في أعمالنا لله وحده ، ولم نخلطها بشيء من ~~الشرك كما فعل غيرنا. # وبعد أن أبطل القرآن الكريم محاجة أهل الكتاب في دين الله بغير حق وأنكر ~~عليهم ذلك ، عقبه بإبطال دعواهم أن أسلافهم من الأنبياء كانوا هودا أو ~~نصارى فقال تعالى : ( @QUR@030 أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى ، قل أأنتم أعلم أم الله ، ومن أظلم ~~ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون ). # وقوله تعالى : ( @QUR@08 أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط ) حرف «أم» فيه معادل للهمزة في قوله تعالى في الآية السابقة ( ~~@QUR@03 أتحاجوننا في الله ) على أحد الوجوه بمعنى أى الأمرين تأتون؟ ~~المحاجة في حكمة الله أم ادعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء المذكورين في PageV01P288 # هذه الآية والمراد من الاستفهام عنهما إنكارهما معا ، إنكار حجاجهم في ~~دين الله ، وإنكار قولهم إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ms0291 والأسباط كانوا ~~هودا أو نصارى. # فكأنه سبحانه يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم قل لهم : لا تجادلوننا في دين ~~الله بغير حق ، ولا تقولوا إن الأنبياء كانوا على دينكم ، فإن مجادلتكم ~~وأقوالكم من قبيل المزاعم الباطلة التي لا سند لها من عقل أو نقل. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 قل أأنتم أعلم أم الله ) معناه قل لهم يا محمد ~~إن زعموا أن الأنبياء المذكورين في الآية كانوا هودا أو نصارى : إن ما ~~زعمتموه من أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب كانوا هودا أو نصارى هو على ~~خلاف ما يعلمه الله ، لأنه سبحانه قد أخبرنا بأنهم كانوا مسلمين مبرئين عن ~~اليهودية والنصرانية ، وأن يعقوب عليه السلام عند ما حضرته الوفاة أوصى بنيه ~~بأن يموتوا على الإسلام ، وأن التوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعد أولئك ~~الأنبياء جميعا ، هكذا أخبرنا الله (1) فهل أنتم أعلم بديانتهم أم الله ولا ~~شك أنهم لن يستطيعوا أن يقولوا نحن أعلم ، وإنما سيقولون الله اعلم ، فإذا ~~لزمهم هذا القول : قلنا لهم إذا فدعواكم لا أساس لها من الصحة وبذلك تكون ~~الجملة الكريمة قد قطعت حجتهم بأجمع بيان وأحكمه. # وقوله تعالى : ( @QUR@08 ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله ) معناه لا ~~أحد أشد ظلما ممن يكتم شهادة ثبتت عنده عن الله ، تخبر بأن هؤلاء الأنبياء ~~كانوا على الإسلام ولم يكونوا هودا أو نصارى. # قال فضيلة أستاذنا السيد محمد الخضر حسين رحمه الله ما ملخصه : ولما أنزل ~~قوله تعالى : ( @QUR@023 الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه : ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ، ~~ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث .. ) إلى آخر الآية الكريمة ، كان من ~~أهل الكتاب من آمن به وأخبر بما في كتبهم من ذكره بصفته وعلاماته ، وكان ~~منهم من لا ينكر أن يكون قد ذكر في الكتابين. ولكنه يكابر ويقول : المقصود ~~نبي لم يأت بعد وقد تصدى لجمع هذه البشائر من كتابي التوراة والإنجيل طائفة ~~من أهل البحث والعلم في القديم والحديث ، وبينوا وجه انطباقها على حال ~~النبي ms0292 صلى الله عليه وسلم بحيث لا تأخذ الناظر الطالب للحق ريبة في أنه الرسول ~~الذي بشرت الأنبياء بمبعثه وعموم رسالته ، ومن هذه البشائر ما جاء في سفر PageV01P289 # التثنية من التوراة (أقيم لهم من وسط إخوتهم مثلك ، وأجعل كلامي في فمه ~~فيكلمهم بكل ما أوصيه به). # والنبي المماثل لموسى عليه السلام في الرسالة والشريعة المستأنفة هو النبي ~~محمد صلى الله عليه وسلم وإخوة بنى إسرائيل هم العرب ، لأنهما يجتمعان في ~~إبراهيم عليه السلام وقوله : «وأجعل كلامي في فمه ، يوافق حال النبي ~~صلى الله عليه وسلم من الأمية وعدم تعاطى الكتابة» (1). # ثم ختمت الآية بالوعيد الشديد لهم على مزاعمهم الباطلة ، فقال تعالى ( ~~@QUR@05 وما الله بغافل عما تعملون ). # الغفلة : السهو والنسيان ، والمراد أنه سبحانه محيط بأعمال هؤلاء الذين ~~كتموا الحق ، لا تخفى عليه منها خافية وسيحاسبهم عليها حسابا عسيرا ، ~~ويعاقبهم على مزاعمهم الباطلة عقابا أليما ، فالجملة الكريمة تهديد ووعيد ~~لأهل الكتاب. # ثم حذر الله تعالى أهل الكتاب في ختام الآيات من التمادي في الكفر ~~والمعصية ، أنكالا على انتسابهم لآباء كانوا من الأنبياء أو من الصالحين ، ~~فقال تعالى : ( @QUR@015 تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا ~~تسئلون عما كانوا يعملون ). # ( @QUR@01 تلك ) إشارة إلى أمة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ~~و (الأمة) المراد بها هنا الجماعة من الناس الذين يجمعهم أمر واحد وهو هنا ~~الدين (قد خلت) أى مضت وانقرضت. # ومعنى الآية الكريمة : قل يا محمد لأهل الكتاب الذين زعموا أن الهداية في ~~ملتهم وأن إبراهيم وآله كانوا هودا أو نصارى ، قل لهم : إن إبراهيم وآله ~~يمثلون أمة مضت لسبيلها لها عند الله ما كسبت من خير وعليها ما اكتسبت من ~~شر ولا ينفعها غير صالح أعمالها ، ولا يضرها سوى سيئها ، وإذا كان الأمر ~~كذلك بالنسبة لهؤلاء الذين تفتخرون بهم ، فمن الأولى أن يكون الأمر كذلك ~~بالنسبة لكم فعليكم أن تسلكوا طريق الايمان والعمل الصالح وأن تتركوا ~~الاتكال على فضائل الآباء والأجداد فإن كل نفس يوم القيامة ستسأل عن ~~أعمالها دون أعمال ms0293 غيرها ، كما بين ذلك قوله تعالى ( @QUR@05 كل امرئ بما ~~كسب رهين ). # فالمقصد الأول الذي ترمى إليه الآية الكريمة ، هو تحذير المخاطبين من ~~تركهم الإيمان والطاعة اعتمادا منهم على انتسابهم لآباء كانوا أنبياء أو ~~صالحين ، فإن هذا الاعتماد إنما هو نوع من الأمانى الكاذبة والأفكار ~~الفاسدة وقد جاء في الحديث الشريف (من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه). PageV01P290 # وكأن الآية تقول لأهل الكتاب في تأكيد : إن أمامكم دينا دعيتم إلى اتباعه ~~، واقترنت دعوته بالحجة فانظروا في دلائل صحته ، وسمو حكمته ، ولا تردوه ~~بمجرد أن الأنبياء كانوا على ما أنتم عليه الآن ، فإن دعواكم هذه لا تنفعكم ~~ولو في حال تسليمها لكم ، إذ لا يمنع اختلاف الشرائع باختلاف المصالح ، ~~وعلى حسب ما تقتضيه حكمة عالم الغيب والشهادة. # وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد دحضت ما ادعاه اليهود من أن الهدى في ~~إتباع ملتهم ، وأقامت الحجج والشواهد على كذبهم وافترائهم وأرشدتهم إلى ~~الدين الحق ، ودعتهم إلى الدخول فيه ، ووبختهم على المحاجة في دين الله ~~بغير علم ، وحذرتهم من الانحراف عن الصراط المستقيم اعتمادا منهم على آباء ~~لهم كانوا أنبياء أو صالحين ، فإنه لن تجزى نفس عن نفس شيئا يوم الدين. # ثم تحدث القرآن الكريم بعد ذلك عن قصة تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى ~~المسجد الحرام ، وأورد الشبهات التي أثارها المشركون وأهل الكتاب وعلى ~~رأسهم اليهود حول هذه المسألة ، ورد عليها بما يدحضها ويبطلها. # ونظرا لأهمية هذا الموضوع فسيكون كلامنا عنه على النحو التالي : # أولا : كيف كان المسلمون يتجهون في صلاتهم قبل تحويل القبلة إلى المسجد ~~الحرام؟ # ثانيا : ما الشبهات التي أثارها اليهود بعد تحويل القبلة إلى المسجد ~~الحرام؟ # ثالثا : كيف مهد القرآن الكريم لهذا التحويل؟ # رابعا : تفسير الآيات الكريمة التي نزلت بشأن القبلة؟ # خامسا : لما ذا أطال القرآن الكريم حديثه عن تحويل القبلة مع أنها من ~~الأمور الفرعية. # وإليك الإجابة عن كل سؤال من هذه الأسئلة. # أولا : فرضت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ليلة الإسراء ~~والمعراج. ويرى ms0294 بعض العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستقبل في صلاته ~~وهو بمكة بيت المقدس إلا أنه لم يكن يستدير الكعبة ، بل كان يجعلها بينه ~~وبين ببيت المقدس ، وذلك بأن يقف بين الركنين الأسود واليماني. # ويرى بعضهم أنه كان يستقبل في صلاته وهو بمكة المسجد الحرام. وهذا الرأى ~~هو الذي نرجحه ، لأن المسجد الحرام هو قبلة أبيه إبراهيم ، ولأنه ~~صلى الله عليه وسلم عربي ، وظهر بين قومه العرب ، ولا شك أن اعتزازهم بالمسجد ~~الحرام ، أشد من اعتزازهم بأى مسجد آخر ، إذن فالمصلحة والحكمة تقتضيان بأن ~~يستقبل المسلمون في صلاتهم بمكة الكعبة المشرفة. PageV01P291 # ومهما يكن من خلاف بين العلماء في الجهة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يستقبلها في صلاته وهو بمكة ، فإن الأمر الذي لا خلاف فيه ، أنه بعد الهجرة ~~إلى المدينة لم يستقبل في صلاته سوى بيت المقدس بأمر من الله تعالى وقد ~~وردت أحاديث صحيحة في ذلك ، منها ما أخرجه البخاري في صحيحه عن البراء بن ~~عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة ~~عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبه أن تكون ~~قبلته قبل البيت ، وأنه صلى أول صلاة صلاها العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ~~ممن كان معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال : أشهد بالله لقد صليت مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم جهة مكة فداروا كما هم قبل البيت وكانت اليهود قد ~~أعجبهم إذ كان يصلى قبل بيت المقدس فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك (1). # ومنها ما أخرجه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : (بينما الناس بقباء في ~~صلاة الصبح ، إذ جاءهم آت فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل ~~عليه الليلة قرآن ، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها ، وكانت وجوههم ~~إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة) (2). # وبذلك نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوجه في صلاته وهو بالمدينة إلى ms0295 ~~بيت المقدس ، قبل أن يأمره الله تعالى بالتحول إلى المسجد الحرام. # ثانيا : الشبهات التي أثارها اليهود بعد تحول المسلمين في صلاتهم إلى ~~المسجد الحرام. # قلنا إن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة استقبل في صلاته ~~بيت المقدس بأمر من الله تعالى تأليفا لقلوب اليهود لأن بيت المقدس قبلتهم ~~، ورمز وحدتهم ، وقد فرحوا لصلاة الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين إليه ، ~~وكان أمل النبي أن يلبوا دعوته وأن يسارعوا إلى الدخول في الإسلام ، ولكنهم ~~عموا وصموا ، وأخذوا يشيعون بين الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اتبع ~~قبلتهم وعما قريب سيتبع ملتهم ، واعتبروا اتجاه المسلمين في صلاتهم إلى بيت ~~المقدس نوعا من اقتباس الهدى منهم ، فتأثر الرسول صلى الله عليه وسلم من ~~موقفهم الجحودى ، وانبثقت في نفسه أمنية التحول إلى الكعبة ، وأكثر من ~~التضرع والابتهال إلى الله كي يوجهه إلى قبلة أبيه إبراهيم. # وقد أجاب الله تعالى رجاء نبيه صلى الله عليه وسلم فولاه القبلة التي يرضاها ~~، ففرح المؤمنون لذلك لأن في توجههم إلى البيت الحرام ، تأليفا لقلوبهم ، ~~فهو مثابتهم ومركز تجمعهم ، وموطن أمنهم ومهوى أفئدتهم ، وجامع وحدتهم وقد ~~استقبلوا هذا التحويل بالسمع والطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم PageV01P292 # أما اليهود ومن على شاكلتهم ممن في قلوبهم مرض فقد استقبلوه بالاستهزاء ~~والجحود ، وإثارة الشبهات ، لبلبلة الأفكار ، وتشكيك المسلمين في عقيدتهم. # ومما قاله المشركون في ذلك : إن محمدا صلى الله عليه وسلم قد تحير في دينه ، ~~وبوشك أن يرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا. # ومما قاله المنافقون : ما بال المسلمين كانوا على قبلة ثم تركوها؟ # ومما قاله اليهود الذين تولوا كبر التشكيك في صحة التوجه إلى البيت ~~الحرام إن القبلة الأولى وهي بيت المقدس إن كانت على حق فقد تركتم أيها ~~المسلمون الحق وإن كانت على باطل فعبادتكم السابقة باطلة ، ولو كان محمد ~~صلى الله عليه وسلم نبيا حقا ما ترك قبلة الأنبياء قبله وتحول إلى غيرها وما ~~فعل اليوم شيئا وخالفه غدا. # ومقصدهم الأول من ms0296 وراء هذه المقالات المرذلة ، الطعن في شريعة الإسلام ، ~~وفي نبوة النبي (عليه الصلاة والسلام). # ثالثا : ولكن القرآن الكريم أفسد عليهم خطتهم ، وأحبط مكرهم ، فأخبر الله ~~تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بما سيقوله هؤلاء السفهاء جميعا قبل أن يصدر ~~عنهم ، ومهد لتحويل القبلة بما يطمئن النفوس ويثبت الإيمان في القلوب ويهيئ ~~الأفئدة لتقبل هذا الأمر العظيم ، فذكر الله في الآيات السابقة على التحويل ~~أنه إذا نسخ آية أتى بما هو خير منها أو مثلها ، لأنه القادر على كل شيء ، ~~المالك للسموات والأرض تصرفا وتدبيرا ، وهو أعلم بما يتعبد به عباده وما ~~فيه الخير لهم. # ثم ذكر سبحانه بعد ذلك أن له المشرق والمغرب. ففي أى مكان توجه المصلى ~~فثم وجه الله ، ثم نبه رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه لن يرضى عنه اليهود ولا ~~النصارى حتى يتبع ملتهم. إشارة إلى أن المصلحة في التوجه إلى بيت المقدس قد ~~انتهت وان الاستمرار على ذلك لن يكبح جماع نفوس لم تصبغ بهداية الله ~~وتوفيقه. # ثم فصل القرآن بعد ذلك الحديث عن البيت الحرام وتعظيمه وشرفه فذكر أن ~~الله تعالى قد جعله مثابة ومرجعا للحجاج والعمار. يتفرقون عنه ثم يثوبون ~~إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار وكلما ازدادوا له زيارة زاد شوقهم ~~إليه. وجعله أيضا حرما آمنا لهم. بينما يتخطف الناس من حولهم. # وأخبر سبحانه أنه قد عهد في بنائه إلى نبيين كريمين هما سيدنا إبراهيم ~~وابنه إسماعيل عليهما السلام وأمرهما بتطهيره من كل رجس للطائفين والعاكفين ~~والركع السجود. # وقد كانت الآيات الواردة في شأن المسجد الحرام قبيل الأمر بتحويل القبلة ~~كفيلة بإعطاء صورة وافية لكل عاقل ، بأن بيتا له هذه القداسة جدير بأن يكون ~~قبلة للناس في صلاتهم ، PageV01P293 # ولكن اليهود ومن في قلوبهم مرض ، لم يكن إعراضهم عن الحق لشبهة في نفوسهم ~~ينقصها الدليل ، وإنما كان إعراضهم مرجعه العناد والمكابرة ، وكلاهما يعمى ~~ويصم ، فلا غرابة أن نطقوا كفرا ، ولاكت ألسنتهم قبحا وسفها. # إلا أن ما قالوه من شبهات حول تحويل القبلة ms0297 ، لم يجد آذانا صاغية من ~~المؤمنين ، لأن الله تعالى قد مهد للتحويل كما قلنا بما يطمئن النفوس ولقن ~~نبيه صلى الله عليه وسلم الجواب على شبهاتهم قبل أن ينطقوا بها ليكون ذلك أقطع ~~لحجتهم ، كما قالوا في الأمثال : (قبل الرمي يراش السهم). # رابعا : تفسير الآيات الكريمة التي نزلت في شأن تحويل القبلة إلى المسجد ~~الحرام. # لقد أنزل الله تعالى آيات كريمة من سورة البقرة في شأن صرف القبلة إلى ~~البيت الحرام (1)، لقن فيها المؤمنين الإجابة على معارضات اليهود وغيرهم ، ~~ونوه فيها بشأن الأمة الإسلامية ، وبشرها بإجابة رجاء نبيها ~~صلى الله عليه وسلم إذ ولاه القبلة التي يرضاها ، وأراحه من التطلع إلى اهتداء ~~اليهود وغيرهم من الجاحدين. ولو جاءهم بكل آية ، لأن إعراضهم عن دعوته ليس ~~عن شبهة يزيلها الدليل ، ولكنه إعراض سببه الجحود والحقد ، والجاحد والحاقد ~~لا ينفع معهما دليل أو برهان. # وقد كرر القرآن الكريم الأمر بالتوجه إلى الكعبة ثلاث مرات في ثلاث آيات ~~، وعلق بكل أمر فائدة جديدة تناسبه ، لأن أهمية هذا الحادث تستلزم تكرارا ~~في الخطاب ليرسخ في النفوس ، ويستقر في المشاعر والقلوب. # هذا ، وبعد تلك المقدمة الموجزة لما اشتملت عليه آيات تحويل القبلة من ~~مقاصد ، نحب أن نتعرض لتفسيرها بالتفصيل ، فنقول قال الله تعالى : # ( @QUR@021 سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ~~قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (142) @QUR@013 وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما PageV01P294 # @QUR@032 جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ~~ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ~~ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤف رحيم (143) @QUR@034 قد نرى تقلب وجهك ~~في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم ~~فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما ~~الله بغافل عما يعملون ) (144) # تضمنت هذه الآيات الكريمة إعلام النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن ms0298 ~~فريقا من الناس الذين خفت أحلامهم وضعفت عقولهم وعدلوا عما ينفعهم إلى ما ~~يضرهم ، سيقولون على سبيل الإنكار عند تحويل القبلة إلى المسجد الحرام ، ما ~~صرفهم عن القبلة التي كانوا عليها ، وهي بيت المقدس. # قال صاحب الكشاف : «فإن قلت ، أى فائدة في الإخبار بقولهم قبل وقوعه؟ قلت ~~: فائدته أن مفاجأة المكروه أشد ، والعلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب ~~إذا وقع ، لما يتقدمه من توطين النفس ، وأن الجواب العتيد قبل الحاجة إليه ~~أقطع للخصم وأرد لشغبه» (1). # والمراد بالسفهاء اليهود الذين استنكروا تحويل القبلة ، ومن لف لفهم من ~~المنافقين ومشركي العرب. # وإنما سماهم الله تعالى سفهاء لأنهم سفهوا الحق ، وجحدوه ، وأنكروا نبوة ~~النبي صلى الله عليه وسلم . مع علمهم بصدقه في رسالته. # وقد صرح البخاري رحمه الله بأن المراد بالسفهاء هم اليهود ، فقد روى عن ~~البراء بن عازب قال : PageV01P295 # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يتوجه إلى الكعبة ، فأنزل الله ~~تعالى ( @QUR@06 قد نرى تقلب وجهك في السماء ) فتوجه نحو الكعبة ، وقال ~~السفهاء من الناس وهم اليهود ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها. # ثم لقن الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم الجواب الذي يخرس به ألسنة ~~المعترضين من اليهود وغيرهم ، فقال تعالى : ( @QUR@010 قل لله المشرق ~~والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ). # أى قل لهم يا محمد إذا اعترضوا على التحويل : إن الأمكنة كلها لله ملكا ~~وتصرفا وهي بالنسبة إليه متساوية ، وله أن يخص بعضها بحكم دون بعض ، فإذا ~~أمرنا باستقبال جهة في الصلاة فلحكمة اقتضت الأمر وما على الناس إلا أن ~~يمتثلوا أمره ، والمؤمنون ما اتخذوا الكعبة قبلة لهم إلا امتثالا لأمر ربهم ~~، لا ترجيحا لبعض الجهات من تلقاء أنفسهم فالله هو الذي يهدى من يشاء ~~هدايته ، إلى السبيل الحق ، فيوجه إلى بيت المقدس مدة حيث اقتضت حكمته ذلك ~~، ثم إلى الكعبة ، حيث يعلم المصلحة فيما أمر به. # ثم وصف الله تعالى الأمة الإسلامية ، بأنها أمة خيرة عادلة مزكاة بالعلم ~~والعمل فقال تعالى : ( @QUR@012 وكذلك جعلناكم أمة ms0299 وسطا لتكونوا شهداء على ~~الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ). # والمعنى : ومثل ما جعلنا قبلتكم أيها المسلمون وسطا لأنها البيت الحرام ~~الذي هو المثابة للناس ، والأمن لهم ، جعلناكم أيضا ( @QUR@02 أمة وسطا ) ~~أى : خيارا عدولا بين الأمم ليتحقق التناسب بينكم وبين القبلة التي تتوجهون ~~إليها في صلواتكم ، تشهدون على الأمم السابقة بأن أنبياءهم قد بلغوهم ~~الرسالة ، ونصحوهم بما ينفعهم ، ولكي يشهد الرسول صلى الله عليه وسلم عليكم ~~بأنكم صدقتموه وآمنتم به. # أخرج البخاري عن أبى سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يدعى نوح يوم القيامة فيقول : لبيك وسعديك يا رب ، فيقال ~~له : هل بلغت ما أرسلت به؟ فيقول نعم ، فيقال لأمته هل بلغكم. فيقولون : ما ~~أتانا من نذير ، فيقال له : من يشهد لك. فيقول : محمد وأمته. فيشهدون أنه ~~قد بلغ ، فذلك قوله جل ذكره ( @QUR@012 وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا ~~شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) (1). # ثم بين الله تعالى الحكمة في تحويل القبلة إلى الكعبة فقال تعالى : # ( @QUR@015 وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ~~ممن ينقلب على عقبيه ). PageV01P296 # أى وما شرعنا التوجه إلى القبلة التي كنت عليها قبل وقتك هذا وهي بيت ~~المقدس ، إلا لنعامل الناس معاملة الممتحن المختبر ، فنعلم من يتبع الرسول ~~ويأتمر بأوامره في كل حال ممن لم يدخل الدين في قرارة نفسه ، وإنما دخل فيه ~~على حرف ، بحيث يرتد عنه لأقل شبهة ، وأدنى ملابسة كما حصل ذلك من ضعاف ~~الإيمان عند تحويل القبلة إلى الكعبة والله تعالى عالم بكل شيء ، ولكنه شاء ~~أن يكون معلومه الغيبى مشاهدا في العيان ، إذ تعلق الشيء واقعا في العيان ، ~~هو الذي تقوم عليه الحجة ، ويترتب عليه الثواب والعقاب. # ولذا قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف قال لنعلم ولم يزل عالما بذلك؟ قلت ~~؛ معناه لنعلمه علما يتعلق به الجزاء ، وهو أن يعلمه موجودا حاصلا ، ونحوه ~~( @QUR@08 ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ) وقيل ليعلم ~~رسول الله والمؤمنون ، وإنما أسند علمهم إلى ms0300 ذاته ، لأنهم خواصه وأهل ~~الزلفى عنده ، وقيل معناه. ليميز التابع من الناكص كما قال تعالى : ( ~~@QUR@05 ليميز الله الخبيث من الطيب ) فوضع العلم موضع التمييز ؛ لأن العلم ~~يقع التمييز به» (1). # ثم بين الله تعالى آثار تحويل القبلة في نفوس المؤمنين وغيرهم فقال تعالى ~~: ( @QUR@08 وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله ). # أى : إنما شرعنا لك يا محمد القبلة أولا إلى بيت المقدس ، ثم صرفناك عنها ~~إلى الكمية ليظهر حال من يتبعك ويطيعك في كل حالة ممن لا يطيعك ، وإن كانت ~~هذه الفعلة وهي تحويلنا لك من بيت المقدس إلى الكعبة لكبيرة وشاقة ، إلا ~~على الذين خلق الله الهداية في قلوبهم فتلقوا أوامرنا بالخضوع والإذعان ، ~~وقالوا سمعنا وأطعنا كل من عند ربنا. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 وما كان الله ليضيع إيمانكم ... ). # بشارة عظيمة للمؤمنين ، وجواب لما جاشت به الصدور ، وتكذيب لما ادعاه ~~اليهود من أن عبادة المؤمنين في الفترة التي سبقت تحويل القبلة إلى الكعبة ~~ضائعة وباطلة. # فقد أخرج البخاري من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه أنه مات على ~~القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا ، فلم ندر ما تقول فيهم ، فأنزل الله تعالى ~~( @QUR@05 وما كان الله ليضيع إيمانكم ). # وقال ابن عباس : كان رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ماتوا ~~على القبلة الأولى ، منهم : أسعد بن زرارة ، وأبو أمامة ... وأناس آخرون ~~فجاءت عشائرهم فقالوا : يا رسول PageV01P297 # الله : مات إخواننا وهم يصلون إلى القبلة الأولى وقد صرفك الله إلى قبلة ~~إبراهيم ، فكيف بإخواننا ، فأنزل الله تعالى ( @QUR@05 وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم ). # وروى أن حيي بن أخطب وجماعة من اليهود قالوا للمسلمين : أخبرونا عن ~~صلاتكم إلى بيت المقدس إن كانت على هدى لقد تحولتم عنه ، وإن كانت على ~~ضلالة فقد عبدتم الله بها مسافة ، ومن مات عليها فقد مات على ضلالة فقال ~~المسلمون إنما الهدى فيما أمر الله تعالى والضلالة فيما نهى الله عنه ~~فقالوا : فما شهادتكم على من مات منكم على قبلتنا؟ وكان قد مات من المسلمين ~~جماعة قبل تحويل ms0301 القبلة فانطلق عشائرهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : ~~يا رسول الله : كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل ~~الله تعالى : ( @QUR@010 وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤف ~~رحيم ). # والمعنى وما كان الله تعالى ليذهب صلاتكم وأعمالكم الصالحة التي قمتم بها ~~خلال توجهكم إلى بيت المقدس ، لأنه سبحانه بعباده رءوف رحيم ولا يضيع أجر ~~من أحسن عملا. # ثم خاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ووعده بأن القبلة التي سيؤمر ~~بالتوجه إليها هي التي يحرص عليها ويرغب فيها. # قال الإمام ابن كثير : قال على بن أبى طلحة قال ابن عباس : كان أول ما ~~نسخ في القرآن القبلة ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى ~~المدينة وكان أكثر أهلها اليهود فأمره الله تعالى أن يستقبل بيت المقدس ~~ففرحت اليهود فاستقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهرا ، وكان يحب ~~قبلة أبيه إبراهيم ، فكان يدعو الله ، وينظر إلى السماء ، فأنزل الله تعالى ~~( @QUR@020 قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ) (1). # والمعنى : قد شاهدنا يا محمد وعلمنا تردد وجهك ، وتسريح نظرك إلى السماء ~~تطلعا إلى نزول الوحى عليك ، وتوقعا لما ألقى في روعك من تحويل القبلة إلى ~~الكعبة سعيا منك وراء استمالة العرب إلى الدخول في أحضان الإسلام ، ومخالفة ~~اليهود الذين كانوا يقولون : إنه يخالفنا في ديننا ويتبع قبلتنا ، وها نحن ~~قد أجبناك إلى ما طلبت وأعطيناك ما سألت ، ووجهناك إلى قبلة تحبها وتميل ~~إليها ( @QUR@05 فول وجهك شطر المسجد الحرام ). # أى : فاصرف وجهك وحوله نحو المسجد الحرام وجهته. PageV01P298 # ثم عمم القرآن الكريم هذا التشريع على الأمة الإسلامية جميعها. فقال ~~تعالى : ( @QUR@06 وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ). # أى : وحيثما كنتم وأينما وجدتم في بر أو بحر فولوا وجوهكم تلقاء المسجد ~~الحرام ونحوه. وقد جاءت هذه الجملة موجهة إلى الأمة قاطبة لدفع توهم أن ~~يكون الخطاب في الأول خاصا بالنبي ms0302 صلى الله عليه وسلم ولأنه لما كان تحويل ~~القبلة أمرا له خطره ، خصهم بخطاب مفرد ليكون ذلك آكد وأبلغ. # فالآية الكريمة فيها أمر لكل مسلم أن يجعل الكعبة قبلة له ، فيتوجه بصدره ~~إلى ناحيتها وجهتها حال تأديته الصلاة لربه ، سواء أكان المصلى بالمدينة أم ~~بمكة أو بغيرهما. # وفي ذكر المسجد الحرام دون الكعبة ، ما يؤذن بكفالة مراعاة جهتها ولذلك ~~لم يقع خلاف بين العلماء في أن الكعبة قبلة كل أفق. وأن من عاينها فرض عليه ~~استقبالها ومن غاب عنها فعليه أن يستقبل جهتها. فإن خفيت عليه تحرى جهتها ~~ما استطاع. # وقد سقنا في مطلع هذا البحث بعض الأحاديث الصحيحة التي صرحت بأن الصحابة ~~عند ما بلغهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بالتحويل إلى الكعبة ~~استداروا إليها وهم في صلاتهم فجعلوها قبلتهم. # ومما يشهد بقوة إيمانهم وعظيم امتثالهم لشرع الله ما جاء عن نويلة بنت ~~مسلم أنها قالت. # «صلينا الظهر أو العصر في مسجد بنى حارثة ، فاستقبلنا مسجد إيلياء أى بيت ~~المقدس فصلينا ركعتين ، ثم جاء من يحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~استقبل البيت الحرام فتحول النساء مكان الرجال. والرجال مكان النساء. ~~فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن مستقبلون البيت الحرام. فحدثني رجل من بنى ~~حارثة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «أولئك رجال يؤمنون بالغيب» (1). # ثم بينت الآية الكريمة أن أهل الكتاب يعلمون أن التحويل إلى الكعبة هو ~~الحق الذي لا ريب فيه فقال تعالى : ( @QUR@014 وإن الذين أوتوا الكتاب ~~ليعلمون أنه الحق من ربهم ، وما الله بغافل عما يعملون ). # أى : وإن اليهود الذين أنكروا استقبالكم الكعبة ، وانصرافكم عن بيت ~~المقدس ، ليعلمون أن استقبالكم الكعبة حق ؛ لأن الذي أخبر به قد قامت ~~الآيات البينات عندهم على أنه رسول من عند الله ، أو أنه يصلى إلى القبلتين ~~، وما وقفوا من تحويل القبلة هذا الموقف إلا لعنادهم ، PageV01P299 # وما الله بغافل عن أعمالهم بل هو محيط بها وسيحاسبهم عليها يوم القيامة ~~حسابا عسيرا». # ثم أخبر الله تعالى عن ms0303 كفر اليهود وعنادهم ، وأنهم لن يتبعوا الحق ولو ~~جاءهم الرسول صلى الله عليه وسلم بكل آية. فقال تعالى : # ( @QUR@032 ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت ~~بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك ~~من العلم إنك إذا لمن الظالمين (145) @QUR@014 الذين آتيناهم الكتاب ~~يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون (146) ~~@QUR@07 الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (147) @QUR@019 ولكل وجهة هو ~~موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل ~~شيء قدير (148) @QUR@017 ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه ~~للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون (149) @QUR@031 ومن حيث خرجت فول ~~وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس ~~عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ~~ولعلكم تهتدون ) (150) PageV01P300 # والمعنى : ولئن جئت يا محمد اليهود ومن على طريقتهم في الكفر بكل برهان ~~وحجة ، بأن الحق هو ما جئتهم به ، من فرض التحول من قبلة بيت المقدس في ~~الصلاة إلى قبلة المسجد الحرام ، ما صدقوا به ، لأن تركهم اتباعك ليس عن ~~شبهة يزيلها الدليل ، وإنما هو عن مكابرة وعناد مع علمهم بما في كتبهم من ~~أنك على الحق المبين. # وما أنت يا محمد بتابع قبلتهم ، لأنك على الهدى وهم على الضلال وفي هذه ~~الجملة الكريمة حسم لأطماعهم ، وتقرير لحقية القبلة إلى الكعبة ، بعد أن ~~أشاعوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم لو ثبت على قبلتهم لكانوا يرجون أنه ~~النبي المنتظر ، فقطع القرآن الكريم آمالهم في رجوع النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى قبلتهم ، وأخبر بأنه ليس يتابع لها. # ثم ذكر القرآن الكريم اختلاف أهل الكتاب في القبلة ، وأن كل طائفة منهم ~~لا تتبع قبلة الطائفة الأخرى فقال تعالى : ( @QUR@05 وما بعضهم بتابع قبلة ~~بعض ) أى : ما اليهود بمتبعين لقبلة النصارى ولا النصارى بمتبعين لقبلة ~~اليهود ، فهم مع اتفاقهم على مخالفتك ، مختلفون في باطلهم ms0304 وذلك لأن اليهود ~~تستقبل بيت المقدس ، والنصارى تستقبل مطلع الشمس. # ثم ساق القرآن الكريم بعد ذلك تحذيرا للأمة كلها من اتباع أهل الكتاب ، ~~وجاء هذا التحذير في شخص النبي صلى الله عليه وسلم فقال تعالى : ( @QUR@013 ~~ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين ). # أى : لئن اتبعت يا محمد قبلتهم على سبيل الفرض ، والتقدير من بعد وضوح ~~البرهان وإعلامى إياك بإقامتهم على الباطل ، إنك إذا لمن الظالمين لأنفسهم ~~، المخالفين لأمري. # فالآية الكريمة : وعيد وتحذير للأمة الإسلامية من اتباع آراء اليهود ~~المنبعثة عن الهوى والشهوة ، وسيق الوعيد والتحذير في صورة الخطاب للرسول ~~صلى الله عليه وسلم الذي لا يتوقع منه أن يتبع أهواء أهل الكتاب ، تأكيدا ~~للوعيد والتحذير ، فكأنه يقول : # لو اتبع أهواءهم أفضل الخليقة ، وأعلاهم منزلة عندي ، لجازيته مجازاة ~~الظالمين ، وأحق بهذه المجازاة وأولى من كانوا دونه في الفضل وعلو المنزلة ~~إن اتبعوا أهواء المبطلين وهم اليهود ومن كان على شاكلتهم من المشركين. # قال صاحب الكشاف : «فإن قلت : كيف قال وما أنت بتابع قبلتهم ولهم قبلتان ~~، لليهود قبلة وللنصارى قبلة؟. # قلت : كلتا القبلتين باطلة ، مخالفة لقبلة الحق ، فكانتا بحكم الاتحاد في ~~البطلان قبلة واحدة» (1). PageV01P301 # ثم بين القرآن الكريم أن أهل الكتاب يعرفون صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ~~معرفة لا يخالطها شك فقال تعالى : ( @QUR@07 الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه ~~كما يعرفون أبناءهم ). # أى : أن أحبار اليهود وعلماء النصارى يعرفون صدق رسالة النبي ~~صلى الله عليه وسلم ويعرفون أن توجهه إلى البيت الحرام حق ، كما يعرفون ~~أبناءهم فهو تشبيه للمعرفة العقلية الحاصلة من مطالعة الكتب السماوية ، ~~بالمعرفة الحسية في أن كلا متهما يقين لا اشتباه فيه. # قال الإمام ابن كثير : «يخبر الله أن علماء أهل الكتاب يعرفون صحة ما جاء ~~به الرسول صلى الله عليه وسلم كما يعرف أحدهم ولده ، والعرب كانت تضرب المثل ~~في صحة الشيء بهذا كما جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~لرجل معه صبي صغير «ابنك هذا»؟ قال نعم ms0305 يا رسول الله أشهد به ، قال : «أما ~~إنه لا يخفى عليك ولا تخفى عليه» ويروى عن عمر أنه قال «لعبد الله بن سلام» ~~أتعرف محمدا صلى الله عليه وسلم كما تعرف ولدك. قال نعم وأكثر ، نزل الأمين من ~~السماء على الأمين في الأرض بنعته ، وإنى لا أدرى ما كان من أم ولدي ، فقبل ~~عمر رضي الله عنه رأسه» (1). # أى : وإن طائفة من أهل الكتاب مع ذلك التحقيق والإيقان العلمي من أنك على ~~حق في كل شئونك ليتمادون في إخفائه وجحوده ، وهم يعلمون ما يترتب على ذلك ~~الكتمان من سوء المصير لهم في الدنيا والآخرة ثم ثبت الله تعالى نبيه ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، فأخبرهم بأن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ~~هو الحق الذي لا شك فيه. # أى : اعلم يا محمد أن ما أوحى إليك وأمرت به من التوجه إلى المسجد ~~الحرام. هو الحق الذي جاءك من ربك ، وأن ما يقوله اليهود وغيرهم من ~~المشركين هو الباطل الذي لا شك فيه ، فلا تكونن من الشاكين في كتمانهم الحق ~~مع علمهم به ، أو في الحق الذي جاءك من ربك وهو ما أنت عليه في جميع أحوالك ~~ومن بينها التوجه إلى المسجد الحرام. # والشك غير متوقع من الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولذلك قال المفسرون إن ~~النهى موجه إلى الأمة في شخص نبيها صلى الله عليه وسلم إذ كان فيها حديثو عهد ~~بكفر يخشى عليهم أن يفتنوا بزخرف من القول يروج به أهل الكتاب شبها تعلق ~~بأذهان من لم يرسخ الإيمان في قلوبهم. # وقد وضح ابن جرير رحمه الله هذا المعنى بقوله : # فإن قال لنا قائل : «أو كان النبي صلى الله عليه وسلم شاكا في أن الحق من ~~ربه أو في أن القبلة التي وجهه الله إليها حق من الله تعالى حتى نهى عن شك ~~في ذلك فقيل له : ( @QUR@04 فلا تكونن من الممترين ). قيل : ذلك من الكلام ~~الذي تخرجه العرب مخرج الأمر أو النهى للمخاطب به ، والمراد به غيره ms0306 PageV01P302 # كما قال جل ثناؤه : ( @QUR@09 يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين ) ثم قال ( @QUR@012 واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما ~~تعملون خبيرا ) فخرج الكلام مخرج الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم والنهى له. ~~والمراد به أصحابه المؤمنون به (1). # ثم قال تعالى : ( @QUR@06 ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات ). # أى : ولكل أهل ملة فبلة يتجهون إليها في عباداتهم ، فسارعوا أنتم جهدكم ~~إلى ما اختاره الله لكم من الأعمال التي تكسبكم سعادة الدارين ، والتي من ~~جملتها التوجه إلى البيت الحرام. # ثم ساق الله تعالى وعدا لمن يطيع أمره ، ووعيدا لمن ينصرف عن الخير. فقال ~~تعالى : ( @QUR@07 أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا ). # أى : في أى بقعة يدرككم الأجل ، وتموتون فيها ، يجمعكم الله تعالى يوم ~~القيامة. لتقفوا بين يديه للحساب ، لأنه سبحانه قادر على جمعكم بعد مماتكم ~~من قبوركم حيث كنتم ، وإن تفرقت أجسادكم وأبدانكم ، كما أنه سبحانه قدير ~~على كل شيء ، ومادام الأمر كذلك ، فبادروا بالأعمال الصالحة شكرا لربكم ، ~~وحافظوا على قبلتكم ، حتى لا تضلوا كما ضل اليهود ومن على طريقتهم في الكفر ~~والعناد. # ثم أكد سبحانه حكم التحويل ، وبين عدم تفاوت الأمر باستقبال المسجد ~~الحرام في حالتي السفر أو الحضر. فقال تعالى : ( @QUR@08 ومن حيث خرجت فول ~~وجهك شطر المسجد الحرام )... # أى : ومن أى موضع خرجت وإلى أى مكان آخر سرت ، فول يا محمد وجهك عند ~~صلاتك إلى المسجد الحرام ، وإن هذا التوجه شطره لهو الحق الذي لا شك فيه ~~عند ربك ، فحافظوا على ذلك أيها المؤمنون وأطيعوا الله تعالى في كل ما ~~يأمركم به ، ويتهاكم عنه ، لأنه سبحانه ليس بساه عن أعمالكم ، ولا بغافل ~~عنها ، ولكنه محصيها عليكم ، وسيجازيكم الجزاء الذي تستحقونه عليها يوم ~~القيامة. # ثم كرر سبحانه الأمر للمؤمنين بأن يتجهوا في صلاتهم إلى المسجد الحرام ~~فقال : ( @QUR@08 ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام ). # أى : ومن أى مكان خرجت يا محمد فول وجهك تلقاء المسجد الحرام ، وأينما ~~كنتم أيها المؤمنون من أرض الله ، فولوا وجوهكم ms0307 في صلاتكم تجاهه ونحوه. PageV01P303 # وتلك هي المرة الثالثة التي تكرر فيها الأمر للمؤمنين بالتوجه إلى المسجد ~~الحرام في صلاتهم ، وهذا التكرير لتأكيد أمر القبلة وتشديده لأن تحول ~~القبلة كان أول نسخ في الإسلام كما قال كثير من العلماء فاقتضى الأمر ~~تأكيده في نفوس المؤمنين حتى يستقر في مشاعرهم ، ويذهب ما يثار حولها من ~~شبهات أدراج الرياح ، ولأن الله تعالى أناط بكل واحد من هذه الأوامر ~~الثلاثة بالتحول ما لم ينط بالآخر من أحكام فاختلفت فوائدها ، فكأنه سبحانه ~~يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين. # الزموا هذه القبلة لأنها هي القبلة التي ترضونها وترغبون فيها وطالما ~~تمنيتموها ، والزموها أيضا لأنها هي القبلة التي لن تنسخ بعد ذلك. # والزموها كذلك لأن لزومكم إياها يقطع حجة اليهود الجاحدين ، وغيرهم من ~~المعاندين والخاسرين. # وقد اقترن هذا الأمر الثالث بالتوجه إلى المسجد الحرام في هذه الآية ~~الكريمة بحكم ثلاث. # أولها : قوله تعالى : ( @QUR@012 لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ~~ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ) والمراد من الناس اليهود ومن لف لفهم من ~~المناوئين للدعوة الإسلامية. # والمعنى عليك أيها النبي ومن معك من المؤمنين أن تتجهوا في صلاتكم إلى ~~الكعبة المشرفة ، لكي تقطعوا دابر فتنة اليهود وحجتهم فقد قالوا لكم وقت ~~اتجاهكم إلى بيت المقدس. إذا كان لكم أيها المسلمون دين يخالف ديننا فلما ~~ذا تتجهون إلى قبلتنا ، إلى غير ذلك من أقوالهم الفاسدة فاتجاهكم إلى ~~المسجد الحرام من شأنه أن يزيل هذه الحجة التي قد تبدو مقبولة في نظر ضعاف ~~العقول. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 إلا الذين ظلموا ) استثناء من الناس ، والمعنى : # لئلا يكون لأحد من اليهود حجة عليكم ، إلا المعاندين منهم القائلين : ما ~~ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا حبا لدين قومه ، واشتياقا لمكة ، وهؤلاء لا ~~تخافون مطاعنهم بل اجعلوا خوفكم منى وحدي ولا تقيموا لما يشاغبون به في أمر ~~القبلة وغيره وزنا ، فإنى كفيل أن أرد عنكم كيدهم وأحبط سعيهم ، فأنتم ، ~~أيها المؤمنون ما توجهتم إلى بيت المقدس ثم إلى المسجد الحرام إلا بإذن ~~ربكم وأمره ms0308 ، ففي الحالتين أنتم مطيعون لخالقكم عز وجل . # وقد أحسن صاحب الكشاف في شرحه للجملة الكريمة ، وصرح بأنه يجوز أن يراد ~~بالناس وبالذين ظلموا مشركو العرب فقال : # ( @QUR@03 إلا الذين ظلموا ) استثناء من الناس ، ومعناه : لئلا يكون حجة ~~لأحد من اليهود إلا PageV01P304 # للمعاندين منهم ، القائلين ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين ~~قومه وحبا لبلده ، ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء قبله ، فإن قلت : ~~أى حجة كانت تكون للمنصفين منهم لو لم يحول حتى احترز من تلك الحجة ، ولم ~~يبال بحجة المعاندين؟. # قلت : كانوا يقولون ما له لا يحول إلى قبلة أبيه إبراهيم كما هو مذكور في ~~نعته في التوراة؟ فإن قلت : كيف أطلق اسم الحجة على قول المعاندين؟ # قلت : لأنهم يسوقونه سياق الحجة ، ويجوز أن يكون المعنى : لئلا يكون ~~للعرب عليكم حجة واعتراض في ترككم التوجه إلى الكعبة التي هي قبلة إبراهيم ~~وإسماعيل أبى العرب إلا الذين ظلموا منهم وهم أهل مكة ، حين يقولون بدا له ~~فرجع إلى قبلة آبائه ، ويوشك أن يرجع إلى دينهم» (1). # وثانيها : قوله تعالى : ( @QUR@03 ولأتم نعمتي عليكم ) أى : ولوا وجوهكم ~~شطر المسجد الحرام ( @QUR@05 لئلا يكون للناس عليكم حجة ) ولتكون قبلتكم ~~مستقلة عن قبلة اليهود وغيرهم ، فالجملة الكريمة معطوفة على قوله تعالى : ( ~~@QUR@05 لئلا يكون للناس عليكم حجة ). # وثالثها : قوله تعالى : ( @QUR@02 ولعلكم تهتدون ) أى : ولكي ترشدوا ~~للصواب في كل أموركم فما ضلت عنه الأمم من الحق هديناكم إليه ، وخصصناكم به ~~ولهذا كانت أمتكم خير أمة أخرجت للناس. # والجملة الكريمة معطوفة على الجملة السابقة وهي قوله تعالى : ( @QUR@03 ~~ولأتم نعمتي عليكم ). # وبذلك تكون الآيات الكريمة التي نزلت في شأن تحويل القبلة إلى المسجد ~~الحرام قد ثبتت المؤمنين ، ودحضت كل شبهة أوردها اليهود وغيرهم في هذه ~~المسألة. # خامسا : هذا ، وفي ختام هذا المبحث نحب أن نجيب على السؤال الخامس ، وهو : # لما ذا فصل القرآن الكريم الحديث عن تحويل القبلة فنقول : # لقد شرع الله تعالى تحويل القبلة إلى الكعبة بعد أن صلى المسلمون إلى بيت ~~المقدس فترة من الزمان ، وكرر ms0309 الأمر بتولية الوجوه إلى المسجد الحرام عند ~~الصلاة ، وأقام الأدلة الساطعة على أن ذلك التحويل هو الحق ، وأتى بألوان ~~من الوعيد لمن لم يتبع أوامره ، وساق وجوها من التأكيدات تدل على عناية ~~بالغة بشأنها. # والمقتضى لهذه العناية وذلك التفصيل مع أن التوجه إليها فرع من فروع ~~الدين هو أن التحويل من بيت المقدس إلى المسجد الحرام. كان أول نسخ في ~~الإسلام كما قال بذلك كثير PageV01P305 # من العلماء والنسخ من مظان الفتنة والشبهة وتسويل الشيطان ، فاقتضى الأمر ~~بسط الحديث في مسألة القبلة ليزدادوا إيمانا على إيمانهم. # ولأن هذا التحويل أيضا جاء على خلاف رغبة اليهود ، فإنهم كانوا يحرصون ~~على استمرار المسلمين في التوجه إلى بيت المقدس ، لأنه قبلتهم ، فلما حصل ~~التحويل إلى المسجد الحرام ، اتخذوا منه مادة للطعن في صحة النبوة ليفتنوا ~~ضعفاء العقيدة ، وسلكوا لبلبلة أفكار المسلمين كل وسيلة. # فزعموا أن نسخ الحكم بعد شرعه مناف للحكمة ، ومباين للعقول ، فلا يقع في ~~الشرائع الإلهية ، وساقوا من الشبهات والمفتريات ما بينا بعضه عند تفسيرنا ~~للآيات الكريمة. # ويبدو أن شغبهم هذا ، كان له آثاره عند ذوى النفوس المريضة وضعاف الإيمان ~~فلهذا كله أخذت مسألة القبلة شأنا غير شأن بقية الأحكام الفرعية ، فكان ~~مقتضى الحال أن يكون الحديث عنها مستفيضا ، ومدعما بالأدلة والبراهين ، ~~وهذا ما راعاه القرآن الكريم عند حديثه عن مسألة القبلة ، فلقد قرر وكرر ، ~~ووعد وتوعد ، ووضح وبين ، ليدفع كل شبهة ، وليجتث كل حجة ، ويزيد المؤمنين ~~إيمانا على إيمانهم ، وينهض بضعفاء الإيمان إلى منزلة الراسخين في العلم ، ~~ويهوى باليهود ومن حذا حذوهم في مكان سحيق ، والله غالب على أمره ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون. # وبعد أن أنهى القرآن حديثه عن نعمة تحويل القبلة أتبعه بالحديث عن نعمة ~~جليلة أخرى وهي نعمة إرسال الرسول فيهم لهدايتهم فقال تعالى : # ( @QUR@017 كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ~~ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون (151) @QUR@06 ~~فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ) (152) # وقوله تعالى : ( @QUR@05 كما أرسلنا فيكم رسولا منكم ).. إلخ متصل بما ~~قبله ms0310 ، والكاف للتشبيه وهي في موضع نصب على أنها نعت لمصدر محذوف وما ~~مصدرية ، والتقدير : لقد حولت القبلة إلى شطر المسجد الحرام لأتم نعمتي ~~عليكم إتماما مثل إتمام نعمتي عليكم بإرسال PageV01P306 # الرسول صلى الله عليه وسلم فيكم ، إجابة لدعوة إبراهيم وإسماعيل إذ قالا ( ~~@QUR@05 ربنا وابعث فيهم رسولا منهم ... ). # وقيل إن قوله تعالى : ( @QUR@02 كما أرسلنا ).. إلخ متصل بما بعده ، ~~فتكون الكاف للمقابلة ، أى : كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يعلمكم الدين ~~القويم ، والخلق المستقيم ومنحتكم هذه النعمة فضلا منى وكرما ، فاذكروني ~~بالشكر عليها أذكركم برحمتي وثوابي. وقوله : ( @QUR@01 فيكم ) متعلق ~~«بأرسلنا» وقدم على المفعول تعجيلا بإدخال السرور : وقوله : ( @QUR@01 منكم ~~) في موضع نصب ، لأنه صفة لقوله : ( @QUR@01 رسولا ) والمخاطبون بهذه الآية ~~الكريمة هم العرب. # وفي إرساله الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم وهو منهم نعمة تستوجب المزيد من ~~الشكر ، لأن إرساله منهم يسبقه معرفتهم لنشأته الطيبة وسيرته العطرة ، ومن ~~شأن هذه المعرفة أن تحملهم على المسارعة إلى تصديقه والإيمان به ، ولأن في ~~إرساله فيهم وهو منهم شرف عظيم لهم ، ومجد لا يعد له مجد ، حيث جعل سبحانه ~~خاتم رسله من هذه الأمة ، ولأن المشهور من حالهم الأنفة الشديدة من ~~الانقياد ، فكون الرسول منهم ادعى إلى إيمانهم به وقبولهم لدعوته. وقوله : ~~( @QUR@03 يتلوا عليكم آياتنا ) صفة ثانية للرسول صلى الله عليه وسلم . # والتلاوة : ذكر الكلمة بعد الكلمة على نظام متسق ، وأصله من الإتباع ومنه ~~تلاه ، أى : تبعه. والمراد من الآيات : آيات القرآن الكريم ، وتلاوتها ~~قراءتها ، فإن البصير بأساليب البيان العربي يدرك من مجرد تلاوة آيات ~~القرآن كيف ارتفع إلى الذروة التي كان بها معجزة ساطعة. # وفي هذه الجملة كما قال الآلوسى «إشارة إلى طريق إثبات نبوته عليه الصلاة ~~والسلام لأن تلاوة الأمى للآيات الخارجة عن طوق البشر باعتبار بلاغتها ~~واشتمالها على الإخبار بالمغيبات والمصالح التي ينتظم بها أمر المعاد ~~والمعاش أقوى دليل على نبوته» (1): # وعبر بقوله : ( @QUR@01 يتلوا )، لأن نزول القرآن مستمر ، وقراءة النبي ~~صلى الله عليه وسلم له متوالية ، وفي كل قراءة يحصل علم المعجزات للسامعين. # ويجوز أن ms0311 يراد بالآيات : دلائل التوحيد والنبوة والبعث ، وبتلاوتها ~~التذكير بها حتى يزداد المؤمنون إيمانا بصدقها. # وقوله : ( @QUR@01 ويزكيكم ) صفة ثالثة للرسول صلى الله عليه وسلم ، أى : ~~ويطهركم من الشرك ، ومن الأخلاق الذميمة. وإذا أشرقت النفوس بنور الحق ، ~~وتحلت بالأخلاق الحميدة ، قويت على تلقى ما يرد عليها من الحقائق السامية. PageV01P307 # وقوله : ( @QUR@03 ويعلمكم الكتاب والحكمة ) صفة رابعة للرسول ~~صلى الله عليه وسلم . # والمراد بالكتاب : القرآن ، وتعليمه بيان ما يخفى من معانيه ، فهو غير ~~التلاوة ، فلا تكرار بين قوله ( @QUR@03 يتلوا عليكم آياتنا ) وبين قوله ( ~~@QUR@02 ويعلمكم الكتاب ). # والحكمة : ما يصدر عنه صلى الله عليه وسلم من الأقوال والأفعال التي جعل ~~الله للناس فيها أسوة حسنة. # قال بعضهم : وقدمت جملة ( @QUR@01 ويزكيكم ) هنا على جملة ( @QUR@03 ~~ويعلمكم الكتاب والحكمة ) عكس ما جاء في الآية السابقة في حكاية قول ~~إبراهيم ( @QUR@012 ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة ويزكيهم ) لأن المقام هنا للامتنان على المسلمين ، فقدم ما ~~يفيد معنى المنفعة الحاصلة من تلاوة الآيات عليهم وهي منفعة تزكية نفوسهم ~~اهتماما بها ، وبعثا لها بالحرص على تحصيل وسائلها وتعجيلا للبشارة بها. ~~أما في دعوة إبراهيم فقد رتبت الجمل على حسب ترتيب حصول ما تضمنته في ~~الخارج ، مع ما في ذلك التخالف من التفنن» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@05 ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ) صفة خامسة له ~~صلى الله عليه وسلم . # أى : «ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمونه مما لا طريق إلى معرفته سوى الوحى. ~~ومما لم يكونوا يعلمونه وعلمهم إياه صلى الله عليه وسلم وجوه استنباط الأحكام ~~من النصوص أو الأصول المستمدة منها ، وأخبار الأمم الماضية ، وقصص الأنبياء ~~، وغير ذلك مما لم تستقل بعلمه عقولهم. وبهذا النوع من التعليم صار الدين ~~كاملا قبل انتهاء عهد النبوة. # ولقد كان العرب قبل الإسلام في حالة شديدة من ظلام العقول وفساد العقائد ~~... فلما أكرمهم الله تعالى برسالة رسوله صلى الله عليه وسلم وتلا عليهم ~~الآيات ، وعلمهم ما لم يكونوا يعلمون ، خرج منهم رجال صاروا أمثالا عالية ~~في العقيدة السليمة ، والأخلاق القويمة والأحكام العادلة ، والسياسة ~~الرشيدة ms0312 لمختلف البيئات والنزعات. # قال الآلوسى : وكان الظاهر أن يقول : «ويعلمكم الكتاب والحكمة وما لم ~~تكونوا تعلمون» بحذف الفعل «يعلمكم» من الجملة الأخيرة ، ليكون الكلام من ~~عطف المفرد على المفرد ، إلا أنه تعالى كرر الفعل للدلالة على أنه جنس آخر ~~غير مشارك لما قبله أصلا ، فهو تخصيص بعد التعميم مبين لكون إرساله ~~صلى الله عليه وسلم نعمة عظيمة ، ولولاه لكان الخلق متحيرين في أمر دينهم لا ~~يدرون ماذا يصنعون» (2). PageV01P308 # ثم أمر الله عباده بأن يكثروا من ذكره وشكره على ما أسبغ عليهم من نعم ~~فقال : ( @QUR@02 فاذكروني أذكركم .. ). # ذكر الشيء : التلفظ باسمه ، ويطلق بمعنى استحضاره في الذهن ، وهو ضد ~~النسيان وذكر العباد لخالقهم قد يكون باللسان وقد يكون بالقلب وقد يكون ~~بالجوارح. فذكرهم إياه بألسنتهم معناه : أن يحمدوه ويسبحوه ويمجدوه ، ~~ويقرءوا كتابه ، مع استحضارهم لعظمته وجلاله. # وذكرهم إياه بقلوبهم معناه أن يتفكروا في الدلائل الدالة على ذاته وصفاته ~~وفي تكاليفه وأحكامه ، وأوامره ونواهيه ، وأسرار مخلوقاته ، لأن هذا التفكر ~~يقوى إيمانهم ، ويصفى نفوسهم. # وذكرهم إياه بجوارحهم معناه : أن تكون جوارحهم وحواسهم مستغرقة في ~~الأعمال التي أمروا بها ، منصرفة عن الأفعال التي نهوا عنها ، ولكون الصلاة ~~مشتملة على هذه الثلاثة سماها الله تعالى ذكرا في قوله : ( @QUR@016 يا ~~أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا ~~البيع ... ). # وقوله : ( @QUR@02 فاذكروني أذكركم ) أمر وجوابه ، وفيه معنى المجازاة ~~فلذلك جزم. # والمعنى : اذكروني بالطاعة والاستجابة لما أمرتكم به والبعد عما نهيتكم ~~عنه أذكركم بالرعاية ، والنصرة ، وصلاح الأحوال في الدنيا ، وبالرحمة وجزيل ~~الثواب في الآخرة. فالذكر في قوله «أذكركم» مستعمل فيما يترتب على الذكر من ~~المجازاة بما هو أوفى وأبقى ، كما أن قوله «فاذكروني» المراد به : اذكروا ~~عظمتي وجلالي ونعمى عليكم ، لأن هذا التذكر هو الذي يبعث على استفراغ الوسع ~~في الأقوال والأعمال التي ترضى الله. # قال صاحب المنار : وقال الأستاذ الإمام : هذه الكلمة وهي قوله تعالى ( ~~@QUR@02 فاذكروني أذكركم ) من الله تعالى كبيرة جدا ، كأنه يقول : إننى ~~أعاملكم بما تعاملوننى به وهو الرب ونحن ms0313 العبيد ، وهو الغنى عنا ونحن ~~الفقراء إليه. وهذه أفضل تربية من الله لعباده : إذا ذكروه ذكرهم بإدامة ~~النعمة والفضل ، وإذا نسوه نسيهم وعاقبهم بمقتضى العدل (1)». # هذا ، وقد وردت أحاديث متعددة في فضل الذكر والذاكرين ، ومن ذلك ما رواه ~~الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~الله تعالى : أنا عند ظن عبدى بي وأنا معه حين يذكرني. فإن ذكرني في نفسه ~~ذكرته في نفسي. وإن ذكرنى في ملأ ذكرته في ملأ خير PageV01P309 # منهم. وإن تقرب إلى شبرا تقربت إليه ذراعا. وإن تقرب إلى ذراعا تقربت إلى ~~باعا. وإن أتانى يمشى أتيته هرولة». # وروى مسلم عن أبى سعيد الخدري وأبى هريرة : أنهما شهدا على النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا يقعد قوم يذكرون الله تعالى إلا حفتهم ~~الملائكة ، وغشيتهم الرحمة ، ونزلت عليهم السكينة ، وذكرهم الله فيمن عنده». # قال الإمام النووي : واعلم أن فضيلة الذكر غير منحصرة في التسبيح ~~والتهليل والتحميد والتكبير ونحو ذلك ، بل كل عامل لله تعالى بطاعة فهو ~~ذاكر لله تعالى . # وقوله تعالى : ( @QUR@04 واشكروا لي ولا تكفرون ) معطوف على ما قبله. # والشكر في اللغة كما يقول القرطبي الظهور ، ومنه قولهم : دابة شكور إذا ~~ظهر عليها من السمن فوق ما تعطى من العلف. # وحقيقته : عرفان الإحسان وإظهاره بالثناء على المحسن ، يقال شكره وشكر له ~~كما يقال نصحه ونصح له. # وأصل الكفر في كلام العرب الستر والتغطية والجحود ، ويستعمل بمعنى عدم ~~الإيمان فيتعدى بالباء فيقال : كفر بالله ، ويستعمل بمعنى عدم الشكر وهو ~~المراد هنا فيتعدى بنفسه ، فيقال : كفر النعمة أى جحدها وكفر المنعم أى جحد ~~نعمته ولم يقابلها بالشكر. # والمعنى : اشكروا لي ما أنعمت به عليكم من ضروب النعم ، بأن تستعملوا ~~النعم فيما خلقت له ، وبأن تطيعوني في السر والعلن ، وحذار من أن تجحدوا ~~إحسانى إليكم ، ونعمى عليكم فاسلبكم إياها. # قال تعالى : ( @QUR@08 لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ) (1). # وقدم سبحانه الأمر بالذكر على الأمر بالشكر ، لأن في الذكر اشتغالا بذاته ~~تعالى ms0314 ، وفي الشكر اشتغالا بنعمته ، والاشتغال بذاته أولى بالتقديم من ~~الاشتغال بنعمته. وقوله ( @QUR@02 ولا تكفرون ) تأكيد لقوله ( @QUR@02 ~~واشكروا لي ). # وهذا تحذير لهذه الأمة حتى لا تقع فيما وقع فيه بعض الأمم السابقة التي ( ~~@QUR@011 فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا ~~يصنعون ). # وبعد أن أمر سبحانه عباده بذكره وشكره ، وجه نداء إليهم بين لهم فيه ما ~~يعينهم على ذلك ، كما بين لهم منزلة الشهداء ، وعاقبة الصابرين على البلاء ~~فقال تعالى : PageV01P310 # ( @QUR@011 يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع ~~الصابرين (153) @QUR@013 ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ~~ولكن لا تشعرون (154) @QUR@012 ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من ~~الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين (155) @QUR@010 الذين إذا أصابتهم ~~مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون (156) @QUR@09 أولئك عليهم صلوات من ~~ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ) (157) # الصبر : حبس النفس على احتمال المكاره ، وتوطينها على تحمل المشاق وتجنب الجزع. # والمعنى : يا من آمنتم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، ~~استعينوا على إقامة دينكم والدفاع عنه ، وعلى فعل الطاعات وترك المعاصي ، ~~وعلى احتمال المكاره التي تجرى بها الأقدار ، استعينوا على كل ذلك بالصبر ~~الجميل وبالصلاة المصحوبة بالخشوع والإخلاص والتذلل للخالق عز وجل فإن ~~الإيمان الذي خالط قلوبكم يستدعى منكم القيام بالمصاعب ، واحتمال المكاره ، ~~ولقاء الأذى من عدو أو سفيه ، ولن تستطيعوا أن تتغلبوا على كل ذلك إلا ~~بالصبر والصلاة. # ولقد استجاب النبي صلى الله عليه وسلم لهذا التوجيه الرباني ، وتأسى به ~~أصحابه في ذلك ، فقد أخرج الإمام أحمد بسنده عن حذيفة بن اليمان أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «كان إذا حزبه أمر صلى» (1) أى : إذا شق عليه أمر لجأ ~~إلى الصلاة لله رب العالمين. # وافتتحت الآية الكريمة بالنداء ، لأن فيه إشعارا بخبر مهم عظيم ، فإن من ~~شأن الأخبار العظيمة التي تهول المخاطب أن يقدم قبلها ما يهيئ النفس ~~لقبولها لتستأنس بها قبل أن تفجأها. PageV01P311 # ولعل مما يشهد بأفضلية هذه الأمة على غيرها من الأمم ، أن الله تعالى قد ~~أمر بنى ms0315 إسرائيل في السورة نفسها بالاستعانة بالصبر والصلاة فقال : ( ~~@QUR@03 واستعينوا بالصبر والصلاة ) إلا أنه سبحانه قال لهم : ( @QUR@05 ~~وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ) ليشعرهم بضعف عزائمهم عن عظائم الأعمال ، ~~ولم يقل سبحانه للمؤمنين ذلك في الآية التي معنا ، للإيماء إلى أنهم قد يسر ~~لهم ما يصعب على غيرهم ، وأنهم هم الخاشعون الذين استثناهم الله هنالك. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 إن الله مع الصابرين ) بيان لحكمة الاستعانة ~~بالصبر وهو الفوز والنصر. أى : إن الله مع الصابرين بمعونته ونصره ، ~~وتوفيقه وتسديده فهي معية خاصة ، وإلا فهو سبحانه مع جميع خلقه بعلمه ~~وقدرته. # وقال سبحانه : ( @QUR@04 إن الله مع الصابرين ) ولم يقل «مع المصلين» لأن ~~الصلاة المستوفية لأركانها وسننها وخشوعها لا تتم إلا بالصبر ، فالمصلون ~~بحق داخلون في قوله تعالى : ( @QUR@04 إن الله مع الصابرين ). # ولم يقل «معكم» ليفيد أن معونته إنما تمدهم إذا صار الصبر وصفا لازما لهم. # قال الأستاذ الإمام : إن من سنة الله : تعالى أن الأعمال العظيمة لا تتم ~~ولا ينجح صاحبها إلا بالثبات والاستمرار ، وهذا إنما يكون بالصبر ، فمن صبر ~~فهو على سنة الله والله معه ، لأنه سبحانه جعل هذا الصبر سببا للظفر ، إذ ~~هو يولد الثبات والاستمرار الذي هو شرط النجاح ، ومن لم يصبر فليس الله معه ~~، لأنه تنكب سنته ، ولن يثبت فيبلغ غايته (1). # ثم نهى سبحانه المؤمنين عن أن يقولوا للشهداء أمواتا فقال : ( @QUR@013 ~~ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات. بل أحياء ولكن لا تشعرون ). # قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت هذه الآية في قتلى غزوة بدر ، قتل من ~~المسلمين فيها أربعة عشر رجلا : ست من المهاجرين وثمانية من الأنصار وكان ~~الناس يقولون. مات فلان ومات فلان. فنهى الله تعالى أن يقال فيهم : إنهم ماتوا. # وقيل إن الكفار والمنافقين قالوا : إن الناس يقتلون أنفسهم طلبا لمرضاة ~~محمد من غير فائدة ، فنزلت هذه الآية (2). # والسبيل : الطريق وسبيل الله : طريق مرضاته ، وإنما قيل للجهاد سبيل الله ~~، لأنه طريق إلى ثواب الله وإعلاء كلمته. و «أموات» مرفوع على أنه خبر ~~لمبتدأ محذوف أى : لا ms0316 تقولوا هم PageV01P312 # أموات وكذلك قوله «أحياء خبر لمبتدأ محذوف أى : هم أحياء. # قال الآلوسى : «والجملة معطوفة على «لا تقولوا» اضراب عنه ، وليس من عطف ~~المفرد على المفرد ليكون في حيز القول ويصير المعنى بل قولوا أحياء ، لأن ~~المقصود إثبات الحياة لهم لا أمرهم بأن يقولوا في شأنهم إنهم أحياء وإن كان ~~ذلك أيضا صحيحا» (1). # أى : لا تقولوا أيها المؤمنون لمن يقتل من أجل إعلاء كلمة الله ونصرة ~~دينه إنهم أموات ، بمعنى أنهم تلفت نفوسهم وعدموا الحياة ، وتصرمت عنهم ~~اللذات ، وأضحوا كالجمادات كما يتبادر من معنى الميت ، بل هم أحياء في عالم ~~غير عالمكم كما قال تعالى : ( @QUR@043 ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله ~~أمواتا ، بل أحياء عند ربهم يرزقون. فرحين بما آتاهم الله من فضله ، ~~ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ، ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ). # وقوله : ( @QUR@03 ولكن لا تشعرون ) أى : لا تحسون ولا تدركون حالهم ~~بالمشاعر ، لأنها من شئون الغيب التي لا طريق للعلم بها إلا الوحى. # قال الآلوسى ما ملخصه : ثم إن نهى المؤمنين عن أن يقولوا في شأن الشهداء ~~أموات ، إما أن يكون دفعا لإيهام مساواتهم لغيرهم في ذلك البرزخ ... وإما ~~أن يكون صيانة لهم عن النطق بكلمة قالها أعداء الدين والمنافقون في شأن ~~أولئك الكرام قاصدين بها أنهم حرموا من النعيم ولن يروه أبدا ... ثم قال : ~~وقد اختلف في هذه الحياة التي يحياها أولئك الشهداء عند ربهم : فذهب كثير ~~من السلف إلى أنها حقيقة بالروح والجسد ولكنها لا ندركها في هذه النشأة ~~واستدلوا بسياق قوله تعالى : ( @QUR@03 عند ربهم يرزقون ) وبأن الحياة ~~الروحانية التي ليست بالجسد ليست من خواصهم فلا يكون لهم امتياز بذلك على ~~من عداهم. وذهب البعض إلى أنها روحانية وكونهم يرزقون لا ينافي ذلك .. وذهب ~~البلخي إلى نفى الحياة عنهم وقال ؛ معنى ( @QUR@02 بل أحياء ) إنهم يحيون ~~يوم القيامة فيجزون أحسن الجزاء. فالآية على حد قوله تعالى ( @QUR@08 إن ~~الأبرار لفي نعيم وإن ms0317 الفجار لفي جحيم ).. وذهب بعضهم إلى إثبات الحياة ~~الحكمية لهم بسبب ما نالوا من الذكر الجميل والثناء الجليل ، كما روى عن ~~على أنه قال : «هلك خزان الأموال والعلماء باقون ما بقي الدهر ، أعيانهم ~~مفقودة وآثارهم في القلوب موجودة». # ثم قال : «ولا يخفى أن هذه الأقوال ما عدا الأولين في غاية الضعف ، بل ~~نهاية البطلان ، والمشهور ترجيح القول الأول». PageV01P313 # والذي نراه أن الآية الكريمة قد نبهتنا إلى أن للشهداء مزية تجعلهم ~~مفضلين عمن سواهم من كثير من الناس ، وهي أنهم في حياة سارة ، ونعيم مقيم ~~عند ربهم ، وهذه الحياة الممتازة تسمو بهم عن أن يقال فيهم كما يقال في ~~غيرهم إنهم أموات وإن كان المعنى اللغوي للموت حاصلا لهم ، ونحن نؤمن بهذه ~~الحياة السارة لهم عند ربهم ونعتقد صحتها كما ذكرها الله تعالى إلا أننا ~~نفوض كيفيتها وكنهها إليه سبحانه إذ لا يمكن إدراكها إلا من طريق الوحى ، ~~كما قال تعالى : ( @QUR@03 ولكن لا تشعرون ) أى : لا تشعرون بحياتهم بعد ~~مفارقتهم لهذه الدنيا ، لأنها حياة من نوع معين لا يعلمها إلا علام الغيوب. # وبعد أن طلب سبحانه من عباده أن يستعينوا بالصبر والصلاة على احتمال ~~المكاره ، أردف ذلك بذكر بعض المواطن التي لا يمر فيها الإنسان بسلامة إلا ~~إذا اعتصم بعرى الصبر فقال تعالى ( @QUR@010 ولنبلونكم بشيء من الخوف ~~والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ). # وقوله : ( @QUR@01 ولنبلونكم ) من البلو والبلاء وهو الامتحان والاختبار ~~، وهو جواب لقسم محذوف والتقدير : والله لنبلونكم. # وقوله : ( @QUR@01 ولنبلونكم ) عطف على قوله : ( @QUR@01 واستعينوا ) إلخ ~~، عطف المضمون على المضمون ، والجامع أن مضمون الأول طلب الصبر ، ومضمون ~~الثانية بيان مواطنه ، والمراد : ولنعاملنكم معاملة المختبر والمبتلى ~~لأحوالكم : # والتنوين في قوله : ( @QUR@01 بشيء ) للتقليل. أى بقليل من كل واحد من ~~هذه البلايا والمحن وهي الخوف وما عطف عليه. # وإنما قلل كما قال الزمخشري ليؤذن أن كل بلاء وإن جل ففوقه ما يقل إليه ~~وليخفف عليهم ويريهم أن رحمته معهم في كل حال لا تزايلهم ، وأنه سبحانه ~~يبتليهم من هذه المصائب بقدر ما يمتاز به الصابرون ms0318 من غير الصابرين. # و ( @QUR@01 الخوف ) غم يلحق النفس لتوقع مكروه ، ومن أشد ما تضطرب له ~~النفوس من الخوف ، خشيتها أن تقع تحت يد عدو لا هم له إلا إيذاؤها بما تكره. # و ( @QUR@01 الجوع ) ضد الشبع ، والمراد منه القحط ، وتعذر تحصيل القوت ، ~~والحاجة الملحة إلى طعام. # و ( @QUR@01 الأموال ) جمع مال ، وهو ما يملك مما له قيمة ، وجرى للعرب ~~عرف باستعماله في النعم خاصة وهي الإبل والبقر والغنم . PageV01P314 # و ( @QUR@01 الثمرات ): جمع ثمرة وهي حمل الشجر ، وقد تطلق على الشجر ~~والنبات نفسه. # والمعنى : ولنصيبنكم بشيء من الخوف وبشيء من الجوع ، وبشيء من النقص في ~~الأنفس والأموال والثمرات ، ليظهر هل تصبرون أو لا تصبرون ، فنرتب الثواب ~~على الصبر والثبات على الطاعة ، ونرتب العقاب على الجزع وعدم التسليم لأمر ~~الله تعالى . # ولقد حدث للمسلمين الأولين خوف شديد بسبب تألب أعدائهم عليهم كما حصل في ~~غزوة الأحزاب. وحدث لهم جوع أليم بسبب هجرتهم من أوطانهم ، وقلة ذات يدهم ~~حتى لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يشد الحجر على بطنه. وحدث لهم نقص في ~~أموالهم بسبب اشتغالهم بإعلاء كلمة الله. وحدث لهم نقص في أنفسهم بسبب ~~قتالهم لأعدائهم. ولكن كل هذه الآلام لم تزدهم إلا إيمانا وتسليما لقضاء ~~الله وقدره ، واستمساكا بتعاليم دينهم وهذا البلاء وتلك الآلام لا بد منها ~~ليؤدى المؤمنون تكاليف العقيدة ، كي تعز على نفوسهم بمقدار ما أدوا في ~~سبيلها من تكاليف ، إذ العقائد الرخيصة التي لا يؤدى أصحابها تكاليفها لا ~~يعز عليهم تركها عند الصدمة الأولى ، وليعلم من جاء بعدهم من المؤمنين إذا ~~ما أصابهم مثل هذه الأمور أن ما أصابهم ليس لنقصان من درجاتهم ، وحط من ~~مراتبهم ، فقد أصيب بمثل ذلك أو أكثر من هم أفضل منهم وهم أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم . # قال الإمام الرازي : وأما الحكمة في تقديم تعريف هذا الابتلاء. أى ~~الإخبار به قبل وقوعه : ففيها وجوه : # أحدها : ليوطنوا أنفسهم على الصبر عليها إذا وردت فيكون ذلك أبعد لهم عن ~~الجزع وأسهل عليهم بعد الورود. # وثانيها : أنهم ms0319 إذا علموا أنه ستصل إليهم تلك المحن اشتد خوفهم ، فيصير ~~ذلك الخوف تعجيلا للابتلاء ، فيستحقون به مزيد الثواب. # وثالثها : أن الكفار إذا شاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مقيمين ~~على دينهم مستقرين عليه ، مع ما كانوا عليه من نهاية الضر والمحنة والجوع ~~يعلمون أن القوم إنما اختاروا هذا الدين لقطعهم بصحته فيدعوهم ذلك إلى مزيد ~~التأمل في دلائله. ومن المعلوم الظاهر أن التبع إذا عرفوا أن المتبوع في ~~أعظم المحن بسبب المذهب الذي ينصره ، ثم رأوه مع ذلك مصرا على ذلك المذهب : ~~كان ذلك أدعى لهم إلى اتباعه مما إذا رأوه مرفه الحال لا كلفة عليه في ذلك ~~المذهب. # ورابعها : أنه تعالى أخبر بوقوع ذلك الابتلاء قبل وقوعه فوجد مخبر ذلك ~~الخبر على ما أخبر عنه. فكان إخبارا عن الغيب فكان معجزا. PageV01P315 # وخامسها : أن من المنافقين من أظهر متابعة الرسول طمعا في المال وسعة ~~الرزق ، فإذا اختبره سبحانه بنزول هذه المحن ، فعند ذلك يتميز المنافق عن ~~الموافق. # وسادسها : أن إخلاص الإنسان حالة البلاء ورجوعه إلى باب الله تعالى أكثر ~~من إخلاصه حال إقبال الدنيا عليه. فكانت الحكمة في هذا الابتلاء ذلك (1). # ثم بعد أن بين سبحانه مواطن تضطرب فيها النفوس أردف ذلك يذكر عاقبة الصبر ~~، وجزائه الأسنى ، فقال : ( @QUR@012 وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم ~~مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ). # الخطاب في قوله : ( @QUR@01 وبشر ) للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل من ~~تتأتى منه البشارة. والجملة عطف على «لنبلونكم» عطف المضمون على المضمون أى ~~: الابتلاء حاصل لكم وكذا البشارة لكن لمن صبر. # والمصيبة اسم فاعل من الإصابة ، والمراد بها الآلام الداخلة على النفس ~~بسبب ما ينالها من الشدائد والمحن. # و ( @QUR@01 راجعون ) من الرجوع بمعنى مصير الشيء إلى ما كان عليه ، يقال ~~: رجعت الدار إلى فلان إذا ملكها مرة ثانية ، وهو نظير العود والمصير. # والمعنى : وبشر يا محمد بالرحمة العظيمة والإحسان الجزيل ، أولئك ~~الصابرين الذين من صفاتهم أنهم إذا نزلت بهم مصيبة ، في أنفسهم أو أموالهم ~~أو أولادهم ، أو غير ms0320 ذلك ، قالوا : بألسنتهم وقلوبهم على سبيل التسليم ~~المطلق لقضاء الله والرضا بقدره ( @QUR@02 إنا لله ) أى : إنا لله ملكا ~~وعبودية ، والمالك يتصرف في ملكه ويقلبه من حال إلى حال كيف يشاء ، «وإنا ~~إليه راجعون» أى : وإنا إليه صائرون يوم القيامة فيجازينا على ما أمرنا به ~~من الصبر والتسليم لقضائه عند نزول الشدائد التي ليس في استطاعتنا دفعها. # فقولهم : ( @QUR@02 إنا لله ) إقرار بالعبودية والملكية لله رب العالمين. ~~وقولهم «وإنا إليه راجعون» إقرار بصحة البعث والحساب والثواب والعقاب يوم ~~القيامة. # وليست هذه البشارة موجهة إلى الذين يقولون بألسنتهم هذا القول مع الجزع ~~وعدم الرضا بالقضاء والقدر ، وإنما هذه البشارة موجهة إلى الذين يتلقون ~~المصائب بالسكينة والتسليم لقضاء الله لأول حلولها ، يشير إلى هذا قوله ~~تعالى : ( @QUR@05 الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا ) فإنه يدل على أنهم ~~يقولون ذلك وقت الإصابة «ويصرح بهذا قوله صلى الله عليه وسلم «الصبر عند ~~الصدمة الأولى». PageV01P316 # وهذه الجملة الكريمة وهي قوله تعالى : ( @QUR@03 الذين إذا أصابتهم ).. ~~إلخ وصف كريم لأولئك الصابرين ، لأنها أفادت أن صبرهم أكمل الصبر ، إذ هو ~~صبر مقترن ببصيرة مستنيرة جعلتهم يقرون عن عقيدة صادقة أنهم ملك لله يتصرف ~~فيهم كيف يشاء ، ومن ربط نفسه بعقيدة أنه ملك لله وأن المرجع إليه ، يكون ~~بذلك قد هيأها للصبر الجميل عند كل مصيبة تفاجئه. # قال القرطبي : جعل الله هذه الكلمات وهي قوله تعالى : ( @QUR@05 إنا لله ~~وإنا إليه راجعون ) ملجأ لذوي المصائب ، وعصمة للممتحنين ، لما جمعت من ~~المعاني المباركة ، فإن قوله «إنا لله» توحيد واقرار بالعبودية والملك ~~وقوله ( @QUR@03 وإنا إليه راجعون ) إقرار بالهلك على أنفسنا والبعث من ~~قبورنا ، واليقين أن رجوع الأمر كله إليه كما هو له. قال سعيد بن جبير : لم ~~تعط هذه الكلمات نبيا قبل نبينا ، ولو عرفها يعقوب لما قال : يا أسفى على ~~يوسف» (1). # هذا ، ولا يتنافى مع الصبر ما يكون من الحزن عند حصول المصيبة ، فقد ورد ~~في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم بكى عند موت ابنه إبراهيم وقال : ~~العين تدمع ، والقلب يحزن ، ولا نقول ms0321 إلا ما يرضى ربنا وإنا بفراقك يا ~~إبراهيم لمحزونون». # وإنما الذي ينافيه ويؤاخذ الإنسان عليه ، الجزع المفضى إلى إنكار حكمة ~~الله فيما نزل به من بأساء أو ضراء ، أو إلى فعل ما حرمه الإسلام من نحو ~~النياحة وشق الجيوب ، ولطم الخدود. # ثم بين سبحانه ما أعده للصابرين من أجر جزيل فقال : ( @QUR@09 أولئك ~~عليهم صلوات من ربهم ورحمة ، وأولئك هم المهتدون ). # ( @QUR@01 أولئك ) اسم اشارة ، أتى به سبحانه للتنبيه على أن المشار إليه ~~هم الموصوفون بجميع الصفات السابقة على اسم الإشارة ، وأن الحكم الذي ورد ~~بعد مترتب على هذه الأوصاف. # والصلوات جمع صلاة. وصلاة الله على عباده إقباله عليهم. بالثناء والعطف ~~والمغفرة. # وجمعت مراعاة لكثرة ما يترتب عليها من أنواع الخيرات في الدنيا والآخرة. # الرحمة كما هو مذهب السلف صفة قائمة بذاته تعالى لا نعرف حقيقتها وإنما ~~نعرف أثرها الذي هو الإحسان. # وعطف سبحانه الرحمة على الصلوات ليدل على أن بعد ذلك الإقبال منه على ~~عباده إنعاما واسعا ، وعطاء جزيلا في الدنيا والآخرة. PageV01P317 # وجاءت الرحمة مفردة على أصل المصادر وهو الإفراد ، والمقام في الآية يذهب ~~بذهن السامع إلى كثرة الإنعام المترتب على الصبر الجميل. # والجملة ( @QUR@06 أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ) استئنافية جواب عن ~~سؤال تقديره : بما ذا بشر الله الصابرين؟ فكان الجواب : أولئك عليهم صلوات ~~... إلخ. # والمعنى : أولئك الصابرون المحتسبون الموصوفون بتلك الصفات الكريمة ، ~~عليهم مغفرة عظيمة من خالقهم ، وإحسان منه سبحانه يشملهم في دنياهم وآخرتهم ~~( @QUR@03 وأولئك هم المهتدون ) لطريق الصواب بالتسليم وقت صدمة المصيبة ~~دون غيرهم ممن جزعوا عند صدمتها ، حتى صدر عنهم ما لم يأذن به الله. # هذا ، وفي فضل الصبر والصابرين وردت آيات كثيرة ، وأحاديث متعددة أما ~~الآيات فيزيد عددها في القرآن على سبعين آية منها قوله تعالى : ( @QUR@07 ~~وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ) وقوله ( @QUR@08 ولنجزين الذين ~~صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) وقوله : ( @QUR@06 أولئك يؤتون أجرهم ~~مرتين بما صبروا ) وقوله : ( @QUR@06 إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) ~~إلى غير ذلك من الآيات. # وأما الأحاديث فمنها ما جاء ms0322 في صحيح مسلم عن أم سلمة قالت : سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول : إنا لله وإنا ~~إليه راجعون. اللهم أجرنى في مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا أجره الله في ~~مصيبته وأخلف له خيرا منها. قالت : فلما توفى أبو سلمة قلت : من خير من أبى ~~سلمة : صاحب رسول الله؟ ثم عزم الله لي فقلتها : قالت : فتزوجني رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم . # ومنها ما رواه الإمام أحمد بسنده عن أبى سنان قال : دفنت ابنا لي. وإنى ~~لفي القبر أخذ بيدي أبو طلحة «يعنى الخولاني» فأخرجنى وقال : ألا أبشرك؟ ~~قال قلت : بلى. قال : حدثني الضحاك بن عبد الرحمن بن عوزب عن أبى موسى ~~الأشعرى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى : يا ملك ~~الموت ، قبضت ولد عبدى ، قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده؟ قال : نعم. قال فماذا ~~قال؟ قال حمدك واسترجع. قال الله تعالى : ابنوا له بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد. # ومنها ما رواه الشيخان عن أبى سعيد وأبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم ، حتى ~~الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه. PageV01P318 # إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي وردت في ثواب الاسترجاع وفي أجر ~~الصابرين وفضلهم. # ثم تحدث سبحانه عن شعيرة من شعائر الحج فقال : # ( @QUR@024 إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا ~~جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم ) (158) # قال الآلوسى : بعد أن أشار سبحانه فيما تقدم إلى الجهاد عقب ذلك ببيان ~~معالم الحج ، فكأنه جمع بين الحج والغزو ، وفيهما شق الأنفس وتلف الأموال. ~~وقيل لما ذكر الصبر عقبه ببحث الحج لما فيه من الأمور المحتاجة إليه» (1). # و ( @QUR@01 الصفا ) في اللغة : الحجر الأملس ، مأخوذ من صفا يصفوا إذا ~~خلص ، واحده صفاة فهو مثل حصى وحصاة ونوى ونواة. # و ( @QUR@01 المروة ms0323 ) في أصل اللغة : الحجر الأبيض اللين ، وقيل : الحصاة ~~الصغيرة. وهما أى الصفا والمروة قد جعلا علمين لجبلين معروفين بمكة كانا ~~على بعد ما يقرب من ألف ذراع من المسجد الحرام. والألف واللام فيهما ~~للتعريف لا للجنس. ومع توسعة المسجد الحرام صارا متصلين به. # والشعائر جمع شعيرة ، من الإشعار بمعنى الإعلام ، ومنه قولك شعرت بكذا ، ~~أى : علمت به. # وكون الصفا والمروة من شعائر الله ، أي : أعلام دينه ومتعبداته. تعبدنا ~~الله بالسعي بينهما في الحج والعمرة. # وشعائر الحج : معالمه الظاهرة للحواس ، التي جعلها الله أعلاما لطاعته ، ~~ومواضع نسكه وعباداته ، كالمطاف والمسعى والموقف والمرمى والمنحر. # وتطلق الشعائر على العبادات التي تعبدنا الله بها في هذه المواضع ، ~~لكونها علامات على الخضوع والطاعة والتسليم لله تعالى . PageV01P319 # وأكدت الجملة الكريمة بإن لأن بعض المسلمين كانوا مترددين في كون السعى ~~بين الصفا والمروة من شعائر الله ، وكانوا يظنون أن السعى بينهما من أحوال ~~الجاهلية ، كما سنبين بعد قليل. # وقوله : ( @QUR@011 فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ) ~~تفريع على كونهما من شعائر الله وأن السعى بينهما في الحج والعمرة من ~~المناسك. والحج لغة : القصد مطلقا أو إلى معظم. وشرعا : القصد إلى البيت ~~الحرام في زمان معين بأعمال مخصوصة. # و ( @QUR@01 اعتمر ) أى : زار. والعمرة الزيارة مأخوذة من العمارة كأن ~~الزائر يعمر البيت الحرام بزيارته. وشرعا الزيارة لبيت الله المعظم بأعمال ~~مخصوصة وهي : الإحرام والطواف والسعى بين الصفا والمروة. # والجناح بضم الجيم الإثم والحرج مشتق من جنح إذا مال عن القصد ، وسمى ~~الإثم به للميل فيه من الحق إلى الباطل. # و ( @QUR@01 يطوف ) أصلها يتطوف ، فأبدلت التاء طاء ، وأدغمت في الطاء ~~فصارت «يطوف. # والتطوف بالشيء كالطواف به ، ومعناه : الإلمام بالشيء والمشي حوله. # وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الطواف بالنسبة للكعبة بالدوران حولها ~~سبعة أشواط. وفسره بالنسبة للصفا والمروة بالسعي بينهما سبعة أشواط كذلك. # و «من» في قوله : ( @QUR@02 فمن حج ) شرطية ، «وحج» في محل جزم بالشرط ، و ~~( @QUR@01 البيت ) منصوب على المفعولية ، وجملة «فلا جناح عليه أن ms0324 يطوف ~~بهما» جواب الشرط. # والمعنى : إن الصفا والمروة من شعائر الله ، أى : من المواضع التي يقام ~~فيهما أمر من أمور دينه وهو السعى بينهما ( @QUR@03 فمن حج البيت ) أى : ~~قصده بالأفعال المعينة التي شرعها الله ( @QUR@02 أو اعتمر ) أى : أتى ~~بالعمرة كما بينتها تعاليم الإسلام «فلا جناح عليه أن يطوف بهما» أى : فلا ~~إثم ولا حرج ولا مؤاخذة عليه في الطواف بهما ، لأنهما مطلوبان للشارع ، ~~ومعدودان من الطاعات. # وهنا قد يقول قائل : إن بعض الذين يقرءون هذه الآية قد يشكل عليهم فهمها ~~وذلك لأن قوله تعالى : ( @QUR@06 إن الصفا والمروة من شعائر الله ) يدل على ~~أن الطواف بهما مطلوب شرعا طلبا أقل درجاته الندب ، وقوله تعالى : ( ~~@QUR@06 فلا جناح عليه أن يطوف بهما ) يقتضى رفع الإثم عن المتطوف بهما ، ~~والتعبير برفع الإثم عن الشيء يأتى في مقام الدلالة على إباحته ، وإذن فما ~~الأمر الداعي إلى أن يقال في هذه الشعيرة : لا إثم على من يفعلها بعد ~~التصريح بأنها من شعائر الله؟ وللإجابة على هذا القول نقول. إن الوقوف على ~~سبب نزول الآية الكريمة يرفع هذا PageV01P320 # الاستشكال. وقد روى العلماء في سبب نزولها عدة روايات منها : ما رواه ~~البخاري عن عروة بن الزبير قال : سألت عائشة رضي الله عنها قلت لها : أرأيت ~~قوله تعالى : ( @QUR@017 إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو ~~اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ... ) فو الله ؛ ما على أحد جناح أن لا ~~يطوف بالصفا والمروة؟ قالت بئس ما قلت يا ابن أختى!! إن هذه الآية لو كانت ~~كما أولتها لكانت : لا جناح عليه أن لا يطوف بهما ، ولكن الآية أنزلت في ~~الأنصار. كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية ، التي كانوا يعبدونها ~~عند المشعر. فكان من أهل يتحرج أن يتطوف بالصفا والمروة. فلما أسلموا سألوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ فقالوا : يا رسول الله : إنا كنا نتحرج ~~أن نطوف بين الصفا والمروة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # قال عائشة : وقد سن رسول الله صلى الله ms0325 عليه وسلم الطواف بينهما ، فليس لأحد ~~أن يترك الطواف بينهما (1). # وهناك رواية لمسلم عن عروة عن عائشة تشبه ما جاء في رواية البخاري ، ~~وهناك رواية للنسائى عن زيد بن حارثة قال : كان على الصفا والمروة صنمان من ~~نحاس يقال لهما «إساف ونائلة» كان المشركون إذا طافوا تمسحوا بهما. # وهناك رواية للطبراني وابن أبى حاتم بإسناد حسن من حديث ابن عباس قال : ~~قالت الأنصار : إن السعى بين الصفا والمروة من أمر الجاهلية فأنزل الله هذه ~~الآية (2). # فيؤخذ من هذه الروايات أن بعض المسلمين كانوا يتحرجون من السعى بين الصفا ~~والمروة لأسباب من أهمها أن هذا السعى كان من شعائرهم في الجاهلية فقد ~~كانوا يهلون أى يحرمون لمناة ، ثم يسعون بينهما ليتمسحوا بصنمين عليهما ، ~~وهم لا يريدون أن يعملوا في الإسلام شيئا مما كان من أمر الجاهلية لأن دين ~~الإسلام الذي خالط أعماق قلوبهم هز أرواحهم هزا قويا وجعلهم ينظرون بجفوة ~~وازدراء واحتراس إلى كل ما كانوا عليه في الجاهلية من أعمال تتنافى مع ~~تعاليم دينهم الجديد ، فنزلت هذه الآية الكريمة لتزيل التحرج الذي كان ~~يتردد في صدورهم من السعى بين الصفا والمروة. # وهذا يدل على قوة إيمانهم ، وصفاء يقينهم ، وتحرزهم من كل قول أو عمل يشم ~~منه رائحة التعارض مع العقيدة التي جعلتهم يخلصون عبادتهم لله الواحد ~~القهار. # وقوله ( @QUR@07 ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم ) تذييل قصد منه ~~الإتيان بحكم كلى في أفعال الخيرات كلها ، وقيل إنه تذييل لما أفادته الآية ~~من الحث على السعى بين الصفا والمروة. PageV01P321 # و ( @QUR@01 تطوع ) من التطوع وهو فعل الطاعة فريضة كانت أو نافلة ، وقيل ~~هو التطوع بالنفل خاصة. # و ( @QUR@01 شاكر ) من الشكر ، والشاكر في اللغة هو المظهر للإنعام عليه ~~، وذلك محال في حق الله تعالى ، إذ هو المنعم على خلقه ، فوجب حمل شكر الله ~~لعباده على معنى مجازاتهم على ما يعملون من خيرات ، وإثابتهم على ذلك ~~بالثواب الجزيل. # قال الإمام الرازي : وإنما سمى سبحانه المجازاة على الطاعة شكرا لوجوه : # الأول : أن اللفظ خرج مخرج ms0326 التلطف مع العباد مبالغة في الإحسان إليهم ، ~~كما في قوله تعالى : ( @QUR@07 من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ) وهو ~~سبحانه لا يستقرض من عوز ، ولكنه تلطف في الاستدعاء كأنه قيل : من ذا الذي ~~يعمل عمل المقرض. بأن يقدم فيأخذ أضعاف ما قدم. # الثاني : أن الشكر لما كان مقابلا للإنعام أو الجزاء عليه ، سمى كل ما ~~كان جزاء شكرا على سبيل التشبيه. # الثالث : كأنه يقول : أنا وإن كنت غنيا عن طاعتك ، إلا أنى أجعل لها من ~~الموقع بحيث لو صح على أن أنتفع بها لما ازداد وقعه على ما حصل. # وبالجملة فالمقصود أن طاعة العبد مقبولة عند الله ، وواقعة موقع القبول ~~في أقصى الدرجات (1). # و ( @QUR@01 من ) شرطية. # و ( @QUR@01 تطوع ) فعل الشرط ، و ( @QUR@01 خيرا ) منصوب على نزع الخافض ~~، وأصله بخير ؛ لأن تطوع يتعدى بالباء ولا يتعدى بنفسه ثم حذفت الباء في ~~نظم الكلام نحو : تمرون الديار فلم تعوجوا. أو هو منصوب على أنه نعت لمصدر ~~محذوف أى : تطوعا خيرا ، وجملة ( @QUR@04 فإن الله شاكر عليم ) دليل على ~~جواب الشرط ، إذ التقدير ، ومن تطوع خيرا جوزي فإن الله شاكر عليم. # والمعنى : ومن تطوع بالخيرات وأنواع الطاعات ، أو من أتى بالحج أو العمرة ~~طاعة لله ، أو من أتى بهما مرة بعد مرة زيادة على المقروض أو الواجب عليه ، ~~فاز بالثواب الجزيل ، والنعيم المقيم ؛ لأن من صفاته سبحانه مجازاة من ~~يحسنون العمل ، وهو عليم بكل ما يصدر عن عباده ، ولن يضيع أجر من أحسن عملا. # هذا ، وقد اختلفت أقوال الفقهاء في حكم السعى بين الصفا والمروة. PageV01P322 # فمنهم من يرى أنه من أركان الحج كالإحرام والطواف والوقوف بعرفة. وإلى ~~هذا الرأى ذهب الشافعى وأحمد بن حنبل ومالك في أشهر الروايتين عنه ومن ~~حججهم أنه من أفعال الحج ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد اهتم به وبادر ~~إليه ، فقد روى الشيخان عن عمرو بن دينار قال : سألنا ابن عمر عن رجل طاف ~~بالبيت العمرة ، ولم يطف بين الصفا والمروة أيأتي امرأته؟ فقال : قدم النبي ~~صلى الله عليه ms0327 وسلم فطاف بالبيت سبعا وصلى خلف المقام ركعتين ، وطاف بين الصفا ~~والمروة. وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة». # ومنهم من يرى أنه واجب يجبر بالدم ، وإلى هذا الرأى ذهب الحنفية ومن ~~حججهم أنه لم يثبت بدليل قطعى فلا يكون ركنا. # ومنهم من يرى غير ذلك كما هو موضح في كتب الفقه. # ثم حض سبحانه على إظهار الحق وبيانه ، وتوعد بالعقاب الشديد من يعمل على ~~إخفائه وكتمانه. # فقال تعالى : # ( @QUR@020 إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه ~~للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (159) @QUR@011 إلا ~~الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم (160) ~~@QUR@013 إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة ~~والناس أجمعين (161) @QUR@09 خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ~~ينظرون ) (162) # قال الآلوسى : أخرج جماعة عن ابن عباس قال : سأل معاذ بن جبل ، وسعد بن ~~معاذ ، وخارجه بن زيد نفرا من أحبار يهود عما في التوراة من صفات النبي ~~صلى الله عليه وسلم ومن بعض الأحكام فكتموا ، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية ~~( @QUR@03 إن الذين يكتمون )... إلخ (1). PageV01P323 # والكتم والكتمان : إخفاء الشيء قصدا مع مسيس الحاجة إليه وتحقق الداعي ~~إلى إظهاره. وكتم ما أنزل الله يتناول إخفاء ما أنزله ، وعدم ذكره للناس ~~وإزالته عن موضعه ووضع شيء آخر موضعه ، كما يتناول تحريفه بالتأويل الفاسد ~~عن معناه الصحيح جريا مع الأهواء ، وقد فعل أهل الكتاب ولا سيما اليهود كل ~~ذلك. فقد كانوا يعرفون مما بين أيديهم من آيات أن رسالة محمد ~~صلى الله عليه وسلم حق ، ولكنهم كتموا هذه المعرفة حسدا له على ما آتاه الله ~~من فضله ، كما أنهم حرفوا كلام الله وأولوه تأويلا فاسدا تبعا لأهوائهم. # والمراد «بما أنزلنا» ما اشتملت عليه الكتب السماوية السابقة على القرآن ~~من صفات النبي صلى الله عليه وسلم ومن هداية وأحكام. # والمراد بالكتاب جنس الكتب ، فيصح حمله على جميع الكتب التي أنزلت على ~~الرسل عليهم السلام . وقيل : المراد به التوراة. # و ( @QUR@01 البينات ms0328 ) جمع بينة ، والمراد بها الآيات الدالة على المقاصد ~~الصحيحة بوضوح ، وهي ما نزل على الأنبياء من طريق الوحى. # والمراد «بالهدى» ما يهدى إلى الرشد مطلقا فهو أعم من البينات ، إذ يشمل ~~المعاني المستمدة من الآيات البينات عن طريق الاستنباط ، والاجتهاد القائم ~~على الأصول المحكمة. # و «اللعن» الطرد والإبعاد من الرحمة. يقال : لعنه ، أى : طرده وأبعده ~~ساخطا عليه ، فهو لعين وملعون. # والمعنى : إن الذين يخفون عن قصد وتعمد وسوء نية ما أنزل الله على رسله ~~من آيات واضحة دالة على الحق ، ومن علم نافع يهدى إلى الرشد ، من بعد ما ~~شرحناه وأظهرناه للناس في كتاب يتلى ، أولئك الذين فعلوا ذلك ( @QUR@02 ~~يلعنهم الله ) بأن يبعدهم عن رحمته ( @QUR@02 ويلعنهم اللاعنون ) أى ~~ويلعنهم كل من تتأتى منه اللعنة كالملائكة والمؤمنين بالدعاء عليهم بالطرد ~~من رحمة الله لكتمانهم لما أمر الله بإظهاره. # وجملة ( @QUR@03 إن الذين يكتمون ... ) إلخ ، مستأنفة لبيان سوء عاقبة ~~الكاتمين لما أمر الله بإظهاره ، وأكدت «بإن» للاهتمام بهذا الخبر الذي ~~ألقى على مسامع الناس. # وعبر في ( @QUR@01 يكتمون ) بالفعل المضارع ، للدلالة على أنهم في الحال ~~كاتمون للبينات والهدى ، ولو وقع بلفظ الماضي لتوهم السامع أن المقصود به ~~قوم مضوا ، مع أن المقصود إقامة الحجة على الحاضرين. # وقوله : ( @QUR@07 من بعد ما بيناه للناس في الكتاب ) متعلق بيكتمون ، ~~وقد دلت هذه الجملة PageV01P324 # الكريمة على أن معصيتهم بالكتمان في أحط الدركات وأقبحها ، لأنهم عمدوا ~~إلى ما أنزل الله من هدى ، وجعله بينا للناس في كتاب يقرأ ، فكتموه قصدا مع ~~تحقق المقتضى لإظهاره ، وإنما يفعل ذلك من بلغ الغاية في سفاهة الرأى ، ~~وخبث الطوية. # واللام في قوله : ( @QUR@01 للناس ) للتعليل ، أى : بيناه في الكتاب لأجل ~~أن ينتفع به الناس ، وفي هذا زيادة تشنيع عليهم فيما أتوه من كتمان ، لأن ~~فعلهم هذا مع أنه كتمان للحق ، فهو في الوقت نفسه اعتداء على مستحقه الذي ~~هو في أشد الحاجة إليه. # وقوله : ( @QUR@05 أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ) يفيد نهاية ~~الغضب عليهم ، حتى لكأنهم تحولوا إلى ملعنة ينصب عليها اللعن من كل مصدر ms0329 ، ~~ويتوجه إليها من كل من يستطيع اللعن ويؤديه. # والآية الكريمة وإن كانت نزلت في أهل الكتاب بسبب كتمانهم للحق ، إلا أن ~~وعيدها يتناول كل من كتم علما نافعا ، أو غير ذلك من الأمور التي يقضى ~~الدين بإظهارها ، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ومن شواهد هذا ~~العموم ما جاء في صحيح البخاري عن أبى هريرة قال : إن الناس يقولون أكثر ~~أبو هريرة ولو لا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثا ثم تلا قوله تعالى : ( ~~@QUR@07 إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات ) إلى قوله : ( @QUR@01 ~~الرحيم ) (1). # قال ابن كثير : وقد ورد في الحديث المسند من طرائق يشد بعضها بعضا عن أبى ~~هريرة وغيره ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «من سئل عن علم فكتمه ~~ألجم يوم القيام بلجام من نار» (2). # هذا ، وينبغي أن يعلم أن الإسلام وإن كان ينهى نهيا قاطعا عن كتم العلم ~~الذي فيه منفعة للناس ، إلا أنه يوجب على أتباعه وخصوصا العلماء أن يحسنوا ~~ما ينشرونه على الناس من علم ، ففي الحديث الشريف : حدثوا الناس بما يفهمون ~~أتحبون أن يكذب الله ورسوله. # كما أنه يوجب عليهم أن يضعوا العلم في موضعه المناسب لمقتضى حال ~~المخاطبين ، فليس كل ما يعلم يقال ، بل أحيانا يكون إخفاء بعض الأحكام ~~مناسبا لأن إظهاره قد يستعمله الطغاة والسفهاء فيما يؤذى الناس ، وفي صحيح ~~البخاري أن الحجاج قال لأنس بن مالك حدثني بأشد عقوبة عاقبها النبي ~~صلى الله عليه وسلم فذكر له أنس حديث العرنيين الذين قتلوا الرعاة واستاقوا ~~الإبل ، حيث قطع النبي صلى الله عليه وسلم أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم ~~في الحرة حتى ماتوا. فلما بلغ الحسن PageV01P325 # البصري ذلك قال : وددت أنه لم يحدثه؟؟ انهم يتلقفون من ظاهره ما يوافق ~~هواهم فيجعلونه ذريعة لهم فيما يعاملون به الناس من الظلم. # ومما يشهد بفقه بعض العلماء وحسن إدراكهم ، ووضعهم العلم في موضعه ~~المناسب : ما جاء في بعض الكتب أن سلطان قرطبة سأل يحيى بن يحيى الليثي عن ~~حكم يوم أفطره ms0330 في رمضان عامدا لأن شهوته غلبته على وطء بعض جواريه ، فأفتاه ~~بأن من الواجب عليه أن يصوم ستين يوما ، وكان بعض الفقهاء جالسا فلم يجترئ ~~على مخالفة يحيى. فلما انفض المجلس قيل له : لم خصصت الحكم بأحد المخيرات ~~وكتمت العتق والإطعام؟ فقال رحمه الله لو فتحنا هذا الباب لوطئ كل يوم وأعتق ~~أو أطعم ، فحملته على الأصعب لئلا يعود. # فالإمام يحيى عند ما كتم عن السلطان الكفارتين الأخريين وهما الإعتاق ~~والإطعام لا يعتبر مسيئا ، لأنه قد أعمل دليل دفع مفسدة الجرأة على حرمة ~~فريضة الصوم (1). # وهكذا نرى أن إظهار العلم عند تحقق المقتضى لإظهاره ، ووضعه في موضعه ~~اللائق به بدون خشية أو تحريف يدل على قوة الإيمان ، وحسن الصلة بالله ~~تعالى : ( @QUR@06 ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ). # وبعد هذا الوعيد الشديد لأولئك الكاتمين لما أمر الله بإظهاره ، أورد ~~القرآن في أعقاب ذلك آية تفتح لهم نافذة الأمل ، وتبين لهم أنهم إذا تابوا ~~وأنابوا قبل الله توبتهم ورحمهم ، فقال تعالى : ( @QUR@03 إلا الذين تابوا ~~) أى : رجعوا عن الكتمان وعن سائر ما يجب أن يتاب عنه ، وندموا على ما صدر ~~عنهم ( @QUR@01 وأصلحوا ) ما أفسدوه بالكتمان بكل وسيلة ممكنة ( @QUR@01 ~~وبينوا ) للناس حقيقة ما كتموه ( @QUR@03 فأولئك أتوب عليهم ) أى : أقبل ~~توبتهم ، وأفيض عليهم من رحمتي ومغفرتي ، ( @QUR@03 وأنا التواب الرحيم ) ~~أى : المبالغ في قبول التوبة ونشر الرحمة. # فالآية الكريمة قد فتحت للكاتمين لما يجب إظهاره باب التوبة وأمرتهم ~~بولوجه ، وأفهمتهم أنهم إذا فعلوا ما ينبغي وتركوا ما لا ينبغي وأخلصوا لله ~~نياتهم ، فإنه سبحانه يقبل توبتهم ، ويغسل حويتهم ، أما إذا استمروا في ~~ضلالهم وكفرهم ، ومضوا في هذا الطريق المظلم حتى النهاية بدون أن يحدثوا ~~توبة ، فقد بين القرآن مصيرهم بعد ذلك فقال : ( @QUR@06 إن الذين كفروا ~~وماتوا وهم كفار ) أى : إن الذين كفروا وكتموا ما من شأنه أن يظهر ، ~~كإخفائهم النصوص المشتملة على البشارة بالنبي صلى الله عليه وسلم واستمروا على ~~هذا الكفر والإخفاء حتى ماتوا. # ( @QUR@07 أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ) أى : أولئك ~~الذين وصفوا ms0331 بما ذكر عليهم PageV01P326 # اللعنة المستمرة من الله والطرد من رحمته ، وعليهم كذلك اللعنة الدائمة ~~من الملائكة والناس أجمعين عن طريق الدعاء عليهم بالإبعاد من رحمة الله. # وعبر عن أصحاب ذلك الكتمان بالذين كفروا ، ليحضرهم في الأذهان بأشنع وصف ~~وهو الكفر ، وليتناول الوعيد الذي اشتملت عليه الآية الكريمة كل كافر ولو ~~بغير معصية الكتمان. # وجملة ( @QUR@03 وماتوا وهم كفار ) حالية ، و ( @QUR@01 أجمعين ) تأكيد ~~بالنسبة إلى الكل لا للناس فقط. # والمراد بالناس جميعهم مؤمنهم وكافرهم ، إذ الكفار يلعن بعضهم بعضا يوم ~~القيامة كما جاء في قوله تعالى : ( @QUR@08 يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ~~ويلعن بعضكم بعضا ). وقيل المراد بهم المؤمنون خاصة لأنهم هم الذين يعتد ~~بلعنهم. # وقوله : ( @QUR@02 خالدين فيها ) الخلود البقاء إلى غير نهاية ، ويستعمل ~~بمعنى البقاء مدة طويلة. وإذا وصف به عذاب الكافر أريد به المعنى الأول ، ~~أى : البقاء إلى غير نهاية والظاهر أن الضمير في قوله ( @QUR@01 فيها ) ~~يعود إلى اللعنة لأنها هي المذكورة في الجملة. وقيل إنه يعود إلى النار لأن ~~اللعن إبعاد من الرحمة وإيجاب للعقاب والعقاب يكون في النار. وقوله ( ~~@QUR@04 لا يخفف عنهم العذاب ) أى : أن المقدار الذي استحقوه من العذاب لا ~~يتفاوت بحسب الأوقات شدة وضعفا ، وإنما هم في عذاب سرمدي أليم ، كما قال ~~تعالى : ( @QUR@012 إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون. لا يفتر عنهم وهم فيه ~~مبلسون ) والزيادة في قوله تعالى ( @QUR@05 فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا ) ~~حملها بعض العلماء على معنى استمرار العذاب ، فهي إشارة إلى الخلود فيه لا ~~إلى الزيادة في شدته. وقوله : ( @QUR@02 خالدين فيها ) إشارة إلى دوام ~~العذاب وعدم انقطاعه. وقوله : ( @QUR@03 لا يخفف عنهم ) إشارة إلى كيفيته وشدته. # وقوله : ( @QUR@03 ولا هم ينظرون ) أى : لا يمهلون ولا يؤخرون من العذاب ~~كما كانوا يمهلون في الدنيا. من الإنظار بمعنى التأخير والإمهال. أو من ~~النظر بمعنى الانتظار يقال : نظرته وانتظرته ، أى : أخرته وأمهلته ومنه ~~قوله تعالى : ( @QUR@07 وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ). # أو من النظر بمعنى الرؤية ، أى : لا ينظر الله إليهم نظر رحمة ورضا ولطف ~~كما ينظر إلى ms0332 عباده الصالحين ، لأنهم بكتمانهم للحق ، وكفرهم بالله ، ~~استحقوا ما استحقوا من العذاب المهين. # ( @QUR@07 وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ). # وبذلك تكون الآيات الكريمة قد حذرت الناس بأسلوب تأديبي حكيم من كتمان ~~الحق ، ومن الكفر بالله ، وفتحت أمامهم باب التوبة ليدخلوه بصادق النية ، ~~وصالح العمل ، وتوعدت من يستمر في ضلاله وطغيانه بأقسى أنواع العذاب ، ~~وأغلظ ألوانه. PageV01P327 # وبعد أن حذر سبحانه من كتمان الحق ، عقب ذلك ببيان ما يدل على وحدانيته ، ~~وعلى أنه هو المستحق للعبادة والخضوع فقال تعالى : # ( @QUR@09 وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم (163) @QUR@043 ~~إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في ~~البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد ~~موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض ~~لآيات لقوم يعقلون ) (164) # قوله : ( @QUR@03 وإلهكم إله واحد ) معطوف على قوله : ( @QUR@05 إن الذين ~~يكتمون ما أنزلنا ) عطف القصة على القصة ، والجامع كما قال الآلوسى أن ~~الأولى وهي قوله : ( @QUR@03 إن الذين يكتمون ) مسوقة لإثبات نبوة النبي ~~صلى الله عليه وسلم وجملة ( @QUR@03 وإلهكم إله واحد ) لإثبات وحدانية الله ~~تعالى والإله في كلام العرب هو المعبود مطلقا ولذلك تعددت الآلهة عندهم. ~~والمراد به في الآية الكريمة المعبود بحق بدليل الإخبار عنه بأنه واحد. # والمعنى : وإلهكم الذي يستحق العبادة والخضوع إله واحد فرد صمد ، فمن عبد ~~شيئا دونه ، أو عبد شيئا معه ، فعبادته باطلة فاسدة ، لأن العبادة الصحيحة ~~هي ما يتجه بها العابد إلى المعبود بحق الذي قامت البراهين الساطعة على ~~وحدانيته وهو الله رب العالمين. # قال بعضهم : «والإخبار عن إلهكم بإله تكرير ليجرى عليه الوصف بواحد ، ~~والمقصود وإلهكم واحد لكنه وسط إله بين المبتدأ والخبر لتقرير معنى ~~الألوهية في المخبر عنه ، كما تقول : عالم المدينة عالم فائق ، وليجيء ما ~~كان أصله خيرا مجيء النعت فيفيد أنه وصف ثابت للموصوف لأنه صار نعتا ، إذ ~~أصل النعت أن يكون وصفا ثابتا ، وأصل الخبر أن يكون وصفا حادثا ، وهذا ~~استعمال ms0333 متبع في فصيح الكلام أن يعاد الاسم أو الفعل بعد ذكره ليبنى عليه PageV01P328 # وصف أو متعلق كقوله : ( @QUR@05 وإذا مروا باللغو مروا كراما ) (1). # وجملة ( @QUR@04 لا إله إلا هو ) مقررة لما تضمنته الجملة السابقة من أن ~~الله واحد لا شريك له ، ونافية عن الله تعالى الشريك صراحه ، ومثبتة له مع ~~ذلك الإلهية الحقة ، ومزيحة لما عسى أن يتوهم من أن في الوجود إلها سوى ~~الله تعالى لكنه لا يستحق العبادة. # ومعناها : إن الله إله ، وليس شيء مما سواه بإله. # وهذه الجملة الكريمة خبر ثان للمبتدأ وهو ( @QUR@01 إلهكم ) أو صفة أخرى ~~للخبر وهو (إله) وخبر (لا) محذوف أى لا إله موجود إلا هو ، والضمير (هو) في ~~موضع رفع بدل من موضع لا مع اسمها. # وقوله : (الرحمن الرحيم) خبر مبتدأ محذوف ، وقيل غير ذلك من وجوه ~~الإعراب. # والمعنى : وإلهكم الذي يستحق العبادة إله واحد ، لا إله مستحق لها إلا هو ~~، هو الرحمن الرحيم. # أى : المنعم بجلائل النعم ودقائقها ، وهو مصدر الرحمة ، ودائم الإحسان. # وأتى سبحانه بهذين اللفظين في ختام الآية ، لأن ذكر الإلهية والوحدانية ~~يحضر في ذهن السامع معنى القهر والغلبة وسعة المقدرة وعزة السلطان ، وذلك ~~مما يجعل القلب في هيبة وخشية ، فناسب أن يورد عقب ذلك ما يدل على أنه مع ~~هذه العظمة والسلطان ، مصدر الإحسان ومولى النعم ، فقال : (الرحمن الرحيم) ~~، وهذه طريقة القرآن في الترويح على القلوب بالتبشير بعد ما يثير الخشية ، ~~حتى لا يعتريها اليأس أو القنوط. # وبعد أن أخبر سبحانه بأنه هو الإله الذي لا يستحق العبادة أحد سواه ، عقب ~~ذلك بإيراد ثمانية أدلة تشهد بوحدانيته وقدرته ، وتشتمل على آيات ساطعات ، ~~وبينات واضحات ، تهدى أصحاب العقول السليمة إلى عبادة الله وحده ، وإلى ~~بطلان ما يفعله كثير من الناس من عبادة مخلوقاته. # ويشتمل الدليل الأول والثاني على أنه سبحانه هو المستحق للعبادة في قوله ~~تعالى : ( @QUR@05 إن في خلق السماوات والأرض ). # الخلق : هو الإحداث للشيء على غير مثال سابق. وهو هنا بمعنى المخلوق. إذ ~~الآيات التي تشاهد إنما هي في المخلوق الذي ms0334 هو السموات والأرض. PageV01P329 # والسموات : جمع سماء ، وهي كل ما علا كالسقف وغيره ، إلا أنها إذا أطلقت ~~لم يفهم منها سوى الأجرام المقابلة للأرض ، وهي سبع كما ورد ذلك صريحا في ~~بعض الآيات التي منها قوله تعالى : ( @QUR@05 الله الذي خلق سبع سماوات ). # وجمعت السموات لأنها طبقات ممتازة كل واحدة من الأخرى بذاتها الشخصية ، ~~كما يدل عليه قوله تعالى : ( @QUR@03 فسواهن سبع سماوات ) ولأن إفرادها قد ~~يوهم بأنها واحدة مع أن القرآن صريح. في كونها سبعا. # وجاءت الأرض مفردة وهي لم تجيء في القرآن إلا كذلك لأن المشاهدة لا تقع ~~إلا على أرض واحدة ، ومن هنا حمل بعض أهل العلم تعددها الذي يتبادر من ظاهر ~~قوله تعالى : ( @QUR@08 الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ) على ~~معنى أنها طبقات لا ينفصل بعضها عن بعض. # ومن الآيات الدالة على وحدانية الله وقدرته في خلق السموات ارتفاعها بغير ~~عمد كما يرى ذلك بالمشاهدة ، وتزيينها بالمصابيح التي جعلها الله زينة ~~للسماء ورجوما للشياطين ، ووجودها بتلك الصورة العجيبة الباهرة التي لا ترى ~~فيها أى تفاوت أو اضطراب ومن الآيات الدالة على وجود الله ووحدانيته وقدرته ~~في خلق الأرض ، فرشها بتلك الطريقة الرائعة التي يتيسر معها للإنسان أن ~~يتقلب في أرجائها ، ويمشى في مناكبها ، وينتفع بما يحتاج إليه منها أينما ~~كان ، وتفجيرها بالأنهار ، وعمارتها بحدائق ذات ثمار تختلف ألوانها ويتفاضل أكلها. # وفي القرآن الكريم عشرات الآيات التي تتحدث عن نعم الله على عباده في خلق ~~السموات والأرض ، وعن مظاهر قدرته ووحدانيته في إيجادهما على تلك الصورة ، ~~ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@029 يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ~~والذين من قبلكم لعلكم تتقون. الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء ، ~~وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ). # وقوله تعالى : ( @QUR@026 الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم ~~استوى على العرش ، وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ، يدبر الأمر يفصل ~~الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون ). # وقوله تعالى : ( @QUR@034 ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا وجعل ms0335 ~~القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا. والله أنبتكم من الأرض نباتا. ثم يعيدكم ~~فيها ويخرجكم إخراجا. والله جعل لكم الأرض بساطا. لتسلكوا منها سبلا فجاجا ). PageV01P330 # إلى غير ذلك من الآيات الكريمة الدالة على وجود الله وقدرته ووحدانيته. # ويتمثل الدليل الثالث على قدرته سبحانه ووحدانيته في قوله تعالى : ( ~~@QUR@03 واختلاف الليل والنهار )، والاختلاف : افتعال من الخلف ، وهو أن ~~يجيء شيء عوضا عن شيء آخر يخلفه على وجه التعاقب. والمراد أن كلا من الليل ~~والنهار يأتى خلفا من الآخر وفي أعقابه ، ويجوز أن يكون المراد باختلافهما ~~، في أنفسهما بالطول والقصر ، واختلافهما في جنسهما بالسواد والبياض. # و ( @QUR@01 الليل ): هو الظلام المعاقب للنهار ، واحدته ليلة كتمر وتمرة. # و ( @QUR@01 النهار ): هو الضياء المتسع ، وأصله الاتساع ، ومنه قول ~~الشاعر : # ملكت بها كفى فأنهرت فتقها %~% يرى قائم من دونها ما وراءها # أى : أوسعت فتقها. # وقد جعل الله الليل للسكون والراحة والعبادة لمن وفقه الله لقضاء جانب ~~منه في مناجاته سبحانه ، وجعل النهار للعمل وابتغاء الرزق. # قال تعالى : ( @QUR@06 وجعلنا الليل لباسا. وجعلنا النهار معاشا ). # وقد أضيف الاختلاف لكل من الليل والنهار ، لأن كل واحد منهما يخلف الآخر ~~فتحصل منه فوائد سوى فوائد الآخر ، بحيث لو دام أحدهما لا نقلب النفع ضرا. # قال تعالى : ( @QUR@053 قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم ~~القيامة ، من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون. قل أرأيتم إن جعل ~~الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة ، من إله غير الله يأتيكم بليل ~~تسكنون فيه أفلا تبصرون. ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ~~ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ). # ومن العظات التي تؤخذ من هذا الاختلاف أن مدد الليل والنهار تختلف فلكل ~~منهما مدة يستو فيها من السنة بمقتضى نظام دقيق مطرد. # قال تعالى : ( @QUR@015 لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ، ولا الليل ~~سابق النهار ، وكل في فلك يسبحون ). وكون الليل والنهار يسيران على هذا ~~النظام الدقيق المطرد الذي لا ينخرم دليل على أن الاختلاف تدبير من إله ~~قادر حكيم لا يدخل ms0336 أفعاله تفاوت ولا اختلال. # وإذا كان لهذا الاطراد أسباب تحدث عنها العلماء ، فإن الذي خلق الأسباب ~~وجعل بينها وبين هذا الاختلاف تلازما إنما هو الإله الواحد القهار. # أما المظهر الرابع من المظاهر الدالة في هذا الكون على قدرته سبحانه ~~ووحدانيته PageV01P331 # وألوهيته ، فقد تحدثت عنه الآية في قوله تعالى : ( @QUR@08 والفلك التي ~~تجري في البحر بما ينفع الناس ). # (الفلك): ما عظم من السفن ، ويستعمل لفظ الفلك للواحد والجمع. والظاهر ~~أن المراد به هنا الجمع بدليل قوله تعالى : ( @QUR@04 التي تجري في البحر ) ~~ولو كان هذا اللفظ للمفرد لقال : الذي يجرى ، كما جاء في قوله تعالى : ( ~~@QUR@08 وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون ) والجملة الكريمة ~~معطوفة على خلق السموات والأرض. # قال صاحب المنار : وكان الظاهر أن تأتى هذه الجملة في آخر الآية ليكون ما ~~للإنسان فيه صنع على حدة وما ليس له فيه صنع على حدة. والنكتة في ذكرها ~~عقيب آية الليل والنهار ، هي أن المسافرين في البر والبحر هم أشد الناس ~~حاجة إلى تحديد اختلاف الليل والنهار ومراقبته على الوجه الذي ينتفع به ، ~~والمسافرون في البحر أحوج إلى معرفة الأوقات وتحديد الجهات ، لأن خطر الجهل ~~عليهم أشد ، وفائدة المعرفة لهم أعظم ، ولذلك كان من ضروريات رباني السفن ~~معرفة علم النجوم ، وعلم الليل والنهار من فروع هذا العلم. قال تعالى : ( ~~@QUR@011 وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر ) فهذا ~~وجه العلاقة بين ذكر الفلك وما قبله (1). # و «ما» في قوله : ( @QUR@03 بما ينفع الناس ) مصدرية ، والباء للسببية أى ~~: تجرى بسبب نفع الناس ولأجله في التجارة وغيرها. أو موصولة والباء للحال ، ~~أى تجرى مصحوبة بالأعيان التي تنفع الناس. وخص سبحانه النفع بالذكر وإن ~~كانت السفن تحمل ما ينفع وما يضر ؛ لأن المراد هنا عد النعم ، ولأن الذي ~~يحمل فيها ما يضر غيره هو في الوقت نفسه يقصد منفعة نفسه. # ومن وجوه الاستدلال بالفلك التي تجرى في البحر بما ينفع الناس على وجود ~~الله وقدرته ، أن هذه الفلك وإن كانت من صنع الناس ms0337 إلا أن الله تعالى هو ~~الذي خلق الآلات والأجزاء التي صارت بها سفنا ، وهو الذي سخر لبحر لتجرى ~~فيه مقبلة ومدبرة مع شدة أهواله إذا هاج ، وهو الذي جعلها تشق أمواجه شقا ~~حتى تصل إلى بر الأمان ، وهو الذي رعاها برعايته وهي كنقطة صغيرة في ذلك ~~الماء الواسع ، ووسط تلك الأمواج المتلاطمة حتى وصلت إلى ساحل السلامة وهي ~~حاملة الكثير مما ينفع الناس من الأطعمة والأشربة والأمتعة المختلفة ، ~~فسبحانه من إله قادر حكيم. # الدليل الخامس والسادس على أنه سبحانه هو المستحق للعبادة يتمثل في قوله تعالى PageV01P332 # في هذه الآية : ( @QUR@017 وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به ~~الأرض بعد موتها ، وبث فيها من كل دابة ). # والمراد بالسماء : جهة العلو ، أى : وما أنزل من جهة السماء من ماء ، ~~و «من» في قوله : ( @QUR@02 من السماء ) ابتدائية ، وفي قوله : ( @QUR@02 من ~~ماء ) بيانية ، وهما ومجرورهما متعلقان بأنزل. # والمراد بإحياء الأرض : تحرك القوى النامية فيها ، وإظهار ما أودع الله ~~فيها من نبات وزهور وثمار وغير ذلك. # والمراد بموتها : خلوها من ذلك باستيلاء اليبوسة والقحط عليها. # قال تعالى : ( @QUR@014 وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت ~~وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ). # (والبث): التفريق والنشر لما كان خافيا ، ومنه بث الشكوى أى : نشرها ~~وإظهارها ، وكل شيء بثثته فقد فرقته ونشرته ، والضمير في قوله : «فيها» ~~يعود إلى الأرض. # (والدابة): اسم من الدبيب والمشي ببطء ، كل ما يمشى فوق الأرض فهو بحسب ~~الوضع اللغوي يطلق عليه دابة. والظاهر أن المراد بالدابة هنا هذا المعنى ~~العام ، لا ما يجرى به العرف الخاص باستعماله في نوع خاص من الحيوان كذوات ~~الأربع. # وجملة ( @QUR@07 وما أنزل الله من السماء من ماء ... ) معطوفة على ما ~~قبلها ، وجملة ( @QUR@05 وبث فيها من كل دابة ) معطوفة على قوله : ( ~~@QUR@05 فأحيا به الأرض بعد موتها ). # والمعنى : وإن فيما أنزله الله من جهة السماء من ماء مبارك ، عمرت به ~~الأرض بعد خرابها ، وانتشرت فيها أنواع الدواب كلها ، لدليل ساطع على قدرة ~~الله ووحدانيته. # ذلك لأنه هو وحده الذي ms0338 أنزل المطر من السماء ولو شاء لأمسكه مع أن الماء ~~من طبعه الانحدار ، وهو وحده الذي جعل الأرض التي نعيش عليها تنبت من كل ~~زوج بهيج بسبب ما أنزل عليها من ماء ، وهو وحده الذي نشر على هذه الأرض ~~أنواعا من الدواب مختلفة في طبيعتها وأحجامها ، وأشكالها وألوانها ، ~~وأصواتها ، ومآكلها ، وحملها ، وتناسلها ، ووجوه الانتفاع بها ، وغير ذلك ~~من وجوه الاختلاف الكثيرة ، مما يشهد بأن خالق هذه الكائنات إله واحد قادر حكيم. # أما الدليل السابع والثامن في هذه الآية على قدرته سبحانه ووحدانيته ~~واستحقاقه للعبادة فهما قوله تعالى : ( @QUR@07 وتصريف الرياح والسحاب ~~المسخر بين السماء والأرض ). # الرياح جمع ريح وهي نسيم الهواء. PageV01P333 # وتصريفها : تقليبها في الجهات المختلفة ، ونقلها من حال إلى حال ، ~~وتوجيهها على حسب إرادته سبحانه ووفق حكمته. فتهب تارة صبا ، أى من مطلع ~~الشمس ، وتارة دبورا ، أى : من جهة الغرب ، وأحيانا من جهة الشمال أو ~~الجنوب وقد يرسلها سبحانه عاصفة ولينة ، حارة أو باردة ، لواقح بالرحمة ~~حينا وبالعذاب آخر. و ( @QUR@01 تصريف ) مصدر صرف مضاف للمفعول والفاعل هو ~~الله ، أى : وتصريف الله الرياح. أو مضاف للفاعل والمفعول السحاب ، أى : ~~وتصريف الرياح السحاب. # وجاءت هذه الجملة الكريمة بعد إحياء الأرض بالمطر وبث الدواب فيها ~~للتناسب بينهما ، وتذكيرا بالسبب إذ بالرياح تكون حياة النبات والحيوان وكل ~~دابة على الأرض ، ولو أمسك سبحانه الرياح عن التصريف لما عاش كائن على ظهر الأرض. # ( @QUR@01 والسحاب ): عطف على ما قبله ، وهو اسم جنس واحده سحابة ، سمى ~~بذلك لانسحابه في الجو أو لجر الرياح له. # و ( @QUR@01 المسخر ): من التسخير وهو التذليل والتيسير ، ومعنى تسخيره ~~كما قال الآلوسى أنه لا ينزل ولا يزول مع أن الطبع يقتضى صعوده إن كان ~~لطيفا وهبوطه إن كان كثيفا و ( @QUR@01 المسخر ) صفة للسحاب باعتبار لفظه ، ~~وقد يعتبر معناه فيوصف بالجمع كما في قوله : ( @QUR@02 سحابا ثقالا ). # والظرف «بين» يجوز أن يكون منصوبا بقوله المسخر فيكون ظرفا للتسخير ، ~~ويجوز أن يكون حالا من الضمير المستتر في اسم المفعول فيتعلق بمحذوف أى : ~~كائنا بين السماء والأرض. ms0339 # وجاء ذكر السحاب بعد تصريف الرياح لأنها هي التي تثيره وتجمعه ، وهي التي ~~تسوقه إلى حيث ينزل مطرا في الأماكن التي يريد الله إحياءها. # قال تعالى : ( @QUR@018 الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في ~~السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله ). # ولا شك أن هذا التصريف للرياح مع أنها جسم لطيف لا يمسك ولا يرى ، وهي مع ~~ذلك في غاية القوة بحيث تقلع الأشجار وتخرب الديار ، وهذا التسخير للسحاب ~~بحيث يبقى معلقا بين السماء والأرض مع حمله للمياه العظيمة التي تسيل بها ~~الأودية المتسعة ... لا شك أن كل ذلك من أعظم الأدلة على أن لهذا الكون ~~مدبرا قادرا حكيما هو الله رب العالمين. # وقوله : ( @QUR@03 لآيات لقوم يعقلون ) اسم ( @QUR@01 إن ) لقوله تعالى ~~في أول الآية : ( @QUR@05 إن في خلق السماوات والأرض ) ودخلت اللام على ~~الاسم وهو ( @QUR@01 لآيات ) لتأخره عن الخبر والتنكير للتعظيم والتفخيم ~~كما وكيفا. PageV01P334 # أى : إن فيما ذكره الله من مخلوقاته العجيبة ، وكائناته الباهرة ، لدلائل ~~ساطعة ، وآيات واضحة ترشد من يعقلون ويتدبرون فيها ، إلى أن لهذا الكون ~~إلها واحدا قادرا حكيما مستحقا للعبادة والخضوع والطاعة. # وموقع هذه الآية الكريمة من سابقتها كموقع الحجة من الدعوى ، ذلك أن الله ~~تعالى أخبر في الآية السابقة أن الإله واحد لا إله غيره وهي قضية قد تلقاها ~~كثير من الناس بالإنكار ، فناسب أن يأتى في هذه الآية الكريمة بالحجج ~~والبراهين التي لا يسع الناظر فيها بتدبر وتفكير إلا التسليم عن اقتناع ~~بوحدانية الله تعالى وقدرته. # قال الإمام الرازي : واعلم أن النعم على قسمين : نعم دنيوية ونعم دينية ~~وهذه الأمور الثمانية ، التي عدها الله تعالى نعم دنيوية في الظاهر ، فإذا ~~تفكر العاقل فيها ، واستدل بها على معرفة الصانع ، صارت نعما دينية ، لكن ~~الانتفاع بها من حيث إنها نعم دنيوية لا يكمل إلا عند سلامة الحواس وصحة ~~المزاج فكذا الانتفاع بها من حيث إنها نعم دينية لا يكمل إلا عند سلامة ~~العقول وانفتاح بصر الباطن ، فلذلك قال : ( @QUR@03 لآيات لقوم يعقلون ) (1). # وقال الآلوسى : أخرج ابن ms0340 أبى الدنيا وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه الآية قال : «ويل لمن قرأها ولم ~~يتفكر فيها». # ثم قال الآلوسى : ومن تأمل في تلك المخلوقات التي وردت في هذه الآية وجد ~~كلا منها مشتملا على وجوه كثيرة من الدلالة على وجوده تعالى ووحدانيته ~~وسائر صفاته الموجبة لتخصيص العبادة له ، ومجمل القول في ذلك أن كل واحد من ~~هذه الأمور المعدودة قد وجد على وجه خاص من الوجوه الممكنة دون ما عداه ، ~~مستنبعا لآثار معينه ، وأحكام مخصوصة ... وفي الآية إثبات الاستدلال بالحجج ~~العقلية ، وتنبيه على شرف علم الكلام وفضل أهله ، وربما أشارت إلى شرف علم ~~الهيئة» (2). # والحق أن هذه الآية الكريمة قد اتجهت في تثبيت عقيدة وحدانية الله وقدرته ~~وألوهيته إلى تنبيه الحواس والمدارك والمشاعر إلى ما في هذا الكون المشاهد ~~المنظور من آيات ودلائل على حقية الخالق عز وجل بالعبادة. # وهذه الطريقة من تنبيه الحواس والمدارك جديرة بأن تفتح الأبصار والبصائر ~~على عجائب هذا الكون ، تلك العجائب التي أصبحت عند كثير من الناس شيئا ~~مألوفا بسبب عدم تدبرهم PageV01P335 # لما فيها من عظات وعبر وصدق الله إذ يقول ( @QUR@011 وكأين من آية في ~~السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ). # ورحم الله القائل : ألا إن لله كتابين : كتابا مخلوقا وهو الكون ، وكتابا ~~منزلا وهو القرآن. وإنما يرشدنا هذا إلى طريق العلم بذاك بما أوتينا من ~~العقل. فمن أطاع فهو من الفائزين ، ومن أعرض فأولئك هم الخاسرون. # وبعد أن ذكر سبحانه جانبا من الآيات الدالة على ألوهيته ووحدانيته أردف ~~ذلك ببيان حال المشركين ، وما يكون منهم يوم القيامة من تدابر وتقاطع وتحسر ~~على ما فرط منهم فقال تعالى : # ( @QUR@031 ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ~~والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله ~~جميعا وأن الله شديد العذاب (165) @QUR@012 إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين ~~اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب (166) @QUR@023 وقال الذين اتبعوا ms0341 ~~لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات ~~عليهم وما هم بخارجين من النار ) (167) # الأنداد : جمع ند ، وهو مثل الشيء الذي يضاده وينافره ويتباعد عنه. وأصله ~~من ند البعير يند ندا وندادا وندودا ، أى : نفر وذهب على وجهه شاردا. ويرى ~~بعض العلماء أن المراد بالأنداد هنا الأصنام التي اتخذها المشركون آلهة ~~للتقرب بها إلى الله ، وقيل : المراد بها الرؤساء الذين كانوا يطيعونهم ~~فيما يحلونه لهم ويحرمونه عليهم. والأولى أن يكون المراد بهذه الأنداد كل ~~مخلوق أسند إليه أمر اختص به الله تعالى من نحو التحليل ، والتحريم وإيصال ~~النفع وغير ذلك من الأمور التي انفرد بها الخالق عز وجل . # والمعنى : أن من الناس من لا يعقل تلك الآيات التي دلت على وحدانية الله ~~وقدرته ، وبلغت PageV01P336 # بهم الجهالة أنهم يخضعون لبعض المخلوقات خضوعهم لله بزعم أنها مشابهة ~~ومماثلة ومناظرة له سبحانه في النفع والضر ، ويحبون تعظيم تلك المخلوقات ~~وطاعتها والتقرب إليها والانقياد لها حبا يشابه الحب اللازم عليهم نحو الله ~~تعالى أو يشابه حب المؤمنين لله ، و ( @QUR@01 من ) في قوله : ( @QUR@02 ~~ومن الناس ) للتبعيض ، والجار والمجرور خبر مقدم و ( @QUR@01 من ) في قوله ~~: ( @QUR@02 من يتخذ ) في محل رفع مبتدأ مؤخر ، و «من دون الله ، حال من ~~ضمير يتخذ و ( @QUR@01 أندادا ) مفعول به ليتخذ. # قال الجمل : وجملة ( @QUR@03 يحبونهم كحب الله ) فيها ثلاثة أوجه : # أحدها : أن تكون في محل رفع صفة لمن في أحد وجهيها ، والضمير المرفوع ~~يعود عليها باعتبار المعنى بعد اعتبار اللفظ في يتخذ. # والثاني : أن تكون في محل نصب صفة لأندادا والضمير المنصوب يعود عليهم ~~والمراد بهم الأصنام ، وإنما جمعوا جمع العقلاء لمعاملتهم معاملة العقلاء. ~~أو أن يكون المراد بهم من عبد من دون الله عقلاء وغيرهم ثم غلب العقلاء على غيرهم. # الثالث : أن تكون في محل نصب على الحال من الضمير في يتخذ ، والضمير ~~المرفوع عائد على ما عاد عليه الضمير في يتخذ وجمع حملا على المعنى» (1). # ثم مدح سبحانه عباده المؤمنين فقال : ( @QUR@05 والذين آمنوا أشد ms0342 حبا لله ~~) أى : والذين آمنوا وأخلصوا لله العبادة أشد حبا له سبحانه من كل ما سواه ~~، ومن حب المشركين للأنداد ، ذلك لأن حب المؤمنين لله متولد عن أدلة يقينية ~~، وعن علم تام ، ببديع حكمته سبحانه وبالغ حجته ، وسعة رحمته ، وعدالة ~~أحكامه ، وعزة سلطانه ، وتفرده بالكمال المطلق ، والحب المتولد عن هذا ~~الطريق يكون أشد من حب المشركين لمعبوداتهم لأن حب المشركين لمعبوداتهم ~~متولد عن طريق الظنون والأوهام والتقاليد الباطلة. # والتصريح بالأشدية في قوله : ( @QUR@03 أشد حبا لله ) أبلغ من أن يقال ~~أحب لله؟ إذ ليس المراد الزيادة في أصل الفعل كما يقول الآلوسى بل المراد ~~الرسوخ والثبات. وقيل : عدل عن أحب إلى أشد حبا ، لأن «أحب» شاع في الأشد ~~محبوبية فعدل عنه احترازا عن اللبس. # ولقد ضرب المؤمنون الصادقون أروع الأمثال في حبهم لله تعالى لأنهم ضحوا ~~في سبيله بأرواحهم وأموالهم وأبنائهم وأغلى شيء لديهم ، ولأنهم لم يعرفوا ~~عملا يرضيه إلا فعلوه ، ولم يعرفوا عملا يغضبه إلا اجتنبوه. PageV01P337 # ثم أخبر سبحانه عما ينتظر الظالمين من سوء المصير فقال : ( @QUR@015 ولو ~~يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب ) ~~«لو» شرطية ، وجوابها محذوف لقصد التهويل ولتذهب النفس في تصويره كل مذهب ~~«والقوة» القدرة والسلطان. # والمعنى : ولو يرى أولئك المشركون حين يشاهدون العذاب المعد لهم يوم ~~القيامة أن القدرة كلها لله وحده ، وأن عذابه الذي يصيب به المتخبطين في ~~ظلمات الشرك شديد ، لو يعلمون ذلك ، لرأوا ما لا يوصف من الهول والفظاعة ، ~~ولوقعوا فيما لا يكاد يوصف من الحسرة والندامة. # وكان الظاهر بمقتضى تقدم ذكرهم أن يقال : ولو يرون إذ يرون. ولكن وضع ~~الموصول وصلته موضع الضمير ، ليحضر في ذهن السامع أنهم صاروا باتخاذهم ~~الأنداد من الظالمين ، وليشعر بأن سبب رؤيتهم العذاب الشديد هو ذلك الظلم ~~العظيم. # وعبر بالماضي في قوله : «إذ يرون العذاب» لتحقق الوقوع ، وكل ما كان كذلك ~~فإنه يجرى مجرى ما وقع وحصل. # وجملة ( @QUR@04 أن القوة لله جميعا ) سدت مسد مفعولي يرى ، وانتصب لفظ ( ~~@QUR@01 جميعا ) على ms0343 التوكيد للقوة. أى. جميع جنس القوة ثابت لله ، وهو ~~مبالغة في عدم الاعتداد بقوة غيره ، فمفاد جميع هنا مفاد لام الاستغراق في ~~قوله : ( @QUR@02 الحمد لله ). # وجملة ( @QUR@04 وأن الله شديد العذاب ) معطوفة على ما قبلها ، وفائدتها ~~المبالغة في تفظيع الخطب ، وتهويل الأمر ، فإن اختصاص القوة به تعالى لا ~~يوجب شدة العذاب لجواز تركه عفوا مع القدرة عليه. # هذا ، وقد قرأ نافع وابن عمر «ولو ترى» بالتاء على الخطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتأتى له الخطاب. # أى : لو ترى ذلك أيها الرسول الكريم أو أيها المخاطب لرأيت أمرا عظيما في ~~الفظاعة والهول. # وقوله تعالى : ( @QUR@07 إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ... ) بدل ~~من قوله : ( @QUR@03 إذ يرون العذاب ). أو مفعولا به بتقدير اذكر. # و ( @QUR@01 تبرأ ) من التبرؤ وهو التخلص والتنصل والتباعد ، ومنه برئت ~~من الدين أى : تخلصت منه ، وبرأ المريض من مرضه ، أى : تخلص من مرضه. # والمراد بالذين اتبعوا : أئمة الكفر الذين يحلون ويحرمون ما لم يأذن به الله. PageV01P338 # والمراد بالذين اتبعوا : أتباعهم وأشياعهم الذين يتلقون جميع أقوالهم ~~بالطاعة والخضوع بدون تدبر أو تعقل. # وجملة ( @QUR@02 ورأوا العذاب ) حال من الأتباع والمتبوعين ، والضمير ~~يعود على الفريقين. أى : تبرؤا جميعا من بعض في حال رؤيتهم للعذاب. # وجملة ( @QUR@03 وتقطعت بهم الأسباب ) معطوفة على تبرأ ، أو رأوا. # والباء في ( @QUR@01 بهم ) للسببية أى : وتقطعت بسبب كفرهم الأسباب التي ~~كانوا يرجون من ورائها النجاة ، وقيل للملابسة أى : تقطعت الأسباب ملتبسة ~~بهم فخابت آمالهم وسقطوا صرعى. # و ( @QUR@01 الأسباب ) جمع سبب ، وهو في الأصل الحبل الذي يرتقى به الشجر ~~ونحوه ، ثم سمى به كل ما يتوصل به إلى غيره ، عينا كان أو معنى. فيقال ~~للطريق سبب ، لأنك بسلوكه تصل إلى الموضع الذي تربده ، ويقال للمودة سبب ~~لأنك تتواصل بها إلى غيرك ، والمراد بالأسباب هنا : الوشانج والصلات التي ~~كانت بين الأتباع والمتبوعين في الدنيا ، من القرابات والمودات والأحلاف ~~والاتفاق في الدين ... إلخ. # والمعنى : واذكر أيها العاقل لتعتبر وتتعظ يوم القيامة ، ذلك اليوم ~~الهائل الشديد الذي يتنصل فيه الرؤساء ms0344 من مرءوسيهم ، والاتباع من متبوعيهم ~~حال رؤيتهم جميعا للعذاب وأسبابه ومقدماته وما أعدلهم من شقاء وآلام ، وقد ~~ترتب على كل ذلك أن تقطع ما بين الرؤساء والأذناب من روابط كانوا يتواصلون ~~بها في الدنيا ، وصار كل فريق منهم يلعن الآخر ويتبرأ منه. # قال بعض العلماء : وفي قوله : ( @QUR@03 وتقطعت بهم الأسباب ) استعارة ~~تمثيلية إذ شبهت هيئتهم عند خيبة أملهم حين لم يجدوا النعيم الذي تعبوا ~~لأجله مدة حياتهم وقد جاء إبانه في ظنهم فوجدوا عوضه العذاب ، بحال المرتقى ~~إلى النخلة ليجتنى الثمر الذي كد لأجله طول السنة فتقطع به السبب أى الحبل ~~عند ارتقائه فسقط هالكا ، فكذلك هؤلاء قد علموا جميعا حينئذ أن لا نجاة لهم ~~، فحالهم كحال الساقط من علو لا ترجى له سلامة. وهي تمثيلية بديعة تشتمل ~~على سبعة أشياء كل واحد منها يصلح لأن يكون مشبها بواحد من الأشياء التي ~~تشتمل عليها الهيئة المشبهة بها وهي : # تشبيه المشرك في عبادته الأصنام بالمرتقى بجامع السعى ، وتشبيه العبادة ~~وقبول الآلهة منه بالحبل الموصل ، وتشبيه النعيم والثواب بالثمرة في أعلى ~~النخلة لأنها لا يصل إليها المرء إلا بعد طول وهو مدة العمر ، وتشبيه العمر ~~بالنخلة في الطول ، وتشبيه الحرمان من الوصول للنعيم PageV01P339 # بتقطع الحبل ، وتشبيه الخيبة بالبعد عن الثمرة ، وتشبيه الوقوع في العذاب ~~بالسقوط المهلك ..» (1). # ثم بين سبحانه ما قاله الأتباع على سبيل الحسرة والندم فقال : ( @QUR@012 ~~وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤا منا ). # الكرة : الرجعة والعودة. يقال : كر يكر كرا : أى : رجع. و (لو) للتمني. ~~وقوله ( @QUR@02 فنتبرأ منهم ) منصوب بعد الفاء بأن مضمرة في جواب التمني ~~الذي أشربته لو ، والكاف في قوله ( @QUR@03 كما تبرؤا منا ) في محل نصب نعت ~~لمصدر محذوف أى تبرأ مثل تبرئهم. # والمعنى : وقال الذين كانوا تابعين لغيرهم في الباطل بدون تعقل أو تدبر ~~ليت لنا رجعة إلى الحياة الدنيا فنتبرأ من هؤلاء الذين اتبعناهم وأضلونا ~~السبيل كما تبرءوا منا في هذا اليوم العصيب ، ولنشفى غيظنا منهم لأنهم ~~خذلونا وأوردونا موارد التهلكة والعذاب ms0345 الأليم. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم ) تذبيل ~~لتأكيد الوعيد ، وبيان لحال المشركين في الآخرة. # قال الآلوسى : وقوله : ( @QUR@01 كذلك ) في موضع المفعول المطلق لما بعده ~~، والمشار إليه الاراء المفهوم من قوله : ( @QUR@02 إذ يرون ) أى : كإراء ~~العذاب المتلبس بظهور أن القوة لله والتبري وتقطع الأسباب وتمنى الرجعة ، ~~يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم. وجوز أن يكون المشار إليه المصدر المفهوم ~~مما بعد والكاف مقحمة لتأكيد ما أفاده اسم الإشارة من الضخامة. أى : مثل ~~ذلك الاراء الفظيع يريهم على حد ما قيل في قوله تعالى : ( @QUR@04 وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا ) (2). # والمراد بأعمالهم : المعاصي التي ارتكبوها وفي مقدمتها اتباعهم لمن ~~أضلوهم. # و ( @QUR@01 حسرات ) جمع حسرة ، وهي أشد درجات الندم والغم على ما فات. ~~يقال : حسر يحسر حسرا فهو حسير ، إذ اشتدت ندامته على أمر فاته. # قال الرازي : وأصل الحسر الكشف. يقال حسر ذراعيه أى : كشف والحسرة انكشاف ~~عن حال الندامة. والحسور الإعياء لأنه انكشاف الحال عما أوجبه طول السفر. ~~قال تعالى : ( @QUR@08 ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون ) (3). # والمعنى : كما أرى الله تعالى المشركين العذاب وما صاحبه من التبرؤ وتقطع ~~الأسباب PageV01P340 # بينهم ، يريهم سبحانه أعمالهم السيئة يوم القيامة فتكون حسرات تتردد في ~~صدورهم كأنها شرر الجحيم. # ثم ختم سبحانه الآية ببيان عاقبة أمرهم فقال : ( @QUR@05 وما هم بخارجين ~~من النار ). # أى : وما هم بخارجين من تلك النار التي عوقبوا بها بسبب شركهم ، بل هم ~~مستقرون فيها استقرارا أبديا ، وقد جاءت الجملة اسمية لتأكيد نفى خروجهم من ~~النار ، وبيان أنهم مخلدون فيها كما قال تعالى في آية أخرى : ( @QUR@07 ~~كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ). # وهكذا يسوق لنا القرآن ما يدور بين التابعين والمتبوعين يوم القيامة من ~~تنصل وتحسر وتخاصم بتلك الطريقة المؤثرة ، حتى لكأنك أمام مشهد مجسم ، ترى ~~فيه الصور الشاخصة حاضرة. وذلك لون من ألوان بلاغة القرآن في عرضه للحقائق ~~، حتى تأخذ سبيلها إلى النفوس الكريمة ، وتؤتى ثمارها الطيبة في القلوب ~~السليمة. # ثم وجه القرآن نداء عاما إلى البشر أمرهم فيه بأن ms0346 يتمتعوا بما أحله لهم ~~من طيبات ، ونهاهم عن اتباع وساوس الشيطان فقال تعالى : # ( @QUR@017 يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين (168) @QUR@011 إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن ~~تقولوا على الله ما لا تعلمون ) (169) # ( @QUR@01 كلوا ) صيغة أمر واردة في معنى الإباحة. # والحلال ما أذن الله في تناوله من مطعومات أو مشروبات. # قال الرازي : وأصله من الحل الذي هو نقيض العقد ، ومنه حل بالمكان إذا ~~نزل ، لأنه حل شد الارتحال للنزول ، وحل الدين إذا وجب لانحلال العقدة ~~بانقضاء المدة ، وحل من إحرامه ، لأنه حل عقدة الإحرام .. ثم قال : واعلم ~~أن الحرام قد يكون حراما لخبثه في ذاته كالميتة والدم ولحم الخنزير ، وقد ~~يكون حراما لوصف عارض كملك الغير إذا لم يأذن في أكله فحرمته لتعلق حق ~~الغير به فالحلال هو الخالي عن هذين القيدين» (1). PageV01P341 # ( @QUR@01 والطيب ): هو المستلذ المستطاب الذي تقبل عليه النفوس الطاهرة ~~وتنبسط لتناوله ، وإنما تنبسط النفوس الطاهرة لتناول طعام غير قذر ولا موقع ~~في تهلكة ، إذ القذر ينفر منه الطبع السليم ، والموقع في تهلكة يمجه العقل ~~القويم. # ومن : في قوله : ( @QUR@03 مما في الأرض ) للتبعيض ، لأن بعض ما في الأرض ~~كالحجارة مثلا لا يؤكل ، ولأنه ليس كل ما يؤكل يجوز أكله فلذلك قال : ( ~~@QUR@02 حلالا طيبا .. ). # وقوله : ( @QUR@01 حلالا ) مفعول به لقوله : «كلوا» أو حال مما في الأرض ~~، أى : كلوه حال كونه حلالا. أو صفة لمصدر محذوف ، أى : كلوه أكلا حلالا. # وقوله : ( @QUR@01 طيبا ) صفة مقررة ومؤكدة لمعنى يستفاد من قوله : ( ~~@QUR@01 حلالا ) وهو طهارة المأكول وخلوه من القذارة ، وعدم إيقاعه في ضرر. # قال الآلوسى : «وفائدة وصف الحلال بالطيب تعميم الحكم كما في قوله تعالى ~~: ( @QUR@05 وما من دابة في الأرض ) ليحصل الرد على من حرم بعض الحلالات ~~فإن النكرة الموصوفة بصفة عامة تعم ، بخلاف غير الموصوفة» (1). # والمعنى : يا أيها الناس لقد أباح الله لكم أن تأكلوا من كل ما تحويه ~~الأرض من المطعومات التي أحلت لكم ، والتي تستلذها النفوس الكريمة ، ~~والقلوب الطاهرة ، فتمتعوا بهذه الطيبات في غير ms0347 سرف أو غرور ، واشكروا الله ~~تعالى على ما رزقكم من نعم. # ولقد أمر الله عباده في كثير من الآيات أن يتمتعوا بما أحله لهم من طيبات ~~ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@026 قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق ، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ~~، كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ). # وفي صحيح مسلم عن عياض المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات ~~يوم في خطبته : «ألا إن ربي أمرنى أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني ، يومى ~~هذا. يقول الله تعالى : كل مال نحلته أى منحته عبادي فهو لهم حلال ، وإنى ~~خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ، وحرمت ~~عليهم ما أحللت لهم ، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا ..». وعن ~~ابن عباس قال : تليت هذه الآية عند النبي صلى الله عليه وسلم ( @QUR@09 يا ~~أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ) فقام سعد بن أبى وقاص فقال : يا ~~رسول الله ، ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة ، فقال : يا سعد! أطب مطعمك ~~تكن مستجاب الدعوة ، والذي نفس محمد بيده ، إن الرجل ليقذف اللقمة الحرام ~~في جوفه ما يتقبل منه أربعين يوما ، وأيما عبد نبت لحمه PageV01P342 # من السحت والربا فالنار أولى به» (1). # وليس من الورع ولا الزهد المرضى عنه شرعا ترك بعض المباحاث ، فإن الله ~~سوى في المباح بين الفعل والترك ، ومن يجعل ترك المباح من الورع ، والورع ~~مندوب ، فكأنه يقول : إن الترك راجح على الفعل ، وهو غير ما حكم الله به. # وكان الحسن البصري وهو من أجل التابعين يقوم عوج من يعدون من الزهد ~~المحمود الامتناع عن تناول بعض المباحات كالأطعمة اللذيذة. # يحكى عنه أنه شهد يوما وليمة ، فرأى رجلا يرفع يده عند ما قدمت الحلوى ~~فقال له الحسن : كل يا لكع فلنعمة الله عليك في الماء البارد أعظم من نعمته ~~في هذه الحلوى. # ودخل عليه مرة أحد الزهاد فقال له الحسن : أتحب الخبيص وهو طعام لذيذ ms0348 ~~فقال الزاهد : لا أحبه ولا أحب من يحبه!! فأقبل الحسن على جلسائه وقال لهم ~~: أترونه مجنونا. # والخلاصة : أنه لا ورع في ترك المباح الذي أحله الله من حيث فيه متعة ~~للنفس ، فذلك هو التنطع في الدين ، وإنما الورع في ترك الإكثار من تناول ~~تلك المباحات ، لأن الإكثار منها قد يؤدى إلى الوقوع فيما نهى الله عنه. # هذا ، وقد أورد بعض المفسرين آثارا تدل على أن هذه الآية نزلت في يوم ~~معينين. # قال الآلوسى : نزلت في المشركين الذين حرموا على أنفسهم البحيرة والسائبة ~~والوصيلة والحام ، وقيل نزلت في قوم من ثقيف وبنى عامر ابن صعصعة وخزاعة ~~وبنى مدلج حيث حرموا التمر والاقط على أنفسهم (2) والذي نراه أن الخطاب في ~~الآية لجميع المكلفين من البشر ، وأنها واردة لتفنيد آراء الذين يحرمون على ~~أنفسهم مطعومات لم يقم دليل من الشارع على تحريمها ، إذ العبرة بعموم اللفظ ~~لا بخصوص السبب. # ثم قال تعالى : ( @QUR@04 ولا تتبعوا خطوات الشيطان ). # الخطوات : جمع خطوة كغرفة وقيل جمع خطوة كقبضة ، وهي في الأصل ما بين ~~القدمين عند المشي ، وتستعمل على وجه المجاز في الآثار. # أى : كلوا أيها الناس من الطيبات التي أحلها الله لكم. ولا تتبعوا آثار ~~الشيطان وزلاته PageV01P343 # ووساوسه وطرقه التي يحرم بها الحلال ويحلل الحرام والتي يقذفها في صدور ~~بعض الناس فتجعلهم ينتقلون من الطاعات إلى المعاصي. # وفي الجملة الكريمة استعارة تمثيلية ، إذ أن السائر في طريق إذا رأى آثار ~~خطوات السائرين تتبع ذلك المسلك ظنا منه بأن ما سار فيه السائر قبله إلا ~~لأنه موصل للمطلوب ، فشبه المقتدى الذي لا دليل معه سوى المقتدى به وهو يظن ~~مسلكه موصلا ، بالذي يتبع خطوات السائرين ، وشاعت هذه الاستعارة حتى صاروا ~~يقولون هو يتبع خطا فلان بمعنى يقتدى به. # وقوله : ( @QUR@04 إنه لكم عدو مبين ) تعليل للنهى عن اتباع الشيطان ~~و «مبين» من أبان بمعنى بان وظهر ، وقيل : من أبان بمعنى أظهر ، أى : مظهر ~~للعداوة. # والمعنى : «ولا تتبعوا خطواته لأن عداوته ظاهرة لكم بحيث لا تخفى على أى عاقل. # وقوله ms0349 تعالى : ( @QUR@04 إنما يأمركم بالسوء والفحشاء ) استئناف لبيان ~~كيفية عداوته ، وتفصيل لأنواع شروره ومفاسده. # والسوء في الأصل : مصدر ساءه يسوءه سوءا ومساءة إذا أحزنه ، والمراد به ~~هنا ، كل ما يغضب الله تعالى من المعاصي ، لأنها تسوء صاحبها وتحزنه في ~~الحال أو المآل. # والفحشاء والفاحشة والفحش : ما عظم قبحه من الأقوال والأفعال. # وروى عن ابن عباس أنه فسر السوء بما لا حد فيه ، والفحشاء بما فيه حد. # والأمر في الأصل : الطلب بالقول ، واستعمل في تزيين الشيطان المعصية ، ~~لأن تزيينها في معنى الدعوة إليها. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف كان الشيطان آمرا مع قوله ( @QUR@04 ليس ~~لك عليهم سلطان )؟ # قلت : شبه تزيينه وبعثه على الشر بأمر الآمر ، كما تقول : أمرتنى نفسي ~~بكذا ، وتحته رمز إلى أنكم منه بمنزلة المأمورين لطاعتكم له وقبولكم وساوسه ~~، ولذلك قال : ( @QUR@08 ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن ~~خلق الله ) وقال تعالى : ( @QUR@04 إن النفس لأمارة بالسوء ) لما كان ~~الإنسان يطيعها فيعطيها ما اشتهت» (1). # وقوله : ( @QUR@07 وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) معطوف على ما قبله. # أى : يأمركم الشيطان بالسوء والفحشاء ، ويأمركم أن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون. PageV01P344 # والقول على الله بغير علم من مظاهره أن يقول قائل : لقد أحل الله كذا ~~وحرم كذا بدون دليل شرعي يعتمد عليه. # قال الإمام ابن القيم : «والقول على الله بغير علم يعم القول عليه سبحانه ~~في أسمائه وصفاته وأفعاله ، وفي دينه وشرعه ، وقد جعله سبحانه من أعظم ~~المحرمات ، بل جعله في المرتبة العليا منها ، فقال تعالى : ( @QUR@029 قل ~~إنما حرم ربي الفواحش ، ما ظهر منها وما بطن ، والإثم والبغي بغير الحق ، ~~وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ~~) وقال تعالى : ( @QUR@027 ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا ~~حرام لتفتروا على الله الكذب ، إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون. ~~متاع قليل ولهم عذاب أليم ) فتقدم إليهم سبحانه بالوعيد على الكذب عليه في ~~أحكامه ، وقولهم لما لم يحرمه : هذا حرام ، ولما لم يحله : هذا ms0350 حلال. وهذا ~~بيان منه سبحانه أنه لا يجوز للعبد أن يقول : هذا حلال وهذا حرام إلا بما ~~علم أنه سبحانه أحله وحرمه» (1). # وقال بعض العلماء : وقد يخطر على بالك أن تقرير الأئمة المجتهدين لبعض ~~الوقائع أحكاما من طريق الاستنباط ، قد يستندون في ذلك إلى دليل يفيد الظن ~~بالحكم ، ولا يصل إلى أن يفيد العلم به ، فيكون إفتاؤه من قبيل القول على ~~الله بغير علم ، ويزاح هذا الخاطر بأنه قد انضم إلى ذلك الدليل الظنى أصل ~~انعقد عليه الإجماع وأصبح مقطوعا به ، وهو أن كل مجتهد بحق يكون حكم الشرع ~~في حقه أو حق من يتابعه هو الحكم الذي أداه إليه اجتهاده ، وبمراعاة هذا ~~الأصل المقطوع به لم يكن المجتهد المشهود له بالرسوخ في العلم قائلا على ~~الله ما لا يعلم» (2). # هذا ، ومن الآيات الكثيرة التي وردت في القرآن الكريم في التحذير من ~~الشيطان ووساوسه قوله تعالى : ( @QUR@013 إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا ~~إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ). # وقوله تعالى : ( @QUR@010 الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله ~~يعدكم مغفرة منه وفضلا ). # وقوله تعالى : ( @QUR@011 يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم ~~من الجنة ). # وقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن الإكثار من ذكر الله خير معين ~~للإنسان للتغلب على وساوس PageV01P345 # الشيطان فقال في حديثه الطويل الذي رواه الترمذي والنسائي وابن حيان عن ~~الحارث الأشعرى : «وآمركم بذكر الله كثيرا ، فإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه ~~العدو سراعا في أثره ، فأتى حصنا فأحرز نفسه فيه ، وكذلك العبد لا ينجو من ~~الشيطان إلا بذكر الله. # وبعد أن نهى سبحانه الناس عن إتباع خطوات الشيطان ، وبين لهم مظاهر ~~عداوته لهم ، أردف ذلك ببيان حال طائفة من الناس لم يستمعوا لهذا النصح ، ~~بل اتبعوا خطوات الشيطان فقلدوا آباءهم في الشرك والجهالة فقال تعالى : # ( @QUR@022 وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا ~~عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ) (170) # أى : وإذا قيل لأولئك الذين اقتفوا خطوات ms0351 الشيطان ، وقالوا على الله بدون ~~علم ولا برهان ، إذا قيل لهم : اتبعوا ما أنزل الله من قرآن ، أعرضوا عن ~~ذلك وقالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا من عبادة الأصنام والخضوع للرؤساء ~~فالضمير في قوله تعالى : لهم يعود على طائفة ممن شملهم الخطاب بقوله تعالى ~~في الآية السابقة : ( @QUR@013 يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ~~ولا تتبعوا خطوات الشيطان ) وهم الذين لم يستجيبوا لنداء الله بل ساروا في ~~ركب الشيطان ، واقتفوا آثاره ، ( @QUR@07 وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله ~~). القائل لهم ذلك هو النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون. # والمراد بما أنزل الله : القرآن الكريم ، وما أوحاه الله إلى نبيه ~~صلى الله عليه وسلم من هدايات. وعدل سبحانه من خطابهم إلى الغيبة للتنبيه على ~~أنهم لفرط جهلهم وحمقهم صاروا ليسوا أهلا للخطاب ، بل ينبغي أن يصرف عنهم ~~إلى من يعقله. # و ( @QUR@01 بل ) في قوله تعالى : ( @QUR@02 بل نتبع ) للإضراب الإبطالى ~~، أى : أضربوا عن قول الرسول لهم ( @QUR@04 اتبعوا ما أنزل الله ) إضراب ~~إعراض بدون حجة ، إلا بأنه مخالف لما ألفوا عليه آباءهم من أمور الشرك ~~والضلال. # وقوله تعالى : ( @QUR@08 أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ) رد ~~عليهم ، وبيان لبطلان الاعتماد في الدين على مجرد تقليد الآباء. # والهمزة للاستفهام الإنكارى ، والواو للحال ، والمعنى : أيتبعون ما وجدوا ~~عليه آباءهم PageV01P346 # والحال أن آباءهم لا يعقلون شيئا من أمور الدين الصحيح ، ولا يهتدون إلى ~~طريق الصواب. # قال الآلوسى : وفي الآية دليل على المنع من التقليد لمن قدر على النظر ، ~~وأما أتباع الغير في الدين بعد العلم بدليل ما أنه محق فاتباع في الحقيقة ~~لما أنزل الله تعالى وليس من التقليد المذموم في شيء وقد قال سبحانه ( ~~@QUR@07 فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) (1). # وبعد أن بين سبحانه فساد ما عليه أولئك المشركون المقلدون من غير نظر ولا ~~استدلال ، أردف ذلك بضرب مثل لهم زيادة في قبيح شأنهم والزراية عليهم فقال ~~تعالى : # ( @QUR@018 ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء ms0352 ~~صم بكم عمي فهم لا يعقلون ) (171) # و ( @QUR@01 مثل ) الصفة والشأن ، وأصل المثل بمعنى المثل : النظير ~~والشبيه ، ثم أطلق على القول السائر المعروف ، لمماثلة مضربه وهو الذي يضرب ~~فيه لمورده وهو الذي ورد فيه أولا ولا يكون إلا فيما فيه غرابة. ثم استعير ~~للصفة أو الحال أو القصة ، إذا كان لها شأن عجيب وفيها غرابة. # و ( @QUR@01 ينعق ) من النعيق وهو الصياح. يقال : نعق الراعي بالغنم ينعق ~~نعقا ونعاقا ونعقانا ، صاح بها وزجرها. # والدعاء والنداء قيل بمعنى واحد أى أن ثانيهما تأكيد للأول ، وقيل : ~~الدعاء للقريب والنداء للبعيد. # والظاهر أن المراد بهما نوعان من الأصوات. # وأولهما : وهو الدعاء معناه : الصياح بالبهائم لتأتى. # وثانيهما : وهو النداء معناه : الصياح بها لتذهب. # قال الإمام الرازي ما ملخصه : وللعلماء من أهل التأويل في هذه الآية ~~طريقان : # أحدهما : تصحيح المعنى بالإضمار في الآية. # والثاني : إجراء الآية على ظاهرها من غير إضمار. PageV01P347 # أما الذين أضمروا فذكروا وجوها : # الأول : كأنه قال : ومثل من يدعو الذين كفروا إلى الحق كمثل الذي ينعق ، ~~فصار الناعق الذي هو الراعي بمنزلة الداعي إلى الحق. وهو الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وسائر الدعاة إلى الحق ، وصار الكفار بمنزلة الغنم المنعوق ~~بها ، ووجه الشبه أن البهيمة تسمع الصوت ولا تفهم المراد ، وهؤلاء الكفار ~~كانوا يسمعون صوت الرسول صلى الله عليه وسلم وألفاظه ، وما كانوا ينتفعون بها ~~وبمعانيها. # الثاني : ومثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم من الأوثان كمثل الناعق في ~~دعائه ما لا يسمع كالغنم وما يجرى مجراها من البهائم. فشبه الأصنام في أنها ~~لا تفهم بهذه البهائم ، فإذا كان ولا شك أن من دعا بهيمة عد جاهلا ، فمن ~~دعا حجرا أولى بالذم. # والفرق بين هذا القول والذي قبله أن ها هنا المحذوف هو المدعو ، وفي ~~القول الذي قبله المحذوف هو الداعي. # أما إجراء الآية على ظاهرها من غير إضمار فتقديره ، ومثل الذين كفروا في ~~قلة عقولهم في عبادتهم لهذه الأوثان كمثل الراعي إذا تكلم مع البهائم ، ~~فكما أنه يقضى على ذلك الراعي بقلة العقل فكذا ms0353 هاهنا. # ثم قال رحمه الله ومثل هذا المثل يزيد السامع معرفة بأحوال الكفار ، ويحقر ~~إلى الكافر نفسه إذا سمع ذلك ، فيكون كسرا لقلبه ، وتضييقا لصدره ، حيث ~~صيره كالبهيمة فيكون في ذلك نهاية الزجر والردع لمن يسمعه عن أن يسلك مثل ~~طريقه في التقليد» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@03 صم بكم عمي ) زيادة في تبكيتهم وتقريعهم ، أى : ~~هم صم عن استماع دعوة الحق ، بكم عن إجابة الداعي إليها ، عمى عن آيات ~~صدقها وصحتها ، فهم لإعراضهم عن الهادي لهم إلى ما ينفعهم وينجيهم من ~~العذاب صاروا بمنزلة من فقد حواسه ، فأصبح لا يسمع ولا ينطق ولا يبصر وقوله ~~: ( @QUR@03 فهم لا يعقلون ) وارد مورد النتيجة بعد البرهان ، بجانب كونه ~~توبيخا لهم ، لأنهم بفقدهم أهم طرق الإدراك وهما السمع والبصر ، وأهم وسيلة ~~للثقافة وهي استطاع الحقائق من طريق المحاورة والتكلم ، صاروا بعد كل ذلك ~~بمنزلة من فقد عقله الاكتسابى ، فأصبح لا يفقه شيئا ؛ لأن العقل الذي يكتسب ~~به الإنسان المعارف والحقائق يستعين استعانة كبرى بهذه الحواس الثلاث. PageV01P348 # وبعد هذا البيان البليغ لحال الذين يتخذون من دون الله أندادا ، ولحال ~~الكافرين المقلدين لآبائهم في الضلال بدون تدبر أو تعقل ، بعد كل ذلك وجهت ~~السورة الكريمة نداء إلى المؤمنين بينت لهم فيه وفيما سيأتى بعده من آيات ~~كثيرا من التشريعات والآداب والأحكام التي هم في حاجة إليها فقال تعالى : # ( @QUR@015 يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن ~~كنتم إياه تعبدون (172) @QUR@025 إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ~~وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور ~~رحيم ) (173) # الطيبات من الأطعمة : المستلذات ، ويجوز حملها على ما طاب من الرزق ~~بتحليل الله له. وما رزقناكم : ما أوصلناه إليكم من الرزق ، وهو ما ينتفع به. # أى : يا من آمنتم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر كلوا من ألوان ~~الطيبات التي أحللناها لكم ، ولا تتعرضوا لما حرمناه عليكم. # وكان الخطاب هنا للمؤمنين خاصة ، لأنهم أحق بالفهم ، وأجدر بالعلم وأحرى ~~بالاهتداء ، وأولى ms0354 بالتكريم والتشريف. # ومفعول ( @QUR@01 كلوا ) محذوف ، أى : كلوا رزقكم حال كونه بعض طيبات ما ~~رزقناكم. # ثم أمرهم سبحانه بشكره على هذه الطيبات التي أباحها لهم فقال : ( @QUR@06 ~~واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون ). # وهذه الجملة الكريمة معطوفة على جملة ( @QUR@01 كلوا ). # والشكر : هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم لموجدها ، ووضعها في ~~الموضع الذي أمر به. # أى : تمتعوا بنعم الله ، واعترفوا له بها على وجه التعظيم ، بأن تمتثلوا ~~ما أمر به ، وتجتنبوا ما نهى عنه ، إن كنتم تخصونه بالعبادة حقا ، وتفردونه ~~بالطاعة صدقا. PageV01P349 # قال الآلوسى : وجملة ( @QUR@04 إن كنتم إياه تعبدون ) بمنزلة التعليل ~~لطلب الشكر ، كأنه قيل : «واشكروا له لأنكم تخصونه بالعبادة ، وتخصيصكم ~~إياه بالعبادة ، يدل على أنكم تريدون عبادة كاملة تليق بكبريائه ، وهي لا ~~تتم إلا بالشكر ، لأنه من أجل العبادات» (1). # وجواب الشرط محذوف دل عليه المذكور والتقدير : إن كنتم إياه تعبدون فكلوا ~~واشكروا لله. # ولقد أمر الله تعالى عباده أن يشكروه في آيات كثيرة ومن ذلك قوله تعالى : ~~( @QUR@08 لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ). # وقال تعالى : ( @QUR@011 ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني ~~كريم ). # وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~«الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر» وروى الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن ~~مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل ~~الأكلة فيحمده عليها ، أو يشرب الشربة فيحمده عليها» قال صاحب المنار : قال ~~الأستاذ الإمام : لا يفهم هذه الآية حق فهمها إلا من كان عارفا بتاريخ ~~الملل عند ظهور الإسلام وقبله ، فإن المشركين وأهل الكتاب كانوا فرقا ~~وأصنافا ، منهم من حرم على نفسه أشياء معينة بأجناسها أو أصنافها كالبحيرة ~~والسائبة عند العرب ، وكبعض الحيوانات عند غيرهم وكان المذهب الشائع في ~~النصارى أن أقرب ما يتقرب به إلى الله تعالى تعذيب النفس ، وحرمانها من ~~الطيبات المستلذة ، واحتقار الجسد ولوازمه ، واعتقاد أنه لا حياة للروح إلا ~~بذلك ... ثم قال : وقد تفضل الله على ms0355 هذه الأمة بأن جعلها أمة وسطا تعطى ~~الجسد حقه والروح حقها ، فأحل لنا الطيبات لتتسع دائرة نعمه الجسدية علينا ~~، وأمرنا بالشكر عليها ليكون لنا منها فوائد روحانية عقلية ، فلم نكن ~~جسمانيين محضا كالأنعام ، ولا روحانيين خلصا كالملائكة ، وإنما جعلنا أناسى ~~كملة بهذه الشريعة المعتدلة ، فله الحمد والشكر والثناء الحسن» (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@012 إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما ~~أهل به لغير الله ) بيان لما حرمه الله تعالى علينا من المطاعم رعاية ~~لمنفعتنا. # و ( @QUR@01 الميتة ) في عرف الشرع : ما مات حتف أنفه ، أو قتل على هيئة ~~غير مشروعه ، فيدخل فيها : المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما عدا ~~عليها السبع ، ويدخل في حكم الميتة ما قطع PageV01P350 # من جسم الحيوان الحي للحديث الذي أخرجه أبو داود والترمذي عن أبى واقد ~~الليثي ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما قطع من البهيمة وهي حية ~~فهو ميتة». # وكان الأكل من الميتة محرما ، لفساد جسمها بذبول أجزائه وتعفنها ، ولأنها ~~أصبحت بحالة تعافها الطباع السليمة لقذارتها وضررها. # قال الآلوسى : وأضاف سبحانه الحرمة إلى العين مع أن الحرمة من الأحكام ~~الشرعية التي هي من صفات فعل المكلف وليست مما تتعلق بالأعيان إشارة إلى ~~حرمة التصرف في الميتة من جميع الوجوه بأخصر طريق وأوكده ، حيث جعل العين ~~غير قابلة لتعلق فعل المكلف بها إلا ما خصه الدليل كالتصرف بالمدبوغ ، وخرج ~~عن حكم الميتة السمك والجراد ، للحديث الذي أخرجه ابن ماجة والحاكم من حديث ~~ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أحلت لنا ميتتان ودمان : السمك ~~والجراد والكبد والطحال وللعرف أيضا ، فإنه إذا ما قال القائل : أكل فلان ~~الميتة لم يسبق الوهم إليهما نعم حرم بعضهم ميتة السمك الطافي وما مات من ~~الجراد بغير سبب ، واستدل بعموم الآية على تحريم الأجنة وتحريم ما لا نفس ~~له سائلة خلافا لمن أباحه» (1). # والدم المحرم : ما يسيل من الحيوان الحي كثيرا كان أم قليلا وكذلك يحرم ~~من دم الحيوان ما جرى منه بعد تذكيته ، وهو الذي عبر عنه ms0356 القرآن بالمسفوح ~~في قوله تعالى : ( @QUR@018 قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه ~~إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا .. ). # والدم المسفوح : هو الدم الجاري المهراق من البهيمة بعد ذبحها. # أما الدم المتبقى في أجزاء لحم البهيمة بعد تذكيتها فلا شيء فيه. # قال القرطبي : وأما الدم فمحرم ما لم تعم به البلوى ، ومعفو عما تعم به ~~البلوى. والذي تعم به البلوى هو الدم في اللحم وعروقه ... وقد روت عائشة ~~رضي الله عنها قالت : كنا نطبخ البرمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تعلوها الصفرة من الدم فنأكل ولا ننكره» لأن التحفظ من هذا إصر وفيه مشقة ، ~~والإصر والمشقة في الدين موضوع. وهذا أصل في الشرع» (2). # وقد عرف عن بعض العرب في الجاهلية أنهم كانوا يأخذون الدم من البهائم عند ~~ذبحها ، فيضعونه في أمعائها ثم يشوونها بالنار ويأكلونها ويسمون ذلك ~~بالفصيد. # قال بعضهم : والحكمة في تحريم الدم أنه تستقذره النفوس الكريمة ، ويفضى ~~شربه أو أكله إلى الإضرار بالنفس ، وفضلا عن ذلك فإن تعاطيه يورث ضراوة في ~~الإنسان ، وغلظة في الطباع PageV01P351 # فيصير كالحيوان المفترس ، وهذا مناف لمقصد الشريعة التي جاءت لإتمام ~~مكارم الأخلاق. # وحرمة الخنزير شاملة للحمه وشحمه وجلده. وإنما خص لحمه بالذكر ، لأنه ~~الذي يقصد بالأكل ، ولأن سائر أجزاء الخنزير كالتابعة للحمه. وبعض الفقهاء ~~يرى أنه لا بأس من الانتفاع بشعر الخنزير في الخرازة أى : خياطة الجلود ~~وغيرها ، وبعضهم كره ذلك. # ومن الحكم في تحريم لحم الخنزير قذارته ، واشتماله على دودة تضر ببدن ~~آكله وقد أثبت ذلك العلم الحديث. # وما يقوله قوم من أن وسائل العلم الحديث قد تقدمت ، وصار في الإمكان ~~التغلب على ما في لحم الخنزير من أضرار هذا القول مردود بأن العلم الحديث ~~قد احتاج إلى ثلاثة عشر قرنا ليكتشف آفة واحدة في لحم الخنزير ، فمن ذا ~~الذي يجزم بأنه ليس هناك آفات أخرى في هذا اللحم لم يعرفها العلم حتى الآن؟ # إن الشريعة التي سبقت العلم الحديث بأكثر من ثلاثة عشر قرنا ms0357 أولى ~~بالاتباع ، وأجدر بالطاعة فيما أحلته وحرمته مما يقوله الناس ، لأنها من ~~عند الله العليم بشئون عباده ، الخبير بما ينفعهم وبما يضرهم. # وقوله : ( @QUR@05 وما أهل به لغير الله ) معطوف على ما قبله من ~~المحرمات. و ( @QUR@01 أهل ) من الإهلال ، وهو رفع الصوت عند رؤية الهلال ، ~~ثم استعمل لرفع الصوت مطلقا ، ومنه إهلال الصبى ، والإهلال بالحج. وكانوا ~~في الجاهلية إذا أرادوا ذبح ما قربوه إلى آلهتهم سموا عليها أسماءها كاللات ~~والعزى ورفعوا بها أصواتهم ، وسمى ذلك إهلالا. # فالمراد بما أهل به لغير الله : ما ذبح للأصنام وغيرها ، ومنه ما يذبحه ~~المجوسي للنار. ومنه عند جمهور العلماء : ذبائح أهل الكتاب إذا ذكر عليها ~~اسم عزير أو عيسى ، لأنها مما أهل به لغير الله. # وذهب جماعة من التابعين إلى تخصيص الغير بالأصنام ، وإلى حل ذبائح أهل ~~الكتاب مطلقا ، لعموم قوله تعالى في سورة المائدة وهي من آخر السور نزولا : ~~( @QUR@06 وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ) أى ذبائحهم ، وهو سبحانه يعلم ~~ما يقولون. # وروى الحسن عن على رضي الله عنه أنه قال : إذا ذكر الكتابي اسم غير الله ~~على ذبيحته وأنت تسمع فلا تأكل ، فإذا غاب عنك فكل ، فإن الله قد أحل ~~ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون. # وقد روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : إن قوما قالوا للنبي ~~صلى الله عليه وسلم : إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم ~~لا؟ فقال : سموا عليه أنتم وكلوه. قالت : PageV01P352 # وكانوا حديثي عهد بكفر. # فكأن المحرم ليس ما لم يعلم أن اسم الله ذكر عليه ، بل المحرم ما علم أن ~~غير اسم الله من الأوثان والأنداد ونحو ذلك قد ذكر عليه. # فأنت ترى أن تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير كان لاستقذار الأكل من هذه ~~الثلاثة ، أى : لعلة ذاتية فيها ، أما تحريم ما أهل به لغير الله فليس لعلة ~~فيه ، ولكن للتوجه به إلى غير الله. وهي علة روحية تنافى سلامة القلب ، ~~وطهارة الروح ، ووحدة المتجه فما ذكر عليه سوى اسم الله من الذبائح ms0358 ملحق ~~بالنجاسة المادية والقذارة الحقيقة ، وفي ذلك حض للناس على إخلاص العبادة ~~لله تعالى ، وزجر لهم عن التقرب إلى أحد سواه. # وقوله تعالى : ( @QUR@09 فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ) بيان ~~لحالات الضرورة التي يباح للإنسان فيها أن يأكل من تلك المحرمات. # و ( @QUR@01 اضطر ) من الاضطرار وهو الاحتياج إلى الشيء. يقال : اضطره ~~إلى هذا الشيء. أى : أحوجه وألجأه إليه مأخوذ من الإضرار ، وهو حمل الإنسان ~~على أمر بكرهه ، وقهره عليه بقوة يناله بدفعها الهلاك. # و ( @QUR@01 باغ ) من البغاء وهو الطلب. تقول : بغيته بغاء وبغيا وبغية ~~أى : طلبته. # و ( @QUR@01 عاد ) اسم فاعل بمعنى متعد ، تقول. عدا طوره إذا تجاوز حده ~~وتعداه إلى غيره فهو عاد ، ومنه قوله تعالى في شأن قوم لوط : ( @QUR@04 بل ~~أنتم قوم عادون ). # و ( @QUR@01 لغير ) منصوب على الحال من الضمير المستتر في ( @QUR@01 اضطر ~~) وهي هنا بمعنى النفي ولذا عطف عليها لا. # والمعنى : فمن ألجأته ضرورة إلى أكل شيء من هذه المحرمات : حالة كونه غير ~~باغ : أى غير طالب للمحرم وهو يجد غيره ، أو غير طالب له لإشباع لذته ، أو ~~غير طالب له على جهة الاستئثار به على مضطر آخر ، أو غير ساع في فساد ( ~~@QUR@02 ولا عاد ) أى : وغير متجاوز ما يسد الجوع ، ويحفظ الحياة ( @QUR@03 ~~فلا إثم عليه ) أى : فلا إثم عليه في أكله من هذه المحرمات. # وبهذا نرى لونا من ألوان سماحة الإسلام ويسره في تشريعاته ، التي أقامها ~~الله تعالى على رفع الحرج ، ودفع الضرر ، قال تعالى : ( @QUR@07 وما جعل ~~عليكم في الدين من حرج ) وقال تعالى : ( @QUR@08 يريد الله بكم اليسر ولا ~~يريد بكم العسر ). # وقوله : ( @QUR@04 إن الله غفور رحيم ) تذييل قصد به الامتنان. أى : إن ~~الله تعالى موصوف بهذين الوصفين الجليلين ، ومن كان كذلك كان من شأنه أن ~~يعفو عن الخطايا ، ويغفر الذنوب ، PageV01P353 # ويشرع لعباده ما فيه يسر لا ما فيه عسر. # هذا ، وظاهر هذه الآية الكريمة يقتضى أنه ليس هناك محرم من المطعومات سوى ~~هذه الأربعة ، لكنا نعلم في الشرع أن هناك مطعومات أخرى قد ms0359 حرم على المسلم ~~تناولها كلحوم الحمر الأهلية ، فعل هذا تكون لفظة «إنما» متروكة الظاهر في ~~العمل كما قال الإمام الرازي أى : أن الحصر فيها غير مقصود وشبيه بهذه ~~الآية قوله تعالى في سورة الأنعام : ( @QUR@039 قل لا أجد في ما أوحي إلي ~~محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه ~~رجس ، أو فسقا أهل لغير الله به ، فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور ~~رحيم ) (1). # ثم تحدث القرآن عن سوء عاقبة الذين يكتمون ما أمر الله بإظهاره وتوعدهم ~~بأقسى ألوان العذاب فقال تعالى : # ( @QUR@029 إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا ~~قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ~~ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم (174) @QUR@011 أولئك الذين اشتروا الضلالة ~~بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار (175) @QUR@014 ذلك بأن الله ~~نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد ) (176) # الكتم والكتمان : إخفاء الشيء قصدا مع تحقق الداعي إلى إظهاره. # وقد تحدث القرآن قبل هذه الآيات بقليل في قوله تعالى ( @QUR@08 إن الذين ~~يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى ) عن المصير الأليم الذي توعد الله به ~~أولئك الكاتمين لما أمر الله بإظهاره ، وأعاد الحديث عن سوء عاقبتهم هنا ؛ ~~لكي ينذرهم مرة بعد أخرى حتى يقلعوا عن هذه الرذيلة التي هي من أبشع ~~الرذائل وأقبحها ، ولكي يغرس في قلوب الناس وخصوصا PageV01P354 # العلماء الشجاعة التي تجعلهم يجهرون بكلمة الحق في وجوه الطغاة لا يخافون ~~لومة لائم ، ويبلغون رسالات الله دون أن يخشوا أحدا سواه ، ويبينون للناس ~~ما أمرهم الله ببيانه بطريقة سليمة أمينة خالية من التحريف الكاذب ، ~~والتأويل الباطل. # قال الإمام الرازي : قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في رؤساء اليهود ~~وأحبارهم. كانوا يأخذون من أتباعهم الهدايا ، فلما بعث الله نبيه محمدا ~~صلى الله عليه وسلم خافوا انقطاع تلك المنافع فكتموا أمره عليه السلام وأمر ~~شرائعه فنزلت هذه الآية. # ثم قال الإمام الرازي : والآية وإن نزلت في أهل ms0360 الكتاب لكنها عامة في حق ~~كل من كتم شيئا من باب الدين يجب إظهاره ، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص ~~السبب» (1). # والمراد بالكتاب ، التوراة ، أو جنس الكتب السماوية التي بشرت بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم . # و ( @QUR@01 من ) في قوله : ( @QUR@02 من الكتاب ) بمعنى في أى : يكتمون ~~ما أنزل الله في كتابه من صفة النبي صلى الله عليه وسلم ونعته ووقت بعثته. # وقيل للبيان ، وهي حال من العائد على الموصول والتقدير : أنزل الله حال ~~كونه من الكتاب والعامل فيه أنزل. # وقوله : ( @QUR@04 ويشترون به ثمنا قليلا ) معطوف على يكتمون. # أى : يكتمون ما أنزل الله من الكتاب مما يشهد بصدق النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويأخذون من سفلتهم في مقابل ذلك عرضا قليلا من أعراض الدنيا. # والضمير في قوله : ( @QUR@01 به ) يعود إلى ما أنزل الله ، أو إلى ~~الكتمان الذي يدل عليه الفعل ( @QUR@01 يكتمون ) أو إلى الكتاب. # ووصف هذا الثمن الذي يأخذونه في مقابل كتمانهم بالقلة ، لأن كل ما يؤخذ ~~في مقابلة إخفاء شيء مما أنزله الله فهو قليل حتى ولو كان ملء الأرض ذهبا. # وقوله تعالى : ( @QUR@07 أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ) وما عطف ~~عليه ، بيان للعذاب المهين الذي أعدلهم بسبب كتمانهم لما أمر الله بإظهاره ~~وبيعهم دينهم بدنياهم. # أى : أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا ما يؤدى بهم إلى النار وبئس القرار ~~كما قال تعالى في حق أكلة مال اليتامى : ( @QUR@07 إنما يأكلون في بطونهم ~~نارا وسيصلون سعيرا ). # وفي هذه الجملة الكريمة تمثيل لحالة أولئك الكفار الحاصلة من أكلهم ذلك ~~الثمن القليل PageV01P355 # المفضى بهم إلى النار ، بحالة من يأكل النار نفسها. ووجه الشبه بين ~~الحالتين : أنه يترتب على أكل ذلك المال الحرام من تقطيع الأمعاء وشدة ~~الألم ، ما يترب على أكل النار ذاتها ، إلا أن العذاب الحاصل من أكل النار ~~يقع عند ما تمتلئ منها بطونهم ، والعذاب الحاصل من أكل المال الحرام يقع ~~عند لقاء جزائه وهو الإحراق بالنار. # وجيء باسم الإشارة في أول هذه الجملة لتمييز أولئك الكاتمين أكمل تمييز ~~حتى لا ms0361 يخفى أمرهم على أحد ، وللتنبيه على أن ما ذكر بعد اسم الإشارة من ~~عقوبات سببه ما فعلوه قبل ذلك من سيئات. # وخص سبحانه بالذكر الأكل في بطونهم من بين وجوه انتفاعهم بما يأخذونه من ~~مال حرام ، للإشعار بسقوط همتهم ودناءة نفوسهم حتى إنهم ليخفون ما أمر الله ~~بإظهاره من حقائق وهدايات ، نظير ملء بطونهم. # وقوله : ( @QUR@05 ولا يكلمهم الله يوم القيامة ) أى : لا يكلمهم كلاما ~~تطمئن به نفوسهم ، وتنشرح له صدورهم وإنما يكلمهم بما يخزيهم ويفجعهم بسبب ~~سوء أعمالهم كقوله لهم : ( @QUR@04 اخسؤا فيها ولا تكلمون ). أو أن نفى ~~تكليمه لهم كتابة عن غضبه عليهم ، لأن من عادة الملوك أنهم عند الغضب ~~يعرضون عن المغضوب عليه ولا يكلمونه ، كما أنهم عند الرضا يقبلون عليه ~~بالوجه والحديث. # وقوله : ( @QUR@02 ولا يزكيهم ) أى : ولا يطهرهم من دنس الكفر والذنوب ~~بالمغفرة ، من التزكية بمعنى التطهير. يقال : زكاه الله ، أى : طهره ~~وأصلحه. # وتستعمل التزكية بمعنى الثناء ، ومنه زكى الرجل صاحبه إذا وصفه بالأوصاف ~~المحمودة وأثنى عليه ، فيكون معنى ( @QUR@02 ولا يزكيهم ) لا يثنى عليهم ~~سبحانه ومن لا يثنى عليه الله فهو معذب. # فهؤلاء الذين كتموا الحق نظير شيء قليل من حطام الدنيا ، فقدوا رضا الله ~~عنهم وثناءه عليهم وتطهيره لهم. # ثم ختم سبحانه الآية ببيان سوء منقلبهم ، وشدة ألم العذاب الذي ينالهم ~~فقال تعالى ( @QUR@03 ولهم عذاب أليم ) أى. موجع مؤلم. # قال الآلوسى : وقد جاءت هذه الأخبار مرتبة بحسب المعنى ، لأنه لما ذكر ~~سبحانه اشتراءهم بذلك الثمن القليل وكان كناية عن مطاعمهم الخبيثة الفانية ~~، بدأ أولا في الخبر بقوله : ( @QUR@06 ما يأكلون في بطونهم إلا النار ). ~~وابتنى على كتمانهم واشترائهم بما أنزل الله ثمنا PageV01P356 # قليلا ، أنهم شهود زور وأحبار سوء ، آذوا بهذه الشهادة الباطلة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وآلموه فقوبلوا بقوله سبحانه : ( @QUR@05 ولا يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم ) (1). # ثم بين سبحانه ما هم عليه من جهل وغباء وسوء عاقبة فقال : ( @QUR@07 ~~أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة ). # الاشتراء : استبدال السلعة بالثمن. والمعنى : أولئك الذين تقدم الحديث ~~عنهم وهم الكاتمون ms0362 لما أنزل الله قد بلغ بهم الغباء وانطماس البصيرة أنهم ~~باعوا الهدى والإيمان ليأخذوا في مقابلهما الكفر والضلال ، وباعوا ما ~~يوصلهم إلى مغفرة الله ورحمته ليأخذوا في مقابل ذلك عذابه ونقمته ، فما ~~أخسرها من صفقة ، وما أغبى هؤلاء الكاتمين الذين فعلوا ذلك نظير عرض من ~~أعراض الدنيا الفانية ، فخسروا بما فعلوه دنياهم وآخرتهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 فما أصبرهم على النار ) معناه : فما أدومهم على ~~عمل المعاصي التي تؤدى بهم إلى النار حتى لكأنهم بإصرارهم على عملها يجلبون ~~النار إليهم جلبا. ويقصدون إليها قصدا بدون مبالاة أو تفكر. # والمراد من التعجب في هذه الآية وأشباهها ، الإعلام بحالهم وأنه ينبغي أن ~~يتعجب منها كل أحد ، وذلك لأن المعنى الظاهر من الجملة التعجب من صبر أولئك ~~الكفار على النار ، والتعجب انفعال يحدث في النفس عند الشعور بأمر يجهل ~~سببه وهو غير جائز في حقه تعالى لأنه لا يخفى عليه شيء ، ومن هنا قال ~~العلماء : إن فعل التعجب في كلام الله المراد منه التعجيب ، أى : جعل الغير ~~يتعجب من ذلك الفعل ، وهو هنا صبرهم على النار ، فيكون المقصود تعجيب ~~المؤمنين من جراءة أولئك الكاتمين لما أنزل الله على اقترافهم ما يلقى بهم ~~في النار ، شأن الواثق من صبره على عذابها المقيم. # وشبيه بهذا الأسلوب في التعجب كما أشار صاحب الكشاف أن تقول لمن يتعرض ~~لما يوجب غضب السلطان : ما أصبرك على القيد والسجن فأنت لا تريد التعجب من ~~صبره ، وإنما تريد إفهامه أن التعرض لما يغضبه لا يقع إلا ممن شأنه الصبر ~~على القيد والسجن ، والمقصود بذلك تحذيره من التمادي فيما يوجب غضب ذلك ~~السلطان. # قال الجمل ما ملخصه وما في قوله ( @QUR@02 فما أصبرهم ) وفي مثل هذا ~~التركيب فيها أوجه : # أحدها : وهو قول سيبويه والجمهور أنها نكرة تامة غير موصولة ولا موصوفة ~~وأن معناها التعجب فإذا قلت. ما أحسن زيدا ، فمعناه : شيء صير زيدا حسنا. PageV01P357 # والثاني : وإليه ذهب الفراء : أنها استفهامية صحبها معنى التعجب ، نحو : ~~«كيف تكفرون بالله». # والثالث : ويعزى للاخفش : أنها موصولة. # والرابع ويعزى ms0363 له أيضا : أنها نكرة موصوفة وهي على هذه الأقوال الأربعة ~~في محل رفع بالابتداء وخبرها على القولين الأولين الجملة الفعلية بعدها ، ~~وعلى قولي الأخفش يكون الخبر محذوفا (1). # ثم بين سبحانه أن سبب استحقاقهم للعذاب الأليم ، هو ارتكابهم لما نهى ~~الله عنه عن قصد وسوء نية فقال : ( @QUR@06 ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق ). # أى : ذلك العذاب الأليم حل بهم بسبب أن الله أنزل التوراة مصحوبة ببيان ~~الحق الذي من جملته التبشير ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم فكتموا هم ~~هذا الحق وامتدت إليه أيديهم الأثيمة بالتحريف والتأويل إيثارا لمطامع ~~دنيوية على هدى الله الذي هو أساس كل سعادة. # فاسم الإشارة ( @QUR@01 ذلك ) يعود على مجموع ما سبق بيانه من أكل النار ~~، وعدم تكليم الله إياهم ، وعدم تزكيتهم .. إلخ. # والباء في قوله : ( @QUR@01 بأن ) للسببية ، والمراد بالكتاب : التوراة. # ثم ختم سبحانه الحديث عن هؤلاء الكاتمين للحق بقوله : ( @QUR@08 وإن ~~الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد ). # اختلفوا : خالف بعضهم بعضا ، وأصله من اختلاف الطريق ، تقول اختلفوا في ~~الطريق. أى : جاء بعضهم من جهة والبعض الآخر من جهة أو جهات أخرى. ثم ~~استعمل في الاختلاف في المذاهب والاعتقاد. # والكتاب : التوراة ، أو التوراة والإنجيل ، إذ يصح أن يراد جنس الكتاب ~~والمقام يقتضى صرفه إلى هذين الكتابين ، وقد أبعد في التأويل من قال بأن ~~المراد به القرآن لأن الحديث عن أهل الكتاب الذين كتموا ما في كتبهم من ~~بشارات بالرسول صلى الله عليه وسلم واختلافهم في الكتاب من مظاهره : إيمانهم ~~ببعضه وكفرهم بالبعض الآخر ، وتحريفه عن مواضعه وتأويله على غير ما يراد منه. # والشقاق : الخلاف ، كأن كل واحد من المختلفين في شق غير الشق الذي يكون ~~فيه الآخر ، PageV01P358 # وإذا وصف الخلاف بالبعد فهم منه أنه بعيد عن الحق ، يقال : قال فلان قولا ~~بعيدا ، أى بعيدا من الصواب. # والمعنى : ذلك العذاب الأليم حل بأولئك الأشقياء بسبب كتمانهم لما أنزله ~~الله في كتابه من الحق ، وإن الذين اختلفوا في شأن ما أنزله الله في كتبه ~~فأظهروا منها ما يناسب ms0364 أهواءهم وأخفوا ما لا يناسبها لفي بعد شديد عن الحق ~~والصواب : # وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ذكرت ألوانا من العقوبات الأليمة التي توعد ~~الله بها كل من يكتم أمرا نهى الله عن كتمانه ، لكي يقلع كل من يتأنى له ~~الخطاب عن هذه الرذيلة وفاء للعهد الذي أخذه الله على الناس بصفة عامة ، ~~وعلى أولى العلم بصفة خاصة. # ثم ساق القرآن الكريم آية جامعة لأنواع البر ، ووجوه الخير ، تهدى ~~المتمسك بها إلى السعادة الدنيوية والأخروية فقال تعالى : # ( @QUR@051 ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من ~~آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة ~~وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين ~~البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) (177) # ( @QUR@01 البر ): اسم جامع لكل خير ، ولكل طاعة وقرية يتقرب بها العبد ~~إلى خالقه عز وجل . # قال الراغب : «البر بفتح الباء خلاف البحر ، وتصور منه التوسع فاشتق منه ~~البر بكسر الباء بمعنى التوسع في فعل الخير ، وينسب ذلك إلى الله تعالى ~~تارة نحو : ( @QUR@04 إنه هو البر الرحيم ) وإلى العبد تارة فيقال : بر ~~العبد ربه ، أى توسع في طاعته فالبر من الله PageV01P359 # الثواب ، ومن العبد الطاعة» (1). # وتولية الوجوه قبل الشيء معناه : التوجه إليه بجعل الوجه متجها إلى جهته ~~فلفظ «قيل» بمعنى جهة وهو منصوب على الظرفية المكانية. # و ( @QUR@01 المشرق ): الجهة التي تشرق منها الشمس ، والمغرب : الجهة ~~التي تغرب فيها. # قال الإمام الرازي : اختلف العلماء في أن هذا الخطاب عام أو خاص. فقال ~~بعضهم : أراد بقوله : ( @QUR@02 ليس البر ) أهل الكتاب لما شددوا في الثبات ~~على التوجه نحو بيت المقدس فقال تعالى ليس البر هذه الطريقة ولكن البر من ~~آمن بالله. وقال بعضهم : بل المراد مخاطبته المؤمنين لما ظنوا أنهم قد ~~نالوا البغية بالتوجه إلى الكعبة من حيث كانوا يحبون ذلك فخوطبوا بهذا ~~الكلام وقال بعضهم : بل هو خطاب للكل ، لأن عند نسخ القبلة وتحويلها حصل من ms0365 ~~المؤمنين الاغتباط بهذه القبلة ، وحصل منهم التشدد في تلك القبلة حتى ظنوا ~~أنه الفرض الأكبر في الدين ، فبعثهم الله تعالى بهذا الخطاب على استيفاء ~~جميع العبادات والطاعات ، وبين أن البر ليس بأن تولوا وجوهكم شرقا وغربا ، ~~وإنما البر. كيت وكيت. وهذا أشبه بالظاهر إذ لا تخصيص فيه ، فكأنه تعالى ~~قال : ليس البر المطلوب هو أمر القبلة ، بل البر المطلوب هو هذه الخصال ~~التي عدها» (2). # وهذا القول الثالث الذي يرى أصحابه أن الخطاب للكل ، والذي قال عنه ~~الإمام الرازي : هذا أشبه بالظاهر هذا القول ، هو الذي تسكن إليه النفس ؛ ~~لأنه لا يوجد نص صحيح يخصص الخطاب لطائفة معينة من الناس ولأن المقصود من ~~الآية الكريمة إنما هو إفهام الناس في كل زمان ومكان أن مجرد تولية الوجه ~~إلى قبلة مخصوصة ليس هو البر الكامل الذي يعنيه الإسلام ، وإنما البر ~~الكامل يتأنى في استجابة الإنسان لتلك الخصال الشريفة التي اشتملت عليها ~~الآية ، تلك الخصال التي تجعل المستمسكين بها على صلة طيبة بخالقهم وعلى ~~صلة طيبة بغيرهم ، كما سنبين ذلك عند تعليقنا على هذه الآية الكريمة . # والمعنى : ليس البر الذي هو كل طاعة يتقرب بها الإنسان إلى خالقه في ~~تولية الوجه عند الصلاة إلى جهة المشرق والمغرب ، وإنما البر الذي يجب ~~الاهتمام به لأنه يؤدى إلى السعادة والفلاح يكون في الإيمان بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وفي انفاق المال في وجوه الخير ، وفي اتباع ما ~~ذكرته الآية الكريمة من خصال جليلة. # هذا وقد قرأ حمزة وحفص عن عاصم ( @QUR@02 ليس البر ) بنصب البر على أنه ~~خبر ليس ، واسمها PageV01P360 # قوله تعالى : ( @QUR@02 أن تولوا ) أى : ليس توليتكم وجوهكم قبل المشرق ~~والمغرب البر كله. # وقرأ الباقون ( @QUR@02 ليس البر ) برفع البر على أنه اسم ليس ، وخبرها ~~قوله تعالى : ( @QUR@02 أن تولوا ) أى ليس البر كله توليتكم وجوهكم قبل ~~المشرق والمغرب. # قال الطبرسي : وكلا المذهبين حسن ، لأن كل واحد من اسم ليس وخبرها معرفة ~~، فإذا اجتمعا في التعريف تكافآ في كون أحدهما اسما والآخر خبرا كما تتكافأ ~~النكرتان (1). # وقوله ms0366 تعالى : ( @QUR@010 ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة ~~والكتاب والنبيين ) إلخ بيان لما هو البر الذي يجب أن تتجه إليه الأفكار ، ~~وتستجيب له النفوس. # و ( @QUR@01 لكن ) حرف استدراك ، البر : اسمها. وقوله ( @QUR@02 من آمن ) ~~وقع في اللفظ موقع الخبر عن قوله ( @QUR@01 البر ) والخبر في المعنى لفظ ~~مقدر مضاف إلى من آمن ، يفهم من سياق الجملة ، والمعنى مع ملاحظة المقدر : ~~ولكن البر بر من آمن بالله. # وهذا اللون من الإيجاز الذي حذف فيه المضاف معهود في كلام البلغاء إذ ~~تجدهم يقولون السخاء حاتم ، والشعر زهير. أى : السخاء سخاء حاتم ، والشعر ~~شعر زهير. # وقيل : إن البر هنا بمعنى البار فجعل المصدر في موضع اسم الفاعل ، كما ~~يقال : ماء غور أى : غائر ، ورجل صوم أى : صائم. # وقيل : إن المحذوف هو لفظ مضاف إلى البر. أى : ولكن ذا البر من آمن بالله. # وقد ابتدأت الآية حديثها عن خصال البر بالإيمان بالله ، لأنه أساس كل بر. ~~وأصل كل خير ، والإيمان بالله : هو التصديق بأنه هو الواحد الفرد الصمد ، ~~الذي لا تعنو الوجوه إلا له ، ولا تتجه القلوب بالعبادة إلا إليه ، ومتى ~~رسخ هذا الإيمان في النفوس ارتفع بها إلى مكانة التكريم التي أرادها الله ~~تعالى لبنى آدم وصانها عن الذلة والاستكانة وأعطاها نبراس الهداية والسداد ~~في كل نواحي الحياة. # ثم ذكرت الإيمان باليوم الآخر ، وهو التصديق بالبعث وما يقع بعده من حساب ~~وثواب وعقاب على الوجه الذي وصفته نصوص الشريعة بأجلى بيان. # والإيمان باليوم الآخر من ثماره أنه يغرس في النفوس محبة الخير ، والحرص ~~على إسداء المعروف وينفرها من اقتراف الشرور وارتكاب الآثام. # ولقد تحدث القرآن عن الإيمان بالله واليوم الآخر في عشرات الآيات ، وأقام ~~الأدلة الساطعة ، والبراهين القاطعة على وحدانية الله وعلى أنه هو صاحب ~~الكمال المطلق ، كما أقام PageV01P361 # الحجج والبراهين على أن البعث حق وضرب الأمثال لذلك ، وسفه عقول المنكرين له. # ثم ذكرت الإيمان بالملائكة والملائكة : أجسام لطيفة نورانية ، قادرون على ~~التشكل في صورة حسنة مختلفة ، وصفهم القرآن بأنهم ( @QUR@08 لا يعصون الله ~~ما ms0367 أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ). # ووجه دخول التصديق بهم في حقيقة الإيمان ، أن الله وسطهم في إبلاغ وحيه ~~لأنبيائه ، وبين ذلك في كتابه ، وتحدث الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم عنهم ~~في كثير من أحاديثه ، فمن لم يؤمن بالملائكة على هذا الوجه الذي جاءت به ~~الشريعة فقد أنكر الوحى ، إذ الإيمان بهم أصل للإيمان بالوحي ، فيلزم من ~~إنكارهم إنكار الوحى ، وهو يستلزم إنكار النبوة وإنكار الدار الآخرة. # ثم ذكرت الآية الإيمان بالكتاب. والمراد به القرآن لأنه المقصود بالدعوة ~~، ولأنه هو الأمين على الكتب قبله ، فما وافقه منها كان حقا وما خالفه كان باطلا. # والإيمان به يستلزم الإيمان بجميع الكتب المنزلة من عند الله على أنبيائه ~~، لأنه هو الذي أخبرنا بذلك وأمرنا بذلك وأمرنا بأن نؤمن بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله. # ثم ذكرت الإيمان بالنبيين ، أى : التصديق بأنهم رجال اصطفاهم الله تعالى ~~لتلقى هدايته وكتبه وتبليغها للناس بصدق وأمانة وسلامة بصيرة. # والنبيون الذين يجب الإيمان بهم : كل من ثبتت نبوته عن طريق القرآن ~~الكريم أو الحديث الصحيح ، وكل من أنكر نبوة نبي قد ثبتت نبوته فقد خرج عن ~~طريق الإيمان. # ولقد قام الدليل القاطع على أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو خاتم النبيين ~~والمرسلين ، وكل من ادعى غير ذلك فهو من الضالين المضلين. # وقد جمعت هذه الأمور الخمسة التي ذكرتها الآية كل ما يلزم أن يصدق به ~~الإنسان ، لكي يكون ذا عقيدة سليمة ، تصل به إلى الفلاح والسعادة. # ثم ذكرت الآية بعد بيان أصول الإيمان أصول الأعمال الصالحة فقالت. ( ~~@QUR@013 وآتى المال على حبه ، ذوي القربى ، واليتامى ، والمساكين ، وابن ~~السبيل والسائلين ، وفي الرقاب ). # وهذه الجملة معطوفة على قوله تعالى : ( @QUR@03 من آمن بالله ). # والضمير في قوله ( @QUR@02 على حبه ) يعود إلى المال ، أى : أعطى المال ~~وبذله عن طيب خاطره حالة كونه محبا له راغبا فيه. لأن الإعطاء والبذل في ~~هذه الحالة يدل على قوة الإيمان ، وصفاء الوجدان ، ويسمو بصاحبه إلى أعلا ~~الدرجات. قال تعالى : ( @QUR@07 لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ). # وقد بين النبي صلى ms0368 الله عليه وسلم أن أفضل الصدقة ما كان في حال الصحة ، لأن ~~الإنسان في هذه الحالة PageV01P362 # يكون مظنة الحاجة إلى المال فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبى هريرة رضي ~~الله عنه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا رسول الله ، أى ~~الصدقة أعظم أجرا؟ قال : «أن تصدق وأنت صحيح شحيح ، تخشى الفقر وتأمل الغنى ~~، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت : لفلان كذا وكذا وقد كان لفلان. # وقيل الضمير يعود إلى الله عز وجل أى : يعطون المال على حب الله وطلبا ~~لمرضاته. # وقيل يعود إلى الإيتاء الذي دل عليه قوله تعالى ( @QUR@02 وآتى المال ) ~~فكأنه قال : يعطى ويحب الإعطاء رغبة في ثواب الله. # والمراد بذوي القربى : أقرباء المعطى للمال. والمعنى : وأعطى المال مع ~~محبته لهذا المال لأقاربه المحتاجين لأنهم أولى بالمعروف ، ولأن إعطاءهم ~~إحسان وصلة رحم ، ولذلك جاء ذكرهم في الآية مقدما على بقية الأصناف التي ~~تستحق العطف والإحسان. # روى الإمام أحمد والترمذي والنسائي وغيرهم عن سليمان بن عامر قال : قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الصدقة على المسكين صدقة. وعلى ذي الرحم ~~اثنتان : صدقة وصلة». # ( @QUR@01 واليتامى ): جمع يتيم ، وهو من فقد أباه بالموت ولم يبلغ ~~الحلم. وهؤلاء اليتامى في حاجة إلى الإحسان إليهم بعد ذوى القربى متى كانوا ~~محتاجين ، لشدة عجزهم عن كسب ما يسد حاجتهم. # ( @QUR@01 والمساكين ) جمع مسكين ، وهو من لا يملك شيئا من المال ، أو ~~يملك ما لا يكفى حاجاته وهذا النوع من الناس في حاجة إلى العناية والرعاية ~~؛ لأنهم في الغالب يفضلون الاكتفاء بالقليل على إراقة وجوههم بالسؤال. وفي ~~الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «ليس المسكين ~~الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان. قالوا : ~~فما المسكين يا رسول الله؟ قال الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق ~~عليه ، ولا يسأل الناس شيئا». # ( @QUR@02 وابن السبيل ): هو المسافر المنقطع عن ماله. وسمى بذلك كما ~~قال الآلوسى لملازمته السبيل أى الطريق في ms0369 السفر ، أو لأن الطريق تبرزه ~~فكأنها ولدته وكأن إفراده لانفراده عن أحبابه ووطنه وأصحابه فهو أبدا يتوق ~~إلى الجمع ، ويشتاق إلى الربع ، والكريم يحن إلى وطنه حنين الشارف (1) إلى ~~عطنه» (2). # وهذا النوع من الناس في حاجة إلى المساعدة والمعاونة حتى يستطيع الوصول ~~إلى بلده ، وفي PageV01P363 # هذا تنبيه إلى أن المسلمين وإن اختلفت أوطانهم ينبغي أن يكونوا في ~~التعاطف والتعاون على متاعب الحياة كالأسرة الواحدة. # ( @QUR@01 والسائلين ): جمع سائل ، وهو الطالب للإحسان والمعروف. ويحمل ~~حاله على أنه في حاجة إلى المعاونة ، لأن السؤال علامة الحاجة غالبا. # والرقاب : جمع رقبة وهي في الأصل العنق ، وتطلق على البدن كله كما تطلق ~~العين على الجاسوس. فصح حمل الرقاب على الأسارى والأرقاء. # وقوله : ( @QUR@02 وفي الرقاب ) متعلق بآتى ، أى : آتى المال على حبه في ~~تخليص الأسرى من أيدى العدو بفدائهم ، وتخليص الأرقاء بشرائهم وإعتاقهم. ~~وهذه الأصناف الستة التي ذكرت في تلك الآية الكريمة ( @QUR@04 وآتى المال ~~على حبه .. ) إلخ. # ليس المقصود من ذكرها الاستيعاب والحصر ، ولكنها ذكرت كأمثلة وخصت بالذكر ~~لأنها أحوج من غيرها إلى العون والمساعدة. # والذي يراجع القرآن الكريم يجده قد عنى عناية كبرى بالفقراء والمساكين ~~وجميع أصناف المحتاجين حتى لا تكاد سورة من سوره تخلو من الحث على الإنفاق ~~عليهم ، وبذل العون في مساعدتهم وأيضا هناك عشرات الأحاديث في الحض على مد ~~يد العون إلى ذوى القرابة والمعسرين ، وذلك لأن المجتمعات تحيا وتنهض ~~بالتراحم ، وتذل وتشقى بالتقاطع والتدابر بين أبنائها. # ثم ذكرت الآية ألوانا أخرى من البر تدل على قوة الإيمان وحسن الخلق فقالت ~~: ( @QUR@04 وأقام الصلاة وآتى الزكاة ) وإقامة الصلاة أداؤها في مواقيتها ~~مستوفية لأركانها وسننها وخشوعها على الوجه الشرعي الذي أمر الله به ، ~~والمراد بالزكاة هنا ، الزكاة المفروضة على الوجه الذي فصلته السنة ~~المطهرة. وإيتاؤها : يكون بإعطائها لمستحقيها من الفقراء والمساكين وغيرهم ~~ممن ذكرهم الله في قوله تعالى : ( @QUR@022 إنما الصدقات للفقراء والمساكين ~~والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن ~~السبيل ، فريضة من الله والله عليم حكيم ). # وفي ذكر الزكاة المفروضة ms0370 بعد ذكر إيتاء المال على حبه لذوي القربى ~~واليتامى .. إلخ دليل على أن في الأموال حقوقا لذوي الحاجات سوى الزكاة ، ~~وذلك لأنه من المعروف بين أهل العلم أن الحاجة إذا بلغت بطائفة من أبناء ~~الأمة حد الضرورة ، يجب على الأغنياء منها أن يسعوا في سدها ولو مما زاد ~~على قدر الزكاة. # والأغنياء الذين يكتفون بدفع الزكاة ، ولا يمدون يد المساعدة لسد حاجة ~~المحتاجين ، وتفريج كرب المكروبين ، ودفع ضرورة البائسين ، ليسوا على البر ~~الذي يريده الله من عباده المتقين. PageV01P364 # ومسألة «هل في المال حق سوى الزكاة» من المسائل التي تناولها بعض العلماء ~~بالشرح والتفصيل (1). # وقوله : ( @QUR@04 والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ) معطوف على قوله ( ~~@QUR@02 من آمن ) فإنه في قوة قولك ، ومن أوفوا بعهدهم ، وأوثرت صيغة اسم ~~الفاعل للدلالة على وجوب استمرار الوفاء. # الوفاء بالعهد يشمل ما عاهد المؤمنون عليه الله من الإذعان لكل ما جاء به ~~الدين ، ويشمل ما يعاهد به الناس بعضهم بعضا مما لا يحل حراما ولا يحرم حلالا. # والموفون بعهدهم هم الذين إذا وعدوا أنجزوا ، وإذا حلفوا بروا في أيمانهم ~~، وإذا قالوا صدقوا في قولهم ، وإذا ائتمنوا أدوا الأمانة ، وقد وعدهم الله ~~على ذلك بأجزل الثواب ، وأعلى الدرجات. # وفي قوله تعالى : ( @QUR@02 إذا عاهدوا ) إشارة إلى أن إيفاءهم بالعهد لا ~~يتأخر عن وقت حصول العهد. # ثم ختم سبحانه خصال البر بقوله : ( @QUR@06 والصابرين في البأساء والضراء ~~وحين البأس ). البأساء من البؤس ، وهي ما يصيب الناس في الأموال كالفقر ~~والاحتياج. يقال : بئس يبأس بؤسا وبأسا أى اشتدت حاجته. # والضراء من الضر ، وهي ما يصيبهم في أنفسهم كالأمراض والأسقام يقال : ضره ~~وأضره وضاره وضرا ، ضد نفع : والألف في البأساء والضراء للتأنيث. # وحين البأس ، أى : ووقت القتال في سبيل الله لإعلاء كلمته ، يقال : بؤس ~~ببؤس بأسا فهو بئيس ، أى : شجاع شديد. # وقوله : ( @QUR@01 والصابرين ) معطوف في المعنى على ( @QUR@02 من آمن ) ~~كقوله ( @QUR@01 والموفون ) إلا أنه جاء منصوبا على المدح بتقدير أخص أو ~~أمدح وغير سبكه عما قبله ، تنبيها على فضيلة الصبر ومزيته على غيره من ~~الفضائل حتى ms0371 لكأنه ليس من جنس ما سبقه من فضائل ، وهذا الأسلوب يسمى عند ~~علماء اللغة العربية بالقطع ، وهو أبلغ من الإتباع. ولا ريب في أن صفة ~~الصبر على الشدائد والآلام وحين القتال في سبيل الله ، جديرة بأنه ينبه ~~لمزيد فضلها ، إذ هي أصل لكثير من المكارم كالعفاف عما في أيدى الناس ، ~~والتسليم للقضاء الذي لا مرد له ، والإقدام الذي يحمى به الدين وتسلم به ~~النفوس والأموال والأعراض : # وليس الصبر هو الخضوع والاستكانة والاستسلام من غير مقاومة ولا عمل وإنما ~~الصبر جهاد PageV01P365 # ومحاولة للتغلب على المصاعب ، ومع الاحتفاظ برباطة الجأش والثقة بحسن ~~العاقبة. # وقد خصت الآية ثلاث حالات بالصبر ؛ لأن هذه الحالات هي أبرز الأشياء التي ~~يظهر فيها هلع الهالعين وجزع الجازعين ، كما يتميز فيها أصحاب النفوس ~~القوية المطمئنة من غيرهم. # وجاءت كلمة «حين» في قوله : ( @QUR@02 وحين البأس ) مشيرة إلى أن مزية ~~الصبر في القتال إنما تظهر حين يلتقى الجمعان ، وتدور رحى الحرب ، لأن بعض ~~الناس قد يكون قويا في بدنه ، وقد يحشر نفسه في زمرة الأبطال المقاتلين ، ~~ولكنه عند ما يرى الأعناق تتساقط من حوله تخور قواه ، ويلوذ بالقرار ، أو ~~يستسلم للعدو. وفي هذه الحالة تسلب عنه صفة الصابرين حين البأس. وتحق عليه ~~صفة الضعفاء الجبناء. # وقد جاءت أنواع الصبر في الآية على وجه الترقي من الشديد إلى الأشد ، ~~وذلك لأن الصبر على المرض أصعب من الصبر على الفقر ، والصبر حين البأس أصعب ~~من الصبر على المرض. ثم ختمت الآية حديثها عن هؤلاء الجامعين لهذه الخصال ~~بقوله تعالى : ( @QUR@06 أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ). # أولئك اسم إشارة للجمع ، وقد أشير به إلى من تقدم ذكرهم من الجامعين ~~لخصال البر. والصدق توصف به الأقوال المطابقة للواقع ، وتوصف به الأعمال ~~الواقعة على الوجه الذي يرضى الله تعالى . # والمتقون من الاتقاء وهو الحذر ، ويطلق المتقى في كلام الشارع على ~~الإنسان الذي صان نفسه عن كل ما يغضب الله ، وامتثل لأوامره ونواهيه. # أى : أولئك الذين تقدم ذكرهم من المحرزين لخصال البر هم الصادقون في ~~إيمانهم ms0372 وفي كل أحوالهم ، وأولئك هم المتقون لعذاب الله تعالى بسبب ~~امتثالهم لأوامره ، واجتنابهم لما نهى عنه. # واسم الإشارة ( @QUR@01 أولئك ) جيء به لإحضارهم في أذهان المخاطبين وهم ~~متصفون بتلك المناقب الجليلة. # وفي تكرير الإشارة زيادة تنويه بشأنهم وفضلهم. وجاء الإخبار عنهم بأنهم ~~الصادقون المتقون ، لتشيرهم بأنهم قد بلغوا بإحرازهم لتلك الخصال السابقة ~~الغاية التي يطمح إليها أرباب البصائر المتنيرة ، والنفوس المتقيمة ، ~~والقلوب السليمة ، وهي مقام الصدق والتقوى الذي يرتفع بصاحبه إلى السعادة ~~في الدنيا ، والنعيم الدائم في الآخرة. # هذا وقد اشتملت هذه الآية الكريمة على خمسة عشر نوعا من أنواع البر الذي ~~يهدى إلى الحياة PageV01P366 # السعيدة في الدنيا ، وإلى رضا الله تعالى في الآخرة ، وذلك لأنها قد ~~أرشدت إلى أن البر أنواع ثلاثة جامعة لكل خير : بر في العقيدة ، وبر في ~~العمل ، وبر في الخلق. # أما بر العقيدة فقد بينته أكمل بيان في قوله تعالى : ( @QUR@010 ولكن ~~البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ). # فقد جمعت في هذه الجملة الكريمة ما لا يتم الإيمان إلا بتحققه. # وأما بر العمل فقد وضحته أبلغ توضيح في قوله تعالى : ( @QUR@013 وآتى ~~المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي ~~الرقاب ). # ولا شك أن إنفاق المال في تلك الوجوه من شأنه أن يسعد الأفراد والجماعات ~~والأمم ، ويكون مظهرا من أفضل مظاهر العمل الصالح الذي يرضى الله تعالى . # وأما بر الخلق فقد ذكرته بأحكم عبارة في قوله تعالى : ( @QUR@014 وأقام ~~الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ، والصابرين في البأساء ~~والضراء وحين البأس ). # وذلك لأن التمسك بهذه الفضائل. أداء الصلاة وإيتاء الزكاة. والوفاء ~~بالعهود ، والتذرع بالصبر يدل على صفاء الإيمان وطهارة الوجدان وحسن الخلق ~~وكمال الاستقامة. # وهكذا تجمع آية واحدة من كتاب الله بين بر العقيدة وبر العمل وبر الخلق ، ~~وتربط بين الجميع برباط واحد لا ينفصم ، ونضع على هذا كله عنوانا واحدا ~~«البر» وتمدح من استجمع أنواعه بالصدق والتقوى. # فلله هذا الاستقراء البديع ، وذلك التوجيه السديد ، الذي يشهد أن هذا ~~القرآن من عند ms0373 الله ( @QUR@010 ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا ). # وبعد أن بين سبحانه أن البر الجامع لألوان الخير يتجلى في الإيمان بالله ~~واليوم الآخر .. وفي بذل المال في وجوه الخير ، وفي المحافظة على فرائضه ~~سبحانه وفي غير ذلك من أنواع الطاعات التي ذكرتها الآية السابقة بعد كل ذلك ~~شرع سبحانه في بيان بعض الأحكام العملية الجليلة التي لا يستغنى عنها الناس ~~في حياتهم ، وبدأ هذه الأحكام بالحديث عن حفظ الدماء لماله من منزلة ذات ~~شأن في إصلاح العالم فقال تعالى : # ( @QUR@014 يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر ~~والعبد بالعبد والأنثى PageV01P367 # @QUR@024 بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه ~~بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم (178) ~~@QUR@09 ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون ) (179) # ( @QUR@01 كتب ) من الكتب ، وهو في الأصل ضم أديم إلى أديم بالخياطة. ~~وتعورف في ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط ، وأطلق على المضموم في اللفظ وإن ~~لم يكتب بالخط ، ومنه الكتابة ، ويطلق الكتب والكتاب والكتابة على الإيجاب ~~والفرض ؛ لأن الشأن فيما وجب ويفرض أن يراد ثم يقال ثم يكتب ، ومنه «كتب ~~عليكم الصيام» أى : فرض عليكم. # و ( @QUR@01 القصاص ): العقوبة بالمثل من قتل أو جرح. وهو كما قال ~~القرطبي مأخوذ من قص الأثر وهو اتباعه ومنه القاص لأنه يتبع الآثار ~~والأخبار وقص الشعر اتباع أثره ، فكأن القاتل سلك طريقا من القتل فقص أثره ~~فيها ومشى على سبيله في ذلك ، ومنه ( @QUR@04 فارتدا على آثارهما قصصا ) ~~وقيل : القص القطع. يقال : قصصت ما بينهما. ومنه أخذ القصاص ؛ لأنه يجرحه ~~مثل جرحه أو يقتله به. يقال أقص الحاكم فلانا من فلان به فأمثله فامتثل منه ~~، أى : اقتص منه» (1). # فمادة القصاص تدل على التساوي والتماثل والتتبع. # والقتلى جمع قتيل ، والقتيل من يقتله غيره من الناس. # والمعنى : يا أيها الذين آمنوا فرض عليكم وأوجب القصاص بسبب القتلى. بأن ~~تقتلوا القاتل عقوبة له على جريمته مع مراعاة المساواة التي قررها ms0374 الشارع ~~الحكيم ، فلا يجوز لكم أن تقتلوا غير القاتل ، كما لا يجوز لكم أن تسرفوا ~~في القتل بأن تقتلوا القاتل وغيره من أقاربه. # فمعنى القصاص هنا أن يقتل القاتل لأنه في نظر الشريعة مساو للمقتول فيقتل ~~به. وقد بين العلماء أن القصاص يفرض عند القتل الواقع على وجه التعمد ~~والتعدي ، وعند مطالبة أولياء القتيل بالقود أى القصاص من القاتل. PageV01P368 # ولفظ «في» في قوله تعالى : ( @QUR@02 في القتلى ) للسببية ، أى : فرض ~~عليكم القصاص بسبب القتلى. كما في قوله صلى الله عليه وسلم «دخلت امرأة النار ~~في هرة» أى بسببها. # وصدرت الآية بخطاب ( @QUR@02 الذين آمنوا )، تقوية لداعية إنفاذ حكم ~~القصاص الذي شرعه الخبير بنفوس خلقه ، لأن من شأن الإيمان الصادق أن يحمل ~~صاحبه على تنفيذ شريعة الله التي شرعها لإقامة الأمان والاطمئنان بين الناس ~~، ولسد أبواب الفتن التي تحل عرا الألفة والمودة بينهم. # وقد وجه سبحانه الخطاب إلى المؤمنين كافة مع أن تنفيذ الحدود من حق ~~الحاكم لإشعارهم بأن عليهم جانبا من التبعة إذا أهمل الحكام تنفيذ هذه ~~العقوبات التي شرعها الله. # وإذا لم يقيموها بالطريقة التي بينتها شريعته ، ولإشعارهم كذلك بأنهم ~~مطالبون بعمل ما يساعد الحكام على تنفيذ الحدود بالعدل. وذلك بتسليم الجاني ~~إلى المكلفين بحفظ الأمن ، وأداء الشهادة عليه بالحق والعدل ، وغير ذلك من ~~وجوه المساعدة. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 الحر بالحر والعبد بالعبد ، والأنثى بالأنثى ) ~~بيان لمعنى المساواة في القتل المشار إليها بلفظ القصاص فالجملة تتمة لمعنى ~~الجملة السابقة ، ومفادها أنه لا يقتل في مقابل المقتول سوى قاتله ، لأن ~~قتل غير الجاني ليس بقصاص بل هو اعتداء يؤدى إلى فتنة في الأرض وفساد كبير. # وقد يفهم من مقابلة ( @QUR@06 الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ~~) أنه لا يقتل صنف بصنف آخر ، وهذا الفهم غير مراد على إطلاقه ، فقد جرى ~~العمل منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتل الرجل بالمرأة. # قال القرطبي : «أجمع العلماء على قتل الرجل بالمرأة ، والمرأة بالرجل» (1). # والخلاف في قتل الحر بالعبد. فبعض العلماء يرى قتل الحر بالعبد ms0375 ، وبعضهم ~~لا يرى ذلك ، ولكل فريق أدلته التي يمكن الرجوع إليها في كتب الفقه. # والغرض الذي سيقت من أجله الآية الكريمة ، إنما هو وجوب تنفيذ القصاص ~~بالعدل والمساواة وإبطال ما كان شائعا في الجاهلية من أن القبيلة القوية ~~كانت إذا قتلت منها القبيلة الضعيفة شخصا لا ترضى حتى تقتل في مقابله من ~~الضعيفة أشخاصا. وإذا قتلت منها عبدا تقتل في مقابله حرا أو أحرارا ، وإذا ~~قتلت منها أنثى قتلت في نظيرها رجلا أو أكثر. فيترتب على PageV01P369 # ذلك ان ينتشر القتل ، ويشيع الفساد ، وقد حكى لنا التاريخ كثيرا مما فعله ~~الجاهليون في هذا الشأن. # قال الإمام البيضاوي عند تفسيره لهذه الآية : كان في الجاهلية بين حيين ~~من أحياء العرب دماء وكان لأحدهما طول على الآخر فأقسموا لنقتلن الحر منكم ~~بالعبد ، والذكر بالأنثى ، فلما جاء الإسلام تحاكموا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية. وهي لا تدل على أنه لا يقتل الحر بالعبد ~~والذكر بالأنثى ، كما لا تدل على عكسه ، فإن المفهوم يعتبر حيث لم يظهر ~~للتخصيص غرض سوى اختصاص الحكم» (1). # ثم أورد سبحانه بعد إيجابه للقصاص العادل حكما يفتح باب التراضي ، بين ~~القاتل وأولياء المقتول ، بأن أباح لهم أن يسقطوا عنه القصاص إذا شاؤوا ~~ويأخذوا في مقابل ذلك الدية ، فقال تعالى : ( @QUR@011 فمن عفي له من أخيه ~~شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ). # عفى : من العفو وهو الإسقاط. والعفو عن المعصية ، وترك العقاب عليها. ~~والذي عفى له هو القاتل ، و ( @QUR@01 أخيه ) الذي عفا هو ولى المقتول. ~~والمراد بلفظ ( @QUR@01 شيء ) القصاص ، وهو نائب فاعل ( @QUR@01 عفي ). # والمعنى : أن القاتل عمدا إذا أسقط عنه أخوه ولى دم القتيل القصاص ، ~~راضيا أن يأخذ منه الدية بدل القصاص ، فمن الواجب على ولى الدم أن يتبع ~~طريق العدل في أخذ الدية من القاتل بحيث لا يطالبه بأكثر من حقه ، ومن ~~الواجب كذلك على القاتل أن يدفع له الدية بالطريق الحسنى ، بحيث لا يماطله ~~ولا يبخسه حقه. # فقوله تعالى : ( @QUR@02 فاتباع بالمعروف ) وصية منه سبحانه لولى الدم ms0376 أن ~~يكون رفيقا في مطالبته القاتل بدفع الدية. # وقوله : ( @QUR@03 وأداء إليه بإحسان ) وصية منه سبحانه للقاتل بأن يدفع ~~الدية لولى الدم بدون تسويف أو مماطلة. # وفي هذه الوصايا تحقيق لصفاء القلوب ، وشفاء لما في الصدور من آلام ، ~~وتقوية لروابط الأخوة الإنسانية بين البشر. # وبعضهم فسر العفو بالعطاء فيكون المعنى : فمن اعطى له وهو ولى المقتول من ~~أخيه وهو القاتل شيئا وهو الدية ، فعلى ولى المقتول اتباعه بالمعروف ، وعلى ~~القاتل أداء إليه بإحسان. # وسمى القرآن الكريم القاتل أخا لولى المقتول ، تذكيرا بالأخوة الإنسانية ~~والدينية ، حتى يهز PageV01P370 # عطف كل واحد منهما إلى الآخر ، فيقع بينهم العفو ، والاتباع بالمعروف ، ~~والأداء بإحسان. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : عفى يتعدى بعن لا باللام فما وجه قوله ( ~~@QUR@03 فمن عفي له )؟ قلت : يتعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب فيقال : ~~عفوت عن فلان وعن ذنبه. قال تعالى : ( @QUR@03 عفا الله عنك ) وقال : ( ~~@QUR@03 عفا الله عنها ). فإذا تعدى إلى الذنب والجاني معا قيل : عفوت ~~لفلان عما جنى ، كما تقول : غفرت له ذنبه وتجاوزت له عنه. وعلى هذا ما في ~~الآية ، كأنه قيل : فمن عفى عن جنايته فاستغنى عن ذكر الجناية (1). # وجاء التعبير بلفظ شيء منكرا لإفادة التقليل. أى : فمن عفى له من أخيه ما ~~يسمى شيئا من العفو والتجاوز ولو أقل قليل ، تم العفو وسقط القصاص ، ولم ~~تجب إلا الدية ، وذلك بأن يعفو بعض أولياء الدم ، لأن القصاص لا يتجزأ. # وفي ذلك تحبيب من الشارع الحكيم لولى الدم ، في العفو وفي قبول الدية ، ~~إذ العفو أقرب إلى صفاء القلوب ، وتجميع النفوس على الإخاء والتعاطف ~~والتسامح. وفيه أيضا إبطال لما كان عليه أهل الجاهلية من التعيير من قبول ~~أخذ الصلح في قتل العمد ، وعدهم ذلك لونا من بيع دم المقتول بثمن بخس. قال ~~بعضهم يحرض قومه على الثأر. # فلا تأخذوا عقلا من القوم إننى %~% أرى العار يبقى والمعاقل تذهب # وقال شاعر آخر يذكر قوما لم يقبلوا الصلح عن قتيل لهم : # فلو أن حيا يقبل المال فدية %~% لسقنا لهم سيبا من المال ms0377 مفعما ولكن أبى قوم أصيب أخوهم %~% رضا العار فاختاروا على اللبن الدما # ثم بين سبحانه أنه يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر فقال : ( ~~@QUR@05 ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ). # أى : ذلك الذي شرعناه لكم من تيسير أمر القصاص بأداء الدية إلى ولى ~~القتيل إذا رضى طائعا مختارا ، أردنا منه التخفيف عليكم إذ في الدية تخفيف ~~على القاتل بإبقاء حياته وإنقاذها من القتل قصاصا ، وفيها كذلك نفع لولى ~~القتيل ، إذ هذا المال الذي أخذه نظير عفوه يستطيع أن ينتفع به في كثير من ~~مطالب حياته. # وبهذا نرى أن الإسلام قد جمع في تشريعه الحكيم لعقوبة القتل بين العدل ~~والرحمة. إذ جعل القصاص حقا لأولياء المقتول إذا طالبوا به لا ينازعهم في ~~ذلك منازع وهذا عين الإنصاف والعدل. PageV01P371 # وجعل الدية عوضا عن القصاص إذا رضوا بها باختيارهم ، وهذا عين الرحمة ~~واليسر. وبالعدالة والرحمة تسعد الأمم وتطمئن في حياتها ؛ إذ العدالة هي ~~التي تكسر شره النفوس ، وتغسل غل الصدور ، وتردع الجاني عن التمادي في ~~الاعتداء ، لأنه يعلم علم اليقين أن من وراء الاعتداء قصاصا عادلا. # والرحمة هي التي تفتح الطريق أمام القلوب لكي تلتئم بعد التصدع وتتلاقى ~~بعد التفرق ، وتتوادد بعد التعادي ، وتتسامى عن الانتقام إلى ما هو أعلى ~~منه وهو العفو. فلله هذا التشريع الحكيم الذي ما أحوج العالم إلى الأخذ به ~~، والتمسك بتوجيهاته. # ثم ختم سبحانه الآية بالوعيد الشديد لمن يتعدى حدوده ، ويتجاوز تشريعه ~~الحكيم فقال : ( @QUR@07 فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ). # أى : فمن تجاوز حدوده بعد هذا التشريع الحكيم الذي شرعناه بأن قتل القاتل ~~بعد قبول الدية منه ، أو بأن قتل غير من يستحق القتل فله عذاب شديد الألم ؛ ~~من الله تعالى لأن الاعتداء بعد التراضي والقبول يدل على نكث العهد ، ورقة ~~الدين ، وانحطاط الخلق. # ثم بين سبحانه الحكمة في مشروعية القصاص توطينا للنفوس على الانقياد له ، ~~وتقوية لعزم الحكام على إقامته فقال تعالى : ( @QUR@04 ولكم في القصاص حياة ~~) أى : ولكم في مشروعية القصاص حياة عظيمة ، فالتنوين للتعظيم. # قال صاحب ms0378 الكشاف ، وذلك أنهم كانوا يقتلون الجماعة بالواحد ، وكم قتل ~~مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفنى قبيلة بكر بن وائل. وكان يقتل بالمقتول غير ~~قاتله فتثور الفتنة ويقع بينهم التناحر فلما جاء الإسلام بشرع القصاص كانت ~~فيه حياة أى حياة ، أو نوع من الحياة وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن ~~القتل لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل ، لأنه إذا هم بالقتل فعلم أنه يقتص ~~منه ارتدع فسلم صاحبه من القتل وسلم هو من القود فكان القصاص سبب حياة ~~نفسين (1). # هذا وقد نقل عن العرب ما يدل على أنهم تحدثوا عن حكمة القصاص ومن أقوالهم ~~في هذا الشأن : «قتل البعض إحياء للجميع ، وأكثروا القتل ليقل القتل» ~~وأجمعوا على أن أبلغ الأقوال التي عبروا بها عن هذا المعنى قولهم «القتل ~~أنفى للقتل» وقد أجمع أولو العلم على أن قوله تعالى : ( @QUR@04 ولكم في ~~القصاص حياة ) أبلغ من هذه العبارة التي نطق بها حكماء العرب ، بمقدار ما ~~بين كلام الخالق وكلام المخلوق ، وذكروا أن الآية تفوق ما نطق به حكماء ~~العرب من وجوه كثيرة من أهمها : PageV01P372 # 1 أن الآية جعلت سبب الحياة القصاص وهو القتل على وجه التساوي ، أما ~~العبارة العربية فقد جعلت سبب الحياة القتل ، ومن القتل ما يكون ظلما ، ~~فيكون سببا للفناء لا للحياة ، وتصحيح هذه العبارة أن يقال : القتل قصاصا ~~أنفى للقتل ظلما. # 2 أن الآية جاءت خالية من التكرار اللفظي ، فعبرت عن القتل الذي هو سبب ~~الحياة بالقصاص. والعبارة كرر فيها لفظ القتل فمسها بهذا التكرار من الثقل ~~ما سلمت منه الآية. # 3 أن الآية جعلت القصاص سببا للحياة التي تتوجه إليها الرغبة مباشرة ، ~~والعبارة العربية جعلت القتل سببا لنفى القتل الذي تترتب عليه الحياة. # 4 الآية مبنية على الإثبات والمثل على النفي ، والإثبات أشرف لأنه أول ~~والنفي ثان له. # 5 أن تنكير حياة في الآية يفيد تعظيما ، فيدل على أن في القصاص حياة ~~متطاولة كما في قوله تعالى : ( @QUR@05 ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ) ولا ~~كذلك المثل. فإن اللام فيه للجنس ، ولذا فسروا ms0379 الحياة فيها بالبقاء. # 6 تعريف ( @QUR@01 القصاص ) بلام الجنس الدالة على حقيقة هذا الحكم ~~المشتملة على الضرب والجرح والقتل وغير ذلك ، والمثل لا يشمل ذلك. # 7 أن الآية مع أفضليتها عن المثل من حيث البلاغة والشمول واللفظ والمعنى ~~أقل حروفا من المثل. # هذه بعض وجوه أفضلية الآية على المثل ، وهناك وجوه أخرى ذكرها العلماء في ~~كتبهم (1). # وفي قوله : ( @QUR@03 يا أولي الألباب ) تنبيه بحرف النداء على التأمل في ~~حكمة القصاص. # و ( @QUR@01 الألباب ): جمع لب وهو العقل الخالص من شوائب الأوهام ، أو ~~العقل الذكي الذي يستبين الحقائق بسرعة وفطنة ، ويستخرج لطائف المعاني من ~~مكانها ببراعة وحسن تصرف. # وخص النداء بأولى الألباب مع أن الخطاب بحكمة القصاص شامل لهم ولغيرهم ~~لأنهم الذين يتدبرون عواقب الأمور ، ويعرفون قيمة الحياة ويقدرون حكم ~~التشريع قدرها. # وفي هذا النداء تنبيه على أن من ينكرون مصلحة القصاص وأثره النافع في ~~تثبيت دعائم الأمن ، يعيشون بين الناس بعقول غير سليمة ، ولا يزال الناس ~~يشاهدون في كل عصر ما يثيره القتل في صدور أولياء القتلى من أحقاد طاغية ، ~~لو لا أن القصاص يخفف من سطوتها لتمادت بهم في تقاطع وسفك دماء دون الوقوف ~~عند حد. PageV01P373 # وختمت الآية بهذه الجملة التعليلية ( @QUR@02 لعلكم تتقون ) زيادة في ~~إقناع نفوسهم بأمر القصاص ، أى : شرعنا لكم هذه الأحكام الحكيمة لتتقوا ~~القتل حذرا من القصاص ، ولتعيشوا آمنين مطمئنين ، ومتوادين متحابين. # وبهذا البيان الحكيم تكون الآيتان الكريمتان قد أرشدتا إلى ما يحمى ~~النفوس ، ويحقن الدماء ، ويردع المعتدين عن الاعتداء ، ويغرس بين الناس ~~معاني التسامح والإخاء ، ويقيم حياتهم على أساس من الرحمة والعدالة وحسن ~~القضاء. # وبعد أن بين سبحانه ما يتعلق بالقصاص أتبعه بالحديث عن الوصية ، ليرشد ~~الناس إلى ما ينبغي أن تكون عليه ، وليبطل ما كان من عوائد الجاهلية من ~~وصايا جائرة فقال تعالى : # ( @QUR@016 كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين ~~والأقربين بالمعروف حقا على المتقين (180) @QUR@014 فمن بدله بعد ما سمعه ~~فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم (181) @QUR@016 فمن خاف من ~~موص ms0380 جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ) (182) # وقوله تعالى : ( @QUR@02 كتب عليكم ) قد استفاض في عرف الشرع بمعنى وجب عليكم. # و «حضور الموت» يقع عند معاينة الإنسان للموت ولعجزه في هذا الوقت عن ~~الإيصاء فسر بحضور أسبابه ، وظهور أماراته ، من نحو العلل المخوفة والهرم ~~البالغ. وقد شاع عند العرب استعمال السبب كناية عن المسبب ، ومن ذلك قول ~~شاعرهم : # يا أيها الراكب المزجى مطيته %~% سائل بنى أسد ما هذه الصوت (1) وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا %~% قولا يبرئكم إنى أنا الموت PageV01P374 # والخير : المال ، وقالوا إنه هنا مختص بالمال الكثير ، لأن مقام الوصية ~~يشعر بذلك ، ولم يرد نص من الشارع في تقدير ما يسمى مالا كثيرا ، وإنما ~~وردت آثار من بعض الصحابة والتابعين في تقديره بحسب اجتهادهم ، وبالنظر إلى ~~ما يسمى بحسب العرف مالا كثيرا فقال بعضهم : من ألف درهم إلى خمسمائة درهم ~~، وقال بعضهم : من ألف درهم إلى ثمانمائة درهم. والحق أن هذا التقدير يختلف ~~باختلاف الأشخاص والأزمان والعرف. # ويرى بعض العلماء أن الوصية مشروعة في المال قليلة وكثيرة. # قال القرطبي : والوصية عبارة عن كل شيء يؤمر بفعله ويعهد به في الحياة ~~وبعد الموت ، وخصها العرف بما يعهد بفعله وتنفيذه بعد الموت والجمع وصايا ~~كالقضايا جمع قضية. والوصي يكون الموصى والموصى إليه. وأصله من وصى مخففا. ~~وتواصى النبت تواصيا إذا اتصل وأرض واصية : متصلة النبات. وأوصيت له بشيء. ~~وأوصيت إليه إذا جعلته وصيك. والاسم الوصاية والوصاية بالفتح وبالكسر ~~وتواصى القوم : أوصى بعضهم بعضا (1). # والمعنى : كتب عليكم أيها المؤمنون أنه إذا ظهرت على أحدكم أمارات الموت ~~: من مرض ثقيل ، أو شيخوخة مضعفة ، وكان عنده مال كثير قد جمعه عن طريق ~~حلال ، أن يوصى بجانب منه لوالديه وأقاربه رعاية لحقهم وحاجتهم ، وأن تكون ~~وصيته لهم بالعدل الذي لا مضارة فيه بين الأقارب ، والوصية على هذا الوجه ~~تعتبر حقا واجبا على المتقين الذين اتخذوا التقوى والخشية من الله طريفا لهم. # فالآية الكريمة استئناف لبيان الوصية بعد الحديث عن القصاص ، وفصل القرآن ms0381 ~~الحديث عن الوصية عن سابقه للإشعار بأنه حكم مستقل جدير بالأهمية. # وقد جاء الحديث عن الوصية بتلك الطريقة الحكيمة ، لتغيير ما كان من عادات ~~بعض أهل الجاهلية ، فإنهم كانوا كثيرا مانعون القريب من الإرث توهما منهم ~~أنه يتمنى موت قريبة ليرثه ، وربما فضلوا بعض الأقارب على بعض فيؤدى ذلك ~~إلى التباغض والتحاسد ، وربما فضلوا أيضا الوصية لغير الأقارب للفخر ~~والتباهي ، فشرع الإسلام لأتباعه ما يقوى الروابط ويمنع التحاسد والتعادي. # قال الجمل : وكتب فعل ماض مبنى للمجهول ، وحذف الفاعل للعلم به وهو الله ~~تعالى وفي القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه : # أحدها : أن يكون الوصية ، أى : كتب عليكم الوصية ، وجاز تذكير الفعل لكون القائم PageV01P375 # مقام الفاعل مؤنثا مجازيا ولوجود الفصل بينه وبين مرفوعة. # والثاني : أنه الإيصاء المدلول عليه بقوله : «الوصية» للوالدين ، أى : ~~كتب هو ، أى الإيصاء. # والثالث : أنه الجار والمجرور. وهذا يتجه على رأى الأخفش والكوفيين وعليه ~~فيكون قوله : ( @QUR@01 عليكم ) في محل رفع ، ويكون في محل النصب على ~~القولين الأولين وجواب كل من ( @QUR@01 إذا ) و ( @QUR@01 إن ) محذوف. أى : ~~كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا فليوص (1). # والباء في قوله : ( @QUR@01 بالمعروف ) للملابسة ، والجار والمجرور في ~~موضع الحال من الوصية. # والمراد بالمعروف هنا العدل الذي جاءت به الشريعة ، بأن لا يتجاوز ~~بالوصية الثلث ، وأن لا يوصى للأغنياء ويترك الفقراء أو يوصى للقريب ويترك ~~الأقرب مع أنه أشد فقرا ومسكنة. # وقوله : ( @QUR@01 حقا ) مصدر مؤكد للحدث الذي دل عليه ( @QUR@01 كتب ) ~~وعامله إما ( @QUR@01 كتب ) أو فعل محذوف تقديره حق أى : حق ذلك حقا. # وقوله : ( @QUR@02 على المتقين ) صفة له. أى حقا كائنا على المتقين. # وخص هذا الحق بالمتقين ترغيبا في الرضا به ، لأن ما كان من شأن المتقى ~~فهو أمر نفيس جدير أن يتأسى به الناس ، ومن أهمله فقد حرم من الدخول في ~~زمرتهم ، وخسر بذلك خسارة عظيمة. # قال بعض العلماء : وقد وردت هذه الآية في الوصية للوالدين والأقربين ، ~~والمعروف عند الأمة منذ عهد السلف أن الوصية لا تصح لوارث ، والوالدان لهما ~~نصيب مفروض في المواريث ms0382 ومقتضاه عدم صحة الوصية لهما؟ # ويزيح هذا الأشكال من طريق التفسير أن فريقا من أهل العلم وهم جمهور ~~المفسرين ذهبوا إلى أن الآية قد نسخ منها حكم الوصية للوارث. وإيضاح وجه ~~النسخ أن آية المواريث نزلت بعد آية الوصية فقامت مقامها في الوصية للوارث ~~ودل على هذا المعنى صراحة الحديث الشريف وهو قوله صلى الله عليه وسلم : «إن ~~الله أعطى كل ذي حق حقه ، ألا لا وصية لوارث». # وهذا الحديث وإن لم يبلغ مبلغ الحديث المتواتر الذي يصح نسخه للقرآن ~~بنفسه ، فقد امتاز عن بقية أخبار الآحاد بأن الأمة تلقته بالقبول ، وأخذوا ~~في العمل به من غير مخالف ، فأخذ بهذا قوة الحديث المتواتر في الرواية ~~واعتمدوا عليه في بيان أن آية المواريث قامت بتقدير الأنصباء في الميراث ~~مقام آية ( @QUR@04 إذا حضر أحدكم الموت ) في الوصية للوارث. وروى البخاري ~~في صحيحه PageV01P376 # عن ابن عباس رضي الله عنه قال : كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين ، ~~فنسخ الله من ذلك ما أحب ، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين ، وجعل للأبوين لكل ~~واحد منهما السدس ، وجعل للمرأة الثمن والربع ، وللزوج الشطر والربع. # ومن أهل العلم من لم يستطيعوا أن يهملوا حديث «لا وصية لوارث» لاستفاضته ~~بين الأمة وتلقيهم له بالقبول ، فقرروا العمل به وأبطلوا الوصية لوارث ~~ولكنهم ذهبوا مع هذا إلى أن آية الوصية للوالدين محكمة غير منسوخة وتأولوها ~~على وجوه منها أن المراد من قوله : ( @QUR@01 للوالدين ) الوالدان اللذان ~~لا يرثان لمانع من الإرث كالكفر والاسترقاق ، وقد كانوا حديثي عهد بالإسلام ~~يسلم الرجل ولا يسلم أبواه وقد أوصى الله بالإحسان إليهما» (1). # ثم توعد سبحانه من يبدل الوصية بطريقة لم يأذن بها الله فقال تعالى : ( ~~@QUR@010 فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه ). # بدله : غيره. وتغيير الوصية يتأتى بالزيادة في الموصى به أو النقص منه أو ~~كتمانه ، أو غير ذلك من وجوه التغيير للموصى به بعد وفاة الموصى. # سمعه : أى علمه وتحققه ، وكنى بالسماع عن العلم لأنه طريق حصوله. ~~والضمائر البارزة في «بدله وسمعه ms0383 وإثمه ويبدلونه» عائدة على القول أو على ~~الكلام الذي يقوله الموصى والذي دل عليه لفظ الوصية أو على الإيصاء المفهوم ~~من الوصية ، وهو الإيصاء أو القول الواقع على الوجه الذي شرعه الله. # والمعنى : فمن غير الإيصاء الذي أوصى به المتوفى عن وجهه ، بعد ما علمه ~~وتحققه منه ، فإنما إثم ذلك التغيير في الإيصاء يقع على عاتق هذا المبدل ، ~~لأنه بهذا التبديل قد خان الأمانة ، وخالف شريعة الله ، ولن يلحق الموصى ~~شيئا من الإثم لأنه قد أدى ما عليه بفعله للوصية كما يريدها الله تعالى . # وقد ختمت الآية بقوله تعالى : ( @QUR@04 إن الله سميع عليم ) للإشعار ~~بالوعيد الشديد الذي توعد الله به كل من غير وبدل هذا الحق عن وجهه ، لأن ~~الله تعالى لا يخفى عليه شيء من حيل الناس الباطلة ، فهو سبحانه سميع لوصية ~~الموصى ، عليم بما يقع فيها من تبديل وتحريف. # ثم استثنى سبحانه حالة يجوز فيها التغيير فقال ، «فمن خاف من موص جنفا أو ~~إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه». PageV01P377 # خاف : من الخوف ، وهو في الأصل حالة تعترى النفس عند الانقباض من شر ~~يتوقع حصوله على سبيل الظن أو على سبيل العلم. # والجنف : الميل والجور. يقال : جنف في وصيته وأجنف ، مال وجار ، فهو جنف وأجنف. # وقيل : أجنف مختص بالوصية وجنف في مطلق الميل عن الحق. ويقال : جنف وجنف ~~عن طريقه جنفا وجنوفا. # والإثم : العمل الذي يبغضه الله. يقال : أثم فهو آثم وأثيم. # قال بعضهم : والمراد بالجنف هنا : الميل عن الحق في الوصية خطأ ، بقرينة ~~مقابلته بالإثم وهو الميل عن الحق فيها عمدا. # هذا ، ويرى جمهور العلماء أن هذه الآية الكريمة واردة في الوصي يرى أن ~~الموصى قد حاد في وصيته عن حدود العدل ، فللوصي حينئذ أن يصلح فيها بحيث ~~يجعلها متفقة مع ما شرعه الله ، وهو في هذه الحالة لا إثم عليه لأنه قد غير ~~الباطل بالحق وعلى هذا الرأى يكون المعنى : أن الوصي إذا رأى في الوصية ~~ميلا عن الحق خطأ أو عمدا وأصلح بين الموصى لهم يردهم ms0384 إلى الوجه المشروع ~~فلا إثم عليه في التغيير في الوصية. والضمير في قوله : ( @QUR@01 بينهم ) ~~عائد على الموصى لهم. # ويرى آخرون أن هذه الآية واردة في شأن كل من يبغى الإصلاح من الناس ، بأن ~~يرى الموصى يوصى ، فظهر له أى هذا المصلح أن الموصى قد جانب العدل والصواب ~~في وصيته ، فيأخذ في الإصلاح ، بأن يرشده بأن فعله هذا لا يتفق مع شريعة ~~العدل التي أمر بها الله ، ويحاول قدر استطاعته أن يزيل ما حدث من خلاف بين ~~الموصى والموصى لهم. # وعلى هذا الرأى يكون المعنى : إن خرج الموصى في وصيته عن حدود العدالة ، ~~ورأى أمارات ذلك منه من يريد الإصلاح من الناس ، وتوقع أن شرا سيترتب على ~~هذه الوصية التي فيها جور ، أو شاهد نزاعا بين الموصى لهم بسبب ذلك ، فلا ~~إثم على هذا المصلح في أن يصلح بين الموصى والموصى لهم ، وأن يرشد الموصى ~~إلى سلوك طريق العدل والحق. وعليه فيكون الضمير في قوله : ( @QUR@01 بينهم ~~) يعود على الموصى والموصى لهم. # ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب ، لأن سياق الآية يؤيده ، إذ ~~هي بمنزلة الاستثناء من قوله تعالى : ( @QUR@05 فمن بدله بعد ما سمعه ).. ~~وهذا إنما يكون بعد موت الموصى لا في حياته. # وقوله : ( @QUR@04 إن الله غفور رحيم ) تذييل أتى به سبحانه للوعد ~~بالثواب للمصلح على إصلاحه ، فإن من يغفر الذنوب ويرحم المذنبين تكون ~~مغفرته ورحمته أقرب إلى من يقصد بعمله الإصلاح ولو اعتمد على ظن غالب أو ~~أخطأ وجه الصواب فيما أتى من أعمال. PageV01P378 # وبهذا تكون الآيات الكريمة قد بينت للناس حكما آخر من أحكامها السامية ، ~~يتعلق بالوصية في الأموال ، وفي هذا الحكم دعوة إلى التراحم والتكافل ، ~~وغرس لأواصر المودة والمحبة بين الأبناء والآباء وبين الأقارب بعضهم مع بعض. # وبعد أن تحدثت السورة الكريمة عن القصاص وعن الوصية أتبعتهما بالحديث عن ~~عبادة عظيمة من العبادات التي جعلها الله تعالى ركنا من أركان الإسلام وهي ~~صوم رمضان ، فقال سبحانه : # ( @QUR@015 يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين ms0385 من ~~قبلكم لعلكم تتقون (183) @QUR@032 أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على ~~سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا ~~فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون (184) @QUR@044 شهر رمضان ~~الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم ~~اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ~~ولعلكم تشكرون ) (185) # الصيام مصدر صام كالقيام مصدر قام ، وهو في اللغة : الإمساك وترك التنقل ~~من حال إلى حال ، فيقال للصمت صوم لأنه إمساك عن الكلام ومنه قوله تعالى ~~مخبرا عن مريم : ( @QUR@01 إني PageV01P379 # @QUR@03 نذرت للرحمن صوما ) أى : سكوتا عن الكلام. وصوم الريح ركودها ~~وإمساكها عن الهبوب. وتقول العرب : صام النهار وصامت الشمس عند قيام ~~الظهيرة لأنها كالممسكة عن الحركة. # أما الصيام في عرف الشرع فهو كما يقول الآلوسى إمساك عن أشياء مخصوصة على ~~وجه مخصوص في زمان مخصوص ممن هو على صفات مخصوصة. # وقد فرض الله تعالى على المسلمين صيام شهر رمضان في شهر شعبان من السنة ~~الثانية للهجرة ، وعده النبي صلى الله عليه وسلم أحد أركان الإسلام الخمسة ، ~~فقد روى البخاري بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول : بنى الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وحج البيت ، وصوم رمضان. # وأل في الصيام للعهد الذهني ، فقد كان العرب يعرفون الصوم ، فقد جاء في ~~الصحيحين عن عائشة قالت : كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش والجاهلية». # والتشبيه في قوله تعالى : ( @QUR@06 كما كتب على الذين من قبلكم ) راجع ~~إلى أصل إيجاب الصوم وفريضته. أى : أن عبادة الصوم كانت مكتوبة ومفروضة على ~~الأمم السابقة ، ولكن بكيفية لا يعلمها إلا الله ، إذ لم يرد نص صحيح عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين لنا فيه كيف كان ms0386 صيام الأمم السابقة على ~~الأمة الإسلامية. # وقيل إن التشبيه راجع إلى وقت الصوم وقدره ، فقد روى عن مجاهد أنه قال : ~~كتب الله عز وجل صوم شهر رمضان على كل أمة. # وهذا القول ليس له دليل ، ولذا قال القاضي أبو بكر بن العربي : المقطوع ~~به أن التشبيه في الفرضية خاصة ، وسائر الوجوه مجرد احتمال. # ولفظ «كما» في قوله تعالى : ( @QUR@06 كما كتب على الذين من قبلكم ) في ~~موضع نصب على المصدر ، أى : فرض عليكم الصيام فرضا كالذي فرض على الذين من قبلكم. # ومن فوائد هذا التشبيه ، الاهتمام بهذه العبادة والتنويه بشأنها إذ شرعها ~~سبحانه لأتباع النبي صلى الله عليه وسلم ولأتباع الرسل الذين سبقوه في الدعوة ~~إلى توحيد الله ، وهذا مما يقتضى وفرة ثوابها ، ودوام صلاحها. # كذلك من فوائده تسهيل هذه العبادة على المسلمين ؛ لأن الشيء الشاق تخف ~~مشقته على الإنسان عند ما يعلم أن غيره قد أداه من قبله. # والفائدة الثالثة من هذا التشبيه إثارة العزائم والهمم للنهوض بهذه ~~العبادة ، حتى لا يكونوا PageV01P380 # مقصرين في أدائها ، بل يجب عليهم أن يؤدوها بقوة تفوق من سبقهم لأن الأمة ~~الإسلامية قد وصفها سبحانه بأنها خير أمة أخرجت للناس وهذه الخيرية تقتضي ~~منهم النشاط فيما كلفهم الله بأدائه من عبادات. # وقوله : ( @QUR@02 لعلكم تتقون ) جملة تعليلية جيء بها لبيان حكمة ~~مشروعية الصيام فكأنه سبحانه يقول لعباده المؤمنين : فرضنا عليكم الصيام ~~كما فرضناه على الذين من قبلكم ، لعلكم بأدائكم لهذه الفريضة تنالون درجة ~~التقوى والخشية من الله ، وبذلك تكونون ممن رضى الله عنهم ورضوا عنه. ولا ~~شك أن هذه الفريضة ترتفع بصاحبها إلى أعلى عليين متى أداها بآدابها وشروطها ~~، ويكفى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال في شأن الصوم : «الصوم جنة» (1) ~~أى : وقاية. إذ في الصوم وقاية من الوقوع في المعاصي ، ووقاية من عذاب ~~الآخرة ، ووقاية من العلل والأمراض الناشئة عن الإفراط في تناول بعض ~~الأطعمة والأشربة. # وقوله : ( @QUR@02 أياما معدودات ) أى : معينات بالعد أو قليلات ، لأن ~~القليل يسهل عده فيعد والكثير يؤخذ جزافا. # والمراد ms0387 بهذه الأيام المعدودات شهر رمضان عند جمهور العلماء. # قالوا : وتقريره أنه تعالى قال أولا ( @QUR@03 كتب عليكم الصيام ) وهذا ~~محتمل ليوم ويومين ثم بينه بقوله ( @QUR@02 أياما معدودات ) فزال بعض ~~الاحتمال ثم بينه بقوله : ( @QUR@06 شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) فعلى ~~هذا الترتيب يمكن جعل الأيام المعدودات بعينها شهر رمضان ، وإذا أمكن ذلك ~~فلا وجه لحمله على غيره (2). # وإنما عبر عن رمضان بأيام وهي جمع قلة ووصف بمعدودات وهي جمع قلة أيضا ~~تهوينا لأمره على المكلفين ، وإشعارا لهم بأن الله تعالى ما فرض عليهم إلا ~~ما هو في وسعهم وقدرتهم. # وقيل : إن المراد بالأيام المعدودات غير رمضان ، وذكروا أن المراد بها ~~ثلاثة أيام من كل شهر وهي الأيام البيض الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر ~~مضافا إليها يوم عاشوراء. ثم نسخ ذلك بوجوب صوم شهر رمضان. # والمعتمد بين المحققين من العلماء هو القول الأول ، لأنه كما قال الإمام ~~الرازي لا وجه لحمله على غيره ، والقول بالنسخ زيادة لا دليل عليها. PageV01P381 # وقوله : ( @QUR@01 أياما ) منصوب على الظرفية ، أو بفعل مضمر مقدر أى : ~~صوموا أياما. وقوله : ( @QUR@011 فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من ~~أيام أخر ) زيادة بيان ليسر شريعة الإسلام بعد أن أخبرهم سبحانه بأن الصوم ~~المفروض عليهم إنما هو أيام معدودات ، وتعجيل بتطمين نفوس السامعين لئلا ~~يظنوا وجوب الصوم عليهم في كل حال. # والمرض : الخروج عن الاعتدال الخاص بالإنسان ، بأن يصاب بانحراف في جسده ~~يجعله في حالة وجع أو اضطراب بدني. # قال القرطبي : وللمريض حالتان : # إحداهما : ألا يطيق الصوم بحال فعليه الفطر واجبا. # الثانية : أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة فهذا يستحب له الفطر .. فالفطر ~~مباح في كل مرض إلا المرض اليسير الذي لا كلفة معه في الصيام (1). # وقوله : ( @QUR@03 أو على سفر ) قال الآلوسى معناه : أو راكب سفر مستعل ~~عليه متمكن منه ، بأن اشتغل به قبل الفجر ، ففيه إيماء إلى أن من سافر في ~~أثناء اليوم لم يفطر. واستدل بإطلاق السفر على أن السفر القصير وسفر ~~المعصية مرخص للإفطار. وأكثر العلماء على ms0388 تقييده بالمباح وبما يلزمه العسر ~~غالبا وهو السفر إلى المسافة المقدرة في الشرع» (2). # والعدة فعلة من العد ، وهي بمعنى المعدود ، كالطحن بمعنى المطحون ومنه ~~عدة المرأة. # والمعنى : لقد فرضنا عليكم الصوم أيها المؤمنون ، وجعلناه كما الشأن في ~~كل ما شرعناه متسما باليسر لا بالعسر ، ومن مظاهر ذلك أننا فرضنا عليكم صوم ~~أيام معدودات وهي أيام شهر رمضان ، ولم نفرض عليكم صوم الدهر. وأننا شرعنا ~~لمن كان مريضا مرضا يضره الصوم أو يعسر معه ، أو كان على سفر يشق عليه معه ~~الصوم ، شرعنا له أن يفطر وأن يصوم بدل الأيام التي أفطرها أياما آخر ~~مساوية لها في العدد. # قال الإمام الرازي : قال القفال : انظروا إلى عجيب ما نبه الله عليه من ~~سعة فضله ورحمته في هذا التكليف ، إذ أنه بين في أول الآية أن لهذه الأمة ~~في هذا التكليف أسوة بالأمم المتقدمة ، والغرض منه ما ذكرناه من أن الأمور ~~الشاقة إذا عمت خفت. ثم ثانيا بين وجه الحكمة في إيجاب الصوم وهو أنه سبب ~~لحصول التقوى فلو لم يفرض الصوم لفات هذا المقصود الشريف ، ثم بين ثالثا ~~أنه مختص بأيام معدودة فإنه لو جعله أبدا أو أكثر الأوقات لحصلت المشقة ~~العظيمة. ثم بين PageV01P382 # رابعا : أنه خصه من الأوقات بالشهر الذي أنزل فيه القرآن لكونه أشرف ~~الشهور بسبب هذه الفضيلة. ثم بين خامسا : إزالة المشقة في إلزامه فأباح ~~تأخيره لمن شق عليه من المسافرين والمرضى إلى أن يصيروا إلى الرفاهية ~~والسكون. فهو سبحانه راعى في إيجاب الصوم هذه الوجوه من الرحمة فله الحمد ~~على نعمه كثيرا» (1). # هذا ، وقد نص الفقهاء على أن الإفطار مشروع على سبيل الرخصة للمريض ~~والمسافر ، وهما بالخيار في ذلك إن شاءا أفطرا وإن شاءا صاما ، إلا أن أكثر ~~الفقهاء قالوا : الصوم أفضل لمن قوى عليه. # والذي نراه أن الله تعالى قد أباح الفطر في رمضان بسبب المرض أو السفر ، ~~لأن كلا منهما مظنة المشقة والحرج. والحكم الشرعي يوجد حيث توجد مظنته ~~وينتفى حيث تنتفى. وعلى المسلم أن يقدر ms0389 حال نفسه ، فإذا أيقن أو غلب على ~~ظنه أن مرضه أو سفره ليس في الصوم معه مشقة أو عسر صام عملا بقوله تعالى : ~~( @QUR@04 وأن تصوموا خير لكم ). وإذا أيقن أو غلب على ظنه أن مرضه أو ~~سفره يجعل الصوم شاقا عليه أفطر عملا بقوله تعالى : ( @QUR@08 يريد الله ~~بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) فالمسألة ترجع إلى ضمير الفرد ودينه ~~واستفتاء قلبه. # والثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صام في السفر وأفطر ، وخير بعض ~~أصحابه بين الصوم والفطر. فقد روى البخاري ومسلم عن أبى الدرداء رضي الله ~~عنه قال : خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم «وفي إحدى روايتي مسلم في شهر ~~رمضان ، في يوم حار ، حتى ليضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر وما فينا ~~صائم إلا ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم وابن رواحه». # وروى الإمام مسلم في صحيحه عن قزعة قال : أتيت أبا سعيد الخدري فسألته عن ~~الصوم في السفر فقال : سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونحن ~~صيام ، قال : فنزلنا منزلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم قد دنوتم ~~من عدوكم والفطر أقوى لكم ، فكانت رخصة. فمنا من صام ومنا من أفطر. ثم ~~نزلنا منزلا آخر فقال : إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا. وكانت ~~عزمة فأفطرنا. ثم قال : ولقد رأيتنا نصوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ~~ذلك في السفر. # وروى الشيخان عن أنس بن مالك قال : كنا نسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم. # والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. # وهناك مسألة أخرى تعرض لها الفقهاء بالحديث وهي مسألة قضاء الأيام التي أفطرها PageV01P383 # المريض أو المسافر هل يقضيها متتابعة أو متفرقة وهل يقضيها على الفور أو ~~على التراخي؟ وجمهور الفقهاء على أن للمفطر في رمضان بسبب المرض أو السفر ~~أن يقضى ما أفطره متتابعا أو متفرقا ؛ لأن قوله تعالى : ( @QUR@04 فعدة من ~~أيام أخر ms0390 ). دل على وجوب القضاء من غير تعيين لزمان ، لأن اللفظ كما قال ~~القرطبي مسترسل على الأزمان لا يختص ببعضها دون بعض. وله كذلك أن يقضى ما ~~عليه على الفور أو على التراخي على حسب ما يتيسر له. ففي الصحيحين عن عائشة ~~رضي الله عنها قالت : يكون على الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في ~~شعبان ، وذلك لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا نص وزيادة بيان للآية». # ويرى داود الظاهري أن على المفطر في رمضان بسبب المرض أو السفر أن يشرع ~~في قضاء ما أفطره في اليوم الثاني من شوال المعاقب له ، وأن يتابع أيام ~~القضاء. # والمعتمد بين العلماء هو قول الجمهور لقوة أدلته التي سبق بيانها. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) بيان لحكم ~~آخر من أحكام الشريعة فيما يتعلق بصوم رمضان يتجلى فيه تيسير الله على ~~عباده فيما شرع لهم من عبادات. # ومعنى ( @QUR@01 يطيقونه ) يقدرون عليه ويتحملونه بمشقة وتعب ، لأن ~~الطاقة اسم للقدرة على الشيء مع الشدة والمشقة ، والوسع اسم للقدرة على ~~الشيء على جهة السهولة. # قال الراغب : والطاقة اسم لمقدار ما يمكن للإنسان أن يفعله بمشقة ، وذلك ~~تشبيه بالطوق المحيط بالشيء ، ومنه ( @QUR@08 ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة ~~لنا به ) أى ما يصعب علينا مزاولته ، وليس معناه : «لا تحملنا ما لا قدرة ~~لنا به» (1). # والعرب لا تقول فلان أطاق الشيء إلا إذا كانت قدرته عليه في نهاية الضعف ~~بحيث يتحمله بمشقة وعسر. فلا يقال مثلا فلان يطيق حمل نواة أو ريشة أو عشرة ~~دراهم من حديد ، وإنما يقال : هو يطيق حمل قنطارين من الحديد أو حمل ~~الأمتعة الثقيلة. # وللعلماء أقوال في المراد بقوله تعالى : ( @QUR@06 وعلى الذين يطيقونه ~~فدية طعام مسكين ) أشهرها : # 1 إن هذا راجع إلى المقيم الصحيح خيره الله تعالى بين الصوم وبين الفداء ~~، وكان ذلك في بدء الإسلام فرض عليهم الصوم ولم يتعودوه فاشتد عليهم ، فرخص ~~لهم في الإقطار والفدية ، ثم نسخ ذلك وأوجب الله عليهم الصوم. # ويشهد لهذا القول ms0391 ما جاء في الصحيحين عن سلمة بن الأكوع قال : لما نزلت ~~هذه الآية PageV01P384 # «وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين» كان من أراد أن يفطر ويفتدى ، حتى ~~نزلت الآية بعدها فنسختها. # وفي رواية للإمام مسلم من طريق آخر عن سلمة أيضا قال : كنا في رمضان على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من شاء أفطر فافتدى بطعام مسكين حتى أنزلت ~~هذه الآية ( @QUR@05 فمن شهد منكم الشهر فليصمه ). # 2 ويرى بعض العلماء أن قوله تعالى : ( @QUR@03 وعلى الذين يطيقونه ) إلخ ~~، ليس بمنسوخ بل هو محكم ، وأنه نزل في شأن الشيخ الكبير الهرم ، والمرأة ~~العجوز ، إذا كانا لا يستطيعان الصيام فعليهما أن يفطرا وأن يطعما عن كل ~~يوم مسكينا. # وأصحاب هذا الرأى يستدلون بما رواه البخاري عن ابن عباس أنه قال في هذه ~~الآية : ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن ~~يصوما فعليها أن يطعما مكان كل يوم مسكينا». # 3 وهناك رأى ثالث لبعض العلماء يرى أصحابه أن قوله تعالى ( @QUR@06 وعلى ~~الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) ليس بمنسوخ أيضا بل هو محكم ، وأن معنى ~~الآية عندهم : وعلى الذين يطيقونه ، أى : يقدرون على الصيام بمشقة شديدة ~~إذا أرادوا أن يفطروا أن يطعموا عن كل يوم يفطرونه مسكينا. (بأن يقدموا له ~~نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعير ، أو قيمة ذلك). # ولم يقصروا ذلك على الرجل الكبير والمرأة العجوز كما فعل أصحاب الرأى ~~الثاني وإنما أدخلوا في حكم الذين يقدرون على الصوم بمشقة وتعب المرضع ~~والحامل إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما ومن في حكمها ممن يشق عليهم ~~الصوم مشقة كبيرة. # وأصحاب هذا الرأى يستدلون على ما ذهبوا إليه بمنطوق الآية ، إذا أن الوسع ~~اسم للقدرة على الشيء على جهة السهولة ، والطاقة اسم للقدرة عليه مع الشدة ~~والمشقة كما سبق أن بينا ، كما يستدلون أيضا على ما ذهبوا إليه بقراءة ( ~~@QUR@01 يطيقونه ) بضم الياء الأولى وتشديد الياء الثانية أى يتجشمونه ، ~~ويتكلفونه بمشقة وتعب ، وقد انتصر بعض العلماء لهذا الرأى بناء ms0392 على أن ~~منطوق الآية يؤيده. # كما انتصر بعضهم للرأى الأول بناء على أن الأحاديث الصحيحة تسانده وعلى ~~أنه هو الأقرب إلى روح الشريعة الإسلامية في التدرج في تشريع التكاليف التي ~~فيها مشقة على الناس ، كما انتصر بعضهم للرأى الثاني الذي روى عن ابن عباس. # وهناك أقوال أخرى في الآية رأينا أن نضرب عنها صفحا لضعفها. PageV01P385 # وقوله : ( @QUR@06 فمن تطوع خيرا فهو خير له ) حض من الله تعالى لعباده ~~على الإكثار من عمل الخير. # والتطوع : السعى في أن يكون الإنسان فاعلا للطاعة باختياره بدون إكراه ~~والخير : مصدر خار إذا حسن وشرف ، وهو منصوب لتضمين تطوع معنى أتى ، أو على ~~أنه صفة لمصدر محذوف أى تطوعا خيرا. # والمعنى : فمن تطوع خيرا بأن زاد على القدر المفروض في الفدية ، أو أطعم ~~أكثر من مسكين ، أو جمع بين الإطعام والصوم ، فتطوعه سيكون خيرا عند الله ~~سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملا. # وقوله : ( @QUR@07 وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون ) ترغيب في الصوم ~~وتحبيب فيه. أى : وأن تصوموا أيها المطيقون للصوم ، أو أيها المكلفون جميعا ~~خير لكم من كل شيء سواه ، إن كنتم تعلمون فوائد الصوم في حياتكم ، وحسن ~~جزائه في آخرتكم. # روى النسائي وابن خزيمة عن أبى أمامه رضي الله عنه قال : قلت يا رسول ~~الله مرني بعمل قال : عليك بالصوم فإنه لا عدل له أى لا يعادل ثوابه بشيء ~~فقلت يا رسول الله مرني بعمل ، فقال : عليك بالصوم فإنه لا عدل له. فقلت : ~~يا رسول الله مرني بعمل أدخل به الجنة. فقال : عليك بالصوم فإنه لا مثل له» (1). # وقوله : ( @QUR@012 شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من ~~الهدى والفرقان ) كلام مستأنف لبيان تلك الأيام المعدودات التي كتب علينا ~~الصوم فيها وأنها أيام شهر رمضان الذي يستحق كل مدح وثناء لتشرفه بنزول ~~الكتب السماوية فيه. # قال الإمام ابن كثير : يمدح تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور بأن ~~اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم ، فقد ورد في الحديث بأنه الشهر الذي ~~كانت ms0393 الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء فعن وائلة بن الأسقع أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال : أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان ، ~~وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان ، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان ، ~~وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان (2). # و ( @QUR@01 الشهر ) مأخوذ من الشهرة ، يقال : شهر الشيء يشهر شهرة وشهرا ~~إذا ظهر بحيث لا يتعذر علمه على أحد ، ومنه يقال : شهرت السيف إذا سللته ~~قال بعضهم : وسمى الهلال PageV01P386 # شهرا لشهرته وبيانه ، وبه سمى الشهر شهرا. # و ( @QUR@01 رمضان ) اسم لهذا الشهر الذي فرض علينا صيامه ، وهو مأخوذ ~~كما قال القرطبي من رمض الصائم يرمض إذا حر جوفه من شدة العطش والرمضاء : ~~شدة الحر ، ومنه الحديث : صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال» أى صلاة الضحى ~~قيل : إن العرب لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة ~~التي وقعت فيها ، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر فسمى بذلك. وقيل إنما سمى ~~رمضان لأنه يرمض الذنوب ، أى : يحرقها بالأعمال الصالحة» (1). # وقوله : ( @QUR@02 شهر رمضان ) خبر لمبتدأ محذوف تقديره هي شهر رمضان أى ~~: الأيام المعدودات ، وقوله : ( @QUR@04 الذي أنزل فيه القرآن ) صفة للشهر. # ويجوز أن يكون قوله ( @QUR@01 شهر ) مبتدأ وخبره الموصول بعده ، أو خبره ~~قوله ( @QUR@05 فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) وصح وجود الفاء في الخبر لكون ~~المبتدأ موصوفا بالموصول الذي هو شبه بالشرط. وقرئ بالنصب على أنه مفعول ~~لفعل محذوف. أى : صوموا شهر رمضان. # و «القرآن» هو كلام الله المعجز المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم المكتوب ~~في المصاحف المنقول بالتواتر المتعبد بتلاوته. # والمراد بإنزال القرآن في شهر رمضان ابتداء إنزاله فيه ، وكان ذلك في ~~ليلة القدر. بدليل قوله تعالى ( @QUR@05 إنا أنزلناه في ليلة القدر ) أى ~~بدأنا إنزال القرآن في هذه الليلة المباركة ، إذ من المعروف أن القرآن ~~استمر نزوله على النبي صلى الله عليه وسلم ما يقرب من ثلاث وعشرين سنة. # وقيل المراد بذلك ، أنزل في فضله القرآن ، قالوا : ومثله أن يقال : أنزل ~~الله في أبى بكر الصديق كذا ms0394 آية ، يريدون أنزل في فضله. # وقيل المراد أنزل في إيجاب صومه على الخلق القرآن ، كما يقال : أنزل الله ~~في الزكاة كذا وكذا ، يريد في إيجابها وأنزل في الخمر كذا يريد في تحريمها. # قال الآلوسى : وقوله تعالى : ( @QUR@06 هدى للناس وبينات من الهدى ~~والفرقان ) حالان لازمان من القرآن والعامل فيهما أنزل. أى : أنزل وهو ~~هداية للناس بإعجازه المختص به كما يشعر بذلك التنكير ، وآيات واضحات من ~~جملة الكتب الإلهية الهادية إلى الحق والفارقة بين الحق والباطل باشتماله ~~على المعارف الإلهية والأحكام العملية ، كما يشعر بذلك جعله بينات منها ، ~~فهو هاد بواسطة أمرين ، مختص وغير مختص ، فالهدى ليس مكررا ، وقيل : مكرر تنويها PageV01P387 # وتعظيما لأمره وتأكيدا لمعنى الهداية كما تقول : عالم نحرير» (1). # وقوله : ( @QUR@05 فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) يصح أن يكون شهد بمعنى ~~حضر. كما يقال : فلان شهد بدرا ، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أى : حضرها ، فيكون المعنى : فمن حضر منكم دخول الشهر أو ~~حلوله بأن كان مقيما وليس عنده ما يمنعه من الصوم كمرض ونحوه ، فليصمه ؛ ~~لأن صيامه ركن من أركان الدين ، وعليه يكون لفظ «الشهر» منصوب على الظرفية. # ويصح أن يكون شهد بمعنى علم كقوله تعالى : ( @QUR@07 شهد الله أنه لا إله ~~إلا هو ). # فيكون المعنى : فمن علم منكم هلال الشهر وتيقن من ظهوره فليصمه. # وعليه يكون لفظ «الشهر» منصوب على أنه مفعول به بتقدير المضاف المحذوف و ~~( @QUR@01 من ) موصولة أو شرطية وهو الأظهر و ( @QUR@01 منكم ) في محل نصب ~~على الحال من الضمير في شهد فيتعلق بمحذوف أى : كائنا منكم. والضمير في ~~«منكم» يعود على الذين آمنوا ، أى كل من حضر منكم الشهر فليصمه و (أل) في ~~الشهر للعهد. # وأعيد ذكر الرخصة في قوله تعالى ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام ~~أخر ، لئلا يتوهم من تعظيم أمر الصوم في نفسه وأنه خير ، أنه قد صار متحتما ~~بحيث لا تتناوله الرخصة بوجه من الوجوه أو تتناوله ولكنها مفضولة ، وفي ذلك ~~عناية بأمر الرخصة وأنها محبوبة له ms0395 تعالى وقوله تعالى : ( @QUR@08 يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) بيان لحكمة الرخصة. # أى : شرع لكم سبحانه الفطر في حالتي المرض والسفر ، لأنه يريد بكم اليسر ~~والسهولة. ولا يريد بكم العسر والمشقة. قال تعالى : ( @QUR@08 يريد الله أن ~~يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ) وقال تعالى : ( @QUR@07 ما جعل عليكم في ~~الدين من حرج ) وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن ~~جبل وأبى موسى الأشعرى حين بعثهما إلى اليمن : يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا ~~تنفرا ، وتطاوعا ولا تختلفا». # وقوله تعالى : ( @QUR@09 ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ~~ولعلكم تشكرون ) معطوف على قوله : ( @QUR@08 يريد الله بكم اليسر ولا يريد ~~بكم العسر ) إذ هذه الجمل الأربع تعليل لما قبلها من قوله : ( @QUR@05 فمن ~~شهد منكم الشهر فليصمه ) إلى قوله : ( @QUR@04 فعدة من أيام أخر ). # والمعنى : شرع لكم سبحانه ما شرع من أحكام الصيام ، ورخص لكم الفطر في حالتي PageV01P388 # المرض والسفر ، لأنه يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ، ولأنه يريد ~~منكم أن تكملوا عدة الشهر بأن تصوموا أيامه كاملة فتحصلوا خيراته ولا ~~يفوتكم شيء من بركاته ، ومن لم يستطع منكم أداء الصوم في هذا الشهر لعذر ~~فعليه قضاء ما فاته منه في أيام أخر ويريد منكم أن تكبروه سبحانه أى تحمدوه ~~وتعظموه ، فهو وحده الذي هداكم إلى تلك الأحكام النافعة التي فيها صلاحكم ~~وسعادتكم ويريد منكم أن تشكروه بأن تواظبوا على الثناء عليه ، وعلى استعمال ~~نعمه فيما خلقت له فهو سبحانه الرءوف الرحيم بعباده ، إذ شرع لهم ما فيه ~~اليسر لا ما فيه العسر. # وقد دلت الآية الكريمة على الأمر بالتكبير إذ جعلته مما يريده الله تعالى ~~ولهذا جاءت السنة باستحباب التحميد والتسبيح والتكبير بعد الصلوات ~~المكتوبات ، وفي عيدي الفطر والأضحى يكون تكبير الله تعالى هو مظهرهما ~~الأعظم. # وبذلك تكون الآيات الكريمة قد بينت أكمل بيان وأحكمه فضل الصوم ، وحكمة ~~مشروعيته ومظاهر رحمة الله بعباده في هذه الفريضة ، وقد ذكرت أن المسلم له ~~بشأن هذه الفريضة حالة من حالات ثلاث : # الحالة ms0396 الأولى : إذا كان المسلم في شهر رمضان كله أو بعضه مريضا بمرض ~~عارض غير مزمن يرجى الشفاء منه ، أو مسافرا تتوفر فيه شروط الفطر ، فله أن ~~يفطر وأن يقضى بعد رمضان الأيام التي أفطرها بدليل قوله تعالى : ( @QUR@010 ~~ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ). # الحالة الثانية : إذا كان المسلم في شهر رمضان مريضا بمرض مزمن لا يرجى ~~شفاؤه والصوم فيه مشقة عليه ، أو كان شيخا كبيرا أو امرأة عجوزا ولا ~~يستطيعان الصوم ، فقد أباح الشارع لهؤلاء أن يفطروا وأن يطعموا عن كل يوم ~~مسكينا ، لأن هذه الاعذار لا يرجى زوالها ، ولا ينتظر أن يكون المبتلى بعذر ~~منها بعد رمضان خيرا منه في رمضان ، لذا أوجب الشارع على هؤلاء الفدية دون ~~القضاء ، بدليل قوله تعالى : ( @QUR@06 وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ). # الحالة الثالثة : إذا كان المسلم في شهر رمضان سليما مقيما وليس عنده عذر ~~يمنعه من الصوم ، فقد أوجب الله عليه أداء هذه الفريضة بقوله تعالى : ( ~~@QUR@05 فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) ويحرم عليه أن يفطر ، وإن أفطر لغير ~~عذر شرعي كان من الخاسرين في الدنيا والآخرة ، ففي الحديث الشريف الذي رواه ~~الترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : «من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقضه ~~أى لم يجزه صوم الدهر كله وإن صامه» (1). PageV01P389 # أى : لو حصل منه صوم طول حياته فلن يدرك ثواب ما ضيع بسبب فطره بغير عذر شرعي. # والأحاديث في الترغيب في صوم شهر رمضان ، وفي الترهيب من الفطر فيه كثيرة ~~متنوعة. # ثم بين سبحانه أن العباد إذا حافظوا على فرائضه ، واستجابوا لأوامره ، ~~وابتعدوا عن نواهيه ، فإنه عز وجل لا يرد لهم طلبا ولا يخيب لهم رجاء فقال : # ( @QUR@017 وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ~~فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ) (186) # قال الإمام البيضاوي في وجه اتصال هذه الآية بما قبلها من آيات الصيام : ~~واعلم أنه ms0397 تعالى لما أمرهم بصوم الشهر ومراعاة العدة وحثهم على القيام ~~بوظائف التكبير والشكر عقبه بهذه الآية الدالة على أنه خبير بأحوالهم سميع ~~لأقوالهم ، مجيب لدعائهم ، مجاز على أعمالهم تأكيدا له وحثا عليه» وروى ~~المفسرون في سبب نزول هذه الآية الكريمة روايات منها ما أخرجه بن جرير وابن ~~أبى حاتم أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أقريب ربنا ~~فنناجيه أى : ندعوه سرا أم بعيد فنناديه؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأنزل الله هذه الآية (1). # ومنها ما رواه ابن مردويه بسنده عن الحسن قال : سأل بعض الصحابة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أين ربنا؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية (2). # والمعنى : وإذا سألك عبادي يا محمد عن قربى وبعدي فقل لهم : إنى قريب ~~منهم بعلمي ورحمتي وقدرتي وإجابتى لسؤالهم. قال تعالى : ( @QUR@014 ولقد ~~خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ): # وفي الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى أنه قال : كنا مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم في سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير. فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : ايها الناس أربعوا على أنفسكم أى ارفقوا بها فإنكم لا ~~تدعون أصم ولا غائبا ، إنكم تدعون سميعا بصيرا وهو معكم ، والذي تدعونه ~~أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» (3). PageV01P390 # فقوله تعالى : ( @QUR@02 فإني قريب ) تمثيل لكمال علمه تعالى بأفعال ~~عباده وأقوالهم ، واطلاعه على سائر أحوالهم بحال من قرب مكانه منهم إذ ~~القرب المكاني محال على الله تعالى . # وفي الآية الكريمة التفات عن خطاب المؤمنين كافة بأحكام الصيام ، إلى ~~خطاب النبي صلى الله عليه وسلم بأن يذكرهم ويعلمهم ما يجب عليهم مراعاته في ~~سائر عبادتهم من الإخلاص والأدب والتوجه إلى الله وحده بالسؤال. # ولم يصدر الجواب بقل أو فقل كما وقع في أجوبة مسائلهم الواردة في آيات ~~أخرى ، نحو ( @QUR@07 ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا ) بل تولى ~~سبحانه جوابهم بنفسه إشعارا بفرط قربه منهم ، وحضوره مع كل سائل بحيث لا ~~تتوقف إجابته على وجود واسطة بينه ms0398 وبين السائلين من ذوى الحاجات. # والمراد بالعباد الذين أضيفوا إلى ضمير الجلالة هم المؤمنون لأن الحديث ~~عنهم ، ولأن سياق الآيات في بيان أحكام الصوم وفضائله وهو خاص بالمؤمنين ، ~~وقد أضيفوا إلى ضمير الجلالة لتشريفهم وتكريمهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 أجيب دعوة الداع إذا دعان ) تقرير للقرب وتحقيق ~~له ، ووعد للداعي بالإجابة متى صدر الدعاء من قلب سليم ، ونفس صافية ، ~~وجوارح خاشعة ، ولقد ساق لنا القرآن في آيات كثيرة أمثلة لعباد الله الذين ~~توجهوا إليه بالسؤال ، فأجاب الله سؤالهم ، ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@07 ~~ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له ) وقوله تعالى : ( @QUR@019 وزكريا إذ ~~نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين. فاستجبنا له ووهبنا له يحيى ~~وأصلحنا له زوجه ) وقوله تعالى : ( @QUR@017 وأيوب إذ نادى ربه أني مسني ~~الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر ). # وورد في الحديث ما يدل على أن العبد إذا دعا الله تعالى بما فيه خير ، لم ~~يخب عند الله دعاؤه ، ولكن لا يلزم أن يعطيه سبحانه نفس ما طلبه ، لأنه هو ~~الأعلم بما يصلح عباده. # روى الإمام أحمد عن أبى سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «ما ~~من مسلم يدعو الله عز وجل بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله ~~بها إحدى ثلاث خصال : إما أن يعجل إليه دعوته ، وإما أن يدخرها له في ~~الأخرى ، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها». # وقوله تعالى : ( @QUR@06 فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ) توجيه ~~منه سبحانه إلى ما يجعل الدعاء مرجو القبول والإجابة. # والاستجابة : هي الإجابة بعناية واستعداد ، والسين والتاء للمبالغة. PageV01P391 # والرشد : الاهتداء إلى الخير وحسن التصرف في الأمر من دين أو دنيا يقال : ~~رشد ورشد يرشد ويرشد رشدا ، أى اهتدى. # والمعنى : لقد وعدتكم يا عبادي بأن أجيب دعاءكم إذا دعوتموني ، وعليكم ~~أنتم أن تستجيبوا لأمري ، وأن تقفوا عند حدودي ، وأن تثبتوا على إيمانكم بي ~~، لعلكم بذلك تصلون إلى ما فيه رشدكم وسعادتكم في الحياتين العاجلة ~~والآجلة. وأمرهم سبحانه بالإيمان ms0399 بعد الأمر بالاستجابة ، لأنه أول مراتب ~~الدعوة ، وأولى الطاعات بالاستجابة. # قال الحافظ ابن كثير : وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء ~~متخللة بين أحكام الصيام إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة بل ~~وعند كل فطر ، كما روى أبو داود الطيالسي في مسنده عن عبد الله بن عمرو قال ~~: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة ~~فكان عبد الله بن عمرو إذا أفطر جمع أهله وولده ودعا. وروى ابن ماجة عن عبد ~~الله بن عمرو قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : «إن للصائم عند فطره دعوة ~~ما ترد» وكان عبد الله يقول إذا أفطر : اللهم إنى أسألك برحمتك التي وسعت ~~كل شيء أن تغفر لي» وروى الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبى ~~هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة لا ترد دعوتهم : الإمام ~~العادل ، والصائم حتى يفطر ، ودعوة المظلوم ، يرفعها الله دون الغمام يوم ~~القيامة وتفتح لها أبواب السماء ويقول : بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين» (1). # هذا والحديث عن الدعاء وعن فضله وعن آدابه وشروطه وفوائده وجوامعه وغير ~~ذلك مما يتعلق به قد بسطناه في غير هذا المكان فليرجع إليه من شاء (2). # وبعد هذا الحديث المؤثر عن الدعاء ، عاد القرآن إلى الحديث عن أحكام ~~الصيام ، وعن مظاهر رحمة الله بعباده فيما شرع لهم فقال تعالى : # ( @QUR@035 أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس ~~لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن ~~وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم PageV01P392 # @QUR@030 الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى ~~الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها ~~كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون ) (187) # روى بعض المفسرين في سبب نزول هذه الآية الكريمة أحاديث تفيد أن المسلمين ~~كانوا عند ما فرض صيام شهر رمضان. إذا أفطروا يأكلون ويشربون ويقربون ~~النساء ما ms0400 لم يناموا ، فإذا ناموا حرم عليهم بعد ذلك الطعام والشراب وقربان ~~النساء حتى يفطروا من الغد. # ومن الأحاديث التي وردت في هذا المعنى ما أخرجه الإمام أحمد وابن جرير ~~وابن حاتم عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه. قال : كان الناس في رمضان ~~إذا صام الرجل فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد فرجع ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه من عند النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة وقد سمر ~~عنده ، فأراد امرأته فقالت إنى قد نمت ، فقال ما نمت ثم واقعها ، وصنع كعب ~~مثل ذلك. فغدا عمر بن الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فنزلت (1). # ومنها ما رواه البخاري عن البراء قال : كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه ~~حتى يمسي. وإن قيس بن صرمة الأنصارى كان صائما وفي رواية : كان يعمل في ~~النخيل بالنهار وكان صائما. فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها : أعندك ~~طعام؟ قالت : لا ، ولكن أنطلق فأطلب لك وكان يومه يعمل ، فغلبته عيناه ~~فجاءته امرأته فلما رأته قالت : خيبة لك. فلما انتصف النهار غشى عليه ، ~~فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية ( @QUR@07 أحل لكم ليلة ~~الصيام الرفث إلى نسائكم ) ففرحوا فرحا شديدا ، ونزلت ( @QUR@012 وكلوا ~~واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ) (2). # وجمهور المفسرين كما يقول الإمام الرازي على أن هذه الآية من قبيل النسخ ~~، لأنها قد نسخت ما كان حاصلا في أول فرضية الصيام من أن الصائم إذا نام ~~بعد فطره لا يحل له الأكل أو الشرب أو الجماع إلى أن يفطر من الغد. PageV01P393 # ويرى بعض العلماء أن الآية ليست من قبيل النسخ وإنما هي إرشاد إلى ما ~~شرعه الله تعالى لعباده خلال شهر الصوم من إباحة غشيان أزواجهن ليلا. ومن ~~جواز الأكل والشرب ، حتى يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ~~، وكأن ms0401 الصحابة كانوا يتحرجون عن ذلك ظنا منهم أنه من تتمة الصوم ، ورأوا ~~أن لا صبر لأنفسهم عن الأكل والشرب والجماع ليلا ، فبين الله لهم أن ذلك ~~حلال لا حرج فيه. # وأصحاب هذا الرأى يستشهدون لذلك بما رواه البخاري عن البراء قال : لما ~~نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله ، وكان رجال يخونون أنفسهم ~~فأنزل الله تعالى ( @QUR@010 علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم ~~وعفا عنكم ) (1). فالمقصود من الآية الكريمة عند هؤلاء رفع ما توهمه بعض ~~الصحابة من أن الأكل أو الشرب أو الجماع لا يجوز ما داموا قد ناموا بعد ~~فطرهم ؛ لأن الله تعالى رءوف رحيم بهم ، ولم يشرع لهم ما فيه حرج أو مشقة عليهم. # وعلى كلا القولين فالآية الكريمة تسوق لنا لونا من ألوان رحمة الله تعالى ~~بعباده فيما شرع لهم من فرائض وأحكام. # والمراد بليلة الصيام : الليلة التي يصبح فيها الإنسان صائما دون تحديد ~~ليلة معينة من شهر رمضان ، فالإضافة لأدنى ملابسة. # قال الجمل وقوله : ( @QUR@02 ليلة الصيام ) منصوب على الظرف ، وفي الناصب ~~له ثلاثة أقوال : # أحدها : وهو المشهور عند المعربين أنه أحل ، وليس بشيء ، لأن الإحلال ~~ثابت قبل ذلك الوقت. # الثاني : أنه مقدر مدلول عليه بلفظ الرفث تقديره : أحل لكم أن ترفثوا ~~ليلة الصيام. # الثالث : أنه متعلق بالرفث وذلك على رأى من يرى الاتساع في الظرف ~~والمجرورات (2)». # والرفث في الأصل : الفحش من القول ، وكلام النساء حين الجماع ، كنى به عن ~~المباشرة للزومه لها غالبا. يقال رفث في كلامه كنصر وفرح وكرم وأرفث ، إذا ~~أفحش فيه. والمراد به في الآية الجماع والمباشرة. # وعدى بإلى مع أن المستعمل الشائع أن يقال : رفث بالمرأة لتضمنه معنى ~~الإفضاء كما في قوله تعالى : ( @QUR@05 وقد أفضى بعضكم إلى بعض ). PageV01P394 # والمعنى : أحل الله لكم في ليالي صومكم الإفضاء إلى نسائكم ومباشرتهن ~~وقوله تعالى ( @QUR@06 هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ) وارد مورد المقتضى ~~لإباحة مباشرة النساء في ليالي الصيام ، ذلك أن كلا من الزوجين يسكن إلى ~~صاحبه ، ويكون من شدة القرب منه ms0402 كالثوب الملابس له وكانت العرب تسمى المرأة ~~لباسا ، وهذه حال تقوى معها الدواعي إلى المباشرة ، فمن رفقه تعالى بعباده ~~أن أحلها لهم ليلة الصيام. # قال الراغب : جعل اللباس كناية عن الزوج لكونه سترا لنفسه ولزوجه أن يظهر ~~منهما سوء ، كما أن اللباس ستر عنه أن يبدو منه السوء. # وقال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما موقع قوله : ( @QUR@03 هن لباس لكم ) ~~قلت : هو استئناف كالبيان لسبب الإحلال ، وهو أنه إذا كانت بينكم وبينهن ~~مثل هذه المخالطة والملابسة قل صبركم عنهن وصعب عليكم اجتنابهن ، فلذلك رخص ~~لكم في مباشرتهن» (1). # وفي هذا التعبير القرآنى ما فيه من اللطافة والأدب وسمو التصوير لما بين ~~الرجل وزوجه من شدة الاتصال والمودة واستتار كل واحد منهما بصاحبه. # وقوله تعالى : ( @QUR@010 علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم ~~وعفا عنكم ) جملة معترضة بين قوله : ( @QUR@04 أحل لكم ليلة الصيام ) وبين ~~قوله : ( @QUR@02 فالآن باشروهن ) إلخ. وقد جيء بها لبيان حالهم بالنسبة ~~إلى ما فرط منهم ، ولبيان مظهر من مظاهر لطف الله بهم ، ورحمته إياهم. # وقوله : ( @QUR@01 تختانون ) قال الراغب : الاختيان مراودة الخيانة ، ولم ~~يقل تخونون أنفسكم لأنه لم تكن منهم الخيانة بل كان منهم الاختيان ، فإن ~~الاختيان تحرك شهوة الإنسان لتحرى الخيانة وذلك هو المشار إليه بقوله تعالى ~~: ( @QUR@04 إن النفس لأمارة بالسوء ) (2). # والمعنى : علم الله تعالى أنكم كنتم تراودون أنفسكم على مباشرة نسائكم ~~ليلا ، وعلى الأكل بعد النوم ، قبل أن يظهر الفجر الصادق ، بل إن بعضكم قد ~~فعل ذلك ، فكان من رحمة الله بكم أن أباح الأكل والشرب والجماع في ليالي ~~الصوم ، وأن قبل توبتكم وعفا عنكم ، أى : محا أثر ما فعلتموه من الأكل ~~والجماع قبل أن يأذن لكم بذلك. # وجملة ( @QUR@02 فتاب عليكم ) معطوفة على محذوف ، والتقدير : فتبتم فتاب عليكم. # والذين لا يرون أن الآية ناسخة لحكم سابق عبر عن وجهة نظرهم صاحب المنار ~~فقال : وقوله تعالى : ( @QUR@06 علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ) أى : ~~تتنقصونها بعض ما أحل الله PageV01P395 # لها من اللذات توهما أن من قبلكم كان كذلك فيكون بمعنى التخون ms0403 أى : النقص ~~من الشيء أو معناه : تخونون أنفسكم إذ تعتقدون شيئا ثم لا تلتزمون العمل به ~~فهو مبالغة من الخيانة التي هي مخالفة مقتضى الأدلة ولم يقل تختانون الله ~~كما قال في آية أخرى «لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم» للإشعار ~~بأن الله تعالى لم يحرم عليهم بعد النوم في الليل ما حرمه على الصائم في ~~النهار ، وإنما ذهب بهم اجتهادهم إلى ذلك فهم قد خانوا أنفسهم في اعتقادها ~~، فكانوا كمن يتغشى امرأته ظانا أنها أجنبية ، فعصيانه بحسب اجتهاده لا ~~بحسب الواقع ، فهم على أية حال كانوا عاصين بما فعلوا محتاجين إلى التوبة ~~والعفو ولذلك قال ( @QUR@04 فتاب عليكم وعفا عنكم ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@02 فالآن باشروهن ) الأمر فيه للإباحة وهو مرتب على ~~قوله : ( @QUR@07 أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ). # ولفظ ( @QUR@01 فالآن ) يطلق حقيقة على الوقت الذي أنت فيه ، وقد يقع على ~~الماضي القريب منك وعلى المستقبل القريب الوقوع تنزيلا له منزلة الحاضر وهو ~~المراد هنا. # و ( @QUR@01 باشروهن ) من المباشرة وأصلها اتصال البشرة بالبشرة ، وكنى ~~بها القرآن عن الجماع الذي يستلزمها. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 وابتغوا ما كتب الله لكم ) تأكيد لما قبله. ~~والابتغاء الطلب والمعنى : لقد أبحنا لكم الإفضاء إلى نسائكم في ليالي ~~رمضان بعد أن كان محرما عليكم فضلا منا ورحمة بكم فالآن باشروهن واطلبوا من ~~وراء هذه المباشرة ما كتبه لكم الله من الذرية الصالحة ومن التعفف عن إتيان ~~الحرام. # وفي هذا إشعار بأن النكاح شرع ليبتغى به النسل حتى يتحقق ما يريده الله ~~تعالى من بقاء النوع الإنسانى ، ومن صيانة المرء نفسه عن الوقوع في فاحشة الزنا. # وقوله تعالى : ( @QUR@012 وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود من الفجر ) معطوف على باشروهن. # والمقصود من الخيط الأبيض : أول ما يبدو من الفجر الصادق المعترض في ~~الأفق قبل انتشاره. # والمقصود من الخيط الأسود : ما يمتد مع بياض الفجر من ظلمة الليل. PageV01P396 # والمعنى : لقد أبحنا لكم مباشرة النساء في ليالي الصوم ، وأبحنا لكم كذلك ~~أن تأكلوا وأن تشربوا في هذه الليالى ms0404 حتى يتبين لكم بياض الفجر من سواد الليل. # قال الإمام الرازي : ( @QUR@01 والفجر ) مصدر قولك : فجرت الماء أفجره ~~فجرا ، وفجرته تفجيرا ، قال الأزهرى : الفجر أصله الشق ، فعلى هذا الفجر في ~~آخر الليل هو انشقاق ظلمة الليل بنور الصبح. # وقد وردت روايات صحيحة تفيد أن قوله : ( @QUR@02 من الفجر ) قد تأخر ~~نزوله عن الجمل السابقة له. ففي الصحيحين عن سهل بن سعد قال أنزلت ( ~~@QUR@010 وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ) ولم ~~ينزل من الفجر فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض ~~والخيط الأسود ، ويأكل حتى يتبين له رؤيتها ، فأنزل الله بعده ( @QUR@02 من ~~الفجر ) فعلموا أنه يعنى الليل والنهار. # ورويا أيضا عن عدى بن حاتم قال : لما نزلت هذه الآية ( @QUR@012 وكلوا ~~واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ) عمدت إلى ~~عقالين لي أسود وأبيض فجعلتهما تحت وسادتي وجعلت أنظر في الليل إليهما فلا ~~يتبين لي ، فعمدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك فقال : «إنما ~~ذلك سواد الليل وبياض النهار» ونزل قوله تعالى : ( @QUR@02 من الفجر ). # وشبه بياض النهار وسواد الليل بالخيطين : الأبيض والأسود لأن أول ما يبدو ~~من الفجر المعترض في الأفق وما يمتد معه من غبش الليل يكون كالخيط الممدود. # وفي الإتيان بلفظ التفعل في قوله : ( @QUR@02 حتى يتبين .. ) إشعار بأنه ~~لا يكفى إلا التبين الواضح لا مجرد التوهم ، فقد روى الإمام مسلم في صحيحة ~~عن سمرة بن جندب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا يغرنكم نداء ~~بلال ولا هذا البياض حتى يبدو الفجر أو قال حتى ينفجر الفجر». # وقوله : ( @QUR@02 من الفجر ) بيان للخيط الأبيض. واكتفى به عن بيان ~~الخيط الأسود ، لأن بيان أحدهما بيان للثاني ، ويجوز أن تكون «من» للتبعيض ~~، أى : من بعض الفجر. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 ثم أتموا الصيام إلى الليل ) بيان لانتهاء وقت ~~الصيام بعد أن بينت الجملة السابقة بدايته. أى : ابدءوا صومكم من طلوع ~~الفجر وانتهوا منه بدخول الليل عند غروب الشمس ، إذ الليل ms0405 لبس بوقت الصيام. # قال الإمام الرازي : كلمة ( @QUR@01 إلى ) لانتهاء الغاية ، فظاهر الآية ~~: أن الصوم ينتهى عند دخول الليل ، وذلك لأن غاية الشيء مقطعة ومنتهاه ~~وإنما يكون مقطعا ومنتهى إذا لم يبق بعد ذلك. وقد تجيء هذه الكلمة لا ~~للانتهاء كما في قوله تعالى : ( @QUR@02 إلى المرافق ) إلا أن ذلك على PageV01P397 # خلاف الدليل ، والفرق بين الصورتين أن الليل ليس من جنس النهار فيكون ~~الليل خارجا عن حكم النهار ، والمرافق من جنس اليد فيكون داخلا فيه». # وفي الصحيحين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هنا وغربت الشمس ~~فقد أفطر الصائم». # وكان من عادته صلى الله عليه وسلم تعجيل الفطر ، فقد روى الشيخان عن سهل بن ~~سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يزال الناس بخير ما عجلوا ~~الفطر». # وقد أخذ العلماء من هذه الآية ومن عمل الرسول صلى الله عليه وسلم وقوله ، أن ~~من واصل الإمساك عن المفطرات في الليل فلا ثواب له على هذا الإمساك ، لأنه ~~لم يقع في الوقت الذي رسمه الشارع لعبادة الصوم ، بل يعد هذا المواصل فاعلا ~~لمحظور ، فلا بد للصائم من تناول شيء من المفطرات بعد غروب الشمس ولو قليلا ~~من الماء. فقد روى الترمذي عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يفطر قبل أن يصلى على رطبات فإن لم تكن رطبات فتميرات ، ~~فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء ، والوصال بمعنى أن يصوم الشخص اليوم ~~وما بعده من غير أن يتناول مفطرا في الليل الفاصل بينهما وردت في النهى عنه ~~أحاديث كثيرة ، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : «لا تواصلوا ، قالوا : إنك تواصل يا رسول الله. قال ~~: لست كأحد منكم إنى أطعم وأسقى. أو قال : إنى أظل يطعمنى ربي ويسقيني». # وروى الإمام أحمد عن ليلى امرأة بشير بن الخصاصية قالت ms0406 : أردت أن أصوم ~~يومين مواصلة فمنعني بشير وقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه ~~وقال : يفعل ذلك النصارى ولكن صوموا كما أمركم الله ثم أتموا الصيام إلى ~~الليل ، فإذا كان الليل فأفطروا». # وقوله : ( @QUR@06 ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) استثناء من ~~عموم إباحة المباشرة ، وذلك لأنه لما أطلق في الجملة السابقة الإذن في ~~مباشرة النساء ليلة الصيام بقوله : ( @QUR@02 فالآن باشروهن ) كان هذا ~~الإطلاق مظنة لأن يؤخذ منه أن المعتكف كالصائم في أنه يجوز له أن يباشر ~~زوجته ليلا لا نهارا ، فبين سبحانه بهذه الجملة أن المعتكف يحرم عليه أن ~~يباشر النساء في الليل والنهار. # قال القرطبي : والاعتكاف في اللغة : الملازمة ، يقال عكف على الشيء إذا ~~لازمة مقبلا عليه. قال الشاعر : # وظل بنات الليل حولي عكفا %~% عكوف البواكي بينهن صريع # ولما كان المعتكف ملازما للعمل بطاعة الله مدة اعتكافه لزمه هذا الاسم ~~وهو في عرف PageV01P398 # الشرع : ملازمة طاعة مخصوصة في وقت مخصوص على شرط مخصوص في موضع مخصوص. ~~وأجمع العلماء على أنه ليس بواجب وهو قربة من القرب ونافلة من النوافل عمل ~~بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأزواجه ، ويلزمه إن ألزمه نفسه ، ~~ويكره الدخول فيه لمن يخاف عليه العجز عن الوفاء بحقوقه. # وأجمع العلماء على أنه لا يكون إلا في المسجد واختلفوا في المراد ~~بالمساجد في قوله تعالى : ( @QUR@02 في المساجد ) فذهب قوم إلى أن الآية ~~خرجت على نوع من المساجد وهو ما بناه نبي كالمسجد الحرام والمسجد النبوي ~~وبيت المقدس ، وقال آخرون لا اعتكاف إلا في مسجد تجمع فيه الجمعة ، وقال ~~آخرون الاعتكاف في كل مسجد جائز (1). # والمشار إليه في قوله تعالى : ( @QUR@05 تلك حدود الله فلا تقربوها ) ~~الأحكام التي سبق تقريرها من إيجاب وتحريم وإباحة. # والحدود جمع حد ، وهو في اللغة الحاجز بين الشيئين المتقابلين ليمنع من ~~دخول أحدهما في الآخر. ومنه سمى الحديد حديدا لأنه يمنع وصول السلاح إلى البدن. # وسميت الأحكام التي شرعها الله حدودا لأنها تحجز بين الحق والباطل. # أى : تلك الأحكام ms0407 التي شرعناها لكم من إيجاب الصوم ، وتحريم الأكل والشرب ~~والجماع في نهاره ، وإباحة ذلك في ليله ، هي حدود الله التي لا يحل لكم ~~مخالفتها أو مجاوزتها. # وعبر سبحانه عن النهى عن مخالفة تلك الأحكام بقوله : ( @QUR@02 فلا ~~تقربوها ) مبالغة في التحذير من مخالفتها ، لأن النهى عن القرب من الشيء ~~نهى عن إتيانه بالأولى والآية ترشد بقولها ( @QUR@02 فلا تقربوها ) إلى ~~اجتناب ما فيه شبهة كما ترشد إلى ترك الأشياء التي تقضى في غالب أمرها إلى ~~الوقوع في حرام. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف قيل ( @QUR@02 فلا تقربوها ) مع قوله : ~~( @QUR@06 فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله ) قلت : من كان في طاعة الله ~~والعمل بشرائعه فهو متصرف في حيز الحق فنهى أن يتعداه. لأن من تعداه وقع في ~~حيز الباطل ، ثم بولغ في ذلك فنهى أن يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حيزى ~~الحق والباطل لئلا يدانى الباطل ، وأن يكون في الواسطة متباعدا عن الطرف ~~فضلا عن أن يتخطاه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن لكل ملك حمى ، ~~وحمى الله محارمه ، فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه» فالرتع حول الحمى ~~وقربان حيزه واحد. ويجوز أن يريد PageV01P399 # بحدود الله محارمه ومناهيه خصوصا ، لقوله تعالى : ( @QUR@02 ولا تباشروهن ~~) وهي حدود لا تقرب» (1). # ثم ختم سبحانه هذه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@07 كذلك يبين الله آياته ~~للناس لعلهم يتقون ). # أى : مثل ذلك البيان الجامع الذي بين الله به حدوده التي أمركم بالتزامها ~~ونهاكم عن مخالفتها ، يبين لكم آياته ، أى : أدلته وحججه لكي تصونوا أنفسكم ~~عما يؤدى بكم إلى العقوبة ، وتكونوا ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه. # وبذلك تكون الآية الكريمة قد ختمت الحديث عن الصوم ، ببيان مظاهر رفق ~~الله بعباده ، ورعايته لمصالحهم ومنافعهم ، بأسلوب بليغ جمع بين الترغيب ~~والترهيب ، والإباحة والتحريم ، وغير ذلك من أنواع الهداية والإرشاد إلى ما ~~يسعد الناس في دينهم ودنياهم. # وبعد أن أنهى القرآن حديثه عن الصيام ، وما يتعلق به من أحكام ، أردف ذلك ~~بالنهى عن أكل الحرام ، لأنه يؤدى إلى ms0408 عدم قبول العبادات من صيام واعتكاف ~~ودعاء وغير ذلك فقال تعالى : # ( @QUR@017 ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام ~~لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون ) (188) # والخطاب في الآية الكريمة موجه إلى المؤمنين كافة في كل زمان ومكان. # والمراد بالأكل مطلق الأخذ بغير وجه حق ، وعبر عنه بالأكل ، لأن الأكل ~~أهم وسائل الحياة ، وفيه تصرف الأموال غالبا. # والباطل في اللغة : الزائل الذاهب ، يقال : بطل يبطل بطولا وبطلانا. أى ~~ذهب ضياعا وخسرا. وجمع الباطل أباطيل. ويقال : بطل الأجير يبطل بطالة إذا ~~تعطل واتبع اللهو. # والمراد هنا : كل ما لم يبح الشرع أخذه من المال وإن طابت به النفس ، ~~كالربا والميسر وثمن الخمر ، والرشوة ، وشاهد الزور ، والسرقة ، والغصب ، ~~ونحو ذلك مما حرمه الله تعالى . # والباء للسببية ، والجار والمجرور متعلق بالفعل قبله ، وكذلك قوله : ( ~~@QUR@01 بينكم ). PageV01P400 # والمعنى : لا يأخذ بعضكم مال بعض ، ويستولى عليه بغير حق ، متذرعا ~~بالأسباب الباطلة ، والحيل الزائفة ، وما إلى ذلك من وجوه التعدي والظلم. # وفي قوله تعالى : ( @QUR@01 أموالكم ) مع أن أكل المال يتناول مال ~~الإنسان ومال غيره في هذا القول إشعار بوحدة الأمة وتكافلها ، وتنبيه إلى ~~أن احترام مال غيرك وحفظه هو عين الاحترام والحفظ لما لك أنت ، ففي هذه ~~الإضافة البليغة تعليل للنهى ، وبيان لحكمة الحكم ، إذ استحلال الإنسان ~~لمال غيره يجرئ هذا الغير على استحلال مال ذلك الإنسان المتعدى ، وإذا فشا ~~هذا السلوك في أمة من الأمم أدى بها إلى الضعف والتعادي والتباغض. # فما أحكم هذا التعبير ، وما أجمل هذا التصوير. # وقوله : ( @QUR@012 وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس ~~بالإثم وأنتم تعلمون ) بيان لصورة أخرى قبيحة من صور أكل أموال الناس ~~بالباطل وقوله : ( @QUR@04 وتدلوا بها إلى الحكام ) معطوف على ( @QUR@02 لا ~~تأكلوا ). # والإدلاء في الأصل : إرسال الدلو في البئر للاستسقاء. ثم جعل كل إلقاء ~~قول أو فعل إدلاء ؛ ومنه أدلى فلان بحجته ، أى : أرسلها ليصل إلى مراده. # والمراد بالإدلاء هنا : الدفع والإلقاء بالأموال إلى الغير من أجل الوصول ~~إلى أمر معين. # والحكام : جمع حاكم ، وهو ms0409 الذي يتصدى للفصل بين الناس في خصوماتهم ~~وقضاياهم. # والفريق : القطعة المعزولة من جملة الشيء ، ومنه قيل للقطعة من الغنم تشذ ~~عن معظمها فريق. # والإثم : الفعل الذي يستحق صاحبه الذم والعقاب. وجمعه آثام. # والمعنى : لا يأخذ بعضكم أموال بعض أيها المسلمون ولا يستولى عليها بغير ~~حق ، ولا تدلوا بها إلى الحكام ، أى ولا تلقوا أمرها والتحاكم فيها إلى ~~القضاة لا من أجل الوصول إلى الحق ، وإنما من أجل أن تأخذوا عن طريق ~~التحاكم قطعة من أموال غيركم متلبسين بالإثم الذي يؤدى إلى عقابكم ، حال ~~كونكم تعلمون أنكم على باطل ، ولا شك أن إتيان الباطل مع العلم بأنه باطل ~~أدعى إلى التوبيخ من إتيانه على جهالة به. # فعلى هذا الوجه يكون المراد بالإدلاء بالأموال إلى الحكام طرحها أمامهم ~~ليقضوا فيها ، وليتوسل بعض الخصوم عن طريق هذا القضاء إلى أكل الأموال ~~بالباطل حين عجزوا عن أكلها بالمغالبة. # وهناك وجه آخر تحتمله الآية احتمالا قريبا ، وبه قال كثير من العلماء وهو ~~أن المراد بالإدلاء PageV01P401 # بالأموال إلى الحكام ، إلقاؤها إليهم على سبيل الرشوة ليصلوا من وراء ذلك ~~إلى أن يحكموا لصالحهم بالباطل ، وعليه يكون المعنى. # لا يأخذ بعضكم أموال بعض أيها المسلمون ، ولا تلقوا ببعضها إلى حكام ~~السوء على سبيل الرشوة ، لتتوصلوا بأحكامهم الجائرة إلى أكل فريق من أموال ~~الناس بغير حق. ولا غرابة في أن يعنى القرآن في سياسته الرشيدة بالتحذير من ~~جريمة الرشوة ؛ فإنها المعول الذي يهدم صرح العدل من أساسه وبها تفقد مجالس ~~القضاء حرمتها وكرامتها ، وتصير تلك المجالس موطنا للظلم لا للعدل. # وخص القرآن الكريم هذه الصورة بالنهى وهي صورة الإدلاء بالأموال إلى ~~الحكام مع أنه قد ذكر ما يشملها بقوله : ( @QUR@05 ولا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل ) لأنها على وجهى تفسيرها شديدة الشناعة ، جامعة لمنكرات ~~كثيرة ، كالظلم ، والتباغض والرشوة ، والغصب وغير ذلك. والحق ، أن هذه ~~الآية الكريمة أصل من الأصول التي يقوم عليها إصلاح المعاملات ، وقد أخذ ~~العلماء منها حرمة أكل أموال الناس بالباطل ، وحرمة إرشاء الحكام ليقضوا ~~للراشى بمال غيره ، وقد ms0410 لعن النبي صلى الله عليه وسلم الجميع في الحديث الذي ~~أخرجه الترمذي عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لعن الله ~~الراشي والمرتشي والراءش» وهو الواسطة الذي يمشى بينهما. # كما أخذوا منها أن حكم الحاكم على ما يقتضيه الظاهر من أمر القضية لا يحل ~~في الواقع حراما ، ولا يحرم حلالا ، والدليل على ذلك ما أخرجه الشيخان عن ~~أم سلمة رضى الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سمع خصومة بباب ~~حجرته ، فخرج إليهم فقال : إنما أنا بشر. وإنه ليأتينى الخصم. فلعل بعضكم ~~أن يكون أبلغ من بعض ، فأحسب أنه قد صدق ، فأقضى له بذلك. فمن قضيت له بحق ~~مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها». # قال الإمام ابن كثير : فدلت هذه الآية الكريمة وهذا الحديث على أن حكم ~~الحاكم لا يغير الشيء في نفس الأمر ، فلا يحل في نفس الأمر حراما ولا يحرم ~~حلالا ، وإنما هو ملزم في الظاهر ، فإن طابق في نفس الأمر فذاك وإلا ~~فللحاكم أجره وعلى المحتال وزره. ولهذا قال تعالى في آخر الآية ( @QUR@02 ~~وأنتم تعلمون ). أى تعلمون بطلان ما تدعونه وترجونه في كلامكم» (1). # وبذلك تكون الآية الكريمة قد رسمت طريق الحق لمن يريد أن يسير فيه ( ~~@QUR@014 ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم ). # ثم انتقل القرآن إلى الحديث عن الأهلة لما لها من صلة بالصيام وبالقتال ~~في الأشهر الحرم وبمواقيت الحج فقال تعالى : PageV01P402 # ( @QUR@027 يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن ~~تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا ~~الله لعلكم تفلحون ) (189) # ورد في سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه ابن أبى حاتم عن أبى ~~العالية قال : «بلغنا أن بعض الناس قالوا : يا رسول الله ، لم خلقت الأهلة ~~فنزلت». # والأهلة : جمع الهلال ، وهو الكوكب الذي يبزغ في أول كل شهر ، ويسمى ~~هلالا لثلاث ليال أو لسبع ليال من ظهوره ، ثم ms0411 يسمى بعد ذلك قمرا إلى أن ~~يعود من الشهر الثاني. # قال بعضهم : وهو مشتق من استهل الصبى إذا بكى وصاح حين يولد ، ومنه أهل ~~القوم بالحج إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية ، وسمى بذلك لأنه حين يرى يهل ~~الناس بذكره أو بالتكبير ، ولهذا يقال أهل الهلال واستهل (1). # والمواقيت : جمع ميقات بمعنى الوقت ، وهو ما يقدر لعمل من الأعمال وقيل : ~~الميقات منتهى الوقت. # والمعنى : يسألك بعض الناس عن الحكمة من خلق الأهلة ، قل لهم يا محمد إن ~~الله تعالى قد خلقها لتكون معالم يوقت ويحدد بها الناس صومهم ، وزكاتهم ، ~~وحجهم ، وعدة نسائهم ، ومدد حملهن ، ومدة الرضاع ، وغير ذلك مما يتعلق ~~بأمور معاشهم. # قال تعالى : ( @QUR@023 هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل ~~لتعلموا عدد السنين والحساب ، ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم ~~يعلمون ). # وخص الحج بالذكر مع أن الأهلة مواقيت لعبادات أخرى كالصوم والزكاة ~~للتنبيه على أن الحج مقصور وقت أدائه على الزمن الذي عينه الله تعالى وأنه ~~لا يجوز نقله إلى وقت آخر كما كانت العرب تفعل ، إذ كانوا ينقلون ما شاؤوا ~~من الأشهر الحرم الأربعة التي من جملتها PageV01P403 # ذو الحجة إلى شهر آخر غير حرام ، وهو النسيء المشار إليه بقوله تعالى : ( ~~@QUR@05 إنما النسيء زيادة في الكفر ). # وخص الشارع المواقيت بالأهلة وأشهرها دون الشمس وأشهرها ، لأن الأشهر ~~الهلالية تعرف برؤية الهلال ومحاقه ، وذلك ما لا يخفى على أحد من الخاصة أو ~~العامة أينما كانوا ، بخلاف الأشهر الشمسية. فإن معرفتها تنبنى على النظر ~~في حركات الفلك وهي لا تتيسر إلا للعارفين بدقائق علم الفلك. # هذا ، ومن الروايات التي وردت في سبب نزول هذه الآية ما رواه أبو نعيم ~~وابن عساكر عن ابن عباس قال : نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم قالا : يا ~~رسول الله. ما بال الهلال يبدو أو يطلع دقيقا مثل الخيط ثم يزيد حتى يعظم ~~ويستدير ، ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود كما كان ، لا يكون على حال واحد؟ فنزلت. # وعلى هذه الرواية يكون ms0412 الجواب بقوله تعالى : ( @QUR@05 قل هي مواقيت ~~للناس والحج ) من قبيل أسلوب الحكيم ، وهو إجابة السائل بغير ما يتطلبه ~~سؤاله ، بتنزيل سؤاله منزلة غيره ، تنبيها له على أن ذلك الغير هو الأولى ~~بالسؤال لأنه هو المهم بالنسبة له. # فأنت ترى هنا أن السائلين قد سألوا عن سبب اختلاف الأهلة بالزيادة ~~والنقصان ، فأجيبوا ببيان الحكمة من خلقها ، فكأنه سبحانه يقول لهم : عليكم ~~أن تسألوا عن الحكمة والفائدة من خلق الأهلة لأن هذا هو الأليق بحالكم وهو ~~ما أجبتكم عليه ، لا أن تسألوا عن سبب تزايدها في أول الشهر وتناقصها في ~~آخره ، لأن هذا من اختصاص علماء الهيئة ، وأنتم لستم في حاجة إلى معرفة ذلك ~~في هذا الوقت. # ولعلماء البلاغة كلام جيد في مزايا ما يسمونه بأسلوب الحكيم ، فقد قال ~~السكاكي ما ملخصه : «ولهذا النوع أعنى إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر ~~أساليب متفننة ، ولكل من تلك الأساليب عرق في البلاغة يتشرب من أفانين ~~سحرها ، ولا كأسلوب الحكيم فيها. وهو تلقى المخاطب بغير ما يترقب ، أو ~~السائل بغير ما يتطلب ، كما قال تعالى : ( @QUR@03 يسئلونك عن الأهلة ) ~~الآية. قالوا في السؤال. ما بال الهلال يبدو دقيقا .. ألخ فأجيبوا بما ترى. ~~وإن هذا الأسلوب الحكيم لربما صادف المقام فحرك من نشاط السامع ما سلبه حكم ~~الوقور ، وأبرزه في معرض المسحور ، وهل ألان شكيمة «الحجاج الثقفي» لذلك ~~الرجل الخارجي ، وسل سخيمته ، حتى آثر أن يحسن على أن يسيء غير أن سحره ~~بهذا الأسلوب؟ إذ توعده الحجاج بالقيد في قوله «لأحملنك على الأدهم» فقال ~~الخارجي متغابيا : مثل الأمير بحمل على الأدهم الأشهب. مبرزا وعيده في معرض ~~الوعد ، متوصلا أن يريه بألطف وجه : أن رجلا مثله جدير PageV01P404 # بأن يعد لا أن يوعد». # وقوله تعالى : ( @QUR@015 وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن ~~البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها ) هذا القول الكريم نهى لجماعة ~~المسلمين عن عادة كانوا يفعلونها في الجاهلية ، وهي أنهم كانوا إذا عادوا ~~من حجهم أو أحرموا لا يدخلون من أبواب بيوتهم ، بل كانوا يدخلون ms0413 من نقب ~~ينقبونه في ظهور بيوتهم. # أخرج البخاري عن أبى إسحاق قال : سمعت البراء رضي الله عنه يقول : نزلت ~~هذه الآية فينا. كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا لم يدخلوا من قبل أبواب ~~بيوتهم ولكن من ظهورها. فجاء رجل من الأنصار فدخل من قبل بابه فكأنه عير ~~بذلك فنزلت : ( @QUR@02 وليس البر ) إلخ. # والمعنى : وليس من البر ما كنتم تفعلونه في الجاهلية من دخولكم البيوت من ~~ظهورها عند إحرامكم أو عودتكم من حجكم ، ولكن البر الحق الجامع لخصال الخير ~~يكون في تقوى الله بأن تمتثلوا أوامره وتجتنبوا نواهيه ، وإذا ثبت ذلك ~~فعليكم أن تأتوا البيوت من أبوابها عند إحرامكم أو رجوعكم من حجكم. # وفي الأمر بإتيان البيوت من أبوابها إشعار بأن إتيانها من ظهورها باسم ~~الدين غير مأذون فيه ، وكل ما يفعل باسم الدين وليس له في الدين من شاهد ~~فهو بدعة ، وكل بدعة ضلالة. # وفي الآية الكريمة تعريض بمن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عما هو ليس من ~~العلم المختص بالنبوة ، ولا تتوقف معرفته على الوحى ، فهذا السائل في سؤاله ~~مثله كمثل من يدخل البيت من ظهره لا من بابه. # قال بعضهم : وذلك لأن العلم على ضربين : علم دنيوى يتعلق بأمر المعاش ~~كمعرفة الصنائع ومعرفة حركات النجوم ومعرفة المعادن والنبات ، وقد جعل الله ~~لنا سبيلا إلى معرفة ذلك على غير لسان نبيه صلى الله عليه وسلم . # وعلم شرعي يتعلق بالعبادات والمعاملات والعقيدة ولا سبيل إلى أخذه إلا من ~~الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم . # فلما جاءوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عما أمكنهم معرفته من غير جهته ~~أجابهم. ثم بين لهم أن البر في التقوى وذلك يكون بالعلم والعمل المختص ~~بالدين» (1). # قال صاحب الكشاف : فإن قلت. ما وجه اتصال قوله تعالى : ( @QUR@02 وليس ~~البر ) إلخ بما PageV01P405 # قبله؟ قلت : كأنه قيل لهم عند سؤالهم عن الأهلة وعن الحكمة في نقصانها ~~وتمامها : إن كل ما يفعله الله تعالى لا يكون إلا عن حكمة ومصلحة لعباده ~~فدعوا السؤال عنه وانظروا في واحدة تفعلونها ms0414 أنتم مما ليس من البر في شيء ~~وأنتم تحسبونها برا. ويجوز أن يكون ذلك على طريق الاستطراد لما ذكر أنها ~~مواقيت للحج ، لأنه كان من أفعالهم في الحج. ويحتمل أن يكون هذا لتعكيسهم ~~في سؤالهم وأن مثلهم كمثل من يترك باب البيت ويدخله من ظهره. والمعنى : ليس ~~البر وما ينبغي أن تكونوا عليه بأن تعكسوا في مسائلكم ، ولكن البر بر من ~~اتقى ذلك وتجنبه ولم يجسر على مثله ثم قال : ( @QUR@04 وأتوا البيوت من ~~أبوابها ) أى : باشروا الأمور من وجوهها التي يجب أن تباشر عليها ولا ~~تعكسوا ، والمراد وجوب توطين النفوس وربط القلوب على أن جميع أفعال الله ~~حكمة وصواب» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@04 واتقوا الله لعلكم تفلحون ) أمر بالتقوى التي ~~تتضمن القيام بجميع الواجبات واجتناب البدع والمنكرات. أى : افعلوا ما ~~أمركم الله به ، واجتنبوا ما نهاكم عنه ، لتكونوا من المفلحين ، وهم ~~الفائزون بالحياة المطمئنة في الدنيا والنعيم الخالد في الآخرة. وبذلك تكون ~~الآية الكريمة قد رددت عقول الناس إلى النظر والتأمل في سنن الله وفي خلفه ~~على النحو الذي ينشئ التقوى في النفوس ، ويوجه إلى العمل الصالح الذي يرضى ~~الله تعالى . # وبعد أن أمر سبحانه المؤمنين بطاعته وتقواه ، وحضهم على الجهاد في سبيله ~~إذ هو من أجل مظاهرها ، وبصرهم بحكمته وآدابه فقال تعالى : # ( @QUR@013 وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا ~~يحب المعتدين (190) @QUR@025 واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث ~~أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم ~~فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين (191) @QUR@06 فإن انتهوا فإن ~~الله غفور رحيم (192) @QUR@06 وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون PageV01P406 # @QUR@09 الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين (193) @QUR@022 ~~الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين (194) ~~@QUR@014 وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن ~~الله يحب المحسنين ) (195) # قال ابن كثير : قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبى العاليه ms0415 في ~~قوله تعالى ( @QUR@06 وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ) قال : هذه ~~أول آية نزلت في القتال بالمدينة فلما نزلت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقاتل من قاتله ويكف عمن كف عنه حتى نزلت سورة براءة (1). # ويرى بعض العلماء أن هذه الآيات قد وردت في الأذن بالقتال للمحرمين في ~~الأشهر الحرم إذا فوجئوا بالقتال بغيا وعدوانا. فهي متصلة بما قبلها أتم ~~الاتصال ، لأن الآية السابقة بينت أن الأهلة مواقيت للناس في عباداتهم ~~ومعاملاتهم عامة وفي الحج خاصة وهو في أشهر هلالية مخصوصة كان القتال فيها ~~محرما في الجاهلية. فقد أخرج الواحدي عن ابن عباس أن هذه الآيات نزلت في ~~صلح الحديبية ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صده المشركون عن البيت ~~الحرام ثم صالحوه فرضي على أن يرجع عامه القابل ويخلوا له مكة ثلاثة أيام ~~يطوف ويفعل ما يشاء فلما كان العام القابل تجهز هو وأصحابه لعمرة القضاء ~~وخافوا ألا تفي لهم قريش ، وأن يصدوهم عن المسجد الحرام بالقوة ويقاتلوهم ~~وكره أصحابه قتالهم في الحرم والشهر الحرام فأنزل الله تعالى الآيات (2). # والقتال والمقاتلة : محاولة الرجل قتل من يحاول قتله ، والتقاتل محاولة ~~كل واحد من المتعاديين قتل الآخر. # قال أبو حيان : وقوله : ( @QUR@03 في سبيل الله ) السبيل هو الطريق. ~~واستعير لدين الله وشرائعه لأن المتبع لذلك يصل به إلى بغيته الدينية ~~والدنيوية ، فشبه بالطريق الموصل الإنسان إلى ما يقصده ، وهذا من استعارة ~~الأجرام للمعاني ويتعلق ( @QUR@03 في سبيل الله ) بقوله : ( @QUR@01 ~~وقاتلوا ) وهو PageV01P407 # ظرف مجازى ، لأنه لما وقع القتال بسبب نصرة الدين صار كأنه وقع فيه ، وهو ~~على حذف مضاف والتقدير في نصرة دين الله (1). # والمراد بالقتال في سبيل الله : الجهاد من أجل إعلاء كلمته حتى يكون أهل ~~دينه الحق أعزاء لا يسومهم أعداؤه ضيما ، وأحرارا في الدعوة إليه وإقامة ~~شرائعه العادلة في ظل سلطان مهيب. # أى : قاتلوا أيها المؤمنون لإعلاء كلمة الله وإعزاز دينه أعداءكم الذين ~~أعدوا أنفسهم لقتالكم ومناجزتكم وتحققتم منهم سوء النية ، وفساد الطوية. # فالآية الكريمة تهييج للمؤمنين ms0416 وإغراء لهم على قتال أعدائهم بدون تردد أو ~~تهيب ، وإرشاد لهم إلى أن يجعلوا جهادهم من أجل نصرة الحق ، لا من أجل ~~المطامع أو الشهوات. # فقد روى الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبى موسى رضي ~~الله عنه أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله الرجل ~~يقاتل للمغنم ، والرجل يقاتل ليذكر ، والرجل يقاتل ليرى مكانه أى : ليتحدث ~~الناس بشجاعته وليظهر بينهم أى ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» ~~والأحاديث في الدعوة إلى أن يكون الجهاد في سبيل الله من أجل إعلاء كلمته ~~كثيرة متعددة. وقوله ( @QUR@02 ولا تعتدوا ) نهى عن الاعتداء بشتى صوره ~~ويدخل فيه دخولا أوليا الاعتداء في القتال. # والاعتداء : مجاوزة الحد فيما أمر الله به أو نهى عنه. # أى : قاتلوا في سبيل الله من يناصبكم القتال من المخالفين ، ولا تتجاوزوا ~~في قتالهم إلى من ليس شأنهم قتالكم ، كنسائهم ، وصبيانهم ورهبانهم ، ~~وشيوخهم الطاعنين في السن إلى حد الهرم ، ويلحق بهؤلاء المريض والمقعد ~~والأعمى والمجنون. وقد وردت في النهى عن قتل هؤلاء الأحاديث النبوية ووصايا ~~الخلفاء الراشدين لقواد جيوشهم ، فهؤلاء يتجنب قتالهم إلا من قامت الشواهد ~~على أن له أثرا من رأى أو عمل في الحرب ، يؤازر به المحاربين لينتصروا على ~~المجاهدين. # قال ابن كثير : ولهذا جاء في صحيح مسلم عن بريدة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان يقول : «اغزوا في سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله ، ~~اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الوليد ولا أصحاب ~~الصوامع وفي الصحيحين عن ابن عمر قال : وجدت امرأة في بعض المغازي مقتولة ~~فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان» (2). PageV01P408 # وقوله : ( @QUR@05 إن الله لا يحب المعتدين ) كالتعليل لما قبله في النهى ~~عن مجاوزة ما حده الله تعالى في قتال المخالفين. # ومحبة الله لعباده : صفة من صفاته تعالى من أثرها الرعاية والإنعام. وإذا ~~نفى الله ms0417 تعالى محبته لطائفة من الناس فهو كناية عن بغضه لهم ، واستحقاقهم ~~لعقوبته. # وقوله : ( @QUR@03 واقتلوهم حيث ثقفتموهم ) الضمير المنصوب فيه يعود على ~~قوله : ( @QUR@02 الذين يقاتلونكم ) في الآية السابقة. # و ( @QUR@01 ثقفتموهم ): أدركتموهم وظفرتم بهم. يقال : ثقف الشيء إذا ~~ظفر به ووجده على جهة الأخذ والغلبة ومنه رجل ثقف إذا كان سريع الأخذ ~~لأقرانه. قال الشاعر : # فإما تثقفونى فاقتلوني %~% فمن أثقف فليس إلى خلود. # ويقال أيضا رجل ثقف : إذا كأن محكما لما يتناوله من الأمور. # والمعنى : عليكم أيها المسلمون أن تقتلوا هؤلاء الذين إذنا لكم بقتالهم ~~حيث وجدتموهم وظفرتم بهم ، فأنهم قد بادءوكم بالعدوان ، وتمنوا لكم كل شر وسوء. # وقوله : ( @QUR@04 وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ) معطوف على ما قبله. # وحيث ظرف مكان. والمكان الذي أخرجوهم منه هو مكة ، فإن المشركين من قريش ~~قد أنزلوا بالمسلمين الأولين من صنوف الأذى ما جعلهم يتركون مكة ويهاجرون ~~إلى بلاد الحبشة أولا. ثم إلى المدينة المنورة ثانيا. # أى : اقتلوا هؤلاء الذين قاتلوكم في أى مكان لقيتموهم فيه ، وأخرجوهم من ~~المكان الذي أخرجوكم منه وهو مكة. # وفي هذا تهديد للمشركين ، وإغراء للمسلمين بهم ، ووعد بفتح مكة وقد أنجز ~~الله تعالى وعده ففتح المسلمون مكة في السنة الثامنة من الهجرة. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 والفتنة أشد من القتل ). دفع لما قد يقع من بعض ~~المسلمين من استعظام قتل المشركين في مكة. # والفتنة في الأصل : مصدر فتن الصائغ الذهب والفضة إذا أذابهما بالنار ~~ليستخرج الزائف منهم ثم استعملت في الابتلاء والامتحان والصرف عن الشيء ، ~~وأكثر استعمالها في التضليل والصد عن الدين ، ثم على الكفر. # ويبدو أن المراد منها هنا ما كان يفعله المشركون مع المسلمين من التعذيب ~~والصد عن الدين ، والإخراج من الوطن ، وغير ذلك من صنوف الأذى. PageV01P409 # والمعنى : لا تقصروا في قتل المشركين الذين يقاتلونكم ، والذين أخرجوكم ~~من دياركم ، فإن فتنتهم لكم بالإيذاء والتعذيب والصد عن الدين ، أشد ضررا ~~من قتلكم لهم في أى مكان وجدوا به. # وبعضهم فسر الفتنة هنا بالشرك ، أو بالرجوع إلى الكفر ، أو بعذاب الآخرة ~~، وقد بين ذلك ms0418 صاحب الكشاف بقوله. وقوله : «والفتنة أشد من القتل» أى : ~~المحنة والبلاء الذي ينزل بالإنسان يتعذب به أشد عليه من القتل وقيل لبعض ~~الحكماء : ما أشد من الموت : قال : الذي يتمنى فيه الموت ، جعل الإخراج من ~~الوطن من الفتن والمحن التي يتمنى عندها الموت ، ومنه قول القاتل : # القتل بحد السيف أهون موقعا %~% على النفس من قتل بحد فراق # وقيل : ( @QUR@01 الفتنة ) عذاب الآخرة قال تعالى ( @QUR@02 ذوقوا فتنتكم ~~) وقيل : الشرك أعظم من القتل في الحرم ، وذلك أنهم كانوا يستعظمون القتل ~~في الحرم ويعيبون به المسلمين. فقيل : والشرك الذي هم عليه أشد وأعظم مما ~~يستعظمونه ويجوز أن يراد : وفتنتهم إياكم بصدكم عن المسجد الحرام أشد من ~~قتلكم إياهم في الحرم ، أو من قتلهم إياكم إن قتلوكم فلا تبالوا بقتالهم» (1). # وإلى هنا تكون الآية الكريمة قد أذنت للمؤمنين في قتل الذين يناجزونهم ~~القتال دفعا لشرهم أينما وجدوا. # ثم ساقت الآية جملة أخرى نهت فيها المؤمنين عن قتال المشركين عند المسجد ~~الحرام مراعاة لحرمته. ما دام المشركون لم يفاتحوهم بالقتال عنده ، أما إذا ~~فاتحوهم بالقتال فيه ، فقد أصبح من حق المؤمنين أن يدافعوا عن أنفسهم ، وأن ~~يقاتلوا أعداءهم. وهذه الجملة هي قوله تعالى : ( @QUR@011 ولا تقاتلوهم عند ~~المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم ). # أى : لا تقاتلوا أيها المؤمنون أعداءكم عند المسجد الحرام احتراما له حتى ~~يبدأ المشركون قتالكم عنده فإن بدءوكم بالقتال فيه فلا حرج عليكم في قتلهم ~~عنده ، لأن المنتهك لحرمة المسجد الحرام إنما هو البادئ بالقتال فيه وهم ~~المشركون ، ولستم أنتم أيها المؤمنون لأن موقفكم إنما هو موقف المدافع عن نفسه. # فأنت ترى أن الآية الكريمة قد حفظت للمسجد الحرام حرمته وهيبته ومكانته ~~السامية لأن حرمته لذاته ، وحرمة سائر الحرم من أجله ، إلا أنها أذنت ~~للمسلمين أن يدافعوا عن أنفسهم إذا PageV01P410 # ما هاجمهم المشركون عنده أو فيه. # قال ابن كثير ما ملخصه : وقد دلت الآية على الأمر بقتال المشركين في ~~الحرم إذا بدءوا بالقتال فيه دفعا لصولتهم ، كما بايع النبي ~~صلى الله عليه ms0419 وسلم أصحابه يوم الحديبية تحت الشجرة على القتال ، لما تألبت ~~عليه بطون قريش ومن والاهم من أحياء ثقيف والأحابيش عامئذ ، ثم كف الله ~~القتال بينهم فقال : ( @QUR@014 وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن ~~مكة من بعد أن أظفركم عليهم ) (1). # وقال صلى الله عليه وسلم لخالد بن الوليد ومن معه يوم الفتح : إن عرض لكم ~~أحد من قريش فاحصدوهم حصدا حتى توافونى على الصفا .. فما عرض لهم أحد إلا ~~أناموه وأصيب من المشركين نحو اثنى عشر رجلا» (2). # ولم يقل سبحانه فإن قاتلوكم فقاتلوهم ، وإنما قال ( @QUR@03 فإن قاتلوكم ~~فاقتلوهم ) تبشيرا للمؤمنين بالغلبة عليهم ، وإشعارا بأن هؤلاء المشركين من ~~الخذلان والضعف بحالة أمر الله المؤمنين معها بقتلهم لا بقتالهم فهم لضعفهم ~~لا يحتاجون من المؤمنين إلا إلى القتل. # وقوله : ( @QUR@03 كذلك جزاء الكافرين ) تذييل لما قبله. واسم الإشارة ~~ذلك يعود إلى قتل المقاتلين أينما وجدوا. # والجزاء : ما يقع في مقابلة الإحسان أو الإساءة ، فيطلق على ما يثاب به ~~المحسن ، وعلى ما يعاقب به المسيء. والمراد به في الآية العقاب. # أى : مثل هذا الجزاء العادل من القتل والردع يجازى الله الكافرين الذين ~~قاتلوا المؤمنين وأخرجوهم من ديارهم. # ثم فتح القرآن للكافرين الذين قاتلوا المسلمين التوبة فقال : ( @QUR@06 ~~فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم ). # الانتهاء : أصله مطاوع نهى. يقال : نهاه فانتهى ثم توسع فيه فأطلق على ~~الكف عن الشيء ، لأن النهى هو طلب ترك الشيء. # أى : فإن انتهوا عن الكفر وعن مقاتلتكم فكفوا عنهم ولا تتعرضوا لهم فإن ~~الله غفور رحيم. وكل من تاب من كفر أو معصية فشأن الله معه أن يغفر له ~~ويرحمه. # ونظير هذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@010 قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر ~~لهم ما قد سلف ) (3) وإنما قلنا فإن انتهوا عن الكفر وعن القتال لأن سياق ~~الحديث عن الكافرين المقاتلين للمؤمنين ، PageV01P411 # فيكون حمل الانتهاء على الأمرين معا أولى من حمله على القتال فحسب. # وقوله تعالى : ( @QUR@08 وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ) ~~معطوف على جملة ( @QUR@06 وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ms0420 ) والضمير ~~«هم» يعود على الذين يقاتلون المسلمين وهم من سبق الحديث عنهم. # والمراد من ( @QUR@01 الفتنة ) الشرك وما يتبعه من أذى المشركين للمسلمين ~~واضطهادهم وتعذيبهم. # قال الآلوسى : ويؤيده أن مشركي العرب ليس في حقهم إلا الإسلام أو السيف. ~~لقوله سبحانه : ( @QUR@03 تقاتلونهم أو يسلمون ). # وفي الصحيحين عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا ~~الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا ~~بحق الإسلام وحسابهم على الله». # والدين في اللغة : العادة والطاعة ثم استعمل فيما يتعبد به الله تعالى ~~سواء أكان ما تعبد به صحيحا أم باطلا. # والمراد هنا : الدين الصحيح الذي شرعه الله لعباده على لسان نبيهم محمد ~~صلى الله عليه وسلم ليتوصلوا به إلى الصلاح في الحال والفلاح في المآل. # والمعنى : قاتلوا أولئك المشركين حتى تزيلوا الشرك ، وحتى تكسروا شوكتهم ~~ولا يستطيعوا أن يفتنوا طائفة من أهل الدين الحق ، وحتى يكون الدين الظاهر ~~في الأرض هو الدين الذي شرعه الله تعالى على لسان نبيه محمد ~~صلى الله عليه وسلم . # وقد تحقق ذلك بالقتال الذي دار بين المسلمين والمشركين في أكثر من عشرين ~~غزوة قادها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه ، وفي أكثر من أربعين سرية بعث ~~فيها أصحابه ، وكانت ثمار هذه المعارك أن انتصر الحق وزهق الباطل. وقبل أن ~~يلتحق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى كان الدين الظاهر في جزيرة ~~العرب هو دين الإسلام الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم . # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@07 فإن انتهوا فلا عدوان إلا على ~~الظالمين ) والعدوان في أصل اللغة : الاعتداء والظلم الذي هو من الأفعال ~~المحرمة والمراد به في الآية القتل حيث يرتكب جزاء للظالمين. # والفاء في قوله ( @QUR@02 فإن انتهوا ) للتعقيب. وقوله : ( @QUR@05 فلا ~~عدوان إلا على الظالمين ) قائم مقام جواب الشرط ، لأنه علة الجواب المحذوف. # والمعنى : فإن امتنعوا عن قتالكم ولم يقدموا عليه ، وأذعنوا لتعاليم ~~الإسلام ، فكفوا ms0421 عن PageV01P412 # قتالهم ، لأنهم قد انتفى عنهم وصف الظلم ، وما دام قد انتفى عنهم هذا ~~الوصف فلا يصح أن تقاتلوهم ، إذ القتال إنما يكون للظالمين تأديبا لهم ~~ليرجعوا عن ظلمهم. # ففي الجملة الكريمة إيجاز بالحذف ، واستغناء عن المحذوف بالتعليل الدال عليه. # قال الإمام الرازي : أما قوله تعالى : ( @QUR@05 فلا عدوان إلا على ~~الظالمين ) ففيه وجهان : # الأول : فإن انتهوا فلا عدوان أى : فلا قتل إلا على الذين لا ينتهون عن ~~الكفر ، فإنهم بإصرارهم على كفرهم ظالمون لأنفسهم قال تعالى : ( @QUR@04 إن ~~الشرك لظلم عظيم ). # فإن قيل : لم سمى ذلك القتل عدوانا مع أنه في نفسه صواب؟ قلنا : لأن ذلك ~~القتل جزاء العدوان فصح إطلاق اسم العدوان عليه ، كقوله تعالى : ( @QUR@04 ~~وجزاء سيئة سيئة مثلها ). # الثاني : إن تعرضتم لهم بعد انتهائهم عن الشرك والقتال كنتم أنتم ظالمين ~~، فتسلط عليكم من يعتدى عليكم (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@04 الشهر الحرام بالشهر الحرام ) بيان للحكمة في ~~إباحة القتال في الأشهر الحرم ، وإيذان بأن مراعاة حرمة الشهر الحرام إنما ~~هي واجبة في حق من يصون حرمته ، أما من هتكها فقد صار بسبب انتهاكه لحرمة ~~الشهر الحرام محلا للقصاص والمعاقبة في الشهر وفي غيره. # وسمى الشهر الحرام لأنه يحرم فيه ما يحل في غيره من القتال ونحوه ، ~~والتعريف فيه على الراجح للجنس فهو يشمل الأشهر الحرم جميعها وهي أربعة : ~~ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب. # قال تعالى : ( @QUR@036 إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب ~~الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ، ذلك الدين القيم ، فلا ~~تظلموا فيهن أنفسكم ؛ وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ، واعلموا ~~أن الله مع المتقين ) (2). # قال القرطبي : نزلت في عمرة القضاء ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خرج معتمرا حتى بلغ الحديبية في ذي القعدة سنة ست ، فصده المشركون كفار ~~قريش عن البيت فانصرف ووعده سبحانه أنه سيدخله فدخله في ذي القعدة سنة سبع ~~وقضى نسكه ونزلت هذه الآية (3) والمعنى : هذا الشهر الحرام الذي تؤدون فيه ~~عمرة القضاء ، بذلك الشهر الحرام الذي صدكم ms0422 المشركون فيه عن دخول المسجد ~~الحرام ، فإذا بدءوا بانتهاك حرمته بقتالكم فيه ، فلا PageV01P413 # تبالوا أن تقاتلوهم فيه دفاعا عن أنفسكم ، إذ هم البادئون بهتك حرمته. # وقوله : ( @QUR@02 والحرمات قصاص ) متضمن لإقامة الحجة على الحكم السابق ~~والحرمات : جمع حرمة ، وهي ما يحفظ ويرعى ولا ينتهك. # والقصاص : المساواة. أى ، وكل حرمة يجرى فيها القصاص. فمن هتك أية حرمة ~~اقتص منه بأن تهتك له حرمة. # والمراد : أن المشركين إذا أقدموا على مقاتلتكم أيها المؤمنون في الحرم ~~أو في الشهر الحرام ، فقاتلوهم أنتم أيضا على سبيل القصاص والمجازاة بالمثل ~~، حتى لا يتخذوا الأشهر الحرم ذريعة للغدر والإضرار بكم. # ثم أكد سبحانه هذا المعنى بقوله : ( @QUR@09 فمن اعتدى عليكم فاعتدوا ~~عليه بمثل ما اعتدى عليكم ). # أى : فمن اعتدى عليكم وظلمكم فجازوه باعتدائه وقابلوه بمثل ما اعتدى ~~عليكم بدون حيف أو تجاوز للحد الذي أباحه الله لكم. # وسمى جزاء الاعتداء اعتداء على سبيل المشاكلة. # قال الآلوسى : واستدل الشافعى بالآية على أن القاتل يقتل بمثل ما قتل به ~~من محدد أو خنق أو حرق أو تجويع أو تغريق. حتى لو ألقاه في ماء عذب لم يلق ~~في ماء ملح. واستدل بها أيضا على أن من غصب شيئا وأتلفه لزمه رد مثله ، ثم ~~إن المثل قد يكون من طريق الصورة كما في ذوات الأمثال وقد يكون من طريق ~~المعنى كالقيم فيما لا مثل له (1). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بالأمر بالتقوى والخشية منه فقال : ( ~~@QUR@07 واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين ). # أى : اتقوا الله وراقبوه في الانتصار لأنفسكم ، وترك الاعتداء فيما لم ~~يرخص لكم فيه ، واعلموا أن الله مع الذين يمتثلون أمره ويجتنبون نهيه ~~بالنصر والرعاية والتأييد. # ثم أمر الله تعالى المؤمنين ببذل المال من أجل إعلاء كلمته ، ونصرة دينه ~~، فقال : ( @QUR@09 وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ). # قال الإمام الرازي : الإنفاق هو صرف المال إلى وجوه المصالح فلذلك لا ~~يقال في المضيع : إنه منفق. فإذا قيد الإنفاق بذكر سبيل الله ، فالمراد به ~~طريق الدين ، لأن السبيل هو ms0423 الطريق ، PageV01P414 # وسبيل الله هو دينه ، فكل ما أمر الله به في دينه من الإنفاق فهو داخل في ~~الآية سواء أكان إنفاقا في حج أو في صلة رحم أو غير ذلك ، إلا أن الأقرب في ~~هذه الآية وقد تقدم ذكر الجهاد أنه يراد به الإنفاق في الجهاد ، وقوله ( ~~@QUR@03 في سبيل الله ) كالتنبيه على العلة في وجوب هذا الإنفاق ، وذلك لأن ~~المال مال الله فيجب إنفاقه في سبيله ، ولأن المؤمن إذا سمع ذكر الله اهتز ~~ونشط فيسهل عليه إنفاق المال (1). # و ( @QUR@01 تلقوا ) من الإلقاء وهو طرح الشيء من اليد. # قال الجمل : والباء في قوله : ( @QUR@01 بأيديكم ) تحتمل وجهين : # أحدهما : أنها زائدة في المفعول به لأن ألقى يتعدى بنفسه ، قال تعالى : ( ~~@QUR@02 فألقى عصاه ). # والثاني : أن يضمن ألقى معنى فعل يتعدى بالباء فيتعدى تعديته فيكون ~~المفعول به في الحقيقة هو المجرور بالباء تقديره ، ولا تفضوا بأيديكم إلى ~~التهلكة كقوله : أفضيت بجنبي إلى الأرض أى : طرحته على الأرض» (2). # والمراد بالأيدى : الأنفس ، من باب ذكر الجزء وإرادة الكل ، لأن أكثر ~~ظهور أفعال النفس تكون عن طريق اليد. # والتهلكة : الهلاك والموت. أو كل شيء تصير عاقبته إليه. مصدر هلك يهلك ~~هلكا وهلاكا وتهلكة. # والجملة الكريمة معطوفة على جملة ( @QUR@06 وقاتلوا في سبيل الله الذين ~~يقاتلونكم .. ) ألخ ، لأنهم لما أمروا بقتال عدوهم ، وكان أوفر منهم عدة ~~وعددا ، كلفهم بالاستعداد له عن طريق إنفاق الكثير من أموالهم في سبيل ~~إعلاء كلمة الله لأن هذا الإنفاق من أقوى الوسائل التي توصل إلى النصر. # والمعنى : عليكم ، أيها المؤمنون أن تقاتلوا في سبيل الله من قاتلكم ، ~~وأن تنفقوا من أجل إعلاء كلمة الله أموالكم ، ولا تلقوا أنفسكم فيما فيه ~~هلاككم في دين أو دنيا ، بسبب ترككم الجهاد وبخلكم عن الإنفاق فيه مع ~~القدرة على ذلك. # ويشهد لهذا المعنى ما أخرجه الترمذي وغيره عن أبى عمران قال : كنا بمدينة ~~الروم القسطنطينية فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم. فخرج إليهم من ~~المسلمين مثلهم فحمل PageV01P415 # رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم ، فصاح الناس وقالوا ms0424 : سبحان ~~الله يلقى بيديه إلى التهلكة!! فقام أبو أيوب الأنصارى فقال : يا أيها ~~الناس إنكم لتؤولون هذه الآية هذا التأويل ، وإنما نزلت هذه الآية فينا ~~معشر الأنصار. لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه ، فقال بعضنا لبعض سرا دون ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أموالنا قد ضاعت ، وإن الله قد أعز الإسلام ، ~~وكثر ناصروه ، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها ، فأنزل الله ~~تعالى على نبيه يرد علينا ما قلناه ( @QUR@09 وأنفقوا في سبيل الله ولا ~~تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) فكانت التهلكة الإقامة على الأموال ، وإصلاحها ~~، وتركنا الغزو. # قال الراوي : فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم. # فالآية الكريمة تأمر المؤمنين بأن يبذلوا أموالهم في الجهاد في سبيل الله ~~بصفة خاصة ، وفي كل موطن من مواطن الخير بصفة عامة ، لأن عدم البذل في سبيل ~~الخير يؤدى إلى ضعف الأمة واضملالها. # ثم ختم سبحانه الآية بالترغيب في الإحسان فقال : ( @QUR@05 وأحسنوا إن ~~الله يحب المحسنين ) أى : أحسنوا كل أعمالكم وأتقنوها ، لأنه سبحانه يحب ~~المحسنين في كل شئونهم ، ويثيبهم على ذلك بما يسعدهم في دينهم ودنياهم. # هذا ، وتأمل معى أيها القارئ الكريم في هذه الآيات تراها قد رسمت أحكم ~~منهاج وأعدله في شأن الحرب والسلم. # إنها تأمر المؤمنين أن يجاهدوا أعداءهم الذين بدءوهم بالقتال ، وأن ~~يقتلوهم حيث وجدوهم. ويخرجوهم من حيث أخرجوهم ، كما تأمرهم أن يبذلوا ~~أموالهم في سبيل الله بدون إمساك أو بخل ، وهذا من أقوى أنواع الحض على ~~الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله. # ولكنها في الوقت نفسه تنهاهم عن الاعتداء ، وتنهاهم عن القتال في الأشهر ~~الحرم وفي الأماكن المقدسة إلا إذا قاتلهم المشركون فيها ، كما تنهاهم عن ~~قتالهم إذا ما انتهوا عن عدوانهم وكفرهم ، لأن شريعة القرآن تستجيب لداعي ~~السلم متى كف المعتدون عن العدوان ، واحترموا كلمة الإسلام. # وبذلك نرى أن القتال في الإسلام ليس من أجل الغنائم ، أو الاستغلال أو ~~الاستعباد ، أو التباهي .. كلا ليس لأجل شيء من هذا ، وإنما هو من أجل ms0425 ~~الدفاع عن الحق وأهله ، حتى تكون كلمته هي العليا وكلمة الباطل هي السفلى ، ~~وبهذا تسعد الإنسانية ، وتنال ما تصبو إليه من عزة وفلاح. PageV01P416 # وبعد هذا الحديث المحكم عن القتال في سبيل الله ، وبيان أحكامه بالنسبة ~~للأشهر الحرم وللبيت الحرام ، ساق القرآن في بضع آيات جملة من الأحكام ~~والآداب التي تتعلق بفريضة الحج ، إذ القتال جهاد لحماية الأمة الإسلامية ~~من الخارج ، والحج جهاد لتهذيب النفس وحماية الأمة من الداخل عن طريق تجميع ~~أبنائها على اختلاف ديارهم في مكان واحد ليشهدوا منافع لهم ، وليتعاونوا ~~على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان. استمع إلى سورة البقرة وهي تحدثك ~~عن بعض أحكام الحج وآدابه فتقول : # ( @QUR@073 وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا ~~تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ~~ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما ~~استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك ~~عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا ~~أن الله شديد العقاب ) (196) # تعتبر هذه الآية الكريمة من أجمع الآيات التي وردت في القرآن الكريم ~~مبينة ما يتعلق بأحكام الحج وآدابه ، وسنحاول بعون الله أن نبين ما اشتملت ~~عليه من آداب سامية ، وتوجيهات حكيمة ، بأسلوب هو إلى الإيجاز أقرب منه إلى ~~الإسهاب والإطناب ، قاصدين عدم التعرض لتفريعات الفقهاء واختلافاتهم إلا ~~بالقدر الذي يقتضيه المقام. # والحج في اللغة : القصد يقال حج فلان الشيء : إذا قصده مرة بعد أخرى. # وفي الشرع : القصد لزيارة بيت الله الحرام في وقت مخصوص بأفعال مخصوصة ، ~~وبكيفية مخصوصة ، بينتها الشريعة الإسلامية. # والعمرة في اللغة : الزيارة ، مأخوذة من العمارة التي هي ضد الخراب ثم ~~أطلقت على الزيارة التي يقصد بها عمارة المكان. PageV01P417 # وفي الشرع : زيارة بيت الله الحرام للتقرب إليه ، وقد بين النبي ~~صلى الله عليه وسلم أركانها وشروطها وكيفيتها. # وقد كانت شعيرة الحج والعمرة معروفتين عند ms0426 العرب قبل الإسلام ، ولكن ~~بأفعال وبكيفية فيها الكثير من الأباطيل والأوهام ، فجاءت شريعة الإسلام ~~فوضعت لهما أفضل الأحكام ، وأسمى الآداب ، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~المسلمين أن يسيروا في أدائهما على الطريقة التي سار عليها فقال : «خذوا ~~عنى مناسككم». # قال ابن كثير : «وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر ~~كلها في ذي القعدة عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست ، وعمرة القضاء في ذي ~~القعدة سنة سبع ، وعمرة الجعرانة في ذي القعدة سنة ثمان ، وعمرته التي مع ~~حجته أحرم بهما معا في ذي القعدة سنة عشر. وما اعتمر في غير ذلك بعد هجرته» (1). # وقد اختلف العلماء في المقصود من الإتمام في قوله تعالى : ( @QUR@04 ~~وأتموا الحج والعمرة لله ) فبعضهم يرى أن المراد بإتمامهما : إقامتهما ~~وإيجادهما وإنشاؤهما فيكون المعنى : أقيموا الحج والعمرة لله : أى أدوهما ~~وائتوا بهما. فالأمر في «أتموا» منصب على الإنشاء والأداء. فهو كقوله تعالى ~~: ( @QUR@05 ثم أتموا الصيام إلى الليل ) وأصحاب هذا الرأى يرون أن العمرة ~~واجبه كالحج ، لأن الله تعالى أمر بهما معا ، ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~قال : «تابعوا بين الحج والعمرة ..». # وإلى هذا الرأى اتجه سعيد بن جبير ، وعطاء ، وسفيان الثوري ، والشافعية. # ويرى كثير من الصحابة والتابعين والفقهاء كالأحناف والمالكية أن المراد ~~بإتمامهما : الإتيان بهما تامين بمناسكهما المشروعة لوجه الله تعالى وأن ~~على المسلم إذا شرع فيهما أو في أحدهما أن يتمه ويأتى به كاملا ، كما فعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في عمرة القضاء. # فيكون المعنى : ائتوا بالحج والعمرة كاملى الأركان والشروط والآداب ~~خالصين لوجه الله تعالى . # فالأمر على هذا الرأى منصب على الإتمام لا على أصل الأداء. # وأصحابه يرون أن العمرة ليست واجبة كالحج لعدم قيام الدليل على وجوبها ، ~~وليس في الآية ما يفيد الوجوب ، بل فيها ما يفيد وجوب الإتمام إن شرع فيهما ~~أو في أحدهما. وفرضية الحج إنما ثبتت بقوله تعالى : ( @QUR@09 ولله على ~~الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ). وأيضا ، فإن أركان العمرة ~~وأفعالها ms0427 تدخل في ثنايا أفعال الحج وأركانه ، ولذلك ورد في الحديث PageV01P418 # الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «دخلت العمرة في الحج إلى يوم ~~القيامة» إلى غير ذلك من الأدلة التي ساقها كل فريق لتدعيم رأيه. # ومجمل القول أن فرضية الحج مجمع عليها بين العلماء ، وأما فرضية العمرة ~~ففيها خلاف ، انتصر كثير من العلماء فيه للرأى القائل بأنها ليست فرضا ~~كالحج ، بل هي سنة. # وقد كانت فرضية الحج في السنة التاسعة من الهجرة على أرجح الروايات. ويرى ~~بعض العلماء أن الحج قد فرض قبل ذلك ، إلا أن تنفيذه لم يتم إلا في السنة ~~التاسعة عند ما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميرا على الحج ، وكان ~~ذلك تمهيدا لحجه صلى الله عليه وسلم سنة عشر. # وقد أمر سبحانه بإتمام الحج والعمرة لله دون غيره لأن العرب كانت تقصد ~~الحج للاجتماع والتظاهر ، والتفاخر ، وقضاء الحوائج ، وحضور الأسواق ، دون ~~أن يكون لله تعالى فيه حظ يقصد ، ولا قربة تعتقد ، فأمر سبحانه المسلمين أن ~~ينزهوا عباداتهم وخصوصا الحج عن الأقوال السيئة ، والأفعال القبيحة ، وأن ~~يقصدوا بأداء ما كلفهم الله به الإخلاص والطاعة له سبحانه . # وبعد أن أمر الله تعالى عباده بأن يتموا الحج والعمرة له ، أردف ذلك ~~ببيان ما يجب عليهم عمله فيما لو حال حائل بينهم وبين إتمامهما فقال : ( ~~@QUR@06 فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ) والإحصار والحصر في اللغة : ~~بمعنى الحبس والمنع والتضييق سواء أكان بسبب عدو أو مرض أو جور سلطان أو ما ~~يشبه ذلك. قال تعالى في شأن قتال المشركين : ( @QUR@010 فإذا انسلخ الأشهر ~~الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم ) (1) أى : ضيقوا ~~عليهم المنافذ. ويقال للذي لا يبوح بسره : حصر ؛ لأنه حبس نفسه عن البوح بسره. # ويرى بعض علماء اللغة أن الإحصار يكون الحبس والمنع فيه من ذات الشخص ~~كالمرض وذهاب النفقة ، وأما الحصر فيكون الحبس والمنع فيه لا من ذات الشخص ~~، بل بسبب أمر خارجى كالعدو ونحوه. # ( @QUR@01 الهدي ): بتخفيف الياء وتشديدها مصدر بمعنى المفعول ، أى : ~~المهدى ms0428 والمراد به ما يهدى إلى بيت الله الحرام من الإبل والبقرة والشاة ~~ليذبح تقربا إلى الله تعالى . # و ( @QUR@01 استيسر ) هنا بمعنى يسر وتيسر أى : ما أمكن تحصيله من الهدى ~~بدون مشقة أو تعب. # والمعنى : أتموا أيها المؤمنون الحج والعمرة لله متى قدرتم على ذلك ، فإن ~~( @QUR@01 أحصرتم ) PageV01P419 # أى ، منعتم بعد الإحرام من الوصول إلى البيت الحرام بسبب عدو أو مرض أو ~~نحوهما ، فعليكم إذا أردتم التحلل من الإحرام أن تذبحوا ما تيسر لكم من الهدى. # وبعض العلماء كالشافعية والمالكية يرون أن المراد بالإحصار في الآية ما ~~كان بسبب عدو ، كما حدث للمسلمين في صلح الحديبية ، أما إذا كان الإحصار ~~بسبب مرض ، فإن الحاج أو المعتمر يبقى على إحرامه حتى يبرأ من مرضه ثم يذهب ~~إلى البيت فيطوف به سبعا ، ويسعى بين الصفا والمروة ، وبهذا يتحلل من عمرته ~~أو حجه ، ولا يتحلل بالذبح ، إذ التحلل بالذبح عندهم لا يكون إلا في حالة ~~الإحصار بسبب العدو. أما الأحناف فيرون أن الإحصار سواء أكان بسبب عدو أو ~~مرض أو ما يشبههما فإنه يسيغ التحلل بالذبح ، إذ الآية عندهم تعم كل منع ، ~~وعلى من أحصر أن يقضى الحج أو العمرة فيما بعد. # وفي هذه الجملة الكريمة تقرير للمبادئ التي جاءت بها شريعة الإسلام تلك ~~المبادئ التي تتوخى في كل شئونها التيسير لا التعسير ، والرفق لا التشديد ~~قال تعالى : ( @QUR@08 يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) (1) وقال ~~تعالى : ( @QUR@07 وما جعل عليكم في الدين من حرج ) (2). # ثم قال تعالى : ( @QUR@07 ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله ). # حلق الرأس أو تقصيرها علامة على الانتهاء من الإحرام ، كما أن التسليم ~~علامة الانتهاء من الصلاة ، أو علامة قطعهما عند الاضطرار إلى ذلك. والحلق ~~بالنسبة للرجال أفضل من التقصير ، فقد أخرج الشيخان عن أبى هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال : «اللهم اغفر للمحلقين. قالوا : يا رسول الله ~~وللمقصرين. قال : اللهم اغفر للمحلقين. قالوا : يا رسول الله وللمقصرين. ~~قال : وللمقصرين» (3). أما بالنسبة للنساء فيكفى التقصير. # والمحل : اسم لزمان ms0429 الحلول أو مكانه. يقال : بلغ الدين محله إذا حل وقت ~~أدائه ، كما يقال : بلغ الشخص محله إذا وصل إلى المكان الذي ينزل به. # قال الآلوسى : وكون المراد بالمحل هنا المكان هو الظاهر في الآية. # والمعنى : أتموا الحج والعمرة لله ، فإن منعتم من إتمامهما وأنتم محرمون ~~فعليكم إذا أردتم التحلل أن تذبحوا ما تيسر لكم من الهدى ، ولا تتحللوا من ~~إحرامكم بالحلق حتى تعلموا أن الهدى المبعوث قد بلغ مكانه الذي يجب أن يراق ~~فيه دمه ، وهو الحرم. PageV01P420 # وهذا رأى الأحناف ، فقد قرروا أن المراد بالمحل البيت الحرام ، فهو اسم ~~مكان ، لأن الله تعالى قد قال في آية أخرى : ( @QUR@05 ثم محلها إلى البيت ~~العتيق ) (1)، وعليه فلا يجوز للمحصر أن يحلق ويتحلل إلا بعد أن يصل الهدى ~~الذي يرسله إلى البيت الحرام ويذبح. # أما جمهور الفقهاء فيرون أن محل الهدى للمحصر هو المكان الذي حدث فيه ~~الإحصار ، ودليلهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نحر هو وأصحابه هديهم ~~بالحديبية وهي ليست من الحرم ، وذلك عند ما منعه المشركون من دخول مكة. # وقد أجاب الأحناف على ذلك بأن محصر رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يقول ~~الآلوسى (2) كان في طريق الحديبية بأسفل مكة ، والحديبية متصلة بالحرم. # وعلى رأى جمهور الفقهاء يكون المعنى : ولا تتحللوا من إحرامكم بالحلق حتى ~~تذبحوا الهدى في الموضع الذي أحصرتم فيه ، فإذا تم الذبح فاحلقوا وتحللوا. ~~والخطاب على كلا المعنيين يكون للمحصرين ، لأنه أقرب مذكور. # ويرى المحققون من العلماء أن رأى جمهور الفقهاء أكثر اتفاقا مع السنة ~~النبوية ، وفيه تسهيل على المحصرين ، والمناسب لهم هو التيسير لا التعسير ، ~~ولا شك أن ذبحهم لهديهم في مكان إحصارهم أيسر لهم ، وحملوا قوله تعالى : ( ~~@QUR@07 ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله ) على أنه خطاب عام لجميع ~~المكلفين لا فرق بين محصر وغير محصر ، وأن المقصود من الجملة الكريمة هو ~~البيان العام لمكان التحلل وزمانه ، أما مكان الذبح عند الإحصار فقد بينه ~~النبي صلى الله عليه وسلم بذبحه لهديه في الحديبية ms0430 وهي ليست من الحرم عند ~~المحققين. # قال الإمام الرازي : ومنشأ الخلاف البحث في تفسير هذه الآية ، فقد قال ~~الشافعى وغيره : المحل في هذه الآية اسم للزمان الذي يحصل فيه التحلل وقال ~~أبو حنيفة : إنه اسم للمكان (3). # وبعد أن بين سبحانه أن الحلق لا يجوز للمحرم ما دام مستمرا على إحرامه ، ~~أردف ذلك ببيان بعض الحالات التي يجوز فيها للمحرم أن يحلق رأسه مع ~~استمراره على إحرامه فقال تعالى : ( @QUR@016 فمن كان منكم مريضا أو به أذى ~~من رأسه ، ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ). # أى : فمن كان منكم أيها المحرمون مريضا بمرض يضطر معه إلى الحلق ، أو كان به أذى PageV01P421 # من رأسه كجراحة وحشرات مؤذية ، فعليه إن حلق فدية من صيام أو صدقة أو نسك. # وقوله : ( @QUR@01 ففدية ) مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. أى : فعليه ~~فدية ، وأيضا ففيه إضمار آخر والتقدير : فحلق فعليه فدية. # والفدية : هي العوض عن الشيء الجليل النفيس. ولا ريب أن محرمات الحج ~~والعمرة أمور لها جلالها وعظمها. # وعبر سبحانه هنا بالفدية دون الكفارة ، لأن الذي به مرض أو أذى من رأسه ~~لم يرتكب ذنبا أو إثما حتى يكفر عنه. # قال القرطبي : والنسك : جمع نسيكه ، وهي الذبيحة ينسكها العبد لله تعالى ~~وتكون من الإبل والبقر والغنم ويجمع أيضا على نسائك. والنسك : العبادة في ~~الأصل ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@02 وأرنا مناسكنا ) أى : متعبداتنا. وقيل ~~: أصل النسك في اللغة الغسل ؛ ومنه نسك ثوبه إذا غسله ، فكأن العابد غسل ~~نفسه من أدران الذنوب بالعبادة. وقيل : النسك سبائك الفضة التي خلصت من ~~الخبث ، كل سبيكة منها نسيكة ، فكأن العابد خلص نفسه من دنس الآثام» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@06 من صيام أو صدقة أو نسك ) بيان لجنس الفدية. # وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم مقدار هذه الفدية ، فقد روى الشيخان عن ~~كعب بن عجرة الأنصارى قال : حملت إلى النبي صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر ~~على وجهى فقال : ما كنت أرى أن الجهد قد بلغ بك هذا ... أما تجد شاة؟ قلت : ~~لا!! قال : صم ms0431 ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام ~~واحلق رأسك. فنزلت فى خاصة وهي لكم عامة. # فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم مقدار الفدية في هذا الحديث ، وعامة ~~العلماء يرون أن المحرم لعذر كهذا يخير في هذا المقام ، إن شاء صام وإن شاء ~~تصدق وإن شاء ذبح شاة وتصدق بها على المساكين. # قال ابن كثير : ولما كان لفظ القرآن في بيان الرخصة جاء بالأسهل فالأسهل ~~، ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن عجرة بذلك أرشده أولا إلى الأفضل ~~فقال : أما تجد شاه؟ فكل حسن في مقامه» (2). # وبعد أن بين سبحانه كيفية التحلل عند الإحصار ، وكيفية التحلل الجزئى من بعض PageV01P422 # المحرمات عند المرض ، عقب ذلك ببيان كيفية التحلل في حالة الأمن فقال : ( ~~@QUR@025 فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ، فمن ~~لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ، تلك عشرة كاملة ). # وقوله : ( @QUR@02 فإذا أمنتم ) الأمن ضد الخوف. أى : فإذا زال خوفكم ~~وثبت أمنكم والجملة معطوفة على قوله ( @QUR@01 أحصرتم ) وجيء بإذا لأن فعل ~~الشرط وهو ( @QUR@01 أمنتم ) مرغوب فيه. # وقوله : ( @QUR@02 فمن تمتع ) جواب إذا. والتمتع في اللغة كما قال الإمام ~~الرازي التلذذ. يقال : تمتع بالشيء إذا تلذذ به. والمتاع كل شيء يتمتع به ، ~~وأصله من قولهم : حبل ماتع ، أى : طويل. وكل من طالت صحبته مع الشيء فهو ~~متمتع به (1). # والمراد بالتمتع في الآية المعنى الشرعي بأن يجمع المسلم بين العمرة ~~والحج في عام واحد في أشهر لحج ، بأن يحرم بالعمرة أولا ثم بالحج. # وسمى هذا النوع من الإحرام تمتعا ، لأن المحرم به يجمع بين متعة الروح ~~ومتعة الجسد. لأنه يحرم بالعمرة أولا ويقوم بمناسكها وتلك متعة روحية وبعد ~~الانتهاء من أدائها يتحلل فيجوز له أن يقرب النساء ويمس الطيب حتى يحرم ~~بالحج وتلك متعة بدنية. # وهناك نوعان آخران من الإحرام. # أحدهما : الإفراد ومعناه : أن يحرم بالحج فقط ولا يجمع معه العمرة ، ~~وإنما يأتى بها في وقت آخر. # وثانيهما : القران ومعناه ms0432 : أن يجمع بين العمرة والحج في إحرام واحد ، ~~بأن يبقى على إحرامه ويأتى بمناسك الحج والعمرة بالإحرام نفسه. # والمعنى : فإذا ثبت أمنكم أيها المسلمون عند أدائكم للحج والعمرة ، فمن ~~تمتع منكم بالعمرة إلى الحج ، بأن أحرم بها في أشهر الحج ، ثم بعد الانتهاء ~~من أعمالها تحلل بأن حلق رأسه ، وباشر أهله إن كانوا معه ، وانتظر متحللا ~~وصار من حقه أن يفعل كل ما يفعله من ليس محرما إلى وقت الإحرام بالحج ، ~~فعليه في هذه الحالة أن يذبح ما تيسر له من الهدى من غنم أو بقر أو إبل ~~ليكون هذا الذبح شكرا لله حيث وفقه سبحانه للجمع بين النسكين مع التمتع ~~بينهما بأفعال المتحلل ، فمن لم يجد ما يذبحه فعليه أن يصوم ثلاثة أيام في ~~وقت الحج وأن يصوم سبعة أيام بعد فراغه منه. PageV01P423 # وقوله : ( @QUR@06 فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ... ) معطوف على ( ~~@QUR@03 فمن تمتع بالعمرة ... ) لأن ( @QUR@02 فمن تمتع ) مع جوابه وهو ( ~~@QUR@02 فما استيسر ... ) مقدر فيه معنى فمن تمتع واجدا الهدى ، فعطف عليه ~~فمن لم يجد أى الهدى. # وقد جعل سبحانه الصيام بدلا عن الهدى زيادة في الرخصة والرحمة وزيادة في ~~الرفق والتيسير فقد جعله على مرحلتين : # إحداهما : وهي الأقل تكون في وقت الحج ، ويفضل كثير من الفقهاء أن يصوم ~~سادس ذي الحجة وسابعه وثامنه. # وثانيتهما : وهي الأكثر تكون بعد الرجوع إلى أهله حيث يطمئن ويستقر وتذهب ~~مشقة السفر فيصوم سبعة أيام. # وبعض الفقهاء يرى جواز الصيام عند الأخذ في الرجوع بعد الفراغ من أعمال ~~الحج ، ويرجح الوجه الأول ما رواه الشيخان من حديث ابن عمر وفيه : «فمن لم ~~يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله» (1). # والإشارة في قوله تعالى : ( @QUR@03 تلك عشرة كاملة ) إلى الثلاثة ~~والسبعة. ومميز العدد محذوف أى : أيام. والجملة مؤكدة لما أفاده قوله : ( ~~@QUR@08 فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ) وفائدة هذا التأكيد ~~دفع توهم أن الواو بمعنى أو ، أو أن السبعة كناية عن مطلق كثرة العدد ، ~~وبذلك يتقرر الحكم نصا ms0433 ، ويتبين أن الذي يحل محل النسك إنما هو العشرة ~~الكاملة وليس بعضها. # ووصف العشرة بأنها كاملة ، للتنويه بأن هذا الصوم طريق الكمال لأعمال ~~الحج ، وأن الحاج إذا نسى بعضها لا يكون حجه تاما حتى يصوم ما أمره الله ~~تعالى به. # وقوله : ( @QUR@08 ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ) الإشارة ~~فيه تعود إلى التمتع المفهوم من قوله تعالى : ( @QUR@05 فمن تمتع بالعمرة ~~إلى الحج .. ) إلخ. # أى : ذلك التمتع الذي يتمتع فيه المحرم بين النسكين ، إنما هو للشخص الذي ~~ليس أهله من المقيمين في مكة وما حولها ، لأن المقيمين في مكة وما حولها ~~يفردون ولا يجمعون ، إذ العمرة في إمكانهم أن يؤدوها طول أيام السنة. # وقد شرع سبحانه التمتع ليكون تيسيرا ورفقا للمقيمين بعيدا عن مكة هذا رأى ~~الأحناف. PageV01P424 # ويرى الشافعية : أن أهل مكة وما حولها يقرنون ويتمتعون كغيرهم من أهل ~~الآفاق ، وأن اسم الإشارة في الجملة الكريمة يعود إلى النسك وما يقوم مقامه ~~من الصوم لأنه أقرب مذكور. # وعلى رأيهم يكون المعنى : ذلك الذبح لما تيسر من الهدى والصيام لمن لم ~~يتيسر له الهدى إنما هو على سكان الآفاق ، لا على سكان مكة وما حولها ، لأن ~~سكان مكة وما حولها قد أحرموا لتمتعهم من الميقات فلا يجب عليهم شيء. # والمراد بحاضرى المسجد الحرام : أهل مكة وأهل الحل الذين منازلهم داخل ~~الميقات عند الحنفية. وقال المالكية : هم أهل مكة خاصة. وقال الشافعية : هم ~~أهل مكة ومن كان بينه وبين مكة مسافة لا تقصر فيها الصلاة. ولكل أدلته ~~المفصلة في كتب الفقه. # ثم ختم سبحانه الآية بالأمر بتقواه وبالتحذير من عقابه فقال : ( @QUR@07 ~~واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب ). # أى : واتقوا الله في كل ما يأمركم به وينهاكم عنه ، واعلموا أن الله شديد ~~العقاب لمن لم يخشه ولم يلتزم حدوده. # وفي هذا الأمر بالتقوى في ختام هذه الآية التي تحدثت عن الحج إشعار بأن ~~هذه الفريضة ليست العبرة فيها بما تعمله الجوارح وإنما العبرة بما تتركه في ~~القلوب من توبة صادقة ، وصيانة للنفس ms0434 عن اقتراف المحارم. # وفي قوله : ( @QUR@01 واعلموا ) اهتمام بالخبر ، وتحقيق لمضمونه ، وترهيب ~~من العقاب مع الترغيب بالثواب ، فقد جرت عادة الناس أنهم يصلحون بالثواب ~~والعقاب. # هذا ، وقد اشتملت هذه الآية الكريمة على بعض الأحكام التي تتعلق بالحج ~~والعمرة ، والمتدبر في هذه الأحكام يراها قد امتازت بأحكم ضروب التوجيه ، ~~وأيسر أنواع التكليف. # ثم بين سبحانه وقت الحج وما يجب على المسلم عند أدائه لهذه الفريضة من ~~آداب فقال تعالى : # ( @QUR@030 الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا ~~جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ~~واتقون يا أولي الألباب (197) @QUR@04 ليس عليكم جناح أن PageV01P425 # @QUR@022 تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند ~~المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين (198) ~~@QUR@012 ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ~~(199) @QUR@024 فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا ~~فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق (200) ~~@QUR@014 ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا ~~عذاب النار (201) @QUR@08 أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب ~~(202) @QUR@025 واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم ~~عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون ~~) (203) # وقوله : ( @QUR@03 الحج أشهر معلومات ). # أى : وقت الحج أشهر معلومات أو أشهر الحج أشهر معلومات فحذف المضاف وأقيم ~~المضاف إليه مقامه. # وجعلت النسبة إلى الحج نفسه لا إلى وقته ، للإشعار بأن هذه الأشهر لكونها ~~تؤدى فيها هذه الفريضة قد اكتسبت تقديسا وبركة منها ، حتى لكأن هذه الأشهر ~~هي الفريضة نفسها. PageV01P426 # قال القرطبي ما ملخصه : وأشهر الحج هي شوال وذو القعدة والعشرة الأولى من ~~ذي الحجة. وقيل هي شوال وذو القعدة وذو الحجة كله وفائدة الفرق تعلق الدم ؛ ~~فمن قال : إن ذا الحجة كله من أشهر الحج لم يوجب دما على من أخر طواف ~~الإفاضة إلى ms0435 آخر ذي الحجة لأنه وقع في أشهر الحج ، ومن قال بأن وقت الحج ~~ينقضي بالعشرة الأولى من ذي الحجة يوجب الدم عليه لتأخيره عن وقته. ولفظ ~~الأشهر قد يقع على شهرين وبعض الثالث ، لأن بعض الشهر ينزل منزلة كله ، كما ~~يقال : رأيتك سنة كذا ولعله إنما رآه في ساعة منها» (1). # وعبر سبحانه عن هذه الأشهر بأنها معلومات ، لأن العرب كانوا يعرفون أشهر ~~الحج من كل عام منذ عهد إبراهيم عليه السلام وقد جاء الإسلام مقررا لما ~~عرفوه. أو المراد بكونها معلومات أنها مؤقتة بأوقات معينة لا يجوز تقديمها ~~ولا تأخيرها عنها ، وهو يتضمن بطلان النسيء الذي كان يفعله الجاهليون تبعا ~~لأهوائهم. # وقوله : ( @QUR@012 فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ~~) بيان لما يحب أن يتحلى به المسلم من فضائل عند أدائه لهذه الفريضة. # قال الإمام الرازي : ومعنى ( @QUR@01 فرض ) في اللغة ألزم وأوجب. يقال : ~~فرضت عليك كذا ، أى أوجبته. وأصل معنى الفرض في اللغة الحز الذي يقع فيه ~~الوتر ، ومنه فرض الصلاة وغيرها لأنها لازمة للعبد كلزوم الحز للقدح ففرض ~~هنا بمعنى أوجب وألزم ...» (2). # والرفث في الأصل : الفحش من القول. والمراد به هنا الجماع. أو الكلام ~~المتضمن لما يستقبح ذكره من الجماع ودواعيه. # قال القرطبي : وأجمع العلماء على أن الجماع قبل الوقوف بعرفة مفسد للحج ~~وعليه حج قابل والهدى. # والفسوق : الخروج عن طاعة الله بارتكاب المعاصي ، ومن ذلك السباب وفعل ~~محظورات الإحرام ، وغير ذلك مما نهى الله عنه ، والجدال على وزن فعال من ~~المجادلة وهي مشتقة من الجدل وهو الفتل ومنه : زمام مجدول. # وقيل : هي مشتقة من الجدالة التي هي الأرض. فكأن كل واحد من الخصمين ~~يقاوم صاحبه حتى يغلبه ، فيكون كمن ضرب به الجدالة. # والمراد النهى عن المماراة والمنازعة التي تؤدى إلى البغضاء وتغير ~~القلوب. PageV01P427 # والمعنى : أوقات الحج أشهر معلومات فمن نوى وأوجب على نفسه فيهن الحج ~~وأحرم به فعليه أن يجتنب الجماع للنساء ودواعيه ؛ وأن يبتعد عن كل قول أو ~~فعل يكون خارجا عن آداب ms0436 الإسلام ، ومؤديا إلى التنازع بين الرفقاء والإخوان ~~، فإن الجميع قد اجتمعوا على مائدة الرحمن ، فعليهم أن يجتمعوا على طاعته ، ~~وأن يتعاونوا على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان. # روى الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «من حج هذا ~~البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه». # قال الآلوسى : وقال سبحانه ( @QUR@08 فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ~~) بالإظهار ولم يقل فيه مع أن المقام يقتضى الإضمار ، لإظهار كمال الاعتناء ~~بشأنه ، وللإشعار بعلة الحكم ، فإن زيارة البيت المعظم والتقرب بها إلى ~~الله تعالى من موجبات ترك الأمور المذكورة المدنسة لمن قصد السير والسلوك ~~إلى ملك الملوك. وإيثار النفي للمبالغة في النهى ، والدلالة على أنها حقيقة ~~بأن لا تكون فإن ما كان منكرا مستقبحا في نفسه منهيا عنه مطلقا فهو للمحرم ~~بأشرف العبادات وأشقها أنكر وأقبح (1)». # والضمير في قوله : ( @QUR@01 فيهن ) للأشهر ، لأنه جمع لغير العاقل فيجري ~~على التأنيث. # وجملة ( @QUR@02 فلا رفث .. ) إلخ في محل جزم جواب من الشرطية والرابط ~~بين جملة الشرط والجواب ما في معنى ( @QUR@02 فلا رفث ) من ضمير يعود على ~~«من» ، لأن التقدير فلا يرفث. # ويجوز أن تكون جملة ( @QUR@02 فلا رفث .. ) وما عطف عليها في محل رفع خبر ~~لمن على أنها موصولة. # وقد أخذ الشافعية من هذه الآية أنه لا يجوز الإحرام بالحج في غير أشهر ~~الحج لأن الإحرام به في غير أشهره يكون شروعا في العبادة في غير وقتها فلا ~~تصح ويرى الأحناف والحنابلة ، أنه يجوز الإحرام بالحج قبل أشهره ولكنه مع ~~الكراهة : والإمام مالك لا يرى كراهة في ذلك. # ويبدو أن رأى الشافعية هنا أرجح ، لأن قوله تعالى : ( @QUR@04 فمن فرض ~~فيهن الحج .. ) يشهد لهم ، فقد جعل سبحانه هذه الأشهر وعاء لهذه الفريضة ~~وظرفا لها. # وقوله : ( @QUR@06 وما تفعلوا من خير يعلمه الله ) حض على فعل الخير عقيب ~~النهى عن فعل الشر. # أى : اتركوا الأقوال والأفعال القبيحة ، وسارعوا إلى الأعمال الصالحة ~~خصوصا في تلك PageV01P428 # الأزمنة والأمكنة المفضلة ، والله تعالى لا يخفى عليه ms0437 شيء من أعمالكم ، ~~وهو سبحانه سيجازيكم على فعل الخير بما تستحقون من جزاء. # ثم قال تعالى : ( @QUR@05 وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ). # قال الإمام الرازي : في هذه الجملة الكريمة قولان : # أحدهما : أن المراد وتزودوا من التقوى أى الأعمال الصالحة والدليل عليه ~~قوله بعد ذلك ( @QUR@04 فإن خير الزاد التقوى ) وتحقيق الكلام فيه أن ~~الإنسان له سفران : سفر في الدنيا وسفر من الدنيا ، فالسفر في الدنيا لا بد ~~له من زاد وهو الطعام والشراب والمال .. إلخ. والسفر من الدنيا لا بد له ~~أيضا من زاد وهو معرفة الله ومحبته والإعراض عما سواه ، وهذا الزاد خير من ~~الزاد الأول لأن زاد الدنيا يخلصك من عذاب منقطع وزاد الآخرة يخلصك من عذاب ~~دائم .. قال الأعشى مقررا هذا المعنى : # إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى %~% ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على أن لا تكون كمثله %~% وأنك لم ترصد بما كان أرصدا # والقول الثاني : أن هذه الآية نزلت في أناس من أهل اليمن كانوا يحجون ~~بغير زاد ويقولون إنا متوكلون ، ثم كانوا يسألون الناس ، وربما ظلموا الناس ~~وغصبوهم فأمرهم الله تعالى أن يتزودوا بالمال والطعام الذي يغنيهم عن سؤال ~~الناس (1). # والذي نراه أن الجملة الكريمة تسع القولين. فهي تدعو الناس إلى أن ~~يتزودوا بالزاد المعنوي النفسي الذي يسعدهم ألا وهو تقوى الله وامتثال ~~أوامره واجتناب نواهيه والإكثار من العمل الصالح وفي الوقت نفسه هي تأمرهم ~~أيضا بأن يتزودوا بالزاد المادي الحقيقي الذي يغنيهم عن سؤال الناس ، ويصون ~~لهم ماء وجوههم. # وبذلك نكون قد استعملنا اللفظ في حقيقته ومجازه ، وهو استعمال شائع ~~مستساغ عند كثير من العلماء. # ثم ختم سبحانه الآية بتأكيد أمر التقوى ووجوب الإخلاص فقال : ( @QUR@04 ~~واتقون يا أولي الألباب ) والألباب : جمع لب وهو العقل واللب من كل شيء : ~~هو الخالص منه. وسمى به العقل ، لأنه أشرف ما في الإنسان. # أى : أخلصوا لي يا أصحاب العقول السليمة ، والمدارك الواعية ، لأنكم لما ~~كنتم كذلك كان وجوبها عليكم أثبت ، وإعراضكم عنها أقبح. ورحم الله القائل : PageV01P429 ولم ms0438 أر في عيوب الناس عيبا %~% كنقص القادرين على التمام # والجملة الكريمة ليست تكرارا لسابقتها ، لأن الأولى حث على التقوى وهذه ~~حث على الإخلاص فيها. # ثم بين سبحانه أن التزود بالزاد الروحي لا يتنافى مع التزود يا لزاد ~~المادي متى توافرت التقوى ، فقال تعالى : ( @QUR@08 ليس عليكم جناح أن ~~تبتغوا فضلا من ربكم ). # الجناح : أصله من جنح الشيء إذا مال : يقال جنحت السفينة إذا مالت إلى ~~أحد جانبيها. # والمراد بالجناح هنا الإثم والذنب ، لأنه لما كان الإثم يميل بالإنسان عن ~~الحق إلى الباطل سمى جناحا. # والابتغاء : الطلب بشدة ، وجملة ( @QUR@02 أن تبتغوا ) في موضع جر بتقدير في. # والفضل : الزيادة وتكون في الخير والشر إلا أنه جرى العرف أن يعبر عن ~~الزيادة الحسنة بالفضل وعن الزيادة القبيحة بالفضول. # والمراد به هنا : المال الحلال المكتسب عن طريق التجارة المشروعة أو ~~غيرها من وجوه الرزق الحلال. # أى : لا إثم ولا حرج عليكم في أن تطلبوا رزقا حلالا ومالا طيبا عن طريق ~~التجارة أو غيرها من وسائل الكسب المشروعة في موسم الحج. # وقد ذكر المفسرون أن الناس كانوا يتحاشون من التجارة في الحج ، حتى إنهم ~~كانوا يتجنبون البيع والشراء في العشر الأوائل من ذي الحجة ، فنزلت هذه ~~الآية لتخبرهم أنه لا حرج عليهم في ذلك. # روى البخاري عن ابن عباس قال : كان ذو المجاز (1) وعكاظ متجر الناس في ~~الجاهلية فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت ( @QUR@08 ليس عليكم ~~جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ). # وقال ابن كثير : وروى الإمام أحمد عن أبى أمامة التيمي قال : قلت لابن ~~عمر : إنا نكري فهل لنا من حج؟ قال : أليس تطوفون بالبيت وترمون الجمار ~~وتحلقون رءوسكم وتقضون المناسك قال : قلت بلى. فقال ابن عمر : جاء رجل إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الذي سألتنى فلم PageV01P430 # يجبه حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية ( @QUR@08 ليس عليكم جناح أن تبتغوا ~~فضلا من ربكم ) فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال له «أنتم حجاج» (1). # فالآية الكريمة صريحة في إباحة طلب الرزق لمن ms0439 هو في حاجة إلى ذلك في موسم ~~الحج ، بشرط ألا يشغله عن أداء فرائض الله. # ثم قال تعالى : ( @QUR@09 فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر ~~الحرام ). # الفاء في قوله : فإذا لتفصيل بعض ما أجمل من قبل في قوله ( @QUR@04 فمن ~~فرض فيهن الحج .. ) وأفضتم. اندفعتم بكثرة متزاحمين. وذلك تشبيه لهم بالماء ~~إذا كثر ودفع بعضه بعضا فانتشر وسال من حافتي الوادي والإناء والإفاضة في ~~الحديث الاندفاع فيه بإكثار وتصرف في وجوهه ومنه قوله تعالى ( @QUR@03 إذ ~~تفيضون فيه ). فأصل هذه الكلمة الدفع للشيء بكثرة حتى يتفرق. والتقدير : ~~أفضتم أنفسكم فحذف المفعول للعلم به. # والمراد : خروجهم من عرفات بشيء من السرعة في تكاثر وازدحام متجهين إلى ~~المزدلفة. # وعرفات : اسم للجبل المعروف ، قيل سمى بذلك لأن الناس يتعارفون به فهم ~~يجتمعون عليه في وقت واحد فيجري التعارف بينهم. # وقد اتفق العلماء على أن الوقوف بعرفات هو ركن الحج الأكبر ففي الحديث ~~الشريف «الحج عرفة» ويكون ذلك في اليوم التاسع من ذي الحجة. # قال القرطبي : أجمع أهل العلم على أن من وقف بعرفة يوم عرفة قبل الزوال ~~ثم أفاض منها قبل الزوال أنه لا يعتد بوقوفه ذلك قبل الزوال. وأجمعوا على ~~تمام حج من وقف بعرفة بعد الزوال وأفاض نهارا قبل الليل إلا مالك بن أنس ~~فإنه قال : لا بد أن يأخذ من الليل شيئا ، وأما من وقف بعرفة بالليل فإنه ~~لا خلاف بين الأمة في تمام حجه. والحجة للجمهور مطلق قوله : ( @QUR@04 فإذا ~~أفضتم من عرفات ): فإنه لم يختص ليلا من نهار. وحديث عروة بن مضرس قال : ~~أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الموقف من جمع أى من المزدلفة فقلت : يا ~~رسول الله ، جئتك من جبل طيئ أكللت مطيتي وأتعبت نفسي .. فهل لي من حج يا ~~رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من صلى معنا صلاة الغداة بجمع ~~وقد أتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه (2)». PageV01P431 # ومن في قوله : ( @QUR@02 من عرفات ) ابتدائية. أى ، فإذا أفضتم خارجين ms0440 من ~~عرفات إلى المشعر الحرام. # والمشعر الحرام : هو المزدلفة وقيل هو موضع بها. والمشعر : اسم مشتق من ~~الشعور أى : العلم ، أو من الشعار أى : العلامة. # ووصف المشعر بوصف الحرام لأنه من أرض الحرم ، وهو منسك له حرمة وتقديس. # والمزدلفة من الازدلاف وهو القرب وسميت بذلك لأن الحجاج يزدلفون إليها من ~~عرفات ليبيتوا بها قاصدين الاقتراب من منى. # وتسمى المزدلفة أيضا «جمع» لاجتماع الناس في هذا المكان أو جمعهم فيه بين ~~صلاتي المغرب والعشاء جمع تأخير. وتسمى كذلك «قزح». # ويرى الحنفية والشافعية أن الوقوف بالمزدلفة واجب وليس بركن ، ومن فاته ~~لا يبطل حجه ويجب عليه دم. # ويرى أكثر المالكية أن الوقوف بها سنة مؤكدة. # ويرى بعض التابعين وبعض الشافعية أن الوقوف بها ركن كالوقوف بعرفات ~~والمعنى : فإذا سرتم يا معشر الحجاج من عرفات متدافعين متزاحمين متجهين إلى ~~المزدلفة فأكثروا من ذكر الله تعالى بالتلبية والتهليل والدعاء بقلوب مخبتة ~~، ونفوس صافية ، لأن ذكر الله تعالى في تلك المواطن المقدسة والأوقات ~~الفاضلة من شأنه أن يرفع الدرجات ، ويوصل إلى أعلا المقامات. # ثم قال تعالى : ( @QUR@03 واذكروه كما هداكم ) الكاف للتشبيه. ومعنى ~~التشبيه في مثل هذا التركيب المشابهة في التساوي في الحسن والكمال. كما ~~تقول : اخدمه كما أكرمك تعنى : لا تتقاصر خدمتك عن إكرامه. # والمعنى : اذكروا الله تعالى ذكرا حسنا مماثلا لهدايته لكم ، وأنتم ~~تعلمون أن هذه الهداية شأنها عظيم فبسببها خرجتم من الظلمات إلى النور ، ~~فيجب عليكم أن تكثروا من ذكر الله ومن الثناء عليه. # قال الآلوسى : و «ما» تحتمل أن تكون مصدرية فمحل ( @QUR@02 كما هداكم ) ~~النصب على المصدرية ، بحذف الموصوف. أى : ذكرا مماثلا لهداكم .. وتحتمل أن ~~تكون كافة فلا محل لها من الإعراب. والمقصود من الكاف مجرد تشبيه مضمون ~~الجملة بالجملة ، لذا لا تطلب عاملا تفضى بمعناه إلى مدخولها. وقيل : إن ~~الكاف للتعليل ، وما مصدرية. أى ، اذكروه وعظموه لأجل PageV01P432 # هدايته السابقة منه تعالى لكم (1). # و ( @QUR@01 أن ) في قوله : ( @QUR@06 وإن كنتم من قبله لمن الضالين ) هي ~~المخففة من الثقيلة والضمير في ( @QUR@02 من قبله ) يعود ms0441 إلى الهدى المأخوذ ~~من ما المصدرية وما دخلت عليه والمراد بالضلال هنا : الجهل بالإيمان ~~وبالتكاليف التي كلف الله بها عباده. # أى : اذكروا الله تعالى ذكرا مشابها لهدايته لكم ، وإنكم لو لا هذه ~~الهداية لبقيتم على ضلالكم وجهلكم بالدين الحق ، ولكن الله تعالى من عليكم ~~بهذه الهداية فأكثروا من ذكره وشكره عليها. # وبعد أن تحدث سبحانه عن الإفاضة من عرفة إلى المزدلفة وأمر بالإكثار من ~~ذكره ، عقب ذلك ببيان الطريقة المثلى للإفاضة فقال : ( @QUR@012 ثم أفيضوا ~~من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ): # أى : أفيضوا من عرفة لا من المزدلفة. وهناك قولان في المخاطب بهذه الآية. # أحدهما : أن الخطاب فيها لقريش وحلفائها ، وذلك لأنهم كانوا يترفعون على ~~الناس ، فلا يقفون معهم على عرفات ، وإنما يقفون وحدهم بالمزدلفة ، وكانوا ~~يقولون : نحن قطين الله أى سكان حرمه فينبغي لنا أن نعظم الحرم وهو ~~المزدلفة ولا نعظم شيئا من الحل وهو عرفات . # روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت ، كانت قريش ومن دان دينها ~~يقفون بالمزدلفة ، وكانوا يسمون الحمس ، وكان سائر العرب يقفون بعرفات ، ~~فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتى عرفات ثم يقف بها ~~ثم يفيض منها فذلك قوله : ( @QUR@06 ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ). # والمعنى : أفيضوا يا معشر قريش من المكان الذي يفيض منه الناس وهو عرفة ، ~~واتركوا ما تفعلونه من الإفاضة من المزدلفة ، فالمقصود إبطال ما كانت تفعله قريش. # والثاني : أن الخطاب في الآية لجميع الناس ، أمرهم الله تعالى فيه أن ~~يفيضوا من حيث أفاض الناس. # والمراد بالناس في الآية إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام فإن سنتهما كانت ~~الإفاضة من عرفة لا من المزدلفة. PageV01P433 # قال بعضهم : وإيقاع اسم الجمع على الواحد جائز إذا كان رئيسا يقتدى به ~~كما في قوله تعالى : ( @QUR@04 الذين قال لهم الناس ) يعنى «نعيم بن ~~مسعود». # والذي نراه أن القول الثاني أولى بالقبول ، لأن المغزى الذي تهدف إليه ~~الآية في معناها الخاص والعام هو دعوة الناس جميعا إلى التجمع في مكان ms0442 واحد ~~ليشعروا بالإخاء والمساواة عند أدائهم لفريضة الحج بدون تفرقة بين كبير ~~وصغير ، وغنى وفقير ، وقرشي وغير قرشي ، ويدخل في النهى دخولا أوليا تلك ~~الحالة التي كانت عليها قريش. وقد قال العلماء : العبرة بعموم اللفظ لا ~~بخصوص السبب. # و «ثم» للتفاوت المعنوي بين الإفاضتين أى الإفاضة من عرفات والإفاضة من ~~مزدلفة لبيان البعد بينهما ، إذ أن إحداهما صواب والأخرى خطأ. # أى : لا تفيضوا من المزدلفة لأنه خطأ جسيم ، واجعلوا إفاضتكم من عرفات ~~لأن هذا العمل هو الصواب الذي يحبه الله ويرضاه. # وقوله : ( @QUR@06 واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ) معطوف على ( ~~@QUR@05 أفيضوا من حيث أفاض الناس ) أى : استغفروا الله من ذنوبكم ومما سلف ~~منكم من أخطاء فإن المؤمن كلما قويت روحه ، وصفت نفسه أحس بأنه مقصر أمام ~~نعم خالقه التي لا تحصى. ومن أكثر من التوبة والاستغفار غفر الله له ما فرط ~~منه ، لأنه سبحانه كثير الغفران ، واسع الرحمة. # ثم بين سبحانه ما يجب عليهم عمله بعد فراغهم من أعمال الحج فقال تعالى : ~~( @QUR@010 فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا ). # المناسك : جمع منسك مشتق من نسك نسكا من باب نصر إذا تعبد. والمراد هنا ~~العبادات التي تتعلق بالحج. # قال ابن كثير : عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان أهل الجاهلية يقفون ~~في الموسم بين مسجد منى وبين الجبل بعد فراغهم من الحج يذكرون فضائل آبائهم ~~فيقول الرجل منهم. كان أبى يطعم الطعام ويحمل الديات ... ليس لهم ذكر غير ~~فعال آبائهم فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم هذه الآية» (1). # والمعنى : فإذا فرغتم من عباداتكم ، وأديتم أعمال حجكم ، فتوفروا على ذكر ~~الله وطاعته كما كنتم تتوفرون على ذكر مفاخر آبائكم ، بل عليكم أن تجعلوا ~~ذكركم لله تعالى أشد وأكثر من ذكركم لمآثر آبائكم ، لأن ذكر مفاخر الآباء ~~إن كان كذبا أدى إلى الخزي في الدنيا والعقوبة PageV01P434 # في الآخرة. وإن كان صدقا فإنه في الغالب يؤدى إلى العجب وكثرة الغرور ، ~~أما ذكر الله بإخلاص وخشوع فثوابه عظيم ms0443 ، وأجره كبير. وفضلا عن ذلك فإن ~~المرء إذا كان لا ينسى أباه لأنه سبب وجوده فأولى به ثم أولى ألا ينسى الذي ~~خلق أباه وهو الله رب العالمين. # فالمقصود من الآية الكريمة الحث على ذكر الله تعالى والنهى عن التفاخر ~~بالأحساب والأنساب. # و «أو» هنا في معنى الإضراب والترقي إلى أعلى ، لأنه .. سبحانه أمرهم أولا ~~بأن يذكروه ذكرا يماثل ذكرهم لآبائهم ثم ترقى بهم إلى ما هو أعلى من ذلك ~~وأسمى فطالبهم بأن يكون ذكرهم له سبحانه أكثر وأعظم من ذكرهم لآبائهم. # قال صاحب الكشاف : وقوله : ( @QUR@03 أو أشد ذكرا ) في موضع جر عطف على ~~ما أضيف إليه الذكر في قوله : «كذكركم» كما تقول كذكر قريش آباءهم أو قوم ~~أشد منهم ذكرا. أو في موضع نصب عطف على ( @QUR@01 آباءكم ) بمعنى ، أو أشد ~~ذكرا من آبائكم. (1) وبعد أن أمر سبحانه الناس بذكره ، بين أنهم بالنسبة ~~لدعائه وسؤاله فريقان ، أما الفريق الأول فقد عبر عنه بقوله : ( @QUR@014 ~~فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ). # أى : من الناس نوع يقول في دعائه يا ربنا آتنا ما نرغبه في الدنيا فنحن ~~لا نطلب غيرها ، وهذا النوع ليس له في الآخرة من ( @QUR@01 خلاق ) أى : ~~نصيب وحظ من الخير. # وهذا النوع من الناس هو الذي استولى عليه حب الدنيا وشهواتها ومتعها ~~فأصبح لا يفكر إلا فيها ، ولا يهتم إلا بها ، صارفا نظره عن الآخرة وما ~~فيها من ثواب وعقاب. # والفاء في قوله : ( @QUR@02 فمن الناس ) للتفصيل ، لأن ما بعدها تقسيم ~~للناس إلى فريقين. # وحذف مفعول ( @QUR@01 آتنا ) للدلالة على تعميم المطلوب فهم يطلبون كل ما ~~يمكن أن تصل إليه أيديهم من متاع الدنيا بدون تمييز بين حلال أو حرام. وأما ~~الفريق الثاني فقد عبر سبحانه عنه بقوله : ( @QUR@014 ومنهم من يقول ربنا ~~آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ). # أى : يقولون يا ربنا اعطنا حسنة في الدنيا أى : حالا حسنة في الدنيا تكون ~~معها أبداننا سليمة ، ونفوسنا آمنة ، ومعيشتنا ميسرة بحيث ms0444 لا نحتاج إلى أحد ~~سواك ، ولا نذل إلا لك ، وامنحنا حالا حسنة في الآخرة بأن تجعلنا يوم لقائك ~~ممن رضيت عنهم ، ورضوا عنك. وأبعدنا يوم القيامة من عذاب النار. ولم يذكر ~~سبحانه قسما ثالثا من الناس وهو الذي يطلب الآخرة PageV01P435 # فقط ، ولا يطلب الدنيا ، لأن الإسلام دين لا يرضى لأتباعه أن ينسوا ~~حظوظهم من الدنيا ، ولا يقر الانقطاع عن زينتها التي أخرجها الله لهم ، ~~وإنما يريد لهم أن يكونوا من العاملين بقوله تعالى : ( @QUR@011 وابتغ فيما ~~آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ). # وبين سبحانه أن هذا النوع الثاني من الناس قد التمس من خالقه أن يقيه ~~عذاب النار مع أن هذا الدعاء مندرج تحت حسنة الآخرة ، وذلك لأن هذا النوع ~~من الناس لقوة إيمانه ، وصفاء وجدانه ، وشدة خشيته من ربه يغلب الخوف على ~~الرجاء ، فهو يستصغر حسناته مهما كثرت بجانب نعم الله وفضله ، ويلح في ~~الدعاء وفي الطلب أملا في الاستجابة. # وقد أجمع العلماء على أن هذه الآية الكريمة من جوامع الدعاء ، وورد في ~~فضل الدعاء بها أحاديث كثيرة منها ما رواه البخاري عن أنس بن مالك قال كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول : «اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة ~~حسنة وقنا عذاب النار». # وروى ابن أبى حاتم عن عبد السلام بن شداد قال : كنت عند أنس بن مالك فقال ~~له ثابت : إن إخوانك يحبون أن تدعو لهم. فقال : «اللهم آتنا في الدنيا حسنة ~~وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» وتحدثوا حتى إذا أرادوا القيام قال : يا ~~أبا حمزة إن إخوانك يريدون القيام فادع الله لهم فقال : أتريدون أن أشقق ~~لكم الأمور!! إذا آتاكم الله في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ووقاكم عذاب ~~النار فقد آتاكم الخير كله (1). # قال الإمام الرازي : اعلم أن الله تعالى بين أولا تفصيل مناسك الحج ، ثم ~~أمر بعدها بالذكر فقال : ( @QUR@09 فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند ~~المشعر الحرام ) ثم بين أن الأولى أن يترك ذكر غيره وأن يقتصر على ms0445 ذكره ~~سبحانه ثم بين بعد ذلك كيفية الدعاء فقال : ( @QUR@04 فمن الناس من يقول .. ~~) وما أحسن هذا الترتيب فإنه لا بد من تقديم العبادة لكسر النفس وإزالة ~~ظلماتها ثم بعد العبادة لا بد من الاشتغال بذكر الله تعالى لتنوير القلب ~~وتجلى نور جلاله. # ثم بعد ذلك الذكر يشتغل الرجل بالدعاء ، فإن الدعاء إنما يكمل إذا كان ~~مسبوقا بالذكر كما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه قدم الذكر فقال : ( ~~@QUR@04 الذي خلقني فهو يهدين ) ثم قال : ( @QUR@06 رب هب لي حكما وألحقني ~~بالصالحين ) فقدم الذكر على الدعاء» (2). # ثم بين سبحانه جزاء هذا الفريق الثاني فقال : ( @QUR@08 أولئك لهم نصيب ~~مما كسبوا والله سريع الحساب ). PageV01P436 # فاسم الإشارة يعود إلى الفريق الثاني باعتبار اتصافهم بما ذكر من النعوت ~~الجميلة وكانت الإشارة للبعيد لبيان علو منزلتهم ، وسمو درجاتهم ولم بعطف ~~على ما قبله لأنه كالنتيجة له. # وقيل : إن الإشارة تعود إلى الفريقين. أى : لكل من الفريقين نصيب من عمله ~~على قدر ما نواه. ويضعفه أن الله تعالى قد ذكر قبل ذلك عاقبة الفريق الأول ~~بقوله : ( @QUR@06 وما له في الآخرة من خلاق ). # والمعنى : أولئك الذين جمعوا في دعائهم بين طلب حسنتى الدنيا والآخرة لهم ~~نصيب جزيل ، وحظ عظيم من جنس ما كسبوا من الأعمال الصالحة ، أو من أجل ما ~~كسبوا من الفعال الطيبة. # فحرف الجر «من» يصح أن يكون للابتداء أو للتبعيض. # وفي هذه الجملة الكريمة وعد من الله لعباده أنهم متى تضرعوا إليه بقلب ~~سليم ، أجاب لهم دعاءهم ، وأعطاهم سؤالهم. # قال القرطبي : وقوله : ( @QUR@03 والله سريع الحساب ) من سرع يسرع مثل ~~عظم يعظم فهو سريع. و «الحساب» مصدر كالمحاسبة ، وقد يسمى المحسوب حسابا. ~~والحساب : العد. ويقال : حسب يحسب حسابا وحسابة وحسبانا أى : عد. # والمعنى في الآية : أن الله تعالى سريع الحساب لا يحتاج إلى عد ولا إلى ~~عقد ولا إلى إعمال فكر كما يفعله الحساب ، ولهذا قال وقوله الحق ( @QUR@03 ~~وكفى بنا حاسبين ). فالله تعالى عالم بما للعباد وما عليهم فلا يحتاج إلى ~~تذكر وتأمل. # وقيل : سريع المجازاة للعباد بأعمالهم. ms0446 وقيل لعلى بن أبى طالب : كيف ~~يحاسب الله العباد في يوم؟ قال : كما يرزقهم في يوم. ومعنى الحساب : تعريف ~~الله عباده مقادير الجزاء على أعمالهم وتذكيره إياهم بما قد نسوه. وقيل : ~~معنى الآية سريع بمجيء يوم الحساب ، فالمقصود بالآية الإنذار بيوم : ~~القيامة (1). # وقوله : ( @QUR@05 واذكروا الله في أيام معدودات ) معطوف على قوله تعالى ~~( @QUR@07 فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا ) وما بينهما اعتراض. # والمراد بالأيام المعدودات أيام التشريق الثلاثة التي بعد يوم النحر. ~~والتشريق : تقديد اللحم. # قال القرطبي : ولا خلاف بين العلماء أن الأيام المعدودات في هذه الآية هي ~~أيام منى ، وهي أيام التشريق ، وأن هذه الثلاثة الأسماء واقعة عليها ، وهي ~~أيام رمى الجمار» (2). PageV01P437 # فالآية الكريمة تأمر الحجاج وغيرهم من المسلمين أن يكثروا من ذكر الله في ~~هذه الأيام المباركة ، لأن أهل الجاهلية كانوا يشغلونها بالتفاخر ومغازلة ~~النساء «ويزعمون أن الحج قد انتهى بانتهاء يوم النحر وهو اليوم العاشر من ~~ذي الحجة. # ولقد بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الأيام ينبغي أن تعمر بذكر ~~الله وبشكره على نعمه. # روى الأمام مسلم عن نبيشة الهذلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله». # وروى البخاري عن ابن عمر : أنه كان يكبر بمنى تلك الأيام ، وخلف الصلوات ~~، وعلى فراشه وفي فسطاطه. وفي مجلسه ، وفي ممشاه ، في تلك الأيام جميعا. # ومن الذكر في تلك الأيام التكبير مع كل حصاة من حصى الجمار كل يوم من ~~أيام التشريق. فقد أخرج البخاري عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر ~~مع كل حصاة. # ويرى جمهور الفقهاء أن هذه الأيام يحرم فيها الصيام ، لأنها أيام أكل ~~وشرب وذكر لله. # والمعنى. اذكروا الله ، أى : كبروه في أدبار الصلوات وعند ذبح القرابين ، ~~وعند رمى الجمار وغيرها في تلك الأيام المعدودات التي هي موسم من مواسم ~~العبادة والطاعات ، فإن الإكثار من ذكر الله يرفع الدرجات ، ويمسح السيئات. # ثم قال تعالى : ( @QUR@014 فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن ms0447 تأخر فلا ~~إثم عليه لمن اتقى ). تعجل واستعجل يجيئان مطاوعين بمعنى عجل ، يقال : ~~تعجل الأمر واستعجل. ويأتيان متعديين فيقال : تعجل الذهاب واستعجله ويرى ~~الزمخشري أن المطاوعة أوفق لقوله تعالى : ( @QUR@02 ومن تأخر ). # وإيضاح ذلك : أنه يجب على الحاج المبيت بمنى الليلة الأولى والثانية من ~~ليالي أيام التشريق ، ليرمى كل يوم بعد الزوال إحدى وعشرين حصاة يرمى عند ~~كل جمرة سبع حصيات. ثم من رمى في اليوم الثاني وأراد أن ينفر ويترك المبيت ~~بمنى في الليلة الثالثة ورمى يومها بعد الزوال كما يرى الشافعية وبعده أو ~~قبله كما يرى الحنفية فلا إثم عليه في عدم مبيته بمنى في الليلة الثالثة. # أى : فمن تعجل فسافر في اليومين الأولين فلا إثم عليه في التعجيل ، ومن ~~بقي إلى تمام اليوم الثالث فلا إثم عليه كذلك إذا اتقى كل منهما الله ووقف ~~عند حدوده. # فالتقييد بالتقوى للتنبيه إلى أن العبرة في الأفعال إنما هي بتقوى القلوب ~~وطهارتها وسلامتها. # قال الآلوسى : وقوله ( @QUR@02 لمن اتقى ) خبر لمبتدأ محذوف ، واللام إما ~~للتعليل أو للاختصاص. PageV01P438 # أى : ذلك التخيير المذكور لأجل المتقى لئلا يتضرر بترك ما يقصده من ~~التعجيل والتأخر أو ذلك المذكور من أحكام مطلقا مختصة بالمتقى لأنه هو ~~الحاج على الحقيقة. والمراد من التقوى على التقديرين تجنب ما يؤثم من فعل ~~أو ترك (1)..». # ثم ختمت الآية بقوله تعالى : ( @QUR@06 واتقوا الله واعلموا أنكم إليه ~~تحشرون ) اتقوا الله في كل ما تأتون وما تذرون ، واعلموا أنكم ستجمعون بعد ~~تفرقكم وتساقون إلى خالقكم يوم القيامة ليجازيكم على أعمالكم. # وقد ختمت الآيات التي تحدثت عن فريضة الحج بهذا الختام المكون من عنصرين ~~، أحدهما : تقوى الله. # والثاني : العلم اليقيني بالحشر ، للإشعار بأنهما خلاصة التدين ، وثمرة ~~العبادات بكل أنواعها وكل طرقها ، وإذا خلت أية عبادة من هذين العنصرين ~~كانت صورة لا روح فيها. # وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد ساقت لنا بعض أحكام الحج وآدابه ومناسكه ~~بأسلوب بهدى القلوب ، ويسعد النفوس ، ومن شأن من يعمل بهذه الآيات أن يكون ~~ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه. ms0448 # وبعد أن بين سبحانه فريضة الحج وما اشتملت عليه من أحكام وآداب ، وبين ~~أصناف الناس في أدعيتهم التي تكشف عن خبايا قلوبهم ، ومعادن نفوسهم ، بعد ~~أن بين ذلك أعقبه بالحديث عن صنفين من الناس فقال : # ( @QUR@017 ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما ~~في قلبه وهو ألد الخصام (204) @QUR@014 وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ~~ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد (205) @QUR@07 وإذا قيل له اتق ~~الله أخذته العزة PageV01P439 # @QUR@05 بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد (206) @QUR@011 ومن الناس من ~~يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤف بالعباد ) (207) # فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد بينت صنفين من الناس # أولهما : يمثل الأشرار. # والثاني : يمثل الأخيار. # أما الصنف الأول فقد وصفه الله تعالى بخمس صفات ، الصفة الأولى حكاها في ~~قوله : ( @QUR@08 ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ). # يعجبك : من الإعجاب بمعنى الاستحسان ، تقول. أعجبنى هذا الشيء ، أى ، ~~استحسنته وعظم في نفسي. و «من» للتبعيض. # والمعنى : ومن الناس فريق يروقك منطقهم ، ويعجبك بيانهم ، ويحسن عندك ~~مقالهم. فأنت معجب بكلامهم الحلو الظاهر ، المر الباطن ، وأنت في هذه ~~الدنيا لأنك تأخذ الناس بظواهرهم ، أما في الآخرة فلن يعجبك أمرهم لأنهم ~~ستنكشف حقائقهم أمام الله الذي لا تخفى عليه خافية ، وسيعاقبهم عقابا أليما ~~لإظهارهم القول الجميل وإخفائهم الفعل القبيح. # وعلى هذا التفسير يكون قوله : ( @QUR@03 في الحياة الدنيا ) متعلقا ~~بيعجبك. # وبعضهم يجعل قوله ( @QUR@03 في الحياة الدنيا ) متعلقا بالقول فيكون ~~المعنى عليه ومن الناس فريق يعجبك قولهم إذا ما تكلموا في شئون الدنيا ~~ومتعها لأنها منتهى آمالهم ، ومبلغ علمهم ، وأصل حبهم ، ومن أحب شيئا أجاد ~~التعبير عنه ، أما الآخرة فهم لا يحسنون القول فيها ، لأنهم لا يهتمون بها ~~، بل هم غافلون عنها ، ومن شأن الغافل عن شيء ألا يحسن القول فيه. # ويبدو لنا أن تعلق الجار والمجرور بيعجبك أرجح ، لأنه يتفق مع السياق إذ ~~سياق الحديث في شأن الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ، ويخدعون ~~الناس بمعسول بيانهم مع أن نفوسهم مريضة ، وليس في ms0449 شأن الذين يحسنون الحديث ~~عن شئونها المختلفة ، بل إن بعض الذين يحسنون الحديث في شئون الدنيا لم ~~يضيعوا أخراهم وإنما عمروها بالعمل الصالح ، فهم جامعون بين حسنتى الدنيا ~~والآخرة. PageV01P440 # والصفة الثانية من صفات هذا النوع المنافق من الناس بينه القرآن بقوله ( ~~@QUR@06 ويشهد الله على ما في قلبه ) أى : يقرن معسول قوله ، وظاهر تودده ، ~~بإشهاد الله على أن ما في قلبه مطابق لما يجرى على لسانه. # وكأن هذا النوع المنافق قد رأى من الناس تشككا في قوله ، لأن من عادة ~~المنافقين أن يبدو من فلتات لسانهم ما يدل على ما هو مخبوء في نفوسهم فأخذ ~~يوثق قوله بالأيمان الباطلة بأن يقول لمن ارتاب فيه : الله يشهد أنى صادق ~~فيما أقول .. إلى غير ذلك من الأقوال التي يقصد بها تأكيد قوله وصدقه فيما ~~يدعيه ، فالمراد بإشهاد الله : الحلف به أن ما في قلبه موافق لقوله. # وجملة ( @QUR@02 ويشهد الله ) حالية أو مستأنفة أو معطوفة على قوله ( ~~@QUR@01 يعجبك ). # وقوله تعالى : ( @QUR@03 وهو ألد الخصام ) صفة ثالثة من صفات هذا النوع ~~من الناس. # قال القرطبي : الألد : الشديد الخصومة والعداوة .. ولددته بفتح الدال ~~ألده بضمها إذا جادلته فغلبته. والألد مشتق من اللديدين وهما صفحتا العنق ، ~~أى : في أى جانب أخذ من الخصومة غلب. والخصام في الآية مصدر خاصم. وقيل جمع ~~خصم كصعب وصعاب. والمعنى ، أشد المخاصمين خصومة ، وفي صحيح مسلم عن عائشة ~~قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن أبغض الرجال إلى الله الألد ~~الخصم» (1). # أى : إن هذا النوع من الناس يثير الإعجاب بحسن بيانه ، ويضللهم بحلاوة ~~لسانه ، ويحلف بالأيمان المغلظة أنه لا يقول إلا الصدق ، ويجادل عما يقوله ~~بالباطل بقوة وعنف ومغالبة ، فهو بعيد عن طباع المؤمنين الذين إذا قالوا ~~صدقوا ، وإذا جادلوا اتبعوا أحسن الطرق وأهداها. # ثم وصفه الله تعالى بصفة رابعة فقال : ( @QUR@014 وإذا تولى سعى في الأرض ~~ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد ). # تولى : من التولية بمعنى الإدبار والانصراف ، ومتعلق تولى محذوف تقديره : ~~تولى عنك. وسعى : من السعى وهو ms0450 المشي السريع وهو مستعار هنا لإيقاع الفتنة ~~والتخريب. والفساد كما قال الراغب خروج الشيء عن الاعتدال قليلا كان الخروج ~~عنه أو كثيرا ، ويضاده الصلاح يقال فسد فسادا وفسودا إذا خرج عن الاستقامة (2). # والحرث : مصدر يحرث ، أى : أثار الأرض لإعدادها للزراعة ، ثم أطلق وأريد ~~به المحروث وهو الأرض ، ثم أطلق وأريد به ما يترتب على ذلك من الزروع ~~والثمار وهو المراد هنا. PageV01P441 # والنسل : كما يقول القرطبي ما خرج من كل أنثى من ولد. وأصله الخروج ~~والسقوط ، ومنه نسل الشعر ينسل إذا سقط. ومنه ( @QUR@010 حتى إذا فتحت ~~يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون ) أى : يخرجون مسرعين. # والمعنى : وإذا أعرض عنك هذا النوع من الناس وولاك دبره أسرع في الإفساد ~~بينهم ، وتفريق كلمتهم ، وإتلاف كل ما يقع تحت يده من الزروع والثمار ~~والحيوان وما به قوام الحياة والأحياء. # فإهلاك الحرث والنسل كناية عن إتلافه لما به قوام أحوال الناس ومعيشتهم ، ~~وعن إيذائه الشديد لهم. # وبعض العلماء يرى أن «تولى» مشتق من الولاية : يقال : ولى البلد وتولاه ، ~~أى صار واليا له ، أميرا عليه. والمعنى على هذا الرأى. # وإذا صار هذا النوع من الناس واليا على قوم اجتذبهم إليه ببريق قوله ، ~~وبمعسول لفظه ، وبإيمانه الفاجرة ، ومجادلته الباطلة ، حتى إذا ما التف ~~الناس حوله سعى بينهم بالفساد ، وعمل على تقاطعهم وتباغضهم ، وحكم فيهم ~~بالباطل ، ظنا منه أن هذا الخلق وذلك السلوك سيجعلهم دائما طوع إرادته. # قال الإمام الرازي : والقول الأول أقرب إلى نظم الآية ، لأن المقصود بيان ~~نفاق هذا النوع من الناس ، وهو أنه عند الحضور يقول الكلام الحسن ويظهر ~~المحبة ، وعند الغيبة يسعى في إيقاع الفتنة والفساد (1). # وقوله ( @QUR@04 والله لا يحب الفساد ) أى لا يرضى عن الذي منه الإفساد ~~في الأرض ، ويظهر للناس الكلام الحسن وهو يبطن لهم الفعل السيئ ، لأنه ~~سبحانه أوجد الناس ليصلحوا في الأرض لا ليفسدوا فيها. فالجملة الكريمة ~~تحذير منه سبحانه للمفسدين ، ووعيد لهم على خروجهم عن طاعته. # أما الصفة الخامسة لهذا النوع من الناس فهي قوله تعالى : ( @QUR@08 وإذا ~~قيل ms0451 له اتق الله أخذته العزة بالإثم ). أى : وإذا قيل لهذا المنافق على ~~سبيل النصح والإرشاد اتق واترك ما أنت فيه من نفاق وخداع وخروج عن طاعة ~~الله ، استولت عليه العزة أى حمية الجاهلية مقترنة بالإثم ومصاحبة له ، فهي ~~ليست العزة المحمودة ولكنها الكبرياء المبغوضة. والباء على هذا المعنى ~~للمصاحبة والاقتران. PageV01P442 # قال الجمل. والباء على هذا تكون في محل نصب على الحال وفيها حينئذ وجهان : # أحدهما : أن تكون حالا من العزة أى ملتبسة بالإثم. # والثاني : أن تكون حالا من المفعول. أى ، أخذته حال كونه ملتبسا بالإثم ، ~~وفي قوله العزة بالإثم التتميم وهو نوع من علم البديع ، وهو عبارة عن إرداف ~~الكلمة بأخرى ترفع عنها اللبس وتقربها من الفهم ، وذلك أن العزة تكون ~~محمودة ومذمومة فمن مجيئها محمودة قوله تعالى : ( @QUR@04 ولله العزة ~~ولرسوله وللمؤمنين ) فلو أطلقت لتوهم فيها بعض من لا دراية له أنها محمودة ~~، فقيل بالإثم توضيحا للمراد فرفع اللبس ، ويجوز أن تكون الباء للتعدية وهو ~~قول الزمخشري فإنه قال : أخذته بكذا إذا حملته عليه وألزمته إياه. أى : ~~حملته العزة التي فيه وحمية الجاهلية على الإثم الذي ينهى عنه وألزمته ~~ارتكابه ، ويجوز أن تكون للسببية بمعنى أن إثمه كان سببا لأخذ العزة له» (1). # أى : استولت عليه حمية الجاهلية بسبب الإثم الذي استحوذ على قلبه فأنساه ~~كل ما يوصل إلى الصلاح والاستقامة. # و «ال» في العزة للعهد. أى : العزة المعهودة المعروفة عند أهل الجاهلية ~~التي تمنع صاحبها من قبول النصيحة. # قال الأستاذ الإمام محمد عبده مرجحا ما ذهب إليه من أن «تولى» بمعنى ~~الولاية والإمارة : «وهذا الوصف ظاهر جدا في تفسير التولي بالولاية والسلطة ~~، فإن الحاكم الظالم المستبد يكبر عليه أن يرشد إلى مصلحة ، أو يحذر من ~~مفسدة ، لأنه يرى أن هذا المقام الذي ركبه وعلاه يجعله أعلى الناس رأيا ~~وأرجحهم عقلا ، بل الحاكم المستبد الذي لا يخاف الله تعالى يرى نفسه فوق ~~الحق كما أنه فوق أهله في السلطة ، فيجب أن يكون أفن رأيه خيرا من جودة ~~آرائهم ، وإفساده نافذا مقبولا ms0452 دون إصلاحهم ، فكيف يجوز لأحد منهم أن يقول ~~له : اتق الله في كذا ...» (2). # ثم بين سبحانه سوء عاقبة من هذه صفاته فقال : ( @QUR@04 فحسبه جهنم ولبئس ~~المهاد ). # الفاء هنا للإفصاح ، لأنها تفصح عن شرط محذوف تقديره : إذا كانت هذه حالة ~~المعرض عن النصح أنفة وتكبرا ( @QUR@02 فحسبه جهنم ) أى : كافيه جهنم جزاء ~~له ( @QUR@02 ولبئس المهاد ) أى : ولبئس الفراش الذي يستقر عليه بسبب غروره ~~وفجوره. PageV01P443 # وقوله : ( @QUR@02 فحسبه جهنم ) جملة من مبتدأ وخبر ، وقوله ( @QUR@02 ~~ولبئس المهاد ) جواب قسم مقدر. أى : والله. والمخصوص بالذم محذوف لظهوره ~~وتعينه وهو جهنم. والمهاد جمع مهد وهو المكان المهيأ للنوم ، والتعبير عن ~~جهنم بالمهاد من باب التهكم والاستهزاء بهذا النوع المغرور المفسد من الناس. # هذا وقد أورد بعض المفسرين روايات في سبب نزول هذه الآيات منها أنها نزلت ~~في الأخنس ابن شريق الثقفي أقبل على النبي صلى الله عليه وسلم فأظهر الإسلام ~~وزعم أنه يحبه وأقسم بالله على ذلك ، غير أنه كان منافقا خبيث الباطن ، ~~فخرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم فمر بزرع لقوم من المسلمين فأحرق الزرع ~~وقتل بعض الماشية فنزلت. # قال الإمام الرازي ما ملخصه بعد أن ساق هذه الرواية وغيرها : واختيار ~~أكثر المحققين من المفسرين أن هذه الآيات عامة في حق كل من كان موصوفا بهذه ~~الصفات المذكورة ... ولا يمتنع أن تنزل الآية في الرجل ثم تكون عامة في كل ~~من كان موصوفا بتلك الصفات ، ونزولها على السبب الذي حكيناه لا يمنع من ~~العموم ، بل نقول فيها ما يدل على العموم وهو من وجوه. # أحدها : أن ترتب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية ، فلما ذم الله ~~تعالى قوما وصفهم بصفات توجب استحقاق الذم ، علمنا أن الموجب لتلك المذمة ~~هو تلك الصفات ، فيلزم أن كل من كان موصوفا بتلك الصفات أن يكون مستوجبا للذم. # وثانيها : أن الحمل على العموم أكثر فائدة ، وذلك لأنه يكون زجرا لكل ~~المكلفين عن تلك الطريقة المذمومة. # وثالثها : أن هذا أقرب إلى الاحتياط ، لأنا إذا حملنا الآية على العموم ~~دخل فيه ms0453 ذلك الشخص ، وأما إذا خصصناه بذلك الشخص لم يثبت الحكم في غيره ، ~~فثبت بما ذكرنا أن حمل الآية على العموم أولى» (1). # هذا ، وفي هذه الآيات الكريمة زجر شديد ووعيد أليم للمنافقين الذين ~~يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ويفسدون في الأرض ولا يصلحون ، ويكادون ~~يسطون بالذين ينصحونهم ويتلون عليهم آيات الله لأن المنافقين ما كثروا في ~~أمة إلا وجعلوا بأسها بينها شديدا ، روى ابن جرير عن نوف البكالي قال : إنى ~~لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنزل : قوم يحتالون على الدنيا ~~بالدين ، ألسنتهم أحلى من العسل ، وقلوبهم أمر من الصبر ، يلبسون للناس PageV01P444 # مسوك أى جلود الضأن وقلوبهم قلوب الذئاب يقول الله تعالى فعلى يجترءون ~~وبي يغترون ، حلفت بنفسي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم حيران». # قال ابن كثير : قال القرظي الذي روى هذا القول عن نوف : تدبرت هذه الصفات ~~في القرآن فإذا هي في المنافقين ووجدتها في قوله تعالى ( @QUR@08 ومن الناس ~~من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ) (1). # والحق أنه ما ابتليت أمة بتفشى هذا النوع من الناس فيها إلا فسد حالها ~~وهان شأنها وكانت عاقبة أمرها خسرا. # أما النوع الثاني من الناس وهم الأخيار الصادقون فقد عبر عنهم القرآن ~~بقوله تعالى : ( @QUR@011 ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله ، ~~والله رؤف بالعباد ). # ( @QUR@02 يشري نفسه ) أى : يبيعها ببذلها في طاعة الله وإعلاء كلمته ، ~~وتحقيقه أن المكلف قد بذل نفسه بمعنى أنه أطاع الله تعالى وحافظ على فرائضه ~~، وجاهد في سبيله ، من أجل أن ينال ثواب الله ومرضاته ، فكان ما بذله من ~~طاعات بمثابة السلعة ، وكان هو بمنزلة البائع ، وكان قبول الله تعالى منه ~~ذلك وإثابته عليه في معنى الشراء. # وقوله : ( @QUR@03 ابتغاء مرضات الله ) الابتغاء الطلب الشديد للشيء ، ~~والرغبة القوية في الحصول عليه ، وهو في الآية مفعول لأجله. # أى : ومن الناس نوع آخر قد باع نفسه وبذلها في طاعة الله طلبا لرضوانه ، ~~وأملا في مثوبته وغفرانه. # فهذا النوع التقى المخلص من الناس ، يقابل النوع المنافق المفسد الذي سبق ~~الحديث عنه. ms0454 # قال بعضهم : وكان مقتضى هذه المقابلة أن يوصف هذا الفريق الثاني بالعمل ~~الصالح مع عدم التعويض والتبجح بالقول ، أو مع مطابقة قوله لعمله وموافقة ~~لسانه لما في قلبه. والآية قد تضمنت هذا الوصف وإن لم تنطق به ، فإن من ~~يبيع نفسه لله لا يبغى ثمنا لها سوى مرضاته لا يتحرى إلا العمل الصالح وقول ~~الحق مع الإخلاص في القلب فلا يتكلم بلسانين ولا يقابل الناس بوجهين. ويكون ~~هو المؤمن الذي يعتد القرآن بإيمانه» (2). # وقال أحد العلماء : ومرضاة مصدر ميمى بمعنى الرضا. ولا شك أن التعبير ~~بالمصدر الميمى دون المصدر الأصلى له معنى يدركه السامع بذوقه ، ولم نجد ~~النحويين ولا البلاغيين تعرضوا PageV01P445 # لبيان التفرقة بين المصدر الميمى وغيره والذي يتبدى لنا ونظنه تفرقة ~~بينهما ، أن المصدر الميمى يصور المعنى المصدري واقعا قائما متحققا في ~~الوجود ، أما المصدر غير الميمى فيصور المعنى مجردا فإذا كانت كلمة مقال ~~بمعنى القول ، فإن التعبير بالقول يصور معنى مجردا من غير نظر إلى كونه ~~تحقق وجوده أولا. أما كلمة مقال فتصور معنى وجد وتحقق ، أو في صورة الموجود ~~المتحقق ، وعلى ذلك معنى «ابتغاء مرضاة الله» أنهم يبيعون أنفسهم طالبين ~~طلبا موثقا رضا الله سبحانه حقيقة واقعة مؤكدة ، ويتصورون رضاه سبحانه ~~حقيقة قائمة قد حلت بهم ، فيشتد طلبهم وافتداؤهم للحق بأموالهم وأنفسهم» (1). # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@03 والله رؤف بالعباد ) أى ، رفيق ~~رحيم بهم ، ومن مظاهر ذلك أنه لم يكلفهم بما هو فوق طاقتهم ، وإنما كلفهم ~~بما تطيقه نفوسهم ، وأنه أسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة في الدنيا مع ~~تقصيرهم فيما أمرهم به أو نهاهم عنه ، وأنه كافأهم بالنعيم المقيم على ~~العمل القليل ، وأنه جعل العاقبة للمتقين لا للمفسدين ، إلى غير ذلك من ~~مظاهر رأفته التي لا تحصى. # هذا ، وقد أورد المفسرون روايات متعددة في سبب نزول هذه الآية منها أنها ~~نزلت في صهيب بن سنان الرومي ، وذلك أنه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة منعه ~~المشركون أن يهاجر بماله ، وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر أذنوا له ، فنخلص ms0455 ~~منهم وأعطاهم ماله فأنزل الله فيه هذه الآية. فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة ~~إلى طرف الحرة فقالوا له : ربح البيع يا صهيب ، فقال لهم وأنتم فلا أخسر ~~الله تجارتكم وما ذاك؟ فأخبروه أن الله أنزل فيه هذه الآية. ويروى أن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم قال له عند ما رآه : «ربح البيع ، ربح البيع» مرتين (2). # وهناك روايات أنها نزلت فيه وفي عمار بن ياسر وفي خباب بن الأرت وفي ~~غيرهم من المؤمنين المجاهدين. # والذي نراه كما سبق أن بينا أن الآية الكريمة تتناول كل من أطاع الله ~~تعالى وبذل نفسه في سبيل إعلاء كلمته ، ويدخل في ذلك دخولا أوليا من نزلت ~~فيهم الآية ، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما يرى جمهور العلماء. # وبذلك نرى أن الآيات الكريمة قد بينت لنا نوعين من الناس : أحدهما خاسر ، ~~والآخر رابح ، لكي نتبع طريق الرابحين ، ونهجر طريق الخاسرين ( @QUR@06 ومن ~~تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى PageV01P446 # @QUR@02 الله المصير ). # وبعد أن عرض القرآن هذين النوعين اللذين نجدهما في كل زمان ومكان ، وجه ~~نداء إلى المؤمنين دعاهم فيه إلى الاستجابة التامة لخالقهم فقال تعالى : # ( @QUR@016 يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين (208) @QUR@012 فإن زللتم من بعد ما جاءتكم ~~البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم (209) @QUR@017 هل ينظرون إلا أن يأتيهم ~~الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور (210) ~~@QUR@020 سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ~~ما جاءته فإن الله شديد العقاب (211) @QUR@020 زين للذين كفروا الحياة ~~الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق ~~من يشاء بغير حساب ) (212) # ( @QUR@01 السلم ) بكسر السين وفتحها مع إسكان اللام بمعنى واحد ، ~~ويطلقان على الإسلام وعلى المسالمة. وبعضهم فرق بين اللفظين فجعل «السلم» ~~بكسر السين للإسلام ، و «السلم» بفتحها للمسالمة ، وأنكر المبرد هذه ~~التفرقة. # قال الفخر الرازي : وأصل هذه الكلمة من الانقياد. قال تعالى : ( @QUR@09 ~~إذ قال له ربه أسلم قال ms0456 أسلمت لرب العالمين ). والإسلام إنما سمى إسلاما ~~لهذا المعنى. وغلب اسم السلم على الصلح وترك الحرب ، وهذا أيضا راجع إلى ~~هذا المعنى. لأن عند الصلح ينقاد كل واحد إلى صاحبه» (1). PageV01P447 # و ( @QUR@01 كافة ) أى جميعا. وهي في الأصل صفة من كف بمعنى منع ، ~~واستعملت بمعنى الجملة والجميع بعلاقة أنها مانعة من التفرق وهي حال من ~~قوله : ( @QUR@01 السلم ) أى : يا أيها المؤمنون ادخلوا في الإسلام ~~والتزموا بكل تعاليمه ، ونفذوا جميع أحكامه وآدابه ، واعملوا بكل أوامره ~~ونواهيه ، ولا تكونوا ممن يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض. فالمقصود ~~التزام جميع شرائع الإسلام وأحكامه وآدابه. # وبعضهم يرى أن قوله : ( @QUR@01 كافة ) حال من فاعل ادخلوا وهو ضمير ~~الجماعة والمعنى عليه : ادخلوا في الإسلام جميعا ، وانقادوا لأحكامه ~~مجتمعين غير متفرقين ، لأنه الدين الذي ألف الله به بين قلوبكم فأصبحتم ~~بنعمته إخوانا. # وسواء أكان لفظ ( @QUR@01 كافة ) حالا من ( @QUR@01 السلم ) أو من فاعل ( ~~@QUR@01 ادخلوا ) فالمقصود من الآية دعوة المؤمنين إلى التمسك بجميع شعب ~~الإسلام وشرائعه مع التزامهم برباط الإخاء الذي ربط الله به بين قلوبهم ~~بسبب اتباعهم لهذا الدين الحنيف. # وإذا كان المراد بكلمة ( @QUR@01 السلم ) المسالمة والمصالحة كان المعنى ~~: يا أيها الذين آمنوا إن إيمانكم يوجب عليكم فيما بينكم أن تكونوا ~~متصالحين غير متعادين ، متحابين غير متباغضين ، متجمعين غير متفرقين ، كما ~~أنه يوجب عليكم بالنسبة لغيركم ممن هو ليس على دينكم أن تسالموه متى سالمكم ~~، وأن تحاربوه متى اعتدى عليكم ، فإن دينكم ما جاء للحرب والخصام وإنما جاء ~~للهداية وللسلام العزيز القوى الذي يرد الاعتداء بمثله. # هذا هو المعنى الذي نراه ظاهرا في الآية ، وهو ما سار عليه المحققون من ~~المفسرين. # وبعضهم ذكر أن الخطاب في الآية لمؤمنى أهل الكتاب ، لما روى عن ابن عباس ~~أنه قال : نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه ، وذلك أنهم حين آمنوا بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم وآمنوا بشرائعه وشرائع موسى عليه السلام فعظموا السبت ~~وكرهوا لحم الإبل وألبانها بعد أن أسلموا ، فأنكر عليهم المسلمون ، فقالوا ~~، إنا نقوى على هذا وهذا ؛ وقالوا للنبي صلى ms0457 الله عليه وسلم إن التوراة كتاب ~~الله فدعنا فلنعمل بها فأنزل الله هذه الآية. فالخطاب لمؤمنى أهل الكتاب (1). # وبعضهم ذكر أن المراد بالآية المنافقون والتقدير : يا أيها الذين آمنوا ~~بألسنتهم ادخلوا بكليتكم في الإسلام ولا تتبعوا خطوات الشيطان. وهذان ~~القولان ضعفهما ظاهر ، إذ لا سند لهما يعتمد عليه ، ولا يؤيدهما سياق الآية ~~الكريمة ، لأن الآية الكريمة صريحة في دعوة المؤمنين إلى التمسك بجميع ~~تعاليم الإسلام ، وإلى الإخاء الجامع ونبذ التفرق والاختلاف والاعتداء. PageV01P448 # وقوله : ( @QUR@08 ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ) تحذير ~~لهم مما يصدهم عن الدخول في السلم. # أى : أدخلوا في السلم واحذروا أن تتبعوا مدارج الشيطان وطرقه إنه لكم عدو ~~ظاهر العداوة بحيث لا تخفى عداوته على عاقل. # والخطوات. جمع خطوة بفتح الخاء وضمها وهي ما بين قدمي من يخطو. # وفي قوله : ( @QUR@04 ولا تتبعوا خطوات الشيطان ) إشعار بأن الشيطان ~~كثيرا ما يجر الإنسان إلى الشر خطوة فخطوة ودرجة فدرجة حتى يجعله يألفه ~~ويقتحمه بدون تردد ، وبذلك يكون ممن استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر ~~الله. والعاقل من الناس هو الذي يبتعد عن كل ما هو من نزغات الشيطان ~~ووساوسه ، فإن صغير الذنوب قد يوصل إلى كبيرها ، ومن حام حول الحمى يوشك أن ~~يقع فيه. # وقوله : ( @QUR@04 إنه لكم عدو مبين ) جملة تعليلية ، مؤكدة للنهى ومبينة ~~لحكمته. # وقوله : ( @QUR@012 فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله ~~عزيز حكيم ) تفريع على النهى ، وترهيب من العقاب الذي سيصيب المتبعين ~~للشيطان. # قال القرطبي : وأصل الزلل في القدم ، ثم استعمل في الاعتقادات والآراء ~~وغير ذلك. # يقال : زل يزل زلا وزللا وزلولا ، أى : دحضت قدمه. # والبينات : جمع بينة ، وهي الأدلة والمعجزات ، ومجيئها : ظهورها. # والمعنى : فإن تنحيتم عن طريق الحق ، وعدلتم عنه إلى الباطل ، من بعد أن ~~ظهرت لكم الأدلة المفرقة بين الصواب والخطأ ، والتي تدعوكم إلى اتباع طريق ~~الحق ، فاعلموا أن الله ( @QUR@01 عزيز ) لا يقهر ولا يعجزه الانتقام ممن ~~زل ( @QUR@01 حكيم ) لا يترك ما تقتضيه الحكمة وإنما يضع الأمور في ~~مواضعها. # وجيء في الشرط ms0458 بإن ، لندرة حصول الزلل من المؤمنين ، إذ الشأن فيهم ذلك. # وقوله : ( @QUR@05 فاعلموا أن الله عزيز حكيم ) جواب الشرط. # وقوله : ( @QUR@05 من بعد ما جاءتكم البينات ) قطع لعذرهم حتى لا يقولوا ~~يوم الحساب إننا زللنا لأننا لا نعرف الحق من الباطل. وفي الآية دليل على ~~أن عقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة الجاهل به كما قال القرطبي . # وقال الفخر الرازي ما ملخصه : «وقوله : ( @QUR@05 فاعلموا أن الله عزيز ~~حكيم ) نهاية في الوعيد ، PageV01P449 # لأنه يجمع من ضروب الخوف ما لا يجمعه الوعيد بذكر العقاب. وربما قال ~~الوالد لولده : إن عصيتني فأنت عارف بي وأنت تعلم قدرتي عليك وشدة سطوتي. ~~فيكون هذا الكلام في الزجر أبلغ من ذكر الضرب وغيره. فإن قيل : أفهذه الآية ~~مشتملة على الوعد كما أنها مشتملة على الوعيد؟ قلنا : نعم من حيث أتبعه ~~بقوله : ( @QUR@01 حكيم ) فإن اللائق بالحكمة أن يميز بين المحسن والمسيء ، ~~فكما يحسن من الحكيم إيصال العذاب إلى المسيء فكذلك يحسن منه إيصال الثواب ~~إلى المحسن ، بل هذا أليق بالحكمة وأقرب للرحمة» (1). # وبعد أن أمر الله المؤمنين بالدخول في السلم كافة ، ونهاهم عن الزلل عن ~~طريقه المستقيم ، عقب ذلك بتهديد الذين امتنعوا عن الدخول في السلم فقال : ~~( @QUR@08 هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل ... ). # ينظرون : أى ينتظرون. يقال : نظرته وانتظرته بمعنى واحد. # وظلل : جمع ظلة. كظلم جمع ظلمة وهي ما أظلك من شعاع الشمس وغيره. # والغمام : اسم جنس جمعى لغمامة ، وهي السحاب الرقيق الأبيض ، سمى بذلك ~~لأنه يغم ، أى يستر. ولا يكون الغمام ظلة إلا حيث يكون متراكبا والاستفهام ~~للإنكار والتوبيخ. # والمعنى : ما ينتظر أولئك الذين أبوا الدخول في الإسلام من بعد ما جاءتهم ~~البينات ، إلا أن يأتيهم الله يوم القيامة في ظلل كائنة من الغمام الكثيف ~~العظيم ليحاسبهم على أعمالهم ، وتأتيهم ملائكته الذين لا يعلم كثرتهم إلا ~~هو سبحانه وإتيان الله تعالى إنما هو بالمعنى اللائق به سبحانه مع تنزيهه ~~عن مشابهة الحوادث ، وتفويض علم كيفيته إليه تعالى . وهذا هو رأى علماء السلف. # وقوله : ( @QUR@02 وقضي الأمر ) معناه ms0459 على هذا الرأى : أتم سبحانه أمر ~~العباد وحسابهم فأثيب الطائع وعوقب العاصي ، ولم تعد لدى العصاة فرصة ~~للتوبة أو تدارك ما فاتهم. وقد ارتضى هذا الرأى عدد من المفسرين منهم ابن ~~كثير فقد قال في معنى الآية : يقول الله تعالى مهددا للكافرين بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم ( @QUR@011 هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ~~والملائكة ) يعنى : يوم القيامة نفصل القضاء بين الأولين والآخرين ، فيجزى ~~كل عامل بعمله : إن خيرا فخير وإن شرا فشر!! ولهذا قال تعالى ( @QUR@06 ~~وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور ) (2). PageV01P450 # أما علماء الخلف فيؤولون إتيان الله بما يتناسب مع ذاته سبحانه ، ولذا ~~فسروا إتيانه بأمره أو بأسه في الدنيا. # وقد عبر صاحب الكشاف عن وجهة نظر هؤلاء بقوله : «إتيان الله : إتيان أمره ~~وبأسه كقوله ( @QUR@06 أو يأتي أمر ربك جاءهم بأسنا ) ويجوز أن يكون المأتى ~~به محذوفا ، بمعنى أن يأتيهم الله ببأسه أو بنقمته للدلالة عليه بقوله قبل ~~ذلك «فإن الله عزيز حكيم». فإن قلت : لم يأتيهم العذاب في الغمام؟ قلت : ~~لأن الغمام مظنته الرحمة ، فإذا نزل منه العذاب كان الأمر أفظع وأهول ؛ لأن ~~الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أغم كما أن الخير إذا جاء من حيث لا ~~يحتسب كان أسر ، فكيف إذا جاء الشر من حيث يحتسب الخير ؛ ولذلك كانت ~~الصاعقة من العذاب المستفظع لمجيئها من حيث يتوقع الغيث : ( @QUR@02 وقضي ~~الأمر ) أى : تم أمر إهلاكهم وتدميرهم وفرغ منه» (1). # وقال الجمل ما ملخصه : وقوله : ( @QUR@04 إلا أن يأتيهم الله ) استئناف ~~مفرغ من مقدر ، أى ليس لهم شيء ينتظرونه إلا إتيان العذاب وهذا مبالغة في ~~توبيخهم وقوله : ( @QUR@01 والملائكة ) بالرفع عطفا على اسم الجلالة أى ، ~~وتأتيهم الملائكة فإنهم وسائط في إتيان أمره تعالى ، بل هم الآتون ببأسه ~~على الحقيقة. وقرأ الحسن وأبو جعفر : والملائكة بالجر عطفا على ظلل ، أى ~~إلا أن يأتيهم في ظلل وفي الملائكة. وقوله ( @QUR@02 وقضي الأمر ) فيه ~~وجهان : # أحدهما : أن يكون معطوفا على يأتيهم داخلا في حيز الانتظار ويكون ذلك من ~~وضع الماضي ms0460 موضع المستقبل والأصل ويقضى الأمر ؛ وإنما جيء به كذلك لأنه ~~محقق كقوله : ( @QUR@03 أتى أمر الله ). # والثاني : أن يكون جملة مستأنفة برأسها أخبر الله تعالى بأنه قد فرغ من ~~أمرهم فهو من عطف الجمل وليس داخلا في حيز الانتظار» (2). # ثم ختم سبحانه هذه الآية بقوله : ( @QUR@04 وإلى الله ترجع الأمور ) أى ~~إليه وحده سبحانه لا إلى غيره ولا إلى أحد معه تصير الأمور خيرها وشرها ~~وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا وسيجازى الذين أحسنوا بالحسنى. # فالجملة الكريمة تذييل قصد به تأكيد قضاء أمره ، ونفاذ حكمه ، وتمام قدرته. # ثم بين سبحانه أن كفر الكافرين ليس سيبه نقصان الدليل على صحة إيمان ~~المؤمنين ، PageV01P451 # وإنما سببه الجحود والحسد وإيثار الهوى على الهدى ، بدليل أن بنى إسرائيل ~~قد آتاهم الله آيات بينات تهدى إلى الإيمان ومع ذلك كفروا بها. استمع إلى ~~القرآن وهو يصور موقفهم بعد تهديده للكافرين في الآية السابقة فيقول : ( ~~@QUR@08 سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ... ). # قال الفخر الرازي : اعلم أنه ليس المقصود : سل بنى إسرائيل ليخبروك عن ~~تلك الآيات فتعلمها ؛ وذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان عالما بتلك ~~الأحوال بإعلام الله تعالى إياه ، بل المقصود منه المبالغة في الزجر عن ~~الإعراض عن دلائل الله تعالى . # أى : سل هؤلاء الحاضرين أنا لما آتينا أسلافهم آيات بينات فأنكروها ، لا ~~جرم استوجبوا العقاب من الله تعالى ، وذلك تنبيه لهؤلاء الحاضرين على أنهم ~~لو زلوا عن آيات الله لوقعوا في العذاب كما وقع أولئك المتقدمون فيه. ~~والمقصود من ذكر هذه الحكاية أن يعتبروا بغيرهم ...» (1). # و ( @QUR@01 سل ) فعل أمر من سأل وأصله اسأل فنقلت فتحة الهمزة إلى السين ~~قبلها وصارت ساكنة فحذفت. ولما فتحت السين لم يكن هناك حاجة إلى همزة الوصل ~~فحذفت أيضا. # و ( @QUR@01 كم ) إما خبرية والمسئول عنه محذوف ، والجملة ابتدائية لا ~~محل لها من الإعراب مبينة لاستحقاقهم التقريع والتوبيخ. كأنه قيل «سل بنى ~~إسرائيل» عن طغيانهم وجحودهم للحق بعد وضوحه فقد آتيناهم آيات كثيرة بينة ~~ومع ذلك أعرض كثير منهم عنها. # وإما ms0461 استفهامية والجملة في موضع المفعول الثاني لقوله «سل» وقيل : في ~~موضع المصدر ، أى : سلهم هذا السؤال. وقيل : في موضع الحال. أى : سلهم ~~قائلا : كم آتيناهم. # والاستفهام للتقرير بمعنى حمل المخاطب على الإقرار بأنه قد خالف ما ~~تقتضيه الآيات من الإيمان بالله تعالى . # فالمراد بهذا السؤال تقريعهم على جحودهم الحق بعد وضوح الآيات لا معرفة ~~إجابتهم كما إذا أراد واحد منا توبيخ أحد فيقول لمن حضره : سله كم أنعمت عليه؟ # ومن الآيات البينات والمعجزات الواضحات التي أظهرها الله تعالى لبنى ~~إسرائيل على أيدى أنبيائهم ليؤمنوا بهم : عصا موسى التي ألقاها فإذا هي حية ~~تسعى ؛ والتي ألقاها فإذا هي تلقف ما صنعه السحرة ، والتي ضرب بها البحر ( ~~@QUR@06 فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ) إلى غير ذلك من الآيات الدالة ~~على وحدانية الله وصدق من جرت على يديه هذه الخوارق ، ومع ذلك فمنهم من قال ~~لموسى ( @QUR@03 أرنا الله جهرة ) ومنهم من كفر وعبد العجل .. PageV01P452 # ثم بين سبحانه سوء عاقبة الجاحدين لآياته فقال : ( @QUR@012 ومن يبدل ~~نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب ). # التبديل : جعل شيء بدلا عن آخر ، ونعمة الله هنا تتناول آياته الدالة على ~~صدق رسله ، كما تتناول ما أسبغه الله على عباده من صحة ومال وعقل وغير ذلك ~~من نعمه الظاهرة والباطنة. # أى : ومن يبدل نعم الله بعد ما وصلت إليه واتضحت له ، بأن كفر بها مع ~~أنها تدعو إلى الإيمان ، وجحد فضلها مع أنها تستلزم منه الشكر لمسديها من ~~يبدل ذلك التبديل فإن الله سيعاقبه عقابا شديدا. # وقوله : ( @QUR@04 من بعد ما جاءته ) زيادة توبيخ لهم ، وأنهم مستحقون ~~لأشد ألوان العذاب ، لأنهم قد كفروا بآيات الله وجحدوا نعمه بعد معرفتها ~~والوقوف على تفاصيلها. فهو كقوله تعالى : ( @QUR@015 وقد كان فريق منهم ~~يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ). فهو تبديل عن ~~معرفة لا عن جهل أو خطأ. # وقوله : ( @QUR@04 فإن الله شديد العقاب ) تعليل للجواب أقيم مقامه. # أى : ومن يبدل نعمة الله عاقبه أشد عقوبة لأنه شديد ms0462 العقاب فلا يفلت منه ~~أحد. ويحتمل أن يكون هذه الجملة هي الجواب بتقدير الضمير أى شديد العقاب له. # والعقاب هو الجزاء عن جناية وجرم ، وهو مأخوذ كما يقول القرطبي من العقب ~~، كأن المعاقب يمشى بالمحازاة للجاني في آثار عقبه ، ومنه عقبة الراكب أى ~~الموضع الذي يركب منه ، فالعقاب والعقوبة يكونان بعقب الذنب وقد عاقبه ~~بذنبه (1). # فالآية الكريمة وعيد شديد لكل من يبدل نعم الله ، ويترك شكرها. # وبعد أن ذكر القرآن حال من يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته ، أتبعه بذكر ~~الأسباب التي حملت أولئك الأشقياء على البقاء في كفرهم وجحودهم فقال تعالى ~~: ( @QUR@05 زين للذين كفروا الحياة الدنيا )... الآية. # التزيين : جعل الشيء زينا أى ، شديد الحسن. والحياة نائب فاعل ، زين ، ~~ولم تلحق تاء التأنيث بالفعل لأن نائب الفاعل مجازى التأنيث ولوجود الفاصل ~~بين الفعل ونائب الفاعل. # والمعنى ، أن الحياة الدنيا قد زينت للكافرين فأحبوها وتهافتوا عليها ~~تهافت الفراش على النار ، وصارت متعها وشهواتها كل تفكيرهم ، أما الآخرة ~~فلم يفكروا فيها ، ولم يهيئوا أنفسهم للقائها. PageV01P453 # قال القرطبي : والمزين هو خالقها ومخترعها وخالق الكفر ، ويزينها أيضا ~~الشيطان بوسوسته وإغوائه وخص الذين كفروا بالذكر لقبولهم التزيين جملة ~~وإقبالهم على الدنيا وإعراضهم عن الآخرة بسببها. وقد جعل الله ما على الأرض ~~زينة لها ليبلو الخلق أيهم أحسن عملا ، فالمؤمنون الذين هم على سنن الشرع ~~لم تفتنهم الزينة ، والكفار تملكتهم لأنهم لا يعتقدون غيرها» (1). # وقوله : ( @QUR@04 ويسخرون من الذين آمنوا ) معطوف على جملة ( @QUR@03 ~~زين للذين كفروا ... ) # أو خبر لمبتدأ محذوف أى وهم يسخرون وتكون الواو للحال. # ويسخرون : يضحكون ويهزئون. يقال. سخرت منه وسخرت به وضحكت منه وضحكت به. # أى أن الذين كفروا لا يكتفون بحبهم الشديد لزينة الحياة الدنيا وشهواتها ~~وإنما هم بجانب ذلك يسخرون من المؤمنين لزهد هم في متع الحياة ، لأن الكفار ~~يعتقدون أن ما يمضى من حياتهم في غير متعة فهو ضياع منها ، وأنهم لن يبعثوا ~~ولن يحاسبوا على ما فعلوه في دنياهم ، أما المؤمنون فهم يتطلعون إلى نعيم ~~الآخرة الذي هو أسمى ms0463 وأبقى من نعيم الدنيا. # وجيء بقوله : ( @QUR@01 زين ) ماضيا للدلالة على أنه قد وقع وفرغ منه. ~~وجيء بقوله ( @QUR@01 ويسخرون ) مضارعا للدلالة على تجدد سخريتهم من ~~المؤمنين وحدوثها بين وقت آخر. قال تعالى : ( @QUR@012 إن الذين أجرموا ~~كانوا من الذين آمنوا يضحكون. وإذا مروا بهم يتغامزون .. ): # وقد ذكر بعض المفسرين في سبب نزول هذه الآية روايات منها : أنها نزلت في ~~المنافقين عبد الله بن أبى وحزبه ، كانوا يتنعمون في الدنيا أو يسخرون من ~~ضعفاء المؤمنين وفقراء المهاجرين ، ويقولون : أنظروا إلى هؤلاء الذين يزعم ~~محمد صلى الله عليه وسلم أنه يغلب بهم. ومنها. أنها نزلت في أبى جهل ورؤساء ~~قريش كانوا يسخرون من فقراء المسلمين كعمار وخباب وابن مسعود وغيرهم بسبب ~~ما كانوا فيه من الفقر والصبر على البلاء. والحق أنه لا مانع من نزولها في ~~شأن كل الكافرين الذين يسخرون من المؤمنين. # وقوله : ( @QUR@05 والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة ) رد منه سبحانه على ~~هؤلاء الكفار الذين يسخرون من المؤمنين ، والذين يرون أنفسهم أنهم في ~~زينتهم ولذاتهم أفضل من المؤمنين في نزاهتهم وصبرهم على بأساء الحياة ~~وضرائها. PageV01P454 # أى ، والذين اتقوا الله تعالى وصانوا أنفسهم عن كل سوء فوق أولئك ~~الكافرين مكانة ومكانا يوم القيامة ، لأن تقواهم قد رفعتهم إلى أعلى عليين ~~، أما الذين كفروا فإن كفرهم قد هبط بهم إلى النار وبئس القرار. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم قال «من الذين آمنوا» ثم قال : ( @QUR@02 ~~والذين اتقوا )؟ قلت : ليريك أنه لا يسعد عنده إلا المؤمن التقى ، وليكون ~~بعثا للمؤمنين على التقوى إذا سمعوا ذلك (1). # وقيدت الفوقية بيوم القيامة للتنصيص على دوامها ، لأن ذلك اليوم هو مبدأ ~~الحياة الأبدية ، ولإدخال السرور والتسلية على قلوب المؤمنين حتى لا يتسرب ~~اليأس إلى قلوبهم بسبب إيذاء الكافرين لهم في الدنيا. # وقوله : ( @QUR@06 والله يرزق من يشاء بغير حساب ) تذييل قصد به تشريف ~~المؤمنين ، وبيان عظم ثوابهم. # أى : والله يرزق من يشاء بغير حساب من المرزوق. أو بلا حصر وعد لما ~~يعطيه. أو أنه لا يخاف نفاد ما في خزائنه حتى ms0464 يحتاج إلى حساب لما يخرج ~~منها. فهو سبحانه الذي يعطى ويمنع ، وليس عطاؤه في الدنيا دليل رضاه عن ~~المعطى فقد يعطى الكافر وهو غير راض عنه ، أما عطاؤه في الآخرة فهو دليل ~~رضاه عمن أعطاه. # قال الأستاذ الإمام : إن الرزق بلا حساب ولا سعى في الدنيا إنما يصح ~~بالنسبة إلى الأفراد ، فإنك ترى كثيرا من الأبرار وكثيرا من الفجار أغنياء ~~موسرين متمتعين بسعة الرزق ، وكثيرا من الفريقين فقراء معسرين ، والمتقى ~~يكون دائما أسعد حالا وأكثر احتمالا ، ومحلا لعناية الله به فلا يؤلمه ~~الفقر كما يؤلم الفاجر لأنه يجد في التقوى مخرجا من كل ضيق ... وأما الأمم ~~فأمرها على غير هذا ، فإن الأمة التي ترونها فقيرة ذليلة لا يمكن أن تكون ~~متقية لأسباب نقم الله وسخطه .. وليس من سنة الله أن يرزق الأمة العزة ~~والثروة وهي لا تعمل ، وإنما يعطيها بعملها ويسلبها بزللها ..» (2). # ثم بين سبحانه أحوال الناس ، وأنهم في حاجة إلى الرسل ليبشروهم وينذروهم ~~ويحكموا بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه فقال تعالى : PageV01P455 # ( @QUR@049 كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل ~~معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا ~~الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا ~~لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) (213) # قال الفخر الرازي : اعلم أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة أن سبب ~~إصرار هؤلاء الكفار على كفرهم هو حب الدنيا ، بين في هذه الآية أن هذا ~~المعنى غير مختص بهذا الزمان ، بل كان حاصلا في الأزمنة المتقادمة ، لأن ~~الناس كانوا أمة واحدة قائمة على الحق ثم اختلفوا ، وما كان اختلافهم إلا ~~بسبب البغي والتحاسد والتنازع في طلب الدنيا» (1). # والأمة القوم المجتمعون على الشيء الواحد يقتدى بعضهم ببعض مأخوذ من أم ~~بمعنى قصد لأن كل واحد من أفراد القوم يؤم المجموع ويقصده في مختلف شؤونه. # وللعلماء أقوال في معنى قوله تعالى ( @QUR@09 كان الناس أمة واحدة فبعث ~~الله النبيين مبشرين ms0465 ومنذرين ). # القول الأول الذي عليه جمهور المفسرين أن المعنى : كان الناس أمة واحدة ~~متفقين على توحيد الله تعالى مقرين له بالعبودية مجتمعين على شريعة الحق ثم ~~اختلفوا ما بين ضال ومهتد ، فبعث الله إليهم النبيين ليبشروا من اهتدى منهم ~~بجزيل الثواب ، ولينذروا من ضل بسوء العذاب ، وليحكموا بينهم فيما اختلفوا ~~فيه بالحكم العادل ، والقول الفاصل. # قال القفال : ويشهد لصحة هذا الرأى قوله تعالى ( @QUR@03 فبعث الله ~~النبيين ... ) (2) فهذا يدل على أن الأنبياء عليهم السلام إنما بعثوا حين ~~الاختلاف ، ويتأكد هذا بقوله : PageV01P456 # «وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا» ويتأكد أيضا بما نقل عن ابن ~~مسعود أنه قرأ كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين ... # و «كان» على هذا الرأى على بابها من المضي ، وعدم استمرار الحكم ، وعدم ~~امتداده إلى المستقبل ، لأن الناس كانوا مهتدين ثم زالت الهداية عنهم أو عن ~~كثير منهم بسبب اختلافهم فأرسل الله تعالى رسله لهدايتهم. # القول الثاني يرى أصحابه أن المعنى : كان الناس أمة واحدة مجتمعين على ~~الضلال والكفر فبعث الله النبيين لهدايتهم .. # و «كان» على هذا الرأى أيضا على بابها من المضي والانقضاء ، ولا تحتاج على ~~هذا الرأى إلى تقدير كلام محذوف ، وهو ثم اختلفوا فبعث .. إلخ. # ومن العلماء الذين رجحوا القول الأول الإمام ابن كثير فقد قال : عن قتادة ~~عن عكرمة عن ابن عباس قال : كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من ~~الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين .. وهكذا قال قتادة ~~ومجاهد. وقال العوفى عن ابن عباس (كان الناس أمة واحدة) يقول كانوا كفارا ~~(فبعث الله النبيين) والقول الأول عن ابن عباس وهو أصح سندا ومعنى ؛ لأن ~~الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام فبعث الله إليهم نوحا ~~عليه السلام فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض (1). # أما الرأى الثالث فقد قرره الإمام القرطبي بقوله : ويحتمل أن تكون «كان» ~~للثبوت ، والمراد الإخبار عن الناس الذين هم الجنس كله أنهم أمة واحدة في ~~خلوهم عن الشرائع ، وجهلهم بالحقائق ، لو ms0466 لا من الله عليهم وتفضله بالرسل ~~إليهم. فلا يختص «كان» على هذا التأويل بالمضي فقط ، بل معناه معنى قوله : ~~( @QUR@04 وكان الله غفورا رحيما ) (2). # وهذا الرأى قد اختاروه الأستاذ الإمام محمد عبده في تفسيره للآية الكريمة ~~ووافقه عليه بعض العلماء الذين كتبوا في تفسير هذه الآية. قال الأستاذ ~~الإمام ما ملخصه. # «خلق الله الإنسان أمة واحدة أى مرتبطا بعضه ببعض في المعاش لا يسهل على ~~أفراده أن يعيشوا في هذه الحياة الدنيا إلا مجتمعين يعاون بعضهم بعضا ، فكل ~~واحد منهم يعيش ويحيا بشيء من عمله لكن قواه النفسية والبدنية قاصرة عن ~~توفير جميع ما يحتاج إليه ، فلا بد من انضمام قوى الآخرين إلى قوته ... ~~وهذا معنى قولهم : «الإنسان مدني بطبعه» يريدون بذلك أنه لم يوهب من القوى ~~ما يكفى للوصول إلى جميع حاجاته إلا بالاستعانة بغيره .. ولما كان PageV01P457 # الناس كذلك كان لا بد لهم من الاختلاف بمقتضى فطرهم ، وكان من رحمة الله ~~أن يرسل إليهم مبشرين ومنذرين. # وترتيب بعثة الرسل على وحدة الأمة في الآية التي نفسرها يكون على هذا ~~المعنى : إن الله قضى أن يكور الناس أمة واحدة يرتبط بعضهم ببعض ولا سبيل ~~لعقولهم ، وحدها إلى الوصول إلى ما يلزم لهم في توفير مصالحهم ودفع المضار ~~عنهم ، لتفاوت عقولهم ، واختلاف فطرهم ، وحرمانهم من الإلهام الهادي لكل ~~منهم إلى ما يجب عليه نحو صاحبه ، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأيدهم ~~بالدلائل القاطعة على صدقهم ، وعلى أن ما يأتون به إنما هو من عند الله ~~تعالى القادر على إثابتهم وعقوبتهم ...» (1). # وقال فضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة ما ملخصه : وإن هذا الرأى الذي ~~اختاره الأستاذ الإمام هو الذي نختاره ، وعلى هذا التأويل لا يكون ثمة حاجة ~~إلى تقدير محذوف ، لأن ذات حالهم من كونهم لا علم لهم بالشرائع ولا تهتدى ~~عقولهم إلى الحقائق بنفسها توجب البعث ، ولأن تلك الحال التي تكون على ~~الفطرة وحدها توجب الاختلاف فتوجب بعث النبيين .. ثم إن نفس كل إنسان فيها ~~نزوع إلى الاجتماع ، وحيث كان الاجتماع فلا ms0467 بد من نظام يربط ، وشرع يحكم. # وعلى هذا التأويل أيضا تكون الفاء في قوله : ( @QUR@01 فبعث ... ) وهي ~~التي يقول عنها النحويون إنها للترتيب والتعقيب في موضعها من غير حاجة إلى ~~تقدير ، لأن كون الناس أمة واحدة اقتضت الرسالة واقتضت الاختلاف. # و «كان» على هذا التأويل تدل على الاستمرار والثبوت ، لأن الناس بمقتضى ~~فطرهم دائما في حاجة إلى شرع السماء لا يهتدون إلا به. # ثم قال فضيلته : وقد يقول قائل : إن جعل «كان» للاستمرار يفيد أن وحدة ~~الناس في الفطرة وتأديها إلى التناحر يقتضى بعث النبيين إلى يوم القيامة ، ~~وأنه لا بد من نبي لعصرنا ، ونحن نسلم بالاعتراض ولا ندفع إيراده ونقول : ~~نعم إنه لا بد من قيام رسالة إلى يوم القيامة وهي رسالة محمد ~~صلى الله عليه وسلم التي جاءت بكتاب تتجدد به الرسالة والبعث إلى أن تفنى ~~الأرض ومن عليها وهذا الكتاب هو القرآن الكريم الذي لا تبلى جدته ، والذي ~~تكفل الله بحفظه ، وبإعجازه إلى يوم القيامة ، والذي من يقرؤه فكأنما ~~يتلقاه عن النبي صلى الله عليه وسلم » (2). PageV01P458 # هذه هي أشهر الأقوال في معنى قوله تعالى ( @QUR@09 كان الناس أمة واحدة ~~فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ) وهناك أقوال أخرى لم نذكرها لضعفها. # وقوله تعالى : ( @QUR@010 وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما ~~اختلفوا فيه ) معطوف على ( @QUR@01 فبعث )، والمراد بالكتاب الجنس. # والمعنى : وأنزل سبحانه مع هؤلاء النبيين الذين بعثهم مبشرين ومنذرين ~~كلامه الملتبس بالحق والجامع لما يحتاجون إليه من أمور الدين والدنيا ، لكي ~~يفصلوا بواسطته بين الناس فيما اختلفوا من شئون دينية ودنيوية. # وذكر سبحانه الكتاب بصيغة المفرد للإشارة إلى أن كتب النبيين وإن تعددت ~~إلا أنها في جوهرها كتاب واحد لاشتمالها على شرع واحد في أصله ، وإذا كان ~~هناك خلاف بينها ففي تفاصيل الأحكام وفروعها لا في جوهرها وأصولها ، وقوله ~~: ( @QUR@01 بالحق ) متعلق بأنزل ، أو حال من الكتاب أى ملتبسا شاهدا به. # والضمير في قوله : ( @QUR@01 ليحكم .. ) يجوز أن يعود إلى الله تعالى أو ~~إلى النبيين ، أو إلى الكتاب. ورجح بعضهم عودته إلى ms0468 الكتاب لأنه أقرب ~~مذكور. والجملة تعليلية للإنزال المذكور. # وفي إسناد الحكم إلى الكتاب تنبيه للناس إلى أن من الواجب عليهم أن ~~يرجعوا إليه عند كل اختلاف. لأن هذا هو المقصد الأساسى من إنزال الكتب ~~السماوية. # وللأستاذ الإمام محمد عبده كلام نفيس في هذا المعنى فقد قال رحمه الله ما ~~ملخصه : «الحكم مسند إلى الكتاب نفسه ، فالكتاب ذاته هو الذي يفصل بين ~~الناس فيما اختلفوا فيه ، وفيه نداء للحاكمين بالكتاب أن يلزموا حكمه ، ~~وألا يعدلوا عنه إلى ما تسوله الأنفس وتزينه الأهواء .. ولو ساغ للناس أن ~~يؤولوا نصا من نصوص الكتب على حسب ما تنزع إليه عقولهم بدون رجوع إلى بقية ~~النصوص ، لما كان لإنزال الكتب فائدة ، ولما كانت الكتب في الحقيقة حاكمة ، ~~بل كانت متحكمة فيها الأهواء ، فنعود المصلحة مفسدة ، وينقلب الدواء علة ، ~~ولهذا رد الله الحكم إلى الكتاب نفسه لا إلى هوى الحاكم به .. ونسبة الحكم ~~إلى الكتاب هي كنسبة النطق والهدى والتبشير إليه في قوله تعالى : ( @QUR@05 ~~هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ) وقوله تعالى : ( @QUR@09 إن هذا القرآن يهدي ~~للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين .. ) # ثم بقول رحمه الله «يتخذ الواحد منهم كلمة من الكتاب أو أثرا مما جاء به ~~وسيلة إلى تسخير غيره لما يريد ، وذلك قطع الكلمة أو الأثر عن بقية ما جاء ~~في الكتاب والآثار الأخر ولى اللسان أو تأويله بغير ما قصد منه ؛ وما هم ~~المؤول أن يعمل بالكتاب وإنما كل ما يقصد هو أن يصل إلى مطلب لشهوته ، أو ~~عضد لسطوته ، سواء أهدمت أحكام الله أم قامت ، واعوجت PageV01P459 # السبيل أم استقامت ، ثم يأتى ضال آخر يريد أن ينال من هذا ما نال غيره ، ~~فيحرف ويؤول حتى يجد المخدوعين بقوله ، ويتخذهم عونا على الخادع الأول ، ~~فيقع الاختلاف والاضطراب ، وآلة المختلفين في ذلك هو الكتاب (1) ثم بين ~~سبحانه الأسباب التي أدت إلى اختلاف الناس في الكتاب الذي أنزله لهدايتهم ~~فقال ( @QUR@013 وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات ~~بغيا بينهم ). # والضمير في قوله : ( @QUR@01 فيه ) وفي ms0469 قوله : ( @QUR@01 أوتوه ) يعود ~~إلى الكتاب ، والمعنى عليه : وما اختلف في شأن الكتاب الهادي الذي لا لبس ~~فيه ، المنزل لإزالة الاختلاف ، إلا الذين أوتوه ، أى علموه ووقفوا على ~~تفاصيله ، ولم يكن اختلافهم لالتباس عليهم من جهته وإنما كان خلافهم من بعد ~~ما ظهرت لهم الدلائل الواضحة الدالة على صدقه ، وما حملهم على هذا الاختلاف ~~إلا البغي والظلم والحسد الذي وقع بينهم. # والمراد بالذين اختلفوا فيه أهل الكتاب اليهود والنصارى ، واختلافهم في ~~الكتاب يشمل تصديقهم ببعضه وتكذيبهم بالبعض الآخر ، كما يشمل اختلافهم في ~~تفسيره وتأويله وتنفيذ أحكامه وعدم تنفيذها ، وذهاب كل فريق منهم مذهبا ~~يخالف مذهب الآخر في أصول الشرع لا في فروعه. # وعبر عن الإنزال بالإيتاء كما يقول الآلوسى للتنبيه من أول الأمر على ~~كمال تمكنهم من الوقوف على ما فيه من الحق ، فإن الإنزال لا يفيد ذلك ، ~~وقيل : عبر به ليختص الموصول بأرباب العلم والدراسة من أولئك المختلفين ، ~~وخصهم بالذكر لمزيد شناعة فعلهم ولأن غيرهم تبع لهم» (2). # وقوله : ( @QUR@05 من بعد ما جاءتهم البينات ) متعلق باختلف ، وفيه زيادة ~~تشنيع عليهم لأنهم قد اختلفوا فيه بعد أن قامت أمامهم الحجج الناصعة الدالة ~~على الحق. # وقوله : ( @QUR@01 بغيا ) مفعول لأجله لاختلفوا و ( @QUR@01 بينهم ) ~~متعلق بمحذوف صفة لقوله ( @QUR@01 بغيا ). أى أن داعي الاختلاف هو البغي ~~والحسد الذي وقع بينهم ، فجعل كل فريق منهم يخطئ الآخر ، ويجرح رأيه. # وفي هذا التعبير إشارة إلى أن البغي قد باض وفرخ عندهم ، فهو يحوم عليهم ~~، ويدور PageV01P460 # بينهم ، ولا طمع له في غيرهم ، ولا ملجأ له سواهم ، لأنهم أربابه الذين ~~تمكنوا منه ، وتمكن منهم بقوة ورسوخ. # وبعضهم جعل الضمير في قوله : ( @QUR@01 فيه ) يعود إلى الحق ، والضمير في ~~قوله : ( @QUR@01 أوتوه ) يعود إلى الكتاب. أى : وما اختلف في الحق إلا ~~الذين أوتوا الكتاب. # ويرى بعض العلماء أن عودة الضمير في كليهما إلى الحق أو إلى الكتاب جائز ~~، وأن المعنى على التقديرين واحد ، لأن الكتاب أنزل ملابسا للحق ومصاحبا له ~~، فإذا اختلف في الكتاب اختلف في الحق الذي فيه وبالعكس على طريقة قياس ms0470 ~~المساواة في المنطق والجملة الكريمة تحذير شديد من الوقوع فيما وقع فيه ~~غيرهم من اختلاف يؤدى إلى البغي والتنازع والإعراض عن الحق. # ثم بين سبحانه حال المؤمنين بعد بيانه لحال الغاوين فقال تعالى ( ~~@QUR@010 فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ). # أى : فهدى الله الذين آمنوا وصدقوا رسله إلى الحق الذي اختلف فيه أهل ~~الضلالة ، وذلك الهدى بفضل توفيقه لهم وتيسيره لأمرهم. # والفاء في قوله : ( @QUR@01 فهدى ) فصيحة لأنها أفصحت عن كلام مقدر وهو ~~المعطوف عليه المحذوف. # والتقدير : إذا كان هذا شأن الضالين المختلفين في الحق ، فقد هدى الله ~~بفضله الذين آمنوا إلى الصواب. # وبين سبحانه أن الذين رزقهم الهداية هم الذين آمنوا ، للإشعار بأن سبب ~~هدايتهم للحق هو إيمانهم وتقواهم ، واستجابتهم للداعي الذي دعاهم إلى ~~الطريق المستقيم. # وأسند الهداية إليه سبحانه لأنه هو خالقها ، ولأن قلوب العباد بيديه فهو ~~يقلبها كيف يشاء ، وهذا لا ينافي أن للعبد اختيارا وكسبا فهو إذا سار في ~~طريق الحق رزقه الله النور المشرق الذي يهديه ، وإن سار في طريق الضلالة ~~واستحب العمى على الهدى سلب الله عنه توفيقه بسبب إيثاره الضلالة على ~~الهداية. # وقوله تعالى في ختام هذه الآية : ( @QUR@07 والله يهدي من يشاء إلى صراط ~~مستقيم ) تذييل قصد به بيان كمال سلطانه ، وتمام قدرته. # أى : والله وحده هو الهادي من يشاء من عباده إلى طريق الحق الذي لا يضل ~~سالكه ، فليس لأحد سلطان بجوار سلطانه ، ولو أراد أن يكون الناس جميعا ~~مهديين لكانوا ، ولكن حكمته PageV01P461 # اقتضت أن يختبرهم ليتميز الخبيث من الطيب ، فيجازى كل فريق بما يستحقه. # قال ابن كثير : وفي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يصلى يقول : «اللهم رب جبريل ~~وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين ~~عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك ~~تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم». # وفي الدعاء المأثور : اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ms0471 وأرنا الباطل ~~باطلا وارزقنا اجتنابه ولا تجعله ملتبسا علينا فنضل واجعلنا للمتقين إماما (1). # وبذلك نرى أن الآية قد بينت أن الناس لا يستغنون عن الدين الذي شرعه الله ~~لهم على لسان رسله عليهم الصلاة والسلام ، وأن الأشرار من الناس هم الذين ~~يحملهم البغي على الاختلاف في الحق بعد ظهوره لهم ، أما الأخيار منهم فهم ~~الذين اهتدوا بتوفيق الله وتيسيره إلى طريق الخير والصواب ( @QUR@07 والله ~~يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ). # وبعد أن ذكر سبحانه حال الناس ، واختلاف سفهائهم على أنبيائهم ، واهتداء ~~عقلائهم إلى الحق ، عقب ذلك بدعوة المؤمنين إلى الاقتداء بمن سبقهم في ~~الصبر والثبات. فقال تعالى : # ( @QUR@030 أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ~~مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر ~~الله ألا إن نصر الله قريب ) (214) # قال القرطبي : قال قتادة والسدى وأكثر المفسرين : نزلت هذه الآية في غزوة ~~الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدة والحر والبرد وسوء ~~العيش وأنواع الشدائد ، وكانوا كما قال تعالى : ( @QUR@013 إذ جاؤكم من ~~فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ). PageV01P462 # وقيل نزلت في حرب أحد ، ونظيرها في آل عمران ( @QUR@011 أم حسبتم أن ~~تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم .. ) وقالت فرقة : نزلت ~~الآية تسلية للمهاجرين حين تركوا ديارهم وأموالهم بأيدى المشركين ، وآثروا ~~رضا الله ورسوله ، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله ، وأسر قوم من ~~الأغنياء النفاق فأنزل الله ذلك تطييبا لقلوبهم» (1). # وما ذكره المفسرون في سبب نزول هذه الآية الكريمة لا يمنع عمومها ، وأنها ~~تدعو المؤمنين في كل زمان ومكان إلى التذرع بالصبر والثبات تأسيا بمن سبقهم ~~من المتقين حتى يفوزوا برضوان الله تعالى ونصره. # و ( @QUR@01 أم ) هنا يرى بعضهم أنها للاستفهام الإنكارى ، ويرى بعض آخر ~~أنها أم المتصلة ، ويرى فريق ثالث أنها أم المنقطعة. # قال الجمل : وحسب هنا من أخوات ظن تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر ، ~~وأن وما بعدها سادة مسد المفعولين عند سيبويه ، ومسد الأول عند الأخفش ms0472 ~~والثاني محذوف ، ومضارعها فيه وجهان : الفتح وهو القياس والكسر (2). # و ( @QUR@01 لما ) تدل على النفي مع توقع حصول المنفي بها ، كما في قول ~~النابغة : # أزف الترحل غير أن ركابنا %~% لما تزل برحالنا وكأن قد # فنفى بلما ثم قال : وكأن قد ، أى وكأنه قد زالت. # و ( @QUR@01 البأساء ) ما يصيب الناس في الأموال كالفقر. والضراء : ما ~~يصيبهم في الأنفس كالمرض مشتقان من البؤس والضر. # و ( @QUR@01 زلزلوا ) من الزلزلة وهي شدة التحريك وتكون في الأشخاص وفي ~~الأحوال. فيقال : زلزلت الأرض ، أى تحركت واضطربت ، ومعنى زلزلوا : خوفوا ~~وأزعجوا واضطربوا. # والمعنى على أن ( @QUR@01 أم ) للاستفهام الإنكارى : أظننتم أيها ~~المؤمنون أنكم تدخلون الجنة بمجرد الإيمان دون أن يصيبكم ما أصاب الذين ~~سبقوكم من شدائد في الأنفس والأموال ، ومن مخاوف أزعجتهم وأفزعتهم حتى بلغ ~~الأمر برسولهم وبالمؤمنين معه أن يقولوا وهم في أقصى ما تحتمله النفوس ~~البشرية من آلام : متى نصر الله؟!! PageV01P463 # لا أيها المؤمنون إنى أنهاكم أن تظنوا هذا الظن ، وآمركم أن تتيقنوا من ~~أن الظفر بدخول الجنة يستلزم منكم التأسى بمن سبقكم من المتقين في الصبر ~~والثبات. # والمعنى على أن ( @QUR@01 أم ) هنا هي المتصلة أى المشعرة بمحذوف دل عليه ~~الكلام : قد خلت من قبلكم أمم أوتوا الكتاب واهتدوا إلى الحق فآذاهم الناس ~~أذى شديدا فصبروا على ذلك أفتصبرون مثلهم على المكاره وتثبتون ثباتهم على ~~الشدائد؟ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة دون أن يصيبكم ما أصابهم؟ # والمعنى على أن ( @QUR@01 أم ) هنا منقطعة أى تدل على الإضراب والاستفهام ~~معا : لقد أوذيتم أيها المؤمنون في سبيل دينكم أذى عظيما ، فعليكم أن ~~تصبروا وأن تثبتوا كما فعل الذين من قبلكم ، أم حسبتم أن تدخلوا الجنة دون ~~ابتلاء وصبر .. أى : بل أحسبتم .. إن كان هذا هو حسبانكم فهو حسبان باطل لا ~~ينبغي لكم. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 مستهم البأساء .. ) استئناف وقع جوابا عما ينساق ~~إليه الذهن ، كأنه قيل : كيف مثل أولئك الذين خلوا ومضوا؟ فكان الجواب ~~مستهم البأساء .. إلخ. # ومستهم أى : حلت بهم. وعبر بمستهم للإشعار بأن تلك الشدائد قد أصابتهم ~~بالآلام التي ms0473 اتصلت بحواسهم وأجسادهم ولكنها لم تضعف إيمانهم إذ حقيقة المس ~~اتصال الجسم بجسم آخر. # قال صاحب الكشاف : وقوله : ( @QUR@01 وزلزلوا ) أى : أزعجوا إزعاجا شديدا ~~شبيها بالزلزلة بما أصابهم من الأهوال والافزاع «حتى يقول الرسول» أى : إلى ~~الغاية التي قال الرسول ومن معه فيها ( @QUR@03 متى نصر الله ) أى بلغ بهم ~~الضجر ولم يبق لهم صبر حتى قالوا ذلك. ومعناه طلب النصر وتمنيه ، واستطالة ~~زمان الشدة. وفي هذه الغاية دليل على تناهى الأمر في الشدة وتماديه في ~~العظم ؛ لأن الرسل لا يقادر قدر ثباتهم واصطبارهم وضبطهم لأنفسهم ، فإذا لم ~~يبق لهم صبر حتى ضجوا كان ذلك الغاية في الشدة التي لا مطمع وراءها (1)». # والمراد بالرسول كما يقول الآلوسى الجنس لا واحد بعينه. وقيل : شعياء ، ~~وقيل : أشعياء ، وقيل اليسع. وعلى التعيين يكون المراد من الذين خلوا قوما ~~بأعيانهم وهم أتباع هؤلاء الرسل (2)». # وقوله تعالى : ( @QUR@05 ألا إن نصر الله قريب ) استئناف على تقدير ~~القول. أى فقيل لهم حينما PageV01P464 # التمسوا من الله النصر بعد تلك الشدائد والأهوال التي نزلت بهم : ألا إن ~~نصر الله قريب. تطييبا لأنفسهم ، وبعثا للآمال في قلوبهم. # وفي هذه الجملة الكريمة ألوان من المؤكدات والمبشرات بالنصر القريب ، ~~ويشهد لذلك التعبير بالجملة الاسمية بدل الفعلية فلم يقل مثلا ستنصرون ~~والتعبير بالجملة الاسمية يدل على التوكيد. ويشهد لذلك أيضا تصدير الجملة ~~بأداة الاستفتاح الدالة على تحقيق مضمونها وتقريره ، ووقوع إن المؤكدة بعد ~~أداة الاستفتاح ، وإضافة النصر إلى الله القادر على كل شيء والذي وعد عباده ~~المؤمنين بالنصر فقال ، إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ~~ويوم يقوم الأشهاد» : # هذا ، والمتأمل في الآية الكريمة يراها قد بينت للمؤمنين أن طريق الجنة ~~محفوف بالمكاره ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : «حفت الجنة ~~بالمكاره وحفت النار بالشهوات». وأنهم لكي يصلوا إلى الجنة عليهم أن يتأسوا ~~بالسابقين في جهادهم وصبرهم على الأذى ، فقد اقتضت سنة الله أن يجعل هذه ~~الحياة نزالا موصولا بين الأخيار والأشرار ، ونزاعا مستمرا بين الأطهار ~~والفجار ، وكثيرا ما يضيق البغاة ms0474 على المؤمنين ، وينزلون بهم ما ينزلون من ~~صفوف الاضطهاد إلا أن الله تعالى قد تكفل بأن يجعل العاقبة للمتقين. # ولقد حكى لنا التاريخ أن المؤمنين السابقين قد صبروا أجمل الصبر وأسماه ~~في سبيل إعلاء كلمة الله. # روى البخاري عن خباب بن الأرت رضى الله عنه قال : شكونا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا : ألا تستنصر لنا؟ ~~ألا تدعو لنا؟ فقال : قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل ~~فيها ، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ، ويمشط بأمشاط الحديد ~~ما دون لحمه وعظمه ، فما يصده ذلك عن دينه. والله ليتمن الله هذا الأمر حتى ~~يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم ~~تستعجلون (1). # وبذلك نرى أن السورة الكريمة من قوله تعالى ( @QUR@08 ومن الناس من يعجبك ~~قوله في الحياة الدنيا ) إلى هنا ، قد بينت لنا أقسام الناس في هذه الحياة ~~، ودعت المؤمنين إلى أن يتمسكوا بجميع تعاليم الإسلام ، وأن يزهدوا في زينة ~~الحياة التي شغلت المشركين عن كل شيء سواها ، وأن يشكروا الله على هدايته ~~إياهم إلى الحق الذي اختلف غيرهم فيه ، وأن يوطنوا أنفسهم على تحمل الآلام ~~لكي يحقق الله لهم الآمال. PageV01P465 # ثم أرشد الله تعالى المؤمنين بعد ذلك إلى أن مما يعينهم على دفع الأذى ~~وعلى دحر أعدائهم أن يبذلوا أموالهم في طاعة الله ، وأن يعدوا أنفسهم ~~للقتال في سبيله فقال تعالى : # ( @QUR@023 يسئلونك ما ذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين ~~والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به ~~عليم (215) @QUR@025 كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو ~~خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (216) ~~@QUR@057 يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل ~~الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر ~~من القتل ولا يزالون ms0475 يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد ~~منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون (217) @QUR@016 إن الذين آمنوا والذين هاجروا ~~وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم ) (218) PageV01P466 # قال الآلوسى : عن ابن جريج قال : سأل المؤمنون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أين يضعون أموالهم فأنزل الله تعالى قوله : ( @QUR@04 يسئلونك ما ذا ينفقون ~~). الآية. وعن ابن عباس قال : كان عمرو بن الجموح شيخا كبيرا وعنده مال ~~كثير فقال يا رسول الله : بما ذا نتصدق ، وعلى من ننفق؟ فنزلت الآية. # والمعنى : يسألك أصحابك يا محمد أى شيء ينفقونه من أصناف الأموال؟ قل لهم ~~: ما أنفقتم من أموالكم فاجعلوه للوالدين قبل غيرهما ليكون أداء لحق ~~تربيتهما ووفاء لبعض حقوقهما ، وللأقربين وفاء لحق القرابة والرحم ولليتامى ~~لأنهم فقدوا الأب الحانى الذي يسد عوزهم ، والمساكين لفقرهم واحتياجهم ، ~~وابن السبيل لأنه كالفقير لغيبة ماله وانقطاعه عن بلده. # قال الإمام الرازي : فهذا هو الترتيب الصحيح الذي رتبه الله تعالى في ~~كيفية الإنفاق. ثم لما فصل هذا التفصيل الحسن الكامل أردفه بعد ذلك ~~بالإجمال فقال : ( @QUR@08 وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم ) أى : وكل ~~ما فعلمتوه من خير إما مع هؤلاء المذكورين وإما مع غيرهم حسبة لله وطلبا ~~لجزيل ثوابه وهربا من أليم عقابه فإن الله به عليم فيجازيكم احسن الجزاء ~~عليه ..» (1). # وظاهر الآية كما يقول الآلوسى أن السؤال عن المنفق فأجاب ببيان المصرف ~~صريحا ، لأنه أهم لأن اعتداد النفقة باعتباره. وأشار سبحانه إجمالا إلى ~~بيان المنفق فإن قوله ( @QUR@02 من خير ) يتضمن كونه حلالا إذ لا يسمى ما ~~عداه خيرا ، وإنما تعرض لذلك أى لبيان المنفق عليه وليس في السؤال ما ~~يقتضيه ، لأن السؤال للتعلم لا للجدل ، وحق المعلم فيه أن يكون كطبيب رفيق ~~يتحرى ما فيه الشفاء ، طلبه المريض أم لم يطلبه. ولما كانت حاجتهم إلى من ~~ينفق عليه كحاجتهم إلى ما ينفق بين الأمرين ، (وهذا كمن به صفراء فاستأذن ms0476 ~~طبيبا ، في أكل العسل فقال له : كله مع الخل). فالكلام إذا من أسلوب ~~الحكيم. ويحتمل أن يكون في الكلام أى في كلام السائلين ذكر المصرف أيضا كما ~~في سؤال عمرو بن الجموح إلا أنه لم يذكره في الآية للإيجاز في النظم تعويلا ~~على الجواب ، فتكون الآية جوابا لأمرين مسئول عنهما. والاقتصار في بيان ~~المنفق على الإجمال من غير تعرض للتفصيل كما في بيان المصرف للإشارة إلى ~~كون الثاني أهم. وهل تخرج الآية بذلك عن كونها من أسلوب الحكيم أولا؟ قولان ~~أشهرهما الثاني» (2). PageV01P467 # ولم يتعرض سبحانه هنا لبقية المحتاجين كالسائلين والغارمين إما اكتفاء ~~بذكرهم في مواضع أخرى ، وإما بناء على دخولهم تحت عموم قوله تعالى : في آخر ~~الآية ( @QUR@08 وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم ) فإنه شامل لكل خير ~~واقع في أى مصرف كان. # قال الجمل و «ذا» اسم موصول بمعنى الذي والعائد محذوف ، و «ما» على أصلها ~~من الاستفهام ولذلك لم يعمل فيها يسألونك ، وهي مبتدأ وذا خبره ، والجملة ~~محلها النصب بيسألون. والمعنى يسألونك أى الشيء الذي ينفقونه» (1). # وقوله : ( @QUR@08 وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم ) تذييل قصد به ~~الحض على فعل الخير ، لأن المؤمن عند ما يشعر بأن الله يرى عمله ويجازيه ~~عليه بما يستحقه ، يشجعه ذلك على الاستمرار في عمل الخير. وإذا كان بعضنا ~~يكثر من عمل الخير عند ما يعلم أن شخصا ذا جاه يسره هذا العمل ، فكيف يكون ~~الحال عند ما يعلم المؤمن التقى أن الذي يرى عمله ويكافئه عليه هو الله ~~الذي لا تخفى عليه خافية ، والذي يعطى من يشاء بغير حساب. # قال بعض العلماء : وقد اختلف في هذه الآية. فقيل إنها منسوخة بآية الزكاة ~~وهي قوله تعالى : ( @QUR@03 إنما الصدقات للفقراء .. ). وقيل وهو الأولى ~~إنها غير منسوخة ، وهي لبيان صدقة التطوع فإنه متى أمكن الجمع فلا نسخ» (2). # وقوله : ( @QUR@06 كتب عليكم القتال وهو كره لكم ) حض لهم على بذل النفس ~~في سبيل إعلاء كلمة الله ، بعد أن حضهم في الآية السابقة على بذل المال. ms0477 # والكره بضم الكاف بمعنى الكراهية بدليل قوله تعالى : ( @QUR@04 وعسى أن ~~تكرهوا شيئا .. ) أى أن القتال لشدة ويلاته ، وما فيه من إزهاق الأرواح ~~كأنه الكراهة نفسها فهو من وضع المصدر موضع اسم المفعول مبالغة ، وقرئ وهو ~~كره لكم بفتح الكاف فيكون فيه معنى الإكراه ، لأن الكره بالفتح ما أكرهت ~~عليه. وقيل هما لغتان بمعنى واحد وهو الكراهية. # ويرى كثير من المفسرين أن القتال إنما كان مكروها للنفوس لما فيه من ~~التعرض للجراح وقطع الأطراف ، وإزهاق الأرواح والإنسان ميال بطبعه إلى ~~الحياة ، وأيضا لما فيه من إخراج المال ومفارقة الوطن والأهل ، والحيلولة ~~بين المقاتل وبين طمأنينته ونومه وطعامه ، فهو مهما يكن أمره فيه ويلات ~~وشدائد ، ومشقات تتلوها مشقات ، ولكن كون القتال مكروها للنفوس لا ينافي ~~الإيمان ولا يعنى أن المسلمين كرهوا فرضيته ، لأن امتثال الأمر قد يتضمن ~~مشقة ، ولكن إذا PageV01P468 # عرف الثواب هان في جنبه اقتحام المشقات. ولا شك أن القتال في سبيل الله ~~مع ما فيه من صعاب وشدائد ستكون عاقبته العزة في الدنيا ، والسعادة في ~~الأخرى. # ويرى بعضهم أن كره المسلمين للقتال ليس سببه ما فيه من شدائد ومخاطر ~~وتضحيات بدليل أنهم كانوا يتنافسون خوض غمراته ، وإنما السبب في كراهيتهم ~~له هو أن الإسلام قد غرس في نفوسهم رقة ورحمة وسلاما وحبا ، وهذه المعاني ~~جعلتهم يحبون مصابرة المشركين ويكرهون قتالهم أملا في هدايتهم ، ورجاء في ~~إيمانهم ، ولكن الله تعالى كتب على المسلمين قتال أعدائهم لأنه يعلم أن ~~المصلحة في ذلك ، فاستجاب المؤمنون بصدق وإخلاص لما فرضه عليهم ربهم. # ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى ظاهر الآية ، لأن القتال فريضة شاقة ~~على النفس البشرية ، بحسب الطبع والقرآن لا يريد أن ينكر مشقتها ، ولا أن ~~يهون من أمرها ، ولا أن ينكر على النفس البشرية إحساسها الفطري بكراهيتها ، ~~ولكنه يعالج الأمر من جانب آخر ، بأن يقرر أن من الفرائض ما هو شاق ولكن ~~وراءه حكمة تهون مشقته ، وتسهل صعوبته ، وتحقق به خيرا مخبوءا قد لا يراه ~~النظر الإنسانى القصير. وقد بين القرآن ms0478 هذه الحكمة في قوله ( @QUR@014 وعسى ~~أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ). # أى : وعسى أن تكرهوا شيئا كالقتال في سبيل الله تعالى وهو خير لكم إذ فيه ~~إحدى الحسنيين : إما الظفر والغنيمة في الدنيا مع ادخار الجزاء الأخروى ~~وإما الشهادة والجنة ، وعسى أن تحبوا شيئا كالقعود عن الجهاد وهو شر لكم في ~~الواقع لما فيه من الذل ووقوعكم تحت طائلة الأعداء. # قال الفخر الرازي : معنى الآية أنه ربما كان الشيء شاقا عليكم في الحال ، ~~وهو سبب للمنافع الجليلة في المستقبل ، ولأجله حسن شرب الدواء المر في ~~الحال لتوقع حصول الصحة في المستقبل ، وترك الجهاد ، وإن كان يفيد أى بحسب ~~ظنكم في الحال صون النفس عن خطر القتل وصون المال عن الإنفاق ولكن فيه ~~أنواع من المضار منها : أن العدو إذا علم ميلكم إلى الدعة والسكون قصد ~~بلادكم وحاول قتلكم ... والحاصل أن القتال في سبيل الله سبب لحصول الأمن من ~~الأعداء في الدنيا وسبب لحصول الثواب العظيم للمجاهد في الآخرة ..» (1). # وقال القرطبي : والمعنى : عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقة وهو خير ~~لكم في أنكم PageV01P469 # تغلبون وتظفرون وتغنمون وتؤجرون ومن مات منكم مات شهيدا ، وعسى أن تحبوا ~~الدعة وترك القتال وهو شر لكم في أنكم تغلبون ويذهب أمركم. # وهذا صحيح لا غبار عليه ، كما اتفق في بلاد الأندلس ، تركوا الجهاد ~~وجبنوا عن القتال وأكثروا من الفرار ، فاستولى العدو على البلاد ، وأى ~~بلاد؟!! وأسر وقتل وسبى واسترق ، فإنا لله وإنا إليه راجعون!! ذلك بما قدمت ~~أيدينا وكسبته!! وقال الحسن في معنى الآية : لا تكرهوا الملمات الواقعة ؛ ~~فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك ، ولرب أمر تحبه فيه عطبك ، وأنشد أبو سعيد ~~الضرير : # رب أمر تتقيه %~% جر أمرا ترتضيه خفى المحبوب منه %~% وبدا المكروه فيه (1) # وهذا الكلام الذي كتبه الإمام القرطبي من مئات السنين يثير في النفس ~~شجونا وآلاما ، فإن المسلمين ما هانوا وضعفوا إلا عند ما تركوا الجهاد في ~~سبيل الله ، وتثاقلوا إلى الأرض ، ورضوا بالحياة الدنيا ms0479 واطمأنوا بها ، ~~وآثروا متع الدنيا وشهواتها على الحياة العزيزة الكريمة. # وقال الإمام ابن كثير عند تفسيره للآية : هذا إيجاب من الله تعالى للجهاد ~~على المسلمين وأن يكفوا شر الأعداء من حوزة الإسلام. قال الزهري : الجهاد ~~واجب على كل أحد غزا أو قعد. فالقاعد عليه إذا استعين به أن يعين ، وإذا ~~استغيث به أن يغيث ، وإذا استنفر أن ينفر ، ولهذا ثبت في الصحيح «من مات ~~ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات ميتة جاهلية ، وقال : صلى الله عليه وسلم ~~يوم الفتح : «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا» (2). # وقد أجمع العلماء على أنه إذا نزل العدو بساحة البلاد وجب القتال على كل ~~المسلمين ، كل على حسب قدرته. # وقد ختم سبحانه هذه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@05 والله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون ) أى : والله يعلم ما هو خير لكم وما هو شر لكم في الواقع وأنتم لا ~~تعلمون ذلك ، فبادروا إلى ما يأمركم به لأنه لا يأمركم إلا بما علم فيه ~~خيرا لكم ، وانتهوا عما نهاكم عنه لأنه لا ينهاكم إلا عما هو شر لكم ، ~~ومفعولا يعلم وتعلمون محذوفان دل عليها ما قبلهما. أى : يعلم الخير والشر ~~وأنتم لا تعلمونهما. والمقصود من هذه الجملة الكريمة الترغيب في الجهاد ، ~~والامتثال لما شرعه الله تعالى سواء أعرفت حكمته أم لم تعرف ، لأن العليم ~~بالحكم والمصالح هو الله رب العالمين. PageV01P470 # وبذلك نرى أن القرآن الكريم لا ينكر على الناس مشاعرهم الطبيعية ، ~~وأحاسيسهم الفطرية من كراهية للقتال ، ولكنه يربى نفوسهم على الاستجابة ~~لأوامر الله العليم بالغايات المطلع على العواقب ، الخبير بما فيه خيرهم ~~ومصلحتهم ، وبهذه التربية الحكيمة بذل المؤمنون نفوسهم وأموالهم في سبيل ~~رضا خالقهم عن طواعية واختيار ، لا عن قسر وإجبار. # وبعد أن حرض الله تعالى المؤمنين على بذل أموالهم وأنفسهم في سبيله عقب ~~ذلك ببيان حكم القتال في الأشهر الحرم فقال تعالى : ( @QUR@010 يسئلونك عن ~~الشهر الحرام قتال فيه ، قل قتال فيه كبير )... إلخ. # وقد ذكر كثير من المفسرين ومن أصحاب السير في سبب ms0480 نزول هذه الآية قصة ~~ملخصها : أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش ومعه اثنا عشر رجلا ~~كلهم من المهاجرين ، وأعطاه كتابا مختوما وأمره ألا يفتحه إلا بعد أن يسير ~~يومين ، ثم ينظر فيه فيمضى لما أمره به ولا يستكره أحدا من أصحابه. فسار ~~عبد الله يومين ثم فتح الكتاب فإذا فيه «إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى ~~تنزل بنخلة مكان بين مكة والطائف فترصد بها عيرا لقريش وتعلم لنا من ~~أخبارهم». # فقال عبد الله : سمعا وطاعة!! وأخبر أصحابه بذلك وأنه لا يستكرههم فمن ~~أحب الشهادة فلينهض ومن كره الموت فليرجع فأما أنا فناهض! فنهضوا جميعا ، ~~فلما كانوا في أثناء الطريق أضل سعد بن أبى وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما ~~يعتقبانه. فتخلفا في طلبه ، ومضى عبد الله ببقية أصحابه حتى وصلوا نخلة ~~فمرت عير لقريش في طريقها لمكة وكانت في حراسة عمرو بن الخضرمي وعثمان بن ~~المغيرة ، وأخوه نوفل والحكم بن كيسان. فتشاور المسلمون وقالوا : نحن في ~~آخر يوم من رجب. لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن في الحرم فليمتنعن منكم ~~به ، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام!! فترددوا وهابوا الإقدام ~~عليهم ، ثم شجعوا أنفسهم عليهم ، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم ، ~~فرمى «واقد بن عبد الله» عمرو بن الحضرمي يسهم فقتله ، وأسروا عثمان والحكم ~~، وأفلت منهم نوفل فأعجزهم. # وقيل كان ذلك في أول ليلة من رجب وقد ظنوها آخر ليلة من جمادى ، فإقدامهم ~~على ما أقدموا عليه كان على سبيل الخطأ. # ثم أقبل عبد الله ومن معه بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله وقد ~~عزلوا من ذلك الخمس فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعلوه وقال لهم : ~~«ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام» وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا. ~~وقالت قريش قد استحل محمد وأصحابه القتال في الشهر الحرام ، واشتد ذلك على ~~المسلمين ، حتى أنزل الله تعالى قوله : ( @QUR@04 يسئلونك عن الشهر الحرام PageV01P471 # @QUR@06 قتال فيه قل قتال فيه كبير .. ) (1). # والمعنى : يسألونك ms0481 يا محمد عن حكم القتال في الشهر الحرام ، قل لهم. ~~القتال فيه أمر كبير مستنكر ، وذنب عظيم مستقبح ، لأن فيه اعتداء على الشهر ~~الحرام المقدس ، وانتهاك لمحارم الله تعالى . # والسائلون قيل هم المؤمنون ؛ وقد سألوا عن حكم ذلك على سبيل التعليم ~~والتماس المخرج لما حصل منهم. وقيل هم المشركون وسؤالهم على سبيل التعيير ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، حيث أقدم بعضهم وهو عبد الله ومن معه على ~~القتال فيه فرد الله عليهم بأن القتال فيه كبير ولكن ما فعله هؤلاء ~~المشركون من صد عن سبيل الله وكفر به ... إلخ أكبر من ذلك بكثير. # فالجواب تشريع إن كان السؤال من المسلمين. وتبكيت وتوبيخ إن كان من ~~المشركين ، لأنهم توقعوا أن يجيبهم بإباحة القتال فيه فيثيروا الشبهات حول ~~الإسلام والمسلمين ، فلما أجابهم بأن القتال فيه كبير وأن ما فعلوه من ~~جرائم في حق المسلمين أكبر وأعظم كبتوا وألقموا حجرا. # والمراد بالشهر الحرام الأشهر الحرم جميعها وهي ذو القعدة وذو الحجة ~~والمحرم ورجب. وسميت بذلك لحرمة القتال فيها ، فأل في الشهر للجنس. وقيل ~~للعهد والمراد بالشهر الحرام شهر رجب الذي حدثت فيه قصة عبد الله بن جحش ~~وأصحابه. وقوله «قتال فيه» بدل اشتمال من الشهر الحرام ، و ( @QUR@01 قتال ~~) مبتدأ و ( @QUR@01 كبير ) خبر و ( @QUR@01 فيه ) ظرف صفة لقتال مخصصة له. # قال الإمام الرازي : فإن قيل : لم نكر القتال في قوله تعالى : ( @QUR@02 ~~قتال فيه ) ومن حق النكرة إذا تكررت أن تجيء باللام حتى يكون المذكور ~~الثاني هو الأول ، لأنه لو لم يكن كذلك كان المذكور الثاني غير الأول كما ~~في قوله تعالى : ( @QUR@08 فإن مع العسر يسرا. إن مع العسر يسرا ). # قلنا : نعم ما ذكرتم من أن اللفظ إذا تكرر وكانا نكرتين كان المراد ~~بالثاني غير الأول. والقوم أرادوا بقولهم : «يسألونك عن الشهر الحرام قتال ~~فيه» ذلك القتال المعين الذي أقدم عليه عبد الله وأصحابه فقال تعالى : ( ~~@QUR@04 قل قتال فيه كبير ). وفيه تنبيه على أن القتال الذي يكون كبيرا ~~ليس هو القتال الذي سألتم عنه ms0482 ؛ بل هو قتال آخر ؛ لأن هذا القتال كان الغرض ~~به نصرة الإسلام وإذلال الكفر فكيف يكون هذا من الكبائر؟ إنما القتال ~~الكبير هو الذي يكون الغرض فيه هدم الإسلام وتقوية الكفر ؛ فكان اختيار ~~التنكير في اللفظين لأجل هذه الدقيقة. ولو أنه PageV01P472 # وقع التعبير عنهما أو عن أحدهما بلفظ التعريف لبطلت هذه الفائدة. فسبحان ~~من له تحت كل كلمة من كلمات هذا الكتاب بل تحت كل حرف منه سر لطيف لا يهتدى ~~إليه إلا أولو الألباب» (1). # ثم أخذ القرآن يعدد على المشركين جرائمهم التي كل جريمة منها أكبر من ~~القتال في الشهر الحرام الذي فعله المؤمنون لدفع الضرر عن أنفسهم أو لجهلهم ~~بالميقات فقال تعالى : ( @QUR@014 وصد عن سبيل الله ، وكفر به ، والمسجد ~~الحرام ، وإخراج أهله منه أكبر عند الله ). أى : قل يا محمد لهؤلاء ~~المشركين نحن نوافقكم على أن القتال في الشهر الحرام كبير ، ثم قل لهم أيضا ~~على سبيل التوبيخ إن ما فعلتموه أنتم من صرفكم المسلمين عن طاعة الله وعن ~~الوصول إلى حرمه ، ومن شرككم بالله في بيته ، ومن إخراجكم لأهله منه أعظم ~~وزرا عند الله من القتال في الشهر الحرام. # فالمقصود من هذه الجملة الكريمة إدخال الطمأنينة على قلوب المؤمنين بسبب ~~ما وقع من عبد الله بن جحش ومن معه ، وتبكيت المشركين على جرائمهم التي ~~أولها يتمثل في قوله تعالى : ( @QUR@04 وصد عن سبيل الله ) أى : منع من ~~يريد الإسلام من دخوله ، وابتدأ سبحانه ببيان صدهم عن سبيله للإشارة إلى ~~أنهم يعاندون الحق في ذاته. # وثانيها قوله : ( @QUR@02 وكفر به ) أى : كفر بالله تعالى وهو معطوف على ~~ما قبله. # وثالثها قوله : ( @QUR@02 والمسجد الحرام ) وهو معطوف على سبيل الله أى : ~~وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام بمنعهم المؤمنين من الحج والاعتمار. # ورابعها قوله : ( @QUR@03 وإخراج أهله منه ) أى : وإخراج النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مستقرهم حول المسجد الحرام بمكة وهم القائمون ~~بحقوقه ، كل ذلك «أكبر» جرما ، وأعظم إثما «عند الله» من القتال في الشهر ~~الحرام. # قال الجمل : فقوله «أكبر» ms0483 خبر عن الثلاثة أعنى : صد وكفر وإخراج وفيه ~~حينئذ احتمالان : # أحدهما : أن يكون خبرا عن المجموع. # وثانيهما : أن يكون خبرا عنها باعتبار كل واحد كما تقول : زيد وبكر وعمرو ~~أفضل من خالد أى : كل واحد منهم على انفراده أفضل من خالد ، وهذا هو ~~الظاهر. والمفضل عليه محذوف أى : أكبر مما فعلته السرية» (2). PageV01P473 # ثم أضاف سبحانه إلى جرائمهم السابقة جريمة خامسة فقال : ( @QUR@04 ~~والفتنة أكبر من القتل ) أى : ما فعله المشركون من إنزال الشدائد بالمؤمنين ~~تارة بإلقاء الشبهات وتارة بالتعذيب ليحملوهم على ترك عقيدتهم أكبر إثما من ~~القتل في الشهر الحرام ، لأن الفتنة عن الدين تفضى إلى القتل الكثير في ~~الدنيا وإلى استحقاق العذاب الدائم في الآخرة. # وقيل المراد بالفتنة هنا الكفر. أى : كفركم بالله أكبر من القتل في الشهر ~~الحرام. # وأصل الفتنة : عرض الذهب على النار ، لاستخلاصه من الغش ، ثم استعملت في ~~الشرك وفي الامتحان بأنواع الأذى والاضطهاد. # ويعزى إلى عبد الله بن جحش أنه قال ردا على المشركين عند ما قالوا : ~~استحل محمد وأصحابه القتال في الشهر الحرام. # تعدون قتلا في الحرام عظيمة %~% وأعظم منه لو يرى الرشد راشد صدودكم عما يقول محمد %~% وكفر به ، والله راء وشاهد وإخراجكم من مسجد الله أهله %~% لئلا يرى لله في البيت ساجد فإنا وإن عيرتمونا بقتله %~% وأرجف بالإسلام باغ وحاسد سقينا من ابن الحضرمي رماحنا %~% بنخلة لما أوقد الحرب واقد دما ، وابن عبد الله عثمان بيننا %~% ينازعه غل من القد عاند # وقوله تعالى : ( @QUR@09 ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن ~~استطاعوا ) بيان لشدة عداوة الكفار للمؤمنين ودوامها. # أى : ولا يزال المشركون يقاتلونكم أيها المؤمنون ويضمرون لكم السوء ~~ويداومون على إيذائكم لكي يرجعوكم عن دين الإسلام إلى الكفر إن استطاعوا ~~ذلك وقدروا عليه. والتعبير بقوله «ولا يزالون» المفيد للدوام والاستمرار ~~للإشعار بأن عداوة المشركين للمسلمين لا تنقطع ، وأنهم لن يكفوا عن الإعداد ~~لقتالهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ، فعلى المؤمنين ألا يغفلوا عن الدفاع ~~عن أنفسهم. # و ( @QUR@01 حتى ) للتعليل أى : لا يزالون يقاتلونكم ms0484 لكي يردوكم عن دينكم ~~أو بمعنى إلى ، أى : إلى أن يردوكم عن دينكم. والرد : الصرف عن الشيء ~~والإرجاع إلى ما كان عليه قبل ذلك : فغاية المشركين أن يردوا المسلمين بعد ~~إيمانهم كافرين. # وقوله : ( @QUR@02 إن استطاعوا ) يدل كما يقول الزمخشري على استبعاد ~~استطاعتهم رد المسلمين PageV01P474 # عن دينهم ، وذلك كقول الرجل لعدوه : إن ظفرت بي فلا تبق على. وهو واثق من ~~أنه لن يظفر به. ويشهد لذلك التعبير بإن المفيدة للشك. # وفائدة التقييد بالشرط «إن» التنبيه على سخافة عقول المشركين ، وكون دوام ~~عداوتهم للمؤمنين لن تؤدى إلى النتيجة التي يتمنونها وهي رد المسلمين عن ~~دينهم ، لأن لهذا الدين ربا يحميه ، وأتباعه يفضلون الموت على الرجوع عنه. # ثم بين سبحانه سوء عاقبة من يرتد عن الإسلام فقال : ( @QUR@020 ومن يرتدد ~~منكم عن دينه فيمت وهو كافر ، فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ~~وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ). # ويرتدد يفتعل من الرد وهو الرجوع عن دينه إلى الكفر. # و ( @QUR@02 حبطت أعمالهم ) أى : بطلت وفسدت وأصله من الحبط ، بفتح الباء ~~وهو أن تأكل الدابة أكلا كثيرا تنتفخ معه بطونها فلا تنتفع بما أكلت ويفسد ~~حالها وربما تموت من ذلك. شبه سبحانه حال من يعمل الأعمال الصالحة ثم ~~يفسدها بارتداده فتكون وبالا عليه ، بحال الدابة التي أكلت حتى أصابها ~~الحبط ففسد حالها. # والمعنى : ومن يرتدد منكم عن دين الإسلام ، فيمت وهو كافر دون أن يعود ~~إلى الإيمان ، فأولئك الذين ارتدوا وماتوا على الكفر بطلت جميع أعمالهم ~~الصالحة ، وصارت غير نافعة لهم لا في الدنيا بسبب انسلاخهم عن جماعة ~~المسلمين ، ولا في الآخرة بسبب ردتهم وموتهم على الكفر ، وأولئك الذين هذا ~~شأنهم أصحاب النار هم فيها خالدون خلودا أبديا كسائر الكفرة ، ولا يغنى ~~عنهم إيمانهم السابق على الردة شيئا. # وجيء بصيغة الافتعال من الردة وهي مؤذنة بالتكلف ، للإشارة إلى أن من ~~باشر الدين الحق وخالطت بشاشته قلبه كان من المستبعد عليه أن يرجع عنه ، ~~فهذا المرتد لم يكن مستقرا على هذا الدين الحق وإنما كان قلقا مضطربا ms0485 غير ~~مستقر حتى انتهى به الأمر بموته على الكفر لتكلفه الدخول في الدين الحق دون ~~الثبات عليه. # وفي قوله : ( @QUR@01 منكم ) إشعار بأنه لا يتصور أن تتحقق بغية المشركين ~~وهي أن يردوا المسلمين جميعا عن دينهم. بل أقصى ما يتصوره العقلاء أن ~~ينالوا ضعيف الإيمان فيردوه إلى دينهم ، فيكون الله تعالى قد نفى خبثه عن ~~هذا الدين ، إذ لا خير في هؤلاء المشركين ولا فيمن عاد إليهم بعد إيمانه ، ~~والكل مأواهم النار وبئس القرار. # قال الجمل : ومن شرطية في محل رفع بالابتداء ، يرتدد فعل الشرط ، ومنكم متعلق PageV01P475 # بمحذوف لأنه حال من الضمير المستكن في يرتدد ؛ ومن للتبعيض ، والتقدير : ~~ومن يرتدد في حال كونه كائنا منكم أى بعضكم ، وعن دينه متعلق بيرتدد ، ~~وقوله فيمت وهو كافر عطف على الشرط والفاء مؤذنة بالتعقيب ، وقوله : ( ~~@QUR@02 وهو كافر ) جملة حالية من ضمير يمت. وقوله : فأولئك جواب الشرط. ~~وقوله : وأولئك أصحاب النار مستأنف لمجرد الإخبار بأنهم أصحاب النار أو ~~معطوف على جواب الشرط ..» (1). # وفي الإتيان باسم الإشارة «أولئك» في الموضعين تنبيه إلى أنهم أحرياء ~~بتلك العقوبات الأليمة بسبب ردتهم وموتهم على الكفر. # وفي التنصيص على حبوط أعمالهم في الدنيا والآخرة زيادة مذمة لهم ، فهم في ~~الدنيا بسبب ردتهم تسلب عنهم آثار كلمة الشهادتين من حرمة الأنفس والأموال ~~والأعراض والصلاة عليهم بعد الموت ، والدفن في مقابر المسلمين ، ومن طلاق ~~زوجته المسلمة منه ومن عدم التوارث إلى غير ذلك من حقوق المسلمين ، أما في ~~الآخرة فشأنهم شأن الكافرين في ملازمتهم للنار. هذا ، ومن الأحكام التي ~~أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة. # 1 حرمة القتال في الشهر الحرام ، والجمهور على أن هذا الحكم منسوخ ، وأنه ~~لا حرج في قتال المشركين في الأشهر الحرم لقوله تعالى : ( @QUR@08 فإذا ~~انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) فإن المراد بالأشهر ~~الحرم هنا : هي أشهر العهد الأربعة التي أبيح للمشركين السياحة فيها في ~~الأرض ، لا الأشهر الحرم الأربعة المعروفة ، فالتقييد بها يفيد أن قتلهم ~~بعد انسلاخها مأمور به في جميع الأزمنة والأمكنة. وأيضا لأن ms0486 الرسول ~~صلى الله عليه وسلم غزا هوازن وثقيف وأرسل بعض أصحابه إلى أوطاس ليحارب من ~~فيها من المشركين ، وكان ذلك في بعض الأشهر الحرم ، ولو كان القتال فيهن ~~حراما لما فعله النبي صلى الله عليه وسلم . # قال الآلوسى : وخالف عطاء في ذلك ، فقد روى عنه أنه سئل عن القتال في ~~الشهر الحرام فحلف بالله تعالى ما يحل للناس أن يغزوا في الحرم ولا في ~~الشهر الحرام إلا أن يقاتلوا فيه وجعل ذلك حكما مستمرا إلى يوم القيامة ، ~~والأمة اليوم على خلافه في سائر الأمصار» (2). # وقد رجح بعض العلماء ما ذهب إليه عطاء فقال : ومهما يكن فإن القتال في ~~الأشهر الحرم حرام في حال الاختيار والابتداء فلا يصح البدء بالغزو فيه. ~~ولقد قال جابر : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقاتل في الشهر الحرام ~~إلا أن يغزى أو يغزو حتى إذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ. PageV01P476 # ولقد قال بعض العلماء : إن تحريم القتال في الشهر الحرام منسوخ بقوله ~~تعالى : ( @QUR@06 وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ) وبقتال ~~النبي صلى الله عليه وسلم أهل الطائف فيه. والحقيقة أنه لم يثبت ناسخ صريح في ~~النسخ فإن قوله تعالى : ( @QUR@03 وقاتلوا المشركين كافة ) العموم فيه ~~بالنسبة للمقاتلين لا بالنسبة لزمان القتال ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يبتدئ قتالا في الشهر الحرام مختارا قط ، والتحريم في الاختيار والابتداء ~~كما بينا لا في البقاء والاضطرار ، لذا قال سبحانه : ( @QUR@04 فلا تظلموا ~~فيهن أنفسكم )، ولأن الأشهر الحرم نص عليها في خطبة الوداع وكل ما جاء ~~فيها غير منسوخ» (1). # 2 كذلك من الأحكام التي أخذها العلماء من الآية أن الردة تحبط العمل في ~~الدنيا سواء أمات المرتد على كفره أم عاد إلى الإسلام قبل موته بدليل قوله ~~تعالى في آية أخرى ( @QUR@04 لئن أشركت ليحبطن عملك ) فقد علق الحبوط بمجرد ~~الشرك ، والخطاب وإن كان للنبي صلى الله عليه وسلم فالمراد أمته لاستحالة ~~الشرك عليه. وعلى هذا الرأى سار المالكية والأحناف. # ويرى الشافعية أن الردة تحبط العمل في الدنيا ms0487 متى مات المرتد كافرا ، لأن ~~الآية تقول : ( @QUR@011 ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت ~~أعمالهم ) ويظهر أثر الخلاف فيمن حج مسلما ، ثم ارتد ثم أسلم ، فالأحناف ~~والمالكية يوجبون عليه إعادة الحج لأن الردة أحبطت حجه. والشافعية يقولون : ~~لا حج عليه لأن حجه قد سبق والردة لا تحبط العمل إلا إذا مات الشخص كافرا. # ولكل فريق أدلته المبسوطة في كتب الفقه. # وبعد أن بين سبحانه عاقبة من يرتد عن دينه أتبع ذلك ببيان عاقبة المؤمنين ~~الصادقين فقال تعالى : ( @QUR@016 إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في ~~سبيل الله ، أولئك يرجون رحمت الله ، والله غفور رحيم ). # قال الإمام الرازي : في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان : # الأول : أن عبد الله بن جحش قال : يا رسول الله : هب أنه لا عقاب علينا ~~فيما فعلنا ، فهل نطمع منه أجرا وثوابا؟ فنزلت الآية ، لأن عبد الله كان ~~مؤمنا وكان مهاجرا ، وكان مجاهدا بسبب هذه المقاتلة. # وفي الثاني : أنه تعالى لما أوجب الجهاد قبل بقوله : ( @QUR@06 كتب عليكم ~~القتال وهو كره لكم ) PageV01P477 # وبين أن تركه سبب للوعيد أتبع ذلك بذكر من يقوم به وجزاؤه فقال : ( ~~@QUR@05 إن الذين آمنوا ، والذين هاجروا ) ولا يكاد يوجد وعيد إلا ويعقبه ~~وعد» (1). # والمعنى : إن الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، ~~واستقاموا على طريق الحق ، وأذعنوا لحكمه ، واستجابوا لأوامر الله ونواهيه ~~: ( @QUR@02 والذين هاجروا ) أى : تركوا أموالهم وأوطانهم من أجل نصرة ~~دينهم : ( @QUR@04 وجاهدوا في سبيل الله ) لإعلاء كلمته ( @QUR@01 أولئك ) ~~الموصوفون بتلك الصفات الثلاثة ( @QUR@03 يرجون رحمت الله ). أى : يؤملون ~~تعلق رحمته تعالى بهم ، أو ثوابه على أعمالهم ( @QUR@03 والله غفور رحيم ) ~~أى : واسع المغفرة للتائبين المستغفرين ، عظيم الرحمة بالمؤمنين المحسنين. # قال القرطبي : «والهجرة معناها الانتقال من موضع إلى موضع ، والقصد ترك ~~الأول إيثارا للثاني. والهجرة ضد الوصل ، والاسم الهجرة. وجاهد مفاعله من ~~جهد إذا استخرج الجهد. والاجتهاد والتجاهد : بذل الوسع والمجهود ، والجهاد ~~بالفتح الأرض الصلبة. # وإنما قال ( @QUR@01 يرجون ) وقد مدحهم ، لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا ~~أنه صائر إلى الجنة ولو ms0488 بلغ في طاعة الله كل مبلغ لأمرين : # أحدهما : أنه لا يدرى بما ذا ختم له. # والثاني : لئلا يتكل على عمله ، والرجاء أبدا معه خوف كما أن الخوف معه ~~رجاء» (2). # وجيء بهذه الأوصاف الثلاثة مترتبة على حسب الواقع إذا الإيمان يكون أولا ~~ثم المهاجرة من أرض الظالمين إذا لم يستطع دفع ظلمهم ، ثم الجهاد من أجل ~~إعلاء كلمة الحق. # وأفرد الإيمان بموصول وحده لأنه أصل الهجرة والجهاد ، وجمع الهجرة ~~والجهاد في موصول واحد لأنهما فرعان عنه. # وبذلك نرى أن هذه الآية الكريمة قد دعت المؤمنين إلى بذل أموالهم وأنفسهم ~~في سبيل نصرة الحق بأحكم أسلوب ، وبرأتهم مما أثاره المشركون حولهم من ~~شبهات ، وحذرتهم من السير في طريقهم ، وبشرتهم بحسن العاقبة متى استجابوا ~~لتعاليم دينهم ، واعتصموا بحبله. # وبعد هذا الحديث الجامع عن البذل والتضحية ، ساق القرآن في آيتين ثلاثة ~~أسئلة وأجاب عنها بما يشفى الصدور ، ويصلح النفوس. PageV01P478 # فقال تعالى : # ( @QUR@027 يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ~~وإثمهما أكبر من نفعهما ويسئلونك ما ذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم ~~الآيات لعلكم تتفكرون (219) @QUR@026 في الدنيا والآخرة ويسئلونك عن ~~اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من ~~المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم ) (220) # قوله : ( @QUR@04 يسئلونك عن الخمر والميسر ).. السائلون هم المؤمنون ~~وسؤالهم إنما هو عن الحكم الشرعي من حيث الحل والتحريم. لا عن الحقيقة ~~والذات فإنهم يعرفون حقيقة الخمر والميسر وذاتهما. # قال القرطبي : والخمر مأخوذة من خمر إذا ستر ، ومنه خمار المرأة لأنه ~~يستر وجهها وكل شيء غطى شيئا فقد خمره. ومنه «خمروا آنيتكم ، فالخمر تخمر ~~العقل ، أى : تغطيه وتستره .. فلما كانت الخمر تستر العقل وتغطيه سميت بذلك ~~، وقيل إنما سميت الخمر خمرا ؛ لأنها تركت حتى أدركت كما يقال : قد اختمر ~~العجين ، أى : بلغ إدراكه. وخمر الرأى ترك حتى يتبين فيه الوجه. وقيل : ~~إنما سميت الخمر خمرا لأنها تخالط العقل من المخامرة وهي المخالطة ومنه ~~قولهم : دخلت في خمار الناس بفتح الخاء وضمها ms0489 أى : اختلطت بهم. فالمعاني ~~الثلاثة متقاربة. فالخمر تركت وخمرت حتى أدركت ، ثم خالطت العقل. ثم خمرته ~~، والأصل الستر (1). # ويرى كثير من العلماء أن هذه الآية هي أول آية نزلت في الخمر. ثم نزلت ~~الآية التي في سورة النساء ( @QUR@013 يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا ~~الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ) ثم نزلت الآية التي في سورة ~~المائدة ( @QUR@016 يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب ~~والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ). PageV01P479 # والدليل على ذلك ما رواه أبو داود وغيره عن عمر بن الخطاب أنه قال «اللهم ~~بين لنا في الخمر بيانا شافيا» فنزلت هذه الآية ( @QUR@03 يسئلونك عن الخمر ~~) فدعى عمر فقرئت عليه فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا». # فنزلت الآية التي في النساء ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا ~~الصلاة وأنتم سكارى ) فكان منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقام ~~الصلاة نادى أن : لا يقربن الصلاة سكران. فدعى عمر فقرئت عليه ، فقال : ~~«اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا». فنزلت الآية التي في المائدة ، فدعى ~~عمر فقرئت عليه ، فلما بلغ ( @QUR@03 فهل أنتم منتهون ) قال عمر : ~~«انتهينا» (1). # وبهذا الرأى قال ابن عمر والشعبي ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس وعبد ~~الرحمن بن زيد بن أسلم. # ويرى بعض العلماء أن أول آية نزلت في الخمر هي قوله تعالى في سورة النحل ~~: ( @QUR@09 ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ). # وعلى هذا الرأى سار صاحب الكشاف وتبعه بعض العلماء ، فقد قال : نزلت في ~~الخمر أربع آيات ، نزل بمكة قوله تعالى : ( @QUR@09 ومن ثمرات النخيل ~~والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ) فكان المسلمون يشربونها وهي حلال ~~لهم. ثم إن عمر ومعاذا ونفرا من الصحابة قالوا : يا رسول الله ، أفتنا في ~~الخمر فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال ، فنزلت : ( @QUR@06 قل فيهما إثم ~~كبير ومنافع للناس ) فشربها قوم وتركها آخرون. ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ~~ناسا منهم فشربوا وسكروا فقام بعضهم يصلى فقرأ : قل يا أيها الكافرون أعبد ~~ما تعبدون ms0490 فنزلت : ( @QUR@05 لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) فقل من يشربها ~~ثم دعا عتبان بن مالك قوما فيهم سعد بن أبى وقاص فلما سكروا افتخروا ~~وتناشدوا شعرا فيه هجاء للأنصار فضرب أحد الأنصار سعدا بلحى بعير فشجه ، ~~فشكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك. فقال عمر : اللهم بين لنا في ~~الخمر بيانا شافيا فنزلت «إنما الخمر والميسر .. إلخ الآية» .. فقال عمر : ~~انتهينا يا رب» (2). # وأصحاب الرأى الأول يقولون : إن آية سورة النحل وهي قوله تعالى : ( ~~@QUR@09 ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ) ليس لها ~~علاقة بموضوع الخمر ، ويفسرون السكر بأنه ما أحله الله مما لا يسكر وأنه هو ~~الرزق الحسن وأن العطف بينهما من باب عطف التفسير. PageV01P480 # ولقد كان موقف الصحابة من هذا التحريم لما يشتهونه ويحبونه من الخمر ~~والميسر ، يمثل أسمى ألوان الطاعة والاستجابة لأوامر الله ونواهيه ، فعند ~~ما بلغهم تحريم الخمر أراقوا ما عندهم منها في الطرقات. بل وحطموا الأوانى ~~التي كانت توضع فيها الخمر امتثالا وطاعة لله تعالى . # وهكذا نرى قوة الإيمان التي غرسها الإسلام في نفوس أتباعه عن طريق ~~تعاليمه السامية ، وتربيته الحكيمة .. تغلبت على ما أحبته النفوس وأزالت من ~~القلوب ما ألفته الطبائع. # هذا وجمهور العلماء على أن كلمة «خمر» تشمل كل شراب مسكر سواء أكان من ~~عصير العنب أم من الشعير أم من التمر أم من غير ذلك ، وكلها سواء في ~~التحريم قل المشروب منها أو كثر سكر شاربه أو لم يسكر. # ومن أدلتهم ما رواه الإمام مسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال : كل مسكر خمر ، وكل مسكر حرام ، ومن شرب الخمر في الدنيا ومات وهو ~~يدمنها لم يتب منها لم يشربها في الآخرة» (1). # ومن أدلتهم أيضا أصل الاشتقاق اللغوي لكلمة خمر ، فقد عرفنا أنها سميت ~~بهذا الاسم لمخامرتها العقل وستره ، فكل ما خامر العقل من الأشربة وجب أن ~~يطلق عليه لفظ خمر سواء أكان من العنب أم من غيره. # وقال الأحناف ووافقهم بعض العلماء كإبراهيم ms0491 النخعي وسفيان الثوري وابن ~~أبى ليلى : إن كلمة خمر لا تطلق إلا على الشراب المسكر من عصير العنب فقط ، ~~أما المسكر من غيره كالشراب من التمر أو الشعير فلا يسمى خمرا بل يسمى ~~نبيذا. وقد بنوا على هذا أن المحرم قليله وكثيره إنما هو الخمر من العنب. ~~أما الأنبذة فكثيرها حرام وقليلها حلال. # وقد رجح العلماء رأى الجمهور وضعفوا ما ذهب إليه الأحناف ومن وافقهم. # قال ابن العربي : وتعلق أبو حنيفة بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة فلا ~~يلتفت إليها. والصحيح ما روى الأئمة أن أنسا قال : «حرمت الخمر يوم حرمت ~~وما بالمدينة خمر الأعناب إلا قليل ، وعامة خمرها البسر والتمر» أخرجه ~~البخاري ، واتفق الأئمة على رواية أن الصحابة إذ حرمت الخمر لم يكن عندهم ~~يومئذ خمر عنب ، وإنما كانوا يشربون خمر النبيذ فكسروا دنانهم أى أوانى ~~الخمر وبادروا إلى الامتثال لاعتقادهم أن ذلك كله خمر» أى وأقرهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على ذلك (2). PageV01P481 # وقال الآلوسى : وعندي أن الحق الذي لا ينبغي العدول عنه أن الشراب المتخذ ~~مما عدا العنب كيف كان وبأى اسم سمى متى كان بحيث يسكر من لم يتعوده حرام ، ~~وقليله ككثيره ، ويحد شاربه ويقع طلاقه ونجاسته غليظة. وفي الصحيحين أنه ~~صلى الله عليه وسلم سئل عن النقيع وهو نبيذ العسل فقال : «كل شراب أسكر فهو ~~حرام» وروى أبو داود «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر» وصح ~~«ما أسكر كثيره فقليله حرام» والأحاديث متضافرة على ذلك. ولعمري إن اجتماع ~~الفساق في زماننا على شرب المسكرات مما عدا «الخمر» ورغبتهم فيها ، فوق ~~اجتماعهم على شرب «الخمر» ورغبتهم فيه بكثير ، وقد وضعوا لها أسماء ~~كالعنبرية والإكسير ونحوهما ظنا منهم أن هذه الأسماء تخرجها من الحرمة ~~وتبيح شربها للأمة وهيهات هيهات فالأمر وراء ما يظنون وإنا لله وإنا إليه ~~راجعون» (1). # بعد هذه الكلمة التمهيدية عن الآية ، وعن مدلول كلمة خمر ننتقل إلى معنى ~~كلمة «الميسر» فنقول : الميسر : القمار بكسر القاف وهو في الأصل ms0492 مصدر ميمى ~~من يسر ، كالموعد من وعد. وهو مشتق من اليسر بمعنى السهولة ، لأن المال ~~يجيء للكاسب من غير جهد ، أو هو مشتق من يسر بمعنى جزر. ثم أصبح علما على ~~ما يتقامر عليه كالجزور ونحوه. # قال القرطبي نقلا عن الأزهرى : الميسر : الجزور الذي كانوا يتقامرون عليه ~~، سمى ميسرا ؛ لأنه أجزاء ، فكأنه موضع التجزئة ، وكل شيء جزأته فقد يسرته. ~~والياسر : الجازر لأنه يجزئ لحم الجزور .. ويقال للضاربين بالقداح ~~والمتقامرين على الجزور : يأسرون ، لأنهم جازرون إذ كانوا سببا لذلك (2). # وصفة الميسر الذي كانت تستعمله العرب أنهم كانت لهم عشرة أقداح يقال لها ~~الأزلام أو الأقلام ، فكانوا إذا أرادوا أن يقامروا أحضروا بعيرا وقسموه ~~ثمانية وعشرين قسما وتترك ثلاثة من تلك الأقداح غفلا لا علامة عليها وكانت ~~تسمى : السفيح ، والمنيح ، والوغد. ومن طلع له واحد منها لا يأخذ شيئا من ~~الجزور. أما السبعة الأخرى فهي الرابحة وهي الفذ وله سهم واحد ، والتوأم ~~وله سهمان ، والرقيب وله ثلاثة ، والحلس وله أربعة ، والنافس وله خمسة ~~والمسبل وله ستة ، والمعلى وله سبعة فيكون المجموع ثمانية وعشرين سهما. # تلك صورة تقريبية لقمار العرب كما أوردها بعض المفسرين (3). PageV01P482 # ولا شك أنه يدخل في حكمها من حيث الحرمة ما كان مشابها لها في المخاطرة ~~والرهان وأخذ الأموال بدون مقابل مشروع ، أو ضياعها فيما حرمه الله. # ومعنى الآية الكريمة : يسألك أصحابك يا محمد عن حكم شرب الخمر ولعب ~~الميسر ، قل لهم على سبيل الإرشاد والإعلام : في تعاطيهما ( @QUR@02 إثم ~~كبير ) أى : ذنب عظيم ، وضرر شديد وذلك لما فيهما من القبائح المنافية ~~لمحاسن الشرع من الكذب ، والأذى ، وشيوع العداوة والبغضاء بين الناس ، ~~واستلاب أموالهم بغير حق. # وقوله : ( @QUR@02 ومنافع للناس ) أى وفيهما منافع دنيوية للناس إذ الخمر ~~تدر على المتاجرين فيها أرباحا مالية ، والميسر يؤدى إلى إصابة بعض الناس ~~للمال بدون تعب. # وأطلق سبحانه الإثم وقيد المنافع بأنها للناس ، للتنبيه على أن الإثم في ~~الخمر والميسر ذاتى ، فهما في ذاتهما رجس كبير ، وخطر وبيل ، وأن ما فيهما ~~من منافع ضئيل ولا يتجاوز ms0493 بعض الناس ، فهي منافع خاصة وليست عامة ، ويشهد ~~لهذا قوله تعالى بعد ذلك. # ( @QUR@04 وإثمهما أكبر من نفعهما ) أى أن المفاسد والاضرار التي تترتب ~~على تعاطيهما ، أعظم من المنافع التي تنشأ عن تعاطيهما ، إذ تعاطيهما يؤدى ~~إلى منفعة بعض الناس ، أما مضارهما فكثيرة ، من ذلك أن تعاطى الخمر يضعف ~~الضمير ، ويفسد الأخلاق ، ويميت الحياء ، ويفقد الرشد ويتلف المال ، ويغرى ~~بالتنازع بين الناس ، ويتسبب كما قال الأطباء الثقاة في كثير من الأمراض ~~كأمراض الكبد والرئتين والقلب .. إلخ. # وإن شئت المزيد من معرفة مضار الخمر فراجع ما كتبه العلماء والمتخصصون في ~~ذلك (1). # أما تعاطى الميسر فمن مضاره كما يقول الأستاذ الإمام محمد عبده إفساد ~~التربية بتعويد النفس الكسل ، وانتظار الرزق من الأسباب الوهمية ، وإضعاف ~~القوة العقلية ، بترك الأعمال المفيدة في طرق الكسب الطبيعية ، وإهمال ~~المقامرين للزراعة والتجارة والصناعة التي هي أركان العمران ، وتخريب ~~البيوت فجأة بالانتقال من الغنى إلى الفقر في ساعة واحدة ، فكم من عشيرة ~~كبيرة نشأت في العز والغنى وانحصرت ثروتها في رجل أضاعها عليها في ليلة ~~واحدة ؛ فأصبحت غنية وأمست فقيرة» (2). # إذن فالمنافع الدنيوية التي تعود إلى بعض الناس من تعاطى الخمر والميسر ~~لا تساوى شيئا PageV01P483 # بجانب تلك المضار الجسمية التي تعود على أفراد الأمة في دينهم وعقولهم ~~وأجسامهم وأموالهم وترابطهم ، وصدق الله إذ يقول : ( @QUR@020 إنما يريد ~~الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر ~~الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ). # ثم يأتى بعد ذلك السؤال الثاني الذي ورد في هاتين الآيتين وهو قوله تعالى ~~: ( @QUR@06 ويسئلونك ما ذا ينفقون قل العفو ). # ومناسبة هذا السؤال لما قبله أنهم بعد أن نهوا عن إنفاق أموالهم في ~~الوجوه المحرمة كتعاطى الخمر والميسر ، سألوا عن وجوه الإنفاق الحلال ، وعن ~~مقدار ما ينفقون فأجيبوا بهذا الجواب الحكيم. # قال الآلوسى : أخرج ابن إسحاق عن ابن عباس أن نفرا من الصحابة حين أمروا ~~بالنفقة في سبيل الله أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : إنا لا ندري ما ~~هذه النفقة التي أمرنا بها ms0494 في أموالنا وما الذي ننفقه منها فأنزل الله ~~تعالى ( @QUR@06 ويسئلونك ما ذا ينفقون قل العفو ) وكان الرجل قبل ذلك ينفق ~~ماله حتى لا يجد ما يتصدق ولا ما يأكل» (1). # وأصل العفو في اللغة الزيادة. قال تعالى : ( @QUR@07 ثم بدلنا مكان ~~السيئة الحسنة حتى عفوا ) أى زادوا على ما كانوا عليه من العدد. ويطلق على ~~ما سهل وتيسر مما يكون فاضلا عن الكفاية. يقال : خذ ما عفا لك. أى ما تيسر. ~~كما يطلق على الترك قال تعالى : ( @QUR@04 عفا الله عما سلف ) أى تركه ~~وتجاوز عنه. # والمراد به هنا : ما يفضل عن الأهل ويزيد عن الحاجة ، إذ هذا القدر الذي ~~يتيسر إخراجه ويسهل بذله ، ولا يتضرر صاحبه بتركه. # والمعنى ، ويسألونك ما الذي يتصدقون به من أموالهم في وجوه البر ، فقل ~~لهم تصدقوا بما زاد عن حاجتكم ، وسهل عليكم إخراجه ، ولا يشق عليكم بذله. # وفي هذه الجملة الكريمة إرشاد حكيم إلى التعاون والتراحم بين أفراد ~~المجتمع ، وتوجيه إلى المنهاج الوسط الذي يأبى التبذير وينفر من التقتير ، ~~وفي أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ما يؤيد هذا الإرشاد والتوجيه ، ومن ذلك ~~ما أخرجه البخاري عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «خير الصدقة ~~ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول». # وأخرج مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «ابدأ بنفسك فتصدق ~~عليها ، فإن فضل شيء PageV01P484 # فلأهلك ، فإن فضل عن أهلك شيء فلذى قرابتك ، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء ~~فهكذا وهكذا». # إلى غير ذلك من الأحاديث التي وردت في هذا المعنى. # وللأستاذ الإمام كلام جيد في هذا المقام ، فقد قال رحمه الله ما ملخصه : ~~إن الأمة المؤلفة من مليون فرد إذا كانت تبذل من فضل مالها في مصالحها ~~العامة كإعداد القوة وتربية الناشئة .. تكون أعز وأقوى من أمة مؤلفة من ~~مائة مليون فرد لا يبذلون شيئا في مثل ذلك ؛ لأن الواحد من الأمة الأولى ~~يعد بأمة ، إذ هو يعتبر نفسه جزءا منها وهي كل له ، بينما الأمة الثانية ms0495 لا ~~تعد بواحد لأن كل فرد من أفرادها يخذل الآخر .. وفي الحقيقة أن مثل هذا ~~الجمع لا يسمى أمة ، لأن كل واحد من أفراده يعيش وحده وإن كان في جانبه أهل ~~الأرض ، فهو لا يتصل بمن معه ليمدهم ويستمد منهم» (1). # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@010 كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم ~~تتفكرون في الدنيا والآخرة ). # أى : مثل هذا البيان الحكيم الذي بينه الله لكم فيما سألتم عنه يبين لكم ~~في سائر كتابه آياته وأحكامه وحججه لكي تتفكروا وتتدبروا فيما ينفعكم في ~~دنياكم وآخرتكم ، بأن تعملوا في الدنيا العمل الصالح الذي يجعلكم تظفرون ~~برضا الله في أخراكم. # قال صاحب الكشاف : «وقوله : ( @QUR@03 في الدنيا والآخرة ) إما أن يتعلق ~~بتتفكرون ، فيكون المعنى : لعلكم تتفكرون فيما يتعلق بالدارين فتأخذون بما ~~هو أصلح لكم كما بينت لكم أن العفو أصلح من الجهد في النفقة وتتفكرون في ~~الدارين فتؤثرون أبقاهما وأكثرهما منافع. ويجوز أن يكون إشارة إلى قوله ( ~~@QUR@04 وإثمهما أكبر من نفعهما ) فيكون المعنى : لتفكروا في عقاب الإثم في ~~الآخرة والنفع في الدنيا حتى لا تختاروا النفع العاجل على النجاة من العقاب ~~الأليم. وإما أن يتعلق بيبين على معنى : يبين لكم الآيات في أمر الدارين ~~وفيما يتعلق بهما لعلكم تتفكرون» (2). # أما السؤال الثالث والأخير الذي ورد في هاتين الآيتين فهو قوله تعالى ( ~~@QUR@010 ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير ، وإن تخالطوهم فإخوانكم ). # أخرج أبو داود والحاكم والنسائي وغيرهم عن ابن عباس قال : PageV01P485 # لما نزل قوله تعالى : ( @QUR@08 ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ~~) وقوله تعالى : ( @QUR@013 إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ) انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه ~~من طعامه. وشرابه من شرابه ، فجعل يفضل له الشيء من طعامه وشرابه ، فيحبس ~~له حتى يأكله أو يفسد ، فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى ( @QUR@010 ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح ~~لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم ) فخلطوا طعامهم وشرابهم بشرابهم (1). # والمعنى : ويسألونك يا محمد ms0496 عن القيام بأمر اليتامى أو التصرف في أموالهم ~~أو عن أموالهم وكيف يكونون معهم فقل لهم : إن المطلوب هو إصلاحهم بالتهذيب ~~والتربية الرشيدة. والمعاملة الحسنة ، وإصلاح أموالهم بالمحافظة عليها وعدم ~~إنفاقها إلا في الوجوه المشروعة فهذا الإصلاح المفيد لهم ولأموالهم خير من ~~مجانبتهم ، وتركهم ، ولذا قال تعالى بعد ذلك : ( @QUR@03 وإن تخالطوهم ~~فإخوانكم ) أى : وإن تعاشروهم وتضموهم إليكم فاعتبروهم إخوانكم في العقيدة ~~والإنسانية ، وعاملوهم بمقتضى ما تفرضه الأخوة من تراحم وتعاطف ومساواة. # والجملة الكريمة معطوفة على ما قبلها. و «إصلاح» مبتدأ وسوغ الابتداء به ~~مع أنه نكرة وصفه بالجار والمجرور «لهم» و «خير» خبره ، وقوله : ( @QUR@01 ~~فإخوانكم ) الفاء واقعة في جواب الشرط ، وإخوانكم خبر لمبتدأ محذوف ~~والتقدير فهم إخوانكم ، والجملة في محل جزم على أنها جواب الشرط. # وقوله : ( @QUR@05 والله يعلم المفسد من المصلح ) وعد ووعيد ، وترغيب في ~~الإصلاح وترهيب من الإفساد ، أى : والله يعلم المفسد لشئون هؤلاء اليتامى ~~من المصلح لها ، كما أنه سبحانه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، ~~وسيجازى كل إنسان على حسب عمله ، فاحذروا الإفساد ولا تتحروا غير الإصلاح. # ثم قال تعالى : ( @QUR@04 ولو شاء الله لأعنتكم ) العنت : الشدة والمشقة ~~والتضييق. يقال : أعنته في كذا يعنته إعناتا ، إذا أجهده وألزمه ما يشق عليه. # أى : ولو شاء الله لضيق عليكم وأحرجكم بتحريم مخالطة هؤلاء اليتامى ، ~~وبغير ذلك مما يشرع لكم ، ولكنه سبحانه وسع عليكم وخفف فأباح لكم مخالطتهم ~~بالتي هي أحسن ، فاشكروه على ذلك. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@04 إن الله عزيز حكيم ) أى : إن الله ~~تعالى غالب PageV01P486 # على أمره لا يعجزه أمر من الأمور التي من جملتها إعناتكم قادر على أن يعز ~~من أعز اليتامى ويذل من أذلهم ، حكيم في كل تصرفاته وأفعاله ، فلا يضع ~~الأشياء إلا في مواضعها. # وقد استدل العلماء بهذه الآية على جواز التصرف في أموال اليتامى على وجه ~~الإصلاح ، وعلى أن للولي أن يخالط اليتيم بنفسه في المصاهرة والمشاركة وغير ~~ذلك مما تقتضيه المصلحة. # وقد وردت أحاديث متعددة في رعاية اليتيم وإصلاح أحواله ms0497 ومن ذلك ما رواه ~~البخاري عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنا وكافل ~~اليتيم في الجنة هكذا ، وأشار بالسبابة والوسطى وفرق بينهما». # وروى الطبراني عن أبى الدرداء. قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل يشكو ~~قسوة قلبه ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أتحب أن يلين وتدرك حاجتك؟ ارحم ~~اليتيم ، وامسح رأسه ، وأطعمه من طعامك يلن قلبك وتدرك حاجتك. # وبذلك نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد اشتملتا على أفضل ألوان الإصلاح ~~للأفراد والجماعات في مطاعمهم ومشاربهم ونفقتهم وعلاقتهم بغيرهم ولا سيما ~~اليتامى الذين فقدوا الأب الحانى ، والقلب الرحيم ، ومن شأن الأمة التي ~~تعمل بهذا التوجيه السامي الحكيم أن تنال السعادة في دنياها. ورضاه الله في ~~أخراها. # ثم تحدثت السورة بعد ذلك في اثنتين وعشرين آية (1) عن بعض أحكام وآداب ~~الزواج والمعاشرة ، والإيلاء والطلاق ، والعدة ، والنفقة ، والرضاعة ، ~~والخطبة ، والمتعة ، وغير ذلك مما يتعلق بصيانة الأسرة وتقويتها ، وبنائها ~~على أفضل الدعائم ، وأحكم الروابط ، إذ الأسرة هي اللبنة الأساسية في بناء ~~المجتمع ، ومن مجموعها يتكون ، فإذا صلحت الوحدات والمكونات صلح البنيان ، ~~وإذا تصدعت تصدع. # ولقد ابتدأت الآيات التي معنا حديثها عن الأسرة بالحديث عن الزواج لأنه ~~أعمق الروابط وأقواها ومنه تتأتى الذرية ، لذا جعل أساس الاختيار فيه هو ~~التدين السليم ، والخلق القويم ، الذي يسعد ولا يشقى ، ويبنى ولا يهدم ، ~~ويحفظ ولا يضيع .. ولا يتأتى ذلك إلا باختيار المسلمة الصالحة والإعراض عن ~~المشركة الكافرة. # استمع إلى القرآن الكريم وهو يبين ذلك فيقول : PageV01P487 # ( @QUR@039 ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو ~~أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم ~~أولئك يدعون إلى النار والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته ~~للناس لعلهم يتذكرون ) (221) # قوله تعالى : ( @QUR@05 ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) النكاح في اللغة ~~الضم وتداخل أجزاء الشيء بعضها في بعض. ثم أطلق على العقد الذي به تكون ~~العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة مشروعة. # والمشرك في لسان الشرع : من ms0498 يدين بتعدد الآلهة مع الله تعالى وأصله من ~~الإشراك بمعنى أن تجعل الشيء بينك وبين غيرك شركة ، فمن يعبد مع الله تعالى ~~إلها آخر يعد مشركا ، وهو في الآخرة من الخاسرين. # ويرى كثير من العلماء أن إطلاق كلمة : مشرك ، ومشركين ، ومشركات في ~~القرآن الكريم تعنى عبدة الأوثان ، وأنها صارت في استعمال القرآن حقيقة ~~عرفية فيهم ، ولم يطلقها القرآن على اليهود والنصارى وإنما عبر عنهم بهذا ~~الاسم أو بأهل الكتاب ، أو بوصف الكفر دون الشرك كما في قوله تعالى : ( ~~@QUR@06 لعن الذين كفروا من بني إسرائيل ) وعليه فالمراد بالمشركات ~~والمشركين في الآية عبدة الأوثان. # وذهب بعضهم إلى أن لفظ المشركات يشمل بمقتضى عمومه المرأة الوثنية ، ~~واليهودية ، والنصرانية. # وقد ترتب على هذا الخلاف في إطلاق كلمة «مشرك» أن أصحاب الرأى الأول ~~قالوا : إن النهى في الآية إنما هو عن زواج المشركات اللائي يعبدن الأوثان ~~ولا كتاب لهن ، وأنه يجوز مع الكراهة أن يتزوج المسلم الكتابية ، لأن ~~القرآن يقول : ( @QUR@023 اليوم أحل لكم الطيبات ، وطعام الذين أوتوا ~~الكتاب حل لكم ، وطعامكم حل لهم ، والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ).. الآية (1). ولأنه قد جاءت الروايات بأن ~~بعض الصحابة قد تزوج بكتابيات. فعثمان بن عفان تزوج نصرانية ثم أسلمت ، ~~وطلحة ابن PageV01P488 # عبيد الله وحذيفة بن اليمان تزوجا يهوديتين. # أما من قال بالرأى الثاني فيرى حرمة الزواج بالوثنية واليهودية ~~والنصرانية لأن لفظ المشركات يشملهن جميعا. وأصحاب هذا الرأى كما يقول ~~الآلوسى يجعلون آية المائدة وهي قوله تعالى : ( @QUR@03 والمحصنات من ~~المؤمنات ).. منسوخة بالآية التي معنا نسخ الخاص بالعام .. وإلى هذا الرأى ~~ذهب الإمامية وبعض الزيدية (1). # وروى عن عمر وعبد الله ابنه رضي الله عنهما أنهما حرما ذلك وفي رواية ~~أنها كرهاه. وهي الأصح. # قال القرطبي : وروى عن عمر أنه فرق بين طلحة بن عبيد الله وحذيفة بن ~~اليمان وبين كتابيتين وقالا : نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب. فقال : لو ~~جاز طلاقكما لجاز نكاحكما ولكن أفرق بينكما صغرة قمأة. قال ابن عطية وهذا ~~لا يستند جيدا ms0499 ، وأسند منه أن عمر أراد التفريق بينهما فقال له حذيفة : ~~أتزعم أنها حرام فأخلى سبيلها يا أمير المؤمنين؟ فقال : لا أزعم أنها حرام ~~ولكن أخاف أن تعاطوا المومسات منهن. # ثم قال القرطبي : وكان ابن عمر إذا سئل عن نكاح الرجل النصرانية أو ~~اليهودية. قال حرم الله المشركات على المؤمنين ولا أعرف شيئا من الإشراك ~~أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى أو عبد من عباد الله. قال النحاس : وهذا ~~قول خارج عن قول الجماعة الذين تقوم بهم الحجة ، لأنه قال بتحليل نكاح نساء ~~أهل الكتاب من الصحابة والتابعين جماعة منهم عثمان وطلحة وابن عباس .. ومن ~~التابعين سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد .. وفقهاء الأمصار ~~عليه ، وأيضا فيمتنع أن تكون هذه الآية من سورة البقرة ناسخة للآية التي في ~~سورة المائدة ، لأن البقرة من أول ما نزل بالمدينة والمائدة من آخر ما نزل ~~، وإنما الآخر ينسخ الأول أو يخصصه وأما قول ابن عمر فلا حجة فيه ، لأن ابن ~~عمر رضي الله عنه كان متوقفا ، فلما سمع الآيتين في واحدة التحليل وفي أخرى ~~التحريم ولم يبلغه النسخ توقف ، ولم يؤخذ عنه ذكر النسخ وإنما تؤول عليه ، ~~وليس يؤخذ الناسخ والمنسوخ بالتأويل (2). # والذي نراه أن زواج المسلم بالكتابية جائز لأن القرآن صريح في ذلك ، ولأن ~~عمر رضي الله عنه أقر بأنه ليس بحرام ، فتكون آية المائدة مخصصة لآية ~~البقرة على فرض عمومها ، ومبينة لحكم جديد خاص بالكتابيات ، وهو الجواز ~~ولكن هذا الجواز لا يمنع كراهته ، لأن الزواج بالكتابية كثيرا ما يؤثر في ~~إضعاف العاطفة الدينية عند المسلم ، وعند الأطفال الذين PageV01P489 # يكونون ثمرة لهذا الزواج ، لأنهم يخرجون إلى الحياة وقد رضعوا الميل إلى ~~دين أمهم ، ولأن المرأة الكتابية التي تقبل الزواج بالمسلم كثيرا ما تكون ~~منحرفة في سلوكها وأن الدافع لها إلى هذا الزواج إنما هو المال أو الجمال ~~أو الجاه وليس الدين أو الخلق ، لأنه لو كان الدافع ذلك لرضيت بالإسلام ~~دينا ، وبآدابه خلقا لها ، وما أحكم قول عمر لحذيفة : «لا ms0500 أزعم أنها حرام ~~ولكن أخاف أن تعاطوا المومسات منهن». # هذه خلاصة لآراء العلماء في هذه المسألة ومن أراد المزيد فليرجع إلى ~~أقوالهم في مظانها (1). # والمعنى : أنها كم أيها المؤمنون أن تتزوجوا بالنساء المشركات حتى يؤمن ~~بالله تعالى ويذعن لتعاليم الإسلام وآدابه. # وقوله : ( @QUR@07 ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ) تعليل للنهى ، ~~وبيان لفضل المؤمنات على المشركات ، ولفضل طهارة النفس على جمال الجسم ، ~~والمراد بالأمة هنا الأنثى المملوكة من الرقيق ، وبالمشركة الحرة الجميلة ~~بقرينة المقابلة. # أى : ولأنثى رقيقة مؤمنة مع ما بها من الرق وقلة الجاه والجمال خير في ~~التزوج بها من امرأة حرة مشركة ولو أعجبتكم بجمالها ونسبها وغير ذلك من ~~منافع دنيوية ، لأن ما يتعلق بالمنافع الدينية يجب أن يقدم على المنافع ~~الدنيوية ، ولأن الزواج ارتباط روحي بين قلبين ، ومن العسير أن يتم هذا ~~الترابط بين قلب يخلص لله في عبادته ، وقلب لا يدين بذلك. # وصدرت الجملة بلام الابتداء الشبيهة بلام القسم في إفادة التأكيد مبالغة ~~في الحمل على الانزجار ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أتباعه أن يجعلوا ~~الدين أساس رغبتهم في الزواج ، فقد أخرج الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : «تنكح المرأة لأربع : لمالها ولحسبها ولجمالها ~~ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك». # وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «لا تتزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن ، ولا ~~تتزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن ، ولكن تزوجوهن على الدين ، ~~ولأمة سوداء ذات دين أفضل». # والأحاديث النبوية في هذا المعنى كثيرة. # ثم قال تعالى : ( @QUR@05 ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ) أى : لا ~~تزوجوا أيها المؤمنون النساء المؤمنات للرجال المشركين حتى يتركوا ما هم ~~عليه من شرك ويدخلوا في دين الإسلام ، فإذا فعلوا ذلك حل لكم أن تزوجوهم ~~النساء المسلمات ، لأنهم بدخولهم في الإسلام قد أصبحوا إخوانا لكم. PageV01P490 # والنهى هنا يتناول المشرك الذي يعبد الأوثان ويتناول غيره ممن لا يدين ~~بالإسلام كأهل الكتاب ، لأن القرآن ms0501 قد جعل الإيمان غاية للنهى ، فإذا لم ~~يكن هناك إيمان من الرجل لم يكن له أن يتزوج من المرأة المؤمنة ، لأن الله ~~تعالى يقول في آية أخرى : ( @QUR@042 يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم ~~المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ~~ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ، وآتوهم ما أنفقوا ، ~~ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر ). # فهذه الآية صريحة في أن زواج المسلمة بالكافر لا يجوز ، وكلمة كافر تشمل ~~أهل الكتاب بدليل قوله تعالى : ( @QUR@012 لعن الذين كفروا من بني إسرائيل ~~على لسان داود وعيسى ابن مريم ).. وقوله تعالى ( @QUR@016 ما يود الذين ~~كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم ). # قال الفخر الرازي : لا خلاف هاهنا في أن المراد به أى بلفظ المشركين الكل ~~، وأن المؤمنة لا يحل تزويجها من الكافر ألبتة على اختلاف أنواع الكفرة (1). # وقوله : ( @QUR@07 ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم ) بيان لفضل ~~الإيمان على الشرك ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@05 ولأمة مؤمنة خير من ~~مشركة ) إذ نسبة المؤمن أو المؤمنة إلى هذا الدين الذي ارتضاه الله لعباده ~~أفضل وأجل من الانتساب إلى أى شيء آخر. # ثم بين سبحانه علة النهى عن الزواج بالمشركين والمشركات فقال تعالى : ( ~~@QUR@010 أولئك يدعون إلى النار والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه ). # أى : أولئك المذكورون من المشركين والمشركات يدعون من يقارنهم ويعاشرهم ~~إلى الأقوال والأفعال والعقائد التي تقضى بصاحبها إلى دخول النار في الآخرة ~~والله تعالى يدعو عباده على ألسنة رسله إلى الأقوال والأعمال والعقائد التي ~~توصل إلى جنته ومغفرته. # فالمراد بالدعاء إلى النار الدعاء إلى أسبابها وإلى ما يوصل إليها ، وكان ~~الاقتران بهؤلاء المشركين والمشركات سببا في الوصول إليها ، لأن الزواج من ~~شأنه الألفة والمودة والمحبة وشدة الاتصال ، وكل ذلك يجعل المسلم أو ~~المسلمة يتقبلان ما عليه المشرك أو المشركة من فسوق وعصيان لله تعالى بل ~~ربما بمرور الأيام لا يكتفيان بالتقبل بل يستحسنان فعلهما ms0502 ، وبذلك تنحل عرا ~~الإسلام من نفس المسلم والمسلمة عروة فعروة ، حتى لا يبقى منه سوى الاسم ، ~~كما نشاهد ذلك في كثير من المسلمين الذين تزوجوا بغير مسلمات. # والمقصود من قوله تعالى : ( @QUR@04 والله يدعوا إلى الجنة ) إغراء ~~المؤمنين بالتمسك بتعاليم PageV01P491 # دينهم ، وتنفيرهم من الاقتران بغير من يكون على شاكلتهم في الدين ، لأن ~~من يخالفهم في عقيدتهم طريقه يغاير طريقهم ، وهدفه يخالف هدفهم ، وعاقبته ~~تباين عاقبتهم. # والدعاء إلى الجنة والمغفرة المراد به الدعاء إلى أسبابهما كما في الجملة ~~السابقة المقابلة وقيد سبحانه الدعاء إلى الجنة والمغفرة بقوله ( @QUR@01 ~~بإذنه ) أى بأمره وإرادته وعلمه ، لأنه سبحانه هو المالك لكل شيء ، ولا يقع ~~في ملكه إلا ما يريده ويقدره. # قال بعض العلماء ما ملخصه : وقد يقول قائل : هذه الدعوة إلى النار قد ~~تكون أيضا في زواج المسلم بالكتابية ، كما هي في زواج المسلم بالمشركة ، ~~وكان مقتضى هذا أن يحرم زواج المسلم بغير المسلمة مطلقا ، كما حرم زواج ~~المسلمة بغير المسلم مطلقا ، وإن لذلك الكلام موضعه ، ولذلك أجمع الفقهاء ~~على كراهة زواج المسلم بالكتابية ، بل زعم بعض العلماء أن زواج المسلم من ~~الكتابية محرم كزواجه من المشركة. # ولكن الجمهور لا يقطعون بالتحريم أمام النص القاطع بالحل ، ولا يعملون ~~العلة ليهمل النص ، بل يرون علة التحريم لا تتوافر في الكتابية توافرها في ~~المشركة ، فإن المشركة لا ترتبط بأى قانون خلقي يعصمها من الزلل .. أما ~~الكتابية فإن مجموع الفضائل الإنسانية .. لا تزال باقية في تعاليم دينها ~~فيمكن الاحتكام إليها. # والقرآن في جدله مع أهل الكتاب كان يلاحظ إمكان التفاهم معهم على قواعد ~~يمكن حملهم على الإقرار بها كما في قوله تعالى : ( @QUR@018 قل يا أهل ~~الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به ~~شيئا ).. الآية. # وأمرنا أن نجادلهم بالتي هي أحسن فقال : ( @QUR@012 ولا تجادلوا أهل ~~الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم ).. الآية. # فكان من اطراد تلك المعاملة الحسنة المقربة غير المبعدة ، أن أباح ~~الإسلام الزواج من الكتابيات. # بيد أنه يلاحظ ms0503 في إباحة الزواج من الكتابيات أمران : # أولهما : أن النص القرآنى المبيح خاص بالمحصنات منهن ، إذ قال سبحانه ( ~~@QUR@07 والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) والمحصنات في أظهر ~~التفسير هن العفيفات ، فأولئك الذين يعمدون إلى المنحرفات منهن في أخلاقهن ~~وعقولهن ولا يتخيرون ، خارجون عن موضع الإباحة فيما أحسب ، لأن الله أحل ~~المحصنات وهم استحلوا المنحرفات. # ثانيهما : أن ولى الأمر إذا رأى خطرا على الدولة الإسلامية أو على ~~المجتمع الإسلامى له أن PageV01P492 # يمنع الناس من ذلك الزواج بوضع عقوبات لمن يقدم عليه سدا للذريعة ومنعا ~~للشر ، وذلك من باب السياسة الشرعية ، لا من باب تحريم ما أحل الله ، لأن ~~الحل قائم على أصله ، والمنع وارد على الضرر الذي يلحق المسلمين ، إذ في ~~ذلك من الاعتداء على جماعتهم ما فيه ، كما أن أصل الأكل حلال ، ولكن اغتصاب ~~أموال الناس لنأكلها حرام ، ولذلك سارت الدولة على منع بعض رجالها من ~~الزواج بالأجنبيات (1). # وقوله تعالى في ختام الآية : ( @QUR@05 ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون ~~) معطوف على يدعو إلى الجنة. أى أنه سبحانه يدعو الناس إلى ما يوصلهم إلى ~~جنته ومغفرته ويبين لهم آياته وأوامره ونواهيه في شئون الزواج وفي غير ذلك ~~من الأحكام لكي يتعظوا ويعتبروا ويتذكروا ما أمرهم الله به فيعملوه ، وما ~~نهاهم عنه فيتركوه. # وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد رسمت للناس أقوم السبل ، لكي يعيشوا في ظل ~~أسرة فاضلة ، تظلها السعادة ، ويسودها الأمان والاطمئنان ويتعاون أفرادها ~~على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان. # وبعد أن أمر الله المسلم بأن يجعل التدين وحسن الخلق محط اختياره في ~~الزواج ، اتبع ذلك بإرشاده إلى بعض الآداب التي يجب عليه أن يسلكها مع زوجه ~~حتى تكون علاقتهما قائمة على ما يقتضيه الطبع السليم والخلق القويم وحتى ~~تكون في أعلى درجات التطهر والتنزه والعفاف فقال تعالى : # ( @QUR@027 ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا ~~تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب ~~التوابين ويحب المتطهرين (222) @QUR@016 نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم ms0504 أنى ~~شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين ) (223) PageV01P493 # روى الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن اليهود كانوا ~~إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت أى لا يسكنون ~~معهن فسأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : ( @QUR@06 ~~ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى ). الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اصنعوا كل شيء إلا النكاح. فبلغ ذلك اليهود فقالوا : ما يريد هذا الرجل أن ~~يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه. فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا : ~~يا رسول الله ، إن اليهود تقول كذا وكذا ، أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى ظنا أن قد وجد عليهما أى غضب فاستقبلتهما هدية من ~~لبن إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل في آثارهما فسقاهما ، فعرفا أن لم يجد ~~عليهما (1). # والمحيض : الحيض مصدر حاضت المرأة تحيض حيضا ومحاضا ومحيضا فهي حائض ، ~~وأصله السيلان. يقال حاض الوادي إذا سال ، ومنه الحوض لسيلان الماء إليه. # ثم أطلق الحيض على ما يقذفه رحم المرأة من دم في أوقات مخصوصة على وجه مخصوص. # والأذى : الشيء الذي يتأذى منه الإنسان ويصيبه الضرر بسببه. # والسؤال كان من بعض الصحابة ، لأنه لقوة إيمانهم كانوا يحبون أن يعرفوا ~~حكم الإسلام في شئونهم الخاصة والعامة ، ولأنهم وجدوا أن اليهود وغيرهم ~~يعاملون المرأة في حال حيضها معاملة غير كريمة فسألوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن هذا الأمر الذي يتصل بأدق العلاقات بين الرجل والمرأة ~~وهو حكم مباشرة النساء في حال الحيض ، فأجابهم الله تعالى جوابا شافيا. # والمعنى : ويسألك أصحابك يا محمد عن حكم مباشرة النساء في حال الحيض فقل ~~لهم معلما وموجها : إن الحيض أى الدم الذي يلفظه رحم المرأة في وقت معين ~~أذى يتأذى به الإنسان تأذيا حسيا جسيما ، فرائحته يتأذى منها من يشمها ، ~~وهو في ذاته شيء متقذر تعافه النفوس ، وتنفر منه الطباع. # وقوله : ( @QUR@08 فاعتزلوا النساء في المحيض ms0505 ولا تقربوهن حتى يطهرن ) ~~بيان للحكم المتفرع على تلك الحالة التي يتأذى منها وهي حالة الحيض. # والاعتزال : التباعد ، وهو هنا كناية عن ترك الجماع والمباشرة ، كما أن ~~النهى عن قربهن كناية عن النهى عن جماعهن ، يقال : قرب الرجل امرأته إذا ~~جامعها. # و ( @QUR@01 يطهرن ) من الطهر بضم الطاء بمعنى النقاء من الوسخ والقذر . # والمعنى : عليكم أيها المؤمنون أن تمتنعوا عن مباشرة النساء في زمن حيضهن ~~، ولا تجامعوهن PageV01P494 # حتى يطهرن من ذلك ، لأن غشيانهن في هذه الحالة يؤذيكم بسبب عدم نقاء ~~المحل الذي يكون فيه الغشيان للمرأة ، والمرأة أيضا تتأذى من مباشرتها في ~~زمن الحيض لأنها لا تكون في حالة تستسيغ معها المباشرة ، فجهازها التناسلى ~~في حالة اضطراب ، وهيئتها العامة في حالة تجعلها من شأنها أن تنفر من ~~الجماع ، والولد الذي يأتى عن طريق الجماع في حالة الحيض على فرض إتيانه في ~~هذه الحالة كثيرا ما يأتى مشوها ضعيفا ، لأن النطفة إذا اختلطت بدم الحيض ، ~~أخذت البويضات في التخلق قبل وقت صلاحيتها للتخلق النافع الذي يكون وقته ~~بعد انتهاء فترة الحيض وقد قال بذلك الأطباء الثقاة (1). وعرفه العرب ~~القدامى بالتجربة ، قال أبو كبير الهذلى. # ومبرأ من كل غبر حيضة %~% وفساد مرضعة وداء معضل (2) # وقد أجمع العلماء كما بينا على أن المراد بالاعتزال هو اجتناب المباشرة ، ~~إلا أنهم اختلفوا فيما يجب اعتزاله من المرأة بعد ذلك. # فبعضهم يرى اعتزال جميع بدن المرأة ، وحجتهم أن الله أمر باعتزال النساء ~~ولم يخصص من ذلك شيئا دون شيء. # وبعضهم يرى اعتزال موضع الأذى أى مكان خروج الدم لقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم «اصنعوا كل شيء إلا النكاح». # وبعضهم يرى اعتزال ما بين السرة إلى الركبة من المرأة وله ما سوى ذلك ، ~~لقول عائشة : كانت إحدانا إذا كانت حائضة أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~تأتزر ثم يباشرها. وقوله : ( @QUR@04 ولا تقربوهن حتى يطهرن ) تأكيد لحكم ~~الاعتزال وتقرير له ، وتنبيه على أن المراد به عدم جماعهن لا عدم القرب ~~منهن أو مخالطتهن أو الأكل معهن كما ms0506 كان يفعل اليهود وبعض العرب. # والدليل على ذلك ما جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : «كنت ~~أرجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا حائض». # وروى البخاري عن عائشة أيضا قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكئ ~~في حجري وأنا حائض ثم يقرأ القرآن (3). PageV01P495 # وروى مسلم عنها أيضا قالت : كنت أشرب وأنا حائض ، ثم أناوله النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع فى فيشرب. # وقوله : ( @QUR@02 حتى يطهرن ) بيان لغاية الاعتزال. وقرأ حمزة الكسائي ( ~~@QUR@02 حتى يطهرن ) بفتح الطاء والهاء مع التشديد. # ومعناه عند جمهور الفقهاء ولا تجامعوهن حتى يغتسلن ، لأن القراءتين ~~معناهما واحد ، ولأن الله تعالى قد علق الإتيان على التطهر فقال : ( ~~@QUR@03 فإذا تطهرن فأتوهن ) والتطهر هو الاغتسال. فالمرأة إذا انقطع حيضها ~~لا يحل للزوج مجامعتها إلا بعد الاغتسال. # ويرى الأحناف أن معنى ( @QUR@02 حتى يطهرن ) أى حتى ينقطع الدم ، لأنه ~~إذا كان سبب الأذى هو الدم فانقطاعه طهور منه ، وبناء على ذلك فيجوز للرجل ~~أن يباشر زوجته قبل أن تغتسل متى انقطع دمها لأقصى مدة الحيض ، وهو عشرة ~~أيام. أخذا بالقراءة المشهورة ( @QUR@01 يطهرن ) بالتخفيف. أما إذا انقطع ~~الدم قبل ذلك فلا تحل مباشرتها إلا بالتأكيد من زوال الدم بعمل من جانبها ~~وهو الاغتسال الفعلى ، لأن قراءة ( @QUR@01 يطهرن ) بالتشديد عندهم معناها ~~يغتسلن. # وقال بعض الفقهاء يكفى في حلها أن تتوضأ عند انقطاع الدم. # ولكل فريق أدلته المبسوطة في كتب الفقه. # وفي هاتين الجملتين الكريمتين ( @QUR@08 فاعتزلوا النساء في المحيض ولا ~~تقربوهن حتى يطهرن ) من سمو التعبير ، وبديع الكناية ما يغرس في نفس السامع ~~حسن الأدب ، ويصون سمعه عن الألفاظ التي يجافى سماعها الأذواق السليمة ، ~~وما أحوج المسلمين إلى التأسى بهذا الأدب الذي يحفظ عليهم مروءتهم ~~وكرامتهم. # ثم قال تعالى : ( @QUR@07 فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله ) أى : ~~فإذا تطهرن من المحيض فجامعوهن في المكان الذي أمركم الله بتجنبه في الحيض ~~وهو القبل ولا تتعدوه إلى غيره. # والأمر في قوله تعالى : ( @QUR@01 فأتوهن ) المراد به إباحة المباشرة ms0507 ، ~~لأن من المقرر عند العلماء أن الأمر بعد النهى يكون للإباحة ، خصوصا إذا ~~كان الموضع موضع حل وإباحة لا موضع تكليف وإلزام ، وليس المراد به الحتم ~~واللزوم ، لأن الإتيان مبنى على الرغبة والطاقة وشبه بهذا التعبير قوله ~~تعالى : ( @QUR@06 فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ) وقوله : ( @QUR@03 ~~وإذا حللتم فاصطادوا ). # قال الجمل : ومن في قوله : «من حيث» فيها قولان : # أحدهما : أنها لابتداء الغاية ، أى من الجهة التي تنتهي إلى موضع الحيض. PageV01P496 # والثاني : أن تكون بمعنى في أى المكان الذي نهيتم عنه في الحيض. ورجح ~~بعضهم هذا بأنه ملائم لقوله ( @QUR@04 فاعتزلوا النساء في المحيض ) (1). # وعلى كلا القولين فالمقصود أن يأتى الرجل زوجته في المكان الفطري الطبيعي ~~لتلك العلاقة الجنسية ، وهو القبل إذ هو مكان البذر والإنسال ، ولا يخرج عن ~~ذلك إلا الذين أصيبوا بشذوذ في عقولهم ، وضعف في دينهم .. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@06 إن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين ) والتواب صيغة مبالغة من تائب بمعنى راجع إلى ربه إذا زل وهفا. # والمتطهر : هو الإنسان المتنزه عن الفواحش والأقذار. # أى : إن الله تعالى يحب عباده الذين يكثرون الرجوع إليه إذا ما ظلموا ~~أنفسهم بسيئة من السيئات ، والذين يصونون أنفسهم وينزهونها عن المعاصي ~~والآثام ، ويرضى عنهم في الدنيا والآخرة. # قال الآلوسى : ( @QUR@04 إن الله يحب التوابين ) مما عسى يبدر منهم من ~~ارتكاب بعض الذنوب كالإتيان في الحيض المستدعى لعقاب الله تعالى فقد أخرج ~~الإمام أحمد والترمذي والنسائي عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~: «من أتى حائضا فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وهو جار مجرى ~~الترهيب فلا يعارض ما أخرجه الطبراني عن ابن عباس قال : جاء رجل إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، أصبت امرأتى وهي حائض فأمره رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يعتق نسمة» وهذا إذا كان الإتيان في أول الحيض ~~والدم أحمر ، أما إذا كان في آخره والدم أصفر فينبغي أن يتصدق بنصف دينار ~~كما دلت عليه الآثار» (2). # ثم ms0508 قال تعالى : ( @QUR@07 نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ). # روى الشيخان عن جابر قال : كانت اليهود تقول : إذا أتى الرجل امرأته من ~~دبرها في قبلها ثم حملت كان ولدها أحول. فأنزل الله تعالى قوله : ( @QUR@03 ~~نساؤكم حرث لكم ) الآية. # والحرث في الأصل : تهيئة الأرض بالحراثة لإلقاء البذر فيها. وقد تطلق ~~كلمة الحرث على الأرض المزروعة كما في قوله تعالى ( @QUR@04 أن اغدوا على ~~حرثكم ) أى على حديقتكم لجمع ما فيها من ثمار. PageV01P497 # وشبهت المرأة بالأرض لأن كليهما يمد الوجود الإنسانى بأسباب بقائه ، ~~فالزوجة تمده بعناصر تكوينه ، والأرض تمده بأسباب حياته. # و ( @QUR@02 أنى شئتم ) بمعنى كيف شئتم ، أو متى شئتم في غير وقت الحيض. # والمعنى : نساؤكم هن مزرع لكم ومنبت للولد ، أعدهن الله لذلك كما أعد ~~الأرض للزراعة والإنبات ، فأتوهن إذا تطهرن من الحيض في موضع الحرث كيف ~~شئتم مستلقيات على ظهورهن أو غير ذلك ما دمتم تؤدون شهوتكم في صمام واحد ~~وهو الفرج. # وفي هذه الجملة الكريمة إشعار بأن المقصد الأول من الزواج إنما هو النسل ~~، ويشير إلى ذلك قوله ( @QUR@03 نساؤكم حرث لكم ) إذ من شأن الحرث الصالح ~~الإنتاج وإشعار كذلك بما شرعه الله للزوجين من مؤانسة ومباسطة ويشير إلى ~~ذلك قوله تعالى : ( @QUR@04 فأتوا حرثكم أنى شئتم ). # ويرى صاحب الكشاف أن التشبيه بين ما يلقى في الأرحام من النطفة وبين ~~البذر الذي يلقى في الأرض من حيث إن كلا منهما ينمو في مستودعه ويكون به ~~البقاء والتوالد ، فقد قال رحمه الله : # ( @QUR@03 نساؤكم حرث لكم ) مواضع الحرث لكم. وهذا مجاز شبهن بالمحارث ~~تشبيها لما يلقى في أرحامهن من النطف التي منها النسل بالبذور ، وقوله : ( ~~@QUR@04 فأتوا حرثكم أنى شئتم ) تمثيل ، أى فأتوهن كما تأتون أراضيكم التي ~~تحرثونها من أى جهة شئتم ، لا تحظر عليكم جهة دون جهة. والمعنى : جامعوهن ~~من أى شق أردتم بعد أن يكون المأتى واحدا وهو موضع الحرث. ثم قال : وقوله ~~تعالى : ( @QUR@04 هو أذى ، فاعتزلوا النساء ) وقوله ( @QUR@04 من حيث ~~أمركم الله ) وقوله ( @QUR@04 فأتوا حرثكم أنى شئتم ) من الكنايات اللطيفة ~~والتعريضات الحسنة. ms0509 وهذه وأشباهها في كلام الله آداب حسنة على المؤمنين أن ~~يتعلموها ويتأدبوا بها ويتكلفوا مثلها في محاورتهم ومكاتبتهم. # فإن قلت : ما موقع قوله ( @QUR@03 نساؤكم حرث لكم ) مما قبله؟ قلت : ~~موقعه موقع البيان والتوضيح لقوله : ( @QUR@05 فأتوهن من حيث أمركم الله ) ~~يعنى أن المأتى الذي أمركم الله به هو مكان الحرث ترجمة له وتفسيرا ، أو ~~إزالة للشبهة ودلالة على أن الغرض الأصيل في الإتيان هو طلب النسل لا قضاء ~~الشهوة فلا تأتوهن إلا من المأتى الذي يتعلق به هذا الغرض» (1). # ثم ختم الله تعالى الآية بقوله : ( @QUR@09 وقدموا لأنفسكم ، واتقوا الله ~~واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين ). # أى : عليكم أيها المؤمنون أن تقدموا في حاضركم لمستقبلكم من الأعمال ~~الصالحة ما ينفعكم PageV01P498 # في دنياكم وآخرتكم ، بأن تختاروا في زواجكم ذات الدين ، وأن تسيروا في ~~حياتكم الزوجية على الطريقة التي رسمها لكم خالقكم وعليكم كذلك أن تتقوه ~~بأن تصونوا أنفسكم عن كل ما نهاكم عنه ، وأن تعلموا علم اليقين أنكم ~~ستلقونه فيحاسبكم على أعمالكم ويجازيكهم عليها بما تستحقون. # وقوله : ( @QUR@02 وبشر المؤمنين ) بشارة طيبة لمن آمن وعمل صالحا ، ~~وتلقى ما كلفه الله تعالى بالطاعة والامتثال. # وبذلك نرى أن هاتين الآيتين قد أرشدتا المسلم إلى أفضل الوسائل ، وأقوى ~~الدعائم التي يقوم عليها صرح الحياة الزوجية السعيدة ، والتي عن طريقها ~~تأتى الذرية الصالحة الرشيدة ، وأن الإسلام في تعاليمه لا يحاول أن ينكر أو ~~يحطم غرائز الإنسان وضرورياته ، وإنما الإسلام يعترف بغرائز الإنسان ~~وضرورياته ثم يعمل على تهذيبها وتقويمها بالطرق التي من شأنه إذا ما اتبعها ~~أن يظفر بالسعادة والطمأنينة في دنياه وأخراه. # وبعد أن بينت لنا السورة الكريمة حكم المباشرة في فترة الحيض تابعت ~~حديثها عن شئون الأسرة فذكرت حكم الإيلاء أى الحلف بالامتناع عن المباشرة ~~بعد أن قدمت له بالحديث عن الحلف في ذاته. استمع إلى السورة الكريمة وهي ~~تحكى ذلك فتقول : # ( @QUR@014 ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين ~~الناس والله سميع عليم (224) @QUR@014 لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ~~ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله ms0510 غفور حليم (225) @QUR@013 للذين يؤلون ~~من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤ فإن الله غفور رحيم (226) @QUR@07 وإن ~~عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ) (227) # العرضة : فعله بضم الفاء بمعنى مفعول كالقبضة والغرفة ، وهي اسم لكل ما ~~يعترض الشيء فيمنع من الوصول إليه ، واشتقاقها من الشيء الذي يوضع في عرض ~~الطريق فيصير مانعا للناس من السلوك والمرور يقال فلان عرضة دون الخير أى ~~حاجز عنه. # وتطلق كذلك على النصبة التي تتعرض للسهام وتكون هدفا لها ، ومنه قولهم : ~~فلان عرضة PageV01P499 # للناس إذا كانوا يقعون فيه ويعرضون له بالمكروه. قال الشاعر : # دعوني أنح وجدا كنوح الحمائم %~% ولا تجعلوني عرضة للوائم # يريد اتركوني أنح من الشوق ولا تجعلوني معرضا للوم اللوائم. # والأيمان : جمع يمين وتطلق بمعنى الحلف والقسم ، واصل ذلك أن العرب كانوا ~~إذا أرادوا توثيق عهودهم بالقسم يقسمونه وضع كل واحد من المتعاهدين يمينه ~~في يمين صاحبه ، و «تبروا» من البر وهو الأمر المستحسن شرعا. # والمعنى على الوجه الأول : لا تجعلوا الحلف بالله أيها المؤمنون حاجزا ~~ومانعا عن البر والتقوى والإصلاح بين الناس ، وذلك أن بعض الناس كان إذا ~~دعى إلى فعل الخير وهو لا يريد أن يفعله يقول : حلفت بالله ألا أفعله ~~فنهاهم الله تعالى عن سلوك هذا الطريق. # وهذا المعنى هو الذي رجحه كثير من المفسرين لأنه هو المناسب لما يجيء بعد ~~ذلك من قوله تعالى : ( @QUR@07 للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر ) ~~ووجه المناسبة أن الله تعالى يكره للمؤمن أن يجعل الحلف به مانعا من رجوعه ~~إلى أهله ؛ ولأن هناك أحاديث كثيرة تحض من حلف على ترك أمر من أمور الخير ~~أن يكفر عن يمينه وأن يأتى الأمر الذي فيه خير ، ومن هذه الأحاديث ما جاء ~~في الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنى ~~والله إن شاء الله ، لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي ~~هو خير وتحللتها» (1). # وروى مسلم في صحيحه عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله ms0511 عليه وسلم : ~~من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير» (2). # وشبيه بهذه الآية في النهى عن الحلف على ترك فعل الخير قوله تعالى في شأن ~~سيدنا أبى بكر عند ما أقسم ألا ينفق على قريبه الذي خاض في شأن ابنته عائشة ~~( @QUR@023 ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى ~~والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر ~~الله لكم ) (3). # فالآية على هذا الوجه تنهى المؤمن عن المحافظة على اليمين إذا كانت هذه ~~اليمين مانعة من فعل الخير. # واللام في قوله : ( @QUR@01 لأيمانكم ) متعلق بعرضة ، وقوله ( @QUR@04 أن ~~تبروا وتتقوا وتصلحوا ) مفعول PageV01P500 # لأجله أى : لا تجعلوا الحلف بالله سببا في الامتناع عن عمل البر والتقوى ~~والإصلاح بين الناس. # والمعنى على أن عرضة بمعنى النصبة التي تتعرض للسهام : لا تجعلوا أيها ~~المؤمنون اسم الله تعالى هدفا لأيمانكم فتبتذلوه بكثرة الحلف به في كل حق ~~وباطل ، وذلك لأجل البر والتقوى والإصلاح بين الناس ، فإن من شأن الذي يكثر ~~الحلف أن تقل ثقة الناس به وبإيمانه ، وقد ذم الله تعالى من يكثر الحلف ~~بقوله ( @QUR@05 ولا تطع كل حلاف مهين ) وأمر بحفظ الأيمان فقال : ( ~~@QUR@02 واحفظوا أيمانكم ). # قال الإمام الرازي : والحكمة في الأمر بتقليل الأيمان ، أن من حلف في كل ~~قليل وكثير بالله انطلق لسانه بذلك ، ولا يبقى لليمين في قلبه وقع ، فلا ~~يؤمن إقدامه على اليمين الكاذبة ، فيختل ما هو الغرض الأصلى في اليمين ، ~~وأيضا كلما كان الإنسان أكثر تعظيما لله. كان أكمل في العبودية ، ومن كمال ~~التعظيم أن يكون ذكر الله تعالى أجل وأعلا عنده من أن يستشهد به في غرض ~~دنيوى ، وأما قوله بعد ذلك ( @QUR@02 أن تبروا ) فهو علة لهذا النهى. أى : ~~إرادة أن تبروا والمعنى إنما نهيتم عن هذا أى عن الإكثار من الحلف لما أن ~~توقى ذلك من البر والتقوى والإصلاح ، فتكونون يا معشر المؤمنين بسبب عدم ~~إكثاركم من الأيمان بررة أتقياء مصلحين» (1). # وهذا الوجه أيضا استحسنه كثير من العلماء ، ولا ms0512 تنافى بينهما ؛ لأن الله ~~تعالى ينهانا عن أن نجعل القسم به مانعا من فعل الخير ، كما ينهانا في ~~الوقت نفسه عن أن نكثر من الحلف به في عظيم الأمور وحقيرها. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@03 والله سميع عليم ) أى : سميع ~~لأقوالكم وأيمانكم عند النطق بها عليم بأحوالكم ونياتكم فحافظوا على ما ~~أمركم به ، وانتهوا عما نهاكم لتنالوا رضاه ومثوبته. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ) استئناف ~~بيانى ، لأن الآية السابقة لما أفادت النهى عن التسرع في الحلف ، أو عن ~~اتخاذ الأيمان حاجزا عن عمل الخير ، كانت نفوس السامعين مشوقة إلى حكم ~~اليمين التي تجرى على الألسنة بدون قصد. # والمؤاخذة : مفاعلة من الأخذ بمعنى المحاسبة أو المعاقبة أو الإلزام ~~بالوفاء بها. # واللغو من الكلام : الساقط الذي لا يعتد به ولا يصدر عن فكر وروية مصدر ~~لغا يلغو ويلغى. PageV01P501 # والمعنى : لا يعاقبكم الله تعالى ولا يلزمكم بكفارة ما صدر عنكم من ~~الأيمان اللاغية فضلا منه سبحانه وكرما. # واليمين اللغو هي التي لا يقصدها الحالف ، بل تجرى على لسانه عادة من غير ~~قصد ، وقد ذكر العلماء صورا لها منها كما يقول ابن كثير : # ما رواه عطاء عن عائشة أنها قالت : «اللغو في اليمين هو كلام الرجل في ~~بيته كلا والله وبلى والله» وفي رواية عن الزهري عن عروة عنها أنها قالت : ~~«اللغو في اليمين هو ما يكون بين القوم يتدارءون في الأمر أى يتناقشون ~~ويتذاكرون فيه فيقول هذا لا والله وبلى والله وكلا والله لا تعقد عليه ~~قلوبهم» أى تجرى على ألسنتهم ألفاظ اليمين ولكن بدون قصد يمين : ومنها ما ~~جاء عن عروة عنها أنها كانت تتأول هذه الآية يعنى قوله تعالى : ( @QUR@06 ~~لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ) وتقول : هو الشيء يحلف عليه أحدكم لا ~~يريد منه إلا الصدق فيكون على غير ما حلف عليه». # ثم بين سبحانه اليمين التي هي موضع المحاسبة والمعاقبة فقال : ( @QUR@05 ~~ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ). # أى : لا يؤاخذكم الله في اليمين التي لم تصدر عن روية ms0513 وتفكير ولكن ~~يؤاخذكم أى يعاقبكم في الآخرة بما قصدته قلوبكم وتعمدتم فيه الكذب في ~~اليمين ، بأن يحلف أحدكم على شيء كذب ليعتقد السامع صدقه ، وتلك هي اليمين ~~الغموس أى التي تغمس صاحبها في النار ويدخل فيها الأيمان التي يحلفها شهود ~~الزور والكاذبون عند التقاضي ومن يشابههم في تعمد الكذب. # ويرى جمهور العلماء أن هذه اليمين لا كفارة فيها وإنما كفارتها التوبة ~~الصادقة ورد الحقوق إلى أصحابها إن ترتب على اليمين الكاذبة ضياع حق أو حكم بباطل. # ويرى الإمام الشافعى أنه يجب فيها فوق ذلك الكفارة. # والباء في قوله : ( @QUR@01 بما ) للسببية ، وما مصدرية أى ، لا يؤاخذكم ~~باللغو ولكن يؤاخذكم بالكسب ، أو موصولة والعائد محذوف أى ولكن يؤاخذكم ~~بالذي كسبته قلوبكم. # وقوله : ( @QUR@03 والله غفور حليم ) تذييل لتأكيد معنى عدم المؤاخذة في ~~اللغو. أى والله غفور حيث لم يؤاخذكم باللغو حليم حيث لم يعاجل المخطئين ~~بالعقوبة. # وبعد بيان هذه الأحكام في الأيمان العامة ، عقب سبحانه ذلك ببيان حكم ~~اليمين الخاصة فقال : ( @QUR@013 للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر ~~فإن فاؤ فإن الله غفور رحيم ). PageV01P502 # ( @QUR@07 وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ). و ( @QUR@01 يؤلون ) ~~: من الإيلاء مصدر آلى يؤالى ويؤلي إيلاء بمعنى حلف. قال الشاعر : # قليل الألايا حافظ ليمينه %~% وإن سبقت منه الألية برت # وقد خص الإيلاء في الشرع بالحلف على ترك مباشرة الزوجة. وكانوا في ~~الجاهلية يحلفون ألا يقربوا نساءهم السنة والأكثر إضرارا بهن. # والتربص التلبث والانتظار والترقب. قال الشاعر : # تربص بها ريب المنون لعلها %~% تطلق يوما أو يموت حليلها # و ( @QUR@01 فاؤ ) معناه رجعوا. والفيء في اللغة هو رجوع الشيء إلى ما ~~كان عليه من قبل ، ولهذا قيل لما تزيله الشمس من الظل ثم يعود فيء. وقيل ~~لما رده الله على المسلمين من مال المشركين فيء كأنه كان لهم فرجع إليهم. # قال الشاعر : # ففاءت ولم تقض الذي أقبلت له %~% ومن حاجة الإنسان ما ليس قاضيا # و ( @QUR@01 عزموا ) من العزم وهو عقد القلب على الشيء ، والتصميم عليه. ~~يقال عزم على الشيء يعزم عزما وعزيمة ms0514 .. إذا عقد نيته عليه. # و ( @QUR@01 الطلاق ) هو حل عقد النكاح الذي بين الرجل والمرأة ، وأصله ~~من الانطلاق ، وهو الذهاب. يقال : طلقت المرأة تطلق من باب نصر طلاقا ، إذا ~~أصبحت مخلاة بدون رجل بعد أن كانت في عصمة رجل معين. # قال الفخر الرازي : كان الرجل في الجاهلية لا يريد المرأة ولا يحب أن ~~يتزوجها غيره ، فيحلف أن لا يقربها ، فكان يتركها بذلك لا أيما ولا ذات بعل ~~والغرض منه مضارة المرأة. ثم إن أهل الإسلام كانوا يفعلون ذلك أيضا فأزال ~~الله ، تعالى ذلك ، وأمهل الزوج مدة حتى يتروى ويتأمل فإن رأى المصلحة في ~~ترك هذه المضارة فعلها ، وإن رأى المصلحة في المفارقة عن المرأة فارقها». # ومعنى الآيتين الكريمتين : أن الله تعالى جعل للذين يحلفون على ترك ~~مباشرة أزواجهم مدة يراجعون فيها أنفسهم ، وينتظرون فيها ما يستقر عليه ~~أمرهم ، وهذه المدة هي أربعة أشهر ، فإن رجعوا عما حلفوا عليه من ترك ~~مباشرة الزوجة ، ورأوا أن المصلحة في الرجوع فإن الله تعالى يغفر لهم ما ~~فرط منهم. وإن استمروا على ترك مباشرة نسائهم ، وأصروا على ذلك بعد ~~انقضائها فإن شرع الله تعالى يحكم بالتفريق بينهما ، لأن الحياة الزوجية لا ~~تقوم على البغض والكراهية والهجران ، وإنما تقوم على المحبة والمودة ~~والرحمة. PageV01P503 # وقوله : ( @QUR@02 للذين يؤلون ) متعلق بمحذوف خبر مقدم. وتربص مبتدأ ~~مؤخر ، وقدم الخبر على المبتدأ للاهتمام بهذه التوسعة التي وسع الله بها ~~عليهم ، فهي مدة كافية لأن يراجع المرء فيها نفسه ، ويعود إلى معاشرة زوجه ~~خلالها. # وعدى فعل الإيلاء بمن مع أن حقه أن يتعدى بعلى ، لأنه تضمن هنا معنى ~~البعد كأنه قال : للذين يؤلون متباعدين من نسائهم. # و ( @QUR@02 من نسائهم ) على حذف المضاف ، أو من إقامة العين مقام الفعل ~~المقصود منه المبالغة أى ، للذين يؤلون من مباشرة نسائهم. # وأضيف التربص إلى الظرف ( @QUR@02 أربعة أشهر ) على الاتساع إذ الأصل ~~تربصهن في أربعة أشهر. وقوله : ( @QUR@04 فإن الله غفور رحيم ) دليل ~~الجواب. أى فإن فاؤا إلى زوجاتهم وحنثوا في أيمانهم التي حلفوها بالابتعاد ~~عنهن ، بأن كفروا ms0515 عنها وتابوا إلى ربهم فحنثهم مغفور لهم لأنه سبحانه غفور ~~لمن تاب من بعد ظلمه وأصلح ، رحيم بعباده في كل أوامره وتكاليفه. # وجواب الشرط في قوله ( @QUR@03 وإن عزموا الطلاق ) محذوف والتقدير وإن ~~عزموا الطلاق فقد وجب عليهم ما اعتزموه ، والطلاق منصوب على نزع الخافض لأن ~~عزم يتعدى بعلى. # وفي قوله : ( @QUR@04 فإن الله سميع عليم ) وعيد شديد لمن يحلف على ترك ~~مباشرة امرأته أو يمسكها بقصد إيذائها ومضارتها. # أى فإن الله تعالى سميع لكل ما كان من الزوج الحالف ، عليم بما يقع منه ~~من مضار أو غيرها ، وسيجزيه يوم القيامة بما يستحقه. # قال القرطبي ما ملخصه : وقد جعل الله للزوج مدة أربعة أشهر في تأديب ~~المرأة بالهجر ، وقد آلى النبي صلى الله عليه وسلم من أزواجه شهرا تأديبا لهن ~~عند ما طالبنه بزيادة النفقة وقد قيل : الأربعة الأشهر هي التي لا تستطيع ~~أن تصبر عنه أكثر منها ، وقد روى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل بعض ~~النساء عن مقدار صبر المرأة عن زوجها فقلن أربعة أشهر ، فجعل عمر مدة الرجل ~~في الغزو أربعة أشهر ، فإذا مضت أربعة أشهر استرد الغازين ووجه بقوم آخرين ~~، وهذا والله أعلم يقوى اختصاص مدة الإيلاء بأربعة أشهر» (1). # وعلى أية حال فإن الطبائع تختلف في مثل هذه الأمور ، والأربعة الأشهر مدة ~~كافية ليختبر الرجل نفسه وميوله ، فإما أن يعود إلى معاشرة زوجه بالطريقة ~~التي شرعها الله ، وإما أن تعاد إلى الزوجة حريتها بالطلاق ، ليبدأ كلاهما ~~حياة زوجية جديدة مع شخص آخر. فذلك أكرم PageV01P504 # للزوجة وأعف وأصون ، وأنفع للرجل كذلك وأشرف. وقد اختار الله هذه المدة ~~وهو الأعلم بحكمة اختياره فعلينا أن نتقبل ما شرعه لنا طائعين خاشعين. # هذا وجمهور العلماء على أن الطلاق لا يقع بانتهاء هذه المدة ، وإنما ~~بانتهائها يأمره الحاكم بالفيئة ، فإن تقبل أمر الحاكم بالرضا أمهله مدة ~~يمكنه الفيئة فيها ، وإن لم يتقبله بالرضا أمره بالطلاق ، فإن طلق فبها ~~وإلا طلقها الحاكم منه. # وعليه فإن الفاء في قوله تعالى : ( @QUR@02 فإن فاؤ ) لترتيب ms0516 الحكم الذي ~~يحصل بعد مدة التربص. # وقال الأحناف إن الطلاق يقع بمجرد انتهاء هذه المدة وهي الأربعة الأشهر ، ~~والرجوع إنما يكون خلالها فلا زيادة فوقها ، ويكفى في مراجعته لنفسه تلك ~~المدة ، وما دام لم يرجع إلى معاشرة امرأته خلالها فقد آثر فراقها ، ولا ~~يصح أن نعطيه أية مهلة من الوقت بعدها. وعليه تكون الفاء عندهم للتفصيل ، ~~أى تفصيل ما يحصل من الزوج في هذه المدة. # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد نهت المسلم عن اتخاذ الحلف بالله ~~حاجزا بينه وبين فعل الخير ، وأمرته بأن يحفظ لسانه عن الإكثار من الحلف ~~بالله في الأمور الصغيرة والكبيرة ، وحذرته من تعمد الأيمان الكاذبة التي ~~تؤدى إلى غضب الله تعالى لأن اليمين الكاذبة الفاجرة من كبائر الذنوب ، ~~وحذرته كذلك من أن يهجر زوجته بقصد إيذائها والإضرار بها ، لأن الحياة ~~الزوجية يجب أن تقوم على المودة والرحمة ، وأرشدته إلى أن أقصى مدة لهجر ~~الزوجة بقصد تأديبها وعلاج اعوجاجها هي أربعة أشهر يراجع فيها نفسه ، فإما ~~أن يعود إليها ويكفر عن يمينه ، وإما أن يقع بينهما الفراق ( @QUR@07 وإن ~~يتفرقا يغن الله كلا من سعته ). # وبهذه الأحكام السامية يكون الإسلام قد شرع للرجل والمرأة ما ينفعهما ~~ويصون كرامتهما ، ويحفظ لهما حريتهما وحسن استمتاعهما بالحياة. # ثم ساقت السورة في خمس آيات أحكام الطلاق ، وفصلت أحواله ، وبينت مراته ، ~~وذكرت ما ينبغي أن يكون عليه من عدل وتسامح حتى لا يقع ظلم أو جور على أحد ~~الزوجين. استمع إلى القرآن الكريم وهو يبين ذلك بأسلوبه الحكيم المؤثر ~~فيقول : # ( @QUR@024 والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما ~~خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن PageV01P505 # @QUR@016 في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال ~~عليهن درجة والله عزيز حكيم (228) @QUR@046 الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو ~~تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا ~~يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما ms0517 فيما افتدت ~~به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون (229) ~~@QUR@030 فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا ~~جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها ~~لقوم يعلمون (230) @QUR@045 وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف ~~أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا ~~تتخذوا آيات الله هزوا واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب ~~والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم (231) @QUR@033 ~~وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا ~~بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى ~~لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) (232) PageV01P506 # وقوله تعالى : ( @QUR@05 والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) معطوف ~~على ما قبله لشدة المناسبة ، وللاتحاد في الحكم وهو التربص الذي سبقت ~~الإشارة إليه في قوله ( @QUR@07 للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر ). # والتربص : التأنى والتريث والانتظار. # والقروء : جمع قرء بضم القاف وفتحها . # قال الطبرسي : وأصله في اللغة يحتمل وجهين : # أحدهما : الاجتماع ومنه القرآن لاجتماع حروفه .. فعلى هذا يقال أقرأت ~~المرأة فهي مقرئ إذا حاضت ، وذلك لاجتماع الدم في الرحم. # والوجه الثاني : أن أصل القرء الوقت الجاري في الفعل على عادة ، يقال : ~~هذا قارئ الرياح أى وقت هبوبها» (1). # والمعنى : أن على المطلقات أن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ثلاثة قروء ~~بدون نكاح ثم لها أن تتزوج بعد ذلك إن شاءت. # والمراد بالمطلقات هنا المدخول بهن من ذوات الحيض غير الحوامل ، لأن ~~غيرهن قد بين الله تعالى عدتهن في مواضع أخرى. # والمتوفى عنها زوجها بين الله عدتها بقوله : ( @QUR@010 والذين يتوفون ~~منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ) (2). # ومن لا يحضن ليأس من الحيض ، أو لأنهن لم يرين الحيض فقد بين الله تعالى ~~عدتهن بقوله : ( @QUR@014 واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم ~~فعدتهن ثلاثة أشهر ، واللائي لم يحضن ms0518 ) (3) أى : واللائي لم يحضن فعدتهن ~~كذلك ثلاثة أشهر. # وذوات الحمل بين الله تعالى عدتهن بقوله : ( @QUR@06 وأولات الأحمال ~~أجلهن أن يضعن حملهن ) (4). # وغير المدخول بها لا عدة عليها لقوله تعالى : ( @QUR@019 يا أيها الذين ~~آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من ~~عدة تعتدونها ) (5). PageV01P507 # وقوله : ( @QUR@02 يتربصن بأنفسهن ) جملة خبرية اللفظ إنشائية المعنى أى ~~«ليتربصن» وإخراج الأمر في صورة الخبر كما يقول الزمخشري «تأكيد للأمر ، ~~وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله ، فكأنهن امتثلن الأمر ~~بالتربص. فهو يخبر عنه موجودا. ونحوه قولهم في الدعاء : «رحمك الله» أخرج ~~في صورة الخبر ثقة بالاستجابة. كأنما وجدت الرحمة فهو يخبر عنها وبناؤه على ~~المبتدأ مما زاده أيضا فضل توكيد. ولو قيل : «ويتربص المطلقات» لم يكن بتلك ~~الوكادة» (1). # وفي قوله تعالى : ( @QUR@03 والمطلقات يتربصن بأنفسهن ) ما فيه من ~~الإبداع في الإشارة والنزاهة في العبارة والسمو في المعنى ، وذلك لأن ~~المرأة المطلقة كثيرا ما تشعر بعد طلاقها بأنها في حاجة إلى أن تثبت أن ~~إخفاقها في حياتها الزوجية السابقة ليس لنقص فيها ، أو لعجز عن إنشاء حياة ~~زوجية أخرى ، وهذا الشعور قد يدفعها إلى التسرع والاندفاع من أجل إنشاء هذه ~~الحياة ، وهنا تبرز طريقة القرآن الحكيمة في معالجة النفوس ، إنه يقول ~~للمطلقة : إن التطلع إلى إنشاء حياة زوجية أخرى ليس عيبا ، ولكن الكرامة ~~توجب عليها الانتظار والتريث ، إذ لا يليق بالحرة الكريمة أن تتنقل بين ~~الأزواج تنقلا سريعا .. وأيضا فإن نداء الفطرة ، وتعاليم الشريعة توجبان ~~عليها الانتظار مدة ثلاثة قروء ، لكي تستبرئ رحمها ، حتى إذا كان هناك حمل ~~نسب إلى الأب الشرعي له. # وفي قوله تعالى : ( @QUR@02 يتربصن بأنفسهن ) إشعار بأن هذا التربص يجب ~~أن يكون من ذات أنفسهن وليس من عامل خارجى ، فشأن الحرة الكريمة المؤمنة أن ~~تحجز نفسها بنفسها عن كل ما يتنافى مع الكرامة والشرف ، فقد تجوع الحرة ~~ولكنها لا تأكل بثديها كما يقولون . # وقد أشار صاحب الكشاف إلى المعنى بقوله : فإن قلت وما معنى ذكر الأنفس هنا ؟ # قلت ms0519 : في ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص وزيادة بعث ، لأن فيه ما ~~يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن. وذلك أن أنفس النساء طوامح إلى الرجال. ~~فأمرن أن يقمعن أنفسهن ، ويغلبنها على الطموح ، ويجبرنها على التربص» (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@02 ثلاثة قروء ) نصب ثلاثة على النيابة عن المفعول ~~فيه ، لأن الكلام على تقدير مضاف ، أى مدة ثلاثة قروء. فلما حذف المضاف ~~خلفه المضاف إليه في الإعراب. # هذا وللعلماء رأيان شهيران في المراد بقوله تعالى : ( @QUR@02 ثلاثة قروء ). PageV01P508 # فالأحناف والحنابلة ومن قبلهم عمر وعلى وابن مسعود وغيرهم يرون أن المراد ~~بالقروء هنا الحيضات والمعنى عندهم : أن المطلقات عليهن أن يمكثن بعد ~~طلاقهن من أزواجهن مدة ثلاث حيضات بدون زواج ثم بعد ذلك لهن أن يتزوجن إن شئن. # ومن أدلتهم : ان النبي صلى الله عليه وسلم قد فسر القرء بمعنى الحيض فقد جاء ~~في الحديث الذي رواه أبو داود والنسائي عن فاطمة بنت أبى حبيش أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال لها : «دعى الصلاة أيام أقرائك» (1). # ولا شك أن المراد بالقرء في هذا الحديث الحيض ، لأنه هو الذي لا تصح معه ~~الصلاة. # أما المالكية والشافعية ومن قبلهم عائشة وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت ~~والزهري وغيرهم فيرون أن المراد بالقروء هنا الأطهار ، أى الأوقات التي ~~تكون بين الحيضتين للنساء. # ومعنى الآية عندهم : أن على المطلقات أن يمكثن بعد طلاقهن من أزواجهن ~~ثلاثة أطهار بدون زواج ثم بعد ذلك يتزوجن إذا شئن. # ومن أدلتهم : أن الله تعالى يقول : ( @QUR@02 فطلقوهن لعدتهن ) وقد بينت ~~السنة النبوية أن الطلاق لا يكون في الحيض ، فلا يتصور أن يكون الطلاق في ~~العدة إلا إذا فسرنا القرء بالطهر لا بالحيض. وروى عن عائشة أنها قالت : هل ~~تدرون الأقراء؟ الأقراء الأطهار (2). # قال صاحب المنار قال الأستاذ الإمام : والخطب في الخلاف سهل ، لأن ~~المقصود من هذا التربص العلم ببراءة الرحم من الزوج السابق ، وهو يحصل ~~بثلاث حيض كما يحصل بثلاث أطهار .. ومن النادر أن يستمر الحيض إلى آخر ~~الحمل فكل من القولين ms0520 موافق لحكمة الشرع في المسألة (3). # ثم قال تعالى : ( @QUR@010 ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ~~). أى : ولا يحل للنساء المطلقات أن يكتمن أمانة الله التي خلقها في ~~أرحامهن من ولد لكي ينسبنه إلى غير أبيه ، أو من حيض أو طهر لكي تطول العدة ~~، ويمتد الإنفاق من الأزواج عليهن. فإن هذا الكتمان كذب على الله ، وخيانة ~~للأمانة التي أودعها الله في أحشائهن وأمرهن بالوفاء بها ، سيحاسب الله من ~~يفعل ذلك منهن حسابا شديدا ، ويعاقبه عقابا أليما. # وقوله : ( @QUR@06 إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر ) تحريض لهن على عدم ~~الكتمان وعلى الاخبار PageV01P509 # الصادق حتى تستقيم الأحكام ، وتتقرر الحقوق ، وتحذير لهن من الكتمان ومن ~~اتباع الهوى والشيطان أى : أن على المطلقات ألا يكتمن ما خلق الله في ~~أرحامهن إن جرين على ما يقتضيه الإيمان ، إذ الإيمان يبعث على الصدق ويدعو ~~إلى المحافظة على الأمانة ، فإن لم يفعلن ذلك وكتمن ما خلق الله في أرحامهن ~~، كن ممن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر إيمانا حقيقيا ، لأن من شأن ~~المؤمنات الكاملات في إيمانهن ألا يفعلن ذلك. # قال الإمام الرازي : أما قوله ( @QUR@06 إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر ) ~~فليس المراد أن ذلك النهى عن الكتمان مشروط بكونها مؤمنة ، بل هذا كما تقول ~~للرجل الذي يظلم : إن كنت مؤمنا فلا تظلم. تريد إن كنت مؤمنا فينبغي أن ~~يمنعك إيمانك عن ظلمي ، ولا شك أن هذا تهديد شديد للنساء .. والآية دالة ~~على أن كل من جعل أمينا في شيء فخان فيه فأمره عند الله شديد» (1). # هذا ، وقد قرر الفقهاء أن القول فيما يتعلق بعدة المرأة ابتداء وانتهاء ~~مرجعه إليها ، لأنه أمر يتعلق بها ولا يعلم إلا من جهتها ، إلا أنهم مع ذلك ~~قرروا مدة ينتهى قولها عنده ، ولا يعمل بقولها إن نقصت عن تلك المدة. فلو ~~ادعت أنها قد انقضت عدتها بعد شهر من طلاقها لا يقبل قولها. # وللفقهاء كلام طويل في هذه المسألة مبسوط في كتب الفقه فليرجع إليه من ~~شاء ذلك. # ثم قال تعالى ms0521 : ( @QUR@08 وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ). # قال القرطبي : البعولة جمع البعل وهو الزوج ، سمى بعلا لعلوه على الزوجة ~~بما قد ملكه من زوجيتها ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@02 أتدعون بعلا ) أى ~~ربا ، لعلوه في الربوبية .. والبعولة أيضا مصدر البعل. وبعل الرجل بيعل ~~كمنع يمنع أى صار بعلا. والمباعلة والبعال : الجماع ، ومنه قوله ~~صلى الله عليه وسلم لأيام التشريق : «إنها أيام أكل وشرب وبعال» (2). # والمعنى : وأزواج المطلقات طلاقا رجعيا أحق بردهن ومراجعتهن في ( @QUR@01 ~~ذلك ) أى في وقت التربص قبل انقضاء العدة ( @QUR@03 إن أرادوا إصلاحا ) أى ~~إن أرادوا بهذه المراجعة الإصلاح لا الإضرار ، كما سيأتى في قوله تعالى : ( ~~@QUR@014 وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ~~ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ). # قال القرطبي : وأجمع العلماء على أن الحر إذا طلق زوجته الحرة وكانت ~~مدخولا بها تطليقة أو PageV01P510 # تطليقتين ، أنه أحق برجعتها ما لم تنقض عدتها وإن كرهت المرأة ، فإن لم ~~يراجعها المطلق حتى انقضت عدتها فهي أحق بنفسها وتصير أجنبية منه ، ولا تحل ~~له إلا بخطبة ونكاح مستأنف بولي وإشهاد ليس على صفة المراجعة ، وهذا اجماع ~~من العلماء» (1). # وفي هذه الجملة الكريمة بيان لبعض الحكم السامية التي أرادها الله تعالى ~~من وراء مشروعية العدة. فالله تعالى جعل للمطلق فرصة هي مدة ثلاثة قروء لكي ~~يراجع نفسه ، ويتدبر أمره ، لعله خلال هذه المراجعة وذلك التدبر يرى أن ~~الخير في بقاء زوجته معه فيراجعها ، رعاية لرابطة المودة والرحمة التي ~~جعلها الله تعالى بين الزوجين. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 إن أرادوا إصلاحا ) شرط المقصود منه حض المطلق ~~على أن ينوى بإرجاعه لمطلقته إصلاح أحوالهما ، بإرشادها إلى ما من شأنه أن ~~يجعل حياتهما الزوجية مستمرة لا منقطعة ، أما إذا راجعها على نية الكيد ~~والأذى والمضارة ففي هذه الحالة يكون آثما وسيعاقبه الله على ذلك بما ~~يستحقه. # قال الآلوسى : وليس المراد من التعليق اشتراط جواز الرجعة بإرادة الإصلاح ~~حتى لو لم يكن قصده لا تجوز ، للاجتماع على جوازها مطلقا ، بل المراد ~~تحريضهم على قصد الإصلاح حيث جعل كأنه ms0522 منوط به ينتفى بانتفائه» (2). # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@011 ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ~~وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم ). # أى : وللنساء على الرجال مثل ما للرجال على النساء. فليؤد كل واحد منهما ~~إلى الآخر ما يجب عليه نحوه بالمعروف. # والمراد بالمماثلة كما يقول الآلوسى المماثلة في الوجوب لا في جنس الفعل ~~، فلا يجب عليه إذا غسلت ثيابه أو خبزت له أن يفعل لها مثل ذلك ، ولكن ~~يقابله بما يليق بالرجال» (3). # أى أن الحقوق والواجبات بينهما متبادلة ، وأنهما متماثلان في أن كل واحد ~~منهما عليه أن يؤدى نحو صاحبه ما يجب عليه بالمعروف أى بما عرفته الطباع ~~السليمة ولم تنكره ، ووافق ما أوجبه الله على كل منهما في شريعته. فالباء ~~في قوله ( @QUR@01 بالمعروف ) للملابسة. # وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث متعددة حقوق الرجال على النساء ~~، وحقوق النساء على الرجال ، ومن ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه عن جابر بن ~~عبد الله أن رسول صلى الله عليه وسلم قال في PageV01P511 # خطبته في حجة الوداع : اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله. ~~واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه. ~~فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف». # وروى الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يحل لا ~~مرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه ، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه» وأخرج ~~أبو داود عن معاوية بن حيدة قال : قلت يا رسول الله ، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ # قال : أن تطعمها إذا طعمت ، وتكسوها إذا اكتسيت ، ولا تضرب الوجه ، ولا ~~تقبح ، ولا تهجر إلا في البيت». # ولقد قام السلف الصالح بأداء هذه الحقوق على أحسن وجه فقد روى عن ابن ~~عباس أنه قال : إنى لأحب أن أتزين لامرأتى كما تتزين لي لأن الله. تعالى ~~يقول : ( @QUR@05 ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ). # أى : أن يحب أن يؤنسها وأن يدخل السرور على قلبها كما أنها هي تحب أن ms0523 ~~تفعل له ذلك. # ولكن لا يفهم أحد أن المراد بهذا المثلية المساواة من كل الوجوه قال ~~تعالى : ( @QUR@03 وللرجال عليهن درجة ) والرجال : جمع رجل. يقال : رجل بين ~~الرجلة أى القوة. وهو أرجل الرجلين أى أقواهما. وفرس رجيل أى قوى على ~~المشي. وارتجل الكلام أى قوى عليه من غير حاجة فيه إلى فكرة وروية ، وترجل ~~النهار أى قوى ضياؤه. فأصل كلمة الرجل مأخوذة من الرجولية بمعنى القوة. # والدرجة في الأصل : ما يرتقى عليه من سلم ونحوه ، والمراد بها هنا المزية ~~والزيادة أى : لهن عليهم مثل الذي لهم عليهن ، وللرجال على النساء مزية ~~وزيادة في الحق ، بسبب حمايتهم لهن ، وقيامهم بشئونهن ونفقتهن وغير ذلك من ~~واجبات. # قال بعض العلماء : وإذا كانت الأسرة لا تتكون إلا من ازدواج هذين ~~العنصرين الرجل والمرأة فلا بد أن يشرف على تهذيب الأسرة ويقوم على تربية ~~ناشئتها وتوزيع الحقوق والواجبات فيها أحد العنصرين. وقد نظر الإسلام إلى ~~هذا الأمر نظرة عادلة ، فوجد أن الرجل أملك لزمام نفسه ، وأقدر على ضبط حسه ~~، ووجده الذي أقام البيت بماله وأن انهياره خراب عليه فجعل له الرياسة ، ~~ولذا قال سبحانه : ( @QUR@014 الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم ~~على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ... ). # هذه هي الدرجة التي جعلها الإسلام للرجل ، وهي درجة تجعل له حقوقا وتجعل عليه PageV01P512 # واجبات أكثر ، فهي موائمة كل المواءمة لصدر الآية ، فإذا كان للرجل فضل ~~درجة فعليه فضل واجب» (1). # وقوله : ( @QUR@03 والله عزيز حكيم ) أى غالب في انتقامه ممن عصاه ، حكيم ~~في أمره وشرعه وسائر ما يكلف به عباده. فعلى الرجل والمرأة أن يطلبا عزهما ~~فيما شرعه الله فهو الملجأ والمعاذ لكل ذي حق مهضوم ، وعليهما كذلك أن ~~يتمسكا بما كلفهما به ، لأنه ما كلفهما إلا بما تقتضيه الحكمة ، ويؤيده ~~العقل السليم. # وبعد أن بين سبحانه في هذه الآية شرعية الطلاق ومداه إذا طلق الرجل ~~امرأته المدخول بها طلقة رجعية ، ووضع المنهاج العادل الذي يجب أن يتبعه ~~الرجال والنساء .. بعد أن بين ذلك أتبعه ببيان الحد الذي ينتهى ms0524 عنده ما ~~للرجل من حق المراجعة فقال تعالى : ( @QUR@07 الطلاق مرتان فإمساك بمعروف ~~أو تسريح بإحسان ). # قال الإمام ابن كثير : هذه الآية رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء ~~الإسلام : من أن الرجل كان أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة ما دامت في ~~العدة ، فلما كان هذا فيه ضرر على الزوجات ، قصرهم الله تعالى على ثلاث ~~طلقات ، وأباح الرجعة في المرة والثنتين ، وأبانها بالكلية في الثالثة فقال ~~: الطلاق مرتان ... الآية (2). # وروى ابن أبى حاتم عن هشام بن عروة عن أبيه أن رجلا قال لامرأته : لا ~~أطلقك أبدا ولا آويك أبدا. قالت : وكيف ذلك؟ قال : أطلق حتى إذا دنا أجلك ~~أى قاربت عدتك أن تنتهي راجعتك. فأتت المرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فذكرت له ذلك فأنزل الله تعالى : ( @QUR@02 الطلاق مرتان ) الآية. # والطلاق كما يقول القرطبي هو حل العصمة المنعقدة بين الأزواج بألفاظ ~~مخصوصة. وأل في قوله : ( @QUR@02 الطلاق مرتان ) للعهد الذكرى. # أى : الطلاق الرجعى المشار إليه في قوله تعالى : ( @QUR@02 والمطلقات ~~يتربصن ) مرتان ، وأمر المطلق بعد إحدى هاتين الطلقتين يدور بين حالتين إما ~~إمساك بمعروف بمعنى أن يراجعها على نية الإبقاء على العلاقة الزوجية ، ~~والمعاملة الحسنة وإما تسريح بإحسان بمعنى أن يتركها حتى تنتهي عدتها ، ~~ويطلق سراحها بدون ظلم أو إساءة إليها ، كما قال تعالى : ( @QUR@03 وسرحوهن ~~سراحا جميلا ). PageV01P513 # قال القرطبي : والتسريح : إرسال الشيء ، ومنه تسريح الشعر ليخلص البعض من ~~البعض ، وسرح الماشية أرسلها ..» وعلى هذا التفسير يكون المراد بالطلاق في ~~الآية الطلاق الرجعى وبالمرتين حقيقة التثنية ، ويكون وقت الإمساك أو ~~التسريح هو ما بعد الطلقة الأولى أو الثانية بصفة خاصة ، وفي كل الأوقات ~~بصفة عامة. وعلى هذا التفسير سار كثير من العلماء. # ويرى بعضهم أن المراد بالطلاق في الآية الطلاق الشرعي ، وبالمرتين ~~التكرار لا العدد ، وأن المراد من التسريح بالإحسان هو الطلقة الثالثة ، أى ~~بعد الطلقتين الأوليين يتروى في الأمر فيمسك بالمعروف أو يطلق الطلقة ~~الثالثة. وقد ذكر هذا الرأى صاحب الكشاف فقال : ( @QUR@01 الطلاق ) بمعنى ~~التطليق كالسلام بمعنى التسليم ، أى ms0525 التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على ~~التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة ، ولم يرد بالمرتين التثنية ولكن ~~التكرير ، كقوله «ثم ارجع البصر كرتين» أى كرة بعد كرة لا كرتين اثنتين ، ~~ونحو ذلك من التثانى التي يراد بها التكرير كقولهم : لبيك وسعديك .. وقوله ~~: ( @QUR@05 فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ) تخيير لهم بعد أن علمهم كيف ~~يطلقون بين أن يمسكوا النساء بحسن العشرة وبين أن يسرحوهن السراح الجميل ~~الذي علمهم إياه .. وروى أن سائلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم أرأيت قول ~~الله تعالى : ( @QUR@02 الطلاق مرتان ) فأين الثالثة ، فقال ~~صلى الله عليه وسلم «التسريح بإحسان» (1). # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@01 فإمساك .. ) للتفريع ، وإمساك خبر ~~لمبتدأ محذوف والتقدير : فالشأن أو فالأمر إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. # قال الفخر الرازي : والحكمة في إثبات حق الرجعة : أن الإنسان ما دام يكون ~~مع صاحبه لا يدرى أنه هل تشق عليه مفارقته أولا؟ فإذا فارقه فعند ذلك يظهر ~~، فلو جعل الله تعالى الطلقة الواحدة مانعة من الرجوع لعظمت المشقة على ~~الإنسان بتقدير أن يظهر المحبة بعد المفارقة ، ثم لما كان كمال التجربة لا ~~يحصل بالمرة الواحدة ، فلا جرم أثبت سبحانه حق المراجعة بعد المفارقة مرتين ~~، وعند ذلك يكون قد جرب الإنسان نفسه في تلك المفارقة مرتين وعرف حال قلبه ~~في ذلك الباب. فإن كان الأصلح إمساكها راجعها وأمسكها بالمعروف ، وإن كان ~~الأصلح له تسريحها سرحها على أحسن الوجوه ، وهذا التدريج والترتيب يدل على ~~كمال رحمته ورأفته بعباده». # هذا ، ويرى بعض العلماء كابن تيمية وابن القيم أن الرجل إذا أوقع الطلاق ~~دفعة واحدة ، PageV01P514 # بأن قال لزوجته أنت طالق ثلاث مرات ، فطلاقه لا يكون إلا طلقة واحدة ، ~~لأن اقتران الطلاق بكلمة ثلاثا لا يجعله ثلاث مرات بل هو مرة واحدة كمن ~~يقول : أحلف بالله ثلاثا فهو يمين واحدة. # ويرى الأئمة الأربعة أن طلاق هذا الرجل في مثل هذه الصورة يقع ثلاثا ، ~~لأنهم يرون أن الطلاق المقترن بالعدد لفظا أو إشارة يكون ثلاثا أو اثنين ~~على حسب ما اقترن به. ولأن عمر ms0526 رضي الله عنه أفتى بذلك. فقد أخرج مسلم وأبو ~~داود والنسائي والحاكم عن ابن عباس قال : «كان الطلاق الثلاث على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعلى عهد أبى بكر ، وسنتين من خلافة عمر واحدة ، فقال ~~عمر : إن الناس قد استعجلوا في أمر لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم» ~~فأمضاه. # وهذه المسألة مبسوطة بأدلتها في كتب الفقه وبعض كتب التفسير. # ثم قال تعالى : ( @QUR@027 ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا ~~أن يخافا ألا يقيما حدود الله ، فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح ~~عليهما فيما افتدت به ). # قال الراغب : الخوف : توقع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة ، كما أن ~~الرجاء والطمع توقع محبوب عن أمارة مظنونة أو معلومة. ويضاد الخوف الأمن ..». # والجناح : الإثم من جنح بمعنى مال عن القصد وسمى الآثم به للميل فيه من ~~الحق إلى الباطل . يقال جنحت السفينة أى مالت إلى أحد جانبيها. والافتداء : ~~تخليص النفس بمال يبذل لتخليصها ودفع الأذى عنها. وأصله من الفدى والفداء ~~بمعنى حفظ الإنسان نفسه عن الشدة بما يبذله من أجل ذلك (1). # والمعنى : ولا يجوز لكم أيها المطلقون أن تأخذوا من زوجاتكم في مقابلة ~~الطلاق شيئا مما أعطيتموهن من صداق أو من غيره من أموال ، لأن هذا الأخذ ~~يكون من باب الظلم الذي نهى الله عنه ، وليس من باب العدل الذي أمر الله به. # ثم استثنى سبحانه صورة يجوز فيها الأخذ فقال : ( @QUR@03 إلا أن يخافا ) ~~. إلخ أى : لا يجوز لكم أن تأخذوا في حالة من الأحوال إلا في حالة أن يخاف ~~الزوجان كلاهما أو أحدهما ألا يقيما حدود الله ففي هذه الحالة يجوز الأخذ ~~وحدود الله هي ما أوجبه سبحانه للرجل على زوجته. ولها عليه. # ثم خاطب سبحانه الحكام وجماعة المؤمنين المتوسطين للإصلاح بين الزوجين فقال : PageV01P515 # ( @QUR@04 فإن خفتم ألا يقيما ) أى الزوجان ( @QUR@02 حدود الله ) التي ~~حدها لهم وأمرهم باتباعها في حياتهم الزوجية «فلا جناح عليهما فيما افتدت ~~به» أى : فلا إثم على الزوج في أخذ ما أعطته له ms0527 الزوجة من مال مقابل ~~انفصالها عنه ، ولا إثم عليها كذلك في هذا الإعطاء ، لأنهما ما داما قد ~~وصلا إلى هذه الحالة من التنافر ، وما دامت الزوجة قد أصبحت تفضل أن تعطيه ~~من المال ما تفدى به نفسها من البقاء في عصمته ، ما داما قد أصبحا كذلك. ~~فوقوع الفراق بينهما أولى وأجدى ( @QUR@07 وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته ~~) قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لمن الخطاب في قوله : ( @QUR@05 ولا يحل لكم ~~أن تأخذوا ) إن قلت : إنه للأزواج لم يطابقه قوله : ( @QUR@06 فإن خفتم ألا ~~يقيما حدود الله ) وإن قلت إنه للأئمة والحكام فهؤلاء ليسوا بآخذين منهن ~~ولا بمؤتيهن؟ قلت : يجوز الأمران جميعا : أن يكون أول الخطاب للأزواج وآخره ~~للأئمة والحكام ، ونحو ذلك غير عزيز في القرآن وغيره. ويجوز الخطاب كله ~~للائمة والحكام ، لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم ~~فكأنهم الآخذون والمؤتون» (1). # والمراد بقوله : ( @QUR@02 مما آتيتموهن ) أى من المهور وتخصيصها بالذكر ~~وإن شاركها في الحكم سائر أموالهن إما لرعاية العادة وإما للتنبيه على أنه ~~إذا لم يحل لهم أن يأخذوا مما أعطوهن في مقابلة البضع عند خروجه عن ملكهم ~~فلأن لا يحل لهم أن يأخذوا مما لا تعلق له بالبضع أولى وأحرى. # وقوله : ( @QUR@01 شيئا ) مفعول به لتأخذوا. التنوين للتقليل أى : لا يحل ~~لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا ولو كان المأخوذ شيئا غاية في القلة ، لأن ~~هذا الأخذ يجافي الإحسان الذي أمرتم به. وقريب من هذه الآية في النهى عن ~~الأخذ قوله تعالى : # ( @QUR@017 وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا ~~تأخذوا منه شيئا ، أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا ). # وأن والفعل في قوله ( @QUR@03 إلا أن يخافا ) في موضع نصب على الحال أى ~~إلا خائفين. # وقوله : ( @QUR@02 ألا يقيما ) في موضع نصب على المفعول به ليخافا ~~والتقدير إلا أن يخافا ترك حدود الله. # وهذه الآية قد اعتبرها العلماء أصلا في جواز الخلع. # قال ابن كثير : وقد ذكر ابن جرير : أن هذه الآية نزلت في شأن ثابت بن قيس ، ففي PageV01P516 # صحيح البخاري عن ms0528 ابن عباس : أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن زوجي ثابت بن قيس ما أعيب عليه في ~~خلق ولا دين ، ولكن أكره الكفر في الإسلام أى أكره عدم الوفاء بحقه لبغضي ~~له . فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أتردين عليه حديقته؟ وهي المهر ~~الذي أمهرها قالت : نعم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت : اقبل ~~الحديقة وطلقها تطليقة» (1). قالوا : ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بينهما بطريق الخلع فكان أول خلع في الإسلام. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@012 تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن ~~يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ). # أى : تلك الأحكام العظيمة الحكيمة المتقدمة التي بينتها لكم في شأن ~~الطلاق والرجعة والخلع وغير ذلك حدود الله التي حدها ، فلا يجوز لكم أن أن ~~تخالفوها ، ومن يتعد هذه الحدود فأولئك هم الظالمون لأنفسهم بتعريضها لسخط ~~الله وعقابه. # وكانت الإشارة للبعيد ( @QUR@01 تلك ) لبيان سمو قدر هذه الأحكام ، وعظم ~~منزلتها ، وجلال ما فيها من مصالح واضحة لأصحاب العقول السليمة. # وسميت هذه الأحكام حدودا للإشارة إلى أنها فواصل بين الحق والباطل ، ~~والظلم والعدل والمنفعة والمضرة. إذ الحد هو الحاجز بين الشيئين الذي يمنع ~~اختلاط أحدهما بالآخر. يقال : حددت كذا أى جعلت له حدا يميزه. وحد الدار ما ~~تتميز به عن غيرها .. # وفي إضافة هذه الحدود إليه سبحانه إشعار بأن مخالفتها إنما هي مخالفة له ~~سبحانه وأن هذه الحدود لا يتطرق إليها الريب لأنها صادرة من العليم الخبير ~~الذي أحسن كل شيء خلقه. # والفاء في قوله : ( @QUR@02 فلا تعتدوها ) للتفريع أى : إذا كانت هذه ~~الأحكام حدود الله فلا يصح لكم أن تتجاوزوها لأن تجاوزها يؤدى إلى سوء ~~العقبى. # وعبر في قوله : ( @QUR@03 فأولئك هم الظالمون ) بفاء السببية وباسم ~~الإشارة وبضمير الفصل وبالجملة الاسمية لتأكيد معنى السببية وللإشارة إلى ~~أن الظلم شأن من شئونهم وصفة يتميزون بها عن غيرهم. # وقد جاء سبحانه بكل هذه المؤكدات في تلك الجملة الكريمة لكبح جماح غرور ~~الإنسان ms0529 ، وتحذيره من الانقياد لهواه وأوهامه ، فكثيرا ما يتوهم بعض الناس ~~أن أحكام الله ليست ملائمة لمقتضى الزمان الذي يعيشون فيه ، ويحاولون إخضاع ~~شرع الله تعالى PageV01P517 # لمصالحهم وشهواتهم ، أو يتركون ما شرعه الله بتلك الحجة الواهية الساقطة. ~~وأنت ترى هنا أن القرآن قال : ( @QUR@05 تلك حدود الله فلا تعتدوها ... ) ~~بينما قال هناك في ختام آية الصوم ( @QUR@05 تلك حدود الله فلا تقربوها .. ~~) (1) وذلك لأن الكلام هنا في شأن الأسرة وما يسودها أحيانا من خلافات ، ~~واصطدامات ، واضطرابات .. والخشية هنا إنما هي من تعدى هذه الحدود التي ~~حدها الله في أى مرة من مرات هذا الخلاف .. فجاء التحذير من التعدي لا من ~~المقاربة ، بينما هناك كان الحديث عن محظورات مشتهاة مستلذة تريدها النفس ~~لترضى شهوتي البطن والفرج ، فجاء التحذير من مجرد الاقتراب من هذه الحدود ~~التي حدها الله اتقاء لضعف الإرادة أمام جاذبيتها. # فسبحان من هذا كلامه ( @QUR@010 ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا ). # ثم بين سبحانه أحكام الطلاق المكمل للثلاث ، بعد بيانه لأحكام الطلاق ~~الرجعى وأحكام الخلع فقال تعالى : ( @QUR@011 فإن طلقها فلا تحل له من بعد ~~حتى تنكح زوجا غيره ). # أى : فإن طلق الرجل زوجته طلقة ثالثة بعد الطلقتين اللتين أباح الله له ~~مراجعتها بعد كل منهما في أثناء العدة ، فإنه في هذه الحالة تكون زوجته ~~محرمة عليه ، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره نكاحا شرعيا صحيحا ، بأن يدخل ~~بها ، ويباشرها مباشرة شرعية كما يباشر الأزواج زوجاتهم. # فالمراد بالنكاح في قوله تعالى ( @QUR@04 حتى تنكح زوجا غيره ) الزواج ~~بشخص آخر يدخل بها دخولا صحيحا. ويؤيد هذا المعنى ويؤكده ما جاء في الحديث ~~المشهور الذي أخرجه البخاري وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت : جاءت ~~امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن ~~رفاعة طلقني فبت طلاقى. وإنى نكحت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظي ، وإن ~~ما معه مثل الهدبة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لعلك تريدين أن ~~ترجعى إلى رفاعة؟ لا حتى ms0530 تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» (2). # وواضح من ذوق العسيلة أن يدخل بها ويجامعها. وعلى هذا انعقد إجماع ~~الفقهاء. ولم يلتفتوا إلى ما نسبه بعضهم إلى سعيد بن المسيب من أنه أجاز ~~للمرأة أن تعود إلى زوجها الأول بعد عقد زواجها على الثاني دون أن يدخل ~~بها. وحملوا هذا المنسوب إلى سعيد بن المسيب على أنه من شواذ الفتيا التي ~~لا وزن لها لمخالفتها لنص حديث صحيح لعله لم يبلغه. PageV01P518 # ثم قال تعالى : ( @QUR@013 فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا ~~أن يقيما حدود الله ) أى : فإن طلق الزوج الثاني تلك المرأة التي سبق ~~طلاقها من الزوج الأول ، فلا إثم عليها وعلى زوجها الأول في أن يرجع كل ~~منهما إلى صاحبه بعقد جديد بعد انقضاء العدة ما داما يغلب على ظنهما أنهما ~~سيقيمان حدود الله ، ويؤدى كل واحد منهما ما يجب عليه نحو صاحبه بأمانة ~~وإخلاص. # وقوله : ( @QUR@02 أن يتراجعا ) في موضع جر بإضمار حرف الجر أى في أن ~~يتراجعا وقوله ( @QUR@02 أن يقيما ) في موضع نصب على أنه سد مسد مفعولي ظن. # قال صاحب الكشاف : ولم يقل : إن علما أنهما يقيمان حدود الله لأن اليقين ~~مغيب عنهما لا يعلمه إلا الله. ومن فسر الظن ها هنا بالعلم فقدوهم ولأن ~~الإنسان لا يعلم ما في الغد وإنما يظن ظنا» (1). # ثم ختم سبحانه هذه الآية بقوله : ( @QUR@06 وتلك حدود الله يبينها لقوم ~~يعلمون ). # أى : وتلك الأحكام المذكورة عن الطلاق وعن غيره مما كلف الله به عباده ~~يبينها ويوضحها بتلك الطرق الحكيمة لقوم يعلمون الحق ، ويعملون بمقتضى علمهم. # وبهذا نرى أن الآية الكريمة قد بينت أنه لا يحل للمرأة التي طلقت من ~~زوجها أن تعود إليه بعد الطلقة الثالثة إلا بعد أن تتزوج آخر زواجا صحيحا ~~يدخل بها فيه ويجامعها ثم يطلقها وتنقضي عدتها منه. # ومن حكم هذا التشريع الحكيم ردع الأزواج عن الاستخفاف بحقوق زوجاتهم ، ~~وزجرهم عن التساهل في إيقاع الطلاق ، فإن الرجل الشريف الطبع ، العزيز ~~النفس إذا علم أن زوجته لن تحل له بعد ms0531 الطلقة الثالثة إلا إذا افترشها شخص ~~آخر توقف عن إيقاع الطلاق ، وتباعد عن التسرع والاندفاع وحاول أن يصلح ما ~~بينه وبين أهله بالمعالجة الحكيمة التي تتميز بسعة الصدر وضبط النفس. # هذا ، وقد ساق الإمام ابن كثير سبعة أحاديث في النهى عن نكاح المحلل وهو ~~أن يعقد رجل على امرأة قد طلقت ثلاثا من زوجها بقصد إحلالها لهذا الزوج لا ~~بقصد الزواج الدائم ثم يدخل بها دخولا صوريا وليس شرعيا ومن هذه الأحاديث ~~ما رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود قال : لعن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له ، وآكل الربا وموكله». PageV01P519 # وعن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألا أخبركم ~~بالتيس المستعار»؟ قالوا : بلى يا رسول الله. قال : هو المحلل لعن الله ~~المحلل والمحلل له». # وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن نكاح المحلل فقال : لا ~~إلا نكاح رغبة لا نكاح دلسة أى لا نكاح غش وتدليس ولا استهزاء بكتاب الله ~~ثم يذوق عسيلتها ..». # وجاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثا فتزوجها أخ له من ~~غير مؤامرة منه أى من غير مشورة ورغبة منه ليحلها لأخيه فهل تحل للأول؟ ~~فقال : لا إلا نكاح رغبة. كنا نعد هذا سفاحا على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم . # ثم قال ابن كثير : والمقصود أن الزوج الثاني يكون راغبا في المرأة قاصدا ~~لدوام عشرتها كما هو المشروع من التزويج. واشترط الإمام مالك مع ذلك أن ~~يطأها الثاني وطأ مباحا فلو وطئها وهي محرمة أو صائمة أو معتكفة أو حائض .. ~~لم تحل للأول بهذا الوطء والمراد بالعسيلة الجماع لما رواه الإمام أحمد ~~والنسائي عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «ألا إن العسيلة ~~الجماع» (1). # وبعد أن بين سبحانه في الآية السابقة أن الزوج مخير بين الإمساك والتسريح ~~في مدة العدة ، عقب ذلك ببيان أن هذا التخيير من حقه حتى آخر وقت ms0532 في العدة ~~، وذلك لتذكيره بأن الإمساك أفضل من التسريح ، وأن عليه ألا يلجأ إلى ~~الطلاق إلا إذا سدت طرق الإصلاح والمعالجة ، وأنه إذا اختار الطلاق فعليه ~~أن يسلك فيه طريق الحق والعدل لا طريق الباطل والجور. # قال تعالى : ( @QUR@020 وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن ، فأمسكوهن بمعروف ~~أو سرحوهن بمعروف ، ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ، ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ). # قال الراغب : الأجل : المدة المضروبة للشيء. قال تعالى ( @QUR@03 لتبلغوا ~~أجلا مسمى .. ) # أى مدة معينة والبلوغ والبلاغ الانتهاء إلى أقصى المقصد والمنتهى مكانا ~~كان أو زمانا أو أمرا من الأمور المقدرة ، وربما يعبر به عن المشارفة عليه ~~وإن لم يننه. فمن الانتهاء قوله تعالى : ( @QUR@07 حتى إذا بلغ أشده وبلغ ~~أربعين سنة ).. وأما قوله : ( @QUR@04 فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف ) ~~فللمشارفة فإنها إذا انتهت إلى أقصى الأجل لا يصح للزوج مراجعتها ~~وإمساكها». # والمراد بالأجل هنا عدة المرأة. وببلوغها قرب انتهائها. # والضرار كما يقول الرازي هو المضارة. قال تعالى : ( @QUR@03 والذين ~~اتخذوا مسجدا PageV01P520 # @QUR@01 ضرارا ) أى اتخذوا المسجد ضررا ليضاروا المؤمنين ، ومعناه يرجع ~~إلى إثارة العداوة ، وإزالة الألفة ، وإيقاع الوحشة ، وموجبات النفرة». # والمعنى : وإذا طلقتم أيها المؤمنون نساءكم طلاقا رجعيا ، ( @QUR@02 ~~فبلغن أجلهن ) أى فشارفت عدتهن على الانتهاء ، وقاربت الانقضاء ، فعليكم أن ~~تتدبروا مليا في أمركم ، فإن رأيتم الأصلح في بقائهن معكم فنفذوا ذلك ~~وأمسكوهن بمعروف. أى بما هو المعروف من شرع الله الحكيم ، وبما تقره ~~الأخلاق الحسنة والعقول السليمة. وإن رأيتم أنه لا رغبة لكم في البقاء معهن ~~فسرحوهن بمعروف أى فأمضوا الطلاق ، وتفارقوا بالطريقة التي يرضاها الحق ~~سبحانه بأن تؤدوا لهن حقوقهن. ولا تذكروهن بسوء بعد انفصالكم عنهن ، فهذا ~~شأن الأتقياء الصالحين فقد سئل بعضهم ، لم طلقت امرأتك؟ فقال : إن العاقل ~~لا يذكر ما بينه وبين أهله. # قال القرطبي : معنى ( @QUR@01 فبلغن ) قاربن بإجماع من العلماء ، ولأن ~~المعنى يضطر إلى ذلك ، لأنه بعد بلوغ الأجل لا خيار له في الإمساك ، وهو في ~~الآية التي بعدها بمعنى الانتهاء ، لأن المعنى يقتضى ذلك ، فهو حقيقة في ~~الثانية ، مجاز في الأولى أى ms0533 التي معنا ». # ثم نهى سبحانه عن الإمساك الذي يكون معه الضرر فقال. ( @QUR@04 ولا ~~تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ) أى لا تراجعوهن إرادة الضرر بهن والإيذاء لهن ~~لتعتدوا عليهن ، والجملة الكريمة تأكيد للأمر بالإمساك بمعروف ، وتوضيح ~~لمعناه ، وزجر صريح عما كان يفعله يعضهم من مراجعته لامرأته قبل انتهاء ~~عدتها لا لقصد الإبقاء على الزوجية وإنما القصد إطالة عدة الزوجة ، أو لقصد ~~أن تفتدى نفسها منه بالمال : و ( @QUR@01 ضرارا ) منصوب على الحال في ~~تمسكوهن أو على أنه مفعول لأجله. واللام في قوله : ( @QUR@01 لتعتدوا ) هي ~~لام العاقبة أى لتكون عاقبة أمركم الاعتداء. وحذف متعلق «لتعتدوا» ليتناول ~~الاعتداء عليهن وعلى أحكام الله تعالى . # وقوله : ( @QUR@06 ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ) وعيد شديد لمن يقدم على ~~ما نهى الله عنه. أى : ومن يراجع مطلقته بقصد الإضرار بها والاعتداء عليها ~~فقد ظلم نفسه ظلما مؤكدا ، لأنه سيعرضها لعقاب الله وسخط الناس. # وجعل ظلمهم لنسائهم ظلما لأنفسهم ، لأن عملهم هذا سيؤدي إلى اختلال ~~المعاشرة الزوجية واضطرابها ، وشيوع العداوة والبغضاء بين الزوجين وبين ~~أهلهما. ثم كرر سبحانه تحذير المخالفين لشريعته ، وذكرهم بألوان نعمه عليهم ~~ليستجيبوا لأمره فقال : ( @QUR@017 ولا تتخذوا آيات الله هزوا ، واذكروا ~~نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به ). # آيات الله : أحكامه التي شرعها في شأن الطلاق وغيره. PageV01P521 # والهزء بضمتين مصدر هزا به إذا سخر ولعب وهو هنا مصدر بمعنى اسم المفعول ~~أى : مهزوءا بها. وقوله ( @QUR@01 هزوا ) مفعول ثان لتتخذوا. # والمراد بالحكمة هنا. السنة النبوية المطهرة. # والموعظة والعظة : النصح والتذكير بالخير. بما يرقق القلوب ، ويحذر ~~النفوس مما نهى الله عنه. # أى : ولا تتخذوا أيها الناس آيات الله التي شرعها لكم في شأن الطلاق ~~وغيره مهزوءا بها بأن تعرضوا عنها ، وتتهاونوا في المحافظة عليها ، والتمسك ~~بتعاليمها ، ومن مظاهر ذلك أن بعض الناس كان يكثر من التلفظ بالطلاق متوهما ~~أن ذلك لا يضر ، أو كان يتخذ المراجعة وسيلة لإيذاء المرأة. # قال القرطبي : وفي موطأ مالك أنه بلغه أن رجلا قال لابن عباس : «إنى طلقت ~~امرأتى مائة مرة ms0534 فماذا ترى على؟ فقال ابن عباس : طلقت منك بثلاث ، وسبع ~~وتسعون اتخذت بها آيات الله هزوا» (1). # والجملة الكريمة نهى أريد به الأمر بضده ، أى جدوا في العمل بأوامر الله ~~وآياته ، وارعوها حق رعايتها. # وقوله : ( @QUR@04 واذكروا نعمة الله عليكم ). إلخ أى تذكروها في ~~هدايتكم إلى الإسلام ، وفي مشروعية الزوجية وفي غير ذلك مما لا يحصى من ~~النعم وتدبروا نعم الله عليكم فقابلوها بالشكر ، واستعملوها فيما خلقت له ، ~~وتذكروا كذلك ما أنزل الله عليكم بواسطة رسولكم محمد صلى الله عليه وسلم من ~~الكتاب وهو القرآن الذي يهدى للتي هي أقوم ، ومن الحكمة وهي السنة النبوية ~~المطهرة ، بما جاء فيهما من توجيهات سامية ، وآداب عالية. # و «ما» في قوله : ( @QUR@03 وما أنزل عليكم ) موصولة والعائد محذوف أى ما ~~أنزله و «من» في قوله : ( @QUR@02 من الكتاب ) بيانية ، وجملة ( @QUR@02 ~~يعظكم به ) حال من فاعل أنزل أو من مفعوله ، والضمير في ( @QUR@01 به ) ~~يعود على الكتاب والحكمة بعد تأويلهما بالمذكور. وجعل ضميرهما واحدا لأنهما ~~في مؤداهما وغايتهما شيء واحد ، فالسنة ليست نابعة إلا من الكتاب ومنه أخذت ~~قوتها وسلطانها. # وقوله سبحانه : في ختام الآية ( @QUR@08 واتقوا الله واعلموا أن الله بكل ~~شيء عليم ) تذكير لهم بتقوى الله وخشيته ومراقبته ، وتحذير لهم من مخالفة أمره. PageV01P522 # أى : صونوا أنفسكم عن كل ما يغضب الله تعالى فيما يتعلق بأمور الزوجية ~~وفي غيرها مما شرعه لكم ، واعلموا أنه سبحانه عليم بكل شيء ، عليم بما ~~تسرونه وما تعلنونه ، وسيحاسب كل إنسان بما قدمت يداه ( @QUR@09 يوم لا ~~تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله ). # ثم بين سبحانه ما ينبغي اتباعه عند حصول الطلاق وإمضائه حتى لا يقع ظلم ~~أو جور فقال تعالى : ( @QUR@014 وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن ~~أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ). # قال القرطبي : تعضلوهن معناه تحبسوهن ، ودجاجة معضل أى : قد احتبس بيضها ~~، وقيل : العضل التضييق والمنع وهو راجع إلى معنى الحبس. يقال : أعضل الأمر ~~: إذا ضاقت عليك فيه الحيل. قال الأزهرى : وأصل العضل من قولهم : عضلت ~~الناقة إذا نشب ولدها ms0535 فلم يسهل خروجه. ويقال أعضل الأمر إذا اشتد ، وداء ~~عضال أى شديد عسر البرء أعيا الأطباء ...» (1). # والمعنى : وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن أى : انقضت عدتهن وخلت الموانع ~~من زواجهن ، فلا تمنعوهن من الزواج بمن يردن الزواج به ، متى حصل التراضي ~~بين الأزواج والزوجات على ما يحسن في الدين ، وتقره العقول السليمة ، ويجرى ~~به العرف الحسن. والمراد ببلوغ الآجل هنا بلوغ أقصى العدة ، بخلاف البلوغ ~~في الآية التي قبل هذه ، فإن المراد به المشارفة والمقاربة كما أشرنا من ~~قبل لأن المعنى يحتم ذلك ، والخطاب هنا للأزواج وللأولياء ولكل من له تأثير ~~على المرأة المطلقة ، وذلك لأن منع الزوجة من الزواج بعد انقضاء عدتها قد ~~يكون من جانب الزوج السابق ، لا سيما إذا كان صاحب جاه وسلطان وسطوة ، فإنه ~~يعز عليه أن يتزوج مطلقته أحد بعده فيمنعها من الزواج. # وقد يكون المنع من جانب الأولياء ، وقد أورد المفسرون آثارا تشهد لذلك ~~منها كما يقول الآلوسى ما أخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة وأبو ~~داود من طرق شتى عن معقل بن يسار قال : كانت لي أخت فأتانى ابن عم لي ~~فأنكحتها إياه ، فكانت عنده ما كانت ثم طلقها تطليقة ، ولم يراجعها حتى ~~انقضت العدة ، فهويها وهوته ثم خطبها مع الخطاب. فقلت له : أكرمتك بها ~~وزوجتكها فطلقتها ثم جئت تخطبها ، والله لا ترجع إليك أبدا ، وكان رجلا لا ~~بأس به ، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه ، فعلم الله تعالى حاجته إليها ~~وحاجتها إلى بعلها فأنزل هذه الآية. ففي نزلت فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه ~~..» (2). PageV01P523 # وعبر سبحانه عن الرجال الذين هم محل الرضا من النساء بالأزواج فقال ( ~~@QUR@05 فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن ) مع أن الزواج لم يتحقق بعد ، ~~للإشارة إلى الحقيقة المقررة الثابتة ، وهي أن من يقع اختيارها عليه ، ولم ~~يكن اقترانها به فيه ما يشينها أو يشين أسرتها ، فمن الواجب ألا يمانع أحد ~~في إتمام هذا الزواج ، بل على الجميع أن يقروه وينفذوه ، لأن شريعة الله ~~والفطرة الإنسانية يقضيان بذلك. # وقوله : ( @QUR@02 أن ينكحن ) تقديره ms0536 : من أن ينكحن فهو في محل جر عند ~~الخليل والكسائي وفي محل نصب عند غيرهما ، وقوله : ( @QUR@02 إذا تراضوا ) ~~ظرف لأن ينكحن أو لقوله : ( @QUR@02 فلا تعضلوهن )، وقوله : ( @QUR@01 ~~بالمعروف ) متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل تراضوا ، أو هو نعت لمصدر محذوف ~~أى تراضيا كائنا بالمعروف أو هو متعلق بتراضوا. أى تراضوا بما يحسن في ~~الدين والمروءة ، وفيه إشعار بأن المنع من التزوج بغير كفء أو بما دون مهر ~~المثل ليس من العضل المنهي عنه. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله ( @QUR@019 ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن ~~بالله واليوم الآخر ، ذلكم أزكى لكم وأطهر ، والله يعلم وأنتم لا تعلمون ). # أى : ذلك القول الحكيم ، والتوجيه الكريم المشتمل على أفضل الأحكام ~~وأسماها يوعظ به ، ويستجيب له من كان منكم عميق الإيمان بالله تعالى ~~وبثوابه وبعقابه يوم القيامة. ذلكم الذي شرعه الله لكم أيها المؤمنون من ~~ترك عضل النساء والإضرار بهن وغير ذلك من الأحكام ( @QUR@03 أزكى لكم وأطهر ~~) أى أعظم بركة ونفعا ، وأكثر تطهيرا من دنس الآثام ، فإن المرأة إذا عوملت ~~معاملة كريمة ، ولم تظلم في رغباتها المشروعة ، التزمت في سلوكها العفاف ~~والخلق الشريف ، أما إذا شعرت بالظلم والامتهان فإن هذا الشعور قد يدفعها ~~إلى ارتكاب ما نهى الله عنه. والله تعالى يعلم ما فيه مصلحتكم ومنفعتكم ، ~~وأنتم لا تعلمون ذلك ، فامتثلوا ما أمركم به واجتنبوا ما نهاكم عنه تفوزوا ~~وتسعدوا. # والإشارة بقوله : ( @QUR@01 ذلك ) إلى ما فصل من أحكام وما أمر به من ~~أفعال والخطاب لكل من يصلح للخطاب من المكلفين. # وخصص الوعظ بالمؤمنين لأنهم هم الذين ينتفعون به ، وترق معه قلوبهم وتخشع ~~له نفوسهم. # وأتى سبحانه بضمير الجمع ( @QUR@01 ذلكم ) بعد أن قال في صدر الجملة ( ~~@QUR@01 ذلك ) للإشارة إلى أن حماية المرأة من الهوان ومنع التضييق عليها ~~في اختيار زوجها واجب على جميع المؤمنين ، وأن فائدة ذلك ستعود عليهم جميعا ~~ما دام هذا الاختيار في حدود الآداب التي جاء بها الإسلام. PageV01P524 # وقوله : ( @QUR@05 والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) رد على كل معترض على ~~تطبيق شريعة الله ، أو ms0537 متهاون في ذلك بدعوى أنها ليست صالحة للظروف التي ~~يعيش ذلك المعترض أو هذا المتهاون فيها ، لأن شرع الله فيه النفع الدائم ~~والمصلحة الحقيقية ، والنتائج المرضية ، لأنه شرع من يعلم كل شيء ولا يجهل ~~شيئا ، ويعلم ما هو الأنفع والأصلح للناس في كل زمان ومكان ، ولم يشرع لهم ~~سبحانه إلا ما فيه مصلحتهم ومنفعتهم ، وما دام علم الله تعالى هو الكامل ، ~~وعلم الإنسان علم قاصر ، فعلينا أن نتبع شرع الله في كل شئوننا ، ولنقل ~~لأولئك المعترضين أو المتهاونين : سيروا معنا في طريق الحق فذلكم ( @QUR@08 ~~أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون ). # وبعد : فهذه خمس آيات قد تحدثت عن جملة من الأحكام التي تتعلق بالطلاق ، ~~وإذا كان الإسلام قد شرع الطلاق عند الضرورة التي تحتمها مصلحة الزوجين ، ~~فإنه في الوقت نفسه قد وضع كثيرا من التعاليم التي يؤدى اتباعها إلى ~~الإبقاء على الحياة الزوجية ، وعلى قيامها على المودة والرحمة ، ومن ذلك : # 1 أنه أرشد أتباعه إلى أفضل السبل لاختيار الزوج ، بأن جعل أساس الاختيار ~~الدين والتقوى والخلق القويم ، لأنه متى كان كل من الزوجين متحليا بالإيمان ~~والتقوى ، استقرت الحياة الزوجية بينهما ، وقامت على المودة والرحمة وحسن ~~المعاشرة. # 2 أنه أمر كلا الزوجين بأن يبذل كل واحد منهما قصارى جهده في أداء حق ~~صاحبه ، وإدخال السرور على نفسه ، فإذا ما نجم خلاف بينهما فعليهما أن ~~يعالجاه بالحكمة والعدل ، وأن يجعلا الأناة والصبر رائدهما ، فإن الحياة ~~الزوجية بحكم استمرارها وتشابك مطالبها لا تخلو من اختلاف بين الزوجين. # 3 دعا الإسلام إلى إصلاح ما بين الزوجين إن ابتدأت العلاقة تسير في غير ~~طريق المودة ، فقال تعالى : ( @QUR@017 وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو ~~إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير ... ) كما دعا ~~أولى الأمر أن يتدخلوا للإصلاح بين الزوجين عند نشوب الشقاق بينهما أو عند ~~خوفه فقال تعالى : ( @QUR@022 وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله ~~وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا ms0538 ). # 4 نهى الإسلام عن إيقاع الطلاق على الزوجة في حال حيضها ، أو في حال طهر ~~باشرها فيه ، لأن المرأة في هاتين الحالتين قد تكون على هيئة لا تجعل الرجل ~~مشوقا إليها ... # وأباح له أن يوقع الطلاق في طهر لم يجامعها فيه ، لأن إيقاعه في هذه ~~الحالة يكون دليلا على استحكام النفرة بينهما. PageV01P525 # 5 نهى الإسلام عن الطلاق البات بالنسبة للمرأة المدخول بها ، وأمر الزوج ~~بأن يجعل طلاقه رجعيا ، وأعطاه فرصة طويلة تقرب من ثلاثة أشهر ليراجع ~~خلالها نفسه ، فإن وجد الخير في مراجعة زوجته راجعها بقصد الإصلاح واستمرار ~~الحياة الزوجية ، وإن وجد الخير في غير ذلك تركها حتى تنقضي عدتها وفارقها ~~بالمعروف عملا بقوله تعالى : ( @QUR@05 فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ). # 6 جعل الإسلام الطلاق بيد الرجل ، لأنه هو الذي وقعت عليه معظم أعباء ~~الزواج ، وهو الذي سيتحمل ما سيترتب على الطلاق من تكاليف ، ولا شك أنه ~~بمقتضى هذه التكاليف وبمقتضى حرصه على استقرار حياته ، سيتأنى ويتروى فلا ~~يوقع الطلاق إلا إذا كان مضطرا إلى ذلك. # كما أن الإسلام أباح للمرأة أن تفتدى نفسها من زوجها ، أو ترفع أمرها ~~للقاضي ليفرق بينها وبينه إذا تيقنت من استحالة استمرار الحالة الزوجية ~~بينهما لأى سبب من الأسباب. وفي هذه الحال فللقاضى أن يفرق بينهما إذا رأى ~~أن المصلحة تقتضي ذلك. # 7 أباح الإسلام للرجل الذي طلق امرأته ثلاثا أن يعود إليها من جديد ، ~~وذلك بعد طلاقها من رجل آخر يكون قد تزوجها زواجا شرعيا وانقضت عدتها منه ، ~~وفي ذلك ما فيه من التأديب لهما ، والتهذيب لسلوكهما. # 8 وردت أحاديث متعددة تنهى عن إيقاع الطلاق إلا عند الضرورة وتتوعد ~~المرأة التي تطلب من زوجها أن يطلقها بدون سبب معقول بالعذاب الشديد ، ومن ~~ذلك ما رواه أبو داود والترمذي عن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~: «أيما امرأة سألت زوجها طلاقها من غير ما بأس أى من غير عذر شرعي أو سبب ~~قوى فحرام عليها رائحة الجنة». وروى أبو داود وغيره عن ms0539 ابن عمر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : أبغض الحلال إلى الله الطلاق» (1). # هذه بعض التشريعات التي وضعها الإسلام لصيانة الحياة الزوجية من التصدع ~~والانهيار ، ومنها نرى أن الإسلام وإن كان قد شرع الطلاق ، إلا أنه لا يدعو ~~إليه إلا إذا كانت مصلحة الزوجين أو أحدهما تقتضيه وتستلزمه. # وبعد أن بين سبحانه حقوق الزوجين في حالتي اجتماعهما واقترافهما ، أردف ~~ذلك ببيان حقوق الأطفال الذين يكونون ثمرة لهذا الزواج. فقال تعالى : PageV01P526 # ( @QUR@064 والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم ~~الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا ~~تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا ~~عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا ~~جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما ~~تعملون بصير ) (233) # والمراد بالوالدات الأمهات سواء أكن في عصمة أزواجهن أم مطلقات لأن اللفظ ~~عام في الكل ولا يوجد ما يقتضى تخصيصه بنوع من الأمهات. ويرى بعض المفسرين ~~أن المراد بالوالدات هنا خصوص المطلقات لأن سياق الآيات قبل ذلك في أحكام ~~الطلاق ، ولأن المطلقة عرضة لإهمال العناية بالولد وترك إرضاعه. # وحولين أى عامين. وأصل الحول كما يقول الراغب تغير الشيء وانفصاله عن ~~غيره. والحول : السنة اعتبارا بانقلابها ودوران الشمس في مطالعها ومغاربها. ~~قال تعالى : ( @QUR@05 والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ). ومنه حالت ~~السنة تحول وحالت الدار تغيرت ، وأحال فلان بمكان كذا أى أقام به حولا» (1). # وعبر عن الأمهات بالوالدات ، للإشارة إلى أنهن اللائي ولدن أولادهن ، ~~وأنهن الوعاء الذي خرجوا منه إلى الحياة ، ومنهن يكون الغذاء الطبيعي ~~المناسب لهذا المولود الذي جاء عن طريقهن. # وقوله : ( @QUR@02 يرضعن أولادهن ) جملة خبرية اللفظ إنشائية المعنى ، إذ ~~التقدير ليرضعن. أى : # عليهن إرضاع أولادهن. PageV01P527 # وعبر عن الطلب بصيغة الخبر ، للإشعار بأن إرضاع الأم لطفلها عمل توجبه ~~الفطرة ، وتنادى به طبيعة الأمومة. # قال الجمل : وهذا الأمر للندب وللوجوب ، فهو يكون للندب عند استجماع شروط ~~ثلاثة ms0540 ، قدرة الأب على استئجار المرضع ، ووجود من يرضعه غير الأم ، وقبول ~~الولد للبن الغير. ويكون للوجوب عند فقد أحد هذه الشروط» (1). # وليس التحديد بالحولين للوجوب ، لأنه يجوز الفطام قبل ذلك ، بدليل قوله : ~~( @QUR@05 لمن أراد أن يتم الرضاعة ) وإنما المقصود بهذا التحديد قطع ~~التنازع بين الزوجين إذا تنازعا في مدة الرضاع ، فإذا اتفق الأب والأم على ~~أن يفطما ولدهما قبل تمام الحولين كان لهما ذلك إذا لم يتضرر الولد بهذا ~~الفطام ، وإن أراد الأب أن يفطمه قبل الحولين ولم ترض الأم أو العكس لم يكن ~~لأحدهما ذلك. قال القرطبي ما ملخصه : وقد انتزع مالك رحمه الله ومن تابعه ~~وجماعة من العلماء من هذه الآية أن الرضاعة المحرمة الجارية مجرى النسب ~~إنما هي ما كان في الحولين ، لأنه بانقضاء الحولين تمت الرضاعة ، ولا رضاعة ~~بعد الحولين معتبرة .. لقوله تعالى : ( @QUR@05 والوالدات يرضعن أولادهن ~~حولين كاملين ) فهذا يدل على ألا حكم لما ارتضع المولود بعد الحولين. وروى ~~سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«لا رضاع إلا ما كان في الحولين» وهذا الخبر مع الآية ينفى رضاعة الكبير ~~وأنه لا حرمة له. وقد روى عن عائشة القول به ، وروى عن أبى موسى الأشعرى ~~أنه كان يرى رضاع الكبير. وروى عنه الرجوع عنه. وسيأتى تحقيق هذه المسألة ~~في سورة النساء» (2). # وفي وصف الحولين بكاملين ، تأكيد لرفع توهم أن يكون المراد حولا وبعض ~~الثاني ، لأن إطلاق التثنية والجمع في الأزمان والأسنان على بعض المدلول ~~إطلاق شائع عند العرب. فيقولون : هو ابن سنتين ، ويريدون سنة وبعض الثانية. # وفي هذه الجملة الكريمة ( @QUR@05 والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ~~) بيان لمظهر من مظاهر رعاية الله تعالى للإنسان منذ ولادته ، بل منذ ~~تكوينه في بطن أمه جنينا ، فقد أمر سبحانه الأمهات أن يقمن بإرضاع أولادهن ~~في تلك المدة ، لأن لبن الأم هو أفضل غذاء لطفلها في هذه الفترة ، وأسلم ~~وسيلة لضمان صحته ونموه ، ولصيانته من الأمراض النفسية والعقلية ، فقد أثبت ~~الأطباء الثقاة ms0541 أن الطفل كثيرا ما يصاب بأمراض جسمية ونفسية وعقلية PageV01P528 # نتيجة رضاعته من غير أمه ، كما أثبتوا أن عناية الأم بطفلها في هذه ~~الفترة عن طريق إرضاعه ورعايته ، تؤدى إلى تحسن أحواله ... # وقوله : ( @QUR@05 لمن أراد أن يتم الرضاعة ) بيان لمن توجه إليه الحكم. ~~أى هذا الحكم لمن أراد إتمام الرضاع ، فإذا أراد الأبوان أن ينقصا مدة ~~الرضاع عن الحولين كان لهما ذلك. فالجملة الكريمة خير لمبتدأ محذوف أى هذا ~~الحكم لمن أراد أن يتم مدة الرضاعة. # وقوله : ( @QUR@06 وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ) بيان لما ~~يجب على الآباء. # أى : وعلى الآباء أن يقدموا إلى الوالدات ما يلزمهن من نفقة وكسوة ~~بالمعروف أى بالطريقة التي تعارف عليها العقلاء بدون إسراف أو تقتير. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت لم قيل ( @QUR@02 المولود له ) دون الوالد؟ ~~قلت : ليعلم أن الوالدات إنما ولدن لهم ، لأن الأولاد للآباء ، ولذلك ~~ينسبون إليهم لا إلى الأمهات ، كما قال المأمون بن الرشيد : # فإنما أمهات الناس أوعية %~% مستودعات وللآباء أبناء # فكان عليهم أن يرزقوهن ويكسوهن إذا أرضعن ولدهم كالأظآر ألا ترى أنه ذكره ~~باسم الوالد حيث لم يكن هذا المعنى وهو قوله تعالى : ( @QUR@019 يا أيها ~~الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن ~~والده شيئا ... ) (1). # وقوله : ( @QUR@05 لا تكلف نفس إلا وسعها ) تعليل لإيجاب المؤن بالمعروف. ~~أو تفسير للمعروف ولهذا فصلت هذه الجملة عن سابقتها ، وقوله ( @QUR@01 ~~وسعها ) منصوب على أنه مفعول ثان لتكلف ، والاستثناء قبله مفرغ أى أن أبا ~~الولد لا يكلف في الإنفاق عليه وعلى أمه إلا بالقدر الذي تتسع له مقدرته ~~بدون إرهاق أو مشقة. # وتلك هي سنة الإسلام في جميع تكاليفه ، فالله تعالى ما كلف عباده إلا بما ~~يستطيعونه ويطيقونه بدون عسر أو عنت قال تعالى : ( @QUR@06 لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها ) وقال تعالى : ( @QUR@08 يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر ). # وقوله : ( @QUR@08 لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده ) تعليل ~~للأحكام السابقة الموزعة بين الأب والأم ، والتي أساسها رعاية حق ms0542 هذا ~~الوليد الذي أتى عن طريقهما. # والمضارة مفاعلة من الضرر ، والمعنى : لا ينبغي أن يقع ضرر على الأم بسبب ~~ولدها ، بأن يستغل الأب حنوها على وليدها فيمنعها شيئا من نفقتها ، أو يأخذ ~~منها طفلها وهي تريد PageV01P529 # إرضاعه ، أو يكلفها بما ليس في مقدورها أو ما يخالف وظيفتها ، ولا ينبغي ~~كذلك أن يقع ضرر على الأب بسبب ولده ، بأن تكلفه الأم بما لا تتسع له قدرته ~~مستغلة محبته لولده وعنايته بتنشئته تنشئة حسنة. # قال الجمل : و ( @QUR@01 لا ) في قوله : ( @QUR@02 لا تضار ) يحتمل أن ~~تكون نافية فيكون الفعل مرفوعا ، ويحتمل أن تكون ناهية فيكون الفعل مجزوما ~~، وقد قرئ بهما في السبع ، وعلى كل يحتمل أن يكون الفعل مبنيا للفاعل ~~وللمفعول» (1). # والمعنى على الاحتمالين واحد وهو أنه لا يجوز أن يضر كل واحد منهما صاحبه ~~أو يضر من صاحبه بسبب حنوه على ولده واهتمامه بشأنه. # وأضاف الولد إلى كل منهما في الموضعين للاستعطاف ، وللتنبيه على أن هذا ~~الولد الذي رزقهما الله إياه جدير بأن يتفقا على رعايته وحمايته من كل ما ~~يؤذيه ، ولا يجوز مطلقا أن يكون مصدر قلق لأى واحد منهما. # وقدمت الأم في الجملة الكريمة ، لأن الشأن فيها أن يكون حنوها أشد ، ~~وعاطفتها أرق ، ولأن مظنة إنزال العنف والأذى بها أقرب لضعفها عن الأب. # فالجملة الكريمة توجبه سديد ، وإرشاد حكيم ، للآباء والأمهات إلى أن يقوم ~~كل فريق منهم بواجبه نحو صاحبه ونحو الأولاد الذين هم ثمار لهم. # وقوله : ( @QUR@04 وعلى الوارث مثل ذلك ) معطوف على قوله ( @QUR@04 وعلى ~~المولود له رزقهن ). إلخ وما بينهما تعليل أو تفسير معترض. # أى : وعلى وارث الأب أو وارث الصبى أى من سيرثه بعد موته عليه مثل ما على ~~الأب من النفقة وترك الإضرار. فهذه الجملة الكريمة سيقت لبيان من تجب عليه ~~نفقة الصبى إذا فقد أباه ، أو كان أبوه موجودا ولكنه عاجز عن الإنفاق عليه. # قال الآلوسى ما ملخصه : والمراد بالوارث وارث الولد فإنه يجب عليه مثل ما ~~وجب على الأب من الرزق والكسوة بالمعروف إن لم ms0543 يكن للولد مال. وهو التفسير ~~المأثور عن عمر وابن عباس وقتادة .. وخلق كثير. وخص الإمام أبو حنيفة هذا ~~الوارث بمن كان ذا رحم محرم من PageV01P530 # الصبى ... وقال الشافعى المراد وارث الأب يجب عليه عند موت الأب كل ما ~~كان واجبا على الأب وقيل المراد بالوارث الباقي من الأبوين ، وقد جاء ~~الوارث بمعنى الباقي كما في قوله صلى الله عليه وسلم اللهم متعني بسمعي وبصرى ~~واجعلهما الوارث منى» (1) وعلى أية حال فالجملة الكريمة تغرس معاني الإخاء ~~والتراحم والتكافل بين أبناء الأسرة الواحدة ، فالقادر ينفق على العاجز ، ~~والغنى يمد الفقير بحاجته ، وبذلك تسعد الأسرة ، وتسودها روح المحبة ~~والمودة. # وقوله : ( @QUR@010 فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح ~~عليهما ) معطوف على قوله ( @QUR@04 يرضعن أولادهن حولين كاملين ) لأنه ~~متفرغ عنه. والضمير في قوله ( @QUR@02 فإن أرادا ) يعود على الوالدين. # قال القرطبي : والفصال والفصل. الفطام وأصله التفريق ، فهو تفريق بين ~~الصبى والثدي. ومنه سمى الفصيل لولد الضأن لأنه مفصول عن أمه. والتشاور : ~~استخراج الرأى بما فيه المصلحة وكذلك المشاورة. من الشور وهو اجتناء العسل. ~~يقال شرت العسل إذا استخرجته من مواضعه والشوار : متاع البيت لأنه يظهر ~~للناظر. والشارة هيئة الرجل. والإشارة : إخراج ما في نفسك وإظهاره» (2). # والمعنى : فإن أراد الأبوان فطاما لولدهما قبل الحولين ، وكانت هذه ~~الإرادة عن تراض منهما وتشاور في شأن الصبى وتفحص لأحواله ، ورأيا أن هذا ~~الفطام قبل بلوغه الحولين لن يضره فلا إثم عليهما في ذلك. # وقال بعضهم : وأيضا لا إثم عليهما إذا فطماه بعد الحولين متى رأيا ~~المصلحة في ذلك ، وقد قيد سبحانه هذا الفطام للصبي بكونه عن تراض من ~~الأبوين وتشاور منهما ، رعاية لمصلحة هذا الصبى ، لأن رضا أحدهما فقط قد ~~يضره ، بأن تمل الأم الإرضاع أو يبخل الأب بالإنفاق. ولأن إقدام أحدهما على ~~الفطام بدون التشاور مع صاحبه قد يؤثر في صحة الصبى تأثيرا سيئا. لذا أوجب ~~سبحانه التراضي والتشاور فيما بينهما من أجل مصلحة صبيهما. # ثم قال تعالى : ( @QUR@013 وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم ~~إذا ms0544 سلمتم ما آتيتم بالمعروف ). # أى : وإن أردتم أيها الآباء أن تسترضعوا مراضع لأولادكم ، ورضى الأمهات ~~بذلك ، فلا إثم عليكم فيما تفعلون ما دمتم تقصدون مصلحة أولادكم ، وعليكم ~~أن تسلموا هؤلاء PageV01P531 # المراضع أجرهن بالطريقة التي يقرها الشرع ، وتستحسنها العقول السليمة ، ~~والأخلاق القويمة. # واسترضع كما يقول الزمخشري منقول من أرضع. يقال : أرضعت المرأة الصبى ، ~~واسترضعتها الصبى فهي متعدية إلى مفعولين ، والمعنى : أن تسترضعوا المراضع ~~أولادكم. فحذف أحد المفعولين للاستغناء عنه. # وقوله ( @QUR@02 ما آتيتم ) حذف مفعولاه أى آتيتموهن إياه. و ( @QUR@01 ~~بالمعروف ) متعلق بسلمتم أى بالقول الجميل ، وبالوجه المتعارف المستحسن ~~شرعا. ويجوز أن يتعلق بآتيتم. وأن يكون حالا من فاعل سلمتم أو آتيتم ~~والعامل فيه محذوف أى متلبسين بالمعروف. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@08 واتقوا الله واعلموا أن الله بما ~~تعملون بصير ). # أى : اتقوا الله في كل شئونكم والتزموا ما بينه لكم من أحكام ، واعلموا ~~أن الله تعالى لا تخفى عليه أعمالكم ، فهو محصيها عليكم ، وسيجزى المحسن ~~إحسانا والمسيء سوءا. # ثم بين سبحانه عدة المرأة إذا توفى عنها زوجها ، وما يجب عليها من آداب ~~فقال تعالى . # ( @QUR@025 والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر ~~وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله ~~بما تعملون خبير ) (234) # وقوله : ( @QUR@01 يتوفون ) بالبناء للمجهول أى تقبض أرواحهم فإن التوفي ~~هو القبض. يقال : توفيت مالي من فلان واستوفيته منه أى قبضته وأخذته. قال ~~تعالى : ( @QUR@05 الله يتوفى الأنفس حين موتها ) أى يقبض الأنفس ويأخذها ~~إليه بالموت حين انتهاء آجالها. # والمعنى : والذين يتوفاهم الله تعالى منكم أيها المسلمون ويتركون من ~~خلفهم أزواجا. فعلى هؤلاء الأزواج اللائي ارتبطن برجالهم ارتباطا قويا ~~متينا ثم فرق الموت بينهم وبينهن ، عليهن أن ( @QUR@05 يتربصن بأنفسهن ~~أربعة أشهر وعشرا ) أى : عليهن أن ينتظرن انقضاء عدتهن فيحبسن أنفسهن عن ~~الزواج وعن التزين وعن التعرض للخطاب مدة أربعة أشهر وعشر ليال ، وفاء لحق ~~الزوج المتوفى ، واستبراء للرحم. PageV01P532 # قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : هذا أمر من الله تعالى للنساء اللاتي ~~يتوفى عنهن أزواجهن أن ms0545 يعتددن أربعة أشهر وعشر ليال. وهذا الحكم يشمل ~~الزوجات المدخول بهن وغير المدخول بالإجماع ، ومستند هذا الإجماع في غير ~~المدخول بها عموم الآية الكريمة ، وهذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل ~~السنن وصححه الترمذي أن ابن مسعود سئل عن رجل تزوج امرأة فمات عنها ولم ~~يدخل بها ولم يفرض لها فقال : أقول فيها برأيى فإن يك صوابا فمن الله ، وإن ~~يك خطأ فمنى ومن الشيطان. والله تعالى ورسوله بريئان منه : لها الصداق ~~كاملا. وفي لفظ : لها صداق مثلها لا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها ~~الميراث. فقام معقل بن يسار فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به ~~في بروع بنت واشق. ففرح عبد الله بذلك فرحا شديدا. ولا يخرج من ذلك إلا ~~المتوفى عنها زوجها وهي حامل فإن عدتها بوضع الحمل لعموم قوله تعالى : ( ~~@QUR@06 وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ) وكان ابن عباس يرى أن عليها ~~أن تتربص بأبعد الأجلين من الوضع أو أربعة أشهر وعشرة أيام للجمع بين ~~الآيتين» (1). # وقوله : ( @QUR@01 والذين ) اسم موصول مبتدأ. و ( @QUR@01 يتوفون ) صلته ~~، و ( @QUR@01 منكم ) في موضع النصب على الحال من الواو في ( @QUR@01 ~~يتوفون ) و ( @QUR@01 يتربصن ) وما بعده خبر عن الذين والرابط محذوف ~~والتقدير : يتربصن بعدهم أربعة أشهر وعشرا. # والتعبير بقوله : ( @QUR@02 يتربصن بأنفسهن ) تعبير دقيق حكيم أى : عليهن ~~أن يمنعن أنفسهن عن النكاح وعن التزين وعن الخروج من منزل الزوجية إلا إذا ~~كانت هناك ضرورة لهذا الخروج مدة أربعة أشهر وعشرة أيام ، وذلك لأن المرأة ~~المؤمنة الوفية يأبى عليها دينها ووفاؤها لزوجها المتوفى عنها ، أن تعرض ~~نفسها على غيره بعد فترة قصيرة من وفاته ، فإن هذا أمر مستهجن في شرع الله ~~وفي عرف العقلاء من الناس. إذ هذه المدة التي جاءت في الآية التي حددها ~~الله تعالى لمعرفة براءة الرحم من الحمل ، وهي التي تخف فيها مرارة الفراق ~~بين زوجين ربط الله بينهما برابطة المودة والرحمة. # ولقد ألغى الإسلام بهذا التشريع عادات جاهلية ظالمة للمرأة فقد كانت ~~المرأة في الجاهلية إذا توفى ms0546 عنها زوجها تغلق على نفسها مكانا ضيقا في ~~بيتها وتقضى فيه عاما كاملا حدادا على زوجها فأبطل الإسلام ذلك ، ومن ~~الأحاديث التي وردت في هذا المعنى ما ثبت في الصحيحين عن أم حبيبة وزينب ~~بنت جحش رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لا يحل لامرأة ~~تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر ~~وعشرا». PageV01P533 # والإحداد هو ترك الزينة ، وعدم التعرض للخطاب ، وعدم الخروج من منزل ~~الزوجية إلا لضرورة. وفي الصحيحين أيضا عن أم سلمة أن امرأة قالت يا رسول ~~الله إن ابنتي توفى عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفتكتحل؟ فقال : لا مرتين ~~أو ثلاثا ثم قال : إنما هي أربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن في الجاهلية ~~تمكث سنة». # قال ابن كثير بعد أن ساق هذين الحديثين : قالت زينب بنت أم سلمة : كانت ~~المرأة إذا توفى عنها زوجها دخلت حفشا أى مكانا ضيقا من البيت ولبست شر ~~ثيابها ولم تمس طبيا ولا شيئا حتى تمر سنة» (1). # وقال بعض العلماء : وقد حد الشارع للمتوفى عنها زوجها عدة هي في جملتها ~~أكثر من عدة المطلقات ، لأن تلك ثلاثة قروء تجيء عادة في نحو ثلاثة أشهر. ~~وهنا يرد سؤالان : # أولهما : لما ذا كانت العدة في المتوفى عنها زوجها بالأشهر دون الحيض فلم ~~تجعل أربع حيضات بدل ثلاث؟ ولما ذا كانت الزيادة؟ ولم نجد أحدا تصدى لبيان ~~الحكمة في جعلها بالأشهر ، ويبدو لنا أن الحكمة التي تدركها عقولنا وإن ~~كانت الحكمة السامية قد تعلو على مدار كنا : هي أن عدة الوفاة تكون للمدخول ~~بها وغير المدخول بها وللصغيرة والكبيرة ، والأساس فيها هو الحداد على ~~الزواج السابق الذي انتهى بوفاة أحد ركنيه ، فلزم أن يكون بأمر يشترك فيه ~~الجميع مادام السبب واحدا في الجميع. وفوق ذلك أن العدة في الوفاة لو قدرت ~~بالحيض وهو أمر لا يعلم إلا من جهة المرأة ، فربما تدفعها الرغبة في الزواج ~~إلى الكذب فتدعيه وهو لم يقع ، وفي المطلقات ms0547 العدة حق للمطلق فيستطيع أن ~~ينكر عليها أما في حال الوفاة فصاحب الحق الأول قد مات وصار الحق لله ~~خالصا. فحد ذلك الحق بالأشهر والأيام حتى لا يكون مساغا للكذب وادعاء ما لم ~~يحصل ، لأن الأيام والأشهر تعرف بالكتاب والحساب وليست أمرا يعرف من جهتها فقط. # أما الجواب عن الأمر الثاني وهو لما ذا كانت العدة بالوفاة أكثر في ~~الجملة من العدة الناشئة عن الطلاق؟ فيبدو بادى الرأى من الفرق بين حال ~~الطلاق وحال الوفاة أن الطلاق نتيجة شقاق. فالحداد على الزوج الذي ينشئه ~~ليس قويا ، ومعنى براءة الرحم وإعطاء الزوج فرصة للرجعة يكون أوضح في معنى ~~العدة ، ويكفى لذلك نحو ثلاثة أشهر. أما حال الموت فمرارة الفراق فيها أوضح ~~وأشد ، ومعنى الحداد فيها يغلب معنى براءة الرحم ، ولذا تجب على المدخول ~~بها وغير المدخول بها ، وإن الشارع قد جعلها لذلك أطول من عدة الطلاق. PageV01P534 # وقد يرد سؤال ثالث وهو : لما ذا حددت العدة بأربعة أشهر وعشر؟ وإن تقدير ~~الأعداد كما يقرر الفقهاء أمر توقيفى خالص لا يجرى فيه القياس ولكن ليس ~~معنى ذلك أنه لا حكمة فيه ، وأن الحكمة يقررها العلماء في أمرين : # أولهما : أن الأشهر الأربعة هي التي يظهر فيها الحمل ويستبين ، وقد جعلت ~~العشر بعدها للاحتياط. # وثانيهما : أن مدة أربعة الأشهر هي المدة التي قررها الشارع أقصى مدة ~~للحرمان من الرجال. ولذلك جعل الإيلاء مدته أربعة أشهر .. فكان من التنسيق ~~بين الأحكام الشرعية أن تجعل مدة الإحداد على الزواج في حدود هذه المدة ~~ومقاربة لها في الجملة» (1). # وقوله : ( @QUR@011 فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن ~~بالمعروف ) بيان لما يترتب على انتهاء المدة التي حددها الشرع للمرأة التي ~~مات عنها زوجها. أى : فإذا انتهت المدة التي حددها الشرع للمرأة التي مات ~~عنها زوجها لتتجنب فيها التزين والتعرض للنكاح. فلا حرج عليكم بعد ذلك أيها ~~المسلمون أو أيها الأولياء في ترك هؤلاء الزوجات الأرامل يفعلن في أنفسهن ~~ما تفعله المرأة الراغبة في الزواج من التزين والتجمل ms0548 ولكن بالطريقة التي ~~يقرها الشرع ، وترضاها العقول السليمة ، والأخلاق المستقيمة. # وقوله : ( @QUR@01 بالمعروف ) متعلق بفعلن ، أو حال من النون أى حالة ~~كونهن متلبسات بالمعروف. ومفهومه أنهن لو خرجن عن المعروف شرعا بأن تبرجن ~~وأظهرن ما أمر الله بستره فإنه في هذه الحالة يجب على أوليائهن أن يمنعوهن ~~من ذلك. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@04 والله بما تعملون خبير ) أى أنه ~~محيط بدقائق أعمالكم لا يخفى عليه منها شيء فإذا وقفتم أنتم ونساؤكم عند ~~حدوده أسعدكم في الدنيا وأجزل مثوبتكم في الآخرة ، وإن تجاورتم حدوده ~~عاقبكم بما تستحقون ( @QUR@012 يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله ~~بقلب سليم ). # وبذلك نرى الآية الكريمة قد رسمت للناس أفضل وسائل الحياة الشريفة ، ~~فأرشدت المرأة التي مات عنها زوجها إلى ما يحفظ لها كرامتها ، ويدفع عنها ~~ما يتنافى مع العفة والشرف والوفاء. # ثم بين سبحانه حكم الخطية للنساء المعتدات بيانا يقوم على أدب النفس ، ~~وأدب الاجتماع ، ورعاية المشاعر والعواطف مع رعاية المصالح والضرورات فقال ~~تعالى : PageV01P535 # ( @QUR@047 ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في ~~أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا ~~معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ~~ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم ) (235) # وقوله تعالى : ( @QUR@03 فيما عرضتم به ) أى : لو حتم وأشرتم به. من ~~التعريض الذي هو ضد التصريح ومعناه أن يضمن كلامه ما يصلح للدلالة على ~~مقصوده ، ويصلح للدلالة على غير مقصوده ، إلا أن إشعاره بجانب المقصود أتم ~~وأرجح وأصله من عرض الشيء بضم العين أى جانبه ومن أمثلته أن يقول الفقير ~~المحتاج للمحتاج إليه : جئتك لأسلم عليك .. وهو يقصد عطاءه. # و ( @QUR@02 خطبة النساء ) مخاطبة المرأة أو أوليائها في أمر زواجها. ~~والخطبة بكسر الخاء كالجلسة مأخوذة من الخطب أى الشأن لأنها شأن من الشئون ~~وقيل من الخطاب لأنها نوع مخاطبة تجرى بين جانب الرجل وجانب المرأة. ~~والمراد خطبة النساء اللائي فارقهن أزواجهن. و ( @QUR@03 أكننتم ms0549 في أنفسكم ~~) أخفيتم وأسررتم من الإكنان وهو الإضمار من غير إعلان. # والمعنى : ولا حرج ولا إثم عليكم أيها الرجال المبتغون للزواج في التعريض ~~بخطبة المرأة أثناء عدتها لتتزوجوهن بعد انقضائها ، كما أنه لا إثم عليكم ~~كذلك في الرغبة في الزواج بهن ، مع إخفاء ذلك وستره من غير كشف وإعلان لأن ~~التصريح بالخطبة أثناء العدة عمل يتنافى مع آداب الإسلام ، ومع تعاليم ~~شريعته ، ومع الأخلاق الكريمة ، والعقول السليمة ، والنفوس الشريفة. # قال القرطبي : قال ابن عطية : أجمعت الأمة على أن الكلام مع المعتدة بما ~~هو نص في تزوجها وتنبيه عليه لا يجوز ، وكذلك أجمعت على أن الكلام معها بما ~~هو رفث وذكر جماع أو تحريض عليه لا يجوز وكذلك ما أشبهه وجوز ما عدا ذلك. ~~ولا يجوز التعريض لخطبة المطلقة PageV01P536 # طلاقا رجعيا إجماعا لأنها كالزوجة. وأما من كانت في عدة البينونة فالصحيح ~~جواز التعريض لخطبتها» (1). # والتعريض في خطبة النساء أساليبه مختلفة ، ومما ذكره العلماء في هذا ~~الشأن أن يقول الرجل للمرأة : إنى راغب في الزواج أو أن يقول لوليها : لا ~~تسبقني بها إلى غيرى. # ومن أساليب التعريض ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مع السيدة أم سلمة ، ~~فقد دخل عليها وهي متأيمة من زوجها أبى سلمة فقال لها : «لقد علمت أنى رسول ~~الله وخيرته وموضعي في قومي» فكان كلامه خطبة لها بأسلوب التعريض. # ومنها ما ذكره صاحب الكشاف عن عبد الله بن سليمان عن خالته سكينة بنت ~~حنظلة قالت : دخل على أبو جعفر محمد بن على وأنا في عدتي فقال : قد علمت ~~قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابتي من جدي على بن أبى طالب ، ~~وموضعي في العرب ، وقدمي في الإسلام. قالت : فقلت : غفر الله لك يا أبا ~~جعفر! أتخطبني في عدتي وأنت يؤخذ عنك؟ فقال : أو قد فعلت إنما أخبرتك ~~بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعي» (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@05 ولا جناح عليكم فيما عرضتم ). إلخ معطوف على ما ~~قبله في الآية السابقة لأن الكلام في الآيتين ms0550 في الأحكام المتعلقة بعدة ~~النساء. # و ( @QUR@01 ما ) في قوله : ( @QUR@02 فيما عرضتم ) موصولة. و ( @QUR@03 ~~من خطبة النساء ) بيان لما ، وأل في النساء للعهد والمعهودات هن الزوجات ~~اللائي سبق الحديث عنهن في الآيات التي قبل هذه. # و ( @QUR@01 أو ) في قوله : ( @QUR@02 أو أكننتم ) للإباحة أو التخيير ، ~~ومفعول أكن محذوف يعود إلى ما الموصولة في قوله : ( @QUR@02 فيما عرضتم ) ~~والتقدير : أو أكننتموه. و ( @QUR@02 في أنفسكم ) متعلق بأكننتم. # وقوله تعالى : ( @QUR@013 علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا ~~إلا أن تقولوا قولا معروفا ) كالتعليل لما قبله وهو قوله : ( @QUR@05 ولا ~~جناح عليكم فيما عرضتم ) إلخ. ونهى عما يردى ويفسد ، وإباحة لما لا ضرر فيه. # أى : علم الله أنكم يا معشر الرجال ستذكرون هؤلاء النسوة المعتدات بما ~~لهن من جمال ومن حسن عشرة ومن غير ذلك من شئونهن وأن تفكروا فيهن وتهفوا ~~إليهن نفوسكم ، والله تعالى فضلا منه وكرما قد أباح لكم أن تذكروهن ولكنه ~~ينهاكم عن أن تواعدوهن وعدا سريا بأن تقولوا لهم في السر ما تستحيون من ~~قوله في العلن لقبحه ومنافاته للشرع. PageV01P537 # وقوله : ( @QUR@05 إلا أن تقولوا قولا معروفا ) استثناء مما يدل عليه ~~النهى لا تواعدوهن مواعدة ما إلا مواعدة معروفة غير منكرة شرعا ، وهي ما ~~تكون بطريق التلويح والتعريض. # وفي قوله سبحانه : ( @QUR@04 علم الله أنكم ستذكرونهن ) بيان لما جبلت ~~عليه النفس البشرية من ميل فطري بين الرجال والنساء ، والإسلام لا ينكر هذا ~~الميل وإنما يهذبه ويقومه ويصقله بآدابه الحميدة ، وتعاليمه السامية. # وقوله : ( @QUR@04 ولكن لا تواعدوهن سرا ) استدراك على محذوف دل عليه ( ~~@QUR@01 ستذكرونهن ) أى : فاذكروهن ( @QUR@04 ولكن لا تواعدوهن سرا ). # قال القرطبي ما ملخصه : واختلف العلماء في المراد بالسر في قوله تعالى : ~~( @QUR@04 ولكن لا تواعدوهن سرا ) فقيل معناه نكاحا ، أى لا يقل الرجل لهذه ~~المعتدة تزوجيني بل يعرض إن أراد ، ولا يأخذ ميثاقها وعهدها ألا تنكح غيره ~~في استسرار وخفية. هذا قول جمهور أهل العلم. و «سرا» على هذا التأويل نصب ~~على الحال أى مسرين وسمى النكاح سرا لأن مسببه الذي هو الوطء مما يسر وقيل ~~السر ms0551 الزنا ، أى لا يكونن منكم مواعدة على الزنا في العدة ثم التزوج بعدها. ~~أى لا تواعدوهن زنا. واختاره الطبري. ومنه قول الأعشى : # فلا تقربن جارة إن سرها %~% عليك حرام فانكحن أو تأبدا # أى : «فتزوجها أو ابتعد عنها. وقيل السر الجماع» (1). # والذي تطمئن إليه النفس أن كلمة (سرا) صفة لموصوف محذوف أى لا تواعدهن ~~وعدا سريا ، وأن النهى هنا منصب على كل مواعدة سرية ، يقال فيها كل ما ينهى ~~عنه أو يستحيا منه في العلن ، لقبحه أو لأن أوانه لم يحن بعد ، إذ السرية ~~أو الخلوة بين الرجل والمرأة لا تؤمن مزالقها. وفي الحديث الشريف أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال : «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما» ~~(2) وأن المراد بقوله : ( @QUR@05 إلا أن تقولوا قولا معروفا ) هو التعريض ~~بالخطبة ، وإظهار المودة بطريقة لا تفضى إلى محرم. # قال صاحب الكشاف في قوله : ( @QUR@05 إلا أن تقولوا قولا معروفا ) وهو أن ~~تعرضوا ولا تصرحوا. فإن قلت بم يتعلق حرف الاستثناء؟ قلت : بلا تواعدوهن. ~~أى لا تواعدوهن مواعدة قط إلا مواعدة معروفة غير منكرة : أى لا تواعدوهن ~~إلا بالتعريض (3). # ثم قال تعالى : ( @QUR@08 ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله ). PageV01P538 # العزم : القطع والتصميم ، يقال عزم على الشيء إذا صمم وعقد القلب على ~~فعله ، وهو يتعدى بعلى وبنفسه فيقال : عزم الشيء وعزم عليه. # وعقدة النكاح : الارتباط الموثق به. وأصل العقد الشد ، والعهود والأنكحة ~~تسمى عقودا لأنها تعقد وتوثق كما يوثق بالحبل. # والمراد بالكتاب هنا الأمر المكتوب المفروض وهو العدة التي حدد الله لها ~~وقتا معينا. # والأجل : هو نهاية المدة التي قررها الشرع للعدة. # والمعنى : لا يسوغ لكم يا معشر الرجال الراغبين في الزواج من النساء ~~اللائي فارقهن أزواجهن أن تعقدوا العزم نهائيا في أثناء العدة على أن تتموا ~~الزواج بعدها ، بأن تحول الخطبة من التعريض إلى التصريح ، أو تبتوا في أمر ~~الزواج بتا قاطعا بمواعدة أو نحوها ، إذ العاقل لا يستعجل أمرا قبل حلول ~~وقته ، وإنما الذي يسوغ لكم أن تتموا عقد الزواج ms0552 بعد انتهاء العدة وبعد أن ~~يكون جو الأحزان قد فتر وجفت حدته. # والنهى عن العزم على عقد النكاح نهى بالأولى عن إبرامه وتنفيذه ، لأن ~~العزم على الفعل يتقدمه ، فإذا نهى عنه كان الفعل أنهى ، فهو كالنهى عن ~~الاقتراب من حدود الله في قوله : ( @QUR@05 تلك حدود الله فلا تقربوها ). # وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد أباحت شيئين ، ونهت عن شيئين : أباحت ~~التعريض بالخطبة للمرأة أثناء عدتها ، كما أباحت إخفاء هذه الرغبة في ~~الأنفس وحديثها بها. ويشهد لذلك قوله تعالى : ( @QUR@013 ولا جناح عليكم ~~فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم ) ونهت عن المواعدة سرا ~~إلا أن يقولوا قولا معروفا عن طريق التعريض ، أو أن يسار الرجل المرأة ~~بالقول المعروف الذي أباحه الشرع وارتضته العقول السليمة ، والأخلاق ~~الفاضلة ، بأن يعدها في السر بالإحسان إليها والاهتمام بشأنها والتكفل ~~بمصالحها حتى يصير ذكر هذه الأشياء الجميلة مؤكدا لذلك التعريض. أما الشيء ~~الثاني الذي نهت عنه فهو العزم على عقدة النكاح قبل انقضاء العدة. ويشهد ~~لهذا قوله تعالى : ( @QUR@021 علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن ~~سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ، ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب ~~أجله ). # وبعد هذه الأوامر والنواهي ختم الله تعالى الآية بقوله : ( @QUR@013 ~~واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم ). PageV01P539 # أى : اعلموا أيها الناس أن الله تعالى يعلم ما يجول في نفوسكم من خير أو ~~شر ، وما تهجس به خطرات قلوبكم من مقاصد واتجاهات ، فاحذروا أن تقصدوا ما ~~هو شر ، أو تفعلوا ما هو منكر ، واعلموا أنه تعالى غفور لمن تاب وعمل صالحا ~~، حليم لا يعاجل الناس بالعقوبة ، ولا يؤاخذهم إلا بما كسبوا. # فالجملة الكريمة تحذير وتبشير ، وترغيب وترهيب ، لكي لا يتجاسر الناس على ~~ارتكاب ما نهى الله عنه ، ولا ييأسوا من رحمته متى تابوا وأنابوا. # هذا ، وقد أجمع العلماء على تحريم نكاح المرأة في عدتها ، وإذا حدث مثل ~~هذا النكاح ودخل بها فرق بينهما وفسخ النكاح. # ويرى جمهور العلماء أنها تصير ms0553 محرمة عليه تحريما مؤبدا ، ولا يحل له ~~نكاحها ركلك لأنه استحل ما لا يحل فعوقب بحرمانه ، كالقاتل يعاقب بحرمانه ~~من ميراث المقتول. وقيل : يفسخ النكاح ويفرق بينهما فإذا انتهت العدة حلت ~~له ولم يتأبد التحريم. ولكل فريق أدلته المبسوطة في كتب الفقه. # وبذلك تكون الآية الكريمة قد أرشدت الناس إلى ما يقره الشرع ، ويرتضيه ~~الخلق الكريم ، ونهتهم عما يتنافى مع تعاليم الإسلام بأسلوب حكيم جمع بين ~~الشدة واللين ، والخوف والرجاء ، حتى يثوب المخطئون إلى رشدهم ويقلعوا عن خطئهم. # ثم بين سبحانه في آيتين كريمتين بعض الأحكام التي تتعلق بالمطلقة قبل ~~الدخول بها ، سواء أذكر لها المهر أم لم يذكر ، فقال تعالى : # ( @QUR@025 لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن ~~فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على ~~المحسنين (236) @QUR@035 وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن ~~فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح وأن ~~تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير ) (237) PageV01P540 # قوله تعالى : ( @QUR@03 ما لم تمسوهن ) أى ما لم تجامعوهن ولم تدخلوا بهن ~~والمس في أصل معناه : اللمس ، ويقال فيما معه إدراك بحاسة اللمس ، ثم أطلق ~~على سبيل الكناية على ما يكون بين المرء وزوجه من جماع ومباشرة وعلى غير ~~ذلك مما يكون فيه إصابة حسية أو معنوية. وهذه الكناية من ألطف الكنايات ~~التي تربى في الإنسان حسن الأدب ، وسلامة التعبير ، وتجنبه النطق بالألفاظ ~~الفاحشة. وقد تكرر هذا التعبير المهذب في القرآن الكريم ومن ذلك قوله تعالى ~~حكاية عن مريم : ( @QUR@09 قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر .. ) (1). # والمراد بالفريضة هنا المهر الذي يفرضه الرجل على نفسه للمرأة قبل الدخول بها. # والمعنى : لا إثم عليكم أيها الرجال إذا طلقتم النساء لأسباب مشروعة ، ~~وبطريقة مرضية ، قبل الدخول بهن ، وقبل أن تقدروا لهن مهرا معينا. # ثم بين سبحانه ما للمرأة على الرجل في هذه الحالة فقال : ( @QUR@012 ~~ومتعوهن على الموسع قدره وعلى ms0554 المقتر قدره ، متاعا بالمعروف حقا على ~~المحسنين ).. # قوله تعالى : ( @QUR@01 ومتعوهن ) أى ملكوهن ما ينتفعن به ، ويدخل ~~التسلية والسرور على نفوسهن. وأصل المتعة والمتاع ما ينتفع به الإنسان من ~~مال أو كسوة أو غير ذلك ، ثم أطلقت المتعة على ما يعطيه الرجل للمرأة من ~~مال أو غيره عند طلاقها منه لتنتفع به ، جبرا لخاطرها ، وتعويضا لما نالها ~~بسبب هذا الفراق. # و ( @QUR@01 الموسع ) هو الغنى الذي يكون في سعة من غناه. يقال : أوسع ~~الرجل إذ كثر ماله ، واتسعت حاله. و ( @QUR@01 المقتر ) هو الفقير الذي ~~يكون في ضيق من فقره. أقتر الرجل أى افتقر وقل ما في يده. # والمعنى : لا حرج عليكم في طلاقكم للنساء قبل أن تدخلوا بهن وقبل أن ~~تقدروا لهن مهرا معينا ، وليس من حقهن عليكم في هذه الحالة أن يطالبنكم ~~بالصداق ، وإنما من حقهن عليكم أن تمتعوهن بأن تدفعوا لهن ما ينتفعن به كل ~~على حسب حاله وطاقته ، فالأغنياء يدفعون ما يناسب غناهم وسعتهم ، والفقراء ~~يدفعون ما يناسب حالهم. # وقوله : ( @QUR@02 متاعا بالمعروف ) أى أعطوهن ما يتمتعن وينتفعن به ~~بالقدر المتعارف عليه بين العقلاء ، فلا يعطى الغنى ما لا يتناسب مع غناه ~~ولا مع حال المرأة التي طلقها ، ولا يعطى الفقير شيئا تافها لا يسمى في عرف ~~العقلاء متاعا كما أنه لا يكلف فوق استطاعته ، لأن المتاع ما سمى بهذا ~~الاسم إلا لأنه يتمتع به وينتفع به لفترة من الزمان. PageV01P541 # وقوله : ( @QUR@03 حقا على المحسنين ) تأكيد لهذا التمتيع الذي هو من حق ~~المرأة على الرجل الذي طلقها قبل أن يدخل بها وقيل أن يسمى لها مهرا. # أى : هذا التمتيع حق ثابت على المحسنين الذين يحسنون إلى أنفسهم ~~بامتثالهم لأوامر الله ، وبترضيتهم لنفوس هؤلاء المطلقات اللاتي تأثرن بسبب ~~هذا الفراق. فالآية الكريمة ترفع الإثم عن الرجال الذين يطلقون النساء قبل ~~الدخول بهن وقبل تسمية المهر لهن ، متى كانت المصلحة تستدعى ذلك ، وتبين ~~الحقوق التي للمرأة على الرجل في هذه الحالة. # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@06 لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ). ~~إلخ هذا ms0555 أيضا من أحكام المطلقات ، وهو ابتداء إخبار برفع الحرج عن المطلق ~~قبل البناء والجماع ، فرض مهرا أو لم يفرض. ولما نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن التزوج لمعنى الذوق وقضاء الشهوة ، وأمر بالتزوج لطلب ~~العصمة والتماس ثواب الله صلى الله عليه وسلم وقصد دوام الصحبة وقع في نفوس ~~المؤمنين أن من طلق قبل البناء قد واقع جزءا من هذا المكروه ، فنزلت الآية ~~رافعة للجناح في ذلك إذا كان أصل النكاح على المقصد الحسن» (1). # وقوله : ( @QUR@04 أو تفرضوا لهن فريضة ) معطوف على ( @QUR@01 تمسوهن ) ~~المنفي ، أى لا حرج عليكم في تطليقكم النساء في حالة عدم الدخول بهن وعدم ~~تقدير مهر معين لهن. # وقوله : ( @QUR@04 ومتعوهن على الموسع قدره ) إلخ تشريع حكيم وتوجيه سديد ~~، لأن فراق المرأة قبل الدخول بها وقبل تقدير مهر لها ينشئ جفوة ممضة بين ~~المرأة وبين مطلقها ، وقد يسيء هذا الفراق إليها وإلى أسرتها ، فكان هذا ~~الحق الذي جعله الله للمرأة على الرجل هو التمتيع ، تسرية لنفسها ، وتعويضا ~~عما أصابها بسبب هذا الفراق ، وتلطيفا لجو الطلاق وما يصاحبه من جفاء ~~وبغضاء ، واستبقاء للمودة الإنسانية بين الطرفين ، وإزالة لما عسى أن يقوله ~~البعض من أنه ما طلقها من طلقها إلا لشيء. # ولا شك أن إنهاء الحياة الزوجية قبل الدخول فيها ، لضرورات اقتضاها هذا ~~الإنهاء ، أخف وأيسر من إنهائها بعد الدخول فيها. # قال الجمل ما ملخصه : وقوله : ( @QUR@03 على الموسع قدره ) جملة من مبتدأ ~~وخبر وفيها قولان : # أحدهما : أنها لا محل لها من الإعراب بل هي استئنافية بينت حال المطلق ~~بالنسبة إلى يساره وإقتاره. # والثاني : في محل نصب على الحال وصاحب الحال فاعل متعوهن. والرابط بين ~~جملة الحال PageV01P542 # وصاحبها محذوف والتقدير : على الموسع منكم. و ( @QUR@01 متاعا ) منصوب ~~على المصدر. و ( @QUR@01 بالمعروف ) جار ومجرور صفة له. و ( @QUR@01 حقا ) ~~صفة ثانية لقوله : ( @QUR@01 متاعا ) أو مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله. ~~وعامله محذوف وجوبا والتقدير : حق ذلك حقا» (1). # هذا ، ويرى بعض العلماء أن المتعة واجبة للمرأة على الرجل في حال ~~مفارقتها قبل الدخول بها وقبل تسمية ms0556 المهر ، لأن الآية الكريمة قد أكدت ذلك ~~وجعلته حقا ثابتا لا يجوز التحلل منه قال تعالى : ( @QUR@05 متاعا بالمعروف ~~حقا على المحسنين ). # ويرى بعضهم أنها مستحبة ، لأن التعبير بالمحسنين يدل على أن المتعة غير ~~واجبة وقد رجح المحققون من العلماء الرأى الأول وقالوا : إن الإحسان لا ~~ينافي الوجوب الذي دل عليه الأمر يؤيد هذا قوله : ( @QUR@06 على الموسع ~~قدره وعلى المقتر قدره )، فقد جعل الله المتعة على الفريقين كل فريق على ~~حسب طاقته وقدرته. # والمتعة تختلف باختلاف الأحوال من يسار وإعسار ، يقدرها القاضي على الرجل ~~على حسب حالته كما يقدر النفقة. # والصالحون من الناس هم الذين يبذلون المتعة للمطلقة بسخاء ومودة ، ولقد ~~أثر عن الحسن بن على رضي الله عنهما أنه متع امرأة طلقها بعشرة آلاف درهم ، ~~فلما تسلمت هذا المال الوفير قالت : «متاع قليل من حبيب مفارق». # ثم بين سبحانه حق المرأة فيما لو طلقت قبل الدخول بها وبعد تسمية مهر لها ~~فقال تعالى : ( @QUR@022 وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن ~~فريضة ، فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح ). # أى : وإن طلقتم يا معشر الرجال النساء من قبل أن تدخلوا بهن وتباشروهن ، ~~ومن بعد أن قدرتم لهن صداقا معلوما ، فالواجب عليكم في هذه الحالة أن ~~تدفعوا لهن نصف ما قدرتم لهن من صداق ، إلا أن تتنازل المرأة عن حقها ~~فتتركه لمطلقها بسماحة نفس ، بأن تكون هي الراغبة في الطلاق ، أو يتنازل ~~الذي بيده عقدة النكاح وهو الزوج عن حقه بأن يدفع لها المهر كاملا أو ما هو ~~أكثر من النصف لأنه هو الراغب في الطلاق. وجملة ( @QUR@04 وقد فرضتم لهن ~~فريضة ) في موضع نصب على الحال من فاعل ( @QUR@01 طلقتموهن ) أو من مفعوله. ~~أى وإن طلقتموهن حالة كونكم فارضين لهن المهر أو حالة كونهن مفروضا لهن المهر. # والفاء في قوله : ( @QUR@03 فنصف ما فرضتم ) واقعة في جواب الشرط ، ~~والجملة في مجل جزم جواب PageV01P543 # الشرط ، و «نصف» مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أى فالواجب نصف ، أو هو ms0557 ~~مبتدأ محذوف الخبر أى فلهن نصف ، وقد صرحت الآية الكريمة بوجوب النصف ، ولم ~~تصرح بوجوب دفعه ، لأنه قد يكون قدم لها المهر كله أو بعضه ، فكان التعبير ~~بالوجوب بيانا للحكم حتى يسترد المطلق ما دفعه زيادة عن النصف إن أراد ذلك ~~، أو يكمل لها النصف إن كان قد دفع أقل منه. # وقوله : ( @QUR@09 إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح ) ~~استثناء مفرغ من عموم الأحوال. و ( @QUR@01 يعفون ) فعل مضارع الواو فيه ~~لام الفعل ، ونونه ضمير جماعة الإناث فهو هنا مبنى على السكون في محل نصب ~~بأن. ووزنه يفعلن أى : فلهن نصف المهر الذي فرضتموه لهن في كل حال إلا في ~~حال عفو المطلقات أى إبرائهن لكم وتنازلهن عن هذا الحق ، أو في حال عفو ~~الذي بيده عقدة النكاح ، وهو الزوج المطلق عند الأحناف والشافعية لأنه هو ~~المالك لعقد النكاح وحله ، والمراد بعفوه أن يزيد على نصف المهر المقرر. # ويرى المالكية أن الذي بيده عقدة النكاح هو ولى المرأة ، لأنه هو الذي ~~بيده عقدة النكاح ثابتة ، وأما الزوج فله ذلك حالة العقد المتقدم فقط. # وبكون المعنى على هذا الرأى : عليكم يا معشر الرجال أن تدفعوا للنساء نصف ~~المهر إذا طلقتموهن بعد أن قدرتم لهن مهرا وقبل أن تمسوهن إلا أن يتنازل ~~النساء عن هذا الحق ، إذا كن يملكن ذلك ، أو يتنازل أولياؤهن إن كن لا ~~يملكن حق التنازل ، كأن تكون البنت صغيرة ، أو غير جائزة التصرف. # وقد دل كل فريق على مذهبه بما هو مبسوط في كتب الفقه. # ثم حبب سبحانه إلى الناس التسامح والتعاطف فقال : ( @QUR@013 وأن تعفوا ~~أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير ). # أى : من حق المرأة المطلقة على مطلقها أن يدفع لها نصف المهر إذا كان ~~الطلاق قبل المباشرة وبعد تحديد المهر ، وإذا تنازل أحد الطرفين عن جزء من ~~حقه لصاحبه كان هذا التنازل حسنا. لأن هذا التنازل والتسامح يضفى على جو ~~الطلاق لونا من المودة والتقارب بين النفوس التي آلمها الفراق بتلك ms0558 الصورة ~~، فاحرصوا أيها الناس على هذا العفو بأن يتنازل كل فريق منكم لصاحبه عن شيء ~~من حقه ، ويتسامح معه ، فإن ذلك أقرب إلى تقوى القلوب ، وصفاء النفوس ، ولا ~~تتركوا أن يتفضل بعضكم على بعض بالإحسان ، وحب الخير ، وجميل الذكر ، فالله ~~تعالى بصير بأعمالكم وسيحاسبكم عليها ، وسيجازى كل نفس بما عملت. # فالجملة الكريمة توجيه حكيم للناس إلى ما يدفع عنهم التشاحن والتباغض ~~والتخاصم PageV01P544 # خصوصا في حالات الطلاق التي هي من أشد الأحوال دفعا إلى هذه الرذائل. # ولقد حفظ لنا التاريخ الإسلامى صورا مشرقة لهذا العفو والفضل من ذلك ما ~~ذكره الإمام الزمخشري من أن جبير بن مطعم دخل على سعد بن أبى وقاص فعرض ~~عليه بنتا له فتزوجها. ثم طلقها قبل أن يدخل بها وبعث لها المهر كاملا. ~~فقال له : لم تزوجتها؟ فقال : عرضها على فكرهت رده. فقيل له : فلم بعثت ~~بالصداق كاملا؟ قال : فأين الفضل. # وروى أن أحد الصحابة تزوج امرأة وطلقها قبل الدخول بها فأعطاها الصداق ~~كاملا ، فقيل له في ذلك فقال : أنا أحق بالعفو منها (1). # وهكذا نرى مبلغ استجابة السلف الصالح لتوجيهات القرآن ووصاياه ، فأين ~~المسلمون اليوم من هذه الوصايا والأحكام؟ # وبعد هذا الحديث المستفيض الذي لم ينته بعد عن الطلاق وأحكامه وآدابه ، ~~أورد القرآن آيتين كريمتين تأمران بالمحافظة على الصلاة وبالمداومة على ~~طاعة الله ، وبالملازمة لذكره عز وجل فقال تعالى : # ( @QUR@08 حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين (238) ~~@QUR@015 فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما ~~لم تكونوا تعلمون ) (239) # ولعل السر في توسط هاتين الآيتين بين آيات الأحكام التي تحدثت عن الطلاق ~~، والعدة والرضاع والخطبة ... إلخ ، لعل السر في ذلك أن هذه الأمور كثيرا ~~ما تكون مثار تنازع وتخاصم وتقاطع بين الناس ، فأراد القرآن بطريقته ~~الحكيمة ، وبأسلوبه المؤثر أن يقول للناس : إن محافظتكم على الصلاة ، ~~ومداومتكم على طاعة الله وذكره كل ذلك سيعرض في نفوسكم المراقبة له سبحانه ~~، والخشية من عقابه ، وسيعينكم على أن تحلوا قضاياكم التي تتعلق بالطلاق ~~وغيره بالعدل والإحسان والتسامح ms0559 والتعاطف ، لأن من حافظ على فرائض الله ~~وأوامره ، انصرفت نفسه عن ظلم الناس ، وعاملهم معاملة كريمة حسنة. وقد بين ~~القرآن في كثير من آياته أن المحافظة على الصلاة بخشوع وخضوع لله تعالى وأن ~~المداومة على ذكره ، PageV01P545 # والملازمة لطاعته كل ذلك من شأنه أن يمنع الإنسان من الوقوع فيما نهى ~~الله عنه ، قال تعالى : ( @QUR@017 اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة ~~إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر ).. # وقال تعالى : ( @QUR@08 واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على ~~الخاشعين )، وقال تعالى : ( @QUR@014 وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من ~~الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ). # فكأن الله تعالى يقول للناس : لقد أمرتكم بالمحافظة على الصلاة ، ~~وبالمداومة على طاعتي وذكرى خلال حديثي عن أحكام كثيرا ما تكون هذه الأحكام ~~مثار تنازع بينكم ، وذلك لكي تحلوا التسامح والتواصل والتقارب محل التشاحن ~~والتدابر والتجافي ، لأن من شأن المحافظة على هذه العبادات ، أن تهدى الناس ~~إلى أكمل الأخلاق والصفات. # فسبحان من هذا كلامه ، ومن تلك إرشاداته وتوجيهاته ووصاياه. # وقوله تعالى : ( @QUR@01 حافظوا ) من الحفظ بمعنى ضبط الشيء ، وصيانته عن ~~كل تضييع ، وهو خلاف النسيان. والخطاب لجميع المكلفين من أفراد الأمة. # والمعنى : حافظوا يا معشر المسلمين والمسلمات على أداء الصلوات في ~~أوقاتها بخشوع وخضوع وإخلاص لله رب العالمين ، وحافظوا بصفة خاصة على ~~الصلاة الوسطى ، لما لها من منزلة سامية ، ومكانة عالية. # فقد أمر الله تعالى عباده بالمحافظة على الصلوات بصفة عامة ، وأفرد ~~الصلاة الوسطى بالذكر تفخيما لشأنها ، وإعلاء لقدرها من بين أفراد جنسها. ~~والمسلم يكون محافظا على الصلاة إذا أداها في وقتها مستوفية لآدابها وسننها ~~وشرائعها وخشوعها وكل ما يتعلق بها ، أما إذا قصر في شيء من ذلك فإنه لا ~~يكون محافظا عليها تلك المحافظة التامة التي أمر الله بها. # وفي قوله تعالى : ( @QUR@01 حافظوا ) تنبيه إلى أن الصلاة في ذاتها شيء ~~نفيس ثمين تجب المحافظة عليه ، لأن هذه الكلمة تدل على الصيانة والضبط ~~بجانب دلالتها على الأداء والإقامة والمداومة. # قال الإمام الرازي : وقوله : ( @QUR@01 حافظوا ) بصيغة ms0560 المفاعلة التي ~~تكون بين اثنين. للدلالة على أن هذه المحافظة تكون بين العبد والرب. فكأنه ~~قيل : احفظ الصلاة ليحفظك الإله الذي أمرك بها. وهذا كقوله : «فاذكروني ~~أذكركم» وفي الحديث «احفظ الله يحفظك». أو أن تكون المحافظة بين المصلى ~~والصلاة. فكأنه قيل : احفظ الصلاة حتى تحفظك الصلاة بمعنى أنها PageV01P546 # تحفظك من ارتكاب المعاصي ، وتشفع لمصليها يوم القيامة» (1). # وللعلماء أقوال في المراد بالصلاة الوسطى التي أفردها الله تعالى من بين ~~الصلوات. # فجمهور العلماء يرون أنها واحدة من بين الصلوات الخمس المفروضة ، وأن ~~الوسطى مؤنث الأوسط أى الشيء المتوسط بين شيئين ، فالصلاة الوسطى هي الصلاة ~~المتوسطة بين صلاتين ، إلا أنهم اختلفوا في تعيينها. # فأكثر العلماء على أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر ، لأنها تقع في وسط ~~الصلوات الخمس ، إذ قبلها اثنتان وبعدها اثنتان ، ولأنها وسط بين صلاتي ~~النهار ، وصلاتي الليل ، فمعنى التوسط فيها واضح ، ولأنها مظنة التقصير ~~لمجيئها بعد وقت الظهيرة الذي يكون في الغالب وقت كسل. # وفضلا عن ذلك فقد صرحت بعض الأحاديث بأنها صلاة العصر ، وقد ساق الإمام ~~ابن كثير عددا من هذه الأحاديث ومنها ما جاء في صحيح مسلم ومسند الإمام ~~أحمد عن على بن أبى طالب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب ~~: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارا ، ثم ~~صلاها بين العشاءين المغرب والعشاء ، وفي مسند الإمام أحمد عن سمرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال : «الصلاة الوسطى صلاة العصر». # وقد خصت صلاة العصر بمزيد من التأكيد ، وبالأمر بالمحافظة عليها ، ~~وبالتحذير من التقصير فيها ، مما يشهد بأنها هي الصلاة الوسطى ، فقد روى ~~البخاري ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «الذي تفوته ~~صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله» أى : سلب من أهله وماله فبقى وحيدا ~~بدونهما. # وقال بعضهم المراد بالصلاة الوسطى صلاة الصبح ، وقيل صلاة الظهر ، وقيل ~~صلاة المغرب ، وقيل العشاء ، وقيل الجمعة ، وقيل غير ذلك من الأقوال التي ~~لا تبلغ في قوتها ms0561 مبلغ قول القائلين بأنها صلاة العصر ، ولذا قال ابن كثير ~~وكل هذه الأقوال فيها ضعف بالنسبة إلى التي قبلها ، ومعترك النزاع في الصبح ~~والعصر ، وقد أثبتت السنة أنها العصر فتعين المصير إليها أى إلى أن المراد ~~بالصلاة الوسطى صلاة العصر (2). # ومن العلماء من اتجه في بيان المراد من الصلاة الوسطى اتجاها آخر فهو يرى ~~أن المراد بالصلاة الوسطى الصلوات كلها ، وأن الوسطى ليست بمعنى المتوسطة ~~بين صلاتين ، وإنما هي بمعنى PageV01P547 # الفضل لأن وسط الشيء خياره وأعدله وأفضله فالمقصود بها فعلها أو أداؤها ~~بطريقة سليمة كاملة. والمعنى على هذا الرأى : حافظوا يا معشر المسلمين على ~~الصلوات كلها ، وحافظوا على أن يكون أداؤكم لها بطريقة وسطى أى فاضلة بأن ~~تؤدوها في أوقاتها كاملة الأركان والسنن والآداب والخشوع. # قال ابن كثير : وقيل بل الصلاة الوسطى مجموع الصلوات الخمس رواه ابن أبى ~~حاتم عن ابن عمر وفي صحته نظر. والعجب أن هذا القول قد اختاره الشيخ أبو ~~عمر بن عبد البر إمام ما وراء البحر ، وإنها لإحدى الكبر ، إذ اختار مع ~~اطلاعه وحفظه ما لم يقم عليه دليل من كتاب ولا سنة ولا أثر». # ومن العلماء المحدثين الذين استحسنوا هذا الرأى الشيخ محمد عبده رحمه الله ~~فقد قال : «ولو لا أنهم اتفقوا على أنها أى الصلاة الوسطى إحدى الخمس لكان ~~يتبادر إلى فهمي من قوله : «الصلاة الوسطى» أن المراد بالصلاة الفعل ~~وبالوسطى الفضلى أى : حافظوا على أنواع الصلاة وهي الصلاة التي يحضر فيها ~~القلب وتتوجه بها النفس إلى الله تعالى وتخشع لذكره ، وتدبر كلامه لا صلاة ~~المرائين ولا الغافلين» (1). # والذي نراه أن ما عليه الجمهور من أن الصلاة الوسطى هي واحدة من بين ~~الصلوات الخمس ، وأنها صلاة العصر هو أقوى الآراء ، لأنه أولا يتفق مع ~~أصحاب الاتجاه الثاني الذين يقولون بأن أداء الصلاة يجب أن يكون بطريقة ~~تامة الأركان والسنن والخشوع وما قال أحد منهم بأن تحديدها بصلاة العصر ~~ينفى أداء بقية الفرائض بكمال واطمئنان. ولأنه ثانيا قد امتاز عن رأى أصحاب ~~الاتجاه الثاني ms0562 بأنه أعمل النص الصحيح الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بأن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر ، ولا شك أن إعمال النص أولى من إهماله أو ~~من تأويله تأويلا ضعيفا. # وقوله : ( @QUR@03 وقوموا لله قانتين ) مؤكدا لما قبله من المحافظة ~~والمداومة على أداء الصلاة. # والقنوت : لزوم الطاعة مع الخضوع والخشوع. أى قوموا في الصلاة مطيعين لله ~~تعالى مؤيدين لها على وجهها الكامل في خشوع وخضوع واطمئنان. # والفاء في قوله : ( @QUR@05 فإن خفتم فرجالا أو ركبانا ) للتفريع أى : ~~حافظوا على الصلاة في كل وقت ، وأدوها بخشوع واطمئنان ، فإن كان بكم خوف من ~~عدو في حال المقاتلة في الحرب أو من غيره لسبب من الأسباب ، فصلوا راجلين ~~أى ماشين على الأقدام ، أو راكبين على ركائبكم بإيماء ، سواء وليتم وجوهكم ~~شطر القبلة أولا. PageV01P548 # و (رجالا) جمع راجل. وهو القوى على المشي برجليه. يقال : رجل الإنسان يرجل ~~رجلا إذا لم يحد ما يركبه ومشى على قدميه ، والركبان جمع راكب للجمل أو ~~الفرس أو غيرهما. # وجواب الشرط محذوف والتقدير : فإن خفتم فصلوا راجلين أو راكبين ، وهذان ~~اللفظان أى رجالا أو ركبانا حالان من الضمير في «فصلوا» المحذوف. # والآية الكريمة تدل على شدة عناية الإسلام بشأن الصلاة ، فقد أمر الله ~~تعالى عباده بأن يحافظوا عليها في حالتي الأمن والخوف ، والصحة والمرض ، ~~والسفر والإقامة .. # وقد بسط هذا المعنى الأستاذ الإمام محمد عبده فقال ما ملخصه : وقوله ~~تعالى : ( @QUR@05 فإن خفتم فرجالا أو ركبانا ) هذا تأكيد للمحافظة على ~~الصلاة ، وبيان أنها لا تسقط بحال ، لأن حال الخوف على النفس أو العرض أو ~~المال هو مظنة العذر في الترك كما يكون السفر عذرا في ترك الصيام .. والسبب ~~في عدم سقوط الصلاة عن المكلف بحال أنها عمل قلبي ، وإنما فرضت تلك الأعمال ~~الظاهرة لأنها مساعدة على العمل القلبي المقصود بالذات ، وهو تذكر سلطان ~~الله تعالى المستولى علينا وعلى العالم كله ، ومن شأن الإنسان إذا أراد ~~عملا قلبيا يجتمع فيه الذكر أن يستعين على ذلك ببعض ما يناسبه من قول وعمل. # ولا ريب ms0563 أن هذه الهيأة التي اختارها الله تعالى للصلاة هي أفضل معين على ~~استحضار سلطانه فإن قولك «الله أكبر» في فاتحة الصلاة وعند الانتقال فيها ~~من عمل إلى عمل يعطيك من الشعور بكون الله أكبر وأعظم من كل شيء ما يغمر ~~روحك ، ويستولى على إرادتك .. وكذلك الشأن في سائر أعمال الصلاة. # فإذا تعذر عليك الإتيان ببعض تلك الأعمال البدنية ؛ فإن ذلك لا يسقط عنك ~~هذه العبادة القلبية التي هي روح الصلاة وغيرها ، وهي الإقبال على الله ~~تعالى واستحضار سلطانه ، مع الإشارة إلى تلك الأعمال بقدر الإمكان الذي لا ~~يمنع من مدافعة الخوف الطارئ من سبع مفترس ، أو عدو مغتال ، أو لص محتال .. ~~فالآية تعلمنا أنه يجب أن لا يذهلنا عن الله شيء في حال من الأحوال ..» (1). # وقال الإمام ابن العربي : قوله تعالى : ( @QUR@05 فإن خفتم فرجالا أو ~~ركبانا ) أمر الله تعالى بالمحافظة على الصلاة في كل حال من صحة ومرض ، ~~وحضر وسفر ، وقدرة وعجز ، وخوف وأمن ، لا تسقط عن المكلف بحال ، ولا يتطرق ~~إلى فرضيتها اختلال. وقد قال صلى الله عليه وسلم : «صل قائما ، فإن لم تستطع ~~فقاعدا ، فإن لم تستطع فعلى جنب». PageV01P549 # والمقصود من ذلك أن تفعل الصلاة كيفما أمكن ، لا تسقط بحال حتى لو لم ~~يتفق فعلها إلا بالإشارة بالعين للزم فعلها كذلك إذا لم يقدر على حركة سائر ~~الجوارح ، وبهذا المعنى تميزت عن سائر العبادات ، فإن العبادات كلها تسقط ~~بالأعذار ، ولذلك قال علماؤنا : إن تارك الصلاة يقتل ، لأنها أشبهت الإيمان ~~الذي لا يسقط بحال ، ولا تجوز النيابة فيها ببدن ولا مال» (1). # ثم قال تعالى : ( @QUR@010 فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم ~~تكونوا تعلمون ) أى فإذا زال خوفكم وصرتم آمنين مطمئنين ، «فاذكروا الله» ~~أى فأدوا الصلاة تامة كاملة مثل ما علمكم إياها ربكم على لسان نبيكم ~~صلى الله عليه وسلم وقد من الله تعالى عليكم بهذا التعليم الذي كنتم تجهلونه ~~فضلا منه وكرما. # وعبر سبحانه «بإن» المفيدة للشك في حالة الخوف ، وبإذا المفيدة للتحقيق ~~في حالة الأمن ، للإشعار بأن ms0564 حالة الأمن هي الحالة الكثيرة الثابتة ، وأن ~~حالة الخوف هي الحالة القليلة الطارئة ، وفي ذلك فضل جزيل من الله تعالى ~~على عباده يحملهم على شكره وطاعته ، حيث وهبهم الأمان والاطمئنان في أغلب ~~أوقات حياتهم. # وبذلك نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد أمرتا المسلم بأن يحافظ على ~~الصلاة محافظة تامة ، إذ في هذه المحافظة سعادة للإنسان ، ودافع له على ~~أداء الحقوق لأربابها ، وزاجر له عن اقتراف. ما نهى الله عنه. # ثم ختمت السورة الكريمة حديثها عن أحكام الزواج وما يتعلق به من طلاق ~~ووصية وعدة وغير ذلك من أحكام بقوله تعالى : # ( @QUR@027 والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى ~~الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف ~~والله عزيز حكيم (240) @QUR@06 وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين ~~(241) @QUR@07 كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون ) (242) PageV01P550 # والآية الأولى من هذه الآيات تبين بعض الحقوق التي شرعها الله تعالى ~~للمرأة التي توفى عنها زوجها. # والمعنى : لقد شرع الله لكم فيما شرع من أحكام ، أن على المسلم قبل أن ~~يحضره الموت أن يوصى لزوجته التي على قيد الحياة بما تنتفع به انتفاعا ~~مستمرا لمدة حول من وفاته ، ولا يصح أن يخرجها أحد من مسكن الزوجية. # وقوله : ( @QUR@01 وصية ) فيه قراءتان مشهورتان. # القراءة الأولى بالنصب ، والتقدير : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~فليوصوا وصية ، أو كتب الله عليهم وصية لأزواجهم. # والقراءة الثانية بالرفع والتقدير : فعليهم وصية لأزواجهم. # وعلى قراءة النصب تكون كلمة ( @QUR@01 وصية ) مفعولا مطلقا أو مفعولا به ~~، وعلى قراء الرفع تكون مبتدأ محذوف الخبر. وقوله : ( @QUR@01 لأزواجهم ) ~~جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لكلمة ( @QUR@01 وصية ) على القراءتين. أى : ~~وصية كائنة لأزواجهم. # والمراد بقوله : ( @QUR@01 متاعا ) ما تتمتع به الزوجة من السكن والنفقة ~~بعد وفاة زوجها بوصية منه. وهو منصوب على المصدر أى متعوهن متاعا أو على ~~المفعولية. أى جعل الله لهن ذلك متاعا. # وقال سبحانه : ( @QUR@03 متاعا إلى الحول ) للتنصيص على أن هذه المدة ~~تمتد حولا كاملا منذ وفاة زوجها ، إذ كلمة حول تدل ms0565 على التحول أى حتى تعود ~~الأيام التي حدثت فيها الوفاة. وقوله : «غير إخراج» حال من أزواجهم أى غير ~~مخرجات من مسكن الزوجية ، فلا يصح لورثة الميت أن يخرجوهن من مسكن الزوجية ~~بغير رضاهن ، لأن بقاءهن في مسكن الزوجية حق شرعه الله لهن ، فلا يجوز لأحد ~~أن يسلبه منهن بغير رضاهن. # ثم قال تعالى : ( @QUR@012 فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن ~~من معروف ). # أى : ( @QUR@02 فإن خرجن ) من منزل الزوجية برضاهن ورغبتهن ( @QUR@03 فلا ~~جناح عليكم ) أى فلا إثم عليكم أيها المسلمون ( @QUR@07 في ما فعلن في ~~أنفسهن من معروف ) أى فيما فعلن في أنفسهن من أمور لا ينكرها الشرع كالتزين ~~والتطيب والتزوج بعد انتهاء عدتها وهي أربعة أشهر وعشرة أيام. # هذا ، وللعلماء في تفسير هذه الآية اتجاهان مشهوران : # أما الاتجاه الأول : فيرى أصحابه أن هذه الآية منسوخة لأنها توجب على ~~الزوج حين مشارفة الموت أن يوصى لزوجته بالنفقة والسكنى حولا ، ويجب عليها ~~الاعتداد حولا ، وهي مخيرة بين السكنى في بيته حولا ولها النفقة ، وبين أن ~~تخرج منه ولا نفقة لها ، ولم يكن لها ميراث من زوجها PageV01P551 # قالوا : وكان هذا الحكم في ابتداء الإسلام. وقد نسخ وجوب الوصية بالنفقة ~~والسكنى بآية المواريث وبحديث «ألا لا وصية لوارث» حيث جعل لها الربع أو ~~الثمن عوضا عن النفقة والسكنى ونسخ وجوب العدة حولا بقوله تعالى قبل ذلك : ~~( @QUR@010 والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر ~~وعشرا ) الآية. # قالوا : ومما يشهد لذلك ما أخرجه أبو داود والنسائي عن ابن عباس أنه قال ~~في هذه الآية : نسخت بآية الميراث بما فرض الله لهن من الربع والثمن «ونسخ ~~أجل الحول بأن جعل أجلها أربعة أشهر وعشرا» (1). # وقد حكى هذا الرأى صاحب الكشاف فقال : والمعنى : أن حق الذين يتوفون عن ~~أزواجهم أن يوصوا قبل أن يحتضروا بأن تمتع أزواجهم بعدهم حولا كاملا ، أى : ~~ينفق عليهن من تركته ولا يخرجن من مساكنهن. وكان ذلك في أول الإسلام ثم ~~نسخت المدة بقوله : ( @QUR@03 أربعة أشهر وعشرا ) وقيل نسخ ما ms0566 زاد منه على ~~هذا المقدار. ونسخت النفقة بالإرث الذي هو الربع والثمن. # واختلف في السكنى فعند أبى حنيفة لا سكنى. ثم قال : فإن قلت كيف نسخت ~~الآية المتقدمة المتأخرة؟ قلت : قد تكون الآية متقدمة في التلاوة وهي ~~متأخرة في التنزيل. كقوله تعالى : ( @QUR@02 سيقول السفهاء ) مع قوله ( ~~@QUR@06 قد نرى تقلب وجهك في السماء ) (2). # وعلى هذا الاتجاه سار جمهور المفسرين. # أما الاتجاه الثاني : فيرى أصحابه أن هذه الآية محكمة وليست منسوخة وممن ~~ذهب إلى هذا الاتجاه مجاهد ، فقد قال ما ملخصه : دلت الآية الأولى وهي ( ~~@QUR@05 يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ) على أن هذه عدتها المفروضة ~~تعتدها عند أهل زوجها. ودلت هذه الآية بزيادة سبعة أشهر وعشرين ليلة على ~~العدة السابقة تمام الحول ، وأن ذلك من باب الوصية للزوجات أن يمكن من ~~السكنى في بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولا كاملا ولا يمنعن من ذلك لقوله : ( ~~@QUR@02 غير إخراج ) فإذا انقضت عدتهن بالأربعة أشهر والعشر أو بوضع الحمل ~~واخترن الخروج والانتقال من ذلك المنزل فإنهن لا يمنعن من ذلك لقوله : ( ~~@QUR@02 فإن خرجن ). # ومن المفسرين الذين أيدوا هذا الاتجاه الإمام ابن كثير فقد قال بعد أن ~~ساق قول مجاهد PageV01P552 # وهذا القول له اتجاه وفي اللفظ مساعدة له وقد اختاره جماعة منهم الإمام ~~أبو العباس بن تيمية (1). # كما أيده أيضا الإمام الفخر الرازي في تفسيره ، فقد قال بعد أن ساق بعض ~~الأدلة التي تثبت ضعف قول من قال بالنسخ : «فكان المصير إلى قول مجاهد أولى ~~من التزام النسخ من غير دليل» (2). # والخلاصة أن أصحاب هذا الاتجاه الثاني لا يرون معارضة بين هذه الآية وبين ~~آية ( @QUR@010 والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة ~~أشهر وعشرا ) لأن الآية التي معنا لا تتحدث عن عدة المتوفى عنها زوجها ~~وإنما تتحدث عن حقها في البقاء في منزل الزوجية بعد وفاة زوجها ، وأن هذا ~~الحق ثابت لها فإن شاءت بقيت فيه ، وإن شاءت خرجت منه على حسب ما نراه ~~مصلحة لها ، ولأنها لا يوجد في ألفاظها أو معانيها ما يلزم المرأة ms0567 بالتربص ~~والامتناع عن الأزواج مدة معينة. # أما الآية الثانية فنراها واضحة في الأمر بالتربص أربعة أشهر وعشرا ، وهي ~~العدة التي يجب أن تمتنع فيها المرأة التي مات عنها زوجها عن التزين ~~والتعرض للزواج. إذن فلا تعارض بين الآيتين ومتى انتفى التعارض انتفى النسخ. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@03 والله عزيز حكيم ) أى : عزيز في ~~انتقامه ممن تعدى حدوده ، إذ هو القاهر فوق عباده ، حكيم فيما شرع لهم من ~~آداب وأحكام فينبغي أن يمتثل الناس أوامره ويجتنبوا ما نهاهم عنه. # ثم بين سبحانه حق المطلقات فقال : ( @QUR@06 وللمطلقات متاع بالمعروف حقا ~~على المتقين ) أى وللمطلقات على أزواجهن الذين طلقوهن متاع بالمعروف أى شيء ~~ينتفع به انتفاعا ممتدا لمدة من الوقت مما تعارف العقلاء عليه وعلى فائدته ~~للمرأة ، وهذا المتاع جعله الله حقا على المتقين الذين يصونون أنفسهم عن كل ~~ما يبغضه الله تعالى . # وقد جعل الله هذا الحق للمطلقة على مطلقها جبرا لوحشة الفراق وإزالة لما ~~قد يكون بين الزوجين من شقاق ، وتخفيفا لما قد يحيط بجو الطلاق من تنافر ~~وتخاصم وعدم وفاق. # قال ابن كثير : وقد استدل بهذه الآية من ذهب من العلماء وجوب المتعة لكل ~~مطلقة سواء كانت مفوضة ، أو مفروضا لها ، أو مطلقة قبل المسيس ، أو مدخولا ~~بها. وإليه ذهب PageV01P553 # سعيد بن جبير وغيره من السلف واختاره ابن جرير ، وهو قول عن الشافعى (1). # وعلى هذا التفسير يكون المراد بالمتاع ما يعطيه الرجل لامرأته التي طلقها ~~زيادة عن الحقوق المقررة لها شرعا ليكون التسريح بإحسان. # ومن العلماء من يرى أن المراد بالمتاع هنا النفقة التي تكون للمطلقة في ~~العدة قال الفخر الرازي : واعلم أن المراد بالمتاع هاهنا فيه قولان : # أنه هو المتعة فظاهر هذه الآية يقتضى وجوب هذه المتعة لكل المطلقات .. # والقول الثاني أن المراد بهذه المتعة النفقة ، والنفقة قد تسمى متاعا ، ~~وإذا حملنا هذا المتاع على النفقة اندفع التكرار فكان ذلك أولى» (2). # ويظهر أن مراد الفخر الرازي بقوله : «اندفع التكرار» أى ما بين هذه الآية ~~والآية التي سبقت وهي ms0568 قوله تعالى : ( @QUR@012 ومتعوهن على الموسع قدره ~~وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين ) ولك أن تقول : إنه لا ~~تكرار مع إرادة المتعة التي ليست هي النفقة لأنه في السابقة بين أنها حق ~~للمرأة حين تطلق ولم يكن قد قدر لها مهر معين ، وهنا ذكرت عقب آية الوفاة ~~لدفع ما يتوهم من أن المتوفى عنها زوجها لها حق في المتعة إذا لم يوص لها ~~زوجها بالنفقة. # ثم ختم سبحانه هذه الآيات المتعلقة بأحكام الأسرة بقوله : ( @QUR@07 كذلك ~~يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون ). # أى : مثل هذا البيان الحكيم الواضح الذي بين الله لكم به الأحكام السابقة ~~، يبين لكم جميع آياته وأحكامه التي أنتم في حاجة إليها لكي تفهموا ما فيها ~~وتعقلوه وتعملوا به فتنالوا السعادة في الدنيا والآخرة. # وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد بينت لنا في أكثر من عشرين آية بعض ~~الأحكام التي تتعلق بالأسرة وصيانتها وسعادتها بأسلوب مؤثر حكيم وبطريقة ~~تهدى إلى أفضل الأخلاق ، وأقوم العلاقات بين الأفراد والجماعات ، وإن ~~المتأمل في هذه الآيات وما اشتملت عليه من توجيهات سامية ليوقن بأن هذا ~~القرآن إنما هو من عند الله ، الذي شرع لعباده ما فيه صلاحهم وسعادتهم. # وبعد هذا البيان الحكيم عن الأسرة وما يتعلق بها من زواج وطلاق وغير ذلك ~~، ساق القرآن من القصص ما من شأنه أن يدعو إلى التذكر والاعتبار ويحرض على ~~الجهاد في سبيل الله ، PageV01P554 # ويحمل المتأملين في توجيهاته على إقامة الأسرة على أقوى الدعائم ، وأفضل ~~المبادئ التي بها تنال الأمم عزتها وكرامتها وسعادتها. فقال تعالى : # ( @QUR@028 ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال ~~لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا ~~يشكرون (243) @QUR@09 وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم ~~(244) @QUR@016 من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ~~والله يقبض ويبصط وإليه ترجعون ) (245) # قال الآلوسى : قوله تعالى : ( @QUR@02 ألم تر ) هذه الكلمة قد تذكر لمن ~~تقدم علمه فتكون للتعجب والتقرير والتذكير ms0569 لمن علم بما يأتى كالأحبار وأهل ~~التواريخ وقد تذكر لمن لا يكون كذلك فتكون لتعريفه وتعجيبه ، وقد اشتهرت في ~~ذلك حتى أجريت مجرى المثل في هذا الباب ، بأن شبه من «لم ير» الشيء بحال من ~~رآه في أنه لا ينبغي أن يخفى عليه وأنه ينبغي أن يتعجب منه ، ثم أجرى ~~الكلام معه كما يجرى مع من رأى ، قصدا إلى المبالغة في شهرته وعراقته في ~~التعجب. ثم قال : والرؤية إما بمعنى الإبصار مجازا عن النظر ، وفائدة ~~التجوز الحث على الاعتبار ، لأن النظر اختياري دون الإدراك الذي بعده. وإما ~~بمعنى الإدراك القلبي متضمنا معنى الوصول والانتهاء ولهذا تعدت أى الرؤية ~~بإلى في قوله : ( @QUR@05 ألم تر إلى الذين خرجوا .. ) (1). # والمعنى : قد علمت أيها الرسول الكريم أو أيها الإنسان العاقل حال أولئك ~~القوم الذين خرجوا من ديارهم التي ألفوها واستوطنوها ، وهم ألوف مؤلفة ، ~~وكثرة كاثرة ، وما كان خروجهم إلا فرارا وخوفا من الموت الذي سيلاقيهم إن ~~عاجلا أو آجلا . PageV01P555 # ومن لم يعلم حالهم فها نحن أولاء نعلمه بها ونحيطه بما جرى لهم عن طريق ~~هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. # والمقصود من هذه الآية الكريمة حض الناس جميعا على الاعتبار والاتعاظ ~~وزجرهم عن الفرار من الموت هلعا وجبنا ، وتحريضهم على القتال في سبيل الله ~~فقد قال تعالى بعد ذلك : ( @QUR@04 وقاتلوا في سبيل الله .. ) وإفهامهم أن ~~الفرار من الموت لن يؤدى إلا إلى الوقوع فيه. # وقوله : ( @QUR@02 وهم ألوف ) جملة حالية من الضمير في ( @QUR@01 خرجوا ) ~~و ( @QUR@01 ألوف ) جمع ألف. والتعبير بألوف يفيد أنهم كانوا كثيرى العدد ، ~~ومن شأن الكثرة أنها تدعو إلى الشجاعة ولكنهم مع هذه الكثرة قد استولى ~~عليهم الجبن فخرجوا من ديارهم هربا من الموت. # وقيل إن معنى ( @QUR@02 وهم ألوف ) أنهم خرجوا مؤتلفى القلوب ، ولم ~~يخرجوا عن افتراق كان منهم ، ولا عن تباغض حدث بينهم. وألوف على هذا القول ~~جمع آلف مثل قاعد وقعود وشهود. قالوا : والوجه الأول أجدر بالاتباع لأن ورد ~~الموت عليهم وهم كثرة عظيمه يفيد ms0570 مزيد اعتبار بحالهم ، ولأنه هو الظاهر من ~~معنى الآية الكريمة. # وقوله : ( @QUR@02 حذر الموت ) أى خرجوا الحذر الموت وخشيته ، فقوله : ( ~~@QUR@01 حذر ) منصوب على أنه مفعول لأجله. والجملة الكريمة تشير إلى أن ~~خروجهم كان الباعث عليه الحرص على مطلق حياة ولو كانت حياة ذل ومهانة ، ~~وأنه لم يكن هناك سبب معقول يحملهم على هذا الخروج ، ولذا كانت نتيجة ذلك ~~أن عاقبهم الله تعالى بالموت الذي هربوا منه فقال : # ( @QUR@06 فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم ) أى : فقال لهم الله موتوا ~~فماتوا ثم أحياهم بعد ذلك. فجملة ( @QUR@02 ثم أحياهم ) معطوفة على مقدر ~~يستدعيه المقام أى ، فماتوا ثم أحياهم. وإنما حذف للدلالة على الاستغناء عن ~~ذكره لاستحالة تخلف مراده تعالى عن إرادته. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى قوله : ( @QUR@04 فقال لهم الله ~~موتوا ) قلت : معناه فأماتهم وإنما جيء به على هذه الصورة للدلالة على أنهم ~~ماتوا ميتة رجل واحد بأمر الله ومشيئته ، وتلك ميتة خارجة عن العادة ، ~~كأنهم أمروا بشيء فامتثلوه امتثالا من غير إباء ولا توقف كقوله تعالى : ( ~~@QUR@010 إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) وهذا تشجيع ~~للمسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة ، وأن الموت إذا لم يكن منه بد ، ولم ~~ينفع منه مفر ، فأولى أن يكون في سبيل الله» (1). # وقال الجمل : «فإن قلت هذا يقتضى أن هؤلاء ماتوا مرتين وهو مناف للمعروف من أن PageV01P556 # موت الخلق مرة واحدة؟ قلنا في الجواب : لا منافاة إذ الموت هنا عقوبة مع ~~بقاء الأجل كما في قوله في قصة موسى : ( @QUR@05 ثم بعثناكم من بعد موتكم ) ~~وثم موت بانتهاء الأجل ، وتلخيصه : أنه سبحانه أماتهم قبل آجالهم عقوبة لهم ~~ثم بعثهم إلى بقية آجالهم ، وميتة العقوبة بعدها حياة أى في الدنيا بخلاف ~~ميتة الأجل فلا حياة بعدها في الدنيا ..» (1). # وبعد هذا البيان لمعنى الآية قد يقال : من هم أولئك القوم الذين خرجوا من ~~ديارهم فرارا من الموت؟ وهل الإماتة والإحياء بالنسبة لهم كانا على سبيل ~~الحقيقة؟ # للإجابة على السؤال الأول نقول : لم يرد حديث صحيح عن ms0571 رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يبين لنا فيه من هؤلاء القوم وفي أى زمن كانوا ، وإنما ~~أورد بعض المفسرين عن بعض الصحابة والتابعين روايات فيها مقال ، وفيها ~~تفصيلات نرى من الخير عدم ذكرها لضعفها. ومن هذه الروايات ما جاء عن ابن ~~عباس أنه قال : كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا من الطاعون ، حتى إذا كانوا ~~بموضع كذا أو كذا ماتوا .. ثم أحياهم الله بدعوة دعاها نبيهم (2). # ومنها أنهم قوم من بنى إسرائيل فروا من الجهاد حين أمرهم الله به على ~~لسان نبيهم «حزقيل» وخافوا من الموت في الجهاد فخرجوا من ديارهم فأماتهم ~~الله ليعرفهم أنه لا ينجيهم من الموت شيء ، ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد ..». # قال القرطبي بعد أن ساق هذه الرواية : وقال ابن عطية : وهذا القصص كله ~~لين الأسانيد ، وإنما اللازم من الآية أن الله تعالى أخبر نبيه محمدا ~~صلى الله عليه وسلم إخبارا في عبارة التنبيه والتوقيف عن قوم من البشر خرجوا ~~من ديارهم فرارا من الموت فأماتهم الله ثم أحياهم ليروا هم وكل من جاء من ~~بعدهم أن الإماتة إنما هي بيد الله لا بيد غيره ، فلا معنى لخوف خائف ولا ~~لاغترار مغتر. وجعل الله هذه الآية مقدمة بين يدي أمر المؤمنين من أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم بالجهاد. وهذا قول الطبري وهو ظاهر وصف الآية» (3) والذي ~~نراه أن الرواية الثانية التي تقول : إنهم قوم من بنى إسرائيل فروا من ~~الجهاد حين أمرهم الله به .. معقولة المعنى ، ويؤيدها سياق الآيات ، لأن ~~الآيات تحض الناس على القتال في سبيل الله ، وتسوق لهم قصة هؤلاء القوم لكي ~~يعتبروا ويتعظوا ولا يتخلفوا عن الجهاد الذي هو باب من أبواب الجنة كما قال ~~الإمام على بن أبى طالب ولأن قوله تعالى : ( @QUR@02 وهم ألوف ) يشعر بأنهم ~~مع كثرة عددهم قد نكصوا على أعقابهم ، وفروا من وجوه أعدائهم وهذا شأن بنى ~~إسرائيل في كثير من أدوار تاريخهم وما قاله ابن عطية يشير إليها فهو PageV01P557 # يقول : وجعل الله هذه الآية مقدمة بين يدي أمر ms0572 المؤمنين ... بالجهاد. إلا ~~أنه آثر وصفهم بأنهم قوم من البشر. # وللإجابة على السؤال الثاني وهو هل الإماتة والإحياء بالنسبة لهم كانا ~~على سبيل الحقيقة نقول : مبلغ علمنا أن المفسرين السابقين مجمعون على أن ~~الموت كان موتا حقيقيا حسيا لهم ، وأن إعادتهم إلى الحياة بعد ذلك كانت ~~إعادة حقيقية حسية. # وقد خالف الأستاذ الإمام محمد عبده إجماع المفسرين هذا فرأى أن المراد ~~بالموت في الآية الموت المعنوي بمعنى أن موت الأمم إنما هو في جبنها وذلتها ~~وأن حياتها إنما تكون في عزتها وحريتها ، فقد قال رحمه الله ما ملخصه. # «.. والمتبادر من السياق أن أولئك القوم خرجوا من ديارهم بسائق الخوف من ~~عدو مهاجم لا من قلتهم ، فقد كانوا ألوفا أى كثيرين ، وإنما هو الحذر من ~~الموت الذي يولده الجبن في أنفس الجبناء ، فيريهم أن الفرار من القتال هو ~~الواقي من الموت وما هو إلا سبب الموت بما يمكن الأعداء من رقاب أهله ، قال ~~أبو الطيب : # يرى الجبناء أن الجبن حزم %~% وتلك خديعة الطبع اللئيم # ثم قال : لقد خرجوا فارين ( @QUR@04 فقال لهم الله موتوا ) أى أماتهم ~~بإمكان العدو منهم ... فمعنى أولئك القوم هو أن العدو نكل بهم فأفنى قوتهم ~~وأزال استقلال أمتهم حتى صارت لا تعد أمة ، بأن تفرق شملها ، وذهبت جامعتها ~~، فكل من بقي من أفرادها بقي خاضعا للغالبين ضائعا فيهم ، لا وجود له في ~~نفسه ، وإنما وجوده تابع لوجود غيره. # ومعنى حياتهم هو عود الاستقلال إليهم ، ذلك أن من رحمة الله في البلاء ~~يصيب الناس أنه يكون تأديبا لهم ، ومطهرا لنفوسهم مما عرض لها من دنس ~~الأخلاق الذميمة. أشعر الله أولئك القوم بسوء عاقبة الخوف والجبن والفشل ~~والتخاذل بما أذاقهم من مرارتها ، فجمعوا كلمتهم ، ووثقوا رابطتهم ، حتى ~~عادت لهم وحدتهم ، فاعتزوا وكثروا حتى خرجوا من ذل العبودية التي كانوا ~~فيها إلى عز الاستقلال فهذا معنى حياة الأمم وموتها» (1). # فأنت ترى أن الأستاذ الإمام يرى أن الموت والحياة في الآية معنويان ، ~~بمعنى أن موت الأمم في جبنها وذلتها ، وحياتها في استقلالها ms0573 وحريتها. # ولعله رحمه الله قد اتجه هذا الاتجاه لأن الحض على القتال في سبيل الله ~~واضح في هذه الآيات ، ولأنه يرى أن واقع العالم الإسلامى يومئذ وما أصابه ~~من ظلم واستبداد واستلاب PageV01P558 # للحرية يدعوه إلى أن يحرض المسلمين على القتال في سبيل حقهم المسلوب ، ~~وأن يحذرهم من سوء عاقبة الجبن والخنوع. # ومع أننا لا نشك في الدوافع الطيبة والبواعث الكريمة التي جعلت الأستاذ ~~الإمام يتجه هذا الاتجاه ، إلا أننا لا نتردد في اختيار ما ذهب إليه ~~المفسرون من أن الموت والحياة في الآية حسيان حقيقيان ، لأنه هو الظاهر من ~~معنى الآية الكريمة ، ولأنه يتجه اتجاها أعم من اتجاه الإمام محمد عبده ، ~~لأن المفسرين يرون أن الآية واضحة في إثبات قدرة الله وفي صحة البعث ، وفي ~~الحض على القتال في سبيل الله. # قال بعض العلماء : قوله تعالى : ( @QUR@05 ألم تر إلى الذين خرجوا ) ~~الآية. كان المشركون يستفتون اليهود في كثير من الأمور وكانت هذه القصة ~~معلومة لليهود في أسفارهم وتواريخهم ، فنزل القرآن بالإشارة إليها ليرتدع ~~المشركون عما هم فيه من الضلال وإنكار البعث ، ويعلموا أن دلائل القدرة على ~~البعث مشهورة ، وأن عند اليهود منها ما لو رجعوا إليهم فيه لعلموا أنه حق ~~لا ريب فيه. وفي ذكر هذه القصة مع ذلك تشجيع للمؤمنين على الجهاد والتعرض ~~للشهادة ، وتمهيد لما بعد هذه الآية» (1). # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@011 إن الله لذو فضل على الناس ولكن ~~أكثر الناس لا يشكرون ) أى : إن الله تعالى لصاحب تفضل دائم على الناس حيث ~~أوجدهم بهذه الصورة الحسنة ، وخلق لهم عقولا ليهتدوا بها إلى طريق الخير ، ~~وسخر لهم الكثير مما في هذا الكون. فمن الواجب عليهم أن يشكروه وأن يطيعوه ~~، ولكن الذي حدث منهم أن أكثرهم لا يشكرون الله تعالى على ما منحهم من نعم. # وفي قوله : ( @QUR@05 ولكن أكثر الناس لا يشكرون ) إنصاف للقلة الشاكرة ~~منهم ، ومديح لهم على استقامتهم وقوة إيمانهم. # ثم أمر الله تعالى عباده بالجهاد في سبيله فقال : ( @QUR@09 وقاتلوا في ~~سبيل الله واعلموا أن الله ms0574 سميع عليم ). # والسبيل : الطريق. وسميت المجاهدة سبيلا إلى الله لأن الإنسان يسلكها ~~فيصل إلى ما يرضى الله ، ويعلى كلمته. ويعز دينه. # أى ، قاتلوا أيها المسلمون في سبيل إعلاء كلمة الله ، والدفاع عن دينه ، ~~واعلموا أنه سبحانه عليم بكل أقوالكم صالحها وطالحها ، عليم بكل ما يدور في ~~نفوسكم وخواطركم ، PageV01P559 # وسيجازى المحسن بإحسانه ، والمسيء بإساءته. # فالآية الكريمة تحريض للمؤمنين على القتال من أجل إظهار الدين الحق ، ~~وتحذير لهم من القعود عنه ، وحث لهم على صدق النية وإخلاص العمل لله ، فقد ~~سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ، ويقاتل رياء ~~، أى ذلك في سبيل الله؟ فقال : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في ~~سبيل الله» (1). # ثم أمر الله تعالى عباده بأن ينفقوا أموالهم في الأعمال الصالحة التي من ~~أعظمها الجهاد في سبيله فقال تعالى : ( @QUR@011 من ذا الذي يقرض الله قرضا ~~حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ). # قال القرطبي : «القرض : اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء. وأقرض فلان فلانا ~~أى أعطاه ما يتجازاه. واستقرضت من فلان أى طلبت منه القرض فأقرضنى. واقترضت ~~منه أى أخذت القرض. وأصل الكلمة القطع ومنه المقراض. وأقرضته أى قطعت له من ~~مالي قطعة يجازى عليها ... ثم قال : والتعبير بالقرض في هذه الآية إنما هو ~~تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه ، والله هو الغنى الحميد ، لكنه تعالى شبه ~~عطاء المؤمن في الدنيا بما يرجو به ثوابه في الآخرة بالقرض كما شبه إعطاء ~~النفوس والأموال في أخذ الجنة بالبيع والشراء ..» (2). # والمعنى : من هذا المؤمن القوى الإيمان الذي يقدم ماله في الجهاد من أجل ~~إعلاء كلمة الله ، وفي غير ذلك من وجوه الخير كمعاونة المحتاجين ، وسد حاجة ~~البائسين ، ومساعدة الأمة الإسلامية بما يفيدها ويعلى من شأنها ، ( @QUR@04 ~~فيضاعفه له أضعافا كثيرة ) أى : فيرد الله تعالى إلى هذا الباذل المعطى ~~المقرض بدل ما أعطى وبذل وأقرض أمثالا كثيرة لا يعلم مقدارها إلا الله أكرم ~~الأكرمين. إذ المضاعفة معناها إعطاء الشخص أضعاف أى أمثال ما أعطى وبذل. # والاستفهام في قوله ms0575 : ( @QUR@05 من ذا الذي يقرض الله .. ) للحض على ~~البذل والعطاء ، وللتهييج على الاتصاف بالصفات الكريمة ، حتى لكأن المستفهم ~~لا يدرى من هو الأهل لهذه الصفات ويريد أن يعرف من هو أهل لها. # و ( @QUR@01 من ) اسم استفهام مبتدأ ، و ( @QUR@01 ذا ) اسم إشارة خبره ، ~~والذي وصلته صفة لاسم الإشارة أو بدل منه. # وقوله : ( @QUR@02 قرضا حسنا ) حث للناس على إخلاص النية ، وتحرى الحلال ~~فيما ينفقون ، لأن الإنسان إذا تصدق بمال حرام ، أو قصد بنفقته الرياء أو ~~المباهاة لا يكون عمله متقبلا عند الله، PageV01P560 # وإنما يتقبل الله العمل ويضاعفه لمن قصد به وجهه ، وكان المتصدق به مالا ~~حلالا خالصا من الشبهات. فالله تعالى طيب لا يقبل إلا ما كان طيبا. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@05 والله يقبض ويبصط وإليه ترجعون ). # القبض : ضد البسط. يقال : قبضه بيده يقبضه أى تناوله. وقبض عليه بيده أى ~~أمسكه. ويقال لإمساك اليد عن البذل قبض ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@02 ~~ويقبضون أيديهم ) أى يمتنعون عن الإنفاق. # والبسط معناه المد والتوسعة. يقال بسط يده أى : مدها. وبسط المكان القوم. وسعهم. # والمعنى : والله تعالى بيده الإعطاء والمنع فهو يسلب تارة ويعطى أخرى ، ~~أو يسلب قوما ويعطى آخرين ، أو يضيق على بعض ويوسع على بعض حسبما تقتضيه ~~مشيئته المبنية على الحكمة والمصلحة ، وما دام الأمر كذلك فلا تبخلوا بما ~~وسع عليكم كيلا تتبدل أحوالكم من الغنى إلى الفقر ، ومن السعة إلى الضيق. ~~وأنتم جميعا سترجعون إليه وحده ، وسيجازى سبحانه الأسخياء بما يستحقون من ~~كريم الثواب والبخلاء بما هم أهله من شديد العقاب. # فأنت ترى أن في هذه الآية الكريمة ألوان من الحض على الإنفاق في وجوه ~~الخير ومن ذلك التعبير بالاستفهام ، لأنه للتنبيه وبعث النفوس إلى التدبر ~~والاستجابة. # ومن ذلك أيضا التعبير بقوله : ( @QUR@03 من ذا الذي .. ) فقد جمع هذا ~~التعبير بين اسم الإشارة والاسم الموصول في الاستفهام ، ولا يستفهم بتلك ~~الطريقة إلا إذا كان المقام ذا شأن وخطر ، وكان المخاطب لعظم قدره من شأنه ~~أن يشار إليه وأن يتحدث عنه ومن ذلك تسميته ما ms0576 يبذل الباذل قرضا ، ولمن هذا ~~القرض إنه لله الذي بيده خزائن السموات والأرض والذي سيرد للباذل أضعاف ما ~~بذل ، فكأنه سبحانه يقول لنا : إن ما تدفعونه لن يضيع عليكم بل هو قرض منكم ~~لي ، وسأرده لكم بأضعاف ما دفعتم وأعطيتم. ومن ذلك إخفاء مرات المضاعفة ~~ووصفها بالكثرة في قوله : ( @QUR@04 فيضاعفه له أضعافا كثيرة ) أى لا يعلم ~~مقدارها إلا الله. # ومن ذلك التعبير بقوله ( @QUR@03 والله يقبض ويبصط ) لأنه مادام العطاء ~~والمنع من الله فلما ذا يبخل البخلاء ويقتر المقترون؟ إن على الغنى أن ~~يستشعر نعمة الله عليه وأن يتحدث بها بدون رياء وأن ينفق منها في وجوه ~~الخير حتى يزيده الله من فضله ، وإلا ففي قدرة الله أن يسليها منه ، ~~ويحاسبه على بخله حسابا عسيرا. # هذه بعض وجوه المبالغة التي اشتملت عليها الآية لحض الناس على الإنفاق في ~~الجهاد وفي PageV01P561 # وجوه الخير ، ولقد استجاب السلف الصالح لهذه التوجيهات ، وحكى لنا ~~التاريخ أمثلة كريمة من سخائهم وبذلهم. # ومن خير الأمثلة على ذلك ما جاء عن عبد الله بن مسعود قال : لما نزلت : ( ~~@QUR@07 من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ) قال أبو الدحداح : يا رسول الله ~~أو إن الله تعالى يريد منا القرض؟ «قال نعم يا أبا الدحداح» قال أرنى يدك. ~~فناوله النبي صلى الله عليه وسلم يده. فقال أبو الدحداح : فإنى أقرضت الله ~~تعالى حائطا فيه ستمائة نخلة. ثم جاء يمشى حتى أتى الحائط وأم الدحداح فيه ~~وعياله ، فناداها : يا أم الدحداح ، قالت : لبيك قال : أخرجى قد أقرضت ربي ~~حائطا فيه ستمائة نخلة» (1). # وفي رواية لزيد بن اسلم أن أبا الدحداح قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن لي ~~حديقتين إحداهما بالسافلة والأخرى بالعالية والله لا أملك غيرهما قد ~~جعلتهما قرضا لله تعالى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اجعل إحداهما ~~والأخرى دعها معيشة لك ولعيالك» قال : فأشهدك يا رسول أنى قد جعلت خيرهما ~~لله وهو حائط فيه ستمائة نخلة. قال : «إذا يجزيك الله به الجنة ، ثم انطلق ~~أبو الدحداح إلى ms0577 زوجته وهي مع صبيانها في الحديقة تدور تحت النخل فأخبرها ~~بما فعل. فأقبلت على صبيانها تخرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم حتى ~~أفضت إلى الحائط الآخر» (2). # وبهذا نرى السلف الصالح قد امتثل ما أمره الله به من إنفاق في سبيله ومن ~~جهاد لإعلاء كلمته فهل آن الأوان للمسلمين أن ينهجوا نهجهم لكي يسعدوا كما ~~سعدوا ، وينالوا أشرف حياة وأعزها؟ اللهم خذ بيدنا إلى ما يرضيك. # ثم ساق القرآن قصة من قصص بنى إسرائيل مع أنبيائهم ، فيها العظات والعبر ~~، وملخص هذه القصة : أن قوما من بنى إسرائيل كانوا قد انهزموا أمام أعدائهم ~~هزيمة منكرة جعلتهم يولون الأدبار تاركين ديارهم وأبناءهم ، فقالوا لنبي ~~لهم بعد أن ذاقوا مرارة الهزيمة : أبعث لنا ملكا يقودنا للقتال في سبيل ~~الله ، فقال لهم نبيهم بعد أن حذرهم من عاقبة الجبن والكذب : ( @QUR@07 إن ~~الله قد بعث لكم طالوت ملكا ) فاعترضوا على هذا الاختيار ، ونقصوا من شأن ~~من اختاره الله قائدا لهم ، ولكن نبيهم ساق لهم من الحجج التي تدل على ~~صلاحية طالوت لهذا المنصب ما أخرس ألسنتهم .. ثم سار طالوت بجنوده لقتال ~~أعدائه ، وفي الطريق قال لمن معه ( @QUR@024 إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب ~~منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا ~~قليلا منهم ) ثم بعد هذه المخالفة جبن أكثرهم عن قتال أعدائهم وقالوا PageV01P562 # ( @QUR@06 لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ) ولكن الفئة القليلة المؤمنة ~~منهم استطاعت أن تنتصر على كل عقبة في طريقها ، وأن تقاتل أعداءها بشجاعة ~~وصبر واعتماد على الله ، فكانت النتيجة أن انتصرت الفئة القليلة المؤمنة ~~بقيادة طالوت على الفئة الكثيرة الكافرة بقيادة جالوت. هذا تلخيص لتلك ~~القصة العامرة بالعظات ، ولعل من الخير قبل أن نبدأ في تفسير آياتها أن ~~نقرأها بتدبر وتأمل كما صورها القرآن بأسلوبه البليغ المؤثر. # قال تعالى : # ( @QUR@054 ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي ~~لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم ms0578 إن كتب عليكم القتال ~~ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا ~~وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين ~~(246) @QUR@043 وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى ~~يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله ~~اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله ~~واسع عليم ) (247) # وقوله تعالى : ( @QUR@010 ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى ) ~~إلخ استئناف ثان بعد قوله قبل ذلك : ( @QUR@07 ألم تر إلى الذين خرجوا من ~~ديارهم ) وقد سيق هذا الاستئناف مساق الاستدلال لقوله تعالى : ( @QUR@04 ~~وقاتلوا في سبيل الله ) حتى تتشجع النفوس على الجهاد ، وتهون عليها المصاعب ~~في سبيل حياة العزة والكرامة. PageV01P563 # و ( @QUR@01 الملإ ) الأشراف من الناس. وهو اسم للجماعة لا واحد له من ~~لفظه. وإنما سمى الأشراف بذلك لأن هيبتهم تملأ الصدور ، أو لأنهم يتمالؤون ~~أى يتعاونون في شئونهم. وأصل الباب الاجتماع بما لا يحتمل المزيد. # والمعنى : كما سبق أن بينا في قوله : ( @QUR@05 ألم تر إلى الذين خرجوا ) ~~. قد علمت أيها العاقل حال أولئك القوم من بنى إسرائيل الذين كانوا بعد ~~وفاة موسى عليه السلام إذ قالوا لنبي لهم أقم لنا أميرا لكي نقاتل معه في ~~سبيل الله. ومن لم يعلم فها نحن أولاء نعلمه بحالهم فعليه أن يعتبر ويتعظ. # فقوله : ( @QUR@03 من بعد موسى ) بيان للزمن الذي كان يعيش فيه أولئك ~~الملأ من بنى إسرائيل والمراد بالنبي الذي قالوا له ( @QUR@07 ابعث لنا ~~ملكا نقاتل في سبيل الله ) على الراجح «شمويل بن حنة» وكان السبب في طلبهم ~~هذا من نبيهم أن العمالقة أتباع جالوت كانوا قد أخرجوهم من ديارهم ، ~~وأنزلوا بهم هزائم شديدة ، فطلبوا منه ذلك لكي يستردوا مجدهم الضائع ، ~~وعزهم المسلوب ، على يد هذا القائد المختار من جهة نبيهم. # وفي الإتيان بلفظ هذا النبي بصيغة التنكير إشارة إلى أن محل العبرة ليس ~~هو شخص النبي وإنما المقصود ms0579 معرفة حال أولئك القوم ، وما جرى لهم مع نبيهم ~~من أحداث من شأنها أن تدعو إلى الاعتبار والاتعاظ. وهذه طريقة القرآن في ~~سرد القصص لا يهتم بالأشخاص والأزمان إلا بالقدر الذي يستدعيه المقام. أما ~~الاهتمام الأكبر فيجعله لما اشتملت عليه القصة من وجوه العظات والعبر. # ويبدو أنه كان يتوجس منهم خيفة لأنه أعرف بطبيعتهم ، فنراه يقول لهم كما ~~حكى القرآن عنه : ( @QUR@09 قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا ). # فالاستفهام للتقرير والتحذير. أى إنى أتوقع عدم قتالكم إذا فرض عليكم ~~القتال ، فراجعوا أنفسكم وقوتكم قبل أن تطلبوا هذا الطلب ، لأنه إذا فرض ~~عليكم ثم نكصتم على أعقابكم فإن عاقبتكم ستكون شرا لا شك في ذلك. # وعسى هنا بمعنى التوقع والمقاربة ، والجملة استئناف بيانى. # قال صاحب الكشاف ؛ والمعنى : هل قاربتم ألا تقاتلوا؟ يعنى هل الأمر كما ~~أتوقعه أنكم لا تقاتلون؟ أراد أن يقول : عسيتم ألا تقاتلوا بمعنى أتوقع ~~جبنكم عن القتال فأدخل ( @QUR@01 هل ) مستفهما عما هو متوقع عنده ومظنون ~~وأراد بالاستفهام التقرير وتثبيت أن المتوقع كائن وأنه PageV01P564 # صائب في توقعه. وخبر ( @QUR@01 عسيتم ): «ألا تقاتلوا» والشرط فاصل ~~بينهما» (1). # ثم حكى القرآن ردهم على نبيهم فقال : ( @QUR@013 قالوا وما لنا ألا نقاتل ~~في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا ). # أى قال الملأ من بنى إسرائيل على سبيل الإنكار والتعجب مما قاله نبيهم : ~~وأى صارف يصرفنا عن القتال وحالنا كما ترى؟ إننا قد أخرجنا من ديارنا وحيل ~~بيننا وبين أبنائنا وفلذات قلوبنا فكيف لا نقاتل مع أن الدواعي موجودة ، ~~والبواعث متوفرة ، والأسباب مهيئة؟ فأنت تراهم في إجابتهم هذه يستنكرون ما ~~توقعه نبيهم منهم ، ويجزمون بأن الطريق الوحيد لعزتهم إنما هو القتال وأن ~~هذا الأمر لا مراجعة فيه ولا جدال. وهكذا شأن الجبناء والمغرورين في كل ~~زمان ومكان يرحبون بالمعارك قبل قدومها فإذا ما جد الجد كذبت أعمالهم ~~أقوالهم ، وأعطوا أدبارهم لأعدائهم! # ثم حكى القرآن أن نبيهم كان صادقا فيما توقعه منهم من جبن وكذب ، وأنهم ~~قوم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم فقال ms0580 تعالى : ( @QUR@08 فلما كتب ~~عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم ). # أى : فحين فرض عليهم القتال بعد أن الحوا في طلبه ، أعرضوا عنه ، ونفروا ~~منه إلا عددا قليلا منهم فإنه ثبت على الحق ، ووفى بعهده. # قال الآلوسى : وقوله ( @QUR@03 إلا قليلا منهم ) وهم الذين جاوزوا النهر ~~وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر عدة أهل بدر على ما أخرجه البخاري عن البراء ~~رضي الله عنه والقلة إضافية فلا يرد وصف هذا العدد أحيانا بأنه جم غفير (2). # ثم ختم الله تعالى الآية بقوله : ( @QUR@03 والله عليم بالظالمين ) ~~لإفادة الوعيد الشديد لهؤلاء الذين نقضوا عهودهم ، ونكصوا عن القتال عند ما ~~فرض عليهم ، ولكل من يفعل فعلهم ، وسار على طريقهم. # أى : والله تعالى عليم بالظالمين الذين يظلمون أنفسهم وأمتهم بترك الجهاد ~~، وبترك ما أمرهم الله به بعد أن عاهدوه على عدم الترك. # ثم بين القرآن ما أخبرهم به نبيهم ليحملهم على الطاعة والامتثال فقال ~~تعالى : ( @QUR@010 وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا ). # أى وقال لهم بعد أن أوحى إليه بما يوحى : إن الله تعالى وهو العليم ~~الخبير بأحوال عباده PageV01P565 # قد بعث لكم ومن أجل مصلحتكم طالوت ليكون ملكا عليكم ، وقائدا لكم في ~~قتالكم لأعدائكم ، فأطيعوه واتبعوا ما يأمركم به. # و ( @QUR@01 طالوت ) اسم أعجمى قيل هو المسمى في التوراة باسم «شاول» ~~وقيل إن هذا الاسم لقب له من الطول كملكوت من الملك ، لأن طالوت كان طويلا جسيما. # ولقد كان الذي يقتضيه العقل أن يطيعوا أمر نبيهم ، ولكنهم لجوا في جدالهم ~~وطغيانهم وقالوا لنبيهم معترضين على من اختاره الله قائدا لهم. ( @QUR@014 ~~أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال ). # ( @QUR@01 أنى ) أداة استفهام بمعنى كيف ، والاستفهام هنا للتعجب من جعل ~~طالوت ملكا عليهم. أى قالوا لنبيهم منكرين ومتعجبين من اختيار طالوت ملكا ~~عليهم : كيف يكون له الملك علينا والحال أننا أحق بالملك منه لأننا أشرف ~~منه نسبا ، إذ منا من هو نسل الملوك أما طالوت فليس من نسلهم ، وفضلا عن ~~ذلك فهو لا يملك ms0581 من المال ما يملكه بعضنا فكيف يكون هذا الشخص ملكا علينا؟ # فأنت تراهم لانعدام المقاييس الصحيحة عندهم ظنوا أن المؤهلات الحقيقة ~~لاستحقاق الملك والقيادة إنما تكون بالنسب وكثرة المال أما الكفاءة العقلية ~~، والقوة البدنية ، والقدرة الشخصية فلا قيمة لها عندهم لانطماس بصيرتهم ، ~~وسوء تفكيرهم. # قال بعضهم : «وسبب هذا الاستبعاد أن النبوة كانت مخصوصة بسبط معين من ~~أسباط بنى إسرائيل وهو سبط لاوى بن يعقوب ، وسبط المملكة بسبط يهوذا ، ولم ~~يكن طالوت من أحد هذين السبطين بل من ولد بنيامين. والواو في قوله : ( ~~@QUR@02 ونحن أحق ) للحال ، والواو الثانية في قوله : ( @QUR@02 ولم يؤت ) ~~عاطفة جامعة للجملتين في الحكم (1). # ثم حكى القرآن ما رد به نبيهم عليهم فقال : ( @QUR@018 قال إن الله ~~اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم ، والله يؤتي ملكه من يشاء والله ~~واسع عليم ). # أى قال لهم نبيهم مدللا على أحقية طالوت بالقيادة : إن الله تعالى ( ~~@QUR@02 اصطفاه عليكم ) أى اختاره وفضله عليكم واختياره يجب أن يقابل ~~بالإذعان والتسليم. وثانيا : ( @QUR@04 وزاده بسطة في العلم ) أى أن الله ~~تعالى منحه سعة في العلم والمعرفة والعقل والإحكام في التفكير المستقيم لم ~~يمنحها لكم ، وثالثا : في ( @QUR@01 الجسم ) بأن أعطاه جسما قويا ضخما ~~مهيبا. وهذه الصفات ما وجدت في شخص إلا وكان أهلا للقيادة والريادة وفضلا ~~عن كل ذلك فمالك الملك هو الذي PageV01P566 # اختاره فكيف تعترضون يا من تدعون أنكم تريدون القتال في سبيل الله؟ لذا ~~نراه سبحانه يضيف الملك الحقيقي إليه فيقول : ( @QUR@05 والله يؤتي ملكه من ~~يشاء ) أى : يعطى ملكه لمن يشاء من عباده لحكمة يعلمها. فلا يجوز لأحد أن ~~يعترض على اختياره ، والله واسع الفضل والعطاء. «عليم». # ثم حكى القرآن أن نبيهم لم يكتف بهذه الدلائل الدالة على صلاحية طالوت ~~للقيادة ، وإنما ساق لهم بعد ذلك من العلامات التي تشهد بحقيقته بهذا ~~المنصب ما يثبت قلوبهم ، ويزيل شكهم ويشرح نفوسهم فقال تعالى : # ( @QUR@030 وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ~~ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة ms0582 إن في ذلك لآية لكم ~~إن كنتم مؤمنين (248) @QUR@060 فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم ~~بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده ~~فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة ~~لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة ~~غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ) (249) # التابوت : بوزن فعلوت من التوب وهو الرجوع ، وتاؤه مزيدة لغير التأنيث ~~كجبروت ، والمراد به صندوق التوراة وكانوا إذا حاربوا حمله جماعة منهم ~~ويتقدمون به أمام الجيش فيكون PageV01P567 # ذلك سبب نصرهم. وكان عهدهم به قد طال فذكرهم بمآثره ترغيبا فيه وحملا على ~~الانقياد لطالوت» (1). # والسكينة : من السكون وهو ثبوت الشيء بعد التحرك : أو من السكن بالتحريك ~~وهو كل شيء سكنت إليه النفس وهدأت. # والمعنى : وقال لهم نبيهم ليقنعهم بأن طالوت جدير بالملك ( @QUR@03 إن ~~آية ملكه ) أى علامة ملكه وأنه من الله تعالى ( @QUR@03 أن يأتيكم التابوت ~~) أى أن يرد عليكم التابوت الذي سلب منكم ( @QUR@04 فيه سكينة من ربكم ) أى ~~في إتيانه سكون لنفوسكم وطمأنينة لها أو مودع فيه ما تسكنون إليه وهو ~~التوراة (وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون) من آثار تعتزون بها ، وترون ~~فيها صلة بين ماضيكم وحاضركم وقوله ( @QUR@02 تحمله الملائكة ) حال من ~~التابوت. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@07 وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون ) ~~هي رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشيء من التوراة. وكان رفعه الله تعالى ~~بعد موسى عليه السلام فنزلت به الملائكة تحمله وهم ينظرون إليه ، فكان ذلك ~~آية لاصطفائه لطالوت. فإن قلت : من هم (آل موسى وآل هارون). قلت : الأنبياء ~~من بنى يعقوب بعدهما ، ويجوز أن يراد مما تركه موسى وهارون والآل مقحم ~~لتفخيم شأنهما (2). # وقال ابن كثير : قال ابن عباس : جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء ~~والأرض حتى وضعته بين يدي طالوت والناس ينظرون (3). # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@08 إن في ذلك لآية لكم إن كنتم ~~مؤمنين ms0583 ) أى : إن في ذلك الذي أتاكم به طالوت لآية عظيمة وعلامة ظاهرة لكم ~~تدل على أحقية طالوت بالملك والقيادة إن كنتم مؤمنين بآيات الله وبالحق ~~الذي جاء به أنبياؤه. # وبذلك نرى أن القرآن الكريم قد حكى لنا أن هؤلاء القوم من بنى إسرائيل قد ~~جاءهم نبيهم بأنصع الحجج ، وأوضح الأدلة ، وأثبت البراهين التي تؤيده فيما ~~يدعوهم إليه. # ثم بين سبحانه ما دار بين طالوت وجنوده فقال : ( @QUR@09 فلما فصل طالوت ~~بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر ). # ( @QUR@01 فصل ) بمعنى الفصل. قال الزمخشري : فصل عن موضع كذا : إذا ~~انفصل عنه وجاوزه. PageV01P568 # وأصله فصل نفسه. ثم كثر : حذف المفعول حتى صار في حكم غير المتعدى ~~كانفصل. وقيل : فصل عن البلد فصولا. ويجوز أن يكون فصله فصلا ، وفصل فصولا ~~كوقف وصد ونحوهما. والمعنى انفصل عن بلده» (1). # و (النهر) بالفتح والسكون : المجرى الواسع الذي يجرى فيه الماء مأخوذ من ~~نهر الأرض بمعنى شقها. # أى : فلما انفصل بهم عن المكان الذي كانوا يقيمون فيه ، وتوجهوا معه ~~لقتال جالوت وجنوده ، قال لهم ( @QUR@04 إن الله مبتليكم بنهر ) أى مختبركم ~~وممتحنكم بنهر ، وكان طالوت قد سار بهم في أرض قفرة فأصابهم عطش شديد. وفي ~~هذا الابتلاء اختبار لعزيمتهم ، وامتحان لصبرهم على المتاعب حتى يتميز من ~~يصبر على الحرب ممن لا يصبر ، ومن شأن القواد الأقوياء العقلاء أنهم ~~يختبرون جنودهم قبل اقتحام المعارك حتى يكونوا على بينة من أمرهم. ثم بين ~~لهم موضع الاختبار فقال : ( @QUR@015 فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه ~~فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده ). # ( @QUR@01 يطعمه ) أى يذقه من طعم الشيء يطعمه إذا ذاقه مأكولا أو ~~مشروبا. # ( @QUR@01 الغرفة ) بالضم اسم للشيء المغترف وجمعه غراف. وأما الغرفة ~~بالفتح فهي اسم للمرة الواحدة من الغرف وقيل : هما لغتان بمعنى واحد. # أى قال لهم طالوت : من شرب من هذا النهر فليس من شيعتي ، فعليه أن يتركني ~~ولا يصاحبنى في خوض هذه المعركة لأنه ثبت ضعفه وخوره ، ومن لم يذقه أصلا ~~فإنه من شيعتي وحزبى الذي سيكون معى في هذه ms0584 المعركة الخطيرة. ثم أباح لهم ~~أن يغترفوا من النهر غرفة يخففون بها من عطشهم فقال : ( @QUR@05 إلا من ~~اغترف غرفة بيده ) فإنه لا يخرج بذلك عن كونه منى. # وفي هذه الجملة الكريمة قدم سبحانه جواب الشرط على الاستثناء من الشرط ~~فقد قال ( @QUR@010 ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده ) ~~والتأليف المعهود للناس أن يقال : (ومن لم يطعمه إلا من اغترف بيده فإنه ~~منى) ولكن الآية الكريمة جاءت بتقديم الجواب على الاستثناء لحكمة بليغة ، ~~وهي المسارعة إلى بيان الحكم ، وإثبات أن أساس الصلة التي تربطهم بنبيهم أن ~~يمتثلوا أمره وألا يشربوا من النهر ، ثم رخص لهم بعد ذلك في الاغتراف باليد ~~غرفة واحدة. # وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى فقال : فإن قلت : مم استثنى قوله ( ~~@QUR@03 إلا من اغترف )؟ قلت : من قوله : ( @QUR@05 فمن شرب منه فليس مني ~~) والجملة الثانية في حكم المتأخرة إلا PageV01P569 # أنها قدمت للعناية .. ومعناه : الرخصة في اغتراف الغرفة باليد دون ~~الكروع» (1). # ثم ختم سبحانه ما كان من بنى إسرائيل نتيجة لهذا الامتحان فقال : ( ~~@QUR@05 فشربوا منه إلا قليلا منهم ). # أى : فشربوا من النهر حتى امتلأت بطونهم مخالفين بذلك أمر قائدهم في وقت ~~تعظم فيه المخالفة لأنه وقت إقدام على الحرب ، إلا عددا قليلا منهم فإنهم ~~لم يشربوا إلا كما رخص لهم قائدهم. وعلى هذا التفسير الذي قال به جمهور ~~المفسرين يكون جميع الذين مع طالوت قد شربوا من النهر إلا أن كثيرا منهم قد ~~شربوا حتى امتلأت بطونهم مخالفين أمر قائدهم ، وقلة منهم شربت غرفة واحدة ~~وهي التي رخص لهم قائدهم في شربها. # وبعض المفسرين يقسم اتباع طالوت ثلاثة أقسام : # قسم شرب كثيرا مخالفا أمر طالوت. # وقسم شرب غرفة واحدة بيده كما رخص له قائده. # وقسم لم يشرب أصلا لا قليلا ولا كثيرا مؤثرا العزيمة على الرخصة وهذا ~~القسم هو الذي اعتمد عليه طالوت اعتمادا كبيرا في تناوله لأعدائه. # وممن ذكر هذا التقسيم من المفسرين الإمام القرطبي فقد قال : «قال ابن ~~عباس : شربوا على قدر يقينهم ، فشرب ms0585 الكفار شرب الهيم (2)، وبقي بعض ~~المؤمنين لم يشرب شيئا ، وأخذ بعضهم الغرفة ، فأما من شرب فلم يرو بل برح ~~به العطش ، وأما من ترك الماء فحسنت حاله وكان أجلد ممن أخذ الغرفة» (3). # ثم بين سبحانه ما كان من أتباع طالوت بعد اجتيازهم للنهر معه فقال : ( ~~@QUR@013 فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت ~~وجنوده ). # أى : فلما جاوز طالوت ومن معه النهر وتخطوه ، وشاهدوا كثرة جند جالوت ، ~~قال بعض الذين مع طالوت لبعض بقلق ووجل : لا قدرة لنا اليوم على محاربة ~~أعدائنا ومقاومتهم فهم أكثر منا عددا ، وأوفر عددا. # والضمير ( @QUR@01 هو ) في قوله : ( @QUR@04 هو والذين آمنوا معه ) مؤكد ~~للضمير المستكن في جاوز. والقائلون ، هذا القول هم بعض المؤمنين الذين ~~عبروا معه النهر ، ولم يقولوا ذلك هروبا أو PageV01P570 # نكوصا عن القتال ، وإنما قالوه كمظهر من مظاهر الوجل الذي يعترى بعض ~~النفوس عند الاستعداد للقتال ، لأن الذين عصوا الله وخالفوا طالوت بشربهم ~~من النهر جبنوا عن لقاء العدو ولم يسيروا معه لقتالهم. أما المؤمنون ~~الصادقون الذين اتصلت قلوبهم بالله ، والذين أذعنوا أنه لا نصر إلا منه ولا ~~اعتماد إلا عليه ، فقد حكى القرآن موقفهم المشرف فقال : ( @QUR@018 قال ~~الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ~~والله مع الصابرين ). # أى : قال الذين يتيقنون أنهم ملاقو الله يوم القيامة فيحاسبهم على ~~أعمالهم. قالوا مشجعين لإخوانهم الذين تهيبوا قتال أعدائهم : كم من جماعة ~~قليلة بإيمانها وصبرها تغلبت بإذن الله وتيسيره على جماعة كثيرة بسبب كفرها ~~وجبنها وتفككها ، والله تعالى بعونه وتأييده مع الصابرين. # وعلى هذا التفسير يكون المراد بلقاء الله الحشر إليه بعد الموت ، ومجازاة ~~الناس على ما قدموا من عمل ، ويكون المراد بالظن اليقين لأن كل مؤمن متيقن ~~بأن البعث حق. # ويجوز أن يكون المراد بلقاء الله قربهم من رضاه يوم القيامة ، وإثابتهم ~~على جهادهم بالجنة ، وعليه يكون الظن على معناه الحقيقي وهو الاعتقاد ~~الراجح ، لأن خواتيم الحياة لا يعلمها كيف تكون سوى علام الغيوب. ms0586 # و ( @QUR@01 كم ) في قولهم ( @QUR@03 كم من فئة ) خبرية للتكثير ، وفي ~~هذا التعبير الذي حكاه القرآن عنهم دليل على قوة إيمانهم وصفاء نفوسهم ~~وثقتهم في نصر الله ثقة لا تحد ، لأنهم أتوا بصيغة التكثير حتى لكأنما أن ~~القاعدة العامة هي انتصار الفئة القليلة على الفئة الكثيرة الكافرة. # وفي تعليقهم النصر على إذن الله للإشعار بأنهم لم يعتمدوا على قوتهم ~~وثباتهم وشجاعتهم فحسب وإنما جعلوا اعتمادهم الأكبر على تأييد الله لهم. ~~وهذا شأن العقلاء يبذلون أقصى جهدهم في بلوغ غايتهم مستعينين على ذلك ~~بتأييد الله وتوفيقه. # ورحم الله الإمام القرطبي الذي عاصر دولة الإسلام في الأندلس وهي تسير في ~~طريق الضعف والتدهور فقد قال في ختام تفسيره لهذه الآية : قلت : هكذا يجب ~~علينا أن نفعل؟ لكن الأعمال القبيحة والنيات الفاسدة ، منعت من ذلك حتى ~~انكسر العدد الكبير منا أمام اليسير من العدو وكما شاهدناه غير مرة ، وذلك ~~بما كسبت أيدينا! وفي البخاري : وقال أبو الدرداء : إنما تقاتلون بأعمالكم. ~~وفي البخاري أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «هل تنصرون وترزقون إلا ~~بضعفائكم» فالأعمال فاسدة والضعفاء مهملون والصبر قليل ، والاعتماد ضعيف ، ~~والتقوى زائلة!! قال تعالى : ( @QUR@05 اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله ~~) وقال : ( @QUR@03 وعلى الله فتوكلوا ) وقال : ( @QUR@08 إن الله مع الذين ~~اتقوا والذين هم محسنون ) وقال : ( @QUR@01 ولينصرن PageV01P571 # @QUR@03 الله من ينصره ) وقال : ( @QUR@09 إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا ~~الله كثيرا لعلكم تفلحون ). فهذه أسباب النصر وشروطه وهي معدومة عندنا غير ~~موجودة فينا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أصابنا وحل بنا» (1). # ثم حكى القرآن بعد ذلك ما قاله المؤمنون الصادقون عند ما برزوا للقاء ~~أعدائهم فقال : # ( @QUR@015 ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت ~~أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (250) @QUR@028 فهزموهم بإذن الله وقتل ~~داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولو لا دفع الله الناس ~~بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين (251) @QUR@09 تلك ~~آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين ) (252) # وقوله : ( @QUR@01 برزوا ) أى صاروا إلى براز الأرض ms0587 وهو ما انكشف منها ~~بحيث يصير كل فريق من المتقاتلين يرى صاحبه ، ومنه سميت المبارزة في الحرب ~~لظهور كل قرن إلى قرنه. أى : وحين برز طالوت ومن معه لقتال جالوت وجنوده ، ~~وأصبح الفريقان في مكان متسع من الأرض بحيث يرى كل فريق خصمه اتجه المؤمنون ~~إلى الله تعالى بالدعاء قائلين بإخلاص وخشوع : # ( @QUR@04 ربنا أفرغ علينا صبرا ) أى : أفض علينا صبرا يعمنا ، ويملأ ~~قلوبنا ثقة بنصرك ، ويحبس نفوسنا على طاعتك. # قال الإمام الرازي ما ملخصه ، الإفراغ : الصب. يقال أفرغت الإناء إذا ~~صببت ما فيه. وقولهم هذا يدل على المبالغة في طلب الصبر من وجهين : PageV01P572 # أحدهما : أنه إذا صب الشيء في الشيء فقد أثبت فيه بحيث لا يزول عنه وهذا ~~يدل على التأكيد. # والثاني : أن إفراغ الإناء هو إخلاؤه وذلك يكون بصب كل ما فيه ، فمعنى ~~أفرغ علينا صبرا ، أى أصبب علينا أتم صب وأبلغه حتى تتحقق فينا صفة الصبر ~~كأحسن ما يكون التحقق» (1). # أما الدعوة الثانية فقد قالوا فيها كما حكى القرآن عنهم ( @QUR@02 وثبت ~~أقدامنا ) أى هب لنا من كمال القوة والرسوخ عند القتال ما يجعلنا نثبت أمام ~~أعدائنا ، ونتمكن من رقابهم دون أن يتمكنوا منا. فهذا الدعاء كناية عن أن ~~يمنحهم سبحانه الثبات عند الزحف ، وعدم الفرار عند القتال. # وفي قوله : ( @QUR@02 وثبت أقدامنا ) تعبير بالجزء عن الكل ، لأن الأقدام ~~هي التي يكون بها الفرار ، فتثبيتها إبعاد عن الفرار ، ومتى حصل الثبات كان ~~النصر متوقعا ، والصبر متحققا. # ثم ختموا دعاءهم بأن قالوا : ( @QUR@04 وانصرنا على القوم الكافرين ) أى ~~اجعل الغلبة لنا عليهم ، لأننا مؤمنون بأنك المعبود المستحق للعبادة وهم ~~يكفرون بذلك. # والمتأمل في هذه الدعوات الثلاث يراها قد جمعت أسمى ألوان الأدب وحسن ~~الترتيب ، فهم قد صدروا دعاءهم بالتوسل بوصف الربوبية فقالوا ( @QUR@01 ~~ربنا ) أى يا خالقنا ويا منشئنا ويا مربينا ويا مميتنا ، وفي ذلك إشعار ~~أنهم يلجئون إلى من بيده وحده النفع والضر ، والنصر والهزيمة. ثم افتتحوا ~~دعاءهم بطلب الصبر عند المخاوف لأنه هو عدة القتال الأولى ، وركنه الأعلى ، ~~إذ به يكون ms0588 ضبط النفس فلا تفزع ، وبه يسكن القلب فلا يجزع. ثم التمسوا منه ~~سبحانه أن يثبت أقدامهم عند اللقاء لأن هذا الثبات هو مظهر الصبر ، ووسيلة ~~النصر ، وعنوان القوة. # ثم ختموا دعاءهم بما هو ثمرة ونتيجة للصبر والثبات وهو النصر على ~~الأعداء. # فماذا كانت نتيجة هذا الدعاء الخاشع الخالص؟ كانت نتيجته النصر المؤزر ~~الذي حكاه القرآن في قوله : ( @QUR@03 فهزموهم بإذن الله ). # وأصل الهزم في اللغة الكسر. ومنه سقاء منهزم أى انثنى بعضه على بعض مع ~~الجفاف. ويقال للسحاب هزيم ، لأنه يتشقق بالمطر. والفاء هنا فصيحة أو سببية ~~أى أنهم بسبب دعائهم المخلص ، وإيمانهم القوى ، واستجابتهم لما أمرهم الله ~~به ، استطاعوا أن يكسروا أعداءهم PageV01P573 # ويهزموهم ، وقوله : ( @QUR@02 بإذن الله ) أى بتوفيقه وتيسيره وتأييده. ~~والباء إما للاستعانة والسببية وإما للمصاحبة. # ثم قال تعالى : ( @QUR@03 وقتل داود جالوت ) أى : وقتل داود بن إيشا وكان ~~في جيش طالوت جالوت الذي كان يقود جيش الكفر ، وبقتله مزق أتباعه شر ممزق ، ~~ورزق الله طالوت ومن معه النصر والغلبة. # ثم بين سبحانه ما منحه لداود من نعم فقال : ( @QUR@07 وآتاه الله الملك ~~والحكمة وعلمه مما يشاء ) والحكمة المراد بها هنا النبوة ، ولم يجتمع الملك ~~والنبوة لأحد قبله في بنى إسرائيل ، وورثه فيهما ابنه سليمان عليه السلام . # أى : وأعطى الله تعالى عبده داود ملك بنى إسرائيل وأعطاه النبوة التي هي ~~أشرف من الملك زيادة في ترقيته في درجات الشرف والكمال ، وعلمه سبحانه مما ~~يشاء من فنون العلم ، ومن أمور الدين والدنيا كمعرفته لغة الطيور ، وكلام ~~الدواب ، وصناعة آلات الحرب وغير ذلك من ألوان العلوم المختلفة التي لا ~~تحدها إلا مشيئة الله وإرادته. # وفي قوله تعالى : ( @QUR@03 وعلمه مما يشاء ) بعد الإخبار بأنه سبحانه ~~آتى داود الحكمة ، إشعار بأن الإنسان لا يستغنى عن التعلم سواء أكان نبيا ~~أم لم يكن ، لأن داود عليه السلام مع حصوله على النبوة لم يستغن عن تعليم ~~الله إياه ، وقد أمر الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يلتمس ~~المزيد من العلم فقال : ( @QUR@04 وقل رب زدني علما ms0589 ). # ثم بين سبحانه بعض مظاهر فضله على عباده فقال : ( @QUR@09 ولو لا دفع ~~الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ). # أى : ولو لا أن الله تعالى يدفع أهل الباطل بأهل الحق ، لفسدت الأرض ، ~~وعمها الخراب لأن أهل الفساد إذا تركوا من غير أن يقاوموا استطارت شرورهم ، ~~وتغلبوا على أهل الصلاح والاستقامة ، وتعطلت مصالح الناس ، وانتشر الفساد ~~في الأرض. # فلو لا في الجملة الكريمة حرف امتناع لوجود. أى : امتنع فساد الأرض لأجل ~~وجود دفع الناس بعضهم ببعض. # فالجملة الكريمة تأمر الأخيار في كل زمان ومكان أن يقفوا في وجوه الأشرار ~~، وأن يقاوموهم بكل وسيلة من شأنها أن تحول بينهم وبين الفساد والطغيان. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@06 ولكن الله ذو فضل على العالمين ). # أى : ولكن الله تعالى صاحب فضل عظيم ، وإنعام كبير على الناس أجمعين ، ~~لأنه وضع PageV01P574 # لهم هذا التنظيم الحكيم الذي أوجب فيه على المصلحين أن يدافعوا المفسدين ~~، وأن يقاوموهم بالطريقة التي تمنع فسادهم حتى ولو أدى ذلك إلى رفع السلاح ~~في وجوههم ، لأن السكوت عن فساد المفسدين سيؤدي إلى العقاب الذي يعمهم ~~ويصيب معهم المصلحين. # ثم ختم سبحانه قصة هؤلاء القوم من بنى إسرائيل بقوله : ( @QUR@09 تلك ~~آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين ). # أى : تلك الآيات التي حدثناك فيها عن قصة أولئك القوم وما جرى لهم هي ~~آيات الله التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ، نتلوها عليك ~~يا محمد عن طريق جبريل الأمين تلاوة ملتبسة بالحق الثابت الذي لا يحوم حوله ~~الباطل ، وإنك يا محمد ( @QUR@02 لمن المرسلين ) الذين أرسلهم الله تعالى ( ~~@QUR@010 بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ). # فالإشارة في قوله ( @QUR@03 تلك آيات الله ) إلى الآيات المتلوة من قوله ~~تعالى : ( @QUR@07 ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل ) إلى آخر القصة. وقيل ~~إليها وإلى القصة التي قبلها وهي قصة القوم ( @QUR@08 الذين خرجوا من ~~ديارهم وهم ألوف حذر الموت ). # وكانت الإشارة للبعيد ، لما في ذلك من معنى الاستقصاء للآيات ، ولعلو ~~شأنها ، وكمال معانيها ، والوفاء في ms0590 مقاصدها. # وأضيفت الآيات إلى الله لأنها جزء من هذا القرآن الذي أنزله سبحانه على ~~نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ليكون هداية للناس ، وليحملهم على تدبرها ~~والاعتبار بها لأنها من عند الله الذي شرع لهم ما يسعدهم. # وجعل سبحانه تلاوة جبريل للقرآن تلاوة له فقال : ( @QUR@03 نتلوها عليك ~~بالحق ) للإشعار بشرف جبريل ، وأنه ما خرج في تلاوته عما أمره الله به ، ~~فهو رسوله الأمين إلى رسله المكرمين. # وجملة ( @QUR@02 نتلوها عليك ) في محل نصب حال من الآيات والعامل فيها ~~معنى الإشارة. # وقوله : ( @QUR@01 بالحق ) في موضع نصب حال من مفعول نتلوها أى ملتبسة ~~باليقين الذي لا يرتاب فيه عاقل. أو من فاعله أى : نتلوها عليك ملتبسين ~~بالحق والصواب. # وأكد سبحانه قوله ( @QUR@03 وإنك لمن المرسلين ) بحرف «إن» وباللام في ~~«لمن» وبالجملة الاسمية ، للرد على من شكك في صدق رسالته صلى الله عليه وسلم ~~ولتسليته عما يقوله الجاحدون في شأنه. # وبعد : فهذه قصة الملأ من بنى إسرائيل من بعد موسى ، وإن فيها لعبرا ~~متعددة ، وعظات متنوعة لقوم يعقلون. من العبر التي تؤخذ منها : # 1 أن الشعور بالظلم والهوان ، والابتلاء بالمحن والهزائم ، والوقوع تحت ~~أيدى المعتدى ، PageV01P575 # كل ذلك من شأنه أن يصهر النفوس الحرة الكريمة ، وأن يدفعها بقوة إلى ~~الذود عن كرامتها المسلوبة ، وعزتها المغصوبة ، حتى تنال حقها ممن سلبه ~~منها أو تموت دونه ، لأن النفوس الأبية تشعر دائما بأن الموت مع العزة خير ~~من الحياة مع الذلة. يدل على ذلك قوله تعالى : ( @QUR@013 قالوا : وما لنا ~~ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا ). # 2 أن الناس في كل زمان ومكان ، يلجئون خصوصا عند ما تنزل بهم الشدائد إلى ~~من يتوسمون فيهم الخير والصلاح ، لكي يرشدوهم إلى ما يأخذ بيدهم إلى طريق ~~السعادة ، ولكي يهدوهم إلى أفضل السبل التي تنقذهم مما هم فيه من بلاء ، ~~ولكي يختاروا لهم من يقودهم إلى النصر والفلاح. ألا ترى إلى الملأ من بنى ~~إسرائيل كيف لجئوا إلى نبي لهم ليقولوا له بعد أن أصابهم من الذل ما أصابهم ms0591 ~~: ( @QUR@07 ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله )؟ إنهم لم يلجئوا إلى زعيم ~~من زعمائهم ، أو إلى أمير من امرائهم ، وإنما لجئوا إلى نبيهم يبثون إليه ~~شكواهم ، ويطلبون منه أن يختار لهم من يقودهم للقتال في سبيل الله ، لأنهم ~~يرون فيه الأمل المرتجى ، والعقل السليم ، والخلق القويم ، والأسوة الحسنة. # 3 أن القائد يجب أن تتوفر فيه صفتان : قوة العقل ، وقوة الجسم لأنه متى ~~توفرت فيه هاتان الصفتان استطاع أن يقود أتباعه بنجاح ، وأنه قبل أن يلتقى ~~بأعدائه يجب عليه أن يختبر جنده ليعرف مبلغ إيمانهم وقوتهم وطاعتهم وثباتهم ~~وألا يكلفهم بما لا يستطيعونه حتى يحارب أعداءه وهو على بينة من أمره. انظر ~~إلى طالوت كيف اختبر جنده قبل أن يخوض المعركة بأن قال لهم : ( @QUR@019 إن ~~الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من ~~اغترف غرفة بيده ) وهكذا القواد العقلاء يقدمون على حرب أعدائهم وهم على ~~بصيرة من أمرهم. # 4 أن الفئة القليلة المؤمنة كثيرا ما تنتصر على الفئة الكثيرة الكافرة ؛ ~~لأن المؤمنين الصادقين يحملهم إيمانهم على اليقين بلقاء الله ، وعلى ~~التضحية من أجل إعلاء كلمته ، وعلى الإقدام الذي يرعب الكافرين ، ويخيف ~~الفاسقين ، وصدق الله إذ يقول ( @QUR@012 كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ~~بإذن الله والله مع الصابرين ). # 5 أن هزائم الأمم يمكن إزالتها متى توفر لتلك الأمم القادة العقلاء ~~الأقوياء ، والجند الأشداء على أعدائهم ، الرحماء فيما بينهم ، وأن من شأن ~~المؤمنين حقا أنهم مع مباشرتهم للأسباب ، وإحكامهم لكل ما يحتاج إليه ~~القتال ، وإحسانهم لكل وسيلة تعينهم على النصر ، مع كل ذلك لا يغترون ولا ~~يتطاولون بل يعتمدون على الله تعالى اعتمادا تاما ، ويتجهون إليه بالضراعة ~~والدعاء ويلتمسون منه النصر على أعدائه وأعدائهم انظر إلى الصفوة المؤمنة من جند PageV01P576 # طالوت ماذا قالت عند ما برزت لجالوت وجنوده ، لقد قالت كما حكى القرآن ~~عنها : ( @QUR@013 ربنا أفرغ علينا صبرا ، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم ~~الكافرين. فهزموهم بإذن الله ). # 6 أن من سنن الله في خلقه أنه ms0592 سبحانه جعل الحياة صراعا دائما بين الحق ~~والباطل ، ونزاعا موصولا بين الأخيار والأشرار ، ولو لا أن الله تعالى يدفع ~~بعض الناس الفاسقين ببعض الناس الصالحين لفسدت الأرض ، لأن الفاسقين لو ~~تركوا من غير أن يدافعوا ويقاوموا لنشروا فسوقهم وفجورهم وطغيانهم في الأرض ~~، ولكنه سبحانه أعطى لعباده الصالحين من القوة والثبات ما جعلهم يقاومون ~~الظالمين ويعملون على نشر الخير والصلاح بين الناس. # 7 أن القصة الكريمة تصور لنا ما جبل عليه بنو إسرائيل من نقض للعهد وكذب ~~في القول ( @QUR@08 فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم ) ومن ~~تطاول على أنبيائهم ، وعصيان لأوامرهم ، واعتراض على توجيهاتهم ، وتفضيل ~~للجاه والمال على العقل والعلم ( @QUR@015 قالوا أنى يكون له الملك علينا ~~ونحن أحق بالملك منه ، ولم يؤت سعة من المال ) ومن خور عند الابتلاء ~~والاختبار ، وحماس في ساعة السلم ونكوص في ساعة الجد ، تأمل قوله تعالى ( ~~@QUR@018 فشربوا منه إلا قليلا منهم. فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا ~~: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ). # وبعد هذا الحديث الحكيم عن الملإ من بنى إسرائيل من بعد موسى. وبعد أن ~~شهد الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بأنه من المرسلين الذين أرسلوا ~~لينصروا الحق ، وليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور ، بعد كل ذلك بين الله ~~تعالى أن الرسل وإن كانوا قد بعثوا جميعا لهداية البشر إلا أنهم يتفاضلون ~~فيما بينهم فقال تعالى : # ( @QUR@052 تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم ~~درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما ~~اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ~~ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ) (253) PageV01P577 # الإشارة بتلك في قوله : ( @QUR@02 تلك الرسل ) إلى جماعة الرسل الذين ~~تقدم ذكرهم في السورة والذين أرسلهم الله تعالى لهداية البشر ، وأمرنا ~~سبحانه بالإيمان بهم. # أى أولئك الرسل الذين أرسلناهم لهداية الناس ( @QUR@04 فضلنا بعضهم على ~~بعض ) أى جعلنا لبعضهم مناقب وخصائص ms0593 ومزايا لم تتوافر للبعض الآخر. # و ( @QUR@01 تلك ) مبتدأ و ( @QUR@01 الرسل ) عطف بيان لتلك. وجملة ( ~~@QUR@04 فضلنا بعضهم على بعض ) هي الخبر. وكانت الإشارة باللفظ الدال على ~~البعيد ، لبيان سمو مكانة الرسل عليهم الصلاة والسلام وأنهم هم المصطفون ~~الأخيار. # ثم بين سبحانه بعض مظاهر التفضيل فقال : ( @QUR@04 منهم من كلم الله ) أى ~~منهم من فضله الله بتكليمه إياه كموسى عليه السلام فقد وردت آيات صريحه في ~~ذلك ، منها قوله تعالى : ( @QUR@04 وكلم الله موسى تكليما ) وقوله تعالى : ~~( @QUR@09 قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي ) وقوله ~~تعالى ( @QUR@06 ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه ). # ثم قال سبحانه : ( @QUR@03 ورفع بعضهم درجات ) أى : ومنهم من رفعه الله ~~على غيره من الرسل مراتب سامية ومنازل عالية. # قيل كإبراهيم الذي اتخذه الله خليلا ، وإدريس الذي رفعه الله مكانا عليا ~~، وداود الذي آتاه الله النبوة والملك. # والذي عليه المحققون من العلماء والمفسرين أن المقصود بقوله تعالى ( ~~@QUR@03 ورفع بعضهم درجات ) هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لأنه هو صاحب ~~الدرجات الرفيعة والمعجزة الخالدة الباقية إلى يوم القيامة والرسالة العامة ~~الناسخة لكل الرسالات قبلها. # وقد صرح صاحب الكشاف بذلك فقال : قوله ( @QUR@03 ورفع بعضهم درجات ) أى ~~ومنهم من رفعه الله على سائر الأنبياء ، فكان بعد تفاوتهم في الفضل أفضل ~~منهم درجات كثيرة. الظاهر أنه أراد محمدا صلى الله عليه وسلم لأنه هو المفضل ~~عليهم ، حيث أوتى ما لم يؤته أحد من الآيات المتكاثرة المرتقية إلى ألف آية ~~أو أكثر. لو لم يؤت إلا القرآن وحده لكفى به فضلا منيفا على سائر ما أوتى ~~الأنبياء ، لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر المعجزات. وفي هذا ~~الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى ، لما فيه من الشهادة على ~~أنه العلم الذي لا يشتبه ، والمتميز الذي لا يلتبس. ويقال للرجل : من فعل ~~هذا؟ فيقول : أحدكم أو بعضكم ، يريد به الذي تعورف واشتهر بنحوه من الأفعال ~~فيكون أفخم من التصريح ، وسئل الخطيئة عن أشعر الناس ، فذكر زهيرا والنابغة ~~ثم قال : ولو شئت ms0594 لذكرت الثالث ، أراد نفسه ، ولو قال : ولو شئت لذكرت PageV01P578 # نفسي لم يفخم أمره (1). # ثم قال تعالى : ( @QUR@08 وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح ~~القدس ). # ( @QUR@01 البينات ): هي المعجزات الظاهرة البينة. وروح القدس : هو ~~جبريل عليه السلام والروح هنا بمعنى الملك الخاص. القدس أصل معناه الطهارة ، ~~وهو يطلق على الطهارة المعنوية وعلى الخلوص والنزاهة. فإضافة روح إلى القدس ~~من إضافة الموصوف إلى الصفة. قيل القدس اسم الله كالقدوس فإضافة روح إضافة ~~للتشريف أى روح من ملائكة الله. # والمعنى : وأعطينا عيسى بن مريم الآيات الباهرات ، والمعجزات الواضحات ~~كإبراء الأكمه والأبرص ، وإحياء الموتى ، وإخبار قومه بما يأكلونه ويدخرونه ~~في بيتهم ، وفضلا عن هذا فقد قويناه بجبريل عليه السلام لأن عيسى عليه السلام ~~قد عاش حياته محاربا من أعدائه الرومان ومن قومه الذين أرسل إليهم وهم بنو ~~إسرائيل ولم يؤذن له بالقتال ليدافع عن نفسه بل تولى الله تعالى الدفاع عنه ~~بجنده الذين من بينهم جبريل عليه السلام . # قال الزمخشري : فإن قلت لم خص موسى وعيسى من بين الأنبياء بالذكر؟ قلت : ~~لما أوتيا من الآيات العظيمة والمعجزات الباهرة ولقد بين الله وجه التفضيل ~~حيث جعل التكليم من الفضل وهو آية من الآيات. لما كان هذان النبيان قد ~~أوتيا ما أوتيا من عظام الآيات خصا بالذكر في باب التفضيل. هذا دليل بين ~~على أن من زيد تفضيلا بالآيات منهم فقد فضل على غيره. ولما كان نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم هو الذي أوتى منها ما لم يؤت أحد في كثرتها وعظمها كان هو ~~المشهود له بإحراز قصبات الفضل غير مدافع». # وقال الإمام القرطبي ما ملخصه : هذه الآية نثبت التفاضل بين الأنبياء ~~وهناك أحاديث تقول : «لا تخيرونى على موسى» و «لا تخيروا بين الأنبياء» و «لا ~~تفضلوا بين الأنبياء» أى لا تقولوا فلان خير من فلان ، ولا فلان أفضل من ~~فلان فكيف الجمع؟ فالجواب أن هذا كان قبل أن يوحى إليه بالتفضيل وقبل أن ~~يعلم أنه سيد ولد آدم ، وأن القرآن ناسخ للمنع من التفضيل أو ms0595 أن قوله هذا ~~من باب الهضم والتواضع. أو المراد النهى عن الخوض في ذلك لأن الخوض في ذلك ~~ذريعة إلى الجدال والجدال قد يؤدى إلى أن يذكر بعضهم بما لا ينبغي أن يذكر ~~به ، وقد يؤدى إلى قلة احترامهم. ثم قال. وأحسن من هذا القول من قال : إن ~~المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها ~~، وإنما التفضيل في زيادة. الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمعجزات ، ~~وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل ، وإنما PageV01P579 # تتفاضل بأمور أخرى زائدة عليها ، ولذلك فهم رسل ، وأولو عزم ، ومنهم من ~~كلمه الله .. فالقول بتفضيل بعضهم على بعض إنما هو بما منح من الفضائل ، ~~وأعطى من الوسائل. وبذلك نكون قد جمعنا بين الآية والأحاديث من غير النسخ. # ثم قال تعالى : ( @QUR@021 ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ~~ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ). # أى : ولو شاء الله تعالى ألا يقتتل الذين جاءوا بعد كل رسول من الرسول ~~وبعد أن جاءهم الرسل بالبينات الدالة على الحق ، لو شاء الله ذلك لفعل ، ~~ولكن الله تعالى لم يشأ ذلك ، لأنه خلق الناس مختلفين في تقبلهم للحق ، ~~فترتب على هذا الاختلاف أن آمن بالحق الذي جاءت به الرسل من فتح له قلبه ، ~~واتجه إليه اختياره ، وأن كفر به من آثر الضلالة على الهداية واستحب العمى ~~على الهدى ، وترتب عليه أيضا أن تقاتل الناس وتحاربوا. # ومفعول المشيئة محذوف دل عليه جواب الشرط أى لو شاء الله ألا يقتتل الذين ~~جاءوا من بعد الرسل ما اقتتلوا. # وقدم سبحانه المسبب وهو الاقتتال على السبب وهو الاختلاف كما يشهد له ~~قوله : ( @QUR@02 ولكن اختلفوا .. ) للتنبيه على سوء مغبة الاختلاف ، ~~وللتحذير من الوقوع فيه ، لأن وقوعهم فيه سيؤدي إلى أن يقتل بعضهم بعضا ، ~~وللإشارة إلى أنه سبحانه قادر على إزالة الاقتتال في ذاته حتى مع وجود ~~أسبابه ، لأنه تعالى هو الخالق للأسباب والمسببات. # وفي قوله : ( @QUR@05 من بعد ما جاءتهم البينات ) إشارة إلى ms0596 ما جبلت عليه ~~بعض النفوس من العناد الذي يؤدى إلى التنازع والاختلاف والتقاتل حتى بعد ~~ظهور الحق ، وانكشاف وجه الصواب ، لأن هذه النفوس قد آثرت الهوى على الرشاد ~~، واتخذت طريق الغي طريقا لها. # وفي قوله : ( @QUR@02 ولكن اختلفوا ) إشارة إلى أنه سبحانه لم يشأ أن ~~يزبل القتال الذي حدث بين المقاتلين ، لأن هذا القتال قد نشأ بينهم بسبب ~~اختلافهم ، وسوء اختيارهم ، وعدم استجابتهم للهدايات والتوجيهات والبينات ~~التي جاءتهم بها الرسل عليهم السلام . # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@010 ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن ~~الله يفعل ما يريد ) أى : لو شاء الله عدم اقتتالهم لأى سبب من الأسباب لما ~~اقتتلوا ، ولكنه سبحانه يفعل ما يريد حسب ما تقتضيه حكمته ، وترتضيه مشيئته ~~، فهو الكبير المتعال الذي كل شيء عنده بمقدار فالآية الكريمة تبين أن ~~الرسل عليهم السلام يتفاضلون فيما بينهم ، وتنهى الناس في كل زمان ومكان عن ~~الاختلاف والتنازع لأنهما يؤديان إلى أوخم العواقب ، وأسوأ النتائج. PageV01P580 # ثم وجه القرآن نداء إلى المؤمنين أمرهم فيه ببذل أموالهم في سبيل الدفاع ~~عن الحق ، حتى يكونوا أهلا لرضا الله ومثوبته. # ( @QUR@022 يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم ~~لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون ) (254) # الخلة : الصداقة والمودة مأخوذة من تخلل الأسرار بين الصديقين ، وسميت ~~بذلك لأنها تتخلل النفس أى تتوسطها ، أو لشدة الحاجة إليها. ومنه سمى ~~الخليل خليلا لاحتياج الإنسان إليه. # والشفاعة مأخوذة من الشفع بمعنى الضم ، وتطلق على انضمام شخص إلى آخر ~~لنفعه أو نصرته ، وأكثر ما تستعمل في انضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة إلى ما ~~هو دونه. # والمعنى : عليكم أيها المؤمنون أن تنفقوا في وجوه الخير كإعانة المجاهدين ~~ومساعدة الفقراء والبائسين من أموالكم التي رزقكم الله إياها بفضله وكرمه ، ~~ومن قبل أن يأتى يوم القيامة الذي لا يكون فيه تجارة ولا مبايعة حتى تقدموا ~~عن طريقها ما تفتدون به أنفسكم ، ولا يكون فيه صديق يدفع عنكم ، ولا شفيع ~~يشفع لكم فيحط من سيئاتكم إلا أن ms0597 يأذن رب العالمين بالشفاعة تفضلا منه وكرما. # فالآية الكريمة تحض المؤمنين على الإنفاق في سبيل الله ، لأنه أهم عناصر ~~القوة في الأمة ، وأفضل وسيلة لإقامة المجتمع الصالح المتكافل. # والمراد بالإنفاق هنا ما يشمل الفرض والنفل ، والأمر لمطلق الطلب ، إلا ~~أن هذا الطلب قد يصل إلى درجة الوجوب إذا نزلت بالأمة شدة لم تكف الزكاة عن دفعها. # وقوله : ( @QUR@02 مما رزقناكم ) إشعار بأن هذا المال الذي بين أيدى ~~الأغنياء ما هو إلا رزق رزقهم الله إياه ، ونعمة أنعم بها عليهم ، فمن ~~الواجب عليهم شكرها بألا يبخلوا بجزء منه على الإنفاق في وجوه الخير ، لأن ~~هذا البخل سيعود عليهم بما يضرهم. # وفي قوله : ( @QUR@05 من قبل أن يأتي يوم ).. إلخ حث آخر على التعجيل ~~بالإنفاق ، لأنه تذكير للناس بهذا الوقت الذي تنتهي فيه الأعمال ، ولا يمكن ~~فيه استدراك ما فاتهم ، ولا تعويض PageV01P581 # ما فقدوه من طاعات. فكأنه سبحانه يقول لهم : نجوا أنفسكم بالمسارعة إلى ~~الإنفاق من قبل أن يأتى يوم لا منجاة فيه إلا بالعمل الصالح الذي قدمتموه. # ومن في قوله ( @QUR@02 مما رزقناكم ) للتبعيض. وفي قوله ( @QUR@02 من قبل ~~) لابتداء الغاية : ومفعول أنفقوا محذوف والتقدير أنفقوا شيئا مما رزقناكم. # والشفاعة المنفية هنا هي التي لا يقبلها الله تعالى وهي التي لا يأذن بها ~~، أما شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم فقد أذن الله له بها وقبلها منه ، وقد ~~وردت أحاديث صحيحة بلغت مبلغ التواتر المعنوي في أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ستكون له شفاعة في دفع العذاب عن أقوام من المؤمنين وتخفيفه عن أهل الكبائر ~~من المسلمين ، ومن ذلك ما أخرجه البخاري عن جابر بن عبد الله. أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي : نصرت بالرعب مسيرة ~~شهر. وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل ، وأحلت ~~لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة ، وكان النبي يبعث إلى قومه ~~خاصة وبعثت إلى الناس عامة» ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@03 ~~والكافرون هم الظالمون ) أى والكافرون ms0598 الجاحدون لنعمه هم الظالمون لأنفسهم ~~، لأنهم حالوا بينها وبين الهداية بإيثارهم العاجلة على الآجلة ، والغي على ~~الرشد ، والشر على الخير ، والبخل على السخاء. # أما المؤمنون فليسوا كذلك لأنهم سلكوا الطريق المستقيم ، وبذلوا الكثير ~~من أموالهم في سبيل إعلاء كلمة الله ، وفي إعانة المحتاجين. # وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد حضت المؤمنين على المسارعة في إنفاق ~~أموالهم في وجوه الخير من قبل أن يأتى يوم لا ينفع فيه ما كان نافعا في ~~الدنيا من أقوال وأعمال وأنها قد توعدت من يبخل عن الإنفاق في سبيل الله ~~بسوء العاقبة ، لأنه تشبه بالكافرين في بخلهم وإمساكهم عن بذل أموالهم في ~~وجوه الخير. # وبعد أن أمر الله المؤمنين بالإنفاق في وجوه الخير ، وذكرهم بأهوال يوم ~~القيامة ، أتبع ذلك بآية كريمة اشتملت على تمجيده سبحانه فبينت كمال سلطانه ~~، وشمول علمه. وسابغ نعمه على خلقه. استمع إلى القرآن الكريم وهو يصف لك ~~الخالق عز وجل بأكمل الصفات وأعظمها فيقول : PageV01P582 # ( @QUR@050 الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما ~~في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات ~~والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم ) (255) # قال بعضهم : هذه آية الكرسي أفضل آية في القرآن. ومعنى الفضل أن الثواب ~~على قراءتها أكثر منه على غيرها من الآيات. هذا هو التحقيق في تفضيل بعض ~~آيات القرآن على بعض. وإنما كانت أفضل لأنها جمعت من أحكام الألوهية وصفات ~~الإله الثبوتية والسلبية ما لم تجمعه آية أخرى. جاء في الحديث الشريف عن ~~أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لكل شيء سنام وإن سنام ~~القرآن البقرة ، وفيها آية هي سيدة القرآن أى أفضله وهي آية الكرسي» (1). # وقد اشتملت هذه الآية الكريمة على عشر جمل فيها ما فيها من صفات الله ~~الجليلة ونعوته السامية. أما الجملة الأولى والثانية فتتمثل في قوله تعالى ~~: ( @QUR@07 الله لا ms0599 إله إلا هو الحي القيوم ). # ولفظ الجلالة ( @QUR@01 الله ) يقول العلماء : إن أصله إله دخلت عليه ~~أداة التعريف «أل» وحذفت الهمزة فصارت الكلمة الله. # قال القرطبي : قوله : ( @QUR@01 الله ) هذا الاسم أكبر أسمائه تعالى ~~وأجمعها ، حتى قال بعضهم إنه اسم الله الأعظم ولم يتسم به غيره ، ولذلك لم ~~يثن ولم يجمع ، فالله اسم الموجود الحق الجامع لصفات الألوهية ، المنعوت ~~بنعوت الربوبية المنفرد بالوجود الحقيقي ، لا إله إلا هو سبحانه » (2). PageV01P583 # ولفظ ( @QUR@01 إله ) قالوا إنه من أله فلان يأله أى عبد. فالإله على هذا ~~المعنى هو المعبود ، وقيل هو من أله أى تحير .. وذلك أن العبد إذا تفكر في ~~صفاته سبحانه تحير فيها ؛ ولذا قيل : «تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في ~~الله» (1). # و ( @QUR@01 الحي ) أى الباقي الذي له الحياة الدائمة التي لا فناء لها. ~~لم تحدث له الحياة بعد موت ، ولا يعتريه الموت بعد الحياة ، وسائر الأحياء ~~سواه يعتريهم الموت والفناء. # و ( @QUR@01 القيوم ) أى : الدائم القيام بتدبير أمر الخلق وحفظهم ، ~~والمعطى لهم ما به قوامهم. وهو مبالغة في القيام. وأصله قيووم بوزن فيعول ~~من قام بالأمر إذا حفظه ودبره. # والمعنى : الله عز وجل هو الإله الحق المتفرد بالألوهية التي لا يشاركه ~~فيها سواه ، وهو المعبود بحق وكل معبود سواه فهو باطل ، وهو ذو الحياة ~~الكاملة ، وهو الدائم القيام بتدبير شئون الخلق وحياتهم ورعايتهم وإحيائهم ~~وإماتتهم. # والجملة الثالثة قوله تعالى : ( @QUR@05 لا تأخذه سنة ولا نوم ) وهي جملة ~~سلبية مؤكدة للوصف الإيجابى السابق ، فإن قيامه على كل نفس بما كسبت ، وعلى ~~تدبير شئون خلقه يقتضى ألا تعرض له غفلة ، ولأن السنة والنوم من صفات ~~الحوادث وهو سبحانه مخالف لها. # والسنة : الفتور الذي يكون في أول النوم مع بقاء الشعور والإدراك. ويقال ~~له غفوة. يقال : وسن الرجل يوسن وسنا وسنة فهو وسن ووسنان إذا نعس والمراد ~~أنه سبحانه لا يغفل عن تدبير أمر خلقه أبدا ، ولا يحجب علمه شيء حجبا قصيرا ~~أو طويلا ، ولا يدركه ما يدرك الأجسام من الفتور أو النعاس ، أو النوم. # وتقديم السنة ms0600 على النوم يفيد المبالغة من حيث إن نفى السنة يدل على نفى ~~النوم بالأولى ، فنفيه ثانيا صريحا يفيد المبالغة لأن عطف الخاص على العام ~~يفيد المبالغة ولأن عطف الخاص على العام يفيد التوكيد أى لا تأخذه سنة فضلا ~~عن أن يأخذه نوم. # وفي قوله : ( @QUR@02 لا تأخذه ) دلالة على أن للنوم قوة قاهرة تأخذ ~~الحيوان أخذا وتقهر الكثير من أجناس المخلوقات قهرا ، ولكنه سبحانه وهو ~~القاهر فوق عباده منزه عن ذلك ، ومبرأ من أن يعتريه ما يعترى الحوادث. # وقوله سبحانه في الجملة الرابعة : ( @QUR@07 له ما في السماوات وما في ~~الأرض ) تقرير لانفراده PageV01P584 # بالألوهية إذ جميع الموجودات مخلوقاته ، وتعليل لا تصافه بالقيومية ، لأن ~~من كانت جميع الموجودات ملكا له فهو حقيق بأن يكون قائما بتدبير أمرها. # والمراد بما فيهما ما هو أعم من أجزائهما الداخلة فيهما ومن الأمور ~~الخارجة عنهما المتمكنة فيهما من العقلاء وغيرهم. فالجملة الكريمة تفيد ~~الملكية المطلقة لرب العالمين لكل ما في هذا الوجود من شمس وقمر وحيوان ~~ونبات وجماد وغير ذلك من المخلوقات. وصدرت الجملة بالجار والمجرور «له» ~~لإفادة القصر أى ملك السموات والأرض له وحده ليس لأحد سواه شيء معه. # والاستفهام في قوله في الجملة الخامسة ( @QUR@07 من ذا الذي يشفع عنده ~~إلا بإذنه ) للنفي والإنكار أى : لا أحد يستطيع أن يشفع عنده سبحانه إلا ~~بإذنه ورضاه قال تعالى ( @QUR@018 وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم ~~شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ). # والمقصود من هذه الجملة كما يقول الآلوسى بيان كبرياء شأنه تعالى وأنه لا ~~أحد يساويه أو يدانيه بحيث يستقل أن يدفع ما يريده دفعا على وجه الشفاعة ~~والاستكانة والخضوع فضلا عن أن يستقل بدفعه عنادا أو مناصبة وعداوة. وفي ~~ذلك تيئيس للكفار حيث زعموا أن آلهتهم شفعاء لهم عند الله» (1). # وقوله سبحانه في الجملة السادسة : ( @QUR@06 يعلم ما بين أيديهم وما ~~خلفهم ) تأكيد لكمال سلطانه في هذا الوجود ، وبيان لشمول علمه على كل شيء. # والضمير في (يديهم) و (خلفهم) يعود إلى (ما) ms0601 في قوله قبل ذلك ( @QUR@07 له ~~ما في السماوات وما في الأرض ) وعبر بضمير الذكور العقلاء ، تغليبا لجانبهم ~~على جانب غير العقلاء. # والعلم بما بين أيديهم وما خلفهم كناية عن إحاطة علمه سبحانه بماضيهم ~~وحاضرهم ومستقبلهم ، وما يعرفونه من شئونهم الدنيوية وما لا يعرفونه. # وقوله تعالى في الجملة السابغة : ( @QUR@08 ولا يحيطون بشيء من علمه إلا ~~بما شاء ) معطوف على قوله ( @QUR@06 يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ) لأنه ~~مكمل لمعناه. والمراد بالعلم المعلوم. والإحاطة بالشيء معناها العلم الكامل به. # أى : لا يعلمون شيئا من معلوماته سبحانه إلا بالقدر الذي أراد أن يعلمهم ~~إياه على ألسنة رسله. فهو كقوله تعالى : ( @QUR@012 عالم الغيب فلا يظهر ~~على غيبه أحدا ، إلا من ارتضى من رسول ). PageV01P585 # فالجملة الكريمة بيان لكمال علم الله تعالى ، ولنقصان علم سواه ، إذ أن ~~البشر لم يعطوا من العلم إلا القليل ، وهذا القليل ناقص لأنه ليس على إحاطة ~~واستغراق لكل ما تشتمل عليه جزئيات الشيء ووجوده وجنسه وكيفيته وغرضه ~~المقصود به وبإيجاده ، إذ العلم الكامل بالشيء لا يكون إلا لله رب ~~العالمين. # ثم قال تعالى في الجملة الثامنة : ( @QUR@04 وسع كرسيه السماوات والأرض ). # قال الراغب : الكرسي في تعارف العامة : اسم للشيء الذي يقعد عليه ، وهو ~~في الأصل منسوب إلى الكرس أى الشيء المجتمع ، ومنه الكراسة لأنها تجمع ~~العلم .. وكل مجتمع من الشيء كرس» (1). # وللعلماء اتجاهان مشهوران في تفسير معنى الكرسي في الجملة الكريمة. ~~فالسلف يقولون : إن لله تعالى كرسيا علينا أن نؤمن بوجوده وإن كنا لا نعرف ~~حقيقته ، لأن ذلك ليس في مقدور البشر. # والخلف يقولون : الكرسي في الآية كناية عن عظم السلطان ، ونفوذ القدرة ، ~~وسعة العلم ، وكمال الإحاطة. # ولصاحب الكشاف تلخيص حسن لأقوال العلماء في ذلك ، فقد قال رحمه الله وفي ~~قوله : ( @QUR@02 وسع كرسيه ) أربعة أوجه : # أحدها : أن كرسيه لم يضق عن السماوات والأرض لبسطته وسعته وما هو إلا ~~تصوير لعظمته ولا كرسي ثمة ولا قعود ولا قاعد. # والثاني : وسع علمه ، وسمى العلم كرسيا تسمية بمكانه الذي هو كرسي ~~العالم. # والثالث : وسع ملكه ms0602 تسمية بمكانه الذي هو كرسي الملك. # والرابع : ما روى أنه خلق كرسيا هو بين يدي العرش دونه السماوات والأرض ~~وهو إلى العرش كأصغر شيء. وعن الحسن الكرسي هو العرش (2). # هذا وقد روى المفسرون عن ابن عباس أنه قال «كرسيه علمه» (3) ولعل تفسير ~~الكرسي بالعلم كما قال حبر الأمة هو أقرب الأقوال إلى الصواب ، لأنه هو ~~المناسب لسياق الآية الكريمة. PageV01P586 # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بالصفتين التاسعة والعاشرة فقال تعالى : ( ~~@QUR@06 ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم ). # ( @QUR@01 يؤده ) معناه يثقله ويشق عليه. يقال آدني الأمر بمعنى أثقلنى ~~وتحملت منه المشقة. # و ( @QUR@01 العلي ) هو المتعالي عن الأشياء ، والأنداد ، والأمثال ، ~~والأضداد وعن أمارات النقص ودلالات الحدوث. وقيل هو من العلو الذي هو بمعنى ~~القدرة وعلو الشأن. # والمعنى : ولا يثقله ولا يتعبه حفظ السموات والأرض ورعايتهما ، وهو ~~المتعالي عن الأشباه والنظائر ، والمسيطر على خلقه ، العظيم في ذاته وصفاته ~~، ففي هاتين الجملتين بيان لعظيم قدرته ، وعظيم رعايته لخلقه ، وتنزيهه ~~سبحانه عن مشابهة الحوادث. # وبعد ، فهذه آية الكرسي التي اشتملت على عشر جمل ، كل جملة منها تشتمل ~~على وصف أو أكثر من صفات الله الجليلة ، ونعوته المجيدة ، وألوهيته الحقه ، ~~وقدرته النافذة ، وعلمه المحيط بكل شيء ، قد أقامت الأدلة الساطعة على ~~وحدانية الله تعالى ووجوب إفراده بالعبادة. # وقد تكلم العلماء طويلا عن تناسق جملها ، وبلاغة تراكيبها ووجوه فضلها ~~ومن ذلك قول صاحب الكشاف : «فإن قلت : لم فضلت هذه الآية على غيرها حتى ورد ~~في فضلها ما ورد؟ قلت : لما فضلت له سورة الإخلاص من اشتمالها على توحيد ~~الله وتعظيمه وتمجيده وصفاته العظمى ولا مذكور أعظم من رب العزة. فما كان ~~ذكرا له كان أفضل من سائر الأذكار» (1). # ومن الأحاديث التي ساقها الإمام ابن كثير في فضلها ما جاء عن أبى بن كعب ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله : «أى آية في كتاب الله أعظم؟ قال الله ~~ورسوله أعلم. فرددها مرارا ثم قال : آية الكرسي. فقال له الرسول ~~صلى الله عليه وسلم «ليهنك العلم أبا المنذر». # وأخرج الإمام ms0603 مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن ~~أعظم آية في القرآن هي آية الكرسي». # وروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج ذات يوم على الناس فقال : أيكم ~~يخبرني بأعظم آية؟ فقال ابن مسعود على الخبير سقطت سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول : أعظم آية في القرآن ( @QUR@07 الله لا إله إلا هو ~~الحي القيوم ).. الآية (2). # وبعد أن ساق سبحانه في آية الكرسي الأدلة الواضحة على وحدانيته وعظمته ~~وتنزيهه PageV01P587 # عن صفات الحوادث ، عقب ذلك ببيان أن الدين الحق قد ظهر وتجلى لكل ذي عقل ~~سليم ، وأنه لا يقسر أحد على الدخول فيه فقال تعالى : # ( @QUR@024 لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ~~ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم ) (256) # الإكراه معناه : حمل الغير على قول أو فعل لا يريده عن طريق التخويف أو ~~التعذيب أو ما يشبه ذلك. والمراد بالدين دين الإسلام والألف واللام فيه للعهد. # والرشد : الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه ، مصدر رشد يرشد ويرشد أى ~~اهتدى. والمراد هنا : الحق والهدى. # والغي ضد الرشد. مصدر من غوى يغوى إذا ضل في معتقد أو رأى ، ويرى بعض ~~العلماء أن نفى الإكراه هنا خبر في معنى النهى ، أى : لا تكرهوا أحدا على ~~الدخول في دين الإسلام فإنه بين واضح في دلائله وبراهينه ، فمن هداه الله ~~له ونور بصيرته دخل فيه على بصيرة ، ومن أضله وأعمى قلبه لا يفيده الإكراه ~~على الدخول فيه. # وقال بعض العلماء إن الجملة هنا على حالها من الخبرية والمعنى : ليس في ~~الدين الذي هو تصديق بالقلب ، وإذعان في النفس إكراه وإجبار من الله تعالى ~~لأحد ، لأن مبنى هذا الدين على التمكين والاختيار ، وهو مناط الثواب ~~والعقاب ، لو لا ذلك لما حصل الابتلاء والاختبار ، ولبطل الامتحان. # أو المعنى : كما يرى بعضهم إن من الواجب على العاقل بعد ظهور الآيات ~~البينات على أن الإيمان بدين الإسلام حق ورشد. وعلى أن ms0604 الكفر به غي وضلال ، ~~أن يدخل عن طواعية واختيار في دين الإسلام الذي ارتضاه الله وألا يكره على ~~ذلك بل يختاره بدون قسر أو تردد. # فالجملة الأولى وهي قوله تعالى : ( @QUR@04 لا إكراه في الدين ): تنفى ~~الإجبار على الدخول في الدين ، لأن هذا الإجبار لا فائدة من ورائه ، إذ ~~التدين إذعان قلبي ، واتجاه بالنفس والجوارح إلى الله رب العالمين بإرادة ~~حرة مختارة فإذا أكره عليه الإنسان إزداد كرها له ونفورا منه. فالإكراه ~~والتدين نقيضان لا يجتمعان ، ولا يمكن أن يكون أحدهما ثمرة للآخر. PageV01P588 # والجملة الثانية وهي قوله تعالى : ( @QUR@05 قد تبين الرشد من الغي ) ~~بمثابة العلة لنفى هذا الإكراه على الدخول في الدين ، أى قد ظهر الصبح لذي ~~عينين ، وانكشف الحق من الباطل ، والهدى من الضلال وقامت الأدلة الساطعة ~~على أن دين الإسلام هو الدين الحق وغيره من الأديان ضلال وكفران ومادام ~~الأمر كذلك فقد توافرت الأسباب التي تدعو إلى الدخول في دين الإسلام ، ومن ~~كفر به بعد ذلك فليحتمل نتيجة كفره ، وسوء عاقبة أمره. # ثم قال تعالى : ( @QUR@012 فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك ~~بالعروة الوثقى لا انفصام لها ). # الطاغوت : اسم لكل ما يطغى الإنسان ، كالأصنام والأوثان والشيطان وكل رأس ~~في الضلال وكل ما عبد من دون الله. وهو مأخوذ من طغا يطغى كسعى يسعى طغيا ~~وطغيانا ، أو من يطغو طغوا طغوانا ، إذا جاوز الحد وغلا في الكفر وأسرف في ~~المعاصي والفجور. # والعروة : في أصل معناها تطلق على ما يتعلق بالشيء من عراه أى من الجهة ~~التي يجب تعليقه منها ، وتجمع على عرى. والعروة من الدلو والكوز مقبضه ، ~~ومن الثوب مدخل زره. # والوثقى : مؤنث الأوثق ، وهو الشيء المحكم الموثق. يقال وثق بالضم وثاقة ~~أى : قوى وثبت فهو وثيق أى ثابت محكم. # والانفصام. الانكسار ، والفصم كسر الشيء وقطعة. # والمعنى : فمن خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة غير ~~الله ، وآمن بالله تعالى إيمانا خالصا صادقا فقد ثبت أمره واستقام على ~~الطريقة المثلى التي لا انقطاع لها وأمسك من الدين بأقوى ms0605 سبب وأحكم رباط. # والفاء في قوله : ( @QUR@02 فمن يكفر ) للتفريع. والسين والتاء في استمسك ~~للتأكيد والطلب ، وقوله : ( @QUR@04 فقد استمسك بالعروة الوثقى ) فيه كما ~~يقول الزمخشري تمثيل للمعلوم بالمنظور والاستدلال بالمشاهد المحسوس حتى ~~يتصوره السامع كأنما ينظر إليه بعينه فيحكم اعتقاده والتيقن به ، وجملة «لا ~~انفصام لها» استئناف مقرر لما قبله أو حال من «العروة» والعامل «استمسك». # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@03 والله سميع عليم ) أى سميع ~~للأقوال ، وهمسات القلوب ، وخلجات النفوس ، عليم بما يسره الناس وما ~~يعلنونه ، وسيجازيهم بما يستحقون من ثواب أو عقاب. PageV01P589 # قال القرطبي ما ملخصه : قيل إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : ( @QUR@06 ~~يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين ) لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أكره ~~العرب على دين الإسلام وقاتلهم ولم يرض منهم إلا الإسلام. وقيل إنها ليست ~~بمنسوخة وإنما نزلت في أهل الكتاب خاصة ، وأنهم لا يكرهون على الإسلام إذا ~~أدوا الجزية .. والحجة لهذا القول ما رواه زيد بن أسلم عن أبيه قال : سمعت ~~عمر ابن الخطاب يقول لعجوز نصرانية : أسلمي أيتها العجوز تسلمي ، إن الله ~~بعث محمدا بالحق. قالت أنا عجوز كبيرة والموت إلى قريب. فقال عمر : اللهم ~~اشهد وتلا : ( @QUR@04 لا إكراه في الدين ) (1). # والذي تسكن إليه النفس أن هذه الآية محكمة غير منسوخة ، لأن التدين لا ~~يكون مع الإكراه كما أشرنا من قبل ولأن الجهاد ما شرع في الإسلام لإجبار ~~الناس على الدخول في الإسلام إذ لا إسلام مع إجبار ، وإنما شرع الجهاد لدفع ~~الظلم ورد العدوان وإعلاء كلمة الله ، والرسول صلى الله عليه وسلم ما قاتل ~~العرب ليكرههم على الدخول في الإسلام وإنما قاتلهم لأنهم بدءوه بالعداوة. # ولأن الروايات في سبب نزول هذه الآية تؤيد أنه لا إكراه في الدين ، ومن ~~هذه الروايات ما جاء عن ابن عباس أنه قال : نزلت في رجل من الأنجر من بنى ~~سالم بن عوف يقال له الحصين كان له ابنان نصرانيان وكان هو مسلما ، فقال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ألا استكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية ms0606 فأنزل ~~الله هذه الآية (2) وفي رواية أخرى أنه حاول إكراههما على الدخول في ~~الإسلام فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الأنصارى : يا رسول الله ~~أيدخل بعضى النار وأنا أنظر إليه فنزلت الآية. # ولأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا لم يمكن التوفيق بين الآيتين وهنا يمكن ~~التوفيق بأن نقول : إن الآية التي معنا تنفى إكراه الناس على اعتقاد ما لا ~~يريدون وآية ( @QUR@06 يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين ) جاءت لحض ~~النبي صلى الله عليه وسلم وحض أصحابه على قتال الكفار الذين وقفوا في طريق ~~دعوته ، حتى يكفوا عن عدوانهم وتكون كلمة الله هي العليا. # ثم بين سبحانه حسن عاقبة المؤمنين ، وسوء عاقبة الكافرين فقال تعالى : PageV01P590 # ( @QUR@024 الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين ~~كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار ~~هم فيها خالدون ) (257) # الولي : الناصر والمعين والحليف. مأخوذ من الولاية بمعنى النصرة والمعنى ~~: الله الذي بيده ملكوت كل شيء ( @QUR@03 ولي الذين آمنوا ) أى معينهم ~~وناصرهم ومتولى أمورهم ، فهو سبحانه الذي يخرجهم من ظلمات الكفر ، ومن ~~ضلالات الشرك والفسوق والعصيان إلى نور الحق والهداية والتحرر من الأوهام. ~~أما الذين كفروا فأولياؤهم ونصراؤهم الطاغوت الذي يتمثل في الشياطين ~~والأصنام والأوهام الموروثة والكبرياء والمضلين ، وهؤلاء يخرجونهم بسبب ~~انطماس بصيرتهم وانتكاسهم في المعاصي من نور الإيمان والهداية إلى ظلمات ~~الكفر والضلالة. أولئك الموصوفون بتلك الصفات القبيحة أصحاب النار هم فيها ~~خالدون خلودا مؤبدا. # وأفرد سبحانه النور وجمع الظلمات ، لأن الحق واحد أما الظلمات فقد تعددت ~~فنونها وألوانها وأسبابها. وفي تقديم ( @QUR@02 الذين كفروا ) في قوله : # ( @QUR@04 والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ) إشارة إلى أنهم هم الذين ~~ارتضوا أن يكون الطغيان مسيطرا على قلوبهم لأن كفرهم بالله تعالى هو الذي ~~جعل الشيطان ينفذ إلى أقطار نفوسهم بسهولة ويسر. # وقوله : ( @QUR@02 والذين كفروا ) مبتدأ و ( @QUR@01 أولياؤهم ) مبتدأ ~~ثان ، و ( @QUR@01 الطاغوت ) خبره والجملة خبر المبتدأ الأول. # ولم يقل سبحانه والطاغوت ولى الذين كفروا للاحتراز عن وضع اسم الطاغوت في ~~مقابل لفظ الجلالة. # فإن ms0607 قيل : وهل كان الكافرون في نور ثم أخرجوا منه؟ فالجواب أن المراد ~~يخرجونهم من النور الفطري الذي جعل عليه الناس كافة أو من نور الحجج ~~الواضحات التي من شأنها أن تحمل كل عاقل على الدخول في الإسلام. وقيل ~~المراد بهؤلاء المخرجين من النور إلى الظلمات أولئك الذين آمنوا بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم قبل بعثته ثم كفروا به بعدها والإشارة في قوله : ( @QUR@01 ~~أولئك ) تعود PageV01P591 # إلى الذين كفروا. وفي التعبير «بأصحاب النار» إشعار بأنهم ملازمون لها ~~كما يلازم المالك ما يملكه والرفيق رفيقه. وقوله ( @QUR@03 هم فيها خالدون ~~) تأكيد لبقائهم فيها واختصاصهم بها. # وبذلك تكون الآية الكريمة قد ساقت أحسن البشارات للمؤمنين ، وأشد ~~العقوبات. للكافرين الذين استحبوا العمى على الهدى. # ثم ساق القرآن بعد ذلك بعض الأمثلة للمؤمنين المهتدين وللضالين ~~المغرورين. # فقال تعالى : # ( @QUR@043 ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ ~~قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله ~~يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي ~~القوم الظالمين ) (258) # ( @QUR@01 حاج ) أى جادل وخاصم والمحاجة : المخاصمة والمغالبة بالقول ~~يقال حاججته فحججته أى خاصمته بالقول فتغلبت عليه وتستعمل المحاجة كثيرا في ~~المخاصمة بالباطل ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@08 فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي ~~لله ومن اتبعن ).. وقوله تعالى : ( @QUR@08 وحاجه قومه قال أتحاجوني في ~~الله وقد هدان ). # والمعنى : لقد علمت أيها العاقل صفة ذلك الكافر المغرور الذي جادل ~~إبراهيم عليه السلام في شأن خالقه عز وجل ومن لم يعلم قصته فها نحن أولاء ~~نخبره بها عن طريق هذا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا ~~من خلفه. # والاستفهام للتعجب من شأن هذا الكافر وما صار إليه أمر غروره وبطره ~~والمراد به كما قال ابن كثير نمرود بن كنعان بن كوس بن سام ابن نوح ملك ~~بابل ، وكان معاصرا لسيدنا إبراهيم عليه السلام وأطلق القرآن على ما دار بين ~~هذا الملك المغرور وبين سيدنا إبراهيم أنها محاجة ms0608 مع أنها مجادلة بالباطل ~~من هذا الملك ، أطلق ذلك من باب المماثلة اللفظية أو هي محاجة في نظره ~~السقيم ورأيه الباطل. PageV01P592 # والضمير في قوله : ( @QUR@02 في ربه ) يعود إلى إبراهيم عليه السلام وقيل ~~يعود إلى نمرود لأنه هو المتحدث عنه فالضمير يعود إليه والإضافة على الرأى ~~الأول للتشريف ، وللإيذان من أول الأمر بأن الله تعالى مؤيد وناصر لعبده ~~إبراهيم. وقوله : ( @QUR@04 أن آتاه الله الملك ) بيان لسبب إقدام هذا ~~الملك على ما أقدم عليه من ضلال وطغيان. أى سبب هذه المحاجة لأنه أعطاه ~~الله تعالى الملك فبطر وتكبر ولم يشكره سبحانه على هذه النعمة ، بل ~~استعملها في غير ما خلقت له فقوله : ( @QUR@02 أن آتاه ) مفعول لأجله ، ~~والكلام على تقدير حذف لام الجر ، وهو مطرد الحذف مع أن وأن. # وقوله : ( @QUR@07 إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت ) حكاية لما قاله ~~إبراهيم عليه السلام لذلك الملك في مقام التدليل على وحدانية الله وأنه ~~سبحانه هو المستحق للعبادة أى قال له : ربي وحده هو الذي ينشئ الحياة ~~ويوجدها ، ويميت الأرواح ويفقدها حياتها ، ولا يوجد أحد سواه يستطيع أن ~~يفعل ذلك. # وقول إبراهيم كما حكاه القرآن : ( @QUR@04 ربي الذي يحيي ويميت ) مفيد ~~للقصر عن طريق تعريف المبتدأ وهو ( @QUR@01 ربي ) والخبر هو الموصول وصلته. # وعبر بالمضارع في قوله : ( @QUR@02 يحيي ويميت ) لإفادة معنى التجدد ~~والحدوث الذي يرى ويحس بين وقت وآخر. # أى ربي هو الذي يحيى الناس ويميتهم كما ترى ذلك مشاهدا في كثير من ~~الأوقات ، فمن الواجب عليك أن تخصه بالعبادة والخضوع وأن تقلع عما أنت فيه ~~من كفر وطغيان وضلال. # وقوله : ( @QUR@03 إذ قال إبراهيم ) ظرف لقوله : ( @QUR@01 حاج ) أو بدل ~~اشتمال منه ، وفي هذا القول الذي حكاه القرآن عن إبراهيم عليه السلام أوضح ~~حجة وأقواها على وحدانية الله واستحقاقه للعبادة ، لأن كل عاقل يدرك أن ~~الحق هو الذي يملك الإحياء والإماتة ويملك بعث الناس يوم القيامة ليحاسبهم ~~على أعمالهم وهو أمر ينكره ذلك الملك الكافر. # قال الإمام الرازي ما ملخصه : والظاهر أن قول إبراهيم ( @QUR@04 ربي الذي ~~يحيي ويميت ms0609 ) جواب لسؤال سابق غير مذكور. وذلك لأنه من المعلوم أن الأنبياء ~~بعثوا للدعوة إلى الله ، ومتى ادعى الرسول الرسالة فإن المنكر يطالبه ~~بإثبات أن للعالم إلها. فالظاهر هنا أن إبراهيم ادعى الرسالة فقال له نمرود ~~: من ربك؟ فقال إبراهيم : ربي الذي يحيى ويميت ، إلا أن تلك المقدمة حذفت ~~لأن الواقعة تدل عليها ، ودليل إبراهيم في غاية الصحة لأن الخلق عاجزون عن ~~الإحياء والإماتة وقدم ذكر الحياة على الموت هنا. لأن من شأن الدليل أن ~~يكون في غاية الوضوح والقوة ، ولا شك أن عجائب الخلقة حال الحياة أكثر ، ~~واطلاع الإنسان عليها أتم فلا جرم PageV01P593 # وجب تقديم الحياة هاهنا في الذكر» (1). # ثم حكى القرآن جواب نمرود على إبراهيم فقال : ( @QUR@04 قال أنا أحيي ~~وأميت ) أى قال ذلك الطاغية : إذا كنت يا إبراهيم تدعى أن ربك وحده الذي ~~يحيى ويميت فأنا أعارضك في ذلك لأنى أنا أيضا أحيى وأميت وما دام الأمر ~~كذلك فأنا مستحق للربوبية. قالوا : ويقصد بقوله هذا أنه يستطيع أن يعفو عمن ~~حكم بقتله ، ويقتل من شاء أن يقتله. # ولقد كان في استطاعة إبراهيم عليه السلام أن يبطل قوله ، بأن يبين له بأن ~~ما يدعيه ليس من الأحياء والإماتة المقصودين بالاحتجاج ، لأن ما قصده ~~إبراهيم هو إنشاء الحياة وإنشاء الموت ، كان في استطاعة الخليل عليه السلام ~~أن يفعل ذلك ، ولكنه آثر ترك فتح باب الجدال والمحاورة ، وأتاه بحجة هي ~~غاية في الإفحام فقال له كما حكى القرآن : ( @QUR@010 فإن الله يأتي بالشمس ~~من المشرق فأت بها من المغرب ). # أى قال إبراهيم لخصمه المغرور : لقد زعمت أنك تملك الإحياء والإماتة كما ~~يملك الله تعالى ذلك ، ومن شأن هذا الزعم أن يجعلك مشاركا لله تعالى في ~~قدرته فإن كان ذلك صحيحا فأنت ترى وغيرك يرى أن الله تعالى يأتى بالشمس من ~~جهة المشرق عند شروقها فأنت بها أنت من جهة المغرب في هذا الوقت فما ذا ~~كانت نتيجة هذه الحجة الدامغة التي قذفها إبراهيم عليه السلام في وجه خصمه؟ ~~كانت نتيجتها كما حكى القرآن ms0610 ( @QUR@03 فبهت الذي كفر ) أى : غلب وقهر ، ~~وتحير وانقطع عن حجاجه ، واضطرب ولم يستطع أن يتكلم ، لأنه فوجئ بما لا ~~يملك دفعه. و ( @QUR@01 فبهت ) فعل ماض جاء على صورة الفعل المبنى للمجهول ~~كزهى وزكم والمعنى فيه على البناء للفاعل. وقوله : ( @QUR@02 الذي كفر ) هو ~~فاعله. والبهت : الانقطاع والحيرة ، وقرئ بوزن علم ونصر وكرم. # والفاء في قوله : ( @QUR@04 فإن الله يأتي بالشمس ).. إلخ فصيحة لأنها ~~أفصحت عن جواب لشرط مقدر أى إن كنت كما تزعم أنك تحيى وتميت وأن قدرتك ~~كقدرة الله فإن الله تعالى يأتى بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب. # وعبر عن هذا المبهوت بقوله : ( @QUR@02 الذي كفر ) للإشعار بأن سبب حيرته ~~واضطرابه هو كفره وعناده. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@05 والله لا يهدي القوم الظالمين ) ~~أى لا يهديهم إلى طريق PageV01P594 # الحق. ولا يلهمهم حجة ولا برهانا. بسبب ظلمهم وطغيانهم وإيثارهم طريق ~~الشيطان على طريق الرحمن. # وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد حكت للناس لونا من ألوان رعاية الله ~~لأوليائه وخذلانه لأعدائه لكي يكون في ذلك عبرة وعظة لقوم يعقلون. # ثم ساقت السورة الكريمة قصتين تدلان أبلغ دلالة على قدرة الله تعالى وعلى ~~صحة البعث والنشور استمع إلى القرآن وهو يحكى هاتين القصتين بأسلوبه البليغ ~~فيقول : # ( @QUR@067 أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه ~~الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو ~~بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى ~~حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما ~~تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير (259) @QUR@039 وإذ قال إبراهيم ~~رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ ~~أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك ~~سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم ) (260) # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( @QUR@05 أو كالذي مر على قرية ms0611 ) معطوف ~~على سابقه وهو PageV01P595 # قوله : ( @QUR@05 ألم تر إلى الذي حاج ) والكاف اسمية بمعنى مثل معمولة ~~لأرأيت محذوفا. أى أو أرأيت مثل الذي مر على قرية .. وحذف لدلالة ( @QUR@02 ~~ألم تر ) عليه. وقيل : إن الكاف زائدة والتقدير : ألم تر إلى الذي حاج ~~إبراهيم أو الذي مر على قرية .. وقيل : إن العطف هنا محمول على المعنى كأنه ~~قيل : أرأيت شيئا عجيبا كالذي حاج إبراهيم في ربه ، أو كالذي مر على قرية» (1). # والذي ( @QUR@03 مر على قرية ) قيل هو عزيز بن شرخيا ، وقيل حزقيال بن ~~بوزى وقيل غير ذلك ، والقرية قيل المراد بها بيت المقدس وكان قد خربها ~~«بختنصر» البابلي .. والقرآن الكريم لم يهتم بتحديد الأشخاص والأماكن لأنه ~~يقصد العبرة وبيان الحال والشأن. وجملة ( @QUR@04 وهي خاوية على عروشها ) ~~في موضع الحال من الضمير المستتر في ( @QUR@01 مر ) والواو رابطة بين ~~الجملة الحالية وبين صاحبها والإتيان بها واجب لخلو الجملة من ضمير يعود ~~على صاحبها وقيل هي حال من قرية ، وسوغ إتيان الحال منها مع كونها نكرة ~~وقوعها بعد الاستفهام المقدر وهو أرأيت ومعنى ( @QUR@04 وهي خاوية على ~~عروشها ) أن جدرانها ساقطة على سقوفها ، أى أن الخراب قد عمها والدمار قد ~~نزل بها ، فأصبحت خالية من أهلها وفارغة ممن كان يعمرها وأصل الخواء الخلو. ~~يقال خوت الدار وخربت تخوى خواء إذا سقطت وخلت. # والعروش جمع عرش وهو سقف البيت ويسمى العريش ، وكل شيء يهيأ ليظل أو يكن ~~فهو عريش وعرش. # وقوله تعالى : ( @QUR@07 قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها ) حكاية لما ~~قاله ذلك الذي مر على تلك القرية ورأى فيها ما رأى من مظاهر الخراب والدمار ~~والمعنى : أو أرأيت مثل الذي مر على قرية وهي ساقطة حيطانها على سقوفها ، ~~وفارغة ممن كان يسكنها ، فهاله أمرها ، وراعه شأنها ، وقال على سبيل التعجب ~~كيف يحيى الله هذه القرية بعد موتها ، بأن يعيد إليها العمران بعد الخراب ، ~~ويجعلها عامرة بسكانها الذين خلت منهم. فقوله : ( @QUR@03 أنى يحيي هذه ) ~~بمعنى كيف فتكون منصوبة على الحالية من اسم الإشارة ويجوز أن تكون ( ~~@QUR@01 أنى ) هنا ms0612 بمعنى متى أى : متى يحيى الله هذه القرية بعد موتها ~~فتكون منصوبة على الظرفية. # وقال القرطبي : قوله : ( @QUR@06 أنى يحيي هذه الله بعد موتها ) معناه من ~~أى طريق وبأى سبب ، وظاهر اللفظ السؤال عن إحياء القرية بعمارة وسكان ، كما ~~يقال الآن في المدن الخربة يبعد أن تعمر وتسكن أى : أنى تعمر هذه بعد ~~خرابها. فكأن هذا تلهف من الواقف المعتبر على مدينته التي عهد فيها أهله ~~وأحبته» (2). PageV01P596 # وقوله هذا إنما هو تساؤل عن كيفية الإعادة لا عن أصل الإعادة لأنه كان ~~مؤمنا بالبعث والنشور ، إلا أنه لما رأى حال القرية على تلك الصورة من ~~الخراب تعجب من قدرة الله على إحيائها ، وتشوق إلى عمارتها واعترف بالعجز ~~عن معرفة طريق الإحياء. فماذا كانت نتيجة هذا التساؤل؟ كانت نتيجته كما ~~حكاها القرآن : ( @QUR@015 فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت؟ قال ~~لبثت يوما أو بعض يوم ). # أى : بعد أن قال هذا الذي مر على تلك القرية الخاوية على عروشها ما قال ، ~~ألبثه الله تعالى في الموت مائة عام ( @QUR@02 ثم بعثه ) أى أحياه ببعث ~~روحه إلى بدنه ( @QUR@03 قال كم لبثت ) أى كم مدة من الزمان لبثتها على هذه ~~الحال؟ ( @QUR@06 قال لبثت يوما أو بعض يوم ). # وقال سبحانه : ( @QUR@06 فأماته الله مائة عام ثم بعثه ) ولم يقل ثم ~~أحياه ، للدلالة على أنه عاد كهيئته يوم مات عاقلا فاهما مستعدا للنظر ~~والاستدلال وكان ذلك بعد عمارة القرية وللإشهار بسرعته وسهولة تأتيه على ~~الباري سبحانه . # قال ابن كثير : كان أول شيء أحيا الله فيه عينيه لينظر بهما إلى صنع الله ~~فيه كيف يحيى بدنه فلما استقل سويا قال الله له بواسطة الملك ( @QUR@02 كم ~~لبثت )؟ ( @QUR@06 قال لبثت يوما أو بعض يوم ) وذلك أنه مات أول النهار ثم ~~بعثه الله في آخر النهار فلما رأى الشمس باقية ظن أنها شمس ذلك اليوم فقال ~~: ( @QUR@03 أو بعض يوم ) (1). # وقوله : ( @QUR@03 قال كم لبثت ) استئناف مبنى على سؤال كأنه قيل : فماذا ~~قال له بعد بعثه؟ # فقيل : قال كم لبثت ليظهر له العجز عن ms0613 الإحاطة بشئون الله تعالى على أتم ~~وجه وتنحسم مادة استبعاده بالمرة. # وكم منصوبة على الظرفية ومميزها محذوف والتقدير كم يوما أو وقتا والناصب ~~لها قوله : ( @QUR@01 لبثت ). # وفي هذه الجملة الكريمة بيان للناس بأن الموت يشبه النوم ، وأن البعث ~~يشبه اليقظة بعده وأنه لا شيء محال على الله تعالى فهو القائل : ( @QUR@07 ~~ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ). # وفي الحديث الشريف : والله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون ~~ولتحاسبن بما تعملون ، ولتجزون بالإحسان إحسانا وبالسوء سوءا ، وإنها لجنة ~~أبدا ، أو لنار أبدا». # وقوله تعالى : ( @QUR@05 قال بل لبثت مائة عام ) معطوف على مقدر ، أى : ~~ليس الأمر كما قلت إنك لبثت يوما أو بعض يوم بل إنك لبثت مائة عام ثم أرشده ~~سبحانه إلى التأمل في أمور PageV01P597 # فيها أبلغ دلالة على قدرة الله تعالى وعلى صحة البعث فقال سبحانه : ( ~~@QUR@020 فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ، وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية ~~للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما ). # قوله : ( @QUR@02 لم يتسنه ) أى لم يتغير بمرور السنين الطويلة ولم تذهب ~~طراوته فكأنه لم تمر عليه السنون ولفظ يتسنه : مشتق من السنة ، والهاء فيه ~~أصلية إذا قدر لام سنة هاء ، وأصلها سنهة لتصغيرها على سنيهة وجمعها على ~~سنهات كسجدة وسجدات ، ولقولهم : سانهته إذا عاملته سنة فسنة ، وتسنه عند ~~القوم إذا أقام فيهم سنة. أو الهاء للوقف نحو كتابيه وجزمه بحذف حرف العلة ~~إذا قدر لام سنه واوا ، وأصلها سنوه لتصغيرها على سنية وجمعها على سنوات. # وقوله : ( @QUR@01 ننشزها ) أى نرفعها. يقال : أنشز الشيء إذا رفعه من ~~مكانه. وأصله من النشز بفتحتين وبالسكون وهو المكان المرتفع. وقرئ ننشرها ~~بضم النون والراء أى نحييها من أنشر الله الموتى أى أحياهم. والمعنى : قال ~~الله تعالى لهذا الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها إنك لم تلبث يوما ~~أو بعض يوم في الموت كما تظن بل لبثت مائة عام فإن كنت في شك من ذلك فانظر ~~إلى طعامك وشرابك لتشاهد أمرا آخر من دلائل قدرتنا فإن هذا الطعام ms0614 والشراب ~~كما ترى لم يتغير بمرور السنين وكر الأعوام بل بقي على حالته. وانظر إلى ~~حمارك كيف نخرت عظامه ، وتفرقت أوصاله مما يشهد بأنه قد مرت عليه السنوات ~~الطويلة. # وقوله : ( @QUR@03 ولنجعلك آية للناس ) معطوف على محذوف متعلق بفعل مقدر ~~قبله بطريق الاستئناف مقرر لمضمون ما سبق ، والتقدير : فعلنا ما فعلنا لترى ~~وتشاهد بنفسك مظاهر قدرة الله ، ولنجعلك آية معجزة ودليلا على صحة البعث ~~وقوله : ( @QUR@08 وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما ) أى انظر ~~وتأمل في هذه العظام كيف نركب بعضها في بعض بعد أن نوجدها. # وقيل المعنى : وانظر إلى العظام أى عظام حمارك التي تفرقت وتناثرت لتشاهد ~~كيف نرفعها من الأرض فنردها إلى أماكنها في جسده. # قال ابن كثير : قال السدى وغيره : تفرقت عظام حماره يمينا وشمالا حوله ~~فنظر إليها وهي تلوح من بياضها ، فبعث الله ريحا فجمعتها من كل موضع ، ثم ~~ركب كل عظم في موضعه ، وذلك كله بمرأى من العزير» (1). # وجاء الضمير في قوله : ( @QUR@02 لم يتسنه ) بالإفراد مع أن المتقدم طعام ~~وشراب ، لأنهما متلازمان PageV01P598 # بمعنى أن أحدهما لا يكتفى به عن الآخر فصارا بمنزلة شيء واحد ، فكأنه قال ~~: انظر إلى غذائك. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@011 فلما تبين له قال أعلم أن الله ~~على كل شيء قدير ) أى : فلما تبين له بالأدلة الناصعة ، وبالمشاهدة الحسية ~~قدرة الله تعالى على الإحياء والإماتة ، وعلى البعث والنشور قال أعلم أى ~~أستيقن وأومن وأعتقد أن الله تعالى على كل شيء قدير ، وأنه سبحانه لا يعجزه ~~شيء. والفاء في قوله : ( @QUR@03 فلما تبين له ... ) عاطفة على مقدر ~~يستدعيه المقام فكأنه قيل : رفع الله العظام من أماكنها وأكساها لحما فلما ~~تبين له ذلك ، وتيقنه قال أعلم أن الله على كل شيء قدير. وفاعل ( @QUR@01 ~~تبين ) مضمر يفسره سياق الكلام والتقدير : فلما تبين له كيفية الإحياء أو ~~فلما تبين له ما أشكل عليه من أمر إحياء الموتى قال أعلم أن الله على كل ~~شيء قدير. # تلك هي القصة الأولى التي ساقها الله تعالى كدليل على قدرته ms0615 وعلى صحة ~~البعث والنشور. أما القصة الثانية التي تؤكد هذا المعنى فقد حكاها القرآن ~~في قوله : ( @QUR@08 وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى ) أى : واذكر ~~أيها العاقل لتعتبر وتتعظ وقت أن قال إبراهيم عليه السلام مخاطبا خالقه ~~سبحانه : رب أرنى بعيني كيف تعيد الحياة إلى الموتى. # وفي قوله : (رب) تصريح بكمال أدبه مع خالقه عز وجل فهو قبل أن يدعوه ~~يستعطفه ويعترف له بالربوبية الحقة ، والألوهية التامة ، ويلتمس منه معرفة ~~كيفية إحياء الموتى ، فهو لا يشك في قدرة الله ولا في صحة البعث وحاشاه أن ~~يفعل ذلك فهو رسول من أولى العزم من الرسل ، وإنما هو يريد أن ينتقل من ~~مرتبة علم اليقين إلى عين اليقين ، ومن مرتبة البرهان إلى مرتبة العيان ، ~~فإن العيان يغرس في القلب أسمى وأقوى ألوان المعرفة والاطمئنان. # وقد ذكر المفسرون لسؤال إبراهيم عليه السلام أسبابا منها : أنه لما قال ~~للنمرود ( @QUR@04 ربي الذي يحيي ويميت ) أحب أن يترقى بأن يرى ذلك مشاهدة. ~~وقد أجاب الخالق عز وجل على طلب إبراهيم بقوله : ( @QUR@02 أولم تؤمن ) أى : ~~أتقول ذلك وتطلبه ولم تؤمن بأنى قادر على الإحياء وعلى كل شيء؟ # فالجملة الكريمة استئناف مبنى على السؤال ، وهي معطوفة على مقدر ، ~~والاستفهام للتقرير. وهنا يحكى القرآن جواب إبراهيم على خالقه عز وجل فيقول ~~: ( @QUR@05 قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ). أى قال إبراهيم في الرد على سؤال ~~ربه له ( @QUR@02 أولم تؤمن )؟ بلى يا رب آمنت بك وبقدرتك وبوحدانيتك ~~إيمانا صادقا كاملا ، ولكني سألت هذا السؤال ليزداد قلبي سكونا واطمئنانا ~~وإيمانا لأن من شأن المشاهدة أن تغرس في القلب سكونا واطمئنانا أشد ، ~~وإيمانا PageV01P599 # أقوى ، وأنا في جميع أحوالى مؤمن كل الإيمان بقدرتك ووحدانيتك يا رب ~~العالمين. # قال القرطبي ما ملخصه : لم يكن إبراهيم شاكا في إحياء الله الموتى قط ~~وإنما طلب المعاينة ، وذلك أن النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أخبرت به ، ولهذا ~~جاء في الحديث (ليس الخبر كالمعاينة)، قال الأخفش : لم يرد إبراهيم رؤية ~~القلب وإنما أراد رؤية العين. وقال الحسين : سأل ليزداد ms0616 يقينا إلى يقينه. # وأما قول الرسول صلى الله عليه وسلم : نحن أحق بالشك من إبراهيم فمعناه أنه ~~لو كان شاكا لكنا نحن أحق بالشك منه ، ونحن لا نشك فإبراهيم عليه السلام ~~أحرى ألا يشك ، فالحديث مبنى على نفى الشك عن إبراهيم .. وإذا تأملت سؤاله ~~عليه السلام وسائر ألفاظه الآتية لم تعط شكا ، وذلك أن الاستفهام بكيف إنما ~~هو سؤال عن حالة شيء موجود متقرر الوجود عند السائل والمسئول ، وكيف هنا ~~إنما هي استفهام عن هيئة الإحياء والإحياء متقرر ، فسؤال إبراهيم إنما هو ~~عن الكيفية لا عن أصل القضية ..» (1). # وقال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف قال له ( @QUR@02 أولم تؤمن ) وقد علم ~~أنه أثبت الناس إيمانا؟ قلت : ليجيب بما أجاب به لما فيه من الفائدة ~~الجليلة للسامعين. و ( @QUR@01 بلى ) إيجاب لما بعد النفي معناه : بلى ~~آمنت. وقوله : ( @QUR@03 ولكن ليطمئن قلبي ) أى ليزداد سكونا وطمأنينة ~~بمضامة علم الضرورة أى علم المشاهدة إلى علم الاستدلال الذي يجوز معه ~~التشكيك بخلاف العلم الضروري ، فأراد بطمأنينة القلب العلم الذي لا مجال ~~فيه للتشكيك. فإن قلت : بم تعلقت اللام في قوله : ( @QUR@01 ليطمئن ) قلت ~~بمحذوف تقديره : ولكن سألت ذلك إرادة طمأنينة القلب» (2). # ثم حكى القرآن بعد ذلك ما كان من جواب الخالق عز وجل على نبيه إبراهيم ~~فقال : ( @QUR@018 قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ، ثم اجعل على كل جبل ~~منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا ). # قوله : ( @QUR@02 فصرهن إليك ) أى فاضممهن إليك قرئ بضم الصاد وكسرها ~~وتخفيف الراء يقال : صاره يصوره ويصيره ، أى أماله وضمه إليه. ويقال أيضا ~~صار الشيء بمعنى قطعه وفصله والمعنى : قال الله تعالى لإبراهيم : إذا أردت ~~معرفة ما سألت عنه فخذ أربعة من الطير فاضممهن إليك لتتأملهن وتعرف أشكالهن ~~وهيئاتهن كيلا تلتبس عليك بعد الإحياء ، ثم اذبحهن وجزئهن أجزاء ( @QUR@07 ~~ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ) أى ثم اجعل على كل مكان PageV01P600 # مرتفع من الأرض جزءا من كل طائر من تلك الطيور ثم نادهن يأتينك مسرعات ~~إليك. والفاء في قوله ( @QUR@01 فخذ ) هي التي تسمى ms0617 بالفاء الفصيحة لأنها ~~تفصح عن شرط مقدر أى : إذا أردت ذلك فخذ .. # وقوله : ( @QUR@02 من الطير ) متعلق بمحذوف صفة لأربعة أى فخذ أربعة ~~كائنة من الطير ، أو متعلق بقوله ( @QUR@01 فخذ ) أى خذ من الطير. والطير ~~اسم جمع كركب وسفر وقيل هو جمع طائر مثل تاجر وتجر. قالوا : وهذه الطيور ~~الأربعة هي الطاوس والنسر والغراب والديك. # ومما قالوه في اختيار الطير لهذه الحالة : أن الطير من صفاته الطيران ، ~~وأنه لا يستأنس بالإنسان بل يطير بمجرد رؤيته ، ولسهولة تأتى ما يفعل به من ~~التجزئة والتفرقة. # وقوله : ( @QUR@07 ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ) معطوف على محذوف دل ~~عليه قوله : ( @QUR@01 جزءا ) لأن تجزئتهن إنما تقع بعد الذبح والتقدير : ~~فاذبحهن ثم اجعل .. إلخ. وقوله : ( @QUR@02 ثم ادعهن ) أى قل لهن تعالين ~~بإذن الله. # وقوله ( @QUR@01 يأتينك ) جواب الأمر فهو في محل جزم ، ( @QUR@01 سعيا ) ~~منصوب على المصدر النوعي ، لأن السعى نوع من الإتيان فكأنه قيل : يأتينك ~~إتيانا سريعا : # قال الفخر الرازي : أجمع أهل التفسير على أن المراد بالآية : قطعهن ، وأن ~~إبراهيم قطع أعضاءها ولحومها وريشها ودماءها وخلط بعضها ببعض وفعل كما أمره ~~الله ، ثم قال لهن تعالين بإذن الله فأقبلن مسرعات إليه بعد أن انضم كل جزء ~~إلى أصله ثم قال : ولكن أبا مسلم أنكر ذلك وقال : إن إبراهيم لما طلب إحياء ~~الميت من الله تعالى أراه الله مثالا قرب به الأمر عليه ، والمراد بصرهن ~~إليك : الإمالة والتمرين على الإجابة. أى : فعود الطيور الأربعة أن تصير ~~بحيث إذا دعوتها أجابتك وأتتك ، فإذا صارت كذلك فاجعل على كل جبل واحدا حال ~~حياته ، ثم ادعهن يأتينك سعيا ، والغرض منه ذكر مثال محسوس في عود الأرواح ~~إلى الأجساد على سبيل السهولة ..» (1). # والذي يطمئن إليه القلب هو رأى الجمهور لأن الآية مسوقة لتحقيق معجزة ~~تجرى على يد إبراهيم وهي إحياء الموتى بالمشاهدة كما جرى إحياء الرجل الذي ~~أماته الله مائة عام والذي جاء ذكره في الآية السابقة ، ولأن ظاهر الآية ~~صريح في أنه حصل تقطيع لأجزاء الطير ثم وضع كل جزء منها ms0618 على مرتفع من الأرض ~~، وما دام الأمر كذلك فلا يجوز حمل المعنى على غير هذا الظاهر ، كما لا ~~يجوز تحميل الألفاظ ما لا تحتمله. وما ذهب إليه أبو مسلم هو قول بلا دليل ~~فضلا عن مخالفته لما عليه إجماع المفسرين. PageV01P601 # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@05 واعلم أن الله عزيز حكيم ) أى ~~واعلم أن الله تعالى غالب على أمره ، قاهر فوق عباده ، حكيم في كل شئونه ~~وأفعاله وبذلك نرى أن الآيتين الكريمتين قد ساقتا أبلغ الأدلة والشواهد على ~~قدرة الله تعالى وعلى أنه هو المستحق للعبادة والخضوع ، وعلى أن ما أخبر به ~~من صحة البعث والنشور حق لا ريب فيه. # ثم حض الله تعالى عباده على الإنفاق في سبيله ، ووعدهم على ذلك بجزيل ~~الثواب ، فقال تعالى : # ( @QUR@024 مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع ~~سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم (261) ~~@QUR@024 الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ~~ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) (262) # ذكر بعض المفسرين أن هاتين الآيتين نزلنا في صدقة عبد الرحمن بن عوف ~~وعثمان بن عفان ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حث الناس حين أراد ~~الخروج إلى غزوة تبوك ، جاء عبد الرحمن بأربعة آلاف درهم فقال : يا رسول ~~الله كانت لي ثمانية آلاف فأمسكت لنفسي ولعيالي أربعة آلاف ، وأربعة آلاف ~~أقرضتها لربي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بارك الله لك فيما أمسكت ~~وفيما أعطيت». وجاء عثمان بألف دينار في جيش العسرة فصبها في حجر الرسول ~~صلى الله عليه وسلم قال عبد الرحمن بن سمرة راوي الحديث فرأيته ~~صلى الله عليه وسلم يدخل يده فيها ويقلبها ويقول : «ماضر ابن عفان ما عمل بعد ~~اليوم اللهم لا تنس هذا اليوم لعثمان». وقال أبو سعيد الخدري : رأيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم رافعا يديه يدعو لعثمان ويقول : «يا رب عثمان إنى رضيت عن ~~عثمان ms0619 فارض عنه». # ونزول هاتين الآيتين في شأن صدقة هذين الصحابيين الجليلين لا يمنع من ~~شمولهما لكل من نهج نهجهما ، وبذل من ماله في سبيل الله. # و «المثل» ، الشبه والنظير. ثم أطلق على القول السائر المعروف لمماثلة ~~مضربه لمورده الذي ورد فيه أولا. ثم استعير للصفة أو الحال أو القصة إذا ~~كان لها شأن وفيها غرابة ، وعلى هذا المعنى يحمل المثل في هذه الآية. PageV01P602 # و «الحبة» كما يقول القرطبي اسم جنس لكل ما يزدرعه ابن آدم ويقتاته ، ~~وأشهر ذلك البر فكثيرا ما يراد بالحب. # وسنبلة بوزن فنعلة من أسبل الزرع إذا صار فيه السنبل ، أى استرسل بالسنبل ~~كما يسترسل الستر بالإسبال. وقيل : معناه صار فيه حب مستور كما يستر الشيء ~~بإسبال الستر عليه. والجمع سنابل (1). # والمعنى : مثل صدقة الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ، أى : في طاعته ، ~~كمثل حبة ألقيت في أرض طيبة ، أصابها الغيث ، فخرجت الحبة على هيئة زرع قوى ~~جميل فأنبتت في الوقت المناسب لإنباتها سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة. # فأنت ترى أن الخالق عز وجل قد شبه حال الصدقة التي ببذلها المؤمن في سبيل ~~الله فيكافئه الله تعالى عليها بالثواب العظيم ، بحال الحبة التي تلقى في ~~الأرض النقية فتخرج عودا مستويا قائما قد تشعب إلى سبع شعب ، في كل شعبة ~~سنبلة ، وفي كل سنبلة مائة حبة. وفي هذا التشبيه ما فيه من الحض على ~~الإنفاق في وجوه الخير ، ومن الترغيب في فعل البر ولا سيما النفقة في ~~الجهاد في سبيل الله. # قال ابن كثير : وهذا المثل أبلغ في النفوس من ذكر عدد السبعمائة. فإن هذا ~~فيه اشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله تعالى لأصحابها كما ينمى ~~الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة» (2). # وقال سبحانه : ( @QUR@03 كمثل حبة أنبتت ) فأسند الإنبات إلى الحبة ، مع ~~أن المنبت في الحقيقة هو الله ، وذلك لأنها سبب لوجود تلك السنابل المليئة ~~بالحبات ، ولأنها هي الأصل لما تولد عنها. # ثم قال تعالى : ( @QUR@04 والله يضاعف لمن يشاء ) أى والله تعالى يضاعف ~~الثواب والجزاء ms0620 أضعافا كثيرة لمن يشاء من عباده ، فيعطى بعضهم سبعمائة ضعف ~~، ويعطى بعضهم أكثر من ذلك ، لأن الصدقة يختلف ثوابها باختلاف حال المتصدق ~~، فمتى خرجت منه بنية خالصة ، وقلب سليم ، ونفس صافية ، ومن مال حلال ، ~~ووضعت في موضعها المناسب ، متى كانت كذلك كان الجزاء عليها أوفر ، ~~والمضاعفة لها تزيد على سبعمائة ضعف. إذ عطاء الله لمن يشاء من عباده ليس ~~له حدود ، وثوابه ليس له حساب معدود. PageV01P603 # ولذا ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@03 والله واسع عليم ) أى والله ~~تعالى عطاؤه واسع ، وجوده عميم ، وفضله كبير ، وهو تعالى عليم بنيات عباده ~~وبأقوالهم وبأفعالهم وبسائر شئونهم ، فيجازى كل إنسان على حسب نيته وعمله. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ) استئناف ~~جيء به لبيان كيفية الإنفاق الذي يحبه الله ، ويجازى عليه المنفقين بالجزاء ~~العظيم. # وقوله : ( @QUR@08 ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى ) تحذير للمتصدق ~~من هاتين الصفتين الذميمتين لأنهما مبطلتان لثواب الصدقة. # والمن معناه : أن يتطاول المحسن بإحسانه على من أحسن إليه ، ويتفاخر عليه ~~بسبب ما أعطاه من عطايا. كأن يقول على سبيل التفاخر والتعبير : لقد أحسنت ~~إليك وأنقذتك من الفقر وما يشبه ذلك. # قال الإمام الرازي ما ملخصه : والمن في اللغة على وجوه : فقد يأتى بمعنى ~~الإنعام. يقال : قد من الله على فلان. إذا أنعم عليه بنعمه. وقد يأتى بمعنى ~~النقص من الحق والبخس له. قال تعالى : ( @QUR@05 وإن لك لأجرا غير ممنون ) ~~أى غير مقطوع وغير ممنوع ومنه سمى الموت منونا لأنه يقطع الأعمار ، ومن هذا ~~الباب المنة المذمومة لأنها تنقص النعمة وتكدرها ، والعرب يمتدحون بترك ~~المن بالنعمة. # والمراد بالمن في الآية المذموم الذي هو بمعنى «إظهار الاصطناع إليهم» (1). # وقال صاحب الكشاف : المن : أن يعتد على من أحسن إليه بإحسانه ، ويريد أنه ~~اصطنعه وأوجب عليه حقا له ، وكانوا يقولون : إذا صنعتم صنيعة فانسوها. ~~ولبعضهم. # وإن امرؤ أسدى إلى صنيعة وذكرنيها إنه للئيم وفي نوابغ الكلم : صنوان : ~~من منح سائله ومن ، ومن منع نائله وضن» (2) والمراد بالأذى في الآية : أن ~~يقول المعطى ms0621 لمن أعطاه قولا يؤذيه ، أو يفعل معه فعلا يسيء به إليه ، وهو ~~أعم من المن ، إذ المن نوع من الأذى لكنه نص عليه لكثرة وقوعه. # وجاء العطف بثم في الجملة الكريمة ، لإظهار التفاوت الشديد في الرتبة بين ~~الإنفاق الذي يحبه الله ، وبين الإنفاق الذي يصاحبه المن والأذى ، وللإشعار ~~بأن المن والأذى بغيضان عند PageV01P604 # الإنفاق وبعده ، فعلى المنفق أن يستمر في أدبه وإخلاصه وقت الإنفاق وبعده ~~حتى لا يذهب ثوابه ، إذ المن والأذى مبطلان للثواب في أى وقت يحصلان فيه. # قال الشيخ ابن المنير مبينا أن ( @QUR@01 ثم ) هنا تفيد استمرار الفعل ~~بجانب إفادتها للتفاوت في الرتبة : وعندي فيها أى في ثم وجه آخر محتمل في ~~هذه الآية ونحوها. وهو الدلالة على دوام الفعل المعطوف بها وإرخاء الطول في ~~استصحابه. فهي على هذا لم تخرج عن الإشعار ببعد الزمن ، ولكن معناها الأصلى ~~تراخى زمن وقوع الفعل وحدوثه ، ومعناها المستعار إليه دوام وجود الفعل ~~وتراخى زمن بقائه. وعليه حمل قوله : ( @QUR@07 إن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا ) أى : داوموا على هذه الاستقامة دواما متراخيا ممتد الأمد .. ~~وكذلك قوله هنا «ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى» أى يدومون على تناسى ~~الإحسان وعلى ترك الاعتداد به والامتنان والأذى .. (1). # وكرر سبحانه النفي في قوله : ( @QUR@08 ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا ~~أذى ) لتأكيده وشموله لأفراد كل واحد منهما ، أى يجب ألا يقع منهم أى نوع ~~من أنواع المن ولا أى نوع من أنواع الأذى. حتى لقد قال بعض الصالحين : «لئن ~~ظننت أن سلامك يثقل على من أنفقت عليه بنفقة تبتغى بها وجه الله ، فلا تسلم عليه». # ثم ختم سبحانه الآية ببيان عاقبة المنفقين بلا من ولا أذى فقال : ( ~~@QUR@010 لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) أى : لهم ~~جزاؤهم العظيم مكافأة لهم على أدبهم وإخلاصهم ، عند مربيهم ومالك أمرهم ، ~~ولا خوف عليهم مما سيجدونه في مستقبلهم ، ولا هم يحزنون على ماضيهم ، وذلك ~~لأن الله تعالى قد أحاطهم برعايته في دنياهم وأخراهم وعوضهم ms0622 عما فارقوه خير ~~عوض وأكرمه. # ثم كرر سبحانه التحذير من المن والأذى ، مناديا المؤمنين بأن يجتنبوا في ~~صدقاتهم هاتين الرذيلتين ، مبينا أن الكلمة الطيبة للفقير خير من إعطائه مع ~~إيذائه ، استمع إلى القرآن الكريم وهو يسوق هذه المعاني وغيرها بأسلوبه ~~البليغ المؤثر فيقول : # ( @QUR@011 قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم ~~(263) @QUR@06 يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا PageV01P605 # @QUR@033 صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن ~~بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا ~~يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين ) (264) # والمعنى : ( @QUR@02 قول معروف ) بأن تقول للسائل كلاما جميلا طيبا تجبر ~~به خاطره ، ويحفظ له كرامته «ومغفرة» لما وقع منه من إلحاف في السؤال ، ~~وستر لحاله وصفح عنه ، ( @QUR@05 خير من صدقة يتبعها أذى ) أى خير من صدقة ~~يتبعها المتصدق أذى للمتصدق عليه. # لأن الكلمة الطيبة للسائل ، والستر عليه ، والعفو عنه فيما صدر منه ، كل ~~ذلك يؤدى إلى رفع الدرجات عند الله ، وإلى تهذيب النفوس ، وتأليف القلوب ~~وحفظ كرامة أولئك الذين مدوا أيديهم بالسؤال. أما الصدقة التي يتبعها الأذى ~~فإن إيتاءها بتلك الطريقة يؤدى إلى ذهاب ثوابها ، وإلى زيادة الآلام عند ~~السائلين ولا سيما الذين يحرصون على حفظ كرامتهم ، وعلى صيانة ماء وجوههم ، ~~فإن ألم الحرمان عند بعض الناس أقل أثرا في نفوسهم من آلام الصدقة المصحوبة ~~بالأذى ، لأن ألم الحرمان يخففه الصبر الذي وراءه الفرج ، أما آلام الصدقة ~~المصحوبة بالأذى لهم فإنها تصيب النفوس الكريمة بالجراح التي من العسير ~~التئامها وشفاؤها. # قال القرطبي : روى مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~«الكلمة الطيبة صدقة ، وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق». فعلى ~~المسئول أن يتلقى السائل بالبشر والترحيب ، ويقابله بالطلاقة والتقريب ~~ليكون مشكورا إن أعطى ومعذورا إن منع. وقد قال بعض الحكماء : الق صاحب ~~الحاجة بالبشر فإن عدمت شكره لم تعدم عذره» (1). # وقوله : ( @QUR@02 قول معروف ) مبتدأ وساغ الابتداء بالنكرة لوصفها ~~وللعطف عليها. وقوله ms0623 : ( @QUR@01 ومغفرة ) عطف عليه وسوغ الابتداء بها ~~العطف أو الصفة المقدرة إذ التقدير ومغفرة للسائل أو من الله وقوله : ( ~~@QUR@01 خير ) خبر عنهما وقوله ( @QUR@02 يتبعها أذى ) في محل جر صفة لصدقة. # ثم ختم الله تعالى الآية بقوله : ( @QUR@03 والله غني حليم ) أى والله ~~تعالى غنى عن إنفاق المنفقين وصدقات المتصدقين. وإنما أمرهم بهما لمصلحة ~~تعود عليهم. أو غنى عن الصدقة PageV01P606 # المصحوبة بالأذى فلا يقبلها. ( @QUR@01 حليم ) فلا يعجل بالعقوبة على ~~مستحقها ، فهو سبحانه يمهل ولا يهمل. # والجملة الكريمة تذييل لما قبله مشتملة على الوعد والوعيد ، والترغيب ~~والترهيب. # وقوله تعالى : ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن ~~والأذى ) نداء منه سبحانه للمؤمنين يكرر فيه نهيهم عن المن والأذى ، لأنهما ~~يؤديان إلى ذهاب الأجر من الله تعالى وإلى عدم الشكر من الناس ولذا جاء في ~~الحديث الشريف : «إياكم والامتنان بالمعروف فإنه يبطل الشكر ويمحق الأجر». # ثم أكد سبحانه هذا النهى عن المن والأذى بذكر مثلين فقال في أولهما : ( ~~@QUR@010 كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ). # والمعنى : يا من آمنتم بالله تعالى لا تبطلوا صدقاتكم بأن تحبطوا أجرها ، ~~وتمحقوا ثمارها ، بسبب المن والأذى ، فيكون مثلكم في هذا الإبطال لصدقاتكم ~~بسبب ما ارتكبتم من آثام ، كمثل المنافق الذي ينفق ماله من أجل أن يرى ~~الناس منه ذلك ولا يبغى به رضاء الله ولا ثواب الآخرة ، لأنه كفر بالله ، ~~وكفر بحساب الآخرة. # وفي هذا التشبيه تنفير شديد من المن والأذى لأنه سبحانه شبه حال المتصدق ~~المتصف بهما في إبطال عمله بسببهما بحال هذا المنافق المرائى الذي لا يؤمن ~~بالله واليوم الآخر. # وقوله : ( @QUR@01 كالذي .. ) الكاف في محل نصب على أنها نعت لمصدر محذوف ~~أى : لا تبطلوها إبطالا كابطال الذي ينفق ماله رئاء الناس ... أو في محل ~~نصب على الحال من فاعل ( @QUR@01 تبطلوا ) أى لا تبطلوها مشابهين الذي ينفق ~~ماله رئاء الناس. # وقوله : ( @QUR@01 رئاء ) منصوب على أنه مفعول لأجله أى : كالذي ينفق ~~ماله من أجل رئاء الناس. # وأما المثال الثاني فقال سبحانه : ( @QUR@015 فمثله كمثل صفوان عليه تراب ms0624 ~~فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا ). # الصفوان اسم جنس جمعى واحده صفوانة كشجر وشجرة وهو الحجر الكبير الأملس ، ~~مأخوذ من الصفاء وهو خلوص الشيء مما يشوبه. يقال : يوم صفوان أى صافى ~~الشمس. وقيل هو مفرد كحجر. والوابل المطر الشديد. يقال : وبلت السماء تبل ~~وبلا ووبولا. اشتد مطرها والصلد هو الشيء الأجرد النقي من التراب الذي كان ~~عليه. ومنه رأس أصلد إذا كان لا ينبت شعرا ، والأصلد الأجرد الذي لا ينبت ~~شيئا مأخوذ من صلد يصلد صلدا فهو صلد. PageV01P607 # والمعنى : يا أيها المؤمنون لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى فيكون مثلكم ~~كمثل المنافق الذي ينفق ماله من أجل الرياء لا من أجل رضا الله ، وإن مثل ~~هذا المنافق في انكشاف أمره وعدم انتفاعه بما ينفقه رياء وحبا للظهور كمثل ~~حجر أملس لا ينبت شيئا ولكن عليه قليل من التراب الموهم للناظر إليه أنه ~~منتج فنزل المطر الشديد فأزال ما عليه من تراب ، فانكشف حقيقته وتبين ~~للناظر إليه أنه حجر أملس صلد لا يصلح لإنبات أى شيء عليه. # فالتشبيه في الجملة الكريمة بين الذي ينفق ماله رياء وبين الحجر الكبير ~~الأملس الذي عليه قدر رقيق من التراب ستر حاله ، ثم ينزل المطر فيزيل ~~التراب وتنكشف حقيقته ويراه الرائي عاريا من أى شيء يستره. وكذلك المنافق ~~المرائى في إنفاقه يتظاهر بمظهر السخاء أمام الناس ثم لا يلبث أن ينكشف ~~أمره لأن ثوب الرياء يشف دائما عما تحته ، وإن لم يكشفه فإن الله كاشفه. # ومن المفسرين من يرى أن التشبيه في الجملة الكريمة بين المنفق الذي يبطل ~~صدقته بالمن والأذى وبين الحجر الأملس ، وأن الضمير في قوله : ( @QUR@03 ~~فمثله كمثل صفوان ) يعود إلى هذا المبطل لصدقته بالمن والأذى. فيكون المعنى ~~: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى فيكون مثلكم كمثل الحجر الأملس الذي عليه ~~تراب كان يرجى أن يكون منبتا للزرع فنزل المطر فأزال التراب فبطل إنتاجه ، ~~فالمن والأذى يبطلان الصدقات ويزيلان أثرها النافع ، كما يزيل المطر التراب ~~الذي يؤمل منه الإنبات من فوق ms0625 الحجر الأملس. # والذي نراه أن عودة الضمير في قوله : ( @QUR@01 فمثله ) على الذي ينفق ~~ماله رثاء الناس أظهر لأنه أقرب مذكور ، ولأن التشبيه في قوله : ( @QUR@03 ~~فمثله كمثل صفوان ) قد جاء بلفظ المفرد وهو المناسب للذي ينفق ماله رثاء ~~الناس لأنه مفرد مثله ، بخلاف قوله : ( @QUR@05 لا تبطلوا صدقاتكم بالمن ~~والأذى ) فإن الضمير فيه بلفظ الجمع ، فمن الأولى أن يعود الضمير في قوله : ~~( @QUR@01 فمثله ) إلى المرائى لتوافقهما في الأفراد. # ثم قال تعالى : ( @QUR@06 لا يقدرون على شيء مما كسبوا ) أى أن الذين ~~يبطلون صدقاتهم بالمن والأذى ، والذين يتصدقون رياء ومفاخرة لا يقدرون على ~~تحصيل شيء من ثواب ما عملوا لأن ما صاحب أعمالهم من رياء ومن أذى محق ~~بركتها ، وأذهب ثمرتها ، وأزال ثوابها. # أو المعنى : أن أولئك المنانين والمرائين ليس عندهم قدرة على شيء من ~~المال الذي بين أيديهم وإنما هذا المال ملك لله وهو سبحانه الذي أنعم به ~~عليهم ، فعليهم أن يشكروه على هذه النعمة ، وأن ينفقوه بدون من أو أذى أو ~~مراءاة ، حتى يظفروا بحسن المثوبة منه سبحانه . # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@05 والله لا يهدي القوم ~~الكافرين ) أى لا يهديهم إلى ما ينفعهم لأنهم آثروا الكفر على الإيمان. PageV01P608 # والجملة الكريمة تذييل مقرر لمضمون ما قبله ، وفيها إشارة إلى أن الإنفاق ~~المصحوب بالمن والأذى والرياء ليس من صفات المؤمنين وإنما هو من صفات ~~الكافرين ، فعلى المؤمنين أن يجتنبوا هذه الصفات التي لا تليق بهم. # والذي ينظر في هذه الآيات الكريمة يرى أن الله تعالى قد حذر المنفقين من ~~المن والأذى في ثلاث آيات متواليات ، كما حذرهم من الرياء ، وساق أكثر من ~~تشبيه لتقبيح الصدقات التي لا تكون خالصة لوجه الله فلما ذا كل هذا التشديد ~~في النهى؟ # والجواب عن ذلك : أن المن والأذى في الإنفاق كثيرا ما يحصلان بسبب ~~استعلاء كاذب ، أو رغبة في إذلال المحتاج وإظهاره بمظهر الضعيف : وكلا ~~الأمرين لا يليق بالنفس المؤمنة المخلصة ، ولا يتلاقى مطلقا مع الحكم التي ~~من أجلها شرعت الصدقات بل إنه ليتنافر معها تنافرا ms0626 تاما لأن الصدقات شرعها ~~الله لتهذيب النفوس وتطهير القلوب ولتربط بين الأغنياء والفقراء برباط ~~المحبة والمودة والإخاء ، فإذا ما صاحبها المن والأذى أثمرت نقيض ما شرعت ~~له ، لأنها تثير في نفس المعطى بسبب ذلك الكبر والخيلاء وغير ذلك من الصفات ~~الذميمة ، وتثير في نفس الآخذ شعورا بالحقد والانتقام ممن أعطاه ثم آذاه ~~وبذلك تنقطع الروابط ، ويتمزق المجتمع ، وتتحول المحبة إلى عداوة. # ولقد تحدث الإمام الرازي عن الآثار السيئة للمن والأذى فقال ما ملخصه : # وإنما كان المن مذموما لوجوه : # الأول : أن الفقير الآخذ للصدقة منكسر القلب لأجل حاجته إلى صدقة ، فإذا ~~أضاف المعطى إلى ذلك إظهار الإنعام زاد ذلك في انكسار قلبه فيكون في حكم ~~المضرة بعد المنفعة ، وفي حكم المسيء إليه بعد أن أحسن إليه. # والثاني : أن إظهار المن يبعد أهل الحاجة عن الرغبة في صدقته إذا اشتهر ~~من طريق ذلك. # الثالث : أن المعطى يجب أن يعتقد أن هذه النعمة من الله تعالى عليه وأن ~~يعتقد أن لله عليه نعما عظيمة حيث وفقه لهذا العمل ومتى كان الأمر كذلك ~~امتنع عن أن يجعل ما ينفقه منة على الغير. # الرابع : أن المعطى في الحقيقة هو الله ، ومتى اعتقد العبد ذلك استنار ~~قلبه ، أما إذا اعتقد غير ذلك فإنه يكون في درجة البهائم الذين لا يترقى ~~نظرهم عن المحسوس إلى المعقول ، وعن الآثار إلى المؤثر ... وأما الأذى ~~فيتناول كل ذلك وغيره مما يسيء إلى الفقير بأن يقول له : فرج الله عنى منك ~~، وأنت أبدا تأتى إلى بما يؤلم. إلخ (1). PageV01P609 # هذا ، وقد ساق الإمام ابن كثير عددا من الأحاديث الشريفة التي نهت عن ~~المن والأذى ومن ذلك ما جاء في صحيح مسلم عن أبى ذر قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا ~~يزكيهم ولهم عذاب أليم : المنان بما أعطى ، والمسبل إزاره ، والمنفق سلعته ~~بالحلف الكاذب» وروى النسائي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~: «لا يدخل الجنة مدمن ms0627 خمر ، ولا عاق لوالديه ، ولا منان» (1). # وبعد أن بين القرآن سوء عاقبة الذين يراءون في صدقتهم ، ويفسدون ثمارها ~~بالمن والأذى ، أتبع ذلك ببيان حسن عاقبة الذين ينفقون أموالهم ابتغاء رضا ~~الله ، فقال تعالى : # ( @QUR@027 ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من ~~أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل ~~والله بما تعملون بصير ) (265) # التثبيت : تحقيق الشيء وترسيخه ، والجنة كما يقول الراغب كل بستان ذي شجر ~~يستر بأشجاره الأرض. وأصل الجن ستر الشيء على الحاسة ، يقال : جنه الليل ~~وأجنه أى ستره. وسميت الجنة بذلك لأنها تظلل ما تحتها وتستره. والربوة بضم ~~الراء وفتحها المكان المرتفع من الأرض. وأصلها من قولهم : ربا الشيء يربو ~~إذا ازداد وارتفع ومنه الربا للزيادة المأخوذة على أصل الشيء. # والمعنى : ومثل الذين ينفقون أموالهم طلبا لرضى الله تعالى ( @QUR@03 ~~وتثبيتا من أنفسهم ) أى : وتوطينا لأنفسهم على حفظ هذه الطاعة وعلى ترك ما ~~يفسدها كمثل جنة بموضع مرتفع من الأرض نزل بها مطر كثير فأخرجت ثمرها ( ~~@QUR@01 ضعفين ) أى ضعفا بعد ضعف فتكون التثنية للتكثير ، أو فأعطت صاحبها ~~أو الناس مثلي ما كانت تثمر في سائر الأوقات بسبب ما أصابها من المطر ~~الغزير. أو فأخرجت ثمرها ضعفين بالنسبة إلى غيرها من الجنان. # والمقصود تشبيه نفقة هؤلاء المؤمنين المخلصين في زكائها ونمائها عند الله ~~بتلك الحديقة اليانعة المرتفعة التي تنزل عليها المطر الغزير فآتت أكلها ~~مضاعفا وأخرجت للناس من كل زوج بهيج. PageV01P610 # وقوله : ( @QUR@01 ابتغاء ) مفعول لأجله أى يبذلون نفقتهم من أجل رضا ~~الله عز وجل أو حال من فاعل ينفقون. أى ينفقون أموالهم طالبين رضا الله. # وقوله : ( @QUR@03 وتثبيتا من أنفسهم ) معطوف على سابقه ، وقد ذكر صاحب ~~الكشاف أوجها في معنى هذه الجملة الكريمة فقال : قوله : ( @QUR@03 وتثبيتا ~~من أنفسهم ) أى وليثبتوا منها ببذل المال الذي هو شقيق الروح على سائر ~~العبادات الشاقة وعلى الإيمان ، لأن النفس إذا ريضت بالتحامل عليها ~~وتكليفها ، ما يصعب عليها ذلت خاضعة لصاحبها وقل طمعها في اتباعه لشهواتها ~~وبالعكس ، فكان إنفاق ms0628 المال تثبيتا لها على الإيمان واليقين. و ( @QUR@01 ~~من ) على هذا الوجه للتبعيض ، مثلها في قولهم : هز من عطفه وحرك من نشاطه. ~~ويجوز أن يراد من قوله تعالى : ( @QUR@03 وتثبيتا من أنفسهم ) أى : وتصديقا ~~للإسلام وتحقيقا للجزاء من أصل أنفسهم لأنه إذا أنفق المسلم ماله في سبيل ~~الله ، علم أن تصديقه وإيمانه بالثواب من أصل نفسه ومن إخلاص قلبه. و ( ~~@QUR@01 من ) على هذا الوجه لابتداء الغاية ، كقوله تعالى ( @QUR@04 حسدا ~~من عند أنفسهم ) ويحتمل أن يكون المعنى : وتثبيتا من أنفسهم عند المؤمنين ~~أنها صادقة الإيمان مخلصة فيه ، وتعضد هذا المعنى قراءة مجاهد : وتثبيتا من ~~أنفسهم : فإن قلت : فما معنى التبعيض؟ قلت : معناه أن من يذل ماله لوجه ~~الله فقد ثبت بعض نفسه ، ومن بذل ماله وروحه معا فهو الذي ثبتها كلها كما ~~في قوله تعالى : ( @QUR@06 وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ) (1). # وخصص الجنة بأنها بربوة لأن الأشجار في المكان المرتفع من الأرض تكون ~~عادة أحسن منظرا ، وأزكى ثمرا ، للطافة هوائها ، فكان من فوائد هذا القيد ~~إعطاء وجه الشبه وهو تضعيف المنفعة وجمالها قوة ووضوحا ، كما أن من فوائده ~~تحسين المشبه به تحسينا يعود أثره إلى المشبه عند السامع. # ثم قال تعالى : ( @QUR@05 فإن لم يصبها وابل فطل ). # والطل : هو المطر القليل وجمعه طلال ، وهو مبتدأ محذوف الخبر أى فطل قليل ~~يصيبها يكفيها. # والمراد أن هذه الجنة لطيبها وكرم منبتها تزكو وتثمر كثر المطر النازل ~~عليها أو قل فكذلك نفقة المؤمنين المخلصين تزكو عند الله وتطيب كثرت أو قلت ~~، لأن إخلاصهم فيها جعلها عند الله تعالى مضاعفة نامية. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@04 والله بما تعملون بصير ). PageV01P611 # أى أنه سبحانه عليم بأحوال عباده لا تخفى عليه خافية ، وسيجازى المخلصين ~~بما يرضيهم كما سيجازى المنانين والمرائين بما يستحقون. ففي الجملة الكريمة ~~ترغيب وترهيب ووعيد. # وبذلك نرى القرآن الكريم قد ساق في هذه الآية وسابقتها حالتين متقابلتين ~~: حالة الذي يبطل صدقته بالمن والأذى والرياء ، وكيف تكون عاقبته ونهايته. ~~وحالة الذي ينفق ماله طلبا لرضا الله وتعويدا لنفسه ms0629 على فعل الطيبات وكيف ~~يكون جزاؤه عند العليم الخبير ولقد صور القرآن هاتين الحالتين تصويرا مؤثرا ~~بديعا ، من شأنه أن يهدى العقلاء إلى فعل الخيرات ، وإخلاص النيات ، ~~واجتناب السيئات. # ثم ساق القرآن آية كريمة حذر فيها الناس من ارتكاب ما نهى الله عنه وبين ~~فيها كيف أن المن والأذى والرياء وما يشبه ذلك من رذائل يؤدى إلى ذهاب ~~الشيء النافع من بين يدي صاحبه وهو أحوج ما يكون إليه. استمع إلى القرآن ~~وهو يصور نهاية هذا الإنسان البائس. # ( @QUR@035 أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها ~~الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار ~~فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون ) (266) # قوله : ( @QUR@01 أيود ) هو من الود بمعنى المحبة الكاملة للشيء وتمنى ~~حصوله ، والاستفهام فيه للإنكار والإعصار ريح عاصفة تنعكس من الأرض إلى ~~السماء مستديرة كالعمود ، وهي التي يسميها بعض الناس زوبعة. وسميت إعصارا ~~لأنها تعصر ما تمر به من الأجسام ، أو تلتف كما يلتف الثوب المعصور. والريح ~~مؤنثة وكذا سائر أسمائها إلا الإعصار فإنه مذكر ولذا قيل ( @QUR@02 فيه نار ~~) أى سموم وصواعق. # والمعنى : أيحب أحدكم أيها المنانون المراءون أن تكون له جنة معظم شجرها ~~( @QUR@01 من PageV01P612 # @QUR@02 نخيل وأعناب ) تجرى من تحت أشجارها ( @QUR@06 الأنهار له فيها من ~~كل الثمرات ) النافعة ، والحال أنه قد أصابه الكبر الذي أقعده عن الكسب من ~~غير تلك الحديقة اليانعة ، وله فضلا عن شيخوخته وعجزه ذرية ضعفاء لا يقدرون ~~على العمل ، وبينما هو على هذه الحالة إذا بالجنة ينزل عليها إعصار فيه نار ~~فيحرقها ويدمرها ففقدها صاحبها وهو أحوج ما يكون إليها وبقي هو وأولاده في ~~حالة شديدة من البؤس والحيرة والغم والحسرة لحرمانه من تلك الحديقة التي ~~كانت محط آماله. # فالآية الكريمة قد اشتملت على مثل آخر لحالة الذين يبطلون أعمالهم ~~وصدقاتهم بالمن والأذى والرياء ، وغير ذلك من الأفعال القبيحة والصفات ~~السيئة فقد شبه سبحانه حال من يعمل الأعمال الحسنة ثم يضم إليها ما يفسدها ms0630 ~~فإذا كان يوم القيامة واشتدت حاجته إليها وجدها محبطة ذاهبة ، شبه هذا ~~الإنسان في حسرته وألمه وحزنه بحال ذلك الشيخ الكبير العاجز الذي له ذرية ~~ضعفاء لا يملك سوى حديقة يانعة يعتمد عليها في معاشه هو وأولاده فنزل عليها ~~إعصار فيه نار فأحرقها ودمرها تدميرا. # وحذف سبحانه حالة المشبه وهو الذي يبطل صدقته بالمن والأذى والرياء وما ~~يشبه ذلك ، لظهورها من المقام. # وقد وصف سبحانه تلك الجنة بثلاث صفات : # وصفها أولا : بأنها من نخيل وأعناب أى معظمها من هذين الجنسين النفيسين ~~اللذين هما أنفع الفواكه وأجملها منظرا. # ووصفها ثانيا : بأنها تجرى من تحتها الأنهار ، أى تجرى من تحت أشجارها ~~الأنهار التي تسر النفس. وتبهج القلب ، وتزيد في حسن الجنة وبهائها. # ووصفها ثالثا : بأنها زاخرة بكل أنواع الثمار التي تنفع صاحبها ، وتغنيه ~~عن الاحتياج إلى غيره ، فهي جنة قد جمعت بين حسن المنظر ، وكثرة النفع ، ~~وهذا نهاية ما يتمناه كل إنسان لما يملكه. # أما صاحبها فقد وصفه سبحانه بأنه إنسان قد أصابه الكبر وله ذرية ضعفاء أى ~~أنه في منتهى الاحتياج إليها لكبر سنه وعجزه عن الاكتساب من غيرها ~~ولمسئوليته عن الإنفاق على أولاد صغار لا يعولهم أحد سواه. # تلك هي حالة الجنة وحالة صاحبها في احتياجه إليها ، فماذا حدث بعد ذلك؟ ~~لقد أصابها ( @QUR@04 إعصار فيه نار فاحترقت ) فماذا يكون حال هذا الإنسان ~~الذي أصابه الكبر وله ذرية ضعفاء وهو يرى جنته ومحط أمله قد احترقت وهو في ~~أشد الحاجة إلى ظلها وثمارها ومنافعها؟ PageV01P613 # إن الكلمات لتعجز عن تصوير ما يصيب هذا البائس من غم وهم وحزن وحسرة ، ~~وهو يرى جنته قد احترقت وهو في أشد أوقاته حاجة إلى ظلها وثمارها ~~ومنافعها!؟ # ولكأن الله تعالى يقول للناس بعد هذا التصوير البديع المؤثر : احذروا أن ~~تبطلوا أعمالكم الصالحة بارتكابكم لما نهى الله عنه ، فلا تجدون لها نفعا ~~يوم القيامة وأنتم في أشد الحاجة إليها في هذا اليوم العصيب ، لأنكم إذا ~~فعلتم ذلك كان مثلكم في التحسر والحزن كمثل هذا الشيخ الكبير الذي ms0631 احترقت ~~جنته وهو في أشد الحاجة إليها. # وإنه لتصوير قرآنى في أسمى درجات البلاغة والتأثير ، وفي أعلى ألوان ~~التأديب والتهذيب. # قال القرطبي : روى البخاري عن عبيد بن عمير قال : قال عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه يوما لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيم ترون هذه الآية نزلت وهي ~~قوله تعالى : ( @QUR@06 أيود أحدكم أن تكون له جنة ) الآية. قالوا الله ~~أعلم. فغضب عمر فقال : قولوا نعلم أو لا نعلم فقال ابن عباس : في نفسي منها ~~شيء يا أمير المؤمنين. قال عمر : يا ابن أخى قل ولا تحقر نفسك. قال ابن ~~عباس : ضربت مثلا لرجل غنى عمل بطاعة الله. ثم بعث الله له الشيطان فعمل ~~بالمعاصي حتى أحرق عمله. وروى ابن أبى مليكه أن عمر تلا هذه الآية وقال : ~~هذا مثل ضربه الله للإنسان يعمل عملا صالحا حتى إذا كان عند آخر عمره أحوج ~~ما يكون إليه عمل العمل السيئ» (1). # ثم ختم سبحانه هذه الآية بقوله : ( @QUR@07 كذلك يبين الله لكم الآيات ~~لعلكم تتفكرون ) أى : كما يبين الله في هذه الآية ما يهديكم وينفعكم يبين ~~لكم آياته وهداياته في سائر أمور دينكم لكي تتفكروا فيما يصلحكم ، وتعملوا ~~ما يرضى خالقكم. # ثم وجه القرآن بعد ذلك نداء إلى المؤمنين أمرهم فيه بأن يتحروا في نفقتهم ~~الحلال الطيب ، بعد أن حضهم على الإنفاق بسخاء وإخلاص. # فقال تعالى : # ( @QUR@020 يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا ~~لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم PageV01P614 # @QUR@010 بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد (267) ~~@QUR@013 الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه ~~وفضلا والله واسع عليم (268) @QUR@016 يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة ~~فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب ) (269) # قال ابن كثير : عن البراء بن عازب رضي الله عنه في قول الله تعالى : ( ~~@QUR@09 يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ).. الآية قال : ~~نزلت في الأنصار كانت الأنصار إذا كانت أيام جذاذ النخل أخرجت من نخيلها ms0632 ~~البسر فعلقوه على حبل بين الأسطوانتين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيأكل فقراء المهاجرين منه ، فيعمد الرجل منهم إلى الحشف أى التمر الرديء ~~فيدخله مع أفناء البسر يظن أن ذلك جائز فأنزل الله فيمن فعل ذلك الآية» (1). # والمعنى : يا أيها الذين آمنوا اجعلوا نفقتكم التي تنفقونها في سبيل الله ~~من أطيب أموالكم التي اكتسبتموها عن طريق التجارة وغيرها. # قال ابن عباس : أمرهم الله تعالى بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه ، ~~ونهاهم عن التصدق برذالة المال ودنيئة وخبيثة ، فإن الله طيب لا يقبل إلا ~~طيبا» قال تعالى : ( @QUR@07 لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ). # وقوله : ( @QUR@05 ومما أخرجنا لكم من الأرض ) معطوف على ما قبله أى ~~أنفقوا من طيبات أموالكم التي اكتسبتموها ومن طيبات ما أخرجنا لكم من الأرض ~~من الحبوب والثمار والزروع وغيرها. وترك سبحانه ذكر كلمة الطيبات في هذه ~~الجملة لسبق ذكرها في الجملة التي قبلها. # فالآية الكريمة تأمر المؤمنين بأن يلتزموا في نفقتهم المال الطيب في كل ~~وجه من وجوهه ، بأن يكون جيدا نفيسا في صنفه ، وحلالا مشروعا في أصله. # وقد أكد الله تعالى هذا الأمر بجملتين كريمتين فقال : ( @QUR@011 ولا ~~تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ). PageV01P615 # قوله تعالى : ( @QUR@02 ولا تيمموا ) أى ولا تقصدوا وتتعمدوا. يقال : ~~تيممت الشيء ويممته إذا قصدته. ويقال : يممت جهة كذا إذا قصدته. ومنه ~~الإمام لأنه المقصود المعتمد وأصل تيمموا تتيمموا فحذفت إحداهما تخفيفا. # والخبيث هو الرديء من كل شيء وخبث الفضة والحديد ما نفاه الكير لأنه ينفى ~~الرديء. ويطلق الخبيث على الشيء الحرام والمستقذر. # والإغماض في اللغة كما يقول الرازي غض النظر وإطباق جفن على جفن ، وأصله ~~من الغموض وهو الخفاء ، والمراد بالإغماض هاهنا المساهلة وذلك لأن الإنسان ~~إذا رأى ما يكره أغمض عنه لئلا يرى ذلك. ثم كثر ذلك حتى جعل كل تجاوز ~~ومساهلة في البيع وغيره إغماضا» (1). # والمعنى : أنفقوا أيها المؤمنون من أطيب أموالكم وأنفسها وأجودها ، ولا ~~تتحروا وتقصدوا أن يكون إنفاقكم من الخبيث الرديء ، والحال ms0633 أنكم لا تأخذونه ~~إن أعطى لكم هبة أو شراء أو غير ذلك إلا أن تتساهلوا في قبوله ، وتغضوا ~~الطرف عن رداءته ، وإذا كان هذا شأنكم في قبول ما هو رديء فكيف تقدمونه ~~لغيركم؟ إن الله ينهاكم عن ذلك لأن من شأن المؤمن الصادق في إيمانه ألا ~~يفعل لغيره إلا ما يجب أن يفعله لنفسه ، ولا يعطى من شيء إلا ما يحب أن ~~يعطى إليه ، ففي الحديث الشريف : «عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به». # قال الآلوسى : وقوله : ( @QUR@02 منه تنفقون ) الضمير المجرور يعود ~~للخبيث ، وهو متعلق يتنفقون ، والتقديم للتخصيص ، والجملة حال مقدرة من ~~فاعل ( @QUR@01 تيمموا ) أى لا تقصدوا الخبيث قاصرين الإنفاق عليه ، أو من ~~الخبيث أى مختصا به الإنفاق ، وأيا ما كان لا يرد أنه يقتضى أن يكون النهى ~~عن الخبيث الصرف فقط مع أن المخلوط أيضا كذلك لأن التخصيص لتوبيخهم بما ~~كانوا يتعاطون من إنفاق الخبيث خاصة. # وقوله : ( @QUR@02 ولستم بآخذيه ) حال من ضمير ( @QUR@01 تنفقون ) أى : ~~والحال أنكم لستم بآخذيه في وقت من الأوقات أو بوجه من الوجوه إلا وقت ~~إغماضكم فيه» (2) ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@05 واعلموا أن الله ~~غني حميد ) أى واعلموا أن الله تعالى غنى عن صدقاتكم وإنما أمركم بها ~~لمنفعتكم ، ( @QUR@01 حميد ) يجازى المحسن أفضل الجزاء ، وهو سبحانه ~~المستحق للحمد الحقيقي دون سواه ، فمن الواجب عليكم أن تبذلوا في سبيله ~~الجيد من أموالكم شكرا له على نعمه حتى يزيدكم من عطائه وآلائه. PageV01P616 # ثم حذر الله تعالى المؤمنين من وساوس الشيطان وخطواته فقال : ( @QUR@05 ~~الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ). # قوله : ( @QUR@01 يعدكم ) من الوعد ، وهو في أصل وضعه لغة شائع في الخير ~~والشر ، وأما في الاستعمال الشائع فالوعد في الخير والإيعاد في الشر. وقد ~~استعمل هنا في الشر نظرا إلى أصل الوضع ، لأن الفقر مما يراه الإنسان شرا ~~ولذلك يخوف الشيطان به المنفقين فيقول لهم : لا تنفقوا الجيد من أموالكم ~~لأن إنفاقكم هذا يؤدى إلى فقركم ونضوب ما بين أيديكم من أموال. # والفقر هو ما يصيب الإنسان من سوء في الحال ms0634 ومن ضعف بسبب قلة المال ، ~~وأصل الفقر في اللغة كسر فقار الظهر ، ثم وصف الإنسان المحتاج الضعيف بأنه ~~فقير تشبيها له بمن كسر فقار ظهره فأصبح عاجزا عن الحركة لأن الظهر هو مجمع ~~الحركات ، ومنه تسميتهم المصيبة فاقرة ، وقاصمة الظهر. # والفحشاء والفحش والفاحشة ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال ، ويرى كثير ~~من العلماء أن المراد بالفحشاء في الآية البخل الشديد فإن كلمة الفاحش تطلق ~~في لغة العرب على البخيل الشديد البخل ، ومن ذلك قول طرفة بن العبد. # أرى الموت يعتام الكرام ويصطفى %~% عقيلة مال الفاحش المتشدد (1) # والمعنى : الشيطان يوعدكم إذا أنفقتم بالفقر وضياع الأموال ويحذركم من ~~الصدقة بما يوسوس في نفوسكم من شرور وآثام ، ويغريكم بارتكاب المعاصي التي ~~من أقبحها البخل الشديد ، والشح المهلك ، فعليكم أن تحذروه وأن تنفقوا من ~~أموالكم في سبيل الله ما يوصلكم إلى رضوانه ورحمته. # قال الجمل : وفي هذه الآية لطيفة وهي أن الشيطان يخوف الرجل أولا بالفقر ~~ثم يتوصل بهذا التخويف إلى أن يأمره بالفحشاء وهو البخل ، وذلك لأن البخل ~~صفة مذمومة عند كل أحد فلا يستطيع الشيطان أن يحسن له البخل إلا بتلك ~~المقدمة وهي التخويف من الفقر فلهذا قال. ( @QUR@05 الشيطان يعدكم الفقر ~~ويأمركم بالفحشاء ) (2). # وروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: إن للشيطان لمة بابن آدم ، وللملك لمة أى همة وخطرة تقع في القلب فأما ~~لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب PageV01P617 # بالحق ، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق ، فمن وجد ذلك فليعلم ~~أنه من الله ، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان ثم قرأ ( @QUR@05 ~~الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ) (1). # هذا ما يعده الشيطان للإنسان ، فما الذي يعده الله تعالى لعباده؟ لقد بين ~~سبحانه ذلك فقال : ( @QUR@08 والله يعدكم مغفرة منه وفضلا ، والله واسع ~~عليم ). # أى : إذا كان الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ، فالله تعالى يعدكم ~~مغفرة منه لذنوبكم على ما تنفقونه من أموالكم في سبيله ففي الحديث الشريف ~~«الصدقة تطفئ الخطيئة». ويعدكم أيضا ( @QUR@01 فضلا ) أى نماء ms0635 وزيادة في ~~أموالكم ، فإن الصدقات تزيد البركة في الرزق فيصير القليل منه في يد السخي ~~كثيرا بتوفيق الله وتأييده. # وصدر له سبحانه الجملة بلفظ الجلالة ، للإشارة إلى أن الوعد الذي وعد به ~~المنفقين وعد حق لا يمكن أن يخالطه شك أو ريب ، لأنه وعد من الله الذي لا ~~يخلف وعده ، وإذا كان الشيطان يهدد الناس بالفقر عند العطاء ، ويأمرهم ~~بالفحشاء ، فالله تعالى يبشر عباده بمغفرته ورضوانه ، بسبب اتفاقهم في ~~السراء والضراء ويعدهم على ذلك بالرزق الوفير ، والفضل الكبير في الدنيا ~~والآخرة. # وقد ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@03 والله واسع عليم ) تأكيدا لوعده ~~الذي وعد به عباده المتقين المتصدقين بأن يزيدهم من فضله ، أى والله تعالى ~~واسع الجود والعطاء والرحمة ، وسيحقق لكم ما وعدكم به من المغفرة وتضعيف ما ~~تنفقونه ، وهو مع ذلك عليم بأحوال عباده صغيرها وكبيرها ، وسيجازى الذين ~~اتبعوا أوامره بجزيل الثواب ، كما سيجازى الذين اتبعوا وسوسة الشيطان بسوء ~~العذاب. # ثم قال تعالى : ( @QUR@011 يؤتي الحكمة من يشاء ، ومن يؤت الحكمة فقد ~~أوتي خيرا كثيرا ). # قال الإمام الرازي : «اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة أن ~~الشيطان يعد بالفقر ويأمر بالفحشاء ، وأن الرحمن يعد بالمغفرة والفضل نبه ~~على أن الأمر الذي أوجب لأجله ترجيح وعد الرحمن على وعد الشيطان هو أن وعد ~~الرحمن ترجحه الحكمة والعقل ووعد الشيطان ترجحه الشهوة والنفس من حيث إنهما ~~يأمران بتحصيل اللذة الحاضرة واتباع أحكام الخيال والوهم. ولا شك أن حكم ~~الحكمة والعقل هو الحكم الصادق المبرأ عن الزيغ والخلل ، وحكم الشهوة ~~والنفس يوقع الإنسان في البلاء ، فكان حكم الحكمة والعقل أولى بالقبول ، ~~فهذا هو وجه النظم» (2). PageV01P618 # و ( @QUR@01 الحكمة ) مشتقة من حكم بمعنى منع ، لأنها تمنع صاحبها من ~~الوقوع في الخطأ والضلال ومنه سميت الحديدة التي في اللجام وتجعل في فم ~~الفرس حكمة لأنها تمنعه من الجموح. أو هي في الأصل مصدر من الإحكام وهو ~~الإتقان في علم أو عمل أو قول أو فيها كلها. # والحكمة بالنسبة للإنسان صفة نفسية هي أساس المعرفة السليمة التي ms0636 توافق ~~الحق ، وتوجه الإنسان نحو عمل الخير ، وتمنعه من عمل الشر ، فهي فيه مانعة ~~ضابطة تسير به نحو الكمال والاستقامة وللعلماء في المراد بها في الآية ~~الكريمة أقوال كثيرة أرجحها أن المراد بها إصابة الحق في القول والعمل ، أو ~~هي العلم النافع الذي يكون معه العمل به. # والمعنى : أن الله تعالى الفاعل لكل شيء يؤت الحكمة لمن يشاء من عباده ( ~~@QUR@07 ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ) لأن الإنسان إذا أوتى الحكمة ~~يكون قد اهتدى إلى العلم النافع ، وإلى العمل الصالح الموافق لما علمه ، ~~وإلى الإيمان بالحق وإلى الاستجابة لكل خير والابتعاد عن كل شر ، وبذلك ~~يكون سعيدا في دنياه وأخراه. # وفي الصحيحين عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لا حسد ~~أى لا غبطة إلا في اثنتين : رجل أتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ، ~~ورجل آتاه الله تعالى الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها». # ثم قال تعالى : ( @QUR@05 وما يذكر إلا أولوا الألباب ). # والألباب جمع لب وهو في الأصل خلاصة الشيء وقلبه ، وأطلق هنا على عقل ~~الإنسان لأنه أنفع شيء فيه. # والمراد بأولى الألباب هنا أصحاب العقول السليمة التي تخلصت من شوائب ~~الهوى ، ودوافع الشر ، فقد جرت عادة القرآن ألا يستعمل هذا التعبير إلا مع ~~أصحاب العقول المستقيمة. # أى : وما يتعظ بهذه التوجيهات القرآنية ، وينتفع بثمارها إلا أصحاب ~~العقول الراجحة والنفوس الصافية التي اهتدت إلى الحق وعملت به ، والتي ~~أنفقت في سبيل الله أجود الأموال وأطيبها لا أصحاب العقول الفاسدة التي ~~استحوذ عليها الشيطان فأنساها ذكر الله ، والتي ترى أن البخل بالمال هو ~~الحكمة ، وأن الإنفاق في سبيل الله هو نوع من الإسراف والتبذير. # فالجملة الكريمة تذييل قصد به مدح أولئك المؤمنين الصادقين ، الذين ~~استجابوا لتوجيهات دينهم ، فأصابوا الحق في أقوالهم وأعمالهم. PageV01P619 # ثم بين سبحانه أنه عليم بما ينفقه المنفقون من صدقات سواء أكانت سرا أو ~~جهرا وسيجازيهم عليها بما يستحقون من ثواب فقال تعالى : # ( @QUR@015 وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله ms0637 يعلمه وما ~~للظالمين من أنصار (270) @QUR@020 إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها ~~وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير ~~) (271) # النفقة : هي العطاء العاجل في باب من أبواب الخير. أما النذر : فهو ~~التزام قربة من القربات أو صدقة من الصدقات بأن يقول : لله على نذر أن أفعل ~~كذا من أنواع البر. أو إن شفى الله مريضى فسأفعل كذا. # والمعنى : وما أنفقتم أيها المؤمنون من نفقة عاجلة قليلة أو كثيرة ، أو ~~التزمتم بنفقة مستقبلة وعاهدتم الله تعالى على القيام بها ، فإنه سبحانه ~~يعلم كل شيء ، ويعلم ما صاحب نياتكم من إخلاص أو رياء ، ويعلم ما أنفقتموه ~~أهو من جيد أموالكم أم من رديئها ، وسيجازى المحسن بإحسانه والمسيء ~~بإساءته. فالآية الكريمة بيان لحكم كلى شامل لجميع أفراد النفقات إثر بيان ~~حكم ما كان منها في سبيل الله تعالى و ( @QUR@01 ما ) في قوله : ( @QUR@02 ~~وما أنفقتم ) شرطية أو موصولة والفاء في قوله : ( @QUR@03 فإن الله يعلمه ) ~~رابطة لجواب الشرط إذا اعتبرنا ما شرطية ، ومزيدة في الخير إذا اعتبرناها ~~موصولة و ( @QUR@01 من ) في قوله : ( @QUR@02 من نفقة ) بيانية أو زائدة. # وقوله : ( @QUR@03 فإن الله يعلمه ) كناية عن الجزاء عليه ، لأن علم الله ~~تعالى بالكائنات لا يشك فيه السامعون ، فأريد لازم معناه وهو الجزاء. وإنما ~~كان لازما له لأن القادر لا يصده عن الجزاء إلا عدم العلم بما يفعله المحسن ~~أو المسيء. # وهذه الجملة الكريمة مع إيجازها قد أفادت الوعد العظيم للمطيعين والوعيد ~~الشديد للمتمردين ، لأن الإنسان إذا أيقن أن الله تعالى لا تخفى عليه خافية ~~من شئون خلقه ، فإن هذا اليقين سيحمله على الطاعة والإخلاص ، وسيحضه على ~~المسارعة في الخيرات ، خصوصا وإن PageV01P620 # الجملة قد صدرت بإن المؤكدة ، وتليت بلفظ الجلالة الدال على الاستحقاق ~~الكامل للألوهية. # قال بعضهم : وإنما قال سبحانه : ( @QUR@03 فإن الله يعلمه ) ولم يقل ~~يعلمها لوجهين : # الأول : أن الضمير عائد إلى الأخير وهو النذر ، كما في قوله تعالى : ( ~~@QUR@09 ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا ). # والثاني : أن الكناية عادت إلى ms0638 ما في قوله : ( @QUR@04 وما أنفقتم من ~~نفقة ) لأنها اسم كقوله : ( @QUR@08 وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة ~~يعظكم به ) (1). # وقوله : ( @QUR@04 وما للظالمين من أنصار ) وعيد شديد للخارجين على طاعة ~~الله أى : ليس للظالمين أى نصير أو مغيث يمنع عقوبة الله عنهم. # والمراد بالظالمين : الواضعون للأشياء في غير موضعها التي يجب أن توضع ~~فيها ، والتاركون لما أمرهم الله به ، فيندرج فيهم الذين يبطلون صدقاتهم ~~بالمن والأذى والرياء والذين يتصدقون بالرديء من أموالهم ، والذين ينفقون ~~أموالهم في الوجوه التي نهى الله عنها ، والذين لم يوفوا بنذورهم التي ~~عاهدوا الله على الوفاء بها كما يندرج فيهم كل من ارتكب ما نهى الله عنه أو ~~أهمل فيما كلفه الله به. # ثم بين سبحانه أن الصدقة متى صدرت عن المسلم بالطريقة التي دعت إليها ~~تعاليم الإسلام فإنها تكون مرجوة القبول عند الله تعالى سواء أفعلها المسلم ~~في السر أم في العلن ، فقال تعالى : ( @QUR@020 إن تبدوا الصدقات فنعما هي ~~وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما ~~تعملون خبير ). # الصدقات : جمع صدقة وهي ما يخرجه المسلم من ماله على جهة القربة ، وتشمل ~~الفرض والتطوع ، وهي مأخوذة من الصدق بمعنى صدق النية وتخليصها من كل ما ~~نهى الله عنه ، وسمى سبحانه ما يخرجه المسلم من ماله صدقة لأن المال بها ~~يزكو وينمو يطهر. # والفاء في قوله : ( @QUR@02 فنعما هي ) واقعة في جواب الشرط ، و ( ~~@QUR@01 فنعما ) أصلها نعم ما ، فأدغمت إحدى الميمين في الأخرى ، ونعم فعل ~~ماض ، وما نكرة تامة بمعنى شيء ، وهي منصوبة على أنها تمييز ، والفاعل ضمير ~~مستتر في نعم. # والمعنى : إن تبدو صدقاتكم أيها المؤمنون وتظهروها فنعم شيئا إبداؤها ~~وإعلانها ، لأنه يرفع التهمة ويدعو أهل الخير إلى الاقتداء بهذا الفعل الحسن. PageV01P621 # وجاء التعبير بمدح المعلنين صدقتهم بقوله «فنعما هي» للإشارة إلى أن ~~المسلم متى دفع صدقته لمستحقيها بنية خالصة ، فإنه يكون ممدوحا من الله ~~تعالى وممدوحا من الناس الذين شاهدوا عمله الصالح. # هذه صدقة الجهر إذا خلصت من الرياء أما صدقة السر ms0639 فقد أثنى الله على ~~فاعلها بقوله : ( @QUR@07 وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ) أى : ~~وإن تحفوا الصدقات وتعطوها للفقراء سرا ، دون أن يراكم أحد من الناس ، ~~فعملكم هذا خير لكم عند الله لأنكم بإخفائكم للصدقة ودفعها للفقير سرا ~~تكونون قد ابتعدتم عن الرياء ، وسترتم حال هذا الفقير المحتاج. # وقوله : ( @QUR@04 ويكفر عنكم من سيئاتكم ) أى أنه سبحانه يستر السيئات ~~التي يرتكبها الشخص ، ويخفيها ولا يظهرها عند إثابته إياه على فعله الحسن ~~لأن ما فعله من حسنات مسح ما فعله من سيئات فهو كقوله تعالى : ( @QUR@014 ~~وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى ~~للذاكرين ) و ( @QUR@01 من ) في قوله : ( @QUR@02 من سيئاتكم ) بيانية ~~بمعنى أن الصدقات تكفر السيئات لأن المسلم إذا بذل ماله في سبيل الله بصدق ~~وإخلاص ، كان أهلا لمثوبة الله ومغفرته ، ويجوز أن تكون للتبعيض أى يكفر ~~عنكم بعض سيئاتكم بمقدار ما قدمتم من صدقات لأن الصدقات لا تكفر جميع ~~السيئات. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@04 والله بما تعملون خبير ) أى أن ~~الله تعالى عليم علما دقيقا بكل ما تعملونه أيها المؤمنون ، فعليكم أن ~~تخلصوا له أعمالكم ، وأن تراقبوه في سركم وجهركم ، وأن تسارعوا في عمل ~~الخيرات التي ترفع درجاتكم عند خالقكم. # وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد مدحت صدقتي الجهر والسر متى كان المتصدق ~~متبعا آداب الإسلام وتوجيهاته ، ومبتعدا عن كل ما يبطل الصدقات ، ويحبط ~~الأعمال. # ثم ختمت السورة حديثها عن النفقة والمنفقين ببيان حسن عاقبة من يبذل ماله ~~في سبيل الله ، وبيان صفات بعض المستحقين للصدقة ، وببيان أن هداية البشر ~~إنما هي بيد الله تعالى وحده ، فقال تعالى : # ( @QUR@028 ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير ~~فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم ~~وأنتم لا تظلمون (272) PageV01P622 # @QUR@030 للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض ~~يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافا وما ~~تنفقوا من خير فإن الله به ms0640 عليم (273) @QUR@017 الذين ينفقون أموالهم ~~بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون ) (274) # قال القرطبي ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@03 ليس عليك هداهم ) هذا ~~الكلام متصل بذكر الصدقات ، فكأنه بين فيه جواز الصدقة على المشركين. روى ~~سعيد بن جبير مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم في سبب نزول هذه الآية أن ~~المسلمين كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة ، فلما كثر فقراء المسلمين قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تتصدقوا إلا على أهل دينكم». فنزلت هذه الآية ~~مبيحة للصدقة على من ليس من دين الإسلام. وروى عن ابن عباس أنه قال : كان ~~ناس من الأنصار لهم قرابات من بنى قريظة والنضير كانوا لا يتصدقون عليهم ~~رغبة منهم في أن يسلموا إذا احتاجوا فنزلت الآية بسبب أولئك. ثم قال : قال ~~علماؤنا : هذه الصدقة التي أبيحت لهم حسب ما تضمنته هذه الآثار هي صدقة ~~التطوع ، وأما المفروضة فلا يجزئ دفعها لكافر ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ~~«أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم» (1). # والمعنى : ليس عليك يا محمد هداية من خالفك في دينك. ولكن الله تعالى ~~يهدى من يشاء هدايته إلى نور الإيمان ، وطريق الحق. وما دام الأمر كذلك ~~فعليك وعلى أتباعك أن تعاملوا غيركم بما يوجبه عليكم إيمانكم من سماحة في ~~الخلق ، وعطف على المحتاجين حتى ولو كانوا من المخالفين لكم في الدين. # وعلى هذا المعنى الذي يؤيده سبب النزول يكون الضمير في قوله : ( @QUR@01 ~~هداهم ) يعود على غير المسلمين. PageV01P623 # ومن المفسرين من يرى أن الضمير في قوله : ( @QUR@01 هداهم ) يعود إلى ~~المسلمين المخاطبين في الآيات السابقة ، فيكون المعنى : لا يجب عليك أيها ~~الرسول الكريم أن تجعل المسلمين جميعا مهديين إلى الإتيان بما أمروا به ~~ومنتهين عما نهوا عنه من ترك المن والأذى والرياء في صدقتهم ، ولكن الله ~~وحده هو الذي يهدى من يشاء هدايته إلى الاستجابة لتوجيهات هذا الدين ~~الحنيف. # قال الآلوسى : وعلى هذا الرأى تكون الجملة معترضة جيء بها على طريق تلوين ~~الخطاب ms0641 وتوجيهه إلى سيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم مع الالتفات إلى الغيبة ~~فيما بين الخطابات المتعلقة بأولئك المكلفين مبالغة في حملهم على الامتثال ~~.. ثم قال : «والذي يستدعيه سبب النزول رجوع ضمير ( @QUR@01 هداهم ) إلى ~~الكفار ، وحينئذ لا التفات ، وإنما هناك تلوين الخطاب فقط ....» (1). # ثم حض سبحانه المؤمنين على الإنفاق في وجوه الخير فقال : ( @QUR@05 وما ~~تنفقوا من خير فلأنفسكم ) أى : ما تقدمونه من مال في وجوه البر أيها ~~المؤمنون فإن نفعه سيعود عليكم بالسعادة في الدنيا ، وبالثواب الجزيل في ~~الآخرة ، فكونوا أسخياء في الإحسان إلى الفقراء ، وابتعدوا عن وسوسة ~~الشيطان الذي ( @QUR@04 يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ). # و «ما» شرطية جازمة لتنفقوا ، وهي منتصبة به على المفعولية ، و «من» ~~للتبعيض وهي متعلقة بمحذوف وقع صفة لفعل الشرط والتقدير : أى شيء تنفقوا ~~كائنا من المال فهو لأنفسكم لا ينتفع به في الآخرة غيرها. # قال الفخر الرازي ما ملخصه : وقوله تعالى : ( @QUR@06 وما تنفقون إلا ~~ابتغاء وجه الله ) يحتمل وجوها. # الأول : أن يكون المعنى : ولستم في صدقتكم على أقاربكم من المشركين ~~تقصدون إلا وجه الله ، فقد علم الله هذا من قلوبكم ، فأنفقوا عليهم إذا ~~كنتم إنما تبغون بذلك وجه الله في صلة رحم وسد خلة مضطر ، وليس عليكم ~~اهتداؤهم حتى يمنعكم ذلك من الإنفاق عليهم. # الثاني : أن هذا وإن كان ظاهره خبرا إلا أن معناه نهى أى : ولا تنفقوا ~~إلا ابتغاء وجه الله. # الثالث : أن قوله : ( @QUR@02 وما تنفقون ) أى ولا تكونوا منفقين مستحقين ~~الاسم الذي يفيد المدح حتى تبتغوا بذلك وجه الله. وفي ذكر الوجه تشريف عظيم ~~لأنك إذا قلت : فعلت هذا الشيء لوجه زيد فهو أشرف في الذكر من قولك : فعلته ~~له لأن وجه الشيء أشرف ما فيه ، ثم كثير حتى PageV01P624 # صار يعبر عن الشرف بهذا اللفظ ، وأيضا فإن قولك : فعلت هذا الفعل لوجهه ~~يدل على أنك فعلت الفعل له فقط وليس لغيره فيه شركة (1). # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@09 وما تنفقوا من خير يوف إليكم ~~وأنتم لا تظلمون ) أى : أن ما تنفقونه من خير أيها ms0642 المؤمنون ستعود عليكم ~~ثماره ومنافعه في الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا فإنكم بسبب هذا الانفاق ~~تزكو أموالكم ، وتحسن سيرتكم بين الناس ، وأما في الآخرة فإنكم تنالون من ~~خالقكم ورازقكم أجزل الثواب ، وأفضل الدرجات. # وقوله : ( @QUR@03 وأنتم لا تظلمون ) أى لا تنقصون شيئا مما وعدكم الله ~~به على نفقتكم في سبيله. # قال الجمل. وهاتان الجملتان أى قوله تعالى ( @QUR@06 وما تنفقوا من خير ~~يوف إليكم ) وقوله : ( @QUR@03 وأنتم لا تظلمون ) تأكيد للجملة الشرطية ~~الأولى وهي قوله : ( @QUR@05 وما تنفقوا من خير فلأنفسكم ). وقوله : ( ~~@QUR@03 وأنتم لا تظلمون ) جملة من مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من ~~الضمير في ( @QUR@01 إليكم ) فالعامل فيها ( @QUR@01 يوف ) وهي تشبه الحال ~~المؤكدة لأن معناها مفهوم من قوله : ( @QUR@02 يوف إليكم ) لأنهم إذا وفوا ~~حقوقهم لم يظلموا. ويجوز أن تكون مستأنفة لا محل لها من الإعراب أخبرهم ~~فيها أنه لا يقع لهم ظلم فيندرج فيه توفية أجورهم بسبب إنفاقهم في طاعة ~~الله تعالى اندراجا أوليا» (2). # هذا ، والذي يتدبر هذه الآية الكريمة يراها من أجمع الآيات التي وردت في ~~الحض على بذل المال في وجوه الخير ، فقد كرر فيها فعل ( @QUR@01 تنفقون ) ~~ثلاث مرات لمزيد الاهتمام بمدلوله ، وجيء به مرتين بصيغة الشرط عند قصد ~~بيان الملازمة بين الإنفاق والثواب ، وجاءت كل جملة منها مستقلة ببعض ~~الأحكام لكي يسهل حفظها وتأملها فتجرى على الألسنة مجرى الأمثال وتتناقلها ~~الأمم والأجيال. # ثم بعد هذا التحريض الحكيم على بذل الأموال في وجوه الخير ، خص سبحانه ~~بالذكر طائفة من المؤمنين هي أولى الناس بالعون والمساعدة ، ووصف هذه ~~الطائفة بست صفات من شأنها أن تحمل العقلاء على المسارعة في إكرام أفرادها ~~وسد حاجتهم. # استمع إلى القرآن الكريم وهو يصور حالة هذه الطائفة من المؤمنين تصويرا ~~كريما نبيلا يستجيش المشاعر ، ويحرك القلوب لمساعدة هذه الطائفة المتعففة ~~فيقول : ( @QUR@022 للفقراء ، الذين أحصروا في سبيل الله ، لا يستطيعون ~~ضربا في الأرض ، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ، تعرفهم بسيماهم ، لا ~~يسئلون الناس إلحافا ). PageV01P625 # لقد وصفهم الله تعالى أولا بالفقراء ، أى الذين هم في حاجة إلى العون ms0643 ~~والمساعدة لفقرهم واحتياجهم إلى ضرورات الحياة. # وقوله : ( @QUR@01 للفقراء ) متعلق بمحذوف يفهم من الكلام السابق ~~والتقدير : اجعلوا نفقتكم وصدقتكم للفقراء لأن الكلام السابق موضوعه ~~للإنفاق في سبيل الله ، وما يتعلق بذلك من آداب وفوائد. # والجملة استئناف بيانى ، فكأنهم لما أمروا بالصدقات سألوا لمن هي؟ ~~فأجيبوا بأنها لهؤلاء الذين ذكرت الآية صفاتهم. # ومن فوائد الحذف هنا للمتعلق : تعليم المؤمنين الأدب في عطائهم للفقراء ~~بأن لا يصرحوا لهم بأن ما يعطونه إياهم هو صدقة حتى لا يشعروهم بالمذلة ~~والضعف ، وأيضا ففي هذا الحذف لون من الإيجاز البليغ الذي قل فيه اللفظ مع ~~الوفاء بحق المعنى. # قال القرطبي : والمراد بهؤلاء الفقراء ، فقراء المهاجرين من قريش وغيرهم ~~ثم تتناول الآية كل من دخل تحت صفتهم غابر الدهر. وإنما خص فقراء المهاجرين ~~بالذكر ، لأنه لم يكن هناك سواهم ، وهم أهل الصفة» (1) وكانوا نحوا من ~~أربعمائة رجل ، وذلك أنهم كانوا يأتون فقراء وما لهم أهل ولا مال فبنيت لهم ~~صفة في المسجد النبوي بالمدينة فقيل لهم : «أهل الصفة» (2). # أما الصفة الثانية من صفات هؤلاء الذين هم أولى الناس بالعون والمساعدة ~~فهي قوله تعالى : ( @QUR@05 الذين أحصروا في سبيل الله ). # والإحصار في اللغة هو أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين ما يريده بسبب مرض ~~أو شيخوخة أو عدو أو ذهاب نفقة أو ما يجرى مجرى هذه الأشياء. # والمعنى : اجعلوا الكثير مما تنفقونه أيها المؤمنون لهؤلاء الفقراء الذين ~~حصروا أنفسهم ووقفوها على الطاعات المتنوعة التي من أعظمها الجهاد في سبيل ~~الله ، أو الذين منعوا من الكسب بسبب مرضهم أو شيخوختهم ، أو غير ذلك من ~~الأسباب التي جعلتهم في حالة شديدة من الفاقة والاحتياج. # وعبر في الجملة الكريمة «بأحصروا» بالبناء للمجهول ، للإشعار بأن فقرهم ~~لم يكن بسبب تكاسلهم وإهمالهم في مباشرة الأسباب ، وإنما كان لأسباب خارجة ~~عن إرادتهم. PageV01P626 # وقوله : ( @QUR@03 في سبيل الله ) تكريم وتشريف لهم ، أى أن ما نزل بهم ~~من فقر واحتياج كان بسبب إيثارهم إعلاء كلمة الله على أى شيء آخر ، ففي ~~سبيل الله هاجروا ، وفي سبيل الله ms0644 تركوا أموالهم فصاروا فقراء ، وفي سبيل ~~الله وقفوا أنفسهم على الجهاد ، وفي سبيل الله أصابهم ما أصابهم وهم يطلبون ~~أداء ما كلفهم سبحانه بأدائه. # أما الصفة الثالثة من صفاتهم فقال فيها ( @QUR@05 لا يستطيعون ضربا في ~~الأرض ) والضرب في الأرض هو السير فيها للتكسب والتجارة وغيرهما. # أى أنهم عاجزون عن السير في الأرض لتحصيل رزقهم بسبب اشتغالهم بالجهاد ، ~~أو بسبب ضعفهم وقلة ذات يدهم. # والصفة الرابعة من صفاتهم هي قوله تعالى : ( @QUR@05 يحسبهم الجاهل ~~أغنياء من التعفف ). # والتعفف : ترك الشيء والتنزه عن طلبه ، بقهر النفس والتغلب عليها. يقال ~~عف عن الشيء يعف إذا كف عنه. والحسبان بمعنى الظن. # أى يظنهم الجاهل بحالهم ، أو الذي لا فراسة عنده ، يظنهم أغنياء من أجل ~~تجملهم وتعففهم عن السؤال ، أما صاحب الفراسة الصادقة ، والبصيرة النافذة ؛ ~~فإنه يرحمهم ويعطف عليهم لأنه يعرف ما لا يعرفه غيره. # و ( @QUR@01 من ) في قوله : ( @QUR@02 من التعفف ) للتعليل ، أو لابتداء ~~الغاية لأن التعفف مبدأ هذا الحسبان. # أما الصفة الخامسة من صفاتهم فهي قوله تعالى : ( @QUR@02 تعرفهم بسيماهم ~~) والسيما والسيماء : العلامة التي يعرف بها الشيء ، وأصلها من الوسم بمعنى ~~العلامة. # والمعنى : تعرف فقرهم وحاجتهم أيها الرسول الكريم أو أيها المؤمن العاقل ~~بما ترى في هيئتهم من آثار تشهد بقلة ذات يدهم. # قال الإمام الرازي ما ملخصه : قال مجاهد : «سيماهم» التخشع والتواضع. أى ~~تعرفهم بتخشعهم وتواضعهم وقال السدى : تعرفهم بسيماهم أى بأثر الجهد من ~~الفقر والحاجة. وقال الضحاك : أى بصفرة ألوانهم ورثاثة ثيابهم ... ثم قال ~~رحمه الله : وعندي أن كل ذلك فيه نظر والمراد شيء آخر هو أن لعباد الله ~~المخلصين هيبة ووقعا في قلوب الخلق ، وكل من رآهم تأثر منهم وتواضع لهم ، ~~وذلك له إدراكات روحانية ، لا علامات جسمانية. ألا ترى أن الأسد إذا مر ~~هابته سائر السباع بطباعها لا بالتجربة ، لأن الظاهر أن تلك التجربة PageV01P627 # ما وقعت ، والبازي إذا طار تهرب منه الطيور الضعيفة وكل ذلك إدراكات ~~روحانية لا جسمانية فكذا هنا ...» (1). # وقد ذكر سبحانه في الجملة السابقة أن الجاهل بحالهم يظنهم أغنياء ms0645 من أجل ~~تعففهم عن السؤال ، وذكر هنا أنهم يعرفون بسيماهم ، وذلك للإشعار بأن أنظار ~~الناس تختلف باختلاف فراستهم ونفاذ بصيرتهم. فأصحاب الأنظار التي تأخذ ~~الأمور بمظاهرها يظنونهم أغنياء ، أما أصحاب البصيرة المستنيرة ، والحس ~~المرهف ، والفراسة الصائبة ، فإنهم يدركون ما عليه أولئك القوم من احتياج ، ~~بسبب ما منحهم الله من فكر صائب ونظر نافذ ، وفي الحديث الشريف : «اتقوا ~~فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» (2). # أما الصفة السادسة من صفاتهم فهي قوله تعالى : ( @QUR@04 لا يسئلون الناس ~~إلحافا ) والإلحاف كما يقول صاحب الكشاف : هو الإلحاح بأن لا يفارق السائل ~~المسئول إلا بشيء يعطاه. من قولهم : لحفني من فضل لحافه أى أعطانى من فضل ~~ما عنده. ومعناه : أنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحفوا. وقيل هو نفى ~~للسؤال والإلحاف» (3). # والذي عليه المحققون من العلماء أن النفي منصب على السؤال وعلى الإلحاف ~~أى أنهم لا يسألون أصلا تعففا منهم ، لأنهم لو كانوا يسألون ما ظنهم الجاهل ~~أغنياء من التعفف ، ولو كانوا يسألون ما كانوا متعففين ، ولو كانوا يسألون ~~ما احتاج صاحب البصيرة النافذة إلى معرفة حالهم عن طريق التفرس في سماتهم ~~لأن سؤالهم كان يغنيه عن ذلك. # وإنما جاء النفي بهذه الطريقة التي يوهم ظاهرها أن النفي متجه إلى ~~الإلحاف وحده ، للموازنة بينهم وبين غيرهم ، فإن غيرهم إذا كان يسأل الناس ~~إلحافا فهم لا يسألون مطلقا لا بإلحاف ولا بدونه ، والنفي بهذه الطريقة فيه ~~تعريض للملحفين وثناء على المتعففين. ولذا قال بعضهم : وإذا علم أنهم لا ~~يسألون البتة فقد علم أنهم لا يسألون الناس إلحافا والمراد التنبيه على سوء ~~طريقة من يسأل الناس إلحافا ، ومثاله إذا حضر عندك رجلان أحدهما عاقل وقور ~~قليل الكلام ، والآخر طياش مهذار سفيه ، فإذا أردت أن تمدح أحدهما وتعرض ~~بذم الآخر قلت : فلان رجل عاقل وقور لا بخوض في الترهات ولا يشرع في ~~السفاهات ، ولم يكن غرضك من قولك لا يخوض في الترهات وصفه بذلك لأن ما تقدم ~~من الأوصاف الحسنة يغنى عن ذلك ، بل PageV01P628 # غرضك التنبيه على مذمة الثاني. ms0646 فالأمر هنا كذلك لأن قوله : ( @QUR@04 لا ~~يسئلون الناس إلحافا ) بعد قوله : ( @QUR@05 يحسبهم الجاهل أغنياء من ~~التعفف ) الغرض منه بيان مباينة أحد الجنسين عن الآخر في استيجاب المدح ~~والتعظيم» (1). # هذا وقد وردت أحاديث متعددة تمدح المتعففين عن السؤال ، وتذم الملحفين ~~فيه ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن أبى هريرة قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان ولا التمرة ~~والتمرتان إنما المسكين الذي يتعفف. اقرؤا إن شئتم : ( @QUR@04 لا يسئلون ~~الناس إلحافا ). # وروى مسلم في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم». # وروى مسلم أيضا في صحيحه عن عوف بن مالك قال : كنا تسعة أو ثمانية أو ~~سبعة عند رسول الله فقال : «ألا تبايعون رسول الله؟ فقلنا علام نبايعك؟ قال ~~: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا. والصلوات الخمس ، وتطيعوا ولا تسألوا ~~الناس. فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فلا يسأل أحدا يناوله إياه». # والخلاصة أن السؤال إنما يجوز عند الضرورة ، وأنه لا يصح لمؤمن أن يسأل ~~الناس وعنده ما يكفيه ، لأن السؤال ذل يربأ بنفسه عنه كل من يحافظ على ~~مروءته وكرامته وشرفه. # وقوله : ( @QUR@08 وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم ) تحريض للمؤمن ~~على البذل والسخاء ، وترقية لنفسه على الشعور بمراقبة الله تعالى وعلى محبة ~~فعل الخير. # أى : وما تنفقوا من خير سواء أكان المنفق قليلا أم كثيرا سرا أم علنا فإن ~~الله يعلمه وسيجازيكم عليه بأجزل الثواب ، وأعظم العطاء. # ثم ختم سبحانه الحديث عن النفقة والمنفقين بقوله : ( @QUR@017 الذين ~~ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون ). # وقوله : ( @QUR@07 الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية ) ~~استئناف المقصود منه مدح أولئك الذين يعممون صدقاتهم في كل الأزمان وفي كل ~~الأحوال فهم يتصدقون على المحتاجين في الليل وفي النهار ، في الغدو وفي ~~الآصال ، في السر وفي ms0647 العلن ، في كل وقت وفي كل حال ، لأنهم لقوة إيمانهم ، ~~وصفاء نفوسهم يحرصون كل الحرص على كل ما يرضى الله تعالى. PageV01P629 # وقد بين الله تعالى في ثلاث جمل حسن عاقبتهم ، وعظيم ثوابهم فقال في ~~الجملة الأولى ( @QUR@04 فلهم أجرهم عند ربهم ) أى فلهم أجرهم الجزيل عند ~~خالقهم ومربيهم ورازقهم. # والجملة الكريمة خبر لقوله : ( @QUR@02 الذين ينفقون ... ) ودخلت الفاء ~~في الخبر لأن الموصول في معنى الشرط فتدخل الفاء في خبره جوازا ، وللدلالة ~~على سببية ما قبلها لما بعدها أى أن استحقاق الأجر متسبب عن الإنفاق في ~~سبيل الله. # وقال في الجملة الثانية ( @QUR@03 ولا خوف عليهم ) أى : لا خوف عليهم من ~~أى عذاب لأنهم في مأمن من عذاب الله بسبب ما قدموا من عمل صالح. # وقال في الجملة الثالثة : ( @QUR@03 ولا هم يحزنون ) أى لا يصيبهم ما ~~يؤدى بهم إلى الحزن والهم والغم ، لأنهم دائما في اطمئنان يدفع عنهم الهموم ~~والأحزان وقد روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها أن على بن ~~أبى طالب كان يملك أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا ، وبدرهم نهارا وبدرهم سرا ~~، وبدرهم علانية فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : «ما حملك على ذلك؟ فقال : ~~أريد أن أكون أهلا لما وعدني ربي. فقال صلى الله عليه وسلم : لك ذلك» فأنزل ~~الله هذه الآية (1). # والحق أن هذه الرواية وغيرها لا تمنع عمومها ، فهي تنطبق على كل من بذل ~~ماله في سبيل الله في عموم الأوقات والأحوال. # أما بعد : فهذه أربع عشرة آية بدأت من قوله تعالى ( @QUR@012 مثل الذين ~~ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل ... ) وانتهت بقوله ~~تعالى : ( @QUR@011 الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم ~~أجرهم عند ربهم ... ). # والذي يقرأ هذه الآيات الكريمة بتدبر وتعقل يراها قد حضت الناس على ~~الإنفاق في سبيل الله بأبلغ الأساليب ، وأحكم التوجيهات ، وأفضل الوسائل ، ~~كما يراها بينت أحكام الصدقة وآدابها ، والآفات التي تذهب بخيرها وضربت ~~الأمثال لذلك ، كما يراها قد بينت أنواعها ، وطريقة أدائها ، وأولى الناس ~~بها ورسمت صورة كريمة ms0648 للفقراء المتعففين ، وكما بدأت الآيات حديثها بالثناء ~~الجميل على المتفقين فقد ختمته أيضا بالثناء عليهم وبالعاقبة الحسنى التي ~~أعدها الله لهم. # ولو أن المسلمين أخذوا بتوجيهات هذه الآيات لعمتهم السعادة في دنياهم ، ~~ولنالوا رضا الله ومثوبته في أخراهم. # وبعد هذه الصورة المشرقة التي ساقها القرآن عن النفقة والمنفقين أتبعها ~~بصورة مضادة لها PageV01P630 # وهي صورة الربا والمرابين. ومن مظاهر التضاد والتباين بين الصورتين أن ~~الصدقة بذل للمال في وجوه الخير بدون عوض ينتظره المتصدق ، أما الربا فهو ~~إخراج المال في وجوه الاستغلال لحاجة المحتاج مع ضمان استرداده ومعه زيادة ~~محرمة. وأن الصدقة نتيجتها الرخاء والنماء والطهارة للمال ، وشيوع روح ~~المحبة والتعامل والتكامل والاطمئنان بين أفراد المجتمع ، أما الربا ~~فنتيجته محق البركة من المال ، وشيوع روح التقاطع والتحاسد والتباغض والخوف ~~بين الناس. ولقد نفر القرآن الناس من تعاطى الربا تنفيرا شديدا وحذرهم من ~~سوء عاقبته تحذيرا مؤكدا فقال تعالى : # ( @QUR@045 الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه ~~الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع ~~وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن ~~عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (275) @QUR@011 يمحق الله الربا ~~ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم (276) @QUR@019 إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون (277) @QUR@014 يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ~~ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (278) @QUR@017 فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب ~~من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (279) ~~@QUR@011 وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم PageV01P631 # @QUR@03 إن كنتم تعلمون (280) @QUR@015 واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ~~ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ) (281) # وقوله تعالى : ( @QUR@013 الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم ~~الذي يتخبطه الشيطان من المس ... ) استئناف قصد به الترهيب من تعاطى الربا ~~، بعد الترغيب في بذل الصدقة لمستحقيها. ms0649 # ولم يعطف على ما قبله لما بينهما من تضاد ، لأن الصدقة كما يقول الفخر ~~الرازي عبارة عن تنقيص المال في الظاهر بسبب أمر الله بذلك ، والربا عبارة ~~عن طلب الزيادة على المال مع نهى الله عنه فكانا متضادين. # والأكل في الحقيقة. ابتلاع الطعام ، ثم أطلق على الانتفاع بالشيء وأخذه ~~بحرص وهو المراد هنا. وعبر عن التعامل بالربا بالأكل ، لأن معظم مكاسب ~~الناس تنفق في الأكل. # والربا في اللغة : الزيادة مطلقا ، يقال : ربا الشيء يربو إذا زاد ونما ، ~~ومنه قوله تعالى : ( @QUR@09 وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء ~~اهتزت وربت ... ) أى : زادت. # وهو في الشرع : كما قال الآلوسى عبارة عن فضل مال لا يقابله عوض في ~~معاوضة مال بمال. # وقوله : ( @QUR@01 يتخبطه ): من التخبط بمعنى الخبط وهو الضرب على غير ~~استواء واتساق. يقال : خبطته أخبطه خبطا أى ضربته ضربا متواليا على أنحاء ~~مختلفة. ويقال : تخبط البعير الأرض إذا ضربها بقوائمه ويقال للذي يتصرف في ~~أمر ولا يهتدى فيه يخبط خبط عشواء. قال زهير بن أبى سلمى في معلقته : # رأيت المنايا خبط عشواء من تصب %~% تمته ومن تخطى يعمر فيهرم # والمس : الخبل والجنون يقال : مس الرجل فهو ممسوس إذا أصابه الجنون. وأصل ~~المس اللمس باليد ، ثم استعير للجنون ، لأن الشيطان يمس الإنسان فيجنه. # والمعنى : ( @QUR@03 الذين يأكلون الربا ) أى يتعاملون به أخذا وإعطاء ( ~~@QUR@02 لا يقومون ) يوم القيامة للقاء الله إلا قياما كقيام المتخبط ~~المصروع المجنون حال صرعه وجنونه ، وتخبط الشيطان له ، وذلك لأنه يقوم ~~قياما منكرا مفزعا بسبب أخذه الربا الذي حرم الله أخذه. PageV01P632 # فالآية الكريمة تصور المرابى بتلك الصورة المرعبة المفزعة ، التي تحمل كل ~~عاقل على الابتعاد عن كل معاملة يشم منها رائحة الربا. # وهنا نحب أن نوضح أمرين : # أما الأمر الأول : فهو أن جمهور المفسرين يرون أن هذا القيام المفزع ~~للمرابين يكون يوم القيامة حين يبعثون من قبورهم كما أشرنا إلى ذلك. # قال الآلوسى : وقيام المرابى يوم القيامة كذلك مما نطقت به الآثار ، فقد ~~أخرج الطبراني عن عوف بن مالك قال : قال ms0650 رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إياك ~~والذنوب التي لا تغفر. الغلول فمن غل شيئا أتى به يوم القيامة ، وأكل الربا ~~فمن أكل الربا بعث يوم القيامة مجنونا يتخبط» ثم قرأ الآية ، وهو مما لا ~~يحيله العقل ولا يمنعه ، ولعل الله تعالى جعل ذلك علامة له يعرف بها يوم ~~الجمع الأعظم عقوبة له ... ثم قال. وقال ابن عطية : المراد تشبيه المرابى ~~في حرصه وتحركه في اكتسابه في الدنيا بالمتخبط المصروع كما يقال لمن يسرع ~~بحركات مختلفة : قد جن ، ولا يخفى أنه مصادمة لما عليه سلف الأمة ولما روى ~~عن رسول صلى الله عليه وسلم من غير داع سوى الاستبعاد الذي لا يعتبر في مثل ~~هذه المقامات» (1). # والذي نراه أنه لا مانع من أن تكون الآية تصور حال المرابين في الدنيا ~~والآخرة ، فهم في الدنيا في قلق مستمر ، وانزعاج دائم ، واضطراب ظاهر بسبب ~~جشعهم وشرههم في جمع المال ، ووساوسهم التي لا تكاد تفارقهم وهم يكفرون في ~~مصير أموالهم .... ومن يتتبع أحوال بعض المتعاملين بالربا يراهم أشبه ~~بالمجانين في أقوالهم وحركاتهم. أما في الآخرة فقد توعدهم الله تعالى ~~بالعقاب الشديد ، والعذاب الأليم. # وقد رجح الإمام الرازي أن الآية الكريمة تصور حال المرابى في الدنيا ~~والآخرة فقال ما ملخصه : «إن الشيطان يدعو إلى طلب اللذات والشهوات ~~والاشتغال بغير الله ، ومن كان كذلك كان في أمر الدنيا متخبطا ... وآكل ~~الربا بلا شك أنه يكون مفرطا في حب الدنيا متهالكا فيها ، فإذا مات على ذلك ~~الحب صار ذلك حجابا بينه وبين الله تعالى ، فالخبط الذي كان حاصلا له في ~~الدنيا بسبب حب المال أورثه الخبط في الآخرة وأوقعه في ذل الحجاب ، وهذا ~~التأويل أقرب عندي من غيره» (2). # وأما الأمر الثاني : فهو أن جمهور المفسرين يرون أيضا أن التشبيه في ~~الآية الكريمة على PageV01P633 # الحقيقة ، بمعنى أن الآية تشبه حال المرابين بحال المجنون الذي مسه ~~الشيطان ، لأن الشيطان قد يمس الإنسان فيصيبه بالصرع والجنون. # ولكن الزمخشري ومن تابعه ينكرون ذلك ، ويرون أن كون الصرع أو الجنون من ms0651 ~~الشيطان باطل لأنه لا يقدر على ذلك ، فقد قال الزمخشري في تفسيره : وتخبط ~~الشيطان من زعمات العرب ، يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع. والمس ~~الجنون ، ورجل ممسوس أى مجنون . وهذا أيضا من زعماتهم ، وأن الجنى يمسسه ~~فيختلط عقله ، وكذلك جن الرجل معناه ضربته الجن ، ورأيتهم لهم في الجن قصص ~~وأخبار وعجائب ، وإنكار ذلك عندهم كإنكار المشاهدات» (1). # ومن العلماء الذين تصدوا للرد على الزمخشري ومن تابعه الإمام القرطبي فقد ~~قال : «وفي هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصرع من جهة الجن وزعم ~~أنه من فعل الطبائع ، وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان ولا يكون منه مس. وقد ~~روى النسائي عن أبى اليسر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول ~~: اللهم إنى أعوذ بك من التردي والغرق والهدم والحريق ، وأعوذ بك من أن ~~يتخبطني الشيطان عند الموت ، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرا وأعوذ بك أن ~~أموت لديغا» (2). # وقال الشيخ أحمد بن المنير : ومعنى قول الزمخشري أن تخبط الشيطان من ~~زعمات العرب ، أى من كذباتهم وزخارفهم التي لا حقيقة لها ، كما يقال في ~~الغول والعنقاء ونحو ذلك. وهذا القول من تخبط الشيطان بالقدرية أى المعتزلة ~~في زعماتهم المردودة بقواطع الشرع ، ثم قال : واعتقاد السلف وأهل السنة أن ~~هذه أمور على حقائقها واقعة كما أخبر الشارع عنها ، والقدرية ينكرون كثيرا ~~مما يزعمونه مخالفا لقواعدهم .. من ذلك السحر ، وخبطة الشيطان ، ومعظم ~~أحوال الجن. وإن اعترفوا بشيء من ذلك فعلى غير الوجه الذي يعترف به أهل ~~السنة وينبئ عنه ظاهر الشرع في خيط طويل لهم ، (3) والذي نراه أن ما عليه ~~جمهور العلماء من أن التشبيه على الحقيقة هو الحق ، لأن الشيطان قد يمس ~~الإنسان فيصيبه بالجنون ، ولأنه لا يسوغ لنا أن تؤول القرآن بغير ظاهره ~~بسبب اتجاه دليل عليه. # وقوله : ( @QUR@02 من المس ) متعلق بيقومون أى لا يقومون من المس الذي حل ~~بهم بسبب أكلهم الربا إلا كما يقوم المصروع من جنونه. PageV01P634 # وقوله تعالى : ( @QUR@012 ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل ms0652 الربا ، وأحل ~~الله البيع وحرم الربا ) بيان لزعمهم الباطل الذي سوغ لهم التعامل بالربا ، ~~ورد عليه بما يهدمه. # واسم الإشارة «ذلك» يعود إلى الأكل أو إلى العقاب الذي نزل بهم. والمعنى ~~: ذلك الأكل الذي استحلوه عن طريق الربا ، أو ذلك العذاب الذي حل بهم والذي ~~من مظاهره قيامهم المتخبط ، سببه قولهم إن البيع الذي أحله الله يشابه ~~الريا الذي نتعامل به في أن كلا منهما معاوضة. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : هلا قيل إنما الربا مثل البيع لأن الكلام في ~~الربا لا في البيع ، فوجب أن يقال إنهم شبهوا الربا بالبيع فاستحلوه وكانت ~~شبهتهم أنهم قالوا : لو اشترى الرجل الشيء الذي لا يساوى إلا درهما بدرهمين ~~جاز ، فكذلك إذا باع درهما بدرهمين؟ قلت : جيء به على طريق المبالغة. وهو ~~أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلا وقانونا في الحل حتى ~~شبهوا به البيع» (1). # وقوله : ( @QUR@05 وأحل الله البيع وحرم الربا ) جملة مستأنفة ، وهي رد ~~من الله تعالى عليهم ، وإنكار لتسويتهم الربا بالبيع. # قال الآلوسى : وحاصل هذا الرد من الله تعالى عليهم : أن ما ذكرتم من أن ~~الربا مثل البيع قياس فاسد الوضع لأنه معارض للنص فهو من عمل الشيطان ، على ~~أن بين البابين فرقا ، وهو أن من باع ثوبا يساوى درهما بدرهمين فقد جعل ~~الثوب مقابلا لدرهمين فلا شيء منهما إلا وهو في مقابلة شيء من الثواب. وأما ~~إذا باع درهما بدرهمين فقد أخذ الدرهم الزائد بدون عوض ، ولا يمكن جعل ~~الإمهال عوضا إذ الإمهال ليس بمال في مقابلة المال» (2). # وقوله : ( @QUR@012 فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى ~~الله ). تفريع على الوعيد السابق في قوله : ( @QUR@03 الذين يأكلون الربا ~~.. ) إلخ». # والمجيء بمعنى العلم والبلاغ ، والموعظة : ما يعظ الله تعالى به عباده عن ~~طريق زجرهم وتخويفهم وتذكيرهم بسوء عاقبة المخالفين لأوامره. # أى : فمن بلغه نهى الله تعالى عن الربا ، فامتثل وأطاع وابتعد عما نهاه ~~الله عنه ، ( @QUR@03 فله ما سلف ) أى فله ما تقدم قبضه من ms0653 مال الربا قبل ~~التحريم وليس له ما تقدم الاتفاق عليه ولم بقبضه .. لأن الله تعالى يقول ~~بعد ذلك ( @QUR@05 وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم .. ). PageV01P635 # وقوله : ( @QUR@03 وأمره إلى الله ) أى أمر هذا المرابى الذي تعامل ~~بالربا قبل التحريم واجتنبه بعده ، أمره مفوض إلى الله تعالى فهو الذي ~~يعامله بما يقتضيه فضله وعفوه وكرمه. # قال ابن كثير : قوله ( @QUR@05 فمن جاءه موعظة من ربه ).. إلخ أى من ~~بلغه نهى الله عن الربا فانتهى حال وصول الشرع إليه فله ما سلف من المعاملة ~~لقوله : ( @QUR@04 عفا الله عما سلف ) وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم ~~فتح مكة : «وكل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين وأول ربا أضع ربا عمى ~~العباس ، ولم يأمرهم برد الزيادات المأخوذة في حال الجاهلية بل عفا عما سلف ~~كما قال تعالى : ( @QUR@06 فله ما سلف وأمره إلى الله ) أى فله ما كان قد ~~أكل من الربا قبل التحريم» (1). # و «من» في قوله : ( @QUR@03 فمن جاءه موعظة ) شرطية وهو الظاهر ، ويحتمل ~~أن تكون موصولة. وعلى التقديرين فهي في محل رفع بالابتداء ، وقوله : ( ~~@QUR@03 فله ما سلف ) هو الجزاء أو الخبر ، و ( @QUR@01 موعظة ) فاعل جاء ، ~~وسقطت التاء من الفعل للفصل بينه وبين الفاعل أو تكون الموعظة هنا بمعنى ~~الوعظ فهي في معنى المذكر وقوله : ( @QUR@02 من ربه ) جار ومجرور متعلق ~~بجاءه ، أو بمحذوف وقع صفة لموعظة وفي قوله : ( @QUR@02 من ربه ) تفخيم ~~لشأن الموعظة ، وإغراء بالامتثال والطاعة لأنها صادرة من الله تعالى المربى ~~لعباده. # وفي هذه الجملة الكريمة بيان لمظهر من مظاهر السماحة فيما شرعه الله ~~لعباده ، لأنه سبحانه لم يعاقب المرابين على ما مضى من أمرهم قبل وجود ~~الأمر والنهى ، ولم يجعل تشريعه بأثر رجعي بل جعله للمستقبل ، إذ الإسلام ~~يجب ما قبله. فما أكله المرابى قبل تحريم الربا فلا عقاب عليه فيه وهو ملك ~~له ، إلا أنه ليس له أن يتعامل به بعد التحريم ، وإذا تعامل به فلن تقبل ~~توبته حتى يتخلص من هذا المال الناتج عنه الربا. # ولقد توعد الله تعالى من يعود ms0654 إلى التعامل بالربا بعد أن حرمه الله تعالى ~~فقال ( @QUR@08 ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ). # أى ومن عاد إلى التعامل بالربا بعد أن نهى الله عنه فأولئك العائدون هم ~~أصحاب النار الملازمون لها ، والماكثون فيها بسبب تعديهم لما نهى الله عنه. # وفي هذه الجملة الكريمة تأكيد للعقاب النازل بأولئك العائدين بوجوه من ~~المؤكدات منها : التعبير فيها بأولئك التي تدل على البعيد فهم بعيدون عن ~~رحمة الله ، والتعبير بالجملة الاسمية التي تفيد الدوام والاستمرار ~~والتعبير ، بكلمة أصحاب الدالة على الملازمة والمصاحبة ، وبكلمة PageV01P636 # ( @QUR@01 خالدون ) التي تدل على طول المكث. # ثم بين سبحانه سوء عاقبة المرابين ، وحسن عاقبة المتصدقين فقال : ( ~~@QUR@05 يمحق الله الربا ويربي الصدقات ) والمحق : النقصان والإزالة للشيء ~~حالا بعد حال ، ومنه محاق القمر ، أى انتقاصه في الرؤية شيئا فشيئا حتى لا ~~يرى ، فكأنه زال وذهب ولم يبق منه شيء. # أى : أن المال الذي يدخله الربا يمحقه الله ، ويذهب بركته ، أما المال ~~الذي يبذل منه صاحبه في سبيل الله فإنه سبحانه يباركه وينميه ويزيده ~~لصاحبه. # قال الإمام الرازي عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : اعلم أنه لما كان ~~الداعي إلى التعامل بالربا تحصيل المزيد من الخيرات ، والصارف عن الصدقات ~~الاحتراز عن نقصان المال ، لما كان الأمر كذلك بين سبحانه أن الربا ، وإن ~~كان زيادة في الحال إلا أنه نقصان في الحقيقة ، وأن الصدقة وإن كانت نقصانا ~~في الصورة إلا أنها زيادة في المعنى ، واللائق بالعاقل أن لا يلتفت إلى ما ~~يقضى به الطبع والحس والدواعي والصوارف ، بل يعول على ما أمر به الشرع. # ثم قال : واعلم أن محق الربا وإرباء الصدقات يحتمل أن يكون في الدنيا وأن ~~يكون في الآخرة. أما محق الربا في الدنيا فمن وجوه : # أحدها : أن الغالب في المرابى وإن كثر ماله أن تؤول عاقبته إلى الفقر ، ~~وتزول البركة عنه ، ففي الحديث : الربا وإن كثر فإلى قل. # وثانيها : إن لم ينقص ماله فإن عاقبته الذم والنقص وسقوط العدالة وزوال ~~الأمانة. # وثالثها : إن الفقراء يلعنونه ويبغضونه بسبب أخذه ms0655 لأموالهم ... # ورابعها : أن الأطماع تتوجه إليه من كل ظالم وطماع بسبب اشتهاره أنه قد ~~جمع ماله من الربا ويقولون : إن ذلك المال ليس له في الحقيقة فلا يترك في يده. # وأما أن الربا مسبب للمحق في الآخرة فلوجوه منها أن الله تعالى لا يقبل ~~منه صدقة ولا جهادا ولا صلة رحم كما قال ابن عباس ، ومنها أن مال الدنيا لا ~~يبقى عند الموت بل الباقي هو العقاب وذلك هو الخسران الأكبر. # وأما إرباء الصدقات في الدنيا فمن وجوه : منها : أن من كان لله كان الله ~~له ، ومن أحسن إلى عباد الله أحسن الله إليه وزاده من فضله ، ومنها أن ~~يزداد كل يوم في ذكره الجميل وميل القلوب إليه ، ومنها أن الفقراء يدعون له ~~بالدعوات الصالحة وتنقطع عنه الأطماع. PageV01P637 # وأما إرباؤها في الآخرة فقد روى مسلم عن أبى هريرة قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «إن الله تعالى يقبل الصدقات ويأخذها بيمينه فيربيها كما ~~يربى أحدكم مهره ، أو فلوه حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد» (1). # ففي هذه الجملة الكريمة بشارة عظيمة للمتصدقين ، وتهديد شديد للمرابين ثم ~~ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@06 والله لا يحب كل كفار أثيم ). # و ( @QUR@01 كفار ) فعيل بمعنى فاعل فهي صيغة مبالغة من آثم ، والأثيم هو ~~المكثر من ارتكاب الآثام المبطئ عن فعل الخيرات. # أى : أن الله تعالى لا يرضى عن كل من كان شأنه الستر لنعمه والجحود لها ، ~~والتمادي في ارتكاب المنكرات ، والابتعاد عن فعل الخيرات. # وقد جمع سبحانه بين الوصفين للإشارة إلى أن إيمان المرابين ناقص إن لم ~~يستحلوه وهم كفار إن استحلوه ، وهم في الحالتين آثمون معاقبون ، يعيدون عن ~~محبة الله ورضاه. وسيعاقب سبحانه الناقصين في إيمانهم ، والكافرين به بما ~~يستحقون من عقوبات. # فالجملة الكريمة تهديد شديد لمن استحلوا الربا ، أو فعلوه مع عدم ~~استحلالهم له. # وبعد هذا التهديد الشديد للمتعاملين بالربا ، ساق سبحانه آية فيها أحسن ~~البشارات للمؤمنين الصادقين فقال تعالى : # ( @QUR@03 إن الذين آمنوا ) أى إيمانا كاملا بكل ما أمر الله به ( ~~@QUR@02 وعملوا ms0656 الصالحات ) أى الأعمال الصالحة التي تصلح بها نفوسهم والتي ~~من جملتها الإحسان إلى المحتاجين ، والابتعاد عن الربا والمرابين ( @QUR@02 ~~وأقاموا الصلاة ) بالطريقة التي أمر الله بها ، بأن يؤدوها في أوقاتها ~~بخشوع واطمئنان ( @QUR@02 وآتوا الزكاة ) أى أعطوها لمستحقيها بإخلاص وطيب نفس. # هؤلاء الذين اتصفوا بكل هذه الصفات الفاضلة ( @QUR@04 لهم أجرهم عند ربهم ~~) أى لهم ثوابهم الكامل عند خالقهم ورازقهم ومربيهم. # ( @QUR@03 ولا خوف عليهم ) يوم الفزع الأكبر ( @QUR@03 ولا هم يحزنون ) ~~لأى سبب من الأسباب ، لأن ما هم فيه من أمان واطمئنان ورضوان من الله تعالى ~~يجعلهم في فرح دائم ، وفي سرور مقيم. # ثم ينتقل القرآن إلى أسلوب الخطاب المباشر للمؤمنين فيأمرهم بتقوى الله ، ~~وينهاهم عن التعامل بالربا فيقول : ( @QUR@06 يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله ) أى اخشوه وصونوا أنفسكم عن الأعمال PageV01P638 # والأقوال التي تفضى بكم إلى عقابه. # وقوله : ( @QUR@05 وذروا ما بقي من الربا ) أى : اتركوا ما بقي في ذمم ~~الذين عاملتموهم بالربا ولا تأخذوا منهم إلا رءوس أموالكم فحسب ، فهذا ~~مقابل لقوله تعالى قبل ذلك : ( @QUR@03 فله ما سلف ) أى ما سلف قبضه من ~~الربا قبل نزول الآية فهو لكم ، وما لم تقبضوه فأنتم مأمورون بتركه. # وقوله : ( @QUR@02 من الربا ) متعلق بمحذوف على أنه حال من فاعل ( ~~@QUR@01 بقي ) أى اتركوا الذي بقي حال كونه بعض الربا ، ومن للتبعيض. أو ~~متعلق ببقى. # و ( @QUR@01 ذروا ) فعل أمر بوزن علوا مبنى على حذف النون والواو فاعل ، ~~وأصله «وذروا» فحذفت فاؤه ، والماضي منه «وذر». # وقوله : ( @QUR@03 إن كنتم مؤمنين ) حض لهم على ترك الربا أى إن كنتم ~~مؤمنين حق الإيمان فامتثلوا أمر الله وذروا ما بقي من الربا مما زاد على ~~رءوس أموالكم. # قال ابن كثير : نزل هذا السياق في بنى عمرو بن عمير بن ثقيف ، وبنى ~~المغيرة من بنى مخزوم كان بينهم ربا في الجاهلية فلما جاء الإسلام ودخلوا ~~فيه ، طلبت ثقيف أن تأخذه منهم فتشاوروا. وقالت بنو المغيرة : لا نؤدى في ~~الإسلام ، فكتب في ذلك عتاب بن أسيد نائب مكة إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه ms0657 الآية ، فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إليه. فقالوا نتوب إلى الله ونذر ما بقي من الربا فتركوه كلهم. وهذا تهديد ~~شديد ووعيد أكيد لكل من استمر على تعاطى الربا بعد الإنذار» (1) ثم هدد ~~الله تعالى كل من يتعامل بالربا تهديدا عنيفا فقال : ( @QUR@08 فإن لم ~~تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ). # أى : فإن لم تتركوا الربا وأخذتم منه شيئا بعد نهيكم عن ذلك ، فكونوا على ~~علم ويقين بحرب كائنة من الله تعالى ورسوله ، ومن حاربه الله ورسوله لا ~~يفلح أبدا. # وقوله : ( @QUR@01 فأذنوا ) من أذن بالشيء يأذن إذا علمه. وقرئ فآذنوا من ~~آذنه الأمر وآذنه به : أعلمه إياه : أى أعلموا من لم ينته عن الربا بحرب من ~~الله ورسوله. # وتنكير «حرب» للتهويل والتعظيم أى فكونوا على علم ويقين من أن حربا عظيمة ~~ستنزل عليكم من الله ورسوله. # قال بعضهم : والمراد المبالغة في التهديد دون نفس الحرب. وقال آخرون : ~~المراد نفس الحرب بمعنى أن الإصرار على عمل الربا إن كان من شخص وقدر عليه ~~الإمام قبض عليه PageV01P639 # وأجرى فيه حكم الله من الحبس والتعزير إلى أن تظهر منه التوبة. وإن وقع ~~ممن يكون له عسكر وشوكة ، حاربه الإمام كما يحارب الفئة الباغية ، وكما ~~حارب أبو بكر الصديق ما نعى الزكاة. وقال ابن عباس : من تعامل بالربا ~~يستتاب فإن تاب فبها وإلا ضرب عنقه (1). # ثم بين سبحانه ما يجب عليهم عند توبتهم عن التعامل بالربا فقال : ( ~~@QUR@09 وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ). # أى : وإن تبتم عن التعامل بالربا الذي يوجب الحرب عليكم من الله ورسوله ، ~~فلكم رءوس أموالكم أى أصولها بأن تأخذوها ولا تأخذوا سواها ، وبذلك لا ~~تكونون ظالمين لغرمائكم ، ولا يكونون ظالمين لكم ، لأن من أخذ رأس ماله ~~بدون زيادة كان مقسطا ومتفضلا ، ومن دفع ما عليه بدون إنقاص منه كان صادقا ~~في معاملته. # ثم أمر الله تعالى الدائنين أن يصبروا على المدينين الذين لا يجدون ما ~~يؤدون منه ديونهم فقال تعالى : ( @QUR@07 وإن كان ذو عسرة فنظرة ms0658 إلى ميسرة ). # والعسرة : اسم من الإعسار وهو تعذر الموجود من المال يقال : أعسر الرجل ~~إذا صار إلى حالة العسرة وهي الحالة التي يتعسر فيها وجود المال. # والنظرة : اسم من الإنظار بمعنى الإمهال. يقال : نظره وانتظره وتنظره ، ~~تأنى عليه وأمهله في الطلب. # والميسرة : مفعلة من اليسر الذي هو ضد الإعسار. يقال : أيسر الرجل فهو ~~موسر إذا اغتنى وكثر ماله وحسنت حاله. # والمعنى : وإن وجد مدين معسر فأمهلوه في أداء دينه إلى الوقت الذي يتمكن ~~فيه من سداد ما عليه من ديون ، ولا تكونوا كأهل الجاهلية الذين كان الواحد ~~منهم إذا كان له دين على شخص وحل موعد الدين طالبه بشدة وقال له : إما أن ~~تقضى وإما أن تربى أى تدفع زيادة على أصل الدين. # و ( @QUR@01 كان ) هنا الظاهر أنها تامة بمعنى وجد أو حدث ، فتكتفى ~~بفاعلها كسائر الأفعال. وقيل يجوز أن تكون ناقصة واسمها ضمير مستكن فيها ~~يعود إلى المدين وإن لم يذكر وذلك على قراءة ذا عسرة بالنصب وقوله : ( ~~@QUR@01 فنظرة ) الفاء جواب الشرط. ونظرة خبر لمبتدأ محذوف أى فالأمر أو ~~فالواجب أو مبتدأ محذوف الخبر أى فعليكم نظرة. # ثم حبب سبحانه إلى عباده التصدق بكل أو ببعض ما لهم من ديون على المدينين PageV01P640 # المعسرين فقال تعالى : ( @QUR@07 وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون ). # أى : وأن تتركوا للمعسر كل أو بعض ما لكم عليه من ديون وتتصدقوا بها عليه ~~، فإن فعلكم هذا يكون أكثر ثوابا لكم من الإنظار. # وجواب الشرط في قوله : ( @QUR@03 إن كنتم تعلمون ) محذوف. أى إن كنتم ~~تعلمون أن هذا التصدق خير لكم فلا تتباطؤا في فعله ، بل سارعوا إلى تنفيذه ~~فإن التصدق بالدين على المعسر ثوابه جزيل عند الله تعالى . # وقد أورد بعض المفسرين جملة من الأحاديث النبوية التي تحض على إمهال ~~المعسر ، والتجاوز عما عليه من ديون. # ومن ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبى قتادة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : «من نفس عن غريمه أو محا عنه كان في ظل العرش يوم ms0659 ~~القيامة». # وروى الطبراني عن أسعد بن زرارة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «من ~~سره أن يظله الله يوم لا ظل إلا ظلله فلييسر على معسر أو ليضع عنه». # وروى الإمام أحمد عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من ~~أراد أن تستجاب دعوته وأن تكشف كربته فليفرج عن معسر» (1). # ثم ساق سبحانه في ختام حديثه على الربا آية كريمة ذكر الناس فيها بزوال ~~الدنيا وفناء ما فيها من أموال ، وبالاستعداد للآخرة وما فيها من حساب فقال ~~تعالى : ( @QUR@015 واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما ~~كسبت وهم لا يظلمون ). # أى : واحذروا أيها المؤمنون يوما عظيما في أهواله وشدائده ، وهو يوم ~~القيامة الذي تعودون فيه إلى خالقكم فيحاسبكم على أعمالكم ، ثم يجازى ~~سبحانه كل نفس بما كسبت من خير أو شر بمقتضى عدله وفضله ، ولا يظلم ربك أحدا. # فالآية الكريمة تعقيب حكيم يتناسب كل التناسب مع جو المعاملات والأخذ ~~والعطاء ، حتى يبتعد الناس عن كل معاملة لم يأذن بها الله تعالى . # قال الآلوسى : أخرج غير واحد عن ابن عباس أن هذه الآية هي آخر ما نزل على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن. واختلف في مدة بقائه بعدها. فقيل : ~~تسع ليال. وقيل : سبعة أيام. وقيل : واحدا وعشرين يوما. وروى أنه قال : ~~اجعلوها بين آيات الربا وآية الدين ...» (2). PageV01P641 # هذا ، والمتدبر في هذه الآيات التي وردت في موضع الربا ، يراها قد نفرت ~~منه تنفيرا شديدا ، وتوعدت متعاطيه بأشد العقوبات ، وشبهت الذين يأكلونه ~~بتشبيهات تفزع منها النفوس ، وتشمئز منها القلوب ، وحضت المؤمنين على أن ~~يلتزموا في معاملاتهم ما شرعه الله لهم ، وأن يتسامحوا مع المعسرين ~~ويتصدقوا عليهم بما يستطيعون التصدق به. # وقد تكلم الفقهاء (1) وبعض المفسرين عن الربا وأقسامه وحكمة تحريمه كلاما ~~مستفيضا ، قال بعضهم : الربا قسمان : ربا النسيئة ، وربا الفضل. # فربا النسيئة : هو الذي كان معروفا بين العرب في الجاهلية ، وهو أنهم ~~كانوا يدفعون المال على أن يأخذوه في موعد معين ms0660 ، فإذا حل الأجل طولب ~~المدين برأس المال كاملا ، فإن تعذر الأداء زادوا في الحق وفي الأجل. # وربا الفضل : أن يباع درهم بدرهمين ، أو دينار بدينارين ، أو رطل من ~~العسل برطلين ، أو كيلة من الشعير بكيلتين. # وكان ابن عباس في أول الأمر لا يحرم إلا ربا النسيئة وكان يجوز ربا الفضل ~~اعتمادا على ما روى من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «إنما الربا في ~~النسيئة» ولكن لما تواتر عنده الخبر بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~الحنطة بالحنطة مثلا بمثل يدا بيد» رجع عن قوله. لأن قوله صلى الله عليه وسلم ~~: «إنما الربا في النسيئة» محمول على اختلاف الجنس فإن النسيئة حينئذ تحرم ~~ويباح التفاضل كبيع الحنطة بالشعير. تحرم فيه النسيئة ويباح التفاضل. # ولذلك وقع الاتفاق على تحريم الربا في القسمين : أما ربا النسيئة فقد ثبت ~~تحريمه بالقرآن كما في قوله تعالى : ( @QUR@05 وأحل الله البيع وحرم الربا ). # وأما ربا الفضل فقد ثبت تحريمه بالحديث الصحيح الذي رواه عبادة ابن ~~الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، ~~والبر بالبر ، والشعير بالشعير والتمر بالتمر. والملح بالملح. مثلا بمثل ، ~~سواء بسواء ، يدا بيد ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كانت ~~يدا بيد». # وقد اشتهرت رواية هذا الحديث حتى صارت مسلمة عند الجميع. وجمهور العلماء ~~على أن الحرمة ليست مقصورة على هذه الأشياء الستة ، بل تتعداها إلى غيرها ~~مما يتحد معها في العلة. وقد فسر بعضهم هذه العلة باتحاد الجنس والقدر ..» (2). PageV01P642 # ومن الحكم التي ذكرت في أسباب تحريم الربا : أنه يقتضى أخذ مال الغير ~~بدون عوض ، ويؤدى إلى امتناع أصحاب الأموال عن تحمل المشاق في الكسب ~~والتجارة والصناعة ، وإلى استغلال حاجة المحتاج أسوأ استغلال وكل ذلك يفضى ~~إلى إشاعة روح التباغض والتخاصم والتحاسد بين أفراد المجتمع كما سبق أن ~~أشرنا . # ومن الأحاديث الشريفة التي وردت في التحذير من تعاطى الربا ما رواه ~~الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اجتنبوا ms0661 السبع ~~الموبقات أى المهلكات قالوا : يا رسول الله وما هن؟ قال : الشرك بالله ، ~~والسحر ، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وأكل الربا ، وأكل مال ~~اليتيم ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات». # وأخرج مسلم في صحيحه عن جابر بن عبيد الله قال : لعن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه». # وبعد أن أمر سبحانه المؤمنين أن يسارعوا في التصدق على المحتاجين ، وأن ~~يجتنبوا الربا والمرابين ، وبين لهم أن أموالهم تزكو وتنمو بالإنفاق في ~~وجوه الخير ، وتمحق وتذهب بتعاطى الربا ، بعد أن وضح كل ذلك ساق لهم آية ~~جامعة ، متى اتبعوا توجيهاتها استطاعوا أن يحفظوا أموالهم بأفضل طريق ، ~~وأشرف وسيلة ، وأن يصونوها عن الهلاك والضياع عند ما يعطى أحدهم أخاه شيئا ~~من المال على سبيل الدين أو القرض الحسن المنزه عن الربا. استمع إلى القرآن ~~وهو يتكلم عن أحكام الدين وعن أحكام بعض المعاملات التجارية الحاضرة فيقول : # ( @QUR@062 يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ~~وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب ~~وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه ~~الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا ~~شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان PageV01P643 # @QUR@067 ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا ~~يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسئموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ~~ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة ~~حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا ~~يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله ~~والله بكل شيء عليم ) (282) # قال ابن كثير : قوله تعالى : ( @QUR@011 يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم ~~بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ) هذا إرشاد منه تعالى لعباده المؤمنين إذا ~~تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها ليكون ذلك ms0662 أحفظ لمقدارها وميقاتها وأضبط ~~للشاهد فيها ، وقد نبه على ذلك في آخر الآية حيث قال : ( @QUR@09 ذلكم أقسط ~~عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا ) وروى البخاري عن ابن عباس أنه ~~قال : أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله وأذن فيه ثم قرأ ( ~~@QUR@06 يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم ). الآية. وثبت في الصحيحين عن ~~ابن عباس قال : قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار ~~السنة والسنتين والثلاث فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أسلف فليسلف في ~~كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» (1). # ومعنى ( @QUR@01 تداينتم ): تعاملتم بالدين وداين بعضكم بعضا. وحقيقة ~~الدين كما يقول القرطبي «عبارة عن كل معاملة كان أحد العوضين فيها نقدا ~~والآخر في الذمة نسيئة ، فإن العين عند العرب ما كان حاضرا ، والدين ما كان ~~غائبا» (2). PageV01P644 # والأجل في اللغة هو الوقت المضروب لانقضاء الأمد ، وأجل الإنسان هو الوقت ~~المحدد لانقضاء عمره. وأجل الدين هو الوقت المعين لأدائه في المستقبل. ~~وأصله من التأخير ، يقال : أجل الشيء يأجل إذا تأخر والآجل نقيض العاجل. # والمعنى : يا أيها الذين آمنوا إذا عامل بعضكم بعضا بالدين إلى وقت معين ~~فاكتبوا هذا الدين ، لأن في هذه الكتابة حفظا له ، وضبطا لمقداره ، ومنعا ~~للتنازع من أن يقع بينكم. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : هلا قيل : إذا تداينتم إلى أجل مسمى ، وأى ~~حاجة إلى ذكر الدين؟ قلت : ذكر لفظ الدين ليرجع الضمير إليه في قوله : ( ~~@QUR@01 فاكتبوه ) إذ لو لم يذكر لوجب أن يقال : فاكتبوا الدين ، فلم يكن ~~النظم بذلك الحسن ، ولأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحال. فإن قلت : ما ~~فائدة قوله : ( @QUR@01 مسمى ) قلت : ليعلم أن من حق الأجل أن يكون معلوما ~~كالتوقيت بالسنة والأشهر والأيام. ولو قال : إلى الحصاد أو الدياس أو رجوع ~~الحاج لم يجز لعدم التسمية» (1). # وجمهور العلماء على أن الأمر في قوله «فاكتبوه» للندب ، ولأن الله تعالى ~~قد قال بعد ذلك ( @QUR@08 فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته ) ~~ولأن النبي صلى الله ms0663 عليه وسلم لم يلزم الدائنين بكتابة ديونهم ، ولا المدينين ~~بأن يكتبوها. # وقال الظاهرية : إن الأمر هنا للوجوب ، ومن لم يفعل ذلك كان آثما ، لأن ~~الأصل في الأمر أنه للوجوب .. # وقوله : ( @QUR@04 وليكتب بينكم كاتب بالعدل ) بيان لكيفية الكتابة ~~المأمور بها وتعيين من يتولاها عقب الأمر بها على سبيل الإجمال. # أى : عليكم أيها المؤمنون إذا تعاملتم بالدين إلى أجل معين أن تكتبوا هذا ~~الدين ، وليتول الكتابة بينكم شخص يجيدها وعنده فقهها وعلمها ، بأن يكون ~~على معرفة بشروط العقود وتوثيقها ، وما يكون من الشروط موافقا لشريعة ~~الإسلام وما يكون منها غير موافق ، وعلى هذا الكاتب أن يلتزم الحق مع ~~الدائن والمدين في كتابته ، لأن الله تعالى يقول : ( @QUR@011 ولا يجرمنكم ~~شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ). فالجملة الكريمة تحض ~~المتعاملين بالدين أن يختاروا لكتابته شخصا تتوفر فيه إجادة الكتابة ، ~~والخبرة بشروط العقود وتوثيقها ، كما تتوفر فيه الاستقامة وتحرى الحق. ~~ومفعول ( @QUR@01 يكتب ) محذوف ثقة بانفهامه أى وليكتب بينكم الكتابة كاتب ~~بالعدل. والتقييد بالظرف بينكم للإيذان بأنه ينبغي للكاتب ألا يسمح لنفسه ~~بأن ينفرد به أحد المتعاقدين ، لأن في هذا الانفراد تهمة يجب أن يربأ بنفسه عنها. PageV01P645 # والجار والمجرور وهو ( @QUR@01 بالعدل ) متعلق بمحذوف صفة لكاتب أى : ~~وليكن المتصدي للكتابة من شأنه أن يكتب بالسوية من غير ميل إلى أحد ~~الجانبين. أو متعلق بالفعل يكتب. أى : وليكتب بالحق. # ثم نهى الله تعالى من كان قادرا على الكتابة عن الامتناع عنها متى دعى ~~إليها فقال : ( @QUR@09 ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب ). # أى : ولا يمتنع كاتب من أن يكتب للمتداينين ديونهما بالطريقة التي علمه ~~الله إياها أن يتحرى العدل والحق في كتابته ، وأن يلتزم فيها ما تقتضيه ~~أحكام الشريعة الإسلامية. # فالكاف في قوله تعالى : ( @QUR@03 كما علمه الله ) نعت لمصدر محذوف ~~والتقدير : فليكتب كتابة مثل ما علمه الله تعالى بمعنى أن يلتزم الحق ~~والعدل فيها. # ويجوز أن تكون الكاف للتعليل فيكون المعنى : لا يمتنع عن الكتابة لأنه ~~كما علمه الله إياها ويسرها له ونفعه ms0664 بها ، فعليه أن ينفع غيره بها ، فهو ~~كقوله تعالى : ( @QUR@05 وأحسن كما أحسن الله إليك ) وفي الحديث الشريف «إن ~~من الصدقة أن تعين صانعا أو تصنع لأخرق» وفي حديث آخر : «من كتم علما يعلمه ~~ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة» (1). # وقوله : ( @QUR@01 فليكتب ) تفريع على قوله «ولا يأب كاتب» أى : فليكتب ~~الكتابة التي علمه الله إياها فهو توكيد للأمر المستفاد من قوله : ( ~~@QUR@03 ولا يأب كاتب ). ويجوز أن يكون توكيدا للأمر الصريح في قوله : ( ~~@QUR@04 وليكتب بينكم كاتب بالعدل ). # قال القرطبي : واختلف الناس في وجوب الكتابة على الكاتب والشهادة على ~~الشاهد. فقال الطبري : واجب على الكاتب إذا أمر أن يكتب. وقال الحسن : ذلك ~~واجب عليه في الموضع الذي لا يقدر فيه على كاتب غيره فيضر صاحب الدين إن ~~امتنع ، فإن كان كذلك فهو فريضة ، وإن قدر على كاتب غيره فهو في سعة إذا ~~قام بها غيره» (2). # وإلى هنا تكون الآية الكريمة قد قررت مبدأ الكتابة في الدين ، وبينت ~~كيفية الكتابة ، وأشارت إلى إجادة الكاتب لها ، ونهته عن الامتناع عنها إذا ~~دعى إليها. ثم انتقلت الآية بعد ذلك إلى بيان من يتولى الإملاء فقال تعالى ~~: ( @QUR@011 وليملل الذي عليه الحق ، وليتق الله ربه ، ولا يبخس منه شيئا ). # والإملال معناه الإملاء. فهما لغتان معناهما واحد. وقد جاء القرآن ~~باللغتين قال تعالى : ( @QUR@09 وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى ~~عليه بكرة وأصيلا ). PageV01P646 # أى : وعلى المدين الذي عليه الدين وقد التزم بأدائه أن يمل على الكاتب ~~هذا الدين ، وذلك ليكون إملاؤه إقرارا به وبالحقوق التي عليه الوفاء بها. ~~وعليه كذلك أن يراقب الله تعالى في إملائه فلا ينقص من الدين الذي عليه ~~شيئا ، لأن هذا الإنقاص ظلم حرمه الله تعالى . # وقد أمر الله تعالى بأن يكون الذي يملى على الكاتب هو المدين لأنه هو ~~المكلف بأداء مضمون الكتابة ، ولأنه بإملائه يكون قد أقر على نفسه بما عليه ~~، ولأنه لو أفلس الدائن فربما يزيد في الدين ، أو يملى شيئا ليس محل اتفاق ~~بينه وبين المدين ، ولأن المدين في الغالب في ms0665 موقف ضعيف فأعطاه الله تعالى ~~حق الإملاء على الكاتب حتى لا يغبن من الدائن. # فأنت ترى أن الله تعالى قد مكن المدين من الإملاء على الكاتب حتى تكون ~~الكتابة تحت سمعه وبصره وباختياره ، ولكنه في الوقت نفسه أوجب عليه أمرين : ~~تقوى الله وعدم الانقاص من الدين الذي عليه ، وإن ذلك لتشريع عادل حكيم لا ~~ظلم فيه لا للدائن ولا للمدين. # ثم بين سبحانه الحكم فيما إذا كان الذي عليه الدين لا يحسن الإملاء فقال ~~تعالى : ( @QUR@05 فإن كان الذي عليه الحق ) وهو المدين ( @QUR@01 سفيها ) ~~أى جاهلا بالإملاء أو ناقص العقل ، أو متلافا مبذرا لا يحسن تدبير أمره». # ( @QUR@02 أو ضعيفا ) بأن يكون صبيا أو شيخا تقدمت به الشيخوخة. # ( @QUR@06 أو لا يستطيع أن يمل هو ) بأن يكون عييا أو أخرس أو لا خبرة له ~~بإملاء أمثال هذه المكاتبات. # ( @QUR@03 فليملل وليه بالعدل ) أى فعلى ولى أمره أو من يهمه شأنه ولا ~~يرضى له أن يضيع حقه أن يتولى الإملاء متحريا الحق والعدل فيما يكلف به. # وبعد هذا البيان الحكيم عن الكتابة وأحكامها في شأن الديون ، انتقل ~~القرآن إلى الحديث عن الإشهاد فقال تعالى : ( @QUR@04 واستشهدوا شهيدين من ~~رجالكم ) أى : اطلبوا شاهدين عدلين من الرجال ليشهدوا على ما يجرى بينكم من ~~معاملات مؤجلة ، لأن هذا الإشهاد يعطى الديون والكتابة توثيقا وتثبيتا. ~~والسين والتاء في قوله : «واستشهدوا» للطلب. # قال الآلوسى : «وفي اختيار صيغة المبالغة في ( @QUR@01 شهيدين ) للإيماء ~~إلى من تكررت منه الشهادة ، فهو عالم بها مقتدر على أدائها وكأن فيه رمزا ~~إلى العدالة ، لأنه لا يتكرر ذلك من الشخص عند الحكام إلا وهو مقبول عندهم ~~ولعله لم يقل رجلين لذلك. والأمر للندب أو للوجوب على الخلاف على ذلك» (1). PageV01P647 # وقوله : ( @QUR@02 من رجالكم ) متعلق بقوله : ( @QUR@01 واستشهدوا ) ومن ~~لابتداء الغاية ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف صفة لشهيدين ومن للتبعيض ، أى ~~من رجالكم المسلمين الأحرار فإن الكلام في معاملتهم. # ثم بين سبحانه الحكم إذا لم يتيسر شاهدان من الرجال فقال : ( @QUR@010 ~~فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء ). # وقوله ms0666 : ( @QUR@02 ممن ترضون ) متعلق بمحذوف على أنه صفة لرجل وامرأتان. ~~أى فإن لم يتيسر رجلان للشهادة فليشهد رجل وامرأتان كائنون مرضيون عندكم ~~بعدالتهم. # وهذا الوصف وإن كان في جميع الشهود إلا أنه ذكر هنا للتشديد في اعتباره ، ~~لأن اتصاف النساء به قد لا يتوفر كثيرا. # وقوله : ( @QUR@02 من الشهداء ) متعلق بمحذوف حال من الضمير المفعول ~~المقدر في ( @QUR@01 ترضون ) العائد إلى الموصول : أى فليشهد رجل وامرأتان ~~ممن ترضونهم حال كونهم من بعض الشهداء لعلمكم بعدالتهم ، وثقتكم بهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 ممن ترضون من الشهداء ) أدق في الدلالة على صدق ~~الشهادة من العدالة ، لأن الإنسان العدل قد يكون مرضيا في دينه وخلقه ولكنه ~~قد يتأثر بالمشاهد المؤثرة فتخونه ذاكرته في وقت الحاجة إليها ، أو قد يكون ~~ممن يمنعه منصبه وجاهه ومقامه في الناس من الكذب إلا أنه قد يرتكب بعض ~~المعاصي ، فجاء سبحانه بهذه الجملة الحكيمة لكي يقول للناس. اختاروا ~~الشهداء من الذين يرتضى قولهم ، ويقيمون الشهادة على وجهها الحق بدون ~~التأثر بأى نوع من أنواع المؤثرات. # هذا ، وشهادة النساء مع الرجال تجوز عند الحنفية في الأموال والطلاق ~~والنكاح والرجعة وكل شيء إلا الحدود والقصاص. وعند المالكية تجوز في ~~الأموال وتوابعها خاصة ، ولا تقبل في أحكام الأبدان مثل الحدود والقصاص ~~والنكاح والطلاق والرجعة. # ثم بين سبحانه العلة في أن المرأتين تقومان مقام الرجل في الشهادة فقال : ~~( @QUR@06 أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ). # قال القرطبي : معنى تضل تنسى ، والضلال عن الشهادة إنما هو نسيان جزء ~~منها وذكر جزء ، ويبقى المرء حيران بين ذلك ضالا» (1). # والمعنى : جعلنا المرأتين بدل رجل واحد في الشهادة ، خشية أن تنسى ~~إحداهما فتذكر كل PageV01P648 # واحدة منهما الأخرى. إذ المرأة لقوة عاطفتها ، وشدة انفعالها بالحوادث ، ~~قد تتوهم ما لم تر ، فكان من الحكمة أن يكون مع المرأة أخرى في الشهادة ~~بحيث يتذكران الحق فيما بينهما. # والعلة في الحقيقة هي التذكير ، ولكن الضلال لما كان سببا في التذكير ، ~~نزل منزلة العلة. وذلك كأن تقول : أعددت السلاح خشية أن يجيء العدو فأدفعه ~~، فإن العلة هي ms0667 الدفاع عن النفس ، ولكن لما كان مجيء العدو سببا فيه نزل ~~منزلته. # وكما أمر الله تعالى الكتاب في أول الآية بعدم الامتناع عن الكتابة أمر ~~الشهود أيضا بعدم الامتناع عن الشهادة فقال تعالى : ( @QUR@06 ولا يأب ~~الشهداء إذا ما دعوا ) أى : ولا يمتنع الشهود عن أداء الشهادة وتحملها متى ~~دعوا إليها ، لأن الامتناع عن تحمل الشهادة وأدائها قد يؤدى إلى ضياع ~~الحقوق. والله تعالى قد شرع الشهادة لإحقاق الحق ، ونشر العدل بين الناس ، ~~فعلى من اشتهروا بالعدالة ووثق الناس بهم أن يؤدوا الشهادة كما أمرهم الله ~~تعالى . # ثم أمر سبحانه بكتابة الدين سواء أكبر الدين أم صغر فقال : ( @QUR@09 ولا ~~تسئموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ). # السأم : الضجر والملل. يقال : سئمت الشيء أسأمه سأما وسآمة أى مللته ~~وضجرته. # والمعنى : وعليكم أيها المؤمنون أن لا تملوا من كتابة الدين إلى الوقت ~~المحدد له سواء أكان هذا الدين كبيرا أم صغيرا ، لأن الكتابة في الحالتين ~~أدعى إلى حفظ الحقوق وصيانتها ، وإلى عدم نشوب التنازع أو التخاصم بينكم ، ~~ولأن الدين قد يكون صغيرا في نظر الغنى المليء ، إلا أنه كبير في نظر ~~الفقير المعسر ، ولأن التهاون في شأن الدين الصغير قد يؤدى إلى التهاون في ~~شأن الدين الكبير ، لذا وجب عليكم أن تنقادوا لشرع الله وأن تكتبوا ما ~~بينكم من ديون. # والضمير في قوله : ( @QUR@02 أن تكتبوه ) يعود إلى الدين أو إلى الحق ، ~~وقوله : ( @QUR@03 صغيرا أو كبيرا ) حالان من الضمير. أى لا تسأموا أن ~~تكتبوه على كل حال قليلا أو كثيرا ، وقدم الصغير على الكبير اهتماما به ~~وانتقالا من الأدنى إلى الأعلى. # ثم بين سبحانه ثلاث فوائد تعود عليهم إذا ما امتثلوا ما أمرهم الله تعالى ~~به ، فقال : ( @QUR@04 ذلكم أقسط عند الله ). # واسم الإشارة ( @QUR@01 ذلكم ) يعود إلى كل ما سبق ذكره في الآية من ~~الكتابة والإشهاد ومن عدم الامتناع عنهما ، ومن تحرى الحق والعدل. # و ( @QUR@01 أقسط ) بمعنى أعدل. يقال : أقسط فلان في الحكم يقسط إقساطا ~~إذا عدل فهو مقسط. PageV01P649 # قال تعالى : ( @QUR@04 إن الله يحب ms0668 المقسطين ). ويقال : هو قاسط إذا جار ~~وظلم. قال تعالى : ( @QUR@05 وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ). # أى : ذلكم الذي شرعناه لكم في أمر الديون من الكتابة والإشهاد وغيرهما ~~أعدل في علم الله تعالى ، وكل ما كان كذلك فهو الأعدل والأفضل والأحكم في ~~ذاته ، لأنه سبحانه هو الأعلم بما فيه مصلحتكم فاستجيبوا له ، وتلك هي ~~الفائدة الأولى. # أما الفائدة الثانية فهي قوله سبحانه : ( @QUR@02 وأقوم للشهادة ) ومعنى ~~( @QUR@01 أقوم ) أبلغ في الاستقامة التي هي ضد الاعوجاج. أى : أثبت لها ~~وأعون على إقامتها وأدائها. # وأما الفائدة الثالثة فهي قوله : ( @QUR@03 وأدنى ألا ترتابوا ) أى : ~~أقرب إلى زوال الشك والريبة. أى أن الأوامر والنواهي السابقة إذا نفذت على ~~وجهها كان تنفيذها أعدل في علم الله تعالى وأعون على إقامة الشهادة إذ بها ~~يتم الاعتماد على الحفظ ، وأقرب إلى عدم الشك في جنس الدين وقدره وأجله ، ~~وإذا توفرت هذه الفوائد الثلاث في المعاملات ساد الوفاق والتعاون بين الناس ~~، أما إذا فقدت فإن الثقة تزول من بينهم ، ويحل محلها النزاع والشقاق. # ثم أباح سبحانه في التجارة الحاضرة عدم الكتابة فقال : ( @QUR@012 إلا أن ~~تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها ). # والتجارة الحاضرة التي تدور بين التجار : هي التي يجرى فيها التقابض في ~~المجلس أو التي يتأخر فيها الأداء زمنا يسيرا. وسميت حاضرة ، لأن المبيع ~~والثمن كلاهما حاضر. # والمعنى : أن الله تعالى يأمركم بكتابة الديون وبالإشهاد عليها إلا أنه ~~سبحانه رحمة بكم أباح لكم عدم الكتابة في التجارة الحاضرة التي تكثرون ~~إدارتها والتعامل فيها ، لأنه لو كلفكم بذلك لشق الأمر عليكم ، وهو سبحانه ~~( @QUR@07 ما جعل عليكم في الدين من حرج ). ولأن أمثال هذه التجارات التي ~~يحصل فيها التقابض ويكثر تكرارها ، لا يتوقع فيها التنازع أو النسيان. # والاستثناء هنا منقطع لأنه ليس هناك دين حتى يكتب ، وليست التجارة ~~الحاضرة من جنس التعامل بالديون فكأنه قيل : إذا تداينتم فتكاتبوا وأشهدوا ~~لكن التجارة الحاضرة التي يجرى فيها التقابض لا جناح عليكم في عدم كتابتها. # وقيل : الاستثناء متصل والجملة المستثناة في موضع نصب ms0669 لأنه استثناء من ~~الجنس ، لأنه أمر بالكتابة في كل معاملة واستثنى منها التجارة الحاضرة ~~والتقدير : آمركم بالكتابة والإشهاد في كل معاملة إلا في حال حضور التجارة ~~فلا بأس من ترك الكتابة. و ( @QUR@01 تجارة ) قرأها الجمهور بالرفع PageV01P650 # على أنها اسم تكون ، والخبر جملة ( @QUR@02 تديرونها بينكم ). أو على ~~أنها فاعل تكون إذا اعتبرناها تامة. # وقرأها عاصم بالنصب على أنها خبر تكون واسمها ضمير مستتر فيها يعود على ~~التجارة. أى. إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 وأشهدوا إذا تبايعتم ) أمر منه سبحانه بالإشهاد ~~عند البيع ، وهذا الأمر للإرشاد والتعليم عند جمهور العلماء. ويرى الظاهرية ~~أنه للوجوب. # قال صاحب الكشاف : هذا أمر بالإشهاد على التبايع مطلقا ناجزا أو كالئا أى ~~مؤجلا لأنه أحوط وأبعد مما عسى يقع من الاختلاف. ويجوز أن يراد : وأشهدوا ~~إذا تبايعتم هذا التبايع. يعنى التجارة الحاضرة على أن الإشهاد كاف فيه دون ~~الكتابة ، وعن الضحاك : هي عزيمة من الله ولو على باقة بقل» (1). # ثم نهى سبحانه عن المضارة فقال : ( @QUR@05 ولا يضار كاتب ولا شهيد ). # والمضارة : إدخال الضرر. والفعل ( @QUR@01 يضار ) يحتمل أن يكون مبنيا ~~للفاعل ، وأن أصله «لا يضارر بكسر الراء ويحتمل أن يكون مبنيا للمفعول. وأن ~~أصله لا يضارر بفتح الراء الأولى. # والمعنى على الأول : نهى الكاتب والشاهد عن أن ينزلا ضررا بأحد ~~المتعاقدين ، بأن يبخس الكاتب أحدهما ، أو يشهد بغير الحق. # والمعنى على الثاني : وهو الظاهر نهى الدائن والمدين عن أن ينزل أحدهما ~~ضررا بالكاتب أو الشاهد لحملهما على كتابة غير الحق أو قول غير الحق ، ~~فإنهما أمينان ، والإضرار بهما قد يحملهما على الخيانة وفي ذلك ضياع ~~للأمانة وذهاب للثقة. ولذا قال تعالى بعد ذلك ( @QUR@05 وإن تفعلوا فإنه ~~فسوق بكم ). # أى : وإن تفعلوا ما نهيتم عنه أو تخالفوا ما أمرتم به ، فإنكم بذلك ~~تكونون قد خرجتم عن طاعة الله ، وتلبستم بمعصيته ، وصرتم أهلا لعقوبته ، ~~فعليكم أن تقفوا عند حدود الله حتى تتحقق لكم السعادة في دينكم ودنياكم. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بالأمر بخشيته. وبتذكيرهم بنعمه فقال ms0670 : ( ~~@QUR@08 واتقوا الله ويعلمكم الله ، والله بكل شيء عليم ). # أى : واتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه ، فهو سبحانه الذي يعلمكم ما ~~يصلح لكم PageV01P651 # أمر دنياكم وما يصلح لكم أمر دينكم متى اتقيتموه واستجبتم له ، وهو ~~سبحانه بكل شيء عليم لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. # وبعد : فهذه هي آية الدين التي هي أطول آية في القرآن ، تقرؤها فتراها قد ~~اشتملت على أدق التشريعات ، وأحكم التوجيهات ، وأنجع الإرشادات التي تهدى ~~إلى حفظ الحقوق وضبطها وتوثيقها بمختلف الوسائل. # تقرؤها فترى الدقة العجيبة في الصياغة بأن وضع كل لفظ في مكانه المناسب ، ~~وترى الطلاوة في التعبير ، والعذوبة في الألفاظ بحيث لا تطغى دقة الصياغة ~~على جمال العرض. # وترى الوفاء الكامل ، لكل الجوانب التشريعية والاحتراس التام من كل ~~المؤثرات التي قد تؤثر على سلامة التعاقد ، والإرشاد الجامع إلى كل ما يضمن ~~وصول الحق والعدل إلى جميع الأطراف بدون محاباة أو غبن. # وترى قبل ذلك وبعد ذلك كيف يسوق القرآن تشريعاته بطريقة تغرس في النفوس ~~الخوف من الله تعالى والمراقبة له ، والاستجابة لأوامره ، لا كطريقة البشر ~~في قوانينهم التي صاغوها في قوالب صماء من الألفاظ لا تشعر معها بتأثير في ~~النفس ، ولا باهتزاز في القلب. # ولو لم يكن في شريعة الله سوى هذا التأثير الذي تشعر به النفوس النقية ~~الصافية عند تدبرها لكفاها ذلك دليلا على سموها وفضلها وعلى أنها من صنع ~~الله تعالى ولو أن المسلمين أخذوا بها وبتوجيهاتها في سائر شئونهم لظفروا ~~بالسعادتين : الدينية والدنيوية. # ثم بين سبحانه ما يحب على المسلمين فعله إذا لم يتمكنوا من كتابة ديونهم ~~بأن كانوا مسافرين وليس معهم كاتب فقال تعالى : # ( @QUR@032 وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم ~~بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن ~~يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم ) (283) # الرهان : جمع رهن بمعنى مرهون من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول وقرأ ~~ابن كثير وأبو عمر فرهن مقبوضة وأصل الرهن ms0671 في كلام العرب يدل على الحبس قال ~~تعالى : PageV01P652 # ( @QUR@05 كل نفس بما كسبت رهينة ). ومعنى الرهن : أن يوضع شيء يناسب ~~قيمة الدين من متاع المدين بيد الدائن توثقة له في دينه ، ليستطيع أن ~~يستوفى حقه من هذا الشيء المرهون عند تعذر الدفع. # والمعنى : وإن كنتم. أيها المؤمنون مسافرين وتداينتم بدين إلى أجل مسمى ، ~~ولم تجدوا كاتبا يكتب لكم ديونكم ، أو لم تتيسر لكم أسباب الكتابة لأى سبب ~~من الأسباب ، فإنه في هذه الحالة يقوم مقام الكتابة رهان مقبوضة يقبضها ~~صاحب الدين ضمانا لحقه عند تعذر أخذه من الغريم. # وفي التعبير بقوله : ( @QUR@02 على سفر ) استعارة تبعية حيث شبه تمكنهم ~~في السفر بتمكن الراكب من مركوبه. وفيه كذلك إشارة إلى اضطراب الحال ، لأن ~~حال المسافر يغلب عليها التنقل وعدم الاستقرار. # وجملة ( @QUR@03 ولم تجدوا كاتبا ) معطوفة على فعل الشرط ، أى : وإن كنتم ~~مسافرين ولم تجدوا ، كاتبا فتكون في محل جزم تقديرا. ويجوز أن تكون الواو ~~للحال والجملة بعدها في محل نصب على الحال. # وقوله : ( @QUR@02 فرهان مقبوضة ) خبر لمبتدأ محذوف والتقدير : فالذي ~~يستوثق به رهان مقبوضة. أو مبتدأ محذوف الخبر والتقدير : فعليكم رهان ~~مقبوضة. # ومن الأحكام التي أخذها الفقهاء من هذه الآية الكريمة : أن تعليق الرهان ~~على السفر ليس لكون السفر شرطا في صحة الرهان ، فإن التعامل بالرهان مشروع ~~في حالتي السفر والحضر ، وإنما علق هنا على السفر لأنه مظنة تعسر الكتابة ~~لما فيه من التنقل وعدم الاستقرار. وقد ثبت في الصحيحين عن أنس أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم توفى ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين وسقا من شعير ~~رهنها قوتا لأهله» (1). # ومن الواضح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ما رهن درعه لليهودي كان ~~مقيما ولم يكن مسافرا. # قال القرطبي : ولم يرو عن أحد منع الرهن في الحضر سوى مجاهد والضحاك ~~وداود متمسكين بالآية ، ولا حجة فيها لهم ، لأن هذا الكلام وإن خرج مخرج ~~الشرط فالمراد به غالب الأحوال. وليس كون الرهن في الآية في السفر مما يحظر ~~في غيره» ms0672 (2). # كذلك أخذ بعض الفقهاء من قوله : ( @QUR@02 فرهان مقبوضة ) أن الرهن لا ~~يتم إلا بالقبض ، فإذا افترق المتعاقدان من غير قبض كان الرهن غير صحيح بنص ~~الآية وهذا مذهب الأحناف PageV01P653 # والشافعية ، ويرى المالكية والحنابلة أن الرهن يتم من غير القبض ، لأن ~~القبض حكم من أحكامه ، فمن حق الدائن بعد تمام عقد الرهن أن يطالب بقبض ~~العين المرهونة ، فالقبض حكم من أحكام العقد ، وليس ركنا من أركانه ولا ~~شرطا لتمامه. # وقوله : ( @QUR@011 فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق ~~الله ربه ) تفريع على أحكام الديون السابقة ، وحض على أداء الأمانة وعلى ~~حسن المعاملة. # أى : فإن أمن الدائن المدين واعتمد على ذمته ووفائه ولم يوثق الدين ~~بالكتابة والشهود والرهن ، فعلى المدين أن يكون عند حسن ظن الدائن به بأن ~~يؤدى ما عليه من ديون في الموعد المحدد بدون تسويف أو مماطلة ، وعليه كذلك ~~أن يتقى الله ربه في رعاية حقوق غيره فلا يجحدها ولا يتأخر في أدائها لأن ~~الله العليم بكل شيء سيحاسب كل إنسان بما قدمت يداه. # وعبر سبحانه بقوله : ( @QUR@02 فإن أمن ) دون أو أودع ، للإشارة إلى ~~الجانب الذي اعتمد عليه الدائن في المدين وهو خلق الأمانة ، فهو لا يرى فيه ~~إلا جانبا مأمونا لا يتوقع منه شرا أو خيانة ، وللتنبيه إلى أن صفة الأمانة ~~والوفاء من الصفات التي يجب أن يتحلى بها المؤمنون جميعا حتى ينالوا ~~السعادة في دينهم ودنياهم ، عبر بقوله : ( @QUR@03 فليؤد الذي اؤتمن ) ولم ~~يقل فليؤد المدين لحضه : على الأداء بأحسن أسلوب ، لأنه ما دام الدائن قد ~~ائتمنه على ما أعطاه من ديون ، فعلى هذا الذي اؤتمن وهو المدين أن يكون عند ~~حسن الظن به وأن يرد إليه حقه في موعده مع شكره على حسن ظنه به. # وقوله : ( @QUR@01 أمانته ) أى دينه. والضمير يصح أن يعود إلى الدائن ~~باعتباره مالك الدين ، وإلى المدين باعتبار أن الدين عليه ، وفي إضافتها أى ~~الأمانة إلى المدين إشعار له بأنها عبء في ذمته يجب أن يؤديه حتى يتخلص من ~~تكاليفه ، إذ الأمانة عبء ms0673 ثقيل عند العقلاء الذين يشعرون بالمسئولية نحو ~~أنفسهم ونحو غيرهم. # وجمع سبحانه بين صفتي الألوهية والربوبية في قوله : ( @QUR@03 وليتق الله ~~ربه ) للمبالغة في التحذير من الخيانة والمماطلة فإنهما يغضبان الله تعالى ~~الذي خلق الإنسان ورباه وأسبغ عليه نعمه الظاهرة والباطنة ، ولإشعار هذا ~~المدين بأن التقوى هي الوثيقة الكبرى التي لا تعدلها وثيقة أخرى من كتابة ~~أو شهادة أو رهان. # وبذلك نرى لونا من ألوان التدرج الحكيم في شريعة الله تعالى فأنت ترى أن ~~الله تعالى قد بين قبل ذلك أن الكتابة في الديون والإشهاد عليها مطلوبان ، ~~فإن تعذرت الكتابة والشهادة لسبب من الأسباب فإنه يترخص حينئذ بالرهن ~~المقبوض. PageV01P654 # فإن تعذر على المدين المحتاج أن يدفع للدائن رهنا يكون الاعتماد على ~~الأمانة التي هي صفة من صفات الصادقين. # فيا له من تشريع حكيم ، بين للناس ما يصلح شأنهم في دينهم وفي دنياهم. # ثم أمر الله تعالى عباده بأن يؤدوا الشهادة على وجهها وألا يكتموها فقال ~~تعالى : ( @QUR@08 ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ). أى : ~~وعليكم أيها المؤمنون ألا تمتنعوا عن أدائها إذا دعيتم إليها وألا تخفوها ~~فإن الذي يخفيها ويمتنع عن أدائها يكون معاقبا من الله تعالى بسبب ارتكابه ~~لما نهى عنه. # وقد أسند سبحانه الإثم إلى القلب خاصة مع أن الإثم يسند إلى الشخص ، لأن ~~الإثم في كتمان الشهادة عمل القلب لا عمل الجوارح ، ولأن القلب أساس كل خير ~~وكل شر ، ففي الحديث الشريف : ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد ~~كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب». # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : هلا اقتصر على قوله ( @QUR@02 فإنه آثم ) ~~وما فائدة ذكر القلب والجملة هي الآثمة لا القلب وحده؟ قلت : كتمان الشهادة ~~هو أن يضمرها ولا يتكلم بها. فلما كان إثما مقترنا بالقلب أسند إليه لأن ~~إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ ، ألا تراك تقول إذا أردت ~~التوكيد : هذا مما أبصرته عيني ، ووعاه قلبي. ولأن القلب هو رئيس الأعضاء ~~فكأنه قيل : ومن يكتمها ms0674 فقد تمكن الإثم من أصل نفسه ، وملك أشرف مكان فيه : ~~ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام التي تتعلق باللسان فقط. وليعلم أن ~~القلب أصل متعلقه ومعدن اقترافه ، واللسان ترجمان عنه. ولأن أفعال القلوب ~~أعظم من أفعال سائر الجوارح ، وهي لها كالأصول التي تتشعب عنها. ألا ترى أن ~~أصل الحسنات والسيئات الإيمان والكفر. وهما من أفعال القلوب فإذا جعل كتمان ~~الشهادة من آثام القلوب فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب. # وقوله : ( @QUR@01 آثم ) خبر إن و ( @QUR@01 قلبه ) رفع بآثم على ~~الفاعلية كأنه قيل : فإنه يأثم قلبه. ويجوز أن يرتفع قلبه بالابتداء. وآثم ~~خبر مقدم. والجملة خبر إن والضمير للشأن» (1). # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@04 والله بما تعملون عليم ) أى : ~~والله تعالى عليم بكل أعمالكم وأقوالكم وسائر شئونكم وسيجازى المحسنين ~~إحسانا ، والمسيئين سوءا فعليكم أيها المؤمنون أن تستجيبوا لأوامر الله ، ~~وأن تجتنبوا ما نهاكم عنه حتى تكونوا من السعداء. # فالجملة الكريمة تذييل قصد به الوعد الحسن للمؤمنين الصادقين ، والوعيد ~~الشديد للعصاة PageV01P655 # المسيئين ، حتى يزداد المؤمنون إيمانا ، ويقلع العصاة عن عصيانهم ~~وسيئاتهم. # وبعد هذا البيان الجامع الحكيم لطرق التعامل التي أباحها الله تعالى ~~لعباده والتي حرمها عليهم ، بين سبحانه أن ما في السموات والأرض ملك له ، ~~وأنه سيحاسب عباده بما يقتضيه علمه الشامل ، وإرادته النافذة فقال تعالى . # ( @QUR@028 لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو ~~تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير ~~) (284) # وما دام الأمر كذلك فعليكم أيها المؤمنون أن تبذلوا نهاية جهدكم في العمل ~~الصالح الذي بين أيديكم إنما هو عارية مستردة ، وأن المالك الحقيقي له إنما ~~هو الله رب العالمين ، فأنفقوا من هذا المال الذي هو أمانة بين أيديكم في ~~وجوه الخير واجمعوه من طريق حلال ، وكونوا من القوم العقلاء الصالحين الذين ~~لم تشغلهم دنياهم عن أخراهم ، بل كانوا كما قالوا : ( @QUR@011 ربنا آتنا ~~في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@010 وإن تبدوا ما ms0675 في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به ~~الله ) بيان لشمول علم الله تعالى لما أظهره الإنسان أو أخفاه من أقوال ~~وأعمال ، وأنه سيحاسبه على ذلك بما يستحقه من خير أو شر. # والجملة الكريمة صريحة في أن الله تعالى يحاسب العباد على نياتهم وما ~~تكسبه قلوبهم سواء أأخفوه أم أظهروه. # وقد بين المحققون من العلماء أن هذه المحاسبة إنما تكون على ما يعزم عليه ~~الإنسان وينويه ويصر على فعله ، سواء أنفذ ما اعتزم عليه أم حالت دونه ~~حوائل خارجة عن إرادته : كمن عزم على السرقة واتخذ الوسائل لذلك ولكن لم ~~يستطع التنفيذ لأسباب لم يتمكن معها من السرقة التي أصر عليها. # أما الخواطر النفسية التي تجول في النفس ، وتعرض للإنسان دون أن يعزم على ~~تنفيذها ، فإنها ليست موضع مؤاخذة ، بل إن التغلب عليها ، وكفها بعد ~~مكافحتها يجعله أهلا للثواب. PageV01P656 # ففي الصحيحين عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال ~~الله تعالى : إذا هم عبدى بسيئة فلا تكتبوها عليه فإن عملها فاكتبوها سيئة ~~، وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة ، فإن عملها فاكتبوها عشرا (1). # وروى الجماعة في كتبهم عن أبى هريرة قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إن الله تجاوز لي عن أمتى ما وسوست به صدورها ما لم تعمل أو تتكلم» (2). # قال الفخر الرازي : الخواطر الحاصلة في القلب على قسمين : فمنها ما يوطن ~~الإنسان نفسه عليه ويعزم على إدخاله في الوجود ، ومنها ما لا يكون كذلك ، ~~بل تكون أمورا خاطرة بالبال مع أن الإنسان يكرهها ولكنه لا يمكنه دفعها عن النفس. # فالقسم الأول يكون مؤاخذا به. # والثاني لا يكون مؤاخذا به ، ألا ترى إلى قوله تعالى : ( @QUR@011 لا ~~يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ) (3). # وقال الآلوسى : المؤاخذة على تصميم العزم على إيقاع المعصية في الأعيان ~~وهو من الكيفيات النفسانية التي تلحق بالملكات ، وليس كذلك سائر ما يحدث في ~~النفس أى من خواطر لا تصميم ولا عزم معها قال بعضهم : # مراتب القصد خمس هاجس ms0676 ذكروا %~% فخاطر فحديث النفس فاستمعا يليه هم فعزم كلها رفعت %~% سوى الأخير ففيه الأخذ قد وقعا (4) # وقوله تعالى : فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء» بيان لنتيجة المحاسبة التي ~~تكون من الخالق عز وجل لعباده. # أى : أنه سبحانه بمقتضى علمه الشامل ، وإرادته النافذة ، يحاسب عباده على ~~ما أسروه وما أعلنوه من أقوال وأعمال ، فيغفر بفضله لمن يشاء أن يغفر له ، ~~ويعذب بعدله من يشاء أن يعذبه ، لا راد لمشيئته ولا معقب لحكمه. # وقوله : ( @QUR@01 فيغفر ) ويعذب ، قرأه عاصم وابن عامر ويعقوب وأبو جعفر ~~برفع الراء والباء على PageV01P657 # الاستئناف أى فهو يغفر. وقرأ الباقون بإسكانهما عطفا على جواب الشرط وهو ~~قوله : ( @QUR@01 يحاسبكم ). # وقوله : ( @QUR@05 والله على كل شيء قدير ) تذييل مقرر لمضمون ما قبله ~~فإن كمال قدرته سبحانه على جميع الأشياء موجب لقدرته على ما سبق ذكره من ~~المحاسبة لعباده ، وإثابة من يشاء إثابته وتعذيب من يشاء تعذيبه ، فهو ~~القاهر فوق عباده ، وهو الحكيم الخبير. # ثم ختم سبحانه سورة البقرة بآيتين كريمتين في أولاهما أن رسالة النبي ~~صلى الله عليه وسلم امتداد للرسالات السماوية السابقة وخاتمة لها ومهيمنة ~~عليها ، وبين في الثانية أنه سبحانه لم يكلف الناس إلا بما في قدرتهم ، ~~وأنهم سيحاسبون على أعمالهم ، وأن من شأن الأخيار أن يكثروا من التضرع إليه ~~بخالص الدعاء. قال تعالى : # ( @QUR@027 آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ~~ربنا وإليك المصير (285) @QUR@049 لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت ~~وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا ~~إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف ~~عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ) (286) # وقوله : ( @QUR@08 آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون ) استئناف ~~قصد به الإخبار عن الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بما يشرفهم ويعلى من ~~أقدارهم ومنازلهم. # أى : صدق الرسول صلى ms0677 الله عليه وسلم بما أنزل إليه من ربه في هذه السورة ~~وغيرها من العقائد والأحكام PageV01P658 # والسنن والبينات والهدايات تصديق إذعان وإقرار وإطمئنان ، وكذلك المؤمنون ~~الذين صدقوه واتبعوه آمنوا بما آمن به رسولهم وداعيهم إلى الحق ~~صلى الله عليه وسلم . # وقد قرن سبحانه إيمان المؤمنين بإيمان رسولهم صلى الله عليه وسلم تشريفا لهم ~~وللإشارة إلى أنهم متى صدقوا في إيمانهم كانت منزلتهم عند الله تعالى قريبة ~~من منازل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . # وفي تأخيرهم في الذكر إشارة إلى تأخر التابع عن المتبوع ، وإشارة إلى أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم هو أول من آمن بما أوحى إليه من ربه ، وهو أقوى ~~الناس إيمانا ، وأصدقهم يقينا. وأكثرهم استجابه لأوامر الله. # وقوله : ( @QUR@06 كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ) بيان للإيمان ~~الكامل الذي اعتقدوه وصدقوا به. # أى : كل فريق من هذين الفريقين وهما الرسول والمؤمنون آمن إيمانا تاما ~~بوجود الله تعالى ووحدانيته ، وكمال صفاته ، ووجوب الخضوع والعبادة له ، ~~وبوجود الملائكة وأنهم عباد مكرمون ( @QUR@08 لا يعصون الله ما أمرهم ~~ويفعلون ما يؤمرون ) كما آمنوا بكتب الله التي أنزلها لسعادة البشر ، ~~وبرسله الذين أرسلهم لإخراج الناس من الظلمات إلى النور. # ثم بين سبحانه أن من صفات هؤلاء الأخيار أنهم لا يفرقون بين رسل الله ~~تعالى فقال : ( @QUR@06 لا نفرق بين أحد من رسله ) أى يقولون لا نفرق في ~~الإيمان بين رسل الله تعالى وإنما نؤمن بهم جميعا ، ونصدق برسالة كل رسول ~~أرسله الله تعالى ولا نقول كما قال الضالون ( @QUR@04 نؤمن ببعض ونكفر ببعض ). # ثم حكى سبحانه ما قالوه مما يدل على صدق إيمانهم ، ونقاء نفوسهم وطهارة ~~قلوبهم فقال : «وقالوا سمعنا وأطعنا» أى : وقالوا سمعنا قولك وفهمناه ، ~~وامتثلنا أمرك يا الهنا واستقمنا عليه ، وصبرنا على تكاليفه بكل رضا ~~واستسلام. «غفرانك ربنا» أى اغفر لنا غفرانك الذي هو من فضل رحمتك ونعمك ~~فأنت ربنا وخالقنا والعليم بأحوالنا وبضعفنا. # فقوله : ( @QUR@01 غفرانك ) مصدر منصوب على المفعول المطلق والعامل فيه ~~مقدر أى : اغفر غفرانك. وقوله : ( @QUR@02 وإليك المصير ) أى : وإليك وحدك ~~المرجع والمآب ms0678 ، ومنك وحدك يكون الحساب والثواب والعقاب ، ( @QUR@012 يوم ~~لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ). # وبذلك نرى أن هذه الآية الكريمة قد مدحت الرسول صلى الله عليه وسلم مدحا ~~عظيما ، ومدحت أتباعه المؤمنين الصادقين لاستجابتهم لأوامر الله ونواهيه ، ~~وتضرعهم إليه بخالص الدعاء أن يغفر لهم ما فرط منهم. PageV01P659 # ثم بين سبحانه بعض مظاهر رحمته بعباده فقال : ( @QUR@06 لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها ) والوسع كما يقول الزمخشري : ما يسع الإنسان ، ولا يضيق ~~عليه ، ولا يحرج فيه ، أى لا يكلفها إلا ما يتسع فيه طوقه ، ويتيسر عليه ~~دون مدى الطاقة والمجهود. وهذا إخبار عن عدله. ورحمته كقوله تعالى : ( ~~@QUR@08 يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) لأنه كان في إمكان ~~الإنسان وطاقته أن يصلى أكثر من الخمس ، ويصوم أكثر من الشهر ، ويجمع أكثر ~~من حجة (1). # فالجملة الكريمة تحكى لنا بعض مظاهر فضل الله علينا ورحمته بنا ، حيث ~~كلفنا بما تسعه قدرتنا ، وتستطيعه نفوسنا ، وقد حكى القرآن هذا المعنى في ~~آيات كثيرة ، منها قوله تعالى : # ( @QUR@07 ما جعل عليكم في الدين من حرج ) وقوله تعالى : ( @QUR@08 يريد ~~الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ). # وإذا كانت بعض التكاليف التي كلفنا الله بها فيها مشقة ، فإن هذه المشقة ~~محتملة وفي وسع الإنسان وقدرته وطاقته ، وسيثيبنا الله تعالى عليها ثوابا ~~جزيلا ، فهو القائل : ( @QUR@06 إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ). # ثم بين سبحانه أن كل نفس ستجازى بما عملت فقال : ( @QUR@06 لها ما كسبت ~~وعليها ما اكتسبت ) أى لها وحدها ثواب ما كسبت من حسنات بسبب أعمالها ~~الصالحة ، وعليها وحدها عقاب ما اكتسبت من سيئات بسبب أعمالها القبيحة. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم خص الخير بالكسب ، والشر بالاكتساب؟ قلت. ~~في الاكتساب اعتمال ، فلما كان الشر مما تشتهيه النفس وهي منجذبة إليه ~~وأمارة به ، كانت في تحصيله أعمل وأجد ، فجعلت لذلك مكتسبة فيه ، ولما لم ~~تكن كذلك في باب الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال» (2). # وقال الأستاذ الإمام محمد عبده : «لا شك أن الميل ms0679 إلى الخير مما أودع في ~~نفس الإنسان ، والإنسان يفعل الخير بطبعه وتكون فيه لذته. ولا يحتاج إلى ~~تكلف في فعل الخير ، لأنه يعلم أن كل أحد يرتاح إليه ويراه بعين الرضا وأما ~~الشر فإنه يعرض للنفس بأسباب ليست من طبيعتها ولا من مقتضى فطرتها ومهما ~~كان الإنسان شريرا فإنه لا يخفى عليه أن الشر ممقوت عند الناس وصاحبه مهين ~~عندهم .. وهكذا شأن الإنسان عند اقتراف كل شر يشعر في نفسه بقبحه ، ويجد PageV01P660 # من أعماق سريرته هاتفا يقول له : لا تفعل ، ويحاسبه بعد الفعل ويوبخه إلا ~~في النادر ..» (1). وبعد بيان سنة الله تعالى في التكليف وفي الجزاء عليه ~~، ختم سبحانه السورة الكريمة بتلك الدعوات الجامعات للسعادة حتى يكثر ~~المؤمنون من التضرع بها فقال تعالى : ( @QUR@07 ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا ~~أو أخطأنا ) أى : ربنا يا واسع العفو والمغفرة لا تؤاخذنا أى لا تعاقبنا ( ~~@QUR@02 إن نسينا ) أمرك ونهيك ( @QUR@02 أو أخطأنا ) ففعلنا خلاف الصواب ~~جهلا منا بوجهه الشرعي. # فأنت ترى أن هؤلاء الذين اتقوا ربهم ، فصفت نفوسهم ، وطهرت قلوبهم ، ~~وخشعت جوارحهم ، يتضرعون إلى الله أن يغفر لهم ما فرط منهم نسيانا أو خطأ ، ~~وذلك لأن المؤمن عند ما يصل إلى هذه الدرجة من التقوى والصفاء يشعر بأن ~~الله تعالى يحاسبه على مالا حساب عليه ، ويشعر بأن حسناته مهما كثرت فهي ~~قليلة بجانب هفواته وسيئاته ، فهو لشدة خشيته من الله يرجح جانب المؤاخذة ~~على جانب العفو فيكثر من الضراعة والدعاء. # وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله : فإن قلت : النسيان والخطأ ~~متجاوز عنهما فما معنى الدعاء بترك المؤاخذة بهما؟ قلت : ... لأنهم كانوا ~~متقين الله حق تقاته ، فما كانت تفرط منهم فرطة إلا على وجه النسيان ~~والخطأ. فكان وصفهم بالدعاء بذلك إيذانا ببراءة ساحتهم عما يؤاخذون به. ~~كأنه قيل : إن كان النسيان والخطأ مما يؤاخذ به ، فما فيهم سبب مؤاخذة إلا ~~الخطأ والنسيان. ويجوز أن يدعو الإنسان بما علم أنه حاصل له قبل الدعاء من ~~فضل الله لاستدامته والاعتداد بالنعمة فيه» (2). # هذا هو الدعاء الأول ms0680 الذي حكاه القرآن عن المؤمنين الصادقين. # أما الدعاء الثاني فهو قوله سبحانه : ( @QUR@011 ربنا ولا تحمل علينا ~~إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ). # والإصر في اللغة : الثقل والشدة. مأخوذ من أصر بمعنى حبس ، فكأنه يحبس ~~صاحبه في مكانه فيمنعه من الحركة. # والمعنى : أن أولئك يضرعون إلى الله تعالى ألا يلقى تكاليف وأعباء شديدة ~~، يثقل عليهم حملها ويعجزون عن أدائها ، كما كان الحال بالنسبة للذين ~~سبقوهم ؛ فقد كلف الله تعالى بنى إسرائيل بتكاليف شاقة ثقيلة بسبب تعنتهم ~~وفسوقهم عن أمره ، ومن ذلك PageV01P661 # تكليفهم بقتل أنفسهم إذا أرادوا أن يتوبوا توبة صادقة ، وتحريم بعض ~~الطيبات عليهم بسبب ظلمهم قال تعالى : ( @QUR@09 فبظلم من الذين هادوا ~~حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ... ). # قال الرازي : والمؤمنون إنما طلبوا هذا التخفيف لأن التشديد مظنة ~~التقصير. والتقصير موجب للعقوبة ، ولا طاقة لهم بعذاب الله تعالى فلا جرم ~~التمسوا السهولة في التكاليف (1). # أما الدعاء الثالث فهو قوله تعالى : ( @QUR@08 ربنا ولا تحملنا ما لا ~~طاقة لنا به ). # الطاقة كما يقول الراغب : اسم لمقدار ما يمكن للإنسان أن يفعله بمشقة ، ~~وذلك تشبيه بالطوق المحيط ، فقوله تعالى : ( @QUR@07 لا تحملنا ما لا طاقة ~~لنا به ) أى ما يصعب علينا مزاولته ، وليس معناه لا تحملنا ما لا قدرة لنا ~~به» (2). # فالطاقة على هذا تكون فيما فعله بأقصى القدرة والقوة. # أى : ونسألك يا ربنا ألا تحملنا ما هو فوق طاقتنا وقدرتنا من المصائب ~~والعقوبات وغير ذلك من الأمور التي لا نستطيعها. # وهذا الدعاء هو تدرج مترتب على الدعاء السابق ، فهم هنا يلتمسون منه ~~سبحانه ألا ينزل بهم ما هو فوق قدرتهم وطاقتهم من بلايا ومحن ، بعد أن ~~التمسوا منه ألا يكلفهم بتكاليف شاقة ثقيلة كما كلف الذين من قبلهم. # ثم حكى القرآن دعاءهم الرابع والخامس والسادس فقال : ( @QUR@05 واعف عنا ~~، واغفر لنا ، وارحمنا ) أى نسألك يا ربنا أن تعفو عنا بأن تمحو عنا ما ~~ألممنا به من ذنوب وتتجاوز عنها ، وأن تغفر لنا سيئاتنا بأن تسترها ولا ~~تفضحنا بإظهارها فأنت وحدك الغفار الستار. وأن ترحمنا برحمتك ms0681 السابقة التي ~~شملت كل شيء ، فإننا مع تقصيرنا في طاعتك تأمل ألا تحرمنا من رحمتك فأنت ~~تراهم قد تضرعوا إلى ربهم أن يعفو عنهم بأن يسقط عنهم العقاب وأن يغفر لهم ~~بأن يستر عليهم ذنوبهم فلا يفضحهم بها ، وأن يشملهم بعطفه ورحمته. # وهي دعوات تدل على رقة إحساسهم ، ونقاء نفوسهم ، وشدة خشيتهم من ربهم ، ~~وشعورهم نحوه بالتقصير مهما قدموا من أعمال صالحة. # ثم ختموا دعاءهم بقوله تعالى : ( @QUR@06 أنت مولانا فانصرنا على القوم ~~الكافرين ) أى : أنت مولانا وناصرنا وحافظنا ومعيننا وممدنا بالخير والهدى ~~فانصرنا يا ربنا على القوم الكافرين لكي تكون PageV01P662 # كلمتك هي العليا ، وكلمة الذين كفروا هي السفلى. # وقولهم : ( @QUR@02 أنت مولانا ) يدل على نهاية خضوعهم وتذللهم وطاعتهم ~~لله رب العالمين ، لأنهم قد اعترفوا بأنه سبحانه هو المتولى لكل نعمة يصلون إليها. # قال ابن كثير : وقد ورد في صحيح مسلم عن النبي : صلى الله عليه وسلم أن الله ~~تعالى قال عقب كل دعوة من هذه الدعوات : قد فعلت. # وروى البخاري والجماعة عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه». # وروى الإمام أحمد عن أبى ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعطيت ~~خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطهن نبي قبلي». # وبعد فهذه هي سورة البقرة التي اشتملت على ما يشفى الصدور ، ويهدى القلوب ~~، ويصلح النفوس : من توجيهات سامية ، وآداب حميدة ، وعقائد سليمة ، ~~وتشريعات حكيمة ، وأمثال هادية ، وقصص من شأنه أن يغرس في النفوس الخلق ~~القويم ، وأن يغريها بالاتعاظ والاعتبار حتى تكون ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه. # ولقد سبق لنا أن تكلمنا قبل البدء في تفسيرها عن وقت نزولها ، وعن فضلها ~~وعن مقاصدها الإجمالية ... # والله نسأل أن ينفعنا بها وبكتابه الكريم ، وأن يجعل أقوالنا وأعمالنا ~~خالصة لوجهه ، ونافعة لعباده. # اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ، ونور أبصارنا وبصائرنا ، وجلاء همنا ~~وحزننا ، وأعنا على إتمام ما قصدناه بفضلك ورعايتك يا أكرم الأكرمين. وصلى ~~الله على ms0682 سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن سار على طريقته إلى يوم الدين. PageV01P663 ### ||| * الفهرس # سورة ~~الفاتحة........................................................... 11 # 1 بسم الله الرحمن ~~الرحيم....................................................... 15 # 2 الحمد لله رب ~~العالمين........................................................ 17 # 3 الرحمن ~~الرحيم............................................................... 17 # 4 مالك يوم ~~الدين............................................................. 20 # 5 إياك نعبد وإياك ~~نستعين..................................................... 21 # 6 اهدنا الصراط ~~المستقيم....................................................... 22 # 7 صراط الذين أنعمت ~~عليهم................................................... 24 # سورة ~~البقرة............................................................. 27 # 1 الم................................................................. ~~....... 37 # 2 ذلك الكتاب لا ريب ~~فيه.................................................... 39 # 3 الذين يؤمنون ~~بالغيب........................................................ 42 # 4 والذين يؤمنون بما أنزل ~~إليك.................................................. 45 # 5 أولئك على هدى من ~~ربهم................................................... 46 # 6 إن الذين كفروا سواء ~~عليهم................................................... 48 # 7 ختم الله على ~~قلوبهم......................................................... 50 # 8 ومن الناس من يقول ~~آمنا..................................................... 53 # 9 يخادعون الله والذين ~~آمنوا..................................................... 55 # 10 في قلوبهم مرض ~~فزادهم..................................................... 56 # 11 وإذا قيل لهم لا ~~تفسدوا..................................................... 57 # 12 ألا إنهم هم ~~المفسدون...................................................... 58 # 13 وإذا قيل لهم ~~آمنوا......................................................... 14 # 59 وإذا لقوا الذين ~~آمنوا....................................................... 60 # 15 الله يستهزئ ~~بهم........................................................... 61 # 16 أولئك الذين ~~اشتروا........................................................ 62 # 17 مثلهم كمثل الذي استوقد ~~نارا............................................... 63 # 18 صم بكم عمى فهم لا ~~يرجعون.............................................. 65 # 19 أو كصيب من ~~السماء..................................................... 66 # 20 يكاد البرق يخطف ~~أبصارهم................................................ 67 # 21 يا أيها الناس اعبدوا ~~ربكم................................................... 70 # 22 الذي جعل لكم ~~الأرض.................................................... 72 # 23 وإن كنتم في ريب مما ~~نزلنا................................................... 74 # 24 فإن لم تفعلوا ولن ~~تفعلوا.................................................... 77 # 25 وبشر الذين ~~آمنوا.......................................................... 80 # 26 إن الله لا يستحيى أن ~~يضرب............................................... 82 # 27 الذين ينقضون عهد ~~الله.................................................... 86 # 28 كيف تكفرون ~~بالله......................................................... 88 # 29 هو الذي خلق لكم ما في ~~الأرض............................................ 89 # 30 وإذ قال ربك ~~للملائكة..................................................... 90 # 31 وعلم آدم الأسماء ~~كلها..................................................... 94 # 32 قالوا سبحانك لا علم ~~لنا................................................... 95 PageV01P665 # 33 قال يا آدم ~~أنبئهم.......................................................... 96 # 34 وإذ قلنا للملائكة ~~اسجدوا.................................................. 97 # 35 وقلنا يا آدم اسكن ~~أنت.................................................... 99 # 36 فأزلهما الشيطان ~~عنها.................................................... 101 # 37 فتلقى آدم من ربه ~~كلمات................................................. 102 # 38 لنا اهبطوا منها ~~جميعا..................................................... 103 # 39 والذين ms0683 كفروا ~~وكذبوا...................................................... 104 # 40 يا بنى إسرائيل ~~اذكروا..................................................... 105 # 41 وآمنوا بما أنزلت ~~مصدقا................................................... 107 # 42 ولا تلبسوا الحق ~~بالباطل................................................... 109 # 43 وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة................................................. 110 # 44 أتأمرون الناس ~~بالبر...................................................... 111 # 45 واستعينوا بالصبر ~~والصلاة................................................. 112 # 46 الذين يظنون أنهم ملاقو ~~ربهم.............................................. 113 # 47 يا بنى إسرائيل ~~اذكروا..................................................... 115 # 48 اتقوا يوما لا ~~تجزى........................................................ 118 # 49 إذ نجيناكم من آل ~~فرعون................................................. 121 # 50 وإذ فرقنا بكم ~~البحر..................................................... 124 # 51 وإذ واعدنا موسى أربعين ~~ليلة.............................................. 127 # 52 ثم عفونا عنكم من بعد ~~ذلك.............................................. 128 # 53 وإذ آتينا ~~موسى.......................................................... 129 # 54 وإذ قال موسى ~~لقومه..................................................... 131 # 55 وإذ قلتم يا ~~موسى....................................................... 134 # 56 ثم بعثناكم من بعد ~~موتكم................................................ 137 # 57 وظللنا عليكم ~~الغمام..................................................... 138 # 58 وإذ قلنا ادخلوا هذه ~~القرية................................................. 140 # 59 فبدل الذين ظلموا ~~قولا................................................... 142 # 60 وإذ استسقى ~~موسى...................................................... 143 # 61 وإذ قلتم يا ~~موسى....................................................... 146 # 62 إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا............................................... 156 # 63 وإذ أخذنا ~~ميثاقكم....................................................... 158 # 64 ثم توليتم بعد ~~ذلك....................................................... 160 # 65 ولقد علمتم الذين ~~اعتدوا................................................. 160 # 66 فجعلناها ~~نكالا.......................................................... 162 # 67 وإذ قال موسى ~~لقومه..................................................... 162 # 68 قالوا ادع لنا ~~ربك........................................................ 165 # 69 قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما ~~لونها.......................................... 166 # 70 قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما ~~هي........................................... 167 # 71 قال إنه يقول إنها ~~بقرة.................................................... 168 # 72 وإذ قتلتم ~~نفسا.......................................................... 169 # 73 فقلنا اضربوه ~~ببعضها...................................................... 171 # 74 ثم قست ~~قلوبكم........................................................ 173 # 75 أفتطمعون أن يؤمنوا ~~لكم................................................. 178 PageV01P666 # 76 وإذا لقوا الذين ~~آمنوا...................................................... 180 # 77 أولا يعلمون أن الله ~~يعلم.................................................. 181 # 78 ومنهم أميون لا ~~يعلمون................................................... 182 # 79 فويل للذين ~~يكتبون...................................................... 183 # 80 وقالوا لن تمسنا ~~النار...................................................... 184 # 81 بلى من كسب ~~سيئة..................................................... 187 # 82 والذين آمنوا ~~وعملوا...................................................... 187 # 83 وإذ أخذنا ميثاق بنى ~~إسرائيل............................................... 188 # 84 وإذ أخذنا ~~ميثاقكم....................................................... 190 # 85 ثم أنتم هؤلاء ~~تقتلون..................................................... 192 # 86 أولئك الذين ~~اشتروا...................................................... 194 # 87 ولقد آتينا ~~موسى........................................................ 194 # 88 وقالوا قلوبنا ~~غلف........................................................ 196 # 89 ms0684 ولما جاءهم ~~كتاب........................................................ 197 # 90 بئسما اشتروا ~~به.......................................................... 199 # 91 وإذا قيل لهم ~~آمنوا........................................................ 201 # 92 ولقد جاءكم ~~موسى...................................................... 204 # 93 وإذ أخذنا ~~ميثاقكم....................................................... 205 # 94 قل إن كانت لكم ~~الدار................................................... 210 # 95 ولن يتمنوه ~~أبدا.......................................................... 213 # 96 ولتجدنهم أحرص ~~الناس.................................................. 214 # 97 قل من كان عدوا ~~لجبريل.................................................. 216 # 98 من كان عدوا لله ~~وملائكته................................................ 219 # 99 ولقد أنزلنا إليك ~~آيات..................................................... 221 # 100 أو كلما عاهدوا ~~عهدا................................................... 221 # 101 ولما جاءهم ~~رسول...................................................... 222 # 102 واتبعوا ما تتلو ~~الشياطين................................................. 226 # 103 ولو أنهم آمنوا ~~واتقوا.................................................... 231 # 104 يا أيها الذين آمنوا لا ~~تقولوا.............................................. 236 # 105 ما يود الذين ~~كفروا..................................................... 239 # 106 ما ننسخ من آية أو ~~ننسها............................................... 241 # 107 ألم تعلم أن الله له ~~ملك................................................. 242 # 108 أم تريدون أن ~~تسألوا.................................................... 243 # 109 ود كثير من أهل ~~الكتاب................................................ 243 # 110 وأقيموا ~~الصلاة......................................................... 246 # 111 وقالوا لن يدخل ~~الجنة................................................... 247 # 112 بلى من أسلم ~~وجهه.................................................... 250 # 113 وقالت اليهود ليست ~~النصارى........................................... 251 # 114 ومن أظلم ممن منع مساجد ~~الله............................................ 253 # 115 ولله المشرق ~~والمغرب..................................................... 255 # 116 وقالوا اتخذ الله ~~ولدا..................................................... 255 # 117 بديع السموات ~~والأرض................................................. 257 # 118 وقال الذين لا ~~يعلمون.................................................. 258 PageV01P667 # 119 إنا أرسلناك ~~بالحق...................................................... 261 # 120 ولن ترضى عنك ~~اليهود................................................. 262 # 121 الذين آتيناهم ~~الكتاب.................................................. 263 # 122 يا بنى إسرائيل ~~اذكروا................................................... 264 # 123 واتقوا يوما لا ~~تجزى..................................................... 264 # 124 وإذ ابتلى إبراهيم ~~ربه.................................................... 265 # 125 وإذ جعلنا ~~البيت....................................................... 267 # 126 وإذ قال إبراهيم رب ~~اجعل............................................... 270 # 127 وإذ يرفع إبراهيم ~~القواعد................................................ 272 # 128 ربنا واجعلنا مسلمين ~~لك................................................ 273 # 129 ربنا وابعث فيهم رسولا ~~منهم............................................. 274 # 130 ومن يرغب عن ملة ~~إبراهيم.............................................. 275 # 131 إذ قال له ربه ~~أسلم..................................................... 276 # 132 ووصى بها إبراهيم ~~بنيه.................................................. 276 # 133 أم كنتم ~~شهداء........................................................ 277 # 134 تلك أمة قد ~~خلت..................................................... 277 # 135 وقالوا كونوا ~~هودا....................................................... 280 # 136 قولوا آمنا ~~بالله......................................................... 283 # 137 فإن آمنوا بمثل ما ~~آمنتم.................................................. 284 # 138 صبغة الله ومن ~~أحسن................................................... 286 # 139 ms0685 قل أتحاجوننا في ~~الله..................................................... 287 # 140 أم تقولون إن ~~إبراهيم................................................... 288 # 141 تلك أمة قد ~~خلت..................................................... 290 # 142 سيقول ~~السفهاء........................................................ 294 # 143 وكذلك جعلناكم أمة ~~وسطا............................................. 296 # 144 قد نرى تقلب وجهك.................................................. 298 # 145 ولئن أتيت ~~الذين....................................................... 300 # 146 الذين آتيناهم ~~الكتاب.................................................. 302 # 147 الحق من ~~ربك.......................................................... 302 # 148 ولكل وجهة هو ~~موليها.................................................. 303 # 149 ومن حيث خرجت..................................................... 303 # 150 من حيث خرجت...................................................... 303 # 151 كما أرسلنا ~~فيكم....................................................... 306 # 152 فاذكروني ~~أذكركم....................................................... 309 # 153 يا أيها الذين آمنوا ~~استعينوا.............................................. 311 # 154 ولا تقولوا لمن ~~يقتل..................................................... 312 # 155 ولنبلونكم بشيء ~~من.................................................... 314 # 156 الذين إذا ~~أصابتهم..................................................... 316 # 157 أولئك عليهم ~~صلوات................................................... 317 # 158 إن الصفا ~~والمروة........................................................ 319 # 159 إن الذين ~~يكتمون...................................................... 323 # 160 إلا الذين ~~تابوا......................................................... 326 # 161 إن الذين ~~كفروا........................................................ 326 PageV01P668 # 162 خالدين فيها لا ~~يخفف.................................................. 327 # 163 إلهكم إله ~~واحد........................................................ 328 # 164 إن في خلق ~~السموات................................................... 329 # 165 ومن الناس من ~~يتخذ.................................................... 336 # 166 إذ تبرأ الذين ~~اتبعوا..................................................... 338 # 167 وقال الذين ~~اتبعوا....................................................... 340 # 168 يا أيها الناس كلوا ~~مما.................................................... 341 # 169 إنما يأمركم ~~بالسوء...................................................... 344 # 170 وإذا قيل لهم ~~اتبعوا...................................................... 346 # 171 ومثل الذين ~~كفروا...................................................... 347 # 172 يا أيها الذين ~~آمنوا...................................................... 349 # 173 إنما حرم عليكم ~~الميتة.................................................... 350 # 174 إن الذين يكتمون ما أنزل ~~الله............................................ 354 # 175 أولئك الذين ~~اشتروا..................................................... 357 # 176 ذلك بأن الله نزل ~~الكتاب............................................... 358 # 177 ليس البر أن ~~تولوا...................................................... 359 # 178 يا أيها الذين آمنوا ~~كتب................................................. 367 # 179 ولكم في القصاص ~~حياة................................................. 372 # 180 كتب عليكم إذا حضر................................................. 374 # 181 فمن بدله بعد ما ~~سمعه.................................................. 377 # 182 فمن خاف من موص جنفا.............................................. 377 # 183 يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم ~~الصيام.................................... 379 # 184 أياما ~~معدودات........................................................ 381 # 185 شهر ~~رمضان.......................................................... 381 # 186 وإذا سألك ~~عبادي..................................................... 390 # 187 أحل لكم ليلة ~~الصيام................................................... 392 # 188 ولا تأكلوا ~~أموالكم..................................................... 400 # 189 يسألونك عن ~~الأهلة.................................................... 403 # 190 وقاتلوا في سبيل ~~الله..................................................... 406 # 191 واقتلوهم حيث ~~ثقفتموهم................................................ 409 # 192 فإن ms0686 انتهوا فإن ~~الله...................................................... 411 # 193 وقاتلوهم حتى لا ~~تكون................................................. 412 # 194 الشهر الحرام بالشهر ~~الحرام............................................... 413 # 195 وأنفقوا في سبيل ~~الله..................................................... 416 # 196 وأتموا الحج ~~والعمرة...................................................... 417 # 197 الحج أشهر ~~معلومات................................................... 425 # 198 ليس عليكم ~~جناح..................................................... 430 # 199 ثم أفيضوا من ~~حيث.................................................... 433 # 200 فإذا ~~قضيتم............................................................ 434 # 201 ومنهم من ~~يقول........................................................ 435 # 202 أولئك لهم نصيب مما ~~كسبوا............................................. 436 # 203 واذكروا الله في ~~أيام...................................................... 437 # 204 ومن الناس من ~~يعجبك.................................................. 439 PageV01P669 # 205 وإذا تولى سعى في ~~الأرض............................................... 441 # 206 وإذا قيل له اتق ~~الله..................................................... 442 # 207 ومن الناس من ~~يشرى................................................... 445 # 208 يا أيها الذين آمنوا ~~ادخلوا................................................ 447 # 209 فإن زللتم من بعد ما جاءتكم ~~البينات..................................... 449 # 210 هل ينظرون إلا أن ~~يأتيهم............................................... 450 # 211 سل بنى ~~إسرائيل........................................................ 452 # 212 زين للذين ~~كفروا........................................................ 453 # 213 كان الناس أمة ~~واحدة................................................... 456 # 214 أم حسبتم أن تدخلوا ~~الجنة.............................................. 462 # 215 يسألونك ماذا ~~ينفقون.................................................. 466 # 216 كتب عليكم ~~القتال..................................................... 468 # 217 يسألونك عن الشهر ~~الحرام.............................................. 471 # 218 إن الذين آمنوا والذين ~~هاجروا............................................ 477 # 219 يسألونك عن ~~الخمر.................................................... 479 # 220 ويسألونك عن ~~اليتامى................................................... 485 # 221 ولا تنكحوا ~~المشركات................................................... 488 # 222 ويسألونك عن ~~المحيض.................................................. 493 # 223 نساؤكم حرث ~~لكم..................................................... 497 # 224 ولا تجعلوا الله ~~عرضة.................................................... 499 # 225 ولا يؤاخذكم الله ~~باللغو................................................... 501 # 226 للذين يؤلون من ~~نسائهم................................................ 502 # 227 وإن عزموا ~~الطلاق...................................................... 504 # 228 والمطلقات ~~يتربصن...................................................... 505 # 229 الطلاق ~~مرتان.......................................................... 513 # 230 فإن طلقها فلا تحل ~~له................................................... 518 # 231 وإذا طلقتم ~~النساء...................................................... 520 # 232 وإذا طلقتم النساء فبلغن ~~أجلهن.......................................... 523 # 233 والوالدات ~~يرضعن...................................................... 527 # 234 والذين يتوفون ~~منكم.................................................... 532 # 235 ولا جناح عليكم فيما ~~عرضتم............................................ 536 # 236 لا جناح عليكم إن ~~طلقتم............................................... 540 # 237 وإن طلقتموهن من قبل ~~أن.............................................. 543 # 238 حافظوا على ~~الصلوات.................................................. 545 # 239 فإن خفتم ~~فرجالا...................................................... 548 # 240 والذين يتوفون منكم ~~ويذرون............................................. 550 # 241 وللمطلقات ~~متاع....................................................... 553 # 242 كذلك يبين الله لكم ~~آياته............................................... 554 # 243 ألم تر إلى الذين ~~خرجوا................................................. 555 # 244 ms0687 وقاتلوا في سبيل ~~الله..................................................... 559 # 245 من ذا الذي يقرض ~~الله.................................................. 560 # 246 ألم تر إلى الملأ من بنى ~~إسرائيل........................................... 563 # 247 وقال لهم نبيهم إن الله ~~قد............................................... 565 PageV01P670 # 248 وقال لهم نبيهم إن آية ~~ملكه............................................. 567 # 249 فلما فصل ~~طالوت..................................................... 568 # 250 ولما برزوا ~~الجالوت....................................................... 572 # 251 فهزموهم بإذن ~~الله...................................................... 573 # 252 تلك آيات الله ~~نتلوها................................................... 575 # 253 تلك الرسل ~~فضلنا...................................................... 577 # 254 يا أيها الذين آمنوا ~~أنفقوا................................................ 581 # 255 الله لا إله إلا هو ~~الحي.................................................. 583 # 256 لا إكراه في ~~الدين...................................................... 588 # 257 الله ولى الذين ~~آمنوا..................................................... 591 # 258 ألم تر إلى الذي ~~حاج................................................... 592 # 259 أو كالذي مر على ~~قرية................................................. 595 # 260 وإذ قال إبراهيم ~~رب.................................................... 599 # 261 مثل الذين ~~ينفقون...................................................... 602 # 262 الذين ينفقون ~~أموالهم.................................................... 604 # 263 قول معروف ~~ومغفرة.................................................... 605 # 264 يا أيها الذين آمنوا لا ~~تبطلوا.............................................. 607 # 265 ومثل الذين ~~ينفقون..................................................... 610 # 266 أيود أحدكم أن ~~تكون.................................................. 612 # 267 يا أيها الذين آمنوا ~~أنفقوا................................................ 614 # 268 الشيطان يعدكم ~~الفقر.................................................. 617 # 269 يؤتى الحكمة من ~~يشاء.................................................. 618 # 270 وما أنفقتم من ~~نفقة..................................................... 620 # 271 إن تبدوا ~~الصدقات..................................................... 621 # 272 ليس عليك ~~هداهم..................................................... 622 # 273 للفقراء الذين ~~أحصروا................................................... 625 # 274 الذين ينفقون ~~أموالهم.................................................... 629 # 275 الذين يأكلون ~~الربا..................................................... 631 # 276 يمحق الله ~~الربا.......................................................... 637 # 277 إن الذين آمنوا ~~وعملوا.................................................. 638 # 278 يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله.............................................. 638 # 279 فإن لم ~~تفعلوا.......................................................... 639 # 280 وإن كان ذو ~~عسرة..................................................... 640 # 281 واتقوا يوما ~~ترجعون..................................................... 641 # 282 يا أيها الذين آمنوا إذا ~~تداينتم............................................ 643 # 283 وإن كنتم على ~~سفر.................................................... 652 # 284 لله ما في ~~السموات..................................................... 656 # 285 آمن الرسول بما أنزل ~~إليه................................................ 658 # 286 لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها............................................ 660 PageV01P671 ![](https://books.rafed.net/Books/3932_altafsir-alwasit-02/images/image001.gif) PageV02P001 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة # الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ، وعلى آله ~~وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. # وبعد : فهذا تفسير مفصل لسورة آل عمران ، حاولت فيه أن أكشف عن ms0688 بعض ما ~~اشتملت عليه السورة الكريمة من توجيهات قويمة ، وهدايات جامعة. وإرشادات ~~حكيمة. ووصايا جليلة ، وآداب عالية ، وحجج باهرة ، تقذف حقها على باطل ~~الضالين فتدمغه فإذا هو زاهق. # وقد رأيت من الخير قبل أن أبدأ في تفسيرها أن أسوق كلمة بين يديها تكون ~~بمثابة التعريف بها ، وبيان فضلها ومقاصدها الإجمالية ، والموضوعات التي ~~اهتمت بالحديث عنها. # والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده ، إنه أكرم ~~مسئول وأعظم مأمول. # وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .. |القاهرة مصر الجديدة 20 من رجب سنة 1393 ه 19 أغسطس سنة 1973 م|المؤلف د. ~~محمد سيد طنطاوى شيخ الأزهر| PageV02P003 ### ||| * تعريف بسورة آل عمران # سورة آل عمران هي السورة الثالثة في ترتيب المصحف ؛ إذ تسبقها في الترتيب ~~سورتا الفاتحة والبقرة. # وتبلغ آياتها مائتي آية. وهي مدنية باتفاق العلماء. # وسميت بسورة آل عمران ، لورود قصة آل عمران بها بصورة فيها شيء من ~~التفصيل الذي لا يوجد في غيرها. # والمراد بآل عمران عيسى ، ويحيى ومريم ، وأمها. والمراد بعمران والد مريم ~~أم عيسى عليه السلام . # وقد ذكر العلماء أسماء أخرى لهذه السورة منها : # أنها تسمى بسورة الزهراء ، لأنها كشفت عما التبس على أهل الكتاب من شأن ~~عيسى عليه السلام . # وتسمى بسورة الأمان ، من تمسك بها أمن الغلط في شأنه. # وتسمى بسورة الكنز لتضمنها الأسرار التي تتعلق بعيسى عليه السلام . # وتسمى بسورة المجادلة ، لنزول أكثر من ثمانين آية منها في شأن مجادلة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لوفدى نصارى نجران. # وتسمى بسورة طيبة ، لجمعها الكثير من أصناف الطيبين في قوله تعالى ~~@QUR@06 الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار ). # قال القرطبي ما ملخصه : وهذه السورة ورد في فضلها آثار وأخبار. فمن ذلك ~~ما جاء في صحيح مسلم عن النواس بن سمعان الكلابي قال : سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول : «يؤتى بالقرآن يوم القيامة وبأهله الذين كانوا ~~يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران وضرب لهما رسول ms0689 الله ~~صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد قال : كأنهما غمامتان أو ظلتان ~~سوداوان بينهما شرق أى ضوء ، أو كأنهما فرقان أى قطعتان من طير صواف تحاجان ~~عن صاحبهما». # ثم قال : وصدر هذه السورة نزل بسبب وفد نجران ، وكانوا قد وفدوا على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم PageV02P005 # إثر صلاة العصر ، عليهم ثياب الحبرات (1). # فقال بعض الصحابة : ما رأينا وفدا مثلهم جمالا وجلالة. # وحانت صلاتهم فقاموا فصلوا في المسجد إلى المشرق. فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : دعوهم. ثم أقاموا بها أياما يناظرون رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في شأن عيسى ورسول الله صلى الله عليه وسلم يرد عليهم ~~بالبراهين الساطعة ونزل فيهم صدر هذه السورة إلى نيف وثمانين آية ، إلى أن ~~آل أمرهم إلى أن دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المباهلة (2). # أما النصف الثاني من سورة آل عمران فقد كان نزول ما يقرب من ستين آية منه ~~(3) في أعقاب غزوة أحد. # هذا ونرى من الخير قبل أن نبدأ في تفسير هذه السورة الكريمة بالتفصيل أن ~~نذكر على سبيل الإجمال ما اشتملت عليه من توجيهات سامية ، وآداب عالية ، ~~وأحكام جليلة ، وتشريعات قويمة. # إنك عند ما تفتح كتاب الله تعالى وتطالع سورة آل عمران تراها في مفتتحها ~~تثبت أن المستحق للعبادة إنما هو الله وحده ، وتقيم البراهين الساطعة على ذلك. # ( @QUR@025 الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم. نزل عليك الكتاب بالحق ~~مصدقا لما بين يديه ، وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس ، وأنزل ~~الفرقان ). # ثم بعد أن مدحت أصحاب العقول السليمة لقوة إيمانهم ، وشدة إخلاصهم وكثرة ~~تضرعهم إلى خالقهم سبحانه وبشرتهم بحسن العاقبة .. بعد أن فعلت ذلك ذمت ~~الكافرين وتوعدتهم بسوء المصير فقالت : ( @QUR@016 إن الذين كفروا لن تغني ~~عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا ، وأولئك هم وقود النار ). # ( @QUR@09 قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد ). # ثم تحدثت عن الشهوات التي زينت للناس ، وبينت ما هو خير منها ، وصرحت بأن ~~الدين الحق ms0690 الذي ارتضاه الله لعباده هو دين الإسلام ، وأن أهل الكتاب ما ~~تركوا الحق الذي جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم إلا بسبب ما استولى على ~~قلوبهم من بغى وجحود ، وأنهم بسبب ما ارتكبوه من كفر PageV02P006 # وجرائم في الدنيا ، سيكون حالهم يوم القيامة أسوأ حال وسيكون مصيرهم أشنع ~~مصير ، ( @QUR@015 فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت ~~وهم لا يظلمون ). # ثم نهت السورة الكريمة المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء وأصدقاء يلقون ~~إليهم بالمودة ، وذكرتهم بأن الله تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا ~~السماء ، وأنه سبحانه سيحاسب كل نفس بما كسبت ( @QUR@020 يوم تجد كل نفس ما ~~عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ). # فإذا ما طالعت أيها القارئ الكريم الربعين : الثالث والرابع منها ، وجدت ~~فيهما حديثا حكيما عن آل عمران. # قد تحدثت السورة الكريمة عما قالته امرأة عمران أم مريم عند ما أحست ~~بالحمل في بطنها ، وعما قالته عند ما وضعت حملها. # ( @QUR@015 قالت رب إني وضعتها أنثى ، والله أعلم بما وضعت ، وليس الذكر ~~كالأنثى ، وإني سميتها مريم ). # وتحدثت عن الدعوات الخاشعات التي تضرع بها زكريا إلى ربه ، سائلا إياه ~~الذرية الطيبة ، وكيف أن الله تعالى أجاب له دعاءه فبشره ( @QUR@010 بيحيى ~~مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين ). # وتحدثت عن اصطفاء الله تعالى لمريم وتبشيرها بعيسى عليه السلام وتعجبها من ~~أن يكون لها ولد دون أن يمسها بشر ؛ وكيف أن الله تعالى قد رد عليها بما ~~يزيل عجبها. # ( @QUR@023 قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ~~ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ). # وتحدثت عن الصفات الكريمة ، والمعجزات الباهرة التي منحها الله تعالى ~~لعيسى عليه السلام وعن دعوته للناس إلى عبادة الله وحده وعن موقف أعدائه منه ~~؛ وعن صيانة الله له من مكرهم وعن تشابه عيسى وآدم في شأن خلقهما بدون أب ~~.. وكيف أن الله تعالى أمر نبيه ms0691 صلى الله عليه وسلم أن يتحدى كل من يجادله ~~بالباطل في شأن عيسى فقال : # ( @QUR@069 ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم : إن مثل عيسى عند ~~الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون. الحق من ربك فلا تكن من ~~الممترين. فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا ~~وأبناءكم ، ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ، ثم نبتهل فنجعل لعنت الله ~~على الكاذبين ، إن هذا لهو القصص الحق ، وما من إله إلا الله وإن الله لهو ~~العزيز الحكيم ). PageV02P007 # ثم وجهت السورة الكريمة أربع نداءات إلى أهل الكتاب ، دعتهم فيها إلى ~~عبادة الله وحده ، وإلى ترك الجدال بالباطل في شأن أنبيائه ، ووبختهم على ~~كفرهم وعلى خلطهم الحق بالباطل. # ( @QUR@042 قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ، ألا ~~نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ~~يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من ~~بعده أفلا تعقلون ). # ( @QUR@09 يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون ). # ( @QUR@011 يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم ~~تعلمون ). # ثم واصلت السورة الكريمة في الربعين : الخامس والسادس منها حديثها عن أهل ~~الكتاب ، فمدحت القلة المؤمنة منهم ، وذمت من يستحق الذم منهم وهم الأكثرون ~~وحكت بعض الرذائل التي عرفت عن أشرارهم وفريق من علمائهم. # ( @QUR@029 وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما ~~هو من الكتاب ، ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ، ويقولون على ~~الله الكذب وهم يعلمون ). # ثم بينت أن الله تعالى قد أخذ الميثاق على أنبيائه بأن يؤمنوا بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم وأنهم قد أقروا بذلك وأمرت النبي صلى الله عليه وسلم بأن ~~يجابه مخالفيه بكلمة الحق التي جاء بها من عند الله ، وأن يخبرهم بأن من ~~يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه. # ( @QUR@042 قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط ms0692 وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين ~~أحد منهم ونحن له مسلمون. ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في ~~الآخرة من الخاسرين ). # ثم ساقت السورة الكريمة بعض الشبهات التي أثارها اليهود حول ما أحله الله ~~وحرمه عليهم من الأطعمة ، وردت عليهم بما يفضحهم ويثبت كذبهم ، ووبختهم على ~~كفرهم وعلى صدهم الناس عن طريق الحق. وحذرت المؤمنين من مسالكهم الخبيثة ~~التي يريدون من ورائها تفريق كلمتهم وفصم عرى أخوتهم واعتصامهم بحبل الله. ~~وذكرتهم بنعمة الإيمان التي بسببها نالوا ما نالوا من الخير ( @QUR@021 ~~واذكروا نعمت الله عليكم ، إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته ~~إخوانا ، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ). # ثم بشرت السورة الكريمة المؤمنين بأنهم خير أمة أخرجت للناس ، وإنهم هم ~~الغالبون ماداموا معتصمين بدينهم .. وذكرت بعض العقوبات التي عاقب الله ~~تعالى بها اليهود بسبب كفرهم بآياته ، وقتلهم أنبياءه ، وعصيانهم أوامره .. ~~وأثنت على من يستحق الثناء من أهل PageV02P008 # الكتاب فقالت : ( @QUR@071 كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر ، وتؤمنون بالله ، ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم ، ~~منهم المؤمنون ، وأكثرهم الفاسقون لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم ~~الأدبار ثم لا ينصرون. ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله ~~وحبل من الناس وباؤ بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ، ذلك بأنهم كانوا ~~يكفرون بآيات الله ، ويقتلون الأنبياء بغير حق ، ذلك بما عصوا وكانوا ~~يعتدون. ليسوا سواء ). # وبعد أن أقامت السورة الكريمة في عشرات الآيات منها الأدلة الواضحة ، ~~وساقت الحجج الساطعة على صحة دين الإسلام .. انتقلت إلى الحديث عن معارك ~~السيف والسنان التي دارت بين أهل الحق وأهل الباطل. # فتحدثت في الربع السابع والثامن والتاسع والعاشر منها عن غزوة أحد. # وكان حديثها عن هذه الغزوة زاخرا بالتوجيهات الحكيمة والتربية القويمة ، ~~والوصايا الحميدة ، والعظات الجليلة والتشريعات السامية ، والآداب العالية. # كان حديثها عنها هاديا للمسلمين في كل زمان ومكان إلى الطريق الذي يوصلهم ~~إلى النصر ليسلكوه ، موضحا لهم طريق ms0693 الفشل ليجتنبوه. كان حديثها عنها يدعو ~~المسلمين كافة إلى الاعتبار بأحداث الحياة «وكيف أنها تسير على سنن وقوانين ~~علينا أن نطلبها ونسلك السبيل إلى تعلمها ، وأن أحداث الحياة ليست مجموعة ~~من المصادفات المتوالية ، أو التدفق العشوائى ، وإنما للنصر قوانين ، ~~وللهزيمة قوانين. ومن الممكن أن ينهزم المسلمون في حرب ولو كان فيهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا ما خالفوا عن أمره ، وسلكوا غير سبيل النصر ، وأن ~~لهم النصر على عدوهم وإن فاقهم عددا وعدة إذا ما استطاعوا أن يرتفعوا إلى ~~ما فوق فاعلية عدوهم إيمانا وعلما وتنظيما» (1). # لقد بدأت سورة آل عمران حديثها عن غزوة أحد بتذكير المؤمنين بما فعله ~~الرسول صلى الله عليه وسلم قبل بدء المعركة من إعداد وتنظيم للصفوف ، وبما هم ~~به بعضهم من فشل ، وبما تم لهم من نصر على أعدائهم في غزوة بدر .. استمع ~~إلى القرآن وهو يحكى كل ذلك فيقول : ( @QUR@033 وإذ غدوت من أهلك تبوئ ~~المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم. إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا ~~والله وليهما ، وعلى الله فليتوكل المؤمنون. ولقد نصركم الله ببدر وأنتم ~~أذلة ، فاتقوا الله لعلكم تشكرون ). # وفي هذا الربط بين الغزوتين تذكير للمؤمنين بأسباب انتصارهم في بدر ~~وأسباب هزيمتهم في PageV02P009 # أحد : حتى يسلكوا في مستقبل حياتهم السبيل التي توصلهم إلى الظفر ، ~~ويهجروا الطريق التي تقودهم إلى الفشل. # ثم وجهت السورة نداء إلى المؤمنين نهتهم فيه عن التعامل بالربا ، وحثتهم ~~على المسارعة إلى الأعمال الصالحة التي توصلهم إلى رضوان الله ، لأنه إذا ~~كان أعداؤهم يجمعون المال من كل طريق لحربهم ، فعليهم هم أن يتحروا الحلال ~~في جمعهم للمال ، وأن يتبعوا الوسائل الشريفة التي تبلغهم إلى غايتهم ~~النبيلة ، ثم حضتهم على الاعتبار بسنن الله في خلقه ، وأمرتهم بالتجلد ~~والصبر ، ونهتهم عن الوهن والضعف ، وبشرتهم بأنهم هم الأعلون ، وشجعتهم على ~~مواصلة الجهاد في سبيل الله فإن العاقبة لهم ، وأخبرتهم بأن ما أصابهم من ~~آلام وجراح في أحد ، قد أصيب أعداؤهم بمثلها ، وأن الأيام دول ، وأن ~~هزيمتهم في أحد من ms0694 ثمارها أنها ميزت قوى الإيمان من ضعيفه ، لأن المصائب ~~كثيرا ما تكشف عن معادن النفوس ، وخفايا الصدور. # قال تعالى ( @QUR@058 قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف ~~كان عاقبة المكذبين. هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين. ولا تهنوا ولا ~~تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين. إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ~~، وتلك الأيام نداولها بين الناس ، وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم ~~شهداء والله لا يحب الظالمين. وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ). # ثم بينت السورة الكريمة أن الآجال بيد الله وحده ، وأن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم رسول قد خلت من قبله الرسل ، وسيدركه الموت كما أدركهم. ~~وأن الأخيار من أتباع الرسل السابقين كانوا يقاتلون معهم بثبات وصبر من أجل ~~إعلاء كلمة الله .. فعلى المؤمنين في كل زمان ومكان أن يقدموا على الجهاد ~~في سبيل الله بعزيمة صادقة ، وبنفوس مخلصة ؛ لأن الإقدام لا ينقص شيئا من ~~الحياة ، كما أن الإحجام لا يؤخرها ، ( @QUR@010 وما كان لنفس أن تموت إلا ~~بإذن الله كتابا مؤجلا ). # ثم حذرت السورة الكريمة المؤمنين من طاعة الكافرين ؛ لأن طاعتهم تفضى بهم ~~إلى الخسران ، وبشرتهم بأن الله تعالى سيلقى الرعب في قلوب أعدائهم ، ~~وأخبرتهم بأنه سبحانه قد صدق وعده معهم ، حيث مكنهم في أول معركة أحد من ~~الانتصار على خصومهم وأنهم أى المؤمنين ما أصيبوا بما أصيبوا به في أحد إلا ~~بسبب فشلهم وتنازعهم وتطلعهم إلى الغنائم ، ومخالفتهم لوصايا رسولهم ~~صلى الله عليه وسلم . # قال تعالى ( @QUR@040 ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه ، حتى إذا ~~فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون ، منكم من يريد ~~الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ، ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ، ولقد عفا عنكم ، ~~والله ذو فضل على المؤمنين ). PageV02P010 # ولقد ذكرت السورة الكريمة المؤمنين بما حدث من بعضهم من فرار عن المعركة ~~حتى لا يعودوا إلى ذلك مرة أخرى فقالت : # ( @QUR@010 إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم ) ~~وبينت لهم كيف أن الله تعالى ms0695 قد شملهم برحمته ، حيث أنزل عليهم النعاس في ~~أعقاب المعركة ليكون أمانا لهم من الخوف ، وراحة لهم من الآلام التي ~~أصابتهم ... وكيف أنه سبحانه قد فضح المنافقين ، ورد على أقوالهم وأراجيفهم ~~بما يدحضها ويبطلها. # قال تعالى ( @QUR@062 ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة ~~منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية. يقولون هل ~~لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله ، يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك ~~، يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا ، قل لو كنتم في بيوتكم ~~لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ) ثم وجهت السورة الكريمة حديثها ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوصفته بأكرم الصفات وأفضلها ، ونزهته عن كل قول ~~أو فعل يتنافى مع منزلته الرفيعة .. وأمرته باللين مع أتباعه وبالعفو عنهم ~~وبالاستغفار لهم ، وبمشاورتهم في الأمر. # ثم عادت السورة الكريمة فأكدت للمؤمنين أن ما أصابهم في أحد كان سببه من ~~عند أنفسهم ، فهم الذين خالفوا ما أمرهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم . # قال تعالى ( @QUR@014 أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا ~~، قل هو من عند أنفسكم ). # ثم ختمت السورة الكريمة حديثها عن غزوة أحد ببيان فضل الشهداء ، وما أعده ~~الله لهم من ثواب جزيل ، وبالثناء على المؤمنين الصادقين ( @QUR@09 الذين ~~استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح ) والذين لم يرهبهم قول ~~المرجفين : ( @QUR@06 إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ) بل إن هذا القول ~~زادهم إيمانا على إيمانهم ، وجعلهم يفوضون أمورهم إلى الله ويقولون : ( ~~@QUR@04 حسبنا الله ونعم الوكيل ). # ولقد ذكر سبحانه أن حكمته قد اقتضت أن يحدث ما حدث في أحد حتى يتميز ~~الخبيث من الطيب فقال تعالى : # ( @QUR@036 ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث ~~من الطيب ، وما كان الله ليطلعكم على الغيب ، ولكن الله يجتبي من رسله من ~~يشاء ، فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم ). PageV02P011 # وبعد هذا الحديث الحكيم المستفيض عن غزوة ms0696 أحد ، عادت السورة الكريمة إلى ~~الحديث عن أهل الكتاب فذكرت جانبا من رذائل اليهود ، الذين حكى الله تعالى ~~عنهم أنهم قالوا : ( @QUR@05 إن الله فقير ونحن أغنياء ) وأنهم قالوا : ( ~~@QUR@08 ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار ). # وأنهم قد نقضوا عهودهم مع الله وباعوا دينهم بدنياهم الفانية. # وقد توعدهم الله تعالى على ارتكابهم لهذه الرذائل والمنكرات بالعذاب ~~المهين ( @QUR@07 وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ). # ثم تحدثت السورة الكريمة في أواخرها عن صفات أولى الألباب ، وحكت عنهم ما ~~كانوا يتضرعون به إلى الله من دعوات خاشعات ، وابتهالات طيبات ، وكيف أنه ~~سبحانه قد أجاب لهم دعاءهم ببركة قوة إيمانهم ، وصفاء نفوسهم ، وطهارة ~~قلوبهم. # وكانت الآية الخاتمة فيها تدعو المؤمنين إلى الصبر والمصابرة والمرابطة ~~وتقوى الله ، لأن المؤمن الذي تتوفر فيه هذه الصفات يكون أهلا للفلاح في ~~الدنيا والآخرة. قال تعالى : # ( @QUR@011 يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا ، واتقوا الله ~~لعلكم تفلحون ). # هذا ونستطيع بعد هذا العرض الإجمالى لأهم المقاصد التي اشتملت عليها سورة ~~آل عمران أن نستخلص ما يأتى : # أولا : أن السورة الكريمة قد اهتمت بإثبات وحدانية الله تعالى وإقامة ~~الأدلة الساطعة على ذلك ، وإثبات أن الدين الحق الذي ارتضاه الله تعالى ~~لعباده هو دين الإسلام ، الذي أرسل به نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم . # وقد ساقت السورة الكريمة لإثبات هذه الحقائق آيات كثيرة منها قوله تعالى ~~: ( @QUR@07 الله لا إله إلا هو الحي القيوم ). # وقوله تعالى : ( @QUR@023 شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا ~~العلم قائما بالقسط. لا إله إلا هو العزيز الحكيم. إن الدين عند الله ~~الإسلام ). # وقوله تعالى : ( @QUR@013 ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ، وهو ~~في الآخرة من الخاسرين ). # ثانيا : أن السورة الكريمة قد فصلت الحديث عن أحوال أهل الكتاب ، بأسلوب ~~مقنع حكيم يحق الحق ويبطل الباطل. # فأنت إذا طالعتها بتدبر تراها تارة تتحدث عن الكفر الذي ارتكسوا فيه بسبب ~~اختلافهم وبغيهم. ( @QUR@013 وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم بغيا بينهم ). PageV02P012 # وتارة تتحدث ms0697 عن نبذهم لكتاب الله وتحاكمهم إلى غيره. ( @QUR@020 ألم تر ~~إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى ~~فريق منهم وهم معرضون ). # وتارة توبخهم على كفرهم بآيات الله. وعلى مجادلتهم بالباطل ، وعلى سوء ~~أدبهم مع الله تعالى وعلى نقضهم لعهودهم ومواثيقهم ، وعلى كتمانهم لما ~~أمرهم الله بإظهاره من حقائق. # وقد توعدتهم السورة الكريمة بسوء العذاب بسبب هذه الرذائل والمنكرات ( ~~@QUR@021 وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ~~فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون ). # وتارة تحذر المؤمنين من شرورهم فتقول : ( @QUR@024 لتبلون في أموالكم ~~وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى ~~كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ). # ولا تغفل السورة الكريمة عن مدح من يستحق المدح منهم ، لأن القرآن الكريم ~~لا يذم إلا من يستحق الذم ، فقد قال تعالى ( @QUR@014 ليسوا سواء من أهل ~~الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ). # وقال تعالى ( @QUR@022 ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ، ~~ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ). # وقال تعالى : ( @QUR@04 منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ). # هذا جانب من حديث سورة آل عمران عن أهل الكتاب ، وهو حديث يكشف عن ~~حقيقتهم حتى يكون المؤمنون على بينة من أمرهم. # وقد تحدثت السورة. أيضا عن المشركين وعن المنافقين إلا أن حديثها عن أهل ~~الكتاب كان أكثر وأشمل. # ثالثا : أن السورة الكريمة قد اهتمت اهتماما بارزا بتربية المؤمنين ~~بتربية ينالون باتباعها النصر والسعادة في الدنيا والفوز والفلاح في ~~الآخرة. # فقد وجهت إليهم سبعة نداءات أمرتهم فيها بتقوى الله ، وبالصبر والمصابرة ~~والمرابطة ، ونهتهم عن طاعة الكافرين ، وعن التشبه بهم ، وعن اتخاذهم ~~أولياء كما نهتم عن تعاطى الربا وعن كل ما يتنافى مع آداب دينهم وتعاليمه. # وهذه النداءات السبعة تراها في قوله تعالى : # 1 ( @QUR@015 يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب ~~يردوكم بعد إيمانكم كافرين ) PageV02P013 # 2 ms0698 ( @QUR@08 يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ) # 3 ( @QUR@012 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم ~~خبالا ) # 4 ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا أضعافا مضاعفة ). # 5 ( @QUR@013 يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على ~~أعقابكم فتنقلبوا خاسرين ). # 6 ( @QUR@024 يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا ~~لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما ~~قتلوا ) # 7 ( @QUR@07 يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا ). # وبجانب هذه النداءات التي اشتملت على أسمى ألوان التربية الفاضلة ، ~~والتوجيه القويم .. نرى السورة الكريمة تسوق للمؤمنين في آيات كثيرة منها ~~ما يهدى بهم إلى الخير والرشاد ويبعدهم عن الشر والفساد. فهي تحكى لهم ~~ألوانا من الدعوات التي يتضرع بها الأخيار من الناس لكي يتأسوا بهم. وتبين ~~لهم أن حب الشهوات طبيعة في الناس إلا أن العقلاء منهم يجعلون حبهم لما ~~يرضى الله فوق أى شيء آخر. وتحرضهم على الاعتصام بحبل الله وتحثهم على ~~المسارعة إلى الأعمال الصالحة التي توصلهم إلى رضا الله. # إلى غير ذلك من التوجيهات الحكيمة التي زخرت بها سورة آل عمران والتي من ~~شأنها أن تزيد المؤمنين إيمانا مع إيمانهم ، وأن تهديهم إلى الصراط ~~المستقيم. # رابعا : أن السورة الكريمة عرضت أحداث غزوة أحد عرضا حكيما زاخرا بالعظات ~~والعبر وفصلت الحديث عنها تفصيلا لا يوجد في غيرها من السور ، وساقت ما دار ~~فيها بأسلوب بليغ مؤثر يخاطب العقول والعواطف ، ويكشف عن خفايا القلوب ~~ونوازعها ، وطوايا النفوس وخواطرها ، ويعالج الأخطاء التي وقع فيها بعض ~~المسلمين حتى لا يعودوا لمثلها ويشجعهم على المضي في طريق الجهاد حتى لا ~~يؤثر في عزيمتهم ما حدث لهم في أحد ، ويبشرهم بأن الله تعالى قد عفا عمن فر ~~منهم ، ويذكرهم بمظاهر فضل الله عليهم خلال المعركة وبعدها ، ويبصرهم بسنن ~~الله التي لا تتخلف ، وبقوانينه التي لا تتبدل ، وبتعاليمه التي من سار ~~عليها أفلح وانتصر ، ومن أعرض عنها خاب وخسر ( @QUR@010 فلن تجد لسنت الله ~~تبديلا ولن ms0699 تجد لسنت الله تحويلا ). # أما بعد ، فهذا عرض إجمالى لسورة آل عمران رأينا أن نسوقه قبل البدء في ~~التفسير المفصل لآياتها ، ولعلنا بذلك نكون قد قدمنا تعريفا موجزا نافعا عن ~~هذه السورة الكريمة يعين على فهم بعض أسرارها ومقاصدها وتوجيهاتها. PageV02P014 # والله نسأل أن يهدينا جميعا إلى صراطه المستقيم ، وأن يجنبنا فتنة القول ~~والعمل ، وأن يجعل أقوالنا وأعمالنا خالصة لوجهه ونافعة لعباده. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .. ||د. محمد سيد طنطاوى شيخ الأزهر| PageV02P015 ### ||| * تفسير سورة آل عمران ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@01 الم (1) @QUR@07 الله لا إله إلا هو الحي القيوم (2) @QUR@011 ~~نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل (3) ~~@QUR@018 من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم ~~عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام (4) @QUR@011 إن الله لا يخفى عليه شيء في ~~الأرض ولا في السماء (5) @QUR@013 هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا ~~إله إلا هو العزيز الحكيم ) (6) # افتتحت سورة آل عمران ببعض حروف التهجي وهو قوله تعالى : ( @QUR@01 الم ).. # ويبلغ عدد السور القرآنية التي افتتحت بالحروف المقطعة تسعا وعشرين سورة. # وقد وقع خلاف بين العلماء في المعنى المقصود من حروف التهجي التي افتتحت ~~بها بعض السور القرآنية ويمكن إجمال اختلافهم في رأيين رئيسيين : # الرأى الأول يرى أصحابه : أن المعنى المقصود منها غير معروف ، فهي من ~~المتشابه الذي استأثر الله بعلمه. # وإلى هذا الرأى ذهب ابن عباس في إحدى الروايات عنه كما ذهب إليه الشعبي ، ~~وسفيان الثوري وغيرهما من العلماء ، فقد أخرج ابن المنذر وغيره عن الشعبي ~~أنه سئل عن فواتح السور فقال : «إن لكل كتاب سرا ، وإن سر هذا القرآن فواتح ~~السور» وروى عن ابن عباس أنه قال : «عجزت العلماء عن إدراكها». PageV02P016 # وعن على بن أبى طالب أنه قال : «إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف ~~التهجي» وفي رواية أخرى للشعبى أنه قال : «سر الله فلا تطلبوه». # ومن الاعتراضات التي وجهت إلى هذا الرأى أنه إذا كان الخطاب بهذه الفواتح ~~غير مفهوم ms0700 للناس ؛ لأنه من المتشابه فإنه يترتب على ذلك أنه كالخطاب ~~بالمهمل ، أو مثله كمثل التكلم بلغة أعجمية مع أناس عرب لا يفهمونها. # وقد أجيب عن ذلك بأن هذه الألفاظ لم ينتف الإفهام عنها عند كل الناس. ~~فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يفهم المراد بها ، وكذلك بعض الصحابة المقربين ~~، ولكن الذي ننفيه أن يكون الناس جميعا فاهمين لمعنى هذه الحروف المقطعة في ~~أوائل بعض السور. وهناك مناقشات للعلماء حول هذا الرأى لا مجال لذكرها هنا. # أما الرأى الثاني فيرى أصحابه : أن المعنى المقصود منها معلوم. وأنها ~~ليست من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه. وأصحاب هذا الرأى قد اختلفوا ~~فيما بينهم في تعيين هذا المعنى المقصود على أقوال كثيرة من أهمها : # 1 أن هذه الحروف أسماء للسور ، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم «من قرأ ~~حم السجدة حفظ إلى أن يصبح». وبدليل اشتهار بعض السور بالتسمية بها ، كسورة ~~«ص» وسورة «يس» وسورة «ق» .. إلخ. # ولا يخلو هذا القول من ضعف لأنه لا يلزم من التسمية ببعضها أن تكون جميع ~~الحروف المقطعة أسماء للسور التي بدئت بها ، ولأن كثيرا من السور قد افتتحت ~~بلفظ واحد من هذه الفواتح ، فلو كانت أسماء للسور لم تتكرر لمعان مختلفة ؛ ~~لأن الغرض من التسمية رفع الاشتباه. # 2 وقيل : إن هذه الحروف قد جاءت هكذا فاصلة للدلالة على انقضاء سورة ~~وابتداء أخرى. # 3 وقيل : إنها حروف مقطعة بعضها من أسماء الله تعالى وبعضها من صفاته ، ~~فمثلا : ( @QUR@01 الم ) أصلها أنا الله أعلم. # 4 وقيل : إنها اسم الله الأعظم. إلى غير ذلك من الأقوال التي لا تخلو من ~~مقال ، والتي أوصلها السيوطي في كتابه «الإتقان» إلى أكثر من عشرين قولا. # 5 ولعل أقرب الأقوال إلى الصواب أن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت في ~~افتتاح بعض سور القرآن على سبيل الإيقاظ والتنبيه الذين تحداهم القرآن. # فكأن الله تعالى يقول لأولئك المعارضين في أن القرآن من عند الله : هاكم ~~القرآن ترونه PageV02P017 # مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه ms0701 كلامكم ، ومنظوما من حروف هي من ~~جنس الحروف الهجائية التي تنظمون منها حروفكم ، فإن كنتم في شك من كونه ~~منزلا من عند الله فهاتوا مثله ، وادعوا من شئتم من الخلق لكي يعاونكم في ذلك. # ومما يشهد لصحة هذا الرأى : أن الآيات التي تلى هذه الحروف المقطعة تتحدث ~~عن الكتاب المنزل ، وعن كونه معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم في أغلب ~~المواضع. # وأنت ترى هذه الآيات كثيرا ما تتصدر صراحة باسم الإشارة الذي يعود إلى ~~القرآن كما في قوله تعالى : ( @QUR@06 الم. ذلك الكتاب لا ريب فيه ). أو ~~ضمنا كما في قوله تعالى ( @QUR@010 المص. كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك ~~حرج منه ) وأيضا فإن هذه السور التي افتتحت بالحروف المقطعة إذا ما تأملتها ~~من أولها إلى آخرها ترى من أهدافها الأساسية إثبات صحة الرسالة المحمدية عن ~~طريق هذا الكتاب الذي جعله الله تعالى معجزة لنبيه صلى الله عليه وسلم . # هذه خلاصة موجزة لآراء العلماء في المراد بالحروف المقطعة التي افتتحت ~~بها بعض السور القرآنية ، ومن أراد مزيدا لذلك فليرجع إلى ما كتبه العلماء ~~في هذا الموضوع (1). # ثم وصف سبحانه ذاته بما يليق به من جلال وكمال فقال : ( @QUR@07 الله لا ~~إله إلا هو الحي القيوم ). # ولفظ الجلالة ( @QUR@01 الله ) يقول بعض العلماء : إن أصله إله ، دخلت ~~عليه أداة التعريف «ال» وحذفت الهمزة فصارت الكلمة الله. # قال القرطبي : قوله ( @QUR@01 الله ) هذا الاسم أكبر أسمائه تعالى ~~وأجمعها حتى قال بعضهم : إنه اسم الله الأعظم ، ولم يتسم به غيره ، ولذلك ~~لم يثن ولم يجمع ، فالله اسم للموجود الحق الجامع لصفات الألوهية ، المنعوت ~~بنعوت الربوبية المنفرد بالوجود الحقيقي ، لا إله إلا هو سبحانه (2). # ولفظ «إله» قالوا : إنه من أله أى عبد ، فالإله على هذا المعنى هو ~~المعبود وقيل هو أله أى تحير .. وذلك لأن العبد إذا تفكر في صفاته تعالى ~~تحير فيها ، ولذا قيل : تفكروا في آلاء الله ولا تتفكروا في الله (3). # و ( @QUR@01 الحي ) أى : المتصف بالحياة التي لا بدء ولا فناء لها. PageV02P018 # و ( @QUR@01 القيوم ) الدائم القيام ms0702 بتدبير أمر الخلق وحفظهم ، والمعطى ~~لهم ما به قوام حياتهم ، وهو مبالغة في القيام وأصله قيووم بوزن فيعول من ~~قام بالأمر إذا حفظه ودبره. # والمعنى : الله تعالى هو الإله الحق المتفرد بالألوهية التي لا يشاركه ~~فيها سواه. وهو المعبود الحق وكل معبود سواه فهو باطل ، وهو ذو الحياة ~~الكاملة. وهو الدائم القيام بتدبير شئون الخلق وحياطتهم ورعايتهم وإحيائهم ~~وإماتتهم. # قال الآلوسى : ولفظ الجلالة ( @QUR@01 الله ) مبتدأ وما بعده خبر. ~~والجملة مستأنفة ، أى : هو المستحق للعبودية لا غيره. و ( @QUR@02 الحي ~~القيوم ) خبر بعد خبر ، أو خبر لمبتدأ محذوف أى : هو الحي القيوم .. وأيا ~~ما كان فهو كالدليل على اختصاص استحقاق المعبودية به سبحانه وقد أخرج ~~الطبراني وابن مردويه من حديث أبى أمامة مرفوعا أن اسم الله الأعظم في ثلاث ~~سور ، في سورة البقرة ، وآل عمران ، وطه. # وقال أبو أمامة : فالتمستها فوجدت في البقرة ( @QUR@07 الله لا إله إلا ~~هو الحي القيوم ). # وفي آل عمران ( @QUR@07 الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) وفي طه ( ~~@QUR@04 وعنت الوجوه للحي القيوم ) (1). # وبعد أن بين سبحانه أنه هو وحده المستحق للعبودية ، أتبع ذلك ببيان بعض ~~مظاهر فضله ورحمته فقال : ( @QUR@08 نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين ~~يديه ) والكتاب كما يقول الراغب في الأصل مصدر ، ثم سمى المكتوب فيه كتابا. ~~والكتاب في الأصل اسم للصحيفة مع المكتوب فيه. والكتب ضم أديم إلى أديم ~~بالخياطة ، وفي التعارف ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط (2). # والمراد بالكتاب المنزل : القرآن الكريم. وفي التعبير عنه باسم الجنس ~~إيذان بتفوقه على بقية أفراد الكتب المنزلة ، فكأنه هو الحقيق بأن يطلق ~~عليه اسم الكتاب دون ما عداه كما يلوح به التصريح باسمي التوراة والإنجيل. # وعبر بنزل بصيغة التضعيف للإشارة إلى أن نزول القرآن على النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان منجما ولم يكن دفعة واحدة ومن المعروف أن القرآن قد ~~نزل على النبي صلى الله عليه وسلم على حسب الوقائع والحوادث وغيرها في مدة ~~تزيد على عشرين سنة. PageV02P019 # وقد ذكر العلماء حكما كثيرة لنزول القرآن منجما ms0703 منها : تثبيت فؤاد النبي ~~صلى الله عليه وسلم وتقوية قلبه ، ومنها : التدرج في تربية قويمة سليمة ، ~~ومنها : مسايرة الحوادث في تجددها وتفرقها. ومنها تيسير حفظه وتسهيل فهمه ، ~~ومنها : تثبيت قلوب المؤمنين وتسليحهم بعزيمة الصبر واليقين ومنها : ~~الإجابة على أسئلة السائلين ، وبيان حكم الله تعالى فيها يحصل من قضايا ، ~~ولفت أنظار المخلصين إلى ما وقعوا فيه من أخطاء ، وكشف حال الكافرين ~~والمنافقين. ومنه : الإرشاد إلى مصدر القرآن وأنه من عند الله تعالى ( ~~@QUR@010 ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ). فأنت تقرأ ~~ما نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم من قرآن في مكة. وما نزل عليه في ~~المدينة ، فترى الجميع محكم السرد. دقيق السبك ، رصين الأسلوب ، بليغ ~~التراكيب ، فصيح الألفاظ .. بينما ترى كلام الأدباء والبلغاء يختلف في ~~جودته من وقت إلى وقت «ومن موضوع إلى موضوع» (1). # وقد بين سبحانه أن هذا القرآن قد نزل مقترنا بأمرين متصلا بهما : # أما أولهما فهو قوله : ( @QUR@01 بالحق ). # وأما ثانيهما فهو قوله : ( @QUR@04 مصدقا لما بين يديه ) أى : أن الله ~~عز وجل الذي لا إله إلا هو ، والذي هو الحي القيوم ، هو الذي نزل عليك يا ~~محمد هذا القرآن تنزيلا ملتبسا بالحق ، ومصاحبا له ، ومقترنا به ، ومشتملا ~~عليه ، فكل ما فيه من أوامر ، ونواه ، وقصص ، وأحكام ، وعقائد ، وآداب ، ~~وشرائع وأخبار .. حق لا يحوم حوله باطل ، وصدق لا يتطرق إليه كذب. # وهو الذي جعل هذا الكتاب المنزل عليك موافقا ومؤيدا لما اشتملت عليه ~~الكتب السابقة من الدعوة إلى وحدانية الله ، وإلى مكارم الأخلاق ، وإلى ~~الوصايا والشرائع التي تسعد الناس في كل زمان ومكان. وهذا يدل على أن ~~الشرائع الإلهية واحدة في جوهرها وأصولها. قال تعالى : ( @QUR@023 شرع لكم ~~من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) (2). # وقوله ( @QUR@01 بالحق ) متعلق بمحذوف فيكون في محل نصب على الحال من ~~الكتاب. وقوله ( @QUR@01 مصدقا ) حال مؤكدة من الكتاب. أى نزله في حال ~~تصديقه الكتب. # وفائدة تقييد التنزيل ms0704 بهذه الحال حث أهل الكتاب على الإيمان بالمنزل ، ~~وتنبيههم على وجوبه ؛ فإن الإيمان بالمصدق يوجب الإيمان بما يصدقه حتما. PageV02P020 # قال الجمل : وقوله ( @QUR@04 مصدقا لما بين يديه )، فيه نوع مجاز ؛ لأن ~~ما بين يديه هو ما أمامه. فسمى ما مضى بين يديه لغاية ظهوره واشتهاره. ~~واللام في ( @QUR@01 لما ) لتقوية العامل. نحو قوله تعالى : ( @QUR@03 فعال ~~لما يريد ). وهذه العبارة أحسن من تعبير بعضهم بالزائدة» (1). # ثم أخبر سبحانه عن بعض الكتب الأخرى التي أنزلها فقال : ( @QUR@09 وأنزل ~~التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان ). # والتوراة : اسم عبراني للكتاب الذي أنزله الله تعالى على موسى عليه السلام ~~ليكون شريعة له ولقومه. # قال القرطبي ما ملخصه : والتوراة معناها الضياء والنور مشتقة من ورى ~~الزند وورى لغتان إذا خرجت ناره .. وقيل مأخوذة من التورية ، وهي التعريض ~~بالشيء والكتمان لغيره ، فكان أكثر التوراة معاريض وتلويحات من غير تصريح ~~وإيضاح. # والجمهور على القول الأول لقوله تعالى ( @QUR@08 ولقد آتينا موسى وهارون ~~الفرقان وضياء وذكرا للمتقين ) يعنى التوراة (2). # والإنجيل : كلمة يونانية معناها البشارة وهي اسم للكتاب الذي أنزله الله ~~على عيسى. # قالوا : والإنجيل افعيل من النجل وهو الأصل : يقال : رحم الله ناجليه أى ~~والديه. وقال قوم : الإنجيل مأخوذ من نجلت الشيء إذا استخرجته وأظهرته ، ~~ويقال للماء الذي يخرج من البئر : نجل وقيل : هو من النجل الذي هو سعة في ~~العين. ومنه طعنة نجلاء أى واسعة. وسمى الإنجيل بذلك لأنه سعة ونور وضياء ~~أخرجه الله تعالى لبنى إسرائيل على يد عيسى عليه السلام (3). # وهذا الكلام الذي نقلناه عن القرطبي والفخر الرازي هو قول لبعض العلماء ~~الذين يرون أن لفظي التوراة والإنجيل يدخلهما الاشتقاق والتصريف. # وهناك فريق آخر من العلماء يرى أن هذين اللفظين لا يدخلهما الاشتقاق ~~والتصريف لأنهما اسمان أعجميان لهذين الكتابين الشريفين. # قال الفخر الرازي بعد أن أورد كلاما طويلا يدل على عدم ارتضائه للمذهب ~~الذي يرى PageV02P021 # أصحابه أن هذين اللفظين يدخلهما الاشتقاق والتصريف : «فالتوراة والإنجيل ~~اسمان أعجميان : # أحدهما بالعبرية ، والآخر بالسريانية ، فكيف يليق بالعاقل أن يشتغل ~~بتطبيقهما على أوزان ms0705 لغة العرب ، فظهر أن الأولى بالعاقل أن لا يلتفت إلى ~~هذه المباحث» (1). # وقوله ( @QUR@02 من قبل ) متعلق «بأنزل» و «هدى» حال من التوراة والإنجيل ~~، ولم يثن لأنه مصدر. ويجوز أن يكون مفعولا لأجله والعامل فيه أنزل. # أى : وأنزل التوراة والإنجيل من قبل تنزيل القرآن لأجل هداية الناس الذين ~~أنزلا عليهم إلى الحق الذي من جملته الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~واتباعه حين يبعث ، لأنهما قد اشتملتا على البشارة به والحض على طاعته. # قالوا : فالمراد بالناس من عمل بالتوراة والإنجيل وهم بنو إسرائيل. ~~ويحتمل أنه عام بحيث يشمل هذه الأمة وإن لم نكن متعبدين أى مكلفين ومأمورين ~~بشرع من قبلنا ، لأن فيهما ما يفيد التوحيد وصفات الباري والبشارة بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم (2). # قال الآلوسى : وعبر في جانب التوراة والإنجيل بقوله «أنزل» للإشارة إلى ~~أنهما لم يكن لهما سوى نزول واحد ، بخلاف القرآن فإن له نزولين : نزولا من ~~اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من سماء الدنيا جملة واحدة ، ونزولا من ذلك ~~إليه صلى الله عليه وسلم منجما في ثلاث وعشرين سنة على المشهور ، ولهذا يقال ~~فيه نزل وأنزل ...» (3). # هذا ، وليست التوراة التي بين أيدى اليهود اليوم هي التوراة التي أنزلها ~~الله على موسى ، فقد بين القرآن في أكثر من آية أن بعض أهل الكتاب قد امتدت ~~أيديهم الأثيمة إلى التوراة فحرفوا منها ما حرفوا ، ومن ذلك قوله تعالى ( ~~@QUR@017 يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من ~~الكتاب ويعفوا عن كثير ). # وقوله : تعالى ( @QUR@016 فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية ~~يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ). # ومن الأدلة على أن التوراة التي بين أيدى اليهود اليوم ليست هي التي ~~أنزلها الله على موسى : انقطاع سندها ، واشتمالها على كثير من القصص ~~والعبارات والمتناقضات التي تتنزه الكتب السماوية عن ذكرها (4). PageV02P022 # وكذلك الحال بالنسبة للإنجيل ؛ إذ ليست هذه الأناجيل التي يقرؤها ~~المسيحيون اليوم هي الإنجيل الذي أنزله الله على عيسى ؛ وإنما هي مؤلفات ~~ألفت بعد عيسى عليه ms0706 السلام ونسبت إلى بعض الحواريين من أصحابه. # أما الإنجيل الذي أنزله الله على عيسى والذي وصفه الله بأنه هداية للناس ~~فهو غير هذه الأناجيل (1). # و ( @QUR@01 الفرقان ) كل ما فرق به بين الحق والباطل ، والحلال والحرام. ~~وهو مصدر فرق يفرق بين الشيئين فرقا وفرقانا. # 1 والمراد به عند أكثر المفسرين : الكتب السماوية التي سبق ذكرها وهي ~~التوراة والإنجيل والقرآن. أى : أنزل بهذه الكتب ما يفرق به بين الحق ~~والباطل ، والهدى والضلال. والخير والشر ، وبذلك لا يكون لأحد عذر في ~~جحودها والكفر بها. # وأعيد ذكرها بوصف خاص لم يذكر فيما سبق على طريق العطف بتكرير لفظ ~~الإنزال ، تنزيلا للتغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي. # 2 وقال بعضهم المراد بالفرقان هنا القرآن. وإنما أعاده بهذا العنوان بعد ~~ذكره باسم الجنس تعظيما لشأنه ، ورفعا لمكانه ، ومدحا له بكونه فارقا بين ~~الحق والباطل ، للإشارة إلى الاتصال الكامل بين شرائع الله تعالى وأنه ~~تتميم لما سبقه ، وأنه كمال الشرائع كلها. # 3 وقال بعضهم : المراد به جنس الكتب السماوية التي أنزلها الله تعالى على ~~رسله لهداية الناس وسعادتهم. وقد عبر عنها بالفرقان ليشمل هذا الوصف ما ذكر ~~منها وما لم يذكر على طريق التتميم بالتعميم ، إثر تخصيص مشاهيرها بالذكر. # وقد ذكر صاحب الكشاف هذه الأقوال وغيرها فقال : «فإن قلت : ما المراد ~~بالفرقان؟ قلت : جنس الكتب السماوية لأن كلها فرقان يفرق بين الحق والباطل ~~من كتبه ، أو من هذه الكتب. أو أراد الكتاب الرابع وهو الزبور. أو كرر ذكر ~~القرآن بما هو نعت له من كونه فارقا بين الحق والباطل» (2). # أما الفخر الرازي فإنه لم يرتض كل هذه الأقوال ، بل أتى برأى جديد فقال ~~ما ملخصه : # 4 «والمختار عندي أن المراد من هذا الفرقان : المعجزات التي قرنها الله ~~تعالى بإنزال هذه الكتب ، وذلك لأنهم لما أتوا بهذه الكتب ، وادعوا أنها ~~كتب نازلة عليهم من عند الله ، PageV02P023 # افتقروا في إثبات هذه الدعوى إلى دليل حتى يحصل الفرق بين دعواهم وبين ~~دعوى الكذابين ، فلما أظهر الله على وفق دعواهم تلك المعجزات ms0707 ، حصلت ~~المفارقة بين دعوى الصادق وبين دعوى الكاذب. فالمعجزة هي الفرقان. فلما ذكر ~~الله أنه أنزل الكتاب بالحق ، وأنه أنزل التوراة والإنجيل من قبل ذلك ، بين ~~أنه تعالى أنزل معها ما هو الفرقان الحق ، وهو المعجز القاهر الذي يدل على ~~صحتها ، ويفيد الفرق بينها وبين سائر الكتب المختلفة» (1). # والذي نراه أقرب إلى القبول أن المراد بالفرقان هنا جنس الكتب السماوية ~~لأنها جميعها فارقة بين الحق والباطل فيندرج تحتها القرآن وغيره من الكتب ~~السماوية. # ثم بين سبحانه سوء عاقبة المنحرفين عن طريق الحق ، الكافرين بآيات الله ، ~~فقال : ( @QUR@012 إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد ، والله عزيز ~~ذو انتقام ) أى : إن الذين كفروا بآيات الله الدالة على وحدانيته وقدرته ، ~~وصدق رسله فيما يبلغون عنه ، لهم عذاب شديد منه سبحانه بسبب كفرهم وجحودهم ~~( @QUR@02 والله عزيز ) أى منيع الجانب ، غالب على أمره يفعل ما يشاء ويحكم ~~ما يريد. # وفي قوله ( @QUR@02 والله عزيز ) إشارة إلى القدرة التامة على العقاب ، ~~وفي قوله ( @QUR@02 ذو انتقام ) إشارة إلى كونه فاعلا للعقاب ، ينزله متى ~~شاء ، وكيف شاء ، بمقتضى قدرته وحكمته وإرادته ، والوصف الأول صفة للذات. ~~والثاني صفة للفعل. # ثم أخبر سبحانه عن شمول علمه لكل شيء فقال : ( @QUR@011 إن الله لا يخفى ~~عليه شيء في الأرض ولا في السماء ). # أى أنه سبحانه هو المطلع على كل صغير وكبير. وجليل وحقير ، في هذا الكون ~~، لأنه هو الخالق له ، والمهيمن على شئونه. وصدق سبحانه حيث يقول : ( ~~@QUR@07 ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ). # وذكر سبحانه السماء والأرض ، للإشارة إلى أن علمه وسع كل شيء ، وسع ~~السموات والأرض ، وليس الإنسان بالنسبة لهما إلا كائنا صغيرا فكيف لا يعلم ~~سبحانه ما يسره هذا الإنسان وما يخفيه؟ # وفي تكرير حرف النهى ( @QUR@01 لا ) تأكيد لنفى خفاء أى شيء عليه سبحانه ~~والآية الكريمة وعيد شديد للكافرين بآياته ، لأنه سبحانه وهو العليم بما ~~يسرونه وما يعلنونه ، سيجازيهم بمقتضى علمه بما يستحقونه. PageV02P024 # ثم ساق سبحانه ما يشهد بشمول قدرته وعلمه فقال : ( @QUR@013 هو الذي ~~يصوركم في الأرحام كيف يشاء ms0708 ، لا إله إلا هو العزيز الحكيم ). # وقوله ( @QUR@01 يصوركم ) من التصوير وهو جعل الشيء على صورة لم يكن ~~عليها. وهو مأخوذ من مادة صار إلى كذا بمعنى تحول إليه. أو من صاره إلى كذا ~~بمعنى أماله وحوله. # والله تعالى القادر على كل شيء قد حكى لنا أطوار خلق الإنسان في آيات ~~متعددة منها قوله تعالى ( @QUR@034 ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. ثم ~~جعلناه نطفة في قرار مكين. ثم خلقنا النطفة علقة. فخلقنا العلقة مضغة ، ~~فخلقنا المضغة عظاما ، فكسونا العظام لحما ، ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك ~~الله أحسن الخالقين ). # والأرحام : جمع رحم ، وهو مستودع النطفة في بطن المرأة ، ومكان تربية ~~الجنين ونموه وتكوينه بالطريقة التي يشاؤها الله ، حتى يبرزه إلى الوجود ~~بشرا سويا. # والمعنى : الله الذي لا إله إلا هو والذي هو الحي القيوم ، هو الذي ~~يصوركم في أرحام أمهاتكم كيف يشاء ، بأن جعل بعضكم طويلا وبعضكم قصيرا ، ~~وهذا أبيض وذاك أسود ، وهذا ذكر وتلك أنثى ، فهو وحده القادر على تصوير ~~خلقه بتلك الصور المختلفة المتفاوتة ، ومن كان شأنه كذلك. فهو المستحق ~~للعبادة والخضوع ، لا إله إلا هو ( @QUR@01 العزيز ) الذي يقهر كل شيء ~~بقوته وقدرته ( @QUR@01 الحكيم ) في كل شئونه وتصرفاته. # وهذه الآية الكريمة في مقام التعليل للتي قبلها ، لأن قبلها بينت أن الله ~~لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، إذ هو العليم بما يسره الإنسان ~~من كفر أو إيمان أو غيرهما. وهذه الآية تفيد أنه سبحانه يعلم أحوال الإنسان ~~لا بعد استوائه بشرا سويا ، بل يعلم أحواله وهو نطفة في الأرحام ، بل إنه ~~سبحانه ليعلم أحواله قبل أن يكون شيئا مذكورا ، فهو كما يقول القرطبي ~~العالم بما كان وما يكون وما لا يكون. # ومن كان ذلك شأنه فمن الواجب على الذين أوجدهم سبحانه في بطون أمهاتهم ، ~~ورباهم ورعاهم وخلقهم خلقا من بعد خلق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. # وقوله تعالى ( @QUR@02 كيف يشاء ) إخبار منه سبحانه بأن هذا التكوين ~~والتصوير في الأرحام تبع لمشيئته وقدرته وليس خاضعا لقانون ms0709 الأسباب ~~والمسببات ، إذ هو الفعال لما يريد. فمن شاء هدايته هداه ، ومن شاء إضلاله أضله. # و ( @QUR@01 كيف ) في موضع نصب على أنه حال ، وناصبه الفعل الذي بعده وهو ~~( @QUR@01 يشاء ) ومفعول المشيئة محذوف والتقدير : هو الذي يصوركم في ~~الأرحام كيف يشاء تصويركم ، من ذكر وأنثى ، PageV02P025 # وجميل ودميم ، وغير ذلك من مظاهر التفاوت والاختلاف في الصور والأشكال ~~والعقول والميول. # وقوله تعالى ( @QUR@06 لا إله إلا هو العزيز الحكيم ) تأكيد لما قبله ، ~~من انفراده بالألوهية ، وحقيقة المعبودية ، بعد أن أقام الأدلة الساطعة على ~~ذلك من كونه حيا قيوما ، منزلا للكتب الهادية للناس إلى الحق عالما بكل شيء ~~، مصورا لخلقه وهم في أرحام أمهاتهم كيف يشاء .. وكل ذي عقل سليم يتدبر هذه ~~الآيات الكريمة ، يقبل على الإيمان بالحق بقوة وإخلاص ، ويسارع إلى العمل ~~الصالح بقلب منيب ونية صادقة. # هذا ، وقد ذكر كثير من المفسرين أن سورة آل عمران من مطلعها إلى بضع ~~وثمانين آية منها قد نزل في وفد نصارى نجران الذين قدموا على الرسول ~~صلى الله عليه وسلم في السنة التاسعة من الهجرة ، ليناقشوه في شأن عيسى ~~عليه السلام وقد رد عليهم صلى الله عليه وسلم بما يبطل أقوالهم التي تخالف الحق ~~، وأرشدهم إلى الطريق المستقيم وهو طريق الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده ~~دينا. وسنذكر قصة هذا الوفد عند تفسيرنا لآية المباهلة وهي قوله تعالى في ~~هذه السورة ( @QUR@025 فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ~~ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت ~~الله على الكاذبين ) الآية 61. # وبعد أن أقام سبحانه الأدلة الواضحة على أنه هو المستحق للعبادة ، عقب ~~ذلك ببيان أن القرآن مشتمل على المحكم والمتشابه ، وبيان موقف الناس منهما ~~فقال تعالى : # ( @QUR@046 هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر ~~متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ~~وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا ~~به كل من عند ربنا وما يذكر إلا ms0710 أولوا الألباب ) (7) # قوله تعالى : ( @QUR@01 محكمات ) من الإحكام بكسر الهمزة وهذه المادة ~~تستعمل في اللغة لمعان متعددة ، ترجع إلى شيء واحد هو المنع يقال : أحكم ~~الأمر أى أتقنه ومنعه عن الفساد PageV02P026 # ويقال : أحكمه عن الشيء أى أرجعه عنه ومنعه منه. ويقال حكم نفسه وحكم ~~الناس ، أى منع نفسه ومنع الناس عما لا يليق. ويقال أحكم الفرس أى جعل له ~~حكمة تمنعه من الجموح والاضطراب. # وقوله : ( @QUR@03 هن أم الكتاب ) أى أصله الذي فيه عماد الدين وفرائضه ~~وحدوده وما يحتاج إليه الناس في دنياهم وآخرتهم. وأم كل شيء : أصله وعماده. # قال ابن جرير : والعرب تسمى الأمر الجامع المعظم الشيء أما له. فيسمون ~~راية القوم التي تجمعهم في العساكر أمهم. ويسمون المدبر لمعظم أمر البلدة ~~والقرية أمها» (1). # وقوله ( @QUR@01 متشابهات ) من التشابه بمعنى أن يكون أحد الشيئين مشابها ~~للآخر ومماثلا ومشاكلا له مشاكلة تؤدى إلى الالتباس غالبا. قال : أمور ~~مشتبهة ومشبهة كمعظمة : أى مشكلة. ويقال : شبه عليه الأمر تشبيها : لبس عليه. # ولقد جاء في القرآن ما يدل على أنه كله محكم كما في قوله تعالى ( @QUR@03 ~~كتاب أحكمت آياته ) وجاء فيه ما يدل على أنه كله متشابه كما في قوله تعالى ~~( @QUR@06 الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها ). # وجاء فيه ما يدل على أن بعضه متشابه كما في الآية التي نحن بصدد تفسيرها. ~~ولا تعارض بين هذه الإطلاقات الثلاثة ، لأن معنى إحكامه كله : أنه متقن ~~متين لا يتطرق إليه خلل أو اضطراب. ومعنى كونه كله متشابها أنه يشبه بعضه ~~بعضا في بلاغته وفصاحته وإعجازه وهدايته ، ومعنى أن بعضه محكم وبعضه متشابه ~~، فسنبينه بعد سرد بعض الأقوال التي قالها العلماء في تحديد معنى كل منهما. # فمنهم من يرى أن المحكم هو الواضح الدلالة الذي لا يحتمل النسخ ، ~~والمتشابه هو الخفى الذي لا يدرك معناه وهو ما استأثر الله بعلمه كقيام ~~الساعة والروح. # ومنهم من يرى أن المحكم ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان. والمتشابه هو ~~الذي لا يستقل بنفسه ، بل يحتاج إلى بيان ، فتارة يبين بكذا ، وتارة ms0711 يبين ~~بكذا ، لحصول الاختلاف في تأويله. # ومنهم من يرى أن المحكم هو الذي لا يحتمل في تأويله إلا وجها واحدا ~~والمتشابه هو الذي يحتمل أوجها. ومنهم من يرى أن المحكم ما كانت دلالته ~~راجحة وهو النص والظاهر. أما المتشابه فهو ما كانت دلالته غير راجحة ، وهو ~~المجمل والمؤول والمشكل. PageV02P027 # هذه بعض الأقوال في تحديد معنى المحكم والمتشابه (1). وقد اختار كثير من ~~المحققين هذا القول الأخير ، ومعنى الآية الكريمة بعد هذا التمهيد الموجز : # الله عز وجل الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ، والذي أنزل الكتب السماوية ~~لهداية الناس ، والذي صورهم في الأرحام كيف يشاء ، وهو الذي أنزل عليك يا ~~محمد هذا الكتاب الكريم المعجز العظيم الشأن ، لتخرج الناس من الظلمات إلى ~~النور ، وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يجعل هذا الكتاب ( @QUR@03 منه آيات ~~محكمات ) أى واضحات الدلالة ، محكمات التراكيب ، جليات المعاني ، متقنات ~~النظم والتعبير حاويات لكل ما يسعد الناس في معاشهم ومعادهم ، بينات لا ~~التباس فيها ولا اشتباه. # وقوله ( @QUR@03 هن أم الكتاب ) أى هذه الآيات المحكمات الواضحات الدلالة ~~المانعات من الوقوع في الالتباس لانكشاف معانيها لكل ذي عقل سليم ، هن أصل ~~الكتاب الذي يعول عليه في معرفة الأحكام ، ويرجع إليه في التمييز بين ~~الحلال والحرام ، ويرد إليه ما تشابه من آياته ، وما استشكل من معانيها. # والجار والمجرور ( @QUR@01 منه ) خبر مقدم ، و ( @QUR@01 آيات ) مبتدأ ~~مؤخر ، و ( @QUR@01 محكمات ) صفة لآيات. وقوله ( @QUR@03 هن أم الكتاب ) ~~صفة ثانية للآيات. # قال الجمل : وأخبر بلفظ الواحد وهو ( @QUR@01 أم ) عن الجمع وهو ( ~~@QUR@01 هن ) لأن الآيات كلها في تكاملها واجتماعها كالآية الواحدة ، وكلام ~~الله واحد. أو أن كل واحدة منهن أم الكتاب كما قال تعالى : ( @QUR@05 ~~وجعلنا ابن مريم وأمه آية ) أى كل واحد منهما. أو لأنه مفرد واقع موقع ~~الجمع» (2). # وقوله ( @QUR@02 وأخر متشابهات ) أى ومنه آيات أخر متشابهات وذلك كالآيات ~~التي تتحدث عن صفات الله تعالى مثل : الاستواء ، واليد والغضب ، ونحو ذلك ~~من الآيات التي تحدثت عن صفاته سبحانه وكالآيات التي تتحدث عن وقت الساعة ، ~~وعن الروح وعن ms0712 حقيقة الجن والملائكة وكالحروف المقطعة في أوائل السور. # قال الشيخ الزرقانى ما ملخصه : ومنشأ التشابه إجمالا هو خفاء مراد الشارع ~~من كلامه. أما تفصيلا فنذكر أن منه ما يرجع خفاؤه إلى اللفظ من جهة غرابته ~~كلفظ الأب في قوله تعالى : ( @QUR@02 وفاكهة وأبا ) أو من جهة اشتراكه بين ~~معان عدة كما في قوله تعالى ( @QUR@03 فراغ عليهم ضربا PageV02P028 # @QUR@01 باليمين ) أى فأقبل إبراهيم على الأصنام يضربها بيمينه ، أو بقوة ~~، أو بسبب اليمين التي حلفها. ومن هذا النوع فواتح السور المبدوءة بحروف ~~التهجي لأن التشابه والخفاء في المراد منها جاء من ناحية ألفاظها. # ومنه ما يرجع خفاؤه إلى المعنى ، ومثاله كل ما جاء في القرآن وصفا الله ~~تعالى أو لأهوال القيامة ، أو لنعيم الجنة .. فإن العقل البشرى لا يمكن أن ~~يحيط بحقائق صفات الخالق ، ولا بأهوال يوم القيامة ، ولا بنعيم أهل الجنة ~~وعذاب أهل النار. # ثم قال رحمه الله ويمكننا أن ننوع المتشابهات ثلاثة أنواع : # النوع الأول : مالا يستطيع البشر جميعا أن يصلوا إليه كالعلم بذات الله ~~وحقائق صفاته ، وكالعلم بوقت القيامة ونحوه مما استأثر الله بعلمه. # النوع الثاني : ما يستطيع كل إنسان أن يعرفه عن طريق البحث والدرس ، ~~كالمتشابهات التي نشأ التشابه فيها من جهة الإجمال والبسط والترتيب. ~~والأمثلة على ذلك كثيرة ، فمثال التشابه بسبب الإجمال قوله تعالى : # ( @QUR@012 وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ). # فإن خفاء المراد فيه جاء من ناحية إيجازه. والأصل : وإن خفتم ألا تقسطوا ~~في اليتامى لو تزوجتموهن فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم من النساء. # النوع الثالث : ما يعلمه خواص العلماء دون عامتهم ولذلك أمثلة كثيرة من ~~المعاني العالية التي تفيض على قلوب أهل الصفاء والاجتهاد عند تدبرهم لكتاب ~~الله» (1). # ثم بين سبحانه موقف الذين في قلوبهم مرض وانحراف عن الحق من متشابه ~~القرآن فقال : ( @QUR@013 فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ~~ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) فالجملة الكريمة تفصيل لإجمال اقتضاه ~~الكلام السابق. # والزيغ كما يقول القرطبي الميل ، ومنه زاغت الشمس ms0713 ، وزاغت الأبصار ، ~~ويقال : زاغ يزيغ زيغا إذا ترك القصد ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@05 فلما ~~زاغوا أزاغ الله قلوبهم ). وهذه الآية تعم كل طائفة من كافر وزنديق وجاهل ~~وصاحب بدعة ، وإن كانت الإشارة بها في ذلك الوقت إلى نصارى نجران. PageV02P029 # والابتغاء : الاجتهاد في الطلب. يقال : بغيت الشيء وابتغيته ، إذا طلبته ~~بجد ونشاط. والفتنة : من الفتن : وأصل الفتن إدخال الذهب للنار لتظهر جودته ~~من رداءته. والمراد بها هنا الإضلال وإثارة الشكوك حول الحق. # والتأويل : يطلق بمعنى التفسير والتوضيح والبيان. ويطلق بمعنى حقيقة ~~الشيء وما يؤول إليه أمره ، مأخوذ من الأول وهو الرجوع إلى الأصل. # يقال : آل الأمر إلى كذا يؤول أولا أى رجع. وأولته إليه : رجعته. # المعنى : لقد اقتضت حكمتنا يا محمد أن ننزل عليك القرآن مشتملا على آيات ~~محكمات هن أم الكتاب ، وعلى أخر متشابهات. فأما الفاسقون الذين في قلوبهم ~~انحراف عن طلب الحق ، وميل عن المنهج القويم ، وانصراف عن القصد السوى ~~فيتبعون ما تشابه منه ، أى : يتعلقون بذلك وحده. ويعكفون على الخوض فيه. ~~ولا تتجه عقولهم إلى المحكم ليردوا المتشابه إليه ، وإنما يلازمون الأخذ ~~بالمتشابه كما يلازم التابع متبوعه ، لأنه يوافق اعوجاج نفوسهم وسوء ~~نياتهم. وتحكم أهوائهم وشهواتهم. # وقد بين سبحانه أن اتباع هؤلاء الزائغين للمتشابه إنما يقصدون من ورائه ~~أمرين : # أولهما : «ابتغاء الفتنة» أى طلبا لفتنة المؤمنين في دينهم. وتشكيكهم في ~~عقيدتهم ، وإثارة الريب في قلوبهم بأوهام يلقونها حول المتشابه الذي جاء به ~~القرآن ، بأن يقولوا كما حكى القرآن عنهم ( @QUR@07 أإذا كنا ترابا أإنا ~~لفي خلق جديد ) وبأن يقولوا : كيف يكون نعيم الجنة ، وما حقيقة الروح ولما ~~ذا يعذبنا الله على أعمالنا مع أنه هو الخالق لكل شيء ، إلى غير ذلك من ~~الشبهات الزائفة التي يثيرها الذين في قلوبهم زيغ طلبا لتشكيك المؤمنين في دينهم. # وثانيهما : ( @QUR@02 «وابتغاء تأويله ) أى : ويتعلقون بالمتشابه ~~ويتبعونه طلبا لتأويل آيات القرآن تأويلا باطلا ، وتفسيرها تفسيرا فاسدا ~~بعيدا عن الحق زاعمين أن تفسيرهم هذا هو الحق بعينه ، لأنه يتفق مع أهوائهم ~~وشهواتهم وميولهم الأثيمة. # وفي جعل ms0714 قلوبهم مقرا للزيغ مبالغة في عدولهم عن سنن الرشاد وإصرارهم على ~~الشر والفساد. # وفي تعليل الاتباع كما يقول الآلوسى «بابتغاء تأويله دون نفس تأويله ~~وتجريد التأويل عن الوصف بالصحة أو الحقيقة. إيذان بأنهم ليسوا من أهل ~~التأويل في عير ولا نفير ولا قبيل ولا دبير وأن ما يبتغونه ليس بتأويل أصلا ~~لا أنه تأويل غير صحيح قد يعذر صاحبه». # وقد ذم النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء الذين يتبعون ما تشابه من القرآن ~~طلبا للفتنة والتأويل الباطل، PageV02P030 # وحذر منهم في أحاديث كثيرة. ومن ذلك ما رواه البخاري ومسلم وأبو داود ~~والترمذي عن عائشة رضى الله عنها قالت : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه ~~الآية : ( @QUR@08 هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ).. إلخ ~~الآيات قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فإذا رأيت الذين يتبعون ما ~~تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» (1). # وقد استجاب الصحابة رضى الله عنهم لوصايا الرسول صلى الله عليه وسلم فكانوا ~~يتباعدون عن الذين في قلوبهم زيغ. ويزجرونهم ويكشفون عن أباطيلهم. # قال القرطبي : «حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي : قال : أنبأنا سليمان بن ~~حرب عن حماد بن زيد عن يزيد بن حازم ، عن سليمان بن يسار أن صبيغ بن عسل ~~قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن وعن أشياء : فبلغ ذلك عمر رضى الله ~~عنه فبعث إليه عمر فأحضره وقد أعد له عراجين من عراجين النخل. فلما حضر قال ~~له عمر : من أنت؟ قال : أنا عبد الله صبيغ. فقال عمر وأنا عبد الله عمر : ~~ثم قام إليه فضرب رأسه بعرجون فشجه ، ثم تابع ضربه حتى سال دمه على وجهه ~~فقال حسبك يا أمير المؤمنين!! فقد والله ذهب ما كنت أجد في رأسى» (2). # ثم بين سبحانه أن تأويل المتشابه مرده إلى الله تعالى وأن الراسخين في ~~العلم يعلمون منه ما يوفقهم الله لمعرفته فقال ، ( @QUR@020 وما يعلم ~~تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما ~~يذكر إلا أولوا الألباب ms0715 ). # وقوله تعالى ( @QUR@03 والراسخون في العلم ) من الرسوخ وهو الثبات ~~والتمكن وأصله في الأجرام ، أن يرسخ الجبل والشجر في الأرض ، واستعمل في ~~المعاني ومنه رسخ الإيمان في القلب. أى ثبت واستقر وتمكن. # والألباب ، جمع لب وهو كما يقول الراغب العقل الخالص من الشوائب وسمى ~~بذلك لكونه خالص ما في الإنسان من معانيه ، كاللباب واللب من الشيء وقيل هو ~~ما زكا من العقل ، فكل لب عقل وليس كل عقل لبا ، ولهذا علق الله تعالى ~~الأحكام التي لا يدركها إلا العقول الزكية بأولى الألباب» (3). # قال الآلوسى : «وقوله ( @QUR@08 وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في ~~العلم ) في موضع الحال من PageV02P031 # ضمير يتبعون باعتبار العلة الأخيرة. أى يتبعون المتشابه لابتغاء تأويله ~~تأويلا فاسدا والحال أن التأويل المطابق للواقع كما يشعر به التعبير بالعلم ~~والإضافة إلى الله تعالى مخصوص به سبحانه وبمن وفقه عز شأنه من عباده ~~الراسخين في العلم. أى الذين ثبتوا وتمكنوا فيه ولم يتزلزلوا في مزال ~~الأقدام ، ومداحض الأفهام ، دونهم حيث إنهم بمعزل عن تلك الرتبة ، هذا ما ~~يقتضيه الظاهر في تفسير الراسخين» (1). # وقوله. ( @QUR@07 يقولون آمنا به كل من عند ربنا ) جملة موضحة لحال ~~الراسخين في العلم ، ومبينة لما هم عليهم من قوة الإيمان ، وصدق اليقين. # أى يقول الراسخون في العلم عند ما يقرءون ما تشابه من آيات القرآن آمنا ~~به وصدقنا وأذعنا فنحن لا نشك في أن كلا من الآيات المتشابهة والآيات ~~المحكمة من عند الله وحده فهو الذي أنزلها على نبيه صلى الله عليه وسلم بمقتضى ~~حكمته ومشيئته. # وقوله ( @QUR@05 وما يذكر إلا أولوا الألباب )، معطوف على جملة ( ~~@QUR@01 يقولون ) وقد ختم به سبحانه هذه الآية على سبيل المدح لهؤلاء ~~الراسخين في العلم. # أى : وما يدرك هذه الحقائق الدينية ويعتبر بها ويتذكر ما اشتمل عليه ~~القرآن من أحكام وآداب وهدايات وتشريعات إلا أصحاب العقول السليمة ، ~~والألباب المستنيرة التي لا تتأثر بالأهواء والشهوات ، ولا تركن إلى البدع ~~الزائفة والأفكار الفاسدة. # قال ابن كثير : «وقوله تعالى ( @QUR@05 وما يعلم تأويله إلا الله ) اختلف ~~القراء في الوقف ms0716 هنا فقيل الوقف على لفظ الجلالة ، فقد ورد عن ابن عباس أنه ~~قال : «التفسير على أربعة أنحاء فتفسير لا يعذر أحد في فهمه ، وتفسير تعرفه ~~العرب من لغاتها ، وتفسير يعلمه الراسخون في العلم ، وتفسير لا يعلمه إلا ~~الله». وعن أبى مالك الأشعرى أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «لا ~~أخاف على أمتى إلا ثلاث خلال : أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا ، وأن ~~يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغى تأويله ( @QUR@011 وما يعلم تأويله ~~إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به ) الآية وأن يزداد علمهم ~~فيضيعوه ولا يسألون عنه». # وحكى ابن جرير أن قراءة عبد الله بن مسعود ، إن تأويله إلا عند الله ، ~~والراسخون في العلم يقولون آمنا به. واختار هذا القول ابن جرير وهو مذهب ~~الأكثرين من الصحابة والتابعين وأتباعهم خصوصا أهل السنة. # ومنهم من يقف على قوله ( @QUR@03 والراسخون في العلم ) وتبعهم كثير من ~~المفسرين وأهل الأصول ، وقالوا الخطاب بما لا يفهم بعيد. وقد روى عن ابن ~~عباس أنه قال. أنا من الراسخين PageV02P032 # الذين يعلمون تأويله ، وروى عن مجاهد أنه قال والراسخون في العلم يعلمون ~~تأويله ويقولون آمنا به. # وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس فقال : «اللهم ~~فقهه في الدين وعلمه التأويل». # والذي نراه أنه إذا فسر المتشابه بما استأثر الله تعالى بعلمه كقيام ~~الساعة وحقيقة الروح ، كان الوقف على لفظ الجلالة وكانت الواو في قوله ( ~~@QUR@01 والراسخون ) للاستئناف ، والراسخون مبتدأ وجملة «يقولون» خبر عنه. # أى والراسخون في العلم يقولون آمنا به ويفوضون علمه إليه سبحانه ولا ~~يقتحمون أسواره ، كأهل الزيغ والضلال الذين أولوه تأويلا فاسدا .. وإذا فسر ~~المتشابه بما لا يتبين معناه إلا بعد نظر دقيق بحيث يتناول المجمل ونحوه ~~كان الوقف على لفظ العلم ، وكانت الواو في قوله ( @QUR@01 والراسخون ) للعطف. # أى : لا يعلم تأويل المتشابه تأويلا حقا سليما إلا الله والراسخون في ~~العلم أما أولئك الذين في قلوبهم زيغ فهم أبعد ما يكونون عن ذلك. # ويجوز الوقف على هذا الرأى ms0717 أيضا على لفظ الجلالة ؛ لأنه لا يعلم تأويل ~~هذا المتشابه علما كاملا إلا الله. أولا يعلم كنهه وحقيقته أحد سواه. # وإذا فسر المتشابه بما قام الدليل القاطع على أن ظاهره غير مراد. مع عدم ~~قيام الدليل على تعيينه ، كمتشابه الصفات أو ما يسمى بآيات الصفات مثل قوله ~~تعالى ( @QUR@04 الرحمن على العرش استوى ). جاز الوقف والعطف عند من ~~يؤولون هذه الصفات تأويلا يليق بذاته تعالى وهم جمهور علماء الخلف ووجب ~~الوقف على لفظ الجلالة عند من يفوض معاني هذه المتشابهات إلى الله تعالى مع ~~تنزيهه عن ظواهرها المستحيلة وهم جمهور علماء السلف وهذه المسألة من ~~المسائل التي أفاض القول فيها الباحثون في علم الكلام. # هذا وقد ذكر العلماء حكما متعددة لاشتمال القرآن على المحكم والمتشابه ، ~~منها : الابتلاء والاختبار ، لأن الراسخين في العلم سيؤمنون به وإن لم ~~يعرفوا تأويله ، ويخضعون لسلطان الربوبية ، ويقرون بالعجز والقصور ، وفي ~~ذلك غاية التربية ونهاية المصلحة. وأما الذين في قلوبهم زيغ فيؤولونه ~~تأويلا باطلا طلبا لإضلال الناس وتشكيكهم في دينهم. # ومنها : رحمة الله بهذا الإنسان الضعيف الذي لا يطيق معرفة كل شيء. فقد ~~أخفى سبحانه على الناس معرفة وقت قيام الساعة لكيلا يتكاسلوا ويقعدوا عن ~~الاستعداد لها ، PageV02P033 # ولكيلا يفتك بهم الخوف فيما لو أدركوا بالتحديد قرب قيامها. # ومنها كما يقول الفخر الرازي : «أنه متى كانت المتشابهات موجودة كان ~~الوصول إلى الحق أصعب وأشق ، وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب ، ومنها : أن ~~القرآن إذا كان مشتملا على المحكم والمتشابه افتقر الناظر فيه إلى ~~الاستعانة بدليل العقل ، وحينئذ يتخلص من ظلمة التقليد ، ويصل إلى ضياء ~~الاستدلال والبينة ، أما لو كان كله محكما لم يفتقر إلى التمسك بالدلائل ~~العقلية ، فحينئذ يبقى في الجهل والتقليد. ومنها أن اشتماله على المحكم ~~والمتشابه يحمل الإنسان على تعلم علوم كثيرة كعلم اللغة والنحو وأصول الفقه ~~وغير ذلك من أنواع العلوم ، ومنها : أن القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواص ~~والعوام ، وطبائع العوام تنبو في أكثر الأمر عن إدراك الحقائق ، فمن سمع من ~~العوام في أول الأمر ms0718 إثبات موجود ليس بجسم ولا بمتحيز ولا مشار إليه ، ظن ~~أن هذا عدم ونفى فوقع في التعطيل ، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على ~~بعض ما يناسب ما يتوهمونه ويتخيلونه ، وبذلك يكون مخلوطا بما يدل على الحق ~~الصريح. فالقسم الأول وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر يكون من المتشابهات ~~، والقسم الثاني وهو الذي يكشف لهم في آخر الأمر هو المحكمات» (1). # ومنها كما يقول الجمل نقلا عن الخازن : «فإن قيل القرآن نزل لإرشاد الناس ~~فهلا كان كله محكما؟ فالجواب أنه نزل بألفاظ العرب وعلى أسلوبهم. وكلامهم ~~على ضربين : الموجز الذي لا يخفى على سامع هذا هو الضرب الأول ، والثاني ~~المجاز والكنايات والإرشادات والتلويحات وهذا هو المستحسن عندهم ، فأنزل ~~القرآن على ضربين ليتحقق عجزهم فكأنه قال : عارضوه بأى الضربين شئتم ، ولو ~~نزل كله محكما لقالوا : هلا نزل بالضرب المستحسن عندنا» (2). # قال بعض العلماء : والذي يستخلص من مصادر الشريعة ومواردها ، أن الآيات ~~المتشابهة لا يمكن أن يكون موضوعها حكما تكليفيا من الأحكام التي كلف عامة ~~المسلمين أن يقوموا بها ، وأنه لا يمكن أن تكون آية من آيات الأحكام ~~التكليفية قد انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى دون أن بينها ~~، ولا تشابه فيها بعد أن بينتها السنة النبوية ، لأن الله تعالى يقول : ( ~~@QUR@08 وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ) ولا شك من أول بيان ~~ما نزل إليهم بيان الأحكام التكليفية. # لذلك نقول جازمين : إنه ليس في آيات الأحكام آية متشابهة ، وإن اشتبه ~~فهمها على بعض PageV02P034 # العقول ، لأنه لم يطلع على موضوعها ، فليس ذلك لأنها متشابهة في ذاتها ، ~~بل لاشتباه عند من لا يعلم ، واشتباه من لا يعلم لا يجعل آية في القرآن ~~متشابهة» (1). # وبعد أن بين سبحانه موقف الناس من محكم القرآن ومتشابهه ، شرع في بيان ما ~~يتضرع به المؤمنون الصادقون الذين يؤمنون بكل ما أنزله الله تعالى فقال : # ( @QUR@015 ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك ~~أنت الوهاب (8) @QUR@013 ربنا إنك جامع الناس ليوم ms0719 لا ريب فيه إن الله لا ~~يخلف الميعاد ) (9) # اشتملت هاتان الآيتان على دعوات طيبات. ويرى بعض العلماء أن هذه الدعوات ~~من مقول الراسخين في العلم ، فهم يقولون : ( @QUR@06 آمنا به كل من عند ~~ربنا ) ويقولون أيضا ( @QUR@04 ربنا لا تزغ قلوبنا ) ويرى بعضهم أن هذا ~~كلام جديد ، وهو تعليم من الله تعالى لعباده ليكثروا من التضرع إليه بهذه ~~الدعوات وأمثالها. # والزيغ كما أشرنا في الآية السابقة الميل عن الاستقامة ، والانحراف عن ~~الحق ، يقال : زاغ يزيغ أى مال ومنه زاغت الشمس إذا مالت. # والمعنى : نسألك يا ربنا ونضرع إليك ألا تميل قلوبنا عن الهدى بعد إذ ~~ثبتنا عليه ومكنتنا منه. وأن تباعد بيننا وبين الزيغ الذي لا يرضيك. وبين ~~الضلال الذي يفسد القلوب ، ويعمى البصائر. ( @QUR@05 وهب لنا من لدنك رحمة ~~) أى وامنحنا من عندك ومن جهتك إنعاما وإحسانا تشرح بهما صدورنا. وتصلح ~~بهما أحوالنا ( @QUR@03 إنك أنت الوهاب ) لا غيرك ، فأنت مالك الملك وأنت ~~القائل ( @QUR@016 ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ، وما يمسك فلا ~~مرسل له من بعده ) (2). # فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد تضمنت سؤال المؤمنين ربهم تثبيت ~~الإيمان في قلوبهم ومنحهم المزيد من فضله وإنعامه وإحسانه .. # قال الفخر الرازي ما ملخصه : وقال سبحانه ( @QUR@01 رحمة ) ليكون ذلك ~~شاملا لجميع أنواعها التي تتناول حصول نور الإيمان والتوحيد والمعرفة في ~~القلب ، وحصول الطاعة في الأعضاء والجوارح ، وحصول سهولة أسباب المعيشة ~~والأمن والصحة والكفاية في الدنيا PageV02P035 # وحصول سهولة سكرات الموت عند حضوره ، وحصول سهولة السؤال في القبر ، ~~وغفران السيئات والفوز بالجنات في الآخرة. وقوله ( @QUR@02 من لدنك ) ~~يتناول كل هذه الأقسام. لأنه لما ثبت بالبراهين الباهرة أنه لا رحيم إلا هو ~~أكد ذلك بقوله «من لدنك» تنبيها للعقل والقلب والروح على أن هذا المقصود لا ~~يحصل إلا منه سبحانه ثم قال : ( @QUR@03 إنك أنت الوهاب ) كأن العبد يقول : ~~إلهى هذا الذي طلبته منك في هذا الدعاء عظيم بالنسبة إلى ، حقير بالنسبة ~~إلى كمال كرمك ، فأنت الوهاب الذي من هبتك حصلت حقائق الأشياء وذواتها ~~وماهياتها ms0720 ووجوداتها ، فكل ما سواك فمن جودك وإحسانك فلا تخيب رجاء هذا ~~المسكين ، ولا ترد دعاءه واجعله أهلا لرحمتك» (1). # هذا ، وقد ساق الإمام ابن كثير وغيره بعض الأحاديث النبوية عند تفسيرهم ~~لهذه الآية ومن ذلك ما أخرجه أبو داود والنسائي وابن مردويه عن عائشة رضى ~~الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استيقظ من الليل قال «لا ~~إله إلا أنت سبحانك أستغفرك لذنبي وأسألك رحمتك. اللهم زدني علما ، ولا تزغ ~~قلبي بعد إذ هديتني ، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب» (2). # وروى الترمذي عن شهر بن حوشب قال : قلت لأم سلمة : يا أم المؤمنين ، ما ~~كان أكثر دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان عندك؟ قالت : كان أكثر ~~دعائه «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» فقلت : يا رسول الله ، ما أكثر ~~دعاءك يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك؟ قال : «يا أم سلمة إنه ليس آدمي ~~إلا وقبله بين إصبعين من أصابع الله فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ» فتلا معاذ ~~أحد رجال سند هذا الحديث ( @QUR@07 ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ). # وعن أنس رضى الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يقول ~~: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. قلنا : يا رسول الله قد آمنا بك ، ~~وصدقنا بما جئت به ، أفيخاف علينا؟ قال : نعم ، إن القلوب بين إصبعين من ~~أصابع الله يقلبها تبارك وتعالى (3). # ثم حكى سبحانه ضراعة أخرى تضرع بها المؤمنون إلى خالقهم فقال : ( @QUR@08 ~~ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه ). # أى : يا ربنا إنك جامع الناس : محسنهم ومسيئهم ، مؤمنهم وكافرهم. ليوم لا ~~شك في وقوعه وحصوله وهو يوم الحساب والجزاء ، لتجازى الذين أساءوا بما ~~عملوا وتجازى الذين أحسنوا بالحسنى. فأنت سبحانك لم تخلق الخلق عبثا ، ولن ~~تتركهم سدى ، وإنما خلقتهم لرسالة PageV02P036 # عظمى هي عبادتك وطاعتك. فمن استجاب لك تفضلت عليه بالثواب العظيم ، ومن ~~أعرض عن طاعتك عاقبته بما يستحقه. # وقوله ( @QUR@05 إن الله لا ms0721 يخلف الميعاد ) تعليل لمضمون الجملة المؤكدة ~~أو لانتفاء الريب في وقوع يوم القيامة وما فيه من ثواب وعقاب. # أى إنك يا مولانا لا تخلف ما أخبرت به عبادك من أن هناك يوما لا شك في ~~وقوعه ، تجازى فيه الناس على أعمالهم بمقتضى إرادتك ومشيئتك. # وفي هذه الآية الكريمة إشعار بأن نهاية أمل المؤمنين أن يظفروا بالجزاء ~~الحسن من خالقهم يوم القيامة ، لأنهم بعد أن سألوه تثبيت الإيمان وسعة ~~الرحمة ، توجهوا إليه بالمقصود الأعظم وهو حسن الثواب يوم القيامة. فكأنهم ~~قالوا كما يقول الرازي : ليس الغرض من تلك الدعوات ما يتعلق بمصالح الدنيا ~~فإنها فانية ؛ وإنما الغرض الأعظم منه ما يتعلق بالآخرة فإنا نعلم أنك يا ~~إلهنا جامع الناس للجزاء في يوم القيامة ، ونعلم أن وعدك لا يكون خلفا ، ~~وكلامك لا يكون كذبا فمن زاغ قلبه بقي هناك في العذاب أبد الآباد ، ومن ~~أعطيته التوفيق والهداية والرحمة وجعلته من المؤمنين ، بقي هناك في السعادة ~~والكرامة أبد الآبدين فالغرض الأعظم من ذلك الدعاء ما يتعلق بالآخرة» (1). # وبذلك نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد اشتملنا على دعوات كريمات ~~بليغات ، من شأنها أن تسعد الناس في دينهم ودنياهم. والله نسأل أن ينفعنا ~~بها إنه مجيب الدعاء ، وأرحم الراحمين. # وبعد هذا الدعاء الجامع الحكيم الذي حكاه الله تعالى عن عباده المؤمنين ~~عقب ذلك بالحديث عن الكافرين ، وعن أسباب كفرهم وغرورهم ، وعن سوء عاقبتهم ~~فقال تعالى : # ( @QUR@016 إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله ~~شيئا وأولئك هم وقود النار (10) @QUR@014 كدأب آل فرعون والذين من قبلهم ~~كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب (11) @QUR@09 قل ~~للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد (12) @QUR@02 قد كان PageV02P037 # @QUR@027 لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة ~~يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي ~~الأبصار ) (13) # الوقود بفتح الواو هو ما توقد به النار كالحطب وغيره. وأصله من وقدت ~~النار تقد إذا اشتعلت. والوقود بضم الواو المصدر عند ms0722 أكثر اللغويين. # والمعنى : إن الذين كفروا بالحق لما جاءهم ، وعموا وصموا عن الاستجابة له ~~، لن تنفعهم أموالهم ولا أولادهم يوم القيامة ، ولن تدفع عنهم شيئا من عذاب ~~الله الذي استحقوه بسبب كفرهم ، واغترارهم بكثرة المال ، وعزة النفر ، وقوة ~~العصبية وقد أكد سبحانه هذا الحكم ردا على مزاعمهم الباطلة من أن ذلك ~~سينفعهم فقد حكى القرآن عنهم أنهم قالوا : ( @QUR@07 نحن أكثر أموالا ~~وأولادا وما نحن بمعذبين ) فبين سبحانه أنه بسبب كفرهم الذي أصروا عليه ، ~~لن تنفعهم أموالهم ولا أولادهم أى نفع من وقوع عذاب الله عليهم. # ومن في قوله ( @QUR@02 من الله ) لابتداء الغاية و ( @QUR@01 شيئا ) ~~منصوب على المصدرية. أى شيئا من الإغناء. أو النفع ، لأن الذي ينفع الناس ~~يوم القيامة إنما هو إيمانهم وعملهم الصالح. # والإشارة في قوله ( @QUR@04 وأولئك هم وقود النار ) لأولئك الكافرين ~~الذين غرهم بالله الغرور. أى : وأولئك الكافرون الذين اغتروا بأموالهم ~~وأولادهم ولم يعيروا أسماعهم أى التفات إلى الحق هم وقود النار أى حطبها. ~~أى أن النار يشتد اشتعالها فيهم حتى لكأنهم هم مادتها التي بها تتقد ~~وتشتعل. # وجيء بالإشارة في قوله ( @QUR@01 وأولئك ) لاستحضارهم في الأذهان حتى ~~لكأنهم بحيث يشار إليهم ، وللتنبيه على أنهم أحرياء بما سيأتى من الخبر وهو ~~قوله ( @QUR@03 هم وقود النار ). وكانت الإشارة للبعيد ، للإشعار بغلوهم ~~في الكفر ، وانغماسهم فيه إلى منتهاه ، ولذلك كانت العقوبة شديدة. # وقوله ( @QUR@01 وأولئك ) مبتدأ ، وهم ضمير فصل والخبر قوله : ( @QUR@02 ~~وقود النار ) والجملة مستأنفة مقررة لعدم الإغناء. وفي هذا التذييل تهديد ~~شديد للكفار الذين اغتروا بأموالهم وأولادهم ببيان أن ما اغتروا به لن يحول ~~بينهم وبين الخلود في النار. PageV02P038 # قال الفخر الرازي ما ملخصه : اعلم أن كمال العذاب هو أن يزول عن الإنسان ~~كل ما كان منتفعا به. ثم يجتمع عليه جميع الأسباب المؤلمة. # أما الأول فهو المراد بقوله ( @QUR@09 لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم ~~من الله شيئا ) وذلك لأن المرء عند الخطوب والنوائب في الدنيا يفزع إلى ~~المال والولد. فبين الله تعالى أن صفة ذلك اليوم مخالفة لصفة الدنيا. ونظير ms0723 ~~هذه الآية قوله تعالى ( @QUR@012 يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله ~~بقلب سليم ). # وأما القسم الثاني من أسباب العذاب فهو أن يجتمع عليه الأسباب المؤلمة ، ~~وإليه الإشارة بقوله : ( @QUR@04 وأولئك هم وقود النار ) وهذا هو النهاية ~~في العذاب ، فإنه لا عذاب أزيد من أن تشتعل النار فيهم كاشتعالها في الحطب ~~اليابس (1). # ثم بين سبحانه أن حال الكافرين بالحق الذي جاءهم به النبي ~~صلى الله عليه وسلم كحال الذين سبقوهم في الجحود والعناد فقال تعالى : ( ~~@QUR@06 كدأب آل فرعون والذين من قبلهم ). # الدأب : أصله الدوام والاستمرار. يقال : دأب على كذا يدأب دأبا ودأبا ~~ودءوبا ، إذا داوم عليه وجد فيه وتعب. ثم غلب استعماله في الحال والشأن ~~والعادة ، لأن من يستمر في عمل أمدا طويلا يصير عادة من عاداته ، وحالا من ~~أحواله فهو من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم. # وآل فرعون : هم أعوانه ونصراؤه وأشياعه الذين استحبوا العمى على الهدى ~~واستمروا على النفاق والضلال حتى صار ديدنا لهم. # قال الراغب : «والآل مقلوب عن الأهل. ويصغر على أهيل إلا أنه خص بالإضافة ~~إلى أعلام الناطقين دون النكرات ودون الأزمنة والأمكنة. يقال آل فلان ولا ~~يقال آل رجل .. ولا يقال آل الخياط بل يضاف إلى الأشرف والأفضل ، فيقال آل ~~الله وآل السلطان ، والأهل يضاف إلى الكل فيقال أهل الله وأهل الخياط كما ~~يقال أهل زمن كذا»؟ (2). # والمعنى : حال هؤلاء الكافرين الذين كرهوا الحق الذي جئت به يا محمد ولم ~~يؤمنوا بك حالهم في استحقاق العذاب ، كحال آل فرعون والذين من قبلهم من أهل ~~الزيغ والضلال ، كفروا بآيات الله ، وكذبوا بما جاءت به من هدايات فكانت ~~نتيجة ذلك أن أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر حيث أهلكم بسبب ما ارتكبوه من ذنوب ~~، والله تعالى شديد العقاب لمن كفر بآياته. PageV02P039 # والجار والمجرور وهو قوله ( @QUR@03 كدأب آل فرعون ) في موضع رفع خبر ~~لمبتدأ محذوف. أى شأن هؤلاء في تكذيبك يا محمد كشأن آل فرعون والذين من ~~قبلهم في تكذيبهم لأنبيائهم. # والمقصود بآل فرعون أعوانه وبطانته ، لأن الآل ms0724 يطلق على أشد الناس ~~التصاقا واختصاصا بالمضاف إليه ، والاختصاص هنا في المتابعة والتواطؤ على ~~الكفر ، لأنه إذا وجد العناد في التابع فهو في الغالب يكون في المتبوع أشد ~~وأكبر. ولأنهم هم الذين حرضوه على الشرور والآثام والطغيان فلقد حكى القرآن ~~عنهم ذلك في قوله تعالى ( @QUR@021 وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى ~~وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك؟ قال : سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم. ~~وإنا فوقهم قاهرون ) (1). # وخص القرآن آل فرعون بالذكر من بين الذين سبقوهم في الكفر ، لأن فرعون ~~كان أشد الطغاة طغيانا ، وأكبرهم غرورا وبطرا وأكثرهم استهانة بقومه ، ~~واحتقارا لعقولهم وكيانهم ، ألم يقل لهم كما حكى القرآن ( @QUR@03 أنا ربكم ~~الأعلى ) (2). ألم يبلغ به غروره أن يقول لهم : ( @QUR@011 أليس لي ملك ~~مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون ) (3) ألم يقل لوزيره : ( ~~@QUR@017 يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب ، أسباب السماوات ، فأطلع ~~إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا .. ) (4). # ولقد وصف الله تعالى قوم فرعون بهوان الشخصية ، وتفاهة العقل ، والخروج ~~عن كل مكرمة فقال : ( @QUR@07 فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين ~~) (5)، لأن الأمة التي تترك الظالم وبطانته يعيثون في الأرض فسادا لا ~~تستحق الحياة ، ولا يكون مصيرها إلا إلى التعاسة والخسران. # وجملة ( @QUR@02 كذبوا بآياتنا ) تفسير لصنيعهم الباطل ، ودأبهم على ~~الفساد والضلال. والمراد بالآيات ما يعم المتلوة في كتب الله تعالى ~~والبراهين والمعجزات الدالة على صدق الأنبياء فيما يبلغونه عن ربهم. # وفي إضافتها إلى الله تعالى تعظيم لها وتنبيه على قوة دلالتها على الحق ~~والخير وقوله ( @QUR@03 فأخذهم الله بذنوبهم ) بيان لما أصابهم بسبب كفرهم ~~وتكذبيهم للحق ، وفي التعبير بالأخذ إشارة إلى شدة العقوبة ، فهو سبحانه قد ~~أخذهم كما يؤخذ الأسير الذي لا يستطيع فكاكا من آسره. PageV02P040 # والباء للسببية أى أخذهم بسبب ما اجترحوه من ذنوب. أو الملابسة ~~والمصاحبة. أى أخذهم وهم متلبسون بذنوبهم دون أن يتوبوا منها أو يقلعوا ~~عنها ، والجملة على الوجهين تدل على كمال عدل الله تعالى لأنه ما عاقبهم ~~إلا لأنهم استحقوا ذلك. # وأصل الذنب : الأخذ بذنب الشيء ms0725 ، أى بمؤخرته ثم أطلق على الجريمة لأن ~~مرتكبها يعاقب بعدها. # وفي قوله : ( @QUR@03 والله شديد العقاب ) إشارة إلى أن شدة العقاب سببها ~~شدة الجريمة وتعليم للناس بأن كل فعل له جزاؤه ، إن خيرا فخير وإن شرا فشر ~~، وتقرير وتأكيد لمضمون ما قبلها. # ثم أنذر الله تعالى الكافرين بسوء المصير ، وبشر المؤمنين بحسن العاقبة ~~فقال تعالى : ( @QUR@09 قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس ~~المهاد ). # وقد وردت روايات في سبب نزول هذه الآية والتي بعدها. من أشهرها : ما ذكره ~~ابن إسحاق عن عاصم بن عمرو بن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصاب ~~من قريش ما أصاب في غزوة بدر ورجع إلى المدينة جمع اليهود في سوق بنى ~~قينقاع وقال : «يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر ~~قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم ، فقد عرفتم أنى نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم ~~وعهد الله إليكم» فقالوا يا محمد ، لا يغرنك أنك قتلت نفرا من قريش كانوا ~~أغمارا (1) لا علم لهم بالحرب فأصبت فيهم فرصة. إنك والله لو قاتلتنا لعرفت ~~أنا نحن الناس. فأنزل الله تعالى ( @QUR@04 قل للذين كفروا ستغلبون ) إلى ~~قوله تعالى ( @QUR@03 لعبرة لأولي الأبصار ) (2). والمعنى : قل يا محمد ~~لهؤلاء اليهود وأمثالهم من المشركين الذين يدلون بقوتهم ، ويغترون بأموالهم ~~وأولادهم وعصبيتهم .. قل لهم ستغلبون وتهزمون في الدنيا على أيدى المؤمنين ~~وتحشرون يوم القيامة ثم تساقون إلى نار جهنم لتلقوا فيها مصيركم المؤلم ، ( ~~@QUR@02 وبئس المهاد ) أى بئس المكان الذي هيئوه لأنفسهم في الآخرة بسبب ~~سوء فعلهم. والمهاد : المكان الممهد الذي ينام عليه كالفراش. # ولقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتولى الرد عليهم. وأن ~~يواجههم بهذا الخطاب المشتمل على التهديد والوعيد ، لأنهم كانوا يتفاخرون ~~عليه بأموالهم وبقوتهم ، فكان من المناسب أن يتولى صلى الله عليه وسلم الرد ~~عليهم ، وأن يخبرهم بأن النصر سيكون له ولأصحابه ، وأن الدائرة ستدور عليهم. # وقوله ( @QUR@01 ستغلبون ) إخبار عن أمر يحصل في المستقبل ، وقد وقع كما ~~أخبر ms0726 به الله تعالى PageV02P041 # فقد دارت الدائرة على اليهود من بنى قينقاع والنضير وقريظة وغيرهم ، بعد ~~بضع سنوات من الهجرة ، وتم فتح مكة في السنة الثامنة بعد الهجرة. # وقوله ( @QUR@02 وبئس المهاد ) إما من تمام ما يقال لهم ، أو استئناف ~~لتهويل شأن جهنم ، وتفظيع حال أهلها. # ثم ساق القرآن مثلا مشاهدا يدل على نصر الله تعالى لأوليائه وخذلانه ~~لأعدائه ، فقال : ( @QUR@018 قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في ~~سبيل الله وأخرى كافرة ، يرونهم مثليهم رأي العين ). # والمراد بالآية هنا العلامة والبرهان والشاهد على صدق الشيء المخبر عنه. # والفئة كما يقول القرطبي الجماعة من الناس ، وسميت الجماعة من الناس فئة ~~لأنها يفاء إليها ، أى يرجع إليها في وقت الشدة ، ولا خلاف في أن الإشارة ~~بهاتين الفئتين هي إلى يوم بدر. ثم قال : ويحتمل أن يكون المخاطب بهذه ~~الآية جميع المؤمنين ، ويحتمل أن يخاطب بها جميع الكفار ، ويحتمل أن يخاطب ~~بها يهود المدينة ، وبكل احتمال منها قد قال قوم. وفائدة الخطاب للمؤمنين ~~تثبيت النفوس وتشجيعها ، حتى يقدموا على مثليهم وأمثالهم كما قد وقع (1). # والمعنى : قد كان لكم أيها الناس علامة عظيمة ، ودلالة واضحة على أن ~~الكافرين سيغلبون والمؤمنين سينصرون بما جرى في غزوة بدر ، فقد رأيتم كيف ~~أن الله تعالى قد نصر لمؤمنين مع قلة عددهم ، وهزم الكافرين مع كثرة عددهم ~~وعددهم. ولقد كان المؤمنون يرون أعداءهم أكثر منهم عددا وعدة ومع ذلك لم ~~يهابوهم ولم يجبنوا عن لقائهم ، بل أقدموا على قتالهم بإيمان وشجاعة فرزقهم ~~الله النصر على أعدائهم. # ووصف سبحانه الفئة المؤمنة بأنها تقاتل في سبيل الله ، على سبيل المدح ~~لها ، والإعلاء من شأنها ، وبيان الغاية السامية التي من أجلها قاتلت ، ومن ~~أجلها تم لها النصر فهي لم تقاتل لأجل عرض من أعراض الدنيا ، وإنما قاتلت ~~لإعلاء كلمة الله ونصرة الحق. # ووصف الفتنة الأخرى بأنها كافرة ؛ لأنها لم تؤمن بالحق ، ولم تتبع الطريق ~~المستقيم ، بل كفرت بكل ما يصلحها في دينها ودنياها. # ولم يصفها بالقتال كما وصف الفئة المؤمنة. إسقاطا ms0727 لقتال تلك الفئة ~~الكافرة عن درجة الاعتبار ، وإيذانا بأن الرعب الذي ألقاه الله في قلوبهم ~~عند لقائهم للمؤمنين ، جعلهم بأنهم ليسوا أهلا لأن يوصفوا بالقتال. PageV02P042 # هذا وللعلماء أقوال في المراد من قوله تعالى ( @QUR@04 يرونهم مثليهم رأي ~~العين ) وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذه الأقوال فقال : ( @QUR@02 يرونهم ~~مثليهم ) أى : يرى المشركون المسلمين مثلي عدد المشركين أى قريبا من ألفين ~~، أو مثلي عدد المسلمين أى ستمائة ونيفا وعشرين. أراهم الله إياهم مع قلتهم ~~أضعافهم ليهابوهم ويجبنوا عن قتالهم. وكان ذلك مددا لهم من الله كما أمدهم ~~بالملائكة. والدليل عليه قراءة نافع ( @QUR@01 ترونهم ) بالتاء ، أى ترون ~~يا مشركي قريش المسلمين مثلي فئتكم الكافرة ، أو مثلي أنفسهم. فإن قلت فهذا ~~مناقض لقوله في سورة الأنفال ( @QUR@03 ويقللكم في أعينهم ) قلت : قللوا ~~أولا في أعينهم حتى اجترءوا عليهم : فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا ~~، فكان التقليل والتكثير في حالين مختلفين .. وتقليلهم تارة وتكثيرهم تارة ~~أخرى في أعينهم أبلغ في القدرة وإظهار الآية. وقيل : يرى المسلمون المشركين ~~مثلي المسلمين على ما قرر عليه أمرهم من مقاومة الواحد الاثنين في قوله ( ~~@QUR@07 فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين ). بعد ما كلفوا أن يقاوم ~~الواحد العشرة في قوله تعالى ( @QUR@07 إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا ~~مائتين ) (1). # والذي نراه أن الرأى الذي عبر عنه صاحب الكشاف بقوله : وقيل : يرى ~~المسلمون المشركين مثلي المسلمين .. إلخ هذا الرأى هو أقرب الأقوال إلى ~~الصواب ؛ لأن المسلمين في غزوة بدر كانوا أقل عددا وعدة من المشركين ، ولأن ~~التعبير بقوله تعالى ( @QUR@02 رأي العين ) يفيد أن رؤية هذه الكثرة من ~~المشركين كانت رؤية بصرية بالمشاهدة ، وليست بالتقدير أو التخيل ، وهذا ~~يتحقق في رؤية المؤمنين للمشركين : # فإن قيل : إن المشركين في بدر كانوا ثلاثة أمثال المؤمنين تقريبا كما حكى ~~لنا التاريخ ولم يكونوا مثليهم أى ضعفهم؟ # فالجواب على ذلك أن هذا التقدير للمشركين من جانب المؤمنين كان تقديرا ~~تقريبيا وليس تقديرا عدديا ، فثلاثة الأمثال قد ترى رأى العين مثلين أو ~~نقول : إن المراد بكلمة مثلين مجرد ms0728 التكرار وليس المراد بها التثنية على ~~الحقيقة ، كما في قوله تعالى ( @QUR@016 فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ~~ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير )، فالمراد تكرار النظر ~~مرة ومرات وليس المراد التحديد بكرتين. # وقد رجح ابن جرير الطبري هذا الرأى ، فقد قال بعد سرده لجملة من أقوال ~~العلماء : وأولى هذه القراءات بالصواب : قراءة من قرأ ( @QUR@01 يرونهم ) ~~بمعنى : وأخرى كافرة يراهم المسلمون PageV02P043 # مثليهم ، يعنى : مثلي عدد المسلمين ، لتقليل الله إياهم في أعينهم في ~~حال. فكان حزرهم إياهم كذلك. ثم قال : وأما قوله : ( @QUR@02 رأي العين ) ~~فإنه مصدر رأيته. يقال رأيته رأيا ورؤية ، ويقال هو منى رأى العين ، ورأى ~~العين بالنصب والرفع يراد حيث يقع عليه بصرى .. فمعنى ذلك : يرونهم حيث ~~تلحقهم أبصارهم وتراهم عيونهم مثليهم» (1). # وقوله تعالى ( @QUR@04 قد كان لكم آية ).. إلخ من تمام القول المأمور به ~~جيء به لتقرير وتحقيق ما قبله. و ( @QUR@01 كان ) هنا ناقصة ، و ( @QUR@01 ~~آية ) اسمها ، وترك التأنيث في كان لوجود الفاصل بينها وبين اسمها. ولأن ~~المرفوع بها وهو اسمها مجازى التأنيث أو باعتبار أن الآية برهان ودليل. ~~وقوله ( @QUR@01 لكم ) خبر كان. وقوله ( @QUR@01 فئة ) خبر لمبتدأ محذوف ~~أى. إحداهما فئة تقاتل في سبيل الله. وقوله ( @QUR@01 وأخرى ) نعت لمقدر أى ~~وفئة أخرى كافرة. والجملة مستأنفة لتقرير «ما في الفئتين من الآية» ثم ختم ~~سبحانه الآية الكريمة بقوله ( @QUR@011 والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك ~~لعبرة لأولي الأبصار ). # أى : والله تعالى يؤيد بنصره من يشاء نصره وفوزه ، فهو القادر على أن ~~يجعل الفئة القليلة تغلب الفئة الكثيرة ، لا راد لمشيئته ولا معقب لحكمه ~~وإن الذين يغترون بقوتهم وحدها ، ويغترون بما بين أيديهم من أموال وعتاد ~~ورجال ، ولا يعملون حسابا للقدر ، الذي يجريه الله على حسب مشيئته وإرادته ~~هؤلاء الذين غرهم بالله الغرور ، تداهمهم الهزيمة من حيث لا يحتسبون ، وقد ~~يفجؤهم الخسران والخذلان من الطريق الذي توهموا فيه الكسب والانتصار. # لذا أمر الله تعالى عباده بالاعتبار والاتعاظ فقال : ( @QUR@06 إن في ذلك ~~لعبرة لأولي الأبصار ) واسم الإشارة ذلك ms0729 يعود إلى المذكور الذي رأوه ~~وشاهدوه وهو أن الفئة القليلة المؤمنة غلبت الفئة الكثيرة الكافرة. # والعبرة الاعتبار والاتعاظ وأصله من العبور وهو النفور من أحد الجانبين ~~إلى الآخر ، وسمى الاتعاظ عبرة ، لأن المعتبر المتعظ يعبر من الجهل إلى ~~العلم ، ومن الهلاك إلى النجاة ، أى : إن في ذلك الذي شاهده الناس وعاينوه ~~من انتصار الفئة القليلة التي تقاتل في سبيل الله ، على الفئة الكثيرة التي ~~تقاتل في سبيل الطاغوت ، لعبرة عظيمة ، ودلالة واضحة ، لأصحاب المدارك ~~السليمة والعقول الواعية التي تفهم الأمور على حقيقتها ، وتؤمن بأن الله ~~تعالى قادر على كل شيء ، أما أصحاب القلوب المطموسة والنفوس المغرورة ~~بقوتها. فهي عن الاعتبار والاتعاظ بمعزل. PageV02P044 # قال الفخر الرازي ما ملخصه : «واعلم أن العلماء ذكروا في تفسير كون تلك ~~الواقعة آية بينة وعبرة واضحة وجوها : منها أن المسلمين كان قد اجتمع فيهم ~~من أسباب الضعف عن المقاومة أمور منها قلة العدد ، وأنهم خرجوا غير قاصدين ~~للحرب فلم يتأهبوا ، ومنه قلة السلاح ، ومنها أنها كانت ابتداء غارة في ~~الحرب لأنها أول غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم وكان قد حصل للمشركين أضداد ~~هذه المعاني من الكثرة والتأهب وغير ذلك ومع هذا فقد انتصر المؤمنون ، ولما ~~كان ذلك خارجا عن العادة كان معجزا» (1). # وبذلك تكون الآيات الكريمة قد أنذرت الكافرين بسوء العاقبة إذا ما ~~استمروا على كفرهم ، وساقت لهم ما يؤيد ذلك من واقع ما شاهدوه ، وبشرت ~~المؤمنين بنصر الله لهم ، وحثتهم على الاتعاظ والاعتبار ، لأن من شأن ~~المعتبرين أن يكونوا مراقبين الله تعالى ومنفذين لأوامره ، ومبتعدين عن ~~نواهيه ، ومن كان كذلك كان الله معه بنصره وتأييده. # ثم بين سبحانه أهم الشهوات التي يؤدى الانهماك في طلبها إلى الانحراف في ~~التفكير ، وإلى عدم التبصر والاعتبار ، ودعا الناس إلى التزود من العمل ~~الصالح الذي يفضى بهم إلى رضاه سبحانه فقال : # ( @QUR@024 زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة ~~من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا ~~والله عنده حسن المآب (14) @QUR@024 قل أأنبئكم بخير ms0730 من ذلكم للذين اتقوا ~~عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من ~~الله والله بصير بالعباد (15) PageV02P045 # @QUR@011 الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار ~~(16) @QUR@06 الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار ) (17) # فأنت ترى في هذه الآيات الكريمة بيانا حكيما من الله تعالى لأهم متع ~~الحياة الدنيا وشهواتها ، ولما هو خير من هذه المتع والشهوات ، مما أعده ~~الله لعباده المتقين من جنات وخيرات. # وقوله ( @QUR@01 زين ) من التزيين وهو تصيير الشيء زينا أى حسنا. والزينة ~~هي ما في الشيء من المحاسن التي ترغب الناظرين في اقتنائه. # قال الراغب : «والزينة بالقول المجمل ثلاث : زينة نفسية كالعلم ~~والاعتقادات الحسنة ، وزينة بدنية كالقوة وطول القامة ، وزينة خارجية ~~كالمال والجاه .. وقد نسب الله التزيين في مواضع إلى نفسه كما في قوله ~~تعالى ( @QUR@08 ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ) ونسبه في ~~مواضع إلى الشيطان كما في قوله ( @QUR@05 وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم ) ~~وذكره في مواضع غير مسمى فاعله كما في قوله تعالى ( @QUR@04 زين للناس حب ~~الشهوات ) (1). # والشهوات جمع شهوة ، وهي ثوران النفس وميلها نحو الشيء المشتهى. والمراد ~~بها هنا الأشياء المشتهاة من النساء والبنين .. إلخ. وعبر عنها بالشهوات ~~للإشارة كما يقول الآلوسى إلى ما ركز في الطباع من محبتها والحرص عليها حتى ~~لكأنهم يشتهون اشتهاءها كما قيل لمريض : ما تشتهي؟ فقال : أشتهى أن أشتهى. ~~أو تنبيها على خستها : لأن الشهوات خسيسة عند الحكماء والعقلاء ففي ذلك ~~تنفير عنها وترغيب فيها عند الله ، ثم قال : والتزيين للشهوات يطلق ويراد ~~به خلق حبها في القلوب ، وهو بهذا المعنى مضاف إليه تعالى حقيقة ؛ لأنه لا ~~خالق إلا هو. ويطلق ويراد به الحض على تعاطى الشهوات المحظورة فتزيينها ~~بالمعنى الثاني مضاف إلى الشيطان تنزيلا لوسوسته وتحسينه منزلة الأمر بها ~~والحض على تعاطيها» (2). # ثم بين سبحانه أهم المشتهيات التي يحبها الناس ، وتهفو إليها قلوبهم ، ~~وترغب فيها نفوسهم ، فأجملها في أمور ستة. PageV02P046 # أما أولها : فقد عبر عنه القرآن بقوله : «من النساء ولا شك أن ms0731 المحبة بين ~~الرجال والنساء شيء فطري في الطبيعة الإنسانية ، ويكفى أن الله تعالى قد ~~قال في العلاقة بين الرجل والمرأة ( @QUR@06 هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ) (1). # وقال تعالى في آية ثانية ( @QUR@014 ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم ~~أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ) (2) وإن بعض الرجال قد ~~يستهين بكل شيء في سبيل الوصول إلى المرأة التي يهواها ويشتهيها والأمثال ~~على ذلك كثيرة ولا مجال لذكرها هنا وصدق رسول الله حيث يقول : «ما تركت ~~بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء» (3)، ولذا قدم القرآن اشتهاءهن على ~~كل شهوة. و ( @QUR@01 من ) في قوله ( @QUR@03 من النساء والبنين ) بيانية ، ~~وهي مع مجرورها في محل نصب على الحال من الشهوات. واكتفى القرآن بذكر محبة ~~الرجل للمرأة مع أن المرأة كذلك تحب الرجل بفطرتها لأن ذكر محبة أحدهما ~~للآخر يغنى عن ذكر الطرفين معا ، وما يستفاد بالإشارة يستغنى فيه عن ~~العبارة خصوصا في هذا المجال الذي يحرص في القرآن على تربية الحياء والأدب ~~في النفوس ، ولأن المرأة في هذا الباب يهمها أن تكون مطلوبة لا طالبة. وحتى ~~لو كانت محبتها للرجل أشد فإنها تحاول أن تثير فيه ما يجعله هو الذي يطلبها ~~لا هي التي تطلبه. # وأما ثانى المشتهيات : فقد عبر عنه القرآن بقوله ( @QUR@01 والبنين ) جمع ~~ابن ، وهو معطوف على ما قبله ، وقد ذكر حب البنين بعد حب النساء لأن البنين ~~ثمرة حب النساء ، واكتفى بذكر البنين ، لأنهم موضع الفخر في العادة وحب ~~الأولاد طبيعة في النفس البشرية فهم ثمرات القلوب ، وقرة الأعين ومهوى ~~الأفئدة ، ومطمح الآمال ، ولقد تمنى الذرية جميع الناس حتى الأنبياء فهذا ~~سيدنا إبراهيم يقول : ( @QUR@05 رب هب لي من الصالحين ) وسيدنا زكريا يقول ~~: ( @QUR@07 رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين ). # والإنسان في سبيل حبه لأولاده يضحى براحته ، وقد يجمع المال من أجلهم من ~~حلال ومن حرام ، وقد يرتكب بعض الأعمال التي لا يريد ارتكابها إرضاء لهم ، ~~وقد يمتنع عن فعل أشياء هو يريد فعلها لأن مصلحتهم تقتضي ذلك. # وصدق الله إذ ms0732 يقول : ( @QUR@04 أنما أموالكم وأولادكم فتنة ) وصدق رسوله ~~صلى الله عليه وسلم حيث يقول : «الولد ثمرة القلب ، وإنه مجبنة مبخلة محزنة» ~~أى أن الأبناء يجعلون آباءهم يجبنون خوفا من PageV02P047 # الموت لئلا يصيب أبناءهم اليتم وآلامه ، ويجعلونهم يبخلون فلا ينفقون ~~فيما ينبغي أن ينفق فيه إيثارا لهم بالمال ، ويجعلونهم يحزنون عليهم إن ~~أصابهم مرض ونحوه. # أما الأمر الثالث من المشتهيات : فقد عبر عنه القرآن بقوله ( @QUR@05 ~~والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ) والقناطير جمع قنطار ، وهو مأخوذ من ~~عقد الشيء وإحكامه ، تقول العرب : قنطرت الشيء إذا أحكمته ، ومنه سميت ~~القنطرة لإحكامها. # قال الفخر الرازي «القنطار مال كثير يتوثق الإنسان به في دفع أصناف ~~النوائب وحكى أبو عبيدة عن العرب أنهم يقولون : إنه وزن لا يحد. واعلم أن ~~هذا هو الصحيح ، ومن الناس من حاول تحديده. فعن ابن عباس : القنطار ألف ~~دينار أو اثنا عشر ألف درهم وهو مقدار الدية» (1). # ولفظ ( @QUR@01 المقنطرة ) مأخوذ من القنطار. ومن عادة العرب أن يصفوا ~~الشيء بما يشتق منه للمبالغة أى والقناطير المضاعفة المتكاثرة المجموعة ~~قنطارا قنطارا كقولهم : دراهم مدرهمة وإبل مؤبلة. # وقوله ( @QUR@03 من الذهب والفضة ) بيان للقناطير ، وهو في موضع الحال منها. # والمراد أن الإنسان محب للمال حبا شديدا ، قال تعالى ( @QUR@04 وإنه لحب ~~الخير لشديد ) وقال تعالى ( @QUR@08 وتأكلون التراث أكلا لما. وتحبون المال ~~حبا جما ). # وفي الحديث الشريف الذي رواه الشيخان عن ابن عباس أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا. ولا ~~يملأ جوف ابن آدم إلا التراب. ويتوب الله على من تاب» والأحاديث في هذا ~~المعنى كثيرة. # وقالت السيدة عائشة رضى الله عنها «رأيت ذا المال مهيبا ، ورأيت ذا الفقر ~~مهينا». وقالت : «إن أحساب ذوى الدنيا بنيت على المال» (2). # وإنما كان الذهب والفضة محبوبين ، لأنهما كما يقول الرازي جعلا ثمنا ~~لجميع الأشياء ، فمالكهما كالمالك لجميع الأشياء» وصفة المالكية هي القدرة ~~، والقدرة صفة كمال ، والكمال محبوب لذاته ، فلما كان الذهب والفضة أكمل ~~الوسائل إلى تحصيل هذا الكمال الذي هو ms0733 محبوب لذاته وما لا يوجد المحبوب إلا ~~به فهو محبوب لا جرم كانا محبوبين» (3). PageV02P048 # وأما المشتهيات الرابعة والخامسة والسادسة فتتجلى في قوله تعالى ( ~~@QUR@04 والخيل المسومة والأنعام والحرث ). # ولفظ الخيل يرى سيبويه أنه اسم جمع لا واحد له من لفظه ، بل مفردة فرس ~~فهو نظير قوم ورهط ونساء. ويرى الأخفش أنه جمع تكسير وواحده خائل ، فهو ~~نظير راكب وركب ، وطائر وطير. وهو مشتق من الخيلاء لأنها تختال في مشيتها. # والمسومة : أى الراعية في المروج والمسارح. يقال : سوم ماشيته إذا أرسلها ~~في المرعى. أو المطهمة الحسان ، من السيما بمعنى الحسن أو المعلمة ذات ~~الغرة والتحجيل من السمة بمعنى العلامة. # والخيل كانت وما زالت زينة محببة مرغوبة ، مهما تفنن البشر في اختراع ~~صنوف من المراكب برا وبحرا وجوا فمع وجود هذه المراكب المتنوعة ما زال ~~للخيل عشاقها الذين يعجبهم ما فيها من جمال وانطلاق وألفة. ويقتنونها ~~للركوب والمسابقات .. ( @QUR@01 والأنعام ) جمع نعم ، وهي الإبل والبقر ~~والغنم. ولا يقال للجنس الواحد منها نعم إلا للإبل خاصة فإنها غلبت عليها. # والأنعام فيها زينة. والإنسان في حاجة شديدة إليها في مركبه ومطعمه وغير ~~ذلك. قال تعالى ( @QUR@029 والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها ~~تأكلون. ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون ، وتحمل أثقالكم إلى بلد لم ~~تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤف رحيم ) (1). # و ( @QUR@01 الحرث ) مصدر بمعنى المفعول أى المحروث. والمراد به المزروع ~~سواء أكان حبوبا أم بقلا ، أم ثمرا إذ من هذه الأشياء يتخذ الإنسان مطعمه ~~وملبسه وأدوات زينته. # تلك هي أهم المشتهيات في هذه الحياة إلى نفس الإنسان قد جمعها القرآن في ~~آية واحدة ، وقد اختصها سبحانه بالذكر لأنها أوضح من غيرها في الاحتياج ~~إليها والتلذذ بها ، ولأن فيها إشارة إلى أنواع المتع كلها سواء أكانت متعة ~~جسدية أم روحية ، أم مالية ، أم غير ذلك من ألوان المتع ، ومن مستلزمات ~~الحياة. # وقد ختم سبحانه الآية بقوله ( @QUR@08 ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده ~~حسن المآب ). واسم الإشارة ( @QUR@01 ذلك ) يعود إلى كل ما تقدم ذكره ms0734 من ~~الأمور الستة التي سبق الحديث عنها ، والمآب : مصدر ميمى بوزن مفعل ، من ~~آب. كقال إيابا وأوبا ومآبا ، إذا رجع. وأصله مأوب نقلت حركة الواو إلى ~~الهمزة ثم قلبت الواو ألفا مثل مقال. PageV02P049 # أى ذلك المذكور من النساء والبنين وما عطف عليهما هو موضع الزينة ، ومطلب ~~الناس الذي يستمتعون به ، ويرغبون فيه ، ويشتهونه اشتهاء عظيما في حياتهم ، ~~والله تعالى عنده المرجع الحسن وهو الجنة ، فهي الأحق بالرغبة فيها لبقائها ~~دون المتع الفانية. # فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ذكرت المشتهيات التي جبل الإنسان على الميل ~~إليها ، وصياغة الفعل للمجهول ( @QUR@02 زين للناس ) للإشارة إلى أن محبة ~~هذه الأشياء واشتهاءها مركوز في الفطرة الإنسانية منذ أوجد. الله الإنسان ~~في هذه الحياة الدنيا. # وهذه المتشهيات ليست خسيسة في ذاتها ، ولا يقصد الإسلام إلى تخسيسها في ~~ذاتها أو إلى التنفير منها ، وإنما الإسلام يريد من أتباعه أن يقتصدوا في ~~طلبها ، وأن يطلبوها من وجوهها المشروعة ، وأن يضعوها في مواضعها المشروعة ~~، وأن يشكروا الله عليها ، وألا يجعلوها غاية مقصدهم في هذه الحياة إن ~~الإسلام لا يحارب الفطرة الإنسانية التي تشتهي هذه الأشياء ، وإنما يهذبها ~~ويضبطها ويرشدها إلى أن تضع هذه الأشياء في موضعها المناسب ، بحيث لا تطغى ~~على غيرها ولا تستعمل في غير ما خلقها الله من أجله ، وبذلك يسعد الإنسان ~~في دينه ودنياه وآخرته. # وللإمام ابن كثير كلام حسن عند تفسيره لهذه الآية فقد قال ما ملخصه : ~~يخبر الله تعالى عما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ من ~~النساء والبنين ، فبدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشد .. فأما إذا كان القصد ~~بهن الإعفاف وكثرة الأولاد فهذا مطلوب مرغوب فيه مندوب إليه كما وردت ~~الأحاديث بذلك .. وحب المال كذلك تارة يكون للفخر والخيلاء والتكبر .. ~~فيكون مذموما ، وتارة يكون للنفقة في وجوه البر فيكون محمودا .. وحب الخيل ~~على ثلاثة أقسام ، تارة يكون ربطها أصحابها معدة لسبيل الله متى احتاجوا ~~إليها غزوا عليها فهؤلاء يثابون. وتارة تربط فخرا ومناوأة لأهل الإسلام ~~فهذه على صاحبها وزر. ms0735 وتارة تربط للتعفف واقتناء نسلها ولم ينس صاحبها حق ~~الله فيها فهذه لصاحبها ستر. وفي الحديث الشريف أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : «خير مال المرء مهرة مأمورة أو سكة مأبورة» والسكة ~~النخل المصطف ، والمأبورة الملقحة ، (1). وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال ~~: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما من مسلم غرس غرسا أو زرع زرعا فيأكل ~~منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقه» (2). # هذا ، وختام الآية الكريمة بقوله ( @QUR@08 ذلك متاع الحياة الدنيا والله ~~عنده حسن المآب ) إشارة PageV02P050 # إلى أن متع الدنيا مهما كثرت وتنوعت وتلذذ بها الإنسان فهي زوال ، وأما ~~اللذائذ الباقية الخالدة فهي التي أعدها الله تعالى لعباده المتقين في ~~الدار الآخرة ، ولذا قال سبحانه بعد ذلك ( @QUR@05 قل أأنبئكم بخير من ذلكم ). # أى قل يا محمد للناس الذين مالوا إلى شهوات الدنيا من النساء والبنين ~~وغيرهما ، قل لهم ألا تحبون أن أخبركم بما هو خير من تلك المشتهيات ~~الدنيوية؟ # والاستفهام للتقرير ، والمراد به التحقيق والتثبيت في نفوس المخاطبين ، ~~أى تحقيق وتثبيت خيرية ما عند الله وأفضليته على شهوات الدنيا ، وحضهم على ~~الاستجابة لما سيلقى عليهم. # وافتتح الكلام بكلمة ( @QUR@01 قل ) للاهتمام بالمقول وتنبيه السامعين ~~إلى أن ما سيلقى عليهم أمر يهمهم ومما يقوى هذا التنبيه هنا : التعبير ~~بقوله ( @QUR@01 أأنبئكم ) لأن الإنباء معناه الخبر العظيم الشأن ، ~~والتعبير بقوله ( @QUR@01 ذلكم ) لاشتماله على الإشارة التي للبعيد الدالة ~~على عظم شأن ما سيخبرهم به ، والتعبير بقوله ( @QUR@01 بخير ) الذي يدل على ~~الأفضلية ، لأن نعيم الآخرة خير محض ونعيم الدنيا مشوب بالشرور والاضرار. ~~ثم بين سبحانه المخبر عنه بعد أن مهد له بتلك التنبيهات التي تشوق إلى ~~سماعه وتغرى بالاستجابة له فقال : ( @QUR@016 للذين اتقوا عند ربهم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله ). # هذه هي اللذائذ والمتع التي أعداها الله تعالى لمن اتقاه ، أى أدى ما ~~أمره به ، وابتعد عما نهاه عنه. # وأول هذه النعيم ، : ( @QUR@05 جنات تجري من تحتها الأنهار ) أى بساتين ms0736 ~~تجرى من تحت أشجارها الأنهار ، وفي هذه الجنات ما لا عين رأت ، ولا أدن ~~سمعت ، ولا خطر على قلب بشر. # وقوله ( @QUR@02 للذين اتقوا ) خبر مقدم ، وقوله ( @QUR@01 جنات ) مبتدأ ~~مؤخر ، وقوله ( @QUR@02 عند ربهم ) في محل نصب على الحال من جنات. وقوله ( ~~@QUR@04 تجري من تحتها الأنهار ) صفة لجنات. # وعلى هذا يكون منتهى الاستفهام عند قوله ( @QUR@02 من ذلكم ) وهذا هو ~~المشهور عند العلماء ومنهم من يجعل الاستفهام منتهيا عند قوله ( @QUR@02 ~~للذين اتقوا ) ثم يبتدأ فيقال : عند ربهم جنات تجرى من تحتها الأنهار. ~~ومنهم من يجعل الاستفهام منتهيا عند قوله تعالى ( @QUR@02 عند ربهم ) ثم ~~يبتدأ فيقال : جنات تجرى من تحتها الأنهار. # قال ابن جرير : وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من جعل الاستفهام منتهيا ~~عند قوله تعالى ( @QUR@03 بخير من ذلكم ) والخبر بعده مبتدأ عمن له الجنات ~~بقوله : ( @QUR@09 للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار ) ~~فيكون مخرج ذلك مخرج الخير. وهو إبانة عن معنى الخير PageV02P051 # الذي قال : أنبئكم به ، فلا يكون بالكلام حينئذ حاجة إلى ضمير» (1). # وثانى هذه النعم عبر عنه سبحانه بقوله ( @QUR@02 خالدين فيها ) أى أن ~~هؤلاء الذين اتقوا ربهم خالدون في تلك الجنات التي فيها ما تشتهيه الأنفس ~~وتلذ الأعين خلودا أبديا ، بخلاف أولئك المنعمين بنعم الدنيا فإن نعيمهم ~~إلى فناء وزوال. # وثالث هذه النعم قوله تعالى ( @QUR@02 وأزواج مطهرة ). # والأزواج : جمع زوجة وهي المرأة يختص بها الرجل. أى ولهم في تلك الجنات ~~أزواج مطهرة غاية التطهير من كل دنس وقذر حسى ومعنوي ، فقد وصف سبحانه ~~هؤلاء الأزواج بصفة واحدة جامعة لكل ما يتمناه الرجل في المرأة. # ورابع هذه النعم قوله تعالى ( @QUR@03 ورضوان من الله ) وهذه النعمة هي ~~أعظم النعم وأجلها أى لهم رضا عظيم من خالق الخلق ، ومبدع الكون ، ومنشئ ~~الوجود. وهو مصدر كالرضا ، ولكن يزيد عليه أنه الرضا العظيم ، لأن زيادة ~~المبنى تدل على زيادة المعنى ، ولأن التنكير قصد به التفخيم والتعظيم. # وقوله ( @QUR@02 من الله ) صفة لرضوان مؤكدة لما أفاده التنكير من ~~الفخامة. # روى الشيخان عن أبى سعيد الخدري أن رسول ms0737 الله صلى الله عليه وسلم قال : «إن ~~الله عز وجل يقول لأهل الجنة يوم القيامة : يا أهل الجنة فيقولون : لبيك ~~ربنا وسعديك ، فيقول : هل رضيتم؟ فيقولون : وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما ~~لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول : أنا أعطيكم أفضل من ذلك؟ قالوا : يا ربنا وأى ~~شيء أفضل من ذلك؟ فيقول : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا» (2). # هذه هي اللذائذ والمتع والنعم التي أعدها الله تعالى لعباده المتقين. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@03 والله بصير بالعباد ) أى أنه ~~سبحانه عليم بأحوال عباده ، لا تخفى عليه خافية من شئونهم. وسيجازى الذين ~~أساءوا بما عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. ففي هذا التذييل وعد ~~للمتقين ووعيد للمسيئين. # ثم حكى سبحانه أقوال هؤلاء المتقين ومدحهم على إيمانهم وصلاحهم فقال ~~تعالى ( @QUR@011 الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب ~~النار ) أى أن هذه الجنات وغيرها من أنواع النعم قد أعدها الله تعالى ~~لهؤلاء المتقين الذين يضرعون إلى الله ملتمسين منه المغفرة PageV02P052 # فيقولون : يا ربنا إننا آمنا بك وصدقنا رسولك في كل ما جاء به من عندك ، ~~فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا في أمرنا فأنت الغفار الرحيم ، ( @QUR@03 وقنا ~~عذاب النار ) أى جنبنا هذا العذاب الأليم يا أرحم الراحمين. # وفي حكاية هذا القول عنهم بصيغة المضارعة ( @QUR@01 يقولون ) إشعار بأنهم ~~يجددون التوبة إلى الله دائما لقوة إيمانهم ، وصفاء نفوسهم ، وإحساسهم ~~بأنهم مهما قدموا من طاعات فهي قليلة بجانب فضل الله عليهم ، ولذلك فهم ~~يلتمسون منه الستر والغفران ، والوقاية من النار ، وهذا شأن الأخيار من الناس. # وقوله سبحانه ( @QUR@02 الذين يقولون ) بدل أو عطف بيان من قوله ( ~~@QUR@02 للذين اتقوا ) ويجوز أن يكون في محل رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف ~~والجملة منهما جواب عن سؤال كأنه قيل : من أولئك المتقون؟ فقيل : هم الذين ~~يقولون ربنا إننا آمنا .. ويجوز أن يكون في موضع نصب على المدح. ثم وصفهم ~~سبحانه بخمس صفات كريمة من شأنها أن تحمل العقلاء على التأسى بهم فقال : ( ~~@QUR@06 الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين ms0738 بالأسحار ). # وفي كل صفة من صفاتهم دليل على قوة إيمانهم ، وإذعانهم للحق حق الإذعان. ~~فهم صابرون ، والصبر في البأساء والضراء وحين البأس من أكبر البراهين على ~~سلامة اليقين ، وقد حث القرآن أتباعه على التحلي بهذه الصفة في أكثر من ~~سبعين موضعا. وهم صادقون ، والصدق من أكمل الصفات الإنسانية وأشرفها ، وقد ~~أمر الله عباده أن يتحلوا به في كثير من آيات كتابه ، ومن ذلك قوله تعالى ( ~~@QUR@09 يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ). # وهم قانتون ، والقانت هو المداوم على طاعة الله تعالى غير متململ منها ~~ولا متبرم بها ، ولا خارج على حدودها. فالقنوت يصور الإذعان المطلق لرب ~~العالمين. # وهم منفقون أموالهم في طاعة الله تعالى ، وبالطريقة التي شرعها وأمر بها. ~~وهم مستغفرون بالأسحار. أى يسألون الله تعالى أن يغفر لهم خطاياهم في كل ~~وقت ، ولا سيما في الأسحار. # والأسحار جمع سحر وهو الوقت الذي يكون قبل الفجر. روى مسلم في صحيحه عن ~~أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «ينزل ربنا عز وجل إلى سماء ~~الدنيا كل ليلة حين يمضى ثلث الليل الأول فيقول : أنا الملك من ذا الذي ~~يدعوني فأستجيب له ، من ذا الذي يسألنى فأعطيه ، من ذا الذي يستغفرنى فأغفر ~~له ، فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر» (1). PageV02P053 # وخص وقت الأسحار بالذكر لأن النفس تكون فيه أصفى ، والقلب فيه أجمع ، ~~ولأنه وقت يستلذ فيه الكثيرون النوم فإذا أعرض المؤمن عن تلك اللذة وأقبل ~~على ذكر الله كانت الطاعة أكمل وأقرب إلى القبول. # وبهذا نرى أن الآيات الكريمة قد كشفت عن المشتهيات التي يميل إليها الناس ~~في دنياهم بمقتضى فطرتهم ، وأرشدتهم إلى ما هو أسمى وأعلى وأبقى من ذلك ~~وبشرتهم برضوان الله وجناته ، متى استقاموا على طريقه ، واستجابوا لتعاليمه ~~، ( @QUR@07 والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ). # وبعد أن بين سبحانه ما أعده للمتقين ، وذكر صفاتهم عقب ذلك ببيان أساس ~~التقوى وهو عقيدة التوحيد ، وببيان أن الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله ~~تعالى للناس ، وأن من يعارض ms0739 في ذلك معارضته داحضة وسيعاقبه الله بما ~~يستحقه. استمع إلى القرآن وهو يحكى ذلك بأسلوبه الحكيم فيقول : # ( @QUR@018 شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما ~~بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم (18) @QUR@026 إن الدين عند الله ~~الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا ~~بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب (19) @QUR@026 فإن حاجوك ~~فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن ~~أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد ) (20) # قال القرطبي : «لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قدم عليه ~~حبران من أحبار أهل الشام فلما أبصرا المدينة قال أحدهما للآخر : ما أشبه ~~هذه المدينة بصفة مدينة النبي الذي يخرج في آخر PageV02P054 # الزمان! فلما دخلا على النبي صلى الله عليه وسلم عرفاه بالصفة والنعت فقالا ~~له : أنت محمد؟ قال نعم قالا : وأنت أحمد؟ قال : نعم. قالا : نسألك عن ~~شهادة فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك. فقال لهما رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : سلانى. فقالا : أخبرنا عن الأعظم شهادة في كتاب الله. ~~فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم ( @QUR@012 شهد الله أنه لا إله ~~إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط ) فأسلم الرجلان وصدقا برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى : ( @QUR@02 شهد الله ) أى بين وأعلم كما ~~يقول : شهد فلان عند القاضي إذا بين وأعلم لمن الحق أو على من هو قال ~~الزجاج : «الشاهد هو الذي يعلم الشيء ويبينه ، فقد دلنا الله على وحدانيته ~~بما خلق وبين» (1). # والمعنى : أخبر الله تعالى عباده وأعلمهم بالآيات القرآنية التي أنزلها ~~على نبيه ، وبالآيات الكونية التي لا يقدر على خلقها أحد سواه ، وبغير ذلك ~~من الأدلة القاطعة التي تشهد بوحدانيته ، وأنه لا معبود بحق سواه ، وأنه هو ~~المنفرد بالألوهية لجميع الخلائق. وأن الجميع عبيده وفقراء إليه وهو الغنى ~~عن كل ما عداه. وشهد بذلك «الملائكة» بأن أقروا بأنه هو الواحد ms0740 الأحد الفرد ~~الصمد فعبدوه حق العبادة ، وأطاعوه حق الطاعة ، وشهد بذلك أيضا «أولو ~~العلم» بأن اعترفوا له سبحانه بالوحدانية ، وصدقوا بما جاءهم به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وبلغوا ذلك لغيرهم. # قال الزمخشري : شبهت دلالته على وحدانيته بأفعاله الخاصة التي لا يقدر ~~عليها غيره ، وبما أوحى من آياته الناطقة بالتوحيد كسورة الإخلاص وآية ~~الكرسي وغيرهما ، بشهادة الشاهد في البيان والكشف وكذلك إقرار الملائكة ~~وأولى العلم بذلك واحتجاجهم عليه» (2). # وقالوا : وفي هذه الآية دليل على فضل العلم وشرف العلماء ، فإنه لو كان ~~أحد أشرف من العلماء ، لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن العلماء. ~~وقال في شرف العلم لنبيه صلى الله عليه وسلم ( @QUR@04 وقل رب زدني علما ) فلو ~~كان شيء أشرف من العلم لأمر الله نبيه أن يسأله المزيد منه كما أمر أن ~~يستزيده من العلم. وقال صلى الله عليه وسلم «إن العلماء ورثة الأنبياء» وقال : ~~«العلماء أمناء الله على خلقه». وهذا شرف للعلماء عظيم ومحل لهم في الدين ~~خطير (3). # والمراد بأولى العلم هنا جميع العلماء الذين سخروا ما أعطاهم الله من ~~معارف في خدمة عقيدتهم ، وفيما ينفعهم وينفع غيرهم ، وأخلصوا الله في ~~عبادتهم ، وصدقوا في أقوالهم وأفعالهم. # وقدم سبحانه الملائكة على أولى العلم ، لأن فيهم من هو واسطة لتوصيل ~~العلم إلى PageV02P055 # ذويه ، لأن علمهم كله ضروري بخلاف البشر فإن علمهم منه ما هو ضروري ، ~~ومنه ما هو اكتسابى. # وقوله تعالى ( @QUR@02 قائما بالقسط ) بيان لكماله سبحانه في أفعاله إثر ~~بيان كماله في ذاته. والقسط : العدل. يقال قسط ويقسط قسطا ، وأقسط إقساطا ~~فهو مقسط إذا عدل ومنه ( @QUR@04 إن الله يحب المقسطين ). ويطلق القسط على ~~الجور ، والفاعلي قاسط ، ومنه «وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا». # أى : مقيما للعدل في تدبير أمر خلقه ، وفي أحكامه. وفيما يقسم بينهم من ~~الأرزاق والآجال ، وفيما يأمر به وينهى عنه ، وفي كل شأن من شئونه. # قال الجمل و ( @QUR@01 قائما ) منصوب على أنه حال من الضمير المنفصل ~~الواقع بعد إلا ، فتكون الحال أيضا في حيز الشهادة ، فيكون المشهود به ~~أمرين ms0741 : الوحدانية والقيام بالقسط وهذا أحسن من جعله حالا من الاسم الجليل ~~فاعلى شهد ، لأن عليه يكون المشهود به الوحدانية فقط والحال ليست في حيز ~~الشهادة (1). # وقوله ( @QUR@06 لا إله إلا هو العزيز الحكيم ) تكرير للمشهود به للتأكيد ~~والتقرير ، وفيه إشارة إلى مزيد الاعتناء بمعرفة أدلته لأن تثبيت المدعى ~~إنما يكون بالدليل ، والاعتناء به يقتضى الاعتناء بأدلته. # ( @QUR@02 العزيز الحكيم ) صفتان مقررتان لما وصف به ذاته من الوحدانية ~~والعدل. أى لا إله في هذا الوجود يستحق العبادة بحق إلا الله ( @QUR@01 ~~العزيز ) الذي لا يمتنع عليه شيء أراده ، وينتصر من كل أحد عاقبه أو انتقم ~~منه ( @QUR@01 الحكيم ) في تدبيره فلا يدخله خلل. # قال ابن جرير : «وإنما عنى جل ثناؤه بهذه الآية نفى ما أضافت النصارى ~~الذين حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيسى من النبوة ، وما نسب إليه ~~سائر أهل الشرك : من أن له شريكا ، واتخاذهم دونه أربابا ، فأخبرهم الله عن ~~نفسه ، أنه الخالق كل ما سواه ، وأنه رب كل ما اتخذه كل كافر وكل مشرك ربا ~~دونه ، وأن ذلك مما يشهد به هو وملائكته وأهل العلم به من خلقه. فبدأ جل ~~ثناؤه بنفسه تعظيما لنفسه ، وتنزيها لها عما نسب الذين ذكرنا أمرهم من أهل ~~الشرك به ما نسبوا إليها ، كما سن لعباده أن يبدءوا في أمورهم بذكره قبل ~~ذكر غيره مؤدبا خلقه بذلك» (2). PageV02P056 # هذا ، ومن الآثار التي وردت في فضل هذه الآية ما رواه الإمام أحمد عن ~~الزبير بن العوام قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة يقرأ هذه ~~الآية ( @QUR@010 شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم ).. ~~إلى آخر الآية. فقال صلى الله عليه وسلم : «وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب» ~~وقال غالب القطان : أتيت الكوفة في تجارة لي فنزلت قريبا من الأعمش فكنت ~~اختلف إليه ، فقام في ليلة متهجدا فمر بهذه الآية ( @QUR@07 شهد الله أنه ~~لا إله إلا هو ) فقال : وأنا أشهد بما شهد الله به ، وأستودع الله هذه ~~الشهادة وهي لي وديعة «إن ms0742 الدين عند الله الإسلام» ، قالها مرارا فقلت. لقد ~~سمع فيها شيئا فسألته في ذلك فقال : حدثني أبو وائل بن عبد الله قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله تعالى «عبدى ~~عهد إلى وأنا أحق من وفي العهد ادخلوا عبدى الجنة» (1). # وقوله ( @QUR@05 إن الدين عند الله الإسلام ) جملة مستأنفة مؤكدة للجملة ~~الأولى. وأصل الدين في اللغة الجزاء والحساب. يقال دنته بما صنع أى جازيته ~~على صنيعه ، ومنه قولهم : كما تدين تدان أى ، كما تفعل تجازى ، وفي الحديث ~~«الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت» والمراد به هنا ما جاء به النبي ~~صلى الله عليه وسلم من عند ربه من عقائد وتكاليف وتشريعات ، فيكون بمعنى الملة ~~والشرع. # أى : إن الشريعة المرضية عند الله تعالى هي الإسلام ، والإسلام في اللغة ~~هو الاستسلام والانقياد يقال : أسلم أى انقاد واستسلم. وأسلم أمره الله ~~سلمه إليه والمراد به هنا كما قال ابن جرير : «شهادة أن لا إله إلا الله ، ~~والإقرار بما جاء من عند الله ، وهو دين الله الذي شرعه لنفسه وبعث به رسله ~~، ودل عليه أولياءه ، لا يقبل غيره ولا يجزى بالإحسان إلا به» (2) وهو ~~الدين الحنيف الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم . # وقال ابن كثير : وقوله تعالى ( @QUR@05 إن الدين عند الله الإسلام ) ~~إخبار منه تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام ، وهو اتباع ~~الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين حتى ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي ~~سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد صلى الله عليه وسلم ، فمن لقى الله تعالى ~~بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم بدين على غير شريعته فليس بمتقبل كما قال ~~تعالى ( @QUR@08 ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ) الآية. وقال في ~~هذه الآية مخبرا بانحصار الدين المتقبل عنده في الإسلام ( @QUR@05 إن الدين ~~عند الله الإسلام ) (3). PageV02P057 # وقوله : ( @QUR@02 عند الله ) ظرف العامل فيه لفظ الدين لما تضمنه من ~~معنى الفعل ، أى الذي شرع ms0743 عند الله الإسلام. ويصح أن يكون صفة للدين فيكون ~~متعلقا بمحذوف أى الكائن أو الثابت عند الله الإسلام. وفي إضافة الدين إلى ~~الله تعالى بقوله ( @QUR@02 عند الله ) وباعتبار الإسلام وحده ، هو دين ~~الله ، كما يدل على ذلك تعريف الطرفين ، إشعار بفضل الإسلام ، لأن له ذلك ~~الشرف الإضافى إلى خالق هذا الكون ومربيه ، فهو دين الله الذي شرعه لخلقه. # ثم بين سبحانه أن اختلاف أهل الكتاب في شأن الدين الحق لم يكن عن جهل ~~منهم بالحقائق وإنما كان سببه البغي والحسد وطلب الدنيا فقال تعالى ( ~~@QUR@013 وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا ~~بينهم ). # أى : وما كان خلاف الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى فيما جاءهم به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم إلا من بعد أن علموا بأن ما جاءهم به هو الحق الذي ~~لا باطل معه ، فخلافهم لم يكن عن جهل منهم بأن ما جاءهم به هو الحق وإنما ~~كان سببه البغي والحسد والظلم فيما بينهم. # وفي التعبير عنهم بأنهم ( @QUR@02 أوتوا الكتاب ) زيادة تقبيح لهم ؛ فإن ~~الاختلاف بعد إتيان الكتاب أقبح وأفحش ، إذ الكتاب ما نزل إلا لهدايتهم ، ~~وسعادتهم فإذا تركوا بشاراته وتوجيهاته واتبعوا أهواءهم كان فعلهم هذا أشد ~~قبحا وفحشا. # وقوله ( @QUR@06 إلا من بعد ما جاءهم العلم ) زيادة أخرى في تقبيح ~~أفعالهم ، فإن الاختلاف بعد مجيء العلم أزيد في القبح والعناد. # والاستثناء من أعم الأحوال أو الأوقات ، أى وما اختلفوا في حال من ~~الأحوال أو في وقت من الأوقات إلا بعد أن علموا الحق ، والعلم بالحق وحده ~~لا يكفى في الإيمان به ، ولكنه يحتاج إلى جانب ذلك إلى قلب مخلص متفتح ~~لطلبه ، وكم من أناس يعرفون الحق معرفة تامة ولكنهم يحاربونه ويحاربون أهله ~~، لأنهم يرون أن هذا الحق يتعارض مع أهوائهم وشهواتهم وصدق الله إذ يقول. ( ~~@QUR@014 الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، وإن فريقا ~~منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ) (1). # فهم قد اختلفوا في الحق مع علمهم بأنه حق ، لأن العلم كالمطر ، لا تستفيد ~~منه ms0744 إلا الأرض الطيبة النقية ، وكذلك لا يستفيد من العلم إلا أصحاب النفوس ~~الصافية ، والقلوب الواعية ، والأفئدة المستقيمة. PageV02P058 # وقوله ( @QUR@02 بغيا بينهم ) مفعول لأجله ، والعامل فيه اختلف أى وما ~~اختلفوا إلا للبغي لا لغيره قال القرطبي : «وفي الكلام تقديم وتأخير ، ~~والمعنى ، وما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغيا بينهم إلا من بعد ما جاءهم ~~العلم» (1). # ثم ختم سبحانه الآية بهذا التهديد الشديد فقال : ( @QUR@08 ومن يكفر ~~بآيات الله فإن الله سريع الحساب ). أى : ومن يكفر بآيات الله الدالة على ~~وحدانيته سبحانه فإن الله محص عليه أعماله في الدنيا وسيعاقبه بما يستحقه ~~في الآخرة. # فقوله ( @QUR@04 فإن الله سريع الحساب ) قائم مقام جواب الشرط وعلة له ، ~~أى : ومن يكفر بآيات الله فإنه سبحانه محاسبة ومعاقبه والله سريع الحساب. # وسرعة الحساب تدل على سرعة العقاب ، وعلى العلم الكامل والقدرة التامة ~~فهو سبحانه لا يحتاج إلى فحص وبحث ، لأنه لا تخفى عليه خافية. # ثم لقن الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ما يرد به على أهل الكتاب إذا ما ~~جادلوه أو خاصموه ليحسم الأمر معهم ومع غيرهم من المشركين وليمضى في طريقه ~~الواضح المستقيم فقال تعالى ( @QUR@08 فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن ~~اتبعن ). # وقوله ( @QUR@01 حاجوك ) من المحاجة وهي أن يتبادل المتجادلان الحجة ، ~~بأن يقدم كل واحد حجته ويطلب من الآخر أن يرد عليها أو يقدم الحجة على ما ~~يدعيه ويزعم أنه الحق الذي لا شك فيه. # والمعنى : فإن جادلك يا محمد أهل الكتاب ومن لف لفهم بالأقاويل المزورة ~~والمغالطات الباطلة بعد أن قامت الحجج على صدقك. فلا تسر معهم في لجاجتهم ، ~~ولا تلتفت إلى أكاذيبهم ، بل قل لهم ( @QUR@05 أسلمت وجهي لله ومن اتبعن ) ~~أى أخلصت عبادتي الله وحده ، وأطعته وانقدت له ، وكذلك من اتبعنى وآمن بي ~~قد أسلم وجهه الله وأخلص له العبادة. # والمراد بالوجه هنا الذات ، وعبر بالوجه عن سائر الذات لأنه أشرف أعضاء ~~الشخص ، ولأنه هو الذي تكون به المواجهة ، وهو مجمع محاسن الجسم فالتعبير ~~به عن الجسم كله تعبير بجزء له شأن خاص ms0745 وتتم به إرادة الكل. # و ( @QUR@01 من ) في قوله ( @QUR@02 ومن اتبعن ) في محل رفع عطفا على ~~الضمير المتصل في ( @QUR@01 أسلمت ) أى أسلمت أنا ومن اتبعنى. وجاء العطف ~~على الضمير المرفوع من غير تأكيد لوجود الفاصل بينهما. # وقوله ( @QUR@06 وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم ) عطف على ~~الجملة الشرطية ، والمراد بالأميين الذين لا كتاب لهم وهم مشركو العرب. PageV02P059 # والاستفهام في قوله ( @QUR@01 أأسلمتم ) للحض على أن يسلموا وجوههم الله ~~، ويتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم كما اتبعه المسلمون. # والمعنى : فإن جادلوك في الدين يا محمد بعد أن تبين لكل عاقل صدقك ، فقل ~~لهؤلاء المعاندين إنى أسلمت وجهى الله وكذلك أتباعى أسلموا وجوههم الله ، ~~وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أسلموا تسلموا فقد تبين لكم أنى على حق ، ~~ومن شأن العاقل أنه إذا تبين له الحق أن يدخل فيه وأن يترك العناد ~~والمكابرة. # قال صاحب الكشاف : وقوله ( @QUR@01 أأسلمتم ) يعنى أنه قد أتاكم من ~~البينات ما يوجب الإسلام ويقتضى حصوله لا محالة فهل أسلمتم أم أنتم بعد على ~~كفركم وهذا كقولك لمن لخصت له المسألة ولم تبق من طرق البيان طريقا إلا ~~سلكته : هل فهمتها لا أم لك. ومنه قوله تعالى ( @QUR@03 فهل أنتم منتهون ) ~~بعد ما ذكر الصوارف عن الخمر والميسر. وفي هذا الاستفهام استقصار أى عد ~~المخاطب قاصرا وتعيير بالمعاندة وقلة الإنصاف ، لأن المنصف إذا تجلت له ~~الحجة لم يتوقف في إذعانه للحق (1). # ثم بين سبحانه ما يترتب على إسلامهم من نتائج ، وما يترتب على إعراضهم من ~~شرور تعود عليهم فقال : ( @QUR@012 فإن أسلموا فقد اهتدوا ، وإن تولوا ~~فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد ). # أى : فإن أسلموا وجوههم الله وصدقوا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فقد ~~اهتدوا إلى طريق الحق ، لأن هذا الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله للناس ~~وإن أعرضوا عن هذا الطريق المستقيم ، فإن إعراضهم لن يضرك أيها الرسول ~~الكريم لأن الذي عليك إنما هو تبليغ الناس ما أمرك الله بتبليغه إياهم. وهو ~~سبحانه بصير بخلقه لا تخفى عليه خافية من أقوالهم ms0746 أو أفعالهم ، وسيجازى كل ~~إنسان بما يستحقه. # وعبر بالماضي في قوله ( @QUR@02 فقد اهتدوا ) مبالغة في الإخبار بوقوع ~~الهدى لهم وقوله ( @QUR@03 فإنما عليك البلاغ ) قائم مقام جواب الشرط أى ~~وإن تولوا لا يضرك توليهم شيئا إذ ما عليك إلا البلاغ وقد أديته على أكمل ~~وجه وأبلغه. # وقوله ( @QUR@03 والله بصير بالعباد ) تذييل فيه عزاء للنبي ~~صلى الله عليه وسلم عن كفرهم ، وإشارة إلى أحوالهم ، وإنذار بسوء مصيرهم ، ~~لأنه سبحانه عليم بنفوس الناس جميعا وسيجازى كل إنسان بما يستحقه ، وفيه ~~كذلك وعد للمؤمنين بحسن العاقبة ، وجزيل الثواب. PageV02P060 # قال ابن كثير : وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته ~~صلى الله عليه وسلم إلى جميع الخلق كما هو معلوم من دينه ضرورة ، وكما دل عليه ~~الكتاب والسنة في غير ما آية وحديث فمن ذلك قوله تعالى ( @QUR@09 قل يا ~~أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ) وقال تعالى ( @QUR@09 تبارك الذي ~~نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ). # وفي الصحيحين وغير هما مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة أنه ~~صلى الله عليه وسلم بعث كتبه يدعو إلى الله ملوك الآفاق وطوائف بنى آدم من ~~عربهم وعجمهم. كتابيهم وأميهم امتثالا لأمر الله له بذلك ، فعن أبى هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من ~~هذه الأمة يهودي ولا نصراني ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل ~~النار». # وقال صلى الله عليه وسلم «بعثت إلى الأحمر والأسود». وقال : «كان النبي يبعث ~~إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» وعن أنس رضى الله عنه أن غلاما يهوديا ~~كان يضع للنبي صلى الله عليه وسلم وضوءه ويناوله نعليه فمرض. فأتاه النبي ~~صلى الله عليه وسلم فدخل عليه وأبوه قاعد عند رأسه ، فقال له النبي ~~صلى الله عليه وسلم : «يا فلان قل لا إله إلا الله ، فنظر إلى أبيه فسكت أبوه ~~فأعاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم القول. فنظر إلى أبيه ، فقال له أبوه أطع ~~أبا القاسم. فقال ms0747 الغلام أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فخرج ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول : الحمد لله الذي أخرجه بي من النار» رواه ~~البخاري في الصحيح. إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث (1). # وبهذا نرى أن الآيات الكريمة قد بينت للناس في كل زمان ومكان أن دين ~~الإسلام هو الدين الحق الذي ارتضاه الله لعباده وشهد بذلك خالق هذا الكون ~~عز وجل وكفى بشهادته شهادة كما شهد بذلك الملائكة المقربون والعلماء ~~المخلصون. كما بينت أن كثيرا من الذين أوتوا الكتاب يعلمون هذه الحقيقة ~~ولكنهم يكتمونها ظلما وبغيا ، كما بينت أيضا أن الذين يدخلون في هذا الدين ~~يكونون بدخولهم قد اهتدوا إلى الطريق القويم ، وأن الذين يعرضون عنه ~~سيعاقبون بما يستحقونه بسبب هذا الإعراض عن الحق المبين. # ثم انتقل القرآن إلى سرد بعض الرذائل التي عرف بها اليهود وعرف بها ~~أسلافهم ، وبين سوء مصيرهم ومصير كل من يفعل فعلهم فقال تعالى : PageV02P061 # ( @QUR@018 إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون ~~الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم (21) @QUR@011 أولئك الذين ~~حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين ) (22) # فأنت ترى أن الله تعالى قد وصف هؤلاء المارقين بصفات ينفر منها كل عاقل ~~وصفهم أولا بأنهم : ( @QUR@03 يكفرون بآيات الله ) أى لا يكتفون بالكفر ~~بالله تعالى ، بل يكفرون بالآيات المثبتة لوحدانيته ، وبالرسل الذين جاءوهم ~~بالهدى والحق. # ووصفهم ثانيا بأنهم ( @QUR@04 يقتلون النبيين بغير حق ) وقتل النبيين ~~بغير حق فعل معروف عن اليهود ، فهم الذين قتلوا زكريا عليه السلام لأنه حاول ~~أن يخلص ابنه يحيى عليه السلام من القتل وقتلوا يحيى لأنه لم يوافقهم في ~~أهوائهم وحاولوا قتل عيسى عليه السلام ولكن الله تعالى نجاه من مكرهم ، ~~وقتلوا غيرهم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (1). # فإن قيل إن اليهود ما قتلوا كل الأنبياء فلم أخبر القرآن عنهم أنهم ~~يقتلون النبيين ولم يقل يقتلون بعض النبيين؟ # فالجواب أنهم بقتلهم لبعض النبيين فقد استهانوا بمقام النبوة ، ومن ~~استهان بمقام النبوة بقتله لبعض الأنبياء فكأنه ms0748 قد قتل الأنبياء جميعا ، ~~ونظير هذا قوله تعالى : ( @QUR@027 من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه ~~من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ، ومن ~~أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) (2). # وقيد القتل بأنه ( @QUR@02 بغير حق ) مع أن قتل الأنبياء لا يكون بحق ~~أبدا ، للتصريح بموضع الاستنكار ، لأن موضع الاستنكار هو اعتداؤهم على الحق ~~بقتلهم الأنبياء ، وللإشارة إلى أنهم لتوغلهم في الظلم والعدوان قد صاروا ~~أعداء للحق لا يألفونه ولا تميل إليه نفوسهم ، وللتسجيل عليهم أن هذا القتل ~~للأنبياء كان مخالفا لما في شريعتهم فإنها قد نهتهم عن قتلهم ، PageV02P062 # بل عن مخالفتهم. فهذا القيد من باب الاحتجاج عليهم بما نهت عنه شريعتهم ~~لتخليد مذمتهم في كل زمان ومكان. # وقال سبحانه ( @QUR@02 بغير حق ) بصيغة التنكير ، لعموم النفي ، بحيث ~~يتناول الحق الثابت ، والحق المزعوم ، أى أنهم لم يكونوا معذورين بأى لون ~~من ألوان العذر في هذا الاعتداء فقد أقدموا على ما أقدموا عليه وهم يعلمون ~~أنهم على الباطل ، فكان فعلهم هذا إجراما في بواعثه وفي حقيقته ، وأفظع ~~أنواع الإجرام في موضوعه. # وقوله ( @QUR@02 بغير حق ) في موضع الحال المؤكدة لمضمون جملة ( @QUR@02 ~~يقتلون النبيين ) إذ لا يكون قتل النبيين إلا كذلك. # ووصفهم ثالثا بأنهم ( @QUR@06 يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس ). # والقسط : العدل. يقال : قسط يقسط ويقسط قسطا ، وأقسط إقساطا إذا عدل. # أى : لا يكتفون بقتل النبيين الذين جاءوا لهدايتهم وسعادتهم ، وإنما ~~يقتلون مع ذلك الذين يأمرونهم بالعدل من مرشديهم ونصحائهم. # وفي قوله ( @QUR@02 من الناس ) إشارة إلى أنهم ليسوا بأنبياء ، بل من ~~الناس غير المبعوثين. # وفي قرنهم بالأنبياء ، وإثبات أن الاعتداء عليهم قرين الاعتداء على ~~الأنبياء ، إشارة إلى بيان علو منزلتهم ، وأنهم ورثتهم الذين يدعون ~~بدعوتهم. # وعبر عن جرائمهم بصيغة الفعل المضارع يكفرون ويقتلون لاستحضار صورة ~~أفعالهم الشنيعة في أذهان المخاطبين ، ولإفادة أن أفعالهم هذه متجددة كلما ~~استطاعوا إليها سبيلا ، وللإشعار بأن اليهود المعاصرين للنبي ~~صلى الله عليه وسلم كانوا راضين بفعل آبائهم وأسلافهم ، ولقد حاول اليهود في ~~العهد النبوي أن ms0749 يقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم ولكن الله تعالى نجاه من ~~شرورهم. # هذا ، وقد وردت آثار متعددة تصرح بأن اليهود قد دأبوا على قتل الأنبياء ~~والمصلحين ، ومن ذلك ما جاء عن أبى عبيدة بن الجراح أنه قال : قلت يا رسول ~~الله : أى الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~«أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيا ، أو قتل من أمر بالمعروف ونهى ~~عن المنكر ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ( @QUR@05 إن الذين يكفرون ~~بآيات الله ) الآية. ثم قال : يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين ~~نبيا من أول النهار في ساعة واحدة ، فقام مائة وسبعون رجلا منهم فأمروا من ~~قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوهم جميعا من آخر النهار في ذلك ~~اليوم» (1). PageV02P063 # هذه بعض جرائمهم فما ذا كانت نتيجتها؟ كانت نتيجتها العذاب الأليم الذي ~~أخبرهم الله به في قوله ( @QUR@03 فبشرهم بعذاب أليم ). # والجملة الكريمة خبر إن ، وجاز دخول الفاء على خبرها لتضمن اسمها وهو ( ~~@QUR@01 الذين ) معنى الشرط في العموم. # وحقيقة التبشير : الإخبار بما يظهر سرور المخبر بفتح الباء على بشرة وجهه ~~، وهو هنا مستعمل في ضد حقيقته على سبيل التهكم بهم ، وذلك لأن هؤلاء ~~المعتدين مع أنهم كفروا بآيات الله وقتلوا أنبياءه وأولياءه ، وفعلوا ما ~~فعلوا من منكرات ، مع كل ذلك زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه ، فساق لهم ~~القرآن ما يخبرهم به على سبيل الاستهزاء بعقولهم أن بشارتهم التي يرتقبونها ~~بسبب كفرهم ودعواهم الباطلة هي : العذاب الأليم. # واستعمال اللفظ في ضده عند علماء البيان من باب الاستعارة التهكمية ، لأن ~~تشبيه الشيء بضده لا يروج في عقل العقلاء إلا على معنى التهكم والاستهزاء. # ثم أخبر سبحانه بفساد أعمالهم في الدنيا والآخرة فقال : ( @QUR@07 أولئك ~~الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ). # والحبوط كما يقول الراغب من الحبط ، وهو أن تكثر الدابة الأكل حتى تنتفخ ~~بطنها ، وقد يؤدى إلى موتها. # والمراد بحبوط أعمالهم إزالة آثارها النافعة من ثواب في الآخرة وحياة ~~طيبة في الدنيا ، لأنهم ms0750 عملوا ما عملوا وهم لا يرجون الله وقارا. # وجيء باسم الإشارة في صدر الآية ، لتمييز أصحاب تلك الأفعال القبيحة أكمل ~~تمييز ، وللتنبيه على أنهم أحقاء بما سيخبر به عنهم بعد اسم الإشارة. # وكانت الإشارة للبعيد ، للإيذان ببعدهم عن الطريق القويم ، والخلق ~~المستقيم ، وقوله ( @QUR@01 أولئك ) مبتدأ والموصول وصلته خبره. # أى : أولئك المتصفون بتلك الصفات القبيحة بطلت أعمالهم في الدنيا والآخرة ~~، وسقطت عن حيز الاعتبار ، وخلت عن الثمرة التي كانوا يؤملونها من ورائها ، ~~بسبب إشراكهم بالله واعتدائهم على حرماته. # وقوله ( @QUR@04 وما لهم من ناصرين ) نفى لكل ما كانوا يتوهمونه من أسباب ~~النصر ، وقد أكد هذا النفي بمن الزائدة. # أى ليس لهم من أحد ينصرهم من بأس الله وعقابه ، لا في الدنيا ولا في ~~الآخرة ، لأنهم PageV02P064 # بسبب كفرهم وأفعالهم القبيحة صاروا مستحقين للعقاب ، وليس هناك من يدفعه عنهم. # فأنت ترى أن الله تعالى قد وصفهم بصفات ثلاث : بالكفر وقتل الأنبياء وقتل ~~الذين يأمرون بالقسط من الناس. # وتوعدهم أيضا بثلاثة أنواع من العقوبات : بالعذاب الأليم ، وحبوط أعمالهم ~~في الدنيا والآخرة ، وانتفاء من ينصرهم أو يدافع عنهم. # وبذلك نرى الآيتين الكريمتين تسوقان أشد ألوان التهديد والوعيد لهؤلاء ~~المعتدين ، بسبب كفرهم وأعمالهم القبيحة. # وبعد أن وصف القرآن هؤلاء المعاندين بالكفر وقتل الأنبياء والمصلحين وبين ~~سوء مصيرهم ، أتبع ذلك ببيان رذيلة من أفحش رذائلهم وهي أنهم يدعون إلى ~~التحاكم إلى الكتاب الذي يزعمون أنهم يؤمنون به ، فيمتنعون عن ذلك غرورا ~~وعنادا ، استمع إلى القرآن وهو يصور أحوالهم السيئة فيقول : # ( @QUR@020 ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ~~ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون (23) @QUR@015 ذلك بأنهم قالوا ~~لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون (24) ~~@QUR@015 فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا ~~يظلمون ) (25) # أورد بعض المفسرين روايات في سبب نزول هذه الآيات : # منها ، ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر أن اليهود جاء إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم برجل ms0751 منهم وامرأة قد زنيا. فقال لهم : «كيف تفعلون بمن زنى ~~منكم؟ قالوا : نفحمهما أى نجعل على وجوههما الفحم تنكيلا بهما ، ونضربهما. ~~فقال : ألا تجدون في التوراة الرجم؟ فقالوا : لا نجد فيها شيئا. فقال لهم ~~عبد الله بن سلام : كذبتم. فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين. فوضع ~~مدراسها الذي يدرسها منهم كفه على آية الرجم فطفق يقرأ ما دون يده وما ~~وراءها ، ولا يقرأ آية PageV02P065 # الرجم فنزع يده عن الرجم. فقال ما هذه؟ أى أن عبد الله بن سلام رفع يد ~~القارئ عن آية الرجم وقال له ما هذه فلما رأى اليهود ذلك قالوا : هي آية ~~الرجم ، فأمر بهما فرجما قريبا من حيث موضع الجنائز عند المسجد» (1). # وقال ابن عباس : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدارس على جماعة من ~~يهود أى دخل عليهم في المكان الذي يتدارسون فيه علومهم فدعاهم إلى الله. ~~فقال له بعضهم : على أى دين أنت يا محمد؟ فقال : إنى على ملة إبراهيم ~~ودينه. فقالوا : فإن إبراهيم كان يهوديا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~فهلموا إلى التوراة هي بيننا وبينكم ؛ فأبوا عليه فأنزل الله هذه الآيات. # وذكر النقاش أنها نزلت لأن جماعة من اليهود أنكروا نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم فقال لهم : «هلموا إلى التوراة ففيها صفتي «فأبوا» (2). # قال ابن جرير ما ملخصه : وأولى الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب أن ~~يقال : إن الله تعالى قد أخبر عن طائفة من اليهود المعاصرين للنبي ~~صلى الله عليه وسلم أنهم دعوا إلى التوراة للتحاكم إليها في بعض ما تنازعوا ~~فيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبوا. ويجوز أن يكون هذا التنازع في أمر ~~نبوته ، أو في أمر إبراهيم ودينه ، أو في حد من الحدود فإن كل ذلك مما ~~نازعوا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم (3). # وكأن ابن جرير رحمه الله يريد أن يقول : إن الآيات الكريمة تتسع لكل ما ~~تنازعوا فيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما دعاهم إلى أن ms0752 يحكم التوراة ~~بينه وبينهم في شأن هذا التنازع أبوا وأعرضوا وهو رأى حسن. # والاستفهام في قوله ( @QUR@02 ألم تر ) للتعجيب من شأنهم ومن سوء صنيعهم ~~حيث دعوا إلى كتابهم ليحكم بينهم فامتنعوا عن ذلك لأنهم كانوا كما يقول ~~الآلوسى «إذا عضتهم الحجة فروا إلى الضجة وأعرضوا عن الحجة» ثم قال : # و «من» إما للتبعيض وإما للبيان ، ومعنى «نصيب» هو الكتاب أو نصيبا منه ، ~~لأن الوصول إلى كنه كلامه سبحانه متعذر «فإن جعل بيانا كان المراد إنزال ~~الكتاب عليهم. وإن جعل تبعيضا كان المراد هدايتهم إلى فهم ما فيه ، وعلى ~~التقديرين اللام في «الكتاب» للعهد والمراد به التوراة» (4). PageV02P066 # والمعنى : قد علمت أيها العاقل حال أولئك الأحبار من اليهود الذين أعطوا ~~قسطا من معرفة كتابهم والذين دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى التحاكم ~~إلى التوراة التي هي كتابهم فيما حدث بينهم وبينه من نزاع فأبوا أن ~~يستجيبوا لدعوته ، وأعرضوا عنها كما هو شأنهم ودأبهم في الأعراض عن الحق ~~والصواب. # وعرف المتحدث عنهم وهم أحبار اليهود بطريق الموصولية ، لأن في الصلة ما ~~يزيد التعجيب من حالهم ، لأن كونهم على علم من الكتاب قليل أو كثير من شأنه ~~أن يصدهم عما أخبر به عنهم لو كانوا يعقلون. # وجملة ( @QUR@06 يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ) مستأنفة مبينة لمحل ~~التعجب ، أو حال من الذين أوتوا نصيبا من الكتاب. # والمراد بكتاب الله : التوراة ، لأن سبب النزول يؤيد ذلك ، ولأن التعجيب ~~من حالهم يكون أشد إذا كان إعراضهم إنما هو عن كتابهم. وقيل المراد به ~~القرآن. # وقوله ( @QUR@06 ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ) معطوف على قوله ( ~~@QUR@01 يدعون ) وجاء العطف بثم للإشعار بالفارق الشاسع بين ما قاموا به من ~~إعراض عن الحق ، وبين ما كان يجب عليهم أن يفعلوه. فإن علمهم بالكتاب كان ~~يقتضى أن يتبعوه وأن يعملوا بأحكامه ، ولكنهم أبوا ذلك لفساد نفوسهم. # وقوله ( @QUR@01 منهم ) جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لفريق. # وإنما قال ( @QUR@02 فريق منهم ) ليخرج القلة التي أسلمت من علماء اليهود ~~كعبد الله بن سلام ، وهذا ms0753 من إنصاف القرآن في أحكامه. واحتراسه في سوق ~~الحقائق ، فهو لا يلقى الأحكام على الجميع جزافا ، وإنما يحدد هذه الأحكام ~~بحيث يدين المتهم ، ويبرئ ساحة البريء. # وقوله ( @QUR@02 وهم معرضون ) حال من فريق ، أى ثم يتولى فريق منهم عن ~~سماع الحق ، والانقياد لأحكامه ، وينفر منها نفورا شديدا. والحال أنهم قوم ~~ديدنهم الإعراض والانصراف عن الحق. # ثم بين سبحانه الأسباب التي صرفتهم عن الحق فقال : ( @QUR@09 ذلك بأنهم ~~قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات ). # واسم الإشارة ( @QUR@01 ذلك ) يعود إلى المذكور من توليهم وإعراضهم عن ~~مجلس النبي صلى الله عليه وسلم وعن سماعهم للحق الذي جاء به. PageV02P067 # والمس : اتصال أحد الشيئين بالآخر على وجه الإحساس والإصابة ، والمراد من ~~النار : نار الآخرة. # والمراد من المعدودات : المحصورات القليلات يقال شيء معدود : أى قليل ~~وشيء غير معدود أى كثير. فهم يزعمون أن النار لن تمسهم إلا مدة يسيرة قد ~~تكون سبعة أيام ، وقد تكون أربعين يوما ، وبعدها يخرجون إلى الجنة. # عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : إن اليهود كانوا يقولون إن هذه الدنيا ~~سبعة آلاف سنة ، وإنما نعذب بكل ألف سنة يوما في النار ، وإنما هي سبعة ~~أيام. وفي رواية عنه أنه قال في قوله تعالى ( @QUR@07 قالوا لن تمسنا النار ~~إلا أياما معدودات ) ذلك أعداء الله اليهود ، قالوا : لن يدخلنا الله النار ~~إلا تحلة القسم ، الأيام التي أصبنا فيها العجل أربعين يوما ، فإذا انقضت ~~عنا تلك الأيام انقطع عنا العذاب والقسم (1). # أى ذلك التولي والإعراض عن الحق الذي صدر عن كثير من أحبار اليهود ~~وعوامهم سببه أنهم سهلوا على أنفسهم أمر العقاب ، وتوهموا أنهم لن يعذبوا ~~عذابا طويلا ، بل النار ستمسهم أياما قليلة ثم بعد ذلك يخرجون منها ، لأنهم ~~أبناء الله وأحباؤه ، ولأن آباءهم سيشفعون لهم في زعمهم. # ثم قال تعالى ( @QUR@06 وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون ). # وقوله ( @QUR@01 وغرهم ) من الغرور وهو كل ما يغر الإنسان ويخدعه من مال ~~أو جاه أو شهوة أو غير ذلك من الأشياء التي تغر الإنسان وتخدعه وتجعله ~~غافلا عن ms0754 اتباع الحق. # والمعنى : أنهم سهلوا على أنفسهم الخطوب ، ولم يبالوا بالمعاصي والذنوب ، ~~وأنهم طمعوا في غير مطمع ، وأصاب موضع المغرة والغفلة منهم في دينهم ما ~~كانوا يفترونه من أن النار لن تمسهم إلا أياما معدودات. والغرور أكبر شيء ~~يبعد الإنسان عن حسن الاستعداد لما يجب عليه نحو دينه ودنياه. # ثم حكى القرآن ما سيكون عليه حالهم من عذاب وحسرة بأسلوب مؤثر فقال : ( ~~@QUR@015 فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ، ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا ~~يظلمون ). # فالاستفهام هنا للاستعظام والتهويل والرد على مزاعمهم الباطلة. # وكيف في موضع نصب على الحال ، والعامل فيه محذوف أى فكيف تكون حالهم ، أو ~~كيف يصنعون. ويجوز أن تكون خبرا لمبتدأ محذوف أى : فكيف حالهم. PageV02P068 # قال الفخر الرازي : أما قوله ( @QUR@07 فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ~~) فالمعنى أنه لما حكى عنهم اغترارهم بما هم عليه من الجهل بين أنه سيجيء ~~يوم يزول فيه ذلك الجهل ، وينكشف فيه ذلك الغرور فقال : ( @QUR@03 فكيف إذا ~~جمعناهم ) وفي الكلام حذف والتقدير : فكيف صورتهم وحالهم ، ويحذف الحال ~~كثيرا مع كيف ، لدلالتها عليه تقول كنت أكرمه وهو لم يزرني ، فكيف لو زارني ~~، أى كيف حاله إذا زارني. واعلم أن هذا الحذف يوجب مزيد البلاغة لما فيه من ~~تحريك النفس على استحضار كل نوع من أنواع الكرامة في قول القائل : «لو ~~زارني ، وكل نوع من أنواع العذاب في هذه الآية» (1). # والمعنى : فكيف يكون حالهم إذا جمعناهم لجزاء يوم لا ريب في مجيئه وحصوله ~~، واضمحلت عنهم تلك الزخارف التي ادعوها في الدنيا ( @QUR@05 ووفيت كل نفس ~~ما كسبت ) من خير أو شر ( @QUR@03 وهم لا يظلمون ) شيئا ، بل يجازى كل ~~إنسان على حسب عمله ، لا شك أنهم في هذا اليوم الهائل الشديد سيفاجأون ~~بذهاب غرورهم ، وبفساد تصورهم ، وأنهم سيقعون في العذاب الأليم الذي لا ~~حيلة لهم في دفعه ، ولا مخلص لهم من ذوقه ( @QUR@012 يوم لا ينفع مال ولا ~~بنون ، إلا من أتى الله بقلب سليم ) (2). # قال الزمخشري : «روى أن أول راية ترفع لأهل الموقف ms0755 من رايات الكفار راية ~~اليهود ، فيفضحهم الله على رءوس الأشهاد ، ثم يأمر بهم إلى النار» (3). ~~وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة قد وبخت أحبار اليهود الذين يعرضون عن الحق ~~توبيخا شديدا ، وأبطلت أكاذيبهم وغرورهم ، وردت عليهم بما يفضحهم ويخزيهم ، ~~وصورت حالهم يوم القيامة تصويرا مؤثرا هائلا تهتز له القلوب ، وترتجف منه ~~الأفئدة ويحمل العقلاء على التزود من التقوى والعمل الصالح حتى يفوزوا برضا الله. # من توجيهات القرآن الكريم : بعد أن تحدثت سورة آل عمران ، عن المعرضين عن الحق. # أمر الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أمر كل مؤمن أن يتوجه إليه ~~بالضراعة .. فقال تعالى : # ( @QUR@016 قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ~~وتعز من تشاء وتذل PageV02P069 # @QUR@09 من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير (26) @QUR@021 تولج ~~الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من ~~الحي وترزق من تشاء بغير حساب ) (27) # قال القرطبي : قال ابن عباس وأنس بن مالك : «لما فتح رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مكة ، ووعد أمته ملك فارس والروم ، قال المنافقون واليهود ~~: هيهات هيهات! من أين لمحمد ملك فارس والروم وهم أعز وأمنع من ذلك ، ألم ~~يكف محمدا مكة والمدينة حتى طمع في ملك فارس والروم. فأنزل الله هذه الآية. (1). # والأمر بقوله ( @QUR@01 قل ) للنبي صلى الله عليه وسلم ولكل من يتأتى له ~~الخطاب من المؤمنين. # وكلمة ( @QUR@01 اللهم ) يرى الخليل وسيبويه أن أصلها يا الله فلما ~~استعملت دون حرف النداء الذي هو «يا» جعلوا هذه الميم المشددة التي في ~~آخرها عوضا عن حرف النداء ، وهذا التعويض من خصائص الاسم الجليل ، كما اختص ~~بجواز الجمع فيه بين «يا» و «أل» وبقطع همزته ، ودخول تاء القسم عليه. # والمعنى. قل أيها المخاطب على سبيل التعظيم لربك ، والشكر له ، والتوكل ~~عليه والضراعة إليه ، قل : يا الله يا مالك الملك أنت وحدك صاحب السلطان ~~المطلق في هذا الوجود ، بحيث تتصرف فيه كيف تشاء ، إيجادا وإعداما ، وإحياء ~~وإماتة ، وتعذيبا وإثابة ، من غير ms0756 أن ينازعك في ذلك أى منازع. # فكأن في هذه الجملة الكريمة ( @QUR@04 قل اللهم مالك الملك ) دعاءين ~~خاشعين : # أما الدعاء الأول فهو بلفظ الجلالة المعبر عنه بقوله ( @QUR@01 اللهم ) ~~أى يا الله ، وفي هذا النداء كل معاني العبودية والتنزيه والتقديس والخضوع. # وأما الدعاء الثاني فهو المعبر عنه بقوله ( @QUR@02 مالك الملك ) أى يا ~~مالك الملك ، وفي هذا النداء كل معاني الإحساس بالربوبية ، والضعف أمام ~~قدرة الله وسلطانه. # فقوله ( @QUR@01 مالك ) منصوب بحرف النداء المحذوف. كما في قوله ( ~~@QUR@05 قل اللهم فاطر السماوات والأرض ) أى يا فاطر السموات والأرض. PageV02P070 # ثم فصل سبحانه بعض مظاهر خلقه التي تدل على أنه هو مالك الملك على ~~الحقيقة فقال تعالى ( @QUR@08 تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ). # أى أنت وحدك الذي تعطى الملك من تشاء إعطاءه من عبادك ، وتنزعه ممن تشاء ~~، نزعه منهم ، فأنت المتصرف في شئون خلقك لا راد لقضائك ولا معقب لحكمك. # وعبر بالإيتاء الذي هو مجرد الإعطاء دون التمليك المؤذن بثبوت المالكية ، ~~للتنبيه على أن المالكية على الحقيقة إنما هي مختصة بالله رب العالمين ، ~~أما ما يعطيه لغيره من ملك فهو عارية مستردة ، وهو شيء زائل لا يدوم. # والتعبير عن إزالة الملك بقوله ( @QUR@04 وتنزع الملك ممن تشاء ) يشعر ~~بأنه سبحانه في قدرته أن يسلب هذا العطاء من أى مخلوق مهما بلغت سعة ملكه ، ~~ومهما اشتدت قوته ، وذلك لأن لفظ النزع يدل على أن المنزوع منه الشيء كان ~~متمسكا به ، فسلبه الله منه بمقتضى قدرته وحكمته. # والمراد بالملك هنا السلطان ، وقيل النبوة ، وقيل غير ذلك. # قال الفخر الرازي : وقوله ( @QUR@04 تؤتي الملك من تشاء ) محمول على جميع ~~أنواع الملك فيدخل فيه ملك النبوة ، وملك العقل ، والصحة ، والأخلاق ~~الحسنة. وملك النفاذ والقدرة ، وملك المحبة ، وملك الأموال ، وذلك لأن ~~اللفظ عام فالتخصيص من غير دليل لا يجوز» (1). # ومفعول المشيئة في الجملتين محذوف أى : تؤتى الملك من تشاء إيتاءه وتنزعه ~~ممن تشاء نزعه منه. # أما الأمر الثاني الذي يدل على أنه سبحانه هو مالك الملك على الحقيقة فهو ~~قوله ( @QUR@06 وتعز من ms0757 تشاء وتذل من تشاء ). # العزة كما يقول الراغب حالة مانعة للإنسان من أن يغلب ، من قولهم : أرض ~~عزاز : أى صلبة ، وتعزز اللحم : اشتد وعز ، كأنه حصل في عزاز يصعب الوصول ~~إليه .. والعزيز الذي يقهر ولا يغلب. # وتذل ، من الذل ، وهو ما كان عن قهر ، يقال : ذل يذل ذلا إذا قهر وغلب ~~(2) والعزة صفة نفسية يحس بها المؤمن الصادق في إيمانه ، لأنه يشعر دائما ~~بأنه عبد الله وحده وليس عبدا لأحد سواه ، قال تعالى ( @QUR@04 ولله العزة ~~ولرسوله وللمؤمنين ) فالمؤمنون الصادقون أعزاء ولو كانوا في المال والجاه ~~فقراء. أما الكافرون فهم أذلاء ، لأنهم خضعوا لغير الله الواحد القهار. PageV02P071 # والمعنى : أنت يا الله يا ملك الملك ، أنت وحدك الذي تؤتى الملك لمن تشاء ~~أن تؤتيه له ، وتنزعه ممن تريد نزعه منه ، وأنت وحدك الذي تعز من تشاء ~~إعزازه بالنصر والتوفيق ، وتذل من تشاء إذلاله بالهزيمة والخذلان ، ثم ختم ~~سبحانه الآية بهذا التسليم المطلق من المؤمنين لذاته فقال تعالى : ( ~~@QUR@07 بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ). # أى أنت وحدك الذي تملك الخير كله ، وتتصرف فيه حسب إرادتك ومشيئتك ، لأنك ~~على كل شيء قدير. # وأل في الخير للاستغراق الشامل ، إذ كل خير فهو بيده سبحانه وقدرته ، ~~وتقديم الجار والمجرور ( @QUR@01 بيدك ) لإفادة الاختصاص ، أى بيدك وحدك ~~على الحقيقة لا بيد غيرك ، وجملة «إنك على كل شيء قدير» تعليلية. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : «كيف قال ( @QUR@02 بيدك الخير ) فذكر الخير ~~دون الشر قلت : لأن الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين وهو ~~الذي أنكرته الكفرة فقال بيدك الخير ، تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك ، ~~ولأن أفعال الله تعالى من نافع وضار صادر عن الحكمة والمصلحة فهو خير كله ~~كإيتاء الملك ونزعه» (1). # ثم ذكر سبحانه مظهرا حسيا من مظاهر قدرته الباهرة فقال : ( @QUR@08 تولج ~~الليل في النهار وتولج النهار في الليل ). # الولوج في الأصل : الدخول ، والإيلاج الإدخال. يقال : ولج فلان منزله إذا ~~دخله ، فهو يلجه ولجا وولوجا. وأولجته أنا إذا أدخلته ، ثم استعير لزيادة ~~زمان النهار في ms0758 الليل وعكسه بحسب المطالع والمغارب. # أى أنت يا الله يا مالك الملك. أنت الذي بقدرتك تدخل طائفة من الليل في ~~النهار فيقصر الليل ويزيد النهار وتدخل طائفة من النهار في الليل فيقصر ~~النهار ويزيد الليل ، وأنت وحدك الذي بقدرتك أن تجعلهما متعاقبين بأن تأتى ~~بالليل رويدا رويدا في أعقاب النهار ، وتأتى بالنهار شيئا فشيئا في أعقاب ~~الليل. وفي كل ذلك دليل على سعة قدرتك ، وواسع رحمتك. وتذكير واعتبار لأولى ~~الألباب. # ثم ذكر سبحانه مظهرا حسيا آخر من مظاهر قدرته فقال : ( @QUR@08 تخرج الحي ~~من الميت وتخرج الميت من الحي ). # قال الفخر الرازي : ذكر المفسرون فيه وجوها. PageV02P072 # أحدها : يخرج المؤمن من الكافر كإبراهيم من آزر ، والكافر من المؤمن مثل ~~كنعان من نوح. # والثاني : يخرج الحيوان وهو حي من النطفة وهي ميتة ، والدجاجة وهي حية من ~~البيضة أو العكس. # والثالث : يخرج السنبلة من الحبة وبالعكس والنخلة من النواة وبالعكس : ثم ~~قال : والكلمة محتملة للكل : أما الكفر والإيمان فقال تعالى ( @QUR@04 أومن ~~كان ميتا فأحييناه ) يريد كان كافرا فهديناه ، فجعل الكفر موتا والإيمان ~~حياة ، وسمى إخراج النبات من الأرض إحياء وجعل ما قبل ذلك ميتة فقال : ( ~~@QUR@04 يحي الأرض بعد موتها ) وقال : ( @QUR@09 فسقناه إلى بلد ميت ~~فأحيينا به الأرض بعد موتها ) وقال : ( @QUR@010 كيف تكفرون بالله وكنتم ~~أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ) (1). # وفي الحق : إن المتدبر في هذا الكون وما يعترى سكانه من موت وحياة ليشهد ~~ويذعن بأن لهذا الكون خالقا قادرا هو الله الواحد القهار. # ثم ختم سبحانه مظاهر قدرته ورحمته بقوله ( @QUR@05 وترزق من تشاء بغير ~~حساب ) والرزق كما يقول الراغب يقال للعطاء الجاري تارة دنيويا كان أو ~~أخرويا. وللنصيب تارة ، ولما يصل إلى الجوف ويتغذى به تارة أخرى يقال : ~~أعطى السلطان رزق الجند ، ورزقت علما ، قال تعالى : ( @QUR@010 وأنفقوا من ~~ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت .. ) أى : من المال والجاه والعلم» (2). # أى أنت يا الله يا مالك الملك ، أنت وحدك الذي ترزق من تشاء أن ترزقه ~~بغير حساب ، أى رزقا واسعا عظيما لأنك ms0759 أنت صاحب الجود والكرم ، ولأنك ليس ~~معك شريك فيحاسبك ، بل أنت المعطى بدون محاسب ، وبدون محاسبة من تعطيه ، ~~ولأن خزائن ملكك لا ينقصها العطاء مهما كثر. # ومن كانت هذه صفاته ، وتلك بعض مظاهر قدرته : من إيتاء الملك لمن يشاء ~~ونزعه ممن يشاء وإيلاج الليل في النهار والنهار في الليل ، وإخراج الحي من ~~الميت والميت من الحي ، كان من حقه أن يفرد بالعبادة والخضوع ( @QUR@08 ألا ~~له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ). # قال ابن كثير : روى الطبراني عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال : اسم الله الأعظم الذي إذا دعى به أجاب في هذه الآية : ( @QUR@025 قل ~~اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ، وتعز من تشاء ~~، وتذل من تشاء ، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ) (3). PageV02P073 # وبذلك نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد وصفتا الخالق عز وجل بما هو أهله ~~، من قدرة تامة وسلطان نافذ ، ورحمة واسعة ، وهذا الوصف من شأنه أن يحمل كل ~~عاقل على إخلاص العبادة له سبحانه وعلى الاستجابة لكل ما أمر به أو نهى عنه ~~رغبة في ثوابه ، ورهبة من عقابه. # وبعد أن بين سبحانه أنه هو وحده مالك الملك ، وأنه على كل شيء قدير ، عقب ~~ذلك بنهي المؤمنين عن موالاة أعدائه بسبب قرابة أو صداقة أو نحوهما ، فقال تعالى # ( @QUR@027 لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ~~ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى ~~الله المصير ) (28) # أورد المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات : # منها أن جماعة من اليهود كانوا يصادقون جماعة من الأنصار ليفتنوهم عن ~~دينهم فقال رفاعة ابن المنذر ، وعبد الله بن جبير ، وسعيد بن خيثمة لأولئك ~~النفر من الأنصار : اجتنبوا هؤلاء اليهود واحذروا ملازمتهم ومباطنتهم لئلا ~~يفتنوكم عن دينكم ، فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم وملازمتهم ، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية» (1). # وقوله ( @QUR@01 أولياء ) جمع ولى ، والولاء والتوالي كما يقول الراغب : ~~أن يحصل شيئان فصاعدا حصولا ليس ms0760 بينهما ما ليس منهما ، ويستعار ذلك للقرب ~~من حيث المكان ، ومن حيث النسبة ومن حيث الدين ومن حيث الصداقة والنصرة ~~والاعتقاد. # والولاية بكسر الواو النصرة والولاية بفتحها تولى الأمر ، وقيل هما بمعنى ~~واحد» (2). # و «لا» ناهية. والفعل «يتخذ» مجزوم بها ، وهو متعد لمفعولين : # أولهما : ( @QUR@01 الكافرين ). # وثانيهما : ( @QUR@01 أولياء ). # والمعنى : لا يحل للمؤمنين أن يتخذوا الكافرين أولياء ونصراء ، بل عليهم ~~أن يراعوا ما فيه PageV02P074 # مصلحة الإسلام والمسلمين ، وأن يقدموها على ما بينهم وبين الكفار من ~~قرابة أو صداقة أو غير ذلك من ألوان الصلات لأن في تقديم مصلحة الكافرين ~~على مصلحة المؤمنين تقديما للكفر على الإيمان ومن شأن المؤمن الصادق في ~~إيمانه أن لا يصدر منه ذلك. # وقد ورد مثل هذا النهى في كثير من الآيات ومن ذلك قوله تعالى ( @QUR@012 ~~يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ) (1). # وقوله تعالى ( @QUR@017 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى ~~أولياء ، بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) (2). # قال الآلوسى : وقوله ( @QUR@03 من دون المؤمنين ) حال من الفاعل ، أى ~~متجاوزين المؤمنين إلى الكافرين استقلالا أو اشتراكا ، ولا مفهوم لهذا ~~الظرف إما لأنه ورد في قوم بأعيانهم والوا الكافر دون المؤمنين فهو لبيان ~~الواقع. أو لأن ذكره للإشارة إلى أن الحقيق بالموالاة هم المؤمنون ، وفي ~~موالاتهم مندوحة عن موالاة الكفار» (3). # قالوا : والموالاة الممنوعة هي التي يكون فيها خذلان للدين أو إيذاء ~~لأهله أو إضافة لمصالحهم ، وأما ما عدا ذلك كالتجارة وغيرها من ضروب ~~المعاملات الدنيوية فلا تدخل في ذلك النهى ، لأنها ليست معاملة فيها أذى ~~للإسلام والمسلمين» (4). # وكرر سبحانه لفظ «المؤمنين» بأداة التعريف أل للإشارة إلى أن الثاني هو ~~عين الأول ، وفي ذلك إشعار بأن المؤمنين الذين يتخذون الكافرين أولياء ~~ونصراء ، يتركون أنفسهم ويهملونها ويتخذون من عدوهم نهاية لها. # ثم قال تعالى ( @QUR@08 ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ) أى : ومن ~~يتخذ الكافرين أولياء وأنصارا من دون المؤمنين ، فإنه في هذه الحالة يكون ~~بعيدا عن ولايته الله ، ومنسلخا منها رأسا ms0761 وليس بينه وبين الله صلة تذكر. # فاسم الإشارة ( @QUR@01 ذلك ) يعود على الاتخاذ المفهوم من الفعل يتخذ. # والتنوين في ( @QUR@01 شيء ) للتحقير أى ليس في شيء يصح أن يطلق عليه اسم ~~الولاية ، لأن موالاة الولي وموالاة عدوه متنافيان كما قال الشاعر : # تود عدوى ثم تزعم أننى %~% صديقك ليس النوك عنك بعازب (5) PageV02P075 # و «من» شرطية ، و ( @QUR@01 يفعل ) فعل الشرط ، وجوابه «فليس من الله في ~~شيء» واسم ليس ضمير يعود على «من» وقوله ( @QUR@02 في شيء ) خبرها. أى فليس ~~الموالي في شيء كائن من الله تعالى والجملة معترضة بين المستثنى والمستثنى منه. # وقال سبحانه ( @QUR@03 فليس من الله ) ولم يقل «فليس من ولاية الله» ~~للإشعار بأن من اختار مناصرة المشركين وموالاتهم فقد ترك ذات الله تعالى ~~وكان مؤثرا لقوة الكفار على قوة العزيز الجبار ، فهو في هذه الحالة يعاند ~~الله نفسه ، ثم استثنى سبحانه من أحوال النهى حال التقية فقال : ( @QUR@05 ~~إلا أن تتقوا منهم تقاة ) وقوله : ( @QUR@01 تتقوا ) من الاتقاء بمعنى تجنب ~~المكروه ، وعدى بمن لتضمينه معنى تخافوا و ( @QUR@01 تقاة ) مصدر تقيته ~~كرميته بمعنى اتقيته ووزنه فعلة ويجمع على تقى : كرطبة ورطب. وأصل تقاة : ~~وقية من الوقاية. فأبدلت الواو المضمومة تاء والياء ألفا لتحركها وانفتاح ~~ما قبلها. # والاستثناء مفرغ من عموم الأحوال ، والتقدير : لا تتخذوا أيها المؤمنون ~~الكافرين أولياء في أى حال من الأحوال إلا في حال اتقائكم منهم أى إلا أن ~~تخافوا منهم مخافة. أو إلا أن تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتقاؤه من الضرر في ~~النفس أو المال أو العرض. # كأن يكون الكفار غالبين ظاهرين. أو كنتم في قوم كفار فيرخص لكم في ~~مداراتهم باللسان ، على ألا تنطوى قلوبكم على شيء من مودتهم ، بل تدارونهم ~~وأنتم لهم كارهون. وألا تعملوا ما هو محرم كشرب الخمر ، أو اطلاعهم على ~~عورات المسلمين أو الانحياز إليهم في مجافاة بعض المسلمين ، وإذن فلا رخصة ~~إلا في المداراة باللسان. ثم ختم سبحانه الآية بهذا التهديد الشديد حيث قال ~~تعالى ( @QUR@06 ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير ). # والتحذير : هو التخويف لأجل الحذر ms0762 واليقظة ، من أن يقع الإنسان في قول أو ~~عمل منهى عنه. # ونفسه : منصوب على نزع الخافض. والمصير : المرجع والمآب. # أى : ويحذركم الله تعالى من نفسه أى من عقابه وانتقامه ، وإليه سبحانه ~~مرجعكم ومصيركم فيحاسبكم على أعمالكم. # وقوله ( @QUR@03 ويحذركم الله نفسه ) فيه ما فيه من التهديد والتخويف من ~~موالاة الكافرين ، لأن التحذير من ذات الله ، يقتضى الخوف ووقوع الرهبة في ~~النفس من الذات العلية ، وذلك كما يقال : والله المثل الأعلى احذر الأسد ، ~~فإن هذا القائل يريد أن ذات الأسد في كل أحوالها موهوبة ، ولأن كلمة «نفس» ~~تقال لتأكيد التعبير عن الذات. أى أن التحذير قد جاءكم من الله تعالى لا من ~~غيره فعليكم أن تمتثلوا أمره ، فإن إليه وحده المآل وانتهاء أمر العباد. PageV02P076 # وسيجازيهم على أعمالهم بما يستحقون فاحذروا التعرض لعقابه ، وقوله ( ~~@QUR@02 وإلي المصير ) تذييل مقرر لمضمون ما قبله ومحقق لوقوعه. هذا ، ~~ولبعض العلماء كلام طويل عن التقية وهي أن يظهر الإنسان خلاف ما يبطن مخافة ~~الأذى الشديد فقد قال الآلوسى ما ملخصه : # «وفي الآية دليل على مشروعية التقية ، وعرفوها بالمحافظة على النفس أو ~~العرض من شر الأعداء .. # والعدو قسمان : # الأول : من كانت عداوته مبنية على اختلاف الدين كالكافر والمسلم. # والثاني : من كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية كالمال والمتاع ~~والإمارة ، ومن هنا صارت التقية قسمين : # أما القسم الأول فالحكم الشرعي فيه أن كل مؤمن وقع في محل لا يمكن له فيه ~~أن يظهر دينه لتعرض المخالفين له بالعداوة فإنه يجب عليه أن يهاجر من ذلك ~~المكان إلى مكان يستطيع فيه أن يظهر دينه ، إلا إذا كان ممن لهم عذر شرعي ~~كالنساء والصبيان والعجزة فقد قال تعالى : ( @QUR@049 إن الذين توفاهم ~~الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ~~ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا. إلا ~~المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ~~فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ، وكان الله عفوا غفورا ). # وإذا كان التخويف بالقتل ونحوه ms0763 جاز له المكث والموافقة لهم ظاهرا بقدر ~~الضرورة مع السعى في حيلة للخروج والفرار بدينه. # والموافقة لهم حينئذ رخصة ، وإظهار ما في قلبه عزيمة فلو مات مات شهيدا ~~بدليل ما روى من أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال لأحدهما : «أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال : نعم ، ~~نعم ، نعم فقال له : أتشهد أنى رسول الله؟ قال : نعم. ثم دعا الثاني فقال ~~له أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال نعم. فقال له : أتشهد أنى رسول الله؟ قال ~~إنى أصم ، قالها ثلاثا ، فضرب عنقه ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال : «أما هذا المقتول فقد مضى على صدقه ويقينه فهنيئا له. وأما الآخر ~~فقد قبل رخصة الله فلا تبعة عليه». # وأما القسم الثاني وهو من كانت عداوته بسبب المال والإمارة وما إلى ذلك ، ~~فقد اختلف في وجوب هجرة صاحبه ، فقال بعضهم تجب لأن الله قد نهى عن إضاعة ~~المال. وقال آخرون لا تجب ، لأنها لمصلحة دنيوية ولا يعود على من تركها ~~نقصان في الدين. # وعد قوم من باب التقية الجائزة مداراة الكفار والفسقة والظلمة وإلانة ~~الكلام لهم والتبسم PageV02P077 # في وجوههم لكف أذاهم وصيانة العرض منهم بشرط أن لا تكون هذه المداراة ~~مخالفة لأصول الدين وتعاليمه فإن كانت مخالفة لذلك فلا تجوز. # روى البخاري عن عائشة قالت : استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأنا عنده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بئس أخو العشيرة ، ثم أذن له ~~فألان له القول ، فقلت يا رسول الله قلت ما قلت ثم ألنت له القول؟ فقال : ~~«يا عائشة إن من شر الناس من يتركه الناس اتقاء فحشه» إلى غير ذلك من ~~الأحاديث. لكن لا تنبغي المداراة إلى حيث يخدش الدين ، ويرتكب المنكر ، ~~وتسيء الظنون» (1). # ثم يبين سبحانه أنه عليم بالظواهر والبواطن ، وأمر بأن يكثروا من العمل ~~الصالح الذي ينفعهم يوم القيامة ، وأن يلتزموا طاعة الله ورسوله لكي يسعدوا ~~في دينهم ودنياهم ، وأن يراقبوا الله تعالى ms0764 في أقوالهم وأعمالهم لأنه ~~سبحانه لا تخفى عليه خافية فقال تعالى : # ( @QUR@022 قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في ~~السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير (29) @QUR@026 يوم تجد كل نفس ~~ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ~~ويحذركم الله نفسه والله رؤف بالعباد (30) @QUR@014 قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم (31) @QUR@011 قل ~~أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين ) (32) # والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون ~~المؤمنين ، وقل لغيرهم PageV02P078 # ممن يوجه إليهم الخطاب ، قل لهم على سبيل الإرشاد والتحذير ( @QUR@07 إن ~~تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه ) من ولاية الكفار أو غيرها من الأقوال ~~والأفعال ( @QUR@02 يعلمه الله ) فيجازيكم عليه بما تستحقون. # وفي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتوجيه هذا القول إلى المخاطبين ترهيب لهم ~~من الآمر وهو الله تعالى لأن هذا التنويع في الخطاب من شأنه أن يربى ~~المهابة في القلوب. وذلك والله المثل الأعلى كأن يقول الملك للمخالفين من ~~رعيته : أحذركم من مخالفتي ، ثم يأمر أحد أصفيائه بأن يكرر هذا التحذير وأن ~~يبين لهم سوء عاقبة المخالفين. # وقوله ( @QUR@07 ويعلم ما في السماوات وما في الأرض ) جملة مستأنفة وليست ~~معطوفة على جواب الشرط وهو ( @QUR@02 يعلمه الله )، وذلك لأن علمه سبحانه ~~بما في السموات والأرض ليس متوقفا على شرط فلذلك جيء به مستأنفا. وهذا من ~~باب ذكر العام بعد الخاص وهو علم ما في صدوركم تأكيدا له وتقريرا. # وقوله ( @QUR@05 والله على كل شيء قدير ) تذييل قصد به الإخبار بأنه مع ~~علمه الواسع المحيط ، ذو قدرة نافذة على كل شيء وهذا لون من التهديد ~~والتحذير لأن الذي يتوعد غيره بشيء لا يحول بينه وبين تحقيق هذا الشيء إلا ~~أحد أمرين : الجهل بجريمة المجرم ، أو العجز عن تنفيذ وعيده ، فلما أعلمهم ~~سبحانه بأنه محيط بكل شيء وقادر على كل شيء ، ثبت أنه سبحانه متمكن ms0765 من ~~تنفيذ وعيده. # قال صاحب الكشاف : «وقوله ( @QUR@05 والله على كل شيء قدير ) أى : هو ~~قادر على عقوبتكم وهذا بيان لقوله ( @QUR@03 ويحذركم الله نفسه ) لأن نفسه ~~وهي ذاته المميزة من سائر الذوات ، متصفة بعلم ذاتى لا يختص بمعلوم دون ~~معلوم. فهي متعلقة بالمعلومات كلها وبقدرة ذاتية لا تختص بمقدور دون مقدور ~~، فهي قادرة على المقدورات كلها فكان حقها أن تحذر وتتقى فلا يجسر أحد على ~~قبيح ولا يقصر عن واجب فإنه مطلع عليه لا محالة فلا حق به العقاب. ولو علم ~~بعض عبيد السلطان أنه أراد الاطلاع على أحواله ، فوكل همه بما يورد ويصدر ، ~~ونصب عليه عيونا ، وبث من يتجسس عن بواطن أموره : لأخذ حذره وتيقظ في أمره ~~، واتقى كل ما يتوقع فيه الاسترابة به ، فما بال من علم أن العالم بالذات ~~يعنى أن علمه بذاته لا بعلم زائد عن ذاته كعلم الحوادث وهذا عند المعتزلة ~~الذي يعلم السر وأخفى مهيمن عليه وهو آمن. اللهم إنا نعوذ بك من اغترارنا ~~بسترك» (1). # ثم كرر سبحانه التحذير من الحساب يوم القيامة وما يقع فيه من أهوال ورغب ~~المؤمنين PageV02P079 # في العمل الصالح فقال : ( @QUR@020 يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا ~~، وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ). # قال الآلوسى : الأمد : غاية الشيء ومنتهاه والفرق بينه وبين الأبد أن ~~الأبد مدة من الزمان غير محدودة والأمد مدة لها حد مجهول ، والمراد هنا ~~الغاية الطويلة ، وذهب بعضهم إلى أن المراد بالأمد البعيد المسافة البعيدة ~~، ولعله الأظهر ، فالتمنى هنا من قبيل التمني في قوله تعالى ( @QUR@06 يا ~~ليت بيني وبينك بعد المشرقين ) (1). # والمعنى : راقبوا ربكم أيها المؤمنون. وتزودوا من العمل الصالح واذكروا ( ~~@QUR@06 يوم تجد كل نفس ما عملت ) في الدنيا ( @QUR@02 من خير ) وإن كان ~~مثقال ذرة ( @QUR@01 محضرا ) لديها مشاهدا في الصحف ، حتى لكأنه قد أحضر من ~~الدنيا إلى الآخرة فيرى رأى العين ( @QUR@04 وما عملت من سوء ) تراه أيضا ~~ظاهرا ثابتا مسجلا عليها ، وتتمنى لو أن بينها وبين هذا العمل السيئ زمنا ~~طويلا ms0766 ، ومسافة بعيدة وذلك لأن الإنسان يتمنى دائما أن يكون بعيدا بعدا ~~شاسعا عن الشيء المخيف المؤلم خصوصا في هذا اليوم العصيب وهو يوم القيامة. # وقوله ( @QUR@01 يوم ) متعلق بمحذوف تقديره اذكروا ، وهو مفعول به لهذا ~~المحذوف. و «تجد» يجوز أن يكون متعديا لواحد فيكون بمعنى تصيب وتصادف ، ~~ويكون «محضرا» على هذا منصوبا على الحال. قال الجمل : وهذا هو الظاهر. ~~ويجوز أن يكون بمعنى تعلم فيتعدى لاثنين أولهما ( @QUR@02 ما عملت ) ~~والثاني ( @QUR@01 محضرا ) (2). # وقوله ( @QUR@04 وما عملت من سوء ) معطوف على قوله ( @QUR@04 ما عملت من ~~خير ). # ويرى بعضهم أن «ما» في قوله ( @QUR@04 وما عملت من سوء ) مبتدأ ، وخبرها ~~جملة ( @QUR@07 تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ) فيكون المعنى : ما عملت ~~من سوء تتمنى كل نفس أن يكون بينها وبينه أمدا بعيدا. # أتى سبحانه بقوله ( @QUR@01 محضرا ) في جانب الخير فقط مع أن عمل السوء ~~أيضا يكون محضرا للإشعار بكون عمل الخير هو المراد بالذات. وهو الذي يتمناه ~~الإنسان ويرجو حضوره في هذا لما يترتب عليه من ثواب وأما عمل الشر فتتمنى ~~كل نفس اقترفته لو بعد عنها ولم تره بسبب ما يترتب عليه من عقاب. # وقوله سبحانه ( @QUR@03 ويحذركم الله نفسه ) تكرير للتحذير الأول الذي ~~جاء في قوله تعالى PageV02P080 # ( @QUR@08 لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ) والسر في ~~هذا التكرير زيادة التحذير من عقاب الله وانتقامه ، فإن تكرار التحذير من ~~شأنه أن يغرس في القلوب التذكر والاعتبار والوجل. # وقيل : إن التحذير الأول ذكر للنهى عن موالاة الكافرين. والذي هنا ذكر ~~للحث على عمل الخير والتنفير من عمل الشر. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@03 والله رؤف بالعباد ) ومن مظاهر ~~رأفته ورحمته أنه حذر عباده قبل أن يعاقبهم ، وأنه يعفو عن كثير من ذنوب ~~عباده ، وأنه فتح لهم باب التوبة حتى يقلعوا عن خطاياهم. إلى غير ذلك من ~~مظاهر رأفته ورحمته. # ثم أمر الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرشد الناس إلى الطريق ~~الذي متى سلكوه كانوا حقا محبين الله ، وكانوا ممن يحبهم سبحانه ms0767 فقال تعالى ~~: ( @QUR@011 قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ). # قال بعضهم : عن الحسن البصري قال : قال قوم على عهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم يا محمد إنا نحب ربنا ، فأنزل الله الآية ، وروى محمد بن ~~إسحاق عن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير قال : «نزلت في نصارى نجران وذلك ~~أنهم قالوا : إنما نعظم المسيح ونعبده حبا الله وتعظيما له فأنزل الله هذه ~~الآية ردا عليهم» (1). # ومحبة العباد الله كما يقول الزمخشري مجاز عن إرادة نفوسهم اختصاصه ~~بالعبادة دون غيره ورغبتهم فيها ، ومحبة الله عباده أن يرضى عنهم ويحمد فعلهم. # والمعنى : قل يا محمد للناس على سبيل الإرشاد والتبين : إن كنتم تحبون ~~الله حقا كما تدعون ، فاتبعوني ، فإن اتباعكم لي يؤدى إلى محبة الله لكم ، ~~وإلى غفرانه لذنوبكم ، وذلك لأن محبة الله ليست دعوى باللسان ، وإنما محبة ~~الله تتحقق باتباع ما أمر به ، واجتناب ما نهى عنه على لسان رسوله محمد ~~صلى الله عليه وسلم الذي أرسله رحمة للعالمين. # قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : «هذه الآية الكريمة حاكمة على كل ~~من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية ، بأنه كاذب في نفس الأمر ~~حتى يتبع الشرع المحمدي ، والدين النبوي في كل أقواله وأعماله كما ثبت في ~~الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : PageV02P081 # «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (1). # وقوله ( @QUR@02 يحببكم الله ) جواب الأمر ، وهو قوله ( @QUR@01 فاتبعوني ~~). وهذا رأى الخليل. # ويرى أكثر المتأخرين من النحاة أن قوله «يحببكم الله» جواب لشرط مقدر دل ~~عليه المقام والتقدير : إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ، وإن اتبعتمونى ~~يحببكم الله ، أى يمنحكم الثواب الجزيل ، والأجر العظيم ، والرضا الكبير. # فأنت ترى أن الآية الكريمة قد بينت أن أول علامات محبة العبد لربه ، هي ~~اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم وأن هذا الاتباع يؤدى إلى محبة الله تعالى ~~لهذا العبد وإلى مغفرة ذنوبه. # ومحبة الله لعبده هي منتهى الأمانى ، وغاية الآمال ، ولذا قال بعض ~~الحكماء ms0768 : «ليس الشأن أن تحب إنما الشأن أن تحب». # ومحبة الله إنما تتأتى بإخلاص العبادة والوقوف عند حدوده والاستجابة ~~لتعاليم رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وكل من يدعى أنه محب الله وهو معرض عن ~~أوامره ونواهيه فهو كاذب في دعواه كما قال الشاعر الصوفي : # تعصى الإله وأنت تظهر حبه %~% هذا لعمري في القياس بديع لو كان حبك صادقا لأطعته %~% إن المحب لمن يحب مطيع # ثم ختم سبحانه الآية بوصفين جليلين فقال : ( @QUR@03 والله غفور رحيم ) ~~أى أنه سبحانه كثير الغفران والرحمة لمن تقرب إليه بالطاعة ، واتبع رسوله ~~فيما جاء به من عنده. # ثم كرر سبحانه الأمر لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يحض الناس على اتباع ما ~~يسعدهم فقال له : ( @QUR@04 قل أطيعوا الله والرسول ). # أى قل لهم يا محمد أطيعوا الله وأطيعوا رسوله في جميع الأوامر والنواهي ، ~~وإن من يدعى أنه مطيع الله دون أن يتبع رسوله فإنه يكون كاذبا في دعواه ، ~~ولذا لم يقل سبحانه أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ، للإشعار بأن الطاعة واحدة ~~وأن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة الله تعالى ، كما قال سبحانه : ( ~~@QUR@06 من يطع الرسول فقد أطاع الله ) (2). # ثم ذكر سبحانه عاقبة العصاة المعاندين فقال : ( @QUR@07 فإن تولوا فإن ~~الله لا يحب الكافرين ) أى : فإن أعرضوا عما تأمرهم به يا محمد ولم ~~يستجيبوا لك واستمروا على كفرهم ، فإنهم لا ينالون محبة الله ، لأنهم ~~كافرون. PageV02P082 # ففي هذه الجملة الكريمة دلالة على أن محبة الله لا ينالها إلا من يتبع ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه سبحانه نفى حبه عن الكافرين ، ومتى نفى حبه ~~عنهم فقد أثبت بغضه ، ولأنه عبر عن تركهم اتباع رسوله بالتولى وهو أفحش ~~أنواع الإعراض ، ومن أعرض عن طاعة رسول الله كان بعيدا عن محبة الله. # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ساقت للناس من التوجيهات السامية ، ~~والآداب العالية ما من شأنه أن يغرس في النفوس إخلاص العبادة الله ، ~~والخشية من عقابه ، والأمل في ثوابه ، والإكثار من العمل الصالح الذي يؤدى ~~إلى رضا الله ms0769 ومحبته. # وبعد هذا الحديث الحكيم المتنوع من أول السورة إلى هنا عن وحدانية الله ، ~~وقدرته النافذة وعلمه المحيط ، وعن أحقيته للعبادة والخضوع ، وعن الكتب ~~السماوية وما اشتملت عليه من هدايات وعن محكم القرآن ومتشابهه ، وعن رعاية ~~الله تعالى لعباده المؤمنين ، وعن تهديد الكافرين بسوء العاقبة إذا ما ~~استمروا على كفرهم ، وعن الشهوات التي يميل الإنسان بطبعه إليها وعما هو ~~أفضل منها ، وعن دين الإسلام وأنه هو الدين الذي ارتضاه الله لعباده ، وعن ~~بعض الرذائل التي عرفت عن أكثر أهل الكتاب ، وعن حث الناس على مراقبة الله ~~تعالى وإخلاص العبادة له حتى يكونوا ممن يحبهم ويحبونه فيسعدوا في دينهم ~~ودنياهم وآخرتهم .. بعد كل ذلك تحدث القرآن في أكثر من ثلاثين آية عمن ~~اصطفاهم الله من عباده ، وعن جانب من قصة مريم ، وقصة زكريا وابنه يحيى ~~عليهما السلام وعن قصة ولادة عيسى عليه السلام وما صاحبها من خرق للعادات ، ~~وما منحه سبحانه من معجزات وعن محاجة الكافرين من أهل الكتاب في شأنه وكيف ~~رد القرآن عليهم .. استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى ذلك بأسلوبه البليغ ~~المؤثر فيقول : # ( @QUR@011 إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ~~(33) @QUR@07 ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم (34) @QUR@018 إذ قالت ~~امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع ~~العليم (35) @QUR@020 فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما ~~وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك PageV02P083 # @QUR@04 وذريتها من الشيطان الرجيم (36) @QUR@035 فتقبلها ربها بقبول حسن ~~وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها ~~رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء ~~بغير حساب ) (37) # قوله ( @QUR@01 اصطفى ) من الاصطفاء وهو الاختيار والانتقاء وطلب الصفوة ~~من كل شيء. # وقوله ( @QUR@02 وآل إبراهيم ) الآل كما يقول الراغب مقلوب عن الأهل إلا ~~أنه خص بالإضافة إلى أعلام الناطقين دون النكرات ودون الأزمنة والأمكنة. ~~يقال آل فلان ولا يقال آل ms0770 رجل ولا آل زمان كذا أو موضع كذا .. ويضاف إلى ~~الأشرف الأفضل فيقال آل الله وآل السلطان ولا يقال آل الحجام .. ويستعمل ~~الآل فيمن يختص بالإنسان اختصاصا ذاتيا إما بقرابة قريبة أو بموالاة قال ~~تعالى ( @QUR@04 آل إبراهيم وآل عمران ) (1). # والمعنى : إن الله تعالى قد اختار واصطفى ( @QUR@01 آدم ) أبا البشر ، ~~بأن جعله خليفة في الأرض ، وعلمه الأسماء كلها ، وأسجد له ملائكته .. # واصطفى ( @QUR@01 نوحا ) لأنه كما يقول الآلوسى آدم الأصغر ، والأب ~~الثاني للبشرية ، وليس أحد على وجه البسيطة إلا من نسله لقوله سبحانه ( ~~@QUR@04 وجعلنا ذريته هم الباقين ) (2). # واصطفى ( @QUR@02 آل إبراهيم ) أى عشيرته وذوى قرباه وهم إسماعيل وإسحاق ~~والأنبياء من أولادهما. # واصطفى ( @QUR@02 آل عمران ) إذ جعل فيهم عيسى عليه السلام الذي آتاه الله ~~البينات ، وأيده بروح القدس. # والمراد بعمران هذا والد مريم أم عيسى عليه السلام فهو عمران بن ياشم بن ~~ميشا بن حزقيا .. وينتهى نسبه إلى إبراهيم عليه السلام . PageV02P084 # وإن في ذلك التسلسل دليلا على أن الله تعالى قد اقتضت حكمته أن يجعل في ~~الإنسانية من يهديها إلى الصراط المستقيم فقد ابتدأت الهداية بآدم أبى ~~البشر كما قال تعالى : ( @QUR@06 ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ) ثم جاء من ~~بعده بقرون لا يعلمها إلا الله نوح عليه السلام فمكث يدعو الناس إلى وحدانية ~~الله وإلى مكارم الأخلاق «ألف سنة إلا خمسين عاما» ثم جاء من بعد ذلك ~~إبراهيم عليه السلام فدعا الناس إلى عبادة الله وحده ، فكان هو صفوة الخلق ~~وفيهم النبوة فمن إسماعيل بن إبراهيم كان محمد صلى الله عليه وسلم الذي ختمت ~~به الرسالات السماوية. # ومن إسحاق وبنيه كان عدد من الأنبياء كداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى ~~وهارون .. ومن فرع إسحاق كان آل عمران وهم ذريته وأقاربه كزكريا ويحيى ~~وعيسى الذي كان آخر نبي من هذا الفرع. # وفي التعبير بالاصطفاء تنبيه إلى أن آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران ~~صفوة الخلق ، إذ أن الرسل والأنبياء جميعا من نسلهم. # وقوله ( @QUR@02 على العالمين ) أى على عالمي زمانهم. أى أهل زمان كل ~~واحد منهم. ms0771 # ثم صرح سبحانه بعد ذلك بتسلسل هذه الصفوة الكريمة بعضها من بعض فقال ( ~~@QUR@04 ذرية بعضها من بعض ) وأصل الذرية كما يقول القرطبي فعلية من الذر ، ~~لأن الله تعالى أخرج الخلق من صلب آدم كالذر حين أشهدهم على أنفسهم وقيل هو ~~مأخوذ من ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءا خلقهم ، ومنه الذرية وهي نسل الثقلين» (1). # والمعنى : أن أولئك المصطفين الأخيار بعضهم من نسل بعض ، فهم متصلو النسب ~~، فنوح من ذرية آدم ، وآل إبراهيم من ذرية نوح ، وآل عمران من ذرية آل ~~إبراهيم ، فهم جميعا سلسلة متصلة الحلقات في النسب ، والخصال الحميدة. # وقوله ( @QUR@01 ذرية ) منصوب على الحال من آل إبراهيم وآل عمران. ثم ختم ~~سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@03 والله سميع عليم ) أى هو سبحانه سميع ~~لأقوال عباده في شأن هؤلاء المصطفين الأخيار وفي شأن غيرهم عليم بأحوال ~~خلقه علما تاما بحيث لا تخفى عليه خافية تصدر عنهم. # والجملة الكريمة تذييل مقرر لمضمون ما قبلها ، ومؤكد له. # ثم حكى سبحانه ما قالته امرأة عمران عند ما أحست بعلامات الحمل فقال ~~تعالى : ( @QUR@014 إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا ~~فتقبل مني ) والظرف «إذ» في محل النصب PageV02P085 # على المفعولية بفعل محذوف والتقدير : اذكر لهم وقت قولها رب إنى نذرت .. ~~ألخ. وقيل هو متعلق بقوله ( @QUR@03 والله سميع عليم ) أى أنه سبحانه يعلم ~~علم ما يسمع في الوقت الذي قالت فيه امرأة عمران ذلك القول. # وامرأة عمران هذه هي «حنة» بنت فاقوذا بن قنبل وهي أم مريم وجدة عيسى ~~عليه السلام وعمران هذا هو زوجها ، وهو أبو مريم. # وقوله ( @QUR@01 نذرت ) من النذر وهو التزام التقرب إلى الله تعالى بأمر ~~من جنس العبادات التي شرعها سبحانه لعباده ليتقربوا بها إليه. # وقوله ( @QUR@01 محررا ) أى عتيقا مخلصا للعبادة متفرغا من شواغل الدنيا ~~لخدمة بيتك المقدس. يقال : حررت العبد إذا خلصته من الرق وحررت الكتاب إذا ~~أصلحته ولم تبق فيه شيئا من وجوه الخطأ ، ورجل حر إذا كان خالصا لنفسه ليس ~~لأحد عليه سلطان. # والمعنى : اذكر أيها العاقل ms0772 لتعتبر وتتعظ وقت أن لجأت امرأة عمران إلى ~~ربها تدعوه بضراعة وخشوع فتقول : يا رب إنى نذرت لخدمة بيتك هذا الجنين ~~الذي في بطني مخلصا لعبادتك متفرغا لطاعتك فتقبل منى هذا النذر الخالص ، ~~وتلك النية الصادقة ، ( @QUR@03 إنك أنت السميع ) لقولي ولأقوال خلقك ( ~~@QUR@01 العليم ) بنيتي وبنوايا سائر عبادك. # فأنت ترى في هذا الدعاء الخاشع الذي حكاه القرآن عن امرأة عمران أسمى ~~ألوان الأدب والإخلاص ، فقد توجهت إلى ربها بأعز ما تملك وهو الجنين الذي ~~في بطنها ، ملتمسة منه سبحانه أن يقبل نذرها الذي وهبته لخدمة بيته ، ~~واللام في قوله «لك» للتعليل أى نذرت لخدمة بيتك. # وقوله ( @QUR@01 محررا ) حال من «ما» والعامل فيه «نذرت». # قال بعضهم : «وكان هذا النذر يلزم في شريعتهم فكان المحرر عندهم إذا حرر ~~جعل في الكنيسة يخدمها ولا يبرح مقيما فيها حتى يبلغ الحلم ، ثم يتخير فإن ~~أحب ذهب حيث شاء ، وإن اختار الإقامة لا يجوز له بعد ذلك الخروج. ولم يكن ~~أحد من أنبياء بنى إسرائيل وعلمائهم إلا ومن أولاده من حرر لخدمة بيت ~~المقدس ولم يكن يحرر إلا الغلمان ، ولا تصلح الجارية لخدمة بيت المقدس لما ~~يصيبها من الحيض والأذى» (1). وجملة ( @QUR@04 إنك أنت السميع العليم ) ~~تعليلية لاستدعاء القبول ، من حيث أن علمه سبحانه بصحة نيتها وإخلاصها ~~مستدع لقبول نذرها تفضلا منه وكرما. PageV02P086 # ثم حكى سبحانه ما قالته بعد أن وضعت ما في بطنها فقال تعالى : ( @QUR@07 ~~فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى ). # قالوا : إن هذا خبر لا يقصد به الإخبار ، بل المقصود منه إظهار التحسر ~~والتحزن والاعتذار ، فقد كانت امرأة عمران تتوقع أن يكون ما في بطنها ذكرا ~~، لأنه هو الذي يصلح لخدمة بيت الله والانقطاع للعبادة فيه ، لكنها حين ~~وضعت حملها ووجدته أنثى ، قالت على سبيل الاعتذار عن الوفاء بنذرها : رب ~~إنى وضعتها أنثى ، والأنثى لا تصلح للمهمة التي نذرت ما في بطني لها وهي ~~خدمة بيتك المقدس ، وأنت يا إلهى القدير على كل شيء فبقدرتك أن تخلق الذكر ~~وبقدرتك أن تخلق الأنثى. # والضمير في ms0773 قوله ( @QUR@02 فلما وضعتها ) يعود لما في بطنها. وتأنيثه ~~باعتبار حاله في الواقع ونفس الأمر وهو أنه أنثى. # وقوله ( @QUR@01 أنثى ) منصوب على الحال من الضمير في وضعتها ، وهي حال ~~مؤكدة لأن كونها أنثى مفهوم من تأنيث الضمير فجاءت أنثى مؤكدة. # وقوله ( @QUR@04 والله أعلم بما وضعت ) جملة معترضة سيقت للايماء إلى ~~تعظيم المولود الذي وضعته وتفخيم شأنه ، وللإشعار بأن الأنثى ستصلح لما ~~يصلح له الذكور من خدمة بيته. أى : والله تعالى أعلم منها ومن غيرها بما ~~وضعته ، لأنه هو الذي خلق هذا المولود وجعله أنثى ، وهو العليم بما سيصير ~~إليه أمر هذه الأنثى من فضل ، إذ منها سيكون عيسى عليه السلام وسيجعلها ~~سبحانه آية ظاهرة دالة على كمال قدرته ، ونفوذ إرادته. # وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ويعقوب ( @QUR@04 والله أعلم بما وضعت ) ~~بضم التاء وعلى هذه القراءة لا تكون الجملة معترضة وإنما هي من تتمة ما ~~قالته ، ويكون الكلام التفاتا من الخطاب إلى الاسم الظاهر وهو لفظ الجلالة ~~إذ لو جرت على مقتضى قولها ، ( @QUR@04 رب إني وضعتها أنثى ) لقالت : وأنت ~~أعلم بما وضعت. # ويكون قولها هذا من تتمة الاعتذار إلى الله تعالى حيث وضعت مولودا لا ~~يصلح لما نذرته في عرف قومها وتسلية لنفسها ، أى ولعل الله سرا وحكمة لا ~~يعلمها أحد سواه في جعل هذا المولود أنثى. أو لعل هذه الأنثى تكون خيرا من الذكر. # وقوله تعالى ( @QUR@03 وليس الذكر كالأنثى ) يحتمل أنه من كلامه سبحانه ~~وهو الظاهر فتكون الجملة معترضة كسابقتها ، ويكون : وليس الذكر الذي طلبته ~~كالأنثى التي ولدتها ، بل هذه الأنثى وإن كانت أفضل منه في العبادة ~~والمكانة إلا أنها لا تصلح عندهم لسدانة بيت الله تعالى ، بسبب حرمة ~~اختلاطها بالرجال وما يعتريها من حيض وغير ذلك مما يعترى النساء. PageV02P087 # ويحتمل أنه من كلامها الذي حكاه الله تعالى عنها فلا تكون الجملة معترضة ~~ويكون المعنى : وليس الذكر الذي طلبته كالأنثى التي وضعتها ، بل هو خير ~~منها لأنه هو الذي يصلح لسدانة بيتك وخدمته ، ومع هذا فأنا في كلتا ~~الحالتين ms0774 راضية بقضائك مستسلمة لإرادتك. # ثم حكى سبحانه أيضا بعض ما قالته بعد ولادتها فقال ( @QUR@010 وإني ~~سميتها مريم ، وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ). # قالوا : إن كلمة مريم معناها في لغتهم العابدة ، فأرادت بهذه التسمية ~~التقرب إلى الله والالتماس منه أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقا لا سمها. # ومعنى ( @QUR@02 أعيذها بك ) أمنعها وأجيرها بحفظك. مأخوذ من العوذ ، وهو ~~أن تلتجئ إلى غيرك وتتعلق به. يقال : عاذ فلان بفلان إذا استجار به ، ومنه ~~العوذة وهي التميمة والرقية. # والشيطان في لغة العرب : كل متمرد من الجن والإنس والدواب وكل شيء. وهو ~~مشتق من شطن إذا بعد ، فهو بعيد بطبعه عن كل خير. # والرجيم : فعيل بمعنى مفعول. أى أنه مرجوم مطرود من رحمة الله ومن كل ~~خير. وقيل رجيم بمعنى راجم لأنه يرجم الناس بالوساوس والشرور. # والمعنى : وإنى يا خالقي مع حبى لأن يكون المولود ذكرا لتتهيأ له خدمة ~~بيتك فقد رضيت بما وهبت لي ، وإنى قد سميت هذه الأنثى التي أعطيتنى إياها ~~مريم. أى العابدة الخادمة لك ، وإنى أحصنها وأجيرها بكفالتك لها ولذريتها ~~من الشيطان الرجيم الذي يزين للناس الشرور والمساوئ. # قال القرطبي : وفي صحيح مسلم عن أبى هريرة قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا من نخسة ~~الشيطان ، إلا ابن مريم وأمه». # ثم قال أبو هريرة : «اقرءوا إن شئتم : وإنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان ~~الرجيم». # قال علماؤنا : فأفاد هذا الحديث أن الله تعالى استجاب دعاء أم مريم .. ~~ولا يلزم من هذا أن نخس الشيطان يلزم منه إضلال المنخوس فإن ذلك ظن فاسد ، ~~فكم تعرض الشيطان للأنبياء والأولياء بأنواع الإفساد والإغواء ، ومع ذلك ~~عصمهم الله مما يرومه الشيطان كما قال تعالى : ( @QUR@06 إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان ) (1). # وقوله : ( @QUR@03 وإني سميتها مريم ) معطوف على ( @QUR@03 إني وضعتها ~~أنثى ) وما بينهما اعتراض. وهذا PageV02P088 # على قراءة الجمهور التي جاءت بتسكين التاء في ( @QUR@01 وضعت ) في قوله ~~تعالى ( @QUR@04 والله أعلم بما وضعت ). # وأما على قراءة غير الجمهور ms0775 التي جاءت بضم التاء في قوله : ( @QUR@01 ~~وضعت ) فيكون أيضا معطوفا على ( @QUR@03 إني وضعتها أنثى ) ويكون هذا القول ~~وما عطف عليه في محل نصب بالقول ، والتقدير : قالت : إنى وضعتها أنثى ، ~~وقالت : الله أعلم بما وضعت وقالت : ليس الذكر كالأنثى ، وقالت : إنى ~~سميتها مريم. # وأتى في قوله : ( @QUR@02 وإني أعيذها ) بخبر إن فعلا مضارعا للدلالة على ~~طلبها استمرار الاستعاذة دون انقطاعها ، بخلاف وضعتها ، وسميتها ، حيث أتى ~~بالخبرين ماضيين لانقطاعهما. # وقوله : ( @QUR@01 وذريتها ) معطوف على الضمير المنصوب في أعيذها. # وفي التنصيص على إعاذتها وإعاذة ذريتها من الشيطان الرجيم ، رمز إلى طلب ~~بقائها على قيد الحياة حتى تكبر وتكون منها الذرية الصالحة. # تلك هي بعض الكلمات الطيبات والدعوات الخاشعات ، التي توجهت بها امرأة ~~عمران إلى ربها عند ما أحست بالحمل في بطنها وعند ما وضعت حملها حكاها ~~القرآن بأسلوبه البليغ المؤثر ، فما ذا كانت نتيجتها؟ # كانت نتيجتها أن أجاب الله دعاءها وقبل تضرعها ، وقد حكى سبحانه ذلك ~~بقوله : ( @QUR@07 فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا ). # والفاء في قوله : ( @QUR@01 فتقبلها ) تفريع على الدعاء مؤذن بسرعة ~~الإجابة ، والضمير يعود إلى مريم. والتقبل كما يقول الراغب قبول الشيء على ~~وجه يقتضى ثوابا كالهدية ونحوها. # وإنما قال سبحانه ( @QUR@03 فتقبلها ربها بقبول ) ولم يقل بتقبل : للجمع ~~بين الأمرين : التقبل الذي هو الترقي في القبول ، والقبول الذي يقتضى الرضا ~~والإثابة» (1). # والمعنى : أن الله تعالى تقبل مريم قبولا مباركا وخرق بها عادة قومها ، ~~فرضي أن تكون محررة للعبادة وخدمة بيته كالذكور ، مع كونها أنثى وفاء بنذر ~~الأم التقية التي قالت ( @QUR@08 رب إني نذرت لك ما في بطني محررا ). # ( @QUR@03 وأنبتها نباتا حسنا ) أى رباها تربية حسنة ، وصانها من كل سوء ~~، فكان حالها كحال النبات الذي ينمو في الأرض الصالحة حتى يؤتى ثماره ~~الطيبة. # وهكذا قيض الله تعالى لمريم كل ألوان السعادة الحقيقية ، فقد قبلها لخدمة ~~بينه مع أنها PageV02P089 # أنثى ، وأنشأها حسنة بعيدة عن كل نقص خلقي أو خلقي ، وهيأ لها وسائل ~~العيش الطيب من حيث لا تحتسب. فقد قال تعالى ( @QUR@028 وكفلها زكريا كلما ~~دخل ms0776 عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا ، قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو ~~من عند الله ، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ). # قوله ( @QUR@02 وكفلها زكريا ) أى ضمها إلى زكريا ، لأن الكفالة في أصل ~~معناها الضم. أى ضمها الله تعالى إليه وجعله كافلا لها وضامنا لمصالحها. # وقرئ ( @QUR@01 وكفلها ) بتخفيف الفاء. وبرفع ( @QUR@01 زكريا ) على أنه ~~فاعل. وعلى هذه القراءة تنطق كلمة زكريا بالمد قبل الهمزة فقط أى «زكرياء». # أما على القراءة الأولى فيجوز في زكريا المد والقصر. # وزكريا هو أحد أنبياء بنى إسرائيل وينتهى نسبة إلى سليمان بن داود ~~عليهما السلام وكان متزوجا بخالة مريم ، وقيل كان متزوجا بأختها. # وكانت كفالته لها نتيجة اقتراع بينه وبين من رغبوا في كفالتها من سدنة ~~بيت المقدس ، يدل على ذلك قوله تعالى ( @QUR@020 ذلك من أنباء الغيب نوحيه ~~إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ ~~يختصمون ). # قال صاحب الكشاف : «روى أن «حنة» حين ولدت مريم ، لفتها في خرقة وحملتها ~~إلى المسجد ، ووضعتها عند الأحبار وهم في بيت المقدس ، فقالت لهم : دونكم ~~هذه النذيرة ، فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم». # فقال لهم زكريا : أنا أحق بها عندي خالتها فقالوا : لا ، حتى نقترع عليها ~~، فانطلقوا إلى نهر وألقوا فيه أقلامهم فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت ~~أقلامهم فتكفلها» (1). # وقوله : ( @QUR@08 كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا ) بيان ~~لكفالة الله تعالى لرزقها ورضاه عنها ، ورعايته لها. # والمحراب الموضع العالي الشريف والمراد به الغرفة التي كانت تتخذها مريم ~~مكانا لعبادتها في المسجد. سمى بذلك لأنه مكان محاربة الشيطان والهوى. # قال الآلوسى ما ملخصه : «والمحراب على ما روى عن ابن عباس غرفة بنيت لها ~~في بيت المقدس ، وكانت لا يصعد إليها إلا بسلم. وقيل المراد به المسجد إذ ~~قد كانت مساجدهم تسمى المحاريب. وقيل المراد به أشرف مواضع المسجد ومقدمها ~~وهو مقام الإمام من المسجد أصله PageV02P090 # مفعال : صيغة مبالغة كمطعان فسمى به المكان ، لأن المحاربين نفوسهم ~~كثيرون فيه و ms0777 «كلما» ظرف على أن «ما» مصدرية ، والزمان محذوف أو نكرة موصوفة ~~معناها الوقت ، والعائد محذوف والعامل فيها جوابها. # والمعنى : كل زمان دخل عليها أو كل وقت دخل عليها فيه «وجد عندها رزقا» ~~أى أصاب ولقى بحضرتها ذلك أو وجد ذلك كائنا بحضرتها. أخرجه بن جرير عن ~~الربيع قال : «إنه كان لا يدخل أحد سوى زكريا فكان يجد عندها فاكهة الصيف ~~في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف» والتنوين في ( @QUR@01 رزقا ) للتعظيم ~~.. (1). # وهذا دليل على قدرة الله سبحانه على كل شيء ، وعلى رعايته لمريم ، فقد ~~رزقها سبحانه من حيث لا تحتسب ، ودليل على وقوع الكرامة لأوليائه تعالى . # ولقد كان وجود هذا الرزق عند مريم دون أن يعرف زكريا عليه السلام مصدره مع ~~أنه لا يدخل عليها أحد سواه كان ذلك محل عجبه ، لذا حكى القرآن عنه : ( ~~@QUR@06 قال يا مريم أنى لك هذا ) أى من أين لك هذا الرزق العظيم الذي لا ~~أعرف سببه ومصدره. و ( @QUR@01 أنى ) هنا بمعنى من أين. # والجملة الكريمة استئناف مبنى على سؤال مقدر ، كأنه قيل : فما ذا قال ~~زكريا عند مشاهدة هذا الرزق؟ فكان الجواب : قال يا مريم من أين لك هذا. # ولقد كانت إجابة مريم على زكريا تدل على قوة إيمانها ، وصفاء نفسها. فقد ~~أجابته بقولها كما حكى القرآن عنها ( @QUR@05 قالت هو من عند الله ) أى : ~~قالت له إن هذا الرزق من عند الله تعالى فهو الذي رزقني إياه وسافه إلى ~~بقدرته النافذة. # وقوله تعالى ( @QUR@07 إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ) جملة تعليلية. ~~أى : إن الله تعالى ، يرزق من يشاء أن يرزقه رزقا واسعا عظيما لا يحده حد ، ~~ولا تجرى عليه الأعداد التي تنتهي ، فهو سبحانه لا يحاسبه محاسب ، ولا تنقص ~~خزائنه من أى عطاء مهما كثر وعظم. # وهذه الجملة الكريمة يحتمل أنها من كلام الله تعالى فتكون مستأنفة ، ~~ويحتمل أنها من كلامها الذي حكاه القرآن عنها ، فتكون تعليلية في محل نصب ~~داخلة تحت القول. # هذا وفي تلك الآيات التي حكاها القرآن عن مريم وأمها نرى ms0778 كيف يعمل ~~الإيمان عمله في القلوب فينقيها ويصفيها ويحررها من رق العبودية لغير الله ~~الواحد القهار وكيف أن الله تعالى ، PageV02P091 # يتقبل دعاء عباده الصالحين ، وينبتهم نباتا حسنا ، ويرعاهم برعايته ، ~~يرزقهم من حيث لا يحتسبون. # ولقد كان ما رآه زكريا عليه السلام من أحوال مريم من الأسباب التي جعلته ~~وهو الشيخ الهرم يتضرع إلى الله أن يرزقه الذرية الصالحة ، وقد حكى القرآن ~~ذلك بأسلوبه البليغ فقال تعالى : # ( @QUR@015 هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع ~~الدعاء (38) @QUR@020 فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله ~~يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين (39) ~~@QUR@017 قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك ~~الله يفعل ما يشاء (40) @QUR@020 قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم ~~الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار ) (41) # قوله تعالى ( @QUR@04 هنالك دعا زكريا ربه ) كلام مستأنف ، وقصة مستقلة ~~سيقت في تضاعيف قصة مريم وأمها لما بينهما من قوة الارتباط ، وشدة الاشتباك ~~مع ما في إيرادها من تقرير ما سبقت له قصة مريم وأمها من بيان اصطفاء آل عمران. # و «هنا» ظرف يشار به إلى المكان القريب كما في قوله تعالى ( @QUR@03 إنا ~~هاهنا قاعدون ) وتدخل عليه السلام والكاف «هنالك» أو الكاف وحدها «هناك» ~~فيكون للبعيد وقد يشار به للزمان اتساعا. # والمعنى : في ذلك المكان الطاهر الذي كان يلتقى فيه زكريا بمريم ويرى من ~~شأنها ما يرى من فضائل وغرائب ، تحركت في نفس زكريا عاطفة الأبوة ، وهو ~~الشيخ الكبير الذي وهن عظمه واشتعل رأسه شيبا ، وبلغ من الكبر عتيا فدعا ~~الله تعالى بقلب سليم ، وبنفس صافية PageV02P092 # وبجوارح خاشعة ، أن يرزقه الذرية الصالحة. ولقد حكى القرآن دعاءه بأسلوبه ~~المؤثر فقال : # ( @QUR@011 قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء ). # أى ، قال زكريا مناجيا ربه : يا رب أنت الذي خلقتني ، وأنت الذي لا يقف ~~أمام قدرتك شيء ، وأنت الذي جعلتني أرى من ms0779 أحوال مريم ما يشهد بقدرتك ~~النافذة وفضلك العميم فهب لي يا خالقي من عندك ذرية صالحة تقر بها عيني ، ~~وتكون خلفا من بعدي ( @QUR@03 إنك سميع الدعاء ) أى إنك عليم بدعائى علم من ~~يسمع ، قريب الإجابة لمن يدعوك ، فإن أجيب لي سؤالى فبفضلك وإن لم تجبه ، ~~فبعدلك وحكمتك. فأنت ترى في هذا الدعاء الذي صدر عن زكريا عليه السلام أسمى ~~ألوان الأدب والخشوع والإنابة. فقد رفع أكف الضراعة في مكان مقدس طاهر ، ~~وفي التعبير بقوله ( @QUR@03 دعا زكريا ربه ) إشارة إلى تسليمه الله وإلى ~~شعوره بقدرة الله على كل شيء ، فهو الذي خلقه ورباه وتولاه برعايته في كل ~~أدوار حياته. # وفي قوله ( @QUR@04 هب لي من لدنك ) إشعار بأنه يريد من خالقه عز وجل أن ~~يعطيه هذه الذرية بلا سبب عادى ، ولكن بإرادته وقدرته لأنه لو كان الأمر في ~~هذا العطاء يعود إلى الأسباب والمسببات العادية لكان الحصول على الذرية ~~مستبعدا إذ هو قد بلغ من الكبر عتيا وزوجته قد تجاوزت السن التي يحصل فيها ~~الإنجاب في العادة. # أى هب لي من عندك لا من عندي ، لأن الأسباب عندي أصبحت مستبعدة. وفي ~~تقييد الذرية بكونها طيبة ، إشارة إلى أن زكريا لقوة إيمانه ، ونقاء سريرته ~~، وحسن صلته بربه ، لا يريد ذرية فحسب وإنما يريد ذرية صالحة يرجى منها ~~الخير في الدنيا والآخرة. # وجملة ( @QUR@03 إنك سميع الدعاء ) تعليلية ، أى إنى ما التجأت إليك يا ~~إلهى إلا لأنك مجيب للدعاء غير مجيب للرجاء. # قال القرطبي ما ملخصه «دلت هذه الآية على طلب الولد وهي سنة المرسلين ~~والصديقين. قال الله تعالى : ( @QUR@09 ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا ~~لهم أزواجا وذرية ).. وقد ترجم البخاري على هذا «باب طلب الولد» وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأبى طلحة حين مات ابنه «أعرستم الليلة» قال نعم. ~~قال : «بارك الله لكما في غابر ليلتكما» فقال رجل من الأنصار فرأيت تسعة ~~أولاد كلهم قد قرءوا القرآن ، والأخبار في هذا المعنى كثيرة. تحث على طلب ~~الولد لما يرجوه الإنسان من نفعه في حياته ms0780 وبعد مماته. قال صلى الله عليه وسلم ~~إذا مات أحدكم انقطع عمله إلا من ثلاث : فذكر منها «أو ولد صالح يدعو له» ~~ولو لم يكن إلا هذا الحديث لكان فيه كفاية (1). PageV02P093 # هذا ، وقد حكى لنا القرآن في سورة مريم دعاء زكريا بصورة أكثر تفصيلا ~~فقال : ( @QUR@045 ذكر رحمت ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء خفيا. قال رب ~~إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا ، وإني خفت ~~الموالي من ورائي ، وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا ، يرثني ويرث ~~من آل يعقوب واجعله رب رضيا ). # هذا هو دعاء زكريا كما حكاه الله تعالى في أكثر من موضع في كتابه الكريم ~~فما ذا كانت نتيجة هذا الدعاء الخاشع ، والتضرع الخالص؟ لقد كانت نتيجته ~~الإجابة من الله تعالى لعبده زكريا ، فقد قال تعالى : ( @QUR@011 فنادته ~~الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى ). # أى : فنادت الملائكة زكريا عليه السلام وهو قائم يصلى في المحراب ، يناجى ~~ربه. ويسبح بحمده بأن الله قد استجاب دعاءك ويبشرك بغلام اسمه يحيى ، لكي ~~تقر به عينك ويسر به قلبك. # والتعبير بالفاء في قوله ( @QUR@01 فنادته ) يشعر بأن الله تعالى فضلا ~~منه وكرما قد استجاب لزكريا دعاءه بعد فترة قليلة من هذا الدعاء الخاشع ، ~~إذ الفاء تفيد التعقيب. # ويرى فريق من المفسرين أن الذي ناداه هو جبريل وحده ، ومن الجائز في ~~العربية أن يخبر عن الواحد بلفظ الجمع. # قال ابن جرير : كما يقال في الكلام : خرج فلان على بغال البريد وإنما ركب ~~بغلا واحدا وركب السفن وإنما ركب سفينة واحدة وكما يقال : ممن سمعت هذا؟ ~~فيقال : من الناس ، وإنما سمعه من رجل واحد ، وقد قيل : إن منه قوله تعالى ~~( @QUR@09 الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ) والقائل كان فيما ~~ذكر واحد (1). ويرى فريق آخر منهم أن الذي نادى زكريا وبشره بمولوده يحيى ~~، جمع من الملائكة لأن الآية صريحة في أن هذا النداء قد صدر من جمع لا من ~~واحد ، ولأن صدوره ms0781 من جمع يناسب هذه البشارة العظيمة ، فقد جرت العادة في ~~أمثال هذه البشارات العظيمة أن يقوم بها جمع لا واحد ، ولا شك أن حالة ~~زكريا وحالة زوجه تستدعيان عددا من المبشرين لإدخال السرور على هذين ~~الشخصين الذين كادا يفقدان الأمل في إنجاب الذرية. # وقد رجح هذا الاتجاه ابن جرير فقال «وأما الصواب من القول في تأويله فأن ~~يقال : إن الله جل ثناؤه أخبر أن الملائكة نادته ، والظاهر من ذلك أنها ~~جماعة من الملائكة دون PageV02P094 # الواحد ، جبريل واحد فلا يجوز أن يحمل تأويل القرآن إلا على الأظهر ~~الأكثر من الكلام المستعمل في ألسن العرب دون الأقل ما وجدنا إلى ذلك سبيلا ~~، ولم تضطرنا حاجة إلى صرف ذلك إلى أنه بمعنى واحد فيحتاج له إلى طلب ~~المخرج بالخفي من الكلام والمعاني» (1). # وقوله ( @QUR@02 وهو قائم ) جملة حالية من مفعول النداء ، و «يصلى» حال من ~~الضمير المستكن في قائم أو حال أخرى من مفعول النداء على القول بجواز تعدد ~~الحال ، وقوله ( @QUR@02 في المحراب ) متعلق بيصلى. والمراد بالمحراب هنا ~~المسجد ، أو المكان الذي يقف فيه الإمام في مقدمة المسجد. # وقرأ جمهور القراء : ( @QUR@03 أن الله يبشرك ) بفتح همزة أن على أنه في ~~محل جر بباء محذوفه. أى : نادته الملائكة بأن الله يبشرك بيحيى. # وقرأ ابن عامر وحمزة : ( @QUR@03 أن الله يبشرك ) بكسر الهمزة على تضمين ~~النداء معنى القول ، أى : قالت له الملائكة إن الله يبشرك بيحيى. # وقوله : ( @QUR@01 بيحيى ) متعلق بيبشرك ، وفي الكلام مضاف أى يبشرك ~~بولادة يحيى ، لأن الذوات ليست متعلقا للبشارة. # وفي اقتران التبشير بالتسمية بيحيى ، إشعار بأن ذلك المولود سيحيا اسمه ~~وذكره بعد موته ، وبذلك تتحقق الإجابة لدعاء زكريا تحققا تاما ، فقد حكى ~~القرآن عنه في سورة مريم أنه قال : ( @QUR@08 يرثني ويرث من آل يعقوب ~~واجعله رب رضيا ) قال الجمل : و «يحيى ، فيه قولان : # أحدهما : وهو المشهور عند أهل التفسير أنه منقول من الفعل المضارع ، وقد ~~سموا بالأفعال كثيرا نحو يعيش ويعمر .. وعلى هذا فهو ممنوع من الصرف ~~للعلمية ووزن الفعل ، نحو يزيد ويشكر وتغلب. ms0782 # والثاني : أنه أعجمى لا اشتقاق له ، وهذا هو الظاهر ، فامتناعه من الصرف ~~للعلمية والعجمة» (2). # ثم وصف الله تعالى يحيى عليه السلام بأربع صفات كريمة فقال : ( @QUR@09 ~~مصدقا بكلمة من الله. وسيدا. وحصورا. ونبيا من الصالحين ) # فالصفة الأولى : من صفات يحيى عليه السلام أنه كان ( @QUR@04 مصدقا بكلمة ~~من الله ) وللعلماء في تفسير هذه الجملة الكريمة اتجاهان : PageV02P095 # أما الاتجاه الأول فيرى أصحابه وهم جمهور العلماء أن المراد بكلمة الله ~~هو عيسى عليه السلام لأنه كان يسمى بذلك أى أن يحيى كان مصدقا بعيسى ومؤمنا ~~بأنه رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. # وقد كان يحيى معاصرا لعيسى. وكانت بينهما قرابة قوية إذ أن والدة يحيى ~~كانت أختا لأم مريم وقيل إن أم يحيى كانت أختا لمريم. # وأما الاتجاه الثاني فيرى أصحابه أن المراد بكلمة الله كتابه ، أى أن ~~يحيى من صفاته الطيبة أنه كان مصدقا بكتاب الله وبكلامه ، وذلك لأن الكلمة ~~قد تطلق ويراد منها الكلام ، والعرب تقول أنشد فلان كلمة أى قصيدة ، وقال ~~كلمة أى خطبة. # ويبدو لنا أن الاتجاه الأول أقرب إلى الصواب ، لأن القرآن قد وصف عيسى ~~بأنه كلمة الله في أكثر من موضع فيه ومن ذلك قوله تعالى ( @QUR@029 يا أهل ~~الكتاب لا تغلوا في دينكم ، ولا تقولوا على الله إلا الحق ، إنما المسيح ~~عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ~~ورسله ) وقوله تعالى ( @QUR@012 يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه ~~المسيح عيسى ابن مريم ) ولأن في التعبير عن عيسى الذي صدقه يحيى بأنه كلمة ~~من الله ، إشعارا بأن ولادتهما متقاربة من حيث الزمن ، وإيماء إلى أن زكريا ~~عليه السلام قد أوتى علما بأن المسيح عهده قريب ، وأن يحيى عليه السلام سيعيش ~~حتى يدرك عيسى. # وقوله ( @QUR@01 مصدقا ) منصوب على الحال المقدرة من يحيى ، أى على الحال ~~التي سيكون عليها في المستقبل ، والمراد بهذا التصديق الإيمان بعيسى كما ~~سبق أن أشرنا قيل : هو أول من آمن بعيسى وصدق أنه كلمة الله وروح منه ms0783 (1). # و «من» في قوله ( @QUR@02 من الله ) للابتداء. والجار والمجرور متعلق ~~بمحذوف صفة لكلمة ، أى مصدقا بكلمة كائنة من الله تعالى # والصفة الثانية : من صفات يحيى عبر عنها القرآن بقوله «وسيدا» والسيد كما ~~يقول القرطبي الذي يسود قومه وينتهى إلى قوله. وأصله سيود يقال : فلان أسود ~~من فلان على وزن أفعل من السيادة ، ففيه دلالة على تسمية الإنسان سيدا. وفي ~~الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبنى قريظة عند ما دخل سعد بن ~~معاذ «قوموا إلى سيدكم» وفي الصحيحين أنه قال في الحسن «إن ابني هذا سيد ~~ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (2). PageV02P096 # والمراد أن يحيى عليه السلام من صفاته أنه سيكون سيدا ، أى يفوق غيره في ~~الشرف والتقوى وعفة النفس ، بأن يكون مالكا لزمامها ، ومسيطرا على أهوائها. # والصفة الثالثة : من صفاته عبر عنها القرآن بقوله : ( @QUR@01 وحصورا ) ~~وأصل الحصر : المنع والحبس. يقال حصرنى الشيء وأحصرنى إذا حبسني. # والمراد أن يحيى عليه السلام من صفاته أنه سيكون حابسا نفسه عن الشهوات ، ~~حتى لقد قيل عنه إنه امتنع عن الزواج وهو قادر على ذلك زهادة منه واستعفافا ~~، وليس صحيحا ما قيل من أنه كان لا يأتى النساء لعدم قدرته على ذلك. # قال ابن كثير : وقد قال القاضي عياض في كتابه الشفاء : اعلم أن ثناء الله ~~على يحيى بأنه كان ( @QUR@01 حصورا ) معناه أنه معصوم من الذنوب ، أى لا ~~يأتيها كأنه حصور عنها. وقيل : مانعا نفسه من الشهوات ، وقيل ليست له شهوة ~~في النساء وقد بان لك من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص ، وإنما الفضل ~~في كونها موجودة ثم يمنعها إما بمجاهدة كعيسى أو بكفاية من الله تعالى ~~كيحيى عليه السلام ثم هي في حق من قدر عليها وقام بالواجب فيها ولم تشغله عن ~~ربه : درجة عليا وهي درجة نبينا صلى الله عليه وسلم الذي لم تشغله كثرتهن عن ~~عبادة ربه ، بل زاده ذلك عبادة بتحصينهن وهدايته لهن .. والمقصود أن مدح ~~يحيى بأنه حصور ليس معناه أنه ms0784 لا يأتى النساء ، بل معناه أنه معصوم من ~~الفواحش والقاذورات ، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال وغشيانهن ~~وإيلادهن بل قد يفهم وجود النسل له من دعاء زكريا المتقدم حيث قال : ( ~~@QUR@06 هب لي من لدنك ذرية طيبة ) كأنه قال ولدا له ذرية ونسل وعقب (1). # أما الوصف الرابع : من أوصاف يحيى عليه السلام فهو قوله تعالى ( @QUR@03 ~~ونبيا من الصالحين ) وفي هذا الوصف بشارة ثانية لزكريا بأن ابنه سيكون من ~~الأنبياء الذي اصطفاهم الله لتبليغ دعوته إلى الناس ، وهذه البشارة أسمى ~~وأعلى من الأولى التي أخبره الله فيها بولادة يحيى ، لأن النبوة منزلة لا ~~تعدلها منزلة في الشرف والفضل. # ثم حكى القرآن بعد ذلك ما قاله زكريا بعد أن ساقت له الملائكة تلك ~~البشارات السارة فقال تعالى : ( @QUR@011 قال رب أنى يكون لي غلام وقد ~~بلغني الكبر وامرأتي عاقر ) أنى هنا بمعنى كيف. و «عاقر» أى عقيم لا تلد ~~لكبر سنها من العقر وهو العقم. يقال عقرت المرأة تعقر عقرا وعقرا فهي عاقر ~~إذا بلغت سن اليأس من الولادة. أى قال زكريا على سبيل التعجب بعد أن نادته ~~الملائكة وبشرته بما بشرته به : يا رب كيف يكون لي غلام والحال أننى قد ~~أدركنى الكبر PageV02P097 # الكامل الذي أضعفنى ، وفوق ذلك فإن امرأتى عاقر أى عقيم لا تلد لشيخوختها ~~وبلوغها العمر الذي ينقطع معه النسل؟ # قال بعضهم : وإنما قال ذلك استفهاما عن كيفية حدوث الحمل ، أو استبعادا ~~من حيث العادة ، أو استعظاما وتعجبا من قدرة الله تعالى لا استبعادا أو ~~إنكارا فلا يرد : كيف قال زكريا ذلك ولم يكن شاكا في قدرة الله تعالى (1). # والجملة الكريمة استئناف مبنى على سؤال مقدر ، كأنه قيل : فما ذا قال ~~زكريا عند ما بشرته الملائكة؟ فكان الجواب : قال رب أنى يكون لي غلام. # وقد خاطب زكريا ربه مع أن النداء له صدر من الملائكة ، للإشعار بالمبالغة ~~في التضرع وأنه قد طرح الوسائط واتجه إلى خالقه مباشرة يشكره ويظهر التعجب ~~من قدرته لأنه سبحانه أعطاه ما لم تجر العادة به. ms0785 # قال الآلوسى وقوله ( @QUR@01 يكون ) يجوز أن تكون من كان التامة فيكون ~~فاعلها هو قوله ( @QUR@01 غلام ) ويكون الظرف ( @QUR@01 أنى ) والجار ~~والمجرور ( @QUR@01 لي ) متعلقان بها. # ويجوز أن تكون من كان الناقصة و ( @QUR@01 لي ) متعلق بمحذوف وقع حالا ~~لأنه لو تأخر لكان صفة. وفي الخبر حينئذ وجهان : أحدهما ( @QUR@01 أنى ) ~~لأنها بمعنى كيف أو من أين والثاني الخبر الجار والمجرور و ( @QUR@01 أنى ) ~~منصوب على الظرفية» (2). # وقوله ( @QUR@03 وقد بلغني الكبر ) جملة حالية من ياء المتكلم ، أى ~~أصابنى الكبر وأدركنى فأضعفنى وأفقدنى قوتي. # والكبر مصدر كبر الرجل إذا أسن. وقد قال زكريا ( @QUR@03 وقد بلغني الكبر ~~) ولم يقل وقد بلغت الكبر للإشارة إلى الكبر قد تابعه ولازمه حتى أصابه ~~بالضعف والآلام والأسقام. # وقوله ( @QUR@02 وامرأتي عاقر ) جملة حالية أيضا إما من ياء ( @QUR@01 لي ~~) أو ياء ( @QUR@01 بلغني ). # فأنت ترى أن زكريا عليه السلام قد أظهر التعجب عند ما بشرته الملائكة ~~بغلامه يحيى لأنه كان شيخا مسنا ولأن امرأته كانت عقيما لا تلد إما لكبر ~~سنها أيضا وإما لأنها من الأصل كانت على غير استعداد للحمل والإنجاب. # قال ابن عباس : كان زكريا يوم بشر بيحيى ابن عشرين ومائة سنة وكانت ~~امرأته بنت ثمان وتسعين سنة» (3). PageV02P098 # ثم حكى القرآن أن الله تعالى قد رد على زكريا بما يزيل عجبه ويمنع حيرته ~~فقال تعالى ، ( @QUR@06 قال كذلك الله يفعل ما يشاء ). # أى قال سبحانه : مثل ذلك الفعل العجيب والصنع البديع الذي رأيته من أن ~~يكون لك غلام وأنت شيخ كبير وامرأتك عاقر مثل ذلك الفعل يفعل الله ما يشاء ~~أن يفعله ، لأنه سبحانه هو خالق الأسباب والمسببات ولا يعجزه شيء في هذا ~~الكون ، وبقدرته أن يغير ما جرت به العادات بين الناس. # فالجملة الكريمة بجانب تضمنها إقناع زكريا وإزالة عجبه ، تتضمن أيضا ~~تقرير قضية عامة وهي أن الله تعالى يفعل ما يشاء أن يفعله بدون تقيد ~~بالأسباب والمسببات والعادات فهو الفعال لما يريد. # ثم حكى القرآن أن زكريا لشدة لهفته على تحقق البشارة سأل ربه أن يجعل له ~~علامة تكون دليلا على تحقيق ms0786 الحمل عند زوجته فقال تعالى : ( @QUR@05 قال رب ~~اجعل لي آية ). # أى قال زكريا مناجيا ربه : يا رب إنى أسألك أن تجعل لي ( @QUR@01 آية ) ~~أى : علامة تدلني على حصول الحمل عند زوجتي : لأبادر إلى القيام بشكر هذه ~~النعمة شكرا جزيلا ولأقوم بحقها حق القيام. # وقد أجابه سبحانه إلى طلبه فقال : ( @QUR@09 قال آيتك ألا تكلم الناس ~~ثلاثة أيام إلا رمزا ). # أى قال الله تعالى لعبده زكريا : آيتك أى علامتك ألا تقدر على كلام الناس ~~من غير آفة في لسانك لمدة ثلاثة أيام إلا ( @QUR@01 رمزا ) أى إلا عن طريق ~~الإيحاء والإشارة. # وأصل الرمز الحركة. يقال ارتمز أى تحرك ، ومنه قيل للبحر الراموز وفعله ~~من باب نصر وضرب. ثم أطلق الرمز على الإيماء بالشفتين أو بالحاجبين وعلى ~~الإشارة باليدين وهو المراد هنا. # قال صاحب الكشاف : قال الله تعالى لزكريا آيتك ألا تقدر على تكليم الناس ~~ثلاثة أيام : وإنما خص تكليم الناس ليعلمه أنه يحبس لسانه عن القدرة على ~~تكليمهم خاصة مع إبقاء قدرته على التكلم بذكر الله. ولذلك قال : ( @QUR@06 ~~واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار ) يعنى في أيام عجزك عن تكليم الناس ~~وهي من الآيات الباهرة ، فإن قلت : لم حبس لسانه عن كلام الناس؟ قلت : ~~ليخلص المدة لذكر الله لا يشغل لسانه بغيره ، توفرا منه على قضاء حق تلك ~~النعمة الجسيمة وشكرها الذي طلب الآية من أجله ، كأنه لما طلب الآية من أجل ~~الشكر قيل له : آيتك أن يحبس لسانك إلا عن الشكر. وأحسن الجواب وأوقعه ما ~~كان مشتقا من السؤال ومنتزعا منه ( @QUR@02 إلا رمزا ) أى : إلا إشارة بيد ~~أو رأس أو غيرهما (1). PageV02P099 # وعلى رأى صاحب الكشاف يكون احتباس لسان زكريا عن كلام الناس اضطراريا ~~وليس عن اختيار منه. # ويمكن أن يقال. إن المراد بقوله تعالى ( @QUR@09 قال آيتك ألا تكلم الناس ~~ثلاثة أيام إلا رمزا ).. أن زكريا عليه السلام عند ما طلب آية يعرف بها أن ~~زوجته قد حملت بهذا الغلام الذي بشره الله به ، أخبره سبحانه أن العلامة ~~على ذلك أن يوفق إلى ms0787 خلوص نفسه من شواغل الدنيا حتى أنه ليجد نفسه متجها ~~اتجاها كليا إلى ذكر الله وتمجيده وتسبيحه ، دون أن يكون عنده أى دافع إلى ~~كلام الناس أو مخالطتهم مع قدرته على ذلك ، وعلى هذا يكون انصراف زكريا ~~عليه السلام عن كلام الناس اختياريا وليس اضطراريا كما يرى صاحب الكشاف. # ثم أمره الله تعالى بالإكثار من ذكره وتسبيحه فقال : ( @QUR@06 واذكر ربك ~~كثيرا وسبح بالعشي والإبكار ). # و ( @QUR@01 بالعشي ) جمع عشية وقيل : هو واحد وذلك من حين تزول الشمس ~~إلى أن تغيب ، وأما ( @QUR@01 الإبكار ) فمصدر أبكر يبكر إذا خرج للأمر في ~~أول النهار .. ومنه الباكورة لأول الثمرة. والمراد به هنا الوقت الذي يكون ~~من طلوع الفجر إلى الضحى. # أى عليك أن تكثر من ذكر الله تعالى ومن تسبيحه في أول النهار وفي آخره ~~وفي كل وقت لا سيما في تلك الأيام الثلاثة شكرا الله تعالى على ما أعطاك من ~~نعم جليلة لا تحصى ، فقد وهبك الذرية بعد أن بلغت من الكبر عتيا ، وجعل هذا ~~المولود من أنبياء الله الذين اصطفاهم لتبليغ رسالته. # وفي هذا الأمر الإلهى لزكريا حصن لكل عاقل على الإكثار من ذكر الله من ~~تسبيحه وتمجيده لأن ذكر الله به تطمئن القلوب. وتسكن النفوس وتغسل الخطايا ~~والذنوب ويكفى للدلالة على فضل الذكر أن الله تعالى أمر به حتى في حالة ~~الحرب فقال : ( @QUR@013 يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا ~~واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ). # وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ساقت لنا جانبا من قصة زكريا عليه السلام ~~فيه الكثير من العبر والعظات لقوم يعقلون. # وبعد أن بين سبحانه ما يدل على مظاهر قدرته في ولادة يحيى عليه السلام حيث ~~وهبه لوالديه بعد أن بلغا مبلغا كبيرا من العمر يستبعد معه في العادة ~~الإنجاب .. بعد أن بين كل ذلك ساق قصة أخرى أدل على قدرة الله ونفاذ إرادته ~~من قصة ولادة يحيى ، وهذه القصة هي قصة ولادة عيسى عليه السلام من غير أب. ~~وقد مهد القرآن لولادة عيسى ببيان أن PageV02P100 # الله ms0788 تعالى قد اصطفى أمه مريم وطهرها من كل فاحشة ، وفضلها على نساء ~~زمانها ، وصانها من كل ما يخدش المروءة والشرف. استمع إلى القرآن الكريم ~~وهو يحكى ذلك بأسلوبه البليغ الحكيم فيقول : # ( @QUR@013 وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على ~~نساء العالمين (42) @QUR@08 يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين ~~(43) @QUR@020 ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون ~~أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون (44) @QUR@021 إذ قالت ~~الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها ~~في الدنيا والآخرة ومن المقربين (45) @QUR@07 ويكلم الناس في المهد وكهلا ~~ومن الصالحين (46) @QUR@023 قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال ~~كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) (47) # وقوله تعالى ( @QUR@05 وإذ قالت الملائكة يا مريم .. ) إلخ معطوف على ~~قوله : ( @QUR@011 إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني ).. إلخ ~~عطف القصة على القصة ، فإن الله تعالى بعد أن ذكر ما قالته امرأة عمران عند ~~ما أحست بالحمل. وبعد ولادتها لمريم ، وما كان من شأنها وتربيتها وكفالتها ~~بعد أن ذكر ذلك ، بين سبحانه ما كان من أمر مريم بعد أن بلغت رشدها واكتمل ~~تكوينها ، وجاء بقصة زكريا بين قصة الأم وابنتها لما بينهما من مناسبة إذ ~~أن دعاء زكريا ربه كان سببه ما رآه من إكرام الله سبحانه لمريم ولأن الكل ~~لبيان اصطفاء آل عمران. PageV02P101 # والمعنى ، واذكر يا محمد للناس وقت أن قالت الملائكة لمريم التي تقبلها ~~ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا يا مريم ( @QUR@03 إن الله اصطفاك ) أى ~~اختارك واجتباك لطاعته ، وقبلك لخدمة بيته ( @QUR@01 وطهرك ) من الأدناس ~~والأقذار ، ومن كل ما يتنافى مع الخلق الحميد ، والطبع السليم ( @QUR@04 ~~واصطفاك على نساء العالمين ) بأن وهب لك عيسى من غير أب دون أن يمسسك بشر. ~~وجعلك أنت وهو آية للعالمين. # فأنت ترى أن الله تعالى قد مدح مريم مدحا عظيما بأن شهد لها بالاصطفاء ~~والطهر والمحبة ms0789 ، وأكد هذا الخبر للاعتناء بشأنه ، والتنويه بقدره. # قال الفخر الرازي ما ملخصه : # والاصطفاء الأول إشارة إلى ما اتفق لها من الأمور الحسنة في أول عمرها ~~بأن قبل الله تعالى تحريرها أى خدمتها لبيته ، مع أنها أنثى ولم يحصل مثل ~~هذا المعنى لغيرها من الإناث ، وبأن فرغها لعبادته وخصها في هذا المعنى ~~بأنواع اللطف والهداية والعصمة ، وبأن كفاها أمر معيشتها فكان يأتيها رزقها ~~من عند الله .. # وأما الاصطفاء الثاني فالمراد به أنه تعالى وهب لها عيسى عليه السلام من ~~غير أب ، وجعلها وابنها آية للعالمين» (1). # ولا شك أن ولادتها لعيسى من غير أب ودون أن يمسها بشر ، هو أمر اختصت به ~~مريم ولم تشاركها فيه امرأة قط في أى زمان أو مكان ، فهي أفضل النساء في ~~هذه الحيثية. # أما من حيث قوة الإيمان ، وصلاح الأعمال فيجوز أن يحمل اصطفاؤها على نساء ~~العالمين على معنى تفضيلها على عالمي زمانها من النساء وبعضهم يرى أفضليتها ~~على جميع النساء في سائر الأعصار. # هذا وقد أورد ابن كثير عددا من الأحاديث التي وردت في فضل مريم وفي فضل ~~غيرها من النساء ، ومن ذلك ما أخرجه الشيخان عن على بن أبى طالب أنه قال : ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «خير نسائها مريم بنت عمران ، وخير ~~نسائها خديجة بنت خويلد» وروى الترمذي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال : «حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة ~~بنت محمد ، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون» وأخرج البخاري عن أبى موسى ~~الأشعرى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «كمل من الرجال كثير ولم ~~يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون. ومريم بنت عمران ، وإن فضل عائشة على ~~النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» (2). PageV02P102 # وقول الملائكة لمريم إن الله اصطفاك وطهرك .. إلخ الراجح أنهم قالوه لها ~~مشافهة ، لأن هذا ما يدل عليه ظاهر الآية ، وإليه ذهب صاحب الكشاف فقد قال ~~: روى أنهم كلموها شفاها معجزة لزكريا ، أو إرهاصا لنبوة ms0790 عيسى عليه السلام (1). # وقال الجمل قوله : ( @QUR@03 وإذ قالت الملائكة ) أى مشافهة لها بالكلام ~~، وهذا من باب التربية الروحية بالتكاليف الشرعية المتعلقة بحال كبرها بعد ~~التربية الجسمانية اللائقة بحال صغرها» (2). # وقيل كان خطابهم لها بالإلهام أو بالرؤيا الصادقة في النوم. # والأول أولى لأنه هو الظاهر من الآية ، ولأنه الموافق لأقوال جمهور ~~المفسرين ، ولأنه جاء صريحا في آيات أخرى أن الملك قد تمثل لها بشرا سويا ~~وكلمها ، وذلك في قوله تعالى في سورة مريم : ( @QUR@038 واذكر في الكتاب ~~مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا. فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها ~~روحنا فتمثل لها بشرا سويا. قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا. قال ~~إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا ). # قال الآلوسى : «واستدل بهذه الآية من ذهب إلى نبوة مريم : لأن تكليم ~~الملائكة يقتضيها ومنعها اللقاني وغيره من العلماء ، لأن الملائكة قد كلموا ~~من ليس بنبي إجماعا ، فقد جاء في الحديث الشريف أنهم كلموا رجلا خرج لزيارة ~~أخ له في الله ، وأخبروه بأن الله يحبه كما أحب هو أخاه ، ولم يقل أحد ~~بنبوته فكلام الملائكة لمريم لا يقتضى نبوتها وهو الصحيح» (3). # ثم حكى القرآن أن الملائكة أمرت مريم بأن تكثر من عبادة الله تعالى ومن ~~المداومة على طاعته شكرا له فقال تعالى : # ( @QUR@08 يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين ). # القنوت. لزوم الطاعة والاستمرار عليها ، مع استشعار الخشوع والخضوع الله ~~رب العالمين. # أى : قالت الملائكة أيضا لمريم : يا مريم أخلصى العبادة لله وحده وداومى ~~عليها ، وأكثرى من السجود الله ومن الركوع مع الراكعين ، فإن ملازمة ~~الطاعات والصلوات من شأنها أن تحفظ النعم وأن تزيد الإنسان قربا وحبا من ~~خالقه عز وجل . # فالآية الكريمة دعوة قوية من الله تعالى لمريم ولعباده جميعا بالمحافظة ~~على العبادات PageV02P103 # ولا سيما الصلاة في جماعة. # قال صاحب الكشاف : أمرت بالصلاة بذكر القنوت والسجود لكونهما من هيئة ~~الصلاة وأركانها ثم قيل لها ( @QUR@03 واركعي مع الراكعين ) بمعنى ولتكن ~~صلاتك مع المصلين أى في الجماعة ، أو انظمى نفسك في ms0791 جملة المصلين وكوني ~~معهم في عدادهم ولا تكوني في عداد غيرهم (1). # فأنت ترى في هاتين الآيتين أسمى ألوان المدح والتكريم والتهذيب لمريم ~~البتول ، فلقد أخبر سبحانه باصطفائها صغيرة وكبيرة ، وبطهرها من كل سوء ، ~~والإشارة إلى الطهر هنا إشارة ذات مغزى ، وذلك لما لا بس مولد عيسى ~~عليه السلام من خوارق ، هذه الخوارق جعلت اليهود يفترون الكذب على مريم ، ~~ويتهمونها زورا وبهتانا بما هي بريئة منه ، ثم بعد ذلك يأمرها سبحانه ~~بمداومة الطاعة والعبادة والخضوع الله رب العالمين. # وبذلك يتبين لكل ذي عقل سليم أن الإسلام الذي جاء به محمد ~~صلى الله عليه وسلم هو الدين الحق ، لأنه قد قال القول الحق في شأن مريم ~~وابنها عيسى عليه السلام أما أهل الكتاب من اليهود والنصارى فقد اختلفوا في ~~شأنهما اختلافا عظيما أدى بهم إلى الضلال والخسران. # ثم بين سبحانه أن ما جاء به القرآن في شأن مريم بل وفي كل شأن من الشئون ~~هو الحق الذي لا يحوم حوله باطل ، وهو من أنباء الغيب التي لا يعلمها أحد ~~سواه فقال تعالى : ( @QUR@06 ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ). # واسم الإشارة ( @QUR@01 ذلك ) يعود إلى ما تقدم الحديث عنه من قصة امرأة ~~عمران وقصة زكريا وغير ذلك من الأخبار البديعة. # والأنباء : جمع نبأ ، وهو الخبر العظيم الشأن. # والغيب : مصدر غاب ، وهو الأمر المغيب المستور الذي لا يعلم إلا من قبل ~~الله تعالى . # ونوحيه : من الإيحاء وهو إلقاء المعنى إلى الغير على وجه خفى ، ويكون ~~بمعنى إرسال الملك إلى الأنبياء وبمعنى الإلهام. # أى : ذلك القصص الحكيم الذي قصصناه عليك يا محمد ، فيما يتعلق بما قالته ~~امرأة عمران وما قاله زكريا ، وما قالته الملائكة لمريم وفيما يتعلق بغير ~~ذلك من شئون ذلك القصص الحكيم هو من أنباء الغيب التي لا يعلمها أحد سوى ~~الله عز وجل وقد أخبرناك بها لتكون دليلا على صدقك فيما تبلغه عن ربك ولتكون ~~عبرة وذكرى لقوم يعقلون. PageV02P104 # وقوله ( @QUR@01 ذلك ) مبتدأ وخبره قوله تعالى ( @QUR@03 من أنباء الغيب ~~) والجملة مستأنفة لا محل لها ms0792 من الإعراب. وقوله ( @QUR@02 نوحيه إليك ) ~~جملة مستقلة مبينة للأولى. والضمير في ( @QUR@01 نوحيه ) يعود إلى الغيب أى ~~الأمر والشأن أنا نوحي إليك الغيب ونعلمك به ، ونظهرك على قصص من تقدمك مع ~~عدم مدارستك لأهل العلم والأخبار. # ولذا قال تعالى ( @QUR@014 وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل ~~مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون ) والأقلام جمع قلم وهي التي كانوا يكتبون ~~بها التوراة ، وقيل المراد بها السهام. # أى وما كنت يا محمد لديهم أى عندهم معاينا لفعلهم وما جرى من أمرهم في ~~شأن مريم ، ( @QUR@03 إذ يلقون أقلامهم ) التي جعلوا عليها علامات يعرف بها ~~من يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون فيما بينهم بسببها تنافسا في ~~كفالتها. # وقد سبق أن ذكرنا ما قاله صاحب الكشاف من أن مريم بعد أن ولدتها أمها ~~خرجت بها إلى بيت المقدس فوضعتها عند الأحبار وقالت لهم : دونكم هذه ~~النذيرة!! فقالوا : هذه ابنة إمامنا عمران وكان في حياته يؤمهم في الصلاة ، ~~فقال لهم زكريا : ادفعوها إلى فأنا أحق بها منكم فإن خالتها عندي فقالوا لا ~~حتى نقترع عليها فانطلقوا إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم فارتفع قلم زكريا فوق ~~الماء ورسبت أقلامهم ، فتولى كفالتها زكريا عليه السلام (1). فالضمير في ~~قوله ( @QUR@01 لديهم ) يعود على المتنازعين في كفالة مريم لأن السياق قد ~~دل عليهم. # والمقصود من هذه الجملة الكريمة «وما كنت لديهم إذ يلقون إلخ تحقيق كون ~~الإخبار بما ذكر إنما هو عن وحى من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم لأن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن معاصرا لهؤلاء الذين تحدث القرآن عنهم. ولم ~~يقرأ أخبارهم في كتاب من الكتب ، ومع ذلك فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~أهل الكتاب وغيرهم بالحق الذي لا يستطيعون تكذيبه إلا على سبيل الحسد ~~والجحود ، فثبت أن القرآن من عند الله تعالى ( @QUR@010 ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ). # ثم حكى سبحانه ما قالته الملائكة لمريم على سبيل تبشيرها بعيسى ~~عليه السلام فقال تعالى ( @QUR@015 إذ قالت الملائكة ms0793 يا مريم إن الله يبشرك ~~بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم ). # وهذه الجملة الكريمة بدل اشتمال من جملة ( @QUR@08 وإذ قالت الملائكة يا ~~مريم إن الله اصطفاك ). # إلخ قالوا : ولا يضر الفصل إذ الجملة الفاصلة بين البدل والمبدل منه ~~اعتراض جيء به تقريرا لما سبق ؛ وتنبيها على استقلاله. PageV02P105 # والظرف ( @QUR@01 إذ ) معمول لمحذوف تقديره اذكر ، أى اذكر وقت أن قالت ~~الملائكة لمريم ، يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه. # وقوله يبشرك ( @QUR@02 بكلمة منه ) أى يبشرك بمولود يحصل بكلمة منه ~~سبحانه وسمى هذا المولود كلمة لأنه وجد بكلمة كن فهو من باب إطلاق السبب ~~على المسبب. # والمراد أنه وجد من غير واسطة أب ، لأن غيره وإن وجد بتلك الكلمة لكنه ~~بواسطة أب ، أى أنه سبحانه إذا كان قد خلق الناس بطريق التناسل عن ذكر ~~وأنثى وأخرج الأولاد من أصلاب الآباء ، فإن عيسى عليه السلام لم يكن كذلك ، ~~بل خلقه الله تعالى خلقا آخر ، خلقه ( @QUR@02 بكلمة منه ) وهي «كن» فكان ~~كما أراده الله و «من» في قوله «منه» لابتداء الغاية والجار والمجرور متعلق ~~بمحذوف صفة لكلمة : أى بكلمة كائنة منه. # فالمراد بقوله «كلمة» أى يبشر بولد حي يسرى عليه حكم الأحياء اسمه المسيح ~~عيسى ابن مريم وعلى هذا التأويل سار كثير من المفسرين. # ورجح ابن جرير أن معنى ( @QUR@02 بكلمة منه ) ببشرى منه سبحانه فقد قال : ~~وقوله «بكلمة منه» يعنى برسالة من الله وخير من عنده وهو من قول القائل : ~~ألقى إلى فلان كلمة سرني بها بمعنى أخبرنى خبرا فرحت به .. فتأويل الكلام : ~~وما كنت يا محمد عند القوم إذ قالت الملائكة لمريم إن الله يبشرك ببشرى من ~~عنده ، هي ولدك اسمه المسيح عيسى ابن مريم» (1). # وعلى كلا التأويلين ففي التعبير عن عيسى عليه السلام بأنه كلمة من الله ~~تكريم له وتشريف ، وقوله ( @QUR@02 اسمه المسيح ) مبتدأ وخبر ، والجملة ~~نعت. والضمير في قوله ( @QUR@01 اسمه ) يعود إلى كلمة. وجاء مذكرا رعاية ~~للمعنى لأننا سبق بينا أن المراد بها عند كثير من المفسرين الولد. # والمسيح : لقب من ms0794 الألقاب المشرفة كالصديق والفاروق ، وأصله مشيحا ~~بالعبرانية ومعناه المبارك. وقد حكى الله تعالى أنه قال عن نفسه ( @QUR@018 ~~إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا. وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني ~~بالصلاة والزكاة ما دمت حيا ) وقيل المسيح فعيل بمعنى فاعل ، للمبالغة في ~~مسحه الأرض بالسياحة للعبادة : أو مسحه ذا العاهة ليبرأ. أو بمعنى مفعول أى ~~ممسوح لأن الله مسحه بالطهر من الذنوب. # وعيسى : اسم لهذا الاسم الكريم ، وهو اسم ينبئ عن البياض والصفاء ~~والنقاء. # قال الراغب : عيسى اسم علم ، وإذا جعل عربيا أمكن أن يكون من قولهم بعيرا عيسى PageV02P106 # وناقة عيساء وجمعها عيس وهي إبل بيض يعترى بياضها بعض الظلمة» (1) أى ~~فيها اغبرار قليل يعطى بياضها صفاء ونقاء وجمالا. # وابن مريم : هو كنيته ، وهي للإشارة إلى أن نسبه ثابت لأمه لا لأحد سواها ~~وليس ابنا الله تعالى كما قال الضالون. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم قيل عيسى ابن مريم والخطاب لمريم؟ قلت : ~~لأن الأبناء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات ، فأعلمت بنسبه إليها أنه ~~يولد من غير أب فلا ينسب إلا إلى أمه. وبذلك فضلت واصطفيت على نساء ~~العالمين : فإن قلت لم ذكر ضمير الكلمة. قلت لأن المسمى بها مذكر. فإن قلت ~~: لم قيل اسمه المسيح عيسى ابن مريم وهذه ثلاثة أشياء : الاسم منها عيسى ~~وأما المسيح والابن فلقب وصفة؟ قلت : الاسم المسمى علامة يعرف بها ويتميز ~~من غيره ، فكأنه قيل : الذي يعرف به ويتميز ممن سواه مجموع هذه الثلاثة» (2). # والمعنى الإجمالى للجملة الكريمة : اذكر يا محمد وقت أن قالت الملائكة ~~لمريم : يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه أى بمولود يحصل بكلمة منه بلا ~~واسطة أب ، هذا المولود العجيب اسمه الذي يميزه لقبا المسيح ويميزه علما ~~عيسى ويميزه كنية ابن مريم. # فأنت ترى أنه سبحانه قد عرف هذا المولود العظيم بتعريف واحد جمع ثلاثة ~~أمور كل واحد منها يشير إلى معنى كريم قد تحقق في هذا النبي العظيم ومجموع ~~هذه الأمور لا يشاركه فيها أحد من البشر ، ثم ms0795 بعد ذلك وصفه سبحانه بأربعة ~~أوصاف تدل على فضله وعلو منزلته فقال تعالى ( @QUR@013 وجيها في الدنيا ~~والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين ). # أما الصفة الأولى فهي قوله تعالى : ( @QUR@04 وجيها في الدنيا والآخرة ) ~~أى ذا جاه وشرف ومنزلة عالية. يقال وجه الرجل يوجه من باب ظرف وجاهة فهو ~~وجيه إذا صارت له منزلة رفيعة عند الناس. واشتقاقه من الوجه لأنه أشرف ~~الأعضاء ولأنه هو الذي يواجه الإنسان به غيره. # وعيسى عليه السلام ، شهد الله تعالى له ، وكفى بالله شهيدا شهد له ~~بالوجاهة وسمو المنزلة في الدنيا والآخرة لما له من آثار عظيمة في هداية ~~الناس وإخراجهم من الظلمات إلى PageV02P107 # النور ، ودعوتهم إلى وحدانية الله وإلى مكارم الأخلاق ، وإقامة التوراة ~~بعد أن اختلفوا فيها. # والصفة الثانية من صفاته أنه ( @QUR@02 من المقربين ) أى أنه من المقربين ~~عند الله تعالى ويا لها من صفة عظيمة هي منتهى ما تتطلع إليه النفوس وتهفو ~~القلوب. # وأما الصفة الثالثة من صفات عيسى عليه السلام فهي قوله تعالى ( @QUR@05 ~~ويكلم الناس في المهد وكهلا ) وهذه الجملة معطوفة على قوله ( @QUR@01 وجيها ~~) وعطف الفعل على الاسم لتأويله به جائز والتقدير وجيها ومكلما ، والمهد ~~اسم لمضجع الطفل أى المكان الذي يهيأ له وهو في الرضاعة. والكهل : هو الشخص ~~الذي اجتمعت قوته وكمل شبابه. وهو مأخوذ من قول العرب اكتهل النبات إذا قوى وتم. # والمراد أن عيسى عليه السلام يكلم الناس في حال كونه صغيرا قبل أوان ~~الكلام ، كما يكلمهم في حال كهولته واكتمال شبابه ، فهو عليه السلام يكلمهم ~~بكلام الأنبياء من غير تفاوت بين حالتي الطفولة والكهولة ، وذلك إحدى ~~معجزاته عليه السلام وقد حكى القرآن في سورة مريم ما تكلم به عيسى ~~عليه السلام وهو طفل صغير فقال تعالى : ( @QUR@044 فأشارت إليه قالوا كيف ~~نكلم من كان في المهد صبيا. قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا. ~~وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا ، وبرا ~~بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا. والسلام علي يوم ولدت ms0796 ويوم أموت ويوم أبعث ~~حيا ). # أما الصفة الرابعة من صفاته عليه السلام فهي قوله تعالى ( @QUR@02 ومن ~~الصالحين ) أى عباد الله الصالحين لحمل رسالته وتبليغها للناس. أو من الذين ~~يصلحون ولا يفسدون ويطيعون الله تعالى ولا يعصونه ، قالوا : ولا رتبة أعظم ~~من كون المرء صالحا لأنه لا يكون كذلك إلا إذا كان في جميع الأفعال والتروك ~~مواظبا على المنهج الأصلح ، وذلك يتناول جميع المقامات في الدين والدنيا ، ~~في أفعال القلوب وفي أفعال الجوارح ، ولذا قال سليمان عليه السلام بعد ~~النبوة ( @QUR@019 رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن ~~أعمل صالحا ترضاه ، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ) فلما عدد سبحانه ~~صفات عيسى أردفها بهذا الوصف الدال على أرفع الدرجات» (1). # تلك هي البشارات التي بشرت بها الملائكة مريم ، وتلك هي بعض صفات مولودها ~~فما ذا كان موقفها من ذلك؟ # لقد حكى القرآن أن موقفها كان يدل على بالغ عجبها ، وشدة تأثرها فقال ~~تعالى ( @QUR@01 قالت PageV02P108 # @QUR@08 رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ). # أى : قالت مريم على سبيل التعجب والاستغراب : يا رب كيف يكون لي ولد ~~والحال أنى لم يمسسني بشر ، أى لست بذات زوج ، ولم يحصل منى قط ما يكون بين ~~الرجل والمرأة مما يسبب عنه وجود الولد. # والجملة الكريمة مستأنفة استئنافا بيانيا كأنه قيل : فما ذا كان منها بعد ~~أن قالت لها الملائكة ذلك؟ فكان الجواب : ( @QUR@06 قالت رب أنى يكون لي ~~ولد ).. ألخ. # وصدرت إجابتها بالنداء الله تعالى للإشعار بكمال تسليمها للقدرة الإلهية ~~وأن استغرابها وتعجبها إنما هو من الكيفية لا إنكارا لقدرة الله تعالى ~~وجملة ( @QUR@03 ولم يمسسني بشر ) حالية محققة لما مر ومقوية له. # والمسيس يحتمل أن يكون كناية عن المباشرة التي تقع بين الرجل والمرأة ~~والتي يترتب عليها وجود النسل إذا شاء الله ذلك ، ويحتمل أن يكون المراد به ~~حقيقته وهو أنها لم يلمسها رجل ، لأنها كانت معتكفة في بيت الله ومنصرفة ~~لعبادته ، ولم يلمس جسمها رجل من غير محارمها قط. وبذلك ينتفى بالأولى ما ~~هو أبلغ ms0797 من مجرد اللمس ، فموضع عجبها واستنكارها إنما هو وجود ولد منها مع ~~أنها لم يمسسها بشر. # وهنا يحكى القرآن أن الله تعالى قد أزال عجبها واستنكارها بقوله : ( ~~@QUR@06 قال كذلك الله يخلق ما يشاء ). # أى قال الله تعالى لها بلا واسطة أو بواسطة ملائكة : كهذا الخلق الذي ~~تجدينه ، بأن يكون لك ولد من غير أن يمسسك بشر وهو إبداع ، يخلق الله تعالى ~~ويبدع ما يشاء ويريد إبداعه لا راد لمشيئته ولا معقب لحكمه. # وبعضهم يجعل الوقوف على «كذلك» فتكون خبرا لمبتدأ محذوف أى قال سبحانه في ~~إجابته على مريم : الأمر كذلك أى يأتى الولد منك على الحالة التي أنت عليها ~~لأن الله تعالى يخلق ما يشاء أن يخلقه بدون احتياج إلى وجود الأسباب ~~والمسببات لأنه هو خالقه وخالق كل شيء ، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في ~~السماء. # وصرح هاهنا بقوله ( @QUR@03 يخلق ما يشاء ) ولم يقل «يفعل» كما في قصة ~~زكريا ، لما أن ولادة العذراء من غير أن يمسسها بشر أبدع وأغرب من ولادة ~~عجوز عاقر من شيخ كبير ، فكان الخلق المنبئ عن الاختراع أنسب بهذا المقام ~~عن مطلق الفعل. PageV02P109 # ثم أكد سبحانه عظيم قدرته ونفاذ إرادته بقوله : ( @QUR@08 إذا قضى أمرا ~~فإنما يقول له كن فيكون ). # وقضى هنا بمعنى أراد ، أى إذا أراد سبحانه شيئا ، فإنما يقول لهذا الشيء ~~كن فيكون من غير تأخر ومن غير وجود أسباب ، فهو كقوله تعالى ( @QUR@06 وما ~~أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ) أى إنما نأمره مرة واحدة لا تثنية فيها ~~فيكون ذلك الشيء سريعا كلمح البصر. # قال الآلوسى : وقوله ( @QUR@08 إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) ~~هذا عند الأكثرين تمثيل لتأثير قدرته في مراده بأمر المطاع للمطيع في حصول ~~المأمور من غير امتناع وتوقف وافتقار إلى مزاولة عمل واستعمال آلة ، فالمثل ~~الشيء المكون بسرعة من غير عمل وآلة ، والمثل به أمر الآمر المطاع المأمور ~~المطيع على الفور ، وهذا اللفظ مستعار لذلك منه. # وأنت تعلم أنه يجوز فيه أن يكون حقيقة ، بأن يراد تعلق الكلام النفسي ms0798 ~~بالشيء الحادث على أن كيفية الخلق على هذا الوجه. # وعلى كلا التقديرين فالمراد من هذا الجواب بيان أن الله تعالى لا يعجزه ~~أن يخلق ولدا من غير أب ، لأنه أمر ممكن في نفسه فيصح أن يكون متعلق ~~الإرادة والقدرة (1). # وبذلك تكون الآيات الكريمة قد حكت لنا بعض البشارات التي بشرت بها ~~الملائكة مريم وبعض الصفات التي وصف الله تعالى بها عيسى ، وبينت جانبا من ~~مظاهر قدرة الله تعالى ونفاذ إرادته ، وفي ذلك ما فيه من العظات والعبر ~~لأولى الألباب. # ثم واصل القرآن حديثه عن صفات عيسى عليه السلام وعن معجزاته فقال تعالى : # ( @QUR@05 ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل (48) @QUR@035 ورسولا ~~إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة ~~الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحي الموتى ~~بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون PageV02P110 # @QUR@010 في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين (49) @QUR@019 ~~ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية ~~من ربكم فاتقوا الله وأطيعون (50) @QUR@08 إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا ~~صراط مستقيم ) (51) # فأنت ترى في هذه الآيات الكريمة بيانا حكيما عن طبيعة رسالة عيسى ~~عليه السلام وعن معجزاته التي أكرمه الله تعالى بها. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ) ~~معطوف على ( @QUR@01 يبشرك ) أى : يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه .. وإن ~~الله يعلم ذلك المولود المعبر عنه بالكلمة الكتاب ، وقرأ بعضهم ونعلمه ~~الكتاب .. وعلى هذه القراءة تكون هذه الجملة معمولة لقول محذوف من كلام ~~الملائكة أى ويقول الله تعالى ونعلمه .. وتكون في المعنى معطوفة على الحال ~~وهي قوله «وجيها» فكأنه قال : وجيها ومعلما. # وعلى كلتا القراءتين يجوز أن تكون الجملة مستأنفة سيقت تطييبا لقلب مريم ~~، وإراحة لما أهمها من خوف الملامة حين علمت أنها تلد من غير أن يمسها بشر. # ولقد حكى القرآن عنها في سورة مريم قولها بتحسر وألم عند ما جاءها المخاض ~~( @QUR@08 يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا ms0799 ). # والمراد بالكتاب الكتابة والخط. فإن عيسى عليه السلام قد بعثه الله تعالى ~~في أمة ارتقت فيها ألوان العلم والمعرفة فأكرمه الله بأن جعله يفوق غيره في ~~هذه النواحي. وقيل المراد بالكتاب جنس الكتب الإلهية. # قال الفخر الرازي : «والأقرب عندي أن يقال : المراد من الكتاب تعليم الخط ~~والكتابة. ثم المراد بالحكمة تعليم العلوم وتهذيب الأخلاق ، لأن كمال ~~الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به ، ومجموعهما هو المسمى ~~بالحكمة ، ثم بعد أن صار علما بالخط والكتابة ومحيطا بالعلوم العقلية ~~والشرعية يعلمه التوراة. وإنما أخر تعليم التوراة عن تعليم الخط والحكمة ، ~~لأن التوراة كتاب إلهى فيه أسرار عظيمة والإنسان ما لم يتعلم العلوم ~~الكثيرة لا يمكنه PageV02P111 # أن يخوض في البحث عن أسرار الكتب الإلهية. ثم قال في المرتبة الرابعة ~~والإنجيل. وإنما أخر ذكر الإنجيل عن التوراة لأن من تعلم الخط ، ثم تعلم ~~علوم الحق ، ثم أحاط بأسرار الكتاب الذي نزل على من قبله من الأنبياء فقد ~~عظمت درجته في العلم فإذا أنزل الله عليه بعد ذلك كتابا آخر وأوقفه على ~~أسراره فذلك هو الغاية القصوى والمرتبة العليا في العلم والفهم والإحاطة ~~بالأسرار العقلية والشرعية ، والاطلاع على الحكم العلوية والسفلية» (1). # وبعد أن أشار سبحانه إلى علم الرسالة التي هيأ لها عيسى عليه السلام عقب ~~ذلك ببيان القوم الذين أرسل إليهم فقال تعالى ( @QUR@04 ورسولا إلى بني ~~إسرائيل ) أى أن الله تعالى سيجعل عيسى عليه السلام رسولا إلى بنى إسرائيل ~~لكي يهديهم إلى الصراط المستقيم ، ولكي يبشرهم برسول يأتى من بعده هو خاتم ~~الأنبياء والمرسلين ، ألا وهو محمد صلى الله عليه وسلم . # وخص بنى إسرائيل بالذكر مع أن رسالة عيسى كانت إليهم وإلى من علمها من ~~الرومان : لأن بنى إسرائيل خرج عيسى من بينهم فهو منهم ، ولأنهم هم الذين ~~كانوا يدعون أنهم أولى الناس بعلم الرسائل الإلهية ، وكانت دعوته بينهم ~~وانبعثت منهم إلى غيرهم ، فكان تخصيصهم بالذكر فيه إشارة إلى حقيقة واقعة ~~وفيه توبيخ لهم ، لأنهم أوتوا العلم برسالات الأنبياء ومع ذلك فقد ms0800 كفر كثير ~~منهم بعيسى وبغيره من رسل الله ، بل لم يكتفوا بالكفر وإنما آذوا أولئك ~~الرسل الكرام وقتلوا فريقا منهم. # وقوله ( @QUR@01 ورسولا ) منصوب بمضمر يقود إليه المعنى ، معطوف على ( ~~@QUR@01 ويعلمه ) أى يعلمه ويجعله رسولا إلى بنى إسرائيل. # وقوله ( @QUR@06 أني قد جئتكم بآية من ربكم ) معمول لقوله ( @QUR@01 ~~رسولا ) لما فيه من معنى النطق. كأنه قيل : ورسولا ناطقا بأنى قد جئتكم يا ~~بنى إسرائيل بآية من ربكم. # والباء للملابسة وهي مع مدخولها في محل الحال وقوله ( @QUR@02 من ربكم ) ~~متعلق بمحذوف صفة لآية. والمراد بالآية هنا المعجزات التي أكرمه الله بها. # أى : أن الله تعالى قد علم عيسى عليه السلام الكتاب والحكمة والتوراة ~~والإنجيل وجعله رسولا إلى بنى إسرائيل مخبرا إياهم بأنى رسول الله إليكم ~~حال كوني ملتبسا مجيئي بالمعجزات الدالة على صدقى ، وهذه المعجزات ليست من ~~عندي وإنما هي من عند ربكم. # ثم ذكر سبحانه خمسة أنواع من معجزات عيسى عليه السلام أما المعجزة الأولى PageV02P112 # فعبر عنها بقوله : ( @QUR@013 أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ ~~فيه فيكون طيرا بإذن الله ). # قال الآلوسى : «وقوله ( @QUR@03 أني أخلق لكم ).. ألخ .. بدل من قوله ( ~~@QUR@03 أني قد جئتكم ) أو من ( @QUR@01 بآية ) أو منصوب على المفعولية ~~لمحذوف أى أعنى أنى أخلق لكم .. أو مرفوع على أنه خبر لمقدر أى أنى قد ~~جئتكم بآية من ربكم هي أنى أخلق لكم. وقرأ نافع بكسر الهمزة على الاستئناف ~~، والمراد بالخلق التصوير والإبراز على مقدار معين لا الإيجاد من العدم» (1). # والمعنى أن عيسى عليه السلام قد حكى الله عنه أنه قال لبنى إسرائيل : لقد ~~أرسلنى الله إليكم لأبلغكم دعوته ، ولآمركم بإخلاص العبادة له ، وقد أعطانى ~~سبحانه من المعجزات ما يقنعكم بصدقى فيما أبلغه عن ربي ، ومن بين هذه ~~المعجزات أنى أقدر على أن أصور لكم من الطين شيئا صورته مثل صورة الطير ، ~~فأنفخ في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير فيكون طيرا حقيقيا ذا حياة بإذن ~~الله أى بأمره وإرادته. # فأنت ترى أن الجملة الكريمة قد اشتملت على ثلاثة أعمال : ثنتان منهما ms0801 ~~لعيسى وهما تصوير الطين كهيئة الطير ثم النفخ فيه. أما الثالث فهو من صنع ~~الله تعالى وحده ألا وهو خلق الحياة في هذه الصورة التي صورها عيسى ونفخ ~~فيها. وهذا يدل دلالة واضحة على أنه ليس في عيسى ألوهية ولا أى معنى من ~~معانيها. ولذا حكى الله تعالى عنه أنه قال : ( @QUR@02 بإذن الله ). # أى أنى ما فعلت الذي فعلته إلا بإذن الله وأمره وإرادته وتيسيره ، واللام ~~في قوله ( @QUR@01 لكم ) للتعليل أى أصور لأجل هدايتكم وتصديقكم بي. # والكاف في قوله ( @QUR@02 كهيئة الطير ) بمعنى مثل وهي نعت لمفعول محذوف ~~أى أخلق شيئا مثل هيئة الطير ، والهيئة هي الصورة والكيفية. # والضمير في قوله ( @QUR@02 فأنفخ فيه ) يعود إلى هذا المفعول المحذوف. # وقوله ( @QUR@02 بإذن الله ) متعلق بيكون ، وجيء به لإظهار العبودية ، ~~ونفى توهم أن يكون عيسى أو غيره شريكا الله في خلق الكائنات. # وأما النوع الثاني والثالث والرابع من المعجزات فقد حكاه القرآن في قوله ~~تعالى ( @QUR@01 وأبرئ ) أى أشفي يقال : برأ المريض يبرأ أو يبرؤ برءا ~~وبروءا إذا شفى من مرضه. # والأكمه : هو الذي يولد أعمى. يقال كمه كمها إذا ولد أعمى ، فهو أكمه ~~وامرأة كمهاء. PageV02P113 # والأبرص : هو الذي يكون في جلده بياض مشوب بحمرة وهو مرض من الأمراض ~~المنفرة التي عجز الأطباء عن شفائها. # والمعنى : أن عيسى عليه السلام قال لقومه : والمعجزات التي تدل على صدقى ~~أن أشفى وأعيد الإبصار إلى من ولد أعمى ، وأعيد الشفاء إلى من أصيب بمرض ~~البرص ، وأعيد الحياة إلى من مات. ولا أفعل كل ذلك بقدرتي وعلمي وإنما ~~أفعله بإذن الله وبإرادته وأمره. # وخص إبراء الأكمه والأبرص بالذكر لأنهما مرضان عضالان لم يصل الطب إلى ~~الآن إلى طريق للشفاء منهما فإذا أجرى الله تعالى # على يد عيسى الشفاء منهما كان ذلك دليلا على أن من وراء الأسباب ~~والمسببات خالقا مختارا لا يعجزه شيء وعلى أن الأسباب ليست مؤثرة بذاتها في ~~الإيجاد أو الإعدام وإنما المؤثر هو الله تعالى وقوله ( @QUR@04 وأحي ~~الموتى بإذن الله ) فيه تدرج من الصعب إلى الأصعب ms0802 ، لأن مما لا شك فيه أن ~~إحياء الموتى خارق عظيم ، يدل دلال قاطعة على أن الأسباب العادية ليست هي ~~المؤثرة وإنما الخالق المكون هو المؤثر وأن الأشياء لم تخلق بالعلية كما ~~يقول الماديون وإنما خلقت بالإرادة المختارة والقدرة المبدعة المنشئة ~~المكونة ، وهي إرادة خالق الكون وقدرته سبحانه. # وقيد ما يقوم به من إبراء وإحياء بأنه بإذن الله : للتنبيه على أن ما ~~يفعله من خوارق إنما هو بأمر الله وتيسيره وإرادته. # وقد ذكر المفسرون أن إبراء عيسى للأكمة والأبرص وإحياءه للموتى كان عن ~~طريق الدعاء ، وكان دعاؤه يا حي يا قيوم ، وذكروا من بين من أحياهم سام بن ~~نوح (1). # قال ابن كثير : بعث الله كل نبي بمعجزة تناسب أهل زمانه ، فكان الغالب ~~على زمان موسى السحر وتعظيم السحرة ، فبعثه الله بمعجزة بهرت الأبصار وحيرت ~~كل سحار ، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار انقادوا للإسلام. وأما ~~عيسى فبعث في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة فجاءهم من الآيات بما لا سبيل ~~لأحد إليه إلا أن يكون مؤيدا من الذي شرع الشريعة فمن أين للطبيب قدرة على ~~إحياء الجماد ، أو على مداواة الأكمه والأبرص؟ وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم ~~بعث في زمان الفصحاء والبلغاء وتجاويد الشعراء فأتاهم بكتاب من الله لو ~~اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بسورة من مثله ما استطاعوا أبدا ، وما ذاك ~~إلا أن كلام الرب لا يشبه كلام الخلق» (2). PageV02P114 # وأما المعجزة الخامسة فقد حكاها القرآن في قوله تعالى ( @QUR@07 وأنبئكم ~~بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ). # وقوله تعالى ( @QUR@01 وأنبئكم ) من الإنباء وهو الإخبار بالخبر العظيم الشأن. # وقوله ( @QUR@01 تدخرون ) من الادخار وهو إعداد الشيء لوقت الحاجة إليه. ~~يقال : دخرته وادخرته ، إذ أعدته للعقبى. وأصله «تذتخرون» بالذال المعجمة ~~من اذتخر الشيء بوزن افتعل فأبدلت التاء دالا ثم أبدلت الذال دالا وأدغمت. # والمعنى : أن عيسى عليه السلام قد قال لقومه بنى إسرائيل : وإن من معجزاتي ~~التي تدل على صدقى فيما أبلغه عن ربي أنى أخبركم بالشيء الذي تأكلونه ~~وبالشيء الذي تخبئونه في ms0803 بيوتكم لوقت حاجتكم إليه. # قال القرطبي : وذلك أنه لما أحيا لهم الموتى طلبوا منه آية أخرى وقالوا : ~~أخبرنا بما نأكل في بيوتنا وما ندخر للغد ، فأخبرهم فقال : يا فلان أنت ~~أكلت كذا وكذا ، وأنت أكلت كذا وكذا وادخرت كذا وكذا فذلك قوله ( @QUR@01 ~~وأنبئكم ) (1). # و «ما» في الموضعين موصولة ، أو نكرة موصوفة والعائد محذوف أى بما تأكلونه ~~وتدخرونه. ولا شك أن إخبار عيسى عليه السلام لقومه بالشيء الذي يأكلونه ~~وبالشيء الذي يدخرونه يدل على صدقه ، لأن هذا الإخبار الغيبى بما لم يعاينه ~~دليل على أن الله تعالى قد أعطاه علم ما أخبر به. # ثم ختم الله تعالى هذه الآية بقوله : ( @QUR@08 إن في ذلك لآية لكم إن ~~كنتم مؤمنين ). # أى إن في ذلك المذكور من المعجزات التي أجراها الله تعالى على يد عيسى ~~عليه السلام لدلالة واضحة وعلامة بينة تشهد بصدقه فيما يبلغه عن ربه ، إن ~~كنتم يا بنى إسرائيل ممن يصدق بآيات الله ويذعن لها. # فاسم الإشارة «ذلك» يعود إلى ما سبق ذكره من معجزات عيسى عليه السلام ~~وجواب الشرط محذوف والتقدير : إن كنتم مؤمنين انتفعتم بهذه الآيات وأذعنتم ~~للحق الذي جئتكم به من عند الله. # وبعد أن حكى القرآن المعجزات الباهرة التي أيد الله بها عيسى عليه السلام ~~عقب ذلك بالإشارة إلى طبيعة رسالته فقال تعالى ( @QUR@019 ومصدقا لما بين ~~يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا ~~الله وأطيعون ). PageV02P115 # وقوله تعالى ( @QUR@06 ومصدقا لما بين يدي من التوراة ) عطف على المضمر ~~الذي تعلق به قوله تعالى ( @QUR@01 بآية ) أى قد جئتكم محتجا أو ملتبسا ~~بآية من ربكم ، ومصدقا لما بين يدي .. وجوز أن يكون منصوبا بفعل دل عليه ~~«قد جئتكم» .. أى وجئتكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ، ومعنى تصديقه ~~عليه السلام للتوراة الإيمان بأن جميع ما فيها حكمة وصواب ، وأن كتابه يدعو ~~إلى الإيمان بها. # والمعنى : أن عيسى عليه السلام قال لبنى إسرائيل : إن الله تعالى قد ~~أرسلنى إليكم لهدايتكم وقد جئتكم بالمعجزات التي تثبت ms0804 صدقى. وجئتكم مصدقا ~~لما بين يدي من التوراة. أى مقررا لها ومؤمنا بها. # ومعنى ما بين يدي ما تقدم قبلي : لأن المتقدم السابق يمشى بين يدي الجائى ~~فهو هنا تمثيل لحالة السبق ، وإن كان بين عيسى عليه السلام وبين نزول ~~التوراة أزمنة طويلة لأنها لما اتصل العمل بها إلى مجيئه فكأنها لم تسبقه ~~بزمن طويل ويستعمل بين يدي كذا في معنى الحاضر المشاهد كما في قوله تعالى ( ~~@QUR@06 يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ). # وقوله ( @QUR@06 ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ) معمول لمقدر بعد الواو ، ~~أى : وجئتكم لأحل لكم بعض الأشياء التي كانت محرمة عليكم في شريعة موسى ~~عليه السلام فهو من عطف الجملة على الجملة. # أى أن شريعة عيسى جاءت متممة لشريعة موسى وناسخة لبعض أحكامها ، فلقد حرم ~~الله تعالى على بنى إسرائيل بعض الطيبات بسبب ظلمهم وبغيهم كما جاء في قوله ~~تعالى ( @QUR@09 فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ) فجاءت ~~شريعة عيسى عليه السلام لتحل لهم بعض ما حرمه الله عليهم بسبب ظلمهم ~~وفجورهم. # قال ابن كثير : فيه دلالة على أن عيسى عليه السلام نسخ بعض شريعة التوراة ~~وهو الصحيح من القولين. ومن العلماء من قال : لم ينسخ منها شيئا ، وإنما ~~أحل لهم بعض ما كانوا يتنازعون فيه فأخطأوا فكشف لهم عن خطئهم كما قال في ~~الآية ( @QUR@06 ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه ) (1). # قالوا. ومن الأطعمة التي أحلها عيسى لبنى إسرائيل بعد أن كانت محرمة ~~عليهم في شريعة موسى : لحوم الإبل والشحوم وبعض الأسماك والطيور (2). PageV02P116 # وقوله ( @QUR@07 وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون ) تحريض لهم ~~على الاستجابة لما يدعوهم إليه. # قال الفخر الرازي «وإنما أعاد قوله تعالى ( @QUR@04 وجئتكم بآية من ربكم ~~) لأن إخراج الإنسان عن المألوف المعتاد من قديم الزمان عسر ، فأعاد ذكر ~~المعجزات ليكون كلامه ناجعا في قلوبهم ومؤثرا في طباعهم. ثم خوفهم فقال : ( ~~@QUR@03 فاتقوا الله وأطيعون ) لأن طاعة الرسول من لوازم تقوى الله فبين ~~أنه إذا لزمكم أن تتقوا الله لزمكم أن تطيعوني فيما آمركم ms0805 عن ربي» (1). # ثم حكى القرآن أن عيسى عليه السلام قد قرر أن هذه المعجزات الباهرة لن ~~تخرجه عن أن يكون عبدا الله مخلوقا له ، وأن من الواجب على الناس أن يعبدوا ~~الله وحده ولا يشركوا به شيئا فقال : ( @QUR@08 إن الله ربي وربكم فاعبدوه ~~هذا صراط مستقيم ) أى قال عيسى عليه السلام داعيا قومه إلى عبادة الله تعالى ~~هو الذي خلقني وخلقكم وهو الذي رباني ورباكم ، ومادام الأمر كذلك فأخلصوا ~~له العبادة فإن عبادته سبحانه وطاعته هي الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج ~~فيه ولا التباس. # وبذلك تكون الآيات الكريمة قد بينت لنا بعض المعجزات التي أكرم الله بها ~~عيسى عليه السلام كما حكت لنا بعض التوجيهات القويمة ، والإرشادات الحكيمة ~~التي نصح بها قومه لكي يسعدوا في دنياهم وآخرتهم. # والآن ينساق الذهن إلى سؤال هو : ما ذا كان موقف بنى إسرائيل منه بعد أن ~~جاءهم بما جاءهم به من بينات وهدايات؟ # لقد حكى القرآن ان موقف أكثرهم منه كان موقف الكافر به الجاحد لرسالته ~~فقال تعالى : # ( @QUR@020 فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال ~~الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون (52) @QUR@09 ربنا ~~آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين (53) @QUR@05 ومكروا ~~ومكر الله والله خير PageV02P117 # @QUR@01 الماكرين (54) @QUR@031 إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك ~~إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم ~~القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون (55) @QUR@013 ~~فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين ~~(56) @QUR@011 وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا ~~يحب الظالمين ) (57) # فقوله تعالى ( @QUR@010 فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله ~~) شروع في بيان مآل أحواله عليه السلام وفي بيان موقف قومه منه بعد أن بين ~~قبل ذلك بعض صفاته ومعجزاته وخصائص رسالته. # وأحس : بمعنى علم ووجد وعرف. والإحساس : الإدراك ببعض الحواس الخمس وهي ~~الذوق والشم واللمس والسمع والبصر. يقال أحس الشيء ، علمه بالحس. وأحس ms0806 ~~بالشيء شعر به بحاسته والمراد أن عيسى عليه السلام ، علم من بنى إسرائيل ~~الكفر علما لا شبهة فيه. # والأنصار جمع نصير مثل شريف وأشراف. # والمعنى أن عيسى عليه السلام قد جاء لقومه بالمعجزات الباهرات التي تشهد ~~بصدقه في دعوته ولكنه لم يجد منهم أذنا واعية ، فلما رأى تصميمهم على ~~باطلهم ، وأحس منهم الكفر أى علمه يقينا وتحققه تحقق ما يدرك بالحواس ، قال ~~على سبيل التبليغ وطلب النصرة : من أنصارى إلى الله؟ أى من أعوانى في ~~الدعوة إلى الله والتبشير بدينه حتى أبلغ ما كلفنى بتبليغه. # قال ابن كثير : وذلك كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مواسم الحج ~~قبل أن يهاجر «هل من رجل يؤوينى وينصرني حتى أبلغ كلام ربي فإن قريشا قد ~~منعونى أن أبلغ كلام ربي» فقيض الله له الأنصار فآووه ونصروه ومنعوه من ~~الأسود والأحمر» (1). PageV02P118 # والفاء في قوله ( @QUR@01 فلما ) تؤذن بالتعقيب على الآيات الباهرة. أى ~~أنهم بعد أن رأوا ما رأوا من معجزات عيسى لم يمتثلوا له ولم يتدبروا عاقبة ~~أمرهم بل كذبوه على الفور ، وحاولوا قتله تخلصا منه واستمروا على كفرهم. # والتعبير بأحس كما أشرنا من قبل يشعر بأنه علم منهم الكفر علما لا شبهة ~~فيه كعلم ما يدرك بالحواس. # والمقول لهم ( @QUR@04 من أنصاري إلى الله ) هم الحواريون كما يشير إليه ~~قوله تعالى في سورة الصف : ( @QUR@017 يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار ~~الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله ) وقيل المقول ~~لهم جميع أفراد قومه. # وقوله ( @QUR@01 منهم ) متعلق بأحس. ومن لابتداء الغاية أى ابتداء ~~الإحساس من جهتهم. أو متعلق بمحذوف على أنه حال من الكفر أى أحس الكفر حال ~~كونه صادرا منهم. وقوله ( @QUR@02 إلى الله ) متعلق بمحذوف على أنه حال من ~~الياء في أنصارى. أى من أنصارى حال كوني ذاهبا إلى الله أى ملتجئا إليه ~~وشارعا في نصرة دينه. # وفي قوله ( @QUR@04 من أنصاري إلى الله ) حض لهم على المسارعة إلى نصرة ~~الحق لأنهم لا ينصرونه من أجل متعة زائلة. وإنما ms0807 هم ينصرونه لأنه يدافع عن ~~دين الله ويبشر به ، ومن نصر دين الله ، نصره الله تعالى. # والآية الكريمة تشير إلى أن الكافرين كانوا هم الكثرة الكاثرة من بنى ~~إسرائيل ، بدليل أنه سبحانه نسب الكفر إليهم في قوله ( @QUR@05 فلما أحس ~~عيسى منهم الكفر ) وذلك لا يكون إلا إذا كان الكافرون هم الكثرة الظاهرة ، ~~والمؤمنون هم القلة غير الظاهرة حتى لكأن عيسى بقوله ( @QUR@04 من أنصاري ~~إلى الله ) يبحث عنهم من بين تلك الجموع الكثيرة من الكافرين. وهنا يحكى ~~القرآن أن المؤمنين الصادقين مع قلتهم لم يتقاعسوا عن تلبية نداء عيسى ~~عليه السلام فقال الله تعالى ( @QUR@010 قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا ~~بالله واشهد بأنا مسلمون ) والحواريون جمع حوارى وهم أنصار عيسى الذين ~~آمنوا به وصدقوه ، وأخلصوا له ولازموه وكانوا عونا له في الدعوة إلى الحق. # يقال فلان حوارى فلان أى خاصه من أصحابه ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~في الزبير بن العوام : «لكل نبي حوارى وحواريي الزبير» وأصل مادة «حور» هي ~~شدة البياض. أو الخالص من البياض ، ولذلك قالوا في خالص لباب الدقيق ~~الحوارى. وقالوا في النساء البيض الحواريات والحوريات. # وقد سمى تعالى أصفياء عيسى وأنصاره بالحواريين لأنهم أخلصوا لله تعالى ~~نياتهم ، PageV02P119 # وطهرت سرائرهم من النفاق والغش فصاروا في نقائهم وصفائهم كالشىء الأبيض ~~الخالص البياض. # والمعنى : أن عيسى عليه السلام لما أحس الكفر من بنى إسرائيل قال لهم من ~~أنصارى إلى الله؟ فأجابه الحواريون الذين آمنوا به وصدقوه وباعوا نفوسهم ~~الله تعالى : نحن أنصار الله الذين تبحث عنهم ، ونحن الذين سنقف إلى جانبك ~~لنصرة الحق ، فقد آمنا بالله إيمانا عميقا ، ونريدك أن تشهد على إيماننا ~~هذا ، وأن تشهد لنا يا عيسى بأنا مسلمون حين تشهد الرسل لأقوامهم وعليهم. # فأنت ترى أن الحواريين لقوة إيمانهم وصفاء نفوسهم قد لبوا دعوة عيسى ~~عليه السلام في طلب النصرة دون أن يخشوا أحدا إلا الله. # وقولهم كما حكى القرآن عنهم ( @QUR@03 نحن أنصار الله ) إشعار بأنهم ما ~~وقفوا بجانب عيسى إلا نصرة لدين الله ودفاعا ms0808 عن الحق الذي أنزله على رسوله عيسى. # وقولهم ( @QUR@02 آمنا بالله ) جملة في معنى العلة للنصرة أى نحن أنصار ~~الله يا عيسى لأننا آمنا بأنه هو الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم ~~يولد ولم يكن له كفوا أحد ، وأنه هو الخالق لكل شيء والقادر على كل شيء. # وقولهم ( @QUR@03 واشهد بأنا مسلمون ) معطوف على آمنا والشهادة هنا بمعنى ~~العلم المنبعث من المعاينة والمشاهدة فهم يطلبون من عيسى عليه السلام أن ~~يكون شاهدا لهم يوم القيامة بأنهم أسلموا وجوههم الله وأخلصوا له العبادة. # وأقوالهم هذه التي حكاها القرآن عنهم تدل على أنهم كانوا في الدرجة ~~العليا من قوة الإيمان وصدق اليقين ، ونقاء السريرة. # ثم حكى القرآن عنهم أنهم قالوا أيضا ( @QUR@04 ربنا آمنا بما أنزلت ) على ~~أنبيائك من كتب ( @QUR@02 واتبعنا الرسول ) أى امتثلنا ما أتى به منك إلينا ~~( @QUR@03 فاكتبنا مع الشاهدين ) أى : اكتبنا بفضلك ورحمتك مع الشاهدين ~~بوحدانيتك العاملين بشريعتك المستحقين لرضاك ورحمتك. # فهم قد صدروا ضراعتهم إلى الله تعالى بالاعتراف الكامل بربوبيته ثم ~~أعلنوا إيمانهم به وبما أنزل على أنبيائه ، ثم أقروا باتباعهم لرسوله ~~والأخذ بسنته ، ثم التمسوا منه سبحانه بعد ذلك أن يجعلهم من عباده الذين ~~رضى عنهم وأرضاهم. # وهذا يدل على أنهم في نهاية الأدب مع الله تعالى وعلى أنهم في أسمى مراتب ~~الإيمان قال PageV02P120 # بعض العلماء : وكان عدد هؤلاء الحواريين اثنى عشر رجلا آمنوا بعيسى ~~وصدقوه ولازموه في دعوته إلى الحق. # ثم حكى سبحانه ما كان من بنى إسرائيل فقال : ( @QUR@06 ومكروا ومكر الله ~~والله خير الماكرين ) والمكر : التدبير المحكم. أو صرف غيرك عما يريده ~~بحيلة. وهو مذموم إن تحرى به الفاعلي الشر والقبيح كما فعل اليهود مع عيسى ~~عليه السلام ومحمود إن تحرى به الفاعلي الخير والجميل. # والمعنى : أن أولئك اليهود الذين أحس عيسى منهم الكفر دبروا له القتل ~~غيلة واتخذوا كل الوسائل لتنفيذ مآربهم الذميمة. فأحبط الله تعالى مكرهم ، ~~وأبطل تدبيرهم بأن نجى نبيه عيسى عليه السلام من شرورهم ( @QUR@03 والله خير ~~الماكرين ) أى أقواهم مكرا وأنفذهم كيدا ms0809 ، وأقدرهم على العقاب من حيث لا ~~يشعر المعاقب. # ثم حكى سبحانه بعض مظاهر قدرته ، ورعايته لعبده عيسى عليه السلام وخذلانه ~~لأعدائه فقال تعالى. ( @QUR@09 إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ). # وللعلماء في تفسير هذه الآية الكريمة أقوال كثيرة أشهرها قولان : # أما القول الأول : وهو قول جمهور العلماء فيرى أصحابه أن معنى ( @QUR@04 ~~إني متوفيك ورافعك إلي ) أى قابضك من الأرض ورافعك إلى السماء بجسدك وروحك ~~لتستوفى حظك من الحياة هناك. # وأصحاب هذا الرأى لا يفسرون التوفي بالموت وإنما يقولون : إن التوفي في ~~اللغة معناه أخذ الشيء تاما وافيا. فمعنى ( @QUR@01 متوفيك ) آخذك وافيا ~~بروحك وجسدك ومعنى ( @QUR@02 ورافعك إلي ) ورافعك إلى محل كرامتي في السماء ~~فالعطف للتفسير. يقال : وفيت فلانا حقه أى أعطيته إياه وافيا فاستوفاه ~~وتوفاه أى أخذه وافيا كاملا. # قال القرطبي : «قال الحسن وابن جريج : معنى متوفيك قابضك ورافعك إلى ~~السماء من غير موت ، مثل توفيت مالي من فلان أى قبضته» (1). # أما القول الثاني : وهو قول قلة من العلماء فيرى أصحابه أن معنى ( ~~@QUR@04 إني متوفيك ورافعك إلي ) أى مميتك ورافع منزلتك وروحك إلى محل ~~كرامتي ومقر ملائكتي كما ترفع أرواح الأنبياء إليه سبحانه . PageV02P121 # فأنت ترى أن أصحاب هذا الرأى يفسرون التوفي بالإماتة ، ويقولون إن هذا ~~التفسير هو الظاهر من معنى التوفي ويفسرون ( @QUR@02 ورافعك إلي ) بمعنى ~~رفع الروح إلى السماء. # أى أن الله تعالى قد توفى عيسى كما يتوفى الأنفس كلها ، ورفع روحه إليه ~~كما يرفع أرواح النبيين. # والذي تسكن إليه النفس هو القول الأول لأمور : # أولها : أن قوله تعالى في سورة النساء ( @QUR@07 وما قتلوه يقينا ، بل ~~رفعه الله إليه ) (1) يفيد أن الرفع كان بجسم عيسى وروحه لأن الإضراب مقابل ~~للقتل والصلب الذي أرادوه وزعموا حصوله ، ولا يصح مقابلا لهما رفعه بالروح ~~لأن الرفع بالروح يجوز أن يجتمع معهما ومادام الرفع بالروح لا يصح مقابلا ~~لهما إذن يكون المتعين أن المقابل لهما هو الرفع بالجسد والروح. # ثانيها : أن هناك أحاديث متعددة ، بلغت في قوتها مبلغ التواتر المعنوي ~~كما يقول ابن ms0810 كثير قد وردت في شأن نزول عيسى إلى الأرض في آخر الزمان ~~ليملأها عدلا كما ملئت جورا ، وليكون حاكما بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ~~ومن هذه الأحاديث ما أخرجه الشيخان عن أبى هريرة أنه قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا ، يقتل الدجال ~~ويقتل الخنزير ، ويكسر الصليب ، ويضع الجزية ، ويفيض المال ، وتكون السجدة ~~واحدة الله رب العالمين» (2). # وظاهر هذا الحديث وما يشابهه من الأحاديث الصحيحة في شأن نزول عيسى ، ~~يفيد أن نزوله يكون بروحه وجسده كما رفعه الله إليه بروحه وجسده. # ثالثا : أن هذا القول هو قول جمهور العلماء ، وهو القول الذي يتناسب مع ~~ما أكرم الله تعالى به عيسى عليه السلام من كرامات ومعجزات. # قال بعض العلماء ما ملخصه : وجمهور العلماء على أن عيسى رفع حيا من غير ~~موت ولا غفوة بجسده وروحه إلى السماء. والخصوصية له عليه السلام هي في رفعه ~~بجسده ، وبقاؤه فيها إلى الأمد المقدر له ولا يصح أن يحمل التوفي على ~~الإماتة لأن إماتة عيسى في وقت حصار أعدائه ليس فيها ما يسوغ الامتنان بها ~~ورفعه إلى السماء جثة هامدة سخف من القول. وقد نزه الله السماء أن تكون ~~قبورا لجثث الموتى. وإن كان الرفع بالروح فقط فأى مزية لعيسى في ذلك على ~~سائر الأنبياء ، والسماء مستقر أرواحهم الطاهرة. فالحق أنه عليه السلام رفع ~~إلى السماء حيا PageV02P122 # بجسده. وكما كان عليه السلام في مبدأ خلقه آية للناس ومعجزة ظاهرة ، كان ~~في نهاية أمره آية ومعجزة باهرة والمعجزات بأسرها فوق قدرة البشر ومدارك ~~العقول ، وهي من متعلقات القدرة الإلهية ومن الأدلة على صدق الرسل عليهم ~~الصلاة والسلام » (1). # هذا ، وقد ذكر بعض المفسرين أقوالا أخرى للعلماء في معنى هذه الآية ~~الكريمة نرى من الخير عدم ذكرها لضعفها وخوف الإطالة (2). # ومعنى الآية الكريمة : واذكر أيها المخاطب لتعتبر وتتعظ وقت أن قال الله ~~تعالى لنبيه عيسى : ( @QUR@02 إني متوفيك ) أى آخذك وافيا بروحك وجسدك من ~~الأرض ( @QUR@02 ورافعك إلي ) أى ورافعك ms0811 إلى محل كرامتي في السماء لتستوفى ~~حظك من الحياة هناك إلى أن آذن لك بالنزول إلى الأرض. # ( @QUR@04 ومطهرك من الذين كفروا ) بإبعادك عنهم ، وبإنجائك مما بيتوه لك ~~من مكر سىء وبتبرئتك مما أشاعوه عنك وعن أمك من أكاذيب وأباطيل. # ( @QUR@03 وجاعل الذين اتبعوك ) وهم المسلمون الذين آمنوا بك وصدقوك ، ~~وصدقوا بكل نبي بعثه الله تعالى بدون تفرقة بين أنبيائه ورسله. # ( @QUR@06 فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ) أى جاعلى هؤلاء المؤمنين ~~فوق الذين كفروا بك وبغيرك من الرسل إلى يوم القيامة. # أى فوقهم بحجتهم ، وبسلامة اعتقادهم ، وبقوتهم المادية والروحية إلى يوم ~~القيامة. # فالمراد بأتباع عيسى هم الذين أخلصوا الله تعالى عبادتهم ، وأقروا ~~بوحدانية سبحانه ونزهوا عيسى عن أن يكون ابن الله أو ثالث ثلاثة أو غير ذلك ~~من الأقاويل الباطلة. # والمراد بالفوقية ما يتناول الناحيتين الروحية والمادية ، أى هم فوقهم ~~بقوة إيمانهم ، وحسن إدراكهم ، وسلامة عقولهم ، وهم فوقهم كذلك بشجاعتهم ~~وحسن أخذهم للأسباب التي شرعها الله تعالى كوسائل للنصر والفوز ولذا قال ~~صاحب الكشاف قوله : ( @QUR@06 فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ) أى ~~يعلونهم بالحجة وفي أكثر الأحوال بها وبالسيف ومتبعوه هم المسلمون لأنهم ~~متبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع ، دون الذين كذبوه والذين كذبوا ~~عليه من PageV02P123 # اليهود والنصارى» (1). # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@09 ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما ~~كنتم فيه تختلفون ). # أى. ثم إلى الله مرجعكم ومصيركم أيها الناس فيتولى سبحانه الحكم العادل ~~بينكم فيما كنتم تختلفون فيه في دنياكم من شئون دينية أو دنيوية ، ثم فصل ~~سبحانه هذا الحكم الذي سيحكم به على عباده يوم القيامة فقال : ( @QUR@03 ~~فأما الذين كفروا ) بي وبما يجب الإيمان به ( @QUR@06 فأعذبهم عذابا شديدا ~~في الدنيا والآخرة ). # أى فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا بإيقاع العداوة والبغضاء والحروب بينهم ~~، وبما يشبه ذلك من هزائم وأمراض وشقاء نفس لا يعلم مقدار ألمه إلا الله ~~تعالى وأما في الآخرة فيساقون إلى عذاب النار وبئس القرار. # وقد أكد سبحانه شدة هذا العذاب بعدة تأكيدات منها نسبة العذاب إليه ~~سبحانه ms0812 وهو القوى القهار الغالب على كل شيء ، ومنها التأكيد بالمصدر ، ~~ومنها الوصف بالشدة ، ومنها الإخبار بأنه لا ناصر لهم ينصرهم من هذا العذاب ~~الشديد في قوله تعالى ( @QUR@04 وما لهم من ناصرين ) أى ليس لهم من ناصر ~~أيا كان هذا الناصر ، وأيا كانت نصرته ولو كانت نصرة ضئيلة لا وزن لها ولا قيمة. # هذا هو جزاء الكافرين وأما جزاء المؤمنين فقد بينه سبحانه بقوله : ( ~~@QUR@07 وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ). # أى فسيعطيهم سبحانه بفضله وإحسانه بسبب إيمانهم وعملهم الصالح ، أجورهم ~~كاملة غير منقوصة ، من ثواب جزيل ، وجنات تجرى من تحتها الأنهار وأزواج ~~مطهرة ، ورضوان من الله أكبر من كل ذلك. # ففي هذه الجملة الكريمة بشارة عظمى للمؤمنين الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا على طريقه. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@04 والله لا يحب الظالمين ). # أى أنه سبحانه عادل في أحكامه ، ويكره الظلم والظالمين الذين لا يضعون ~~الأمور في مواضعها. # ومن أفحش أنواع الظلم ما يقوله أهل الكتاب على عيسى عليه السلام فقد زعم PageV02P124 # بعضهم أنه ابن الله ، وزعم فريق آخر أنه ثالث ثلاثة وافترى عليه اليهود ~~وعلى أمه مريم البتول المفتريات التي برأهما الله تعالى منها. # أما الذين آمنوا فقد قالوا في عيسى وأمه قولا كريما ، ولذلك كافأهم الله ~~تعالى وبينت يستحقون من ثواب. # وبذلك تكون الآيات الكريمة قد حكت لنا جانبا من فضائل عيسى عليه السلام ~~وبينت للناس جزاء المؤمنين وجزاء الكافرين حتى يثوبوا إلى رشدهم ويسلكوا ~~الطريق القويم. # وبعد أن حكى الله تعالى في الآيات السابقة ولادة عيسى عليه السلام وما ~~أجراه على يديه من معجزات ، وما أكرمه به من مكرمات ، وكيف كان موقف بنى ~~إسرائيل منه ، وكيف أبطل الله مكرهم وخيب سعيهم ، إذ رفعه إليه وطهره من ~~أقوالهم الباطلة وأفعالهم الأثيمة وتوعد أعداءه بالعذاب الشديد ووعد أتباعه ~~بالثواب الجزيل .. بعد أن حكى القرآن كل ذلك ختم حديثه عن عيسى عليه السلام ~~ببيان حقيقة تكوينه ، وبإزالة وجه الغرابة في ولادته ، وبتلقين النبي ~~صلى الله عليه وسلم الرد الصحيح ms0813 على كل مجادل في شأن عيسى عليه السلام استمع ~~إلى القرآن وهو يصور كل ذلك بأسلوبه المعجز فيقول : # ( @QUR@07 ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم (58) @QUR@015 إن مثل ~~عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (59) @QUR@07 الحق ~~من ربك فلا تكن من الممترين (60) @QUR@025 فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من ~~العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم ~~نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين (61) @QUR@015 إن هذا لهو القصص الحق ~~وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم (62) @QUR@06 فإن تولوا ~~فإن الله عليم بالمفسدين ) (63) PageV02P125 # وقوله تعالى ( @QUR@07 ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم ) اسم ~~الإشارة فيه وهو «ذلك» مشار به إلى المذكور من قصة آل عمران وقصة مريم ~~وأمها ، وقصة زكريا وندائه لربه ، وقصة عيسى وما أجراه الله تعالى على يديه ~~من معجزات وما خصه به من كرامات. # أى ذلك القصص الحكيم الذي قصصناه عليك يا محمد ( @QUR@02 نتلوه عليك ) أى ~~نقصه عليك متتابعا بعضه تلو بعض من غير أن يكون لك اطلاع سابق عليه. فأنت ~~لم تكن معاصرا لهؤلاء الذين ذكرنا لك قصصهم وأحوالهم وهذا من أكبر الأدلة ~~على صدقك فيما تبلغه عن ربك. # وقوله ( @QUR@01 ذلك ) مبتدأ وقوله ( @QUR@02 نتلوه عليك ) خبره. # وقوله ( @QUR@02 من الآيات ) حال من الضمير المنصوب في ( @QUR@01 نتلوه ). # والمراد بالآيات الحجج الدالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم وقوله ( ~~@QUR@02 والذكر الحكيم ) أى والقرآن المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين ~~يديه ولا من خلفه ، والمشتمل على الحكم التي من شأنها أن تهدى الناس إلى ما ~~يسعدهم متى اتبعوها وقيل المراد بالذكر الحكيم اللوح المحفوظ الذي نقلت منه ~~جميع الكتب المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام # ثم بين سبحانه أن خلق عيسى من غير أب ليس مستبعدا على الله تعالى فقد خلق ~~آدم كذلك فقال : ( @QUR@015 إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم ~~قال له كن فيكون ). # والمثل هنا : بمعنى الصفة والحال العجيبة الشأن ، ومحل التمثيل ms0814 كون ~~كليهما قد خلق بدون أب ، والشيء قد يشبه بالشيء متى اجتمعا ولو في وصف واحد. # والمعنى : إن شأن عيسى وحاله الغريبة ( @QUR@02 عند الله ) أى في تقديره ~~وحكمه ( @QUR@02 كمثل آدم ) أى كصفته وحاله العجيبة في أن كليهما قد خلقه ~~الله تعالى من غير أب ، ويزيد آدم على عيسى أنه خلق بدون أم أيضا . # فالآية الكريمة ترد ردا منطقيا حكيما يهدم زعم كل من قال بألوهية المسيح ~~أو اعتبره ابن الله. # وكأن الآية الكريمة تقول لمن ادعى ألوهية عيسى لأنه خلق من غير أب : أنه ~~إذا كان وجود عيسى بدون أب يسوغ لكم أن تجعلوه إلها أو ابن إله فأولى بذلك ~~ثم أولى آدم لأنه خلق من غير أب ولا أم. ومادام لم يدع أحد من الناس ألوهية ~~آدم لهذا السبب فبطل حينئذ القول بألوهية عيسى لانهيار الأساس الذي قام ~~عليه وهو خلقه من غير أب. # ولأنه إذا كان الله تعالى قادرا على أن يخلق إنسانا بدون أب ولا أم. ~~فأولى ثم أولى أن يكون قادرا على خلق إنسان من غير أب فقط. ومن أم هي مريم ~~التي تولاها سبحانه برعايته وصيانته لها من كل سوء وجعلها وعاء لهذا النبي ~~الكريم عيسى عليه السلام . PageV02P126 # قال صاحب الكشاف : وقوله ( @QUR@03 خلقه من تراب ) جملة مفسرة لما له شبه ~~عيسى بآدم أى للأمر الذي لأجله كان ذلك التشبيه أى خلق آدم من تراب ولم يكن ~~ثمة أب ولا أم وكذلك حال عيسى. فإن قلت : كيف شبه به وقد وجد هو من غير أب ~~ووجد آدم من غير أب وأم؟ قلت : هو مثيله في أحد الطرفين ، فلا يمنع اختصاصه ~~دونه بالطرف الآخر من تشبيهه به لأن المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف ، ~~ولأنه شبه به لأنه وجد وجودا خارجا عن العادة المستمرة وهما في ذلك نظيران. ~~ولأن الوجود من غير أب وأم أغرب وأخرق للعادة من الوجود بغير أب ، فشبه ~~الغريب بالأغرب ، ليكون أقطع للخصم ، وأحسم لمادة شبهته إذا نظر فيم هو ~~أغرب مما استغربه» (1). # وقوله ms0815 ( @QUR@05 ثم قال له كن فيكون ) تصوير لخلق الله تعالى آدم من تراب ~~أى أراد سبحانه أن يوجد آدم فصوره من طين ثم قال له حين صوره كن بشرا فصار ~~بشرا كاملا روحا وجسدا كما أمر سبحانه . # فالجملة الكريمة تصور نفاذ قدرة الله ، تصويرا بديعا يدل على أنه سبحانه ~~لا يعجزه شيء في هذا الكون. # وعبر بصيغة المضارع المقترن بالفاء في «يكون» دون الماضي بأن يقول «فكان» ~~لأن التعبير بالمضارع فيه تصوير وإحضار للصورة الواقعة كما وقعت ، ومن وجهة ~~أخرى فإن صيغة المضارع في هذا المقام تنبئ عما كان ، وتومئ إلى ما يكون ~~بالنسبة لخلق الله تعالى المستمر في المستقبل كما كان في الماضي. # ثم بين سبحانه أن ما أخبر به عباده في شأن عيسى وغيره هو الحق الذي لا ~~يحوم حوله باطل فقال تعالى ( @QUR@07 الحق من ربك فلا تكن من الممترين ). # والامتراء هو الشك الذي يدفع الإنسان إلى المجادلة المبنية على الأوهام ~~لا على الحقائق. # وهو كما يقول الرازي مأخوذ من قول العرب مريت الناقة والشاة إذا أردت ~~حلبها فكأن الشاك يجتذب بشكه مراء كاللبن الذي يجتذب عند الحلب. يقال : قد ~~مارى فلان فلانا إذا جادله كأنه يستخرج غضبه (2). # والمعنى : هذا الذي أخبرناك عنه يا محمد من شأن عيسى ومن شأن غيره هو ~~الحق الثابت اليقيني الذي لا مجال للشك فيه ، ومادام الأمر كذلك فاثبت على ~~ما أنت عليه من حق ، PageV02P127 # ولا تكونن من الشاكين في أى شيء مما أخبرناك به. # وقد أكد سبحانه أن ما أوحاه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم هو الحق بثلاثة ~~تأكيدات : # أولها : بالتعريف في كلمة ( @QUR@01 الحق ) أى ما أخبرناك به هو الحق ~~الثابت الذي لا يخالطه باطل. # ثانيها : بكونه من عنده سبحانه وكل شيء من عنده فهو صدق لا ريب فيه. # ثالثها : بالنهى عن الامتراء والشك في ذلك الحق ، لأن من شأن الأمور ~~الثابتة أن يتقبلها العقلاء بإذعان وتسليم وبدون جدل أو امتراء. # قال الآلوسى : وقوله ( @QUR@04 فلا تكن من الممترين ) خطاب له ~~صلى الله ms0816 عليه وسلم ولا يضر فيه استحالة وقوع الامتراء منه صلى الله عليه وسلم بل ~~ذكروا في هذا الأسلوب فائدتين : # إحداهما : أنه صلى الله عليه وسلم إذا سمع مثل هذا الخطاب تحركت منه ~~الأريحية فيزداد في الثبات على اليقين نورا على نور. # وثانيتهما : أن السامع يتنبه بهذا الخطاب على أمر عظيم فينزع وينزجر عما ~~يورث الامتراء لأنه صلى الله عليه وسلم مع جلالته التي لا تصل إليها الأمانى ~~إذا خوطب بمثله فما يظن بغيره؟ ففي ذلك ثبات له صلى الله عليه وسلم ولطف ~~بغيره» (1). # لقد لقن الله تعالى ، نبيه صلى الله عليه وسلم ، الجواب الذي يقطع لسان ~~المجادلين بالباطل في شأن عيسى عليه السلام ، فقال تعالى ( @QUR@09 فمن حاجك ~~فيه من بعد ما جاءك من العلم ).. إلخ. # قال الفخر الرازي : اعلم أنه «سبحانه» بين أول هذه السورة وجوها من ~~الدلائل القاطعة على فساد قول النصارى بالزوجة والولد وأتبعهما بذكر الجواب ~~على جميع شبههم على سبيل الاستقصاء التام وختم الكلام بهذه النكتة القاطعة ~~لفساد كلامهم وهو أنه لما لم يلزم من عدم الأب والأم البشريين لآدم أن يكون ~~ابنا الله فكذلك لا يلزم من عدم الأب البشرى لعيسى أن يكون ابنا الله. ولما ~~لم يبعد خلق آدم من التراب لم يبعد أيضا خلق عيسى من الدم الذي كان يجتمع ~~في رحم أم عيسى. ومن أنصف وطلب الحق علم أن البيان قد بلغ إلى الغاية ~~القصوى فعند ذلك قال سبحانه ( @QUR@02 فمن حاجك ) بعد هذه الدلائل الواضحة ~~والجوابات اللائحة فاقطع الكلام معهم وعاملهم بما يعامل به المعاند ، وهو ~~أن تدعوهم إلى الملاعنة (2). # والفاء في قوله ( @QUR@02 فمن حاجك ) للتفريع على قوله تعالى ( @QUR@03 ~~الحق من ربك ).. وقوله PageV02P128 # ( @QUR@01 من ) الراجح فيها أنها شرطية. وقوله ( @QUR@01 حاجك ) من ~~المحاجة وهي تبادل الحجة والمجادلة بين شخص وآخر. # والمعنى : فمن جادلك وخاصمك «يا محمد» من أهل الكتاب «فيه» أى في شأن ~~عيسى عليه السلام بأن زعموا أنه إله أو ابن إله أو ثالث ثلاثة أو غير ذلك من ~~الأقاويل الكاذبة في شأنه. ms0817 # وقوله ( @QUR@06 من بعد ما جاءك من العلم ) أى فمن جادلك في شأن عيسى من ~~بعد الذي أنزلناه إليك وقصصناه عليك في أمره ، فلا تبادله المجادلة ، فإنه ~~معاند لا يقنعه الدليل مهما كان واضحا ، ولكن قل له ولأمثاله من الظالمين : # ( @QUR@015 تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم ، وأنفسنا ~~وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين ). # وقوله : ( @QUR@01 تعالوا ) اسم فعل أمر لطلب القدوم. وهو في الأصل أمر ~~من تعالى يتعالى «كترامي يترامى» إذا قصد العلو. فكأنهم أرادوا به في الأصل ~~أمرا بالصعود إلى مكان عال تشريفا للمدعو ، ثم شاع حتى صار لمطلق الأمر ~~بالقدوم أو الحضور. # وقوله ( @QUR@02 ثم نبتهل ) أى نتباهل ونتلاعن. فالافتعال هنا بمعنى ~~المفاعلة أى بأن نقول : بهلة الله على الكاذب منا ومنكم. والبهلة بفتح ~~الباء وضمها : اللعنة. يقال بهله الله يبهله بهلا لعنه الله وأبعده من ~~رحمته ثم شاعت في كل دعاء مجتهد فيه وإن لم يكن التعانا. # والمعنى : فإن جادلك أهل الكتاب في شأن عيسى من بعد أن أخبرك ربك بما هو ~~الحق من أمره فقل لهم ( @QUR@01 تعالوا ) أى أقبلوا أيها المجادلون إلى أمر ~~يعرف فيه الحق من الباطل ، وهو أن ندعو نحن وأنتم الأبناء والنساء ثم نجتمع ~~جميعا في مكان واحد ، ثم نتضرع إلى الله ونبتهل إليه بأن يجعل لعنته على ~~الكاذبين في دعواهم المنحرفين عن الحق في اعتقادهم. # فأنت ترى أن الآية الكريمة قد لقنت النبي صلى الله عليه وسلم الجواب الحاسم ~~الذي يخرس ألسنة المجادلين في عيسى ، ويتحداهم إن كانوا صادقين أن يقبلوا ~~هذه المباهلة ، ولكنهم نكصوا على أعقابهم فثبت كذبهم وضلالهم. # وهذه الآية الكريمة تسمى بآية المباهلة ، وقد ذكر العلماء أنها نزلت للرد ~~على نصارى نجران الذين جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم في شأن عيسى ~~عليه السلام . # قال ابن كثير ما ملخصه. وكان نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة ~~إلى هنا في وفد PageV02P129 # نصارى نجران حين قدموا المدينة فجعلوا يحاجون في عيسى ويزعمون فيه ما ~~يزعمون من النبوة والألوهية فأنزل صدر ms0818 هذه السورة ردا عليهم .. وكانوا ستين ~~راكبا منهم ثلاثة إليهم يؤول أمرهم وهم : العاقب أميرهم واسمه عبد المسيح ، ~~والسيد صاحب رحلهم واسمه الأبهم ، وأبو حارث بن علقمة أسقفهم وحبرهم. وفي ~~القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتاه الخبر من الله تعالى ، والفصل من ~~القضاء بينه وبينهم ، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم. دعاهم إلى المباهلة ~~فقالوا : يا أبا القاسم دعنا ننظر في أمرنا .. ثم خلوا بالعاقب فقالوا. يا ~~عبد المسيح ما ذا ترى؟ فقال. والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمدا ~~لنبي مرسل ، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ، ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم ~~نبيا قط ، فبقى كبيرهم ولا نبت صغيرهم ، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم .. ~~فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم . فقالوا : يا أبا القاسم قد رأينا أن لا ~~نلاعنك وأن نتركك على دينك ، ونرجع على ديننا ، فلم يلاعنهم ~~صلى الله عليه وسلم وأقرهم على خراج يؤدونه إليه. وروى الحافظ ابن مردويه عن ~~جابر قال : قدم على النبي صلى الله عليه وسلم العاقب والطيب فدعاهما إلى ~~الملاعنة فواعداه على أن يلاعناه الغداة ، قال : فغدا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأخذ بيد على وفاطمة والحسن والحسين ثم أرسل إليهما فأبيا ~~أن يجيبا وأقرا له بالخراج. # قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «والذي بعثني بالحق لو لاعنا لأمطر ~~عليهم الوادي نارا». # ثم قال : وروى البخاري عن حذيفة قال : جاء العاقب والسيد صاحب نجران إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه قال : فقال أحدهما لصاحبه : ~~لا تفعل ، فو الله لئن كان نبيا فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا ، ~~ثم قالا للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلا ~~أمينا .. فقال : «لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين». فاستشرف لها أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم : «قم يا أبا عبيدة بن الجراح». ~~فلما قام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «هذا ms0819 أمين هذه الأمة» (1). # وقال صاحب الكشاف : إن قلت ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلا ليتبين الكاذب ~~منه ومن خصمه ؛ وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه فما معنى ضم الأبناء والنساء؟ # قلت : ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله ، واستيقانه بصدقه ، حيث استجرأ ~~على تعريض أعزته وأفلاذ كبده وأحب الناس إليه لذلك ، ولم يقتصر على تعريض ~~نفسه له. وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك ~~الاستئصال إن تمت المباهلة. وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم ~~بالقلوب ، وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل. ومن ثمة كانوا ~~يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب .. وفي الآية PageV02P130 # دليل واضح على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يرو أحد من موافق ~~ولا مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك» (1). # ثم أكد سبحانه صدق ما أخبر به عن عيسى وغيره فقال : ( @QUR@015 إن هذا ~~لهو القصص الحق ، وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم ). # أى إن الذي قصصناه عليك وأخبرناك به يا محمد من شأن عيسى ومن كل شأن من ~~الشئون لهو القصص الثابت الذي لا مجال فيه الإنكار منكر ، ولا لتشكيك متشكك. # وقد أكد سبحانه صدق هذا القصص بحرف إن وباللام في قوله ( @QUR@01 لهو ) ~~وبضمير الفصل «هو» وبالقصر الذي تضمنه تعريف الطرفين وذلك ليكون الرد حاسما ~~على كل منكر ما أخبر الله به في شأن عيسى عليه السلام وفي كل ما قصه على ~~نبيه صلى الله عليه وسلم . # وقوله ( @QUR@05 وما من إله إلا الله ) نفى قاطع لأن يكون هناك إله سوى ~~الله تعالى وإثبات بأن الألوهية الحقة إنما هي الله رب العالمين. # وقد أكد سبحانه نفى الألوهية عن غيره بكلمة ( @QUR@01 من ) المفيدة ~~لاستغراق النفي استغراقا مستمرا ثابتا مؤكدا. # وقوله ( @QUR@05 وما من إله إلا الله ) «ما» نافية ، و «إله» في قوله ( ~~@QUR@02 من إله ) مبتدأ و ( @QUR@01 من ) مزيدة فيه ، و ( @QUR@02 إلا الله ~~) خبره والتقدير : وما إله إلا الله ، وزيدت من للاستغراق والعموم. # وقوله ( @QUR@05 وإن الله ms0820 لهو العزيز الحكيم ) تذييل قصد به تأكيد قصر ~~الألوهية على الله تعالى وحده ، أى وإن الله تعالى لهو المنفرد بالألوهية ~~وحده ؛ لأنه هو الغالب الذي يقهر ولا يقهر ، الحكيم في كل ما يخلقه ويدبره. # وفي هذا التذييل أيضا رد على أولئك الضالين الذين يزعمون أن المسيح إله ~~ويعتقدون مع ذلك أنه صلب ولم يستطع أن يدافع عن نفسه. # ثم ختم سبحانه تلك المحاجة بقوله : ( @QUR@06 فإن تولوا فإن الله عليم ~~بالمفسدين ). # أى فإن أعرضوا عن اتباعك وتصديقك بعد هذه الآيات البينات والحجج الواضحات ~~التي أخبرناك بها وقصصناها عليك ، فأنذرهم بسوء العاقبة ، وأخبرهم أن الله ~~تعالى عليم بهم ، وبما يقولونه ويفعلونه من فساد في الأرض ، وسيعاقبهم على ~~ذلك العقاب الأليم. # فقوله ( @QUR@04 فإن الله عليم بالمفسدين ) قائم مقام جواب الشرط ، أى ~~فإن تولوا فأخبرهم بأنهم مفسدون وأن لهم سوء العقبى لأن الله عليم بإفسادهم ~~ولن يتركهم بدون عقوبة. PageV02P131 # وهذه الجملة الكريمة تتضمن في ذاتها تهديدا شديدا لهؤلاء المجادلين ~~بالباطل في شأن عيسى عليه السلام ولكل من أعرض عن الحق الذي جاء به النبي ~~صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى ليس غافلا عن إفساد المفسدين ، وإنما ~~يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. # وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد بينت بأسلوب معجز حكيم جانبا من قصة آل ~~عمران فحدثتنا عما كان من امرأته أم مريم ، وما قالته عند ما حملت بها ، ~~وما قالته بعد ولادتها ، وما أكرم الله به مريم من رعايتها بالتربية الحسنة ~~وبالرزق الحسن ، ثم ما كان من شأن زكريا وتضرعه إلى الله أن يهبه الذرية ~~الصالحة واستجابة الله له وتبشيره بولادة يحيى ، ثم ما كان من شأن مريم ~~وتبشيرها باصطفاء الله لها وأمرها بالمداومة على طاعته ، ثم تبشيرها بعيسى ~~وتعجبها لذلك والرد عليها بما يزيل هذا العجب ، ثم ما كان من شأن عيسى ~~عليه السلام وما وصفه به من صفات كريمة ، وما منحه من معجزات باهرة تشهد ~~بصدقه في رسالته ، مما جعل الحواريين يؤمنون به ، أما الأكثرون من بنى ~~إسرائيل فقد كفروا به ms0821 ودبروا له المكايد فأنجاه الله من مكرهم ورفعه إليه ~~وطهره منهم. # ثم بين القرآن أن عيسى عبد الله ورسوله ، وأن هذا هو الحق ، وقد تحدى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم كل من نازعه في ذلك بالمباهلة ولكن المجادلين نكصوا ~~على أعقابهم ، فثبت صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه. # وبذلك يكون القرآن قد بين الحق في شأن عيسى عليه السلام بيانا يهدى القلوب ~~ويقنع العقول ويحمل النفوس على التدبر والاعتبار ، وإخلاص العبادة الله رب ~~العالمين. # ثم وجه القرآن بعد ذلك نداء عاما إلى أهل الكتاب دعاهم فيه في بضع آيات ~~متوالية إلى عبادة الله وحده ، وإلى ترك المحاجة الباطلة في شأن الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام وإلى الإقلاع عن الكفر بآيات الله وعن تلبيس الحق ~~بالباطل ، وعن كتمان الحق مع علمهم بأنه حق .. # استمع إلى القرآن وهو يسوق هذه النداءات داعيا أهل الكتاب إلى كلمة الحق ~~فيقول : # ( @QUR@031 قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد ~~إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن ~~تولوا فقولوا اشهدوا بأنا PageV02P132 # @QUR@01 مسلمون (64) @QUR@016 يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما ~~أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون (65) @QUR@020 ها أنتم ~~هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون (66) @QUR@014 ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان ~~حنيفا مسلما وما كان من المشركين (67) @QUR@013 إن أولى الناس بإبراهيم ~~للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين (68) @QUR@013 ~~ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون (69) ~~@QUR@09 يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون (70) @QUR@011 يا ~~أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون ) (71) # فأنت ترى أن القرآن الكريم قد وجه إلى أهل الكتاب أربع نداءات في هذه ~~الآيات الكريمة أما النداء الأول فقد طلب منهم فيه أن يثوبوا إلى رشدهم ، ~~وأن يخلصوا الله العبادة فقال ( @QUR@010 قل ms0822 يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة ~~سواء بيننا وبينكم ). # والسواء : العدل والنصفة ، أى قل يا محمد لأهل الكتاب : هلموا وأقبلوا ~~إلى كلمة ذات عدل وإنصاف بيننا وبينكم. # أو السواء : مصدر مستوية أى هلموا إلى كلمة لا تختلف فيها الرسل والكتب ~~المنزلة والعقول السليمة ، لأنها كلمة عادلة مستقيمة ليس فيها ميل عن الحق. PageV02P133 # ثم بين سبحانه هذه الكلمة العادلة المستقيمة التي هي محل اتفاق بين ~~الأنبياء فقال : ( @QUR@04 ألا نعبد إلا الله ) أى نترك نحن وأنتم عبادة ~~غير الله ، بأن نفرده وحده بالعبادة والطاعة والإذعان. # ( @QUR@04 ولا نشرك به شيئا ) أى ولا نشرك معه أحدا في العبادة والخضوع ، ~~بأن نقول : فلان إله ، أو فلان ابن إله ، أو أن الله ثالث ثلاثة. # ( @QUR@08 ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ) أى ولا يطيع بعضنا ~~بعضا في معصية الله. # قال الآلوسى : ويؤيده ما أخرجه الترمذي وحسنه من حديث عدى بن حاتم أنه ~~لما نزلت هذه الآية قال : ما كنا نعبدهم يا رسول الله. فقال ~~صلى الله عليه وسلم : «أما كانوا يحلون منكم ويحرمون فتأخذون بقولهم؟ قال : ~~نعم. فقال صلى الله عليه وسلم هو ذاك». قيل وإلى هذا أشار سبحانه بقوله : ( ~~@QUR@020 اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما ~~أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو ) (1). # فالآية الكريمة قد نهت الناس جميعا عن عبادة غير الله ، وعن أن يشرك معه ~~في الألوهية أحد من بشر أو حجر أو غير ذلك ، وعن أن يتخذ أحد من البشر في ~~مقام الرب عز وجل بأن يتبع في تحليل شيء أو تحريمه إلا فيما حلله الله أو حرمه. # ولقد كانت رسالة الأنبياء جميعا متفقة في دعوة الناس إلى عبادة الله وحده ~~، وقد حكى القرآن في كثير من الآيات هذا المعنى ومن ذلك قوله تعالى : ( ~~@QUR@011 ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) ~~(2). وقوله تعالى : ( @QUR@015 وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) (3). # ثم أرشد الله ms0823 تعالى المؤمنين إلى ما يجب عليهم أن يقولوه إذا ما لج ~~الجاحدون في طغيانهم فقال : ( @QUR@06 فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ). # أى فإن أعرض هؤلاء الكفار عن دعوة الحق ، وانصرفوا عن موافقتكم بسبب ما ~~هم عليه من عناد وجحود فلا تجادلوهم ولا تحاجوهم ، بل قولوا لهم : اشهدوا : ~~بأنا مسلمون مذعنون لكلمة الحق ، بخلافكم أنتم فقد رضيتم بما أنتم فيه من باطل. # قال صاحب الكشاف وقوله ( @QUR@04 فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) أى لزمتكم ~~الحجة فوجب PageV02P134 # عليكم أن تعترفوا وتسلموا بأنا مسلمون دونكم. وذلك كما يقول الغالب ~~للمغلوب في جدال وصراع أو غيرهما : اعترف بأنى أنا الغالب وسلم لي بالغلبة. ~~ويجوز أن يكون من باب التعريض ومعناه : اشهدوا واعترفوا بأنكم كافرون حيث ~~توليتم عن الحق بعد ظهوره» (1). # هذا وتعتبر هذه الآية الكريمة من أجمع الآيات التي تهدى الناس إلى طريق ~~الحق بأسلوب منطقي رصين ، ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكتبها في بعض ~~رسائله التي أرسلها إلى الملوك والرؤساء ليدعوهم إلى الإسلام . # فقد جاء في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل ملك الروم «من محمد رسول ~~الله إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى. # أما بعد : فإنى أدعوك بدعاية الإسلام. أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين ، ~~فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ، ( @QUR@017 يا أهل الكتاب تعالوا إلى ~~كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ) إلخ الآية» (2). # وأما النداء الثاني الذي اشتملت عليه هذه الآيات فقد تضمن نهى أهل الكتاب ~~عن الجدال بالباطل في شأن إبراهيم عليه السلام قال تعالى ( @QUR@016 يا أهل ~~الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا ~~تعقلون ). # قال ابن جرير : عن ابن عباس قال : اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند ~~رسول الله فتنازعوا عنده ، قالت الأحبار : ما كان إبراهيم إلا يهوديا وقالت ~~النصارى : ما كان إبراهيم إلا نصرانيا ، فأنزل الله تعالى فيهم : ( @QUR@07 ~~يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم ) (3). # وقوله ( @QUR@01 تحاجون ) من المحاجة ومعناها أن ms0824 يتبادل المتخاصمان الحجة ~~بأن يقدم كل واحد حجة ويطلب من الآخر أن يرد عليها. # والمعنى : لا يسوغ لكم يا معشر اليهود والنصارى أن تجادلوا في دين ~~إبراهيم وشريعته فيدعى بعضكم أنه كان على الديانة اليهودية ، ويدعى البعض ~~الآخر أنه كان على الديانة النصرانية ، فإن التوراة والإنجيل ما نزلا إلا ~~من بعده بأزمان طويلة ، فكيف يكون يهوديا يدين بالتوراة مع أنها ما نزلت ~~إلا من بعده ، أو كيف يكون نصرانيا يدين بالإنجيل مع أنه ما نزل إلا من ~~بعده ، بآلاف السنين؟ إن هذه المحاجة منكم في شأن إبراهيم ظاهرة البطلان ~~واضحة الفساد. PageV02P135 # وقوله ( @QUR@02 أفلا تعقلون ) أى أفلا تعقلون يا أهل الكتاب هذا الأمر ~~البديهي وهو أن المتقدم على الشيء لا يمكن أن يكون تابعا للشيء المتأخر عنه؟ # فالاستفهام لتوبيخهم وتجهيلهم في دعواهم أن إبراهيم عليه السلام كان ~~يهوديا أو نصرانيا. # ثم بين سبحانه مظهرا آخر من مظاهر مخالفة أهل الكتاب لمقتضيات العقول ~~السليمة وهو أنهم يجادلون في أمر ليس عندهم أسباب العلم به فقال تعالى ( ~~@QUR@015 ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به ~~علم ). # والمعنى : أنتم يا معشر أهل الكتاب جادلتم وبادلتم الحجة سواء أكانت ~~صحيحة أم فاسدة في أمر لكم به علم في الجملة ، كجدالكم فيما وجدتموه في ~~كتبكم من أمر موسى وعيسى عليهما السلام أو كجدالكم فيما جاء في التوراة ~~والإنجيل من أحكام ، ولكن كيف أبحتم لأنفسكم أن تجادلوا في أمر ليس لكم به ~~علم أصلا ، وهو جدالكم في دين إبراهيم وشريعته؟ لأنه من البديهي أن إبراهيم ~~ما كان يهوديا ولا نصرانيا إذ وجوده سابق على وجودهما بأزمان طويلة. # وإذن فجدالكم في شأن إبراهيم هو لون من ألوان جهلكم ومخالفتكم لكل ما ~~تقتضيه العقول السليمة ، والنفوس المستقيمة. # وقوله تعالى ( @QUR@04 ها أنتم هؤلاء حاججتم ) ها حرف تنبيه ، وأنتم ~~مبتدأ ، وهؤلاء منادى بحرف نداء محذوف ( @QUR@01 حاججتم ) خبر المبتدأ ~~أنتم. والتقدير : أنتم يا هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم. # ويرى صاحب الكشاف أن قوله ( @QUR@01 أنتم ) مبتدأ ms0825 و ( @QUR@01 هؤلاء ) ~~خبره. و ( @QUR@01 حاججتم ) جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى. والمعنى : ~~أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم جادلتم «فيما ~~لكم به علم» مما نطق به التوراة والإنجيل. ( @QUR@07 فلم تحاجون فيما ليس ~~لكم به علم ) ولا ذكر له. في كتابيكم من دين إبراهيم .. ومعنى الاستفهام ~~التعجب من حماقتهم» (1). # وتكرير هاء التنبيه في قوله ( @QUR@03 ها أنتم هؤلاء ) يشعر بغرابة ما هم ~~عليه من جهل ، ومجافاته لكل منطق سليم. # قال الرازي : وقوله ( @QUR@08 ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم ) ~~يحتمل أنه لم يصفهم بالعلم PageV02P136 # حقيقة وإنما أراد أنكم تستجيزون محاجته فيما تدعون علمه ، فكيف تحاجونه ~~فيما لا علم لكم به البتة» (1). # وقوله تعالى ( @QUR@05 والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) تذييل قصد به تأكيد ~~علم الله الشامل ، ونفى العلم عن أهل الكتاب في شأن إبراهيم. # أى والله تعالى يعلم حال إبراهيم ودينه ، ويعلم كل شيء في هذا الوجود ، ~~وأنتم لا تعلمون ذلك ثم صرح سبحانه ببراءة إبراهيم من كل دين يخالف دين ~~الإسلام فقال تعالى : ( @QUR@014 ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن ~~كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين ). # وقوله ( @QUR@01 حنيفا ) من الحنف وهو ميل عن الضلال إلى الاستقامة ، ~~بعكس الجنف فهو ميل عن الاستقامة إلى الضلال ويقال : تحنف الرجل أى تحرى ~~طريق الاستقامة. # أى : ما كان إبراهيم عليه السلام في يوم من الأيام يهوديا كما قال اليهود ~~، ولا نصرانيا كما قال النصارى ولكنه كان حنيفا أى مائلا عن العقائد ~~الزائفة متحريا طريق الاستقامة وكان «مسلما» أى مستسلما الله تعالى منقادا ~~له مخلصا له العبادة ( @QUR@04 وما كان من المشركين ) الذين يشركون مع الله ~~آلهة أخرى بأن يقولوا إن الله ثالث ثلاثة ، أو يقولوا عزير ابن الله أو ~~المسيح ابن الله أو غير ذلك من الأقوال الباطلة والأفعال الفاسدة. # ففي هذه الآية الكريمة تنويه بشأن إبراهيم ، وتعريض بأولئك الكافرين من ~~أهل الكتاب الذين ادعوا أن إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا بأنهم هم ~~المشركون بخلاف إبراهيم فقد كان مبرأ من ذلك. # أخرج الامام ms0826 مسلم والترمذي وأبو داود عن أنس رضى الله عنه قال : جاء رجل ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا خير البرية. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «ذاك إبراهيم عليه السلام ». # ثم أصدر سبحانه حكمه الحاسم العادل في هذه القضية التي كثر الجدل فيها ~~فقال : ( @QUR@013 إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين ~~آمنوا والله ولي المؤمنين ). # وقوله تعالى ( @QUR@01 أولى ) أفعل تفضيل من الولي وهو القرب. # والمعنى : إن أقرب الناس من إبراهيم ، وأخصهم به ، وأحقهم بالانتساب إليه ~~أصناف ثلاثة : PageV02P137 # أولهم : بينه الله بقوله ( @QUR@02 للذين اتبعوه ) أى الذين أجابوا دعوته ~~في حياته واتبعوا دينه وشريعته بعد مماته. # وقد أكد الله تعالى حكمه هذا بحرف ( @QUR@01 إن ) وبأفعل التفضيل ( ~~@QUR@01 أولى ) وباللام في قوله ( @QUR@02 للذين اتبعوه ) ليرد على أقاويل ~~أهل الكتاب ومفترياتهم حيث زعموا أنه كان يهوديا أو نصرانيا. # وثانى هذه الأصناف : بينه سبحانه بقوله ( @QUR@02 وهذا النبي ) والمراد ~~به محمد صلى الله عليه وسلم الداعي إلى التوحيد الذي دعا إليه إبراهيم. # والجملة الكريمة من عطف الخاص على العام للاهتمام به. وللإشعار بأنه ~~صلى الله عليه وسلم قد تلقى الهداية من السماء كما تلقاها إبراهيم عليه السلام ~~وثالث هذه الأصناف : بينه الله تعالى بقوله ( @QUR@02 والذين آمنوا ) أى : ~~والذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم واتبعوه. # وفي هذا تنويه بشأن الأمة الإسلامية ، وتقرير بأن أتباع محمد ~~صلى الله عليه وسلم أحق بالانتساب إلى إبراهيم من أهل الكتاب لأن المؤمنين ~~طلبوا الحق وآمنوا به ، أما أهل الكتاب فقد باعوا دينهم بدنياهم ، وتركوا ~~الحق جريا وراء شهواتهم. # وقوله ( @QUR@03 والله ولي المؤمنين ) تذييل مقصود به تبشير المؤمنين بأن ~~الله تعالى هو ناصرهم ومتولى أمورهم. # قال ابن كثير عند تفسيره لهذا الآية : يقول الله تعالى إن أحق الناس ~~بمتابعة إبراهيم الخليل الذين اتبعوه على دينه ، وهذا النبي يعنى محمدا ~~صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا من أصحابه المهاجرين والأنصار ومن تبعهم ~~بعدهم. فعن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن لكل نبي ولاية ms0827 ~~من النبيين ، وإن وليي منهم أبى خليل ربي عز وجل إبراهيم عليه السلام . ثم ~~قرأ : ( @QUR@06 إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه ) الآية (1). # ثم حكى سبحانه أن بعض أهل الكتاب لا يكتفون بما هم فيه من ضلال ، بل ~~يحاولون أن يضلوا غيرهم فقال تعالى ( @QUR@07 ودت طائفة من أهل الكتاب لو ~~يضلونكم ). # وقوله تعالى ( @QUR@01 ودت ) من الود وهو محبة الشيء وتمنى حصوله ووقوعه. # أى تمنت وأحبت جماعة من أهل الكتاب إضلالكم وإهلاككم عن الحق أيها ~~المؤمنون وذلك بأن ترجعوا عن دين الإسلام الذي هداكم الله إليه ، إلى دين ~~الكفر الذي يعتنقه أولئك الكافرون من أهل الكتاب. PageV02P138 # ولم يقف بغى بعض أهل الكتاب وحسدهم عند هذا التمني ، بل تجاوزوه إلى ~~إلقاء الشبهات حول دين الإسلام ، وإلى محاولة صرف بعض المسلمين عن دينهم. # قال القرطبي : نزلت هذه الآية في معاذ بن جبل ، وحذيفة بن اليمان وعمار ~~بن ياسر ، حين دعاهم اليهود من بنى النضير وقريظة وبنى قينقاع إلى اليهودية (1). # والمراد بالطائفة رؤساء أهل الكتاب وأحبارهم ومن للتبعيض وهي مع مجرورها ~~في محل رفع نعت لطائفة. # و ( @QUR@01 لو ) في قوله ( @QUR@02 لو يضلونكم ) مصدرية أى ودت طائفة من ~~أهل الكتاب إضلالكم. # وقوله ( @QUR@06 وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون ) جملة حالية. # أى : والحال أنهم ما يضلون أى ما يهلكون إلا أنفسهم بسبب غوايتهم ~~واستيلاء الأهواء على قلوبهم ، وإبثارهم العمى على الهدى ولكنهم لا يشعرون ~~بذلك ولا يفطنون له ، لأنهم قد زين لهم الشيطان سوء عملهم فرأوه حسنا. # وأما النداء الثالث الذي اشتملت عليه هذه الآيات فهو قوله : ( @QUR@09 يا ~~أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون ). # أى : لما ذا تكفرون بآيات الله تعالى التي يتلوها عليكم نبيه محمد ~~صلى الله عليه وسلم والحال أنكم تعلمون صدقها وصحتها علما يقينيا كعلم ~~المشاهدة والعيان ، وتعرفون أنه نبي حقا كما تعرفون أبناءكم. # والاستفهام في قوله ( @QUR@02 لم تكفرون ) لتوبيخهم والتعجيب من شأنهم ، ~~وإنكار ما هم عليه من كفر بآيات الله مع علمهم بصدقها. # وفي هذا النداء إشارة إلى أن ما أعطوه ms0828 من علم كان يقتضى منهم أن يسارعوا ~~إلى الإيمان لا أن يكفروا بآيات الله الدالة على صدق نبيه صلى الله عليه وسلم ~~والتي تتناول القرآن الكريم ، والحجج والمعجزات التي جاءهم بها ~~صلى الله عليه وسلم . # تم وجه إليهم سبحانه نداء رابعا نهاهم فيه عن الخلط بين الحق والباطل وعن ~~كتمان الحق بعد أن نهاهم قبل ذلك عن الكفر بالآيات فقال تعالى : ( @QUR@011 ~~يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون ). # وقوله : ( @QUR@01 تلبسون ) أى تخلطون من اللبس بفتح اللام أى الخلط ~~وفعله لبس من باب ضرب. PageV02P139 # تقول : لبست عليه الأمر ألبسه إذا مزجت بينه بمشكله وحقه بباطله في ستر وخفاء. # أى : يا أهل الكتب لما ذا تخلطون الحق الواضح الذي نطقت به الكتب ~~السماوية ، وأيدته العقول السليمة ، بالباطل الذي تخترعونه من عند أنفسكم ~~إرضاء لأهوائكم؟ ولما ذا تكتمون الحق الذي تعرفونه كما تعرفون أبناءكم بغية ~~انصراف الناس عنه ، لأن من جهل شيئا عاداه. # وفي تكرير النداء والاستفهام زيادة في توبيخهم ولإنكار ما هم عليه ، ~~والتعجيب من شأنهم ، ذلك لأنهم جمعوا أفحش أنواع الرذائل التي على رأسها ~~كفرهم بآيات الله وخلطهم الحق بالباطل وكتمان الحق عمن يريده. # ولدعاة الضلالة طريقتان في إغواء الناس. # إحداهما : طريقة خلط الحق بالباطل حتى لا يتميز أحدهما عن الآخر وهي ~~المشار إليها بقوله تعالى ( @QUR@04 لم تلبسون الحق بالباطل ). # والثانية : طريقة جحد الحق وإخفائه حتى لا يظهر ، وهي المشار إليها بقوله ~~تعالى : ( @QUR@02 وتكتمون الحق ). # وقد استعمل أهل الكتاب الطريقتين لصرف الناس عن الإسلام فقد كان بعضهم ~~يؤول نصوص كتبهم الدالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم تأويلا فاسدا يخلط ~~فيه الحق بالباطل ليوهموا العامة أنه ليس هو النبي المنتظر ، وكان بعضهم ~~يلقى حول الحق شبها ليوقع ضعفاء الإيمان في حيرة وتردد ، وكان بعضهم يخفى ~~أو يحذف النصوص الدالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم أو التي لا توافق ~~أهواءهم. # وقوله : ( @QUR@02 وأنتم تعلمون ) جملة حالية. أى وأنتم تعلمون أن ما ~~أخفيتموه وما لبستموه هو الحق ms0829 ، أو وأنتم من ذوى العلم ولا يناسب من كان ~~كذلك أن يكتم الحق ويخلطه بالباطل ، وإذا كان هذا الفعل يعد من كبائر ~~الذنوب حتى ولو وقع من شخص عادى فإن وقعه يكون أقبح وفساده أكبر وعاقبته ~~أشأم متى صدر من عالم فاهم يميز بين الحق والباطل. # قال أبو حيان : وهذه الحال وإن كان ظاهرها أنها قيد في النهى عن اللبس ~~والكتم ، إلا أنها لا تدل بمفهومها على جواز اللبس والكتم حالة الجهل إذ ~~الجاهل بحال الشيء لا يدرى كونه حقا أو باطلا. وإنما فائدتها بيان أن ~~الإقدام على الأشياء القبيحة مع العلم بها أفحش من الإقدام عليها مع الجهل (1). PageV02P140 # وبعد هذه النداءات المتكررة لأهل الكتاب ، والحجج الباهرة التي ساقها لهم ~~على صحة هذا الدين والتوبيخات المتعددة التي وبخهم بها لانصرافهم عن الحق ~~ومحاولتهم صرف غيرهم عنه بعد كل ذلك ، أخذ القرآن في سرد بعض المسالك ~~الخبيثة التي سلكها اليهود لكيد الإسلام والمسلمين فبدأ ببيان مسلك لئيم من ~~مسالكهم الكثيرة ، وهو أن بعضهم كان يظهر الإيمان لفترة من الوقت ثم يرجع ~~عنه إلى الكفر ، ليوهم ضعاف العقول أنه ما رجع عن الإسلام إلا بعد أن دخله ~~فوجده دينا ليس بشيء في زعمه استمع إلى القرآن وهو يحكى ذلك لكي يطلع ~~أتباعه على مسالك اليهود ومكرهم حتى يحذروهم ، فيقول : # ( @QUR@017 وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا ~~وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون (72) @QUR@032 ولا تؤمنوا إلا لمن ~~تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ~~ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم (73) @QUR@08 ~~يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) (74) # فأنت إذا تأملت في هذه الآيات الكريمة تراها قد حكت عن طائفة من أهل ~~الكتاب طريقة ماكرة لئيمة ، هي تظاهرهم بالإسلام لفترة من الوقت ليحسن الظن ~~بهم من ليس خبيرا بمكرهم وخداعهم ، حتى إذا ما اطمأن الناس إليهم جاهروا ~~بكفرهم ورجعوا إلى ما كانوا عليه ، ليوهموا ms0830 حديثي العهد بالإسلام أو ضعاف ~~الإيمان ، أنهم قوم يبحثون عن الحقيقة ، وأنهم ليس عندهم أى عداء للنبي ~~صلى الله عليه وسلم بل إن الذي حصل منهم هو أنهم بعد دخولهم في الإسلام وجدوه ~~دينا باطلا وأنهم ما عادوا إلى دينهم القديم إلا بعد الفحص والاختبار ~~وإمعان النظر في دين الإسلام. # ولا شك أن هذه الطريقة التي سلكها بعض اليهود لصرف بعض المسلمين عن ~~الإسلام من أقوى ما تفتق عنه تدبيرهم الشيطاني ، لأن إعلانهم الكفر بعد ~~الإسلام ، وبعد إظهارهم الإيمان PageV02P141 # به ، من شأنه أن يدخل الشك في القلوب ويوقع ضعاف الإيمان في حيرة واضطراب ~~، خاصة وأن العرب في مجموعهم قوم أميون ومنهم من كان يعتقد أن اليهود أعرف ~~منهم بمسائل العقيدة والدين. فيظن أنهم ما ارتدوا عن الإسلام إلا بعد ~~اطلاعهم على نقص في تعاليمه. والمتتبع لمراحل التاريخ قديما وحديثا يرى أن ~~الدهاة في السياسة والحرب يتخذ هذه الخدعة ذريعة لإشاعة الخلل والاضطراب في ~~صفوف أعدائه. # قال الأستاذ الشيخ محمد عبده رحمه الله : «هذا النوع الذي تحكيه الآيات من ~~صد اليهود عن الإسلام مبنى على قاعدة طبيعية في البشر ، وهي أن من علامة ~~الحق أن لا يرجع عنه من يعرفه. وقد فقه هذا ، هرقل ، ملك الروم ، فكان مما ~~سأل عنه أبا سفيان من شئون النبي صلى الله عليه وسلم أن قال له : «هل يرتد أحد ~~من أتباع محمد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فقال أبو سفيان : لا. وقد أرادت ~~هذه الطائفة أن تغش الناس من هذه الناحية ليقولوا : لولا أن ظهر لهؤلاء ~~بطلان الإسلام لما رجعوا عنه بعد أن دخلوا فيه ، واطلعوا على بواطنه ~~وخوافيه ، إذ لا يعقل أن يترك الإنسان الحق بعد معرفته ، ويرغب عنه بعد ~~الرغبة فيه بغير سبب» (1). # هذا ، وقد روى المفسرون في سبب نزول هذه الآيات الكريمة روايات متعددة ~~كلها تدور حول المعنى الذي قررناه. # ومن هذه الروايات ما أخرجه ابن جرير عن قتادة قال في قوله تعالى ( ~~@QUR@06 وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا ).. ألخ قال ms0831 بعض أهل الكتاب لبعض ~~: «أعطوهم الرضا بدينهم أول النهار ، واكفروا آخره فإنه أجدر أن يصدقوكم ~~ويعلموا أنكم قد رأيتم ما تكرهونه في دينهم ، وهو أجدر أن يرجعوا عن ~~دينهم». # وعن السدى : كان هؤلاء أحبار قرى عربية ، اثنى عشر حبرا ، فقالوا لبعضهم ~~: ادخلوا في دين محمد أول النهار ، وقولوا : نشهد أن محمدا حق صادق. فإذا ~~كان آخر النهار فاكفروا وقولوا : إنا رجعنا إلى علمائنا وأحبارنا فسألناهم ~~، فحدثونا أن محمدا كاذب ، وأنكم لستم على شيء ، وقد رجعنا إلى ديننا فهو ~~أعجب إلينا من دينكم ، لعلهم يشكون ، يقولون : هؤلاء كانوا معنا أول النهار ~~فما بالهم؟ فأخبر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك» (2). # والمعنى : ( @QUR@05 وقالت طائفة من أهل الكتاب ) أى : فيما بينهم ~~ليلبسوا على الضعفاء أمر دينهم ( @QUR@08 آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا ~~وجه النهار ) أى قال بعضهم لبعض : نافقوا وأظهروا التصديق بالإسلام وبنبيه ~~صلى الله عليه وسلم وبما أنزل عليه وعلى أصحابه من قرآن ( @QUR@02 وجه النهار ~~) أى في أول النهار. PageV02P142 # وسمى أول النهار وجها ، لأنه أول ما يواجهك منه ، وأول وقت ظهوره ووضوحه. # وقوله ( @QUR@04 واكفروا آخره لعلهم يرجعون ) معطوف على ( @QUR@01 آمنوا ). # أى : آمنوا في أول النهار واكفروا في آخره ، بأن تعودوا إلى اليهودية ، ~~أملا في أن ينخدع بحيلتكم هذه بعض المسلمين ، فيشكوا في دينهم ، ويعودوا ~~إلى الكفر بعد دخولهم في الإسلام. # وقوله ( @QUR@02 لعلهم يرجعون ) كشف عن مقصدهم الخبيث ، وهو ابتغاؤهم ~~رجوع بعض المؤمنين عن دينهم الحق إلى ما كانوا عليه من باطل. # قال الفخر الرازي : «والفائدة في إخبار الله تعالى عن تواضعهم على هذه ~~الحيلة من وجوه : # الأول : أن هذه الحيلة كانت مخفية فيما بينهم ، وما أطلعوا عليها أحدا من ~~الأجانب ، فلما أخبر الرسول عنها كان ذلك إخبارا عن الغيب فيكون معجزا. # الثاني : أنه تعالى لما أطلع المؤمنين على تواطئهم على هذه الحيلة لم ~~يحصل لهذه الحيلة أثر في قلوب المؤمنين ، ولولا هذا الإعلام لكان ربما أثرت ~~هذه الحيلة في قلب بعض من كان في إيمانه ضعف. # الثالث : أن القوم ms0832 لما افتضحوا في هذه الحيلة صار ذلك رادعا لهم عن ~~الإقدام على أمثالها من الحيل والتلبيس» (1). # ثم حكى سبحانه لونا من عصبيتهم وتعاونهم على الإثم والعدوان فقال تعالى : ~~( @QUR@021 ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ، قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى ~~أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم ). # وقوله سبحانه حكاية عنهم ( @QUR@02 ولا تؤمنوا ) معطوف على قوله تعالى في ~~الآية السابقة ( @QUR@03 آمنوا بالذي أنزل ). # وقد فسر بعضهم ( @QUR@02 ولا تؤمنوا ) بمعنى ولا تقروا ، أو ولا تعترفوا ~~؛ فتكون اللام في قوله ( @QUR@04 إلا لمن تبع دينكم ) أصلية. # وعليه يكون المعنى : أن بعض اليهود قد قالوا لبعض : أظهروا إسلامكم أول ~~النهار واكفروا آخره ، لعل هذا العمل منكم يحمل بعض المسلمين على أن يتركوا ~~دينهم الإسلام ، ويعودوا إلى ما كانوا عليه من الكفر ولم يكتفوا بهذا القول ~~بل قالوا أيضا على سبيل المكر والخديعة ، PageV02P143 # ولا تقروا ولا تعترفوا بأن أحدا من المسلمين أو من غيرهم يؤتى مثل ما ~~أوتيتم من الكتاب والنبوة والفضائل ، أو بأن أحدا في قدرته أن يحاججكم أى ~~يبادلكم الحجة عند ربكم يوم القيامة ، ولا تقروا ولا تعترفوا بشيء من ذلك ~~«إلا لمن تبع دينكم» أى إلا لمن كان على ملتكم اليهودية دون غيرها. # فالمستثنى منه على هذا التفسير محذوف ، والتقدير : ولا تؤمنوا أى تقروا ~~وتعترفوا لأحد من الناس بأن أحدا يؤتى مثل ما أوتيتم أو بأن أحدا يحاججكم ~~عند ربكم إلا لمن تبع دينكم ، لأن إقراركم بذلك أمام المسلمين أو غيرهم ممن ~~هو على غير ملتكم سيؤدي إلى ضعفكم وإلى قوة المسلمين. # فهم على هذا التفسير يعلمون ويعتقدون بأن المؤمنين قد أوتوا مثلهم من ~~الدين والفضائل عن طريق محمد صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله رحمة ~~للعالمين ، ولكنهم لشدة حسدهم وبغضهم للنبي صلى الله عليه وسلم ولأتباعه ، قد ~~تواصوا فيما بينهم بأن يكتموا هذا العلم وتلك المعرفة ، ولا يظهروا ذلك إلا ~~فيما بينهم ، وصدق الله إذ يقول في شأنهم ( @QUR@014 الذين آتيناهم الكتاب ~~يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ms0833 ليكتمون الحق وهم يعلمون ). # وقد صدر صاحب الكشاف تفسيره للآية بهذا الوجه فقال : «قوله ( @QUR@02 ولا ~~تؤمنوا ) متعلق بقوله : ( @QUR@02 أن يؤتى ) وما بينهما اعتراض ، أى : ولا ~~تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم. ~~أرادوا : أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم ، ~~ولا تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتا ، ودون ~~المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام ( @QUR@04 أو يحاجوكم عند ربكم ) عطف على ~~أن يؤتى. والضمير في يحاجوكم لأحد ، لأنه في معنى الجمع ، بمعنى : ولا ~~تؤمنوا لغير أتباعكم أن المسلمين يحاجونكم يوم القيامة ويغالبونكم عند الله ~~تعالى بالحجة» (1). # هذا هو الوجه الأول في تفسير الآية الكريمة. # وهناك وجه آخر يرى أصحابه أن قوله تعالى ( @QUR@02 ولا تؤمنوا ) بمعنى ~~ولا تصدقوا أو ولا تعتقدوا ، فتكون اللام في قوله ( @QUR@03 لمن تبع دينكم ~~) زائدة للتقوية. # فيصير المعنى على هذا الوجه : أن بعض اليهود قد قالوا لبعض : أظهروا ~~الإسلام أول النهار واكفروا آخره لعل عملكم هذا يجعل بعض المسلمين يترك ~~دينه ويعود إلى الكفر الذي كان عليه لا تصدقوا أن أحدا من البشر يؤتى مثل ~~ما أوتيتم يا بنى إسرائيل من الكتاب والنبوة ، أو أن أحدا في قدرته أن ~~يحاججكم عند ربكم فأنتم الأعلون في الدنيا والآخرة وأنتم الذين لا تخرج PageV02P144 # النبوة من بينكم إلى العرب ، وما دام الأمر كذلك فلا تتبعوا إلا نبيا ~~منكم يقرر شرائع التوراة ، أما من جاء بتغيير شيء من أحكامها أو كان من غير ~~بنى إسرائيل كمحمد صلى الله عليه وسلم فلا تصدقوه. # فالمستثنى منه على هذا الوجه هو قوله «أحد» المذكور في الآية ، والمستثنى ~~هو قوله ( @QUR@04 إلا لمن تبع دينكم ). # والتقدير : ولا تصدقوا أن أحدا يمكن أن يؤتى مثل ما أوتيتم أو يمكنه أن ~~يحاججكم عند ربكم ( @QUR@04 إلا لمن تبع دينكم ) أى إلا من كان على ملتكم ~~اليهودية ، أما أن يكون من غيركم كهذا النبي العربي فلا يمكن أن يؤتى مثل ~~ما أوتيتم من الكتاب والنبوة ، لأنهما في ms0834 زعمهم حكر على بنى إسرائيل. # فهم على هذا الوجه من التفسير يزعمون أنهم غير مصدقين ولا معتقدين بأن ~~المسلمين قد أوتوا كتابا ودينا وفضائل مثل ما أوتوا هم أى اليهود ، ويرون ~~أنفسهم لغرورهم وانطماس بصيرتهم أنهم أهدى سبيلا من كل من سواهم من البشر. # وعلى كل من الوجهين يكون قوله تعالى ( @QUR@010 أن يؤتى أحد مثل ما ~~أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم ) مفعول به لتؤمنوا. # والتقدير : ولا تصدقوا أو ولا تقروا لأحد بأن أحدا يؤتى مثل ما أوتيتم أو ~~بأن أحدا يحاججكم عند ربكم. # وعلى كل من الوجهين أيضا يكون قوله تعالى : ( @QUR@06 ولا تؤمنوا إلا لمن ~~تبع دينكم ) وقوله ( @QUR@010 أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ~~ربكم ) حكاية من الله تعالى لما تواصى به بعض اليهود فيما بينهم من أقوال ~~خبيثة ، وأفكار ماكرة. # ويكون قوله تعالى ( @QUR@05 قل إن الهدى هدى الله ) كلاما معترضا بين ~~أقوالهم ساقه الله تعالى للمسارعة بالرد على أقوالهم الذميمة حتى يزداد ~~المؤمنون إيمانا على إيمانهم ، ويزدادوا هم رجسا إلى رجسهم ، وينكشف ما ~~أضمروه وما بيتوه للمؤمنين من سوء وحقد. # أى قل لهم يا محمد إن هداية الله تعالى ملك له وحده ، وهو الذي يهبها لمن ~~يشاء من عباده ، فهي ليست حكرا على أحد ، ولا أمرا مقصورا على قوم دون قوم ~~، وإذا كانت النبوة قد ظلت فترة من الزمان في بنى إسرائيل ، فالله تعالى ~~قادر على أن يسلبها منهم لأنهم لم يشكروه عليها وأن يجعلها في محمد العربي ~~صلى الله عليه وسلم لأنه أهل لها وهو سبحانه أعلم حيث يجعل رسالته. # هذا ، ويرى بعض المفسرين أن أقوال اليهود التي حكاها القرآن عنهم قد ~~انتهت بنهاية قوله تعالى ( @QUR@06 ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ) وأما ~~قوله تعالى ( @QUR@05 قل إن الهدى هدى الله PageV02P145 # @QUR@010 أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم ) فهو من كلام ~~الله تعالى وقد ساقه سبحانه للرد عليهم. # فيكون المعنى عليه : أن بعض اليهود قد قال لبعض : أظهروا إسلامكم أول ~~النهار واكفروا آخره ms0835 لعل بعض المسلمين يرجع عن دينه بسبب فعلكم هذا ، ولا ~~تعترفوا بفعلكم هذا إلا لأهل دينكم من اليهود حتى يبقى عملكم هذا سرا له ~~أثره في بلبلة أفكار المسلمين ورجوع بعضهم عن الإسلام. # وهنا يأمر الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بالرد عليهم وبالكشف عن ~~مكرهم فيقول : قل لهم يا محمد إن الهدى هدى الله ، أى إن هداية الله ملك له ~~وحده فهو الذي يهدى من يشاء وهو الذي يضل من يشاء ، وقد هدانا سبحانه إلى ~~الإسلام وارتضيناه دينا لنا ولن نرجع عنه. # وقل لهم كذلك على سبيل التوبيخ والتهكم بعقولهم : أمخافة أن يؤتى أحد مثل ~~ما أوتيتم من الكتاب والنبوة : أو مخافة أن يحاججكم المسلمون عند ربكم يوم ~~القيامة حيث آمنوا بالحق وأنتم كفرتم به ، أمخافة ذلك دبرتم ما دبرتم من ~~هذه الأقوال السيئة والأفعال الخبيثة؟ لا شك أنه لم يحملكم على ذلك المنكر ~~السيئ إلا الحسد لمحمد صلى الله عليه وسلم ولقومه وزعمكم أنكم أفضل منهم لأنكم ~~كما تدعون أبناء الله وأحباؤه فدفعكم ذلك كله إلى كراهية دينه والكيد ~~لأتباعه. # قالوا : ويؤيد هذا الوجه من التفسير للآية قراءة ابن كثير «أن يؤتى أحد ~~مثل ما أوتيتم ..». بهمزتين أولاهما للاستفهام الذي قصد به التوبيخ ~~والإنكار ، والثانية هي همزة أن المصدرية. # وقد أشار إلى هذا الوجه الفخر الرازي فقال ما ملخصه : «واعلم أن هذه ~~الآية من المشكلات الصعبة ... ويحتمل أن يكون قوله تعالى ( @QUR@010 أن ~~يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم ) من كلام الله تعالى فقد قرأ ~~ابن كثير «آن يؤتى أحد ...» بمد الألف على الاستفهام ، ويكون الاستفهام ~~للتوبيخ كقوله تعالى ( @QUR@012 أن كان ذا مال وبنين. إذا تتلى عليه آياتنا ~~قال أساطير الأولين ). والمعنى أمن أجل أن يؤتى أحد شرائع مثل ما أوتيتم ~~من الشرائع تنكرون اتباعه ، ثم حذف الجواب للاختصار ، وهذا الحذف كثير. # يقول الرجل بعد طول العتاب لصاحبه. وبعد كثرة إحسانه إليه : أمن قلة ~~إحسانى إليك؟. # والمعنى أمن أجل هذا فعلت ما فعلت» (1). # ثم ms0836 أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم مرة ثانية حتى يبطل ~~مزاعمهم ويفضحهم على PageV02P146 # رؤس الأشهاد فقال : ( @QUR@011 قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ~~واسع عليم ) أى قل لهم يا محمد : إن الفضل الذي يتناول النبوة وغيرها من ~~نعم الله على عباده هذا الفضل وذلك العطاء بيد الله تعالى وحده ، وهو ~~سبحانه المتفضل به على من يشاء التفضل عليه من عباده ، وإذا كان سبحانه قد ~~جعل النبوة في بنى إسرائيل لفترة من الزمان ، فذلك بفضل منه ورحمته ، وإذا ~~كان قد سلبها عنهم لأنهم لم يرعوها حق رعايتها وجعلها في هذا النبي العربي ~~فذلك أيضا بفضله ورحمته ، وهو سبحانه أعلم حيث يجعل رسالته ، وهو سبحانه ~~صاحب الاختيار المطلق في أن يؤتى فضله لمن يشاء من عباده. وهو سبحانه ( ~~@QUR@01 واسع ) الرحمة والفضل ( @QUR@01 عليم ) بمن يستحقهما وبمن لا ~~يستحقهما. # ثم قال تعالى ( @QUR@04 يختص برحمته من يشاء ) أى يختص بالنبوة وما يترتب ~~عليها من الهداية والنعم من يشاء من عباده. # وقوله ( @QUR@03 والله ذو الفضل ) أى هو سبحانه صاحب الجود العميم والفضل ~~العظيم ، فلا عظمة تساوى عظمة فضل الله تعالى على خلقه ، وإنما هو وحده ~~صاحب النعم التي لا تحصى على عباده ، فعليهم أن يشكروه وأن يفردوه بالعبادة ~~والخضوع. # وبذلك تكون الآيات الكريمة قد كشفت عن مسلك من مسالك اليهود الماكرة التي ~~أرادوا من ورائها كيد الإسلام والمسلمين ، وفي هذا الكشف تنبيه للمسلمين ~~إلى ما يبيته لهم هؤلاء الأعداء من شرور وآثام حتى يحذروهم. # ثم حكى القرآن لونا آخر من ألوان مزاعم اليهود الباطلة ، وأقاويلهم ~~الكاذبة ، وهو دعواهم أنهم ليس عليهم في الأميين سبيل ، أى أن كل من كان ~~على غير ملتهم فإنه مهدور الحقوق ، ثم رد عليهم بما يدحض مزاعمهم ويثبت ~~أنهم ليسوا أهلا لاختصاصهم بالنبوة والرحمة فقال تعالى : # ( @QUR@036 ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن ~~تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس ~~علينا في الأميين ms0837 سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون (75) @QUR@09 بلى ~~من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين ) (76) PageV02P147 # قال الإمام الرازي : اعلم أن تعلق هذه الآية وهي قوله ومن أهل الكتاب ... ~~بما قبلها من وجهين : # الأول : أنه تعالى حكى عنهم في الآية المتقدمة أنهم ادعوا أنهم أوتوا من ~~المناصب الدينية ما لم يؤت أحد غيرهم مثله ، ثم إنه تعالى بين أن الخيانة ~~مستقبحة عند جميع أرباب الأديان وهم مصرون عليها فدل هذا على كذبهم. # والثاني : أنه تعالى لما حكى عنهم في الآية المتقدمة قبائح أحوالهم فيما ~~يتعلق بالأديان وهو أنهم قالوا (لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم) حكى في هذه ~~الآية بعض قبائح أحوالهم فيما يتعلق بمعاملة الناس ، وهو إصرارهم على ~~الخيانة والظلم وأخذ أموال الناس في القليل والكثير. # قال ابن عباس : أودع رجل عند عبد الله بن سلام ألفا ومائتي أوقية من ذهب ~~فأداها إليه. # وأودع رجل آخر عند فنحاص بن عازوراء اليهودي دينارا فخانه فنزلت الآية (1). # والمعنى : إن من أهل الكتاب فريقا إن تأتمنه على الكثير والنفيس من ~~الأموال يؤده إليك عند طلبه كاملا غير منقوص ، وإن منهم فريقا آخر إن ~~تأتمنه على القليل والحقير من حطام الدنيا يستحله ويجحده ولا يؤديه إليك ~~إلا إذا داوم صاحب الحق على المطالبة بحقه واستعمل كل الوسائل في الحصول عليه. # فالآية الكريمة قد مدحت من يستحق المدح من أهل الكتاب وهو الفريق الذي ~~استجاب للحق وآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سلام وأمثاله من ~~مؤمنى أهل الكتاب. وذمت من يستحق الذم منهم وهو الفريق الذي لا يؤدى ~~الأمانة ، ولم يستجب للحق ، بل استمر على كفره وجحوده ، وهذا القسم يمثل ~~أكثرية أهل الكتاب. # والمراد من ذكر القنطار والدينار هنا العدد الكثير والعدد القليل. أى أن ~~منهم من هو في غاية الأمانة حتى أنه لو اؤتمن على الأموال الكثيرة لأداها ، ~~ومنهم من هو في غاية الخيانة حتى أنه لو أؤتمن على الشيء القليل لجحده. # وقوله ( @QUR@05 إلا ما دمت عليه قائما ) استثناء من ms0838 أعم الأحوال أو ~~الأوقات. أى لا يؤده إليك في حال من الأحوال أو في وقت من الأوقات إلا في ~~حال أو في وقت مداومتك على طلبه ، والإلحاح في ذلك ، واستعمال كل الوسائل ~~للوصول إلى حقك. # قال الجمل : و «دمت» هذه هي الناقصة ، ترفع وتنصب ، وشرط إعمالها أن ~~يتقدمها ما الظرفية كهذه الآية : إذ التقدير إلا مدة دوامك. وأصل هذه ~~المادة للدلالة على الثبوت والسكون. يقال : دام الماء ، أى سكن. وفي الحديث ~~: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم» أى PageV02P148 # الذي لا يجرى .. ومنه دام الشيء إذا امتد عليه زمان. ودامت الشمس إذا ~~وقفت في كبد السماء وقوله ( @QUR@01 عليه ) متعلق بقوله ( @QUR@01 قائما ) ~~والمراد بالقيام الملازمة ، لأن الأغلب أن المطالب يقوم على رأس المطالب ، ~~ثم جعل عبارة عن الملازمة وإن لم يكن ثمة قيام (1). # قال ابن جرير : فإن قال قائل : وما وجه إخبار الله بذلك نبيه ~~صلى الله عليه وسلم وقد علمت أن الناس لم يزالوا كذلك ، منهم المؤدى أمانته ~~ومنهم الخائن لها؟ قيل : إنما أراد عز وجل بإخباره المؤمنين خبرهم على ما ~~بينه في كتابه بهذه الآية ، تحذير المؤمنين من أن يأتمنوهم على أموالهم ، ~~وتخويفهم من الاغترار بهم ، لاستحلال كثير منهم أموال المؤمنين (2). # ثم حكى سبحانه بعض الأسباب التي جعلتهم يبررون خيانتهم وجحودهم لحقوق ~~غيرهم فقال تعالى : ( @QUR@08 ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ). # وقوله ( @QUR@01 ذلك ) إشارة إلى ترك الأداء المدلول عليه بقوله سبحانه ( ~~@QUR@02 لا يؤده ). # والمراد بالأميين : العرب ، خصوصا من آمن منهم ، وسمى العرب بالأميين ~~نسبة إلى الأم ، وذلك لغلبة الأمية عليهم لكأن الواحد منهم قد بقي على ~~الحالة التي ولدتهم عليها أمهاتهم من عدم القراءة والكتابة. # والسبيل : المراد به : الحجة الملزمة والحرج. وأصله الطريق ، ثم أطلق على ~~الحجة باعتبارها طريقا ووسيلة للإلزام وتحمل التبعات. # أى : ذلك الامتناع عن الوفاء بالعهود ، وجحود الأمانات والحقوق من الفريق ~~الخائن. سببه زعمهم الباطل أنهم ليس عليهم حرج أو إثم أو تبعة في استحلال ~~أموال العرب الأميين واستلابها منهم بأية طريقة ، لأن الأميين ليسوا ms0839 على ملتهم. # واليهود يزعمون أن كتابهم يحل لهم قتل من خالفهم ، كما يحل لهم أخذا ما ~~له بأى وسيلة. وهذا الخلق الذميم معرق في اليهود ، لأن أنانيتهم جعلتهم ~~يحرفون كتبهم على حسب ما تهوى نفوسهم ، فقد كانت التوراة تحرم الربا تحريما ~~مطلقا فتقول : «لا تأخذ ربا من أخيك إذا أقرضته» فحرف اليهود هذا النص : إذ ~~زادوا فيه كلمة الإسرائيلى فأصبح النص هكذا «لا تأخذ ربا من أخيك ~~الإسرائيلى إذا أقرضته» وبذلك أصبحوا يحرمون الربا عند تعاملهم مع أنفسهم ~~ويحلونه عند تعاملهم مع غيرهم ، لأنهم لا يشعرون بالأخوة الإنسانية العامة. # قال الآلوسى : أخرج ابن جرير عن ابن جريج قال : بايع اليهود رجال من ~~المسلمين في PageV02P149 # الجاهلية فلما أسلموا تقاضوهم عن بيوعهم فقال اليهود : ليس علينا أمانة ~~ولا قضاء لكم عندنا ، لأنكم تركتم دينكم الذي كنتم عليه ، وادعوا أنهم ~~وجدوا ذلك في كتابهم. # وقال الكلبي : قالت اليهود : «الأموال كلها كانت لنا ، فما في أيدى العرب ~~منها فهو لنا ، وأنهم ظلمونا وغصبونا فلا إثم علينا في أخذ أموالنا منهم» (1). # وقوله تعالى ( @QUR@06 ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ) رد عليهم ~~فيما قالوه من أنهم ليس عليهم في الأميين سبيل ، وتكذيب لهم فيما زعموه ، ~~لأن قولهم هذا ما أنزل الله به من سلطان ، ولا يؤيده عقل سليم ، إذ المبادئ ~~الخلقية الفاضلة يجب أن تطبق على جميع الناس بدون تفرقة بينهم. # والمعنى : أن هؤلاء اليهود الذين يجحدون الأمانات متذرعين بقولهم ( ~~@QUR@05 ليس علينا في الأميين سبيل )، يفترون على الله الكذب في قولهم هذا ~~، وهم يعلمون أنه كاذبون ، لأنهم ليس عندهم في كتبهم نص يبيح لهم استحلال ~~أموال العرب وخيانتهم ، وإنما الذي تأمرهم به كتبهم هو أداء الأمانة ~~لمستحقيها بالمعروف. # وقوله ( @QUR@02 وهم يعلمون ) جملة حالية من الضمير في ( @QUR@01 يقولون ~~) ومفعول العلم محذوف اقتصارا ، أى وهم من ذوى العلم. أو اختصارا ، أى ~~يعلمون كذبهم وافتراءهم. # ولقد بين النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث متعددة أن الأمانة يجب أن تؤدى ~~إلى البار والفاجر ، ومن ذلك ما أخرجه ابن جرير ms0840 عن سعيد بن جبير أنه قال : ~~لما نزلت : ( @QUR@06 ومن أهل الكتاب من إن تأمنه ) الآية. قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : «كذب أعداء الله!! ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو ~~تحت قدمي ، إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البار والفاجر» (2). # ولقد سار أتباع النبي صلى الله عليه وسلم على مبدأ أداء الأمانة ، وعدم أخذ ~~شيء من أموال الغير إلا بوجه مشروع. # قال ابن كثير : «قال عبد الرازق : أنبأنا معمر عن أبى إسحاق الهمدانى عن ~~أبى صعصعة بن يزيد. أن رجلا سأل ابن عباس : إنا نصيب في الغزو من أموال أهل ~~الذمة : الدجاجة والشاة. قال ابن عباس : فتقولون ما ذا؟ قال نقول : ليس ~~علينا بذلك بأس. قال ابن عباس : هذا كما قال أهل الكتاب ( @QUR@05 ليس ~~علينا في الأميين سبيل ) إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا بطيب ~~أنفسهم» (3). PageV02P150 # ثم أكد الله تعالى كذب هؤلاء اليهود الذين قالوا : ( @QUR@05 ليس علينا ~~في الأميين سبيل ) بجملة أخرى فيها الرد الذي يخرس ألسنتهم ، ويدحض مزاعمهم ~~فقال تعالى : ( @QUR@09 بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين ). # و ( @QUR@01 بلى ) حرف يذكر في الجواب لإثبات المنفي في كلام سابق ، ولقد ~~حكى القرآن قبل ذلك أن اليهود قد نفوا أن يكون عليهم في الأميين سبيل. فجاء ~~سبحانه بهذا الرد الذي يثبت ما نفوه. ويبطل ما زعموه. # والمعنى : ليس الأمر كما زعمتم أيها اليهود من أنه ليس عليكم في الأميين ~~سبيل ، بل الحق أن عليكم فيهم سبيل. وأنكم معذبون بسبب كفركم واستحلالكم ~~لأموالهم بدون حق ومثابون إن آمنتم بالله ورسوله ووفيتم بعهودكم ، وصنتم ~~أنفسكم من كل ما يغضب الله تعالى . # وقد علل سبحانه هذا الحكم العادل بجملة مستأنفة عامة فقال : ( @QUR@08 من ~~أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين ). # أى كل من أوفى بعهد الله فآمن بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم واستقام على ~~دينه ، واتقى ما نهى الله عنه من ترك الخيانة والغدر وما إلى ذلك من ~~المحرمات ، فإن الله يحبه ويرضى عنه ، ومن لم يفعل ms0841 ذلك فإن الله يبغضه ولا ~~يحبه ويعذبه العذاب الأليم. # وبذلك تكون الآية الكريمة قد بينت أن محبة الله لعبده تتوفر بأمرين : # أولهما : الوفاء بالعهد. فكل ما يلتزمه الإنسان من عهود فالوفاء بها ~~واجب. وفي مقدمة هذه العهود ، العهد الذي أخذه الله على عباده بتوحيده ~~والإيمان برسله وعلى رأسهم محمد صلى الله عليه وسلم . # وثانيهما : تقوى الله بمعنى أن يجتنب ما نهى الله عنه وحرمه عليه ، ولا ~~يفعل إلا ما أحله الله وأذن له فيه. # وقد خلا اليهود من هذين الأمرين ، لأنهم لم يفوا بعهودهم ، ولم يتقوا ~~الله ، فسلبت عنهم محبته ، واستحقوا غضبه سبحانه ونقمته. # قال صاحب الكشاف : قوله تعالى ( @QUR@01 بلى ) إثبات لما نفوه من السبيل ~~عليهم في الأميين ، أى بلى عليهم سبيل فيهم. وقوله ( @QUR@04 من أوفى بعهده ~~واتقى ) جملة مستأنفة مقررة للجملة التي سدت ( @QUR@01 بلى ) مسدها. ~~والضمير في ( @QUR@01 بعهده ) راجع إلى ( @QUR@02 من أوفى ) على أن كل من ~~أوفى بما عاهد عليه واتقى الله بأن ترك الخيانة والغدر فإن الله يحبه. # فإن قلت : فهذا عام يخيل أنه لو وفي أهل الكتاب بعهودهم وتركوا الخيانة ~~لكسبوا محبة الله. قلت : أجل ، لأنهم إذا وفوا بالعهود ، وفوا أول شيء ~~بالعهد الأعظم وهو ما أخذ عليهم في PageV02P151 # كتابهم من الإيمان برسول مصدق لما معهم. # ولو اتقوا الله في ترك الخيانة لاتقوه في ترك الكذب على الله وتحريف كلمه ~~، ويجوز أن يرجع الضمير في «بعهده» إلى الله ، على أن كل من وفي بعهد الله ~~واتقاه فإن الله يحبه ويدخل في ذلك الإيمان وغيره من لصالحات ، وما وجب ~~اتقاؤه من الكفر وأعمال السوء. # فإن قلت : فأين الضمير الراجع من الجزاء إلى من؟ قلت : عموم المتقين قام ~~مقام رجوع الضمير» (1). # وبهذا يكون القرآن قد كشف عن مكر اليهود وخداعهم ، ورد عليهم فيما افتروه ~~من أقوال باطلة ، وأثبت أنهم يكذبون فيما يدعون عن تعمد وإصرار ، وبين أن ~~أداء الأمانة واجب على كل إنسان ، وأن كل من وفي بعهود الله واتقاه فهو أهل ~~لمحبته ورضاه. # ثم توعد الله تعالى الذين ms0842 يخونون العهود ، ويحلفون كذبا بالعذاب الأليم ، ~~ونعى على فريق من اليهود تحريفهم للكلم عن مواضعه ، وأنذرهم بسوء المصير ~~فقال تعالى : # ( @QUR@027 إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق ~~لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم (77) @QUR@029 وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من ~~الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ~~ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ) (78) # روى المفسرون في سبب نزول قوله تعالى ( @QUR@03 إن الذين يشترون ) الآية ~~روايات منها : # ما أخرجه الشيخان عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~: «من حلف على مال امرئ PageV02P152 # مسلم بغير حقه لقى الله وهو عليه غضبان» قال عبد الله. ثم قرأ علينا رسول ~~الله مصداقه من كتاب الله ، ( @QUR@05 إن الذين يشترون بعهد الله ) إلخ. # وفي رواية قال : «من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقى الله وهو ~~عليه غضبان ، فأنزل الله تعالى تصديق ذلك ( @QUR@05 إن الذين يشترون بعهد ~~الله ). قال عبد الله : فدخل الأشعث بن قيس فقال : ما يحدثكم أبو عبد ~~الرحمن قلنا : كذا وكذا. فقال : صدق. في نزلت ، كان بيني وبين رجل خصومة في ~~بئر ، فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : شاهداك أو يمينه؟ قلت : إنه إذا يحلف ولا يبالى فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم هو ~~فيها فاجر لقى الله وهو عليه غضبان» ، ونزلت : ( @QUR@03 إن الذين يشترون ) (1). # وروى البخاري عن عبد الله بن أوفى أن رجلا أقام سلعة في السوق فحلف بالله ~~لقد أعطى بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلا من المسلمين ، فنزلت ( @QUR@03 إن ~~الذين يشترون ) (2). # وقال الفخر الرازي : قال عكرمة إنها نزلت في أحبار اليهود ، كتموا ما عهد ~~الله إليهم في التوراة من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكتبوا بأيديهم غيره ، ~~وحلفوا ms0843 بأنه من عند الله لئلا يفوتهم الرشا» (3). # هذه ثلاث روايات في سبب نزول تلك الآية الكريمة ، وأرجحها رواية الشيخين ~~، ولذا وجب الأخذ بها إلا أن نزول الآية في قصة معينة لا يمنع شمول حكمها ~~لكل ما يشبه هذه القصة أو الحادثة ، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ~~كما يرى جمهور العلماء . # فكل من حلف بالله كاذبا ، واشترى بعهده سبحانه ثمنا قليلا حقت عليه ~~العقوبة التي بينتها الآية الكريمة. ويدخل تحت هذه العقوبة دخولا أوليا ~~أولئك اليهود الذين خانوا عهد الله بإنكارهم لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم مع ~~أنهم يعرفون صدقه معرفة جليلة. # والمراد بقوله ( @QUR@01 يشترون ) أى يستبدلون ، وذلك لأن المشترى يأخذ ~~شيئا ويعطى شيئا. فكل واحد من المعطى والمأخوذ ثمن للآخر. # والمراد ( @QUR@02 بعهد الله ) كل ما يجب الوفاء به ، فيدخل فيه ما أوجبه ~~الله تعالى على عباده من فرائض وتكاليف ، ومن إيمان بملائكته وكتبه ورسله ~~واليوم الآخر ، كما يدخل فيه أيضا ما أوجبه الله على أهل الكتاب من الإيمان ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي يجدون نعته في كتبهم ، ويعرفون PageV02P153 # صدقه كما يعرفون أبناءهم. # والباء في قوله تعالى : ( @QUR@02 بعهد الله ) داخلة على المتروك الذي ~~تركوه وأخذوا في مقابله الثمن القليل. # وقوله ( @QUR@01 وأيمانهم ) معطوف على عهد الله. # والمراد بأيمانهم تلك : الأيمان الكاذبة التي يحلفونها ليؤكدوا ما يريدون ~~تأكيده من أقوال أو أفعال. # والمراد بالثمن القليل : حظوظ الدنيا وشهواتها من نحو المال والمنافع ~~الزائلة ، التي أخذوها نظير تركهم لعهود الله ، وحلفهم الكاذب. # وليس وصف الثمن بالقلة هنا من الأوصاف المخصصة للنكرات ، بل هو من ~~الأوصاف اللازمة للثمن المحصل نظير خيانة عهود الله تحقيرا له ، إذ أنه لا ~~يكون إلا قليلا وإن بلغ ما بلغ من أعراض الدنيا بجانب رضا الله والوفاء ~~بعهوده. # وقوله ( @QUR@06 أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ) أى الذين يخونون عهد الله ~~ويحلفون الأيمان الكاذبة في مقابل عرض من أعراض الدنيا ، لا نصيب لهم ولا ~~حظ من نعيم الآخرة بسبب ما ارتكبوه من غدر وافتراء. # وقوله ( @QUR@03 ولا يكلمهم ms0844 الله ) أى لا يكلمهم بما يسرهم بل يكلمهم بما ~~يسوؤهم ويخزيهم يوم القيامة بسبب أعمالهم السيئة. # أو أن عدم كلام الله تعالى لهم : كناية عن عدم محبته لهم ، لأن من عادة ~~المحب أن يقبل على حبيبه ويتحدث إليه ، أما المبغض لشيء ، فإنه ينصرف عنه. # وإلى هذا المعنى ذهب الإمام الرازي فقد قال ما ملخصه : «وقوله تعالى ( ~~@QUR@03 ولا يكلمهم الله ) فيه سؤال وهو أنه تعالى قال : ( @QUR@07 فو ربك ~~لنسئلنهم أجمعين. عما كانوا يعملون ) فكيف الجمع بين الآية التي معنا وبين ~~قوله ( @QUR@02 لنسئلنهم أجمعين ) والجواب : أن المقصود من كل هذه الكلمات ~~: بيان شدة سخط الله عليهم ، لأن من منع غيره كلامه ، فإنما ذلك بسخط عليه ~~، وإذا سخط إنسان على آخر قال له : لا أكلمك ، وقد يأمر بحجبه عنه ويقول : ~~لا أرى وجه فلان ، وإذا جرى ذكره لم يذكره بالجميل ، فثبت أن الآية كناية ~~عن شدة الغضب نعوذ بالله منه. وهذا هو الجواب الصحيح» (1). PageV02P154 # وقوله ( @QUR@03 ولا ينظر إليهم ) أى لا يعطف عليهم ولا يرحمهم ولا يحسن ~~إليهم ، وذلك كما يقول القائل لغيره : انظر إلى ، يريد : ارحمني واعطف على. # ويقال : فلان لا ينظر إلى فلان ، والمراد من ذلك نفى الإحسان إليه وترك ~~الاعتداد به ، فقد جرت العادة بأن من اعتد بإنسان وعطف عليه التفت إليه. # قالوا : فلهذا السبب صار المراد بعدم نظر الله تعالى إلى هؤلاء الخائنين ~~عبارة عن ترك العطف عليهم والإحسان إليهم والرحمة بهم. # ولا يجوز أن يكون المراد من عدم النظر إليهم ، عدم رؤيتهم ، لأنه سبحانه ~~يراهم كما يرى غيرهم من خلقه. # وقوله تعالى ( @QUR@02 ولا يزكيهم ) أى أنه سبحانه لا يطهرهم من دنس ~~ذنوبهم وأوزارهم بالمغفرة ، بل يعاقبهم عليها. أو أنه سبحانه لا يثنى عليهم ~~كما يثنى على الصالحين من عباده ، بل يسخط عليهم وينتقم منهم جزاء غدرهم. # ثم ختم سبحانه الآية ببيان النتيجة المترتبة على هذا الغضب منه عليهم ، ~~فقال : ( @QUR@03 ولهم عذاب أليم ). # أى ولهم عذاب مؤلم موجع بسبب ما ارتكبوه من آثام وسيئات. # فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ms0845 توعدت هؤلاء الذين يشترون بعهد الله ~~وأيمانهم ثمنا قليلا بأنهم لا حظ لهم من نعيم الآخرة ، وأنهم ليسوا أهلا ~~لرضا الله ورحمته وإحسانه ، وأنهم سينالون العذاب المؤلم الموجع بسبب ما ~~قدمت أيديهم. # ثم بين سبحانه بعض الرذائل التي صدرت عن فريق من أهل الكتاب فقال تعالى : ~~( @QUR@013 وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما ~~هو من الكتاب ) والضمير في قوله تعالى ( @QUR@01 منهم ) يعود إلى أهل ~~الكتاب الذين ذكر القرآن طرفا من رذائلهم ومسالكهم الخبيثة فيما سبق. # قال الفخر الرازي : اعلم أن هذه الآية ( @QUR@03 وإن منهم لفريقا ) تدل ~~على أن الآية المتقدمة وهي قوله تعالى ( @QUR@03 إن الذين يشترون ) نازلة ~~في اليهود بلا شك ، لأن هذه الآية نازلة في حق اليهود وهي معطوفة على ما ~~قبلها ، فهذا يقتضى كون تلك الآية المتقدمة نازلة في اليهود أيضا (1). # وقال ابن كثير : يخبر سبحانه عن اليهود عليهم لعائن الله أن منهم فريقا يحرفون PageV02P155 # الكلم عن مواضعه ، ويبدلون كلام الله ، ويزيلونه عن المراد ليوهموا ~~الجهلة أنه في كتاب الله كذلك وينسبونه إلى الله. وهم يعلمون من أنفسهم ~~أنهم قد كذبوا وافتروا في ذلك كله» (1). # وقوله ( @QUR@01 يلوون ) مأخوذ من اللى. وأصل اللى الميل يقال : لوى بيده ~~ولوى برأسه إذا أماله. والتوى الشيء إذا انحرف ومال عن الاستقامة إلى ~~الاعوجاج والمعنى : «وإن من هؤلاء اليهود الذين كتموا الحق واشتروا بعهد ~~الله وبأيمانهم ثمنا قليلا. إن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب» أى ~~يعمدون إلى كتاب الله فينطقون ببعض ألفاظه نطقا مائلا محرفا يتغير به ~~المعنى من الوجه الصحيح الذي يفيده ظاهر اللفظ إلى معنى آخر سقيم لا يدل ~~عليه اللفظ ولكنه يوافق أهواءهم ونواياهم السيئة ، ومقاصدهم الذميمة. # وذلك كأن ينطقوا بكلمة ( @QUR@01 راعنا ) نطقا ملتويا يوافق في لغتهم ~~كلمة قبيحة يقصدون بها الإساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم . وقد نهى الله ~~تعالى المؤمنين عن مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم بأمثال هذه الألفاظ حتى لا ~~يتخذها اليهود ذريعة للإساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال تعالى ms0846 ( ~~@QUR@09 يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا ) وكأن ينطقوا ~~بكلمة «السلام عليكم» بقولهم : «السام عليكم» بحذف اللام يعنون الموت عليكم ~~لأن السام معناه الموت. # وكأن يغيروا لفظا من كتابهم فيه ما يشهد بصدق النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ ~~آخر ، أو يؤولوا المعاني تأويلا فاسدا ، وقد وبخهم الله تعالى على هذا ~~التحريف في كثير من آيات القرآن الكريم ، ومن ذلك قوله تعالى ( @QUR@019 ~~أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من ~~بعد ما عقلوه وهم يعلمون ) (2) وقوله تعالى ( @QUR@010 من الذين هادوا ~~يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا ) (3). # وقوله تعالى ( @QUR@03 وإن منهم لفريقا ) إنصاف منه سبحانه للفريق الذي ~~لم يرتكب هذا الفعل الشنيع وهو تحريف كلامه عز وجل وتلك عادة القرآن في ~~أحكامه لا يظلم أحدا ولكنه يمدح من يستحق المدح ويذم من يستحق الذم. # وقوله ( @QUR@01 يلوون ) صفة لقوله ( @QUR@01 لفريقا ). # والباء في قوله ( @QUR@01 بالكتاب ) بمعنى «في» مع حذف المضاف. أى وإن ~~منهم لفريقا يلوون ألسنتهم في حال قراءتهم للكتاب ، إما بحذف حروف يتغير ~~المعنى بحذفها ، أو بزيادة تفسد المعنى ، أو بغير ذلك من وجوه التغيير ~~والتبديل. PageV02P156 # وقوله تعالى ( @QUR@07 لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ) بيان ~~للدوافع السيئة التي دفعتهم إلى ارتكاب هذا التحريف الذميم. # والضمير المنصوب في قوله ( @QUR@01 لتحسبوه ) وكذلك ضمير الغائب ( ~~@QUR@01 هو ): يعودان إلى الكلام المحرف الذي لووا به ألسنتهم والمدلول ~~عليه بقوله ( @QUR@01 يلوون ). # أى إن من هؤلاء اليهود فريقا يلوون ألسنتهم في نطقهم بالكتاب ويحرفونه عن ~~وجهه الصحيح ، لتظنوا أيها المسلمون أن هذا المحرف الذي لووا به ألسنتهم من ~~كتاب الله الذي أنزله على أنبيائه ، والحق بأن هذا المحرف ليس من كتاب الله ~~في شيء ، وإنما هو من عند أنفسهم نطقوا به زورا وبهتانا إرضاء لأهوائهم. ~~وقوله ( @QUR@02 من الكتاب ) هو المفعول الثاني لقوله ( @QUR@01 لتحسبوه ). # والمخاطب بقوله ( @QUR@01 لتحسبوه ) هم المسلمون وقال ( @QUR@04 وما هو ~~من الكتاب ) بتكرار لفظ الكتاب ، ولم يقل وما هو منه ، للتنبيه على أن كتاب ~~الله المنزل على موسى ms0847 وعيسى عليهما السلام برىء كل البراءة من تحريفهم ~~وتبديلهم ، ومما يزعمونه ويفترونه عليه. ثم بين سبحانه أنهم قد بلغت بهم ~~الجرأة في الكذب والافتراء أنهم نسبوا هذا الذي حرفوه وغيروه من كتبهم إلى ~~الله تعالى فقال : ( @QUR@016 ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله. ~~ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ). # أى أن هؤلاء الذين يلوون ألسنتهم بالكتاب ؛ ليوهموا غيرهم بأن هذا المحرف ~~من الكتاب ، لا يكتفون بهذا التحريف ، بل يقولون ( @QUR@04 هو من عند الله ~~) أى هذا المحرف هو نزل من عند الله هكذا ، لم ننقص منه حرفا ولم نزد عليه ~~حرفا ، والحق أن هذا المحرف ليس من عند الله ولكنهم قوم ضالون يقولون على ~~الله الكذب وهم يعلمون أنهم كاذبون. # ففي هذه الجملة الكريمة بيان لإصرارهم على الباطل ، ولتعمدهم الكذب على ~~الله ، وتوبيخ لهم على هذا الافتراء العجيب. وقد أكد الله جرأتهم في النطق ~~بالزور والبهتان بمؤكدات منها : # أن كذبهم لم يكن تعريضا وإنما كان في غاية الصراحة ، فهم يقولون عن ~~المحرف ( @QUR@09 هو من عند الله ، وما هو من عند الله ). # وأن كذبهم لم يكن على البشر فحسب وإنما على الله الذي خلقهم والذي يعلم ~~ما يسرون وما يعلنون ( @QUR@04 ويقولون على الله الكذب ). # وأن كذبهم لم يكن عن جهل أو عن نسيان وإنما عن علم وإصرار على هذا الكذب ~~، وهذا ما يشهد به قوله تعالى ( @QUR@02 وهم يعلمون ). PageV02P157 # وهكذا القلوب إذا فسدت ، واستولى عليها الحسد والجحود ، ارتكبت كل رذيلة ~~ومنكر بدون تفكر في العواقب ، أو تدبر لما جاءت به الشرائع ، وأمرت به ~~العقول السليمة. # وفي هذه الآية ترى أن لفظ الجلالة ( @QUR@01 الله ) قد تكرر ثلاث مرات ، ~~كذلك لفظ ( @QUR@01 الكتاب ) تكرر ثلاث مرات ، ولم يكتف بالضمير الذي يدل ~~عليهما ، وذلك لقصد الاهتمام باسم الله تعالى وباسم كتابه ، وبالخبر ~~المتعلق بهما ، ولأن من عادة العرب أنهم إذا عظموا شيئا أعادوا ذكره ، وقد ~~جاء ذلك كثيرا في أشعارهم ، ومنه قول الشاعر : # لا أرى الموت يسبق الموت شيء %~% نغص الموت ذا الغنى والفقيرا ms0848 # فقصد الشاعر من تكرار لفظ الموت تفخيم شأنه وتهويل أمره. # وبذلك نرى أن القرآن الكريم قد توعد الذين يشترون بعهد الله وبأيمانهم ~~ثمنا قليلا بأشد ألوان الوعيد ، وكشف عن لون آخر من ألوان مكر بعض اليهود ، ~~وعن جرأتهم في النطق بالكذب عن تعمد وإصرار ، حتى يحذرهم المسلمون. # ثم نزه الله تعالى أنبياءه عليهم الصلاة والسلام وعلى رأسهم محمد ~~صلى الله عليه وسلم عن أن يطلبوا من الناس أن يعبدوهم ، عقب تنزيهه سبحانه ~~لذاته عما تقوله المفترون فقال تعالى : # ( @QUR@028 ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول ~~للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون (79) @QUR@013 ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة ~~والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ) (80) # قال ابن كثير : «عن ابن عباس قال : قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت ~~الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ودعاهم إلى الإسلام : أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن ~~مريم؟ فقال رجل نصراني من أهل نجران يقال له الرئيس : أو ذاك تريد منا يا ~~محمد وإليه تدعونا؟ أو كما قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «معاذ ~~الله أن نعبد غير الله أو أن نأمر بعبادة غير الله ، ما بذلك أمرنى ولا ~~بذلك بعثني. أو كما PageV02P158 # قال صلى الله عليه وسلم فأنزل الله في ذلك قوله تعالى : ( @QUR@03 ما كان ~~لبشر ) إلى قوله : ( @QUR@04 بعد إذ أنتم مسلمون ) (1). # فقوله تعالى ( @QUR@018 ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ~~ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ) رد على أولئك الجاهلين الذين ~~زعموا أن بعض النبيين يصح له أن يطلب من الناس أن يعبدوه من دون الله ~~والمعنى : لا يصح ولا ينبغي ولا يستقيم عقلا لبشر آتاه الله تعالى وأعطاه ( ~~@QUR@01 الكتاب ) الناطق بالحق ، الآمر بالتوحيد ، الناهي عن الإشراك ، ~~وآتاه ( @QUR@01 الحكم ) أى العلم النافع والعمل به ، وآتاه ( @QUR@01 ~~النبوة ) أى الرسالة ms0849 التي يبلغها عنه سبحانه إلى الناس ، ليدعوهم إلى ~~عبادته وحده ، وإلى مكارم الأخلاق ، لا يصح له ولا ينبغي بعد كل هذه النعم ~~أن يكفرها ( @QUR@03 ثم يقول للناس ) بعد هذا العطاء العظيم الذي وهبه الله ~~له ( @QUR@06 كونوا عبادا لي من دون الله ) أى : لا ينبغي ولا يعقل من بشر ~~آتاه الله كل هذه النعم أن يقول للناس هذا القول الشنيع وهو ( @QUR@06 ~~كونوا عبادا لي من دون الله ) لأن الأنبياء الذين آتاهم الله الكتاب والحكم ~~والنبوة يحجزهم خوفهم من الله ، وإخلاصهم له ، عن أن يقولوا هذا القول ~~المنكر ، كما يحجزهم عنه أيضا ما امتازوا به من نفوس طاهرة ، وقلوب نقية ، ~~وعقول سليمة ... لأنهم لو فرض أنهم قالوا ذلك لأخذهم الله تعالى أخذ عزيز ~~مقتدر فهو سبحانه القائل : ( @QUR@018 ولو تقول علينا بعض الأقاويل. لأخذنا ~~منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من أحد عنه حاجزين ). # والتعبير بقوله تعالى : ( @QUR@03 ما كان لبشر ) تعبير قرآنى بليغ ، إذ ~~يفيد نفى الشأن وعدم اتفاق هذا المعنى مع الحقيقة المفروضة في الرسل الكرام ~~عليهم الصلاة والسلام وشبيه بهذا التعبير قوله تعالى : ( @QUR@07 ما كان ~~لله أن يتخذ من ولد ) و ( @QUR@08 ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ). # وجاء العطف بثم في قوله ( @QUR@03 ثم يقول للناس ) للإشعار بالتفاوت ~~العظيم بين ما أعطاه الله تعالى لأنبيائه من نعم ، وبين هذا القول المنكر ~~الذي نفاه سبحانه عنهم ، وهو أن يقولوا للناس : اجعلوا عبادتكم لنا ولا ~~تجعلوها الله تعالى ثم بين سبحانه ما يصح للأنبياء أن يقولوه للناس فقال ~~تعالى : ( @QUR@010 ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم ~~تدرسون ). # وقوله ( @QUR@01 ربانيين ) جمع رباني نسبة إلى الرب عز وجل بزيادة الألف ~~والنون سماعا للمبالغة كما يقال في غليظ الرقبة رقبانى وللعظيم اللحية : ~~لحياني. PageV02P159 # والمراد بالربانى : الإنسان الذي أخلص الله تعالى في عبادته ، وراقبه في ~~كل أقواله وأفعاله ، واتقاه حق التقوى ، وجمع بين العلم النافع والعمل به ، ~~وقضى حياته في تعليم الناس وإرشادهم إلى ما ينفعهم. # والمعنى : لا يصح لبشر آتاه الله ms0850 ما آتاه من النعم أن يقول للناس اعبدوني ~~من دون الله ، ولكن الذي يعقل أن يصدر منه هو أن يقول لهم : كونوا ( ~~@QUR@01 ربانيين ) أى مقبلين على طاعة الله تعالى وعبادته وحده بجد ونشاط ~~وإخلاص ، بسبب كونكم تعلمون غيركم الكتاب الذي أنزله الله لهداية الناس ~~وبسبب كونكم دارسين له ، أى قارئين له بتمهل وتدبر. # وقوله تعالى ( @QUR@03 ولكن كونوا ربانيين ) استدراك قصد به إثبات ما ~~ينبغي للرسل أن يقولوه. بعد أن نفى عنهم ما لا ينبغي لهم أن ينطقوا به ، أى ~~: لا ينبغي لبشر آتاه الله نعما لا تحصى أن يقول للناس كونوا عبادا لي من ~~دون الله ، ولكن الذي ينبغي له أن يقوله لهم هو قوله : كونوا ربانيين أى ~~مخلصين له سبحانه العبادة إخلاصا تاما. # ففي الجملة الكريمة إضمار ، والتقدير : «ولكن يقول لهم كونوا ربانيين» ~~فأضمر القول على حسب مذهب العرب في جواز الإضمار إذا كان في الكلام ما يدل ~~عليه ، ونظيره قوله تعالى ( @QUR@05 فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم ) أى ~~فيقال لهم : أكفرتم ، والباء في قوله ( @QUR@02 بما كنتم ) للسببية. وما ~~مصدرية أى بسبب كونكم معلمين الكتاب وبسبب كونكم دارسين له. # وقرأ أبو عمرو وابن كثير ونافع «تعلمون» بإسكان العين وفتح اللام من ~~العلم أى بسبب كونكم عالمين بالكتاب ودارسين له. # قال الرازي : دلت الآية على أن العلم والتعليم والدراسة توجب كون الإنسان ~~ربانيا ، فمن اشتغل بذلك لا لهذا المقصد ضاع سعيه وخاب عمله ، وكان مثله ~~كمثل من غرس شجرة حسناء مونقة بمنظرها ولا منفعة بثمرها ، ولهذا قال ~~صلى الله عليه وسلم : «نعوذ بالله من علم لا ينفع وقلب لا يخشع». # وقوله تعالى ( @QUR@07 ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ) ~~تأكيد لنفى أن يقول أحد من البشر الذين أتاهم الله الكتاب والحكم والنبوة ~~للناس اعبدوني من دون الله ، وتنزيه لساحتهم عن أن يأمروهم بعبادة غير الله. # وقوله ( @QUR@02 ولا يأمركم ) وردت فيه قراءتان مشهورتان. # أما القراءة الأولى فبفتح الراء عطفا على ( @QUR@01 يقول ) في قوله ( ~~@QUR@02 ثم يقول ) وتكون «لا» مزيدة لتأكيد معنى النفي في ms0851 قوله ( @QUR@03 ~~ما كان لبشر ) ويكون في الآية التفات من الغيبة إلى الخطاب. PageV02P160 # والمعنى على هذه القراءة : ما كان لبشر أن يؤتيه الله ما ذكر ثم يأمر ~~الناس بعبادة نفسه ، أو يأمرهم باتخاذ الملائكة والنبيين أربابا ، وذلك ~~كقولك ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ويستخف بي. وبهذه القراءة قرأ ابن ~~عامر وحمزة وعاصم. # وعلى هذه القراءة يكون توسيط الاستدراك بين المعطوف والمعطوف عليه ، ~~للمسارعة إلى تحقيق الحق ، ولبيان ما يليق بشأنه ويحق صدوره عنه. # وأما القراءة الثانية فقد قرأها الباقون برفع الراء في ( @QUR@01 يأمركم ~~) فتكون الجملة مستأنفة ، والمعنى : ولا يأمركم هذا البشر الذي أعطاه الله ~~ما أعطاه من نعمة أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا. # وخصص الملائكة والنبيين بالذكر لأن عبادتهما قد شاعت عند كثير من الناس ، ~~فقد وقع في عبادة الملائكة «الصابئة» الذين كانوا يقيمون في بلاد الكلدان ، ~~وتبعهم بعض المشركين من العرب. ووقع في عبادة بعض النبيين كثير من النصارى ~~فقد اتخذوا المسيح إلها يعبد وزعموه ابن الله وكثير من اليهود عبدوا عزيزا ~~وزعموه ابن الله. # والاستفهام في قوله ( @QUR@06 أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ) ~~للإنكار الذي بمعنى النفي. # أى : أن الرسل الكرام لا يمكن أن يأمروا الناس بالكفر بالله بعد أن هداهم ~~الله تعالى عن طريق هؤلاء الرسل إلى أن يكونوا مسلمين. # فالجملة الكريمة تأكيد بأبلغ وجه لنفى أن يأمر الرسل الناس بعبادة غير ~~الله ، وتنزيه لساحتهم عن أن يقولوا قولا أو يأمروا بأمر يخالف ما تلقوه عن ~~الله تعالى من إفراده بالعبادة والطاعة والخضوع. # قال بعضهم : وإذا كان ما ذكر في الآيتين لا يصلح لنبي ولا لمرسل ، فلأن ~~لا يصلح لأحد من الناس غيرهم بطريق الأولى والأحرى ، ولهذا قال الحسن ~~البصري : لا ينبغي هذا لمؤمن أن يأمر الناس بعبادته. ثم قال : وذلك أن ~~القوم يعنى أهل الكتاب كان يعبد بعضهم بعضا كما قال تعالى ( @QUR@07 اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ). # فالجهلة من الأحبار والرهبان يدخلون في هذا الذم ، بخلاف الرسل وأتباعهم ~~من العلماء العاملين ، فإنهم إنما ms0852 يأمرون بما أمر الله به ، وينهون عما نهى ~~الله تعالى عنه ، ولذلك سعدوا وفازوا» (1). PageV02P161 # وبعد أن نزه سبحانه الأنبياء عن أن يقولوا قولا أو يأمروا بأمر لم يأذن ~~به الله ، أتبع ذلك ببيان الميثاق الذي أخذه الله تعالى عليهم ، فقال ~~سبحانه : # ( @QUR@033 وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم ~~جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم ~~إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين (81) @QUR@07 فمن ~~تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون (82) @QUR@014 أفغير دين الله يبغون وله ~~أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون ) (83) # قوله تعالى ( @QUR@05 وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ) الظرف «إذ» منصوب ~~بفعل مقدر تقديره اذكر ، والخطاب فيه للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح ~~للخطاب. # والميثاق : هو العقد المؤكد بيمين. # أى : اذكر يا محمد أو أيها المخاطب وقت أن أخذ الله الميثاق من النبيين. # وللمفسرين في تفسير هذه الآية الكريمة أقوال أشهرها قولان : # أولهما : وهو رأى جمهور العلماء أن المراد أن الله تعالى أخذ الميثاق من ~~النبيين. # وثانيهما : وهو رأى بعض العلماء أن المراد أن الأنبياء هم الذين أخذوا ~~الميثاق من غيرهم. # والمعنى على رأى فريق من أصحاب القول الأول منهم الحسن والسدى وسعيد بن جبير : # أن الله تعالى أخذ الميثاق من النبيين أن يصدق بعضهم بعضا ، وأخذ العهد ~~على كل نبي أن يؤمن بمن يأتى بعده من الأنبياء وينصره إن أدركه ؛ فإن لم ~~يدركه يأمر قومه بنصرته إن أدركوه. فأخذ سبحانه الميثاق من موسى أن يؤمن ~~بعيسى ، ومن عيسى أن يؤمن بمحمد PageV02P162 # صلوات الله وسلامه عليهم جميعا وإذا كان هذا حكم الأنبياء ، كانت الأمم ~~بذلك أولى وأحرى. # والمعنى على رأى فريق آخر من أصحاب هذا القول منهم على وابن عباس وقتادة ~~: أن الله تعالى أخذ الميثاق من النبيين أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~إذا أدركوه ، وأن يأمروا أقوامهم بالإيمان به. # قالوا : يؤيد هذا ما أخرجه ابن جرير عن على بن أبى ms0853 طالب قال : لم يبعث ~~الله نبيا : آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد صلى الله عليه وسلم لئن ~~بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ، ويأمره فيأخذ العهد على قومه. ثم تلا ~~الآية» (1). # فكأن أصحاب هذا القول الأول متفقون فيما بينهم عن أن الميثاق إنما أخذه ~~الله من النبيين إلا أن بعضهم يرى أن هذا الميثاق أخذه الله منهم لكي يصدق ~~بعضهم بعضا والبعض الآخر يرى أن هذا الميثاق أخذه الله منهم في شأن محمد ~~صلى الله عليه وسلم خاصة. # قال ابن كثير ما ملخصه. وما قاله الحسن ومن معه لا يضاد ما قاله على وابن ~~عباس ولا ينفيه ، بل يستلزمه ويقتضيه ... وقد روى الإمام أحمد عن عبد الله ~~بن ثابت قال : جاء عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله : ~~إنى مررت بأخ لي من بنى قريظة ، فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟ ~~قال : فتغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم قال عبد الله بن ثابت : فقلت له : ~~ألا ترى ما بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال عمر : رضيت بالله ربا. ~~وبالإسلام دينا ، وبمحمد رسولا. قال : فسرى عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال ~~: «والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى عليه السلام ثم اتبعتموه وتركتموني ~~لضللتم ، إنكم حظى من الأمم وأنا حظكم من النبيين. وعن جابر قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ~~ضلوا. وإنكم إما أن تصدقوا بباطل وإما أن تكذبوا بحق ، وإنه والله لو كان ~~موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني» وفي بعض الأحاديث : «لو كان ~~موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعى». # فالرسول محمد صلى الله عليه وسلم «هو الإمام الأعظم الذي لو وجد في أى عصر ~~وجد كان هو الواجب الطاعة المقدم على الأنبياء كلهم» (2). # هذا هو معنى الجملة الكريمة عند أصحاب الرأى الأول الذين يرون أن الله ~~تعالى أخذ PageV02P163 # الميثاق ms0854 من النبيين. وأصحاب هذا الرأى كما سبق أن بيناهم جمهور العلماء. # أما أصحاب الرأى الثاني الذين يرون أن المراد من الآية أن الأنبياء هم ~~الذين أخذوا الميثاق من غيرهم ، فالمعنى عليه. # واذكر يا محمد أو أيها المخاطب وقت أن أخذ الأنبياء العهد على أقوامهم ~~بأنه إذا بعث محمد صلى الله عليه وسلم وأدركوه فعليهم أن يؤمنوا به ويصدقوه ~~وينصروه فكأن معنى الآية : واذكر وقت أن أخذ الله الميثاق الذي وثق ~~الأنبياء على أقوامهم .. # هذا ، وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذين الرأيين وغيرهما فقال : # «ميثاق النبيين» فيه غير وجه : # أحدهما : أن يكون على ظاهره من أخذ الميثاق على النبيين بذلك. # والثاني : أن يضيف الميثاق إلى النبيين إضافته إلى الموثق لا إلى الموثق ~~عليه ، كما تقول : ميثاق الله وعهد الله كأنه قيل : وإذ أخذ الله الميثاق ~~الذي وثقه النبيون على أممهم. # والثالث : أن يراد ميثاق أولاد النبيين وهم بنو إسرائيل على حذف المضاف. # والرابع : أن يراد أهل الكتاب وأن يرد زعمهم تهكما بهم ؛ لأنهم كانوا ~~يقولون : نحن أولى بالنبوة من محمد لأنا أهل الكتاب ، ومنا كان النبيون» (1). # والذي تسكن إليه النفس في معنى الآية. هو الرأى الأول الذي قال به جمهور ~~العلماء ، وذلك لأن الآيات الكريمة مسوقة كما يقول الفخر الرازي لتعديد ~~تقرير الأشياء المعروفة عند أهل الكتاب ، مما يدل على نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم قطعا لعذرهم ، وإظهارا لعنادهم ، ومن جملة هذه الأشياء ما ~~ذكره سبحانه في هذه الآية. وهو أنه تعالى أخذ الميثاق من الأنبياء بأنهم ~~كلما جاءهم رسول مصدق لما معهم آمنوا به ونصروه ، وأخبر أنهم قبلوا ذلك ، ~~وحكم سبحانه بأنه من رجع عن ذلك كان من الفاسقين .. فحاصل الكلام أنه تعالى ~~أوجب على جميع الأنبياء الإيمان بكل رسول جاء مصدقا لما معهم ، ولا شك أن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم قد جاء مصدقا لما معهم فوجب على الجميع أن يؤمنوا ~~به» (2). # ولأن هذا المعنى هو الظاهر من الآية الكريمة. ولا تحتاج إلى تقدير مضاف ~~أو غيره ، والأخذ ms0855 بالمعنى الظاهر الذي لا يحتاج إلى تقدير أولى من الأخذ بغيره. # ولأن أخذ العهد على الأنبياء بأن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم أعلى ~~وأشرف لقدره صلى الله عليه وسلم من أخذه على أممهم وأقوامهم. PageV02P164 # ولأن أخذ العهد على الأنبياء أخذ له على الأمم ، إذ كل أمة يجب أن تصدق ~~بما جاءها به نبيها. # واللام في قوله تعالى ( @QUR@05 لما آتيتكم من كتاب وحكمة ) قرأها ~~الجمهور بالفتح. وقرأها حمزة بالكسر. # أما قراءة الفتح فلها وجهان : # أولهما : أن تجعل «ما» اسم موصول مبتدأ ، وما بعده صلة له ، وخبره قوله ( ~~@QUR@02 لتؤمنن به ). والتقدير : واذكر وقت أن أخذ الله ميثاق النبيين ~~قائلا لهم : الذي آتيتكم إياه من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما ~~أوتيتموه لتؤمنن بهذا الرسول ولتنصرنه. وعلى هذا الوجه تكون اللام في قوله ~~«لما» للابتداء وحسن دخولها هنا لأن قوله ( @QUR@02 لما آتيتكم ) في مقام ~~المقسم عليه ، وقوله ( @QUR@05 وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ) في مقام القسم ~~، إذ هو بمنزلة الاستحلاف تقول : أخذت ميثاقك لتفعلن كذا فكأنك قلت : ~~استحلفتك لتفعلن كذا .. # وثانيهما : أن تجعل «ما» هاهنا ، اسم شرط جازم في موضع نصب بآتيتكم. # والتقدير : ما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم ، ~~لتؤمنن به ولتنصرنه. # وعلى هذا الوجه يكون فعل الشرط مكونا من جملتين : # الأولى : ( @QUR@01 آتيتكم ). # والثانية : ( @QUR@02 ثم جاءكم ) وهما معا في محل جزم بما الشرطية. وقوله ~~( @QUR@02 لتؤمنن به ) جواب القسم الذي تضمنه قوله : ( @QUR@05 وإذ أخذ ~~الله ميثاق النبيين ) وجواب الشرط محذوف ، لأن القاعدة النحوية أنه إذا ~~اجتمع شرط. وقسم فالجواب المذكور للسابق منهما وجواب اللاحق محذوف وهنا ~~السابق هو القسم. قال ابن مالك : # واحذف لدى اجتماع شرط وقسم %~% جواب ما أخرت فهو ملتزم # وأما على قراءة الكسر التي قرأها حمزة فتكون اللام للتعليل كأنه قيل : ~~اذكر وقت أن أخذ الله ميثاق النبيين ، لأن إيتاءهم الكتاب والحكمة ، ثم ~~مجيء من يصدقهم يوجب عليهم الإيمان بهذا الرسول المصدق لما معهم ويوجب ~~عليهم نصرته. # والمراد بالكتاب : ما أنزله الله تعالى على هؤلاء ms0856 النبيين من كتب تنطق بالحق. # والمراد بالحكمة : الوحى الوارد بالتكاليف المفصلة التي لم يشتمل عليها ~~الكتاب. # أو المراد بها العلم النافع الذي أعطاه سبحانه لهم ، ووفقهم للعمل به. # و ( @QUR@01 من ) في قوله ( @QUR@02 من كتاب ) للبيان. PageV02P165 # قال القرطبي : والمراد بالرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم واللفظ وإن كان ~~نكرة فالإشارة إلى معين ، كقوله تعالى ( @QUR@07 ضرب الله مثلا قرية كانت ~~آمنة مطمئنة ) إلى قوله تعالى ( @QUR@05 ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه ) ~~فأخذ الله ميثاق النبيين أجمعين أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وينصروه ~~إن أدركوه ، وأمرهم أن يأخذوا بذلك الميثاق على أممهم» (1). # ثم حكى سبحانه ما قاله لهم بعد أن أمرهم بالإيمان بهذا الرسول وبنصرته ~~فقال : ( @QUR@06 قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري )؟. # والإصر : العهد. وأصله من الإصار أى الحبال التي يعقد بها الشيء ويشد ~~وسمى العهد إصرا لأنه تقوى به الأقوال والعقود. # أى قال الله تعالى للنبيين : أأقررتم بهذا الذي أمرتكم به وقبلتم عهدي؟ ~~والاستفهام للتقرير والتوكيد عليهم لاستحالة معناه الحقيقي في حقه سبحانه . # ثم حكى سبحانه ما أجاب به الرسل وما رد به عليهم فقال : ( @QUR@08 قالوا ~~أقررنا ، قال : فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ). # أى : قال الرسل مجيبين لخالقهم عز وجل أقررنا يا ربنا وقبلنا عهدك ~~وأطعناه. # فرد عليهم سبحانه بقوله : ( @QUR@01 فاشهدوا ) أى فليشهد بعضكم على بعض ~~بهذا الإقرار ، وأنا على إقراركم وإشهاد بعضكم على بعض من الشاهدين. # وهذا توكيد عليهم ، وتحذير من الرجوع. # ثم بين سبحانه عاقبة الناكثين لعهودهم فقال : ( @QUR@07 فمن تولى بعد ذلك ~~فأولئك هم الفاسقون ). # أى فمن أعرض عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وعن نصرته ، بعد أخذ ~~الميثاق المؤكد عليه ، فأولئك المعرضون ( @QUR@02 هم الفاسقون ) أى ~~الخارجون عن الإيمان إلى أفحش دركات الكفر والخيانة. # والفاء في قوله ( @QUR@02 فمن تولى ) للتفريع ، و «من» يجوز أن تكون شرطية ~~ويكون قوله ( @QUR@03 فأولئك هم الفاسقون ) جوابها. # ويجوز أن تكون موصولة ، ويكون قوله ( @QUR@03 فأولئك هم الفاسقون ) هو الخبر. # والضمير في قوله ( @QUR@01 تولى ) يعود على «من» بالإفراد باعتبار لفظها ~~، ويعود عليها بصيغة الجمع ms0857 في قوله «فأولئك» باعتبار معناها. PageV02P166 # وبعد أن بين سبحانه أن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم حق لا ريب فيه ، ~~وأنه واجب على جميع من مضى من الأنبياء والأمم ، عقب ذلك ببيان أن كل من ~~كره الإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فإنه يكون بعيدا عن الدين ~~الحق ، مستحقا للعقاب الأليم فقال تعالى ( @QUR@014 أفغير دين الله يبغون ~~وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون ). # والاستفهام للإنكار والتوبيخ ، وهمزة الاستفهام داخلة على فعل محذوف ، ~~والفاء الداخلة على «غير» عاطفة لجملة ( @QUR@01 يبغون ) على ذلك المحذوف ~~الذي دل عليه الاستفهام وعينه المقام. # والمعنى : أيتولون عن الإيمان بعد هذا البيان فيبغون دينا غير دين الله ~~الذي هو الإسلام. # ومعنى ( @QUR@01 يبغون ) يطلبون. يقال بغى الأمر يبغيه بغاء بضم الباء أى ~~طلبه. وقوله تعالى ( @QUR@08 وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها ) ~~جملة حالية. أى أيبغون دينا غير دين الله والحال أن الله تعالى استسلم ~~وانقاد وخضع له من في السموات والأرض طوعا وكرها. أى طائعين وكارهين فهما ~~مصدران في موضع الحال. # والمراد أن كل من في السموات والأرض قد انقادوا وخضعوا لله تعالى إما عن ~~طواعية واختيار وهم المؤمنون لأنهم راضون في كل الأحوال بقضائه وقدره ، ~~ومستجيبون له في المنشط والمكره والعسر واليسر. وإما عن تسخير وقهر وهم ~~الكافرون لأنهم واقعون تحت سلطانه العظيم وقدرته النافذة ، فهم مع كفرهم لا ~~يستطيعون دفع قضائه سبحانه وإذن فهم خاضعون لسلطانه عز وجل لأنهم لا سبيل ~~لهم ولا لغيرهم إلى الامتناع عن دفع ما يريده بهم. # هذا ، وقد ساق الفخر الرازي جملة آراء في معنى الآية الكريمة ثم اختار ~~أحدها فقال ما ملخصه : في خضوع من في السموات والأرض لله وجوه : أصحها عندي ~~أن كل ما سوى الله سبحانه ممكن لذاته ، وكل ممكن لذاته فإنه لا يوجد إلا ~~بإيجاده ، ولا يعدم إلا بإعدامه ، فإن كل ما سوى الله فهو منقاد خاضع لجلال ~~الله في طرفي وجوده وعدمه. وهذا هو نهاية الخضوع والانقياد. ms0858 ثم إن في هذا ~~الوجه لطيفة أخرى : وهي أن قوله ( @QUR@02 وله أسلم ) يفيد الحصر ، أى وله ~~كل ما في السموات والأرض لا لغيره. # فهذه الآية تفيد أن واجب الوجود واحد ، وأن كل ما سواه فإنه لا يوجد إلا ~~بتكوينه ، ولا يفنى إلا بإفنائه (1) والآيات في هذا المعنى كثيرة. PageV02P167 # وقوله ( @QUR@02 وإليه يرجعون ) أى إليه وحده يرجع الخلق فيجازى كل مخلوق ~~بما يستحقه من خير أو شر. # ففي الجملة الكريمة تحذير من الإعراض عن دينه ، لأنه ما دام مرجع الخلق ~~جميعا إليه سبحانه فعلى العاقل أن يسلم نفسه إلى خالقه اختيارا قبل أن ~~يسلمها اضطرارا ، وأن يستجيب لأوامره ونواهيه ، حتى ينال رضاه. # وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة قد أقامت للناس الأدلة على صدق النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأمرتهم بالدخول في دينه ، وحذرتهم من الإعراض عنه بأجلى ~~بيان وأقوى برهان. # وبعد هذا البيان الواضح والبرهان الساطع على صدق النبي صلى الله عليه وسلم ~~أمر الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يعلن على الدنيا كلمة الحق ~~التي يؤمن بها ، وأن يخبر كل من يتأتى له الخطاب بأن الدين المقبول عند ~~الله هو دين الإسلام وأن كل دين سواه فهو باطل. لأن رسالته صلى الله عليه وسلم ~~هي خاتمة الرسالات ؛ ودين الإسلام الذي أتى به ناسخ لكل دين سواه. استمع ~~إلى القرآن وهو يبين ذلك فيقول : # ( @QUR@029 قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين ~~أحد منهم ونحن له مسلمون (84) @QUR@013 ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل ~~منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) (85) # قوله ( @QUR@01 والأسباط ) جمع سبط وهو الحفيد ، والمراد بهم أولاد يعقوب ~~عليه السلام وكانوا اثنى عشر ولدا قال تعالى : ( @QUR@05 وقطعناهم اثنتي ~~عشرة أسباطا أمما ). # وسموا بذلك لكونهم حفدة إبراهيم وإسحاق عليهم السلام . # والمعنى : ( @QUR@01 قل ) يا محمد لأهل الكتاب الذين جادلوك بالباطل ~~وجحدوا الحق مع علمهم به ، قل لهم ولغيرهم ( @QUR@02 آمنا بالله ) أى آمنت ~~أنا ms0859 وأتباعى بوجود الله ووحدانيته ، واستجبنا له في كل ما أمرنا به ، أو ~~نهانا عنه. PageV02P168 # وآمنا كذلك بما ( @QUR@02 أنزل علينا ) من قرآن يهدى إلى الرشد ، ويخرج ~~الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم. # وآمنا أيضا بما أنزله الله تعالى من وحى وصحف على ( @QUR@05 إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ). # وآمنا أيضا بما آتاه الله لموسى وعيسى من التوراة والإنجيل وغيرهما من ~~المعجزات ، وبما آتاه لسائر أنبيائه من وحى وآيات تدل على صدقهم. # ( @QUR@05 لا نفرق بين أحد منهم ) أى لا نفرق بين جماعة الرسل فنؤمن ببعض ~~ونكفر ببعض كما فعل أهل الكتاب ، إذ فرقوا بين أنبياء الله وميزوا بينهم ~~وقالوا كما حكى القرآن عنهم ( @QUR@04 نؤمن ببعض ونكفر ببعض ) وهم في ~~الحقيقة كافرون بهم جميعا ، لأن الكفر بواحد من الأنبياء يؤدى إلى الكفر ~~بهم جميعا ، ولذا فنحن معاشر المسلمين نؤمن بجميع الأنبياء بلا تفرقة أو ~~استثناء. # ( @QUR@03 ونحن له مسلمون ) أى خاضعون له وحده بالطاعة والعبودية. ~~مستجيبون له في كل ما أمرنا به وما نهانا عنه. # فالآية الكريمة تأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبر عن نفسه وعمن معه ~~بأنهم آمنوا بالله وبكتبه وبرسله جميعا بدون تفرقة بينهم ، لأنها شرائع ~~الله تعالى التي أنزلها على أنبيائه ، كلها مرتبط بعضها ببعض ، وكلها تتفق ~~على كلمة واحدة هي إفراد الله تعالى بالعبودية والطاعة. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم عدى أنزلها على أنبيائه ، كلها مرتبط ~~بعضها ببعض ، وكلها تتفق على كلمة واحدة هي إفراد الله تعالى بالعبودية ~~والطاعة. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم عدى أنزل في هذه الآية بحرف الاستعلاء ( ~~@QUR@02 أنزل علينا )، وفيما تقدم من مثلها في سورة البقرة بحرف الانتهاء؟ ~~( @QUR@02 أنزل إلينا ) قلت : لوجود المعنيين جميعا ، لأن الوحى ينزل من ~~فوق وينتهى إلى الرسل ، فجاء تارة بأحد المعنيين وأخرى بالآخر. # ومن قال إنما قيل هنا ( @QUR@01 علينا ) لقوله ( @QUR@01 قل ) وقيل هناك ~~( @QUR@01 إلينا ) لقوله ( @QUR@01 قولوا ) تفرقة بين الرسل والمؤمنين ، ~~لأن الرسول يأتيه الوحى على طريق الاستعلاء ، ويأتيهم على وجه الانتهاء ، ~~من قال ذلك تعسف. ألا ترى ms0860 إلى قوله ( @QUR@03 بما أنزل إليك ) وإلى قوله ( ~~@QUR@06 آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا ) (1). # وخص هؤلاء الأنبياء الذين ذكرتهم الآية بالذكر ، لأن أهل الكتاب يزعمون ~~أنهم يؤمنون PageV02P169 # بهم ويتبعونهم ، فأراد القرآن أن يبين لهم أن زعمهم باطل ، لأنهم لن ~~يكونوا مؤمنين بهم إلا إذا آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم . # وقوله تعالى ( @QUR@05 لا نفرق بين أحد منهم ) بيان لثمرة الإيمان الحق ~~الذي رسخ في قلوب المؤمنين وعلى رأسهم هاديهم ومرشدهم محمد صلى الله عليه وسلم ~~، لأن هذا الإيمان الحق جعلهم يصدقون بأن رسل الله جميعا قد أرسلهم سبحانه ~~بالدعوة إلى توحيده وإخلاص العبادة له ، وإذا وجد تفاضل أو اختلاف فهذا ~~التفاضل والاختلاف يكون في أمور أخرى سوى الإيمان بالله وإفراده بالعبودية ~~، سوى ما اتفقت عليه الشرائع جميعها من الدعوة إلى الحق وإلى مكارم ~~الأخلاق. وقد جاءت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم خاتمة للرسالات ، وجامعة لكل ~~ما فيها من محاسن فوجب الإيمان بها ، وإلا كان الكفر به كفرا بجميع ~~الرسالات السابقة عليها. # وقوله ( @QUR@03 ونحن له مسلمون ) يفيد الحصر ، نحن له وحده أسلمنا ~~وجوهنا ، وأخلصنا عبادتنا. لا لغيره كائنا من كان هذا الغير. # وهذا يدل على أنهم بلغوا أعلى مراتب الإخلاص والطاعة لله رب العالمين. # ثم بين سبحانه أن كل من يطلب دينا سوى دين الإسلام فهو خاسر فقال تعالى : ~~( @QUR@08 ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ). # أى : ومن يطلب دينا سوى دين الإسلام الذي أتى به محمد عليه الصلاة ~~والسلام فلن يقبل منه هذا الدين المخالف لدين الإسلام ، لأن دين الإسلام ~~الذي جاء به محمد ، هو الدين الذي ارتضاه الله لعباده قال تعالى ( @QUR@011 ~~اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) (1) ~~ولأنه هو الدين الذي ختم الله به الديانات ، وجمع فيه محاسنها. # أما عاقبة هذا الطالب لدين سوى دين الإسلام فقد بينها سبحانه بقوله : ( ~~@QUR@05 وهو في الآخرة من الخاسرين ). # أى وهو في الآخرة من الذين خسروا أنفسهم بحرمانهم من ثواب الله ، ~~واستحقاقهم لعقابه جزاء ما قدمت أيديهم ms0861 من كفر وضلال. # وفي الحديث الشريف «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» أى مردود عليه ، ~~وغير مقبول منه. # وفي الأخبار بالخسران عن الذي يبتغى أى يطلب دينا سوى الإسلام ، إشعار ~~بأن من يتبع PageV02P170 # دينا سوى دين الإسلام يكون أشد خسرانا ، وأسوأ حالا ، لأن الطلب أقل شرا ~~من الاتباع الفعلى. # وبعد أن عظم سبحانه شأن الإسلام ، وبين أنه هو الدين المقبول عنده ، أتبع ~~ذلك ببيان أن سنته جرت في خلقه بأن يزيد الذين اهتدوا هدى ، أما الجاحدون ~~للحق عن علم ، والمتبعون لأهوائهم وشهواتهم فهم بعيدون عن هداية الله ، ولن ~~يقبلهم سبحانه إلا إذا تابوا عن ضلالهم ، وأصلحوا ما فسد منهم ، استمع إلى ~~القرآن وهو يصور هذا المعنى بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول : # ( @QUR@018 كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق ~~وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين (86) @QUR@09 أولئك جزاؤهم أن ~~عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (87) @QUR@09 خالدين فيها لا يخفف ~~عنهم العذاب ولا هم ينظرون (88) @QUR@011 إلا الذين تابوا من بعد ذلك ~~وأصلحوا فإن الله غفور رحيم ) (89) # روى المفسرون روايات في سبب نزول هذه الآيات الكريمة منها ما أخرجه ~~النسائي عن ابن عباس قال. إن رجلا من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك ثم ~~ندم ؛ فأرسل إلى قومه : سلوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لي من توبة؟ ~~فجاء قومه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا. هل له من توبة؟ فنزلت هذه ~~الآيات ، فأرسل إليه قومه فأسلم. # وعن مجاهد قال : جاء الحارث بن سويد فأسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم ~~كفر الحارث فرجع إلى قومه فأنزل الله هذه الآيات. قال : فحملها إليه رجل من ~~قومه فقرأها عليه. فقال الحارث : إنك والله ما عملت لصدوق ، وإن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لأصدق منك ، وإن الله عز وجل لأصدق الثلاثة ، قال : فرجع ~~الحارث فأسلم فحسن إسلامه وعن الحسن البصري أنه قال : إنهم أهل الكتاب من ~~اليهود والنصارى ، رأوا نعت النبي صلى الله عليه ms0862 وسلم في كتابهم وأقروا به ، ~~وشهدوا أنه حق ، فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب على ذلك فأنكروه وكفروا بعد ~~إقرارهم حسدا PageV02P171 # للعرب حين بعث من غيرهم (1). # هذه بعض الروايات التي وردت في سبب نزول هذه الآيات ، ويبدو لنا أن ~~أقربها إلى سياق الآيات هي الرواية التي جاءت عن الحسن البصري بأن المقصود ~~بالآيات أهل الكتاب ، وذلك لأن الحديث معهم من أول السورة ولأن القرآن قد ~~ذكر في غير موضع أن أهل الكتاب كانوا يعرفون صدق النبي صلى الله عليه وسلم كما ~~يعرفون أبناءهم ، وأنهم كانوا يستفتحون به ( @QUR@09 على الذين كفروا فلما ~~جاءهم ما عرفوا كفروا به ). # ومع هذا فليس هناك ما يمنع من أن يكون حكم هذه الآيات شاملا لكل من ~~ذكرتهم الروايات ولكل من يشابههم ، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. # قال ابن جرير بعد أن ساق هذه الروايات ما ملخصه : وأشبه هذه الأقوال ~~بظاهر التنزيل ما قاله الحسن : من أن هذه الآيات معنى بها أهل الكتاب على ~~ما قال ، وجائز أن يكون الله تعالى أنزل هذه الآيات بسبب القوم الذين ذكر ~~أنهم كانوا ارتدوا عن الإسلام ، فجمع قصتهم وقصة من كان سبيله سبيلهم في ~~ارتداده عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم في هذه الآيات ، ثم عرف عباده ~~سنته فيهم فيكون داخلا في ذلك كل من كان مؤمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل ~~أن يبعث ثم كفر به بعد أن بعث ، وكل من كان كافرا ثم أسلم على عهده ~~صلى الله عليه وسلم ثم ارتد وهو حي عن إسلامه ، فيكون معنيا بالآيات جميع هذين ~~الصنفين وغيرهما ممن كان بمثل معناهما ، بل ذلك كذلك إن شاء الله (2). # والاستفهام في قوله تعالى ( @QUR@07 كيف يهدي الله قوما كفروا بعد ~~إيمانهم ) للنفي ولاستبعاد هدايتهم إلى الصراط المستقيم وهم على هذا الحال ~~من الارتكاس في الكفر والضلال ، مع علمهم بالحق ، وإيمانهم به لفترة من الوقت. # والمعنى : أن الله تعالى جرت سنته في خلقه ألا يهدى إلى الصراط المستقيم ~~، قوما ( @QUR@03 كفروا بعد ms0863 إيمانهم ) أى ارتدوا إلى الكفر بعد أن آمنوا ، ~~وبعد أن ( @QUR@03 شهدوا أن الرسول ) وهو محمد صلى الله عليه وسلم «حق» وأنه ~~صادق فيما يبلغه عن ربه ، وبعد أن ( @QUR@02 جاءهم البينات ) أى البراهين ~~والحجج الناطقة بحقيقة ما يدعيه ، من قرآن كريم عجز البشر عن الإتيان بسورة ~~من مثله ، ومن معجزات باهرة دالة على صدقه صلى الله عليه وسلم . # فأنت ترى أن حالهم التي أوجبت هذا النفي والاستبعاد تتمثل في أنهم كانوا ~~مؤمنين ، وكانوا PageV02P172 # يشهدون بأن الرسول حق ، وجاءتهم البينات اليقينية الملزمة التي تؤيد ~~إيمانهم وشهادتهم ، ومع كل ذلك استحبوا العمى على الهدى ، واختاروا الكفر ~~على الإيمان ، واستولى عليهم التعصب بالباطل فأرداهم وحرمهم من هداية الله ~~حتى يغيروا ما بأنفسهم ويتوبوا عن غيهم ، ويصلحوا ما أفسدوه ، ويخلصوا ~~وينيبوا إلى خالقهم وبارئهم. # قال صاحب الكشاف : «قوله ( @QUR@04 كيف يهدي الله قوما ) أى كيف يلطف بهم ~~وليسوا من أهل اللطف ، لما علم الله من تصميمهم على كفرهم ، ودل على ~~تصميمهم بأنهم كفروا بعد إيمانهم ، وبعد ما شهدوا بأن الرسول حق وبعد ما ~~جاءتهم الشواهد من القرآن وسائر المعجزات التي تثبت بمثلها النبوة وهم ~~اليهود كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن كانوا مؤمنين به ، وذلك حين ~~عاينوا ما يوجب قوة إيمانهم من البينات. # فإن قلت : علام عطف قوله ( @QUR@01 وشهدوا )؟ قلت : فيه وجهان : أن يعطف ~~على ما في إيمانهم من معنى الفعل ، لأن معناه بعد أن آمنوا. ويجوز أن تكون ~~الواو للحال بإضمار «قد». بمعنى كفروا وقد شهدوا أن الرسول حق» (1). # وقوله تعالى ( @QUR@05 والله لا يهدي القوم الظالمين ) جملة حالية أو ~~معترضة. # والمعنى : أنه سبحانه قد مضت سنته في خلقه أنه لا يهدى إلى الحق أولئك ~~الذين آثروا الكفر على الإيمان ، عن تعمد وإصرار ، ووضعوا الشيء في غير ~~موضعه مع علمهم بسوء صنيعهم. # وفي تذييل الآية الكريمة بهذه الجملة مع إطلاق لفظ الظلم ، إشعار بأنهم ~~قد ظلموا أنفسهم. بإيقاعها في مهاوي الردى والعذاب وظلموا الرسول الذي ~~شهدوا له بأن ما جاء به هو الحق ثم ms0864 كفروا به ، وظلموا الحقائق والبراهين ~~التي نطقت بأحقية الإيمان وببطلان الكفر ثم تركوا هذه الحقائق والبراهين ~~وانقادوا لأهوائهم وشهواتهم ومطامعهم. # وإن الظلم متى سيطر على النفوس أفقدها رشدها وإدراكها للأمور إدراكا ~~سليما ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول : «اتقوا الظلم فإنه ~~ظلمات يوم القيامة». # ثم بين سبحانه عاقبة هؤلاء الظالمين فقال : ( @QUR@09 أولئك جزاؤهم أن ~~عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ). # قال الراغب : اللعن : الطرد والإبعاد على سبيل السخط ، وذلك من الله ~~تعالى في PageV02P173 # الآخرة عقوبة وفي الدنيا انقطاع من قبول رحمته وتوفيقه ، ومن الإنسان ~~دعاء على غيره» (1). # والمعنى : أولئك المتصفون بتلك الصفات القبيحة ( @QUR@05 جزاؤهم أن عليهم ~~لعنة الله ) أى جزاؤهم أن عليهم غضب الله وسخطه بسبب استحبابهم الكفر على ~~الإيمان ( @QUR@03 والملائكة والناس أجمعين ) أى وعليهم كذلك سخط الملائكة ~~والناس أجمعين وغضبهم ، ودعاؤهم عليهم باللعنة والطرد من رحمة الله. # وقوله ( @QUR@01 أولئك ) مبتدأ. وقوله ( @QUR@01 جزاؤهم ) مبتدأ ثان ، ~~وقوله ( @QUR@04 أن عليهم لعنة الله ) إلخ .. خبر المبتدأ الثاني ، وهو ~~وخبره خبر المبتدأ الأول. # والآية الكريمة قد بينت أن اللعنة على هؤلاء القوم ، صادرة من الله وهي ~~أشد ألوان اللعن ، وصادرة من الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ~~ويفعلون ما يؤمرون ، وصادرة من الناس أجمعين ، أى أن الفطر الإنسانية ~~تلعنهم لنبذهم الحق بعد أن عرفوه وشهدوا به ، وقامت بين أيديهم الأدلة على ~~أنه حق. # قال الفخر الرازي ما ملخصه : فإن قيل : لم عم جميع الناس مع أن من وافقهم ~~في كفرهم لا يلعنهم؟ قلنا فيه وجوه : منها أنهم في الآخرة يلعن بعضهم بعضا ~~كما قال تعالى ( @QUR@05 كلما دخلت أمة لعنت أختها ). فعلى هذا التقدير ~~يكون اللعن قد حصل للكفار من الكفار. ومنها كأن الناس هم المؤمنون ، ~~والكفار ليسوا من الناس ، ثم لما ذكر لعن الثلاث قال ( @QUR@01 أجمعين ). ~~ومنها وهو الأصح عندي : أن جميع الخلق يلعنون المبطل والكافر ، ولكنه يعتقد ~~في نفسه أنه ليس بمبطل ولا كافر ، فإذا لعن الكافر وكان هو في علم الله ~~كافرا فقد لعن نفسه وإن كان لا ms0865 يعلم ذلك» (2). # ثم أكد سبحانه تلك العقوبة بعقوبة أخرى لازمة لها ما داموا على تلك ~~الحالة الشنيعة فقال تعالى ( @QUR@06 خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ) ~~بسبب إصرارهم على الكفر في الدنيا ، وانغماسهم فيما يغضب الله ( @QUR@03 ~~ولا هم ينظرون ) أى ولا هم يمهلون ولا يؤخر عنهم العذاب بل عذابهم عاجل لا ~~يقبل الإمهال أو التأخير بسبب ما ارتكبوه في الدنيا من شرور وآثام. # ولكن القرآن مع هذا يفتح باب التوبة لمن أراد أن يتوب ، وينهى الناس عن ~~أن يقنطوا من رحمة الله متى تابوا وأنابوا وأصلحوا فيقول بعد تلك الحملة ~~المرعبة التي شنها على الكفر والكافرين : ( @QUR@011 إلا الذين تابوا من ~~بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم ). PageV02P174 # أى : أن اللعنة مستمرة على هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم ، وهم خالدون ~~في العذاب يوم القيامة بدون إمهال أو تأخير ، إلا الذين تابوا منهم عن ~~الكفر الذي ارتكبوه ، وعن الظلم الذي اقترفوه ، وأصلحوا ما أفسدوه بأن ~~قالوا ربنا الله ثم استقاموا على طريق الحق ، وحافظوا على أداء الأعمال ~~الصالحة «فإن الله تعالى غفور رحيم» أى فإنه سبحانه يغفر لهم ما سلف منهم ~~من كفر وظلم. # ففي هذه الآية الكريمة إغراء للكافرين بأن يقلعوا عن كفرهم وللمذنبين بأن ~~يثوبوا إلى رشدهم وبأن يتوبوا إلى ربهم ، فإنه سبحانه يغفر الذنوب جميعا ~~لمن يتوب ويحسن التوبة ، فهو القائل ( @QUR@026 قل يا عبادي الذين أسرفوا ~~على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو ~~الغفور الرحيم. وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له ) (1). # أما الذين لا يتوبون ولا يستغفرون ولا يثوبون إلى رشدهم. بل يصرون على ~~الكفر فيزدادون كفرا. والذين يرتكسون في كفرهم وضلالهم حتى تفلت منهم ~~الفرصة ، وينتهى أمد الاختبار ، ويأتى دور الجزاء ، فهؤلاء لا توبة لهم ولا ~~نجاة ، فقد قال تعالى بعد هذه الآيات : # ( @QUR@014 إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم ~~وأولئك هم الضالون (90) @QUR@024 إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل ~~من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به ms0866 أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ~~ناصرين (91) @QUR@015 لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من ~~شيء فإن الله به عليم ) (92) # قوله تعالى ( @QUR@08 إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا ). PageV02P175 # قال قتادة وعطاء : نزلت في اليهود كفروا بعيسى والإنجيل بعد إيمانهم. ~~بموسى والتوراة. ثم ازدادوا كفرا بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن. # وقال أبو العالية والحسن : نزلت في أهل الكتاب جميعا ، آمنوا برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه ثم كفروا به بعد مبعثه ، ثم ازدادوا كفرا ~~بإصرارهم على ذلك ، وطعنهم في نبوته في كل وقت ، وعداوتهم له ، ونقضهم ~~لعهودهم وصدهم الناس عن طريق الحق ، وسخريتهم بآيات الله. # ويمكن أن يقال : إن الآية الكريمة على عمومها فهي تتناول كل من آمن ثم ~~ارتد عن الإيمان إلى الكفر ، وازداد كفرا بمقاومته للحق ، وإيذائه لأتباعه ~~، وإصراره على كفره وعناده وجحوده. # ثم بين سبحانه سوء عاقبتهم فقال : ( @QUR@06 لن تقبل توبتهم وأولئك هم ~~الضالون ). # أى إن هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا وعنادا وجحودا للحق ~~( @QUR@03 لن تقبل توبتهم ) أى لن تتوقع منهم توبة حتى تقبل ، لأنهم ~~بإصرارهم على كفرهم ، ورسوخهم فيه ، وتلاعبهم بالإيمان ، قد صاروا غير أهل ~~للتوفيق لها ، ولأنهم حتى لو تابوا فتوبتهم إنما هي بألسنتهم فحسب ، أما ~~قلوبهم فمليئة بالكفر والنفاق ولذا تعتبر توبتهم كلا توبة. # وبعضهم حمل عدم قبول توبتهم على أنهم تابوا عند حضور الموت ، والتوبة في ~~هذا الوقت لا قيمة لها. # قال القرطبي : وهذا قول حسن كما قال تعالى : ( @QUR@014 وليست التوبة ~~للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ). # وبعضهم حمل عدم قبول توبتهم على أنهم ماتوا على الكفر ، وإلى هذا المعنى ~~اتجه صاحب الكشاف فقد قال. فإن قلت : قد علم أن المرتد كيفما ازداد كفرا ~~فإنه مقبول التوبة إذا تاب فما معنى ( @QUR@03 لن تقبل توبتهم )؟ قلت : ~~جعلت عبارة عن الموت على الكفر ، لأن الذي لا تقبل توبته من الكفار هو الذي ~~يموت على الكفر. كأنه قيل إن ms0867 اليهود أو المرتدين الذين فعلوا ما فعلوا ~~مائتون على الكفر ، داخلون في جملة من لا تقبل توبتهم. # فإن قلت : فأى فائدة في هذه الكناية؟ أعنى أن كنى الموت على الكفر ~~بامتناع قبول التوبة؟ # قلت : الفائدة فيها جليلة وهي التغليظ في شأن أولئك الفريق من الكفار ، ~~وإبراز حالهم في صورة حالة الآيسين من الرحمة التي هي أغلظ الأحوال وأشدها ~~ألا ترى أن الموت على الكفر إنما يخاف من أجل اليأس من الرحمة» (1). # والذي يبدو لنا أن الآية الكريمة أشد ما تكون انطباقا على أولئك الذين ~~تتكرر منهم الردة من PageV02P176 # الإيمان إلى الكفر فهم لفساد قلوبهم ، وانطماس بصيرتهم واستيلاء الأهواء ~~والمطامع على نفوسهم أصبح الإيمان لا استقرار له في قلوبهم بل يتلاعبون به ~~، ويبيعونه نظير عرض قليل من أعراض الدنيا ، وشبيه بهذه الآية قوله تعالى ~~في سورة النساء ( @QUR@020 إن الذين آمنوا ثم كفروا ، ثم آمنوا ثم كفروا. ~~ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا ) (1). # وقوله ( @QUR@03 وأولئك هم الضالون ) أى الكاملون في الضلال ، البعيدون ~~عن طريق الحق ، المستحقون لسخط الله وعذابه. # ثم صرح سبحانه ببيان عاقبة الذين يموتون على الكفر فقال تعالى : ( ~~@QUR@06 إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار ). # أى استمروا على كفرهم وضلالهم حتى ماتوا على هذا الكفر والضلال فكأن ~~الآيات الكريمة قد ذكرت لنا ثلاثة أصناف من الكافرين : قسم كان كافرا ثم ~~تاب عن كفره توبة صادقة بأن آمن وعمل صالحا فقبل الله توبته. وهذا القسم هو ~~الذي استثناه الله بقوله ( @QUR@011 إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ~~فإن الله غفور رحيم ). # وقسم كان كافرا ثم تاب عن كفره توبة ليست صادقة ، فلم يقبلها الله تعالى منه. # وهو الذي قال الله في شأنه في الآية السابقة ( @QUR@014 إن الذين كفروا ~~بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون ). # وقسم كان كافرا واستمر على كفره حتى مات عليه دون أن تحدث منه آية توبة ، ~~وهو الذي أخبر عنه سبحانه في هذه الآية بقوله : ( @QUR@06 إن الذين كفروا ~~وماتوا ms0868 وهم كفار ). # أى ماتوا على كفرهم دون أن يتوبوا منه. وقد بين الله تعالى سوء مصيرهم ~~بقوله : ( @QUR@010 فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به ). # أى أن هؤلاء الذين ماتوا على الكفر دون أن يتوبوا منه. لن يقبل الله ~~تعالى من أحدهم ما كان قد أنفقه في الدنيا ولو كان هذا المنفق ملء الأرض ~~ذهبا ، لأن كفره قد أحبط أعماله وأفسدها كما قال تعالى ( @QUR@09 وقدمنا ~~إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ) (2). # وكذلك لن يقبل الله تعالى عن أحدهم فدية عن عقابه الشديد له بسبب موته ~~على الكفر. ولو كان ما يفتدى به نفسه ملء الأرض ذهبا ، لأن الله تعالى غنى ~~عنه وعن فديته مهما عظمت وسيعاقبه على كفره بما يستحق من عقاب. PageV02P177 # قال ابن كثير : قوله تعالى ( @QUR@010 فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ~~ولو افتدى به ). # أى من مات على الكفر فلن يقبل منه خير أبدا ولو كان قد أنفق ملء الأرض ~~ذهبا فيما يراه قربة كما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن جدعان ~~وكان يقرى الضيف ، ويفك العاني ، ويطعم الطعام هل ينفعه ذلك؟ فقال : «لا ~~إنه لم يقل يوما من الدهر رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» وكذلك لو افتدى ~~نفسه في الآخرة بملء الأرض أيضا ذهبا ما قبل منه ، كما قال تعالى ( @QUR@07 ~~ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة» )، وقال تعالى : ( @QUR@024 إن الذين ~~كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم ~~القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم ) (1). # ثم قال : وروى الشيخان والإمام أحمد عن أنس بن مالك أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : «يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة أرأيت لو كان ~~لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديا به؟ قال : فيقول نعم ، فيقول الله له ، ~~قد أردت منك أهون من ذلك ، قد أخذت عليك في ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي ~~شيئا فأبيت إلا أن تشرك». ms0869 # وفي رواية للإمام أحمد عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~«يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول الله له : يا ابن آدم كيف وجدت منزلك؟ ~~فيقول : أى رب ، خير منزل. فيقول الله تعالى له : سل وتمن ، فيقول : ما ~~اسأل ولا أتمنى إلا أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك عشر مرار لما يرى ~~من فضل الشهادة ويؤتى بالرجل من أهل النار فيقول له : كيف وجدت منزلك؟ ~~فيقول : أى رب! شر منزل ، فيقول له : أتفتدي منه بطلاع الأرض ذهبا؟ فيقول ~~أى رب! نعم فيقول : كذبت! قد سألتك أقل من ذلك وأيسر فلم تفعل فيرد إلى ~~النار» (2). # وقال صاحب الكشاف : فإن قلت : فلم قيل في الآية السابقة ( @QUR@03 لن ~~تقبل توبتهم ) بغير فاء. وقيل هنا ( @QUR@04 فلن يقبل من أحدهم ) بوجود ~~الفاء ؟ قلت : قد أوذن بالفاء أن الكلام بنى على الشرط والجزاء ، وأن سبب ~~امتناع قبول الفدية هو الموت على الكفر ، وبترك الفاء أن الكلام مبتدأ وخبر ~~ولا دليل فيه على التسبيب ، كما تقول : الذي جاءني له درهم ، لم تجعل ~~المجيء سببا في استحقاق الدرهم ، بخلاف قولك : فله درهم» (3). # وقوله ( @QUR@01 ذهبا ) منصوب على أنه تمييز. # وعبر بالذهب لأنه أنفس الأشياء وأعزها على النفس. PageV02P178 # وقوله ( @QUR@03 ولو افتدى به ) جملة حالية ، والواو للحال ، أى لا يقبل ~~من الذي مات على كفره هذا الفداء ولو في حال افتراض تحقق هذا الفداء في يده ~~وتقديمه إياه لكي يدفعه لخالقه وينجو من العقوبة التي توعده بها. # أى أن العذاب الأليم نازل قطعا على هذا الذي مات على كفره ، حتى ولو ~~فرضنا أنه تصدق في الدنيا بملء الأرض ذهبا. وحتى لو فرضنا أنه ملك هذا ~~المقدار النفيس الكثير من الأموال في الآخرة وقدمه فدية لنفسه من العذاب ، ~~فإن كل ذلك غير مقبول منه ، ولا بد من نزول العذاب به. # وقد أشار ابن المنير إلى هذا المعنى بقوله : «قبول الفدية التي هي ملء ~~الأرض ذهبا يكون على أحوال : منها : أن يؤخذ منه على وجه القهر فدية من ~~نفسه ms0870 كما تؤخذ الدية قهرا من مال القاتل على قول. ومنها أن يقول المفتدى في ~~التقدير : أفدى نفسي بكذا وقد لا يفعل. ومنها أن يقول هذا القول وينجز ~~المقدار الذي يفدى به نفسه ويجعله حاضرا عتيدا ، وقد يسلمه مثلا لمن يأمن ~~منه قبول فديته. وإذا تعددت الأحوال فالمراد من الآية أبلغ الأحوال وأجدرها ~~بالقبول ، وهو أن يفتدى بملء الأرض ذهبا افتداء محققا بأن يقدر على هذا ~~الأمر العظيم ويسلمه وينجزه اختيارا ومع ذلك لا يقبل منه ، فمجرد قوله أبذل ~~المال وأقدر عليه أو ما يجرى هذا المجرى بطريق الأولى. فيكون دخول الواو ~~والحالة هذه على بابها تنبيها على أن ثم أحوالا أخر لا ينفع فيها القبول ~~بطريق الأولى بالنسبة إلى الحالة المذكورة. وهذا كله تسجيل بأنه لا محيص ~~ولا مخلص لهم من العذاب ، وإلا فمن المعلوم أنهم أعجز عن الفلس في ذلك ~~اليوم ، ونظير هذا التقدير من الأمثلة أن يقول القائل : لا أبيعك هذا الثوب ~~بألف دينار ولو سلمتها إلى في يدي هذه» (1). # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@08 أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ~~ناصرين ). # أى أولئك الذين ماتوا على كفرهم لهم عذاب أليم ، وما لهم من ناصرين ~~ينصرونهم بدفع العذاب عنهم ، أو تخفيف وقعه عليهم. # ومن مزيدة لاستغراق النفي وتأكيده ، أى لا يوجد أحد كائنا من كان ينقذهم ~~من عذاب الله ، أو يجيرهم من أليم عقابه. # وبذلك نرى أن الآيتين الكريمتين قد توعدتا الكافرين بأشد ألوان العذاب ، ~~وأقسى أنواع العقاب ، حتى يقلعوا عن كفرهم ، ويثوبوا إلى رشدهم. PageV02P179 # وبعد هذا الحديث المشتمل على أشد صنوف الترهيب من الكفر ، وعلى بيان سوء ~~عاقبة الكافرين ، أتبعه بالحديث عن الطريق الذي يوصل المؤمنين إلى رضا الله ~~وحسن مثوبته فقال تعالى : ( @QUR@015 لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ~~، وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم ). # تنالوا : من النيل وهو إصابة الشيء والحصول عليه. يقال نال ينال نيلا ، ~~إذا أصاب الشيء ووجده وحصل عليه. # والبر : الإحسان وكمال الخير. وأصله التوسع في فعل الخير. يقال ms0871 : بر ~~العبد ربه أى توسع في طاعته. # والإنفاق البذل ، ومنه إنفاق المال. وعن الحسن : كل شيء أنفقه المسلم من ~~ماله يبتغى به وجه الله ويطلب ثوابه حتى التمرة يدخل في هذه الآية. # والمعنى : لن تنالوا حقيقة البر ، ولن تبلغوا ثوابه الجزيل الذي يوصلكم ~~إلى رضا الله ، وإلى جنته التي أعدها لعباده الصالحين ، إلا إذا بذلتم مما ~~تحبونه وتؤثرونه من الأموال وغيرها في سبيل الله ، وما تنفقوا من شيء ولو ~~قليلا فإن الله به عليم ، وسيجازيكم عليه بأكثر مما أنفقتم وبذلتم. # ولقد حكى لنا التاريخ كثيرا من صور البذل والإنفاق التي قام بها السلف ~~الصالح من أجل رضا الله وإعلاء كلمته ، ومن ذلك ما رواه الشيخان عن أنس بن ~~مالك قال : كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا من نخل ، وكان أحب ~~أمواله إليه بيرحاء موضع بالمدينة وكانت مستقبلة المسجد ، وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء طيب فيها. قال أنس : فلما أنزلت هذه ~~الآية : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ... ، قام أبو طلحة إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إن الله تعالى يقول في كتابه ( ~~@QUR@07 لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) وإن أحب أموالى إلى بيرحاء ~~، وإنها صدقة الله تعالى أرجو برها وذخرها عند الله ، فضعها يا رسول الله ~~حيث أراك الله. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بخ بخ كلمة استحسان ومدح ذلك مال رابح ~~أى ذو ربح ذلك مال رابح. وقد سمعت ما قلت. وإنى أرى أن تجعلها في الأقربين. ~~قال أبو طلحة : أفعل يا رسول الله. فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبنى عمه» (1). # قال القرطبي : وكذلك فعل زيد بن حارثة ، عمد مما يحب إلى فرس له يقال له ~~«سبل» وقال : اللهم إنك تعلم أنه ليس لي مال أحب إلى من فرسي هذه ، فجاء ~~بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم PageV02P180 # فقال : هذا في سبيل الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد ms0872 ~~: أقبضه ، فكأن زيدا وجد من ذلك في نفسه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«إن الله قد قبلها منك». # وأعتق عبد الله بن عمر نافعا مولاه ، وكان أعطاه فيه عبد الله بن جعفر ~~ألف دينار ، قالت صفية بنت أبى عبيد : أظنه تأول قول الله تعالى ( @QUR@07 ~~لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ). # وقال الحسن البصري : إنكم لن تنالوا ما تحبون إلا بترك ما تشتهون ، ولا ~~تدركون ما تؤملون إلا بالصبر على ما تكرهون (1). # وهكذا نرى أن السلف الصالح قد قدموا ما يحبون من أموالهم وغيرها تقربا ~~إلى الله تعالى وشكرا له على نعمائه وعطائه ، فرضي الله عنهم وأرضاهم. # ثم عاد القرآن الكريم إلى الرد على اليهود الذين جادلوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم في كثير من القضايا ، بعد أن ذكر في الآيات السابقة طرفا ~~من مسالكهم الخبيثة التي منها تواصيهم فيما بينهم بأن يؤمنوا أول النهار ~~ويكفروا آخره ، وقد حكى هنا جدلهم فيما أحله الله وحرمه من الأطعمة فقال ~~تعالى : # ( @QUR@024 كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ~~من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين (93) ~~@QUR@011 فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون (94) ~~@QUR@011 قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ) (95) # ذكر بعض المفسرين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لليهود في معرض مناقشته ~~لهم : أنا على ملة إبراهيم. فقال بعض اليهود : كيف تدعى ذلك وأنت تأكل لحوم ~~الإبل وألبانها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم ، كان ذلك حلالا لإبراهيم فنحن ~~نحله. فقالوا : كل شيء أصبحنا اليوم نحرمه فإنه PageV02P181 # كان محرما على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا ، فأنزل الله هذه الآيات ~~تكذيبا لهم» (1). # والطعام : مصدر بمعنى المطعوم ، والمراد به هنا كل ما يطعم ويؤكل. # وحلا : مصدر أيضا بمعنى حلالا ، والمراد الإخبار عن أكل الطعام بكونه ~~حلالا ، لا نفس الطعام ، لأن الحل كالحرمة مما لا يتعلق بالذوات. # وإسرائيل : هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ms0873 عليهم الصلاة والسلام . # والمعنى : كل أنواع الأطعمة كانت حلالا لبنى إسرائيل قبل نزول التوراة ~~إلا شيئا واحدا كان محرما عليهم قبل نزولها وهو ما حرمه أبوهم إسرائيل على ~~نفسه ، فإنهم حرموه على أنفسهم اقتداء به ، فلما أنزل الله التوراة حرم ~~عليهم فيها بعض الطيبات بسبب بغيهم وظلمهم. # هذا هو الحق الذي لا شك فيه ، فإن جادلوك يا محمد في هذه المسألة فقل لهم ~~على سبيل التحدي : أحضروا التوراة فاقرءوها ليتبين الصادق منا من الكاذب ، ~~إن كنتم صادقين في زعمكم أن ما حرمه الله عليكم فيها كان محرما على نوح ~~وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام . # فالآية الكريمة قد تضمنت أمورا من أهمها : # أولا : إبطال حجتهم فيما يتعلق بقضية النسخ ، إذ زعموا أن النسخ محال ، ~~واتخذوا من كون النسخ مشروعا في الإسلام ذريعة للطعن في نبوة النبي ~~صلى الله عليه وسلم فدحض القرآن مدعاهم وألزمهم الحجة عن طريق كتابهم. # ولذا قال الإمام ابن كثير : الآية مشروع في الرد على اليهود ، وبيان بأن ~~النسخ الذي أنكروا وقوعه وجوازه قد وقع ، فإن الله تعالى قد نص في كتابهم ~~التوراة أن نوحا عليه السلام لما خرج من السفينة أباح الله له جميع دواب ~~الأرض يأكل منها ، ثم بعد هذا حرم إسرائيل على نفسه لحوم الإبل وألبانها ~~فاتبعه بنوه فيما حرم على نفسه ، وجاءت التوراة بتحريم ذلك ، وبتحريم أشياء ~~زيادة على ذلك عقوبة لهم بسبب بغيهم وظلمهم. وهذا هو النسخ بعينه» (2). # وقد صرح ابن كثير وغيره من المفسرين أن ما حرمه إسرائيل على نفسه هو لحوم ~~الإبل وألبانها ، وبذلك جاءت بعض الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم وكان ~~تحريمه لها تعبدا وزهادة وقهرا للنفس طلبا لمرضاة الله تعالى . PageV02P182 # وقيل إن ما حرمه على نفسه هو العروق. روى ذلك عن ابن عباس والضحاك والسدى ~~موقوفا عليهم. # قالوا : كان يعتريه عرق النسا وهو عرق يخرج من الورك فيستبطن الفخذين ~~ويسبب آلاما شديدة فنذر إن عوفي منه لا يأكل عرقا ، فلما شفاه الله ترك أكل ~~العروق وفاء بنذره. # ثانيا ms0874 : تضمنت أيضا تكذيبهم في دعواهم أن ما حرم عليهم لم يكن سبب تحريمه ~~ظلمهم أو بغيهم ، وإنما كان محرما على غيرهم ممن سبقهم من الأمم. # وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال : «وهو أى ما اشتملت عليه الآية رد ~~على اليهود وتكذيب لهم ، حيث أرادوا براءة ساحتهم مما نعى عليهم في قوله ~~تعالى ( @QUR@09 فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ) وحيث ~~أرادوا جحود ما غاظهم بسبب ما نطق به القرآن من أن تحريم الطيبات عليهم كان ~~لأجل بغيهم وظلمهم فقالوا : لسنا بأول من حرمت عليه هذه الأشياء ، وما هو ~~إلا تحريم قديم ، كانت محرمة على نوح وإبراهيم ومن بعده من بنى إسرائيل ~~وهلم جرا ، إلى أن انتهى التحريم إلينا ، فحرمت علينا كما حرمت على من ~~قبلنا. وغرضهم تكذيب شهادة الله عليهم بالبغي والظلم والصد عن سبيل الله ~~وأكل الربا. وما عدد من مساويهم التي كلما ارتكبوا منها كبيرة حرم الله ~~عليهم نوعا من الطيبات عقوبة لهم» (1). # ثالثا : تضمنت الآية كذلك أمرا من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن ~~يتحداهم بالتوراة ويبكتهم بما نطفت به ، وذلك بقوله تعالى في الآية الكريمة ~~( @QUR@07 قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ). # فكأنه سبحانه يقول لهم : ما دمتم يا معشر اليهود قد زعمتم أن ما حرم ~~عليكم بسبب بغيكم وظلمكم ليس تحريما حادثا ، وإنما هو تحريم قديم على الأمم ~~قبلكم ، فها هي ذي التوراة قريبة منكم فأحضروها واتلوها بإمعان وتدبر إن ~~كنتم صادقين في مدعاكم. # والتعبير ب «إن» يشير إلى عدم صدقهم ، لأنها تدل على الشك في الشرط. # أى : هم ليسوا صادقين فيما يزعمون ، ولذلك لا يتلون ولا يقرءون ، ولو ~~جاءوا بها لكانت مؤيدة لما أخبر به القرآن الكريم ، ولذلك لم يجسروا على ~~إخراج التوراة ، وبهتوا وانقلبوا صاغرين. وفي ذلك الحجة البينة على صدق ~~النبي صلى الله عليه وسلم . # وقوله ( @QUR@06 إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ) مستثنى من اسم كان ، ~~والتقدير : كل الطعام كان PageV02P183 # حلالا لبنى إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل ms0875 على نفسه فإنه قد حرم عليهم في ~~التوراة ، وليس منه ما زادوه من محرمات وادعوا صحة ذلك. # ثم توعدهم سبحانه على كذبهم وجحودهم فقال تعالى : ( @QUR@011 فمن افترى ~~على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون ). # افترى : من الافتراء وهو اختلاق الكذب ، وأصله من فرى الأديم إذا قطعه ؛ ~~لأن الكاذب يقطع القول من غير حقيقة له في الوجود. # أى : فمن تعمد الكذب على الله تعالى بأن زعم بأن ما حرمته التوراة على ~~بنى إسرائيل من المطاعم بسبب ظلمهم وبغيهم ، كان محرما عليهم وعلى غيرهم ~~قبل نزولها ، فأولئك الذين قالوا هذا القول الكاذب هم المتناهون في الظلم : ~~المتجاوزون للحدود التي شرعها الله تعالى ، وسيعاقبهم سبحانه على هذا الظلم ~~والافتراء عذابا أليما لا مهرب لهم منه ولا نصير. # والفاء في قوله ( @QUR@02 فمن افترى ) للتفريع ، و ( @QUR@01 من ) يحتمل ~~أن تكون شرطية وأن تكون موصولة ، وقد روعي في الآية الكريمة لفظها ومعناها. # وقوله ( @QUR@03 من بعد ذلك ) متعلق بافترى ، واسم الإشارة ذلك يعود إلى ~~أمرهم بإحضار التوراة وما يترتب عليه من قيام الحجة وظهور البينة. # واسم الإشارة «أولئك» يعود إلى «من» وهو عبارة عن هؤلاء اليهود الذين ~~جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم بالباطل وافتروا على الله الكذب. # ويحتمل أن يكون المشار إليه وهو ( @QUR@01 من ) عاما لكل كاذب ويدخل فيه ~~اليهود دخولا أوليا. # وقد أكد الله تعالى وصفهم بالظلم بضمير الفصل الدال على أنهم كاملون فيه ~~، وموغلون في اقترافه والتمسك به. # ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعوهم إلى اتباع ملة إبراهيم ~~إن كانوا حقا يريدون اتباعها فقال تعالى : ( @QUR@07 قل صدق الله فاتبعوا ~~ملة إبراهيم حنيفا ) أى : قل يا محمد لهؤلاء اليهود الذين جادلوك بالباطل ~~ولكل من كان على شاكلتهم في الكذب والظلم ، قل لهم جميعا : صدق الله فيما ~~أخبرنا به في قوله تعالى ( @QUR@012 كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما ~~حرم إسرائيل على نفسه ) وفي كل ما أخبرنا به في كتابه وعلى لسان رسوله. ~~وأنتم الكاذبون في دعواكم. # وإذ ms0876 كنتم تريدون الوصول إلى الطريق القويم حقا ( @QUR@04 فاتبعوا ملة ~~إبراهيم حنيفا ) أى فاتبعوا PageV02P184 # ملة الإسلام التي عليها محمد صلى الله عليه وسلم وعليها من آمن به ، فهم ~~المتبعون حقا لإبراهيم عليه السلام وهم أولى الناس به ، لأن إبراهيم ما كان ~~يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما. # أى كان متجها إلى الحق لا ينحرف عنه إلى غيره من الأديان أو الأقوال أو ~~الأفعال الباطلة. # وكان مسلما ، أى كان مسلما وجهه الله ، مفردا إياه بالعبادة والطاعة ~~والخضوع ثم نفى الله تعالى عن إبراهيم كل لون من ألوان الشرك بأبلغ وجه ~~فقال ( @QUR@04 وما كان من المشركين ). # أى ما كان إبراهيم في أى أمر من أموره من الذين يشركون مع الله آلهة أخرى ~~، وإنما كان مخلصا عبادته الله وحده. # وفي ذلك تعريض بشرك اليهود وغيرهم من أهل الكفر والضلال ، وتنبيه إلى أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه هم المتبعون حقا لإبراهيم ، فقد أمر الله ~~محمدا صلى الله عليه وسلم أن يسير على طريقة أبيه إبراهيم فقال : ( @QUR@012 ~~ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ) (1). # وبذلك نرى أن الآيات الكريمة قد حكت قضية من القضايا الكثيرة التي جادل ~~اليهود فيها النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد لقنت الآيات النبي ~~صلى الله عليه وسلم الجواب الذي يخرس ألسنتهم ، ويكشف عن كذبهم وافترائهم ~~وظلمهم ، ويرشدهم ويرشد كل من يتأتى له الخطاب إلى الملة القويمة إن كانوا ~~حقا يريدون الاهتداء إلى الصراط المستقيم. # ثم أخبر القرآن عن مسألة أخرى جادل اليهود فيها النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهي مسألة أفضلية المسجد الحرام على غيره من المساجد ، وقد رد القرآن عليهم ~~وعلى أمثالهم في الكفر والعناد بما يثبت أن المسجد الحرام الذي نازعوا في ~~أفضليته هو أفضل المساجد على الإطلاق فقال تعالى : # ( @QUR@010 إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين (96) ~~@QUR@025 فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج ~~البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن ms0877 الله غني عن العالمين ) (97) PageV02P185 # قال الفخر الرازي ما ملخصه : في اتصال هاتين الآيتين بما قبلهما وجوه : # الأول : أن المراد منهما الجواب عن شبهة أخرى من شبهات اليهود في إنكار ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وذلك لأنه لما حولت القبلة إلى الكعبة طعن ~~اليهود في نبوته وقالوا : إن بيت المقدس أفضل من الكعبة وأحق بالاستقبال ، ~~وذلك لأنه وضع قبل الكعبة وهو أرض المحشر ، وقبلة جملة الأنبياء ، وإذا كان ~~كذلك كان تحويل القبلة إلى الكعبة باطلا ، فأجاب الله عنه بقوله : ( ~~@QUR@07 إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة ) فبين سبحانه أن الكعبة أفضل من ~~بيت المقدس وأشرف فكان جعلها قبلة أولى» (1). # والمراد بالأولية أنه أول بيت وضعه الله لعبادته في الأرض ، وقيل المراد ~~بها كونه أولا في الوضع وفي البناء ، ورووا في ذلك آثارا ليس فيها ما يعتمد عليه. # وبكة : لغة في مكة عند الأكثرين ، والباء والميم تعقب إحداهما الأخرى ~~كثيرا ، ومنه النميط والنبيط فهما اسم لموضع. وقيل هما متغايران : فبكة ~~موضع المسجد ومكة اسم البلد بأسرها. وأصل كلمة بكة من البك وهو الازدحام. ~~يقال تباك القوم إذا تزاحموا ، وكأنها سميت بذلك لازدحام الحجيج فيها. ~~والبك أيضا دق العنق ، وكأنها سميت بكة لأن الجبابرة تندق أعناقهم إذا ~~أرادوها بسوء. وقيل إنها مأخوذة من بكأت الناقة أو الشاة إذا قل لبنها ، ~~وكأنها إنما سميت بذلك لقلة مائها وخصبها. # والمعنى : إن أول بيت وضعه الله تعالى للناس في الأرض ليكون متعبدا لهم ، ~~هو البيت الحرام الذي بمكة ، حيث يزدحم الناس أثناء طوافهم حوله ، وقد أتوا ~~إليه رجالا وعلى كل ضامر من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم. # روى الشيخان عن أبى ذر قال : «قلت يا رسول الله : أى مسجد وضع في الأرض أول؟ # قال : المسجد الحرام. قلت : ثم أى؟ قال المسجد الأقصى. قلت : كم بينهما؟ ~~قال : أربعون سنة ، ثم قال : حيثما أدركتك الصلاة فصل. والأرض لك مسجد» (2). # قالوا : وقد أشكل هذا الحديث على من لم يعرف المراد منه فقال : معلوم أن ~~سليمان بن داود ms0878 هو الذي بنى المسجد الأقصى ، والذي بنى المسجد الحرام هو ~~إبراهيم وابنه إسماعيل ، وبينهما وبين سليمان أكثر من ألف سنة فكيف قال ~~صلى الله عليه وسلم : إن بين بناء المسجدين أربعين سنة! PageV02P186 # والجواب أن الوضع غير البناء ، فالذي أسس المسجد الأقصى ووضعه في الأرض ~~بأمر الله سيدنا يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم وبين إبراهيم ويعقوب هذه المدة ~~التي جاءت في الحديث ، أما سليمان فلم يكن مؤسسا للمسجد الأقصى أو واضعا له ~~وإنما كان مجددا فلا إشكال ولا منافاة. # وإذن فالبيت الحرام أسبق بناء من المسجد الأقصى ، وأجمع منه للديانات ~~السماوية ، وهو أى البيت الحرام أول بيت جعل الله الحج إليه عبادة مفروضة ~~على كل قادر على الحج ، وجعل الطواف حوله عبادة ، وتقبيل الحجر الأسود الذي ~~هو ضمن بنائه عبادة .. ولا يوجد بيت سواه في الأرض له من المزايا والخصائص ~~ما لهذا البيت الحرام. # وبذلك ثبت كذب اليهود في دعواهم أن المسجد الأقصى أفضل من المسجد الحرام ~~، وأن في تحول الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة في صلاته مخالفة للأنبياء قبله. # ثم مدح الله تعالى بيته بكونه ( @QUR@01 مباركا ) أى كثير الخير دائمه ، ~~من البركة وهي النماء والزيادة والدوام. # أى أن هذا البيت كثير الخير والنفع لمن حجه أو اعتمره أو اعتكف فيه ، أو ~~طاف حوله ، بسبب مضاعفة الأجر ، وإجابة الدعاء ، وتكفير الخطايا لمن قصده ~~بإيمان وإخلاص وطاعة الله رب العالمين. # وإن هذا البيت في الوقت ذاته وفير البركات المادية والمعنوية. # فمن بركاته المادية : قدوم الناس إليه من مشارق الأرض ومغاربها ومعهم ~~خيرات الأرض ، يقدمونها على سبيل تبادل المنفعة تارة وعلى سبيل الصدقة تارة ~~أخرى لمن يسكنون حول هذا البيت الحرام ، إجابة لدعوة سيدنا إبراهيم حيث قال ~~: ( @QUR@026 ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ، ~~ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات ~~لعلهم يشكرون ) (1) ومن بركاته المعنوية : أنه مكان لأكبر عبادة جامعة ~~للمسلمين وهي فريضة الحج ، وإليه يتجه المسلمون في صلاتهم على ms0879 اختلاف ~~أجناسهم وألوانهم وأماكنهم. # وقوله ( @QUR@01 مباركا ) حال من الضمير في «وضع». # ثم مدحه بأنه ( @QUR@02 هدى للعالمين ) أى بذاته مصدر هداية للعالمين ، ~~لأنه قبلتهم ومتعبدهم ، وفي استقباله توجيه للقلوب والعقول إلى الخير وإلى ~~ما يوصلهم إلى رضا الله وجنته. PageV02P187 # ثم مدحه ثالثا بقوله : ( @QUR@03 فيه آيات بينات ) أى فيه علامات ظاهرات ~~، ودلائل واضحات تدل على شرف منزلته ، وعلو مكانته. # وهذه الجملة الكريمة مستأنفة لبيان وتفسير بركته وهداه. # ثم بين سبحانه بعض هذه الآيات البينات الدالة على عظمه وشرفه فقال : ( ~~@QUR@06 مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ). # فالآية الأولى الدالة على عظم وشرف البيت الحرام ( @QUR@02 مقام إبراهيم ~~) أى المقام المعروف بهذا الاسم. وهو الموضع الذي كان يقوم فيه إبراهيم ~~تجاه الكعبة لعبادة الله تعالى ولإتمام بناء الكعبة ومعنى أن في البيت مقام ~~إبراهيم أى أنه في فنائه ومتصل به. # قال ابن كثير : عن جابر رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل ~~ثلاثة أشواط ومشى أربعا حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين ~~، ثم قرأ ( @QUR@05 واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) فجعل المقام بينه وبين ~~البيت فصلى ركعتين. والمراد بالمقام إنما هو الحجر الذي كان إبراهيم يقوم ~~عليه لبناء الكعبة ، لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل بهذا الحجر ليقوم فوقه ~~ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار ... # ثم قال : وقد كان هذا المقام ملصقا بجدار الكعبة قديما ، ومكانه معروف ~~اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر يمنة الداخل من الباب في البقعة ~~المستقلة هناك. وإنما أخره عن جدار الكعبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى ~~ناحية المشرق حيث هو الآن. ليتمكن الطائفون من الطواف ، وليصلى المصلون ~~عنده دون تشويش عليهم من الطائفين (1). # وقوله : ( @QUR@02 مقام إبراهيم ) مبتدأ محذوف الخبر أى مقام إبراهيم ~~منها أى من هذه الآيات البينات. أو خبر لمبتدأ محذوف أى فيه آيات بينات ~~أحدها مقام إبراهيم. # وقد رجح ابن جرير أن قوله تعالى ( @QUR@02 مقام إبراهيم ) هو بعض الآيات ~~البينات التي في البيت الحرام فقال : وأولى الأقوال في تأويل ذلك ms0880 بالصواب ~~قول من قال : الآيات البينات منهن مقام إبراهيم. وهو قول قتادة ومجاهد الذي ~~رواه معمر عنهما فيكون الكلام مرادا فيه منهن فترك ذكره اكتفاء بدلالة ~~الكلام عليها. فإن قال قائل : فهذا المقام من الآيات البينات فما سائر ~~الآيات التي من أجلها قيل ( @QUR@02 آيات بينات )؟ قيل : منهن المقام ، ~~ومنهن الحجر ، ومنهن الحطيم» (2). PageV02P188 # وقال ابن عطية : والراجح عندي أن المقام وأمن الداخلين جعلا مثالا لما في ~~حرم الله من الآيات ، وخصا بالذكر لعظمهما وأنهما تقوم بهما الحجة على ~~الكفار ، إذ هم مدركون لهاتين الآيتين بحواسهم» (1). # وأما الآية الثانية التي تدل على فضل هذا البيت وشرفه فقد بينها القرآن ~~بقوله : ( @QUR@04 ومن دخله كان آمنا ). # أى من التجأ إليه أمن من التعرض له بالأذى أو القتل قال تعالى : ( ~~@QUR@010 أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ) وفي ذلك ~~إجابة لسيدنا إبراهيم حيث قال كما حكى القرآن عنه : ( @QUR@010 رب اجعل هذا ~~البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ) ولا شك أن في أمن من دخل هذا ~~البيت أكبر آية على تعظيمه وعلى علو مكانته عند الله ؛ لأنه موضع أمان ~~الناس في بيئة تغرى بالاعتداء لخلوها من الزرع والنبات. # وفي الصحيحين واللفظ لمسلم عن أبى شريح العدوى أنه قال لعمرو بن سعيد وهو ~~يبعث البعوث لمكة يعنى لقتال عبد الله بن الزبير : ائذن لي أيها الأمير أن ~~أحدثك قولا قال به رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح ، سمعته ~~أذناى ووعاه قلبي ، وأبصرته عيناي حين تكلم به (2): إنه حمد الله وأثنى ~~عليه ثم قال : إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس ، فلا يحل لامرئ يؤمن ~~بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما أو يعضد بها شجرة ، فإن أحد ترخص بقتال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها أى أخذ فيه بالرخصة فقولوا له : إن الله ~~أذن لنبيه ولم يأذن لكم ، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار ، وقد عادت ~~حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، فليبلغ الشاهد الغائب. # فقيل لأبى شريح : ما ms0881 قال لك عمرو؟ فقال أبو شريح : قال لي يا أبا شريح ~~أنا أعلم بذلك منك. إن الحرم لا يعيذ عاصيا أى لا يجيره ولا يعصم دمه ولا ~~فارا بدم أى أن الحرم لا يجير إنسانا هاربا إليه لسبب من الأسباب الموجبة ~~للقتل ولا فارا بخربة أى بسبب سرقة أو خيانة (3). # ولقد كان أهل الجاهلية يعظمون المسجد الحرام وخصوصا أهل مكة فلما جاء ~~الإسلام أقر له هذه الميزة وزكاها ، ووضع لها الضوابط والأحكام التي تضمن ~~استعمالها في الوجوه التي شرعها الله. PageV02P189 # فقد اتفق الفقهاء على أن من جنى في الحرم جناية فهو مأخوذ بجنايته سواء ~~أكانت في النفس أم فيما دونها. # واختلفوا فيمن جنى في غير الحرم ثم لاذ إليه. فقال أبو حنيفة وابن حنبل : ~~إذا قتل في غير الحرم ثم دخل الحرم لا يقتص منه ما دام فيه ، ولكن لا يجالس ~~ولا يعامل ولا يؤاكل إلى أن يخرج منه فيقتص منه. وإن كانت جنايته فيما دون ~~النفس في غير الحرم ثم دخل الحرم اقتص منه. # وقال مالك والشافعى يقتص منه في الحرم لذلك كله كما يقتص منه في الحل. # ولكل فريق أدلته المبسوطة في كتب الفقه. # ثم أخبر سبحانه عن وجوب الحج على كل قادر عليه فقال : ( @QUR@016 ولله ~~على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ). # أى أن الله تعالى فرض على الناس أن يحجوا بيته في أوقات معينة وبكيفية ~~مخصوصة متى كان في استطاعتهم أداء هذه الفريضة. # ( @QUR@02 ومن كفر ) أى من جحد فرضية الحج وأنكرها ، ولم يؤدها مع ~~استطاعته وقدرته على أدائها فإن الله غنى عنه وعن حجه وعن الناس جميعا. # قال صاحب الكشاف : وفي هذا الكلام أنواع من التأكيد والتشديد منها قوله : ~~( @QUR@05 ولله على الناس حج البيت ) يعنى أنه حق واجب الله في رقاب الناس ~~لا ينفكون عن أدائه والخروج من عهدته. ومنها أنه ذكر الناس ثم أبدل منه من ~~استطاع إليه سبيلا وفيه ضربان من التأكيد : # أحدهما : أن الإبدال تثنية ms0882 للمراد وتكرير له. # والثاني : أن الإيضاح بعد الإبهام ، والتفصيل بعد الإجمال إيراد له في ~~صورتين مختلفتين. ومنها قوله : ( @QUR@02 ومن كفر ) مكان ومن لم يحج تغليظا ~~على تارك الحج ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : من مات ولم يحج فليمت إن شاء ~~الله يهوديا أو نصرانيا ومنها ذكر الاستغناء عنه ، وذلك مما يدل على المقت ~~والسخط والخذلان. ومنها قوله : ( @QUR@02 عن العالمين ) ولم يقل عنه ، لأن ~~فيه الدلالة على الاستغناء عنه ببرهان ، لأنه إذا استغنى عن العالمين ~~تناوله الاستغناء لا محالة ولأنه يدل على الاستغناء الكامل ، فكان أدل على ~~عظم السخط (1). # وقوله : ( @QUR@01 والله ) خبر مقدم متعلق بمحذوف أى واجب. ( @QUR@02 على ~~الناس ) متعلق بهذا المحذوف. وقوله : ( @QUR@02 حج البيت ) مبتدأ مؤخر. PageV02P190 # والناس عام مخصوص بالمستطيع ، وقد خصص ببدل البعض في قوله : ( @QUR@04 من ~~استطاع إليه سبيلا ) إذ هذه الجملة بدل من الناس بدل البعض من الكل. ~~والضمير في البدل مقدر أى من استطاع منهم إليه سبيلا. # و «من» في قوله : ( @QUR@02 ومن كفر ) يحتمل أن تكون شرطية وهو الظاهر ، ~~وأن تكون موصولة ، وعلى الاحتمالين استغنى فيما بعد الفاء عن الرابط بإقامة ~~الظاهر مقام المضمر إذ الأصل ومن كفر فإن الله غنى عنه فاستغنى بالظاهر عن ~~المضمر. # قال ابن كثير : والجمهور يرى أن هذه الآية هي آية وجوب الحج. وقيل بل هي ~~آية ( @QUR@04 وأتموا الحج والعمرة لله ) والأول أظهر. وقد وردت الأحاديث ~~المتعددة بأنه أحد أركان الإسلام ودعائمه وقوائمه ، وأجمع المسلمون على ذلك ~~إجماعا ضروريا وإنما يجب على المكلف في العمر مرة واحدة بالنص والإجماع فعن ~~أبى هريرة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : «يا أيها الناس إن ~~الله فرض عليكم الحج فحجوا. فقال رجل : أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى ~~قالها ثلاثا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو قلت نعم لوجبت ولما ~~استطعتم ثم قال : ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم ~~واختلافهم على أنبيائهم ، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا ~~نهيتكم عن شيء فدعوه». ms0883 # وعن ابن عمر رضى الله عنهما قال : «قام رجل إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال : ما السبيل يا رسول الله ، فقال : الزاد والراحلة» (1): # وبذلك تكون هاتان الآيتان والآيات التي قبلهما قد ردت على اليهود في ~~دعواهم أن ما حرمه الله عليهم من طيبات لم يكن عقوبة لهم بسبب ظلمهم وبغيهم ~~، وكذبتهم في دعواهم أن بيت المقدس أفضل من المسجد الحرام. # وقد اشتمل هذا الرد على ما يثبت افتراءهم من واقع التاريخ ، فقد أمر الله ~~تعالى النبي صلى الله عليه وسلم أن يطالبهم بإحضار التوراة إن كانوا صادقين في ~~دعواهم ، فبهتوا وانقلبوا صاغرين ، وأثبت القرآن أن البيت الحرام أول بيت ~~وضع في الأرض لعبادة الله ، فهو يسبق بيت المقدس في أولوية الشرف والزمان. ~~وإذن فجدال اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأمور ما هو إلا نوع من ~~عنادهم وجحودهم للحق ، والمعاند والجاحد لا ينفع معهما دليل أو برهان. # وبعد هذا الرد المفحم من القرآن على اليهود في هاتين القضيتين قضية ما ~~حرم عليهم من الأطعمة وقضية نزاعهم في أفضلية البيت الحرام بعد كل ذلك ساق ~~القرآن طرفا من PageV02P191 # مسالكهم الخبيثة لكيد الإسلام والمسلمين عن طريق محاولتهم الدس والوقيعة ~~وإثارة الفتنة بين المؤمنين. وقد حذر الله المؤمنين من شرورهم بعد أن وبخ ~~اليهود على مكرهم ، وتوعدهم بسوء المصير. استمع إلى القرآن وهو يسوق هذه ~~المعاني بأسلوبه الحكيم فيقول : # ( @QUR@013 قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما ~~تعملون (98) @QUR@020 قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن ~~تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون (99) @QUR@015 يا أيها ~~الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم ~~كافرين (100) @QUR@017 وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ~~ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم (101) @QUR@013 يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (102) @QUR@034 ~~واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم ms0884 ~~أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار ~~فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون (103) @QUR@014 ولتكن ~~منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم ~~المفلحون (104) @QUR@014 ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما ~~جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ) (105) PageV02P192 # أخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم قال : مرشاس بن قيس وكان شيخا قد عسا (1) ~~في الجاهلية عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين ، شديد الحسد لهم مر على ~~نفر من الصحابة من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه ، فغاظه ما ~~رأى من جماعتهم وألفتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام ، بعد الذي كان بينهم ~~من العداوة في الجاهلية. فقال : قد اجتمع ملأ بنى قيلة (2) بهذه البلاد ، ~~والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار. فأمر شابا من اليهود كان ~~معه فقال له : اعمد إليهم فاجلس معهم ، وذكرهم يوم بعاث ، وما كان قبله ~~وأنشدهم بعض ما كانوا تقالوا فيه من الأشعار وكان يوم بعاث يوما اقتتلت فيه ~~الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج ففعل. فتكلم القوم عند ذلك ~~فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب : أوس بن قيظى من ~~الأوس ، وجبار بن صخر من الخزرج. فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه : إن شئتم ~~والله رددناها الآن جذعة (3)، وغضب الفريقان وقالوا : قد فعلنا ، السلاح ~~موعدكم الظاهرة والظاهرة : الحرة فخرجوا إليها وتحاور الناس. فانضمت الأوس ~~بعضها إلى بعض والخزرج بعضها إلى بعض ، على دعواهم التي كانوا عليها في ~~الجاهلية. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من ~~المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم. فقال يا معشر المسلمين : الله الله أبدعوى ~~الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام وأكرمكم به ، وقطع ~~به عنكم أمر الجاهلية ، واستنقذكم به من الكفر وألف به بينكم ، ترجعون إلى ~~ما كنتم عليه كفارا فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان ، وكيد من عدوهم ، ~~فألقوا السلاح من أيديهم ms0885 وبكوا ، وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضا ~~، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين ، قد أطفأ الله ~~عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس ، وما صنع. # فأنزل الله في شاس بن قيس وما صنع ( @QUR@06 قل يا أهل الكتاب لم تكفرون ~~) الآية وأنزل في أوس بن قيظى وجبار بن صخر ومن كان معهما من قومهما الذين ~~صنعوا ما صنعوا ( @QUR@011 يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين ~~أوتوا الكتاب ).. إلى قوله ( @QUR@04 وأولئك لهم عذاب عظيم ) (4) فما كان ~~يوم أقبح أولا وأحسن آخرا من ذلك اليوم . # وقوله تعالى : ( @QUR@08 قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله ) أمر من ~~الله تعالى لنبيه PageV02P193 # صلى الله عليه وسلم بأن يوبخ هؤلاء اليهود ومن لف لفهم على مسالكهم الخبيثة ~~لكيد الدعوة الإسلامية ، وإيذاء أتباعها ومحاولتهم صرف الناس عنها. # أى : قل يا محمد لهؤلاء اليهود الذين كفروا بالحق بعد أن جاءتهم البينات ~~: لم تعاندون الحق وتكفرون بآيات الله السمعية والعقلية الدالة على صدقى ~~فيما أبلغه عن ربي ، والحال أن الله مطلع عليكم وعالم علم المعاين المشاهد ~~لأعمالكم الظاهرة والخفية ، وسيجازيكم عليها بما تستحقونه من عقاب أليم. # فالآية الكريمة قد تضمنت تأنيبهم على الكفر ، وتهديدهم بالعقاب إذا ~~استمروا في مسالكهم الأثيمة. # ولكي يكون التأنيب أوجع ، أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن ~~يناديهم بقوله : ( @QUR@03 يا أهل الكتاب )، لأن علمهم بالكتاب يستلزم ~~منهم الإيمان ، والإذعان للحق ، ولكنهم اتخذوا علمهم وسيلة للشرور والتضليل ~~فكان مسلكهم هذا دليلا على فساد فطرتهم ، وخبث طويتهم ، وسوء طباعهم. # وبعد أن أنبهم القرآن الكريم في هذه الآية على كفرهم وضلالهم ، أمر الله ~~تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في آية ثانية أن يوبخهم على محاولتهم إضلال ~~غيرهم فقال تعالى : ( @QUR@015 قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من ~~آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء ) وقوله : ( @QUR@01 تصدون ) من الصد وهو صرف ~~الغير عن الشيء ومنعه منه. يقال : صد يصد صدودا ، وصدا. # وقوله : ( @QUR@02 سبيل الله ) أى طريقه الموصلة إليه ms0886 وهي ملة الإسلام. # وقوله : ( @QUR@02 تبغونها عوجا ) أى تطلبون لها العوج. يقال : بغيت له ~~كذا أى طلبته والعوج بكسر العين الميل والزبغ في الدين والقول والعمل وكل ~~ما خرج عن طريق الهدى إلى طريق الضلال فهو عوج. والعوج بفتح العين يكون في ~~المحسوسات كالميل في الحائط والرمح وكل شيء منتصب قائم أى أن مكسور العين ~~يكون في المعاني ومفتوحها في الأعيان. # والمعنى : قل يا محمد لأهل الكتاب مرة أخرى مبالغة في تقريعهم وإزاحة ~~لأعذارهم. لأى شيء تصرفون المؤمنين عن الإيمان الحق ، وتمنعون من آمن ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم عن الاستمرار على اتباعه ، وتثيرون الفتنة والوقيعة ~~بين أصحابه. # وقوله : ( @QUR@02 تبغونها عوجا ) أى تطلبون العوج والميل لسبيل الله ~~الواضحة والميل بها عن القصد والاستقامة ، وتريدون أن تكون ملتوية غير ~~واضحة في أعين المهتدين ، كما التوت نفوسكم ، وانحرفت عقولكم. PageV02P194 # قال صاحب الكشاف : فإن قلت كيف قال تبغونها عوجا وهو محال؟ قلت : فيه ~~معنيان : # أحدهما : أنكم تلبسون على الناس حتى توهموهم أن فيها اعوجاجا بقولكم إن ~~شريعة موسى لا تنسخ ، وبتغييركم صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وجهها ~~وغير ذلك. # والثاني : أنكم تتعبون أنفسكم في إخفاء الحق ابتغاء ما لا يتأتى لكم من ~~وجود العوج فيما هو أقوم من كل مستقيم» (1). # وقوله : ( @QUR@02 من آمن ) مفعول به لتصدون. والضمير المنصوب في قوله : ~~( @QUR@01 تبغونها ) يعود إلى سبيل الله أى تبغون لها فحذفت اللام كما في ~~قوله تعالى : ( @QUR@02 وإذا كالوهم ) أى كالوا لهم. وقوله : ( @QUR@01 ~~عوجا ) مفعول به لتبغون. # وبعضهم جعل الضمير المنصوب في ( @QUR@01 تبغونها ) وهو الهاء هو المفعول. ~~وجعل عوجا حال من سبيل الله. أى تبغونها أن تكون معوجة وتريدونها في حال ~~عوج واضطراب. # وقوله : ( @QUR@02 وأنتم شهداء ) حال من فاعل ( @QUR@01 تصدون ) أو تبغون. # أى والحال أنكم تعلمون بأن سبيل الإسلام هي السبيل الحق علم من يعاين ~~ويشاهد الشيء على حقيقته فجحودكم عن علم وكفركم ليس عن جهل ، ولقد كان ~~المتوقع منكم يا من ترون الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم في كتابكم ms0887 ~~، أن تكونوا أول المساعين إلى الإيمان به ، ولكن الحسد والعناد حالا بينكم ~~وبين الانتفاع بالنور الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم . # وقوله : ( @QUR@05 وما الله بغافل عما تعملون ) تهديد لهم ووعيد على ~~ضلالهم ومحاولتهم إضلال غيرهم ، لأنه سبحانه ليس غافلا عن أعمالهم ، بل هو ~~سيجازيهم على هذه المسالك الخبيثة بالفشل والذلة في الدنيا ، وبالعذاب ~~والهوان في الآخرة ولما كان صدهم المؤمنين بطريق الخفية ختمت الآية الكريمة ~~بما يحسم مادة حياتهم ، ببيان أن الله تعالى محيط بكل ما يصدر عنهم من ~~أقوال أو أعمال وليس غافلا عنها. بخلاف الآية الأولى فقد كان كفرهم بطريق ~~العلانية إذ ختمت ببيان أن الله مشاهد لما يعملونه ولما يجاهرون به. # وبعد أن بين سبحانه في هاتين الآيتين أن اليهود قد جمعوا الخستين ضلال ~~أنفسهم ، ثم محاولتهم تضليل غيرهم ، تركهم مؤقتا في طغيانهم يعمهون ، ووجه ~~نداء إلى المؤمنين يحذرهم فيه من دسائس اليهود وكيدهم ، وينهاهم عن الركون ~~إليهم ، والاستماع إلى مكرهم فقال PageV02P195 # تعالى : ( @QUR@015 يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا ~~الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين ). # والمعنى : إنكم أيها المؤمنون إن استمعتم إلى ما يلقيه بعض أهل الكتاب ~~بينكم من دسائس ولنتم لهم ، لا يكتفون بإيقاع العداوة والبغضاء بينكم كما ~~في الجاهلية ، بل يتجاوزون ذلك إلى محاولتهم إعادتكم إلى وثنيتكم القديمة ~~وكفركم بالله بعد إيمانكم. # وقد خاطب الله المؤمنين بذاته في هذه الآية بعد أن أمر رسوله ~~صلى الله عليه وسلم بأن يخاطب أهل الكتاب في الآيتين السابقتين ، إظهارا ~~لجلالة قدرهم ، وإشعارا بأنهم الأحقاء بالمخاطبة من الله تعالى . # وناداهم بصفة الإيمان لتحريك حرارة العقيدة في قلوبهم وتوجيه عقولهم إلى ~~ما يستدعيه الإيمان من فطنة ويقظة فالمؤمن ليس خبا ولكن الخب لا يخدعه. # وفي التعبير «بإن» في قوله : ( @QUR@03 إن تطيعوا فريقا ) إشارة إلى أن ~~طاعتهم لليهود ليست متوقعة ، لأن إيمانهم يمنعهم من ذلك. # ووصف سبحانه الذين يحاولون الوقيعة بين المؤمنين بأنهم فريق من الذين ~~أوتوا الكتاب ، إنصافا لمن لم يفعل ذلك منهم. # ونعتهم بأنهم ms0888 ( @QUR@02 أوتوا الكتاب ) للإشعار بأن تضليلهم متعمد وبأن ~~تآمرهم على المؤمنين مقصود ، فهم أهل كتاب وعلم ، ولكنهم استعملوا علمهم في ~~الشرور والآثام. # وقوله : ( @QUR@01 يردوكم ) أصل الرد الصرف والإرجاع ، إلا أنه هنا ~~مستعار لتغير الحال بعد المخالطة فيفيد معنى التصيير كقول الشاعر : # فرد شعورهن السود بيضا %~% ورد وجوههن البيض سودا # أى : يصيروكم بعد إيمانكم كافرين. والكاف مفعوله الأول وكافرين مفعوله ~~الثاني. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى في آية أخرى : ( @QUR@021 ود كثير من أهل ~~الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا ، حسدا من عند أنفسهم من بعد ما ~~تبين لهم الحق ) (1). # ثم بين القرآن بعد ذلك أنه ما يسوغ للمؤمنين أن يطيعوا هذا الفريق من ~~الذين أوتوا الكتاب ، أو أن يكفروا بعد إيمانهم ، أو أن يتفرقوا بعد وحدتهم ~~فقال تعالى : ( @QUR@09 وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم ~~رسوله )، الاستفهام في قوله : ( @QUR@02 وكيف تكفرون ) للإنكار ، ~~ولاستبعاد كفرهم في حال اجتمع لهم فيها كل الأسباب الداعية إلى الإيمان. PageV02P196 # أى : كيف يتصور منكم الكفر ، أو يسوغ لكم أن تسيروا في أسبابه وآيات الله ~~تقرا على مسامعكم غضة طرية صباح مساء ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين ~~ظهرانيكم ، يردكم إلى الصواب إن أخطأتم ، ويزيح شبهكم إن التبس عليكم أمر. # وفي هذا ما يومئ إلى إلقاء اليأس في قلوب هذا الفريق من اليهود من أن ~~يصلوا إلى ما يبغونه بين المؤمنين في وقت يذكر النبي صلى الله عليه وسلم ~~المؤمنين بما ينفعهم ؛ ويحذرهم مما يؤذيهم ويضرهم. # وفي توجيه الإنكار والاستبعاد إلى كيفية الكفر مبالغة ، لأن كل موجود لا ~~بد أن يكون وجوده على حال من الأحوال ، فإذا أنكر ونفى في جميع الأحوال ~~انتفى وجوده بالكلية بالطريق البرهاني. # وقوله : ( @QUR@07 وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ) جملتان ~~حاليتان من فاعل ( @QUR@01 تكفرون ) وهو ضمير الجماعة. وهاتان الجملتان هما ~~محط الإنكار والاستبعاد. # أى أن كلا تلاوة آيات الله وإقامة الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم ، وازع ~~لهم عن الكفر ، ودافع لهم إلى التمسك بعرى الإيمان. # ففي الآية الكريمة دلالة ms0889 على عظمة قدر الصحابة ، وأن لهم وازعين عن ~~مواقعة الضلال : سماع القرآن ، ومشاهدة أنوار الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإن ~~وجوده عصمة من ضلالهم. # قال قتادة : أما الرسول صلى الله عليه وسلم فقد مضى إلى رحمة الله ، وأما ~~الكتاب فباق على وجه الدهر. # ثم أرشد الله تعالى المؤمنين إلى الوسيلة التي متى تمسكوا بها عصموا ~~أنفسهم من مكر اليهود فقال تعالى ( @QUR@08 ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى ~~صراط مستقيم ). # أى ومن يلتجئ إلى الله في كل أحواله ويتوكل عليه حق التوكل ، ويتمسك ~~بدينه ، فقد هدى إلى الطريق الذي لا عوج فيه ولا انحراف. # وفي هذا إشارة إلى أن التمسك بدين الله وبكتابه كفيل بأن يبعد المسلمين ~~الذين لم يشاهدوا الرسول صلى الله عليه وسلم عما يبيته لهم أعداؤهم من مكر وخداع. # قال ابن جرير ما ملخصه : وأصل العصم : المنع ، فكل مانع شيئا فهو عاصمه ، ~~والممتنع به معتصم به ولذلك قيل للحبل : عصام ، وللسبب الذي يتسبب به الرجل ~~إلى حاجته عصام ، وأفصح اللغتين : إدخال الباء كما قال عز وجل ( @QUR@04 ~~واعتصموا بحبل الله جميعا ) وقد جاء اعتصمته (1). PageV02P197 # ثم أمر الله تعالى المؤمنين بمجامع الطاعات ومعاقد الخيرات ، فقال تعالى ~~( @QUR@013 يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون ). # وقوله ( @QUR@02 حق تقاته ) التقاة مصدر وهو من باب إضافة الصفة إلى ~~موصوفها إذ الأصل : اتقوا الله التقاة الحق. أى : الثابتة ، كقولك ضربت ~~زيدا أشد الضرب تريد الضرب الشديد وقيل التقاة اسم مصدر من اتقى كالتؤدة من اتأد. # والمعنى : بالغو أيها المؤمنون في التمسك بتقوى الله ومراقبته وخشيته حتى ~~لا تتركوا منها شيئا ولا تكونن على ملة سوى ملة الإسلام إذا أدرككم الموت ، ~~وإنما عليكم أن تستمروا على دينكم القويم حتى يأتيكم الأجل الذي لا ~~تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون. # وقد ساق ابن كثير بعض الآثار التي وردت عن بعض السلف في تفسير هذه الآية ~~الكريمة فمن ذلك ما روى عن عبد الله بن مسعود أنه قال في معنى الآية ( ~~@QUR@04 اتقوا الله ms0890 حق تقاته ): أن يطاع فلا يعصى. وأن يذكر فلا ينسى ، ~~وأن يشكر فلا يكفر». # وروى عن أنس أنه قال : لا يتقى الله العبد حق تقاته حتى يخزن لسانه. # وقوله ( @QUR@05 ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) هو نهى في الصورة عن موتهم ~~إلا على هذه الحالة. # والمراد دوامهم على الإسلام وذلك أن الموت لا بد منه فكأنه قيل : دوموا ~~على الإسلام إلى أن يدرككم الموت فتموتوا على هذه الملة السمحاء وهي ملة ~~الإسلام ، لكي تفوزوا برضا الله وحسن ثوابه. # والجملة الكريمة في محل نصب على الحال من ضمير الجماعة في ( @QUR@01 ~~اتقوا ). # والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال : أى لا تموتن على حالة من الأحوال إلا ~~على هذه الحالة الحسنة التي هي حالة المداومة على التمسك بالإسلام وتعاليمه ~~وآدابه. # وقال صاحب الكشاف : قوله ( @QUR@02 ولا تموتن ) معناه ولا تكونن على حال ~~سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت ، وذلك كأن تقول لمن تستعين به على لقاء ~~العدو : لا تأتنى إلا وأنت على حصان ، فأنت لا تنهاه عن الإتيان ولكنك ~~تنهاه عن خلاف الحال التي شرطت عليه في وقت الإتيان» (1). # وبعد أن أمرهم سبحانه بمداومة خشيته ، والاستمرار على دينه أتبع ذلك ~~بأمرهم بالاعتصام بدينه وبكتابه فقال تعالى ( @QUR@06 واعتصموا بحبل الله ~~جميعا ولا تفرقوا ). PageV02P198 # فهذه الآية الكريمة تأكيد لما اشتملت عليه سابقتها من مداومة التقوى ~~والطاعة الله رب العالمين. # والاعتصام : افتعال من عصم وهو طلب ما يعصم أى يمنع من السقوط والوقوع. # وأصل الحبل : ما يشد به للارتقاء أو التدلي أو للنجاة من غرق أو نحوه ، ~~أو للوصول إلى شيء معين. # والمراد بحبل الله هنا : دينه أو عهده ، أو كتابه ، لأن التمسك بهذه ~~الأشياء يوصل إلى النجاة والفلاح. # والمعنى : كونوا جميعا مستمسكين بكتاب الله وبدينه وبعهوده ، ولا تتفرقوا ~~كما كان شأنكم في الجاهلية بضرب بعضكم رقاب بعض ، بل عليكم أن تجتمعوا على ~~طاعة الله وأن تكونوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا. وبذلك تفوزون ~~وتسعدون وتنتصرون على أعدائكم. # ففي الجملة الكريمة استعارة تمثيلية حيث شبه سبحانه الحالة الحاصلة من ms0891 ~~تمسك المؤمنين بدينه وبكتابه وبعهوده وبوحدة كلمتهم ، بالحالة الحاصلة من ~~تمسك جماعة بحبل وثيق مأمون الانقطاع ألقى إليهم من منقذ لهم من غرق أو ~~سقوط أو نحوهما. # وإضافة الحبل إلى الله تعالى قرينة على هذا التمثيل. # وقوله ( @QUR@01 جميعا ) حال من ضمير الجماعة في قوله ( @QUR@01 واعتصموا ). # فالجملة الكريمة تأمر المسلمين جميعا أن يعتصموا بعهود الله وبدينه. ~~وبكتابه ، وأن يكونوا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد ~~بالسهر والحمى ، وأن ينبذوا التفرق والاختلاف الذي يؤدى إلى ضعفهم وفشلهم. # قال الفخر الرازي عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : واعلم أن كل من يمشى ~~على طريق دقيق يخاف أن ينزلق رجله ، فإنه إذا تمسك بحبل مشدود الطرفين ~~بجانبي ذلك الطريق أمن من الخوف. ولا شك أن طريق الحق طريق دقيق ، وقد ~~انزلقت أرجل كثير من الخلق عنه ، فمن اعتصم بدلائل الله وبيناته فإنه يأمن ~~من ذلك الخوف فكان المراد من الحبل هنا : كل شيء يمكن التوصل به إليه الحق ~~في طريق الدين ، وهو أنواع كثيرة فمنهم من قال المراد به عهد الله .. ومنهم ~~من قال المراد به القرآن ، فقد جاء في الحديث «هو حبل الله المتين» ومنهم ~~من قال المراد به طاعة الله .. وهذه الأقوال كلها متقاربة والتحقيق ما ~~ذكرنا من أنه لما كان النازل في البئر يعتصم بحبل تحرزا من السقوط فيها ~~وكان كتاب الله وعهده ودينه وطاعته وموافقته لجماعة PageV02P199 # المؤمنين حرزا لصاحبه من السقوط في جهنم ، جعل ذلك حبلا الله وأمروا ~~بالاعتصام به (1). ثم أمرهم سبحانه بتذكر نعم الله عليهم فقال : ( ~~@QUR@021 واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم ~~بنعمته إخوانا ، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ). # قوله ( @QUR@02 شفا حفرة ) الشفا طرف الشيء وحرفه مثل شفا البئر ، وشفا ~~الحفرة ومنه يقال : فلان أشفى على الشيء إذا أشرف عليه ، كأنه بلغ شفاه أى ~~حده وحرفه. # والمعنى : واذكروا أيها المؤمنون وتنبهوا بعقولكم وقلوبكم إلى نعمة الله ~~عليكم بتأليف نفوسكم ورأب صدوعكم ، فقد كنتم في الجاهلية أعداء ms0892 متقاتلين ~~متنازعين ، فألف بين قلوبكم بأخوة الإسلام فأصبحتم متحابين متناصحين ~~متوادين وكنتم على وشك الوقوع في النار بسبب اختلافكم وضلالكم فمن الله ~~عليكم وأنقذكم من التردي فيها بهدايتكم إلى الحق عن طريق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الذي أرسله ربه رحمة للعالمين. إذا فمن الواجب عليكم وفاء ~~لهذه النعم أن تشكروا الله عليها وأن تطيعوا رسولكم صلى الله عليه وسلم وأن ~~تتمسكوا بعرى المحبة والمودة والأخوة فيما بينكم. # قال ابن كثير : قوله تعالى ( @QUR@07 واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم ~~أعداء ).. إلخ. هذا السياق في شأن الأوس والخزرج ، فإنه كان بينهم حروب ~~كثيرة في الجاهلية وعداوة شديدة وضغائن وإحن طال بسببها قتالهم ، والوقائع ~~بينهم ، فلما جاء الله بالإسلام. فدخل فيه من دخل منهم ، صاروا إخوانا ~~متحابين بجلال الله ، متواصلين في ذات الله ، متعاونين على البر والتقوى ~~وكانوا على شفا حفرة من النار بسبب كفرهم فأنقذهم الله منها إذ هداهم ~~للإيمان وقد امتن عليهم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قسم غنائم حنين ~~، فعتب من عتب منهم بما فضل عليهم في القسمة بما رآه ، فخطبهم فقال يا معشر ~~الأنصار ، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي ، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي ~~، وعالة فأغناكم الله بي؟ فكانوا كلما قال شيئا قالوا : الله ورسوله أمن» (2). # وفي هذه الآية الكريمة تصوير بديع مؤثر لحالة المسلمين قبل الإسلام ~~وحالتهم بعد الإسلام. # فقد صور سبحانه حالهم وترديهم في الكفر والاختلاف والتقاتل قبل أن يدخلوا ~~في الإسلام بحال من يكون على حافة حفرة من النار يوشك أن يقع فيها. # وصور هدايته لهم إلى سبيل الحق والمحبة والإخاء بدخولهم في الإسلام عن ~~طريق محمد صلى الله عليه وسلم بحالة من يبعد غيره عن التردي في النار وينقذه ~~من الوقوع فيها. PageV02P200 # قال صاحب الكشاف : «والضمير المجرور في قوله ( @QUR@02 فأنقذكم منها ) ~~يعود للحفرة أو للنار أو للشفا ، وإنما أنث لإضافته إلى الحفرة فاكتسب ~~التأنيث من المضاف إليه كما قال : كما شرقت صدر القناة من الدم .. وشفا ~~الحفرة وشفتها : حرفها ms0893 بالتذكير والتأنيث. # فإن قلت : كيف جعلوا على حرف حفرة من النار؟ قلت : لو ماتوا على ما كانوا ~~عليه وقعوا في النار «فمثلت حياتهم التي يتوقع بعدها الوقوع في النار ~~بالقعود على حرفها ، مشفين أى مشرفين على الوقوع فيها» (1). # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@07 كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم ~~تهتدون ). # أى كهذا البيان الواضح الذي سمعتموه في هذه الآيات ، يبين الله لكم دائما ~~من آياته ودلائله وحججه ما يسعدكم في الدنيا والآخرة ، وما يأخذ بيدكم إلى ~~وسائل الهداية وأسبابها ، رجاء أن تكونوا ممن رضى الله عنهم وأرضاهم بسبب ~~اهتدائهم إلى الصراط المستقيم. # وبعد أن أمرهم سبحانه بتكميل أنفسهم عن طريق خشيته وتقواه والاعتصام ~~بدينه وبكتابه ، عقب ذلك بأمرهم بالعمل على تكميل غيرهم وإصلاح شأنه عن ~~طريق دعوته إلى الخير وإبعاده عن الشر فقال تعالى ( @QUR@011 ولتكن منكم ~~أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ). # الأمة : الجماعة التي تؤم وتقصد لأمر ما وتطلق على أتباع الأنبياء كما ~~تقول : نحن من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى الرجل الجامع للخير الذي ~~يقتدى به كقوله تعالى ( @QUR@07 إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ) (2) ~~. وعلى الدين والملة كقوله تعالى ( @QUR@05 إنا وجدنا آباءنا على أمة ) (3) ~~وعلى الحين والزمان كقوله تعالى : ( @QUR@07 وقال الذي نجا منهما وادكر بعد ~~أمة ) (4). # والمراد بالأمة هنا الطائفة من الناس التي تصلح لمباشرة الدعوة إلى الخير ~~والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. # والمراد بالخير ما فيه صلاح للناس ديني أو دنيوى. # والمراد بالمعروف ما حسنه الشرع وتعارف العقلاء على حسنه والمنكر ضد ذلك. # والمعنى : ولتكن منكم أيها المؤمنون طائفة قوية الإيمان عظيمة الإخلاص ، ~~تبذل أقصى PageV02P201 # طاقتها وجهدها في الدعوة إلى الخير الذي يصلح من شأن الناس ، وفي أمرهم ~~بالتمسك بالتعاليم وبالأخلاق التي توافق الكتاب والسنة والعقول السليمة ، ~~وفي نهيهم عن المنكر الذي يأباه شرع الله ، وتنفر منه الطباع الحسنة. # وقوله : ( @QUR@01 ولتكن ) صيغة وجوب من الله تعالى على كل من يصلح لمهمة ~~الدعوة إلى الخير ، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. # وتكن إما ms0894 من كان التامة أى : ولتوجد منكم أمة. فيكون قوله : ( @QUR@01 ~~أمة ) فاعلا لتكن وجملة ( @QUR@01 يدعون ) صفة لأمة ، و ( @QUR@01 منكم ) ~~متعلق بتكن. # وإما من كان الناقصة فيكون قوله : ( @QUR@01 أمة ) اسمها ، وجملة ( ~~@QUR@01 يدعون ) خبرها ، وقوله ( @QUR@01 منكم ) متعلق بكان الناقصة ، أو ~~بمحذوف وقع حالا من أمة. # ومن في قوله تعالى ( @QUR@03 ولتكن منكم أمة ) يرى أكثر العلماء أنها ~~للتبعيض. # أى : ليكن بعض منكم أمة أى طائفة تبذل جهدها في تبليغ رسالات الله وفي ~~دعوة الناس إلى الخير وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر. # وفي هذا التبعيض وتنكير أمة تنبيه على قلة العاملين بذلك وأنه لا يخاطب ~~به إلا الخواص. ومن هذا الأسلوب قوله تعالى : ( @QUR@07 اتقوا الله ولتنظر ~~نفس ما قدمت لغد ) (1) فقد وجه الخطاب إلى نفس منكرة تنبيها على قلة الناظر ~~في معاده. # وعلى هذا فكأن الآية الكريمة قد اشتملت على طلبين : # أحدهما : وجه إلى الأمة كلها يطالبها بأن تعد طائفة من بينها لهذه المهمة ~~السامية وهي دعوة الناس إلى الخير وأن تزود هذه الطائفة الصالحة لهذه ~~المهمة بكل ما يمكنها من أداء مهمتها. # وثانيهما : موجه إلى تلك الطائفة الصالحة لهذه المهمة ، بأن تخلص فيها ، ~~وتؤديها على الوجه الأكمل الذي يرضى الله تعالى ويرى بعض العلماء أن «من» ~~في قوله تعالى ( @QUR@03 ولتكن منكم أمة ) بيانية. # فيكون المعنى أن الأمة كلها عليها واجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ~~لا على سبيل الفرض الكفائى ، بل على سبيل الفرض العيني. # أى : لتكونوا أيها المؤمنون جميعا أمة تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف ~~وتنهى عن المنكر فمن هنا ليس المراد بها التبعيض على هذا الرأى بل المراد ~~بها البيان ، وذلك كقولك : لفلان من أولاده جند ، وللأمير من غلمانه عسكر ، ~~تريد بذلك جميع أولاده وغلمانه. PageV02P202 # ويبدو لنا أن الرأى الأول وهو أن «من» للتبعيض أقرب إلى الصواب ، لأن ~~الأمة كلها برجالها ونسائها وشبابها وشيوخها لا تصلح لهذه المهمة السامية ، ~~وإنما يصلح لها من يجيدها ويحسنها بأن تكون عنده القدرة العقلية ، والعلمية ~~، والنفسية ، والخلقية ، لأدائها. # ولذا قال صاحب الكشاف مرجحا أن «من» للتبعيض ms0895 : قوله : ( @QUR@03 ولتكن ~~منكم أمة ) من للتبعيض ، لأن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من فروض ~~الكفايات ، لأنه لا يصلح له إلا من علم المعروف والمنكر ، وعلم كيف يرتب ~~الأمر في إقامته وكيف يباشره فإن الجاهل ربما نهى عن معروف وأمر بمنكر ، ~~وربما عرف الحكم في مذهبه وجهله في مذهب صاحبه فنهاه عن غير منكر. وقد يغلظ ~~في موضع اللين ، ويلين في موضع الغلظة وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا ~~تماديا ، أو على من الإنكار عليه عبث. # وقيل «من» للتبيين ، بمعنى : وكونوا أمة تأمرون ، كقوله تعالى ( @QUR@010 ~~كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ) (1). # وقوله تعالى ( @QUR@05 ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) معطوف على ~~قوله : ( @QUR@03 يدعون إلى الخير ) من باب عطف الخاص على العام. # وفائدة هذا التخصيص ذكر الدعاء إلى الخير عاما ثم مفصلا على هذين الوجهين ~~وهما الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، لأنهما أشرف ألوان الدعوة إلى الخير. # وقوله : ( @QUR@03 يدعون إلى الخير ) المفعول فيه محذوف وكذلك في قوله : ~~( @QUR@01 يأمرون ) و ( @QUR@01 ينهون ) والتقدير يدعون الناس إلى الخير ~~ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر. # وحذف المفعول للإيذان بظهوره. أو للقصد إلى إيجاد نفس الفعل. أى يفعلون ~~الدعاء إلى الخير ، أو لقصد التعميم أى يدعون كل من تتأتى له الدعوة. # وقد ختم سبحانه الآية الكريمة بتبشير هؤلاء الداعين إلى الخير بالفلاح ~~فقال ( @QUR@03 وأولئك هم المفلحون ) والفلاح هو الظفر وإدراك البغية. # أى : وأولئك القائمون بواجب الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهى عن ~~المنكر هم الكاملون في الفلاح والنجاح ، ولا يمكن أن يفلح سواهم ممن لم يقم ~~بهذا الواجب الذي هو مناط عزة الجماعات والأفراد ، وأساس رفعتهم وقوتهم ~~وسعادتهم. # قال بعض العلماء : في الآية دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن ~~المنكر ووجوبه ثابت PageV02P203 # بالكتاب والسنة ، وهو من أعظم واجبات الشريعة المطهرة ، وأصل عظيم من ~~أصولها ، وركن مشيد من أركانها ، وبه يرتفع سنامها ويكمل نظامها. # وقال الإمام الغزالي : في هذه الآية بيان الإيجاب. فإن قوله : ( @QUR@01 ~~ولتكن ) أمر. وظاهر الأمر الإيجاب ، وفيها بيان أن الفلاح منوط ms0896 به. إذ حصر ~~وقال : ( @QUR@03 وأولئك هم المفلحون ) وفيها بيان أنه فرض كفاية لا فرض ~~عين وأنه إذا قام به البعض سقط الفرض عن الآخرين ، إذ لم يقل كونوا كلكم ~~آمرين بالمعروف ، بل قال : ( @QUR@03 ولتكن منكم أمة ) وإن تقاعد عنه الخلق ~~جميعا عم الإثم كافة القادرين عليه لا محالة (1). # هذا وقد وردت أحاديث متعددة في فضل الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف ~~والنهى عن المنكر ، وفي بيان العاقبة السيئة التي تترتب على ترك هذا الواجب ~~، ومن ذلك : # ما رواه مسلم والترمذي وابن ماجة والنسائي عن أبى سعيد الخدري قال : سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم ~~يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطيع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان. # وروى الترمذي عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ~~سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله. # وروى الشيخان عن جرير بن عبد الله قال : بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على ~~السمع والطاعة فلقننى فيما استطعت والنصح لكل مسلم. # وروى أبو داود والترمذي وابن ماجة والنسائي عن أبى بكر الصديق رضى الله ~~عنه قال : يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية : ( @QUR@012 يا أيها الذين ~~آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) وإنى سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك ~~أن يعمهم الله بعقاب من عنده» (2). # وبعد أن أمر الله تعالى بالمواظبة على الدعوة إلى الخير ، عقب ذلك بنهيهم ~~عن التفرق والاختلاف فقال : ( @QUR@010 ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا ~~من بعد ما جاءهم البينات ). # أى : ولا تكونوا أيها المؤمنون كأولئك اليهود والنصارى وغيرهم من الذين ~~تفرقوا شيعا وأحزابا ، وصار ( @QUR@05 كل حزب بما لديهم فرحون ) واختلفوا ~~فيما بينهم اختلافا شنيعا ، وقد ترتب على ذلك أن كفر بعضهم بعضا ، وقاتل ~~بعضهم بعضا ، وزعم كل فريق منهم أنه على الحق PageV02P204 # وغيره على الباطل ، وأنه هو وحده الذي ms0897 يستطيع أن يدرك ما في الكتب ~~السماوية من حقائق ، وهو وحده الذي يستطيع تفسيرها تفسيرا سليما. # ولقد كان تفرقهم هذا واختلافهم «من بعد ما جاءهم البينات» أى الآيات ~~والحجج والبراهين الدالة على الحق ، والداعية إلى الاتحاد والوثام لا إلى ~~التفرق والاختلاف. # وقوله : ( @QUR@04 ولا تكونوا كالذين تفرقوا ) معطوف على قوله ( @QUR@04 ~~ولتكن منكم أمة يدعون ) ويرجع إلى قوله من قبل ( @QUR@06 واعتصموا بحبل ~~الله جميعا ولا تفرقوا ) لما فيه من تمثيل حال التفرق في أبشع صوره ~~المعروفة لديهم من مطالعة أحوال اليهود وفيه إشارة إلى أن ترك الأمر ~~بالمعروف والنهى عن المنكر يفضى إلى التفرق والاختلاف إذ يترتب على هذا ~~الترك أن تكثر المنازعات والأهواء والمظالم ، وتنشق الأمة بسبب ذلك انشقاقا شديدا. # والمقصود بهذا النهى إنما هو التفرق والاختلاف في أصول الدين وأسسه ، أما ~~الفروع التي لا يصادم الخلاف فيها نصا صحيحا من نصوص الدين فلا تندرج تحت ~~هذا النهى ، فنحن نرى أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين من بعدهم ~~قد اختلفوا فيما بينهم في بعض المسائل التي لا تخالف نصا صحيحا من نصوص ~~الشريعة وتأولها كل واحد أو كل فريق منهم على حسب فهمه الذي أداه إليه ~~اجتهاده. # ومن الأحاديث التي ذمت الاختلاف في الدين ما رواه أبو داود والإمام أحمد ~~عن أبى عامر عبد الله بن يحيى قال : «حججنا مع معاوية بن أبى سفيان ، فلما ~~قدمنا مكة قام حين صلى الظهر فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن ~~أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة ، وإن هذه الأمة ~~ستفترق على ثلاث وسبعين ملة يعنى الأهواء كلها في النار إلا واحدة وهي ~~الجماعة وأنه سيخرج في أمتى أقوام تجارى بهم تلك الأهواء ، كما يتجارى ~~الكلب بصاحبه. لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله ، والله يا معشر العرب ~~لئن لم تقوموا بما جاءكم به نبيكم صلى الله عليه وسلم لغيركم من الناس أحرى أن ~~لا يقوم به» (1). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة ببيان سوء عاقبة ms0898 المتفرقين ، والمختلفين في ~~الحق فقال ( @QUR@04 وأولئك لهم عذاب عظيم ) أى وأولئك الموصوفون بتلك ~~الصفات الذميمة لهم عذاب عظيم بسبب تفرقهم واختلافهم الباطل. # فأنت ترى أن القرآن الكريم قد نهى المؤمنين عن التفرق والاختلاف بأبلغ ~~تعبير وألطف إشارة ، وذلك بأن بين لهم حسن عاقبة المعتصمين بحبل الله دون ~~أن يتفرقوا ، وما بشر به PageV02P205 # سبحانه المواظبين على الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ~~من أنهم هم المفلحون الفائزون. # ثم بين لهم بعد ذلك سوء عاقبة التفرقة والاختلاف الذي وقع فيه من سبقهم ~~من اليهود والنصارى وكيف أنه ترتب على تفرقهم واختلافهم أن كفر بعضهم بعضا. ~~وقاتل بعضهم بعضا ، ورمى بعضهم بعضا بالزيغ والضلال. # هذا في الدنيا ، أما في الآخرة فلهؤلاء المتفرقين والمختلفين العذاب ~~العظيم من الله تعالى فالقرآن قد أتى بالأوامر ومعها الأسباب التي تدعو إلى ~~الاستجابة لها ، وأتى بالنواهى ومعها كذلك الأسباب التي تحمل على البعد عنها. # وبذلك تكون الآيات الكريمة قد بينت مسلكا من مسالك اليهود الخبيثة لكيد ~~الإسلام والمسلمين ، ووبختهم على ذلك توبيخا موجعا ، وفضحتهم على مر العصور ~~والدهور ، وحذرت المؤمنين من شرورهم ، وأرشدتهم إلى ما يعصمهم من كيدهم. ~~وذكرتهم بنعم الله الجليلة عليهم ، وأمرتهم بالمواظبة على الدعوة إلى ~~الخير. ونهتهم عن التفرق والاختلاف لكي يسعدوا في دينهم ودنياهم. # ثم حذر الله تعالى الناس من أهوال يوم القيامة ، وأمرهم بأن يتسلحوا ~~بالإيمان وبالعمل الصالح حتى ينجوا من عذابه فقال : # ( @QUR@017 يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد ~~إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (106) @QUR@010 وأما الذين ابيضت ~~وجوههم ففي رحمت الله هم فيها خالدون (107) @QUR@011 تلك آيات الله نتلوها ~~عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين (108) @QUR@011 ولله ما في ~~السماوات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور ) (109) # قوله تعالى ( @QUR@05 يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ): بياض الوجوه وسوادها ~~محمولان على PageV02P206 # الحقيقة عند جمهور العلماء. وذلك لأن اللفظ حقيقة فيهما ، ولا دليل يوجب ~~ترك هذه الحقيقة فوجب الحمل على ذلك. # قال الآلوسى : قال بعضهم يوسم أهل الحق ببياض ms0899 الوجه وإشراق البشرة تشريفا ~~لهم وإظهارا لآثار أعمالهم في ذلك الجمع. ويوسم أهل الباطل بضد ذلك. # والظاهر أن الابيضاض والاسوداد يكونان لجميع الجسد إلا أنهما أسندا ~~للوجوه ؛ لأن الوجه أول ما يلقاك من الشخص وتراه ، وهو أشرف أعضائه واختلف ~~في وقت ذلك فقيل : وقت البعث من القبور وقيل وقت قراءة الصحف» (1). # ويرى بعض العلماء أن بياض الوجوه هنا المراد منه لازمه وهو الفرح والسرور ~~، كما أن سوادها المراد منه لازمه أيضا وهو الحزن والغم وعليه يكون التعبير ~~القرآنى محمولا على المجاز لا على الحقيقة. # قال الفخر الرازي ما ملخصه : وهذا مجاز مشهور قال تعالى ( @QUR@09 وإذا ~~بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم ) ويقال : لفلان عندي يد بيضاء ~~وتقول العرب لمن نال بغيته وفاز بمطلوبه : ابيض وجهه ومعناه الاستبشار ~~والتهلل ... ويقال لمن وصل إليه مكروه : اربد وجهه واغبر لونه وتبدلت صورته ~~.. وعلى هذا فمعنى الآية : أن المؤمن يرد يوم القيامة على ما قدمت يداه ، ~~فإن رأى ما يسره ابيض وجهه بمعنى أنه استبشر بنعم الله وفضله ، وعلى ضد ذلك ~~إذا رأى الكافر أعماله القبيحة محصاة عليه اسود وجهه بمعنى أنه يشتد حزنه ~~وغمه» (2). # والظرف «يوم» في قوله ( @QUR@02 يوم تبيض ) إلخ منصوب على أنه مفعول به ~~بفعل محذوف والتقدير : اذكر يوم تبيض وجوه وتسود وجوه والمراد الاعتبار ~~والاتعاظ ويجوز أن يكون العامل فيه قوله ( @QUR@01 عظيم ) في قوله قبل ذلك ~~( @QUR@04 وأولئك لهم عذاب عظيم ). أى أولئك الذين تفرقوا واختلفوا من بعد ~~ما جاءهم البينات لهم عذاب في هذا اليوم الهائل الشديد الذي تبيض فيه وجوه ~~المؤمنين وتسود فيه وجوه الكافرين والفاسقين. # وفي وصف هذا اليوم بأنه تبيض فيه وجوه وتسود فيه وجوه تهويل لأمره. ~~وتعظيم لشأنه وتشويق لما يرد بعد ذلك من تفصيل أصحاب الوجوه المبيضة وأصحاب ~~الوجوه المسودة ، وترغيب للمؤمنين في الإكثار من التزود بالعمل الصالح ~~وترهيب للكافرين من التمادي في كفرهم وضلالهم. PageV02P207 # والتنكير في قوله ( @QUR@01 وجوه ) للتكثير. أى تبيض وجوه عدد كثير من ~~المؤمنين وتسود وجوه كثيرة للكافرين. # وشبيه بهذه ms0900 الآية قوله تعالى ( @QUR@09 ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على ~~الله وجوههم مسودة ) (1) وقوله تعالى ( @QUR@014 وجوه يومئذ ناضرة* إلى ~~ربها ناظرة* ووجوه يومئذ باسرة* تظن أن يفعل بها فاقرة ) (2). # قال صاحب الكشاف : «البياض من النور والسواد من الظلمة. فمن كان من أهل ~~نور الحق وسم ببياض اللون وإسفاره وإشراقه وابيضت صحيفته ، وأشرقت ، وسعى ~~النور بين يديه وبيمينه. ومن كان من أهل ظلمة الباطل وسم بسواد اللون ~~وكسوفه وكمده ، واسودت صحيفته وأظلمت وأحاطت به الظلمة من كل جانب. نعوذ ~~بالله وبسعة رحمته من ظلمة الباطل وأهله» (3). # ثم بين سبحانه حال الذين اسودت وجوههم وسوء عاقبتهم فقال : ( @QUR@04 ~~فأما الذين اسودت وجوههم ) بسبب كفرهم وأعمالهم القبيحة فيقال لهم ( ~~@QUR@03 أكفرتم بعد إيمانكم ) وحذف هذا القول المقدر والذي هو جواب أما ~~لدلالة الكلام عليه ، ومثله كثير في القرآن الكريم ، ومن ذلك قوله تعالى ( ~~@QUR@011 ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا ) ~~(4). أى قائلين ربنا أبصرنا وسمعنا وقوله تعالى ( @QUR@08 والملائكة ~~يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم ) (5). أى قائلين لهم : سلام عليكم. # والاستفهام في قوله : ( @QUR@01 أكفرتم ) للتوبيخ والتعجب من حالهم. # قال الآلوسى والظاهر من السياق أن هؤلاء هم أهل الكتاب وكفرهم بعد ~~إيمانهم ، هو كفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الإيمان به قبل مبعثه. ~~وقيل هم جميع الكفار لإعراضهم عما وجب عليهم من الإقرار بالتوحيد حين ~~أشهدهم على أنفسهم ( @QUR@04 ألست بربكم؟ قالوا بلى ) ويحتمل أن يراد ~~بالإيمان الإيمان بالقوة والفطرة ، وكفر جميع الكفار كان بعد هذا الإيمان ؛ ~~لتمكنهم بالنظر الصحيح والدلائل الواضحة والآيات البينة من الإيمان بالله ~~تعالى ، وبرسوله صلى الله عليه وسلم » (6). # وقوله ( @QUR@05 فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) أى فادخلوا جهنم وذوقوا ~~مرارة العذاب وآلامه بسبب استمراركم على الكفر وموتكم عليه. PageV02P208 # والأمر في قوله ( @QUR@01 فذوقوا ) للإهانة والإذلال ، وهو من باب ~~الاستعارة في ( @QUR@01 فذوقوا ) استعارة تبعية تخييلية. وفي العذاب ~~استعارة مكنية : حيث شبه العذاب بشيء يدرك بحاسة الأكل والذوق تصويرا له ~~بصورة ما يذاق ، وأثبت له الذوق تخييلا وهو قرينة المكنية. # وأل ms0901 في العذاب للعهد أى فذوقوا العذاب المعهود الموصوف بالعظم ، والذي ~~سبق أن حذركم الله تعالى منه ، ولكنكم لم تعيروا التحذير انتباها ، بل ~~تماديتم في كفركم وضلالكم حتى أدرككم الموت وأنتم على هذه الحال الشنيعة. # ثم بين سبحانه حال الذين ابيضت وجوههم وحسن عاقبتهم فقال : ( @QUR@04 ~~وأما الذين ابيضت وجوههم ) ببركة إيمانهم وعملهم الصالح ( @QUR@03 ففي رحمت ~~الله ) أى ففي جنته. والتعبير عن الجنة بالرحمة من باب التعبير بالحال عن ~~المحل فتكون الظرفية حقيقة. وإذا أريد برحمة الله ثوابه وجزاؤه تكون ~~الظرفية مجازية. # وفي التعبير عن الجنة بالرحمة إشعار بأن دخولها إنما هو بمحض فضل الله ~~تعالى فهو سبحانه المالك لكل شيء ، والخالق لكل شيء. # وقوله ( @QUR@03 هم فيها خالدون ) بيان لما خصهم الله تعالى من خلود في ~~هذا النعيم الذي لا يحد بحد ، ولا يرسم برسم ، ولا تبلغ العقول مداه. أى هم ~~في الرحمة باقون دائمون فقد أعطاهم الله تعالى عطاء غير مجذوذ. # وقد بدأ سبحانه كلامه عن الفريقين بالذين ابيضت وجوههم ثم قدم الحديث عن ~~حال الذين اسودت وجوههم على الذين ابيضت وجوههم ، ليكون ابتداء الكلام ~~واختتامه عن هؤلاء السعداء بما يسر القلب ويشرح الصدر ويغرى الناس بالتمسك ~~بعرى الإيمان وبالإكثار من العمل الصالح الذي يوصلهم إلى رحمة الله ورضاه. # ووصف سبحانه الذين ابيضت وجوههم بأنهم خالدون في رحمته ، ولم يصف الذين ~~اسودت وجوههم بالخلود في العذاب للتصريح في غير هذا الموضع بخلودهم في هذا ~~العذاب كما في قوله تعالى ( @QUR@016 إن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية ) (1). وللإشعار ~~بأن باب رحمته سبحانه مفتوح أمام هؤلاء الضالين فعليهم أن يثوبوا إلى رشدهم ~~، وأن يقلعوا عن الكفر إلى الإيمان والعمل الصالح حتى ينجوا من عذاب الله ~~وسخطه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه. # وبعد أن أفاض سبحانه في الحديث عن أحوال السعداء وأحوال الأشقياء وعن رذائل PageV02P209 # الكافرين من أهل الكتاب وغيرهم ممن أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ~~وبعد أن ساق سبحانه من التوجيهات الحكيمة ms0902 ، والإرشادات النافعة ما يشفى ~~الصدور ويهدى النفوس ، بعد كل ذلك ، خاطب سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم ~~بقوله : # ( @QUR@011 تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق ، وما الله يريد ظلما ~~للعالمين ). # والمراد بالآيات ما سبق ذكره في هذه السورة وغيرها من آيات قرآنية تهدى ~~إلى الرشد وتشهد بوحدانية الله تعالى وبصدق رسوله صلى الله عليه وسلم فيما ~~يبلغه عنه. # وكانت الإشارة بتلك الدالة على البعد للإشعار بعلو شأن هذه الآيات وسمو ~~منزلتها وعظم قدرها. # ومعنى ( @QUR@01 نتلوها ) نقرؤها عليك يا محمد شيئا فشيئا قراءة واضحة ~~جلية لتبلغها للناس على مكث وتدبر وروية. # وأسند سبحانه التلاوة إليه مع أن التالي في الحقيقة جبريل عليه السلام ~~للتنبيه على شرف هذه الآيات المتلوة ، ولأن تلاوة جبريل إنما هي بأمر منه ~~سبحانه . # وقال سبحانه ( @QUR@04 تلك آيات الله نتلوها ) فأظهر لفظ الجلالة ولم يقل ~~تلك آياتنا نتلوها ، ليكون التصريح باسمه سبحانه مربيا في النفوس المهابة ~~والإجلال له ، إذ هو المستحق وحده لوصف الألوهية فلا إله سواه ولا معبود ~~بحق غيره ، وهو ذو الجلال والإكرام ، وهو المنشئ الموجد لهذا الكون وما فيه ~~ومن فيه. # فالتصريح باسمه تعالى يزيد البيان جلالا ويبعث في النفوس الخشية ~~والمراقبة والبعد عما يوجب العقاب والإقبال على ما يوصل إلى الثواب. # وقوله ( @QUR@01 بالحق ) في موضع الحال المؤكدة من الفاعلي أو المفعول. # أى نتلوها عليك متلبسة بالحق أو متلبسين بالصدق أو العدل في كل ما دلت ~~عليه هذه الآيات ونطقت به ، مما لا تختلف فيه العقول السليمة ، والمدارك ~~القويمة. # وقوله تعالى ( @QUR@05 وما الله يريد ظلما للعالمين ) نفى للظلم بأبلغ ~~وجه فإنه سبحانه لم ينف فقط الظلم عن ذاته بل نفى عن ذاته إرادة الظلم إذ ~~هو أمر لا يليق به سبحانه ولا يتصور وقوعه منه. # وكيف يريد الظلم من منح هذا العالم كله الوجود ، وخلق هذا الكون برحمة ~~وقدرته وعدله؟ # والظلم كما يقول الراغب وضع الشيء في غير موضعه المختص به إما بزيادة أو ~~بنقصان وإما بعدول عن وقته ومكانه ، ومن هذا يقال : ظلمت السقاء إذا ms0903 ~~تناولته في غير وقته ، PageV02P210 # وظلمت الأرض إذا حفرتها ولم تكن موضعا للحفر. # قال بعض الحكماء : الظلم ثلاثة أنواع : # الأول : ظلم بين الإنسان وبين الله تعالى وأعظمه الكفر والشرك والنفاق ~~وإياه قصد سبحانه بقوله : ( @QUR@04 إن الشرك لظلم عظيم ). # والثاني : ظلم بينه وبين الناس وإياه قصد بقوله : ( @QUR@06 إنما السبيل ~~على الذين يظلمون الناس ). # والثالث : ظلم بينه وبين نفسه وإياه قصد بقوله : ( @QUR@03 فمنهم ظالم ~~لنفسه ) (1) والظلم الذي نفى إرادته سبحانه عن ذاته عام لا يخص نوعا دون ~~نوع ، إذ من المعروف عند علماء اللغة أن النكرة في سياق النفي تعم ، وهنا ~~جاء لفظ الظلم منكرا في سياق النفي وهو ما. # قال الجمل واللام في قوله ( @QUR@01 للعالمين ) زائدة لا تعلق لها بشيء ~~زيدت في مفعول المصدر وهو «ظلم» والفاعلي محذوف. وهو في التقدير ضمير ~~البارئ سبحانه والمعنى ما الله يريد أن يظلم العالمين ، فزيدت اللام تقوية ~~للعامل كقوله ( @QUR@03 فعال لما يريد ) (2). # ثم بين سبحانه بعد ذلك أنه هو المالك لكل شيء وأنه هو وحده الذي إليه ~~تصير الأمور فقال : ( @QUR@07 ولله ما في السماوات وما في الأرض ) أى له ~~سبحانه وحده ما فيهما من المخلوقات ملكا وخلقا وتدبيرا وتصرفا وإحياء ~~وإماتة وإثابة وتعذيبا. # ( @QUR@04 وإلى الله ترجع الأمور ) أى إلى حكمه وفضائه تعود أمور الناس ~~وشئونهم فيجازى الذين أساؤوا بما عملوا ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى ، لأنه ~~سبحانه منه المبدأ وإليه المآب فيجازى كل إنسان على حسب اعتقاده وعمله بدون ~~ظلم أو محاباة. # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد حذرت الناس من أهوال يوم القيامة ~~الذي تبيض فيه وجوه وتسود وجوه وبينت الأسباب التي أدت إلى فوز من فاز وإلى ~~شقاء من شقي ، ونوهت بشأن الآيات التي أنزلها الله تعالى على نبيه ~~صلى الله عليه وسلم لتكون هداية للناس وصرحت بأن الله تعالى هو الخالق لكل شيء ~~وإليه مرجع الأمور ومصيرها فيجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب. # وبعد أن أمر الله تعالى المؤمنين بالدعوة إلى الخير ونهاهم عن التفرق ~~والاختلاف المفضى إلى العذاب ms0904 العظيم يوم القيامة ، وبين لهم أن مصير الأمور ~~إليه بعد كل ذلك ساق لهم ما يقوى إيمانهم ويثبت يقينهم ، بأن بشرهم بحسن ~~العقبى متى استقاموا على أمره ، وأمروا بالمعروف PageV02P211 # ونهوا عن المنكر ، وأنذر الكافرين من أهل الكتاب بالهزيمة في الدنيا ، ~~وبغضب الله تعالى في الآخرة فقال تعالى : # ( @QUR@023 كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ~~وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم ~~الفاسقون (110) @QUR@011 لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم ~~لا ينصرون (111) @QUR@035 ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله ~~وحبل من الناس وباؤ بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا ~~يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ) (112) # وقوله تعالى ( @QUR@01 كنتم ) يصح أن تكون من كان التامة التي بمعنى وجد ~~وهي لا تحتاج إلى خبر فيكون المعنى وجدتم خير أمة أخرجت للناس ، ويكون قوله ~~( @QUR@02 خير أمة ) بمعنى الحال. وبهذا الرأى قال جمع من المفسرين. # ويصح أن تكون من كان الناقصة التي هي كما يقول الزمخشري عبارة عن وجود ~~الشيء في زمان ماض على سبيل الإبهام وليس فيه دليل على عدم سابق ولا على ~~انقطاع طارئ فيكون المعنى : قدرتم في علم الله تعالى خير أمة أخرجت للناس. # ويجوز أن تكون بمعنى صار. أى تحولتم يا معشر المؤمنين الذين عاصرتم النبي ~~صلى الله عليه وسلم من جاهليتكم إلى أن صرتم خير أمة. # وقيل : إن «كان» هنا زائدة ، والتقدير : أنتم خير أمة. ورد هذا القول بأن ~~كان لا تزاد في أول الكلام. PageV02P212 # والظاهر أن الرأى الأول الذي يقول إن ( @QUR@01 كنتم ) هنا من كان التامة ~~هو أقرب الأقوال إلى الصواب «ويليه الرأى الثاني الذي يرى أصحابه أن «كنتم» ~~هنا من «كان» الناقصة إلا أنها هنا تدل على تحقق شيء بصفة في الزمان الماضي ~~من غير دلالة على عدم سابق أو لا حق. # والخطاب في هذه الآية الكريمة بقوله تعالى ( @QUR@01 كنتم ) للمؤمنين ~~الذين عاصروا النبي صلى الله ms0905 عليه وسلم ولمن أتى بعدهم واتبع تعاليم الإسلام ~~إلى يوم الدين. # ولذا قال ابن كثير : والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة. كل قرن ~~بحسبه ، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الذين ~~يلونهم ، كما قال سبحانه في الآية الأخرى ( @QUR@012 وكذلك جعلناكم أمة ~~وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ). # وقد وردت أحاديث متعددة في فضل هذه الأمة الإسلامية ، منها : ما جاء في ~~مسند الإمام أحمد وفي سنن الترمذي وابن ماجة من رواية حكيم بن معاوية بن ~~حيدة عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنتم توفون سبعين أمة ~~أنتم خيرها وأكرمها على الله تعالى » (1). # والمعنى : وجدتم يا معشر المسلمين العاملين بتعاليم الإسلام وآدابه وسنته ~~وشريعته خير أمة أخرجت وأظهرت للناس ، من أجل إعلاء كلمة الحق وإزهاق كلمة ~~الباطل ، ونشر الإصلاح والنفع في الأرض. # وقوله ( @QUR@02 خير أمة ) خبر كنتم على أنها من كان الناقصة. # وجملة ( @QUR@01 أخرجت ) صفة لأمة ، وقوله ( @QUR@01 للناس ) متعلق ~~بأخرجت ، وحذف الفاعلي من ( @QUR@01 أخرجت ) للعلم به أى : خرجها الله ~~تعالى لنفع الناس وهدايتهم إلى الصراط المستقيم. # فالجملة الكريمة تنوه بشأن الأمة الإسلامية وتعلى من قدرها ، فهل تعى ~~الأمة الإسلامية هذا التنويه من شأنها وذلك الإعلاء من قدرها فتقوم بدورها ~~الذي اختاره الله لها ، وهو نشر كلمة التوحيد في الأرض وإحقاق الحق وإبطال ~~الباطل شكرا الله تعالى على جعله إياها خير أمة أخرجت للناس؟؟. # إن واقع المسلمين المليء بالضعف والهوان ، والفسوق والعصيان يدمى قلوب ~~المؤمنين الصادقين ، ويحملهم على أن يبلغوا رسالات الله دون أن يخشوا أحدا ~~سواه حتى تكون كلمته هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى. PageV02P213 # ثم بين سبحانه الأسباب التي جعلت الأمة الإسلامية خير أمة أخرجت للناس ~~فقال : ( @QUR@07 تأمرون بالمعروف ، وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ). # والمعروف : هو كل قول أو عمل حسنه الشرع ، وأيدته العقول السليمة ، ~~والمنكر بعكسه. # والمعنى : وجدتم خير أمة أخرجت للناس ، لأنكم تأمرون بالمعروف أى بالقول ~~أو الفعل الجميل المستحسن في الشرائع والعقول. ms0906 ( @QUR@03 وتنهون عن المنكر ~~) أى كل قول أو فعل قبيح تستنكره الشرائع ويأباه أهل الإيمان القويم ، ~~والعقل السليم. # و ( @QUR@01 تؤمنون ) بالله أى تصدقون وتذعنون بأنه لا معبود بحق سواه ، ~~وتخلصون له العبادة والخضوع ، وتطيعونه في كل ما أمركم به أو نهاكم عنه على ~~لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم . # فأنت ترى أن الخيرية للأمة الإسلامية منوطة بتحقيق أصلين أساسيين : # أولهما : الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لأنهما سياج الدين ، ولا يمكن ~~أن يتحقق بنيان أمة على الخير والفضيلة إلا بالقيام بهما ، فهما من الأسباب ~~التي استحق بنو إسرائيل اللعنة من أجل تركهما ، فقد أخرج أبو داود في سننه ~~عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن أول ما ~~دخل النقص على بنى إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول له : يا هذا اتق ~~الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ، ثم يلقاه من الغد على حاله فلا يمنعه ~~ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده ، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ~~ببعض ثم قال صلى الله عليه وسلم ( @QUR@027 لعن الذين كفروا من بني إسرائيل ~~على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا ~~يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ) ثم قال : «كلا والله لتأمرون ~~بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذون على يد الظالم ، ولتأطرنه على الحق ~~أطرا ولتحملنه على اتباع الحق حملا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ، ~~ثم ليلعنكم كما لعنهم». # وثانيهما : الإيمان بالله تعالى وبجميع ما أمره الله تعالى بالإيمان به. # هذان هما الأمران اللذان يجب أن يتحققا لتكون هذه الأمة الإسلامية خير ~~أمة أخرجت للناس لأن الأمة التي تهمل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ولا ~~تؤمن بالله لا يمكن أن تكون خير أمة بل لا توصف بالخيرية قط ، لأنه لا خير ~~إلا في الفضائل والحق والعدل ، ولا تقوم هذه الأمور إلا مع وجود الإيمان ~~بالله وكثرة الدعاة إلى الخير والناهين عن الشر ، ويكون لدعوتهم آثارها ms0907 ~~القوية التي تحيا معها الفضائل وتزول بها الرذائل. PageV02P214 # وكأنه سبحانه قد أخر «الإيمان بالله» عن «الأمر بالمعروف والنهى عن ~~المنكر» ليكون كالباعث عليهما لأنه لا يصبر على تكاليفهما ومتاعبهما إلا ~~مؤمن يبتغى وجه الله ويركن في كفاحه إليه. فهذا الإيمان بالله هو الباعث ~~للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، على أن يبلغوا رسالات الله ، دون أن ~~يخشوا أحدا سواه. # وقيل : إنما أخر الإيمان على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مع تقدمه ~~عليهما وجودا ورتبة كما هو الظاهر ، لأن الإيمان مشترك بين جميع الأمم دون ~~الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، فهما أظهر في الدلالة على الخيرية للأمة ~~الإسلامية. # وجملة ( @QUR@05 تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ) يجوز أن تكون حالية ~~من ضمير الخطاب في ( @QUR@01 كنتم ) ويجوز أن تكون مستأنفة للتعليل ، وهذا ~~ما ذهب إليه الفخر الرازي ، فقد قال : # «واعلم أن هذا كلام مستأنف والمقصود منه بيان علة تلك الخيرية ، كما ~~تقول. زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بما يصلحهم ، وتحقيق الكلام أنه ~~ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم مقرونا بالوصف المناسب له يدل على كون ذلك ~~الحكم معللا بذلك الوصف فههنا حكم الله بثبوت وصف الخيرية لهذه الأمة. ثم ~~ذكر عقيب هذا الحكم هذه الطاعات أعنى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ~~والإيمان ، فوجب كون تلك الخيرية معللة بهذه العبارات (1). # وقال الإمام ابن كثير بعد أن ساق بضعة عشر حديثا في فضل هذه الأمة : فهذه ~~الأحاديث في معنى قوله تعالى ( @QUR@012 كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) فمن اتصف من هذه الأمة بهذه ~~الصفات دخل معهم في هذا المدح ، كما قال قتادة ، بلغنا أن عمر بن الخطاب ~~رأى من الناس دعة في حجة حجها فقرأ هذه الآية. ( @QUR@05 كنتم خير أمة ~~أخرجت للناس )، ثم قال : من سره أن يكون من هذه الأمة فليؤد شرط الله ~~فيها» ، رواه ابن جرير ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله ~~بقوله : ( @QUR@06 كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ) الآية (2). # وبعد أن مدح ms0908 سبحانه هذه الأمة على هذه الصفات شرع في ذم أهل الكتاب ~~وتأنيبهم فقال تعالى : ( @QUR@04 ولو آمن أهل الكتاب ) أى بما أنزل على ~~محمد صلى الله عليه وسلم ( @QUR@03 لكان خيرا لهم ) أى لكان إيمانهم خيرا لهم ~~في دنياهم وآخرتهم ولنالوا الخيرية التي ظفرت بها الأمة الإسلامية ولكنهم PageV02P215 # لم يؤمنوا فامتنع الخير فيهم لامتناع الإيمان الصحيح منهم ، ولإيثارهم ~~الضلالة على الهداية فهذه الجملة الكريمة معطوفة على قوله تعالى ( @QUR@03 ~~كنتم خير أمة ).. ومرتبطة بها. # ولم يذكر متعلق ( @QUR@01 آمن ) هنا لأن المراد لو اتصفوا بالإيمان الذي ~~هو لقب وشعار للإيمان بدين الإسلام الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو ~~الذي منه أطلقت صفة الذين آمنوا على المسلمين فصار كالعلم بالغلبة. # وقال سبحانه ( @QUR@03 لكان خيرا لهم ) أى : لو آمنوا لكان إيمانهم خيرا ~~لهم بدون تفصيل لهذه الخيرية لتذهب نفوسهم كل مذهب في الرجاء والإشفاق. # ثم أخبر سبحانه بأن قلة من أهل الكتاب اختاروا الإيمان على الكفر فقال ~~تعالى ( @QUR@04 منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ). # أى : من أهل الكتاب أمة آمنت بالله وصدقت رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم ~~واتبعت ما جاء به من الحق وأكثرهم معرضون عن الإيمان بالله وبرسوله ~~صلى الله عليه وسلم وخارجون عن الطريق المستقيم الذي أمرت باتباعه الشرائع ~~والعقول السليمة. # فالجملة الكريمة إنصاف للقلة المؤمنة التي آمنت من أهل الكتاب كعبد الله ~~بن سلام وغيره ممن دخل في الإسلام. وذم لأكثر أهل الكتاب الذين جحدوا الحق. ~~وخرجوا عن الطريق القويم. # وقوله ( @QUR@04 منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ) جملة مستأنفة استئنافا ~~بيانيا ، فهي جواب للجملة الشرطية التي قبلها. فكأنه قيل : هل منهم من آمن ~~أو كلهم على الكفر؟ فكان الجواب : منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون. # وعبر عن كفرهم بالفسق ، للإشعار بأنهم قد فسقوا في دينهم أيضا فهم ليسوا ~~عدولا فيه ، وبذلك يكونون قد خرجوا عن الإسلام وعما أوجبته عليهم كتبهم من ~~الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم . # ثم بشر الله تعالى المؤمنين ، بأن هذه الكثرة الفاسقة من أهل الكتاب التي ~~عتت عن أمر ربها وناصبت ms0909 المؤمنين العداء ، لن تضرهم ضررا بليغا له أثر ~~مادام أهل الإيمان مستمسكين بدينهم ومنفذين لتعاليمه وآدابه ، فقال سبحانه ~~( @QUR@04 لن يضروكم إلا أذى ) أى «لن يضركم أهل الكتاب يا معشر المؤمنين ~~إلا ضررا يسيرا ، كأن يؤذوكم بألسنتهم ويلقوا الشبه بينكم ليصدوا من ضعف ~~إيمانه عن الحق ، وفي هذا تثبيت للمؤمنين ، وطمأنينة لقلوبهم ، إذ الضرر ~~الذي يصيب الأمة الإسلامية من أعدائها على قسمين : PageV02P216 # أولهما : ضرر يؤدى إلى هدم كيان الأمة ، وإضعاف قوتها وإهدار كرامتها ~~وجعل أمورها في أيدى أعدائها تصرفها كيف تشاء. # وثانيهما : ضرر لا يؤثر في كيان الأمة ، ولا يؤدى إلى اضمحلال قوتها ~~كالأذى بالقول ، أو محاولة التأثير في ضعاف الإيمان. # وقد نفى سبحانه أن يلحق المؤمنين ضرر يأتى على كيانهم من جهة أهل الكتاب ~~فقال : ( @QUR@04 لن يضروكم إلا أذى ) فأوقع الفعل المضارع في حيز لن ~~المفيدة للنفي للإشارة إلى أن ذلك لا يكون في المستقبل. # ولكن هذا النفي لهذا النوع من الضرر مشروط بمحافظة الأمة الإسلامية على ~~الأصلين السابقين وهما «الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والإيمان بالله». # فإذا أرادت أمة الإسلام ألا تصاب من جهة أهل الكتاب بما يأتى على كيانها ~~، فعليا أن تخلص العبادة لربها ، وأن تعمل بسنة نبيها ، وأن تتقيد بأحكام ~~كتابها ، وأن تباشر الأسباب التي شرعها خالقها للنصر على أعدائها. # أما إذا تركت أمة الإسلام ما أمرها الله تعالى به وتجاوزت ما نهاها عنه ~~فإنها في هذه الحالة قد تصاب من أعدائها بما يؤثر في كيانها وتكون هي ~~الجانية على نفسها بمخالفتها لأوامر الله ونواهيه. # هذا ، وأكثر العلماء على أن الاستثناء في قوله ( @QUR@04 لن يضروكم إلا ~~أذى ) متصل وأنه استثناء مفرغ من المصدر العام كأنه قيل : لن يضروكم ضررا ~~ألبتة إلا ضرر أذى لا يبالى به من كلمة سوء ونحوها. # وقيل هو استثناء منقطع لأن الأذى ليس من الضرر : أى لن يضروكم بقتال ~~وغلبة لكن بكلمة أذى ونحوها. # ورجح الأول ، لأن الكلام إذا أمكن حمله على الاستثناء الحقيقي لم يجز ~~صرفه عن ذلك إلى الاستثناء المنقطع وهنا ms0910 الأذى مهما قل هو نوع من الضرر وإن ~~لم يترك أثرا. # ثم بشر الله تعالى المؤمنين ببشارة أخرى فقال : ( @QUR@07 وإن يقاتلوكم ~~يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ). # تولية الأدبار : كناية عن الهزيمة لأن المنهزم يحول ظهره ودبره إلى جهة ~~الذي هزمه هربا إلى ملجأ يلجأ إليه ليدفع عن نفسه القتل أو الأسر. # والمعنى ، إن أهل الكتاب لن يضروكم يا معشر المؤمنين إلا ضررا يسيرا لا ~~يبقى أثره فيكم PageV02P217 # مادمتم مستمسكين بدينكم ، فإن قاتلوكم وأنتم على هذه الحال ، أمدكم الله ~~بنصره ، وألقى في قلوبهم الرعب فيولونكم الأدبار انهزاما منكم ، ثم لا ~~ينصرون عليكم بل تنصرون أنتم عليهم. # والتعبير عن الهزيمة بتولية الأدبار ، فيه إشارة إلى جبنهم وأنهم يفرون ~~فرارا شديدا بذعر وهلع. # وهكذا كان الشأن في قتال المسلمين الأولين لأعداء الله وأعدائهم ، فلقد ~~قاتل المؤمنون اليهود من بنى قينقاع والنضير وقريظة وأهل خيبر فانتصر ~~المسلمون عليهم انتصارا باهرا. # وقاتلوا جموع الروم في بلاد الشام وفي مصر ، فكان النصر المؤزر حليفا ~~للمسلمين مع قلتهم وكثرة أعدائهم. # وقوله ( @QUR@03 ثم لا ينصرون ) احتراس. أى : يولونكم الأدبار تولية ~~المنهزم ، لا تولية المتحرف لقتال أو المتحيز إلى فئة أو المتأمل في الأمر. # والتعبير بثم لإفادة التراخي في المرتبة : لأن الإخبار بتسليط الخذلان ~~عليهم أعظم من الإخبار بتوليهم الأدبار. # وهذه الجملة خبرية وهي معطوفة على جملتي الشرط وجزائه معا ، للإشعار بأن ~~هذا ديدنهم ، وأنهم لن ينتصروا على المسلمين لا في قتال ولا في غيره ، ~~مادام المسلمون مستقيمين على الطريقة التي رسمها الله تعالى لهم. # وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال : فإن قلت : هلا جزم المعطوف في ~~قوله ( @QUR@03 ثم لا ينصرون ) قلت : عدل به عن حكم الجزاء إلى حكم الإخبار ~~ابتداء كأنه قيل أخبركم أنهم لا ينصرون. # فإن قلت : فأى فرق بين رفعه وجزمه في المعنى؟ قلت لو جزم لكان النصر ~~مقيدا بمقاتلتهم كتولية الأدبار وحين رفع كان نفى النصر وعدا مطلقا كأنه ~~قال. ثم شأنهم وقصتهم التي أخبركم عنها وأبشركم بها بعد التولية أنهم ~~مخذولون منتف عنهم ms0911 النصر والقوة لا ينهضون بعدها بجناح ولا يستقيم لهم أمر ~~، وكان كما أخبر من حال بنى قريظة والنضير وبنى قينقاع ويهود خيبر فإن قلت ~~: فما الذي عطف عليه هذا الخبر؟ قلت : جملة الشرط والجزاء كأنه قيل : ~~أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا ، ثم أخبركم أنهم لا ينصرون. فإن قلت فما ~~معنى التراخي في ثم؟ قلت : التراخي في المرتبة ، لأن الإخبار بتسليط ~~الخذلان عليهم أعظم من الإخبار بتوليتهم الأدبار فإن قلت : ما موقع ~~الجملتين ، أعنى ( @QUR@02 منهم المؤمنون ) و ( @QUR@02 لن يضروكم ) قلت ~~هما كلامان واردان PageV02P218 # على طريق الاستطراد عند إجراء ذكر أهل الكتاب ، كما يقول القائل : وعلى ~~ذكر فلان فإن من شأنه كيت وكيت ولذلك جاءا من غير عطف» (1). # فأنت ترى الآية الكريمة قد بشرت المؤمنين الصادقين ببشارات ثلاث : # أولها : أنهم في مأمن من الضرر البليغ الذي يؤثر في كيانهم وعزتهم ~~وكرامتهم من جهة أهل الكتاب. # ثانيها : أن أهل الكتاب لو قاتلوهم ، فإن المؤمنين سيكون لهم النصر عليهم. # ثالثها : أنهم بعد نصرهم عليهم لن تكون لأهل الكتاب وعلى رأسهم اليهود ~~شوكة أو قوة للأخذ بثأرهم بعد ذلك. # وقد تحققت هذه البشارات ، وكانت كما أخبر الله تعالى فإن المسلمين ~~الأولين الذين كانوا متمسكين بتعاليم دينهم نصرهم الله تعالى على أهل ~~الكتاب وعلى غيرهم من أعدائهم نصرا مؤزرا كما سبق أن أشرنا فإن قال قائل : ~~ولكن الذي نراه الآن أن اليهود الذين لا يمارى أحد في جبنهم وفي حرصهم على ~~الحياة قد انتصروا على المسلمين وأقاموا لهم دولة في بقعة من أعز بقاع ~~البلاد الإسلامية وهي فلسطين فهل يخلف وعد الله؟ # والجواب على ذلك. أن وعد الله تعالى لا يخلف ولن يتخلف وقد حققه سبحانه ~~لأسلافنا الصالحين الذي آمنوا به حق الإيمان. ولكن المسلمين في هذا العصر ~~هم الذين تغيرت أحوالهم ، فقد فرطوا في دينهم وأضاعوا الصلاة واتبعوا ~~الشهوات وتفرقوا شيعا وأحزابا وتنكبوا الطريق القويم ولم يباشروا الأسباب ~~التي شرعها الله تعالى لبلوغ النصر ، ولم يحسنوا الشعور بالمسئولية. # فلما فعلوا ذلك تبدل حالهم من الخير ms0912 إلى الشر ، ومن القوة إلى الضعف. ~~وسلط الله عليهم من لا يخافهم ولا يرحمهم ، لأنه سبحانه ( @QUR@08 لا يغير ~~ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ). # وإذا ما عاد المسلمون إلى دينهم فطبقوا أوامره ونواهيه على أنفسهم تطبيقا ~~كاملا ، فإن الله تعالى سيعيد لهم كرامتهم وعزتهم وقوتهم ( @QUR@08 ولينصرن ~~الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ) (2). PageV02P219 # ومن هنا نعلم أن الشرط في نفى الضرر الذي يؤثر في الأمة الإسلامية ، هو ~~أن تكون مؤمنة بربها حق الإيمان متبعة لهدى رسولها محمد صلى الله عليه وسلم . # ثم بين سبحانه بعد ذلك بعض العقوبات التي عاقب بها اليهود بسبب كفرهم ~~وظلمهم فقال : ( @QUR@013 ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله ~~وحبل من الناس ). # وأصل الضرب في كلام العرب يرجع إلى معنى التقاء ظاهر جسم بظاهر جسم آخر ~~بشدة يقال ضرب فلان بيده الأرض إذا ألصقها بها ، وتفرعت عن هذا المعنى معان ~~مجازية أخرى ترجع إلى شدة اللصوق. # والذلة على وزن فعلة من قول القائل : ذل فلان يذل ذلة وذلا. والمراد بها ~~الصغار والهوان والحقارة. # فضرب الذلة عليهم كناية عن لزومها لهؤلاء اليهود ، وإحاطتها بهم ، كما ~~يحيط السرادق بمن يكون في داخله. # قال صاحب الكشاف : جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم ، فهم كمن يكون في ~~القبة من ضربت عليه ، أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازب كما يضرب الطين ~~على الحائط فيلزمه. فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة ومدقعة» (1). # و ( @QUR@01 ثقفوا ) أى وجدوا ، أو ظفر بهم. يقال : ثقفه أى صادفه أو ظفر ~~به أو أدركه. وهذه المادة تدل على التمكن من أخذ الشيء ومن التصرف فيه بشدة ~~ومنها سمى الأسير ثقافا. والثقاف آلة تكسر بها أغماد الرماح. # والحبل : هو ما يربط بين شيئين ويطلق على العهد لأن الناس يرتبطون ~~بالعهود : كما يقع الارتباط الحسى بالحبال ، وهذا الإطلاق هو المراد هنا. # ولذا قال ابن جرير : وأما الحبل الذي ذكره الله تعالى في هذا الموضوع ، ~~فإنه السبب الذي يأمنون به على أنفسهم من المؤمنين وعلى أموالهم وذراريهم ~~من ms0913 عهد وأمان تقدم لهم عقده قبل أن يثقفوا في بلاد الإسلام (2). # والمعنى : أن هؤلاء اليهود أحاطت بهم الذلة في جميع أحوالهم أينما وجدوا ~~وحيثما حلوا إلا في حال اعتصامهم بعهد من الله أو بعهد من الناس. # وقد فسر العلماء عهد الله بعقد الجزية الذي يربط بينهم وبين المسلمين. PageV02P220 # وإنما كان عقد الجزية عهدا من الله لهم ، لأنه سبحانه هو الذي شرعه ، وما ~~شرعه الله فالوفاء به واجب. # وكان عهدا من المسلمين لهم ، لأنهم أحد طرفيه ، فهم الذين باشروه مع ~~اليهود وبمقتضاه يحفظون حقوقهم ودماءهم وأموالهم ؛ ويكون لهم ما للمسلمين ~~وعليهم ما عليهم ، وعلى المسلمين حمايتهم ، وصون أموالهم لقاء مقدار من ~~المال يدفع لهم كل عام وهو المسمى بالجزية. # وأما عهد الناس ، فهو العهود التي يعيشون بمقتضاها في أى أمة من أمم ~~الأرض مسلمة كانت هذه الأمة أو كافرة. # فإن كانت العهود صادرة من المسلمين ، جاز أن يطلق عليها عهد الله أيضا ~~باعتبار أن الله هو الذي شرعها. # وإن كانت من غير المسلمين فهي عهود من الناس سواء أوافقت شريعة الله ~~تعالى أم لا. # والمعنى الإجمالى للآية : أن اليهود قد ضرب الله تعالى عليهم الذلة ~~والمسكنة في كل زمان ومكان بسبب كفرهم وطغيانهم ، وسلب عنهم السلطان والملك ~~، فهم يعيشون في بقاع الأرض في حماية غيرهم من الأمم الأخرى ، بمقتضى عهود ~~يعقدونها معهم وقد تكون هذه العهود موافقة لشرع الله تعالى وقد لا تكون ~~موافقة. # فإن قال قائل : إنهم الآن أصحاب جاه وسلطان ، بعد أن أنشأوا دولتهم ~~بفلسطين!! والجواب : أنهم مع قيام هذه الدولة يعيشون تحت حماية غيرهم من ~~دول الكفر الكبرى. فهي التي تحميهم وتمدهم بأسباب الحياة والقوة ، فينطبق ~~على هذه الحالة أيضا أنها بحبل من الناس. فاليهود لا سلطان لهم ، ولا عزة ~~تكمن في نفوسهم ، ولكنهم مأمورون مسخرون أن يعيشوا في تلك البقعة من الأرض ~~لتكون مركزا لتلك الأمم التي تعهدت بحمايتهم ليقفزوا منها إلى محاربة ~~المسلمين ، إذا أتيحت لهم فرصة. # ولو أن المسلمين غيروا ما بأنفسهم ، وتمسكوا بشريعتهم ، واجتمعت ms0914 قلوبهم ، ~~وتوحدت أهدافهم ، وأحسنوا الشعور بالمسئولية نحو دينهم وأنفسهم وأوطانهم ، ~~وأعدوا ما استطاعوا من قوة لقتال أعداء الله وأعدائهم .. # لو أنهم فعلوا ذلك لما كان حالهم كما ترى الآن من ضعف وتخاذل وتفرق ~~والأمل كبير في أن يتنبه المسلمون إلى ما يحيط بهم من أخطار فيعملوا على ~~دفعها ويعتصموا بحبل الله لتعود لهم قوتهم وهيبتهم. # هذا ، وقوله : ( @QUR@02 أين ما ) اسم شرط ، وهو ظرف مكان و «ما» مزيدة ~~فيها للتأكيد. PageV02P221 # وقوله ( @QUR@01 ثقفوا ) في محل جزم بها. # وجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله أى : أينما ثقفوا غلبوا أو ذلوا. # ويجوز أن يكون جواب الشرط قوله ( @QUR@03 ضربت عليهم الذلة ) عند من يجوز ~~تقديم جواب الشرط على الشرط. # والاستثناء في قوله ( @QUR@07 إلا بحبل من الله وحبل من الناس ) مفرغ من ~~عموم الأحوال أى ضربت عليهم الذلة في عامة الأحوال إلا في حال اعتصامهم ~~بحبل من الله وحبل من الناس. # ثم ذكر سبحانه عقوبتين أخريين أنزلهما بهم جزاء كفرهم وتعديهم لحدوده ~~فقال تعالى : ( @QUR@07 وباؤ بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ). # قال ابن جرير : قوله تعالى ( @QUR@04 وباؤ بغضب من الله ) أى انصرفوا ~~ورجعوا. ولا يقال باؤوا ، إلا موصولا إما بخير وإما بشر. يقال منه : باء ~~فلان بذنبه يبوء به بوءا وبواء. ومنه قوله تعالى ( @QUR@06 إني أريد أن ~~تبوء بإثمي وإثمك ) يعنى تنصرف متحملهما ، وترجع بهما قد صارا عليك دوني. ~~فمعنى الكلام إذا : ورجعوا منصرفين متحملين غضب الله ، قد صار عليهم من ~~الله غضب ، ووجب عليهم منه سخط» (1). # والمسكنة : مفعلة من السكون ، ومنها أخذ لفظ المسكين. لأن الهم قد أثقله ~~فجعله قليل الحركة والنهوض لما به من الفاقة والفقر. # والمراد بها في الآية الكريمة الضعف النفسي ، والفقر القلبي الذي يستولى ~~على الشخص فيجعله يحس بالهوان مهما تكن لديه من أسباب القوة. # والفرق بينها وبين الذلة : أن الذلة تجيء أسبابها من الخارج. كأن يغلب ~~المرء على أمره نتيجة انتصار عدوه عليه فيذل لهذا العدو. # أما المسكنة فهي تنشأ من داخل النفس نتيجة بعدها عن الحق ، واستيلاء ~~المطامع ms0915 والشهوات وحب الدنيا عليها. # والمعنى : أن هؤلاء اليهود يجانب ضرب الذلة عليهم حيثما حلوا ، قد صاروا ~~في غضب من الله ، وأصبحوا أحقاء به ، وضربت عليهم كذلك المسكنة التي تجعلهم ~~يحسون بالصغار مهما ملكوا من قوة ومال. # ثم ذكر سبحانه الأسباب التي جعلتهم أحقاء بهذه العقوبات فقال تعالى : ( ~~@QUR@01 ذلك PageV02P222 # @QUR@014 بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ، ويقتلون الأنبياء بغير حق ، ~~ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ). # فاسم الإشارة ذلك يعود إلى تلك العقوبات العادلة التي عاقبهم الله بها ~~بسبب كفرهم وفسقهم. # والآيات : تطلق ويراد بها الأدلة الشاهدة على وحدانية الله تعالى ~~وربوبيته وتطلق ويراد بها النصوص التي تشتمل عليها الكتب السماوية ، وتطلق ~~ويراد بها الأدلة الشاهدة على صدق الرسل عليهم الصلاة والسلام فيما يبلغون ~~عن الله تعالى ، وهي التي يسميها علماء التوحيد بالمعجزات. # وقد كفر اليهود بكل هذه الضروب من الآيات ومردوا على ذلك كما يفيده ~~التعبير بالفعل المضارع ( @QUR@01 يكفرون ). # أى : ذلك الذي أصابهم من عقوبات رادعة ، سببه أنهم كانوا يكفرون بآيات ~~الله وأدلته الدالة على وحدانيته وعلى صدق رسله عليهم الصلاة والسلام وتلك ~~هي جريمة بنى إسرائيل الأولى. # أما جريمتهم الثانية فقد عبر عنها سبحانه بقوله ( @QUR@04 ويقتلون ~~الأنبياء بغير حق ) أى أنهم لم يكتفوا بالكفر ، بل امتدت أيديهم الأثيمة ~~إلى دعاة الحق وهم أنبياء الله تعالى الذين أرسلهم لهدايتهم فقتلوهم بدون ~~أدنى شبهة تحمل على الإساءة إليهم فضلا عن قتلهم. # وقال سبحانه ( @QUR@02 بغير حق ) مع أن قتل الأنبياء لا يكون بحق أبدا. ~~لإفادة أن قتلهم لهم كان بغير وجه معتبر في شريعتهم لأنها تحرمه. # قال تعالى ( @QUR@027 من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا ~~بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا ~~الناس جميعا ) (1). # فهذا القيد المقصود به الاحتجاج عليهم بأصول دينهم ، وتخليد مذمتهم ، ~~وتقبيح إجرامهم حيث إنهم قتلوا أنبياءهم بدون خطأ في الفهم ، أو تأويل في ~~الحكم أو شبهة في الأمر ، وإنما فعلوا ما فعلوا وهم عالمون بقبح ما ارتكبوا ~~، ومخالفون لشرع الله ms0916 عن تعمد وإصرار. # ولذا قال صاحب الكشاف : فإن قلت : قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق ، ~~فما فائدة ذكره؟ قلت : معناه أنهم قتلوهم بغير الحق عندهم ، لأنهم لم ~~يقتلوا ولا أفسدوا في الأرض فيقتلوا ، وإنما نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم ~~فقتلوهم. # فلو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم لم يذكروا وجها يستحقون به القتل عندهم (2) PageV02P223 # وقال الفخر الرازي ما ملخصه : فإن : قيل : قال هنا : ( @QUR@04 ويقتلون ~~الأنبياء بغير حق ) وقال في سورة البقرة ( @QUR@04 ويقتلون النبيين بغير ~~الحق ) فما الفرق؟ قلت : إن الحق المعلوم بين المسلمين الذي يوجب القتل ~~يتجلى في حديث : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان ، ~~وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير حق». فالحق المذكور في سورة البقرة إشارة إلى ~~هذا. وأما الحق المنكر هنا فالمراد به تأكيد العموم أى لم يكن هناك أى حق ~~يستندون إليه ، لا هذا الذي يعرفه المسلمون ولا غيره ألبتة (1). # ونسب سبحانه القتل إلى أولئك اليهود المعاصرين للعهد النبوي مع أن القتل ~~قد صدر عن أسلافهم ، لأن أولئك المعاصرين كانوا راضين بفعل آبائهم وأجدادهم ~~، فصحت نسبة القتل إليهم ، ولأن بعض أولئك المعاصرين قد هم بقتل النبي ~~صلى الله عليه وسلم فكف الله تعالى أيديهم الأثيمة عنه. # ثم سجل الله تعالى جريمتهم الثالثة بقوله ( @QUR@05 ذلك بما عصوا وكانوا ~~يعتدون ). # العصيان : الخروج عن طاعة الله ، والاعتداء : تجاوز الحد الذي حده الله ~~تعالى لعباده إلى غيره وكل متجاوز حد شيء إلى غيره فقد تعداه إلى ما جاوز إليه. # وللمفسرين في مرجع اسم الإشارة ( @QUR@01 ذلك ) في قوله ( @QUR@03 ذلك ~~بما عصوا ) رأيان : # أولهما : أنه يعود إلى كفرهم بآيات الله وقتلهم لأنبيائه ، وعليه يكون ~~المعنى : # إن هؤلاء اليهود قد ألفوا العصيان لخالقهم والتعدي لحدوده بجرأة وعدم ~~مبالاة ، فنشأ عن هذا التمرد والطغيان أن كفروا بآيات الله وقتلوا أنبياءه ~~، وباشروا تلك الكبائر بقلوب كالحجارة أو أشد قسوة. # والجملة الكريمة على هذا الرأى تفيد أن التردي في المعاصي ، وارتكاب ما ~~نهى الله عنه ، وتجاوز الحدود المشروعة ، يؤدى إلى الانتقال من ms0917 صغير الذنوب ~~إلى كبيرها ومن حقيرها إلى عظيمها لأن هؤلاء اليهود حين استمرءوا المعاصي ، ~~هانت على نفوسهم الفضائل ، وانكسرت أمام شهواتهم كل المثل العليا فكذبوا ~~بآيات الله تكذيبا ، وقتلوا من جاءهم بالهدى ودين الحق. # وثانيهما : أن اسم الإشارة ( @QUR@01 ذلك ) في قوله ( @QUR@03 ذلك بما ~~عصوا ) يعود إلى نفس المشار إليه باسم الإشارة الأول وهو قوله ( @QUR@04 ~~ذلك بأنهم كانوا يكفرون ). # وتكون الحكمة في تكرار الإشارة هو تمييز المشار إليه ، حرصا على معرفته ، ~~ويكون العصيان PageV02P224 # والاعتداء سببين آخرين لضرب الذلة والمسكنة عليهم واستحقاقهم لغضب الله ~~كما أشرنا من قبل. # والإشارة حينئذ من قبيل التكرير المغني عن العطف كما في قوله تعالى ( ~~@QUR@08 أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ). # والمعنى : أن هؤلاء اليهود قد لزمتهم الذلة والمسكنة ، وصاروا أحقاء بسخط ~~الله بسبب كفرهم بآياتنا وقتلهم أنبياءنا وخروجهم عن طاعتنا ، وتعديهم ~~حدودنا. # وعلى هذا الرأى يكون ذكر أسباب العقوبة التي حلت بهم في الدرجة العليا من ~~حسن الترتيب فقد بدأ سبحانه بما فعلوه في حقه وهو كفرهم بآياته. ثم ثنى بما ~~يتلوه في العظم وهو قتلهم لأنبيائه ، ثم وصمهم بعد ذلك بالعصيان والخروج عن ~~طاعته ، ثم ختم أسباب العقوبة بدمغهم بالاعتداء وتخطى الحدود ، وعدم ~~المبالاة بالعهود. # وهذا الترتيب من لطائف أسلوب القرآن الكريم في سوق الأحكام مشفوعة بعللها ~~وأسبابها. # وبذلك نرى أن الآيات الكريمة قد بدأت حديثها بمدح الأمة الإسلامية بأنها ~~خير أمة أخرجت للناس ، ثم ثنت بدعوة أهل الكتاب إلى الإسلام وبإخبار ~~المؤمنين بأن أعداءهم لن يضروهم ضررا يؤثر في كيانهم ماداموا معتصمين ~~بتعاليم دينهم ، ثم ختمت حديثها ببيان العقوبات التي حلت باليهود بسبب ~~كفرهم وبغيهم. # وبعد هذا الحديث الحكيم عن أهل الكتاب ، وعن العقوبات التي أنزلها سبحانه ~~باليهود بسبب فسقهم وظلمتهم ، بعد كل ذلك ساق سبحانه آيات كريمة تمدح من ~~يستحق المدح من أهل الكتاب إنصافا لهم وتكريما لذواتهم فقال تعالى : # ( @QUR@014 ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء ~~الليل وهم يسجدون (113) @QUR@015 يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون ~~بالمعروف وينهون ms0918 عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين (114) ~~@QUR@09 وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين ) (115) PageV02P225 # فالضمير في قوله تعالى ( @QUR@02 ليسوا سواء ) يعود لأهل الكتاب الذين ~~تقدم الحديث عنهم وهو اسم ليس ، وخبرها قوله ( @QUR@01 سواء ) والجملة ~~مستأنفة للثناء على من يستحق الثناء منهم بعد أن وبخ القرآن من يستحق ~~التوبيخ منهم. # قال ابن كثير : والمشهور عند كثير من المفسرين أن هذه الآيات نزلت فيمن ~~آمن من أحبار أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة بن شعبة ~~وغيرهم. أى لا يستوي من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب ، وهؤلاء الذين ~~أسلموا ، ولهذا قال تعالى ( @QUR@02 ليسوا سواء ) أى ليسوا كلهم على حد ~~سواء بل منهم المؤمن ومنهم المجرم (1). # وقوله تعالى ( @QUR@05 من أهل الكتاب أمة قائمة ) استئناف مبين لكيفية ~~عدم التساوي ومزيل لما فيه من إيهام. # أى : ليس أهل الكتاب متساوين في الكفر وسوء الأخلاق ، بل منهم طائفة ~~قائمة بأمر الله مطيعة لشرعه مستقيمة على طريقته ثابتة على الحق ملازمة له ~~، لم تتركه كما تركه الأكثرون من أهل الكتاب وضيعوه. # فمعنى قائمة. مستقيمة عادلة من قولك أقمت العود فقام بمعنى استقام. # أو معناها : ثابتة على التمسك بالدين الحق ، ملازمة له غير مضطربة في ~~التمسك به ، كما في قوله تعالى ( @QUR@05 إلا ما دمت عليه قائما ) أى ~~ملازما لمطالبته يحقك. ومنه قوله تعالى ( @QUR@012 شهد الله أنه لا إله إلا ~~هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط ) أى ملازما له. # والمراد بهذه الطائفة من أهل الكتاب التي وصفها الله تعالى بأنها ( ~~@QUR@01 أمة ) قائمة أولئك الذين أسلموا منهم واستقاموا على أمر الله ~~وأطاعوه في السر والعلن ، كعبد الله بن سلام ، وأصحابه ، والنجاشي ومن آمن ~~معه من النصارى. فهؤلاء قد آمنوا بكل ما يجب الإيمان به ، ولم يفرقوا بين ~~أنبياء الله ورسله ، فمدحهم الله على ذلك وأثنى عليهم. # ثم تابع القرآن حديثه عن أوصافهم الكريمة فقال ( @QUR@07 يتلون آيات الله ~~آناء الليل وهم يسجدون ). # وقوله ( @QUR@01 يتلون ) من التلاوة وهي القراءة ، وأصل الكلمة من ~~الإتباع ، فكأن التلاوة ms0919 هي إتباع اللفظ اللفظ. # والمراد بآيات الله هنا : ما أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من قرآن. PageV02P226 # وقوله : ( @QUR@02 آناء الليل ) أى أوقاته وساعاته. والآناء جمع إنى كمعا ~~وأمعاء أو جمع أنى كعصا ، أو جمع أنى وإنى وإنو. فالهمزة في آناء منقلبة عن ~~ياء كرداء : أو عن واو ككساء. # والمراد بالسجود في قوله : ( @QUR@02 وهم يسجدون ) الصلاة لأن السجود لا ~~قراءة فيه وإنما فيه التسبيح ، فقد روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال : ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ألا إنى نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ~~ساجدا فأما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن ~~أن يستجاب لكم». # والمعنى : ليس أهل الكتاب متساوين في الاتصاف بما ذكر من القبائح ، بل ~~منهم قوم سلموا منها ، وهم الذين استقاموا على الحق ولزموه ، وأكثروا من ~~تلاوة آيات الله في صلاتهم التي يتقربون بها إلى الله تعالى آناء الليل ~~وأطراف النهار. # قال الآلوسى ما ملخصه. والمراد بصلاتهم هذه التهجد على ما ذهب إليه البعض ~~. وعلل هذا بأنه أدخل في المدح وفيه تتيسر لهم التلاوة ، لأنها في المكتوبة ~~وظيفة الإمام. # والذي عليه بعض السلف أنها صلاة العتمة. واستدل عليه بما أخرجه الإمام ~~أحمد والنسائي وابن جرير والطبراني عن ابن مسعود قال أخر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ليلة صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون ~~الصلاة فقال : «أما إنه لا يصلى هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب». وعبر عن ~~الصلاة بالسجود ، لأنه أدل على كمال الخضوع والصلاة تسمى سجودا وسجدة ، ~~وركوعا وركعة (1). # ثم وصفهم سبحانه بصفات أخرى كريمة فقال : ( @QUR@02 يؤمنون بالله ) ~~والمراد بهذا الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به على الوجه المقبول الذي نطق ~~به الشرع ، وجاء به محمد صلى الله عليه وسلم . # ( @QUR@02 واليوم الآخر ). أى ويؤمنون باليوم الآخر وما فيه من ثواب ~~وعقاب وجنة ونار وقوله : ( @QUR@05 ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) ~~إشعار بأنهم لم يكتفوا بتكميل أنفسهم بالفضائل التي من أشرفها الإيمان ~~بالله واليوم الآخر ms0920 ، والإكثار من إقامة الصلاة ومن تلاوة القرآن ، بل ~~أضافوا إلى ذلك إرشاد غيرهم إلى الخير الذي أمر الله به ، ونهيه عن الباطل ~~الذي يبغضه الله ، وتستنكره العقول السليمة. # وقوله تعالى ( @QUR@03 ويسارعون في الخيرات ) أى يبادرون إلى فعل الخيرات ~~والطاعات التي ترفع درجاتهم عند الله تعالى بدون تردد أو تقصير. # وقال سبحانه : ( @QUR@03 ويسارعون في الخيرات ) ولم يقل إلى الخيرات ~~للإشعار بأنهم PageV02P227 # مستقرون في كل أعمالهم في طريق الخير ، فهم ينتقلون من خير إلى خير في ~~دائرة واحدة هي دائرة الخير ، ينتقلون بين زواياها وأقطارها ولا يخرجون ~~منها. فهم لا ينتقلون مسارعين من شر إلى خير ، وإنما ينتقلون مسارعين من ~~خير إلى خير وهذا هو سر التعبير بفي المفيدة للظرفية. # والمسارعة في الخير هي فرط الرغبة فيه ، لأن من رغب في الأمر يسارع في ~~توليه وفي القيام به ، واختيار صيغة المفاعلة «يسارعون» للمبالغة في سرعة ~~نهوضهم لهذا العمل الجامع لفنون الخير ، وألوان البر. # قال صاحب الكشاف. وقوله : ( @QUR@01 يتلون ) و ( @QUR@01 يؤمنون ) في محل ~~الرفع صفتان لأمة. أى : قائمة تالون مؤمنون. وصفهم بخصائص ما كانت في ~~اليهود من تلاوة آيات الله بالليل ساجدين ، ومن الإيمان بالله ، لأن ~~إيمانهم به كلا إيمان ، لإشراكهم به عزيزا ، وكفرهم ببعض الكتب والرسل دون ~~بعض : ومن الإيمان باليوم الآخر ، لأنهم يصفونه بخلاف صفته. ومن الأمر ~~بالمعروف والنهى عن المنكر ، لأنهم كانوا مداهنين. ومن المسارعة في الخيرات ~~، لأنهم كانوا متباطئين عنها غير راغبين فيها» (1). # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@03 وأولئك من الصالحين ) يعود إلى ~~الموصوفين بتلك الصفات السابقة من تلاوة الكتاب ومن إيمان بالله واليوم ~~الآخر .. # أى وأولئك الموصوفون بتلك الصفات الجليلة الشأن من جملة الصالحين الذين ~~صلحت أحوالهم عند الله ورضيهم ، واستحقوا ثناءه عليهم. # وفي التعبير بقوله : ( @QUR@02 من الصالحين ) إشارة إلى أنهم بهذه ~~المزايا وتلك الصفات ، قد انسلخوا من عداد أهل الكتاب الذين ذمهم الله ~~تعالى ووصفهم بأن أكثرهم من الفاسقين. # فهم بسبب إيمانهم وأفعالهم الحميدة قد خرجوا من صفوف المذمومين إلى صفوف ~~الممدوحين. # قال الفخر الرازي : واعلم أن وصفهم ms0921 بالصلاح في غاية المدح ، ويدل عليه ~~القرآن والمعقول. أما القرآن ، فهو أن الله تعالى مدح بهذا الوصف أكابر ~~الأنبياء ، فقال بعد ذكر إدريس وإسماعيل وذي الكفل وغيرهم ( @QUR@06 ~~وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين ). # وذكر حكاية عن سليمان أنه قال : «وأدخلنى برحمتك في عبادك الصالحين». ~~وأما المعقول ، فهو أن الصلاح ضد الفساد ، وكل ما لا ينبغي أن يكون فهو ~~فساد ، سواء أكان ذلك في العقائد PageV02P228 # أم في الأعمال ، فإذا كان كل ما حصل من باب ما ينبغي أن يكون فقد حصل ~~الصلاح ، فكان الصلاح دالا على أكمل الدرجات (1). # ثم بين سبحانه أنه لن يضيع شيئا مما قدموه من أعمال صالحة ، بل سيكافئهم ~~على ذلك بما هو أفضل وأبقى فقال : ( @QUR@06 وما يفعلوا من خير فلن يكفروه ~~) أى أن هؤلاء الذين وصفهم بتلك الصفات الطيبة لن يضيع الله شيئا مما قدموه ~~من عمل صالح ، وإنما سيجازيهم بما هم أهله من ثواب جزيل ، وأجر كبير بدون ~~أى نقصان أو حرمان. # و ( @QUR@01 ما ) في قوله : ( @QUR@04 وما يفعلوا من خير ) شرطية. وفعل ~~الشرط قوله : ( @QUR@01 يفعلوا ) وجوابه قوله : ( @QUR@02 فلن يكفروه ). # و ( @QUR@01 من ) في قوله : ( @QUR@02 من خير ) لتأكيد العموم أى ما ~~يفعلوا من أى خير سواء أكان قليلا أم كثيرا فلن يحرموا ثوابه. # وأصل الكفر : الستر والتغطية. وقد صح تعدية الفعل كفر إلى مفعولين لأنه ~~هنا بمعنى حرم. # ولذا قال صاحب الكشاف : فإن قلت لم عدى إلى مفعولين ، وشكر وكفر لا ~~يتعديان إلا إلى واحد تقول : شكر النعمة وكفرها؟ قلت : ضمن معنى الحرمان ~~فكأنه قيل : فلن يحرموه بمعنى : فلن يحرموا جزاءه» (2). # وقوله : ( @QUR@03 والله عليم بالمتقين ) تذييل مقرر لمضمون ما قبله. أى ~~هو سبحانه عليم بأحوال عباده وسيجازى المتقين بما يستحقون من ثواب ، ~~وسيجازى الكافرين بما يستحقون من عقاب. # فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد أنصفت المؤمنين الصادقين من أهل ~~الكتاب ، ووصفتهم بجملة من الصفات الطيبة. # وصفتهم بأنهم طائفة ثابتة على الحق. وأنهم يتلون آيات آناء الليل وأطراف ~~النهار ، وأنهم مكثرون من التضرع إلى الله في صلواتهم وسجودهم ms0922 ، وأنهم ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر وأنهم يأمرون بالمعروف ، وأنهم ينهون عن المنكر ~~، وأنهم يسارعون في الخيرات ، وأنهم من الصالحين. # ثم بشرهم سبحانه بعد وصفهم بهذه الصفات الكريمة بأن ما يقدموه من خير فلن ~~يحرموا ثوابه ، لأنه سبحانه عليم بأحوال عباده ولن يضيع أجر من أحسن عملا. PageV02P229 # وبعد هذا الحديث المؤثر عن أحوال المؤمنين من أهل الكتاب وبيان ما أعده ~~الله لهم من ثواب جزيل ، أتبعه بالحديث عن الكافرين وعن سوء عاقبتهم وعن ~~أهم الأسباب التي أدت إلى جحودهم وفسوقهم فقال تعالى : # ( @QUR@018 إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله ~~شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (116) @QUR@023 مثل ما ينفقون في ~~هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته ~~وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون ) (117) # والمراد بالذين كفروا في قوله : ( @QUR@03 إن الذين كفروا ) جميع الكفار ~~، لأن اللفظ عام ، ولا دليل بمقتضى تخصيصه بفريق من الكافرين دون فريق. ~~والمراد من الإغناء في قوله : ( @QUR@09 لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم ~~من الله شيئا ) الدفع وسد الحاجة يقال : أغنى فلان فلانا عن هذا الأمر ، ~~إذا كفاه مؤنته ، ورفع عنه ما أثقله منه. # أى : إن الذين كفروا بما يجب الإيمان به ، واغتروا بأموالهم وأولادهم في ~~الدنيا ، لن تدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم شيئا ولو يسيرا من عذاب الله ~~الذي سيحيق بهم يوم القيامة بسبب كفرهم وجحودهم. # وقد أكد سبحانه عدم إغناء أموالهم ولا أولادهم عنهم شيئا في وقت هم في ~~أشد الحاجة إلى من يعينهم ويدفع عنهم بحرف «لن» المفيد لتأكيد النفي وخص ~~الأموال والأولاد بالذكر ، لأن الكفار كانوا أكثر ما يكونون اغترارا ~~بالأموال والأولاد ، وقد حكى القرآن غرورهم هذا بأموالهم وأولادهم في كثير ~~من الآيات ، ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@08 وقالوا نحن أكثر أموالا ~~وأولادا وما نحن بمعذبين ) (1). PageV02P230 # ولأن من المتعارف عليه بين الناس أن الإنسان يلجأ إلى ماله وولده عند ~~الشدائد ، إذ المال يدفع به الإنسان عن نفسه في الفداء وما يشبهه من ~~المغارم ، والأولاد يدافعون ms0923 عن أبيهم لنصرته ممن يعتدى عليه. # وكرر حرف النفي مع المعطوف في قوله : ( @QUR@02 ولا أولادهم )، لتأكيد ~~عدم غناء أولادهم عنهم ، ولدفع توهم ما هو متعارف من أن الأولاد لا يقعدون ~~عن الذب عن آبائهم. # فالمقصود من الجملة الكريمة نفى الانتفاع بالأموال والأولاد في حالة ~~اجتماعهما ، وفي حالة انفراد أحدهما عن الآخر ، لأن المال قد يكون أكثر ~~نفعا في مواضع خاصة ، والأولاد قد يكونون أكثر نفعا من المال في مواطن أخرى ~~، فبتكرار النفي تأكد عدم انتفاع الكفار بهذين النوعين في أية حال من ~~الأحوال. # فإن قيل : لقد نص القرآن على أن الكفار لا تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم ~~يوم القيامة ، مع أن المؤمنين كذلك لا تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم فلما ~~ذا خص الكافرين بالذكر؟. # فالجواب أن الكافرين هم الذين اغتروا بأموالهم وأولادهم ، وهم الذين ~~اعتقدوا أنهم سينجون من العقاب بسبب ذلك ، أما المؤمنون فإنهم لم يعتقدوا ~~هذا الاعتقاد ، ولم يغتروا بما منحهم الله من نعم ، وإنما اعتقدوا أن ~~الأموال والأولاد فتنة ، ولم يعتمدوا في نجاتهم من عقاب الله يوم القيامة ~~إلا على فضله ورحمته ، وعلى إيمانهم الصادق ، وعملهم الصالح. # و ( @QUR@01 من ) في قوله : ( @QUR@02 من الله ) ابتدائية ، والجار ~~والمجرور متعلق بتغنى. # وقوله : ( @QUR@01 شيئا ) منصوب على أنه مفعول مطلق أى : لن تغنى عنهم ~~أموالهم ولا أولادهم شيئا من الإغناء والدفع. وتنكير ( @QUR@01 شيئا ) ~~للتقليل. # وقوله : ( @QUR@06 وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) تذييل قصد به ~~بيان سوء عاقبتهم ، وما أعد لهم من عذاب شديد. # أى وأولئك الكافرون المغترون بأموالهم وأولادهم ، هم أصحاب النار الذين ~~سيلازمونها ويصلون سعيرها ، ولن يصرفهم من عذاب الله أى ناصر من أموال أو ~~أولاد أو غيرهما. # وقد أكد سبحانه هذا الحكم العادل بعدة مؤكدات منها : التعبير باسم ~~الإشارة المتضمن السلب من كل قوة كانوا يعتزون بها ، ومنها : ذكر مصاحبتهم ~~للنار وخلودهم فيها أى ملازمتهم لها ملازمة أبدية ، ومنها : ما اشتملت عليه ~~الجملة الكريمة من معنى القصر أى أولئك أصحاب النار الذين يلازمونها ولا ~~يخرجون منها إلى غيرها بل هم خالدون ms0924 فيها. # ثم ضرب سبحانه مثلا لبطلان ما كان ينفقه هؤلاء الكافرون من أموال في ~~الدنيا فقال : PageV02P231 # ( @QUR@07 مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا ) أى من أموال في وجوه ~~الخير المختلفة ، كمواساة البائسين ، ودفع حاجة المحتاجين. # و ( @QUR@01 ما ) موصولة ، والعائد محذوف ، والتقدير ، مثل ما ينفقونه. # ( @QUR@04 كمثل ريح فيها صر ) أى كمثل ريح فيها برد شديد قاتل للنبات. ~~وقيل : الصر. الحر الشديد ، وقيل الصر : صوت لهيب النار التي تحرق الثمار. # وذكر سبحانه الصر على أنه في الريح ، وأنها مشتملة عليه ، وهي له ظرف وهو ~~مظروف ، للاشعار بأنها ريح لا تحمل عوامل النماء للزرع ، وإنما هي تحمل ~~معها ما يهلكه. # وقوله : ( @QUR@06 أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته ) أى أصابت زرع ~~قوم ظلموا أنفسهم بالكفر وارتكاب المعاصي فدمرته وأهلكت ما فيه من ثمار وهم ~~أحوج ما يكونون إلى هذا الزرع وتلك الثمار. # والحرث هنا مصدر بمعنى المحروث ، وأصل كلمة حرث : فلح الأرض وإلقاء البذر ~~فيها ، ثم أطلقت على ما هو نتيجة لذلك وهو الزرع. # وفي التعبير بقوله : ( @QUR@02 ظلموا أنفسهم ) تذكير للسامعين ، وبعث لهم ~~على ترك الظلم ، حتى لا يصابوا بمثل ما أصيب به أولئك الذين ظلموا أنفسهم ~~من عقوبات رادعة ، وأضرار فادحة. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@06 وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم ~~يظلمون ) أى أن الله تعالى ما ظلمهم حين لم يقبل نفقاتهم ، ولكنهم هم الذين ~~ظلموا أنفسهم بإيثارهم الكفر على الإيمان ، ومن كان كذلك فلن يقبل الله منه ~~شيئا ؛ لأن الله تعالى ، إنما يتقبل من المتقين. # والضمائر في هذه الجملة الكريمة تعود على أولئك الكافرين الذين ينفقون ~~أموالهم مقرونة بالوجوه المانعة من قبولها. # وفي هذه الآية الكريمة تشبيه بليغ ، فقد شبه سبحانه حال ما ينفقه الكفار ~~في الدنيا على سبيل القربة أو المفاخرة شبه ذلك في ضياعه وذهابه وقت الحاجة ~~إليه في الآخرة من غير أن يعود عليهم بفائدة ، بحال زرع لقوم ظالمين ، ~~أصابته ريح مهلكة فاستأصلته ، ولم ينتفع أصحابه منه بشيء ، وهم أحوج ما ~~يكونون إليه. # قال صاحب الانتصاف : أصل الكلام والله ms0925 أعلم مثل ما ينفقون في هذه الحياة ~~الدنيا ، كمثل حرث قوم ظلموا أنفسهم ، فأصابته ريح فيها صر فأهلكته. # ولكن خولف هذا النظم في المثل المذكور لفائدة جليلة. وهي تقديم ما هو أهم ~~لأن الريح التي هي مثل العذاب ، ذكرها في سياق الوعيد والتهديد أهم من ذكر الحرث. PageV02P232 # فقدمت عناية بذكرها ، واعتمادا على أن الأفهام الصحيحة تستخرج المطابقة ~~برد الكلام إلى أصله على أيسر وجه ومثل هذا في تحويل النظم لمثل هذه ~~الفائدة قوله تعالى : ( @QUR@09 فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل ~~إحداهما ) ومثله أيضا أعددت هذه الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه. والأصل أن ~~تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت. وأن أدعم بها الحائط إذا مال ، وأمثال ذلك ~~كثيرة» (1). # وبعد أن بين سبحانه سوء عاقبة الكافرين أكمل بيان وأحكمه ، حذر المؤمنين ~~من أهل الكتاب ومن على شاكلتهم ممن لا يريدون للإسلام إلا الشرور والمضار ~~فقال تعالى : # ( @QUR@031 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم ~~خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد ~~بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون (118) @QUR@028 ها أنتم أولاء تحبونهم ولا ~~يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم ~~الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور (119) @QUR@021 ~~إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا ~~يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط ) (120) # قال الفخر الرازي ما ملخصه : اختلفوا في الذين نهى الله المؤمنين عن ~~مخالطتهم من هم؟ فقيل هم اليهود ، لأن بعض المسلمين كانوا يشاورونهم في ~~أمورهم ويؤانسونهم لما كان فيهم من PageV02P233 # الرضاع والحلف. وقيل هم المنافقون ، وذلك لأن بعض المؤمنين كانوا يغترون ~~بظاهر أقوالهم فيفشون إليهم الأسرار والصحيح أن المراد بهم جميع أصناف ~~الكفار ، والدليل عليه قوله تعالى : ( @QUR@03 بطانة من دونكم ) فمنع ~~المؤمنين أن يتخذوا بطانة من غير المؤمنين ، فيكون ذلك نهيا عن جميع ~~الكفار» (1). # والبطانة في الأصل : داخل الثوب ، وجمعها بطائن. قال تعالى : ( @QUR@06 ~~متكئين على ms0926 فرش بطائنها من إستبرق ) (2). وظاهر الثوب يسمى الظهارة ، ~~والبطانة أيضا الثوب الذي يجعل تحت ثوب آخر ويسمى الشعار ، وما فوقه الدثار ~~وفي الحديث «الأنصار شعار والناس دثار». # ثم أطلقت البطانة على صديق الرجل وصفيه الذي يطلع على شئونه الخفية ~~تشبيها ببطانة الثياب في شدة القرب من صاحبها. قال الشاعر : # أولئك خلصائى نعم وبطانتى %~% وهم عيبتي من دون كل قريب # وقوله : ( @QUR@02 من دونكم ) أى من غير أهل ملتكم. # والمعنى : لا يجوز لكم أيها المؤمنون أن تتخذوا من غير أهل ملتكم أصفياء ~~وأولياء تلقون إليهم بأسراركم التي لا يصح لكم أن تطلعوهم عليها ، لأنكم لو ~~فعلتم ذلك لأصابكم الضرر في دينكم ودنياكم. # قال القرطبي : «نهى الله المؤمنين بهذه الآية أن يتخذوا من الكفار ~~واليهود وأهل الأهواء دخلاء وولجاء ، يفاوضونهم في الآراء ويسندون إليهم ~~أمورهم. وفي سنن أبى داود عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~«المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل». وقيل لعمر بن الخطاب رضى ~~الله عنه إن هاهنا رجلا من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منه ولا أخط بقلم ، ~~أفلا يكتب عنك؟ فقال : لا آخذ بطانة من دون المؤمنين». # ثم قال القرطبي رحمه الله : قلت وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان باتخاذ ~~أهل الكتاب كتبة وأمناء ، وتسودوا بذلك عند الجهلة الأغبياء من الولاة ~~والأمراء. روى البخاري عن أبى سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان : بطانة تأمره ~~بالخير وتحضه عليه. وبطانة تأمره بالشر وتحثه عليه ، والمعصوم من عصمه ~~الله» (3). # وصدر سبحانه النداء بوصف الإيمان ، للإشعار بأن مقتضى الإيمان يوجب عليهم ألا PageV02P234 # يأمنوا من يخالفهم في عقيدتهم على أسرارهم ، وألا يتخذوا أعداء الله ~~وأعداءهم أولياء يلقون إليهم بالمودة ، وألا يطلعوهم على ما يجب إخفاؤه من ~~شئون وأمور خاصة بالمؤمنين وقوله : ( @QUR@02 من دونكم ) يجوز أن يكون صفة ~~لبطانة فيكون متعلقا بمحذوف ، أى لا تتخذوا بطانة كائنة من غيركم. ويجوز أن ~~يكون متعلقا ms0927 بقوله : ( @QUR@02 لا تتخذوا ) أى لا تتخذوا من غير أهل ملتكم ~~بطانة تصافونهم وتطلعونهم على أسراركم. # ثم ذكر سبحانه جملة من الأسباب التي تجعل المؤمنين يمتنعون عن مصافاة ~~هؤلاء الذين يخالفونهم في عقيدتهم فقال في بيان أول هذه الأسباب : ( ~~@QUR@03 لا يألونكم خبالا ) وأصل «الألو» : التقصير. يقال : ألا في الأمر ~~كغزا يألو ألوا وألوا ، إذا قصر فيه ، ومنه قول امرئ القيس : # وما المرء ما دامت حشاشة نفسه %~% بمدرك أطراف الخطوب ولا آل # أراد ولا مقصر ، وهو أى الفعل «يألو» من الأفعال اللازمة التي تتعدى إلى ~~المفعول بالحرف ، وقد يستعمل متعديا إلى مفعولين كما في قولهم : لا آلوك ~~نصحا ، على تضمين الفعل معنى المنع. أى لا أمنعك ذلك. # والخبال : الشر والفساد. وأصله ما يلحق الحيوان من مرض وفتور فيورثه ~~فسادا واضطرابا. يقال خبله وخبله فهو خابل. والجمع الخبل ورجل مخبل إذا ~~أصيب بمرض أورثه اضطرابا وفسادا في قواه العقلية والفكرية. # والمعنى : أنهاكم أيها المؤمنون عن أن تتخذوا أولياء وأصفياء لكم من غير ~~إخوانكم المؤمنين ، لأن هؤلاء الأولياء من غير إخوانكم المؤمنين ، لا ~~يقصرون في جهد يبذلونه في إفساد أمركم ، وفيما يورثكم شرا وضرا. أو لا ~~يمنعونكم خبالا ، أى أنهم يفعلون معكم ما يقدرون عليه من الفساد ولا يبقون ~~شيئا منه عندهم ، بل يبذلون قصارى جهدهم في إلحاق الضرر بكم في دينكم ~~ودنياكم. # وقوله : ( @QUR@03 لا يألونكم خبالا ) جملة مستأنفة مبينة لحالهم داعية ~~إلى اجتنابهم. أو صفة لقوله : ( @QUR@01 بطانة ). # وقوله : ( @QUR@01 خبالا ) منصوب على أنه المفعول الثاني ليألونكم ~~لتضمينه معنى يمنعونكم. # ويصح أن يكون منصوبا بنزع الخافض أى لا يقصرون لكم عن جهد فيما يورثكم ~~شرا وفسادا. # أما السبب الثاني الذي يحمل المؤمنين على اجتناب هؤلاء الضالين فقد بينه ~~سبحانه بقوله : ( @QUR@03 ودوا ما عنتم ). PageV02P235 # وقوله : ( @QUR@01 ودوا ) من الود وهو المحبة. يقال : وددت كذا أى ~~أحببته. # وقوله : ( @QUR@01 عنتم ) من العنت وهو شدة الضرر والمشقة. ومنه قوله ~~تعالى : ( @QUR@04 ولو شاء الله لأعنتكم ) أى لأوقعكم فيما يشق عليكم. # و ( @QUR@01 ما ) في قوله : ( @QUR@02 ما عنتم ) هي ما المصدرية. أى : أن ms0928 ~~هؤلاء الذين تصافونهم وتفشون إليهم أسراركم مع أنهم ليسوا على ملتكم ، ~~بجانب أنهم لا يألون جهدا في إفساد أمركم ، فإنهم يحبون عنتكم ومشقتكم وشدة ~~ضرركم ، وتفريق جمعكم ، وذهاب قوتكم. # فالجملة الأولى وهي قوله : ( @QUR@03 لا يألونكم خبالا ) بمنزلة المظهر ~~والنتيجة ، وهذه. أى قوله تعالى : ( @QUR@03 ودوا ما عنتم ) بمنزلة الباعث ~~والدافع. # فهم لا يودون للمسلمين الخير والاطمئنان والأمان ، وإنما يودون لهم ~~الشقاء والشرور والخسران. وليس بعاقل ذلك الذي يطلع من يريد له الشرور على ~~أسراره ودخائله. # وأما السبب الثالث الذي يدعو المؤمنين إلى اجتنابهم فقد بينه الله تعالى ~~بقوله : ( @QUR@09 قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ). # والبغضاء مصدر كالسراء والضراء ، وهي البغض الشديد المتمكن في النفوس ، ~~والثابت في القلوب. # أى : قد ظهرت أمارات العداوة لكم من فلتات ألسنتهم ، وطفح البغض الباطن ~~في قلوبهم لكم حتى خرج من أفواههم ، ولاح على صفحات وجوههم ، وقد قيل : ~~كوامن النفوس تظهر على صفحات الوجوه وفلتات اللسان. ومع هذا فإن ما تخفيه ~~نفوسهم المريضة لكم من أحقاد وإحن ، أكبر مما نطقت به ألسنتهم من بغضاء ، ~~إذ أن ما نطقوا به إنما هو بمثابة الرشح الذي ظهر من مسام أجسادهم وقلوبهم ~~، أما ما يبيتونه لكم من شرور وآثام فهو أكبر من ذلك بكثير. # وخص الأفواه بالذكر دون الألسنة. للإشارة إلى تشدقهم وثرثرتهم في أقوالهم ~~الباطلة ، فهم أشد جرما من المتستر الذي تبدو البغضاء في عينيه. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة ببيان مظهر من مظاهر فضله على المؤمنين حيث ~~كشف لهم عن أحوال أعدائهم ، وعن سوء نواياهم وعن الأسباب التي تدعو إلى ~~الحذر منهم فقال تعالى : ( @QUR@07 قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ). # أى قد بينا لكم العلامات الواضحات ، والآيات البينات التي تعرفون بها ~~أعداءكم ، وتميزون عن طريقها بين الصديق وبين العدو ، إن كنتم من أهل العقل ~~والفهم. # والمقصود من الجملة الكريمة حضهم على استعمال عقولهم بتأمل وتدبر في هذه ~~الآيات التي PageV02P236 # بينها الله لهم فضلا منه وكرما ، وحتى لا يتخذوا بطانة من غير إخوانهم في ~~العقيدة ms0929 والدين. # وجواب الشرط محذوف لدلالة الكلام عليه ، والتقدير : إن كنتم تعقلون ذلك ~~فلا تباطنوهم ولا تفشوا لهم أسراركم. # ثم ذكر سبحانه أمورا أخرى من شأنها أن تجعل المؤمنين يقلعون عن مباطنة ~~ومصافاة أعدائهم في الدين فقال : ( @QUR@06 ها أنتم أولاء تحبونهم ولا ~~يحبونكم ) أى ها أنتم أولاء أيها المؤمنون تحبون هؤلاء الذين يخالفونكم في ~~عقيدتكم ، وتتمنون لهم الهداية والخير ، بينما هم لا يحبونكم ولا يريدون ~~لكم إلا الشرور والهزائم والضعف. # وفي هذه الجملة الكريمة عتاب ولوم للمؤمنين الذين يلقون إلى أعدائهم ~~بالمودة ، ويكشفون لهم عن أسرارهم ودخائلهم. # و ( @QUR@01 ها ) حرف تنبيه ، وقوله : ( @QUR@01 أنتم ) مبتدأ وقوله : ( ~~@QUR@01 أولاء ) خبره ، وقوله : ( @QUR@03 تحبونهم ولا يحبونكم ) كلام ~~مستأنف لبيان خطئهم في موالاتهم ومحبتهم لمن يبغضونهم ويخالفونهم في الدين. # وبعضهم جعل ( @QUR@01 أنتم ) مبتدأ ، وقوله : ( @QUR@01 أولاء ) منادى ~~حذف منه حرف النداء ، وقوله : ( @QUR@01 تحبونهم ) هو الخبر عن المبتدأ. # وبعضهم جعل جملة ( @QUR@01 تحبونهم ) في موضع نصب على الحال من اسم ~~الإشارة الذي هو الخبر. # والمراد بالكتاب في قوله : ( @QUR@03 وتؤمنون بالكتاب كله ) جنس الكتب ~~السماوية التي أنزلها الله على أنبيائه. # أى أنتم أيها المؤمنون تحبونهم وهم لا يحبونكم ، وأنتم تؤمنون بجميع ~~الكتب السماوية التي أنزلها الله على أنبيائه وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم ~~الذي أنزله الله على نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم وما دام الأمر كذلك فكيف ~~تتخذونهم بطانة من دون إخوانكم المؤمنين؟ لا شك أن من يفعل ذلك يكون بعيدا ~~عن الطريق القويم ، والعقل السليم. # ثم بين سبحانه سببا ثالثا يدل على قبيح مخالطتهم ومصافاتهم فقال تعالى : ~~( @QUR@011 وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ). # والعض هو الإمساك بالأسنان أى تحامل الأسنان بعضها على بعض. يقال : عض ~~يعض عضا وعضيضا إذا تحامل بأسنانه على الشيء. # والأنامل جمع أنملة ، وهي أطراف الأصابع. وقيل هي الأصابع. PageV02P237 # والغيظ : أشد الغضب. وعضهم الأنامل كناية عن شدة غضبهم وتحسرهم وحنقهم ~~على المؤمنين. # أى أن هؤلاء الذين يواليهم بعضكم أيها المؤمنون بلغ من نفاقهم وسوء ~~ضمائرهم أنهم إذا لقوكم قالوا آمنا ms0930 بدينكم وبنبيكم محمد صلى الله عليه وسلم ~~وإذا خلوا ، أى خلا بعضهم ببعض أكل الحقد قلوبهم عليكم ، وسلقوكم بألسنة ~~حداد ، وتمنوا لكم المصائب ، وأظهروا فيما بينهم أشد ألوان الغيظ نحوكم ~~بسبب ما يرونه من ائتلافكم ، واجتماع كلمتكم ، وعجزهم عن أن يجدوا سبيلا ~~إلى التشفي منكم. وإلحاق الاضرار بين صفوفكم. # ومن كان كذلك في كفره ونفاقه ، كان من الواجب على كل مؤمن أن يحتقره وأن ~~يبتعد عنه ؛ لأنه لا يريد للمؤمنين إلا شرا. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بما يكبت هؤلاء المنافقين ويبقى حسرتهم فقال ~~: ( @QUR@08 قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور ). # والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم : ولكل مؤمن من أتباعه لتحريضه على مقاطعة ~~هؤلاء الذين لا يريدون إلا الشر. # أى : قل لهم دوموا على غيظكم واستمروا عليه إلى أن تموتوا. فإن قوة ~~الإسلام وعزة أهله التي جعلتكم تبغضون المؤمنين ستبقى وستستمر ، وإن ~~أحقادكم على المسلمين لن تنقص من قوتهم وعلو كلمتهم شيئا. # فالمراد الدعاء عليهم بأن يزداد غيظهم حتى يهلكوا به ، وهذا يستلزم أن ~~يستمر ما يغيظهم ويكبتهم وهو نجاح الإسلام وقوته. # والباء في قوله : ( @QUR@01 بغيظكم ) للملابسة ، أى موتوا متلبسين بغيظكم ~~وحقدكم. # وقوله : ( @QUR@05 إن الله عليم بذات الصدور ) أى محيط بما خفى فيها ، ~~ومطلع على ما يبيته هؤلاء المنافقون للمسلمين ، وسيحاسبهم عليه حسابا ~~عسيرا. ويعذبهم بسبب ذلك عذابا أليما. # قال الجمل : وهذه الجملة يحتمل أن تكون مستأنفة ، أخبر الله تعالى بذلك. ~~لأنهم كانوا يخفون غيظهم ما أمكنهم ، فذكر ذلك لهم على سبيل الوعيد. ويحتمل ~~أن تكون من جملة المقول ، أى قل لهم كذا وكذا فتكون في محل نصب بالقول ، ~~ومعنى قوله : ( @QUR@02 بذات الصدور ) أى بالمضمرات ذوات الصدور. فذات هنا ~~تأنيث ذي بمعنى صاحبة الصدور. وجعلت صاحبة للصدور لملازمتها لها وعدم ~~انفكاكها عنها ، نحو أصحاب الجنة وأصحاب النار (1). PageV02P238 # وفي هذه الجملة الكريمة تطييب لقلب النبي صلى الله عليه وسلم ولقلوب أصحابه. ~~حيث بين سبحانه لهم أنه ناصرهم ، وأنه كاشف لهم أمر أعدائهم متى أطاعوا ~~أوامره ، واجتنبوا نواهيه ، ولم يجعلوا ms0931 من أولئك الأعداء الذين يضمرون لهم ~~كل شر وضغينة بطانة لهم. # ثم ذكر سبحانه لونا آخر من ألوان بغض هؤلاء الكافرين للمؤمنين فقال ~~سبحانه : ( @QUR@09 إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها ) ~~والمس : أصله الجس باليد. أطلق على كل ما يصل إلى الشيء على سبيل التشبيه ، ~~فيقال : فلان مسه النصب أو التعب ، أى أصابه. # والمراد بالحسنة هنا منافع الدنيا على اختلاف ألوانها ، كصحة البدن ، ~~وحصول النصر ، ووجود الألفة والمحبة بين المؤمنين. # أى إن تمسسكم أيها المؤمنون حسنة كنصركم على أعدائكم. وإصلاح ذات بينكم ، ~~( @QUR@01 تسؤهم ) أى تحزنهم وتملأ قلوبهم غيظا عليكم ، ( @QUR@03 وإن ~~تصبكم سيئة ) كنزول مصيبة بكم ، يفرحوا بها. أى يبتهجوا بها ، وتستطار ~~ألبابهم سرورا وحبورا بسبب ما نزل بكم من مكاره. # فالجملة الكريمة بيان لفرط عداوة هؤلاء المنافقين للمؤمنين ، حيث ~~يحسدونهم على ما ينالهم من خير ، ويشمتون بهم عند ما ينزل بهم شر. # وعبر في جانب الحسنة بالمس ، وفي جانب السيئة بالإصابة ، للإشارة إلى ~~تمكن الأحقاد من قلوبهم ، بحيث إن أى حسنة حتى ولو كان مسها للمؤمنين خفيفا ~~وليس غامرا عاما فإن هؤلاء المنافقين يحزنون لذلك ، لأنهم يستكثرون كل خير ~~للمؤمنين حتى ولو كان هذا الخير ضئيلا. # أما بالنسبة لما يصيب المؤمنين من مكاره ، فإن هؤلاء المنافقين لا يفرحون ~~بالمصيبة التي تمس المؤمنين مسا خفيفا ، فإنها لا تشفى غيظهم وحقدهم ، ~~وإنما يفرحون بالمصائب الشديدة التي تؤذى المؤمنين في دينهم ودنياهم أذى ~~شديدا ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بإرشاد المؤمنين إلى الدواء الذي يتقون ~~به كيد أعدائهم وأعدائه فقال تعالى : ( @QUR@012 وإن تصبروا وتتقوا لا ~~يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط ). # وقوله : ( @QUR@01 تصبروا ) من الصبر وهو حبس النفس على ما يقتضيه الشرع ~~والعقل. # وقوله : ( @QUR@01 وتتقوا ) من التقوى وهي صيانة الإنسان نفسه عن محارم الله. # وقوله : ( @QUR@01 كيدهم ) من الكيد وهو أن يحتال الشخص ليوقع غيره في مكروه. # والمعنى : ( @QUR@02 وإن تصبروا ) أيها المؤمنون على طاعة الله ، فتضبطوا ~~أنفسكم ولا تنساقوا في محبة من لا يستحق المحبة ، وتتحملوا بعزيمة صادقة ~~مشاق التكاليف ms0932 التي كلفكم الله بها ، وتقاوموا PageV02P239 # العداوة بمثلها ( @QUR@01 وتتقوا ) الله تعالى في كل ما نهاكم عنه ، ~~وتمتثلوا أمره في كل ما أمركم به ، إن فعلتم ذلك ( @QUR@03 لا يضركم كيدهم ~~) وتدبيرهم السيئ ( @QUR@01 شيئا ) من الضرر ببركة هاتين الفضيلتين : الصبر ~~والتقوى ، فإنهما جامعتان لمحاسن الطاعات ، ومكارم الأخلاق. # وإن لم تفعلوا ذلك أصابكم الضرر ، واستمكنوا منكم بكيدهم ومكرهم. قال ~~الجمل ما ملخصه : وقوله : ( @QUR@02 لا يضركم ) وردت فيه قراءتان سبعيتان : # إحداهما : بضم الضاد وضم الراء مع التشديد من ضر يضر. # والثانية : ( @QUR@02 لا يضركم ) بكسر الضاد وسكون الراء من ضار يضير. ~~والفعل في كليهما مجزوم جوابا للشرط ، وجزمه على القراءة الثانية «يضركم» ~~ظاهر ، وعلى القراءة الأولى «يضركم» يكون مجزوما بسكون مقدر على آخره منع ~~من ظهوره اشتغال المحل بحركة الإتباع للتخلص من التقاء الساكنين ، وأصل ~~الفعل يضرركم بوزن ينصركم نقلت حركة الراء الأولى إلى الضاد ثم أدغمت في ~~الثانية ، وحركت الثانية بالضم اتباعا لحركة الضاد» (1). # وقوله : ( @QUR@01 شيئا ) نصب على المصدرية. أى لا يضركم كيدهم شيئا من ~~الضرر لا قليلا ولا كثيرا بسبب اعتصامكم بالصبر والتقوى. # وقوله : ( @QUR@05 إن الله بما يعملون محيط ) تذييل قصد به إدخال ~~الطمأنينة على قلوب المؤمنين ، والرعب في قلوب أعدائهم .. أى إنه سبحانه ~~محيط بأعمالهم وبكل أحوالهم ، ولا تخفى عليه خافية منها ، وسيجازيهم عليها ~~بما يستحقونه من عذاب أليم بسبب نياتهم الخبيثة ، وأقوالهم الذميمة. ~~وأفعالهم القبيحة. # وبهذا نرى أن الآيات الكريمة قد نهت المؤمنين بأسلوب بليغ حكيم عن مصافاة ~~من يخالفونهم في الدين ، وذكرت لهم من صفات وأحوال هؤلاء المخالفين ما ~~يحملهم على منابذتهم والحذر منهم والبعد عنهم ، وأرشدتهم إلى ما يعينهم على ~~النصر عليهم وعلى التخلص من آثار مكرهم وكيدهم. # وإنها لوصايا حكيمة وتوجيهات سديدة ، وإرشادات عالية ، ما أحوج المسلمين ~~في كل زمان ومكان إلى العمل بها لكي يفلحوا في دنياهم وآخرتهم. # تدبر معى أخى القارئ هذه الآيات مرة أخرى فما ذا ترى؟ # إنك تراها توجه إلى المؤمنين نداء محببا إلى نفوسهم ، محركا لحرارة ~~العقيدة في قلوبهم .. حيث نادتهم بصفة الإيمان ، ونهتهم ms0933 في هذا النداء عن ~~اتخاذ أولياء وأصفياء لهم من غير إخوانهم PageV02P240 # المؤمنين. ولكن هل اكتفت بهذا النهى مع أنه كفيل بحجز المؤمنين عما نهتهم عنه؟ # كلا ، إنها لم تكتف بذلك ، بل ساقت لهم صورة كاملة السمات لأحوال أعدائهم ~~، صورة ناطقة بدخائل نفوسهم ، وبمشاعرهم الظاهرة والخفية ، وبانفعالاتهم ~~القلبية والجسدية ، وبحركاتهم الذاهبة والآية ، صورة ناطقة بحالهم عند ما ~~يلتقون بالمؤمنين ، وبحالهم عند ما يفارقونهم ويخلون بأنفسهم ، أو عند ما ~~يلتقون بأمثالهم من الضالين. صورة ناطقة بسرورهم عند ما تصيب المسلمين ~~مصيبة ، وبحزنهم عند ما يرون المؤمنين في نعمة يسيرة. # صورة ناطقة بموقف المؤمنين منهم وبموقفهم هم من المؤمنين ثم بعد رسم هذه ~~الصورة العجيبة المتكاملة لهم ، يسوق القرآن للمؤمنين أسمى وأحكم ألوان ~~التوجيه والإرشاد الذي يجعلهم في مأمن من كيدهم ومكرهم ( @QUR@07 وإن ~~تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ). # أرأيت يا أخى كيف ربي القرآن أتباعه أكمل تربية وأحكمها وأسماها؟ إنه ~~نهاهم أولا عن مباطنة أعدائهم ، ثم ساق لهم بعد ذلك من أوصافهم وأحوالهم ما ~~يقنعهم ويحملهم على البعد عنهم ، ثم أرشدهم إلى الدواء الذي ينجيهم من مكرهم. # فما أحكمه من توجيه. وما أسماه من إرشاد ، وإن ذلك ليدل على أن هذا ~~القرآن من عند الله ( @QUR@010 ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا ) (1). # وإلى هنا تكون سورة آل عمران قد حدثتنا من بين ما حدثتنا في مائة وعشرين ~~آية منها ، عن بعض الأدلة على وحدانية الله تعالى ، وعن مظاهر قدرته ورحمته ~~، وعن كتبه التي أنزلها على أنبيائه لسعادة الناس وهدايتهم وعن حب الناس ~~للشهوات وعما هو أسمى وأفضل من هذه الشهوات الزائلة ، وعن المجادلات التي ~~حدثت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل الكتاب فيما يتعلق بوحدانية الله ~~تعالى وبصحة دين الإسلام ، وعن جوانب من قصة آل عمران وما اشتملت عليه من ~~عظات وعبر ، وعن الشبهات التي أثارها اليهود حول الدعوة الإسلامية والمسالك ~~الخبيثة التي سلكوها في حربهم لها وكيف رد القرآن عليهم بما يفضحهم ويكشف ~~عن كذبهم ، ويجعل ms0934 المؤمنين يزدادون إيمانا على إيمانهم. # والخلاصة أن السورة الكريمة من مطلعها إلى هنا قد ساقت من بين ما ساقت ~~ألوانا من الحرب النفسية التي شنها أهل الكتاب على الدعوة الإسلامية ، وردت ~~عليهم بما يخرس ألسنتهم ، ويبصرهم بالحق إن كانوا طلاب حق وساقت للمؤمنين ~~من التوجيهات والعظات ، ما يهدى قلوبهم ، ويصلح بالهم ويكفل لهم النصر على ~~أعدائهم. PageV02P241 # وبعد هذا السبح الطويل في الحديث عما دار بين المسلمين وبين أعدائهم من ~~حرب كلامية وفكرية ونفسية ... انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن حروب ~~السيف والسنان ، وما صاحبها من أفكار وأقوال وأفعال. # فقد حدثتنا السورة الكريمة في حوالى ستين آية عن جوانب متعددة من غزوة ~~«أحد» تلك الغزوة التي كانت لها آثارها الهامة في حياة المسلمين وأحوالهم. # ولعل من الخير قبل أن نبدأ في تفسير الآيات الكريمة التي وردت في سورة آل ~~عمران بشأن هذه الغزوة أن نسوق خلاصة تاريخية لهذه الغزوة تعين على فهم ~~الآيات المتعلقة بها ، فتقول : # كانت غزوة بدر من الغزوات المشهورة في تاريخ الدعوة الإسلامية ، فقد ~~انتصر المسلمون فيها انتصارا مؤزرا على كفار قريش. # وصمم المشركون على أن يأخذوا بثأرهم من المسلمين ، فجمعوا جموعهم ، ~~وخرجوا في جيش كبير ، ومعهم بعض نسائهم حتى يكون ذلك أبلغ في استماتة ~~الرجال في القتال. # ووصل مشركو قريش ومعهم حلفاؤهم إلى أطراف المدينة في أوائل شوال من السنة ~~الثالثة ، وكان عددهم يربو على ثلاثة آلاف رجل. # واستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في شأن هؤلاء المشركين الزاحفين ~~إلى المدينة. # فكان رأى بعضهم ومعظمهم من الشباب الخروج لملاقاة المشركين خارج المدينة. # وكان من رأى فريق آخر من الصحابة ، استدراج المشركين إلى أزقة المدينة ~~ومقاتلتهم بداخلها ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يميل إلى رأى هذا الفريق ، ~~إلا أنه آثر الأخذ برأى الفريق الأول الذي يرى أصحابه الخروج لملاقاة ~~المشركين خارج المدينة ، نظرا لكثرة عدد القائلين بذلك. # ثم دخل النبي صلى الله عليه وسلم بيته ، ثم خرج منه وقد لبس آلة حربه ، وشعر ~~بعض المسلمين أنهم ms0935 قد استكرهوا النبي صلى الله عليه وسلم على القتال ، فأظهروا ~~له الرغبة في النزول على رأيه ، إلا أنه لم يستجب لهم ، وقال كلمته التي ~~تعلم الناس الحزم وعدم التردد : «ما ينبغي لنبي لبس لأمته أن يضعها حتى ~~يحكم الله بينه وبين عدوه ، لقد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم إلا الخروج ، ~~فعليكم بتقوى الله والصبر عند البأس. وانظروا ما أمركم الله به فافعلوه». # ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم في ألف مقاتل من المسلمين حتى نزل قريبا من ~~جبل «أحد» إلا أن «عبد الله بن أبى بن سلول» انسحب في الطريق بثلث الناس ~~محتجا بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأخذ برأيه ، بل أخذ برأى غيره. # وعسكر المسلمون بالشعب من أحد ، جاعلين ظهرهم إلى الجبل ، ورسم النبي ~~صلى الله عليه وسلم الخطة PageV02P242 # لكسب المعركة ، فجاءت خطة محكمة رائعة. فقد وزع الرماة على أماكنهم ~~وكانوا خمسين راميا ، وقال لهم : «انضحوا الخيل عنا بالنبل ، لا يأتونا من ~~خلفنا. إن كانت لنا أو علينا فالزموا أماكنكم لا نؤتين من قبلكم». # وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال لهم : احموا ظهورنا ، وإن رأيتمونا ~~نقتل فلا تنصرونا. وإن رأيتمونا نغنم فلا تشركونا». # وأخيرا التقى الجمعان ، وأذن النبي صلى الله عليه وسلم لأتباعه أن يجالدوا ~~أعداءهم ، وأظهر المسلمون أسمى صور البطولة والإقدام ، وكان شعارهم في هذا ~~الالتحام «أمت أمت». # وما هي إلا جولات في أوائل المعركة ، حتى ولى المشركون المسلمين الأدبار ~~، ولم يغن عن المشركين شيئا ما كانت تقوم به نسوتهم من تحريض واستنهاض ~~للعزائم. # قال ابن إسحاق : ثم أنزل الله تعالى نصره ، وصدق وعده ، فحسوهم بالسيوف ~~حتى كشفوهم عن المعسكر ، وكانت الهزيمة لا شك فيها. # ورأى الرماة الهزيمة وهي تحل بقريش ، فتطلعت نفوسهم إلى الغنائم ، وحاول ~~أميرهم ، عبد الله بن جبير أن يمنعهم من ترك أماكنهم عملا بوصية رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلا أن معظمهم تركوا أماكنهم ونزلوا إلى ساحة المعركة ~~ليشاركوا في جمع الغنائم والأسلاب. # وأدرك خالد بن الوليد وكان ms0936 ما زال مشركا أن ظهور المسلمين قد انكشفت بترك ~~الرماة لأماكنهم ، فاهتبل الفرصة على عجل ، واستدار بمن معه من خيل ~~المشركين خلف المسلمين فأحدق بهم ، وأخذ في مهاجمتهم من مكان ما كانوا ~~ليظنوا أنهم سيهاجمون منه ، فقد كانوا يعتمدون على الرماة في حماية ظهورهم. # وعاد المشركون المنهزمون إلى مقاتلة المسلمين ، بعد أن رأوا ما فعله خالد ~~ومن معه. # واضطربت صفوف المسلمين للتحول المفاجئ الذي حدث لهم ، إلا أن فريقا منهم ~~أخذ يقاتل ببسالة وصبر. واستشهد عدد كبير منهم وهم يحاولون شق طريقهم. # وأصيب النبي صلى الله عليه وسلم خلال ذلك بجروح بالغة ، وأشيع أنه قد قتل ، ~~إلا أنه صلى الله عليه وسلم جعل يصيح بالمسلمين : إلى عباد الله ، إلى عباد ~~الله .. فاجتمع إليه نحو ثلاثين رجلا ، ودافعوا عنه دفاع الأبطال المخلصين .. # ومرت على المسلمين ساعة من أحرج الساعات في تاريخ الدعوة الإسلامية فقد ~~كان المشركون يهاجمون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعناد وحقد ، وكان ~~المسلمون مستميتين في الدفاع عن رسولهم صلى الله عليه وسلم وعن أنفسهم. PageV02P243 # وكان لهذه الاستماتة آثارها في تراجع المشركين ، وقد ظنوا أنهم قد أخذوا ~~بثأرهم من المسلمين ... # وخشي النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون تراجع المشركين من أجل مهاجمة ~~المدينة ، فقال لعلى بن أبى طالب : «اخرج في آثار القوم فانظر ما ذا ~~يصنعون؟ فإن هم جنبوا الخيل وامتطوا الإبل ، فإنهم يريدون مكة. وإن ركبوا ~~الخيل وساقوا الإبل ، فهم يريدون المدينة. فو الذي نفسي بيده لئن أرادوها ~~لأسيرن إليهم ، ثم لأناجزنهم فيها». # قال على : فخرجت في آثارهم فرأيتهم جنبوا الخيل ، وامتطوا الإبل ، ~~واتجهوا إلى مكة. # وعند ما انصرف أبو سفيان نادى : إن موعدكم بدر العام المقبل ، فقال ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه : قل له : نعم بيننا وبينك موعد. # وانتهت غزوة أحد باستشهاد حوالى سبعين صحابيا من بينهم حمزة بن عبد ~~المطلب ومصعب ابن عمير ، وسعد بن الربيع. وغيرهم من الأبطال الذين صدقوا ما ~~عاهدوا الله عليه. # وهذه خلاصة لأحداث غزوة أحد كما ms0937 روتها كتب السيرة. # والآن فلنول وجوهنا شطر القرآن الكريم ، لنتدبر حديثه الحكيم عن هذه ~~الغزوة ، ولنستمع إليه بقلوب واعية ، وآذان متفتحة ، وهو يبدأ حديثه عنها ~~فيقول : # ( @QUR@011 وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم ~~(121) @QUR@012 إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون (122) @QUR@010 ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا ~~الله لعلكم تشكرون (123) @QUR@013 إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ~~ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين (124) @QUR@015 بلى إن تصبروا وتتقوا ~~ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين PageV02P244 # (125) @QUR@017 وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر ~~إلا من عند الله العزيز الحكيم (126) @QUR@09 ليقطع طرفا من الذين كفروا أو ~~يكبتهم فينقلبوا خائبين (127) @QUR@012 ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم ~~أو يعذبهم فإنهم ظالمون (128) @QUR@016 ولله ما في السماوات وما في الأرض ~~يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم ) (129) # ففي هذه الآيات الكريمة التي بدأت السورة بها حديثها عن غزوة أحد ، تذكير ~~للمؤمنين بما وقع فيها حتى يعتبروا ويعتصموا بحبل الله جميعا ولا يتفرقوا. # وقوله تعالى : ( @QUR@01 غدوت ) من الغدو وهو الخروج في أول النهار ، ~~يقال : غدا يغدو من باب سما يسمو. # و ( @QUR@01 من ) في قوله : ( @QUR@02 من أهلك ) للابتداء. والمراد بأهله ~~، زوجه عائشة رضى الله عنها فقد كان خروجه لغزوة أحد من بيتها. والكلام على ~~حذف مضاف يدل عليه فعل ( @QUR@01 غدوت ) والتقدير : من بيت أهلك. # وقوله : ( @QUR@01 تبوئ ) أصله من التبوء وهو اتخاذ المنزل. يقال : بوأته ~~، وبوأت له منزلا ، أى : أنزلته فيه. والمراد به هنا تنظيم المؤمنين ~~وتسويتهم وتهيئتهم للقتال ، حتى يكونوا صفا واحدا كأنهم بنيان مرصوص. # والعامل في ( @QUR@01 إذ ) فعل مضمر تقديره ، واذكر. # والمعنى : واذكر لهم يا محمد ليعتبروا ويتعظوا وقت خروجك مبكرا من حجرة ~~زوجتك عائشة إلى غزوة أحد. # وقوله : ( @QUR@04 تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال ) أى تنزلهم وتسوى لهم ~~بالتنظيم والترتيب مواطن. # وأماكن للقتال ، بحيث يكونون في أحسن حال ، وأكمل استعداد لملاقاة ~~أعدائهم. # قال الجمل : «ويستعمل الفعل ( @QUR@01 غدوت ) بمعنى ms0938 صار عند بعضهم ، ~~فيكون ناقصا يرفع الاسم وينصب الخير .. وهذا المعنى ممكن هنا ، فالمعنى ~~عليه ، وإذ غدوت أى صرت تبوئ PageV02P245 # المؤمنين أى تنزلهم في منازل للقتال ، وهذا أظهر من الآخر ، لأن المذكور ~~في القصة أنه سار من عند أهله بعد صلاة الجمعة وبات في شعب أحد ، وأصبح ~~ينزل أصحابه في منازل القتال ويدبر لهم أمر الحرب» (1). # فالجملة الكريمة تشير إلى ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه قبل ~~أن تبدأ المعركة ، فقد اهتم بتنظيم صفوفهم ، وبرسم الخطة الحكيمة التي تكفل ~~لهم النصر ، وأمر الجيش كله ألا يتحرك للقتال إلا عند ما يأذن له بذلك ، ~~ولقد حدث أن بعض المسلمين من الأنصار استشرف للقتال وتمناه عند ما رأى ~~قريشا قد سرحت خيولها وإبلها في زروع المسلمين ، وقال للنبي ~~صلى الله عليه وسلم «أترعى زروع بنى قيلة يعنى الأنصار ولما تضارب»؟؟ إلا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم عن القتال إلا بعد إذنه. # وجملة ( @QUR@01 تبوئ ) حال من فاعل «غدوت». # والفعل ( @QUR@01 تبوئ ) يحتاج لمفعولين : # أولهما : قوله : ( @QUR@01 المؤمنين ). # وثانيهما : قوله : ( @QUR@01 مقاعد ) وقوله : ( @QUR@01 للقتال ) متعلق ~~بقوله : ( @QUR@01 تبوئ ). # والمراد بقوله : ( @QUR@02 مقاعد للقتال ) أى مراكز وأماكن ومواقف للقتال ~~بحيث يعرف كل مؤمن مكانه وموقفه فينقض منه على خصمه إلا أن القرآن الكريم ~~عبر عن هذه الأماكن والمراكز والمواقف بالمقاعد. للإشارة إلى وجوب الثبات ~~فيها كل يثبت القاعد في مكانه ، وأن عليهم ألا يبرحوا أماكنهم إلا بإذن ~~قائدهم صلى الله عليه وسلم . # وقد ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@03 والله سميع عليم ) لبيان أنه ~~مطلع على كل شيء ، وعلى ما كان يجرى بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أصحابه ~~من مشاورات ومناقشات. # فهو سبحانه ( @QUR@01 سميع ) لما نطقت به ألسنتهم ( @QUR@01 عليم ) بما ~~تخفيه صدورهم ، وسيجازى المؤمنين الصادقين بما يستحقون من ثواب ، وسيجازى ~~غيرهم من ضعاف الإيمان والمنافقين بما يستحقون من عقاب. # فالمقصود من هذه الجملة الكريمة غرس الرهبة في قلوب المؤمنين ، حتى لا ~~يعودوا إلى مثل ما حدث من بعضهم في غزوة أحد. حيث خالفوا وصية رسول ms0939 الله ~~صلى الله عليه وسلم ثم ذكر سبحانه ما راود قلوب بعض المؤمنين من ضعف وفشل ، ~~عند ما رأوا زعيم المنافقين عبد الله بن أبى ينخذل بثلث الجيش فقال تعالى : ~~( @QUR@012 إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون ). PageV02P246 # الهم : هو حديث النفس واتجاهها إلى شيء معين دون أن تأخذ في تنفيذه فإذا ~~أخذت في تنفيذه صار إرادة وعزما وتصميما. # وتفشلا : من الفشل والجبن والخور والضعف. يقال : فشل يفشل فشلا فهو فشل ~~أى جبان ضعيف القلب. # أى : واذكر لهم وقت أن همت طائفتان منكم يا معشر المؤمنين أن تفشلا ~~وتضعفا وتجبنا عن القتال في وقت الشديدة والكريهة. # وقوله : ( @QUR@02 والله وليهما ) أى ناصرهما ويتولى أمرهما. # وهاتان الطائفتان هما بنو سلمة من الخزرج ، وبنو حارثة من الأوس ، وكانتا ~~جناحي الجيش في يوم أحد. # روى الشيخان عن جابر رضى الله عنه قال : فينا نزلت ( @QUR@08 إذ همت ~~طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما ) قال : نحن الطائفتان : بنو حارثة ~~وبنو سلمة ، وما نحب أنها لم تنزل لقوله تعالى ( @QUR@02 والله وليهما ) (1). # أى : لفرط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء الله تعالى عليهم ، ~~وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية. وأن ما حدثوا به أنفسهم لم يخرجهم عن ~~ولايته سبحانه لأنهم لم ينساقوا وراء هذا الهم الباطل ، بل سرعان ما عادوا ~~إلى يقينهم وإيمانهم الصادق ، وطاعتهم لرسولهم صلى الله عليه وسلم . # ولذا قال صاحب الكشاف : والطائفتان حيان من الأنصار : بنو سلمة من الخزرج ~~وبنو حارثة من الأوس هموا باتباع عبد الله بن أبى عند ما انخذل بثلث الناس ~~وقال : يا قوم علام نقتل أنفسنا وأولادنا! فعصمهم الله فمضوا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم . # وعن ابن عباس قال : أضمروا أن يرجعوا ، فعزم الله لهم على الرشد فثبتوا. ~~والظاهر أنها ما كانت إلا همة وحديث نفس. كما لا تخلو النفس عند الشدة من ~~بعض الهلع ، ثم يردها صاحبها إلى الثبات والصبر ، ويوطنها على احتمال ~~المكروه. لو كانت عزيمة لما ثبتت معها الولاية» (2). # وقد ختم ms0940 سبحانه الآية بدعوة المؤمنين إلى التوكل عليه وحده فقال : ( ~~@QUR@04 وعلى الله فليتوكل المؤمنون ). PageV02P247 # والتوكل : تفعل من وكل فلان أمره إلى فلان. إذا اعتمد في كفايته عليه ولم ~~يتوله بنفسه. والتوكل الحقيقي إنما يكون بعد الأخذ بالأسباب التي شرعها ~~الله تعالى ثم بعد ذلك يترك الإنسان النتائج للخالق عز وجل يسيرها كيف يشاء. ~~والجملة الكريمة أفادت قصر التوكل على الله وحده ، كما يؤذن به تقديم الجار ~~والمجرور. # أى وعلى الله وحده لا على غيره فليكل المؤمنون أمورهم ، بعد اتخاذ ~~الأسباب التي أمرهم سبحانه باتخاذها ، فإنهم متى فعلوا ذلك تولاهم سبحانه ~~بتأييده ورعايته. # ثم ذكرهم سبحانه بفضله عليهم وتأييده لهم يوم غزوة بدر فقال تعالى : ( ~~@QUR@06 ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ). # وبدر : اسم لماء بين مكة والمدينة ، التقى عنده المسلمون والمشركون من ~~قريش في السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة ، وكان عدد المسلمين ~~ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا ، وكان عدد المشركين قريبا من ألف رجل ، ومع ذلك ~~كان النصر حليفا للمسلمين. والأذلة كما يقول الزمخشري : جمع قلة ، وجاء ~~بجمع القلة ليدل على أنهم على ذلتهم كانوا قليلين. وذلتهم : ما كان بهم من ~~ضعف الحال ، وقلة السلاح والمال والمركوب ، وذلك أنهم خرجوا على النواضح ~~يعتقب النفر منهم على البعير الواحد ، وما كان معهم إلا فرس واحد. وقلتهم : ~~أنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر ، وكان عدوهم في حال كثرة زهاء ألف مقاتل ~~ومعهم مائة فرس ، ومعهم الشكة والشوكة أى السلاح والقوة (1). # وإذن فليس المراد بكونهم أذلة أنهم كانوا أضعاف النفوس. أو كانوا راضين ~~بالهوان. وإنما المراد أنهم كانوا قليلي العدد والعدد ، فقراء في الأموال ~~وفي وسائل القتال. # وفي هذا التذكير لهم بما حدث في غزوة بدر ، تنبيه لهم إلى وجوب تفويض ~~أمورهم إلى خالقهم ، وإلى أن القلة المؤمنة التقية الصابرة كثيرا ما تنتصر ~~على الكثرة الفاسقة الظالمة ، ولذا فقد ختم سبحانه بقوله : ( @QUR@04 ~~فاتقوا الله لعلكم تشكرون ). # أى فاتقوا الله بأن تستشعروا هيبته ، وتجتنبوا ما نهاكم عنه ، وتفعلوا ما ~~أمركم به لعلكم بذلك تكونون قد ms0941 قمتم بواجب شكر ما أنعم به عليكم من نعم لا تحصى. # ثم ذكرهم سبحانه بما كان يوجهه إليهم النبي صلى الله عليه وسلم من توجيهات ~~سامية ، وإرشادات نافعة فقال تعالى : ( @QUR@013 إذ تقول للمؤمنين ألن ~~يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ). PageV02P248 # قال ابن كثير : اختلف المفسرون في هذا الوعد هل كان يوم بدر أو يوم أحد ~~على قولين؟ أحدهما : أن قوله تعالى : ( @QUR@03 إذ تقول للمؤمنين ) متعلق ~~بقوله ( @QUR@04 ولقد نصركم الله ببدر )، وهذا عن الحسن والشعبي والربيع ~~بن أنس وغيرهم. فعن الحسن في قوله : ( @QUR@05 إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم ~~)... إلخ قال : هذا يوم بدر. وعن الشعبي : أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن ~~كرز بن جابر يريد أن يمد المشركين برجال وسلاح فشق ذلك على المسلمين فأنزل ~~الله تعالى : ( @QUR@09 ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة ~~) إلى قوله : ( @QUR@01 مسومين ) قال : فبلغت كرزا الهزيمة فلم يمد ~~المشركين. # وقال الربيع بن أنس : أمد الله المسلمين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم ~~صاروا خمسة آلاف. # فإن قيل فكيف الجمع بين هذه الآية على هذا القول وبين قوله في قصة بدر ( ~~@QUR@05 إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم .. ) إلى قوله : ( @QUR@04 إن الله ~~عزيز حكيم ) (1). # فالجواب : أن التنصيص على الألف هاهنا لا ينافي الثلاثة الآلاف فما فوقها ~~لقوله تعالى : ( @QUR@01 مردفين ) بمعنى غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم. # وهذا السياق شبيه بالسياق في سورة آل عمران ، فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر ~~كما هو المعروف من أن قتال الملائكة إنما كان ببدر. # والقول الثاني يرى أصحابه أن هذا الوعد متعلق بقوله : ( @QUR@08 وإذ غدوت ~~من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال ) وذلك يوم أحد. وهو قول مجاهد وعكرمة ~~والضحاك وغيرهم. لكن قالوا : لم يحصل الإمداد بالخمسة الآلاف ، لأن ~~المسلمين يومئذ فروا. وزاد عكرمة : ولا بالثلاثة الآلاف لقوله تعالى : ( ~~@QUR@04 بلى إن تصبروا وتتقوا ) فلم يصبروا ، بل فروا فلم يمدوا بملك واحد ~~(2). ويبدو من كلام ابن كثير أنه يميل إلى أن هذا الوعد كان يوم بدر ، فقد ~~قال : فالظاهر أن ذلك ms0942 كان يوم بدر .. # وهذا ما تسكن إليه النفس : لأن الوعد بنصرة الملائكة للمؤمنين كان يوم ~~بدر لا يوم أحد ، فقد كانوا في بدر قليلي العدد والعدد ، وكانت غزوة بدر ~~أول معركة حربية كبرى يلتقى فيها المؤمنون بالكافرين ، ولأن سياق الآيات ~~يشعر بأن الله تعالى قد ساقها ليستحضر في أذهان المؤمنين مشهد غزوة بدر وما ~~تم فيها من نصر بسبب صدق إيمانهم ، وطاعتهم لنبيهم صلى الله عليه وسلم حتى لا ~~يعودوا إلى ما حدث من بعضهم في غزوة أحد من مخالفة للرسول صلى الله عليه وسلم . PageV02P249 # وعلى هذا الرأى يكون قوله تعالى : ( @QUR@03 إذ تقول للمؤمنين ) متعلقا ~~بقوله : ( @QUR@02 ولقد نصركم ) أى : اذكروا أيها المؤمنون أن الله تعالى ~~قد نصركم ببدر وأنتم قلة في العدد والعدة ، وكان رسولكم صلى الله عليه وسلم في ~~ذلك الوقت يقول لكم على سبيل التثبيت والتقوية : ( @QUR@010 ألن يكفيكم أن ~~يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ) أى منزلين من السماء لنصرتكم ~~وتقويتكم ودحر أعدائكم. # أما على الرأى القائل بأن هذا الوعد كان في غزوة أحد ، فيكون قوله تعالى ~~: ( @QUR@05 إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم ) إلخ. بدل من قوله تعالى قبل ذلك ~~: ( @QUR@08 وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال ). # قال الآلوسى : «والهمزة في قوله : ( @QUR@02 ألن يكفيكم ) لإنكار ألا ~~يكفيهم ذلك. وأتى بلن لتأكيد النفي ، وفيه إشعار بأنهم كانوا حينئذ ~~كالآيسين من النصر لقلة عددهم وعدتهم. وفي التعبير بعنوان الربوبية مع ~~الإضافة إلى ضمير المخاطبين ما لا يخفى من اللطف وتقوية الإنكار. وقوله : ( ~~@QUR@02 أن يمدكم ) في تأويل المصدر فاعل ( @QUR@01 يكفيكم ). و ( @QUR@02 ~~من الملائكة ) بيان أو صفة لآلاف أو لما أضيف إليه. و ( @QUR@01 منزلين ) ~~صفة لثلاثة آلاف ، وقيل حال من الملائكة» (1) وقوله تعالى : ( @QUR@04 بلى ~~إن تصبروا وتتقوا ) إما من تتمة مقوله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين ، وإما ~~ابتداء خطاب من الله تعالى تأييدا لقول نبيه صلى الله عليه وسلم وزيادة على ما ~~وعدهم تكرما وفضلا. # وقوله : ( @QUR@01 بلى ) إيجاب لما بعد «لن» أى ، بلى يكفيكم الإمداد ~~بثلاثة آلاف. ولكنه سبحانه يعدكم بأنكم ms0943 ( @QUR@02 إن تصبروا ) على قتال ~~أعدائكم وعلى ما أمركم الله بالصبر عليه ، وتتقوا. أى وتتقوا الله وتخشوه ~~وتجتنبوا معاصيه ( @QUR@04 ويأتوكم من فورهم هذا ) أى ويأتوكم المشركون ~~مسرعين ليحاربوكم ، وقد أعددتم أنفسكم لقتالهم ، إذا فعلتم ذلك. # ( @QUR@07 يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين )، أى يمددكم ربكم ~~بفضله ورعايته لكم بخمسة آلاف من الملائكة معلمين أنفسهم أو خيلهم بعلامات ~~مخصوصة. # وقرئ ( @QUR@01 مسومين ) بالفتح أى معلمين من جهته تعالى بعلامات القتال. ~~من التسويم وهو إظهار علامة الشيء. # قال صاحب الكشاف : وقوله ( @QUR@03 من فورهم هذا ) من قولك : قفل من ~~غزوته وخرج من فوره إلى غزوة أخرى ، وجاء فلان ورجع من فوره. ومنه قول أبى ~~حنيفة رحمه الله : الأمر على الفور لا على التراخي ، وهو مصدر من فارت القدر ~~إذا غلت ، فاستعير للسرعة ، ثم PageV02P250 # سميت به الحالة التي لا ريث فيها. فقيل : خرج من فوره كما تقول : خرج من ~~ساعته. والمعنى : أنهم يأتونكم من ساعتهم هذه» (1). # هذا ، وقد تكلم العلماء هنا عن أمرين يتعلقان بهذه الآيات. # أما الأمر الأول فهو : هل أمد الله تعالى المؤمنين في غزوة بدر بهذا ~~العدد الذي ذكر في هذه الآية؟. # والجواب على ذلك أن بعض المفسرين يرى أن الله تعالى قد أمد المؤمنين في ~~بدر بخمسة آلاف من الملائكة ، لأنهم صبروا واتقوا وأتاهم المشركون من مكة ~~فورا حين استنفرهم أبو سفيان لإنقاذ العير ، فكان المدد خمسة آلاف على سبيل ~~التدريج ، أى أمدوا أولا بألف ، ثم صاروا ألفين ، ثم صاروا ثلاثة آلاف. ثم ~~صاروا خمسة آلاف لا غير ، وإلى هذا الرأى ذهب الحسن وقتادة. # وقال الشعبي : إن المدد لم يزد على الألف ، لأن المسلمين كان قد بلغهم أن ~~كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين بسلاح وجند ، فشق ذلك على ~~المسلمين فأنزل الله تعالى : ( @QUR@05 ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم ) إلى ~~قوله ( @QUR@01 مسومين ) فبلغ كرزا الهزيمة فرجع ولم يمدهم ، فلم يمد الله ~~المسلمين بالخمسة الآلاف أيضا. أما ابن جرير فقد اختار أن المسلمين وعدوا ~~بالمدد بعد الألف ، ولا دلالة في الآية على ms0944 أنهم أمدوا بما زاد على ذلك ، ~~ولا على أنهم لم يمدوا به ، ولا يثبت شيء من ذلك إلا بنص. فقد قال رحمه الله : # «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله أخبر عن نبيه ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال للمؤمنين : ( @QUR@09 ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم ~~بثلاثة آلاف من الملائكة ) فوعدهم الله بثلاثة آلاف من الملائكة مددا له ثم ~~وعدهم بعد الثلاثة الآلاف خمسة آلاف ، إن صبروا لأعدائهم واتقوا الله ، ولا ~~دلالة في الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة الآلاف ، ولا بالخمسة الآلاف ؛ ولا ~~على أنهم لم يمدوا بهم. # وقد يجوز أن يكون الله تعالى أمدهم على نحو ما رواه الذين أثبتوا أنه ~~أمدهم ، وقد يجوز أن يكون لم يمدهم ، على نحو الذي ذكره من أنكر ذلك وغير ~~جائز أن يقال في ذلك قول إلا بخبر تقوم الحجة به ، ولا خبر به كذلك فنسلم ~~لأحد الفريقين قوله. غير أن في القرآن دلالة على أنهم أمدوا يوم بدر بألف. ~~وذلك قوله تعالى : ( @QUR@011 إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف ~~من الملائكة مردفين ). أما في أحد فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبين منها ~~في أنهم أمدوا ، PageV02P251 # ذلك لأنهم لو أمدوا لم يهزموا ونيل منهم ما نيل منهم» (1). # والذي نراه أن رأى ابن جرير هو أقرب الآراء إلى الصواب. # وأما الأمر الثاني فهو : إذا كان الله تعالى قد أمد المؤمنين بالملائكة ~~في بدر ، فهل كانت وظيفتهم القتال مع المؤمنين أو كانت وظيفتهم تثبيت ~~المؤمنين فقط؟ والجواب على ذلك أن كثيرا من العلماء يرى أن الملائكة قد ~~قاتلت مع المؤمنين. # قال القرطبي : تظاهرت الروايات بأن الملائكة حضرت يوم بدر وقاتلت. # ومن ذلك قول أبى أسيد مالك بن ربيعة وكان قد شهد بدرا : لو كنت معكم الآن ~~ببدر ومعى بصرى لأريتكم الشعب أى الطريق في الجبل الذي خرجت منه الملائكة ، ~~لا أشك ولا أمترى». # وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال : بينما رجل من المسلمين يوم بدر يشتد في ~~أثر رجل من المشركين أمامه ms0945 ، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول : ~~«أقدم حيزوم» (2). فنظر المسلم إلى المشرك أمامه فإذا هو قد خطم أنفه وشق ~~وجهه. فجاء المسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه بذلك فقال : صدقت ~~ذلك من مدد السماء الثالثة (3). # ويرى فريق آخر من العلماء أن الملائكة ما قاتلت مع المسلمين يوم بدر ، ~~وإنما أمد الله المؤمنين بالملائكة لتثبيت نفوسهم ، وتقوية قلوبهم ، ~~ولتخذيل المشركين ، وإلقاء الرعب في قلوبهم ، فقد قال تعالى ( @QUR@023 إذ ~~يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين ~~كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ). # ويبدو أن الإمام ابن جرير الطبري كان يميل إلى هذا الرأى فقد قال عند ~~تفسيره لقوله تعالى ( @QUR@03 فثبتوا الذين آمنوا ) أى : قووا عزائمهم ، ~~وصححوا نياتهم في قتال عدوهم من المشركين ، وقيل : كان ذلك بمعونتهم إياهم ~~بقتال أعدائهم». # وقد حكى الآلوسى عن أبى بكر الأصم أنه أنكر قتال الملائكة مع المؤمنين في ~~بدر وأنه قال : «إن الملك الواحد يكفى في إهلاك سائر الأرض كما فعل جبريل ~~بمدائن قوم لوط وأيضا أى فائدة في إرسال هذا الجمع من الملائكة معه وهو ~~القوى الأمين. وأيضا فإن أكابر الكفار الذين قتلوا في بدر عرف من قتلهم من ~~المسلمين». PageV02P252 # ولم يرتض الآلوسى ما قاله الأصم بل قال في الرد عليه : ولا يخفى أن هذه ~~الشبه لا يليق إيرادها بقوانين الشريعة ، ولا بمن يعترف بأنه سبحانه قادر ~~على ما يشاء فعال لما يريد ، فما كان يليق بالأصم إلا أن يكون أخرس عن ذلك. # ثم قال الآلوسى فالواجب التسليم بكل ممكن جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ~~وتفويض ذلك وكيفيته إلى الله تعالى (1). # ونرى من كلام الآلوسى أنه يرجح الرأى القائل بأن الملائكة قد قاتلت مع ~~المؤمنين في غزوة بدر. # ونحن لا نرى مانعا من اشتراك الملائكة مع المؤمنين في بدر لأن النصوص ~~الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم صريحة في ذلك ، ولسنا مع الذين يضعفون من ~~شأن الأحاديث الصحيحة أو ms0946 يؤولونها تأويلا لا يتفق مع العقل السليم. # ولقد سئل الإمام السبكى : ما الحكمة في قتال الملائكة مع أن جبريل قادر ~~على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه؟. # فأجاب : بأن ذلك لإرادة أن يكون الفضل للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~وتكون الملائكة مددا على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب التي أجراها ~~سبحانه في عباده (2). # ثم تابع القرآن حديثه عن مظاهر فضل الله عليهم ورعايته لهم فقال تعالى ( ~~@QUR@09 وما جعله الله إلا بشرى لكم ، ولتطمئن قلوبكم به ). # أى وما جعل الله تعالى الإمداد الذي أمدكم به إلا بشارة لقلوبكم ، ~~وتطمينا لنفوسكم فالضمير في ( @QUR@01 جعله ) يعود إلى الإمداد المفهوم وهو ~~الفاعلي المقدر المدلول عليه بقوله «أن يمدكم» فكأنه قيل : ألن يكفيكم ~~إمداد الله تعالى لكم بما ذكر ، وما جعل الله تعالى ذلك الإمداد إلا بشرى ~~لكم ، ولتسكن قلوبكم به فلا تخافوا كثرة العدو ، بل تقدمون عليه بعزائم ~~ثابتة ، ونفوس قوية. # وقوله ( @QUR@01 بشرى ) مفعول لأجله. والاستثناء مفرغ من أعم العلل ، أى ~~ما جعل الله إمدادكم بإنزال الملائكة لشيء من الأشياء إلا للبشارة لكم ~~بأنكم ستنتصرون على أعدائكم. # وقوله ( @QUR@03 لتطمئن قلوبكم به ) معطوف على ( @QUR@01 بشرى ) باعتبار ~~موضعه أى ما جعل إمدادكم إلا للبشرى والطمأنينة. PageV02P253 # وإنما جر المصدر المؤول من قوله ( @QUR@01 ولتطمئن ) باللام لاختلال شرط ~~من شروط نصبه على أنه مفعول لأجله ، وهذا الشرط هو عدم اتحاد الفاعل. فإن ~~فاعل الجعل هو الله تعالى ، وفاعل الاطمئنان القلوب ، فلذلك نصب المعطوف ~~عليه وهو ( @QUR@01 بشرى ) لاستكمال شروطه. وجر المعطوف وهو ( @QUR@01 ~~ولتطمئن ) لاختلال شرط من شروطه. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@08 وما النصر إلا من عند الله العزيز ~~الحكيم ). # أى ليس النصر إلا من الله وحده فهو العزيز الذي لا يغالب في أمره. الحكيم ~~الذي يفعل كل ما يريد فعله حسبما تقتضيه إرادته. # فالجملة الكريمة المقصود منها غرس الاعتماد على الله في قلوب المؤمنين ~~وتفويض أمورهم إليه ، وبيان أن النصر إنما هو من الله وحده ، وليس من ~~الملائكة أو من غيرهم ، لأن الملائكة أو غيرهم أسباب عادية ms0947 بمعزل عن ~~التأثير ، إلا إذا أراد الله ذلك. فهو الخالق للأسباب والمسببات. # ولقد حرص القرآن في كثير من آياته على تثبيت هذا المعنى في قلوب المؤمنين ~~حتى لا يعتمدوا على الأسباب والوسائل التي بين أيديهم ، ويغتروا بها ، دون ~~أن يلتفتوا إلى قدرة خالق الأسباب والوسائل ، فإنهم إذا اغتروا بالأسباب ~~والوسائل ، ونسوا خالقها أتاهم الفشل من حيث لم يحتسبوا وكان أمرهم فرطا. # والعاقل من الناس هو الذي يباشر الأسباب التي شرعها الله تعالى بتدبر ~~واعتبار بحيث يوقن أن من ورائها خالقا لها ، يجب أن يستجيب له في كل ما أمر ~~أو نهى ، وأن يعتمد عليه في كل شئونه وأحواله. # ثم بين سبحانه الحكمة من هذا النصر والثمرات التي ترتبت عليه فقال تعالى ~~: ( @QUR@021 ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين* ليس لك ~~من الأمر شيء ، أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ). # وقوله ( @QUR@07 ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم ) متعلق بقوله ( ~~@QUR@06 ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ) وما بينهما تحقيق لحقيته ، ~~وبيان لكيفية وقوعه. # والقطع كما يقول الراغب فصل الشيء مدركا بالبصر كالأجسام ، أو مدركا ~~بالبصيرة كالأشياء المعقولة والمراد به هنا الإهلاك والقتل. # والطرف بفتح الراء جانب الشيء أو الجزء المتطرف منه كاليدين والرجلين ~~والرأس. والمراد به هنا طائفة من المشركين. # والكبت في اللغة : صرع الشيء على وجهه. يقال : كبته فانكبت ، والمراد به ~~هنا الإخزاء PageV02P254 # والإذلال وشدة الغيظ بسبب ما أصابهم من هزيمة. # وخائبين من الخيبة وهي انقطاع الأمل في الحصول على الشيء. يقال : خاب ~~يخيب إذا لم ينل ما طلب. # والمعنى : ولقد نصركم الله تعالى ببدر وأنتم في قلة من العدد والعدة ( ~~@QUR@05 ليقطع طرفا من الذين كفروا ) أى ليهلك طائفة من الذين كفروا ~~ويستأصلهم بالقتل. وينقص من أرضهم بالفتح ، ومن سلطانهم بالقهر ، ومن ~~أموالهم بالغنيمة ( @QUR@02 أو يكبتهم ) أى يذلهم ويخزيهم ويغيظهم غيظا ~~شديدا بسبب ما نزل بهم من هزيمة ، حتى يخبو صوت الكفر ، ويعلو صوت الإيمان : # وقوله ( @QUR@02 فينقلبوا خائبين ) أى فينهزموا ويرتدوا على أدبارهم ~~منقطعي الآمال ، غير ظافرين ms0948 بمبتغاهم. # قال الآلوسى : «ولم يعبر عن تلك الطائفة بالوسط بل بالطرف فقال ( @QUR@02 ~~ليقطع طرفا ) لأن أطراف الشيء يتوصل بها إلى توهينه وإزالته. وقيل : لأن ~~الطرف أقرب إلى المؤمنين فهو كقوله تعالى ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا ~~قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ). وقيل للإشارة إلى أنهم كانوا أشرافا ، ~~ومنه قولهم : هو من أطراف العرب أى من أشرافهم ، ولعل إطلاق الأطراف على ~~الأشراف لتقدمهم في السير .. فالمعنى ليهلك صناديد الذين كفروا ورؤساءهم ~~المتقدمين فيهم بالقتل والأسر. وقد وقع ذلك في بدر فقد قتل المؤمنون من ~~المشركين سبعين وأسروا سبعين» (1). # و ( @QUR@01 أو ) في قوله ( @QUR@02 أو يكبتهم ) للتنويع. لأن القطع ~~والكبت قد وقعا للمشركين ، فهي مانعة خلو ، أى لا يخلو أمر الكافرين من ~~الهلاك والكبت. # وعبر عن عودتهم خائبين بقوله ( @QUR@02 فينقلبوا خائبين ) للإشارة إلى أن ~~مقاصدهم وأهدافهم قد انقلبت ، فقد كانوا يقصدون إطفاء نور الإسلام فخاب ~~قصدهم ، وطاش سهمهم ، وعادوا وقد فقدوا الكثيرين من وجوههم وصناديدهم ، ~~وتركوا خلفهم في الأسر العشرات من رجالهم. # أما الإسلام فقد ازداد نوره تألقا ، وازداد أتباعه إيمانا على إيمانهم. ~~ورزقهم الله تعالى نصره المبين. # وقوله ( @QUR@05 ليس لك من الأمر شيء ) أى : ليس لك من أمر الناس شيء ، ~~وإنما أمرهم إلى الله وحده ، أما أنت فوظيفتك التبليغ والإرشاد ثم بعد ذلك ~~من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. PageV02P255 # وقوله ( @QUR@03 أو يتوب عليهم ). أى مما هم فيه من الكفر فيهديهم إلى ~~الإسلام بعد كفرهم وضلالهم. # وقوله ( @QUR@04 أو يعذبهم فإنهم ظالمون ) أى أو يعذبهم في الدنيا ~~والآخرة على كفرهم واجتراحهم للسيئات ، فإنهم بذلك يكونون مستحقين للعقاب ، ~~وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ، فهم الذين صموا آذانهم عن الحق ~~واستحبوا العمى على الهدى. # وعلى هذا يكون قوله تعالى ( @QUR@05 ليس لك من الأمر شيء ) جملة معترضة ~~بين المتعاطفات ويكون تقدير الآيتين هكذا : # ولقد نصركم الله ببدر ليهلك طائفة من الذين كفروا بالقتل والأسر ، أو ~~يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة ، أو يتوب عليهم إن أسلموا ، أو يعذبهم في الدنيا ~~والآخرة بسبب ظلمهم ، وليس لك من أمرهم شيء ، إنما ms0949 أنت رسول من عند الله ~~تعالى مأمور بإنذارهم وجهادهم. # وقد رجح هذا الوجه صاحب الكشاف فقال : وقوله : ( @QUR@05 ليس لك من الأمر ~~شيء ) اعتراض. والمعنى أن الله مالك أمرهم ، فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو ~~يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا على الكفر ، وليس لك من أمرهم شيء ~~إنما أنت عبد مبعوث لإنذارهم ومجاهدتهم .. # وقيل إن ( @QUR@01 أو ) بمعنى «إلا أن» كقولك : لألزمنك أو تقضيني حقي ، ~~على معنى ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب عليهم فتفرح بحالهم ، أو يعذبهم ~~فتتشفى منهم (1). # فأنت ترى أن الآيتين الكريمتين قد بينتا أحوال الكافرين في غزوة بدر أكمل ~~بيان ، لأن فريقا منهم قد قتلوا فقطع بهم طرف من الكافرين ، وفريقا كبتوا ~~وذلوا ، وفريقا من الله عليهم بالإسلام فأسلموا ، وفريقا عذبوا بالموت على ~~الكفر أو عذبوا في الدنيا بالذل والصغار. # و «أو» التي جيء بها بين هذه الجمل للتقسيم. # هذا ، وقد روى المفسرون في سبب نزول قوله تعالى ( @QUR@05 ليس لك من ~~الأمر شيء ) روايات منها ما أخرجه مسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كسرت رباعيته يوم أحد وشج في وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال : كيف يفلح ~~قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم عز وجل فأنزل الله تعالى ( ~~@QUR@012 ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ). # ومنها ما أخرجه البخاري عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~إذا أراد أن يدعو على أحد أو PageV02P256 # يدعو لأحد قنت بعد الركوع فربما قال إذا قال سمع الله لمن حمده : «اللهم ~~ربنا ولك الحمد. اللهم أنج الوليد بن الوليد. وسلمة بن هشام ، وعياش بن أبى ~~ربيعة ، اللهم اشدد وطأتك على مضر ، واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف» يجهر ~~بذلك. وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر : اللهم العن فلانا وفلانا ~~«لأحياء من العرب» حتى أنزل الله تعالى : ( @QUR@05 ليس لك من الأمر شيء ) (1). # ثم ختم سبحانه هذا التذكير بما جرى في غزوة بدر ms0950 ببيان قدرته الشاملة ، ~~وإرادته النافذة فقال سبحانه : ( @QUR@016 ولله ما في السماوات وما في ~~الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم ). # أى الله جميع ما في السموات وما في الأرض ملكا وتصرفا وتدبيرا لا ينازعه ~~في ذلك منازع ولا يعارضه معارض ، وهو سبحانه يغفر لمن يشاء أن يغفر له من ~~المؤمنين فلا يعاقبه على ذنبه فضلا منه وكرما ، ويعذب من يشاء أن يعذبه ~~عدلا منه ( @QUR@02 والله غفور ) أى كثير المغفرة يحبها ويريدها ، ( ~~@QUR@01 رحيم ) أى واسع الرحمة بعباده ، لا يؤاخذهم بكل ما اكتسبوه من ذنوب ~~بل يعفو عن كثير منها. # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد افتتحت الحديث عن غزوة أحد باستحضار ~~بعض أحداثها ، وبتذكير المؤمنين بما هم به بعضهم قبل أن تبدأ المعركة ، ثم ~~بتذكيرهم بمعركة بدر وما تم لهم فيها من نصر مؤزر منحه الله لهم مع قلتهم ~~وضعفهم ، حتى يعرفوا أن النصر ليس بكثرة العدد والعدد وإنما النصر يتأتى مع ~~صفاء النفوس ، ونقاء القلوب ، ومضاء العزائم والطاعة التامة الله ولرسوله ~~صلى الله عليه وسلم ، وحتى لا يعودوا إلى ما حدث من بعضهم في غزوة أحد من ~~مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن طمع في زينة الحياة الدنيا. # وبعد هذا التذكير الحكيم والتوجيه السديد ، وجه القرآن نداء إلى المؤمنين ~~نهاهم فيه عن تعاطى الربا ، وأمرهم بتقوى الله وبطاعته وطاعة رسوله ~~صلى الله عليه وسلم وبالمسارعة إلى الأعمال الصالحة التي توصلهم إلى مغفرته ~~ورضوانه فقال تعالى : # ( @QUR@013 يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا أضعافا مضاعفة واتقوا ~~الله لعلكم تفلحون (130) @QUR@05 واتقوا النار التي أعدت للكافرين (131) ~~@QUR@05 وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون (132) PageV02P257 # @QUR@011 وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت ~~للمتقين (133) @QUR@013 الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ ~~والعافين عن الناس والله يحب المحسنين (134) @QUR@023 والذين إذا فعلوا ~~فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا ~~الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون (135) @QUR@015 أولئك جزاؤهم مغفرة ~~من ربهم وجنات تجري من تحتها ms0951 الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين ) (136) # قال الإمام الرازي ما ملخصه : اعلم أن من الناس من قال : إن الله تعالى ~~لما شرح عظيم نعمه على المؤمنين فيما يتعلق بإرشادهم إلى الأصلح لهم في أمر ~~الدين وفي أمر الجهاد ، أتبع ذلك بما يدخل في الأمر والنهى والترغيب ~~والترهيب فقال : ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا أضعافا ~~مضاعفة ). # وقال القفال : يحتمل أن تكون هذه الآية متصلة بما قبلها من جهة أن ~~المشركين في غزوة أحد أنفقوا على عساكرهم أموالا كثيرة جمعوها من الربا ، ~~ولعل ذلك يصير داعيا للمسلمين إلى الإقدام على الربا حتى يجمعوا المال ~~وينفقوه على العسكر ، ويتمكنوا من الانتقام منهم ، فلا جرم نهاهم الله عن ذلك. # وكان الرجل في الجاهلية إذا كان له على إنسان مائة درهم مثلا إلى أجل ، ~~فإذا حل الأجل ولم يكن المدين واجدا لذلك المال قال : زدني في المال حتى ~~أزيد في الأجل ، فربما جعله مائتين ، ثم إذا حل الأجل الثاني فعل مثل ذلك ~~ثم إلى آجال كثيرة ، فيأخذ بسبب تلك المائة أضعافها فهذا هو المراد من قوله ~~( @QUR@02 أضعافا مضاعفة ) (1). PageV02P258 # وقد ابتدأ سبحانه الآية بالنداء بقوله ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا ) ~~لبيان أن أكل الربا ليس من شأن المؤمنين ، وإنما هو من سمات الكافرين ~~والفاسقين. # وإذا كان الكافرون يستكثرون من تعاطى الربا فعلى المؤمنين أن يجتنبوا هذا ~~الفعل القبيح ، وأن يتحروا الحلال في كل أمورهم. # وخصه بالنهى لأنه كان شائعا في ذلك الوقت ، ولأنه كما يقول القرطبي هو ~~الذي أذن فيه بالحرب في قوله تعالى ( @QUR@08 فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من ~~الله ورسوله ) والحرب يؤذن بالقتل ، فكأنه يقول لهم : إن لم تتقوا الربا ~~هزمتم وقتلتم (1). # والمراد من الأكل الأخذ ، وعبر عنه بالأكل لما أنه معظم ما يقصد به ، ~~ولشيوعه في المأكولات مع ما فيه من زيادة التشنيع. # والربا معناه الزيادة ، والمراد بها هنا تلك الزيادة التي كانت تضاف على الدين. # قال الإمام ابن جرير : عن عطاء قال : كانت ثقيف تداين بنى المغيرة في ~~الجاهلية ، فإذا حل ms0952 الأجل قالوا : نزيدكم وتؤخرون. # وقال ابن زيد : كان أبى زيد بن ثابت يقول : إنما كان ربا الجاهلية في ~~التضعيف. يكون للرجل على الرجل دين فيأتيه إذا حل الأجل فيقول له : «تقضيني ~~أو تزيدني» (2). # وقوله ( @QUR@01 أضعافا ) حال من الربا ، وقوله ( @QUR@01 مضاعفة ) صفة له. # والأضعاف جمع ضعف. وضعف الشيء مثله ، وضعفاه مثلاه ، وأضعافه أمثاله. # وهذا القيد وهو قوله «أضعافا مضاعفة» ليس لتقييد النهى به ، أى ليس النهى ~~عن أكل الربا في هذه الحالة وإباحته في غيرها ، بل هذا القيد لمراعاة ~~الواقع ، ولبيان ما كانوا عليه في الجاهلية من التعامل الفاسد المؤدى إلى ~~استئصال المال ، ولتوبيخ من كان يتعاطى الربا بتلك الصورة البشعة. # وقد حرم الله تعالى أصل الربا ومضاعفته ، ونفر منه تنفيرا شديدا ، فقال ~~تعالى ( @QUR@025 الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه ~~الشيطان من المس ، ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع ~~وحرم الربا ). # وهذا النوع من الربا الذي نهى الله تعالى عنه هنا بقوله : ( @QUR@09 يا ~~أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا أضعافا مضاعفة ) هو الذي يسمى عند ~~الصحابة والفقهاء بربا النسيئة ، أو ربا الجاهلية PageV02P259 # وقد حرمه الإسلام تحريا قاطعا. فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم في خطبة ~~الوداع : «ألا إن ربا الجاهلية موضوع أى مهدر وأول ربا أبدأ به ربا عمى ~~العباس بن عبد المطلب.». # وقال الإمام أحمد بن حنبل : إن ربا النسيئة يكفر من يجحد تحريمه. # ويقابل هذا النوع من الربا ، ربا البيوع وهو الذي ورد في حديث النبي ~~صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه : «البر بالبر مثلا بمثل يدا بيد ، والذهب ~~بالذهب مثلا بمثل يدا بيد والفضة بالفضة مثلا بمثل يدا بيد والشعير بالشعير ~~مثلا بمصل يدا بيد ، والتمر بالتمر مثلا بمثل يدا بيد ، والملح بالملح مثلا ~~بمثل يدا بيد ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى». # وقد اتفق العلماء على أن بيع هذه الأصناف لا بد أن يكون بغير زيادة إذا ~~كانت بمثلها كقمح بقمح ، ولا بد من قبضها. وإذا اختلف ms0953 الجنس كقمح بشعير ~~جازت الزيادة ، ولا بد من القبض في المجلس ، والتأخير يسمى ربا النساء ، ~~والزيادة المحرمة تسمى ربا الفضل. # وللفقهاء في هذا الموضوع مباحث طويلة فليرجع إليها من شاء في مظانها. ثم ~~ختم سبحانه الآية الكريمة بأمر المؤمنين بخشيته وتقواه فقال : ( @QUR@04 ~~واتقوا الله لعلكم تفلحون ). # أى : واتقوا الله بأن تجعلوا بينكم وبين محارمه ساترا ووقاية ، لعلكم ~~بذلك تنالون الفلاح في الدنيا والآخرة. # ثم حذرهم سبحانه من الأعمال التي تفضى بهم إلى النار فقال : ( @QUR@05 ~~واتقوا النار التي أعدت للكافرين ). # أى : صونوا أنفسكم. واحترزوا من الوقوع في الأعمال السيئة كتعاطى الربا ~~وما يشابه ذلك ، لأن الوقوع في هذه الأعمال السيئة يؤدى بكم إلى دخول النار ~~التي هيئت للكافرين. # وفي التعقيب على النهى عن تعاطى الربا بتقوى الله وباتقاء النار ، إشعار ~~بأن الذي يأكل الربا يكون بعيدا عن خشية الله وعن مراقبته ، ويكون مستحقا ~~لدخول النار التي أعدها الله تعالى للكافرين والفاسقين عن أمره. # قال صاحب الكشاف : «كان أبو حنيفة إذا قرأ هذه الآية ( @QUR@05 واتقوا ~~النار التي أعدت للكافرين ) يقول : هي أخوف آية في القرآن ، حيث أوعد الله ~~المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه» (1). # ثم بعد هذا التحذير الشديد للمؤمنين من ارتكاب ما نهى الله عنه ، أمرهم ~~سبحانه بطاعته وطاعة رسوله فقال : ( @QUR@05 وأطيعوا الله والرسول لعلكم ~~ترحمون ). PageV02P260 # أى أطيعوا الله في كل ما أمركم به ونهاكم عنه ، وأطيعوا الرسول الذي ~~أرسله إليكم ربكم لهدايتكم وسعادتكم ، لعلكم بهذه الطاعة تكونون في رحمة من ~~الله ، فهو القائل وقوله الحق ( @QUR@06 إن رحمت الله قريب من المحسنين ). # وفي ذكر طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم مقترنة بطاعة الله تعالى تنبيه إلى ~~أن طاعة الرسول طاعة الله. فقد قال تعالى ( @QUR@012 من يطع الرسول فقد ~~أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا ) (1). # ثم أمرهم سبحانه بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة التي توصلهم إلى مغفرة ~~الله ورضوانه فقال : ( @QUR@011 وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها ~~السماوات والأرض أعدت للمتقين ). # قال الآلوسى : وسبب نزول هذه الآية ms0954 على ما أخرجه عبد بن حميد وغيره عن ~~عطاء بن أبى رباح : أن المسلمين قالوا : يا رسول الله. بنو إسرائيل كانوا ~~أكرم على الله منا ، كانوا إذا أذنب أحدهم ذنبا أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة في ~~عتبة داره اجدع أنفك ، اجدع أذنك ، افعل كذا وكذا فسكت صلى الله عليه وسلم ~~فنزلت هذه الآيات إلى قوله ( @QUR@04 والذين إذا فعلوا فاحشة ) الآية فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم ألا أخبركم بخير من ذلكم ثم تلاها عليهم» (2). # وقوله : ( @QUR@05 سارعوا إلى مغفرة من ربكم ) من السرعة بمعنى المبادرة ~~إلى الشيء بدون تأخير أو تردد. والكلام على حذف مضاف : أى سارعوا وبادروا ~~إلى ما يوصلكم إلى ما به تظفرون بمغفرة ربكم ورحمته ورضوانه وجنته ، بأن ~~تقوموا بأداء ما كلفكم به من واجبات ، وتنتهوا عما نهاكم عنه من محظورات. # ولقد قرأ نافع وابن عامر بغير واو ، وهي قراءة أهل المدينة والشام. ~~والباقون بالواو ، وهي قراءة أهل مكة والعراق. # فمن قرأ بالواو ، جعل قوله تعالى ( @QUR@01 وسارعوا )، معطوفا على قوله ~~( @QUR@01 وأطيعوا ) أى : أطيعوا الله والرسول وسارعوا إلى مغفرة من ربكم. # ومن قرأ بغير واو جعل قوله «سارعوا» مستأنفا ، إذ هو بمنزلة البيان أو ~~بدل الاشتمال. # و ( @QUR@01 من ) في قوله ( @QUR@02 من ربكم ) ابتدائية ، والجار ~~والمجرور متعلق بمحذوف صفة للمغفرة أى مغفرة كائنة من ربكم .. # ولقد عظم سبحانه بذلك شأن هذه المغفرة التي ينبغي طلبها بإسراع ومبادرة ، ~~بأن جاء بها منكرة ، وبأن وصفها بأنها كائنة منه سبحانه هو الذي خلق الخلق ~~بقدرته ، ورباهم برعايته. PageV02P261 # ووصف سبحانه الجنة بأن عرضها السموات والأرض على طريقة التشبيه البليغ ، ~~بدليل التصريح بحرف التشبيه في قوله تعالى ( @QUR@010 سابقوا إلى مغفرة من ~~ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ) (1). # قال الفخر الرازي ما ملخصه : وفي معنى أن عرض الجنة مثل عرض السموات ~~والأرض وجوه منها : أن المراد لو جعلت السموات والأرضون طبقا طبقا ، بحيث ~~تكون كل واحدة من تلك الطبقات سطحا مؤلفا من أجزاء لا تتجزأ ، ثم وصل البعض ~~بالبعض طبقا واحدا لكان ذلك مثل عرض الجنة ، وهذا ms0955 غاية في السعة لا يعلمها ~~إلا الله. # ومنها أن المقصود المبالغة في وصف السعة للجنة ، وذلك لأنه لا شيء عندنا ~~أعرض منهما ونظيره قوله ( @QUR@06 خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ). ~~فإن أطول الأشياء بقاء عندنا هو السموات والأرض ، فخوطبنا على وفق ما ~~عرفناه ، فكذا هنا» (2). # وخص سبحانه العرض بالذكر ، ليكون أبلغ في الدلالة على عظمها واتساع طولها ~~، لأنه إذا كان عرضها كهذا ، فإن العقل يذهب كل مذهب في تصور طولها «لأن ~~العرض في العادة أقل من الطول. وذلك كقوله تعالى في صفة فرش الجنة ( ~~@QUR@06 متكئين على فرش بطائنها من إستبرق ) لأنه إذا كانت بطانة الفرش من ~~الحرير فكيف يكون ما فوق البطانة مما تراه الأعين؟. # قال القفال : ليس المراد بالعرض هاهنا ما هو خلاف الطول ، بل هو عبارة عن ~~السعة كما تقول العرب : بلاد عريضة ، ويقال هذه دعوى عريضة أى واسعة عظيمة. ~~والأصل فيه أن ما اتسع عرضه لم يضق ، وما ضاق عرضه دق ، فجعل العرض كناية ~~عن السعة». # قال ابن كثير : وقد روينا في مسند الإمام أحمد أن هرقل كتب إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول : «إنك دعوتني إلى جنة عرضها السموات والأرض فأين ~~النار؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : سبحان الله فأين الليل إذا جاء ~~النهار». # وعن أبى هريرة أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أرأيت قوله ~~تعالى : ( @QUR@04 جنة عرضها السماوات والأرض ) فأين النار قال : أرأيت ~~الليل إذا جاء لبس كل شيء فأين النهار؟ # قال : حيث شاء الله فقال صلى الله عليه وسلم : «وكذلك النار تكون حيث شاء ~~الله» (3). # وقوله تعالى ( @QUR@02 أعدت للمتقين ) أى هيئت للمتقين الذين صانوا ~~أنفسهم عن محارم الله ، وجعلوا بينهم وبينها وقاية وساترا ، وخافوا مقام ~~ربهم ونهوا أنفسهم عن الهوى. PageV02P262 # ثم بين سبحانه صفات المتقين الذين يصلحون في الأرض ولا يفسدون ، والذين ~~أعد لهم سبحانه جنته فقال تعالى ( @QUR@05 الذين ينفقون في السراء والضراء ~~) أى الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله في جميع أحوالهم ، فهم ~~يبذلونها ابتغاء وجه ربهم ms0956 في حال يسرهم وفي حال عسرهم ، وفي حال سرورهم وفي ~~حال حزنهم ، وفي حال صحتهم وفي حال مرضهم ، لا يصرفهم صارف عن إنفاق ~~أموالهم في وجوه الخير ما داموا قادرين على ذلك. # وقوله ( @QUR@02 الذين ينفقون ) في محل جر صفة للمتقين. ويجوز أن يكون في ~~محل نصب أو رفع على القطع المشعر بالمدح. # وقال ( @QUR@01 ينفقون ) بالفعل المضارع ، للإشارة بأنهم يتجدد إنفاقهم ~~في سبيل الله آنا بعد آن بدون انقطاع. # وقدم الإنفاق على غيره من صفاتهم لأنه وصف إيجابى يدل على صفاء نفوسهم ، ~~وقوة إخلاصهم ، فإن المال شقيق الروح ، فإذا أنفقوه في حالتي السراء ~~والضراء كان ذلك دليلا على التزامهم العميق لتعاليم دينهم وطاعة ربهم. # وقد مدح الله تعالى الذين ينفقون أموالهم في سبيله في عشرات الآيات من ~~كتابه ، ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@024 مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل ~~الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ، والله يضاعف لمن ~~يشاء والله واسع عليم ) (1) أما الصفتان الثانية والثالثة من صفات هؤلاء ~~المتقين فهما قوله تعالى : ( @QUR@05 والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ). # أى سارعوا أيها المؤمنون إلى العمل الصالح الذي يوصلكم إلى جنة عظيمة ~~أعدها الله تعالى لمن يبذلون أموالهم في السراء والضراء ، ولمن يمسكون ~~غيظهم ، ويمتنعون عن إمضائه مع القدرة عليه ، ولمن يغضون عمن أساء إليهم ، ~~فالمراد بكظم الغيظ حبسه وإمساكه. يقال : كظم فلان غيظه إذا حبسه ولم يظهره ~~مع قدرته على إيقاعه بمن أغضبه. ويقال : كظم البعير جرته ، إذا ردها وكف عن ~~الاجترار. وكظم القربة : إذا ملأها وشد على فمها ما يمنع من خروج ما فيها. # وقد ساق ابن كثير جملة من الأحاديث التي وردت في فضل كظم الغيظ والعفو عن ~~الناس ومن ذلك ما رواه الشيخان عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال : «ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». # وروى الإمام أحمد بسنده عن حارثة بن قدامة السعدي أنه سأل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال : PageV02P263 # يا رسول الله ms0957 : قل لي قولا ينفعني وأقلل على لعل أعقله : فقال له : «لا ~~تغضب» فأعاد عليه حتى أعاد عليه مرارا كل ذلك يقول : «لا تغضب». # وعن أبى بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «من سره أن يشرف له ~~البنيان وترفع له الدرجات فليعف عن من ظلمه ويعط من حرمه ، ويصل من قطعه» (1). # وكظم الغيظ والعفو عن الناس هاتان الصفتان إنما تكونان محمودتين عند ما ~~تكون الإساءة متعلقة بذات الإنسان ، أما إذا كانت الإساءة متعلقة بالدين ~~بأن انتهك إنسان حرمة من حرمات الله ففي هذه الحالة يجب الغضب من أجل حرمات ~~الله ، ولا يصح العفو عمن انتهك هذه الحرمة. # فلقد وصفت السيدة عائشة النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كان لا يغضب لنفسه ~~فإذا انتهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء. # وقوله : ( @QUR@03 والله يحب المحسنين ) تذييل مقرر لمضمون ما قبله. # والإحسان معناه الإتقان والإجادة. وأل في المحسنين إما للجنس أى والله ~~تعالى يحب كل محسن في قوله وعمله ، ويكون هؤلاء الذين ذكر الله صفاتهم ~~داخلين دخولا أوليا. # وإما أن تكون للعهد فيكون المعنى : والله تعالى يحب هؤلاء المحسنين الذين ~~من صفاتهم أنهم ينفقون أموالهم في كل حال من أحوالهم ، ويكظمون غيظهم ، ~~ويعفون عمن ظلمهم. # أما الصفة الرابعة من صفات هؤلاء المتقين فقد ذكرها سبحانه في قوله : ( ~~@QUR@023 والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا ~~لذنوبهم ، ومن يغفر الذنوب إلا الله ، ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ). # والفاحشة من الفحش وهو مجاوزة الحد في السوء. والمراد بها الفعلة البالغة ~~في القبح كالزنا والسرقة وما يشبههما من الكبائر. # والمعنى : سارعوا أيها المؤمنون إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدها ~~خالقكم عز وجل للمتقين الذين من صفاتهم أنهم ينفقون أموالهم في السراء ~~والضراء ، ويكظمون غيظهم ، ويعفون عن الناس ، وأنهم إذا فعلوا فعلة فاحشة ~~متناهية في القبح ، أو ظلموا أنفسهم ، بارتكاب أى نوع من أنواع الذنوب ~~«ذكروا الله» أى تذكروا حقه العظيم ، وعذابه PageV02P264 # الشديد ، وحسابه العسير للظالمين يوم القيامة «فاستغفروا لذنوبهم» ms0958 أى ~~طلبوا منه سبحانه المغفرة لذنوبهم التي ارتكبوها ، وتابوا إليه توبة صادقة نصوحا. # وعلى هذا يكون قوله تعالى ( @QUR@03 والذين إذا فعلوا ) معطوفا على الصفة ~~الأولى من صفات المتقين ، ويكون قوله تعالى ( @QUR@03 والله يحب المحسنين ) ~~جملة معترضة بين الصفات المتعاطفة. # قال الفخر الرازي : واعلم أن وجه النظم من وجهين : # الأول : أنه تعالى لما وصف الجنة بأنها معدة للمتقين بين أن المتقين ~~قسمان : # أحدهما : الذين أقبلوا على الطاعات والعبادات ، وهم الذين وصفهم بالإنفاق ~~في السراء والضراء ، وكظم الغيظ والعفو عن الناس. # وثانيهما : الذين أذنبوا ثم تابوا وهو المراد بقوله تعالى ( @QUR@04 ~~والذين إذا فعلوا فاحشة ) وبين سبحانه أن هذه الفرقة كالفرقة الأولى في ~~كونها متقية .. # والوجه الثاني : أنه في الآية الأولى ندب إلى الإحسان إلى الغير ، وندب ~~في هذه الآية إلى الإحسان إلى النفس ، فإن المذنب إذا تاب كانت توبته ~~إحسانا منه إلى نفسه» (1). # وقوله ( @QUR@03 أو ظلموا أنفسهم ) معطوف على قوله ( @QUR@02 فعلوا فاحشة ~~) من باب عطف العام على الخاص ، وهذا على تفسير الفاحشة بأنها كبائر الذنوب ~~، أما ظلم النفس فيتناول كل ذنب سواء أكان صغيرا أم كبيرا. # وبعضهم يرى أن الفاحشة وظلم النفس وجهان للمعصية لا ينفصلان عنها ، بمعنى ~~أن كل معصية لا تخلو منهما فهي فاحشة وظلم للنفس ، وعلى هذا تكون «أو» ~~بمعنى الواو. # ويكون المعنى : ومن يرتكب فاحشة ويظلم نفسه ، ويتذكر الله عند ارتكابها ~~فيعود إليه تائبا منيبا يكون من المتقين. # وفي التعبير بقوله : ( @QUR@08 إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا ~~الله ) بصيغة الشرط الجواب ، إشعار بوجوب اقتران الجواب بالشرط. أى أن ~~الشخص الذي يدخل في جملة المتقين هو الذي يعود إلى ربه تائبا فور وقوع ~~المعصية ، بحيث لا يسوف ولا يؤخر التوبة حتى إذا حضره الموت. قال : إنى تبت الآن. # وقوله : ( @QUR@05 ومن يغفر الذنوب إلا الله ) جملة معترضة بين قوله ( ~~@QUR@01 فاستغفروا ) وبين قوله ( @QUR@02 ولم يصروا ). PageV02P265 # والاستفهام في قوله : ( @QUR@05 ومن يغفر الذنوب إلا الله ) للإنكار ~~والنفي. # أى : لا أحد يقبل توبة التائبين ، ويغفر ذنوب المذنبين ، ويمسح خطايا ~~المخطئين ، إلا الله العلى ms0959 الكبير «الذي يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ~~، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ، ويتوب الله على من تاب» كما جاء في ~~الحديث الشريف ولذا قال صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الجملة ما ملخصه : في ~~هذه الجملة وصف لذاته تعالى بسعة الرحمة ، وقرب المغفرة ، وأن التائب من ~~ذنبه كمن لا ذنب له ، وأنه لا مفزع للمذنبين إلا فضله وكرمه. وفيها تطييب ~~لنفوس العباد ، وتنشيط للتوبة ، وبعث عليها ، وردع عن اليأس والقنوط ، وأن ~~الذنوب وإن جلت فإن عفوه أجل ، وكرمه أعظم. والمعنى أنه وحده عنده مصححات ~~المغفرة ، وهذه جملة معترضة بين المعطوف ، والمعطوف عليه» (1). # وقوله ( @QUR@07 ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ) بيان لشروط ~~الاستغفار المقبول عند الله تعالى . # أى أن من صفات المتقين أنهم إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ، سارعوا ~~بالتوبة إلى الله تعالى ، ولم يصروا على الفعل القبيح الذي فعلوه ، وهم ~~عالمون بقبحه ، بل يندمون على ما فعلوا ، ويستغفرون الله تعالى مما فعلوا ، ~~ويتوبون إليه توبة صادقة. # وقوله ( @QUR@02 ولم يصروا ) معطوف على قوله ( @QUR@02 فاستغفروا لذنوبهم ). # وقوله ( @QUR@02 وهم يعلمون ) جملة حالية من فاعل «يصروا» أى ولم يصروا ~~على ما فعلوا وهم عالمون بقبحه. # ومفعول يعلمون محذوف للعلم به أى يعلمون سوء فعلهم ، أو يعلمون أن الله ~~يتوب على من تاب ، أو يعلمون عظم غضب الله على المذنبين الذين يداومون على ~~فعل القبائح دون أن يتوبوا إليه. # فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد فتحت باب التوبة أمام المذنبين ، ~~وحرضتهم على ولوجه بعزيمة صادقة ، وقلب سليم ، ولم تكتف بذلك بل بشرتهم ~~بأنهم متى أقلعوا عن ذنوبهم ، وندموا على ما فعلوا ، وعاهدوا الله على عدم ~~العودة على ما ارتكبوه من خطايا ، وردوا المظالم إلى أهلها ، فإن الله ~~تعالى يغفر لهم ما فرط منهم ، ويحشرهم في زمرة عباده المتقين. # إنه سبحانه لا يغلق في وجه عبده الضعيف المخطئ باب التوبة ، ولا يلقيه ~~حائرا منبوذا في ظلام المتاهات ، ولا يدعه مطرودا خائفا من المصير ، وإنما ~~يطمعه في مغفرته سبحانه PageV02P266 # ويرشده إلى أسبابها ، ويغريه ms0960 بمباشرة هذه الأسباب حتى ينجو من العقاب. # ولقد ساق سبحانه في عشرات الآيات ما يبشر التائبين الصادقين في توبتهم ~~بمغفرته ورحمته ورضوانه ، ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@055 والذين لا يدعون ~~مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ، ~~ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا. إلا ~~من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله ~~غفورا رحيما. ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا ) (1). # وقد وردت أحاديث كثيرة في هذا المعنى ومن ذلك ما رواه أبو داود والترمذي ~~عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما أصر ~~من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة» (2). # وقال القرطبي : وأخرج الشيخان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ~~«إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه». # وفي صحيح مسلم عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~«والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ، ولجاء بقوم يذنبون ~~ويستغفرون فيغفر لهم». # ثم قال القرطبي : «والذنوب التي يتاب منها إما كفر أو غيره فتوبة الكافر ~~إيمانه مع ندمه على ما سلف من كفره ، وغير الكفر إما حق الله تعالى وإما حق ~~لغيره ؛ فحق الله تعالى يكفى في التوبة منه الترك ، غير أن منها ما لم يكتف ~~الشرع فيها بمجرد الترك ، بل أضاف إلى ذلك في بعضها قضاء كالصلاة والصوم. ~~ومنها ما أضاف إليها كفارة كالحنث في الأيمان والظهار وغير ذلك وأما حقوق ~~الآدميين فلا بد من إيصالها إلى مستحقيها ، فإن لم يوجدوا تصدق عنهم ، ومن ~~لم يجد السبيل لخروج ما عليه لإعسار فعفو الله مأمول ، وفضله مبذول ، فكم ~~ضمن من التبعات ، وبدل من السيئات بالحسنات» (3). # ثم بين سبحانه عاقبة من هذه صفاتهم فقال : ( @QUR@015 أولئك جزاؤهم مغفرة ~~من ربهم ، وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين ). # أى ms0961 : أولئك الموصوفون بتلك الصفات السابقة من الإنفاق في السراء والضراء ~~، وكظم الغيظ ، والعفو عن الناس .. إلخ ( @QUR@05 أولئك جزاؤهم مغفرة من ~~ربهم ) تستر ذنوبهم ، وتمسح خطاياهم. PageV02P267 # وفي الإشارة إليهم بأولئك الدالة على البعد ، إشعار بعلو منزلتهم في ~~الفضل ، وسمو مكانتهم عند الله تعالى . # وقوله ( @QUR@05 وجنات تجري من تحتها الأنهار ) معطوف على ( @QUR@01 ~~مغفرة ) أى لهم بجانب هذه المغفرة جنات تجرى من تحت أشجارها وثمرها ~~الأنهار. # وقوله ( @QUR@02 خالدين فيها ) حال مقدرة من الضمير المجرور في ( @QUR@01 ~~جزاؤهم ) لأنه مفعول به في المعنى ، إذ هو بمعنى أولئك يجزيهم الله تعالى ~~جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها. فأنت ترى أن الله تعالى قد وعد ~~أصحاب هذه الصفات بأمور ثلاثة : # وعدهم بغفران ذنوبهم وهذا منتهى الأماني والآمال. # ووعدهم بإدخالهم في جناته التي يتوفر لهم فيها وتشتهيه الأنفس وتلذ ~~الأعين. # ووعدهم بالخلود في تلك الجنات حتى يتم لهم السرور والحبور. # وقوله تعالى ( @QUR@03 ونعم أجر العاملين ) تذييل قصد به مدح ما أعد لهم ~~من جزاء ، حتى يرغب في تحصيله العقلاء. # والمخصوص بالمدح محذوف أى ونعم أجر العاملين هذا الجزاء الذي وعدهم الله ~~به مغفرة وجنات خالدين فيها. # وبذلك نرى السورة الكريمة قبل أن تفصل الحديث عن غزوة أحد ، قد ذكرت ~~المؤمنين بطرف مما حدث من بعضهم فيها ، وبالنتائج الطيبة التي حصلوا عليها ~~من غزوة بدر ، ثم أمرتهم بتقوى الله ، وبالمسارعة إلى الأعمال الصالحة التي ~~توصلهم إلى رضاه. # ثم أخذت السورة الكريمة بعد ذلك تتحدث عن غزوة أحد وعن آثارها في نفوس ~~المؤمنين ، فبدأت بالإشارة إلى سنن الله في المكذبين بآياته ؛ لتخفف عن ~~المؤمنين مصابهم ، ثم أمرتهم بالصبر والثبات ونهتهم عن الوهن والجزع لأنهم ~~هم الأعلون. وإن تكن قد أصابتهم جراح فقد أصيب المشركون بأمثالها ، والله ~~تعالى فيما حدث في غزوة أحد حكم ، منها : تمييز الخبيث من الطيب ، وتمحيص ~~القلوب واتخاذ الشهداء ، ومحق الكافرين. # استمع إلى القرآن الكريم وهو يسوق تلك المعاني بأسلوبه الذي يبعث الأمل ~~في قلوب المؤمنين. ويرشدهم إلى ما يقويهم ويثبتهم ، ويمسح بتوجيهاته دموعهم ~~، ويخفف عنه ms0962 آلامهم فيقول : PageV02P268 # ( @QUR@013 قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة ~~المكذبين (137) @QUR@06 هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين (138) @QUR@09 ~~ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين (139) @QUR@024 إن ~~يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم ~~الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين (140) @QUR@06 ~~وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين (141) @QUR@013 أم حسبتم أن تدخلوا ~~الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين (142) @QUR@012 ~~ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون ) (143) # قال الفخر الرازي ما ملخصه : اعلم أن الله تعالى لما وعد على الطاعة ~~والتوبة من المعصية ، الغفران والجنات ، أتبعه بذكر ما يحملهم على فعل ~~الطاعة وعلى التوبة من المعصية. وهو تأمل أحوال القرون الخالية من المطيعين ~~والعاصين فقال : ( @QUR@05 قد خلت من قبلكم سنن ). # وأصل الخلو في اللغة : الانفراد. والمكان الخالي هو المنفرد عمن يسكن ~~فيه. ويستعمل أيضا في الزمان بمعنى المضي : لأن ما مضى انفرد عن الوجود ~~وخلا عنه ، وكذا الأمم الخالية. # والسنن جمع سنة وهي الطريقة المستقيمة والمثال المتبع. وفي اشتقاق هذه ~~اللفظة وجوه منها : أنها فعلة من سن الماء يسنه إذا والى صبه. والسن الصب ~~للماء. والعرب شبهت الطريقة المستقيمة بالماء المصبوب ، فإنه لتوالى أجزاء ~~الماء فيه على نهج واحد يكون كالشىء الواحد» (1). PageV02P269 # والمراد بالسنن هنا : وقائع في الأمم المكذبة ، أجراها الله تعالى على ~~حسب عادته ، وهي الإهلاك والدمار بسبب كفرهم وظلمهم وفسوقهم عن أمره. # والمعنى : إنه قد مضت وتقررت من قبلكم أيها المؤمنون سنن ثابتة ، ونظم ~~محكمة فيما قدره سبحانه من نصر وهزيمة ، وعزة وذلة ، وعقاب في الدنيا وثواب ~~فيها ، فالحق يصارع الباطل ، وينتصر أحدهما على الآخر بما سنه سبحانه من ~~سنة في النصر والهزيمة. # وقد جرت سننه سبحانه في خلقه أن يجعل العاقبة للمؤمنين الصادقين ، وأن ~~يملى للكافرين ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. # فإن كنتم في شك من ذلك أيها المؤمنون ( @QUR@08 فسيروا في الأرض فانظروا ~~كيف كان عاقبة المكذبين ). # أى : فسيروا ms0963 في الأرض متأملين متبصرين ، فسترون الحال السيئة التي انتهى ~~إليها المكذبون من تخريب ديارهم ، وبقايا آثارهم. # قالوا : وليس المراد بقوله ( @QUR@04 فسيروا في الأرض فانظروا ) الأمر ~~بذلك لا محالة ، بل المقصود تعرف أحوالهم ، فإن حصلت هذه المعرفة بغير ~~المسير في الأرض كان المقصود حاصلا ، ولا يمتنع أن يقال أيضا : إن لمشاهدة ~~آثار المتقدمين أثرا أقوى من أثر السماع كما قال الشاعر : # تلك آثارنا تدل علينا %~% فانظروا بعدنا إلى الآثار (1) # والتعبير بلفظ كيف الدال على الاستفهام ، المقصود به تصوير حالة هؤلاء ~~المكذبين التي تدعو إلى العجب ، وتثير الاستغراب ، وتغرس الاعتبار والاتعاظ ~~في قلوب المؤمنين ؛ لأن هؤلاء المكذبين. مكن الله لهم في الأرض ، ومنحهم ~~الكثير من نعمه. ولكنهم لم يشكروه عليها ، فأهلكهم بسبب طغيانهم. # فهذه الآية وأشباهها من الآيات ، تدعو الناس إلى الاعتبار بأحوال من ~~سبقوهم. وإلى الاتعاظ بأيام الله ، وبالتاريخ وما فيه من أحداث ، وبالآثار ~~التي تركها السابقون ، فإنها أصدق من رواية الرواة ومن أخبار المخبرين. # ثم قال تعالى ( @QUR@06 هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ). # والبيان : هو الدلالة التي تفيد إزالة الشبهة بعد أن كانت حاصلة. # والهدى : هو الإرشاد إلى ما فيه خير الناس في الحال والاستقبال. PageV02P270 # والموعظة : هي الكلام الذي يفيد الزجر عما لا ينبغي من الأمور الدينية أو ~~الدنيوية. # قالوا : فالحاصل أن البيان جنس تحته نوعان : # أحدهما : الكلام الهادي إلى ما ينبغي في الدين وهو الهدى. # والثاني : الكلام الزاجر عما لا ينبغي في الدين وهو الموعظة. فعطفهما على ~~البيان من عطف الخاص على العام» (1). # واسم الإشارة يعود إلى ما تقدم هذه الآية الكريمة من أوامر ونواه ، ومن ~~وعد ووعيد ، ومن حض على السير في الأرض للاعتبار والاتعاظ. # أى هذا الذي ذكرناه لكم من وعد ووعيد ، ومن أوامر ونواه ، ومن حض على ~~الاعتبار بأحوال المكذبين ، ( @QUR@02 بيان للناس ) يكشف لهم الحقائق ويرفع ~~عنهم الالتباس ( @QUR@01 وهدى ) يهديهم إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم ( ~~@QUR@01 وموعظة ) أى تخويف نافع ( @QUR@01 للمتقين ) الذين يعتبرون ~~بالمثلات ، وينتفعون بالعظات. # وقيل : إن اسم الإشارة يعود إلى القرآن. # أى هذا القرآن بيان ms0964 للناس وهدى وموعظة للمتقين. # وقد رجح ابن جرير الرأى الأول فقال : وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب ~~: قول من قال : قوله ( @QUR@01 هذا ) إشارة إلى ما تقدم هذه الآية من تذكير ~~الله عز وجل المؤمنين ، وتعريفهم حدوده ، وحضهم على لزوم طاعته ، والصبر على ~~جهاد أعدائه ، لأن قوله ( @QUR@01 هذا ) إشارة إلى حاضر إما مرئى وإما ~~مسموع وهو في هذا الموضع إلى حاضر مسموع من الآيات المتقدمة ، فمعنى الكلام ~~: هذا الذي أوضحت لكم وعرفتكموه بيان للناس» (2). # والمراد بالناس جميعهم ، إذ أن ما ساقه الله تعالى من دلالات وهدايات ~~وعظات هي للناس كافة ، إلا أن الذين ينتفعون بها هم المتقون ، لأنهم هم ~~الذين أخلصوا قلوبهم الله ، وهم الذين طلبوا الحق وسلكوا طريقه ... # والكلمة الهادية لا يستفيد بها إلا القلب المؤمن المفتوح للهدى ، والعظة ~~البالغة لا ينتفع بها إلا القلب الخاشع المنيب ، والناس في كل زمان ومكان ~~لا ينقصهم في الغالب العلم بالحق وبالباطل ، وبالهدى والضلال .... وإنما ~~الذي ينقصهم هو القلب السليم الذي يسارع إلى الحق فيعتنقه ويدافع عنه ~~بإخلاص وإصرار ، ولذا وجدنا القرآن في هذه الآية وفي عشرات PageV02P271 # الآيات غيرها يصرح بأن المنتفعين بالتذكير هم المتقون فيقول : ( @QUR@06 ~~هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ). # وبعد هذا البيان الحكيم ، يتجه القرآن إلى المؤمنين بالتثبيت والتعزية ~~فينهاهم عن أسباب الفشل والضعف ، ويأمرهم بالصمود وقوة اليقين. ويبشرهم ~~بأنهم هم الأعلون فيقول : ( @QUR@09 ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن ~~كنتم مؤمنين ). # وقوله ( @QUR@01 تهنوا ) من الوهن بسكون الهاء وفتحها وهو الضعف. وأصله ~~ضعف الذات كما في قوله تعالى حكاية عن زكريا : ( @QUR@06 قال رب إني وهن ~~العظم مني ) أى ضعف جسمي. # وهو هنا مجاز عن خور العزيمة ، وضعف الإرادة ، وانقلاب الرجاء يأسا ~~والشجاعة جبنا ، واليقين شكا ، ولذلك نهوا عنه. # وقوله ( @QUR@01 تحزنوا ) من الحزن وهو ألم نفسي يصيب الإنسان عند فقد ما ~~يحب أو عدم إدراكه ، أو عند نزول أمر يجعل النفس في هم وقلق. # والمقصود من النهى عن الوهن والحزن ، النهى عن سببهما وعن الاسترسال في ~~الألم مما أصابهم في غزوة ms0965 أحد. # والمعنى : لا تسترسلوا أيها المؤمنون في الهم والألم مما أصابكم في يوم ~~أحد ، ولا تضعفوا عن جهاد أعدائكم فإن الضعف ليس من صفات المؤمنين ، ولا ~~تحزنوا على من قتل منكم فإن هؤلاء القتلى من الشهداء الذين لهم منزلتهم ~~السامية عند الله. # وقوله ( @QUR@02 وأنتم الأعلون ) جملة حالية من ضمير الجماعة في ولا ~~تهنوا ولا تحزنوا والمقصود بها بشارتهم وتسليتهم وإدخال الطمأنينة على ~~قلوبهم. # أى لا تضعفوا ولا تحزنوا والحال أنكم أنتم الأعلون الغالبون دون عدوكم ~~فأنتم قد أصبتم منهم في غزوة بدر أكثر مما أصابوا منكم في غزوة أحد. وأنتم ~~تقاتلون من أجل إعلاء كلمة الله وهم يقاتلون في سبيل الطاغوت. # وأنتم سيكون لكم النصر عليهم في النهاية ، لأن الله تعالى قد وعدكم بذلك ~~فهو القائل : ( @QUR@011 إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ~~ويوم يقوم الأشهاد ) (1). # وقوله ( @QUR@03 إن كنتم مؤمنين ) جملة شرطية ، وجواب الشرط محذوف دل ~~عليه ما قبله. # أى : إن كنتم مؤمنين حقا فلا تهنوا ولا تحزنوا بل اعتبروا بمن سبقكم ولا ~~تعودوا لما وقعتم PageV02P272 # فيه من أخطاء فإن الإيمان يوجب قوة القلب ، وصدق العزيمة ، والصمود في ~~وجه الأعداء ، والإصرار على قتالهم حتى تكون كلمة الله هي العليا. # والتعليق بالشرط في قوله ( @QUR@03 إن كنتم مؤمنين ) المراد منه التهييج ~~لنفوسهم حتى يكون تمسكها بالإيمان أشد وأقوى ، إذ قد علم الله تعالى أنهم ~~مؤمنون ، ولكنهم لما لاح عليهم الوهن والحزن بسبب ما أصابهم في أحد صاروا ~~بمنزلة من ضعف يقينه ، فقيل لهم : إن كنتم مؤمنين حقا فاتركوا الوهن والحزن ~~وجدوا في قتال أعدائكم ، فإن سنة الله في خلقه اقتضت أن تصيبوا من أعدائكم ~~وأن تصابوا منهم إلا أن العاقبة ستكون لكم. # فالآية الكريمة تحريض للمؤمنين على الجهاد والصبر ، وتشجيع على القتال ~~وتسلية لهم عما أصابهم ، وبشارة بأن النصر في النهاية سيكون حليفهم. # ثم أضاف سبحانه إلى ذلك تسلية جديدة لهم ، فأخبرهم بأن ما أصابهم من جراح ~~وآلام قد أصيب أعداؤهم بمثله فقال تعالى : ( @QUR@08 إن يمسسكم قرح فقد مس ~~القوم قرح ms0966 مثله ). # فقال الفخر الرازي : واعلم أن هذا من تمام قوله تعالى ( @QUR@06 ولا ~~تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون ) فبين تعالى أن الذي يصيبهم من القرح لا ~~يصح أن يزيل جدهم واجتهادهم في جهاد العدو ، وذلك لأنه كما أصابهم ذلك فقد ~~أصاب عدوهم مثله قبل ذلك ، فإذا كانوا مع باطلهم وسوء عاقبتهم لم يفتروا ~~لأجل ذلك في الحرب ، فبأن لا يلحقكم الفتور مع حسن العاقبة والتمسك بالحق ~~أولى (1). # والمراد بالمس هنا : الإصابة بالجراح ونحوها. # والقرح بفتح القاف الجرح الذي يصيب الإنسان ، والقرح بضم القاف الألم ~~الذي يترتب على ذلك وقيل هما لغتان بمعنى واحد وهو الجرح وأثره. # والمعنى : إن تكونوا أيها المؤمنون قد أصابتكم الجراح من المشركين في ~~غزوة أحد ، فأنتم قد أنزلتم بهم من الجراح في غزوة بدر مثل ما أنزلوا بكم ~~في أحد ، ومع ذلك فإنهم بعد بدر قد عادوا لقتالكم ، فأنتم أولى بسبب ~~إيمانكم ويقينكم ألا تهنوا وألا تحزنوا لما أصابكم في أحد وأن تعقدوا العزم ~~على منازلتهم حتى يظهر أمر الله وهم كارهون. # وقيل : إن المعنى إن تصبكم الجراح في أحد فقد أصيب القوم بجراح مثلها في ~~هذه المعركة ذاتها. PageV02P273 # وقد ذكر صاحب الكشاف هذين المعنيين فقال : والمعنى : إن نالوا منكم يوم ~~أحد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر ، ثم لم يضعف ذلك قلوبهم ، ولم يثبطهم عن ~~معاودتكم بالقتال فأنتم أولى أن لا تضعفوا. ونحوه ( @QUR@018 ولا تهنوا في ~~ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما ~~لا يرجون ) وقيل : كان ذلك يوم أحد ، فقد نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم . # فإن قلت : كيف قيل «قرح مثله» وما كان قرحهم يوم أحد مثل قرح المشركين؟ ~~قلت : بلى كان مثله. ولقد قتل يومئذ خلق من الكفار. ألا ترى إلى قوله تعالى ~~( @QUR@020 ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه ، حتى إذا فشلتم ~~وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون ) (1). # ويبدو لنا أن الظاهر هو الرأى الأول ، وهو ms0967 أن الكلام عن غزوتى بدر وأحد ، ~~لأن الله تعالى قد ساق هذه الآية الكريمة لتسلية المؤمنين بأن ما أصابهم في ~~أحد من المشركين قد أصيب المشركون بمثله على أيدى المؤمنين في غزوة بدر ، ~~فلما ذا يحزنون أو يضعفون؟ ولأن قوله تعالى بعد ذلك ( @QUR@05 وتلك الأيام ~~نداولها بين الناس )، يؤيد هذا المعنى كما سنبينه بعد قليل . # وجواب الشرط في قوله ( @QUR@03 إن يمسسكم قرح )... إلخ. محذوف. والتقدير ~~إن يمسسكم قرح فاصبروا عليه واعقدوا عزمكم على قتال أعدائكم ، فقد مسهم قرح ~~مثله قبل ذلك. # وعبر عما أصاب المسلمين في أحد بصيغة المضارع ( @QUR@01 يمسسكم ) لقربه ~~من زمن الحال ، وعما أصاب المشركين بصيغة الماضي لبعده ؛ لأن ما أصابهم كان ~~في غزوة بدر. # وقوله ( @QUR@05 وتلك الأيام نداولها بين الناس ) بيان لسنة الله الجارية ~~في كونه ، وتسلية للمؤمنين عما أصابهم في أحد. # وقوله ( @QUR@01 نداولها ) من المداولة ، وهي نقل الشيء من واحد إلى آخر. # يقال : هذا الشيء تداولته الأيدى ، أى انتقل من واحد إلى آخر ... # والمعنى : لا تجزعوا أيها المؤمنون لما أصابكم من الجراح في أحد على أيدى ~~المشركين فهم قد أصيبوا منكم بمثل ذلك في غزوة بدر ، وإن أيام الدنيا هي ~~دول بين الناس ، لا يدوم سرورها ولا غمها لأحد منهم ، فمن سره زمن ساءته ~~أزمان ، ومن أمثال العرب. الحرب سجال ، والأيام دول فهي تارة لهؤلاء وتارة ~~لأولئك ، كما قال الشاعر : PageV02P274 فلا وأبى الناس لا يعلمون %~% فلا الخير خير ولا الشر شر فيوم علينا ، ويوم لنا %~% ويوم نساء ويوم نسر # واسم الإشارة ( @QUR@01 تلك ) مشاربه إلى ما بعده ، كما في الضمائر ~~المبهمة التي يفسرها ما بعدها ، ومثل هذا التركيب يفيد التفخيم والتعظيم. # والمراد بالأيام : الأوقات والأزمان المختلفة لا الأيام العرفية التي ~~يتكون الواحد منها من مدة معينة. # وقد فسر صاحب الكشاف مداولة الأيام بتبادل النصر ، فقال : وقوله : ( ~~@QUR@02 وتلك الأيام )، تلك مبتدأ. والأيام صفته و ( @QUR@01 نداولها ) خبره. # ويجوز أن يكون ( @QUR@02 تلك الأيام ) مبتدأ وخبرا ، كما تقول : هي ~~الأيام تبلى كل جديد. # والمراد بالأيام : أوقات الظفر والغلبة. ونداولها : نصرفها بين ms0968 الناس ، ~~نديل تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء» (1). # وقد تكلم الإمام الرازي عن الحكمة في مداولة الأيام بين الناس فقال ما ~~ملخصه : واعلم أنه ليس المراد من هذه المداولة أن الله تعالى ينصر المؤمنين ~~وأخرى ينصر الكافرين ، وذلك لأن نصرة الله منصب شريف ، وإعزاز عظيم فلا ~~يليق بالكافر ، بل المراد من هذه المداولة أنه تارة يشدد المحنة على الكفار ~~وأخرى على المؤمنين والفائدة فيه من وجوه : # الأول : إنه سبحانه لو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات وأزالها عن ~~المؤمنين في جميع الأوقات. لحصل العلم الاضطراري بأن الإيمان حق وما سواه ~~باطل ، ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب ، فلهذا المعنى تارة ~~يسلط الله المحنة على أهل الإيمان وأخرى على أهل الكفر لتكون الشبهات باقية ~~، والمكلف يدفعها بواسطة النظر في الدلائل الدالة على صحة الإسلام فيعظم ~~ثوابه عند الله. # والثاني : أن المؤمن قد يقدم على بعض المعاصي ، فيكون تشديد المحنة عليه ~~في الدنيا أدبا ، وأما تشديد المحنة على الكافر فإنه يكون غضبا من الله ~~عليه» (2). # ووجه آخر وهو شحذ عزائم المؤمنين في اتخاذ وسائل النصر فلا يركنوا إلى ~~إيمانهم ويتركوا العمل بالأسباب. # ثم كشفت السورة الكريمة عن جوانب من حكمة الله فيما وقع من أحداث في غزوة أحد ، PageV02P275 # وفيما وراء مداولة الأيام بين الناس فقال تعالى ( @QUR@07 وليعلم الله ~~الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء ). # أى فعلنا ما فعلنا في أحد ، واقتضت حكمتنا أن نداول الأيام بينكم وبين ~~عدوكم ، ليظهر أمركم أيها المؤمنون ، وليتميز قوى الإيمان من ضعيفه. # فمعنى علم الله هو تحقق ما قدره في الأزل فيعلمه الناس ، ويعلمه الله ~~تعالى واقعا حاضرا ، وذلك لأن العلم الغيبى لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب ، ~~وإنما يترتبان على المعلوم إذا صار مشاهدا واقعا في الحس. # قال صاحب الكشاف : وقوله ( @QUR@04 وليعلم الله الذين آمنوا ) فيه وجهان : # أحدهما : أن يكون المعلل محذوفا والمعنى : وليتميز الثابتون على الإيمان ~~منكم من الذين على حرف فعلنا ذلك. وهو من باب التمثيل. بمعنى : فعلنا ذلك ~~فعل من يريد أن يعلم من ms0969 الثابت على الإيمان منكم من غير الثابت ، وإلا ~~فالله عز وجل لم يزل عالما بالأشياء قبل كونها. # والثاني : أنه تكون العلة محذوفة ، وهذا عطف عليه والمعنى : وفعلنا ذلك ~~ليكون كيت وليعلم الله. وإنما حذف للإيذان بأن المصلحة فيما فعل ليست ~~بواحدة ، ليسليهم عما جرى عليهم ، وليبصرهم بأن العبد يسوؤه ما يجرى عليه ~~من المصائب ، ولا يشعر أن الله في ذلك من المصالح ما هو غافل عنه» (1). # وقوله ( @QUR@03 ويتخذ منكم شهداء ) بيان لحكمة أخرى لما أصاب المسلمين ~~يوم أحد. # أى : وليكرم ناسا منكم بالشهادة ليكونوا مثالا لغيرهم في التضحية بالنفس ~~من أجل إعلاء كلمة الله ، والدفاع عن الحق. وهو سبحانه يحب الشهداء من ~~عباده ، ويرفعهم إلى أعلا الدرجات ، وأسمى المنازل. # قال القرطبي ما ملخصه : قوله تعالى ( @QUR@03 ويتخذ منكم شهداء ) أى ~~يكرمكم بالشهادة ، أى ليقتل قوم منكم فيكونوا شهداء على الناس بأعمالهم. ~~وقيل : لهذا قيل شهيد. # وقيل : سمى شهيدا لأنه مشهود له بالجنة. وقيل : سمى شهيدا ، لأن أرواحهم ~~احتضرت دار السلام لأنهم أحياء عند ربهم ، فالشهيد بمعنى الشاهد أى الحاضر ~~للجنة. والشهادة فضلها عظيم ويكفيك في فضلها قوله تعالى ( @QUR@010 إن الله ~~اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة )... الآية. وفي الحديث ~~الشريف أن رجلا قال : يا رسول الله ، ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا ~~الشهيد؟ فقال صلى الله عليه وسلم «كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة» (2). PageV02P276 # وقوله تعالى ( @QUR@04 والله لا يحب الظالمين ) جملة معترضة لتقرير مضمون ~~ما قبلها. # أى : والله تعالى لا يحب الذين ظلموا أنفسهم بسبب كفرهم ونفاقهم وتخاذلهم ~~عن نصرة الحق ، وإنما يحب المؤمنين الثابتين على الحق ، المجاهدين بأنفسهم ~~وأموالهم في سبيل إعلاء دين الله ، ونصرة شريعته. # ثم ذكر سبحانه حكمتين أخريين لما جرى للمؤمنين في غزوة أحد فقال : ( ~~@QUR@06 وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ). # وقوله ( @QUR@01 وليمحص ) من المحص بمعنى التنقية والتخليص. يقال : محصت ~~الذهب بالنار ومحصته إذا أزلت عنه ما يشوبه من خبث. أو من التمحيص بمعنى ~~الابتلاء والاختبار. # وقوله ( @QUR@01 ويمحق ) من المحق وهو محو الشيء والذهاب ms0970 به ، وأصله نقص ~~الشيء قليلا قليلا حتى يفنى. يقال : محق فلان هذا الطعام إذا نقصه حتى ~~أفناه ومنه المحاق ، لآخر الشهر ، لأن الهلال يبلغ أقصى مدى النقصان ~~فيختفى. # والمعنى : ولقد فعل سبحانه ما فعل في غزوة أحد ، لكي يطهر المؤمنين ~~ويصفيهم من الذنوب ، ويخلصهم من المنافقين المندسين بينهم ، ولكي يهلك ~~الكافرين ويمحقهم بسبب بغيهم وبطرهم. # فأنت ترى أن الله تعالى قد ذكر أربع حكم لما حدث للمؤمنين في غزوة أحد ~~وهي : تحقق علم الله تعالى وإظهاره للمؤمنين ، وإكرام بعضهم بالشهادة التي ~~توصل صاحبها إلى أعلى الدرجات ، وتطهير المؤمنين وتخليصهم من ذنوبهم ومن ~~المنافقين ، ومحق الكافرين واستئصالهم رويدا رويدا. # ثم بين سبحانه أن طريق الجنة محفوف بالمكاره ، وأن الوصول إلى رضا الله ~~تعالى يحتاج إلى جهاد عظيم ، وصبر طويل فقال تعالى : ( @QUR@013 أم حسبتم ~~أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ) و ( ~~@QUR@01 أم ) هنا يرى كثير من العلماء أنها منقطعة ، بمعنى بل الانتقالية ، ~~لأن الكلام انتقال من تسليتهم إلى معاتبتهم على ما حدث منهم في غزوة أحد من ~~مخالفة بعضهم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرارهم عنه في ساعة الشدة. # والهمزة المقدرة معها للإنكار والاستبعاد. # وقوله ( @QUR@02 أم حسبتم ) معطوف على جملة ( @QUR@02 ولا تهنوا ) وذلك ~~أنهم لما مسهم القرح فحزنوا واعتراهم شيء من الضعف ، بين الله لهم أنه لا ~~وجه لهذا الضعف أو الحزن لأنهم هم الأعلون ، والأيام دول ، وما أصابهم فقد ~~سبق أن أصيب بمثله أعداؤهم ، ثم بين لهم هنا : أن PageV02P277 # دخول الجنة لا يحصل لهم إذا لم يبذلوا مهجهم وأرواحهم في سبيل الله ، ~~فإذا ظنوا غير ذلك فقد أخطئوا. # والمعنى : بل أحسبتم أن تدخلوا الجنة ، وتنالوا كرامة ربكم ، وشرف ~~المنازل عنده مع أنكم لم تجاهدوا في سبيل الله جهاد الصابرين على شدائده ~~ومتاعبه ومطالبه ، إن كنتم تحسبون هذا الحسبان فهو ظن باطل يحب عليكم ~~الإقلاع عنه. # ويحتمل أن تكون ( @QUR@01 أم ) هنا للمعادلة بمعنى أنها متصلة لا منقطعة ~~«ويكون المعنى عليه : أعلمتم أن الله تعالى سننا ms0971 في النصر والهزيمة ، وأن ~~الأيام دول. وأن الوصول إلى السنة يحتاج إلى إيمان وجهاد وصبر ، أم حسبتم ~~وظننتم أنكم تدخلون الجنة من غير مجاهدة واستشهاد؟. # وقوله ( @QUR@06 ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ) معناه : ولم تجاهدوا ~~جهاد الصابرين فيعلم الله ذلك منكم. # قال صاحب الكشاف : وقوله ( @QUR@06 ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ) ~~بمعنى ولما تجاهدوا. لأن العلم متعلق بالمعلوم ، فنزل نفى العلم منزلة نفى ~~متعلقه ، لأنه منتف بانتفائه. يقول الرجل : ما علم الله من فلان خيرا ، ~~يريد ما فيه خير حتى يعلمه ، و «لما» بمعنى ولم إلا أن فيها ضربا من التوقع ~~، فدل على نفى الجهاد فيما مضى ، وعلى توقعه فيما يستقبل. وتقول : وعدني أن ~~يفعل كذا ولما يفعل ، تريد : وأنا أتوقع فعله» (1). # وجملة ( @QUR@06 ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ) حالية من ضمير ( ~~@QUR@01 تدخلوا ) مؤكدة للإنكار ، فإن رجاء الأجر من غير علم مستبعد عند ~~ذوى العقول السليمة ، ولذا قال بعضهم : # ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها %~% إن السفينة لا تجرى على اليبس # وقال بعض الحكماء «طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب ، وانتظار الشفاعة ~~بلا سبب نوع من الغرور. وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وجهالة». # وقوله ( @QUR@02 ويعلم الصابرين ) أى ويتميز الصابرون في جهادهم عن غيرهم ~~فالآية الكريمة تشير إلى أن الشدائد من شأنها أن تميز المجاهدين الصادقين ~~في جهادهم ، الثابتين في البأساء والضراء من غيرهم ، وأن تميز الصابرين ~~الذين يتحملون مشاق القتال وتبعاته بقلب راسخ ، ونفس مطمئنة من الذين ~~يجاهدون ولكنهم تطيش أحلامهم عند الشدائد والأهوال. # فالجهاد في سبيل الله يستلزم الصبر ، لأن الصبر هو عدة المجاهد وأساس ~~نجاحه ، ولقد سئل بعضهم عن الشجاعة فقال : الشجاعة صبر ساعة. PageV02P278 # وقال بعض الشعراء يعتذر عن انتصار أعدائهم عليهم. # سقيناهم كأسا سقونا بمثلها %~% ولكنهم كانوا على الموت أصبرا # ولقد كان عدم صبر الرماة في غزوة أحد ، ومسارعتهم إلى جمع الغنائم ، من ~~أهم الأسباب التي أدت إلى هزيمة المسلمين في تلك المعركة. # والآية الكريمة كذلك تشير إلى أن الطريق إلى الجنة ليس سهلا يسلكه ms0972 كل ~~إنسان وإنما هو طريق محفوف بالمكاره والشدائد. ولا يصل إلى غايته إلا الذين ~~جاهدوا وصبروا وصابروا ، ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حفت الجنة ~~بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات». # ثم ذكرهم سبحانه بما كان منهم من تمنى الشهادة في سبيله فقال ( @QUR@012 ~~ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه ، فقد رأيتموه وأنتم تنظرون ). # قال ابن جرير ما ملخصه : كان قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ممن لم ~~يشهد بدرا ، يتمنون قبل يوم أحد يوما مثل يوم بدر ، فيعطون الله من أنفسهم ~~خيرا ، وينالون من الأجر مثل ما نال أهل بدر ، فلما كان يوم أحد ، فر بعضهم ~~وصبر بعضهم ، حتى أوفى بما كان عاهد الله عليه قبل ذلك ، فعاتب الله من فر ~~منهم بقوله : ( @QUR@04 ولقد كنتم تمنون الموت )... الآية. # وعن الحسن قال : بلغني أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا ~~يقولون : لئن لقينا مع النبي صلى الله عليه وسلم المشركين لنفعلن ولنفعلن ، ~~فابتلوا بذلك في أحد ، فلا والله ما كلهم صدق ، فأنزل الله تعالى ( @QUR@02 ~~ولقد كنتم ).... الآية (1). # والخطاب في الآية الكريمة للمؤمنين الذين لم يفوزوا بالشهادة في غزوة أحد ~~، وهو خطاب يجمع بين الموعظة والملام. # والمراد بالموت هنا الشهادة في سبيل الله ، أو الحرب والقتال لأنهما ~~يؤديان إلى الموت. # والمعنى : ولقد كنتم يا معشر المؤمنين ( @QUR@02 تمنون الموت )، أى ~~الحرب أو الشهادة في سبيل الله ( @QUR@04 من قبل أن تلقوه ) أى تشاهدوه ~~وتعرفوا أهواله ( @QUR@02 فقد رأيتموه ) أى فقد رأيتم ما تتمنونه من الموت ~~بمشاهدة أسبابه وهي الحرب وما يترتب عليها من جراح وآلام وقتال ( @QUR@02 ~~وأنتم تنظرون ) أى رأيتموه معاينين مشاهدين له حين قتل بين أيديكم من قتل ~~من إخوانكم وأقاربكم وشارفتم أنتم أيها الأحياء أن تقتلوا. # وقوله ( @QUR@04 من قبل أن تلقوه ) متعلق بقوله ( @QUR@01 تمنون ) مبين ~~لسبب إقدامهم على التمني. أى من قبل أن تشاهدوه وتعرفوا مصاعبه. PageV02P279 # ففي الجملة الكريمة تعريض بأنهم تمنوا أمرا دون أن يقدروا شدته عليهم ، ~~ودون أن يوطنوا أنفسهم على تحمل مشقاته وتبعاته. ms0973 # والفاء في قوله ( @QUR@02 فقد رأيتموه ) للإفصاح عن شرط مقدر دل عليه صدر ~~الكلام. والتقدير : إذا كنتم قد تمنيتم الموت فقد وقع ما تمنيتموه ورأيتموه ~~رأى العين ، فأين بلاؤكم وصبركم وثباتكم؟. # وقوله ( @QUR@02 وأنتم تنظرون ) جملة حالية من ضمير المخاطبين مؤكدة ~~لمعنى رأيتموه. أى رأيتموه معاينين له ، وهذا على حد قولك : رأيته وليس في ~~عيني علة ، أى رأيته رؤية حقيقية لا خفاء ولا التباس. # والتعبير بالمضارع ( @QUR@01 تنظرون ) يفيد التصوير. وإحضار الصورة ~~الواقعة في الماضي كأنها واقعة في الحاضر ، فيستحضرها العقل كما وقعت ، ~~وكما ظهرت في الوجود. # والنظر الذي قرره الله تعالى بقوله ( @QUR@02 وأنتم تنظرون ) يتضمن النظر ~~إلى الموقعة كلها ، وكيف كان النصر في أول الأمر للمسلمين ، ثم كيف كانت ~~الهزيمة بعد ذلك بسبب تطلع بعضهم إلى أعراض الدنيا. ثم كيف تفرقت صفوفهم ~~بعد اجتماعها وكيف تضعضعت بعض العزائم بعد مضائها وقوتها. # ولقد حكت الآية الكريمة أن المسلمين كانوا يتمنون الموت في معركة ، وليس ~~في ذلك من بأس ، بل إن هذا هو شعار المؤمن الصادق ، لأن المؤمن الصادق هو ~~الذي يتمنى الشهادة في سبيل الله ومن أجل نصرة دينه ، ولقد قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «لوددت أنى أقتل في سبيل الله ، ثم أحيا ، ثم أقتل ، ثم ~~أحيا ثم أقتل». # وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه «اللهم إنى أسألك شهادة في سبيلك». ولكن ~~الذي يكرهه الإسلام هو أن يتمنى المسلم الشهادة ثم لا يفي بما تمناه ، ~~بمعنى أن يفر من الميدان أو يفعل ما من شأنه أن يتنافى مع الجهاد الحق في ~~سبيل الله. # ولذا قال الآلوسى : «والمقصود من هذا الكلام عتاب المنهزمين على تمنيهم ~~الشهادة ، وهم لم يثبتوا حتى يستشهدوا ، أو على تمنيهم الحرب وتسببهم لها ~~ثم جبنهم وانهزامهم لا على تمنى الشهادة نفسها لأن ذلك مما لا عتاب عليه ~~كما وهم» (1). # فالآية الكريمة تعظ المؤمنين بأن لا يتمنوا أمرا حتى يفكروا في عواقبه ، ~~ويعدوا أنفسهم له ، ويلتزموا الوفاء بما تمنوه عند تحققه ، ولقد رسم النبي ~~صلى الله عليه وسلم ms0974 الطريق القويم الذي يحب أن يسلكه PageV02P280 # المسلم في حياته فقال في حديثه الصحيح : «أيها الناس ، لا تتمنوا لقاء ~~العدو ، وسلوا الله العافية. فإذا لقيتموهم فاصبروا. واعلموا أن الجنة تحت ~~ظلال السيوف» (1). # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد أمرت المؤمنين بأن يعتبروا بأحوال من ~~سبقهم ، وأن يتجنبوا ما كان عليه المكذبون من ضلال وعصيان وأن يوطنوا ~~أنفسهم على تحمل المصائب والآلام فإن العاقبة لهم ، وأن يعلموا أن الحياة ~~لا تخلو من نصر وهزيمة ، وسراء وضراء حتى يتميز الخبيث من الطيب ، وأن ~~يعرفوا أن الطريق إلى الجنة يحتاج إلى إيمان عميق ، وصبر طويل ، وجهاد شديد ~~، واستجابة كاملة لتعاليم الإسلام وآدابه. ثم تمضى السورة الكريمة في ~~حديثها عن غزوة أحد ، فتذكر المؤمنين بما كان منهم عند ما أشيع بأن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد قتل ، وترشدهم إلى أن الآجال بيد الله ، وأن ~~المؤمنين الصادقين قاتلوا مع أنبيائهم في سبيل إعلاء كلمة الله بدون ضعف أو ~~ملل فعليهم أن يتأسوا بهم في ذلك ، وأن الله تعالى قد تكفل بأن يمنح ~~المؤمنين الصادقين المجاهدين في سبيله أجرهم الجزيل في الدنيا والآخرة. # استمع إلى القرآن الكريم وهو يسوق هذه المعاني بأسلوبه البليغ الحكيم ~~فيقول : # ( @QUR@027 وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل ~~انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله ~~الشاكرين (144) @QUR@024 وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ~~ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي ~~الشاكرين (145) @QUR@05 وكأين من نبي قاتل معه PageV02P281 # @QUR@016 ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما ~~استكانوا والله يحب الصابرين (146) @QUR@019 وما كان قولهم إلا أن قالوا ~~ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم ~~الكافرين (147) @QUR@010 فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله ~~يحب المحسنين ) (148) # قال ابن كثير : لما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد ، وقتل من قتل ~~منهم ، نادى الشيطان : ألا ms0975 إن محمدا قد قتل ، ورجع ابن قميئة إلى المشركين ~~فقال لهم : قتلت محمدا. وإنما قد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فشجه في ~~رأسه. فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس ، واعتقدوا أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قد قتل ، فحصل ضعف ووهن وتأخر بين المسلمين عن القتال. ففي ~~ذلك أنزل الله تعالى ( @QUR@09 وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ) ~~الآية (1). # وقوله تعالى ( @QUR@09 وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ) تقرير ~~لحقيقة ثابتة ، ولأمر مؤكد ، وهو أن محمدا صلى الله عليه وسلم واحد من البشر ، ~~وأنه سيموت كما يموت جميع البشر ، وأنه ليس له صفة تميزه عن سائر البشر سوى ~~الرسالة التي وهبها الله تعالى له ، ومنحه إياها ، وأن هذه الرسالة لا ~~تقتضي بقاءه أو خلوده ، إذ الرسل الذين سبقوه قد أدوا رسالتهم في الحياة ~~كما أمرهم خالقهم ثم ماتوا أو قتلوا. # ومادام الأمر كذلك فمحمد صلى الله عليه وسلم سيموت وينتقل إلى الرفيق الأعلى ~~كما مات الذين سبقوه من الأنبياء ، وكما سيموت جميع البشر. # والقصر في قوله تعالى : ( @QUR@04 وما محمد إلا رسول ) من باب قصر ~~الموصوف على الصفة ، أى قصر محمد صلى الله عليه وسلم على وصف الرسالة قصرا ~~إضافيا. # وفي هذا القصر رد على ما صدر من بعض المسلمين من اضطراب وضعف حين أرجف ~~المنافقون في غزوة أحد بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قتل. # فكأنه تعالى يقول لهم : إن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول من الرسل الذين ~~أرسلهم الله لإخراج PageV02P282 # الناس من الظلمات إلى النور ، وسيكون مصيره إلى الموت إن عاجلا أو آجلا ~~كما هو شأن سائر البشر الذين اصطفى الله تعالى منهم رسله ، إلا أن رسالته ~~التي جاء بها من عند الله لن تموت من بعده ، بل ستستمر إلى أن يرث الله ~~الأرض ومن عليها ، ولا يصح أن يضعف أتباعه في عقيدتهم أو في تبليغ رسالته ~~من بعده ، بل عليهم أن يستمسكوا بما جاءهم به ، وأن يدافعوا عنه ms0976 بأنفسهم ~~وأموالهم. # ولذا فقد وبخ الله تعالى بعض المسلمين الذين صدر منهم اضطراب أو ضعف عند ~~ما أشاع ضعاف النفوس بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قتل في غزوة أحد فقال ~~تعالى : ( @QUR@07 أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم )؟ # أى : إذا مات محمد صلى الله عليه وسلم أيها المؤمنون وقد علمتم أن موته حق ~~لا ريب فيه ، أو قتل وهو يدافع عن دينه وعقيدته ، ( @QUR@03 انقلبتم على ~~أعقابكم ) أى : رجعتم إلى ما كنتم عليه من الكفر والضلال. والانقلاب : ~~الرجوع إلى المكان. وهو هنا مجاز في الرجوع إلى الحال التي كانوا عليها قبل ~~الإسلام. # يقال لكل من رجع إلى حاله السيئ الأول : نكص على عقبيه ، وارتد على ~~عقبيه. والعقب مؤخر الرجل. وجمعه أعقاب. # قال صاحب الكشاف : قوله ( @QUR@02 أفإن مات ) الفاء معلقة للجملة الشرطية ~~بالجملة قبلها على معنى التسبب. والهمزة لإنكار أن يجعلوا خلو الرسل قبله ~~سببا لانقلابهم على أعقابهم بعد هلاكه بموت أو قتل ، مع علمهم أن خلو الرسل ~~قبله وبقاء دينهم متمسكا به يجب أن يجعل سببا للتمسك بدين محمد ~~صلى الله عليه وسلم لا للانقلاب عنه. # فإن : قلت : لم ذكر القتل وقد علم أنه لا يقتل؟ قلت : لكونه مجوزا عند ~~المخاطبين. # فإن قلت : أما علموه من ناحية قوله : ( @QUR@04 والله يعصمك من الناس )؟ ~~قلت : هذا مما يختص بالعلماء منهم وذوى البصيرة» (1). # وفي قوله ( @QUR@03 انقلبتم على أعقابكم ) تنفير شديد من الرجوع إلى ~~الضلال بعد الهدى ، وتصوير بليغ لمن ارتد عن الحق بعد أن هداه الله إليه. # فقد صور سبحانه حالة من ترك الهداية إلى الضلال ، بحالة من رجع إلى ~~الوراء وبصره إلى الأمام ، وأعقابه هي التي تقوده إلى الخلف ، وهو في حالة ~~انتكاس ، بأن جعل رأسه إلى أسفل وعقبه إلى أعلا. ولا شك أن هذا أقبح منظر ~~يكون عليه الإنسان. PageV02P283 # وقوله ( @QUR@08 ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ) الغرض منه ~~تأكيد الوعيد ، لأن كل عاقل يعلم أن الله تعالى لا يضره كفر الكافرين. # أى : ومن ينقلب على عقبيه بعد وفاة ms0977 النبي صلى الله عليه وسلم بأن يرجع إلى ~~ما كان عليه من الكفر والضلال ، فلن يضر الله شيئا من الضرر وإن قل ، إنما ~~يضر نفسه بتعريضها للسخط والعذاب ، وبحرمانها من الأجر والثواب. # ثم أتبع سبحانه هذا الوعيد بالوعد فقال : ( @QUR@03 وسيجزي الله الشاكرين ~~) أى : وسيثيب الله تعالى الثابتين على الحق والصابرين على الشدائد ~~الشاكرين له نعمه في السراء والضراء ، سيثيبهم على ذلك بالنصر في الدنيا ~~وبرضوانه في الآخرة. # وعبر هنا بالشاكرين ولم يعبر بالصابرين مع أن الصبر في هذا الموطن أظهر ، ~~وذلك لأن الشكر في هذا المقام هو أسمى درجات الصبر ، لأن هؤلاء المؤمنين ~~الصادقين الذين وقفوا إلى جانب النبي صلى الله عليه وسلم في ساعة العسرة ، لم ~~يكتفوا بتحمل البلاء معه فقط ، بل تجاوزوا حدود الصبر إلى حدود الشكر على ~~هذه الشدائد التي ميزت الخبيث من الطيب ، فالشكر هنا صبر وزيادة ، وقليل من ~~الناس هو الذي يكون على هذه الشاكلة ، ولذا قال تعالى ( @QUR@04 وقليل من ~~عبادي الشكور ) فالآية الكريمة قد تضمنت عتابا وتوبيخا لأولئك المسلمين ~~الذين ضعف يقينهم ، وفترت همتهم ، عند ما أرجف المرجفون في غزوة أحد بأن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم قد قتل. # كما تضمنت الثناء الجزيل على أولئك الثابتين الصابرين الذين لم تؤثر في ~~قوة إيمانهم تلك الأراجيف الكاذبة ، بل مضوا في جهادهم وثباتهم بدون تردد ~~أو تزعزع ولقد كان الثابتون حول رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد ~~كثيرين ومن بينهم أنس بن النضر رضى الله عنه ، فقد روى البخاري عن أنس رضى ~~الله عنه قال : غاب عمى أنس بن النضر عن قتال بدر ، فقال : يا رسول الله. ~~غبت عن أول قتال قاتلت فيه المشركين ، لئن أشهدنى الله قتال المشركين ليرين ~~الله ما أصنع. # فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون. قال : اللهم إنى أعتذر إليك مما صنع ~~هؤلاء يعنى المسلمين . وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعنى المشركين . # ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ. فقال : يا سعد بن معاذ!! الجنة ورب النضر ~~إنى لأجد ريحها ms0978 من دون أحد. # قال سعد : فما استطعت يا رسول الله ما صنع. # قال أنس : فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف ، أو طعنة برمح ، أو رمية ~~بسهم ، ووجدناه قد قتل ، وقد مثل به المشركون ، فما عرفه أحد إلا أخته ~~بينانه. PageV02P284 # قال أنس كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه : ( @QUR@08 من ~~المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) (1). # كما تضمنت الآية الكريمة التحذير عن الارتداد عن دين الله بعد وفاة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وبيان أنه بشر من البشر ، وأنه يموت كما يموت سائر ~~البشر ، وأن رسالته هي الخالدة الباقية ، فمن تمسك بها فقد سعد وفاز. ومن ~~أعرض عنها فلن يضر الله شيئا. # ثم بين سبحانه أن الآجال بيد الله وحده. وأنه سبحانه قد جعل لكل أجل وقتا ~~محددا لا يعدوه فقال تعالى : ( @QUR@010 وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن ~~الله كتابا مؤجلا ). # أى : ما كان الموت حاصلا لنفس من النفوس مطلقا ، لأى سبب من الأسباب ، ~~إلا بمشيئة الله وأمره وإذنه ، فهو سبحانه الذي كتب لكل نفس عمرها كتابا ~~مؤقتا بوقت معلوم لا يتقدم ولا يتأخر. # المراد بالنفس هنا. جنسها. أى كل نفس لا تموت إلا بإذن الله. # والمراد بإذنه : أمره ومشيئته ، فكل نفس لا تحيا إلا بأمره ، ولا تموت ~~إلا بإذنه. # و ( @QUR@01 كان ) ناقصة وقوله ( @QUR@02 أن تموت ) في محل رفع اسمها ~~وقوله ( @QUR@01 لنفس ) متعلق بمحذوف وقع خبرا لها. والاستثناء مفرغ من أعم ~~الأحوال والأسباب. أى ما كان لها أن تموت في حالة من الأحوال أو لسبب من ~~الأسباب إلا مأذونا لها منه سبحانه . # والباء في قوله ( @QUR@03 إلا بإذن الله ) للمصاحبة. # وقوله ( @QUR@01 كتابا ) مفعول مطلق مؤكد لمضمون الجملة التي قبله ، ~~وعامله مضمر والتقدير : كتب الله ذلك كتابا مؤجلا. أى له أجل معلوم لا ~~يتقدم عنه ولا يتأخر ، وهو آت لا ريب فيه. # وقوله ( @QUR@01 مؤجلا ) صفة لقوله ( @QUR@01 كتابا ). # ثم ذم سبحانه الذين يؤثرون متاع الدنيا على الآخرة ، فقال : ( @QUR@06 ~~ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ) أى من يرد بعمله ms0979 ثواب الدنيا أى جزاءها ~~وثمارها كالأموال والغنائم نؤته منها ما نشاء أن نؤتيه ، ولا يكون له في ~~الآخرة من نصيب. # وهذا تعريض بمن شغلوا بجمع الغنائم عن الجهاد مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أو بمن تركوا أماكنهم التي وضعهم فيها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وسارعوا إلى جمع حطام الدنيا ، فنتج عن ذلك هزيمة المسلمين ~~في غزوة أحد. PageV02P285 # ثم مدح سبحانه الذين يبتغون بأعمالهم ثواب الآخرة فقال : ( @QUR@06 ومن ~~يرد ثواب الآخرة نؤته منها ). # أى ومن يرد بعمله وجهاده ثواب الآخرة وما ادخره الله فيها لعباده المتقين ~~من أجر جزيل نؤته منها ما نشاء من عطائنا الذين تشتهيه النفوس ، وتقر له ~~العيون. # وقوله ( @QUR@02 وسنجزي الشاكرين ) تذييل مقرر لمضمون ما قبله ، ووعد من ~~عطاء الله لمن شكره على نعمه ويثبت على شرعه. # أى وسنجزى الشاكرين في دنياهم بما يسعدهم ويرضيهم ، وسنجزيهم في الآخرة ~~بما يشرح صدورهم ، ويدخل البهجة على نفوسهم. # فأنت ترى أن الآية الكريمة قد تضمنت تحريض المؤمنين على القتال. وتحذيرهم ~~من الجبن والفرار ، لأن الجبن لا يؤخر الحياة ، كما أن الإقدام لا يؤدى إلى ~~الموت قبل حلول وقته ، فإن أحدا لا يموت قبل أجله ، وإن خاض المهالك واقتحم ~~المعارك. # كما تضمنت دعوة المؤمنين إلى الزهد في متع الحياة الدنيا ، وإلى أن ~~يجعلوا مقصدهم الأكبر في تحصيل ما ينفعهم في آخرتهم ، فإن هذا هو المقصد ~~الأسمى ، والمطلب الأعلى : قال تعالى ( @QUR@022 من كان يريد حرث الآخرة ~~نزد له في حرثه ، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من ~~نصيب ) (1). # وإن الذين خالفوا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركوا أما كنهم التي ~~أمرهم بالثبات فيها جريا وراء الغنائم ، لم يحصلوا منها شيئا ، بل فقدوها ~~وفقدوا أرواحهم وعزتهم وكرامتهم ، وكان فعلهم هذا من أسباب هزيمة المسلمين ~~في غزوة أحد. # كما تضمنت وعدا من الله تعالى بأن يزيد الشاكرين من فضله وإحسانه ، وأن ~~يكافئهم على شكرهم إياه بما هم أهل له من نصر وخير وفير. # ثم ms0980 بين سبحانه ما كان عليه أتباع الأنبياء السابقين من إيمان عميق ، وعزم ~~وثيق ، حتى يتأسى بهم كل ذي عقل سليم ، فقال تعالى : ( @QUR@018 وكأين من ~~نبي قاتل معه ربيون كثير ، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا ~~وما استكانوا ). # وكلمة ( @QUR@01 كأين ) مركبة من كاف التشبيه وأى الاستفهامية المنونة ، ~~ثم هجر معنى جزأيها وصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية الدالة على الكثير. PageV02P286 # ويكنى بها عن عدد مبهم فتفتقر إلى تمييز بعدها وهي مبتدأ : وجملة ( ~~@QUR@03 قاتل معه ربيون ) خبرها. # والربيون جمع ربي ، وهو العالم بربه ؛ الصادق في إيمانه به ، المخلص له ~~في عبادته نسبة إلى الرب كالرباني. # قال القرطبي ما ملخصه : والربيون بكسر الراء قراءة الجمهور. وقرأها بعضهم ~~بضم الراء وقرأها بعضهم بفتحها والربيون : الجماعة الكثيرة نسبة إلى الربة ~~بكسر الراء وضمها وهي الجماعة .. ومنه يقال للخرقة التي تجمع فيها القداح : ~~ربة. وربة والرباب : قبائل تجمعت. # وقال ابن عباس : ربيون بفتح الراء منسوب إلى الرب. # وقال الخليل : الربى بكسر الراء الواحد من العباد الذين صبروا مع ~~الأنبياء ، وهم الربانيون نسبوا إلى التأله والعبادة ومعرفة الربوبية الله ~~تعالى (1). وقوله ( @QUR@02 فما وهنوا ) من الوهن وهو اضطراب نفسي ، ~~وانزعاج قلبي ، يبتدئ من داخل الإنسان ، فإذا وصل إلى الخارج كان ضعفا ~~وتخاذلا. # والمعنى : وكثير من الأنبياء قاتل معهم مؤمنون صادقو الايمان من أجل ~~إعلاء كلمة الله وإعزاز دينه وأصيبوا وهم يقاتلون بما أصيبوا من جراح وآلام ~~، ( @QUR@07 فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله ) أى فما عجزوا أو جبنوا ~~بسبب ما أصابهم من جراح ، أو ما أصاب أنبياءهم وإخوانهم من قتل واستشهاد. ~~لأن الذي أصابهم إنما هو في سبيل الله وطاعته وإقامة دينه ، ونصرة رسله. # وقوله ( @QUR@02 وما ضعفوا ) أى : عن قتال أعدائهم وعن الدفاع عن الذي ~~آمنوا به وقوله ( @QUR@02 وما استكانوا ) أى ما خضعوا وذلوا لأعدائهم. # فأنت ترى أن الله تعالى قد نفى عن هؤلاء المؤمنين الصادقين ثلاثة أوصاف ~~لا تتفق مع الإيمان. # نفى عنهم أولا الوهن وهو اضطراب نفسي ، وهلع قلبي ، يستولى على الإنسان ~~فيفقده ms0981 ثباته وعزيمته. # ونفى عنهم ثانيا الضعف الذي هو ضد القوة ، وهو ينتج عن الوهن. # ونفى عنهم ثالثا الاستكانة وهي الرضا بالذل وبالخضوع للأعداء ليفعلوا بهم ~~ما يريدون. PageV02P287 # وقد نفى سبحانه هذه الأوصاف الثلاثة عن هؤلاء المؤمنين الصادقين مع أن ~~واحدا منها يكفى نفيه لنفيها لأنها متلازمة وذلك لبيان قبح ما يقعون فيه من ~~أضرار فيما لو تمكن واحد من هذه الأوصاف من نفوسهم. # وجاء ترتيب هذه الأوصاف في نهاية الدقة بحسب حصولها في الخارج ، فإن ~~الوهن الذي هو خور في العزيمة إذا تمكن من النفس أنتج الضعف الذي هو لون من ~~الاستسلام والفشل. ثم تكون بعدهما الاستكانة التي يكون معها الخضوع لكل ~~مطالب الأعداء وإذا وصل الإنسان إلى هذه المرحلة في حياته كان الموت أكرم ~~له من هذه الحياة. # وقوله ( @QUR@03 والله يحب الصابرين ) تذييل قصد به حض المؤمنين على تحمل ~~المكاره وعلى مقاساة الشدائد ومعاناة المكاره من أجل إعلاء دينهم حتى ~~يفوزوا برضا الله ورعايته كما فاز أولئك الأنقياء الأوفياء. # أى والله تعالى يحب الصابرين على آلام القتال ، ومصاعب الجهاد ، ومشاق ~~الطاعات ، وتبعات التكاليف التي كلف الله تعالى بها عباده. # ثم أتبع سبحانه محاسنهم الفعلية ، ببيان محاسنهم القولية فقال تعالى ( ~~@QUR@019 وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا ، وإسرافنا في ~~أمرنا ، وثبت أقدامنا ، وانصرنا على القوم الكافرين ). # أى أن هؤلاء الأنقياء الأوفياء الصابرين ما كان لهم من قول في مواطن ~~القتال وفي عموم الأحوال إلا الضراعة إلى الله بثلاثة أمور : # أولها : حكاه القرآن عنهم في قوله : ( @QUR@07 ربنا اغفر لنا ذنوبنا ~~وإسرافنا في أمرنا ). # أى : إنهم يدعون الله تعالى بأن يغفر لهم ذنوبهم ما كان صغيرا منها وما ~~كان كبيرا : وأن يغفر لهم إسرافهم في أمرهم أى ما تجاوزوه من الحدود التي ~~حدها لهم وأمرهم بعدم تجاوزها. # وثانيها : حكاه القرآن عنهم في قوله ( @QUR@02 وثبت أقدامنا ) اى اجعلنا ~~يا ربنا ممن يثبت لحرب أعدائك وقتالهم ولا تجعلنا ممن يوليهم الأدبار. # وثالثها : حكاه القرآن عنهم في قوله ( @QUR@04 وانصرنا على القوم ~~الكافرين ms0982 ) أى اجعل النصر لنا يا ربنا على أعدائك وأعدائنا الذين جحدوا ~~وحدانيتك ، وكذبوا نبيك وضلوا ضلالا بعيدا. # وتأمل معى أخى القارئ هذه الدعوات الكريمة تراها قد جمعت ما جمعت من صدق ~~اليقين ، وحسن الترتيب. PageV02P288 # فهم قد التمسوا أولا من خالقهم مغفرة ذنوبهم والتجاوز عما وقعوا فيه من ~~أخطاء وهذا يدل على سلامة قلوبهم وتواضعهم واستصغار أعمالهم مهما عظمت أمام ~~فضل الله ونعمه. # ثم التمسوا منه ثانيا تثبيت أقدامهم عند لقاء الأعداء حتى لا يفروا من ~~أمامهم. # ثم التمسوا منه ثالثا النصر على الكافرين وهو غاية القتال ، لأن الانتصار ~~عليهم يؤدى إلى منع وقوع الفتنة في الأرض ، وإلى إعلاء كلمة الحق. # قال صاحب الكشاف : قوله ( @QUR@03 وما كان قولهم ) إلخ هذا القول وهو ~~إضافة الذنوب والإسراف إلى أنفسهم مع كونهم ربانيين هضما لها واستقصارا. ~~والدعاء بالاستغفار منها مقدما على طلب تثبيت الأقدام في مواطن الحرب ~~والنصرة على العدو ، ليكون طلبهم إلى ربهم عن زكاة وطهارة وخضوع. وهو أقرب ~~إلى الاستجابة» (1). # وكان هنا ناقصة ، وقوله ( @QUR@01 قولهم ) بالنصب خبرها واسمها المصدر ~~المتحصل من «أن» وما بعدها في قوله ( @QUR@03 إلا أن قالوا ) والاستثناء مفرغ. # أى : ما كان قولهم في ذلك المقام وفي غيره من المواطن إلا قولهم هذا ~~الدعاء أى هو دأبهم وديدنهم. # ثم بين سبحانه الثمار التي ترتبت على هذا الدعاء الخاشع والإيمان الصادق ~~والعمل الخالص لوجهه سبحانه فقال : ( @QUR@010 فآتاهم الله ثواب الدنيا ~~وحسن ثواب الآخرة ، والله يحب المحسنين ). # والفاء في قوله ( @QUR@01 فآتاهم ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها. # أى أن هؤلاء الذين آمنوا بالله حق الإيمان وجاهدوا في سبيله حق الجهاد لم ~~يخيب الله تعالى سعيهم ولم يقفل بابه عن إجابة دعائهم ، وإنما أعطاهم الله ~~تعالى ثواب الدنيا من النصر والغنيمة وقهر الأعداء ، وصلاح الحال. # كما أعطاهم حسن ثواب الآخرة بأن منحهم رضوانه ورحمته ومثوبته وإنما خص ~~ثواب الآخرة بالحسن للتنبيه على عظمته وفضله ومزيته ، وأنه هو المعتد به ~~عنده تعالى لأنه غير زائل ، وغير مشوب بتنغيص أو قلق. # وقوله ( @QUR@03 والله يحب المحسنين ms0983 ) تذييل مقرر لمضمون ما قبله ، فإن ~~محبة الله تعالى للعبد مبدأ كل خير وسعادة. # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد قررت في مطلعها حقيقة ثابتة. وهي أن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم PageV02P289 # بشر من البشر ، وأنه يموت كما يموت سائر البشر وأن رسالته لا تموت من ~~بعده بل على أتباعه أن يسيروا على طريقته وأن يحملوا من بعده عبء تبليغ ~~تعاليم الإسلام الذي جاء به ثم قررت بعد ذلك أن الآجال بيد الله وأن الحذر ~~لا يمنع القدر وأن أحدا لن يموت قبل انتهاء أجله ، مادام الأمر كذلك فعلى ~~المؤمنين أن يجاهدوا الكفار والمنافقين وأن يغلظوا عليهم. # ثم ذكرت الناس بعد ذلك بما كان من أتباع الرسل السابقين من إيمان عميق ~~وجهاد صادق وثبات في وجه الباطل ودعاء مخلص خاشع .. حتى يتأسى بهم في ~~أقوالهم وأعمالهم كل ذي عقل سليم. # ثم ختمت هذه الآيات ببيان النتائج الطيبة التي منحها الله تعالى لعباده ~~المؤمنين الصادقين في دنياهم وآخرتهم حتى يسارع الناس في كل زمان ومكان إلى ~~الأعمال الصالحة التي تكون سببا في سعادتهم وعزتهم ثم وجه القرآن نداء إلى ~~المؤمنين ، نهاهم فيه عن طاعة أعداء الله وأعدائهم ، وأمرهم بالتمسك ~~بتعاليم دينهم وبشرهم بسوء عاقبة أعدائهم فقال تعالى : # ( @QUR@013 يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على ~~أعقابكم فتنقلبوا خاسرين (149) @QUR@06 بل الله مولاكم وهو خير الناصرين ~~(150) @QUR@019 سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ~~ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين ) (151) # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله ( @QUR@08 يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا ~~الذين كفروا ) شروع في زجر المؤمنين عن متابعة الكفار ببيان مضارها ، إثر ~~ترغيبهم في الاقتداء بأنصار الأنبياء ببيان فضائله وتصدير الخطاب بالنداء ~~والتنبيه لإظهار الاعتناء بما في حيزه ووصفهم بالإيمان لتذكيرهم بحال ينافي ~~تلك الطاعة فيكون الزجر على أكمل وجه. والمراد من الذين كفروا إما ~~المنافقون لأنهم هم الذين قالوا للمؤمنين عند هزيمتهم في أحد : ارجعوا إلى ~~إخوانكم وادخلوا في دينهم .. وإما أبو سفيان ms0984 وأصحابه وحينئذ فالمراد ~~بإطاعتهم الاستكانة لهم وطلب الأمان منهم .. وإما اليهود PageV02P290 # والنصارى لأنهم هم الذين كانوا يلقون الشبه في الدين ويقولون : لو كان ~~محمد نبيا حقا لما غلبه أعداؤه .. وإما سائر الكفار» (1). # فالآية الكريمة تنهى المؤمنين عن طاعة الكفار ؛ لأن الكفر والإيمان ~~نقيضان لا يجتمعان وجاء التعبير «بإن» الشرطية دون «إذا» ؛ لأن إذا لتحقق ~~الشرط والجزاء أما إن فإنها لا تفيد التحقق بل تفيد الشك ، وهذا هو المناسب ~~لحال المؤمنين لأن إيمانهم يحجزهم عن طاعة الذين كفروا ويمنعهم من الوقوع ~~في ذلك والنداء متوجه ابتداء للمؤمنين المجاهدين الذين حضروا غزوة أحد ، ~~وسمعوا ما سمعوا من أراجيف أعدائهم وأكاذيبهم ، إلا أنه يندرج تحت مضمونه ~~كل مؤمن في كل زمان أو مكان لأن الكافرين في كل العصور لا يريدون بالمؤمنين ~~إلا خبالا ، ولا يتمنون لهم إلا الشرور والمصائب. # ثم بين سبحانه النتيجة السيئة التي تترتب على طاعة المؤمنين للكافرين ~~فقال : ( @QUR@05 يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين ). # أى : إن تطيعوهم يرجعوكم إلى ما كنتم عليه قبل الإسلام من ضلال وكفران أو ~~يردوكم إلى الحالة التي كنتم عليها قبل مشروعية الجهاد وهي حالة الضعف ~~والهوان التي رفعها الله عنكم بأن أذن لكم في مقاتلة أعدائكم الذين أخرجوكم ~~من دياركم بغير حق. # وقوله ( @QUR@02 فتنقلبوا خاسرين ) أى فترجعوا خاسرين لخيرى الدنيا ~~والآخرة ، أما خسران الدنيا فبسبب انقيادكم لهم ، واستسلامكم لمطالبهم .. ~~وأما خسران الآخرة فبسبب ترككم لوصايا دينكم ومخالفتكم لأوامر خالقكم ، ~~وتوجيهات نبيكم صلى الله عليه وسلم وكفى بذلك خسارة شنيعة. # فأنت ترى أن الآية الكريمة قد نهت المؤمنين عن طاعة الكافرين ، ثم بينت ~~لهم نتيجتين سيئتين تترتبان على هذه الطاعة ، وهما : الرجوع إلى الضلال بعد ~~الهدى ، والخسران في الدنيا والآخرة. # والتعبير بقوله ( @QUR@01 فتنقلبوا ) يفيد أن إطاعة الكافرين يؤدى ~~بالمؤمنين إلى انقلاب حالهم وانتكاس أمرهم وجعل أعلاهم أسفلهم .. وفي ذلك ~~ما فيه من التنفير عن إطاعة الكافرين والاستماع إلى وساوسهم. # ثم أمرهم سبحانه بطاعته والاعتماد عليه والاستعانة به وحده فقال ( ~~@QUR@06 بل الله مولاكم وهو خير الناصرين ). # وحرف «بل» ms0985 هنا للإضراب الانتقالى ، لأنه سبحانه بعد أن حذر المؤمنين من إطاعة PageV02P291 # الكافرين وما يترتب عليها من مضار ، انتقل إلى توجيههم إلى ما فيه عزتهم ~~وكرامتهم وسعادتهم. # والمولى هنا بمعنى النصير والمعين ، وهذا اللفظ لا يدل على النصرة والعون ~~فقط ، وإنما يدل على كمال المحبة والمودة والقرب ، والنصرة تجيء ملازمة ~~لهذه المعاني ، لأنه من كان الله محبا له ، كان سبحانه ناصرا له لا محالة. # والمعنى إنى أنهاكم أيها المؤمنون عن إطاعة الكافرين ، لأنهم ليسوا ~~أولياء لكم فتطيعوهم ، بل الله تعالى هو وليكم ومعينكم وهو خير الناصرين ، ~~لأنه هو الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء فأخلصوا له العبادة ~~والطاعة. # ثم بشرهم سبحانه بأنه سيلقى الرعب والفزع في قلوب أعدائهم فقال تعالى : ( ~~@QUR@014 سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به ~~سلطانا ). # والرعب : الخوف والفزع ، يقال رعبه يرعبه أى خوفه أصله من الملء يقال : ~~سيل راعب ، إذا ملأ الأودية. ورعبت الحوض : ملأته. # والسلطان : الحجة والبرهان وسميت الحجة سلطانا لقوتها ونفوذها. أصل ~~المادة يدل على الشدة والقوة ومنها السليط الشديد واللسان الطويل. # والمعنى : سنملأ قلوب المشركين خوفا وفزعا بسبب إشراكهم مع الله تعالى ~~آلهة لم ينزل الله بها حجة والمراد : أنه لا حجة لهم حتى ينزلها. # قال الآلوسى : قوله ( @QUR@04 ما لم ينزل به ) أى بإشراكه أو بعبادته ، ~~و «ما» نكرة موصوفة أو موصولة اسمية وليست مصدرية و «سلطانا» أى حجة والإتيان ~~بها للإشارة بأن المتبع في باب التوحيد هو البرهان السماوي دون الآراء ~~والأهواء الباطلة .. وذكر عدم إنزال الحجة مع استحالة تحققها من باب انتفاء ~~المقيد لانتفاء قيده اللازم ، أى : لا حجة حتى ينزلها ، فهو على حد قوله في ~~وصف مفازة : # لا تفزع الأرنب أهوالها %~% ولا ترى الضب بها ينجحر # إذ المراد : لا ضب بها حتى ينجحر. فالمراد نفيهما جميعا (1). # فالآية الكريمة قد بشرت المؤمنين بأن الله تعالى سيلقى الرعب والفزع في ~~قلوب أعدائهم حتى لا يتجاسروا عليهم. # ومن مظاهر الرعب التي ألقاها الله تعالى في قلوب ms0986 المشركين أنهم بعد أن ~~انتصروا على PageV02P292 # المسلمين في غزوة أحد. كان في قدرتهم أن يوغلوا في مهاجمتهم وقتالهم إلا ~~أن الرعب صدهم عن ذلك. # ولقد حاولوا وهم في طريقهم إلى مكة أن يعودوا للقضاء على المسلمين إلا أن ~~الخوف داخل قلوبهم وجعل أحد زعمائهم وهو صفوان بن أمية يقول لهم : «يا أهل ~~مكة لا ترجعوا لقتال القوم ، فإنى أرى أنه سيكون للقوم قتال غير الذي كان». # قال الفخر الرازي ما ملخصه قوله ( @QUR@06 سنلقي في قلوب الذين كفروا ~~الرعب ) اختلفوا في أن هذا الوعد هل هو مختص بيوم أحد ، أو هو عام في جميع ~~الأوقات؟ # قال كثير من المفسرين : إنه مختص بهذا اليوم ، وذلك لأن جميع الآيات ~~المتقدمة إنما وردت في هذه الواقعة. # ثم القائلون بهذا القول ذكروا في كيفية إلقاء الرعب في قلوب المشركين في ~~هذا اليوم وجهين : # الأول : أن الكفار لما استولوا على المسلمين وهزموهم أوقع الله الرعب في ~~قلوبهم ، فتركوهم وفروا منهم من غير سبب ... # والثاني : أن الكفار لما ذهبوا إلى مكة فلما كانوا في بعض الطريق قالوا ~~ما صنعنا شيئا قتلنا الأكثرين منهم ثم تركناهم ونحن قاهرون. ارجعوا حتى ~~نستأصلهم بالكلية ، فلما عزموا على ذلك ألقى الله الرعب في قلوبهم. # والقول الثاني : أن هذا الوعد غير مختص بيوم أحد ، بل هو عام ، كأنه قيل ~~: إنه وإن وقعت لكم هذه الواقعة في يوم أحد ، إلا أن الله تعالى سيلقى ~~الرعب منكم بعد ذلك في قلوب الكافرين حتى يقهر الكفار ، ويظهر دينكم على ~~سائر الأديان. # وقد فعل الله ذلك حتى صار دين الإسلام قاهرا لجميع الأديان والملل. ونظير ~~هذه الآية قوله صلى الله عليه وسلم «نصرت بالرعب مسيرة شهر» (1). # ثم ختم سبحانه الآية ببيان سوء عاقبة هؤلاء الكافرين فقال : ( @QUR@05 ~~ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين ). # والمأوى : اسم مكان من أوى يأوى. وهو المكان الذي يرجع إليه الشخص ويعود إليه. # والمثوى : اسم مكان أيضا يقال : ثوى بالمكان وفيه يثوى ثواء وثويا وأثوى ~~به ، أى أطال الإقامة والنزول فيه. PageV02P293 # والمعنى : أن هؤلاء ms0987 الكافرين سيلقى الله تعالى الرعب والفزع في قلوبهم ~~حتى لا يتجاسروا على المؤمنين ، هذا في الدنيا ، أما في الآخرة ، فالمكان ~~الذي يأوون إليه ويستقرون فيه هو النار ، لا مأوى لهم غيرها ، وبئس هذه ~~النار موضع إقامة دائمة لهم. # وقد أظهر سبحانه الاسم في موضع الإضمار فلم يقل : وبئس النار مثواهم ، بل ~~قال : ( @QUR@03 وبئس مثوى الظالمين ): للإشارة إلى أن هذا المآل الأليم ~~إنما هو جزاء عادل لهم بسبب ظلمهم إذ هم الذين ظلموا أنفسهم فأضلوها وصدوها ~~عن الحق فكانت نهايتهم تلك النهاية المهينة ، «وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم ~~يظلمون». # وفي جعل هذه النار مثواهم بعد جعلها مأواهم إشارة إلى خلودهم فيها ، فإن ~~المثوى مكان الإقامة المنبئة عن المكث ، وأما المأوى فهو المكان الذي يأوى ~~إليه الإنسان. # وقدم المأوى على المثوى لأن هذا هو الترتيب الوجودي في الخارج ، لأن ~~الإنسان يأوى إلى المكان ثم يثوى فيه. # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد نهت المؤمنين عن إطاعة الكافرين ~~وبينت لهم النتائج الوخيمة التي تترتب على إطاعتهم ثم دعتهم إلى الاعتصام ~~بدين الله وبشرتهم بسوء عاقبة أعدائهم في الدنيا والآخرة. # ثم ذكر الله تعالى المؤمنين بما حدث لهم في غزوة أحد ، وكيف أنهم انتصروا ~~على أعدائهم في أول المعركة ثم كيف أنهم أصيبوا بالهزيمة بعد ذلك بسبب ~~فشلهم وتنازعهم ومعصيتهم لرسولهم صلى الله عليه وسلم ثم صور سبحانه أحوالهم في ~~هذه المعركة تصويرا بليغا مؤثرا وحكى أقوال ضعاف الإيمان ورد عليها بما ~~يدحضها. استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى كل ذلك فيقول : # ( @QUR@040 ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم ~~وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ~~ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل ~~على المؤمنين PageV02P294 # (152) @QUR@025 إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم ~~فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما ~~تعملون (153) @QUR@075 ثم أنزل عليكم من بعد الغم ms0988 أمنة نعاسا يغشى طائفة ~~منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل ~~لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك ~~يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز ~~الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في ~~قلوبكم والله عليم بذات الصدور (154) @QUR@021 إن الذين تولوا منكم يوم ~~التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن ~~الله غفور حليم ) (155) # قال القرطبي : قال محمد بن كعب القرطبي : لما رجع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد أحد ، وقد أصيبوا قال بعضهم لبعض : من أين ~~أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟ فنزل قوله تعالى ( @QUR@07 ولقد صدقكم ~~الله وعده إذ تحسونهم بإذنه ) الآية. # وذلك أنهم قتلوا صاحب لواء المشركين وسبعة نفر منهم بعده على اللواء ، ~~وكان الظفر ابتداء PageV02P295 # للمسلمين ، غير أنهم اشتغلوا بالغنيمة وترك بعض الرماة أيضا مراكزهم طلبا ~~للغنيمة فكان ذلك سبب الهزيمة. # وقد روى البخاري عن البراء بن عازب قال : لما كان يوم أحد ولقينا ~~المشركين أجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أناسا من الرماة وأمر عليهم عبد ~~الله بن جبير وقال لهم : «لا تبرحوا من مكانكم. إن رأيتمونا ظهرنا عليهم ~~فلا تبرحوا ، وإن رأيتموهم قد ظهروا علينا فلا تعينونا». # قال : فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء يشتددن الجبل أى يسرعن الفرار ~~يرفعن عن سوقهن ، قد بدت خلاخلهن. فجعلوا يقولون أى الرماة «الغنيمة .. ~~الغنيمة» فقال لهم أميرهم عبد الله بن جبير. أمهلوا. أما عهد إليكم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ألا تبرحوا أماكنكم؟ فأبوا وانطلقوا لجمع الغنائم ~~فلما أتوهم صرف الله وجوههم وقتل من المسلمين سبعون رجلا» (1). # وصدق الوعد معناه : تحقيقه والوفاء به ، الصدق : مطابقة الخبر للواقع. ~~والمراد بهذا الوعد ، ما وعد الله به المؤمنين من النصر والظفر في مثل قوله ~~تعالى ( @QUR@010 يا أيها الذين آمنوا ms0989 إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ~~) (2). # وفي مثل قوله تعالى ( @QUR@014 سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما ~~أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ) (3). # وفي مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم للرماة قبل أن تبدأ المعركة «لا ~~تبرحوا أماكنكم فلن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم». # ومعنى «تحسونهم تقتلونهم قتلا شديدا يفقدون معه حسهم وحركتهم. يقال : حسه ~~حسا إذا قتله. وحقيقته : أصاب حاسته بآفة فأبطلها ، يقال : كبده وفأده أى : ~~أصاب كبده وفؤاده. ومنه جراد محسوس ، وهو الذي قتله البرد أو مسته النار ~~فأهلكته. # والمعنى : ولقد حقق الله تعالى لكم أيها المؤمنون ما وعدكم به من النصر ~~على أعدائكم إذ أيدكم في أول معركة أحد بعونه وتأييده فصرتم تقتلون ~~المشركين قتلا ذريعا شديدا بإذنه وتيسيره ورعايته وكان حليفا لكم في أول ~~المعركة. # و «صدق» يتعدى لاثنين أحدهما بنفسه والآخر بحرف الجر تقول : صدقت زيدا في PageV02P296 # الحديث. وقد يتعدى بنفسه إلى المفعولين كما هنا إذ المفعول الأول ضمير ~~المخاطبين ، والثاني قوله ( @QUR@01 وعده ). # وقوله ( @QUR@02 إذ تحسونهم ) معمول لصدقكم أى صدقكم في هذا الوقت وهو ~~وقت قتلهم وقوله «بإذنه» متعلق بمحذوف لأنه حال من فاعل «تحسونهم» أى ~~تقتلونهم مأذونا لكم في ذلك. # فالجملة الكريمة تذكر المؤمنين بما كان من نصر الله تعالى لهم عند ما ~~أقبلوا على معركة أحد بقلوب مخلصة ، ونفوس ثابتة وعزيمة صادقة .. ثم بين ~~سبحانه أما ما أصابهم من هزيمة بعد ذلك كان بسبب فشلهم وتنازعهم فقال تعالى ~~: ( @QUR@013 حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما ~~تحبون ). # والفشل : بمعنى الجبن والضعف ، يقال فشل يفشل فهو فشل وفاشل والتنازع : ~~التخاصم والتحالف. # والمعنى : ولقد صدقكم الله وعده في النصر أيها المؤمنون عند ما كنتم ~~تقاتلون أعداءكم بإيمان صادق ، وإخلاص الله تعالى حتى إذا ضعفت نفوسكم ~~وعجزتم عن مقاومة أهوائكم وتنازعتم فيما بينكم (أنتبع الغنائم نجمعها أم ~~نبقى في أماكننا التي حددها الرسول صلى الله عليه وسلم لنا)؟ ومال أكثركم إلى ~~طلب الغنائم مخالفا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ms0990 من بعد ما أراكم الله في ~~أول المعركة من نصر مؤزر تحبونه وترجونه ، ومن مغانم تتطلعون إليها بلهفة وشوق. # حتى إذا فعلتم ذلك منع الله تعالى عنكم نصره ، وتحول نصركم إلى هزيمة ~~وفقدتم أنفسكم وما جمعتموه من غنائم. # وهكذا نرى أن ما أصاب المسلمين في أحد من هزيمة كان بسبب فشل بعضهم ~~وتنازعهم وعصيانهم أمر رسولهم صلى الله عليه وسلم وصدق الله إذ يقول : ( ~~@QUR@08 واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) (1). # ولقد رتب الله تعالى ما حدث من بعض المؤمنين في غزوة أحد ترتيبا دقيقا ، ~~يتفق مع ما حصل منهم وذلك لأنهم حدث منهم أولا الفشل بمعنى العجز النفسي عن ~~الثبات والصبر. ثم ترتب على ذلك أن تنازعوا فيما بينهم ونتج عن هذا التنازع ~~أن ترك معظمهم مكانه ونزل إلى ميدان المعركة لجمع المغانم ، ثم ترتب على كل ~~ذلك معصيتهم لأمر رسولهم وقائدهم صلى الله عليه وسلم . PageV02P297 # قال الجمل ما ملخصه : وقوله ( @QUR@03 حتى إذا فشلتم ) في حتى هذه قولان : # أحدهما : أنها حرف جر بمعنى إلى وفي متعلقها حينئذ ثلاثة أوجه. # أحدها : أنها متعلقة بقوله : ( @QUR@01 تحسونهم ) أى تقتلونهم إلى هذا الوقت. # والثاني : أنها متعلقة «بصدقكم» أى صدقكم الله وعده إلى وقت فشلكم. ~~والثالث : أنها متعلقة بمحذوف دل عليه السياق تقديره : ودام لكم ذلك إلى ~~وقت فشلكم. # والقول الثاني : أنها حرف ابتداء داخلة على الجملة الشرطية و ( @QUR@01 ~~إذ ) على بابها من كونها شرطية ، والصحيح أن جوابها محذوف أى حتى إذا فشلتم ~~وتنازعتم منع الله عنكم نصره» (1). # وقال الفخر الرازي : فإن قيل ما الفائدة في قوله ( @QUR@06 من بعد ما ~~أراكم ما تحبون )؟ # فالجواب عنه : أن المقصود منه التنبيه على عظم المعصية ، لأنهم لما ~~شاهدوا أن الله تعالى «أكرمهم بإنجاز الوعد كان من حقهم أن يمتنعوا عن ~~المعصية ، فلما أقدموا عليها لا جرم سلبهم الله ذلك الإكرام وأذاقهم وبال ~~أمرهم. وقوله ( @QUR@08 منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ) تفصيل ~~للتنازع الذي كان بين الرماة ، أو بين بعض أفراد المسلمين الذين اشتركوا في ms0991 ~~هذه الغزوة (2). # أى : منكم أيها المسلمون من يريد الدنيا ومغانمها حتى حمله ذلك على ترك ~~مكانه المخصص له مخالفا نصيحة قائده ورسوله صلى الله عليه وسلم ولو أن هذا ~~البعض منكم خالف هواه ، وحارب مطامعه ، وأطاع أمر رسوله صلى الله عليه وسلم ~~لتم لكم النصر ، ولأتتكم الدنيا بغنائمها وهي صاغرة. # ومنكم من يريد بجهاده وعمله ثواب الآخرة وهم الذين أطاعوا أمر رسولهم ~~صلى الله عليه وسلم وثبتوا إلى جانبه يدافعون عنه وعن عقيدتهم وعن أنفسهم دفاع ~~الأبطال الصامدين وهؤلاء هم الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم ما ~~يسعدهم في دنياهم وآخرتهم. # قال ابن جرير : قال ابن عباس : لما هزم الله المشركين يوم أحد ، قال ~~الرماة : أدركوا الناس لا يسبقوكم إلى الغنائم فتكون لهم دونكم ، وقال ~~بعضهم : لا نريم حتى يأذن لنا النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت : ( @QUR@08 ~~منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ). # وقال ابن مسعود : ما علمنا أن أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان يريد الدنيا وعرضها حتى كان يوم أحد» (3). PageV02P298 # وقوله ( @QUR@04 ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ) عطف على جواب «إذا» المقدر ، ~~وما بينهما اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه. # والتقدير : منع الله نصره عنكم بسبب فشلكم وتنازعكم ومعصيتكم لنبيكم ثم ~~ردكم عنهم دون أن تنالوا ما تبتغون ( @QUR@01 ليبتليكم ) أى ليعاملكم الله ~~تعالى معاملة من يمتحن غيره ، ليتميز قوى الإيمان من ضعيفه وليتبين لكم ~~الصابر المخلص من غيره. # وجاء العطف بثم في قوله ( @QUR@02 ثم صرفكم ) للإشعار بالتفاوت الكبير ~~بين المقصد الأصلى الذي خرجوا من أجله وهو النصر والحصول على الغنيمة وبين ~~النتيجة التي انتهوا إليها وهي العودة مقهورين. # وكان التعبير بكلمة ( @QUR@01 صرفكم ) دون كلمة «هزمتم» لأن ما حدث في ~~أحد لم يكن هزيمة وإن لم يكن نصرا. لأن الهزيمة تقتضي أن يولى المسلمون ~~الأدبار وأن يتحكم فيهم أعداؤهم وما حدث في أحد لم يكن كذلك ، وإنما كان ~~زيادة في عدد الشهداء من المسلمين عن عدد القتلى من المشركين لأن بعض ~~المسلمين خالفوا وصية ms0992 نبيهم صلى الله عليه وسلم وتطلعوا إلى زهرة الدنيا ~~وزينتها بطريقة تتعارض مع ما يقتضيه الإيمان الصادق فكان من الله تعالى ~~التأديب لهم .. وفي هذا التعبير ( @QUR@03 ثم صرفكم عنهم ) تسلية لهم عما ~~أصابهم ، وتخفيف لمصابهم فكأنه سبحانه يقول لهم : إن ما حدث في أحد إنما هو ~~نوع من الصرف عن الغاية التي من أجلها خرجتم لحكم من أهمها : تمييز الخبيث ~~من الطيب ، وتربيتكم على تحمل المصائب والآلام ، وتأديبكم بالأدب المناسب ~~حتى لا تعودوا مرة أخرى إلى مخالفة رسولكم صلى الله عليه وسلم . # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بما يمسح آلامهم ويذهب الحسرة من قلوبهم ~~فقال تعالى ( @QUR@08 ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين ). # أى : ولقد عفا سبحانه عما صدر منكم تفضلا منه وكرما ، والله تعالى هو ~~صاحب الفضل المطلق الدائم على المؤمنين. # ولقد أكد سبحانه هذا العفو باللام وبقد وبالتعبير بالماضي ، ليفتح أمامهم ~~طريق الأمل ، وليحفزهم على التوبة الصادقة والإيمان العميق ، حتى لا ييأسوا ~~من رحمة الله. # والتذييل بقوله ( @QUR@05 والله ذو فضل على المؤمنين ) مؤكد لمضمون ما قبله. # قال الآلوسى : «إيذان بأن ذلك العفو ، ولو كان بعد التوبة ، بطريق التفضل ~~لا الوجوب أى : شأنه أن يتفضل عليهم بالعفو في جميع الأحوال أديل لهم أو ~~أديل عليهم ، إذ الابتلاء أيضا رحمة» (1). PageV02P299 # فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ذكرت المؤمنين بأن الله تعالى قد حقق وعده ~~معهم في أول المعركة بأن سلطهم على المشركين يقتلونهم بتأييده ورعايته قتلا ~~ذريعا فلما صدر من بعض المؤمنين الفشل والتنازع والعصيان منع الله عنهم ~~عونه وصرفهم عن الغاية التي كانوا يتمنونها ليتميز الخبيث من الطيب ومع ذلك ~~فقد عفا الله عما صدر منهم من أخطاء لأنه هو صاحب الفضل الدائم على ~~المؤمنين. # ثم ذكرهم سبحانه بعد ذلك بما كان من بعضهم بعد أن اضطربت أحوالهم وجاءهم ~~أعداؤهم من أمامهم ومن خلفهم بسبب ترك معظم الرماة لأماكنهم ، فقال تعالى ( ~~@QUR@010 إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم ). # وقوله : ( @QUR@01 تصعدون ) من الإصعاد وهو الذهاب في ms0993 صعيد الأرض ~~والإبعاد فيه. # يقال : أصعد في الأرض إذا أبعد في الذهاب وأمعن فيه ، فهو الصعد. # قال القرطبي : الإصعاد : السير في مستو من الأرض وبطون الأودية والشعاب. # والصعود : الارتفاع على الجبال والدرج. # وقوله ( @QUR@02 إذ تصعدون ) متعلق بقوله ( @QUR@01 صرفكم ) أو بقوله ( ~~@QUR@01 ليبتليكم ) أو بمحذوف تقديره اذكروا. # أى اذكروا أيها المؤمنون وقت أن كنتم مصعدين تهرولون بسرعة في بطن الوادي ~~بعد أن اختلت صفوفكم واضطراب جمعكم. وصرتم لا يعرج بعضكم على بعض ولا يلتفت ~~أحدكم إلى غيره من شدة الهرب ، والحال أن رسولكم صلى الله عليه وسلم ( @QUR@03 ~~يدعوكم في أخراكم ) أى يناديكم في أخراكم أو في جماعتكم الأخرى أو من خلفكم ~~يقال. جاء فلان في آخر الناس وأخراهم إذا جاء خلفهم ، كما يقال : جاء في ~~أموالهم وأولادهم. # والمراد أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعو المنهزمين إلى الثبات وإلى ~~ترك الفرار من الأعداء وإلى معاودة الهجوم عليهم وهو ثابت لم يتزعزع ومعه ~~نفر من أصحابه. # قال ابن جرير لما اشتد المشركون على المسلمين بأحد فهزموهم ، دخل بعضهم ~~المدينة ، وانطلق بعضهم إلى الجبل فوق الصخرة فقاموا عليها ، فجعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس : «إلى عباد الله»! فذكر الله صعودهم إلى ~~الجبل ، ثم ذكر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إياهم فقال : ( @QUR@010 إذ ~~تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم ) (1). # ففي هذه الجملة الكريمة تصوير بديع معجز لحال المسلمين عند ما اضطربت ~~صفوفهم في PageV02P300 # غزوة أحد ، فهي تصور حالهم وهم مصعدون في الوادي بدون تمهل أو تثبت ، ~~وتصور حالهم وقد أخذ منهم الدهش مأخذه بحيث أصبح بعضهم لا يلتفت إلى غيره ~~أو يسمع له نداء ، أو يجيب له طلبا وتصور حال النبي صلى الله عليه وسلم وقد ~~ثبت كالطود الأشم بدون اضطراب أو وجل ومعه صفوة من أصحابه وقد أخذ ينادى ~~الفارين بقوله : «إلى عباد الله ، إلى عباد الله أنا رسول الله ، من يكر ~~فله الجنة». # وقوله تعالى ( @QUR@011 فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ~~ما ms0994 أصابكم ). # بيان للنتيجة التي ترتبت على هذا الاضطراب وهو معطوف على قوله ( @QUR@01 ~~صرفكم ) أو على قوله ( @QUR@03 تصعدون ولا تلوون ) ولا يضر كونهما مضارعين ~~في اللفظ لأن إذ المضافة إليهما صيرتهما ماضيين في المعنى. # وأصل الإثابة إعطاء الثواب ، وهو شيء يكون جزاء على عطاء أو فعل ولفظ ~~الثواب لا يستعمل في الأعم الأغلب إلا في الخير ، والمراد به هنا العقوبة ~~التي نزلت بهم. وسميت العقوبة التي نزلت بهم ثوابا على سبيل الاستعارة ~~التهكمية كما في قوله ( @QUR@03 فبشرهم بعذاب أليم ). # ويجوز أن يكون اللفظ مستعملا في حقيقته ، لأن لفظ الثواب في أصل اللغة ~~معناه ما يعود على الفاعلي من جزاء فعله ، سواء أكان خيرا أو شرا. # قال القرطبي : قوله تعالى ( @QUR@03 فأثابكم غما بغم ) الغم في اللغة ~~التغطية. يقال : غممت الشيء أى غطيته. ويوم غم وليلة غمة إذا كانا مظلمين. # قال مجاهد وقتادة وغيرهما ، والغم الأول القتل والجراح والغم الثاني ~~الإرجاف بمقتل النبي صلى الله عليه وسلم وقيل الغم الأول ما فاتهم من الظفر ~~والغنيمة والثاني : استعلاء المشركين عليهم. وعند ذلك قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم «اللهم لا يعان علينا». # والباء في ( @QUR@01 بغم ) على هذا بمعنى على. وقيل هي على بابها والمعنى ~~أنهم غموا النبي صلى الله عليه وسلم بمخالفتهم إياه فأثابهم بذلك غمهم بمن ~~أصيب منهم» (1). # ويجوز أن يكون الكلام لمجرد التكثير أى جازاكم بغموم وأحزان كثيرة متصل ~~بعضها ببعض بأن منع عنكم نصره وحرمكم الغنيمة وأصابتكم الجراح الكثيرة ~~وأشيع بينكم أن نبيكم قد قتل ... وكل ذلك بسبب أنكم خالفتم وصية نبيكم ~~صلى الله عليه وسلم وتغلب حب الدنيا وشهواتها على قلوب بعضكم فلم تخلصوا الله ~~الجهاد فأصابكم ما أصابكم. PageV02P301 # وقوله ( @QUR@08 لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم ) تعليل لقوله ~~( @QUR@03 ولقد عفا عنكم ) أى : ولقد عفا الله تعالى عنكم لئلا تحزنوا على ~~ما فاتكم من غنائم ونصر ، ولا على ما أصابكم من جراح وآلام ، فإن عفو الله ~~تعالى يذهب كل حزن ويمسح كل ألم. # ويرى صاحب الكشاف أن معنى «لكي ms0995 لا تحزنوا» لتتمرنوا على تجرع الغموم فلا ~~تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع ، ولا على مصيب من المضار. # ثم قال : ويجوز أن يكون الضمير في ( @QUR@01 فأثابكم ) للرسول. أى : ~~فآساكم في الاغتمام أى فصار أسوتكم لأنه كما غمكم ما نزل به من كسر ~~الرباعية والشجة وغيرها فقد غمه ما نزل بكم. فأثابكم غما اغتمه لأجلكم بسبب ~~غم اغتممتموه لأجله ولم يثربكم على عصيانكم ومخالفتكم لأمره ، وإنما فعل ~~ذلك ليسليكم وينفس عنكم لئلا تحزنوا على ما فاتكم من نصر الله ولا على ما ~~أصابكم من غلبة العدو» (1). # ثم ختم سبحانه الآية بقوله ( @QUR@04 والله خبير بما تعملون ) أى : والله ~~تعالى عليم بأعمالكم ونياتكم علما كاملا ، وخبير بما انطوت عليه نفوسكم فهو ~~سبحانه لا تخفى عليه خافية مهما صغرت ، فاتقوه وراقبوه واتبعوا ما كلفكم به ~~لتنالوا الفوز والسعادة. # ثم ذكرهم سبحانه ببعض مظاهر لطفه بهم ورحمته لهم حيث أنزل على طائفة منهم ~~النعاس الذي أدخل الطمأنينة على قلوبهم وأزال الخوف والفزع من نفوسهم فقال ~~تعالى ( @QUR@011 ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم ) ~~والجملة الكريمة معطوفة على قوله ( @QUR@01 فأثابكم ). # والأمنة بفتحتين مصدر كالأمن. يقال : أمن أمنا وأمانا وأمنة. # والنعاس : الفتور في أوائل النوم ومن شأنه أن يزيل عن الإنسان بعض متاعبه ~~ولا يغيب صاحبه فلذلك كان أمنة لهم : لأنه لو كان نوما ثقيلا لهاجمهم ~~المشركون. # أى : ثم أنزل عليكم أيها المؤمنون بعد أن أصابكم من الهم والغم ما أصابكم ~~، أمنا كان مظهره نعاسا اطمأنت معه نفوسكم واستراحت معه أبدانكم من غير فزع ~~ولا قلق ، وكان هذا الأمان والاطمئنان لطائفة معينة منكم أخلصت جهادها الله ~~، وخافت مقام ربها ونهت نفسها عن الهوى. # قال ابن كثير : يقول تعالى ممتنا على المؤمنين فيما أنزل عليهم من ~~السكينة والأمنة وهو النعاس الذي غشيهم وهم مشتملون السلاح في حال همهم ~~وغمهم والنعاس في مثل تلك الحال. PageV02P302 # دليل على الأمان ، كما قال في سورة الأنفال : ( @QUR@05 إذ يغشيكم النعاس ~~أمنة منه ) فعن ابن مسعود قال : النعاس في ms0996 القتال من الله وفي الصلاة من ~~الشيطان». # وروى البخاري عن أبى طلحة قال : كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط ~~سيفي من يدي مرارا يسقط وآخذه ويسقط وآخذه» (1). # وقوله ( @QUR@01 نعاسا ) بدل من ( @QUR@01 أمنة ) أو عطف بيان. # قال الفخر الرازي : واعلم أن ذلك النعاس فيه فوائد : # أحدها : أنه وقع على كافة المؤمنين لا على الحد المعتاد ، فكان ذلك معجزة ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ولا شك أن المؤمنين متى شاهدوا تلك المعجزة الجديدة ~~ازدادوا إيمانا مع إيمانهم ، ومتى صاروا كذلك ازداد جدهم في محاربة العدو. ~~ووثوقهم بأن الله منجز وعده. # وثانيهما : أن الأرق والسهر يوجبان الضعف والكلال والنوم يفيد عود القوة ~~والنشاط واشتداد القوة والقدرة. # وثالثها : أن الكفار لما اشتغلوا بقتل المسلمين ألقى الله النوم على عين ~~من بقي منهم لئلا يشاهدوا قتل أعزتهم فيشتد خوفهم. # ورابعها : أن الأعداء كانوا في غاية الحرص على قتلهم فبقاؤهم في النوم مع ~~السلامة في مثل تلك المعركة من أول الدلائل على أن حفظ الله وعصمته معهم ~~وذلك مما يزيل الخوف عن قلوبهم ويورثهم مزيد الوثوق بوعد الله» (2). # هذا جانب مما امتن الله به على المؤمنين من فضل ورعابة ، حيث أنزل عليهم ~~النعاس في أعقاب ما أصابهم من هموم ليكون راحة لأبدانهم ، وأمانا لنفوسهم. # أما غير المؤمنين الصادقين فلم ينزل عليهم هذا النعاس بل بقوا في قلقهم ~~وحسرتهم وقد عبر الله تعالى عنهم بقوله : ( @QUR@010 وطائفة قد أهمتهم ~~أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ). # وقوله ( @QUR@02 أهمتهم أنفسهم ) حملتهم على الهم ، والهم ما يهتم له ~~الإنسان أو ما يحزنه يقال : أهمنى الأمر أى أقلقنى وأزعجنى ، كما يقال : ~~أهمنى الشيء ، أى جعلني مهتما به اهتماما شديدا. # والمعنى : أن الله تعالى أنزل النعاس أمانا واطمئنانا للمؤمنين الصادقين ~~بعد أن أصابتهم الغموم ، وهناك طائفة أخرى من الذين اشتركوا في غزوة أحد لم ~~تكن صادقة في إيمانها لأنها PageV02P303 # كانت لا يهمها شأن الإسلام انتصر أو انهزم ولا شأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه. وإنما الذي كان يهمها هو ms0997 شيء واحد وهو أمر نفسها وما يتعلق بذلك ~~من الحصول على الغنائم ومتع الدنيا. # أو المعنى : أن هذه الطائفة قد أوقعت نفسها في الهم والحزن بسبب عدم ~~اطمئنانها وعدم صبرها ، وجزعها المستمر. # وإلى هذين المعنيين أشار صاحب الكشاف بقوله : ( @QUR@03 قد أهمتهم أنفسهم ~~) أى : ما يهم إلا هم أنفسهم ، لا هم الدين ولا هم الرسول صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمين. وقد أوقعتهم أنفسهم وما حل بهم في الهموم والأشجان فهم في ~~التشاكى والتباكي» (1). # والجملة الكريمة مستأنفة مسوقة لبيان حال ضعاف الإيمان بعد أن بين سبحانه ~~ما امتن به على أقوياء الإيمان. # وقوله : ( @QUR@06 يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ) وصف آخر لسوء ~~أخلاق هذه الطائفة التي ضعف إيمانها ، وصارت لا يهمها إلا ما يتعلق ~~بمنافعها الخاصة. # أى أن هذه الطائفة لم تكتف بما استولى عليها من طمع وجشع وحب لنفسها بل ~~تجاوزت ذلك إلى سوء الظن بالله بأن توهمت بأن الله تعالى لن ينصر رسوله ~~صلى الله عليه وسلم وأن الإسلام ليس دينا حقا وأن المسلمين لن ينتصروا على ~~المشركين بعد معركة أحد .. إلى غير ذلك من الظنون الباطلة التي تتولد عند ~~المرء الذي ضعف إيمانه وصار لا يهمه إلا أمر نفسه. # وقوله ( @QUR@02 يظنون بالله ) حال من الضمير المنصوب في ( @QUR@01 ~~أهمتهم ) أو استئناف على وجه البيان لما قبله. # وقوله ( @QUR@02 غير الحق ) مفعول مطلق وصف لمصدر محذوف أى يظنون بالله ~~ظنا غير الحق الذي يجب أن يتحلى به المؤمنون إذ من شأن المؤمنين الصادقين ~~أن يستسلموا لقدر الله بعد أن يباشروا الأسباب التي شرعها لهم : وأن يصبروا ~~على ما أصابهم وأن يوقنوا بأن ما أصابهم هو بتقدير الله وبحكمته وبإرادته ( ~~@QUR@04 وكل شيء عنده بمقدار ). # وقوله ( @QUR@02 ظن الجاهلية ) بدل أو عطف بيان مما قبله. # أى يظنون بالله شيئا هو من شأن أهل الجاهلية الذين يتوهمون أن الله لا ~~ينصر رسله ولا يؤيد أولياءه ولا يهزم أعداءه. # ثم بين سبحانه ما صدر عنهم من كلام باطل بسبب ظنونهم السيئة فقال تعالى PageV02P304 # ( @QUR@07 يقولون هل لنا من ms0998 الأمر من شيء ). والاستفهام للإنكار بمعنى ~~النفي ، وهم يريدون بهذا القول تبرئة نفوسهم من أن يكونوا سببا فيما أصاب ~~المسلمين من آلام يوم أحد ، وأن الذين تسببوا في ذلك هم غيرهم. # أى : يقول بعضهم لبعض ليس لنا من الأمر شيء أى شيء فلسنا مسئولين عن ~~الهزيمة التي حدثت للمسلمين في أحد لأننا لم يكن لنا رأى يطاع ولأن الله ~~تعالى لو أراد نصر محمد صلى الله عليه وسلم لنصره. # وهذا القول قاله عبد الله بن أبى بن سلول حين أخبروه بمن استشهد من قبيلة ~~الخزرج في غزوة أحد. # وذلك أن عبد الله بن أبى لما استشاره النبي صلى الله عليه وسلم في شأن ~~الخروج لقتال المشركين في أحد أشار عليه بأن لا يخرج من المدينة ، إلا أن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم خرج لقتال المشركين بناء على إلحاح بعض الصحابة. # فلما أخبر ابن أبى بمن قتل من الخزرج قال : هل لنا من الأمر شيء؟ يعنى أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل قوله حين أشار عليه بعدم الخروج من المدينة. # وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرد على هؤلاء الظانين بالله ~~ظن السوء بقوله : ( @QUR@05 قل إن الأمر كله لله ). # أى قل لهم إن تقدير الأمور كلها الله تعالى وحده وإن العاقبة ستكون ~~للمتقين ، إلا أنه سبحانه قد جعل لكل شيء سببا ، فمن أخلص الله في جهاده ~~وباشر الأسباب التي شرعها للنصر نصره الله تعالى ومن تطلع إلى الدنيا ~~وزينتها وخالف أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أدبه الله تعالى بحجب نصره عنه حتى ~~يفيء إلى رشده ويتوب توبة صادقة إلى ربه ، ويتخذ الوسائل التي شرعها الله ~~تعالى للوصول إلى الفوز والظفر. # فالجملة الكريمة معترضة للرد عليهم فيما تقولوه من أباطيل. # ثم كشف سبحانه عما تخفيه نفوسهم من أمور سيئة فقال : ( @QUR@017 يخفون في ~~أنفسهم ما لا يبدون لك. يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا ). # أى : أن هؤلاء الذين أهمتهم أنفسهم : والذين يظنون ms0999 بالله غير الحق. يخفون ~~في أنفسهم من الأقوال القبيحة والظنون السيئة أو يقولون فيما بينهم بطريق ~~الخفية مالا يستطيعون إظهاره أمامك. # وهذه الجملة حال من الضمير في قوله ( @QUR@03 يقولون هل لنا ) السابقة. PageV02P305 # وقوله ( @QUR@010 يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا ) بيان ~~لبعض ما يخفون أو لما يقولونه فيما بينهم. # أى يقولون لو كان لنا من الأمر المطاع أو المسموع شيء ما خرجنا من ~~المدينة إلى هذا المكان الذي قتل فيه أقاربنا وعشائرنا. # فأنت ترى أن القرآن يحكى عنهم أنهم يريدون تبرئة أنفسهم مما نزل ~~بالمسلمين بأحد ، وأنهم لو كان لهم رأى مطاع لبقوا في المدينة ولم يخرجوا ~~منها لقتال المشركين ، وأن التبعة في كل ما جرى في غزوة أحد يتحملها النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين ألحوا عليه في الخروج لقتال المشركين خارج ~~المدينة ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لو كانوا على الحق لانتصروا. # قال ابن جرير : وذكر أن ممن قال هذا القول ( @QUR@09 لو كان لنا من الأمر ~~شيء ما قتلنا هاهنا ) معتب بن قشير من بنى عمرو بن عوف. فعن عبد الله بن ~~الزبير عن الزبير قال ، والله إنى لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني ~~ما أسمعه إلا كالحلم حين قال : ( @QUR@09 لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ~~هاهنا ) (1). # وقد أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم بما يدفع أقوالهم ~~الباطلة فقال : ( @QUR@012 قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم ~~القتل إلى مضاجعهم ). # وقوله ( @QUR@01 لبرز ) من البروز وهو الخروج من المكان الذي يستتر فيه ~~الإنسان والمضاجع جمع مضجع وهو مكان النوم. والمراد به هنا المكان الذي ~~استشهد فيه من استشهد من المسلمين. # والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء الذين يقولون : لو كان لنا من الأمر شيء ما ~~قتل أقاربنا في هذا المكان من جبل أحد. قل لهم لو كنتم في بيوتكم ومنازلكم ~~بالمدينة ولم تخرجوا للقتال بجملتكم ، لخرج لسبب من الأسباب الداعية إلى ~~الخروج الذين كتب عليهم ms1000 القتل في اللوح المحفوظ إلى مضاجعهم أى أماكن قتلهم ~~التي قدر الله لهم أن يقتلوا فيها لأنه ما من نفس تموت إلا بإذن الله ~~وبإرادته ، ولن يستطيع أحد أن ينجو من قدر الله المحتوم وقضائه النافذ ، ~~فإن الحذر لا يدفع القدر ، والتدبير لا يقاوم التقدير ( @QUR@06 وما تدري ~~نفس بأي أرض تموت ) (2). # وفي هذا الرد مبالغة في إبطال ما قاله هؤلاء الذين يظنون بالله الظنون ~~السيئة حيث لم يقتصر سبحانه على تحقيق القتل نفسه متى قدره بل عين مكانه أيضا . PageV02P306 # ثم بين سبحانه بعض الحكم من وراء ما حدث للمسلمين في أحد فقال : ( ~~@QUR@013 وليبتلي الله ما في صدوركم ، وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات ~~الصدور ). # والابتلاء : الاختبار ، وهو هنا كناية عن أثره ، وهو إظهاره للناس ليتميز ~~قوى الإيمان من ضعيفه. # والتمحيص تخليص الشيء مما يخالطه مما فيه عيب له. # والجملة معطوفة على كلام سابق يفهم من السياق. والتقدير : نزل بكم ما نزل ~~من الشدائد في أحد لتتعودوا تحمل الشدائد والمحن ، وليعاملكم سبحانه معاملة ~~المختبر لنفوسكم ، فيظهر ما تنطوى عليه من خير أو شر ، حتى يتبين الخبيث من ~~الطيب وليخلص ما في قلوبكم ويزيل ما عساه يعلق بها من أدران ، ويطهرها مما ~~يخالطها من ظنون سيئة فإن القلوب يخالطها بحكم العادة وتزيين الشيطان ~~واستيلاء الغفلة وحب الشهوات. ما يضاد ما أودع الله فيها من إيمان وإسلام ~~وبر وتقوى. # فلو تركت في عافية دائمة مستمرة لم تتخلص من هذه المخالطة ، ولم تتمحص من ~~الآثام فاقتضت حكمة الله تعالى أن ينزل بها من المحن والبلاء ما يكون ~~بالنسبة لها كالدواء الكريمة لمن عرض له داء. # وقوله ( @QUR@04 والله عليم بذات الصدور ) أى عليم بأسرارها وضمائرها ~~الخفية التي لا تفارقها فهو القائل ( @QUR@011 إن الله لا يخفى عليه شيء في ~~الأرض ولا في السماء ) (1) وهو القائل ( @QUR@07 وإن تجهر بالقول فإنه يعلم ~~السر وأخفى ) (2). # ثم أخبر سبحانه عن الذين لم يثبتوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد ، ~~وبين السبب في ذلك وفتح لهم باب عفوه ms1001 فقال : ( @QUR@021 إن الذين تولوا ~~منكم يوم التقى الجمعان ، إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا. ولقد عفا ~~الله عنهم إن الله غفور حليم ). # وقوله ( @QUR@01 تولوا ) من التولي ويستعمل هذا اللفظ بمعنى الإقبال ~~وبمعنى الإدبار فإن كان متعديا بنفسه كان بمعنى الإقبال كما في قوله تعالى ~~( @QUR@06 ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا ) وإذا كان متعديا بعن أو غير ~~متعد أصلا كان بمعنى الإعراض كما في الآية التي معنا. # والتولي الذي وقع فيه من ذكرهم الله تعالى في الآية التي معنا يتناول ~~الرماة الذين تركوا أماكنهم التي أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالبقاء ~~فيها لحماية ظهور المسلمين كما يتناول الذين لم يثبتوا PageV02P307 # بجانب النبي صلى الله عليه وسلم بل فروا إلى الجبل أو إلى غيره عند ما ~~اضطربت الصفوف. # ولقد حكى لنا التاريخ أن هناك جماعة من المسلمين ثبتت إلى جانب النبي ~~صلى الله عليه وسلم بدون وهن أو ضعف وقد أصيب ممن كان حوله أكثر من ثلاثين ، ~~وكلهم يفتدى النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه ويقول : وجهى لوجهك الفداء ونفسي ~~لنفسك الفداء. وعليك السلام غير مودع (1). # ومعنى ( @QUR@02 استزلهم الشيطان ) طلب لهم الزلل والخطيئة ، أو حملهم ~~عليها بوسوسته لهم : أن يخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم بالثبات ~~في مواقفهم التي عينها لهم ، فكانت مخالفتهم لرسولهم وقائدهم طاعة للشيطان. ~~فحرمهم الله تأييده وتقوية قلوبهم. # قال الراغب : استزله إذا تحرى زلته ، وقوله تعالى ( @QUR@06 إنما استزلهم ~~الشيطان ببعض ما كسبوا ) أى استجرهم الشيطان حتى زلوا ، فإن الخطيئة ~~الصغيرة إذا ترخص الإنسان فيها تصير مسهلة لسبيل الشيطان على نفسه ، والزلة ~~في الأصل : استرسال الرجل من غير قصد» (2). # والمراد بالزلة هنا ما حدث منهم من مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم وقد ~~ترتب عليها هزيمتهم. # والمعنى : إن الذين تولوا منكم يا معشر المؤمنين عن القتال أو تركوا ~~أماكنهم فلم يثبتوا فيها طلبا للغنيمة يوم التقيتم بالمشركين في معركة أحد ~~؛ ( @QUR@03 إنما استزلهم الشيطان ) أى طلب منهم الزلل والمعصية ، ودعاهم ~~إليها بمكر منه وكان ذلك ( @QUR@03 ببعض ms1002 ما كسبوا ) أى بسبب بعض ما اكتسبوه ~~من ذنوب ، لأن نفوسهم لم تتجه بكليتها إلى الله فترتب على ذلك أن منعوا ~~النصر والتأييد وقوة القلب والثبات. # قال ابن القيم : «كانت أعمالهم جندا عليهم ازداد بها عدوهم قوة. فإن ~~الأعمال جند للعبد وجند عليه ولا بد للعبد في كل وقت من سرية من نفسه تهزمه ~~أو تنصره. فهو يمد عدوه بأعماله من حيث يظن أنه يقاتل بها ، ويبعث إليه ~~سرية تغزوه مع عدوه من حيث يظن أنه يغزو عدوه. # فأعمال العبد تسوقه قسرا إلى مقتضاها من الخير والشر والعبد لا يشعر أو ~~يشعر ويتعامى. # ففرار الإنسان من عدوه وهو يطيقه إنما هو بجند من عمله بعثه له الشيطان ~~واستزله به» (3). # ثم أخبر سبحانه أنه قد عفا عن هؤلاء الزالين ، حتى تكون أمامهم الفرصة لتطهير PageV02P308 # نفوسهم. وبعثها على التوبة الصادقة والإخلاص الله رب العالمين ، فقال ~~تعالى ( @QUR@08 ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم ). # أى : ولقد عفا سبحانه عنهم لصدق توبتهم وندمهم على ما فرط منهم ، لأن ~~فرارهم لم يكن عن نفاق ، بل كان عارضا عرض لهم عند ما اضطربت الصفوف ~~واختلطت الأصوات ثم عادوا إلى صفوف الثابتين من المؤمنين ليكونوا معهم في ~~قتال أعدائهم. # ولقد أكد الله تعالى هذا العفو بلام التأكيد وبقد المفيدة للتحقيق ، ~~وبوصفه سبحانه لذاته بالمغفرة فإن هذا الوصف يؤكد أن العفو شأن من شئونه ، ~~وبوصفه سبحانه لذاته بالحلم ، فإن هذا الوصف يفيد أنه لا يعاجل عباده ~~بالعقاب ، بل إن ما أصابهم من مصائب فهو بسبب ما اقترفوه من ذنوب ويعفو ~~سبحانه عن كثير. # وصدق الله إذ يقول : ( @QUR@012 ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك ~~على ظهرها من دابة ) (1). # وقد أكد سبحانه شأن هذا العفو لتذهب عن نفوس هؤلاء الذين استزلهم الشيطان ~~حيرتها ولتنخلع عن الماضي ، ولتستقبل الحاضر والمستقبل بقلوب عامرة ~~بالإيمان ، وبنفوس متغلبة على أهوائها مطيعة لتعاليم دينها. # وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت للمؤمنين بعض الأسباب الظاهرة والخفية ~~لما أصابهم في أحد ، وفتحت لهم باب ms1003 التوبة لتطهير أنفسهم ، وأخبرتهم بعفو ~~الله عنهم ، وفي ذلك ما فيه من عظات وعبر لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. # وبعد هذا الحديث الحكيم عن أحداث معركة أحد ، وعما تم للمسلمين في أولها ~~من نصر ، ثم عما جرى لهم بعد ذلك من اضطراب وتفرق بسبب مخالفة بعضهم لوصايا ~~نبيهم صلى الله عليه وسلم . # بعد كل ذلك وجه القرآن نداء إلى المؤمنين نهاهم عن التشبه بالكافرين وعن ~~الاستماع إلى أباطيلهم وحضهم فيه على مواصلة الجهاد في سبيل الله ، حتى ~~تكون كلمة الله هي العليا وأخبرهم بأن الآجال بيد الله ، وأن موتهم من أجل ~~الدفاع عن الحق أشرف لهم من الحياة الذليلة. # استمع إلى القرآن وهو يصور هذه المعاني بأسلوبه البليغ فيقول : PageV02P309 # ( @QUR@037 يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم ~~إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل ~~الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير (156) ~~@QUR@014 ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما ~~يجمعون (157) @QUR@07 ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون ) (158) # فقوله ( @QUR@010 يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا ~~لإخوانهم ) إلخ كلام مستأنف قصد به تحذير المؤمنين من التشبه بالكافرين ومن ~~الاستماع إلى أقوالهم الذميمة. # والمراد بالذين كفروا المنافقون كعبد الله بن أبى بن سلول وأشباهه من ~~المنافقين الذين سبق للقرآن أن حكى عنهم أنهم قالوا : ( @QUR@09 لو كان لنا ~~من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا ). # وإنما ذكرهم بصفة الكفر للتصريح بمباينة حالهم لحال المؤمنين وللتنفير عن ~~مماثلتهم ومسايرتهم. وقيل المراد بهم جميع الكفار. # والمراد بإخوانهم : إخوانهم في الكفر والنفاق والمذهب أو في النسب وقوله ~~( @QUR@04 إذا ضربوا في الأرض ) أى سافروا فيها للتجارة أو غيرها فماتوا. ~~وأصل الضرب : إيقاع شيء على شيء ثم استعمل في السير ، لما فيه من ضرب الأرض ~~بالأرجل ، ثم صار حقيقة فيه. # وقوله : ( @QUR@01 غزى ) جمع غاز كراكع وركع ، وصائم وصوم ، ونائم ونوم. # والمعنى : يا من ms1004 آمنتم بالله واليوم الآخر لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا ~~بفزع وجزع من أجل إخوانهم الذين فقدوهم بسبب سفرهم للتجارة أو بسبب غزوهم ~~في سبيل الله. # قالوا على سبيل التفجع : لو كان هؤلاء الذين ماتوا في السفر أو الغزو ~~مقيمين معنا ، أو ملازمين بيوتهم ، ولم يضربوا في الأرض ولم يغزوا فيها ~~لبقوا أحياء ولما ماتوا أو قتلوا. # وقولهم هذا يدل على جبنهم وعجزهم ، كما يدل على ضعف عقولهم وعدم إيمانهم ~~بقضاء الله PageV02P310 # وقدره ، إذ لو كانوا مؤمنين بقضاء الله وقدره لعلموا أن كل شيء عنده ~~بمقدار ، وأن العاقل هو الذي يعمل ما يجب عليه بجد وإخلاص ثم يترك بعد ذلك ~~النتائج الله يسيرها كيف يشاء. # وقولهم هذا بجانب ذلك يدل على سوء نيتهم ، وخبث طويتهم ، لأنهم قصدوا به ~~تثبيط عزائم المجاهدين عن الجهاد ، وعن السعى في الأرض من أجل طلب الرزق ~~الذي أحله الله. # والنهى في قوله تعالى ( @QUR@04 لا تكونوا كالذين كفروا ) يشعر بالتفاوت ~~الشديد بين المقامين : مقام الإيمان ومقام الكفران ، وأنه لا يليق بالمؤمن ~~أن ينحدر إلى المنحدر الدون وهو التشبه بالكافرين ، بعد أن رفعه الله ~~بالإيمان إلى أعلى عليين ، وفي هذا تقبيح للمنهى عنه بأبلغ وجه وبأدق تصوير. # واللام في قوله ( @QUR@01 لإخوانهم ) يرى صاحب الكشاف أنها للتعليل فقد ~~قال : قوله : ( @QUR@02 وقالوا لإخوانهم ) أى لأجل إخوانهم ، كقوله تعالى ( ~~@QUR@011 وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه ) (1). # ويجوز أن تكون اللام للدلالة على موضع الخطاب ، ويكون المعنى : لا تكونوا ~~أيها المؤمنون كهؤلاء الذين كفروا وقالوا لإخوانهم الأحياء : لو كان أولئك ~~الذين فقدناهم ملازمين لبيوتهم ولم يضربوا في الأرض ولم يغزوا لما أصابهم ~~ما أصابهم من الموت أو القتل. # قال الفخر الرازي ما ملخصه : فإن قيل إن قوله ( @QUR@02 قالوا لإخوانهم ) ~~يدل على الماضي ، وقوله ( @QUR@04 إذا ضربوا في الأرض ) يدل على المستقبل ~~فكيف الجمع بينهما؟ # فالجواب من وجوه : # أولها : أن قوله ( @QUR@01 قالوا ) تقديره : يقولون ، فكأنه قيل : لا ~~تكونوا كالذين كفروا ويقولون لإخوانهم كذا وكذا .. # وإنما عبر عن المستقبل بلفظ الماضي ms1005 للتأكيد وللإشعار بأن جدهم في تقرير ~~الشبهة قد بلغ الغاية ، وصار بسبب ذلك الجد ينظر إلى هذا المستقبل كالكائن ~~الواقع. # وثانيها : أن الكلام خرج على سبيل حكاية الحال الماضية. والمعنى أن ~~إخوانهم إذا ضربوا في الأرض ، فالكافرون يقولون لو كانوا عندنا ما ماتوا ~~وما قتلوا ، فمن أخبر عنهم بعد ذلك فلا بد أن يقول : قالوا. # وثالثها : قال «قطرب» كلمة «إذ» و «وإذا يجوز إقامة كل واحدة منهما مقام ~~الأخرى وهو حسن لأنا إذا جوزنا إثبات اللغة بشعر مجهول ، فلأن يجوز إثباتها ~~بالقرآن العظيم أولى» (2). PageV02P311 # وقوله ( @QUR@03 أو كانوا غزى ) معطوف على ( @QUR@03 ضربوا في الأرض ) من ~~عطف الخاص بعد العام ، اعتناء به لأن الغزو هو المقصود في هذا المقام وما ~~قبله توطئة له. # قالوا : على أنه قد يوجد الغزو بدون الضرب في الأرض بناء على أن المراد ~~بالضرب في الأرض السفر البعيد ، فيكون على هذا بين الضرب في الأرض وبين ~~الغزو خصوص وعموم من وجه. # وإنما لم يقل أو غزوا : للإيذان باستمرار اتصافهم بعنوان كونهم غزاة ، أو ~~لانقضاء ذلك ، أى كانوا غزاة فيما مضى. # وقوله ( @QUR@07 لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ) في محل نصب مقول القول. # ثم بين سبحانه ما ترتب على أقوالهم من عواقب سيئة فقال : ( @QUR@06 ليجعل ~~الله ذلك حسرة في قلوبهم ). # والحسرة كما يقول الراغب هي غم الإنسان على ما فاته ، والندم عليه كأنه ~~انحسر عنه الجهل الذي حمله على ما ارتكبه ، أو انحسرت قواه أى انسلخت من ~~فرط الغم ، وأدركه إعياء عن تدارك ما فرط» (1). # فالحسرة هي الهم المضنى الذي يلقى على النفس الحزن المستمر والألم الشديد ~~، واللام في قوله ( @QUR@01 ليجعل ) هي التي تسمى بلام العاقبة ، وهي ~~متعلقة بقالوا أى قالوا ما قالوه لغرض من أغراضهم التي يتوهمون من ورائها ~~منفعتهم ومضرة المؤمنين فكان عاقبة قولهم ومصيره إلى الحسرة والندامة لأن ~~المؤمنين الصادقين لن يلتفتوا إلى هذا القول. بل سيمضون في طريق الجهاد ~~الذي كتبه الله عليهم وسيكون النصر الذي وعدهم الله إياه حليفهم وبذلك ~~يزداد الكافرون المنافقون ms1006 حسرة على حسرتهم. # ويجوز أن تكون اللام للتعليل ويكون المعنى : ان الله تعالى طبع الكفار ~~على هذه الأخلاق السيئة بسبب كفرهم وضلالهم لأجل أن يجعل الحسرة في قلوبهم ~~والغم في نفوسهم والضلال بهذه الأقوال والأفعال في عقولهم. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما متعلق ليجعل؟ قلت : قالوا. أى قالوا ذلك ~~واعتقدوه ليكون حسرة في قلوبهم على أن اللام مثلها في ( @QUR@04 ليكون لهم ~~عدوا وحزنا ) أو لا تكونوا بمعنى : لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك القول ~~واعتقاده ليجعله الله حسرة في قلوبهم خاصة ويصون منها قلوبكم. فإن قلت : ما ~~معنى إسناد الفعل إلى الله؟ قلت : معناه أن الله تعالى عند PageV02P312 # اعتقادهم ذلك المعتقد الفاسد يضع الغم والحسرة في قلوبهم ويضيق صدورهم ~~عقوبة لهم .. كما قال تعالى ( @QUR@012 ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا ~~حرجا كأنما يصعد في السماء ). # ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى ما دل عليه النهى ، أى لا تكونوا مثلهم ~~ليجعل الله انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم ؛ لأن مخالفتهم فيما يقولون ~~ويعتقدون ومضادتهم مما يغمهم ويغيظهم» (1). # والجعل هنا بمعنى التصيير ، وقوله ( @QUR@01 حسرة ) مفعول ثان له ، وقوله ~~، ( @QUR@02 في قلوبهم ) متعلق بيجعل. # وذكر القلوب مع أن الحسرة لا تكون إلا فيها ، لإرادة التمكن ، والإيذان ~~بعدم الزوال. # وقوله ( @QUR@07 والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير ) رد على قولهم ~~الباطل أثر بيان سوء عاقبته وحض للمؤمنين على الجهاد في سبيل الله وترغيب ~~لهم في العمل الصالح ، أى أن الأرواح كلها بيد الله يقبضها متى شاء ، ~~ويرسلها متى شاء فالقعود في البيوت لا يطيل الآجال كما أن الخروج للجهاد في ~~سبيل الله أو للسعي في طلب الرزق لا ينقصها ومادام الأمر كذلك فعلى العاقل ~~أن يسارع إلى الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله ، وأن يسعى في الأرض ذات الطول ~~والعرض ليأكل من رزق الله وأن يباشر الأسباب التي شرعها الله بدون عجز أو ~~كسل وليعلم أن الله مطلع على أعمال الناس وأقوالهم وسيجازيهم عليها يوم ~~القيامة بما يستحقون من خير أو شر. # ثم ms1007 رد الله تعالى على أولئك الكافرين برد آخر ، فيه تثبيت للمؤمنين ، ~~وترغيب لهم في الجهاد فقال : ( @QUR@02 ولئن قتلتم ) أيها المؤمنون وأنتم ~~تجاهدون ( @QUR@05 في سبيل الله أو متم ) على فراشكم بدون قتل بعد أن أديتم ~~رسالتكم في الحياة على أكمل وجه ، وأطعتم ربكم فيما أمركم به أو نهاكم عنه ~~لنلتم مغفرة من الله تعالى لذنوبكم ولظفرتم برحمته الواسعة التي تسعدكم. # وقوله ( @QUR@03 خير مما يجمعون ) أى خير مما يجمعه الكفرة من متع الدنيا ~~وشهواتها الزائلة بخلاف مغفرة الله ورحمته فإنهما باقيتان ولا كدر معهما ~~ولا تعب ولا قلق. واللام في قوله ( @QUR@02 ولئن قتلتم ). موطئة للقسم ، ~~أى : والله لئن قتلتم في سبيل الله أو متم. # وقوله ( @QUR@04 لمغفرة من الله ورحمة ) جواب القسم وجواب الشرط محذوف ~~لدلالة جواب القسم عليه ووفائه بمعناه. # ثم بين سبحانه أن مصير العباد جميعا إليه وحده فقال : ( @QUR@07 ولئن متم ~~أو قتلتم لإلى الله تحشرون ). PageV02P313 # أى ولئن متم أيها المؤمنون وأنتم في بيوتكم أو في أى مكان ، أو قتلتم ~~بأيدى أعدائكم وأنتم تجاهدون في سبيل الله ، فعلى أى وجه من الوجوه كان ~~انقضاء حياتكم فإنكم إلى الله وحده جميعا تعودون وتحشرون فيجازيكم على ~~أعمالكم. # فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد اشتملت على أبلغ ألوان الترغيب في ~~الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله ، لأنها قد بينت أن الحياة والموت بيد الله ~~وحده وأنه سبحانه قد يكتب الحياة للمسافر والغازي مع اقتحامهما لموارد ~~الحتوف ، وقد يميت المقيم والقاعد في بيته مع حيازته لأسباب السلامة. # وأن الذين يموتون على الإيمان الحق ، أو يقتلون وهم يجاهدون في سبيل الله ~~فإن لهم من مغفرة الله ورحمته ما هو خير مما يجمعه الكافرون من حطام ~~الدنيا. # وأن جميع الخلق مؤمنهم وكافرهم سيعودون إلى الله ليجازيهم على أعمالهم ~~يوم الدين. # قال الفخر الرازي : واعلم أن في قوله : ( @QUR@03 لإلى الله تحشرون ) ~~دقائق : # إحداها : أنه لم يقل : تحشرون إلى الله ، بل قال : لإلى الله تحشرون ، ~~وهذا يفيد الحصر ، وهذا يدل على أنه لا حاكم في ذلك اليوم ولا ms1008 نافع ولا ضار ~~إلا هو. # وثانيهما : أنه ذكر من أسمائه هذا الاسم ، وهذا الاسم أعظم الأسماء وهو ~~دال على كمال الرحمة. وكمال القهر ، فهو لدلالته على كمال الرحمة أعظم ~~أنواع الوعد ، ولدلالته على كمال القهر أشد أنواع الوعيد. # وثالثها : أن قوله ( @QUR@01 تحشرون ) فعل لم يسم فاعله ، مع أن فاعلى ~~ذلك الحشر هو الله وإنما لم يقع التصريح به لأنه تعالى هو العظيم الكبير ~~الذي شهدت العقول بأنه هو الذي يبدئ ويعيد ، ومنه الإنشاء والإعادة فترك ~~التصريح في مثل هذا الموضع أدل على العظمة. # ورابعها : أن قوله ( @QUR@01 تحشرون ) خطاب مع الكل فهو يدل على أن جميع ~~العاملين ، يحشرون إلى الله فيجتمع المظلوم مع الظالم والمقتول مع القاتل ، ~~والله تعالى هو الذي يتولى الحكم بينهم (1). # وقبل أن تتمم السورة حديثها مع الذين آمنوا عن أحداث غزوة أحد وما دار ~~فيها من نصر وهزيمة ، وعن الأسباب الظاهرة والخفية لذلك. أخذت في بيان حال ~~النبي صلى الله عليه وسلم وما كان عليه من قيادة حكيمة وأخلاق كريمة ، وأنه ~~صلى الله عليه وسلم لم يقابل مخالفة المخالفين له والفارين عنه بالانتقام منهم ~~وإنزال العقوبات بهم وإنما قابل ذلك بالحلم واللين والسياسة الرشيدة. فقال ~~تعالى : PageV02P314 # ( @QUR@030 فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من ~~حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن ~~الله يحب المتوكلين (159) @QUR@018 إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم ~~فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون (160) @QUR@021 وما ~~كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت ~~وهم لا يظلمون (161) @QUR@013 أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ~~ومأواه جهنم وبئس المصير (162) @QUR@08 هم درجات عند الله والله بصير بما ~~يعملون (163) @QUR@025 لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من ~~أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل ~~لفي ضلال مبين ) (164) # فالخطاب في قوله تعالى ( @QUR@014 فبما رحمة ms1009 من الله لنت لهم ، ولو كنت ~~فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ).. ألخ للنبي صلى الله عليه وسلم . # والفاء لترتيب مضمون الكلام على ما ينبئ عنه السياق من استحقاق الفارين ~~والمخالفين للملامة والتعنيف منه. صلى الله عليه وسلم بمقتضى الجبلة البشرية. PageV02P315 # والباء هنا للسببية ، و «ما» مزيدة للتأكيد ولتقوية معنى الرحمة «لنت» من ~~لان يلين لينا وليانا بمعنى الرفق وسعة الخلق و «الفظ» الغليظ الجافي في ~~المعاشرة قولا وفعلا. # وأصل الفظ كما يقول الراغب ماء الكرش وهو مكروه شربه بمقتضى الطبع ولا ~~يشرب إلا في أشد حالات الضرورة. # وغلظ القلب عبارة عن قسوته وقلة تأثره من الغلظة ضد الرقة ، وتنشأ عن هذه ~~الغلظة الفظاظة والجفاء. # والمعنى : فبسبب رحمة عظيمة فياضة منحك الله إياها يا محمد كنت لينا مع ~~أتباعك في كل أحوالك ، ولكن بدون إفراط أو تفريط ، فقد وقفت من أخطائهم ~~التي وقعوا فيها في غزوة أحد موقف القائد الحكيم الملهم فلم تعنفهم على ما ~~وقع منهم وأنت تراهم قد استغرقهم الحزن والهم .. بل كنت لينا رفيقا معهم. # وهكذا القائد الحكيم لا يكثر من لوم جنده على أخطائهم الماضية ، لأن كثرة ~~اللوم والتعنيف قد تولد اليأس ، وإنما يلتفت إلى الماضي ليأخذ منه العبرة ~~والعظة لحاضره ومستقبله ويغرس في نفوس الذين معه ما يحفز همتهم ويشحذ ~~عزيمتهم ويجعلهم ينظرون إلى حاضرهم ومستقبلهم بثقة وإطمئنان وبصيرة ~~مستنيرة. # وإن الشدة في غير موضعها تفرق ولا تجمع وتضعف ولا تقوى ، ولذا قال تعالى ~~( @QUR@08 ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ). # أى ولو كنت يا محمد كريه الخلق ، خشن الجانب ، جافيا في أقوالك وأفعالك ، ~~قاسى القلب لا تتأثر لما يصيب أصحابك .. ولو كنت كذلك ( @QUR@03 لانفضوا من ~~حولك ) أى لتفرقوا عنك ونفروا منك ولم يسكنوا إليك. # فالجملة الكريمة تنفى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون فظا أو غليظا ، ~~لأن «لو» تدل على نفى الجواب لنفى الشرط. أى أنك لست يا محمد فظا ولا غليظ ~~القلب ولذلك التف أصحابك من حولك يفتدونك بأرواحهم وبكل ms1010 مرتخص وغال ، ~~ويحبونك حبا يفوق حبهم لأنفسهم ولأولادهم ولآبائهم ولأحب الأشياء إليهم. # وقال سبحانه ( @QUR@05 ولو كنت فظا غليظ القلب ) لينفى عنه ~~صلى الله عليه وسلم القسوة والغلظة في الظاهر والباطن : إذ القسوة الظاهرية ~~تبدو أكثر ما تبدو في الفظاظة التي هي خشونة الجانب ، وجفاء الطبع ، ~~والقسوة الباطنية تكون بسبب يبوسة القلب ، وغلظ النفس وعدم تأثرها بما يصيب ~~غيرها. والرسول صلى الله عليه وسلم كان مبرأ من كل ذلك ، ويكفى أن الله تعالى ~~قد قال في وصفه : PageV02P316 # ( @QUR@014 لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم ~~بالمؤمنين رؤف رحيم ) (1). # وقال عبد الله بن عمرو بن العاص : إنى أرى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في الكتب المتقدمة. إنه ليس بفظ ، ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ، ولا يجزى ~~بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح ، (2). # ولقد كان من أخلاقه صلى الله عليه وسلم مداراة الناس إلا أن يكون في ~~المداراة حق مضيع فعن عائشة رضى الله عنها ، قالت : «قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : إن الله أمرنى بمداراة الناس كما أمرنى بإقامة الفرائض» (3). # ثم أمر الله تعالى ، نبيه صلى الله عليه وسلم ، بما يترتب على الرفق ~~والبشاشة فقال : ( @QUR@07 فاعف عنهم ، واستغفر لهم ، وشاورهم في الأمر ). # فالفاء هنا تفيد ترتيب ما بعدها على ما قبلها ، أى أنه يترتب على لين ~~جانبك مع أصحابك ، ورحمتك بهم ، أن تعفو عنهم فيما وقعوا فيه من أخطاء ~~تتعلق بشخصك أو ما وقعوا فيه من مخالفات أدت إلى هزيمتهم في أحد ، فقد كانت ~~زلة منهم وقد أدبهم الله عليها. # وأن تلتمس من الله تعالى ، أن يغفر لهم ما فرط منهم ، إذ في إظهارك ذلك ~~لهم تأكيد لعفوك عنهم. وتشجيع لهم على الطاعة والاستجابة لأمرك. وأن ~~تشاورهم في الأمر أى في أمر الحرب ونحوه مما تجرى فيه المشاورة في العادة ~~من الأمور التي تهم الأمة. # وقد جاءت هذه الأوامر للنبي صلى الله عليه وسلم ، على أحسن نسق ، وأحكم ~~ترتيب ، لأن الله تعالى أمره أولا بالعفو عنهم ms1011 فيما يتعلق بخاصة نفسه ، ~~فإذا ما انتهوا إلى هذا المقام ، أمره بأن يستغفر لهم ما بينهم وبين الله ~~تعالى ، لتنزاح عنهم التبعات ، فإذا صاروا إلى هذه الدرجة ، أمره بأن ~~يشاورهم في الأمر لأنهم قد أصبحوا أهلا لهذه المشاورة. # ولقد تكلم العلماء كلاما طويلا عن حكم المشورة وعن معناها ، وعن فوائدها ~~، فقد قال القرطبي ما ملخصه : والاستشارة مأخوذة من قول العرب : شرت الدابة ~~وشورتها ، إذا علمت خبرها وحالها يجرى أو غيره .. وقد يكون من قولهم : شرت ~~العسل واشترته ، إذا أخذته من موضعه. PageV02P317 # ثم قال : واختلف أهل التأويل في المعنى الذي أمر الله نبيه ~~صلى الله عليه وسلم أن يشاور فيه أصحابه فقالت طائفة : ذلك في مكائد الحروب ، ~~وعند لقاء العدو ، تطييبا لنفوسهم ورفعا لأقدارهم وإن كان الله تعالى قد ~~أغناه عن رأيهم بوحيه. # وقال آخرون : ذلك فيما لم يأته فيه وحى. فقد قال الحسن : ما أمر الله ~~تعالى نبيه بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم ، وإنما أراد أن يعلمهم ما في ~~المشاورة من الفضل وليقتدى به أمته من بعده. # ثم قال : والشورى من قواعد الشريعة ، وعزائم الأحكام ، والذي لا يستشير ~~أهل العلم والدين والخبرة فعزله واجب وهذا لا خلاف فيه. # وقد استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في كثير من الأمور ، وقال ~~«المستشار مؤتمن» وقال «ما ندم من استشار ولا خاب من استخار» وقال : «ما ~~شقي قط عبد بمشورة وما سعد باستغناء رأى». # وقال البخاري : «وكانت الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء ~~من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها» (1). # وقال الفخر الرازي ما ملخصه : «اتفقوا على أن كل ما نزل فيه وحى من عند ~~الله لم يجز للرسول صلى الله عليه وسلم أن يشاور فيه الأمة ، لأنه إذا جاء ~~النص بطل الرأى والقياس ، فأما مالا نص فيه فهل تجوز المشاورة فيه في جميع ~~الأشياء أولا؟ # قال بعضهم : هذا الأمر مخصوص بالمشاورة في الحروب ، لأن الألف واللام في ~~لفظ «الأمر» تعود على المعهود السابق وهو ما يتعلق بالحروب ms1012 إذ الكلام في ~~غزوة أحد . # وقال آخرون : اللفظ عام خص منه ما نزل فيه وحي فتبقى حجته في الباقي ~~وظاهر الأمر في قوله ( @QUR@01 وشاورهم ) للوجوب وحمله الشافعى على الندب ~~.. (2). # والحق أن الشورى أصل من أصول الحكم في الإسلام ، وقد استشار النبي ~~صلى الله عليه وسلم أصحابه في غزوات بدر وأحد والأحزاب وفي غير ذلك من الأمور ~~التي تتعلق بمصالح المسلمين ، وسار على هذا المنهج السلف الصالح من هذه الأمة. # ولقد كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يكتب لعماله يأمرهم بالتشاور ويتمثل ~~لهم في كتبه بقول الشاعر : # خليلي ليس الرأى في صدر واحد %~% أشيرا على بالذي تريان PageV02P318 # وقد تمدح الحكماء والشعراء بفضيلة الشورى وما يترتب عليها من خير ومنفعة ~~ومن ذلك قول بشار بن برد : # إذا بلغ الرأى المشورة فاستعن %~% برأى نصيح أو نصيحة حازم ولا تحسب الشورى عليك غضاضة %~% فإن الخوافي قوة للقوادم # والحكام العقلاء المنصفون المتحرون للحق والعدل هم الذين يقيمون حكمهم ~~على مبدأ الشورى ولا يعادى الشورى من الحكام إلا أحد اثنين : # إما رجل قد أصيب بداء الغرور والتعالي ، فهو يتوهم أن قوله هو الحق الذي ~~لا يخالطه باطل ، وأنه ليس محتاجا إلى مشورة غيره وإما رجل ظالم مستبد ~~مجانب للحق ، فهو ينفذ ما يريده بدون مشورة أحد لأنه يخشى إذا استشار غيره ~~أن يطلع الناس على ظلمه وجوره وفجوره. # هذا ومتى تمت المشورة على أحسن الوجوه وأصلحها واستقرت الأمور على وجه ~~معين ، فعلى العاقل أن يمضى على ما استقر عليه الرأى بدون تردد أو تخاذل ، ~~ولذا قال سبحانه ( @QUR@09 فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين ). # أى فإذا عقدت نيتك على إتمام الأمر وإمضائه بعد المشاورة السليمة وبعد أن ~~تبين لك وجه السداد فيما يجب أن تسلكه فبادر بتنفيذ ما عقدت العزم على ~~تنفيذه ، و ( @QUR@03 فتوكل على الله ) أى اعتمد عليه في الوصول إلى غايتك ~~، فإن الله تعالى يحب المعتمدين عليه ، المفوضين أمورهم إليه مع مباشرة ~~الأسباب التي شرعها لهم لكي يصلوا إلى مطلوبهم. # فالجملة ms1013 الكريمة تأمر النبي صلى الله عليه وسلم وتأمر كل من يتأتى له الخطاب ~~بأن يبذل أقصى جهده لمعرفة ما هو صواب بأن يستشير أهل الخبرة كل في مجال ~~تخصصه فإذا ما استقر رأيه على وجهة نظر معينة بعد أن درسها دراسة فاحصة ~~واستشار العقلاء الأمناء فيها فعليه أن يبادر إلى تنفيذها بدون تردد فإن ~~التردد يضيع الأوقات والتأخر كثيرا ما يحول الحسنات إلى سيئات وعليه مع حسن ~~الاستعداد أن يكون معتمدا على الله ، مظهرا العجز أمام قدرته سبحانه لأنه ~~هو الخالق للأسباب والمسببات وهو القادر على تغييرها. # وكم من أناس اعتمدوا على قوتهم وحدها ، أو على مباشرتهم للأسباب وحدها ~~دون أن يجعلوا للاعتماد على الله مكانا في نفوسهم ، فكانت نتيجتهم الفشل ~~والخذلان وكانت الهزيمة المنكرة المرة التي اكتسبوها بسبب غرورهم وفجورهم ~~وفسوقهم عن أمر الله. ورحم الله القائل # إذا لم يكن عون من الله للفتى %~% فأول ما يجنى عليه اجتهاده # ولقد أكد الله تعالى وجوب التوكل عليه بعد ذلك في قوله : ( @QUR@04 إن ~~ينصركم الله فلا PageV02P319 # @QUR@010 غالب لكم. وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده )؟ # والمراد بالنصر هنا العون الذي يسوقه لعباده حتى ينتصروا على أعدائهم. ~~والمراد بالخذلان ترك العون. والمخذول ، هو المتروك الذي لا يعبأ به. # يقال : خذلت الوحشية إذا أقامت على ولدها في المرعى وتركت صواحباتها. # والمعنى : إن يرد الله تعالى نصركم كما نصركم يوم بدر ( @QUR@03 فلا غالب ~~لكم ) أى فإنه لا يوجد قوم يستطيعون قهركم ، لأن الله معكم ، ومن كان الله ~~معه فلن يغلبه أحد من الخلق. # وإن يرد أن يخذلكم ويمنع عنكم عونه كما حدث لكم يوم أحد ، فلن يستطيع أحد ~~أن ينصركم من بعد خذلانه ، لأنه لا يوجد أحد عنده قدرة تقف أمام قدرة الله ~~تعالى ومشيئته. # والاستفهام هنا إنكارى بمعنى النفي ، أى لا أحد يستطيع نصركم إن أراد ~~الله خذلانكم ، وهو جواب للشرط الثاني. # وفيه لطف بالمؤمنين ، حيث صرح لهم بعدم الغلبة في الأول ، ولم يصرح لهم ~~بأنهم لا ناصر لهم في الثاني ، بل ms1014 أتى به في صورة الاستفهام وإن كان معناه ~~نفيا ليكون أبلغ ، إذ في مجيئه على هذه الصورة الاستفهامية توجيه لأنظار ~~المخاطبين إلى البحث عن قوى تكون قدرته كافية للوقوف أمام إرادة الله تعالى ~~ولا شك أنهم لن يجدوه ، وعندئذ سيعتقدون عن يقين بأن الله وحده هو الكبير ~~المتعال ، وأنه لا ناصر لهم سواه. # وقوله ( @QUR@04 وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) أى وعلى الله وحده لا على ~~أحد سواه. فليجعل المؤمنون اعتمادهم واتكالهم عليه ، لأن الذين يعتمدون على ~~أن قوة سوى الله تعالى لن يصلوا إلى العاقبة الطيبة التي أعدها سبحانه ~~لعباده المتقين. # فالآية الكريمة كلام مستأنف ، وقد سيق بطرق تلوين الخطاب ، تشريفا ~~للمؤمنين لإيجاب التوكل عليه والترغيب في طاعته التي تؤدى إلى النصر ، ~~وتحذيرا لهم من معصيته التي تفضى إلى الخسران والخذلان. # ثم نهى سبحانه عن الغلول ونزه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال تعالى ( ~~@QUR@012 وما كان لنبي أن يغل ، ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ) وقوله ( ~~@QUR@01 يغل ) من الغلول وهو الأخذ من الغنيمة خفية قبل قسمتها. يقال : غل ~~فلان شيئا من المغنم يغل غلولا إذا أخذه خفية. ويقال : أغل الجازر أو ~~السالخ إذا أبقى في الجلد شيئا من اللحم على طريق الخفية. # وأصله من الغلل وهو دخول الماء في خلل الشجر خفية. والغل : الحقد الكامن ~~في الصدر وسميت هذه الخيانة غلولا ، لأنها تجرى في المال على خفاء من وجه ~~لا يحل. PageV02P320 # والمعنى : ما صح ولا استقام لنبي من الأنبياء أن يخون في المغنم ، لأن ~~الخيانة تتنافى مع مقام النبوة الذي هو أشرف المقامات ( @QUR@02 ومن يغلل ) ~~أى ومن يرتكب شيئا من ذلك ، ( @QUR@05 يأت بما غل يوم القيامة ) أى يأت بما ~~غله يوم القيامة حاملا إياه ليكون فضيحة له يوم الحشر ، ليؤخذ بإثم غلوله ~~وخيانته. # وقد روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه أبو داود ~~والترمذي عن ابن عباس قال : «نزلت هذه الآية» ( @QUR@05 وما كان لنبي أن ~~يغل ) في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر. # فقال بعض ms1015 الناس : لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها ، وأكثروا في ذلك ~~فأنزل الله الآية». # وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أيضا أن المنافقين اتهموا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بشيء فقد ، فأنزل الله تعالى ( @QUR@05 وما كان لنبي أن ~~يغل ). # قال ابن كثير بعد أن ساق هاتين الروايتين وهذا تنزيه له صلى الله عليه وسلم ~~من جميع وجوه الخيانة في أداء الأمانة وقسمة الغنيمة وغير ذلك (1). # وفي ورود هذه الآية الكريمة في سياق الحديث عن غزوة أحد ، حكمة عظيمة ، ~~وتأديب من الله للمؤمنين ، وتحذير لهم من الغلول ، ذلك أن الرماة الذين ~~تركوا أماكنهم مخالفين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دفعهم لذلك خشيتهم ~~من أن ينفرد المقاتلون بالغنائم ، ففعلوا ما فعلوا ، ولقد روى أن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم قال للرماة : «أظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم» (2). # وقد نهى صلى الله عليه وسلم في كثير من الأحاديث عن الغلول ومن ذلك ما أخرجه ~~الإمام مسلم في صحيحه عن أبى هريرة قال : «قام فينا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ذات يوم ، فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره ، ثم قال لا ألفين ~~أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول يا رسول الله أغثنى ، ~~فأقول : لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك ، ولا ألفين أحدكم يجيء يوم ~~القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول : يا رسول الله أغثنى فأقول : لا ~~أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك ، ولا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على ~~رقبته شاة لها ثغاء يقول يا رسول الله أغثنى فأقول : لا أملك لك من الله ~~شيئا قد أبلغتك. لا ألفين أحكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح ~~فيقول : يا رسول الله أغثنى فأقول : لا أملك من الله شيئا قد أبلغتك ، لا ~~ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق أى ثياب فيقول يا رسول ~~الله أغثنى فأقول : لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك ، لا ألفين أحدكم ~~يجيء ms1016 يوم القيامة على رقبته صامت أى ذهب وفضة فيقول : يا رسول الله أغثنى ~~فأقول : لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك». PageV02P321 # هذا ، وجمهور العلماء على أن الغال يأتى بما غله يوم القيامة بعينه على ~~سبيل الحقيقة لأن ظواهر النصوص من الكتاب والسنة نؤيد ذلك. ولأنه لا موجب ~~لصرف الألفاظ عن ظواهرها. # ومن العلماء من جعل الإتيان بالغلول يوم القيامة مجاز عن الإتيان بإثمه ~~تعبيرا بما غل عما لزمه من الإثم مجازا. # قال الفخر الرازي : «واعلم أن هذا التأويل المجازى يحتمل ، إلا أن الأصل ~~المعتبر في علم القرآن أنه يجب إجراء اللفظ على الحقيقة إلا إذا قام دليل ~~يمنع منه. وهنا لا مانع من هذا الظاهر فوجب إثباته» (1). # ومن المفسرين الذين حملوا الإتيان على ظاهره الإمام القرطبي فقد قال عند ~~تفسيره لقوله تعالى ( @QUR@07 ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ) أى يأتى ~~به حاملا له على ظهره ورقبته معذبا بحمله وثقله ومرعوبا بصوته ، وموبخا ~~بإظهار خيانته على رءوس الاشهاد. # وقال بعد إيراده للحديث السابق الذي رواه مسلم عن أبى هريرة : قيل الخبر ~~محمول على شهرة الأمر. أى يأتى يوم القيامة قد شهر الله أمره كما يشهر لو ~~حمل بعيرا له رغاء أو فرسا له حمحمة. # قلت : وهذا عدول عن الحقيقة إلى المجاز والتشبيه ، وإذا دار الكلام بين ~~الحقيقة والمجاز فالحقيقة الأصل كما في كتب الأصول وقد أخبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالحقيقة ولا عطر بعد عروس» (2). # ثم نبه سبحانه على العقوبة التي ستحل بالخائن ، بعد أن بين ما سيناله من ~~فضيحة وخزي فقال : ( @QUR@09 ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ). # أى : ثم تعطى كل نفس يوم القيامة جزاء ما كسبت من خير أو شر وافيا تاما ، ~~وهم لا يظلمون شيئا ، لأن الحاكم بينهم هو ربك الذي لا يظلم أحدا. # وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها وقوله ( @QUR@02 ومن يغلل ) وجاء العطف ~~بثم المفيدة للتراخي ، للإشعار بالتفاوت الشديد بين حمله ما غل وبين جزائه ~~وسوء عاقبته يوم القيامة. # وقال ms1017 سبحانه ( @QUR@04 ثم توفى كل نفس ).. بصيغة العموم ، ولم يقل ثم ~~يوفى الغال مثلا لأن من فوائد ذكر هذا الجزاء بصيغة العموم ، الإعلام ~~والإخبار للغال وغيره من جميع الكاسبين PageV02P322 # بأن كل إنسان سيجازى على عمله سواء أكان خيرا أو شرا. فيندرج الغال تحت ~~هذا العموم أيضا فكأنه قد ذكر مرتين. # وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : فإن قلت : هلا قيل ثم يوفى ما ~~كسب ليتصل به؟ قلت : جيء بعام دخل تحته كل كاسب من الغال وغيره فاتصل به من ~~حيث المعنى ، وهو أبلغ وأثبت ، لأنه إذا علم الغال أن كل كاسب خيرا أو شرا ~~مجزى فموفى جزاءه ، علم أنه غير متخلص من بينهم مع عظم ما اكتسب (1). # ثم أكد سبحانه نفى الظلم عن ذاته فقال : ( @QUR@04 أفمن اتبع رضوان الله ~~) بأن واظب على ما يرضيه ، والتزم طاعته ، وترك كل ما نهى عنه من غلول ~~وغيره ( @QUR@05 كمن باء بسخط من الله ) أى كمن رجع بغضب عظيم عليه من الله ~~بسبب غلوله وخيانته وارتكابه لما نهى الله عنه من أقوال وأفعال؟ # فالآية الكريمة تفريع على قوله تعالى قبل ذلك ( @QUR@09 ثم توفى كل نفس ~~ما كسبت وهم لا يظلمون ) وتأكيد لبيان أنه لا يستوي المحسن والمسيء والأمين ~~والخائن. # والاستفهام إنكارى بمعنى النفي ، أى لا يستوي من اتبع رضوان الله مع من ~~باء بسخط منه. # وقد ساق سبحانه هذا الكلام الحكيم بصيغة الاستفهام الإنكارى ، للتنبيه ~~على أن عدم المساواة بين المحسن والمسيء أمر بدهى واضح لا تختلف فيه العقول ~~والأفهام ، وأن أى إنسان عاقل لو سئل عن ذلك لأجاب بأنه لا يستوي من اتبع ~~رضوان الله مع من رجع بسخط عظيم منه بسبب كفره أو فسقه وشبيه بهذه الآية ~~قوله تعالى ( @QUR@08 أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا. لا يستوون ) (2). # وقوله ( @QUR@09 أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض ~~) (3)؟ # والفاء في قوله ( @QUR@02 أفمن اتبع ) للعطف على محذوف والتقدير ، أمن ~~اتقى فاتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله؟ # ثم أعقب سبحانه ذكر سخطه بذكر عقوبته ms1018 فقال : ( @QUR@04 ومأواه جهنم وبئس ~~المصير ) أى أن هذا الذي رجع بغضب عظيم عليه من الله تعالى بسبب كفره أو ~~فسوقه أو خيانته ، سيكون مثواه ومصيره إلى النار وبئس ذلك المصير الذي صار ~~إليه وكان له مرجعا ونهاية. PageV02P323 # ثم بين سبحانه النتيجة التي ترتبت على عدم تساوى المحسن والمسيء فقال ( ~~@QUR@08 هم درجات عند الله ، والله بصير بما يعملون ). # والضمير ( @QUR@01 هم ) يعود على من في قوله ( @QUR@04 أفمن اتبع رضوان ~~الله ) وقوله ( @QUR@05 كمن باء بسخط من الله ) أى على الفريقين. وبعضهم ~~جعل مرجعه إلى الفريق الأول فقط. # والدرجات : جمع درجة وهي الرتبة والمنزلة ، ومنه الدرج بمعنى السلم لأنه ~~يصعد عليه درجة بعد درجة. # وأكثر ما تستعمل الدرجة في القرآن في المنزلة الرفيعة ، كما في قوله ~~تعالى ( @QUR@05 ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ) (1). بخلاف الدركة فإنها ~~تستعمل في عكس ذلك ، كما في قوله تعالى ( @QUR@07 إن المنافقين في الدرك ~~الأسفل من النار ) (2). # ولذا قال الراغب : «الدرك كالدرج لكن الدرج يقال اعتبارا بالصعود ، ~~والدرك اعتبارا بالحدور ، ولهذا قيل : درجات الجنة ودركات النار ولتصور ~~الحدور في النار سميت هاوية ..» (3). # والمعنى : هم أى الأخيار الذين اتبعوا رضوان الله ، والأشرار الذين رجعوا ~~بسخط منه متفاوتون في الثواب والعقاب على حسب أعمالهم كما تتفاوت الدرجات ~~وإطلاق الدرجات على الفريقين من باب التغليب للأخيار على الأشرار والمراد ~~إن الذين اتبعوا رضوان الله يتفاوتون في الثواب الذي يمنحهم الله إياه على ~~حسب قوة إيمانهم ، وحسن أعمالهم. # كما أن الذين باءوا بسخط منه يتفاوتون في العقاب الذي ينزل بهم على حسب ~~ما اقترفوه من شرور وآثام ، فمن أوغل في الشرور والآثام كان عقابه أشد من ~~عقاب من لم يفعل فعله وهكذا. # والذين قالوا إن الضمير ( @QUR@01 هم ) يعود على الطريق الأول فقط احتجوا ~~بأن التعبير بالدرجات يستعمل في الغالب في الثواب ، وبأن الله قد أضاف هذه ~~الدرجات لنفسه فدل ذلك على أن المقصود بقوله : هم الذين اتبعوا رضوان الله. ~~وبأن هؤلاء الذين اتبعوا رضوان الله قد فضل الله بعضهم على بعض كما جاء في ~~بعض ms1019 الآيات ومنها قوله : ( @QUR@05 انظر كيف فضلنا بعضهم على PageV02P324 # @QUR@06 بعض ، وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ) (1). # والذي نراه أن عودة الضمير «هم» على الفريقين أقرب إلى الحق ، لأن تفاوت ~~الدرجات موجود بين الأخيار كما أن تفاوت العقوبات موجود بين الأشرار ، ~~فالذين أدوا جميع ما كلفهم الله به من طاعات ليسوا كالذين اكتفوا بأداء ~~الفرائض. والذين انحدروا في المعاصي إلى النهاية ليسوا كالذين وقعوا في بعضها. # وقوله ( @QUR@02 عند الله ) أى في حكمه وعلمه وهو تشريف لهم والظرف متعلق ~~بدرجات على المعنى ، أو متعلق بمحذوف وقع صفة لها. أى درجات كائنة عند الله. # وقوله ( @QUR@04 والله بصير بما يعملون ) أى مطلع على أعمال العباد ~~صغيرها وكبيرها ظاهرها وخفيها ، لا يغيب عنه شيء ، وسيجازى كل إنسان بما ~~يستحقه على حسب عمله ، بمقتضى علمه الكامل ، وعدله الذي لا ظلم معه. # وبعد أن نزه الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن الغلول وعن كل نقص ، ~~وبين أن الناس متفاوتون في الثواب والعقاب على حسب أعمالهم .. # بعد أن بين ذلك أتبعه ببيان فضله سبحانه على عباده في أن بعث فيهم رسولا ~~منهم ليخرجهم من الظلمات إلى النور فقال تعالى : ( @QUR@011 لقد من الله ~~على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ). # قال الرازي : قال الواحدي : «لمن في كلام العرب معان : # أحدها : الذي يسقط من السماء ، وهو قوله : ( @QUR@04 وأنزلنا عليكم المن ~~والسلوى ). # وثانيها : أن تمن بما أعطيت كما في قوله ( @QUR@05 لا تبطلوا صدقاتكم ~~بالمن والأذى ). # وثالثها : القطع كما في قوله ( @QUR@05 وإن لك لأجرا غير ممنون ) ورابعها ~~الإنعام والإحسان إلى من لا تطلب الجزاء منه وهو المراد هنا» (2). # والمعنى : لقد أنعم الله على المؤمنين ، وأحسن إليهم ( @QUR@06 إذ بعث ~~فيهم رسولا من أنفسهم ) أى بعث فيهم رسولا عظيم القدر ، هو من العرب أنفسهم ~~، وهم يعرفون حسبه ونسبه وشرفه وأمانته صلى الله عليه وسلم . # وعلى هذا المعنى يكون المراد بقوله ( @QUR@02 من أنفسهم ) أى من نفس ~~العرب ، ويكون المراد بالمؤمنين مؤمنى العرب ، وقد بعثه الله عربيا مثلهم ، ~~ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله ومجالسته والانتفاع بتوجيهاته. ms1020 PageV02P325 # ويصح أن يكون معنى قوله ( @QUR@02 من أنفسهم ) أنه بشر مثل سائر البشر ~~إلا أن الله تعالى وهبه النبوة والرسالة ، ليخرج الناس العربي منهم وغير ~~العربي من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان ، وجعل رسالته عامة فقال : ( ~~@QUR@05 وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ). # وخص الله تعالى منته وفضله بالمؤمنين ، لأنهم هم الذين انتفعوا بنعمة ~~الإسلام ، الذي لن يقبل الله دينا سواه والذي جاء به محمد عليه الصلاة ~~والسلام. # والجملة الكريمة جواب قسم محذوف والتقدير : والله ( @QUR@05 لقد من الله ~~على المؤمنين ). # ثم بين سبحانه مظاهر هذه المنة والفضل ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم فقال ~~: ( @QUR@07 يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ) # والتلاوة : هي القراءة المتتابعة المرتلة التي يكون بعضها تلو بعض. # والتزكية : هي التطهير والتنقية. # أى لقد أعطى الله تعالى المؤمنين من النعم ما أعطى ، لأنه قد بعث فيهم ~~رسولا من جنسهم يقرأ عليهم آيات الله التي أنزلها لهدايتهم وسعادتهم ، ( ~~@QUR@01 ويزكيهم ) أى يطهرهم من الكفر والذنوب. أو يدعوهم إلى ما يكونون به ~~زاكين طاهرين مما كانوا عليه من دنس الجاهلية والاعتقادات الفاسدة. # ( @QUR@02 ويعلمهم الكتاب ) بأن يبين لهم المقاصد التي من أجلها نزل ~~القرآن الكريم ، ويشرح لهم أحكامه ، ويفسر لهم ما خفى عليهم من ألفاظه ~~ومعانيه التي قد تخفى على مداركهم. # فتعليم الكتاب غير تلاوته : لأن تلاوته قراءته مرتلا مفهوما أما تعليمه ~~فمعناه بيان أحكامه وما اشتمل عليه من تشريعات وآداب. # ويعلمهم كذلك ( @QUR@01 الحكمة ) أى الفقه في الدين ومعرفة أسراره وحكمه ~~ومقاصده التي يكمل بها العلم بالكتاب. # وهذه الآية الكريمة قد اشتملت على عدة صفات من الصفات الجليلة التي منحها ~~الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم . # ثم بين سبحانه حال الناس قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم فقال ( @QUR@07 ~~وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ). # أى : إن حال الناس وخصوصا العرب أنهم كانوا قبل بعثة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم إليهم في ضلال بين واضح لا يخفى أمره على أحد من ذوى ~~العقول السليمة والأذواق المستقيمة. PageV02P326 # وحقا لقد كان الناس قبل ms1021 أن يبزغ نور الإسلام الذي جاء به صلى الله عليه وسلم ~~من عند ربه في ضلال واضح ، وظلام دامس ، فهم من ناحية العبادة كانوا يشركون ~~مع الله آلهة أخرى ، ومن ناحية الأخلاق تفشت فيهم الرذائل حتى صارت شيئا ~~مألوفا ، ومن ناحية المعاملات كانوا لا يلتزمون الحق والعدل في كثير من ~~شئونهم. # والخلاصة أن الضلال والجهل وغير ذلك من الرذائل ، كانت قد استشرت في ~~العالم بصورة لا تخفى على عاقل. # فكان من رحمة الله بالناس ومنته عليهم أن أرسل فيهم نبيه محمدا ~~صلى الله عليه وسلم لكي يخرجهم من ظلمات الكفر والفسوق والعصيان إلى نور ~~الهداية والاستقامة والإيمان. # ثم واصلت السورة الكريمة حديثها عن غزوة أحد فحكت ما قاله ضعاف الإيمان ~~في أعقابها ، وردت عليهم بما يبطل مقالتهم ، وبما يزيد المؤمنين إيمانا على ~~إيمانهم فقال تعالى : # ( @QUR@020 أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من ~~عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير (165) @QUR@09 وما أصابكم يوم التقى ~~الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين (166) @QUR@033 وليعلم الذين نافقوا ~~وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا ~~لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في ~~قلوبهم والله أعلم بما يكتمون (167) @QUR@016 الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا ~~لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين ) (168) # فقوله تعالى : ( @QUR@09 أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى ~~هذا ) إلخ كلام مستأنف مسوق لإبطال بعض ما نشأ من الظنون الفاسدة ، إثر ~~إبطال بعض آخر تقدم الحديث عنه من PageV02P327 # فوائد غزوة أحد أنها كشفت عن قوى الإيمان من ضعيفه ، ميزت الخبيث من الطيب. # وإذا كان انتصار المسلمين في بدر جعل كثيرا من المنافقين يدخلون في ~~الإسلام طمعا في الغنائم .. فإن عدم انتصارهم في أحد قد أظهر المنافقين على ~~حقيقتهم ، ويسر للمؤمنين معرفتهم والحذر منهم. # والهمزة في قوله ( @QUR@01 أولما ) للاستفهام الإنكارى التعجيبى. ~~و «الواو» للعطف على محذوف و «لما» ظرف بمعنى حين مضافة إلى ما بعدها مستعملة ms1022 ~~في الشرط. والمصيبة : أصلها في اللغة الرمية التي تصيب الهدف ولا تخطئه ، ~~ثم أطلقت على ما يصيب الإنسان في نفسه أو أهله أو ما له أو غير ذلك من ~~مضار. وقوله ( @QUR@01 مثليها ) أى ضعفها ، فإن مثل الشيء ما يساويه. ~~ومثليه ضعفه. # والمعنى : أفعلتم ما فعلتم من أخطاء ، وحين أصابكم من المشركين يوم أحد ~~نصف ما أصابهم منكم قبل ذلك في بدر تعجبتم وقلتم ( @QUR@02 أنى هذا ) أى من ~~أين لنا هذا القتل والخذلان ونحن مسلمون نقاتل في سبيل الله ، وفينا رسوله ~~صلى الله عليه وسلم وأعداؤنا الذين قتلوا منا من قتلوا مشركون يقاتلون في سبيل ~~الطاغوت. # فالجملة الكريمة توبيخ لهم على ما قالوه لأنه ما كان ينبغي أن يصدر عنهم. ~~إذ هم قد قتلوا من المشركين في بدر سبعين من صناديدهم وأسروا منهم قريبا من ~~هذا العدد وفي أحد كذلك كان لهم النصر في أول المعركة على المشركين ، ~~وقتلوا منهم قريبا من عشرين إلا أنهم حين خالفوا وصية رسولهم ~~صلى الله عليه وسلم وتطلعوا إلى الغنائم ، منع الله عنهم نصره ، فقتل المشركون ~~منهم قريبا من سبعين. # وقوله ( @QUR@03 قد أصبتم مثليها ) في محل رفع صفة «لمصيبة». وفائدة هذا ~~القول التنبيه على أن أمور الدنيا لا تبقى على حال واحدة ، وإن من شأن ~~الحرب أن تكون سجالا ، إلا أن العاقبة جعلها الله للمتقين. # وقوله ( @QUR@03 قلتم أنى هذا ) هو موضع التوبيخ والتعجيب من شأنهم ، لأن ~~قولهم هذا يدل على أنهم لم يحسنوا وضع الأمور في نصابها حيث ظنوا أن النصر ~~لا بد أن يكون حليفهم حتى ولو خالفوا أمر قائدهم ورسولهم صلى الله عليه وسلم ~~ولذا فقد رد الله تعالى عليهم بما من شأنه أن يعيد إليهم صوابهم وبما ~~يعرفهم السبب الحقيقي في هزيمتهم فقال : ( @QUR@05 قل هو من عند أنفسكم ). # أى قل يا محمد لهؤلاء الذين قالوا ما قالوا : إن ما أصابكم في أحد سببه ~~أنتم لا غيركم. PageV02P328 # فأنتم الذين أبيتم إلا الخروج من المدينة مع أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أشار عليكم ms1023 بالبقاء فيها. وأنتم الذين خالفتم وصيته بترككم أماكنكم التي ~~حددها لكم وأمركم بالثبات فيها. وأنتم الذين تطلعت أنفسكم إلى الغنائم ~~فاشتغلتم بها وتركتم النصيحة ، وأنتم الذين تفرقتم عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في ساعة الشدة والعسرة فلهذه المخالفات التي نبعت من ~~أنفسكم أصابكم ما أصابكم في أحد ، وكان الأولى بكم أن تعرفوا ذلك وأن ~~تعتبروا وأن تقلعوا عن هذا القول التي لا يليق بالعقلاء ، إذ العاقل هو ~~الذي يحاسب نفسه عند ما يفاجئه المكروه ويعمل على تدارك أخطائه ويقبل على ~~حاضره ومستقبله بثبات وصبر مستفيدا بماضيه ومتعظا بما حدث له فيه. # وما أحوج الناس في كل زمان ومكان إلى الأخذ بهذا الدرس فإن كثيرا منهم ~~يقصرون في حق الله وفي حق أنفسهم وفي حق غيرهم ، ولا يباشرون الأسباب التي ~~شرعها الله للوصول إلى النصر .. بل يبنون حياتهم على الغرور والإهمال ، ~~فإذا ما أصابتهم الهزيمة مسحوا عيوبهم في القضاء والقدر ، أو في غيرهم من ~~الناس ، أو شهدوا لهول ما أصابهم بسبب تقصيرهم ثم قالوا : أنى هذا؟ وما ~~دروا لجلهلهم وغرورهم أن الله تعالى قد جعل لكل شيء سببا. فمن باشر أسباب ~~النجاح وصل إليها بإذن الله ومن أعرض عنها حرمه الله تعالى من عونه ~~ورعايته. # ولقد أكد سبحانه قدرته على كل شيء فقال : ( @QUR@06 إن الله على كل شيء ~~قدير ) أى إن الله تعالى قدرته فوق كل شيء فهو القدير على نصركم وعلى ~~خذلانكم وبما أنكم قد خالفتم نبيكم صلى الله عليه وسلم فقد حرمكم الله نصره ، ~~وقرر لكم الخذلان ، حتى تعتبروا ولا تعودوا إلى ما حدث من بعضكم في غزوة ~~أحد ، ولتذكروا دائما قوله تعالى ( @QUR@010 وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم ويعفوا عن كثير ) (1). # ثم أكد سبحانه عموم قدرته وإرادته فقال : ( @QUR@09 وما أصابكم يوم التقى ~~الجمعان فبإذن الله ، وليعلم المؤمنين ). # أى : وما أصابكم أيها المؤمنون من قتل وجراح وآلام يوم التقى جمعكم وجمع ~~أعدائكم في أحد ، ( @QUR@02 فبإذن الله ) أى فبإرادته وعلمه ، إذ ما من شيء ~~يقع في هذا ms1024 الكون إلا بتقدير الله وعلمه ، فعليكم أن تستسلموا لإرادة الله ~~، وأن تعودوا إلى أنفسكم فتهذبوها وتروضوها على تقوى الله وطاعته ، حتى ~~تكونوا أهلا لنصرته وعونه. # و «ما» موصولة بمعنى الذي في محل رفع بالابتداء ، وجملة ( @QUR@01 أصابكم ~~) صلة الموصول ، وقوله PageV02P329 # ( @QUR@02 فبإذن الله ) هو الخبر. ودخلت الفاء في الخبر لشبه المبتدأ ~~بالشرط. وقوله ( @QUR@02 وليعلم المؤمنين ) بيان لبعض الحكم التي من أجلها ~~حدث ما حدث في غزوة أحد. # والعلم هنا كناية عن الظهور والتقرر في الخارج لما قدره سبحانه في الأزل ~~أى أراد الله أن يحدث ما حدث في غزوة أحد ليظهر للناس ويميز لهم المؤمنين ~~من غيرهم. # وقوله : ( @QUR@03 وليعلم الذين نافقوا ) حكمة ثانية لما حدث في غزوة ~~أحد. أى : حدث ما حدث في غزوة أحد ليعلم سبحانه المؤمنين من المنافقين علم ~~عيان ورؤية وظهور يتميز معه عند الناس كل فريق عن الآخر تميزا ظاهرا. # إذ أن نصر المسلمين في بدر فتح الطريق أمام المنافقين للتظاهر باعتناق ~~الإسلام. وعدم انتصارهم في أحد ، كشف عن هؤلاء المنافقين وأظهرهم على ~~حقيقتهم ، فإن من شأن الشدائد أنها تكشف عن معادن النفوس ، وحنايا القلوب. # ثم بين سبحانه بعض النصائح التي قيلت لهؤلاء المنافقين حتى يقلعوا عن ~~نفاقهم ، وحكى ما رد به المنافقون على الناصحين فقال : ( @QUR@014 وقيل لهم ~~تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا ، قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم ). # أى فعل سبحانه ما فعل في أحد ليميز المؤمنين من المنافقين الذين قيل لهم ~~من النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعض أصحابه : تعالوا معنا لتقاتلوا في سبيل ~~الله ، فإن لم تقاتلوا فادفعوا أى فانضموا إلى صفوف المقاتلين ، فيكثر ~~عددهم بكم فإن كثرة العدد تزيد من خوف الأعداء. # أو المعنى : تعالوا معنا لتقاتلوا من أجل إعلاء كلمة الله ، فإن لم ~~تفعلوا ذلك لضعف إيمانكم ، واستيلاء الشهوات والأهواء على نفوسكم ، فلا أقل ~~من أن تقاتلوا لتدفعوا عن أنفسكم وعن مدينتكم عار الهزيمة. # أى إن لم تقاتلوا طلبا لمرضاة الله ، فقاتلوا دفاعا عن أوطانكم وعزتكم. # قال الجمل : وهذه الجملة وهي ms1025 قوله تعالى ( @QUR@03 وقيل لهم تعالوا ) ~~تحتمل وجهين. # أحدهما : أن تكون مستأنفة ، أخبر الله أنهم مأمورون إما بالقتال وإما ~~بالدفع أى تكثير سواد المسلمين أى عددهم. # والثاني : أن تكون معطوفة على ( @QUR@01 نافقوا ) فتكون داخلة في خبر ~~الموصول. أى وليعلم الذين حصل منهم النفاق والقول المذكور وإنما لم يأت ~~بحرف العطف بين تعالوا وقاتلوا ، لأن المقصود أن تكون كل من الجملتين ~~مقصودة بذاتها (1). PageV02P330 # وقوله ( @QUR@05 قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم ) حكاية لردهم القبيح على ~~من نصحهم بالبقاء مع المجاهدين. # أى قال المنافقون وهم عبد الله بن أبى وأتباعه لو نعلم أنكم تقاتلون حقا ~~لسرنا معكم ، ولكن الذي نعلمه هو أنكم ستذهبون إلى أحد ثم تعودون بدون قتال ~~لأى سبب من الأسباب. # أو المعنى كما يقول الزمخشري «لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالا ( @QUR@01 ~~لاتبعناكم ) يعنون أن ما أنتم فيه لخطأ رأيكم وزللكم عن الصواب ليس بشيء ، ~~ولا يقال لمثله قتال ، إنما هو إلقاء بالنفس إلى التهلكة ، لأن رأى عبد ~~الله بن أبى كان في الإقامة بالمدينة وما كان يستصوب الخروج» (1). # وقال ابن جرير : «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد في ألف رجل من ~~أصحابه وحتى إذا كانوا بالشوط بين أحد والمدينة ، انخذل عنهم عبد الله بن ~~أبى ابن سلول بثلث الناس وقال. أطاعهم ، أى رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج ~~وعصاني. والله ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس؟ فرجع بمن اتبعه ~~من الناس من قومه أهل النفاق والريب ، فاتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام ~~أخو بنى سلمة يقول لهم. يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم وقاتلوا ~~في سبيل الله أو ادفعوا فقالوا : لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ، ~~ولكننا لا نرى أن يكون قتال. # فلما استعصوا عليه ، وأبوا إلا الانصراف عن المؤمنين قال لهم. أبعدكم ~~الله يا أعداء الله فسيغنى الله رسوله عنكم ، ثم مضى مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم (2). # هذا هو موقف المنافقين في غزوة أحد ، وهو موقف يدل على فساد ms1026 قلوبهم ، ~~وخبث نفوسهم ، وجبنهم عن لقاء الأعداء. # ولقد كان المؤمنون الصادقون على نقيض ذلك ، فلقد خرجوا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وثبتوا إلى جانبه فكانوا ممن قال الله فيهم : ( @QUR@018 ~~من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ~~ينتظر وما بدلوا تبديلا ) ولقد حكى لنا التاريخ أن بعض المؤمنين الذين كانت ~~لهم أعذارهم التي تسقط عنهم الخروج للجهاد ، كانوا يخرجون مع المجاهدين ~~لتكثير عددهم. # فعن أنس بن مالك قال : «رأيت يوم القادسية عبد الله بن أم مكتوم وكان ~~رجلا أعمى PageV02P331 # وعليه درع يجر أطرافها وبيده راية سوداء ، فقيل له : أليس قد أنزل الله ~~عذرك؟ فقال : بلى ولكني أحب أن أكثر المسلمين بنفسي (1). # هذا ، وقد أصدر سبحانه حكمه العادل على أولئك المنافقين فقال : ( ~~@QUR@016 هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان. يقولون بأفواههم ما ليس في ~~قلوبهم والله أعلم بما يكتمون ). # أى هم يوم أن قالوا هذا القول الباطل قد بينوا حالهم ، وهتكوا أستارهم ~~وكشفوا عن نفاقهم لمن كان يظن أنهم مؤمنون ، لأنهم قبل أن يقولوا : «لو ~~نعلم قتالا لاتبعناكم» كانوا يتظاهرون بالإيمان ، وما ظهرت منهم أمارة تؤذن ~~بكفرهم ، فلما انخذلوا عن عسكر المؤمنين وقالوا ما قالوا تباعدوا بذلك عن ~~الإيمان المظنون بهم واقتربوا من الكفر. # أو المعنى : هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان ، لأن تقليلهم ~~سواد المسلمين بالانخذال فيه تقوية للمشركين. # قال الجمل : «وقوله ( @QUR@01 هم ) مبتدأ ، وقوله ( @QUR@01 أقرب ) خبره ~~، وقوله ( @QUR@01 للكفر ) وقوله ( @QUR@01 للإيمان ) متعلقان بأقرب ، لأن ~~أفعل التفضيل في قوة عاملين. فكأنه قيل : قربوا من الكفر وقربوا من الإيمان ~~، وقربهم للكفر في هذا اليوم أشد لوجود العلامة وهي خذلانهم للمؤمنين» (2). # وقوله ( @QUR@06 يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ) جملة مستأنفة مبينة ~~لحالهم مطلقا لا في ذلك اليوم فحسب. # أى أن هؤلاء القوم من صفاتهم الذميمة أنهم يقولون بألسنتهم قولا يخالف ما ~~انطوت عليه قلوبهم من كفر ، وما امتلأت به نفوسهم من بغضاء لكم أيها ~~المؤمنون . # قال صاحب الكشاف : وذكر الأفواه مع القلوب تصوير لنفاقهم ms1027 ، وأن إيمانهم ~~موجود في أفواههم معدوم في قلوبهم ، بخلاف صفة المؤمنين في مواطأة قلوبهم ~~لأفواههم» (3). # وقوله ( @QUR@04 والله أعلم بما يكتمون ) تذييل قصد به زجرهم وتوعدهم ~~بسوء المصير بسبب نفاقهم وخداعهم. # أى والله تعالى أعلم منكم أيها المؤمنون بما يضمره هؤلاء المنافقون من ~~كفر ومن كراهية لدينكم ، لأنه سبحانه يعلم ما ظهر وما خفى من أمورهم ، وقد ~~كشف الله لكم PageV02P332 # أحوالهم لكي تحذروهم ، وسيحاسبهم يوم القيامة على أعمالهم ، وسينزل بهم ~~ما يستحقونه من عذاب مهين. # ثم حكى سبحانه لونا آخر من أراجيفهم وأكاذيبهم التي قصدوا من ورائها ~~الإساءة إلى المؤمنين ، والتشكيك في صدق تعاليم الإسلام فقال تعالى : ( ~~@QUR@08 الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا ، لو أطاعونا ما قتلوا ). # أى أن هؤلاء المنافقين لم يكتفوا بما ارتكبوه من جنايات قبيل غزوة أحد ~~وخلالها ، بل إنهم بعد انتهاء المعركة قالوا لإخوانهم الذين هم مثلهم في ~~المشرب والاتجاه ، : قالوا لهم وقد قعدوا عن القتال : لو أن هؤلاء الذين ~~استشهدوا في أحد أطاعونا وقعدوا معنا في المدينة لما أصابهم القتل ، ولكنهم ~~خالفونا فكان مصيرهم إلى القتل. # ويجوز أن تكون اللام في قوله «لإخوانهم» للتعليل فيكون المعنى : أنهم ~~قالوا من أجل إخوانهم الذين استشهدوا في غزوة أحد ، لو أن هؤلاء الذين ~~قتلوا أطاعونا ولم يخرجوا لبقوا معنا على قيد الحياة ، كما هو حالنا الآن ، ~~ولكنهم لم يستمعوا إلى نصحنا وخرجوا للقتال فقتلوا. # وعلى كلا التفسيرين فقولهم هذا يدل على خبث نفوسهم ، وانطماس بصيرتهم ~~وجهلهم بقدرة الله ونفاذ إرادته ، وشماتتهم فيما حل بالمسلمين من قتل وجراح ~~يوم أحد. # ولذا فقد رد الله عليهم بما يخرس ألسنتهم ، ويدحض قولهم ، ويكشف عن جهلهم ~~وسوء تفكيرهم فقال تعالى «قل فادرأوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين». # أى قل لهم يا محمد على سبيل التوبيخ والتهكم بعقولهم الفارغة : إذا كنتم ~~تظنون أنكم دفعتم عن أنفسكم الموت بقعودكم في بيوتكم ، وامتناعكم عن الخروج ~~للقتال ، إذ كنتم تظنون ذلك ( @QUR@01 فادرؤا ) أى ادفعوا عن أنفسكم الموت ~~المكتوب عليكم ، والذي سيدرككم ولو كنتم في بروج مشيدة. # فالمقصود من ms1028 هذه الجملة الكريمة الرد عليهم بما يبطل أقوالهم عن طريق ~~الحس والمشاهدة ، وذلك ببيان أن القعود عن الجهاد لا يطيل الحياة ، كما أن ~~الخروج إلى ساحات القتال لا ينقص شيئا من الآجال ، فكم من مجاهد عاد من ~~جهاده سالما ، وكم من قاعد أتاه الموت وهو في عقر داره. # فزعم هؤلاء المنافقين بأن أولئك الذين استشهدوا في أحد لو أطاعوهم ولم ~~يخرجوا للقتال لما أصابهم القتل زعم باطل ، وإلا فإن كانوا صادقين في هذا ~~الزعم فليدفعوا عن أنفسهم الموت الذي سينزل بهم حتما في الوقت الذي يشاؤه ~~الله. ولا شك أنهم لن يستطيعوا دفعه فثبت كذبهم وافتراؤهم. PageV02P333 # وقوله تعالى ( @QUR@03 الذين قالوا لإخوانهم ) في محل نصب بدل من قوله ( ~~@QUR@02 الذين نافقوا ). # أو في محل رفع بدل من الضمير في قوله ( @QUR@01 يكتمون ) فكأنه قيل : ~~والله أعلم بما يكتم هؤلاء الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا ... # وقوله ( @QUR@01 وقعدوا ) حال من الضمير في ( @QUR@01 قالوا ) بتقدير حرف ~~قد أى قالوا ما قالوا والحال أنهم قد قعدوا عن القتال. # وجواب الشرط في قوله ( @QUR@03 إن كنتم صادقين ) محذوف لدلالة ما قبله ~~عليه وهو قوله ( @QUR@04 فادرؤا عن أنفسكم الموت ). # والتقدير : إن كنتم صادقين في زعمكم أن الذين قتلوا في أحد لو أطاعوكم ~~وقعدوا كما قعدتم لما أصابهم القتل ، إن كنتم صادقين في هذا الزعم فادرأوا ~~عن أنفسكم الموت عند حلوله. # قال الآلوسى. والمراد أن ما ادعيتموه سببا للنجاة ليس بمستقيم ، ولو فرض ~~استقامته فليس بمفيد ، أما الأول : فلأن أسباب النجاة كثيرة. غايته أن ~~القعود والنجاة وجدا معا وهو لا يدل على السببية. # وأما الثاني : فلأن المهروب عنه بالذات هو الموت الذي القتل أحد أسبابه ~~فإن صح ما ذكرتم فادفعوا سائر أسبابه ، فإن أسباب الموت في إمكان المدافعة ~~بالحيل وامتناعها سواء ، وأنفسكم أعز عليكم ، وأمرها أهم لديكم» (1). # وقال ابن القيم : وكان من الحكم التي اشتملت عليها غزوة أحد ، أن تكلم ~~المنافقون بما في نفوسهم ، فسمعه المؤمنون ، وسمعوا رد الله عليهم ، وجوابه ~~لهم ، وعرفوا مراد النفاق ، وما يؤول إليه ، كيف يحرم صاحبه سعادة ms1029 الدنيا ~~والآخرة ... # فالله الله كم من حكمة في ضمن هذه القصة بالغة ، ونعمة على المؤمنين ~~سابغة ، وكم فيها من تحذير وتخويف وإرشاد وتنبيه ، وتعريف بأسباب الخير ~~والشر ومآلهما وعاقبتهما (2). # وبعد هذا الحديث الكاشف عن طبيعة المنافقين وعن أحوالهم ، انتقلت السورة ~~الكريمة إلى الحديث عن الشهداء وفضلهم وما أعده الله لهم من نعيم مقيم فقال ~~تعالى : PageV02P334 # ( @QUR@013 ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون (169) @QUR@019 فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم ~~يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون (170) @QUR@011 يستبشرون ~~بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين (171) @QUR@015 الذين ~~استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر ~~عظيم (172) @QUR@017 الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ~~فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) (173) @QUR@015 فانقلبوا ~~بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم ~~(174) @QUR@011 إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم ~~مؤمنين ) (175) # فقوله تعالى ( @QUR@010 ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل ~~أحياء ) كلام مستأنف ساقه الله تعالى لبيان أن القتل في سبيل الله الذي ~~يحذره المنافقون ويحذرون الناس منه ليس مما يحذر ، بل هو أجل المطالب ~~وأسناها ، إثر بيان أن الحذر لا يدفع القدر ، لأن من قدر الله له القتل لا ~~يمكنه الاحتراز عنه. ومن لم يقدر له ذلك لا خوف عليه منه. # فهذه الآيات الكريمة رد على شماتة المنافقين إثر الردود السابقة ، وتحريض ~~للمؤمنين على القتال ، وتقرير لحقيقة إسلامية ثابتة هي أن الاستشهاد في ~~سبيل الله ليس فناء بل هو بقاء. # والخطاب في قوله «ولا تحسبن» للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتأتى له ~~الخطاب. PageV02P335 # والحسبان : لظن ، والنهى بلا هنا منصب على هذا الظن ، أى أنهاكم عن أن ~~تظنوا أنهم أموات ، ونون التوكيد في قوله «ولا تحسبن» لتأكيد هذا النهى. # أى : لا تحسبن أيها الرسول الكريم ، أو أيها المؤمن أن الذين ms1030 قتلوا في ~~سبيل الله ، من أجل إعلان كلمته ، لا تحسبنهم أمواتا لا يحسون شيئا ولا ~~يلتذون ولا يتنعمون ، بل هم أحياء عند ربهم ، يرزقون رزق الأحياء ، ~~ويتنعمون بألوان النعم التي أسبغها الله عليهم ، جزاء إخلاصهم وجهادهم ~~وبذلهم أنفسهم في سبيل الله. # وقوله ( @QUR@01 الذين ) مفعول أول لقوله : ( @QUR@01 تحسبن ) وقوله ( ~~@QUR@01 أمواتا ) مفعوله الثاني وقوله ( @QUR@01 أحياء ) خبر لمبتدأ محذوف ~~أى بل هم أحياء. # وقوله ( @QUR@02 عند ربهم ) يصح أن يكون خبرا ثانيا للمبتدأ المقدر أو ~~صفة لأحياء أو ظرفا له لأن المعنى : يحيون عند ربهم. # والمراد بالعندية هنا المجاز عن القرب والإكرام والتشريف ، أى هم أحياء ~~مقربون عنده ، قد خصهم بالمنازل الرفيعة ، والدرجات العالية ، وليس المراد ~~بها القرب المكاني لاستحالة ذلك في حق الله تعالى . # وقوله ( @QUR@01 يرزقون ) صفة لقوله ( @QUR@01 أحياء ) وحال من الضمير ~~فيه أى يحيون مرزوقين. # هذا وقد وردت أحاديث متعددة تصرح بأن هذه الآيات الكريمة قد نزلت في ~~شهداء أحد ، ويدخل في حكمهم كل شهيد في سبيل الله ، ومن هذه الأحاديث ما ~~أخرجه أبو داود وغيره عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«لما أصيب إخوانكم بأحد ، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار ~~الجنة تأكل من ثمارها ، وتأوى إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش. فلما ~~وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم قالوا : من يبلغ إخواننا عنا أننا ~~أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ، ولا ينكلوا عند الحرب. فقال ~~الله تعالى : «أنا أبلغهم عنكم. قال : فأنزل الله هؤلاء الآيات ( @QUR@08 ~~ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا )... إلخ الآيات. # وأخرج الترمذي وابن ماجة عن جابر بن عبد الله قال : لقيني رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال : «يا جابر مالي أراك منكسا مهتما»؟ قلت يا رسول الله ~~استشهد أبى في أحد وترك عيالا وعليه دين. فقال : ألا أبشرك بما لقى الله ~~عز وجل به أباك؟ قلت : بلى يا رسول الله. قال : إن الله أحيا أباك وكلمه ~~كفاحا أى مواجهة ليس بينهما حجاب ms1031 وما كلم أحدا قط إلا من وراء حجاب ، فقال ~~له يا عبدى تمن أعطك. قال يا رب فردني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية. فقال PageV02P336 # الرب تعالى إنه قد سبق منى أنهم إليها لا يرجعون. قال : يا رب فأبلغ من ~~ورائي فأنزل الله تعالى ( @QUR@08 ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله ~~أمواتا )... الآية. # قال القرطبي بعد أن ساق هذين الحديثين وغيرهما ما ملخصه : «فقد أخبر الله ~~تعالى في هذه الآيات عن الشهداء أنهم أحياء في الجنة يرزقون. والذي عليه ~~الكثيرون أن حياة الشهداء محققة. ثم منهم من يقول : ترد إليهم الأرواح في ~~قبورهم فينعمون ، كما يحيا الكفار في قبورهم فيعذبون. وصار قوم إلى أن هذا ~~مجاز ، والمعنى أنهم في حكم الله مستحقون للتنعم في الجنة. وقال آخرون ~~أرواحهم في أجواف طير خضر وأنهم يرزقون في الجنة ويأكلون ويتنعمون. وهذا هو ~~الصحيح من الأقوال ، لأن ما صح به النقل فهو الواقع. وحديث ابن عباس الذي ~~سقناه قبل قليل نص يرفع الخلاف» (1). # والذي تطمئن إليه النفس : أن الآية الكريمة تنبه على أن للشهداء مزية ~~خاصة تجعلهم يفضلون الموتى المعروفين لدى الناس ، وهي أنهم في حياة سارة ، ~~ونعيم لذيذ ، ورزق حسن عند ربهم. وهذه الحياة الممتازة ترفعهم عن أن يقال ~~فيهم كما يقال في غيرهم : أموات ، وإن كان المعنى اللغوي للموت بمعنى ~~مفارقة الروح للجسد في ظاهر الأمر حاصلا للشهداء كغيرهم من الموتى. # إلا أن هذه الحياة البرزخية التي أخبر الله بها عن الشهداء نؤمن بها كما ~~ذكرها الله تعالى ولا ندرك حقيقتها ، إذ لا يمكن إدراكها إلا من طريق الوحى ~~، فقد قال تعالى في آية أخرى : ( @QUR@013 ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل ~~الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون ) أى ولكن لا تحسون ولا تدركون حال ~~هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله بمشاعركم وحواسكم ، لأنها من شئون الغيب ~~التي لا طريق للعلم بها إلا بالوحي. # ثم بين سبحانه ما هم فيه من مسرة وحبور فقال : ( @QUR@06 فرحين بما آتاهم ~~الله من فضله ) أى فرحين ms1032 فرحا عظيما بعد انتقالهم من الدنيا ، بما أعطاهم ~~الله في حياتهم الجديدة من ضروب النعم المتعددة التي من بينها الثواب ~~العظيم ، والنعيم الدائم ، والسعادة التي ليس بعدها سعادة. # وقوله ( @QUR@01 فرحين ) يصح أن يكون حالا من الضمير في ( @QUR@01 يرزقون ~~) أو من الضمير في «أحياء» وقوله ( @QUR@02 من فضله ) متعلق بآتاهم. # و ( @QUR@01 من ) يصح أن تكون للسببية أى الذي آتاهم متسبب عن فضله. أو ~~لابتداء الغاية وقوله PageV02P337 # ( @QUR@07 ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ) معطوف على فرحين ~~لتأويله بيفرحون. أو هو حال من الضمير في ( @QUR@01 فرحين ) بتقدير وهم ~~يستبشرون ... # وأصل الاستبشار : طلب البشارة وهو الخبر السار الذي تظهر آثاره على ~~البشرة إلا أن المراد هنا السرور استعمالا للفظ في لازم معناه. # أى : أن هؤلاء الشهداء فرحين بما آتاهم الله من فضله من شرف الشهادة ، ~~ومن الفوز برضا الله ، ويسرون بما تبين لهم من حسن مآل إخوانهم الذين ~~تركوهم من خلفهم على قيد الحياة ، لأن الأحياء عند ما يموتون شهداء مثلهم ~~سينالون رضا الله وكرامته ، وسيظفرون بتلك الحياة الأبدية الكريمة كما ~~ظفروا هم بها. فالمراد بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم : رفقاؤهم الذين ~~كانوا يجاهدون معهم في الدنيا ولم يظفروا بالشهادة بعد ، لأنهم ما زالوا ~~على قيد الحياة. # وفي هذا دلالة على أن أرواح هؤلاء الشهداء قد منحها الله تعالى من الكشف ~~والصفاء ما جعلها تطلع على ما يسرها من أحوال الذين يهمهم شأنهم في الدنيا. # وقيل : إن معنى ( @QUR@03 لم يلحقوا بهم ) لم يدركوا فضلهم ومنزلتهم. # وقوله ( @QUR@02 من خلفهم ) متعلق بمحذوف حال من فاعل ( @QUR@01 يلحقوا ) ~~أى لم يلحقوهم متخلفين عنهم باقين بعد في الدنيا. أو متعلق بقوله ( @QUR@01 ~~يلحقوا ) ذاته على معنى أنهم قد يقوا بعدهم وهؤلاء الشهداء قد تقدموهم. # وقوله ( @QUR@06 ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) بدل اشتمال من قوله ( ~~@QUR@04 بالذين لم يلحقوا بهم ) مبين لكون استبشارهم بحال إخوانهم لا ~~بذواتهم. # والمعنى : ويستبشرون بما تبين لهم من حال الذين تركوهم من خلفهم في ~~الدنيا من رفقائهم المجاهدين ، وهو أنهم لا خوف عليهم في المستقبل ms1033 ولا هم ~~يحزنون على ما تركوه في الدنيا ، بل هم سيكونون آمنين مطمئنين بعد فراقهم ~~للدنيا وعند ما يبعثون يوم القيامة. # ونفى عنهم الخوف والحزن ، لأن الخوف يكون بسبب توقع المكروه النازل في ~~المستقبل. # والحزن يكون بسبب فوات المنافع التي كانت موجودة في الماضي. فبين سبحانه ~~أنه لا خوف عليهم فيما سيأتيهم من أحوال القيامة ، ولا حزن لهم فيما فاتهم ~~من متاع الدنيا. # وقوله ( @QUR@011 يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر ~~المؤمنين ) استئناف مبين لما هم عليه من سرور يتعلق بذواتهم. بعد أن بين ~~سبحانه سرورهم بحال الذين لم يلحقوا بهم. # والمعنى أن هؤلاء الشهداء يستبشرون بحال إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم. PageV02P338 # كما أنهم يستبشرون أيضا لأنفسهم بسبب ما أنعم الله به عليهم من نعم جزيلة ~~وبسبب ما تفضل به عليهم من زيادة الكرامة ، وسمو المنزلة. # وهذا يدل على أن هؤلاء الشهداء لا يهتمون بشأن أنفسهم فقط. وإنما يهتمون ~~أيضا بأحوال إخوانهم الذين تركوهم في الدنيا ، وفي ذلك ما فيه من صفاء ~~نفوسهم ، وطهارة قلوبهم ، حيث أحبوا الخير لغيرهم كما أحبوه لأنفسهم ، بل ~~إن تقديم استبشارهم بحال إخوانهم على استبشارهم بما يتعلق بأنفسهم ليشعر ~~بأن اهتمامهم بحال إخوانهم أشد من اهتمامهم بحال أنفسهم. # ويرى بعضهم أن الضمير في قوله ( @QUR@02 يستبشرون بنعمة ) يعود على الذين ~~لم يلحقوا بهم فتكون جملة ( @QUR@01 يستبشرون ) حالا من الذين لم يلحقوا ~~بهم. وعليه يكون المعنى : أن هؤلاء الذين لم يلحقوا بهم لا خوف عليهم ولا ~~حزن ، فهم مستبشرون بنعمة من الله وفضل ..». # وقوله ( @QUR@06 وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ) معطوف على ( @QUR@04 ~~بنعمة من الله وفضل )، وهذا على قراءة الجمهور بفتح همزة أن على معنى وبأن. # والتقدير : يستبشرون بنعمة من الله وفضل وبأن الله تعالى لا يضيع أجر ~~المؤمنين ، وإنما سيعطيهم النصر والعزة والكرامة جزاء جهادهم. # وقرأ الكسائي «وإن الله لا يضيع أجر المؤمنين» ، بكسر همزة إن على ~~الاستئناف والمقصود من الآية الكريمة بيان أن كل مؤمن يخاف مقام ربه وينهى ~~نفسه ms1034 عن الهوى ، ويجاهد في سبيل إعلاء كلمة الله فإن الله تعالى لا يضيع ~~شيئا من أجره ، بل يعطيه من الجزاء الحسن بفضله وإحسانه أكثر مما يستحق. # ثم مدح سبحانه المؤمنين الصادقين الذين لم تمنعهم جراحهم وآلامهم عن ~~الاستجابة لأمر رسولهم صلى الله عليه وسلم فقال تعالى : ( @QUR@015 الذين ~~استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح ، للذين أحسنوا منهم واتقوا ~~أجر عظيم ). # قال الفخر الرازي ما ملخصه : اعلم أن الله تعالى مدح المؤمنين على غزوتين ~~تعرف إحداهما : بغزوة حمراء الأسد ، والثانية : بغزوة بدر الصغرى ، ~~وكلتاهما متصلة بغزوة أحد. # أما غزوة حمراء الأسد فهي المرادة من هذه الآية ، فإن الأصح في سبب ~~نزولها أن أبا سفيان وأصحابه بعد أن انصرفوا من أحد وبلغوا الروحاء ، ندموا ~~وقالوا : إنا قتلنا أكثرهم ولم يبق منهم إلا القليل فلم تركناهم؟ بل الواجب ~~أن نرجع ونستأصلهم ، فهموا بالرجوع. # فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأراد أن يرهب الكفار ويريهم من ~~نفسه ومن أصحابه قوة. PageV02P339 # فندب أصحابه إلى الخروج في طلب أبى سفيان وقال : لا أريد أن يخرج الآن ~~معى إلا من كان معى في القتال في أحد . # فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم مع قوم من أصحابه حتى بلغوا حمراء الأسد. ~~وهي مكان على بعد ثمانية أميال من المدينة. # فألقى الله الرعب في قلوب المشركين فانهزموا. # وروى أنه كان فيهم من يحمل صاحبه على عنقه ساعة ، ثم كان المحمول يحمل ~~الحامل ساعة أخرى. وكان كل ذلك لإثخان الجراح فيهم ، وكان فيهم من يتوكأ ~~على صاحبه ساعة ويتوكأ عليه صاحبه ساعة. # وقوله ( @QUR@01 استجابوا ) بمعنى أجابوا. وقيل : استجابوا ، أصلها طلبوا ~~الإجابة لأن الأصل في الاستفعال طلب الفعل. والقرح : الجراح الشديدة. # والمعنى : أن الله تعالى لا يضيع أجر هؤلاء المؤمنين الصادقين ، الذين ~~أجابوا داعي الله وأطاعوا رسوله ، بأن خرجوا للجهاد في سبيل عقيدتهم بدون ~~وهن أو ضعف أو استكانة مع مآبهم من جراح شديدة ، وآلام مبرحة. # ثم بين سبحانه جزاءهم فقال : ( @QUR@06 للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر ~~عظيم ) أى ms1035 الذين أحسنوا منهم بأن أدوا جميع المأمورات ، واتقوا الله في كل ~~أحوالهم بأن صانوا أنفسهم عن جميع المنهيات ، لهؤلاء أجر عظيم لا يعلم كنهه ~~إلا الله تعالى . # وقوله ( @QUR@02 الذين استجابوا ) في موضع رفع على الابتداء وخبره قوله ( ~~@QUR@02 للذين أحسنوا ) ويجوز أن يكون في موضع جر على أنه صفة للمؤمنين في ~~قوله : ( @QUR@06 وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ). قال صاحب الكشاف : ~~و «من» في قوله ( @QUR@03 للذين أحسنوا منهم ) للتبيين مثلها في قوله تعالى ~~( @QUR@010 وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما ) ~~. لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا لا بعضهم (1). # ثم مدحهم سبحانه على ثباتهم وشجاعتهم وحسن اعتمادهم على خالقهم عز وجل ، ~~بعد أن مدحهم قبل ذلك على حسن استجابتهم لله ولرسوله فقال تعالى : ( ~~@QUR@017 الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا ~~وقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل ). # قال الفخر الرازي ما ملخصه : نزلت هذه الآية في غزوة بدر الصغرى ، وذلك ~~أن أبا سفيان PageV02P340 # لما عزم على الانصراف إلى مكة في أعقاب غزوة أحد نادى : يا محمد موعدنا ~~موسم بدر الصغرى فنقتتل بها إن شئت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر : قل ~~له بيننا وبينك ذلك إن شاء الله. # فلما حضر الأجل خرج أبو سفيان مع قومه حتى نزل بمر الظهران ، فألقى الله ~~الرعب في قلبه ، فبدا له أن يرجع. فلقى نعيم بن مسعود وقد قدم معتمرا فقال ~~له : يا نعيم ، إنى وعدت محمدا أن نلتقي بموسم بدر. وإن هذا عام جدب ولا ~~يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ، ونشرب فيه اللبن. وقد بدا لي أن أرجع. ~~ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاد بذلك جراءة علينا ، فاذهب إلى المدينة ~~فثبطهم ولك عندي عشرة من الإبل. # فخرج نعيم إلى المدينة فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم : ما هذا بالرأى. ~~أتوكم في دياركم وقتلوا أكثركم فإن ذهبتم إليهم لم يرجع منكم أحد. # فوقع هذا الكلام في قلوب قوم منهم. فلما رأى النبي صلى الله عليه ms1036 وسلم ذلك ~~قال : «والذي نفسي بيده لأخرجن إليهم ولو وحدي». # ثم خرج صلى الله عليه وسلم في جمع من أصحابه ، وذهبوا إلى أن وصلوا إلى بدر ~~الصغرى وهي ماء لبنى كنانة وكانت موضع سوق لهم يجتمعون فيها كل عام ثمانية ~~أيام ولم يلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحدا من المشركين. # ووافقوا السوق وكانت معهم نفقات وتجارات فباعوا واشتروا أدما وزبيبا ، ~~وربحوا وأصابوا بالدرهم درهمين ، وانصرفوا إلى المدينة سالمين. # أما أبو سفيان ومن معه فقد عادوا إلى مكة بعد أن وصلوا إلى مر الظهران ~~(1)... # وقيل إن الذين قابلهم أبو سفيان عند خروجه من مكة جماعة من بنى عبد القيس ~~، وقد قال لهم ما قاله لنعيم بن مسعود عند ما أزمع العودة إلى مكة بعد أن ~~قذف الله الرعب في قلبه من لقاء المسلمين. # وعلى أية حال ففي سبب نزول هذه الآية والتي قبلها أقوال أخرى للمفسرين ~~اكتفينا بما ذكرناه خشية الإطالة .. # وقوله ( @QUR@04 الذين قال لهم الناس ) بدل من قوله ( @QUR@04 الذين ~~استجابوا لله والرسول ) أو صفة له. أو في محل نصب على المدح أى أمدح الذين ~~قال لهم الناس ... إلخ. # والمراد في الموصول في الآيتين طائفة واحدة من المؤمنين وهم الذين لم ~~تمنعهم الجراح عن الخروج للقتال ، ولم يرهبهم قول من قال لهم بعد ذلك إن ~~الناس قد جمعوا لكم. PageV02P341 # والمراد من الناس الأول وهو قوله ( @QUR@04 الذين قال لهم الناس ) جماعة ~~بنى عبد القيس أو نعيم بن مسعود. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت كيف قيل «الناس» إن كان نعيم هو المثبط وحده؟ ~~قلت : قيل ذلك ؛ لأنه من جنس الناس كما يقال : فلان يركب الخيل ، ويلبس ~~البرد وماله إلا فرس واحد وبرد فرد. أو لأنه حين قال ذلك لم يخل من ناس من ~~أهل المدينة يضامونه ، ويصلون جناح كلامه ، ويثبطون مثل تثبيطه (1). # والمراد من الناس الثاني وهو قوله : ( @QUR@06 إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم ) أبو سفيان ومن معه. فأل فيهما للعهد ، والناس الثاني غير الأول. # وقوله تعالى حكاية عن هؤلاء ms1037 المثبطين : ( @QUR@06 إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم ) أى إن أعداءكم المشركين قد جمعوا لكم جموعا كثيرة ليستأصلوكم ، ~~فاخشوهم ولا تخرجوا لقتالهم. # وحذف مفعول ( @QUR@01 جمعوا ) فلم يقل : جمعوا جيشا كبيرا أو جمعوا ~~أنفسهم وعددهم وأحلافهم وذلك ليذهب الخيال كل مذهب في مقدار ما جمعوا من ~~رجال وسلاح وأموال ، ولكن هذا القول الذي صدر من هؤلاء المثبطين ، لم يلتفت ~~إليه المؤمنون الصادقون المخلصون في جهادهم وفي اعتمادهم على خالقهم ، بل ~~كانوا كما أخبر الله تعالى عنهم ( @QUR@07 فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ~~ونعم الوكيل ). # أى أن هذا القول الذي قاله المثبطون ، زاد المؤمنين إيمانا على إيمانهم ، ~~ويقينا على يقينهم ، وثباتا على ثباتهم ، وجعلهم يقولون للمرجفين بثقة ~~واطمئنان : ( @QUR@02 حسبنا الله ) أى كافينا الله أمر أعدائنا ( @QUR@02 ~~ونعم الوكيل ) أى نعم النصير خالقنا عز وجل فهو الموكول إليه أمرنا ومصيرنا. # وقولهم هذا يدل دلالة واضحة على قوة إيمانهم ، وشدة ثقتهم في نصر الله ~~تعالى لهم ، مهما كثر عدد أعدائهم ، ومهما تعددت مظاهر قوتهم. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف زادهم نعيم أو مقوله إيمانا؟ قلت : لما ~~لم يسمعوا قوله وأخلصوا عنده النية والعزم على الجهاد ، وأظهروا حمية ~~الإسلام ، كان ذلك أثبت ليقينهم ، وأقوى لاعتقادهم ، كما يزداد الإيقان ~~بتناصر الحجج. ولأن خروجهم على أثر تثبيطه إلى جهة العدو طاعة عظيمة ، ~~والطاعات من جملة الإيمان ، لأن الإيمان اعتقاد وإقرار وعمل. وعن ابن عمر : ~~قلنا يا رسول الله : إن الإيمان يزيد وينقص؟ قال : «نعم. يزيد حتى يدخل ~~صاحبه الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار». وعن عمر رضى الله عنه أنه كان ~~يأخذ بيد الرجل PageV02P342 # فيقول : قم بنا نزداد إيمانا. وعنه : «لو وزن إيمان أبى بكر بإيمان هذه ~~الأمة لرجح به» (1). # وقال ابن كثير : روى البخاري عن ابن عباس : قال : ( @QUR@04 حسبنا الله ~~ونعم الوكيل ) قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقى به في النار. وقالها محمد ~~صلى الله عليه وسلم حين قال لهم الناس : إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم». # وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله ms1038 عليه وسلم قال : إذا ~~وقعتم في الأمر العظيم فقولوا : «حسبنا الله ونعم الوكيل» (2). # ثم حكى سبحانه ما تم لهؤلاء المجاهدين الذين خرجوا للقاء أعدائهم من ~~عاقبة حسنة وعود حميد فقال تعالى : ( @QUR@015 فانقلبوا بنعمة من الله وفضل ~~لم يمسسهم سوء ، واتبعوا رضوان الله ، والله ذو فضل عظيم ). # فالفاء في قوله ( @QUR@05 فانقلبوا بنعمة من الله وفضل ) للتعقيب ، وهي ~~معطوفة على مقدر دل عليه السياق. # ومعنى ( @QUR@01 فانقلبوا ) عادوا ورجعوا. # والنعمة : هي العطاء الذي ينفع صاحبه. والفضل : الزيادة في العطاء ~~والنعمة. # والمعنى : أن هؤلاء المجاهدين الصادقين خرجوا للقاء أعدائهم بدون وهن أو ~~ضعف أو استكانة فلم يجدوهم ، فرجعوا إلى ديارهم مصحوبين ( @QUR@01 بنعمة ) ~~عظيمة ( @QUR@02 من الله ) تعالى ، إذ خذل أعداءهم ، وسلمهم من شرورهم ، ~~ومصحوبين بفضل جليل منه سبحانه حيث أغدق عليهم ربحا وفيرا في تجارتهم ، ~~وأجرا جزيلا بسبب قوة إيمانهم ، وإخلاصهم في دينهم. # قال الآلوسى : «روى البيهقي عن ابن عباس أن عيرا مرت في أيام الموسم أى ~~موسم بدر فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم فربح مالا فقسمه بين أصحابه ~~فذلك الفضل». # وأخرج ابن جرير عن السدى قال : أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج ~~في غزوة بدر الصغرى أصحابه دراهم ابتاعوا بها في الموسم ، فأصابوا تجارة ~~فربحوا فيها» (3). # وقوله ( @QUR@01 بنعمة ) في موضع الحال من الضمير في ( @QUR@01 فانقلبوا ~~) فتكون الباء للملابسة أو للمصاحبة فكأنه قيل : فانقلبوا متلبسين بنعمة أو ~~مصاحبين لها. PageV02P343 # وقوله ( @QUR@02 من الله ) متعلق بمحذوف صفة لنعمة ، وهو مؤكد لفخامتها ~~وأنها نعمة جزيلة لا يقدر قدرها. # وقوله ( @QUR@03 لم يمسسهم سوء ) أى لم يصبهم أى أذى أو مكروه عند خروجهم ~~وعودتهم. # والجملة في موضع الحال من فاعل ( @QUR@01 فانقلبوا ) أى رجعوا منعمين ~~مبرئين من السوء والأذى. # وقوله ( @QUR@03 واتبعوا رضوان الله ) معطوف على قوله ( @QUR@01 فانقلبوا ). # أى اتبعوا ما يرضى الله ويوصلهم إلى مثوبته ورحمته ، باستجابتهم لرسولهم ~~صلى الله عليه وسلم وخروجهم للقاء أعدائهم بإيمان عميق ، وعزم وثيق. # فأنت ترى أن الله تعالى قد أخبر عن هؤلاء المجاهدين المخلصين أنهم قد ~~صحبهم في عودتهم أمور ms1039 أربعة : # أولها : النعمة العظيمة. # وثانيها : الفضل الجزيل. # وثالثها : السلامة من السوء. # ورابعها : اتباع رضوان الله. # وهذا كله قد منحه الله لهم جزاء إخلاصهم وثباتهم على الحق الذي آمنوا به. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@04 والله ذو فضل عظيم ). # أى والله تعالى صاحب الفضل العظيم الذي لا يحده حصر ، ولا يحصيه عد ، هو ~~الذي تفضل على هؤلاء المؤمنين الصادقين بما تفضل به من عطاء كريم ، وثواب جزيل. # وفي هذا التذيل زيادة تبشير للمؤمنين برعاية الله لهم ، وزيادة تحسير ~~للمتخلفين عن الجهاد في سبيله عز وجل ، حيث حرموا أنفسهم مما فاز به ~~المؤمنون الصادقون. # ثم أمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يجعلوا خشيتهم وخوفهم منه وحده ، ~~فقال تعالى : ( @QUR@011 إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم ~~وخافون إن كنتم مؤمنين ). # فالخطاب في الآية الكريمة للمؤمنين ، والإشارة بذلكم إلى المثبط بالذات ~~أو بالواسطة. # وقوله ( @QUR@01 إنما ) أداة حصر ، و ( @QUR@01 ذلكم ) مبتدأ و ( @QUR@01 ~~الشيطان ) خبره ، وقوله : ( @QUR@02 يخوف أولياءه ) جملة مستأنفة مبينة ~~لشيطنته. # وقيل إن ( @QUR@01 ذلكم ) مبتدأ أول ، و ( @QUR@01 الشيطان ) مبتدأ ثان. ~~وقوله ( @QUR@02 يخوف أولياءه ) خبر للمبتد الثاني. وهو وخبره خبر للمبتدأ الأول. # والمراد بالشيطان إبليس لأنه علم بالغلبة عليه ولأنه هو الذي يخوف ~~بالوسوسة. وقيل المراد به أتباعه الذين دسهم لكي يرهبوا المؤمنين من ~~الكافرين وهم جماعة بنى عبد القيس أو نعيم بن مسعود المجاشعي. PageV02P344 # إنما ذلكم المثبط لكم عن لقاء أعدائكم هو الشيطان ، الذي يوسوس في قلوبكم ~~بالشر بذاته ، أو بواسطة أتباعه الضالين ، ومن شأن المؤمنين الصادقين أنهم ~~لا يتأثرون بهذه الوساوس الكاذبة ، وإنما الذين يتأثرون بها هم ضعاف ~~الإيمان. # وقوله ( @QUR@02 يخوف أولياءه ) أى يخوف أولياءه المنافقين وضعفاء ~~الإيمان ليقعدوا عن مقاتلة المشركين. أما أنتم أيها المؤمنون الصادقون ~~فإنكم لن يقعدكم تخويفه ، لأن هذا التخويف لا أثر له في قلب من آمن بالله ~~حق الإيمان ، واتقاه حق تقاته. # وقيل إن معنى ( @QUR@02 يخوف أولياءه ) يخوفكم بأوليائه فحذف المفعول ~~وحذف الجار. كما في قوله : ( @QUR@06 فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ) أى ~~فإذا خفت عليه فرعون. فحذف ms1040 المفعول. وكما في قوله : ( @QUR@03 لينذر يوم ~~التلاق ) أى لينذركم يوم التلاقي. # وقيل إن المعنى : يخوفكم أولياءه فحذف المفعول الأول كما تقول : أعطيت ~~الأموال ، أى أعطيت القوم الأموال. # وقوله ( @QUR@06 فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ) أى فلا تخافوا ~~أولياء الشيطان ، بل اجعلوا خوفكم منى وحدي ، إن كنتم مؤمنين حقا. # فالمقصود بهذه الجملة الكريمة تشجيعهم ، وتقويتهم ، وإلهاب شعورهم ، إذ ~~الإيمان الحق يستلزم الخوف من الله دون سواه. # والمراد بالنهى عن الخوف وهو أمر نفسي : النهى عن أسبابه التي من أهمها ~~حب الدنيا وكراهية الموت أى خذوا بأسباب القوة التي من أهمها التمسك بتقوى ~~الله فإن ذلك يزيل الخوف من قلوبكم. # وفي المقابلة بين النهى عن الخوف من أولياء الشيطان ، وبين الأمر بأن ~~يكون خوفهم من الله وحده ، في هذه المقابلة إرشاد إلى العلاج الذي يزيل ~~الخوف والفزع من نفوسهم. لأن الذي يجعل خشيته وخوفه من الله وحده لن يستطيع ~~الشيطان أو أولياؤه أن يبعدوه عن الطريق القويم وصدق الله إذ يقول : ( ~~@QUR@06 إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ). # وبذلك ترى أن الآيات الكريمة قد رفعت منازل الشهداء إلى أعلى الدرجات ، ~~وصرحت بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون. كما أثنت ثناء مستطابا على الذين لبوا ~~دعوة رسولهم صلى الله عليه وسلم حين دعاهم إلى الجهاد في سبيل الله ، ولم ~~يمنعهم عن إجابة دعوته ما بهم من جراح ، أو ما قاله لهم المرجفون من أقوال ~~باطلة ، فرضي الله عنهم وأرضاهم. # ثم أخذ القرآن في تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عما يراه من كفر الكافرين. ~~وعناد المعاندين ، وفي بيان أن PageV02P345 # كفر الكافر إنما يعود عليه ضرره لا على غيره ، وأنه سبحانه يملى للظالم ~~حتى إذا أخذه لم يفلته ، وأن حكمته سبحانه تقتضي تمييز الخبيث من الطيب. ~~فقال تعالى : # ( @QUR@022 ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا ~~يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم (176) @QUR@012 إن ~~الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم (177) ~~@QUR@017 ولا يحسبن الذين كفروا ms1041 أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ~~ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين (178) @QUR@036 ما كان الله ليذر المؤمنين ~~على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ~~ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا ~~فلكم أجر عظيم (179) @QUR@030 ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من ~~فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث ~~السماوات والأرض والله بما تعملون خبير ) (180) # الخطاب في قوله تعالى ( @QUR@06 ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ) ~~للنبي صلى الله عليه وسلم والمقصود منه تسليته وإدخال الطمأنينة على قلبه ، ~~حتى لا يتأثر بما يراه من كفر الكافرين ، ونفاق المنافقين ، وفسق الفاسقين. # أى : لا يحزنك ولا يثر في نفسك الحسرات يا محمد ، حال أولئك القوم الذين ~~( @QUR@03 يسارعون في الكفر ) أى يتوغلون فيه ، ويتعجلون في إظهاره وتأييده ~~والعمل به عند سنوح الفرص ، ويقعون فيه سريعا دون تريث أو تدبر أو تفكير ~~والمقصود بالنهى عن الحزن ، النهى عن الاسترسال فيه وفي PageV02P346 # الأسباب التي تؤدى إليه ، كأن يظن صلى الله عليه وسلم أن كثرة الضالين ستؤدى ~~إلى انتصارهم على المؤمنين. # وقد أشار إلى ذلك صاحب الكشاف فقال : ( @QUR@03 يسارعون في الكفر ) يقعون ~~فيه سريعا ، ويرغبون فيه أشد رغبة. وهم الذين نافقوا من المتخلفين. وقيل : ~~هم قوم ارتدوا عن الإسلام. فإن قلت : فما معنى قوله ( @QUR@02 ولا يحزنك ) ~~ومن حق الرسول أن يحزن لنفاق من نافق وارتداد من ارتد؟ قلت : معناه : لا ~~يحزنوك لخوف أن يضروك ويعينوا عليك» (1). # ولتضمن المسارعة معنى الوقوع تعدت بحرف «في» دون حرف «إلى» الشائع ~~تعديتها بها كما في قوله تعالى ( @QUR@05 وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ). # وقوله ( @QUR@05 إنهم لن يضروا الله شيئا ) تعليل للنهى عن أن يحزنه ~~تسارعهم في الكفر أى : لا يحزنك يا محمد حال هؤلاء المارقين الذين يسارعون ~~في الكفر وينتقلون فيه من دركة إلى دركة أقبح من سابقتها ، فإنهم مهما ~~تمادوا في كفرهم وضلالهم ومحاولتهم إضلال غيرهم ، فإنهم ms1042 لن يضروا دين الله ~~أو أولياءه بشيء من الضرر حتى ولو كان ضررا يسيرا. # ففي الكلام حذف مضاف والتقدير إنهم لن يضروا أولياء الله شيئا. # وفي هذا الحذف تشريف للمؤمنين الصادقين ، وإشعار بأن مضارتهم بمنزلة ~~مضارته سبحانه وفي الحديث القدسي : «من عادى لي وليا فقد آذنته بحرب». # ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم بمقتضى طبيعته البشرية ، وغيرته على دين ~~الله تعالى يحزن لإعراض المعرضين عن الحق الذي جاء به ، ولقد حكى القرآن ~~ذلك في كثير من آياته ، ومنه وله تعالى ( @QUR@010 فلا تذهب نفسك عليهم ~~حسرات إن الله عليم بما يصنعون ) (2) وقوله تعالى ( @QUR@011 فلعلك باخع ~~نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ) (3). # فأراد سبحانه في هذه الآية الكريمة وأمثالها أن يزيل من نفس رسوله ~~صلى الله عليه وسلم هذا الحزن الذي نتج عن كفر الكافرين ، وأن يطمئنه إلى أن ~~العاقبة ستكون له ولأتباعه المؤمنين الصادقين. # وقوله ( @QUR@08 يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ) استئناف لبيان ~~جزائهم على كفرهم في الآخرة ، بعد أن بين سبحانه عدم إضرارهم لأوليائه في ~~الدنيا. PageV02P347 # أى : لا ينبغي لك يا محمد أن تحزن لمسارعة هؤلاء الضالين في الكفر ، ~~فإنهم لن يضروا أوليائى بشيء من الضرر ، ولأن كفرهم ليس مراغمة لله حتى ~~تحزن ، وإنما هو بإرادته ، لأنه أراد ألا يكون لهم حظ أو نصيب من الخير في ~~الآخرة بسبب استحبابهم العمى على الهدى ، ولهم مع هذا الحرمان من الخير في ~~الآخرة ( @QUR@02 عذاب عظيم ) لا يعلم مقدار آلامه وشدته إلا الله تعالى. # قال صاحب الكشاف : «فإن قلت : هلا قيل : لا يجعل الله لهم حظا في الآخرة ~~، وأى فائدة في ذكر الإرادة؟ قلت : فائدته الإشعار بأن الداعي إلى حرمانهم ~~وتعذيبهم قد خلص خلوصا لم يبق معه صارف قط حين سارعوا في الكفر ، تنبيها ~~على تماديهم في الطغيان وبلوغهم الغاية فيه ، حتى إن أرحم الراحمين يريد أن ~~لا يرحمهم» (1). # ثم أكد سبحانه هذا الحكم وقرره فقال : ( @QUR@012 إن الذين اشتروا الكفر ~~بالإيمان لن يضروا الله شيئا ، ولهم عذاب ms1043 أليم ). # والاشتراء في الآية الكريمة بمعنى الاستبدال على سبيل الاستعارة ~~التمثيلية فقد شبه سبحانه الكافر الذي يترك الحق الواضح الذي قامت الأدلة ~~على صحته ويختار بدله الضلال الذي قامت الأدلة على بطلانه ، بمن يكون في ~~يده سلعة ثمينة جيدة فيتركها ويأخذ في مقابلها سلعة رديئة فاسدة. # والمعنى أن الذين استبدلوا الكفر بالإيمان ، لن يضروا دين الله ولا رسوله ~~ولا أولياءه بشيء من الضرر ، وإنما يضرون بفعلهم هذا أنفسهم ضررا بليغا ~~ولهم في الآخرة عذاب مؤلم شديد الإيلام ، بسبب إيثارهم الغي على الرشد ، ~~والكفر على الإيمان ، والشر على الخير. # ثم بين سبحانه أن ما يتمتع به الأشرار في الدنيا من متع إنما هو استدراج ~~لهم ، فقال تعالى ( @QUR@09 ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير ~~لأنفسهم ). # وقوله ( @QUR@02 نملي لهم ) من الإملاء وهو الإمهال والتخلية بين العامل ~~والعمل ليبلغ مداه. # يقال : أملى فلان لفرسه إذا أرخى له الطول ليرعى كيف شاء .. # ويطلق الإملاء على طول المدة ورغد العيش. # والمعنى : ( @QUR@07 ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم )، بتطويل ~~أعمارهم ، وبإعطائهم الكثير من وسائل العيش الرغيد هو ، ( @QUR@02 خير ~~لأنفسهم ) كلا. بل هو سبب للمزيد من عذابهم ، لأننا ( @QUR@05 إنما نملي ~~لهم ليزدادوا إثما ) بكثرة ارتكابهم للمعاصي ( @QUR@01 ولهم ) في الآخرة ( ~~@QUR@02 عذاب مهين ) أى عذاب ينالهم بسببه الذل الذي ليس بعده ذل والهوان ~~الذي يتصاغر معه كل هوان. PageV02P348 # وقوله ( @QUR@02 ولا يحسبن ) إلخ .. عطف على قوله تعالى ( @QUR@02 ولا ~~يحزنك ) ويكون للنهى عن الظن متجها للذين كفروا ليعلموا سوء عاقبتهم. # ويكون مفعولا يحسب قد سد مسدهما أن المصدرية وما بعدها و «ما» في قوله ~~«أنما نملي لهم» يجوز أن تكون مصدرية ، وأن تكون موصولة حذف عائدها. وقد ~~كتبت متصلة بأن مع أن من حقها أن تكتب منفصلة عنها اتباعا للمصحف الإمام أى ~~لا يحسبن الكافرون أن إملاءنا لهم أو أن الذي نمليه لهم من تأخير حياتهم ~~وانتصارهم في الحروب في بعض الأحيان ، هو خير لهم. # وقرأ حمزة «ولا تحسبن الذين كفروا». فيكون الخطاب بالنهى متجها إلى النبي ~~صلى الله ms1044 عليه وسلم ويكون المفعول الأول لحسب هو ( @QUR@02 الذين كفروا ) ~~وقوله : ( @QUR@05 أنما نملي لهم خير لأنفسهم ) بدل من الذين كفروا سادا ~~مسد المفعول الثاني ، أو يكون هو المفعول الثاني. # والمعنى : لا تحسبن يا محمد ولا يحسبن أحد من أمتك أن إملاءنا للذين ~~كفروا هو خير لأنفسهم ، بل هو شر لهم ، لأننا ما أعطيناهم الكثير من وسائل ~~العيش الرغيد إلا على سبيل الاستدراج ، وسنعاقبهم على ما ارتكبوه من آثام ~~عقابا عسيرا. # وقوله ( @QUR@05 إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ) استئناف واقع موقع ~~التعليل للنهى عن حسبان الإملاء خيرا للكافرين. # أى إنما نزيدهم من وسائل العيش الرغيد ليزدادوا آثاما بكثرة ارتكابهم ~~للسيئات. فتكون نتيجة ذلك أن نزيدهم من العذاب المهين الذي لا يستطيعون ~~دفعه أو التهرب منه. # و «إنما» في قوله ( @QUR@03 أنما نملي لهم ) أداة حصر مركبة من «إن» التي ~~هي حرف توكيد ومن «ما» الزائدة الكافة. # واللام في قوله ( @QUR@02 ليزدادوا إثما ) هي التي تسمى بلام العاقبة كما ~~في قوله تعالى ( @QUR@07 فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ) (1). # أى «إنما نملي لهم فيزدادون إثما ، فلما كان ازدياد الإثم ناشئا عن ~~الإملاء كان كالعلة له ، وكانت نتيجة هذا الإملاء أن وقعوا في العذاب ~~المهين. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى ( @QUR@016 ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما ~~يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون ) (2). PageV02P349 # وقوله تعالى ( @QUR@015 فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا ~~يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين ) (1). # ثم بين سبحانه بعض الحكم التي اشتملت عليها غزوة أحد فقال تعالى ( ~~@QUR@014 ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من ~~الطيب ). # وقوله ( @QUR@01 ليذر ) أى ليترك. والمراد بالمؤمنين : المخلصون الذين ~~صدقوا في إيمانهم والمراد بقوله ( @QUR@04 على ما أنتم عليه ) أى اختلاط ~~المؤمنين بالمنافقين واستواؤهم في إجراء الأحكام. # ومعنى يميز يفصل. وقرئ يميز أن يحدد ويبين. # والمراد بالخبيث : المنافق ومن على شاكلته من ضعاف الإيمان. # والمراد بالطيب : الصادق في إيمانه. # والمعنى : ليس من شأن الله تعالى ولا من حكمته وسنته في ms1045 خلقه أن يترككم ~~أيها المؤمنون على ما أنتم عليه من الالتباس واختلاط المنافقين بكم ، بل ~~الذي من شأنه وسنته أن يبتليكم ويمتحنكم بألوان من المصائب والشدائد حتى ~~يتميز المؤمنون من المنافقين ، وينفصل الأخيار عن الأشرار. # قال ابن كثير : أى لا بد أن يعقد سببا من المحنة ، يظهر فيه وليه ويفضح ~~به عدوه ، يعرف به المؤمن الصابر والمنافق الفاجر ، يعنى بذلك يوم أحد الذي ~~امتحن الله به المؤمنون فظهر به إيمانهم وصبرهم وجلدهم وثباتهم وطاعتهم لله ~~ولرسوله وهتك به ستار المنافقين ، فظهرت مخالفتهم ، ونكولهم عن الجهاد ، ~~وخيانتهم الله ولرسوله. قال مجاهد : ميز بينهم يوم أحد» (2). # وعبر سبحانه عن المؤمن بالطيب ، وعن المنافق بالخبيث ، ليسجل على كل ~~منهما ما يليق به من الأوصاف ، وللإشعار بعلة الحكم. # وقوله ( @QUR@013 وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من ~~رسله من يشاء ) معطوف على قوله ( @QUR@04 ما كان الله ليذر ). # والغيب : ضد المشاهد. وهو كل ما غاب عن الحواس ولا تمكن معرفته إلا عن ~~طريق الوحى من الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم . # واجتبى : من الاجتباء بمعنى الاختيار والاصطفاء. PageV02P350 # أى : وما كان الله تعالى ليعطى أحدا منكم معشر المؤمنين علم الغيوب الذي ~~به تعرفون المؤمن من المنافق ، إذ علم ذلك له وحده ، ولكنه سبحانه يصطفى من ~~رسله من يريد اصطفاءه فيطلعه على بعض الغيوب ، وذلك كما حدث لنبيكم ~~صلى الله عليه وسلم فقد أطلعه سبحانه على ما دبره له اليهود حين هموا باغتياله ~~، وأطلعه على حال تلك المرأة التي أرسلها حاطب بن أبى بلتعة برسالة إلى ~~قريش لتخبرهم باستعداد الرسول صلى الله عليه وسلم لحربهم. وأطلعه على بعض ~~أحوال المنافقين. # قال تعالى ( @QUR@012 عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا. إلا من ارتضى ~~من رسول ) (1) وفي قوله تعالى ( @QUR@07 ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء ) ~~إيذان بأن الوقوف على أمثال تلك الأسرار الغيبية ، لا يتأتى إلا ممن رشحه ~~الله تعالى لمنصب جليل ، تقاصرت عنه همم الأمم ، واصطفاه على الناس ~~لإرشادهم. # ثم أمر الله تعالى ms1046 عباده أن يثبتوا على الإيمان ، وبشرهم بالأجر العظيم ~~إذ هم استمروا على ذلك فقال : ( @QUR@09 فآمنوا بالله ورسله ، وإن تؤمنوا ~~وتتقوا فلكم أجر عظيم ). # أى : إذا علمتم أيها المؤمنون أن الله لا يطلع على غيبه أحدا إلا من ~~ارتضى من رسول ، فإنه يجب عليكم أن تؤمنوا بالله وبرسله حق الإيمان ، وإن ~~تؤمنوا بالله تعالى وبرسله حق الإيمان ، وتتقوا المخالفة في الأمر والنهى ، ~~فلكم في مقابلة ذلك من الله تعالى ما لا يقادر قدره من الثواب العظيم ، ~~والأجر الجزيل. # ثم بين سبحانه بعد ذلك سوء مصير الذين يبخلون بنعم الله ، فلا يؤدون ~~حقها. ولا يقومون بشكرها فقال تعالى : ( @QUR@016 ولا يحسبن الذين يبخلون ~~بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم ، بل هو شر لهم ). # وقوله ( @QUR@01 يبخلون ) من البخل وهو ضد الجود والسخاء ، ومعناه : أن ~~يقبض الإنسان يده عن إعطاء الشيء لغيره ، وأن يحرص حرصا شديدا على ما يملكه ~~من مال أو علم أو غير ذلك. # ويرى جمهور المفسرين أن المراد بالبخل هنا البخل بالمال ، لأنه هو الذي ~~يتفق مع السياق. # ويرى بعضهم أن المراد بالبخل هنا البخل بالعلم وكتمانه ، وذلك لأن اليهود ~~كتموا صفات النبي صلى الله عليه وسلم التي جاءت بها التوراة. # والذي نراه أن ما عليه الجمهور هو الأرجح ، لأنه هو المتبادر من معنى ~~الآية ، وهو المتفق من سياق الكلام. PageV02P351 # ولذا قال الآلوسى : قوله تعالى ( @QUR@04 ولا يحسبن الذين يبخلون ) بيان ~~لحال البخل وسوء عاقبته ، وتخطئة لأهله في دعواهم خيريته عقب بيان حال ~~الإملاء ... # وقيل : وجه الارتباط أنه تعالى لما بالغ في التحريص على بذل الأرواح في ~~الجهاد وغيره ، شرع هنا في التحريض على بذل المال ، وبين الوعيد الشديد لمن ~~يبخل به». # والمعنى : ولا يظنن أولئك الذين يبخلون بما أعطاهم الله من نعم وأموال أن ~~بخلهم فيه خير لهم ، كلا ، بل إن بخلهم هذا فيه شر عظيم لهم. # والنهى عن الحسبان بأن البخل فيه خير في قوله ( @QUR@04 ولا يحسبن الذين ~~يبخلون ) يدل على النفي المؤكد. # أى لا يصح لهم أن يظنوا ms1047 بأية حال من الأحوال أن ذلك البخل فيه خير لهم. ~~بل الحقيقة أن فيه شرا كبيرا لهم. # وفي قوله ( @QUR@03 بما آتاهم الله ) إشعار بسوء صنيعهم ، وخبث نفوسهم ، ~~حيث بخلوا بشيء ليس وليد علمهم واجتهادهم ، وإنما هذا الشيء منحه الله ~~تعالى لهم بفضله وجوده ، فكان الأولى لهم أن يشكروه على ما أعطى ، وأن ~~يبذلوا مما أعطاهم في سبيله. # والضمير «هو» يعود على البخل المستفاد من قوله ( @QUR@01 يبخلون ). # ويرى الزمخشري أنه ضمير فصل لتأكيد نفى الظن في الخيرية. # وفي إعادة الضمير ، وذكر الجملة الاسمية في قوله ( @QUR@04 بل هو شر لهم ~~) تأكيد لمعنى الشر في البخل ، وأنه لا خير من ورائه قط ، ففي الحديث ~~الشريف الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ، واتقوا ~~الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم ، حملهم على أن سفكوا دماءهم ، واستحلوا ~~محارمهم». # ثم بين سبحانه المصير المؤلم لأولئك البخلاء فقال تعالى ( @QUR@06 ~~سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ). # وقوله ( @QUR@01 سيطوقون ) مشتق من الطوق ، وهو ما يلبس من أسفل الرقبة. ~~أى تجعل أموالهم أطواقا حول رقابهم ، وأغلالا حول أجسادهم ، فيعذبون عذابا ~~أليما بحملها. # وجمهور المفسرين على أن الكلام على ظاهره ، وأن عذاب هؤلاء البخلاء بنعم ~~الله ، سيكون نوعا من العذاب الأخروى المحسوس. وقد أيد القرطبي هذا الاتجاه فقال : # «وهذه الآية نزلت في البخل بالمال والإنفاق في سبيل الله وأداء الزكاة ~~المفروضة ، ذهب إلى PageV02P352 # هذا جماعة من المتأولين ، منهم : ابن مسعود وابن عباس وأبو وائل. # قالوا : ومعنى ( @QUR@06 سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ) هو الذي ورد ~~في الحديث عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «من آتاه الله مالا ~~فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ~~ثم يأخذ بلهزمتيه أى شدقيه ثم يقول له. أنا مالك أنا كنزك. ثم تلا هذه ~~الآية : ( @QUR@09 ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله ) (1). # ويرى ms1048 بعض العلماء أن هذا الوعيد على سبيل التمثيل ، وأن الظاهر غير مراد ~~ومعنى قوله ( @QUR@04 سيطوقون ما بخلوا به ) عند هذا البعض : سيكلفون أن ~~يأتوا بمثل ما بخلوا به من أموالهم يوم القيامة عقوبة لهم ، فلا يأتون ~~لأنهم ليس في قدرتهم ذلك. # أو المعنى : سيلزمون وبال ما بخلوا به لزوم الطوق ، ويتحملون وزر ذلك يوم ~~القيامة. # فالآية الكريمة تدعو المؤمنين إلى الجود والسخاء من أجل إعلاء كلمة الله ~~، وتتوعد البخلاء بأقسى ألوان الوعيد وأفظعها. وتبين أن كل ما في هذا الكون ~~إنما هو ملك لله تعالى وحده ، فهو المعطى وهو المانع ، ولذا قال تعالى : ( ~~@QUR@08 ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير ). # والميراث : مصدر كالميعاد. وأصله موراث فقلبت الواو ياء لانكسار ما ~~قبلها. والمراد به ما يتوارث. # والمعنى : أن لله تعالى وحده لا لأحد غيره ما في السموات والأرض مما ~~يتوارثه أهلهما من مال وغيره ، فما بال هؤلاء القوم يبخلون عليه بما يملكه ~~، ولا ينفقونه في سبيله. وعلى هذا يكون الكلام جاريا على حقيقته ولا مجاز فيه. # ويصح أن يكون المعنى : أن الله تعالى يرث من هؤلاء ما في أيديهم مما ~~بخلوا به من مال وغيره وينتقل منهم إليه حين يميتهم ويفنيهم ، وتبقى الحسرة ~~والندامة عليهم. وعلى هذا يكون الكلام على سبيل المجاز. # قال الزجاج : أى أن الله تعالى يفنى أهلهما. فيفنيان بما فيهما ، فليس ~~لأحد فيهما ملك. فخوطبوا بما يعلمون ، لأنهم يجعلون ما يرجع إلى الإنسان ~~ميراثا ، ملكا له». # وقوله ( @QUR@04 والله بما تعملون خبير ) تذييل قصد به حضهم على الإنفاق ~~، ونهيهم عن البخل، PageV02P353 # أى أن الله تعالى خبير ومطلع على ما يصدر عنكم من سخاء أو بخل أو غيرهما ~~، وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ساقت ألوانا من التسلية للنبي ~~صلى الله عليه وسلم ولأتباعه ، وبشرتهم بأن العاقبة ستكون لهم ، وفضحت ~~المنافقين وهتكت ما تستروا به من رياء وخداع ، وبينت أن من سنن الله في ~~خلقه أن يبتلى عباده بشتى ms1049 ألوان البلاء ليتميز الخبيث من الطيب ، وأنه ~~سبحانه يملى للكافرين ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر ، وأن البخلاء بما آتاهم ~~الله من فضله ستكون عاقبتهم شرا ، ومصيرهم إلى العذاب الأليم. # ثم أخذت السورة الكريمة بعد أن فضحت المنافقين في الحديث عن بعض رذائل ~~أهل الكتاب ، وفي التحذير من شرورهم ، وفي بيان طبيعة هذه الحياة وما تحمله ~~من بلاء واختبار فقال تعالى : # ( @QUR@022 لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ~~ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق (181) @QUR@09 ~~ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (182) @QUR@028 الذين قالوا ~~إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد ~~جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين (183) ~~@QUR@012 فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤ بالبينات والزبر والكتاب ~~المنير (184) @QUR@020 كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ~~فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا PageV02P354 # @QUR@03 إلا متاع الغرور (185) @QUR@024 لتبلون في أموالكم وأنفسكم ~~ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن ~~تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور (186) @QUR@021 وإذ أخذ الله ميثاق ~~الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا ~~به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون (187) @QUR@020 لا تحسبن الذين يفرحون بما ~~أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم ~~عذاب أليم ) (188) # قال ابن كثير : عن ابن عباس قال : لما نزل قوله تعالى ( @QUR@011 من ذا ~~الذي يقرض الله قرضا حسنا ، فيضاعفه له أضعافا كثيرة ) قالت اليهود : يا ~~محمد!! افتقر ربك فسأل عباده القرض ، فأنزل الله هذه الآية. # وروى محمد بن إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس قال : دخل أبو بكر الصديق بيت ~~المدارس (1). فوجد من يهود ناسا كثيرة قد اجتمعوا على رجل منهم يقال له ~~«فنحاص» وكان من علمائهم وأحبارهم ، ومعه حبر يقال له «أشيع». فقال له أبو ~~بكر : ويحك يا فنحاص اتق ms1050 الله وأسلم فو الله إنك لتعلم أن محمدا رسول من ~~عند الله ، قد جاءكم بالحق من عنده ، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة ~~والإنجيل. فقال فنحاص : والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من حاجة من فقر ، ~~وإنه إلينا لفقير ، ما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا ، وإنا عنه لأغنياء. ولو ~~كان عنا غنيا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم. ينهاكم عن الربا ويعطينا ، ~~ولو كان غنيا ما أعطانا الربا. PageV02P355 # فغضب أبو بكر وضرب وجه فنحاص ضربا شديدا ، وقال : والذي نفسي بيده لولا ~~الذي بيننا وبينك من العهد لضربت عنقك يا عدو الله ... # فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد : أبصر ما صنع بي صاحبك. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما حملك على ما صنعت يا أبا بكر؟ فقال ~~أبو بكر : يا رسول الله. إن عدو الله قال قولا عظيما. يزعم أن الله فقير ~~وأنهم عنه أغنياء. فلما قال ذلك غضبت لله مما قال فضربت وجهه. # فجحد فنحاص ذلك وقال : ما قلت ذلك. فأنزل الله فيما قال فنحاص : ( ~~@QUR@06 لقد سمع الله قول الذين قالوا ... ) (1). # والمعنى : لقد سمع الله تعالى قول أولئك اليهود الذين نطقوا بالزور ~~والفحش فزعموا أن الله تعالى فقير وهم أغنياء. # والمقصود من هذا السمع لازمه وهو العلم والإحاطة بما يقولون من قبائح ، ~~ثم محاسنهم على ما تفوهوا به من أقوال ، وما ارتكبوه من أعمال ، ومعاقبتهم ~~على جرائمهم بالعقاب المهين الذين يستحقونه. # وقوله ( @QUR@07 سنكتب ما قالوا ، وقتلهم الأنبياء بغير حق ) أى سنسجل ~~عليهم في صحائف أعمالهم قولهم هذا ، كما سنسجل عليهم قتلهم أنبياء الله ~~بغير حق ، فالإسناد مجازى والكتابة حقيقية. # أو المعنى : سنحفظه في علمنا ولا نهمله ، وسنعاقبهم بما يستحقون من ~~عقوبات ، فيكون الإسناد حقيقة والكتابة مجاز. # والسين للتأكيد ، أى لن يفوتنا أبدا تدوينه وإثباته ، بل سنسجله عليهم ~~ونعاقبهم عليه عقابا أليما بسبب أقوالهم القبيحة ، وأعمالهم المنكرة. # وقد قرن سبحانه قولهم المنكر هذا ، يفعل شنيع من أفعال أسلافهم ، وهو ~~قتلهم الأنبياء بغير ms1051 حق ؛ وذلك لإثبات أصالتهم في الشر ، واستهانتهم ~~بالحقوق الدينية ، وللتنبيه على أن قولهم هذا ليس أول جريمة ارتكبوها ، ~~ومعصية استباحوها ، فقد سبق لأسلافهم أن قتلوا الأنبياء بغير حق ، وللإشعار ~~بأن هاتين الجريمتين من نوع واحد ، وهو التجرؤ على الله تعالى ، فقتل ~~الأنبياء هو تعد على أمناء الله في الأرض الذين اختارهم لتبليغ رسالاته ، ~~وقولهم ( @QUR@02 إن الله PageV02P356 # @QUR@01 فقير ) وهو تطاول على ذات الله ، وكذب عليه ، ووصف له بما لا ~~يليق به سبحانه وبهذا كله يكونون قد عتوا عتوا كبيرا ، وضلوا ضلالا بعيدا. # وأضاف سبحانه القتل إلى المعاصرين للعهد النبوي من اليهود ، مع أنه حدث ~~من أسلافهم ؛ لأن هؤلاء المعاصرين كانوا راضين بفعل أسلافهم ولم ينكروه وإن ~~لم يكونوا قد باشروه ، ومن رضى بجريمة قد فعلها غيره فكأنما قد فعلها هو. # وفي الحديث الشريف : إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فأنكرها كمن ~~غاب عنها. ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها. # ووصف سبحانه قتلهم للأنبياء بأنه ( @QUR@02 بغير حق ) مع أن هذا الإجرام ~~لا يكون بحق أبدا ، للإشارة إلى شناعة أفعالهم ، وضخامة شرورهم ، وأنهم ~~لخبث نفوسهم ، وقسوة قلوبهم لا يبالون أكان فعلهم في موضعهم أم في غير موضعه. # ثم صرح سبحانه بالعقوبة بعد أن كنى عنها فقال : ( @QUR@04 ونقول ذوقوا ~~عذاب الحريق ) أى : سنجازيهم بما فعلوا ، ونلقى بهم في جهنم ، مخاطبين ~~إياهم بقولنا : ذوقوا عذاب تلك النار المحرقة التي كنتم بها تكذبون. # ففي الآية الكريمة إيجاز بالحذف دل عليه سياق الكلام. # والذوق حقيقته إدراك المطعومات ، والأصل فيه أن يكون في أمر مرغوب في ~~ذوقه وطلبه ، والتعبير به هنا عن ذوق العذاب هو لون من التهكم عليهم ، ~~والاستهزاء بهم كما في قوله تعالى ( @QUR@03 فبشرهم بعذاب أليم ). # ثم صرح سبحانه بأنهم هم الذين جنوا على أنفسهم بوقوعهم في العذاب المحرق ~~فقال : ( @QUR@09 ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد ). # أى : ذلك العذاب الشديد الذي حاق بكم أيها اليهود بسبب ما قدمته أيديكم ~~من عمل سىء ، وما نطقت به أفواهكم من قول منكر ، فقد ms1052 اقتضت حكمته وعدالته ~~ألا يعذب إلا من يستحق العذاب ، وأنه سبحانه لا يظلم عباده مثقال ذرة. واسم ~~الإشارة ( @QUR@01 ذلك ) يعود إلى العذاب المحقق المنزل منزلة المحسوس ~~المشاهد. والمراد بالأيدى الأنفس ، والتعبير بالأيدى عن الأنفس من قبيل ~~التعبير بالجزء عن الكل. # وخصت الأيدى بالذكر ، للدلالة على التمكن من الفعل وإرادته ، ولأن أكثر ~~الأفعال يكون عن طريق البطش بالأيدى ، ولأن نسبة الفعل إلى اليد تفيد ~~الالتصاق به والاتصال بذاته. # قال الآلوسى ما ملخصه : PageV02P357 # وقوله ( @QUR@05 وأن الله ليس بظلام للعبيد ) عطف على قوله ( @QUR@03 بما ~~قدمت أيديكم ) فهو داخل تحت حكم باء السببية ، وسببيته للعذاب من حيث إن ~~نفى الظلم يستلزم العدل المقتضى إثابة المحسن ومعاقبة المسيء ... # وصيغة المبالغة لتأكيد هذا المعنى بإبراز ما ذكر من التعذيب بغير ذنب في ~~صورة المبالغة في الظلم ... وقيل إن صيغة «ظلام» للنسب كعطار أى : لا ينسب ~~إليه الظلم أصلا» (1). # ثم ذكر سبحانه رذيلة أخرى من رذائل اليهود فقال : ( @QUR@014 الذين قالوا ~~إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار ). # وقوله ( @QUR@03 الذين قالوا إن ).. إلخ. في محل نصب بتقدير : أعنى. أو ~~في محل رفع بتقدير : هم الذين قالوا. ويجوز أن يكون في محل جر على البدلية ~~من قوله ( @QUR@05 الذين قالوا إن الله فقير ). # والمراد بالموصول جماعة من اليهود منهم كعب بن الأشرف ، وفنحاص بن ~~عازوراء ، وحي بن أخطب ... وغيرهم ، فقد ذكر جماعة من المفسرين أنهم أتوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا له هذا القول وهو : ( @QUR@04 إن الله عهد ~~إلينا )... إلخ. # والقربان هو ما يتقرب به إلى الله من نعم أو غير ذلك من القربات. # والمعنى : أن عذابنا الأليم سيصيب أولئك اليهود الذين قالوا : إن الله ~~فقير ونحن أغنياء ، والذين قالوا إن الله أمرنا في التوراة وأوصانا بأن لا ~~نصدق ونعترف لرسول يدعى الرسالة إلينا من قبل الله تعالى حتى يأتينا بقربان ~~يتقرب به إلى الله ، فتنزل نار من السماء فتأكل هذا القربان ، فإذا فعل ذلك ~~كان صادقا في رسالته. # ومقصدهم من وراء هذا القول ms1053 الذي حكاه القرآن عنهم ، أن يظهروا أمام الناس ~~بمظهر المحافظين على عهود الله. وأنهم ما تركوا الإيمان بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم حسدا له ، وإنما تركوا الإيمان به ، لأنه لم يأت بالمعجزات ~~التي أتى بها الأنبياء السابقون ، فهم معذورون إذا لم يؤمنوا به لأنه ليس ~~نبيا صادقا في زعمهم . # ولا شك أن قولهم هذا ظاهر البطلان ، لأن الإتيان بالقربان إذا كان معجزة ~~لرسول لا يستلزم أن يكون معجزة لكل رسول ، إذ أن آيات الله في إثبات رسالات ~~رسله متعددة النواحي ، مختلفة المناهج ، وكون هذا الإتيان بالقربان الذي ~~تأكله النار معجزة لبعض الرسل لا يستدعى أن يكون معجزة لجميعهم ولذا فقد ~~أمر الله تعالى رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم أن يرد PageV02P358 # عليهم بما يبطل قولهم فقال : ( @QUR@014 قل قد جاءكم رسل من قبلي ~~بالبينات وبالذي قلتم ، فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين ). # أى : قل لهم يا محمد ( @QUR@05 قد جاءكم رسل من قبلي ) كثير عددهم ~~«بالبينات» أى بالحجج الواضحة ، وبالمعجزات الساطعة الدالة على صدقهم ( ~~@QUR@02 وبالذي قلتم ) أى وجاءكم هؤلاء الرسل بالقربان الذي تأكله النار ( ~~@QUR@02 فلم قتلتموهم ) بعد أن جاءوكم بتلك المعجزات الباهرة ( @QUR@03 إن ~~كنتم صادقين ) في دعواكم أنكم تتبعون الحق ، وتطيعون الرسل متى أتوكم بما ~~يشهد بصدقهم؟. # فالجملة الكريمة ترد على هؤلاء اليهود بأبلغ الوجوه التي تثبت كذبهم فيما ~~يدعون ، لأن قتلهم للأنبياء بعد أن جاءوهم بالمعجزات الواضحة الدالة على ~~صدقهم ، دليل على أن هؤلاء اليهود قد بلغوا منتهى الجحود والظلم والعدوان ، ~~وأن دعواهم أن إيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم متوقف على مجيئه بالقربان ~~الذي تأكله النار دعوى كاذبة ، لأن من جاءهم بالقربان كان جزاؤه القتل منهم ... # قال الفخر الرازي : وقد بين الله بهذه الدلائل أنهم يطلبون هذه المعجزة ~~لا على سبيل الاسترشاد وإنما على سبيل التعنت. وذلك لأن أسلافهم طلبوا هذه ~~المعجزة من الأنبياء المتقدمين مثل : زكريا ويحيى وعيسى ، فلما أظهروا لهم ~~هذا المعجزة سعوا في قتلهم بعد أن قابلوهم بالتكذيب والمخالفة والمعاندة. ~~وذلك يدل على أن مطالبهم كانت على سبيل ms1054 التعنت ؛ إذ لو لم يكن الأمر كذلك ~~لما سعوا في قتلهم ، ومتأخرو اليهود راضون بفعل متقدميهم. وهذا يقتضى كونهم ~~متعنتين أيضا في مطالبهم. ولهذا لم يجبهم الله فيها» (1). # ( @QUR@012 فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك. جاؤ بالبينات والزبر والكتاب ~~المنير ). # والبينات : جمع بينة وهي الآيات المبينة للحق ، والأدلة التي يستشهد بها ~~الرسول على أنه صادق فيما يبلغه عن ربه. # والزبر جمع زبور كالرسول والرسل وهو الكتاب المقصور على الحكم من زبرته ~~بمعنى حسنته. # وخص الزبور بالكتاب الذي أنزله الله على داود عليه السلام : قال تعالى ( ~~@QUR@03 وآتينا داود زبورا ). # وقيل : الزبر اسم للمواعظ والزواجر من زبرته إذا زجرته. PageV02P359 # والمعنى فإن كذبك هؤلاء اليهود يا محمد بعد أن قام الدليل على صدقك وعلى ~~كذبهم وتعنتهم وجحودهم ، فلا تبتئس ولا تحزن ، فإن الأنبياء من قبلك قد ~~قوبلوا بالتكذيب من أقوالهم بعد أن جاءوهم بالدلائل الواضحة الدالة على ~~صدقهم وبعد أن جاءوهم ( @QUR@01 بالزبر ) أى بالكتب الموحى بها من الله ~~تعالى لوعظ الناس وزجرهم ، وبعد أن جاءوهم بالكتاب المنير أى بالكتاب ~~الواضح المستنير المشتمل على سعادة الناس في دنياهم وآخرتهم. # فالآية الكريمة مسوقة على سبيل التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم والتخفيف ~~عنه مما يلقاه من الجاحدين والمكذبين. # ثم بين سبحانه أن مرد الخلق جميعا إلى الله ، وأن كل نفس مهما طال عمرها ~~لا بد أن يصيبها الموت ، وأن الدار الباقية إنما هي الدار الآخرة التي ~~سيحاسب الناس فيها على أعمالهم فقال تعالى : ( @QUR@09 كل نفس ذائقة الموت ~~، وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ). # قال ابن كثير : «يخبر تعالى إخبارا عاما يعم جميع الخليقة بأن كل نفس ~~ذائقة الموت ، كقوله تعالى : ( @QUR@010 كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو ~~الجلال والإكرام ). # فهو تعالى وحده الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون ، وكذلك الملائكة ~~وحملة العرش ، وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء فيكون آخرا ~~كما كان أولا ، وهذه الآية فيها تعزية لجميع الناس ، فإنه لا يبقى أحد على ~~وجه الأرض حتى يموت ..». # وقوله ( @QUR@02 ذائقة الموت ) من الذوق وحقيقته ms1055 إدراك الطعوم ، والمراد ~~به هنا حدوث الموت لكل نفس. # وعبر عن حدوث الموت لكل نفس بذوقه ، للإشارة إلى أنه عند ذوق المذاق إما ~~مرا لما يستتبعه من عذاب ، وإما حلوا هنيئا بسبب ما يكون بعده من أجر وثواب. # وأسند ذوق الموت إلى الناس ولم يسنده إلى الشخص : لأن النفس روح ، والشخص ~~جزءان : جسم ونفس ، والنفس هي التي تبقى بعد مفارقتها للجسد ، فهي التي ~~تذوق الموت كما ذاقت الحياة الدنيا. # وقوله ( @QUR@05 وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ) أى : وإنما تعطون جزاء ~~أعمالكم وافيا تاما يوم القيامة. يوم يقوم الناس لرب العالمين ليحاسبهم على ~~أعمالهم ، فيجازى الذين أساءوا بما عملوا. ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت كيف اتصل قوله تعالى : ( @QUR@05 وإنما توفون ~~أجوركم يوم القيامة ) بما قبله؟ قلت : اتصاله به على معنى أن كلكم تموتون ، ~~ولا بد لكم من الموت PageV02P360 # ولا توفون أجوركم على طاعتكم ومعصيتكم عقيب موتكم ، وإنما توفونها يوم ~~قيامكم من القبور. # فإن قلت : فهذا يوهم نفى ما يروى من أن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة ~~من حفر النار؟ قلت : كلمة التوفية تزيل هذا الوهم ، لأن المعنى أن توفية ~~الأجور وتكميلها يكون في ذلك اليوم ، وما يكون قبل ذلك فهو بعض الأجور» (1). # وقال الفخر الرازي : «بين سبحانه أن تمام الأجر والثواب لا يصل إلى ~~المكلف إلا يوم القيامة ، لأن كل منفعة تصل إلى المكلف في الدنيا فهي مكدرة ~~بالغموم والهموم وبخوف الانقطاع والزوال ، والأجر التام والثواب الكامل ~~إنما يصل إلى المكلف يوم القيامة ، لأن هناك يحصل السرور بلا غم ، والأمن ~~بلا خوف ، واللذة بلا ألم ، والسعادة بلا خوف الانقطاع. # وكذا القول في العقاب ، فإنه لا يحصل في الدنيا ألم خالص عن شوائب اللذة ~~، بل يمتزج به راحات وتخفيفات ، وإنما الألم التام الخالص الباقي هو الذي ~~يكون يوم القيامة» (2). # ثم قال تعالى ( @QUR@08 فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ). # الزحزحة عن النار : هي التنحية عنها ، وعدم الاقتراب منها والفعل زحزح ~~مضاعف الفعل زحه عن المكان إذا ms1056 جذبه وأبعده عنه بعجلة وسرعة. # والمعنى أن كل نفس سيدركها الموت لا محالة. وأن الناس سيحاسبون على ~~أعمالهم يوم القيامة ، فمن كانت نتيجة حسابه الإبعاد عن النار ، والنجاة من ~~سعيرها ، فقد فاز فوزا عظيما ، وأدرك البغية التي ليس بعدها بغية. # والفاء في قوله ( @QUR@02 فمن زحزح ) للتفريع على قوله ( @QUR@02 توفون ~~أجوركم ). # وجمع سبحانه بين ( @QUR@05 زحزح عن النار وأدخل الجنة ) مع أن في الثاني ~~غنية عن الأول ، للإشعار بأن دخول الجنة يشتمل على نعمتين عظيمتين وهما : ~~النجاة من النار ، والتلذذ بنعيم الجنة. # وفي الحديث الشريف عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~«موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها ، اقرءوا إن شئتم ( @QUR@08 فمن ~~زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ) (3). # وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من ~~أحب أن يزحزح عن PageV02P361 # النار ويدخل الجنة ، فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ، وليأت ~~إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه» (1). # ثم ختم الآية بقوله : ( @QUR@06 وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ). # والمتاع : هو ما يتمتع به الإنسان وينتفع به مما يباع ويشترى. # والغرور بضم الغين مصدر غره أى خدعه وأطعمه بالباطل. # أى : ليست هذه الحياة الدنيا التي نعيش فيها. ونستمتع بلذاتها ومنافعها ، ~~إلا متاعا يستمتع به المغتر بها ، الذي لا يفكر في أى شيء سواها ، ثم يحاسب ~~على ذلك حسابا عسيرا يوم القيامة ، أما الذي يأخذ من متاعها بالطريقة التي ~~أمر الله تعالى بها ، فإنه يكون من السعداء في دنياهم وآخرتهم. # قال صاحب الكشاف : شبه سبحانه الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام ~~ويغر حتى يشتريه ، ثم يتبين له فساده ورداءته والشيطان هو المدلس الغرور. ~~وعن سعيد بن جبير : إنما هذا لمن آثرها على الآخرة ، فأما من طلب الآخرة ~~بها فإنها متاع بلاغ» (2). # فالآية الكريمة ترغيب للمؤمنين في الطاعة ، وتحذير للعصاة من المعصية ، ~~وتذكير للجميع بأن مرجعهم إلى الله إن عاجلا أو آجلا ، وسيلقى كل إنسان ~~جزاءه على عمله ms1057 ، وأن السعادة الحقة لمن نال رضا الله يوم يلقاه. # ثم بين سبحانه للمؤمنين أنهم سيتعرضون في المستقبل للمحن والآلام كما ~~تعرضوا لذلك في أيامهم الماضية ، وأن من الواجب عليهم أن يتقبلوا ذلك ~~بعزيمة صادقة ، وصبر جميل فقال تعالى : ( @QUR@016 لتبلون في أموالكم ~~وأنفسكم ، ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى ~~كثيرا ). # وقوله ( @QUR@01 لتبلون ) جواب قسم محذوف أى : والله لتبلون أى لتختبرن. ~~والمراد لتعاملن معاملة المختبر والممتحن ليظهر ما عندكم من الثبات على ~~الحق ، ومن التمسك بمكارم الأخلاق ، فإن المصائب محك الرجال. # وإنما أخبرهم سبحانه بما سيقع لهم من بلاء ، ليوطنوا أنفسهم على احتماله ~~عند وقوعه ، وليستعدوا لتلقيه من غير فزع أو جزع ، فإن الشدة المتوقعة يسهل ~~احتمالها ، أما الشدة التي تقع من غير توقع فإنها يصعب احتمالها. PageV02P362 # والمعنى : لتبلون أيها المؤمنون ولتختبرن ( @QUR@02 في أموالكم ) بما ~~يصيبها من الآفات ، وبما تطالبون به من إنفاق في سبيل إعلاء كلمة الله ، ~~ولتختبرن أيضا في ( @QUR@01 أنفسكم ) بسبب ما يصيبكم من جراح وآلام من قبل ~~أعدائكم ، وبسبب ما تتعرضون له من حروب ومتاعب وشدائد ، وفضلا عن ذلك فإنكم ~~( @QUR@07 لتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) وهم اليهود والنصارى ( ~~@QUR@03 ومن الذين أشركوا ) وهم كفار العرب ، لتسمعن من هؤلاء جميعا ( ~~@QUR@02 أذى كثيرا ) كالطعن في دينكم ، والاستهزاء بعقيدتكم ، والسخرية من ~~شريعتكم والاستخفاف بالتعاليم التي أتاكم بها نبيكم ، والتفنن فيما يضركم. # وقد رتب سبحانه ما يصيب المؤمنين ترتيبا تدريجيا ، فابتدأ بأدنى ألوان ~~البلاء وهو الإصابة في المال ، فإنها مع شدتها وقسوتها على الإنسان إلا ~~أنها أهون من الإصابة في النفس لأنها أغلى من المال ، ثم ختم ألوان ~~الابتلاء ببيان الدرجة العليا منه وهي التي تختص بالإصابة في الدين ، وقد ~~عبر عنها بقوله : ( @QUR@012 ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن ~~الذين أشركوا أذى كثيرا ). # وإنما كانت الإصابة في الدين أعلى أنواع البلاء ، لأن المؤمن الصادق يهون ~~عليه ماله ، وتهون عليه نفسه ، ولكنه لا يهون عليه دينه ، ويسهل عليه أن ~~يتحمل الأذى في ماله ونفسه ولكن ليس ms1058 من السهل عليه أن يؤذى في دينه ... # ولقد كان أبو بكر الصديق مشهورا بلينه ورفقه. ولكنه مع ذلك لقوة إيمانه ~~لم يحتمل من «فنحاص» اليهودي أن يصف الخالق عز وجل بأنه فقير ، فما كان من ~~الصديق إلا أن شج وجه فنحاص عند ما قال ذلك القول الباطل. # وقد جمع سبحانه بين أهل الكتاب وبين المشركين في عداوتهم وإيذائهم ~~للمؤمنين ، للإشعار بأن الكفر ملة واحدة ، وأن العالم بالكتاب والجاهل به ~~يستويان في معاداتهم للحق ، لأن العناد إذا استولى على القلوب زاد الجاهلين ~~جهلا وحمقا ، وزاد العالمين حقدا وحسدا. # ثم أرشد سبحانه المؤمنين إلى العلاج الذي يعين على التغلب على هذا البلاء ~~فقال : ( @QUR@08 وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ). # أى : وإن تصبروا على تلك الشدائد ، وتقابلوها يضبط النفس ، وقوة ~~الاحتمال. ( @QUR@01 وتتقوا ) الله في كل ما أمركم به ونهاكم عنه ، تنالوا ~~رضاه سبحانه وتنجوا من كيد أعدائكم. # والإشارة في قوله ( @QUR@05 فإن ذلك من عزم الأمور ) تعود إلى المذكور ~~ضمنا من الصبر والتقوى ، أى فإن صبركم وتقواكم من الأمور التي يجب أن يسير ~~عليها كل عاقل. لأنها تؤدى إلى النجاح والظفر. PageV02P363 # وقوله ( @QUR@05 فإن ذلك من عزم الأمور ) دليل على جواب الشرط. والتقدير ~~: وإن تصبروا وتتقوا تنالوا ثواب أهل العزم فإن ذلك من عزم الأمور. # فالآية الكريمة استئناف مسوق لإيقاظ المؤمنين ، وتنبيههم إلى سنة من سنن ~~الحياة ، وهي أن أهل الحق لا بد من أن يتعرضوا للابتلاء والامتحان ، فعليهم ~~أن يوطنوا أنفسهم على تحمل كل ذلك ، لأن ضعفاء العزيمة ليسوا أهلا لبلوغ النصر. # ولقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن قوة الإيمان وشدة البلاء متلازمان ، ~~فقد روى الترمذي عن مصعب بن سعد عن أبيه قال : قلت يا رسول الله ، أى الناس ~~أشد بلاء؟ قال : «الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل. فيبتلى الرجل على حسب دينه. ~~فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه ، وإن كان في دينه رقة ابتلى على حسب دينه ، ~~فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشى على الأرض ما عليه خطيئة». # ثم حكى ms1059 سبحانه رذيلة أخرى من رذائل أهل الكتاب فقال : ( @QUR@011 وإذ أخذ ~~الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ). # الميثاق. هو العهد الموثق المؤكد. وقد أخذ سبحانه العهد على الذين أوتو ~~الكتاب بأمرين : # أولهما : بيان ما في الكتاب من أحكام وأخبار. # وثانيهما : عدم كتمان كل شيء مما في هذا الكتاب. # والمعنى : واذكر أيها المخاطب وقت أن أخذ الله العهد المؤكد على أهل ~~الكتاب من اليهود والنصارى بأن يبينوا جميع ما في الكتاب من أحكام وأخبار ~~وبشارات بالنبي صلى الله عليه وسلم وألا يكتموا شيئا من ذلك ، لأن كتمانهم ~~للحق سيؤدي إلى سوء عاقبتهم في الدنيا والآخرة. # والضمير في قوله «لتبيننه» يعود إلى الكتاب المشتمل على الأخبار والشرائع ~~والأحكام والبشارات الخاصة بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم . # أى لتبينن ما في هذا الكتاب الذي بين أيديكم من أحكام وشرائع وأخبار ~~وبشارات. وقيل الضمير يعود إلى الميثاق ، ويكون المراد من العهد الذي وثقه ~~الله عليهم هو تعاليمه وشرعه ونوره. # وقوله ( @QUR@02 ولا تكتمونه ) عطف على «لتبيننه» وإنما لم يؤكد بالنون ~~لكونه منفيا. وجمع سبحانه بين أمرهم المؤكد بالبيان وبين نهيهم عن الكتمان ~~مبالغة في إيجاب ما أمروا به حتى لا يقصروا في إظهار ما في الكتاب من حقائق ~~وحتى لا يلجئوا إلى كتمان هذه الحقائق أو تحريفها. PageV02P364 # ولكن أهل الكتاب ولا سيما العلماء منهم نقضوا عهودهم مع الله تعالى ، وقد ~~حكى سبحانه ذلك في قوله ( @QUR@010 فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا ~~قليلا فبئس ما يشترون ). # النبذ : الطرح والترك والإهمال. # أى أن أهل الكتاب الذين أخذ الله عليهم العهود الموثقة بأن يبينوا ما في ~~الكتاب ولا يكتموا شيئا منه ، لم يكونوا أوفياء بعهودهم ، بل إنهم نبذوا ما ~~عاهدهم الله عليه ، وطرحوه وراء ظهورهم باستهانة وعدم اعتداد. وأخذوا في ~~مقابل هذا النبذ والطرح والإهمال شيئا حقيرا من متاع الدنيا وحطامها ، فبئس ~~الفعل فعلهم. # والتعبير عنهم بقوله ( @QUR@03 فنبذوه وراء ظهورهم ) كناية عن استهانتهم ~~بالمنبوذ ، وإعراضهم عنه بالكلية ، وإهمالهم له إهمالا تاما ، لأن من شأن ~~الشيء المنبوذ ms1060 أن يهمل ويترك ، كما أن من شأن الشيء الذي هو محل اهتمام أن ~~يحرس ويجعل نصب العين. # والضمير في قوله ( @QUR@01 فنبذوه ) يعود على الميثاق باعتبار أنه موضع ~~الحديث ابتداء. # ويصح أن يعود إلى الكتاب ، لأن الميثاق هو الشرائع والأحكام ، والكتاب ~~وعاؤها ، فنبذ الكتاب نبذ للعهد. # والمراد «بالثمن القليل» ما أخذوه من أموال ومتاع دنيوى من غيرهم في ~~مقابل عدم بيانهم لما في الكتاب من حقائق ، وكتمانهم لذلك إرضاء للشهوات ~~وللأهواء الباطلة. # وليس وصف الثمن بالقلة من الأوصاف المخصصة للنكرات ، بل هو من الأوصاف ~~اللازمة للثمن المحصل في مقابل نبذهم لكتاب الله وعهوده ، إذ لا يكون هذا ~~الثمن المحصل إلا قليلا وإن بلغ ما بلغ من أعراض الدنيا بجانب رضا الله ~~تعالى . # قوله ( @QUR@03 فبئس ما يشترون ) أى بئس شيئا يشترونه ذلك الثمن. # فما نكرة منصوبة مفسرة لفاعلي بئس ، وجملة يشترونه صفته ، والمخصوص بالذم محذوف. # وقيل «ما» مصدرية فاعلى بئس ، والمخصوص بالذم محذوف ، أى بئس شراؤهم هذا ~~الشراء لاستحقاقهم به العذاب الأليم. # وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة ، وجوب إظهار الحق ، وتحريم ~~كتمانه. # ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : وكفى به دليلا ~~على أنه مأخوذ على العلماء أن يبينوا الحق للناس ، وألا يكتموا منه شيئا ~~لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة ، PageV02P365 # وتطييب لنفوسهم ، واستجلاب لمسارهم ، أو لجر منفعة وحطام دنيا ، أو لتقية ~~، أو لبخل بالعلم وغيره من أن ينسب إلى غيرهم ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال : «من كتم علماء عن أهله ألجم بلجام من نار» وعن على رضى الله عنه ~~، قال : «ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى خذ على أهل العلم أن ~~يعلموا» (1). # وقال ابن كثير عند تفسيره للآية الكريمة : هذا توبيخ من الله وتهديد لأهل ~~الكتاب الذين أخذ الله عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم ، وأن ينوهوا بذكره في الناس فيكونوا على أهبة من أمره ، ~~فإذا أرسله الله تابعوه ، فكتموا ذلك وتعوضوا عما وعدوا ms1061 عليه من الخير في ~~الدنيا والآخرة بالدون الطفيف ، والحظ الدنيوي السخيف ، فبئس الصفقة صفقتهم ~~، وبئست البيعة بيعتهم ، وفي هذا تحذير للعلماء من أن يسلكوا مسلكهم ~~فيصيبهم ما أصابهم ويسلك بهم مسلكهم ، فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم ~~من العلم النافع ، ولا يكتموا منه شيئا» (2). # ثم حكى سبحانه رذيلة أخرى من رذائل أهل الكتاب المتعددة ، وهي أنهم يحبون ~~أن يحمدوا بما لم يفعلوا ، ويفرحون بما أتوا ، وبين سوء عاقبتهم بسبب تلك ~~الأخلاق القبيحة فقال : ( @QUR@020 لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ، ~~ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ، فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب ~~أليم ). # والخطاب في قوله ( @QUR@02 لا تحسبن ) موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو ~~لكل من يصلح له الخطاب. # والنهى موجه إلى حسبان أن يكون في هؤلاء الأشرار خير. # أى أن الله تعالى ، ينهى نبيه صلى الله عليه وسلم ، نهيا مؤكدا عن أن يظن ~~خيرا في هؤلاء الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا. # و «المفازة» مصدر ميمى بمعنى الفوز. وقيل هي اسم مكان أى محل فوز ونجاة. # والمعنى : لا تظن يا محمد أن هؤلاء الأشرار ( @QUR@04 الذين يفرحون بما ~~أتوا ) أى يفرحون بما فعلوا من بيعهم الدين بالدنيا واستبدالهم الذي هو ~~أدنى بالذي هو خير ، والذين ( @QUR@06 يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ) أى ~~يحبون أن يمدحهم الناس على ما لم يفعلوه من الوفاء بالعهود ، ومن إظهار ~~الحق وعدم كتمانه ، فإنهم فعلوا الشرور والآثام. ثم لم يحاولوا أن يستروا ~~ما اقترفوه من آثام ، بل PageV02P366 # يطلبون من الناس أن يمدحوهم على ما ارتكبوه من منكرات ، فهم ممن قال الله ~~فيهم ( @QUR@07 أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا ). # لا تحسبن هؤلاء الأشرار ( @QUR@03 بمفازة من العذاب ) أى بمنجاة منه ، بل ~~لهم عذاب مؤلم أشد الإيلام بسبب ما اجترحوه من سيئات. # وقوله ( @QUR@02 الذين يفرحون ) هو المفعول الأول لتحسب ، والمفعول ~~الثاني محذوف والتقدير : لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا ~~بما لم يفعلوا موفقين. أو مهتدين ، أو صالحين. # وحذف ms1062 هذا المفعول الثاني لدلالة ما بعده عليه وهو قوله ( @QUR@03 فلا ~~تحسبنهم بمفازة ) ولتذهب النفس كل مذهب فيما يتناسب مع الوصف الذي وصفهم به ~~سبحانه ، وهو أنهم يفعلون القبيح ويحبون أن يحمدهم الناس عليه. # وقوله ( @QUR@05 فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ) بيان لسوء عاقبتهم بسبب ~~أفعالهم السيئة وهو تأكيد لقوله ( @QUR@02 لا تحسبن ). # قال الزجاج : جرت عادة العرب أنهم إذا طالت القصة أو الكلام أعادوا لفظ ~~حسب وما أشبهه ، للإعلام بأن الذي جرى متصل بالكلام الأول والأول متصل به. ~~فتقول. لا تظن زيدا إذا جاءك وكلمك بكذا وكذا فلا تظنه صادقا. فيفيد «لا ~~تظنن» توكيدا وتوضيحا (1). # والتعبير عن النجاة من العذاب الأليم بقوله تعالى ( @QUR@01 بمفازة ) ~~للإشعار بأن أقصى ما يكون لهم من فوز أن ينجوا من العذاب الأليم ، ولكنهم ~~لن ينجوا منه أبدا ، ولذا أكد سبحانه عدم نجاتهم بقوله ( @QUR@03 ولهم عذاب ~~أليم ). # فذكر سبحانه عذابهم الأليم بالسلب والإيجاب ، فنفى أولا أنهم بمنجاة منه ~~، وأخبر ثانيا أنهم واقعون فيه. # هذا ، وقد ذكر كثير من العلماء أن هذه الآية الكريم نزلت في شأن أحبار ~~اليهود فقد روى الشيخان والترمذي والنسائي وغيرهم عن حميد بن عبد الرحمن ~~ابن عوف أن مروان قال لبوابه رافع : اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقال له لئن ~~كان كل امرئ منا فرح بما أوتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل لنعذ بن جميعا. # فقال ابن عباس : ما لكم وهذه ، وإنما نزلت هذه في أهل الكتاب ثم تلا ابن ~~عباس : ( @QUR@01 وإذ PageV02P367 # @QUR@06 أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ) إلى قوله ( @QUR@03 ولهم ~~عذاب أليم ) وقال ابن عباس : «سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه ~~إياه وأخبروه بغيره ، ثم خرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه ، ~~واستحمدوا بذلك إليه ، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه». # وذكر بعض العلماء أن هذه الآية نزلت في شأن المنافقين ، فقد روى البخاري ~~عن أبى سعيد الخدري أن رجالا من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى الغزو ms1063 تخلفوا عنه ، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم . فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغزو ، اعتذروا ~~إليه وحلفوا وأحبو أن يحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت ، ( @QUR@04 لا تحسبن ~~الذين يفرحون ) (1). # قال العلماء : ولا منافاة بين الروايتين ، لأن الآية عامة في جميع ما ~~ذكر. وبذلك نرى أن الآيات الكريمة قد حدثتنا عن جملة من رذائل أهل الكتاب ، ~~فقد حكت قولهم ( @QUR@05 إن الله فقير ونحن أغنياء ) وحكت قولهم ( @QUR@08 ~~ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار ) ووصفتهم بكتمان الحق ونبذه ~~وراء ظهورهم ، كما وصفتهم بأنهم يفرحون بما أتوا وييحبون أن يحمدوا بما لم ~~يفعلوا ، وردت على أكاذيبهم بما يدحضها وأنذرتهم بسوء مصيرهم ، وساقت ~~للمؤمنين من ألوان التسلية ما يخفف عنهم مصابهم ، ويجعلهم يسيرون في هذه ~~الحياة بعزم ثابت ، وهمة عالية ، ونفس مطمئنة. # ثم ختم سبحانه سورة آل عمران بالحديث عن مظاهر قدرته ، وأدلة وحدانيته ، ~~وبشر أصحاب العقول السليمة الذين يعتبرون ويتعظون ويتفكرون ويكثرون من ذكره ~~برضوانه وجنته ، وأمر عباده بألا يغتروا بما عليه الكافرون من سلطان وجاه ~~فإنه سبحانه قد جعل العاقبة للمتقين ، كما أمرهم بالصبر والمصابرة ~~والمرابطة ومداومة خشيته فقال تعالى : # ( @QUR@09 ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قدير (189) ~~@QUR@011 إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي ~~الألباب (190) @QUR@012 الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ~~ويتفكرون في خلق السماوات والأرض PageV02P368 # @QUR@09 ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار (191) @QUR@011 ~~ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار (192) @QUR@020 ~~ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ~~ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار (193) @QUR@014 ربنا وآتنا ما ~~وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد (194) @QUR@043 ~~فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض ~~فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن ~~عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله ms1064 ~~والله عنده حسن الثواب (195) @QUR@07 لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد ~~(196) @QUR@07 متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد (197) @QUR@021 لكن ~~الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند ~~الله وما عند الله خير للأبرار (198) @QUR@028 وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن ~~بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا ~~قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله PageV02P369 # @QUR@02 سريع الحساب (199) @QUR@011 يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ~~ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ) (200) # قوله تعالى ( @QUR@09 ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قدير ) ~~أى له وحده سبحانه ملك السموات والأرض بما فيهما ، فهو وحده صاحب السلطان ~~القاهر في هذا العالم يتصرف فيه كيفما يشاء ويختار : إيجادا وإعداما ، ~~وإحياء وإماتة ، وتعذيبا وإثابة ، وهو سبحانه على كل شيء قدير ، لا يعجزه ~~أمر ، ولا يدفع عقابه دافع ، ولا يمنع عقابه مانع ، فعليكم أيها الناس أن ~~تطيعوه وأن تحذروا غضبه ونقمته. # وبعد أن بين سبحانه أن ملك السموات والأرض بقبضته ، أشار سبحانه إلى ما ~~فيهما من عبر وعظات فقال : ( @QUR@011 إن في خلق السماوات والأرض ، واختلاف ~~الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ). # أى : إن في إيجاد السموات والأرض على هذا النحو البديع ، وما فيهما من ~~الآيات المشاهدة العظيمة من كواكب وبحار وزروع وأشجار ... وفي إيجاد الليل ~~والنهار على تلك الحالة المتعاقبة ، وفي اختلافهما طولا وقصرا .. وفي كل ~~ذلك لأمارات واضحة ، وأدلة ساطعة ، لأصحاب العقول السليمة على وحدانية الله ~~تعالى وعظيم قدرته ، وباهر حكمته. # وصدرت الجملة الكريمة بحرف «إن» للاهتمام بالخبر ، وللاعتناء بتحقيق ~~مضمون الجملة. # أى إن في إيجاد السموات والأرض وإنشائهما على ما هما عليه من العجائب ، ~~وما اشتملتا عليه من البدائع ، وفي اختلاف الليل والنهار ... إن في كل ذلك ~~من العبر والعظات ما يحمل كل عاقل على الاعتراف بوحدانية الله ، وكمال ~~قدرته وحكمته. # والمراد بأولى الألباب : أصحاب العقول السليمة ، والأفكار المستقيمة ، ~~لأن لب الشيء هو خلاصته وصفوته. # ولقد قال الزمخشري في صفة أولى الألباب : «هم الذين يفتحون ms1065 بصائرهم للنظر ~~والاستدلال والاعتبار ، ولا ينظرون إليها نظر البهائم غافلين عما فيها من ~~عجائب الفطرة. وفي الحكم : املأ عينيك من زينة هذه الكواكب ، وأجلهما في ~~جملة هذه العجائب متفكرا في قدرة مقدرها ، متدبرا في حكمة مدبرها قبل أن ~~يسافر بك القدر ، ويحال بينك وبين النظر» (1). PageV02P370 # هذا ، وقد أورد المفسرون كثيرا من الآثار في فضل هذه الآيات العشر التي ~~اختتمت بها سورة آل عمران ، ومن ذلك قول ابن كثير رحمه الله : # وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ هذه الآيات العشر من آخر ~~آل عمران إذا قام من الليل لتهجده فقد روى البخاري رحمه الله عن ابن عباس ~~رضى الله عنهما قال : بت عند خالتي ميمونة ، فتحدث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة ثم رقد : فلما كان ثلث الليل الآخر قعد فنظر ~~إلى السماء فقال : ( @QUR@05 إن في خلق السماوات والأرض )... الآيات. ثم ~~قام فتوضأ واستن ، ثم صلى إحدى عشرة ركعة. ثم أذن بلال فصلى ركعتين ثم خرج ~~فصلى بالناس الصبح. # وروى مسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خرج ذات ليلة بعد ما مضى شطر من الليل فنظر إلى السماء وتلا هذه الآية ( ~~@QUR@05 إن في خلق السماوات والأرض ) إلى آخر السورة. # ثم قال : «اللهم اجعل في قلبي نورا ، وفي سمعي نورا ، وفي بصرى نورا ، ~~وعن يميني نورا ، وعن شمالي نورا ، ومن بين يدي نورا ، ومن خلفي نورا ، ومن ~~فوقى نورا ، ومن تحتي نورا. وأعظم لي نورا يوم القيامة». # وروى ابن مردويه عن عطاء قال : انطلقت أنا وابن عمر وعبيد بن عمير إلى ~~عائشة رضى الله عنها فدخلنا عليها وبيننا وبينها حجاب فقال لها ابن عمر : ~~أخبرينا بأعجب ما رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فبكت وقالت : كل ~~أمره كان عجبا!! أتانى في ليلتي حتى مس جلده جلدي ثم قال : يا عائشة : ~~ذريني أتعبد لربي عز وجل قالت : فقلت والله إنى لأحب قربك وإنى أحب أن ms1066 تعبد ربك. # فقام إلى القربة فتوضأ ولم يكثر صب الماء ، ثم قام يصلى فبكى حتى بل ~~لحيته ، ثم سجد فبكى حتى بل الأرض ، ثم اضطجع على جنبه فبكى. حتى إذا أتى ~~بلال يؤذنه بصلاة الصبح قالت : فقال : يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله ~~لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال : # ويحك يا بلال!! وما يمنعني أن أبكى وقد أنزل الله على هذه الليلة : ( ~~@QUR@05 إن في خلق السماوات والأرض ) إلخ الآيات. # ثم قال : ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها» (1). # ثم وصف سبحانه أولى الألباب بصفات كريمة فقال : ( @QUR@07 الذين يذكرون ~~الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ). PageV02P371 # فقوله ( @QUR@02 الذين يذكرون ) إلخ. في موضع جر على أنه نعت لأولى ~~الألباب. ويجوز أن يكون في موضع رفع أو نصب على المدح. # أى : ( @QUR@08 إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ) لآيات ~~واضحات على وحدانية الله وقدرته ، لأصحاب العقول السليمة ، الذين من صفاتهم ~~أنهم ( @QUR@02 يذكرون الله ) أى يستحضرون عظمته في قلوبهم ، ويكثرون من ~~تسبيحه وتمجيده بألسنتهم ، ويداومون على ذلك في جميع أحوالهم. فهم يذكرونه ~~قائمين ، ويذكرونه قاعدين. ويذكرونه وهم على جنوبهم فالمراد بقوله ( ~~@QUR@04 قياما وقعودا وعلى جنوبهم ) أن ذكرهم لله تعالى بقلوبهم وألسنتهم ~~يستغرق عامة أحوالهم». # وقوله ( @QUR@02 قياما وقعودا ) منصوبان على الحالية من ضمير الفاعلي في ~~قوله : ( @QUR@01 يذكرون ). # وقوله ( @QUR@02 وعلى جنوبهم ) متعلق بمحذوف معطوف على الحال أى : ~~وكائنين على جنوبهم أى مضطجعين. # ثم وصفهم سبحانه وتعالى بوصف آخر فقال : ( @QUR@05 ويتفكرون في خلق ~~السماوات والأرض ). أى أن من صفات هؤلاء العباد أصحاب العقول السليمة أنهم ~~يكثرون من ذكر الله تعالى ، ولا يكتفون بذلك ، بل يضيفون إلى هذا الذكر ~~التدبر والتفكر في هذا الكون وما فيه من جمال الصنعة ، وبديع المخلوقات ، ~~ليصلوا من وراء ذلك إلى الإيمان العميق ، والإذعان التام ، والاعتراف ~~الكامل بوحدانية الله. وعظيم قدرته ... # فإن من شأن الأخيار من الناس أنهم يتفكرون في مخلوقات الله وما فيها من ~~عجائب المصنوعات ، وغرائب المبتدعات ، ليدلهم ذلك على كمال قدرة الصانع ~~سبحانه ، فيعلموا أن لهذا الكون قادرا ms1067 مدبرا حكيما ، لأن عظم آثاره وأفعاله ~~، تدل على عظم خالقها. # ولقد ذكر العلماء كثيرا من الأقوال التي تحض على التفكير السليم ، وعلى ~~التدبر في عجائب صنع الله ، ومن ذلك قول سليمان الداراني : «إنى أخرج من ~~بيتي فما يقع بصرى على شيء إلا رأيت لله على فيه نعمة ، ولى فيه عبرة» ، ~~وقال الحسن البصري : «تفكر ساعة خير من قيام ليلة». # وقال الفخر الرازي : دلائل التوحيد محصورة في قسمين : دلائل الآفاق ، ~~ودلائل الأنفس. ولا شك أن دلائل الآفاق أجل وأعظم ، كما قال تعالى : ( ~~@QUR@07 لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ). # ولما كان الأمر كذلك لا جرم أنه أمر في هذه الآية بالفكر في خلق السموات ~~والأرض ، لأن PageV02P372 # دلالتها أعجب. وشواهدها أعظم» (1). # وقد وبخ سبحانه الذين يرون العبر فلا يعتبرون ، وتمر أمامهم العظات فلا ~~يتعظون ولا يتفكرون فقال تعالى : ( @QUR@018 وكأين من آية في السماوات ~~والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون. وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ). # ثم حكى سبحانه ثمرات ذكرهم لله وتفكرهم في خلقه فقال : ( @QUR@09 ربنا ما ~~خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ). # أى أنهم بعد أن أذعنت قلوبهم للحق ، ونطقت ألسنتهم بالقول الحسن ، وتفكرت ~~عقولهم في بدائع صنع الله تفكيرا سليما ، استشعروا عظمة الله استشعارا ملك ~~عليهم جوارحهم ، فرفعوا أكف الضراعة إلى الله بقولهم : # يا ربنا إنك ما خلقت هذا الخلق البديع العظيم الشأن عبثا ، أو عاريا عن ~~الحكمة. أو خاليا من المصلحة ، ( @QUR@01 سبحانك ) أى ننزهك تنزيها تاما عن ~~كل مالا يليق بك ( @QUR@03 فقنا عذاب النار ) أى فوفقنا للعمل بما يرضيك ، ~~وأبعدنا عن عذاب النار. # وقوله ( @QUR@05 ربنا ما خلقت هذا باطلا ) إلخ جملة واقعة موقع الحال على ~~تقدير قوله أى يتفكرون قائلين ربنا. لأن هذا الكلام أريد به حكاية قولهم ~~بدليل ما بعده من الدعاء. # وقوله : باطلا صفة لمصدر محذوف أى خلقا باطلا ، أو حال من المفعول ~~والمعنى يا ربنا ما خلقت هذا المخلوق العظيم الشأن عاريا عن الحكمة ، خاليا ~~من المصلحة ، بل خلقته مشتملا على حكم جليلة ، منتظما ms1068 لمصالح عظيمة. # وكان نداؤهم لخالقهم عز وجل بلفظ ( @QUR@01 ربنا ) اعترافا منهم بأنه هو ~~مربيهم وخالقهم فمن حقه عليهم أن يفردوه بالعبادة والخضوع. # وسبحان اسم مصدر بمعنى التسبيح أى التنزيه ، وهو مفعول بفعل مضمر لا يكاد ~~يستعمل معه أى ، تنزهت ذاتك وتقدست عن كل ما لا يليق ، وجيء بفاء التعقيب ~~في حكاية قولهم ( @QUR@03 فقنا عذاب النار ) لأنه ترتب على اعتقادهم بأنه ~~سبحانه لم يخلق هذا عبثا أن هناك ثوابا وعقابا ، فسألوا الله تعالى أن ~~يجعلهم من أهل الجنة لا من أهل النار. # وقوله تعالى حكاية عنهم ( @QUR@07 ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ) ~~في مقام التعليل لضراعتهم بأن يبعدهم عن النار. # أى : أبعدنا يا ربنا عن عذاب النار ، فإنك من تدخله النار تكون قد أخزيته ~~أى أهنته وفضحته على رءوس الأشهاد. PageV02P373 # والخزي : مصدر خزي يخزى بمعنى ذل وهان بمرأى من الناس. وفي هذا التعليل ~~مبالغة في تعظيم أمر العقاب بالنار ، وإلحاح في طلب النجاة منها ، لأن من ~~سأل ربه حاجة ، إذا شرح عظمها وقوتها ، كان رجاؤه في القبول أشد ، وإخلاصه ~~أتم ، وشعوره بالعطاء أقوى. # وقوله ( @QUR@04 وما للظالمين من أنصار ) أى ليس لهم ناصر ينصرهم من عقاب ~~الله تعالى أو يخلصهم مما وقعوا فيه من بلاء. # و «من» للدلالة على استغراق النفي ، أى لا ناصر لهم أيا كان هذا الناصر ، ~~وفي ذلك إشارة إلى انفراد الله تعالى بالسلطان ونفاذ الإرادة. # ثم حكى سبحانه لونا آخر من ألوان ضراعتهم يدل على قوة إيمانهم فقال تعالى ~~( @QUR@010 ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا )... # أى أنهم يقولون على سبيل الضراعة والخضوع لله رب العالمين : يا ربنا إننا ~~سمعنا مناديا ينادى أى داعيا يدعو إلى الإيمان وهو محمد صلى الله عليه وسلم ، ~~فاستجبنا لدعوته ، وآمنا بما دعانا إليه بدون تردد أو تسويف. # وفي وصفه صلى الله عليه وسلم بالمنادي ، دلالة على كمال اعتنائه بشأن دعوته ~~التي يدعو إليها ، وأنه حريص على تبليغها للناس تبليغا تاما. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : فأى فائدة في ms1069 الجميع بين «المنادى» و ( ~~@QUR@01 ينادي )؟ قلت : ذكر النداء مطلقا ، ثم مقيدا بالإيمان ، تفخيما ~~لشأن المنادى ؛ لأنه لا منادى أعظم من مناد ينادى للإيمان. ونحوه قولك : ~~مررت بهاد يهدى للإسلام. وذلك أن المنادى إذا أطلق ذهب الوهم إلى مناد ~~للحرب ، أو لإغاثة المكروب ، أو لكفاية بعض النوازل ، أو لبعض المنافع. ~~وكذلك الهادي قد يطلق على من يهدى للطريق ويهدى لسداد الرأى وغير ذلك. # فإذا قلت : ينادى للإيمان. ويهدى للإسلام ، فقد رفعت من شأن المنادى ~~والهادي وفخمته (1). # و «أن» في قوله ( @QUR@02 أن آمنوا ) تفسيرية لما في فعل ( @QUR@01 ينادي ~~) من معنى القول دون حروفه ، وجيء بفاء التعقيب في قوله تعالى حكاية عنهم ( ~~@QUR@01 فآمنا )؛ للدلالة على المبادرة والسبق ، إلى الإيمان ، وأنهم قد ~~أقبلوا على الداعي إلى الله بسرعة وامتثال ، وفي ذلك دلالة على سلامة ~~فطرتهم ، وبعدهم عن المكابرة والعناد. PageV02P374 # ثم حكى سبحانه مطلبهم فقال : ( @QUR@010 ربنا فاغفر لنا ذنوبنا ، وكفر ~~عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ). # أى نسألك يا ربنا بعد أن آمنا بنبيك ، واستجبنا للحق الذي جاء به ، أن ~~تغفر لنا ذنوبنا بأن تسترها وتعفو عنها ، وأن تكفر عنا سيئاتنا بأن تزيلها ~~وتمحوها وتحولها إلى حسنات أو بأن تحشرنا مع الأبرار أى مع عبادك الصالحين ~~المستقيمين الأخيار. إذ الأبرار جمع بار وهو الشخص الكثير الطاعة لخالقه ~~تعالى . # فأنت تراهم قد طلبوا من خالقهم ثلاثة أمور ، غفران الذنوب ، وتكفير ~~السيئات ، والوفاة مع الأبرار الأخيار ، وهي مطالب تدل على قوة إيمانهم ، ~~وصفاء نفوسهم ، وزهدهم في متع الحياة الدنيا. # وقد جمعوا في طلبهم بين غفران الذنوب وتكفير السيئات ، لأن السيئة عصيان ~~فيه إساءة ، والذنب عصيان فيه تقصير وتباطؤ عن فعل الخير ، والغفران ~~والتكفير كلاهما فيه معنى الستر والتغطية ، إلا أن الغفران يتضمن معنى عدم ~~العقاب ، والتكفير يتضمن ذهاب أثر السيئة. # ومعنى وفاتهم مع الأبرار : أن يموتوا على حالة البر والطاعة وأن تلازمهم ~~تلك الحالة إلى الممات ، وألا يحصل منهم ارتداد على أدبارهم ، بل يستمروا ~~على الطاعة استمرارا تاما. # وبذلك يكونون في صحبة الأبرار وفي جملتهم. # ثم حكى القرآن ms1070 أنهم ترقوا فانتقلوا من طلب الغفران إلى طلب الثواب الجزيل ~~، والعطاء الحسن فقال تعالى حكاية عنهم ( @QUR@014 ربنا وآتنا ما وعدتنا ~~على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة ، إنك لا تخلف الميعاد ). # أى نسألك يا ربنا أن تعطينا وتمنحنا بعد وفاتنا ، وحين قيامنا من قبورنا ~~يوم القيامة ، ما وعدتنا به من ثواب في مقابل تصديقنا لرسلك ، وطاعتنا لهم ~~، واستجابتنا لأوامرهم ونواهيهم ( @QUR@04 ولا تخزنا يوم القيامة ) أى ولا ~~تذلنا ولا تفضحنا يوم المحشر على رءوس الأشهاد ( @QUR@04 إنك لا تخلف ~~الميعاد ) أى إنك سبحانك لا تخلف وعدك الذي وعدته لعبادك الصالحين. # فهم قد جعلوا هذا الدعاء وهو طلب الثواب الجزيل يوم القيامة ، ختاما ~~لدعواتهم ، لشعورهم بهفواتهم وبتقصيرهم أمام فضل الله ونعمه. # والمراد بقولهم ( @QUR@02 ما وعدتنا ) الثواب والعطاء الكائن منه سبحانه ~~و «ما» موصولة أى آتنا الذي وعدتنا به أو وعدتنا إياه. # وقوله ( @QUR@02 على رسلك ) فيه مضاف محذوف أى آتنا ما وعدتنا على ألسنة ~~رسلك من ثواب. PageV02P375 # أو آتنا ما وعدتنا على تصديق رسلك والإيمان بهم من جزاء حسن. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف دعوا الله بإنجاز ما وعد والله لا يخلف ~~الميعاد؟ # قلت : معناه طلب التوفيق فيما يحفظ عليهم أسباب إنجاز الميعاد ، أو هو من ~~باب الملجأ إلى الله والخضوع له ، كما كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، ~~«يستغفرون مع علمهم بأنهم مغفور لهم ، يقصدون بذلك التذلل لربهم ، والتضرع ~~إليه ، والملجأ الذي هو سيما العبودية» (1). # تلك هي الدعوات الخاشعات التي حكاها سبحانه عن أصحاب العقول السليمة ، ~~وهم ينضرعون بها إلى خالقهم عز وجل فما ذا كانت نتيجتها؟ # لقد كانت نتيجة دعواتهم ، أن أجاب الله لهم سؤالهم وحقق لهم مطلوبهم فقال ~~تعالى ( @QUR@016 فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو ~~أنثى بعضكم من بعض )!!. # قال الحسن البصري : «ما زالوا يقولون ربنا حتى استجاب لهم». # وقال جعفر الصادق : «من حزبه أمر فقال خمس مرات ( @QUR@01 ربنا ) أنجاه ~~الله مما يخاف ، وأعطاه ما أراد ، قيل : وكيف ذلك؟ قال : اقرءوا إن شئتم ~~قوله تعالى ( @QUR@04 الذين ms1071 يذكرون الله قياما )... إلخ فإن هؤلاء الأخيار ~~قد نادوا ربهم خمس مرات فأجاب الله لهم دعاءهم. # ودلت الفاء في قوله ( @QUR@01 فاستجاب ) على سرعة الإجابة ، لأن الفاء ~~للتعقيب ، فهم لأنهم دعوا الله بقلب سليم ، أجاب الله لهم دعاءهم بدون إبطاء. # واستجاب هنا بمعنى أجاب عند جمهور العلماء ، إذ السين والتاء للتأكيد ، ~~مثل استوقد واستخلص. # وقال بعضهم : إن استجاب أخص من أجاب ، لأن استجاب يقال لمن قبل ما دعى ~~إليه ، وأجاب أعم فيقال لمن أجاب بالقبول وبالرد. # والمعنى : أن الله تعالى قد بشر هؤلاء الأخيار برضاه عنهم ، بأن أخبرهم ~~بأنه قد أجاب لهم دعاءهم ، وأنه سبحانه لا يضيع عمل عامل منهم ، بل ~~سيجازيهم بالجزاء الأوفى ، وسيمنحهم من الثواب. فوق ما عملوا لأنه هو ~~الكريم الوهاب ، ولن يفرق في عطائه بين ذكر وأنثى ، لأن الذكر من الأنثى ~~والأنثى من الذكر وقد خلقهم جميعا من نفس واحدة. # وفي التعبير باللفظ السامي ( @QUR@01 ربهم ) إشارة إلى أن الذي سيجزيهم ~~هو خالقهم ومربيهم والمنعم عليهم ، والرحيم بهم. PageV02P376 # ومعنى ( @QUR@05 لا أضيع عمل عامل منكم ) لا أزيل ثواب عمل أى عامل منكم ~~، بل أكافئه عليه بما يستحقه ، وأعطيه من ثوابي ورحمتي ما يشرح صدره ، ~~ويدخل البهجة والسرور على نفسه. # وقوله ( @QUR@04 من ذكر أو أنثى ) بيان لعامل ، وتأكيد عمومه ، أى لا ~~أضيع عمل أى شخص عامل سواء أكان هذا العامل ذكرا أم أنثى. # ومعنى ( @QUR@03 بعضكم من بعض ) أن الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر ، ~~كلكم بنو آدم وهذه جملة معترضة مبينة لسبب شركة النساء مع الرجال فيما وعد ~~الله به عباده من أجر جزاء أعمالهم الصالحة. # روى الترمذي عن أم سلمة قالت : يا رسول الله ، لا أسمع الله تعالى ذكر ~~النساء في الهجرة ، فأنزل الله تعالى ( @QUR@016 فاستجاب لهم ربهم أني لا ~~أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض ). # ثم بين سبحانه الأعمال الصالحة التي استحق بها هؤلاء الأبرار حسن الثواب ~~منه سبحانه فقال : ( @QUR@013 فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم ، وأوذوا في ~~سبيلي ، وقاتلوا وقتلوا ، لأكفرن عنهم سيئاتهم ms1072 ). # أى : فالذين هاجروا بأن تركوا أوطانهم التي أحبوها إلى أماكن أخرى من أجل ~~إعلاء كلمة الله ، وأخرجوا من ديارهم ، فرارا بدينهم من ظلم الظالمين ، ~~واعتداء المعتدين ، ( @QUR@03 وأوذوا في سبيلي ) أى تحملوا الأذى والاضطهاد ~~في سبيل الحق الذي آمنوا به ( @QUR@01 وقاتلوا ) أعداء الله ( @QUR@01 ~~وقتلوا ) وهم يجاهدون من أجل إحقاق الحق وإبطال الباطل. # هؤلاء الذين فعلوا كل ذلك ، وعدهم الله تعالى بالأجر العظيم فقال : ( ~~@QUR@03 لأكفرن عنهم سيئاتهم ) أى لأمحون عنهم ما ارتكبوه من سيئات ، ~~ولأسترنها عليهم حتى تعتبر نسيا منسيا ( @QUR@06 ولأدخلنهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار ) أى تجرى من تحت قصورها الأنهار التي فيها العسل المصفى ، ~~وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. # وقوله ( @QUR@08 ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب ) أى لأثيبنهم ~~ثوابا عظيما من عندي ، والله تعالى عنده حسن الجزاء لمن آمن وعمل صالحا. # فأنت ترى أن الله تعالى قد منح هؤلاء الأخيار ذلك الأجر الجزيل لأنهم قد ~~هاجروا من الأرض التي أحبوها إلى غيرها من أجل إعلاء كلمة الله ، وأخرجوا ~~منها مضطرين لا مختارين فرارا بدينهم ، ولقد ذكر المؤرخون أن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم عند ما خرج من مكة مهاجرا التفت إليها وقال : «يا مكة ~~والله لأنت أحب بلاد الله إلى ولولا أن قومك أخرجونى ما خرجت». PageV02P377 # ولأنهم قد تحملوا من الأذى في سبيل الله ، ولأنهم قد جاهدوا أعداء الله ~~وأعداءهم حتى استشهدوا وهم يقاتلون من أجل إعلاء كلمة الله. # وقوله ( @QUR@02 فالذين هاجروا ) مبتدأ ، وهو تفصيل لعمل العامل منهم على ~~سبيل التعظيم له ، والتفخيم لشأنه. وخبره قوله ( @QUR@03 لأكفرن عنهم ~~سيئاتهم ). # وقوله ( @QUR@03 وأخرجوا من ديارهم ) معطوف على ( @QUR@01 هاجروا ). ~~وجمع بينهما للإشعار بأنهم قد تركوا أوطانهم تارة باختيارهم ليبحثوا عن ~~مكان أصلح لنماء دعوتهم ، وانتشار الحق الذي اعتنقوه ، وتارة بغير اختيارهم ~~بل تركوها مجبرين ومضطرين بعد أن ألجأهم أعداؤهم إلى الخروج منها بسبب ما ~~نالهم منهم من ظلم واعتداء. # وقوله ( @QUR@03 وأوذوا في سبيلي ) معطوف على ما قبله. والمراد من ~~الإيذاء ما هو أعم من أن يكون بالإخراج من الديار ، أو ms1073 غير ذلك مما كان ~~يصيب المؤمنين من جهة المشركين. # وجمع سبحانه بين قوله ( @QUR@02 وقاتلوا وقتلوا ) للإشارة إلى أن للقسمين ~~ثوابا وأنهم لن يصيبهم إلا إحدى الحسنيين : النصر أو الشهادة ، وقوله : ( ~~@QUR@03 لأكفرن عنهم سيئاتهم ) جواب قسم محذوف ، أى والله لأكفرن عنهم ~~سيئاتهم. # وقدم سبحانه تكفير سيئاتهم على إدخالهم الجنة ، لأن التخلية كما يقولون ~~مقدمة على التحلية ، فهو أولا طهرهم من الذنوب والآثام ونقاهم منها ، ثم ~~أدخلهم بعد ذلك جنته وأعطاهم فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ولا خطر ~~على قلب بشر. # وقوله ( @QUR@01 ثوابا ) مصدر مؤكد لما قبله ، لأن المعنى لأثيبنهم على ~~ما عملوه ثوابا عظيما. # وقوله ( @QUR@03 من عند الله ) صفة لقوله ( @QUR@01 ثوابا ) وهو وصف مؤكد ~~؛ لأن الثواب لا يكون إلا من عنده تعالى ، لكنه صرح به سبحانه تعظيما ~~للثواب وتفخيما لشأنه. # وقوله ( @QUR@04 والله عنده حسن الثواب ) تذييل مقرر لمضمون ما قبله. # وقد ختم سبحانه الآية بهذه الجملة الكريمة لبيان اختصاصه بالثواب الحسن ~~كأن كل جزاء للأعمال في الدنيا لا يعد حسنا بجوار ما أعده سبحانه في الآخرة ~~لعباده المتقين. # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد دعت المؤمنين إلى الإكثار من ذكر ~~الله وإلى التفكر السليم في عجائب صنعه ، وساقت لنا ألوانا من الدعوات ~~الطيبات الخاشعات التي تضرع بها الأخيار إلى خالقهم ، وبينت لنا الثواب ~~الجزيل والعطاء العظيم الذي منحه الله لهم في مقابل إيمانهم الصادق ، ~~وعملهم الصالح ، فقد جرت سنته سبحانه أنه لا يضيع أجر من أحسن عملا ، وأنه ~~لا يرد دعاء الأبرار من عباده. PageV02P378 # وبعد أن بشر سبحانه عباده المؤمنين الصادقين بهذا الثواب الحسن ، نهاهم ~~عن الاغترار بما عليه الكافرون من قوة وسطوة ومتاع دنيوى فقال تعالى ( ~~@QUR@014 لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد. متاع قليل ثم مأواهم جهنم ~~وبئس المهاد ). # يغرنك : من الغرور وهو الأطماع في أمر محبوب على نية عدم وقوعه ، أو ~~إظهار الأمر المضر في صورة الأمر النافع ، وهو مشتق من الغرة بكسر الغين ~~وهي الغفلة ويقال : رجل غر إذا كان ينخدع لمن خادعه. ms1074 # والتقلب في البلاد : التصرف فيها على جهة السيطرة والغلبة ونفوذ الإرادة. # والمتاع : الشيء الذي يتمتع الإنسان به لمدة معينة ، والمعنى : لا يصح أن ~~يخدع أحد بما عليه الكافرون من تقلب في البلاد ومن تصرفهم فيها تصرف الحاكم ~~المسيطر عليها ، المستغل لثرواتها وخيراتها ، فإن تصرفهم هذا لن يستمر ~~طويلا ، بل سيبقى مدة قليلة يتمتعون فيها بما بين أيديهم ثم يزول عنهم كل ~~شيء وسوف يعودون إلى خالقهم فيعذبهم العذاب الأكبر على ظلمهم وبغيهم ~~وكفرهم. # والخطاب في قوله ( @QUR@02 لا يغرنك ) للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل من ~~يتأتى له الخطاب ، وهو نهى للمؤمنين عن أن يغتروا بما عليه الكافرون من جاه ~~ونفوذ وسلطان وغنى. # وليس من مقتضى النهى أن يكون قد وقع المنهي عنه فإن الإنسان قد ينهى عن ~~شيء لم يقع منه لتحذيره من الوقوع فيه في الحال أو المآل. # ولذا روى عن قتادة أنه قال : «والله ما غروا نبي الله حتى قبضه الله إليه». # ولقد قال صاحب الكشاف في الجواب على أن النهى موجه إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فإن قلت : كيف جاز أن يغتر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ~~حتى ينهى عن الاغترار به؟ قلت : فيه وجهان : # أحدهما : أن عظيم القوم ومتقدمهم يخاطب بشيء فيقوم خطابه مقام خطابهم ~~جميعا فكأنه قيل : لا يغرنكم. # والثاني : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان غير مغرور بحالهم فأكد ما ~~كان عليه وثبت ما كان على التزامه كقوله ( @QUR@04 ولا تكونن من المشركين ) (1). # وقوله ( @QUR@01 متاع ) خبر لمبتدأ محذوف أى هو متاع وقوله ( @QUR@01 ~~قليل ) صفة لمتاع. ووصف بأنه قليل لقصر مدته ، ولكونه متعة فانية زائلة ~~بخلاف ما أعده الله للمتقين من نعيم في الآخرة فإنه دائم لا يزول. PageV02P379 # وجاء العطف بثم في قوله ( @QUR@05 ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد ) للإشعار ~~بالتفاوت الكبير بين حالهم في الدنيا وما هم فيه من متاع زائل وبين ما ~~سينالهم في الآخرة من عذاب دائم لا ينقطع. # أى أنهم يتمتعون بهذه المتع العاجلة لفترة قليلة ( @QUR@02 ثم ms1075 مأواهم ) ~~أى مكانهم الذي يأوون إليه ويستقرون فيه ( @QUR@01 جهنم ) التي لا يحيط ~~الوصف بشدة عذابها ( @QUR@02 وبئس المهاد ) أى بئس ما مهدوا لأنفسهم وفرشوا جهنم. # وفيه إشارة إلى أن مصيرهم إلى جهنم هم الذين كانوا سببا فيه بكفرهم ~~واستحبابهم العمى على الهدى. # وفي هذا تعزية للمؤمنين وتسلية لهم عما يرونه من غنى وجاه وسلطان ~~للمشركين وتحريض للأخبار على أن يجعلوا همهم الأكبر في العمل الصالح الذي ~~يوصلهم إلى رضوان الله الباقي ، ففي الحديث الشريف أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : «والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم ~~إصبعه في اليم. فلينظر بم يرجع». # ثم بين سبحانه حسن عاقبة المؤمنين إثر بيانه لسوء عاقبة الكافرين فقال : ~~( @QUR@012 لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها ). # وافتتحت الآية الكريمة بحرف «لكن» الذي معناه الاستدراك ، لأن مضمونها ضد ~~الكلام الذي قبلها. ولكي تكون هناك مقابلة بين عاقبة المشركين الفجار وبين ~~عاقبة المؤمنين الأخيار. # والمعنى : هذا هو شأن الكافرين يتقلبون في البلاد لفترة قصيرة من الزمان ~~هي مدة حياتهم في هذه الدنيا الفانية ثم يتركون كل شيء عند موتهم ليلاقوا ~~مصيرهم المحتوم وهو عذاب جهنم الذي لا ينقطع .. لكن الذين اتقوا ربهم ~~وخافوا مقامه ونهوا أنفسهم عن الهوى ليسوا كذلك فقد أعد الله لهم جنات تجرى ~~من تحت قصورها وأشجارها الأنهار المليئة بأنواع المشارب الطيبة اللذيذة ، ~~وهم خالدون في تلك الجنات خلودا أبديا لا انقطاع له ولا زوال .. فأين مصير ~~أولئك. الأشرار من مصير هؤلاء الأخيار؟ # فالآية الكريمة بيان لكمال حسن حال المؤمنين ، إثر بيان سوء عاقبة ~~الكافرين. # ثم قال تعالى ( @QUR@09 نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار ). # والنزل : ما يعد للنزيل والضيف لإكرامه والحفاوة به من طعام وشراب ~~وغيرهما. وهو منصوب على أنه حال من «جنات» لتخصيصها بالوصف ، والعامل فيه ~~ما في الظرف من معنى الاستقرار. PageV02P380 # أى لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها حالة كون هذه الجنات ~~منزلا مهيئا لهم من عند ms1076 الله تعالى على سبيل الإكرام لهم ، والتشريف ~~لمنزلتهم. # وقوله ( @QUR@05 وما عند الله خير للأبرار ) أى ما عند الله من نعيم مقيم ~~لعباده المتقين خير مما يتقلب فيه الكافرون من المتاع القليل الزائل. # ثم بين سبحانه أن أهل الكتاب ليسوا سواء. بل منهم الأشرار ومنهم الأخيار ~~، وقد بين سبحانه هنا صفات الأخيار منهم فقال : ( @QUR@021 وإن من أهل ~~الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون ~~بآيات الله ثمنا قليلا ). # أى : ( @QUR@04 وإن من أهل الكتاب ) وهم اليهود والنصارى لفريقا ( ~~@QUR@02 يؤمن بالله ) إيمانا حقا منزها عن الإشراك بكل مظاهره ويؤمن بما ( ~~@QUR@02 أنزل إليكم ) من القرآن الكريم على لسان نبيكم محمد ~~صلى الله عليه وسلم ويؤمن بحقيقة «ما أنزل إليهم» من التوراة والإنجيل ولا ~~يزالون مع هذا الإيمان العميق ( @QUR@02 خاشعين لله ) أى خاضعين له سبحانه ~~خائفين من عقابه ، طالبين لرضاه ( @QUR@06 لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا ~~) أى لا يبيعون آيات الله أو حقيقة من حقائق دينهم في نظير ثمن هو عرض من ~~أعراض الدنيا الفانية ، لأن هذا الثمن المأخوذ قليل حتى ولو بلغ القناطير ~~المقنطرة من الذهب والفضة. # فأنت ترى أنه سبحانه قد وصفهم بخمس صفات كريمة تدل على صفاء نفوسهم ~~وطهارة قلوبهم ، وفي هذا إنصاف من القرآن الكريم للمهتدين من أهل الكتاب. # وقد ذكر القرآن ما يشبه هذه الآية في كثير من سوره ومن ذلك قوله تعالى ( ~~@QUR@014 ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل ~~وهم يسجدون ). # وقوله تعالى ( @QUR@08 منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون ). # وقدم سبحانه إيمانهم بالقرآن على إيمانهم بما أنزل عليهم لأن القرآن هو ~~المهيمن على الكتب السماوية والأمين عليها ، فما وافقه منها فهو حق وما ~~خالفه فهو باطل وقوله ( @QUR@02 خاشعين لله ) حال من فاعل ( @QUR@01 يؤمن ) ~~وجمع حملا على المعنى : # ثم بين سبحانه جزاءهم الطيب بعد بيان صفاتهم الكريمة فقال : ( @QUR@09 ~~أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب ). # أى أولئك الموصوفون بتلك الصفات الكريمة لهم أجرهم الجزيل ms1077 في مقابل ~~أعمالهم الصالحة وأفعالهم الحميدة. # وقوله ( @QUR@04 إن الله سريع الحساب ) كناية عن كمال علمه بمقادير ~~الأجور ومراتب الاستحقاق PageV02P381 # وأنه يوفيها لكل عامل على ما ينبغي وقدر ما ينبغي. # ويجوز أن يكون كناية عن قرب إنجاز ما وعد من الأجر ؛ فإن سرعة الحساب ~~تستدعى سرعة الجزاء فكأنه قيل : لهم أجرهم عند ربهم عن قريب ، لأن الله ~~تعالى سريع الحساب والجزاء. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بنداء جامع للمؤمنين ، دعاهم فيه إلى الصبر ~~والمصابرة والمرابطة والتقوى فقال : ( @QUR@011 يا أيها الذين آمنوا اصبروا ~~وصابروا ، ورابطوا ، واتقوا الله لعلكم تفلحون ). # والصبر معناه : حبس النفس عن أهوائها وشهواتها وترويضها على تحمل المكاره ~~وتعويدها على أداء الطاعات. # والمصابرة : هي المغالبة بالصبر : بأن يكون المؤمن أشد صبرا من عدوه. # ورابطوا : من المرابطة وهي القيام على الثغور الإسلامية لحمايتها من ~~الأعداء ، فهي استعداد ودفاع وحماية لديار الإسلام من مهاجمة الأعداء. # والمعنى : ( @QUR@05 يا أيها الذين آمنوا اصبروا ) على طاعة الله وعلى ~~تحمل المكاره والآلام برضا لا سخط معه ؛ فإن الصبر جماع الفضائل وأساس ~~النجاح والظفر. # ( @QUR@01 وصابروا ) أى قابلوا صبر أعدائكم بصبر أشد منه وأقوى في كل ~~موطن من المواطن التي تستلزم الصبر وتقتضيه. # قال صاحب الكشاف : ( @QUR@01 وصابروا ) أعداء الله في الجهاد ، أى ~~غالبوهم في الصبر على شدائد الحرب ، ولا تكونوا أقل منهم صبرا وثباتا ~~فالمصابرة باب من الصبر ذكر بعد الصبر على ما يجب الصبر عليه تخصيصا لشدته ~~وصعوبته» (1). # ( @QUR@01 ورابطوا ) أى أقيموا على مرابطة الغزو في نحر العدو بالترصد له ~~، والاستعداد لمحاربته وكونوا دائما على حذر منه حتى لا يفاجئكم بما ~~تكرهون. # ولقد كان كثير من السلف الصالح يرابطون في سبيل الله نصف العام ، ويطلبون ~~قوتهم بالعمل في النصف الآخر. # ولقد ساق الإمام ابن كثير جملة من الأحاديث التي وردت في فضل المرابطة من ~~أجل حماية ديار الإسلام ، ومن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد ~~الساعدي أن رسول PageV02P382 # الله صلى الله عليه وسلم قال : «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها». ms1078 # وروى مسلم في صحيحه عن سلمان الفارسي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال : «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه ، وإن مات جرى عليه عمله ~~الذي كان يعمله ، وأجرى عليه رزقه ، وأمن الفتان» (1). # وبعضهم جعل المراد بالمرابطة انتظار الصلاة بعد الصلاة مستدلا بالحديث ~~الذي رواه مسلم والنسائي عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ~~«ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات : إسباغ الوضوء ~~على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة. فذلكم الرباط». # قال القرطبي : بعد أن ساق هذا الحديث : «والقول الصحيح هو أن الرباط هو ~~الملازمة في سبيل الله وأصلها من ربط الخيل ، ثم سمى كل ملازم لثغر من ثغور ~~المسلمين مرابطا فارسا كان أو راجلا. واللفظ مأخوذ من الربط. وقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم «فذلكم الرباط» إنما هو تشبيه بالرباط في سبيل الله» (2). # ومما يدل على أن المرابطة في سبيل الله من أجل الديار الإسلامية من أفضل ~~الأعمال وأن الصالحين الأخيار من المسلمين كانوا لا ينقطعون عنها ، مما يدل ~~على ذلك ما كتبه عبد الله بن المبارك وهو يرابط بطرسوس إلى صديقه الفضيل بن ~~عياض وكان الفضيل معتكفا بالمسجد الحرام كتب إليه عبد الله يقول : # يا عابد الحرمين لو أبصرتنا %~% لعلمت أنك في العبادة تلعب من كان يخضب خده بدموعه %~% فنحورنا بدمائنا تتخضب أو كان يتعب خيله في باطل %~% فخيولنا يوم الصبيحة تتعب ريح العبير لكم ونحن عبيرنا %~% رهج السنابك والغبار الأطيب ولقد أتانا من مقال نبينا %~% قول صحيح صادق لا يكذب لا يستوي غبار خيل الله في %~% أنف امرئ ودخان نار تلهب هذا كتاب الله ينطق بيننا %~% ليس الشهيد بميت لا يكذب # فلما قرأ الفضيل هذه الأبيات بكى وقال : صدق عبد الله. # وقوله ( @QUR@04 واتقوا الله لعلكم تفلحون ) أى اتقوا الله بأن تصونوا ~~أنفسكم عن محارمه وعن مخالفة أمره ، ورجاء أن يكتب لكم الفوز بالنصر في ~~الدنيا ، والثواب الحسن في الآخرة. PageV02P383 # وبعد : فهذه سورة آل ms1079 عمران ، وهذا تفسير مفصل لما اشتملت عليه من توجيهات ~~نافعة وعظات بليغة ، وآداب عالية وتشريعات سامية وتربية رشيدة وعبادات ~~قويمة وحجج تثبت الحق وتدحض الباطل. # والله نسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه ونافعا لعباده. # والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ~~آله وصحبه وسلم. ||أ. د. محمد سيد طنطاوى شيخ الأزهر| PageV02P384 ### ||| * فهرس إجمالى لتفسير سورة «آل عمران» # تعريف بسورة آل ~~عمران........................................................... 5 # 1 ألم................................................................. ~~....... 16 # 2 الله لا إله إلا ~~هو............................................................ 18 # 3 نزل عليك ~~الكتاب.......................................................... 19 # 4 من قبل هدى ~~للناس......................................................... 21 # 5 إن الله لا يخفى عليه ~~شيء.................................................... 24 # 6 هو الذي ~~يصوركم........................................................... 25 # 7 هو الذي أنزل عليك ~~الكتاب................................................. 26 # 8 ربنا لا تزغ ~~قلوبنا............................................................ 35 # 9 ربنا إنك جامع ~~الناس........................................................ 36 # 10 إن الذين ~~كفروا............................................................ 37 # 11 كدأب آل ~~فرعون.......................................................... 40 # 12 قل للذين ~~كفروا........................................................... 41 # 13 قد كان لكم آية في ~~فئتين................................................... 42 # 14 زين للناس حب ~~الشهوات.................................................. 45 # 15 قل أؤنبئكم بخير من ~~ذلكم.................................................. 51 # 16 الذين يقولون ~~ربنا.......................................................... 52 # 17 الصابرين ~~والصادقين....................................................... 53 # 18 شهد الله أنه لا إله إلا ~~هو.................................................. 54 # 19 إن الدين عن الله ~~الإسلام................................................... 57 # 20 فإن حاجوك ~~فقل.......................................................... 59 # 21 إن الذين ~~يكفرون......................................................... 62 # 22 أولئك الذين ~~حبطت....................................................... 64 # 23 ألم تر إلى الذين ~~أوتوا...................................................... 65 PageV02P385 # 24 ذلك بأنهم ~~قالوا........................................................... 67 # 25 فكيف إذا ~~جمعناهم........................................................ 69 # 26 قل اللهم مالك ~~الملك...................................................... 69 # 27 تولج الليل في ~~النهار......................................................... 72 # 28 لا يتخذ المؤمنون ~~الكافرين.................................................. 74 # 29 قل إن تخفوا ما في ~~صدوركم................................................. 78 # 30 يوم تجد كل ~~نفس.......................................................... 80 # 31 قل إن كنتم تحبون ~~الله...................................................... 81 # 32 قل أطيعوا الله ~~والرسول..................................................... 82 # 33 إن الله اصطفى ~~آدم........................................................ 83 # 34 ذرية بعضها من ~~بعض...................................................... 85 # 35 إذ قالت امرأة ~~عمران....................................................... 85 # 36 فلما وضعتها ~~قالت........................................................ 87 # 37 فتقبلها ربها ~~بقبول.......................................................... 89 # 38 هنالك دعا ~~زكريا.......................................................... 92 # 39 فنادته ~~الملائكة............................................................ 94 # 40 قال رب أنى ms1080 يكون ~~لي...................................................... 97 # 41 قال رب اجعل لي ~~آية...................................................... 99 # 42 وإذ قالت الملائكة يا ~~مريم................................................. 101 # 43 يا مريم اقنتى ~~لربك........................................................ 103 # 44 ذلك من أنباء ~~الغيب..................................................... 104 # 45 إذ قالت الملائكة يا ~~مريم.................................................. 105 # 46 ويكلم الناس في ~~المهد..................................................... 107 # 47 قالت رب أنى ~~يكون..................................................... 109 # 48 ويعلمه ~~الكتاب.......................................................... 110 # 49 ورسولا إلى بنى ~~إسرائيل................................................... 112 # 50 ومصدقا لما بين ~~يدي..................................................... 116 # 51 إن الله ربي ~~وربكم........................................................ 117 # 52 فلما أحس ~~عيسى....................................................... 117 PageV02P386 # 53 ربنا آمنا بما ~~أنزلت........................................................ 120 # 54 ومكروا ومكر ~~الله........................................................ 121 # 55 إذ قال الله يا ~~عيسى...................................................... 121 # 56 فأما الذين ~~كفروا......................................................... 124 # 57 وأما الذين آمنوا ~~وعملوا................................................... 124 # 58 ذلك نتلوه ~~عليك........................................................ 125 # 59 إن مثل عيسى عند ~~الله................................................... 126 # 60 الحق من ربك ~~فلا........................................................ 127 # 61 فمن حاجك فيه من ~~بعد.................................................. 128 # 62 إن هذا لهو ~~القصص..................................................... 131 # 63 فإن تولوا فإن ~~الله........................................................ 131 # 64 قل يا أهل الكتاب ~~تعالوا.................................................. 132 # 65 يا أهل الكتاب لم ~~تحاجون................................................ 135 # 66 ها أنتم هؤلاء ~~حاججتم.................................................. 136 # 67 ما كان إبراهيم ~~يهوديا.................................................... 137 # 68 إن أولى الناس ~~بإبراهيم.................................................... 137 # 69 ودت طائفة من أهل ~~الكتاب.............................................. 138 # 70 يا أهل الكتاب لم ~~تكفرون................................................ 139 # 71 يا أهل الكتاب لم ~~تلبسون................................................ 139 # 72 وقالت طائفة من أهل ~~الكتاب............................................. 141 # 73 ولا تؤمنوا إلا لمن ~~تبع..................................................... 143 # 74 يختص برحمته من ~~يشاء................................................... 147 # 75 ومن أهل ~~الكتاب........................................................ 147 # 76 بلى من أوفى ~~بعهده...................................................... 151 # 77 إن الذين ~~يشترون........................................................ 152 # 78 وإن منهم ~~لفريقا......................................................... 155 # 79 ما كان لبشر ~~أن......................................................... 158 # 80 ولا يأمركم أن ~~تتخذوا.................................................... 160 # 81 وإذ أخذ الله ~~ميثاق....................................................... 162 PageV02P387 # 82 فمن تولى بعد ~~ذلك...................................................... 166 # 83 أفغير دين الله ~~يبغون...................................................... 167 # 84 قل آمنا بالله وما أنزل ~~إلينا................................................. 168 # 85 ومن يبتغ غير ~~الإسلام.................................................... 170 # 86 كيف يهدى الله ~~قوما..................................................... 171 # 87 أولئك جزاؤهم أن ~~عليهم................................................. 173 # 88 خالدين فيها لا ~~يخفف.................................................... 174 # 89 إلا الذين ms1081 ~~تابوا........................................................... 174 # 90 إن الذين كفروا ~~بعد...................................................... 175 # 91 إن الذين كفروا ~~وماتوا..................................................... 177 # 92 لن تنالوا البر ~~حتى........................................................ 180 # 93 كل الطعام كان ~~حلا...................................................... 181 # 94 فمن افترى على ~~الله...................................................... 184 # 95 قل صدق الله ~~فاتبعوا..................................................... 184 # 96 إن أول بيت وضع ~~للناس................................................. 185 # 97 فيه آيات ~~بينات......................................................... 188 # 98 قل يا أهل الكتاب لم ~~تكفرون............................................. 192 # 99 قل يا أهل الكتاب لم ~~تصدون............................................. 194 # 100 يا أيها الذين آمنوا إن ~~تطيعوا............................................. 196 # 101 وكيف تكفرون ~~وأنتم.................................................... 197 # 102 يا أيها الذين آمنوا ~~اتقوا................................................. 198 # 103 واعتصموا بحبل ~~الله..................................................... 198 # 104 ولتكن منكم ~~أمة....................................................... 201 # 105 ولا تكونوا ~~كالذين...................................................... 204 # 106 يوم تبيض ~~وجوه........................................................ 206 # 107 وأما الذين ~~ابيضت..................................................... 209 # 108 تلك آيات ~~الله......................................................... 210 # 109 والله ما في السموات وما في ~~الأرض....................................... 211 # 110 كنتم خير أمة ~~أخرجت.................................................. 212 PageV02P388 # 111 لن يضروكم إلا ~~أذى................................................... 216 # 112 ضربت عليهم ~~الذلة.................................................... 222 # 113 ليسوا ~~سواء............................................................ 225 # 114 يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر................................................ 227 # 115 وما يفعلوا من ~~خير...................................................... 229 # 116 إن الذين ~~كفروا........................................................ 230 # 117 مثل ما ينفقون ~~في...................................................... 232 # 118 يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا............................................. 233 # 119 هأنتم أولاء ~~تحبونهم..................................................... 237 # 120 إن تمسسكم حسنة.................................................... 239 # 121 وإذ غدوت من أهلك.................................................. 244 # 122 إذ همت ~~طائفتان....................................................... 246 # 123 ولقد نصركم الله ~~ببدر................................................... 248 # 124 إذ تقول ~~للمؤمنين...................................................... 249 # 125 بلى إن ~~تصبروا......................................................... 249 # 126 وما جعله الله إلا بشرى ~~لكم............................................. 253 # 127 ليقطع طرفا ~~من........................................................ 254 # 128 ليس لك من الأمر ~~شيء................................................ 255 # 129 والله ما في السموات وما في ~~الأرض....................................... 257 # 130 يا أيها الذين آمنوا لا ~~تأكلوا............................................. 257 # 131 واتقوا النار ~~التي......................................................... 260 # 132 وأطيعوا الله ~~والرسول.................................................... 260 # 133 وسارعوا إلى ~~مغفرة...................................................... 261 # 134 الذين ~~ينفقون.......................................................... 263 # 135 والذين إذا ~~فعلوا........................................................ 265 # 136 أولئك جزاؤهم ~~مغفرة................................................... 267 # 137 قد خلت من ~~قبلكم.................................................... 269 # 138 هذا بيان ~~للناس........................................................ 270 # 139 ولا تهنوا ولا ~~تحزنوا...................................................... 272 PageV02P389 # 140 إن يمسسكم ms1082 ~~قرح....................................................... 273 # 141 وليمحص الله الذين ~~آمنوا............................................... 277 # 142 أم حسبتم أن تدخلوا ~~الجنة.............................................. 277 # 143 ولقد كنتم تمنون ~~الموت.................................................. 279 # 144 وما محمد إلا ~~رسول..................................................... 281 # 145 وما كان لنفس أن ~~تموت................................................ 285 # 146 وكأين من نبي قاتل ~~معه................................................. 286 # 147 وما كان ~~قولهم......................................................... 288 # 148 فآتاهم الله ثواب ~~الدنيا.................................................. 289 # 149 يا أيها الذين آمنوا إن ~~تطيعوا............................................. 290 # 150 بل الله ~~مولاكم......................................................... 291 # 151 سنلقى في قلوب الذين ~~كفروا............................................. 292 # 152 ولقد صدقكم الله ~~وعده................................................. 294 # 153 إذ تصعدون ولا ~~تلوون.................................................. 300 # 154 ثم أنزل عليكم من بعد ~~الغم............................................. 302 # 155 إن الذين تولوا ~~منكم.................................................... 307 # 156 يا أيها الذين آمنوا لا ~~تكونوا............................................. 310 # 157 ولئن قتلتم في سبيل ~~الله................................................. 313 # 158 ولئن متم أو ~~قتلتم...................................................... 314 # 159 فبما رحمة من ~~الله....................................................... 315 # 160 إن ينصركم الله فلا ~~غالب............................................... 320 # 161 وما كان لنبي أن ~~يغل................................................... 321 # 162 أفمن اتبع رضوان ~~الله................................................... 323 # 163 هم درجات عند ~~الله.................................................... 324 # 164 لقد من الله على ~~المؤمنين................................................ 326 # 165 أو لما أصابتكم ~~مصيبة.................................................. 327 # 166 وما أصابكم يوم ~~التقى.................................................. 329 # 167 وليعلم الذين ~~نافقوا..................................................... 330 # 168 الذين قالوا ~~لإخوانهم.................................................... 333 PageV02P390 # 169 ولا تحسبن الذين ~~قتلوا.................................................. 335 # 170 فرحين بما آتاهم ~~الله.................................................... 337 # 171 يستبشرون بنعمة من ~~الله................................................ 338 # 172 الذين استجابوا الله ~~والرسول.............................................. 340 # 173 الذين قال لهم ~~الناس.................................................... 341 # 174 فانقلبوا بنعمة من ~~الله................................................... 343 # 175 إنما ذلكم الشيطان ~~يخوف............................................... 344 # 176 ولا يحزنك الذين ~~يسارعون............................................... 346 # 177 إن الذين ~~اشتروا........................................................ 348 # 178 ولا يحسبن الذين ~~كفروا.................................................. 348 # 179 ما كان الله ليذر ~~المؤمنين................................................. 350 # 180 ولا يحسبن الذين ~~يبخلون................................................ 351 # 181 لقد سمع ~~الله........................................................... 354 # 182 ذلك بما قدمت ~~أيديكم................................................. 357 # 183 الذين قالوا إن ~~الله...................................................... 358 # 184 فإن كذبوك فقد ~~كذب.................................................. 359 # 185 كل نفس ذائقة ~~الموت................................................... 360 # 186 لتبلون في ~~أموالكم...................................................... 362 # 187 وإذ أخذ الله ~~ميثاق..................................................... 364 # 188 لا تحسبن الذين ~~يفرحون................................................ 366 # 189 ولله ms1083 ملك السموات ~~والأرض............................................. 368 # 190 إن في خلق السموات ~~والأرض........................................... 371 # 191 الذين يذكرون ~~الله...................................................... 372 # 192 ربنا إنك من تدخل ~~النار................................................ 373 # 193 ربنا إننا سمعنا ~~مناديا.................................................... 374 # 194 ربنا وآتنا ما ~~وعدتنا..................................................... 375 # 195 فاستجاب لهم ~~ربهم..................................................... 376 # 196 لا يغرنك تقلب الذين ~~كفروا............................................. 379 # 197 متاع قليل ثم ~~مأواهم.................................................... 379 PageV02P391 # 198 لكن الذين اتقوا ~~ربهم................................................... 380 # 199 وإن من أهل ~~الكتاب................................................... 381 # 200 يا أيها الذين آمنوا ~~اصبروا................................................ 382 PageV02P392 ![](https://books.rafed.net/Books/3933_altafsir-alwasit-03/images/image001.gif) PageV03P001 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * ( @QUR@07 ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ) (127) PageV03P003 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة # الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أفضل المرسلين ، سيدنا محمد ~~وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. # وبعد : فإن خير ما اشتغل به العقلاء ، هو خدمة كتاب الله تعالى ، الذي ~~أنزله سبحانه على قلب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم لكي يخرج الناس من الظلمات ~~إلى النور. # ولقد عنى المسلمون منذ فجر الإسلام عناية كبرى بشأن القرآن الكريم. وقد ~~شملت هذه العناية جميع نواحيه ، وأحاطت بكل ما يتصل به ، وكان لها آثارها ~~المباركة النافعة التي استفاد منها كل مظهر من مظاهر النشاط الفكرى والعملي ~~عرفه الناس في حياتهم الروحية والمادية. # وكان من أبرز مظاهر هذه العناية بشأن القرآن الكريم ، الاشتغال بتفسيره ~~وتأويله على قدر الطاقة البشرية. # ولقد سبق لي أن كتبت تفسيرا وسيطا لسور : الفاتحة ، والبقرة ، وآل عمران. # ويسعدني أن أتبع ذلك بتفسير لسورة النساء ، حاولت فيه أن أكتب عما اشتملت ~~عليه هذه السورة الكريمة من هدايات جامعة ، وتشريعات حكيمة وتوجيهات رشيدة ~~، وآداب سامية ، من شأنها أن توصل المتمسكين بها إلى طريق السعادة في ~~دنياهم وآخرتهم. # وقبل أن أبدأ في تفسير آيات هذه السورة الكريمة بالتفصيل والتحليل. رأيت ~~من الخير أن أسوق بين يديها تعريفا بها ، يتناول زمان نزولها ، وعدد آياتها ~~، وسبب تسميتها بهذا الاسم ، ومناسبتها لما قبلها ، والمقاصد الإجمالية ~~التي اشتملت عليها. # والله نسأل أن يوفقنا لخدمة كتابه ، وأن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه ، ~~ونافعا لعباده ، إنه ms1084 أكرم مسئول وأعظم مأمول. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ||محمد سيد طنطاوى شيخ الأزهر| PageV03P005 ### ||| * تمهيد بين يدي السورة # 1 سورة النساء هي الرابعة في ترتيب المصحف. فقد سبقتها سورة الفاتحة ، ~~والبقرة ، وآل عمران. # ويبلغ عدد آياتها خمسا وسبعين ومائة آية عند علماء الحجاز والبصريين ، ~~ويرى الكوفيون أن عدد آياتها ست وسبعون ومائة آية ، لأنهم عدوا قوله تعالى ~~( @QUR@03 أن تضلوا السبيل ) آية. # ويرى الشاميون أن عدد آياتها سبع وسبعون ومائة آية ، لأنهم عدوا قوله ~~تعالى ( @QUR@07 وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ) آية. # كما أنهم وافقوا الكوفيين في أن قوله تعالى ( @QUR@03 أن تضلوا السبيل ) آية. # أما علماء الحجاز والبصريون فيرون أن ما ذكره الكوفيون والشاميون إنما هو ~~جزء من آية وليس آية كاملة. # 2 وسورة النساء من السور المدنية. وكان نزولها بعد سورة الممتحنة ويؤيد ~~أنها مدنية ما رواه البخاري عن عائشة رضى الله عنها قالت : «ما نزلت سورة ~~البقرة والنساء إلا وأنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ». # ومن المتفق عليه عند العلماء أن دخوله صلى الله عليه وسلم على عائشة كان بعد ~~الهجرة. وروى العوفى عن ابن عباس أنه قال : نزلت سورة النساء بالمدينة. ~~وكذا روى ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت. # قال الآلوسى : «وزعم بعض الناس أنها مكية. مستندا إلى أن قوله تعالى : ( ~~@QUR@08 إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ... ) نزلت بمكة في ~~شأن مفتاح الكعبة. وتعقبه السيوطي بأن ذلك مستند واه ، لأنه لا يلزم من ~~نزول آية أو آيات بمكة ، من سورة طويلة ، نزل معظمها بالمدينة ، أن تكون ~~مكية. خصوصا أن الأرجح أن ما نزل بعد الهجرة فهو مدني. ومن راجع أسباب ~~نزولها عرف الرد عليه» (1). # والحق ، أن الذي يقرأ سورة النساء من أولها إلى آخرها بتدبر وإمعان ، يرى ~~في أسلوبها وموضوعاتها سمات القرآن المدني. فهي زاخرة بالحديث عن الأحكام ~~الشرعية : من عبادات ومعاملات وحدود. وعن علاقة المسلمين ببعضهم وبغيرهم. ~~وعن أحوال أهل الكتاب PageV03P007 # والمنافقين ، وعن الجهاد ms1085 في سبيل الله. إلى غير ذلك من الموضوعات التي ~~يكثر ورودها في القرآن المدني. # ومن هنا قال القرطبي : «ومن تبين أحكامها علم أنها مدنية لا شك فيها» (1). # 3 سورة النساء سميت بهذا الاسم ؛ لأن ما نزل منها في أحكام النساء أكثر ~~مما نزل في غيرها. # وكثيرا ما يطلق عليها اسم «سورة النساء الكبرى» تمييزا لها عن سورة أخرى ~~عرضت لبعض شئون النساء وهي «سورة الطلاق» التي كثيرا ما يطلق عليها اسم ~~«سورة النساء الصغرى». # 4 ومن وجوه المناسبة بين هذه السورة وبين سورة آل عمران التي قبلها : أن ~~سورة آل عمران اختتمت بالأمر بالتقوى في قوله تعالى : ( @QUR@011 يا أيها ~~الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ) وسورة ~~النساء افتتحت بالأمر بالتقوى. قال تعالى : ( @QUR@010 يا أيها الناس اتقوا ~~ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ). # قال الآلوسى : «وذلك من آكد وجوه المناسبات في ترتيب السور. وهو نوع من ~~أنواع البديع يسمى في الشعر : تشابه الأطراف. وقوم يسمونه بالتسبيغ. وذلك ~~كقول ليلى الأخيلية : # إذا نزل الحجاج أرضا مريضة %~% تتبع أقصى دائها فشفاها شفاها من الداء العضال الذي بها %~% غلام إذا هز القناة رواها رواها فأرواها بشرب سجالها %~% دماء رجال حيث نال حشاها (2) # ومنها أن في سورة آل عمران تفصيلا لغزوة أحد. وفي سورة النساء حديث موجز ~~عنها في قوله تعالى : ( @QUR@09 فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم ~~بما كسبوا ). # وكما في قوله تعالى : ( @QUR@012 ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا ~~تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ). # ومنها : أن في كلتا السورتين محاجة لأهل الكتاب ، وبيانا لأحوال ~~المنافقين ، وتفصيلا لأحكام القتال. # ومن أمعن نظره كما يقول الآلوسى وجد كثيرا مما ذكر في هذه السورة مفصلا ~~لما ذكر فيما قبلها. فحينئذ يظهر مزيد الارتباط وغاية الاحتباك». PageV03P008 # 5 ومن الآثار التي وردت في فضل سورة النساء ، ما رواه قتادة عن ابن عباس ~~أنه قال : # ثماني آيات نزلت في سورة النساء خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت. # أولهن : ( @QUR@011 يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن ms1086 الذين من قبلكم ~~ويتوب عليكم ). # والثانية : ( @QUR@013 والله يريد أن يتوب عليكم. ويريد الذين يتبعون ~~الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما ). # والثالثة : ( @QUR@08 يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ). # والرابعة : ( @QUR@010 إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ). # والخامسة : ( @QUR@09 إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ). # والسادسة : ( @QUR@013 إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء ). # والسابعة : ( @QUR@08 ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله ). # والثامنة : ( @QUR@013 ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد ~~الله غفورا رحيما ) (1). # وكأن ابن عباس رضى الله عنهما قد نظر إلى ما تدل عليه هذه الآيات الكريمة ~~من فضل الله على عباده. ورحمة بهم ، وفتح لباب التوبة والمغفرة في وجوههم ، ~~وإلا فإن القرآن كله بكل سوره وآياته خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت. # 6 هذا ، وسورة النساء تعتبر أطول سورة مدنية بعد سورة البقرة. وإنك ~~لتقرؤها بتدبر وتفهم فتراها قد اشتملت على مقاصد عالية ، وآداب سامية. ~~وتوجيهات حكيمة ، وتشريعات جليلة. # تراها تنظم المجتمع الإسلامى تنظيمة دقيقا قويما ، يؤدى اتباعه إلى سعادة ~~المجتمع واستقراره داخليا وخارجيا. # فأنت تراها في مطلعها تحض الناس على تقوى الله والخشية منه ، وتبين ~~الارتباط الإنسانى الجامع الذي تلتقي عنده البشرية جميعا. # قال تعالى ( @QUR@018 يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ~~وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ). # وإذا كان الناس جميعا ينتهون إلى أصل واحد ، فإن هذا الاتحاد يقتضى منهم ~~أن يكونوا PageV03P009 # متراحمين متعاطفين ، ومن أبرز مظاهر التراحم ، الأخذ بيد الضعفاء ~~ومعاونتهم في كل ما يحتاجون إليه. # لذا نجد السورة الكريمة بعد أن تفتتح بأمر الناس بتقوى الله ، تتبع ذلك ~~بالأمر بالإحسان إلى اليتامى الذين هم أوضح الضعفاء مظهرا في خمس آيات في ~~الربع الأول منها. # وهذه الآيات هي قوله تعالى : ( @QUR@07 وآتوا اليتامى أموالهم ولا ~~تتبدلوا الخبيث بالطيب ). # وقوله تعالى : ( @QUR@015 وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب ~~لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ). # وقوله ms1087 تعالى : ( @QUR@013 وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ~~آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ). # وقوله تعالى : ( @QUR@09 وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى ~~والمساكين فارزقوهم منه ). # وقوله تعالى : ( @QUR@011 إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا ). # ولم تكتف السورة الكريمة في أوائلها بالحض على الإحسان إلى اليتامى ، بل ~~حضت أيضا على الإحسان إلى النساء ، وإعطائهن حقوقهن كاملة. # ثم تراها بعد ذلك في الربع الثاني منها تتحدث عن التوزيع المالى للأسرة ~~عند ما يموت واحد منها ، وتضع لهذا التوزيع أحكم الأسس وأعدلها وأضبطها ~~وتبين أن هذا التوزيع حد من حدود الله التي يجب التزامها وعدم مخالفتها. # قال تعالى : ( @QUR@031 تلك حدود الله ، ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ، ومن يعص الله ~~ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين ). # ثم تحدثت السورة الكريمة عن حكم النسوة اللاتي يأتين الفاحشة ، وعن ~~التوبة التي يقبلها الله تعالى ، والتوبة التي لا يقبلها. ووجهت نداء إلى ~~المؤمنين نهتهم فيه عن أخذ شيء من حقوق النساء ، وأمرتهم بحسن معاشرتهن ، ~~كما نهتهم عن نكاح أنواع معينة منهن ، لأن نكاحهن يتنافى مع شريعة الإسلام ~~وآدابه. # قال تعالى : ( @QUR@017 ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد ~~سلف ، إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا ). # ثم تراها في الربع الثالث منها تتحدث عن المحصنات من النساء وعن حقوقهن ، ~~وبينت للناس أن الله تعالى ما شرع هذه الأحكام القويمة إلا لمصلحتهم ~~ومنفعتهم. PageV03P010 # استمع إلى السورة الكريمة وهي تحكى هذا المعنى فتقول : ( @QUR@035 يريد ~~الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم. ~~والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا ~~عظيما. يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ). # ثم صرحت السورة الكريمة بأن للرجال القوامة على النساء ، وذكرت ضروب ~~التأديب التي يملكها الرجل على زوجته ، وكلها من غير قسوة ولا شذوذ ولا ~~طغيان ، ودعت أهل الخير إلى الإصلاح بين الزوجين ms1088 إذا ما نشب بينهما نزاع أو شقاق. # قال تعالى : ( @QUR@022 وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما ~~من أهلها ، إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ، إن الله كان عليما خبيرا ). # وبعد أن فصلت السورة الكريمة الحديث عما يجب أن تكون عليه العلاقة بين ~~الزوجين ، وبين أفراد الأسرة ، انتقلت في الربع الرابع منها إلى بيان ~~العلاقة بين العبد وخالقه ، وأنها يجب أن تقوم على إخلاص العبادة له سبحانه ~~كما يجب على المسلم أن يجعل علاقته مع والديه ومع أقاربه ومع اليتامى ~~والمساكين. وغيرهم ، قائمة على الإحسان وعلى التعاطف والتراحم. # ثم توعدت السورة الكريمة من يشرك بالله ، ويخالف أوامره بالعذاب الأليم. ~~وبينت أن الكافرين سيندمون أشد الندم على كفرهم يوم القيامة ولكن ندمهم لن ~~ينفعهم ، لأنه جاء بعد فوات الأوان. # قال تعالى ( @QUR@014 يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول ، لو تسوى بهم ~~الأرض ولا يكتمون الله حديثا ). # ثم شنت السورة الكريمة حملة عنيفة على اليهود الذين كانوا يجاورون ~~المؤمنين بالمدينة ، والذين كانوا ( @QUR@07 يحرفون الكلم عن مواضعه ~~ويقولون سمعنا وعصينا ) والذين كانوا ينطقون بالباطل ويشهدون الزور عن تعمد ~~وإصرار ، وقد بينت السورة الكريمة أن حسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي ~~دفعهم إلى افتراء الكذب على الله تعالى وأنهم قد طردوا من رحمة الله بسبب ~~كفرهم وعنادهم وإيذائهم لمحمد صلى الله عليه وسلم الذي يعرفون صدقه كما يعرفون ~~أبناءهم. # قال تعالى : ( @QUR@070 ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون ~~بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا. ~~أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا. أم لهم نصيب من ~~الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا. أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من ~~فضله ، فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من ~~آمن به ، ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ). PageV03P011 # ثم بينت السورة الكريمة بعد ذلك في الربع الخامس منها : الأساس الذي يقوم ~~عليه الحكم في الإسلام ، فذكرت أن العدل والأمانة ms1089 هما الدعامتان الراسختان ~~اللتان يقوم عليهما الحكم في الإسلام. ووجهت إلى المؤمنين نداء أمرتهم فيه ~~بطاعة الله وطاعة رسوله وأولى الأمر منهم ، كما أمرتهم بأن يردوا كل تنازع ~~يحصل بينهم إلى ما يقضى به كتاب الله وسنة رسوله ، لأن التحاكم إلى غيرهما ~~لا يليق بمؤمن. # ثم أخذت السورة الكريمة في توبيخ المنافقين الذين يزعمون أنهم مؤمنون ومع ~~ذلك ( @QUR@010 يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ). ~~وأمرت النبي صلى الله عليه وسلم بزجرهم وبالإعراض عنهم ، وأخبرته بأنهم لا ~~إيمان لهم ما داموا لم يرتضوا حكمه. # قال تعالى : ( @QUR@019 فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم ~~لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ). # وبعد هذا التهديد والتوبيخ للمنافقين ، ساقت السورة الكريمة البشارات ~~السارة للمؤمنين الصادقين فقالت : ( @QUR@025 ومن يطع الله والرسول فأولئك ~~مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وحسن ~~أولئك رفيقا. ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما ). # ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن الجهاد في سبيل الله ، ~~لأن الحق يجب أن يكون هو السائد في الأرض ولأن المؤمن لا يليق به أن يستسلم ~~للأعداء ، بل عليه أن يجاهدهم وأن يغلظ عليهم حتى تكون كلمة الله هي ~~العليا. # لذا نجد السورة الكريمة توجه إلى المؤمنين نداء تأمرهم فيه بالحذر وأخذ ~~الأهبة لقتال أعدائهم ، وتحرضهم على هذا القتال للأعداء ، بأقوى ألوان ~~التحريض وأحكمها. # فأنت تراها في الربع السادس منها تأمر المؤمنين بالقتال في سبيل الله ، ~~وتبشر هؤلاء المقاتلين بأنهم لن يصيبهم إلا إحدى الحسنيين ، ( @QUR@012 ومن ~~يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما ). # وتستبعد أن يقصر المؤمنون في أداء هذا الواجب ، لأن تقصيرهم يتنافى مع ~~إيمانهم ، ( @QUR@012 وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله ، والمستضعفين من ~~الرجال والنساء والولدان ) وتبين لهم أن قتالهم إنما هو من أجل إعلاء كلمة ~~الله ، وقتال أعدائهم لهم إنما هو من أجل إعلاء كلمة الطاغوت. # ( @QUR@020 الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله ، والذين كفروا ms1090 يقاتلون في ~~سبيل الطاغوت ، فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا ). PageV03P012 # وتضرب لهم الأمثال بسوء عاقبة الذين جبنوا عن القتال حين كتب عليهم ~~وقالوا : ( @QUR@011 ربنا لم كتبت علينا القتال لو لا أخرتنا إلى أجل قريب ). # وتخبرهم بأن الموت سيدرك المقدام كما يدرك الجبان فعليهم أن يكونوا من ~~الذين يقدمون على الموت بدون جبن أو وجل مادام الجبن لا يؤخر الحياة كما أن ~~الإقدام لا ينقصها. # قال تعالى ( @QUR@09 أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ). # وهكذا تحرض السورة الكريمة المؤمنين على القتال في سبيل الله بأسمى ألوان ~~التحريض وأشدها وأنفعها. # ثم عادت السورة الكريمة إلى تحذير المؤمنين من المنافقين الذين يقولون ~~بأفواههم ما ليس في قلوبهم ، والذين يعوقون أهل الحق عن قتال أعدائهم ، ~~وأمرت النبي صلى الله عليه وسلم بأن يمضى هو ومن معه في طريق القتال من أجل ~~إعلاء كلمة الله دون أن يلتفت إلى هؤلاء المنافقين ، لأنهم لا يريدون بهم ~~إلا الشر. # قال تعالى : ( @QUR@022 فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك ، وحرض ~~المؤمنين ، عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ، والله أشد بأسا وأشد تنكيلا ). # ثم واصلت السورة في الربع السابع منها حديثها عن المنافقين ، فذكرت ما ~~ينبغي أن يعاملوا به ، وكشفت عن طبائعهم الذميمة ، وأخلاقهم القبيحة ، ونهت ~~المؤمنين عن اتخاذهم أولياء أو نصراء ، وأمرتهم أن يضيقوا عليهم ويقتلوهم ~~إذا ما استمروا في نفاقهم وشقاقهم وارتكاسهم في الفتنة. # قال تعالى : ( @QUR@050 فما لكم في المنافقين فئتين ، والله أركسهم بما ~~كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ، ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا. ~~ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ، فلا تتخذوا منهم أولياء حتى ~~يهاجروا في سبيل الله ، فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ، ولا ~~تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا ). # ثم تحدثت السورة عن حكم القتل الخطأ. وتوعدت من يقتل مؤمنا متعمدا بغضب ~~الله عليه ، ولعنه له ، وإنزال العذاب العظيم به. # ثم أمرت المؤمنين بأن يجعلوا قتالهم من أجل إعلاء كلمة الله ، لا من أجل ms1091 ~~المغانم والأسلاب ، وألا يقاتلوا إلا من يقاتلهم. وبشرت المجاهدين في سبيل ~~الله بما أعده الله لهم من درجات عالية يتميزون بها عن غيرهم من القاعدين ، ~~وتوعدت الذين يرضون الذلة لأنفسهم بسوء المصير ، وذلك لأن الحق لا تعلو ~~رايته في الأرض إلا إذا كان أتباعه أقوياء. يأبون الذل والخضوع لغير سلطان ~~الله تعالى . PageV03P013 # قال سبحانه : ( @QUR@049 إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ، قالوا ~~فيم كنتم؟ قالوا : كنا مستضعفين في الأرض ، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة ~~فتهاجروا فيها؟ فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا. إلا المستضعفين من الرجال ~~والنساء والولدان ، لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا. فأولئك عسى الله أن ~~يعفو عنهم ، وكان الله عفوا غفورا ). # ثم بشرت السورة الكريمة في مطلع الربع الثامن منها الذين يهاجرون في سبيل ~~الله ، بالخير الوفير والأجر الجزيل فقالت. # ( @QUR@031 ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ، ومن ~~يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ~~وكان الله غفورا رحيما ). # ثم أرشدت المؤمنين إلى الطريقة التي يؤدون بها فريضة الصلاة في حال ~~جهادهم ، لأن الصلاة فريضة محكمة لا يسقطها الجهاد ، بل هي تقوى دوافعه ، ~~وتحسن ثماره ونتائجه. # كما أمرتهم بالإكثار من ذكر الله في كل أحوالهم ، وبمواصلة جهاد أعدائهم ~~بدون كلل أو ملل حتى تكون كلمة الله هي العليا. # قال تعالى : ( @QUR@025 فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا ~~وعلى جنوبكم ، فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين ~~كتابا موقوتا. ولا تهنوا في ابتغاء القوم ). # ثم بينت السورة الكريمة أن الله تعالى قد أنزل القرآن على نبيه ~~صلى الله عليه وسلم لكي يحكم بين الناس بالعدل الذي أراه الله إياه ، ونهت ~~الأمة في شخصه صلى الله عليه وسلم عن الخيانة والميل مع الهوى ووبخت المنافقين ~~الذين «يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله ، كما وبخت الذين يدافعون ~~عنهم أو يسيرون في ركابهم. وذكرت جانبا من مظاهر عدله سبحانه ، ورحمته ~~الشاملة. # أما عدله فمن مظاهره أنه جعل ms1092 الجزاء من جنس العمل ( @QUR@07 ومن يكسب ~~إثما فإنما يكسبه على نفسه ). # وأما شمول رحمته فمن مظاهرها أنه سبحانه فتح باب التوبة لعباده وأكرمهم ~~بقبولها متى صدقوا فيها : ( @QUR@013 ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر ~~الله يجد الله غفورا رحيما ). # ثم بينت السورة الكريمة في مطلع الربع التاسع منها أن الاستخفاء بالأقوال ~~والأفعال عن الرسول صلى الله عليه وسلم أكثره لا خير فيه فقالت : # ( @QUR@016 لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح ~~بين الناس ). PageV03P014 # ثم تحدثت عن الذين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوعدتهم بسوء المصير ~~، ووبختهم على جهالاتهم وضلالاتهم وسيرهم في ركاب الشيطان الذي ( @QUR@014 ~~يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا. أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون ~~عنها محيصا ). # ثم بينت أن الله تعالى لا تنفع عنده الأمانى والأنساب ، وإنما الذي ينفع ~~عنده هو الإيمان والعمل الصالح. # قال تعالى : ( @QUR@036 ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ، من يعمل ~~سوءا يجز به ، ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا. ومن يعمل من ~~الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ، فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا ). # ثم تحدثت السورة الكريمة عن بعض الأحكام التي تتعلق بالنساء وأمرت ~~بالإصلاح بين الزوجين ، وبينت أن العدل التام بين النساء من كل الوجوه غير ~~مستطاع ، فعلى الرجال أن يكونوا متوسطين في حبهم وبغضهم ، وعليهم كذلك أن ~~يعاشروا النساء بالمعروف وأن يفارقوهن كذلك بالمعروف ( @QUR@011 وإن يتفرقا ~~يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما ). # ثم وجهت السورة الكريمة في الربع العاشر منها نداء إلى المؤمنين أمرتهم ~~فيه بأن يلتزموا الحق في كل شئونهم ، وأن يجهروا به ولو على أنفسهم أو ~~الوالدين والأقربين ، لأن العدالة المطلقة التي أتى بها الإسلام لا تعرف ~~التفرقة بين الناس. # ثم بينت السورة الكريمة حقيقة النفاق والمنافقين وكررت تحذيرها للمؤمنين ~~من شرورهم. وإن أدق وصف لهؤلاء المنافقين هو قوله تعالى في شأنهم : ( ~~@QUR@016 مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ، ولا إلى هؤلاء ومن يضلل ms1093 الله فلن ~~تجد له سبيلا ). # وقد توعدهم الله بسبب نفاقهم وخداعهم بأشد ألوان العذاب فقال سبحانه : ( ~~@QUR@029 إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا. إلا ~~الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله ، وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع ~~المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما ). # ثم حكت السورة الكريمة في الربع الحادي عشر منها ما أدب الله به عباده ، ~~وما أرشدهم إليه من خلق كريم وهو منع الجهر بالسوء من القول ، ولكنه سبحانه ~~رخص للمظلوم أن يتكلم في شأن ظالمه بالكلام الحق. لأنه تعالى لا تخفى عليه ~~خافية. قال تعالى ( @QUR@028 لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ~~وكان الله سميعا عليما. إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله ~~كان عفوا قديرا ). # ثم تحدثت عن بعض رذائل اليهود. وعن العقوبات التي عاقبهم الله بها بسبب ~~ظلمهم وفسوقهم. PageV03P015 # قال تعالى : ( @QUR@028 فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ~~وبصدهم عن سبيل الله كثيرا. وأخذهم الربوا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس ~~بالباطل ، وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما ). # أما في الربع الثاني عشر والأخير منها فقد تحدثت السورة الكريمة عن وحدة ~~الرسالة الإلهية. وبينت أن الله تعالى قد أوحى إلى نبيه محمد ~~صلى الله عليه وسلم كما أوحى إلى النبيين من قبله ، وأن حكمته سبحانه قد اقتضت ~~أن يرسل ( @QUR@011 رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل ). # ثم وجهت في أواخرها نداء عاما إلى الناس تأمرهم فيه بالإيمان بما جاءهم ~~به النبي صلى الله عليه وسلم . كما وجهت نداء آخر إلى أهل الكتاب تنهاهم فيه ~~عن السير في طريق الضلالة ، وعن الأقوال الباطلة التي قالوها في شأن عيسى ، ~~فإن عيسى كغيره من البشر من عباد الله تعالى ، ولن يستنكف أن يكون عبدا لله ~~تعالى : # ( @QUR@018 لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ، ولا الملائكة المقربون ، ~~ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر ، فسيحشرهم إليه جميعا ). # وكما تحدثت السورة الكريمة في أوائلها عن بعض أحكام الأسرة ms1094 ، فقد اختتمت ~~بالحديث عن ذلك ، لكي تبين للناس أن الأسرة هي عماد المجتمع ، وهي أساسه ~~الذي لا صلاح له إلا بصلاحها. # قال تعالى : ( @QUR@050 يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ، إن امرؤ ~~هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك ، وهو يرثها إن لم يكن لها ولد ، ~~فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك ، وإن كانوا إخوة رجالا ونساء ~~فللذكر مثل حظ الأنثيين. يبين الله لكم أن تضلوا ، والله بكل شيء عليم ). # هذا عرض إجمالى لبعض المقاصد السامية ، والآداب العالية ، والتشريعات ~~الحكيمة ، والتوجيهات القويمة التي اشتملت عليها السورة الكريمة. # ومن هذا العرض نرى أن سورة النساء كما يقول بعض العلماء : «قد عالجت ~~أحوال المسلمين فيما يتعلق بتنظيم شئونهم الداخلية ، عن طريق إصلاح الأسرة ~~وإصلاح المال في ظل تشريع قوى عادل ، مبنى على مراعاة مقتضيات الطبيعة ~~الإنسانية ، مجرد من تحكيم الأهواء والشهوات. # وذلك إنما يكون إذا كان صادرا عن حكيم خبير بنزعات النفوس واتجاهاتها ~~وميولها. PageV03P016 # كما عالجت أحوالهم فيما يختص بحفظ كيانهم الخارجي ، عن طريق التشريعات ~~والتوجيهات التي اشتملت عليها السورة الكريمة ، والتي من شأنها أن تحفظ ~~للأمة كيانها وشخصيتها متى تمسكت بها ، وأن تجعلها قادرة على دفع الشر الذي ~~يطرأ عليها من أعدائها. # بل إن السورة الكريمة لم تقف عند حد التنبيه على عناصر المقاومة المادية ~~، وإنما نبهت على ما يجب أن تحفظ به عقيدة الأمة ومبادئها من التأثر بما ~~يلقى في شأنها من الشكوك والشبه. وفي هذا إيحاء يجب على المسلمين أن ~~يلتفتوا إليه ، وهو أن يحتفظوا بمبادئهم كما يحتفظون بأوطانهم. وأن يحصنوا ~~أنفسهم من شر حرب أشد خطرا ، وأبعد في النفوس أثرا من حرب السلاح المادي : ~~تلك هي حرب التحويل من مبدأ إلى مبدأ ، ومن دين إلى دين ، مع البقاء في ~~الأوطان والإقامة في الديار والأموال. # ألا وإن شخصية الأمة ليتطلب بقاؤها الاحتفاظ بالجانبين : جانب الوطن ~~والسلطان. وجانب العقيدة والإيمان. وعلى هذا درج سلفنا الصالح فعاشوا في ~~أوطانهم آمنين. وبمبادئهم وعقائدهم متمسكين» (1). # وبعد : فهذا تمهيد بين يدي ms1095 تفسير سورة النساء. تعرضنا خلاله لعدد آياتها. ~~ولزمان نزولها. # ولسبب تسميتها بهذا الاسم. ولوجه المناسبة بينها وبين سابقتها. ولجانب من ~~فضائلها. وللمقاصد الإجمالية التي اشتملت عليها. # ولعلنا بذلك أخى القارئ نكون قد قدمنا لك تعريفا لهذه السورة يعينك على ~~تفهم أسرارها ، ومقاصدها. وتوجيهاتها قبل أن نبدأ في تفسير آياتها بالتفصيل ~~والتحليل. # والله نسأل أن يوفقنا جميعا لما يحبه ويرضاه وأن يجنبنا فتنة القول ~~والعمل. وأن يجعل أعمالنا وأقوالنا ونوايانا خالصة لوجهه الكريم. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV03P017 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@029 يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها ~~زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام ~~إن الله كان عليكم رقيبا ) (1) # افتتحت السورة الكريمة بهذا النداء الشامل لجميع المكلفين من وقت نزولها ~~إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، وذلك لأن لفظ الناس لا يختص بقبيل دون ~~قبيل ، ولا بقوم دون قوم ، وقد دخلته الألف واللام المفيدة للاستغراق ؛ ~~ولأن ما في مضمون هذا النداء من إنذار وتبشير وأمر بمراقبة الله وخشيته ، ~~يتناول جميع المكلفين لا أهل مكة وحدهم كما ذكره بعضهم ؛ لأن تخصيص قوله ~~تعالى ( @QUR@03 يا أيها الناس ) بأهل مكة تخصيص بغير مخصص. # والمراد بالنفس الواحدة هنا : آدم عليه السلام . وقد جاء الوصف وهو واحدة ~~بالتأنيث باعتبار لفظ النفس فإنها مؤنثة. # ومن في قوله ( @QUR@01 منها ) للتبعيض. والضمير المؤنث «ها» يعود إلى ~~النفس الواحدة. # والمراد بقوله تعالى : ( @QUR@01 زوجها ) حواء ؛ فإنها أخرجت من آدم كما ~~يقتضيه ظاهر قوله تعالى ( @QUR@01 منها ). # قال الفخر الرازي ما ملخصه : «المراد من هذا الزوج هو حواء. وفي كون حواء ~~مخلوقة من آدم قولان : # الأول : وهو الذي عليه الأكثرون : أنه لما خلق الله تعالى آدم ألقى عليه ~~النوم؟ ثم خلق حواء من ضلع من أضلاعه ، فلما استيقظ رآها ومال إليها وألفها ~~، لأنها كانت مخلوقة من PageV03P019 # جزء من أجزائه. واحتجوا عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم : «إن المرأة ~~خلقت من ضلع أعوج فإن ذهبت تقيمها ms1096 كسرتها وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها». # والقول الثاني : وهو اختيار أبى مسلم الأصفهاني : أن المراد من قوله ( ~~@QUR@03 وخلق منها زوجها ) أى من جنسها. وهو كقوله تعالى ( @QUR@06 والله ~~جعل لكم من أنفسكم أزواجا ). # وكقوله ( @QUR@06 إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ) وقوله ( @QUR@05 لقد ~~جاءكم رسول من أنفسكم ). # قال القاضي : والقول الأول أقوى ، لكي يصح قوله : ( @QUR@04 خلقكم من نفس ~~واحدة )، إذ لو كانت حواء مخلوقة ابتداء لكان الناس مخلوقين من نفسين لا ~~من نفس واحدة (1). # وقد تضمن هذا النداء لجميع المكلفين تنبيهم إلى أمرين : # أولهما : وحدة الاعتقاد بأن ربهم جميعا واحد لا شريك له. فهو الذي خلقهم ~~وهو الذي رزقهم ، وهو الذي يميتهم وهو الذي يحييهم ، وهو الذي أوجد أبيضهم ~~وأسودهم ، وعربيهم وأعجميهم. # وثانيهما : وحدة النوع والتكوين ، إذ الناس جميعا على اختلاف ألسنتهم ~~وألوانهم وأجناسهم قد انحدروا عن أصل واحد وهو آدم عليه السلام . # فيجب أن يشعر الجميع بفضل الله عليهم. وأن يخلصوا له العبادة والطاعة ، ~~وأن يتعاونوا على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان ، وأن يوقنوا بأنه لا ~~فضل لجنس على جنس ، ولا للون على لون إلا بمقدار حسن صلتهم بربهم ومالكهم ~~ومدبر أمورهم. # والمعنى : يا أيها الناس اتقوا ربكم بأن تطيعوه فلا تعصوه ، وبأن تشكروه ~~فلا تكفروه ، فهو وحده الذي أوجدكم من نفس واحدة هي نفس أبيكم آدم ، وذلك ~~من أظهر الأدلة على كمال قدرته سبحانه ، ومن أقوى الدواعي إلى اتقاء موجبات ~~نقمته ، ومن أشد المقتضيات التي تحملكم على التعاطف والتراحم والتعاون فيما ~~بينكم ، إذ أنتم جميعا قد أوجدكم سبحانه من نفس واحدة. # وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : «فإن قلت : الذي يقتضيه سداد ~~نظم الكلام وجزالته ، أن يجاء عقيب الأمر بالتقوى بما يوجبها أو يدعو إليها ~~ويحث عليها فكيف كان خلقه إياهم من نفس واحدة على التفصيل الذي ذكره موجبا ~~للتقوى وداعيا إليها؟ # قلت : لأن ذلك مما يدل على القدرة العظيمة. ومن قدر على نحوه كان قادرا ~~على كل شيء ، PageV03P020 # ولأنه يدل على النعمة السابغة عليهم ، فحقهم أن ms1097 يتقوه في كفرانها ~~والتفريط فيما يلزمهم من القيام بشكرها. أو أراد بالتقوى تقوى خاصة ، وهي ~~أن يتقوه فيما يتصل بحفظ الحقوق بينهم ، فلا يقطعوا ما يجب عليهم وصله فقيل ~~: اتقوا ربكم الذي وصل بينكم ؛ حيث جعلكم صنوانا مفرعة من أرومة واحدة فيما ~~يجب على بعضكم لبعض ، فحافظوا عليه ولا تغفلوا عنه ، وهذا المعنى مطابق ~~لمعانى السورة» (1). # وقوله : ( @QUR@03 وخلق منها زوجها ) معطوف على قوله ( @QUR@04 خلقكم من ~~نفس واحدة ). أو معطوف على محذوف والتقدير : خلقكم من نفس واحدة ابتدأها ~~وخلق منها زوجها. # ثم بين سبحانه ما ترتب على هذا الازدواج من تناسل فقال : ( @QUR@05 وبث ~~منهما رجالا كثيرا ونساء ). # والبث معناه : النشر والتفريق. يقال : بث الخيل في الغارة ، أى فرقها ~~ونشرها. ويقال : بثثت البسط إذا نشرتها. قال تعالى ( @QUR@02 وزرابي مبثوثة ~~) أى منشورة. # والمعنى : ونشر وفرق من تلك النفس الواحدة وزوجها على وجه التوالد ~~والتناسل ، رجالا كثيرا ونساء كثيرة. # والتعبير بالبث يفيد أن هؤلاء الذين توالدوا وتناسلوا عن تلك النفس ~~وزوجها ، قد تكاثروا وانتشروا في أقطار الأرض على اختلاف ألوانهم ولغاتهم ، ~~وأن من الواجب عليهم مهما تباعدت ديارهم ، واختلفت ألسنتهم وأشكالهم أن ~~يدركوا أنهم جميعا ينتمون إلى أصل واحد ، وهذا يقتضى تراحمهم وتعاطفهم فيما ~~بينهم. وقوله ( @QUR@01 كثيرا ) صفة لقوله ( @QUR@01 رجالا ) وهو صفة مؤكدة ~~لما أفاده التنكير من معنى الكثرة. وجاء الوصف بصيغة الإفراد ، لأن ( ~~@QUR@01 كثيرا ) وإن كان مفردا لفظا إلا أنه دال على معنى الجمع. واستغنى ~~عن وصف النساء بالكثرة ، اكتفاء بوصف الرجال بذلك ، ولأن الفعل ( @QUR@01 ~~بث ) يقتضى الكثرة والانتشار. # وقال الفخر الرازي : خصص وصف الكثرة بالرجال دون النساء ، لأن شهرة ~~الرجال أتم ، فكانت كثرتهم أظهر ، فلا جرم خصوا بوصف الكثرة. وهذا كالتنبيه ~~على أن اللائق بحال الرجال الاشتهار والخروج والبروز. واللائق بحال النساء ~~الاختفاء والخمول» (2). # وقوله : ( @QUR@06 واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام ) تكرير للأمر ~~بالتقوى لتربية المهابة في النفس وتذكير ببعض آخر من الأمور الموجبة لخشية ~~الله وامتثال أوامره. وقوله ( @QUR@01 تسائلون ) أصلها تتساءلون فطرحت إحدى ~~التاءين تخفيفا. وهي قراءة عاصم وحمزة الكسائي. PageV03P021 # وقرأ ms1098 الباقون «تساءلون» بالتشديد بإدغام تاء التفاعل في السين لتقاربهما ~~في الهمس. والأرحام : جمع رحم وهي القرابة. مشتقة من الرحمة ، لأن ذوى ~~القرابة من شأنهم أن يتراحموا ويعطف بعضهم على بعض. # وكلمة ( @QUR@01 الأرحام ) قرأها الجمهور بالنصب عطفا على اسم الله تعالى. # والمعنى ؛ واتقوا الله الذي يسأل بعضكم بعضا به ، بأن يقول له على سبيل ~~الاستعطاف : أسألك بالله أن تفعل كذا ، أو أن تترك كذا. واتقوا الأرحام أن ~~تقطعوها فلا تصلوها بالبر والإحسان ، فإن قطيعتها وعدم صلتها مما يجب أن ~~يتقى ويبتعد عنه ، وإنما الذي يجب أن يفعل هو صلتها وبرها. # وقرأها حمزة بالجر عطفا على الضمير المجرور في (به). أى : اتقوا الله ~~الذي تساءلون به وبالأرحام بأن يقول بعضكم لبعض مستعطفا أسألك بالله ~~وبالرحم أن تفعل كذا. # وقد كان من عادة العرب أن يقرنوا الأرحام بالله تعالى في المناشدة ~~والسؤال فيقولون : اسألك بالله وبالرحم. # ولم يرتض كثير من النحويين هذه القراءة من حمزة ، وقالوا : إنها تخالف ~~القواعد النحوية التي تقول : إن عطف الاسم الظاهر على الضمير المجرور ~~المتصل بدون إعادة الجار لا يصح ، لأن الضمير المجرور المتصل بمنزلة الحرف ~~، والحرف لا يصح عطف الاسم الظاهر عليه ، ولأن الضمير المجرور كبعض الكلمة ~~لشدة اتصاله بها ، وكما أنه لا يجوز أن يعطف على بعض الكلمة فكذلك لا يجوز ~~أن يعطف عليه. إلى غير ذلك مما قالوه في تضعيف هذه القراءة. وقد دافع كثير ~~من المفسرين عن هذه القراءة التي قرأها حمزة. وأنكروا على النحويين تشنيعهم عليه. # ومما قاله القرطبي في دفاعه عن صحة هذه القراءة : ومثل هذا الكلام أى من ~~النحويين مردود عند أئمة الدين ، لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القراء ~~ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم تواترا يعرفه أهل الصنعة ، وإذا ثبت شيء عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فمن رد ذلك فقد رد على النبي صلى الله عليه وسلم ~~واستقبح ما قرأ به. # وهذا مقام محذور ، ولا يقلد فيه أئمة اللغة والنحو ، فإن العربية تتلقى ~~من النبي صلى الله ms1099 عليه وسلم ولا يشك أحد في فصاحته. # ثم قال : والكوفي يجيز عطف الظاهر على الضمير المجرور ولا يمنع منه ، ~~ومنه قولهم : # فاذهب فما بك والأيام من عجب (1) PageV03P022 # ومما قاله الفخر الرازي في ذلك : واعلم أن هذه الوجوه أى التي احتج بها ~~النحويون في تضعيف قراءة حمزة ليست وجوها قوية في رفع الروايات الواردة في ~~اللغات ؛ وذلك لأن حمزة أحد القراء السبعة ، ولم يأت بهذه القراءة من عند ~~نفسه ، بل رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك يوجب القطع بصحة هذه ~~اللغة ، والقياس يتضاءل عند السماع لا سيما بمثل هذه الأقيسة التي هي أوهن ~~من بيت العنكبوت. # وأيضا فلهذه القراءة وجهان : # أحدهما : أنها على تقدير تكرير الجار. كأنه قيل : تساءلون به وبالأرحام. # وثانيهما : أنه ورد ذلك في الشعر ومنه : # نعلق في مثل السواري سيوفنا %~% وما بينها والكعب غوط نفانف # ثم قال : والعجب من هؤلاء النحاة أنهم يستحسنون إثبات هذه اللغة بمثل هذه ~~الأبيات المجهولة ، ولا يستحسنون إثباتها بقراءة حمزة ومجاهد ، مع أنهما ~~كانا من أكابر علماء السلف في علم القرآن» (1). # هذا ، وهناك قراءة بالرفع. قال الآلوسى : وقرأ ابن زيد ( @QUR@01 ~~والأرحام ) بالرفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر. أى والأرحام كذلك أى مما ~~يتقى لقرينة ( @QUR@01 اتقوا ). أو مما يتساءل به لقرينة ( @QUR@01 ~~تسائلون ) (2). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بما يحمل العقلاء على المبالغة في تقوى الله ~~، وفي صلة الرحم فقال تعالى : ( @QUR@05 إن الله كان عليكم رقيبا ). أى ~~حافظا يحصى عليكم كل شيء. من رقبه إذا حفظه. # أو مطلعا على جميع أحوالكم وأعمالكم ، ومنه المرقب للمكان العالي الذي ~~يشرف منه الرقيب ليطلع على ما دونه. # وقد أكد سبحانه رقابته على خلقه ، واطلاعه على جميع أحوالهم بأوثق ~~المؤكدات. فقد أكد سبحانه الجملة الكريمة بإن ، وبتكرار لفظ الجلالة الذي ~~يبعث في النفوس كل معاني الخشية والعبودية له ، وبالتعبير بكان الدالة على ~~الدوام والاستمرار ، وبذكر الفوقية التي يدل عليها لفظ ( @QUR@01 عليكم ) ~~إذ هو يفيد معنى الاطلاع الدائم مع السيطرة والقهر ، وبالإتيان بصيغة ~~المبالغة وهي قوله : ( @QUR@01 رقيبا ms1100 ) أى شديد المراقبة لجميع أقوالكم ~~وأعمالكم فهو يراها ويعلمها PageV03P023 # وسيحاسبكم عليها يوم القيامة. # وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة : وجوب مراقبته سبحانه وخشيته ~~وإخلاص العبادة له ، لأنه هو الذي أوجدهم من نفس واحدة ، وهو الذي أوجد من ~~هذه النفس الموحدة زوجها ، وهو الذي أوجد منها عن طريق التناسل الذكور ~~والإناث الذين يملؤون أقطار الأرض على اختلاف صفاتهم وألوانهم ولغاتهم ، ~~وهو الذي لا تخفى عليه خافية من أحوالهم ، بل هو مطلع عليهم وسيحاسبهم على ~~أعمالهم يوم الدين ، ومن كان كذلك فمن حقه أن يتقى ويخشى ويطاع ولا يعصى. # كما أخذوا منها جواز المسألة بالله تعالى لأنه سبحانه قد أقرهم على هذا ~~التساؤل ؛ لكونهم يعتقدون عظمته وقدرته. # وقد ورد في هذا الباب أحاديث متعددة منها ما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود ~~والنسائي وابن حبان عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من ~~استعاذ بالله فأعيذوه ، ومن سألكم بالله فأعطوه ، ومن دعاكم فأجيبوه. ومن ~~أسدى إليكم معروفا فكافئوه ، فإن لم تجدوا ما تكافئون به فادعوا له حتى ~~تعلموا أن قد كافأتموه». # نعم من أداه التساؤل باسمه تعالى إلى التساهل في شأنه ، وجعله عرضة لعدم ~~إجلاله ، فإنه يكون محظورا قطعا. وعليه يحمل ما ورد من أحاديث تصرح بلعن من ~~سأل بوجه الله. ومنها ما رواه الطبراني عن أبى موسى الأشعرى مرفوعا : ملعون ~~من سأل بوجه الله. وملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله ما لم يسأل هجرا. ~~أى ما لم يسأل أمرا قبيحا لا يليق. # كما أخذوا منها أيضا وجوب صلة الرحم ، فقد جعل سبحانه الإحسان طلى الآباء ~~وإلى الأقارب في المنزلتين الثانية والثالثة بعد الأمر بعبادته فقال : ( ~~@QUR@012 واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ، وبذي القربى ~~واليتامى والمساكين ) (1). # ومن الأحاديث التي وردت في وجوب صلة الرحم ما رواه البخاري عن أبى هريرة ~~قال : «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من سره أن يبسط له في رزقه ، ~~وأن ينسأ له في أجله ، فليصل رحمه. # وأخرج ms1101 الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : الرحم معلقة بالعرش. تقول : من وصلني وصله الله ، ~~ومن قطعني قطعه الله. # وأخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ~~ليس الواصل بالمكافئ. PageV03P024 # ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها. # إلى غير ذلك من الأحاديث التي وردت في الترغيب في صلة الرحم والترهيب من ~~قطيعتها. # * * * # ثم شرع سبحانه في تفصيل موارد الاتقاء ومظانه ، فابتدأ بأحق الناس ~~بالرحمة والمودة ، وهم اليتامى فقال تعالى : # ( @QUR@016 وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا ~~أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبير ا (2) @QUR@028 وإن خفتم ألا تقسطوا ~~في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا ~~تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا ) (3) # والأمر في قوله ( @QUR@01 وآتوا ) يتناول كل من له ولاية أو وصاية أو صلة ~~باليتيم ، كما يتناول الجماعة الإسلامية بصفة عامة ، لكي تتكاتف وتتعاون ~~على تمكين اليتيم من وصول حقه إليه بدون بخس أو مماطلة. # و ( @QUR@01 اليتامى ) جمع يتيم وهو الصغير الذي مات أبوه ، مأخوذ من ~~اليتم بمعنى الانفراد. ومنه الدرة اليتيمة. # قال صاحب الكشاف وحق هذا الاسم أن يقع على الصغار والكبار لبقاء معنى ~~الانفراد عن الآباء ، إلا أنه قد غلب أن يسموا به قبل أن يبلغوا مبلغ ~~الرجال ، فإذا استغنوا بأنفسهم عن كافل وقائم عليهم ، وانتصبوا كفاة يكفلون ~~غيرهم ويقومون عليهم ، زال عنهم هذا الاسم. وكانت قريش تقول لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : يتيم أبى طالب ؛ إما على القياس ، وإما حكاية للحال التي ~~كان عليها صغيرا في حجر عمه. وأما قوله صلى الله عليه وسلم «لا يتم بعد الحلم» ~~فهو تعليم شريعة لا لغة. أى أنه إذا احتلم لم تجر عليه أحكام الصغار» (1). # والمراد باليتامى هنا الصغار ، والمراد بإيتائهم أموالهم حفظها لهم وعدم ~~الطمع في شيء منها PageV03P025 # لا من قبل الورثة ولا من قبل الأوصياء ولا من قبل ms1102 غيرهم وعلى هذا المعنى ~~يكون لفظ الإيتاء قد أول بلازم معناه وهو الحفظ والرعاية لمال اليتامى ، لا ~~تسليم المال إليهم لأنه من المعروف شرعا ألا يسلم المال إليهم إلا بعد ~~البلوغ ، إذ هم في حال الصغر لا يصلحون للتصرف. # ويكون هذا التعبير من باب الكناية بإطلاق اللازم وهو الإيتاء ، وإرادة ~~الملزوم وهو الحفظ ، أو من باب المجاز بالمآل إذ الحفظ يؤول إلى الإيتاء. # ويرى بعضهم أن المراد باليتامى هنا الكبار الذين أونس منهم الرشد وأن ~~المراد بالإيتاء دفع أموالهم إليهم على سبيل الحقيقة. # ويكون التعبير عنهم باليتامى مع أنهم كبار باعتبار أن اسم اليتيم يتناول ~~لغة كل من فقد أباه ، أو باعتبار قرب عهدهم بالصغر ، أو باعتبار ما كان أى ~~الذين كانوا يتامى. قالوا : وفي التعبير عنهم باليتامى مع أنهم كبار ، ~~إشارة إلى وجوب المسارعة في تسليم أموالهم إليهم متى أونس منهم الرشد ، حتى ~~لكأن اسم اليتيم ما زال باقيا عليهم ، غير منفصل عنهم : # ويبدو لنا أن الرأى الأول أولى ، لأن الأمر بدفع أموال اليتامى إليهم. ~~بعد بلوغهم قد جاء صريحا في قوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@013 وابتلوا ~~اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ). # فكان حمل الآية التي معنا على أن المراد باليتامى : الصغار ، وبإيتاء ~~أموالهم حفظها لهم ، أولى وأقرب إلى المنطق ، لأنه على الرأى الأول يكون ~~الأمر وما يذكر به تأسيسات أحكام ، وعلى الرأى الثاني يكون ما في الآية ~~الثانية مؤكدا لما في الآية التي معنا. والتأسيس أولى من التأكيد. # ولأن قوله تعالى بعد ذلك في الآية التي معنا ( @QUR@09 ولا تتبدلوا ~~الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ) إنما هو تحذير للأوصياء ~~والأولياء من الطمع في مال اليتيم أو إضاعته ما دام المال في أيديهم ~~واليتيم في حجرهم ، وهذا يؤيد هذا الرأى الأول القائل بأن المراد باليتامى ~~: الصغار ، وبإيتاء أموالهم : حفظها ورعايتها حتى تسلم إليهم عند بلوغهم ~~كاملة غير منقوصة. # وقوله ( @QUR@04 ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ) معناه : لا تجعلوا رديء ~~المال لهم بدل الجيد ، بأن ms1103 تأخذوا لأنفسكم كرائم الأموال ونفائسها ، ~~وتتركوا لهم الخسيس منها. # قال القرطبي : وكانوا في الجاهلية لعدم الدين لا يتحرجون عن أموال ~~اليتامى فكانوا يأخذون الطيب من أموال اليتامى ويبدلونه بالرديء من أموالهم ~~ويقولون اسم باسم ، ورأس برأس ، فنهاهم الله عن ذلك. وهذا قول سعيد بن ~~المسيب والزهري والسدى والضحاك وهو PageV03P026 # ظاهر الآية ، إذ التبديل جعل شيء بدل شيء» (1). # ويرى صاحب الكشاف أن المراد بالخبيث : الحرام ، وبالطيب : الحلال فقد ~~قالوا : ( @QUR@04 ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ) أى : ولا تستبدلوا الحرام ~~وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم وما أبيح لكم من المكاسب ورزق الله ~~المبثوث في الأرض فتأكلوه مكانه ، أو لا تستبدلوا الأمر الخبيث وهو اختزال ~~أموال اليتامى بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع عنها» (2). # وقوله تعالى ( @QUR@05 ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ) نهى آخر عن ~~الاعتداء على أموال اليتامى عن طريق خلط أموال اليتامى بأموال الأوصياء ، ~~والمراد من الأكل : مطلق الانتفاع والتصرف وخص الأكل بالذكر ، لأنه معظم ما ~~يقع لأجله التصرف. # والمعنى : ولا تضموا أيها الأوصياء أموال اليتامى إلى أموالكم في الإنفاق ~~فتأكلوها مع أموالكم ، وتسووا بينهما في الانتفاع ، لأن أموالكم أحل الله ~~لكم أكلها ، أما أموال اليتامى فقد حرم الله عليكم أكلها. # فالآية الكريمة صريحة في النهى عن خلط مال اليتيم القاصر بمال الوصي عليه ~~بقصد أكله ، لأن هذا لون من ألوان الاستيلاء المحرم على أموال اليتامى ، ~~كما أنها تتضمن النهى عن خلط مال اليتيم بمال الوصي عليه ولو لم يقصد أكله ~~، لأن هذا الخلط قد يؤدى إلى ضياعه وعدم تميزه فقد يموت الوصي فلا يعرف مال ~~اليتيم من ماله ، فيؤدى الأمر إلى أكله وإن لم يكن مقصودا ، ولذا قال ~~الفقهاء : إذا مات الوصي على اليتيم مجهلا مال اليتيم اعتبر مستهلكا له. # والخلاصة أن الآية الكريمة تحرم على الأولياء والأوصياء وغيرهم أن ~~يتصرفوا في أموال اليتامى أى تصرف يؤدى إلى الإضرار بها ، بل عليهم أن ~~يحفظوها لهم حتى يدفعوها إليهم سالمة عند البلوغ. # هذا ، وليس قيد «إلى أموالكم» محط النهى ، بل النهى واقع على أكل ms1104 أموال ~~اليتامى مطلقا ، سواء أكان للآكل مال يضم إليه مال اليتيم أم لم يكن. ولكن ~~لما كان الغالب وجود أموال للأوصياء ، وأنهم يريدون من أكل أموال اليتامى ~~التكثر أو توفير أموالهم ، جيء بهذا القيد رعاية لهذا الغالب ، وليكون ذمهم ~~على جشعهم وضعف دينهم أشد وأشنع حيث أكلوا حقوق اليتامى مع أنهم في غنى ~~عنها بما رزقهم الله من أموال. # وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : فإن قلت : قد حرم عليهم أكل ~~مال اليتامى PageV03P027 # وحده ومع أموالهم فلم ورد النهى عن أكله معها؟ قلت : لأنهم إذا كانوا ~~مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله من مال حلال وهم مع ذلك يطمعون ~~فيها كان القبح أبلغ والذم أحق ، ولأنهم كانوا يفعلون ذلك فنعى عليهم فعلهم ~~وسمع بهم ليكون أزجر لهم» (1). # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@04 إنه كان حوبا كبيرا ). # والحوب : اسم مصدر من حاب يحوب حوبا : إذا اكتسب إثما. يقال : فلان يتحوب ~~أى يتأثم. والحوباء : النفس المرتكبة للإثم. ويقال في الدعاء : اللهم اغفر ~~حوبتي ، أى إثمى. وأصله الزجر للإبل ، فسمى الإثم حوبا لأنه يزجر عنه وبه. # والضمير في قوله ( @QUR@01 إنه ) يعود إلى أكل مال اليتيم بأى طريق محرم. # والمعنى : إن أكل مال اليتيم بأى طريقة من الطرق المحرمة كان إثما كبيرا ~~، وذنبا عظيما ، لأن هذا الأكل اعتداء على نفس ضعيفة فقدت من يعولها ومن ~~يدافع عنها ، ومن اعتدى على نفس ضعيفة ، وضيع حقها ، وخان الأمانة كان ~~مرتكبا لذنب عظيم يؤدى به إلى العقوبة والعذاب الأليم. # والجملة بمنزلة التعليل للنهى عن أكل مال اليتيم ، وعن الطمع بدون وجه حق فيها. # ثم شرع سبحانه في نهيهم عن منكر آخر كانوا يباشرونه فقال تعالى : # ( @QUR@015 وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ~~مثنى وثلاث ورباع ). # وقوله ( @QUR@02 وإن خفتم ) شرط ، وجوابه قوله ( @QUR@01 فانكحوا ). # والمراد من الخوف : العلم ، وعبر عنه بذلك للأشعار بكون المعلوم مخوفا ~~محذورا. ويقوم الظن الغالب مقام العلم. # وقوله ( @QUR@01 تقسطوا ) من الإقساط وهو العدل. يقال : أقسط الرجل إذا ~~عدل. ms1105 قال تعالى : ( @QUR@05 وأقسطوا إن الله يحب المقسطين ) ويقال : قسط ~~الرجل إذا جار وظلم صاحبه. قال تعالى ( @QUR@05 وأما القاسطون فكانوا لجهنم ~~حطبا ). # والمراد «باليتامى» : يتامى النساء. قال الزمخشري : ويقال للإناث اليتامى ~~كما يقال للذكور وهو جمع يتيمة. # ومعنى ( @QUR@03 ما طاب لكم ) ما مالت إليه نفوسكم واستطابته من النساء ~~اللائي أحل الله لكم نكاحهن. PageV03P028 # هذا ، وللعلماء أقوال في تفسير هذه الآية الكريمة منها : ما رواه البخاري ~~ومسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة رضى الله ~~عنها عن هذه الآية فقالت : يا ابن أختى هي اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه ~~في ماله ويعجبه مالها وجمالها. فيريد وليها أن يتزوجها من غير أن يقسط في ~~صداقها ، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره. قال عروة : قالت عائشة : وإن الناس ~~استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية ، فأنزل الله تعالى : ( ~~@QUR@024 ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في ~~الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن ). # قالت عائشة : وقول الله تعالى ( @QUR@03 وترغبون أن تنكحوهن ) رغبة أحدكم ~~عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال. قالت : فنهوا عن أن ينكحوا من ~~رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط ، من أجل رغبتهم عنهن ~~إذا كن قليلات المال والجمال (1)». # وعلى هذه الرواية التي ساقها أئمة المحدثين عن عائشة في المراد من الآية ~~الكريمة يكون المعنى : وإن علمتم أيها الأولياء على النساء اليتامى أنكم لن ~~تعدلوا فيهن إذا تزوجتم بهن بأن تسيئوا إليهن في العشرة ، أو بأن تمتنعوا ~~عن إعطائهن الصداق المناسب لهن إذا علمتم ذلك فانكحوا غيرهن من النساء ~~الحلائل اللائي تميل إليهن نفوسكم ولا تظلموا هؤلاء اليتامى بنكاحهن دون أن ~~تعطوهن حقوقهن ؛ فإن الله تعالى قد وسع عليكم في نكاح غيرهن. # فالمقصود من الآية الكريمة على هذا المعنى : نهى الأولياء عن نكاح النساء ~~اليتامى اللائي يلونهن عند خوف عدم العدل فيهن ، إلا أنه أوثر التعبير عن ~~ذلك بالأمر بنكاح النساء الأجنبيات ms1106 ، كراهة للنهى الصريح عن نكاح اليتيمات ~~، وتلطفا في صرف المخاطبين عن نكاح اليتامى حال العلم بعدم العدل فيهن. # فكأنه سبحانه يقول : إن علمتم أيها الأولياء الجور والظلم في نكاح ~~اليتامى اللائي في ولايتكم فلا تنكحوهن ، وانكحوا غيرهن مما طاب لكم من ~~النساء. # وعلى هذا القول الذي أورده المحدثون عن عائشة رضى الله عنها سار كثير من ~~المفسرين في تفسير الآية الكريمة. وبعضهم اقتصر عليه ولم يذكر سواه. # قال بعض العلماء : وكلامها هذا أحسن تفسير لهذه الآية. وهي وإن لم تسند ~~ما قالته إلى رسول الله ، إلا أن سياق كلامها يؤذن بأنه عن توقيف ؛ ولذلك ~~أخرجه البخاري في باب تفسير سورة النساء بسياق الأحاديث المرفوعة ، اعتدادا ~~بأنها ما قالت ذلك إلا عن معاينة حال النزول. PageV03P029 # لا سيما وقد قالت : ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ~~وعليه فيكون إيجاز لفظ الآية اعتدادا بما فهمه الناس مما يعلمون من أحوالهم ~~، وتكون قد جمعت إلى جانب حفظ حقوق اليتامى في أموالهم الموروثة ، حفظ ~~حقوقهم في الأموال التي يستحقها النساء اليتامى كمهور لهن عند الزواج بهن ~~..» (1). # أما الرأى الثاني فيرى أصحابه أن الآية مسوقة للنهى عن نكاح ما فوق ~~الأربع خوفا على أموال اليتامى أن يتلفها أولياؤهم. # وقد حكى هذا القول الإمام ابن جرير فقال : وقال آخرون بل معنى ذلك : ~~النهى عن نكاح ما فوق الأربع ، حذرا على أموال اليتامى أن يتلفها أولياؤهم ~~وذلك أن قريشا كان الرجل منهم يتزوج العشر من النساء والأكثر والأقل ، فإذا ~~صار معدما مال على مال اليتيمة التي في حجره فأنفقه ، أو تزوج به ، فنهوا ~~عن ذلك. وقيل لهم : إن أنتم خفتم على أموال أيتامكم أن تنفقوها فلا تعدلوا ~~فيها من أجل حاجتكم إليها لما يلزمكم من مؤن نسائكم ، إن خفتم ذلك. فلا ~~تجاوزوا فيما تنكحون من عدد النساء على أربع. وإن خفتم أيضا من الأربع ألا ~~تعدلوا في أموالهم أى أموال اليتامى ، فاقتصروا على الواحدة أو على ما ملكت ~~أيمانكم (2) أى إن كان زواجكم بالأربع ms1107 يؤدى إلى الجور في أموال اليتامى ~~فاقتصروا على الزواج بامرأة واحدة ». # وقد انتصر ابن جرير لهذا القول وعده أرجح الأقوال ، فقال ما ملخصه وإنما ~~قلنا : إن ذلك أولى بتأويل الآية ؛ لأن الله تعالى افتتح الآية التي قبلها ~~بالنهى عن أكل أموال اليتامى بغير حقها. ثم أعلمهم هنا المخلص من الجور في ~~أموال اليتامى فقال : انكحوا إن أمنتم الجور في النساء على أنفسكم ما أبحت ~~لكم منهن وحللته : مثنى وثلاث ورباع. فإن خفتم أيضا الجور على أنفسكم في ~~أمر الواحدة فلا تنكحوها ، ولكن تسروا من المماليك ، فإنكم أحرى ألا تجوروا ~~عليهن ، لأنهن أملاككم وأموالكم ، ولا يلزمكم لهن من الحقوق كالذي يلزمكم ~~للحرائر ، فيكون ذلك أقرب لكم إلى السلامة من الإثم والجور» (3). # وينسب هذا الرأى إلى ابن عباس وسعيد بن جبير ، والسدى ، وقتادة ، وعكرمة. # وقال مجاهد : إن الآية الكريمة مسوقة للنهى عن الزنا. وقد حكى هذا الرأى ~~صاحب الكشاف فقال : كانوا لا يتحرجون من الزنا. ويتحرجون من ولاية اليتامى. ~~فقيل لهم : إن PageV03P030 # خفتم الجور في حق اليتامى ، فخافوا الزنا ، فانكحوا ما حل لكم من النساء ~~، ولا تحوموا حول المحرمات» (1). # هذه أشهر الأقوال في معنى الآية الكريمة ، ويبدو لنا أن أرجحها أولها ، ~~لأنه هو الظاهر من معنى الآية ، ولأن الغالب أن السيدة عائشة رضى الله عنها ~~ما فسرت الآية بهذا التفسير الذي قالته لابن أختها عروة إلا عن توقيف ~~ومعاينة لحال النزول ، ولأن الملازمة بين الشرط والجزاء في الآية على هذا ~~الوجه تكون ظاهرة. إذ التقدير وإن خفتم أيها الأولياء الجور والظلم في نكاح ~~اليتامى اللاتي في ولايتكم فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم من النساء. # أما على القول الثاني فمحل الملازمة بين الشرط والجزاء إنما هو فيما تفرع ~~عن الجزاء وهو قوله ( @QUR@09 فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت ~~أيمانكم ). # وعلى قول مجاهد تضعف الملازمة بين الشرط والجزاء. # هذا ، والأمر في قوله ( @QUR@01 فانكحوا ) على التفسير الأول للإباحة كما ~~في قوله تعالى ( @QUR@02 كلوا واشربوا ... ) خلافا للظاهرية الذين يرون أنه ~~للوجوب. و ( @QUR@01 ما ms1108 ) في قوله تعالى ( @QUR@03 ما طاب لكم ) موصولة أو ~~موصوفة. وما بعدها صلتها أو صفتها. وأوثرت على من : لأنها أريد بها الصفة ~~وهو الطيب من النساء بدون تحديد لذات معينة ، ولو قال فانكحوا من طاب لكم ~~لتبادر إلى الذهن أن المراد نسوة طيبات معروفات بينهم. # وقوله تعالى ( @QUR@03 مثنى وثلاث ورباع ) حال من فاعل ( @QUR@01 طاب ) ~~المستتر أو من مرجعه وهو ( @QUR@01 ما )، أو بدل منه. # وهذه الكلمات الثلاث من ألفاظ العدد. وتدل كل واحدة منها على المكرر من ~~نوعها. فمثنى تدل على اثنين اثنين. وثلاث تدل على ثلاثة ثلاثة. ورباع تدل ~~على أربعة أربعة. # والمراد منها هنا : الإذن لكل من يريد الجمع أن ينكح ما شاء من العدد ~~المذكور متفقين فيه ومختلفين. # والمعنى : فانكحوا ما طاب لكم من النساء معدودات هذا العدد : ثنتين ~~ثنتين. وثلاثا ثلاثا. وأربعا أربعا. حسبما تريدون وتستطيعون. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : الذي أطلق للناكح في الجمع أن يجمع بين ~~ثنتين أو ثلاث أو أربع. فما معنى التكرير في مثنى وثلاث ورباع. PageV03P031 # قلت : الخطاب للجميع. فوجب التكرير ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراد من ~~العدد الذي أطلق له. كما تقول للجماعة : اقتسموا هذا المال وهو ألف درهم : ~~درهمين درهمين ، وثلاثة ثلاثة. وأربعة أربعة. ولو أفردت لم يكن له معنى. # فإن قلت : فلم جاء العطف بالواو دون أو؟ # قلت : كما جاء بالواو في المثال الذي حذوته لك. ولو ذهبت تقول : اقتسموا ~~هذا المال درهمين درهمين أو ثلاثة ثلاثة أو أربعة أربعة ؛ علمت أنه لا يسوغ ~~لهم أن يقتسموه إلا على أحد أنواع هذه القسمة. وليس لهم أن يجمعوا بينها. ~~فيجعلوا بعض القسم على تثنية ، وبعضا على تثليث ، وبعضا على تربيع ، وذهب ~~معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة الذي دلت عليه الواو. # وتحريره : أن الواو دلت على إطلاق أن يأخذ الناكحون من أرادوا نكاحهن من ~~النساء على طريق الجمع : إن شاءوا مختلفين في تلك الأعداد ، وإن شاءوا ~~متفقين فيها ، محظورا عليهم ما وراء ذلك» (1). # ثم بين سبحانه لعباده ما ينبغي ms1109 عليهم فعله في حال توقعهم عدم العدل بين ~~الزوجات فقال تعالى ( @QUR@09 فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت ~~أيمانكم ). # فالمراد بالعدل هنا : العدل بين الزوجات المتعددات. # أى : فإن علمتم أنكم لا تعدلون بين الأكثر من الزوجة الواحدة في القسم ~~والنفقة وحقوق الزوجية بحسب طاقتكم ، كما علمتم في حق اليتامى أنكم لا ~~تعدلون إذا علمتم ذلك فالزموا زوجة واحدة ، أو أى عدد شئتم من السراري ~~بالغة ما بلغت. # فكأنه سبحانه لما وسع عليهم بأن أباح لهم الزواج بالمثنى والثلاث والرباع ~~من النساء ، أنبأهم بأنه قد يلزم من هذه التوسعة خوف الميل وعدم العدل. فمن ~~الواجب عليهم حينئذ أن يحترزوا بالتقليل من عدد النساء فيقتصروا على الزوجة ~~الواحدة. # ومفهومه : إباحة الزيادة على الواحدة إذا أمن الجور بين الزوجات ~~المتعددات. # وقوله ( @QUR@01 فواحدة ) منصوب بفعل مضمر والتقدير : فالزموا واحدة أو ~~فاختاروا واحدة فإن الأمر كله يدور مع العدل ، فأينما وجدتم العدل فعليكم به. # وقرئ بالرفع أى فحسبكم واحدة. ( @QUR@01 أو ) للتسوية أى سوى سبحانه في ~~السهولة واليسر بين نكاح الحرة الواحدة وبين السراري من غير تقييد بعدد ، ~~لقلة تبعتهن ، ولخفة مؤنتهن ، وعدم وجوب القسم فيهن. PageV03P032 # وقوله ( @QUR@04 ذلك أدنى ألا تعولوا ) جملة مستأنفة بمنزلة لتعليل لما قبلها. # واسم الإشارة «ذلك» يعود إلى اختيار الواحدة أو التسرى. # وقوله ( @QUR@01 أدنى ) هنا بمعنى أقرب. وهو قرب مجازى. أى أحق وأعون على ~~أن لا تعولوا. # وقوله ( @QUR@01 تعولوا ) مأخوذ من العول وهو في الأصل الميل المحسوس. # يقال. عال الميزان عولا إذا مال. ثم نقل إلى الميل المعنوي وهو الجور ~~والظلم ؛ ومنه عال الحاكم إذا جار ، والمراد هنا الميل المحظور المقابل للعدل. # والمعنى : أن ما ذكر من اختيار الزوجة الواحدة والتسرى ، أقرب بالنسبة ~~إلى ما عداهما إلى العدل وإلى عدم الميل المحظور ، لأن من اختار زوجة واحدة ~~فقد انتفى عنه الميل والجور رأسا لانتفاء محله ومن تسرى فقد انتفى عنه خطر ~~الجور والميل. أما من اختار عددا من الحرائر فالميل المحظور متوقع منه ~~لتحقق المحل والخطر. # ولأن التعدد في الزوجات يعرض ms1110 المكلف غالبا للجور وإن بذل جهده في العدل. # وهذا المعنى على تفسير (تعولوا) بمعنى تجوروا وتميلوا عن الحق. وهو ~~اختيار أكثر المفسرين. # وقيل : إن معنى ( @QUR@02 ألا تعولوا ) ألا تكثر عيالكم. يقال : عال يعول ~~، إذا كثرت عياله. وقد حكى صاحب الكشاف هذا المعنى عن الإمام الشافعى فقال : # «والذي يحكى عن الشافعى رحمه الله أن فسر ( @QUR@02 ألا تعولوا ) بأن لا ~~تكثر عيالكم. # فوجهه أن يجعل من قولك : عال الرجل عياله يعولهم كقولهم : ما نهم يمونهم ~~إذا أنفق عليهم. لأن من كثر عياله لزمه أن يعولهم ، وفي ذلك ما يصعب عليه ~~المحافظة على حدود الكسب وحدود الورع وكسب الحلال والرزق الطيب. # ثم قال : وكلام مثله من أعلام العلم ، وأئمة الشرع ، ورءوس المجتهدين ، ~~حقيق بالحمل على الصحة والسداد. # وقرأ طاوس : أن لا تعيلوا من أعال الرجل إذا كثر عياله. وهذه القراءة ~~تعضد تفسير الشافعى من حيث المعنى الذي قصده» (1). # هذا ، وقد أخذ العلماء من هذه الآية أحكاما منها : جواز تعدد الزوجات إلى ~~أربع بحيث لا يجوز الزيادة عليهن مجتمعات ، لأن هذا العدد قد ذكر في مقام ~~التوسعة على المخاطبين ، ولو كانت تجوز الزيادة على هذا العدد لذكرها الله ~~تعالى . PageV03P033 # وقد أجمع الفقهاء على أنه لا تجوز الزيادة على الأربع ، ولا يقدح في هذا ~~الإجماع ما ذهب إليه بعض المبتدعة من جواز الجمع بين ما هو أكثر من الأربع ~~الحرائر ، لأن ما ذهب إليه هؤلاء المبتدعة لا يعتد به. إذ الإجماع قد وقع ~~وانقضى عصر المجمعين قبل ظهور هؤلاء المبتدعين المخالفين. # وقد رد العلماء على هؤلاء المخالفين بما يهدم أقوالهم ، ومن العلماء ~~الذين تولوا الرد عليهم الإمام القرطبي فقد قال ما ملخصه : # «اعلم أن هذا العدد مثنى وثلاث ورباع لا يدل على إباحة تسع. كما قاله من ~~بعد فهمه عن الكتاب والسنة ، وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمة ، وزعم أن ~~الواو جامعة ، وعضد ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم نكح تسعا ، وجمع بينهن ~~في عصمته. والذي صار إلى هذه الجهالة وقال هذه المقالة ms1111 الرافضة وبعض أهل ~~الظاهر ، جعلوا مثنى مثل اثنين ، وكذلك ثلاث ورباع. # وهذا كله جهل باللسان والسنة ومخالفة لإجماع الأمة ، إذ لا يسمع عن أحد ~~من الصحابة ولا التابعين أنه جمع في عصمته أكثر من أربع. # وأخرج مالك في الموطأ والنسائي والدارقطني في سننهما أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال لغيلان بن أمية الثقفي وقد أسلم وتحته عشر نسوة «اختر ~~منهن أربعا وفارق سائرهن». # وأما ما أبيح من ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فذلك من خصوصياته. # وأما قولهم إن الواو جامعة. فقد قيل ذلك ، ولكن الله تعالى خاطب العرب ~~بأفصح اللغات. والعرب لا تدع أن تقول تسعة وتقول اثنين وثلاثة وأربعة. ~~وكذلك تستقبح ممن يقول ، أعط فلانا أربعة ، ستة ، ثمانية ، ولا يقول : ~~ثمانية عشر. # وإنما الواو في هذا الموضع بدل ، أى انكحوا ثلاث بدلا من مثنى ، ورباع ~~بدلا من ثلاث ، ولذلك عطف بالواو ولم يعطف بأو. ولو جاء بأو لجاز ألا يكون ~~لصاحب المثنى ثلاث ، ولا لصاحب الثلاث رباع. # وقد قال مالك والشافعى في الذي يتزوج خامسة وعنده أربع : عليه الحد إن ~~كان عالما. وقال الزهري : يرجم إن كان عالما ، وإن كان جاهلا فعليه أدنى ~~الحدين الذي هو الجلد ، ولها مهرها ، ويفرق بينهما ولا يجتمعان أبدا» (1). # كذلك من الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة أن الله تعالى ~~وإن كان قد أباح التعدد وحدد غايته بأربع بحيث لا يجوز الزيادة عليهن ، إلا ~~أنه سبحانه قد قيد هذه الإباحة PageV03P034 # بالعدل بينهم فيما يستطيع الإنسان العدل فيه بحسب طاقته البشرية ، بأن ~~يعدل بينهن في النفقة والكسوة والمعاشرة الزوجية. فإن عجز عن ذلك لم يبح له ~~التعدد. # وللإمام الشيخ محمد عبده كلام حسن في المعنى ، فقد قال رحمه الله «قد ~~أباحت الشريعة الإسلامية للرجل الاقتران بأربع من النسوة إن علم من نفسه ~~القدرة على العدل بينهن ، وإلا فلا يجوز الاقتران بغير واحدة. قال تعالى : ~~( @QUR@05 فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ) فإن الرجل إذا لم يستطع إعطاء كل ~~منهن حقها اختل نظام المنزل ms1112 ، وساءت معيشة العائلة إذ العماد القويم لتدبير ~~المنزل هو بقاء الاتحاد والتآلف بين أفراد العائلة. # وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ، والخلفاء الراشدون ، والعلماء الصالحون ~~من كل قرن إلى هذا العهد يجمعون بين النسوة مع المحافظة على حدود الله في ~~العدل بينهن. فكان صلى الله عليه وسلم وأصحابه والصالحون من أمته لا يأتون ~~حجرة إحدى الزوجات في نوبة الأخرى إلا بإذنها. # وقد قال صلى الله عليه وسلم : «من كان له امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم ~~القيامة وأحد شقيه مائل». # وكان صلى الله عليه وسلم يعتذر عن ميله القلبي بقوله : «اللهم هذا أى العدل ~~في البيات والعطاء جهدي فيما أملك ، ولا طاقة لي فيما تملك ولا أملك يعنى ~~الميل القلبي». وكان يقرع بينهن إذا أراد سفرا. # ثم قال في نهاية حديثه : فعلى العقلاء أن يتبصروا قبل طلب التعدد في ~~الزوجات فيما يجب عليهم شرعا من العدل وحفظ الألفة بين الأولاد ، وحفظ ~~النساء من الغوائل التي تؤدى بهن إلى الأعمال التي لا تليق بمسلمة (1). # هذا ، وقد ذكر العلماء حكما كثيرة لمشروعية تعدد الزوجات ، ومن هذه الحكم ~~أن في هذا التعدد وسيلة إلى تكثير عدد الأمة بازدياد عدد المواليد فيها. ~~ولا شك أن كثيرا من الأمم الإسلامية التي اتسعت أرضها ، وتعددت موارد ~~الثروة فيها ، في حاجة إلى تكثير عدد أفرادها حتى تنتفع بما حباها الله من ~~خيرات ، وتستطيع الدفاع عن نفسها إذا ما طمع فيها الطامعون ، واعتدى عليها ~~المعتدون. # ومنها أن التعدد يعين على كفالة النساء وحفظهن وصيانتهن من الوقوع في ~~الفاحشة ، لا سيما في أعقاب الحروب التي عادة تقضى على الكثيرين من الرجال ~~، ويصبح عدد النساء أكبر بكثير من عدد الرجال. # ومنها أن الشريعة الإسلامية قد حرمت الزنا تحريما قاطعا ، وعاقبت مرتكبه ~~بأقسى أنواع PageV03P035 # العقوبات وأزجرها ، بسبب ما يجر إليه من فساد في الأخلاق والأنساب ونظام ~~الأسر ، فناسب أن توسع على الناس في تعدد النساء لمن كان من الرجال ميالا ~~للتعدد ، مستطيعا لتكاليفه ومطالبه. # ومنها قصد الابتعاد عن الطلاق ، فإن ms1113 المرأة قد لا تكون قادرة على القيام ~~بالمطالب الزوجية التي تحتمها حياتها مع زوجها بسبب مرضها أو عجزها أو ~~عقمها أو غير ذلك من الأسباب ، فيلجأ زوجها إلى الزواج بأخرى غيرها مع بقاء ~~الزوجة الأولى في عصمته بدل أن يطلقها فتفقد حياتها الزوجية ، وقد تكون هي ~~في حاجة إلى هذا الزوج الذي يقوم برعايتها وحمايتها والقيام بشأنها. # والخلاصة أن الله تعالى قد علم أن مصلحة الرجال والنساء قد تستدعى تعدد ~~الزوجات ، بل قد توجبه في بعض الحالات فأباح لهم هذا التعدد ، وحدد غايته ~~بأربع بحيث لا يجوز الزيادة عليهن ، وقيد سبحانه هذه الإباحة بالعدل بينهن ~~فيما يستطيع الإنسان العدل فيه بحسب طاقته البشرية ، فإن علم الإنسان من ~~نفسه عدم القدرة على العدل بينهن لم يبح له التعدد. # ولو أن المسلمين ساروا على حسب ما شرع الله لهم لسعدوا في دنياهم وفي ~~آخرتهم ؛ لأن الله تعالى ما شرع لهم إلا ما فيه منفعتهم وسعادتهم. # ثم أمر الله تعالى الرجال أن يعطوا النساء مهورهن كاملة عن رضا وسماحة ~~نفس ، وألا يطمعوا في شيء مما أعطاه الله لهن فقال تعالى : # ( @QUR@014 وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه ~~هنيئا مريئا ) (4) # وقوله ( @QUR@01 صدقاتهن ) جمع صدقة بضم الدال وهي ما يعطى للزوجة من المهر. # وقوله ( @QUR@01 نحلة ) أى عطية واجبة وفريضة لازمة. إذ النحلة في الأصل ~~: العطية على سبيل التبرع. يقال : نحله كذا ونحلا ، إذا أعطاه إياه عن طيب ~~نفس بلا مقابلة عوض. # والمعنى : وأعطوا النساء مهورهن عطية عن طيب نفس منكم ، لأن هذه المهور ~~قد فرضها الله لهن ، فلا يجوز أن يطمع فيها طامع ، أو يغتالها مغتال ، ~~والخطاب للأزواج. قالوا : لأن PageV03P036 # الرجل كان يتزوج المرأة بلا مهر ويقول لها : أرثك وترثيننى؟ فتقول : نعم. ~~فأمروا أن يسرعوا إلى إعطاء المهور (1). # وقيل : الخطاب لأولياء النساء ، وذلك لأن العرب في الجاهلية كانت لا تعطى ~~النساء من مهورهن شيئا ، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بنت : هنيئا لك ~~النافجة. أى هنيئا لك هذه البنت التي ms1114 تأخذ مهرها إبلا فتضمها إلى إبلك ~~فتنفج مالك أى تزيده وتكثره. # وقد رجح ابن جرير كون الخطاب للأزواج فقال : «وذلك لأن الله تعالى ابتدأ ~~ذكر هذه الآية بخطاب الناكحين للنساء ، ونهاهم عن ظلمهن. ولا دلالة في ~~الآية على أن الخطاب قد صرف عنهم إلى غيرهم. فإذا كان ذلك كذلك ؛ فمعلوم أن ~~الذين قيل لهم : ( @QUR@09 فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ~~) هم الذين قيل لهم : ( @QUR@03 وآتوا النساء صدقاتهن ) وأن معناه : وآتوا ~~من نكحتم من النساء صدقاتهن نحلة ، لأنه قال في الأول : ( @QUR@06 فانكحوا ~~ما طاب لكم من النساء ).. ولم يقل «فأنكحوا» حتى يكون قوله : ( @QUR@03 ~~وآتوا النساء صدقاتهن ) مصروفا إلى أنه معنى به أولياء النساء دون أزواجهن. ~~وهذا أمر من الله لأزواج النساء المسمى لهن الصداق أن يؤتوهن صدقاتهن» (2) ~~والذي نراه أن الخطاب في الآية الكريمة يتناول كل من له علاقة بالنساء من ~~الأزواج أو الأولياء وغيرهم من الحكام الذين إليهم المرجع في رد الحقوق إلى ~~ذويها ، والضرب على أيدى المعتدين والطامعين في حقوق النساء ، وذلك لأن ~~الخطاب من أول السورة موجه إلى الأولياء والأزواج فناسب أن يكون الخطاب هنا ~~شاملا لكليهما فإن أعطوهن عن رضا كان حسنا وإلا أجبرهم الحكام على ذلك. # وقوله ( @QUR@01 نحلة ) منصوب على الحالية من قوله ( @QUR@01 صدقاتهن ) ~~أى : منحولة معطاة عن طيب نفس. أو منصوب على الحالية من المخاطبين. أى ~~آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء. # وفي التعبير عن إيتاء المهور بالنحلة مع كونها واجبة الأداء. لإفادة معنى ~~الإيتاء عن كمال الرضا وطيب الخاطر دون أن يكون لهذه النحلة مقابل. # وقوله تعالى ( @QUR@010 فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ) ~~بيان للحكم فيما إذا تنازل النساء عن شيء مما أعطوا عن طيب خاطر منهن أى ~~عليكم أيها الرجال أن تدفعوا للنساء مهورهن مناولة أو التزاما ، فإن حدث ~~وتنازل لكم النساء عن شيء من هذه المهور بسماحة PageV03P037 # ورضا نفس ، فكلوه أكلا سائغا ، حميد المغبة ، حلال الطعمة ، خاليا من ~~شائبة الحرام والشبهات : # والضمير المجرور في قوله ms1115 ( @QUR@01 منه ) يعود إلى الصدقات أى المهور. # وجيء به مفردا مذكرا ، لجريانه مجرى اسم الإشارة كأنه قيل : فإن طابت ~~أنفسهن لكم عن شيء من ذلك المذكور وهو الصدقات فكلوه. # قال صاحب الكشاف : وفي الآية دليل على ضيق المسلك في ذلك ووجوب الاحتياط ~~حيث بنى الشرط على طيب النفس فقيل : فإن طبن ولم يقل فإن وهبن أو سمحن ، ~~إعلاما بأن المراعى هو تجافى نفسها عن الموهوب عن طيب خاطر. # والمعنى : فإن وهبن لكم شيئا من الصداق ، وتجافت عنه نفوسهن طيبات لا ~~لحياء عرض لهن منكم أو من غيركم ، ولا لاضطرارهن إلى البذل من شكاسة ~~أخلاقكم ، وسوء معاشرتكم فكلوه هنيئا مريئا» (1). # وقوله ( @QUR@01 نفسا ) منصوب على التمييز من الضمير وهو نون النسوة في ~~قوله ( @QUR@01 طبن ).. وهو محول عن الفاعل والأصل فان طابت أنفسهن عن شيء ~~منه فكلوه. # وجيء به مفردا لأن الغرض بيان الجنس والواحد يدل عليه كقولك : عندي عشرون درهما. # والمراد بالأكل في قوله ( @QUR@01 فكلوه ) مطلق التصرف والانتفاع. # وإنما خص الأكل بالذكر ، لأنه معظم وجوه التصرفات المالية. # وقوله ( @QUR@02 هنيئا مريئا ) حالان من الضمير المنصوب في قوله ( ~~@QUR@01 فكلوه ) أو منصوبان على أنهما نعت لمصدر محذوف. أى فكلوه أكلا ~~هنيئا مريئا. وهما صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ. يقال : هنؤ الطعام وهنيء ~~هناءة. إذا كان سائغا لا تنغيص فيه. وقيل الهنيء ما أناك بلا مشقة ولا تبعة. # ويقال مرأ الطعام بتثليث الراء مراءة فهو مريء ، إذا كان حميد المغبة ~~والمراد المبالغة في تحليل ما يأتيهم من نسائهم عن طيب خاطر منهن ، فقد ~~كانوا يتأثمون من أخذ شيء من مهور نسائهم ، فقال الله تعالى لهم : إن طابت ~~نفوسهن بالتنازل عن شيء من مهورهن لكم فكلوه هنيئا مريئا ، لأنه حلال خالص ~~من الشوائب. # هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة : أنه لا بد ~~في النكاح من صداق يعطى للمرأة سواء أسمى ذلك في العقد أم لم يسم. قال ~~القرطبي : وهو مجمع عليه ولا خلاف عليه (2) PageV03P038 # ومنها : أن هذا الصداق ملك لها ، ومن حقها أن تتصرف ms1116 فيه بما شاءت. ولم ~~تفصل الآية بين أن تقبضه أولا. ولذا قال بعض الفقهاء. لها أن تبيع مهرها ~~قبل أن تقبضه لأنه ملك بلا عوض وقال آخرون : ليس لها أن تبيعه حتى تقبضه ~~لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع ما لم يقبض. # ومنها : أنه يجوز للمرأة أن تعطى زوجها برضاها واختيارها مهرها أو جزءا ~~منه سواء أكان مقبوضا معينا أم كان في الذمة. فشمل ذلك الهبة والإبراء. ~~وأنه ليس من حقها الرجوع فيما أعطت لأنها قد طابت نفسها بذلك. وهذا رأى ~~جمهور العلماء. ويرى بعض العلماء أن من حقها الرجوع فيما أعطت. # قال الفخر الرازي : قال بعض العلماء : إن وهبت ثم طلبت بعد الهبة علم ~~أنها لم تطب عنه نفسا. وعن الشعبي : أن امرأة جاءت مع زوجها إلى شريح ~~القاضي في عطية أعطتها إياه. وهي تطلب الرجوع. فقال شريح : رد عليها ~~عطيتها. فقال الرجل : أليس قد قال الله تعالى : ( @QUR@08 فإن طبن لكم عن ~~شيء منه نفسا فكلوه )؟ فقال شريح : لو طابت نفسها لما رجعت فيه. # وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه كتب إلى قضاته. أن النساء يعطين رغبة ~~ورهبة. فأيما امرأة اعطت ثم أرادت أن ترجع فذلك لها» (1). # * * * # ثم نهى سبحانه عن إيتاء الأموال للسفهاء ، لدفع توهم إيجاب أن يؤتى كل ~~مال لمالكه ولو كان سفيها فقال تعالى : # ( @QUR@016 ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم ~~فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا ) (5) # والسفهاء جمع سفيه. والسفه كما يقول الراغب : خفة في البدن ، ومنه قيل : ~~زمام سفيه أى كثير الاضطراب ، وثوب سفيه رديء النسج ، واستعمل في خفة النفس ~~لنقصان العقل ، ويكون في الأمور الدنيوية والأخروية ، قال تعالى في السفه ~~الدنيوي : ( @QUR@04 ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ) وقال في السفه الأخروى ( ~~@QUR@07 وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا ) (2). PageV03P039 # والمراد من السفهاء هنا : ضعاف العقول والأفكار الذين لا يحسنون التصرف. # والمراد من قوله ( @QUR@01 قياما ) ما به القيام والتعيش. يقال فلان قيام ~~أهله : أى يقيم شأنهم ويصلهم. وهو المفعول الثاني لجعل. ms1117 أما المفعول الأول ~~لجعل فمحذوف ويرجع إلى ضمير الأموال. # وقرأ نافع وابن عامر ( @QUR@05 التي جعل الله لكم قياما ) على أنه مصدر ~~مثل الحول والعوض. # وقرأ ابن عمر ( @QUR@01 قواما ) بكسر القاف وبواو وألف # قال الآلوسى : وفيه وجهان : # الأول : أنه مصدر قاومت قواما مثل لاوذت لواذا فصحت الواو في المصدر كما ~~صحت في الفعل. # والثاني : أنه اسم لما يقوم به الأمر وليس بمصدر» (1). # هذا ، وقد اختلف المفسرون في تعيين المخاطبين بقوله تعالى ( @QUR@04 ولا ~~تؤتوا السفهاء أموالكم ) كما اختلفوا في المراد من السفهاء على أقوال ~~أشهرها : # أن المخاطبين بهذه الآية هم أولياء اليتامى ، وأن المراد من السفهاء هم ~~اليتامى الذين لم يحسنوا التصرف في أموالهم لصغرهم أو لضعف عقولهم ، ~~واضطراب أفكارهم. وأن المراد بالأموال في قوله ( @QUR@01 أموالكم ) هي ~~أموال هؤلاء اليتامى لا أموال الأولياء. # فيكون المقصود من الآية الكريمة نهى الأولياء عن إيتاء السفهاء من ~~اليتامى أموالهم التي جعلها الله مناط تعيشهم ، خشية إساءة التصرف فيها ~~لخفة أحلامهم. # وإنما أضيفت الأموال في الآية الكريمة إلى ضمير المخاطبين وهم الأولياء ، ~~مع أن هذه الأموال في الحقيقة لليتامى : # للتنبيه إلى أن أموال اليتامى كأنها عين أموالهم ، مبالغة في حملهم على ~~وجوب حفظها وصيانتها من أى إتلاف أو إضرار بها. # قال الفخر الرازي ما ملخصه : والدليل على أن الخطاب في الآية الكريمة ~~للأولياء قوله تعالى بعد ذلك ( @QUR@03 وارزقوهم فيها واكسوهم ) وأيضا فعلى ~~هذا القول يحسن تعليق هذه الآية بما قبلها فكأنه تعالى يقول : إنى وإن كنت ~~أمرتكم بإيتاء اليتامى أموالهم. فإنما قلت ذلك إذا كانوا عاقلين بالغين ~~متمكنين من حفظ أموالهم ، فأما إذا كانوا غير بالغين أو غير عقلاء ، أو إن ~~كانوا بالغين عقلاء إلا أنهم كانوا سفهاء مسرفين ، فلا تدفعوا إليهم ~~أموالهم وأمسكوها PageV03P040 # لأجلهم إلى أن يزول عنهم السفه. والمقصود من كل ذلك الاحتياط في حفظ ~~أموال الضعفاء والعاجزين» (1). # وقيل : إن الخطاب في الآية الكريمة للآباء ، والمراد من السفهاء الأولاد ~~الذين لا يستقلون بحفظ المال وإصلاحه ، بل إذا أعطى لهم أفسدوه وأتلفوه. # وعلى هذا الرأى ms1118 تكون إضافة الأموال إلى المخاطبين على سبيل الحقيقة. # ويكون المعنى : لا تؤتوا أيها الآباء أموالكم لأولادكم السفهاء ؛ لأن في ~~إعطائكم إياها لهم إفسادا لهم مع أن فيها قوام حياتكم وصلاح أحوالكم. # والذي نراه أن الخطاب في الآية الكريمة لجميع المكلفين حاكمين ومحكومين ~~ليأخذ كل من يصلح لهذا الحكم حظه من الامتثال. وأن المراد بالسفهاء كل من ~~لا يحسن المحافظة على ماله لصغره ، أو لضعف عقله ، أو لسوء تصرفاته سواء ~~أكان من اليتامى أم من غيرهم ؛ لأن التعميم في الخطاب وفي الألفاظ عند عدم ~~وجود المخصص أولى ، لأنه أوفر معنى ، وأوسع تشريعا. # وفي إضافة الأموال إلى جميع المخاطبين المكلفين من المسلمين إشارة بديعة ~~إلى أن المال المتداول بينهم هو حق لمالكيه المختصين به في ظاهر الأمر ، ~~ولكنه عند التأمل تلوح فيه حقوق الأمة جمعاء ؛ لأن وضعه في المواضع التي ~~أمر الله بها منفعة للأمة كلها ، وفي وضعه في المواضع التي نهى الله عنها ~~مضرة بالأمة كلها ، وتعاليم الإسلام التي تجعل المسلمين جميعا أمة واحدة ~~متكافلة متراحمة تعتبر مصلحة كل فرد من أفرادها عين مصلحة الآخرين. # وبعد أن نهى سبحانه عن إيتاء المال للسفهاء ، أمر بثلاثة أشياء ، أولها ~~وثانيها قوله تعالى ( @QUR@03 وارزقوهم فيها واكسوهم ). # أى اجعلوا هذه الأموال مكانا لرزقهم وكسوتهم ، بأن تتجروا فيها حتى تكون ~~نفقاتهم من الأرباح لا من أصل المال لئلا يفنيه الإنفاق منه. # وإنما قال : ( @QUR@02 وارزقوهم فيها ) ولم يقل «منها» ؛ لئلا يكون ذلك ~~أمرا بأن يجعلوا بعض أموالهم رزقا لهم ، بل أمرهم أن يجعلوا أموالهم مكانا ~~لرزقهم بأن يتجروا فيها ويستثمروها فيجعلوا أرزاقهم من الأرباح لا من أصول ~~الأموال. # أما الأمر الثالث فهو قوله تعالى : ( @QUR@04 وقولوا لهم قولا معروفا ). # والقول المعروف هو كل ما تسكن إليه النفس لموافقته للشرع وللعقول السليمة ~~، كأن يكلموهم كلاما لينا تطيب به نفوسهم ، وكأن يعدوهم عدة حسنة بأن ~~يقولوا لهم : إذا صلحتم PageV03P041 # ورشدتم سلمنا إليكم أموالكم. وكأن ينصحوهم بما يصلحهم ويبعدهم عن السفه ~~وسوء التصرف. # وفي أمره سبحانه للمخاطبين بأن يقولوا لهؤلاء السفهاء ms1119 قولا معروفا ، بعد ~~أمره لهم برزقهم وكسوتهم ، إشعار بأن من الواجب عليهم أن يقدموا إليهم ~~الرزق والكسوة مصحوبين بوجه طلق ، وبقول جميل بعيد عن المن والأذى ، فقد ~~جرت عادة من تحت يده المال أن يستثقل إخراجه لمن سأله إياه. # هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة : وجوب ~~المحافظة على الأموال وعدم تضييعها. # قال صاحب الكشاف : وكان السلف يقولون : المال سلاح المؤمن. ولأن أترك ما ~~لا يحاسبني الله عليه ، خير من أن أحتاج إلى الناس. وعن سفيان وكانت له ~~بضاعة يقلبها : لولاها لتمندل بي بنو العباس أى لولاها لاتخذونى كالمنديل ~~يسخروننى لمصالحهم . وقيل لأبى الزناد : لم تحب الدراهم وهي تدنيك من ~~الدنيا؟ فقال : لئن أدنتنى من الدنيا فقد صانتنى عنها. وكانوا يقولون : ~~اتجروا واكتسبوا فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه. ~~وربما رأوا رجلا في جنازة ، فقالوا له : اذهب إلى دكانك» (1). # وقال بعض العلماء : ولنقف عند قوله تعالى ( @QUR@09 ولا تؤتوا السفهاء ~~أموالكم التي جعل الله لكم قياما ) لنعلم ما يوحى به من تكافل الأمة ~~ومسئولية بعضها عن بعض. ومن أن المال الذي في يد بعض الأفراد «قوام للجميع» ~~ينتفعون به في المشروعات العامة ، ويفرجون به أزماتهم وضائقاتهم الخاصة عن ~~طريق الزكاة ، وعن طريق التعاون وتبادل المنافع. وهذا هو الوضع المالى في ~~نظر الشريعة الإسلامية ، فليس لأحد أن يقول : مالي مالي. هو مالي وحدي لا ~~ينتفع به سواي ، ليس لأحد أن يقول هذا أو ذاك. فالمال مال الجميع ، والمال ~~مال الله ، ينتفع به الجميع عن الطريق الذي شرعه الله في سد الحاجات ودفع ~~الملمات. وهو ملك لصاحبه يتصرف فيه لا كما يشاء ويهوى بل كما رسم الله وبين ~~في كتابه ، حتى إذا ما أخل بذلك فأسرف وبذر أو ضن وقتر حجر عليه» (2). # كذلك من الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة : وجوب الحجر ~~على السفهاء ، لأن الله تعالى قد أمر بذلك. ووجوب إقامة الوصي والولي ~~والكفيل على الأيتام الصغار ومن في حكمهم ممن لا ms1120 يحسنون التصرف. PageV03P042 # ثم بين سبحانه الوقت الذي يتم فيه تسليم أموال اليتامى إليهم ، وكيف تجب ~~حياطتهم والعناية بهم وبأموالهم فقال تعالى : # ( @QUR@037 وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا ~~فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا ~~فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا ~~عليهم وكفى بالله حسيبا ) (6) # وقوله تعالى ( @QUR@01 وابتلوا ) من الابتلاء بمعنى الاختبار والامتحان. # والخطاب للأولياء والأوصياء وكل من له صلة باليتامى. # والمراد ببلوغ النكاح هنا : بلوغ الحلم المذكور في قوله تعالى : ( ~~@QUR@06 وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا ) # وقوله ( @QUR@01 آنستم ) أى تبينتم وشاهدتم وأحسستم. # قال القرطبي : ( @QUR@01 آنستم ) أى أبصرتم ورأيتم ومنه قوله تعالى : ( ~~@QUR@011 فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا ) أى أبصر ~~ورأى. وتقول العرب : اذهب فاستأنس هل ترى أحدا. معناه : تبصر. وقيل : آنست ~~وأحسست ووجدت بمعنى واحد (1). # والمعنى : عليكم أيها الأولياء والأوصياء أن تختبروا اليتامى ، وذلك ~~بتتبع أحوالهم في الاهتداء إلى ضبط الأمور ، وحسن التصرف في الأموال ~~وبتمرينهم على ما يليق بأحوالهم حتى لا يجيء وقت بلوغهم إلا وقد صار في ~~قدرتهم أن يصرفوا أموالهم تصريفا حسنا. فإن شاهدتم وأحسستم منهم ( @QUR@01 ~~رشدا ) أى صلاحا في عقولهم ، وحفظا لأموالهم ، فادفعوها إليهم من غير تأخير ~~أو مماطلة. # و ( @QUR@01 حتى ) هنا للغاية ، وهي داخلة على الجملة ، فهي تبين نهاية ~~الصغر ، والجملة التي دخلت عليها ظرفية في معنى الشرط. PageV03P043 # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف نظم الكلام؟ قلت : ما بعد ( @QUR@01 حتى ~~) إلى قوله : ( @QUR@03 فادفعوا إليهم أموالهم ) جعل غاية للابتلاء ، وهي ( ~~@QUR@01 حتى ) التي تقع بعدها الجمل. والجملة الواقعة بعدها جملة شرطية ، ~~لأن إذا متضمنة معنى الشرط. وفعل الشرط ( @QUR@02 بلغوا النكاح ) وقوله ( ~~@QUR@07 فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ) جملة من شرط وجزاء ~~واقعة جوابا للشرط الأول الذي هو إذا بلغوا النكاح. فكأنه قيل : وابتلوا ~~اليتامى إلى وقت بلوغهم ، فاستحقاقهم دفع أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد منهم. # فإن قلت : فما معنى تنكير الرشد؟ قلت : معناه نوعا من الرشد وهو ms1121 الرشد في ~~التصرف والتجارة. أو طرفا من الرشد ومخيلة من مخايله حتى لا ينتظر به تمام ~~الرشد» (1). # ثم نهى سبحانه الأوصياء وغيرهم عن الطمع في شيء من مال اليتامى فقال ~~تعالى : # ( @QUR@06 ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ). # أى : ادفعوا أيها الأولياء والأوصياء إلى اليتامى أموالهم من غير تأخير ~~عن حد البلوغ ، ولا تأكلوها مسرفين في الأكل ومبادرين بالأخذ خشية أن ~~يكبروا ، بأن تفرطوا في إنفاقها وتقولوا : ننفقها كما تريد قبل أن يكبر ~~اليتامى فينتزعوها من أيدينا. # والإسراف في الأصل كما يقول الآلوسى تجاوز الحد المباح إلى ما لم يبح. ~~وربما كان ذلك في الإفراط وربما كان في التقصير. غير أنه إذا كان في ~~الإفراط منه يقال : أسرف يسرف إسرافا. وإذا كان في التقصير يقال : سرف يسرف ~~سرفا» (2). # وقوله ( @QUR@01 بدارا ) مفاعلة من البدر وهو العجلة إلى الشيء والمسارعة ~~إليه. وهما أى قوله ( @QUR@02 إسرافا وبدارا ) منصوبان على الحال من الفاعل ~~في قوله ( @QUR@01 تأكلوها ) أى : ولا تأكلوها مسرفين ومبادرين كبرهم. أو ~~منصوبان على أنهما مفعول لأجله ، أى ولا تأكلوها لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم. # والمراد من هذه الجملة الكريمة بيان أشنع الأحوال التي تقع من الأوصياء ~~أو الأولياء وهي أن يأكلوا أموال اليتامى بإسراف وتعجل مخافة أن يبلغ ~~الأيتام رشدهم ، فتؤخذ من أولئك الأوصياء تلك الأموال لترد إلى أصحابها وهم ~~اليتامى بعد أن يبلغوا سن الرشد. # ثم بين سبحانه ما ينبغي على الوصي إن كان غنيا وما ينبغي له إن كان فقيرا فقال : PageV03P044 # ( @QUR@09 ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ). # والاستعفاف عن الشيء تركه. يقال : عف الرجل عن الشيء واستعف إذا أمسك ~~عنه. والعفة : الامتناع عما لا يحل. # أى : ومن كان من الأولياء أو الأوصياء على أموال اليتامى غنيا فليستعفف ~~أى فليتنزه عن أكل مال اليتيم ، وليقنع بما أعطاه الله من رزق وفير إشفاقا ~~على مال اليتيم. ومن كان فقيرا من هؤلاء الأوصياء فليأكل بالمعروف ، بأن ~~يأخذ من مال اليتيم على قدر حاجته الضرورية وأجر سعيه وخدمته له. فقد روى ~~أبو داود عن ms1122 عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا أتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال : إنى فقير ليس لي شيء ولي يتيم. قال فقال له النبي ~~صلى الله عليه وسلم : كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر ولا متأثل» (1). أى ~~غير مسرف في الأخذ ، ولا مبادر أى متعجل ، ولا جامع منه ما يتجاوز حاجتك. # ثم بين سبحانه ما ينبغي على الأوصياء عند انتهاء وصايتهم على اليتامى ~~وعند دفع أموالهم إليهم فقال : ( @QUR@09 فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا ~~عليهم وكفى بالله حسيبا ). # أى : فإذا أردتم أيها الأولياء أن تدفعوا إلى اليتامى أموالهم التي تحت ~~أيديكم بعد البلوغ والرشد ، فأشهدوا عليهم عند الدفع بأنهم قبضوها وبرئت ~~عنها ذممكم ، لأن هذا الإشهاد أبعد عن التهمة ، وأنفى للخصومة ، وأدخل في ~~الأمانة وبراءة الساحة. # وقوله تعالى ( @QUR@03 وكفى بالله حسيبا ) أى كفى بالله محاسبا لكم على ~~أعمالكم وشاهدا عليكم في أقوالكم وأفعالكم ، ومجازيا إياكم بما تستحقون من ~~خير أو شر ، لأنه سبحانه لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. وإنكم ~~إن أفلتم من حساب الناس في الدنيا فلن تفلتوا من حساب الله الذي لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، فعليكم أن تتحروا الحلال في كل تصرفاتكم. ففي ~~هذا التذييل وعيد شديد لكل جاحد لحق غيره ، ولكل معتد على أموال الناس ~~وحقوقهم ، ولا سيما اليتامى الذين فقدوا الناصر والمعين. # هذا ، وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة جملة من الأحكام منها : # 1 أن على الأوصياء أن يختبروا اليتامى بتتبع أحوالهم في الاهتداء إلى ضبط ~~الأموال وحسن التصرف فيها ، وأن يمرونهم على ذلك بحسب ما يليق بأحوالهم. # ويرى جمهور العلماء أن هذا الاختبار يكون قبل البلوغ. ويرى بعضهم أن هذا ~~الاختبار يكون بعد البلوغ. PageV03P045 # وقد قال القرطبي في بيان كيفية هذا الاختبار ما ملخصه : لا بأس في أن ~~يدفع الولي إلى اليتيم شيئا من ماله يبيح له التصرف فيه ، فإن نماه وحسن ~~النظر فيه فقد وقع الاختبار ، ووجب على الوصي تسليم جميع ماله إليه ms1123 أى بعد ~~بلوغه وإن أساء النظر وجب عليه إمساك المال عنه .. # وقال جماعة من الفقهاء : الصغير لا يخلو من أن يكون غلاما أو جارية ، فإن ~~كان غلاما رد النظر إليه في نفقة الدار شهرا ، وأعطاه شيئا نزرا ليتصرف فيه ~~؛ ليعرف كيف تدبيره وتصرفه ، وهو مع ذلك يراعيه لئلا يتلفه ، فإذا رآه ~~متوخيا الإصلاح سلم إليه ماله عند البلوغ وأشهد عليه. # وإن كان جارية رد إليها ما يرد إلى ربة البيت من تدبير بيتها والنظر فيه ~~فإن رآها رشيدة سلم إليها مالها وأشهد عليها وإلا بقيا تحت الحجر» (1). # وقد بنى الإمام أبو حنيفة على هذا الاختبار أن تصرفات الصبى العاقل ~~المميز بإذن الولي صحيحة ، لأن ذلك الاختبار إنما يحصل إذا أذن له الولي في ~~البيع والشراء مثلا وهذا يقتضى صحة تصرفاته. # ويرى الإمام الشافعى أن الاختبار لا يقتضى الإذن في التصرف ولا يتوقف ~~عليه ، بل يكون الاختبار بدون التصرف على حسب ما يليق بحال الصبى فابن ~~التاجر مثلا يختبر في البيع والشراء إلى حيث يتوقف الأمر على العقد وحينئذ ~~يعقد الولي إن أراد. # 2 كذلك أخذ العلماء من هذه الآية أن الأوصياء لا يدفعون أموال اليتامى ~~إليهم إلا بتحقيق أمرين : # أحدهما : بلوغ النكاح. # والثاني : إيناس الرشد. # والمراد ببلوغ النكاح بلوغ وقته وهو التزوج ، وهو كناية عن الخروج من ~~حالة الصبا للذكر والأنثى ، بأن توجد المظاهر التي تدل على الرجولة في ~~الغلام ، والتي تدل على مبلغ بلوغ النساء في الفتاة ، وذلك يكون بالاحتلام ~~أو بالحيض بالنسبة للفتاة أو ببلوغ سن معينة قدرها بعضهم بخمس عشرة سنة ~~بالنسبة للذكر والأنثى على السواء. # وقدرها أبو حنيفة بسبع عشرة سنة بالنسبة للفتاة ، وبثماني عشرة سنة ~~بالنسبة للفتى. # ومن بلاغة القرآن الكريم أنه عبر عن حالة البلوغ بقوله : ( @QUR@04 حتى ~~إذا بلغوا النكاح ) لأن PageV03P046 # هذا الوقت يختلف باختلاف البلاد في الحرارة والبرودة ، وباختلاف أمزجة ~~أهل البلد الواحد في القوة والضعف ، والصحة والمرض. # والمراد بإيناس الرشد : أن يتبين الأولياء من اليتامى الصلاح في العقل ~~والخلق والتصرف في الأموال. ms1124 # ويرى جمهور العلماء أن اليتيم لا يدفع إليه ماله مهما بلغت سنه ما لم ~~يؤنس منه الرشد لأن الله تعالى يقول : ( @QUR@09 ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ~~التي جعل الله لكم قياما ). # ويقول : ( @QUR@07 فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ) ومعنى ~~ذلك أنه إذا لم يؤنس منهم الرشد لا تدفع إليهم أموالهم ، بل يستمرون تحت ~~ولاية الأولياء عليهم لأنهم لا يزالون سفهاء لم يتبين رشدهم. # وقد خالف الإمام أبو حنيفة جمهور الفقهاء فقال. لا يدفع إلى اليتيم ماله ~~إذا بلغ ولم يؤنس منه الرشد حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة ، فإذا بلغها عاقلا ~~ولو غير رشيد فليس لأحد عليه سبيل ، ويجب أن يدفع الوصي إليه ماله ولو كان ~~فاسقا أو مبذرا. # قالوا : وإنما اختار أبو حنيفة هذه السن لأن مدة بلوغ الذكر عنده ثماني ~~عشرة سنة ، فإذا زيد عليها سبع سنين وهي مدة معتبرة في تغير أحوال الإنسان ~~فعند ذلك يدفع إليه ماله أونس منه الرشد أو لم يؤنس ، لأن اسم الرشد واقع ~~على العقل في الجملة ، والله تعالى شرط رشدا منكرا ولم يشترط سائر ضروب ~~الرشد ، فاقتضى ظاهر الآية أنه لما حصل العقل فقد حصل ما هو الشرط المذكور ~~في هذه الآية (1). # 3 كذلك أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة أن الوصي على اليتيم إذا كان ~~غنيا فعليه أن يتحرى العفاف. وألا يأخذ شيئا من مال اليتيم ، لأن أخذه مع ~~غناه يتنافى مع العفاف الذي يجب أن يتحلى به الأوصياء ، ويعتبر من باب ~~الطمع في مال اليتيم. # أما إذا كان الوصي فقيرا فقد أذن الله له أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف ~~أى بالقدر الذي تقتضيه حاجته الضرورية ، ولا يستنكره الشرع ولا العقل. # وقد بسط الإمام الرازي القول في هذه المسألة فقال ما ملخصه : اختلف ~~العلماء في أن الوصي هل له أن ينتفع بمال اليتيم أولا؟ # فمنهم من يرى أن للوصي أن يأخذ من مال اليتيم بقدر أجر عمله ؛ لأن قوله ~~تعالى ( @QUR@03 ولا تأكلوها إسرافا ) مشعر بأن له أن يأكل بقدر الحاجة. ms1125 ~~ولأن قوله تعالى ( @QUR@02 إن الذين PageV03P047 # @QUR@04 يأكلون أموال اليتامى ظلما ) يدل على أن مال اليتيم قد يؤكل ظلما ~~وغير ظلم ، ولو لم يكن ذلك لم يكن لقوله ( @QUR@06 إن الذين يأكلون أموال ~~اليتامى ظلما ) فائدة. فهذا يدل على أن للوصي المحتاج أن يأكل من ماله ~~بالمعروف. ولأن الوصي لما تكفل بإصلاح مهمات الصبى وجب أن يتمكن من أن يأكل ~~من ماله بقدر عمله قياسا على الساعى في أخذ الصدقات وجمعها ؛ فإنه يضرب له ~~في تلك الصدقات بسهم فكذا هاهنا. # ومنهم من يرى أن له أن يأخذ بقدر ما يحتاج إليه من مال اليتيم قرضا ، ثم ~~إذا أيسر قضاه ، وإن مات ولم يقدر على القضاء بأن كان معسرا فلا شيء عليه» (1). # ويشهد لهذا الرأى قول عمر بن الخطاب رضى الله عنه : إنى أنزلت نفسي من ~~هذا المال منزلة والى اليتيم. إن استغنيت استعففت. وإن احتجت استقرضت. فإذا ~~أيسرت قضيت» (2). # 4 كذلك من الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية أن على الأوصياء عند ~~ما يدفعون أموال اليتامى إليهم أن يشهدوا على دفعها ، منعا للخصومات ~~والمنازعات ، وإبراء لذمة الأوصياء ، ولكي يكون اليتامى على بينة من أمرهم. # وقد اختلف العلماء في أن الوصي إذا ادعى بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع إليه ~~ماله هل يصدق؟ وكذلك إذا قال : أنفقت عليه في صغره هل يصدق؟ # أما الشافعية والمالكية والحنابلة فيرون أنه لا يصدق ؛ لأن الآية الكريمة ~~تقول : ( @QUR@06 فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ) وقوله ( ~~@QUR@02 فأشهدوا عليهم ) أمر. وظاهر الأمر أنه للوجوب. وليس معنى الوجوب ~~هنا أنه يأثم إذا لم يشهد. بل معناه أن الاشهاد لا بد منه في براءة ذمته ~~بأن يدفع له ماله أمام رجلين أو رجل وامرأتين حتى إذا دفع المال ولم يشهد ~~ثم طالبه اليتيم فحينئذ يكون القول ما قاله اليتيم بعد أن يقسم على أن ~~الوصي لم يدفع إليه ماله. # ويرى الإمام أبو حنيفة أن الأمر في قوله قوله ( @QUR@02 فأشهدوا عليهم ) ~~للندب. وأن الوصي إذا ادعى ذلك يصدق ويكتفى في تصديقه بيمينه ms1126 ؛ لأنه أمين ~~لم تعرف خيانته ، إذ لو عرفت خيانته لعزل. والأمين يصدق باليمين إذا كان ~~هناك خلاف بينه وبين من ائتمنه. ولأن قوله تعالى بعد ذلك ( @QUR@03 وكفى ~~بالله حسيبا ) يؤيد أن البينة ليست لازمة ؛ إذ معناه أنه لا شاهد أفضل من ~~الله تعالى فيما بينكم وبينهم. # * * * PageV03P048 # ثم شرع سبحانه في بيان أحكام المواريث بعد أن بين الأحكام التي تتعلق ~~بأموال اليتامى فساق سبحانه قاعدة عامة لأصل التوريث في الإسلام هي أن ~~الرجال لا يختصون بالميراث ، بل للنساء معهم حظ مقسوم ، ونصيب مفروض ، سواء ~~أكان الشيء الموروث قليلا أم كثيرا فقال تعالى : # ( @QUR@019 للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك ~~الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا ) (7) # قال القرطبي ما ملخصه : نزلت هذه الآية في أوس بن ثابت الأنصارى. توفى ~~وترك امرأة يقال لها : أم كجة وثلاث بنات له منها ؛ فقام رجلان هما أبنا عم ~~الميت ووصياه يقال لهما : سويد وعرفجة ؛ فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته ~~وبناته شيئا. وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكرا ~~ويقولون : لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل ، وطاعن بالرمح ، وضارب ~~بالسيف ، وحاز الغنيمة. فذكرت أم كجة ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~فدعاهما فقالا : يا رسول الله ، ولدها لا يركب فرسا ، ولا يحمل كلا ، ولا ~~ينكأ عدوا. فقال صلى الله عليه وسلم : «انصرفا حتى أنظر ما يحدث الله لي فيهن ~~، فأنزل الله هذه الآية. # ثم قال : قال علماؤنا : في هذه الآية فوائد ثلاث : # إحداها : بيان علة الميراث وهي القرابة. # الثانية : عموم القرابة كيفما تصرفت من قريب أو بعيد. # الثالثة : إجمال النصيب المفروض. وذلك مبين في آية المواريث ؛ فكأن هذه ~~الآية توطئة للحكم ، وإبطال لذلك الرأى الفاسد حتى وقع البيان الشافي» (1). # هذا ، ومن العلماء من أبقى هذه الآية الكريمة على ظاهرها ، فجعل المراد ~~من الرجال : الذكور البالغين. والمراد من الوالدين : الأب والأم بلا واسطة ~~والمراد من الأقربين : الأقارب الأموات الذين يرثهم أقاربهم المستحقون لذلك ~~والمراد من ms1127 النساء الإناث البالغات. # والمعنى على هذا الرأى : للذكور البالغين نصيب أى حظ مما ترك آباؤهم ~~وأمهاتهم وأقاربهم PageV03P049 # كإخوتهم وأخواتهم وأعمامهم وعماتهم وللإناث البالغات كذلك نصيب مما ترك ~~آباؤهن وأمهاتهن وأقاربهن ... ألخ. # وبهذا تكون الآية الكريمة قد اقتصرت على بيان أن الإرث غير مختص بالرجال ~~كما كان الجاهليون يفعلون ، بل هو أمر مشترك بين الرجال والنساء ، ثم جاءت ~~آيات المواريث بعد ذلك فبينت نصيب كل وارث. # قال الإمام الرازي : ذكر الله تعالى في هذه الآية هذا القدر ، وهو أن ~~الإرث مشترك بين الرجال والنساء ثم ذكر التفصيل بعد ذلك في آيات المواريث ، ~~لأنه سبحانه أراد أن ينقلهم عن تلك العادة وهي توريث الرجال دون النساء ~~قليلا قليلا على التدريج ، لأن الانتقال عن العادة شاق ثقيل على الطبع. ~~فإذا كان دفعة عظم وقعه على القلب ، وإذا كان على التدريج سهل. فلهذا ~~المعنى ذكر الله تعالى هذا المجمل أولا ثم أردفه بالتفصيل» (1) ومن العلماء ~~من يرى أن المراد بالرجال الصغار من الذكور ومن النساء الصغار من الإناث ، ~~وعلل مراده هذا بأن فيه عناية بشأن اليتامى ، وفيه رد صريح على ما تعوده ~~أهل الجاهلية من توريث الكبار من الرجال دون الصغار سواء أكانوا ذكورا أم ~~إناثا. ومنهم من عمهم في الرجال والنساء فجعل المراد من الرجال الذكور ~~مطلقا سواء أكانوا كبارا أم صغارا. وجعل المراد من النساء الإناث مطلقا ~~سواء أكن كبارا أم صغارا. # ويكون المعنى : للذكور نصيب مما تركه الوالدان والأقربون من متاع ، ~~وللإناث كذلك نصيب مما تركه الوالدان والأقربون. # وعليه يكون المقصود من الآية الكريمة التسوية بين الذكور والإناث في أن ~~لكل منهما حقا فيما ترك الوالدان والأقربون. # ويبدو لنا أن هذا الرأى الثالث أولى ، لأنه أعم من غيره ، وأشمل في الرد ~~على ما كان يفعله أهل الجاهلية من عدم توريثهم للنساء مطلقا ولا للصغار وإن ~~كانوا ذكورا ، ولأنه يشمل سبب نزول الآية نصا ، فقد ذكرنا في سبب النزول ~~أنها نزلت في شأن بنات أوس بن ثابت وزوجته. # وقد أكد سبحانه حق ms1128 النساء في الميراث بأن اختار هذا الأسلوب التفصيلي ~~فقال : ( @QUR@08 للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب ) ~~مع أنه كان يكفى أن يقول : للرجال والنساء نصيب ، مما ترك الوالدان ~~والأقربون ، وذلك للإيذان بأصالتهن في استحقاق الإرث ، وللإشعار بأنه حق ~~مستقل عن حق الرجال ، وأن هذا الحق قد ثبت لهن استقلالا PageV03P050 # بالقرابة كما ثبت للرجال ، حتى لا يتوهم أحد أن حقهن تابع لحقهم بأى نوع ~~من أنواع التبعية. # ثم أكد سبحانه هذا الحق مرة أخرى بقوله ( @QUR@05 مما قل منه أو كثر ) أى ~~أن حق النساء ثابت فيما تركه المتوفى من مال سواء أكان هذا المتروك قليلا ~~أم كثيرا ، لأن الذكور والإناث يتساويان في أن لكل منهما حقا فيما ترك ~~الوالدان والأقربون حتى ولو كان هذا المتروك شيئا قليلا. # فقوله ( @QUR@05 مما قل منه أو كثر ) عطف بيان من قوله ( @QUR@03 مما ترك ~~الوالدان ) لقصد التعميم والتنصيص على أن حق النساء متعلق بكل جزء من المال ~~الذي تركه الوالدان والأقربون ثم أكد سبحانه حق النساء في الميراث مرة ~~ثالثة بقوله ( @QUR@02 نصيبا مفروضا ) لأن قوله ( @QUR@01 نصيبا ) منصوب ~~على الاختصاص والاختصاص يفيد العناية. # أى أن لكل من الرجال والنساء نصيبا فيما تركه الوالدان والأقربون ، وهذا ~~النصيب قد فرضه الله تعالى فلا سبيل إلى التهاون فيه ، بل لا بد من إعطائه ~~لمن يستحقه كاملا غير منقوص ؛ لأن الله هو الذي شرعه ، ومن خالف شرع الله ~~كان أهلا للعقوبة منه سبحانه . # قال صاحب الكشاف : وقوله : ( @QUR@02 نصيبا مفروضا ) نصب على الاختصاص ~~بمعنى : أعنى نصيبا مفروضا مقطوعا واجبا لا بد لهم من أن يحوزوه ولا يستأثر ~~به بعضهم دون بعض ، ويجوز أن ينتصب انتصاب المصدر المؤكد كقوله : ( @QUR@03 ~~فريضة من الله ) كأنه قيل : قسمة مفروضة» (1). # هذا ، وقد استدل الأحناف بهذه الآية على توريث ذوى الأرحام ؛ لأن العمات ~~والخالات وأولاد البنات ونحوهن من الأقربين ، فوجب دخولهم تحت قوله تعالى : ~~( @QUR@08 للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ، وللنساء نصيب ). ~~الآية» وثبت كونهم مستحقين لأصل النصيب بهذه الآية ، وأما المقدار فمستفاد ~~من آيات أخرى كما ms1129 هو الشأن في غيرهم. # أما المخالفون للأحناف فيما ذهبوا إليه فيرون أن المراد من الأقربين ~~الوالدان والأولاد ونحوهم وحينئذ لا يدخل فيهم ذوو الأرحام. وعلى رأى هؤلاء ~~المخالفين يكون عطف الأقربين على الوالدين من باب عطف العام على الخاص. # كذلك استدل الأحناف بهذه الآية على أن الوارث لو أعرض عن نصيبه قبل ~~استحقاقه لم يسقط حقه (2). # * * * PageV03P051 # ثم أمر الله تعالى عباده بالتعاطف والتراحم ، ولا سيما عند تقسيم الميراث ~~، وإعطاء كل ذي حق حقه فقال تعالى : # ( @QUR@013 وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم ~~منه وقولوا لهم قولا معروفا ) (8) # والمراد بالقسمة : التركة التي تقسم بين الورثة. # والمراد بذوي القربى هنا عند جمهور المفسرين : الأقارب الذين لا ميراث ~~لهم في التركة. # والمراد باليتامى والمساكين : الأجانب الذين لا قرابة بينهم وبين الورثة. # والمعنى : وإذا حضر قسمة التركة ذوو القربى ممن لا نصيب لهم في الميراث ، ~~واليتامى الذين فقدوا العائل والنصير ، والمساكين الذين أسكنتهم الحاجة ~~وأذلتهم وصاروا في حاجة إلى العون والمساعدة ( @QUR@02 فارزقوهم منه ) أى ~~فأعطوهم من الميراث الذي تقتسمونه شيئا يعينهم على سد حاجتهم ، وتفريج ~~ضائقتهم ( @QUR@04 وقولوا لهم قولا معروفا ) أى قولوا لهم قولا جميلا يرضاه ~~الشرع ، ويستحسنه العقل ، بأن تقولوا لهم مثلا : خذوا هذا الشيء بارك الله ~~لكم فيه ، أو بأن تعتذروا لمن لم تعطوه شيئا. والآية الكريمة معطوفة على ~~الآية السابقة عليها وهي قوله تعالى ( @QUR@06 للرجال نصيب مما ترك ~~الوالدان والأقربون ).. إلخ. # وليس المراد من حضور ذوى القربى واليتامى والمساكين أن يكونوا مشاهدين ~~للقسمة ، جالسين مع الورثة ، لأن قسمة الأموال لا تكون عادة في حضرة هؤلاء ~~الضعفاء ، وإنما المراد من حضورهم العلم بهم من جانب الذين يقتسمون التركة ~~، والدراية بأحوالهم ، وأنهم في حاجة إلى العون والمساعدة. # وقدم ذوى القربى على اليتامى والمساكين ، لأنهم أولى بالصدقة لقرابتهم ، ~~ولأن إعطاءهم بجانب أنه صدقة ، فهو صلة للرحم التي أمر الله تعالى بصلتها. ~~وقدم اليتامى على المساكين ؛ لأن ضعف اليتامى أكثر ، وحاجتهم أشد. # والضمير المجرور في قوله ( @QUR@02 فارزقوهم منه ) يعود إلى ما ترك ~~الوالدان والأقربون. ms1130 أو إلى القسمة بمعنى المقسوم باعتبار معناها لا ~~باعتبار لفظها. أى ارزقوهم من هذا الميراث أو المال المقسوم. # والأمر في قوله : ( @QUR@01 فارزقوهم ) يرى بعض العلماء أنه للوجوب ، ~~لأنه هو المستفاد من ظاهر PageV03P052 # الأمر ، وعليه فمن الواجب على الوارث الكبير وعلى ولى الصغير أن يعطيا ~~لذوي القربى واليتامى والمساكين شيئا من المال تطيب به نفوسهم. # ومن أصحاب هذا الرأى من قال : إن من الواجب على الوارث الكبير أن يعطى ~~هؤلاء المحتاجين شيئا من المال المقسوم. أما إذا كان الورثة صغارا فعلى ~~الولي أن يعتذر لهؤلاء المحتاجين ، بأن يقول لهم : إنى لا أملك هذا المال ~~المقسوم ، لأنه لهؤلاء الصغار وعند ما يكبرون فسيعرفون لكم حقكم وهذا هو ~~القول المعروف. # ويرى كثير من العلماء أن هذا الأمر بالإعطاء للندب لا للوجوب ، وأن هذا ~~الندب إنما يحصل إذا كان الورثة كبارا ، أما إذا كانوا صغارا فليس على ~~أوليائهم إلا القول المعروف. # ومن حجج هؤلاء القائلين بأن هذا الأمر للندب والاستحباب : أنه لو كان ~~لأولئك المحتاجين من ذوى القربى واليتامى والمساكين حق معين لبينه الله ~~تعالى كما بين سائر الحقوق ، وحيث لم يبين علمنا أنه غير واجب. وأيضا لو ~~كان واجبا لتوفرت الدواعي على نقله ؛ لشدة حرص الفقراء والمساكين على ~~تقديره ، ولو كان الأمر كذلك لثبت نقله إلينا ، ولما لم يكن الأمر كذلك ~~علمنا أنه غير واجب. # وقد رجح القرطبي كون الأمر للندب لا للوجوب فقال : والصحيح أن هذا على ~~الندب ؛ لأنه لو كان فرضا لكان استحقاقا في التركة ومشاركة في الميراث ، ~~لأحد الجهتين معلوم ، وللآخر مجهول. وذلك مناقض للحكمة ، وسبب للتنازع ~~والتقاطع. # ثم قال : وذهبت فرقة إلى أن المخاطب والمراد في الآية المحتضرون الذين ~~يقسمون أموالهم بالوصية لا الورثة. فإذا أراد المريض أن يفرق ماله بالوصايا ~~وحضره من لا يرث ينبغي له ألا يحرمه. وهذا والله أعلم يتنزل حيث كانت ~~الوصية واجبة ، ولم تنزل آية الميراث. والصحيح الأول وهو أن الآية في قسمة ~~التركة وأن المخاطبين بها هم المقتسمون للتركة وعليه المعول» (1). # هذا ، ومن ms1131 العلماء من قال : إن هذه الآية قد نسخت بآية المواريث التي ~~بعدها وهي قوله تعالى : ( @QUR@04 يوصيكم الله في أولادكم ).. إلخ. # وقد حكى هذا القول أيضا ورد عليه الإمام القرطبي فقال ما ملخصه : بين ~~الله تعالى في هذه الآية أن من لم يستحق شيئا وحضر القسمة وكان من الأقارب ~~أو اليتامى والفقراء الذين لا يرثون أن يكرموا ولا يحرموا إن كان المال ~~كثيرا ؛ والاعتذار إليهم إن كان عقارا PageV03P053 # أو قليلا لا يقبل الرضخ أى العطاء القليل فالآية على هذا القول محكمة. ~~قاله ابن عباس. وامتثل ذلك جماعة من التابعين : عروة بن الزبير وغيره. وأمر ~~به أبو موسى الأشعرى. # وروى عن ابن عباس انها منسوخة نسخها قوله تعالى : ( @QUR@04 يوصيكم الله ~~في أولادكم ). # وممن قال إنها منسوخة : أبو مالك وعكرمة والضحاك. # والأول أصح ؛ فإنها مبينة استحقاق الورثة لنصيبهم ، واستحباب المشاركة ~~لمن لا نصيب له ممن حضرهم. # وفي البخاري عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية : هي محكمة وليست بمنسوخة. # وفي رواية قال : إن ناسا يزعمون أن هذه الآية نسخت ، لا والله ما نسخت ، ~~ولكنها مما تهاون به الناس» (1). # وقال عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر ~~الصديق قسم ميراث أبيه عبد الرحمن ، وعائشة حية. فلم يدع في الدار مسكينا ~~ولا ذا قرابة إلا أعطاه من ميراث أبيه وتلا هذه الآية : ( @QUR@05 وإذا حضر ~~القسمة أولوا القربى ).. إلخ. (2) والخلاصة ، أن الذي تطمئن إليه النفس هو ~~قول من قال : إن الآية محكمة وليست بمنسوخة ، لأنه أثر عن بعض الصحابة ~~والتابعين أنهم كانوا يفعلون ذلك ويأمرون به. ولأن الروايات القائلة بأنها ~~منسوخة روايات مضطربة ، بخلاف الروايات القائلة بأنها محكمة فهي ثابتة في ~~صحيح البخاري ؛ ولأن الآية الكريمة لا تتعارض مع آية المواريث لأنها إنما ~~تأمر بما يؤدى إلى التعاطف والتراحم بين الناس ، وهذا أمر لا ينسخ ، بل هو ~~ثابت في كل زمان ومكان. # ونرى كذلك أن الأمر في قوله ( @QUR@02 فارزقوهم منه ) على سبيل الندب ~~والاستحباب ، لا على سبيل الفرض ms1132 والإيجاب كما سبق أن بينا . # * * * # ثم أمر الله تعالى عباده بتقواه ، وبالتمسك بالأقوال السديدة فقال تعالى : # ( @QUR@015 وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم ~~فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا ) (9) PageV03P054 # وللمفسرين في تفسير هذه الآية الكريمة أقوال : # أولها : أن الآية الكريمة أمر للأوصياء بأن يخشوا الله تعالى ويتقوه في ~~أمر اليتامى ، فيفعلوا بهم مثل ما يحبون أن يفعل بذريتهم الضعاف بعد ~~وفاتهم. # فقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى : ( @QUR@04 وليخش ~~الذين لو تركوا ).. إلخ. # يعنى بذلك الرجل يموت وله أولاد صغار ضعاف يخاف عليهم العيلة والضيعة ، ~~ويخاف بعده ألا يحسن إليهم من يليهم يقول : فإن ولى مثل ذريته ضعافا يتامى ~~، فليحسن إليهم ولا يأكل أموالهم إسرافا وبدارا خشية أن يكبروا .. (1). # قال الآلوسى : «والآية الكريمة على هذا الوجه تكون مرتبطة بما قبلها ، ~~لأن قوله تعالى : ( @QUR@06 للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ).. ~~إلخ. في معنى الأمر للورثة. أى أعطوهم حقهم دفعا لأمر الجاهلية ، وليحفظ ~~الأوصياء ما أعطوه ويخافوا عليهم كما يخافون على أولادهم (2). # وعلى هذا الوجه يكون المقصود من الآية الكريمة حض الأوصياء على المحافظة ~~على أموال اليتامى بأبلغ تعبير ، لأنه سبحانه قد نبههم بحال أنفسهم ~~وذرياتهم من بعدهم ليتصوروها ويعرفوا مكان العبرة فيها ، ولا شك أن ذلك من ~~أقوى الدواعي والبواعث في هذا المقصود ؛ لأنه سبحانه كأنه يقول لهم : ~~افعلوا باليتامى الفعل الذي تحبون أن يفعل مع ذرياتكم الضعاف من بعدكم ، ~~فجعل سبحانه من شعورهم بالحنان على ذرياتهم باعثا لهم على الحنان على ~~أيتامهم. # هذا ، ومن المفسرين الذين استحسنوا هذا القول الإمام ابن كثير ، فقد قال ~~بعد أن حكى هذا القول : وهو قول حسن يتأيد بما بعده من التهديد في أكل ~~أموال اليتامى ظلما (3). # أما القول الثاني : فيرى أصحابه أن الآية الكريمة أمر لمن حضر المريض من ~~العواد عند الإيصاء بأن يخشوا ربهم ؛ فيوصوا المريض في أولاده خيرا ويشفقوا ~~عليهم كما يشفقون على أولادهم. # وقد وضح هذا القول الإمام الرازي فقال : إن هذا خطاب مع ms1133 الذين يجلسون عند ~~المريض فيقولون له : إن ذريتك لا يغنون عنك من الله شيئا ، فأوص بمالك ~~لفلان وفلان. ولا يزالون PageV03P055 # يأمرونه بالوصية إلى الأجانب إلى أن لا يبقى من ماله للورثة شيء أصلا. ~~فقيل لهم : كما أنكم تكرهون بقاء أولادكم في الضعف والجوع من غير مال ، ~~فاخشوا الله ولا تحملوا المريض على أن يحرم أولاده الضعفاء من ماله. # وحاصل الكلام أنك لا ترضى مثل هذا الفعل لنفسك ، فلا ترضه لأخيك المسلم. ~~فعن أنس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : «لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ~~ما يحب لنفسه» (1). # وقد رجح هذا الوجه الإمام ابن جرير فقال : وأولى التأويلات بالآية قول من ~~قال : تأويل ذلك : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم ~~العيلة لو كانوا فرقوا أموالهم في حياتهم ، أو قسموها وصية منهم لأولى ~~قرابتهم ، وأهل اليتم والمسكنة ؛ فأبقوا أموالهم لولدهم خشية العيلة عليهم ~~من بعدهم ، فليأمروا من حضروه وهو يوصى لذوي قرابته وفي اليتامى والمساكين ~~وفي غير ذلك بما له بالعدل ، وليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا ، وهو أن ~~يعرفوه ما أباحه الله له من الوصية ، وما اختاره المؤمنون من أهل الإيمان ~~بالله وبكتابه وسنته» (2). # والقول الثالث : يرى أصحابه أن الخطاب في الآية للموصين ، وأن الآية ~~تأمرهم بأن يشفقوا على ورثتهم ، فلا يسرفوا في الوصية لغيرهم ؛ لأن الإسراف ~~في ذلك يؤدى إلى ترك الورثة فقراء. ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن ~~أبى وقاص : «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس». # والذي نراه أن الأمر بالخشية من الله يتناول جميع الأصناف المتقدمة : من ~~الأوصياء ، وعواد المريض ، والموصين وغيرهم ممن هو أهل لهذا الخطاب ؛ لأن ~~هؤلاء جميعا داخلون تحت الأمر بالخشية من الله تعالى ، وبالقول السديد الذي ~~يحبه سبحانه ويرضاه. # وقوله تعالى ( @QUR@01 وليخش ) فعل مضارع مجزوم بلام الأمر. ومفعوله ~~محذوف لتذهب نفس السامع في تقديره كل مذهب ، فينظر كل سامع بحسب الأهم عنده ~~مما يخشى أن يصيب ذريته. # والجملة الشرطية وهي ms1134 قوله تعالى ( @QUR@08 لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا ~~خافوا عليهم ) صلة للموصول وهو قوله ( @QUR@01 الذين ) وجملة ( @QUR@02 ~~خافوا عليهم ) جواب ( @QUR@01 لو ). # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى وقوع ( @QUR@02 لو تركوا ) وجوابه ~~صلة للذين؟. # قلت : معناه : وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا من ~~خلفهم ذرية ضعافا وذلك عند احتضارهم خافوا عليهم الضياع بعدهم لذهاب كافلهم ~~وكاسبهم» (3). PageV03P056 # قال صاحب الانتصاف : وإنما لجأ الزمخشري إلى تقدير ( @QUR@01 تركوا ) ~~بقوله شارفوا أن يتركوا ؛ لأن جوابه قوله ( @QUR@02 خافوا عليهم ) والخوف ~~عليهم إنما يكون قبل تركهم إياهم. وذلك في دار الدنيا. فقد دل على أن ~~المراد بالترك الإشراف عليه ضرورة ، وإلا لزم وقوع الجواب قبل الشرط وهو ~~باطل. ونظيره ( @QUR@07 فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ) ~~أى. شارفن بلوغ الأجل. # ثم قال : ولهذا المجاز في التعبير عن المشارفة على الترك بالترك سر بديع. ~~وهو التخويف بالحالة التي لا يبقى معها مطمع في الحياة ، ولا في الذب عن ~~الذرية الضعاف. وهي الحالة التي وإن كانت من الدنيا ، إلا أنها لقربها من ~~الآخرة ، ولصوقها بالمفارقة ، صارت من حيزها ، ومعبرا عنها بما يعبر به عن ~~الحالة الكائنة بعد المفارقة من الترك (1). # وقوله ( @QUR@01 ضعافا ) صفة لذرية. وفي وصف الذرية بذلك بعث على الترحم ~~وحض على امتثال ما أمر الله به. # والفاء في قوله ( @QUR@05 فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا ) لترتيب ما ~~بعدها على ما قبلها. فقد رتب الأمر بالتقوى على الأمر بالخشية وإن كانا ~~أمرين متقاربين لأن الأمر الأول لما عضد بالحجة وهي الخوف على ذريتهم اعتبر ~~كالحاصل فصح التفريع عليه. # والمعنى : فليتقوا الله في كل شأن من شئونهم وفي أموال اليتامى فلا ~~يعتدوا عليها. وليقولوا لغيرهم قولا عادلا قويما مصيبا للحق وبعيدا عن ~~الباطل. # قال الآلوسى وقوله ( @QUR@01 وليقولوا ) أى لليتامى أو للمريض أو لحاضري ~~القسمة ، أو ليقولوا في الوصية ( @QUR@02 قولا سديدا ) فيقول الوصي لليتيم ~~ما يقول لولده من القول الجميل الهادي له إلى حسن الآداب ومحاسن الأفعال. ~~ويقول عائد المريض للمريض : ما يذكره بالتوبة وحسن الظن بالله ، وما ms1135 يصده ~~عن الإسراف في الوصية وتضييع الورثة. ويقول الوارث لحاضر القسمة : ما يزيل ~~وحشته أو يزيد مسرته. ويقول الموصى في إيصائه : ما لا يؤدى إلى تجاوز الثلث. # ثم قال ، والسديد : المصيب العدل الموافق للشرع. يقال : سد قوله يسد ~~بالكسر إذا صار سديدا والسداد بالفتح الاستقامة والصواب. وأما السداد ~~بالكسر فهو ما يسد به الشيء» (2). # قال بعض العلماء : وفي الآية الكريمة ما يبعث الناس كلهم على أن يغضبوا ~~للحق من PageV03P057 # الظلم ، وأن يأخذوا على أيدى أولياء السوء ، وأن يحرسوا أموال اليتامى ، ~~ويبلغوا حقوق الضعفاء إليه ، لأنهم إن أضاعوا ذلك يوشك أن يلحق أبناءهم ~~وأموالهم مثل ذلك. وأن يأكل قويهم ضعيفهم ؛ فإن اعتياد السوء ينسى الناس ~~شناعته ، ويكسب النفوس ضراوة على عمله» (1). # * * * # ثم توعد سبحانه الذين يعتدون على حقوق اليتامى بأشد أنواع الوعيد فقال ~~تعالى : # ( @QUR@013 إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم ~~نارا وسيصلون سعيرا ) (10) # وقوله : ( @QUR@06 إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ) استئناف مسوق ~~لتقرير ما فصل من الأوامر والنواهي السابقة التي تتعلق بحقوق اليتامى. # قال الفخر الرازي : أعلم أنه تعالى أكد الوعد في أكل مال اليتيم ظلما ، ~~وقد كثر الوعيد في هذه الآيات مرة بعد أخرى على من يفعل ذلك كقوله ( ~~@QUR@07 وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ) وكقوله : ( ~~@QUR@08 وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا ). # ثم ذكر بعدها هذه الآية مفردة في وعيد من يأكل أموالهم ، وذلك كله رحمة ~~من الله تعالى باليتامى ؛ لأنهم لكمال ضعفهم وعجزهم استحقوا من الله مزيد ~~العناية والكرامة. وما أشد دلالة هذا الوعيد على سعة رحمته وكثرة عفوه ~~وفضله ؛ لأن اليتامى لما بلغوا في الضعف إلى الغاية القصوى ، بلغت عناية ~~الله بهم إلى الغاية القصوى» (2). # وقوله ( @QUR@01 ظلما ) أى يأكلونها على وجه الظلم سواء أكان الآكل من ~~الورثة أم من أولياء السوء من غيرهم. # وقال سبحانه ( @QUR@01 ظلما ) لكمال التشنيع على الآكلين ؛ لأنهم يظلمون ~~اليتامى الضعفاء الذين ليس في قدرتهم الدفاع عن أنفسهم. # أو أنه سبحانه قيد الأكل بحالة الظلم ، للدلالة على أن ms1136 مال اليتيم قد ~~يؤكل ولكن لا على وجه الظلم بل على وجه الاستحقاق كما في حالة أخذ الولي ~~الفقير أجرته من مال اليتيم PageV03P058 # أو الاستقراض منه فإن ذلك لا يكون ظلما ولا يسمى الآكل ظالما. قال تعالى ~~: ( @QUR@09 ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ). # وقوله ( @QUR@01 ظلما ) حال من الضمير في ( @QUR@01 يأكلون ) أى يأكلونها ~~ظالمين. أو مفعول لأجله. أى يأكلونها لأجل الظلم. # قال القرطبي : روى أن هذه الآية نزلت في رجل من غطفان يقال له : مرثد بن ~~زيد ، ولى مال ابن أخيه وهو يتيم صغير فأكله ؛ فأنزل الله تعالى فيه هذه ~~الآية. ولهذا قال الجمهور : إن المراد الأوصياء الذين يأكلون ما لم يبح لهم ~~من مال اليتيم» (1). # وقوله : ( @QUR@07 إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ) بيان لسوء ~~مصيرهم ، وتصوير لإضرار الأكل عليهم. # وللمفسرين في تفسير قوله تعالى ( @QUR@05 إنما يأكلون في بطونهم نارا ) ~~اتجاهان. # أولهما : أن الآية على ظاهرها ، وأن الآكلين لمال اليتامى ظلما سيأكلون ~~النار يوم القيامة حقيقة. # وقد استدل أصحاب هذا الاتجاه على صحة ما ذهبوا إليه بآثار منها ما رواه ~~ابن حبان في صحيحه وابن مردويه وابن أبى حاتم عن أبى برزة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجج أفواههم نارا. ~~قيل يا رسول الله من هم؟ قال صلى الله عليه وسلم : ألم تر أن الله قال : ( ~~@QUR@06 إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ) الآية» (2). # وروى ابن أبى حاتم عن أبى سعيد الخدري قال : قلنا يا رسول الله ما رأيت ~~ليلة أسرى بك؟ قال : انطلق بي إلى خلق من خلق الله كثير. رجال كل رجل منهم ~~له مشفر كمشفر البعير ، وهم موكل بهم رجال يفكون لحاء أحدهم ، ثم يجاء ~~بصخرة من نار فتقذف في أفواههم حتى تخرج من أسفلهم ولهم جؤار وصراخ. قلت : ~~يا جبريل من هؤلاء؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا» (3). # ثانيهما : يرى أصحابه أن الكلام على المجاز لا على ms1137 الحقيقة وأن المراد ~~إنما يأكلون في بطونهم المال الحرام الذي يفضى بهم إلى النار. # وعليه فكلمة ( @QUR@01 نارا ) مجاز مرسل من باب ذكر المسبب وإرادة السبب. # والمراد بالأكل في قوله ( @QUR@03 إن الذين يأكلون ) مطلق الأخذ على سبيل ~~الظلم والتعدي. PageV03P059 # وإنما ذكر الأكل وأراد به مطلق الإتلاف على سبيل الظلم ؛ لأن الأكل عن ~~طريقه تكون معظم تصرفات الإنسان ، ولأن عامة مال اليتامى في ذلك الوقت هو ~~الأنعام التي تؤكل لحومها وتشرب ألبانها فخرج الكلام على عادتهم ، ولأن في ~~ذكر الأكل تشنيعا على الآكل لمال اليتيم ظلما ، إذ هو أبشع الأحوال التي ~~يتناول مال اليتيم فيها ؛ ولأن في ذكر الأكل مناسبة للجزاء المذكور في قوله ~~( @QUR@05 إنما يأكلون في بطونهم نارا ) حيث يكون الجزاء من جنس العمل. # قال ( @QUR@02 في بطونهم ) مع أن الأكل لا يكون إلا في البطن ، إما لأنه ~~قد شاع في استعمالهم أن يقولوا : أكل فلان في بطنه يريدون ملء بطنه فكأنه ~~قيل : إنما يأكلون ملء بطونهم نارا حتى يبشموا بها. ومثله ( @QUR@05 قد بدت ~~البغضاء من أفواههم ) أى شرقوا بها وقالوها بملء أفواههم ، ويكون المراد ~~بذكر البطون تصوير الأكل للسامع حتى تتأكد عنده بشاعة هذا الجرم بمزيد تصوير. # وإما أن يكون المراد بذكر البطون التأكيد والمبالغة كما في قوله تعالى ( ~~@QUR@04 ولا طائر يطير بجناحيه ) والطيران لا يكون إلا بالجناح. والغرض من ~~كل ذلك التأكيد والمبالغة. # وقوله تعالى ( @QUR@02 وسيصلون سعيرا ) تأكيد لسوء عاقبتهم يوم القيامة. # و ( @QUR@01 سيصلون ) مضارع صلى كرضى إذا قاسى حر النار بشدة. # وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ( @QUR@01 وسيصلون ) بضم ياء المضارعة ~~والباقون بفتحها. # والسعير : هو النار المستعرة. يقال : سعرت النار أسعرها سعرا فهي مسعورة ~~إذا أوقدتها وألهبتها. # وإنما قال ( @QUR@01 سعيرا ) بالتنكير لأن المراد نار من النيران مبهمة ~~لا يعرف غاية شدتها إلا الله تعالى : أى ؛ وسيدخلون نارا هائلة لا يعلم ~~مقدار شدتها إلا الله عز وجل . # أخرج أبو داود والنسائي والحاكم وغيرهم أنه لما نزلت هذه الآية انطلق من ~~كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من ms1138 شرابه. فجعل يفضل له الشيء من ~~طعامه ، فيحبس له حتى يأكله أو يفسد فاشتد عليهم ذلك. فذكروا ذلك لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى ( @QUR@010 ويسئلونك عن اليتامى ~~قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم ) الآية. فخلطوا طعامهم بطعامهم ~~وشرابهم بشرابهم (1). # قال الفخر الرازي : ومن الجهال من قال : صارت هذه الآية منسوخة بتلك. وهو ~~بعيد ، لأن هذه الآية في المنع من الظلم. وهذا لا يصير منسوخا. بل المقصود ~~أن مخالطة أموال اليتامى PageV03P060 # إن كانت على سبيل الظلم فهي من أعظم أبواب الإثم كما في هذه الآية. وإن ~~كانت على سبيل التربية والإحسان فهي من أعظم أبواب البر كما في قوله .. ~~تعالى ( @QUR@03 وإن تخالطوهم فإخوانكم ) (1). # وبعد : فهذه عشر آيات من سورة النساء ، تقرؤها فتراها تكرر الأمر صراحة ~~برعاية اليتيم وبالمحافظة على ماله في خمس آيات منها. # فأنت تراها في الآية الثانية تأمر الأولياء والأوصياء وغيرهم بالمحافظة ~~على أموال اليتامى ، وأن يسلموها إليهم عند بلوغهم كاملة غير منقوصة ، ~~وتحذرهم من الاحتيال على أكل هذه الأموال عن طريق الخلط فتقول : # ( @QUR@016 وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ، ولا ~~تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ، إنه كان حوبا كبيرا ). # وتراها في الآية الثالثة تبيح لأولياء النساء اليتامى أن يتزوجوا بغيرهن ~~إذا لم يأمنوا على أنفسهم العدل في أموال اليتيمات ، وحسن معاشرتهن ، ~~وتسليمهن حقوقهن كاملة إذا تزوجوهن فتقول : # ( @QUR@015 وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ~~مثنى وثلاث ورباع ) الآية. وتراها في الآية السادسة تأمر الأولياء بأن ~~يختبروا تصرفات اليتامى وأن يسلموا إليهم أموالهم عند بلوغهم وإيناس الرشد ~~منهم فتقول : # ( @QUR@019 وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح ، فإن آنستم منهم رشدا ~~فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ) الآية. # وتراها في الآية الثامنة تأمر المتقاسمين للتركة أن يجعلوا شيئا منها ~~للمحتاجين من الأقارب واليتامى والمساكين فتقول : # ( @QUR@09 وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه ~~) الآية. # ثم تراها في الآية العاشرة تتوعد الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما بأشد ~~ألوان الوعيد ms1139 فتقول : ( @QUR@013 إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا ، وسيصلون سعيرا ). # وقد أمر القرآن أتباعه في كثير من آياته بالعطف على اليتيم ، وبحسن ~~معاملته ، وبالمحافظة على حقوقه ، ومن ذلك قوله تعالى : PageV03P061 # ( @QUR@017 ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ، ~~وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤلا ) (1). # وقوله تعالى ممتنا على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ( @QUR@014 ألم يجدك ~~يتيما فآوى. ووجدك ضالا فهدى. ووجدك عائلا فأغنى. فأما اليتيم فلا تقهر ). # وقوله تعالى ( @QUR@010 ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن ~~تخالطوهم فإخوانكم ) (2). # وعند ما نقرأ أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم نراه في كثير منها يأمرنا ~~برعاية اليتيم ، وبالعطف عليه ، وبإكرامه وعدم قهره وإذلاله ، ويبشر الذين ~~يكرمون اليتيم بأفضل البشارات ، فقد روى البخاري وغيره عن سهل بن سعد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا. وقال ~~بإصبعيه السبابة والوسطى» أى : وأشار وفرج بين إصبعيه السبابة والوسطى . # وإنما اعتنى الإسلام برعاية اليتيم لصغره وعجزه عن القيام بمصالحه ، ولأن ~~عدم رعايته سيؤدي إلى شيوع الفاحشة في الأمة ؛ ذلك لأن اليتيم إنسان فقد ~~العائل والنصير منذ صغره ، فإذا نشأ في بيئة ترعاه وتكرمه وتعوضه عما فقده ~~من عطف أبيه ، شب محبا لمن حوله وللمجتمع الذي يعيش فيه. وإذا نشأ في بيئة ~~تقهره وتذله وتظلمه نظر إلى من حوله وإلى المجتمع كله نظرة العدو إلى عدوه ~~، وصار من الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ؛ لأنه سيقول لنفسه : إذا كان ~~الناس لم يحسنوا إلى فلما ذا أحسن إليهم؟ وإذا كانوا قد حرموني حقي الذي ~~منحه الله لي ، فلما ذا أعطيهم شيئا من خيرى وبرى؟ # لهذه الأسباب وغيرها أمر الإسلام أتباعه برعاية اليتيم وإكرامه وصيانة ~~حقوقه من أى اعتداء أو ظلم. # * * * # وبعد أن يبين سبحانه ما يجب على الرجال نحو النساء من إعطائهن حقوقهن ، ~~وما يجب على الجميع نحو اليتامى من إكرامهم والمحافظة على أموالهم .... بعد ~~أن بين سبحانه ذلك ، شرع في بيان حقوق ms1140 أكثر الوارثين ، بعد أن أجملها في ~~قوله تعالى ( @QUR@06 للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ) فقال تعالى : PageV03P062 # ( @QUR@071 يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء ~~فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد ~~منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه ~~الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين آباؤكم ~~وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما ~~حكيما (11) @QUR@078 ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان ~~لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما ~~تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية ~~توصون بها أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد ~~منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها PageV03P063 # @QUR@010 أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم (12) @QUR@018 ~~تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها وذلك الفوز العظيم (13) @QUR@013 ومن يعص الله ورسوله ويتعد ~~حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين ) (14) # قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لقوله تعالى ( @QUR@04 يوصيكم الله في ~~أولادكم ) الآية : # «هذه الآية الكريمة والتي بعدها والآية التي هي خاتمة هذه السورة هن آيات ~~علم الفرائض. وهو مستنبط من هذه الآيات الثلاث ، ومن الأحاديث الواردة في ~~ذلك مما هو كالتفسير لذلك. وقد ورد الترغيب في تعلم الفرائض فقد روى أبو ~~داود عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : العلم ثلاثة ~~وما سوى ذلك فهو فضل : آية محكمة أى غير منسوخة أو سنة قائمة أى ثابتة أو ~~فريضة عادلة أى عادلة في قسمتها بين أصحابها ». # وعن أبى ms1141 هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «تعلموا الفرائض ~~وعلموه الناس ؛ فإنه نصف العلم. وهو أول شيء ينسى .. وهو أول شيء ينزع من أمتى». # ثم قال ابن كثير : وقال البخاري عند تفسير هذه الآية : عن جابر بن عبد ~~الله قال : عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في بنى سلمة ماشيين ~~فوجدني النبي صلى الله عليه وسلم لا أعقل شيئا. فدعا بماء فتوضأ منه ثم رش على ~~فأفقت. فقلت : يا رسول الله ما تأمرنى أن أصنع في مالي؟ فنزلت ( @QUR@04 ~~يوصيكم الله في أولادكم ) الآية. # وفي حديث آخر رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة عن جابر قال : جاءت امرأة ~~سعد بن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا ~~رسول الله!! هاتان ابنتا سعد بن الربيع. قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدا. وان ~~عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا. ولا تنكحان إلا ولهما مال. فقال ~~صلى الله عليه وسلم : «يقضى الله في ذلك» فنزلت آية الميراث. فبعث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال صلى الله عليه وسلم : أعط ابنتي سعد الثلثين ، ~~وأمهما الثمن ، وما بقي فهو لك». # ثم قال ابن كثير : والظاهر أن حديث جابر الأول إنما نزل بسببه الآية ~~الأخيرة من هذه PageV03P064 # السورة كما سيأتى ، فإنه إنما كان له إذ ذاك أخوات ولم يكن له بنات ، ~~وإنما كان يورث كلالة. والحديث الثاني عن جابر أشبه بنزول هذه الآية (1). ~~هذا ، وقوله تعالى ( @QUR@08 يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ~~) بيان لما إذا مات الميت وترك أولادا من الذكور والإناث. # وقوله ( @QUR@01 يوصيكم ) من الوصية ، وهي كما يقول الراغب : التقدم إلى ~~الغير بما يعمل به مقترنا بوعظ من قولهم : أرض واصية أى متصلة النبات ويقال ~~: أوصاه ووصاه ... ويقال : تواصى القوم إذا أوصى بعضهم بعضا ...» (2) ~~والمراد بقوله ( @QUR@01 يوصيكم ): أى يأمركم أمرا مؤكدا. # والأولاد : جمع ولد بوزن فعل مثل أسد والولد : اسم للمولود ذكرا كان أو ~~أنثى والحظ : النصيب المقدر. # والمعنى ms1142 : يعهد الله إليكم ويأمركم أمرا مؤكدا في شأن ميراث أولادكم من ~~بعد موتكم أن يكون نصيب الذكر منهم في الميراث نصيب الأنثيين. # وصدر سبحانه هذه الأحكام بقوله ( @QUR@01 يوصيكم ) اهتماما بشأنها ، ~~وإيذانا بوجوب سرعة الامتثال لمضمونها ، إذ الوصية من الله تعالى إيجاب ~~مؤكد ، بدليل قوله تعالى ( @QUR@011 ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ذلكم وصاكم به ) أى أوجب عليكم الانقياد لهذا الحكم إيجابا مؤكدا. # وحرف في هنا للظرفية المجازية ، ومجرورها محذوف قام المضاف إليه مقامه ، ~~لأن ذوات الأولاد لا تصلح ظرفا للوصية ، والتقدير : يوصيكم الله في توريث ~~أولادكم أو في شأنهم. # وبدأ سبحانه ببيان ميراث الأولاد ، لأنهم أقرب الناس إلى الإنسان ، ولأن ~~تعلق الإنسان بأولاده أشد من تعلقه بأى إنسان آخر. # وقوله ( @QUR@04 للذكر مثل حظ الأنثيين ) جملة مستأنفة لا محل لها من ~~الإعراب لأنها في موضع التفصيل والبيان لجملة ( @QUR@04 يوصيكم الله في ~~أولادكم ). # وقد جعل سبحانه نصيب الذكر ضعف نصيب الأنثى ، لأن التكليفات المالية على ~~الأنثى تقل كثيرا عن التكليفات المالية على الذكر ، إذ الرجل مكلف بالنفقة ~~على نفسه وعلى أولاده وعلى زوجته وعلى كل من يعولهم بينما المرأة نصيبها من ~~الميراث لها خاصة لا يشاركها فيه مشارك. PageV03P065 # وبهذا يتبين أن الإسلام قد أكرم المرأة غاية الإكرام حيث أعطاها هذا ~~النصيب الخاص بها من الميراث بعد أن كانت في الجاهلية لا ترث شيئا. # ولم يقل سبحانه للذكر ضعف نصيب الأنثى ، لأن الضعف قد يصدق على المثلين ~~فصاعدا ، فلا يكون نصا. # ولم يقل للأنثيين مثل حظ الذكر ولا للأنثى نصف حظ الذكر ، لأن المقصود ~~تقديم الذكر لبيان فضله ومزيته على الأنثى. # وعبر بالذكر والأنثى دون الرجال والنساء ، للتنصيص على استواء الكبار ~~والصغار من الفريقين في الاستحقاق من غير دخل للبلوغ والكبر في ذلك أصلا ، ~~كما هو زعم أهل الجاهلية حيث كانوا لا يورثون الأطفال ولا النساء. # وبعد أن بين سبحانه كيفية قسمة التركة إذا كان الورثة أولادا ذكورا ~~وإناثا ، عقب ذلك ببيان كيفية تقسيم التركة إذا كان الورثة من الأولاد ~~الإناث ms1143 فقط فقال تعالى : فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك. # قال الآلوسى : الضمير للأولاد مطلقا ، ولزوم تغليب الإناث على الذكور لا ~~يضر ، لأن ذلك مما صرحوا بجوازه مراعاة للخبر ومشاكلة له. ويجوز أن يعود ~~إلى المولودات أو البنات اللاتي في ضمن مطلق الأولاد .. والمراد من الفوقية ~~زيادة العدد لا الفوقية الحقيقية (1). # والمعنى : فإن كانت المولودات أو البنات نساء خلصا زائدات على اثنتين ~~بالغات ما بلغن فلهن ثلثا ما ترك المتوفى. # وهذه الجملة الكريمة قد بينت بالقول الصريح نصيب الأكثر من البنتين وهو ~~الثلثان إلا أنها لم تبين نصيب البنتين بالقول الصريح. # وقد روى عن ابن عباس أنه قال : الثلثان فرض الثلاث من البنات فصاعدا وأما ~~فرض البنتين فهو النصف. ودليله صريح منطوق الآية ، فقد اشترطت أن أخذ ثلثى ~~التركة للنساء يكون إذا كن فوق اثنتين أى ثلاثا فصاعدا ، وذلك ينفى حصول ~~الثلثين للبنتين. # وقال جمهور العلماء : البنتان لاحقتان بالبنات ، فلهما الثلثان إذا ~~انفردتا عن البنين كما أن البنات لهن الثلثان كذلك. # وقد بسط الفخر الرازي أدلة الجمهور على أن للبنتين الثلثين كالبنات فقال ~~ما ملخصه : # وأما سائر الأمة فقد أجمعوا على أن فرض البنتين الثلثان. قالوا : وإنما ~~عرفنا ذلك بوجوه : PageV03P066 # أولها : من قوله تعالى ( @QUR@04 للذكر مثل حظ الأنثيين ) وذلك لأن من ~~مات وترك ابنا وبنتا فههنا يجب أن يكون نصيب الابن الثلثين لقوله تعالى ( ~~@QUR@04 للذكر مثل حظ الأنثيين )، فإذا كان نصيب الذكر مثل نصيب الأنثيين. ~~ونصيب الذكر هاهنا هو الثلثان ، وجب لا محالة أن يكون نصيب الابنتين ~~الثلثين. # الثاني : إذا مات وترك ابنا وبنتا فههنا يكون نصيب البنت الثلث بدليل ( ~~@QUR@04 للذكر مثل حظ الأنثيين ) فإذا كان نصيب البنت مع الولد الذكر هو ~~الثلث فبأن يكون نصيبها مع ولد آخر أنثى هو الثلث أولى ، لأن الذكر أقوى من ~~الأنثى وإذا كان للبنت الثلث مع أختها وللأخرى كذلك فقد صار لهما الثلثان. # الثالث : أن قوله تعالى ( @QUR@04 للذكر مثل حظ الأنثيين ) يفيد أن حظ ~~الأنثيين أزيد من حظ الأنثى الواحدة ، وإلا ms1144 لزم أن يكون حظ الذكر مثل حظ ~~الأنثى الواحدة وذلك خلاف النص. وإذا ثبت أن حظ الأنثيين أزيد من حظ ~~الواحدة فتقول : وجب أن يكون ذلك هو الثلثان ، لأنه لا قائل بالفرق والرابع ~~: أنا ذكرنا في سبب نزول الآية أنه صلى الله عليه وسلم أعطى بنتي سعد بن ~~الربيع الثلثين ، وذلك يدل على ما قلناه. # الخامس : أنه سبحانه ذكر في هذه الآية حكم الواحدة من البنات وحكم الثلاث ~~فما فوقهن ولم يذكر حكم الثنتين وذكر في شرح ميراث الأخوات في آخر السورة ( ~~@QUR@012 إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك )... ( @QUR@07 ~~فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك ) فهنا ذكر ميراث الأخت الواحدة ~~والأختين دون الأخوات ، فصارت كل واحدة من هاتين الآيتين مجملة من وجه ~~ومبينة من وجه فنقول : لما كان نصيب الأختين الثلثين كانت البنتان أولى ~~بذلك ، لأنهما أقرب إلى الميت من الأختين. # والوجوه الثلاثة الأول مستنبطة من الآية. والرابع مأخوذ من السنة. ~~والخامس من القياس الجلى» (1). # هذا وقد صح عن ابن عباس أنه رجع إلى قول الجمهور فانعقد الإجماع على أن ~~للبنتين الثلثين. # ثم بين سبحانه الحكم فيما إذا ترك الشخص بنتا واحدة فقال : ( @QUR@05 وإن ~~كانت واحدة فلها النصف ). # أى وإن كانت المولودة أنثى واحدة ليس معها أخ ولا أخت فلها النصف أى نصف ~~ما تركه المتوفى. PageV03P067 # وإلى هنا تكون الآية قد ذكرت ثلاث حالات للأولاد في الميراث : # الأولى : أن يترك الميت ذكورا وإناثا. وفي هذه الحالة يكون الميراث بينهم ~~للذكر مثل حظ الأنثيين. # الثانية : أن يترك الميت بنتين فأكثر وليس معهما أخ ذكر : وفي هذه الحالة ~~يكون لهما أو لهن الثلثان خلافا لابن عباس في البنتين كما سبق أن بينا. # الثالثة : أن يترك الميت بنتا واحدة وليس معها أخ ذكر. وفي هذه الحالة ~~يكون لها النصف. # قال بعض العلماء : هذا توريث الأولاد. ويلاحظ ما يأتى : # أولا : أن نصيب الأولاد إذا كانوا ذكورا وإناثا إنما يكون بعد أن يأخذ ~~الأبوان والأجداد والجدات وأحد الزوجين أنصبتهم. ms1145 فإذا كان للمتوفى أب وزوجة ~~وأبناء وبنات ، فان القسمة للذكر مثل حظ الأنثيين تكون بعد أخذ الأب ~~والزوجة نصيبيهما. # ثانيا : أن الأولاد يطلقون على كل فروع الشخص من صلبه : أى أبناؤه وأبناء ~~أبنائه وبناته وبنات أبنائه. أما أولاد بناته فليسوا من أولاده. وقد خالف ~~في ذلك الشيعة فلم يفرقوا في نسبة الأولاد بين من يكون من أولاد الظهور ومن ~~يكون من أولاد البطون. أى : لا يفرقون بين من تتوسط بينه وبين المتوفى أنثى ~~ومن لا تتوسط. # ثالثا : أن أبناء المتوفى وبناته يقدمن على أبناء أبنائه وبنات ابنه. أى ~~: أن الطبقة الأولى تمنع من يليها : # رابعا : أن بنات الابن يأخذن حكم البنات تماما إذا لم يكن للشخص أولاد قط ~~لا ذكور ولا إناث» (1). # وبعد أن بين سبحانه ميراث الأولاد أعقبه ببيان ميراث الأبوين فقال : ( ~~@QUR@026 ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد ؛ فإن لم يكن ~~له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث. فإن كان له إخوة فلأمه السدس ). # وقد ذكر سبحانه هنا ثلاث حالات للأبوين. # أما الحالة الأولى : فيشترك فيها الأب والأم بأن يأخذ كل واحد منهما ~~السدس إذا كان للميت ولد. وقد عبر سبحانه عن هذه الحالة بقوله : ( @QUR@01 ~~ولأبويه ) أى لأبوى الميت ذكرا كان أو أنثى : والضمير في ( @QUR@01 لأبويه ~~) كناية عن غير مذكور. وجاز ذلك لدلالة الكلام عليه. PageV03P068 # والمراد بالأبوين : الأب والأم. والتثنية على لفظ الأب للتغليب. # وقوله ( @QUR@03 لكل واحد منهما ) بدل من قوله ( @QUR@01 ولأبويه ) ~~بتكرير العامل وهو اللام في قوله ( @QUR@01 لكل ). وفائدة هذا البدل أنه ~~لو قيل : ولأبويه السدس لكان ظاهره اشتراكهما فيه. # وقوله ( @QUR@01 السدس ) بيان للنصيب الذي يستحقه كل واحد من الأبوين. # أى : أن لكل واحد من أبوى الميت السدس مما ترك من المال ( @QUR@04 إن كان ~~له ولد ) أى : إن كان لهذا الميت ولد ذكرا كان أو أنثى واحدا كان أو أكثر ~~قال القرطبي : فرض الله تعالى لكل واحد من الأبوين مع الولد السدس ، وأبهم ~~الولد فكان الذكر والأنثى فيه سواء. فإن مات رجل وترك ابنا ms1146 وأبوين فلابويه ~~لكل واحد منهما السدس وما بقي فللابن. فإن ترك ابنة وأبوين فللابنة النصف ~~وللأبوين السدسان وما بقي فلأقرب عصبة وهو الأب لقول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «ما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر ، فاجتمع للأب ~~الاستحقاق بجهتين التعصيب والفرض» (1). # والحالة الثانية : وهي ما إذا مات وورثه أبواه ، وقد بين سبحانه حكمها ~~بقوله : ( @QUR@09 فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث ). # أى فإن لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن وورثه أبواه فقط ، ففي هذه الحالة ~~يكون لأم الميت ثلث التركة ، ولأبيه الباقي من التركة وهو الثلثان ، إذ لا ~~وارث له سواهما. فإذا كان معهما أحد الزوجين كان للأم ثلث الباقي بعد نصيب ~~الزوج أو الزوجة وثلثاه للأب وهذا رأى جمهور الصحابة وهو الذي اختاره ~~الأئمة الأربعة وأكثر فقهاء الأمصار. # أما الحالة الثالثة : وهي ما إذا مات الميت وترك الأبوين ومعهما إخوة أو ~~أخوات فقد بين سبحانه حكمها بقوله : «فإن كان له إخوة فلأمه السدس أى : فإن ~~كان للميت إخوة من الأب والأم. أو من الأب فقط ، أو من الأم فقط ذكورا ~~كانوا أو إناثا أو مختلطين ففي هذه الحالة يكون لأم الميت سدس التركة ~~والباقي للأب ولا ميراث للإخوة لحجبهم بالأب وبهذا نرى أن إخوة الميت ~~ينقصون الأم من الثلث إلى السدس وإن كانوا محجوبين بالأب. # وإذ شرط الله في إنقاص نصيبها من الثلث إلى السدس الجماعة من الإخوة علم ~~أن الأخ الواحد لا يحجبها عن الثلث بل يبقى لها الثلث. # أما الأخوان فيرى جمهور الصحابة والعلماء المجتهدين أنهما ينقصانها من ~~الثلث إلى السدس. # لأنه قد ورد في اللغة إطلاق الجمع على الاثنين كما في قوله تعالى ( ~~@QUR@05 إن تتوبا إلى الله فقد PageV03P069 # @QUR@02 صغت قلوبكما ). ولأن الشارع قد جعل الأختين كالثلاث في الميراث. ~~وكذلك جعل البنتين كالثلاث. ولا فرق بين الذكور والإناث. # ويروى عن ابن عباس أن الأخوين لا ينقصان الأم من الثلث إلى السدس فشأنهما ~~شأن الأخ الواحد لأن الله تعالى قال ( @QUR@04 فإن كان له إخوة ms1147 ) بصيغة ~~الجمع ، والجمع أقله ثلاثة بخلاف التثنية. والعمل على ما ذهب إليه الجمهور. # وإلى هنا تكون الآية الكريمة قد بينت ميراث الأولاد والأبوين. ثم عقبت ~~ذلك ببيان الوقت الذي تدفع فيه هذه الأموال إلى مستحقيها من الورثة فقالت : ~~( @QUR@07 من بعد وصية يوصي بها أو دين ). # أى هذه الفروض المذكورة إنما تقسم للورثة من بعد إنفاذ وصية يوصى بها ~~الميت إلى الثلث. # ومن بعد قضاء دين على الميت. # فالجملة الكريمة متعلقة بما تقدم قبلها من قسمة المواريث ؛ فكأنه قال : ~~قسمة هذه الأنصبة من بعد وصية يوصى بها لميت ومن بعد قضاء دين عليه. # ثم بين سبحانه حكمة هذا التقسيم ، وأكد وجوب تنفيذه فقال : ( @QUR@016 ~~آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان ~~عليما حكيما ). # قال الآلوسى : الخطاب للورثة. وقوله ( @QUR@01 آباؤكم ) مبتدأ ، وقوله ( ~~@QUR@01 وأبناؤكم ) معطوف عليه. وقوله ( @QUR@02 لا تدرون ) مع ما في حيزه ~~خبر له. وأى إما استفهامية مبتدأ. وقوله ( @QUR@01 أقرب ) خبره والفعل معلق ~~عنها فهي سادة مسد المفعولين. واما موصولة ، وقوله ( @QUR@01 أقرب ) خبر ~~مبتدأ محذوف والجملة صلة الموصول. وأيهم مفعول أول مبنى على الضم لإضافته ~~وحذف صدر صلته. والمفعول الثاني محذوف. وقوله ( @QUR@01 نفعا ) نصب على ~~التمييز وهو منقول من الفاعلية. وجملة ( @QUR@08 آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون ~~أيهم أقرب لكم نفعا ) اعتراضية مؤكدة لوجوب تنفيذ الوصية (1). # والمعنى أن الله تعالى قد فرض لكم هذه الفرائض ؛ وقسم بينكم الميراث هذا ~~التقسيم العادل فعليكم أن تلتزموا بتنفيذ قسمة الله التي قسمها لكم ، ولا ~~يصح لكم أن تحكموا أهواءكم في أموالكم ، فإنكم لا تعلمون من أنفع لكم من ~~أصولكم وفروعكم في دنياكم وآخرتكم. # وقد صدر سبحانه الجملة الكريمة بذكر الآباء والأبناء لقوة قرابتهم واتحاد ~~اتصالهم ، PageV03P070 # ومع ذلك لا يدرون النافع منهم ، لأن الله تعالى وحده هو العليم بأحوال ~~عباده ، وبما تسره وتعلنه نفوسهم. # ثم أكد الله تعالى وجوب الانقياد لما شرعه لهم في شأن المواريث بتأكيدين : # أولهما : قوله تعالى ( @QUR@03 فريضة من الله ). # أى : فرض الله ذلك التقسيم للميراث فريضة ، وقدره تقديرا ms1148 فلا يجوز لكم أن ~~تخالفوه ، لأنه تقدير الله وقسمته ، وليس لأحد أن يخالف قسمة الله وشرعه. # وقوله ( @QUR@01 فريضة ) منصوب على أنه مصدر مؤكد لنفسه ، على حد قولهم ؛ ~~هذا ابني حقا ، لأنه واقع بعد جملة لا محتمل لها غيره ، فيكون فعله الناصب ~~له محذوفا وجوبا. أى فرض ذلك فريضة من الله. # وأما التأكيد الثاني : فهو قوله تعالى : ( @QUR@05 إن الله كان عليما ~~حكيما ) أى إن الله تعالى كان عليما بما يصلح أمر العباد في دنياهم وآخرتهم ~~، حكيما فيما قضى وقدر من شئون وتشريعات ، فعليكم أن تقفوا عند ما قضى وشرع ~~لتفوزوا بمثوبته ورعايته ورضاه. # قال الفخر الرازي ما ملخصه : ومناسبة هذا الكلام هنا أنه تعالى لما ذكر ~~أنصباء الأولاد والأبوين ، وكانت تلك الأنصباء مختلفة .. والإنسان ربما خطر ~~بباله أن القسمة لو وقعت على غير هذا الوجه لكانت أنفع له وأصلح ، لا سيما ~~وقد كانت قسمة العرب للمواريث مخالفة لما جاء به الإسلام. لما كان الأمر ~~كذلك أزال الله هذه الشبهة بأن قال : إنكم تعلمون أن عقولكم لا تحيط ~~بمصالحكم ، فربما اعتقدتم في شيء أنه صالح لكم وهو عين المضرة ، وربما ~~اعتقدتم فيه أنه عين المضرة وهو عين المصلحة ، وأما الإله الحكيم الرحيم ~~فهو عالم بمغيبات الأمور وعواقبها ، فاتركوا تقدير المواريث بالمقادير التي ~~تستحسنها عقولكم ، وكونوا مطيعين لأمر الله في هذه التقديرات التي قدرها ~~لكم ، فقوله ( @QUR@08 آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا ) ~~إشارة إلى ترك ما يميل إليه الطبع من قسمة المواريث على الورثة. وقوله : ( ~~@QUR@03 فريضة من الله ) إشارة إلى وجوب الانقياد لهذه القسمة التي قدرها ~~الشرع وقضى بها» (1). # وبعد أن بين سبحانه ميراث الأولاد والأبوين شرع في بيان ميراث الأزواج ~~فقال تعالى : ( @QUR@018 ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد. فإن ~~كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن ). # أى : ولكم أيها الرجال نصف ما ترك أزواجكم من المال إن لم يكن لهؤلاء ~~الزوجات PageV03P071 # الموروثات ولد ذكرا كان أو أنثى ، واحدا كان أو متعددا ، منكم كان أو من ~~غيركم ms1149 فإن كان لهن ولد فلكم أيها الأزواج الربع مما تركن من المال. # وبهذا نرى أن للزوج في الميراث حالتين : حالة يأخذ فيها نصف ما تركته ~~زوجته المتوفاة من مال إن لم تترك خلفها ولدا من بطنها أو من صلب بنيها أو ~~بنى بنيها ... إلخ ، فإن تركت ولدا على التفصيل السابق كان لزوجها ربع ما ~~تركت من مال وتلك هي الحالة الثانية للزوج ، ويكون الباقي في الصورتين ~~لبقية الورثة. # وقوله ( @QUR@07 من بعد وصية يوصين بها أو دين ) متعلق بكلتا الصورتين. # أى لكم ذلك أيها الرجال من بعد استخراج وصيتهن وقضاء ما عليهن من ديون. # ثم بين سبحانه نصيب الزوجة فقال ( @QUR@017 ولهن الربع مما تركتم إن لم ~~يكن لكم ولد ، فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم ). # أى أن للزوجات ربع المال الذي تركه أزواجهن إذا لم يكن لهؤلاء الأزواج ~~الأموات ولد من ظهورهم أو من ظهور بنيهم أو بنى بنيهم .. إلخ فإن ترك ~~الأزواج من خلفهم ولدا فللزوجات ثمن المال الذي تركه أزواجهن ويكون المال ~~الباقي في الصورتين لبقية الورثة. # ونرى من هذا أن الزوجة على النصف في التقدير من الزوج ، وهو قاعدة عامة ~~في قسمة الميراث بالنسبة للذكر والأنثى ، ولم يستثن إلا الإخوة لأم ، ~~والأبوين في بعض الأحوال. # وقوله ( @QUR@07 من بعد وصية توصون بها أو دين ) متعلق بما قبله. # أى لكن ذلك أيتها الزوجات من بعد استخراج وصيتهم وقضاء ما عليهم من ديون. # ثم بين سبحانه ، ميراث الإخوة والأخوات لأم فقال تعالى : ( @QUR@024 وإن ~~كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس. فإن ~~كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث ). # والكلالة ؛ هم القرابة من غير الأصول والفروع. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما الكلالة؟ قلت : تطلق على واحد من ثلاثة : ~~على من لم يخلف ولدا ولا والدا «وعلى من ليس بولد ولا والد من المخلفين ~~وعلى القرابة من غير جهة الولد والوالد ، ومنه قولهم ما ورث المجد عن ~~كلالة. كما تقول : ما صمت ms1150 عن عي ، وما كف عن جبن. # والكلالة في الأصل مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوة من الإعياء ، قال ~~الأعشى : # فآليت لا أرثى لها من كلالة PageV03P072 # فاستعيرت للقرابة من غير جهة الولد والوالد لأنها بالإضافة إلى قرابتهما ~~كالة ضعيفة. وعن أبى بكر الصديق رضى الله عنه أنه سئل عن الكلالة فقال : ~~الكلالة : من لا ولد له ولا والد» (1). # والظاهر أن كلمة «كلالة هنا وصف للميت الموروث ، لأنها حال من نائب فاعل ~~قوله : ( @QUR@01 يورث ) وهو ضمير الميت الموروث. والتقدير : وإن كان رجل ~~موروثا حال كونه كلالة. أى ؛ لم يترك ولدا ولا والدا. ويرى بعضهم أن كلمة ~~كلالة هنا : وصف للوارث الذي ليس بولد ولا والد للميت. لأن هؤلاء الوارثين ~~يتكللون الميت من جوانبه ، وليسوا في عمود نسبه ، كالإكليل يحيط بالرأس ، ~~ووسط الرأس منه خال. من تكلله الشيء إذا أحاط به. فسمى هؤلاء الأقارب الذين ~~ليسوا من أصول الميت أو من فروعه كلالة ، لأنهم أطافوا به من جوانبه لا من ~~عمود نسبه. وعلى هذا الرأى يكون المعنى وإن كان رجل يورث حال كونه ذا وارث ~~هو كلالة. أى أن وارثه ليس بولد ولا والد له. # والمراد بالإخوة والأخوات هنا : الإخوة والأخوات لأم ، بدليل قراءة سعد ~~بن أبى وقاص : «وله أخ أو أخت من أم». ويدل عليه أيضا أن الله تعالى ذكر ~~ميراث الإخوة مرتين : هنا مرة ، ومرة أخرى في آخر آية من هذه السورة وهي ~~قوله : ( @QUR@06 يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ). # وقد جعل سبحانه في الآية التي معنا للواحد السدس وللأكثر الثلث شركة ، ~~وجعل في الآية التي في آخر السورة للأخت الواحدة النصف ، وللاثنتين الثلثين ~~، فوجب أن يكون الإخوة هنا وهناك مختلفين دفعا للتعارض. ولأنه لما كان ~~الإخوة لأب وأم أو لأب فحسب أقرب من الإخوة لأم ، وقد أعطى سبحانه الأخت ~~والأختين والإخوة في آخر السورة نصيبا أوفر ، فقد وجب حمل الإخوة في آخر ~~السورة على الأشقاء أو الإخوة لأب. كما وجب حمل الإخوة والأخوات هنا على ~~الإخوة لأم. # والمعنى : ( @QUR@05 وإن كان ms1151 رجل يورث كلالة ) أى : يورث من غير أصوله أو ~~فروعه ( @QUR@02 أو امرأة ) أى : تورث كذلك من غير أصولها أو فروعها. # والضمير في قوله ( @QUR@01 وله ) يعود لذلك الشخص الميت المفهوم من ~~المقام. أو لواحد منهما أى الرجل والمرأة والتذكير للتغليب. أو يعود للرجل ~~واكتفى بحكمه عن حكم المرأة لدلالة العطف على تشاركهما في هذا الحكم. PageV03P073 # وقوله : ( @QUR@03 أخ أو أخت ) أى : من الأم فقط ( @QUR@03 فلكل واحد ~~منهما ) أى : الأخ والأخت ( @QUR@01 السدس ) مما ترك ذلك المتوفى من غير ~~تفضيل للذكر على الأنثى ، لأنهما يتساويان في الإدلاء إلى الميت بمحض ~~الأنوثة. ( @QUR@02 فإن كانوا ) أى : الإخوة والأخوات لأم ، أكثر من واحد ~~فهم شركاء في الثلث ، يقتسمونه فيما بينهم بالسوية بين ذكورهم وإناثهم ، ~~والباقي من المال الموروث يقسم بين أصحاب الفروض والعصبات من الورثة. # وبذلك نرى أن الإخوة والأخوات من الأم لهم حالتان : # إحداهما : أن يأخذ الواحد أو الواحدة السدس إذا انفردا. # والثانية : أن يتعدد الأخ لأم أو الأخت لأم وفي هذه الحالة يكون نصيبهم ~~الثلث يشتركون فيه بالسوية بلا فرق بين الذكر والأنثى. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@015 من بعد وصية يوصى بها أو ~~دين غير مضار وصية من الله ، والله عليم حليم ). # أى : هذه القسمة التي قسمها الله تعالى لكم بالنسبة للإخوة للأم إنما تتم ~~بعد تنفيذ وصية الميت وقضاء ما عليه من ديون ، من غير ضرار الورثة بوصيته ~~أو دينه. وفي قوله ( @QUR@01 يوصى ) قراءتان سبعيتان : # إحداهما بالبناء للمفعول أى ( @QUR@01 يوصى ) بفتح الصاد فيكون قوله ( ~~@QUR@02 غير مضار ) حال من فاعل فعل مضمر يدل عليه المذكور. أى من بعد وصية ~~يوصى بها أو دين حالة كون الموصى به أو الدين غير مضار ، أى غير متسبب في ~~ضرر الورثة. # والقراءة الثانية بالبناء للفاعل أى ( @QUR@01 يوصى ) بكسر الصاد فيكون ~~قوله ( @QUR@02 غير مضار ) حال من فاعل الفعل المذكور وهو ضمير ( @QUR@01 ~~يوصى ). # أى : يوصى بما ذكر من الوصية والدين حال كونه «غير مضار» أى غير مدخل ~~الضرر على الورثة. وبهذا نرى أن مرتبة الورثة في التقسيم تأتى بعد ms1152 سداد ~~الديون وبعد تنفيذ الوصايا ولذا ذكر سبحانه هذين الأمرين أربع مرات في ~~هاتين الآيتين تأكيدا لحق الدائنين والموصى لهم وتبرئة لذمة المتوفى فقد ~~قال بعد بيان ميراث الأولاد والأبوين ( @QUR@07 من بعد وصية يوصى بها أو ~~دين ) وقال بعد بيان ميراث الزوج ( @QUR@07 من بعد وصية يوصين بها أو دين ) ~~وقال بعد ميراث الزوجة : ( @QUR@07 من بعد وصية توصون بها أو دين ) وقال ~~بعد بيان ميراث الإخوة والأخوات لأم : ( @QUR@09 من بعد وصية يوصى بها أو ~~دين غير مضار ). # وقد قدم سبحانه الوصية على الدين في اللفظ مع أنها مؤخرة عن الدين في ~~السداد ، PageV03P074 # وذلك للتشديد في تنفيذها ، إذ هي مظنه الإهمال ، أو مظنة الإخفاء ، ~~ولأنها مال يعطى بغير عوض فكان إخراجها شاقا على النفس ، فكان من الأسلوب ~~البليغ الحكيم العناية بتنفيذها ، وكان من مظاهر هذه العناية تقديمها في الذكر. # وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال : فإن قلت : لم قدمت الوصية على ~~الدين والدين مقدم عليها في الشريعة؟ قلت : لما كانت الوصية مشبهة للميراث ~~في كونها مأخوذة من غير عوض ، كان إخراجها مما يشق على الورثة ويتعاظمهم ~~ولا تطيب أنفسهم بها ، فكان أداؤها مظنة للتفريط ، بخلاف الدين فإن نفوسهم ~~مطمئنة إلى أدائه ، فلذلك قدمت على الدين بعثا على وجوبها والمسارعة إلى ~~إخراجها مع الدين. # فإن قلت : ما معنى ( @QUR@01 أو )؟ قلت معناها الإباحة ، وأنه إذا كان ~~أحدهما أو كلاهما ، قدم على قسمة الميراث كقولك : جالس الحسن أو ابن سيرين. ~~فأو هنا جيء بها للتسوية بينهما في الوجوب» (1). # وقوله تعالى ( @QUR@02 غير مضار ) يفيد النهى للمورث عن إلحاق الضرر ~~بورثته عن طريق الوصية أو بسبب الديون. # والضرر بالورثة عن طريق الوصية يتأتى بأن يوصى المورث بأكثر من الثلث ، ~~أو به فأقل مع قصده الإضرار بالورثة فقد روى النسائي في سننه عن ابن عباس ~~أنه قال : الضرار في الوصية من الكبائر». وقال قتادة : كره الله الضرار في ~~الحياة وعند الممات ونهى عنه. # والضرر بالورثة بسبب الدين يتأتى بأن يقر بدين لشخص ليس له عليه دين دفعا ms1153 ~~للميراث عن الورثة ، أو يقر بأن الدين الذي كان له على غيره قد استوفاه ~~ووصل إليه ، مع أنه لم يحصل شيء من ذلك. # وقد ذكر سبحانه هذه الجملة وهي قوله ( @QUR@02 غير مضار ) بعد حديثه عن ~~ميراث الإخوة والأخوات من الأم ، تأكيدا لحقوقهم ، وتحريضا على أدائها ، ~~لأن حقوقهم مظنة الضياع والإهمال. ولا يزال الناس إلى الآن يكادون يهملون ~~نصيب الإخوة لأم. # وقوله ( @QUR@03 وصية من الله ) نصبت كلمة ( @QUR@01 وصية ) فيه على أنها ~~مصدر مؤكد أى : يوصيكم الله بذلك وصية. والتنوين فيها للتفخيم والتعظيم. ~~والجار والمجرور وهو ( @QUR@02 من الله ) متعلق بمحذوف وقع صفة لوصية : أى ~~وصية كائنة من الله فمن خالفها كان مستحقا لعقابه. # وقوله ( @QUR@03 والله عليم حليم ) تذييل قصد به تربية المهابة في القلوب ~~من خالقها العليم PageV03P075 # بأحوالها. أى والله عليم بما تسرون وما تعلنون ، وبما يصلح أحوالكم وبمن ~~يستحق الميراث ومن لا يستحقه وبمن يطيع أوامره ومن يخالفها حليم لا يعجل ~~بالعقوبة على من عصاه ، فهو سبحانه يمهل ولا يهمل. فعليكم أن تستجيبوا ~~لأحكامه ، حتى تكونوا أهلا لمثوبته ورضاه. # * * * # ثم أكد سبحانه وجوب الانقياد لأحكامه ، وبشر المطيعين بحسن الثواب. وأنذر ~~العصاة بسوء العقاب فقال : ( @QUR@018 تلك حدود الله ، ومن يطع الله ورسوله ~~يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ). # واسم الإشارة ( @QUR@01 تلك ) يعود إلى الأحكام المذكورة في شأن المواريث ~~وغيرها. والمعنى : تلك الأحكام التي ذكرها سبحانه عن المواريث وغيرها ( ~~@QUR@02 حدود الله ) أى شرائعه وتكاليفه التي شرعها لعباده. # والحدود جمع حد. وحد الشيء طرفه الذي يمتاز به عن غيره. ومنه حدود البيت ~~أى أطرافه التي تميزه عن بقية البيوت. # والمراد بحدود الله هنا الشرائع التي شرعها سبحانه لعباده بحيث لا يجوز ~~لهم تجاوزها ومخالفتها. # وقد أطلق سبحانه على هذه الشرائع كلمة الحدود على سبيل المجاز لشبهها بها ~~من حيث إن المكلف لا يجوز له أن يتجاوزها إلى غيرها. # ثم قال تعالى ( @QUR@04 ومن يطع الله ورسوله ) أى فيما أمر به من الأحكام ~~، وفيما شرعه من شرائع تتعلق بالمواريث وغيرها. # ( @QUR@06 يدخله ms1154 جنات تجري من تحتها الأنهار ) أى تجرى من تحت أشجارها ~~ومساكنها الأنهار ( @QUR@02 خالدين فيها ) أى باقين فيها لا يموتون ولا ~~يفنون ولا يخرجون منها وقوله ( @QUR@03 وذلك الفوز العظيم ) أى وذلك ~~المذكور من دخول الجنة الخالدة الباقية بمن فيها هو الفوز العظيم ، والفلاح ~~الذي ليس بعده فلاح. # ثم قال تعالى ( @QUR@04 ومن يعص الله ورسوله ) أى فيما أمر به من أوامر ~~وفيما نهى عنه من منهيات ( @QUR@02 ويتعد حدوده ) التي تتعلق بالمواريث ~~وغيرها بأن يتجاوزها ويخالف حكم الله فيها. # ( @QUR@04 يدخله نارا خالدا فيها ) أى. يدخله نارا هائلة عظيمة خالدا ~~فيها خلودا أبديا إن كان من أهل الكفر والضلال. وخالدا فيها لمدة لا يعلمها ~~إلا الله إن كان من عصاة المؤمنين. # وقال هنا ( @QUR@02 خالدا فيها ) بالإفراد ، وقال في شأن المؤمنين ( ~~@QUR@02 خالدين فيها ) بالجمع ، للإيذان PageV03P076 # بأن أهل الطاعة جديرون بالشفاعة. فإذا شفع أحدهم لغيره وقبل الله شفاعته. ~~دخل ذلك الغير معه في رضوان الله. # أما أهل الكفر والمعاصي فليسوا أهلا للشفاعة ، بل يبقون فرادى ، تحيط بهم ~~الذلة والمهانة من كل جانب. # أو للإشعار بأن الخلود في دار الثواب يكون على هيئة الاجتماع الذي هو ~~أجلب للأنس والبهجة. # وبأن الخلود في دار العقاب يكون على هيئة الانفراد الذي هو أشد في ~~استجلاب الوحشة والهم. # وقوله ( @QUR@03 وله عذاب مهين ) أى لهذا العاصي لله ولرسوله ، والمتعدى ~~للحدود التي رسمها الله ، عذاب عظيم من شأنه أن يخزى من ينزل به ويذله ( ~~@QUR@04 وما ربك بظلام للعبيد ). # وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد وضحت أحكام المواريث بأبلغ بيان ، وأحكم ~~تشريع ، وبشرت المستجيبين لشرع الله بجزيل الثواب ، وأنذرت المعرضين عن ذلك ~~بسوء المصير. # هذا ، ومن الأحكام والفوائد التي يمكن أن نستخلصها من هذه الآيات ما يأتى : # أولا : أن ترتيب الورثة قد جاء في الآيتين الكريمتين على أحسن وجه ، وأتم ~~بيان ، وأبلغ أسلوب وذلك لأن الوارث كما يقول الإمام الرازي إما أن يكون ~~متصلا بالميت بغير واسطة أو بواسطة. فإن اتصل به بغير واسطة فسبب الاتصال ~~إما أن يكون هو النسب أو الزوجية ms1155 ، فحصل هنا أقسام ثلاثة : # أولها : أشرفها وأعلاها الاتصال الحاصل ابتداء من جهة النسب ، وذلك هو ~~قرابة الولاد ويدخل فيها الأولاد والوالدان ، فالله تعالى قدم حكم هذا القسم. # وثانيها : الاتصال الحاصل ابتداء من جهة الزوجية. وهذا القسم متأخر في ~~الشرف عن القسم الأول! لأن الأول ذاتى وهذا الثاني عرض ، والذاتي أشرف من العرض. # وثالثها : الاتصال الحاصل بواسطة الغير وهو المسمى بالكلالة. وهو متأخر ~~في الشرف عن القسمين الأولين ، لأنهما لا يعرض لهم السقوط بالكلية وأما ~~الكلالة فقد يعرض لهم السقوط بالكلية ، ولأنهما يتصلان بالميت بغير واسطة ~~بخلاف الكلالة. # فما أحسن هذا الترتيب ، وما أشد انطباقه على قوانين المعقولات» (1) PageV03P077 # ثانيا : أن الآيتين الكريمتين قد بينتا الوارثين والوارثات ونصيب كل وارث ~~بالأوصاف التي جعلها الله تعالى سببا في استحقاق الإرث كالبنوة والأبوة ~~والزوجية والأخوة. وقد ألغتا بالنسبة إلى أصل الاستحقاق الذكورة والأنوثة ~~والصغر والكبر وجعلتا للكل حقا معينا في الميراث. وبهذا أبطلتا ما كان عليه ~~الجاهليون من جعل الإرث بالنسب مقصورا على الرجال دون النساء والأطفال ، ~~وكانوا يقولون : «لا يرث إلا من طاعن بالرماح ، وذاد عن الحوزة ، وحاز ~~الغنيمة». # ثالثا : أن قوله تعالى : ( @QUR@04 يوصيكم الله في أولادكم ) إلخ يعم ~~أولاد المسلمين والكافرين والأحرار والأرقاء والقاتلين عمدا وغير القاتلين ~~إلا أن السنة النبوية الشريفة قد خصصت بعض هذا العموم ، حيث أخرجت الكافر ~~من هذا العموم لحديث : # «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» وعلى هذا سار جمهور العلماء ~~فلم يورثوا مسلما من كافر ولا كافرا من مسلم. # وذهب بعضهم إلى أن الكافر لا يرث المسلم ولكن المسلم يرث الكافر. # كذلك نص العلماء على أن الحر والعبد لا يتوارثان ؛ لأن العبد لا يملك ، ~~وعلى أن القاتل عمدا لا يرث من قتله معاملة نفسه بمقصوده. # رابعا : أن نصيب الأولاد إذا كانوا ذكورا وإناثا يكون بعد أن يأخذ ~~الأبوان والأجداد والجدات وأحد الزوجين أنصبتهم. # وأن الأولاد يطلقون على فروع الشخص من صلبه. أى أبنائه وأبناء أبنائه ، ~~وبنات أبنائه. # وأن أبناء الشخص وبناته يقدمن على أبناء أبنائه وبنات ms1156 أبنائه. أى أن ~~الطبقة الأولى تستوفى حقها في الميراث قبل من يليها. # وأن الأبناء والأبوين والزوجين لا يسقطون من أصل الاستحقاق للميراث بحال ~~، إلا أنهم قد يؤثر عليهم وجود غيرهم في المقدار المستحق. # وأنه متى اجتمع في المستحقين للميراث ذكور وإناث من درجة واحدة ، أخذ ~~الذكر مثل حظ الأنثيين إلا ما سبق لنا استثناؤه. # خامسا : لا يجوز للمورث أن يسيء إلى ورثته لا عن طريق الوصية ولا عن طريق ~~الدين ولا عن أى طريق آخر ، لأن الله تعالى قد نهى عن المضارة فقال : ( ~~@QUR@012 من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله ). # وإن بدء الآيتين الكريمتين بقوله : ( @QUR@04 يوصيكم الله في أولادكم ). PageV03P078 # وختم أولاهما بقوله : ( @QUR@03 فريضة من الله ) وختم ثانيتهما بقوله ( ~~@QUR@03 وصية من الله ) هذا البدء والختام لجديران بأن يغرسا الخشية من ~~الله في قلوب المؤمنين الذين يخافون مقام ربهم ، وينهون أنفسهم عن السير في ~~طريق الهوى والشيطان. # سادسا : أنه يجب تقديم حقوق الميت على تقسيم التركة ، فقد كرر الله تعالى ~~قوله : ( @QUR@07 من بعد وصية يوصي بها أو دين ) كما سبق أن بينا. # قال القرطبي : ولا ميراث إلا بعد أداء الدين والوصية ؛ فإذا مات المتوفى ~~أخرج من تركته الحقوق المعينات ، ثم ما يلزم من تكفينه وتقبيره ، ثم الديون ~~على مراتبها ، ثم يخرج من الثلث الوصايا ، وما كان في معناها على مراتبها ~~أيضا. ويكون الباقي ميراثا بين الورثة. # وجملتهم سبعة عشر. عشرة من الرجال وهم : الابن وابن الابن وإن سفل والأب ~~وأب الأب وهو الجد وإن علا. والأخ وابن الأخ. والعم وابن العم. والزوج ~~ومولى النعمة. # ويرث من النساء سبع وهن : البنت وبنت الابن وإن سفلت ، والأم والجدة وإن ~~علت. والأخت والزوجة. ومولاة النعمة وهي المعتقة ...» (1). # * * * # وبعد أن أمر سبحانه بالإحسان إلى النساء. وبمعاشرتهن معاشرة كريمة ، وبين ~~حقوقهن في الميراث ، أتبع ذلك ببيان حكمه سبحانه في الرجال والنساء إذا ما ~~ارتكبوا فاحشة الزنا فقال تعالى : # ( @QUR@022 واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ~~فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت ms1157 حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ~~(15) @QUR@014 والذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما ~~إن الله كان توابا رحيما ) (16) # وقوله : ( @QUR@01 واللاتي ) جمع التي. وهي تستعمل في جمع من يعقل. أما ~~إذا أريد جمع ما لا يعقل PageV03P079 # من المؤنث فإنه يقال : التي. تقول : أكرمت النسوة اللاتي حضرن. وتقول : ~~نزعت الأثواب التي كنت ألبسها. وهذا هو الرأى المختار. # وبعضهم يسوى بينهما فيقول في الجمع المؤنث لغير العاقل : اللاتي. # وقوله ( @QUR@01 يأتين ) من الإتيان ويطلق في الأصل على المجيء إلى شيء. ~~والمراد به هنا الفعل. أى واللاتي يفعلن ( @QUR@03 الفاحشة من نسائكم ). # والفاحشة : هي الفعلة القبيحة. وهي مصدر كالعافية. يقال فحش الرجل يفحش ~~فحشا. وأفحش : إذا جاء بالقبح من القول أو الفعل. # والمراد بها هنا : الزنا. # وقوله : ( @QUR@02 من نسائكم ) متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل ( @QUR@01 ~~يأتين ) أى : يأتين الفاحشة حال كونهن من نسائكم. # والمراد بالنساء في قوله ( @QUR@02 من نسائكم ): النساء اللاتي قد أحصن ~~بالزواج سواء أكن ما زلن في عصمة أزواجهن أم لا. وهذا رأى جمهور الفقهاء. # وبعضهم يرى أن المراد بالنساء هنا مطلق النساء سواء أكن متزوجات أم ~~أبكارا. # والمعنى : أن الله تعالى يبين لعباده بعض الأحكام المتعلقة بالنساء فيقول : # أخبركم أيها المؤمنون بأن اللاتي يأتين فاحشة الزنا من نسائكم ، بأن فعلن ~~هذه الفاحشة المنكرة وهن متزوجات أو سبق لهن الزواج. # ( @QUR@04 فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ) أى : فاطلبوا أن يشهد عليهن ~~بأنهن أتين هذه الفاحشة المنكرة أربعة منكم أى من الرجال المسلمين الأحرار. # وقوله : ( @QUR@08 فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت ) أى ~~فإن شهد هؤلاء الأربعة بأن هؤلاء النسوة قد أتين هذه الفاحشة ، فعليكم في ~~هذه الحالة أن تحبسوا هؤلاء النسوة في البيوت ولا تمكنوهن من الخروج عقوبة ~~لهن ، وصيانة لهن عن تكرار الوقوع في هذه الفاحشة المنكرة ، وليستمر الأمر ~~على ذلك «حتى يتوفاهن الموت» أى حتى يقبض أرواحهن الموت. أو حتى يتوفاهن ~~ملك الموت. # وقوله : ( @QUR@05 أو يجعل الله لهن سبيلا ) أى : أو يجعل الله لهن مخرجا ~~من هذا الإمساك في ms1158 البيوت ، بأن يشرع لهن حكما آخر. # وقوله : ( @QUR@01 واللاتي ) في محل رفع مبتدأ. وجملة ( @QUR@04 ~~فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ) خبره. PageV03P080 # وجاز دخول الفاء الزائدة في الخبر. لأن المبتدأ أشبه الشرط في كونه ~~موصولا عاما صلته فعل مستقبل. # وعبر سبحانه عن ارتكاب فاحشة الزنا بقوله : ( @QUR@01 يأتين ) لمزيد ~~التقبيح والتشنيع على فاعلها : لأن مرتكبها كأنه ذهب إليها عن قصد حتى وصل ~~إليها وباشرها. # واشترط سبحانه شهادة أربعة من الرجال المسلمين الأحرار ؛ لأن الرمي ~~بالزنا من أفحش ما ترمى به المرأة والرجل ، فكان من رحمة الله وعدله أن شدد ~~في إثبات هذه الفاحشة أبلغ ما يكون التشديد ، فقرر عدم ثبوت هذه الجريمة ~~إلا بشهادة أربعة من الرجال بحيث لا تقبل في ذلك شهادة النساء. # قال : الزهري : مضت السنة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين ~~من بعده أن لا تقبل شهادة النساء في الحدود. # وقرر أن تكون الشهادة بالمعاينة لا بالسماع ، ولذا قال ( @QUR@02 فإن ~~شهدوا ) أى إن ذكروا أنهم عاينوا ارتكاب هذه الجريمة من مرتكبيها. وشهدوا ~~على ما عاينوه وأبصروه ( @QUR@03 فأمسكوهن في البيوت ). # وحتى في قوله. ( @QUR@03 حتى يتوفاهن الموت ) بمعنى إلى. والفعل بعدها ~~منصوب بإضمار أن. وهي متعلقة بقوله ( @QUR@01 فأمسكوهن ) غاية له. # والمراد بالتوفي أصل معناه أى الاستيفاء وهو القبض تقول : توفيت مالي ~~الذي على فلان واستوفيته إذا قبضته. وإسناده إلى الموت باعتبار تشبيهه بشخص ~~يفعل ذلك. والكلام على حذف مضاف أى : حتى يقبض أرواحهن الموت. أو حتى ~~يتوفاهن ملائكة الموت و «أو» في قوله ( @QUR@05 أو يجعل الله لهن سبيلا )، ~~للعطف ، فقد عطفت قوله ( @QUR@01 يجعل ) على قوله : ( @QUR@01 يتوفاهن ) ~~فيكون الجعل غاية لإمساكهن أيضا. # فيكون المعنى. أمسكوهن في البيوت إلى أن يتوفاهن الموت ، أو إلى أن يجعل ~~الله لهن سبيلا أى مخرجا من هذه العقوبة. # وقد جعل الله تعالى هذا المخرج بما شرعه بعد ذلك من حدود بأن جعل عقوبة ~~الزاني البكر : الجلد. وجعل عقوبة الزاني الثيب : الرجم وقد رجم النبي ~~صلى الله عليه وسلم ماعز بن مالك الأسلمى ، ورجم الغامدية ، وكانا محصنين. # قال ms1159 الإمام ابن كثير ما ملخصه : كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة ~~إذا ثبت زناها بالبينة العادلة حبست في بيت فلا تمكن من الخروج منه إلى أن ~~تموت ، ولهذا قال تعالى : ( @QUR@01 واللاتي PageV03P081 # @QUR@04 يأتين الفاحشة من نسائكم ) الآية. فالسبيل الذي جعله الله هو ~~الناسخ لذلك أى لإمساكهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت . # قال ابن عباس : كان الحكم كذلك حتى أنزل الله سورة النور فنسخه بالجلد أو الرجم. # وكذلك روى عن عكرمة وسعيد بن جبير والحسن وعطاء وقتادة وزيد بن أسلم ~~والضحاك أنها منسوخة. وهو أمر متفق عليه. # روى الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت قال : «كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذا نزل عليه الوحى أثر عليه وكرب لذلك وتغير وجهه فأنزل الله عليه ذات يوم ~~فلما سرى عنه قال : خذوا عنى خذوا عنى قد جعل الله لهن سبيلا ، الثيب ~~بالثيب. والبكر بالبكر. الثيب جلد مائة ورجم بالحجارة. والبكر جلد مائة ~~ونفى سنة». # وقد رواه مسلم وأصحاب السنن من طرق عبادة بن الصامت» (1). # هذا وما ذكره ابن كثير من أن هذا الحكم كان في ابتداء الإسلام ، ثم نسخ ~~بما جاء في سورة النور وبما جاء في حديث عبادة بن الصامت ، هو مذهب جمهور ~~العلماء. # وقال صاحب الكشاف : ويجوز أن تكون غير منسوخة بأن يترك ذكر الحد لكونه ~~معلوما بالكتاب والسنة ، ويوصى بإمساكهن في البيوت بعد أن يحددن صيانة لهن ~~عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروج من البيوت والتعرض للرجال. ( @QUR@05 أو ~~يجعل الله لهن سبيلا ) هو النكاح الذي يستغنين به عن السفاح وقيل السبيل : ~~الحد ، لأنه لم يكن مشروعا في ذلك الوقت» (2). # وقال أبو سليمان الخطابي : هذه الآية ليست منسوخة ، لأن قوله ( @QUR@03 ~~فأمسكوهن في البيوت ) ألخ ، يدل على أن إمساكهن في البيوت ممتد إلى غاية أن ~~يجعل الله لهن سبيلا ، وذلك السبيل كان مجملا ، فلما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم خذوا عنى. ألخ ، صار هذا الحديث بيانا لتلك الآية لا ناسخا ~~لها» (3). # ثم بين سبحانه حكما آخر فقال : ( @QUR@04 والذان يأتيانها ms1160 منكم فآذوهما ). # أى واللذان يأتيان فاحشة الزنا من رجالكم ونسائكم فآذوهما بالشتم ~~والتوبيخ والزجر الشديد ليندما على ما فعلا ، وليرتدع سواهما بهما. # وقد اختلف العلماء في المراد بقوله ( @QUR@01 والذان ). PageV03P082 # فمنهم من قال المراد بهما الرجل والمرأة البكران اللذان لم يحصنا. # ومنهم من قال المراد بهما الرجلان يفعلان اللواط. # ومنهم من قال المراد بهما الرجل والمرأة لا فرق بين بكر وثيب. # والمختار عند كثير من العلماء هو الرأى الأول ، قالوا : لأن الله تعالى ~~ذكر في هاتين الآيتين حكمين : # أحدهما : الحبس في البيوت. # والثاني : الإيذاء. ولا شك أن من حكم عليه بالأول خلاف من حكم عليه ~~بالثاني ، والشرع يخفف في البكر ويشدد على الثيب ، ولذلك لما نسخ هذا الحكم ~~جعل للثيب الرجم وللبكر الجلد ، فجعلنا الحكم الشديد وهو الحبس على الثيب ، ~~والحكم الأخف وهو الإيذاء على البكر. # قالوا : وقد نسخ حكم هذه الآية بآية النور ، حيث جعل حكم الزانيين اللذين ~~لم يحصنا جلد مائة. # فقد أخرجه ابن جرير عن الحسن البصري وعكرمة قالا في قوله تعالى ( @QUR@04 ~~والذان يأتيانها منكم فآذوهما ) الآية ، نسخ ذلك بآية الجلد وهي قوله تعالى ~~في سورة النور : ( @QUR@08 الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة ~~جلدة ) الآية (1). # ومن العلماء من قال بأن هذه الآية غير منسوخة بآية النور ، فإن العقوبة ~~ذكرت هنا مجملة غير واضحة المقدار لأنها مجرد الإيذاء ، وذكرت بعد ذلك ~~مفصلة بينة المقدار في سورة النور. أى أن ما ذكر هنا من قبيل المجمل ، وما ~~ذكر في سورة النور من قبيل المفصل ، وأنه لا نسخ بين الآيتين. # هذا ، ولأبى مسلم الأصفهاني رأى آخر في تفسير هاتين الآيتين ، فهو يرى أن ~~المراد باللاتى في قوله ( @QUR@05 واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ) ~~النساء السحاقات اللاتي يستمتع بعضهن ببعض وحدهن الحبس ، والمراد بقوله ( ~~@QUR@03 والذان يأتيانها منكم ) اللائطون من الرجال وحدهم الإيذاء. وأما ~~حكم الزناة فسيأتى في سورة النور. # قال الآلوسى : وقد زيف هذا القول بأنه لم يقل به أحد ، وبأن الصحابة قد ~~اختلفوا في حكم اللوطي ولم يتمسك أحد منهم بهذه ms1161 الآية ، وعدم تمسكهم بها مع ~~شدة احتياجهم إلى نص يدل على الحكم دليل على أن الآية ليست في ذلك. وأيضا ~~جعل الحبس في البيت عقوبة السحاق PageV03P083 # لا معنى له. لأنه مما لا يتوقف على الخروج كالزنا. فلو كان المراد ~~السحاقات لكانت العقوبة لهن عدم اختلاط بعضهن ببعض لا الحبس والمنع من ~~الخروج. وحيث جعل هو عقوبة دل ذلك على أن المراد باللاتى يأتين الفاحشة ~~الزانيات ...» (1). # والذي نراه أن هذا الحكم المذكور في الآيتين منسوخ ، بعضه بالكتاب وبعضه ~~بالسنة. # أما الكتاب فهو قوله تعالى في سورة النور ( @QUR@08 الزانية والزاني ~~فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) الآية. # وأما السنة فحديث عباده بن الصامت الذي سبق ذكره. # وإنما قلنا ذلك لأن ظاهر الآيتين يدل على أن ما ذكر فيهما من الحبس ~~والإيذاء هو تمام العقوبة ، مع أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~عاقب أحدا من الزناة بالحبس أو بالإيذاء بعد نزول آية سورة النور. بل ~~الثابت عنه أنه كان يجلد البكر من الرجال والنساء ، ويرجم المحصن منهما ، ~~ولم يضم إلى إحدى هاتين العقوبتين حبسا أو إيذاء ، فثبت أن هذا الحكم ~~المذكور في الآيتين قد نسخ. # ثم بين سبحانه الحكم فيما إذا أقلع الزاني والزانية عن جريمتهما فقال : ( ~~@QUR@010 فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما ). # أى فإن تابا عما فعلا من الفاحشة ، وأصلحا أعمالهما ( @QUR@02 فأعرضوا ~~عنهما ) أى فاصفحوا عنهما وكفوا عن أذاهما ( @QUR@04 إن الله كان توابا ) ~~أى مبالغا في قبول التوبة ممن تاب توبة صادقة نصوحا ( @QUR@01 رحيما ) أى ~~واسع الرحمة بعباده الذين لا يصرون على معصية بل يتوبون إليه منها توبة صادقة. # * * * # وبعد أن وصف سبحانه ذاته بأنه هو التواب الرحيم عقب ذلك ببيان من تقبل ~~منهم التوبة ، ومن لا تقبل منهم فقال : # ( @QUR@020 إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من ~~قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما (17) @QUR@03 وليست ~~التوبة للذين PageV03P084 # @QUR@021 يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ms1162 ولا ~~الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما ) (18) # والتوبة : هي الرجوع إلى الله تعالى وإلى تعاليم دينه بعد التقصير فيها ~~مع الندم على هذا التقصير والعزم على عدم العودة إليه. # والمراد بها قبولها من العبد. فهي مصدر تاب عليه إذا قبل توبته. # والمراد من الجهالة في قوله «يعملون السوء بجهالة» : الجهل والسفه ~~بارتكاب ما لا يليق بالعاقل ، لا عدم العلم ، لأن من لا يعلم لا يحتاج إلى ~~التوبة. # قال مجاهد : كل من عصى الله عمدا أو خطأ فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته. # وقال قتادة : اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فرأوا أن كل شيء عصى ~~الله به فهو جهالة عمدا كان أو غيره». (1) # قال تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام : ( @QUR@016 رب السجن أحب إلي مما ~~يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين ). # وقال حكاية عن موسى عليه السلام ( @QUR@06 أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ). # وقال سبحانه مخاطبا نوحا عليه السلام ( @QUR@013 فلا تسئلن ما ليس لك به ~~علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين ). # ووجه تسمية العاصي جاهلا وإن عصى عن علم أنه لو استعمل ما معه من العلم ~~بالثواب والعقاب لما عصى ربه ، فلما لم يستعمل هذا العلم صار كأنه لا علم ~~له ، فسمى العاصي جاهلا لذلك ، سواء ارتكب المعصية مع العلم بكونها معصية أم لا. # والمعنى : إنما قبول التوبة كائن أو مستقر على الله تعالى لعباده الذين ~~يعملون السوء ، ويقعون في المعاصي بجهالة أى يعملون السوء جاهلين سفهاء ، ~~لأن ارتكاب القبيح مما يدعو إليه السفه والشهوة ، لا مما تدعو إليه الحكمة ~~والعقل. # وصدر سبحانه الآية الكريمة بإنما الدالة على الحصر ، للإشعار بأن هؤلاء ~~الذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ، هم الذين يقبل الله توبتهم ~~، ويقيل عثرتهم. PageV03P085 # وعبر سبحانه بلفظ على فقال : ( @QUR@04 إنما التوبة على الله ) للدلالة ~~على تحقق الثبوت ، حتى لكأن قبول التوبة من هؤلاء الذين ( @QUR@07 يعملون ~~السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ) من الواجبات عليه ، لأنه سبحانه قد ms1163 وعد ~~بقبول التوبة ؛ وإذا وعد بشيء أنجزه ، إذ الخلف ليس من صفاته تعالى بل هو ~~محال في حقه عز وجل . # ولفظ ( @QUR@01 التوبة ) مبتدأ. وقوله ( @QUR@04 للذين يعملون السوء ~~بجهالة ) متعلق بمحذوف خبر. وقوله ( @QUR@02 على الله ) متعلق بمحذوف صفة ~~للتوبة. # أى : إنما التوبة الكائنة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ... # وقوله ( @QUR@01 بجهالة ) متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل ( @QUR@01 ~~يعملون ) أى : يعملون السوء جاهلين سفهاء. أو متعلق بقوله ( @QUR@01 يعملون ~~) فتكون الباء للسببية أى : يعملون السوء بسبب الجهالة. # وقوله ( @QUR@04 ثم يتوبون من قريب ) أى ثم يتوبون في زمن قريب من وقت ~~عمل السوء ، ولا يسترسلون في الشر استرسالا ويستمرئونه ويتعودون عليه بدون ~~مبالاة بارتكابه. # ولا شك أنه متى جدد الإنسان توبته الصادقة في أعقاب ارتكابه للمعصية كان ~~ذلك أرجى لقبولها عند الله تعالى وهذا ما يفيده ظاهر الآية. ومنهم من فسر ~~قوله ( @QUR@02 من قريب ) بما قبل حضور الموت. وإلى هذا المعنى ذهب صاحب ~~الكشاف فقال : قوله : ( @QUR@02 من قريب ) أى : من زمان قريب. والزمان ~~القريب : ما قبل حضرة الموت ألا ترى إلى قوله ( @QUR@09 حتى إذا حضر أحدهم ~~الموت قال إني تبت الآن ). فبين أن وقت الاحتضار هو الوقت الذي لا تقبل ~~فيه التوبة ، فبقى ما وراء ذلك في حكم القريب. وعن ابن عباس : قبل أن ينزل ~~به سلطان الموت. وعن الضحاك : كل توبة قبل الموت فهي قريب» وفي الحديث ~~الشريف : «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» أى ما لم تتردد الروح في ~~الحلق (1). # والذي نراه أن ما ذكره صاحب الكشاف وغيره من أن قوله ( @QUR@02 من قريب ) ~~معناه : من قبل حضور الموت ، لا يتعارض مع الرأى القائل بأن قوله ( @QUR@02 ~~من قريب ) معناه : تم يتوبون في وقت قريب من وقت عمل السوء ، لأن ما ذكره ~~صاحب الكشاف وغيره بيان للوقت الذي تجوز التوبة فيه ولا تنفع بعده ، أما ~~الرأى الثاني فهو بيان للزمن الذي يكون أرجى قبولا لها عند الله. # والعاقل من الناس هو الذي يبادر بالتوبة الصادقة عقب المعصية بلا تراخ ، ~~لأنه لا يدرى ms1164 متى PageV03P086 # يفاجئه الموت ، ولأن تأخيرها يؤدى إلى قسوة القلب ، وضعف النفس ، ~~واستسلامها للأهواء والشهوات. # وقوله : ( @QUR@08 فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما ) بيان ~~للوعد الحسن الذي وعد الله به عباده الذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من قريب. # أى : فأولئك المتصفون بما ذكر ، يقبل الله توبتهم ، ويأخذ بيدهم إلى ~~الهداية والتوفيق ، ويطهر نفوسهم من أرجاس الذنوب ، وكان الله عليما بأحوال ~~عباده وبما هم عليه من ضعف ، حكيما يضع الأمور في مواضعها حسبما تقتضيه ~~مشيئته ورحمته بهم. # وقوله ( @QUR@01 فأولئك ) مبتدأ. وقوله ( @QUR@03 يتوب الله عليهم ) خبره. # وأشار إليهم بلفظ ( @QUR@01 فأولئك ) للإيذان بسمو مرتبتهم ، وعلو ~~مكانتهم ، وللتنبيه على استحضارهم باعتبار أوصافهم المتقدمة الدالة على ~~خوفهم من خالقهم عز وجل وقوله ( @QUR@04 وكان الله عليما حكيما ) جملة ~~معترضة مقررة لمضمون ما قبلها ثم بين سبحانه من لا تقبل توبتهم بعد بيانه ~~لمن تقبل توبتهم فقال : ( @QUR@019 وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى ~~إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ، ولا الذين يموتون وهم كفار ). # أى : وليست التوبة مقبولة عند الله بالنسبة للذين يعملون السيئات ، ~~ويقترفون المعاصي ، ويستمرون على ذلك ( @QUR@05 حتى إذا حضر أحدهم الموت ) ~~. بأن شاهد الأحوال التي لا يمكن معها الرجوع إلى الدنيا ، وانقطع منه حبل ~~الرجاء في الحياة ( @QUR@04 قال إني تبت الآن ) أى قال في هذا الوقت الذي ~~لا فائدة من التوبة فيه : إنى تبت الآن. # وقوله : ( @QUR@05 ولا الذين يموتون وهم كفار ) أى وليست التوبة مقبولة ~~أيضا من الذين يموتون وهم على غير دين الإسلام. # فالآية الكريمة قد نفت قبول التوبة من فريقين من الناس. # أولهما : الذين يرتكبون السيئات صغيرها وكبيرها ، ويستمرون على ذلك بدون ~~توبة أو ندم حتى إذا حضرهم الموت ، ورأوا أهواله ، قال قائلهم : إنى تبت ~~الآن وقد كرر القرآن هذا المعنى في كثير من آياته ، ومن ذلك قوله تعالى : ( ~~@QUR@07 فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ) (1). # وقوله تعالى حكاية عن فرعون ، ( @QUR@011 حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت ~~أنه لا إله إلا الذي PageV03P087 # @QUR@021 آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين* ms1165 آلآن وقد عصيت قبل وكنت ~~من المفسدين* فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية ) (1). # وعدم قبول توبة هؤلاء في هذا الوقت سببه أنهم نطقوا بها في حالة الاضطرار ~~لا في حالة الاختيار ، ولأنهم نطقوا بها في غير وقت التكليف. # وثانيهما : الذين يموتون وهم على غير دين الإسلام. فقد أخرج الامام أحمد ~~عن أبى ذر الغفاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله يقبل توبة ~~عبده ما لم يقع الحجاب. قيل : وما الحجاب؟ # قال أن تموت النفس وهي مشركة. # وكثير من العلماء يرى أن المراد بالفريق الثاني : الكفار ، لأن العطف ~~يقتضى المغايرة. # ومنهم من يرى أن الفريق الأول شامل للكفار ولعصاة المؤمنين فيكون عطف ~~قوله ( @QUR@05 ولا الذين يموتون وهم كفار ) من باب عطف الخاص على العام ~~لإفادة التأكيد. # و ( @QUR@01 حتى ) في قوله : ( @QUR@03 حتى إذا حضر ). حرف ابتداء .. ~~والجملة الشرطية بعدها غاية لما قبلها. أى ليست التوبة لقوم يعملون السيئات ~~ويستمرون على ذلك فإذا حضر أحدهم الموت قال كيت وكيت. # وقوله ( @QUR@05 ولا الذين يموتون وهم كفار ) معطوف على الموصول قبله. أى ~~ليس قبول التوبة لهؤلاء الذين يعملون السيئات ... ولا لهؤلاء الذين يموتون ~~وهم كفار. # ثم بين سبحانه سوء عاقبتهم فقال تعالى : ( @QUR@05 أولئك أعتدنا لهم ~~عذابا أليما ) أى أولئك الذين تابوا في غير وقت قبول التوبة هيأنا لهم ~~عذابا مؤلما موجعا بسبب ارتكاسهم في المعاصي ؛ وابتعادهم عن الصراط ~~المستقيم الذي يرضاه سبحانه لعباده. # * * * # ثم وجه القرآن نداء عاما إلى المؤمنين نهاهم فيه عما كان شائعا في ~~الجاهلية من ظلم للنساء ؛ وإهدار لكرامتهن ، وأمرهم بحسن معاشرتهن ، وبعدم ~~أخذ شيء من حقوقهن فقال تعالى : # ( @QUR@013 يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا ~~تعضلوهن PageV03P088 # @QUR@022 لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن ~~بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا (19) ~~@QUR@017 وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا ~~منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا (20) @QUR@011 وكيف تأخذونه وقد أفضى ~~بعضكم إلى ms1166 بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا ) (21) # قال القرطبي عند تفسيره للآية الأولى : اختلفت الروايات وأقوال المفسرين ~~في سبب نزولها ؛ فروى البخاري عن ابن عباس قال : كانوا إذا مات الرجل كان ~~أولياؤه أحق بامرأته ، إن شاء بعضهم تزوجها ، وإن شاءوا زوجوها ، وإن شاءوا ~~لم يزوجوها ، فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية : ( @QUR@011 يا أيها ~~الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ). # وقال الزهري وأبو مجلز : كان من عادتهم إذا مات الرجل يلقى ابنه من غيرها ~~أو أقرب عصبة ثوبه على المرأة فيصير أحق بها من نفسها ومن أوليائها ، فإن ~~شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الذي أصدقها الميت. وإن شاء زوجها من غيره ~~وأخذ صداقها ولم يعطها شيئا ، وإن شاء عضلها لتفتدى منه بما ورثته من الميت ~~أو تموت فيرثها. فأنزل الله هذه الآية : ( @QUR@011 يا أيها الذين آمنوا لا ~~يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ). الآية. # وقيل : كان يكون عند الرجل عجوز ونفسه تتوق إلى الشابة فيكره فراق العجوز ~~لما لها فيمسكها ولا يقربها حتى تفتدى منه بمالها أو تموت فيرث مالها فنزلت ~~هذه الآية. # ثم قال القرطبي : والمقصود من الآية إذهاب ما كانوا عليه في جاهليتهم ، ~~وألا تجعل النساء كالمال يورثن عن الرجال كما يورث المال .. (1). PageV03P089 # وهناك روايات أخرى في سبب نزول هذه الآية ساقها ابن جرير وابن كثير ~~وغيرهما ، وهي قريبة في معناها ، مما أورده القرطبي ، لذا اكتفينا بما ساقه ~~القرطبي. # وكلمة ( @QUR@01 كرها ) قرأها حمزة والكسائي بضم الكاف. وقرأها الباقون ~~بفتحها قال الكسائي : وهما لغتان بمعنى واحد. وقال الفراء : الكره بفتح ~~الكاف بمعنى الإكراه. وبالضم بمعنى المشقة. فما أكره عليه الإنسان فهو كره ~~بالفتح وما كان من جهة نفسه فهو كره بالضم . # والمعنى : يا أيها الذين آمنوا وصدقوا بالحق الذي جاءهم من عند الله ، لا ~~يحل لكم أن تأخذوا نساء موتاكم بطريق الإرث وهن كارهات لذلك أو مكروهات ~~عليه ، لأن هذا الفعل من أفعال الجاهلية التي حرمها الإسلام لما فيها من ~~ظلم للمرأة وإهانة لكرامتها. # وإلى هذا ms1167 المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : «كانوا يبلون النساء بضروب من ~~البلايا ، ويظلمونهن بأنواع من الظلم ، فزجروا عن ذلك. فقيل : ( @QUR@07 لا ~~يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ) أى : أن تأخذوهن على سبيل الإرث كما تحاز ~~المواريث وهن كارهات لذلك أو مكرهات» (1). # وقد وجه سبحانه النداء إلى المؤمنين فقال : ( @QUR@04 يا أيها الذين ~~آمنوا ) ليعم الخطاب جميع الأمة ، فيأخذ كل مكلف فيها بحظه منه سواء أكان ~~هذا المكلف من أولياء المرأة أم من الأزواج أم من الحكام أم من غيرهم. # وفي مخاطبتهم بصفة الإيمان تحريك لحرارة العقيدة في قلوبهم ، وتحريض لهم ~~على الاستجابة إلى ما يقتضيه الإيمان من طاعة لشريعة الله تعالى . # وصيغة ( @QUR@03 لا يحل لكم ) صيغة تحريم صريح ؛ لأن الحل هو الإباحة في ~~لسان العرب ولسان الشريعة. فنفيه يرادف معنى التحريم. # وليس النهى في قوله : ( @QUR@07 لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ) منصبا ~~على إرث أموالهن كما هو المعتاد ، وإنما النهى منصب على إرث المرأة ذاتها ~~كما كانوا يفعلون في الجاهلية ؛ إذ كانوا يجعلون ذات المرأة كالمال ~~فيرثونها من قريبهم كما يرثون ماله. # وقوله ( @QUR@01 كرها ) مصدر منصوب على أنه حال من النساء. أى حال كونهن ~~كارهات لذلك أو مكرهات عليه. # والتقييد بالكره لا يدل على الجواز عند عدمه ، لأن تخصيص الشيء بالذكر لا ~~يدل على نفى ما عداه ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@05 ولا تقتلوا أولادكم ~~خشية إملاق ). PageV03P090 # وقوله : ( @QUR@011 ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين ~~بفاحشة مبينة ) نهى آخر عن بعض الأعمال السيئة التي كان أهل الجاهلية ~~يعاملون بها المرأة. وهو معطوف على قوله : # ( @QUR@02 أن ترثوا ... ). وأعيد حرف «لا» للتوكيد. # أى : لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ، ولا يحل لكم أن تعضلوهن. # وأصل العضل : التضييق والحبس والمنع. يقال : عضلت الناقة بولدها ، إذا ~~نشب في بطنها وتعسر عليه الخروج. وأعضل به الأمر ، إذا اشتد وتعسر. # والمراد به هنا : منع المرأة من الزواج والتضييق عليها في ذلك ، سواء ~~أكان هذا المنع والتضييق من الزوج أم من غيره. # أخرج ابن جرير عن ms1168 ابن عباس قال : قوله تعالى : ( @QUR@02 ولا تعضلوهن ). # يقول : ولا تقهروهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ، يعنى الرجل تكون له ~~المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيؤذيها لتفتدى أى : لتفتدى نفسها ~~منه بأن تترك له مالها عليه من مهر أو مال (1). # وقيل : كان أولياء الميت يمنعون زوجته من التزوج بمن شاءت ، ويتركونها ~~على ذلك حتى تدفع لهم ما أخذت من ميراث الميت ، أو حتى تموت فيرثوها. # والمعنى : لا يحل لكم أيها المؤمنون أن ترثوا النساء كرها ، ولا أن ~~تمنعوهن من الزواج ( @QUR@04 لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ) من الصداق أو غيره ~~، بأن يدفعن إليكم بعضه اضطرارا فتأخذوه منهن ، فإن هذا الفعل يبغضه الله ~~تعالى . # ويبدو لنا من سياق الآية أن النهى عن عضل المرأة هنا وإن كان يتناول جميع ~~المكلفين ، إلا أن المعنى به الأزواج ابتداء ، لأنهم في الغالب هم الذين ~~كانوا يفعلون ذلك. # ولذا قال ابن جرير بعد أن ذكر الأقوال في المعنى بالخطاب في قوله : ( ~~@QUR@02 ولا تعضلوهن ). # «وأولى الأقوال التي ذكرناها بالصحة في تأويل قوله : ( @QUR@02 ولا ~~تعضلوهن ) قول من قال : «نهى الله زوج المرأة عن التضييق عليها ، والإضرار ~~بها ، وهو لصحبتها كاره ولفراقها محب ، لتفتدى منه ببعض ما آتاها من ~~الصداق. # وإنما قلنا ذلك أولى بالصحة ، لأنه لا سبيل لأحد إلى عضل المرأة إلا لأحد ~~رجلين : إما لزوجها بالتضييق عليها ... ليأخذ منها ما آتاها ... أو لوليها ~~الذي إليه إنكاحها. ولما كان PageV03P091 # الولي معلوما أنه ليس ممن آتاها شيئا. كان معلوما أن الذي عنى الله تعالى ~~بنهيه عن عضلها هو زوجها الذي له السبيل إلى عضلها ضرارا لتفتدى منه» (1). # والاستثناء في قوله ( @QUR@05 إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) متصل من أعم ~~العلل والأسباب ، أى لا تعضلوهن لعلة من العلل أو لسبب من الأسباب إلا أن ~~يأتين بفاحشة مبينة. لسوء أخلاقهن ، وكاشفة عن أحوالهن. كالزنا والنشوز ، ~~وسوء الخلق ، وإيذاء الزوج وأهله بالبذاء وفحش القول ونحوه ، فلكم العذر في ~~هذه الأحوال في طلب الخلع منهن ، وأخذ ما آتيتموهن من المهر لوجود السبب من ~~جهتهن لا ms1169 من جهتكم. # والأصل في هذا الحكم قوله تعالى ( @QUR@032 ولا يحل لكم أن تأخذوا مما ~~آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود ~~الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ، تلك حدود الله فلا تعتدوها ). # ويرى بعضهم أن الاستثناء هنا منقطع فيكون المعنى : ولا تعضلوهن لتذهبوا ~~ببعض ما آتيتموهن لكن إن يأتين بفاحشة مبينة يحل لكم أخذ المهر الذي ~~آتيتموهن إياه أو أخذ بعضه. # ثم أمر الله تعالى الرجال وخصوصا الأزواج بحسن معاشرة النساء فقال : ( ~~@QUR@02 وعاشروهن بالمعروف ). # والمعاشرة : مفاعلة من العشرة وهي المخالطة والمصاحبة. # أى : وصاحبوهن وعاملوهن بالمعروف ، أى بما حض عليه الشرع وارتضاه العقل ~~من الأفعال الحميدة ، والأقوال الحسنة. # قال ابن كثير : قوله تعالى ( @QUR@02 وعاشروهن بالمعروف ) أى : طيبوا ~~أقوالكم لهن ، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم. كما تحب ذلك منها ، ~~فافعل أنت مثله. كما قال تعالى ( @QUR@05 ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلى». ~~وكان من أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنه جميل العشرة ، دائم البشر ، يداعب أهله ~~، ويتلطف بهم ، ويضاحك نساءه. حتى أنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين رضى ~~الله عنها يتودد إليها بذلك. قالت : سابقنى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فسبقته. وذلك قبل أن أحمل اللحم. ثم سابقته بعد ما حملت اللحم فسبقني. فقال ~~: هذه بتلك. وكان صلى الله عليه وسلم يجمع نساءه كل ليلة في بيت التي يبيت ~~عندها فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان ، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها. ~~وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد. يضع عن كتفيه الرداء وينام ~~بالإزار. PageV03P092 # وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلا قبل أن ينام. يؤانسهن ~~بذلك صلى الله عليه وسلم . وقد قال تعالى ( @QUR@08 لقد كان لكم في رسول الله ~~أسوة حسنة ) (1). # هذا ، وللإمام الغزالي كلام حسن في كتابه الإحياء عند حديثه عن آداب ~~معاشرة النساء ، فقد قال ما ملخصه : ومن آداب المعاشرة حسن الخلق معهن ، ~~واحتمال ms1170 الأذى منهن ، ترحما عليهن ، لقصور عقلهن. قال تعالى : ( @QUR@02 ~~وعاشروهن بالمعروف ). وقال في تعظيم حقهن : # ( @QUR@04 وأخذن منكم ميثاقا غليظا ). # ثم قال : واعلم أنه ليس حسن الخلق معها كف الأذى عنها ، بل احتمال الأذى ~~منها ، والحلم عن طيشها وغضبها ، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم . فقد ~~كانت أزواجه تراجعنه الكلام. ومن آداب المعاشرة أيضا أن يزيد على احتمال ~~الأذى منها بالمداعبة والمزح والملاعبة ، فهي التي تطيب قلوب النساء. وقد ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح معهن وينزل إلى درجات عقولهن في ~~الأعمال. # وقال عمر رضى الله عنه ينبغي للرجل أن يكون في أهله مثل الصبى. فإذا ~~التمسوا ما عنده وجدوه رجلا. # وكان ابن عباس رضى الله عنه يقول : «إنى لأتزين لامرأتى كما تتزين لي» (2). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة ببيان أنه لا يصح للرجال أن يسترسلوا في ~~كراهية النساء إن عرضت لهم أسباب الكراهية ، بل عليهم أن يغلبوا النظر إلى ~~المحاسن ، ويتغاضوا عن المكاره فقال تعالى : ( @QUR@011 فإن كرهتموهن فعسى ~~أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ). # أى : فإن كرهتم صحبتهن وإمساكهن فلا تتعجلوا في مفارقتهن ، فإنه عسى أن ~~تكرهوا شيئا ويجعل الله لكم في الصبر عليه وعدم إنفاذه خيرا كثيرا في ~~الدنيا والآخرة. # فالآية الكريمة ترشد إلى حكم عظيمة منها أن على العاقل أن ينظر إلى ~~الحياة الزوجية من جميع نواحيها ، لا من ناحية واحدة منها وهي ناحية البغض ~~والحب .. وأن ينظر في العلاقة التي بينه وبين زوجه بعين العقل والمصلحة ~~المشتركة ، لا بعين الهوى .. وأن يحكم دينه وضميره قبل أن يحكم عاطفته ~~ووجدانه. فربما كرهت النفس ما هو أصلح في الدين وأحمد وأدنى إلى الخير ، ~~وأحبت ما هو بضد ذلك ، وربما يكون الشيء الذي كرهته اليوم ولكنها لم تسترسل ~~في كراهيته سيجعل الله فيه خيرا كثيرا في المستقبل. قال تعالى ( @QUR@019 ~~وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون ). PageV03P093 # قال القرطبي : روى الإمام مسلم في صحيحه عن ms1171 أبي هريرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «لا يفرك مؤمن مؤمنة ، إن كره منها خلقا رضى منها آخر» ~~أى : لا يبغضها بغضا كليا يحمله على فراقها. أى لا ينبغي له ذلك ، بل يغفر ~~سيئتها لحسنتها ، ويتغاضى عما يكره لما يحب. والفرك البغض الكلى الذي تنسى ~~معه كل المحاسن . # وقال مكحول : سمعت ابن عمر رضى الله عنهما يقول : إن الرجل ليستخير الله ~~تعالى فيخار له ، فيسخط على ربه عز وجل فلا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو ~~قد خير له» (1). # وبعد أن بين سبحانه أنه يجوز للرجل أن يأخذ من المرأة بعض ما أعطاها من ~~صداق إذا أتت بفاحشة مبينة .. عقب ذلك ببيان الحكم فيما إذا كان الفراق من ~~جانب الزوج دون أن تكون المرأة قد أتت بفاحشة فقال تعالى ( @QUR@013 وإن ~~أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ) ~~والاستبدال : طلب البدل ، بأن يطلق الرجل امرأة ويتزوج بأخرى. # والقنطار : أصله من قنطرت الشيء إذا رفعته. ومنه القنطرة ، لأنها بناء ~~مرتفع مشيد. والمراد به هنا المال الكثير الذي هو أقصى ما يتصور من مهر ~~يدفعه الرجل للمرأة. # والمعنى : وإن أردتم أيها الأزواج ( @QUR@02 استبدال زوج ) أى تزوج امرأة ~~ترغبون فيها «مكان زوج» أى مكان امرأة لا ترغبون فيها ، بل ترغبون في ~~طلاقها ( @QUR@03 وآتيتم إحداهن قنطارا ) أى أعطى أحدكم إحدى الزوجات التي ~~تريدون طلاقها مالا كثيرا على سبيل الصداق لها ( @QUR@04 فلا تأخذوا منه ~~شيئا ) أى فلا نأخذوا من المال الكثير الذي أعطيتموه لهن شيئا أيا كان هذا ~~الشيء ، لأن فراقهن كان بسبب من جانبكم لا من جانبهن. # وعبر سبحانه ب ( @QUR@01 إن ) التي تفيد الشك في وقوع الفعل ؛ للتنبيه ~~على أن الإرادة قد تكون غير سليمة ، وغير مبنية على أسباب قوية ، فعلى ~~الزوج أن يتريث ويتثبت ويحسن التدبر في عواقب الأمور. # والمراد بالزوج في قوله ( @QUR@04 استبدال زوج مكان زوج ) الجنس الذي ~~يصدق على جميع الأزواج. # والمراد من الإيتاء في قوله ( @QUR@01 وآتيتم ) الالتزام والضمان. أى : ~~التزمتم وضمنتم أن ms1172 تؤتوا إحداهن هذا المال الكثير. PageV03P094 # والجملة حالية بتقدير قد. أى : وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج والحال ~~أنكم قد آتيتم التي تريدون أن تطلقوها قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا. # والاستفهام في قوله ( @QUR@04 أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا ) للإنكار ~~والتوبيخ ، والبهتان : هو الكذب الذي يدهش ويحير لفظاعته. ويطلق على كل أمر ~~كاذب يتحير العقل في إدراك سببه أو لا يعرف مبررا لوقوعه ، كمن يعتدى على ~~الناس ويتقول عليهم الأقاويل ، مع أنه ليست هناك عداوة سابقة بينه وبينهم. # قال صاحب الكشاف : والبهتان : أن تستقبل الرجل بأمر قبيح تقذفه به وهو ~~برىء منه ولأنه يبهت عند ذلك. أى يتحير. # والإثم : هو الذنب العظيم الذي يبعد صاحبه عن رضا الله تعالى والمبين هو ~~الشيء الواضح الذي يعلن عن نفسه بدون لبس أو خفاء. # وقوله ( @QUR@02 بهتانا وإثما ) مصدران منصوبان على الحالية بتأويل الوصف ~~، أى : أتأخذون ما تريدون أخذه منهن باهتين ، أى فاعلين فعلا تتحير العقول ~~في سببه ، وآثمين بفعله إثما واضحا لا لبس فيه ولا خفاء؟! # ويصح أن يكون المصدران مفعولين لأجله ، ويكون ذلك أشد في التوبيخ ~~والإنكار ، إذ يكون المعنى عليه : أتأخذونه لأجل البهتان والإثم المبين ~~الذي يؤدى إلى غضب الله عليكم؟! إن إيمانكم يمنعكم من ارتكاب هذا الفعل ~~الشنيع في قبحه. # قالوا : كان الرجل في الجاهلية إذا أراد التزويج بامرأة أخرى ، بهت التي ~~تحته أى رماها بالفاحشة التي هي بريئة منها حتى يلجئها إلى أن تطلب طلاقها ~~منه في نظير أن تترك له ما لها عليه من صداق أو غيره ، فنهوا عن ذلك. # ثم كرر سبحانه توبيخه لمن يحاول أخذ شيء من صداق زوجته التي خالطته في ~~حياته مدة طويلة فقال : ( @QUR@011 وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ~~وأخذن منكم ميثاقا غليظا ). # وأصل أفضى كما يقول الفخر الرازي من الفضاء الذي هو السعة يقال : فضا ~~يفضو فضوا وفضاء إذا اتسع. ويقال : أفضى فلان إلى فلان أى : وصل إليه وأصله ~~أنه صار في فرجته وفضائه. # والمراد بالإفضاء هنا : الوصول والمخالطة : لأن الوصول إلى الشيء قطع ms1173 ~~للفضاء الذي بين المتواصلين. PageV03P095 # والاستفهام في قوله ( @QUR@02 وكيف تأخذونه ... ) للتعجب من حال من يأخذ ~~شيئا مما أعطاه لزوجته بعد إنكار ذات الأخذ. # والمراد بالميثاق الغليظ في قوله «وأخذن منكم ميثاقا غليظا» هو ما أخذه ~~الله للنساء على الرجال من حسن المعاشرة أو المفارقة بإحسان كما في قوله ~~تعالى : ( @QUR@05 فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ). وليس أخذ شيء مما ~~أعطاه الرجال للنساء من التسريح بإحسان ، بل يكون من التسريح الذي صاحبه ~~الظلم والإساءة. # والمراد بالميثاق الغليظ الذي أخذ : كلمة النكاح المعقودة على الصداق ، ~~والتي بها تستحل فروج النساء ، ففي صحيح مسلم عن جابر أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال في خطبة حجة الوداع : «استوصوا بالنساء خيرا فإنكم ~~أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله» (1). # والمعنى : بأى وجه من الوجوه تستحلون يا معشر الرجال ان تأخذوا شيئا من ~~الصداق الذي أعطيتموه لنسائكم عند مفارقتهن ؛ والحال أنكم قد اختلط بعضكم ~~ببعض ، وصار كل واحد منكم لباسا لصاحبه ، وأخذن منكم عهدا وثيقا مؤكدا مزيد ~~تأكيد ؛ لا يحل لكم أن تنقضوه أو تخالفوه!!؟ # فأنت ترى أن الله تعالى قد منع الرجال من أخذ شيء من الصداق الذي أعطوه ~~لنسائهم لسببين : # أحدهما : الإفضاء وخلوص كل زوج لنفس صاحبه حتى صارا كأنهما نفس واحدة. # وثانيهما : الميثاق الغليظ الذي أخذ على الرجال بأن يعاملوا النساء ~~معاملة كريمة. # والضمير في قوله ( @QUR@01 وأخذن ) للنساء. والآخذ في الحقيقة إنما هو ~~الله تعالى إلا أنه سبحانه نسبه إليهن للمبالغة في المحافظة على حقوقهن ، ~~حتى جعلهن كأنهن الآخذات له. # قال بعضهم : وهذا الإسناد مجاز عقلي ، لأن الآخذ للعهد هو الله. أى : وقد ~~أخذ الله عليكم العهد لأجلهن وبسببهن. فهو مجاز عقلي من الإسناد إلى السبب» (2). # ووصف سبحانه الميثاق بالغلظة لقوته وشدته. فقد قالوا : صحبة عشرين يوما ~~قرابة. فكيف بما جرى بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟! هذا ، ومن الأحكام ~~التي أخذها العلماء من هذه الآيات الكريمة ما يأتى : # 1 تكريم الإسلام للمرأة ، فقد كانت في الجاهلية مهضومة الحق ، يعتدى ~~عليها بأنواع من PageV03P096 # الاعتداء ms1174 ، فرفعها الله تعالى بما شرعه من تعاليم إسلامية من تلك الهوة ~~التي كانت فيها ، وقرر لها حقوقها ، ونهى عن الاعتداء عليها. # ومن مظاهر ذلك أنه حرم أن تكون موروثة كما يورث المال. وكذلك حرم عضلها ~~وأخذ شيء من صداقها إلا إذا أتت بفاحشة مبينة. وأمر الرجال بأن يعاشروا ~~النساء بالمعروف ، وأن يصبروا على أخطائهن رحمة بهن. # 2 جواز الإصداق بالمال الكثير : لأن الله تعالى قال : ( @QUR@03 وآتيتم ~~إحداهن قنطارا ). والقنطار : المال الكثير الذي هو أقصى ما يتصور من مهور. # قال القرطبي ما ملخصه : قوله تعالى ( @QUR@03 وآتيتم إحداهن قنطارا ) ~~دليل على جواز المغالاة في المهور ، لأن الله تعالى لا يمثل إلا بمباح. # وخطب عمر رضى الله عنه فقال : ألا لا تغالوا في صدقات النساء ، فإنها لو ~~كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله ، لكان أولاكم بها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصدق قط امرأة من نسائه ~~ولا من بناته فوق اثنتي عشرة أوقية. فقامت إليه امرأة فقالت : يا عمر. ~~يعطينا الله وتحرمنا!! أليس الله تعالى يقول : ( @QUR@07 وآتيتم إحداهن ~~قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا )؟ فقال عمر : أصابت امرأة وأخطأ عمر .. # وفي رواية أنه أطرق ثم قال : امرأة أصابت ورجل أخطأ وترك الإنكار. # ثم قال القرطبي : وقال قوم : لا تعطى الآية جواز المغالاة في المهور ، ~~لأن التمثيل بالقنطار إنما هو على جهة المبالغة : كأنه قال : وآتيتم هذا ~~القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد .. # ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن أبى حدرد وقد جاءه يستعين في مهره ~~فسأله عنه فقال : مائتين ، فغضب صلى الله عليه وسلم وقال : كأنكم تقطعون الذهب ~~والفضة من عرض الحرة» أى من ذلك المكان الذي به حجارة نخرة سود فاستنتج بعض ~~الناس من هذا منع المغالاة في المهور» (1). # والذي نراه ان الآية الكريمة وإن كانت تفيد جواز الإصداق بالمال الجزيل ، ~~إلا ان الأفضل عدم المغالاة في ذلك ، مع مراعاة أحوال الناس من حيث الغنى ~~والفقر وغيرهما. # ولقد ورد ما ms1175 يفيد الندب إلى التيسير في المهور. فقد أخرج أبو داود ~~والحاكم من حديث عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «خير ~~الصداق أيسره» (2). # 3 أن الرجل إذا أراد فراق امرأته. فلا يحل له أن يأخذ منها شيئا مادام ~~الفراق بسببه ومن PageV03P097 # جانبه : كما أنه لا ينبغي له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاه إياها إذا كان ~~الفراق بسببها ومن جانبها. # 4 اتفق العلماء على أن المهر يستقر بالوطء. واختلفوا في استقراره بالخلوة ~~المجردة. # قال القرطبي والصحيح استقراره بالخلوة مطلقا. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه. ~~قالوا : إذا خلا بها خلوة صحيحة يجب كمال المهر والعدة. دخل بها أو لم يدخل ~~بها. لما رواه الدارقطني عن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من ~~كشف خمار امرأة ونظر إليها وجب الصداق». وقال مالك : إذا طال مكثه معها ~~السنة ونحوها. واتفقا على ألا مسيس. وطلبت المهر كله كان لها» (1). # * * * # وبعد أن نهى سبحانه عن ظلم المرأة في حال الزوجية. وعن ظلمها بعد وفاة ~~زوجها. وعن ظلمها في حالة فراقها. وأمر بمعاشرتها بالمعروف بعد كل ذلك بين ~~سبحانه من لا يحل الزواج بهن من النساء ومن يحل الزواج بهن حتى تبقى للأسرة ~~قوتها ومودتها فقال تعالى : # ( @QUR@017 ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان ~~فاحشة ومقتا وساء سبيلا (22) @QUR@039 حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم ~~وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم ~~من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي ~~دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين PageV03P098 # @QUR@015 من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان ~~غفورا رحيما (23) @QUR@042 والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب ~~الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين ~~فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به ~~من بعد الفريضة إن الله كان عليما ms1176 حكيما ) (24) # أورد المفسرون روايات في سبب نزول قوله تعالى ( @QUR@07 ولا تنكحوا ما ~~نكح آباؤكم من النساء ) الآية. # ومن هذه الروايات ما رواه ابن أبى حاتم بسنده عن رجل من الأنصار قال : ~~لما توفى أبو قيس يعنى ابن الأسلت وكان من صالحي الأنصار ، فخطب ابنه قيس ~~امرأته فقالت : إنما أعدك ولدا لي وأنت من صالحي قومك ، ولكني آتى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم واستأمره. # فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن أبا قيس توفى. ~~فقال : «خيرا». ثم قالت إن ابنه قيسا خطبنى وهو من صالحي قومه ، وإنما كنت ~~أعده ولدا لي فماذا ترى؟ فقال لها : «ارجعي إلى بيتك» فنزلت : ( @QUR@011 ~~ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف ) (1). # وقال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@07 ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من ~~النساء ) يقال : كان الناس يتزوجون امرأة الأب برضاها بعد نزول قوله تعالى ~~: ( @QUR@011 يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ) حتى ~~نزلت هذه الآية ( @QUR@05 ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ) فصار حراما في ~~الأحوال كلها ، لأن النكاح يقع على الجماع والتزوج ، فإن كان الأب تزوج ~~امرأة أو وطئها يغير نكاح حرمت على ابنه. PageV03P099 # ثم قال : وقد كان في العرب قبائل قد اعتادت أن يخلف ابن الرجل على امرأة ~~أبيه. وكانت هذه السيرة في الأنصار لازمة ، وكانت في قريش مباحة على ~~التراضي ، فنهى الله المؤمنين عما كان عليه آباؤهم من هذه السيرة» (1). # وقوله ( @QUR@05 ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ) إلخ. معطوف على قوله : ( ~~@QUR@07 لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ) و ( @QUR@01 ما ) في قوله ( ~~@QUR@03 ما نكح آباؤكم ) موصول اسمى مراد به الجنس. أى لا تنكحوا التي نكح ~~آباؤكم. وقوله ( @QUR@02 من النساء ) بيان ل ( @QUR@01 ما ) الموصولة. # ويرى بعضهم أن «ما» هنا مصدرية فيكون المعنى. ولا تنكحوا نكاحا مثل نكاح ~~آبائكم الفاسد الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية. # قال الآلوسى. وإنما خص هذا النكاح بالنهى ، ولم ينظم في سلك نكاح ~~المحرمات الآتية «مبالغة في الزجر عنه. حيث كان ms1177 ذلك ديدنا لهم في الجاهلية» (2). # فالآية الكريمة تحرم على الأبناء أن يتزوجوا من النساء اللائي كن أزواجا ~~لآبائهم. # وكلمة ( @QUR@01 آباؤكم ) في قوله ( @QUR@05 ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ) ~~تشمل كل الأصول من الرجال. # أى : تشمل الأجداد جميعا سواء أكانوا من جهة الأب أم من جهة الأم ~~والاستثناء في قوله ( @QUR@04 إلا ما قد سلف ) استثناء منقطع. # والمعنى : لا تنكحوا أيها المؤمنون ما نكح آباؤكم من النساء. لأنه من ~~أفعال الجاهلية القبيحة ، أما ما قد سلف ومضى منه قبل نزول هذه الآية فلا ~~تؤاخذون عليه ، فمن كان متزوجا من امرأة كانت زوجة لأبيه من النسب أو من ~~الرضاع ، فإنها تصير حراما عليه من وقت نزول هذه الآية الكريمة ، ويجب عليه ~~أن يفارقها أما ما مضى من هذا النكاح القبيح فلا تثريب عليكم فيه ، وتثبت ~~به أحكام النكاح من النسب وغيره من الأحكام. # ويرى بعضهم أن الاستثناء هنا متصل مما يستلزمه النهى ، ويستوجبه مباشرة ~~المنهي عنه من العقاب. فكأنه قيل : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ~~فإنه قبيح ومعاقب عليه من الله تعالى ، إلا ما قد سلف ومضى ، فإنه معفو عنه. # وقد وجه صاحب الكشاف الاستثناء بوجه آخر فقال : فإن قلت : كيف استثنى ما ~~قد سلف مما نكح آباؤهم؟ قلت : كما استثنى «غير أن سيوفهم» من قول الشاعر : # «ولا عيب فيهم» غير أن سيوفهم %~% بهن فلول من قراع الكتائب PageV03P100 # يعنى : إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه ، فإنه لا يحل لكم غيره ، ~~وذلك غير ممكن والغرض المبالغة في تحريمه ، وسد الطريق إلى إباحته كما يعلق ~~بالمحال في التأبيد نحو قولهم : حتى يبيض الفأر. وحتى يلج الجمل في سم ~~الخياط (1). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة ببيان أن هذا النوع من النكاح في نهاية ~~السوء والقبح فقال : ( @QUR@06 إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا ). # أى : إن هذا النوع من النكاح كان أمرا زائدا في القبح شرعا وخلقا ، لأنه ~~يشبه نكاح الأمهات ، ويتنافى مع ما للآباء من وقار واحترام ، وما يجب من ~~حسن الصحبة وكان «مقتا» ms1178 والمقت مصدر بمعنى البغض والكراهية. # أى : إن هذا النوع من النكاح كان خصلة بالغة الحد في القبح والفحش ، وكان ~~ممقوتا مبغوضا عند الله ، وعند ذوى المروءات والعقول السليمة من الناس. # قال صاحب الكشاف : كانوا ينكحون روابهم أى زوجات آبائهم جمع رابة وهي ~~امرأة الأب وكان ناس منهم من ذوى مروءاتهم يمقتونه لفظاعته وبشاعته ويسمونه ~~نكاح المقت. وكان المولود عليه يقال له المقتى أى المبغوض ومن ثم قيل ( ~~@QUR@01 ومقتا ) كأنه قيل : هو فاحشة في دين الله بالغة في القبح. قبيح ~~ممقوت في المروءة. ولا مزيد على ما يجمع القبحين (2). # وقوله ( @QUR@02 وساء سبيلا ) أى بئس طريقا طريق ذلك النكاح ، إذ فيه هتك ~~حرمة الأب. وتقطيع للرحم التي أمر الله بوصلها. # وقوله «وساء» هنا بمعنى بئس ، وفيه ضمير يفسره ما بعده. والمخصوص بالذم ~~محذوف تقديره ذلك ؛ أى ساء سبيلا سبيل ذلك النكاح. # قال الفخر الرازي : اعلم أنه سبحانه قد وصف هذا النكاح بأمور ثلاثة : # أولها : أنه فاحشة لأن زوجة الأب تشبه الأم فمباشرتها من أفحش الفواحش. # وثانيها : المقت : وهو عبارة عن بغض مقرون باستحقار. # وثالثها : قوله ( @QUR@02 وساء سبيلا ). # واعلم أن مراتب القبح ثلاثة : القبح في العقول وفي الشرائع وفي العادات. # فقوله تعالى ( @QUR@03 إنه كان فاحشة ) إشارة إلى القبح العقلي. وقوله ( ~~@QUR@01 ومقتا ) إشارة إلى PageV03P101 # القبح الشرعي. وقوله ( @QUR@02 وساء سبيلا ) إشارة إلى القبح في العرف ~~والعادة. ومتى اجتمعت فيه هذه الوجوه فقد بلغ الغاية في القبح» (1). # وقال الإمام ابن كثير ، فمن تعاطى هذا النكاح بعد ذلك أى استباح تعاطيه ~~فقد ارتد عن دينه فيقتل ويصير ماله فيئا لبيت المال. لما رواه الإمام أحمد ~~وأهل السنن من طرق عن البراء بن عازب أنه بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده ، فأمره أن يقتله ويأخذ ماله. # وفي رواية عن البراء قال ، مر بي عمى الحارث بن عمير ومعه لواء قد عقده ~~له النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له ، أى عم ، أين بعثك النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال ، بعثني ms1179 إلى رجل تزوج امرأة أبيه فأمرنى أن أضرب ~~عنقه» (2). # ثم بين سبحانه بعد ذلك من يحرم نكاحهن من الأقارب فقال تعالى : ( ~~@QUR@011 حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ ~~وبنات الأخت ) وليس المراد بقوله ( @QUR@01 حرمت ) تحريم ذاتهن ، لأن ~~الحرمة لا تتعلق بالذوات وإنما تتعلق بأفعال المكلفين. فالكلام على حذف ~~مضاف أى حرم عليكم نكاح أمهاتكم وبناتكم .. إلخ وإلى هذا المعنى أشار صاحب ~~الكشاف بقوله ، معنى ( @QUR@03 حرمت عليكم أمهاتكم ) تحريم نكاحهن لقوله. ( ~~@QUR@07 ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ) ولأن تحريم نكاحهن هو الذي ~~يفهم من تحريمهن ، كما يفهم من تحريم الخمر تحريم شربها. ومن تحريم لحم ~~الخنزير تحريم أكله» (3). # وقد ذكر سبحانه في هذه الجملة الكريمة أربع طوائف من الأقارب يحرم ~~نكاحهن. # أما الطائفة الأولى : طائفة الأمهات من النسب. أى حرم الله عليكم نكاح ~~أمهاتكم من النسب ، ويعم هذا التحريم أيضا الجدات سواء أكن من جهة الأب أم ~~من جهة الأم ، لأنه إذا كان يحرم نكاح العمة أو الخالة فمن الأولى أن يكون ~~نكاح الجدة محرما ، إذ الأم هي طريق الوصول في القرابة إلى هؤلاء. وقد أجمع ~~المسلمون على تحريم نكاح الجدات. # والطائفة الثانية : هي طائفة الفروع من النساء ، وقد عبر القرآن عن ذلك ~~بقوله ( @QUR@01 وبناتكم ) بالعطف على أمهاتكم. # أى حرم الله عليكم نكاح أمهاتكم ونكاح بناتكم. PageV03P102 # والبنت هي كل امرأة لك عليها ولادة سواء أكانت بنتا مباشرة أم بواسطة ~~فتشمل حرمة النكاح البنات وبنات الأبناء وبنات البنات وإن نزلن. # وقد انعقد الإجماع على تحريم الفروع من النساء مهما تكن طبقتهن. # والطائفة الثالثة : هي طائفة فروع الأبوين. وقد عبر القرآن عن ذلك بقوله ~~( @QUR@01 وأخواتكم ) ثم بقوله ، ( @QUR@04 وبنات الأخ وبنات الأخت ) ~~بالعطف على ( @QUR@01 أمهاتكم ). # أى وحرم الله عليكم نكاح أخواتكم سواء أكن شقيقات أم غير شقيقات حرم ~~عليكم أيضا نكاح بنات إخوانكم وبنات أخواتكم من أى وجه يكن. # والطائفة الرابعة : هي طائفة العمات والخالات. وقد ثبت تحريم نكاحهن ~~بقوله تعالى ( @QUR@02 وعماتكم وخالاتكم ) بالعطف على ( @QUR@01 أمهاتكم ). # أى حرم الله عليكم نكاح ms1180 عماتكم وخالاتكم كما حرم عليكم نكاح أمهاتكم ~~وبناتكم. # والعمة : هي كل امرأة شاركت أباك مهما علا في أصليه أو في أحدهما. # والخالة : هي كل امرأة شاركت أمك مهما علت في أصليها أو في أحدهما. # وإذن فالعمات والخالات يشملن عمات الأب والأم ، وخالات الأب والأم ، ~~وعمات الجد والجدة ، وخالات الجد والجدة. لأن هؤلاء يطلق عليهن عرفا اسم ~~العمة والخالة. # تلك هي الطوائف الأربع اللاتي يحرم نكاحهن من الأقارب ، وإن هذا التحريم ~~يتناسب مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها ، ويتفق مع العقول السليمة ~~التي تحب مكارم الأخلاق ، وذلك لأن شريعة الإسلام قد نوهت بمنزلة القرابة ~~القريبة للإنسان ، وأضفت عليها الكثير من ألوان الوقار والاحترام ؛ والزواج ~~وما يصاحبه من شهوات ومداعبات ورضا واختلاف يتنافى مع ما أسبغه الله تعالى ~~على هذه القرابة القريبة من وقار ومن عواطف شريفه. # ولأن التجارب العلمية قد أثبتت أن التلاقح بين سلائل متباعدة الأصول ~~غالبا ما ينتج نسلا قويا ، أما التلاقح بين السلائل المتحدة في أصولها ~~القريبة فإنه غالبا ما ينتج نسلا ضعيفا. # ثم بين سبحانه النساء اللائي يحرم الزواج بهن لأسباب أخرى سوى القرابة ~~فقال تعالى ( @QUR@06 وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ). # أى : وحرم الله عليكم نكاح أمهاتكم اللاتي أرضعنكم ، وحرم عليكم أيضا ~~نكاح أخواتكم من الرضاعة. # والأم من الرضاع : هي كل امرأة أرضعتك ؛ وكذلك كل امرأة انتسبت إلى تلك ~~المرضعة بالأمومة من جهة النسب أو من جهة الرضاع. PageV03P103 # والأخت من الرضاع : هي التي التقيت أنت وهي على ثدي واحد. # قال القرطبي : وهي الأخت لأب وأم. وهي التي أرضعتها أمك بلبان أبيك ، ~~سواء أرضعتها معك أو رضعت قبلك أو بعدك والأخت من الأب دون الأم ، وهي التي ~~أرضعتها زوجة أبيك. والأخت من الأم دون الأب وهي التي أرضعتها أمك بلبان ~~رجل آخر» (1). # هذا ، وظاهر قوله تعالى ( @QUR@06 وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من ~~الرضاعة ) يقتضى أن مطلق الرضاع محرم للنكاح. وبذلك قال المالكية والأحناف : # ويرى الشافعية والحنابلة أن الرضاع المحرم هو الذي يبلغ خمس رضعات. ~~واستدلوا بما رواه ms1181 مسلم وغيره عن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : «لا تحرم المصة ولا المصتان» وفي رواية عنها أنه قال ~~: «لا تحرم الرضعة والرضعتان ، والمصة والمصتان» (2). # كذلك ظاهر هذه الجملة الكريمة يقتضى أن الرضاع يحرم النكاح ولو في سن ~~الكبر ، إلا أن جمهور العلماء يرون أن الرضاع المحرم هو ما كان قبل بلوغ ~~الحولين أما ما كان بعد بلوغ الحولين فلا يحرم ولا يكون الرضيع ابنا من ~~الرضاعة وذلك لقوله تعالى ( @QUR@010 والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ~~لمن أراد أن يتم الرضاعة ). # وأخرج الترمذي عن أم سلمة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يحرم ~~من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء ، وكان قبل الفطام». # قال ابن كثير عند تفسيره لقوله تعالى ( @QUR@06 وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ~~وأخواتكم من الرضاعة ). # أى : كما يحرم عليك نكاح أمك التي ولدتك كذلك يحرم عليك نكاح أمك التي ~~أرضعتك. # ولهذا ثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «إن ~~الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة» وفي لفظ لمسلم : «يحرم من الرضاعة ما يحرم ~~من النسب» (3). # ومن الحكم التي ذكرها العلماء من وراء تحريم النكاح بسبب الرضاعة : أن ~~المولود يتكون جسمه من جسم المرأة التي أرضعته فيكون جزءا منها ، كما أنه ~~جزء من أمه التي حملته. وإذا كانت هذه قد غذته بدمها وهو في بطنها فإن تلك ~~قد غذته بلبانها وهو في حجرها ، فكان من التكريم لهذه الأم من الرضاع أن ~~تعامل معاملة الأم الحقيقية ، وأن يعامل كل من التقيا على ثدي امرأة واحدة ~~معاملة الإخوة من حيث التكريم وحرمة النكاح بينهم. PageV03P104 # هذا ، ومن أراد المزيد من المعرفة لأحكام الرضاع فليرجع إلى كتب الفقه ثم ~~ذكر سبحانه نوعا ثالثا من المحرمات لغير سبب القرابة فقال : ( @QUR@02 ~~وأمهات نسائكم ). # أى : وكذلك حرم الله عليكم نكاح أمهات زوجاتكم سواء أكن أمهات مباشرات أم ~~جدات ، لأن كلمة الأم تشمل الجدات ، ولإجماع الفقهاء على ذلك. # قال الآلوسى : والمراد بالنساء المعقود عليهن على الإطلاق ms1182 ، سواء أكن ~~مدخولا بهن أم لا. # وهو مجمع عليه عند الأئمة الأربعة ، لكن يشترط أن يكون النكاح صحيحا. أما ~~إذا كان فاسدا فلا تحرم الأم إلا إذا وطئ ابنتها. فقد أخرج البيهقي في سننه ~~وغيره من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~«إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالابنة أو لم يدخل. ~~وإذا تزوج الأم ولم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج الابنة (1)». # ثم بين سبحانه نوعا رابعا من المحرمات لغير سبب القرابة فقال تعالى ( ~~@QUR@017 وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ، فإن لم ~~تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ). # وقوله ( @QUR@01 وربائبكم ) جمع ربيبة. وهي بنت امرأة الرجل من غيره. ~~وسميت بذلك لأن الزوج في أغلب الأحوال يربها أى يربيها في حجره ويعطف عليها. # والحجور : جمع حجر بالفتح والكسر مع سكون الجيم وهو ما يحويه مجتمع ~~الرجلين للجالس المتربع. والمراد به هنا معنى مجازى وهو الحضانة والكفالة ~~والعطف. يقال : فلان في حجر فلان أى في كنفه ومنعته ورعايته. # ومقتضى ظاهر الجملة الكريمة أن الربيبة لا يحرم نكاحها على زوج أمها إلا ~~بشرطين : # أولهما : كونها في حجره. # وثانيهما : أن يكون الزوج قد دخل بأمها. # أما عن الشرط الأول فلم يأخذ به جمهور العلماء ، وقالوا : إن هذا الشرط ~~خرج مخرج الغالب والعادة ، إذ الغالب كون البنت مع الأم عند الزوج ، لا أنه ~~شرط في التحريم فهم يرون أن نكاح الربيبة حرام على زوج أمها سواء أكانت في ~~حجره أم لم تكن قالوا : وفائدة هذا القيد PageV03P105 # تقوية علة الحرمة أو أنه ذكر للتشنيع عليهم ، إذ أن نكاحها محرم عليهم في ~~جميع الصور إلا أنه يكون أشد قبحا في حالة وجودها في حجره هذا رأى عامة ~~الصحابة والفقهاء. # ولكن هناك رواية عن مالك بن أوس عن على بن أبى طالب أنه قال : الربيبة لا ~~يحرم نكاحها على زوج الأم إلا إذا كانت في حجره أخذا بظاهر الآية ms1183 الكريمة. ~~وقد أخذ بذلك داود الظاهري وأشياعه. # وأصحاب الرأى الأول لم يعتدوا بهذه الرواية المروية عن على رضى الله عنه ~~وأما عن الشرط الثاني وهو أن يكون الزوج قد دخل بأم الربيبة فقد أخذ به ~~العلماء إلا أنهم اختلفوا في معنى الدخول فقال بعضهم : معناه الوطء ~~والجماع. وقال بعضهم : معناه التمتع كاللمس والقبلة ، فلو حصل منه مع الأم ~~ما يشبه ذلك حرم عليه نكاح ابنتها من غيره. # قال القرطبي ما ملخصه : اتفق الفقهاء على أن الربيبة تحرم على زوج أمها ~~إذا دخل بالأم ، وإن لم تكن الربيبة في حجره. وشذ بعض المتقدمين وأهل ~~الظاهر فقالوا : لا تحرم عليه الربيبة إلا أن تكون في حجر المتزوج بأمها. ~~ثم قال وقوله تعالى ( @QUR@05 فإن لم تكونوا دخلتم بهن ) يعنى الأمهات ( ~~@QUR@03 فلا جناح عليكم ) يعنى في نكاح بناتهن إذا طلقتموهن أو متن عنكم. # وأجمع العلماء على أن الرجل إذا تزوج المرأة ثم طلقها أو ماتت قبل أن ~~يدخل بها حل له نكاح ابنتها. واختلفوا في معنى الدخول بالأمهات الذي يقع به ~~التحريم للربائب. فروى عن ابن عباس أنه قال : الدخول : الجماع. واتفق مالك ~~والثوري وأبو حنيفة على أنه إذا مسها بشهوة حرمت عليه أمها وابنتها وحرمت ~~على الأب والابن ، وهو أحد قولي الشافعى ...) (1). # والحكمة في تحريم الربائب على أزواج أمهاتهن أنهن حينئذ يشبهن البنات ~~الصلبيات بالنسبة لهؤلاء الأزواج ، بسبب ما يجدنه منهم من رعاية وتربية في ~~العادة ، ولأنه لو أبيح للرجل أن يتزوج ببنت امرأته التي دخل بها ، لأدى ~~ذلك إلى تقطيع الأرحام بين الأم وابنتها. ولأدى ذلك أيضا إلى الانصراف عن ~~رعاية هؤلاء الربائب خشية الرغبة في الزواج بواحدة منهن. # ثم بين سبحانه نوعا خامسا من المحارم فقال. تعالى : ( @QUR@05 وحلائل ~~أبنائكم الذين من أصلابكم ). # والحلائل : جمع حليلة وهي الزوجة. وسميت بذلك لحلها للزوج وحل الزوج لها ~~، فكلاهما حلال لصاحبه. ويقال للزوج حليل. PageV03P106 # أى : وحرم الله تعالى عليكم نكاح زوجات أبنائكم الذين هم من أصلابكم. أى ~~: من ظهوركم. # وقال سبحانه ( @QUR@02 وحلائل أبنائكم ) بدون تقييد ms1184 بالدخول. للاشارة إلى ~~أن حليلة الابن تحرم على الأب بمجرد عقد الابن عليها. # قال القرطبي : أجمع العلماء على تحريم ما عقد عليه الآباء على الأبناء. ~~وما عقد عليه الأبناء على الآباء سواء أكان مع العقد وطء أم لم يكن : لقوله ~~تعالى : ( @QUR@07 ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ) وقوله تعالى : ( ~~@QUR@05 وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ). وقيد الله الأبناء بالذين هم ~~من الأصلاب ، ليخرج الابن المتبنى. فهذا تحل زوجته للرجل الذي تبناه. # وقد كان العرب يعتبرون الابن بالتبني كأولادهم من ظهورهم ، ويحرمون زوجة ~~الابن بالتبني على من تبناه. وقد سمى القرآن الأبناء بالتبني أدعياء فقال ~~تعالى : # ( @QUR@027 وما جعل أدعياءكم أبناءكم ، ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول ~~الحق وهو يهدي السبيل. ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ، فإن لم تعلموا ~~آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ). # ثم أبطل القرآن ما كان عليه أهل الجاهلية في شأن الابن المتبنى ، فأباح ~~للرجل أن يتزوج من زوجة الابن الذي تبناه بعد فراقه عنها. # وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتزوج بزينب بنت جحش بعد أن ~~طلقها زوجها زيد بن حارثة ، وكان زيد قد تبناه النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~المشركون : تزوج محمد امرأة ابنه فأنزل الله تعالى ( @QUR@023 فلما قضى زيد ~~منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا ~~قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا ). # فإن قيل : إن قيد «من أصلابكم». يخرج الابن من الرضاع كما أخرج الابن ~~بالتبني؟ فالجواب على ذلك : أن الابن بالرضاع حرمت حليلته على أبيه من ~~الرضاع بقول النبي صلى الله عليه وسلم : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب». # ثم بين سبحانه نوعا سادسا من المحرمات فقال تعالى : ( @QUR@013 وأن ~~تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما ). # قال ابن كثير والمعنى : وحرم عليكم الجمع بين الأختين معا في التزويج إلا ~~ما كان منكم في جاهليتكم فقد عفونا عنه وغفرناه. فدل على أنه لا مثنوية ~~فيما يستقبل لأنه استثنى ms1185 مما سلف وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين ~~والأئمة قديما وحديثا على أنه يحرم الجمع بين الأختين في النكاح. ومن أسلم ~~وتحته أختان خير فيمسك إحداهما ويطلق الأخرى لا محالة ، فقد روى PageV03P107 # الإمام أحمد عن الضحاك بن فيروز عن أبيه قال : أسلمت وعندي امرأتان أختان ~~فأمرنى النبي صلى الله عليه وسلم أن أطلق إحداهما» (1). # وكما أنه يحرم الجمع بين الأختين في عصمة رجل واحد ، فكذلك يحرم الجمع ~~بين المرأة وعمتها أو خالتها أو ابنة أخيها أو ابنة أختها لنهى النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقد جاء في صحيح مسلم وفي سنن أبى داود والترمذي ~~والنسائي عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لا تنكح المرأة ~~على عمتها ولا على خالتها ، ولا على ابنة أخيها ولا على ابنة أختها». # وفي رواية الطبراني أنه قال : «فإنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم» (2) ~~والسر في تحريم هذا النوع من النكاح أنه يؤدى إلى تقطيع الأرحام كما جاء في ~~الحديث الشريف إذ من شأن الضرائر أن يكون بينهن من الكراهية وتبادل الأذى ~~ما هو مشاهد ومعلوم. فكان من رحمة الله بعباده أن حرم عليهم هذه الأنواع من ~~الأنكحة السابقة صيانة للأسرة من التمزق والتشتت ، وحماية لها من الضعف ~~والوهن ، وسموا بها عن مواطن الريبة والغيرة والفساد وقد عفا سبحانه عما ~~حدث من هذه الأنكحة الفاسدة في الجاهلية أو قبل نزول هذه الآية الكريمة ~~بتحريمها ، لأنه سبحانه كان وما زال غفارا للذنوب ، ستارا للعيوب ، رحيما ~~بعباده ، ومن رحمته بهم أنه لا يعذبهم من غير نذير ، ولا يؤاخذهم على ما ~~اكتسبوا إلا بعد بيان واضح. # ثم بين سبحانه نوعا سابعا من المحرمات فقال : ( @QUR@010 والمحصنات من ~~النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم ). # وقوله ( @QUR@01 والمحصنات ) من الإحصان وهو في اللغة بمعنى المنع. يقال ~~: هذه درع حصينة ، أى مانعة صاحبها من الجراحة. ويقال : هذا موضع حصين ، أى ~~مانع من يريده بسوء. ويقال امرأة حصينة أى مانعة نفسها من كل فاحشة بسبب ~~عفتها ms1186 أو حريتها أو زواجها. # قال الراغب : ويقال حصان للمرأة العفيفة ولذات الحرمة. قال تعالى : ( ~~@QUR@06 ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها ) وقال تعالى ( @QUR@02 فإذا ~~أحصن ) أى تزوجن. وأحصن زوجن. والحصان في الجملة : المرأة المحصنة إما ~~بعفتها أو بتزوجها أو بمانع من شرفها وحريتها» (3) والمراد بالمحصنات هنا : ~~ذوات الأزواج من النساء. PageV03P108 # وقوله ( @QUR@03 والمحصنات من النساء ) معطوف على قوله ( @QUR@01 ~~وأمهاتكم ) في قوله تعالى : في آية المحرمات السابقة ( @QUR@03 حرمت عليكم ~~أمهاتكم ) إلخ. # والمعنى : وكما حرم عليكم نكاح أمهاتكم وبناتكم إلخ ، فقد حرم عليكم أيضا ~~نكاح ذوات الأزواج من النساء قبل مفارقة أزواجهن لهن ، لكي لا تختلط المياه ~~فتضيع الأنساب. # وقوله ( @QUR@04 إلا ما ملكت أيمانكم ) استثناء من تحريم نكاح ذوات ~~الأزواج والمراد به : النساء المسبيات اللاتي أصابهن السبي ولهن أزواج في ~~دار الحرب ، فانه يحل لمالكهن وطؤهن بعد الاستبراء ، لارتفاع النكاح بينهن ~~وبين أزواجهن بمجرد السبي. أو بسبيهن وحدهن دون أزواجهن. # أى : وحرم الله تعالى عليكم نكاح ذوات الأزواج من النساء ، إلا ما ~~ملكتموهن بسبى فسباؤكم لهن هادم لنكاحهن السابق في دار الكفر ، ومبيح لكم ~~نكاحهن بعد استبرائهن. # قال القرطبي ما ملخصه : فالمراد بالمحصنات هاهنا ذوات الأزواج. أى هن ~~محرمات إلا ما ملكت اليمين بالسبي من أرض الحرب ، فإن تلك حلال للذي تقع في ~~سهمه وإن كان لها زوج ، وهو قول الشافعى في أن السباء يقطع العصمة. وقاله ~~ابن وهب وابن عبد الحكم وروياه عن مالك ، وقال به أشهب يدل عليه ما رواه ~~مسلم في صحيحه عن أبى سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشا ~~يوم حنين إلى أوطاس فلقوا العدو فقاتلوهم وظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا. ~~فكان ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد تحرجوا من غشيانهن من أجل ~~أزواجهن من المشركين. فأنزل الله عز وجل في ذلك ( @QUR@07 والمحصنات من ~~النساء إلا ما ملكت أيمانكم ) أى فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن ، وهذا نص ~~صحيح صريح في أن الآية نزلت بسبب تحرج أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ms1187 عن وطء ~~المسبيات ذوات الأزواج فأنزل الله في جوابهم ( @QUR@04 إلا ما ملكت أيمانكم ~~). وبه قال مالك وأبو حنيفة وأصحابه والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، وهو ~~الصحيح إن شاء الله تعالى » (1). # وقيل إن المراد بالمحصنات هنا : ذوات الأزواج كما تقدم ، وبما ملكت ~~أيمانكم : مطلق ملك اليمين. فكل من انتقل إليه ملك أمة ببيع أو هبة أو سباء ~~أو غير ذلك وكانت متزوجة كان ذلك الانتقال مقتضيا لطلاقها وحلها لمن انتقلت إليه. # وهذا القول ضعيف ، لأن عائشة رضى الله عنها اشترت بريرة وأعتقتها وكانت ~~ذات زوج ، ثم خيرها النبي صلى الله عليه وسلم بين فسخ نكاحها من زوجها وبين ~~بقائها على هذا النكاح ، فدل ذلك على أن بيع الأمة ليس هادما للعصمة ، لأنه ~~لو كان هادما لها ما خير النبي صلى الله عليه وسلم بريرة. PageV03P109 # أخرج البخاري عن عائشة رضى الله عنها قالت : اشتريت بريرة. فاشترط أهلها ~~ولاءها. فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : (أعتقيها فإن الولاء لمن ~~أعطى الورق). # قالت : فأعتقتها. قالت : فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فخيرها في ~~زوجها ، فقالت : لو أعطانى كذا وكذا ما بت عنده. فاختارت نفسها)... # وقوله تعالى ( @QUR@03 كتاب الله عليكم ) ساقه سبحانه لتأكيده تحريم نكاح ~~الأنواع التي سبق ذكرها. # وقوله ( @QUR@01 كتاب ) مصدر كتب ، وهو مصدر مؤكد لعامله أى : كتب الله ~~عليكم تحريم هذه الأنواع التي سبق ذكرها كتابا وفرضه فرضا ، فليس لكم أن ~~تفعلوا شيئا مما حرمه الله عليكم ، وإنما الواجب عليكم أن تقفوا عند حدوده وشرعه. # وقيل : إن قوله ( @QUR@01 كتاب ) منصوب على الإغراء. أى : الزموا كتاب ~~الله الذي هو حجة عليكم إلى يوم القيامة ولا تخالفوا شيئا من أوامره أو ~~نواهيه. # وعليه فيكون المراد بالكتاب هنا القرآن الكريم الذي شرع الله فيه ما شرع ~~من الأحكام. # وإلى هنا تكون هذه الآيات الثلاث قد بينت خمسة عشر نوعا من الأنكحة ~~المحرمة. # أما الآية الأولى وهي قوله تعالى : ( @QUR@05 ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ) ~~إلخ فقد بينت نوعا واحدا. # وأما الآية الثانية وهي قوله ms1188 تعالى : ( @QUR@03 حرمت عليكم أمهاتكم ) إلخ ~~فقد بينت ثلاثة عشر نوعا. # وأما الآية الثالثة وهي قوله تعالى : ( @QUR@03 والمحصنات من النساء ). ~~إلخ فقد بينت نوعا واحدا. # قال الفخر الرازي عند تفسيره لقوله تعالى ( @QUR@03 حرمت عليكم أمهاتكم ) ~~... الآية : اعلم أنه تعالى نص على تحريم أربعة عشر صنفا من النساء : سبعة ~~منهن من جهة النسب وهن : الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات ~~الأخ وبنات الأخت. # وسبعة أخرى لا من جهة النسب وهن : الأمهات من الرضاعة والأخوات من ~~الرضاعة ، وأمهات النساء والربائب بنات النساء بشرط أن يكون قد دخل بالنساء ~~، وأزواج الأبناء والآباء إلا أن أزواج الأبناء مذكورة ها هنا ، وأزواج ~~الآباء مذكورة في الآية المتقدمة ، وهي قوله ( @QUR@07 ولا تنكحوا ما نكح ~~آباؤكم من النساء ) والجمع بين الأختين (1). PageV03P110 # هذا ، وبعد أن بين سبحانه المحرمات من النساء ، عقب ذلك بإيراد جملة ~~كريمة بين فيها ما يحل نكاحه من النساء فقال تعالى : ( @QUR@05 وأحل لكم ما ~~وراء ذلكم ). # و ( @QUR@01 ما ) هنا المراد بها عموم النساء. # وكلمة ( @QUR@01 وراء ) هنا بمعنى غير أو دون كما في قول بعضهم : (وليس ~~وراء الله للمرء مذهب). # واسم الإشارة ( @QUR@01 ذلكم ) يعود إلى ما تقدم من المحرمات. # والجملة الكريمة معطوفة على قوله «حرمت عليكم أمهاتكم» إلخ. # ومن قرأ ( @QUR@02 أحل لكم ... ) ببناء الفعل للفاعل جعلها معطوفة على ~~كتب المقدر في قوله ( @QUR@03 كتاب الله عليكم ... ). # والمعنى : حرمت عليكم هؤلاء المذكورات ، وأحل لكم نكاح ما سواهن من ~~النساء. # قال القرطبي : قوله تعالى ( @QUR@05 وأحل لكم ما وراء ذلكم ) قرأ حمزة ~~والكسائي وعاصم في رواية حفص ( @QUR@02 وأحل لكم ) ردا على ( @QUR@02 حرمت ~~عليكم ) وقرأ الباقون بالفتح ردا على قوله تعالى ( @QUR@03 كتاب الله عليكم ~~). وهذا يقتضى ألا يحرم من النساء إلا من ذكر ، وليس كذلك ؛ فإن الله ~~تعالى قد حرم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم من لم يذكر في الآية فيضم ~~إليها. قال تعالى : ( @QUR@08 وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا ). # روى مسلم عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لا يجمع بين ~~المرأة وعمتها ms1189 ولا بين المرأة وخالتها». وقد قيل : إن تحريم الجمع بين ~~المرأة وعمتها وخالتها متلقى من الآية نفسها ؛ لأن الله تعالى حرم الجمع ~~بين الأختين ، والجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في معنى الجمع بين ~~الأختين ؛ أو لأن الخالة في معنى الوالدة والعمة في معنى الوالد والصحيح ~~الأول : لأن الكتاب والسنة كالشىء الواحد فكأنه قال : «أحللت لكم ما وراء ~~من ذكرنا في الكتاب وما وراء ما أكملت به البيان على لسان محمد ~~صلى الله عليه وسلم » (1). # ثم رفع سبحانه من شأن المرأة وكرمها بأن جعل إيتاءها المهر شرطا لاستحلال ~~نكاحها إعزازا لها فقال تعالى ( @QUR@06 أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير ~~مسافحين ). # وقوله : ( @QUR@01 تبتغوا ) من الابتغاء بمعنى الطلب الشديد. # وقوله : ( @QUR@01 محصنين ) من الإحصان وهو هنا بمعنى العفة وتحصين النفس ~~ومنعها عن الوقوع فيما يغضب الله تعالى . PageV03P111 # وقوله : ( @QUR@01 مسافحين ) من السفاح بمعنى الزنا والمسافح : هو ~~الزاني. ولفظ السفاح مأخوذ من السفح وهو صب الماء وسيلانه. وسمى به الزنا ؛ ~~لأن الزاني لا غرض له إلا صب النطفة فقط دون نظر إلى الأهداف الشريفة التي ~~شرعها الله وراء النكاح. # وقوله ( @QUR@02 أن تبتغوا ) في محل نصب بنزع الخافض على أنه مفعول له ~~لما دل عليه الكلام و ( @QUR@01 محصنين ) و ( @QUR@02 غير مسافحين ) حالان ~~من فاعل ( @QUR@01 تبتغوا ). # والمعنى : بين لكم سبحانه ما حرم عليكم من النساء ، وأحل لكم ما وراء ~~ذلكم ، من أجل أن تطلبوا الزواج من النساء اللائي أحلهن الله لكم أشد الطلب ~~، عن طريق ما تقدمونه لهن من أموالكم كمهور ، وبذلك تكونون قد أحصنتم ~~أنفسكم ومنعتموها عن السفاح والفجور والزنا. # قال بعضهم : وكان أهل الجاهلية إذا خطب الرجل منهم المرأة قال : انكحينى. ~~فإذا أراد الزنا قال : سافحينى. والمسافحة أن تقيم امرأة مع رجل على الفجور ~~من غير تزويج صحيح. # قال الآلوسى : وظاهر الآية حجة لمن ذهب إلى أن المهر لا بد وأن يكون مالا ~~وبه قال الأحناف. وقال بعض الشافعية : لا حجة في ذلك ، لأن تخصيص المال ~~لكونه الأغلب المتعارف ، فيجوز النكاح على ما ليس بمال. ويؤيد ms1190 ذلك ما رواه ~~الشيخان وغيرهما عن سهل بن سعد «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل رجلا خطب ~~الواهبة نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم ماذا معك من القرآن؟ قال : معى سورة ~~كذا وكذا وعددهن. قال : تقرءوهن على ظهر قلبك؟ قال : نعم قال : اذهب فقد ~~ملكتكها بما معك من القرآن». # ووجه التأييد أنه لو كان في الآية حجة لما خالفها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأجيب بأن كون القرآن معه لا يوجب كونه بدلا ، والتعليم ~~ليس له ذكر في الخبر ، فيجوز أن يكون مراده صلى الله عليه وسلم : زوجتك تعظيما ~~للقرآن ولأجل ما معك منه» (1). # ثم قال تعالى : ( @QUR@07 فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ). # والاستمتاع : طلب المتعة والتلذذ بما فيه منفعة ولذة. # والمراد بقوله ( @QUR@01 أجورهن ) أى مهورهن لأنها في مقابلة الاستمتاع ~~فسميت أجرا. # وما : في قوله ( @QUR@04 فما استمتعتم به منهن ) واقعة على الاستمتاع. ~~والعائد في الخبر محذوف أى فآتوهن أجورهن عليه. PageV03P112 # والمعنى : فما انتفعتم وتلذذتم به من النساء عن طريق النكاح الصحيح ~~فآتوهن أجورهن عليه. # ويصح أن تكون ما واقعة على النساء باعتبار الجنس أو الوصف. وأعاد الضمير ~~عليها مفردا في قوله ( @QUR@01 به ) باعتبار لفظها ، وأعاده عليها جمعا في ~~قوله ( @QUR@01 منهن ) باعتبار معناها. # ومن في قوله ( @QUR@01 منهن ) للتبعيض أو للبيان. والجار والمجرور في ~~موضع النصب على الحال من ضمير ( @QUR@01 به ): # والمعنى : فأى فرد أو الفرد الذي تمتعتم به حال كونه من جنس النساء أو ~~بعضهن فأعطوهن أجورهن على ذلك. والمراد من الأجور : المهور. وسمى المهر ~~أجرا ؛ لأنه بدل عن المنفعة لا عن العين. # وقوله ( @QUR@01 فريضة ) مصدر مؤكد لفعل محذوف أى : فرض الله عليكم ذلك ~~فريضة. أو حال من الأجور بمعنى مفروضة. أى : فآتوهن أجورهن حالة كونها ~~مفروضة عليكم. # ثم بين سبحانه أنه لا حرج في أن يتنازل أحد الزوجين لصاحبه عن حقه أو عن ~~جزء منه ما دام ذلك حاصلا بالتراضي فقال تعالى : ( @QUR@014 ولا جناح عليكم ~~فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما ms1191 ). # أى : لا إثم ولا حرج عليكم فيما تراضيتم به أنتم وهن من إسقاط شيء من ~~المهر أو الإبراء منه أو الزيادة عليه ما دام ذلك بالتراضي بينكم ومن بعد ~~اتفاقكم على مقدار المهر الذي سميتموه وفرضتموه على أنفسكم. # وقد ذيل سبحانه الآية الكريمة بقوله ( @QUR@05 إن الله كان عليما حكيما ) ~~لبيان أن ما شرعه هو بمقتضى علمه الذي أحاط بكل شيء ، وبمقتضى حكمته التي ~~تضع كل شيء في موضعه. # فأنت ترى أن الآية الكريمة مسوقة لبيان بعض الأنواع من النساء اللاتي حرم ~~الله نكاحهن ، ولبيان ما أحله الله منهن بعبارة جامعة ، ثم لبيان أن الله ~~تعالى قد فرض على الأزواج الذين يبتغون الزوجات عن طريق النكاح الصحيح ~~الشريف أن يعطوهن مهورهن عوضا عن انتفاعهم بهن ، وأنه لا حرج في أن يتنازل ~~أحد الزوجين لصاحبه عن حقه أو عن شيء منه ما دام ذلك بسماحة نفس ، ومن بعد ~~تسمية المهر المقدر. # هذا ، وقد حمل بعض الناس هذه الآية على أنها واردة في نكاح المتعة وهو ~~عبارة عن أن يستأجر الرجل المرأة بمال معلوم إلى أجل معين لكي يستمتع بها. # قالوا : لأن معنى قوله تعالى : ( @QUR@06 فما استمتعتم به منهن فآتوهن ~~أجورهن ): فمن PageV03P113 # جامعتموهن ممن نكحتموهن نكاح المتعة فآتوهن أجورهن. # ولا شك أن هذا القول بعيد عن الصواب ، لأنه من المعلوم أن النكاح الذي ~~يحقق الإحصان والذي لا يكون الزوج به مسافحا. هو النكاح الصحيح الدائم ~~المستوفى شرائطه ، والذي وصفه الله بقوله ( @QUR@018 وأحل لكم ما وراء ذلكم ~~أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن ~~فريضة ). # وإذا فقد بطل حمل الآية على أنها في نكاح المتعة ؛ لأنها تتحدث عن النكاح ~~الصحيح الذي يتحقق معه الإحصان ، وليس النكاح الذي لا يقصد به إلا سفح ~~الماء وقضاء الشهوة. # قال ابن كثير : وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة ، ولا شك أنه ~~كان مشروعا في ابتداء الإسلام ثم نسخ بعد ذلك. وقد روى عن ابن عباس وطائفة ~~من الصحابة القول بإباحتها للضرورة. ms1192 ولكن الجمهور على خلاف ذلك ، والعمدة ~~ما ثبت في الصحيحين عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب قال : نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر ، وفي ~~صحيح مسلم عن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه أنه كان مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال : «يا أيها الناس إنى كنت أذنت لكم في الاستمتاع من ~~النساء ، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة. فمن كانت عنده منهن شيء ~~فليخل سبيله ، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا» (1). # وقال الآلوسى : وقيل الآية في المتعة ، وهي النكاح إلى أجل معلوم من يوم ~~أو أكثر. # والمراد ، ( @QUR@06 ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به ) من استئناف عقد ~~آخر بعد انقضاء الأجل المضروب في عقد المتعة ، بأن يزيد الرجل في الأجر ~~وتزيد المرأة في المدة ، وإلى ذلك ذهبت الإمامية من طائفة الشيعة ثم قال : ~~ولا نزاع عندنا في أنها أحلت ثم حرمت ، والصواب المختار أن التحريم ~~والإباحة كانا مرتين. فقد كانت حلالا قبل يوم خيبر ثم حرمت يوم خيبر ، ثم ~~أبيحت يوم فتح مكة وهو يوم أوطاس لاتصالهما ، ثم حرمت يومئذ بعد ثلاث ~~تحريما مؤبدا إلى يوم القيامة ...» (2). # وقال بعض العلماء : وهذا النص وهو قوله تعالى ( @QUR@07 فما استمتعتم به ~~منهن فآتوهن أجورهن فريضة ) قد تعلق به بعض المفسدين الذين لم يفهموا معنى ~~العلاقات المحرمة بين الرجل والمرأة ، فادعوا أنه يبيح المتعة ... والنص ~~بعيد عن هذا المعنى الفاسد بعد ما قالوه عن الهداية ؛ لأن الكلام كله في ~~عقد الزواج فسابقه ولا حقه في عقد الزواج ، والمتعة حتى على كلامهم لا يسمى ~~عقد نكاح أبدا. PageV03P114 # وقد تعلقوا مع هذا بعبارات رووها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أباح ~~المتعة في غزوات ثم نسخها ، وبأن ابن عباس كان يبيحها في الغزوات وهذا ~~الاستدلال باطل ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نسخها ، فكان عليهم عند تعلقهم ~~برواية مسلم أن يأخذوا بها جملة أو يتركوها ، وجملتها تؤدى إلى النسخ لا ~~إلى البقاء. ms1193 # وإذا قالوا إننا نتفق معكم على الإباحة ونخالفكم في النسخ فنأخذ المجمع ~~عليه ونترك غيره قلنا لهم : إن النصوص التي أثبتت الإباحة هي التي أثبتت ~~النسخ ، وما اتفقنا معكم على الإباحة ؛ لأننا نقرر نسخ الإباحة. # على أننا نقول : إن ترك النبي صلى الله عليه وسلم المتعة لهم قبل الأمر ~~الجازم بالمنع ، ليس من قبيل الإباحة ، بل هو من قبيل الترك حتى تستأنس ~~القلوب بالإيمان وتترك عادات الجاهلية ، وقد كان شائعا بينهم اتخاذ الأخدان ~~وهو ما نسميه اتخاذ الخلائل. وهذه هي متعتهم ، فنهى القرآن الكريم والنبي ~~صلى الله عليه وسلم عنها. وإن الترك مدة لا يسمى إباحة وإنما يسمى عفوا حتى ~~تخرج النفوس من جاهليتها ، والذين يستبيحونها باقون على الجاهلية الأولى. # وابن عباس رضى الله عنه قد رجع عن فتواه بعد أن قال له إمام الهدى على بن ~~أبى طالب : إنك امرؤ تائه ، لقد نسخها النبي صلى الله عليه وسلم والله لا أوتى ~~بمستمتعين إلا رجمتهما» (1). # وبذلك نرى أن الآية الكريمة واردة في شأن النكاح الصحيح الذي يحقق ~~الإحصان ولا يكون الزوج به مسافحا. وأن القول بأنها تدل على نكاح المتعة ~~قول بعيد عن الحق والصواب للأسباب التي سبق ذكرها. # * * * # وبعد أن بين سبحانه المحرمات من النساء ، وبين من يحل نكاحه منهن ، عقب ~~ذلك ببيان ما ينبغي أن يفعله من لا يستطيع نكاح المحصنات المؤمنات فقال ~~تعالى : # ( @QUR@021 ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ~~ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من PageV03P115 # @QUR@037 بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير ~~مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على ~~المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور ~~رحيم ) (25) # وقوله ( @QUR@01 طولا ) أى سعة وقدرة وغنى في المال. # قال صاحب الكشاف : الطول : الفضل. يقال : لفلان على فلان طول أى : زيادة وفضل. # وقد طاله طولا فهو طائل. قال الشاعر : # لقد زادني حبا لنفسي أننى %~% بغيض إلى كل ms1194 امرئ غير طائل # ومنه قولهم : ما خلا منه بطائل. أى بشيء يعتد به مما له فضل وخطر. ومنه ~~الطول في الجسم لأنه زيادة فيه» (1). # والمراد بالمحصنات هنا الحرائر بدليل مقابلتهن بالمملوكات ، وعبر عنهن ~~بذلك ، لأن حريتهن أحصنتهن عن النقص الذي في الإماء. # والمراد بقوله ( @QUR@02 من فتياتكم ) أى من إمائكم وأرقائكم. # والمعنى : ومن لم يستطع منكم يا معشر المؤمنين الأحرار أن يحصل زيادة في ~~المال تمكنه من أن ينكح الحرائر المؤمنات ، فله في هذه الحالة أن ينكح بعض ~~الإماء المؤمنات اللائي هن مملوكات لغيركم. # و ( @QUR@01 من ) في قوله ( @QUR@03 ومن لم يستطع ) شرطية ، وجوابها قوله ~~، فمما ملكت أيمانكم ، ويصح أن تكون موصولة ويكون قوله «فمما ملكت أيمانكم» ~~هو الخبر. # وقوله ( @QUR@01 منكم ) حال من الضمير في ( @QUR@01 يستطع ) وقوله ( ~~@QUR@01 طولا ) مفعول به ليستطع. # هذا ، والآية الكريمة تفيد بمضمونها أنه لا يحل الزواج من الإماء إلا إذا ~~كان المسلم الحر ليس في قدرته أن يتزوج امرأة حرة. PageV03P116 # ولذا قال بعضهم : إن الله تعالى شرط في نكاح الإماء شرائط ثلاثة : اثنان ~~منها في الناكح ، والثالث في المنكوحة. # أما اللذان في الناكح فأحدهما أن يكون غير واجد لما يتزوج به الحرة ~~المؤمنة من الصداق. # والثاني هو المذكور في آخر الآية وهو قوله : ( @QUR@05 ذلك لمن خشي العنت ~~منكم ). # وأما الشرط الثالث المعتبر في المنكوحة فهو أن تكون الأمة مؤمنة لا كافرة ~~...» (1). # وقد خالف الإمام أبو حنيفة هذا الشرط الثالث فأباح للمسلم الزواج من ~~الأمة الكتابية إن لم يكن عنده زوجة حرة فإن كان متزوجا بحرة فإنه لا يجوز ~~له أن يتزوج أمة مطلقا لا مسلمة ولا كتابية ، وإن عقد عليها كان عقده باطلا ~~وقد بنى حكمه هذا على أساس تفسيره للطول بأنه الزواج بحرة. # أما المالكية والشافعية فقد قالوا : الطول : السعة والقدرة على المهر ~~والنفقة فمن عجز عن مهر الحرة ونفقتها وهو قادر على الزواج من أمة فإنه ~~يجوز له الزواج بها ولو كانت عنده زوجة حرة. # وفي التعبير عن الإماء بقوله ( @QUR@07 فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم ms1195 ~~المؤمنات ) تكريم لهؤلاء الأرقاء ، وإعزاز لإنسانيتهن ، وتعليم للمسلمين أن ~~يلتزموا الأدب في مخاطبتهم لأرقائهم ولذا ورد في الحديث الشريف أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال : «لا يقولن أحدكم عبدى وأمتى ، ولكن ليقل فتاي ~~وفتأتي». # وقوله تعالى ( @QUR@06 والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض ) جملة معترضة ~~سيقت بين إباحة النكاح من الإماء المؤمنات وبين صورة العقد عليهن تأنيسا ~~للقلوب ، وإزالة للنفرة عن نكاح الإماء ببيان أن مناط التفاخر إنما هو ~~الإيمان لا التباهي بالأحساب والأنساب. # والمعنى : أنه تعالى أعلم منكم بمراتب إيمانكم الذي هو مناط التفضيل ~~وأنتم وفتياتكم من أصل واحد فلا ينبغي أن يستعلى حر على عبد ، ولا حرة على ~~أمة ، فرب إنسان غير حر أفضل عند الله بسبب إيمانه وعمله الصالح من إنسان حر. # فالمقصود من هذه الجملة الكريمة إزالة ما كانت تستهجنه العرب من الزواج ~~بالإماء ، ونهيهم عما كان متداولا بينهم من احتقارهم لولد الأمة وتسميتهم ~~إياه بالهجين أى الذي أبوه عربي وأمه أمة. # وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : فإن قلت : فما معنى قوله ( ~~@QUR@02 والله أعلم PageV03P117 # @QUR@01 بإيمانكم )؟ قلت : معناه : أن الله أعلم بتفاضل ما بينكم وبين ~~أرقائكم في الإيمان ورجحانه ونقصانه فيهم وفيكم. وربما كان إيمان الأمة ~~أرجح من إيمان الحرة وربما كانت المرأة أرجح في الإيمان من الرجل. وحق ~~المؤمنين أن لا يعيروا إلا فضل الايمان لا فضل الأحساب والأنساب. وهذا ~~تأنيس بنكاح الإماء وترك الاستنكاف منه. وقوله ( @QUR@03 بعضكم من بعض ) أى ~~: أنتم وأرقاؤكم متناسبون متواصلون لاشتراككم في الإيمان لا يفضل حر عبدا ~~إلا برجحان فيه (1). # ثم بين سبحانه كيفية الزواج بهن فقال : ( @QUR@012 فانكحوهن بإذن أهلهن ~~وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان ) والمراد ~~بأهلهن : مواليهن الذين يملكونهن : وعبر عن المالكين لهن بالأهل ، حملا ~~للناس على الأدب في التعبير ، ولأنه يجب أن تكون العلاقة بين العبد ومالكه ~~علاقة أهل لا علاقة استعلاء. # والمراد بالأجور هنا : المهور التي تدفع لهن في مقابل نكاحهن. # والمراد بالمحصنات هنا : العفائف البعيدات عن الفاحشة والريبة. والمرأة ~~المسافحة ms1196 هي التي تؤاجر نفسها لكل رجل أرادها. والتي تتخذ الخدن هي التي ~~تتخذ لها صاحبا معينا. وكان أهل الجاهلية يفصلون بين القسمين فيستقبحون ~~الزنا العلنى ويستحلون السرى ، فجاءت شريعة الإسلام بتحريم القسمين. قال ~~تعالى ( @QUR@08 ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ). وقال تعالى ( ~~@QUR@010 قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ). # وقوله ( @QUR@03 فانكحوهن بإذن أهلهن ) مترتب ومتفرع على ما قبله من أحكام. # والمعنى : إذا عرفتم حكم الله في شأن فتياتكم المؤمنات فانكحوهن بعد أن ~~يأذن لكم في ذلك مواليهن ويرضون عن هذا النكاح ، وأدوا إليهن مهورهن بالقدر ~~المتعارف عليه شرعا وعادة عن طيب نفس منكم ، وبدون مطل أو بخس. فإنه لا يصح ~~أن تتخذوا من كون المنكوحة أمة سبيلا لغمط حقها ، وتصغير شأنها. # وقد اتفق العلماء على أن نكاح الأمة بغير إذن سيدها غير جائز ، عملا ~~بظاهر هذه الآية الكريمة ، فان قوله تعالى : ( @QUR@03 فانكحوهن بإذن أهلهن ~~) يقتضى كون الإذن شرطا في جواز النكاح ، ولأن منافع الأمة لسيدها وهي ملك ~~له فلا يجوز نكاحها إلا بإذنه. # قال القرطبي : قوله تعالى ( @QUR@01 فانكحوهن ) أى بولاية أربابهن ~~المالكين وإذنهم. وكذلك العبد لا ينكح إلا بإذن سيده ، لأن العبد مملوك لا ~~أمر له ، وبدنه كله مستغرق ، لكن الفرق بينهما أن العبد إذا تزوج بغير إذن ~~سيده فإن أجازه السيد جاز ، هذا مذهب مالك وأصحاب الرأى ، والأمة إذا تزوجت ~~بغير إذن أهلها فسخ ولم يجز ولو بإجازة السيد (2). PageV03P118 # وقوله ( @QUR@02 وآتوهن أجورهن ) صريح في وجوب دفع مهر في مقابل نكاح ~~الأمة ولكن من الذي يتسلم هذا المهر؟ # يرى كثير من العلماء أن الذي يتسلم المهر هو السيد المالك للأمة. لأن ~~المهر قد وجب عوضا عن منافع بضع المملوكة للسيد ، وهو الذي أباحها للزوج ~~فوجب أن يكون هو المستحق لتسلم المهر ؛ ولأن العبد وما ملكت يداه لسيده أى ~~آتوا أهلهن أجورهن فالكلام على حذف مضاف. # ويرى الإمام مالك أن الآية على ظاهرها ، وأن المهر إنما يدفع للأمة لأنها ~~أحق به من سيدها ، وأنه ليس للسيد ms1197 أن يأخذ من أمته ويدعها بلا جهاز فالعقد ~~يتولاه السيد أما المهر فيعطى للأمة لتتولى إعداد نفسها للزواج منه. # وقوله ( @QUR@01 محصنات ) حال من المفعول في قوله ( @QUR@01 فانكحوهن ) ~~أى : فانكحوهن حال كونهن عفائف عن الفاحشة. # وقوله ( @QUR@02 غير مسافحات ) تأكيد له أى غير مجاهرات بالزنا. # وقوله ( @QUR@03 ولا متخذات أخدان ) تأكيد آخر لبعدهن عن الريبة. ~~والأخدان جمع خدن وهو الصاحب والصديق. # والمراد به هنا : من تتخذه المرأة صاحبا لها لارتكاب الفاحشة معه سرا وقد ~~وصف الله تعالى الزوجات الإماء بذلك ، لتحريضهن على التمسك بأهداب الفضيلة ~~والشرف ، إذ الرق مظنة الانزلاق والوقوع في الفاحشة لما يصاحبه من هوان ~~وضعف ، ولا شيء كالهوان يفتح الباب أمام الرذيلة والفاحشة ومن هنا قالت هند ~~بنت عتبة باستغراب واستنكار لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند ما أخذ العهد ~~عليها وعلى المؤمنات بقوله ( @QUR@02 ولا يزنين ) قالت يا رسول الله : أو ~~تزنى الحرة؟!! # ثم بين سبحانه عقوبة الإماء إذا ما ارتكبن الفاحشة فقال تعالى ( @QUR@012 ~~فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) ومعنى ~~الإحصان هنا : الزواج. والمراد بالفاحشة : الزنا. والمراد بالعذاب : الحد ~~الشرعي أى : فإذا أحصن أى بالتزويج ، فإن أتين بفاحشة الزنا وثبت ذلك عليهن ~~، ففي هذه الحالة حدهن نصف حد الحرائر من النساء أى أن الأمة إذا زنت فحدها ~~أن تجلد خمسين جلدة ولا رجم عليها لأنه لا يتنصف فلا يكون مرادا هنا. # وظاهر الجملة الكريمة يفيد أن الأمة لا تحد إذا زنت متى كانت غير متزوجة ~~وقد أخذ بهذا PageV03P119 # الظاهر بعض العلماء. ولكن جمهور العلماء يرون أن الأمه يقام عليها الحد ~~إذا زنت سواء أكانت متزوجة أم غير متزوجة. # فالآية الكريمة صرحت بأن الأمة إذا ارتكبت الفحشاء تكون عقوبتها نصف ~~عقوبة الحرة ، لأن الجريمة يضعف أثرها بضعف مرتكبها ، ويقوى أثرها بقوة ~~مرتكبها ، فكان من العدل أن يعاقب الأرقاء لضعفهم بنصف عقوبة الأحرار ~~الأقوياء. # فأين هذا السمو والرحمة والعدالة في التشريع من مظالم القوانين الوضعية ~~ففي القانون الرومانى كان العبد إذا زنى بحرة قتل ms1198 ، وإذا زنى الشريف حكم ~~عليه بغرامة. ولقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك بقوله : «إنما أهلك ~~الذين من قبلكم أنهم كانوا : إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم ~~الضعيف أقاموا عليه الحد ...». # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@012 ذلك لمن خشي العنت منكم وأن ~~تصبروا خير لكم والله غفور رحيم ): # واسم الإشارة «ذلك» يعود إلى نكاح الإماء. # والعنت : المشقة الشديدة التي يخشى معها التلف أو الوقوع في الفاحشة التي ~~نهى الله تعالى عنها. ولذا قال بعضهم المراد به هنا : الزنا. # أى : ذلك الذي شرعناه لكم من إباحة الزواج بالإماء عند الضرورة يكون ~~بالنسبة لمن خشي على نفسه العزبة التي قد تفضى به إلى الوقوع في الفاحشة ~~والآثام. ( @QUR@02 وأن تصبروا ) على تحمل المشقة متعففين عن نكاحهن حتى ~~يرزقكم الله الزواج بالحرة ، فصبركم هذا خير لكم من نكاح الإماء وإن رخص ~~لكم فيه. # وقوله ( @QUR@03 والله غفور رحيم ) أى واسع المغفرة كثيرها ، فيغفر لمن ~~لم يصبر عن نكاحهن وفي ذلك تنفير عنه حتى لكأنه ذنب ، وهو سبحانه واسع ~~الرحمة بعباده حيث شرع لهم ما فيه تيسير عليهم ورأفة بهم. # قالوا : وإنما كان الصبر عن نكاح الإماء خيرا من نكاحهن ، لأن الولد الذي ~~يأتى عن طريقهن يكون معرضا للرق ، ولأن الأمة في الغالب لا تستطيع أن تهيء ~~البيت الصالح للزوجية من كل الوجوه لانشغالها بخدمة سيدها. # وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله : فإن قلت : لم كان نكاح ~~الأمة منحطا عن نكاح الحرة؟ قلت : لما فيه من اتباع الولد الأم في الرق. ~~ولثبوت حق المولى فيها وفي استخدامها. ولأنها ممتهنة مبتذلة خراجة ولاجة ، ~~وذلك كله نقصان راجع إلى الناكح ومهانة. PageV03P120 # والعزة من صفات المؤمنين (1). # وبذلك نرى أن الآية الكريمة وإن كانت قد رخصت في زواج الإماء عند الضرورة ~~الشديدة إلا أنها حضت المؤمنين على الصبر عن نكاحهن لما في نكاحهن من أضرار ~~يأباها الشخص العزيز النفس ، الكريم الخلق. والسبيل الأمثل للزواج بهن يكون ~~بعد شرائهن وإعتاقهن ، وبذلك يقل الرقيق ويكثر الأحرار ms1199 ولذا لو جامعها ~~مولاها كان ابنه حرا وكان طريقا لحريتها ومنع بيعها. # وبعد أن بين سبحانه فيما سبق من آيات كثيرا من الأوامر والنواهي ~~والمحرمات والمباحات .. عقب ذلك ببيان جانب من مظاهر فضله على عباده ورحمته ~~بهم فقال تعالى : # ( @QUR@014 يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم ~~والله عليم حكيم (26) @QUR@013 والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين ~~يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما (27) @QUR@08 يريد الله أن يخفف عنكم ~~وخلق الإنسان ضعيفا ) (28) # وقوله تعالى : ( @QUR@04 يريد الله ليبين لكم ) استئناف مقرر لما سبق من ~~الأحكام ، وقد ساقه سبحانه لإيناس قلوب المؤمنين حتى يمتثلوا عن اقتناع ~~وتسليم لما شرعه الله لهم من أحكام. # قال الآلوسى : ومثل هذا التركيب قوله ( @QUR@04 يريد الله ليبين لكم ). ~~وقع في كلام العرب قديما وخرجه النحاة على مذاهب : # فقيل مفعول ( @QUR@01 يريد ) محذوف أى : يريد الله تحليل ما أحل وتحريم ~~ما حرم ونحوه. واللام للتعليل .... ونسب هذا إلى سيبويه وجمهور البصريين. # فتعلق الإرادة غير التبيين ، وإنما فعلوه لئلا يتعدى الفعل إلى مفعوله ~~المتأخر عنه باللام وهو ممتنع أو ضعيف. # وذهب بعض البصريين إلى أن الفعل مؤول بالمصدر من غير سابك ، كما قيل به ~~في قولهم : «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه» أى إرادتى كائنة للتبيين. وفيه تكلف. PageV03P121 # وذهب الكوفيون إلى أن اللام هي الناصبة للفعل من غير إضمار أن ، وهي وما ~~بعدها مفعول للفعل المقدم أى : يريد الله البيان لكم (1). # والمعنى : يريد الله تعالى بما شرع لكم من أحكام ، وبما ذكر من محرمات ~~ومباحات أن يبين لكم ما فيه خيركم وصلاحكم وسعادتكم ، وأن يميز لكم بين ~~الحلال والحرام والحسن والقبيح. # وقوله : ( @QUR@05 ويهديكم سنن الذين من قبلكم ) معطوف على ما قبله. # والسنن : جمع سنة وهي الطريقة وفي أكثر استعمالها تكون للطريقة المثلى ~~الهادية إلى الحق. # أى : ويهديكم مناهج وطرائق من تقدمكم من الأنبياء والصالحين ، لتقتفوا ~~آثارهم وتسلكوا سبيلهم. # وليس المراد أن جميع ما شرعه الله من حلال أو من حرام كان مشروعا بعينه ~~للأمم السابقة. # بل المراد أن ms1200 الله كما قد شرع للأمم السابقة من الأحكام ما هم في حاجة ~~إليه وما اقتضته مصالحهم ، فكذلك قد شرع لنا ما نحن في حاجة إليه وما يحقق ~~مصالحنا ، فإن الشرائع والتكاليف وإن كانت مختلفة في ذاتها إلا أنها متفقة ~~في باب المصالح. # وقوله : ( @QUR@02 ويتوب عليكم ) معطوف على ما قبله. # والتوبة معناها : ترك الذنب مع الندم عليه والعزم على عدم العود ، وذلك ~~مستحيل في حقه سبحانه لذا قالوا : المراد بها هنا المغفرة لتسببها عنها. أو ~~المراد بها قبول التوبة. # أى : ويقبل توبتكم متى رجعتم إليه بصدق وإخلاص ، فقد تكفل سبحانه لعباده ~~أن يغفر لهم خطاياهم متى تابوا إليه توبة صادقة نصوحا وفي التعبير عن قبول ~~التوبة بقوله : ( @QUR@02 ويتوب عليكم ) إشارة إلى ما يتضمنه معنى قبول ~~التوبة من ستر للذنوب ، ومنع لكشفها ، فهي غطاء على المعاصي يمنعها من ~~الظهور حتى يذهب تأثيرها في النفس : # فالآية الكريمة تحريض على التوبة ، لأن الوعد بقبولها متى كانت صادقة ~~يغرى الناس. بطرق بابها وبالإكثار منها .. # وقوله : ( @QUR@03 والله عليم حكيم ) أى والله تعالى ذو علم شامل لجميع ~~الأشياء ، فيعلم أن ما شرع لكم من أحكام مناسب لكم ، وما سلكه المهتدون من ~~الأمم قبلكم ، ومتى تكون توبة أحدكم صادقة ومتى لا تكون كذلك ( @QUR@01 ~~حكيم ) يضع الأمور في مواضعها. فيبين لمن يشاء ، ويهدى من يشاء ، ويتوب على ~~من يشاء. PageV03P122 # فأنت ترى أن هذه الآية قد بينت جانبا من مظاهر فضل الله ورحمته بعباده ، ~~حيث كشفت للناس أن الله تعالى يريد بإنزاله لهذا القرآن أن يبين لهم ~~التكاليف التي كلفهم بها ليعرفوا الخير من الشر ، وأن يرشدهم إلى سبيل من ~~تقدمهم من أهل الحق ، وأن يغفر لهم ذنوبهم متى أخلصوا له التوبة. # ثم أخبر سبحانه عما يريده لعباده من خير وصلاح وما يريده لهم الفاسقون من ~~شر وفساد فقال تعالى : ( @QUR@013 والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين ~~يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما ). # أى : والله تعالى يريد منكم أن تفعلوا ما يجعلكم أهلا لمغفرته ورضوانه ~~وما يفضى بكم إلى قبول ms1201 توبتكم ، وارتفاع منزلتكم عنده ، بينما يريد الذين ~~يتبعون الشهوات من أهل الكفر والفسوق والعصيان أن تبتعدوا عن الحق والخير ~~ابتعادا عظيما. والميل : أصله الانحراف من الوسط إلى جانب من الجوانب : ~~ولما كان الاعتدال عبارة عن العدل والتوسط ، أطلق الميل على الجور ~~والابتعاد عن الحق. # ووصف الميل بالعظم للإشعار بأن الذين يتبعون الشهوات لا يكتفون من غيرهم ~~بالميل اليسير عن الحق ، وإنما يريدون منهم انحرافا مطلقا عن الطريق ~~المستقيم الذي أمر الله بسلوكه والسير فيه. # وهؤلاء الذين وصفهم الله بما وصف موجودون في كل زمان ، وتراهم دائما ~~يحملون لواء الرذيلة والفجور تارة باسم الحرية وتارة باسم المدنية. وقد حذر ~~الله تعالى عباده منهم حتى لا يتأثروا بهم ، وحتى يقاوموهم ويكشفوا عن ~~زيفهم وضلالهم «ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون». # ثم بين سبحانه لونا آخر من ألوان رحمته ورأفته بعباده فقال : ( @QUR@08 ~~يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ). # أى : يريد الله بما شرعه لكم من أحكام ، وبما كلفكم به من تكاليف هي في ~~قدرتكم واستطاعتكم أن يخفف عنكم في شرائعه وأوامره ونواهيه ، لكي تزدادوا ~~له في الطاعة والاستجابة والشكر. # ( @QUR@03 وخلق الإنسان ضعيفا ) أى لا يصبر على مشاق الطاعات ، فكان من ~~رحمة الله تعالى به أن خفف عنه في التكاليف. # وهذا اليسر والتخفيف في التكاليف من أبرز مميزات الشريعة الإسلامية ، وقد ~~بين القرآن PageV03P123 # الكريم ذلك في كثير من آياته ، ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@08 يريد الله ~~بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ). وقوله تعالى ( @QUR@07 ما جعل عليكم في ~~الدين من حرج ). وقوله تعالى ( @QUR@043 ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها ~~للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون. الذين يتبعون الرسول ~~النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف ~~وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم ~~والأغلال التي كانت عليهم ). # ولقد كان من هدى النبي صلى الله عليه وسلم التخفيف والتيسير ، ففي الحديث ~~الشريف : «إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه». ms1202 # وكان من وصاياه لمعاذ بن جبل وأبى موسى الأشعرى عند ما أرسلهما إلى اليمن ~~«يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا». # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد بينت لنا ألوانا من مظاهر فضل الله ~~على عباده ورحمته بهم ، لكي يزدادوا له شكرا وطاعة وخضوعا. # ثم وجه القرآن نداء إلى المؤمنين بين لهم فيه بعض المحرمات المتعلقة ~~بالأنفس والأموال ، بعد أن بين لهم قبل ذلك المحرمات من النساء والمحللات ~~منهن ومظاهر فضله سبحانه بعباده ورحمته بهم فقال تعالى : # ( @QUR@024 يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن ~~تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما (29) ~~@QUR@013 ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله ~~يسيرا (30) @QUR@012 إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ~~وندخلكم مدخلا كريما ) (31) PageV03P124 # والمراد بالأكل في قوله ( @QUR@03 لا تأكلوا أموالكم ) مطلق الأخذ الذي ~~يشمل سائر التصرفات التي نهى الله عنها. # وخص الأكل بالذكر ؛ لأن المقصود الأعظم من الأموال هو التصرف فيها ~~بالأكل. # والباطل : اسم لكل تصرف لا يبيحه الشرع كالربا والقمار والرشوة والغصب ~~والسرقة والخيانة والظلم إلى غير ذلك من التصرفات المحرمة. # والمعنى. يا أيها المؤمنون لا يحل لكم أن يأكل بعضكم مال غيره بطريقة ~~باطلة لا يقرها الشرع ، ولا يرتضيها الدين ، كما أنه لا يحل لكم أن تتصرفوا ~~في الأموال التي تملكونها تصرفا منهيا عنه بأن تنفقوها في وجوه المعاصي ~~التي نهى الله عنها ؛ فإن ذلك يتنافى مع طبيعة هذا الدين الذي آمنتم به. # وناداهم سبحانه بصفة الإيمان ، لتحريك حرارة العقيدة في قلوبهم وإغرائهم ~~بالاستجابة لما أمروا به أو نهوا عنه. # وفي قوله ( @QUR@01 أموالكم ) إشارة إلى أن هذه الأموال هي نعمة من الله ~~لنا ، وأن على الأمة جميعها أن تصون هذه الأموال عن التصرفات الباطلة التي ~~لا تبيحها شريعة الله. # وفي قوله ( @QUR@01 بينكم ) إشارة إلى أن تبادل الأموال بين الأفراد ~~والجماعات يجب أن يكون على أساس من الحق والعدل ولا يكون بالباطل أو ~~بالظلم. # والاستثناء في ms1203 قوله ( @QUR@07 إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) استثناء ~~منقطع لأن التجارة ليست من جنس الأموال المأكولة بالباطل. # والمعنى : لا يحل لكم أيها المؤمنون أن تتصرفوا في أموالكم بالطرق ~~المحرمة ، لكن يباح لكم أن تتصرفوا فيها بالتجارة الناشئة عن تراض فيما ~~بينكم ؛ لأنه لا يحل لمسلم أن يقتطع مال أخيه المسلم إلا عن طيب نفس منه. # والتجارة : اسم يقع على عقود المعاوضات التي يقصد بها طلب الربح. وخصت ~~بالذكر من بين سائر أسباب الملك ؛ لكونها أغلب وقوعا ولأن أسباب الرزق ~~أكثرها متعلق بها. # أخرج الأصبهانى عن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ~~الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا ، وإذا وعدوا لم يخلفوا ، وإذا ~~ائتمنوا لم يخونوا ، وإذا اشتروا لم يذموا ، وإذا باعوا لم يمدحوا ، وإذا ~~كان عليهم لم يمطلوا ، وإذا كان لهم لم يعسروا). # وكلمة ( @QUR@01 تجارة ) قرأها عاصم وحمزة والكسائي بالنصب على أنها خبر ~~لكان الناقصة ، واسم كان ضمير يعود على الأموال أى إلا أن تكون الأموال ~~المتداولة بينكم تجارة صادرة عن تراض PageV03P125 # منكم. وقرأها الباقون بالرفع على أنها فاعل لكان التامة أى : إلا أن تقع ~~تجارة بينكم عن تراض منكم. # وقوله ( @QUR@03 عن تراض منكم ) صفة لقوله ( @QUR@01 تجارة ) ولفظ ( ~~@QUR@01 عن ) للمجاوزة أى : إلا أن تكون تجارة صادرة عن تراض كائن منكم. # والتراضي : هو الرضا من الجانبين بما يدل عليه من لفظ أو عرف ، وهو أساس ~~العقود بصفة عامة ، وأساس المبادلات المالية بصفة خاصة ، فلا بيع ولا شراء ~~ولا إجارة ولا شركة ولا غيرها من عقود التجارة ما لم يتحقق الرضا. # قال بعضهم : وحقيقة التراضي لا يعلمها إلا الله تعالى والمراد ها هنا ~~أمارته. كالإيجاب والقبول وكالتعاطى عند القائل به. وقد قال تعالى ( ~~@QUR@07 إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) فدل ذلك على أن مجرد التراضي هو ~~المناط. ولا بد من الدلالة عليه بلفظ أو إشارة أو كتابة ، بأى لفظ وقع وعلى ~~أى صفة كان ، وبأى إشارة مفيدة حصل» (1). # وقال الآلوسى : والمراد بالتراضي ms1204 مراضاة المتبايعين بما تعاقدوا عليه في ~~حال المبايعة وقت الإيجاب والقبول عندنا. وعند المالكية والشافعية حالة ~~الافتراق عن مجلس العقد وقيل التراضي : التخيير بعد البيع ...» (2). # هذا ، وظاهر قوله تعالى ( @QUR@07 إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) يفيد ~~إباحة جميع أنواع التجارات ما دام قد حصل التراضي بين المتعاقدين ، ولكن ~~هذا الظاهر غير مراد ؛ لأن الشارع قد حرم المتاجرة في أشياء معينة حتى ولو ~~تم التراضي بين المتعاقدين فيها ، وذلك مثل المتاجرة في الخمر والميتة ولحم ~~الخنزير ، ومثل بيع الغرر والعبد الآبق ونحو ذلك مما نهى عنه الشارع من ~~العقود والمعاملات. # وقوله ( @QUR@03 ولا تقتلوا أنفسكم ) معطوف على ما قبله. # وللعلماء في تأويله اتجاهات : فمنهم من يرى أن معناه : ولا يقتل بعضكم ~~بعضا ، فإن قتل بعضكم لبعض قتل لأنفسكم. والتعبير عن قتل بعضهم لبعض بقتل ~~أنفسهم للمبالغة في الزجر عن هذا الفعل ، وبتصويره بصورة مالا يكاد يفعله عاقل. # وإلى هذا المعنى اتجه الفخر الرازي فقد قال : اتفقوا على أن هذا نهى عن ~~أن يقتل بعضهم بعضا. وإنما قال : ( @QUR@01 أنفسكم ) لقوله صلى الله عليه وسلم ~~«المؤمنون كنفس واحدة». ولأن العرب يقولون : PageV03P126 # قتلنا ورب الكعبة إذا قتل بعضهم ؛ لأن قتل بعضهم يحرى مجرى قتلهم» (1). # ومنهم من يرى أن معناه النهى عن قتل الإنسان لنفسه. ومن ذلك ما أخرجه ~~الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من تردى من جبل ~~فقتل نفسه فهو في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا. ومن تحسى سما فقتل نفسه ~~فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا. # ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ أى يطعن بها في بطنه في نار جهنم ~~خالدا مخلدا فيها أبدا» (2). # وروى مسلم عن جابر بن سمرة قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل ~~نفسه بمشاقص أى سهام عراض واحدها مشقص فلم يصل عليه (3). # ومنهم من يرى أن معناه : لا تقتلوا أنفسكم بأكل بعضكم أموال بعض ~~وبارتكابكم للمعاصي التي نهى الله عنها ، فإن ms1205 ذلك يؤدى إلى إفساد أمركم ، ~~وذهاب ريحكم ، وتمزق وحدتكم ، ولا قتل للأمم والجماعات أشد من فساد أمرها ، ~~وذهاب ريحها. # وقد ذهب إلى هذا المعنى الإمام ابن كثير فقد قال : وقوله : ( @QUR@03 ولا ~~تقتلوا أنفسكم ) أى بارتكاب محارم الله وتعاطى معاصيه ، وأكل أموالكم بينكم ~~بالباطل» (4). # والذي نراه أن الجملة الكريمة تتناول كل هذه الاتجاهات ، فهي تنهى المسلم ~~عن أن يقتل نفسه ، كما أنها تنهاه عن أن يقتل غيره ، وهي أيضا تنهاه عن ~~ارتكاب المعاصي التي تؤدى إلى هلاكه. # وقدم سبحانه النهى عن أكل الأموال بالباطل على النهى عن قتل الأنفس مع أن ~~الثاني أخطر ، للإشعار بالتدرج في النهى من الشديد إلى الأشد ولأن وقوعهم ~~في أكل الأموال بالباطل كان أكثر منهم وأسهل عليهم من وقوعهم في القتل. # وقد ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@05 إن الله كان بكم رحيما ) ~~لبيان أن ما نهى الله عنه من محرمات ، وما أباحه من مباحات ، إنما هو من ~~باب الرحمة بالناس ، وعدم المشقة عليهم. فالله تعالى رءوف بعباده ومن مظاهر ~~ذلك أنه لم يكلفهم إلا بما هو في قدرتهم واستطاعتهم. PageV03P127 # وهذه الآية الكريمة أصل عظيم في حرمة الأموال والأنفس. ولقد أكد النبي ~~صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في خطبته في حجة الوداع حيث قال : «إن دماءكم ~~وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا». # ثم بين سبحانه سوء عاقبة من يفعل ما نهى الله عنه فقال : ( @QUR@013 ومن ~~يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا ، وكان ذلك على الله يسيرا ). # واسم الإشارة في قوله «ومن يفعل ذلك» يعود إلى المذكور من أكل الأموال ~~بالباطل ومن القتل. وقيل الإشارة إلى القتل لأنه أقرب مذكور. # والعدوان : مجاوزة الحد المشروع عن قصد وتعمد. # والظلم : وضع الشيء في غير موضعه. # والمعنى : أن من يفعل ذلك المحرم حال كونه ذا عدوان وظلم عاقبه الله على ~~ذلك عقابا شديدا في الآخرة ، بإدخاله نارا هائلة محرقة ، وكان عقابه بهذا ~~العذاب الهائل الشديد يسيرا على الله ، لأنه سبحانه لا يعجزه شيء. ms1206 # وجمع سبحانه بين العدوان والظلم ليشمل العذاب كل أحوال الارتكاب لمحارم ~~الله ، وليخرج ما كان غير مقصود من الجرائم ، كمن يتلف مال غيره بدون قصد ، ~~وكمن يقتل غيره بدون تعمد ، فإنه يكون ظالما وعليه دفع عوض معين للمستحق ~~لذلك ، إلا أنه لا يكون مستحقا لهذا العذاب الشديد الذي توعد الله به من ~~يرتكب هذه الجنايات عن عدوان وظلم. # وبعد هذا الوعيد الشديد لكل معتد وظالم ، فتح القرآن الكريم باب الرحمة ~~للناس حتى لا يقنطوا من رحمة الله فقال تعالى ( @QUR@012 إن تجتنبوا كبائر ~~ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ). # واجتناب الشيء معناه : المباعدة عنه وتركه جانبا بحيث تكون أنت في جانب ~~وهو في جانب آخر ولا تلاقى بينكما. # وكبائر الذنوب : ما عظم منها ، وعظمت العقوبة عليه. كالشرك ، وقتل النفس ~~بغير حق ، وأكل مال اليتيم ونحو ذلك من المحرمات. # والسيئات : جمع سيئة وهي الفعلة القبيحة ، وسميت بذلك ؛ لأنها تسوء ~~صاحبها عاجلا أو آجلا. # والمراد بالسيئات هنا : صغائر الذنوب بدليل مقابلتها بالكبائر. # والمعنى : إن تتركوا يا معشر المؤمنين كبائر الذنوب التي نهاكم الشرع عن ~~اقترافها ، PageV03P128 # ( @QUR@03 نكفر عنكم سيئاتكم ) أى نسترها عليكم ، ونمحها عنكم حتى تصير ~~بمنزلة ما لم يعمل فضلا من الله عليكم ، ورحمة بكم. # ( @QUR@03 وندخلكم مدخلا كريما ) أى وندخلكم في الآخرة مدخلا حسنا وهو ~~الجنة التي وعد الله بها عباده الصالحين. فهي مكان طيب يجد من يحل فيه ~~الكثير من كرم الله ورضاه. # والمدخل بضم الميم كما قرأه الجمهور مصدر بمعنى الإدخال ، ومفعول ندخلكم ~~محذوف أى نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم إدخالا كريما. # ويصح أن يكون اسم مكان منصوبا على الظرفية عند سيبويه ، وعلى المفعولية ~~عند الأخفش. # وقرأ نافع ( @QUR@01 مدخلا ) بفتح الميم على أنه اسم مكان للدخول ، ويجوز ~~أن يكون مصدرا ميميا. أى ندخلكم مكانا كريما أو ندخلكم دخولا كريما. # هذا ، وقد استدل العلماء بهذه الآية على أن صغائر الذنوب يغفرها الله ~~تعالى لعباده رحمة منه وكرما متى اجتنبوا كبائر الذنوب ، وصدقوا في توبتهم إليه. # كما استدلوا بها على أن ms1207 الذنوب منها الكبائر ومنها الصغائر ؛ لأن هذه ~~الآية قد فصلت بين كبائر الذنوب وبين ما يكفر باجتنابها وهو صغار الذنوب ~~المعبر عنها بقوله تعالى : ( @QUR@03 نكفر عنكم سيئاتكم ). ولأن الله ~~تعالى يقول في موضع آخر ( @QUR@027 ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي ~~الذين أساؤا بما عملوا ، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. الذين يجتنبون كبائر ~~الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة ) (1). # قال الآلوسى ما ملخصه : واختلفوا في حد الكبيرة على أقوال منها : أنها كل ~~معصية أوجبت الحد. ومنها : أنها كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ~~وبضعف ديانته. # وقال الواحدي : الصحيح أن الكبيرة ليس لها حد يعرفها العباد به ، وإلا ~~لاقتحم الناس الصغائر واستباحوها. ولكن الله تعالى أخفى ذلك عن العباد ~~ليجتهدوا في اجتناب المنهي عنه رجاء أن تجتنب الكبائر. ونظير ذلك إخفاء ~~الصلاة الوسطى ، وليلة القدر. وساعة الإجابة. # وذهب جماعة إلى ضبطها بالعد من غير ضبط بحد. فعن ابن عباس وغيره أنها ما ~~ذكره الله تعالى من أول هذه السورة إلى هنا. وقيل هي سبع بدليل ما جاء في ~~الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : اجتنبوا السبع الموبقات ~~قالوا : وما هن يا رسول الله؟ قال : الشرك بالله تعالى والسحر ، وقتل النفس ~~التي حرم الله إلا بالحق ، وأكل مال اليتيم ، وأكل الربا ، والتولي PageV03P129 # يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات». # فإن قيل : جاء في روايات أخرى أن من الكبائر «اليمين الغموس» و «قول ~~الزور» و «عقوق الوالدين»؟ قلنا في الجواب : إن ذلك محمول على أنه ~~صلى الله عليه وسلم ذكر ما ذكر منها قصدا لبيان المحتاج منها وقت الذكر وليس ~~لحصره الكبائر فيه فإن النص على هذه السيع بأنهن كبائر لا ينفى ما عداهن» (1). # والذي نراه أن الذنوب منها الكبائر ومنها الصغائر ، وأن الصغائر يغفرها ~~الله لعباده متى اجتنبوا الكبائر وأخلصوا دينهم لله ، وأن الكبائر هي ما ~~حذر الشرع من ارتكابها تحذيرا شديدا ، وتوعد مرتكبها بسوء المصير ، ~~كالإشراك بالله ، وقتل النفس بغير حق وغير ذلك من الفواحش ms1208 التي يؤدى ~~ارتكابها إلى إفساد شأن الأفراد والجماعات والتي ورد النهى عنها في كثير من ~~الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. وأن الصغائر ، هي الذنوب اليسيرة التي ~~يرتكبها الشخص من غير إصرار عليها ولا استهانة بها أو مداومة عليها ، بل ~~يعقبها بالتوبة الصادقة والعمل الصالح وصدق الله إذ يقول : ( @QUR@014 وأقم ~~الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى ~~للذاكرين )، ولقد فتح الله تعالى لعباده باب التوبة من الذنوب صغيرها ~~وكبيرها حتى لا ييأسوا من رحمته فقال سبحانه : ( @QUR@046 والذين لا يدعون ~~مع الله إلها آخر ، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ، ~~ومن يفعل ذلك يلق أثاما. يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا. إلا ~~من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ، وكان الله ~~غفورا رحيما ) ( 2) # * * * # ثم نهى سبحانه عن التحاسد وعن تمنى ما فضل الله به بعض الناس على بعض من ~~المال ونحوه مما يجرى فيه التنافس ، وبين سبحانه أنه قد جعل لكل إنسان حقا ~~معينا فيما تركه الوالدان والأقربون فقال تعالى : # ( @QUR@014 ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما ~~اكتسبوا وللنساء @QUR@ نصيب مما اكتسبن وسئلوا الله من فضله إن الله كان ~~بكل شيء PageV03P130 # @QUR@01 عليما (32) @QUR@019 ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان ~~والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا ) (33) # روى المفسرون في سبب نزول الآية الأولى روايات منها ما رواه الإمام أحمد ~~والترمذي عن مجاهد قال : قالت أم سلمة : يا رسول الله يغزو الرجال ولا نغزو ~~، ولنا نصف الميراث فأنزل الله تعالى ( @QUR@09 ولا تتمنوا ما فضل الله به ~~بعضكم على بعض ). # وقال قتادة : كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان ، فلما ~~ورثوا وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين تمنى النساء أن لو جعل أنصباؤهن كأنصباء ~~الرجال. وقال الرجال : إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة ~~كما فضلنا عليهن في الميراث فنزلت ( @QUR@09 ولا تتمنوا ما فضل الله به ~~بعضكم على ms1209 بعض ). # والتمني المنهي عنه هنا : هو الذي يتضمن معنى الطمع فيما في يد الغير ، ~~والحسد له على ما أعطاه الله من مال أو جاه أو غير ذلك مما يجرى فيه ~~التنافس بين الناس وذلك لأن التمني بهذه الصورة يؤدى إلى شقاء النفس ، ~~وفساد الخلق والدين ، ولأنه أشبه ما يكون بالاعتراض على قسمة الخالق العليم ~~الخبير بأحوال خلقه وبشئون عباده. # ولا يدخل في التمني المنهي عنه ما يسميه العلماء بالغبطة ، وهي أن يتمنى ~~الرجل أن يكون له مثل ما عند غيره من خير دون أن ينقص شيء مما عند ذلك الغير. # قال صاحب الكشاف : قوله ( @QUR@02 ولا تتمنوا ) نهوا عن التحاسد وعن تمنى ~~ما فضل الله به بعض الناس على بعض من الجاه والمال ، لأن ذلك التفضيل قسمة ~~من الله صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد ، وبما يصلح المقسوم له ~~من بسط في الرزق أو قبض ( @QUR@08 ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في ~~الأرض ). فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم الله له ، علما بأن ما قسم له هو ~~مصلحته ، ولو كان خلافه لكان مفسدة له ، ولا يحسد أخاه على حظه» (1). # وقوله تعالى ( @QUR@08 للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن ~~) تعليل للنهى السابق. أى لكل من فريقى الرجال والنساء حظ مقدر مما اكتسبوه ~~من أعمال ، ونصيب معين PageV03P131 # فيما ورثوه أو أصابوه من أموال ، وإذا كان الأمر كذلك فلا يليق بعاقل أن ~~يتمنى خلاف ما قسم الله له من رزق ، بل عليه أن يرضى بما قسم الله له. ~~فالله تعالى هو الذي قدر أرزاق الرجال والنساء على حسب ما تقتضيه حكمته ~~وعلمه ، وهو الذي كلف كل فريق منهم بواجبات وأعمال تليق باستعداده وتكوينه. # وقوله ( @QUR@04 وسئلوا الله من فضله ) عطف على النهى. فكأنه قيل : لا ~~تتمنوا ولا تتطلعوا إلى ما في أيدى غيركم ، ولا تحسدوه على ما رزقه الله ، ~~بل اجعلوا اتجاهكم إلى الله وحده ، والتمسوا منه ما تشاءون من نعمه الجليلة ~~، ومن حظوظ الدنيا والآخرة ، فهو القائل ( @QUR@019 ما يفتح الله للناس ms1210 من ~~رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم ). # وحذف المفعول من الجملة الكريمة لإفادة العموم. أى : واسألوا الله ما ~~شئتم من إحسانه الزائد ، وإنعامه المتكاثر حتى تطمئن نفوسكم ، ويبتعد عنها ~~الطمع والقلق والألم. # قال ابن كثير : قوله ( @QUR@04 وسئلوا الله من فضله ) أى لا تتمنوا ما ~~فضلنا به بعضكم على بعض ؛ فإن التمني لا يجدي شيئا ، ولكن سلوني من فضلي ~~أعطكم فإنى كريم وهاب. روى أبو نعيم وابن مردويه عن ابن عباس قال : قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل ، وإن ~~أحب عباد الله إلى الله للذي يحب الفرج» (1). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@06 إن الله كان بكل شيء ~~عليما ) أى إن الله تعالى كان وما زال عليما بكل شيء من شئون هذا الكون ، ~~وقد وزع سبحانه أرزاقه ومواهبه على عباده بمقتضى علمه وحكمته ، فجعل فيهم ~~الغنى والفقير ، فيحتاج بعضهم إلى بعض ، وليتبادلوا المنافع التي لا غنى ~~لهم عنها ، وكلف كل فريق منهم بما يتناسب مع تكوينه واستعداده ( @QUR@010 ~~صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون ). # ثم قال تعالى ( @QUR@07 ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون ). # والمضاف إلى كل هنا محذوف عوض عنه التنوين. والتقدير ولكل إنسان أو لكل ~~قوم أو لكل من مات ، أو لكل من الرجال والنساء. # والموالي : جمع مولى. والمولى لفظ مشترك بين معان ، فيقال للسيد المعتق ~~لعبده مولى ، لأنه ولى نعمته في عتقه له. ويقال للعبد العتيق مولى لاتصال ~~ولاية مولاه في إنعامه عليه كما يقال لكل من الحليف والنصير والقريب مولى. ~~ويقال لعصبة الشخص موالي. # قال الفخر الرازي : والمراد بالموالي هنا العصبة. ويؤكد ذلك ما رواه أبو ~~صالح عن PageV03P132 # أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنا أولى بالمؤمنين. من ~~مات وترك مالا فماله للموالي العصبة. ومن ترك كلا فأنا وليه» وقال عليه ~~الصلاة والسلام «اقسموا هذا المال فما أبقت السهام فلأولى عصبة ذكر» ms1211 (1). # هذا ، وللمفسرين في تأويل هذه الآية الكريمة أقوال متعددة منها أن المعنى : # 1 ولكل واحد من الرجال والنساء جعلنا ورثة عصبة ، يرثون مما تركه ~~الوالدان والأقربون من المال. # 2 أو المعنى : ولكل من مات من الرجال والنساء جعلنا موالي أى ورثة ~~يقتسمون تركته عن طريق الإرث ، ولا حق للحليف فيها لأنه ليس من عصبة هذا الميت. # 3 أو المعنى : ولكل مال مما تركه الوالدان والأقربون جعلنا موالي أى ورثة ~~يلونه ويحوزونه بعد أن يأخذ أصحاب الفروض نصيبهم. # وعلى هذه الوجوه يكون الوالدان والأقربون هم الذين يرثهم غيرهم من ~~مواليهم أى عصبتهم. # 4 قال الفخر الرازي : ويمكن أن تفسر الآية بحيث يكون الوالدان والأقربون ~~هم الورثة ، فيكون المعنى : # ولكل واحد جعلنا ورثة في تركته. ثم كأنه قيل : ومن هؤلاء الورثة؟ فقيل. ~~هم الوالدان والأقربون. وعلى هذا الوجه لا بد من الوقف عند قوله ( @QUR@02 ~~مما ترك ) (2): # هذا وتفسير الآية الكريمة بحيث يكون الوالدان والأقربون هم الذين يرثهم ~~غيرهم من عصبتهم هو الأولى ، لأنه هو الظاهر في معنى الآية ، وعليه سار ~~جمهور المفسرين ، فقد قال ابن جرير : «فالموالى ها هنا : الورثة. ويعنى ~~بقوله ( @QUR@04 مما ترك الوالدان والأقربون ) مما تركه والداه وأقرباؤه من ~~الميراث. فتأويل الكلام ، ولكل منكم أيها الناس جعلنا عصبة يرثون مما ترك ~~والداه وأقرباؤه من ميراثهم» (3). # وقال صاحب الكشاف : قوله ( @QUR@02 مما ترك ) تبيين لكل. أى : ولكل شيء ~~مما ترك الوالدان والأقربون من المال جعلنا موالي أى ورثة يلونه ويحرزونه ، ~~أو ولكل قوم جعلناهم موالي نصيب مما ترك الوالدان والأقربون. على أن ( ~~@QUR@02 جعلنا موالي ) صفة لكل ، والضمير الراجع إلى كل PageV03P133 # محذوف ، والكلام مبتدأ أو خبر. كما تقول : لكل من خلقه الله إنسانا من ~~رزق الله. أى حظ من رزق الله (1). # وقال القرطبي : بين الله تعالى أن لكل إنسان ورثة وموالي ، فلينتفع كل ~~واحد بما قسم الله له من الميراث ولا يتمن مال غيره (2). # وقوله ( @QUR@05 والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ) جملة من مبتدأ ~~وخبر. وجيء بالفاء في الخبر وهو قوله ( @QUR@01 فآتوهم ) لتضمن المبتدأ ms1212 ~~معنى الشرط. # وقوله ( @QUR@01 عقدت ) من العقد وهو الشد والربط والتوكيد والتغليظ ، ~~ومنه قولهم : عقد العهد يعقده ، أى : شده وأكده. # والأيمان : جمع يمين والمراد به هنا أيديهم اليمنى ، وإسناد العقد إليها ~~على سبيل المجاز ، لأنهم كانوا عند ما يوثقون عقدا يضع كل واحد منهم يده في ~~يد الآخر ، ليكون ذلك علامة على انبرام العقد وتأكيده. ومن هنا قيل للعقود ~~الصفقات لأن كل عاقد يصفق بيمنه على يمين الآخر. # ويصح أن يكون المراد بالأيمان هنا الأقسام التي كانوا يقسمونها ويحلفونها ~~عند التعاقد على شيء يهمهم أمره. # وقد قرأ عاصم وحمزة والكسائي «عقدت أيمانكم ، وقرأ الباقون» عاقدت ~~أيمانكم» وعلى كلتا القراءتين فالمفعول محذوف أى والذين عقدت حلفهم أيمانكم ~~أو عاقدتهم أيمانكم. # وللعلماء في المراد بقوله ( @QUR@03 والذين عقدت أيمانكم ) أقوال منها : # 1 أن المراد بهم الحلفاء وهم موالي الموالاة وكان لهم نصيب من الميراث ثم ~~نسخ ، وقد ورد في ذلك آثار منها ما أخرجه ابن جرير وغيره عن قتادة قال : ~~قوله تعالى : ( @QUR@05 والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ) كان الرجل ~~يعاقد الرجل في الجاهلية فيقول : دمى دمك ، وهدمي هدمك .. أى مهدومى مهدومك ~~وترثني وأرثك ، وتطلب بي وأطلب بك ، فجعل له السدس من جميع المال في ~~الإسلام ، ثم يقسم أهل الميراث ميراثهم. فنسخ ذلك بعد في سورة الأنفال فقال ~~الله تعالى ( @QUR@08 وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) (3). # 2 ويرى بعضهم أن المراد بهم الأدعياء وهم الأبناء بالتبني ، وكانوا ~~يتوارثون بسبب ذلك ، ثم نسخه بآية سورة الأنفال السابقة. PageV03P134 # 3 ويرى فريق ثالث أن المراد بهم إخوان المؤاخاة ، فقد كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يؤاخى بين الرجلين من أصحابه وكانت تلك المؤاخاة سببا في ~~التوارث ثم نسخ ذلك بآية الأنفال السابقة. # 4 وقال أبو مسلم الأصفهاني : المراد بهم الأزواج ، إذ النكاح يسمى عقدا. # والذي نراه أولى هو القول الأول لكثرة الآثار التي تؤيده ، ولأنه هو الذي ~~رجحه جمهور المفسرين ، وعليه يكون المعنى : والذين عقدت حلفهم أيمانكم وهم ~~الذين تحالفتم معهم على التناصر وغيره ( @QUR@02 فآتوهم نصيبهم ms1213 ) أى ~~فأعطوهم نصيبهم من الميراث وفاء بالعقود والعهود. # قال ابن جرير عند تفسيره لهذه الآية الكريمة. وأولى الأقوال بالصواب في ~~تأويل قوله تعالى ( @QUR@05 والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ) قول من ~~قال : والذين عقدت أيمانكم على المحالفة ، وهم الحلفاء ، وذلك أنه معلوم ~~عند جميع أهل العلم بأيام العرب وأخبارها : أن عقد الحلف بينها كان يكون ~~بالأيمان والعهود والمواثيق على نحو ما قد ذكرنا من الروايات في ذلك (1). # وقال ابن كثير : وقوله ( @QUR@05 والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ) أى ~~والذين تحالفتم بالأيمان المؤكدة أنتم وهم فآتوهم نصيبهم من الميراث كما ~~وعدتموهم في الأيمان المغلظة ، إن الله شاهد بينكم في تلك العقود ~~والمعاهدات. وقد كان هذا في ابتداء الإسلام ثم نسخ بعد ذلك ، وأمروا أن ~~يوفوا من عاقدوا ولا ينشئوا بعد نزول هذه الآية معاقدة (2). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله ( @QUR@07 إن الله كان على كل شيء ~~شهيدا ) أى إن الله تعالى كان وما زال عالما بجميع الأشياء ، ومطلعا على ~~جليها وخفيها ، وسيجازى الذين يتمسكون بشريعته بما يستحقون من ثواب. ~~وسيجازى الذين ينحرفون عنها بما يستحقون من عقاب. # فالجملة الكريمة تذييل قصد به الوعد لمن أطاع الله والوعيد لمن عصاه. # ثم بين سبحانه حقوق الرجال وحقوق النساء ، وما يجب لكل فريق نحو الآخر ، ~~ودعا أهل الخير إلى محاولة الإصلاح بين الزوجين إذا ما دب الخلاف بينهما ~~فقال تعالى : # ( @QUR@015 الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما ~~أنفقوا من أموالهم فالصالحات PageV03P135 # @QUR@025 قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن ~~واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله ~~كان عليا كبيرا (34) @QUR@022 وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله ~~وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا ) (35) # روى المفسرون روايات في سبب نزول قوله تعالى ( @QUR@04 الرجال قوامون على ~~النساء ) الآية. ومن هذه الروايات ما ذكره القرطبي من أنها نزلت في سعد بن ~~الربيع نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن خارجة ms1214 بن أبى زهير فلطمها ؛ فقال ~~أبوها : يا رسول الله ، أفرشته كريمتي فلطمها. فقال صلى الله عليه وسلم (لتقتص ~~من زوجها). فانصرفت مع أبيها لتقتص منه. فقال عليه الصلاة والسلام «ارجعوا ~~هذا جبريل أتانى» فأنزل الله هذه الآية (1). # وقوله ( @QUR@01 قوامون ) جمع قوام على وزن فعال للمبالغة من القيام على ~~الشيء وحفظه. # يقال : قام فلان على الشيء وهو قائم عليه وقوام عليه ، إذا كان يرعاه ~~ويحفظه ويتولاه. # ويقال : هذا قيم المرأة وقوامها للذي يقوم بأمرها ويهتم بحفظها وإصلاحها ~~ورعاية شئونها. # أى : الرجال يقومون على شئون النساء بالحفظ والرعاية والنفقة والتأديب ~~وغير ذلك مما تقتضيه مصلحتهن. # ثم ذكر سبحانه سببين لهذه القوامة. # أولهما : وهبى وقد بينه بقوله : ( @QUR@06 بما فضل الله بعضهم على بعض ). # أى أن حكمة الله اقتضت أن يكون الرجال قوامين على النساء بسبب ما فضل ~~الله به الرجال على النساء من قوة في الجسم ، وزيادة في العلم ، وقدرة على ~~تحمل أعباء الحياة وتكاليفها وما يستتبع ذلك من دفاع عنهن إذا ما تعرضن لسوء. PageV03P136 # قال الفخر الرازي : واعلم أن فضل الرجال على النساء حاصل من وجوه كثيرة : ~~بعضها صفات حقيقية وبعضها أحكام شرعية. أما الصفات الحقيقية فاعلم أن ~~الفضائل الحقيقية يرجع حاصلها إلى أمرين. إلى العلم وإلى القدرة. # ولا شك أن عقول الرجال وعلومهم أكثر. ولا شك أن قدرتهم على الأعمال ~~الشاقة أكمل ، فلهذين السببين حصلت الفضيلة للرجال على النساء في العقل ~~والحزم والقوة. وإن منهم الأنبياء والعلماء ، وفيهم الإمامة الكبرى والصغرى ~~والجهاد ، والأذان ، والخطبة ، والولاية في النكاح. فكل ذلك يدل على فضل ~~الرجال على النساء» (1). # والمراد بالتفضيل في قوله ( @QUR@06 بما فضل الله بعضهم على بعض ) تفضيل ~~الجنس على الجنس لا تفضيل الآحاد على الآحاد. فقد يوجد من النساء من هي ~~أقوى عقلا وأكثر معرفة من بعض الرجال. # والباء للسببية ، وما مصدرية ، والبعض الأول المقصود به الرجال والبعض ~~الثاني المقصود به النساء ، والضمير المضاف إليه البعض الأول يقع على مجموع ~~الفريقين على سبيل التغليب. # وقال سبحانه ( @QUR@06 بما فضل الله بعضهم على بعض ms1215 ) ولم يقل مثلا : بما ~~فضلهم الله عليهن ، للإشعار بأن الرجال من النساء والنساء من الرجال كما ~~قال في آية أخرى ( @QUR@03 بعضكم من بعض ) وللإشارة إلى أن هذا التفضيل هو ~~لصالح الفريقين ، فعلى كل فريق منهم أن يتفرغ لأداء المهمة التي كلفه الله ~~بها بإخلاص وطاعة حتى يسعد الفريقان. # وأما السبب الثاني : فهو كسبي وقد بينه سبحانه بقوله : ( @QUR@04 وبما ~~أنفقوا من أموالهم ). # أى أن الله تعالى جعل الرجال قوامين على النساء بسبب ما فضل الله به ~~الرجال على النساء من علم وقدرة. وبسبب ما ألزم به الرجال من إنفاق على ~~النساء ومن تقديم المهور لهن عند الزواج بهن ، ومن القيام برعايتهن ~~وصيانتهن. # قال الآلوسى : واستدل بالآية على أن للزوج تأديب زوجته ومنعها من الخروج. ~~وأن عليها طاعته إلا في معصية الله تعالى . وفي الخبر «لو أمرت أحدا أن ~~يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها». واستدل بها أيضا من أجاز فسخ ~~النكاح عند الإعسار عن النفقة والكسوة. وهو مذهب مالك والشافعى ، لأنه إذا ~~خرج عن كونه قواما عليها فقد خرج عن الغرض المقصود بالنكاح. وعندنا لا فسخ ~~لقوله تعالى : ( @QUR@07 وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ). واستدل بها ~~أيضا من جعل للزوج الحجر على زوجته في نفسها وما لها فلا تتصرف فيه إلا ~~بإذنه ، PageV03P137 # لأنه سبحانه جعل الرجل قواما بصيغة المبالغة. وهو الناظر على الشيء ~~الحافظ له» (1). # ثم شرع سبحانه في تفصيل أحوال النساء. وفي بيان كيفية القيام عليهن بحسب ~~اختلاف أحوالهن ، فقسمهن إلى قسمين : # فقال في شأن القسم الأول : ( @QUR@07 فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما ~~حفظ الله ). # أى : فالصالحات من النساء من صفاتهن أنهن ( @QUR@01 قانتات ) أى مطيعات ~~لله تعالى ولأزواجهن عن طيب نفس واطمئنان قلب ، ومن صفاتهن كذلك أنهن ( ~~@QUR@05 حافظات للغيب بما حفظ الله ). # قال صاحب الكشاف : الغيب خلاف الشهادة. أى حافظات لمواجب الغيب. إذا كان ~~الأزواج غير شاهدين لهن ، حفظن ما يجب عليهن حفظه في حال الغيبة من الفروج ~~والأموال والبيوت. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال. «خير ms1216 النساء امرأة ~~إن نظرت إليها سرتك ، وإن أمرتها أطاعتك ، وإذا غبت عنها حفظتك في مالها ~~ونفسها» ، ثم تلا الآية الكريمة (2). # و «ما» في قوله ( @QUR@03 بما حفظ الله ) يحتمل أن تكون مصدرية فيكون ~~المعنى : أن هؤلاء النساء الصالحات المطيعات من صفاتهن أيضا أنهن يحفظن في ~~غيبة أزواجهن ما يجب حفظه بسبب حفظ الله لهن ورعايته إياهن بالتوفيق للعمل ~~الذي يحبه ويرضاه. # ويحتمل أن تكون موصولة فيكون المعنى : أنهن حافظات لغيبة أزواجهن في ~~النفس والعرض والمال وكل ما يجب حفظه بسبب الأمر الذي حفظه الله لهن على ~~أزواجهن حيث كلف الأزواج بالإنفاق عليهن وبالإحسان إليهن ، فعليهن أن يحفظن ~~حقوق أزواجهن في مقابلة الذي حفظه الله لهن من حقوق على أزواجهن. # فالجملة الكريمة تمدح النساء الصالحات المطيعات الحافظات لأسرار أزواجهن ~~ولكل ما يجب حفظه من عرض أو مال أو غير ذلك مما تقتضيه الحياة الزوجية. # هذا هو القسم الأول من النساء ، أما القسم الثاني فقد قال سبحانه في شأنه ~~: ( @QUR@08 واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ) ~~والمراد بقوله ( @QUR@01 نشوزهن ) عصيانهن وخروجهن عما توجبه الحياة ~~الزوجية من طاعة الزوجة لزوجها. يقال : نشزت الزوجة نشوزا أى : عصت زوجها ~~وامتنعت عليه. وأصل النشوز مأخوذ من النشز بمعنى الارتفاع في وسط الأرض ~~السهلة المنبسطة ويكون شاذا فيها. فشبهت المرأة المتعالية على طاعة زوجها ~~بالمرتفع من الأرض. PageV03P138 # والمعنى : هذا شأن النساء الصالحات القانتات الحافظات للغيب بسبب حفظ ~~الله لهن ، أما النساء اللاتي تخافون ( @QUR@01 نشوزهن ) أى عصيانهن لكم ، ~~وترفعهن عن مطاوعتكم ، وسوء عشرتهن ( @QUR@01 فعظوهن ) بالقول الذي يؤثر في ~~النفس ، ويوجههن نحو الخير والفضيلة ، بأن تذكروهن بحسن عاقبة الطاعة ~~للزوج. وسوء عاقبة النشوز والمعصية ، وبأن تسوقوا لهن من تعاليم الإسلام ~~وآدابه وتوجيهاته ما من شأنه أن يشفى الصدور ، ويهدى النفوس إلى الخير. # قال ابن كثير : وقوله تعالى : ( @QUR@03 واللاتي تخافون نشوزهن ) أى ~~النساء اللاتي تخافون أن ينشزن على أزواجهن فعظوهن. والنشوز هو الارتفاع ~~فالمرأة الناشز هي المرتفعة على زوجها التاركة لأمره ، المعرضة عنه المبغضة ~~له ، فمتى ظهر له منها أمارات ms1217 النشوز فليعظها وليخوفها عقاب الله ، فإن ~~الله قد أوجب حق الزوج عليها وطاعته ، وحرم عليها معصيته لماله عليها من ~~الفضل ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد ~~لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها» (1). # وقوله ( @QUR@03 واهجروهن في المضاجع ) أى وعليكم إذا لم تنفع الموعظة ~~والنصيحة معهن أن تتركوهن منفردات في أماكن نومهن. # فالمضاجع جمع مضجع وهو مكان النوم والاضطجاع. # قال القرطبي : والهجر في المضجع هو أن يضاجعها أى ينام معها في فراش واحد ~~ويوليها ظهره ولا يجامعها. وقال مجاهد : ( @QUR@03 واهجروهن في المضاجع ) ~~أى تجنبوا مضاجعهن أى اهجروا أماكن نومهن بأن تناموا بعيدا عنهن » (2). # روى أبو داود بسنده عن معاوية بن حيدة القشيري أنه قال : يا رسول الله : ~~ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال : أن تطعمها إذا طعمت ، وتكسوها إذا اكتسيت ولا ~~تضرب الوجه. ولا تقبح. ولا تهجر إلا في البيت». # وقوله ( @QUR@01 واضربوهن ) معطوف على ما قبله. أى إن لم ينفع ما فعلتم ~~من العظة والهجران فاضربوهن ضربا غير مبرح أى غير شديد ولا مشين فقد ثبت في ~~صحيح مسلم عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في حجة الوداع» : ~~واتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم أى أسيرات عندكم ولكم عليهن أن لا ~~يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه. فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح». PageV03P139 # وقد فسر العلماء الضرب غير المبرح بأنه الذي لا يكسر عظما ، ولا يشين ~~جارحة ، وأن يتقى الوجه فإنه مجمع المحاسن ولا يلجأ إليه إلا عند فشل ~~العلاجين السابقين. # وقد قال سبحانه ( @QUR@03 واللاتي تخافون نشوزهن ) ولم يقل : واللائي ~~ينشزن ، للإشعار بأن يبدأ الزوج بعلاج عيوب زوجته عند ما تظهر أمارات هذه ~~العيوب وعلاماتها وأن لا يتركها حتى تستشرى وتشتد ، بل عليه عند ما يخشى ~~النشوز أن يعالجه قبل أن يقع ، وأن يكون علاجه بطريقة حكيمة من شأنها أن ~~تقنع وتفيد. # وبعضهم فسر الخوف ، بالعلم أى واللاتي تعلمون نشوزهن فعظوهن ... إلخ. # وبعضهم قدر مضافا في الكلام ms1218 أى : واللاتي تخافون دوام نشوزهن ، فعظوهن ~~واهجروهن في المضاجع ... إلخ. # وبعضهم قدر معطوفا محذوفا أى : واللاتي تخافون نشوزهن ونشزن ، فعظوهن ~~واهجروهن في المضاجع ... إلخ. # وجمهور العلماء على أن من الواجب على الزوج أن يسلك في معالجته لزوجته ~~تلك الأنواع الثلاثة على الترتيب بأن يبدأ بالوعظ ثم بالهجر ثم بالضرب ، ~~لأن الله تعالى قد أمر بذلك ، ولأنه قد رتب هذه العقوبات بتلك الطريقة ~~الحكيمة التي تبدأ بالعقوبة الخفيفة ثم تتدرج إلى العقوبة الشديدة ثم إلى ~~الأكثر شدة. # قال الفخر الرازي : وبالجملة فالتخفيف مراعى في هذا الباب على أبلغ ~~الوجوه. والذي يدل عليه اللفظ أنه تعالى ابتدأ بالوعظ. ثم ترقى منه إلى ~~الضرب. وذلك تنبيه يجرى مجرى التصريح في أنه متى حصل الغرض بالطريق الأخف ، ~~وجب الاكتفاء به ، ولم يجز الإقدام على الطريق الأشق. وهذه طريقة من قال : ~~حكم هذه الآية مشروع على الترتيب. # وقال بعض أصحابنا : «تحرير المذهب أن له عند خوف النشوز أن يعظها ، وهل ~~له أن يهجرها؟ فيه احتمال. وله عند إبداء النشوز أن يعظها أو يهجرها ، أو ~~يضربها» (1). # ثم بين سبحانه ما يجب على الرجال نحو النساء إذا ما أطعنهم وتركن النشوز ~~والعصيان فقال تعالى : ( @QUR@011 فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن ~~الله كان عليا كبيرا ). # أى فإن رجعن عن النشوز إلى الطاعة وانقدن لما أوجب الله عليهن نحوكم أيها ~~الرجال ، فلا تطلبوا سبيلا وطريقا إلى التعدي عليهن ، أو فلا تظلموهن بأى ~~طريق من طرق الظلم كأن PageV03P140 # تؤذوهن بألسنتكم أو بأيديكم أو بغير ذلك ، بل اجعلوا ما كان منهن كأنه لم ~~يكن ، وحاولوا التقرب إليهن بألوان المودة والرحمة. # ( @QUR@05 إن الله كان عليا كبيرا ) فاحذروا مخالفة أمره ، فإن قدرته ~~سبحانه عليكم أعظم من قدرتكم على نسائكم. # فالجملة الكريمة تذييل قصد به حث الأزواج على قبول توبة النساء ، ~~وتحذيرهم من ظلمهن إذا ما تركن النشوز ، وعدن إلى طريق الطاعة والإنابة. # قال بعضهم : وذكر هاتين الصفتين في هذا الموضع في غاية الحسن ، وبيانه من وجوه : # الأول : أن المقصود منه تهديد الأزواج ms1219 على ظلم النساء. والمعنى : أنهن إن ~~ضعفن عن دفع ظلمكم وعجزن عن الانتصاف منكم ، فالله سبحانه ينتصف لهن منكم ~~لأنه على قاهر كبير. # الثاني : لا تبغوا عليهن إذا أطعنكم لعلو أيديكم ، فإن الله أعلى منكم ~~وأكبر من كل شيء. # الثالث : أنه سبحانه مع علوه وكبريائه لا يكلفكم إلا ما تطيقون ، كذلك لا ~~تكلفوهن محبتكم ، فإنهن لا يقدرن على ذلك. # الرابع : أنه مع علوه وكبريائه لا يؤاخذ العاصي إذا تاب ، بل يغفر له ، ~~فإذا تاب المرأة عن نشوزها فأنتم أولى بأن تتركوا عقوبتها وتقبلوا توبتها. # الخامس : أنه تعالى مع علوه وكبريائه اكتفى من العبد بالظواهر ولم يهتك ~~السرائر فأنتم أولى أن تكتفوا بظاهر حال المرأة ، وأن لا تقعوا في التفتيش ~~عما في قلبها وضميرها من الحب والبغض» (1). # ثم بين سبحانه ما يجب عمله إذا ما نشب خلاف بين الزوجين فقال تعالى : ( ~~@QUR@022 وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ، إن ~~يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا ). # والمراد بالخوف هنا العلم. والخطاب لولاة الأمور وصلحاء الأمة. وقيل لأهل ~~الزوجين. # والمراد بالشقاق ما يحصل بين الزوجين من خلاف ومعاداة. وسمى الخلاف شقاقا ~~لأن المخالف يفعل ما يشق على صاحبه ، أو لأن كل واحد من الزوجين صار في شق ~~وجانب غير الذي فيه صاحبه. PageV03P141 # وقوله ( @QUR@02 شقاق بينهما ) أصله شقاقا بينهما. فأضيف الشقاق إلى ~~الظرف إما على إجرائه مجرى المفعول فيه اتساعا. كقوله تعالى ( @QUR@04 بل ~~مكر الليل والنهار ). وأصله بل مكر في الليل والنهار. # وإما على إجرائه مجرى الفاعل بجعل البين مشاقا والليل والنهار ماكرين. ~~كما في قولك : نهارك صائم. # والمعنى : وإن علمتم أيها المؤمنون أن هناك خلافا بين الزوجين قد يتسبب ~~عنه النفور الشديد ، وانقطاع حبال الحياة الزوجية بينهما ، ففي هذه الحالة ~~عليكم أن تبعثوا ( @QUR@01 حكما ) أى رجلا صالحا عاقلا أهلا للإصلاح ومنع ~~الظالم من الظلم ( @QUR@02 من أهله ) أى من أهل الزوج وأقاربه ( @QUR@03 ~~وحكما من أهلها ) أى من أقارب الزوجة بحيث يكون على صفة الأول : لأن ~~الأقارب ms1220 في الغالب أعرف ببواطن الأحوال ، وأطلب للإصلاح ، وتسكن إليهم ~~النفس أكثر من غيرهم. # وعلى الحكمين في هذه الحالة أن يستكشفا حقيقة الخلاف ، وان يعرفا هل ~~الإصلاح بين الزوجين ممكن أو أن الفراق خير لهما؟. # وظاهر الأمر في قوله ( @QUR@01 فابعثوا ) أنه للوجوب ، لأنه من باب رفع ~~المظالم ورفع المظالم من الأمور الواجبة على الحكام. # وظاهر وصف الحكمين بأن يكون أحدهما من أهل الزوج والثاني من أهل الزوجة ، ~~أن ذلك شرط على سبيل الوجوب ، إلا أن كثيرا من العلماء حمله على الاستحباب ~~، وقالوا : إذا بعث القاضي بحكمين من الأجانب جاز ذلك ، لأن فائدة بعث ~~الحكمين استطلاع حقيقة الحال بين الزوجين ، وهذا أمر يستطيعه الأقارب وغير ~~الأقارب إلا أنه يستحب الأقارب فيه لأنهم أعرف بأحوال الزوجين ، وأشد طلبا ~~للإصلاح ، وأبعد عن الظنة والريبة ، وأقرب إلى أن تسكن إليهم النفس. # والضمير في قوله تعالى ( @QUR@03 إن يريدا إصلاحا ) يجوز أن يعود للحكمين ~~ويجوز أن يكون للزوجين. وكذلك الضمير في قوله ( @QUR@03 يوفق الله بينهما ) ~~يحتمل أن يكون للحكمين وأن يكون للزوجين. # والأولى جعل الضمير الأول للحكمين والثاني للزوجين فيكون المعنى : إن ~~يريدا أى الحكمان إصلاحا بنية صحيحة وعزيمة صادقة ، يوفق الله بين الزوجين ~~بإلقاء الألفة والمودة في نفسيهما ، وانتزاع أسباب الخلاف من قلبيهما. # هذا ، وقد اختلف العلماء فيما يتولاه الحكمان ، أيتوليان الجمع والتفريق ~~بين الزوجين بدون إذنهما أم ليس لهما تنفيذ أمر يتعلق بالزوجين إلا بعد ~~استئذانهما؟. PageV03P142 # يرى بعضهم أن للحكمين أن يلزما الزوجين بما يريانه بدون إذنهما ، لأن ~~الله تعالى سماهما حكمين ، والحكم هو الذي يحسم الخلاف بما تقتضيه المصلحة ~~سواء أرضى المحكوم عليه أم لم يرض ؛ ولأن القاضي هو الذي كلفهما بهذه ~~المهمة فلهما أن يتصرفا بما يريانه خيرا بدون إذن الزوجين ؛ ولأن عليا رضى ~~الله عنه عند ما بعث الحكمين لحسم الخلاف الذي نشب بين أخيه عقيل وبين ~~زوجته قال لهما : أتدريان ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتم أن تجمعا جمعتما ~~وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما ... # وإلى هذا الرأى اتجه ابن عباس والشعبي ms1221 ومالك وأحمد بن حنبل وغيرهم. # ويرى الحسن وأبو حنيفة وغيرهما أنه ليس للحكمين أن يفرقا بين الزوجين إلا ~~برضاهما لأنهما وكيلان للزوجين ، ولأن الآية الكريمة قد بينت أن عملهما هو ~~الإصلاح فإن عجزا عنه فقد انتهت مهمتهما ، ولأن الطلاق من الزوج وحده ، ولا ~~يتولاه غيره إلا بالنيابة عنه. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@05 إن الله كان عليما خبيرا ~~) أى : إنه سبحانه عليم بظواهر الأمور وبواطنها. خبير بأحوال النفوس وطرق ~~علاجها ، ولا يخفى عليه شيء من تصرفات الناس وأعمالهم ، وسيحاسبهم عليها. # فالجملة الكريمة تذييل المقصود منه الوعيد للحكمين إذا ما سلكوا طريقا ~~يخالف الحق والعدل. # وبهذا نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد بينتا جانبا هاما مما يجب ~~للرجال على النساء ، ومما يجب للنساء على الرجال ، فقد مدحت أولاهما النساء ~~الصالحات المطيعات الحافظات لحق أزواجهن ، ورسمت العلاج الناجع الذي يجب ~~على الرجال أن يستعملوه إذا ما حدث نشوز من زوجاتهم ، وحذرت الرجال من ~~البغي على النساء إذا ما تركن النشوز وعدن إلى الطاعة والاستقامة ( ~~@QUR@011 فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا ). ثم ~~طلبت الآية الثانية من ولاة الأمور وصلحاء الأمة أن يتدخلوا بين الزوجين ~~إذا ما نشب خلاف بينهما ، وأن يكون هذا التدخل عن طريق حكمين عدلين عاقلين ~~يتوليان الإصلاح بينهما ، ويقضيان بما فيه مصلحة الزوجين ، وقد وعد سبحانه ~~بالتوفيق بين الزوجين متى صلحت النيات ، وصفت النفوس ، ومالت القلوب نحو ~~التسامح والتعاطف قال تعالى ( @QUR@011 إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ~~إن الله كان عليما خبيرا ). # وبهذا التشريع الحكيم تسعد الأمم والأسر ، وتنال ما تصبو إليه من رقى ~~واستقرار. # * * * # وبعد هذا البيان الحكيم الذي ساقته السورة الكريمة فيما يتعلق بأحكام ~~الأسرة ووسائل PageV03P143 # استقرارها ، وعلاج ما يكون بين الزوجين من أسباب النزاع ... بعد هذا ~~البيان الحكيم عن ذلك أخذت السورة الكريمة في دعوة الناس إلى عبادة الله ~~وحده ، وإلى التحلي بمكارم الأخلاق ، ونهتهم عن الإشراك بالله تعالى ، وعن ~~الغرور والبخل والرياء ، وغير ذلك من الأعمال التي ترضى الشيطان وتغضب ms1222 ~~الرحمن فقال تعالى : # ( @QUR@032 واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي ~~القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب ~~وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا (36) ~~@QUR@015 الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ~~وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (37) @QUR@018 والذين ينفقون أموالهم رئاء ~~الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قرينا فساء ~~قرينا (38) @QUR@016 وما ذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما ~~رزقهم الله وكان الله بهم عليما (39) @QUR@015 إن الله لا يظلم مثقال ذرة ~~وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما (40) @QUR@012 فكيف إذا جئنا ~~من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا (41) @QUR@03 يومئذ يود الذين PageV03P144 # @QUR@011 كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا ) (42) # قال القرطبي ما ملخصه : أجمع العلماء على أن هذه الآية وهي قوله تعالى ( ~~@QUR@06 واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ) من المحكم المتفق عليه ليس منها ~~شيء منسوخ. وكذلك هي في جميع الكتب. ولو لم يكن كذلك لعرف ذلك من جهة العقل ~~وإن لم ينزل به الكتاب. والعبودية هي التذلل والافتقار لمن له الحكم ~~والاختيار. فالآية أصل في خلوص الأعمال لله وتصفيتها من شوائب الرياء ~~وغيره. وفي صحيح مسلم عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~قال الله تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك. من عمل عملا أشرك فيه معى غيرى ~~تركته وشركه» (1). # والمعنى : عليكم أيها الناس أن تخلصوا لله تعالى العبادة والخضوع ، وأن ~~تتجهوا إليه وحده في كل شئونكم بدون أن تتخذوا معه أى شريك لا في عقيدتكم ~~ولا في عبادتكم ولا في أقوالكم ولا في أعمالكم ، كما قال تعالى ( @QUR@09 ~~وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ). # وهذه العبادة الخالصة لله تعالى هي حقه سبحانه علينا ، فهو الذي خلقنا ~~وهو الذي رزقنا وهو المتفضل علينا في جميع الحالات. # روى البخاري عن معاذ بن جبل قال : كنت ردف النبي صلى ms1223 الله عليه وسلم على ~~حمار يقال له عفيرة. فقال : يا معاذ هل تدرى ما حق الله على عباده وما حق ~~العباد على الله؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال : فان حق الله على العباد أن ~~يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به ~~شيئا. فقلت : يا رسول الله! أفلا أبشر به الناس؟ قال : لا تبشرهم فيتكلوا). # وقد صدر سبحانه تلك الوصايا الحكيمة التي اشتملت عليها الآية الكريمة ~~بالأمر بعبادته والنهى عن أن نشرك به شيئا ، لأن إخلاص العبادة له أساس ~~الدين ، ومداره الأعظم الذي بدونه لا يقبل الله من العبد عملاما ، ولأن في ~~ذلك إيماء إلى ارتفاع شأن تلك الوصايا التي سيقت بعد ذلك ، إذ قرنها ~~بالعبادة والتوحيد يكسبها عظمة وجلالا. # وعطف النهى عن الشرك على الأمر بالعبادة لله تعالى من باب عطف الخاص على PageV03P145 # العام ، لأن الإشراك ضد التوحيد فيفهم من النهى عن الإشراك الأمر ~~بالتوحيد. # ثم أوصى سبحانه بالإحسان إلى الوالدين فقال : ( @QUR@02 وبالوالدين ~~إحسانا ). # أى : عليكم أن تخلصوا لله العبادة ولا تشركوا معه شيئا ، وعليكم كذلك أن ~~تحسنوا إلى الوالدين بأن تطيعوهما وتكرموهما وتستجيبوا لمطالبهما التي ~~يرضاها الله ، والتي في استطاعتكم أداؤها. # وقد جاء الأمر بالإحسان إلى الوالدين عقب الأمر بتوحيد الله ، لأن أحق ~~الناس بالاحترام والطاعة بعد الله عز وجل هما الوالدان ؛ لأنهما هما السبب ~~المباشر في وجود الإنسان. # ومن الآيات التي قرنت الأمر بالإحسان إلى الوالدين بالأمر بطاعة الله ~~قوله تعالى : ( @QUR@08 وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ). # وقوله تعالى : ( @QUR@013 قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به ~~شيئا وبالوالدين إحسانا ). # وقوله تعالى : ( @QUR@011 وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا ~~الله وبالوالدين إحسانا ). # ومن الأحاديث التي أمرت بالإحسان إلى الوالدين ونهت عن الإساءة إليهما ما ~~رواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «رضا ~~الله في رضا الوالدين وسخط الله في سخط الوالدين». # وروى أبو داود والبيهقي عن ms1224 رجل من بنى سلمة أنه جاء إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال : «يا رسول الله هل بقي على من بر أبوى شيء أبرهما به ~~بعد موتهما؟ قال : نعم. الصلاة عليهما. والاستغفار لهما ، وإنفاذ عهدهما من ~~بعدهما ، وإكرام صديقهما ، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما» (1). # وقد جاءت هذه الجملة وهي قوله تعالى ( @QUR@02 وبالوالدين إحسانا ) في ~~صورة الخبر إلا أن المراد بها الأمر بالإحسان إليهما ، ففي الكلام محذوف ~~والتقدير : وأحسنوا بالوالدين إحسانا. فقوله وبالوالدين متعلق بالفعل ~~المقدر. # ثم أمر سبحانه بالإحسان إلى الأقارب واليتامى والمساكين فقال : وبذي ~~القربى واليتامى والمساكين. # أى وأحسنوا كذلك إلى أقاربكم الذين جمعت بينكم وبينهم رابطة القرابة ~~والنسب ، وإلى اليتامى الذين فقدوا الأب الحانى بأن تعطفوا عليهم ، وترحموا ~~ضعفهم ، وتحسنوا تربيتهم PageV03P146 # ورعايتهم. وإلى المساكين الذين هم في حاجة إلى العون والمساعدة لفقرهم ~~وضعفهم وعدم وجود ما يقوم بكفايتهم. # وقد وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم تدعو المسلمين إلى الإحسان إلى ~~الأقارب واليتامى والمساكين ، ومن ذلك قوله تعالى ( @QUR@015 وإذ أخذنا ~~ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى ~~واليتامى والمساكين ). # وقوله تعالى ( @QUR@010 وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر ~~تبذيرا ). # ومن الأحاديث التي وردت في هذا المعنى ما رواه الشيخان عن أبى هريرة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له ~~في أثره فليصل رحمه» ، وروى الشيخان أيضا عن سهل بن سعد عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : أنا وكافل اليتيم في الجنة كهذا وقال بإصبعيه ~~السبابة والوسطى أى أشار وفرج بين إصبعيه السبابة والوسطى». # وروى البخاري وغيره عن صفوان بن سليم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ~~«الساعى على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله ، أو كالذي يصوم ~~النهار ويقوم الليل» (1). # ثم أمر سبحانه بالإحسان إلى طائفة أخرى من الناس فقال تعالى : ( @QUR@012 ~~والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت ~~أيمانكم ). # والجار ذو القربى ms1225 : هو الجار الذي قرب جواره. أو هو الذي له مع الجوار ~~قرب واتصال بنسب أو دين ، فإن له مع حق الجوار حق القرابة. # والجار الجنب : هو الجار الذي بعد جواره عن جوارك من الجنابة ضد القرابة. ~~يقال : اجتنب فلان فلانا إذا بعد عنه. وقيل هو الجار الذي لا قرابة في ~~النسب بينه وبين جاره ، ويقابله الجار ذو القربى. # وقد ساق ابن كثير عند تفسيره لهذه الجملة أكثر من عشرة أحاديث تتعلق ~~بالإحسان إلى الجار ومنها ما رواه الشيخان عن ابن عمر أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه». # وروى الترمذي عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : خير ~~الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه. وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره» (2). # والصاحب بالجنب : هو الرفيق في كل أمر حسن : كتعليم أو تجارة أو سفر أو ~~غير ذلك. PageV03P147 # قال صاحب الكشاف : «والصاحب بالجنب : هو الذي صحبك بأن حصل بجنبك إما ~~رفيقا في سفر ، وإما جارا ملاصقا ، وإما شريكا في تعلم علم أو حرفة ، وإما ~~قاعدا إلى جنبك في مجلس أو مسجد أو غير ذلك فعليك أن ترعى ذلك الحق ولا ~~تنساه وتجعله ذريعة إلى الإحسان. وقيل : الصاحب بالجنب المرأة» (1) وابن ~~السبيل : هو المسافر الذي انقطع عن بلده ، ونفد ما في يده من مال يوصله إلى ~~مبتغاه. # والسبيل : الطريق فنسب المسافر إليه لمروره عليه وملابسته له. # ومن الإحسان إليه. إيواؤه وإطعامه ومساعدته بما يوصله إلى موطنه. # والمراد بقوله ( @QUR@03 وما ملكت أيمانكم ) العبيد الأرقاء الذين ملكت ~~رقابهم ، فصاروا ضعاف الحيلة لامتلاك غيرهم لهم. # وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالإحسان إليهم في كثير من الأحاديث ومن ~~ذلك ما رواه أبو داود وابن ماجة عن على بن أبى طالب أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «جعل يوصى أمته في مرض موته فيقول : الصلاة الصلاة. ~~اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم». # وروى الإمام أحمد والنسائي عن المقدام بن معد يكرب ms1226 قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : (ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة. وما أطعمت ولدك فهو لك ~~صدقة. وما أطعمت زوجك فهو لك صدقة. وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة). # وروى الشيخان عن أبى ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «هم إخوانكم ~~خولكم. جعلهم الله تحت أيديكم ، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ، ~~وليلبسه مما يلبس ، ولا تكلفوهم ما يغلبهم. فإن كلفتموهم فأعينوهم» (2) ~~وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد أمرت الناس بإخلاص العبادة لله تعالى ، كما ~~أمرتهم بالإحسان إلى آبائهم وإلى أقاربهم وإلى البائسين والمحتاجين وغيرهم ~~ممن هم في حاجة إلى مد يد العون والمساعدة. # وبتنفيذ هذه الوصايا السامية تسعد الإنسانية ، وتنال ما تصبو إليه من رقى ~~واستقرار. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@08 إن الله لا يحب من كان ~~مختالا فخورا ). # والمختال : هو المتكبر المعجب بنفسه : سمى بذلك لأنه يتخيل لنفسه من ~~السجايا والصفات PageV03P148 # والأفعال ما ليس فيه فيستعلى على الناس ولا يلتفت إليهم. # والفخور : هو الشديد الفخر بما يقول أو يفعل ، المكثر من ذكر مزاياه ~~ومناقبه ، والمحب لأن يحمد بما لم يفعل. # أى : إن الله لا يحب من كان متكبرا معجبا بنفسه ، ومن كان كثير الفخر بما ~~يقول أو يفعل لأن من هذه صفاته لا يقوم برعاية حقوق الناس بل إن غروره ~~ليجعله يستنكف عن الاتصال بهم وإن فخره ليحمله على التطاول عليهم. # والجملة الكريمة علة لكلام محذوف والتقدير : لا تفتخروا ولا تختالوا فإن ~~الله لا يحب من كان متصفا بهذه الصفات القبيحة. # وقوله ( @QUR@05 الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ) يدل من قوله ( ~~@QUR@02 مختالا فخورا ) أى : أن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ولا يحب ~~الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل. # ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر والتقدير : الذين يبخلون ويأمرون الناس ~~بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله مبغضون من الله أو أحقاء لكل ما ينزل ~~بهم من عذاب. وحذف لتذهب نفس السامع فيه كل مذهب. ودل على هذا الخبر ~~المحذوف قوله ms1227 : ( @QUR@04 وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا ). # ويجوز أن يكون منصوبا أو مرفوعا على الذم. إلى غير ذلك مما ذكروه في وجوه ~~إعراب هذه الآية الكريمة. # والمعنى : أن الله تعالى لا يحب هؤلاء المختالين والفخورين ، ولا يحب ~~كذلك الذين لا يكتفون بالبخل بأموالهم عن إنفاق شيء منها في وجوه الخير مع ~~أن بخلهم هذا مفسدة عظيمة. بل يأمرون غيرهم بأن يكونوا بخلاء مثلهم ، وأن ~~يسلكوا مسلكهم الذميم. # قال صاحب الكشاف : أى يبخلون بذات أيديهم وبما في أيدى غيرهم. فيأمرونهم ~~بأن يبخلوا به مقتا للسخاء ممن وجد منه السخاء. وفي أمثال العرب أبخل من ~~الضنين بنائل غيره. ثم قال : ولقد رأينا ممن بلى بداء البخل ، من إذا طرق ~~سمعه أن أحدا جاد على أحد ، شخص به ، أى قلق وضجر ، وحل حبوته واضطرب ودارت ~~عيناه في رأسه. كأنما نهب رحله ، وكسرت خزائنه ضجرا من ذلك وحسرة على ~~وجوده» (1). # وقوله : ( @QUR@06 ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ) بيان لرذيلة أخرى من ~~رذائلهم الكثيرة أى : أنهم يبخلون بما في أيديهم ويأمرون غيرهم بذلك ، ~~ويكتمون ويخفون نعم الله التي أعطاها لهم PageV03P149 # فلا يظهرونها سواء أكانت هذه النعم نعما مالية أم علمية أم غير ذلك من ~~نعم الله عليهم. # وقوله تعالى ( @QUR@04 وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا ) بيان للمصير السيئ ~~الذي يصيرون إليه بسبب أفعالهم القبيحة. # أى : وهيأنا لهؤلاء الجاحدين لنعم الله الكافرين بوحيه عذابا يهينهم ~~ويذلهم وينسيهم ما كانوا فيه من فخر وخيلاء وغرور. # قال الآلوسى ما ملخصه : ووضع سبحانه المظهر موضع المضمر ؛ للإشعار بأن من ~~هذا شأنه فهو كافر لنعم الله ، ومن كان كافرا لنعمه فله عذاب يهينه كما ~~أهان النعم بالبخل والإخفاء. # وسبب نزول هذه الآية أن جماعة من اليهود كانوا يأتون رجالا من الأنصار ~~فيقولون لهم : لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها ، ولا ~~تسارعوا في النفقة فإنكم لا تدرون ما يكون. فأنزل الله قوله تعالى ( ~~@QUR@02 الذين يبخلون ) إلى قوله : ( @QUR@04 وكان الله بهم عليما ). # وقيل نزلت في الذين كتموا صفة النبي صلى الله عليه وسلم وبخلوا ms1228 بحق الله ~~عليهم وهم أعداء الله تعالى أهل الكتاب (1). # وقوله تعالى ( @QUR@011 والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر ) معطوف على ( @QUR@02 الذين يبخلون ). # وإنما شاركوهم في الذم وسوء العاقبة لأن البخل بإظهار نعم الله في مواضع ~~الخير وكتمانها ، يستوي مع الإنفاق الذي لا يقصد به وجه الله في القبح ~~واستجلاب العقاب ، إذ أن الذي ينفق ماله على سبيل الرياء والسمعة لا يتوخى ~~به مواقع الحاجة ، فقد يعطى الغنى ويمنع الفقير ، وقد يبذل الكثير من المال ~~ولكن في المفاسد والشرور والمظاهر الكاذبة. # والمعنى : والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس أى قاصدين بإنفاقهم الرياء ~~والسمعة لا وجه الله تعالى ولا يؤمنون بالله الذي له الخلق والأمر ، ولا ~~باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب ... هؤلاء الذين يفعلون ذلك يبغضهم ~~الله تعالى ، ويجازيهم بما يستحقون من عذاب أليم. # روى مسلم عن أبى هريرة قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : قال الله ~~تبارك وتعالى : أنا أغنى الشركاء عن الشرك. من عمل عملا أشرك معى فيه غيرى ~~تركته وشركه. # وقوله ( @QUR@07 ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا ) جملة معترضة ~~لبيان أن صحبتهم للشيطان PageV03P150 # ومطاوعتهم له هي التي دفعتهم إلى البخل وإلى الرياء وإلى عدم الإيمان ~~بالحق الذي آمن به العقلاء من الناس. # والمراد بالشيطان هنا : كل ما يغرى الإنسان بالشر ويدفعه إليه من الإنس ~~أو الجن. والقرين : هو المصاحب الملازم للإنسان. فهو فعيل بمعنى مفاعل ، ~~كخليط بمعنى المخالط. وساء هنا : بمعنى بئس. وقرينا تمييز مفسر للضمير ~~المستكن في ساء. والمخصوص بالذم محذوف وهو الشيطان الذي يدفع الإنسان إلى ~~الشرور والآثام. # والمعنى ومن يكن الشيطان مقارنا ومصاحبا له فبئس المصاحب وبئس المقارن ~~الشيطان لأنه يدعوه إلى المعاصي التي تفضى به إلى النار. # وفي الآية الكريمة إشارة إلى أن قرناء السوء يفسدون الأخلاق : لأن عدوى ~~الأخلاق تسرى بالمجاورة ، كما تسرى عدوى الأمراض البدنية. # والمقصود من الجملة الكريمة نهى الناس عن طاعة شياطين الإنس والجن الذين ~~يحرضون على ارتكاب الفواحش والقبائح ، ويزينون لأتباعهم الشرور ms1229 والآثام. # ثم وبخ سبحانه هؤلاء الذين يؤثرون رضا الناس على رضا الله ، والذين كفروا ~~بالحق بعد إذ جاءهم فقال : ( @QUR@012 وما ذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم ~~الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله ). # والمعنى : وأى ضرر على هؤلاء الكافرين البخلاء المرائين لو أنهم آمنوا ~~بالله تعالى حق الإيمان ، وآمنوا باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب ، ~~وأنفقوا مما رزقهم الله من فضله ابتغاء وجهه؟. # إنه لا ضرر مطلقا من إيمانهم وإنفاقهم واستجابتهم للحق ، بل إن الخير كل ~~الخير في اتباع ذلك ، والشر كل الشر فيما هم عليه من كفر وبخل ورياء. # فالجملة الكريمة توبيخ لهم على سلوكهم الطريق المعوج وتركهم للطريق ~~المستقيم. # وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : قوله ( @QUR@03 وما ذا عليهم ) ~~. وأى تبعة عليهم في الإيمان والإنفاق في سبيل الله. والمراد الذم ~~والتوبيخ. وإلا فكل منفعة ومفلحة في ذلك : وهذا كما يقال للمنتقم : ما ضرك ~~لو عفوت وللعاق : ما كان يرزؤك لو كنت بارا. وقد علم أنه لا مضرة ولا مرزأة ~~في العفو والبر. ولكنه ذم وتجهيل وتوبيخ بمكان المنفعة» (1). # وقوله ( @QUR@04 وكان الله بهم عليما ) تذييل قصد به تهديدهم على إيثارهم ~~طريق الغي على طريق الرشد. PageV03P151 # أى : وكان الله بهم عليما علما يشمل بواطنهم وظواهرهم ، وسيجازيهم على ما ~~أسروه وما أعلنوه بالعقاب الذي يستحقونه. # ثم بين سبحانه أنه منزه عن الظلم بعد أن أقام الحجة على الظالمين ، ~~ودعاهم إلى سلوك طريق الخير ، فقال ( @QUR@015 إن الله لا يظلم مثقال ذرة ~~وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ). # والمثقال : مفعال من الثقل. ويطلق على الشيء القليل الذي يحتمل الوزن. # والذرة : تطلق على النملة ، وعلى الغبار الذي يتطاير من التراب عند النفخ. # وهذا أحقر ما يقدر به الشيء ، فعلم انتفاء ما هو أكثر منه بالأولى. # والمراد : أن الله تعالى لا ينقص أحدا من ثواب عمله شيئا مهما ضؤل هذا ~~الشيء وحقر ، فخرج الكلام على أصغر شيء يعرفه الناس. كما قال تعالى ( ~~@QUR@012 فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة ms1230 شرا يره ). # وكما في قوله تعالى ( @QUR@020 ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ، فلا ~~تظلم نفس شيئا ، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ). # ومفعول يظلم محذوف والتقدير : لا يظلم أحدا مثقال ذرة. # وقوله ( @QUR@01 مثقال ) منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف أى لا يظلم أحدا ~~ظلما وزن ذرة. كما تقول : لا أظلم قليلا ولا كثيرا. # وقوله ( @QUR@09 وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ) بيان ~~لسعة جوده سبحانه وعظيم رحمته وعفوه. # وقد قرأ نافع وابن كثير وأبو جعفر حسنة بالضم على أن تك مضارع كان التامة ~~أى وإن توجد أو تحصل حسنة يضاعفها. # وقرأ الباقون ( @QUR@01 حسنة ) بالنصب على أنها خبر لقوله ( @QUR@01 تك ) ~~المشتقة من كان الناقصة. وأصل ( @QUR@01 تك ) تكن فحذفت النون من آخر الفعل ~~من غير قياس تشبيها لها بحروف العلة ، وتخفيفا لكثرة الاستعمال. # والضمير المستتر في الفعل «تك» يعود إلى المثقال. وجيء به مؤنثا مراعاة ~~للفظ ذرة الذي أضيف إليه لفظ مثقال ؛ لأن لفظ مثقال مبهم لا يميزه إلا لفظ ~~ذرة فكان كالمستغنى عنه. # وقيل : إنما جيء به مؤنثا حملا على المعنى ، لأنه بمعنى : وإن تك زنة ذرة ~~حسنة يضاعفها. # وقيل : إنما جيء به كذلك لأن المضاف قد يكتسب التأنيث من المضاف إليه إذا ~~كان جزأه PageV03P152 # كما في نحو قولهم : كما شرقت صدر القناة من الدم .. # والمعنى : إن الله تعالى بفضله وجوده لا يظلم الناس شيئا ، ولا ينقصهم أى ~~نقص من ثواب أعمالهم بل يجازيهم بها ويثيبهم عليها ( @QUR@04 وإن تك حسنة ~~يضاعفها ) أى وإن تك الفعلة الحسنة بالغة في القلة مثقال ذرة يضاعف ثوابها ~~بكرمه وجوده أضعافا كثيرة. وفوق ذلك فإنه سبحانه يعطى من يشاء إعطاءه عطاء ~~عظيما من عنده ولا يعلم مقدار هذا العطاء إلا هو سبحانه. # وفي إضافة هذا العطاء العظيم إلى ذاته تعالى في قوله ( @QUR@02 من لدنه ) ~~تشريف له ، وتهويل من شأنه. # وسماه أجرا لكونه جزاء على العمل الصالح الذي عمله عباده المؤمنون ~~الصادقون. # هذا ، وقد أورد الإمام ابن كثير جملة من الأحاديث ms1231 في معنى هذه الآية ومن ~~ذلك ما رواه الشيخان عن أبى سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~حديث الشفاعة الطويل وفيه : فيقول الله تعالى لملائكته! ارجعوا. فمن وجدتم ~~في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجوه من النار ، فيخرجون خلقا كثيرا. ~~ثم يقول أبو سعيد : اقرؤا إن شئتم قوله تعالى ( @QUR@06 إن الله لا يظلم ~~مثقال ذرة ). # وروى أبو داود الطيالسي في مسنده عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال : إن الله لا يظلم المؤمن حسنة. يثاب عليها الرزق في الدنيا. ويجزى بها ~~في الآخرة. وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا ، فإذا كان يوم القيامة لم يكن ~~له حسنة» (1). # ثم نبه سبحانه هؤلاء الكافرين إلى ما يكونون عليه من حال سيئة يوم ~~القيامة إذا استمروا في كفرهم فقال : ( @QUR@026 فكيف إذا جئنا من كل أمة ~~بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا. يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو ~~تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا ). # قال الفخر الرازي : وجه النظم هو أنه تعالى بين أن في الآخرة لا يجرى على ~~أحد ظلم ، وأنه تعالى يجازى المحسن على إحسانه ويزيده على قدر حقه. فبين في ~~هذه الآية وهو قوله تعالى ( @QUR@07 فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ) أن ~~ذلك يجرى بشهادة الرسل الذين جعلهم الله الحجة على الخلق لتكون الحجة على ~~المسيء أبلغ. والتبكيت له أعظم. وحسرته أشد. ويكون سرور من قبل من الرسول ~~وأظهر الطاعة أعظم. ويكون هذا وعيدا للكفار الذين قال الله فيهم ( @QUR@06 ~~إن الله لا يظلم مثقال ذرة ) ووعدا للمطيعين الذين قال فيهم «وإن تك حسنة ~~يضاعفها» (2). PageV03P153 # والفاء في قوله «فكيف» للإفصاح عن شرط مقدر نشأ من الكلام السابق وكيف في ~~محل رفع خبر لمبتدأ محذوف. # والتقدير : إذا أيقنت بما أخبرناك به أيها الرسول الكريم أو أيها السامع ~~من أن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ~~فكيف يكون حال هؤلاء الكفرة إذا ما جئنا من ms1232 كل أمة من الأمم السابقة بشهيد ~~يشهد عليهم بما ارتكبوه من سوء الصنيع وقبح الأعمال ، وهذا الشهيد هو نبيهم ~~الذي أرسله الله لهدايتهم ، وجئنا بك يا محمد شهيدا على هؤلاء الذين بعثك ~~الله لإخراجهم من الظلمات إلى النور فكذبوك واستحبوا العمى على الهدى. # لا شك أن حالهم سيكون أسوأ حال ، ومصيرهم سيكون أقبح مصير ، بسبب كفرهم ~~وبخلهم وريائهم واتباعهم للهوى والشيطان. # ومن العلماء من يرى أن المراد بقوله تعالى ( @QUR@05 وجئنا بك على هؤلاء ~~شهيدا ) أى جئنا بك يا محمد شهيدا على هؤلاء الأنبياء بأنهم قد بلغوا رسالة ~~الله ولم يقصروا في نصيحة أقوامهم. # والذي نراه أولى هو أن شهادة النبي صلى الله عليه وسلم تشمل كل ذلك أى تشمل ~~شهادته على قومه بأنه قد بلغهم رسالة الله ، وشهادته للأنبياء السابقين ~~بأنهم نصحوا لأقوامهم وبلغوا رسالة ربهم ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد ~~أعطاه الله تعالى من المنزلة العالية ما لم يعط أحدا سواه. # روى الشيخان وغيرهما عن عبد الله بن مسعود قال : قال لي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : اقرأ على شيئا من القرآن. فقلت يا رسول الله أأقرأ عليك ~~وعليك أنزل قال : نعم. إنى أحب أن أسمعه من غيرى. فقرأت عليه سورة النساء : ~~حتى أتيت إلى هذه الآية : ( @QUR@07 فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ).. ~~الآية» فقال : حسبك الآن ، فإذا عيناه تذرفان». # وقوله تعالى ( @QUR@06 يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول ) استئناف ~~مبين لحالهم التي أشير إلى شدتها وفظاعتها بقوله ( @QUR@012 فكيف إذا جئنا ~~من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ). # والتنوين في قوله ( @QUR@01 يومئذ ) عوض عن الجملتين السابقتين أى مجيء ~~الشهيد على كل أمة ، ومجيء الرسول شهيدا على قومه. # أى : يوم أن يشهد الرسل على أقوامهم بأنهم قد بلغوهم رسالة الله ، ويوم ~~أن تشهد أنت يا محمد على من كذبك من قومك بأنك قد أمرتهم بعبادة الله وحده ~~يومئذ وهو يوم القيامة ، يتمنى ويحب الذين كفروا وعصوا الرسول الذي جاء ~~لهدايتهم ( @QUR@04 لو تسوى بهم الأرض ) أى ms1233 يودون لو انشقت الأرض فبلعتهم ~~لما يرون من هول الموقف ولما يحل بهم من الخزي والفضيحة والعذاب. أو يودون ~~لو يدفنون فيها فتسوى عليهم كما تسوى على الموتى ويبقون على PageV03P154 # هذه الحال في باطنها بدون بعث أو نشور ، حتى لا يصيبهم ما أعد لهم من ~~عقاب بسبب سوء أعمالهم. # والمقصود أنهم لشدة خوفهم وفزعهم يتمنون أن لو أخفتهم الأرض في باطنها ~~بحيث لا يظهر شيء منهم عليها في أى وقت من الأوقات. # وجملة ( @QUR@04 لو تسوى بهم الأرض ) مفعول ( @QUR@01 يود ) على أن لو ~~مصدرية. أى : يودون أن يدفنوا وتسوى الأرض متلبسة بهم حتى لكأنهم جزء منها. # وقوله ( @QUR@04 ولا يكتمون الله حديثا ) معطوف على ( @QUR@01 يود ) أى ~~أنهم يومئذ يودون لو تسوى بهم الأرض ، ويعترفون لله تعالى بجميع ما فعلوه ، ~~لأنهم لو كتموا شيئا بألسنتهم لشهدت عليهم بقية جوارحهم. # ويصح أن تكون الواو في قوله ( @QUR@02 ولا يكتمون ) للحال. أى : أنهم ~~يومئذ يودون لو تسوى بهم الأرض والحال أنهم مع ذلك لا يكتمون عن الله تعالى ~~حديثا من أحوالهم في الدنيا لأنهم لا يستطيعون هذا الكتمان. # والمقصود أنهم مع شدة هلعهم وجزعهم لن يستطيعوا أن يفلتوا من عقاب الله ، ~~ولن يستطيعوا أن يكتموا شيئا مما ارتكبوه من جرائم. # أخرج ابن جرير عن الضحاك أن نافع بن الأزرق وكان ممن يسألون عن متشابه ~~القرآن أتى إلى ابن عباس فقال : يا ابن عباس : قال الله تعالى ( @QUR@04 ~~ولا يكتمون الله حديثا ) وقوله ( @QUR@05 والله ربنا ما كنا مشركين ) كيف ~~الجمع بينهما ؟ فقال له ابن عباس. إنى أحسبك قمت من عند أصحابك فقلت : ألقى ~~على ابن عباس متشابه القرآن. فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن الله تعالى يجمع ~~الناس يوم القيامة في بقيع واحد. فيقول المشركون : إن الله لا يقبل من أحد ~~شيئا إلا ممن وحده. فيقولون : تعالوا نجحد فيسألهم فيقولون : والله ربنا ما ~~كنا مشركين. قال : فيختم على أفواههم ويستنطق جوارحهم فتشهد عليهم جوارحهم ~~أنهم كانوا مشركين. فعند ذلك تمنوا لو أن الأرض سويت بهم ولا يكتمون الله ~~حديثا» ms1234 (1). # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد أمرت بإخلاص العبادة لله تعالى وحده ~~كما أمرت بالإحسان إلى الوالدين والأقربين ، واليتامى والمساكين ؛ وإلى ~~الجار القريب والبعيد ، وإلى الصاحب والمسافر والمملوك ، ونهت عن البخل ~~والرياء وجحود الحق واتباع الشيطان. وبينت أن الله تعالى لا يظلم أحدا ~~مثقال ذرة وأنه سبحانه يضاعف ثواب الحسنات ، PageV03P155 # ويعطى المحسن من ألوان الخير ما لا يعلمه إلا هو سبحانه ونبهت الكافرين ~~إلى سوء مصيرهم حتى يثوبوا إلى رشدهم ويسيروا في الطريق القويم من قبل أن ~~يأتى يوم تنكشف فيه الحقائق وينالون فيه ما يستحقون من عقاب دون أن ينفعهم ~~الندم أو التمني. # * * * # ثم وجه سبحانه بعد ذلك نداء إلى المؤمنين بين لهم فيه بعض الأحكام التي ~~تتعلق بالصلاة وأرشدهم إلى ما يجب عليهم عند أدائها من تطهير بدني وروحي ~~حتى يكونوا أهلا لرضا الله وحسن قبوله ، فقال تعالى : # ( @QUR@049 يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ~~ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر ~~أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا ~~طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا ) (43) # روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية الكريمة روايات منها ما رواه أبو ~~داود والنسائي عن على بن أبى طالب أنه كان هو وعبد الرحمن بن عوف ورجل آخر ~~، قد شربوا الخمر. فصلى بهم عبد الرحمن فقرأ : قل يا أيها الكافرون. فخلط ~~فيها. فنزلت : ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ). # وروى الترمذي وابن أبى حاتم عن على بن أبى طالب قال : صنع لنا عبد الرحمن ~~بن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر. فأخذت الخمر منا. وحضرت الصلاة. ~~فقدموا فلانا. قال : فقرأ : قل يا أيها الكافرون. أعبد ما تعبدون. ونحن ~~نعبد ما تعبدون. فأنزل الله الآية. # قال ابن كثير : وقد كان هذا النهى قبل تحريم الخمر. كما دل عليه الحديث ~~الذي ذكرناه في سورة البقرة عند قوله تعالى ms1235 ( @QUR@04 يسئلونك عن الخمر ~~والميسر ). الآية» فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلاها على عمر. فقال : ~~اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فلما نزلت هذه الآية تلاها عليه فقال ~~: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فكانوا لا يشربون الخمر في أوقات ~~الصلاة وفي رواية لأبى داود : فكان منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~قامت الصلاة ينادى : لا يقربن الصلاة PageV03P156 # سكران حتى نزل قوله تعالى في سورة المائدة : ( @QUR@010 إنما الخمر ~~والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ). إلى قوله : ( ~~@QUR@03 فهل أنتم منتهون ) فقال عمر : انتهينا. انتهينا) (1). # والمراد بالصلاة عند كثير من العلماء : الهيئة المخصوصة من قراءة وقيام ~~وركوع وسجود. # والمراد بقربها : القيام إليها والتلبس بها ، إلا أنه سبحانه نهى عن ~~القرب منها مبالغة في النهى عن غشيانها وهم بحالة تتنافى مع جلالها والخشوع فيها. # وقوله ( @QUR@01 سكارى ) جمع سكران. # وأصل السكر في اللغة السد. ومنه قولهم سكرت الطريق أى سددته. ومنه قوله ~~تعالى حكاية عن الكافرين ( @QUR@013 ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا ~~فيه يعرجون. لقالوا إنما سكرت أبصارنا ) أى : انسدت فصارت لا ينفذ إليها ~~النور ، ولا ندرك الأشياء على حقيقتها. # والمراد بالسكر هنا الحالة التي تحصل لشارب الخمر والتي يفقد معها وعيه ، ~~ويسد ما بين المرء وعقله. # والجنب : من أصابته الجناية بسبب جماع أو احتلام أو غيرهما. وهذا اللفظ ~~يستوي فيه على الصحيح الواحد ، والمثنى ، والجمع ، والمذكر والمؤنث لجريانه ~~مجرى المصدر ، واشتقاقه من المجانبة بمعنى المباعدة. # وعابر السبيل : مجتاز الطريق وهو المسافر. أو من يعبر الطريق من جانب إلى جانب. # يقال : عبرت هذا الطريق فأنا أعبره عبرا وعبورا. ومنه قيل : عبر فلان ~~النهر إذا قطعه وجازه. # والمعنى : يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن تؤدوا الصلاة وأنتم في حالة ~~السكر. حتى تكونوا بحيث تعلمون ما تقولونه قبل أدائها ، ولا في حال الجنابة ~~حتى تغتسلوا ؛ إلا أن تكونوا مسافرين ولم تجدوا ماء فتيمموا لكي تؤدوها. # ومن العلماء من يرى أن المراد بالصلاة هنا : مواضعها وهي المساجد. ms1236 ~~فالكلام مجاز مرسل بتقدير مضاف فهو من باب ذكر الحال وإرادة المحل. # والمعنى عليه : لا تقربوا مواضع الصلاة وهي المساجد وأنتم سكارى ، ولا ~~تقربوها وأنتم جنب حتى تغتسلوا إلا أن تكونوا تريدون اجتيازها من باب إلى ~~آخر من غير مكث فيها فإنه يجوز لكم ذلك. PageV03P157 # روى ابن جرير عن الليث قال : حدثنا يزيد بن أبى حبيب عن قول الله تعالى : ~~( @QUR@05 ولا جنبا إلا عابري سبيل ) أن رجالا من الأنصار كانت أبوابهم في ~~المسجد تصيبهم جنابة ولا ماء عندهم فيريدون الماء. ولا يجدون ممرا إلا في ~~المسجد. فأنزل الله تعالى ( @QUR@05 ولا جنبا إلا عابري سبيل ) (1). # وقال بعض العلماء : وبالجملة فالحال الأولى أعنى قوله ( @QUR@02 وأنتم ~~سكارى ) تقوى بقاء الصلاة على معناها الحقيقي ، من دون تقدير مضاف : وقوله ~~: ( @QUR@03 إلا عابري سبيل ) يقوى تقدير المضاف. أى : لا تقربوا موضع ~~الصلاة. # ويمكن أن يقال : إن بعض قيود النهى وهو قوله : ( @QUR@02 وأنتم سكارى ) ~~يدل على أن المراد بالصلاة معناها الحقيقي. # وبعض قيود النهى وهو قوله : إلا عابري سبيل يدل على أن المراد مواضع ~~الصلاة. # ولا مانع من اعتبار كل واحد منهما مع قيده الدال عليه. ويكون ذلك بمنزلة ~~نهيين مقيد كل واحد منهما بقيد. وهما : لا تقربوا الصلاة التي هي ذات ~~الأذكار والأركان وأنتم سكارى. ولا تقربوا مواضع الصلاة حال كونكم جنبا إلا ~~حال عبوركم المسجد من جانب إلى جانب. وغاية ما يقال في هذا إنه من باب ~~الجمع بين الحقيقة والمجاز» (2). # وفي ندائهم بصفة الإيمان ، تحريك لحرارة العقيدة في قلوبهم ، وتوجيه ~~لنفوسهم إلى ما يستدعيه الإيمان من طاعة واستجابة لله رب العالمين. # وقوله ( @QUR@02 وأنتم سكارى ) جملة حالية. أى لا تقربوها في حال السكر ، ~~لأن ذلك يتنافى مع الإيمان السليم ، ومع ما تستحقه الصلاة من خشوع واستحضار ~~للقلب. وإنما الذي يقتضيه إيمانكم وحياؤكم من الله أن تدخلوا في الصلاة ~~وأنتم بكامل وعيكم ، واستحضاركم لما يستلزمها من خشوع وأدب. # ولا شك أن هذا كان قبل أن ينزل التحريم القاطع لشرب الخمر في جميع ~~الأوقات كما سبق أن ms1237 أشرنا. # وقوله ( @QUR@04 حتى تعلموا ما تقولون ) غاية للنهى وإيماء إلى علته. # وحتى هنا حرف جر بمعنى إلى ، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة. وما في قوله ~~( @QUR@02 ما تقولون ) موصولة بمعنى الذي أو نكرة موصوفة والعائد محذوف أى ~~تقولونه. PageV03P158 # أى : حتى تعلموا ما تقولونه علما يقينيا لا غلط معه ولا تخليط ، بأن ~~تعقلوا ما اشتملت عليه الصلاة من تكبير وقراءة وتسبيح ودعاء وغير ذلك مما ~~تقتضيه الصلاة. # قال الآلوسى : وقد روى أنهم كانوا بعد ما أنزلت الآية لا يشربون الخمر في ~~أوقات الصلاة ، فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر ~~وعلموا ما يقولون» (1). # وقوله ( @QUR@02 ولا جنبا ) معطوف على قوله ( @QUR@02 وأنتم سكارى ) إذ ~~الجملة في موضع النصب على الحال. والاستثناء في قوله ( @QUR@03 إلا عابري ~~سبيل ) مفرغ من أعم الأحوال. # وقوله ( @QUR@02 حتى تغتسلوا ) بيان لغاية المنع بالنسبة للجنب. # والاغتسال : تعميم الجسد كله بالماء. وهو بعد الجنابة طهارة حسية وتنشيط ~~للبدن بعد أن أصابه بعض التعب بسبب الأفعال التي أدت إلى الجنابة. وهو كذلك ~~طهارة نفسية ، لأنه يبعث في الإنسان حسن الاستعداد لذكر الله ولأداء الصلاة ~~بعد أن استحكمت الشهوة وسيطرت على صاحبها لفترة من الوقت. فبالاغتسال بعد ~~قضاء الشهوة يتجدد للبدن نشاطه ، وللروح صفاؤها وحسن استعدادها لطاعة الله. # ثم شرع سبحانه في بيان الأعذار التي تبيح التيمم عند العجز عن الماء فقال ~~: ( @QUR@029 وإن كنتم مرضى ، أو على سفر ، أو جاء أحد منكم من الغائط أو ~~لامستم النساء ، فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ~~إن الله كان عفوا غفورا ) والمراد بالمرض في قوله تعالى : ( @QUR@03 وإن ~~كنتم مرضى ): المرض الذي يمنع من استعمال الماء مطلقا ، كأن يكون استعمال ~~الماء يزيد المرض شدة ، أو يبطئ البرء ، فإن الله تعالى قد أباح للمريض في ~~هذه الأحوال وأمثالها أن يتيمم بدل الوضوء أو الغسل. كما أباح له أيضا أن ~~يتيمم عند فقد الماء أو ما في حكم ذلك. # وقوله : ( @QUR@03 أو على سفر ) في محل نصب عطفا على خبر كان وهو قوله : ~~( @QUR@01 مرضى ms1238 ). # أى : وكذلك أباح الله لكم التيمم عند السفر إذا لم تجدوا ماء ، أو كان ~~معكم من الماء ما أنتم في حاجة شديدة إليه ، أو كان هناك ما يمنع من ~~استعمال الماء. # وقوله ( @QUR@06 أو جاء أحد منكم من الغائط ) معطوف على قوله : ( @QUR@01 ~~كنتم ). # والغائط من الغيط. وهو المكان المنخفض من الأرض. وهو هنا كناية عن الحدث ~~لأن العادة جرت على أن من يريد الحدث يذهب إلى ذلك المكان المنخفض ليتوارى ~~عن أعين الناس. PageV03P159 # وفي إسناد المجيء إلى واحد مبهم من المخاطبين ، سمو في الخطاب ، حيث ~~تحاشى سبحانه التصريح بنسبتهم إلى ما يستحيا من ذكره أو ما يستهجن التصريح به. # أى وكذلك أباح الله لكم التيمم إن كنتم محدثين ولم تجدوا ماء تتطهرون به ~~من الحدث. أو تجدونه ولكن هناك ما يمنعكم من استعماله. # والمراد بالملامسة في قوله ( @QUR@03 أو لامستم النساء ) الجماع عند بعض ~~الفقهاء قال الآلوسى ما ملخصه : قوله تعالى ( @QUR@03 أو لامستم النساء ) ~~يريد سبحانه : أو جامعتم النساء. إلا أنه كنى بالملامسة عن الجماع ، لأنه ~~مما يستهجن التصريح به أو يستحيى منه. وإليه ذهب ابن عباس والحسن وغيرهما. # وعن ابن مسعود أن المراد بالملامسة ما دون الجماع. أى ماسستم بشرتهن ~~ببشرتكم. وبه استدل الشافعى على أن اللمس ينقض الوضوء. # وقال مالك : إن كان اللمس بشهوة نقض وإلا فلا .... # وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا ينتقض الوضوء بالمس ولو بشهوة ...» (1) والفاء ~~في قوله ( @QUR@03 فلم تجدوا ماء ) عطفت ما بعدها على الشرط السابق وهو ~~قوله ( @QUR@03 وإن كنتم مرضى ). والضمير في قوله ( @QUR@01 تجدوا ) يعود ~~لكل من تقدم من مريض ومسافر ومتغوط وملامس. وفيه تغليب للخطاب على الغيبة. ~~وذلك أنه تقدم ضمير الغيبة في قوله ( @QUR@06 أو جاء أحد منكم من الغائط ) ~~بينما تقدم ضمير المخاطب في قوله ( @QUR@03 كنتم أو لامستم ). # والمراد بعدم الوجدان هنا ما هو أعم من الوجود الحسى. أى أن قوله ( ~~@QUR@03 فلم تجدوا ماء ) كناية عن عدم التمكن من استعماله وإن وجد حسا ، إذ ~~أن الشيء المتعذر استعماله كالمعدوم. # وقوله ( @QUR@03 فتيمموا صعيدا طيبا ms1239 ) جواب الشرط وهو قوله : ( @QUR@02 ~~وإن كنتم ). # والمعنى : وإن كنتم أيها المؤمنون في حالة مرض أو على سفر أو كنتم محدثين ~~أو لامستم النساء فلم تجدوا في تلك الأحوال ما تستعملونه لطهارتكم ، أو ~~وجدتم ماء ولكن منعكم مانع من استعماله ، فعليكم أن تتيمموا صعيدا طيبا ، ~~بدلا من الماء ، فان الله تعالى ( @QUR@07 ما جعل عليكم في الدين من حرج ). # ومنهم من يرى أن الضمير في قوله : ( @QUR@03 فلم تجدوا ماء ) يعود إلى ~~الجمع ما عدا المرضى ، لأن المرضى يباح لهم التيمم مع وجود الماء إذا ~~تضرروا من استعماله. # وعلى هذا الرأى يكون المراد بعدم الوجدان. عدم الوجدان الحسى. PageV03P160 # والتيمم لغة : القصد. يقال تيممت الشيء أى قصدته. # ويطلق في الشرع على القصد إلى التراب لمسح الوجه واليدين به. # وأما الصعيد بوزن فعيل فيطلق على وجه الأرض البارز ، ترابا كان أو غيره. ~~وقيل يطلق على التراب خاصة. # والطيب : الطاهر الذي لم تلوثه نجاسة ولا قذر. # أى : إذا لم تجدوا ماء للتطهر به أو وجدتموه ولكنكم عجزتم عن استعماله ~~فاقصدوا ترابا طاهرا بارزا على وجه الأرض لكي تستعملوه في طهارتكم عوضا عن الماء. # وقوله ( @QUR@03 فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ) بيان لكيفية التيمم. # أى : اقصدوا ترابا على ظاهر الأرض طاهرا فامسحوا منه بوجوهكم وأيديكم. # وقوله ( @QUR@05 إن الله كان عفوا غفورا ) تذييل قصد به بيان أنه سبحانه ~~متصف بالعفو فلا يختار لعباده إلا السهل اليسير الذي يسهل عليهم أداؤه من ~~غير مشقة مرهقة ، وأنه هو الغفار الذي يغفر للمقصرين والمخطئين ذنوبهم متى ~~تابوا إليه واستغفروه مما صدر عنهم من ذنوب. # هذا ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى : # 1 أن من الواجب على المسلم عند ما يتهيأ للصلاة أن يتجنب كل ما يتعارض مع ~~الخشوع فيها ، لأن الصلاة مناجاة ووقوف بين يدي الله تعالى ، ومن شأن ~~المناجى لله تعالى أن يتفرغ لذلك ، وأن يكون على درجة من العلم والفهم ~~تمكنه من الوقوف الخاشع بين يدي الله رب العالمين. # 2 أن الصلاة محرمة على السكران حال سكره ms1240 حتى يصحو. فإذا أداها حال سكره ~~تكون باطلة ، وكذلك الحكم بالنسبة للمحدث أو الجنب حتى يتطهر. # 3 استدل بهذه الآية من قال بأن المراد بالصلاة مواضعها على أنه يحرم على ~~السكران دخول المسجد ، لما يتوقع منه من التلويث وفحش القول ، ويقاس عليه ~~كل ذي نجاسة يخشى معها التلويث والسباب ونحوه. # 4 استدلوا بقوله تعالى : ( @QUR@04 حتى تعلموا ما تقولون ) على أن المسلم ~~منهى عن الصلاة حال النعاس أو ما يشبهه ، لأنه في هذه الحالة لا يعلم ما ~~يقول ويؤيد ذلك ما رواه البخاري عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~: (إذا نعس أحدكم وهو يصلى فليرقد حتى يذهب عنه النوم. فان أحدكم إذا صلى ~~وهو ناعس لا يدرى لعله يستغفر فيسب نفسه). PageV03P161 # وروى البخاري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إذا نعس أحدكم في ~~الصلاة فلينم حتى يعلم ما يقرأ). # قال الفخر الرازي ما ملخصه : ويرى الضحاك أنه ليس المراد من لفظ ( ~~@QUR@01 سكارى ) السكر من الخمر ، وإنما المراد منه سكر النوم. لأن لفظ ~~السكر يستعمل في النوم فكان هذا اللفظ محتملا له .... # ثم قال الرازي : واعلم أن القول الصحيح هو قول الجمهور من الصحابة ~~والتابعين وهو أن المراد من لفظ ( @QUR@01 سكارى ) السكر من الخمر ، لأن ~~لفظ السكر حقيقة في السكر من شرب الخمر ، والأصل في الكلام الحقيقة ... ، ~~ولأن جميع المفسرين قد اتفقوا على أن هذه الآية إنما نزلت في شرب الخمر ~~...) (1) # 5 استدلوا بقوله تعالى ( @QUR@07 ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ) ~~على أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد ، إلا أنه يجوز له المرور فيه. # قال ابن كثير ما ملخصه : قال ابن عباس في قوله ( @QUR@05 ولا جنبا إلا ~~عابري سبيل ): لا تدخلوا المسجد وأنتم جنب إلا عابري سبيل. أى : تمر به ~~مرا ولا تجلس. # وروى ابن جرير عن يزيد بن أبى حبيب في قوله تعالى ( @QUR@05 ولا جنبا إلا ~~عابري سبيل ) أن رجالا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد فكانت تصيبهم ~~الجنابة ولا ماء عندهم ms1241 فيريدون الماء ولا يجدون مرورا إلا في المسجد. فأنزل ~~الله تعالى ( @QUR@05 ولا جنبا إلا عابري سبيل ) ويشهد لصحة ذلك ما ثبت في ~~صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (سدوا كل خوخة في ~~المسجد إلا خوخة أبى بكر ...) # وبهذه الآية احتج كثير من الأئمة على أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد ~~، ويجوز له المرور ، وكذا الحائض والنفساء أيضا متى أمنت كل واحدة منهما ~~التلويث في حال المرور ... # ثم قال ابن كثير : وقوله ( @QUR@02 حتى تغتسلوا ) دليل لما ذهب إليه ~~الأئمة الثلاثة : أبو حنيفة ومالك والشافعى من أنه يحرم على الجنب المكث في ~~المسجد حتى يغتسل أو يتيمم إن عدم الماء أو لم يقدر على استعماله. وذهب ~~الإمام أحمد إلى أنه متى توضأ الجنب جاز له المكث في المسجد ، لما روى من ~~أن صحابة كانوا يفعلون ذلك. وعن عطاء بن يسار قال : رأيت رجالا من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلسون في المسجد وهم مجنون إذا توضأوا وضوء ~~الصلاة. وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم) (2). PageV03P162 # 6 ظاهر قوله تعالى ( @QUR@04 فلم تجدوا ماء فتيمموا ) يفيد أن التيمم لا ~~يصح مع وجود الماء ، لأن الآية الكريمة قد رتبت الأمر بالتيمم على نفى وجود الماء. # ولكن هذا الظاهر غير مراد ، لأنه يقتضى أنه حتى لو وجدنا ماء ، وكنا في ~~حاجة شديدة إليه ، أو لا نقدر على استعماله فإنه لا يجوز لنا أن نتيمم ، ~~وهذا يتعارض مع سماحه الشريعة الإسلامية ويسرها ، قال تعالى : ( @QUR@08 ~~يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) وقال تعالى : ( @QUR@07 ما جعل ~~عليكم في الدين من حرج ). # ويتعارض كذلك مع ما شرع من أجله التيمم وهو التيسير على الناس ، والتيسير ~~على الناس لا يتأتى بإلزامهم أن يفقدوا ما معهم من الماء في الطهارة ليقعوا ~~في العنت بسبب العطش أو الجوع. أو بإلزامهم استعمال الماء في طهارتهم مع أن ~~في استعماله مضرة بهم. # لذا قال العلماء : إن التيمم مشروع للمسلم عند فقده للماء ، أو عند وجود ~~الماء ولكن ms1242 هناك عارض يمنعه من استعماله كمرض أو نحوه. # ولقد ورد في السنة النبوية الشريفة ما يشهد بأنه يجوز للمسلم أن يتيمم مع ~~وجود الماء متى كان هناك ما يمنع من استعماله. # ومن ذلك ما أخرجه أبو داود والدارقطني عن جابر قال : خرجنا في سفر. فأصاب ~~رجلا منا حجر فشجه في رأسه. ثم احتلم فسأل أصحابه فقال هل تجدون لي رخصة في ~~التيمم؟ فقالوا : ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء. فاغتسل فمات. فلما ~~قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال : قتلوه ، قتلهم الله ، ~~هلا سألوا إذا لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال. إنما كان يكفيه أن يتيمم ~~ويعصب على جرحه ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده». # وروى أبو داود والدارقطني عن عمرو بن العاص قال : احتلمت في ليلة باردة ~~في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك. فتيممت. ثم صليت بأصحابى ~~الصبح. فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : «يا عمرو صليت بأصحابى ~~وأنت جنب»؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت : إنى سمعت الله يقول : ( ~~@QUR@08 ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ) فضحك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا». # قال القرطبي بعد أن ساق هذا الحديث والذي قبله : فدل هذا الحديث على ~~إباحة التيمم مع الخوف من المرض عند استعمال الماء : وفيه إطلاق اسم الجنب ~~على المتيمم ، وجواز صلاة المتيمم بالمتوضئين. وهذا أحد القولين عندنا. وهو ~~الصحيح الذي أقره مالك في موطئه وقرئ عليه إلى أن مات (1). PageV03P163 # وقال ابن كثير : وقد استنبط كثير من الفقهاء من الآية أنه لا يجوز التيمم ~~لعدم الماء إلا بعد طلب الماء. فمتى طلبه فلم يجده جاز له حينئذ التيمم. ~~وقد ذكروا كيفية الطلب في كتب الفروع ...» (1). # 7 أخذ الشافعية والحنابلة من قوله تعالى ( @QUR@03 فتيمموا صعيدا طيبا ) ~~: أن التيمم لا يجوز إلا بالتراب الطاهر لأنه هو المقصود بالصعيد الطيب» ~~ولأنه ثبت في صحيح مسلم عن حذيفة بن اليمان قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه ms1243 وسلم فضلنا على الناس بثلاث : جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة. ~~وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا. وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء» ~~قالوا : فخصص الطهور بالتراب في مقام الامتنان. فلو كان غيره يقوم مقامه ~~لذكره معه. # ويرى الإمام أبو حنيفة أن التيمم يجوز بالتراب وبالحجر وبما ماثله من كل ~~ما كان من جنس الأرض متى كان طاهرا. قالوا : لأن الظاهر من لفظ الصعيد وجه ~~الأرض وهذه الصفة لا تختص بالتراب. # وتوسع الإمام مالك فذهب إلى أن التيمم يجوز بكل ما سبق وبغيره كالشجر ~~والحجر والنبات لأن الصعيد عنده كل ما صعد على وجه الأرض. # قال القرطبي عند حديثه عن اختلاف الفقهاء في ذلك : وإذا تقرر هذا فاعلم ~~أن مكان الإجماع فيما ذكرناه أن يتيمم الرجل على تراب منبت طاهر غير منقول ~~ولا منصوب. ومكان الإجماع في المنع أن يتيمم الرجل على الذهب الصرف والفضة ~~والياقوت والأطعمة كالخبز واللحم وغيرهما ، أو على النجاسات. واختلف في غير ~~هذا كالمعادن ، فأجيز وهو مذهب مالك وغيره. ومنع وهو مذهب الشافعى وغيره ~~....» (2). # 8 أفاد قوله تعالى ( @QUR@03 فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ) أن الواجب في ~~التيمم هو مسح الوجه واليدين فقط سواء أكان التيمم بدلا عن الوضوء أم عن الغسل. # قال القرطبي : وروى التيمم إلى المرفقين عن النبي صلى الله عليه وسلم جابر ~~بن عبد الله ، وابن عمر وبه كان يقول : قال الدارقطني : سئل قتادة عن ~~التيمم في السفر فقال : كان ابن عمر يقول : إلى المرفقين. وكان الحسن ~~وإبراهيم النخعي يقولان : إلى المرفقين. # ثم قال : وقالت طائفة يبلغ به إلى الكوعين وهما الرسغان. روى ذلك عن على ~~بن أبى طالب والأوزاعى وعطاء والشعبي في رواية. وبه قال أحمد ابن حنبل ، ~~والطبري. PageV03P164 # وقال مكحول : اجتمعت أنا والزهري فتذاكرنا التيمم فقال الزهري : المسح ~~إلى الآباط. # وقال ابن أبى الجهم : التيمم بضربة واحدة ، وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق ~~وداود والطبري (1). # 9 ذكر المفسرون في سبب مشروعية التيمم روايات منها ما أخرجه البخاري عن ~~عائشة رضى الله عنها قالت : خرجنا مع ms1244 رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض ~~أسفاره : حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي. فأقام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على التماسه وأقام الناس معه. وليسوا على ماء. وليس ~~معهم ماء. فأتى الناس إلى أبى بكر الصديق فقالوا : ألا ترى ما صنعت عائشة؟ ~~أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء. ~~فجاء أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام. فقال ~~: حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء. ~~قالت عائشة : فعاتبنى أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول. فجعل يطعننى بيده ~~في خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~فخذي. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح على غير ماء. فأنزل الله ~~آية التيمم. فتيمموا. فقال أسيد بن الحضير : ما هي بأول بركتكم يا آل أبى بكر. # قالت : فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته». # قال الحافظ ابن كثير عند ذكره هنا لسبب مشروعية التيمم ، وإنما ذكرنا ذلك ~~هاهنا ، لأن هذه الآية التي في النساء متقدمة في النزول على آية سورة ~~المائدة وبيانه : أن هذه نزلت قبل تحريم الخمر. والخمر إنما حرم بعد أحد ~~بيسير ، في محاصرة النبي صلى الله عليه وسلم لبنى النضير. وأما المائدة فإنها ~~من آخر ما نزل ولا سيما صدرها. فناسب أن يذكر السبب هنا (2).. # 10 تكلم بعض العلماء عن حكمة مشروعية التيمم عوضا عن الطهارة بالماء فقال ~~: والتيمم من خصائص شريعة الإسلام كما في حديث جابر أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي فذكر منها وجعلت لي ~~الأرض مسجدا وطهورا». # والتيمم بدل جعله الشرع عن الطهارة. ولم أر لأحد من العلماء بيانا في ~~حكمة جعل التيمم عوضا عن الطهارة بالماء ، وكان ذلك من همي زمنا طويلا وقت ~~الطلب. ثم انفتح لي حكمة ذلك. ms1245 # وأحسب أن حكمة تشريعه تقرير لزوم الطهارة في نفوس المؤمنين. وتقرير حرمة الصلاة PageV03P165 # وترفيع شأنها في نفوسهم. فلم تترك لهم حالة يعدون فيها أنفسهم مصلين بدون ~~طهارة تعظيما لمناجاة الله تعالى فلذلك شرع لهم عملا يشبه الإيماء إلى ~~الطهارة ليستشعروا أنفسهم متطهرين ، وجعل ذلك بمباشرة اليدين صعيد الأرض ~~التي هي منبع الماء. ولأن التراب مستعمل في تطهير الآنية ونحوها ، ينظفون ~~به ما علق لهم من الأقذار في ثيابهم وأبدانهم وما عونهم. وما الاستجمار إلا ~~من ضرب ذلك ، مع ما في ذلك من تجديد طلب الماء لفاقده وتذكيره بأنه مطالب ~~به عند زوال مانعه. وإذ قد كان التيمم طهارة رمزية اكتفت الشريعة فيه ~~بالوجه والكفين في الطهارتين الصغرى والكبرى كما دل عليه حديث عمار بن ياسر ~~فقد ثبت في الصحيح عن عمار بن ياسر قال : كنت في سفر فأجنبت فتمعكت في ~~التراب «أى تمرغت» وصليت. فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال : ~~«يكفيك الوجه والكفان». ويؤيد هذا المقصد أن المسلمين لما عدموا الماء في ~~غزوة المريسيع صلوا بدون وضوء فنزلت آية التيمم. # هذا منتهى ما عرض لي من حكمة مشروعية التيمم بعد طول البحث والتأمل في ~~حكمة مقنعة في النظر (1). # وبعد ، فهذه بعض الأحكام والآداب التي اشتملت عليها تلك الآية ، ومنها ~~نرى كيف وجهت المؤمنين إلى ما يقوى إيمانهم ، ويصفى نفوسهم ، ويبعدهم عن ~~الأسباب التي تحول بينهم وبين إخلاص المناجاة لله رب العالمين ، وإلى ما ~~يجعلهم يتحرزون عن كل ما يدنسهم أو يلهيهم عن طاعة الله. # كما ترى كيف استعملت في خطابها للمؤمنين ألطف الكنايات ؛ وأسمى التعبيرات ~~، وأبلغ الإشارات ، وفي ذلك ما فيه من تربية سليمة للمؤمنين تجعلهم يسعدون ~~في دنياهم وآخرتهم. # هذا ، وأنت إذا تدبرت السورة الكريمة من مطلعها إلى هنا ، تراها قد نظمت ~~العلاقات بين أفراد المجتمع الإسلامى تنظيما حكيما ، وساقت لهم من ~~التوجيهات السامية ، والآداب العالية ، والتشريعات الجليلة ... ما يجعلهم ~~يعيشون في أمان واطمئنان. # * * * # ثم أخذت السورة بعد ذلك تسوق لنا في أكثر من عشر ms1246 آيات ، ألوانا من رذائل ~~أهل الكتاب ، ومن مسالكهم الخبيثة لكيد الدعوة الإسلامية ، ومن حسدهم للنبي ~~صلى الله عليه وسلم على ما آتاه الله من فضله ، وتوعدتهم بسوء المصير على ما ~~اقترفوه من منكرات وآثام ... # وكأن السورة الكريمة بعد أن نظمت المجتمع الإسلامى هذا التنظيم الداخلى ~~السليم ، PageV03P166 # أخذت في تحذير المؤمنين من عدوهم الخارجي ، وأطلعتهم على ما يضمره لهم ~~أهل الكتاب من كراهية وبغضاء. # استمع إلى السورة الكريمة وهي تحكى كل ذلك فتقول : # ( @QUR@014 ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ~~ويريدون أن تضلوا السبيل (44) @QUR@09 والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا ~~وكفى بالله نصيرا (45) @QUR@038 من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ~~ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ~~ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم ~~الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا (46) @QUR@029 يا أيها الذين أوتوا ~~الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على ~~أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا (47) ~~@QUR@020 إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك ~~بالله فقد افترى إثما عظيما (48) @QUR@014 ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ~~بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا (49) @QUR@010 انظر كيف يفترون على ~~الله الكذب وكفى به إثما مبينا (50) @QUR@06 ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا PageV03P167 # @QUR@014 من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء ~~أهدى من الذين آمنوا سبيلا (51) @QUR@011 أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن ~~الله فلن تجد له نصيرا (52) @QUR@010 أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون ~~الناس نقيرا (53) @QUR@018 أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد ~~آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما (54) @QUR@011 فمنهم ~~من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ) (55) # قال الآلوسى : قوله تعالى ( @QUR@02 ألم تر ) هذه الكلمة قد تذكر لمن ~~تقدم علمه فتكون للتعجب والتقدير والتذكير لمن علم بما يأتى كالأحبار وأهل ~~التواريخ ms1247 ، وقد تذكر لمن لا يكون كذلك فتكون لتعريفه وتعجيبه. وقد اشتهرت ~~في ذلك حتى أجريت مجرى المثل في هذا الياب. بأن شبه حال من لم ير الشيء ~~بحال من رآه في أنه لا ينبغي أن يخفى عليه وأنه ينبغي أن يتعجب منه ثم أجرى ~~الكلام معه كما يجرى مع من رأى قصدا إلى المبالغة في شهرته وعراقته في ~~التعجب والرؤية إما بمعنى الإبصار أى ألم تنظر إليهم ، وإما بمعنى الإدراك ~~القلبي متضمنا معنى الوصول والانتهاء أى ألم ينته علمك إليهم» (1). # والمراد ب ( @QUR@01 الذين ) أحبار اليهود. والمراد بالذي أوتوه ما بين ~~لهم في الكتاب من العلوم والأحكام التي من جملتها ما علموه من نعوت النبي ~~صلى الله عليه وسلم ومن حقية دين الإسلام بالاتباع. # والمراد بالكتاب : التوراة التي أنزلها الله تعالى على موسى عليه السلام ~~ليكون هداية لبنى إسرائيل ، فحرفوها وتركوا العمل بها. # والمراد بالسبيل : الطريق المستقيم وهو طريق الإسلام فال فيه للعهد. # والمعنى : ألم ينته علمك إلى حال هؤلاء الأحبار من اليهود الذين أعطوا ~~حظا ومقدارا من علم التوراة؟ إن كنت لم تعلم أحوالهم أو لم تنظر إليهم فهاك ~~خبرهم وتلك هي حقيقتهم ، إنهم PageV03P168 # يشترون الضلالة وهو البقاء على اليهودية بعد وضوح الآيات لهم الدالة على ~~صحة دين الإسلام ، وهم لا يكتفون بتلبسهم بالضلال الذي أشربته نفوسهم ، بل ~~يريدون لكم يا معشر المسلمين أن تتركوا دين الإسلام الذي هو السبيل الحق ، ~~وأن تتبعوهم في ضلالهم وكفرهم. # فالمقصود من الآية الكريمة تعجيب المؤمنين من سوء أحوال أولئك الأحبار ، ~~وتحذير لهم من موالاتهم أو من الاستماع إلى أكاذيبهم وشبهاتهم. # والخطاب لكل من يصلح له من المؤمنين. وتوجيهه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~هنا مع توجيهه بعد ذلك إلى الكل في قوله ( @QUR@02 أن تضلوا ) للإيذان ~~بكمال شهرة شناعة حال أولئك اليهود ، وأنها بلغت من الظهور إلى حيث يتعجب ~~منها كل من يراها أو يعلمها. # وقد وصفهم سبحانه بأنهم أوتوا نصيبا من الكتاب ، ولم يؤتوا الكتاب كله ، ~~لأنهم نسوا حظا كبيرا مما ذكروا ms1248 به ، ولم يبق عندهم من علم الكتاب إلا ~~القليل ، وهذا القليل لم يعملوا به بل حرفوه وبدلوه وأخضعوا تفسيره ~~لأهوائهم وشهواتهم. # وقوله ( @QUR@06 يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل ) هو موطن ~~التعجب من شأنهم لأنهم لا يطلبون الضلالة بفتور أو تريث وإنما يطلبونها ~~بشراهة ونهم ويدفعون فيها أغلى الأثمان وهو الهدى ، ولا يكتفون بذلك بل ~~يبتغون من المؤمنين أن يكونوا مثلهم في الضلال. # وقريب من معنى هذه الآية قوله تعالى ( @QUR@07 ودوا لو تكفرون كما كفروا ~~فتكونون سواء ). وذكر سبحانه الشيء الذي اشتروه وهو الضلالة ، وطوى ذكر ~~المتروك وهو الهدى ، للإيذان بغاية ظهوره. وللإشعار بأنهم قوم يطلبون ~~الضلالة في ذاتها. وأن البعد عن الحق والهدى مطلب من مطالبهم يدفعون فيه ~~الثمن عن رغبة ، وذلك لأنهم قوم مردوا على الضلالة فغدوا لا يستمرئون سواها ~~، ولا يركنون إلا إليها. وإن قوما هذا شأنهم لجديرون بالابتعاد عنهم ، ~~والتحقير من أمرهم. لأنك كما يقول الفخر الرازي لا ترى حالة أسوأ ولا أقبح ~~ممن جمع بين هذين الأمرين : أعنى الضلال والإضلال. # قال الآلوسى : وقوله : ( @QUR@02 يشترون الضلالة ).. إلخ استئناف مبين ~~لمناط التشنيع ومدار التعجب المفهومين من صدر الكلام ، مبنى على سؤال نشأ ~~منه كأنه قيل : ماذا يصنعون حتى ينظر إليهم؟ فقيل يختارون الضلالة على ~~الهدى أو يستبدلونها بعد تمكنهم منه ... وذهب أبو البقاء إلى أن جملة ( ~~@QUR@01 يشترون ) حالة مقدرة من ضمير ( @QUR@01 أوتوا ) أو حال من ( ~~@QUR@01 الذين ) (1). # وقوله ( @QUR@03 والله أعلم بأعدائكم ) جملة معترضة للتأكيد والتحذير. PageV03P169 # أى : والله تعالى أعلم بأعدائكم منكم أيها المؤمنون وقد أخبركم بأحوالهم ~~وبما يبيتون لكم من شرور فاحذروهم ولا تلتفتوا إلى أقوالهم وأعدوا العدة ~~لتأديبهم دفاعا عن دينكم وعقيدتكم. # وقوله ( @QUR@06 وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا ) تذييل قصد به غرس ~~الطمأنينة في نفوس المؤمنين بأن العاقبة لهم. # أى : ( @QUR@03 وكفى بالله وليا ) يتولى أموركم ، ويصلح بالكم ، ( ~~@QUR@03 وكفى بالله نصيرا ) يدفع عنكم مكرهم وشرورهم ؛ وما دام الأمر كذلك ~~فاكتفوا بولايته ونصرته. واعتصموا بحبله ، وأطيعوا أمره ، ولا تكونوا في ~~ضيق من مكر أعدائكم فإن الله ناصركم عليهم بفضله ms1249 وإحسانه. # وقوله ( @QUR@01 وكفى ) فعل ماض. ولفظ الجلالة فاعل والباء مزيدة فيه ~~لتأكيد الكفاية. ووليا ونصيرا منصوبان على التمييز. وقيل على الحال. # وكرر سبحانه الفعل كفى لإلقاء الطمأنينة في قلوب المؤمنين ، لأن التكرار ~~في مثل هذا المقام يكون أكثر تأثيرا في القلب ، وأشد مبالغة فيما سيق ~~الكلام من أجله. # فكأنه سبحانه يقول لهم : اكتفوا بولاية الله ونصرته ، وكفاكم الله ~~الولاية والنصرة والمعونة. ومن كان الله كافيه نصره على عدوه فاطمئنوا ولا ~~تخافوا. # ثم ذكر سبحانه ألوانا من الأقوال والأعمال القبيحة التي كان اليهود ~~يقولونها ويفعلونها للإساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى المسلمين فقال ~~: ( @QUR@07 من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ). # وتحريف الشيء إمالته وتغييره. ومنه قولهم : طاعون يحرف القلوب ، أى ~~يميلها ويجعلها على حرف ، أى جانب وطرف. وأصله من الحرف يقال : حرف الشيء ~~عن وجهه ، صرفه عنه. # والجملة الكريمة بيان للموصول وهو قوله تعالى ( @QUR@05 الذين أوتوا ~~نصيبا من الكتاب ). # ويجوز أن يكون قوله ( @QUR@03 من الذين هادوا ) خبر لمبتدأ محذوف. وقوله ~~( @QUR@04 يحرفون الكلم عن مواضعه ) صفة له. # أى من الذين هادوا قوم أو فريق من صفاتهم أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه أى ~~يميلونه عن مواضعه ، ويجعلون مكانه غيره ، ويفسرونه تفسيرا سقيما بعيدا عن ~~الحق والصواب. # قال الفخر الرازي : في كيفية التحريف وجوه : # أحدها : أنهم كانوا يبدلون اللفظ بلفظ آخر. مثل تحريفهم اسم «ربعة» عن ~~موضعه في التوراة بوضعهم «آدم طويل» ، وكتحريفهم الرجم بوضعهم الجلد بدله. # الثاني : أن المراد بالتحريف إلقاء الشبه الباطلة ، والتأويلات الفاسدة ، ~~وصرف اللفظ من PageV03P170 # معناه الحق إلى معنى باطل بوجوه من الحيل اللفظية ، كما يفعله أهل البدعة ~~في زماننا هذا بالآيات المخالفة لمذاهبهم. وهذا هو الأصح. # الثالث : أنهم كانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم ويسألونه عن أمر ~~فيخبرهم ليأخذوا به فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه» (1). # والذي نراه أولى أن تحريف هؤلاء اليهود للكلم عن مواضعه يتناول كل ذلك ، ~~لأنهم لم يتركوا وسيلة من وسائل التحريف الباطل إلا فعلوها ، أملا منهم في ~~صرف الناس عن ms1250 الدعوة الإسلامية ، ولكن الله تعالى خيب آمالهم. # قال الزمخشري : فإن قلت : كيف قيل هاهنا ( @QUR@02 عن مواضعه ) وفي ~~المائدة ( @QUR@03 من بعد مواضعه )؟ قلت : «أما عن مواضعه» فعلى ما فسرنا ~~من إزالته عن مواضعه التي أوجبت حكمة وضعه فيها ، بما اقتضت شهواتهم من ~~إبدال غيره مكانه. # وأما ( @QUR@03 من بعد مواضعه ) فالمعنى أنه كانت له مواضع قمن بأن يكون ~~فيها. فحين حرفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له بعد مواضعه ومقاره. ~~والمعنيان متقاربان» (2). # ثم حكى سبحانه لونا ثانيا من ضلالتهم فقال : ( @QUR@03 ويقولون سمعنا ~~وعصينا ) أى. ويقولون للنبي صلى الله عليه وسلم إذا ما أمرهم بشيء : سمعنا ~~قولك وعصينا أمرك فنحن مع فهمنا لما تقول لا نطيعك لأننا متمسكون ~~باليهودية. # ثم حكى سبحانه لونا ثالثا من مكرهم فقال : ( @QUR@03 واسمع غير مسمع ) ~~وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها وداخلة تحت القول السابق. # أى : ويقولون ذلك في أثناء مخاطبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم وهو كلام ذو ~~وجهين وجه محتمل للشر. بأن يحمل على معنى «اسمع» حال كونك غير مسمع كلاما ~~ترضاه. ووجه محتمل للخير. بأن يحمل على معنى اسمع منا غير مسمع كلاما تكرهه. # فأنت تراهم لعنهم الله أنهم كانوا يخاطبون النبي صلى الله عليه وسلم بهذا ~~الكلام المحتمل للشر والخير موهمين غيرهم أنهم يريدون الخير ، مع أنهم لا ~~يريدون إلا الشر ، بسبب ما طفحت به نفوسهم من حسد للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وللمسلمين. # ثم حكى سبحانه لونا رابعا من خبثهم فقال : ( @QUR@06 وراعنا ليا بألسنتهم ~~وطعنا في الدين ) وهو كلام معطوف على ما قبله وداخل تحت القول السابق. PageV03P171 # وكلمة ( @QUR@01 راعنا ) كلمة ذات وجهين أيضا فهي محتملة للخير بحملها ~~على معنى ارقبنا وأمهلنا أو انتظرنا نكلمك. ومحتملة للشر بحملها على شبه ~~كلمة عبرانية كانوا يتسابون بها. أو على السب بالرعونة أى الحمق. # قال الراغب : قوله : تعالى ( @QUR@06 وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ~~) كان ذلك قولا يقولونه للنبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التهكم يقصدون به ~~رميه بالرعونة ، ويوهمون أنهم يقولون : راعنا أى : أحفظنا. من ms1251 قولهم : رعن ~~الرجل يرعن رعنا فهو رعن» (1) أى أحمق. # وأصل كلمة ( @QUR@01 ليا ) لويا لأنه من لويت ، فأدغمت الواو في الياء ~~لسبقها بالسكون. واللى : الانحراف والالتفات والانعطاف. # والمراد أنهم كانوا يلوون ألسنتهم بالكلمة أو بالكلام ليكون اللفظ في ~~السمع مشبها لفظا آخر هم يريدونه لأنه يدل على معنى ذميم. # أى أنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التهكم والاستهزاء ~~( @QUR@01 راعنا ) ويقصدون بهذا القول الإساءة إليه صلى الله عليه وسلم ~~وينطقون بهذه الكلمة وما يشابهها نطقا ملتويا منحرفا ليصرفوها عن جانب ~~احتمالها للخير إلى جانب احتمالها للشر. ولذا فقد نهى الله تعالى المؤمنين ~~عن مخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم بمثل هذه الألفاظ. # قال ابن كثير : عند تفسيره لقوله تعالى ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا لا ~~تقولوا راعنا وقولوا انظرنا ): نهى الله عباده المؤمنين عن أن يتشبهوا ~~بالكافرين في مقالهم وفعالهم. وذلك أن اليهود كانوا يعلنون من الكلام ما ~~فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص عليهم لعائن الله : فإذا أرادوا أن ~~يقولوا اسمع لنا : يقولون راعنا ، ويورون بالرعونه : وكذلك جاءت الأحاديث ~~بالإخبار عنهم بأنهم كانوا إذا سلموا إنما يقولون. السام عليكم. والسام هو ~~الموت. ولهذا أمرنا أن نرد عليهم بوعليكم. وإنما يستجاب لنا فيهم ولا ~~يستجاب لهم فينا. والغرض أن الله تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين ~~قولا وفعلا» (2). # وقوله ( @QUR@03 وطعنا في الدين ) أى يقولون ذلك من أجل القدح في الدين ؛ ~~والاستهزاء بتعاليمه ، وبنبيه صلى الله عليه وسلم . # ثم بين سبحانه ما كان بحب عليهم أن يقولوه لو كانوا يعقلون فقال : تعالى ~~( @QUR@011 ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ) PageV03P172 # أى : ولو أنهم قالوا عند سماعهم لما يدعوهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم ~~من حق وخير ، ( @QUR@01 سمعنا ) قولك سماع قبول واستجابة ، وأطعنا أمرك بدل ~~قولهم سمعنا وعصينا. # ولو أنهم قالوا عند مخاطبتهم له صلى الله عليه وسلم ( @QUR@01 واسمع ) ~~إجابتنا لدعوة الحق ( @QUR@01 وانظرنا ) حتى نفهم عنك ما تريده منا بدل ~~قولهم ( @QUR@06 واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم ms1252 ) لو أنهم فعلوا ذلك ~~لكان قولهم هذا خيرا لهم وأعدل من أقوالهم السابقة الباطلة التي حكاها ~~القرآن عنهم. # ولكنهم لسوء طباعهم لم يفعلوا ذلك فحقت عليهم اللعنة في الدنيا والآخرة ~~وقد صرح القرآن بذلك فقال : ( @QUR@08 ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون ~~إلا قليلا ). أى : ولكنهم لم يقولوا ما هو خير لهم وأقوم بل قالوا ما هو ~~شر وباطل ، فاستحقوا اللعنة من الله بسبب كفرهم وسوء أفعالهم : # ولفظ ( @QUR@01 قليلا ) في قوله ( @QUR@04 فلا يؤمنون إلا قليلا ) منصوب ~~على الاستثناء من قوله ( @QUR@01 لعنهم ) أى : ولكن لعنهم الله إلا فريقا ~~منهم آمنوا فلم يلعنوا : أو منصوب على الوصفية لمصدر محذوف أى : ولكن لعنهم ~~الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا أى ضعيفا ركيكا لا يعبأ به ، ولا ~~يغنى عنهم من عذاب الله شيئا ؛ لأنه إيمان غير صحيح بسبب تفريقهم بين رسل ~~الله في التصديق والطاعة. # قال تعالى ( @QUR@030 إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين ~~الله ورسله ، ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ، ويريدون أن يتخذوا بين ذلك ~~سبيلا. أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا ). # ثم وجه سبحانه نداء إلى اليهود أمرهم فيه باتباع طريق الحق ، وأنذرهم ~~بسوء المصير إذا لم يستمعوا إلى هذا النداء فقال تعالى : ( @QUR@029 يا ~~أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس ~~وجوها فنردها على أدبارها ، أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله ~~مفعولا ). # أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من ~~أحبار يهود. منهم عبد الله بن صوريا ، وكعب بن أسد فقال لهم : يا معشر يهود ~~: اتقوا الله وأسلموا. فو الله انكم لتعلمون أن الذي جئتكم به الحق. فقالوا ~~: ما نعرف ذلك يا محمد ، وجحدوا ما عرفوا وأصروا على الكفر. فأنزل الله ~~فيهم : ( @QUR@011 يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما ~~معكم ). الآية (1). PageV03P173 # وفي ندائهم بقولهم ( @QUR@06 يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا ) تحريض ~~لهم على الإيمان ، لأن اعطاءهم علم ms1253 الكتاب من شأنه أن يحملهم على المسارعة ~~إلى تلبية دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وألا تأخذهم العصبية الدينية كما ~~أخذت أهل مكة العصبية الجاهلية ، ولأن هذا الإيمان الذي يدعون إليه هو ~~التصديق بما أنزله الله على نبيه صلى الله عليه وسلم من قرآن ، إذ هو يطابق في ~~جوهره ما أنزله سبحانه على الأنبياء السابقين الذين يزعم أهل الكتاب أنهم ~~يؤمنون بهم. إذا فوحدة المنزل توجب عليهم أن يؤمنوا بجميع ما أنزله الله. # ووصفهم هنا بأنهم أوتوا الكتاب ، مع أنه وصفهم قبل ذلك بأنهم أوتوا نصيبا ~~من الكتاب ، لأن وصفهم هنا بذلك المقصود منه حضهم على الإيمان وترغيبهم فيه ~~؛ وإثارة هممهم للانقياد لتعاليم كتابهم الذي بشرهم بمبعث النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأمرهم بالإيمان به. أما وصفهم فيما سبق بأنهم أوتوا نصيبا ~~من الكتاب فالمقصود منه التعجيب من أحوالهم ، والتهوين من شأنهم. # والمعنى : يا معشر اليهود الذين آتاهم الله التوراة لتكون هداية لهم ، ~~آمنوا ايمانا حقا ( @QUR@02 بما نزلنا ) من قرآن على محمد صلى الله عليه وسلم ~~فإن هذا القرآن قد نزل ( @QUR@03 مصدقا لما معكم ) وموافقا للتوراة التي ~~بين أيديكم في الدعوة إلى وحدانية الله تعالى وإلى مكارم الأخلاق ، وفي ~~النهى عن الفواحش والمعاصي ، ومؤيدا لها فيما ذكرته من صفات تتعلق بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم ومن آيات تدعو إلى تصديقه والإيمان به. # وعبر عن القرآن بقوله : ( @QUR@02 بما نزلنا )؛ لأن في هذا التعبير ~~تذكير بعظم شأن القرآن وأنه منزل بأمر الله وحفظه. # وعبر عن التوراة بقوله ( @QUR@02 لما معكم ) لأن في هذا التعبير تسجيلا ~~عليهم بأن التوراة كتاب مستصحب عندهم وقريب من أيديهم ، وشهادته بصدق النبي ~~صلى الله عليه وسلم ظاهرة جلية ، فإذا ما تركوا شهادته مع وضوحها ومع ~~استصحابهم له كان مثلهم ( @QUR@04 كمثل الحمار يحمل أسفارا ). # ثم أنذرهم سبحانه بعد ذلك بسوء العاقبة إذا ما أعرضوا عن الإيمان بدعوة ~~الإسلام فقال تعالى ( @QUR@018 من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو ~~نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا ). # والطمس ms1254 إزالة الأثر بالمحو. قال الله تعالى ( @QUR@03 فإذا النجوم طمست ) ~~أى : زالت ومحيت. ويقال : طمست الريح الأثر إذا محته وأزالته. وللمفسرين في ~~المراد من معنى الطمس هنا اتجاهان : # أما الاتجاه الأول فيرى أصحابه حمل اللفظ على حقيقته بمعنى إزالة ما في ~~الوجه من أعضاء ومحو أثرها. PageV03P174 # فيكون المعنى : ( @QUR@016 يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا ~~مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها ) أى نمحو تخطيط صورها من عين وأنف ~~وفم وحاجب ( @QUR@03 فنردها على أدبارها ) أى فنجعلها على هيئة أدبارها وهي ~~الأقفاء بحيث تكون الوجوه مطموسة مثل الأقفاء. وإلى هذا المعنى ذهب ابن ~~عباس وقتادة وغيرهما. # قال الإمام الرازي : وهذا المعنى إنما جعله الله عقوبة لما فيه من ~~التشويه في الخلقة والمثلة والفضيحة ؛ لأن عند ذلك يعظم الغم والحسرة ....» (1). # ومن المفسرين الذين رجحوا حمل اللفظ على حقيقته الإمام ابن جرير لقد قال ~~: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب» قول من قال : معنى قوله ( @QUR@05 من قبل ~~أن نطمس وجوها ) من قبل أن نطمس أبصارها ، ونمحو آثارها ، فنسويها ~~كالأقفاء. فنردها على أدبارها ، فنجعل أبصارها في أدبارها ، يعنى بذلك : ~~فنجعل الوجوه في أدبار الوجوه. فيكون معناه : فنحول الوجوه أقفاء ، ~~والأقفاء وجوها ، فيمشوا القهقرى ، كما قال ابن عباس ومن قال بذلك» (2). # وأصحاب هذا الاتجاه منهم من يرى أن هذه العقوبة تكون في آخر الزمان ومنهم ~~من يرى هذه العقوبة تكون في الآخرة. ومنهم من قال بأن هذه العقوبة مقيدة ~~بعدم إيمان أحد منهم ، وقد آمن بعضهم كعبد الله بن سلام وغيره وأما الاتجاه ~~الثاني فيرى أصحابه حمل اللفظ على مجازه ، بمعنى أن المراد بالطمس الطمس ~~المعنوي. # فيكون المعنى : آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن تقسو قلوبكم ، ~~ونطبع عليها بسبب تمسكها بالضلال ، وتماديها في العناد. # قال ابن كثير مؤيدا هذا الاتجاه : هذا مثل ضربه الله لهم في صرفهم عن ~~الحق وردهم ، إلى الباطل ، ورجوعهم عن المحجة البيضاء إلى سبيل الضلال ~~يهرعون ويمشون القهقرى على أدبارهم. وهذا كما قال بعضهم في قوله تعالى ( ~~@QUR@08 وجعلنا ms1255 من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا ) أى هذا مثل سوء ضربه ~~الله لهم في ضلالهم ومنعهم عن الهدى. # قال مجاهد : من قبل أن نطمس وجوها أى عن صراط الحق : فنردها على أدبارها ~~أى في الضلال. وقال السدى : معناه : فنعميها عن الحق ونرجعها كفارا ... (3). PageV03P175 # وقال الفخر الرازي بعد أن بين معنى الآية على القول الأول : أما القول ~~الثاني : فهو أن المراد من طمس الوجوه مجازه ثم ذكروا فيه وجوها. # الأول : قال الحسن : نطمسها عن الهدى فنردها على أدبارها أى على ضلالتها ~~والمقصود بيان إلقائها في أنواع الخذلان وظلمات الضلالات. # الثاني : يحتمل أن يكون المراد بالطمس القلب والتغيير. وبالوجوه : ~~رؤساؤهم ووجهاؤهم. # والمعنى : من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلب منهم الإقبال والوجاهة ~~ونكسوهم الصغار والإدبار والمذلة. # الثالث : قال عبد الرحمن بن زيد : هذا الوعيد قد لحق اليهود ومضى. وتأول ~~ذلك في إجلاء قريظة والنضير إلى الشام ، فرد الله وجوههم على أدبارهم حين ~~عادوا إلى أذرعات وأريحاء من أرض الشام .. فيكون المراد بطمس الوجوه على ~~هذا الرأى : إزالة آثارهم عن بلاد العرب ومحو أحوالهم عنها». # وقد مال الفخرى الرازي إلى القول الثاني ووصفه بأنه لا إشكال معه البتة ~~...» (1). # وقال بعض العلماء : إن الذي يبدو لنا من ظاهر النص وهو قوله تعالى ( ~~@QUR@08 من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها ): أنه يراد به سحقهم في ~~القتال ، وحملهم على أن يولوا الأدبار ، فتكون وجوههم غير بادية بصورها ، ~~بعد أن كانوا مقبلين بها ، فأزالها السيف والخوف ، وجعل صورتها مختفية ، ~~وأقفيتهم هي البادية الواضحة ، فكأن صورة الوجوه قد زالت وحلت محلها صورة ~~الأدبار. # وعلى ذلك يكون المعنى : إنكم استرسلتم في غيكم وضلالكم. ومع ذلك نطالبكم ~~بالهداية والإيمان قبل أن ينزل بكم غضب الله تعالى في الدنيا وذلك بتسليط ~~المؤمنين بالحق عليكم ، فيذيقونكم بأس القتال فتفرون ، وتختفى وجوهكم ...» (2). # هذه بعض الوجوه التي قالها من يرى أن المراد بالطمس الطمس المعنوي وأن ~~اللفظ محمول على المجاز ، ولعل هذا الاتجاه أقرب إلى الصواب لسلامته من ~~الاعتراضات والإشكالات التي أوردها ms1256 بعض المفسرين كالرازي والآلوسى عند ~~تفسيرهما للآية الكريمة. # وقوله ( @QUR@06 أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت ) بيان لعقوبة أخرى سوى ~~العقوبة السابقة. # واللعن : هو الطرد من رحمة الله تعالى . PageV03P176 # فالآية الكريمة دعوة لليهود إلى الإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ~~من قبل أن يطبع الله تعالى على قلوبهم ويذهب بنورها فلا تتجه إلى الحق ولا ~~تميل إليه. أو من قبل أن يلعنهم ويطردهم من رحمته ويجعلهم عبرة للمعتبرين. # وأصحاب السبت هم قوم من اليهود حرم الله عليهم الصيد في يوم السبت ، ~~فتحايلوا على استحلال ما حرمه الله بحيل قبيحة ، فأنزل الله عليهم عذابه ، ~~ومسخهم قردة ... # وقد ذكر الله قصتهم بشيء من التفصيل في سورة الأعراف (1). # وكلمة «أو» في الآية الكريمة لمنع الخلو. فجوز أن يعاقب الله طائفة منهم ~~بعقوبة من هاتين العقوبتين ، ويعاقب طائفة أخرى منهم بالعقوبة الثانية إن ~~هم استمروا في ضلالهم وطغيانهم. # والضمير المنصوب في قوله «نلعنهم» يعود لأصحاب الوجوه. أو للذين أوتوا ~~الكتاب على طريقة الالتفات. # وقوله ( @QUR@04 وكان أمر الله مفعولا ) أى كان وما زال جميع ما أمر الله ~~به وقضاه نافذا لا محالة ؛ لأنه سبحانه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في ~~السماء : # والجملة الكريمة تذييل قصد به تهديد هؤلاء الضالين المعاندين حتى يثوبوا ~~إلى رشدهم ، ويدخلوا في صفوف المؤمنين. # وقوله ( @QUR@013 إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ~~). استئناف مسوق لتقرير ما قبله من الوعيد ، ولتأكيد وجوب امتثال الأمر ~~بالإيمان ، لأنه لا مغفرة إذا انتفى الإيمان. # والمراد بالشرك هنا : مطلق الكفر ؛ فيدخل فيه كفر اليهود دخولا أوليا. # والمعنى : إن الله لا يغفر لكافر مات على كفره ، ويغفر ما دون الكفر من ~~الذنوب والمعاصي لمن يشاء أن يغفر له إذا مات من غير توبة. فمن مات من ~~المسلمين بدون توبة من الذنوب التي اقترفها فأمره مفوض إلى الله ، إن شاء ~~عفا عنه وأدخله الجنة ، وإن شاء عذبه ثم أدخله الجنة. # وقوله ( @QUR@07 ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ) استئناف ms1257 مشعر ~~بتعليل عدم غفران الشرك ، وزيادة في تشنيع حال المشرك. # أى. ومن يشرك بالله في عبادته غيره من خلقه ، فقد ارتكب من الآثام ما لا ~~تتعلق به المغفرة ، لأنه بهذا الإشراك قد افترى الكذب العظيم على الله ، ~~واقترف الإفك المبين ، وفعل أعظم ذنب في الوجود : PageV03P177 # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@07 إن الله لا يغفر أن يشرك به ) روى ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا ( @QUR@017 قل يا عبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ) فقال له رجل : ~~يا رسول الله والشرك!! فنزل : ( @QUR@07 إن الله لا يغفر أن يشرك به ). ~~الآية. وهذا من المحكم المتفق عليه الذي لا اختلاف فيه بين الأمة. # وقوله ( @QUR@06 ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) من المتشابه الذي قد تكلم ~~العلماء فيه. # فقال ابن جرير الطبري : قد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة فهو في ~~مشيئة الله إن شاء عفا عنه ذنبه ، وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرته ~~شركا بالله تعالى » (1). # وقد أورد ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية الكريمة ثلاثة عشر حديثا تتعلق بها. # ومن هذه الأحاديث ما رواه الحافظ أبو يعلى في مسنده عن جابر أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : لا تزال المغفرة على العبد ما لم يقع في الحجاب» قيل ~~يا نبي الله وما الحجاب؟ قال : الإشراك بالله. ثم قرأ : ( @QUR@07 إن الله ~~لا يغفر أن يشرك به ). الآية. # وروى ابن أبى حاتم وابن جرير عن ابن عمر قال : كنا معشر أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم لا نشك في قاتل النفس ، وآكل مال اليتيم ، وشاهد الزور ، ~~وقاطع الرحم ، حتى نزلت هذه الآية : ( @QUR@013 إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) وفي رواية لابن أبى حاتم : فلما سمعناها كففنا ~~عن الشهادة وأرجينا الأمور إلى الله تعالى » (2). # وقال الآلوسى : ثم إن هذه الآية كما يرد بها على المعتزلة الذين يسوون ~~بين الإشراك بالله وبين ارتكاب الكبيرة بدون توبة يرد ms1258 بها أيضا على الخوارج ~~الذين زعموا أن كل ذنب شرك وأن صاحبه مخلد في النار. وذكر الجلال أن فيها ~~ردا أيضا على المرجئة القائلين : إن أصحاب الكبائر من المسلمين لا يعذبون. # وأخرج ابن الضريس وابن عدى بسند صحيح عن ابن عمر قال : كنا نمسك عن ~~الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا صلى الله عليه وسلم قوله تعالى ( ~~@QUR@07 إن الله لا يغفر أن يشرك به ) وقال : «إنى ادخرت دعوتي وشفاعتي ~~لأهل الكبائر من أمتى فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا ثم نطقنا ورجونا». ~~وقد استبشر الصحابة بهذه الآية حتى قال على بن أبى طالب : أحب آية إلى في ~~القرآن ( @QUR@013 إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) (3). # ثم حكى سبحانه لونا آخر من قبائح اليهود فقال : ( @QUR@06 ألم تر إلى ~~الذين يزكون أنفسهم ، PageV03P178 # @QUR@018 بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا. انظر كيف يفترون على ~~الله الكذب وكفى به إثما مبينا ). # روى المفسرون في سبب نزول هاتين الآيتين أن رجالا من اليهود أتوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم بأطفالهم فقالوا : يا محمد هل على هؤلاء ذنب؟ فقال : لا. ~~فقالوا : والله ما نحن إلا كهيئتهم. # ما عملناه بالنهار كفر عنا بالليل ، وما عملنا بالليل كفر عنا بالنهار» (1). # ولقد حكى القرآن عن اليهود أنهم قالوا ( @QUR@06 لن تمسنا النار إلا ~~أياما معدودة ). # وحكى عنهم أنهم كانوا ( @QUR@07 يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا ). # وحكى عنهم وعن النصارى أنهم قالوا : ( @QUR@04 نحن أبناء الله وأحباؤه ). # والاستفهام في قوله تعالى ( @QUR@02 ألم تر ) للتعجب من أحوالهم ، ~~والتهوين من شأنهم حيث بالغوا في مدح أنفسهم مع أنهم كاذبون في ذلك. # وقوله ( @QUR@02 يزكون أنفسهم ) من التزكية بمعنى التطهير والتنزيه عن ~~القبيح. والمراد بهذا التعبير هنا : أنهم يصفون أنفسهم بالأفعال الحسنة ، ~~ويمدحونها مدحا كثيرا ، مع أنهم لا يستحقون إلا الذم بسبب سوء أقوالهم ~~وأفعالهم. # والمعنى : ألم ينته علمك يا محمد إلى حال هؤلاء اليهود الذين يمدحون ~~أنفسهم ويثنون عليها مختالين متفاخرين مع ما هم عليه ms1259 من الكفر وسوء ~~الأخلاق؟ إن كنت لم تعلم أحوالهم أو لم تنظر إليهم فها نحن نكشف لك عن ~~خباياهم لتتعجب من سوء أعمالهم وليتعجب منهم كل عاقل. # وقوله ( @QUR@05 بل الله يزكي من يشاء ) إبطال لمعتقدهم بإثبات ضده ، وهو ~~أن التزكية شهادة من الله ولا ينفع أحدا أن يزكى نفسه ، وإعلام منه سبحانه ~~بأن تزكيته هي التي يعتد بها لا تزكية غيره ، فإنه هو العالم بما ينطوى ~~عليه الإنسان من حسن وقبح ، وخير وشر. # وقوله ( @QUR@03 ولا يظلمون فتيلا ) بيان لكمال عدله سبحانه وأنه لا يظلم ~~أحدا من خلقه لا قليلا ولا كثيرا. # والفتيل : هو الخيط الذي يكون في شق النواة. وكثيرا ما يضرب به المثل في ~~القلة والحقارة. # أى أن هؤلاء الذين يزكون أنفسهم بغير حق يعاقبون على هذا الكذب بما ~~يستحقون من عقاب عادل لا ظلم معه ؛ لأنه سبحانه لا يظلم أحدا من عباده شيئا ~~بل يجازى كل إنسان بما هو أهل له من خير أو شر. PageV03P179 # ثم أكد سبحانه التعجيب من أحوالهم فقال : ( @QUR@06 انظر كيف يفترون على ~~الله الكذب ... ). # أى : انظر أيها العاقل كيف يفترى هؤلاء اليهود على الله الكذب في تزكيتهم ~~لأنفسهم مع كفرهم وعنادهم وارتكابهم الأفعال القبيحة التي تجعلهم أهلا لكل ~~مذمة وسوء عاقبة. # وقد جعل سبحانه افتراءهم الكذب لشدة تحقق وقوعه ، كأنه أمر مرئى يراه ~~الناس بأعينهم ، ويشاهدونه بأبصارهم. # وقوله ( @QUR@04 وكفى به إثما مبينا ) أى : وكفى بافترائهم الكذب على ~~الله إثما ظاهرا بينا يستحقون يسببه أشد العقوبات ، وأغلظ الإهانات. # قال القرطبي ما ملخصه : قوله تعالى ( @QUR@06 ألم تر إلى الذين يزكون ~~أنفسهم ) يقتضى الغض من المزكى لنفسه بلسانه ، والإعلان بأن الزاكي المزكى ~~من حسنت أفعاله ، وزكاه الله تعالى ، فلا عبرة بتزكية الإنسان نفسه ، وإنما ~~العبرة بتزكية الله له. # وأما تزكية الغير ومدحه له ففي البخاري من حديث أبى بكرة أن رجلا ذكر عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأثنى عليه رجل خيرا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ~~«ويحك قطعت عنق صاحبك يقوله مرارا إن كان أحدكم ms1260 مادحا لا محالة فليقل أحسب ~~كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك ، وحسبه الله ولا يزكى على الله أحدا». فنهى ~~صلى الله عليه وسلم أن يفرط في مدح الرجل بما ليس فيه ... فيحمله ذلك على ~~تضييع العمل وترك الازدياد من الفضل ؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : «ويحك ~~قطعت عنق صاحبك». # ومدح الرجل بما فيه من الفعل الحسن والأمر المحمود ليكون منه ترغيبا له ~~في أمثاله ، وتحريضا للناس على الاقتداء به في أشباهه ليس مدحا مذموما. # وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم في الشعر والخطب والمخاطبة. ومدح ~~صلى الله عليه وسلم أصحابه فقال : «إنكم لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع» (1). # ثم ساق سبحانه بعد ذلك لونا آخر من رذائلهم وقبائحهم التي تدعو إلى مزيد ~~من التعجيب من أحوالهم. والتحقير من شأنهم فقال تعالى : ( @QUR@020 ألم تر ~~إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين ~~كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ). # روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها : ما جاء عن ابن عباس أن ~~حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف خرجا إلى مكة في جمع من اليهود ليحالفوا قريشا ~~على حرب PageV03P180 # النبي صلى الله عليه وسلم . فنزل كعب على أبى سفيان فأحسن مثواه. ونزلت ~~اليهود في دور قريش. فقال أهل مكة لليهود : إنكم أهل كتاب ومحمد ~~صلى الله عليه وسلم صاحب كتاب فلا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم. فإن أردتم أن ~~نخرج معكم فاسجدوا لهذين الصنمين وآمنوا بهما ففعلوا. ثم قال كعب : يا أهل ~~مكة ليجيء منا ثلاثون ومنكم ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب البيت ~~على قتال محمد صلى الله عليه وسلم ففعلوا ذلك. فلما فرغوا قال أبو سفيان لكعب ~~: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ، ونحن أميون لا نعلم فأينا أهدى طريقا وأقرب ~~إلى الحق نحن أم محمد؟ قال كعب : اعرضوا على دينكم. # فقال أبو سفيان : نحن ننحر للحجيج الكرماء ، ونسقيهم اللبن ، ونقرى الضيف ~~، ونفك العاني ، ونصل الرحم ، ونعمر بيت ربنا ونطوف به ms1261 ، ونحن أهل الحرم ، ~~ومحمد صلى الله عليه وسلم فارق دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم ، وديننا ~~القديم ودين محمد الحديث. # فقال كعب : أنتم والله أهدى سبيلا مما عليه محمد صلى الله عليه وسلم فأنزل ~~الله الآية (1). # والجبت في الأصل : اسم صنم ثم استعمل في كل معبود سوى الله تعالى . # والطاغوت : يطلق على كل باطل وعلى كل ما عبد من دون الله ، أو كل من دعا ~~إلى ضلالة. أى : يصدقون بأنهما آلهة ويشركونهما في العبادة مع الله تعالى . ~~أو يطيعونهما في الباطل. # قال ابن جرير : والصواب من القول في تأويل ( @QUR@03 يؤمنون بالجبت ~~والطاغوت ) أن يقال : يصدقون بمعبودين من دون الله ، ويتخذونهما إلهين ، ~~وذلك أن الجبت والطاغوت اسمان لكل معظم بعبادة من دون الله أو طاعة أو خضوع ~~له ، كائنا ما كان ذلك المعظم من حجر أو إنسان أو شيطان» (2). # وقوله ( @QUR@03 ويقولون للذين كفروا ) بيان لما نطقوا به من زور وبهتان. ~~أى : ويقولون إرضاء للذين كفروا وهم مشركو مكة. هؤلاء في شركهم وعبادتهم ~~للجبت والطاغوت ، ( @QUR@05 أهدى من الذين آمنوا سبيلا ) أى أقوم طريقا ، ~~وأحسن دينا من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم . # واللام في قوله ( @QUR@02 للذين كفروا ) لام العلة. أى : يقولون لأجل ~~الذين كفروا .. # والإشارة بقوله ( @QUR@02 هؤلاء أهدى ) إلى الذين كفروا. # وإيراد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعنوان الإيمان ، ليس من قبل ~~القائلين ، بل من جهة الله تعالى ، تعريفا لهم بالوصف الجميل ، وتحقيرا لمن ~~رجح عليهم المتصفين بأقبح الصفات. PageV03P181 # ثم بين سبحانه مصيرهم السيئ بسبب انحرافهم عن الحق فقال تعالى ( @QUR@04 ~~أولئك الذين لعنهم الله ). # أى : أولئك الذين استحوذ عليهم الشيطان ، فأيدوا المشركين بالقول والعمل ~~وسجدوا لأصنامهم ، وزكوا أفعالهم ... أولئك الذين هذه صفاتهم ( @QUR@02 ~~لعنهم الله ) أى : أبعدهم عن رحمته وطردهم وأخزاهم بسبب كذبهم في حقدهم ~~وإيثارهم عبادة الشيطان على طاعة الرحمن. # ( @QUR@07 ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا ) أى ومن يلعنه الله ويبعده عن ~~رحمته فلن تجد له ناصرا ينصره ، أو شفيعا يشفع له. # واسم الإشارة ( @QUR@01 أولئك ) مبتدأ. والموصول وصلته خبر. والجملة ms1262 ~~مستأنفة لبيان حالهم. وإظهار سوء مآلهم. # والإتيان باسم الإشارة هنا في نهاية البلاغة ، لأن من بلغ وصف حاله هذا ~~المبلغ صار جديرا بأن يشار إليه بكل ازدراء واحتقار. # وفي قوله ( @QUR@07 ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا ) بيان لحرمانهم ثمرة ~~استنصارهم بمشركي قريش ، وإيماء إلى وعد المؤمنين بأنهم المنصورون ، لأنهم ~~هم المقربون عند الله ، ومن يقربه الله فلن تجد له خاذلا. # هذا ، وتحالف أولئك اليهود مع المشركين ، وتفضيلهم إياهم على المؤمنين ~~كما حكته الآية الكريمة قد شهد بقبحه واحد من اليهود هو الدكتور إسرائيل ~~ولفنسون. فقد قال في كتابه «تاريخ اليهود في جزيرة العرب» معلقا على هذه ~~القصة : # وكان من واجب هؤلاء اليهود ألا يتورطوا في هذا الخطأ الفاحش ، وألا ~~يصرحوا أمام زعماء قريش بأن عبادة الأصنام أفضل من التوحيد الإسلامى ولو ~~أدى بهم الأمر إلى عدم إجابة مطلبهم ، لأن بنى إسرائيل الذين كانوا لمدة ~~قرون حاملى راية التوحيد في العالم بين الأمم الوثنية باسم الآباء الأقدمين ~~، والذين نكبوا بنكبات لا تحصى من تقتيل واضطهاد بسبب إيمانهم بإله واحد في ~~عصور شتى من الأدوار التاريخية ... كان من واجبهم أن يضحوا بحياتهم وكل ~~عزيز عليهم في سبيل أن يخذلوا المشركين ، هذا فضلا عن أنهم بالتجائهم إلى ~~عبدة الأوثان ، إنما كانوا يحاربون أنفسهم ، ويناقضون تعاليم التوراة التي ~~توصيهم بالنفور من عبدة الأصنام ، والوقوف منهم موقف الخصومة (1). # ثم انتقل سبحانه من توبيخهم على تزكيتهم لأنفسهم بالباطل وعلى تفضيلهم عبادة PageV03P182 # الأوثان على عبادة الرحمن. إلى توبيخهم على البخل والأثرة فقال تعالى : ( ~~@QUR@010 أم لهم نصيب من الملك ، فإذا لا يؤتون الناس نقيرا ). # و ( @QUR@01 أم ) هنا منقطعة بمعنى بل فهي للإضراب والانتقال ، والهمزة ~~للاستفهام الإنكارى أى : لإنكار أن يكون لهم نصيب من الملك ، وإبطال زعمهم ~~من أن الملك يعود إليهم في آخر الزمان. والفاء في قوله ( @QUR@01 فإذا ) ~~للسببية الجزائية لشرط محذوف. # والنقير : النكتة التي تكون في ظهر النواة ويضرب به المثل في القلة ~~والحقارة. # والمعنى : إن هؤلاء اليهود ليس لهم نصيب من الملك ألبتة. لأنهم لا ms1263 ~~يستحقونه ، ولأنهم لو أوتوا نصيبا منه على سبيل الفرض فإنهم لشدة حرصهم ~~وبخلهم وأثرتهم لا يعطون أحدا غيرهم منه أقل القليل. وقد كنى عن أقل القليل ~~هذا بالنقير. # فأنت ترى أن الآية الكريمة ترد على ما يزعمه اليهود من أن الملك لهم ، ~~وأنهم لا يليق بهم أن يتبعوا غيرهم ، وتصفهم بأنهم أبخل الناس وأبعدهم عن ~~العدل والقسط ومن كانت هذه صفاته ، فقد اقتضت حكمة الله أن يحرمه نعمة ~~الملك والسلطان. # ثم انتقل سبحانه من تبكيتهم على البخل وغيره مما سبق إلى تقريعهم على ~~رذيلة الحسد التي استولت عليهم فأضلتهم وجعلتهم يتألمون لما يصيب الناس من ~~خير ويتمنون زواله فقال تعالى : ( @QUR@09 أم يحسدون الناس على ما آتاهم ~~الله من فضله ). # و ( @QUR@01 أم ) هنا منقطعة أيضا كسابقتها ، والاستفهام المقدر بعدها ~~لإنكار الواقع وهو حسدهم لغيرهم. # والمراد من الناس : النبي صلى الله عليه وسلم أو هو والمؤمنون معه. وقيل ~~المقصود من الناس : العرب عامة. # قال الفخر الرازي : والمراد من الناس عند الأكثرين أنه محمد ~~صلى الله عليه وسلم . وإنما جاز أن يقع عليه لفظ الجمع وهو واحد ؛ لأنه اجتمع ~~عنده من خصال الخير ما لا يحصل إلا متفرقا في الجمع العظيم أو المراد بهم : ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين ؛ لأن لفظ الناس جمع فحمله على ~~الجمع أولى من حمله على المفرد. وحسن لفظ إطلاق الناس عليهم لأنهم القائمون ~~بالعبودية الحق لله تعالى فكأنهم كل الناس ...» (1). # والمراد بالفضل في قوله ( @QUR@06 على ما آتاهم الله من فضله ) النبوة ~~والهدى والإيمان. # والمعنى : إن هؤلاء اليهود ليسوا بخلاء فقط بل إن فيهم من الصفات ما هو ~~أقبح من البخل PageV03P183 # وهو الحسد ، فقد حسدوا النبي صلى الله عليه وسلم لأن الله منحه النبوة وهو ~~رجل عربي ليس منهم ، وحسدوا أتباعه لأنهم آمنوا به وصدقوه والتفوا من حوله ~~يؤازرونه ويفتدونه بأرواحهم وأموالهم. # وقوله ( @QUR@09 فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا ~~عظيما ) توبيخ لهم على حسدهم ، وإلزام لهم بما هو مسلم عندهم. # والمعنى : إنكم بحسدكم ms1264 للنبي صلى الله عليه وسلم على ما آتاه الله من فضله ، ~~تكونون قد ضللتم وسرتم في طريق الشيطان ، لأنكم لو كنتم عقلاء لما فعلتم ~~ذلك ، إذ أنتم تعلمون علم اليقين أن الله تعالى قد أعطى ( @QUR@02 آل ~~إبراهيم ) أى : قرابته القريبة من ذريته كإسماعيل وهو جد العرب وإسحاق ~~ويعقوب وغيرهم .. أعطاهم ( @QUR@01 الكتاب ) أى : جنس الكتب السماوية فيشمل ~~ذلك التوراة والإنجيل والزبور وغيرها. وأعطاهم ( @QUR@01 الحكمة ) أى العلم ~~النافع مع العمل به. وأعطاهم ( @QUR@02 ملكا عظيما ) أى سلطانا واسعا وبسطة ~~في الأرض. # ومع ذلك فأنتم لم تحسدوا هؤلاء على ما أعطاهم الله من كتاب وحكمة وملك ~~عظيم ، فلما ذا تحسدون محمدا صلى الله عليه وسلم على ما آتاه الله من فضله مع ~~أنه من نسل إبراهيم عليه السلام ؟. # فالجملة الكريمة توبيخ لهم على أنانيتهم وحسدهم ، وإلزام لهم بما يعرفونه ~~من واقع كتبهم ، وكشف للناس عن أن أحقادهم مرجعها إلى انطماس بصيرتهم ، ~~وخبث نفوسهم. # ثم بين سبحانه عاقبة كل من المحسن والمسيء فقال : ( @QUR@011 فمنهم من ~~آمن به ، ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ). # أى : فمن جنس هؤلاء الحاسدين وآبائهم من آمن وصدق بما أعطاه الله لآل ~~إبراهيم من كتاب وحكمه ، ومنهم من كفر به وأعرض عنه وسعى في صد الناس عنه. ~~فالضمير في ( @QUR@01 به ) و ( @QUR@01 عنه ) يعود إلى ما أوتى آل إبراهيم. # ويرى بعضهم أن الضمير يعود إلى إبراهيم عليه السلام . فيكون المعنى : # فمن آل إبراهيم من آمن بإبراهيم ومنهم من أعرض عنه ولم يتبع تعاليمه. # وفي هذه الآية الكريمة تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عما لقيه من اليهود ~~من أذى. # فكأنه سبحانه يقول له : إن هؤلاء الحاسدين لك قد اختلفوا على من هم منهم ~~، وأنت يا محمد لست منهم ، فكيف تنتظر منهم أن يسالموك أو يتبعوك؟ # وقوله ( @QUR@03 وكفى بجهنم سعيرا ) بيان لما أعده سبحانه للكافرين من عذاب. # أى : وكفى بجهنم نارا مسعرة أى : موقدة إيقادا شديدا يعذبون بها على ~~كفرهم وعنادهم وصدودهم عن الحق. يقال : سعر النار كمنع وسعرها وأسعرها أى : ~~أوقدها. ms1265 PageV03P184 # وكفى فعل ماض. وقوله ( @QUR@01 بجهنم ) فاعله على زيادة الباء فيه. وقوله ~~( @QUR@01 سعيرا ) تمييز أو حال. # وبهذا نرى أن هذه الآيات الكريمة من قوله تعالى ( @QUR@08 ألم تر إلى ~~الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ) إلى قوله : ( @QUR@03 وكفى بجهنم سعيرا ) قد ~~وبخت اليهود على بيعهم دينهم بدنياهم ، وتحريفهم الكلم عن مواضعه ~~واستهزائهم بدعوة الحق ، وتزكيتهم لأنفسهم بالباطل ، وافترائهم على الله ~~الكذب ، وتفضيلهم عبادة الأوثان على عبادة الله ، وعلى بخلهم وحسدهم للنبي ~~صلى الله عليه وسلم على ما آتاه الله من فضله. # وقد توعدتهم على هذه الصفات الذميمة ، والمسالك الخبيثة بأشد أنواع ~~العذاب ، وحذرت المؤمنين من شرورهم ومفاسدهم. # ثم بين سبحانه بعد ذلك سوء عاقبة كل كافر ، وحسن عاقبة كل مؤمن ، فقال : # ( @QUR@020 إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم ~~بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما (56) @QUR@020 ~~والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا ) (57) # والمراد بالذين كفروا هنا : كل كافر سواء أكان من بنى إسرائيل أم من غيرهم. # وقوله : ( @QUR@01 نصليهم ) من الإصلاء وهو إيقاد النار. والمراد هنا ~~إدخالهم فيها وقوله : ( @QUR@01 نضجت ) من النضج وهو بلوغ نهاية الشيء. ~~يقال : نضج الثمر واللحم ينضج نضجا إذا أدرك وبلغ نهايته. والمراد هنا : ~~احتراق الجلود احتراقا تاما. # والمعنى : ( @QUR@04 إن الذين كفروا بآياتنا ) الدالة على أن الله وحده ~~هو المستحق للعبادة والخضوع ( @QUR@03 سوف نصليهم نارا ) أى : سوف ندخلهم ~~نارا هائلة عظيمة وسوف هنا كما قال سيبويه للتهديد وتأكيد العذاب المقبل ~~ولو مع التراخي وتراخى العذاب مع تأكيده يجعل النفس في فزع دائم ، وخوف ~~مستمر حتى يقع. # وقوله ( @QUR@06 كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ) بيان لشدة ~~العذاب ودوامه أى : كلما PageV03P185 # احترقت جلودهم وتلاشت أعطيناهم بدل الجلود المحترقة جلودا غير محترقة ~~مغايرة للمحترقة. # فالتبديل على هذا تبديل حقيقى مادى. بمعنى أن يخلق الله تعالى مكان ~~الجلود المحترقة جلودا أخرى جديدة مغايرة للمحترقة. # ويرى بعضهم أن الجملة الكريمة كناية عن دوام العذاب لهم. وقد ms1266 ذكر هذا ~~الرأى الفخر الرازي فقال : ويمكن أن يقال : هذا استعارة عن الدوام وعدم ~~الانقطاع. كما يقال لمن يراد وصفه بالدوام : كلما انتهى فقد ابتدأ. وكلما ~~وصل إلى آخره فقد ابتدأ من أوله. فكذا قوله ( @QUR@06 كلما نضجت جلودهم ~~بدلناهم جلودا غيرها ). # يعنى : كلما ظنوا أنهم نضجوا واحترقوا وانتهوا إلى الهلاك ، أعطيناهم قوة ~~جديدة من الحياة. # فيكون المقصود بيان دوام العذاب وعدم انقطاعه) (1). # والذي نراه أن حمل التبديل على حقيقته أولى ، لأنه ليس لنا أن نعدل في ~~كلام الله عن الحقيقة إلى المجاز ، إلا عند الضرورة. وهنا لا ضرورة لذلك ، ~~لأن تبديل الجلود داخل تحت قدرة الله تعالى ولأن هذا المعنى الذي ذكره ~~الإمام الرازي يتأتى مع حمل اللفظ على حقيقته إذ كلمة «كل» تدل على دوام ~~العذاب وعدم انقطاعه ، ولأن كثيرا من السلف قد فسروا الآية على الوجه الأول ~~، فقد روى عن ابن عمر أنه قال : تلا رجل عند عمر هذه الآية قال : فقال عمر ~~: أعدها على. فأعادها. فقال معاذ بن جبل : عندي تفسيرها : تبدل جلودهم في ~~كل ساعة مائة مرة. فقال عمر : هكذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم . # وقوله ( @QUR@02 ليذوقوا العذاب ) جملة تعليلية لقوله ( @QUR@01 بدلناهم ~~) أى بدلناهم جلودا غيرها ليقاسوا شدة العذاب ، وليحسوا به في كل مرة كما ~~يحس الذائق للشيء الذي يذوقه. # وقوله ( @QUR@05 إن الله كان عزيزا حكيما ) تذييل قصد به تأكيد التهديد ~~والوعيد الذي اشتملت عليه الآية الكريمة. # أى : أن الله تعالى كان وما زال عزيزا لا يغلبه غالب ، ولا يمنع عقابه ~~مانع (حكيما) في تدبيره وتقديره وتعذيب من يعذبه وإثابة من يثيبه. # وقوله ( @QUR@04 والذين آمنوا وعملوا الصالحات ) بيان لحسن الثواب الذي ~~وعد الله به عباده المؤمنين في مقابلة بيان العقاب الذي أعده للكافرين. # وتلك عادة القرآن في تربية النفوس. إنه يسوق عاقبة الكافرين ثم يتبعها ~~بحسن عاقبة المؤمنين أو العكس ، ليحمل العقلاء على الابتعاد عن طريق الكفر ~~والعصيان ، وليغريهم بالسير PageV03P186 # في طريق الطاعة والإيمان. # أى : والذين آمنوا إيمانا حقا ، وعملوا في دنياهم الأعمال ms1267 الطيبات ~~الصالحات ( @QUR@01 سندخلهم ) يوم القيامة ( @QUR@02 جنات تجري ) من تحت ~~شجرها وقصورها ( @QUR@04 الأنهار خالدين فيها أبدا ) أى : أكرمناهم إكراما ~~عظيما بأن جعلناهم مقيمين في الجنة لا يموتون ولا يخرجون منها ( @QUR@04 ~~لهم فيها أزواج مطهرة ) أى لهم فيها نساء بريئات ومنزهات من جميع الأدناس ~~الحسية والمعنوية. # وقوله : ( @QUR@03 وندخلهم ظلا ظليلا ) أى : ظلا وارفا جميلا لا يصيب ~~صاحبه حر ولا سموم. # والظل : أثر لما يحجب الشمس وحرارتها. والظليل : صفة مشتقة من الظل ~~للتأكيد على حد قولهم : ليل أليل أى ظلا بلغ الغاية في جنسه. # ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال : ( @QUR@01 ظليلا ) صفة مشتقة من لفظ ~~الظل لتأكيد معناه. كما يقال : ليل أليل. ويوم أيوم وما أشبه ذلك. وهو ما ~~كان فيئا أى طويلا ممتدا لا حوب فيه أى لا خرق ولا قطع فيه ودائما لا تنسخه ~~الشمس. وسجسجا أى متوسطا لا حر فيه ولا برد. وليس ذلك إلا ظل الجنة. رزقنا ~~الله بتوفيقه لما يزلف إليه التفيؤ تحت ذلك الظل (1). # * * * # وبعد هذا الحديث الجامع عن أحوال أهل الكتاب من اليهود ، وجه القرآن جملة ~~من الأوامر الحكيمة إلى المؤمنين ، فقال تعالى : # ( @QUR@025 إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين ~~الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا ~~(58) @QUR@029 يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله ~~واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) (59) PageV03P187 # قال ابن كثير عند تفسيره للآية الأولى : ذكر كثير من المفسرين أن هذه ~~الآية نزلت في شأن عثمان بن طلحة بن أبى طلحة. وهو ابن عم شيبة بن عثمان بن ~~أبى طلحة الذي صارت الحجابة في نسله إلى اليوم. وسبب نزولها فيه : حين أخذ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة منه يوم الفتح ثم رده عليه. # ثم قال : قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن جعفر عن عبيد الله بن أبى ~~ثور عن صفية بنت شيبة أن ms1268 رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بمكة واطمأن ~~الناس ، خرج حتى أتى إلى البيت فطاف به سبعا على راحلته يستلم الركن بمحجن ~~في يده. فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ مفتاح الكعبة منه ففتحت له ~~فدخلها. # ثم قام على باب الكعبة فقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له. صدق ~~وعده. ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده. ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو ~~تحت قدمي هاتين : إلا سدانة البيت وسقاية الحاج. # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أين عثمان بن طلحة؟ فدعى له. فقال : ~~هاك مفتاحك يا عثمان!! اليوم يوم بر ووفاء (1). # هذا ونزول الآية الكريمة في هذا السبب الخاص لا يمنع عمومها إذ العبرة ~~بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. # والأمانات : جمع أمانة وهي مصدر سمى به المفعول. فهي بمعنى ما يؤتمن ~~الإنسان عليه. # والمعنى : إن الله تعالى يأمركم أيها المؤمنون أن تؤدوا ما ائتمنتم عليه ~~من الحقوق سواء أكانت هذه الحقوق لله تعالى أم للعباد. وسواء أكانت فعلية ~~أم قولية أم اعتقادية. # وقد أسند سبحانه الأمر إليه مع تأكيده ، اهتماما بالمأمور به ، وحضا ~~للناس على أداء ما يؤتمنون عليه من علم ومال ، وودائع ، وأسرار ، وغير ذلك ~~مما يقع في دائرة الائتمان ، وتنبغي المحافظة عليه. # ومعنى أدائها إلى أهلها : توصيلها إلى أصحابها كما هي من غير بخس أو ~~تطفيف أو تحريف أو غير ذلك مما يتنافى مع أدائها بالطريقة التي ترضى الله ~~تعالى . # ومن الآيات القرآنية التي نوهت بشأن الأمانة وأمرت بأدائها وحفظها قوله ~~تعالى : ( @QUR@014 إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين ~~أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان ) (2). PageV03P188 # وقوله تعالى ( @QUR@018 والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون. والذين هم ~~بشهاداتهم قائمون. والذين هم على صلاتهم يحافظون. أولئك في جنات مكرمون ) (1). # وأما الأحاديث فمنها ما رواه الترمذي والنسائي عن أبى هريرة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من ~~أمنه الناس على دمائهم وأموالهم». ms1269 # وروى الترمذي وأبو داود عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك). # وقوله : ( @QUR@07 وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) أمر بإيصال ~~الحقوق المتعلقة بذمم الغير إلى أصحابها إثر الأمر بإيصال الحقوق المتعلقة ~~بذممهم. # وقوله ( @QUR@01 حكمتم ) من الحكم ومعناه الفصل بين المتنازعين ، وإظهار ~~الحق لصاحبه. # وقوله ( @QUR@01 بالعدل ) أى بالحق الذي أوجبه الله عليكم. وأصل العدل : ~~التسوية. يقال : عدل كذا بكذا أى سواه به. # قال الجمل وقوله : ( @QUR@02 وإذا حكمتم ) إذا معمول لمقدر على مذهب ~~البصريين من أن ما بعد أن المصدرية لا يعمل فيما قبلها والتقدير : وأن ~~تحكموا بالعدل إذا حكمتم بين الناس. أو معمول للمذكور على مذهب الكوفيين من ~~إجازة عمل ما بعد أن فيما قبلها (2). # والمعنى : وكما أمركم الله تعالى أيها المؤمنون بأداء الأمانات إلى أهلها ~~، فإنه يأمركم أيضا إذا حكمتم بين الناس أن تجعلوا حكمكم قائما على الحق ~~والعدل ، فإن الله تعالى ما أقام ملكه إلا عليهما ، ولأن الأحكام إذا ~~صاحبها الجور والظلم أدت إلى شقاء الأفراد والجماعات. # قال بعض العلماء : يرى بعضهم : أن الخطاب في هذا النص موجه إلى الذين ~~يحكمون ، وهم الحكام من ولاة وقضاة وغيرهم ممن يلون الحاكم. ولا مانع عندنا ~~من أن يكون الخطاب موجها إلى الأمة كلها ، لأن الأمة العزيزة التي تتولى ~~أمور نفسها من غير تحكم من ملك أو طاغ قاهر ، هي محكومة ومحكمة. فهي التي ~~تختار حاكمها وهي في هذا محكمة ، مطلوب منها العدل ، فلا تختار لهوى أو ~~لعطاء أو لمصلحة شخصية أيا كان نوعها. وهي محكمة في حاكمها فلا تقول فيه ~~إلا حقا ، ولا تطالبه إلا بما هو حق لا جور فيه ، ولا تشتط في نقده ، ولا ~~تسكن عن نصيحته ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : الدين النصيحة : لله ~~ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) (3). PageV03P189 # وحديث القرآن عن وجوب إقامة العدل ودفع الظلم حديث مستفيض. قال تعالى : ( ~~@QUR@05 إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) (1). # وقال تعالى ( @QUR@014 يا داود إنا جعلناك خليفة ms1270 في الأرض فاحكم بين ~~الناس بالحق ولا تتبع الهوى ) (2). # وقال تعالى ( @QUR@07 وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ) (3). # وقال تعالى ( @QUR@011 ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا. اعدلوا هو ~~أقرب للتقوى ) (4). # وأما حديث السنة النبوية عن ذلك فهو أيضا مستفيض. ومن الأحاديث التي وردت ~~في هذا المعنى ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ~~قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن المقسطين عند الله على منابر من ~~نور عن يمين الرحمن. وكلتا يديه يمين. الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا». # وقوله ( @QUR@05 إن الله نعما يعظكم به ) جملة مستأنفة مقررة لمضمون ما ~~قبلها ، متضمنة لمزيد اللطف بالمخاطبين ، وحسن استدعائهم إلى الامتثال لما ~~أمروا به وقوله ( @QUR@05 إن الله نعما يعظكم به ) جملة مستأنفة مقررة ~~لمضمون ما قبلها ، متضمنة لمزيد اللطف بالمخاطبين ، وحسن استدعائهم إلى ~~الامتثال لما أمروا به وقوله ( @QUR@01 نعما ) أصله نعم ما فركبت نعم مع ما ~~بعد طرح حركة الميم الأولى وتنزيلها منزلة الكلمة الواحدة ثم أدغمت الميمان ~~وحركت العين الساكنة بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين. # وما إما منصوبة موصوفة بقوله ( @QUR@01 يعظكم ) فكأنه قيل : نعم شيئا ~~يعظكم به. # وإما مرفوعة موصولة فكأنه قيل : نعم الشيء الذي يعظكم به. # والمخصوص بالمدح محذوف وهو أداء الأمانة إلى أهلها والحكم بين الناس ~~بالعدل. # والوعظ : التذكير بالخير ، والتحذير من الشر ، بأسلوب يرق له القلب. # والمعنى : إن الله تعالى قد أمركم يا معشر المؤمنين بأداء الأمانة ، ~~وبالحكم بالعدل ، ولنعماهما شيئا جليلا يذكركم به ، ويدعوكم إليه. # وقوله تعالى ( @QUR@05 إن الله كان سميعا بصيرا ) وعد للطائعين ووعيد ~~للعاصين. # أى : إن الله تعالى كان سميعا لأقوالكم في الأحكام وفي غيرها. ( @QUR@01 ~~بصيرا ) بكل أحوالكم وتصرفاتكم. وسيجازيكم بما تفعلونه من خير أو شر. PageV03P190 # وبعد أن أمر سبحانه بأداء الأمانة وبالحكم بالعدل عقب ذلك بأمر المؤمنين ~~بطاعته وطاعة رسوله وولاة أمورهم فقال تعالى : ( @QUR@011 يا أيها الذين ~~آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ). # وطاعة الله وطاعة رسوله متلازمتان. قال تعالى : ( @QUR@06 من يطع ms1271 الرسول ~~فقد أطاع الله ). # ومعنى طاعتهما : التزام أوامرهما ، واجتناب نواهيهما. # والمراد بأولى الأمر على الراجح الحكام. وطاعتهم إنما تكون في غير معصية ~~الله ، فإذا أمروا بما يتنافى مع تعاليم الدين فلا سمع لهم على الأمة ولا طاعة. # وإنما أمرنا الله تعالى بطاعتهم في غير معصية ، لأنهم هم المنفذون ~~لتعاليم الشريعة ، وهم الذين بيدهم مقاليد الأمة التي يقومون على رعاية ~~مصالحها ، ولأن عدم طاعتهم يؤدى إلى اضطراب أحوال الأمة وفسادها. # قال صاحب الكشاف : والمراد (بأولى الأمر منكم): أمراء الحق ، لأن أمراء ~~الجور الله ورسوله بريئان منهم ، فلا يعطفون على الله ورسوله بوجوب الطاعة ~~لهم. وإنما يجمع بين الله ورسوله والأمراء الموافقين لهما في إيثار العدل ~~واختيار الحق والأمر بهما. والنهى عن أضدادهما كالخلفاء الراشدين ومن تبعهم ~~بإحسان. وكان الخلفاء يقولون : أطيعونى ما عدلت فيكم. فان خالفت فلا طاعة ~~لي عليكم ، وعن أبى حازم أن مسلمة بن عبد الملك قال له : ألستم أمرتم ~~بطاعتنا في قوله ( @QUR@03 وأولي الأمر منكم ) فقال له : أليس قد نزعت عنكم ~~إذا خالفتم الحق بقوله : ( @QUR@08 فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول ). # وقيل هم العلماء الدينيون الذين يعلمون الناس ويأمرونهم بالمعروف ~~وينهونهم عن المنكر (1). # وأعاد سبحانه الفعل ( @QUR@01 أطيعوا ) مع الرسول فقال : ( @QUR@04 ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) ولم يعده مع أولى الأمر ، للإشارة إلى ~~استقلال الرسول صلى الله عليه وسلم بالطاعة حتى ولو كان ما يأمر به ليس منصوصا ~~عليه في القرآن ، لأنه لا ينطق عن الهوى ، وللإيذان بأن طاعة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم أعلى من طاعة أولى الأمر. # وقوله ( @QUR@01 منكم ) في محل نصب على الحال من أولى الأمر. أى : أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر حالة كونهم كائنين منكم أى من دينكم ~~وملتكم. # وفي ذلك إشارة إلى أنه لا طاعة لمن يتحكمون في شئون المسلمين ممن ليسوا ~~على ملتهم. PageV03P191 # وقوله : ( @QUR@014 فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر ) بيان لما يجب على المؤمنين أن يفعلوه إذا ما ~~حدث بينهم اختلاف في ms1272 أمر من الأمور الدينية. والمراد بالتنازع هنا : ~~الاختلاف والجدال مأخوذ من النزع بمعنى الجذب. فكأن كل واحد من المختلفين ~~يجذب من غيره الحجة لدليله .. # ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم «مالي أنازع القرآن» أى ينازعني غيرى ~~ويجاذبنى في القراءة. وذلك أن بعض المأمومين جهر خلفه فنازعه قراءته فشغله ~~، فنهاه عن الجهر بالقراءة في الصلاة خلفه (1). # والمعنى : فان تنازعتم واختلفتم أيها المؤمنون أنتم وأولو الأمر منكم في ~~أمر من أمور الدين ( @QUR@04 فردوه إلى الله والرسول ) أى فردوا ذلك الحكم ~~أو الأمر الذي اختلفتم فيه إلى كتاب الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن ~~تسألوه عنه في حياته ، وترجعوا إلى سنته بعد مماته. # قال القرطبي : قوله ( @QUR@04 فإن تنازعتم في شيء ) أى تجادلتم واختلفتم ~~في شيء من أمور دينكم ( @QUR@04 فردوه إلى الله والرسول ) أى ردوا ذلك ~~الحكم إلى كتاب الله أو إلى رسوله بالسؤال في حياته ، أو بالنظر في سنته ~~بعد وفاته. وهذا قول مجاهد والأعمش وقتادة. وهو الصحيح. # ومن لم ير هذا اختل إيمانه ، لقوله تعالى ( @QUR@06 إن كنتم تؤمنون بالله ~~واليوم الآخر ). # وفي قوله ( @QUR@04 فردوه إلى الله والرسول ) دليل على أن سنته ~~صلى الله عليه وسلم يعمل بها ويمتثل ما فيها. # قال صلى الله عليه وسلم «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه ، وما أمرتكم به فافعلوا ~~منه ما استطعتم. فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على ~~أنبيائهم». أخرجه مسلم. # وروى أبو داود عن أبى رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «لا ألفين ~~أحدكم متكئا على أريكته ، يأتيه الأمر من أمرى مما أمرت به أو نهيت عنه ~~فيقول : لا ندري ما وجدناه في كتاب الله اتبعناه». # وعن العرباض بن سارية أنه حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس وهو ~~يقول : «أيحسب أحدكم متكئا على أريكته قد يظن أن الله لم يحرم شيئا إلا ما ~~في هذا القرآن ألا وإنى والله قد أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء إنها لمثل ~~القرآن أو أكثر» (2). # وقوله ( @QUR@06 إن كنتم تؤمنون بالله واليوم ms1273 الآخر ) شرط جوابه محذوف ~~عند جمهور البصريين اكتفاء بدلالة المذكور عليه. # أى : إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر حق الإيمان فارجعوا فيما تنازعتم ~~فيه من أمور دينية إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم . PageV03P192 # والجملة الكريمة تحريض للمؤمنين على الامتثال لتعاليم الإسلام وآدابه ، ~~لأن الإيمان الحق يقتضى ذلك. # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@04 ذلك خير وأحسن تأويلا ) يعود إلى الرد ~~إلى الكتاب والسنة وقوله ( @QUR@01 تأويلا ) من آل هذا الأمر إلى كذا أى ~~رجع إليه ، فيكون المعنى : ذلك الذي أمرتكم به من رد ما اختلفتم فيه إلى ~~الكتاب والسنة خير لكم وأحمد مغبة ، وأجمل عاقبة. # ويجوز أن يكون قوله ( @QUR@01 تأويلا ) بمعنى التفسير والتوضيح فيكون ~~المعنى : # ذلك أى الرد إلى الكتاب والسنة خير لكم وأحسن تأويلا وتفسيرا من تأويلكم ~~أنتم إياه ، من غير رد إلى أصل من الكتاب والسنة. والأول أنسب لسياق الآية ~~الكريمة. # قال ابن كثير : قوله ( @QUR@05 فإن تنازعتم في شيء فردوه ). الآية هذا ~~أمر من الله تعالى بأن كل شيء تنازع فيه الناس من أصول الدين وفروعه ، أن ~~يردوا التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى : ( @QUR@08 وما ~~اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ). فما حكم به القرآن والسنة وشهد له ~~بالصحة فهو الحق. وماذا بعد الحق إلا الضلال. ولهذا قال تعالى : ( @QUR@06 ~~إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ). أى : ردوا الخصومات إلى كتاب الله ~~وسنة رسوله فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم إن كنتم تؤمنون بالله واليوم ~~الآخر. فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ، ولا ~~يرجع إليهما في ذلك ، فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر (1). # وقال بعض العلماء : قد يؤخذ من الآية التي معنا أن أدلة الأحكام الشرعية ~~أربعة. وهي : الكتاب والسنة والإجماع والقياس .. لأن الأحكام إما منصوصة في ~~الكتاب أو السنة وذلك قوله : ( @QUR@04 أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ). ~~وإما مجمع عليها من أولى الأمر بعد استنادهم إلى دليل علموه. وذلك قوله ( ~~@QUR@03 وأولي الأمر منكم ) وإما غير منصوصة ولا مجمع عليها. وهذه سبيلها ms1274 ~~الاجتهاد والرد إلى الله والرسول وذلك هو القياس. # فما أثبته الفقهاء والأصوليون غير هذه الأربعة كالاستحسان الذي يراه ~~الأحناف دليلا. وإثبات الأحكام الشرعية تمشيا مع المصالح المرسلة الذي يقول ~~به المالكية ، والاستصحاب الذي يقول به الشافعية ، كل ذلك إن كان غير هذه ~~الأربعة فمردود بظاهر هذه الآية ، وإن كان راجعا إليها فقد ثبت أن الأدلة ~~أربعة (2). # * * * PageV03P193 # ثم انتقل القرآن بعد ذلك إلى الحديث عن المنافقين فكشف عن أحوالهم ~~الذميمة ، وطباعهم القبيحة ، ونفوسهم المريضة ، وحذر المؤمنين من مكرهم ~~وكذبهم ، بعد أن حذرهم قبل ذلك من مكر اليهود وأمرهم بالاعتصام بطاعة الله ~~ورسوله. استمع إلى القرآن الكريم وهو يكشف النقاب عن حال هؤلاء المنافقين ~~فيقول : # ( @QUR@030 ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل ~~من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد ~~الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا (60) @QUR@015 وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما ~~أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا (61) @QUR@016 فكيف ~~إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤك يحلفون بالله إن أردنا إلا ~~إحسانا وتوفيقا (62) @QUR@016 أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض ~~عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا (63) @QUR@023 وما أرسلنا من رسول ~~إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر ~~لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما (64) @QUR@019 فلا وربك لا يؤمنون حتى ~~يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (65) PageV03P194 # @QUR@027 ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما ~~فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد ~~تثبيتا (66) @QUR@06 وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما (67) @QUR@03 ~~ولهديناهم صراطا مستقيما ) (68) # روى المفسرون في سبب نزول قوله تعالى ( @QUR@05 ألم تر إلى الذين يزعمون ~~).. إلخ روايات متقاربة في معناها ومن ذلك ما أخرجه الثعلبي وابن أبى حاتم ~~من طرق عن ابن عباس أن رجلا من المنافقين يقال له بشر خاصم يهوديا ، فدعاه ~~اليهودي إلى ms1275 التحاكم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودعاه المنافق إلى التحاكم ~~إلى كعب بن الأشرف : ثم إنهما احتكما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى ~~لليهودي ، فلم يرض المنافق. وقال : تعالى نتحاكم إلى عمر بن الخطاب. # فقال اليهودي لعمر : قضى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرض بقضائه. ~~فقال عمر للمنافق : أكذلك؟ قال : نعم. فقال عمر : مكانكما حتى أخرج إليكما. ~~فدخل عمر فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب عنق المنافق حتى برد أى مات . ثم قال ~~: هكذا أقضى لمن لم يرض بقضاء الله تعالى وقضاء رسوله صلى الله عليه وسلم ~~فنزلت» (1). # والاستفهام في قوله ( @QUR@02 ألم تر ) للتعجيب من حال أولئك المنافقين ، ~~وإنكار ما هم عليه من خلق ذميم وإعراض عن حكم الله ورسوله إلى حكم غيرهما. # وقوله ( @QUR@01 يزعمون ) من الزعم ويستعمل غالبا في القول الذي لا تحقق ~~معه ، كما يستعمل أيضا في الكذب ومنه قوله تعالى : ( @QUR@012 وجعلوا لله ~~مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا : هذا لله بزعمهم ) أى بكذبهم. # وقد يطلق الزعم على القول الحق. # قال الآلوسى : وقد أكثر سيبويه في «الكتاب» من قوله : زعم الخليل كذا في ~~أشياء يرتضيها. # والمراد بالزعم هنا الكذب لأن الآية الكريمة في المنافقين الذين يظهرون ~~خلاف ما يبطنون. # والمعنى : ألم ينته علمك يا محمد إلى حال هؤلاء المنافقين الذين يزعمون ~~كذبا وزورا أنهم PageV03P195 # آمنوا بما أنزل إليك من ربك من قرآن كريم ، ومن شريعة عادلة ، ويزعمون ~~كذلك أنهم آمنوا بما أنزل على الرسل من قبلك من كتب سماوية؟ إن كنت لم تعلم ~~حالهم أو لم تنظر إليهم فهاك خبرهم لتحذرهم ولتحذر أمتك من شرورهم. # فالمقصود من الاستفهام التعجيب من حال هؤلاء المنافقين ، وحض النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأمته على معرفة مسالكهم الخبيثة ، حتى يأخذوا حذرهم منهم. # وفي وصفهم بادعاء الإيمان بما أنزل على الرسول وبما أنزل على الرسل من ~~قبله تأكيد للتعجيب من أحوالهم ، وتشديد للتوبيخ والتقبيح من سلوكهم ؛ ~~ببيان كمال المباينة بين دعواهم المقتضية حتما للتحاكم إلى الرسول ~~صلى ms1276 الله عليه وسلم وبين ما صدر عنهم من هرولة إلى التحاكم إلى غيره. # وقوله : ( @QUR@05 يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ) بيان لموطن التعجيب ~~من أحوالهم الغريبة ، وصفاتهم السيئة. # والمراد بالطاغوت هنا : ما سوى شريعة الإسلام من أحكام باطلة بعيدة عن ~~الحق يأخذها المنافقون عمن يعظمونهم وقيل المراد به : كعب بن الأشرف ؛ لأنه ~~هو الذي أراد المنافقون التحاكم إليه ، وقد سماه الله بذلك لكثرة طغيانه ~~وعداوته للرسول صلى الله عليه وسلم . # والمعنى : أن هؤلاء المنافقين يزعمون الإيمان بما أنزل إليك يا محمد وبما ~~أنزل من قبلك ، ومع هذا فهم يريدون عن محبة واقتناع التحاكم إلى الطاغوت أى ~~إلى من يعظمونه ، ويصدرون عن قوله ، ويرضون بحكمه من دون حكم الله. # وقوله ( @QUR@05 وقد أمروا أن يكفروا به ) جملة حالية من ضمير يريدون. # أى : يريدون التحاكم إلى الطاغوت والحال أن الله تعالى قد أمرهم بالكفر ~~به ، وبالانقياد للأحكام التي يحكم بها النبي صلى الله عليه وسلم . # وقوله ( @QUR@06 ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا ) معطوف على قوله ( ~~@QUR@01 يريدون ) وداخل في حكم التعجيب ، لأن اتباعهم لمن يريد إضلالهم ، ~~وإعراضهم عمن يريد هدايتهم أمر يدعو إلى العجب الشديد. # والمراد بالضلال البعيد : الكفر والبعد عن الحق والهدى. # ووصفه بالبعد للمبالغة في شناعة ضلالهم ، بتنزيله على سبيل المجاز منزلة ~~جنس ذي مسافة كان هذا الفرد منه بالغا غاية المسافة. # قال ابن كثير : هذه الآية إنكار من الله تعالى على من يدعى الإيمان بما ~~أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء السابقين. وهو مع ذلك ، يريد أن يتحاكم ~~في فصل الخصومات إلى غير PageV03P196 # كتاب الله ، وسنة رسوله. # كما ذكر في سبب نزول هذه الآية أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود ~~تخاصما. فجعل اليهودي يقول : بيني وبينك محمد. وذاك يقول : بيني وبينك كعب ~~بن الأشرف. وقيل : في جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإسلام أرادوا أن ~~يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. وقيل غير ذلك. والآية أعم من ذلك كله ، فإنها ~~ذامة لكل من عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل. ms1277 وهو ~~المراد بالطاغوت هنا (1). # ثم صور سبحانه إعراضهم عن الحق ، ونفورهم عن شريعة الله تعالى فقال : ( ~~@QUR@015 وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين ~~يصدون عنك صدودا ). # أى : وإذا قيل لهؤلاء المنافقين أقبلوا على حكم الله وحكم رسوله ، فإن ~~الخير كل الخير فيما شرعه الله وقضاه ، إذا ما قيل لهم ذلك ( @QUR@02 رأيت ~~المنافقين ) الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ، ~~رأيتهم لسوء نواياهم ، ولؤم طواياهم ( @QUR@03 يصدون عنك صدودا ) أى يعرضون ~~عنك يا محمد إعراضا شديدا. # وقوله ( @QUR@07 تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ) إغراء لهم بتقبل ~~الحق ، وحض لهم على الامتثال لشريعة الله ؛ لأنها هي الشريعة التي فيها ~~سعادتهم ، ولكنهم لمرض قلوبهم ينفرون من الحكم المنزل من السماء إلى حكم ~~الطاغوت الباطل. # وقال سبحانه ( @QUR@02 رأيت المنافقين ) ولم يقل رأيتهم بالإضمار ؛ ~~لتسجيل النفاق عليهم ، وذمهم به ، وللإشعار بعلة الحكم أى : رأيتهم لنفاقهم ~~يصدون عنك صدودا. # وقوله ( @QUR@01 صدودا ) مصدر مؤكد بفعله أى : يعرضون عنك إعراضا تاما ~~بحيث لا يريدون أن يسمعوا منك شيئا ، لأن حكمك لا يناسب أهواءهم. # فذكر المصدر هنا للتأكيد والمبالغة فكأنه قيل : صدودا أى صدود. # فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ذكرت علامة جلية من علامات المنافقين حتى ~~يأخذ المؤمنون حذرهم منهم ، وهي أنهم إذا ما دعوا إلى حكم الله الذي يزعمون ~~أنهم آمنوا به ، أعرضوا عن هذا الحكم إعراضا شديدا ، وظهر بذلك كذبهم ~~ونفاقهم. # ثم يعرض القرآن بعد ذلك مظهرا آخر من مظاهر نفاقهم عند الشدائد والمحن ~~فيقول : ( @QUR@016 فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ، ثم جاؤك ~~يحلفون بالله ، إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا ). # والفاء في قوله ( @QUR@01 فكيف ) للتفريع. و «كيف» في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف. PageV03P197 # والمعنى : فكيف يكون حالهم إذا نزلت بهم النوازل ، وأصابتهم المصائب بسبب ~~تركهم حكم الله ، واتباعهم حكم الطغيان ( @QUR@02 ثم جاؤك ) معتذرين عما ~~حدث منهم من قبائح ، والحال أنهم ( @QUR@02 يحلفون بالله ) كذبا وزورا ( ~~@QUR@05 إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا ) أى ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك يا ms1278 ~~محمد إلا إحسانا إلى المتخاصمين ، وتوفيقا بينهم حتى لا يتسع الخلاف بينهم ~~، ولم نرد بذلك عدم الرضا بحكمك ، فلا تؤاخذنا بما فعلنا. # والاستفهام بكيف هنا للتهويل. أى أن حالهم عند ما تصيبهم المصائب بسبب ~~أفعالهم الخبيثة ، ويأتون للرسول صلى الله عليه وسلم معتذرين ، ستكون حالا ~~بائسة شنيعة مخزية : لأنهم لا يجدون وجها مقبولا للدفاع عما ارتكبوه من قبائح. # والباء في ( @QUR@03 بما قدمت أيديهم ) للسببية. والمراد بما قدمت أيديهم ~~ما اجترحوه من سيئات من أشدها تحاكمهم إلى الطاغوت. وعبر عن ذلك بقوله : ( ~~@QUR@03 بما قدمت أيديهم ): لأن الأيدى مظهر من مظاهر الإنسان. # والتعبير ب «ثم» في هذا المقام للإشعار بالتباين الشديد بين إعراضهم ~~وصدودهم إذا ما قال لهم قائل : تعالوا إلى حكم الله ... وبين إقبالهم بعد ~~ذلك معتذرين ومقسمين بالأيمان الكاذبة أنهم ما أرادوا بما فعلوا إلا ~~الإحسان والتوفيق. # وإن ما قاله هؤلاء المنافقون من أعذار بعد أن أصابتهم المصائب. وانكشف ~~أمرهم بين المؤمنين ، وصاروا محل الازدراء والنبذ لتحاكمهم إلى الطاغوت. ما ~~قاله هؤلاء كما حكاه القرآن الكريم ليشبهه ما يقوله منافقو اليوم عند ما ~~يتهربون من التحاكم إلى شريعة الله إلى التحاكم إلى غيرها من شرائع الناس. ~~فأنت تراهم إذا ما أحيط بهم ، وعجزوا عن الدفاع عن أنفسهم ، اعتذروا بأنهم ~~ما تركوا الحكم بشريعة الله إلى غيرها إلا بقصد الإحسان إلى المتنازعين ، ~~والتوفيق بين مختلف الطوائف في المجتمع حتى لا يغضب من ليسوا مسلمين. ولا ~~شك أن هذه الأعذار لن تغنى عنهم من عذاب الله شيئا ، لأنه لا عذر لمن يهجر ~~شريعة الله ، ويهرع إلى التحاكم إلى غيرها. # ثم بين سبحانه أنه ليس غافلا عن أعمال أولئك المنافقين ، وأرشد نبيه ~~صلى الله عليه وسلم إلى وسائل معالجتهم فقال تعالى : ( @QUR@016 أولئك الذين ~~يعلم الله ما في قلوبهم ، فأعرض عنهم ، وعظهم ، وقل لهم في أنفسهم قولا ~~بليغا ). # أى : أولئك الذين نافقوا ، وأخفوا حقيقة نواياهم السيئة ، وتركوا حكم ~~الله إلى حكم الطاغوت ... ( @QUR@07 أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ) ~~من النفاق والميل إلى الكفر ms1279 ، وإن أظهروا إسلامهم. PageV03P198 # وقوله ( @QUR@02 فأعرض عنهم ).. إلخ بيان لطرق معالجتهم. # أى : فلا تلتفت إليهم ، وغض الطرف عن مسالكهم الخبيثة ، ولا تقبل عليهم ، ~~لكي يشعروا باستنكارك لأعمالهم. # وقوله ( @QUR@01 وعظهم ): الوعظ هو التذكير بفعل الخير وترك الشر بأسلوب ~~يرقق القلوب ، ويشتمل على الترغيب والترهيب. # أى : ذكرهم بما في أعمالهم القبيحة من سوء العاقبة لهم ، وبما في تركها ~~من خير جزيل يعود عليهم في دنياهم وآخرتهم ، وأخبرهم بأن تحاكمهم إلى غير ~~شريعة الله سيكون فيه هلاكهم. # وقوله ( @QUR@06 وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ) أى قل لهم بعد ذلك قولا ~~يبلغ أعماق نفوسهم لقوته وشدة تأثيره. بأن تورد لهم ما تريد أن تخاطبهم به ~~بطريقة تجعلهم يقبلون على قولك. # وفي هذه الجملة الكريمة ما فيها من التعبير البليغ المؤثر ، حتى لكأنما ~~القول الذي يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم لهم : يودع مباشرة في الأنفس ، ~~ويستقر رأسا في القلوب. # وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال : فإن قلت : بم تعلق قوله : ( ~~@QUR@02 في أنفسهم ) قلت : بقوله ( @QUR@01 بليغا ) أى : قل لهم قولا بليغا ~~في أنفسهم مؤثرا في قلوبهم يغتمون به اغتماما ، ويستشعرون منه الخوف ~~استشعارا ، وهو التوعد بالقتل والاستئصال إن نجم منهم النفاق ، وأطلع قرنه ~~، وأخبرهم أن ما في نفوسهم من الدغل والنفاق معلوم عند الله ، وأنه لا فرق ~~بينكم وبين المشركين. وما هذه المكانة إلا لإظهاركم الإيمان وإسراركم الكفر ~~وإضماره. فإن فعلتم ما تكشفون به غطاءكم لم يبق إلا السيف. # أو يتعلق بقوله ( @QUR@02 قل لهم ). أى : قل لهم في أنفسهم الخبيثة ~~وقلوبهم المطوية على النفاق قولا بليغا. وإن الله يعلم ما في قلوبكم. لا ~~يخفى عليه. فلا يغنى عنكم إبطانه. # فأصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم وداووها من مرض النفاق. وإلا أنزل الله بكم ~~ما أنزل بالمجاهرين بالشرك من انتقامه ، وشرا من ذلك وأغلظ ، أو قل لهم في ~~أنفسهم خاليا بهم ، ليس معهم غيرهم. قولا بليغا يبلغ منهم ، ويؤثر فيهم (1). # فأنت ترى أن الآية الكريمة قد أرشدت النبي صلى الله عليه وسلم إلى استعمال ~~ثلاثة طرق لصرف المنافقين ms1280 عن أفعالهم القبيحة. وهذه الطرق هي الإعراض عنهم ~~، ووعظهم بما يرغبهم في الخير ويرهبهم من الشر ، ومخاطبتهم بالقول البليغ ~~المؤثر الذي يحرك نفوسهم تحريكا قويا ، ويجعلهم يقبلون عليه. PageV03P199 # وهذه الطرق هي أسمى ألوان الدعوة إلى الله ، وأنجع الأساليب في جلب الناس ~~إلى ما يأخذ بيدهم إلى الخير والفلاح. # ثم بين سبحانه أنه ما أرسل رسله إلا ليطاعوا لا ليخالفوا ، وأرشد ~~المخالفين إلى ما يجب عليهم فعله للتكفير عن مخالفتهم فقال تعالى : # ( @QUR@023 وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله. ولو أنهم إذ ظلموا ~~أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول ، لوجدوا الله توابا رحيما ). # و ( @QUR@01 من ) في قوله ( @QUR@02 من رسول ) زائدة للتأكيد والتعميم ، ~~واللام في قوله ( @QUR@01 ليطاع ) للتعليل ، والاستثناء مفرغ من المفعول لأجله. # أى : وما أرسلنا رسولا من الرسل لشيء من الأشياء إلا ليطاع فيما أمر ونهى ~~وحكم ، لا ليطلب ذلك من غيره. فطاعته فرض على من أرسل إليهم. وإنكار ~~فرضيتها كفر. # لأن طاعة الرسول طاعة لله ، ومعصيته معصية لله. قال تعالى : ( @QUR@06 من ~~يطع الرسول فقد أطاع الله ). # وقوله ( @QUR@02 بإذن الله ) أى : بسبب إذنه سبحانه في طاعة رسوله. لأنه ~~هو الذي أمر بهذه الطاعة لرسله. # ويجوز أن يراد بقوله ( @QUR@02 بإذن الله ) أى بتوفيقه سبحانه إلى هذه ~~الطاعة من يشاء توفيقه إليها من عباده. # وقوله ( @QUR@06 ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك ).. إلخ بيان لما كان ~~يجب عليهم أن يفعلوه بعد وقوعهم في الخطأ. # أى ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم بسبب تحاكمهم إلى الطاغوت ، وبخروجهم عن ~~تعاليم الإسلام ، لو أنهم بسبب ذلك وغيره ( @QUR@01 جاؤك ) تائبين توبة ~~صادقة من هذا النفاق ؛ ( @QUR@02 فاستغفروا الله ) مما اجترحوه من ذنوب ~~وسيئات ( @QUR@03 واستغفر لهم الرسول ). # أى. دعوا الله تعالى بأن يقبل توبتهم ، ويغفر ذنوبهم. لو أنهم فعلوا ذلك ~~( @QUR@03 لوجدوا الله توابا ) أى كثير القبول للتوبة من التائبين ( ~~@QUR@01 رحيما ) أى كثير التفضل على عباده بالرحمة والمغفرة. # قال الفخر الرازي : لقائل أن يقول : أليس لو استغفروا الله وتابوا على ~~وجه صحيح ، كانت توبتهم مقبولة؟ فما الفائدة في ضم استغفار ms1281 الرسول إلى ~~استغفارهم؟ # قلنا : الجواب عنه من وجوه : # الأول : أن ذلك التحاكم إلى الطاغوت كان مخالفة لحكم الله. PageV03P200 # وكان أيضا إساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومن كان ذنبه كذلك وجب عليه ~~الاعتذار عن ذلك الذنب لغيره. فلهذا المعنى وجب عليهم أن يطلبوا من الرسول ~~أن يستغفر لهم. # الثاني : أن القوم لما لم يرضوا بحكم الرسول ، ظهر منهم ذلك التمرد. فإذا ~~تابوا وجب عليهم أن يفعلوا ما يزيل عنهم ذلك التمرد ، وما ذاك إلا بأن ~~يذهبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويطلبوا منه الاستغفار. # الثالث : لعلهم إذا أتوا بالتوبة أتوا بها على وجه الخلل ، فإذا انضم ~~إليها استغفار الرسول صارت مستحقة للقبول. # ثم قال : وإنما قال سبحانه ( @QUR@03 واستغفر لهم الرسول ). ولم يقل ~~واستغفرت لهم : إجلالا للرسول صلى الله عليه وسلم . وأنهم إذا جاءوا من خصه ~~الله برسالته ، وأكرمه بوحيه ، وجعله سفيرا بينه وبين خلقه ، ومن كان كذلك ~~فإن الله لا يرد شفاعته ، فكانت الفائدة في العدول عن لفظ الخطاب إلى لفظ ~~المغايبة (1). # فالآية الكريمة قد فتحت باب التوبة أمام العصاة والمذنبين ، وسمت بمكانة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم عند ربه سموا عظيما. # ورحم الله ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : وقوله : ( @QUR@06 ~~ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك ). الآية. يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا ~~وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيستغفروا ~~الله عنده ، ويسألوه أن يستغفر لهم ، فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ~~ورحمهم وغفر لهم ؛ ولهذا قال : ( @QUR@04 لوجدوا الله توابا رحيما ). # وقد جاء عن الإمام العتبى أنه قال : كنت جالسا عند قبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابى فقال : السلام عليك يا رسول الله!! سمعت الله ~~يقول : ( @QUR@06 ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك ). الآية : وقد جئتك ~~مستغفرا لذنبي ، مستشفعا بك عند ربي. ثم أنشأ يقول : # يا خير من دفنت بالقاع أعظمه %~% فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه %~% فيه العفاف وفيه الجود والكرم # قال العتبى ms1282 : ثم انصرف الأعرابى ، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم ~~فقال «يا عتبى الحق الأعرابى فبشره أن الله قد غفر له» (2). # ثم بين سبحانه أن كل من يدعى الإيمان لا يكون إيمانه صادقا إلا إذا تقبل حكم PageV03P201 # رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إذعان واقتناع فقال : ( @QUR@019 فلا وربك ~~لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما ~~قضيت ويسلموا تسليما ). # والفاء في قوله ( @QUR@01 فلا ) للإفصاح عن شرط مقدر. # و ( @QUR@01 لا ) يرى الزمخشري أنها زائدة لتقوية الكلام وتأكيد معنى ~~القسم ، فهي كقوله تعالى : ( @QUR@07 فو ربك لنسئلنهم أجمعين. عما كانوا ~~يعملون ) (1). # ويرى ابن جرير أنها ليست زائدة ، وإنما هي رد على ما تقدم ذكره من ~~تحاكمهم إلى الطاغوت وتركهم حكم شريعة الإسلام فقد قال : # «يعنى جل ثناؤه بقوله فلا : أى فليس الأمر كما يزعمون أنهم يؤمنون بما ~~أنزل إليك وهم يتحاكمون إلى الطاغوت ، ويصدون عنك إذا دعوا إليك يا محمد. ~~ثم استأنف القسم جل ذكره فقال : وربك يا محمد لا يؤمنون أى : لا يصدقون بي ~~وبك حتى يحكموك فيما شجر بينهم» (2). # وقوله ( @QUR@03 فيما شجر بينهم ) أى فيما اختلف بينهم من الأمور والتبس. # يقال : شجر بينهم الأمر يشجر شجرا وشجورا إذا تنازعوا فيه. وأصله التداخل ~~والاختلاط. ومنه شجر الكلام ، إذا دخل بعضه في بعض واختلط. ومنه الشجر : ~~لتداخل أغصانه. # وقيل للمنازعة تشاجر ، لأن المتنازعين تختلف أقوالهم ، وتتعارض دعاويهم ، ~~ويختلط بعضهم ببعض. # وقوله ( @QUR@01 حرجا ) أى ضيقا وشكا ، وأصل الحرج مجتمع الشيء ، ويقال ~~للشجر الملتف الذي لا يكاد يوصل إليه حرج. ثم أطلق على ضيق الصدر لكراهته ~~لشيء معين. # والمعنى : إذا ثبت ما أخبرناك به يا محمد قبل ذلك ، فإن هؤلاء المنافقين ~~وحق ربك «لا يؤمنون» إيمانا حقا يقبله الله تعالى ( @QUR@05 حتى يحكموك ~~فيما شجر بينهم ) أى : حتى يجعلوك حاكما بينهم ، ويلجئوا إليك فيما اختلفوا ~~فيه من أمور ، والتبس عليهم منها. ( @QUR@05 ثم لا يجدوا في أنفسهم ) بعد ~~ذلك ( @QUR@03 حرجا مما قضيت ) أى ضيقا وشكا في قضائك بينهم ( @QUR@02 ~~ويسلموا ms1283 تسليما ) أى : ويخضعوا لحكمك خضوعا تاما لا إباء معه ولا ارتياب. # وفي إضافة الاسم الجليل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه ( ~~@QUR@01 وربك ) تكريم للنبي صلى الله عليه وسلم وتشريف له ، وتنويه بمكانته. PageV03P202 # وقوله ( @QUR@02 لا يؤمنون ) هو جواب القسم. # وقوله ( @QUR@03 ثم لا يجدوا ) معطوف على مقدر ينساق إليه الكلام. أى : ~~حتى يحكموك فيما شجر بينهم فتحكم بينهم ثم لا يجدوا. # وقوله ( @QUR@01 تسليما ) تأكيد للفعل. بمنزلة تكريره. أى تسليما تاما ~~بظاهرهم وباطنهم من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة فقد روى الحافظ أبو ~~نعيم والطبراني عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال : «والذي نفسي بيده ، لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به». # هذا ، وقد روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها ما رواه ~~البخاري عن الزهري عن عروة قال : خاصم الزبير رجلا من الأنصار في شراج ~~الحرة أى في مسيل مياه . # فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك. فقال ~~الأنصارى : يا رسول الله!! أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه النبي ~~صلى الله عليه وسلم ثم قال : اسق يا زبير. ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ~~والجدر هو ما يدار بالنخل من تراب كالجدار . ثم أرسل الماء إلى جارك. # قال الزبير : فما أحسب هذه الآية إلا نزلت في ذلك ( @QUR@09 فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) (1). # وهذا السبب الخاص في نزول الآية الكريمة لا يمنع عمومها في وجوب التحاكم ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته ، وإلى الشريعة التي أتى بها بعد ~~وفاته ، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما يرى جمهور العلماء. # ويبدو أن ما ذكرناه سابقا من تحاكم بعض المنافقين إلى غير رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وما جاء في البخاري من تخاصم الزبير مع الرجل الأنصارى ~~يبدو أن هذه الحوادث قد حدثت في زمن متقارب فنزلت الآيات لبيان وجوب ~~التحاكم ms1284 إلى شريعه الله دون سواها. # والمتأمل في الآية الكريمة يراها قد بينت أن المؤمن لا يكون إيمانه تاما ~~إلا إذا توفرت فيه صفات ثلاث : # أولها : أن يتحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته ، وإلى شريعته ~~بعد وفاته. # وثانيها : أن يتقبل حكم الشريعة الإسلامية التي جاء بها النبي ~~صلى الله عليه وسلم برضا وطيب خاطر ، وأن يوقن إيقانا تاما بأن ما يقضى به هو ~~الحق والعدل. قال تعالى : ( @QUR@08 ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ) PageV03P203 # وثالثها : أن يذعن لأحكام شريعة الله إذعانا تاما في مظهره وحسه. قال ~~تعالى ( @QUR@02 ويسلموا تسليما ). أى يخضعوا خضوعا تاما. # فقوله تعالى ( @QUR@08 ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ) يمثل ~~الانقياد الباطني والنفسي. # وقوله تعالى ( @QUR@02 ويسلموا تسليما ) يمثل الانقياد الظاهري والحسى. # وهكذا نرى الآية الكريمة تحذر المؤمنين من التحاكم إلى غير شريعة الله ~~بأسلوب يبعث في النفوس الوجل والخشية ، ويحملهم على الإذعان لأحكام الله ~~تعالى . # ثم بين سبحانه بعض مظاهر فضله على الناس ، ورحمته بهم. فقال تعالى : ( ~~@QUR@027 ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ، ما ~~فعلوه إلا قليل منهم ، ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ، لكان خيرا لهم وأشد ~~تثبيتا ). # والمراد بقوله ( @QUR@01 كتبنا ): فرضنا وأوجبنا. # والمراد (بقتل النفس) تعريضها للهلاك من غير أمل في النجاة ، وقيل : ~~المراد به تعريضها للقتل عن طريق الجهاد. # والمراد بالخروج من الديار : الهجرة في سبيل الله ، والخروج من الأوطان ~~إلى أماكن فيها استجابة لأمر الله. # قال الفخر الرازي : الضمير في قوله ( @QUR@04 ولو أنا كتبنا عليهم ) فيه ~~قولان : # الأول : وهو قول ابن عباس ومجاهد أنه عائد إلى المنافقين ، وذلك لأنه ~~تعالى كتب على بنى إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم ، وكتب على المهاجرين أن ~~يخرجوا من ديارهم. فقال تعالى : ولو أنا كتبنا القتل والخروج عن الوطن على ~~هؤلاء المنافقين ما فعله إلا قليل منهم رياء وسمعة ، وحينئذ يصعب الأمر ~~عليهم ، وينكشف كفرهم ، فإذا لم نفعل ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة ، ~~فليتركوا النفاق ، وليقبلوا الإيمان على سبيل ms1285 الإخلاص. وهذا القول اختيار ~~أبى بكر الأصم والقفال. # الثاني : أن المراد لو كتب الله على الناس ما ذكر لم يفعله إلا قليل منهم ~~، فلما لم يفعل سبحانه ذلك رحمة بعباده ، بل اكتفى بتكليفهم بالأمور السهلة ~~، فعليهم أن يقبلوا عليها بإخلاص حتى ينالوا خير الدارين. # وعلى هذا التقدير دخل تحت هذا الكلام المؤمن والمنافق. وأما الضمير في ~~قوله ( @QUR@06 ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ) فهو مختص بالمنافقين ، ولا ~~يبعد أن يكون أول الآية عاما وآخرها خاصا. PageV03P204 # وعلى هذا التقدير يجب أن يكون المراد بالقليل المؤمنين» (1). # وعلى كلا التقديرين : فإن الآية الكريمة تدل على أن الله تعالى لم يكلف ~~هذه الأمة إلا بما تستطيعه ، لأنه سبحانه لو كلف الناس جميعا بالتكاليف ~~الشاقة ، لما استطاع أن يقوم بها إلا عدد قليل منهم ، وهذا الدين لم يجئ ~~لهذا العدد القليل من الناس وإنما جاء للناس جميعا. # والمراد : أننا لم نكتب على الناس قتل أنفسهم أو خروجهم من ديارهم لأننا ~~لو فعلنا ذلك لما استطاعه إلا عدد قليل منهم. وإنما الذي كتبناه عليهم هو ~~طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم والخضوع لحكمه في الظاهر والباطن والاستجابة ~~لتوجيهاته في السر والعلن. # فالمقصود من الآية الكريمة بيان لمظهر من مظاهر فضل الله على هذه الأمة ، ~~ورحمته بها ، وتحريض الناس على الامتثال لشريعة الله تعالى والضمير في قوله ~~( @QUR@02 ما فعلوه ) للمكتوب عليهم الشامل للقتل والخروج من الديار. ~~لدلالة قوله ( @QUR@01 كتبنا ) عليه. # وقوله «قليل» مرفوع على أنه بدل من الواو في قوله ( @QUR@01 فعلوه ) ~~والتقدير : ما فعله أحد إلا قليل منهم. وقرأه ابن عامر بالنصب على ~~الاستثناء. والأول أولى ، لأنه استثناء من كلام تام غير موجب فيترجح الرفع. # قال ابن كثير : لما نزلت ( @QUR@04 ولو أنا كتبنا عليهم ).. الآية. قال ~~رجل : لو أمرنا لفعلنا ، والحمد لله الذي عافانا. فبلغ ذلك النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال : «إن من أمتى رجالا ، الإيمان أثبت في قلوبهم من ~~الرواسي» وعن عامر بن عبد الله بن الزبير أن هذه الآية لما نزلت قال رسول ~~الله ms1286 صلى الله عليه وسلم : «لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم» أى : لو فرض ذلك ~~لكان عبد الله بن مسعود من الذين يفعلونه. # وعن شريح بن عبيد قال : لما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ، ~~أشار بيده إلى عبد الله بن رواحة فقال : «لو أن الله كتب ذلك ، لكان هذا من ~~أولئك القليل» (2). # وقوله : ( @QUR@011 ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد ~~تثبيتا ) بيان للنتائج الطيبة التي تترتب على امتثالهم لأمر الله. # أى : ولو ثبت أن هؤلاء الذين أمرناهم بطاعتنا ( @QUR@04 فعلوا ما يوعظون ~~به ) أى : ما أمرناهم به من اتباع لرسولنا صلى الله عليه وسلم وانقياد لحكمه ، ~~لأنه الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ... PageV03P205 # لو ثبت أنهم فعلوا ذلك لكان ما فعلوه ( @QUR@02 خيرا لهم ) في دنياهم ~~وآخرتهم. ولكان ( @QUR@02 أشد تثبيتا ) لهم على الحق والصواب ، وأمنع لهم ~~من الضلال. # ثم بين سبحانه ما لهم بعد ذلك من أجر عظيم فقال : ( @QUR@09 وإذا ~~لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما. ولهديناهم صراطا مستقيما ). # أى : وإذا لو ثبتوا على طاعتنا لأعطيناهم من عندنا ثوابا عظيما لا يعرف ~~مقداره إلا الله تعالى ولتقبلناهم وأرشدناهم إلى سلوك الطريق المستقيم وهو ~~طريق الإسلام الذي باتباعه يسعدون في دنياهم وآخرتهم. # قال صاحب الكشاف : وقوله «وإذا» جواب لسؤال مقدر ، كأنه قيل : وماذا يكون ~~لهم أيضا بعد التثبيت؟ فقيل : وإذا لو ثبتوا ( @QUR@01 لآتيناهم ) لأن إذا ~~جواب وجزاء (1). # وقد فخم سبحانه هذا العطاء بعدة أمور منها : أنه ذكر سبحانه نفسه بصيغة ~~العظمة ( @QUR@04 لآتيناهم من لدنا ولهديناهم ) والمعطى الكريم إذا ذكر ~~نفسه باللفظ الدال على العظمة عند الوعد بالعطية ، دل ذلك على عظمة تلك ~~العطية. # ومنها : أن قوله ( @QUR@02 من لدنا ) يدل على التخصيص أى : لآتيناهم من ~~عندنا وحدنا لا من عند غيرنا. وهذا التخصيص يدل على المبالغة والتشريف ، ~~لأنه عطاء من واهب النعم وممن له الخلق والأمر كما في قوله تعالى ( @QUR@04 ~~وعلمناه من لدنا علما ). # ومنها : أنه سبحانه وصف هذا الأجر المعطى بالعظمة بعد أن جاء به منكرا ms1287 ، ~~وهذا الأسلوب يدل على أن هذا العطاء غير محدود بحدود ، وأنه قد بلغ أقصى ما ~~يتصوره العقل من جلال في كمه وفي كيفه. ( @QUR@010 ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء والله ذو الفضل العظيم ). # هذا ، وبذلك ترى أن الآيات الكريمة من قوله تعالى ( @QUR@014 ألم تر إلى ~~الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ). إلى هنا قد ~~بينت ما عليه المنافقون من فسوق وعصيان ، وحكت معاذيرهم الكاذبة ، وصورت ~~نفورهم من حكم الله تصويرا بليغا ، وكشفت عن أحوالهم ورذائلهم بأسلوب يدعو ~~العقلاء إلى احتقارهم وهجرهم ، وأرشدت إلى أنجع الوسائل لعلاجهم ؛ وفتحت ~~لهم باب التوبة حتى يثوبوا إلى رشدهم ، ويطهروا نفوسهم من السوء والفحشاء ، ~~ووضحت جانبا من مظاهر اليسر والتخفيف التي تفضل بها سبحانه على الأمة ~~الإسلامية ، ووعدت الذين يستجيبون لله ولرسوله بالثواب الجزيل ، وتوعدت ~~الذين يتركون حكم الله إلى حكم غيره بالعذاب الأليم ، ووصفتهم بعدم ~~الإيمان. PageV03P206 # وقد أفاض بعض المفسرين عند تفسيره لهذه الآيات في بيان سوء حال من يتحاكم ~~إلى غير شريعة الله ، وساقوا أمثلة متعددة لشدة تمسك السلف الصالح بهدى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم . # ومن ذلك قول الفخر الرازي : قال القاضي : يجب أن يكون التحاكم إلى هذا ~~الطاغوت كالكفر. وعدم الرضا بحكم محمد صلى الله عليه وسلم كفر ويدل عليه وجوه : # الأول : أنه تعالى قال ( @QUR@010 يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد ~~أمروا أن يكفروا به ). فجعل التحاكم إلى الطاغوت إيمانا به. ولا شك أن ~~الإيمان بالطاغوت كفر بالله. كما ان الكفر بالطاغوت إيمان بالله. # الثاني : قوله تعالى : ( @QUR@09 فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم ).. إلى قوله : ( @QUR@02 ويسلموا تسليما ). وهذا نص في تكفير من ~~لم يرض بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم . # الثالث : قوله تعالى ( @QUR@012 فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة. # وفي هذه الآيات دلائل على أن من رد شيئا من أوامر الله أو أوامر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ms1288 فهو خارج عن الإسلام. سواء رده من جهة الشك أم من جهة ~~التمرد. وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة إليه من الحكم بارتداد مانعي الزكاة ~~وقتلهم وسبى ذراريهم (1). # وقال الشيخ جمال الدين القاسمى : قال ولى الله التبريزي. روى الإمام مسلم ~~بسنده عن بلال بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم ~~: لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنكم : فقال بلال : والله ~~لنمنعهن. فقال عبد الله : أقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . وتقول ~~أنت : لنمنعهن؟ # وفي رواية سالم عن أبيه قال : فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا ما سمعته سبه ~~مثله قط. وقال : # أخبرك عن رسول الله ، وتقول : والله لنمنعهن». # وفي رواية للإمام أحمد أنه ما كلمه حتى مات. # فأنت ترى أن ابن عمر رضى الله عنه لشدة تمسكه بسنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قد غضب لله ورسوله ، وهجر فلذة كبده ، لتلك الزلة. # وقال الإمام الشافعى : أخبرنا أبو حنيفة بن سماك بن الفضل الشهابى قال : ~~حدثني ابن أبى ذئب عن المقبري عن أبى شريح الكعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال عام الفتح : «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين. إن أحب أخذ العقل وإن ~~أحب فله القود». قال أبو حنيفة : فقلت لابن PageV03P207 # أبى ذئب : أتأخذ بهذا يا أبا الحارث؟ فضرب صدري وصاح على صياحا كثيرا ~~ونال منى وقال : أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول أتأخذ به؟ نعم. ~~آخذ به. وذلك الفرض على وعلى من سمعه. إن الله تعالى قد اختار محمدا ~~صلى الله عليه وسلم من الناس فهداهم به وعلى يديه. واختار لهم ما اختار له ~~وعلى لسانه. فعلى الخلق أن يتبعوه لا مخرج لمسلم. وما سكت حتى تمنيت أن يسكت. # وقال الإمام ابن القيم : والذي ندين الله به ، ولا يسعنا غيره أن الحديث ~~إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه ، أن ~~الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ ms1289 بحديثه وترك كل ما خالفه. ولا نتركه لخلاف ~~أحد من الناس كائنا من كان. لا راويه ولا غيره. إذ من الممكن أن ينسى ~~الراوي الحديث ولا يحضره وقت الفتيا. أولا يتفطن لدلالته على تلك المسألة. ~~أو يتأول فيه تأويلا مرجوحا. أو يقوم في ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضا في ~~نفس الأمر. أو يقلد غيره في فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه ، وأنه ~~إنما خالفه لما هو أقوى منه ... # فالله تعالى علق سعادة الدارين بمتابعته صلى الله عليه وسلم وجعل شقاوة ~~الدارين في مخالفته (1). # وهكذا نرى أن السلف الصالح كانوا يتمسكون بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أشد التمسك ، ويهجرون كل من خالفها ، ولم يقيد نفسه بها. # * * * # ثم بين سبحانه بعد ذلك الثواب العظيم الذي أعده للطائعين من عباده فقال : # ( @QUR@018 ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (69) @QUR@07 ذلك ~~الفضل من الله وكفى بالله عليما ) (70) PageV03P208 # روى المفسرون في سبب نزول هاتين الآيتين روايات منها ما أخرجه ابن جرير ~~عن سعيد بن جبير قال : جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو محزون. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : يا فلان مالي أراك محزونا؟ ~~فقال الرجل : يا نبي الله شيء فكرت فيه. فقال ما هو؟ قال : نحن نغدو عليك ~~ونروح ننظر إلى وجهك ونجالسك. وغدا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك. فلم يرد ~~النبي صلى الله عليه وسلم شيئا. فأتاه جبريل بهذه الآية. ( @QUR@04 ومن يطع ~~الله والرسول ).. إلخ. # قال : فبعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم فبشره» (1). # والمعنى : ( @QUR@03 ومن يطع الله ) بالانقياد لأمره ونهيه ، ويطع ( ~~@QUR@01 الرسول ) في كل ما جاء به من ربه «فأولئك» المطيعون ( @QUR@05 مع ~~الذين أنعم الله عليهم ) بالنعم التي تقصر العبارات عن تفصيلها وبيانها. # وقوله : ( @QUR@05 من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ) بيان ~~للمنعم عليهم الذين يكون المطيع في صحبتهم ورفقتهم. # أى : فأولئك المتصفون بتمام الطاعة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، ~~يكونون ms1290 يوم القيامة في صحبة الأنبياء الذين أرسلهم الله مبشرين ومنذرين ؛ ~~فبلغوا رسالته ونالوا منه سبحانه أشرف المنازل. # وبدأ سبحانه بالنبيين لعلو درجاتهم ، وسمو منزلتهم على من عداهم من البشر. # وقوله ( @QUR@01 والصديقين ) جمع صديق وهم الذين صدقوا بكل ما جاء به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم تصديقا لا يخالجه شك ، ولا تحوم حوله ريبة ، وصدقوا ~~في دفاعهم عن عقيدتهم وتمسكهم بها ، وسارعوا إلى ما يرضى الله بدون تردد أو تباطؤ. # وقوله ( @QUR@01 والشهداء ) جمع شهيد. وهم الذين استشهدوا في سبيل الله ، ~~ومن أجل إعلاء دينه وشريعته. # وقوله ( @QUR@01 والصالحين ) جمع صالح. وهم الذين صلحت نفوسهم ، واستقامت ~~قلوبهم وأدوا ما يجب عليهم نحو خالقهم ونحو أنفسهم ونحو غيرهم. # هؤلاء هم الأخيار الأطهار الذين يكون المطيعون لله ولرسوله في رفقتهم ~~وصحبتهم. # قال الفخر الرازي : «وليس المراد بكون من أطاع الله وأطاع الرسول مع ~~النبيين والصديقين ... كون الكل في درجة واحدة ، لأن هذا يقتضى التسوية في ~~الدرجة بين الفاضل PageV03P209 # والمفضول. وأنه لا يجوز. بل المراد كونهم في الجنة بحيث يتمكن كل واحد ~~منهم من رؤية الأخر ، وإن بعد المكان ، لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضا ~~: وإذا أرادوا الزيارة والتلاقي قدروا عليه. فهذا هو المراد من هذه المعية. # ثم قال : وقد دلت الآية على أنه لا مرتبة بعد النبوة في الفضل والعلم إلا ~~هذا الوصف. وهو كون الإنسان صديقا ولذا أينما ذكر في القرآن الصديق والنبي ~~لم يجعل بينهما واسطة كما قال تعالى في صفة إدريس ( @QUR@04 إنه كان صديقا ~~نبيا ) (1). # وقوله تعالى ( @QUR@03 وحسن أولئك رفيقا ) تذييل مقرر لما قبله مؤكد ~~للترغيب في العمل الصالح الذي يوصل المسلم إلى صحبة هؤلاء الكرام. # وقوله ( @QUR@01 حسن ) فعل مراد به المدح ملحق بنعم. ومضمن معنى التعجب ~~من حسنهم. # واسم الإشارة ( @QUR@01 أولئك ) يعود إلى كل صنف من هذه الأصناف الأربعة ~~وهم النبيون ومن بعدهم. # والرفيق : هو المصاحب الذي يلازمك في عمل أو سفر أو غيرهما. وسمى رفيقا ~~لأنك ترافقه ويرافقك ويستعين كل واحد منكما بصاحبه في قضاء شئونه. وهو مشتق ~~من ms1291 الرفق بمعنى لين الجانب ، ولطف المعاشرة. # ولم يجمع ، لأن صيغة فعيل يستوي فيها الواحد وغيره. # والمعنى وحسن كل واحد من أولئك الأخيار وهم الأنبياء ومن بعدهم رفيقا ~~ومصاحبا في الجنة لأن رفقة كل واحد منهم تشرح الصدور ، وتبهج النفوس. # والمخصوص بالمدح محذوف أى : وحسن كل واحد من المذكورين رفيقا أو وحسن ~~المذكورون أو الممدوحون رفيقا ، لأن حسن لها حكم نعم. # وقوله ( @QUR@01 أولئك ) فاعل حسن. ورفيقا تمييز. # قال صاحب الكشاف وقوله ( @QUR@03 وحسن أولئك رفيقا ) فيه معنى التعجب ~~كأنه قيل : وما أحسن أولئك رفيقا. ولاستقلاله بمعنى التعجب قرئ وحسن بسكون ~~السين) (2). # واسم الإشارة ( @QUR@01 ذلك ) في قوله ( @QUR@04 ذلك الفضل من الله ) ~~يعود إلى ما ثبت للمطيعين من أجر جزيل ، ومزيد هداية ، وحسن رفقة. وهو ~~مبتدأ. وقوله ( @QUR@01 الفضل ) صفته ، والجار والمجرور PageV03P210 # متعلق بمحذوف خبره. أى : ذلك الفضل العظيم كائن من الله تعالى لا من غيره. # وقوله ( @QUR@03 وكفى بالله عليما ) تذييل قصد به الإشارة إلى أن أولئك ~~الأخيار. الذين قدموا أحسن الأعمال ، واستحقوا أفضل الجزاء ، وإن لم يعلمهم ~~الناس فإن الله تعالى يعلمهم ، وقد كافأهم بما يستحقون. # أى : كفى به سبحانه عليما بمن يستحق فضله وعطاءه وبمن لا يستحق ، فهو ~~سبحانه الذي لا تخفى عليه خافية من شئون خلقه. # وفي هذه الجملة الكريمة حض للمسلم على التزود من العمل الصالح ، لأنه ~~سبحانه ما دام يعلم أحوال عباده وسيحاسبهم على أعمالهم ، فجدير بالعاقل أن ~~يرغب في الطاعة وأن ينفر من المعصية. # هذا ، وقد وردت أحاديث كثيرة تشير إلى أن المؤمنين الصادقين سيكونون يوم ~~القيامة مع أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين. # ومن هذه الأحاديث ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن ربيعة بن كعب الأسلمى ~~أنه قال. كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته بوضوئه وحاجته فقال ~~لي. (سل): فقلت أسألك مرافقتك في الجنة. فقال أو غير ذلك؟ قلت : هو ذاك. ~~قال : فأعنى على نفسك بكثرة السجود. # ومنها ما رواه الإمام أحمد عن سهل بن معاذ بن أنس عن ms1292 أبيه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : «من قرأ ألف آية في سبيل الله ، كتب يوم القيامة مع ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا». # ومنها ما رواه الترمذي عن أبى سعيد الخدري قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء» قال ~~ابن كثير : وأعظم من هذا كله بشارة ، ما ثبت في الصحيح والمسانيد وغيرهما ~~من طرق متواترة عن جماعة من الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ~~الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم؟ فقال «المرء مع من أحب». # قال أنس : فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث (1). PageV03P211 # وبذلك نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد بشرتا المطيعين لله ولرسوله ~~بأحسن البشارات ، وأرفع الدرجات. # * * * # ثم وجهت السورة الكريمة نداء إلى المؤمنين أمرتهم فيه بالاستعداد للجهاد ~~في سبيل الله من أجل إعلاء كلمته ، بعد أن أمرتهم قبل ذلك بطاعته وبطاعة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى : # ( @QUR@011 يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ~~(71) @QUR@017 وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي ~~إذ لم أكن معهم شهيدا (72) @QUR@019 ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم ~~تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما ) (73) # قال القرطبي : قوله تعالى ( @QUR@06 يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم ) ~~هذا خطاب للمؤمنين المخلصين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وأمر لهم بجهاد ~~الكفار والخروج في سبيل الله ، وحماية الشرع. # ووجه النظم والاتصال بما قبله أنه لما ذكر طاعة الله وطاعة رسوله أمر أهل ~~الطاعة بالقيام بإحياء دينه وإعلاء دعوته. وأمرهم ألا يقتحموا على عدوهم ~~حتى يتحسسوا إلى ما عندهم ، ويعلموا كيف يردون عليهم ، فذلك أثبت لهم فقال ~~«خذوا حذركم» فعلمهم مباشرة الحروب. ولا ينافي هذا التوكل بل هو عين التوكل ~~.. (1). # والحذر والحذر بمعنى واحد كالإثر والأثر. يقال : أخذ فلان حذره ، إذا ~~تيقظ واحترز مما يخشاه ويخافه. فكأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه ~~ويعصم ms1293 بها روحه. فالكلام على سبيل الكناية والتخيل. بتشبيه الحذر بالسلاح ~~وآلة الوقاية. PageV03P212 # والمعنى : استعدوا أيها المؤمنون لأعدائكم ، وكونوا على يقظة منهم ، ~~وكونوا متأهبين للقائهم دائما بالإيمان القوى ، وبالسلاح الذي يفل سلاحهم. # هذا ، وللأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده كلام حسن في هذا المعنى ، فقد قال ~~رحمه الله ما ملخصه : «الحذر : الاحتراس والاستعداد لاتقاء شر العدو ، وذلك ~~بأن نعرف حال العدو ومبلغ استعداده وقوته ومعرفة أرضه وبلاده وفي أمثال ~~العرب (قتلت أرض جاهلها). ويدخل في الحذر والاستعداد معرفة الأسلحة وكيفية ~~استعمالها فكل ذلك وغيره يدخل تحت الأمر بأخذ الحذر. # وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عارفين بأرض عدوهم ، وكان للنبي ~~صلى الله عليه وسلم جواسيس يأتونه بأخبار مكة ، ولما أخبروه بنقض قريش للعهد ~~استعد لفتحها ، وقال أبو بكر لخالد يوم حرب اليمامة (حاربهم بمثل ما ~~يحاربونك به : السيف بالسيف ، والرمح بالرمح). وهذه كلمة جليلة فالقول وعمل ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، كل ذلك دال على أن الاستعداد يختلف ~~باختلاف حال العدو وقوته» (1). # فأنت ترى أن هذه الجملة الكريمة ( @QUR@02 خذوا حذركم ) دعوة للمؤمنين في ~~كل زمان ومكان إلى حسن الاستعداد لمجابهة أعدائهم بشتى الأساليب وبمختلف ~~الوسائل التي تجعل الأمة الإسلامية يرهبها أعداؤها سواء أكانوا في داخلها ~~أم في خارجها. # وقوله ( @QUR@05 فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ) تفريع على أخذ الحذر ؛ ~~لأنهم إذا أخذوا حذرهم ، عرفوا كيف يتخيرون أسلوب القتال المناسب لحال ~~أعدائهم وقوله ( @QUR@01 فانفروا ) من النفر وهو الخروج إلى عمل من الأعمال ~~بسرعة. ومنه قوله تعالى ( @QUR@023 وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلو لا ~~نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا ~~إليهم لعلهم يحذرون ) (2). # والمراد بقوله ( @QUR@01 فانفروا ) هنا : أى اخرجوا إلى قتال أعدائكم ~~بهمة ونشاط. # ويقال : نفر القوم ينفرون نفرا ونفيرا إذا نهضوا لقتال عدوهم. واستنفر ~~الإمام الناس إذا حضهم على جهاد أعدائهم ومنه قوله صلى الله عليه وسلم (وإذا ~~استنفرتم فانفروا). والنفير. اسم للقوم الذين ينفرون. # وقوله ( @QUR@01 ثبات ) جمع ثبة وهي الجماعة والعصبة من الفرسان. ms1294 مأخوذة ~~من ثبا يثبو أى اجتمع. PageV03P213 # والمعنى. عليكم أيها المؤمنون أن تكونوا دائما على استعداد للقاء أعدائكم ~~، ولا تغفلوا عن كيدهم. فإذا ما حان الوقت لقتالهم فاخرجوا إليهم مسرعين ~~جماعة في إثر جماعة ؛ أو فاخرجوا إليهم مجتمعين في جيش واحد ، فإن قتالكم ~~لأعدائكم أحيانا يتطلب خروجكم فرقة بعد فرقة ، وأحيانا يتطلب خروجكم ~~مجتمعين ، فاسلكوا في قتالكم لأعدائكم الطريقة المناسبة لدحرهم والتغلب عليهم. # وقوله ( @QUR@01 ثبات ) منصوب على الحال من الضمير في قوله ( @QUR@01 ~~انفروا ) وكذلك قوله ( @QUR@01 جميعا ) أى انفروا متفرقين أو انفروا ~~مجتمعين أى ، ليكن نفوركم على حسب ما تقتضيه طبيعة المعركة. # قال الآلوسى : قوله ( @QUR@03 أو انفروا جميعا ) أى مجتمعين جماعة واحدة. ~~ويسمى الجيش إذا اجتمع ولم ينتشر كتيبة. وللقطعة المنتخبة المقتطعة منه ~~سرية وهي من خمسة أنفس إلى ثلاثمائة أو أربعمائة. وما زاد على السرية فمنسر ~~كمجلس ومنبر إلى الثمانمائة. فإن زاد يقال له جيش إلى أربعة آلاف. # فإن زاد يسمى جحفلا. فإن زاد يسمى خميسا وهو الجيش العظيم. وما افترق من ~~السرية يسمى بعثا. والآية وإن نزلت في الحرب لكن فيها إشارة إلى الحث على ~~المبادرة إلى الخيرات كلها كيفما أمكن قبل الفوات» (1). # ثم كشف سبحانه عن فساد نفوس المنافقين وضعاف الإيمان فقال : ( @QUR@04 ~~وإن منكم لمن ليبطئن ) أى : ليتأخرن وليتثاقلن عن الجهاد. من «بطأ» ~~بالتشديد بمعنى أبطأ فهو فعل لازم. وقد يستعمل أبطأ وبطأ بالتشديد متعديين ~~، وعليه يكون المفعول هنا محذوف أى : ليبطئن غيره ويثبطه عن الخروج للجهاد ~~في سبيل الله. # وقد جمع المنافقون وضعاف الإيمان بين الأمرين : فقد كانوا يتخلفون عن ~~الجهاد في سبيل الله وينتحلون المعاذير الكاذبة لتخلفهم ، ولا يكتفون بذلك ~~بل يحاولون منع غيرهم عن الخروج للجهاد. # والتعبير بقوله ( @QUR@01 ليبطئن ) تعبير في أسمى درجات البلاغة والروعة ~~، لأنه يصور الحركة النفسية للمنافقين وضعاف الإيمان وهم يشدون أنفسهم شدا ~~، ويقدمون رجلا ويؤخرون أخرى عند ما يدعوهم داعي الجهاد إلى الخروج من أجل ~~إعلاء كلمة الله. # وقد اشتملت الجملة الكريمة على جملة مؤكدات ، للاشعار بأن هؤلاء ~~المنافقين لا يتركون PageV03P214 # فرصة ms1295 تمرد دون أن يبثوا سمومهم بنشاط وإصرار ، وأنهم حريصون كل الحرص على ~~توهين عزائم المجاهدين ، وحملهم على أن يكونوا مع القاعدين كما هو شأن ~~المنافقين. # والمراد بقوله ( @QUR@01 منكم ) أى من جنسكم وممن يعيشون معكم ويساكنونكم ~~، ويرتبطون معكم برباط القرابة ، ويتظاهرون بالإسلام ، فلقد كان المنافقون ~~في المدينة تربطهم روابط متعددة بالمؤمنين الصادقين ، كما هو معروف في ~~التاريخ الإسلامى. # فمثلا عبد الله بن أبى بن سلول زعيم المنافقين كان أحد أبنائه من ~~المؤمنين الصادقين. # وقد وجه القرآن الخطاب إلى المؤمنين لكي يكشف لهم عن المنافقين المندسين ~~في صفوفهم لكي يحذروهم ، قال صاحب الكشاف : واللام في قوله ( @QUR@01 لمن ) ~~للابتداء بمنزلتها في قوله ( @QUR@04 إن الله لغفور رحيم ) وفي ( @QUR@01 ~~ليبطئن ) جواب قسم محذوف تقديره : وإن منكم لمن أقسم بالله ليبطئن وجوابه ~~صلة من والضمير الراجع منها يعود إلى ما استكن في ( @QUR@01 ليبطئن ). ~~والخطاب لعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم » (1). # وقوله ( @QUR@013 فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم ~~شهيدا ) بيان لما انطوت عليه نفوس المنافقين من فساد ، وما نطقت به ألسنتهم ~~من سوء. # أى : وإن من المتظاهرين بأنهم منكم يا معشر المؤمنين لمن يتثاقلون عن ~~القتال ويعملون على أن يكون غيرهم مثلهم ، ( @QUR@02 فإن أصابتكم ) يا معشر ~~المؤمنين ( @QUR@01 مصيبة ) كهزيمة وقتية ، أو استشهاد جماعة منكم ( ~~@QUR@01 قال ) هذا المنافق على سبيل الفرح والتشفي ( @QUR@04 قد أنعم الله ~~علي ) أى : قد أكرمنى الله بالقعود ( @QUR@05 إذ لم أكن معهم شهيدا ) أى ~~حاضرا في المعركة ، لأنى لو كنت حاضرا معهم لأصابنى ما أصابهم من القتل أو ~~الجراح أو الآلام. # فالآية الكريمة تحكى عن المنافقين أنهم يعتبرون قعودهم عن الجهاد نعمة ، ~~إذا ما أصاب المؤمنين مصيبة عند قتالهم لأعدائهم. # أما إذا كانت الدولة للمؤمنين ، وظفروا بالغنائم ، فهنا يتمنى المنافقون ~~أن لو كانوا معهم لينالوا بعض هذه الغنائم. واستمع إلى القرآن وهو يحكى ~~عنهم ذلك فيقول : ( @QUR@019 ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن ~~بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما ). # أى : ( @QUR@02 ولئن أصابكم ms1296 ) يا معشر المؤمنين ( @QUR@03 فضل من الله ) ~~كفتح وغنيمة ونصر وظفر ( @QUR@01 ليقولن ) هذا المنافق على سبيل الندامة ~~والحسرة والتهالك على حطام الدنيا ، حالة كونه ( @QUR@01 كأن PageV03P215 # @QUR@05 لم تكن بينكم وبينه مودة ) ليقولن : ( @QUR@04 يا ليتني كنت معهم ~~) عند ما خرجوا للجهاد ( @QUR@03 فأفوز فوزا عظيما ) بأن أحصل كما حصلوا ~~على الغنائم الكثيرة. # وهذا كما يقول ابن جرير خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء المنافقين ، أن ~~شهودهم الحرب مع المسلمين إن شهدوها إنما هو لطلب الغنيمة وإن تخلفوا عنها ~~فللشك الذي في قلوبهم ، وأنهم لا يرجون لحضورها ثوابا ، ولا يخافون بالتخلف ~~عنها من الله عقابا (1). # وفي نسبة الفضل إلى الله في قوله ( @QUR@05 ولئن أصابكم فضل من الله ) ~~دون إصابة المصيبة تعليم لحسن الأدب مع الله تعالى وإن كان سبحانه هو ~~الخالق لكل شيء ، فهو الذي يمنح الفضل لمن يشاء وهو الذي يمنعه عمن يشاء. # وقوله ( @QUR@06 كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ) جملة معترضة بين فعل ~~القول الذي هو ( @QUR@01 ليقولن ) وبين المقول الذي هو ( @QUR@04 يا ليتني ~~كنت معهم ). # وقد جيء بها على سبيل التهكم والسخرية والتعجب من حال المنافقين ، لأنهم ~~كان في إمكانهم أن يخرجوا مع المؤمنين للقتال ، وأن ينالوا نصيبهم من ~~الغنائم التي حصل عليها المؤمنون ، ولكنهم لم يخرجوا لسوء نواياهم ، فلما ~~أظهروا التحسر لعدم الخروج بعد أن رأوا الغنائم في أيدى المؤمنين كان ~~تحسرهم في غير موضعه ؛ لأن الذي يتحسر على فوات شيء عادة هو من لا علم له ~~به أو بأسبابه ، أما المنافقون فبسبب مخالطتهم وصحبتهم للمؤمنين كانوا على ~~علم بقتال المؤمنين لأعدائهم ، وكان في إمكانهم أن يخرجوا معهم. # فكأن الله تعالى يقول للمؤمنين : انظروا وتعجبوا من شأن هؤلاء المنافقين ~~إنهم عند ما أصابتكم مصيبه فرحوا ، وعند ما انتصرتم وأصبتم الغنائم تحسروا ~~وتمنوا أن لو كانوا معكم حتى لكأنهم لا علم لهم بالقتال الذي دار بينكم ~~وبين أعدائكم ، وحتى لكأنهم لا مخالطة ولا صحبة بينكم وبينهم مع أن علمهم ~~بالقتال حاصل ، ومخالطتهم لكم حاصلة فلم يتحسرون؟ إن قولهم : ( @QUR@07 يا ~~ليتني كنت معهم ms1297 فأفوز فوزا عظيما ) ليدعو إلى التعجب من أحوالهم ، والتحقير ~~لسلوكهم ، والدعوة عليهم بأن يزدادوا حسرة على حسرتهم. # وبذلك نرى أن الآيات الكريمة قد أمرت المؤمنين بحسن الاستعداد للقاء ~~أعدائهم في كل وقت ، وكشفت لهم عن رذائل المنافقين الذين إذا أصابت ~~المؤمنين مصيبة فرحوا لها ، وإذا أصابهم فضل من الله تحسروا وحزنوا ، وفي ~~هذا الكشف فضيحة للمنافقين ، وتحذير للمؤمنين من شرورهم. PageV03P216 # وبعد هذا التوبيخ الشديد للمتثاقلين عن الجهاد ، أخذ القرآن الكريم في ~~استنهاض الهمم والعزائم للجهاد في سبيل الله فقال تعالى : # ( @QUR@021 فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن ~~يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما (74) @QUR@031 وما ~~لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين ~~يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا ~~واجعل لنا من لدنك نصيرا (75) @QUR@020 الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله ~~والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد ~~الشيطان كان ضعيفا ) (76) # والفاء في قوله ( @QUR@01 فليقاتل ) للإفصاح عن جواب شرط مقدر. أى إن ~~أبطأ هؤلاء المنافقون والذين في قلوبهم مرض وتأخروا عن الجهاد والقتال ، ~~فليقاتل المؤمنون الصادقون الذين ( @QUR@01 يشرون ) أى يبيعون الحياة ~~الدنيا بكل متعها وشهواتها من أجل الحصول على رضا الله تعالى في الآخرة. # وقوله ( @QUR@03 في سبيل الله ) تنبيه إلى أن هذا النوع من القتال هو ~~المعتد به عند الله تعالى ، لأن المؤمن الصادق لا يقاتل من أجل فخر أو مغنم ~~أو اغتصاب حق غيره ، وإنما يقاتل من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة ~~الذين كفروا هي السفلى. # وقوله ( @QUR@012 ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا ~~عظيما ) بيان للثواب العظيم الذي أعده الله تعالى للمجاهدين. # أى : ومن يقاتل في سبيل الله ومن أجل إعلاء دينه ، فيستشهد ، أو يكون له ~~النصر على PageV03P217 # عدوه ، فسوف نؤتيه أجرا عظيما لا يعلم مقداره إلا الله تعالى .. وإنما ~~اقتصر سبحانه على بيان حالتين بالنسبة للمقاتل وهي حالة الاستشهاد ms1298 وحالة ~~الغلبة على العدو ، للإشعار بأن المجاهد الصادق لا يبغى من جهاده إلا هاتين ~~الحالتين ، فهو قد وطن نفسه حالة جهاده على الاستشهاد أو على الانتصار على ~~أعداء الله ، ومتى وطن نفسه على ذلك ثبت في قتاله ، وأخلص في جهاده. # وقدم سبحانه القتل على الغلب ، للإيذان بأن حرص المجاهد المخلص على ~~الاستشهاد في سبيل الله ، أشد من حرصه على الغلب والنصر. # والتعبير بسوف في قوله ( @QUR@04 فسوف نؤتيه أجرا عظيما ) لتأكيد الحصول ~~على الأجر العظيم في المستقبل. # والجملة جواب الشرط وهو قوله ( @QUR@02 ومن يقاتل ) وقوله ( @QUR@01 ~~فيقتل ) تفريع على فعل الشرط. # ونكر سبحانه الأجر ووصفه بالعظم ، للإشعار بأنه أجر لا يحده تعيين ، ولا ~~يبينه تعريف ، ولا يعلم مقداره إلا الله تعالى . # ثم حرض سبحانه المؤمنين على القتال بأبلغ أسلوب فقال : ( @QUR@012 وما ~~لكم لا تقاتلون في سبيل الله ، والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان ). # فالخطاب للمؤمنين المأمورين بالقتال على طريقة الالتفات ، مبالغة في ~~التحريض عليه ، وتأكيدا لوجوبه ، و ( @QUR@01 ما ) اسم استفهام مبتدأ ، ~~والجار والمجرور وهو ( @QUR@01 لكم ) خبره. # وجملة ( @QUR@05 لا تقاتلون في سبيل الله ) في محل نصب على الحال ، ~~والعامل في هذه الحال الاستقرار المقدر أو الظرف لتضمنه معنى الفعل. # والمراد بالاستفهام تحريضهم على الجهاد ، والإنكار عليهم في تركه مع توفر ~~دواعيه ، والمعنى : أى شيء جعلكم غير مقاتلين؟ إن عدم قتالكم لأعدائكم ~~يتنافى مع إيمانكم ، أما الذي يتناسب مع إيمانكم وطاعتكم لله فهو أن ~~تقاتلوا من أجل إعلاء كلمة الله ، ومن أجل المستضعفين من الرجال والنساء ~~والولدان. # فالآية الكريمة تحريض على الجهاد بأبلغ وجه ، ونفى للاعتذار عنه. # والمراد بالمستضعفين : الضعفاء من الناس وهم المسلمون الذين بقوا في مكة ~~بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، لعدم قدرتهم على الهجرة أو ~~لمنع المشركين إياهم من الخروج. # وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لهم فيقول : اللهم أنج الوليد بن ~~الوليد ، وسلمة بن هشام وعياش بن أبى ربيعة والمستضعفين من المؤمنين. # وقوله ( @QUR@01 والمستضعفين ) معطوف على قوله ( @QUR@03 في سبيل الله ) ~~أى : قاتلوا في سبيل الله ms1299 وفي PageV03P218 # سبيل المستضعفين حتى تخلصوهم من ظلم المشركين لهم. # وخصهم بالذكر مع أن القتال في سبيل الله يشملهم ، لمزيد العناية بشأنهم ، ~~وللتحريض على القتال بحكم الشرف والمروءة بعد التحريض عليه بحكم الدين ~~والتقرب إلى الله تعالى ، لأن مروءة الإنسان الكريم تحمله على نصرة الضعيف ~~، ومنع الاعتداء عليه. # وقوله ( @QUR@04 من الرجال والنساء والولدان )، بيان لهؤلاء المستضعفين. # أى : قاتلوا أيها المؤمنون من أجل إعلاء كلمة الله ونشر دينه ، ومن أجل ~~نصرة المستضعفين من الرجال الذين صدهم المشركون عن الهجرة ، ومن النساء ~~اللائي لا يملكن حولا ولا قوة. ومن الولدان الصغار الذين لا يستطيعون ~~الدفاع عن أنفسهم. # وفي النص على هؤلاء المستضعفين وخصوصا النساء والولدان ، أقوى تحريض على ~~الجهاد ، وأعظم وسيلة لإثارة الحماس والنخوة من أجل القتال ، لأنهم إذا ~~تركوا هؤلاء المستضعفين أذلاء في أيدى المشركين ، فإنهم سيعيرون بهم ، وهذا ~~ما يأباه كل شريف كريم. # ثم حكى سبحانه ما كان يقوله المستضعفون فقال : ( @QUR@019 الذين يقولون ~~ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها. واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا ~~من لدنك نصيرا ). # أى : قاتلوا أيها المؤمنون في سبيل المستضعفين من الرجال والنساء ~~والولدان الذين يضرعون إلى الله قائلين : يا ربنا أخرجنا من هذه القرية ~~التي ظلمنا أهلها بسبب شركهم وكفرهم ( @QUR@05 واجعل لنا من لدنك وليا ). # أى وسخر لنا من عندك حافظا يحفظ علينا ديننا ( @QUR@05 واجعل لنا من لدنك ~~نصيرا ). أى : وسخر لنا من عندك كذلك ناصرا يدفع عنا أذى أعدائنا ، فأنت ~~الذي لا يذل من استجار به ، ولا يضعف من كنت نصيره ووليه. # والمراد بالقرية الظالم أهلها : مكة. وقد وصف أهلها بأنهم ظالمون ، ولم ~~توصف هي بأنها ظالمة كما وصف غيرها من القرى كما في قوله تعالى ( @QUR@06 ~~وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها ) وذلك من باب التكريم لمكة ، إذ هي حرم ~~الله الآمن ؛ ولا يوصف حرم الله الآمن بالظلم ولو على سبيل المجاز. # وقوله ( @QUR@02 الظالم أهلها ) صفة للقرية ، وأهلها مرفوع به على ~~الفاعلية ، وأل في الظالم موصولة بمعنى التي أى التي ظلم أهلها. ms1300 فقوله ( ~~@QUR@01 الظالم ) جار على القرية لفظا ، وهو لما بعدها معنى نحو : مررت ~~برجل حسن غلامه. # وفي هذا النداء الذي تضرع به أولئك المستضعفون إلى خالقهم أسمى ألوان الأدب PageV03P219 # والإخلاص فهم يلتمسون منه سبحانه أن يخرجهم من بطش الظالمين وحكمهم ، وأن ~~يجعلهم تابعين للقوم الذين يحبهم ويحبونه ، وهم المؤمنون ، وأن يهيئ لهم ~~النصر على أعدائهم وأعدائه. # ولقد استجاب الله تعالى لهم دعاءهم ، حيث يسر لبعضهم الخروج إلى المدينة ~~، ورزق المؤمنين فتحا قريبا ، وإلى ذلك أشار صاحب الكشاف بقوله : ~~«والمستضعفون هم الذين أسلموا بمكة وصدهم المشركون عن الهجرة فبقوا بين ~~أظهرهم مستذلين ... وكانوا يدعون الله بالخلاص ويستنصرونه ، فيسر الله ~~لبعضهم الخروج إلى المدينة ، وبقي بعضهم إلى الفتح حتى جعل الله لهم من ~~لدنه خير ولى وناصر وهو محمد صلى الله عليه وسلم فتولاهم أحسن التولي ، ونصرهم ~~أقوى النصر. # فإن قلت : لم يذكر الولدان : قلت : تسجيلا بإفراط ظلمهم ، حيث بلغ أذاهم ~~الولدان غير المكلفين ، إرغاما لآبائهم وأمهاتهم ، ومبغضة لهم ، ولأن ~~المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم استنزالا لرحمة الله بدعاء ~~صغارهم الذين لم يذنبوا ، كما وردت السنة بإخراجهم في الاستسقاء (1). # ثم ساق سبحانه لونا آخر من تحريضهم على الجهاد وهو تحديد الهدف الذي ~~يقاتل من أجله كل فريق فقال : ( @QUR@020 الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله ~~، والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ، فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد ~~الشيطان كان ضعيفا ) أى أنتم أيها المؤمنون إذا قاتلتم فإنما تقاتلون ~~وغايتكم إعلاء كلمة الله ، ونصرة الحق الذي جاء به رسولكم محمد ~~صلى الله عليه وسلم . أما أعداؤكم الكافرون فإنهم يقاتلون من أجل طاعة الشيطان ~~الذي يأمرهم بكل بغى وطغيان ، وإذا كان هذا حالكم وحالهم فعليكم أيها ~~المؤمنون أن تقاتلوا أولياء الشيطان بكل قوة وصدق عزيمة ( @QUR@05 إن كيد ~~الشيطان كان ضعيفا ) أى. إن كيد الشيطان وتدبيره كان ضعيفا ، لأن الشيطان ~~ينصر أولياءه ، والله تعالى ينصر أولياءه ، ولا شك أن نصرة الله تعالى ~~لأوليائه أقوى وأشد من نصرة الشيطان لأوليائه. # فقوله تعالى ( @QUR@06 الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله ms1301 ) كلام مستأنف ~~سيق لتشجيع المؤمنين وترغيبهم في الجهاد ببيان الغاية والهدف الذي يعمل من ~~أجله كل فريق ، وببيان أن المؤمنين ستكون عاقبتهم النصر والظفر لأن الله ~~وليهم وناصرهم. # والفاء في قوله ( @QUR@01 فقاتلوا ) للتفريع ، أى إذا كانت تلك غايتكم ~~أيها المؤمنون وتلك هي غاية PageV03P220 # أعدائكم ؛ فقاتلوهم بدون خوف أو وجل منهم لأن الله معكم بنصره وتأييده ~~أما هم فالشيطان معهم بضعفه وفجوره. # والمراد بكيد الشيطان تدبيره ووسوسته لأتباعه بالاعتداء على المؤمنين ~~وتأليب الناس عليهم. # قال الفخر الرازي : الكيد : السعى في فساد الحال على جهة الاحتيال عليه ، ~~يقال : كاده يكيده إذا سعى في إيقاع الضرر على جهة الحيلة عليه. وفائدة ~~إدخال ( @QUR@01 كان ) في قوله ( @QUR@02 كان ضعيفا ) للتأكيد لضعف كيده ، ~~يعنى أنه منذ كان ، كان موصوفا بالضعف والذلة (1). # وبذلك نرى أن هذه الآيات الثلاث قد شجعت المؤمنين على القتال بأبلغ أسلوب ~~، وأشرف دافع ، وأنبل غاية ، فقد أمرتهم بالقتال إذا كانوا حقا من المؤمنين ~~، الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ، وبشرتهم برضا الله وحسن ثوابه سواء ~~أقتلوا أم غلبوا واستنكرت عليهم أن يتثاقلوا عن القتال مع أن كل دواعي ~~الدين والشرف والمروءة تدعوهم إليه ، وبينت لهم أنه إذا كان الكافرون الذين ~~الغاية من قتالهم نصرة الشيطان يقدمون على القتال ، فأولى بالمؤمنين الذين ~~الغاية من قتالهم نصرة الحق أن ينفروا خفافا وثقالا للجهاد في سبيل الله ، ~~ثم بشرتهم في النهاية بأن العاقبة لهم ، لأن الكافرين يستندون إلى كيد ~~الشيطان الضعيف الباطل ، أما المؤمنون فيأوون إلى جناب الله الذي لا يخذل ~~من اعتصم به ، ولا يخيب من التجأ إليه. # وبعد هذا التحريض الشديد من الله تعالى للمؤمنين على القتال في سبيله ، ~~حكى سبحانه على سبيل التعجيب حال طائفة من ضعاف الإيمان ، كانوا قبل أن ~~يفرض القتال عليهم يظهرون التشوق إليه. وبعد أن فرض عليهم جبنوا عنه ، وقد ~~وبخهم الله تعالى على هذا المسلك الذميم ، فقال سبحانه : # ( @QUR@049 ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس ms1302 كخشية الله أو أشد ~~خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لو لا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع ~~الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا (77) @QUR@01 أينما PageV03P221 # @QUR@035 تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة ~~يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند ~~الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا (78) @QUR@018 ما أصابك من ~~حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله ~~شهيدا (79) @QUR@012 من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك ~~عليهم حفيظا ) (80) # والاستفهام في قوله تعالى ( @QUR@02 ألم تر ) للتعجيب من حال أولئك الذين ~~كانوا يظهرون التشوق إلى القتال فلما فرض عليهم جبنوا عنه. # وقوله ( @QUR@02 كفوا أيديكم ) من الكف بمعنى الامتناع أى : امتنعوا عن ~~مباشرة القتال إلى أن تؤمروا به. # والمعنى : ألم ينته علمك يا محمد أو ألم تنظر بعين الدهشة والغرابة إلى ~~حال أولئك الذين كانوا يظهرون شدة الحماسة للقتال ، فقيل لهم ( @QUR@02 ~~كفوا أيديكم ) أى : عن القتال لأنكم لم تؤمروا به بعد ( @QUR@02 وأقيموا ~~الصلاة ) فإن الصلاة تخلص النفس من أدران المآثم ، وتجعلها تتجه إلى الله ~~وحده ( @QUR@02 وآتوا الزكاة ) فإن الزكاة تطهر النفوس من الشح والبخل ، ~~وتربط بين الناس برباط المحبة والتعاون. # ثم بين سبحانه حالهم بعد أن فرض عليهم القتال فقال : ( @QUR@014 فلما كتب ~~عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية ). # أى : فحين فرض عليهم القتال وأمروا بمباشرته بعد أن صارت للمسلمين دولة ~~بالمدينة ، حين حدث ذلك ، إذا فريق منهم وهم الذين قل إيمانهم ، وضعف ~~يقينهم ، وارتابت قلوبهم ( @QUR@02 يخشون الناس ) أى يخافونهم خوفا شديدا ( ~~@QUR@05 كخشية الله أو أشد خشية ) أى : يخافون من الكفار أن يقتلوهم كما ~~يخافون من الله أن ينزل بهم بأسه ، أو أشد من ذلك. # فالمراد بالناس في قوله ( @QUR@02 يخشون الناس ) أولئك الأعداء الذين كتب ~~الله على المؤمنين قتالهم. PageV03P222 # وعبر عن هؤلاء الأعداء بقوله ( @QUR@01 الناس ) زيادة في توبيخ أولئك ~~الذين خافوا منهم ms1303 هذا الخوف الشديد ، لأنهم لو كانوا مؤمنين حقا ، ~~لاستقبلوا ما فرضه الله عليهم بالسمع والطاعة ، ولما خافوا هذا الخوف ~~الشديد من أناس مثلهم. # وقوله ( @QUR@02 كخشية الله ) مفعول مطلق ، أى يخشونهم خشية كخشية الله. # وهو بيان لشدة خورهم وهلعهم ، ولفساد تفكيرهم ، حيث جعلوا خشيتهم للناس ~~في مقابل خشيتهم لله ، الذي يجب أن تكون خشيته سبحانه فوق كل خشية. # وقوله ( @QUR@03 أو أشد خشية ) معطوف على ما قبله. وأشد حال من خشية لأن ~~نعت النكرة إذا تقدم عليها أعرب حالا. # وفي هذه الجملة الكريمة زيادة في توبيخهم وذمهم ؛ وترق في توضيح حالتهم ~~القبيحة ، لأنه إذا كان من المقرر أنه لا يجوز للعاقل أن يجعل خشيته للناس ~~كخشيته لله ، فمن باب أولى لا يجوز له أن يجعل خشيته للناس أشد من خشيته ~~لله تعالى . # قال الفخر الرازي ما ملخصه : فإن قيل : ظاهر ( @QUR@03 أو أشد خشية ) ~~يوهم الشك. وذلك على علام الغيوب محال. أجيب بأن ( @QUR@01 أو ) بمعنى بل. ~~أو هي للتنويع. على معنى أن خشية بعضهم كخشية الله وخشية بعضهم أشد منها أو ~~هي للإبهام على السامع. على معنى أنهم على إحدى الصفتين من المساواة ~~والشدة. وهو قريب مما في قوله تعالى : ( @QUR@06 وأرسلناه إلى مائة ألف أو ~~يزيدون ) يعنى أن من يبصرهم يقول : أنهم مائة ألف أو يزيدون (1). # ثم حكى سبحانه ما قاله أولئك الضعفاء عند ما فرض عليهم القتال فقال : ( ~~@QUR@012 وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لو لا أخرتنا إلى أجل قريب ). # أى : أن هؤلاء الضعفاء لم يكتفوا بما اعتراهم من فزع وجزع عند ما كتب ~~عليهم القتال وإنما أضافوا إلى ذلك أنهم قالوا على سبيل الضجر والألم : يا ~~ربنا لم كتبت علينا القتال في هذا الوقت ( @QUR@06 لو لا أخرتنا إلى أجل ~~قريب ) أى : هلا عافيتنا وتركتنا حتى نموت موتة لا قتال معها عند حضور ~~آجالنا ، دون أن نتعرض لهذا التكليف الثقيل المخيف. # وهكذا يصور القرآن تخبط هؤلاء الضعفاء أكمل تصوير. إنهم قبل أن يفرض ~~القتال يظهرون التحمس له ، والتشوق لخوض معا معه ، فإذا ms1304 ما فرض عليهم ~~القتال فزعوا وارتعدوا وقالوا ما قالوا من ضلال بضيق وهلع. PageV03P223 # ويبدو أن هذه طبيعة أكثر المتهورين في كل وقت ، إنهم قبل أن يجد الجد أشد ~~الناس حماسة للقاء الأعداء ، فإذا ماجد الجد ووقعت الواقعة كانوا أول ~~الفارين ، وأول الناكصين على أعقابهم. # وذلك لأن الشجعان العقلاء لا يتمنون لقاء الأعداء ، ولا ينشئون القتال ~~إنشاء ، وإنما يقدرون الأمور حق قدرها ، ويضعون الأشياء في مواضعها ، فإذا ~~ما اقتضت الضرورة خوض معركة من المعارك ثبتوا ثبات الأبطال. # أما المندفعون بدون إيمان يدفعهم ، أو عقل يرشدهم ، فإنهم لعدم تقديرهم ~~للأمور يكونون في ساعة الشدة أول الناس جزعا ونكولا وانهيارا. # ولكن من هؤلاء الذين تحدثت عنهم الآية الكريمة ووصفتهم بأنهم حين كتب ~~عليهم القتال «إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ~~ربنا لم كتبت علينا القتال لو لا أخرتنا إلى أجل قريب ..»؟!! # إن الذي يراجع أقوال المفسرين يرى أن بعضهم يميل إلى أن الآية الكريمة في ~~شأن المؤمنين ، ويرى أن بعضهم يرجح أنها في شأن المنافقين ، وقد لخص الإمام ~~الرازي هذه الأقوال تلخيصا حسنا فقال : # «هذه الآية صفة للمؤمنين أو المنافقين؟ فيه قولان : # الأول : أن الآية نزلت في المؤمنين. قال الكلبي : نزلت في عبد الرحمن بن ~~عوف ، والمقداد ، وقدامة بن مظعون ، وسعد بن أبى وقاص. كانوا مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم قبل أن يهاجروا إلى المدينة ، ويلقون من المشركين أذى ~~شديدا ، فيشكون ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون : ائذن لنا في ~~قتالهم ويقول لهم الرسول صلى الله عليه وسلم كفوا أيديكم فإنى لم أومر بقتالهم ~~، واشتغلوا بإقامة دينكم من الصلاة والزكاة ، فلما هاجر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كرهه بعضهم فأنزل الله هذه الآية. # ثم قال : واحتج الذاهبون إلى هذا القول بأن الذين يحتاج الرسول أن يقول ~~لهم : كفوا عن القتال هم الراغبون في القتال ؛ والراغبون في القتال هم ~~المؤمنون ، فدل هذا على أن الآية في حق المؤمنين .. وأن كراهتهم للقتال ~~إنما هي ms1305 بمقتضى الجبلة البشرية ... وقولهم ( @QUR@04 لم كتبت علينا القتال ~~) محمول على التمني في التخفيف للتكليف لا على وجه الإنكار لإيجاب الله تعالى. # ثم قال : والقول الثاني : أن الآية نازلة في حق المنافقين. واحتج ~~الذاهبون إلى هذا القول بأن الآية مشتملة على أمور تدل على أنها مختصة ~~بالمنافقين ، لأن الله وصفهم بأنهم ( @QUR@07 يخشون الناس كخشية الله أو ~~أشد خشية ) ومعلوم أن هذا الوصف لا يليق إلا بالمنافق ، لأن المؤمن لا يجوز ~~أن يكون خوفه من الناس أزيد من خوفه من الله تعالى ولأنه سبحانه حكى PageV03P224 # عنهم أنهم قالوا : ربنا لما كتبت علينا القتال ، والاعتراض على الله ليس ~~إلا من صفة الكفار أو المنافقين ، ولأن الله قال للرسول : ( @QUR@08 قل ~~متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ) وهذا الكلام يذكر مع من كانت ~~رغبته في الدنيا أكثر من رغبته في الآخرة ، وذلك من صفات المنافقين. # ثم قال. والأولى حمل الآية على المنافقين لأنه سبحانه ذكر بعد هذه الآية ~~قوله : ( @QUR@015 وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله ، وإن تصبهم سيئة ~~يقولوا هذه من عندك ) ولا شك أن هذا من كلام المنافقين ، فإذا كانت هذه ~~الآية معطوفة على الآية التي نحن في تفسيرها ثم المعطوف في المنافقين ، وجب ~~أن يكون المعطوف عليهم فيهم أيضا (1). # ونحن نوافق الإمام الرازي فيما ذهب إليه من أن حمل الآية الكريمة على ~~أنها في المنافقين هو الأولى للأسباب التي ذكرها. # ونضيف إلى ما ذكره الإمام الرازي أن المتأمل في سياق الآيات السابقة ~~واللاحقة يراها واضحة في شأن المنافقين ، ومن هم على شاكلتهم من ضعاف ~~الايمان ، الذين أدى بهم ضعف نفوسهم ، وحبهم للدنيا إلى كراهة القتال ، ~~والخوف من تكاليفه ... # فأنت إذا قرأت الآيات التي قبيل هذه الآية تراها تتحدث عن إرادة تحاكمهم ~~إلى الطاغوت مع زعمهم الإيمان بما أنزل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وبما ~~أنزل على الرسل من قبله. وتراها تتحدث عن تباطئهم عن القتال وفرحهم لنجاتهم ~~من مخاطرة. # ثم إذا قرأت الآيات التي تأتى بعد هذه الآية تراها ms1306 تتحدث عن نسبتهم ~~الحسنة إلى الله ، ونسبتهم السيئة إلى رسوله صلى الله عليه وسلم وعن إذاعتهم ~~لأسرار المؤمنين ... ألخ ، فثبت أن الآية الكريمة تتحدث عن صفات المنافقين ~~، وعمن هم قريبو الشبه بهم من ضعاف الإيمان الذين أخلدوا إلى الراحة. ~~وآثروا القعود في بيوتهم على القتال من أجل إعلاء كلمة الله ، ودفع الظلم ~~عن المظلومين. # ونضيف أيضا أن القول الأول الذي ذكره الإمام الرازي وهو أن الآية نزلت في ~~المؤمنين غير صحيح لأسباب من أهمها : # 1 أن الرواية التي ذكرها الإمام الرازي نقلا عن الكلبي وهي أن الآية نزلت ~~في عبد الرحمن بن عوف والمقداد وقدامة بن مظعون ... إلخ هذه الرواية يبدو ~~عليها الضعف ، لأنها لم ترد في كتب الحديث الموثوق بها ، ولأن الكلبي نفسه ~~قد عرف عنه عدم التثبت في النقل. # ولقد علق الإمام الشيخ محمد عبده على هذه الرواية بقوله : «إننى أجزم ~~ببطلان هذه الرواية PageV03P225 # مهما كان سندها ، لأننى أبرئ السابقين الأولين كسعد وعبد الرحمن مما رموا ~~به. وهذه الآية متصلة بما قبلها ، فإن الله تعالى أمر بأخذ الحذر ~~والاستعداد للقتال ، والنفر له ، وذكر حال المبطئين لضعف قلوبهم. وبعد هجرة ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أمر الإسلام أتباعه بالسلم وتهذيب ~~النفوس بالعبادة والكف عن الاعتداء والقتال .. إلى أن اشتدت الحاجة إليه ~~ففرضه الله عليهم فكرهه الضعفاء منهم» (1). # 2 أن المؤمنين لم يعهد عنهم ما ذكرت الآية من خوف من القتال ، ومن تمن ~~لعدم حضوره ، وإنما المعهود عنهم أنهم كانوا يبادرون إليه كلما اقتضت ~~الضرورة ذلك ويتسابقون لخوض ساحته دفاعا عن دينهم ، وانتصارا ممن بغى عليهم. # ولقد قال المقداد بن عمرو للرسول صلى الله عليه وسلم . في غزوة بدر يا رسول ~~الله ، امض لما أمرك الله فنحن معك. والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل ~~لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون. ولكن نقول لك اذهب أنت ~~وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون. فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك ~~الغماد لجالدنا معك من دونه ms1307 حتى تبلغه ... # إلى غير ذلك من الأقوال والمواقف التي تدل على شجاعتهم وقوة إيمانهم. # ولقد رجح الإمام القرطبي عند تفسيره للآية الكريمة أنها في المنافقين ~~فقال : قال مجاهد : هي في اليهود. وقال الحسن : هي في المؤمنين لقوله ~~«يخشون الناس» أى مشركي مكة «كخشية الله» فهي على ما طبع عليه البشر من ~~المخافة لا على المخالفة. وقال السدى : هم قوم أسلموا قبل فرض القتال فلما ~~فرض كرهوه. وقيل : هو وصف للمنافقين. والمعنى : يخشون القتل من المشركين ~~كما يخشون الموت من الله «أو أشد خشبة» أى عندهم وفي اعتقادهم. # ثم قال : قلت وهذا أشبه بسياق الآية لقوله ربنا لم كتبت علينا القتال لو ~~لا أخرتنا إلى أجل قريب ومعاذ الله أن يصدر هذا القول من صحابى كريم ، يعلم ~~أن الآجال محدودة ، والأرزاق مقسومة ، بل كانوا لأوامر الله ممتثلين سامعين ~~طائعين ، يرون الوصول إلى الدار الآجلة خيرا من المقام في الدار العاجلة ، ~~على ما هو المعروف من سيرتهم رضى الله عنهم اللهم إلا أن يكون قائله ممن لم ~~يرسخ في الإيمان قدمه ، ولا انشرح بالإسلام جنانه ، فإن أهل الإيمان ~~متفاضلون فمنهم الكامل ومنهم الناقص ، وهو الذي تنفر نفسه عما تؤمر به فيما ~~تلحقه فيه المشقة وتدركه فيه الشدة» (2). PageV03P226 # والخلاصة : أن الذي تطمئن إليه نفوسنا أن الآية الكريمة تحكى ما كان عليه ~~المنافقون وضعاف الإيمان ، من بعد عن طاعة الله ، ومن جبن في النفوس ومن حب ~~للحياة الدنيا وزينتها. # وأن المؤمنين بعيدون كل البعد عما اشتملت عليه الآية الكريمة من صفات ~~وأحوال ؛ لأن ما عرف عنهم من إيمان وإقدام ينأى بهم عن أن يكونوا ممن قال ~~الله فيهم ( @QUR@014 فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس ~~كخشية الله أو أشد خشية ) وعن أن يقولوا : ( @QUR@011 ربنا لم كتبت علينا ~~القتال لو لا أخرتنا إلى أجل قريب ). # هذا ، وقوله تعالى ( @QUR@011 قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ~~ولا تظلمون فتيلا ) رد على التصرفات الذميمة ، والأقوال الفاسدة التي صدرت ~~عن المنافقين وضعاف الإيمان! وإرشاد من ms1308 الله تعالى لعباده إلى أن متاع ~~الحياة الدنيا قليل بالنسبة لما اشتملت عليه الآخرة من نعيم للمؤمنين ~~الصادقين. # والمتاع : اسم لما يتمتع به الإنسان في هذه الحياة من مال وغيره. # والفتيل : هو الخيط الدقيق الذي يكون في شق نواة التمرة. ويضرب به المثل ~~في القلة والتفاهة. # والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء الذين يخشون لقاء الأعداء ، ويفزعون من ~~القتال طمعا في التمتع بزينة الحياة الدنيا ، قل لهم : إن منافع الدنيا ~~ولذاتها قليلة مهما كبرت في أعينكم ؛ لأنها زائلة فانية ، أما الآخرة بما ~~فيها من نعيم دائم فهي خير ثوابا ، وأعظم أجرا لمن اتقى الله ، وجاهد في ~~سبيله. وإذا كان الأمر كذلك فاجعلوا خشيتكم من الله وحده ، وبادروا إلى ~~الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله ، لكي تنالوا الثواب الجزيل من الله دون أن ~~يذهب من ثوابكم شيئا مهما كان هذا الشيء ضئيلا أو قليلا ، ودون أن ينقص من ~~أعماركم شيئا ؛ لأن الجبن لا يؤخر الحياة كما أن الإقدام لا ينقص شيئا منها. # ثم بين سبحانه أنه لا مفر لهم من الموت ، وأنهم مهما فروا منه فإنه ~~سيلقاهم آجلا أو عاجلا فقال تعالى : ( @QUR@09 أينما تكونوا يدرككم الموت ~~ولو كنتم في بروج مشيدة ). # والبروج : جمع برج وهو الحصن المنيع الذي هو نهاية ما يصل إليه البشر في ~~التحصن والمنعة. وأصل البروج من التبرج بمعنى الظهور. يقال : تبرجت المرأة ~~، إذا أظهرت محاسنها. والمراد بها الحصون والقلاع الشاهقة المنيعة. # والمشيدة : أى المحكمة البناء ، والعظيمة الارتفاع من شاد القصر إذا رفعه ~~، والمعنى : إنكم PageV03P227 # أيها الخائفون من القتال إن ظننتم أن هذا الخوف منه أو القعود عنه ~~سينجيكم من الموت ، فأنتم بهذا الظن مخطئون ، لأن الموت حيثما كنتم سيدرككم ~~، ولو كنتم في أقوى الحصون ، وأمنعها وأحكمها بناء ، وما دام الأمر كذلك ~~فليكن موتكم وأنتم مقبلون بدل أن تموتوا وأنتم مدبرون. # والجملة الكريمة لا محل لها من الإعراب ، لأنها مسوقة على سبيل الاستئناف ~~لتبكيت هؤلاء الكارهين للقتال ، وتحريض غيرهم من المؤمنين على الإقدام عليه ~~من أجل نصرة الحق. # ويحتمل ms1309 أنها في محل نصب ، فتكون داخلة في حيز القول المأمور به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم أى : قل لهم يا محمد متاع الدنيا قليل. وقل لهم ( @QUR@04 ~~أينما تكونوا يدرككم الموت ). # وأين : اسم شرط جازم ظرف مكان يجزم فعلين ، و «ما» زائدة للتأكيد ، ~~وتكونوا فعل الشرط ويدرككم جوابه. # والتعبير بقوله ( @QUR@01 يدرككم ) للإشعار بأن الموت كأنه كائن حي يطلب ~~الإنسان ويتبعه حيثما كان ، وفي أى وقت كان ، فهو طالب لا بد أن يدرك ما ~~يطلبه ولا بد أن يصل إليه مهما تحصن منه ، أو هرب من لقائه. # وجواب (لو) محذوف اعتمادا على دلالة ما قبله عليه أى : ولو كنتم في بروج ~~مشيدة لأدرككم الموت. # وقريب في المعنى من هذه الآية قوله تعالى ( @QUR@010 قل لن ينفعكم الفرار ~~إن فررتم من الموت أو القتل ) وقوله تعالى : ( @QUR@08 قل إن الموت الذي ~~تفرون منه فإنه ملاقيكم ). # فالجملة الكريمة صريحه في بيان أن الموت أمر لا مفر منه ، ولا مهرب عنه ~~سواء أقاتل الإنسان أم لم يقاتل. وما أحسن قول زهير بن أبى سلمى : # ومن هاب أسباب المنايا ينلنه %~% ولو رام أسباب السماء بسلم # ثم حكى سبحانه ما كان يتفوه به المنافقون وإخوانهم في الكفر من باطل وزور ~~فقال تعالى : ( @QUR@020 وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله ، وإن ~~تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ، قل كل من عند الله ). # أى : إن هؤلاء المنافقين وأشباههم ، من ضعاف الإيمان وإخوانهم في الكفر ~~بلغ بهم الفجور أنهم إذا أصابتهم حال حسنة من نعمة أو رخاء أو خصب أو غنيمة ~~أو ظفر قالوا هذه الحال من عند الله ، وإذا أصابتهم حال سيئة من جدب أو ~~مصيبة أو هزيمة قالوا هذه الحال من عندك يا محمد بسبب شؤمك وسوء قيادتك ~~وحاشاه من ذلك صلى الله عليه وسلم . # وهذا القول منهم قريب من قول قوم فرعون لموسى عليه السلام كما حكاه القرآن عنهم PageV03P228 # في قوله : ( @QUR@013 فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه ، وإن تصبهم سيئة ~~يطيروا بموسى ومن معه ). # قال القرطبي : نزلت هذه ms1310 الآية في اليهود والمنافقين ، وذلك أنهم لما قدم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة عليهم قالوا : ما زلنا نعرف النقص في ~~ثمارنا ومزارعنا منذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه. قال ابن عباس : ومعنى ( ~~@QUR@02 من عندك ) أى : بسوء تدبيرك. وقيل ( @QUR@02 من عندك ) أى بشؤمك ~~الذي لحقنا ، قالوه على جهة التطير» (1). # وقوله ( @QUR@05 قل كل من عند الله ) أمر من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~بأن يرد على مزاعمهم الباطلة. أى قل لهم يا محمد كل واحدة من النعمة ~~والمصيبة هي من جهة الله تعالى خلقا وإيجادا من غير أن يكون لي مدخل في ~~وقوع شيء منها بوجه من الوجوه كما تزعمون : # وقوله ( @QUR@07 فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ) جملة معترضة ~~مسوقة لتعييرهم بالجهل والغباوة ، والفاء في قوله فمال لترتيب ما بعدها على ~~ما قبلها والمعنى. وإذا كان الأمر كذلك وهو أن كل شيء من عند الله ، فمال ~~هؤلاء القوم من المنافقين وإخوانهم في الكفر وضعف الإيمان لا يكادون ~~لانطماس بصيرتهم يفقهون ما يلقى عليهم من مواعظ ، ولا يفهمون معنى ما ~~يسمعون وما يقولون ، إذ لو فقهوا شيئا مما يوعظون به لعلموا أن الله هو ~~القابض الباسط ، وأنه المعطى المانع. # قال تعالى ( @QUR@019 ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك ~~فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم ). # وقوله تعالى ( @QUR@012 ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن ~~نفسك ) الخطاب فيه للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد كل مكلف من أمته. # والمراد بالحسنة ما يسر له الإنسان ويفرح به ، والمراد بالسيئة ما يسوءه ~~ويحزنه. # والمعنى : ( @QUR@04 ما أصابك من حسنة ) أى من نعمة وأمور حسنة تفرح بها ~~( @QUR@02 فمن الله ) أى فبتوفيقه لك وتفضله عليك ، وإرشادك إلى الوسائل ~~التي أوصلتك إلى ما يسرك. ( @QUR@04 وما أصابك من سيئة ) أى من مصيبة أو ~~غيرها مما يحزن ( @QUR@02 فمن نفسك ) أى : فمن نفسك بسبب وقوعها فيما نهى ~~الله عنه ، وتركها للأسباب الموصلة إلى النجاح ، كما قال تعالى : ( ~~@QUR@010 وما أصابكم من ms1311 مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير ). # وروى الترمذي عن أبى موسى الأشعرى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «لا ~~يصيب عبدا نكتة فما فوقها PageV03P229 # أو دونها إلا بذنب. وما يعفو الله عنه أكثر». قال وقرأ : ( @QUR@010 وما ~~أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير ). # وروى ابن عساكر عن البراء رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~«ما من عثرة ولا اختلاج عرق ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم. وما يعفو ~~الله أكثر». # وعلى هذا يكون قوله تعالى ( @QUR@04 ما أصابك من حسنة ).. إلخ من كلام ~~الله تعالى والخطاب فيه للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به كل مكلف كما سبق ~~أن أشرنا وقد ساقه سبحانه على سبيل الاستئناف ردا على مزاعم المنافقين ومن ~~هم على شاكلتهم في الكفر وضعف الإيمان. # وقيل إن هذه الآية حكاية من الله تعالى لأقوال المنافقين السابقة ، ~~فكأنهم لم يكتفوا بأن ينسبوا للرسول صلى الله عليه وسلم أنه السبب فيما أصابهم ~~من جدب وهزيمة. بل أضافوا إلى ذلك قولهم له : إن ما أصابك من حسنة فمن الله ~~ولا فضل لك فيما نلت من نصر أو غنيمة ، وما أصابك من سيئة أى هزيمة أو ~~مصيبة فمن سوء صنعك وتصرفك. # ومقصدهم من ذلك قبحهم الله تجريد النبي صلى الله عليه وسلم من كل فضل ، ~~وإلقاء اللوم عليه في كل ما يصيبهم من مصائب. # وقد أشار القرطبي إلى هذين القولين بقوله : قوله تعالى ( @QUR@012 ما ~~أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) الخطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم والمراد أمته. أى ما أصابكم يا معشر الناس من خصب واتساع ~~رزق فمن تفضل الله عليكم ، وما أصابكم من جدب وضيق رزق فمن أنفسكم أى من ~~أجل ذنوبكم وقع ذلك بكم. # وقيل : في الكلام حذف تقديره : يقولون. وعليه يكون الكلام متصلا ، ~~والمعنى : ( @QUR@07 فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ) حتى يقولوا ~~( @QUR@012 ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن ms1312 نفسك ) (1). # وقال الجمل : فإن قلت : كيف وجه الجمع بين قوله تعالى : ( @QUR@05 قل كل ~~من عند الله ) وبين قوله ( @QUR@06 وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) فأضاف ~~السيئة إلى فعل العبد في هذه الآية بينما أضاف الكل إلى الله في الآية ~~السابقة ؟ # قلت : أما إضافة الأشياء كلها إلى الله في الآية السابقة في قوله ( ~~@QUR@05 قل كل من عند الله ) فعلى الحقيقة ، لأن الله هو خالقها وموجدها. ~~وأما إضافة السيئة إلى فعل العبد في قوله ( @QUR@06 وما أصابك من سيئة فمن ~~نفسك ) فعلى سبيل المجاز. والتقدير : وما أصابك من سيئة فمن أجلها وبسبب PageV03P230 # اقترافها الذنوب. وهذا لا ينافي أن خلقها من الله كما سبق) (1). # وقال بعض العلماء : والتوفيق بين قوله تعالى ( @QUR@04 ما أصابك من حسنة ~~) وبين قوله قبل ذلك : ( @QUR@05 قل كل من عند الله ) هو أن قوله ( @QUR@05 ~~قل كل من عند الله ) كان موضوعه الكلام في تقدير الله. فهم إن انتصر ~~المؤمنون لا ينسبون للنبي صلى الله عليه وسلم أى فضل ، بل يجردونه من الفضل ~~ويقولون هو من عند الله. وما قصدوا التفويض والإيمان بالقدر ، بل قصدوا ~~الغض من مقام النبوة. فإن كان هناك خير نسبوه إلى الله وإن كان ما يسوء ~~نسبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم إيذاء وتمردا. فالله تعالى قال لهم : ( ~~@QUR@05 قل كل من عند الله )، أى كل ذلك بتقدير الله وإرادته. # أما قوله ( @QUR@06 وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) فموضوعه اتخاذ الأسباب. ~~ومعناه : أن من أخذ بالأسباب وتوكل على الله فالله تعالى يعطيه النتائج ومن ~~لا يتخذ الأسباب ، أو يخالف المنهاج السليم الموصل إلى الثمرة ، فإنه ~~سيناله ما يسوؤه ، وبسبب منه. # فالأول : لبيان القدر. # والثاني : لبيان العمل (2). # هذا ، وقوله تعالى ( @QUR@06 وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا ) ~~بيان لجلال منصبه وعلو مكانته صلى الله عليه وسلم عند ربه عز وجل بعد بيان ~~بطلان زعمهم الباطل في حقه عليه الصلاة والسلام. # أى : وأرسلناك يا محمد بأمرنا وبشريعتنا لتبلغ الناس ما أمرناك بتبليغه ، ~~ولتخرجهم من ظلمات الجهالة والكفر إلى نور التوحيد والإيمان ms1313 ( @QUR@03 وكفى ~~بالله شهيدا ) على صحة رسالتك ، وعلى صدقك فيما تبلغه عنه ، وإذا ثبت ذلك ~~فالخير في طاعتك والشر والشؤم في مخالفتك. # والمراد بالناس جميعهم. أى : وأرسلناك لجميع الناس كما قال تعالى ( ~~@QUR@05 وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ). # وقوله ( @QUR@01 رسولا ) حال مؤكدة لعاملها وهو أرسلناك. # وقوله ( @QUR@03 وكفى بالله شهيدا ) تثبيت وتقوية لقلب النبي ~~صلى الله عليه وسلم أى : امض في طريقك ولا تلتفت إلى أقوالهم ، وكفى بالله ~~عليك وعليهم شهيدا ، فإنه سبحانه لا يخفى عليه أمرك وأمرهم. PageV03P231 # ثم بين سبحانه أن طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم إنما هي طاعة له فقال : ( ~~@QUR@06 من يطع الرسول فقد أطاع الله ). # أى : من يستجب لما يدعوه إليه محمد صلى الله عليه وسلم ويذعن لتعاليمه ، ~~فإنه بذلك يكون مطيعا لله ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ لأمر الله ونهيه. # وقوله ( @QUR@06 ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا ) بيان لوظيفة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم . # أى : من أطاعك يا محمد فقد أطاع الله ، ومن أعرض عن طاعتك وعصى أمرك ، ~~فعلى نفسه يكون جانيا ، لأننا ما أرسلناك على الناس حافظا ورقيبا لأعمالهم ~~، وإنما أرسلناك مبلغا ومنذرا. # وجواب الشرط في قوله ( @QUR@02 ومن تولى ) محذوف. أى ومن تولى فأعرض عنه ~~فإنا ما أرسلناك عليهم حفيظا. # قال الآلوسى : وقوله تعالى ( @QUR@06 من يطع الرسول فقد أطاع الله ) بيان ~~لإحكام رسالته إثر بيان تحققها. وإنما كان الأمر كذلك لأن الآمر والناهي في ~~الحقيقة هو الحق سبحانه والرسول إنما هو مبلغ للأمر والنهى فليست الطاعة له ~~بالذات إنما هي لمن بلغ عنه. وفي بعض الآثار أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يقول : من أحبنى فقد أحب الله ، ومن أطاعنى فقد أطاع الله. فقال المنافقون ~~: ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل؟ لقد قارف الشرك ، وهو نهى أن يعبد غير ~~الله. ما يريد إلا أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى عليه السلام فنزلت (1)». # * * * # ثم حكى سبحانه بعد ذلك جانبا آخر من صفات المنافقين ومن على شاكلتهم من ~~ضعاف الإيمان حتى يحذرهم المؤمنون الصادقون ms1314 فقال تعالى : # ( @QUR@024 ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي ~~تقول والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ~~(81) @QUR@013 أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا (82) @QUR@05 وإذا جاءهم أمر من الأمن PageV03P232 # @QUR@026 أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ~~لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولو لا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان ~~إلا قليلا ) (83) # والضمير في قوله ( @QUR@01 ويقولون ) للمنافقين ومن يلفون لفهم. # أى : أن هؤلاء المنافقين إذا أمرتم يا محمد بأمر وهم عندك يقولون طاعة أى ~~أمرنا وشأننا طاعة. يقولون ذلك بألسنتهم أما قلوبهم فهي تخالف ألسنتهم. # وقوله ( @QUR@01 طاعة ) خبر لمبتدأ محذوف وجوبا أى : أمرنا طاعة. ويجوز ~~النصب على معنى : أطعناك طاعة. كما يقول المأمور لمن أمره : سمعا وطاعة ، ~~وسمع وطاعة. # قال صاحب الكشاف : ونحوه قول سيبويه : سمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال ~~له : كيف أصبحت؟ فيقول : حمد الله وثناء عليه ، كأنه قال : أمرى وشأنى حمد ~~الله. ولو نصب «حمد الله» كان على الفعل. والرفع يدل على ثبات الطاعة ~~واستقرارها (1). # ثم حكى سبحانه ما يكون عليه أمر هؤلاء المنافقين بعد خروجهم من عند ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فقال : ( @QUR@010 فإذا برزوا من عندك بيت طائفة ~~منهم غير الذي تقول ). # وقوله ( @QUR@01 بيت ) من التبييت واشتقاقه كما يقول الفخر الرازي من ~~البيتوتة ، لأن أصلح الأوقات للفكر أن يجلس الإنسان في بيته بالليل ، فهناك ~~تكون الخواطر أخلى ، والشواغل أقل. لا جرم سمى الفكر المستقصى مبيتا. أو من ~~بيت الشعر ، لأن العرب إذا أرادوا قرض الشعر بالغوا في التفكر فيه ... # والمراد : زور وموه ودبر. # والمعنى : أن هؤلاء المنافقين إذا كانوا عندك يا محمد وأمرتهم بأمر قالوا ~~: طاعة ، فإذا ما خرجوا من عندك وفارقوك دبر وأضمر طائفة منهم وهم رؤساؤهم ~~«غير الذي تقول» أى خلاف ما قلت لتلك الطائفة أو قالت لك من ضمان الطاعة. ~~فهم أمامك يظهرون الطاعة المطلقة ، ومن خلفك يدبرون ويضمرون ما يناقض هذه ~~الطاعة ويخالفها. ms1315 # والتعبير عن الخروج بالبروز للإشارة إلى تفاوت ما بين أحوالهم ، وتناقض ~~مظهرهم مع خبيئتهم. PageV03P233 # وإسناد هذا التبييت إلى طائفة منهم ، لبيان أنهم هم المتصدون له بالذات ، ~~أما الباقون فتابعون لهم في ذلك ، لا أنهم ثابتون على الطاعة. # وقوله ( @QUR@04 والله يكتب ما يبيتون ) أى يثبته في صحائف أعمالهم. ~~وبفضحهم بسبب سوء أعمالهم في الدنيا ، ثم يجازيهم على هذا النفاق بما ~~يستحقون في الآخرة ، فالجملة الكريمة تهديد لهم على سوء صنيعهم ، لعلهم ~~يكفون عن هذا النفاق ، وتطمين للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه سبحانه سيطلعه ~~على مكرهم السيئ لكي يتقى شرهم ، ولذا فقد أمره سبحانه بعدم الالتفات إليهم ~~، وبالتوكل عليه تعالى وحده فقال : # ( @QUR@08 فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ). أى : إذا كان ~~هذا هو شأنهم يا محمد. فلا تكثرت بهم ، ولا تلتفت إليهم ، وسر في طريقك ~~متوكلا على الله ، ومعتمدا على رعايته وحفظه ، وكفى بالله وكيلا وكفيلا لمن ~~توكل عليه ، واتبع أمره ونهيه. فأنت ترى أن الآية الكريمة قد كشفت عن جانب ~~من صفات المنافقين وأحوالهم ، ثم هددتهم على جرائمهم ، ورسمت للنبي ~~صلى الله عليه وسلم الخطة الحكيمة لعلاجهم واتقاء شرهم. # ثم أنكر سبحانه على هؤلاء المنافقين وأشباههم عدم تدبرهم للقرآن وحضهم ~~على تأمل حكمه وأحكامه وهداياته فقال : ( @QUR@013 أفلا يتدبرون القرآن ، ~~ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ). # وقوله ( @QUR@01 يتدبرون ) من التدبر ، وتدبر الأمر كما يقول الزمخشري ~~تأمله والنظر في أدباره وما يئول اليه في عاقبته ومنتهاه ، ثم استعمل في كل ~~تأمل فمعنى تدبر القرآن : تأمل معانيه وتبصر ما فيه. # والاستفهام لإنكار عدم تدبرهم ، والتعجيب من استمرارهم في جهلهم ونفاقهم ~~مع توفر الأسباب التي توصلهم إلى الهداية وعلى رأسها تدبر القرآن وتفهم ~~معانيه. # والفاء للعطف على مقدر. أى : أيعرضون عن القرآن فلا يتأملون فيه. # والمعنى : إن هؤلاء المنافقين والذين في قلوبهم مرض قد خيب الله سعيهم ، ~~وكشف خباياهم ، ورأوا بأعينهم سوء عاقبة الكافرين وحسن عاقبة المؤمنين ، ~~فهلا دفعهم ذلك إلى الإيمان وإلى تدبر القرآن وما اشتمل عليه ms1316 من هدايات ~~وإرشادات وأخبار صادقة ، وأحكام حكيمة .. تشهد بأنه من عند الله تعالى ، ~~ولو كان هذا القرآن من عند غير الله أى من إنشاء البشر لوجدوا في أخباره ~~وفي نظمه وفي أسلوبه وفي معانيه اختلافا كثيرا فضلا عن الاختلاف القليل ، ~~ولكن القرآن لأنه من عند الله وحده قد تنزه عن كل ذلك وخلا من كل اختلاف ~~سواء أكان كثيرا أم قليلا. PageV03P234 # فالمراد بالاختلاف : تباين النظم ، وتناقض الحقائق ، وتعارض الأخبار ~~وتضارب المعاني ، وغير ذلك مما خلا منه القرآن الكريم لأنه يتنافى مع ~~بلاغته وصدقه. # وفي ذلك يقول صاحب الكشاف : قوله ( @QUR@04 لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) ~~أى : لكان الكثير منه مختلفا متناقضا قد تفاوت نظمه وبلاغته ومعانيه ، فكان ~~بعضه بالغا حد الإعجاز. وبعضه قاصرا عنه تمكن معارضته ، وبعضه إخبارا بغيب ~~قد وافق المخبر عنه ، وبعضه إخبارا مخالفا للمخبر عنه ، وبعضه دالا على ~~معنى صحيح عند علماء المعاني ، وبعضه دالا على معنى فاسد غير ملتئم. # فلما تجاوب كله بلاغة معجزة فائقة لقوى البلغاء ، وتناصر معان ، وصدق ~~أخبار ، دل على أنه ليس إلا من عند قادر على ما لم يقدر عليه غيره ، عالم ~~بما لا يعلمه أحد سواه» (1). # فالآية الكريمة تدعو الناس في كل زمان ومكان إلى تدبر القرآن الكريم ~~وتأمل أحكامه ، والانقياد لما اشتمل عليه من توجيهات وإرشادات وأوامر ونواه ~~، ليسعدوا في دنياهم وآخرتهم. # ثم حكى القرآن بعد ذلك مسلكا آخر من المسالك الذميمة التي عرفت عن ~~المنافقين وضعفاء النفوس فقال تعالى ( @QUR@09 وإذا جاءهم أمر من الأمن أو ~~الخوف أذاعوا به ). # والمراد بالأمر هنا : الخبر الذي يكون له أثر إذا أشيع وأذيع. # وقوله ( @QUR@02 أذاعوا به ) أى نشروه وأشاعوه. يقال : أذاع الخبر وأذاع ~~به إذا أفشاه وأعلنه. # والمعنى : أن هؤلاء الذين في قلوبهم مرض إذا سمعوا شيئا من الأخبار التي ~~تتعلق بأمن المسلمين أو خوفهم أذاعوها وأظهروها قبل أن يقفوا على حقيقتها. # قال الآلوسى : والكلام مسوق لبيان جناية أخرى من جنايات المنافقين ، أو ~~لبيان جناية الضعفاء أثر بيان جناية المنافقين ، وذلك أنهم كانوا إذا غزت ms1317 ~~سرية من المسلمين قالوا عنها : أصاب المسلمون من عدوهم كذا. وأصاب العدو من ~~المسلمين كذا وكذا من غير أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يخبرهم ~~به. وقيل : كان الضعفاء يسمعون من أفواه المنافقين شيئا من الخبر عن ~~السرايا مظنون غير معلوم الصحة فيذيعونه قبل أن يحققوه فيعود ذلك وبالا على ~~المؤمنين» (2). # ثم بين سبحانه ما كان يجب عليهم فعله فقال : ( @QUR@012 ولو ردوه إلى ~~الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ). # والمراد بأولى الأمر : كبار الصحابة البصراء بالأمور. وقيل المراد بهم : ~~الولاة وأمراء السرايا. PageV03P235 # ويستنبطونه أى يستخرجونه. والاستنباط كما يقول القرطبي مأخوذ من استنبطت ~~الماء إذا استخرجته. والنبط : الماء المستنبط أول ما يخرج من ماء البئر أول ~~ما تحفر. وسمى النبط نبطا لأنهم يستخرجون ما في الأرض» (1). # والمعنى : أن هؤلاء المنافقين وضعاف الإيمان كان من شأنهم وحالهم أنهم ~~إذا سمعوا شيئا من الأمور فيه أمن أو خوف يتعلق بالمؤمنين أشاعوه وأظهروه ~~بدون تحقق أو تثبت ، بقصد بلبلة الأفكار ، واضطراب حال المؤمنين ، ولو أن ~~هؤلاء المنافقين ومن يستمعون إليهم ردوا ذلك الخبر الذي جاءهم والذي أشاعوه ~~بدون تثبت ، لو أنهم ردوه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى كبار الصحابة ~~البصراء في الأمور : ( @QUR@01 لعلمه ) أى لعلم حقيقة ذلك الخبر ( @QUR@02 ~~الذين يستنبطونه ) أى : الذين يستخرجونه ويستعملونه ويتطلبونه وهم ~~المنافقون المذيعون للأخبار ( @QUR@01 منهم ) أى : من الرسول وأولى الأمر. # أى : لو أن أولئك المنافقين وأشباههم الذين يستخرجون الأخبار ويذيعونها ~~بغير تثبت سكتوا عن إذاعتها وردوا الأمر في شأنها إلى الرسول وإلى كبار ~~أصحابه ، لو أنهم فعلوا ذلك لعلموا من جهة الرسول ومن جهة كبار أصحابه ~~حقيقة تلك الأخبار ، وما يجب عليهم نحوها من كتمان أو إذاعة. # وعلى هذا يكون الضمير في قوله ( @QUR@01 منهم ) في الموضعين يعود إلى ~~الرسول وإلى أولى الأمر. # ويكون المراد بالذين يستنبطونه : المنافقون وضعاف الإيمان الذين يذيعون ~~الأخبار ويكون في الكلام إظهار في مقام الإضمار ؛ حيث قال : سبحانه ( ~~@QUR@04 لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) ولم يقل لعلموه منهم ، وذلك ms1318 لزيادة ~~تقرير الغرض المسوق له الكلام ، وللمبالغة في ذمهم على بجثهم وراء الأخبار ~~الخفية الهامة واستنباطها وتطلبها ثم إذاعتها بقصد الإضرار بمصلحة ~~المسلمين. # وقد ذكر الفخر الرازي في المراد بالذين يستنبطونه وجها آخر فقال : # وفي قوله ( @QUR@03 الذين يستنبطونه منهم ) قولان : # الأول : أنهم أولئك المنافقون المذيعون. # والتقدير : لو أن هؤلاء المنافقين المذيعين للأخبار ردوا أمر الأمن ~~والخوف إلى الرسول وإلى أولى الأمر ، وطلبوا معرفة الحال فيه من جهتهم ، ~~لعلمه الذين يستنبطونه وهم هؤلاء المنافقون المذيعون ( @QUR@01 منهم ) أى ~~من جانب الرسول ومن جانب أولى الأمر. PageV03P236 # والقول الثاني : أنهم طائفة من أولى الأمر. والتقدير : ولو أن المنافقين ~~ردوا إلى الرسول وإلى أولى الأمر لكان علمه حاصلا عند من يستنبط هذه ~~الوقائع من أولى الأمر ، وذلك لأن أولى الأمر فريقان : بعضهم من يكون ~~مستنبطا ، وبعضهم من لا يكون كذلك. فقوله ( @QUR@01 منهم ) يعنى لعلمه ~~الذين يستنبطون المخفيات من طوائف أولى الأمر. # فإن قيل : إذا كان الذين أمرهم الله برد هذه الاخبار إلى الرسول وإلى ~~المؤمنين هم المنافقون فكيف جعل أولى الأمر منهم في قوله ( @QUR@04 وإلى ~~أولي الأمر منهم )؟ قلنا : إنما جعل أولى الأمر منهم على حسب الظاهر. لأن ~~المنافقين يظهرون من أنفسهم أنهم يؤمنون. ونظيره قوله تعالى : ( @QUR@04 ~~وإن منكم لمن ليبطئن ) (1). # ثم ختم سبحانه الآية ببيان فضله على عباده فقال ( @QUR@010 ولو لا فضل ~~الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ). # أى : ولو لا فضل الله عليكم ورحمته بكم أيها المؤمنون بتوفيقه إياكم إلى ~~الخير والطاعة ، لوقعتم في إغواء الشيطان كما وقع هؤلاء المنافقون وأشباههم ~~، إلا عددا قليلا منكم وهم الذين أخلصوا دينهم لله واعتصموا به فصاروا لا ~~سبيل للشيطان عليهم كما قال تعالى ( @QUR@06 إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ). # هذا. ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة وجوب ~~عدم إذاعة الأخبار خصوصا في حالات الحرب إلا بعد التأكد من صحتها ومن عدم ~~إضرارها بمصلحة المسلمين. # وفي ذلك يقول الإمام ابن كثير : قوله تعالى ( @QUR@09 وإذا جاءهم أمر من ~~الأمن أو الخوف أذاعوا به ms1319 ) إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها ~~فيخبر بها ويفشيها وينشرها ، وقد لا يكون لها صحة. وفي صحيح مسلم عن أبى ~~هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «كفى بالمرء كذبا أن يحدث ~~بكل ما سمع». # وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~قيل وقال. أى : الذي يكثر من الحديث عما يقول الناس من غير تثبت ولا تدبر ~~ولا تبين. # وفي الصحيح «من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين». # وفي سنن أبى داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «بئس مطية الرجل ~~زعموا» (2). PageV03P237 # وقد عدد الفخر الرازي المضار التي تعود على الأمة بسبب إذاعة الأخبار ~~بدون تثبت فقال : وكان سبب الضرر من إذاعة هذه الأخبار من وجوه : # الأول : أن مثل هذه الإرجافات لا تنفك عن الكذب الكثير. # الثاني : أنه إذا كان ذلك الخبر في جانب الأمن زادوا فيه زيادات كثيرة. ~~فإذا لم توجد فيه تلك الزيادات ، أورث ذلك شبهة للضعفاء في صدق الرسول ~~صلى الله عليه وسلم لأن المنافقين كانوا يروون هذه الإرجافات عن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم . # وإن كان ذلك في جانب الخوف تشوش الأمر بسببه على ضعفاء المسلمين ، ووقعوا ~~عنده في الحيرة والاضطراب ، فكانت تلك الإرجافات سببا للفتنة من هذا الوجه. # الثالث : أن الإرجاف سبب لتوفير الدواعي على البحث الشديد والاستقصاء ~~التام. وذلك سبب لظهور الأسرار. وذلك مما لا يوافق المصلحة. # الرابع : أن العداوة الشديدة كانت قائمة بين المسلمين والكفار. فكل ما ~~كان أمنا لأحد الفريقين كان خوفا للفريق الثاني. فإن وقع خبر الأمن ~~للمسلمين وحصول العسكر وآلات الحرب لهم. أرجف المنافقون بذلك ، فوصل الخبر ~~إلى الكفار فأخذوا في التحصن من المسلمين. وإن وقع خبر الخوف للمسلمين ~~بالغوا في ذلك وزادوا فيه. فظهر من ذلك أن ذلك الإرجاف كان منشأ للفتن ~~والآفات من كل الوجوه. ولما كان الأمر كذلك ذم الله تعالى تلك الإذاعة وذلك ~~التشهير ومنعهم منه) (1). # وقال الشيخ ms1320 محمد المنير الذي عاصر الحروب الصليبية معلقا على هذه الآية : ~~(في هذه الآية تأديب لمن يحدث بكل ما يسمع وكفى به كذبا ؛ وخصوصا عن مثل ~~السرايا والمناصبين الأعداء العداوة ، والمقيمين في نحر العدو. وما أعظم ~~المفسدة في لهج العامة بكل ما يسمعون من أخبارهم خيرا أو غيره. ولقد جربنا ~~ذلك في زماننا هذا منذ طرق العدو المخذول البلاد طهرها الله منه وصانها من ~~رجسه ونجسه ، وعجل للمسلمين الفتح وأنزل عليهم السكينة والنصر) (2). # والخلاصة ، أن إذاعة الأخبار بدون تثبت خصوصا في أوقات الحروب تؤدى إلى ~~أعظم المفاسد والشرور ، لأنها إن كانت تتعلق بالأمن فإنها قد تحدث لونا من ~~التراخي وعدم أخذ الحذر ، وإن كانت تتعلق بالخوف فإنها قد تحدث بلبلة ~~واضطرابا في الصفوف. PageV03P238 # والمجتمع الذي يكثر فيه العقلاء الفطناء هو الذي تقل فيه إذاعة الأخبار ~~إلا من مصادرها الأصيلة ، وهو الذي يرجع أفراده في معرفة الحقائق إلى ~~العلماء المتخصصين. # وهكذا نرى الآية الكريمة تغرس في نفوس المؤمنين أسمى ألوان الإخلاص ~~لدينهم ودولتهم وقيادتهم ، فهي في مطلعها تنكر عليهم إذاعة الاخبار بدون ~~تحقق من صدقها ومن فائدتها ، وفي وسطها تأمرهم بأن يرجعوا إلى حقائق دينهم ~~وإلى الحكام العادلين ، والعلماء المخلصين الذين يعرفون الأمور على وجهها ~~ليسألوهم عما يريدون معرفته ، وفي آخرها تذكرهم بفضل الله عليهم ورحمته بهم ~~حتى يداوموا على طاعته ، ويشكروه على نعمه. # * * * # وبعد هذا الحديث الحكيم عن أحوال المنافقين وضعفاء الإيمان ، وعن تباطئهم ~~عن الجهاد وإشاعتهم للأخبار بدون تثبت ، بعد كل ذلك أمر الله تعالى نبيه ~~محمدا صلى الله عليه وسلم أن يستمر في قتاله للمشركين ، وأن يحرض أصحابه على ~~ذلك ، كما أرشد سبحانه المؤمنين إلى طائفة من مكارم الأخلاق التي تقوى ~~رابطتهم فقال تعالى : # ( @QUR@022 فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله ~~أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا (84) @QUR@022 من يشفع ~~شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان ~~الله على كل شيء مقيت ا ms1321 (85) @QUR@015 وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها ~~أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا (86) @QUR@017 الله لا إله إلا هو ~~ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا ) (87) # والفاء في قوله ( @QUR@01 فقاتل ) للإفصاح عن جواب شرط مقدر. أى : إذا ~~كان الأمر كما حكى سبحانه عن المنافقين وكيدهم ... فقاتل أنت يا محمد من ~~أجل إعلاء كلمة الله ولا تلتفت PageV03P239 # إلى أفعالهم وأقوالهم. # وقوله ( @QUR@04 لا تكلف إلا نفسك ) أى : قاتل يا محمد في سبيل إعلاء ~~كلمة الله ، والله تعالى لا يكلفك إلا فعل نفسك ، فتقدم للجهاد ولا تلتفت ~~إلى تباطؤ المتباطئين ، أو تخذيل المخذلين ، فإن الله هو ناصرك لا الجنود ، ~~فإن شاء نصرك وحدك كما ينصرك وحولك الألوف. # وجملة ( @QUR@04 لا تكلف إلا نفسك ) في محل نصب على الحال من فاعل فقاتل. ~~أى : فقاتل حال كونك غير مكلف إلا نفسك وحدها. # قال صاحب الكشاف : قيل : دعا النبي صلى الله عليه وسلم الناس في بدر الصغرى ~~إلى الخروج ، وكان أبو سفيان قد واعد رسول الله صلى الله عليه وسلم اللقاء ~~فيها. فكره بعضهم أن يخرجوا فنزلت فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معه ~~إلا سبعون لم يعولوا على أحد. ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده ، وقرئ ( @QUR@02 ~~لا تكلف ) بالجزم على النهى. ولا نكلف : بالنون وكسر اللام. # أى : لا نكلف نحن إلا نفسك وحدها» (1). # وقوله ( @QUR@02 وحرض المؤمنين ) أى : حثهم على القتال ورغبهم فيه ، حتى ~~ينفروا معك خفافا وثقالا من أجل نصرة الحق والدفاع عن المظلومين. # ولقد استجاب النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الأوامر ، وأعد نفسه لقتال ~~أعدائه ، ورغب أتباعه في ذلك ، ولذا قال صلى الله عليه وسلم عند ما أذن الله ~~له في القتال «والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي» (2) أى : حتى أموت. # ولقد اقتدى به أبو بكر الصديق في حروب الردة فقال : والله لأقاتلن من فرق ~~بين الصلاة والزكاة ، والله لو منعونى عناقا كانوا يؤدونها لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. ولو خالفتني يميني لجاهدتهم ms1322 بشمالي (3). # ولقد استفاضت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في ترغيب أمته في الجهاد ، ~~ومن ذلك قوله لأصحابه يوم بدر وهو يسوى الصفوف : قوموا إلى جنة عرضها ~~السموات والأرض. # قال الفخر الرازي : دلت الآية الكريمة على أنه صلى الله عليه وسلم كان أشجع ~~الخلق وأعرفهم بكيفية القتال ، لأنه تعالى ما كان يأمره بذلك إلا وهو ~~صلى الله عليه وسلم موصوف بهذه الصفات. ولقد اقتدى به أبو بكر رضى الله عنه ~~حيث حاول الخروج وحده لقتال ما نعى الزكاة ، ومن علم أن الأمر PageV03P240 # كله بيد الله ، وأنه لا يحصل أمر من الأمور إلا بقضاء الله سهل عليه ذلك. ~~ودلت الآية على أنه صلى الله عليه وسلم لو لم يساعده على القتال غيره لم يجز ~~له التخلف عن الجهاد» (1). # وقوله : ( @QUR@012 عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد ~~تنكيلا ) بشارة للمؤمنين ، ووعد منه سبحانه بحسن عاقبتهم وسوء عاقبة ~~الكافرين. و ( @QUR@01 عسى ) حرف ترج. وهو هنا يفيد التحقق واليقين ، لأنه ~~صادر عن الله تعالى ، الذي لا يخلف وعده. وفي التعبير بها تعليم للمؤمنين ~~الأدب في القول حتى لا يجزمون بأمر يتعلق بالمستقبل ، بل يسددون ويقاربون ~~ويباشرون الأسباب ثم بعد ذلك يتركون النتائج لله تعالى والمعنى : قاتل يا ~~محمد في سبيل الله وحرض المؤمنين على ذلك ، عسى الله تعالى ( @QUR@05 أن ~~يكف بأس الذين كفروا ) أى يمنع قتالهم وصولتهم وطغيانهم ( @QUR@03 والله ~~أشد بأسا ) أى أشد صولة وأعظم سلطانا ، وأقدر بأسا على ما يريده ( @QUR@02 ~~وأشد تنكيلا ) أى أشد عقوبة وتعذيبا. # والتنكيل : مصدر من قول القائل نكلت بفلان فأنا أنكل به تنكيلا إذا ~~أوجعته عقوبة ، وجعلته عبرة لغيره. وأصله التعذيب بالنكل وهو القيد ، ثم ~~استعمل في كل تعذيب بلغ الغاية في الشدة والألم. # وأفعل التفضيل ( @QUR@01 أشد ) ليس على بابه ، لأن بأس المشركين لا قيمة ~~له بجانب بأس الله تعالى وقوته ونفاذ أمره. وعذابهم لغيرهم من الضعفاء لا ~~وزن له بجانب عذابه سبحانه للظالمين ، لأن عذابهم لغيرهم يمكن التخلص منه ~~أما عذابه سبحانه فلا يمكن ms1323 التخلص منه ولأن عذابهم لغيرهم سينتهي مهما طال ~~، أما عذابه سبحانه للكافرين الظالمين فهو باق دائم لا ينتهى ولا يزول. # والمقصود من هذا التذييل تهديد الكافرين بسوء المصير وتشجيع المؤمنين على ~~قتالهم ، وبشارتهم النصر عليهم : # قال القرطبي : قوله تعالى ( @QUR@07 عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ) ~~إطماع ، والإطماع من الله تعالى واجب لأن إطماع الكريم إيجاب .. # فإن قال قائل : نحن نرى الكفار في بأس وشدة ، وقلتم : إن عسى بمعنى ~~اليقين فأين ذلك الوعد؟ قيل له : قد وجد هذا الوعد ولا يلزم وجوده على ~~الاستمرار والدوام. فمتى وجد ولو لحظة مثلا فقد صدق الوعد ؛ فقد كف الله ~~بأس المشركين في بدر الصغرى. وفي الحديبية وفي PageV03P241 # غزوة الأحزاب حيث ألقى الله تعالى في قلوب الأحزاب الرعب فانصرفوا دون أن ~~ينالوا خيرا ( @QUR@04 وكفى الله المؤمنين القتال ). فهذا كله بأس قد كفه ~~الله عن المؤمنين (1). # ثم رغب سبحانه المؤمنين في التوسط في الخير ، وحذرهم من التوسط في الشر ، ~~فقال : ( @QUR@016 من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ، ومن يشفع شفاعة ~~سيئة يكن له كفل منها ) والشفاعة : هي التوسط بالقول في وصول إنسان إلى ~~منفعة دنيوية أو أخروية ، أو إلى إنقاذه من مضرة. وهي مأخوذة من الشفع وهو ~~الزوج في العدد ضد الوتر. فكأن المشفوع له كان وترا فجعله الشفيع شفعا. # والنصيب : الحظ من كل شيء. والكفل : الضعف والنصيب والحظ. # قال الجمل : واستعمال الكفل في الشر أكثر من استعمال النصيب فيه وإن كان ~~كل منهما قد يستعمل في الخير كما قال تعالى ( @QUR@04 يؤتكم كفلين من رحمته ~~) ولقلة استعمال النصيب في الشر وكثرة استعمال الكفل فيه غاير بينهما في ~~الآية الكريمة حيث أتى بالكفل مع السيئة وبالنصيب مع الحسنة» (2). # والمعنى : من يشفع شفاعة حسنة ، أى يتوسط في أمر يترتب عليه خير ( ~~@QUR@04 يكن له نصيب منها ) أى : يكن له ثواب هذه الشفاعة الحسنة. ( ~~@QUR@04 ومن يشفع شفاعة سيئة ) وهي ما كانت في غير طريق الخير ( @QUR@04 ~~يكن له كفل منها ) أى : يكن له نصيب من وزرها وإثمها ، لأنه سعى ms1324 في الفساد ~~ولم يسع في الخير. # وإطلاق الشفاعة على السعى في الشر من باب المشاكلة ، لأن الشفاعة لا تطلق ~~إلا على الوساطة في الخير. # والآية الكريمة وإن كانت واردة على سبيل التعميم في بيان جزاء كل شفاعة ~~حسنة أو كل شفاعة سيئة ، إلا أن المقصود بها قصدا أوليا ترغيب المؤمنين في ~~أن يعاون بعضهم بعضا على الجهاد في سبيل الله ، وفي انضمام بعضهم إلى بعض ~~من أجل نصرة الحق ، وتهديد المنافقين الذين كان يشفع بعضهم لبعض لكي يأذن ~~لهم النبي صلى الله عليه وسلم في التخلف عن الجهاد. وقد رجح هذا الاتجاه ~~الإمام ابن جرير فقال ما ملخصه : # يعنى سبحانه بقوله ( @QUR@016 من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن ~~يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها ) من يصر يا محمد شفعا لوتر أصحابك ، ~~فيشفعهم في جهاد عدوهم PageV03P242 # وقتالهم في سبيل الله ، وهو الشفاعة الحسنة يكن له نصيب منها ، أى يكن له ~~من شفاعته تلك نصيب ، وهو الحظ من ثواب الله وجزيل كرامته. ومن يشفع وتر ~~أهل الكفر بالله على المؤمنين به ، فيقاتلهم وذلك هو الشفاعة السيئة يكن له ~~كفل منها. يعنى بالكفل : النصيب والحظ من الوزر والإثم ، وهو مأخوذ من كفل ~~البعير والمركب ، وهو الكساء أو الشيء يهيأ عليه شبيه بالسرج على الدابة. ~~يقال : جاء فلان مكتفلا : إذا جاء على مركب قد وطئ له ... وقد قيل : إن ~~الآية عنى بها شفاعة الناس بعضهم لبعض. وغير مستنكر أن تكون الآية نزلت ~~فيما ذكر ، ثم عم بذلك كل شافع بخير أو شر. # وإنما اخترنا ما قلنا من القول في ذلك ؛ لأنه في سياق الآية التي أمر ~~الله نبيه فيها بحض المؤمنين على القتال. فكان ذلك بالوعد لمن أجاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والوعيد لمن أبى إجابته أشبه منه من الحث على شفاعة ~~الناس بعضهم لبعض التي لم يجر لها ذكر قبل. ولا لها ذكر بعد (1). # وقوله ( @QUR@06 وكان الله على كل شيء مقيتا ) تذييل قصد به تعريف الناس ~~أنه سبحانه ms1325 سيجازى كل إنسان بعمله ، حتى يكثروا من فعل الخير ويقلعوا عن ~~فعل الشر. # ومقيتا : أى مقتدرا. من أقات على الشيء اقتدر عليه. ومنه قول الزبير ابن ~~عبد المطلب : # وذي ضغن كففت النفس عنه %~% وكنت على مساءته مقيتا # أى : وكنت على رد إساءته مقتدرا. # أو مقيتا : معناها حفيظا من القوت وهو ما يمسك الرمق من الرزق وتحفظ به ~~الحياة : والمعنى : وكان الله تعالى وما زال على كل شيء مقتدرا لا يعجزه ~~شيء ، وحفيظا على أحوال الناس لا يغيب عنه شيء من ذلك ، وسيجازيهم بما ~~يستحقون من ثواب أو عقاب. # هذا وقد وردت أحاديث متعددة في الحض على الشفاعة الحسنة ، ومن ذلك ما ~~أخرجه الشيخان عن أبى موسى الأشعرى قال : «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ~~أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال : «اشفعوا تؤجروا ويقضى الله على لسان ~~نبيه ما أحب». # قال صاحب الكشاف : والشفاعة الحسنة هي التي روعي بها حق مسلم ، ودفع بها ~~عنه شر أو جلب إليه خير ، وابتغى بها وجه الله ، ولم تؤخذ عليها رشوة ، ~~وكانت في أمر جائز ، لا في حد من حدود الله ولا في حق من الحقوق يعنى ~~الواجبة عليه والسيئة ما كانت بخلاف ذلك. # وعن مسروق : أنه شفع شفاعة. فأهدى إليه المشفوع له جارية. فغضب وردها. ~~وقال : لو علمت ما في قلبك ما تكلمت في حاجتك. ولا أتكلم فيما بقي منها» (2). PageV03P243 # وبعد أن أمر الله تعالى عباده بالشفاعة الحسنة ونهاهم عن الشفاعة السيئة ~~، أتبع ذلك بتعليمهم أدب اللقاء والمقابلة حتى تزيد المودة والمحبة بينهم ~~فقال تعالى : ( @QUR@08 وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ). # والتحية : تفعلة من حييت ؛ والأصل تحيية مثل ترضية وتسمية فأدغموا الياء ~~في الياء. قال الراغب : أصل التحية من الحياة ، بأن يقال حياك الله ، أى : ~~جعل لك حياة ، وذلك إخبار ثم جعل دعاء تحية. يقال : حيا فلان فلانا تحية ~~إذا قال له ذلك (1). # وكان من عادة العرب إذا لقى بعضهم بعضا أن يقولوا على سبيل المودة : حياك ~~الله فلما جاء ms1326 الإسلام أبدل ذلك بالسلام والأمان بأن يقول المسلم لأخيه ~~المسلم : السلام عليكم وأضيف إليها الدعاء برحمة الله وبركاته. # قال ابن كثير : قوله تعالى ( @QUR@08 وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها ~~أو ردوها ) أى : إذا سلم عليكم المسلم فردوا عليه بأفضل مما سلم ، أوردوا ~~عليه بمثل ما سلم. فالزيادة مندوبة والمماثلة مفروضة. فعن سلمان الفارسي ~~قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : السلام عليكم يا رسول ~~الله. فقال «وعليك السلام ورحمة الله» ثم جاء آخر فقال : السلام عليك يا ~~رسول الله ورحمة الله ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : «وعليك السلام ~~ورحمة الله وبركاته. ثم جاء ثالث فقال : السلام عليك يا رسول الله ورحمة ~~الله وبركاته فقال له : (وعليك) فقال له الرجل : يا رسول الله ، بأبى أنت ~~وأمى أتاك فلان وفلان فسلما عليك فرددت عليهما أكثر مما رددت على. فقال ~~(إنك لم تترك لنا شيئا) قال الله تعالى : ( @QUR@08 وإذا حييتم بتحية فحيوا ~~بأحسن منها أو ردوها ) فرددناها عليك. وفي الحديث دلالة على أنه لا زيادة ~~في السلام على هذه الصفة : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إذ لو شرع ~~أكثر من ذلك لزاده رسول الله صلى الله عليه وسلم (2). # فأنت ترى أن الآية الكريمة تدعو المؤمنين إلى أن يردوا التحية على من ~~يحيونهم وأن يفشوا هذه التحية بينهم ، لأن إفشاءها يؤدى إلى توثيق علاقات ~~المحبة والمودة بين المسلمين. # وقد ورد في الحض على إفشاء السلام أحاديث كثيرة منها ما رواه مسلم في ~~صحيحه عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تدخلوا الجنة ~~حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا. ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه ~~تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم». # وقوله ( @QUR@07 إن الله كان على كل شيء حسيبا ) تذييل قصد به بعث الناس ~~على امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه. PageV03P244 # أى : إن الله تعالى كان وما زال مهيمنا على عباده ، بصيرا بكل أقوالهم ~~وأعمالهم ، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، وسيحاسب الناس يوم ms1327 ~~القيامة على أفعالهم ، وسيجازيهم عليها بما يستحقون ( @QUR@012 فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ). # وإذا كان الأمر كذلك فالعاقل هو الذي يفعل ما أمره الله تعالى بفعله ، ~~ويجتنب ما أمره الله تعالى باجتنابه. # هذا وقد تكلم العلماء هنا كلاما طويلا في كيفية السلام وفي فضله ، وفي ~~بعض أحكامه المأثورة ، فارجع إلى كلامهم إن شئت (1). # ثم بين سبحانه أن مصير العباد جميعا إليه يوم القيامة فقال تعالى ( ~~@QUR@012 الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ). # أى : الله الواحد الأحد الفرد الصمد والذي لا معبود بحق سواه ، كتب على ~~نفسه أنه ليبعثنكم من قبوركم وليحشرنكم إلى الحساب في يوم القيامة الذي لا ~~شك في حصوله ووقوعه. # فالجملة الكريمة قررت أن العبادة الحق إنما هي لله رب العالمين ، كما ~~قررت أن يوم الحساب آت لا شك فيه مهما أنكره الملحدون ، ومارى فيه ~~الممارون. # ولفظ الجلالة مبتدأ ، وجملة «لا إله إلا هو» خبر. وقوله ( @QUR@01 ~~ليجمعنكم ) جواب قسم محذوف. أى والله ليحشرنكم من قبوركم للحساب يوم ~~القيامة. والجملة القسمية إما مستأنفة لا محل لها من الإعراب ، أو هي خبر ~~ثان للمبتدأ أو هي الخبر وجملة لا إله إلا هو معترضة. # وقوله ( @QUR@03 لا ريب فيه ) في محل نصب على الحال من يوم إذ الضمير في ~~قوله (فيه) يعود إلى اليوم. ويجوز أن يكون في محل نصب على أنه نعت لمصدر ~~محذوف دل عليه ليجمعنكم أى : ليجمعنكم جمعا لا ريب فيه. # والاستفهام في قوله تعالى ( @QUR@05 ومن أصدق من الله حديثا ) للإنكار ~~والنفي أى : لا يوجد في هذا الوجود من هو أصدق من الله تعالى في حديثه ~~وخبره ووعده ووعيده ، وذلك لأن الكذب قبيح ، والله تعالى منزه عن كل قبيح. ~~ولأن الكاذب إنما يكذب لجر منفعة ، أو لدفع مضرة ، أو لجهله بقبح الكذب .. ~~والله تعالى غنى عن كل شيء ، وقدير على كل شيء وخالق لكل شيء ، ومن كان ~~كذلك لا يصدر عنه كذب وإنما يصدر عنه كل حق وصدق ms1328 وعدل. PageV03P245 # ثم واصلت السورة الكريمة حديثها عن أحوال المنافقين ، وبينت حكم الله ~~تعالى فيهم ، ورسمت للمؤمنين طريق معاملتهم لغيرهم فقال تعالى : # ( @QUR@022 فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون ~~أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (88) @QUR@028 ودوا ~~لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في ~~سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ~~ولا نصيرا (89) @QUR@036 إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو ~~جاؤكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم ~~فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم ~~عليهم سبيلا (90) @QUR@031 ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم ~~كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ~~ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم ~~سلطانا مبينا ) (91) # أورد المفسرون في سبب نزول قوله تعالى ( @QUR@05 فما لكم في المنافقين ~~فئتين ) روايات أهمها روايتان : PageV03P246 # أولهما : أن هذه الآية نزلت في شأن المنافقين الذين تخلفوا عن الاشتراك ~~مع المؤمنين في غزوة أحد. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد ~~ومعه المسلمون. وفي الطريق رجع عبد الله بن أبى بن سلول بثلث الناس وقالوا ~~( @QUR@04 لو نعلم قتالا لاتبعناكم ) فاختلف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~في شأن هؤلاء المنافقين. فقال بعضهم : نقتلهم فقد كفروا. # وقال آخرون : لم يكفروا. فأنزل الله تعالى الآية. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم (إنها طيبة وإنها تنفى الخبث كما ينفى الكير خبث الحديد): # أما الرواية الثانية : فيؤخذ منها أنها نزلت في قوم كانوا يظهرون الإسلام ~~بمكة إلا أنهم كانوا يظاهرون المشركين. فقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس أن ~~قوما كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام وكانوا يظاهرون المشركين ، فخرجوا من ~~مكة يطلبون حاجة لهم. فقالوا : إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس. ~~وإن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة ، قالت ms1329 فئة من المؤمنين : ~~اركبوا إلى هؤلاء الخبثاء فاقتلوهم ، فإنهم يظاهرون عدوكم. وقالت فئة أخرى ~~من المؤمنين : سبحان الله : أو كما قالوا أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما ~~تكلمتم به؟ أمن أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم تستحل دماؤهم ~~وأموالهم؟ فكانوا كذلك فئتين والرسول صلى الله عليه وسلم عندهم لا ينهى واحدا ~~من الفريقين عن شيء ، فنزلت : ( @QUR@05 فما لكم في المنافقين فئتين ). # وهناك روايات أخرى قريبة من هذه الرواية في معناها قد ذكرها المفسرون (1). # ويبدو لنا أن الرواية الثانية هي الأقرب إلى سياق الآيات وإلى الواقع ~~التاريخى ، لأنه من الثابت تاريخيا أن منافقي المدينة لم يرد أمر بقتالهم ، ~~وإنما استعمل معهم الرسول صلى الله عليه وسلم وسائل أخرى أدت إلى نبذهم وهوان ~~أمرهم ، ولأن قوله تعالى بعد ذلك ( @QUR@06 فلا تتخذوا منهم أولياء حتى ~~يهاجروا ) يؤيد أنه ليس المقصود بالمنافقين هنا منافقي المدينة ، وإنما ~~المقصود بهم جماعة أخرى من المنافقين كانوا خارج المدينة ، إذ لا هجرة من ~~المدينة إلى غيرها وإنما الهجرة تكون من غيرها إليها ، لأنها دار الإسلام ، ~~ولم يكن فتح مكة قد تم عند نزول هذه الآية. # وقد رجح الإمام ابن جرير سبب النزول الذي حكته الرواية الثانية فقال ما ~~ملخصه : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : نزلت هذه الآية في ~~اختلاف أصحاب رسول الله في قوم كانوا قد ارتدوا عن الإسلام بعد إسلامهم من ~~أهل مكة. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لأن قوله تعالى بعد ذلك ( @QUR@06 ~~فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا ) أوضح دليل على أنهم كانوا من غير أهل ~~المدينة ، لأن الهجرة كانت على عهد رسول الله إلى داره ومدينته من سائر أرض PageV03P247 # الكفر. فأما من كان من المدينة في دار الهجرة مقيما من المنافقين وأهل ~~الشرك فلم يكن عليه فرض هجرة (1). # والفاء في قوله ( @QUR@02 فما لكم ) للتفريع على ما تقدم من أخبار ~~المنافقين وأحوالهم أو هي للإفصاح و «ما» مبتدأ و «لكم» خبره. # قال الجمل : وقوله «في المنافقين» فيه ثلاثة أوجه : # أحدها : أنه متعلق ms1330 بما تعلق به الخبر وهو «لكم» أى : أى شيء كائن لكم أو ~~مستقر لكم في أمر المنافقين. # والثاني : أنه متعلق بمعنى فئتين ، فإنه لي قوة : ما لكم تفترقون في أمر ~~المنافقين فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. # والثالث : أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من فئتين ، لأنه في الأصل صفة ~~لها تقديره : فئتين مفترقتين في المنافقين وصفة النكرة إذا تقدمت عليها ~~انتصبت حالا. وقوله «فئتين» حال من ضمير «لكم» المجرور والعامل فيه ~~الاستقرار أو الظرف لنيابته عنه ... (2). # والاستفهام لإنكار خلافهم في شأن المنافقين ولوم المؤمنين الذين أحسنوا ~~الظن بالمنافقين مع أن أحوال هؤلاء المنافقين تدعو إلى سوء الظن بهم. # والمعنى : لقد سقت لكم أيها المؤمنون من أحوال المنافقين ما يكشف عن ~~خبثهم ومكرهم ، وبينت لكم من صفاتهم ما يدعو إلى الحذر منهم وسوء الظن بهم ~~، وإذا كان هذا هو حالهم فما الذي سوغ لكم أن تختلفوا في شأنهم إلى فئتين؟ ~~فئة تحسن الظن بهم وتدافع عنهم ، وفئة أخرى صادقة الفراسة ، سليمة الحكم ~~لأنها عند ما رأت الشر قد استحوذ على المنافقين أعرضت عنهم ، واحتقرتهم ، ~~وأخذت حذرها منهم ، وحكمت عليهم بالحكم الذي رضيه الله تعالى. # والآن أيها المؤمنون بعد أن ظهر الحق ، وانكشف حال أولئك المنافقين ، ~~عليكم أن تتركوا الخلاف في شأنهم ، وأن تتفقوا جميعا على أنهم قوم بعيدون ~~عن الحق والإيمان. ومنغمسون في الضلال والبطلان. # وقوله ( @QUR@04 والله أركسهم بما كسبوا ) حال من المنافقين مفيد لتأكيد ~~الإنكار السابق أى : لم تختلفون أيها المؤمنون في شأن المنافقين هذا ~~الاختلاف والحال أن الله تعالى قد ردهم PageV03P248 # إلى الكفر بعد الإيمان بسبب أقوالهم الأثيمة ، وأعمالهم القبيحة. # وقوله ( @QUR@01 أركسهم ) من الركس وهو رد أول الشيء على آخره. يقال : ~~ركس الشيء يركسه ركسا إذا قلبه على رأسه. والركس والنكس بمعنى واحد. # والاستفهام في قوله ( @QUR@06 أتريدون أن تهدوا من أضل الله ) للإنكار ~~على من أحسن الظن بأولئك المنافقين. # أى : أتريدون أيها المؤمنون الذين أحسنتم الظن بهؤلاء المنافقين أن ~~تعدوهم من جملة المهتدين ، مع أن الله تعالى قد ms1331 خلق فيهم الضلال ، لأنهم قد ~~استحبوا العمى على الهدى ، وآثروا الغي على الرشد. # وقوله ( @QUR@07 ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ) أى : ومن يكتب الله ~~عليه الضلالة ، فلن تجد أحدا يهديه ويرشده ، لأن قضاء الله لا يتبدل ، ~~وقدره لا يتخلف. # وقوله تعالى ( @QUR@07 ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ) كلام ~~مستأنف مسوق لبيان غلوهم وتماديهم في الكفر وتصديهم لإضلال غيرهم إثر بيان ~~كفرهم وضلالهم في أنفسهم. # أى : أن هؤلاء المنافقين الذين يحسن الظن بهم بعضكم أيها المؤمنون لا ~~يكتفون بكفرهم في أنفسهم بل هم يتمنون ويودون كفركم مثلهم بحيث تكونون أنتم ~~وهم متساوين في الكفر والنفاق ، وإذا كان هذا هو حالهم فكيف تطمعون في ~~إيمانهم؟ وكيف تحسنون الظن بهم؟ # و ( @QUR@01 لو ) في قوله ( @QUR@03 ودوا لو تكفرون ) مصدرية. أى تمنوا ~~كفركم. وقوله ( @QUR@02 كما كفروا ) نعت لمصدر محذوف : أى تمنوا أن تكفروا ~~كفرا مثل كفرهم. # وقوله ( @QUR@02 فتكونون سواء ) معطوف على قوله ( @QUR@02 لو تكفرون ) ~~ومفرع عليه. أى : ودوا لو تكفرون فتكونون مستوين معهم في الضلال والكفر ~~والنفاق. # وما أبلغ التعبير في جانب محاولة المؤمنين بالإرادة في قوله ( @QUR@06 ~~أتريدون أن تهدوا من أضل الله ) وفي جانب محاولة المنافقين بالود ؛ لأن ~~الإرادة ينشأ عنها الفعل. فالمؤمنون يستقربون حصول الإيمان من المنافقين ، ~~لأن الإيمان قريب من فطرة الناس وعقولهم. والمنافقون يعلمون أن المؤمنين لا ~~يرتدون عن دينهم ، ويرونهم متمسكين به غاية التمسك ، فلم يكن طلبهم تكفير ~~المؤمنين إلا كلون من التمني الذي لا أمل في تحققه ، فعبر عنه بالود المجرد ~~، أى ودوا ذلك ولكنه ود بعيد التحقق. # وقوله ( @QUR@09 فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله ) نهى ~~من الله تعالى للمؤمنين عن موالاة المنافقين حتى يصدر منهم ما يدل على ~~إقلاعهم عن النفاق والضلال. PageV03P249 # والفاء في قوله : ( @QUR@02 فلا تتخذوا ) للإفصاح عن شرط مقدر. والتقدير ~~إذا كان هذا هو شأن المنافقين فلا يصح لكم أيها المؤمنون أن تتخذوا منهم ~~أولياء أو نصراء أو أصدقاء حتى تتحقوا من إسلامهم بأن يهاجروا من أجل إعلاء ~~كلمة الله من ms1332 دار الكفر التي يقيمون فيها ويناصرون أهلها إلى دار الإيمان ~~التي تقيمون فيها ، وينضمون إليكم لنصرة الحق ، ودفع الظلم. # قال الفخر الرازي ما ملخصه : (دلت الآية على أنه لا يجوز موالاة المشركين ~~والمنافقين والمشتهرين بالزندقة لأن أعز الأشياء وأعظمها عند جميع الخلق هو ~~الدين ، لأنه هو الأمر الذي به يتقرب إلى الله ، ويتوسل به إلى السعادة ... ~~وإذا كان الأمر كذلك ، امتنع طلب المحبة والولاية في الموضع الذي يكون أعظم ~~موجبات العداوة حاصلا فيه ودلت على إيجاب الهجرة بعد الإسلام أى فلا تتخذوا ~~منهم أولياء حتى يسلموا ويهاجروا وأنهم إن أسلموا لم يكن بيننا وبينهم ~~موالاة إلا بعد الهجرة. ونظيره قوله تعالى ( @QUR@08 ما لكم من ولايتهم من ~~شيء حتى يهاجروا ). # واعلم أن هذا التكليف إنما كان لازما حال ما كانت الهجرة مفروضة ففي ~~الحديث الشريف : «أنا برىء من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين. وأنا برىء ~~من كل مسلم مع مشرك». فكانت الهجرة واجبة إلى أن فتحت مكة. ثم نسخ فرض ~~الهجرة بما رواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم فتح ~~مكة «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية». وروى عن الحسن أن حكم الآية ثابت ~~في كل من أقام في دار الحرب فرأى فرض الهجرة إلى دار الإسلام قائما) (1). # وقوله : ( @QUR@012 فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ، ولا تتخذوا ~~منهم وليا ولا نصيرا ) بيان لحكم الله تعالى في هؤلاء المنافقين إذا ما ~~استمروا في غيهم وضلالهم. # والمعنى : فإن أعرض هؤلاء المنافقون عن الهجرة في سبيل الله تعالى فلا ~~تعتبروا إسلامهم ، بل خذوهم في الأسر ، وضيقوا عليهم (واقتلوهم حيث ~~وجدتموهم) لأنهم أعداء لكم ( @QUR@03 ولا تتخذوا منهم ) في هذه الحالة ( ~~@QUR@01 وليا ) توادونه وتصادقونه ( @QUR@02 ولا نصيرا ) تنتصرون به على ~~أعدائكم ، لأن ولاية هؤلاء المنافقين محادة لله ولرسوله ، والتناصر بهم ~~يؤدى إلى الخذلان كما قال تعالى ( @QUR@07 لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا ~~خبالا ). # فالجملة الكريمة تأمر المؤمنين بقتل أولئك المنافقين الذين ظهر الكفر ~~منهم وتنهاهم عن اتخاذهم أولياء أو ms1333 أصدقاء وعن الاستنصار بهم. PageV03P250 # وقوله : ( @QUR@08 إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ) استثناء ~~من الضمير المنصوب في قوله ( @QUR@02 فخذوهم واقتلوهم ). # وقوله ( @QUR@01 يصلون ) بمعنى يلتجئون ويتصلون. الميثاق العهد الموثق. # والمعنى : أن الله تعالى يأمركم أيها المؤمنون أن تأخذوا وتقتلوا أولئك ~~المنافقين الذين أظهروا كفرهم وتمنوا أن تكونوا مثلهم ، وامتنعوا عن الهجرة ~~إلى دياركم ، وينهاكم عن موالاتهم وعن الاستعانة بهم ، لكنه سبحانه قد ~~استثنى من هؤلاء الذين أمركم بأخذهم وقتلهم أناسا التجأوا واستندوا إلى قوم ~~بينكم وبينهم عهد أمان ، لأنهم بهذا الالتجاء قد صار حكمهم كحكم من لجئوا ~~إليهم من حيث الأمان وعدم الاعتداء. # وقد ذكر العلماء أقوالا في المراد من القوم الذين كان بينهم وبين ~~المسلمين عهد أمان ، فقيل : هم الأسلميون ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~، وقت خروجه إلى مكة قد وادع هلال بن عويمر الأسلمى على أن لا يعينه ولا ~~يعين عليه ، وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذي ~~لهلال. وقيل هم بنو بكر بن زيد. وقيل هم خزاعة (1). # وقوله : ( @QUR@09 أو جاؤكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ) ~~عطف على صلة الذين وهو قوله ( @QUR@01 يصلون ). # ومعنى حصرت : ضاقت وانقبضت ومنه الحصر في القول وهو ضيق الكلام على ~~المتكلم. # ويقال حصر صدره يحصر أى ضاق. # أى : خذوا واقتلوا أيها المؤمنون المنافقين الذين أعلنوا كفرهم ، ولا ~~تأخذوا ولا تقتلوا الذين التجأوا إلى قوم بينكم وبينهم عهد أمان ، ولا ~~تأخذوا ولا تقتلوا كذلك الذين جاءوا إليكم وقد ضاقت نفوسهم ، وانقبضت ~~صدورهم عن قتالكم لأنكم مسلمون كما أنهم قد ضاقت نفوسهم عن قتال قومهم ~~لأنهم منهم ، أو لأنهم يخشون قتالهم خوفا على أموالهم أو على ذريتهم أو ذوى ~~أرحامهم. # فأنت ترى أن الاستثناء في قوله ( @QUR@05 إلا الذين يصلون إلى قوم ) قد ~~أخرج من الأخذ والقتل فريقين من الناس : # الفريق الأول : هو الذي ترك المحاربين من الأعداء ، والتجأ إلى القوم ~~الذين بينهم وبين المسلمين عهد أمان ، فإنه بهذا الالتجاء قد صار حكمه كحكم ~~من التجأ ms1334 إليهم في الأمان. # والفريق الثاني : هو الذي جاء إلى المؤمنين ، مسالما وترك قومه ، إلا أنه ~~في الوقت نفسه يكره PageV03P251 # أن يقاتل المسلمين لحبه لهم. ويكره أن يقاتل قومه لأنهم قومه وعشيرته ~~وأهله أو لأنه لو قاتلهم للحقه الضرر في ماله أو ذريته. # وقوله : ( @QUR@02 حصرت صدورهم ) في موضع نصب على الحال بتقدير قد كما ~~يرى بعضهم. # وبعضهم لا يرى حاجة لتقديرها ، لأنه قد جاء الفعل الماضي حالا بغيرها كثيرا. # وقيل هو صفة لموصوف محذوف هو حال من فاعل جاؤ أى : جاءوكم حالة كونهم ~~حصرت صدورهم. # وقوله : ( @QUR@05 أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ) مجرور بحرف جر مقدر أى ~~: حصرت صدورهم عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم. أو هو في محل نصب على أنه ~~مفعول لأجله. أى حصرت صدورهم كراهة قتالكم أو قتال قومهم. # والمراد بالفريق الثاني بنو مدلج فقد أخرج ابن أبى حاتم عن الحسن أن ~~سراقة بن مالك المدلجي حدثهم فقال : لما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على أهل ~~بدر وأسلم من حولهم ، قال : بلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى ~~قومي بنى مدلج. فأتيته فقلت : أنشدك النعمة. بلغني أنك تريد أن تبعث إلى ~~قومي. وأنا أريد أن توادعهم. فإن أسلم قومك أسلموا ودخلوا في الإسلام. وإن ~~لم يسلموا لم يحسن تغليب قومك عليهم. فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد ~~خالد فقال : اذهب معه فافعل ما يريد. فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن أسلمت قريش أسلموا معهم ، فأنزل الله الآية (1). # وقوله ( @QUR@06 ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم ) بيان لمظهر من ~~مظاهر فضل الله ورعايته للمؤمنين. # أى : ولو شاء الله لسلط جميع المشركين عليكم بأن قوى قلوبهم ، وجرأهم ~~عليكم ، وجعلهم يبرزون لقتالكم صفا واحدا ، ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك ، بل ~~ألقى الرعب في صفوف أعدائكم ، وجعل منهم من يسالمكم ويأتى إليكم موادعا. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف يجوز أن يسلط الله الكفرة على المؤمنين؟ ~~قلت : ما كانت مكافتهم إلا ms1335 لقذف الرعب في قلوبهم. ولو شاء لمصلحة يراها من ~~ابتلاء ونحوه لم يقذفه. فكانوا متسلطين مقاتلين غير مكافين فذلك معنى ~~التسليط (2). # وقال القرطبي : قوله تعالى ( @QUR@05 ولو شاء الله لسلطهم عليكم ) تسليط ~~الله المشركين على PageV03P252 # المؤمنين هو بأن يقدرهم على ذلك ، ويقويهم إما عقوبة ونقمة عند إذاعة ~~المنكر وظهور المعاصي. وإما ابتلاء واختبارا كما قال تعالى ( @QUR@08 ~~ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم ) وإما تمحيصا ~~للذنوب كما قال تعالى ( @QUR@04 وليمحص الله الذين آمنوا ). ولله أن يفعل ~~ما يشاء ويسلط من يشاء على من يشاء إذا شاء. # ووجه النظم والاتصال بما قبل. أى : اقتلوا المنافقين الذين اختلفتم فيهم ~~إلا أن يهاجروا وإلا أن يتصلوا بمن بينكم وبينهم ميثاق فيدخلوا فيما دخلوا ~~فيه فلهم حكمهم ، وإلا الذين جاءوكم قد حصرت صدورهم عن أن يقاتلوكم أو ~~يقاتلوا قومهم فدخلوا فيكم فلا تقتلوهم» (1). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله ( @QUR@013 فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم ~~وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ). # أى : أن هؤلاء الذين استثناهم الله تعالى من الأخذ والقتل ، اقبلوا ~~مسالمتهم إن اعتزلوا قتالكم فلم يتعرضوا لكم بسوء ، وكفوا عن قتالهم إذا ~~ألقوا إليكم السلم ، أى : إذا انقادوا للصلح والأمان ورضوا به. وهم متى ~~فعلوا ذلك ( @QUR@06 فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ) أى : فما أذن الله لكم ~~في أخذهم وقتلهم بأى طريق من الطرق التي توصل إلى العدوان عليهم. # وعبر بقوله ( @QUR@03 وألقوا إليكم السلم ) بدل السلام ، للإشارة إلى ~~معنى التسليم لا مجرد الأمن والسلام ، لأن السلم يفيد معنى التسليم ، فهم ~~ألقوا إليكم قيادهم واستسلموا لأمركم ، ودخلوا في طاعتكم. # وفي نفى أن يكون هناك سبيل عليهم ، مبالغه في عدم التعرض لهم بسوء لأنه ~~إذا انتفى الوصول إليهم انتفى الاعتداء عليهم من باب أولى. # هذا ، ويرى جمهور المفسرين أن الأحكام التي اشتملت عليها هذه الآية ~~الكريمة منسوخة بآية سورة التوبة وهي قوله تعالى ( @QUR@014 فإذا انسلخ ~~الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم ~~كل مرصد ). # قال الجمل : معاهدة المشركين وموادعتهم في ms1336 هذه الآية منسوخة بآية السيف ~~وهي قوله «فإذا انسلخ الأشهر الحرم. الآية» وذلك لأن الله تعالى لما أعز ~~الإسلام وأهله أمر أن لا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو القتال» (2). PageV03P253 # ثم بين سبحانه صنفا آخر غير هؤلاء المسالمين ، وهم قوم من المنافقين ~~المخادعين ، الذين لا يضمرون للمؤمنين إلا شرا ، ولا يمدون أيديهم إلى أهل ~~الحق إلا بالسوء فقال تعالى : ( @QUR@013 ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ~~ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها ). # أى : ستجدون أيها المؤمنون قوما من المنافقين آخرين غير الذين وصفتهم لكم ~~، ( @QUR@01 يريدون ) بإظهارهم للإسلام ( @QUR@02 أن يأمنوكم ) على أنفسهم ~~، ويريدون بإظهارهم للكفر أن ( @QUR@02 يأمنوا قومهم ) من الأذى ، ومن صفات ~~هؤلاء المخادعين أنهم ( @QUR@06 كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها ) أى : ~~كلما دعوا إلى الردة وإلى العصبية البغيضة وقعوا فيها أشنع وقوع ، ورجعوا ~~إليها منكوسين على رءوسهم. # قال ابن جرير : عن مجاهد قال : هم ناس كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيسلمون رياء ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان. يبتغون بذلك أن ~~يأمنوا هاهنا وهاهنا ، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا» (1). # ثم بين سبحانه ما يجب على المؤمنين نحو هؤلاء المنافقين المخادعين فقال : ~~( @QUR@018 فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم ~~واقتلوهم حيث ثقفتموهم. وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا ). # أى : أن هؤلاء المنافقين إن لم يعتزلوا قتالكم والتعرض لكم بسوء ، ويلقوا ~~إليكم الأمان والانقياد ، ويمتنعوا عن العدوان عليكم ، إن لم يفعلوا ذلك ~~فخذوهم أسرى ، واقتلوهم حيث ( @QUR@01 ثقفتموهم ) أى : وجدتموهم وظفرتم ~~بهم. يقال ثقفت الرجل في الحرب اثقفه ، إذا أدركته وظفرت به وقوله ( ~~@QUR@06 وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا ) أى أولئك الذين وصفتهم لكم ~~جعل الله لكم حجة واضحة في أخذهم وقتلهم ، بسبب ظهور عداوتهم ، وانكشاف ~~غدرهم ، وتذبذبهم بين الإسلام والكفر تبعا لشهوات نفوسهم المريضة. # هذا ، والمتأمل في هذه الآيات الأربعة الكريمة يراها قد رسمت للمؤمنين ~~كيف تكون علاقتهم بغيرهم من المنافقين والمشركين. # فهي تأمرهم أولا بأن يقفوا من المنافقين الذين أركسهم الله بما كسبوا صفا ms1337 ~~واحدا ورأيا واحدا ، فلا يدافعوا عنهم ولا يحسنوا الظن بهم ، ولا يولوهم ~~ولا يستعينوا بهم ، حتى يهاجروا في سبيل الله ، فإن امتنعوا عن الهجرة حل ~~أخذهم وقتلهم. # وتأمرهم ثانيا بأن يسالموا إلى حين قوما التجأوا إلى قوم بينهم وبين ~~المسلمين عهد PageV03P254 # وأمان ، وأن يسالموا كذلك أولئك الذين يأتون إليهم وهم يكرهون قتالهم أو ~~قتال قومهم ، وأظهروا الانقياد والاستسلام للمؤمنين. # وتأمرهم ثالثا بأن يأخذوا ويقتلوا أولئك المتلاعبين بالعقيدة والدين ~~والذين بلغ بهم الغدر والخداع أنهم إذا قدموا المدينة أظهروا الإسلام ، ~~فإذا ما عادوا إلى مكة أو إلى قومهم أظهروا الكفر ، وكانوا مع قومهم ضد ~~المسلمين. # وإنها لتوجيهات حكيمة تبصر المؤمنين بما يجب عليهم نحو غيرهم من الناس ~~الذين يخالفونهم في عقيدتهم. # * * * # وبعد هذا الحديث الحكيم الذي بين الله تعالى فيه أحوال المنافقين ، ~~وصفاتهم الذميمة ، وموقف المؤمنين ممن يخالفونهم في العقيدة ، بعد كل ذلك ~~أخذت السورة الكريمة في بيان حكم القتل الخطأ ، وحكم القتل العمد فقال ~~تعالى : # ( @QUR@060 وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ ~~فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو ~~لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية ~~مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من ~~الله وكان الله عليما حكيما (92) @QUR@016 ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه ~~جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ) (93) PageV03P255 # روى المفسرون روايات في سبب نزول قوله تعالى ( @QUR@08 وما كان لمؤمن أن ~~يقتل مؤمنا إلا خطأ ).. الآية ومن أشهر هذه الروايات ما جاء عن مجاهد ~~وغيره أنها نزلت في عياش بن أبى ربيعه ، وذلك أنه قتل رجلا كان يعذبه لكي ~~يترك الإسلام ، فأضمر عياش قتل ذلك الرجل. ثم أسلم هذا الرجل دون أن يعلم ~~عياش بإسلامه. فلما لقيه في يوم من الأيام ظن عياش أن الرجل لم يزل مشركا ~~فقتله. فلما علم بإسلامه أتى النبي صلى الله عليه وسلم ms1338 فقال : يا رسول الله ، ~~قتلته ولم أشعر بإسلامه فأنزل الله الآية (1). # والآية الكريمة وإن كانت قد نزلت في حادثة معينة إلا أن حكمها يتناول كل ~~من قتل غيره خطأ ، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. # والنفي في قوله تعالى ( @QUR@02 وما كان ) ليس لنفى الوقوع ، لأنه لو كان ~~كذلك ما وقع قتل على سبيل الخطأ أبدا ، وإنما النفي بمعنى النهى وعدم ~~الجواز. # وقد أشار القرطبي إلى ذلك بقوله : قوله تعالى ( @QUR@08 وما كان لمؤمن أن ~~يقتل مؤمنا إلا خطأ ) هذه آية من أمهات الأحكام. والمعنى ما ينبغي لمؤمن أن ~~يقتل مؤمنا إلا خطأ ، فقوله : ( @QUR@02 وما كان ) ليس على النفي وإنما هو ~~على التحريم والنهى كقوله : ( @QUR@07 وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ) ~~ولو كانت على النفي لما وجد مؤمن قتل مؤمنا قط ، لأن ما نفاه الله فلا يجوز ~~وجوده فهو كقوله تعالى ( @QUR@06 ما كان لكم أن تنبتوا شجرها ) فلا يقدر ~~العباد أن ينبتوا شجرها أبدا. ثم استثنى استثناء منقطعا ليس من الأول وهو ~~الذي يكون فيه «إلا» بمعنى لكن. والتقدير : ما كان له أن يقتله ألبتة لكن ~~إن قتله خطأ فعليه كذا. والخطأ : اسم من أخطأ خطأ وإخطاء إذا لم يصنع عن ~~تعمد ، فالخطأ الاسم يقوم مقام الإخطاء. ويقال لمن أراد شيئا ففعل غيره : ~~أخطأ. ولمن فعل غير الصواب : أخطأ» (2). # وقال صاحب الكشاف : فإن قلت. بم انتصب خطأ؟ قلت : بأنه مفعول له. أى : ما ~~ينبغي له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ وحده. ويجوز أن يكون حالا بمعنى ~~: لا يقتله في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ. وأن يكون صفة للمصدر أى : ~~إلا قتلا خطأ. والمعنى ، أن من شأن المؤمن أن ينتفى عنه وجود قتل المؤمن ~~ابتداء البتة ، إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد ، بأن يرمى كافرا فيصيب ~~مسلما. أو يرمى شخصا على أنه كافر فإذا هو مسلم (3). # ثم بين سبحانه حكم القتل الخطأ فقال : ( @QUR@014 ومن قتل مؤمنا خطأ ~~فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا ms1339 أن يصدقوا ). PageV03P256 # قوله ( @QUR@01 فتحرير )، التحرير : الإعتاق وهو تفعيل من الحرية. أى ~~جعل الرقبة حرة. وهو مبتدأ محذوف الخبر أى : فعليه تحرير رقبة مؤمنة. # وقوله : ( @QUR@01 ودية ) الدية ما يعطى عوضا من دم القتيل إلى وليه. وهي ~~مأخوذة من الودي كالعدة من الوعد. يقال : ودى القاتل القتيل يديه دية إذا ~~أعطى وليه المال الذي هو بدل النفس. وسمى المال دية تسمية بالمصدر. # والمعنى : أن المؤمن لا يسوغ له ولا يليق به أن يقتل أخاه المؤمن ، لأن ~~ذلك محرم تحريما قاطعا ، لكن إن وقع منه القتل له على سبيل الخطأ فإن دم ~~القتيل لا يذهب هدرا ، بل على من قتل أخاه المؤمن خطأ «تحرير رقبة مؤمنة» ~~أى : إعتاق نفس مؤمنة ، وعليه كذلك ( @QUR@04 دية مسلمة إلى أهله ) أى : ~~مؤداة إلى ورثة القتيل عوضا لهم عما فاتهم من قتيلهم. وقوله ( @QUR@03 إلا ~~أن يصدقوا ) أى إلا أن يتصدق أهل القتيل بهذه الدية على القاتل ، بأن ~~يتنازلوا عنها له على سبيل العفو والصفح. # وعبر سبحانه عن العتق بالتحرير في قوله ( @QUR@02 فتحرير رقبة ) للاشعار ~~بأن الحرية للعبيد مقصد من مقاصد الإسلام ، وأن شريعته قد أوجبت على ~~أتباعها أن يعتقوا الأرقاء إذا ما وقعوا في بعض الأخطاء حتى يتحرر أكبر عدد ~~من الرقاب. # والتعبير عن النفس بالرقبة من باب التعبير عن الكل بالجزء. وكان التعبير ~~بذلك للاشارة إلى أن الرق غل معنوي في الرقاب ، وأن المؤمن الصادق في ~~إيمانه هو الذي يبذل قصارى جهده في فك الرقاب من قيدها. # وقيد الرقبة المحررة بأن تكون مؤمنة لتخرج الكافرة ، إذ الإسلام يحرص على ~~تحرير الأرقاء المؤمنين دون الكافرين. # قال ابن كثير : وجمهور الفقهاء على أن الرقبة المؤمنة تجزئ سواء أكانت ~~صغيرة أم كبيرة فقد أخرج الإمام أحمد عن رجل من الأنصار أنه جاء بأمة سوداء ~~فقال : يا رسول الله ، إن على عتق رقبة مؤمنة. فإن كنت ترى هذه مؤمنة ~~أعتقها. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أتشهدين أن لا إله إلا ~~الله؟ قالت : نعم. قال : أتشهدين أنى رسول الله؟ ms1340 قالت : نعم قال : أتؤمنين ~~بالبعث بعد الموت؟ قالت : نعم. قال : أعتقها» (1). # ويرى بعضهم أنه لا تجزئ إلا الرقبة المؤمنة التي صلت وعقلت الإيمان ، أما ~~الصغيرة فإنها لا تجزئ. PageV03P257 # وقوله ( @QUR@01 ودية ) معطوف على «فتحرير» وقوله ( @QUR@01 مسلمة ) صفة ~~لدية. وقوله ( @QUR@02 إلى أهله ) متعلقة بمسلمة. # قال القرطبي ما ملخصه : ولم يعين الله في كتابه ما يعطى في الدية ، وإنما ~~في الآية إيجاب الدية مطلقا ، وليس فيها إيجابها على العاقلة أو على القاتل ~~، وإنما أخذ ذلك من السنة. # والعاقلة : قرابات الرجل من جهة أبيه وهم عصبته .. # وقد ثبتت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الدية مائة من الإبل. ~~ووداها صلى الله عليه وسلم في عبد الله بن سهل المقتول بخيبر فكان ذلك بيانا ~~على لسان النبي صلى الله عليه وسلم لمجمل الكتاب واختلفوا فيما يجب على غير ~~أهل الإبل ، فقالت طائفة : على أهل الذهب ألف دينار. وعلى أهل الورق اثنا ~~عشر ألف درهم. # وقد ثبتت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى بدية الخطأ على ~~العاقلة. وأجمع أهل العلم على القول به (1). # ففي الصحيحين عن أبى هريرة قال : اقتتلت امرأتان من هذيل. فرمت إحداهما ~~الأخرى بحجر فقتلتها ، وما في بطنها. فاختصموا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية جنينها غرة : عبد وأمة. وقضى بدية المرأة على ~~عاقلتها (2). # قالوا : وإنما كانت دية القتل الخطأ على العاقلة ، لأن القاتل لو دفعها ~~لأوشكت أن تأتى على جميع ماله ، وليكون ذلك دليلا على تضافر الأسرة ~~وتعاونها. وإذا كان القاتل فقيرا وأسرته فقيرة ، فإن دية المقتول تكون على ~~بيت مال المسلمين ، حتى لا يهدر دم القتيل. # قال القاسمى : تجب الدية على كل عاقلة القاتل. وهم عصبته غير الأصول ~~والفروع (3). لأنه لما عفى عن القاتل فلا وجه للأخذ منه. وأصوله وفروعه ~~أجزاؤه فالأخذ منهم أخذ منه. ولا وجه لإهدار دم المؤمن. فيؤخذ من عاقلته ~~الذين يرثونه بأقوى الجهات وهي العصبية ، لأن الغرم بالغنم. فإن لم يكن له ~~عاقلة أو كانوا فقراء فعلى ms1341 بيت المال (4). # والتعبير عن أداء الدين بقوله ( @QUR@03 مسلمة إلى أهله ) يومئ إلى وجوب ~~حسن الأداء بأن تسلم هذه الدية إلى أسرة القتيل بكل سماحة ولطف جبرا ~~لخاطرها عما أصابها. PageV03P258 # والمراد بقوله ( @QUR@03 إلا أن يصدقوا ) أى : إلا أن يتبرع بها أولياء ~~المقتول على سبيل العفو والصفح. # وعبر عن ذلك بقوله ( @QUR@01 يصدقوا ) للإشارة إلى أن تبرعهم هذا مرغوب ~~فيه وأنه بمنزلة الصدقة التي لهم ثوابها الجزيل عند الله تعالى لا سيما إذا ~~كان أولياء القاتل وعصبته يشق عليهم أداؤها فيتركها أولياء القتيل رأفة ~~بأولياء القاتل وشفقة عليهم ، وفي الحديث الشريف كل معروف صدقة. # ثم بين سبحانه حكم القتل الخطأ لمؤمن ينتمى إلى الأعداء فقال ( @QUR@011 ~~فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ). # أى : فإن كان المقتول خطأ ( @QUR@04 من قوم عدو لكم ) أى محاربين لكم ، ( ~~@QUR@02 وهو مؤمن ) أى وكان المقتول مؤمنا ولم يعلم به القاتل ، لكونه بين ~~أظهر قومه الكفار ولم يفارقهم ، أو أتاهم بعد أن فارقهم لأمر من الأمور ، ~~فعلى القاتل في هذه الحالة ( @QUR@03 تحرير رقبة مؤمنة ) كفارة عن هذا ~~القتل الخطأ ، وليس عليه دية ، لأن أولياء القتيل من الكفار ولا توارث بين ~~المؤمن والكفار ، ولأن دفع الدية إليهم يؤدى إلى تقويتهم علينا ومن غير ~~المعقول أن ندفع لأعدائنا ما يتقوون به علينا. # روى الحاكم وغيره عن ابن عباس قال : كان الرجل يأتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم ثم يرجع إلى قومه وهم مشركون. فيصيبه المسلمون في سرية أو ~~غزوة. فيعتق الذي يصيبه رقبة. # ثم بين سبحانه حكم القتل الخطأ إذا كان المقتول من قوم بينهم وبين ~~المسلمين عهد وميثاق فقال تعالى : ( @QUR@014 وإن كان من قوم بينكم وبينهم ~~ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة ). # أى : وإن كان المقتول خطأ ( @QUR@05 من قوم بينكم وبينهم ميثاق ) أى : من ~~قوم بينكم وبينهم أيها المؤمنون عهد من هدنة أو أمان وهم على دينهم وأنتم ~~على دينكم ، فعلى القاتل في هذه الحالة دية تدفعها عاقلته إلى أهل القتيل ، ~~لأن حكمهم كحكم المسلمين ms1342 ، وعليه كذلك ( @QUR@03 تحرير رقبة مؤمنة ) لتكون ~~كفارة له عند الله ، وقدم الدية هنا على تحرير الرقبة على العكس مما جاء في ~~صدر الآية ، للإشعار بوجوب المسارعة إلى تسليم الدية حتى لا يتردد القاتل ~~في دفعها إلى غير المسلمين الذين بينهم وبين المسلمين عهد يمنع عدم ~~الاعتداء. # فأنت ترى أن الله تعالى قد جعل الحكم في قتل المعاهد كالحكم في قتل ~~المسلم من الدية وتحرير الرقبة ، وبعضهم يرى أن المراد بالمقتول خطأ هنا ~~المسلم الذي هو في قوم معاهدين وأن الدية لا تدفع لهؤلاء القوم فيكون معنى ~~الآية : وإن كان أى المقتول المؤمن ( @QUR@02 من قوم ) كفار PageV03P259 # بينكم وبينهم ميثاق ، فعلى قاتله دية ( @QUR@03 مسلمة إلى أهله ) من أهل ~~الإسلام إن وجدوا ، ولا تدفع إلى ذوى قرابته من الكفار وإن كانوا معاهدين ، ~~إذ لا يرث الكافر المؤمن. # ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب ، لأنه لو كان المراد بالمقتول ~~خطأ هنا القتيل المسلم لكان مكررا ولما كان هناك معنى لإفراده إذ حكمه يكون ~~داخلا في قوله تعالى في صدر الآية «ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ~~ودية مسلمة إلى أهله». فلما أفرده سبحانه بالذكر علمنا أن المقصود بالقتيل ~~هنا من قتل خطأ من قوم كفار بيننا وبينهم ميثاق سواء أكان المقتول على ~~ديننا أم على دينهم. # وقد ذكر صاحب الكشاف هذا الوجه ولم يذكر سواه فقال : ( @QUR@04 وإن كان ~~من قوم ) أى : وإن كان المقتول من قوم كفرة لهم ذمة كالمشركين الذين عاهدوا ~~المسلمين وأهل الذمة من الكتابيين فحكمه حكم مسلم من مسلمين» (1). ومن ~~العلماء أيضا من يرى أن دية المسلم والكافر سواء ومنهم من يرى غير ذلك. # وقد أشار الإمام ابن كثير إلى هذين الرأيين بقوله : قوله تعالى ( @QUR@07 ~~وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ). الآية ، أى : فإن كان القتيل ~~أولياؤه أهل ذمة أو هدنة فلهم دية قتيلهم. فإن كان مؤمنا فدية كاملة وكذا ~~إن كان كافرا أيضا عند طائفة من العلماء. وقيل يجب في الكافر نصف دية ~~المسلم وقيل ثلثها ms1343 كما هو مفصل في كتب الأحكام (2). # ثم يبين سبحانه الحكم عند عدم استطاعة إعتاق الرقبة فقال : ( @QUR@013 ~~فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله ، وكان الله عليما حكيما ). # أى : فمن لم يجد رقبه مؤمنة يعتقها فعليه في هذه الحالة صيام شهرين ~~متواصلين في أيامهما ، لا يفرق بينهم فطر ، بحيث لو أفطر يوما فيها استأنف ~~من جديد ابتداء الشهرين ، إلا أن يكون الفطر بسبب حيض أو نفاس أو مرض يتعذر ~~معه الصوم. # وقوله ( @QUR@03 توبة من الله ) مفعول لأجله والتقدير : أى شرع الله لكم ~~ذلك توبة منه أى قبولا لها ورحمة بكم. من : تاب الله على فلان إذا قبل توبته. # وهذه التوبة ليست من إثم القتل الخطأ ، لأن الإثم مرفوع عن المخطئ كما في ~~الحديث الشريف «رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». # وإنما التوبة هنا من التقصير وقلة التثبت والتحقق ، ولكي يكون المسلم يعد ~~ذلك متذكرا PageV03P260 # فلا يقع منه في المستقبل ما وقع منه في الماضي ، ولهذا قال الإمام ~~الزيلعى : # «وبهذا النوع من القتل أى القتل الخطأ لا يأثم إثم القتل ، وإنما يأثم ~~إثم ترك التحرز والمبالغة في التثبت ، لأن الأفعال المباحة لا تجوز ~~مباشرتها إلا بشرط ألا تؤذى أحدا. فإذا آذى أحدا فقد تحقق ترك الحرز». # وقوله ( @QUR@04 وكان الله عليما حكيما ) تذييل قصد به زجر الناس عن ~~اتباع الهوى وعن مخالفة شريعته. # أى : وكان الله وما زال عليما بالنفوس وخباياها وحركاتها وبكل شيء في هذا ~~الكون : حكيما في كل ما شرع وقضى. وسيحاسب الناس على أقوالهم. وأعمالهم يوم ~~القيامة. وسيجازيهم بما يستحقون من خير أو من شر. # وبهذا نرى أن الآية الكريمة قد بينت أن المؤمن إذا قتل على سبيل الخطأ ~~أخاه المؤمن أو قتل رجلا من قوم كافرين ولكن بيننا وبينهم ميثاق أمان فعليه ~~في كل حالة من هاتين الحالتين عتق رقبة ودية. أما إذا قتل المؤمن رجلا ~~مؤمنا ولكن كان من قوم كافرين محاربين لنا وليس بيننا وبينهم عهد ولا ميثاق ~~فعلى القاتل تحرير رقبة فقط. ms1344 فإن لم يستطع تحرير رقبة فعليه صيام شهرين ~~متتابعين توبة من الله. وبهذه الأحكام الحكيمة تربى النفوس على الاحتراس ~~والاحتياط وأخذ الحذر ، وتصان الدماء عن أن تذهب هدرا ، وتعوض أسرة القتيل ~~عن فقيدها بما يخفف آلامها ، ويجبر خاطرها ، وتعوض الجماعة الإسلامية ~~بتحرير رقبة مؤمنة تعمل لصالح الجماعة بحرية وانطلاق بعد أن كانت تعمل ~~لخدمة سيدها فحسب. # ثم بين سبحانه بعد ذلك سوء عاقبة من يقتل مؤمنا متعمدا فقال : ( @QUR@016 ~~ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد ~~له عذابا عظيما ). # أى : ( @QUR@04 ومن يقتل مؤمنا متعمدا ) قتله ( @QUR@01 فجزاؤه ) الذي ~~يستحقه بسبب هذه الجناية الكبيرة «جهنم خالدا فيها» أى باقيا فيها مدة ~~طويلة لا يعلم مقدارها إلا الله ( @QUR@03 وغضب الله عليه ) بسبب ما ارتكبه ~~من منكر ( @QUR@01 ولعنه ) أى طرده من رحمته ( @QUR@02 وأعد له ) من وراء ~~ذلك كله ( @QUR@02 عذابا عظيما ) يوم القيامة. # هذا وقد ساق المفسرون جملة من الآيات والأحاديث التي تهدد مرتكب هذه ~~الكبيرة بالعذاب الشديد ؛ واختلفوا في حكمها هل هي منسوخة أولا؟ وهل للقاتل ~~عمدا توبة أو لا؟ وقد أفاض الإمام ابن كثير في بيان كل ذلك فقال ما ملخصه : # «هذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم والذي هو مقرون ~~بالشرك بالله PageV03P261 # في غير ما آية. قال تعالى ( @QUR@015 والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ~~ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ). # والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جدا. فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن ~~مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أول ما يقضى بين الناس يوم ~~القيامة في الدماء» وروى أبو داود عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : «لا يزال المؤمن معتقا أى خفيف الظهر ، سريع السير ~~ما لم يصب دما حراما. فإذا أصاب دما حراما بلح» أى : أعيا وانقطع. # وفي حديث آخر : «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم». # ثم قال : وقد كان ابن عباس يرى أنه لا توبة ms1345 لقاتل المؤمن عمدا. # وقال البخاري : حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا المغيرة بن النعمان قال : # سمعت ابن جبير قال : اختلف فيها أهل الكوفة. فرحلت فيها إلى ابن عباس ~~فسألته عنها. # فقال : نزلت هذه الآية. ( @QUR@04 ومن يقتل مؤمنا متعمدا ) هي آخر ما نزل ~~وما نسخها شيء. # وروى ابن جرير أيضا عن سعيد بن جبير قال. سألت ابن عباس عن قوله تعالى ( ~~@QUR@04 ومن يقتل مؤمنا متعمدا ). فقال : إن الرجل إذا عرف الإسلام ، ~~وشرائع الإسلام ، ثم قتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ؛ ولا توبة له. # ثم قال : والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها. أن القاتل له توبة ~~فيما بينه وبين الله تعالى فإن تاب وأناب وخشع وخضع وعمل عملا صالحا بدل ~~الله سيئاته حسنات ، وعوض المقتول من ظلامته وأرضاه عن ظلامته. # قال الله تعالى ( @QUR@013 إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشاء ). # فهذه الآية عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك. وهي مذكورة في هذه السورة ~~الكريمة بعد هذه الآية وقبلها لتقوية الرجاء. # والمراد بالخلود هنا المكث الطويل. وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان. # وأما ما نقل عن بعض السلف من خلاف هذا فمراد قائله الزجر والتوبة لا أنه ~~يعتقد بطلان توبته (1). # والآية الكريمة ( @QUR@06 ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ). الصواب ~~في معناها : أن جزاءه PageV03P262 # جهنم. فقد يجازى بذلك وقد يجازى بغيره. وقد لا يجازى بل يعفى عنه. فإن ~~قتل عمدا مستحلا بغير حق ولا تأويل فهو كافر مرتد. يخلد في جهنم بالإجماع. ~~وإن كان غير مستحل بل معتقدا تحريمه فهو فاسق عاص. مرتكب كبيرة جزاؤه جهنم ~~خالدا فيها. ولكن تفضل سبحانه فأخبر أنه لا يخلد فيها من مات موحدا فلا ~~يخلد هذا. وقد يعفى عنه ولا يدخل النار أصلا. وقد لا يعفى عنه بل يعذب ~~كسائر العصاة الموحدين. ثم يخرج معهم إلى الجنة ولا يخلد في النار. فهذا هو ~~الصواب في ms1346 معنى الآية (1). # وبهذا نرى أن الآية الكريمة تنهى المؤمن نهيا قاطعا عن أن يمد يده بالسوء ~~لقتل نفس حرم الله قتلها إلا بالحق ، وتتوعد الذي يفعل ذلك بغضب الله عليه ~~وطرده من رحمته ، وإلحاق العذاب العظيم به يوم القيامة. # * * * # وبعد هذا التحذير الشديد من قتل النفس بغير حق ، وجه القرآن نداء إلى ~~المؤمنين نهاهم فيه عن القتل بدون تبين أو تثبت من أجل التوصل إلى عرض من ~~أعراض الدنيا الفانية ، فقال تعالى : # ( @QUR@040 يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا ~~تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند ~~الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما ~~تعملون خبيرا ) (94) # روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية الكريمة روايات متعددة إلا أنها ~~متقاربة في المعنى. # وقد حكى معظمها الإمام القرطبي فقال ما ملخصه : # هذه الآية نزلت في قوم من المسلمين مروا في سفرهم برجل معه جمل وغنيمة ~~يبيعها فسلم PageV03P263 # على القوم وقال : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فحمل عليه أحدهم ~~فقتله ظنا منه أن المقتول نطق بالشهادتين ليأمن القتل فلما ذكر ذلك للنبي ~~صلى الله عليه وسلم شق عليه ونزلت الآية فحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته ~~إلى أهله ورد عليه غنيماته. # وقد قيل : إن القاتل محلم بن جثامة والمقتول عامر بن الأضبط. وقيل : إن ~~القاتل أسامة بن زيد والمقتول مرداس بن نهيك من بنى مرة من أهل فدك. # وفي سنن ابن ماجة عن عمران بن حصين قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جيشا من المسلمين إلى المشركين فقاتلوهم قتالا شديدا فمنح المشركون ~~المسلمين أكتافهم. فحمل رجل من المسلمين على رجل من المشركين بالرمح. فلما ~~غشيه قال : أشهد أن لا إله إلا الله إنى مسلم. فطعنه فقتله. # فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله هلكت. قال : «وما ~~الذي صنعت» مرة أو مرتين. فأخبره بالذي صنع. فقال له رسول ms1347 الله ~~صلى الله عليه وسلم : «فهلا شققت عن بطنه فعلمت ما في قلبه»؟ فقال : «يا رسول ~~الله لو شققت بطنه أكنت أعلم ما في قلبه؟ قال : لا فلا أنت قبلت ما تكلم به ~~ولا أنت تعلم ما في قلبه» ... # ثم قال القرطبي : ولعل هذه الأحوال جرت في زمان متقارب فنزلت الآية في ~~الجميع (1). # والضرب في الأرض : السير فيها. تقول العرب : ضربت في الأرض إذا سرت ~~لتجارة أو غزو أو غيره. وكأن السير في الأرض سمى بذلك ؛ لأنه يضرب الأرض ~~برجليه في سيره. والمراد بالضرب في الأرض هنا : السفر والسير فيها من أجل ~~الجهاد في سبيل الله. # وقوله ( @QUR@01 فتبينوا ) معناه : فتثبتوا وتأكدوا وتأملوا فيما تأتون ~~وتذرون. وقرأ حمزة «فتثبتوا». # قال القرطبي : والسلم والسلم والسلام بمعنى واحد. قال البخاري. وقرئ بها ~~كلها. واختار أبو عبيد «السلام». وخالفه أهل النظر فقالوا ؛ السلم هنا أشبه ~~؛ لأنه بمعنى الانقياد والاستسلام. كما قال تعالى ( @QUR@07 فألقوا السلم ~~ما كنا نعمل من سوء ). # والمعنى : يا أيها الذين آمنوا وصدقوا بالحق ، إذا خرجتم من بيوتكم وسرتم ~~في الأرض من أجل الجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمته ( @QUR@01 فتبينوا ) أى ~~فاطلبوا بيان الأمر في كل ما تأتون وما تذرون ، واحذروا أن تضعوا سيوفكم في ~~غير موضعها. فإن الأصل في الدماء الحرمة والصيانة وعدم الاعتداء عليها ، ~~وقد حرم الله تعالى قتل النفس إلا بالحق. PageV03P264 # والتبين والتثبت في القتل واجب حضرا وسفرا. وإنما خص السفر بالذكر لأن ~~الحادثة التي نزلت فيها الآية وقعت في السفر. # وقوله ( @QUR@08 ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ) أى : ~~تأكدوا أيها المؤمنون وتثبتوا في كل أحكامكم وأفعالكم ، ولا تقولوا لمن ~~أظهر الانقياد لدعوتكم ودينكم فنطق بالشهادتين أو حياكم بتحية الإسلام. لا ~~تقولوا له لست مؤمنا حقا وإنما قلت ما قلت بلسانك فقط لتأمن القتل. بل ~~الواجب عليكم أن تقبلوا منه ما أظهره وعاملوه بموجبه ؛ فإن علم السرائر ~~والبواطن إنما هو لله تعالى وحده. # وجملة ( @QUR@02 لست مؤمنا ) مقول لقوله ( @QUR@02 لا تقولوا ): أى لا ~~تنفوا عنه الإيمان وهو يظهره ms1348 أمامكم وفي هذا من الفقه كما يقول القرطبي باب ~~عظيم ، وهو أن الأحكام تناط بالمظان والظواهر لا على القطع واطلاع السرائر. # ولقد كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه ينهى عن قتل من أعلن الاستسلام ~~ويحذر من يقتله بأنه سيقتله به ، وقد أرسل بذلك إلى قواد جيوشه لأن الذين ~~يقتلون من يطلب الأمان طمعا في ماله لا يكون جهادهم خالصا لله ، ولا تكون ~~أعمالهم محل رضا الله تعالى ولذا قال سبحانه : # ( @QUR@08 تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة ). والابتغاء ~~: الطلب الشديد والرغبة الملحة. # وعرض الحياة الدنيا : جميع متاعها وأموالها. وسمى متاع الدنيا عرضا ، ~~لأنه مهما كثر فهو زائل غير دائم ، وعارض غير باق. # قال الراغب : والعرض بفتح الراء والعين مالا يكون له ثبات. ومنه استعار ~~المتكلمون العرض لما لا ثبات له إلا بالجوهر. وقيل : الدنيا عرض حاضر ~~تنبيها على أنه لا ثبات لها (1)، والمغانم : جمع مغنم ويطلق على ما يؤخذ ~~من مال العدو ، من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول. # والمعنى : تثبتوا أيها المؤمنون في كل أقوالكم وأعمالكم ، ولا تتعجلوا في ~~أحكامكم ، ولا تقولوا لمن حياكم بتحية الإسلام أو نطق بالشهادتين لست مؤمنا ~~، وإنما فعلت ذلك تقية ؛ ثم تقتلونه. مبتغين من وراء قتله متاع الدنيا ~~الزائل ، وعرضها الفاني ، إن هذا المسلك يتنافى مع الإيمان الصادق والجهاد ~~الخالص. ومن كان منكم يريد متاع الدنيا فليطلبه من الله وحده فإن PageV03P265 # خزائنه لا تنفد ، وعطاءه لا يحد ولا يطلبه عن طريق الاعتداء على من أظهر ~~الإسلام أو التمس منكم الأمان. # وقوله ( @QUR@04 تبتغون عرض الحياة الدنيا ) حال من فاعل ( @QUR@02 لا ~~تقولوا ) لكن لا على أن يكون النهى راجعا للقيد فقط كما في قولك : لا تطلب ~~العلم تبتغى به الجاه والتفاخر ، بل على أنه راجع إليهما جميعا. أى : لا ~~تقولوا له ذلك ولا تبتغوا العرض الفاني. # فالمقصود بهذه الجملة الكريمة توبيخهم على حرصهم على متاع الدنيا بطريقة ~~لا تتناسب مع الإيمان الكامل ، ومع الهدف الذي خرجوا من أجله : وهو إعلاء ~~كلمة الله تعالى وضم ms1349 أكبر عدد من الناس إلى دعوة الحق التي جاء بها النبي ~~صلى الله عليه وسلم . # وقوله ( @QUR@04 فعند الله مغانم كثيرة ) تعليل للنهى عن ابتغاء عرض ~~الحياة الدنيا بهذا الأسلوب فكأنه قال : لا تعودوا إلى ما فعلتموه من قتل ~~من ألقى إليكم السلام طلبا لما له ، فإن الله تعالى عنده مغانم كثيرة ، وفي ~~مقدوره أن يغنيكم من فضله ؛ فالجأوا إلى جنابه وحده ، وخصوه بالسؤال ، ~~وأخلصوا له العمل. # وقوله ( @QUR@08 كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا ) تعليل للنهى ~~عما قالوه وما فعلوه. # أى : أنتم أيها المؤمنون كنتم من قبل مثل ذلك الذي ألقى إليكم السلام ، ~~فقد كنتم في أول إسلامكم لا يظهر منكم للناس غير ما ظهر منه لكم من النطق ~~بالشهادتين وتبادل تحية الإسلام ، فمن الله عليكم بأن قبل منكم تلك المرتبة ~~وعصم بها دماءكم وأموالكم ولم يأمر بالتفحص عن سرائركم. # وإلى هذا المعنى اتجه صاحب الكشاف فقد قال : قوله ( @QUR@04 كذلك كنتم من ~~قبل ) أول ما دخلتم في الإسلام سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة فحصنت من ~~دماءكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم ~~بالاستقامة والاشتهار بالإيمان فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما ~~فعل بكم ، وأن تعتبروا ظاهر الإسلام في المكانة ، ولا تقولوا إن تهليل هذا ~~لاتقاء القتل لا لصدق النية ، فتجعلوه سبيلا إلى استباحة دمه وماله وقد ~~حرمهما الله (1). # فاسم الإشارة راجع إلى من في قوله : ( @QUR@04 لمن ألقى إليكم السلام ). # ويجوز أن يكون اسم الإشارة راجعا إلى الحالة التي كانوا عليها في ابتداء ~~إسلامهم. أى كحال هذا الذي يسر إيمانه ويخفيه عن قومه كنتم من قبل. PageV03P266 # وقد رجح هذا المعنى ابن جرير فقال ما ملخصه : قوله ( @QUR@04 كذلك كنتم ~~من قبل ) أى كذلك كنتم تخفون إيمانكم في وقومكم من المشركين ، وأنتم مقيمون ~~بين أظهرهم ، كما كان هذا الذي قتلتموه مقيما بين أظهر قومه من المشركين ~~مستخفيا بدينه منهم ( @QUR@03 فمن الله عليكم ) أى : فرفع منكم ما كنتم فيه ~~من الخوف من أعدائكم بإظهار دينه وإعزاز أهله ، حتى أمكنكم ms1350 إظهار ما كنتم ~~تستخفون به من توحيده وعبادته ... (1). # والذي يبدو لنا أن الآية الكريمة تتسع لهذين التفسيرين ، إلا أن التفسير ~~الأول الذي جرى عليه صاحب الكشاف أشمل وأنسب لسياق الآية ؛ لأن المقصد ~~الرئيسى الذي تدعو إليه الآية الكريمة هو نهى المؤمنين عن سوء الظن بمن ~~أظهر الإسلام وعن الاعتداء عليه. وأمرهم بان يعاملوا الناس بظواهرهم أما ~~بواطنهم فأمرها إلى الله وحده. # والفاء في قوله ( @QUR@01 فتبينوا ) فصيحة. أى : إذا كان الأمر كذلك ~~فتبينوا نعمة الله عليكم وداوموا على شكرها ، وقيسوا أحوال غيركم بما سبق ~~من أحوالكم ، واقبلوا ظواهر الناس بدون فحص عن بواطنهم ، ولا تصدروا ~~أحكامكم عليهم إلا بعد التثبت والتأكد من صحتها ولا تشهروا سيوفكم في ~~وجوههم إلا بعد التأكد من كفرهم وعدوانهم. # وقوله : ( @QUR@06 إن الله كان بما تعملون خبيرا ) تذييل قصد به تحذيرهم ~~من مخالفة أمره. # أى : إن الله مطلع على دقيق الأمور وجليلها ، خبير بما تسره نفوسكم وما ~~تعلنه ، لا يخفى عليه شيء من ظواهركم وبواطنكم ، وسيحاسبكم على كل ذلك ، ~~وسيجازيكم بما تستحقون من خير أو شر. # هذا وقد أخذ العلماء من هذه الآية أن الكافر إذا نطق بالشهادتين حرم قتله ~~؛ لأنه قد اعتصم بعصام الإسلام المانع من إهدار دمه وماله وأهله. # كما أخذوا منها وجوب التثبت في الأحكام وفي الأقوال. وأخذ الناس بظواهرهم ~~حتى يثبت خلاف ذلك. # قال الفخر الرازي : اعلم أن المقصود من هذه الآية المبالغة في تحريم قتل ~~المؤمنين. وأمر المجاهدين بالتثبت فيه ، لئلا يسفكوا دما حراما بتأويل ضعيف (2). # وقال بعض العلماء : وقد دلت الآية على حكمة عظيمة في حفظ الجامعة الدينية ~~، وهي بث الثقة والأمان بين أفراد الأمة وطرح ما من شأنه إدخال الشك لأنه ~~إذا فتح هذا الباب عسر PageV03P267 # سده ، وكما يتهم المتهم غيره فللغير أن يتهم من اتهمه. وبذلك ترتفع الثقة ~~، ويسهل على ضعفاء الإيمان المروق ، إذ قد أصبحت التهمة تظل الصادق ~~والمنافق. وانظر معاملة النبي صلى الله عليه وسلم المنافقين معاملة المسلمين. # على أن هذا الدين سريع السريان في القلوب فيكتفى ms1351 أهله بدخول الداخلين فيه ~~من غير مناقشة. إذ لا يلبثون أن يألفوه وتخالط بشاشته قلوبهم. فهم يقتحمونه ~~على شك وتردد فيصير إيمانا راسخا. ومما يعين على ذلك ثقة السابقين فيه ~~باللاحقين. # ومن أجل ذلك أعاد الله الأمر فقال ( @QUR@01 فتبينوا ) تأكيدا لقوله ( ~~@QUR@01 فتبينوا ) المذكور قبله ... (1). # * * * # وبعد أن أمر سبحانه المؤمنين بأن يعاملوا الناس على حسب ظواهرهم ونهاهم ~~عند جهادهم عن التعجل في القتل. أتبع ذلك ببيان فضل المجاهدين المخلصين ~~فقال تعالى # ( @QUR@033 لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في ~~سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على ~~القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا ~~عظيما (95) @QUR@08 درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما ) (96) # قال الآلوسى : قوله تعالى ( @QUR@03 لا يستوي القاعدون ). شروع في الحث ~~على الجهاد ليأنفوا عن تركه ، وليرغبوا عما يوجب خللا فيه. والمراد ~~بالقاعدين : الذين أذن لهم في القعود عن الجهاد اكتفاء بغيرهم. وروى ~~البخاري عن ابن عباس : هم القاعدون عن بدر وهو الظاهر الموافق للتاريخ على ~~ما قيل. وقال أبو حمزة : إنهم المتخلفون عن تبوك. وروى أن الآية نزلت في ~~كعب بن مالك من بنى سلمة ومرارة بن الربيع من بنى عمرو بن عوف. وهلال بن ~~أمية من بنى واقف حين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة» (2). PageV03P268 # وقوله ( @QUR@03 غير أولي الضرر ) جملة معترضة جيء بها لبيان أنهم غير ~~مقصودين بعدم المساواة مع المجاهدين في الأجر. # والضرر : مصدر ضرر مثل مرض. وهذه الزنة تجيء غالبا في العاهات ونحوها ، ~~مثل عمى وحصر وعرج ورمد. # والمراد بقوله ( @QUR@03 غير أولي الضرر ) أى : غير أصحاب العلل والأمراض ~~التي تحول بينهم وبين الجهاد في سبيل الله من عمى أو عرج أو ضعف أو غير ذلك ~~من الأعذار. # وقد روى المفسرون في سبب نزول قوله تعالى ( @QUR@03 غير أولي الضرر ) ~~روايات منها ما أخرجه البخاري عن البراء قال : لما نزلت ( @QUR@05 لا يستوي ~~القاعدون من المؤمنين ). دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا ms1352 فكتبها فجاء ~~ابن أم مكتوم فشكا ضرارته. فأنزل الله : ( @QUR@03 غير أولي الضرر ) (1). # وقال القرطبي : روى الأئمة واللفظ لأبى داود عن زيد بن ثابت قال : كنت ~~إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشيته السكينة فوقعت فخذ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على فخذي فما وجدت ثقل شيء أثقل من فخذ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثم سرى عنه فقال : «اكتب» فكتبت في كتف أى في عظم عريض ~~كانوا يكتبون فيه لقلة القراطيس عندهم ( @QUR@012 لا يستوي القاعدون من ~~المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله ).. الآية. # فقام ابن أم مكتوم وكان رجلا أعمى لما سمع فضيلة المجاهدين فقال : يا ~~رسول الله فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟ فلما قضى كلامه غشيت ~~رسول الله السكينة فوقعت فخذه على فخذي. ووجدت من ثقلها في المرة الثانية ~~كما وجدت في المرة الأولى ثم سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : اقرأ ~~يا زيد. فقرأت : ( @QUR@05 لا يستوي القاعدون من المؤمنين ). فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ( @QUR@03 غير أولي الضرر ) الآية كلها. # قال زيد : فأنزلها الله وحدها فألحقتها. والذي نفسي بيده لكأنى أنظر إلى ~~ملحقها عند صدع في كتف (2). # والمعنى : لا يستوي عند الله تعالى الذين قعدوا عن الجهاد لإعلاء كلمة ~~الحق دون أن يكون عندهم من الأعذار ما يمنعهم من ذلك ، لا يستوي هؤلاء مع ~~الذين جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. أما الذين قعدوا عن الجهاد ~~لأعذار تمنعهم عن مباشرته ، فإن نيتهم الصادقة PageV03P269 # سترفع منزلتهم عند الله تعالى ، وستجعلهم في مصاف المجاهدين بأموالهم ~~وأنفسهم أو قريبين منهم. # ويشهد لذلك ما رواه البخاري وأبو داود عن أنس أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال وهو يسير إلى تبوك : «إن بالمدينة أقواما ما سرتم من ~~سير ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه. قالوا : يا رسول الله ، وهم ~~بالمدينة قال : نعم حبسهم العذر». # قال ابن كثير : وفي هذا المعنى قال الشاعر : # يا راحلين إلى البيت العتيق ms1353 لقد %~% سرتم جسوما وسرنا نحن أرواحا إنا أقمنا على عذر وعن قدر %~% ومن أقام على عذر كمن راحا # وقوله : ( @QUR@02 لا يستوي ) نفى لاستواء المجاهدين والقاعدين ، ~~والمقصود بهذا النفي التعريض بالمفضول لتفريطه وزهده في الخير ، وحض على ~~الاقتداء بمن هو أفضل منه ، إذ من المعروف أن القاعد عن الجهاد لا يساوى ~~المجاهد في الفضل والثواب. فتعين أن يكون المراد بهذا التعبير التعريض ~~بالقاعدين ليتأسوا بالمجاهدين ، وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : ~~فإن قلت : معلوم أن القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان فما فائدة نفى ~~الاستواء؟ قلت : معناه الإذكار بما بينهما من التفاوت العظيم ، والبون ~~البعيد ، ليأنف القاعد ويترفع بنفسه عن انحطاط منزلته. فيهتز للجهاد ويرغب ~~فيه ، وفي ارتفاع طبقته ، ونحوه : ( @QUR@07 هل يستوي الذين يعلمون والذين ~~لا يعلمون ) أريد به التحريك من الجهل إلى التعلم. ولينهض الشخص بنفسه عن ~~صفة الجهل إلى شرف العلم. # وقوله ( @QUR@02 من المؤمنين ) جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من القاعدين. # وفائدة قوله : ( @QUR@02 من المؤمنين ) الإيذان من أول الأمر بأن قعودهم ~~عن الجهاد لم يمنعهم عن الوصف بالإيمان ، لأن قعودهم عن الجهاد لم يكن عن ~~نفاق أو عن ضعف في دينهم ، وإنما كان عن تراخ أو اشتغال ببعض الأمور ~~الدنيوية. # قال الجمل وقوله : ( @QUR@03 غير أولي الضرر ): قرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~وحمزة وعاصم ( @QUR@01 غير ) بالرفع : وقرأ الباقون بالنصب. وقرأ الأعمش بالجر. # فالرفع على وجهين : # أظهرهما أنه على البدل من ( @QUR@01 القاعدون ). وإنما كان هذا أظهر لأن ~~الكلام نفى والبدل معه أرجح. # والثاني : أنه رفع على أنه صفة لقوله ( @QUR@01 القاعدون ) لأنهم لما لم ~~يكونوا أناسا بأعيانهم بل أريد PageV03P270 # بهم الجنس أشبهوا النكرة فوصفوا بها. # وأما النصب فعلى : الاستثناء من ( @QUR@01 القاعدون ) وهو الأظهر ، لأنه ~~المحدث عنه. # وأما الجر فعلى أنه صفة للمؤمنين (1). # وقوله : ( @QUR@012 فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين ~~درجة وكلا وعد الله الحسنى ) بيان لمزية المجاهدين على غيرهم. # والمراد بالقاعدين هنا الذين قعدوا عن الجهاد لسبب مانع من مباشرته أى : ~~فضل الله تعالى المجاهدين بأموالهم وأنفسهم من أجل إعزاز ms1354 دينه ، فضلهم درجة ~~على القاعدين بأعذار ، لأن المجاهدين قد عرضوا أنفسهم للمخاطر والأهوال ، ~~وبذلوا أرواحهم وأموالهم في سبيل إعلاء كلمة الله. # والدرجة هنا مستعارة للعلو المعنوي أى أن المراد بها هو الفضل ، ووفرة ~~الأجر وزيادة الثواب. والتنوين فيها للتعظيم. # قال ابن جرير : فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين من ~~أولى الضرر درجة واحدة ، يعنى فضيلة واحدة. وذلك بفضل جهادهم بأنفسهم فأما ~~فيما سوى ذلك فهما مستويان» (2). # وقوله ( @QUR@04 وكلا وعد الله الحسنى ) جملة معترضة جيء بها تداركا لما ~~عسى أن يوهمه تفضيل أحد الفريقين على الآخر من حرمان المفضول. # أى : وكل واحد من فريقى المجاهدين والقاعدين من أهل الضرر وعده الله ~~المثوبة الحسنى وهي الجنة لحسن عقيدتهم وخلوص نيتهم ، وإنما التفاوت في ~~زيادة العمل المقتضى لمزيد الثواب. # وقوله ( @QUR@01 كلا ) مفعول أول لما يعقبه قدم عليه لإفادة القصر تأكيدا ~~للوعد وتنوينه عوض عن المضاف إليه. وقوله ( @QUR@01 الحسنى ) مفعول ثان. # ثم بين سبحانه أنه قد فضل المجاهدين على القاعدين بغير عذر بدرجات عظيمة ~~فقال ( @QUR@07 وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما ). # أى : وفضل الله تعالى المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين دون أن ~~يكون هناك PageV03P271 # عذر يمنعهم عن الجهاد ، فضل الله المجاهدين على هؤلاء القاعدين بالأجر ~~العظيم والثواب الجزيل ، والمنزلة الرفيعة. # وقوله ( @QUR@02 أجرا عظيما ) منصوب على النيابة عن المفعول المطلق ~~المبين للنوع ، لأن الأجر هو ذلك التفضيل. أو على نزع الخافض أى فضلهم بأجر ~~عظيم. أو على أنه مفعول ثان بتضمين فضل معنى أعطى أى أعطاهم أجرا تفضلا منه. # ثم فصل سبحانه هذا الأجر العظيم فقال ( @QUR@08 درجات منه ومغفرة ورحمة ~~وكان الله غفورا رحيما ). # أى فضل الله تعالى المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين عن الجهاد ~~بغير عذر بالأجر العظيم ؛ الذي يرفعهم عند الله تعالى درجات عالية ويقربهم ~~من مقامات قدسه ، ويغفر لهم ما فرط منهم ، ويتغمدهم بسابغ رحمته وكان الله ~~كثير الغفران لأوليائه واسع الرحمة بأهل طاعته. # وقوله ( @QUR@02 درجات منه ) بدل أو عطف بيان من قوله ( @QUR@02 أجرا ~~عظيما ). وقوله ( @QUR@01 منه ) جار ومجرور متعلق ms1355 بمحذوف وقع صفة لدرجات. # ونكرت الدرجات للإشعار بأنها درجات عظيمة لا يحدها الحصر ، ولا يعينها ~~المقدار ، بل هي شرف عظيم لا يناله إلا المقربون الأبرار. # هذا ، وما جرينا عليه من أن المجاهدين يمتازون عن القاعدين بعذر بدرجة ، ~~ويمتازون عن القاعدين بغير عذر بدرجات هو رأى كثير من المفسرين ، وقد عبر ~~عنه صاحب الكشاف بقوله : فإن قلت : قد ذكر الله تعالى مفضلين درجة ومفضلين ~~درجات فمن هم؟ قلت : أما المفضلون درجة واحدة فهم الذين فضلوا على القاعدين ~~الأضراء. وأما المفضلون درجات فالذين فضلوا على القاعدين الذين أذن لهم في ~~التخلف اكتفاء بغيرهم ، لأن الغزو فرض كفاية (1). # ومن المفسرين من يرى أن الذين فضل الله عليهم المجاهدين بدرجة وبدرجات هم ~~صنف واحد ، وهم الذين قعدوا عن الجهاد بدون عذر. أما الذين قعدوا بعذر فهم ~~متساوون في الأجر مع المجاهدين. # وعلى هذا الرأى سار الآلوسى في تفسيره فقد قال ما ملخصه : «فضل الله ~~المجاهدين» في سبيله «بأموالهم وأنفسهم على القاعدين» من المؤمنين غير أولى ~~الضرر ( @QUR@01 درجة ) لا يقادر PageV03P272 # قدرها. ( @QUR@01 وكلا ) أى : كل واحد من الفريقين المجاهدين والقاعدين ~~(وعد الله الحسنى). وقوله ( @QUR@05 وفضل الله المجاهدين على القاعدين ) ~~عطف على ما قبله ( @QUR@02 أجرا عظيما ). # ثم قال : ولعل تكرير التفضيل بطريق العطف المنبئ عن المغايرة. وتقييده ~~تارة بدرجة وتارة بدرجات مع اتحاد المفضل والمفضل عليه. إما لتنزيل ~~الاختلاف العنواني بين التفضيلين وبين الدرجة والدرجات منزلة الاختلاف ~~الذاتي تمهيدا لسلوك طريق الإبهام ثم التفسير ... وإما للاختلاف بالذات بين ~~التفضيلين والدرجة والدرجات (1). # وقد حكى الإمام القرطبي هذين الوجهين فقال : قوله تعالى ( @QUR@08 فضل ~~الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ) وقد قال بعد هذا : ( ~~@QUR@04 درجات منه ومغفرة ورحمة ) فقال قوم : التفضيل بالدرجة ثم بالدرجات ~~إنما هو مبالغة وبيان وتأكيد. # وقيل : فضل الله المجاهدين على القاعدين من أولى الضرر بدرجة واحدة. وفضل ~~الله المجاهدين على القاعدين من غير عذر درجات (2). # والذي نراه أولى من هذين القولين قول من قال بأن الله تعالى فضل ~~المجاهدين على القاعدين بعذر بدرجة ، وفضل المجاهدين ms1356 على القاعدين بغير عذر ~~بدرجات ، وذلك لأن هذا التفسير هو المأثور عن ابن عباس وغيره من الصحابة. ~~فقد قال ابن عباس في قوله تعالى ( @QUR@08 فضل الله المجاهدين بأموالهم ~~وأنفسهم على القاعدين درجة ) أراد بالقاعدين هنا أولى الضرر (3) ولأن ~~القاعدين بعذر وإن كان لهم من حسن النية ما يرفع منزلتهم إلا أن المجاهدين ~~الذين باشروا الجهاد وعرضوا أنفسهم لأخطار القتال يفوقونهم منزلة وأجرا. # وهذا ما يقتضيه منطق العقول البشرية ، أما عطاء الله بعد ذلك لكل فريق ~~فمرجعه إليه وحده على حسب ما تقتضيه حكمته وسعة رحمته. # هذا ، وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة أن الجهاد من أفضل الأعمال ~~وأن المجاهدين لهم عند الله تعالى منازل عالية. ومن الأحاديث التي وردت في ~~هذا المعنى ما أخرجه الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال : «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله. بين كل ~~درجتين كما بين السماء والأرض. فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط ~~الجنة ومنه تتفجر أنهار الجنة». # * * * PageV03P273 # وبعد أن رفع سبحانه من شأن المجاهدين ، وبين حال القاعدين عن الجهاد يعذر ~~أو بغير عذر ، أتبع ذلك ببيان حال القاعدين في دار الكفر بدون هجرة إلى دار ~~الإسلام ، ووعد المهاجرين في سبيل الله بحسن العاقبة فقال تعالى : # ( @QUR@027 إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا ~~كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك ~~مأواهم جهنم وساءت مصيرا (97) @QUR@012 إلا المستضعفين من الرجال والنساء ~~والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا (98) @QUR@010 فأولئك عسى الله ~~أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا (99) @QUR@031 ومن يهاجر في سبيل الله ~~يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ~~ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما ) (100) # روى المفسرون في سبب نزول قوله تعالى ( @QUR@03 إن الذين توفاهم ) روايات ~~منها ما أخرجه البخاري عن ابن عباس أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين ~~يكثرون ms1357 سواد المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتى السهم فيرمى به ~~فيصيب أحدهم فيقتله. أو يضرب فيقتل. فأنزل الله : ( @QUR@03 إن الذين ~~توفاهم )... الآية. # ومنها ما أخرجه الطبراني عن ابن عباس قال : كان قوم بمكة قد أسلموا. فلما ~~هاجر رسول الله كرهوا أن يهاجروا خوفا على أموالهم ونفورا من مفارقة ~~أوطانهم فأنزل الله الآية. # ومنها ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس قال : كان قوم من أهل مكة أسلموا. ~~وكانوا يخفون الإسلام. فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر. فأصيب بعضهم. فقال ~~المسلمون : هؤلاء كانوا مسلمين فأكرهوا فاستغفروا لهم فنزلت الآية (1). PageV03P274 # قال ابن كثير بعد ذكره لهذه الروايات : هذه الآية الكريمة عامة في كل من ~~أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنا من إقامة الدين ~~فهو ظالم لنفسه ، مرتكب حراما بالإجماع وبنص هذه الآية .. # وقوله : ( @QUR@01 توفاهم ) يحتمل أن يكون فعلا ماضيا ، وتركت علامة ~~التأنيث للفصل ، ولأن الفاعل ليس مؤنثا تأنيثا حقيقيا. ويحتمل أن يكون فعلا ~~مضارعا وأصله «تتوفاهم» فحذفت إحدى التاءين تخفيفا. وهو من توفى الشيء إذا ~~أخذه وافيا تاما. # والمراد من التوفي : قبض أرواحهم وإماتتهم. وقيل المراد به : حشرهم إلى جهنم. # والمراد من الملائكة : ملك الموت وأعوانه الذين يتولون قبض الأرواح بإذن ~~الله وأمره. # وظلم النفس معناه : أن يفعل الإنسان فعلا يؤدى إلى مضرته وسوء عاقبته ~~سواء أكان هذا الفعل كفرا أم معصية. # وإنما كان ظالما لنفسه لأنه قال قولا أو فعل فعلا ليس من شأن العقلاء أن ~~يقولوه أو يفعلوه لو خامة عقباه. # والمعنى : إن الذين تقبض الملائكة أرواحهم وتميتهم حال كونهم قد ظلموا ~~أنفسهم بسبب رضاهم بالذل والهوان ، وإقامتهم في أرض لم يستطيعوا أن يباشروا ~~تعاليم دينهم فيها ، وعدم هجرتهم إلى الأرض التي يقيم فيها إخوانهم في ~~العقيدة مع قدرتهم على الهجرة ... # إن الذين تتوفاهم الملائكة وهم بهذه الحال ، تسألهم الملائكة سؤال تقريع ~~وتوبيخ عند قبض أرواحهم أو يوم القيامة فتقول لهم : «فيم كنتم» أى : في أى ~~حال كنتم؟ أكنتم في عزة أم في ذلة؟ ms1358 وكيف رضيتم البقاء مع الكافرين الذين ~~أذلوكم وسخروا من دينكم؟ أو المعنى : في أى شيء كنتم من أمور دينكم؟ # ( @QUR@05 قالوا كنا مستضعفين في الأرض ) أى : قال الذين ظلموا أنفسهم ~~للملائكة : كنا في الدنيا يستضعفنا أهل الشرك في أرضنا وبلادنا ، وصيرونا ~~أذلاء لا نملك من أمرنا شيئا. وهو اعتذار قبيح يدل على هوان المعتذرين به ~~وضعف نفوسهم ، ولذلك لم تقبل منهم الملائكة هذا العذر ، بل ردت عليهم بما ~~حكاه الله تعالى في قوله : ( @QUR@07 ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها )؟ # فالاستفهام لإنكار عذرهم ، وعدم الاعتداد به. # أى أن الملائكة تقول لهم كما يقول الآلوسى : إن عذركم عن ذلك التقصير ~~بحلولكم بين أهل تلك الأرض أبرد من الزمهرير ، إذ يمكنكم حل عقدة هذا الأمر ~~الذي أخل بدينكم بالرحيل إلى قطر آخر من الأرض تقدرون فيه على إقامة أمور ~~الدين كما فعل من هاجر إلى PageV03P275 # الحبشة وإلى المدينة. أو إن تعللكم عن الخروج مع أعداء الله تعالى بأنكم ~~مقهورون غير مقبول ، لأنكم متمكنون من المهاجرة ومن الخروج من تحت أيديهم (1). # وقوله ( @QUR@02 ظالمي أنفسهم ) جملة حالية من ضمير المفعول في قوله : ( ~~@QUR@01 توفاهم ) أى : تتوفاهم الملائكة في حال ظلمهم لأنفسهم. والإضافة ~~فيه لفظية فلا تفيده تعريفا. والأصل ظالمين أنفسهم فحذفت النون تخفيفا. # قال الجمل ما ملخصه : وخبر إن في قوله ( @QUR@03 إن الذين توفاهم ). ~~محذوف تقديره : إن الذين توفاهم الملائكة هلكوا. ويكون قوله : ( @QUR@03 ~~قالوا فيم كنتم ) مبينا لتلك الجملة المحذوفة. أو يكون الخبر قوله ( ~~@QUR@03 فأولئك مأواهم جهنم ) ودخلت الفاء في الخبر تشبيها للموصول باسم ~~الشرط ... (2). # وقوله ( @QUR@05 قالوا كنا مستضعفين في الأرض ) جملة مستأنفة جوابا عن ~~سؤال مقدر فكأنه قيل : فماذا قال أولئك الذين ظلموا أنفسهم للملائكة؟ فكان ~~الجواب : كنا مستضعفين في الأرض. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف صح وقوع قوله «كنا مستضعفين في الأرض» ~~جوابا عن قولهم : فيم كنتم وكان حق الجواب : كنا في كذا أو لم نكن في شيء؟ ~~قلت معنى «فيم كنتم» التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين حيث قدروا ~~على ms1359 المهاجرة ولم يهاجروا. فقالوا : كنا مستضعفين اعتذارا مما وبخوا به ، ~~واعتلالا بالاستضعاف ، وأنهم لم يتمكنوا من الهجرة حتى يكونوا في شيء. ~~فبكتتهم الملائكة بقولهم : ( @QUR@07 ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ~~)، أرادوا : إنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا ~~تمنعون فيها من إظهار دينكم. # وهذا دليل على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة دينه كما ~~يجب لبعض الأسباب والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر أو علم أنه في غير بلده ~~أقوم بحق الله وأدوم للعبادة حقت عليه المهاجرة. # ويبدو أن الإمام الزمخشري كان عند تفسيره لهذه الآية قد هاجر من موطنه ~~للإقامة بجوار بيت الله الحرام ، فقد قال خلال تفسيره لها «اللهم إن كنت ~~تعلم أن هجرتي إليك لم تكن إلا للفرار بديني فاجعلها سببا في خاتمة الخير ، ~~ودرك المرجو من فضلك ، والمبتغى من رحمتك. وصل جواري لك بعكوفى عند بيتك ~~بجوارك في دار كرامتك يا واسع المغفرة» (3). PageV03P276 # وقال القرطبي : ويفيد هذا السؤال والجواب أنهم ماتوا مسلمين ظالمين ~~لأنفسهم في تركهم الهجرة ، وإلا فلو ماتوا كافرين لم يقل لهم شيء من هذا. ~~وإنما أضرب عن ذكرهم في الصحابة لشدة ما واقعوه (1). # وقوله ( @QUR@05 فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا ) بيان لسوء عاقبة هؤلاء ~~الذين آثروا العيش في أرض الكفر مع الذل على الهجرة إلى أرض الإسلام. # أى : فأولئك الذين ماتوا ظالمين لأنفسهم ( @QUR@02 مأواهم جهنم ) أى : ~~مسكنهم الذي يأوون إليه في الآخرة جهنم ، وهي مصيرهم الذي يصيرون إليه ( ~~@QUR@02 وساءت مصيرا ) أى : وساءت جهنم لأهلها الذين صاروا إليها مصيرا ~~ومسكنا ومأوى ، لأنهم سيذوقون فيها العذاب الأليم. # وجيء باسم الإشارة ( @QUR@01 فأولئك ) للإشعار بأنهم جديرون بالحكم ~~الوارد بعده للصفات التي وصفوا بها قبله ، فهم كانوا قادرين على الهجرة ~~لكنهم لم يهاجروا لضعف نفوسهم وحرصهم على أموالهم ومصالحهم. # والمخصوص بالذم في قوله ( @QUR@02 وساءت مصيرا ) محذوف. أى : جهنم. # ثم استثنى سبحانه من هذا المصير السيئ لمن ظلموا أنفسهم ثلاثة أصناف من ~~الناس فقال : ( @QUR@06 إلا المستضعفين من الرجال والنساء ms1360 والولدان ). # أى : أن هذا المصير السيئ والعذاب المهين هو للذين ظلموا أنفسهم بترك ~~الهجرة إلى المسلمين مع قدرتهم عليها ، لكن هناك طوائف من الناس خارجون من ~~هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم ومن هذا المصير الأليم ، وهم أولئك الرجال الذين ~~عجزوا حقا عن الهجرة لضعفهم أو مرضهم أو شيخوختهم .. أو النساء اللائي لا ~~يستطعن الخروج وحدهن خشية من الاعتداء عليهن أو الولدان الذين لم يبلغوا ~~الحلم بعد ، أو بلغوه بلوغا قريبا لكنهم لا يستطيعون الهجرة بمفردهم لقلة ~~ذات يدهم أو لغير ذلك من الأعذار الصحيحة. # وقوله ( @QUR@06 لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ) جملة مستأنفة موضحة ~~لمعنى الاستضعاف. حتى لا يتوهم متوهم أن استضعاف هؤلاء كالاستضعاف الذي ~~تذرع به أولئك الذين ظلموا أنفسهم عند ما قالوا كما حكى القرآن عنهم ( ~~@QUR@04 كنا مستضعفين في الأرض ). ويصح أن تكون حالا من المستضعفين. # أى : ليس مندرجا مع الذين ظلموا أنفسهم فاستحقوا المصير السيئ أولئك ~~الضعفاء من الرجال والنساء والولدان ؛ لأنهم ( @QUR@03 لا يستطيعون حيلة ) ~~في الخروج ؛ إذ لا قوة لهم على الخروج PageV03P277 # ولا نفقة معهم توصلهم مبتغاهم ( @QUR@03 ولا يهتدون سبيلا ) أى : ولا ~~يعرفون الطريق التي توصلهم إلى دار هجرتهم. # قال القرطبي : والحيلة : لفظ عام لأنواع أسباب التخلص. والسبيل : سبيل ~~المدينة. فيما ذكر مجاهد والسدى وغيرهما. والصواب أنه عام في جميع السبل. # والاستثناء في قوله ( @QUR@02 إلا المستضعفين ) منقطع على الصحيح لأن ~~هؤلاء الذين قعدوا عن الهجرة لعجزهم ، خارجون من أولئك الذين ظلموا أنفسهم ~~بقعودهم عن الهجرة مع قدرتهم على ذلك. # وفي ذكر الولدان مبالغة في أمر الهجرة حتى لكأنها لو استطاعها غير ~~المكلفين لقاموا بها ، وإشعار بأن على أوليائهم أن يهاجروا بهم معهم متى ~~تمكنوا من ذلك. # وقوله ( @QUR@06 فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ). بيان لحكم هؤلاء ~~المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا. # أى : أن هؤلاء الذين قعدوا عن الهجرة لأعذار حالت بينهم وبينها «عسى الله ~~أن يعفو عنهم» أى : يتجاوز عنهم بفضله ورحمته بسبب عدم استطاعتهم للهجرة. # قال الجمل : وعسى ولعل في كلام الله واجبتان ms1361 ، وإن كانتا رجاء وطمعا في ~~كلام المخلوقين ، لأن المخلوق هو الذي تعرض له الشكوك والظنون. والباري ~~منزه عن ذلك ، وإذا أطمع سبحانه عبده وصله (1). # وقال الآلوسى : وفي قوله ( @QUR@05 عسى الله أن يعفو عنهم ) إيذان بأن ~~ترك الهجرة أمر خطير حتى ان المضطر الذي تحقق عدم وجوبها عليه ينبغي له أن ~~يعد تركها ذنبا ، ولا يأمن. ويترصد الفرصة ويعلق قلبه بها» (2). # وقوله ( @QUR@04 وكان الله عفوا غفورا ) تذييل مقرر لما قبله بأتم وجه أى ~~وكان الله تعالى . وما زال كثير العفو عن عباده فيما يقعون فيه من تقصير ، ~~كثير المغفرة لمن تاب إليه وأناب. # ثم رغب سبحانه في الهجرة من أجل إعلاء دينه بأسمى ألوان الترغيب فقال : ( ~~@QUR@011 ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ). # وقوله : ( @QUR@01 مراغما ) اسم مكان أى يجد في الأرض متحولا ومهاجرا. PageV03P278 # قال القرطبي ما ملخصه : اختلف في تأويل المراغم فقال مجاهد : المراغم : ~~المتزحزح. وقال ابن عباس : المراغم : المتحول والمذهب. وقال ابن زيد : ~~المراغم : المهاجر. # وهذه الأقوال متفقة المعاني وهو اسم الموضع الذي يراغم فيه. وهو مشتق من ~~الرغام أى التراب ورغم أنف فلان أى لصق بالتراب. وراغمت فلانا هجرته ~~وعاديته. # وهذا كله تفسير بالمعنى. فأما الخاص باللفظة فهو أن المراغم موضع ~~المراغمة كما ذكرناه وهو أن يرغم كل واحد من المتنازعين أنف صاحبه بأن ~~يغلبه على مراده. # فكأن كفار قريش أرغموا أنوف المحبوسين بمكة ، فلو هاجر منهم مهاجر لأرغم ~~أنوف قريش لحصوله في منعة منهم ، فتلك المنعة هي موضع المراغمة (1). # والمعنى : ومن يهاجر تاركا دار إقامته من أجل إعلاء كلمة الله وإعزاز ~~دينه ، يجد في الأرض أماكن كثيرة يأمن فيها مكر أعدائه وظلمهم ، ويجد فيها ~~من الخير والنعمة والسعة في الرزق ما يكون سببا لرغم أنف أعدائه الذين ~~فارقهم كراهة لصحبتهم القبيحة ، ومعاملتهم السيئة. # قال الفخر الرازي : وذلك لأن من فارق بلده وذهب إلى بلدة أجنبية ، فإذا ~~استقام أمره في تلك البلدة الأجنبية ، ووصل ذلك الخبر إلى أهل بلدته خجلوا ~~من سوء معاملتهم له ورغمت ms1362 أنوفهم أى أصابهم الذل بسبب ذلك. # فكأنه قيل : يا أيها الإنسان إنك كنت تكره الهجرة عن وطنك خوفا من أن تقع ~~في المشقة والمحنة والسفر ، فلا تخف فإن الله تعالى سيعطيك من النعم ~~الجليلة ، والمراتب العظيمة ، في دار هجرتك ما يصير سببا لرغم أنوف أعدائك ~~، ويكون سببا لسعة عيشك. # وإنما قدم سبحانه ذكر رغم الأعداء على ذكر سعة العيش ؛ لأن ابتهاج ~~الإنسان الذي يهاجر عن أهله وبلده بسبب شدة ظلمهم له بدولته من حيث إنها ~~تصير سببا لرغم أنوف الأعداء. أشد من ابتهاجه بتلك الدولة من حيث إنها صارت ~~سببا لسعة العيش عليه (2). # وقوله ( @QUR@016 ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه ~~الموت فقد وقع أجره على الله ) تنويه عظيم بشأن الهجرة من أجل إعلاء كلمة ~~الله ، حيث جعل سبحانه ثوابها حاصلا حتى ولو لم يصل المهاجر إلى مقصده. # أى : ومن يخرج من بيته تاركا أهله ووطنه ، فارا بدينه إلى المكان الذي ~~تعلو فيه كلمة الله وكلمة رسوله ، قاصدا بذلك نصرة الحق وأهله ، من يفعل ~~ذلك ( @QUR@03 ثم يدركه الموت ) وهو في PageV03P279 # طريقه قبل أن يصل إلى مكان هجرته «فقد وقع أجره على الله» أى : فقد ثبت ~~ووجب له الأجر عند الله تعالى تفضلا منه سبحانه وكرما ( @QUR@04 وكان الله ~~غفورا رحيما ) فيغفر لهذا المهاجر ما فرط منه من تقصير ، ويرحمه برحمته ~~الواسعة. # وقوله ( @QUR@02 ثم يدركه ) بالجزم عطفا على فعل الشرط وهو ( @QUR@02 ومن ~~يخرج ). وجوابه قوله : # ( @QUR@05 فقد وقع أجره على الله ). # قال الآلوسى : وقرئ ( @QUR@02 ثم يدركه ) بالرفع. وخرجه ابن جنى على أنه ~~فعل مضارع مرفوع والموت فاعله. والجملة خبر لمبتدأ محذوف أى : ثم هو يدركه ~~الموت (1). # وفي التعبير بقوله ( @QUR@05 فقد وقع أجره على الله ) بعث للطمأنينة في ~~قلوب المهاجرين ، وحفز لهم على الهجرة من أجل إعلاء كلمة الله ؛ لأنهم إذا ~~وصلوا إلى دار هجرتهم فقد راغموا أنف أعدائهم ورزقهم الله بالخير من فضله ، ~~وإن ماتوا قبل أن يصلوا أعطاهم سبحانه ثواب المهاجرين كاملا ببركة حسن ~~نياتهم ، وكافأهم على ذلك أجرا ms1363 جزيلا لا يعلم مقداره إلا هو. # وقد وردت روايات في سبب نزول هذه الآية الكريمة منها ما أخرجه ابن جرير ~~عن سعيد بن جبير أنها نزلت في جندب بن ضمرة وكان قد بلغه وهو بمكة قوله ~~تعالى : ( @QUR@06 إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ).. الآية فقال ~~لبنيه : احملونى فإنى لست من المستضعفين ، وإنى لأهتدى إلى الطريق ، وإنى ~~لا أبيت الليلة بمكة. فحملوه على سرير متوجها إلى المدينة وكان شيخا كبيرا ~~، فمات بالتنعيم وهو موضع قرب مكة ولما أدركه الموت أخذ يصفق يمينه على ~~شماله ويقول : اللهم هذه لك. وهذه لرسولك صلى الله عليه وسلم أبايعك على ما ~~بايع عليه رسولك ثم مات ولما بلغ خبر موته الصحابة قالوا : ليته مات ~~بالمدينة فنزلت الآية (2). # هذا ، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى : # 1 وجوب الهجرة من دار لا يستطيع المسلم فيها أن يؤدى شعائر دينه. # قال القرطبي : في هذه الآيات دليل على هجران الأرض التي يعمل فيها ~~بالمعاصي. وقال سعيد بن جبير : إذا عمل بالمعاصي في أرض فاخرج منها. وتلا ( ~~@QUR@07 ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ). وقال مالك : هذه الآيات ~~دالة على أنه ليس لأحد المقام في أرض يسب فيها السلف ويعمل فيها بغير الحق (3). PageV03P280 # وقال الشيخ القاسمى ما ملخصه : قال الحافظ بن حجر في «الفتح» : الهجرة ~~الترك. والهجرة إلى الشيء الانتقال إليه عن غيره. وفي الشرع : ترك ما نهى ~~الله عنه. # وقد وقعت في الإسلام على وجهين : # الأول : الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن. كما في هجرتي الحبشة ~~وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة. # الثاني : الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان. وذلك بعد أن استقر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين. وكانت ~~الهجرة إذ ذاك تختص بالمدينة إلى أن فتحت مكة فانقطع الاختصاص وبقي عموم ~~الانتقال من دار الكفر لمن قدر عليه باقيا. # ثم قال الشيخ القاسمى : وقد أفصح ابن عمر بالمراد فيما أخرجه الإسماعيلى ~~بلفظ : انقطعت ms1364 الهجرة بعد الفتح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تنقطع ~~الهجرة ما قوتل الكفار. أى : ما دام في الدنيا دار كفر ، فالهجرة واجبة ~~منها على من أسلم وخشي أن يفتن في دينه. # وروى الإمام أحمد وأبو داود عن معاوية قال : سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول : «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة. ولا تنقطع ~~التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» (1). # 2 أن من خرج للهجرة في سبيل الله ومات في الطريق أعطاه الله تعالى أجر ~~المهاجرين ببركة نيته الصادقة ، ويدل على ذلك ما جاء في الصحيحين عن عمر بن ~~الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «إنما الأعمال بالنيات ، وإنما ~~لكل امرئ ما نوى. فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله. ~~ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه». # وقال صاحب الكشاف : كل هجرة لغرض ديني من طلب علم أو حج أو جهاد أو فرار ~~إلى بلد يزداد فيه طاعة أو قناعة وزهدا في الدنيا أو ابتغاء رزق طيب فهي ~~هجرة إلى الله ورسوله. وإن أدركه الموت في طريقه فأجره واقع على الله (2). # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد وبخت الذين رضوا أن يقيموا مع ~~الكافرين في ذلة وهوان مع قدرتهم على الهجرة ، وتوعدتهم على ضعف إيمانهم ، ~~بسوء المصير ، وحرضت المؤمنين في كل زمان ومكان على الهجرة في سبيل الله ~~بأسمى ألوان التحريض وأشدها ، ووعدت المهاجر PageV03P281 # من أجل إعلاء كلمة الحق بالخير الوفير ، والأجر الجزيل. «وذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. # * * * # وبعد أن حض سبحانه عباده على الهجرة في سبيله أتبع ذلك ببيان جانب من ~~مظاهر رحمته في التيسير عليهم فيما شرعه لهم من عبادات ، حيث أباح لهم قصر ~~الصلاة في حالة السفر ، وعرفهم كيف يؤدونها في حالة الجهاد والخوف من ~~مباغتة العدو لهم فقال تعالى : # ( @QUR@023 وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن ~~خفتم أن ms1365 يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا (101) ~~@QUR@062 وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا ~~أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا ~~معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم ~~فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم ~~مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا ) (102) # قوله ( @QUR@04 وإذا ضربتم في الأرض ) أى : إذا سافرتم ، وأطلق الضرب في ~~الأرض على السفر ؛ لأن المسافر يضرب برجله وبراحلته على الأرض. # والمراد من الأرض : ما يشمل البر والبحر. أى إذا سافرتم أيها المؤمنون في ~~أى مكان PageV03P282 # يسافر فيه من بر أو بحر ( @QUR@03 فليس عليكم جناح ) أى : حرج أو إثم في ~~( @QUR@04 أن تقصروا من الصلاة ) أى في أن تنقصوا منها ما خففه الله عنكم ~~رحمة بكم. # وقوله ( @QUR@01 تقصروا ) من القصر وهو ضد المد. يقال قصرت الشيء أى ~~جعلته قصيرا بحذف بعض أجزائه أو أوصافه. # ومن في قوله ( @QUR@02 من الصلاة ) يجوز أن تكون زائدة للتأكيد فيكون لفظ ~~الصلاة مفعولا به لتقصروا. ويجوز أن تكون للتبعيض فيكون المفعول محذوفا. ~~والجار والمجرور في موضع الصفة. أى : فليس عليكم جناح في أن تقصروا شيئا من ~~الصلاة. # وقوله ( @QUR@06 إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) جملة شرطية وجوابها ~~محذوف دل عليه ما قبله. # والمراد بالفتنة هنا : إنزال الأذى بالمؤمنين. # أى : إن خفتم أن يتعرض لكم المشركون بما تكرهونه من القتال أو غيره حين ~~سفركم فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة. # وقوله ( @QUR@06 إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا ) تعليل لتأكيد أخذ ~~الحذر من الكفار دائما ، لأن عداوتهم للمؤمنين ظاهرة ، وكراهتهم لهم شديدة. # أى : إن الكافرين كانوا وما زالوا بالنسبة لكم أيها المؤمنون يظهرون ~~العداوة ، وما تخفيه صدورهم لكم من أحقاد وكراهية أشد وأكبر. # وقد أكد سبحانه هذه العداوة بإن الدالة على التوكيد ، وبكان المفيدة ~~للدوام والاستمرار ، وبوصف هذه العداوة بالسفور والظهور ، لكي يحترس ~~المسلمون منهم أشد ms1366 الاحتراس. # هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى : # 1 أن قصر الصلاة في السفر سنة. ومنهم من يرى أن المصلى مخير فيه كما يخير ~~في الكفارات. ومنهم من يرى أنه فرض. # قال القرطبي ما ملخصه : واختلف العلماء في حكم القصر في السفر ؛ فروى عن ~~جماعة أنه فرض وهو قول عمر بن عبد العزيز والكوفيين. واحتجوا بحديث عائشة ~~«فرضت الصلاة ركعتين ركعتين» ولا حجة فيه لمخالفتها له ؛ فإنها كانت تتم في ~~السفر وذلك يوهنه ... # وحكى ابن الجهم أن أشهب روى عن مالك أن القصر فرض. ومشهور مذهبه وجل ~~أصحابه ، وأكثر العلماء من السلف والخلف أن القصر سنة. وهو الصحيح. PageV03P283 # ومذهب عامة البغداديين من المالكيين أن الفرض التخيير. ثم اختلفوا في ~~أيهما أفضل ، فقال بعضهم : القصر أفضل .. وقيل : الإتمام أفضل» (1). # أما بالنسبة لمسافة السفر التي يجوز معها قصر الصلاة للعلماء فيها أقوال ~~منها : أن السفر الذي يسوغ القصر هو ما كان مسيرة ثلاثة أيام بلياليها ~~بالسير المعتاد. # وهذا رأى الأحناف. ومن حججهم قوله صلى الله عليه وسلم : «يمسح المقيم يوما ~~وليلة والمسافر ثلاثة أيام بلياليها» وأيضا ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~منع المرأة من السفر فوق ثلاث إلا مع زوج أو محرم ، فدل هذا على أن ما دون ~~الثلاث لا يعد سفرا ، بل هو في حكم الإقامة ، حيث جعل الثلاث فاصلا بين ~~الخروج بدون محرم وعدمه. وأيضا فقد جرى عرف العرب أن الرجل كان لا يعتبر ~~مسافرا إلا بسير نحو ثلاثة أيام. # أما المالكية والشافعية وأكثر الأئمة فيرون أن السفر الذي تقصر فيه ~~الصلاة هو ما كان مسيرة يوم وليلة وقيل يوم فقط ، وذلك لما رواه ابن عباس ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة ~~برد. من مكة إلى عسفان ، وقد قدرت هذه المسافة بمسيرة يوم وليلة أو يوم فقط. # ويرى داود الظاهري وأتباعه أن القصر في كل ما يسمى سفرا ، سواء أكان ~~قصيرا أم طويلا ؛ لأن ms1367 المدار عندهم في تحقيق القصر على تحقيق شرطه وهو ~~الضرب في الأرض ، ولأن كلمة الضرب في الأرض قد جاءت على إطلاقها من غير ~~تقييد بمدة معلومة ولا مسافة محدودة. # وقد رد جمهور العلماء عليهم بردود منها : أن الضرب في الأرض حقيقته ~~الانتقال من مكان إلى مكان. وظاهر أن مجرد الانتقال من مكان إلى آخر لا ~~يكون سببا في الرخصة ، فلا بد أن يكون السفر المرخص فيه بالقصر سفرا مخصوصا ~~، وقد بينت السنة النبوية الشريفة مقداره على خلاف في الروايات. # هذا ، وقد حكى القرطبي أقوال بعض العلماء في نقد أولئك الذين يأخذون ~~الأمور بظواهرها بدون فهم سليم فقال : # قال ابن العربي : وقد تلاعب قوم بالدين فقالوا : إن من خرج من البلد إلى ~~ظاهره أكل وقصر وقائل هذا أعجمى لا يعرف السفر عند العرب ، أو مستخف ~~بالدين. ولو لا أن العلماء ذكروه لما رضيت أن ألمحه بمؤخر عيني ، ولا أفكر ~~فيه بفضول قلبي. ولم يذكر حد السفر الذي يقع به القصر لا في القرآن ولا في ~~السنة. وإنما كان كذلك ، لأنها كانت لفظة عربية مستقر PageV03P284 # علمها عند العرب الذين خاطبهم الله بالقرآن ؛ فنحن نعلم قطعا أن من برز ~~عن الدور لبعض الأمور أنه لا يكون مسافرا لا لغة ولا شرعا. وإن من مشى ~~مسافرا ثلاثة أيام فإنه يكون مسافرا قطعا. كما أننا نحكم على من مشى يوما ~~وليلة أنه كان مسافرا ، لحديث «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ~~تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم منها» وهذا هو الصحيح لأنه وسط بين ~~الحالين. وعليه عول مالك. ولكنه لم يجد هذا الحديث متفقا عليه ، فقد روى ~~مرة «يوما وليلة» ومرة «ثلاثة أيام» ... # ثم قال القرطبي : واختلفوا في نوع السفر الذي تقصر فيه الصلاة. فأجمع ~~الناس على الجهاد والحج والعمرة وما ضارعها من صلة رحم .. واختلفوا فيما ~~سوى ذلك. فالجمهور على جواز القصر في السفر المباح كالتجارة وغيرها. وعلى ~~أنه لا قصر في سفر المعصية كالباغي وقاطع الطريق وما في معناهما. # ثم ms1368 قال : واختلف العلماء في مدة الإقامة التي إذا نواها المسافر أتم. ~~فقال مالك والشافعى والليث بن سعد : إذا نوى الإقامة أربعة أيام أتم. # وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا نوى الإقامة خمس عشرة ليلة أتم ، وإن كان ~~أقل من ذلك قصر (1). # 2 ذهب جمهور العلماء إلى أن الآية الكريمة المقصود منها تشريع صلاة السفر ~~، وأن المراد بالقصر في قوله «أن تقصروا من الصلاة» هو القصر في الكمية أى ~~في عدد الركعات ، بأن يصلى المسافر الصلاة الرباعية ركعتين ، وأن حكمها ~~للمسافر في حال الأمن كحكمها في حال الخوف لتظاهر السنن على مشروعيتها مطلقا. # وقد وضح هذه المسألة الإمام ابن كثير توضيحا حسنا فقال ما ملخصه : وقوله ~~تعالى ( @QUR@06 إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) الشرط فيه خرج مخرج ~~الغالب حال نزول هذه الآية. إذ كانت أسفارهم بعد الهجرة في مبدئها مخوفة. ~~بل كانوا لا ينهضون إلا إلى غزو عام ، أو سرية خاصة ، وسائر الأحياء حرب ~~للإسلام وأهله. والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له. كقوله تعالى ( ~~@QUR@08 ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا ) وقوله تعالى ( ~~@QUR@06 وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم ). # ومما يشهد بأن للمسافر أن يقصر سواء أكان آمنا أم خائفا ما رواه الترمذي ~~والنسائي عن ابن عباس. أن النبي صلى الله عليه وسلم : خرج من المدينة إلى مكة ~~لا يخاف إلا الله رب العالمين فصلى ركعتين. PageV03P285 # وروى البخاري عن حارثة بن وهب الخزاعي قال : صلى بنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم آمن ما كان بمنى ركعتين. # وروى البخاري عن أنس قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~المدينة إلى مكة. فكان يصلى ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة. # وروى مسلم وأحمد وأهل السنن عن يعلى بن أمية قال : سألت عمر بن الخطاب. ~~قلت له : قوله تعالى : ( @QUR@013 فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن ~~خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ). وقد أمن الناس؟ فقال لي عمر : عجبت مما ~~عجبت منه. فسألت رسول الله صلى الله عليه ms1369 وسلم عن ذلك فقال : «صدقة تصدق الله ~~بها عليكم فاقبلوا صدقته». # وروى أبو بكر بن أبى شيبة عن أبى حنظلة الحذاء قال : سألت ابن عمر عن ~~صلاة السفر؟ فقال : ركعتان ، فقلت له : أين قوله ، ( @QUR@06 إن خفتم أن ~~يفتنكم الذين كفروا ) ونحن آمنون؟ فقال : سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم (1). # فأنت ترى من هذه النصوص أنها تدل على أن الآية الكريمة مسوقة في تشريع ~~صلاة السفر سواء أكان المسافر آمنا أم خائفا ، وأن قوله تعالى ( @QUR@04 أن ~~تقصروا من الصلاة ) المراد من القصر هنا قصر عدد الركعات من أربع إلى اثنين ~~كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم في أسفاره ، وأن القصر للصلاة في السفر ~~بالنظر لما كانت عليه في الحضر. # قالوا : ومما يدل على أن لفظ القصر كان مخصوصا في عرفهم بنقص عدد الركعات ~~، ما رواه البخاري عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «انصرف من ~~اثنتين أى صلى الصلاة الرباعية ركعتين عن سهو فقال له ذو اليدين : أقصرت ~~الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ .... # هذا ؛ ويرى بعض العلماء أن هذه الآية نزلت في صلاة الخوف ، وأن المقصود ~~بالقصر هنا هو قصر الكيفية لا الكمية أى تخفيف ما اشتملت عليه من قراءة ~~وتسبيح وغير ذلك لأنهم يرون أن كمية صلاة المسافر ركعتان فهي تمام غير قصر. # قال ابن كثير ما ملخصه : ومن العلماء من قال : إن المراد من القصر هاهنا ~~إنما هو قصر الكيفية لا الكمية وهو قول مجاهد والضحاك والسدى واعتقدوا بما ~~رواه الإمام مالك عن عائشة أنها قالت فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في السفر ~~والحضر ، فأقرت صلاة السفر ، وزيد في صلاة الحضر. # قالوا : فإذا كان أصل الصلاة في السفر هي اثنتين فكيف يكون المراد بالقصر ~~هنا قصر PageV03P286 # الكمية. لأن ما هو الأصل لا يقال فيه ( @QUR@07 فليس عليكم جناح أن ~~تقصروا من الصلاة ). وروى الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة عن عمر رضى الله ~~عنه قال : صلاة السفر ركعتان ؛ وصلاة الأضحى ركعتان ، وصلاة الفطر ركعتان ، ~~وصلاة ms1370 الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم (1)». # وقال القرطبي : وذهب جماعة إلى أن هذه الآية إنما هي مبيحة للقصر في ~~السفر للخائف من العدو فمن كان آمنا فلا قصر له. روى عن عائشة أنها كانت ~~تقول في السفر : أتموا صلاتكم. فقالوا : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يقصر. فقالت : إنه كان في حرب وكان يخاف وهل أنتم تخافون؟ ... # وذهب جماعة إلى أن الله تعالى لم يبح القصر في كتابه إلا بشرطين : السفر ~~والخوف وفي غير الخوف بالسنة (2). # ويبدو لنا أن الأولى ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن الآية الكريمة ~~المقصود منها تشريع صلاة السفر ؛ وأن المراد بالقصر فيها قصر كمية الصلاة ~~بحيث يصلى المسافر الصلاة الرباعية ركعتين تخفيفا من الله تعالى عليه ، ~~سواء أكان في حالة أمن أم حالة خوف ، لأن النصوص التي ساقها الجمهور لتأييد ~~رأيهم صريحة في صحة ما ذهبوا إليه ، ولأن القصر في اللغة معناه أن تقتصر من ~~الشيء على بعضه ، وهذا أظهر ما يكون في قصر الركعات على اثنين بدل أربع ، ~~أما القصر في الصفة أو الكيفية فهو تغيير في الصلاة لا إتيان بالبعض ، إذ ~~هو إحلال للإيماء محل الركوع والسجود مثلا . وأيضا فإن ( @QUR@01 من ) في ~~قوله ( @QUR@04 أن تقصروا من الصلاة ) تكون أظهر في الاقتصار على بعض ~~الركعات عند من يجعل هذا الحرف للتبعيض. # ومن أراد مزيد بيان لتلك المسائل فليرجع إلى أمهات كتب الفقه والتفسير. # * * * # ثم شرع سبحانه في بيان صفة صلاة الخوف في جماعة فقال تعالى ( @QUR@027 ~~وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم ~~فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ، ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ~~وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ). # والمعنى : وإذا كنت يا محمد في أصحابك وشهدت معهم القتال «فأقمت لهم ~~الصلاة» أى : فأردت أن تقيم لهم الصلاة في جماعة لتزدادوا أجرا ورعاية من ~~الله وأنتم تقاتلون أعداءه ، PageV03P287 # فعليك في هذه الحالة أن تقسم أصحابك إلى قسمين ، ثم بعد ذلك ( @QUR@04 ~~فلتقم ms1371 طائفة منهم معك ) أى فلتقم جماعة من أصحابك معك في الصلاة ، أما ~~الطائفة الأخرى فلتكن بإزاء العدو ليحرسوكم منهم. # والضمير في قوله ( @QUR@02 وليأخذوا أسلحتهم ) يعود إلى الرجال الذين معه ~~في الصلاة ... أى : ولتأخذ الطائفة القائمة معك في الصلاة أسلحتها معها وهي ~~في الصلاة حتى تكون على أهبة القتال دائما. # وقوله ( @QUR@02 فإذا سجدوا ) أى : الرجال القائمون معك في الصلاة سجدوا ~~في الركعة الأولى وأتموا الركعة ( @QUR@03 فليكونوا من ورائكم ) أى : ~~فلينصرفوا بعد ذلك من صلاتهم ليكونوا في مقابلة العدو للحراسة. فالضمير في ~~الكل يعود إلى المصلين معه. # وقيل المعنى : فإذا سجد الرجال الذين قاموا معك للصلاة ، فليكن الرجال ~~الآخرون الذين ليسوا في الصلاة من ورائكم لحماية ظهوركم ، ولمنع نزول الأذى ~~بكم من أعدائكم. وعلييه فيكون الضمير في قوله ( @QUR@01 فليكونوا ) يعود ~~إلى الطائفة الثانية التي ليست في الصلاة. # وقوله : ( @QUR@010 ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا ~~حذرهم وأسلحتهم ) بيان لما يجب أن تفعله الطائفة الأخرى التي لم تدخل في ~~الصلاة بعد. أى : فإذا ما انصرفت الطائفة الأولى للحراسة فلتأت الطائفة ~~التي كانت قبل ذلك في الحراسة والتي لم تصل بعد ( @QUR@02 فليصلوا معك ) ~~الركعة الأولى وأنت يا محمد في الركعة الثانية. وعليهم أيضا أن يكونوا كمن ~~سبقهم حاملين لأسلحتهم التي لا تشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر وما يشبه ~~ذلك ، حتى إذا ما باغتكم المشركون بالهجوم كنتم دائما على استعداد ~~لمواجهتهم ، وكنتم دائما على يقظة من مكرهم. # فأنت ترى أن الله تعالى قد أمر المؤمنين بالمحافظة على الصلاة حتى في ~~حالة الحرب ، وأمرهم في الوقت ذاته بأن يكونوا يقظين آخذين حذرهم وأسلحتهم ~~من مباغتة أعدائهم لهم حتى لا يتوهم أولئك الأعداء أن الصلاة ستشغل ~~المؤمنين عن الدفاع عن أنفسهم. # وقوله ( @QUR@03 وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ) استعمل لفظ الأخذ فيه في ~~الحقيقة والمجاز. لأن أخذ الحذر كناية عن شدة اليقظة ودوام الترقب. وأخذ ~~الأسلحة حقيقة في حملها للدفاع بها عن النفس. (1) وقدم سبحانه الأمر بأخذ ~~الحذر على أخذ الأسلحة ؛ لأن أخذ الأسلحة نوع من الحذر ، PageV03P288 # ولأن الحذر ms1372 عند انتقال الصفوف وتحركها واجب حتى لا يباغتهم الأعداء وهم ~~يتحولون من مكان إلى مكان ، وهذا أشبه بتغيير الخطط وقت القتال ، وهو أمر ~~له خطورته فوجب أن تشتد يقظة المسلمين حينئذ. # وإلى هذا المعنى أشار بعضهم بقوله : فإن قلت لم ذكر في أول الآية الأسلحة ~~فقط ، وذكر هنا الحذر والأسلحة؟ قلت : لأن العدو قلما يتنبه للمسلمين في ~~أول الصلاة بل يظنون كونهم قائمين في المحاربة والمقاتلة. فإذا قاموا إلى ~~الركعة الثانية ظهر للكفار أن المسلمين في الصلاة ، فحينئذ ينتهزون الفرصة ~~في الإقدام على المسلمين فلا جرم أن الله تعالى أمرهم في هذا الموضع بزيادة ~~الحذر من الكفار مع أخذ الأسلحة (1). # وقوله تعالى ( @QUR@012 ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم ~~فيميلون عليكم ميلة واحدة ) بيان لما من أجله أمروا بأخذ الحذر والسلاح. ~~والخطاب لجميع المؤمنين. # وقوله ( @QUR@01 ود ) من الود وهو محبة الشيء وتمنى حصوله. # والأسلحة : جمع سلاح. وهو اسم جنس لآلات الحرب التي يستعملها الناس في ~~حروبهم وقتالهم. # والأمتعة : جمع متاع. وهو كل ما ينتفع به من عروض وأثاث. والمراد به هنا ~~: ما يكون مع المحاربين من أشياء لا غنى لهم عنها كبعض ملابسهم وأطعمتهم ~~ومعداتهم. # و ( @QUR@01 لو ) في قوله ( @QUR@02 لو تغفلون ) مصدرية. وقوله ( @QUR@01 ~~ميلة ) منصوب على المفعول المطلق لبيان العدد. # والمعنى : كونوا دائما أيها المؤمنون في أقصى درجات التنبه والتيقظ ~~والحذر ، فإن أعداءكم الكافرين يودون ويحبون غفلتكم وعدم انتباهكم عن ~~أسلحتكم وأمتعتكم التي تستعملونها في قتالكم لهم ، وفي هذه الحالة يحملون ~~عليكم حملة واحدة قوية شديدة ليقتلوا منكم من يستطيعون قتله. فعليكم أيها ~~المؤمنون أن تجمعوا بين الصلاة والجهاد جمعا مناسبا حكيما بحيث لا يشغلكم ~~أحد الأمرين عن الآخر أو عن حسن الاستعداد لمجابهة أعدائكم الذين يتربصون ~~بكم الدوائر. # فالآية الكريمة من مطلعها إلى هنا تراها تأمر بشدة وتكرار بأخذ الحذر ~~وحمل السلاح لمجابهة أى مباغتة من المشركين. ومع هذا فقد رخص الله تعالى ~~للمؤمنين بوضع السلاح في أحوال معينة دون أن يرخص لهم في أخذ الحذر فقال ~~تعالى ms1373 ؛ ( @QUR@07 ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى PageV03P289 # @QUR@010 من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم ). # أى : ولا حرج ولا إثم عليكم أيها المؤمنون في أن تضعوا أسلحتكم في ~~أغمادها فلا تحملوها ( @QUR@06 إن كان بكم أذى من مطر ) يثقل معه حمل ~~السلاح ( @QUR@03 أو كنتم مرضى ) بحيث يشق عليكم حملها ، ومع كل هذا فلا بد ~~من أخذ الحذر من أعدائكم ، بأن تكونوا على يقظة تامة من مكرهم ، وعلى أحسن ~~استعداد لدحرهم إذا ما باغتوكم بالهجوم. # وقوله ( @QUR@06 إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا ) تذييل قصد به تشجيع ~~المؤمنين على مقاتلة أعدائهم وأخذ الحذر منهم. # أى : إن الله تعالى أعد لأعدائكم الكافرين عذابا مذلا لهم في الدنيا ~~والآخرة. أما في الدنيا فبنصركم عليهم وإذهاب صولتهم ودولتهم ، كما قال ~~تعالى ( @QUR@011 قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف ~~صدور قوم مؤمنين ). # وأما في الآخرة فبالعذاب الذي يهينهم ويذلهم ولا يستطيعون منه نجاة أو ~~مهربا. وإذا كان الأمر كذلك فباشروا أيها المؤمنون الأسباب التي توصلكم إلى ~~النصر عليهم. # هذا ، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى : # 1 قال الآلوسى : تعلق بظاهر قوله تعالى ( @QUR@03 وإذا كنت فيهم ). من ~~خص صلاة الخوف بحضرته صلى الله عليه وسلم كالحسن بن زيد ونسب ذلك أيضا لأبى ~~يوسف ، ونقله عنه الجصاص في كتاب الأحكام ، وعامة الفقهاء على خلافه فإن ~~الأئمة بعده صلى الله عليه وسلم نوابه ، وقوام بما كان يقوم به فيتناولهم حكم ~~الخطاب الوارد له عليه الصلاة والسلام كما في قوله ( @QUR@04 خذ من أموالهم ~~صدقة ) وقد أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان وغيرهم عن ثعلبة بن زهدم. ~~قال : كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان فقال : أيكم صلى مع رسول الله صلاة ~~الخوف؟ فقال حذيفة : أنا. ثم وصف له ذلك فصلوا كما وصف ، وكان ذلك بمحضر من ~~الصحابة ولم ينكره أحد منهم. وهم الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم ، وهذا ~~يحل محل الإجماع (1). # 2 أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة مشروعية صلاة الخوف وصفتها ms1374 وأنه يطلب ~~فيها حمل السلاح إلا لعذر. وقد روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات ~~منها ما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم عن أبى عياش الزرقي ~~قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان فاستقبلنا المشركون عليهم ~~خالد بن الوليد. وهم بيننا وبين القبلة. فصلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم ~~الظهر فقالوا : قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم ثم قالوا : تأتى عليهم ~~الآن صلاة هي أحب إليهم PageV03P290 # من أبنائهم وأنفسهم. فنزل جبريل بهذه الآية ( @QUR@03 وإذا كنت فيهم ).. ~~إلخ بين الظهر والعصر (1)». # 3 وردت روايات متعددة يؤخذ منها أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى صلاة ~~الخوف على هيئات مختلفة وفي مواضع متعددة. ويشهد لهذا قول القرطبي. وقد ~~اختلفت الروايات في هيئة صلاة الخوف. واختلف العلماء لاختلافها. فذكر ابن ~~القصار أنه صلى الله عليه وسلم صلاها في عشر مواضع. وقال ابن العربي : روى عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى صلاة الخوف أربعا وعشرين مرة. وقال الإمام ~~أحمد بن حنبل وهو إمام أهل الحديث والمقدم في معرفة علل النقل فيه لا أعلم ~~أنه روى في صلاة الخوف إلا حديث ثابت. وهي كلها صحاح ثابتة. فعلى أى حديث ~~صلى منها المصلى صلاة الخوف أجزأه إن شاء الله (2). # وقال ابن كثير : صلاة الخوف أنواع كثيرة فإن العدو تارة يكون تجاه القبلة ~~، وتارة يكون في غير صوبها ، ثم تارة يصلون جماعة وتارة يلتحم الحرب فلا ~~يقدرون على الجماعة ، بل يصلون فرادى مستقبلي القبلة وغير مستقبليها لعذر ~~القتال كما أخر النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب صلاة الظهر والعصر ~~فصلاهما بعد الغروب ، ثم صلى بعدهما المغرب والعشاء. وأما الجمهور فقالوا ~~هذا منسوخ بصلاة الخوف فإنها لم تكن نزلت بعد ، فلما نزلت نسخ تأخير الصلاة ~~لذلك (3). ونظرا لاختلاف الروايات الواردة في كيفية صلاة الخوف ، فقد ~~اختلف الفقهاء في كيفية أدائها تبعا لما فهمه كل فريق من تلك الروايات. ~~وهاك بعض مذاهبهم : # (أ) ذهب الإمام أبو حنيفة ms1375 ومن تابعه إلى أن كيفية صلاة الخوف أن يقسم ~~الإمام الناس طائفتين : طائفة تكون مع الإمام والأخرى بإزاء العدو. فيصلى ~~بالذين معه ركعة ثم ينصرفون إلى مقام أصحابهم ثم تأتى الطائفة الأخرى التي ~~كانت بإزاء العدو فيصلى بهم الإمام الركعة الثانية ويسلم هو. # ثم تأتى الطائفة الأولى فتصلي ركعة بغير قراءة ، لأنها في رأيهم لاحقة. ~~أى كأنها وراء الإمام حكما طول الصلاة ، ولا قراءة عندهم وراء الإمام ثم ~~تتشهد وتسلم. وتذهب إلى وجه العدو فتأتى الطائفة الثانية فتقضى ركعة بقراءة ~~ثم تتشهد وتسلم. وإنما صلت هذه ركعتها بقراءة لأنها عندهم مسبوقة ، فتكون ~~كمن أدرك آخر صلاة الإمام وفاتته ركعة. فتكون القراءة واجبة في حقها. PageV03P291 # وهذه الكيفية لصلاة الخوف التي أخذ بها الإمام أبو حنيفة قد وردت في ~~روايات عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم . # (ب) أما الإمام مالك فيرى أن كيفية صلاة الخوف تكون كالآتى : أن يقسم ~~الإمام الناس إلى طائفتين : طائفة تكون معه وطائفة تكون بإزاء العدو. ثم ~~يصلى بالطائفة التي معه ركعة ولا يسلم وتتم هي الركعة الثانية وحدها ثم ~~تتشهد وتسلم وتذهب إلى مكان الطائفة الثانية ، وتأتى الطائفة الثانية فتقف ~~خلف الإمام فيصلى معها الركعة الثانية ثم يجلسون للتشهد ويسلم الإمام وحده ~~أما هم فيقومون فيصلون وحدهم الركعة التي بقيت ثم يتشهدون ويسلمون. # وقريب من هذه الكيفية ما ذهب إليه الإمام الشافعى فهو يوافق المالكية ~~فيما ذهبوا إليه إلا أنه قال : لا يسلم الإمام حتى تتم الطائفة الثانية ~~صلاتها ثم يسلم معهم. # ويذهب الإمام أحمد بن حنبل في كيفية صلاة الخوف إلى ما ذهب إليه الإمام مالك. # وفي رواية عنه أنه يوافق ما ذهب إليه الشافعية. # وهذا كله فيما إذا كانت الصلاة ثنائية في الأصل كالفجر أو رباعية فإنها ~~تقصر إلى ثنائية. # أما إذا كانت صلاة الخوف في المغرب فيرى جمهور الفقهاء أن الإمام يصلى ~~بالطائفة الأولى ركعتين ، وبالطائفة الثانية ركعة ثم تتم كل طائفة ما بقي ~~عليها بالطريقة التي سبق ms1376 ذكرها عند الأئمة ، والتي بسطها العلماء في كتب الفقه. # 4 ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية أهمية صلاة الجماعة ، لأن ~~الله تعالى أمر المسلمين بأن يؤدوا الصلاة في جماعة حتى وهم في حالة ~~الاستعداد للقاء أعدائهم. # قال ابن كثير : ما أحسن ما استدل به من ذهب إلى وجوب الجماعة من هذه ~~الآية الكريمة. # حيث اغتفرت أفعال كثيرة لأجل الجماعة. فلولا أنها واجبة ما ساغ ذلك. # 5 كذلك من الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية أن الإسلام دين يأمر ~~أتباعه بأداء الصلاة حتى ولو كانوا في ساحة المعركة ، وذلك لأن الصلاة صلة ~~بين العبد وربه ، ومتى حسنت هذه الصلة بين المجاهد وخالقه ، فإنه سبحانه ~~يكلؤه بعين رعايته ، ويمده بنصره وتأييده. وأن الإسلام بجانب هذا الاهتمام ~~الشديد بشأن الصلاة فإنه يهتم أيضا بأن يأمر أتباعه بالحذر من مكر أعدائهم ~~ومن مباغتتهم لهم ، بأن يكون المؤمنون مستعدين لصدهم وردهم على أعقابهم ، ~~وأن لا يغفلوا عن حمل أسلحتهم حتى ولو كانوا قائمين للصلاة. # وبهذا نرى أن الإسلام يربى أتباعه تربية روحية وعقلية وبدنية من شأنها أن ~~توصلهم متى حافظوا عليها إلى ما يعلى كلمتهم في الدنيا ، ويرفع درجاتهم في ~~الآخرة. # * * * PageV03P292 # ثم أمر الله تعالى المؤمنين بالإكثار من ذكره بعد الانتهاء من صلاتهم ، ~~وشجعهم على مواصلة قتال أعدائهم بدون خوف أو ملل فقال تعالى : # ( @QUR@020 فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ~~فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ~~(103) @QUR@022 ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون ~~كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما ) (104) # والمعنى : فإذا أديتم صلاة الخوف أيها المؤمنون على الوجه الذي بينته لكم ~~وفرغتم منها ( @QUR@06 فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ) أى : ~~فداوموا على الإكثار من ذكر الله في كل أحوالكم سواء كنتم قائمين في ميدان ~~القتال ، أم قاعدين مستريحين ، أم مضطجعين على جنوبكم ، فإن ذكر الله تعالى ~~الذي يتناول كل قول أو عمل يرضى الله هو ms1377 العبادة المستمرة التي بها تصفو ~~النفوس ، وتنشرح الصدور ، وتطمئن القلوب. قال تعالى ( @QUR@011 الذين آمنوا ~~وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب ). # وإنما أمرهم سبحانه بالإكثار من ذكره في هذه الأحوال بصفة خاصة ، مع أن ~~الإكثار من ذكر الله مطلوب في كل وقت ، لأن الإنسان في حالة الخوف ومقابلة ~~الأعداء أحوج ما يكون إلى عون الله وتأييده ونصره ، والتضرع إلى الله ~~بالدعاء في هذه الأحوال يكون جديرا بالقبول والاستجابة. # قال تعالى ( @QUR@013 يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا ~~الله كثيرا لعلكم تفلحون ). # والفاء في قوله ( @QUR@04 فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة ) للتفريع على ما قبله. # أى : فإذا ما سكنت نفوسكم من الخوف ، وأقمتم في مساكنكم بعد أن وضعت ~~الحرب أوزارها ، فداوموا على أداء الصلاة على وجهها الذي كانت عليه قبل ~~حالة الحرب ، وأتموا أركانها وشروطها وآدابها وخشوعها. PageV03P293 # وقوله «إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا» تذييل المقصود به ~~تأكيد ما قبله من الأمر بالمحافظة على الصلاة. # أى : إن الصلاة كانت على المؤمنين فرضا محددا بأوقات لا يجوز مجاوزتها بل ~~لا بد من أدائها في أوقاتها سفرا وحضرا ، وأمنا وخوفا. # والمراد بالكتاب هنا : المكتوب. وبالموقوت : المحدد بأوقات من وقت كمضروب ~~من ضرب. # وقد رجح ابن جرير هذا المعنى بقوله : وأولى المعاني بتأويل الكلمة قول من ~~قال : إن الصلاة كانت على المؤمنين فرضا موقوتا. أى فرضا وقت لهم وقت وجوب ~~أدائه. لأن الموقوت إنما هو مفعول من قول القائل : وقت الله عليك فرضه فهو ~~يقته. ففرضه عليك موقوت ، إذا أخبر أنه جعل له وقتا يجب عليك أداؤه (1). # وقد أكد الله تعالى فرضية الصلاة ووجوب أدائها في أوقاتها بإن المفيدة ~~للتأكيد ، وبكان المفيدة للدوام والاستمرار. وبالتعبير عن الصلاة بأنها ~~كتاب ، وهو تعبير عن الوصف بالمصدر فيفيد فضل توكيد ، وبقوله ( @QUR@02 على ~~المؤمنين ) فإن هذا التركيب يفيد الإلزام والحتمية. وكل ذلك لكي يحافظ ~~المؤمنون عليها محافظة تامة دون أن يشغلهم عنها شاغل ، أو يحول بينهم وبين ~~أدائها حائل. # وقوله ( @QUR@05 ولا تهنوا في ابتغاء القوم ms1378 ) تشجيع للمؤمنين على مواصلة ~~قتال أعدائهم بصبر وعزيمة. # وقوله ( @QUR@01 تهنوا ) من الوهن وهو الضعف والتخاذل. والابتغاء مصدر ~~ابتغى بمعنى بغى المتعدى أى طلب. # أى : ولا تضعفوا أيها المؤمنون في ابتغاء العدو وطلبه ، ولا تقعد بكم ~~الآلام عن متابعته وملاحقته حتى يتم الله لكم النصر عليه. # ثم رغبهم سبحانه في مواصلة طلب أعدائهم بأسلوب منطقي رصين فقال : ( ~~@QUR@013 إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ، وترجون من الله ما لا ~~يرجون ). # أى : لا تتوانوا أيها المؤمنون عن ملاحقة أعدائكم ومقاتلتهم مهما تحملتم ~~من آلام ، وما أصبتم به من جراح ، لأن ما أصابكم من آلام وجراح قد أصيب ~~أعداؤكم بمثله أو أكثر منه ، ولأن الآلام التي تحسونها هم يحسون مثلها أو ~~أكثر منها. وفضلا عن ذلك فأنتم ترجون PageV03P294 # بقتالكم لهم رضا الله ، وإعلاء كلمته ، وحسن مثوبته ، وإظهار دينه. أما ~~هم فإنهم يقاتلونكم ولا رجاء لهم في شيء من ذلك. وإنما رجاؤهم في تحقيق ~~شهواتهم ، وإرضاء شياطينهم ، وانتصار باطلهم على حقكم. # وشتان بين من يقاتل وغايته ورجاؤه نصرة الحق. ومن يقاتل وغايته ورجاؤه ~~نصرة الباطل. # ومادام الأمر كذلك فانهضوا أيها المؤمنون لقتال أعداء الله وأعدائكم ، ~~دون أن يحول بينكم وبين قتالهم ما تحسون به من آلام ، فإن الله تعالى قد ~~جعل العاقبة لكم ، والنصر في ركابكم .. # وقريب من هذه الآية قوله تعالى في سورة آل عمران : ( @QUR@013 إن يمسسكم ~~قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ). # ثم ختم سبحانه الآية بقوله ( @QUR@04 وكان الله عليما حكيما ) أى : وكان ~~الله وما زال عليما بكل شيء من أحوالكم وأحوالهم ، حكيما في كل ما يقضيه ~~ويأمر به أو ينهى عنه ، فسيروا أيها المؤمنون في الطريق التي أمركم سبحانه ~~بالسير فيها لتنالوا تأييده ورضاه. # هذا ، وقد روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية الكريمة روايات منها ما ~~ذكره القرطبي من أنها نزلت في أعقاب حرب أحد حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~المؤمنين بالخروج في آثار المشركين ، وكان بالمسلمين جراحات. وكان قد أمر ~~ألا يخرج ms1379 معه إلا من كان قد حضر القتال في غزوة أحد (1). # وهذا السبب الذي ذكره القرطبي في نزول الآية الكريمة لا يمنع عمومها إذ ~~العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وعليه فإن الآيتين الكريمتين تأمران ~~المسلمين في كل زمان ومكان بالمحافظة على فرائض الله ولا سيما الصلاة ، ~~وبالإكثار من ذكره في جميع أحوالهم ، وبالإقدام على قتال أعدائهم بعزيمة ~~صادقة ، وهمة عالية ، دون أن يحول بينهم وبين هذا القتال ما يشعرون به من ~~آلام ، فإن الله تعالى قد تكفل بنصر المؤمنين ، ودحر المشركين. # * * * # وبعد أن أمر الله تعالى المؤمنين بالمحافظة على فرائضه وبأخذ حذرهم من ~~الأعداء. وبالاستعداد لإبطال مكرهم ، وبمواصلة قتالهم حتى تعلو كلمة الحق ، ~~بعد كل هذا أمر سبحانه المؤمنين في شخص نبيهم صلى الله عليه وسلم بأن يلتزموا ~~الحق في كل شئونهم وأحوالهم ، لأن عدم التقيد بالحق والعدل يؤدى إلى ضعف ~~الأمة واضمحلالها. وقد ساق سبحانه في آيات كريمة ما يهدى القلوب إلى صراطه ~~المستقيم فقال تعالى : PageV03P295 # ( @QUR@015 إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ~~ولا تكن للخائنين خصيما (105) @QUR@07 واستغفر الله إن الله كان غفورا ~~رحيما (106) @QUR@014 ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من ~~كان خوانا أثيما (107) @QUR@021 يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو ~~معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا (108) ~~@QUR@019 ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم ~~يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا (109) @QUR@013 ومن يعمل سوءا أو يظلم ~~نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما (110) @QUR@011 ومن يكسب إثما ~~فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما (111) @QUR@014 ومن يكسب خطيئة ~~أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا (112) @QUR@034 ولو ~~لا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم ~~وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم ~~وكان فضل الله عليك عظيما ) (113) PageV03P296 # ذكر المفسرون في سبب نزول ms1380 هذه الآيات روايات مختلفة السياق إلا أنها ~~متقاربة المعاني. ومن ذلك ما ذكره صاحب الكشاف من أن رجلا اسمه طعمة بن ~~أبيرق أحد بنى ظفر سرق درعا من جار له أسمه قتادة ابن النعمان في جراب ~~دقيق. فجعل الدقيق ينتثر من خرق فيه. وخبأ طعمة الدرع عند رجل من اليهود ~~اسمه زيد بن السمين. # فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد وحلف ما أخذها ، وماله بها علم. فتركوه ~~واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها. فقال اليهودي : ~~دفعها إلى طعمة وشهد له ناس من اليهود. فقالت بنو ظفر أقارب طعمة : انطلقوا ~~بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما وصلوا إليه سألوه أن يجادل أى ~~يدافع عن صاحبهم طعمة وقالوا : إن لم تفعل هلك وافتضح وبرىء اليهودي. فهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل وأن يعاقب اليهودي. وقيل هم أن يقطع يده ~~فنزلت (1). # وهذه الآيات الكريمة وإن كانت قد نزلت في حادثة معينة ، إلا أن توجيهاتها ~~وأحكامها تتناول جميع المكلفين في كل زمان ومكان. # وقوله تعالى ( @QUR@011 إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس ~~بما أراك الله ) تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم وإرشاد إلى ما يجب أن يكون ~~عليه الحاكم أو القاضي من عدالة ونزاهة. # أى : إنا أنزلنا إليك يا محمد القرآن الكريم ، إنزالا ملتبسا بالحق ~~وبالعدل لكي تحكم بين الناس في قضاياهم بما أراك الله. أى بما عرفك وأعلمك ~~وأوحى به إليك وقوله ( @QUR@01 بالحق ) في محل نصب على الحال المؤكدة ~~فيتعلق بمحذوف. وصاحب الحال هو الكتاب. أى : أنزلناه ملتبسا بالحق. # وقوله ( @QUR@02 بما أراك ) الفعل هنا متعد لاثنين أحدهما العائد المحذوف ~~والآخر كاف الخطاب أى : بما أراكه الله. أى : بما عرفك وأعلمك. # وسمى ذلك العلم بالرؤية ، لأن العلم اليقيني المبرأ عن جهات الريب يكون ~~جاريا مجرى الرؤية في القوة والظهور. # قال ابن كثير : احتج من ذهب من علماء الأصول إلى أنه كان صلى الله عليه وسلم ~~له أن يحكم بالاجتهاد بهذه الآية. وبما ثبت في ms1381 الصحيحين عن أم سلمة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سمع جلبة خصوم بباب حجرته فخرج إليهم فقال : «ألا ~~إنما أنا بشر. وإنما أقضى بنحو مما أسمع. ولعل أحدكم أن PageV03P297 # يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى له. فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من ~~النار ، فليحملها أو ليذرها». # وفي رواية للإمام أحمد عن السيدة أم سلمة أيضا قالت : جاء رجلان من ~~الأنصار يختصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواريث بينهما قد درست. ~~ليس عندهما بينه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنكم تختصمون إلى ~~وإنما أنا بشر. ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض. فإنى أقضى بينكم على نحو ما ~~أسمع. فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار ~~.. فبكى الرجلان وقال كل منهما : حقي لأخى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أما إذا قلتما ذلك فاذهبا فاقتسما ، ثم توخيا الحق بينكما ثم استهما. ثم ~~ليحلل كل واحد منكما صاحبه» (1). # وقوله «ولا تكن للخائنين خصيما» معطوف على كلام مقدر يفهم من المقام. ~~والخصيم هنا بمعنى المنتصر المدافع عن غيره فهو اسم فاعل بمعنى مخاصم وجمعه ~~الخصماء. وأصله من الخصم وهو ناحية الشيء وطرفه. وقيل للخصمين خصمان ، لأن ~~كل واحد منهما في ناحية من الحجة والدعوى. # والمعنى : إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاحكم به ولا تكن لأجل الخائنين ~~مخاصما للبراء ، بأن تجعل فكرك ينحاز إلى أولئك الخائنين الذين يظهرون ~~الإسلام قبل سماع البينات الهادية المرشدة إلى الحق. # وسماهم سبحانه خائنين ، لأنهم في علمه تعالى كانوا كذلك وقد أخبر نبيه ~~بخيانتهم ليحذرهم ولا يحسن الظن بهم. # قال القرطبي : قال العلماء : لا ينبغي إذا ظهر للمسلمين نفاق قوم أن ~~يجادل فريق منهم فريقا عنهم ليحموهم ويدفعوا عنهم. فإن هذا قد وقع على عهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم نزل قوله تعالى ( @QUR@04 ولا تكن للخائنين ~~خصيما ). وقوله : ( @QUR@06 ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ). ~~والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ms1382 والمراد منه الذين كانوا يفعلونه من ~~المسلمين دونه لوجهين : # أحدهما : أنه تعالى أبان ذلك بما ذكره بعد بقوله ( @QUR@08 ها أنتم هؤلاء ~~جادلتم عنهم في الحياة الدنيا ). والآخر : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~حكما فيما بينهم ، ولذلك كان يعتذر إليه ولا يعتذر هو إلى غيره فدل على أن ~~القصد لغيره (2). PageV03P298 # ثم قال تعالى ( @QUR@07 واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما ). أى : ~~واستغفر الله مما هممت به من تبرئة طعمة وإدانة اليهودي ، حيث إن ظاهر ~~الأمر يقتضى ذلك ، وهذا وإن لم يكن ذنبا ، إلا أنه سبحانه أمر نبيه ~~صلى الله عليه وسلم بالاستغفار من ذلك ، لعلو مقامه على حد قول العلماء : ~~حسنات الأبرار سيئات المقربين. # أو المعنى : واستغفر الله لهؤلاء الخائنين لكي يتوبوا إلى الله تعالى ~~ببركة استغفارك لهم ، إن الله تعالى كان كثير المغفرة لمن تاب إليه ، وكثير ~~الرحمة لمن آمن به واتقاه. وهذا الأمر بالاستغفار والإنابة إلى الله موجه ~~إلى كل مكلف في شخص النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال تعالى ( @QUR@014 ولا ~~تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما ). # أى : ولا تخاصم وتدافع عن هؤلاء الذين «يختانون أنفسهم» أى يخونونها بشدة ~~وإصرار إن الله تعالى لا يحب ولا يرضى عمن كانت الخيانة وصفا من أوصافه ، ~~وخلقا من أخلاقه ، وكذلك لا يحب ولا يرضى عمن كان الانهماك في الإثم ~~والمعصية عادة من عاداته. # وجاء سبحانه بلفظ ( @QUR@01 يختانون ) بمعنى يخونون ، لقصد وصفهم ~~بالمبالغة في الخيانة لأن مادة الافتعال تدل على التكلف والمحاولة. # وجعلت خيانة هؤلاء لغيرهم خيانة لأنفسهم ، لأن سوء عاقبة هذه الخيانة ~~سيعود عليهم. ولأن المسلمين جميعا كالجسد الواحد ؛ فمن تظاهر بأنه منهم ثم ~~خان أحدهم فكأنما خان نفسه ، وأوردها موارد البوار والتهلكة باعتدائه على ~~حقوق الجماعة الإسلامية ، وزعزعة أمنها واستقرارها. # والمراد بالموصول في قوله ( @QUR@06 ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ) ~~طعمة وأمثاله من الخائنين أو هو ومن عاونه وشهد ببراءته من أبناء عشيرته. # وقال سبحانه ( @QUR@08 إن الله لا يحب من كان ms1383 خوانا أثيما ) بصيغة ~~المبالغة ؛ لإفادة أن الخيانة والإثم صارا وصفا ملازما لهؤلاء الخائنين ~~الآثمين. # أى أن صيغة المبالغة هنا ليست للتخصيص حتى لا يتوهم متوهم أن الله تعالى ~~يحب من عنده أصل الخيانة والإثم. # وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله : فإن قلت : لم قيل «خوانا ~~أثيما» على المبالغة؟ قلت : كان الله عالما من طعمة بالإفراط في الخيانة ~~وركوب المآثم ، ومن كانت تلك خاتمة أمره لم يشك في حاله. وقيل : إذا عثرت ~~من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات. وعن عمر رضى الله عنه أنه أمر بقطع يد ~~سارق ، فجاءت أمه تبكى وتقول : هذه أول سرقة PageV03P299 # سرقها فاعف عنه. فقال لها كذبت. إن الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة (1). # وقوله ( @QUR@07 يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله ) بيان لأحوالهم ~~القبيحة التي تجعلهم محل غضب الله وسخطه. # والاستخفاء معناه الاستتار. يقال استخفيت من فلان. أى : تواريت منه ~~واستترت. # أى : أن هؤلاء الذين من طبيعتهم الخيانة والوقوع في الآثام يستترون من ~~الناس عند ما يقعون في المنكرات حياء منهم وخوفا من ضررهم ( @QUR@04 ولا ~~يستخفون من الله ) أى : ولا يشعرون برقابة الله عليهم ، واطلاعه على جميع ~~أحوالهم ، بل يرتكبون ما يرتكبون من آثام بدون حياء منه مع أنه سبحانه هو ~~الأحق بأن يستحى منه ، ويخشى من عقابه. # وقوله ( @QUR@014 وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما ~~يعملون محيطا ) بيان لشمول علمه سبحانه بكل حركاتهم وسكناتهم. # أى : أن هؤلاء الخائنين يرتكبون السوء بدون حياء من الله ، مع أنه سبحانه ~~معهم في كل حركاتهم وسكناتهم بعلمه واطلاعه على أقوالهم وأعمالهم ولا يخفى ~~عليه شيء من أمرهم حين «يبيتون» أى يضمرون ويدبرون ويقدرون في أذهانهم مالا ~~يرضاه الله من القول كأن يرتكبوا المنكرات ثم يمسحونها في غيرهم حتى لا ~~يفتضح أمرهم. # قال صاحب الكشاف : وكفى بهذه الآية ناعية على الناس ما هم فيه من قلة ~~الحياء والخشية من ربهم ، مع علمهم إن كانوا مؤمنين أنهم في حضرته لا سترة ms1384 ~~ولا غفلة ولا غيبة ، وليس إلا الكشف الصريح والافتضاح. # وقوله ( @QUR@01 يبيتون ) أى : يدبرون ويزورون وأصله أن يكون ليلا ( ~~@QUR@05 ما لا يرضى من القول ) وهو تدبير طعمة أن يرمى الدرع في دار غيره. # فإن قلت : كيف سمى التدبير قولا وإنما هو معنى في النفس؟ قلت : لما حدث ~~بذلك نفسه سمى قولا على المجاز. ويجوز أن يكون المراد بالقول : الحلف ~~الكاذب الذي حلف به طعمة بعد أن بيته وتوريكه الذنب على اليهودي (2). # وقوله ( @QUR@05 وكان الله بما يعملون محيطا ) تذييل قصد به التهديد ~~والوعيد. أى وكان الله تعالى محيطا إحاطة تامة بما يعمله هؤلاء الخائنون ~~وغيرهم ولا يغيب عن علمه شيء من تصرفاتهم ، وسيحاسبهم عليها يوم القيامة. PageV03P300 # ثم وبخ سبحانه أولئك الذين دافعوا عن الخائنين وجادلوا عنهم بالباطل فقال ~~: ( @QUR@019 ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله ~~عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا ). # أى : ها أنتم أيها المدافعون عن الخائنين كطعمة وأمثاله قد جادلتم عنهم ~~في الدنيا مبرئين إياهم من الخيانة بدون حق ، فمن ذا الذي يستطيع منكم أن ~~يدافع عنهم أمام الله يوم القيامة ، بل من يكون عليهم يومئذ وكيلا. أى : ~~قائما بتدبير أمورهم ، ومدافعا عنهم؟ لا شك أنه لن يكون هناك أحد يدافع ~~عنهم يوم القيامة لأن كل إنسان سيجازى بعمله ، ولن ينفعه دفاع المدافعين ، ~~أو جدال المجادلين. # وقوله ( @QUR@01 ها ) حرف تنبيه. أى تنبيه المخاطبين على خطئهم في ~~المجادلة عن السارق ، وقوله ( @QUR@01 أنتم ) مبتدأ. وقوله ( @QUR@01 هؤلاء ~~) منادى بحرف نداء محذوف مبنى على الكسر في محل نصب. وجملة ( @QUR@02 ~~جادلتم عنهم ). خبر المبتدأ. وبعضهم أعرب هؤلاء خبر أول. وجعل جملة جادلتم ~~خبرا ثانيا. # وقوله ( @QUR@01 جادلتم ) من الجدل بمعنى الفتل ومنه رجل مجدول الفتل أى ~~قوى البنية فالجدال معناه تقوية الحجة التي يدافع بها الإنسان عن نفسه أو ~~عن غيره. وقيل إن الجدال مأخوذ من الجدالة وهي وجه الأرض. فكأن كل واحد من ~~الخصمين يكون كالمصارع الذي يريد أن يلقى صاحبه عليها. ومنه قولهم : تركته ~~مجدلا أى مطروحا على ms1385 الأرض. # و ( @QUR@01 أم ) في قوله ( @QUR@05 أم من يكون عليهم وكيلا ) منقطعة ~~للإضراب الانتقالى. # والاستفهام إنكارى بمعنى النفي في الموضعين. أى لا أحد يجادل عنهم أمام ~~الله تعالى ولا أحد يستطيع أن يقوم بتدبير أمورهم يوم القيامة. # ثم فتح سبحانه بعد هذا التوبيخ الشديد للخائنين باب التوبة لعباده فقال : ~~( @QUR@013 ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا ~~رحيما ) أى : ومن يعمل عملا سيئا يؤذى به غيره كما فعل طعمة باليهودي ، أو ~~يظلم نفسه بارتكاب الفواحش ، التي يعود معظم ضررها على نفسه كشرب الخمر ، ~~وترك فرائض الله التي فرضها على عباده ؛ ثم بعد كل ذلك ( @QUR@02 يستغفر ~~الله ) بأن يتوب إليه توبة صادقة نصوحا «يجد الله» بفضله وكرمه ( @QUR@02 ~~غفورا رحيما ) أى كثير الغفران لعباده التائبين ، واسع الرحمة إليهم. # فالمراد بعمل السوء هنا على أرجح الأقوال العمل السيئ الذي يكون فيه أذى ~~للغير كالقذف والشتم والسب وما يشبه ذلك. PageV03P301 # والمراد بظلم النفس : الأعمال السيئة التي يعود ضررها ابتداء على فاعلها ~~نفسه كشرب الخمر ، وترك الصلاة أو الصيام وما يشبه ذلك. # وإنما فسروا كل جملة بهذا التفسير المغاير للأخرى لوجود المقابلة بينهما. # وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : ( @QUR@03 ومن يعمل سوءا ) أى ~~عملا قبيحا يسوء به غيره كما فعل طعمة بقتادة واليهودي ( @QUR@03 أو يظلم ~~نفسه ) بما يختص به كالحلف الكاذب. وقيل ومن يعمل سوءا من ذنب دون الشرك أو ~~يظلم نفسه بالشرك. وهذا بعث لطعمة على الاستغفار والتوبة أو لقومه لما فرط ~~منهم من نصرته والذب عنه (1). # والتعبير «بثم» في قوله ( @QUR@03 ثم يستغفر الله ) للإشارة إلى ما بين ~~المعصية والاستغفار من تفاوت معنوي شاسع. إذ المعصية تؤدى بفاعلها إلى ~~الخسران أما الاستغفار الذي تصحبه التوبة الصادقة فيؤدى إلى الفلاح ~~والسعادة. # وقوله ( @QUR@04 يجد الله غفورا رحيما ) يفيد أن الله تعالى يستجيب لطلب ~~الغفران من عبده متى تاب إليه وأناب ، لأنه سبحانه قد وصف نفسه بأنه كثير ~~المغفرة والرحمة لعباده ، متى أقبلوا على طاعته بقلب سليم ، ونية صادقة. # ثم بين سبحانه بأن ms1386 الأفعال السيئة يعود ضررها على صاحبها وحده فقال تعالى ~~( @QUR@011 ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه ، وكان الله عليما حكيما ). # والكسب كما يقول الراغب ما يتحراه الإنسان مما فيه اجتلاب نفع وتحصيل حظ ~~، ككسب المال. وقد يستعمل فيما يظن الإنسان أنه يجلب منفعة له ثم استجلب به ~~مضرة. وقد ورد في القرآن في فعل الصالحات والسيئات فمما استعمل في الصالحات ~~قوله : ( @QUR@05 أو كسبت في إيمانها خيرا ). ومما استعمل في السيئات قوله ~~: ( @QUR@04 إن الذين يكسبون الإثم ) (2). # ومنه قوله تعالى هنا ( @QUR@07 ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه ) # أى. ومن يرتكب إثما من الآثام التي نهى الله عن ارتكابها ، فإن ضرر ذلك ~~يعود على نفسه وحدها. وما دام الأمر كذلك فعلى العاقل أن يبتعد عن الذنوب ~~والآثام حتى ينجو من العقاب. # وقوله ( @QUR@04 وكان الله عليما حكيما ) تذييل قصد به التحذير من سوء ~~عاقبة اكتساب الآثام. # أى : وكان الله عليما بما في قلوب الناس وبما يقولون ويفعلون ، حكيما في ~~كل ما قدر وقضى. PageV03P302 # وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر ثم بين سبحانه المصير السيئ ~~الذي ينتظر أولئك الذين يرتكبون السوء ثم يرمون به غيرهم فقال : ( @QUR@014 ~~ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا ). # وقد قيل : إن الخطيئة والإثم هنا بمعنى واحد وقد جيء بهما على اختلاف ~~لفظيهما للتأكيد المعنوي. ولم يرتض كثير من العلماء هذا القيل بل قالوا هما ~~متغايران. وأن المراد بالخطيئة : المعصية الصغيرة. والمراد بالإثم : ~~المعصية الكبيرة. وقال آخرون : الفرق بين الخطيئة والإثم أن الخطيئة تكون ~~عن عمد وعن غير عمد. والإثم لا يكون إلا عن عمد. # ويبدو لنا من تعبير القرآن عن الخطيئة أن المراد بها الذنوب التي يرتكبها ~~صاحبها عن استهانة وعدم اكتراث ، لأنه لكثرة ولوغه في الشرور صار يأتيها ~~بلا مبالاة. قال تعالى ( @QUR@07 بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ) وقال ~~تعالى ( @QUR@05 مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا ). # وأن المراد بالإثم هنا : الذنوب التي يرتكبها الإنسان عن تعمد وإصرار ~~فتؤدى ms1387 به إلى الإبطاء عن الاتجاه إلى الله بالاستغفار والتوبة ، لأن الإثم ~~كما يقول الراغب : اسم للأفعال المبطئة عن الثواب (1). # والبهتان كما يقول القرطبي من البهت بمعنى الدهش والتحير من فظاعة ما رمى ~~به الإنسان من كذب وهو أن تستقبل أخاك بأن تقذفه بذنب وهو منه برىء. وروى ~~مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال. أتدرون ما ~~الغيبة؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال. ذكرك أخاك بما يكره قال. أفرأيت إن ~~كان في أخى ما أقول؟ قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته. وإن لم يكن فيه ~~فقد بهته. ثم قال القرطبي وهذا نص. فرمى البريء بهت له. يقال. بهته بهتا ~~وبهتانا إذا قال عليه ما لم يفعله (2). # والمعنى : «ومن يكسب خطيئة» أى ذنبا من الذنوب التي يرتكبها صاحبها عن ~~استهانة لكثرة تعوده على ارتكاب السيئات ، أو يرتكب ( @QUR@01 إثما ) من ~~الآثام التي تبطئه عن رضا الله ورحمته «ثم يرم به بريئا» أى : ينسبه إلى ~~غيره من الأبرياء مع أنه هو الذي اقترفه ( @QUR@02 فقد احتمل ) أى : فقد ~~تحمل بسبب فعله ذلك ( @QUR@01 بهتانا ) أى كذبا يجعل من رمى به في حيرة ~~ودهشة ، وتحمل أيضا ( @QUR@02 إثما مبينا ) أى ذنبا واضحا بينا لا خفاء فيه ~~يؤدى به إلى غضب الله وسخطه. # قال الجمل وقوله (به) في هذه الهاء أقوال : PageV03P303 # أحدها : أنها تعود على ( @QUR@01 إثما ) والمتعاطفان بأو يجوز أن يعود ~~الضمير على المعطوف كما في هذه الآية وعلى المعطوف عليه كما في قوله تعالى ~~( @QUR@09 وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما ). # الثاني : أنها تعود على الكسب المدلول عليه بالفعل نحو (اعدلوا هو أقرب ~~للتقوى) أى العدل. # الثالث : أنها تعود على أحد المذكورين الدال عليه العطف بأو فإنه في قوة ~~ثم يرم بأحد المذكورين (1). # وقال الفخر الرازي : واعلم أن صاحب البهتان مذموم في الدنيا أشد الذم ~~ومعاقب في الآخرة أشد العقاب. فقوله : ( @QUR@03 فقد احتمل بهتانا ) إشارة ~~إلى ما يلحقه من الذم العظيم في الدنيا. وقوله ( @QUR@02 وإثما مبينا ) ~~إشارة ms1388 إلى ما يلحقه من العقاب العظيم في الآخرة (2). # وبهذا نرى أن هذه الآيات الثلاثة قد بينت مراتب العصاة أمام الله تعالى ~~وفتحت لهم باب التوبة ليثوبوا إلى رشدهم ، وتوعدت المصرين على معاصيهم بسوء ~~المصير. # ثم بين سبحانه مظاهر فضله على نبيه صلى الله عليه وسلم فقال : ( @QUR@019 ~~ولو لا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا ~~أنفسهم وما يضرونك من شيء ). # أى : ولو لا فضل الله عليك ورحمته بك يا محمد بأن وهبك النبوة ، وعصمك من ~~كيد الناس وأذاهم ، وأحاطك علما بما يبيتونه من سوء لو لا ذلك ( @QUR@03 ~~لهمت طائفة منهم ) أى : من هؤلاء الذين يختانون أنفسهم وهم طعمة وأشياعه ~~الذين دافعوا عنه ، ومن كان على شاكلتهم في النفاق والجدال بالباطل ( ~~@QUR@02 أن يضلوك ) أى : لهمت طائفة من هؤلاء الذين في قلوبهم مرض أن يضلوك ~~عن القضاء بالحق بين الناس ، ولكن الله تعالى حال بينهم وبين هذا الهم ~~بإشعارهم بأن ما يفعلونه معك من سوء سيكشفه الله لك عن طريق الوحى. # وقوله ( @QUR@04 وما يضلون إلا أنفسهم ) أى : أنهم بمحاولتهم إخفاء الحق ~~والدفاع عن الخائن ، وتعاونهم على الإثم والعدوان ، ما يضلون إلا أنفسهم ، ~~لأن سوء عاقبة ذلك ستعود عليهم وحدهم ، أما أنت يا محمد فقد عصمك الله من ~~شرورهم ، وحماك من كل انحراف عن الحق والعدل. # وقوله ( @QUR@04 وما يضرونك من شيء ) معطوف على ما قبله. أى هم بمحاولتهم ~~إخفاء الحق PageV03P304 # ما يضرونك بأى قدر من الضر. لأنك إنما قضيت بينهم بما هو الظاهر من ~~أحوالهم ، وهو الذي تحكم بمقتضاه ، أما الأمور الخفية التي تخالف الحق ~~فمرجع علمها إلى الله وحده. # و ( @QUR@01 من ) في قوله ( @QUR@02 من شيء ) زائدة لتأكيد النفي. وشيء ~~أصله النصب على أنه مفعول مطلق لقوله ( @QUR@01 يضرونك ). أى : وما يضرونك ~~شيئا من الضرر وقد جر لأجل حرف الجر الزائد. # وقوله ( @QUR@015 وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم ~~وكان فضل الله عليك عظيما ) معطوف على قوله ( @QUR@04 وما يضرونك من شيء ) ~~لزيادة التقرير ، ولزيادة بيان ما ms1389 وهبه الله تعالى لنبيه من خير ورعاية ~~وعصمة أى : أن الله تعالى قد امتن عليك يا محمد بأن أنزل عليك القرآن الذي ~~يهدى للتي هي أقوم ، وأنزل عليك الحكمة أى العلم النافع الذي يجعلك تصيب ~~الحق في قولك وعملك «وعلمك ما لم تكن تعلم» من أخبار الأولين والآخرين ، ~~ومن خفيات الأمور ، ومن أمور الدين والشرائع. # ( @QUR@05 وكان فضل الله عليك عظيما ) أى وكان فضل الله عليك عظيما عظما ~~لا تحده عبارة ، ولا تحيط به إشارة. # فالآية الكريمة فيها ما فيها من التنويه بشأن الرسول صلى الله عليه وسلم ومن ~~مظاهر فضل الله عليه ورحمته به. # وبعد فإن المتأمل في هذه الآيات الكريمة ، ليراها تهدى الناس إلى ما ~~يسعدهم في كل زمان ومكان متى اتبعوا توجيهاتها وإرشاداتها. # إنها تأمرهم في شخص نبيهم صلى الله عليه وسلم أن يلتزموا الحق في كل أقوالهم ~~وأعمالهم ، حتى ولو كان الذي عليه الحق من أقرب الناس إليهم ، وكان الذي له ~~الحق من أعدى أعدائهم ، وتنهاهم عن الدفاع عن الخائنين الذين يستخفون من ~~الناس ولا يستخفون من الله ، وتبين لهم أن دفاعهم عنهم لن يفيده أمام الله ~~تعالى . # ثم تفتح للعصاة باب التوبة لكي يفيئوا إلى رشدهم ويعودوا إلى طاعة ربهم ~~وتخبرهم أن شؤم المعصية سيعود إليهم وحدهم ... وتنبههم إلى أن من أشد ~~الذنوب عند الله تعالى أن يفعل الشخص فاحشة ثم يقذف بها غيره. # ثم تسوق الآيات في ختامها جانبا من فضل الله على نبيه ورحمته به ، لكي ~~يزداد ثباتا واطمئنانا» ويزداد أعداؤه خوفا وضعفا واضطرابا. # وهكذا نرى الآيات الكريمة تهدى الناس إلى الحق الذي لا يميل مع الهوى ، ~~ولا مع العصبية. ولا يترجح مع الحب أو البغض حتى ولو كان الذي عليه الحق ~~ممن يظهرون الإسلام PageV03P305 # ويعاملون معاملة المسلمين ، وكان الذي له الحق من اليهود الذين لم يتركوا ~~مسلكا لمحاربة الدعوة الإسلامية إلا سلكوه والذين يعرفون الحق كما يعرفون ~~أبناءهم ومع ذلك أنكروه وحاربوه. # فهل رأيت أخى القارئ عدالة تقترب من هذه العدالة في سموها ms1390 ونقائها ~~واستقامة منهجها؟ # إن هذه الآيات لتشهد بأن هذا القرآن من عند الله ، لأن البشر مهما ~~استقامت طبائعهم ، فإنهم ليس في استطاعتهم أن يصلوا إلى هذا المستوي الرفيع ~~الذي تشير إليه الآيات ، والذي يكشف لكل عاقل أن هذا القرآن من عند الله ( ~~@QUR@010 ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ). # * * * # ثم بين سبحانه بعد ذلك أن كثيرا من كلام الناس لا خير فيه ، وأن العاقل ~~هو الذي يحرص على القول النافع والعمل الطيب. وأن الذين يتبعون الطريق ~~المخالف لطريق الحق سينالهم عذاب شديد من خالقهم فقال سبحانه : # ( @QUR@026 لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح ~~بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما (114) ~~@QUR@020 ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ) (115) # وقوله تعالى : ( @QUR@016 لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو ~~معروف أو إصلاح بين الناس ). إشارة إلى ما جبل عليه كثير من الناس من ~~إخفاء الأقوال أو الأعمال التي فيها شر ومضرة ، ومن إعلان الأقوال أو ~~الأفعال التي من ورائها خير ومنفعة. وقوله ( @QUR@01 نجواهم ) أى : مما ~~يتناجى به الناس ويتكلمون فيه. والنجوى : اسم مصدر بمعنى المسارة. يقال : ~~نجوته نجوا PageV03P306 # ونجوى وناجيته مناجاة. أى : ساررته بكلام على انفراد. وأصله : أن تعلو ~~بمن تناجيه بسر معين في نجوة من الأرض. أى في مكان مرتفع منفصل بارتفاعه ~~عما حوله. وقيل : أصله من النجاة ، لأن الإسرار بالشيء فيه معاونة على ~~النجاة. وتطلق النجوى على القوم المتناجين كما في قوله تعالى ( @QUR@011 ~~نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى ). # والضمير في قوله ( @QUR@02 من نجواهم ) يعود إلى الناس جميعا ، ويدخل فيه ~~أولئك الذين كانوا يختانون أنفسهم ومن على شاكلتهم دخولا أوليا. # والمعروف كما يقول الآلوسى هو كل ما عرفه الشرع واستحسنه ، فيشمل جميع ~~أنواع البر كقرض وإغاثة ملهوف وإرشاد ضال إلى غير ذلك. ويراد به ms1391 هنا ما عدا ~~الصدقة وما عدا ما أشير إليه بقوله تعالى ( @QUR@04 أو إصلاح بين الناس ) (1). # والمعنى : لا خير في كثير من الكلام الذي يتناجى فيه الناس ، ويتحدثون به ~~سرا ، إلا في نجوى من أمر غيره سرا بصدقة يزكى بها ماله ، وينفع بها ~~المحتاج إليها ، أو من أمر غيره بالإكثار من أعمال البر ، أو القيام ~~بالإصلاح بين الناس المتخاصمين لكي يعودوا إلى ما كانوا عليه من الألفة ~~والإخاء والصفاء. # قال الجمل : وقوله ( @QUR@03 إلا من أمر ). في هذا الاستثناء قولان : # أحدهما : متصل والثاني : أنه منقطع. وهما مبنيان على أن النجوى يجوز أن ~~يراد بها المصدر كالدعوى فتكون بمعنى التناجي أى التحدث. وأن يراد بها ~~القوم المتناجون إطلاقا للمصدر على الواقع منه مجازا. # فعلى الأول يكون منقطعا ، لأن من أمر ليس مناجاة ، فكأنه قيل : لكن من ~~أمر بصدقة ففي نجواه الخير وإن جعلنا النجوى بمعنى المتناجين كان متصلا. ~~وقوله ( @QUR@03 إلا من أمر ). إما منصوب على الاستثناء المنقطع إن جعلته ~~منقطعا في لغة الحجازيين. أو على أصل الاستثناء إن جعلته متصلا. وإما مجرور ~~على البدل من كثير ، أو من نجواهم ، أو صفة لأحدهما (2). # فأنت ترى أن الآية الكريمة قد أخرجت من التناجي المذموم ثلاث خصال هي ~~جماع الخير ، وذلك لأن الصدقة التي يخرجها الإنسان تكون سببا في تزكية ماله ~~، وحسن ثوابه ، ونشر المحبة والمودة بين الناس. # والتعبير بقوله ( @QUR@04 إلا من أمر بصدقة ) يفيد الدعوة إليها ، والحث ~~على بذلها سرا ما دامت المصلحة تقتضي ذلك. PageV03P307 # أما المعروف وهو النوع الثاني من التناجي المحمود فهو كما يقول القرطبي ~~لفظ يعم كل أعمال البر. ففي الحديث الشريف (كل معروف صدقة وإن من المعروف ~~أن تلقى أخاك بوجه طلق) وقال على بن أبى طالب : (لا يزهدنك في المعروف كفر ~~من كفره ، فقد يشكر الشاكر بأضعاف جحود الجاحد). # وقال الماوردي : ينبغي لمن يقدر على إسداء المعروف أن يعجله حذار فواته ، ~~ويبادر به خيفة عجزه ، وليعلم أنه من فرض زمانه ، وغنائم إمكانه ، ولا ~~يهمله ثقة بالقدرة عليه ، فكم من واثق ms1392 بالقدرة ففاتت فأعقبت ندما. # وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لكل شيء ثمرة وثمرة المعروف ~~السراح أى التعجيل ومن شرط المعروف ترك الامتنان به ، وترك الإعجاب بفعله. ~~لما فيهما من إسقاط الشكر ، وإحباط الأجر. قال بعض الشعراء : # زاد معروفك عندي عظما %~% أنه عندك مستور حقير تتناساه كأن لم تأته %~% وهو عند الناس مشهور خطير (1) # والأمة التي يفشو فيها قول المعروف وفعله ، تسودها السعادة ، وتظلها ~~المحبة والمودة والرحمة. # وأما الإصلاح بين الناس فهو فريضة اجتماعية يقوم بها من صفت نفوسهم وقويت ~~عزائمهم ، ورسخ إيمانهم. # وقد حض القرآن على الإصلاح بين الناس سواء أكانوا جماعات أم أفرادا لأن ~~التخاصم والتنازع يؤدى إلى انتشار العداوات والمفاسد بين الناس. قال تعالى ~~: ( @QUR@010 إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ~~ترحمون ). # وقد ساق الإمام ابن كثير جملة من الأحاديث التي تحض على الإصلاح بين ~~الناس ومن ذلك ما رواه ابن مردويه عن محمد بن يزيد بن حنيش قال : دخلنا على ~~سفيان الثوري نعوده. فدخل علينا سعيد بن حسان فقال له الثوري الحديث الذي ~~كنت حدثتنيه عن أم صالح أردده على. فقال : حدثتني أم صالح عن صفية بنت شيبة ~~عن أم حبيبة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «كلام ابن آدم كله ~~عليه لا له. إلا ذكر الله تعالى أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر». فقال سفيان ~~: أو ما سمعت الله في كتابه يقول : ( @QUR@016 لا خير في كثير من نجواهم ~~إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ). فهو هذا بعينه. # وروى الجماعة سوى ابن ماجة عن أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم PageV03P308 # يقول : «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمى خيرا أو يقول خيرا». وقالت ~~: لم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث : في الحرب. والإصلاح ~~بين الناس. وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها). # وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن أبى الدرداء قال : قال رسول ~~صلى ms1393 الله عليه وسلم : «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ ~~قالوا : بلى. يا رسول الله!! قال إصلاح ذات البين». قال : «وفساد ذات البين ~~هي الحالقة» (1). # ففي هذه الأحاديث الشريفة دعوة قوية إلى الإصلاح بين الناس حتى يعيشوا في ~~أمان واطمئنان. # وبذلك نرى أن هذه الأمور الثلاثة التي أخرجها الله تعالى من التناجي ~~المذموم هي جماع الخير الإنسانى والاجتماعى. # وقد أشار الإمام الرازي إلى ذلك بقوله : هذه الآية وإن نزلت في مناجاة ~~بعض قوم ذلك السارق مع بعض إلا أنها في المعنى عامة. والمراد : لا خير فيما ~~يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث إلا ما كان من أعمال الخير ثم إنه ~~تعالى ذكر من أعمال الخير ثلاثة أنواع : الأمر بالصدقة. والأمر بالمعروف. ~~والإصلاح بين الناس. # وإنما ذكر الله تعالى هذه الأقسام الثلاثة ، لأن عمل الخير إما أن يكون ~~بإيصال المنفعة أو بدفع المضرة. أما إيصال الخير : فإما أن يكون من الخيرات ~~الجسمانية وهو إعطاء المال. وإليه الإشارة بقوله : ( @QUR@04 إلا من أمر ~~بصدقة ). وإما أن يكون من الخيرات الروحانية وهو عبارة عن تكميل القوة ~~النظرية بالعلوم ، أو تكميل القوة العملية بالأفعال الحسنة. ومجموعهما ~~عبارة عن الأمر بالمعروف. وإليه الإشارة بقوله ( @QUR@02 أو معروف ) وأما ~~إزالة الضرر فإليها الإشارة ( @QUR@04 أو إصلاح بين الناس ) فثبت أن مجامع ~~الخيرات مذكورة في هذه الآية (2). # ثم بين سبحانه حسن عاقبة من يقوم بفعل هذه الفضائل فقال : ( @QUR@010 ومن ~~يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما ). # أى : ومن يفعل ذلك المذكور من الصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس ، ~~قاصدا بفعله رضا الله وحسن مثوبته ، فسوف نؤتيه أجرا عظيما لا يعرف مقداره ~~إلا الله تعالى . وقال سبحانه ومن يفعل ذلك ولم يقل ومن يأمر بذلك كما جاء ~~في صدر الآية. لأن المقصود PageV03P309 # الترغيب في هذا الفعل الحسن ، لأن الأمر بالخير إذا دخل في زمرة الخيرين ~~كان الفاعل أحرى بالدخول في زمرتهم. # وفي تقييد الفعل بكونه ابتغاء مرضاة الله ، تحريض على إخلاص النية ، لأن ~~الأعمال بالنيات ، وإذا صاحب الرياء ms1394 الأعمال أبطلها ومحق بركتها. # والتعبير بسوف هنا لتأكيد الوقوع في المستقبل. أى. فسوف نؤتيه أجرا لا ~~يحيط به نطاق الوصف ، ولن نبخسه شيئا من حقه حتى ولو كان هذا الشيء بالغا ~~النهاية في الصغر. # ثم بين سبحانه سوء عاقبة الذين يسيرون في طريق الباطل ، ويتركون طريق ~~الحق فقال تعالى : ( @QUR@020 ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ~~ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ، ونصله جهنم وساءت مصيرا ). # وقوله ( @QUR@01 يشاقق ) من المشاقة بمعنى المعاداة والمخالفة المقصودة. ~~وهي من الشق لأن المخالف كأنه يختار شقا يكون فيه غير شق الآخر. # فقوله ( @QUR@03 ومن يشاقق الرسول ) أى : من يخالفه ويعاديه. # وقوله ( @QUR@06 من بعد ما تبين له الهدى ) أى يخالفه ويعاديه من بعد ما ~~اتضح له الحق ، وقام لديه الدليل على صحة دين الإسلام. # وقوله ( @QUR@04 ويتبع غير سبيل المؤمنين ) معطوف على يشاقق. أى : ويتبع ~~طريقا غير طريق الإسلام التي سار فيها المؤمنون ، واعتقدوا صحتها وسلامتها ~~من كل سوء. من يفعل ذلك. نوله ما تولى ، أى نجعله كما يقول الآلوسى واليا ~~لما تولاه من الضلال. أو نخل بينه وبين ما اختار لنفسه من الضلال في ~~الدنيا. أو نكله في الآخرة إلى ما اتكل عليه في الدنيا وانتصر به من ~~الأوثان وغيرها. # قال صاحب المنار : والذي أريد توجيه الأذهان إلى فهمه هو أن هذه الجملة ~~مبينة لسنة الله تعالى في عمل الإنسان. ومقدار ما أعطيه من الإرادة ~~والاستقلال والعمل بالاختيار. فالوجهة التي يتولاها في حياته ، والغاية ~~التي يقصدها من عمله ، يوليه الله إياها ويوجهه إليها. أى : يكون بحسب سنته ~~تعالى واليا لها وسائرا على طريقها. فلا يجد من القدرة الإلهية ما يجبره ~~على ترك ما اختار لنفسه. ولو شاء سبحانه لهدى الناس أجمعين بخلقهم على حالة ~~واحدة في الطاعة كالملائكة ، ولكنه شاء أن يخلقهم على ما نراهم عليه الآن ~~من تفاوت في الاستعداد والإدراك وعمل كل فرد بحسب ما يرى أنه خير له وأنفع ~~في عاجله أو آجله أو فيهما جميعا (1)... PageV03P310 # وقوله ( @QUR@04 ونصله جهنم وساءت ms1395 مصيرا ) وعيد شديد لأولئك المخالفين ~~لطريق الحق. وأصل الصلى : إيقاد النار ولزومها وقت الاستدفاء. يقال صلى ~~بالنار أى : بلى بها. وصليت الشاة : شويتها وهي مصلية. # والمعنى : ومن يخالف طريق الحق نوله ما تولى وندخله في الآخرة جهنم ليشوى ~~فيها كما تشوى الشاة ، وساءت جهنم مكانا لمن صار إليها ، وحل فيها. # قال ابن كثير : والذي عول عليه الشافعى ي رحمه الله في الاحتجاج على كون ~~الإجماع حجة تحرم مخالفته هذه الآية الكريمة بعد التروي والفكر الطويل. وهو ~~من أحسن الاستنباطات وأقواها. وإن كان بعضهم قد استشكل ذلك فاستبعد الدلالة ~~على ذلك ... (1). # وبهذا نرى أن الآيتين الكريمتين قد بشرتا من يفعل الخير ابتغاء مرضاة ~~الله بالأجر العظيم ، وأنذرتا من يخالف طريق أهل الحق بالعذاب الأليم ، ( ~~@QUR@014 ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم ) # * * * # ثم حذر سبحانه من الشرك وتوعد المشركين الذين اتخذوا الشيطان وليا من دون ~~الله بالعذاب المهين فقال تعالى : # ( @QUR@020 إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن ~~يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا (116) @QUR@011 إن يدعون من دونه إلا إناثا ~~وإن يدعون إلا شيطانا مريدا (117) @QUR@08 لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك ~~نصيبا مفروضا (118) @QUR@014 ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان ~~الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا PageV03P311 # @QUR@07 من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا (119) @QUR@07 يعدهم ويمنيهم ~~وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (120) @QUR@07 أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون ~~عنها محيصا ) (121) # ذكر بعض المفسرين عن ابن عباس في سبب نزول قوله تعالى ( @QUR@013 إن الله ~~لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ). الآية : أن شيخا من ~~العرب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنى شيخ منهمك في الذنوب. ~~إلا أنى لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته وآمنت به. ولم أتخذ من دونه وليا ، ~~ولم أوقع المعاصي جراءة. وما توهمت طرفة عين أنى أعجز الله هربا. وإنى ~~لنادم تائب. فما ترى حالي عند الله تعالى ؟ فنزلت (1). # والمراد ms1396 بالشرك هنا : مطلق الكفر سواء أكان هذا الكفر من أهل الكتاب أم ~~من العرب أم من غيرهم. # والمعنى : إن الله لا يغفر لكافر مات على كفره ، ويغفر ما دون الكفر من ~~الذنوب والمعاصي لمن يشاء أن يغفر له ممن اقترفها إذا مات من غير توبة. فمن ~~مات منهم بدونها فهو تحت مشيئة الله إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة ، وإن شاء ~~عذبه ثم أدخله الجنة. # وأما قوله ( @QUR@017 قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من ~~رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ). فمقيد بالمشيئة أى : يغفر الذنوب ~~جميعا لمن شاء أن يغفر له. ومقيد أيضا بما عدا الشرك. أى يغفر الذنوب جميعا ~~إلا الشرك فإنه لا يغفره لمن مات عليه. # ثم بين سبحانه سوء حال المشركين فقال : ( @QUR@07 ومن يشرك بالله فقد ضل ~~ضلالا بعيدا ) والضلال هو السير في غير الطريق الموصل إلى النجاة. # أى : ومن يشرك بالله تعالى بأن يعبد سواه ، أو يجعل معه شريكا في العبادة ~~فقد سار في طريق الشرور والآثام سيرا بعيدا ينتهى به إلى الهلاك ، ويفضى به ~~إلى العذاب المهين. # وهذه الآية قد مر الكلام مفصلا في آية تشبهها من هذه السورة وهي قوله ~~تعالى ( @QUR@020 إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. ~~ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ) (2). PageV03P312 # قالوا : وقد ختمت هذه الآية بقوله : ( @QUR@07 ومن يشرك بالله فقد افترى ~~إثما عظيما ) لأنها في شأن أهل الكتاب من اليهود وهم عندهم علم بصحة نبوته ~~صلى الله عليه وسلم وبأن شريعته ناسخة لجميع الشرائع ومع ذلك فقد حملهم الحسد ~~على إنكار الحق ، فصار فعلهم هذا افتراء بالغ العظم في الكذب والجرأة على الله. # وختمت الآية التي معنا بقوله تعالى : ( @QUR@07 ومن يشرك بالله فقد ضل ~~ضلالا بعيدا ) لأنها في قوم مشركين لم يعرفوا من قبل كتابا ولا وحيا ، ~~فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ، وميز لهم طريق الرشد ~~من طريق الغي ، ولكنهم لم يتبعوه فكان فعلهم ms1397 هذا ضلالا واضحا عن طريق الحق. ~~وابتعادا شديدا عن الصراط المستقيم. # ثم فصل سبحانه ما عليه المشركون من ضلال فقال : ( @QUR@06 إن يدعون من ~~دونه إلا إناثا ). # و ( @QUR@01 إن ) هنا هي النافية. ويدعون من الدعاء وهو هنا بمعنى ~~العبادة لأن من عبد شيئا فإنه يدعوه عند احتياجه إليه. # والمراد بالإناث : الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله. # أى : أن هؤلاء المشركين ما يعبدون من دون الله إلا أصناما ، أو ما ينادون ~~من دون الله لقضاء حوائجهم إلا أوثانا لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا. # وعبر عن الأصنام بالإناث لأن المشركين سموا أكثر هذه الأصنام بأسماء ~~الإناث ، كاللات والعزى ومناة. # قال الحسن : كان لكل حي من أحياء العرب صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بنى ~~فلان وكانوا يزينونه بالحلى كالنساء. # وقيل : المراد بالإناث هنا الملائكة ، لأن بعضهم كان يعبد الملائكة ~~ويقولون عنها : بنات الله. قال تعالى ( @QUR@07 وجعلوا الملائكة الذين هم ~~عباد الرحمن إناثا ). # وقيل : المراد بها هنا : الجمادات التي لا حياة فيها ومع ذلك يعبدونها. # قال أبو حيان : قال الراغب : أكثر ما عبدته العرب من الأصنام كانت أشياء ~~منفعلة غير فاعلة. فبكتهم الله أنهم مع كونهم فاعلين من وجه يعبدون ما ليس ~~هو إلا منفعلا من كل وجه. وعلى هذا نبه إبراهيم عليه السلام أباه بقوله : ( ~~@QUR@013 يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ) (1). PageV03P313 # وقد رجح ابن جرير القول الأول فقال : وأولى التأويلات التي ذكرت بتأويل ~~ذلك تأويل من قال : عنى بذلك الآلهة التي كان مشركو العرب يعبدونها من دون ~~الله ، ويسمونها بالإناث من الأسماء كاللات والعزى ونائلة ومناة وما أشبه ذلك. # وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية ؛ لأن الأظهر من معاني الإناث في كلام ~~العرب ، ما عرف بالتأنيث دون غيره فإذا كان ذلك كذلك فالواجب توجيه تأويله ~~إلى الأشهر من معانيه. فكأنه تعالى يقول : فحسب هؤلاء الذين أشركوا بالله ~~وعبدوا ما عبدوا من دونه حجة عليهم في ضلالهم وكفرهم أنهم يعبدون إناثا. ~~والإناث من كل شيء أخسه. فهم ms1398 يقرون للخسيس من الأشياء بالعبودية على علم ~~منهم بخساسته ويمتنعون من إخلاص العبودية للذي ملك كل شيء وبيده الخلق ~~والأمر (1). # وقوله ( @QUR@05 وإن يدعون إلا شيطانا مريدا ) بيان لما دفعهم إلى الوقوع ~~في ذلك الضلال الذي انغمسوا فيه. # ومريدا. أى عاتيا متمردا بالغا الغاية في الشرور والفساد. # قال الراغب : والمارد والمريد من شياطين الجن والإنس المتعرى من الخيرات. ~~من قولهم شجر أمرد إذا تعرى من الورق. ومنه قيل رملة مرداء أى : لم تنبت ~~شيئا. ومنه الأمرد لتجرده عن الشعر (2). # فأصل مادة مرد للملاسة والتجرد. ومنه قوله تعالى ( @QUR@02 صرح ممرد ) أى ~~أملس. ووصف الشيطان بالتمرد لتجرده للشر. وعدم علوق شيء من الخير به. أو ~~لظهور شره ظهور عيدان الشجرة المرداء. # والمعنى : إن هؤلاء المشركين ما يعبدون من دون الله إلا أصناما سموها ~~بأسماء الإناث ، وما يطيعون في عبادتها إلا شيطانا عاتيا متجردا من كل خير ~~، ومتعريا من كل فضيلة. فهذا الشيطان الشرير دعاهم لعبادة غير الله ~~فانقادوا له انقيادا تاما. وخضعوا له خضوعا لا مكان معه لتعقل أو تدبر. # وقوله ( @QUR@01 مريدا ) صفة لشيطان. وقوله ( @QUR@02 لعنه الله ) صفة ~~ثانية. أى : طرده من رحمته طردا مقترنا بسخط وغضب. # ثم حكى سبحانه أن الشيطان قد أقسم بأنه لن يكف عن إبعاد بنى آدم عن طريق الحق PageV03P314 # فقال : ( @QUR@06 وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ): # أى : أن الشيطان قال مؤكدا ومقسما لأتخذن من عبادك الذين هم من ذرية آدم ~~، نصيبا مفروضا. أى : لأجعلن لي منهم مقدارا معينا قليلا كان أو كثيرا ، ~~وهم الذين سأصرفهم عن الطريق الحق ، وسأجعلهم خاضعين لوسوستى ومنقادين ~~لأمري. وقوله ( @QUR@01 لأتخذن ) من الاتخاذ وهو أخذ الشيء على جهة ~~الاختصاص. وقوله ( @QUR@01 مفروضا ) من الفرض بمعنى القطع. وأطلق هنا على ~~العدد المعين من الناس لاقتطاعه عن سواه من صالحي المؤمنين. فكل من أطاع ~~الشيطان من بنى آدم فهو نصيبه المقطوع منهم له. # وجملة ( @QUR@06 وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ) معطوفة على الجملة ~~المتقدمة عليها. أى : أن هؤلاء المشركين ما يطيعون في عبادتهم لغير الله ~~إلا شيطانا ms1399 مريدا جامعا بين لعنة الله تعالى له ، وبين هذا القول الشنيع ~~الصادر منه عند اللعن. # أما الأمر الثاني والثالث اللذان توعد الشيطان بهما بنى آدم فقد حكاهما ~~سبحانه في قوله ( @QUR@02 ولأضلنهم ولأمنينهم ) أى : ولأضلنهم عن طريق الحق ~~فأجعلهم يسيرون في طريق الباطل إلى نهايته ، ولأمنينهم الأمانى الفارغة. ~~بأن أجعلهم يجرون وراء الأحلام الكاذبة ، والأوهام الفاسدة. والأطماع التي ~~تسيطر على نفوسهم وعقولهم ، وبذلك يكونون من جندي ، ويخضعون لأمري. # أما الأمر الرابع الذي توعد الشيطان به بنى آدم فقد حكاه سبحانه في قوله ~~( @QUR@04 ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ). # قال الراغب : البتك يقارب البت لكن البتك يستعمل في قطع الأعضاء والشعر. ~~يقال بتك شعره وأذنه أى قطعها أو شقها ومنه سيف باتك أى قاطع للأعضاء. وأما ~~البت فيقال في قطع الحبل (1). # وكانوا في الجاهلية إذا ولدت الناقة خمسة أبطن وجاء الخامس ذكرا قطعوا ~~أذنها أو شقوها شقا واسعا علامة على أنهم حرموا على أنفسهم الانتفاع بها ~~وجعلوها للطواغيت وسموها بحيرة أى المشوقة الأذن. # والمراد : أنه يأمرهم بعبادة غير الله وبالأمانى الباطلة. وبتقطيع آذان ~~الأنعام تقربا للطواغيت والأوثان فيسارعون إلى إجابته ، وينقادون لوسوسته. PageV03P315 # أما الأمر الخامس الذي توعد الشيطان به بنى آدم فقد حكاه سبحانه في قوله ~~( @QUR@04 ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ). # قال ابن كثير : أى دين الله. وهذا كقوله : ( @QUR@014 فأقم وجهك للدين ~~حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ) على قول من جعل ~~ذلك أمرا أى : لا تبدلوا فطرة الله ، ودعوا الناس على فطرتهم. كما ثبت في ~~الصحيحين عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «كل مولود ~~يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. كما تلد البهيمة ~~بهيمة جمعاء. هل تجدون بها من جدعاء؟» وفي صحيح مسلم عن عياض بن حماد قال : ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى : «إنى خلقت عبادي حنفاء ~~فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم» (1). # وقال بعضهم : المراد بتغيير خلق الله تغيير الصور التي ms1400 خلق الله عليها ~~مخلوقاته ، كفقأ عين فحل الإبل في بعض الأحوال ، وقطع الآذان ، والوشم ، ~~وما يشبه ذلك مما كانوا يفعلونه في جاهليتهم اتباعا للشيطان. # وقد رجح ابن جرير أن المراد بتغيير خلق الله : تغيير دين الله فقال ما ~~ملخصه : «وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك قول من قال : معناه : ~~ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ، قال : دين الله. وذلك لدلالة الآية الأخرى على ~~أن ذلك معناه وهي قوله : ( @QUR@013 فطرت الله التي فطر الناس عليها لا ~~تبديل لخلق الله ، ذلك الدين القيم ). وإذا كان ذلك معناه ، دخل في ذلك ~~فعل كل ما نهى الله عنه من خصاء ما لا يجوز خصاؤه ، ووشم ما نهى عن وشمة ، ~~وغير ذلك من المعاصي (2). # فأنت ترى أن الله تعالى قد حكى للناس ما قاله الشيطان بلسان حاله أو ~~مقاله حتى يحذروه ويتخذوه عدوا لهم ، لينالوا رضا الله ومثوبته. # وقد أكد سبحانه هذا المعنى بقوله : ( @QUR@011 ومن يتخذ الشيطان وليا من ~~دون الله فقد خسر خسرانا مبينا ). # أى : ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله ، بأن يتبع الشيطان ويواليه ~~ويسير خلف PageV03P316 # وسوسته ، ويترك طريق الحق والهدى ، من يفعل ذلك يكن بفعله هذا قد خسر ~~خسرانا واضحا بينا ، لأن الشيطان لا يسوق الإنسان إلا إلى ما يهلكه ويخزيه ~~في الدنيا والآخرة ، وسيقول لأتباعه يوم ينزل بهم العقاب في الآخرة ( ~~@QUR@028 إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من ~~سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم ~~وما أنتم بمصرخي ). # وقوله تعالى ( @QUR@07 يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ) ~~تأكيد للتحذير السابق من اتباع الشيطان. # أى : يعد الشيطان أولياءه بالوعود الباطلة ، ويمنيهم بالأمانى الكاذبة ، ~~لكي يستمروا على طاعته ، والحال أن الشيطان ما يعدهم إلا بالأمور الخادعة ~~التي ظاهرها يغرى وباطنها يردى. # قال القرطبي : الغرور ما رأيت له ظاهرا تحبه وفيه باطن مكروه والشيطان ~~غرور ، لأنه يحمل على محاب النفس ووراء ذلك ما يسوء. # وقوله ( @QUR@01 غرورا ) مفعول ثان للوعد ، أو مفعول لأجله. أو نعت ms1401 لمصدر ~~محذوف أى وعدا ذا غرور. # وقوله ( @QUR@07 أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا ) بيان لسوء ~~مصير الذين انقادوا للشيطان واتبعوا خطواته. # والمحيص : المهرب والملجأ. وهو اسم مكان أو مصدر ميمى يقال حاص عنه يحيص ~~حيصا وحيوصا ومحيصا أى : عدل وحاد. # أى : أولئك الذين اتبعوا خطوات الشيطان وساروا في ركابه ، مستقرهم جميعا ~~جهنم ، ولا يجدون ملجأ دونها يلتجئون إليه ، أو مهربا يهربون منه لينجوا من ~~عذابها ، وإنما يبقون فيها دون أن يتمكنوا من الخروج منها. # وبهذا نرى أن هذه الآيات الكريمة قد حذرت أشد التحذير من الإشراك بالله ~~تعالى ومن اتباع وساوس الشيطان وخداعه ووعوده الباطلة ، وأمانيه الخادعة ، ~~وهددت كل من يهجر طريق الرشد. ويسلك طريق الغي بالعذاب الشديد الذي لا مفر ~~منه ولا مهرب. # * * * # ثم عقب سبحانه ذلك ببيان حسن عاقبة المؤمنين ، الذين آمنوا بالله إيمانا ~~حقا ، وابتعدوا عن كل مالا يرضيه فقال سبحانه : PageV03P317 # ( @QUR@021 والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا (122) ~~@QUR@020 ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد ~~له من دون الله وليا ولا نصيرا (123) @QUR@016 ومن يعمل من الصالحات من ذكر ~~أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا (124) @QUR@017 ومن ~~أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله ~~إبراهيم خليلا (125) @QUR@012 ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله ~~بكل شيء محيطا ) (126) # وقوله تعالى ( @QUR@04 والذين آمنوا وعملوا الصالحات ). معطوف على قوله ~~تعالى قبل ذلك ، ( @QUR@03 أولئك مأواهم جهنم ) جريا على عادة القرآن في ~~تعقيب الإنذار بالبشارة ، والوعيد بالوعد. # أى : والذين آمنوا بالله إيمانا حقا ، وقدموا في حياتهم الأعمال الصالحات ~~«سندخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار» أى من تحت غرفها ومساكنها الأنهار ~~«خالدين فيها أبدا» أى : مقيمين فيها إقامة أبدية «وعد الله حقا» أى : ~~واقعا لا محالة ما وعد الله به عباده الصالحين من نعم بخلاف ما وعد الشيطان ~~به أتباعه فإنه وعد ms1402 كاذب باطل. # وقوله ( @QUR@02 وعد الله ) منصوب على المصدر المؤكد لمضمون جملة ( ~~@QUR@06 سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ) لأنها بمعناه فكأنه مؤكد ~~لنفسه وقوله ( @QUR@01 حقا ) منصوب بفعل محذوف أى : حق ذلك حقا. PageV03P318 # والاستفهام في قوله ( @QUR@05 ومن أصدق من الله قيلا ) للنفي. والقيل ~~مصدر كالقول أى : هذا ما وعد الله به عباده المؤمنين ، وما وعد الله به ~~عباده فهو متحقق الوقوع لا محالة ، لأنه لا أحد أصدق من الله قولا. فالجملة ~~الكريمة تذييل قصد به تأكيد ما سبقه من وعد الله لعباده المؤمنين بالجنة. # وقوله ( @QUR@01 قيلا ) منصوب على أنه تمييز نسبة من قوله ( @QUR@04 ومن ~~أصدق من الله ) ثم بين سبحانه أن الوصول إلى رضوانه لا يكون بالأمانى ~~والأوهام وإنما يكون بالإيمان والعمل الصالح فقال : ( @QUR@020 ليس ~~بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ، من يعمل سوءا يجز به. ولا يجد له من دون ~~الله وليا ولا نصيرا ). # والأمانى : جمع أمنية. وهي ما يتمناه الإنسان ويرغب فيه ويشتهيه من أشياء ~~متنوعة. كحصوله على الخير الوفير في الدنيا ، وعلى الجنة في الآخرة. وهي ~~مأخوذة من التمني. # وقد روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها قول قتادة : ذكر لنا ~~أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا. فقال أهل الكتاب : نبينا قبل نبيكم ، ~~وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى منكم. وقال المسلمون : نحن أولى بالله منكم ، ~~ونبينا خاتم النبيين. وكتابنا يقضى على الكتب التي كانت قبله. فأنزل الله : ~~( @QUR@06 ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ). الآية. # وقال مجاهد : قالت العرب لن نبعث ولن نعذب. وقالت اليهود والنصارى ( ~~@QUR@09 لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ). فأنزل الله تعالى ( ~~@QUR@02 ليس بأمانيكم ). الآية (1). # والضمير في قوله ( @QUR@01 ليس ) يعود إلى ما تقدم ذكره من الوعد المتقدم ~~وهو نيل الثواب ودخول الجنة. # والخطاب لجميع الفرق التي حدث بينها تنازع في شأن الدين الحق ، وفي شأن ~~ما يترتب على ذلك من ثواب. # والمعنى : ليس ما وعد الله به من الثواب أو إدخال الجنة ، أو ليس ما ~~تحاورتم فيه حاصلا بمجرد أمانيكم أيها المسلمون أو أمانى ms1403 أهل الكتاب أو ~~غيرهم ، وإنما ما تمنيتموه جميعا يحصل بالإيمان الصادق ، وبالعمل الصالح ، ~~وبالسعي والجد في طاعة الله ، فقد اقتضت سنة الله تعالى أن من يعمل خيرا ~~يجد خيرا ، و ( @QUR@05 من يعمل سوءا يجز به ) أى : من يرتكب معصية مؤمنا ~~كان أو كافرا يجازه الله بها عاجلا أو آجلا إلا إذا تاب ، أو تفضل الله ~~عليه بالمغفرة إذا كان مؤمنا. PageV03P319 # وقد سار ابن كثير في تفسيره على أن الخطاب لجميع الطوائف فقال : «والمعنى ~~في هذه الآية أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني ، ولكن ما وقر في القلوب ~~وصدقته الأعمال. وليس كل من ادعى شيئا حصل له بمجرد دعواه ، ولا كل من قال ~~إنه على الحق سمع قوله بمجرد ذلك حتى يكون له من الله برهان ؛ ولهذا قال : ~~( @QUR@06 ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ). # أى ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني. بل العبرة بطاعة الله سبحانه ~~واتباع ما شرعه على ألسنة رسله ولهذا قال بعده ( @QUR@05 من يعمل سوءا يجز ~~به ). كقوله : ( @QUR@012 فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ~~ذرة شرا يره ) (1). # ومنهم من يرى أن الخطاب في قوله ( @QUR@02 ليس بأمانيكم ) للمسلمين. # وقد أشار إلى ذلك صاحب الكشاف بقوله : في ( @QUR@01 ليس ) ضمير وعد الله ~~أى : ليس ينال ما وعد الله من الثواب ( @QUR@02 بأمانيكم ولا ) بأمانى أهل ~~الكتاب. والخطاب للمسلمين ، لأنه لا يتمنى وعد الله إلا من آمن به. وكذلك ~~ذكر أهل الكتاب معهم لمشاركتهم لهم في الإيمان بوعد الله (2). # ومنهم من يرى أن الخطاب للمشركين. وقد رجح ذلك ابن جرير فقال ما ملخصه : ~~وأولى الأقوال بالصواب في ذلك ما قاله مجاهد من أنه عنى بقوله ( @QUR@02 ~~ليس بأمانيكم ). مشركي قريش. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب. لأن المسلمين ~~لم يجر لأمانيهم ذكر فيما مضى من الآي قبل قوله ( @QUR@02 ليس بأمانيكم ) ~~وإنما جرى ذكر أمانى نصيب الشيطان المفروض في قوله قبل ذلك. ( @QUR@02 ~~ولأمنينهم ولآمرنهم ) وقوله ( @QUR@02 يعدهم ويمنيهم ) فإلحاق معنى قوله ~~تعالى ( @QUR@02 ليس بأمانيكم ) بما ذكره قبل أحق وأولى من ادعاء تأويل فيه ms1404 ~~لا دالة عليه من ظاهر التنزيل ، ولا من أثر الرسول صلى الله عليه وسلم (3). # ومع وجاهة هذا الرأى الذي سار عليه ابن جرير ، إلا أنا نؤثر عليه ما ذهب ~~إليه ابن كثير من أن الآية الكريمة تخاطب الناس جميعا سواء أكانوا مؤمنين ~~أم مشركين أم من أهل الكتاب. لأن الآية الكريمة تضع لهم جميعا قاعدة عامة ~~وهي أن الوصول إلى ثواب الله ورضاه لا ينال بالأمانى والأحلام وإنما ينال ~~بالإيمان والعمل الصالح. # وقوله ( @QUR@05 من يعمل سوءا يجز به ) جملة مكونة من شرط وجزاء. والمراد ~~بالسوء ما يشمل الكفر والمعاصي. وقيل : المراد بالسوء هنا الكفر فقط. PageV03P320 # قال الآلوسى قوله تعالى : ( @QUR@05 من يعمل سوءا يجز به ) أى : عاجلا أو ~~آجلا. فقد أخرج الترمذي وغيره عن أبى بكر الصديق قال : كنت عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية. فقال رسول الله : يا أبا بكر ألا أقرئك ~~آية نزلت على؟ فقلت : بلى يا رسول الله. فأقرأنيها فلا أعلم إلا أنى وجدت ~~انفصاما في ظهري .. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم . مالك يا أبا بكر؟ قلت ~~بأبى أنت وأمى يا رسول الله وأينا لم يعمل السوء. وإنا لمجزيون بكل سوء ~~عملناه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما أنت وأصحابك يا أبا بكر ~~المؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله تعالى ليس عليكم ذنوب. وأما ~~الآخرون فيجمع لهم ذلك حتى يجزون يوم القيامة. # وأخرج مسلم وغيره عن أبى هريرة قال : لما نزلت هذه الآية شق ذلك على ~~المسلمين وبلغت منهم ما شاء الله تعالى فشكوا ذلك إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال : سددوا وقاربوا فإن كل ما أصاب المسلم كفارة حتى ~~الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها. # قال الآلوسى : والأحاديث بهذا المعنى أكثر من أن تحصى. ولهذا أجمع عامة ~~العلماء على أن الأمراض والأسقام ومصائب الدنيا وهمومها وإن قلت مشقتها ~~يكفر الله تعالى بها الخطيئات ، والأكثرون على أنها أيضا ترفع بها الدرجات ~~، وهو الصحيح المعول عليه. فقد صح في غير ms1405 ما طريق ؛ «ما من مسلم يشاك شوكة ~~فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة» (1). # وقوله تعالى ( @QUR@09 ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ) تذييل ~~قصد به تأكيد ما قبله من أن ثواب الله لا ينال إلا بالإيمان والعمل الصالح ~~، وأن عقابه سيحل بمن يعمل السوء. # أى : أن من يعمل السوء سيجازى به ، ولا يجد هذا المرتكب للسوء أحدا سوى ~~الله سبحانه يلي أمره ويحامى عنه ، ولا نصيرا ينصره ويحاول إنجاءه من عقاب ~~الله تعالى ثم بين سبحانه حسن عاقبة المؤمنين فقال : ( @QUR@016 ومن يعمل ~~من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا ). # أى : ومن يعمل من الأعمال الصالحات سواء أكان العامل ذكرا أم أنثى ما دام ~~متحليا بصفة الإيمان ، فأولئك العاملون بالأعمال الصالحة يدخلون الجنة جزاء ~~عملهم ؛ ولا ينقصون شيئا من ثواب أعمالهم ، ولو كان هذا الشيء نقيرا وهو ~~النقطة التي تكون في ظهر النواة ويضرب بها المثل في القلة والحقارة. # و ( @QUR@01 من ) في قوله ( @QUR@02 من الصالحات ) للتبعيض أى : بعض ~~الأعمال الصالحات لأن الإنسان PageV03P321 # لا يستطيع أن يعمل جميع الأعمال الصالحة ، وإنما كل إنسان يعمل على قدر ~~طاقته وقدرته ولا يكلف نفسا إلا وسعها. # و ( @QUR@01 من ) في قوله ( @QUR@04 من ذكر أو أنثى ) للبيان. أى بيان أن ~~الأحكام الشرعية وما يترتب عليها من ثواب يشترك فيه الرجال والنساء إلا إذا ~~قام دليل على أن أحد الصنفين مختص بحكم معين لا يشاركه فيه الصنف الآخر. # وفي ذلك إنصاف للمرأة من الظلم الذي كان واقعا عليها قبل شريعة الإسلام ~~العادلة. # والجملة الكريمة في موضع نصب على الحال من ضمير ( @QUR@01 يعمل ). # وقوله ( @QUR@02 وهو مؤمن ) قيد لإخراج غير المؤمن لأن الكافر مهما قدم ~~من أعمال صالحة في الدنيا فإنها لن تنفعه في الآخرة بسبب كفره بالدين الحق. # واسم الإشارة وهو قوله ( @QUR@01 فأولئك ) يعود إلى من في قوله ( @QUR@02 ~~ومن يعمل ) باعتبار معناها. # وقوله ( @QUR@03 ولا يظلمون نقيرا ) بيان لفضل الله تعالى وعد له ، وأنه ~~سبحانه ( @QUR@015 إن ms1406 الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من ~~لدنه أجرا عظيما ). # ثم أثنى سبحانه على من أخلص له الإيمان والعمل فقال : ( @QUR@09 ومن أحسن ~~دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن ). # أى : لا أحد أحسن دينا ، وأجدر بالقبول عند الله وبجزيل ثوابه ممن أخلص ~~نفسه لله ، وجعلها سالمة له بحيث لا تعرف لها ربا ولا معبودا سواه. # وقوله ( @QUR@02 وهو محسن ) أى : وهو مؤد لما أمره الله به ومبتعد عن كل ~~ما نهاه الله عنه ، على الوجه اللائق الحسن. # فالاستفهام في قوله ( @QUR@02 ومن أحسن ) للنفي. والمقصود منه مدح من فعل ~~ذلك على أتم وجه. # وقوله ( @QUR@02 وهو محسن ) جملة في موضع الحال من فاعل ( @QUR@01 أسلم ). # فالآية الكريمة قد أشارت إلى أن الدين الحق يقتضى أمرين : # أولهما : إخلاص القلب والنية لله تعالى بحيث لا يكون عامرا إلا بذكر الله. # والثاني : إتقان العمل الصالح وإجادته حتى يصل إلى مرتبة الإحسان الذي ~~عرفه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن ~~لم تكن تراه فإنه يراك». # وقوله ( @QUR@04 واتبع ملة إبراهيم حنيفا ) بيان لما كان عليه إبراهيم ~~عليه السلام من عقيدة سليمة ، ودين قويم. وهو معطوف على قوله ( @QUR@02 أسلم ~~وجهه ). PageV03P322 # أى : لا أحد أحسن دينا ، وأصوب طريقا ممن أخلص نفسه لله ، وأتقن أعماله ~~الصالحة على الوجه الذي يرضاه الله تعالى واتبع ملة إبراهيم الذي كان ~~مبتعدا عن كل الملل الزائفة المعوجة ومتجها إلى الدين الحق ، والمنهاج ~~المستقيم. # والمراد بملة إبراهيم : شريعته التي كان يدين الله عليها ، ومنهاجه الذي ~~يوافق منهاج الإسلام الذي أتى به محمد عليه الصلاة والسلام. # وحنيفا من الحنف وهو الميل عن الضلال إلى الاستقامة. وضده الجنف يقال : ~~تحنف فلان أى تحرى طريق الاستقامة. # وقوله ( @QUR@04 واتخذ الله إبراهيم خليلا ) تذييل جيء به للترغيب في ~~اتباع ملة إبراهيم ، وللتنويه بشأنه عليه السلام وبشأن من اتبع طريقته. # والخليل في كلام العرب : هو الصاحب الملازم الذي لا يخفى عليه شيء من ~~أمور صاحبه. مشتق من الخلة وهي صفاء المودة التي ms1407 توجب الاختصاص بتخلل ~~الأسرار. # قال الآلوسى : والخليل مشتق من الخلة بضم الخاء وهي إما من الخلال بكسر ~~الخاء فإنها مودة تتخلل النفس وتخالطها مخالطة معنوية. فالخليل من بلغت ~~مودته هذه المرتبة. وإما من الخلل على معنى أن كلا من الخليلين يصلح خلل ~~الآخر. وإما من الخل بالفتح وهو الطريق في الرمل ، لأنهما يتوافقان على ~~طريقة. وإما من الخلة بفتح الخاء بمعنى الخصلة لأنهما يتوافقان في الخصال ~~والأخلاق. وأطلق الخليل على إبراهيم ، لأن محبة الله تعالى ، قد تخللت نفسه ~~وخالطتها مخالطة تامة ، أو لتخلقه بأخلاق الله تعالى (1). # والمعنى : واتخذ الله إبراهيم حنيفا له من بين خلقه ، لأنه عليه السلام ~~كان خالص المحبة لخالقه عز وجل ومبغضا لكل ما يبغضه الله من الشريك والأعمال ~~السيئة ، وغيورا على إعلاء كلمة الله وعلى تمكين دينه في الأرض فوصفه الله ~~تعالى بهذا الوصف الجليل ، وأسبغ عليه الكثير من ألوان نعمه وفضله. # قال الجمل : وقوله ( @QUR@04 واتخذ الله إبراهيم خليلا ) في ( @QUR@01 ~~خليلا ) وجهان ، فإن عدينا اتخذ لاثنين كان مفعولا ثانيا وإلا كان حالا. ~~وهذه الجملة عطف على الجملة الاستفهامية التي معناها الخبر للتنبيه على شرف ~~المتبوع وأنه جدير بأن يتبع لاصطفاء الله له بالخلة ، وفائدة هذه الجملة ~~تأكيد وجوب اتباع ملته ، لأن من بلغ من الزلفى عند الله أن اتخذه خليلا ~~جديرا بأن تتبع ملته. وأظهر اسم إبراهيم في مقام الإضمار لتفخيم شأنه ، ~~والتنصيص على أنه متفق على مدحه (2). PageV03P323 # ثم ختم سبحانه هذه الآيات ببيان أنه هو المالك لكل شيء ، والمهيمن على ~~شئون هذا الكون فقال : ( @QUR@012 ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان ~~الله بكل شيء محيطا ). # أى : ولله تعالى وحده جميع ما في السموات وما في الأرض من موجودات ، فهو ~~خالقها ومالكها ولا يخرج عن ملكوته شيء منها. وكان الله تعالى بكل شيء ~~محيطا ، بحيث لا تخفى عليه خافية من شئون خلقه ، وسيجازى الذين أساءوا بما ~~عملوا وسيجازى الذين أحسنوا بالحسنى. # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد بشرت المؤمنين بحسن الثواب ، وبينت ~~أن ثواب ms1408 الله لا ينال بالأمانى وإنما ينال بالإيمان والعمل الصالح ، وأن ~~الدين الحق هو الدين الذي يدعو الإنسان إلى إخلاص نفسه لله ، وإلى إحسان ~~العمل في طاعته ، وإلى اتباع ما كان عليه إبراهيم من منهاج سليم ، وخلق ~~قويم. وأنه سبحانه هو المتصرف في شئون هذا الكون ، وسيجازى كل إنسان بما ~~يستحقه من خير أو شر. # * * * # ثم ساق سبحانه بعد ذلك جملة من الأحكام التي يتعلق أكثرها بالنساء فقال ~~تعالى : # ( @QUR@040 ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في ~~الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن ~~والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن ~~الله كان به عليما (127) @QUR@026 وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا ~~فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن ~~تحسنوا وتتقوا فإن الله كان PageV03P324 # @QUR@03 بما تعملون خبيرا (128) @QUR@022 ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين ~~النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا ~~فإن الله كان غفورا رحيما (129) @QUR@03 وإن يتفرقا يغن الله @QUR@07 كلا ~~من سعته وكان الله واسعا حكيما ) (130) # قال الإمام الرازي في بيان صلة هذه الآيات بما قبلها : اعلم أن عادة الله ~~تعالى في ترتيب هذا الكتاب الكريم وقع على أحسن الوجوه. وهو أن يذكر شيئا ~~من الأحكام ثم يذكر عقيبه آيات كثيرة في الوعد والوعيد والترغيب والترهيب ، ~~ويخلط بها آيات دالة على كبرياء الله وجلال قدرته. ثم يعود مرة أخرى إلى ~~بيان الأحكام وهذا أحسن أنواع الترتيب وأقربها إلى التأثير في القلوب ، لأن ~~التكاليف بالأعمال الشاقة لا يقع في موقع القبول إلا إذا كان مقرونا بالوعد ~~والوعيد. والوعد والوعيد لا يؤثر في القلب إلا عند القطع بغاية كمال من صدر ~~عنه الوعد والوعيد. فظهر أن هذا الترتيب أحسن الترتيبات اللائقه بالدعوة ~~إلى الحق. # إذا عرفت هذا فنقول : إنه سبحانه ذكر في أول هذه السورة أنواعا كثيرة من ~~الشرائع والتكاليف. ثم أتبعها بشرح أحوال الكافرين والمنافقين واستقصى في ms1409 ~~ذلك. ثم ختم تلك الآيات الدالة على عظمة جلال الله وكمال كبريائه. ثم عاد ~~بعد ذلك إلى بيان الأحكام فقال : ( @QUR@03 ويستفتونك في النساء ).. إلخ ~~الآية (1). # وقوله ( @QUR@01 ويستفتونك ) من الاستفتاء بمعنى طلب الفتيا أو الفتوى. ~~يقال استفتيت العالم في مسألة كذا. أى سألته أن يبين حكمها. فالإفتاء إظهار ~~المشكل من الأحكام وتبيينه. # فمعنى ( @QUR@03 ويستفتونك في النساء ): ويسألك أصحابك يا محمد أن ~~تفتيهم في أمر النساء. أى يطلبون منك تبيين المشكل من الأحكام التي تتعلق ~~بما يجب للنساء من حقوق ، وبما يكون عليهن من واجبات. # والذي حمل الصحابة على هذا الطلب أنهم كانوا في جاهليتهم يعاملون النساء ~~معاملة سيئة ، ويظلمونهن ظلما شديدا ، ثم وجدوا أن الإسلام الذي يدينون به ~~قد أكرم المرأة وأنصفها بطريقة PageV03P325 # لم يألفوها من قبل ، فتعددت أسئلتهم عن الأحكام التي تتعلق بالنساء حتى ~~ينفذوا نحوهن ما يطلبه الإسلام منهم من حيث معاشرتهن وولايتهن وميراثهن ~~وغير ذلك من الأحكام. # قال القرطبي : نزلت هذه الآية بسبب سؤال قوم من الصحابة عن أمر النساء ~~وأحكامهن في الميراث وغير ذلك. فأمر الله تعالى نبيه أن يقول لهم : الله ~~يفتيكم فيهن أى : يبين لكم حكم ما سألتم عنه ، وهذه الآية رجوع إلى ما ~~افتتحت به السورة من أمر النساء. وكانت قد بقيت لهم أحكام لم يعرفوها ~~فسألوا فقيل لهم : إن الله يفتيكم فيهن .. (1). # فسؤال الصحابة ليس عن ذوات النساء وإنما عن أحكام تتعلق بهن. # أخرج ابن جرير وغيره عن سعيد بن جبير قال : كان لا يرث إلا الرجل الذي قد ~~بلغ أن يقوم في المال ويعمل فيه ، ولا يرث الصغير ولا المرأة شيئا فلما ~~نزلت آية المواريث في سورة النساء شق ذلك على الناس وقالوا : أيرث الصغير ~~الذي لا يقوم في المال ، والمرأة التي هي كذلك كما يرث الرجل الذي يعمل في ~~المال؟ فرجوا أن يأتى في ذلك حدث من السماء فانتظروا : فلما رأوا أنه لا ~~يأتى حدث قالوا : لئن تم هذا إنه لواجب ما عنه بد. ثم قالوا : سلوا رسول ~~الله صلى الله ms1410 عليه وسلم فسألوه. فأنزل الله ( @QUR@03 ويستفتونك في النساء ) ~~.. الآية (2). # وقوله ( @QUR@04 قل الله يفتيكم فيهن ) وعد من الله تعالى بالإجابة عما ~~يسألون عنه. وهو لون من تبشير السائل المتحير بأنه قد وجد ضالته حتى يطمئن ~~قلبه ، ويهدأ باله. وذلك مثل قولهم ولله المثل الأعلى لمن سأل سؤالا لمن ~~يحسن الإجابة عنه : على الخبير وقعت. # أى : قل يا محمد لهؤلاء السائلين عن بعض الأحكام المتعلقة بالنساء : الله ~~تعالى يفتيكم في شأنهن ، ويبين لكم بأجلى بيان وأحكمه ما تجهلون من ~~أحكامهن. ويقضى بينكم وبينهن بالعدل الذي لا يحوم حوله باطل. # وفي تقديم لفظ الجلالة تنويه بشأن هذه الفتيا ، وإشعار بوجوب التزام ما ~~تتضمنه من أحكام لأنها صادرة من العليم الخبير. # وقوله ( @QUR@05 وما يتلى عليكم في الكتاب ) للنحاة فيه مذاهب شتى ، لعل ~~أولاها بالقبول أن تكون ( @QUR@01 ما ) اسم موصول مبتدأ والخبر محذوف ~~والتقدير يسألونك يا محمد عن بعض أحكام النساء فقل لهم : الله يفتيكم في ~~شأنهن ، والذي يتلى عليكم في الكتاب كذلك أى : يفتيكم في شأنهن أيضا. وذلك ~~المتلو في الكتاب الذي بين بعض الأحكام التي تتعلق بالنساء منه قوله تعالى فيما PageV03P326 # تقدم من هذه السورة : ( @QUR@012 وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ~~ما طاب لكم من النساء ). # قال الفخر الرازي : وحاصل الكلام أنهم كانوا قد سألوا عن أحوال كثيرة من ~~أحوال النساء ، فما كان منها غير مبين الحكم ذكر أن الله يفتيهم فيها. وما ~~كان مبين الحكم في الآيات المتقدمة ذكر أن تلك الآيات المتلوة تفتيهم فيها ~~، وجعل دلالة الكتاب على هذا الحكم إفتاء من الكتاب على سبيل المجاز ألا ~~ترى أنه يقال في المجاز المشهور : إن كتاب الله بين لنا هذا الحكم. وكما ~~جاز أيضا أن يقال : إن كتاب الله أفتى بكذا. # وقوله ( @QUR@03 في يتامى النساء ) صلة ليتلى. أى : يتلى عليكم في شأنهن (1). # وإضافة اليتامى إلى النساء من إضافة الصفة إلى الموصوف أى النساء اليتامى ~~وجعلها بعضهم هنا على معنى من لأنها من إضافة الشيء إلى جنسه أى : في ~~اليتامى من النساء. ms1411 # وقوله ( @QUR@06 اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن ) صفة لليتامى. # والمراد بما كتب لهن : ما فرض لهن من ميراث وصداق وغير ذلك من حقوق شرعها ~~الله تعالى لهن. # قوله : ( @QUR@03 وترغبون أن تنكحوهن ) معطوف على صلة اللاتي. # أى : لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن. # وقوله : أن تنكحوهن في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف وهو إما (في) وإما (عن). # وعلى أن حرف الجر المحذوف (في) يكون المعنى : لا تؤتونهن ما كتب لهن ~~وترغبون في نكاحهن لأنفسكم إن كن جميلات أو غنيات أو غير ذلك مما يرغبكم في ~~الزواج بهن مع عدم إعطائهن حقوقهن كاملة. # وعلى أن حرف الجر المحذوف (عن) يكون المعنى : لا تؤتونهن ما كتب لهن ~~وترغبون عن نكاحهن. أى لا أنتم تتزوجونهن ولا تتركونهن يتزوجن بغيركم حتى ~~تبقى أموالهن تحت أيديكم. # قال ابن كثير : روى البخاري عن عائشة في قوله تعالى ( @QUR@07 ويستفتونك ~~في النساء قل الله يفتيكم فيهن ).. إلى قوله ( @QUR@03 وترغبون أن تنكحوهن ~~.. ) أنها قالت : هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووارثها. فأشركته في ~~ماله حتى في العذق. فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوجها رجلا فيشركه في ماله ~~بما شركته فيعضلها. فنزلت هذه الآية. PageV03P327 # وعنها أيضا أنها قالت : وقول الله تعالى ( @QUR@03 وترغبون أن تنكحوهن ) ~~رغبة أحدكم عن يتيمته التي في حجره حين تكون قليلة المال والجمال. فنهوا أن ~~ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل ~~رغبتهم عنهن أى إذا كن قليلات المال والجمال. # ثم قال ابن كثير : والمقصود أن الرجل إذا كان في حجره يتيمة يحل له ~~تزوجها ، فتارة يرغب في أن يتزوجها فأمره الله أن يمهرها أسوة بمثالها من ~~النساء. وتارة لا يكون له فيها رغبة فنهاه الله تعالى عن أن يعضلها عن ~~الأزواج خشية أن يشركوه في ماله الذي بينه وبينها (1). # وحذف حرف الجار هنا لا يعد لبسا ، بل يعد من باب الإجمال والإيجاز البليغ ~~، لأن الجملة الكريمة صالحة لتقدير كل من الحرفين السابقين على سبيل البدل ~~، بالاعتبارين السابقين. ms1412 أى باعتبار الرغبة فيهن أو الرغبة عنهن فكأنه ~~سبحانه يقول : وترغبون في نكاح بعضهن في حالات معينة وترغبون عن نكاح بعض ~~آخر منهن في حالات أخرى ؛ لأن فعل رغب يتعدى بحرف (في) للشيء المحبوب ، ~~وبحرف (عن) للشيء غير المحبوب. # قال الآلوسى : واستدل بعض أصحابنا أى الأحناف بالآية على جواز تزويج ~~الصغيرة ، لأنه ذكر الرغبة في نكاحها فاقتضى جوازه. والشافعية يقولون : إنه ~~إنما ذكر ما كانت تفعله الجاهلية على طريق الذم فلا دلالة فيها على ذلك ، ~~مع أنه لا يلزم من الرغبة في نكاحها فعله في حال الصغر. وهذا الخلاف في غير ~~الأب والجد ، وأما هما فيجوز لهما تزويج الصغيرة بلا خلاف (2). # وقوله : ( @QUR@03 والمستضعفين من الولدان ) معطوف على يتامى النساء ، ~~وقد كانوا في الجاهلية لا يورثونهم كما لا يورثون النساء ، فشرع الله لهم ~~الميراث كما هو مبين في آيات المواريث. # وقوله ( @QUR@04 وأن تقوموا لليتامى بالقسط ) في محل جر عطفا على ما ~~قبله. أى : وما يتلى عليكم في يتامى النساء وفي المستضعفين من الولدان وفي ~~أن تقوموا لليتامى بالقسط فيه الكفاية لحملكم على سلوك الطريق القويم مع ~~هؤلاء الضعاف. # ومما ذكره الله تعالى في شأن اليتامى قوله في مطلع هذه السورة : ( ~~@QUR@012 وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا ~~أموالهم إلى أموالكم ). # فيكون معنى الآية إجمالا : يسألك بعض أصحابك يا محمد أن تفتيهم في بعض ~~الأحكام التي تتعلق بالنساء. قل لهم على سبيل التعليم والإرشاد : الله ~~تعالى يفتيكم ويبين لكم بيانا PageV03P328 # شافيا ما تسألون عنه بشأنهن. ويفتيكم أيضا في شأنهن ما تلاه الله عليكم ~~في قرآنه قبل نزول هذه الآية وما يتلوه عليكم بعدها. # ويفتيكم أيضا ما يتلى عليكم في القرآن في شأن اليتامى اللاتي تمنعونهن ما ~~فرض لهن من الميراث وغيره. وترغبون في نكاحهن لما لهن أو لجمالهن بأقل من ~~صداقهن. أو ترغبون عن نكاحهن وتعضلونهن طمعا في أموالهن. وهذا الإفتاء الذي ~~تلاه الله عليكم في قرآنه يمنعكم من أن تفعلوا شيئا من ذلك. # ويفتيكم أيضا ما يتلى عليكم في ms1413 الكتاب في شأن اليتامى ذكورا كانوا أو ~~إناثا بأن يأمركم أن تلتزموا العدل معهم في أموالهم وفي سائر أمورهم. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@09 وما تفعلوا من خير فإن الله كان ~~به عليما ) أى : وما تفعلوا من خير يتعلق بهؤلاء المذكورين أو بغيرهم فإن ~~الله تعالى كان به عليما علما دقيقا محيطا ، وسيجازيكم عليه جزاء يشرح ~~نفوسكم ويصلح بالكم. # فالآية الكريمة قد اشتملت على ألوان من الترغيب بشأن الإحسان إلى النساء ~~وإلى المستضعفين من الولدان. وإلى اليتامى حتى تعيش الأمة عيشة هانئة ، ~~يشعر ضعيفها برعاية قويها له. ويشعر قويها برضا ضعيفها عنه. # ثم بين سبحانه بعض الأحكام التي تتعلق بالزوجين ، وعالج ما يقع بينهما من ~~خلاف ونفرة علاجا حكيما فقال تعالى ( @QUR@017 وإن امرأة خافت من بعلها ~~نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير ). # والخوف معناه : توقع الإنسان مكروها ينزل به. وهو هنا مستعمل في حقيقته ~~إلا أنه لا يكون إلا بعد ظهور علامات تدل عليه من الرجل. كأن يقول لها : ~~إنك قد كبرت وأريد أن أتزوج بشابة. إلى غير ذلك من الأحوال التي تلمسها ~~الزوجة من زوجها بمقتضى مخالطتها له. # والنشوز مأخوذ من النشز بمعنى الارتفاع ويوصف به الرجل والمرأة. والمراد ~~به هنا ما يكون من الرجل من استعلاء على زوجته. ومجافاة لها بترك مضاجعتها ~~والتقصير في نفقتها وفي حقوقها. # والإعراض عنها من مظاهره : التقليل من محادثتها ومؤانستها وإدخال السرور ~~عليها. وهو أخف من النشوز. (1) PageV03P329 # وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه الترمذي ~~وحسنه عن ابن عباس قال : خشيت سودة بنت زمعة إحدى زوجات النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول ~~الله. لا تطلقني واجعل يومى لعائشة ففعل ونزلت هذه الآية. (1) وأخرج ~~الشافعى عن سعيد بن المسيب أن ابنة محمد بن مسلمة كانت عند رافع بن خديج ~~فكره منها أمرا فأراد طلاقها فقالت : لا تطلقني واقسم لي ما بدا لك. ~~فاصطلحا ms1414 على صلح فجرت السنة بذلك ونزل القرآن. # وروى عن عائشة أنها قالت : نزلت في المرأة تكون عند الرجل ويريد الرجل أن ~~يستبدل بها غيرها فتقول له : أمسكنى وتزوج بغيري وأنت في حل من النفقة ~~والقسم. # وقوله : ( @QUR@02 وإن امرأة ) فاعل لفعل واجب الإضمار. أى : وإن خافت ~~امرأة خافت. # وقوله : ( @QUR@02 من بعلها ) متعلق بخافت ، وقوله : ( @QUR@03 فلا جناح ~~عليهما ) جواب الشرط. # والمعنى : وإن خافت امرأة من زوجها (نشوزا) أى تجافيا عنها ، وترفعا عن ~~صحبتها ( @QUR@02 أو إعراضا ) أى : انصرافا عن محادثتها ومؤانستها على خلاف ~~ما عهدته منه قبل ذلك ، ففي هذه الأحوال ( @QUR@03 فلا جناح عليهما ) أى : ~~لا حرج ولا إثم على الزوجة وزوجها في ( @QUR@04 أن يصلحا بينهما صلحا ) ~~يتفقان عليه فيما بينهما رعاية لرابطة الزوجية وإبقاء على دوامها ، وذلك ~~بأن تترك المرأة بعض حقوقها حتى تسترضى زوجها وتعمل على إزالة ما في نفسه ~~من استعلاء وانصراف عنها. # وقوله ( @QUR@01 صلحا ) مفعول مطلق مؤكد لعامله. أو مفعول به على تأويل ~~يصلحا بيوقعا صلحا. و ( @QUR@01 بينهما ) حال من ( @QUR@01 صلحا ) لأنه كان ~~نعتا له ونعت النكرة إذا تقدم عليها أعرب حالا ، وفيه إشارة إلى أن الأولى ~~لهما أن لا يطلعا الناس على ذلك. بل يكون ما يتفقان عليه سرا بينهما. # وقد عبر سبحانه عن طلب الصلح بقوله ( @QUR@03 فلا جناح عليهما ) ترفقا في ~~الإيجاب ، ونفيا لما يتوهم من أن تنازل أحدهما للآخر عن بعض حقه يؤدى إلى ~~الإثم ، لأن الصلح بينهما يقتضى أن يتسامح أحد الزوجين في جزء من حقه ليظفر ~~بخير أكثر مما تسامح فيه. فإذا تركت المرأة بعض حقها لتدوم عشرتها مع زوجها ~~بالمعروف فذلك لا إثم فيه بل إن فيه الخير. # وأكد سبحانه هذا الصلح بقوله ( @QUR@01 صلحا ) للإشارة إلى وجوب أن يكون ~~الصلح بينهما حقيقيا لا شكليا ، وأن يكون بحيث تتلاقى القلوب ، وتصفو ~~النفوس. وتشيع بينهما المودة والرحمة ، ويرضى كل واحد منهما بما قسم الله له. PageV03P330 # وقوله ( @QUR@02 والصلح خير ) جملة معترضة من مبتدأ وخبر لتأكيد الصلح ~~الذي حض الله عليه قبل ذلك. # أى : والصلح بين الزوجين ms1415 خير من الفرقة وسوء العشرة ، اللهم إلا إذا ~~استحال الصلح والوفاق بينهما فإنه في هذه الحالة تكون الفرقة بينهما خيرا. ~~( @QUR@07 وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته ). # قال ابن كثير ما ملخصه : وقوله ( @QUR@02 والصلح خير ). الظاهر من الآية ~~أن صلحهما على ترك بعض حقها للزوج وقبول الزوج ذلك خير من المفارقة بالكلية ~~كما أمسك النبي صلى الله عليه وسلم سودة على أن تركت يومها لعائشة ولم يفارقها ~~بل تركها من جملة نسائه ، وفعله هذا للتأسى به أمته في مشروعية ذلك وجوازه ~~فهو أفضل في حقه صلى الله عليه وسلم ولما كان الوفاق أحب إلى الله من الفراق ~~قال : ( @QUR@02 والصلح خير )، بل الطلاق بغيض إليه سبحانه ولهذا جاء ~~الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجة عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» (1). # وقوله تعالى ( @QUR@03 وأحضرت الأنفس الشح ) جملة أخرى معترضة جيء بها ~~لبيان ما جبل عليه الإنسان من طباع ، وللحض على الصلح حتى ولو خالف ما طبعت ~~عليه النفس من سجايا. # والفعل حضر يتعدى لواحد فدخلت عليه الهمزة فجعلته يتعدى لاثنين كما هنا. ~~إذ المفعول الأول نائب الفاعل وهو الأنفس والمفعول الثاني كلمة الشح. # والشح : البخل مع الحرص ، والمراد : وأحضر الله الأنفس الشح. أى جبل الله ~~النفوس على الشح بما تملكه ، فالمرأة لا تكاد تتسامح أو تتنازل عن شيء من ~~حقها ، والرجل كذلك لا يكاد يتنازل عن شيء من حقوقه ، لأن حرص الإنسان على ~~حقه طبيعة فيه. فعلى الزوجين أن يلاحظا ذلك وأن يخالفا ميولهما وطبعهما من ~~أجل الإبقاء على الحياة الزوجية بصفاء ومودة. # فالجملة الكريمة ترشد الإنسان إلى داء من أدوائه وتأمره بمعالجته حتى ولو ~~أدى ذلك إلى مخالفة ما جبلت عليه نفسه. # ويرى ابن جرير أن المراد بالأنفس هنا أنفس النساء خاصة فقد قال ما ملخصه ~~: وأولى القولين في ذلك بالصواب : قول من قال : عنى بذلك. أحضرت أنفس ~~النساء الشح بانصبائهن من أزواجهن في الأيام والنفقة. والشح : الإفراط ms1416 في ~~الحرص على الشيء. وهو في هذا الموضع : إفراط حرص المرأة على نصيبها من ~~أيامها من زوجها ونفقتها. PageV03P331 # فتأويل الكلام : وأحضرت أنفس النساء أهواءهن من فرط الحرص على حقوقهن من ~~أزواجهن ، والشح بذلك على ضرائرهن. # ثم قال. ويشهد لهذا ما روى في سبب نزول الآية من أنها نزلت في أمر رافع ~~بن خديج وزوجته ، إذ تزوج عليها شابة ، فآثر الشابة عليها ، فأبت الكبيرة ~~أن تقر على الأثرة ، فطلقها تطليقة وتركها. فلما قارب انقضاء عدتها ، خيرها ~~بين الفراق والرجعة والصبر على الأثرة. فاختارت الرجعة والصبر على الأثرة ~~فراجعها وآثر عليها. فلم تصبر. ففي ذلك دليل واضح على أن قوله تعالى ( ~~@QUR@03 وأحضرت الأنفس الشح ) إنما عنى به : وأحضرت أنفس النساء الشح ~~بحقوقهن من أزواجهن على ما وصفنا (1). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بالأمر بخشيته ومراقبته ، والسير في طريق ~~الصلح والوفاق فقال : ( @QUR@09 وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون ~~خبيرا ). # أى : وإن تحسنوا أيها الرجال في أقوالكم وأفعالكم إلى نسائكم وتتقوا الله ~~فيهن : بأن تتركوا التعالي عليهن والإعراض عنهن وتصبروا على مالا ترضونه ~~منهن ، من دمامة أو تقصير في واجباتهن. إن تفعلوا ذلك يرفع الله درجاتكم. ~~ويجزل ثوابكم ، لأنه سبحانه خبير بكل أحوالكم وأعمالكم ، ولن يضيع سبحانه ~~أجر من أحسن عملا. # فالجملة الكريمة خطاب للأزواج بطريق الالتفات. لقصد استمالتهم وترغيبهم ~~في حسن معاملة نسائهم ، وسلوك طريق الصلح معهن. # هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة : أن على ~~الزوجين أن يحسنا العشرة الزوجية كل واحد منهما من جانبه ، وأن يصبر كل ~~واحد منهما على ما يكون من صاحبه من هفوات ومخالفات لا تخلو منها طبيعة ~~الحياة الزوجية ... # وأن أحد الزوجين إذا تنازل عن بعض حقوقه للآخر بقصد الإبقاء على الحياة ~~الزوجية جاز ذلك ، فإذا رغب رجل مثلا في طلاق زوجته لسبب من الأسباب وكانت ~~الزوجة تريد البقاء معه ، وتنازلت المرأة عن بعض حقوقها في سبيل أن تبقى ~~معه وتراضيا على ذلك عن طيب خاطر ، بأن أعطته بعض المال مثلا فإن ms1417 ما أخذه ~~منها لا يعد مالا حراما في مثل هذه الحالة. أما إذا تظاهر الرجل بالنشوز أو ~~الإعراض لكي ينال شيئا من حقوقها أو تتنازل له عن بعضها ، فإن ما يأخذه ~~الرجل منها في مثل هذه الحالة يكون أكلا لحقوق غيره بالباطل ، لأنه لم يكن ~~راغبا حقيقة في الطلاق وإنما تصنع النشوز أو الإعراض اجتلابا لمالها ، ~~واستدرارا لخيرها. وقد نهى PageV03P332 # الله عن كل ذلك بل أمر بترك النشوز ، ووعد من يحسن المعاشرة الزوجية ~~ويتقى الله بالأجر الجزيل. # قال القرطبي ما ملخصه : يجوز أن يعطى الزوج على أن تصبر. أو تعطى هي على ~~أن يبقيها في عصمته ، أو يقع الصلح بينهما على الصبر والأثرة أى يؤثر غيرها ~~عليها من غير عطاء فهذا كله مباح. وقد يجوز أن تصالح إحداهن صاحبتها عن ~~يومها بشيء تعطيه إياها فقد غضب الرسول صلى الله عليه وسلم مرة على صفية فقالت ~~لعائشة ، أصلحى بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ذهب لك يومى. قالت ~~عائشة : فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست إلى جانبه. فقال : «إليك ~~عنى فإنه ليس بيومك» فقلت : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وأخبرته الخبر ، ~~فرضي عنها. وفيه أن ترك التسوية بين النساء وتفضيل بعضهن على بعض لا يجوز ~~إلا بإذن المفضولة ورضاها (1). # وقال بعض العلماء ما ملخصه : فإن قيل : إن الله تعالى قال في نشوز المرأة ~~: ( @QUR@08 واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ) ~~. الآية وقال في نشوز الرجل : ( @QUR@015 وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو ~~إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا ). الآية فجعل لنشوز المرأة ~~عقوبة من زوجها يعظها ويهجرها في المضجع ويضربها ولم يجعل لنشوز الرجل ~~عقوبة من زوجته ، بل جعل له ترضية وتلطفا فما معنى ذلك؟ # والجواب عن ذلك : أن الله تعالى جعل الرجال قوامين على النساء ، فالرجل ~~راعى المرأة ورئيسها المهيمن عليها. ومن قضية ذلك ألا يكون للمرءوس معاقبة ~~رئيسه ، وإلا انقلب الأمر وضاعت هيمنة الرئيس. # وأن الله فضل الرجال على ms1418 النساء في العقل والدين. ومن قضية ذلك ألا يكون ~~نشوز من الرجل إلا لسبب قاهر. ولكن المرأة لنقصان عقلها ودينها يكثر منها ~~النشوز لأقل شيء تتوهمه سببا. # وأن نشوز الرجل أمارة من أمارات الكراهة وإرادة الفرقة. وإذا كان الله قد ~~جعل له حق الفرقة ولم يجعل للمرأة عليه سبيلا إذا هو أراد فرقتها فأولى ألا ~~يجعل لها عليه سبيلا إذا بدت منه أمارات هذه الفرقة (2). # ثم بين سبحانه أن تحقيق العدالة الكاملة في الحياة الزوجية غير ممكن فقال ~~تعالى ( @QUR@014 ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا ~~كل الميل فتذروها كالمعلقة ). # والخطاب هنا للرجال الذين يتزوجون بأكثر من زوجة. PageV03P333 # والمعنى : ولن تستطيعوا أيها الرجال أن تعدلوا بين زوجاتكم المتعددات ~~عدلا كاملا في المحبة وفي الميل القلبي وفي غير ذلك من الأمور التي تختلف ~~باختلاف تآلف النفوس وتنافرها. ولو أنكم حرصتم على العدل الكامل في مثل هذه ~~الأمور النفسية لما استطعتم ، لأن الميل النفسي لا يملكه الإنسان ولا ~~يستطيع التحكم فيه. # قال ابن كثير : نزلت هذه الآية في عائشة. وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يحبها أكثر من غيرها. وقد روى الترمذي وأبو داود وغيرهما عنها أنها قالت : ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل. ثم يقول : «اللهم هذا ~~قسمي فيما أملك. فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» يعنى القلب (1). # وقوله ( @QUR@06 فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة ) إرشاد من الله ~~تعالى للرجال إلى ما يجب عليهم نحو نسائهم المتعددات اللائي ليس في ~~استطاعتهم التسوية بينهن في الميل القلبي. # أى : إذا ثبت أنكم لن تستطيعوا أن تعدلوا بينهن عدلا كاملا من جميع ~~الوجوه ولو حرصتم على هذا العدل أتم الحرص. إذا ثبت ذلك فلا تميلوا كل ~~الميل إلى إحداهن بأن تبالغوا في إرضائها والإقبال عليها حتى تصير الأخرى ~~التي ملتم عنها وهجرتموها كالمعلقة أى كالمرأة التي لا هي بذات زوج فتنال ~~منه حقوقها الزوجية ولا هي بمطلقة فترجو من الله أن يرزقها بالزوج الذي ~~يكرمها. وإنما ms1419 الواجب عليكم يا معشر الرجال أن تجاهدوا أنفسكم حتى تصلوا ~~إلى الحق المستطاع من العدل بين الزوجات. # فقد أخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبى هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال : # «من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما أى لم يعدل بينهما فيما يمكنه ~~العدل فيه جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط». # وعن مجاهد قال : «كانوا يسوون بين الضرائر حتى في الطيب يتطيب لهذه كما ~~يتطيب لهذه» (2). # وقوله ( @QUR@02 كل الميل ) نصب لفظ كل على المصدرية لأنها على حسب ما ~~تضاف إليه من مصدر أو ظرف أو غيره. # وقوله ( @QUR@01 فتذروها ) منصوب بإضمار أن في جواب النهى. أو مجزوم عطفا ~~على الفعل قبله. # والجملة الكريمة توبيخ للأزواج الذين لا يعدلون بين نسائهم. # قال القرطبي : وقوله ( @QUR@02 فتذروها كالمعلقة ) أى : لا هي مطلقة ولا ~~ذات زوج. وهذا تشبيه PageV03P334 # بالشيء المعلق من شيء ، لأنه لا على الأرض استقر ولا على ما علق عليه ~~انحمل ، وهذا مطرد في قولهم في المثل : (ارض من المركب بالتعليق). وفي حديث ~~أم زرع : زوجي العشنق أى الطويل الممتد القامة إن أنطق أطلق. وإن أسكت أعلق ~~أى أهمل وأترك حتى لكأننى بدون زوج (1). # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@08 وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان ~~غفورا رحيما ). # أى : وإن تصلحوا أعمالكم أيها الناس فتعدلوا في قسمتكم بين أزواجكم ~~وتعاشروهن بالمعروف ، وتتقوا الله وتراقبوه فيهن ، وتتوبوا إلى الله توبة ~~نصوحا مما حدث منكم من ظلم لهن. إن تفعلوا ذلك يغفر الله لكم ذنوبكم ويتفضل ~~عليكم برحمته وإحسانه. # هذا وقد ادعى بعض الذين لم يفهموا تعاليم الإسلام فهما سليما أن هذه ~~الآية بضمها إلى قوله تعالى في مطلع هذه السورة ( @QUR@05 فإن خفتم ألا ~~تعدلوا فواحدة ) يكون منع تعدد الزوجات جائزا شرعا ، لأن الله تعالى قد بين ~~في الآية التي معنا وهي قوله ( @QUR@04 ولن تستطيعوا أن تعدلوا ) أن العدل ~~بين الزوجات المتعددات غير مستطاع ، وبين في الآية الأخرى وهي قوله ( ~~@QUR@05 فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ) أن الجمع بين النساء غير ms1420 جائز إلا ~~عند الوثوق من العدل بينهن ، وبما أن العدل بينهن غير مستطاع بنص الآية ~~التي معنا ، إذا فالجمع بين النساء غير جائز ، وعلى الرجل أن يكتفى بواحدة. # وللرد على هذه الدعوى نقول : إن العدل الذي أخبر الله عنه غير مستطاع ، ~~هو العدل الذي يتعلق بالتسوية بين الزوجات في الحب القلبي ، والميل النفسي ~~، والتجاوب العاطفى ، إذ من المعلوم أن هذه الأمور النفسية لا يستطيع ~~الإنسان أن يتحكم فيها. فأنت مثلا تجلس في مجلس فيه أشخاص متعددون لا ~~تعرفهم فتحس بارتياح لبعضهم وبنفور من بعضهم مع أنك لم يسبق لك أن اختلطت ~~بواحد منهم ، وما ذلك إلا لأن الميول القلبية يعجز الإنسان عن التحكم فيها. # أما العدل الذي جعله الله شرطا في جواز الجمع بين الزوجات فهو العدل الذي ~~يتعلق بالتسوية فيما يقدر عليه الإنسان ويملكه مثل التسوية بينهن في النفقة ~~والكسوة والسكنى والمبيت. وغير ذلك من الأمور التي يقدر عليها. # وبهذا نرى أن موضوع الآية التي معنا يتعلق بالعدل النفسي وهو أمر غير ~~مستطاع كما جاء في الحديث الشريف : «اللهم هذا قسمي فيما أملك ، فلا تلمني ~~فيما تملك ولا أملك». PageV03P335 # وأما موضوع الآية التي في صدر السورة وهي قوله تعالى ( @QUR@05 فإن خفتم ~~ألا تعدلوا فواحدة ) فيتعلق بالعدل الظاهري الذي يقدر عليه الإنسان مثل ~~التسوية في النفقة وغير ذلك مما يقدر عليه الإنسان. # ومع هذا ، فالآية التي معنا لم تطالب الرجل بالعدالة المطلقة الكاملة بين ~~زوجاته بأن يسوى بينهن في كل شيء ، لأن العدل بهذا المعنى غير مستطاع ~~للمكلف ولو حرص على إقامته وبالغ في ذلك. وإنما الآية الكريمة طالبته ~~بالممكن منه فكأنها تقول : إنكم أيها الرجال لن تستطيعوا أن تعدلوا العدل ~~المطلق الكامل بين زوجاتكم في القسم والنفقة والتعهد والنظر والمؤانسة ~~والمحبة وغير ذلك مما لا يكاد يحصر ( @QUR@02 ولو حرصتم ) على هذا العدل ~~الكامل أتم الحرص لما استطعتموه ، ولذلك لم يكلفكم الله به ، إذ التكليف ~~الشرعي إنما يكون بما في الوسع والطاقة ، وإذا كان الأمر كذلك فاجتهدوا ما ~~استطعتم في ms1421 العدل بين زوجاتكم ، ولا تميلوا كل الميل إلى واحدة منهن ~~وتهملوا الأخرى إهمالا يجعلها كأنها لا هي ذات زوج ولا هي مطلقة. # فإن العجز عن العدل المطلق الكامل لا يمنع تكليفكم بما دون ذلك من ~~المراتب التي تقدرون عليها قالوا : ما لا يدرك كله لا يترك كله. # وبهذا نرى أن الآيتين الكريمتين تدعوان المسلم إلى العدل بين زوجاته ~~بالقدر الذي يستطيعه بدون تقصير أو جور ، وأنهما بانضمام معناهما لا تمنعان ~~تعدد الزوجات كما ادعى المدعون. # وبعد أن رغب سبحانه في الصلح بين الزوجين وحض عليه ، وأمر الأزواج بالعدل ~~بين الزوجات بالقدر الذي يستطيعونه ، عقب ذلك ببيان أن التفرقة بينهما ~~جائزة إذا لم يكن منها بد. # لأن التفرقة مع الإحسان خير من المعاشرة السيئة فقال تعالى ( @QUR@011 ~~وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما ). # وإن عز الصلح بين الزوجين واختارا الفراق تخوفا من ترك حقوق الله التي ~~أوجبها على كل واحد منهما ( @QUR@03 يغن الله كلا ) منهما ( @QUR@02 من ~~سعته ) أى يجعل كل واحد منهما مستغنيا عن الآخر ( @QUR@04 وكان الله واسعا ~~حكيما ) أى : وكان الله تعالى وما يزال واسعا أى واسع الغنى والرحمة والفضل ~~( @QUR@01 حكيما ) في جميع أفعاله وأحكامه. # وبهذا نرى أن هذه الآيات الكريمة قد وضعت أحكم الأسس للحياة الزوجية ~~السليمة ، وعالجت أمراضها بالعلاج الشافي الحكيم ، فقد أمرت الرجال بأن ~~يؤدوا للنساء حقوقهن ، وأن يعاشروهن بالمعروف ، وأن على الزوجين إذا ما دب ~~بينهما خلاف أن يعالجاه فيما بينهما بالتصالح والتسامح ، وإذا اقتضى الأمر ~~أن يتنازل أحدهما للآخر عن جانب من حقوقه فليفعل من أجل الإبقاء على الحياة ~~الزوجية. وأن الرجل لا يستطيع أن يعدل عدلا مطلقا كاملا بين زوجاته ، PageV03P336 # ولكن هذا لا يمنعه من العدل بينهن بالقدر الذي يستطيعه بدون تقصير أو ميل ~~مع الهوى ، فإن الميسور لا يسقط بالمعسور. وأنه إذا استحال الصلح وتنافرت ~~الطباع ، وساءت العشرة كان الفراق بينهما أجدى ، إذ الفراق مع الإحسان خير ~~من الإمساك مع المعاشرة السيئة التي عز معها الإصلاح والوفاق والتقارب بين ms1422 ~~القلوب. # * * * # وبعد أن بين سبحانه ما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين الزوجين ووسائل ~~علاج أدوائها .. بعد كل ذلك بين سبحانه أن كل شيء في ملكه وتحت سلطانه ، ~~فعلى الناس أن يخشوه ويراقبوه ويشتغلوا بعبادته فقال تعالى : # ( @QUR@032 ولله ما في السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات ~~وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا (131) @QUR@010 ولله ما في السماوات وما ~~في الأرض وكفى بالله وكيلا (132) @QUR@012 إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت ~~بآخرين وكان الله على ذلك قديرا (133) @QUR@014 من كان يريد ثواب الدنيا ~~فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا ) (134) # قال ابن جرير ، قوله ( @QUR@07 ولله ما في السماوات وما في الأرض ) يعنى ~~بذلك سبحانه ولله ملك جميع ما حوته السموات السبع والأرضون السبع من ~~الأشياء كلها. وإنما ذكر جل ثناؤه ذلك بعقب قوله ( @QUR@07 وإن يتفرقا يغن ~~الله كلا من سعته ) تنبيها منه لخلقه على موضع الرهبة عند فراق أحدهم زوجه ~~ليفزعوا إليه عند الجزع من الحاجة والفاقة والوحشة بفراق سكنه ، وتذكيرا ~~منه له أنه الذي له الأشياء كلها. وأن من كان له ملك جميع الأشياء فغير ~~متعذر عليه أن يغنيه ويغنى كل ذي فاقة وحاجة ويؤنس كل ذي وحشة (1). PageV03P337 # فالجملة الكريمة مستأنفة لبيان مظاهر قدرته ورحمته بعباده. والخطاب في ~~قوله : ( @QUR@011 ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا ~~الله ) والمراد بالذين ( @QUR@02 أوتوا الكتاب ): اليهود والنصارى ومن ~~قبلهم من الأمم. والمراد بالكتاب : جنس الكتب الإلهية. # وقوله : ( @QUR@01 وإياكم ) معطوف على الموصول. وقوله ( @QUR@02 من قبلكم ~~) متعلق بأوتوا أو بوصينا وقوله : ( @QUR@03 أن اتقوا الله ) أن مصدرية في ~~محل جر بتقدير حرف الجر. # والمعنى : ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم من الأمم السابقة ( ~~@QUR@01 وإياكم ) أى : وصينا كلا منهم ومنكم بتقوى الله. أى بمراقبته ~~وخشيته وتنفيذ أوامره والبعد عن نواهيه. # وقوله : ( @QUR@010 وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض ) ~~معطوف على وصينا بتقدير قلنا. أى وصيناهم ms1423 ووصيناكم بتقوى الله ، وقلنا لكم ~~ولهم : إن تكفروا فاعلموا أنه سبحانه هو مالك الملك والملكوت ولن يضره ~~كفركم ومعاصيكم ، كما أنه سبحانه لن ينفعه شكركم وتقواكم ، وإنما وصاكم ~~وإياهم بما وصى لرحمته بكم لا لحاجته إليكم. كما قال تعالى في آية أخرى : ( ~~@QUR@014 إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا ~~يرضه لكم ). # ويرى صاحب الكشاف أن قوله تعالى ( @QUR@02 وإن تكفروا ) عطف على اتقوا ، ~~فقد قال : وقوله : ( @QUR@010 وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في ~~الأرض ) عطف على اتقوا. لأن المعنى : أمرناهم وأمرناكم بالتقوى ، وقلنا لهم ~~ولكم : إن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض. والمعنى : إن لله ~~الخلق كله وهو خالقهم ومالكهم والمنعم عليهم بأصناف النعم كلها ، فحقه أن ~~يكون مطاعا في خلقه غير معصى. يتقون عقابه ويرجون ثوابه. ولقد وصينا الذين ~~أوتوا الكتاب من الأمم السابقة ووصيناكم أن اتقوا الله. يعنى : أنها وصية ~~قديمة ما زال يوصى الله بها عباده ، لستم بها مخصوصين : لأنهم بالتقوى ~~يسعدون عنده ، وبها ينالون النجاة في العاقبة. وقلنا لهم ولكم : وإن تكفروا ~~فإن لله في سماواته وأرضه من الملائكة والثقلين من يوحده ويعبده ويتقيه (1). # وجواب الشرط في قوله «وإن تكفروا محذوف ، والتقدير : إن تكفرا بما وصاكم ~~به فلن يضره كفركم فإنه سبحانه له ما في السموات وما في الأرض ثم ختم ~~سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@04 وكان الله غنيا حميدا ) أى : وكان الله وما ~~زال غنيا عن خلقه وعن عبادتهم ، مستحقا لأن يحمده الحامدون لكثرة نعمه ~~عليهم فالجملة الكريمة تذييل مقرر لما قبله. # ثم أكد سبحانه هيمنته على هذا الكون وملكيته له فقال : ( @QUR@06 ولله ما ~~في السماوات وما في PageV03P338 # @QUR@04 الأرض وكفى بالله وكيلا ). # أى : ولله تعالى وحده ما في السموات وما في الأرض ملكا وتصرفا وإيجادا ~~وإعداما. وإحياء وإماتة. وكفى بالله تعالى وكيلا في تدبير أمور خلقه ، ~~وحفظه لمصالحهم. # والوكيل هو القيم والكفيل بالأمر الذي يوكل إليه. وقد ذكر سبحانه في ~~هاتين الآيتين ملكيته لما في السموات وما في ms1424 الأرض ثلاث مرات ، تأكيدا لعظم ~~سلطانه وقدرته وسعة غناه ورحمته ، حتى ترسخ في نفوس الناس تقواه وخشيته. # قال القرطبي : فإن قال قائل : ما فائدة هذا التكرار؟ فعنه جوابان : # أحدهما : أنه كرر تأكيدا ليتنبه العباد وينظروا ما في ملكوته وأنه غنى عن ~~العالمين. # الجواب الثاني : أنه كرر لفوائد : فأخبر في الأول أن الله تعالى يغنى كلا ~~من سعته لأن له ما في السموات وما في الأرض فلا تنفد خزائنه. ثم قال : ~~أوصيناكم وأهل الكتاب بالتقوى وإن تكفروا فإنه غنى عنكم لأن له ما في ~~السموات والأرض. ثم أعلم في الثالث بحفظ خلقه وتدبيره إياهم بقوله ( ~~@QUR@03 وكفى بالله وكيلا )، لأن له ما في السموات وما في الأرض ... (1). # وقوله تعالى ( @QUR@012 إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله ~~على ذلك قديرا ) تقرير لما سبق بيانه من عظيم سلطانه وغناه وقدرته. # أى : إن يشأ الله يفنكم ويهلككم أيها الناس ويأت مكانكم بقوم آخرين ، ~~وكان الله وما زال على إفنائكم وإيجاد غيركم بليغ القدرة ، لأنه سبحانه لا ~~يعجزه شيء. لكنه سبحانه لم يشأ ذلك لا لعجز منه. ولكن لأن حكمته اقتضت ~~بقاءكم ، ليبلوكم أيكم أحسن عملا ، وليجازى كل إنسان على حسب عمله. # قال الجمل : (ومفعول المشيئة محذوف يدل عليه مضمون الجزاء. أى : إن يشأ ~~إفناءكم وإيجاد آخرين يذهبكم يعنى : أن إبقاءكم على ما أنتم عليه من ~~العصيان إنما هو لكمال غناه عن طاعتكم ، ولعدم تعلق مشيئته المبنية على ~~الحكم البالغة بإفنائكم لا لعجزه سبحانه وقيل : هو خطاب لمن عادى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من العرب. أى : يشأ يمتكم ويأت بأناس آخرين يوالونه. ~~فمعناه هو معنى قوله تعالى ( @QUR@09 وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا أمثالكم ). ويروى أنه لما نزلت ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ~~على ظهر سلمان الفارسي وقال : «إنهم قوم هذا». يريد أبناء فارس (2). # فالآية الكريمة تقرير لغناه وقدرته سبحانه وتهديد لمن كفر به وعصاه. PageV03P339 # ثم حرض سبحانه الناس على أن يقصدوا بعملهم وجه الله ، وأن يجعلوا ms1425 مقصدهم ~~الأعظم الفوز بنعيم الآخرة فقال تعالى : ( @QUR@014 من كان يريد ثواب ~~الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة ، وكان الله سميعا بصيرا ). # والمراد بثواب الدنيا : خيراتها التي تعود على طالبها بالنفع الدنيوي. # والمراد بثواب الآخرة : الجزاء الحسن الذي أعده الله تعالى لعباده ~~الصالحين. # والمعنى : من كان يريد ثواب الدنيا كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة ~~والمنافع الدنيوية ، فأخبره وأعلمه يا محمد أن عند الله ثواب الدنيا ~~والآخرة. فلما ذا قصر الطلب على المنافع الدنيوية مع أن ثواب الآخرة أجزل ~~وأبقى؟ وهلا اقتدى بمن قالوا في دعائهم : ( @QUR@08 ربنا آتنا في الدنيا ~~حسنة وفي الآخرة حسنة )؟ # وجزاء الشرط محذوف بتقدير الإعلام والإخبار. أى : من كان يريد ثواب ~~الدنيا فأعلمه وأخبره أن عند الله ثواب الدارين فماله لا يطلب ذلك أو يطلب ~~الأشرف وهو ثواب الآخرة فإن من جاهد مثلا جهادا خالصا لم تفته المنافع ~~الدنيوية ، وله بجانب ذلك في الآخرة ما هو أنفع وأعظم وأبقى. فقد روى ~~الإمام أحمد عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «من كان ~~همه الآخرة جمع الله تعالى شمله ، وجعل غناه في قلبه ، وأتته الدنيا وهي ~~راغمة ، ومن كانت نيته الدنيا فرق الله عليه ضيعته ، وجعل فقره بين عينيه ، ~~ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له» (1). # ويرى صاحب البحر المحيط أن جواب الشرط محذوف لدلالة المعنى عليه فقد قال ~~: والذي يظهر أن جواب الشرط محذوف لدلالة المعنى عليه. والتقدير : من كان ~~يريد ثواب الدنيا فلا يقتصر عليه وليطلب الثوابين فعند الله ثواب الدنيا ~~والآخرة. # ثم قال : وقال الراغب وقوله ( @QUR@05 فعند الله ثواب الدنيا والآخرة ) ~~تبكيت للإنسان حيث اقتصر على أحد السؤالين مع كون المسئول مالكا للثوابين ، ~~وحث على أن يطلب منه تعالى ما هو أكمل وأفضل من مطلوبه. فمن طلب خسيسا مع ~~أنه يمكنه أن يطلب نفيسا فهو دنيء الهمة. وقيل : الآية وعيد للمنافقين ~~الذين لا يريدون بالجهاد غير الغنيمة (2). # وما عبر عنه صاحب البحر المحيط بقوله : وقيل : الآية وعيد للمنافقين ، قد ~~رجحه ابن ms1426 جرير واختاره فقد قال ما ملخصه : قوله ( @QUR@03 من كان يريد ) أى ~~: ممن أظهر الإيمان من أهل النفاق. PageV03P340 # ( @QUR@02 ثواب الدنيا ) يعنى عرض الدنيا ( @QUR@05 فعند الله ثواب ~~الدنيا والآخرة ) يعنى : أن جزاءه في الدنيا منها هو ما يصيب من المغنم. ~~وأما ثوابه في الآخرة فنار جهنم (1). # والذي نراه أولى أن الآية الكريمة تخاطب الناس عامة ، فتبين لهم أن خير ~~الدنيا بيد الله وخير الآخرة أيضا بيد الله ، فإن اتقوه نالوا الخيرين ، ~~وتنبههم إلى أن من الواجب عليهم ألا يشغلهم طلب خير الدنيا عن طلب خير ~~الآخرة. بل عليهم أن يقدموا ثواب الآخرة على ثواب الدنيا. عملا بقوله تعالى ~~في آية أخرى : ( @QUR@011 وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك ~~من الدنيا ). ولا نرى مقتضيا لتخصيص الآية بالمنافقين كما يرى ابن جرير ~~رحمه الله . # وقوله تعالى ( @QUR@04 وكان الله سميعا عليما ) تذييل قصد به حض الناس ~~على الإخلاص في أقوالهم وأعمالهم. # أى : وكان الله تعالى سميعا لكل ما يجهر به الناس ويسرونه ، بصيرا ~~بأحوالهم الظاهرة والخفية ، وسيجازيهم بما يستحقونه من ثواب أو عقاب ، ( ~~@QUR@012 يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ). # ثم وجه سبحانه بعد ذلك نداءين متتاليين إلى المؤمنين أمرهم فيهما ~~بالمداومة على التمسك بفضيلة العدل في جميع الظروف والأحوال ، وبالثبات على ~~الإيمان الحق الذي ينالون به ثواب الله ورضاه ، وتوعد الذين ينحرفون عن ~~طريق الحق بسوء العاقبة فقال تعالى : # ( @QUR@038 يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على ~~أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا ~~تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ~~(135) @QUR@019 يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل ~~على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر PageV03P341 # @QUR@010 بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا ) (136) # وقوله ( @QUR@01 قوامين ) جمع قوام وهو صيغة مبالغة من قائم. والقوام : ~~هو المبالغ في القيام بالشيء وفي الإتيان به على أتم وجه ms1427 وأحسنه. # وقوله ( @QUR@01 شهداء ) جمع شهيد بوزن فعيل. والأصل في هذه الصيغة أنها ~~تدل على الصفات الراسخة في النفس ككريم وحكيم. # والمعنى : يا أيها الذين آمنوا بالحق إيمانا صادقا. كونوا مواظبين على ~~إقامة العدل فيما بينكم في جميع الظروف والأحوال دون أن يصرفكم عن ذلك صارف ~~، وكونوا «شهداء لله» أى : مقيمين للشهادة بالحق ابتغاء وجه الله لا لغرض ~~من الأغراض الدنيوية. ولا لمطمع من المطامع الشخصية ، فإن الإيمان الحق ~~يستلزم منكم أن تعدلوا في أحكامكم وأن تؤدوا الشهادة على وجهها. # وفي ندائه سبحانه لهم بقوله ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا ) تنبيه إلى ~~الأمر الخير الذي ناداهم من أجله ودعاهم إلى تنفيذه وهو التزام العدالة في ~~كل أمورهم ، وتحريك لعاطفة الإيمان في قلوبهم بمقتضى وصفهم بهذه الصفة ~~الجليلة. # وعبر سبحانه بقوله ( @QUR@02 كونوا قوامين ) بصيغة المبالغة الدالة على ~~الكثرة والمداومة على الشيء ، لتمكين صفة العدالة في نفوسهم ، وترسيخها في ~~قلوبهم. # فكأنه سبحانه يقول لهم : روضوا أنفسكم على التزام كلمة الحق ، وعودوها ~~على نصرة المظلوم وخذلان الظلم ، وليكن ذلك خلقا من أخلاقكم. وسجية من ~~سجاياكم ، فلا يكفى أن تعدلوا في أحكامكم مرة أو مرتين ، وإنما الواجب ~~عليكم أن تداوموا على إقامة العدل في كل الأحوال ، ومع كل الأشخاص. # قال صاحب المنار : وهذه العبارة وهي قوله تعالى ( @QUR@03 كونوا قوامين ~~بالقسط ) أبلغ ما يمكن أن يقال في تأكيد أمر العدل والعناية به فالأمر ~~بالعدل والقسط مطلقا يكون بعبارات مختلفة بعضها آكد من بعض تقول : اعدلوا ~~أو أقسطوا. وتقول : كونوا عادلين أو مقسطين. وهذه العبارة أبلغ ؛ لأنها أمر ~~بتحصيل الصفة لا بمجرد الإتيان بالقسط الذي يصدق بمرة. # وتقول : أقيموا القسط. وأبلغ منه : كونوا قائمين بالقسط. وأبلغ من هذا ~~وذاك : كونوا قوامين بالقسط. أى : لتكن المبالغة والعناية بإقامة القسط على ~~وجهه صفة من صفاتكم ، بأن PageV03P342 # تتحروه بالدقة التامة حتى تكون ملكة راسخة في نفوسكم. والقسط يكون في ~~العمل كالقيام بما يجب من العدل بين الزوجات والأولاد ويكون في الحكم بين ~~الناس .. (1). # وقوله ( @QUR@01 شهداء ) خبر ثان لكونوا. وقوله ( @QUR@01 لله ) متعلق ms1428 ~~بمحذوف حال من ضمير ( @QUR@01 شهداء ). # أى : كونوا ملازمين للعدل في كل أموركم وكونوا مقيمين للشهادة على وجهها ~~حالة كونها لوجه الله ، لا لعرض من أعراض الدنيا. # قال الفخر الرازي : وإنما قدم سبحانه الأمر بالقيام بالقسط على الأمر ~~بالشهادة لوجوه : # الأول : أن أكثر الناس من عادتهم أنهم يأمرون غيرهم بالمعروف ، فإذا آل ~~الأمر إلى أنفسهم تركوه حتى إن أقبح القبيح إذا صدر عنهم كان في محل ~~المسامحة وأحسن الحسن. وإذا صدر عن غيرهم كان محل المنازعة. فالله تعالى ~~نبه في هذه الآية على سوء هذه الطريقة. وذلك أنه سبحانه أمرهم بالقيام ~~بالقسط أولا ، ثم أمرهم بالشهادة على الغير ثانيا ، تنبيها على أن الطريقة ~~الحسنة أن تكون مضايقة الإنسان مع نفسه فوق مضايقته مع الغير. # الثاني : أن القيام بالشهادة عبارة عن دفع ضرر العقاب عن الغير ، وهو ~~الذي عليه الحق. ودفع الضرر عن النفس مقدم على دفع الضرر عن الغير. # الثالث : أن القيام بالقسط فعل ، والشهادة قول والفعل أقوى من القول (2). # وقوله : ( @QUR@06 ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ) تأكيد للأمر ~~بالتزام الحق في الأحكام والشهادات. # أى : كونوا قوامين بالقسط ، وكونوا مقيمين للشهادة بالحق خالصة لوجه الله ~~، ولو كانت الشهادة على أنفسكم بأن تقروا بأن الحق عليها إذا كان واقع ~~الأمر كذلك ولو كانت أيضا. على والديكم وعلى أقرب الناس إليكم. # قال القرطبي : وشهادة المرء على نفسه إقراره بالحقوق عليها ثم ذكر ~~الوالدين لوجوب برهما وعظم قدرهما. ثم ثنى بالأقربين إذ هم مظنة المودة ~~والتعصب فكان الأجنبى من الناس أحرى أن يقام عليه بالقسط ويشهد عليه ... ~~ولا خلاف بين أهل العلم في صحة أحكام هذه الآية ، وأن شهادة الولد على ~~الوالدين ماضية ، ولا يمنع ذلك من برهما ، بل أن يشهد عليهما ويخلصهما من ~~الباطل. وكان من مضى من السلف الصالح يجيزون شهادة الوالدين والأخ ، لأنه ~~لم يكن أحد PageV03P343 # يتهم في ذلك من السلف. ثم ظهرت من الناس أمور حملت الولاة على اتهامهم ، ~~فتركت شهادة من يتهم. وأجاز قوم شهادة بعضهم لبعض إذا كانوا ms1429 عدولا (1). # و ( @QUR@01 لو ) في قوله ( @QUR@03 ولو على أنفسكم ) شرطية. والجار ~~والمجرور خبر لكان المحذوفة مع اسمها. وجواب لو محذوف. والتقدير : ولو كانت ~~الشهادة على أنفسكم فاشهدوا عليها بأن تقروا على أنفسكم بالحق ولا تكتموه. # وقوله تعالى ( @QUR@08 إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما ) تأكيد ~~لوجوب التزام الحق مع الغنى والفقير والصغير والكبير. # أى : إن يكن المشهود عليه غنيا يرجى في العادة ويخشى أو فقيرا يترحم عليه ~~في الغالب ولا يخشى ، فلا تمتنعوا عن الشهادة ، لأن الله تعالى هو الأولى ~~والأجدر بحساب كل من الغنى والفقير ، وهو الأعلم بمصالح الناس ، والأرحم ~~بهم منكم. وجواب الشرط محذوف ، أى : إن يكن المشهود عليه غنيا أو فقيرا فلا ~~تتركوا الشهادة لأن الشهادة في مصلحتهما. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم ثنى الضمير في «أولى بهما» وكان حقه أن ~~يوحد ؛ لأن قوله : إن يكن غنيا أو فقيرا في معنى إن يكن أحد هذين؟ # قلت قد رجع الضمير إلى ما دل عليه قوله : ( @QUR@05 إن يكن غنيا أو فقيرا ~~) لا إلى المذكور ، فلذلك ثنى ولم يفرد ، وهو جنس الغنى وجنس الفقير. فكأنه ~~قيل : فالله أولى بجنسى الغنى والفقير. # أى : بالأغنياء والفقراء. وفي قراءة أبى : فالله أولى بهم وهي شاهدة على ذلك. # وقال ابن جرير : نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم إذ اختصم إليه رجلان : ~~غنى وفقير. وكان ضلعه أى ميله مع الفقير ؛ لأنه يرى أن الفقير لا يظلم ~~الغنى. فأبى الله إلا أن يقوم بالقسط في الغنى والفقير فقال : ( @QUR@08 إن ~~يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما ) (2). # والذي يستفاد من هذه الرواية ومن ظاهر الآية أن الغنى أو الفقر لا يصح أن ~~يكونا سببا في التفاوت في الحكم. ويقاس عليهما غيرهما من أحوال الناس ، لأن ~~الله تعالى هو الذي نظم الكون بحكمته ، وهو أعلم بمصالح الناس من أنفسهم ، ~~وجعل فيهم الغنى والفقير لأن الغنى والفقر أمران ثابتان في هذا الوجود ، ~~ولا يمكن أن تخلو منهما الجماعة الإنسانية ، لأن ذلك تنظيم الله تعالى ، ~~وإرادته الخالدة ، وهو ms1430 الذي يتفق مع الطبيعة الإنسانية ، إذ العقول متفاوتة ~~، والعزائم مختلفة ، والأعمال متنوعة ، ونتيجة لذلك كانت الثمار ليست متحدة. PageV03P344 # والمراد بالهوى في قوله : ( @QUR@05 فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ) الخضوع ~~للشهوات والميل مع نزعات النفس الأمارة بالسوء. # وقوله ( @QUR@02 أن تعدلوا ) في موضع المفعول لأجله ويحتمل أن يكون بمعنى ~~العدل فيكون علة للمنهى عنه ، ويكون في الجملة مضاف مقدر. والمعنى : فلا ~~تتبعوا الهوى والميل مع الشهوات كراهة أن تعدلوا بين الناس ويحتمل أن يكون ~~بمعنى العدول عن الحق فيكون علة للنهى بتقدير لا ، أى : أنهاكم عن اتباع ~~الهوى لئلا تميلوا عن الحق وتتركوا العدل. # قال ابن كثير : أى : لا يحملنكم الهوى والعصبية وبغض الناس إليكم ، على ~~ترك العدل في شئونكم. بل الزموا العدل على أى حال كان. كما قال تعالى ( ~~@QUR@011 ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ). ~~ومن هذا قول عبد الله بن رواحة لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم يخرص على ~~أهل خيبر ثمارهم وزروعهم ، فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم ، فقال : والله لقد ~~جئتكم من عند أحب الخلق إلى. ولأنتم أبغض الخلق إلى. وما يحملني حبى إياه ~~وبغضي لكم على أن لا أعدل فيكم. فقالوا : بهذا قامت السموات والأرض (1). # وقوله تعالى ( @QUR@010 وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون ~~خبيرا ) تذييل قصد به تهديدهم ووعيدهم على ترك العدل ، وعلى الامتناع عن ~~الشهادة بالحق. # قال الفخر الرازي ما ملخصه : وفي الآية قراءتان. فقد قرأ الجمهور ( ~~@QUR@01 تلووا ) بواوين قبلهما لام ساكنة بمعنى الدفع والإعراض من قولهم : ~~لواه حقه إذا مطله ودفعه. أو بمعنى التحريف والتبديل من قولهم لوى الشيء ~~إذا فتله. # وقرأ ابن عامر وحمزة تلوا بلام مضمومة بعدها واو ساكنة من الولاية بمعنى ~~مباشرة الشيء والاشتغال به (2). # والمعنى على قراءة الجمهور : وإن تلووا ألسنتكم عن الشهادة بالحق بأن ~~تحرفوها وتقيموها على غير وجهتها أو تعرضوا عنها رأسا وتتركوها يعاقبكم ~~الله عقابا شديدا فإنه سبحانه عليم بدقائق الأشياء ، خبير بخفايا النفوس ، ~~وسيجازى كل إنسان بما يستحقه. # والمعنى على ms1431 القراءة الثانية : وإن تلوا الشهادة فتباشروها على وجهها ~~يعطكم الله أجرا حسنا ، وإن تعرضوا عنها وتتركوها يعاقبكم الله عقابا أليما ~~، فإن الله تعالى خبير بكل أقوالكم وأعمالكم. PageV03P345 # وقيل : إن القراءتين بمعنى واحد لأن أصل (تلوا) وهي قراءة حمزة وابن عامر ~~تلووا وهي قراءة الجمهور نقلت حركة الواو في قراءة الجمهور إلى الساكن ~~قبلها فالتقى واوان ساكنان فحذفت إحداهما فصارت الكلمة (تلوا). # هذا ، والمتأمل في هذه الآية الكريمة يراها تبنى المجتمع الإسلامى على ~~أقوى القواعد ، وأمتن الأسس وأشرف المبادئ. إنها تبنيه على قواعد العدل ~~والقسط ، وتأمر المؤمنين أن يلتزموا كلمة الحق مع أنفسهم ومع أقرب المقربين ~~إليهم مهما تكلفوا في ذلك من جهاد شاق يقتضيه التزام الحق ، فإن كلمة الحق ~~كثيرا ما تجعل صاحبها عرضة للإيذاء والاعتداء والاتهام بالباطل من الأشرار ~~والفجار. بل إن كلمة الحق قد تفضى بصاحبها إلى الموت. ولكن لا بأس ، فإن ~~الموت مع التمسك بالحق ، خير من الحياة في ظلمات الباطل. # ثم أمر الله تعالى المؤمنين أن يثبتوا على إيمانهم فقال : ( @QUR@017 يا ~~أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب ~~الذي أنزل من قبل ) أى : يا أيها المؤمنون اثبتوا على إيمانكم وداوموا على ~~تصديقكم بوحدانية الله تعالى وعلى تصديقكم برسوله محمد صلى الله عليه وسلم ~~وبالكتاب الذي نزله الله تعالى عليه وهو القرآن ، وبالكتاب الذي أنزله الله ~~تعالى على الرسل الذين أرسلهم من قبله. # والمراد بالكتاب الذي أنزله على الرسل من قبله جنس الكتب السماوية ~~كالتوراة والإنجيل والزبور. # ثم بين سبحانه سوء مصير من يكفر بشيء مما يجب الإيمان به فقال تعالى : ( ~~@QUR@012 ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا ~~بعيدا ). # أى : ومن يكفر بالله بأن يجحد وحدانيته وألوهيته ، ولا يخلص له العبادة ، ~~ويكفر بملائكته بأن ينكر بأنهم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ~~ما يؤمرون ، ويكفر بكتبه التي أنزلها سبحانه ، على أنبيائه ، وبرسله الذين ~~أرسلهم لهداية الخلق. وباليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب ، من يكفر بكل ms1432 ~~ذلك فقد خرج عن طريق الهدى وبعد عن السبيل القويم بعدا كبيرا ، لأنه بكفره ~~بذلك يكون قد خالف الفطرة ، وانحرف عما يقتضيه العقل السليم ، وأوغل في ~~الشرور والآثام إيغالا شديدا ، يؤدى به إلى خزي الدنيا وعذاب الآخرة. # وبعد هذه الأوامر السديدة للمؤمنين. عادت السورة الكريمة إلى تحذيرهم من ~~أعدائهم ومن المنافقين ، فكشفت لهم عن طبيعتهم ، ونهتهم عن القعود معهم ، ~~وبينت لهم أنماطا من خداعهم ، وألوانا من أخلاقهم الذميمة ، وأخبرتهم عن ~~سوء مصير أولئك المنافقين والمتمادين في الغي والضلال. PageV03P346 # استمع إلى السورة الكريمة وهي تحكى كل ذلك بأسلوبها الحكيم فتقول : # ( @QUR@020 إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا ~~لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا (137) @QUR@06 بشر المنافقين بأن ~~لهم عذابا أليما (138) @QUR@014 الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون ~~المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا (139) @QUR@033 وقد نزل ~~عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا ~~معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين ~~والكافرين في جهنم جميعا (140) @QUR@036 الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح ~~من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ~~ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين ~~على المؤمنين سبيلا (141) @QUR@019 إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم ~~وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤن الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا ~~(142) @QUR@016 مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله ~~فلن تجد له سبيلا (143) @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا PageV03P347 # @QUR@014 لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا ~~لله عليكم سلطانا مبينا (144) @QUR@011 إن المنافقين في الدرك الأسفل من ~~النار ولن تجد لهم نصيرا (145) @QUR@018 إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا ~~بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا ~~عظيما (146) @QUR@011 ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله ~~شاكرا عليما ) (147) # وقوله تعالى : ( @QUR@020 إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ms1433 ثم كفروا ثم ~~ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا ) للمفسرين في تأويل ~~هذه الآية وجوه : # أولها : أن المراد بهم قوم تكرر منهم الارتداد ، وأصروا على الكفر ، ~~وازدادوا تماديا في البغي والضلال. # وقد صدر الفخر الرازي تفسيره لهذه الآية بهذا المعنى فقال : المراد بهم ~~الذين يتكرر منهم الكفر بعد الإيمان مرات وكرات ، فإن ذلك يدل على أنه لا ~~وقع للإيمان في قلوبهم ، إذ لو كان للإيمان وقع في قلوبهم لما تركوه لأدنى ~~سبب ومن لا يكون للإيمان وقع في قلبه فالظاهر أنه لا يؤمن بالله إيمانا ~~صحيحا معتبرا. فهذا هو المراد بقوله : ( @QUR@05 لم يكن الله ليغفر لهم ). ~~وليس المراد أنه لو أتى بالإيمان الصحيح لم يكن معتبرا ، بل المراد منه ~~الاستبعاد والاستغراب على الوجه الذي ذكرناه (1). # وقال الإمام ابن كثير : يخبر تعالى عمن دخل في الإيمان ثم رجع عنه ثم عاد ~~فيه ثم رجع واستمر على ضلاله ، وازداد حتى مات ، فإنه لا توبة بعد موته ولا ~~يغفر الله له «ولا يجعل له مما هو فيه فرجا ولا مخرجا ولا طريقا إلى الهدى ~~، ولهذا قال : ( @QUR@08 لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا ). وقد ~~قال ابن عباس في قوله : ( @QUR@03 ثم ازدادوا كفرا ): تمادوا في كفرهم حتى ~~ماتوا» (2). PageV03P348 # وثانيها : أن المراد بهم أهل الكتاب. وقد رجح هذا الاتجاه ابن جرير فقال ~~: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال : عنى بذلك أهل الكتاب الذين ~~أقروا بحكم التوراة ، ثم أقر من أقر منهم بعيسى والإنجيل ، ثم كذب به ~~بخلافه إياه ، ثم كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان ، فازداد بتكذيبه ~~كفرا على كفره (1). # وثالثها : أن المراد بهم طائفة من اليهود كانوا يظهرون الإسلام تارة ثم ~~يرجعون عنه إلى يهوديتهم لتشكيك المسلمين في دينهم وذلك معنى قوله : ( ~~@QUR@017 وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه ~~النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ) (2). # ورابعها : أن المراد بهم المنافقون. فالإيمان الأول وإظهارهم الإسلام. ~~وكفرهم بعد ذلك هو نفاقهم وكون باطنهم على ms1434 خلاف ظاهرهم. والإيمان الثاني هو ~~أنهم كلما لقوا جمعا من المسلمين قالوا : إنا مؤمنون. والكفر الثاني هو ~~أنهم إذا خلوا إلى إخوانهم في النفاق قالوا لهم إنا معكم. وازديادهم في ~~الكفر هو جدهم واجتهادهم في استخراج أنواع المكر والكيد في حق المسلمين. # والذي نراه أولى من بين هذه الأقوال القول الأول ، لأن ألفاظ الآية عامة ~~ولم تخصص قوما دون قوم ، فكل من تكرر منهم الارتداد واستمروا في ضلالهم حتى ~~ماتوا ينطبق عليهم الوعيد الذي بينته الآية الكريمة ، سواء كان أولئك الذين ~~حدث منهم هذا الارتداد المتكرر من المنافقين أم من غيرهم. # والمعنى : إن الذين آمنوا بدين الإسلام ثم رجعوا عنه إلى ما كانوا عليه ~~من ضلال ، ثم آمنوا ثم كفروا مرة أخرى ، ثم ازدادوا كفرا على كفرهم بأن ~~استمروا فيه حتى ماتوا ... هؤلاء الذين فعلوا ذلك لم يكن الله ليغفر لهم ، ~~لتماديهم في الكفر وإصرارهم عليه حتى ماتوا ، ولم يكن سبحانه ليهديهم سبيلا ~~مستقيما ، لأنهم هم الذين استحبوا العمى على الهدى ، وهم الذين كانوا ( ~~@QUR@013 إن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا ، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه ~~سبيلا ). # قال الآلوسى : والقول المشهور الذي عليه الجمهور أن المراد من نفى ~~المغفرة والهداية ، نفى ما يقتضيهما وهو الإيمان الخالص الثابت. ومعنى نفيه ~~: استبعاد وقوعه ، فإن من تكرر منهم الارتداد وازدياد الكفر والإصرار عليه ~~صاروا بحيث قد ضربت قلوبهم بالكفر ، وصار الإيمان عندهم أدون شيء وأهونه ، ~~فلا يكادون يقربون منه قيد شبر ليتأهلوا للمغفرة وهداية سبيل الجنة ، لا ~~أنهم لو أخلصوا الإيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم. PageV03P349 # ثم قالوا : وخبر كان في أمثال هذا الموضع محذوف وبه تتعلق اللام أى : ما ~~كان الله مريدا للغفران لهم. ونفى إرادة الفعل أبلغ من نفيه (1). # ثم تبدأ السورة الكريمة حملتها على المنافقين فتقول : ( @QUR@06 بشر ~~المنافقين بأن لهم عذابا أليما ) والتعبير بقوله : بشر بدل أنذر أو أخبر ~~للتهكم بهم ، لأن البشارة لا تكون غالبا إلا في الأخبار السارة ، لأن الخبر ~~السار يظهر سرورا في البشرة. فاستعملت البشارة ms1435 في مطلق الإخبار أو في ~~الإنذار على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. # قال الراغب : ويقال : أبشرت الرجل وبشرته أى : أخبرته بأمر سار بسط بشرة ~~وجهه وذلك أن النفس إذا سرت انتشر الدم فيها انتشار الماء في الشجر (2). # وقوله : ( @QUR@01 المنافقين ) من النفاق وهو أن يظهر الشخص خلاف ما يبطن. # قالوا : وسمى المنافق منافقا أخذا من نافقاء اليربوع وهو جحره فإنه يجعل ~~له بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر ؛ فكذلك المنافق يدخل مع المؤمنين ~~بقوله : أنا مؤمن. ويدخل مع الكفار بقوله : أنا كافر. # والمعنى : أنذر يا محمد أولئك المنافقين الذين أظهروا الإسلام وأخفوا ~~الكفر بالعذاب الأليم ، وسق لهم هذا الإنذار بلفظ التبشير على سبيل التهكم ~~بهم ، والاستهزاء بعقولهم ، في مقابل تهكمهم بالإسلام وأهله وخداعهم ~~للمؤمنين. # ثم كشف سبحانه عن جانب من طبيعتهم المنكوسة فقال : ( @QUR@07 الذين ~~يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ). # أى : أنذر هؤلاء المنافقين بالعذاب الأليم ، الذين من صفاتهم أنهم يتخذون ~~الكافرين أولياء ونصراء لهم تاركين ولاية المؤمنين ونصرتهم. فهم سلم على ~~الكافرين وحرب على المؤمنين. # والمراد بالكافرين هنا : اليهود على أرجح الأقوال فقد حكى عن المنافقين ~~أنهم كانوا يقولون : إن أمر محمد صلى الله عليه وسلم لن يتم فتولوا اليهود ، ~~ولأن غالب سكان المدينة من غير المسلمين كان من اليهود. # وقوله ( @QUR@03 من دون المؤمنين ) حال من فاعل يتخذون. أى : يتخذون ~~الكفار أنصارا لهم حالة كونهم متجاوزين ولاية المؤمنين ونصرتهم. PageV03P350 # والاستفهام في قوله : ( @QUR@03 أيبتغون عندهم العزة ) للإنكار والتعجيب ~~من شأنهم ، والتهكم من سوء تصورهم. # وقوله : ( @QUR@04 فإن العزة لله جميعا ) رد على تصوراتهم الباطلة ، ~~ومداركهم الفاسدة ، وتثبيت للمؤمنين حتى يزدادوا قوة على قوتهم. # أى : أن هؤلاء المنافقين قد تركوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين فما ~~الذي دفعهم إلى هذا الانتكاس؟ أيطلبون بلهفة ورغبة العزة والقوة والمنعة من ~~عند الكافرين؟ إذا كان هذا حالهم فقد خابوا وخسروا ، فإن العزة والقوة ~~والمنعة والنصرة له وحده. ومن اعتز بغير الله هان وذل. # قال ابن كثير : والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جانب الله ms1436 ~~تعالى والإقبال على عبوديته ، والانتظام في جملة عباده المؤمنين ، الذين ~~لهم النصرة في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. ويناسب هنا أن نذكر الحديث ~~الذي رواه الإمام أحمد عن أبى ريحانة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «من ~~انتسب إلى تسعة آباء كفار ، يريد بهم عزا وفخرا فهو عاشرهم في النار» (1). # وقال الإمام الرازي : وأصل العزة في اللغة الشدة. ومنه قيل للأرض الصلبة ~~الشديدة : عزاز. ويقال : قد استعز المرض على المريض إذا اشتد ظهره به. وشاة ~~عزوز التي يشتد حلبها ويصعب. والعزة : القوة منقولة من الشدة لتقارب ~~معنييهما. والعزيز القوى المنيع بخلاف الذليل. # ثم قال : إذا عرفت هذا فنقول : إن المنافقين كانوا يطلبون العزة والقوة ~~بسبب اتصالهم باليهود. ثم إنه تعالى أبطل عليهم هذا الرأى بقوله : ( ~~@QUR@04 فإن العزة لله جميعا ). # فإن قيل : هذا كالمناقض لقوله : ( @QUR@04 ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ~~)؟ قلنا القدرة الكاملة لله. وكل من سواه فبإقداره صار قادرا. وبإعزازه ~~صار عزيزا فالعزة الحاصلة للرسول عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين لم تحصل ~~إلا من الله تعالى فكأن الأمر عند التحقيق أن العزة جميعا لله (2). # قالوا : وقد دلت الآية الكريمة على وجوب موالاة المؤمنين ، والنهى عن ~~موالاة الكافرين. قال تعالى ( @QUR@021 لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم ~~أو عشيرتهم ) (3). PageV03P351 # ثم نهى سبحانه المسلمين عن مخالطة الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها ~~فقال : ( @QUR@022 وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر ~~بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره ). # أى : وقد نزل الله عليكم أيها المؤمنون في كتابه المحكم أنكم إذا سمعتم ~~آيات الله يكفر بها الكافرون ، ويستهزئ بها المستهزئون ، فعليكم في هذه ~~الأحوال أن تتركوا مجالسهم ، وأن تعرضوا عنهم حتى يتكلموا في حديث آخر سوى ~~الكفر بآيات الله والاستهزاء بها. # قال صاحب الكشاف : والمراد بالمنزل عليهم في الكتاب : هو ما نزل عليهم في ~~مكة من قوله تعالى : ( @QUR@013 وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض ~~عنهم ms1437 حتى يخوضوا في حديث غيره ) (1). وذلك أن المشركين كانوا يخوضون في ~~ذكر القرآن في مجالسهم فيستهزءون به ، فنهى سبحانه المسلمين عن القعود معهم ~~ماداموا خائضين فيه. # وكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين ، فنهوا أن يقعدوا ~~معهم كما نهوا قبل ذلك عن مجالسة المشركين بمكة (2). # وأن في قوله ( @QUR@03 أن إذا سمعتم ) تفسيرية ، لأن ( @QUR@01 نزل ) ~~تضمن معنى القول دون حروفه. وجعلها بعضهم مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن ~~مقدر أى أنه إذا سمعتم. وقدره بعضهم ضمير المخاطبين أى أنكم إذا سمعتم ، ~~وخبرهما جملة الشرط والجزاء. # وقوله ( @QUR@04 يكفر بها ويستهزأ بها ) جملتان في موضع الحال من الآيات. # وأضاف سبحانه الآيات إليه ، لتهويل أمرها ، والتشنيع على من كفر أو ~~استهزأ بها. # والضمير في قوله ( @QUR@01 معهم ) يعود إلى الكافرين والمستهزئين المدلول ~~عليهم بقوله : ( @QUR@04 يكفر بها ويستهزأ بها ) فكأنه قيل : لا تقعدوا ~~أيها المؤمنون مع الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها. # والضمير في قوله ( @QUR@01 غيره ) يعود إلى تحدثهم بالكفر والاستهزاء أى ~~: حتى يخوضوا في حديث سوى حديثهم المتعلق بالكفر بآيات الله والاستهزاء بها. # وقوله ( @QUR@03 إنكم إذا مثلهم ) تعليل للنهى عن القعود معهم. # أى : أيها المؤمنون إن استمعتم إلى الكفار والمنافقين وهم يعلنون الكفر ~~بآيات الله تعالى والاستهزاء بها ، كنتم معهم في الاستهانة بآيات الله ~~وشركاء لهم في آثامهم ، لأن PageV03P352 # الراضي بالكفر بآيات الله وبالاستهزاء بها. يكون بعيدا عن حقيقة الإيمان ~~، ومستحقا للعقوبة من الله تعالى قال صاحب الكشاف ، فإن قلت : لم يكونون ~~مثلهم بالمجالسة إليهم في وقت الخوض؟ قلت : لأنهم إذا لم ينكروا عليهم ~~كانوا راضين. والراضي بالكفر كافر فإن قلت : فهلا كان المسلمون بمكة حين ~~كانوا يجالسون الخائضين من المشركين منافقين؟ قلت : لأنهم كانوا لا ينكرون ~~لعجزهم. وهؤلاء لم ينكروا مع قدرتهم فكان ترك الإنكار لرضاهم (1). # وقال القرطبي : فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم ~~منكر ، لأن من لم يتجنبهم فقد رضى فعلهم ، والرضا بالكفر كفر. قال الله ~~تعالى ( @QUR@03 إنكم إذا مثلهم ). فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر ~~عليهم ms1438 يكون معهم في الوزر سواء. وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية ~~وعملوا بها ، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا ~~يكون من أهل هذه الآية. وقد روى عن عمر بن عبد العزيز أنه أخذ قوما يشربون ~~الخمر ، فقيل له عن أحد الحاضرين : إنه صائم. فحمل عليه الأدب وقرأ عليه ~~هذه الآية ( @QUR@03 إنكم إذا مثلهم ) أى أن الرضا بالمعصية معصية. ولهذا ~~يؤاخذ الفاعل والراضي بعقوبة العاصي حتى يهلكوا جميعا. وهذه المماثلة ليست ~~في جميع الصفات ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر من المقارنة (2)». # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بالوعيد الشديد للكافرين والمنافقين فقال : ~~( @QUR@08 إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا ) لأن هذين ~~الفريقين كما اجتمعوا في الدنيا على الكفر بآيات الله والاستهزاء بها ~~والتواصي بالشرور والآثام ، فسيجمعهم الله جميعا في جهنم يوم القيامة ، ~~بسبب ما قدمت أيديهم من جرائم ومنكرات. # فأنت ترى أن الآية الكريمة تنهى المؤمنين عن مجالسة الكافرين بآيات الله ~~والمستهزئين بها ، لأن أول الشر سماع الشر ، ولأن أول مراتب ضعف الإيمان أن ~~تفتر حماسة المؤمن في الدفاع عن الحق الذي آمن به. # ومن علامات المؤمن الصادق أنه متى سمع استهزاء بتعاليم دينه فعليه إما أن ~~ينبرى للدفاع عن هذه التعاليم بشجاعة وحماسة وقولة تدمغ الباطل وأهله وتفضح ~~كل معتد أثيم .. وإما أن يقاطع المجالس التي لا يحترم فيها دين الله. أما ~~السكوت عن ذلك باسم التغاضى أو التسامح أو المرونة. أو بغير ذلك من الأسماء ~~، فهذا أول مراتب النفاق الذي يؤدى إلى خزي الدنيا وعذاب الآخرة. PageV03P353 # ثم ذكر سبحانه بعد ذلك سمة أخرى من أبرز سمات المنافقين. وهي أنهم كانوا ~~يلقون المسلمين بوجه ويلقون الكفار بوجه آخر. أى أنهم يحاولون أن يمسكوا ~~العصا من وسطها حتى يأكلوا من كل مائدة. استمع إلى القرآن وهو يصور ذلك ~~بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول : ( @QUR@024 الذين يتربصون بكم فإن كان لكم ~~فتح من الله قالوا : ألم نكن معكم؟ وإن كان للكافرين نصيب قالوا : ألم ~~نستحوذ عليكم ونمنعكم ms1439 من المؤمنين )؟. # وقوله : ( @QUR@01 يتربصون ) من التربص بمعنى الانتظار وترقب الحوادث. ~~يقال : تربص به إذا انتظره مع ترقب وملاحظة. # وقوله : ( @QUR@01 نستحوذ ) من الاستحواذ بمعنى الغلبة والتمكن ~~والاستيلاء ، يقال : استحوذ فلان على فلان أى : غلب عليه وتمكن منه. ومنه ~~قوله تعالى ( @QUR@06 استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله ). # والمعنى : إن من صفات هؤلاء المنافقين أيها المؤمنون أنهم يتربصون بكم. ~~أى : ينتظرون بترقب وملاحظة ما يحدث لكم من خير أو شر ، أو من نصر أو هزيمة ~~( @QUR@06 فإن كان لكم فتح من الله ) أى : نصر وظفر على أعدائكم ( @QUR@01 ~~قالوا ) على سبيل التقرب إليكم ( @QUR@03 ألم نكن معكم ) في الجهاد وغيره ~~فاعطونا نصيبا من الخير الذي أصبتموه. ( @QUR@04 وإن كان للكافرين نصيب ) ~~أى حظ من النصر عليكم لأن الحرب سجال ( @QUR@01 قالوا ) لهم أيضا على سبيل ~~التقرب إليهم ( @QUR@06 ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين ) أى : ألم ~~نتمكن من قتلكم وأسركم ولكنا لم نفعل ذلك ، بل أحطناكم بحمايتنا ورعايتنا ~~ومنعنا المؤمنين من النصر عليكم بسبب تخذيلنا لهم ، وتجسسنا على أحوالهم. ~~وإخباركم بما يهمكم من شئونهم ، وما دام الأمر كذلك فاجعلوا لنا قسما من ~~نصيبكم. # فالآية الكريمة تصور تصويرا بليغا ما كان عليه المنافقون من تلون وتقلب ~~وهرولة وراء شهوات الدنيا في أى مكان كانت. # وعبر عن النصر في جانب المؤمنين بأنه فتح ، وعن انتصار الكافرين بأنه ~~نصيب ، لتعظيم شأن المسلمين وللتهوين من شأن الكافرين. ولأن انتصار ~~المسلمين يترتب عليه فتح الطريق أمام الحق لكي يدركه الناس ، ويدخلوا في ~~دين الله أفواجا ، ولأن الفتح من الله يكون معه الدوام وحسن العاقبة بخلاف ~~انتصار الكافرين فهو أمر طارئ وليس بدائم. # قال صاحب الانتصاف : وهذا من محاسن نكت أسرار القرآن ، فإن الذي يتفق ~~للمسلمين فيه : استئصال لشأفة الكفار واستيلاء على أرضهم وديارهم وأموالهم ~~وأرض لم يطئوها. وأما ما كان يتفق للكفار فمثل الغلبة والقدرة التي لا يبلغ ~~شأنها أن تسمى فتحا. فالتفريق بينهما أيضا PageV03P354 # مطابق للواقع (1) والاستفهام في قوله ( @QUR@03 ألم نستحوذ عليكم ) وفي ~~قوله ( @QUR@03 ألم نكن معكم ) للتقرير أى : لقد كنا معكم واستحوذنا ms1440 عليكم ~~ومنعناكم من المؤمنين. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بتبشير المؤمنين وإنذار الكافرين فقال : ( ~~@QUR@012 فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على ~~المؤمنين سبيلا ). # والفاء هنا للإفصاح عن كلام مقدر. أى : إذا كان هذا هو حال المنافقين ~~والكافرين في الدنيا ، فأبشركم أيها المؤمنون بأن الله سيحكم بينكم وبينهم ~~يوم القيامة بحكمه العادل ، فيثيبكم بالثواب الجزيل لأنكم أولياؤه ، ~~ويعاقبهم بالعقاب الأليم لأنهم أعداؤه ، وأبشركم أيضا بأنه سبحانه لن يجعل ~~لأعدائكم الكافرين سلطانا عليكم ما دمتم متمسكين بدينكم ، ومعتصمين بحبل ~~الله جميعا بدون فرقة أو تنازع أو فشل ، وآخذين بالأسباب وبسنن الله ~~الكونية التي تعينكم على الوصول إلى غاياتكم الشريفة ، ومقاصدكم السليمة. # فالآية الكريمة تنفى أن يكون هناك سبيل للكافرين على المؤمنين في الدنيا ~~والآخرة. # ومنهم من يرى أن المراد بنفي السبيل هنا في الآخرة. # وقد أشار الإمام ابن كثير إلى هذين الاتجاهين بقوله تعالى ( @QUR@07 ولن ~~يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) أى : يوم القيامة كما روى عن على ~~بن أبى طالب وغيره. # ويحتمل أن يكون المعنى : ( @QUR@07 ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين ~~سبيلا ) أى : في الدنيا ، بأن يسلطوا عليهم تسليط استيلاء واستئصال بالكلية ~~، وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان على بعض الناس فإن العاقبة للمتقين في ~~الدنيا والآخرة ، كما قال تعالى ( @QUR@011 إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا ~~في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) (2). # والذي نراه أولى أن تكون الجملة الكريمة عامة في نفى أن يكون هناك سلطان ~~للكافرين على المؤمنين ما دام المؤمنون متبعين اتباعا تاما تعاليم دينهم ~~وآخذين في الأسباب التي تجعل النصر حليفا لهم. وإذا كان الكافرون في بعض ~~الأزمان والأحوال قد صارت لهم الغلبة على المسلمين ، فذلك قد يكون نوعا من ~~الابتلاء أو التأديب أو التمحيص. حتى يعود المسلمون إلى دينهم عودة كاملة ~~تجعلهم يستجيبون لتوجيهاته. ويذعنون لأحكامه ، ويطبقون أوامره ونواهيه. ~~وهنا يحالفهم نصر الله الذي لا يقهر ووعده الذي لا يتخلف. # ثم تمضى السورة الكريمة بعد هذا الوعد المطمئن لقلوب المؤمنين ، في رسم ~~صورة أخرى ms1441 PageV03P355 # للمنافقين مبالغة في الكشف عن قبائحهم وفي التحذير من شرورهم فتقول : ( ~~@QUR@035 إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم ، وإذا قاموا إلى الصلاة ~~قاموا كسالى ، يراؤن الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا. مذبذبين بين ذلك لا ~~إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ). # وقوله : ( @QUR@01 يخادعون ) من الخداع وهو أن يظهر الشخص من الأفعال ما ~~يخفى أمره ، ويستر حقيقته. # قال الراغب : الخداع : إنزال الغير عما هو بصدده بأمر يبديه على خلاف ما ~~يخفيه ... # ويقال : طريق خادع وخيدع. أى : مضل كأنه يخدع سالكه. وفي الحديث : (بين ~~يدي الساعة سنون خداعة) أى : محتالة لتلونها بالجدب مرة وبالخصب مرة (1). # وقوله : ( @QUR@01 خادعهم ) اسم فاعل من خادعته فخذعته إذا غلبته وكنت ~~أخدع منه. # والمعنى : إن المنافقين لسوء طواياهم ، وخبث نواياهم ( @QUR@02 يخادعون ~~الله ) أى : يفعلون ما يفعل المخادع بأن يظهروا الإيمان ويبطنوا الكفر ( ~~@QUR@02 وهو خادعهم ) أى : وهو فاعل بهم ما يفعله الذي يغلب غيره في الخداع ~~، حيث تركهم في الدنيا معصومى الدماء والأموال. وأعدلهم في الآخرة الدرك ~~الأسفل من النار. # ومنهم من جعل المراد بمخادعتهم لله مخادعتهم لرسوله وللمؤمنين فيكون ~~الكلام على حذف مضاف. أى : إن المنافقين يخادعون رسول الله والمؤمنين وهو ~~سبحانه خادعهم فهو كقوله تعالى ( @QUR@06 إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ) # وعبر سبحانه عن خداعهم بصيغة تدل على المشاركة والمغالبة وهي قوله ( ~~@QUR@01 يخادعون )، للإشعار بأنهم قد ينجحون في خداعهم وقد لا ينجحون. # وعبر سبحانه عن خداعه لهم بصيغة اسم الفاعل ، للدلالة على الغلب والقهر. ~~لأن الله تعالى كاشف أمرهم ، ومزيل مغبة خداعهم ، ومحاسبهم حسابا عسيرا على ~~ما ارتكبوه من جنايات وسيئات. # وقوله : ( @QUR@06 وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ) بيان للون آخر من ~~قبائحهم. # و ( @QUR@01 كسالى ) جمع كسلان وهو الذي يعتريه الفتور في أفعاله ~~لكراهيته لها أو عدم اكتراثه بها. وهي حال لازمة من ضمير قاموا أى : إن ~~هؤلاء المنافقين إذا قاموا إلى الصلاة ، قاموا متثاقلين PageV03P356 # متباطئين لا نشاط عندهم لأدائها ، ولا رغبة لهم في القيام بها ، لأنهم لا ~~يعتقدون ثوابا في فعلها ms1442 ، ولا عقابا على تركها. # وقوله ( @QUR@02 يراؤن الناس ) حال من الضمير المستكن في كسالى. أو جملة ~~مستأنفة جوابا لمن يسأل : وما قصدهم من القيام للصلاة مع هذا التثاقل ~~والتكاسل عنها؟ فكان الجواب : يراءون الناس. أى : يقصدون بصلاتهم الرياء ~~والسمعة والخداع. # قال ابن كثير : وقوله : ( @QUR@06 وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ) ~~هذه صفة المنافقين في أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها. وهي الصلاة. إذا قاموا ~~إليها قاموا وهم كسالى عنها ، لأنهم لا نية لهم فيها ، ولا إيمان لهم بها ، ~~ولا خشية ، ولا يعقلون معناها. وهذه صفة ظواهرهم. # ثم ذكر سبحانه صفة بواطنهم الفاسدة فقال : ( @QUR@02 يراؤن الناس ) أى : ~~لا إخلاص لهم ولا معاملة مع الله ، بل إنما يشهدون الناس تقية لهم ومصانعة ~~ولهذا يتخلفون كثيرا عن الصلاة التي لا يرون فيها غالبا كصلاة العشاء في ~~وقت العتمة وصلاة الصبح في وقت الغلس كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ~~ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا» وروى الحافظ أبو ليلى عن عبد الله ~~قال : من أحسن الصلاة حيث يراه الناس ، وأساءها حيث يخلو ، فتلك استهانة. ~~استهان بها ربه عز وجل (1). # وقوله : ( @QUR@05 ولا يذكرون الله إلا قليلا ) معطوف على ( @QUR@01 ~~يراؤن ) أى : أن من صفات المنافقين أنهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا ~~متباطئين متقاعسين يقصدون الرياء والسمعة بصلاتهم ، ولا يذكرون الله في ~~صلاتهم إلا ذكرا قليلا أو وقتا قليلا ؛ لأنهم لا يخشعون ولا يدرون ما ~~يقولون ، بل هم في صلاتهم ساهون لاهون. # روى الإمام مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أنس بن مالك قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «تلك صلاة المنافق تلك صلاة المنافق. يجلس يرقب الشمس ~~حتى إذا كانت بين قرني الشيطان ، قام فنقر أربعا ، لا يذكر الله فيها إلا ~~قليلا». # قال ابن كثير : وكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث إسماعيل بن ~~جعفر المدني عن العلاء بن عبد الرحمن. وقال الترمذي : حسن صحيح. # ومنهم من فسر قوله ( @QUR@05 ولا ms1443 يذكرون الله إلا قليلا ) أى : ولا يصلون ~~إلا قليلا. لأنهم إنما يصلون رياء فإذا خلوا بأنفسهم لم يصلوا. والأول أولى ~~لأنه أعم وأشمل. PageV03P357 # قال صاحب الكشاف : قوله «ولا يذكرون الله إلا قليلا» أى : ولا يصلون إلا ~~قليلا ، لأنهم لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس إلا ما يجاهرون به. وما ~~يجاهرون به قليل أيضا ، لأنهم ما وجدوا مندوحة من تكلف ما ليس في قلوبهم لم ~~يتكلفوه. أو ولا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكرا قليلا في الندرة ، ~~وهكذا ترى كثيرا من المتظاهرين بالإسلام لو صحبته الأيام والليالى لم تسمع ~~منه تهليلة ولا تسبيحة ولا تحميدة ، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أوقاته لا ~~يفتر عنه .. # فإن قلت ما معنى المراءاة وهي مفاعلة من الرؤية؟ قلت : فيها وجهان : # أحدهما : أن المرائى يريهم عمله وهم يرون استحسانه. # والثاني : أن يكون من المفاعلة بمعنى التفعيل. فيقال : راءى الناس. يعنى ~~رآهم كقولك نعمه وناعمه .. روى أبو زيد : راءت المرأة المرآة الرجل : إذا ~~أمسكتها لترى وجهه .. (1). # وقوله : ( @QUR@03 مذبذبين بين ذلك ) حال من فاعل يراءون واسم الإشارة ~~«ذلك» مشار به إلى الإيمان والكفر المدلول عليه بذكر المؤمنين والكافرين. # قال القرطبي : المذبذب : المتردد بين أمرين. والذبذبة : الاضطراب. يقال : ~~ذبذبته فتذبذب. ومنه قول النابغة في مدح النعمان بن المنذر # ألم تر أن الله أعطاك سورة %~% ترى كل ملك دونها يتذبذب # أى : يضطرب وقال ابن جنى : المذبذب : المهتز القلق الذي لا يثبت ولا ~~يتمهل. فهؤلاء المنافقون مترددون بين المؤمنين والمشركين. لا مخلصين ~~للإيمان ولا مصرحين بالكفر. وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم : «مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين أى ~~المترددة بين قطيعين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه أخرى» (2). # وقوله ( @QUR@06 لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ) في محل نصب على أنه حال من ~~ضمير ( @QUR@01 مذبذبين ) أو على أنه بيان وتفسير له. # وقوله : ( @QUR@07 ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ) أى : ومن يضلله الله ~~تعالى عن طريق الحق ، بسبب إيثاره الغواية على الهداية. ms1444 فلن تجد له سبيلا ~~يوصله إلى الصراط المستقيم. # وبعد هذا الذم الشديد لما كان عليه المنافقون من خداع ورياء وضلال. وجه ~~سبحانه نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن موالاة الكافرين فقال تعالى : ( ~~@QUR@011 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين ). PageV03P358 # أى : يا أيها الذين آمنوا بالله حق الإيمان ، لا يصح منكم ولا ينبغي لكم ~~أن تتخذوا الكافرين بالحق الذي آمنتم به ( @QUR@01 أولياء ) أى نصراء ~~وأصدقاء ، تاركين ولاية إخوانكم المؤمنين ونصرتهم ، فإن ذلك لا يتفق مع ~~الإيمان ، ولا يتناسب مع تعاليم دينكم. # فالآية الكريمة تنهى المؤمنين عن موالاة الكفرة. أى : عن مناصرتهم وإفشاء ~~أسرار المؤمنين إليهم ، وعن كل ما من شأنه أن يكون مضرة بالمؤمنين. كما قال ~~تعالى في آية أخرى : ( @QUR@027 لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون ~~المؤمنين ، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ~~ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير ) (1). # وفي هذا النهى أيضا توبيخ للمنافقين الذين ما زال الحديث متصلا عن ~~قبائحهم ورذائلهم ، وتحذير من مسالكهم الخبيثة حيث كانوا يتركون ولاية ~~المؤمنين وينضمون إلى صفوف الكافرين من اليهود وغيرهم ويقولون كما حكى ~~القرآن عنهم ( @QUR@04 نخشى أن تصيبنا دائرة ). # والاستفهام في قوله : ( @QUR@07 أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا ~~مبينا ) للإنكار والتحذير من أن تقع هذه الموالاة منهم. والمراد بالسلطان : ~~الحجة والدليل أى : إنكم إن اتخذتم الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، فقد ~~جعلتم لله عليكم حجة في عقابكم ، وفي تخليه عن نصرتكم ورعايتكم. # وتوجيه الإنكار إلى الإرادة دون متعلقها بأن يقال ، أتجعلون. للمبالغة في ~~التهويل من أمره ؛ ببيان أنه مما لا ينبغي أن تصدر عن العاقل إرادته ، فضلا ~~عن صدوره في نفسه. # قال بعضهم : وقد دلت الآية على تحريم موالاة المؤمنين للكافرين. قال ~~الحاكم : وهي الموالاة في الدين والنصرة فيه. لا المخالقه والإحسان. # وقال الزمخشري : وعن صعصعة بن صوحان أنه قال لابن أخ له ؛ خالص المؤمن ، ~~وخالق الكافر والفاجر. فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن. وأنه يحق عليك أن ~~تخالص المؤمن» ms1445 (2). # ثم بين سبحانه المصير الشنيع الذي سيصير إليه المنافقون يوم القيامة فقال ~~تعالى : ( @QUR@011 إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم ~~نصيرا ) أى : في الطبقة السفلى من طبقاتها وسميت دركات لكونها متداركة أى : ~~متتابعة بعضها تحت بعض. والدرك لغة في الدرك وهو كالدرج ، إلا أن الدرج ~~يقال باعتبار الصعود. والدرك يقال باعتبار النزول والحدور. ولذا قيل : ~~درجات الجنة ودركات النار. PageV03P359 # قال الآلوسى : والنار لها طبقات سبع : تسمى الأولى كما قيل : جهنم : ~~والثانية : لظى. والثالثة : الحطمة. والرابعة : السعير. والخامسة : سقر. ~~والسادسة : الجحيم. والسابعة : الهاوية. وقد تسمى النار جميعا باسم الطبقة ~~الأولى ، وبعض الطبقات باسم بعض لأن لفظ النار يجمعها ... (1). # والمعنى : إن هؤلاء المنافقين الذين مردوا على النفاق. وسرى في طباعهم ~~مسرى الدم سيكونون يوم القيامة في الطبقة السفلى من النار ، ولن تجد لهم ~~نصيرا ينصرهم من عذاب الله أو يدفع عنهم عقابه. # وإنما كان للمنافقين هذا العذاب الشديد ، لأنهم أضافوا إلى كفرهم ، ~~الاستهزاء بالإسلام وأهله ، وجمعوا بسوء طباعهم بين الكفر. والفسق والتضليل ~~، والخداع ، وإشاعة الفاحشة في صفوف المؤمنين ، وغير ذلك من رذائلهم ~~المتعددة ، وقبائحهم المتنوعة. # قال بعض العلماء : ولكن من هو المنافق الذي يستحق أشد العقاب ، ويكون في ~~أعمق النيران يوم القيامة؟ نقول في الجواب عن ذلك : إنه المنافق الخالص ~~الذي لم يكن فيه خصلة أو أكثر من خصلة فقط ، ولكن هو الذي كفر بالله ~~وبالرسالة المحمدية ، ولم يكتف بذلك بل أظهر الإسلام ليفسد بين المسلمين ~~ويتعرف أسرارهم. # ذلك أن النفاق درجات هذا أعلاها ، وهو أشد الكفر. ودونه بعد ذلك مراتب ~~تكون بين المسلمين ولا تخرج المسلم عن إسلامه ، وإن كانت تجعل إيمانه ~~ضعيفا. ومن ذلك ممالأة الحكام ، والسكوت عن كلمة الحق مع النطق بالباطل ~~ملقا وخداعا. # قيل لابن عمر رضى الله عنهما : ندخل على السلطان ونتكلم بكلام فإذا خرجنا ~~تكلمنا بخلافه!! فقال : كنا نعده من النفاق. # ولقد جاء في الحديث الشريف ما يفيد أن المنافقين فريقان : فريق خلص ~~للنفاق ، وهذا منكوس القلب والنفس والفكر. وقسم فيه خصلة من ms1446 النفاق ، وهذا ~~يتنازعه الخير والشر. فقد قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام أحمد. ~~«القلوب أربعة قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر. وقلب أغلف مربوط على غلافه. ~~وقلب منكوس ، وقلب مصفح. فأما القلب الأجرد ، فقلب المؤمن سراجه فيه نوره. ~~وأما القلب الأغلف : فقلب الكافر. وأما القلب المنكوس : فقلب المنافق ~~الخالص عرف ثم أنكر ، وأما القلب المصفح : فقلب فيه إيمان ونفاق. PageV03P360 # ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب. ومثل النفاق فيه كمثل ~~القرحة يمدها القيح والدم. فأى المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه». # وإننا لهذا نقول : إن النفاق في داخل الإسلام مراتب. وأعلاها أولئك الذين ~~يتملقون الحكام ، وينحدرون إلى درجة وضعهم في مقام النبيين. ومنهم من يذهب ~~به فرط نفاقه ، فيفضل بعض عملهم على عمل النبيين ، وهؤلاء نتردد في الحكم ~~بأنهم مسلمون. وقريب منهم الذين يتأولون النصوص من غير حجة في التأويل. ~~ويعبثون بظواهرها القاطعة لهوى الحكام (1). # ثم بعد هذا الوعيد الشديد للمنافقين فتح سبحانه باب التوبة ليدخل فيه كل ~~من يريد أن يقلع عن ذنوبه من المنافقين وغيرهم ، حتى ينجو من عقابه سبحانه ~~فقال : ( @QUR@018 إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله ، وأخلصوا دينهم ~~لله ، فأولئك مع المؤمنين ، وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما ). # أى : هذا الجزاء الذي بيناه هو جزاء المنافقين. لكن الذين تابوا منهم عن ~~النفاق ، وأصلحوا ما أفسدوا من أقوالهم وأفعالهم ( @QUR@02 واعتصموا بالله ~~) أى تمسكوا بكتابه ، وتركوا موالاة الكافرين ( @QUR@03 وأخلصوا دينهم لله ~~) بحيث لا يريدون بطاعتهم سوى رضاه ومثوبته ، ( @QUR@01 فأولئك ) الذين ~~فعلوا ذلك ( @QUR@02 مع المؤمنين ) الصادقين الذين لم يصدر منهم نفاق. أى : ~~معهم في فضيلة الإيمان الصادق ، وما يترتب على ذلك من أجر جزيل. وثواب ~~عظيم. «وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما» لا يقادر قدره ، ولا يكتنه كنهه. # فقوله : ( @QUR@03 إلا الذين تابوا ) استثناء من المنافقين في قوله ( ~~@QUR@07 إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ). # قال الفخر الرازي ما ملخصه : اشترط سبحانه في إزالة العقاب عن المنافقين ~~أمورا أربعة : # أولها : التوبة. # وثانيها : إصلاح العمل. فالتوبة عبارة عن ترك القبيح ms1447 ، وإصلاح العمل ~~عبارة عن الإقدام على الحسن. # وثالثها : الاعتصام بالله. وهو أن يكون غرضه من التوبة وإصلاح العمل طلب ~~مرضاة الله. PageV03P361 # ورابعها : الإخلاص : بأن يكون طلب مرضاة الله خالصا وأن لا يمتزج به غرض ~~آخر (1). # والإشارة في قوله ( @QUR@03 فأولئك مع المؤمنين ) تعود إلى الاسم الموصول ~~وهو ( @QUR@01 الذين ) باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة. # والمقصود بالمعية في قوله «مع المؤمنين» التشريف والتكريم بصحبة الأخيار ~~والتعبير «بسوف» لتأكيد وقوع الأمر المبشر به في المستقبل ، وليس لمجرد ~~التسويف الزمانى. # أى : وسوف يؤت الله المؤمنين ما وعدهم به إيتاء لا شك في حصوله ووقوعه. ~~ونكر سبحانه الأجر ووصفه بالعظم ، للتنويه بشأنه. ولإفادة أنه أجر لا يكتنه كنهه. # ثم بين سبحانه جانبا من مظاهر رحمته بعباده ، وفضله عليهم فقال تعالى : ( ~~@QUR@011 ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما ). # و ( @QUR@01 ما ) استفهامية. والمراد بالاستفهام هنا النفي والإنكار على ~~أبلغ وجه وآكده والجملة الكريمة استئنافية مسوقة لبيان أن مدار تعذيبهم ~~وجودا وعدما إنما هو كفرهم ومعاصيهم لا لشيء آخر. # والمعنى : أى منفعة له سبحانه في عذابكم وعقوبتكم إن شكرتم نعمه ، وأديتم ~~حقها ، وآمنتم به حق الإيمان؟ لا شك أنه سبحانه لا يفعل بكم شيئا من العذاب ~~ما دام الشكر والإيمان واقعين منكم ؛ فقد اقتضت حكمته سبحانه أن لا يعذب ~~إلا من يستحق العذاب ، بل إنه سبحانه قد يتجاوز عن كثير من ذنوب عباده رحمة ~~منه وفضلا. # وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله : قوله ( @QUR@04 ما يفعل ~~الله بعذابكم ) أيتشفى به من الغيظ؟ أم يدرك به الثأر؟ أم يستجلب به نفعا؟ ~~أم يستدفع به ضررا؟ كما هو شأن الملوك. وهو الغنى المتعالي الذي لا يجوز ~~عليه شيء من ذلك. وإنما هو أمر اقتضته الحكمة أن يعاقب المسيء. فإن قمتم ~~بشكر نعمته وآمنتم به فقد أبعدتم عن أنفسكم استحقاق العذاب (2). # و ( @QUR@01 ما ) في محل نصب ب ( @QUR@01 يفعل ) لأن الاستفهام له ~~الصدارة. والباء في قوله «بعذابكم» سببية متعلقة بيفعل. والاستفهام هنا ~~معناه النفي كما سبق أن ms1448 أشرنا. وعبر عن النفي بالاستفهام للإشارة إلى أنه ~~سبحانه رتب الجزاء على العمل ؛ وأنه يجب على كل عاقل أن يدرك أن عدالة الله ~~قد اقتضت أنه سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملا ، وأنه لا يعذب إلا من يستحق ~~العذاب ، ويعفو عن كثير من السيئات بفضله ومنته. PageV03P362 # وقوله : ( @QUR@02 إن شكرتم ) جوابه محذوف دل عليه ما تقدم. أى : إن ~~شكرتم وآمنتم فما الذي يفعله بعذابكم؟ # وقدم الشكر على الإيمان ، لأن الشكر سبب في الإيمان ، إذ الإنسان عند ما ~~يرى نعم الله ، ويتفكر فيها ويقدرها حق قدرها ، يسوقه ذلك إلى الإيمان الحق ~~، فالشكر يؤدى إلى الإيمان والإيمان متى رسخ واستقر في القلب ارتفع بصاحبه ~~إلى أسمى ألوان الشكر وأعظمها. فعطف الإيمان على الشكر من باب عطف المسبب ~~على السبب. # وقوله : ( @QUR@04 وكان الله شاكرا عليما ) تذييل قصد به تأكيد ما سبق من ~~الله سبحانه لا يعذب عباده الشاكرين المؤمنين. # أى : وكان الله شاكرا لعباده على طاعتهم. أى مثيبهم ومجازيهم الجزاء ~~الحسن على طاعتهم ، عليما بجميع أقوالهم وأفعالهم ، وسيجازى كل إنسان بما ~~يستحقه. فالمراد بالشكر منه سبحانه مجازاة عباده بالثواب الجزيل على طاعتهم ~~له ووقوفهم عند أمره ونهيه. # وسمى سبحانه ثواب الطائعين شكرا منه ، للتنويه بشأن الطاعة ، وللتشريف ~~للمطيع ، ولتعليم عباده أن يشكروا للمحسنين إحسانهم. فمن لا يشكر الناس لا ~~يشكر الله ، ورحم الله الإمام ابن القيم حيث يقول : # وهو الشكور. فلن يضيع سعيهم %~% لكن يضاعفه بلا حسبان ما للعباد عليه حق واجب %~% هو أوجب الأجر العظيم الشان كلا ولا عمل لديه بضائع %~% إن كان بالإخلاص والإحسان إن عذبوا فبعدله ، أو نعموا %~% فبفضله ، والحمد للرحمن # وإلى هنا نرى أن الآيات الكريمة التي بدأت بقوله تعالى : ( @QUR@02 بشر ~~المنافقين ) قد كشفت عن حقيقة النفاق والمنافقين في المجتمع الإسلامى ، ~~وأماطت اللثام عن طباعهم المعوجة ، وأخلاقهم القبيحة ، ومسالكهم الخبيثة ، ~~وهممهم الساقطة ، ومصيرهم الأليم. وذلك لكي يحذرهم المؤمنون ، ويتنبهوا إلى ~~مكرهم وسوء صنيعهم. ثم نرى الآيات الكريمة خلال ذلك تفتح باب التوبة ~~للتائبين من المنافقين وغيرهم وتعدهم إن تابوا ms1449 وأصلحوا واعتصموا بالله ~~وأخلصوا دينهم لله بالأجر العظيم. وأخيرا تجيء تلك اللفتة العجيبة المؤثرة ~~العميقة. أخيرا بعد ذكر العقاب المفزع الذي توعد الله به المنافقين ، وبعد ~~ذكر الأجر العظيم الذي وعد الله به المؤمنين. أخيرا بعد كل ذلك تجيء الآية ~~الكريمة التي تنفى بأبلغ أسلوب أن يكون هناك عذاب من الله لعباده الشاكرين ~~المؤمنين ، لأنه سبحانه وهو الغنى الحميد ، قد اقتضت حكمته وعدالته أن لا ~~يعذب إلا من يستحق العذاب ، وأنه سبحانه سيجازى الشاكرين المؤمنين PageV03P363 # بأكثر مما يستحقون من خير عميم ، ونعيم مقيم ، وما أحكم قوله تعالى : ( ~~@QUR@011 ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما ) ~~إنها لآية كريمة تحض الناس على أن يقبلوا على ربهم بقلب سليم فيعبدوه حق ~~العبادة ، ويطيعوه حق الطاعة لينالوا ثوابه وجزاءه الحسن ؛ ( @QUR@020 يوم ~~تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه ~~أمدا بعيدا ). # * * * # ثم بين سبحانه بعد ذلك أنه يبغض الجهر بالسوء من القول إلا في أحوال ~~تقتضي ذلك ، وتوعد الكافرين به وبرسله بالعذاب المهين ، وبشر المؤمنين حق ~~الإيمان بالأجر العظيم فقال تعالى : # ( @QUR@014 لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله ~~سميعا عليما (148) @QUR@014 إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن ~~الله كان عفوا قديرا (149) @QUR@022 إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون ~~أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا ~~بين ذلك سبيلا (150) @QUR@08 أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا ~~مهينا (151) @QUR@017 والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم ~~أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما ) (152) # وقوله تعالى : ( @QUR@010 لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ~~) نهى للمؤمنين عن الاسترسال في الجهر بالسوء إلا عند ما يوجد المقتضى لهذا الجهر. # وعدم محبته سبحانه لشيء كناية عن غضبه على فاعله وعدم رضاه عنه ، والجهر بالقول PageV03P364 # معناه : النطق به في إعلان ، ونشره بين الناس ، وإذاعته فيهم فهو يقابل ~~السر والإخفاء. # والقول ms1450 السوء : هو الذي يسوء من يقال فيه ويؤذيه في شرفه ، أو عرضه أو ~~غير ذلك مما يلحق به شرا. # والمعنى : لا يحب الله تعالى لأحد من عباده أن يجهر بالأقوال السيئة أو ~~الأفعال السيئة ، إلا من وقع عليه الظلم فإنه يجوز له أن يجهر بالسوء من ~~القول في الحدود التي تمكنه من رفع الظلم عنه دون أن يتجاوز ذلك ، كأن يجهر ~~الخصم بما ارتكبه خصمه في حقه من مآثم. وكأن يذكر المظلوم الظالم بالقول ~~السيئ في المجالس العامة والخاصة متحريا البعد عن الكذب والبهتان. # قال القرطبي ما ملخصه : والذي يقتضيه ظاهر الآية أن للمظلوم أن ينتصر من ~~ظالمه ولكن مع اقتصاد إن كان مؤمنا ، فأما أن يقابل القذف بالقذف ونحوه فلا ~~، وإن كان كافرا فأرسل لسانك وادع بما شئت من الهلكة وبكل دعاء كما فعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : «اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم ~~سنين كسنى يوسف». # وإن كان مجاهرا بالظلم دعا عليه الداعي جهرا ، ولم يكن لهذا المجاهر عرض ~~محترم ، ولا بدن محترم ولا مال محترم. وقد روى أبو داود عن عائشة أنها قالت ~~: سرق لها شيء فجعلت تدعو عليه أى على السارق فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «لا تسبخى عنه» أى : لا تخففى عنه العقوبة بدعائك عليه. ~~وروى أبو داود أيضا عن عمرو بن الشريد عن أبيه عن رسول صلى الله عليه وسلم قال ~~: «لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته» أى : المماطلة من القادر على دفع ~~الحقوق لأصحابها ظلم يبيح للناس أن يذكروه بالسوء (1). # وقول السوء بدون مقتض يبغضه الله سواء أكان هذا القول سرا أم جهرا إلا ~~أنه سبحانه خص الجهر بالذكر لأنه أشد فحشا ، ولأنه أكثر جلبا للعداوة بين ~~الناس ، وأشد تأثيرا في إشاعة الجرائم في المجتمع ، فإن كثرة سماع الناس ~~للكلام السيئ. وللقول الماجن ، يغرى الكثير منهم بترديد ما سمعوه ، ~~وبحكايته في أول الأمر بشيء من الحياء ، ثم لا يلبث هذا الحياء أن يزول ~~بسبب إلف الناس للكثير ms1451 من الألفاظ النابية ، والأقوال السيئة. # وأنت تقرأ القرآن فتراه في عشرات الآيات يأمر أتباعه بالمداومة على النطق ~~بالكلام الطيب حتى تنتشر بينهم المحبة والمودة. ومن ذلك قوله تعالى : ( ~~@QUR@016 وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن ، إن الشيطان ينزغ بينهم إن ~~الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا ) (2). PageV03P365 # والخلاصة أن الإسلام يحب لأتباعه أن يلتزموا النطق بالكلمة الطيبة ، ~~ويكره لهم أن يجهروا بالسوء من القول إلا في حالة وقوع ظلم عليهم ، ففي هذه ~~الحالة يجوز لهم أن يجهروا بالسوء من القول حتى يرتدع الظالم عن ظلمه. # والاستثناء في قوله ( @QUR@03 إلا من ظلم ) استثناء منقطع ، فتكون إلا ~~بمعنى لكن. # أى : لا يحب الله الجهر بالسوء من القول لكن من ظلم له أن يجهر بالسوء ~~لكي يدفع ما وقع عليه من ظلم. # ويحتمل أن يكون متصلا فيكون المعنى : لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ~~من أحد إلا ممن ظلم فإنه يجوز له أن يجهر بالسوء من القول لرفع الظلم عنه ~~فيكون الاستثناء من الفاعل المحذوف وهو من أحد أو : لا يحب الله الجهر ~~بالسوء من القول إلا جهر من ظلم فإنه ليس بخارج عن محبة الله لأن دفع الظلم ~~واجب. فيكون الكلام على تقدير مضاف محذوف. # وقوله : ( @QUR@04 وكان الله سميعا عليما ) تذييل قصد به التحذير من ~~التعدي في الجهر المأذون فيه ، ووعد للمظلوم بأنه تعالى يسمع شكواه ودعاءه ~~، ويعلم ظلم ظالمه. # أى : وكان الله سميعا لكل ما يسر به المسرون أو يجهر به المجاهرون ، ~~عليما بما يدور في النفوس من بواعث وهواجس ، وسيجازى كل إنسان بأقواله ~~وأعماله ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر. # ثم أكد سبحانه هذا المعنى ، وحض على العفو والصفح وفعل الخير فقال : ( ~~@QUR@014 إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء ، فإن الله كان عفوا ~~قديرا ). # أى : إن تظهروا أيها الناس ( @QUR@01 خيرا ) من طاعة وبر وقول حسن ، وفعل ~~حسن ، أو ( @QUR@01 تخفوه ) أى ، تخفوا هذا الخير بأن تعملوه سرا ( @QUR@04 ~~أو تعفوا عن سوء ) بأن تصفحوا عمن أساء إليكم ، يكافئكم الله تعالى على ذلك ms1452 ~~مكافأة حسنة ، ويتجاوز عن خطاياكم ، ( @QUR@05 فإن الله كان عفوا قديرا ) ~~أى : كثير العفو عن العصاة مع كمال قدرته على مؤاخذتهم ومعاقبتهم فاقتدوا ~~بهذه الصفات الحميدة لتنالوا محبة الله ورضاه. # فالآية الكريمة تدعو الناس إلى الإكثار من فعل الخير سواء أكان سرا أم ~~جهرا ، كما تدعو إلى العفو عن المسيئين إليهم. # قال ابن كثير : وفي الحديث الصحيح : «ما نقص مال من صدقة. وما زاد الله ~~عبدا بعفو إلا عزا. وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» (1). PageV03P366 # وقال الفخر الرازي : اعلم أن معاقد الخير على كثرتها محصورة في أمرين : ~~صدق مع الحق وخلق مع الخلق. والذي يتعلق بالخلق محصور في قسمين : إيصال نفع ~~إليهم ودفع ضرر عنهم. فقوله. ( @QUR@05 إن تبدوا خيرا أو تخفوه ) إشارة إلى ~~إيصال النفع إليهم. وقوله : ( @QUR@04 أو تعفوا عن سوء ) إشارة إلى دفع ~~الضرر عنهم. فدخل في هاتين الكلمتين جميع أنواع الخير وأعمال البر (1). # ثم بين سبحانه رذائل أهل الكتاب وأباطيلهم وسوء مصيرهم بعد حديثه القريب ~~عن المنافقين .. فقال تعالى ( @QUR@05 إن الذين يكفرون بالله ورسله ) بأن ~~يجحدوا وحدانية الله ، وينكروا صدق رسله عليهم الصلاة والسلام ( @QUR@06 ~~ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ) أى يريدون أن يفرقوا بين الإيمان بالله ~~تعالى وبين الإيمان برسله ، بأن يعلنوا إيمانهم بوجود الله تعالى وأنه خالق ~~هذا الكون ، إلا أنهم يكفرون برسله أو ببعضهم. # قال القرطبي : نص سبحانه على أن التفريق بين الإيمان بالله والإيمان ~~برسله كفر ، وإنما كان كفرا لأن الله سبحانه فرض على الناس أن يعبدوه بما ~~شرع لهم على ألسنة الرسل ، فإذا جحدوا رسالة الرسل فقد ردوا عليهم شرائعهم ~~ولم يقبلوها منهم ، فكانوا ممتنعين من التزام العبودية التي أمروا ~~بالتزامها ، فكان كجحد الصانع سبحانه وجحد الصانع كفر لما فيه من ترك ~~التزام الطاعة والعبودية. وكذلك التفريق بين رسله في الإيمان بهم كفر (2). # وقوله تعالى ( @QUR@05 ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ) حكاية لما نطقوا ~~به من كفر وجحود. أى. ويقولون على سبيل التبجح والعناد : نؤمن ببعض الرسل ~~ونكفر ببعضهم كما قال اليهود نؤمن بموسى ms1453 والتوراة ونكفر بما وراء ذلك. وكما ~~قال النصارى. نؤمن بعيسى والإنجيل ونكفر بما سوى ذلك. # وقوله ( @QUR@06 ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا ) أى ويريدون بقولهم ~~هذا أن يتخذوا بين الإيمان بالبعض والكفر بالبعض طريقا يسلكونه ، ودينا ~~يتبعونه مع أنه لا واسطة بينهما قطعا ، لأن الرسل جميعا قد بعثهم الله ~~تعالى لدعوة الناس إلى توحيده ، وإخلاص العبادة له ونشر مكارم الأخلاق في ~~الأرض. فمن كفر بواحد منهم كفر بهم جميعا. # وقوله ( @QUR@08 أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا ) ~~إخبار عن سوء مصيرهم ، وشناعة عاقبتهم. # أى : أولئك الموصوفون بتلك الصفات القبيحة هم الكافرون الكاملون في الكفر ، PageV03P367 # الراسخون في ظلماته ، وأعتدنا أى وهيأنا وادخرنا للكافرين جميعا عذابا ~~يهينهم ويذلهم جزاء كفرهم وجحودهم. # وقوله ( @QUR@01 حقا ) مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله ، وعامله محذوف أى : ~~أولئك الكافرون حق ذلك حقا. ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف. أى أولئك هم ~~الكافرون كفرا حقا أى : كفرا كاملا لا شك في وقوعه منهم وانغماسهم فيه. # هذا هو شأن الكافرين بالله ورسله ، وتلك هي عاقبتهم أما المؤمنين ~~الصادقون فقد بشرهم الله بقوله : ( @QUR@03 والذين آمنوا بالله ) حق ~~الإيمان وآمنوا ( @QUR@01 رسله ) جميعا ( @QUR@05 ولم يفرقوا بين أحد منهم ~~) أى : لم يفرقوا في الإيمان بين رسول ورسول بل آمنوا بهم جميعا. # ( @QUR@01 أولئك ) الذين استقر الإيمان الكامل في قلوبهم ، والذين وصفهم ~~الله تعالى بتلك الأوصاف الحميدة ( @QUR@02 سوف يؤتيهم ) الله تعالى ( ~~@QUR@01 أجورهم ) التي وعدهم بها ( @QUR@04 وكان الله غفورا رحيما ) أى : ~~وكان الله وما زال كثير المغفرة والرحمة لمن هذه صفاتهم ، وتلك نعوتهم. # والتعبير بسوف لتأكيد الأجر الذي وعدهم الله به ، وللدلالة على أنه كائن ~~لا محاولة وإن تراخى. وبذلك تكون الآيات الكريمة قد قابلت بين مصير ~~الكافرين ومصير المؤمنين ؛ ليقلع الناس عن الكفر والمعاصي ، ويستجيبوا ~~لأوامر الله لينالوا رضاه. # * * * # ثم حكى سبحانه جانبا من الأسئلة المتعنتة التي كان اليهود يوجهونها إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم ومن النعم التي أنعم سبحانه بها عليهم ومن المنكرات ~~التي قالوها وفعلوها ، ومن العقوبات التي عاقبهم الله بها بسبب ms1454 ظلمهم ~~وفسوقهم .. استمع إلى القرآن وهو يحكى كل ذلك فيقول : # ( @QUR@037 يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا ~~موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا ~~العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا ~~(153) @QUR@09 ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا PageV03P368 # @QUR@010 وقلنا لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (154) ~~@QUR@022 فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق ~~وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا (155) ~~@QUR@06 وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما (156) @QUR@034 وقولهم إنا ~~قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ~~وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما ~~قتلوه يقينا (157) @QUR@08 بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما (158) ~~@QUR@014 وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون ~~عليهم شهيدا (159) @QUR@014 فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت ~~لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا (160) @QUR@014 وأخذهم الربوا وقد نهوا عنه ~~وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما (161) ~~@QUR@026 لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما ~~أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم ~~الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما ) (162) # ذكر المفسرون في سبب نزول قوله تعالى ( @QUR@03 يسئلك أهل الكتاب ).. ~~إلخ ذكروا روايات منها : ما أخرجه ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال : ~~جاء أناس من اليهود إلى رسول PageV03P369 # الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد ، إن موسى جاء بالألواح من عند ~~الله ، فأتنا أنت بالألواح من عند الله حتى نصدقك. فأنزل الله تعالى ( ~~@QUR@03 يسئلك أهل الكتاب ). إلى قوله ( @QUR@05 وقولهم على مريم بهتانا ~~عظيما ) وعن السدى : قالت اليهود : يا محمد ، إن كنت صادقا فأتنا بكتاب من ~~السماء كما جاء به موسى. # وعن قتادة : أنهم سألوه أن ينزل على رجال منهم بأعيانهم كتبا ، تأمر ~~بتصديقه ms1455 واتباعه (1). # والمراد بأهل الكتاب هنا اليهود خاصة ، بدليل سياق الآيات الكريمة التي ~~ذكرت أوصافا تنطبق عليهم ، وبدليل ما ذكرناه في سبب نزول الآيات. # والمعنى يسألك اليهود يا محمد على سبيل التعنت والعناد ، أن تنزل عليهم ~~كتابا من السماء مكتوبا جملة كما جاء موسى لآبائهم بالتوراة مكتوبة في ~~الألواح جملة. أو يسألونك أن تنزل على رجال منهم بأعيانهم كتبا من السماء ~~تأمرهم بتصديقك ، وسؤالهم هذا مقصدهم من ورائه التعنت والجحود ، ولو كانوا ~~يريدون الإيمان حقا لما وجهوا إليك هذه الأسئلة المتعنتة ؛ لأن الأدلة ~~القاطعة قد قامت على صدقك. # وعبر بالمضارع في قوله ( @QUR@01 يسئلك ) لقصد استحضار حالتهم العجيبة في ~~هذا السؤال ، حتى لكأن السامع يراهم ، وللدلالة على تكرار أسئلتهم وتجددها ~~المرة تلو الأخرى بدون حياء أو خجل. # وقوله : ( @QUR@010 فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ) ~~بيان للون من رذائلهم وقبائحهم ، وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما لحقه ~~منهم من أذى وسوء أدب. # والفاء في قوله ( @QUR@02 فقد سألوا ) معطوفة على جملة محذوفة والتقدير : ~~لا تبتئس يا محمد من أقوال هؤلاء اليهود ، ولا تهتم بأسئلتهم ، فتلك شنشنة ~~قديمة معروفة عن آبائهم ، فقد سأل آباؤهم موسى أسئلة أكبر من ذلك فقالوا له ~~: أرنا الله جهرة أى رؤية ظاهرة بحيث نعاينه ونشاهده بأبصارنا ويطلب إلينا ~~الإيمان بك. ويصح أن تكون الفاء واقعة في جواب شرط مقدر ، وإليه أشار صاحب ~~الكشاف بقوله : ( @QUR@06 فقد سألوا موسى أكبر من ذلك )، جواب لشرط مقدر ~~معناه (إن استكبرت ما سألوك فقد سألوا موسى أكبر من ذلك) وإنما أسند السؤال ~~إليهم وإن وجد من آبائهم في أيام موسى وهم النقباء السبعون لأنهم كانوا على ~~مذهبهم ، وراضين بسؤالهم. ومضاهين لهم في التعنت (2). # أى : أن حاضر هؤلاء اليهود الذين يعيشون معك يا محمد كماضى آبائهم ~~الأقدمين ، PageV03P370 # وأخلاق الأبناء صورة من أخلاق الآباء ، وجميعهم لا يبغون من سؤالهم ~~الاهتداء إلى الحق وإنما يبغون إعنات الرسل عليهم الصلاة والسلام والإساءة إليهم. # والفاء في قوله : ( @QUR@04 فقالوا أرنا الله جهرة ) تفسيرية كما في ~~قولهم ms1456 : توضأ فغسل وجهه. # وقوله : ( @QUR@01 جهرة ) من الجهر الذي هو ضد الإخفاء. يقال جهر البئر ~~كمنع واجتهرها ، إذا أظهر ماءها. وجهر الشيء : كشفه ، وجهر الرجل : رآه بلا حجاب. # أى : أرنا الله جهارا عيانا بحاسة البصر فيكون قوله ( @QUR@01 جهرة ) ~~مفعولا مطلقا ، لأن لفظ ( @QUR@01 جهرة ) نوع من مطلق الرؤية فيلاقى عامله ~~في الفعل. # ويصح أن يكون حالا من المفعول الأول أى : أرنا الله مجاهرين معاينين ~~وقوله : «فأخذتهم الصاعقة بظلمهم» بيان للعقوبة التي حلت بهم نتيجة سوء ~~أدبهم وجرأتهم على خالقهم وعلى أنبيائهم. # والصاعقة كما يقول ابن جرير : كل أمر هائل رآه الرائي أو عاينه أو أصابه ~~، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل صوتا كان ذلك أو ~~نارا أو زلزلة أو رجفة (1). # وقال الراغب : الصاعقة على ثلاثة أوجه : الموت كقوله : ( @QUR@07 فصعق من ~~في السماوات ومن في الأرض ). والعذاب كقوله : ( @QUR@06 أنذرتكم صاعقة مثل ~~صاعقة عاد وثمود )، والنار كقوله : ( @QUR@06 ويرسل الصواعق فيصيب بها من ~~يشاء ) وما ذكره سبحانه إنما هي أشياء حاصلة من الصاعقة ؛ فإن الصاعقة هي ~~الصوت الشديد في الجو ، ثم يكون منه نار فقط ، أو عذاب ، أو موت ، وهي في ~~ذاتها شيء واحد. وهذه الأشياء تأثيرات منها (2). # ويبدو أن المراد بالصاعقة هنا : ذلك الصوت الشديد المجلجل المزلزل ~~المصحوب بنار هائلة ، والذي كان من آثاره أن صعقوا : أى خروا مغشيا عليهم ~~أو هلكوا ، بسبب ظلمهم وعنادهم وفسوقهم عن أمر الله. # وقوله : ( @QUR@015 ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ~~ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا ) بيان لنوع ثالث من جرائمهم ، ولمظهر من ~~مظاهر رحمة الله بهم. # أى : أن هؤلاء الذين سألوا موسى رؤية الله جهرة ، أخذتهم الصاعقة عقوبة ~~لهم على PageV03P371 # ظلمهم ، لم يرتدعوا ولم ينزجروا ، بل لجوا في طغيانهم وضلالهم فاتخذوا ~~العجل معبودا لهم من دون الله ( @QUR@05 من بعد ما جاءتهم البينات ) أى من ~~بعد ما جاءتهم الدلائل القاطعة على وحدانية الله وصدق أنبيائه. # وقوله : ( @QUR@03 فعفونا عن ذلك ) أى. عفونا عن اتخاذهم العجل إلها بعد ~~أن تابوا وأقلعوا عن ms1457 عبادته ، لأن التوبة تجب ما قبلها. # وقوله : ( @QUR@04 وآتينا موسى سلطانا مبينا ) أى. أعطينا موسى بفضلنا ~~ومنتنا حججا بينات ومعجزات باهرات ، وقوة وقدرة على الانتصار على من خالفه ~~و (ثم) في قوله. ( @QUR@03 ثم اتخذوا العجل ) للتراخي الرتبى ؛ لأن اتخاذهم ~~العجل إلها أعظم جرما مما حكاه الله عنهم من جرائم قبل ذلك. # وقوله ( @QUR@05 من بعد ما جاءتهم البينات ) بيان لفرط ضلالهم وانطماس ~~بصيرتهم ، لأنهم لم يعبدوا العجل عن جهالة ، وإنما عبدوه من بعد ما وصلت ~~إلى أسماعهم وعقولهم الدلائل الواضحة وعلى وحدانية الله ، وعلى أن عبادة ~~العجل لا يقدم عليها إنسان فيه شيء من التعقل وحسن الإدراك. # واسم الإشارة في قوله ( @QUR@03 فعفونا عن ذلك ) يعود إلى اتخاذ العجل ~~معبودا من دون الله. # والجملة الكريمة حض لليهود المعاصرين للعهد النبوي على الدخول في الإسلام ~~فإنهم متى فعلوا ذلك غفر الله لهم ما سلف من ذنوبهم كما غفر لآبائهم بعد أن ~~تابوا من عبادة العجل. # هذا ، وما حكته هذه الآية الكريمة من جرائم بنى إسرائيل بصورة مجملة قد ~~جاء مفصلا في مواطن أخرى ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@049 وإذ قال موسى ~~لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا ~~أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم. وإذ قلتم ~~يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون. ثم ~~بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون ) (1). # ثم بين سبحانه لونا آخر من عنادهم وجحودهم فقال : ( @QUR@04 ورفعنا فوقهم ~~الطور بميثاقهم ). # قال ابن كثير : وذلك أنهم حين امتنعوا عن الالتزام بأحكام التوراة ، وظهر ~~منهم إباء عما جاء به موسى عليه السلام رفع الله على رءوسهم جبلا. ثم ألزموا ~~فالتزموا ، وسجدوا ، PageV03P372 # وجعلوا ينظرون إلى ما فوق رءوسهم خشية أن يسقط عليهم. كما قال تعالى : ( ~~@QUR@014 وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما ~~آتيناكم بقوة ).. الآية (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@05 وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا ) أى : وقلنا لهم ~~على لسان أنبيائهم ادخلوا باب القرية التي أمرناكم ms1458 بدخولها ساجدين لله ، أى ~~: ادخلوها متواضعين خاضعين لله ، شاكرين له فضله وكرمه ، ولكنهم خالفوا ما ~~أمرهم الله مخالفة تامة. # والمراد بالقرية التي أمرهم الله بدخول بابها ساجدين : قيل : هي بيت ~~المقدس وقيل : إيلياء ، وقيل : أريحاء. وقد أبهمها الله تعالى لأنه لا ~~يتعلق بذكرها مقصد أو غرض. ولم يرد في السنة الصحيحة بيان لها. # وقد تحدث القرآن عن قصة أمرهم بدخول هذه القرية ساجدين بصورة أكثر تفصيلا ~~في سورتي البقرة والأعراف ، فقال تعالى في سورة البقرة : # ( @QUR@020 وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا ، ~~وادخلوا الباب سجدا ، وقولوا حطة ، نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين 58 ~~@QUR@018 فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم. فأنزلنا على الذين ظلموا ~~رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ) 59. # وقوله : ( @QUR@06 وقلنا لهم لا تعدوا في السبت ) أى : وقلنا لهم كذلك لا ~~تتجاوزوا الحدود التي أمركم الله بالتزامها في يوم السبت والتي منها : ألا ~~تصطادوا في هذا اليوم ، ولكنهم خالفوا أمر الله ، وتحايلوا على استحلال ~~محارمه. # وقصة اعتداء اليهود على محارم الله في يوم السبت قد جاء ذكرها في كثير من ~~آيات القرآن الكريم. ومن ذلك قوله تعالى في سورة البقرة : ( @QUR@022 ولقد ~~علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم : كونوا قردة خاسئين 65 ~~فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين ) 66. # وقال تعالى في سورة الأعراف : ( @QUR@027 وسئلهم عن القرية التي كانت ~~حاضرة البحر ، إذ يعدون في السبت ، إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم ~~لا يسبتون لا تأتيهم : كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون ). الآية 163. # وقوله ( @QUR@04 وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ) أى : وأخذنا منهم عهدا مؤكدا ~~كل التأكيد ، وموثقا كل التوثيق ، بأن يعملوا بما أمرهم الله به ، ويتركوا ~~ما نهاهم عنه. ولكنهم نقضوا عهودهم ، وكفروا بآيات الله ، ونبذوها وراء ~~ظهورهم. PageV03P373 # وأضاف سبحانه الأخذ إلى ذاته الكريمة تقوية لأمر هذا الميثاق ، وتنويها ~~بشأنه. وإشعارا بوجوب الوفاء به ؛ لأن ما أخذه الله على عباده من مواثيق من ~~واجبهم أن يفوا بها إذ هو سبحانه وحده سيجازيهم على نكثهم ms1459 ونقضهم لعهودهم. # ووصف سبحانه الميثاق الذي أخذه عليهم بالغلظ أى : بالشدة والقوة ؛ لأنه ~~كان قويا في معناه وفي موضوعه وفي كل ما اشتمل عليه من أوامر ونواه وأحكام ~~، ولأن نفوسهم كانت منغمسة في الجحود والعناد فكان من المناسب لها تأكيد ~~العهد وتوثيقه لعلها ترعوى عن ضلالها وفسوقها عن أمر الله. # ثم عدد سبحانه ألوانا أخرى من جرائمهم التي عاقبهم عليها عقابا شديدا ~~فقال تعالى : ( @QUR@022 فبما نقضهم ميثاقهم ، وكفرهم بآيات الله ، وقتلهم ~~الأنبياء بغير حق. وقولهم قلوبنا غلف ، بل طبع الله عليها بكفرهم فلا ~~يؤمنون إلا قليلا ). # والفاء في قوله ( @QUR@03 فبما نقضهم ميثاقهم ) للتفريع على ما تقدم من ~~قوله ( @QUR@04 وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ) والباء للسببية ، وما هنا مزيدة ~~لتأكيد نقضهم للميثاق. والجار والمجرور متعلق بمحذوف لتذهب نفس السامع في ~~تقديره كل مذهب في التهويل والتشنيع على هؤلاء الناقضين لعهودهم مع الله ~~تعالى فيكون المعنى : # فبسبب نقض هؤلاء اليهود لعهودهم وبسبب كفرهم بآياتنا ، وبسبب قتلهم ~~لأنبيائنا ، وبسبب أقوالهم الكاذبة. بسبب كل ذلك فعلنا بهم ما فعلنا من ~~أنواع العقوبات الشديدة ، وأنزلنا بهم ما أنزلنا من ذل ومهانة وصغار ومسخ ~~.... إلخ. # ويرى بعضهم أن الجار والمجرور متعلق بقوله تعالى بعد ذلك ( @QUR@05 حرمنا ~~عليهم طيبات أحلت لهم )... # أى : فبسبب نقضهم للميثاق. وكفرهم بآيات الله حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم. # قال الفخر الرازي : واعلم أن القول الأول أولى ويدل عليه وجهان : # أحدهما : أن الكلام طويل جدا من قوله : ( @QUR@03 فبما نقضهم ميثاقهم ) ~~إلى قوله : ( @QUR@09 فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ). # الثاني : أن تلك الجنايات المذكورة بعد قوله تعالى ( @QUR@03 فبما نقضهم ~~ميثاقهم ) عظيمة جدا. لأن كفرهم بآيات الله ، وقتلهم الأنبياء ، وإنكارهم ~~للتكليف بقولهم : قلوبنا غلف ، أعظم الذنوب ، وذكر الذنوب العظيمة ، إنما ~~يليق أن يفرع عليه العقوبة العظيمة ، وتحريم PageV03P374 # بعض المأكولات عقوبة خفيفة فلا يحسن تعليقه بتلك الجنايات الكبيرة» (1). # فأنت ترى أن الله تعالى قد لعن بنى إسرائيل كما جاء في قوله تعالى ( ~~@QUR@04 فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم ) ومسخهم قردة وخنازير كما جاء في قوله ~~تعالى ms1460 ( @QUR@011 فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ) ~~وكما في قوله تعالى ( @QUR@020 قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله ، ~~من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت ). # وتلك العقوبات كلها إنما كانت بسبب الجنايات والمنكرات التي سجلتها عليهم ~~الآيات القرآنية ؛ والتي من أجمعها هذه الآيات التي معنا. # فالآيات التي معنا تسجل عليهم نقضهم للمواثيق ، ثم تسجل عليهم ثانيا ~~كفرهم بآيات الله. # وقد عطف سبحانه كفرهم بآياته على نقضهم للميثاق الذي أخذه عليهم مع أن ~~ذلك الكفر من ثمرات النقض ، للاشعار بأن النقض في ذاته إثم عظيم والكفر في ~~ذاته إثم عظيم أيضا من غير التفات إلى أن له سببا أو ليس له سبب. # وسجل عليهم ثالثا قتلهم الأنبياء بغير حق. فقد قتلوا زكريا ويحيى وغيرهما ~~من رسل الله تعالى ولا شك أن قتل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يدل على ~~شناعة جريمة من قتلهم وعلى توغله في الجحود والعناد والفجور إلى درجة تعجز ~~العبارات عن وصفها ، لأنه بقتله للدعاة إلى الحق ، لا يريد للحق أن يظهر ~~ولا للفضيلة أن تنتشر ، ولا للخير أن يسود ، وإنما يريد أن تكون الأباطيل ~~والرذائل والشرور هي السائدة في الأرض. # وقوله : ( @QUR@02 بغير حق ) ليس قيدا ؛ لأن قتل النبيين لا يكون بحق ~~أبدا ، وإنما المراد من قوله : ( @QUR@02 بغير حق ) بيان أن هؤلاء القاتلين ~~قد بلغوا النهاية في الظلم والفجور والتعدي. لأنهم قد قتلوا أنبياء الله ~~بدون أى مسوغ يسوغ ذلك ، وبدون أية شبهة تحملهم على ارتكاب ما ارتكبوا ، ~~وإنما فعلوا ما فعلوا لمجرد إرضاء أحقادهم وشهواتهم وأهوائهم ... # وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله ، فإن قلت : وقتل الأنبياء لا ~~يكون إلا بغير الحق فما فائدة ذكره؟ قلت. معناه أنهم قتلوهم بغير حق عندهم ~~ولا عند غيرهم ، لأنهم لم يقتلوا ولا أفسدوا في الأرض فيقتلوا. وإنما ~~نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم. فلو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم لم ~~يذكروا وجها يستحقون به القتل (2). PageV03P375 # ثم سجل عليهم رابعا قولهم ( @QUR@02 قلوبنا ms1461 غلف ). # وقوله : ( @QUR@01 غلف ) جمع أغلف كحمر جمع أحمر والشيء الأغلف هو الذي ~~جعل عليه شيء يمنع وصول شيء آخر إليه. # والمعنى : أن هؤلاء الجاحدين قد قالوا عند ما دعاهم الرسول ~~صلى الله عليه وسلم إلى الحق إن قلوبنا قد خلقها الله مغطاة بأغطية غليظة ، ~~وهذه الأغطية جعلتنا لا نعى شيئا مما تقوله يا محمد ، ولا نفقه شيئا مما ~~تدعونا إليه ، فهم بهذا الكلام الذي حكاه القرآن عنهم ، يريدون أن يتنصلوا ~~من مسئوليتهم عن كفرهم ، لأنهم يزعمون أن قلوبهم قد خلقها الله بهذه ~~الطريقة التي حالت بينهم وبين فهم ما يراد منهم. # وقريب من هذا قوله تعالى حكاية عن المشركين : ( @QUR@017 وقالوا قلوبنا ~~في أكنة مما تدعونا إليه ، وفي آذاننا وقر ، ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل ~~إننا عاملون ) (1). # وقيل : إن قوله : غلف : جمع غلاف ككتب وكتاب وعليه يكون المعنى : أنهم ~~قالوا إن قلوبنا غلف أى أوعية للعلم شأنها في ذلك شأن الكتب ، فلا حاجة بنا ~~يا محمد إلى ما تدعونا إليه ، لأننا عندنا ما يكفينا. # والذي يبدو لنا أن التأويل الأول أولى ، لأنه أقرب إلى سياق الآية ، فقد ~~رد الله عليهم بقوله : ( @QUR@09 بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا ~~قليلا ). والطبع معناه. إحكام الغلق على الشيء وختمه بحيث لا ينفذ إليه ~~شيء آخر. # والمعنى : أن هؤلاء القائلين إن قلوبهم غلف كاذبون فيما يقولون ، وتخليهم ~~عن مسئولية الكفر ليس صحيحا. لأن كفرهم ليس سببه أن قلوبهم قد خلقت مغطاة ~~بأغطية تحجب عنها إدراك الحق كما يزعمون بل الحق أن الله تعالى ختم عليها ، ~~وطمس معالم الحق فيها ، بسبب كفرهم وأعمالهم القبيحة. فهو سبحانه قد خلق ~~القلوب على الفطرة ، بحيث تتمكن من اختيار الخير والشر ، إلا أن هؤلاء ~~اليهود قد أعرضوا عن الخير إلى الشر ، واختاروا الكفر على الإيمان نتيجة ~~انقيادهم لأهوائهم وشهواتهم. فالله تعالى طبع على قلوبهم بسبب إيثارهم سبيل ~~الغي على سبيل الرشد ، فصاروا لا يؤمنون إلا إيمانا قليلا لا قيمة له عند ~~الله تعالى . # فقوله ( @QUR@02 إلا قليلا ) نعت لمصدر محذوف ms1462 أى إلا إيمانا قليلا. ~~كإيمانهم بنبوة موسى عليه السلام وإنما كان إيمانهم هذا لا قيمة له عند الله ~~، لأن الإيمان ببعض الأنبياء والكفر PageV03P376 # ببعضهم ، يعتبره الإسلام كفرا بالكل كما سبق أن بينا في قوله تعالى ( ~~@QUR@026 إن الذين يكفرون بالله ورسله ، ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ~~ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا. أولئك هم ~~الكافرون حقا ). # ومنهم من جعل قوله ( @QUR@02 إلا قليلا ) صفة لزمان محذوف أى : فلا ~~يؤمنون إلا زمانا قليلا. # ومنهم من جعل الاستثناء في قوله ( @QUR@02 إلا قليلا ) من جماعة اليهود ~~المدلول عليهم بالواو في قوله ( @QUR@02 فلا يؤمنون ) أى : فلا يؤمنون إلا ~~عددا قليلا منهم كعبد الله بن سلام وأشباهه. والجملة الكريمة وهي قوله : ( ~~@QUR@04 طبع الله عليها بكفرهم ) معترضة بين الجمل المتعاطفة. وقد جيء بها ~~للمسارعة إلى رد مزاعمهم الفاسدة ، وأقاويلهم الباطلة. # ثم سجل عليهم خامسا وسادسا جريمتين شنيعتين فقال : ( @QUR@06 وبكفرهم ~~وقولهم على مريم بهتانا عظيما ). # والمراد بالكفر هنا : كفرهم بعيسى عليه السلام وهو غير الكفر المذكور قبل ~~ذلك في قوله : ( @QUR@04 طبع الله عليها بكفرهم ) لأن المراد به هنا مطلق ~~الجحود الذي لا يجعل الشخص يستقر على شيء ، فهو إنكار مطلق للحق. # وقد أشار إلى هذا المعنى الآلوسى بقوله : وقوله : ( @QUR@01 وبكفرهم ) ~~عطف على ( @QUR@01 بكفرهم ) الذي قبله وهو قوله تعالى ( @QUR@05 بل طبع ~~الله عليها بكفرهم ) ولا يتوهم أنه من عطف الشيء على نفسه ولا فائدة فيه ؛ ~~لأن المراد بالكفر المعطوف : الكفر بعيسى. والمراد بالكفر المعطوف عليه : ~~إما الكفر المطلق. أو الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ؛ لاقترانه بقوله تعالى ~~( @QUR@02 قلوبنا غلف ). وقد حكى الله عنهم هذه المقالة في مواجهتهم له ~~عليه الصلاة والسلام في مواضع. ففي العطف إيذان بصلاحية كل من الكفرين ~~للسببية ويجوز أن يكون قوله : ( @QUR@01 وبكفرهم ) معطوف على قوله ( ~~@QUR@02 فبما نقضهم ) (1). # والبهتان : هو الكذب الشديد الذي لا تقبله العقول ، بل يحيرها ويدهشها ~~لغرابته وبعده عن الحقيقة. يقال : بهت فلان فلانا ، إذا قال فيه قولا يدهشه ~~ويحيره لغرابته وشناعته في الكذب والافتراء. # والمعنى : إن ms1463 من أسباب لعن اليهود وضرب الذلة والمسكنة عليهم ، كفرهم ~~بعيسى عليه السلام ، وهو الرسول المبعوث إليهم ليهديهم إلى الحق وإلى الطريق ~~المستقيم. وافتراؤهم الكذب على مريم أم عيسى ، ورميهم لها بما هي بريئة منه ~~، وغافلة عنه ، فقد اتهموها بالفاحشة PageV03P377 # لولادتها لعيسى من غير أب. وقد برأها الله تعالى مما نسبوه إليها. في ~~قوله تعالى ( @QUR@017 ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها ، فنفخنا فيه من ~~روحنا ، وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين ) (1). # وقوله : ( @QUR@01 بهتانا ) منصوب على أنه مفعول به لقوله تعالى ( ~~@QUR@01 وقولهم )، فإنه متضمن معنى كلام نحو : قلت خطبة وشعرا. ويجوز أن ~~يكون نعتا لمصدر محذوف ، أى : وبكفرهم وقولهم على مريم قولا بهتانا. أو هو ~~مصدر في موضع الحال أى : مباهتين. ووصفه بالعظم لشناعته وبلوغه النهاية في ~~الكذب والافتراء. # ثم سجل عليهم بعد ذلك رذيلة سابعة ورد عليهم بما يخرس ألسنتهم ، ويفضحهم ~~على رءوس الأشهاد في كل زمان ومكان فقال : ( @QUR@016 وقولهم إنا قتلنا ~~المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ، وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ) ~~والمسيح : لقب تشريف وتكريم لعيسى عليه السلام قيل : لقب بذلك لأنه ممسوح من ~~كل خلق ذميم. وقيل : لأنه مسح بالبركة كما في قوله تعالى : ( @QUR@05 ~~وجعلني مباركا أين ما كنت ) وقيل لأن الله مسح عنه الذنوب. # أى : وبسبب قولهم على سبيل التبجح والتفاخر إنا قتلنا المسيح عيسى ابن ~~مريم رسول الله ، لعنهم الله وغضب عليهم ، كما لعنهم وغضب عليهم أيضا بسبب ~~جرائمهم السابقة. # وهذا القول الذي صدر عنهم هو في ذاته جريمة ؛ لأنهم قالوه على سبيل ~~التبجح والتفاخر لقتلهم في زعمهم نبيا من أنبياء الله ، ورسولا من أولى ~~العزم من الرسل. وقولهم هذا وإن كان يخالف الحقيقة والواقع ، إلا أنه يدل ~~على أنهم أرادوا قتله فعلا ، وسلكوا كل السبل لبلوغ غايتهم الدنيئة ، فدسوا ~~عليه عند الرومان ، ووصفوه بالدجل والشعوذة ، وحاولوا أن يسلموه لأعدائه ~~ليصلبوه ، بل زعموا أنهم أسلموه فعلا لهم ، ولكن الله تعالى خيب سعيهم ، ~~وأبطل مكرهم ، وحال بينهم وبين ما يشتهون ، حيث نجى عيسى عليه ms1464 السلام من ~~شرورهم ، ورفعه إليه دون أن يمسه سوء منهم. # ولا شك أن ما صدر عن اليهود في حق عيسى عليه السلام من محاولة قتله ، ~~واتخاذ كل وسيلة لتنفيذ غايتهم ، ثم تفاخرهم بأنهم قتلوه وصلبوه ، لا شك أن ~~كل ذلك يعتبر من أكبر الجرائم ؛ لأنه من المقرر في الشرائع والقوانين أن من ~~شرع في ارتكاب جريمة من الجرائم واتخذ كل الوسائل لتنفيذها ، ولكنها لم تتم ~~لأمر خارج عن إرادته ، فإنه يعد من المجرمين الذين يستحقون العقاب الشديد. PageV03P378 # واليهود قد اتخذوا كافة الطرق لقتل عيسى عليه السلام كما بينا ، ولكن حيل ~~بينهم وبين ما يشتهون لأسباب خارجة عن طاقتهم. ومعنى هذا أنه لو بقيت لهم ~~أية وسيلة لإتمام جريمتهم النكراء لما تقاعسوا عنها ، ولأسرعوا في تنفيذها ~~فهم يستحقون عقوبة المجرم في تفكيره ، وفي نيته ، وفي شروعه الأثيم ، ~~لارتكاب ما نهى الله عنه. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كانوا كافرين بعيسى عليه السلام أعداء له ، ~~عامدين لقتله ، يسمونه الساحر ابن الساحرة ، والفاعل ابن الفاعلة ، فكيف ~~قالوا : ( @QUR@08 إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله )؟ # قلت : قالوه على وجه الاستهزاء ، كقول فرعون ( @QUR@06 إن رسولكم الذي ~~أرسل إليكم لمجنون ). ويجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في ~~الحكاية عنهم ، رفعا لعيسى عما كانوا يذكرونه به ، وتعظيما لما أرادوا ~~بمثله كقوله : ( @QUR@09 ليقولن خلقهن العزيز العليم. الذي جعل لكم الأرض ~~مهدا ) (1). # وقوله تعالى ( @QUR@07 وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ) رد على مزاعمم ~~الكاذبة ، وأقاويلهم الباطلة التي تفاخروا بها بأنهم قتلوا عيسى عليه السلام ~~. أى : إن ما قاله اليهود متفاخرين به ، وهو زعمهم أنهم قتلوا عيسى ~~عليه السلام ، هو من باب أكاذيبهم المعروفة عنهم ؛ فإنهم ما قتلوه ، وما ~~صلبوه ولكن الحق أنهم قتلوا رجلا آخر يشبه عيسى عليه السلام في الخلقة فظنوه ~~إياه وقتلوه وصلبوه ، ثم قالوا. إنا قتلنا المسيح ابن مريم رسول الله. # قال الفخر الرازي : قوله : ( @QUR@01 شبه ) مسندا إلى ماذا؟ إن جعلته ~~مسندا إلى المسيح فهو مشبه به وليس بمشبه. وإن أسندته ms1465 إلى المقتول فالمقتول ~~لم يجر له ذكر؟ والجواب من وجهين : # الأول : أنه مسند إلى الجار والمجرور. وهو كقولك : خيل إليه. كأنه قيل : ~~ولكن وقع لهم الشبه. الثاني : أن يسند إلى ضمير المقتول ، لأن قوله : ( ~~@QUR@02 وما قتلوه ) يدل على أنه وقع القتل على غيره فصار ذلك الغير مذكورا ~~بهذا الطريق فحسن إسناد ( @QUR@01 شبه ) إليه (2). # وقال فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف قوله : ( @QUR@04 وما قتلوه وما صلبوه ~~) زعم أكثر اليهود أنهم قتلوا المسيح وصلبوه ، فأكذبهم الله تعالى في ذلك ~~وقال : ( @QUR@03 ولكن شبه لهم ). أى : شبه لهم المقتول بأن ألقى عليه شبه ~~المسيح فلما دخلوا عليه ليقتلوه أى ليقتلوا المسيح وجدوا الشبيه فقتلوه ~~وصلبوه ، يظنونه المسيح وما هو في الواقع ، إذ قد رفع الله عيسى إلى السماء ~~، ونجاه من شر الأعداء. PageV03P379 # وقيل المعنى : ولكن التبس عليهم الأمر حيث ظنوا المقتول عيسى كما أوهمهم ~~بذلك أحبارهم (1). # هذا ، وللمفسرين في بيان كيفية التشبيه لهم وجوه من أهمها اثنان : # الأول : أن الله تعالى ألقى شبه عيسى عليه السلام على أحد الذين خانوه ~~ودبروا قتله وهو (يهوذا الإسخربوطى) الذي كان عينا وجاسوسا على المسيح ، ~~والذي أرشد الجند الذين أرادوا قتله إلى مكانه ، وقال لهم : من أقبله ~~أمامكم يكون هو المسيح ، فاقبضوا عليه لتقتلوه ، فدخل بيت عيسى ليدلهم عليه ~~ليقتلوه فرفع الله عيسى ، وألقى شبهه على المنافق ، فدخلوا عليه فقتلوه وهم ~~يظنون أنه عيسى. # وهذا الوجه قد جاء مفصلا في بعض الأناجيل وأشار إليه الآلوسى بقوله : كان ~~رجل من الحواريين ينافس عيسى عليه السلام فلما أرادوا قتله قال : أنا أدلكم ~~عليه ، وأخذ على ذلك ثلاثين درهما ، فدخل بيت عيسى عليه السلام فرفع الله ~~عيسى ، وألقى شبهه على المنافق ، فدخلوا عليه فقتلوه ، وهم يظنون أنه عيسى (2). # الثاني : أن الله تعالى ألقى شبه المسيح على أحد تلاميذه المخلصين حينما ~~أجمعت اليهود على قتله ، فأخبره الله بأنه سيرفعه إليه ، فقال لأصحابه أيكم ~~يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة؟ فقال رجل منهم أنا. فألقى ~~الله صورة عيسى عليه ، فقتل ذلك ms1466 الرجل وصلب. # وقد أطال الإمام ابن كثير في ذكر الروايات التي تؤيد هذا الوجه ، ومنها ~~قوله : عن ابن عباس قال : لما أراد الله تعالى أن يرفع عيسى إلى السماء ، ~~خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلا من الحواريين فقال لهم إن منكم من ~~يكفر بعدي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي. # قال : ثم قال : أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ، ويكون معى في درجتي؟ # فقام شاب من أحدثهم سنا. فقال له : اجلس. ثم أعاد عليهم. فقام ذلك الشاب. ~~فقال له : اجلس. ثم أعاد عليهم. فقام ذلك الشاب. فقال : أنا. فقال له عيسى ~~، هو أنت ذاك. فألقى عليه شبه عيسى. ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى ~~السماء. قال : وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه ، فكفر ~~به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن. قال ابن كثير : وهذا إسناد صحيح عن ~~ابن عباس ، ورواه النسائي عن أبى كريب عن أبى معاوية ، وقال PageV03P380 # غير واحد من السلف : إنه قال لهم. أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني وهو ~~رفيقي في الجنة ...؟ (1). # والذي يجب اعتقاده بنص القرآن الكريم أن عيسى عليه السلام لم يقتل ولم ~~يصلب ، وإنما رفعه الله إليه ، ونجاه من مكر أعدائه ، أما الذي قتل وصلب ~~فهو شخص سواه. # ثم قال تعالى : ( @QUR@015 وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به ~~من علم إلا اتباع الظن ). أى : وإن الذين اختلفوا في شأن عيسى من أهل ~~الكتاب لفي شك دائم من حقيقة أمره. أى : في حيرة وتردد ، ليس عندهم علم ~~ثابت قطعى في شأنه ، أو في شأن قتله ، ولكنهم لا يتبعون فيما يقولونه عنه ~~إلا الظن الذي لا تثبت به حجة. ولا يقوم عليه برهان. # ولقد اختلف أهل الكتاب في شأن عيسى اختلافا كبيرا. فمنهم من زعم أنه ابن ~~الله. وادعى أن في عيسى عنصرا إلهيا مع العنصر الإنسانى. وأن الذي ولدته ~~مريم هو العنصر الإنسانى. ثم أفاض عليه بعد ذلك العنصر الإلهى. # ومنهم من قال : إن ms1467 مريم ولدت العنصرين معا. # ولقد اختلفوا في أمر قتله. فقال بعض اليهود : إنه كان كاذبا فقتلناه قتلا ~~حقيقيا ، وتردد آخرون فقالوا : إن كان المقتول عيسى فأين صاحبنا. وإن كان ~~المقتول صاحبنا فأين عيسى؟ # وقال آخرون : الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا. # إلى غير ذلك من خلافاتهم التي لا تنتهي حول حقيقة عيسى وحول مسألة قتله ~~وصلبه (2). # فالمراد بالموصول في قوله : ( @QUR@03 وإن الذين اختلفوا ) ما يعم اليهود ~~والنصارى جميعا. والضمير في قوله (فيه) يعود إلى عيسى عليه السلام . # وقوله ( @QUR@01 منه ) جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة الشك. # قال الآلوسى : وأصل الشك أن يستعمل في تساوى الطرفين ، وقد يستعمل في ~~لازم معناه وهو التردد مطلقا ، وإن لم يترجح أحد طرفيه وهو المراد هنا. ~~ولذا أكده بنفي العلم الشامل لذلك أيضا بقوله سبحانه : ( @QUR@08 ما لهم به ~~من علم إلا اتباع الظن ) (3). PageV03P381 # وقوله ( @QUR@03 إلا اتباع الظن ) الراجح أن الاستثناء فيه منقطع ، أى ما ~~لهم به من علم لكنهم يتبعون الظن. # وقيل : هو متصل ، لأن العلم والظن يجمعهما مطلق الإدراك. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : قد وصفوا بالشك والشك أن لا يترجح أحد ~~الجائزين. ثم وصفوا بالظن والظن أن يترجح أحدهما فكيف يكونون شاكين ظانين؟ ~~قلت : أريد أنهم شاكون ما لهم من علم قط ، ولكن إن لاحت لهم أمارة ظنوا. # ولم يرتض هذا الجواب صاحب الانتصاف فقال : وليس في هذا الجواب شفاء ~~الغليل. والظاهر والله أعلم أنهم كانوا أغلب أحوالهم الشك في أمره والتردد ~~، فجاءت العبارة الأولى على ما يغلب من حالهم ، ثم كانوا لا يخلون من ظن في ~~بعض الأحوال وعنده يقفون لا يرتفعون إلى العلم فيه البتة. وكيف يعلم الشيء ~~على خلاف ما هو به؟ فجاءت العبارة الثانية على حالهم النادرة في الظن نافية ~~عنهم ما يترقى عن الظن (1). # وقوله : ( @QUR@011 وما قتلوه يقينا ، بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا ~~حكيما ) تأكيد لنجاة عيسى مما يزعمونه من قتلهم له ، وبيان لما أكرمه الله ~~به من رعاية وتشريف. # واليقين : هو العلم الجازم الذي لا يحتمل ms1468 الشك والضمير في قوله ( @QUR@02 ~~وما قتلوه ) لعيسى. # وقوله ( @QUR@01 يقينا ) ذكر النحاة في إعرابه وجوها من أشهرها : أنه نعت ~~لمصدر محذوف مأخوذ من لفظ قتلوه : أى : ما قتلوه قتلا يقينا ، أى متيقنين ~~معه من أن المقتول عيسى عليه السلام وهذا فيه ترشيح للاختلاف والشك الذي ~~اعتراهم. # أو هو حال مؤكدة لنفى القتل. أى انتفى قتلهم إياه انتفاء يقينا. فاليقين ~~منصب على النفي. أى : أن : نفى كونه قد قتل أمر متيقن مؤكد مجزوم به ، وليس ~~ظنا كظنكم أو وهما كوهمكم يا معشر أهل الكتاب. # وقد أشار صاحب الكشاف إلى ذلك بقوله : قوله : ( @QUR@03 وما قتلوه يقينا ~~) أى : وما قتلوه قتلا يقينا. أو ما قتلوه متيقنين كما ادعوا ذلك في قولهم ~~( @QUR@03 إنا قتلنا المسيح ) أو يجعل ( @QUR@01 يقينا ) تأكيدا لقوله : ( ~~@QUR@02 وما قتلوه ) كقولك : ما قتلوه حقا. أى حق انتفاء قتله حقا. # والمعنى : أن اليهود قد زعموا أنهم قتلوا عيسى عليه السلام وزعمهم هذا ~~أبعد ما يكون عن الحق والصواب ، لأن الحق المتيقن في هذه المسألة أنهم لم ~~يقتلوه ، فقد نجاه الله من مكرهم ، PageV03P382 # ورفع عيسى إليه ، وكان الله ( @QUR@01 عزيزا ). أى منيع الجناب ، لا ~~يلجأ إليه أحد إلا أعزه وحماه. ( @QUR@01 حكيما ) في جميع ما يقدره ويقضيه ~~من الأمور. # هذا ، وجمهور العلماء على أن الله تعالى رفع عيسى إليه بجسده وروحه لا ~~بروحه فقط قال بعض العلماء : والجمهور على أن عيسى رفع حيا من غير موت ولا ~~غفوة بجسده وروحه إلى السماء. والخصوصية له عليه السلام هي في رفعه بجسده ~~وبقائه فيها إلى الأمر المقدر له (1). # وفي بعضهم الرفع في قوله تعالى ( @QUR@04 بل رفعه الله إليه ) بأنه رفع ~~بالروح فقط. # وقد بسطنا القول في هذه المسألة عند تفسيرنا لسورة آل عمران في قوله ~~تعالى : ( @QUR@09 إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ) (2). # و ( @QUR@01 إن ) هنا نافية بمعنى ما النافية ، والمخبر عنه محذوف قامت ~~صفته مقامه. أى : وما أحد من أهل الكتاب. وحذف أحد لأنه ملحوظ في كل نفى ~~يدخله الاستثناء. نحو : ما قام إلا زيد. أى ms1469 ما قام أحد إلا زيد. # وللمفسرين في تفسير هذه الآية اتجاهان : # الأول : أن الضمير في قوله ( @QUR@02 قبل موته ) يعود إلى عيسى ~~عليه السلام وعليه يكون المعنى : وما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى ~~عند نزوله في آخر الزمان حق الإيمان ، ( @QUR@02 قبل موته ) أى : قبل موت ~~عيسى ، ( @QUR@03 ويوم القيامة يكون ) عيسى عليه السلام ( @QUR@01 عليهم ) ~~أى : على أهل الكتاب ( @QUR@01 شهيدا ) فيشهد عليهم بأنه قد أمرهم بعبادة ~~الله وحده ، وأنه قد نهاهم عن الإشراك معه آلهة أخرى. # وقد انتصر لهذا الاتجاه كثير من المفسرين وعلى رأسهم شيخهم ابن جرير. فقد ~~قال بعد سرد الأقوال في الآية : وأولى الأقوال بالصحة والصواب قول من قال. ~~تأويل ذلك : وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى (3). # وقد علق ابن كثير على ما رجحه ابن جرير بقوله : ولا شك أن الذي قاله ابن ~~جرير هو الصحيح. لأن المقصود من سياق الآيات ، بطلان ما زعمته اليهود من ~~قتل عيسى وصلبه ، وبطلان تسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك. فقد أخبر ~~الله تعالى أن الأمر لم يكن PageV03P383 # كذلك ، وإنما شبه لهم فقتلوا الشبه وهم لا يتبينون ذلك. ثم إن الله تعالى ~~رفع إليه عيسى ، وإنه باق حي ، وإنه سينزل قبل يوم القيامة. # ثم عقد ابن كثير فصلا عنونه بقوله : ذكر الأحاديث الواردة في نزول عيسى ~~بن مريم إلى الأرض من السماء في آخر الزمان قبل يوم القيامة وأنه يدعو إلى ~~عبادة الله وحده لا شريك له. # ثم ساق ابن كثير جملة من الأحاديث في هذا المعنى منها ما رواه الشيخان عن ~~أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «والذي نفسي بيده ليوشكن ~~أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع ~~الجزية ، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ، وحتى تكون السجدة خيرا له من ~~الدنيا وما فيها». # ثم يقول أبو هريرة : اقرؤا إن شئتم : ( @QUR@09 وإن من أهل الكتاب إلا ~~ليؤمنن به قبل موته ) (1). # أما الاتجاه الثاني : فيرى أصحابه ms1470 أن الضمير في قوله ( @QUR@02 قبل موته ~~) يعود إلى الكتابي المدلول عليه بقوله : ( @QUR@04 وإن من أهل الكتاب ). ~~وعليه يكون المعنى : # وما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن بعيسى قبل موته أى قبل موت هذا الكتابي ~~، لأنه عند ساعة الاحتضار يتجلى له الحق ، ويتبين له صحة ما كان ينكره ~~ويجحده فيؤمن بعيسى عليه السلام ويشهد بأنه عبد الله ورسوله ، وأن الله واحد ~~لا شريك له ، ولكن هذا الإيمان لا ينفعه ، لأنه جاء في وقت الغرغرة ، وهو ~~وقت لا ينفع فيه الإيمان ، لانقطاع التكليف فيه. # قالوا : ويؤيد هذا التأويل قراءة أبى : إلا ليؤمنن به قبل موتهم بضم ~~النون وبميم الجمع . # وقد صدر صاحب الكشاف كلامه بذكر هذا التأويل فقال ما ملخصه : والمعنى : ~~وما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمنن قبل موته بعيسى. وبأنه عبد الله ~~ورسوله. يعنى : إذا عاين قبل أن تزهق روحه حين لا ينفعه إيمانه. # فإن قلت : ما فائدة الإخبار بإيمانهم بعيسى قبل موتهم؟ قلت فائدته الوعيد ~~، وليكون علمهم بأنهم لا بد لهم من الإيمان به عن قريب عند المعاينة ، وأن ~~ذلك لا ينفعهم ، بعثا لهم وتنبيها على معالجة الإيمان به في وقت الانتفاع ~~به ، وليكون إلزاما للحجة لهم. # وقيل : الضميران لعيسى بمعنى : وإن منهم أحد إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت ~~عيسى وهم أهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله (2). PageV03P384 # والذي نراه أولى أنه لا تعارض بين التأويلين. فإن كلا منهما حق في ذاته. # فكل كتابي عند ما تحضره الوفاة يعلم أن عيسى كان صادقا في نبوته ، وأنه ~~عبد الله ، وأنه قد دعا الناس إلى عبادة الله وحده. وكذلك كل كتابي يشهد ~~نزول عيسى في آخر الزمان سيؤمن به ويتبعه ويشهد بأنه صادق فيما بلغه عن ربه. # ثم حكى سبحانه ألوانا أخرى من جرائم اليهود ، وحكى بعض العقوبات التي حلت ~~بهم بسبب ظلمهم وبغيهم فقال تعالى ( @QUR@028 فبظلم من الذين هادوا حرمنا ~~عليهم طيبات أحلت لهم ، وبصدهم عن سبيل الله كثيرا ، وأخذهم الربوا وقد ~~نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل ، وأعتدنا للكافرين ms1471 منهم عذابا أليما ). # والفاء في قوله ( @QUR@01 فبظلم ) للتفريع على جرائمهم السابقة ، والباء ~~للسببية ، والتنكير للتهويل والتعظيم. والجار والمجرور متعلق بحرمنا. وقدم ~~الجار والمجرور على عامله للتنبيه على قبح سبب التحريم. # والمعنى فبسبب ظلم عظيم شنيع وقع من أولئك اليهود حرمنا عليهم طيبات أحلت ~~لهم ، ولو أنهم لم يقعوا في هذا الظلم الشديد لما حرم الله عليهم هذه ~~الطيبات التي هم في حاجة إليها. # والآية الكريمة تعليل لبعض العقوبات التي نزلت بهم بسبب ظلمهم وبغيهم ، ~~ومن ضروب هذا الظلم والبغي ما سجله الله عليهم قبل ذلك من نقض للمواثيق ، ~~ومن كفر بآيات الله. # وما سجله عليهم أيضا بعد ذلك من صد عن سبيل الله ، ومن أخذ للربا وقد ~~نهاهم الله عن أخذه. # وهذه الطيبات التي حرمها الله عليهم منها ما حكاه سبحانه في سورة الأنعام ~~بقوله : ( @QUR@028 وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ، ومن البقر والغنم ~~حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك ~~جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون ). # والتعبير عنهم بقوله : ( @QUR@04 فبظلم من الذين هادوا ) إيذان بشناعة ~~ظلمهم ، حيث إنهم وقعوا في هذا الظلم الشديد بعد توبتهم ورجوعهم عن عبادة ~~العجل. وقولهم : ( @QUR@03 إنا هدنا إليك ) أى : تبنا ورجعنا إليك يا ربنا. # وقوله ( @QUR@02 أحلت لهم ) هذه الجملة صفة للطيبات فهي في محل نصب. # والمراد من وصفها بذلك. بيان أنها كانت حلالا لهم قبل أن يرتكبوا ما ~~ارتكبوا من موبقات. أى : حرمنا عليهم طيبات كانت حلالا لهم ، ثم حرمت عليهم ~~بسبب بغيهم وظلمهم. PageV03P385 # قال ابن كثير : يخبر سبحانه أنه بسبب ظلم اليهود ، وبسبب ما ارتكبوه من ~~ذنوب ، حرمت عليهم طيبات كان قد أحلها لهم. وقرأ ابن عباس : طيبات كانت ~~أحلت لهم. وهذا التحريم قد يكون قدريا. بمعنى أن الله قيضهم لأن يتأولوا في ~~كتابهم ، وحرفوا وبدلوا أشياء كانت حلالا لهم فحرموها على أنفسهم تضييقا ، ~~تنطعا. ويحتمل أن يكون شرعيا. بمعنى أنه تعالى حرم عليهم في التوراة أشياء ~~كانت حلالا لهم قبل ذلك. كما قال تعالى ( @QUR@017 كل الطعام ms1472 كان حلا لبني ~~إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ) (1). # وقوله : ( @QUR@05 وبصدهم عن سبيل الله كثيرا ) معطوف هو وما بعده من ~~أخذهم الربا وغيره على الظلم الذي تعاطوه. من عطف الخاص على العام ، لأن ~~هذه الجرائم تفسير وتفصيل لظلمهم. # والصد والصدود : المنع. أى : وبسبب صدهم أنفسهم عن طريق الحق التي شرعها ~~الله لعباده وصدهم غيرهم عنها صدا كثيرا ، بسبب ذلك عاقبناهم وطردناهم من ~~رحمتنا. # وقوله ( @QUR@01 كثيرا ) صفة لمفعول محذوف منصوب بالمصدر وهو ( @QUR@01 ~~بصدهم ) أى : وبصدهم عن سبيل الله جمعا كثيرا من الناس. أو صفة لمصدر محذوف ~~، أى : وبصدهم عن سبيل الله صدا كثيرا. وقوله : ( @QUR@09 وأخذهم الربوا ~~وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل ) بيان للون آخر من رذائلهم ~~وقبائحهم. أى : ومن أسباب تحريم بعض الطيبات عليهم ولعنهم ، أخذهم الربا مع ~~نهيهم عنه على ألسنة رسلنا ، وأكلهم أموال الناس بالباطل ، أى. على طريق ~~الرشوة ، والخيانة ، والسرقة وغير ذلك من سائر الوجوه المحرمة. # وما حملهم على هذا الولوغ في المحرمات بشراهة وعدم مبالاة إلا أنانيتهم ~~وبيعهم الدين بالدنيا. وقوله. ( @QUR@03 وقد نهوا عنه ) جملة حالية في محل نصب. # قال الآلوسي. وفي الآية دلالة على أن الربا كان محرما عليهم كما هو محرم ~~علينا لأى النهى يدل على حرمة المنهي عنه ، وإلا لما توعد سبحانه على ~~مخالفته. # تلك هي بعض العقوبات التي عاقبهم الله بها في الدنيا. أما عقوبة هؤلاء ~~اليهود في الآخرة فقد بينها سبحانه في قوله. ( @QUR@05 وأعتدنا للكافرين ~~منهم عذابا أليما ). # أى. وهيأنا وأعددنا للكافرين من أولئك اليهود الذين فسدت نفوسهم عذابا ~~موجعا أليما ، جزاء ظلمهم وفسوقهم عن أمر الله. # وقوله ( @QUR@02 للكافرين منهم ) احتراس قصد به إخراج من آمن منهم من هذا ~~العذاب الأليم ، PageV03P386 # لأن العذاب إنما هو للكافرين منهم فحسب ، أما من آمن منهم كعبد الله بن ~~سلام وأشباهه فلهم أجرهم عند ربهم. # وقد أكد سبحانه هذا المعنى بعد ذلك ، بأن أكرم من يستحق الإكرام منهم ، ~~وبشره بالأجر العظيم فقال ، ( @QUR@026 لكن الراسخون في العلم منهم ، ~~والمؤمنون ms1473 يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ، والمقيمين الصلاة ، ~~والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر. أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما ). # وقوله ( @QUR@01 الراسخون ) جمع راسخ. ورسوخ الشيء ثباته وتمكنه. يقال ~~شجرة راسخة ، أى ثابتة قوية لا تزحزحها الرياح ولا العواصف. والراسخ في ~~العلم هو المتحقق فيه ، الذي لا تؤثر فيه الشبهات ، المتقن لما يعلمه ~~إتقانا يبعده عن الميل والانحراف عن الحق. # وقوله ، ( @QUR@04 لكن الراسخون في العلم ) استدراك من قوله قبل ذلك ( ~~@QUR@05 وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما ) وبيان لكون بعض أهل الكتاب ~~على خلاف حال عامتهم في العاجل والآجل. # والمعنى : إن حال اليهود على ما وصف لكم من سوء خلق في الدنيا ، ومن سوء ~~عاقبة في الآخرة ، ( @QUR@05 لكن الراسخون في العلم منهم ) أى الثابتون فيه ~~، المتقنون المستبصرون الذين أدركوا حقائقه وصدقوها وأذعنوا لها ، ورسخت في ~~نفوسهم رسوخا ليس معه شبهة تفسده ، أو هوى يبعث به ، أو ريب يزعزعه. # ( @QUR@01 والمؤمنون ) أى منهم. وقد وصفوا بالإيمان بعد وصفهم بما يوجبه ~~وهو الرسوخ في العلم بطريق العطف المبنى على المغايرة بين المتعاطفين ~~تنزيلا للاختلاف العنواني منزلة الاختلاف الذاتي. # وقوله ( @QUR@04 يؤمنون بما أنزل إليك ) خبر لقوله ( @QUR@01 الراسخون ) ~~. أى هؤلاء الراسخون في العلم من أهل الكتاب والمؤمنون منهم بالحق ، يؤمنون ~~بما أنزل إليك من قرآن ، ويؤمنون بما ( @QUR@03 أنزل من قبلك ) من كتب ~~سماوية على أنبياء الله ورسله. # وقوله : ( @QUR@02 والمقيمين الصلاة ) للعلماء فيه وجوه من الإعراب ~~أشهرها أنه منصوب على المدح. أى : وأمدح المقيمين الصلاة. # قال صاحب الكشاف : وقوله ( @QUR@02 والمقيمين الصلاة ) نصب على المدح ~~لبيان فضل الصلاة وهو باب واسع. وقد فسره سيبويه على أمثلة وشواهد. ولا ~~يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنا في خط المصحف : وربما التفت إليه من لم ~~ينظر في الكتاب ، ولم يعرف مذاهب العرب ، وما لهم في النصب على الاختصاص من ~~الافتنان وغبى عليه أن السابقين الأولين الذين مثلهم في التوراة PageV03P387 # ومثلهم في الإنجيل ، كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام ، وذب المطاعن ~~عنه ، من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدها من ms1474 بعدهم. وخرقا يرفوه من ~~يلحق بهم وقيل : هو عطف على ( @QUR@03 بما أنزل إليك ) أى : يؤمنون بالكتاب ~~وبالمقيمين الصلاة وهم الأنبياء. وفي مصحف عبد الله : والمقيمون بالواو. ~~وهي قراءة مالك بن دينار ، والجحدري ، وعيسى الثقفي (1). # وقوله : ( @QUR@06 والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر ) معطوف ~~على ( @QUR@01 الراسخون ) أو على الضمير المرفوع في ( @QUR@01 يؤمنون ). ~~أو على أنه مبتدأ والخبر ما بعده وهو قوله. ( @QUR@04 أولئك سنؤتيهم أجرا ~~عظيما ). # والمراد بالجميع مؤمنو أهل الكتاب الصادقون في إيمانهم. فقد وصفهم أولا ~~بالرسوخ في العلم ، ثم وصفهم ثانيا بالإيمان الكامل بما أوحاه الله على ~~أنبيائه من كتب وهدايات ، ثم مدحهم ثالثا بإقامة الصلاة إقامة مستوفية لكل ~~أركانها وسننها وآدابها وخشوعها ، ثم وصفهم رابعا بإيتاء الزكاة لمستحقيها ~~، ثم وصفهم خامسا بالإيمان بالله إيمانا حقا ، وبالإيمان باليوم الآخر وما ~~فيه من حساب وثواب وعقاب. # وبعد هذا الوصف الكريم لهؤلاء المؤمنين الصادقين ، بين سبحانه حسن ~~عاقبتهم فقال : ( @QUR@04 أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما ). # أى : أولئك الموصفون بتلك الصفات الجليلة سنؤتيهم يوم القيامة أجرا عظيم ~~لا يعلم كنهه إلا علام الغيوب ، لأنهم جمعوا بين الإيمان الصحيح وبين العمل ~~الصالح. # هذا. والمتأمل في هذه الآيات الكريمة ، يراها من أجمع الآيات التي تحدثت ~~عن أحوال اليهود ، وعن أخلاقهم السيئة ، وعن فنون من رذائلهم وقبائحهم ... ~~فأنت تراها أولا تسجل عليهم أسئلتهم المتعنتة وسوء أدبهم مع الله ، ~~وعبادتهم للعجل من بعد أن قامت لديهم الأدلة على أن العبادة لا تكون إلا ~~لله وحده ، وعصيانهم لأوامر الله ونواهيه ، ونقضهم للعهود والمواثيق ، ~~وكفرهم بآيات الله ، وقتلهم الأنبياء بغير حق ، وقولهم قلوبنا غلف ، وبهتهم ~~لمريم القانتة العابدة الطاهرة ، وقولهم : إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم ~~رسول الله ... إلى غير ذلك من الرذائل التي سجلها الله عليهم. # ثم تراها ثانيا تذكرهم وتذكر الناس جميعا ببعض مظاهر رحمة الله بهم ، ~~وعفوه عنهم ، ونعمه عليهم ، كما تذكرهم أيضا وتذكر الناس جميعا ، ببعض ~~العقوبات التي عاقبهم بها بسبب ظلمهم وبغيهم. PageV03P388 # وكأن الآيات الكريمة تقول لهم وللناس إن نعم الله على عباده لا تحصى ~~ورحمته بهم ms1475 واسعة ، فاشكروه على نعمه ، وتوبوا إليه من ذنوبكم ، فإن ~~الإصرار على المعاصي يؤدى إلى سوء العاقبة في الدنيا والآخرة. # ثم تراها ثالثا تدافع عن عيسى وأمه مريم دفاعا عادلا مقنعا وتبرئهما مما ~~نسبه أهل الكتاب إليهما من زور وبهتان ، وتصريح بأن أهل الكتاب لا حجة ~~عندهم فيما تقولوه على عيسى وعلى أمه مريم ، وأنهم في أقوالهم ما يتبعون ~~إلا الظن ، ( @QUR@07 وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ) ثم تسوق الحقيقة ~~التي لا باطل معها في شأن عيسى ، بأن تبين بأن الذين زعموا أنهم قتلوه ~~كاذبون مفترون فإنهم ما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ، وسيؤمنون به عند ~~نزوله في آخر الزمان ، أو عند ما يكونون في اللحظات الأخيرة من حياتهم ، ~~حين لا ينفع الإيمان. # ثم تراها رابعا لا تعمم في أحكامها ، وإنما تحق الحق وتبطل الباطل فهي ~~بعد أن تبين ما عليه اليهود من كفر وظلم وفسوق عن أمر الله ، وتتوعدهم ~~بالعذاب الشديد في الآخرة. بعد كل ذلك تمدح الراسخين في العلم منهم مدحا ~~عظيما ، وتكرم المؤمنين الصادقين منهم تكريما عظيما ، وتبشرهم بالأجر ~~الجزيل الذي يشرح صدورهم ، ويطمئن قلوبهم. ( @QUR@010 ذلك فضل الله يؤتيه ~~من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم ). # هذا جانب مما اشتملت عليه هذه الآيات من عبر وعظات «لمن كان له قلب أو ~~ألقى السمع وهو شهيد». # * * * # وبعد هذا الحديث المستفيض عن شبهات اليهود وسوء طباعهم. ساق سبحانه ما ~~يشهد بصدق النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته ، وأنه ليس بدعا من الرسل ، بل ~~هو واحد منهم إلا أنه خاتمهم ، وأرفعهم منزلة عند الله تعالى فقال سبحانه : # ( @QUR@025 إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا ~~إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون ~~وسليمان وآتينا داود زبورا (163) @QUR@04 ورسلا قد قصصناهم عليك PageV03P389 # @QUR@010 من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما (164) ~~@QUR@015 رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان ~~الله عزيزا حكيما (165) @QUR@013 لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه ms1476 ~~والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا ) (166) # قال الإمام الرازي : اعلم أنه تعالى لما حكى أن اليهود سألوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابا من السماء ، وذكر سبحانه بعد ذلك أنهم ~~لا يسألون لأجل الاسترشاد ، ولكن لأجل العناد واللجاج ، وحكى أنواعا كثيرة ~~من فضائحهم وقبائحهم ... شرع سبحانه بعد ذلك في الجواب عن شبهاتهم فقال : ( ~~@QUR@010 إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ) (1). # وقوله ( @QUR@01 أوحينا ) من الإيحاء أو الوحى. والوحى في الأصل : ~~الإعلام في خفاء عن طريق الإشارة ، أو الإيماء ، أو الإلهام ، أو غير ذلك ~~من المعاني التي تدل على أنه إعلام خاص ، وليس إعلاما ظاهرا. # والمراد به هنا إعلام الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ما أراد ~~إعلامه به من قرآن أو غيره. # والمعنى : إنا أوحينا إليك يا محمد بكلامنا وأوامرنا ونواهينا وهداياتنا ~~.. كما أوحينا إلى نبينا نوح وإلى سائر الأنبياء الذين جاءوا من بعده. فأنت ~~يا محمد لست بدعا من الرسل ، وإنما أنت رسول من عند الله تعالى تلقيت ~~رسالتك منه سبحانه كما تلقاها غيرك من الرسل. # وأكد سبحانه خبر إيحائه صلى الله عليه وسلم ، للاهتمام بهذا الخبر ، ولإبطال ~~ما أنكره المنكرون لوحى الله تعالى على أنبيائه ورسله فقد حكى القرآن عن ~~الجاحدين للحق أنهم قالوا : ( @QUR@07 ما أنزل الله على بشر من شيء ). # وبدأ سبحانه ؛ بنوح عليه السلام ، لأنه الأب الثاني للبشرية بعد آدم ~~عليه السلام ، ولأن في PageV03P390 # ذكره معنى التهديد لأولئك الجاحدين للرسالة السماوية ، فقد أجاب الله ~~تعالى ، دعاءه في الكافرين فأغرقهم أجمعين. # قال الجمل : وإنما بدأ الله تعالى بذكر نوح عليه السلام لأنه أول نبي بعث ~~بشريعة ، وأول نذير على الشرك. وكان أول من عذبت أمته لردهم دعوته. وكان ~~أطول الأنبياء عمرا (1). # والتشبيه في قوله : ( @QUR@04 كما أوحينا إلى نوح ) تشبيه بجنس الوحى ، ~~وإن اختلفت أنواعه ، واختلف الموحى به. # والكاف في قوله ( @QUR@01 كما ) نعت لمصدر محذوف ، وما مصدرية. أى : إنا ~~أوحينا إليك إيحاء مثل إيحائنا إلى نوح عليه السلام . # وقوله ( @QUR@02 من بعده ms1477 ) جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة للنبيين أى : ~~والنبيين الكائنين من بعده أى : من بعد نوح. # وقوله : ( @QUR@07 وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ~~) معطوف على أوحينا إلى نوح ، داخل معه في حكم التشبيه. # أى : أوحينا إليك يا محمد كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ، وكما ~~أوحينا إلى إبراهيم بن آزر ، وكما أوحينا إلى ابنه إسماعيل ، وابنه إسحاق ، ~~وكما أوحينا إلى يعقوب بن إسحاق ، وكما أوحينا إلى الأسباط وهم أولاد يعقوب. # قال الآلوسى : والأسباط هم أولاد يعقوب عليه السلام في المشهور. وقال غير ~~واحد : إن الأسباط في ولد إسحاق كالقبائل في أولاد إسماعيل وقد بعث منهم ~~عدة رسل. فيجوز أن يكون سبحانه أراد بالوحي إليهم ، الوحى إلى الأنبياء ~~منهم. كما تقول : أرسلت إلى بنى تميم ، وتريد أرسلت إلى وجوههم ولم يصح أن ~~الأسباط الذين هم إخوة يوسف كانوا أنبياء ، بل الذي صح عندي وألف فيه ~~الجلال السيوطي رسالة خلافه» (2). # وكرر سبحانه كلمة ( @QUR@01 وأوحينا ) للإشعار بوجود فترة زمنية طويلة ~~بين نوح وبين إبراهيم عليهما السلام . # ثم ذكر سبحانه عددا آخر من الأنبياء تشريفا وتكريما لهم فقال ( @QUR@08 ~~وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا ). PageV03P391 # أى : أوحينا إليك يا محمد كما أوحينا إلى هؤلاء الأنبياء السابقين ، وكما ~~أوحينا إلى عيسى ابن مريم الذي أنكر نبوته اليهود الذين يسألونك الأسئلة ~~المتعنتة ، وإلى أيوب الذي ضرب به المثل في الصبر ، وإلى يونس بن متى الذي ~~لم ينس ذكر الله وهو في بطن الحوت ، وإلى هارون أخى موسى ، وإلى سليمان بن ~~داود الذي آتاه الله ملكا لم يؤته لأحد من بعده. # وقوله : ( @QUR@03 وآتينا داود زبورا ) معطوف على قوله : أوحينا ، وداخل ~~في حكمه لأن إيتاء الزبور من باب الإيحاء. # وأوثر. قوله هنا : وآتينا على أوحينا ؛ لتحقق المماثلة في أمر خاص وهو ~~إيتاء الكتاب بعد تحققها في مطلق الإيحاء. # والزبور بفتح الزاى اسم الكتاب الذي أنزله الله على داود عليه السلام ~~قالوا : ولم يكن فيه أحكام ، بل كان كله مواعظ وحكم وتقديس وتحميد وثناء ~~على الله تعالى ms1478 . # ولفظ (زبور) هنا بمعنى مزبور أى مكتوب. فهو على وزن فعول ولكن بمعنى ~~مفعول. وزبر معناه كتب. أى : وآتينا داود كتابا مكتوبا. # ثم أجمل سبحانه بيان الرسل الذين أرسلهم فقال : ( @QUR@010 ورسلا قد ~~قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك ). # وقوله ( @QUR@01 ورسلا ) منصوب بفعل مقدر قبله. أى : وأرسلنا رسلا قد ~~أخبرناك عنهم ، وقصصنا عليك أنباءهم فيما نزل عليك من قرآن قبل نزول هذه ~~الآيات عليك. وأرسلنا رسلا آخرين غيرهم لم نقصص عليك أخبارهم ؛ لأن حكمتنا ~~تقتضي ذلك ، ولأن فيما قصصناه عليك من أخبار بعضهم عظات وعبرا لقوم يؤمنون. # هذا ، وقد تكلم بعض العلماء عن عدد الأنبياء والرسل ، واستندوا في كلامهم ~~على أخبار وأحاديث لم تسلم أسانيدها من الطعن فيها. # قال ابن كثير : وقد اختلف في عدة الأنبياء والمرسلين ، والمشهور في ذلك ~~حديث أبى ذر الطويل ، وذلك فيما رواه ابن مردويه في تفسيره حيث قال : حدثنا ~~إبراهيم بن محمد. عن أبى إدريس الخولاني عن أبى ذر قال : قلت يا رسول الله ~~: كم عدد الأنبياء؟ قال : «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا. قلت يا رسول الله. ~~كم الرسل منهم؟ قال : ثلاثمائة وثلاثة عشر ..» (1). # وقوله : ( @QUR@04 وكلم الله موسى تكليما ) تشريف لموسى عليه السلام بهذه ~~الصفة ولهذا يقال PageV03P392 # له : موسى الكليم. أى. وخاطب الله موسى مخاطبة من غير واسطة. # قال الجمل : والجملة إما معطوفة على قوله : ( @QUR@03 إنا أوحينا إليك ) ~~عطف القصة على القصة ، وإما حال بتقدير قد كما ينبئ عنه تغيير الأسلوب ~~بالالتفات. # وقوله ( @QUR@01 تكليما ) مصدر مؤكد لعامله رافع لاحتمال المجاز. # قال الفراء : العرب تسمى ما وصل إلى الإنسان كلاما بأى طريق وصل. ما لم ~~يؤكد بالمصدر. فإن أكد به لم يكن إلا حقيقة الكلام (1). # فدل قوله ( @QUR@01 تكليما ) على أن موسى قد سمع كلام الله تعالى حقيقة ~~من غير واسطة ، ولكن بكيفية لا يعلمها إلا هو سبحانه . # وقد ساق بعض المفسرين نقولا حسنة في مسألة كلام الله تعالى فارجع إليها ~~إن شئت (2). # وقوله : ( @QUR@011 رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة ~~بعد الرسل ). # بيان ms1479 لوظيفة الرسل عليهم الصلاة والسلام وللحكمة من إرسالهم. وقوله : ( ~~@QUR@01 رسلا ) منصوب على المدح ، أو بفعل مقدر قبله ، أى : وأرسلنا رسلا. ~~والمراد بالحجة هنا : المعذرة التي يعتذر بها الكافرون والعصاة. # أى : وكما أوحينا إليك يا محمد بما أوحينا من قرآن وهدايات. وأرسلناك ~~للناس رسولا ، فقد أرسلنا من قبلك رسلا كثيرين مبشرين من آمن وعمل صالحا ~~يرضا الله عنه في الدنيا والآخرة ، ومنذرين من كفر وعصى بسوء العقبى ، وقد ~~أرسل سبحانه الرسل مبشرين ومنذرين لكي لا يكون للناس على الله حجة يوم ~~القيامة ، أى لكي لا تكون لهم معذرة يعتذرون بها كأن يقولوا. يا ربنا هلا ~~أرسلت إلينا رسولا فيبين لنا شرائعك ، ويعلمنا أحكامك وأوامرك ونواهيك ، ~~فقد أرسلنا إليهم الرسل مبشرين ومنذرين لكي لا تكون لهم حجة يحتجون بها ، ~~كما قال تعالى ( @QUR@020 ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لو ~~لا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى ) (3). # قال الآلوسى : فالآية ظاهرة في أنه لا بد من الشرع وإرسال الرسل. وأن ~~العقل لا يغنى عن ذلك. وزعم المعتزلة أن العقل كاف وأن مسألة الرسل إنما هو ~~للتنبيه عن سنة الغفلة التي تعترى الإنسان من دون اختيار. فمعنى الآية ~~عندهم : لئلا يبقى للناس على الله حجة. PageV03P393 # وتسمية ما يقال عند ترك الإرسال حجة مع استحالة أن يكون لأحد عليه سبحانه ~~حجة مجاز. بتنزيل المعذرة في القبول عنده تعالى بمقتضى كرمه ولطفه منزلة ~~الحجة القاطعة التي لا مرد لها (1)». # وقوله : ( @QUR@01 حجة ) اسم يكون. وخبره قوله «للناس» وقوله : على الله ~~حال من حجة. وقوله : ( @QUR@02 بعد الرسل ) أى : بعد إرسال الرسل وتبليغ ~~الشريعة على ألسنتهم وهو متعلق بالنفي أى : لتنتفى حجتهم واعتذارهم بعد ~~إرسال الرسل. # قال ابن كثير : وقد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «لا أحد أغير من الله ، ومن أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن. ولا أحد أحب إليه المدح من الله ، ومن أجل ذلك مدح نفسه ، ~~ولا أحد ms1480 أحب إليه العذر من الله ، ومن أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين ~~وفي لفظ آخر : «ومن أجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه» (2). # وقوله : ( @QUR@04 وكان الله عزيزا حكيما ) تذييل قصد به بيان قدرته التي ~~لا تغالب وحكمته التي لا يحيط أحد بكنهها. أى : وكان الله تعالى وما زال هو ~~القادر الغالب على كل شيء ، الحكيم في جميع أفعاله وتصرفاته ، وسيجازى ~~الذين أساؤا بما عملوا ، وسيجازى الذين أحسنوا بالحسنى. # هذا وللمرحوم الأستاذ الإمام محمد عبده كلام نفيس في كتابه (رسالة ~~التوحيد) عن : حاجة البشر إلى إرسال الرسل ، وعن وظيفتهم عليهم الصلاة ~~والسلام ومما قاله في ذلك : الرسل يرشدون العقل إلى معرفة الله وما يجب أن ~~يعرف من صفاته. ويبينون الحد الذي يجب أن يقف عنده في طلب ذلك العرفان. على ~~وجه لا يشق عليه الاطمئنان إليه ، ولا يرفع ثقته بما آتاه الله من القوة. # الرسل يبينون للناس ما اختلفت عليه عقولهم وشهواتهم. وتنازعته مصالحهم ~~ولذاتهم. فيفصلون في تلك المخاصمات بأمر الله الصادع. ويؤيدون بما يبلغون ~~عنه ما تقوم به المصالح العامة. ولا يفوت به المصالح الخاصة. # الرسل يضعون لهم بأمر الله حدودا عامة. يسهل عليهم أن يردوا إليها ~~أعمالهم. كاحترام الدماء البشرية إلا بحق. مع بيان الحق الذي تهدر له ، ~~وحظر تناول شيء مما كسبه الغير إلا بحق. مع بيان الحق الذي يبيح تناوله. ~~واحترام الأعراض. مع بيان ما يباح وما يحرم من الأبضاع. PageV03P394 # يحملونهم على تحويل أهوائهم عن اللذائذ الفانية إلى طلب الرغائب السامية ~~آخذين في ذلك كله بطرف من الترغيب والترهيب والإنذار والتبشير حسبما أمرهم ~~الله جل شأنه . # يفصلون في جميع ذلك للناس ما يؤهلهم لرضا الله عنهم وما يعرضهم لسخطه ~~عليهم. ثم يحيطون بيانهم بنبإ الدار الآخرة ، وما أعد الله فيها من الثواب ~~وحسن العقبى ، لمن وقف عند حدوده. وأخذ بأوامره. # وبهذا تطمئن النفوس ، وتثلج الصدور ، ويعتصم المرزوء بالصبر ، انتظارا ~~لجزيل الأجر. أو إرضاء لمن بيده الأمر. وبهذا ينحل أعظم مشكل في الاجتماع ~~الإنسانى ، لا يزال العقلاء يجهدون أنفسهم ms1481 في حله إلى اليوم (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@013 لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه ~~والملائكة يشهدون ، وكفى بالله شهيدا ) استدراك قصد به الرد على جحود أهل ~~الكتاب للحق الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فقد أخرج ابن جرير عن ابن ~~عباس قال : دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من اليهود فقال لهم : ~~«إنى والله أعلم أنكم لتعلمون أنى رسول الله. فقالوا : ما نعلم ذلك. فأنزل ~~الله قوله : ( @QUR@03 لكن الله يشهد ). الآية (2). # والمقصود من الآية الكريمة تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عن تكذيب كثير من ~~الناس له ، وإدخال الطمأنينة على قلبه ، فكأنه سبحانه يقول له : # لم يشهد أهل الكتاب بأنك رسول من عند الله وصادق فيما تبلغه عنه ( ~~@QUR@06 لكن الله يشهد بما أنزل إليك ) أى : لكن الله يشهد بأن الذي أنزله ~~إليك من قرآن هو الحق الذي لا ريب فيه. # وقوله : ( @QUR@02 أنزله بعلمه ) أى : أنزله بعلم تام ، وحكمة بالغة ، أو ~~بما علمه من مصالح عباده في إنزاله عليك. # وقوله : ( @QUR@02 والملائكة يشهدون ) أى : والملائكة يشهدون بأنك صادق ~~في رسالتك ، وبأن ما أنزله الله عليك هو الحق الذي لا تحوم حوله شبهة. # وقوله. ( @QUR@03 وكفى بالله شهيدا ) أى : وكفى بشهادة الله شهادة بأنك ~~على الحق وإن لم يشهد غيره لك. فإنه لا عبرة لإنكار المنكرين لنبوتك ، ولا ~~قيمة لجحود الجاحدين لما نزل عليك بعد شهادة الله لك بأنك نبيه ورسوله ، ~~لتخرج الناس بإذنه من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام. # وقد أجاد صاحب الكشاف في توضيح تلك المعاني حيث قال : فإن قلت الاستدراك ~~لا بد له PageV03P395 # من مستدرك فما هو في قوله : ( @QUR@03 لكن الله يشهد ). # قلت : لما سأل أهل الكتاب إنزال كتاب من السماء ، واحتج عليهم بقوله ( ~~@QUR@03 إنا أوحينا إليك ) قال : لكن الله يشهد. بمعنى : أنهم لا يشهدون ~~لكن الله يشهد ... # ومعنى شهادة الله بما أنزل إليه ، إثباته لصحته بإظهار المعجزات ، كما ~~تثبت الدعاوى بالبينات وشهادة الملائكة : شهادة بأنه حق وصدق. # فإن قلت : ما معنى قوله : ( @QUR@02 أنزله بعلمه ) قلت ms1482 : معناه أنزله ~~متلبسا بعلمه الخاص الذي لا يعلمه غيره. وهو تأليفه على نظم وأسلوب يعجز ~~عنه كل بليغ وصاحب بيان ، وموقعه مما قبله موقع الجملة المفسرة ، لأنه بيان ~~للشهادة. وقيل : أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله إليك وأنك مبلغه. ويحتمل ~~: أنه أنزله وهو عالم به رقيب عليه حافظ له من الشياطين برصد من الملائكة ، ~~والملائكة يشهدون بذلك (1). # هذا ، والمتأمل في هذه الآيات الكريمة يراها قد أثبتت صدق النبي ~~صلى الله عليه وسلم في رسالته بالأدلة الساطعة. والحجج الواضحة ؛ وبينت وظيفة ~~الرسل عليهم السلام وحكمة الله في إرسالهم ، وزادت للنبي صلى الله عليه وسلم ~~طمأنينة بأنه على الحق ، لأن الله قد شهد له بذلك ، وكفى بشهادة الله شهادة ~~، مهما خالفها المخالفون ، وأعرض عنها المعرضون. # * * * # ثم بين سبحانه بعد ذلك ما عليه الكافرون من ضلال وخسران ، وما سيصير إليه ~~حالهم يوم القيامة من ذل ومهانة ، ووجه إلى الناس جميعا نداء أمرهم فيه ~~بالإيمان وترك الكفر والعصيان فقال تعالى : # ( @QUR@011 إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا (167) ~~@QUR@012 إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا ~~(168) @QUR@011 إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا ~~(169) @QUR@05 يا أيها الناس قد جاءكم PageV03P396 # @QUR@019 الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم وإن تكفروا فإن لله ما في ~~السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما ) (170) # وقوله : ( @QUR@01 وصدوا ) من الصد بمعنى المنع والانصراف عن الشيء. # قال الراغب : والصد قد يكون انصرافا عن الشيء وامتناعا نحو : «يصدون عنك ~~صدودا» وقد يكون صرفا ومنعا نحو : ( @QUR@07 وزين لهم الشيطان أعمالهم ~~فصدهم عن السبيل ). # والمعنى : إن الذين كفروا بالحق الذي جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم ( ~~@QUR@04 وصدوا عن سبيل الله ) أى : وأعرضوا عن الطريق الذي أمر الله بسلوكه ~~وهو طريق الإسلام ولم يكتفوا بذلك بل منعوا غيرهم أيضا عن سلوكه. # إنهم بفعلهم هذا ( @QUR@04 قد ضلوا ضلالا بعيدا ) أى : قد ضلوا بسبب ~~كفرهم وصدهم أنفسهم والناس عن الحق ضلالا بلغ الغاية في الشدة والشناعة. # ثم أكد ms1483 سبحانه هذا المعنى بقوله : ( @QUR@03 إن الذين كفروا ) بما يجب ~~الإيمان به ( @QUR@01 وظلموا ) أنفسهم بإيرادها موارد التهلكة ، وظلموا ~~غيرهم بأن حببوا إليه الفسوق والعصيان وكرهوا إليه الطاعة والإيمان. # إن هؤلاء الذين جمعوا بين الكفر والظلم ( @QUR@014 لم يكن الله ليغفر لهم ~~ولا ليهديهم طريقا. إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا ). # أى : لم يكن الله ليغفر لهم ، لأنه سبحانه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما ~~دون ذلك لمن يشاء ، ولم يكن سبحانه ليهديهم طريقا من طرق الخير ، لكنه ~~سبحانه يهديهم إلى طريق تؤدى بهم إلى جهنم خالدين فيها أبدا ، بسبب إيثارهم ~~الغي على الرشد ، والضلالة على الهداية ، وبسبب فساد استعدادهم ، وسوء ~~اختيارهم. # والتعبير بالهداية في جانب طريق النار من باب التهكم بهم. # وقوله ( @QUR@02 خالدين فيها ) حال مقدرة من الضمير المنصوب في ( @QUR@01 ~~ليهديهم )، لأن المراد بالهداية هدايتهم في الدنيا إلى طريق جهنم. أى : ما ~~يؤدى بهم إلى الدخول فيها. # وقوله ( @QUR@01 أبدا ) منصوب على الظرفية ، وهو مؤكد للخلود في النار ؛ ~~رافع لاحتمال أن يراد بالخلود المكث الطويل. # أى : خالدين فيها خلودا أبديا بحيث لا يخرجون منها. PageV03P397 # وقوله : ( @QUR@05 وكان ذلك على الله يسيرا ) تذييل قصد به تحقير شأنهم ، ~~وبيان أنه سبحانه لا يعبأ بهم. # والمراد : وكان ذلك أى : انتفاء غفران ذنوبهم ، وانتفاء هدايتهم إلى طريق ~~الخير ، وقذفهم في جهنم وبئس المهاد كان كل ذلك على الله يسيرا. أى : هينا ~~سهلا لأنه سبحانه لا يستعصى على قدرته شيء. # ثم وجه سبحانه نداء إلى الناس جميعا يأمرهم فيه بالإيمان وينهاهم عن ~~الكفر فقال : ( @QUR@012 يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم ~~فآمنوا خيرا لكم ). # أى : يا أيها المكلفون من الناس جميعا ، قد جاءكم الرسول المشهود له ~~بالصدق في رسالته ، بالهدى ودين الحق من ربكم ، فآمنوا به وصدقوه وأطيعوه ، ~~يكن إيمانكم خيرا لكم في الدنيا والآخرة. # فالخطاب في الآية الكريمة للناس أجمعين ، سواء أكان عربيا أم غير عربي ~~أبيض أم أسود ، بعيدا أم قريبا ... لأن رسالته صلى الله عليه وسلم عامة وشاملة ~~للناس جميعا. # والمراد بالرسول محمد ms1484 صلى الله عليه وسلم فأل فيه للعهد : وإيراده بعنوان ~~الرسالة لتأكيد وجوب طاعته. # وقوله : ( @QUR@01 بالحق ) متعلق بمحذوف على أنه حال أيضا من الرسول. أى ~~: جاءكم الرسول ملتبسا بالحق الذي لا يحوم حوله باطل. # وقوله : ( @QUR@02 من ربكم ) متعلق بمحذوف على أنه حال أيضا من الحق. أو ~~متعلق بجاء. أى : جاءكم من عند الله تعالى وليس متقولا. # ويرى بعضهم أن قوله ( @QUR@01 خيرا ) خبر لكان المحذوفة مع اسمها ، أى : ~~فآمنوا به يكن إيمانكم خيرا لكم. # ويرى آخرون أنه صفة لمصدر محذوف. أى : فآمنوا إيمانا خيرا لكم. وهي صفة ~~مؤكدة على حد أمس الدابر لا يعود ، لأن الإيمان لا يكون إلا خيرا. # فأنت ترى أن هذه الجملة الكريمة قد حضت الناس على الإيمان بالرسول ~~صلى الله عليه وسلم لأنه لم يجئهم بشيء باطل وإنما جاءهم بالحق الثابت الموافق ~~لفطرة البشر أجمعين ، ولأنه لم يجئهم بما جاءهم به من عند نفسه وإنما جاءهم ~~بما جاءهم به من عند الله تعالى . ولأنه لم يجئهم بما يفضى بهم إلى الشرور ~~والآثام ، وإنما جاءهم بما يوصلهم إلى السعادة في الدنيا وإلى الفوز برضا ~~الله في الآخرة. # تلك هي عاقبة المؤمنين ، أما عاقبة الكافرين فقد حذر سبحانه منها بقوله : ~~( @QUR@01 وإن PageV03P398 # @QUR@011 تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض ، وكان الله عليما حكيما ~~)، أى : وإن تكفروا أيها الناس فلن يضر الله كفركم ، فإنه سبحانه له ما في ~~السموات والأرض خلقا وملكا وتصرفا ، وكان الله تعالى عليما علما تاما ~~بأحوال خلقه ، حكيما في جميع أفعاله وتدبيراته. # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد توعدت الكافرين بسوء المصير ، وحضت ~~الناس على الدخول في زمرة المؤمنين ، وحذرتهم من الكفر حتى ينجوا يوم ~~القيامة من عذاب السعير. # * * * # ثم وجهت السورة الكريمة بعد ذلك نداء إلى أهل الكتاب حذرتهم فيه من ~~المغالاة في شأن عيسى عليه السلام وبينت لهم وللناس أن عيسى إنما هو عبد ~~الله ورسوله ، وبشرت المؤمنين بالأجر الجزيل ، وأنذرت المستكبرين بالعذاب ~~الأليم. استمع إلى القرآن الكريم وهو يرشد إلى كل ذلك فيقول : # ( @QUR@054 يا ms1485 أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا ~~الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ~~فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد ~~سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا ~~(171) @QUR@018 لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ~~ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا (172) @QUR@012 فأما ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين PageV03P399 # @QUR@014 استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون ~~الله وليا ولا نصيرا (173) @QUR@012 يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم ~~وأنزلنا إليكم نورا مبينا (174) @QUR@015 فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا ~~به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما ) (175) # وقوله : ( @QUR@02 لا تغلوا ) أى : لا تتجاوزوا الحد المشروع. مأخوذ من ~~الغلو ، وهو كما يقول القرطبي التجاوز في الحد ومنه : غلا السعر يغلو غلاء. ~~وغلا الرجل في الأمر غلوا. وغلا الجارية لحمها وعظمها ، إذا أسرعت الشباب ~~فجاوزت لداتها أى : أترابها (1). # وقد تجاوز أهل الكتاب الحد وغالوا في شأن عيسى. أما اليهود فقد أنكروا ~~رسالته واتهموا أمه مريم بما هي منه بريئة. # وأما النصارى فقد رفعوا عيسى عليه السلام إلى مرتبة فوق مرتبة البشرية ، ~~واعتبره بعضهم إلها ، واعتبره بعض آخر منهم ابنا لله ، تعالى الله عما ~~يقولون علوا كبيرا. # والمعنى : يا أهل الكتاب لا تتجاوزوا الحد المشروع والمعقول في شأن دينكم ~~، ولا تقولوا على الله إلا القول الحق الذي شرعه الله تعالى ، وارتضته ~~العقول السليمة. # وقد ناداهم سبحانه بعنوان أهل الكتاب. للتعريض بهم ، حيث إنهم خالفوا ~~كتبهم التي بين أيديهم. # والخطاب هنا وإن كان يشمل أهل الكتاب جميعا من يهود ونصارى ، إلا أن ~~النصارى هم المقصودون هنا قصدا أوليا ، بدليل سياق الآية الكريمة ، فقد ~~ذكرت حججا تبطل ما زعمه النصارى في شأن عيسى ، ولذا قال ابن كثير ما ملخصه ~~: قوله تعالى ( @QUR@05 يا أهل الكتاب لا تغلوا ): ينهى سبحانه ms1486 أهل الكتاب ~~عن الغلو والإطراء. وهذا كثير في النصارى ، فإنهم تجاوزوا الحد في عيسى حتى ~~رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها ، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن ~~اتخذوه إلها من دون الله يعبدونه كما يعبدونه. بل قد غلوا في أتباعه ~~وأشياعه ممن زعم أنه على PageV03P400 # دينه فادعوا فيهم العصمة واتبعوهم في كل ما قالوه سواء أكان حقا أم باطلا ~~، أم ضلالا أم رشادا ، ولهذا قال تعالى ( @QUR@07 اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ~~أربابا من دون الله ). # وفي الصحيح عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لا ~~تطرونى كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا : عبد الله ~~ورسوله» (1). # وقوله : ( @QUR@06 ولا تقولوا على الله إلا الحق ) من باب عطف الخاص على ~~العام ، للاهتمام بالنهى عن الافتراء الشنيع الذي افتروه على الله. # أى : لا تصفوه سبحانه بما يستحيل اتصافه به من الحلول والاتحاد واتخاذ ~~الصاحبة والولد ، ولا تقولوا عليه سبحانه إلا القول الحق الثابت القائم على ~~الدليل المقنع ، والبرهان الواضح. # وعدى سبحانه قولهم بحرف على ، لتضمنه معنى الافتراء والكذب ، فقد قالوا ~~قولا وزعموا أنه من دينهم ، مع أن الأديان السماوية بريئة مما زعموه ~~وافتروه. # ثم بين سبحانه القول الفصل في شأن عيسى فقال. ( @QUR@013 إنما المسيح ~~عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ). # أى : إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله. أرسله سبحانه لهداية الناس ~~إلى الحق ، ( @QUR@04 وكلمته ألقاها إلى مريم ) أى : أن عيسى مكون ومخلوق ~~بكلمة من الله وهي كلمة (كن) من غير واسطة أب ولا نطفة. وهذه الكلمة ألقاها ~~سبحانه إلى مريم ، أى : أوصلها إليها بنفخ جبريل فيها فكان عيسى بإذن الله ~~بشرا سويا. # وقوله : ( @QUR@02 وروح منه ) أى : ونفخة منه ، لأن عيسى حدث بسبب نفخة ~~جبريل في درع مريم فكان عيسى بإذن الله. فنسب إلى أنه روح من الله ، لأنه ~~بأمره كان. وسمى النفخ روحا لأنه ريح تخرج من الروح. قال تعالى : ( ~~@QUR@011 والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية ms1487 ~~للعالمين ) (2). # وقيل المراد بقوله : ( @QUR@02 وروح منه ) أى : وذو روح من أمر الله ، ~~لأنه سبحانه خلقه كما يخلق سائر الأرواح. # وقيل : الروح هنا بمعنى الرحمة. كما في قوله تعالى ( @QUR@03 وأيدهم بروح ~~منه ) أى : برحمة منه. وصدر سبحانه الجملة الكريمة بأداة القصر (إنما) ~~للتنبيه على أن عيسى عليه السلام ليس إلا رسولا أرسله الله لهداية الناس إلى الحق. PageV03P401 # وذكره سبحانه بلقبه وباسمه وببنوته لمريم ، للإشارة إلى أنه إنسان كسائر ~~الناس ، وبشر كسائر البشر ، فهو مولود خرج من رحم أنثى كما يخرج الأولاد من ~~أمهاتهم. وإذا كان لم يخرج من صلب أب ، فيكفى أنه قد خرج من رحم أم ، وكفى ~~بذلك دليلا على بشريته. # قال بعض العلماء ما ملخصه : وقوله : ( @QUR@04 وكلمته ألقاها إلى مريم ) ~~أى : خلقه بكلمة منه وهي (كن) كما خلق آدم. وكان عيسى بهذا كلمة الله لأنه ~~خلقه بها ، فقد خلق من غير بذر يبذر في رحم أمه ، فما كان تكوينه نماء لبذر ~~وجد ، وللأسباب التي تجرى بين الناس ، بل كان السبب هو إرادة الله وحده ~~وكلمته (كن) وبذلك سمى كلمة الله. # وتعلق النصارى بأن كون عيسى كلمة الله دليل على ألوهيته تعلق باطل فما ~~كانت الكلمة من الله إلها يعبد. وإنما سمى بذلك ، لأنه نشأ بكلمة لا بمنى ~~من الرجل يمنى .... وقوله : ( @QUR@02 وروح منه ) أى أنه سبحانه أنشأه بروح ~~مرسل منه وهو جبريل الأمين. وقد يقال : إنه نشأ بروح منه سبحانه أى : أنه ~~أفاض بروحه في جسمه كما أفاض بها على كل إنسان كما قال تعالى : ( @QUR@032 ~~الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين. ثم جعل نسله من سلالة من ~~ماء مهين. ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~قليلا ما تشكرون ) (1). # والرأى الأول أولى. وعلى ذلك يكون معنى قوله : ( @QUR@02 وروح منه ) أى : ~~أنه نشأ بنفخ الله الروح فيه من غير توسيط سلالة بشرية ، ونطفة تتشكل ~~إنسانا ، وذلك بالملك الذي أرسله وهو جبريل ... # وسمى الله تعالى عيسى روحا باعتباره نشأ من الروح مباشرة ، ولأنه ms1488 غلبت ~~عليه الروحانية .. # وبهذا يزول الوهم الذي سيطر على عقول من غالوا في شأن عيسى فنحلوه ما ليس ~~له ، وما ليس من شأنه ، إذ جعلوه إلها ، أو ابن إله ... (2). # وقوله ( @QUR@01 المسيح ) مبتدأ ، و ( @QUR@01 عيسى ) عطف بيان له أو بدل ~~منه. وقوله ( @QUR@02 ابن مريم ) صفة له وقوله ( @QUR@02 رسول الله ) خبر ~~للمبتدأ. وقوله ( @QUR@01 وكلمته ) معطوف على ما قبله وهو رسول الله. أو ~~قوله ( @QUR@03 ألقاها إلى مريم ) جملة حالية من الضمير المجرور في ( ~~@QUR@01 كلمته ) بتقدير قد ، والعامل فيها معنى الإضافة. والتقدير : وكلمته ~~ملقيا إياها إلى مريم. PageV03P402 # وقوله ( @QUR@02 وروح منه ) معطوف على ( @QUR@01 كلمته ) والجار والمجرور ~~متعلق بمحذوف صفة لروح. ومن لابتداء الغاية مجازا وليست تبعيضية ، أى أن ~~الروح كائن من عند الله تعالى ونافخ بإذنه. # وبعد أن بين سبحانه القول الحق في شأن عيسى ، دعا أهل الكتاب إلى الإيمان ~~به وبجميع رسله. ونهاهم عن التمسك بالضلال والوهم فقال تعالى ( @QUR@028 ~~فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة. انتهوا خيرا لكم : إنما الله إله ~~واحد ، سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله ~~وكيلا ). # والفاء في قوله : ( @QUR@01 فآمنوا ) للافصاح عن جواب شرط مقدر. # أى : إذا كان ذلك هو الحق في شأن عيسى ، فآمنوا بالله إيمانا حقا بأن ~~تفردوه بالألوهية والعبادة ، وآمنوا برسله جميعا بدون تفريق بينهم ، ولا ~~تغالوا في أحد منهم بأن تخرجوه عن طبيعته وعن وظيفته .. # وقوله : ( @QUR@03 ولا تقولوا ثلاثة ) نهى لهم عن النطق بالكلام بالباطل. # أى : ولا تقولوا الآلهة ثلاثة ، أو المعبودات ثلاثة. فثلاثة خبر لمبتدأ ~~محذوف وعبر سبحانه بقوله : ( @QUR@03 ولا تقولوا ثلاثة ) بدل قوله مثلا : ~~ولا تؤمنن بثلاثة ؛ لأن أمر الثلاثة قول يقولونه ، فإن سألتهم عن معناه ~~قالوا تارة معناه : الأب والإبن والروح القدس ، أى أنهم ثلاثة متفرقون. ~~وتارة يقولون معناه : أن الأقانيم (1) ثلاثة والذات واحدة .. إلى غير ذلك ~~من الأقوال التي ما أنزل الله بها من سلطان. # قال صاحب الكشاف : والذي يدل عليه القرآن التصريح منهم بأن الله والمسيح ~~ومريم ثلاثة آلهة. وأن المسيح ولد الله من ms1489 مريم. ألا ترى إلى قوله تعالى : ~~( @QUR@014 أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله وقالت النصارى ~~المسيح ابن الله ). # والمشهور المستفيض عنهم أنهم يقولون : في المسيح لاهوتية وناسوتية من جهة ~~الأب والأم ...) (2). # هذا ، وقد أفاض بعض العلماء في الرد على مزاعم أهل الكتاب في عقائدهم (3).. # وقوله : ( @QUR@03 انتهوا خيرا لكم ) أمر لهم بسلوك الطريق الحق ، ~~والإقلاع عن الضلالات والأوهام. PageV03P403 # أى : انتهوا عما أنتم فيه من ضلال يا معشر أهل الكتاب ، واتركوا القول ~~بالتثليث ، يكن انتهاؤكم خيرا لكم ، بعبادتكم لله وحده تكونون قد خرجتم من ~~ظلمات الشرك إلى نور الوحدانية. # وقوله : ( @QUR@04 إنما الله إله واحد ) إثبات لوحدانية الله تعالى بأقوى ~~طريق. أى : إن المعبود بحق ليس إلا واحد ، وهو الله تعالى ذو الجلال ~~والإكرام ، الخالق لهذا الكون ، والمدبر لأمره. # وقوله : ( @QUR@05 سبحانه أن يكون له ولد ) تنزيه له جل وعلا عن صفات ~~المخلوقين ، وتوبيخ لمن وصفه بصفات لا تليق به. # وسبحان منصوب بفعل مقدر من لفظه : أى : أسبحه تسبيحا وأنزهه تنزيها عن أن ~~يكون له ولد ، لأن الأبوة والبنوة من صفات المخلوقين ، وهو سبحانه منزه عن ~~صفات المخلوقين ، قال تعالى : ( @QUR@06 ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ). # وقوله ( @QUR@07 له ما في السماوات وما في الأرض ) جملة مستأنفة مسوقة ~~لتعليل التنزيه أى أنه سبحانه مالك لجميع الموجودات علويها وسفليها ، ولا ~~يخرج عن ملكه منها شيء. # قال تعالى ( @QUR@010 إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا ) ~~ومن كان شأنه كذلك تنزه عن أن يلد أو يولد أو يكون له شريك في ملكه. # وقوله : ( @QUR@03 وكفى بالله وكيلا ) تذييل قصد به بيان سعة قدرته ~~سبحانه وهيمنته على هذا الكون. والوكيل : هو الحافظ والمدبر لأمر غيره. # أى : وكفى بالله وكيلا يكل إليه الخلق كلهم أمورهم ، فهو الغنى عنهم وهم ~~الفقراء إليه. # ومفعول كفى محذوف للعموم. أى : كفى كل أحد وكالة الله وحفظه وتدبيره ، ~~فتوكلوا عليه وحده ، ولا تتوكلوا على من تزعمونه ابنا له. # ثم بين سبحانه أن المسيح عيسى عليه السلام عبد من عباد الله تعالى ms1490 ، وأنه ~~لن يستنكف أبدا عن عبادة الله والإذعان لأمره فقال : ( @QUR@010 لن يستنكف ~~المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ). # وأصل ( @QUR@01 يستنكف ) يقول القرطبي : نكف ، فالياء والسين والتاء ~~زوائد. يقال : نكفت من الشيء واستنكفت منه وأنكفته أى : نزهته عما يستنكف ~~منه. ومنه الحديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبحان الله فقال : ~~«إنكاف الله من كل سوء». # يعنى : تنزيهه وتقديسه عن الأنداد والأولاد. PageV03P404 # قال الزجاج : استنكف أى : أنف مأخوذ من نكفت الدمع إذا نحيته بإصبعك عن ~~خدك. ومنه الحديث «ما ينكف العرق عن جبينه» أى : ما ينقطع. # وقيل : هو من النكف وهو العيب. يقال : ما عليه في هذا الأمر من نكف ولا ~~وكف. أى عيب. أى لن يمتنع المسيح ولن يتنزه عن العبودية لله تعالى ولن ~~ينقطع عنها. ولن يعاب أن يكون عبدا لله تعالى (1). # والجملة الكريمة مستأنفة لتقرير ما سبقها من تنزيه لله تعالى عن أن يكون ~~له ولد ، وإثبات لوحدانيته عز وجل وإفراده بالعبادة. # وقد روى المفسرون في سبب نزولها أن وفد نجران قالوا لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : لم تعيب صاحبنا يا محمد؟ قال : «ومن صاحبكم؟ قالوا : ~~عيسى ، قال صلى الله عليه وسلم : وأى شيء قلت؟ قالوا تقول : إنه عبد الله ~~ورسوله. قال صلى الله عليه وسلم : إنه ليس بعار أن يكون عبدا لله» (2). # والمعنى : لن يأنف المسيح ولن يمتنع عن أن يكون عبدا لله ، وكذلك ~~الملائكة المقربون لن يأنفوا ولن يمتنعوا عن ذلك ، فإن خضوع المخلوقات ~~لخالقها شرف ليس بعده شرف. والله تعالى ما خلق الخلق إلا لعبادته وطاعته. # قال تعالى ( @QUR@015 وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. ما أريد منهم من ~~رزق وما أريد أن يطعمون ). # وصدر سبحانه الجملة بحرف (لن) المفيدة للنفي المؤكد ، لبيان أن عدم ~~استنكاف المسيح والملائكة المقربين عن عبادة الله والخضوع له أمر مستمر ~~وثابت ثبوتا لا شك فيه ، لأنه سبحانه هو الذي خلق الخلق ورزقهم. ومن حقه ~~عليهم أن يعبدوه ، ويذعنوا لأمره ، بل ويشعروا باللذة والأنس والشرف ~~لعبادتهم ms1491 له سبحانه كما قال الشاعر الحكيم : # ومما زادني عجبا وتيها %~% وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي %~% وجعلك خير خلقك لي نبيا # هذا ، وقد فهم بعض العلماء من هذه الآية أن الملائكة أفضل من الأنبياء ، ~~وممن فهم هذا الفهم الإمام الزمخشري فقد قال : # وقوله : ( @QUR@03 لن يستنكف المسيح ) أى : لن يأنف ولن يذهب بنفسه عزة ، ~~(من نكفت الدمع إذا نحيته عن خدك بإصبعك) ( @QUR@03 ولا الملائكة المقربون ~~) أى : ولا من هو أعلى منه قدرا، PageV03P405 # وأعظم منه خطرا وهم الملائكة الذين حول العرش كجبريل وميكائيل وإسرافيل ~~ومن في طبقتهم. # ثم قال : فإن قلت : من أين دل قوله ( @QUR@03 ولا الملائكة المقربون ) ~~على أن المعنى : ولا من فوقه؟ قلت : من حيث إن علم المعاني لا يقتضى غير ~~ذلك. وذلك أن الكلام إنما سيق لرد مذهب النصارى وغلوهم في رفع عيسى عن ~~منزلة العبودية. فوجب أن يقال لهم : لن يترفع عيسى عن العبودية ولا من هو ~~أعلى منه درجة. فكأنه قيل : لن يستنكف الملائكة المقربون من العبودية فكيف ~~بالمسيح؟ ويدل عليه دلالة ظاهرة بينة ، تخصيص المقربين لكونهم أرفع ~~الملائكة درجة وأعلاهم منزلة (1). # وهذا الفهم الذي اتجه إليه الزمخشري من أن الملائكة أفضل من الأنبياء ، ~~لم يوافقه عليه أكثر العلماء ، فقد قال الإمام ابن كثير : # وقد استدل بعض من ذهب إلى تفضيل الملائكة على البشر بهذه الآية حيث قال : ~~( @QUR@03 ولا الملائكة المقربون ). وليس له في ذلك دلالة ، لأنه إنما عطف ~~الملائكة على المسيح ، لأن الاستنكاف هو الامتناع. والملائكة أقدر على ذلك ~~من المسيح ، فلهذا قال ( @QUR@03 ولا الملائكة المقربون ) ولا يلزم من ~~كونهم أقوى وأقدر على الامتناع أن يكونوا أفضل. وقيل إنما ذكروا لأن بعض ~~الناس اتخذهم آلهة مع الله كما اتخذ الضالون المسيح إلها أو ابنا لله. ~~فأخبر سبحانه أنهم عبيد من عباده ، وخلق من خلقه (2). # وقد حاول بعض العلماء أن يجعل الآية الكريمة بعيدة عن موطن النزاع فقال : ~~وعندي أن الترقي قائم ، ولكن في المعنى الذي سيق له الكلام. وذلك أن ~~النصارى غلوا غلوا ms1492 كبيرا في المسيح ، لأنه ولد من غير أب ، ولأنه جرت على ~~يديه معجزات كثيرة ، ولأنه روحانى المعاني ، فيبين الله تعالى أنه مع كل ~~هذا لن يستنكف أن يكون عبد الله ، ولا يستنكف من هو أعلى منه في هذه ~~المعاني أن يكون عبدا لله ، وهم الملائكة الذين خلقوا من غير أب ولا أم. ~~وأجرى على أيديهم ما هو أشد وأعظم من معجزات ، ومنهم من كان الروح الذي نفخ ~~في مريم ، وهم أرواح طاهرة مطهرة. فكان الترقي في هذه المعاني ، وهم فيها ~~يفضلون عيسى وغيره. وبذلك تكون الآية بعيدة عن الأفضلية المطلقة ، فلا تدل ~~على أفضلية الملائكة على الرسل في المنزلة عند الله. وتكون الآية بعيدة عن ~~موطن الخلاف ، والترقي دائما يكون في المعاني التي سيق لها الكلام دون ~~غيرها. وليس المتأخر أعلى في ذاته من المتقدم وأفضل ، ولكنه أعلى في الفعل ~~الذي كان فيه كقول القائل : لا تضرب حرا ولا عبدا. فالتدرج هنا في النهى عن ~~الضرب ، لأنه إذا كان PageV03P406 # ضرب العبد غير جائز فأولى أن يكون ضرب الحر غير جائز. # وذكر وصف المقربين ، لأنهم إذا كانوا لا يستنكفون فأولى بذلك غيرهم (1). # ثم هدد سبحانه كل من يمتنع عن عبادته والخضوع له فقال : ( @QUR@08 ومن ~~يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا ). # أى : ومن يأنف من عبادة الله ويمتنع عنها ، ويأبى الخضوع لطاعة الله ~~ويستكبر عن كل ذلك ، فسيجد يوم القيامة ما يستحقه من عقاب بسبب استنكافه ~~واستكباره ، فإن مرد العباد جميعا إليه سبحانه وسيجازى المحسن بإحسانه ، ~~والمسيء بإساءته. # فالضمير في قوله ( @QUR@01 فسيحشرهم ) يعود إلى المستنكفين والمستكبرين ~~وإلى غيرهم من المؤمنين المطيعين بدليل أن الحشر عام للمؤمنين والكافرين ، ~~وبدليل التفصيل المفرع على هذا الحشر في قوله تعالى بعد ذلك : # ( @QUR@010 فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من ~~فضله ) أى : أن مرجع العباد جميعا إلى الله من استكبر عن عبادته وامتنع ومن ~~لم يفعل ذلك بل آمن وأطاع. فأما الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات ، ولم ~~يستنكفوا ولم يستكبروا ، فسيعطيهم سبحانه ثواب أعمالهم ms1493 كاملة غير منقوصة ، ~~ويزيدهم على ذلك شيئا عظيما من الرضا والفضل ومضاعفة الأجر. ( @QUR@04 وأما ~~الذين استنكفوا واستكبروا ) عن عبادة الله وطاعته ( @QUR@03 فيعذبهم عذابا ~~أليما ) لا يحيط به الوصف ( @QUR@07 ولا يجدون لهم من دون الله وليا ) أى ~~أحدا يدافع عنهم ويلي أمورهم ، ولا يجدون كذلك «نصيرا» ينصرهم وينجيهم من ~~عذاب الله وبأسه. # وبعد هذا الوعد والوعيد والتبشير والإنذار ، والترغيب والترهيب ، وجه ~~سبحانه نداء عاما إلى الناس أمرهم فيه باتباع طريق الحق فقال تعالى ( ~~@QUR@012 يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا ). # والمراد بالبرهان هنا الدلائل والمعجزات الدالة على صدق النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه. ويصح أن يكون المراد به النبي ~~صلى الله عليه وسلم وسماه سبحانه بذلك بسبب ما أعطاه من البراهين القاطعة التي ~~شهدت بصدقه صلى الله عليه وسلم ، والمراد بالنور المبين : القرآن الكريم. # قال الفخر الرازي : اعلم أنه تعالى لما أورد الحجة على جميع الفرق من ~~المنافقين والكفار واليهود والنصارى ، وأجاب عن جميع شبهاتهم عمم الخطاب. ~~ودعا جميع الناس إلى الاعتراف برسالة محمد صلى الله عليه وسلم فقال : ( ~~@QUR@08 يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم ). PageV03P407 # والبرهان : هو محمد صلى الله عليه وسلم وإنما سماه برهانا ، لأن حرفته إقامة ~~البرهان على تحقيق الحق وإبطال الباطل. والنور المبين هو القرآن الكريم. ~~وسماه نورا ، لأنه سبب لوقوع نور الإيمان في القلب (1)... # و ( @QUR@01 من ) في قوله : ( @QUR@02 من ربكم ) لابتداء الغاية مجازا ، ~~والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لبرهان. أى : قد جاءكم برهان كائن من ربكم. # وفي وصف البرهان بأنه من الله تعالى ، تقوية وتشريف لمعنى البرهان ، لأنه ~~ما دام قد جاء من عند من له الخلق والأمر سبحانه فلا بد أن يكون برهانا ~~صادقا مقنعا لمن يريد أن يتبع الحق. # وقال سبحانه ( @QUR@02 وأنزلنا إليكم ) بإسناد الإنزال إلى ذاته تعالى ، ~~للإشارة إلى أنه هو مصدر الإنزال. # وقال ( @QUR@01 إليكم ) مع أن المنزل عليه هو النبي صلى الله عليه وسلم ~~للإشعار بكمال اللطف بهم ، وللمبالغة في إزالة أعذارهم. ms1494 # ووصف الشرائع والمواعظ والآداب والحكم التي اشتمل عليها القرآن الكريم ~~بالنور المبين أى الواضح الظاهر ، لأن هذه الشرائع والآداب. لا يخفى صدقها ~~واشتمالها على الحق إلا على من انطمست بصيرته ، وفسدت مداركه. # ثم بين سبحانه حسن عاقبة المستجيبين للحق ، السالكين الطريق المستقيم ، ~~فقال : ( @QUR@015 فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة ~~منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما ). # أى : أن الله تعالى قد أرسل إلى الناس رسوله وأنزل عليهم بواسطته قرآنه ، ~~فمنهم من آمن واهتدى ، ومنهم من كفر وغوى ، فأما الذين آمنوا بالله تعالى ~~حق الإيمان ، واعتصموا به سبحانه مما يضرهم ويؤذيهم ، فلم يستجيروا إلا به ~~، ولم يخضعوا إلا له ، ولم يعتمدوا إلا عليه. # هؤلاء الذين فعلوا ذلك سيدخلهم الله تعالى في رحمة منه وفضل أى سيدخلهم ~~في جنته ورضوانه ، ويضفى عليهم من فضله وإحسانه بما يشرح صدورهم ، ويبهج ~~نفوسهم ، ويصلح بالهم. # وقوله ( @QUR@04 ويهديهم إليه صراطا مستقيما ) أى : ويوفقهم في دنياهم ~~إلى سلوك الطريق الحق وهو PageV03P408 # طريق الإسلام ، الذي يفضى بهم في آخرتهم إلى السعادة والأمان والفوز برضا ~~الله عز وجل . # وقد ذكرت الآية ثواب الذين آمنوا بالله واعتصموا به ، ولم تذكر عقاب ~~الذين كفروا إهمالا لهم ، لأنهم في حيز الطرد والطرح ، أو لأن عاقبتهم ~~السيئة معروفة لكل عاقل بسبب كفرهم وسوقهم عن أمر الله. # والسين في قوله ( @QUR@05 فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ) للتأكيد. أى ~~فسيدخلهم في رحمة كائنة منه وفي فضل عظيم من عنده إدخالا لا شك في حصوله ~~ووقوعه. # وقوله ( @QUR@01 صراطا ) مفعول ثان ليهدى لتضمنه معنى يعرفهم. # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد نهت أهل الكتاب عن المغالاة في شأن ~~عيسى عليه السلام ، وعرفتهم حقيقته ، ودعتهم إلى الإيمان بوحدانية الله ، ~~وبينت لهم ولغيرهم أن عيسى وغيره من الملائكة المقربين لن يستنكفوا عن ~~عبادة الله ، وان من امتنع عن عبادة الله فسيحاسبه سبحانه حسابا عسيرا ، ~~ويجازيه بما يستحقه من عقاب. أما من آمن بالله تعالى واتبع الحق الذي أنزله ~~على رسله ، فسينال منه سبحانه الرحمة الواسعة ، والفضل العظيم ms1495 ، والسعادة ~~التي ليست بعدها سعادة. # * * * # هذا ، وكما اشتملت سورة النساء في مطلعها على الحديث عن أحكام الأسرة ~~وأحكام الزواج والمواريث. فقد اختتمت بهذه الآية المتعلقة ببعض أحكام ~~المواريث وهي قوله تعالى : # ( @QUR@050 يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد ~~وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين ~~فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين ~~يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم ) (176) PageV03P409 # أورد المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه الشيخان ~~وغيرهما عن جابر بن عبد الله قال : دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ~~مريض لا أعقل. فتوضأ فصب على أو قال : صبوا عليه. فعقلت فقلت : إنه لا ~~يرثني إلا كلالة. فكيف الميراث. فأنزل الله آية الفرائض. وفي بعض الألفاظ ~~فأنزل الله آية الميراث ( @QUR@06 يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ) ~~الآية. وفي رواية قال جابر : نزلت في : ( @QUR@06 يستفتونك قل الله يفتيكم ~~في الكلالة ) (1). # ويبدو أن عددا من الصحابة قد سألوا النبي صلى الله عليه وسلم في شأن ميراث ~~الكلالة في أزمنة متفرقة فنزلت هذه الآية للإجابة عن أسئلتهم المتعلقة بها. ~~وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية بآية الصيف ، لأنها نزلت في هذا الوقت. # قال القرطبي : قال عمر : إنى والله لا أدع شيئا أهم إلى من أمر الكلالة. ~~وقد سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي ~~فيها ، حتى طعن بإصبعه في جنبي أو في صدري ثم قال : «يا عمر ، ألا تكفيك ~~آية الصيف التي أنزلت في آخر سورة النساء» (2). # وقوله : ( @QUR@01 يستفتونك ) من الاستفتاء بمعنى طلب الفتيا أو الفتوى. ~~يقال : استفتيت العالم في مسألة كذا. أى : سألته أن يبين حكمها. فالإفتاء ~~معناه : إظهار المشكل من الأحكام وتبينه. # والكلالة .. كما يقول الراغب : اسم لما عدا الولد والوالد من الورثة وروى ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل ms1496 عن الكلالة فقال : «من مات وليس له ولد ولا ~~والد» ، فجعله اسما للميت. وقال ابن عباس : هو اسم لمن عدا الولد» (3). # وقال ابن كثير ما ملخصه : وكان رضى الله عنه يقول : الكلالة من لا ولد ~~له. وكان أبو بكر رضى الله عنه يقول : الكلالة ما عدا الولد والوالد. # ثم قال : وعن عمر أنه قال : إنى لأستحى أن أخالف أبا بكر. وهذا الذي قاله ~~الصديق ، هو الذي عليه جمهور الصحابة والتابعين والأئمة في قديم الزمان ~~وحديثه. وهو مذهب الأئمة الأربعة ، والفقهاء السبعة ، وقول علماء الأمصار ~~قاطبة ، وهو الذي يدل عليه القرآن (4). # وقد ذكرت كلمة الكلالة مرتين في هذه السورة. # أما المرة الأولى ففي قوله تعالى في آيات المواريث : ( @QUR@06 وإن كان ~~رجل يورث كلالة أو PageV03P410 # @QUR@018 امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس ، فإن كانوا أكثر من ~~ذلك فهم شركاء في الثلث ). # وقد بينا عند تفسيرنا لهذه الجملة الكريمة أن المراد بالإخوة والأخوات ~~فيها : الإخوة لأم والأخوات لأم. # أما هنا فالأمر يختلف إذ المراد بالإخوة والأخوات في الآية التي معنا : ~~الإخوة والأخوات الأشقاء أو من الأب فقط. # والمعنى : يسألك أصحابك يا محمد في كيفية ميراث الكلالة ، قل الله يفتيكم ~~في ذلك ، فاسمعوا حكمه وأطيعوه ولا تخالفوه. # وقوله ( @QUR@02 في الكلالة ) متعلق بقوله ( @QUR@01 يفتيكم ). # وقد تولى سبحانه الإجابة مع أن المسئول هو النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~للتنويه بشأن الحكم المسئول عنه ، ولتأكيد أن المواريث من الأمور التي تكفل ~~الله ببيانها وتوزيعها وحده ، فلا يصح لأحد أن يخالف ما شرعه الحكيم الخبير ~~في شأنها فهو سبحانه أعلم بمصالح عباده ، وأرحم بهم من آبائهم ومن أبنائهم ~~، ومن كل مخلوق. # وقوله : ( @QUR@019 إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك ، ~~وهو يرثها إن لم يكن لها ولد ) كلام مستأنف مبين للاجابة عما سألوا عنه في ~~شأن ميراث الكلالة. # والمختار الذي عليه المحققون من العلماء أن الولد هنا عام يتناول الذكر ~~والأنثى ، لأن الكلام في الكلالة وهو من ليس له ولد أصلا لا ms1497 ذكر ولا أنثى ~~وليس له والد أيضا إلا أنه اقتصر على ذكر الولد ثقة بظهور الأمر. ولأن ~~الولد مشترك معنوي وقع نكرة في سياق النفي فيعم الابن والبنت. # وقيل : المراد بالولد هنا الذكر خاصة لأنه المتبادر من معنى اللفظ. # والمراد بالأخت هنا كما سبق أن أشرنا الأخت الشقيقة أو الأخت لأب. # والمعنى : يسألك أصحابك يا محمد عن توريث الكلالة فقل لهم : الله يفتيكم ~~في ذلك ، إذا مات إنسان ولم يترك أولادا لا من الذكور ولا من الإناث. ولم ~~يترك كذلك والدا ، وترك أختا شقيقة أو من أبيه ، فلأخته في تلك الحالة نصف ~~ما تركه هذا الميت بالفرض ، والباقي للعصبة ، أولها بالرد إن لم يترك عصبة. # وإذا ماتت الأخت قبل أخيها ولم يكن لها ولد ذكرا كان أو أنثى ، ولم يكن ~~لها كذلك والد ، فإن الأخ في تلك الحالة يحرز جميع مالها. PageV03P411 # وقوله : ( @QUR@01 امرؤ ) مرفوع بفعل محذوف يفسره ما بعده أى : إن هلك ~~امرؤ وقوله : ( @QUR@03 ليس له ولد ) في محل رفع على أنه صفة لقوله ( ~~@QUR@01 امرؤ ) أى : هلك امرؤ غير ذي ولد ولا والد. # والفاء في قوله ( @QUR@04 فلها نصف ما ترك ) واقعة في جواب الشرط. # وقوله ( @QUR@07 وهو يرثها إن لم يكن لها ولد ) جملة مستأنفة. سدت مسد ~~جواب الشرط في قوله : ( @QUR@05 إن لم يكن لها ولد ). # قال الآلوسي : والآية كما أنها لم تدل على سقوط الإخوة بغير الولد ، ~~فإنها لم تدل على عدم سقوطهم به. وقد دلت السنة على أنهم لا يرثون مع الأب. ~~إذ صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي ~~فلأولى عصبة ذكر» ولا ريب في أن الأب أولى من الأخ. وليس ما ذكر بأول حكمين ~~بين أحدهما بالكتاب والآخر بالسنة (1). # ثم بين سبحانه صورتين أخريين من صور الكلالة فقال : ( @QUR@016 فإن كانتا ~~اثنتين فلهما الثلثان مما ترك. وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ ~~الأنثيين ) أى : فإن كانتا أى : الوارثتان بالأخوة اثنتين أو أكثر ، فلهما ~~الثلثان مما ترك أخوهما المتوفى ، وإن كان ms1498 الورثة لهذا الأخ المتوفى إخوة ~~من الرجال والنساء ففي هذه الحالة تقسم تركته بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. # وبهذا نرى أن الآية الكريمة قد ذكرت صورا أربعا لميراث الإخوة والأخوات ~~للميت الذي لم يترك ولدا ولا والدا. أى الميت الكلالة. # 1 أن يموت الميت وترثه أخت واحدة. ففي هذه الحالة يكون لها نصف تركته ~~بالفرض والباقي للعصبة إن وجدوا ، فإن لم يوجدوا فلها الباقي بالرد. # 2 أن يكون الأمر بالعكس بأن تموت امرأة ويرثها أخ واحد. فيكون له جميع ~~تركتها. # 3 أن يكون الميت أخا أو أختا والوارث أختان فصاعدا ، ففي هذه الحالة يكون ~~لهما أو لهن الثلثان. # 4 أن يكون الميت أخا أو أختا ، والورثة عدد من الإخوة والأخوات ، ففي هذه ~~الحالة تقسم التركة بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. # هذا ، وظاهر الآية يفيد أنه لا فرق بين الإخوة الأشقاء والإخوة لأب في ~~أنهم يشتركون في التركة إذا اجتمعوا ؛ ولكن هذا الظاهر غير مراد ، فقد خصصت ~~السنة هذا العموم ، فقدمت الأشقاء على الإخوة لأب. فإذا ما اجتمع الصنفان ~~حجب الإخوة الأشقاء الإخوة لأب. PageV03P412 # وقد تكفلت كتب الفروع ببسط الكلام عن هذه الأحكام وأمثالها. هذا ، وقوله ~~تعالى ( @QUR@09 يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم ) تذييل قصد به ~~إظهار جانب من فضل الله تعالى على عباده ، وتحذيرهم من مخالفة شرعه وأمره. # أى : يبين الله لكم هذه الأحكام المتعلقة بالمواريث كما يبين لكم غيرها ~~خشية أن تضلوا طريق الحق في ذلك. بأن تعطوا من لا يستحق أو تهملوا من يستحق ~~، والله تعالى عليم بكل شيء لا تخفى عليه خافية من أحوالكم ، وسيحاسبكم على ~~أعمالكم ، فيجازى المتبع لشرعه بالثواب العظيم ، ويجازى المخالف له بالعذاب ~~الأليم. # والمفعول في قوله : ( @QUR@05 يبين الله لكم أن تضلوا ) محذوف ، والمصدر ~~المنسبك من أن والفعل مفعول لأجله بتقدير مضاف محذوف أى : يبين الله لكم ~~الحلال والحرام وجميع الأحكام خشية أن تضلوا. # ويجوز أن يكون المصدر هو مفعول قوله ( @QUR@01 يبين ) أى : يبين الله لكم ~~ضلالكم لتجتنبوه ، فإن الشر يعرف ms1499 ليجتنب ، والخير يعرف ليفعل. # ويرى بعضهم أن الكلام على تقدير (اللام ولا) في طرفي «أن» والمعنى : يبين ~~الله لكم ذلك لئلا تضلوا. # * * * # ثم أما بعد : فهذا تفسير وسيط لسورة النساء. # تلك السورة التي نظمت المجتمع الإسلامى تنظيما دقيقا حكيما. # نظمته فيما يتعلق بأوضاعه الداخلية ، ونظمته فيما يتعلق بأوضاعه ~~الخارجية. أما فيما يتعلق بأوضاعه الداخلية ، فقد رأينا فيما سبق ، كيف ~~ساقت الأحكام والآداب والتوجيهات التي تكون مجتمعا فاضلا ، يعرف الفرد فيه ~~واجبه نحو خالقه ، وواجبه نحو نفسه ، وواجبه نحو غيره. # مجتمعا تقوم الأسرة فيه على دعائم ثابتة من الأمان والاطمئنان ، والمحبة ~~والمودة والوئام. # مجتمعا رجاله يكرمون نساءه ، ويعطفون عليهن ، ويعاشرونهن بالمعروف. ~~ونساؤه يحترمن رجاله ، ويؤدين ما عليهن نحوهم من حقوق بأدب ، وعفة ، وإخلاص ~~، ووفاء. # مجتمعا حكامه يحكمون بالعدل ، ويراقبون الله في أقوالهم وأعمالهم. ~~المحكومون فيه يطيعون حكامهم فيما يأمرونهم به من حق وخير. # مجتمعا يرى أفراده أن خيراته وأمواله. هي أمانة في أعناقهم جميعا ، وأن ~~ثمارها ومنافعها ستعود عليهم جميعا. لذا فهم يحرصون على استغلال ما يملكونه ~~منها فيما يرضى الله ، وفيما يعود PageV03P413 # عليهم وعلى أمتهم بالخير والصلاح والاستغناء والفلاح. # وأما فيما يتعلق بأوضاعه الخارجية ، فقد رأينا أيضا فيما سبق ، كيف كشفت ~~النقاب عن رذائل المنافقين. وعن العقائد الفاسدة التي يتشبث بها أهل ~~الكتاب. وعن المسالك الخبيثة ، والوسائل المتعددة التي اتبعها هؤلاء جميعا ~~لكيد الدعوة الإسلامية والإساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم . كما رأينا كيف ~~أنها قد حذرت المؤمنين من شرور أعدائهم ، وبصرتهم بما يجب عليهم نحوهم. ~~وبما يجعلهم دائما على أتم استعداد لمقاومتهم ، ولتأديبهم ولرد كيدهم في ~~نحورهم. # ولقد ساقت السورة الكريمة من الآيات التي ترغب في الجهاد في سبيل الله ، ~~ما يجعل المؤمنين يقبلون عليه بقلوب منشرحة ، وبعزائم ثابتة ، وبأرواح ~~غايتها الشهادة في سبيل الله. # وباتباع المسلمين السابقين لهذا التوجيه الحكيم الذي اشتملت عليه هذه ~~السورة الكريمة ، نالوا ما نالوا من مجد وسؤدد ، وظفروا بما ظفروا به من ~~عزة وسعادة ، وأصابوا ما أصابوا من خير وفلاح. # وأخيرا ، فإنى ms1500 أحمد الله تعالى حمدا كثيرا على توفيقه لي لخدمة كتابه ، ~~وأضرع إليه بإخلاص أن يعينني على إتمام ما بدأته من خدمة كتابه ، إنه أعظم ~~مسئول وأكرم مأمول. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ||محمد سيد طنطاوى شيخ الأزهر| PageV03P414 ### ||| * فهرس إجمالى لتفسير سورة «النساء» # المقدمة............................................................... ~~........... 5 # بين يدي ~~السورة.................................................................. 7 # 1 يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي ~~خلقكم......................................... 19 # 2 وآتوا اليتامى ~~أموالهم.......................................................... 25 # 3 وإن خفتم ألا تقسطوا في ~~اليتامى.............................................. 28 # 4 وآتوا النساء صدقاتهن ~~نحلة.................................................... 36 # 5 ولا تؤتوا السفهاء ~~أموالكم.................................................... 40 # 6 وابتلوا اليتامى حتى إذا ~~بلغوا................................................... 43 # 7 للرجال نصيب مما ترك ~~الوالدان................................................ 49 # 8 وإذا حضر القسمة أولو ~~القربى................................................ 52 # 9 وليخش الذين لو تركوا من ~~خلفهم............................................. 54 # 10 إن الذين يأكلون أموال اليتامى ~~ظلما......................................... 58 # 11 يوصيكم الله في ~~أولادكم.................................................... 63 # 12 ولكم نصف ما ترك ~~أزواجكم............................................... 71 # 13 تلك حدود الله ، ومن يطع الله ~~ورسوله....................................... 76 # 14 ومن يعص الله ~~ورسوله...................................................... 76 # 15 واللاتي يأتين الفاحشة من ~~نسائكم........................................... 79 # 16 واللذان يأتيانها ~~منكم....................................................... 82 # 17 إنما التوبة على الله للذين ~~يعملون............................................ 84 # 18 وليست التوبة للذين ~~يعملون................................................ 87 # 19 يا أيها الذين آمنوا لا يحل ~~لكم.............................................. 88 # 20 وإن أردتم استبدال ~~زوج..................................................... 94 PageV03P415 # 21 وكيف تأخذونه وقد ~~أفضى................................................. 95 # 22 ولا تنكحوا ما نكح ~~آباؤكم................................................. 98 # 23 حرمت عليكم ~~أمهاتكم................................................... 102 # 24 والمحصنات من ~~النساء..................................................... 108 # 25 ومن لم يستطع منكم ~~طولا................................................ 115 # 26 يريد الله ليبين ~~لكم....................................................... 121 # 27 والله يريد أن يتوب ~~عليكم................................................. 123 # 28 يريد الله أن يخفف ~~عنكم.................................................. 123 # 29 يا أيها الذين آمنوا لا ~~تأكلوا............................................... 124 # 30 ومن يفعل ذلك عدوانا ~~وظلما............................................. 128 # 31 إن تجتنبوا كبائر ما تنهون ~~عنه.............................................. 128 # 32 ولا تتمنوا ما فضل الله به ~~بعضكم.......................................... 130 # 33 ولكل جعلنا موالي مما ~~ترك................................................. 132 # 34 الرجال قوامون على ~~النساء................................................ 135 # 35 وإن خفتم شقاق ~~بينهما.................................................. 141 # 36 واعبدوا الله ولا تشركوا ~~به.................................................. 144 ms1501 # 37 الذين يبخلون ويأمرون ~~الناس.............................................. 149 # 38 والذين ينفقون ~~أموالهم.................................................... 150 # 39 وماذا عليهم لو آمنوا ~~بالله................................................. 151 # 40 إن الله لا يظلم مثقال ~~ذرة................................................. 151 # 41 فكيف إذا جئنا من كل ~~أمة............................................... 153 # 42 يومئذ يود الذين ~~كفروا.................................................... 154 # 43 يا أيها الذين آمنوا لا ~~تقربوا................................................ 156 # 44 ألم تر إلى الذين أوتوا ~~نصيبا............................................... 167 PageV03P416 # 45 والله أعلم ~~بأعدائكم...................................................... 169 # 46 من الذين هادوا ~~يحرفون................................................... 170 # 47 يا أيها الذين أوتوا ~~الكتاب................................................ 173 # 48 إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به............................................... 177 # 49 ألم تر إلى الذين يزكون ~~أنفسهم........................................... 178 # 50 انظر كيف ~~يفترون........................................................ 180 # 51 ألم تر إلى الذين أوتوا ~~نصيبا............................................... 180 # 52 أولئك الذين لعنهم ~~الله................................................... 182 # 53 أم لهم نصيب من ~~الملك................................................... 183 # 54 أم يحسدون ~~الناس........................................................ 183 # 55 فمنهم من آمن ~~به........................................................ 184 # 56 إن الذين كفروا ~~بآياتنا.................................................... 185 # 57 والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات............................................. 186 # 58 إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات........................................... 187 # 59 يا أيها الذين آمنوا أطيعوا ~~الله.............................................. 191 # 60 ألم تر إلى الذين ~~يزعمون.................................................. 194 # 61 وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل ~~الله.......................................... 197 # 62 فكيف إذا أصابتهم ~~مصيبة................................................ 197 # 63 أولئك الذين يعلم الله ما في ~~قلوبهم......................................... 198 # 64 وما أرسلنا من رسول إلا ~~ليطاع............................................. 200 # 65 فلا وربك لا ~~يؤمنون...................................................... 202 # 66 ولو أنا كتبنا ~~عليهم....................................................... 204 # 67 وإذا لآتيناهم من ~~لدنا.................................................... 206 # 68 ولهديناهم صراطا ~~مستقيما................................................. 206 PageV03P417 # 69 ومن يطع الله ~~والرسول.................................................... 208 # 70 ذلك الفضل من ~~الله...................................................... 210 # 71 يا أيها الذين آمنوا خذوا ~~حذركم........................................... 212 # 72 وإن منكم لمن ~~ليبطئن..................................................... 214 # 73 ولئن أصابكم فضل من ~~الله............................................... 215 # 74 فليقاتل في سبيل ~~الله...................................................... 217 # 75 وما لكم لا تقاتلون في سبيل ~~الله........................................... 218 # 76 الذين آمنوا يقاتلون في سبيل ~~الله........................................... 220 # 77 ألم تر إلى الذين قيل لهم ~~كفوا.............................................. 221 # 78 أينما تكونوا يدرككم ~~الموت................................................ 227 # 79 ما أصابك من ~~حسنة..................................................... 229 # 80 من يطع الرسول ms1502 فقد أطاع ~~الله............................................. 232 # 81 ويقولون ~~طاعة........................................................... 232 # 82 أفلا يتدبرون ~~القرآن...................................................... 234 # 83 وإذا جاءهم أمر من ~~الأمن................................................ 235 # 84 فقاتل في سبيل ~~الله....................................................... 239 # 85 من يشفع شفاعة ~~حسنة.................................................. 242 # 86 وإذا حييتم بتحية ~~فحيوا................................................... 244 # 87 الله لا إله إلا ~~هو........................................................ 245 # 88 فما لكم في المنافقين ~~فئتين................................................ 246 # 89 ودوا لو تكفرون كما ~~كفروا................................................ 249 # 90 إلا الذين يصلون إلى ~~قوم................................................. 251 # 91 ستجدون آخرين ~~يريدون.................................................. 254 # 92 وما كان لمؤمن أن يقتل ~~مؤمنا.............................................. 255 PageV03P418 # 93 ومن يقتل مؤمنا ~~متعمدا................................................... 261 # 94 يا أيها الذين آمنوا إذا ~~ضربتم.............................................. 263 # 95 لا يستوي القاعدون من ~~المؤمنين........................................... 268 # 96 درجات منه ومغفرة ~~ورحمة................................................. 272 # 97 إن الذين توفاهم ~~الملائكة................................................. 274 # 98 إلا المستضعفين من ~~الرجال................................................ 277 # 99 فأولئك عسى الله أن يعفو ~~عنهم........................................... 278 # 100 ومن يهاجر في سبيل ~~الله................................................ 278 # 101 وإذا ضربتم في ~~الأرض.................................................. 282 # 102 وإذا كنت فيهم ~~فأقمت................................................. 287 # 103 فإذا قضيتم ~~الصلاة..................................................... 293 # 104 ولا تهنوا في ابتغاء ~~القوم.................................................. 294 # 105 إنا أنزلنا إليك الكتاب ~~بالحق............................................. 296 # 106 واستغفر الله إن ~~الله..................................................... 299 # 107 ولا تجادل عن الذين ~~يختانون............................................. 299 # 108 يستخفون من ~~الناس.................................................... 300 # 109 ها أنتم هؤلاء جادلتم ~~عنهم............................................. 301 # 110 ومن يعمل ~~سوءا........................................................ 301 # 111 ومن يكسب ~~إثما....................................................... 302 # 112 ومن يكسب خطيئة أو ~~إثما.............................................. 303 # 113 ولو لا فضل الله ~~عليك.................................................. 304 # 114 لا خير في كثير من ~~نجواهم............................................... 306 # 115 ومن يشاقق ~~الرسول..................................................... 310 # 116 إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به.............................................. 311 PageV03P419 # 117 إن يدعون من دونه إلا ~~إناثا............................................. 313 # 118 لعنه الله ~~وقال.......................................................... 314 # 119 ولأضلنهم ~~ولأمنينهم.................................................... 315 # 120 يعدهم ~~ويمنيهم......................................................... 317 # 121 أولئك مأواهم ~~جهنم.................................................... 317 # 122 والذين آمنوا ~~وعملوا..................................................... 318 # 123 ليس ~~بأمانيكم......................................................... 319 # 124 ومن يعمل من ~~الصالحات................................................ 321 # 125 ومن أحسن ~~دينا....................................................... 322 # 126 ولله ما في السموات وما في ~~الأرض........................................ 324 # 127 ويستفتونك في ~~النساء................................................... 324 # 128 وإن امرأة خافت من ms1503 ~~بعلها............................................... 329 # 129 ولن تستطيعوا أن ~~تعدلوا................................................. 333 # 130 وإن ~~يتفرقا............................................................. 336 # 131 ولله ما في السموات وما في ~~الأرض........................................ 337 # 132 ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله ~~وكيلا......................... 338 # 133 إن يشأ يذهبكم أيها ~~الناس.............................................. 339 # 134 من كان يريد ثواب ~~الدنيا................................................ 340 # 135 يا أيها الذين آمنوا ~~كونوا................................................. 341 # 136 يا أيها الذين آمنوا آمنوا ~~بالله............................................. 346 # 137 إن الذين آمنوا ثم ~~كفروا................................................. 347 # 138 بشر ~~المنافقين.......................................................... 350 # 139 الذين يتخذون ~~الكافرين................................................. 350 # 140 وقد نزل عليكم في ~~الكتاب.............................................. 352 PageV03P420 # 141 الذين يتربصون ~~بكم.................................................... 354 # 142 إن المنافقين ~~يخادعون................................................... 356 # 143 مذبذبين بين ~~ذلك..................................................... 358 # 144 يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا............................................. 358 # 145 إن المنافقين في ~~الدرك................................................... 359 # 146 إلا الذين ~~تابوا......................................................... 361 # 147 ما يفعل الله ~~بعذابكم................................................... 362 # 148 لا يحب الله الجهر ~~بالسوء................................................ 364 # 149 إن تبدوا خيرا أو ~~تخفوه.................................................. 366 # 150 إن الذين يكفرون ~~بالله.................................................. 367 # 151 أولئك هم الكافرون ~~حقا................................................ 367 # 152 والذين آمنوا بالله ~~ورسله................................................. 368 # 153 يسألك أهل ~~الكتاب................................................... 368 # 154 ورفعنا فوقهم ~~الطور..................................................... 372 # 155 فبما نقضهم ~~ميثاقهم................................................... 374 # 156 وبكفرهم وقولهم على ~~مريم............................................... 377 # 157 وقولهم إنا قتلنا ~~المسيح.................................................. 378 # 158 بل رفعه الله ~~إليه........................................................ 382 # 159 وإن من أهل الكتاب ~~إلا................................................ 384 # 160 فبظلم من الذين ~~هادوا.................................................. 385 # 161 وأخذهم الربا وقد ~~نهوا................................................... 386 # 162 لكن الراسخون في العلم ~~منهم............................................ 387 # 163 إنا أوحينا ~~إليك........................................................ 389 # 164 ورسلا قد ~~قصصناهم................................................... 392 PageV03P421 # 165 رسلا مبشرين ~~ومنذرين.................................................. 393 # 166 لكن الله يشهد بما أنزل ~~إليك............................................ 395 # 167 إن الذين كفروا ~~وصدوا.................................................. 396 # 168 إن الذين كفروا ~~وظلموا.................................................. 397 # 169 إلا طريق ~~جهنم........................................................ 397 # 170 يا أيها الناس قد ~~جاءكم................................................. 398 # 171 يا أهل الكتاب لا ~~تغلوا................................................. 399 # 172 لن يستنكف ~~المسيح.................................................... 404 # 173 فأما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات........................................ 407 # 174 يا أيها الناس قد جاءكم ~~برهان........................................... 407 # 175 فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا ~~به........................................ 408 # 176 يستفتونك ms1504 قل الله ~~يفتيكم............................................... 409 PageV03P422 ![](https://books.rafed.net/Books/3938_altafsir-alwasit-04/images/image001.gif) PageV04P001 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * ( @QUR@07 ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ) (127) PageV04P003 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة # الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ~~وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ، أرسله ربه رحمة للعالمين ، اللهم صل ~~وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. # وبعد : فإن القرآن الكريم هو كتاب الله الذي أنزله على رسوله محمد ~~صلى الله عليه وسلم ليخرج الناس به من الظلمات إلى النور ، ولينقذهم من الظلم ~~والفجور. # قال تعالى : ( @QUR@015 كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى ~~النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ). # ولقد كان من فضل الله علينا ، أن وفقنا لخدمة كتابه ، فأعاننا على كتابة ~~تفسير سور : الفاتحة والبقرة ، وآل عمران ، والنساء ويسعدني أن أتبع ذلك ~~بتفسير محرر لسورة المائدة ، حاولت فيه أن أكشف عما اشتملت عليه هذه السورة ~~من هدايات جامعة وتشريعات حكيمة ، وحجج باهرة ، تقذف حقها على باطل الضالين ~~فإذا هو زاهق. # وقد رأيت من الخير قبل أن أبدأ في تفسيرها بالتفصيل والتحليل ، أن أسوق ~~كلمة بين يديها تكون بمثابة التعريف بها ، وبيان فضلها ، ووجه اتصالها ~~بالسورة التي قبلها ، وزمان نزولها ، والمقاصد الإجمالية التي اشتملت عليها. # وقد كان منهجي في تفسير هذه السورة ، هو المنهج الذي سلكته في تفسير ~~السور السابقة. # وملخصه : أنى أبدأ بشرح الألفاظ القرآنية شرحا لغويا مناسبا ، ثم أبين ~~المراد منها إذا كان الأمر يقتضى ذلك. # ثم أذكر سبب النزول للآية أو الآيات إذا وجد وكان مقبولا ثم أذكر المعنى ~~الإجمالى للجملة أو للآية ، مستعرضا ما اشتملت عليه من وجوه البلاغة وحسن ~~التوجيه. # ثم أتبع هذا ببيان ما يؤخذ من الآية أو الآيات من أحكام وآداب وتشريعات. PageV04P005 # وقد حرصت كثيرا على تخريج الأحاديث التي أذكرها ، وعلى بيان المصادر التي ~~أنقل عنها. # وتعمدت عند النقل من المصدر لأول مرة أن أبين زمان طبعته ومكانها ثم ~~ألتزم النقل عنه بعد ذلك إلى نهاية السورة ، دون أن ms1505 ألجأ إلى طبعات أخرى ~~إلا عند الضرورة القصوى. # وقد تجنبت التوسع في وجوه الإعراب ، واكتفيت بالراجح منها .. # وذلك لأنى توخيت فيما أكتب إبراز ما اشتمل عليه القرآن الكريم من هدايات ~~جامعة وتشريعات حكيمة وآداب سامية ، وعظات بليغة وتوجيهات نافعة ، وأقوال ~~مأثورة. # والله أسأل أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا ، وأنس نفوسنا ، وأن يعيننا على ~~إتمام ما بدأناه من خدمة لكتابه ، وأن يجعل أقوالنا وأعمالنا خالصة لوجهه ، ~~ونافعة لعباده. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم |15 من ربيع الأول 1407 ه 17 من نوفمبر 1986 م|محمد سيد طنطاوى شيخ الأزهر| PageV04P006 ### ||| * تمهيد بين يدي السورة # 1 سورة المائدة هي السورة الخامسة من سور القرآن الكريم في ترتيب المصحف ~~، فقد سبقتها سور : الفاتحة ، والبقرة ، وآل عمران ، والنساء. # 2 وهي مدنية باتفاق العلماء. بناء على القول الذي رجحه العلماء من أن ~~القرآن المدني هو الذي نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة ولو ~~كان نزوله في غير المدينة. # 3 وعدد آياتها عشرون ومائة آية عند الكوفيين ؛ ويرى الحجازيون والشاميون ~~أن عدد آياتها اثنتان وعشرون ومائة آية ، ويرى البصريون أن عدد آياتها ثلاث ~~وعشرون ومائة آية. # 4 ولهذه السورة الكريمة أسماء أشهرها : المائدة. # وسميت بهذا الاسم ، لأنها انفردت بذكر قصة المائدة التي طلب الحواريون من ~~عيسى عليه السلام نزولها من السماء. وقد حكى الله تعالى ذلك في آخر السورة ~~في قوله تعالى : ( @QUR@016 إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ~~ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ) (الآيات من 112 : 115) وتسمى أيضا ~~بسورة العقود ، لأنها السورة الوحيدة التي افتتحت بطلب الإيفاء بالعقود. ~~قال تعالى : ( @QUR@06 يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) وتسمى أيضا ~~المنقذة. # قال القرطبي : وروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : «سورة المائدة تدعى في ~~ملكوت الله المنقذة. تنقذ صاحبها من أيدى ملائكة العذاب (1)». # 5 ووجه اتصالها بسورة النساء كما يقول الآلوسى «أن سورة النساء قد اشتملت ~~على عدة عقود : صريحا وضمنا. فالصريح : عقود الأنكحة وعقد ms1506 الصداق. وعقد ~~الحلف. وعقد المعاهدة والأمان. والضمنى : عقد الوصية والوديعة. والوكالة. ~~والعارية. والإجارة. وغير ذلك مما يدخل في قوله تعالى ( @QUR@08 إن الله ~~يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ). # فناسب أن تعقب بسورة مفتتحة بالأمر بالوفاء بالعقود. فكأنه قيل : يا أيها ~~الناس أوفوا بالعقود التي فرغ من ذكرها في السورة التي تمت ، وإن كان في ~~هذه السورة أيضا عقود. # ووجه تقديم النساء وتأخير المائدة. أن أول تلك ( @QUR@03 يا أيها الناس ) ~~وفيها الخطاب بذلك في PageV04P007 # مواضع ، وهي أشبه بتنزيل المكي. وأول هذه ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا ~~) وفيها الخطاب بذلك في مواضع وهو أشبه بخطاب المدني. وتقديم العام وشبه ~~المكي أنسب (1). # 6 وقد وردت روايات تفيد أن سورة المائدة نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ~~دفعة واحدة. ومن هذه الروايات ما أخرجه الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد قالت ~~: إنى لآخذة بزمام ناقة رسول الله العضباء ، إذ نزلت عليه المائدة كلها. ~~فكادت من ثقلها تدق عنق الناقة (2). # وروى الإمام أحمد أيضا عن عبد الله بن عمرو قال : أنزلت على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم سورة المائدة وهو راكب على راحلته ، فلم تستطع أن تحمله ~~فنزل عنها (3). # وهناك روايات أخرى تحدثت عن زمان ومكان نزولها ، ومن هذه الروايات ما ~~أخرجه أبو عبيد عن محمد القرظي قال : نزلت سورة المائدة على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فيما بين مكة والمدينة (4). # وقال القرطبي : وروى أنها نزلت عند منصرف رسول الله من الحديبية (5). # وهناك روايات تحدثت عن زمان ومكان نزول بعض آياتها. # قال السيوطي في كتابه «الإتقان» عند حديثه عن معرفة الحضري والسفرى : ~~وللسفرى أمثلة منها : قوله تعالى ( @QUR@04 اليوم أكملت لكم دينكم ) ففي ~~الصحيح عن عمر بن الخطاب : أنها نزلت عشية عرفة يوم الجمعة ، عام حجة ~~الوداع. # ومنها : آية التيمم. ففي الصحيح عن عائشة ، أنها نزلت بالبيداء وهم ~~داخلون المدينة بعد انتهائهم من غزوة المريسيع كما جاء في بعض الروايات. # ومنها : قوله تعالى ( @QUR@015 يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله ~~عليكم ms1507 إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ) فقد نزلت ببطن نخل. # ومنها : قوله تعالى ( @QUR@04 والله يعصمك من الناس ) فقد نزلت في غزوة ~~ذات الرقاع. # وهذه الآيات جميعها من سورة المائدة» (6). # والذي تطمئن إليه النفس عند تلاوة سورة المائدة بتدبر وإمعان فكر ، وعند ~~مراجعة الروايات PageV04P008 # التي وردت في سبب نزول بعض آياتها ، يرى أن هذه السورة الكريمة لم تنزل ~~دفعة واحدة ، وإنما نزلت متفرقة وفي أوقات مختلفة. # ومما يشهد لذلك ما جاء في كتب الحديث وفي كتب السيرة أن المقداد بن ~~الأسود قد قال للنبي صلى الله عليه وسلم قبيل التحام المسلمين مع المشركين في ~~غزوة بدر : يا رسول الله امض لما أمرك الله. فو الله لا نقول لك كما قالت ~~بنو إسرائيل لموسى. اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون. # فقد أخرج البخاري عن عبد الله بن مسعود قال : شهدت من المقداد بن الأسود ~~مشهدا ، لأن أكون صاحبه أحب إلى مما عدل به. أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~يدعو على المشركين في بدر فقال : لا نقول كما قال قوم موسى : اذهب أنت وربك ~~فقاتلا .. ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك» (1). # فهذا النص يفيد أن الصحابة كانوا على علم قبل غزوة بدر بهذه الآيات التي ~~وردت في سورة المائدة ، والتي تحكى موقف بنى إسرائيل من نبيهم موسى عند ما ~~دعاهم إلى دخول الأرض المقدسة (2). # كذلك مما يشهد بأن سورة المائدة قد نزلت منجمة ولم تنزل دفعة واحدة ما ~~نقلناه منذ قليل عن السيوطي من أن بعض آياتها قد نزلت في أزمنة وأمكنة ~~مختلفة. # وأيضا مما يشهد لذلك ، أن المتأمل في بعض آياتها يراها تحكى لنا ألوانا ~~من تعنت اليهود مع النبي صلى الله عليه وسلم ومن تحاكمهم إليه لا من أجل ~~الوصول إلى الحق وإنما من أجل إظهاره بمظهر الجاهل بأحكام التوراة. # قال تعالى ( @QUR@024 ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم ~~يأتوك ، يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم ms1508 ~~تؤتوه فاحذروا ). # وفعلهم هذا يدل على أنهم كانت لهم قوة ونفوذ في المدينة عند نزول هذه ~~الآيات. # ومن المعروف تاريخيا أن نفوذ اليهود بالمدينة قد تلاشى بعد غزوة بنى ~~قريظة في السنة الخامسة من الهجرة. وأن قوتهم قد زالت بعد فتح خيبر في ~~أوائل السنة السابعة من الهجرة. # ومن كل هذا نستخلص أن بعض آيات هذه السورة يغلب على ظننا أنها نزلت على ~~النبي صلى الله عليه وسلم في السنوات التي سبقت صلح الحديبية وأن الروايات ~~التي نقلناها قبل ذلك عن بعض المفسرين ، والتي يستفاد منها أن سورة المائدة ~~قد نزلت دفعة واحدة ، أو أنها نزلت عند منصرف PageV04P009 # الرسول صلى الله عليه وسلم من الحديبية ، أو فتح مكة أو في حجة الوداع ، أو ~~عند رجوعه منها .. كل هذه الروايات فيها مقال لأنها بجانب تفرد بعض ~~المحدثين بها فإنها تخالف ما جاء في كتب السنة الصحيحة من أن بعض آياتها قد ~~نزل في حجة الوداع ، وبعضها قد نزل بعد غزوة المريسيع ، وبعضها كان معروفا ~~للصحابة قبل اشتراكهم في غزوة بدر. # ولأن بعض آيات هذه السورة تحكى لنا أحداثا ومجادلات قد حصلت بين النبي ~~صلى الله عليه وسلم وبين اليهود ، وهذه الأحداث وتلك المجادلات من المستبعد أن ~~تكون قد حدثت بعد غزوة بنى قريظة في السنة الخامسة من الهجرة ، لأنه كما ~~سبق أن أشرنا لم يبق لليهود نفوذ في المدينة بعد غزوة بنى قريظة ، حتى ~~يستطيعوا أن يواجهوا النبي صلى الله عليه وسلم بما واجهوه من مجادلات ومن ~~تحاكم اليه بقصد إحراجه كما سنفصل ذلك عند تفسيرنا للآيات المتعلقة بهذا ~~الموضوع. # ومع كل هذا فنحن نرجح أن جانبا كبيرا من آيات سورة المائدة قد نزل متأخرا ~~عن صلح الحديبية ، بل عن فتح مكة ، لأن بعض آياتها تقرر أن المشركين قد ~~صاروا في يأس من التغلب على المسلمين بعد أن فتح المسلمون مكة بعد أن أتم ~~الله لهم دينهم. قال تعالى ( @QUR@020 اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا ~~تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم ms1509 دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ~~دينا ). # ولأن هناك آثارا تشهد بأن سورة المائدة في مجموعها من آخر ما نزل على ~~النبي صلى الله عليه وسلم من قرآن. # قال القرطبي : وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ سورة المائدة في ~~حجة الوداع وقال : «يا أيها الناس إن سورة المائدة من آخر ما نزل فأحلوا ~~حلالها وحرموا حرامها». # ونحوه عن عائشة رضى الله عنها موقوفا. قال جبير بن نفير : دخلت على عائشة ~~فقالت : هل تقرأ سورة المائدة؟ فقلت : نعم. فقالت : فإنها من آخر ما أنزل ~~الله. فما وجدتم فيها من حلال فأحلوه ، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه (1)». # والخلاصة ، أن الذي يغلب على ظننا أن سورة المائدة لم تنزل دفعة واحدة في ~~وقت معين أو في زمان معين ، وإنما نزل بعضها في السنوات التي سبقت صلح ~~الحديبية ، ونزل معظمها بعد هذا الوقت ، للأسباب التي سبق أن بيناها ، وأن ~~الروايات التي تقول بنزولها دفعة واحدة أو في وقت معين وزمان معين من ~~الممكن أن تحمل على أن المراد بها مجموع السورة لا جميعها. # 7 هذا وعند ما نستعرض سورة المائدة استعراضا إجماليا نراها في مطلعها ~~تأمر المؤمنين PageV04P010 # بالوفاء بالعهود ، وبالتزام التكاليف التي كلفهم الله بها ، ثم أردفت ذلك ~~ببيان الحلال من الذبائح والحرام منها ، ثم بيان حكم طعام أهل الكتاب ، ~~وحكم الزواج بالكتابيات. # وبعد أن تكلمت عن المباحات التي يحتاج إليها الجسد أتبعت ذلك بالحديث عن ~~الصلاة التي هي غذاء الروح ، فأمرت المؤمنين بأن يدخلوها متطهرين ، ووضحت ~~لهم أنه سبحانه لا يريد من وراء ما يشرعه لهم الضيق أو الحرج وإنما يريد ~~لهم الخير والطهر وإتمام النعمة : ( @QUR@015 ما يريد الله ليجعل عليكم من ~~حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ). # ثم أمرت المؤمنين بالتزام العدل مع الأصدقاء. ومع الأعداء ، ووعدت ~~المطيعين لله تعالى بالمغفرة والأجر العظيم ، وتوعدت الكافرين بآيات الله ~~بعذاب الجحيم ، ثم ذكرت المؤمنين بجانب من مظاهر فضل الله عليهم ورحمته بهم ~~، حيث كف أيدى المعتدين ms1510 عنهم. وحماهم من مكرهم. قال تعالى ( @QUR@024 يا ~~أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ~~، فكف أيديهم عنكم ، واتقوا الله ، وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) (1). # ثم نراها في الربع الثاني (2) منها تحكى لنا جانبا من رذائل أهل الكتاب. ~~فتبين كيف أن الله تعالى أخذ عليهم العهد والميثاق بأن يؤمنوا به ويطيعوه ~~ولكنهم نقضوا عهودهم ، فكانت نتيجة ذلك أن لعنهم الله ، وأن أدام بينهم ~~العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة. # ثم وجهت نداء إلى أهل الكتاب أرشدتهم فيه إلى طريق الحق ، وأمرتهم ~~باتباعه. ووبخت الذين قالوا ( @QUR@06 إن الله هو المسيح ابن مريم ). وحكت ~~جانبا من الدعاوى الباطلة التي ادعاها اليهود والنصارى ، حيث قالوا : ( ~~@QUR@04 نحن أبناء الله وأحباؤه ). # ثم وجهت نداء ثانيا إلى أهل الكتاب أمرتهم فيه باتباع محمد ~~صلى الله عليه وسلم لأنهم بسبب عدم اتباعه سيكون مصيرهم إلى النار ، ولن يقبل ~~الله منهم عذرا بعد أن أرسل إليهم سبحانه من يبشرهم وينذرهم. # قال تعالى : ( @QUR@029 يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة ~~من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير ، فقد جاءكم بشير ونذير ، ~~والله على كل شيء قدير ). # ثم حكت السورة الكريمة قصة من قصص موسى عليه السلام مع بنى إسرائيل. # فقد ساقت بأسلوبها البليغ إغراءه لهم بدخول الأرض المقدسة ، ولكنهم جبنوا ~~واتخذوا PageV04P011 # عصيانه سبيلهم. فكانت نتيجة ذلك أن عاقبهم الله تعالى بالتيه. ( @QUR@014 ~~قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم ~~الفاسقين ). # ثم نراها بعد ذلك في الربع الثالث (1) تحكى لنا قصة ابني آدم بأسلوب مؤثر ~~: تحكى لنا قصة أول جريمة وقعت على ظهر الأرض بسبب الحسد. وتحكى لنا تلك ~~المحاورات التي دارت بين الأخوين : القاتل والقتيل. # وكيف أن القاتل قد تحير في مواراة جثة أخيه ، إلى أن تعلم كيفية مواراتها ~~من غراب أخذ يبحث في الأرض ليواري جثة غراب مثله. # وإذا كان الحسد حتى في العبادات يؤدى إلى القتل وسفك الدماء ، فقد شرع ~~الله القصاص ms1511 لحماية الأنفس والأموال والأعراض. فقد ذكر سبحانه بعد ذلك جزاء ~~الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا. وجزاء السارق والسارقة. ~~وجزاء الذين كفروا بالحق بعد أن جاءهم من عند الله. # وخلال ذلك أمر سبحانه عباده المؤمنين بتقوى الله. وبالتقرب إليه بالعمل ~~الصالح ، وبمداومة الجهاد في سبيل الله ، حتى ينالوا الفلاح في الدنيا ~~والآخرة. # وبعد هذه التشريعات الحكيمة ، نراها في الربع الرابع (2) تحكى لنا بعض ~~الوسائل الخبيثة التي اتبعها اليهود في محاربتهم للدعوة الإسلامية فذكرت ~~بعض أقوالهم التي كانوا يقولونها عند ما يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليتحاكموا إليه في منازعاتهم ( @QUR@09 يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم ~~تؤتوه فاحذروا ) ووصفتهم بأنهم ( @QUR@04 سماعون للكذب أكالون للسحت ). # وأرشدت الرسول صلى الله عليه وسلم إلى طريقة التعامل معهم ( @QUR@022 فإن ~~جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم. وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا. وإن حكمت ~~فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ). # ثم بعد أن مدحت التوراة ، ووصفت الذين لم يحكموا بما أنزل الله بالكفر. ~~والظلم. بعد كل ذلك نوهت بشأن عيسى عليه السلام وبشأن الإنجيل ، وأمرت أهله ~~بأن يحكموا بما أنزل الله فيه. # قال : تعالى ( @QUR@016 وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ، ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ). PageV04P012 # ثم انتقلت السورة بعد ذلك إلى الحديث عن القرآن الكريم ، فوصفته بأنه هو ~~الكتاب المصدق لما بين يديه من الكتب ، وهو المهيمن عليها ، وهو الذي إليه ~~المرجع في الأحكام ، وأن الذين يبغون التحاكم إلى غيره ضالون ظالمون. # قال تعالى ( @QUR@010 أفحكم الجاهلية يبغون ، ومن أحسن من الله حكما لقوم ~~يوقنون ). # ثم وجهت السورة الكريمة في مطلع الربع الخامس (1) منها نداء إلى المؤمنين ~~أمرتهم فيه بأن يجعلوا ولايتهم لله ولرسوله ولإخوانهم في العقيدة ، ونهتهم ~~عن موالاة الذين يخالفونهم في الدين. ووصفت الذين يتولون من غضب الله عليهم ~~بالنفاق ومرض القلب ، وبشرت المطيعين لله بالنصر والظفر قال تعالى : ( ~~@QUR@011 ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ). # ثم أمرت السورة الكريمة ms1512 النبي صلى الله عليه وسلم أن يوبخ أهل الكتاب بسبب ~~كراهيتهم لأهل الحق ، وأن يخبرهم بأن المستحقين للكراهية هم أولئك الذين ~~لعنهم الله وغضب عليهم ، لكفرهم ، ومسارعتهم في الإثم والعدوان. ولافترائهم ~~على الله تعالى الكذب ، حيث وصفوه سبحانه بالبخل والشح. # قال تعالى : ( @QUR@047 وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا ~~بما قالوا. بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء. وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل ~~إليك من ربك طغيانا وكفرا. وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ~~، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ، ويسعون في الأرض فسادا ، والله لا ~~يحب المفسدين ). # وبعد أن بينت السورة الكريمة لأهل الكتاب أنهم لو آمنوا بالحق الذي جاءهم ~~به محمد صلى الله عليه وسلم لكفر الله عنهم سيئاتهم ، ولأدخلهم جنات النعيم ، ~~ولرزقهم من فضله الرزق الجزيل. بعد أن بينت كل ذلك ، وجهت في مطلع الربع ~~السادس (2) منها إلى النبي صلى الله عليه وسلم نداء أمرته فيه بتبليغ ما أمره ~~الله بتبليغه بدون خشية أو تردد ، ووعدته بعصمة الله تعالى له من الناس كما ~~أمرته بمصارحة أهل الكتاب بما هم فيه من باطل وضلال. # ثم ساقت جملة من الرذائل التي انغمس فيها أهل الكتاب ، فحكت نقضهم للعهود ~~والمواثيق ، وتكذيبهم للرسل تارة وقتلهم إياهم تارة أخرى ، كما حكت قولهم ~~الباطل : ( @QUR@06 إن الله هو المسيح ابن مريم ). وقولهم : ( @QUR@04 إن ~~الله ثالث ثلاثة ). PageV04P013 # وقد هددتهم بالعذاب الأليم إذا ما تمادوا في ضلالهم وطغيانهم ، وحثتهم ~~على التوبة والاستغفار ، وأقامت لهم الأدلة على بطلان عقائدهم ، وبينت لهم ~~القول الحق في شأن عيسى وأمه مريم حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم. # قال تعالى : ( @QUR@016 ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله ~~الرسل ، وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام ) ثم كشفت السورة عن الأسباب التي ~~أدت إلى طرد الكافرين من بنى إسرائيل من رحمة الله ، فذكرت أنهم قد استحقوا ~~ذلك بسبب عصيانهم ، واعتدائهم وعدم تناهيهم عن منكر فعلوه ، وولايتهم لأهل ~~الكفر وعداوتهم لأهل الإيمان. # قال تعالى ( @QUR@034 ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا ، لبئس ms1513 ما قدمت ~~لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم ، وفي العذاب هم خالدون ، ولو كانوا يؤمنون ~~بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ، ولكن كثيرا منهم فاسقون ). # ثم وضحت السورة الكريمة في مطلع الربع السابع (1) منها مراتب أعداء ~~المؤمنين ، فصرحت بأن أشد الناس عداوة للمؤمنين هم اليهود والذين أشركوا. ~~وأن أقربهم مودة إلى المؤمنين أولئك الذين قالوا إنا نصارى ( @QUR@08 ذلك ~~بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ). # ثم وجهت نداء المؤمنين نهتهم فيه عن تحريم الطيبات التي أحلها الله لهم ~~وأرشدتهم إلى ما يجب عليهم فعله إذا ما حنثوا في أيمانهم. وأمرتهم بحفظ هذه ~~الأيمان ، وعدم اللجوء إليها إلا عند وجود المقتضى لها. # ثم أخبرتهم بأنه إذا كان الله تعالى قد أحل لهم الطيبات ، فإنه في الوقت ~~نفسه قد حرم عليهم الخبائث ، وعلى رأس هذه الخبائث : الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام ، فعليهم أن يجتنبوا هذه الأرجاس لينالوا رضا الله في ~~عاجلتهم وآجلتهم. # ثم ساقت السورة الكريمة ألوانا من مظاهر نعم الله على عباده ورحمته بهم ~~حيث أباح لهم أن يتمتعوا بما أحله الله لهم مع مراقبته وخشيته في كل ما ~~يأتون وما يذرون ، ومع التزامهم بتعاليم شريعة الله في الحل وفي الحرم. # وبعد هذا الحديث المستفيض عما أحله الله وعما حرمه ، أخذت السورة في مطلع ~~الربع الثامن (2) منها في التنويه بشأن الكعبة وبشأن البيت الحرام ، ووظيفة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم . PageV04P014 # ثم نهت المؤمنين عن الأسئلة التي لا منفعة من ورائها ، فإن هذا يتنافى مع ~~ما يقتضيه إيمانهم من أدب في القول ، ومن تطلع إلى ما ينفع ويفيد ، قال ~~تعالى ( @QUR@035 يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ~~، وإن تسئلوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها ، والله غفور ~~حليم. قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين ). # ثم حكت السورة أنواعا من الأوهام التي تعلق بها أهل الجاهلية ، حيث حرموا ~~على أنفسهم بعض المطاعم التي أحلها الله ، مستندين في تحريمهم ما حرموه إلى ms1514 ~~عادات جاهلية اعتنقوها ، وهذه العادات أبعد ما تكون عن شرع الله وعما ~~تقتضيه العقول السليمة. # وفي وسط هذا الحديث عما أحله الله وحرمه ، ساقت السورة توجيها حكيما ~~للمؤمنين ، حيث بينت لهم أن الداعي إلى الله متى قام بواجبه نحو ربه ، ونحو ~~نفسه ، ونحو غيره ، فإنه لا يكون بعد ذلك مسئولا عن ضلال من يضل. # قال تعالى ( @QUR@020 يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل ~~إذا اهتديتم ، إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون ). # وبعد أن بينت بعض الأحكام التي تتعلق بالوصية ووسائل إثباتها ، نوهت ~~السورة الكريمة في الربع الأخير منها (1) بشأن عيسى عليه السلام وحكت بعض ~~المعجزات التي أيده الله بها في رسالته ، وقصت ما طلبه الحواريون منه حيث ~~قالوا له كما حكى القرآن عنهم : # ( @QUR@09 هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ) وساقت ما دار ~~بينهم وبين عيسى عليه السلام من محاورات في هذه المسألة. # ثم ختمت السورة حديثها عن عيسى بتلك الآيات التي تحكى براءته من كل ما ~~افتراه المفترون عليه ، وأنه عليه السلام لم يأمر قومه إلا بعبادة الله ~~وحده ، وأنه لم يكن إلا رسولا من رسل الله الذين أخلصوا له سبحانه العبادة ~~والطاعة. استمع إلى السورة الكريمة وهي تحكى هذا المعنى بأسلوبها البليغ ~~المؤثر فتقول : # ( @QUR@085 وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي ~~إلهين من دون الله؟ قال : سبحانك. ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق. إن ~~كنت قلته فقد علمته ، تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ، إنك أنت علام ~~الغيوب. ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ، أن اعبدوا الله ربي وربكم ، وكنت ~~عليهم شهيدا ما دمت فيهم ، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل ~~شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ). PageV04P015 # 8 هذا عرض مجمل للتشريعات والقصص والآداب والتوجيهات التي اشتملت عليها ~~سورة المائدة. ومن هذا العرض نستطيع أن نستخلص بعض الحقائق البارزة ms1515 في هذه ~~السورة بصورة أظهر منها في غيرها. ومن تلك الحقائق ما يأتى : # 1 أن السورة الكريمة زاخرة بالأحكام الشرعية المتنوعة ، فأنت تقرؤها ~~بتدبر وخشوع فتراها قد بينت أحكاما شرعية منها ما يتعلق بالحلال والحرام من ~~الذبائح ومن الصيد ومنها ما يتعلق بالحلال والحرام في فترة الإحرام وفي ~~المسجد الحرام. ومنها ما يتعلق بالحلال والحرام من النكاح ، ومنها ما يتعلق ~~بالطهارة والصلاة والتيمم ، ومنها ما يتعلق بوجوب التزام العدل في القضاء ~~وفي الشهادة وفي غيرهما. ومنها ما يتعلق بالحدود في السرقة وفي قطع الطريق ~~والإفساد في الأرض. ومنها ما يتعلق بأهل الكتاب إذا ما تحاكموا إلينا. ~~ومنها ما يتعلق بكفارات الايمان وكفارات قتل الصيد في حالة الإحرام. ومنها ~~ما يتعلق بالخمر والميسر والأنصاب والأزلام. ومنها ما يتعلق بالبحيرة ~~والسائبة والوصيلة والحامى من الأنعام. ومنها ما يتعلق بالوصية عند الموت ~~.. إلى غير ذلك من الأحكام الشرعية التي أفاضت في الحديث عنها هذه السورة ~~الكريمة. # قال القرطبي : قال أبو ميسرة : المائدة من آخر ما نزل ليس فيها منسوخ. ~~وفيها ثماني عشرة فريضة ليست في غيرها ، وهي : ( @QUR@030 المنخنقة ، ~~والموقوذة ، والمتردية ، والنطيحة ، وما أكل السبع وما ذبح على النصب ، وأن ~~تستقسموا بالأزلام وما علمتم من الجوارح مكلبين وطعام الذين أوتوا الكتاب ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم )، وتمام الطهور : ( @QUR@04 ~~إذا قمتم إلى الصلاة ) أى : إتمام ما لم يذكر في سورة النساء ( @QUR@02 ~~والسارق والسارقة ) و ( @QUR@05 لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ) إلى قوله : ( ~~@QUR@03 عزيز ذو انتقام ). ( @QUR@011 ما جعل الله من بحيرة ، ولا سائبة ~~ولا وصيلة ولا حام ). وقوله تعالى ( @QUR@06 شهادة بينكم إذا حضر أحدكم ~~الموت ) الآية. # ثم قال القرطبي : قلت : وفريضة تاسعة عشرة وهي قوله تعالى : ( @QUR@04 ~~وإذا ناديتم إلى الصلاة ) إذ ليس للآذان ذكر في القرآن إلا في هذه السورة ~~أما ما جاء في سورة الجمعة فمخصوص بالجمعة. وهو في هذه السورة عام لجميع ~~الصلوات» (1). # 2 إن الذي يقرأ سورة المائدة يراها قد وجهت جملة من النداءات إلى ~~المؤمنين وقد تجاوزت هذه النداءات في كثرتها ms1516 ، تلك النداءات التي وردت في ~~أطول سورة في القرآن وهي سورة البقرة. PageV04P016 # فقد وجهت سورة المائدة إلى المؤمنين ستة عشر نداء. وقد تضمن كل نداء ~~تشريعا من التشريعات ، أو أمرا من الأوامر : أو نهيا من النواهي ، أو ~~توجيها من التوجيهات ؛ مما يدل على أن هذه السورة قد اهتمت اهتماما ملحوظا ~~بتربية المؤمنين على المنهج الذي اختاره الله لهم. # ولا سيما بعد أن أكمل سبحانه لهم دينهم ، وأتم عليهم نعمته. # وهذه هي النداءات التي وجهها الله تعالى إلى المؤمنين نسوقها مرتبة كما ~~وردت في السورة. |1 قال تعالى : |( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) |الآية 1| |2 وقال تعالى : |( يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ) |الآية 2| |3 وقال تعالى : |( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ) |الآية 6| |4 وقال تعالى : |( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ) |الآية 8| |5 وقال تعالى : |( يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم ) |الآية 11| |6 وقال تعالى : |( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ) |الآية 35| |7 وقال تعالى : |( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ) |الآية 51| |8 وقال تعالى : |( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه ) |الآية 54| |9 وقال تعالى : |( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا ) |الآية 57| |10 وقال تعالى : |( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ) |الآية 87| |11 وقال تعالى : |( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب ) |الآية 90| |12 وقال تعالى : |( يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد ) |الآية 94| |13 وقال تعالى : |( يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ) |الآية 95| |14 وقال تعالى : |( يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) |الآية 101| |15 وقال تعالى : |( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم ) |الآية 105| |16 وقال تعالى : |( يا أيها الذين ms1517 آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت ) |الآية 106| # هذه هي النداءات التي وجهها سبحانه إلى المؤمنين في سورة المائدة ، وأنت ~~إذا تأملت فيها ترى كل نداء منها يعتبر قانونا منظما لناحية من نواحي ~~الحياة عند المسلمين فيما يختص بأنفسهم ، أو فيما يختص بعلاقتهم بغيرهم. # وسنفصل القول في هذه الآيات المشتملة على تلك النداءات عند تفسيرنا لها ~~إن شاء الله . # 3 أن السورة الكريمة حافلة بالحديث عن أحوال أهل الكتاب ، فقد تحدثت عن ~~عقائدهم الفاسدة ، وردت عليهم بما يبطل معتقداتهم بأسلوب منطقي رصين : ولم ~~تكتف بهذا بل PageV04P017 # أرشدتهم في كثير من آياتها إلى طريق الحق حتى يسلكوه ، وحتى لا يكون لهم ~~عذر يوم القيامة. وأمرت النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من آياتها أيضا أن ~~يكشف لهم عن ضلالهم وفسوقهم عن أمر ربهم. # ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@018 قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن ~~آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل ). # وقوله تعالى : ( @QUR@016 قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا ~~التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم ). # وقوله تعالى : ( @QUR@024 قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ، ~~ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل ، وأضلوا كثيرا ، وضلوا عن سواء ~~السبيل ). # وقد ذكرت السورة الكريمة كما سبق أن أشرنا ألوانا من مسالك اليهود ~~الخبيثة لكيد الدعوة الإسلامية ، كتحاكمهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~بقصد الوصول إلى الحق ، وإنما بقصد إظهاره بمظهر الجاهل بأحكام التوراة ~~ولكن الله تعالى خيب سعيهم ، وأبطل مكرهم ، وكاستهزائهم بالدين الإسلامى ~~وشعائره : # قال تعالى : ( @QUR@012 وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ، ذلك ~~بأنهم قوم لا يعقلون ). # كما ذكرت أيضا أنواعا من رذائلهم التي من أشنعها : نقضهم للعهود ~~والمواثيق ، ومسارعتهم في الإثم والعدوان ، وأكلهم أموال الناس بالباطل ، ~~وتكذيبهم للرسل تارة ، وقتلهم لهم تارة أخرى. # أما فيما يتعلق بالنصارى فقد تميزت سورة المائدة بالإفاضة في الحديث عنهم ~~بصورة لا تكاد توجد في غيرها بهذه السعة. # فقد تحدثت عن ms1518 عقائدهم الباطلة ، وعن أقوالهم الكاذبة في شأن عيسى ~~عليه السلام وفي شأن أمه مريم ، وردت عليهم بما يدحض حجتهم ، وبما يرشدهم ~~إلى الصراط المستقيم. # وقد أنصفت السورة من يستحق الإنصاف منهم ، وبشرت أولئك الذين اتبعوا الحق ~~منهم بالثواب الجزيل من الله تعالى. # 4 أن الذي ينظر في الأحكام والتشريعات والتوجيهات التي اشتملت عليها سورة ~~المائدة يراها تمتاز بأنها أحكام نهائية لا تقبل النسخ. # وخذ على سبيل المثال ما ورد في هذه السورة بشأن تحريم الخمر ، فإنك تراه ~~قاطعا وحاسما في التحريم. PageV04P018 # فلقد مر تحريم الخمر بمراحل كان أولها قوله تعالى في سورة البقرة : ( ~~@QUR@08 يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ) (الآية 219). # وكان ثانيها قوله تعالى في سورة النساء : ( @QUR@013 يا أيها الذين آمنوا ~~لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ) (الآية 43). # وكان آخرها قوله تعالى هنا في سورة المائدة : ( @QUR@036 يا أيها الذين ~~آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ~~لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر ~~والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ). # والسر في أن الأحكام الشرعية التي وردت في هذه السورة تعتبر نهائية ولا ~~تقبل النسخ. أن معظم آياتها كما سبق أن ذكرنا كان من آخر ما نزل على النبي ~~صلى الله عليه وسلم من قرآن ، وكان نزول كثير من آياتها بعد أن انزوى الشرك في ~~مخابئه ، وصار المسلمون في قوة ومنعة ، كانوا بها أصحاب السلطان في مكة وفي ~~بيت الله الحرام ، دون أن يتعرض لهم متعرض ، أو ينازعهم منازع ، فقد تم فتح ~~مكة ودخل الناس في دين الله أفواجا. # ولهذا فأنت لا ترى السورة الكريمة تتحدث عن الشرك أو عن المشركين ، أو عن ~~الجهاد في سبيل الله وما يتعلق به من حض عليه ومن أحكام تختص به. # وإنما سورة المائدة تتحدث عن قضايا أخرى كان المسلمون في حاجة إليها عند ~~نزولها. ومن أهم هذه القضايا : حث المؤمنين على التزام العهود والمواثيق ~~وتحذيرهم من ms1519 الإخلال بشيء منها ، وإنزال التشريعات التي هم في حاجة إليها ~~بعد أن تم لهم النصر على أعدائهم ، وإرشادهم إلى طرق المحاجة والمناقشة ~~التي يردون بها على ما يثيره أهل الكتاب من شبهات حول تعاليم الإسلام ~~وآدابه وتشريعاته. وبيان وجه الحق فيما حكته السورة عن أهل الكتاب من أقوال ~~باطلة ، ومن معتقدات فاسدة. # أما فيما يتعلق بالشرك والمشركين أو بالجهاد في سبيل الله ، فلم يكن ~~مقتضى حال المسلمين يستدعى الكلام في ذلك ، لأن نزول معظمها كان بعد أن تم ~~للمسلمين النصر على أعدائهم ، وبعد أن أصبحت كلمتهم هي العليا ، وكلمة ~~المشركين هي السفلى. # وقد تكفلت السور المدنية الأخرى التي نزلت قبل سورة المائدة بالحديث ~~المستفيض عن الشرك وعن المشركين ، وعن الحض على الجهاد في سبيل الله ، وعن ~~غير ذلك من القضايا التي تقتضيها حالة المسلمين. PageV04P019 # وبعد : فهذا تمهيد بين يدي السورة الكريمة تعرضنا خلاله لمكان نزولها ~~ولزمانه ، ولوجه تسميتها بسورة المائدة. وللمقاصد الإجمالية التي اشتملت ~~عليها وللأمور البارزة فيها. # وقد قصدنا بهذا التمهيد إعطاء القارئ الكريم فكرة واضحة عن هذه السورة ، ~~قبل البدء في تفسير آياتها بالتفصيل والتحليل. والله الهادي إلى سواء ~~السبيل. PageV04P020 ### ||| * تفسير سورة المائدة ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@024 يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام ~~إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد ) (1) # وقوله : ( @QUR@01 أوفوا ) من الإيفاء. ومعناه : الإتيان بالشيء وافيا ~~تاما لا نقص فيه ، ولا نقص معه. يقال وفي بالعهد وأوفى به إذا أدى ما التزم به. # قال صاحب الانتصاف : ورد في الكتاب العزيز ( @QUR@01 وفى ) بالتضعيف في ~~قوله تعالى : ( @QUR@03 وإبراهيم الذي وفى ). وورد «أوفى» كثيرا. ومنه ( ~~@QUR@02 أوفوا بالعقود ). وأما ( @QUR@01 وفى ) ثلاثيا فلم يرد إلا في ~~قوله تعالى : ( @QUR@05 ومن أوفى بعهده من الله ) لأنه بنى أفعل التفضيل من ~~«وفى» : إذ لا يبنى إلا من ثلاثي» (1). # والعقود : جمع عقد بفتح العين . وهو العهد الموثق. # قال الراغب : الجمع بين أطراف الشيء. ويستعمل ذلك في الأجسام الصلبة كعقد ~~الحبل ، وعقد البناء. ثم يستعار ms1520 ذلك للمعاني نحو عقد البيع والعهد وغير هما ~~: فيقال : عاقدته ، وعقدته ، وتعاقدنا. # وهو مصدر استعمل اسما فجمع نحو. ( @QUR@02 أوفوا بالعقود ) (2). # وقد فرق بعضهم بين العقد والعهد فقال : «والعقود جمع عقد وهو بمعنى ~~المعقود وهو أوكد العهود. والفرق بين العقد والعهد أن العقد فيه معنى ~~الاستيثاق والشد ، ولا يكون إلا بين متعاقدين. والعهد قد ينفرد به الواحد. ~~فكل عقد عهد ولا يكون كل عهد عقدا» (3). PageV04P021 # والمراد بالعقود هنا : ما يشمل العقود التي عقدها الله علينا وألزمنا بها ~~من الفرائض والواجبات والمندوبات ، وما يشمل العقود التي تقع بين الناس ~~بعضهم مع بعض في معاملاتهم المتنوعة وما يشمل العهود التي يقطعها الإنسان ~~على نفسه ، والتي لا تتنافى مع شريعة الله تعالى . # وبعضهم يرى أن المراد بالعقود هنا : ما يتعاقد عليه الناس فيما بينهم ~~كعقود البيع وعقود النكاح. # وبعضهم يرى أن المراد بها هنا : العهود التي كانت تؤخذ في الجاهلية على ~~النصرة والمؤازرة للمظلوم حتى ينال حقه. # والأول أولى لأنه أليق بعموم اللفظ ، إذ هو جمع محلى بأل المفيدة للجنس ~~وأوفى بعموم الفائدة. # قال القرطبي : والمعنى : أوفوا بعقد الله عليكم ، وبعقدكم بعضكم على بعض. ~~وهذا كله راجع إلى القول بالعموم وهو الصحيح في الباب. قال صلى الله عليه وسلم ~~: «المؤمنون عند شروطهم». وقال : «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن ~~كان مائة شرط». # فبين أن الشرط أو العقد الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله : أى : دين ~~الله. فإن ظهر فيها ما يخالف رد ، كما قال صلى الله عليه وسلم : «من عمل عملا ~~ليس عليه أمرنا فهو رد» (1). # والبهيمة : اسم لذوات الأربع من دواب البر والبحر. # قال الفخر الرازي : قالوا كل حي لا عقل له فهو بهيمة من قولهم : استبهم ~~الأمر على فلان إذا أشكل عليه. وهذا باب مبهم أى : مسدود الطريق. ثم اختص ~~هذا الاسم بكل ذات أربع في البر والبحر». # والأنعام جمع نعم بفتحتين وأكثر ما يطلق على الإبل ، لأنها أعظم نعمة عند ~~العرب. والمراد بالأنعام هنا : ما يشمل ms1521 الإبل والبقر والغنم ويلحق بها كل ~~حيوان أو طير يتغذى من النبات ، ولم يرد نص بتحريمه فيدخل الظبى وحمار ~~الوحش وغير هما من آكلات العشب ، كما تدخل الطيور غير الجارحة وإضافة ~~البهيمة إلى الأنعام إضافة بيانية من إضافة الجنس إلى ما هو أخص منه كشجر ~~الأراك ، وثوب الخز. # أى : أحل الله لكم أيها المؤمنون الانتفاع ببهيمة الأنعام. وهذا الانتفاع ~~بلحمها وجلدها وعظمها وصوفها وما أشبه ذلك مما أحله الله منها. PageV04P022 # قال الآلوسى ما ملخصه : وقال غير واحد : البهيمة اسم لكل ذات أربع من ~~دواب البر والبحر. وإضافتها إلى الأنعام للبيان كثوب خز. أى : أحل لكم أكل ~~البهيمة من الأنعام. وهي الأزواج الثمانية المذكورة في سورتها. # وأفردت البهيمة لإرادة الجنس : وجمع الأنعام ليشمل أنواعها. وألحق بها ~~الظباء وبقر الوحش. وقيل : هما المراد بالبهيمة ونحو هما مما يماثل الأنعام ~~في الاجترار وعدم الأنياب. وإضافتها إلى الأنعام حينئذ لملابسة المشابهة ~~بينهما. # وقيل : المراد ببهيمة الأنعام : ما يخرج من بطونها من الأجنة بعد ذكاتها ~~وهي ميتة ، فيكون مفاد الآية صريحا حل أكلها. وبه قال الشافعى (1). # وقوله : ( @QUR@04 إلا ما يتلى عليكم ) استثناء مما أحله سبحانه لهم من ~~بهيمة الأنعام. أى : أحل الله لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم بعد ذلك ~~في كتابه أو على لسان رسوله فإنه محرم عليكم. # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@04 إلا ما يتلى عليكم ) أى يقرأ عليكم ~~في القرآن والسنة من قوله تعالى في الآية الثالثة من السورة نفسها ( ~~@QUR@04 حرمت عليكم الميتة والدم ).. إلخ ، وقوله صلى الله عليه وسلم «كل ذي ~~ناب من السباع فأكله حرام». # فإن قيل : الذي يتلى علينا الكتاب وليس السنة؟ قلنا : كل سنة لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فهي كتاب الله. والدليل عليه أمران : # أحدهما : حديث العسيف «لأقضين بينكما بكتاب الله» والرجم ليس منصوصا عليه ~~في كتاب الله. # الثاني : حديث عبد الله بن مسعود : «ومالي لا ألعن من لعن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله. # ويحتمل : إلا ما يتلى عليكم الآن. أو ms1522 ما يتلى عليكم فيما بعد من مستقبل ~~الزمان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون فيه دليل على جواز تأخير ~~البيان عن وقت لا يفتقر فيه إلى تعجيل الحاجة. # وقوله : ( @QUR@05 غير محلي الصيد وأنتم حرم ) بيان لما حرم عليهم في ~~أحوال معينة ، وبسبب أمور اقترنت به. # وقوله : ( @QUR@01 حرم ) جمع حرام. يقال. أحرم الرجل فهو محرم وحرام وهم حرم. PageV04P023 # وقوله : ( @QUR@01 محلي ) جمع محل بمعنى مستحل. والصيد مصدر بمعنى ~~الاصطياد. أو اسم للحيوان المصيد. # وقوله : ( @QUR@03 غير محلي الصيد ) حال من الضمير في ( @QUR@01 لكم ). # وقوله : ( @QUR@02 وأنتم حرم )، حال من الضمير في ( @QUR@01 محلي ) ~~والمعنى : يا أيها الذين آمنوا كونوا أوفياء بعهودكم مع الله ومع أنفسكم ~~ومع غيركم ، فقد أحل الله تعالى بهيمة الأنعام لتنتفعوا بها فضلا منه وكرما ~~، إلا أنه سبحانه حرم عليكم أشياء رحمة بكم فاجتنبوها ، كما حرم عليكم ~~الاصطياد أو الانتفاع بالمصيد وأنتم محرمون بحج أو عمرة ، سواء كنتم في ~~الحل أم كنتم في الحرم ، ويدخل في حكم المحرم من كان في الحرم وليس محرما. # وذلك لأن المحرم أو من كان في أرض الحرم يجب عليه أن يكون مشتغلا بما ~~يرضى الله ، وأن يحترم هذه الأماكن المقدسة التي جعلها الله أماكن أمان ، ~~واطمئنان وعبادة لله رب العالمين. # وقد دعا الله تعالى المؤمنين إلى الوفاء بالعقود وناداهم بوصف الإيمان ، ~~ليحثهم على امتثال ما كلفهم به ، لأن الشأن في المؤمن أن يمتثل لما أمره ~~الله به أو لما نهاه عنه. # روى ابن أبى حاتم ، أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود فقال : اعهد إلى. فقال ~~له : إذا سمعت الله يقول ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا ) فارعها سمعك فإنه ~~خير يأمر به ، أو شر ينهى عنه وقوله : ( @QUR@05 إن الله يحكم ما يريد ) ~~تذييل قصد به بيان مشيئة الله النافذة ، وإرادته الشاملة ، وحكمه الذي لا ~~يعقب عليه معقب. # أى : إن الله يحكم بما يريد أن يحكم به من الأحكام التي تتعلق بالحلال ~~وبالحرام وبغيرهما ، بمقتضى مشيئته المبنية على الحكم البالغة ، دون أن ~~ينازعه منازع ، أو ms1523 يعارضه معارض ، فاستجيبوا أيها المؤمنون لحكمه لتنالوا ~~السعادة في الدنيا والآخرة. # هذا ، وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة وجوب الوفاء بالعهود التي ~~شرعها الله تعالى وهذا المعنى ترى سورة المائدة زاخرة به في كثير من ~~آياتها. # فأنت ترى في مطلعها هذه الآية الكريمة التي تحض على الوفاء بالعقود ، ثم ~~ترى الآية الثانية منها تنهى عن الإخلال بشيء من شعائر الله ، ثم تراها بعد ~~ذلك بقليل تذكر المؤمنين بنعم الله عليهم وبميثاقه الذي واثقهم به : ( ~~@QUR@08 واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به ). ثم تحكى أن من ~~الأسباب التي أدت إلى طرد بنى إسرائيل من رحمة الله ، نقضهم لمواثيقهم. ( ~~@QUR@04 فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم ). PageV04P024 # وهكذا نرى السورة الكريمة حافلة بالتوجيهات التي تحض المؤمنين على التزام ~~العهود والمواثيق التي شرعها الله وتحذرهم عاقبة إهمالها ، أو الإخلال بشيء منها. # كما أخذ العلماء منها حل بهيمة الأنعام من جهة الانتفاع بلحومها وجلودها ~~وأصوافها. وحرمة ما حرم الله تعالى منها في مواطن أخرى. # كما أخذوا منها حرمة الاصطياد أو الانتفاع بالمصيد على من كان محرما بحج ~~أو عمرة ، وعلى من كان في أرض الحرم ولو لم يكن محرما. # قال القرطبي : وهذه الآية تلوح فصاحتها. وكثرة معانيها على قلة ألفاظها ~~لكل ذي بصيرة بالكلام فإنها تضمنت خمسة أحكام : # الأول : الأمر بالوفاء بالعقود. # الثاني : تحليل بهيمة الأنعام. # الثالث : استثناء ما يلي بعد ذلك. # الرابع : استثناء حال الإحرام فيما يصاد. # الخامس : ما تقتضيه الآية من إباحة الصيد لمن ليس بمحرم. # وحكى النقاش أن أصحاب الكندي قالوا له : أيها الحكيم اعمل لنا شيئا مثل ~~هذا القرآن فقال : نعم أعمل مثل بعضه. فاحتجب أياما كثيرة ثم خرج فقال : ~~والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد. إنى فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة. ~~فنظرت فإذا هو نطق بالوفاء ونهى عن النكث ، وحلل تحليلا عاما ، ثم استثنى ~~استثناء بعد استثناء ، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين ، ولا يقدر أحد أن ~~يأتى بهذا (1). # وبعد أن أشار سبحانه إلى ما أحل لعباده من طيبات ms1524 ، وما حظره عليهم من ~~أفعال ، أتبع ذلك بنداء آخر إليهم نهاهم فيه عن استحلال أشياء معينة فقال ~~تعالى : # ( @QUR@027 يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ~~ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا ~~وإذا حللتم فاصطادوا PageV04P025 # @QUR@026 ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ~~وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن ~~الله شديد العقاب ) (2) # وقوله : ( @QUR@02 لا تحلوا ) من الإحلال الذي هو ضد التحريم. ومعنى عدم ~~إحلالهم لشعائر الله : تقرير حرمتها عملا واعتقادا ، والالتزام بها ~~بالطريقة التي قررتها شريعة الله. # والشعائر : جمع شعيرة على وزن فعيلة وهي في الأصل ما جعلت شعارا على ~~الشيء وعلامة عليه من الإشعار بمعنى الإعلام. وكل شيء اشتهر فقد علم. يقال ~~: شعرت بكذا. أى علمته. # والمراد بشعائر الله هنا : حدوده التي حدها ، وفرائضه التي فرضها وأحكامه ~~التي أوجبها على عباده. # ويرى بعضهم أن المراد بشعائر الله هنا : مناسك الحج وما حرمه فيه من لبس ~~للثياب في أثناء الإحرام. ومن غير ذلك من الأفعال التي نهى الله عن فعلها ~~في ذلك الوقت فيكون المعنى. لا تحلوا ما حرم عليكم حال إحرامكم. # والقول الأول أولى لشموله جميع التكاليف التي كلف الله بها عباده. وقد ~~رجحه ابن جرير بقوله : وأولى التأويلات بقوله : ( @QUR@04 لا تحلوا شعائر ~~الله ) قول من قال : لا تحلوا حرمات الله ، ولا تضيعوا فرائضه. فيدخل في ~~ذلك مناسك الحج وغير ذلك من حدوده وفرائضه وحلاله وحرامه. # وإنما قلنا ذلك القول أولى ، لأن الله نهى عن استحلال شعائره ومعالم ~~حدوده وإحلالها ، نهيا عاما من غير اختصاص شيء من ذلك دون شيء. فلم يجز ~~لأحد أن يوجه معنى ذلك إلى الخصوص إلا بحجة يجب التسليم لها ولا حجة بذلك» (1). # وأضاف سبحانه الشعائر إليه. تشريفا لها ، وتهويلا للعقوبة التي تترتب على ~~التهاون بحرمتها. وعلى مخالفة ما أمر الله به في شأنها. # وقوله. ( @QUR@03 ولا الشهر الحرام ) معطوف على شعائر الله. والمراد به ~~الجنس. فيدخل ms1525 في ذلك PageV04P026 # جميع الأشهر الحرم. وهي أربعة : ذو القعدة ، وذو الحجة والمحرم ، ورجب. # وسمى الشهر حراما : باعتبار أن إيقاع القتال فيه حرام. # أى : لا تحلوا أيها المؤمنون القتال في الشهر الحرام ، ولا تبدأوا ~~أعداءكم فيه بقتال. # قال ابن كثير : يعنى بقوله : ( @QUR@03 ولا الشهر الحرام ) تحريمه ، ~~والاعتراف بتعظيمه ، وترك ما نهى الله عن تعاطيه فيه ، من الابتداء بالقتال ~~كما قال تعالى ( @QUR@010 يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه. قل قتال فيه ~~كبير ). وقال تعالى ( @QUR@08 إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا ) وفي ~~صحيح البخاري عن أبى بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع ~~: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض والسنة اثنا ~~عشر شهرا. منها أربعة حرم». وهذا يدل على استمرار تحريمها إلى آخر وقت. كما ~~هو مذهب طائفة من السلف. # وذهب الجمهور إلى أن ذلك منسوخ. وأنه يجوز ابتداء القتال في الأشهر ~~الحرم. واحتجوا بقوله ( @QUR@08 فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم ). # والمراد أشهر التسيير الأربعة. قالوا : فلم يستثن شهرا حراما من غيره (1). # والمقصود بالهدى في قوله ( @QUR@02 ولا الهدي ) ما يتقرب به الإنسان إلى ~~الله من النعم ليذبح في الحرم ، وهو جمع هدية بتسكين الدال ، أى : ولا ~~تحلوا حرمة ما يهدى إلى البيت الحرام من الأنعام تقربا إلى الله تعالى بأن ~~تتعرضوا له بنحو غصب وسرقة أو حبس عن بلوغه إلى محله. # وخص ذلك بالذكر مع دخوله في الشعائر ، لأن فيه نفعا للناس ، لأنه قد ~~يتساهل فيه أكثر من غيره ، ولأن في ذكره تعظيما لشأنه. # وقوله : ( @QUR@02 ولا القلائد ) جمع قلادة ، وهي ما يقلد به الهدى ليعلم ~~أنه مهدى إلى البيت الحرام فلا يتعرض له أحد بسوء. وقد كانوا يضعون في ~~أعناق الهدى ضفائر من صوف ، ويربط بعنقها نعلان أو قطعة من لحاء الشجر أو ~~غيرهما ليعلم أنه هدى فلا يعتدى عليه. # والمراد : ولا تحلوا ذوات القلائد من الهدى بأن تتعرضوا لها بسوء. # وخصت بالذكر مع أنها من الهدى تشريفا لها واعتناء ms1526 بشأنها ، لأن الثواب ~~فيها أكثر ، وبهاء الحج بها أظهر. فكأنه قيل : لا تحلوا الهدى وخصوصا ذوات ~~القلائد منه. # ويجوز أن يراد النهى عن التعرض لنفس القلائد مبالغة في النهى عن التعرض ~~لذواتها أى : لا تتعرضوا لقلائد الهدى فضلا عن ذاته. PageV04P027 # وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذين الوجهين بقوله : وأما القلائد ففيها وجهان : # أحدهما : أن يراد بها ذوات القلائد من الهدى وهي البدن. وتعطف على الهدى ~~للاختصاص وزيادة التوصية بها لأنها أشرف الهدى كقوله ( @QUR@02 وجبريل ~~وميكال ) كأنه قيل : والقلائد منها خصوصا. # والثاني : أن ينهى عن التعرض لقلائد الهدى مبالغة في النهى عن التعرض ~~للهدى. على معنى : ولا تحلوا قلائدها فضلا عن أن تحلوها. كما قال ( @QUR@03 ~~ولا يبدين زينتهن ) فنهى عن إبداء الزينة مبالغة في النهى عن إبداء ~~مواقعها» (1). # وقوله : ( @QUR@09 ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا ) ~~معطوف على قوله : # ( @QUR@04 لا تحلوا شعائر الله ). # وقوله : ( @QUR@01 آمين ) جمع آم من الأم وهو القصد المستقيم. يقال : ~~أممت كذا أى : قصدته أى : ولا تحلوا أذى قوم قاصدين زيارة البيت الحرام بأن ~~تصدوهم عن دخوله حال كونهم يطلبون من ربهم ثوابا. ورضوانا لتعبدهم في بيته ~~المحرم. # ولكن ما المراد بهؤلاء الآمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا؟ # قال بعضهم : المراد بهم المسلمون الذين يقصدون بيت الله للحج والزيارة. ~~فلا يجوز لأحد أن يمنعهم من ذلك بسبب نزاع أو خصام لأن بيت الله تعالى ~~مفتوح للجميع وعلى هذا يكون التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم ~~في قوله ( @QUR@02 من ربهم ) للتشريف والتكريم. # وجملة ( @QUR@05 يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا ) حال من الضمير المستكن في ~~قوله ( @QUR@01 آمين ). وقد جيء بها لبيان مقصدهم الشريف ، ومسعاهم ~~الجليل. # أى : قصدوا البيت الحرام يبتغون رزقا أو ثوابا من ربهم ، ويبتغون ما هو ~~أكبر من كل ذلك وهو رضاه سبحانه عنهم وعلى هذا القول تكون الآية الكريمة ~~محكمة ولا نسخ فيها ، وتكون توجيها عاما من الله تعالى لعباده بعدم التعرض ~~بأذى لمن يقصد زيارة المسجد الحرام من إخوانهم المؤمنين ، مهما حدث ms1527 بينهم ~~من نزاع أو محلاف. # وقال آخرون : المراد بهم المشركون. واستدلوا بما رواه ابن جرير عن السدى ~~من أن الآية PageV04P028 # نزلت في رجل من بنى ربيعة يقال له الحطيم بن هند ، وذلك أنه أتى إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فسأله إلام تدعو؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ~~أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله ، فقال له : حسن ما تدعو ~~إليه إلا أن لي أمراء لا أقطع أمرا دونهم ، ولعلى أسلم وآتى بهم. فلما خرج ~~مر بسرح من سرح المدينة فساقه وانطلق به. # ثم أقبل من العام القادم حاجا ومعه تجارة عظيمة. فسأل المسلمون النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يأذن لهم في التعرض له. فأبى النبي صلى الله عليه وسلم ثم ~~نزلت الآية» (1). # وعلى هذا القول يفسر ابتغاء الفضل بمطلق الرزق عن طريق التجارة. وابتغاء ~~الرضوان بأنهم كانوا يزعمون أنهم على سداد من دينهم ، وأن الحج يقربهم من ~~الله ، فوصفهم سبحانه على حسب ظنهم وزعمهم. ثم نسخ ذلك بقوله تعالى ( ~~@QUR@010 إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ). # وعليه يكون ابتغاء الفضل والرضوان عاما الدنيوي والأخروى ولو في زعم ~~المشركين. # والذي نراه أولى هو القول الأول ، لأن الآية الكريمة مسوقة لبيان ما يجب ~~على المؤمنين أن يفعلوه نحو شعائر الله التي هي حدوده وفرائضه ومعالم دينه ~~، ولأن قوله تعالى : ( @QUR@05 يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا ) هذا الوصف ~~إنما يليق بالمسلم دون الكافر ، إذ المسلمون وحدهم الذين يقصدون بحجهم ~~وزيارتهم لبيت الله الثواب والرضوان منه سبحانه . # قال الفخر الرازي : «أمرنا الله في هذه الآية أن لا نخيف من يقصد بيته من ~~المسلمين ، وحرم علينا أخذ الهدى من المهدين إذا كانوا مسلمين. والدليل ~~عليه أول الآية وآخرها. # أما أول الآية فهو : ( @QUR@04 لا تحلوا شعائر الله ) وشعائر الله إنما ~~تليق بنسك المسلمين وطاعتهم لا بنسك الكفار. # وأما آخر الآية فهو قوله : ( @QUR@05 يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا ) وهذا ~~إنما يليق بالمسلم لا بالكافر» (2). # وبذلك نرى الآية ms1528 الكريمة قد نهت المؤمنين عن استحلال اى شيء من الشعائر ~~التي حرم الله تعالى استحلالها ، وخصت بالذكر هذه الأمور الأربعة التي عطفت ~~عليها اهتماما بشأنها وزجرا للنفوس عن انتهاك حرمتها ، لأن هذه الأمور ~~الأربعة منها ما ترغب فيه النفوس بدافع PageV04P029 # شهوة الانتقام ، ومنها ما ترغب فيه النفوس بدافع المتعة والميل القلبي ، ~~ومنها ما ترغب فيه النفوس بدافع الطمع وحب التملك. # ثم أتبع سبحانه هذا النهى ببيان جانب من مظاهر فضله. حيث أباح لهم الصيد ~~بعد الانتهاء من إحرامهم فقال : ( @QUR@03 وإذا حللتم فاصطادوا ). # أى : وإذا خرجتم من إحرامكم أبيح لكم الصيد ، وأبيح لكم أيضا كل ما كان ~~مباحا لكم قبل الإحرام. # وإنما خص الصيد بالذكر ، لأنهم كانوا يرغبون فيه كثيرا. كبيرهم وصغيرهم ، ~~وغنيهم وفقيرهم. والإشارة إلى أن الذي ينبغي الحرص عليه هو ما يعد قوتا ~~تندفع به الحاجة فقط لا ما يكون من الكماليات ولا ما يكون إرضاء للشهوات. # والأمر في قوله : ( @QUR@01 فاصطادوا ) للإباحة ، لأنه ليس من الواجب على ~~المحرم إذا حل من إحرامه أن يصطاد. بل يباح له ذلك كما كان الشأن قبل ~~الإحرام ومثله قوله تعالى ( @QUR@06 فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ) ~~أى : أبيح لكم ذلك بعد الفراغ من الصلاة. # ثم نهى سبحانه المؤمنين على أن يحملهم البغض السابق لقوم لأنهم صدوهم عن ~~المسجد الحرام على أن يمنعوهم من دخوله كما منعهم من دخوله أولئك القوم ~~فقال تعالى : ( @QUR@011 ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام ~~أن تعتدوا ). # والجملة الكريمة معطوفة على قوله : ( @QUR@04 لا تحلوا شعائر الله ) ~~لزيادة تقرير مضمونه. # ومعنى ( @QUR@02 ولا يجرمنكم ) ولا يحملنكم مأخوذ من جرمه على كذا إذا ~~حمله عليه ، أو معناه : ولا يكسبنكم من جرم بمعنى كسب ، غير أنه في كسب ما ~~لا خير فيه ومنه الجريمة. # وأصل الجرم : قطع الثمرة من الشجرة ، أطلق على الكسب ، لأن الكاسب ينقطع لكسبه. # قال صاحب الكشاف : جرم يجرى مجرى «كسب» في تعديه إلى مفعول واحد واثنين. # تقول : جرم ذنبا نحو كسبه وجرمته ذنبا ، نحو كسبته إياه. ويقال ms1529 : أجرمته ~~ذنبا ، على نقل المتعدى إلى مفعول بالهمزة إلى مفعولين. كقولهم : أكسبته ~~ذنبا» (1). # والشنآن : البغض الشديد. يقال : شنئت الرجل أشنؤه شنأ وشنأة وشنآنا إذا ~~أبغضته بغضا شديدا. PageV04P030 # والمعنى : ولا يحملنكم أيها المؤمنون بغضكم الشديد لقوم بسبب أنهم منعوكم ~~من دخول المسجد الحرام ، لا يحملنكم ذلك على أن تعتدوا عليهم ، فإن الشرك ~~إذا كان يبرر هذا العمل ، فإن الإسلام وهو دين العدل والتسامح لا يبرره ولا ~~يقبله ، ولكن الذي يقبله الإسلام هو احترام المسجد الحرام ، وفتح الطريق ~~إليه أمام الناس حتى يزداد المؤمن إيمانا ، ويفيء العاصي إلى رشده وصوابه. # قال ابن كثير : وقوله : ( @QUR@04 ولا يجرمنكم شنآن قوم ) أى : ولا ~~يحملنكم بغض قوم ، «قد كانوا صدوكم عن المسجد الحرام وذلك عام الحديبية ، ~~على أن تعتدوا حكم الله فيهم فتقتصوا منهم ظلما وعدوانا ، بل احكموا بما ~~أمركم الله به من العدل في حق كل أحد .. فإن العدل واجب على كل أحد. في كل ~~أحد ، وفي كل حال. والعدل ، به قامت السموات والأرض. # وقال بعض السلف : ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه. # وعن زيد بن أسلم ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~بالحديبية ، حين صدهم المشركون عن البيت ، وقد اشتد ذلك عليهم ، فمر بهم ~~ناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة. فقال الصحابة. نصد هؤلاء كما ~~صدنا أصحابهم ، فنزلت هذه الآية» (1). # وقوله : ( @QUR@02 شنآن قوم ) مصدر مضاف لمفعوله. أى : لا يحملنكم بغضكم قوما. # وقوله : ( @QUR@02 أن صدوكم ) بفتح همزة أن مفعول لأجله بتقدير اللام. أى ~~: لأن صدوكم. فهو متعلق بالشنآن. # وقوله ( @QUR@02 أن تعتدوا ) في موضع نصب على أنه مفعول به. # أى : لا يحملنكم بغضكم قوما لصدهم إياكم عن المسجد الحرام الاعتداء عليهم. # وقراءة ( @QUR@02 أن صدوكم ) بفتح الهمزة هي قراءة الجمهور ، وهي تشير ~~إلى أن الصد كان في الماضي ، وهي واضحة ولا إشكال عليها. # قال الجمل : وفي قراءة لأبى عمرو وابن كثير بكسر همزة أن على أنها شرطية ~~وجواب الشرط دل عليه ما قبله. وفيها إشكال من حيث ms1530 إن الشرط يقتضى أن الأمر ~~المشروط لم يقع. مع أن الصد كان قد وقع. لأنه كان في عام الحديبية وهي سنة ~~ست. والآية نزلت عام الفتح سنة ثمان ، وكانت مكة عام الفتح في أيدى ~~المسلمين فكيف يصدون عنه؟ وأجيب بوجهين : # أو لهما : لا نسلم أن الصد كان قبل نزول الآية فإن نزولها عام الفتح غير ~~مجمع عليه. PageV04P031 # والثاني : أنه وإن سلمنا أن الصد كان متقدما على نزولها فيكون المعنى : ~~إن وقع صد مثل ذلك الصد الذي وقع عام الحديبية فلا تعتدوا (1). # قال بعضهم : وهذا لا يمنع من الجزاء على الاعتداء بالمثل ، لأن النهى عن ~~استئناف الاعتداء على سبيل الانتقام ، فإن من يحمله البغض والعداوة على ~~الاعتداء على من يبغضه يكون منتصرا لنفسه لا للحق. وحينئذ لا يراعى ~~المماثلة ولا يقف عند حدود العدل» (2). # ثم أمر الله تعالى عباده بالتعاون على فعل الخيرات وعلى ترك المنكرات ~~فقال : ( @QUR@09 وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم ~~والعدوان ). # والبر معناه : التوسع في فعل الخير ، وإسداء المعروف إلى الناس. # والتقوى تصفية النفس وتطهيرها وإبعادها عن كل ما نهى الله عنه. # قال القرطبي : قال الماوردي : ندب الله تعالى إلى التعاون بالبر ، وقرنه ~~بالتقوى له ، لأن في التقوى رضا الله ، وفي البر رضا الناس. ومن جمع بين ~~رضا الله ورضا الناس فقد تمت سعادته وعمت نعمته. # والإثم كما يقول الراغب اسم للأفعال المبطئة عن الثواب وجمعه آثام ، ~~والآثم هو المتحمل للإثم. ثم أطلق على كل ذنب ومعصية. # والعدوان : تجاوز الحدود التي أمر الشارع الناس بالوقوف عندها. # أى : وتعاونوا أيها المؤمنون على كل ما هو خير وبر وطاعة لله تعالى ، ولا ~~تتعاونوا على ارتكاب الآثام ولا على الاعتداء على حدوده ، فإن التعاون على ~~الطاعات والخيرات يؤدى إلى السعادة ، أما التعاون على ما يغضب الله تعالى ~~فيؤدى إلى الشقاء. # قال الآلوسى : والجملة عطف على قوله ( @QUR@02 ولا يجرمنكم ) من حيث ~~المعنى ، فكأنه قيل : لا تعتدوا على قاصدي المسجد الحرام لأجل أن صدوكم عنه ~~، وتعاونوا على العفو والإغضاء. # وقال بعضهم ms1531 : هو استئناف ، والوقف على ( @QUR@02 أن تعتدوا ) لازم. # هذا ، وفي معنى هذه الجملة الكريمة وردت أحاديث كثيرة منها ما رواه مسلم ~~عن أبى مسعود الأنصاري قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا ~~رسول الله إنى أبدع بي أى : هلكت دابتي التي أركبها فاحملني فقال : «ما ~~عندي». فقال رجل : يا رسول الله ، أنا أدله على من يحمله PageV04P032 # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» (1) ~~وروى الإمام مسلم أيضا عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~«من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم ~~شيئا. ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه. لا ينقص ذلك ~~من آثامهم شيئا» (2). # وقوله تعالى ( @QUR@06 واتقوا الله إن الله شديد العقاب ) تذييل قصد به ~~إنذار الذين يتعاونون على الإثم والعدوان. أى : اتقوا الله أيها الناس ~~واخشوه فيما أمركم ونهاكم ، فإنه سبحانه شديد العقاب لمن خالف أمره ، ~~وانحرف عن طريقه القويم. # وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد نهت المؤمنين عن استحلال ما حرمه الله ~~عليهم من محارم ، وعن الإخلال بشيء من أحكامها ، كما نهتهم عن أن يحملهم ~~بغضهم لغيرهم على الاعتداء عليه وأمرتهم بأن يتعاونوا على فعل الخير الذي ~~ينفعهم وينفع غيرهم من الناس وعلى ما يوصلهم إلى طاعته سبحانه وحسن مثوبته ~~، ولا يتعاونوا على الأفعال التي يأثم فاعلها ، وعلى مجاوزة حدود الله ~~بالاعتداء على غيرهم. ثم حذرتهم في نهايتها من العقاب الشديد الذي ينزله ~~سبحانه بكل من عصاه ، وانحرف عن هداه. # ثم شرع سبحانه في بيان المحرمات التي أشار إليها قبل ذلك بقوله : ( ~~@QUR@04 إلا ما يتلى عليكم ) فبين ما يحرم أكله من الحيوان لأسباب معينة ~~فقال تعالى : # ( @QUR@044 حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ~~والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ~~ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم ms1532 يئس الذين كفروا من ~~دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت PageV04P033 # @QUR@017 عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير ~~متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم ) (3) # ففي هذه المحرمات يتلى في قوله تعالى ( @QUR@03 حرمت عليكم الميتة ).. # والميتة كما يقول ابن جرير كل ما له نفس أى دم ونحوه سائلة من دواب البر ~~وطيره ، مما أباح الله أكلها. أهليها ووحشيها فارقتها روحها بغير تذكية. # وقال : بعضهم : الميتة : هو كل ما فارقته الحياة من دواب البر وطيره بغير ~~تذكية شرعية ، مما أحل الله أكله» (1) أى : حرم الله عليكم أيها المؤمنون ~~أكل الميتة لخبث لحمها ، ببقاء بعض المواد الضارة في جسمها. # وقد أجمع العلماء على حرمة أكل الميتة ، أما شعرها وعظمها فقال الأحناف ~~بطهارتهما وبجواز الانتفاع بهما. وقال الشافعية بنجاستهما وبعدم جواز ~~استعمالهما. # وقد استثنى العلماء من الميتة المحرمة السمك والجراد. فقد أخرج البخاري ~~ومسلم وغيرهما من حديث ابن أبى أو في قال : «غزونا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد» (2). # وفيهما أيضا من حديث جابر ، «إن البحر ألقى حوتا ميتا فأكل منه الجيش. ~~فلما قدموا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : فقال : «كلوا رزقا أخرجه الله ~~لكم : أطعمونا منه إن كان معكم. فأتاه بعضهم بشيء منه» (3). # وعن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أحل لنا ميتتان ~~ودمان. فأما الميتتان فالسمك والجراد. وأما الدمان فالكبد والطحال» (4). # وثانى هذه المحرمات ما ذكره سبحانه في قوله : ( @QUR@01 والدم ) أى : ~~وحرم عليكم أكل الدم. # والمراد به : الدم المسفوح. أى السائل من الحيوان عند التذكية. لقوله ~~تعالى في آية PageV04P034 # أخرى ( @QUR@03 أو دما مسفوحا ) (1) وهي خاصة. والآية التي معنا عامة. ~~والخاص مقدم على العام. # وكان أهل الجاهلية يجعلونه في الماعز ويشوونه ويأكلونه ، فحرمه الله ~~تعالى لأنه يضر الأجسام. أما الدم الذي يكون جامدا بأصل خلقته كالكبد ~~والطحال فإنه حلال كما جاء في حديث ابن عمر الذي سقناه منذ قليل. # وثالث هذه المحرمات ما جاء في قوله تعالى ms1533 ( @QUR@02 ولحم الخنزير ) أى : ~~وحرم عليكم لحم الخنزير وكذلك شحمه وجلده وجميع أجزائه ، لأنه مستقذر تعافه ~~الفطرة ، وتتضرر به الأجسام. # وخص لحم الخنزير بالذكر مع أن جميع أجزائه محرمة لأنه هو المقصود بالأكل ~~قال ابن كثير ما ملخصه : وقوله تعالى : ( @QUR@02 ولحم الخنزير ) يعنى ~~إنسيه ووحشيه ، واللحم يعم جميع أجزائه حتى الشحم. كما هو المفهوم من لغة ~~العرب ، ومن العرف المطرد .. وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال : «إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. فقيل : يا رسول ~~الله ، أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن ، وتدهن بها الجلود. ~~ويستصبح بها الناس؟ فقال : لا. هو حرام : ثم قال : قاتل الله اليهود. إن ~~الله لما حرم شحومها جملوه أى أذابوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه» (2). # ورابع هذه المحرمات بينه سبحانه بقوله : ( @QUR@05 وما أهل لغير الله به ). # الإهلال : رفع الصوت عند رؤية الهلال ثم استعمل لرفع الصوت مطلقا. ومنه : ~~إهلال الصبى أى : صراخه بعد ولادته ، والإهلال بالحج أى رفع الصوت ~~بالتلبية. # وكانوا في الجاهلية إذا أرادوا ذبح ما قربوه إلى آلهتهم ، سموا عليها ~~أسماءها كاللات والعزى ورفعوا بها أصواتهم ، وسمى ذلك إهلالا. ثم توسع فيه ~~فقيل لكل ذابح : مهل سمى أو لم يسم. جهر بالتسمية أو لم يجهر. # والمعنى : وحرم عليكم سبحانه أن تأكلوا مما ذبح فذكر عليه عند ذبحه غير ~~اسم الله تعالى سواء اقتصر على ذكر غيره كقوله عند الذبح باسم الصنم فلان ، ~~أو باسم المسيح أو عزير أو فلان ، أو جمع بين ذكر الله وذكر غيره بالعطف ~~عليه كقوله : باسم الله واسم فلان. # أما إذا جمع الذابح بين اسم الله واسم غيره بدون عطف بأن قال : باسم الله ~~المسيح نبي الله ، أو باسم الله محمد رسول الله ، فالأحناف يجوزون الأكل من ~~الذبيحة ويعتبرون ذكر غير الله كلاما مبتدأ بخلاف العطف فإنه يكون نصا في ~~ذكر غير الله. PageV04P035 # وجمهور العلماء يحرمون الأكل من الذبيحة متى ذكر مع اسم الله آخر سواء ~~أكان ذلك بالعطف أم بدونه. # وذهب جماعة من ms1534 التابعين إلى تخصيص الغير بالأصنام ، وإلى حل ذبائح أهل ~~الكتاب مطلقا والتحريم هنا ليس لذات الحيوان ، بل لما صحبه من عمل فيه شرك ~~بالله تعالى ثم ذكر سبحانه أربعة أنواع أخرى من المحرمات فقال : ( @QUR@04 ~~والمنخنقة والموقوذة ، والمتردية ، والنطيحة ). # والمنخنقة : هي التي تموت خنقا إما قصدا بأن يخنقها آدمي. وإما اتفاقا ~~بأن يعرض لها من ذاتها ما يخنقها. # والموقوذة : هي التي تضرب بمثقل غير محدد كخشب أو حجر حتى تموت وكانوا في ~~الجاهلية يضربون البهيمة بالعصى حتى إذا ماتت أكلوها. # والوقذ : شدة الضرب. وفلان وقيذ أى : مثخن ضربا. ويقال : وقذه يقذه وقذا ~~: ضربه ضربا حتى استرخى وأشرف على الموت. # قال القرطبي : وفي صحيح مسلم عن عدى بن حاتم قال قلت يا رسول الله فإنى ~~أرمى بالمعراض الصيد فأصيب؟ والمعراض : وهو سهم يرمى به بلا ريش وأكثر ما ~~يصيب بعرض عوده دون حده فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «إذا رميت بالمعراض ~~فخزق أى نفذ وأسال الدم فكله. وإن أصاب بعرضه فلا تأكله». # والمتردية : هي التي تتردى أى : تسقط من أعلى إلى أسفل فتموت من التردي ~~مأخوذ من الردى بمعنى الهلاك سواء تردت بنفسها أم رداها غيرها. # والنطيحة : هي التي تنطحها أخرى فتموت من النطاح يقال : نطحه ينطحه ~~وينطحه أى أصابه بقرنه. # والمعنى : وحرم الله عليكم كذلك أيها المؤمنون الأكل من المنخنقة ، ~~والموقوذة ، والمتردية ، والنطيحة ، إذا ماتت كل واحدة من هذه الأنواع لهذه ~~الأسباب دون أن تذكوها ذكاة شرعية ، لأن الأكل منها في هذه الحالة يعود ~~عليكم بالضرر. # وتاسع هذه المحرمات ذكره سبحانه في قوله : ( @QUR@06 وما أكل السبع إلا ~~ما ذكيتم ). # المراد بالسبع كل ذي ناب وأظفار من الحيوان. كالأسد والنمر والذئب ونحوها ~~من الحيوانات المفترسة. # وقوله ( @QUR@01 ذكيتم ) من التذكية وهي الإتمام. يقال : ذكيت النار إذا ~~أتممت اشتعالها. PageV04P036 # والمراد هنا : إسالة الدم وفرى الأوداج في المذبوح ، والنحر في المنحور. # والمعنى : وحرم عليكم أيضا الأكل مما افترسه السبع حتى مات سواء أكل منه ~~أم لم يأكل ، إلا ما أدركتموه من هذه الأنواع وقد ms1535 بقيت فيه حياة يضطرب معها ~~اضطراب المذبوح وذكيتموه أى ذبحتموه ذبحا شرعيا : فإنه في هذه الحالة يحل ~~لكم الأكل منه. فقوله ( @QUR@03 إلا ما ذكيتم ) الاستثناء هنا يرجع إلى هذه ~~الأنواع الخمسة. # وقيل : إن الاستثناء هنا مختص بقوله : ( @QUR@03 وما أكل السبع ). # أى : وحرم عليكم ما أكل السبع بعضه فمات بسبب جرحه ، إلا ما أدركتموه حيا ~~فذكيتموه ذكاة شرعية فإنه في هذه الحالة يحل الأكل منه ، والأول أولى ، لأن ~~هذه الأنواع الخمسة تشترك في أنها تعلقت بها أحوال قد تفضى بها إلى الهلاك ~~، فإن هلكت بتلك الأحوال لم يبح أكلها لأنها حينئذ ميتة ، وإذا أدركت ~~بالذكاة في وقت تنفع فيه الذكاة لها جاز الأكل منها. # أما النوع العاشر من هذه المحرمات فيتجلى في قوله تعالى ( @QUR@04 وما ~~ذبح على النصب ) والنصب : جمع نصاب : ككتب وكتاب. أو جمع نصب كسقف وسقف. ~~ويصح أن يكون لفظ النصب واحدا وجمعه أنصاب مثل : طنب أطناب. # وعلى كل فهي حجارة كان الجاهليون ينصبونها حول الكعبة ، وكان عددها ~~ثلاثمائة وستين حجرا ، وكانوا يذبحون عليها قرابينهم التي يتقربون بها إلى ~~أصنامهم. ويعتبرون الذبح أكثر قربة إلى معبوداتهم متى تم على هذه النصب. ~~وليست هذه النصب هي الأوثان ، فإن النصب حجارة غير منقوشة بخلاف الأوثان ~~فإنها حجارة مصورة منقوشة. # والمعنى : وحرم عليكم سبحانه أن تأكلوا مما ذبح على النصب لأنه لم يتقرب ~~به إلى الله ، وإنما تقرب به إلى الأصنام وما تقرب به إلى غير الله فهو فسق ~~ورجس يجب البعد عنه. # هذه عشرة أنواع من المأكولان حرمت الآية الكريمة الأكل منها ، لما اشتملت ~~عليه من مضرة وأذى ، ولما صاحب بعضها من تقرب لغير الله ، ويكفى لتجنب ~~الأكل من هذه المطعومات أن الله تعالى قد حرمها ، لأنه سبحانه لا يحرم إلا ~~الخبائث. ومن شأن المؤمن الصادق في إيمانه أن يقف عند ما أحله الله تعالى وحرم. # ثم ذكر سبحانه نوعا من الأفعال المحرمة ، بعد ذكره لعشرة أنواع من ~~المطاعم المحرمة فقال : ( @QUR@05 وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق ). # وإنما ذكر سبحانه هذا الفعل ms1536 المحرم مع جملة المطاعم المحرمة ، لأنه مما ~~ابتدعه أهل الجاهلية ؛ كما ابتدعوا ما ابتدعوه في شأن المطاعم. PageV04P037 # والاستقسام : طلب معرفة ما قسم للإنسان من خير أو شر. # والأزلام : قداح الميسر واحدها زلم بفتح اللام وبفتح الزاى أو ضمها وسميت ~~قداح الميسر بالأزلام ، لأنها زلمت أى سويت ، ويقال : رجل مزلم وامرأة ~~مزلمة ، إذا كان جيد القد ، جميل القوام. # وكان لأهل الجاهلية طرق للاستقسام بالأزلام من أشهرها : أنه كانت لديهم ~~سهام مكتوب على أحدها : أمرنى ربي وعلى الآخر : نهاني ربي. والثالث غفل من ~~الكتابة ، فإذا أرادوا سفرا أو حربا أو زواجا أو غير ذلك أتوا إلى بيت ~~الأصنام واستقسموها فإن خرج الآمر أقدموا على ما يريدونه وإن خرج الناهي ~~أمسكوا عنه ، وإن خرج الغفل أجالوها ثانية حتى يخرج الآمر أو الناهي. # والمعنى : وحرم عليكم سبحانه أن تطلبوا معرفة ما قسم لكم في سفر أو غزو ~~أو زواج أو ما يشبه ذلك بواسطة الأزلام ، لأن هذا الفعل فسق ، أى : خروج عن ~~أمر الله وطاعته. # فاسم الإشارة «ذلكم» يعود إلى الاستقسام بالأزلام خاصة. ويجوز أن يعود ~~إليه وإلى تناول ما حرم عليهم. # قال ابن كثير : وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل ~~الكعبة ، وجد إبراهيم وإسماعيل مصورين فيها. وفي أيديهما الأزلام. فقال ~~صلى الله عليه وسلم : «قاتلهم الله. لقد علموا أنهما لم يستقسما بها أبدا». # وثبت في الصحيحين أيضا أن سراقة بن مالك بن جعشم لما خرج في طلب النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأبى بكر ، وهما ذاهبان إلى المدينة مهاجرين : قال ~~فاستقسمت بالأزلام. هل أضرهم أولا؟ فخرج الذي أكره : لا تضرهم ، قال : ~~فعصيت الأزلام واتبعتهم. ثم استقسم بها ثانية وثالثة. كل ذلك يخرج الذي ~~يكره : لا تضرهم. وكان كذلك وكان سراقة لم يسلم إذ ذاك ، ثم أسلم بعد ذلك» (1). # فإن قيل إن الاستقسام بالأزلام هو لون من التفاؤل ، وكان صلى الله عليه وسلم ~~يحب الفأل الحسن فلم صار فسقا؟ # فالجواب أن هناك فرقا واسعا بين الاستقسام بالأزلام وبين ms1537 الفأل ؛ فإن ~~الفأل أمر اتفاقي تنفعل به النفس وتنشرح للعمل مع رجاء الخير منه بخلاف ~~الاستقسام بالأزلام فان القوم كانوا يستقسمون بالأزلام عند الأصنام ~~ويعتقدون أن ما يخرج من الأمر والنهى على تلك الأزلام PageV04P038 # بإرشاد من الأصنام فلهذا كان الاستقسام بها فسقا وخروجا عن طاعة الله. # وفضلا عن هذا فإن الاستقسام بالأزلام طلب لمعرفة علم الغيب الذي استأثر ~~الله به ، وذلك حرام وافتراء على الله تعالى وإلى هنا تكون الآية الكريمة ~~قد ذكرت أحد عشر نوعا من المحرمات عشرة منها تتعلق بالمأكولات ، وواحدا ~~يتعلق بالأفعال. # وهناك مطعومات أخرى جاء تحريمها عن طريق السنة النبوية ، كتحريمه ~~صلى الله عليه وسلم الأكل من لحوم الحمر الأهلية. # وبعد أن بين سبحانه هذه الأنواع من المحرمات التي حرمها على المؤمنين ~~رحمة بهم ، ورعاية لهم ، أتبع ذلك ببيان مظاهر فضله عليهم ، وأمرهم بأن ~~يجعلوا خشيتهم منه وحده ، فقال تعالى : ( @QUR@09 اليوم يئس الذين كفروا من ~~دينكم فلا تخشوهم واخشون ). # وقوله ( @QUR@01 اليوم ) ظرف منصوب على الظرفية بقوله ( @QUR@01 يئس ). ~~والألف واللام فيه للعهد الحضوري ، فيكون المراد به يوما معينا وهو يوم ~~عرفة من عام حجة الوداع. # ويصح أن لا يكون المراد به يوما بعينه ، وإنما أراد به الزمان الحاضر وما ~~يتصل به ويدانيه من الأزمنة الماضية والآتية. # وقد حكى الإمام الرازي هذين الوجهين فقال ما ملخصه : وقوله : ( @QUR@06 ~~اليوم يئس الذين كفروا من دينكم ) فيه قولان : # الأول : أنه ليس المراد به ذلك اليوم بعينه حتى يقال إنهم ما يئسوا قبله ~~بيوم أو يومين ، وإنما هو كلام خارج على عادة أهل اللسان أى لا حاجة بكم ~~الآن إلى مداهنة هؤلاء الكفار ، لأنكم الآن صرتم بحيث لا يطمع أحد من ~~أعدائكم في توهين أمركم ، ونظيره قوله : كنت بالأمس شابا واليوم قد صرت ~~شيخا. لا يريد بالأمس اليوم الذي قبل يومك ، ولا باليوم يومك الذي أنت فيه. # الثاني : أن المراد به يوم نزول هذه الآية. وقد نزلت يوم الجمعة من يوم ~~عرفة بعد العصر في عام حجة الوداع سنة عشر من الهجرة ms1538 ، والنبي ~~صلى الله عليه وسلم واقف بعرفات على ناقته العضباء» (1) وقوله : ( @QUR@06 ~~اليوم يئس الذين كفروا من دينكم ) أى انقطع رجاؤهم في التغلب عليكم ، وفي ~~إبطال أمر دينكم. وفي صرف الناس عنه بعد أن دخلوا فيه أفواجا وبعد أن صار ~~المشركون PageV04P039 # مقهورين لكم. أذلة أمام قوتكم. ومادام الأمر كذلك ( @QUR@03 فلا تخشوهم ~~واخشون ) أى : فلا تجعلوا مكانا لخشية المشركين في قلوبكم فقد ضعفوا ~~واستكانوا ، بل اجعلوا خشيتكم وخوفكم وهيبتكم من الله وحده الذي جعل لكم ~~الغلبة والنصر عليهم. # ثم عقب ذلك سبحانه ببيان أكبر نعمه وأعظم مننه على هذه الأمة الإسلامية ~~فقال : ( @QUR@011 اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ، ورضيت لكم ~~الإسلام دينا ). # أى ؛ اليوم أكملت لكم حدودي وفرائضي وحلالي وحرامى ، ونصرى لكم على ~~أعدائكم وتمكينى إياكم من أداء فريضة الحج دون أن يشارككم في الطواف بالبيت ~~أحد من المشركين. # وأتممت عليكم نعمتي ، بأن أزلت دولة الشرك من مكة ، وجعلت كلمتكم هي ~~العليا وكلمة أعدائكم هي السفلى ، ورضيت لكم الإسلام دينا ، بأن اخترته لكم ~~من بين الأديان. وجعلته الدين المقبول عندي ، فيجب عليكم الالتزام بأحكامه ~~وآدابه وأوامره ونواهيه قال تعالى : ( @QUR@013 ومن يبتغ غير الإسلام دينا ~~فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) وليس المراد بإكمال الدين أنه ~~كان ناقصا قبل اليوم ثم أكمله ، وإنما المراد أن من أحكامه قبل اليوم ما ~~كان مؤقتا في علم الله قابلا للنسخ. ولكنها اليوم كملت وصارت مؤبدة وصالحة ~~لكل زمان ومكان ، وغير قابلة للنسخ ، وقد بسط هذا المعنى كثير من المفسرين ~~فقال الإمام الرازي : قال القفال : إن الدين ما كان ناقصا البتة بل كان ~~أبدا كاملا. يعنى : كانت الشرائع النازلة من عند الله في كل وقت كافية في ~~ذلك الوقت إلا أنه تعالى كان عالما في أول وقت المبعث بأن ما هو كامل في ~~هذا اليوم ليس بكامل في الغد ولا صلاح فيه. فلا جرم كان ينسخ بعد الثبوت. ~~وكان يزيد بعد العدم. وأما في آخر زمان المبعث فأنزل الله شريعة كاملة وحكم ~~ببقائها إلى ms1539 يوم القيامة. فالشرع أبدا كان كاملا. إلا أن الأول كمال إلى ~~زمان مخصوص. والثاني كمال إلى يوم القيامة. فالأجل هذا قال : ( @QUR@04 ~~اليوم أكملت لكم دينكم ) (1). # وقال القرطبي ما ملخصه : لعل قائلا يقول : ( @QUR@04 اليوم أكملت لكم ~~دينكم ) يدل على أن الدين كان غير كامل في وقت من الأوقات. وذلك يوجب أن ~~يكون جميع من مات من المهاجرين والأنصار. قبل نزول هذه الآية ماتوا على دين ~~ناقص. ومعلوم أن النقص عيب؟ # فالجواب أن يقال له : لم قلت إن كل نقص فهو عيب وما دليلك عليه؟ ثم يقال ~~له : أرأيت نقصان الشهر هل يكون عيبا ، ونقصان صلاة المسافر أهو عيب لها ~~..؟ لا شك أن هذا النقصان ليس بعيب. PageV04P040 # وقوله : ( @QUR@04 اليوم أكملت لكم دينكم ) يخرج على وجهين : # أحدهما : أن يكون المراد بلغته أقصى الحد الذي كان له عندي فيما قضيته ~~وقدرته ، وذلك لا يوجب أن يكون ما قبل ذلك ناقصا نقصان عيب ، لكنه يوصف ~~بنقصان مقيد فيقال له : إنه كان ناقصا عما كان عند الله أنه ملحقه به ، ~~وضامه إليه .. وهكذا شرائع الإسلام شرعها الله شيئا فشيئا إلى أن أنهى ~~سبحانه وتعالى الدين منتهاه الذي كان له عنده. # وثانيهما : أنه أراد بقوله ( @QUR@04 اليوم أكملت لكم دينكم ) أنه وفقهم ~~للحج الذي لم يكن بقي عليهم من أركان الدين غيره ، فحجوا فاستجمع لهم الدين ~~أداء لأركانه ، وقياما بفرائضه وفي الحديث : «بنى الإسلام على خمس» وقد ~~كانوا تشهدوا ، وصلوا ، وزكوا ، وصاموا ، وجاهدوا ، واعتمروا ، ولم يكونوا ~~حجوا ، فلما حجوا ذلك اليوم مع النبي صلى الله عليه وسلم أنزل الله وهم ~~بالموقف عشية عرفة ( @QUR@04 اليوم أكملت لكم دينكم ). أى : أكمل وضعه لهم. # وقد روى الأئمة عن طارق بن شهاب قال : جاء رجل من اليهود إلى عمر فقال : ~~يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرءونها لو علينا أنزلت معشر اليهود ~~لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال وأى آية؟ قال : ( @QUR@04 اليوم أكملت لكم ~~دينكم ) فقال عمر : إنى لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه والمكان الذي أنزلت فيه ~~نزلت على رسول الله صلى الله ms1540 عليه وسلم بعرفة في يوم جمعة». # وروى أنها لما نزلت في يوم الحج الأكبر وقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بكى عمر ، فقال له ما يبكيك؟ فقال : أبكانى أنا كنا في زيادة من ديننا فأما ~~إذا كمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : «صدقت» (1). # وبعد أن ذكر سبحانه في صدر الآية أحد عشر نوعا من المحرمات ، وأتبع ذلك ~~ببيان إكمال الذين وإتمام النعمة على المؤمنين. جاء ختام الآية لبيان حكم ~~المضطر إلى أكل شيء من هذه المحرمات فقال تعالى : ( @QUR@011 فمن اضطر في ~~مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم ). # وقوله ( @QUR@01 اضطر ) من الاضطرار بمعنى الوقوع في الضرورة. # والمخمصة : خلو البطن من الغذاء عند الجوع الشديد. يقال خمصه الجوع خمصا ~~ومخمصة. إذا اشتد به. وفي الحديث : «إن الطير تغدو خماصا أى جياعا ضامرات ~~البطون وتروح بطانا أى مشبعات». وقال الأعشى : # يبيتون في المشتى ملاء بطونهم %~% وجاراتهم غرثى يبتن خمائصا PageV04P041 # أى : وجاراتهم جوعى وقد ضمرت بطونهن من شدة الجوع. # وقوله ( @QUR@01 متجانف ) من الجنف وهو الميل ، يقال : جنف عن الحق كفرح ~~إذا مال عنه وجنف عن طريقه كفرح وضرب جنفا وجنوفا إذا مال عنه. # والمعنى : فمن ألجأته الضرورة إلى كل شيء من هذه المحرمات في مجاعة شديدة ~~حالة كونه غير مائل إلى ارتكاب إثم من الآثام فلا ذنب عليه في ذلك لأن الله ~~تعالى واسع المغفرة. فهو بكرمه يغفر لعباده تناول ما كان محرما إذا اضطروا ~~إلى تناوله لدفع الضرورة بدون بغى أو تعد ، وهو واسع الرحمة حيث أباح لهم ~~ما يدفع عنهم الضرر ولو كان محرما. # قال الآلوسى : وقوله : ( @QUR@03 غير متجانف لإثم ) أى غير مائل ومنحرف ~~إليه ومختار له بأن يأكل منها زائدا على ما يمسك رمقه فإن ذلك حرام. وقيل : ~~يجوز أن يشبع عند الضرورة. وقيل : المراد غير عاص بأن يكون باغيا أو عاديا ~~بأن ينزعها من مضطر آخر أو خارجا في معصية (1). # وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت ما يحرم في ms1541 حالة الاختيار ، وما يحل في ~~حالة الاضطرار. وجاءت بين ذلك بجمل معترضة وهي قوله ( @QUR@06 اليوم يئس ~~الذين كفروا من دينكم ) إلى قوله : ( @QUR@04 ورضيت لكم الإسلام دينا ) ~~لتأكيد تحريم هذه الأشياء ، لأن تحريمها من جملة الدين الكامل ، والنعمة ~~التامة ، والإسلام المرضى عند الله. # هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة ما يأتى : # 1 حرمة هذه الأنواع الأحد عشر التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية ووجوب ~~الابتعاد عنها لأنها رجس أو فسق ، ولأن استحلال شيء منها يكون خروجا عن ~~تعاليم دين الله ، وانتهاكا لحرماته. # 2 حل المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع ، متى ذبحت ~~ذبحا شرعيا وكانت بها بقية حياة تجعلها تضطرب بعد ذبحها اضطراب المذبوح. # وللفقهاء كلام طويل في ذلك يؤخذ منه اتفاقهم على أن الخنق وما معه إذا لم ~~يبلغ بالحيوان إلى درجة اليأس من حياته بأن غلب على الظن أنه يعيش مع هذه ~~الحالة كانت الذكاة محللة له. أما إذا غلب على الظن أنه يهلك بما حصل له ~~بسبب الخنق أو الوقذ أو التردي أو النطح أو أكل السبع منه ، فقد أفتى كثير ~~من العلماء بعمل الذكاة فيه ، وقد أخذ بذلك الأحناف. فقد قالوا : متى كانت ~~عينه أو ذنبه يتحرك أو رجله تركض ثم ذكى فهو حلال. # وقال قوم لا تعمل الذكاة فيه ويحرم أكله. PageV04P042 # ومنشأ اختلافهم في أن الذكاة تعمل أولا تعمل يعود إلى : هل الاستثناء هنا ~~متصل أو منقطع؟ # فمن قال إنه متصل يرى أنه أخرج من الجنس بعض ما تناوله اللفظ ، فما قبل ~~حرف الاستثناء حرام ، وما بعده خرج منه فيكون حلالا. # ومن قال إنه منقطع يرى أنه لا تأثير للاستثناء في الجملة المتقدمة. وكأنه ~~قال : ما ذكيتموه من غير الحيوانات المتقدمة فهو حلال أباح الله لكم التمتع ~~به. أما هذه الحيوانات التي حرمها الله في الآية فلا يجوز لكم الأكل منها مطلقا. # وقد رجح المحققون من العلماء أن الاستثناء متصل ، وقالوا : يؤيد القول ~~بأن الاستثناء متصل الإجماع على أن الذكاة ms1542 تحلل ما يغلب على الظن أنه يعيش ~~فيكون مخرجا لبعض ما يتناوله المستثنى منه ، فيكون الاستثناء فيه متصلا. # هذا ملخص لما قاله العلماء في هذه المسألة ومن أراد المزيد فليرجع إلى ~~كتب الفروع. # 3 إباحة تناول هذه المحرمات عند الضرورة لدفع الضرر ، وأن هذه الاباحة ~~مقيدة بقيود ذكرها الفقهاء من أهمها قيدان. # الأول : أن يقصد بالتناول دفع الضرر فقط. # الثاني : ألا يتجاوز ما يسد الحاجة ، أما إذا قصد التلذذ أو إرضاء الشهوة ~~، أو تجاوز المقدار الذي يدفع الضرر فإنه في هذه الأحوال يكون واقعا في ~~المحرم الذي نهى الله عنه. # وقد تكلم الإمام ابن كثير عن هذه المسألة فقال : قوله تعالى ( @QUR@011 ~~فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم ). أى : فمن احتاج ~~إلى تناول شيء من هذه المحرمات التي ذكرها الله لضرورة ألجأته إلى ذلك فله ~~تناوله والله غفور له رحيم به ، لأنه تعالى يعلم حاجة عبده المضطر وافتقاره ~~إلى ذلك فيتجاوز عنه ويغفر له. # وفي المسند وصحيح ابن حبان عن ابن عمر مرفوعا قال : رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته». # ولهذا قال الفقهاء : قد يكون تناول الميتة واجبا في بعض الأحيان ، وهو ~~إذا خاف على نفسه ولم يجد غيرها ، وقد يكون مندوبا ، وقد يكون مباحا بحسب ~~الأحوال. واختلفوا : هل يتناول منها قدر ما يسد به الرمق ، أوله أن يشبع ~~ويتزود على أقوال ، وليس من شرط تناول الميتة أن يمضى عليه ثلاثة أيام لا ~~يجد طعاما ، كما قد يتوهمه كثير من العوام وغيرهم بل متى اضطر إلى ذلك جاز له. # وقد روى الإمام أحمد عن أبى واقد الليثي أنهم قالوا : يا رسول الله ، إنا ~~بأرض تصيبنا بها PageV04P043 # المخمصة ، فمتى تحل لنا بها الميتة؟ فقال : «إذا لم تصطبحوا ولم تغتبقوا ~~ولم تحتفثوا بقلا فشأنكم بها». # والاصطباح شرب اللبن بالغداة فما دون القائلة ، وما كان منه بالعشي فهو ~~الاغتباق ومعنى لم تحتفثوا : أى تقتلعوا. # وقوله : ( @QUR@03 غير متجانف لإثم ms1543 ) أى متعاط لمعصية الله. # وقد استدل بهذه الآية من يقول بأن العاصي بسفره لا يترخص بشيء من رخص ~~السفر ، لأن الرخص لا تنال بالمعاصي (1). # 4 أخذ العلماء من قوله تعالى ( @QUR@05 وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق ) ~~أن الاستقسام بالأزلام محرم ، ومحرم أيضا كل ما يشبهه من القمار والتنجيم ~~والرمل وما إلى ذلك قال بعض العلماء : من عمل بالأزلام في السعد والنحس ~~معتقدا أن لها تأثيرا كفر وإن لم يعتقد أثم. # وقد روى أبو داود والنسائي وابن حبان عن قطن بن قبيصة ، عن أبيه أنه سمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول : «العيافة والطرق والطيرة من الجبت». # والعيافة : زجر الطير. والطرق : الخط يخط في الأرض. وقيل : الطرق الضرب ~~بالحصى الذي تفعله النساء. # وفي القاموس : عفت الطير عيافة زجرتها. وهو أن تعتبر بأسمائها ومساقطها ~~فتسعد وتتشاءم. وهو من عادة العرب كثيرا. والطيرة : من اطيرت وتطيرت وهو ما ~~يتشاءم من الفأل الرديء ، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يحب الفأل ~~ويكره الطيرة (2). # والجبت : كل ما عبد من دون الله. # وقد روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «من ~~أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه ، لم تقبل له صلاة أربعين يوما» وروى الإمام ~~أحمد وأبو داود والحاكم عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «من ~~أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول ، فقد كفر بما أنزل على محمد ~~صلى الله عليه وسلم ». # وعن عمران بن حصين مرفوعا : ليس منا من تطير أو تطير له ، أو تكهن أو ~~تكهن له ، أو سحر أو سحر له» (3). PageV04P044 # 5 استدل بعضهم بقوله تعالى ( @QUR@04 اليوم أكملت لكم دينكم ) على نفى ~~القياس وبطلان العمل به لأن إكمال الدين يقتضى أنه نص على أحكام جميع ~~الوقائع إذ لو بقي بعض لم يبين حكمه لم يكن الدين كاملا. # وأجيب على ذلك بأن غاية ما يقتضيه إكمال الدين أن يكون الله تعالى قد ~~أبان الطرق لجميع الأحكام وقد أمر الله بالقياس ، وتعبد ms1544 المكلفين به بمثل ~~قوله تعالى ( @QUR@04 فاعتبروا يا أولي الأبصار ). فكان هذا مع النصوص ~~الصريحة بيانا لكل أحكام الوقائع ، غاية الأمر أن الوقائع صارت قسمين : ~~قسما نص الله على حكمه ، وقسما أرشد الله تعالى إلى أنه يمكن استنباط الحكم ~~فيه من القسم الأول. فلم تصلح الآية متمسكا لهم (1). # 6 الآية الكريمة قد اشتملت على بشارات لأبناء هذه الأمة الإسلامية فقد ~~بشرتهم أولا بأن أعداءهم قد انقطع رجاؤهم في إبطال أمر الإسلام أو تحريفه ~~أو تبديل أحكامه التي كتب الله لها البقاء. # وها نحن أولا. نراجع التاريخ فنرى المسلمين قد تغلب عليهم أعداؤهم في ~~معارك حربية ولكن هؤلاء الأعداء لم يستطيعوا التغلب على أحكام هذا الدين ~~ومبادئه. بل بقيت محفوظة يتناقلها الخلف عن السلف إلى أن يرث الله الأرض ~~ومن عليها ولقد روى الإمام مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~في خطبة حجة الوداع : «إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ~~ولكنه رضى بالتحريش بينهم». # وبشرتهم ثانيا بإكمال هذا الدين ، فأنت ترى نصوصه وافية بكل ما يحتاج ~~إليه البشر ، إما بالنص على كل مسألة يحتاجون إليها ، أو باندراج هذه ~~المسألة أو المسائل تحت العمومات الشاملة والمبادئ الكلية التي جاء بها دين ~~الإسلام المكتمل في عقائده وفي تشريعاته وفي آدابه ، وفي غير ذلك مما يسعد ~~الإنسان. # وبشرتهم ثالثا بإتمام نعمة الله عليهم. وأى نعمة أتم على المؤمنين من ~~إخراج الله إياهم من ظلمات الشرك إلى نور الوحدانية ومن تمكينه لهم في ~~الأرض واستخلافهم فيها ، وجعل كلمتهم العليا بعد أن كانوا في ضعف من أمرهم ~~وفساد في أحوالهم. # وبشرتهم رابعا بأن الله قد اختار لهم الإسلام دينا ، وجعله هو الدين ~~المرضى عنده وهو الذي يجب على الناس أن يدخلوا فيه ، وأن يعملوا بأوامره ~~ونواهيه ، لأنه من الحمق والغباء أن يبتعد إنسان عن الدين الذي اختاره الله ~~وارتضاه ليختاره لنفسه طريقا من نزغات نفسه وهواه. PageV04P045 # وهذه بعض الأحكام والآداب التي استلهمها العلماء من الآية الكريمة. وهناك ~~أحكام ms1545 أخرى ذكرناها خلال تفسيرنا لألفاظ الآية الكريمة. # وبعد أن بين سبحانه أنواعا من : المحرمات. شرع في بيان ما أحله لهم من ~~طيبات فقال تعالى # ( @QUR@032 يسئلونك ما ذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من ~~الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم ~~الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب ) (4) # أورد المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه ابن أبى حاتم ~~عن سعيد بن جبير عن عدى بن حاتم وزيد بن مهلهل الطائيين أنهما سألا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالا : يا رسول الله ، قد حرم الله الميتة فماذا يحل ~~لنا منها؟ فنزلت هذه الآية (1). # والمعنى : يسألك أصحابك يا محمد ما الذي أحل لهم من المطاعم بعد أن عرفوا ~~ما حرم منها؟ قل لهم أحل الله لكم الطيبات. # والطيبات : جمع طيب وهو الشيء المستلذ. وفسره بعضهم بالحلال. # أى : قل لهم أحل الله لكم الأطعمة الطيبة التي تستلذها النفوس المستقيمة ~~وتستطيبها ولا تستقذرها ، والتي لم يرد في الشرع ما يحرمها ويمنع من ~~تناولها. # وفي قوله ( @QUR@05 يسئلونك ما ذا أحل لهم ) التفات من الحاضر إلى الغائب ~~، لأن في السياق حكاية عنهم كما يقال : أقسم فلان ليفعلن كذا ، لأن هذا ~~الالتفات أدعى إلى تنبيه الأذهان ، وتوجيهها إلى ما يراد منها. # وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتولى الجواب عن سؤالهم لأنه ~~هو المبلغ للرسالة وهو المبين لهم ما حفى؟؟؟ عليهم من أمور دينهم ودنياهم. # وقوله ( @QUR@02 ما ذا ) اسم استفهام مبتدأ ، وقوله ( @QUR@02 أحل لهم ) ~~خبره كقولك : أى شيء أحل لهم. # وجواب سؤالهم جاء في قوله تعالى : ( @QUR@04 قل أحل لكم الطيبات ). # وقوله : ( @QUR@05 وما علمتم من الجوارح مكلبين ) معطوف على الطيبات ~~بتقدير مضاف و ( @QUR@01 ما ) موصولة. والعائد محذوف. PageV04P046 # و ( @QUR@01 الجوارح ) جمع جارحة. وهي كما يقول ابن جرير الكواسب من سباع ~~البهائم والطير. سميت جوارح لجرحها لأربابها ، وكسبها إياهم أقواتهم من ~~الصيد. يقال منه : جرح فلان لأهله خيرا. إذا أكسبهم خيرا وفلان جارحة ms1546 أهله. ~~يعنى بذلك : كاسبهم ، ويقال : لا جارحة لفلانة إذا لم يكن لها كاسب». # ومنه قوله تعالى ( @QUR@08 وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم ~~بالنهار ) (1) أى : كسبتم بالنهار. وقيل : سميت جوارح لأنها تجرح الصيد عند ~~إمساكه. # وقوله : ( @QUR@01 مكلبين ) أى : مؤدبين ومعودين لها على الصيد. فالتكليب ~~: تعليم الكلاب وما يشبهها الصيد. فهو اسم فاعل مشتق من اسم هذا الحيوان ~~المعروف لأن التأديب أكثر ما يكون في الكلاب. أو هو مشتق من الكلب بمعنى ~~الضراوة. يقال : كلب الكلب يكلب واستكلب أى : ضرى وتعود نهش غيره وهو حال ~~من فاعل علمتم. # والمعنى : أحل الله لكم الطيبات ، وأحل لكم صيد ما علمتموه من الجوارح ~~حال كونكم مؤدبين ومعودين لها على الصيد. # وقوله : ( @QUR@04 تعلمونهن مما علمكم الله ) في محل نصب على أنه حال ~~ثانية من فاعل ( @QUR@01 علمتم ) أو من الضمير المستتر في ( @QUR@01 مكلبين ). # أى : تعلمون هذه الجوارح بعض ما علمكم الله إياه من فنون العلم والمعرفة ~~بأن تدربوهن على وسائل التحايل وعلى الطرق المتنوعة للاصطياد وعلى الانقياد ~~لأمركم عند الإرسال وعند الطلب ، وعلى عدم الأكل من المصيد بعد صيده. # فالمقصود بهذه الجملة الكريمة بيان بعض مظاهر فضل الله على الناس ، حيث ~~منحهم العلم الذي عن طريقه علموا غيرهم ما يريدونه منه ، وسخروا هذا الغير ~~لمنفعتهم ومصلحتهم. # ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : قوله : ( @QUR@04 ~~وما علمتم من الجوارح ) عطف على الطيبات : أى : أحل لكم الطيبات وصيد ما ~~علمتم من الجوارح ، فحذف المضاف أو تجعل «ما» شرطية وجوابها ( @QUR@01 ~~فكلوا ) والجوارح : الكواسب من سباع البهائم والطير ، كالكلب والفهد والنمر ~~والعقاب والصقر والبازي ، والمكلب : مؤدب الجوارح ومغريها بالصيد لصاحبها ، ~~ورائضها ذلك بما علم من الحيل وطرق التأديب. # وانتصاب ( @QUR@01 مكلبين ) على الحال من ( @QUR@01 علمتم ). # فإن قلت : ما فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها بعلمتم؟ قلت : فائدتها أن ~~يكون من يعلم PageV04P047 # الجوارح نحريرا في علمه ، مدربا فيه ، موصوفا بالتكليب. # قوله تعالى ( @QUR@01 تعلمونهن ) حال ثانية أو استئناف. وفيه فائدة جليلة ~~وهي أن على كل آخذ علما أن لا يأخذه ms1547 إلا من أبرع أهله علما وأكثرهم دراية ~~وأغوصهم على لطائفه وحقائقه ، وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل. فكم ~~من آخذ عن غير متقن ، قد ضيع أيامه ، وعض عند لقاء النحارير أنامله (1). # وقوله ( @QUR@04 فكلوا مما أمسكن عليكم ) جملة متفرعة على بيان حل صيد ~~الجوارح المعلمة ، ومشيرة إلى نتيجة التعليم وأثره والأمر فيه للإباحة. # ومن في قوله ( @QUR@02 مما أمسكن ) تبعيضية ؛ إذ من الممسك ما لا يؤكل ~~كالجلد والعظم ونحوهما. ويحتمل أن تكون بيانية أى : فكلوا الصيد وهو ما ~~أمسكن عليكم. # وما موصولة أو موصوفة والعائد محذوف أى : أمسكنه. # وقوله ( @QUR@01 أمسكن ) أى : حبس وصدن ، والضمير المؤنث يعود للجوارح. # وقوله ( @QUR@01 عليكم ) متعلق بأمسكن ، وهو هنا بمعنى لكم ، والاستعلاء مجازى. # والتقييد بذلك ، لإخراج ما أمسكنه لأنفسهن لا لأصحابهن. # والمعنى : إذا علمتم الجوارح وتوفرت شروط الحل فيما تصيده ، فكلوا مما ~~أمسكنه محبوسا عليكم ولأجلكم. # والضمير في ( @QUR@01 عليه ) من قوله : ( @QUR@04 واذكروا اسم الله عليه ~~) يعود إلى ( @QUR@04 ما علمتم من الجوارح ). أى : عند إرسالكم الجوارح ~~للصيد فسموا عليها ، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم : «وإذا ~~أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله تعالى فكل مما أمسك عليك». # وقال بعضهم إنه يعود على المصدر المفهوم من الفعل وهو الأكل. فكأنه قيل : ~~واذكروا اسم الله عند الأكل مما صدن لكم. وقيل : يعود على قوله ( @QUR@02 ~~مما أمسكن ) أى : اذكروا اسم الله على ما أدركتم ذكاته مما أمسكن عليكم ~~الجوارح ، ولا بأس من عود الضمير إلى كل ما ذكر ، بأن يذكر اسم الله عند ~~إرسال الجوارح ، وعند الأكل مما صادته. وعند تذكية الحيوان الذي صادته ~~الجوارح. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@06 واتقوا الله إن الله سريع الحساب ). # أى : واتقوا الله وراقبوه واخشوه في كل شئونكم واحذروا مخالفة أمره فيما ~~شرع لكم وفيما PageV04P048 # كلفكم به فإنه تعالى لا يعجزه شيء ، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر. # فالجملة الكريمة تذييل قصد به التحذير من مخالفة أمر الله ، وانتهاك ~~محارمه. هذا ومن الأحكام التي أخذها العلماء من ms1548 هذه الآية ما يأتى : # 1 إباحة التمتع بالطيبات التي أحلها الله تعالى لعباده ، والتي تستطيبها ~~النفوس الكريمة ، والعقول القويمة ، من مطعومات ومشروبات وغير ذلك مما أحله ~~سبحانه لعباده. وفي هذا المعنى وردت آيات كثيرة منها ، قوله تعالى : ( ~~@QUR@021 قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ، والطيبات من الرزق ، قل ~~هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ) (1). # 2 إباحة الصيد بالجوارح بشرط كونها معلمة ، وعلامة كونها معلمة أن تسترسل ~~إذا أرسلت ، وتنزجر إذا زجرت ، وتمسك الصيد ولا تأكل منه ، وتعود إلى ~~صاحبها متى دعاها. # ويدخل في الجوارح عند جمهور الفقهاء كل حيوان يصنع صنيع الكلب ، وكل طير ~~كذلك ، لأن قوله تعالى ( @QUR@02 من الجوارح )، يعم كل حيوان يصنع صنيع ~~الكلب. وكان التعبير بمكلبين ، لأن الكلاب أكثر الحيوانات استعمالا للصيد. # وقد جاء في حديث عدى بن حاتم الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال له : «ما علمت من كلب أو باز ثم أرسلته وذكرت اسم ~~الله عليه فكل ما أمسك عليك». ويرى بعض الفقهاء أن الصيد لا يكون إلا ~~بالكلاب خاصة. # قال القرطبي ما ملخصه : وقد ذكر بعض من صنف في أحكام القرآن أن الآية تدل ~~على أن الإباحة تتناول ما علمناه من الجوارح وهو ينتظم الكلب وسائر جوارح ~~الطير. وذلك يوجب إباحة سائر وجوه الانتفاع ، فدل على جواز بيع الكلب ~~والجوارح والانتفاع بها وبسائر وجوه المنافع إلا ما خصه الدليل. وهو الأكل ~~من الجوارح. أى : الكواسب من الكلاب وسباع الطير. # وليس في قوله ( @QUR@01 مكلبين ) دليل على أنه إنما أبيح صيد الكلاب خاصة ~~، وإن كان قد تمسك به من قصر الإباحة على الكلاب خاصة» (2). # 3 استدل بعض الفقهاء بقوله تعالى ( @QUR@04 فكلوا مما أمسكن عليكم ) على ~~أن الكلب وما يشبهه من الجوارح إذا أكل من الصيد الذي أمسكه ، فإنه في هذه ~~الحالة لا يحل الأكل منه ، لأنه لم يمسك لمن أرسله وإنما أمسك لنفسه وبهذا ~~قال الشافعية والحنابلة. PageV04P049 # ويرى المالكية أن الجارح مادام قد عاد ms1549 بالصيد ولو مأكولا منه ، فإنه يجوز ~~الأكل منه ، لأنه بعودته بما صاده قد أمسكه على صاحبه. # أما الأحناف فقالوا : إن عاد بأكثره جاز الأكل منه ، لأنه في هذه الحالة ~~يكون قد أمسك لصاحبه ، وإن عاد بأقله لا يجوز الأكل منه ، لأنه يكون قد ~~أمسك لنفسه. وهذه المسألة بأدلتها الموسعة مبسوطة في كتب الفقه وفي بعض كتب ~~التفسير (1). # 4 استدل بعض العلماء بقوله تعالى ( @QUR@04 واذكروا اسم الله عليه ) على ~~وجوب التسمية عند إرسال الجوارح للصيد ، ولقوله تعالى في آية أخرى : ( ~~@QUR@010 ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ) (2). # ويرى بعضهم أن الأمر للندب ، ويرى فريق ثالث أن التسمية إن تركت عمدا لا ~~يحل الأكل من الصيد. # قال القرطبي : وقد ذهب الجمهور من العلماء إلى أن التسمية لا بد منها ~~بالقول عند الإرسال لقوله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم : «إذا أرسلت كلبك ~~المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك» فلو لم توجد التسمية على أى وجه ~~كان لم يؤكل الصيد. وهو مذهب أهل الظاهر وجماعة أهل الحديث. # وذهب جماعة من أصحابنا وغيرهم إلى أنه يجوز أكل ما صاده المسلم وذبحه وإن ~~ترك التسمية عمدا ، وحملوا الأمر بالتسمية على الندب. # وذهب مالك في المشهور إلى الفرق بين ترك التسمية عمدا أو سهوا فقال لا ~~تؤكل مع العمد ، وتؤكل مع السهو ، وهو قول فقهاء الأمصار ، وأحد قولي ~~الشافعى» (3). # ثم حكى سبحانه جانبا آخر من مظاهر نعمه على عباده ، ورحمته بهم وتيسيره ~~عليهم في أمور دينهم ودنياهم فقال : # ( @QUR@017 اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ~~وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات PageV04P050 # @QUR@026 من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير ~~مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من ~~الخاسرين ) (5) # وقوله ( @QUR@03 اليوم أحل لكم ). يصح أن يراد به اليوم الذي نزلت فيه. ~~فإنه يجوز أن تكون هذه الآية وما قبلها من قوله تعالى ( @QUR@010 اليوم يئس ~~الذين كفروا من دينكم ms1550 اليوم أكملت لكم دينكم ) قد نزلت جميعا في يوم واحد ~~وهو يوم عرفة من عام حجة الوداع. # ويصح أن يراد به الزمان الحاضر مع ما يتصل به من الماضي والمستقبل. ~~والمراد بالطيبات : ما يستطاب ويشتهى مما أحله الشرع. # والمراد بطعام الذين أوتوا الكتاب : ذبائحهم خاصة. وهذا مذهب جمهور ~~العلماء. # قالوا : لأن ما سوى الذبائح فهي محللة قبل أن كانت لأهل الكتاب ، وبعد أن ~~صارت لهم. فلا يبقى لتخصيصها بأهل الكتاب فائدة. ولأن ما قبل هذه الآية في ~~بيان حكم الصيد والذبائح. فحمل هذه الآية عليه أولى ، لأن سائر الطعام لا ~~يختلف من تولاه من كتابي أو غيره. وإنما تختلف الذكاة. فلما خص أهل الكتاب ~~بالذكر ، دل على أن المراد بطعامهم ذبائحهم. # وقيل المراد بطعام أهل الكتاب هنا : الخبز والحبوب والفاكهة وغير ذلك مما ~~لا يحتاج فيه إلى تذكية. وينسب هذا القول إلى بعض طوائف الشيعة. # وقيل المراد به : ما يتناول ذبائحهم وغيرها من الأطعمة. وقد روى هذا ~~القول عن ابن عباس ، وأبى الدرداء ، وقتادة ومجاهد وغيرهم. # والمراد بالذين أوتوا الكتاب : اليهود والنصارى. # قال الآلوسى : وحكم الصابئين كحكم أهل الكتاب عند أبى حنيفة. وقال صاحباه ~~الصابئة صنفان : صنف يقرءون الزبور ويعبدون الملائكة وصنف لا يقرءون كتابا ~~ويعبدون النجوم فهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب وأما المجوس فقد سن بهم سنة أهل ~~الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم. # واختلف العلماء في حل ذبيحة اليهودي والنصراني إذا ذكر عليها اسم غير ~~الله كعزير وعيسى فقال ابن عمر : لا تحل. وذهب أكثر أهل العلم إلى أنها ~~تحل. وهو قول الشعبي PageV04P051 # وعطاء قالا : فإن الله قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون» (1). # والمعنى : إن الله أسبغ عليكم نعمه أيها المؤمنون وأكمل لكم دينه ، ويسر ~~لكم شرعه ، ومن مظاهر ذلك أنه سبحانه أحل لكم التمتع بالطيبات ، كما أحل ~~لكم أن تأكلوا من ذبائح أهل الكتاب. وأن تطعموهم من طعامكم. # قال ابن كثير : وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء ، أن ذبائحهم حلال ~~للمسلمين ، لأنهم ms1551 يعتقدون تحريم الذبح لغير الله ، ولا يذكرون على ذبائحهم ~~إلا اسم الله ، وإن اعتقدوا فيه ما هو منزه عنه تعالى وتقدس (2). # وإنما قال : ( @QUR@03 وطعامكم حل لهم ) أى يحل لكم ان تطعموهم من طعامكم ~~للتنبيه على أن الحكم مختلف في الذبائح عن المناكحة. فإن إباحة الذبائح ~~حاصلة من الجانبين ، بخلاف إباحة المناكحات فإنها في جانب واحد ، إذ لا يحل ~~لغير المسلم أن يتزوج بمسلمة ، لأنه لو جاز ذلك لكان لأزواجهن الكفار ولاية ~~شرعية عليهن ، والله تعالى لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا شرعيا ، ~~بخلاف إباحة الطعام من الجانبين فإنها لا تستلزم محظورا. # قال بعض العلماء : والجمهور على حل ذبائح أهل الكتاب إذا أهريق الدم ، ~~وقد اتفق الجمهور على حل هذه الذبائح ، والخلاف عندهم فيما عدا الذبائح ~~التي ثبت حلها بالنص ، وأما غير الذبائح فهو قسمان : # القسم الأول : ما لا عمل لهم فيه كالفاكهة والبر وهو حلال بالاتفاق. # والقسم الثاني : ما لهم فيه عمل وهو قسمان أيضا أحدهما ، ما يحتمل دخول ~~النجاسات فيه كاستخراج الزيوت من النباتات أو الحيوانات وهذا قد اختلف فيه ~~الفقهاء. فمنهم من منعه لاحتمال النجاسة ، ومن هؤلاء : ابن عباس ، لأن ~~احتمال النجاسة ثابت ، وهو يمنع الحل. وقد تبع هذا الرأى بعض المالكية ، ~~ومن هؤلاء الطرطوسي وقد صنف في تحريم جبن النصارى ويجرى مجرى الجبن الزيت ، ~~وعلى هذا الرأى يجرى مجراها السمن الهولاندى وما شابهه. ولكن الجمهور على ~~جواز ذلك مادام لم يثبت أنه اختلط بهذا النوع من الطعام نجاسة ، والثاني : ~~المحرم ، وهو ما ثبت أنه قد دخله نجاسة بأن دخله أجزاء من الخمر أو الميتة ~~، أو الخنزير ، أو غير ذلك من المحرمات» (3). PageV04P052 # ثم بين سبحانه حكم نكاح نساء أهل الكتاب بعد بيان حكم ذبائحهم فقال : ( ~~@QUR@019 والمحصنات من المؤمنات ، والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم ، إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ). # وقوله : ( @QUR@01 والمحصنات ) عطف على ( @QUR@01 الطيبات ) وهو جمع محصنة. # والإحصان يطلق على معان منها : الإسلام. ولا موضع له هنا لأن الكلام في ~~غير المسلمات ، ويطلق ms1552 على التزوج ، ولا موضع له هنا أيضا لأنه لا يحل تزوج ~~ذات الزوج. ويطلق على العفة وعلى الحرية وهذان المعنيان هما المختاران هنا. # فمن الفقهاء من قال : المراد بالمحصنات من أهل الكتاب هنا العفيفات ويكون ~~الوصف للترغيب في طلب العفة ، والعمل على اختيار من هذه صفتها. # وعلى هذا الرأى يصح الزواج من الكتابيات سواء أكن حرائر أم إماء. # ومنهم من قال : المراد بالمحصنات من أهل الكتاب هنا : الحرائر أى أنه لا ~~يحل الزواج بنساء أهل الكتاب إلا إذا كن حرائر. # والمراد بقوله ( @QUR@01 أجورهن ) أى مهورهن. وعبر عن المهر بالأجر ~~لتأكيد وجوبه. وعدم الاستهانة بأى حق من حقوقهن. # وقوله. محصنين بكسر الصاد أى متعففين بالزواج عن اقتراب الفواحش. # يقال أحصن الرجل فهو محصن أى : تعفف فهو متعفف وأحصن بالزواج الرجل فهو ~~محصن بفتح الصاد أى : أعفه الزواج عن الوقوع في الفاحشة. # وقوله ( @QUR@01 مسافحين ) جمع مسافح. والسفاح. الزنا. يقال : سافح الرجل ~~المرأة إذا ارتكب معها فاحشة الزنا ، وسمى الزاني مسافحا. لأنه سفح ماءه أى ~~: صبه ضائعا. # وقوله : ( @QUR@01 أخدان ) جمع خدن بكسر الخاء وسكون الدال بمعنى الصديق. ~~ويطلق على الذكر والأنثى. # والمراد بالخدن هنا. المرأة البغي التي يخادنها الرجل أى يصادقها ليرتكب ~~معها فاحشة الزنا. # وغالبا ما تكون خاصة به. # والمعنى : وكما أحل الله لكم أيها المؤمنون الطيبات من الرزق ، وأحل لكم ~~ذبائح أهل الكتاب ، وأحل لكم أن تطعموهم من طعامكم ، فقد أحل لكم أيضا نكاح ~~المحصنات من المؤمنات. أى العفيفات الحرائر لأنهن أصون لعرضكم. وأنقى ~~لنطفكم ، وأحل لكم نكاح PageV04P053 # النساء المحصنات أى : الحرائر العفيفات ( @QUR@06 من الذين أوتوا الكتاب ~~من قبلكم ) أى : من اليهود والنصارى. # قال الآلوسى : وتخصيص المحصنات بالذكر في الموضعين ، للحث على ما هو ~~الأولى والأليق ، لا لنفى ما عداهن ، فإن نكاح الإماء المسلمات بشرطه ، ~~صحيح بالاتفاق. وكذا نكاح غير العفائف منهن. وأما الإماء الكتابيات فهن ~~كالمسلمات عند الإمام الأعظم» (1). # وقوله : ( @QUR@03 إذا آتيتموهن أجورهن ) أى : مهورهن ، وهي عوض عن ~~الاستمتاع بهن. # قالوا : وهذا الشرط بيان للأكمل والأولى لا لصحة العقد ، إذ ms1553 لا تتوقف صحة ~~العقد على دفع المهر ، إلا أن الأولى هو إيتاء الصداق قبل الدخول. # وقوله : ( @QUR@06 محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ) أمر لهم بالعفة ~~والبعد عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن. وقوله ( @QUR@01 محصنين ) حال من ~~فاعل ( @QUR@01 آتيتموهن ). # وقوله : ( @QUR@02 غير مسافحين ) صفة لمحصنين ، أو حال من الضمير المستتر ~~في محصنين. # وقوله : ( @QUR@03 ولا متخذي أخدان ) يحتمل أن يكون مجرورا على أنه عطف ~~على مسافحين ، وزيدت فيه «لا» لتأكيد النفي المستفاد من لفظ غير. ويحتمل أن ~~يكون منصوبا على أنه عطف على ( @QUR@02 غير مسافحين ). # والمعنى : أبحنا لكم الزواج بالكتابيات المحصنات لتشكروا الله تعالى على ~~تيسيره لكم فيما شرع ، ولتطلبوا من وراء زواجكم العفة والبعد عن الفواحش ، ~~والصون لأنفسكم ولأنفس أزواجكم عن انتهاك حرمات الله في السر أو العلن. # وقدم سبحانه المحصنات من المؤمنات على المحصنات من الذين أوتوا الكتاب ~~للتنبيه على أن المحصنات من المؤمنات أحق باختيار الزواج بهن من غيرهن ، ~~وأن المحصنة المؤمنة الزواج بها أولى وأجدر وأحسن من الزواج بالمحصنة ~~الكتابية. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@011 ومن يكفر بالإيمان فقد ~~حبط عمله ، وهو في الآخرة من الخاسرين ). # أى : ومن يكفر بشرائع الله وبتكاليفه التي أنزلها على نبيه ~~صلى الله عليه وسلم فقد حبط عمله ، أى : خاب سعيه. وفسد عمله الذي عمله. وهو ~~في الآخرة من الهالكين الذين ضيعوا ما عملوه في الدنيا من أعمال بسبب ~~انتهاكهم لحرمات الله وأحكام دينه. PageV04P054 # فالمقصود من هذه الجملة الكريمة : الترهيب من مخالفة أوامر الله والترغيب ~~في طاعته سبحانه . # هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من الآية الكريمة : # 1 إباحة التمتع بالطيبات التي أنعم بها سبحانه على عباده ، ولم يرد نص ~~بحرمتها. # 2 إباحة الأكل من ذبائح أهل الكتاب وإباحة إطعامهم من طعامنا. # 3 الترغيب في نكاح المرأة المحصنة أى التي أحصنت نفسها عن الفواحش ~~وصانتها عن كل ريبة واعتصمت بالعفاف والشرف ، وكان سلوكها المستقيم دليلا ~~على أنها متمسكة بتعاليم دينها. وبالآداب الحميدة التي جاءت بها شريعة ~~الإسلام. # وقد وردت أحاديث كثيرة في ms1554 هذا المعنى ، ومن ذلك ما رواه الشيخان وغيرهما ~~عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «تنكح المرأة لأربع : ~~لمالها ، ولحسبها ، ولجمالها ، ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك» ومعنى ~~(تربت يداك): افتقرت وندمت إن لم تبحث عن ذات الدين ، وتجعلها محط طلبك ~~للزواج بها. # وروى أبو داود والنسائي عن ابن عباس قال : جاء رجل إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال : إن امرأتى لا تمنع يد لامس. قال صلى الله عليه وسلم : ~~«غربها أى طلقها ». قال : أخاف أن تتبعها نفسي أى : أرتكب معها ما نهى الله ~~عنه بعد طلاقها قال صلى الله عليه وسلم : «فاستمتع بها». أى أبقها مع المحافظة ~~عليها (1). # 4 إباحة نكاح النساء الكتابيات وهذا مذهب أكثر الفقهاء ، لأن هذا هو ~~الظاهر من معنى قوله تعالى : ( @QUR@07 والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم ). # قال ابن كثير : وقد كان عبد الله بن عمر لا يرى التزويج بالنصرانية ويقول ~~: لا أعلم شركا أعظم من أن تقول : إن ربها عيسى ، وقد قال الله تعالى ( ~~@QUR@05 ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ): # وعن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية ( @QUR@05 ولا تنكحوا المشركات حتى ~~يؤمن ) فحجز الناس عنهن حتى نزلت : ( @QUR@07 والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم ) فنكح الناس نساء أهل الكتاب. PageV04P055 # وقد تزوج جماعة من الصحابة من نساء النصارى ولم يروا بذلك بأسا أخذا بهذه ~~الآية ، وجعلوها مخصصة للتي في سورة البقرة وهي قوله تعالى : ( @QUR@05 ولا ~~تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) إن قيل بدخول الكتابيات في عمومها. وإلا فلا ~~معارضة بينها وبينها ؛ لأن أهل الكتاب انفصلوا في ذكرهم عن المشركين في غير ~~موضع. كقوله تعالى ( @QUR@012 لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ~~منفكين حتى تأتيهم البينة ) (1). # وقال بعض العلماء ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@07 والمحصنات من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم ) أخذه الجمهور على عمومه ، فأباحوا التزوج من أهل ~~الكتاب وإن غيروا وبدلوا ، ذميين كانوا أو حربيين. وقيده جماعة بالذميين ~~دون الحربيين. # وذهب جماعة من السلف إلى أن أهل الكتاب قد غيروا ms1555 أو بدلوا وعبدوا المسيح. ~~وقالوا : إن الله ثالث ثلاثة. فهم بذلك والمشركون في العقيدة سواء وقد حرم ~~الله التزوج من المشركات ونسب هذا الرأى إلى عبد الله بن عمر وغيره من ~~الصحابة. # وتأولوا الآية بوجوه أقربها أنها رخصة خاصة في الوقت الذي نزلت فيه. قال ~~عطاء : إنما رخص الله في التزوج بالكتابية في ذلك الوقت ؛ لأنه كان في ~~المسلمات قلة. أما الآن ففيهن الكثرة العظيمة ، فزالت الحاجة فلا جرم زالت ~~الرخصة. # والذي نراه في المسألة أنه ليس في الآية ما يدل على أنه رخصة ، ولا نعلم ~~في الشريعة ما يدل على أنه رخصة. والآية دالة على الإباحة المطلقة ، ولم ~~تقيد بوقت خاص ، ولا بحالة خاصة. # نعم إن ما نراه اليوم في بعض المسلمين من رغبة التزوج بنساء الإفرنج لا ~~لغاية سوى أنها إفرنجية. ثم يضع نفسه وأولاده تحت تصرفها فتنشئهم على ~~تقاليدها وعاداتها التي تأباها تعاليم الإسلام. # نعم إن ما نراه من كل ذلك يجعلنا نوجب على الحكومات التي تدين بالإسلام ~~وتغار على قوميتها وشعائرها .. أن تمنع من التزوج بالكتابيات ، وأن تضع حدا ~~لهؤلاء الذين ينسلخون عن قواميتهم على المرأة. حفاظا على مبادئ الدين وعلى ~~عقيدة أولاد المسلمين. # وإن العمل على تقييد هذا الحكم في التشريع الإسلامى أو منعه ، لألزم ~~وأوجب مما تقوم به بعض الحكومات الإسلامية ، أو تحاول أن تقوم به ، من ~~تحديد سن الزواج للفتاة. وتقييد تعدد الزوجات ، وتقييد الطلاق ، وما إلى ~~ذلك من التشريعات التي ينشط لها كثير من رجال الحكم ، سيرا وراء مدنية ~~الغرب المظلمة. PageV04P056 # ألا وإن انحلال الكثرة الغالبة ممن يميلون إلى التزوج بالكتابيات للمعاني ~~التي أشرنا إليها لمما يوجب الوقوف أمام هذه الإباحة التي أصبحت حالتنا لا ~~تتفق والغرض المقصود منها. # وهذا معنى تشهد به كليات الدين وقواعده التي يتجلى فيها شدة حرصه على حفظ ~~شخصية الأمة الإسلامية ، وعدم انحلالها وفنائها في غيرها» (1). # وبعد أن بين سبحانه بعض مظاهر نعمه على عباده فيما يتعلق بمطاعمهم. وفيما ~~يتعلق بما يحل لهم من النساء. أتبع ذلك ms1556 ببيان مظاهر فضله عليهم فيما يتعلق ~~بعبادتهم التي من أهمها الوضوء ، والغسل. والصلاة. وأمرهم بالمحافظة على ما ~~شرعه لهم من شرائع وأحكام فقال تعالى : # ( @QUR@062 يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ~~وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم ~~النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما ~~يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم ~~تشكرون (6) @QUR@019 واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ ~~قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور ) (7) PageV04P057 # قال الفخر الرازي : اعلم أنه تعالى افتتح السورة بقوله : ( @QUR@06 يا ~~أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) وذلك لأنه حصل بين الرب وبين العبد عهد ~~الربوبية وعهد العبودية. # فقوله : ( @QUR@02 أوفوا بالعقود ) طلب الله تعالى من عباده أن يفوا بعهد ~~العبودية. فكأنما قيل : يا إلهنا العهد نوعان : عهد الربوبية منك وعهد ~~العبودية منا فأنت أولى بأن تقدم الوفاء بعهد الربوبية والإحسان. فقال ~~تعالى : نعم أنا أوفى أولا بعهد الربوبية والكرم. # معلوم أن منافع الدنيا محصورة في نوعين : لذات المطعم ، ولذات المنكح ~~فاستقصى سبحانه في بيان ما يحل ويحرم من المطاعم والمناكح. وعند تمام هذا ~~البيان كأنه يقول : قد وفيت بعهد الربوبية فيما يطلب في الدنيا من المنافع ~~واللذات فاشتغل أنت في الدنيا بالوفاء بعهد العبودية. # ولما كان أعظم الطاعات بعد الإيمان الصلاة وكانت الصلاة لا يمكن إقامتها ~~إلا بالطهارة لا جرم بدأ سبحانه بذكر فرائض الوضوء فقال : ( @QUR@013 يا ~~أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ~~) (1). # والمراد بالقيام إلى الصلاة إرادة القيام إليها ، والتهيؤ للدخول فيها من ~~باب إطلاق المسبب وإرادة السبب ، للإيجاز وللتنبيه على أن الشأن في ~~المؤمنين أن يكونوا دائما على ذكر من إرادتها وعدم الإهمال في أدائها. # وإنما قلنا المراد بالقيام إلى الصلاة إرادتها لأنه لو بقي الكلام على ~~حقيقته للزم ms1557 تأخير الوضوء عن الصلاة ، وهذا باطل بالإجماع. # وليس المراد بالقيام انتصاب القامة أو ما يشبه ذلك ، بل المراد به ~~الاشتغال بأفعال الصلاة وأقوالها وكل ما يتعلق بذاتها. # قال الآلوسى ما ملخصه : وظاهر الآية يفيد وجوب الوضوء على كل قائم إلى ~~الصلاة وإن لم يكن محدثا نظرا إلى عموم ( @QUR@02 الذين آمنوا ) من غير ~~اختصاص بالمحدثين. لكن الإجماع على خلاف ذلك ، فقد أخرج مسلم وغيره أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات الخمس يوم الفتح بوضوء واحد. فقال له ~~عمر : يا رسول صنعت شيئا لم تكن تصنعه. فقال صلى الله عليه وسلم : «عمدا فعلته ~~يا عمر». # يعنى : بيانا للجواز. فاستحسن الجمهور كون الآية مقيدة ، والمعنى : إذا ~~قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون بقرينة دلالة الحال. PageV04P058 # ولأنه اشترط الحدث في البدل وهو التيمم ، فلو لم يكن له مدخل في الوضوء ~~مع المدخلية في التيمم لم يكن البدل بدلا. وقوله تعالى ( @QUR@03 فلم تجدوا ~~ماء ) صريح في البدلية. # ويحكى عن داود الظاهري أنه أوجب الوضوء لكل صلاة لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده كانوا يتوضئون لكل صلاة ، ورد بأن فعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء لا يدل على أكثر من الندب والاستحباب وقد ~~ورد : «من توضأ على طهر كتب الله تعالى له عشر حسنات» (1). # وقوله : ( @QUR@01 فاغسلوا ) من الغسل وهو إمرار الماء على المحل حتى ~~يسيل عنه وزاد بعضهم : مع الدلك. # وقوله : ( @QUR@01 بوجوهكم ) جمع وجه. وهو مأخوذ من المواجهة. # وحد الوجه من مبدأ سطح الجبهة إلى منتهى الذقن طولا ومن الأذن إلى الأذن عرضا. # والمرافق : جمع مرفق كمنبر ومجلس وهو ملتقى عظم العضد بعظم الذراع. # والكعبين : تثنية كعب. وهما الجزءان البارزان في أعلى القدم. # والمعنى : يا أيها الذين آمنوا إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون ~~حدثا أصغر ، فاغسلوا وجوهكم ، أى : فأسيلوا الماء على وجوهكم ، وأسيلوه ~~أيضا على أيديكم إلى المرافق وامسحوا بأيديكم المبللة بالماء رءوسكم ~~واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين. # وهنا توسع الفقهاء وبعض المفسرين في ذكر مسائل تتعلق بهذه الآية نرى ms1558 من ~~الواجب الإلمام بأهمها فنقول : # أولا : أخذ جمهور الفقهاء من قوله تعالى ( @QUR@05 إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا ) إلخ أن الوضوء لا بد فيه من القصد إليه وإرادته لأجل الصلاة لا ~~لأجل أى شيء آخر كالنظافة وغيرها مما يشبهها ، وذلك لأن الوضوء عمل من ~~الأعمال التي يقصد بها المسلم الطاعة لله ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : ~~«إنما الأعمال بالنيات» وعليه تكون النية ركنا من أركان الوضوء ، فإذا لم ~~يقصد بوضوئه إرادة الصلاة وابتغاء رضاء الله ، لم تكن صلاته بهذا الوضوء صحيحة. # وقال الأحناف. إن النية في الوضوء ليست بفرض. لأن الوضوء ليس عبادة ~~مقصودة لذاتها. # وإنما هو وسيلة لغيره وهو الصلاة ، والنية إنما هي شرط في العبادة نفسها ~~وهي الصلاة باعتبارها المقصد ، وليست شرطا في الوسيلة وهي الوضوء. # وعليه فالوضوء يتحقق بغسل ما يجب غسله من الأعضاء المعروفة ، ومسح ما يجب مسحه PageV04P059 # منها ، وللمسلم أن يصلى بهذا الوضوء ما شاء من الفرائض والنوافل. قالوا : ~~ومما يشهد بأن الوضوء وسيلة لعبادة ظاهر قوله تعالى ( @QUR@04 إذا قمتم إلى ~~الصلاة ) فإنه يدل على أن الصلاة هي المقصودة وهي الغاية أما الوضوء فقد ~~شرع ليكون سبيلا إليها. # ثانيا : قوله ( @QUR@02 فاغسلوا وجوهكم ) اتفق الفقهاء على وجوب غسل ~~الوجه إلا أنهم اختلفوا في دخول المضمضة والاستنشاق فيه. # فجمهور الفقهاء اتفقوا على أنهما لا يدخلان في غسل الوجه ، بل هما سنتان ~~كان يفعلهما النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قبل غسل الوجه. # وقال بعض الفقهاء : المضمضة والاستنشاق داخلان في الغسل. # ثالثا : أخذ كثير من الفقهاء من قوله تعالى ( @QUR@02 إلى المرافق ).. و ~~( @QUR@02 إلى الكعبين ) أن المرافق داخلة مع اليدين في وجوب الغسل ، وأن ~~الكعبين داخلان مع الرجلين في وجوب الغسل. # قالوا : لأن ( @QUR@01 إلى ) هنا بمعنى مع ، ولأن بعض علماء اللغة وعلى ~~رأسهم سيبويه قد قرروا أن ما بعد إلى إذا كان من نوع ما قبلها دخل في الحد ~~، وإذا لم يكن من نوعه لم يدخل. وهنا ما بعد إلى من نوع ما قبلها فوجب ~~دخوله في الحد. # ولأن ms1559 جعل ما قبل المرفقين حدا ، لا يصلح أن يكون علامة واضحة على ذلك ، ~~ومن شأن العلامات أن تكون واضحة وهذا لا يتأتى إلا بغسل المرفقين والكعبين. # وفضلا عن كل ذلك فالمعروف من وضوء النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يغسل ~~المرفقين والكعبين. # قال القرطبي : وهذا هو الصحيح لما رواه الدارقطني عن جابر أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه». # ويرى بعض الفقهاء أن غسل المرفقين والكعبين مستحب ، لأن الغاية من قوله : ~~( @QUR@02 إلى المرافق ) و ( @QUR@02 إلى الكعبين ) تحتمل أن تدخل المرافق ~~والكعبين في الوجوب وتحتمل عدم الدخول ، ولا وجوب مع الاحتمال. # وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذه المسألة بقوله : قوله ( @QUR@02 إلى ~~المرافق ) تفيد معنى الغاية مطلقا. فأما دخولها في الحكم وخروجها ، فأمر ~~يدور مع الدليل. فمما فيه دليل على الخروج قوله : ( @QUR@03 فنظرة إلى ~~ميسرة ) لأن الإعسار علة الإنظار. وبوجود الميسرة تزول العلة. ولو دخلت ~~الميسرة فيه لكان منظرا في كلتا الحالتين معسرا وموسرا. وكذلك ( @QUR@05 ثم ~~أتموا الصيام إلى الليل ) لو دخل الليل لوجب الوصال في الصوم. ومما فيه ~~دليل على الدخول قولك : حفظت القرآن من أوله إلى آخره لأن الكلام مسوق لحفظ ~~القرآن كله. ومنه قوله تعالى : ( @QUR@02 من المسجد PageV04P060 # @QUR@04 الحرام إلى المسجد الأقصى ) لوقوع العلم بأنه لا يسرى به إلى بيت ~~المقدس من غير أن يدخله. وقوله ( @QUR@02 إلى المرافق ) و ( @QUR@02 إلى ~~الكعبين ) لا دليل فيه على أحد الأمرين ، فأخذ كافة العلماء بالاحتياط ~~فحكموا بدخولها في الغسل. وأخذ زفر وداود بالمتيقن فلم يدخلاها. وعن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه كان يدير الماء على مرفقيه» (1). # رابعا : أجمع الفقهاء على أن مسح الرأس من أركان الوضوء ، لقوله تعالى ( ~~@QUR@02 وامسحوا برؤسكم ) إلا أنهم اختلفوا في مقدار المسح. # فقال المالكية : يجب مسح جميع الرأس أخذا بالاحتياط ، وتبعهم في ذلك ~~الحنابلة. # وقال الشافعية : يكفى مسح أقل ما يطلق عليه اسم المسح أخذا باليقين وقال ~~الحنفية : يفترض مسح ربع الرأس. # ومنشأ الخلاف هنا اعتبار الباء زائدة أو أصلية. فقال المالكية ms1560 والحنابلة ~~إن الباء كما تكون أصلية تكون أيضا زائدة لتقوية تعلق العامل بالمعمول ~~واعتبارها هنا زائدة أولى ، لأن التركيب حينئذ يدل على مسح جميع الرأس ، ~~ويكون البعض داخلا في ذلك. # وقال الأحناف والشافعية الباء هنا للتبعيض ، إلا أن البعض لم يقدره ~~الشافعية بمقدار معين ، وقدره الأحناف بمقدار ربع الرأس أخذا من حديث ~~المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فنزل لحاجته ثم جاء ~~فتوضأ ومسح على ناصيته» قالوا : والناصية تساوى ربع الرأس. # قال بعض العلماء : والسنة الصحيحة وردت بالبيان. وفيها ما يفيد جواز ~~الاقتصار على مسح البعض في بعض الحالات كما في صحيح مسلم وغيره من حديث ~~المغيرة أنه صلى الله عليه وسلم أدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ~~ينقض العمامة. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه مسح رأسه فأقبل وأدبر. وهذه ~~هي التي استمر عليها صلى الله عليه وسلم فاقتضى هذا أفضلية الهيئة التي كان ~~يداوم عليها. وهي مسح الرأس مقبلا ومدبرا. وإجراء غيرها في بعض الأحوال (2). # خامسا : قوله تعالى ( @QUR@01 وأرجلكم ) وردت فيه قراءتان متواترتان. # إحداهما : بفتح اللام وهي قراءة نافع وابن عامر وحفص والكسائي ويعقوب. # والثانية : بكسر اللام وهي قراءة الباقين. # أما قراءة النصب فعلى أن قوله ( @QUR@01 وأرجلكم ) معطوف على قوله ( ~~@QUR@01 وجوهكم ) أو هو منصوب بفعل مقدر أى : وامسحوا برءوسكم واغسلوا ~~أرجلكم إلى الكعبين. # وأما قراءة الجر فعلى أن قوله ( @QUR@01 وأرجلكم ) معطوف على ( @QUR@01 ~~برؤسكم ) PageV04P061 # قال القرطبي ما ملخصه : فمن قرأ بالنصب جعل العامل «اغسلوا» وبنى على ذلك ~~أن الفرض في الرجلين الغسل دون المسح. وهذا مذهب الجمهور والكافة من ~~العلماء وهو الثابت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم واللازم من قوله في غير ~~ما حديث. وقد رأى قوما يتوضئون وأعقابهم تلوح فنادى بأعلى صوته : «ويل ~~للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء» ثم إن الله حدهما فقال : ( @QUR@02 إلى ~~الكعبين ) كما قال في اليدين ( @QUR@02 إلى المرافق ) فدل على وجوب غسلهما ~~، ومن قرأ بالخفض جعل العامل الباء. فقال ابن العربي : اتفقت العلماء على ms1561 ~~وجوب غسلهما ، وما علمت من رد ذلك سوى الطبري من فقهاء المسلمين ، والرافضة ~~من غيرهم. وتعلق الطبري بقراءة الخفض أى قال بمسح الرجلين. # ثم قال : وقد قيل : إن قوله ( @QUR@01 وأرجلكم ) بقراءة الخفض معطوف على ~~اللفظ دون المعنى أى لفظ الرءوس وهذا أيضا يدل على الغسل ، فإن المراعى ~~المعنى لا اللفظ وإنما خفض للجوار كما تفعل العرب. وقد جاء هذا في القرآن ~~وغيره قال تعالى ( @QUR@06 يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس ) بالجر لأن ~~النحاس هو الدخان. # ثم قال : والقاطع في الباب من أن فرض الرجلين الغسل ما قدمناه ، وما ثبت ~~من قوله صلى الله عليه وسلم «ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار» فخوفنا ذكر ~~النار على مخالفة مراد الله. ومعلوم أن النار لا يعذب بها إلا من ترك ~~الواجب. ومعلوم أن المسح ليس من شأنه الاستيعاب. ولا خلاف بين القائلين ~~بالمسح على الرجلين أن ذلك على ظهورهما لا على بطونهما فتبين بهذا الحديث ~~بطلان من قال بالمسح. إذ لا مدخل لمسح بطونهما عندهم ، وإنما ذلك يدرك ~~بالغسل لا بالمسح. # ونقل الجمهور كافة عن كافة عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أنه كان يغسل رجليه ~~في وضوئه مرة واثنتين وثلاثا حتى ينقيهما. وحسبك بهذا حجة في الغسل مع ما ~~بيناه فقد وضح وظهر أن قراءة الخفض المعنى فيها الغسل لا المسح وأن العامل ~~في قوله ( @QUR@01 وأرجلكم ) قوله ( @QUR@01 فاغسلوا ) والعرب قد تعطف ~~الشيء على الشيء بفعل ينفرد به أحدهما. تقول : أكلت الخبز واللبن. أى : ~~وشربت اللبن (1). # وقد عقد الإمام ابن كثير فصلا أورد فيه عند تفسيره لهذه الآية كثيرا من ~~الأحاديث التي وردت في غسل الرجلين ، وجعل عنوانه : «ذكر الأحاديث الواردة ~~في غسل الرجلين وأنه لا بد منه». PageV04P062 # ومن هذه الأحاديث ما جاء في الصحيحين والسنن عن عثمان وعلى وابن عباس. أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم غسل الرجلين في وضوئه إما مرة ، وإما مرتين أو ~~ثلاثا. على اختلاف رواياتهم. # وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، أن رسول الله ms1562 صلى الله عليه وسلم ~~توضأ فغسل قدميه ثم قال : «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به». # وعن جابر بن عبد الله قال : رأى النبي صلى الله عليه وسلم في رجل رجل مثل ~~الدرهم لم يغسله فقال : «ويل للأعقاب من النار». # ثم قال ابن كثير : ووجه الدلالة من هذه الأحاديث ظاهرة. وذلك أنه لو كان ~~فرض الرجلين مسحهما ، أو أنه يجوز ذلك لما توعد على تركه ، لأن المسح لا ~~يستوعب جميع الرجل. بل يجرى فيه ما يجرى في مسح الخف (1). # ويرى الزمخشري أن قراءة الجر في قوله ( @QUR@01 وأرجلكم ) محمولة في ~~المعنى على النصب ويكون السبب في عطفها على الرءوس المجرورة ، للإشارة إلى ~~وجوب عدم الإسراف في الماء. فقد قال : فإن قلت : فما تصنع بقراءة الجر ~~ودخولها في حكم المسح؟ قلت : الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل ~~بصب الماء عليها : فكانت مظنة للإسراف المذموم المنهي عنه ، فعطفت على ~~الثالث المسموح لا لتمسح ، ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها. # وقد وضح هذا المعنى الشيخ ابن المنير بقوله : لم يوجه الزمخشري قراءة ~~الجر بما يشفى الغليل. والوجه فيه أن الغسل والمسح متقاربان من حيث أن كل ~~واحد منهما مساس بالعضو ، فيسهل عطف المغسول على الممسوح من ثم ، كقوله : ~~متقلدا سيفا ورمحا. وعلفتها تبنا وماء باردا. ونظائره كثيرة. # ثم يقال : ما فائدة هذا التشريك بعلة التقارب؟ وهلا أسند إلى كل واحد ~~منهما الفعل الخاص به على الحقيقة؟ فيقال : فائدته الإيجاز والاختصار. ~~وتحقيقه أن الأصل أن يقال مثلا : واغسلوا أرجلكم غسلا خفيفا لا إسراف فيه ~~كما هو المعتاد ، فاختصرت هذه المقاصد بإشراكه الأرجل مع الممسوح ، ونبه ~~بهذا التشريك الذي لا يكون إلا في الفعل الواحد أو الفعلين المتقاربين جدا. ~~على أن الغسل المطلوب في الأرجل غسل خفيف يقارب المسح. وحسن إدراجه معه تحت ~~صيغة واحدة وهذا تقرير كامل لهذا المقصود» (2). # هذا ومن كل ما تقدم نرى وجوب غسل الرجلين في الوضوء سواء أكانت القراءة ~~بالنصب أم PageV04P063 # بالجر. وقد بسطت بعض كتب ms1563 الفقه والتفسير هذه المسألة بسطا موسعا فليرجع ~~إليها من شاء (1). # سادسا : أخذ الأحناف من هذه الآية الكريمة أن أركان الوضوء هي هذه ~~الأربعة فحسب أى : غسل الوجه ، واليدين إلى المرفقين ، ومسح الرأس ، وغسل ~~الرجلين إلى الكعبين. # وقد أضاف جمهور الفقهاء إلى ذلك النية كما سبق أن أشرنا كما أضافوا ~~الترتيب بين الأركان بحيث يغسل الوجه أولا ثم اليدان ثم من بعدهما مسح ~~الرأس ، ثم غسل الرجلين ، لأن هذه الأركان قد ذكرت بهذا التريب في القرآن ~~فيجب التزامه. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخالف هذا الترتيب ولو مرة ~~واحدة فوجب اتباع ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم . # وقال الأحناف : الترتيب ليس فرضا ، لأن العطف بين الأركان بالواو وهي لا ~~تقتضي ترتيبا ولا تعقيبا. # كذلك أضاف بعض الفقهاء إلى أركان الوضوء الموالاة بمعنى أن يواصل المتوضئ ~~الاشتغال بوضوئه ولا ينقطع عنه. وذهب بعضهم إلى أن ذلك سنة. # والذي تطمئن إليه النفس أن المتوضئ إذا انقطع وضوؤه بعمل أجنبى لمدة جفت ~~معها أعضاء الوضوء وجب عليه استئناف الوضوء مبتدئا بأوله. أما إذا قطع ~~المتوضئ وضوءه لفترة قصيرة بحيث بقيت آثار الوضوء ظاهرة فإنه في هذه الحالة ~~يجوز له الاستمرار فيه. # تلك هي بعض المسائل التي رأينا أن نتكلم عنها بإيجاز بمناسبة حديثنا عن ~~هذه الآية الكريمة وهناك مسائل أخرى تتعلق بها تكفلت كتب الفروع بتفصيلها. ~~وقد انتقلت الآية الكريمة بعد حديثها عن الوضوء إلى الحديث عن الاغتسال ~~وموجبه فقال تعالى ( @QUR@04 وإن كنتم جنبا فاطهروا ). # والجنب من أصابته الجنابة بسبب جماع أو احتلام أو غيرهما مما تتحقق معه ~~الجنابة. وكلمة جنب من الألفاظ التي يستوي فيها الواحد والمثنى والجمع ~~والمذكر والمؤنث لجريانها مجرى المصدر ، فيقال : رجل جنب ، وامرأة جنب ، ~~وهما جنب ، ورجال ونساء جنب .. واشتقاقه من المجانبة بمعنى المباعدة ، لأن ~~الجنابة معنى شرعي يستلزم من المسلم اجتناب الصلاة وقراءة القرآن ومس ~~المصحف ودخول المسجد إلى أن يتطهر. # وقوله ( @QUR@01 فاطهروا ) أصله فتطهروا فأدغمت التاء في الطاء فسكنت ~~فأتى بالهمزة. # والمعنى : يا أيها ms1564 الذين آمنوا إذا أردتم الدخول في الصلاة فعليكم أن ~~تتوضئوا قبل دخولكم PageV04P064 # فيها بأن تغسلوا وجوهكم وتغسلوا أيديكم إلى المرافق ، وتمسحوا برءوسكم. ~~وتغسلوا أرجلكم إلى الكعبين ، هذا إذا كنتم محدثين حدثا أصغر وأردتم الصلاة ~~أما إذا كنتم محدثين حدثا أكبر ، بأن كنتم جنبا بسبب خروج منى أو التقاء ~~ختانين وأردتم الدخول في الصلاة فعليكم في هذه الحالة أن تتطهروا. أى : ~~تغسلوا بالماء جميع بدنكم. لأن الأمر بالتطهر لما لم يتعلق بعضو دون عضو ، ~~كان أمرا شاملا لتطهير جميع البدن ، بدليل أن الوضوء لما تعلق بعضو دون عضو ~~نص الله تعالى في الآية على تلك الأعضاء التي أوجب غسلها. # وإنما حملت الطهارة هنا على الطهارة بالماء لأن الماء هو الأصل كما يشير ~~إلى ذلك قوله تعالى ( @QUR@07 وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ) (1) ~~ولأنه سبحانه قد ذكر بعد هذه الجملة ما يحل محل الماء عند فقده. # والتعبير بقوله ( @QUR@01 فاطهروا ) فيه إشارة إلى وجوب العناية في تعميم ~~الماء على الجسد كله ، وإيماء إلى أن النجاسة المعنوية قد عمت كل أجزاء ~~الجسم ، فوجب أن تكون الطهارة عامة لكل أجزاء الجسم ولا شك أن الاغتسال بعد ~~الجناية أو الحيض أو النفاس فيه إنعاش الجسم بعد أن أصابه التعب والإنهاك ، ~~وفيه كذلك طهارة نفسية ، لأنه يبعث في الإنسان حسن الاستعداد لذكر الله ، ~~ولأداء تكاليفه. # قال الفخر الرازي : والدلك غير واجب في الغسل. وقال مالك : الدلك واجب ~~وحجة غيره أن قوله ( @QUR@01 فاطهروا ) أمر بتطهير البدن لا يعتبر فيه ~~الدلك. ثم قال : والشافعى قال : المضمضة والاستنشاق غير واجبين في الغسل ~~ومثله في ذلك الإمام مالك. # وقال أبو حنيفة والحنابلة هما : واجبان لأن الآية تقول ( @QUR@01 فاطهروا ~~) وهذا أمر بأن يطهروا أنفسهم. وتطهير النفس لا يحصل إلا بتطهير جميع أجزاء ~~النفس ، ما عدا الأجزاء الباطنة التي لا يمكن تطهيرها. وداخل الفم والأنف ~~يمكن تطهير هما. فوجب بقاؤهما تحت النص. ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ~~«بلوا الشعر وأنقوا البشرة فإن تحت كل شعرة جنابة» فقوله «بلوا الشعر» يدخل ms1565 ~~فيه الأنف. لأن داخله شعر. وقوله «وأنقوا البشرة» يدخل فيه الجلدة التي ~~داخل الفم. وحجة الشافعى ومالك قوله صلى الله عليه وسلم أما أنا فأحثى على ~~رأسى ثلاث حثيات فإذا أنا. قد طهرت» وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في ~~مجلس جماعة من أصحابه كانوا يتحدثون أمامه في أمر الغسل ، وكل يبين ما ~~يعمله (2). PageV04P065 # ثم شرع سبحانه في بيان الاعذار التي تبيح التيمم من أجل الطهارة عند ~~العجز عن استعمال الماء فقال تعالى : ( @QUR@025 وإن كنتم مرضى أو على سفر ~~أو جاء أحد منكم من الغائط ، أو لامستم النساء : فلم تجدوا ماء فتيمموا ~~صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ) والمراد بالمرضى في قوله تعالى ( ~~@QUR@03 وإن كنتم مرضى ) المرض الذي يمنع من استعمال الماء مطلقا كأن يكون ~~استعمال الماء يزيد المرض شدة ، أو يبطئ البرء. # وقوله ( @QUR@03 أو على سفر ) في محل نصب عطفا على خبر كان وهو قوله مرضى ~~وليس المراد بالسفر هنا سفر القصر ، وإنما المراد السير خارج العمران سواء ~~أوصل المسافر إلى مسافة القصر أم لا ، بخلافه في قوله تعالى في سورة البقرة ~~: ( @QUR@011 فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ) فان المراد ~~به هناك سفر القصر ، إنما قيد الأمر هنا بالسفر مع أن المنظور إليه عدم ~~الماء لأن السفر هو الذي يغلب فيه عدم الماء بخلاف الحضر ولو فرض عدم الماء ~~في الحضر وجب التيمم على المحدث عند إرادة الصلاة عند الحنفية والمالكية ~~والشافعية. # وقوله ( @QUR@06 أو جاء أحد منكم من الغائط ) معطوف على ما قبله والغائط ~~: من الغيط وهو المكان المنخفض من الأرض. وهو هنا كناية عن الحدث لأن ~~العادة جرت أن من يريد الحدث يذهب إلى ذلك المكان المنخفض ليتوارى عن أعين الناس. # وفي إسناد المجيء إلى واحد مبهم من المخاطبين ، سمو في التعبير. حيث ~~تحاشى سبحانه التصريح بنسبتهم إلى ما يستحيا من ذكره أو يستهجن التصريح به. ~~وفي ذلك ما فيه من تعليم الناس الأدب في الخطاب ، والبعد عن الألفاظ التي ~~تخدش ms1566 الحياء ، ويمجها الذوق السليم. # والمراد بالملامسة في قوله تعالى ( @QUR@03 أو لامستم النساء ) الجماع : ~~فهو هنا كناية عما يكون بين الرجل والمرأة مما يوجب الاغتسال : وهي كناية ~~قرآنية أراد سبحانه أن يعلم الناس منها حسن التعبير ، والبعد عن الألفاظ ~~التي تتنافى مع آداب الإسلام وتعاليمه السامية. # وإلى هذا الرأى اتجه كثير من الصحابة ، منهم على بن أبى طالب وابن عباس ~~وأبو موسى. وتبعهم في ذلك كثير من الفقهاء كأبى حنيفة وأبى يوسف وزفر ~~والثوري فقد قالوا : لا وضوء على من مس امرأة سواء أكان المس بشهوة أو ~~بدونها. واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل نساءه ثم يصلى ولم ~~يتوضأ وكان يقبلهن وهو صائم. # واستدلوا أيضا بأن ظاهر مادة المفاعلة يكون في الفعل من الجانبين مقصودا ~~، وذلك إنما يتأتى في الجماع دون اللمس باليد. وأيضا فإن اللمس وإن كان ~~حقيقة في اللمس باليد إلا أنه قد عهد في القرآن إطلاقه كناية عن الجماع كما ~~في قوله تعالى : ( @QUR@05 وإن طلقتموهن من قبل أن PageV04P066 # @QUR@05 تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة ) (1). # ويرى جماعة من الصحابة منهم عمر بن الخطاب وابن مسعود أن المراد ~~بالملامسة هنا اللمس باليد ، وكانا يوجبان على من مس امرأة الوضوء. # وقد سار الإمام الشافعى على هذا الرأى فقال : إذا مس جسدها فعليه الوضوء ~~سواء أكان المس بشهوة أم بغير شهوة. # ومن أدلته أن اللمس حقيقة في المس باليد ، وهو في الجماع مجاز أو كناية ~~ولا يعدل عن الحقيقة إلى غيرها إلا عند تعذر الحقيقة ويرى الإمام مالك أن ~~اللمس إن كان بشهوة وتلذذ فعليه الوضوء ، وكذا إذا مسته بشهوة وتلذذ ، وإن ~~كان بغير شهوة فلا وضوء عليهما. # وقد انتصر كل فريق لرأيه بصورة أوسع من ذلك في كتب الفروع. والذي نراه ~~أولى بالصواب في هذه المسألة ما قاله الإمام مالك رحمه الله لأنه بنى رأيه ~~على وجود الشهوة وعدمها. والفاء في قوله : ( @QUR@03 فلم تجدوا ماء ) عطفت ~~ما بعدها على الشرط السابق وهو قوله. ( @QUR@03 وإن كنتم مرضى ). # والضمير في قوله ms1567 : ( @QUR@02 فلم تجدوا ) يعود لكل من تقدم من مريض ~~ومسافر ومتغوط وملامس وفيه تغليب للخطاب على الغيبة. # والمراد بعدم الوجدان في قوله هنا ( @QUR@03 فلم تجدوا ماء ) ما هو أعم ~~من الوجود الحسى أى : أن قوله : «فلم تجدوا ماء» كناية عن عدم التمكن من ~~استعماله وإن وجد حسا ، إذ أن الشيء المتعذر استعماله هو والمعدوم سواء. # وقوله : ( @QUR@03 فتيمموا صعيدا طيبا ) جواب الشرط وهو قوله : ( @QUR@03 ~~وإن كنتم مرضى ). # والمعنى : وإن كنتم أيها المؤمنون في حالة مرض يحول بينكم وبين استعمال ~~الماء أو كنتم مستقرين على سفر ؛ أو كنتم محدثين حدثا أصغر أو أكبر ، أو ~~لامستم النساء ، فلم تجدوا ماء تستعملونه لطهارتكم ، ولأداء ما كلفكم الله ~~به من تكاليف ، أو وجدتموه ولكن منعكم مانع من استعماله ، أو كنتم في حاجة ~~ماسة إليه ، فعليكم في هذه الأحوال أن تتيمموا صعيدا طيبا بدلا من الماء ، ~~فإن الله تعالى ( @QUR@07 ما جعل عليكم في الدين من حرج ). # ومنهم من يرى أن الضمير في قوله : ( @QUR@03 فلم تجدوا ماء ) يعود إلى ~~الجميع ما عدا المرضى ، لأن المرضى يباح لهم التيمم مع وجود الماء إذا ~~تضرروا من استعماله. وعلى هذا الرأى يكون المراد بعدم الوجدان ، عدم ~~الوجدان الحسى. PageV04P067 # والتيمم لغة القصد. يقال تيممت الشيء إذا قصدته. # ويطلق في الشرع على القصد إلى التراب لمسح الوجه واليدين به. # وأما الصعيد بوزن فعيل فيطلق على وجه الأرض البارز ترابا كان أو غيره. ~~وقيل يطلق على التراب فحسب. # والطيب : الطاهر الذي لم تلوثه نجاسة ولا قذر. # وقوله : ( @QUR@04 فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ) بيان لكيفية التيمم. # أى : إذا لم تجدوا ماء للتطهر به ، أو وجدتموه ولكنكم عجزتم عن استعماله ~~، فاقصدوا ترابا طاهرا فامسحوا منه بوجوهكم وأيديكم. # وقد استدل بعض الفقهاء بقوله : ( @QUR@03 فتيمموا صعيدا طيبا ) على أن ~~التيمم لا يجوز إلا بالتراب الطاهر ، لأنه هو المقصود بالصعيد الطيب. # ويرى بعض آخر أن التيمم يجوز بالتراب وبالحجر وبما ماثله من كل ما كان من ~~جنس الأرض. متى كان طاهرا. قالوا : لأن الظاهر من لفظ الصعيد وجه الأرض. ~~وهذه ms1568 الصفة لا تختص بالتراب. # قال القرطبي بعد أن ذكر آراء الفقهاء في ذلك «وإذا تقرر هذا فاعلم أن ~~مكان الإجماع فيما ذكرناه أن يتيمم الرجل على تراب طاهر غير منقول ولا ~~مغصوب. ومكان الإجماع في المنع أن يتيمم الرجل على الذهب والصرف والفضة ~~والياقوت والأطعمة كالخبز واللحم وغيرهما أو على النجاسات واختلف في غير ~~هذا كالمعادن ، فأجيز وهو مذهب مالك وغيره ومنع وهو مذهب الشافعى وغيره» (1). # كما استدل الأحناف والشافعية بقوله تعالى ( @QUR@04 فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم منه ) على أن التيمم المطلوب شرعا هو استعمال الصعيد في عضوين ~~مخصوصين على قصد التطهير. والعضوان هما الوجه واليدان إلى المرفقين ، فقد ~~جاء في الحديث الشريف عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~«التيمم ضربتان ضربة للوجه. وضربة للذراعين إلى المرفقين». # ويرى الحنابلة والمالكية أن العضوين هما الوجه واليدين إلى الرسغين. هذا ~~، وقد تكلمنا عن هذه المسألة وغيرها بصورة أوسع عند تفسيرنا لقوله تعالى في ~~سورة النساء : ( @QUR@019 وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من ~~الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا PageV04P068 # @QUR@05 صعيدا طيبا ، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ) (1). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة ببيان بعض مظاهر رحمته بعباده ، ورعايته ~~لمصالحهم فقال تعالى ( @QUR@015 ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ، ولكن ~~يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ). # أى : ما يريد الله تعالى بما فرض عليكم من الوضوء إذا قمتم إلى الصلاة ~~ومن الغسل بعد الجنابة ، ومن الأمر بالتيمم عند وجود أسبابه ، ما يريد ~~سبحانه بذلك ( @QUR@04 ليجعل عليكم من حرج ) أى ضيق ومشقة وعسر ، ولكن يريد ~~بذلك ليطهركم. # أى : ليطهر نفوسكم من الأرجاس الحسية والمعنوية وليزيل عنها ما علق بها ~~من ذنوب وأوساخ ، ويريد بذلك أيضا ( @QUR@03 ليتم نعمته عليكم ) بما شرع ~~لكم من أحكام ميسرة ومن آداب عالية ، ومن تكاليف جليلة لكي تشكروه على نعمه ~~وإحسانه وتشريعاته ، لأنكم متى شكرتم زادكم من فضله ومننه. # وعبر سبحانه عن نفى الحرج بنفي إرادته ، مبالغة في بيان رأفته سبحانه ~~بعباده ، ورعايته ms1569 لمصالحهم. فكأنه سبحانه يقول : ما كان من شأن الله تعالى ~~مع عباده أن يشرع لهم ما فيه مشقة أو حرج. # وقوله ( @QUR@01 ليجعل ) يحتمل أن يكون الجعل بمعنى الخلق والإيجاد ~~فيتعدى لواحد وهو قوله : ( @QUR@02 من حرج ) وتكون ( @QUR@01 من ) زائدة ~~لتأكيد النفي وقوله ( @QUR@01 عليكم ) متعلق بالجعل. ويحتمل أن يكون بمعنى ~~التصيير فيكون قوله ( @QUR@01 عليكم ) هو المفعول الثاني ، وقوله : ( ~~@QUR@08 ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ) استدراك قصد ~~به بيان بعض مظاهر رحمته سبحانه بالمؤمنين ومحبته لسعادتهم ولتزكية نفوسهم ~~وتطهيرها من الذنوب والأدران كما قصد به حضهم على مداومة شكره حتى يزيدهم ~~من فضله. # وقريب من معنى هذه الجملة قوله تعالى ( @QUR@08 يريد الله بكم اليسر ولا ~~يريد بكم العسر ) (2). وقوله تعالى ( @QUR@07 وما جعل عليكم في الدين من ~~حرج ) (3) وقوله تعالى ( @QUR@08 يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ~~ضعيفا ) (4). # وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت للمؤمنين ما يجب عليهم أن يفعلوه إذا ما أرادوا PageV04P069 # الدخول في الصلاة ، وما يجب عليهم أن يفعلوه إذا ما كانوا جنبا ، وما يجب ~~أن يفعلوه إذا ما فقدوا الماء أو عجزوا عن استعماله وكانوا يريدون الطهارة ~~أو أداء ما عليهم من تكاليف ، كما بينت لهم حكمة الله في تشريعاته لهم ، ~~ورعايته لمصالحهم حتى يشكروه على نعمه فيزيدهم منها. # ثم بعد أن بين سبحانه بعض مظاهر فضله على عباده ورحمته بهم ، أتبع ذلك ~~بأمرهم بمداومة شكره ، وبالوفاء بعهده فقال : ( @QUR@012 واذكروا نعمة الله ~~عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا ). # أى : تنبهوا أيها المؤمنون بعقولكم وقلوبكم لما أسبغه الله عليكم من منن ~~فداوموا على شكرها ( @QUR@04 واذكروا نعمة الله عليكم ) بدين الإسلام الذي ~~هديتم به إلى الصراط المستقيم ، واذكروا كذلك ( @QUR@04 ميثاقه الذي واثقكم ~~به ) أى : عهده الوثيق الذي أخذه عليكم ، وأمركم بالتزامه بكل قوة. # وقوله : ( @QUR@04 إذ قلتم سمعنا وأطعنا ) ظرف لقوله ( @QUR@02 واثقكم به ~~) أى : إذ قلتم وقت أن أخذ عليكم العهد الموثق : سمعنا قولك وأطعنا أمرك. # فأنت ترى أن الآية الكريمة أوجبت على المؤمنين أمرين : # أولهما : التنبه إلى نعم ms1570 الله وعلى رأس هذه النعم نعمة الهداية إلى دين ~~الإسلام ، ومداومة شكره سبحانه على ذلك. # وثانيهما : الوفاء بعهوده التي أخذها عليهم ، وتقبلوها بالسمع والطاعة ~~لأنهم متى شكروه على نعمه ، وكانوا أوفياء بعهودهم ، زادهم سبحانه من فضله ~~وعطائه قال الفخر الرازي : وإنما قال : ( @QUR@04 واذكروا نعمة الله عليكم ~~) ولم يقل نعمه عليكم ، لأنه ليس المقصود منه التأمل في أعداد نعم الله ، ~~بل المقصود منه التأمل في جنس النعم. كالنظر إلى الحياة والصحة والعقل ~~والهداية وحسن التدبير والصون عن الآفات والعاهات. فجنس هذه النعم لا يقدر ~~عليه سوى الله تعالى فيكون وجوب الاشتغال بشكرها أتم وأكمل. # وإنما قال : ( @QUR@04 واذكروا نعمة الله عليكم ) وهو يشعر بنسيانها مع ~~أن مثلها في تواترها لا ينسى ، للإشارة إلى أنه لكثرة هذه النعم وتعاقبها ، ~~صارت كالأمر المعتاد الذي لكثرة وجوده قد يغفل عنه المرء» (1) والمراد ~~بالميثاق الذي أخذه عليهم ما جرى بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المؤمنين ~~من عهود على أن PageV04P070 # يسمعوا له ويطيعوا في العسر واليسر ، والمنشط والمكره ، كما حدث مع ~~الأنصار ليلة العقبة ، وكما حدث مع المؤمنين جميعا في بيعة الرضوان وإنما ~~أضيف الميثاق إلى الله تأكيدا لوجوب الوفاء به ؛ ولأنه سبحانه هو الذي شرعه ~~وهو الذي سيحاسبهم على نقضه وعدم الوفاء به وقال مجاهد : المراد به الميثاق ~~الذي أخذه الله على عباده حين أخرجهم من ظهر آدم ، وضعف هذا القول بأن ~~الخطاب هنا للمؤمنين وليس للبشر جميعا. # قال ابن جرير ما ملخصه : وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك : قول ابن ~~عباس ، وهو أن معناه : واذكروا أيها المؤمنون نعمة الله التي أنعمها عليكم ~~بهدايته إياكم إلى الإسلام ( @QUR@04 وميثاقه الذي واثقكم به ) يعنى : ~~وعهده الذي عاهدكم به حين بايعتم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم على السمع ~~والطاعة له في المنشط والمكره ، والعسر واليسر ، إذ قلتم سمعنا ما قلت لنا ~~وأخذت علينا من المواثيق ، وأطعناك فيما أمرتنا ونهيتنا عنه .. فأوفوا أيها ~~المؤمنون بميثاقه الذي واثقكم به ونعمته التي أنعم عليكم بها يوف لكم بما ~~ضمن ms1571 لكم الوفاء به ، من إتمام نعمته عليكم ، وبإدخالكم جنته ، وإنعامكم ~~بالخلود في دار كرامته وإنقاذكم من عذابه وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب من ~~قول من قال المراد بالميثاق ما أخذ عليهم في صلب آدم ، لأن الله بعد أن ذكر ~~المؤمنين بميثاقه الذي واثقهم به ، ذكر بعد ذلك أهل التوراة بالميثاق الذي ~~أخذه الله عليهم في قوله : ( @QUR@06 ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل ) ~~منبها بذلك المؤمنين على مواضع حظوظهم من الوفاء لله بما عاهدهم عليه ، ~~ويعرفهم سوء عاقبة أهل الكتاب في تضييعهم ما ضيعوا من ميثاقه (1) وبعد أن ~~ذكر الله تعالى المؤمنين بنعمته عليهم وبميثاقه الذي واثقهم به وأمرهم ~~بالوفاء بما كلفهم به ختم سبحانه الآية بأمرهم بخشيته والخوف منه قال : ( ~~@QUR@07 واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور ). # أى : اشكروا الله أيها المؤمنون على نعمته ، وكونوا أوفياء بعهودكم ~~واتقوا الله وراقبوه في كل ما تأتون وما تذرون ، وصونوا أنفسكم عن كل ما ~~يكرهه لكم ، فإنه سبحانه عليم علما تاما بخفيات الأمور الكامنة في الصدور. ~~وبكل ما يظهره الإنسان ويبطنه ، وسيحاسبكم يوم القيامة على أعمالكم ، ~~فيجازى المحسن بإحسانه ، والمسيء بإساءته و (ذات الصدور) هي الأمور المستقرة ~~في الصدور ، فهي بالنسبة للصدور كالصاحب بالنسبة لصاحبه الذي يلازمه ولا ~~يفارقه. ومثلوا لها بالنيات والاعتقادات وسائر الأمور القلبية. PageV04P071 # والجملة الكريمة ( @QUR@05 إن الله عليم بذات الصدور ) تعليل لقوله ( ~~@QUR@02 واتقوا الله ) وكرر سبحانه اسمه الجليل لإشعار المؤمنين برقابته ~~التامة عليهم. واطلاعه على أحوالهم المختلفة ، وأعمالهم المتنوعة وللإشارة ~~إلى أنه إذا كان سبحانه يعلم خفيات الأمور ، فمن باب أولى يعلم جلياتها. # وبعد أن أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالوفاء بمواثيقه ، أتبع ذلك ~~بأمرهم بالتزام الحق في كل أقوالهم وأعمالهم ، وذكرهم بما أفاء عليهم من ~~نعم فقال سبحانه : # ( @QUR@027 يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا ~~يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن ~~الله خبير بما تعملون (8) @QUR@010 وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~لهم مغفرة وأجر عظيم (9) @QUR@07 والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ms1572 أولئك أصحاب ~~الجحيم (10) @QUR@024 يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم ~~قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون ) (11) # وقوله : ( @QUR@01 قوامين ) جمع قوام. وهو صيغة مبالغة من قائم. والقوام ~~: هو المبالغ في القيام بالشيء. وفي الإتيان به على أتم وجه وأحسنه. # وقوله : ( @QUR@01 شهداء ) جمع شهيد بوزن فعيل والأصل في هذه الصيغة ، ~~دلالتها على الصفات الراسخة في النفس ككريم وحكيم. PageV04P072 # والقسط : العدل يقال أقسط فلان يقسط إذا عدل في أقواله وأحكامه وقوله ( ~~@QUR@02 ولا يجرمنكم ) أى : ولا يحملنكم من جرمه على كذا إذا حمله عليه أو ~~معناه : ولا يكسبنكم من جرم بمعنى كسب غير أنه في كسب ما لا خير فيه ومنه ~~الجريمة وأصل الجرم قطع الثمرة من الشجرة وأطلق على الكسب ؛ لأن الكاسب ~~ينقطع لكسبه والشنآن : البغض الشديد. يقال : شنئت الرجل أشنؤه شنأ وشنأة ~~وشنآنا ، إذا أبغضته بغضا شديدا. # والمعنى. يا أيها الذين آمنوا بالحق إيمانا صادقا ( @QUR@05 كونوا قوامين ~~لله شهداء بالقسط ) أى. ليكن من أخلاقكم وصفاتكم أن تقوموا لله وحده بالحق ~~في كل ما يلزمكم القيام به. ومن العمل بطاعته ، واجتناب منهياته ، وليكن من ~~دأبكم وشأنكم أيضا أن تلتزموا العدل في شهادتكم ، ولا يحملنكم بغضكم الشديد ~~لقوم على عدم العدل معهم ، فإن عدم العدل في الأقوال والأحكام يتنافى مع ~~تعاليم دين الإسلام. الذي آمنتم به ، ورضيه الله لكم دينا. # وفي ندائه سبحانه بقوله : ( @QUR@02 كونوا قوامين ) بصفة الكينونة الدالة ~~على الدوام ، وبصيغة المبالغة الدالة على الكثرة. لتمكين صفة الطاعة له من ~~نفوسهم ، وترسيخها في قلوبهم. # فكأنه سبحانه يقول لهم : روضوا أنفسكم على طاعة خالقكم ، وعودوها على ~~التزام الحق والعدل. واجعلوا ذلك شأنكم في جميع الظروف والأحوال فلا يكفى ~~أن تلتزموا الطاعة والعدل مرة أو مرتين ، وإنما الواجب عليكم أن يكون ~~التزامكم لذلك في كل أوقاتكم وأعمالكم. # وقوله : ( @QUR@04 اعدلوا هو أقرب للتقوى ) تصريح بوجوب العدل بعد ما علم ~~من النهى عن تركه في قوله ( @QUR@07 ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ) ~~للتأكيد على وجوب ms1573 التزامهم بما أمرهم سبحانه به وما نهاهم عنه ، ولبيان ~~العلة في تكليفهم بذلك. # والضمير ( @QUR@01 هو ) يعود إلى المصدر المفهوم من قوله : ( @QUR@01 ~~اعدلوا ). # أى : التزموا أيها المؤمنون العدل في كل أحوالكم ، فإن العدل مع الأعداء ~~ومع غيرهم أقرب إلى اتقاء المعاصي ، وإلى صيانة النفس عن الوقوع في ~~المهالك. # وقال سبحانه ( @QUR@04 اعدلوا هو أقرب للتقوى ) مع أن العدل دليل التقوى ~~ولبابها لأن المؤمن في حال حربه وتعامله مع عدوه قد يرى أن من التقوى أن ~~يستبيح ما له ، وأن يأخذ منه ما يمكن PageV04P073 # أخذه ، فبين له القرآن الكريم أن الأقرب إلى التقوى التامة أن يحسن ~~معاملة عدوه ، وأن لا يعتدى على حق من حقوقه. # قال صاحب الكشاف ، قوله : ( @QUR@04 اعدلوا هو أقرب للتقوى ) نهاهم أولا ~~أن تحملهم البغضاء على ترك العدل ، ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل ~~تأكيدا وتشديدا ، ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل وهو قوله ( @QUR@02 ~~أقرب للتقوى ) أى : العدل أقرب للتقوى ، وأدخل في مناسبتها. وفيه تنبيه على ~~أن وجوب العدل مع الكفار الذين هم أعداء الله إذا كان بهذه الصفة من القوة ~~فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه» (1). # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@07 واتقوا الله إن الله خبير بما ~~تعملون ). # أى : واتقوا الله أيها المؤمنون في كل ما تأتون وما تذرون ، وصونوا ~~أنفسكم عما لا يرضيه ، وافعلوا ما أمركم به ، إن الله تعالى لا تخفى عليه ~~خافية من أعمالكم ، وسيجازيكم يوم القيامة بما تستحقونه على حسب أعمالكم ~~فالجملة الكريمة تذييل قصد به التحذير من مخالفة أوامر الله ، ومن انتهاك ~~حرماته. # وبذلك نرى الآية الكريمة قد أمرت المؤمنين بالمداومة على طاعة الله في ~~جميع الأوقات والأحوال ، وبأداء الشهادات على وجهها بدون محاباة ولا ظلم ، ~~وبوجوب العدل في معاملة الأعداء والأصدقاء ، وبمراقبة الله تعالى وخشيته في ~~السر والعلانية. # قال الآلوسى : وقد تقدم نظير هذه الآية في سورة النساء ( @QUR@09 يا أيها ~~الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ) (2) ولم يكتف بذلك لمزيد من ~~الاهتمام بالعدل والمبالغة في إطفاء ثائرة الغيظ. ms1574 وقيل : لاختلاف السبب ، ~~فإن الأولى نزلت في المشركين ، وهذه في اليهود. وذكر بعض المحققين وجها ~~لتقديم القسط هناك وتأخيره هنا ، وهو أن آية النساء جيء بها في معرض ~~الإقرار على نفسه ووالديه وأقاربه. بدأ فيها بالقسط الذي هو العدل من غير ~~محاباة نفس ، ولا والد ولا قرابة. والتي هنا جيء بها في معرض ترك العداوة ~~فبدأ فيها بالقيام لله تعالى لأنه أردع للمؤمنين ، ثم ثنى بالشهادة بالعدل ~~فجيء في كل معرض بما يناسبه» (3). # ثم بين سبحانه حسن عاقبة المؤمنين ، وسوء عاقبة الكافرين فقال تعالى ( ~~@QUR@02 وعد الله ) بفضله وإحسانه ( @QUR@02 الذين آمنوا ) إيمانا حقا ( ~~@QUR@01 وعملوا ) الأعمال ( @QUR@01 الصالحات ) التي نالوا بها رضا الله ، ~~وعدهم بأن ( @QUR@02 لهم مغفرة ) عظيمة ولهم ( @QUR@02 أجر عظيم ) لا يعرف ~~مقداره إلا PageV04P074 # هو سبحانه . ( @QUR@04 والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ) التي جاء بها نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم ( @QUR@03 أولئك أصحاب الجحيم ) أى : أولئك الموصوفون ~~بما ذكر من الكفر والتكذيب بآياتنا هم المستحقون لدخول النار المشتعلة ~~الشديدة التأجج ، بسبب إيثارهم الكفر على الإيمان والتكذيب على التصديق. # ثم ذكرهم سبحانه بنعمة أخرى من نعمه الجزيلة ، حتى يزدادوا شكرا له ، ~~ووفاء بعهده ؛ والتزاما لطاعته فقال تعالى : ( @QUR@018 يا أيها الذين ~~آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم ~~عنكم ). # وقد أورد المفسرون في سبب نزول هذه الآية الكريمة روايات منها ما رواه ~~عبد الرازق عن معمر الزهري عن أبى أسامة عن جابر : أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم نزل منزلا وتفرق الناس في العضاة يستظلون تحتها. وعلق ~~النبي صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرة فجاء أعرابى إلى سيف رسول الله فأخذه ~~فسله. ثم أقبل عليه فقال : من يمنعك منى؟ قال : الله عز وجل فسقط السيف من ~~يد الأعرابى. فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فأخبرهم خبر الأعرابى ، ~~وهو جالس إلى جانبه ولم يعاقبه. # قال ابن كثير : وذكر محمد بن إسحاق ومجاهد وعكرمة وغير واحد أنها نزلت في ~~شأن بنى النضير حين أرادوا أن يلقوا على رأس رسول الله ms1575 صلى الله عليه وسلم ~~الرحى لما جاءهم يستعينهم في دية العامريين ووكلوا عمرو بن جحاش بذلك. ~~وأمروه إن جلس النبي صلى الله عليه وسلم تحت الجدار واجتمعوا عنده أن يلقى تلك ~~الرحى من فوقه. فأطلع الله رسوله صلى الله عليه وسلم على ما تمالئوا عليه. ~~فرجع إلى المدينة وتبعه أصحابه. فأنزل الله في ذلك هذه الآية (1). # وعلى هاتين الروايتين وما يشبههما يكون المراد بقوله تعالى ( @QUR@04 ~~اذكروا نعمت الله عليكم ) تذكير المؤمنين بنعمة الله عليهم حيث نجى نبيهم ~~صلى الله عليه وسلم مما أضمره له أعداؤه وأعداؤهم. # وقال صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الآية. روى أن المشركين رأوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاموا إلى صلاة الظهر يصلون معا بعسفان في غزوة ~~ذات أنمار. فلما صلوا ندموا أن لا كانوا أكبوا عليهم فقالوا : إن لهم بعدها ~~صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم يعنون صلاة العصر وهموا أن يوقعوا ~~بهم إذا قاموا إليها. فنزل جبريل بصلاة الخوف (2). # وعلى هذه الرواية يكون المراد بقوله تعالى ( @QUR@04 اذكروا نعمت الله ~~عليكم ) تذكيرهم برعاية الله لهم ولنبيهم صلى الله عليه وسلم من كيد أعدائهم. # وقد رجح ابن جرير أن تكون الآية قد نزلت بسبب ما أضمره بنو النضير من كيد وسوء PageV04P075 # للنبي وأصحابه فقال : وأولى الأقوال بالصحة في تأويل ذلك قول من قال : ~~عنى الله بالنعمة التي ذكر في هذه الآية نعمته على المؤمنين به وبرسوله ~~التي أنعم بها عليهم في استنقاذه نبيهم صلى الله عليه وسلم مما كانت يهود بنى ~~النضير همت به من قتله وقتل من معه يوم سار إليهم في الدية التي كان تحملها ~~عن قتيلى عمرو بن أمية وإنما قلنا ذلك أولى بالصحة في تأويل ذلك لأن الله ~~عقب ذكر ذلك برمي اليهود بسوء صنائعها ، وقبيح أفعالها ، وخيانتها ربها ~~وأنبياءها (1). # والمعنى : يا أيها الذين آمنوا تنبهوا إلى نعم الله عليكم وقابلوها بدوام ~~الشكر والطاعة له سبحانه حيث أراد قوم من أعدائكم ، أن يبسطوا إليكم ~~أيديهم. أى : أن يبطشوا بكم ms1576 بالقتل والإهلاك ولكنه سبحانه رحمة بكم ، ~~ودفاعا عنكم ، حال بين أعدائكم وبين ما يريدونه بكم من سوء. # فالآية الكريمة تذكير للمؤمنين بنعمة عظيمة من نعم الله عليهم حيث نجاهم ~~من كيد أعدائهم ، ومن محاولتهم إهلاكهم. إثر تذكيرهم قبل ذلك بنعم أخرى ~~كإكمال الدين ، وهدايتهم إلى الإسلام ، وغير ذلك من الآلاء والمنن. # وفي تكرار هذا التذكير ما فيه من الحض على تأكيد المداومة على طاعة الله ~~والمواظبة على شكره. # وقوله ( @QUR@03 إذ هم قوم ) ظرف لقوله : ( @QUR@02 نعمت الله ) والهم : ~~إقبال النفس على فعل الشيء. أى : اذكروا نعمة الله عليكم وقت أن قصدكم قوم ~~من أعدائكم بالسوء والإهلاك. # وبسط اليد هنا كناية عن البطش والإهلاك. يقال : بسط يده إليه ، إذا بطش ~~به. وبسط إليه لسانه : إذا شتمه. والبسط في الأصل : مطلق المد. وإذا استعمل ~~في اليد واللسان كان كناية عما ذكر. # وقوله : ( @QUR@03 فكف أيديهم عنكم ) معطوف على قوله : ( @QUR@02 هم قوم ~~) وهذا الكف هو النعمة التي قصد تذكيرهم بها حتى يداوموا على شكره وطاعته ~~وعبر سبحانه بقوله ( @QUR@03 إذ هم قوم ) للإيذان بأن نعمة كف أيدى الأعداء ~~عنهم قد جاءت عند شدة الحاجة إليها والفاء في قوله ( @QUR@01 فكف ) للتعقيب ~~المفيد لتمام النعمة وكمالها فهو سبحانه قد حال بين الأعداء وبين ما ~~يشتهونه بمجرد أن قصدوا السوء بالمؤمنين. # وقال سبحانه ( @QUR@03 فكف أيديهم عنكم ) بإظهار الأيدى ، ولم يقل فكفها ~~عنكم ؛ لزيادة PageV04P076 # التقرير. وللإشارة إلى أنه سبحانه هو الذي قضى على موضع قوة أعدائهم ، ~~ومناط شدتهم إذ الأيدى هي من أهم وسائل البطش والقتل. # أى : أنه سبحانه قد منع أيديهم عن أن تمتد إليكم بالأذى عقيب همهم بذلك ~~دفاعا عنكم أيها المؤمنون وحماية لكم من الشرور ، فقابلوا ذلك بالشكر ~~لخالقكم. وقوله : ( @QUR@02 واتقوا الله ) معطوف على قوله : ( @QUR@01 ~~اذكروا ) وقوله : ( @QUR@04 وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) أمر لهم ~~بالاعتماد على الله وحده. # أى : داوموا على شكر نعم الله عليكم ، وصونوا أنفسكم عن كل ما نهاكم عنه ~~، وعليه وحده اعتمدوا وتوكلوا فإنه سبحانه هو الفعال لما يريد ، وهو الذي ~~يدفع الشر عمن توكل ms1577 عليه ، ويعطى الخير لمن شكره وأطاعه. # فالجملة الكريمة تذييل مقرر لما قبله ، من وجوب المداومة على طاعة الله ~~وشكره على نعمه. # وإلى هنا نرى أن السورة الكريمة قد وجهت إلى المؤمنين خمسة نداءات ، ~~أمرتهم في أول نداء منها بالوفاء بالعقود. ونهتهم في الثاني عن إحلال شعائر ~~الله ، وأرشدتهم في النداء الثالث إلى ما يجب عليهم أن يفعلوه إذا أرادوا ~~الدخول في الصلاة ، وأمرتهم في النداء الرابع بالمداومة على القيام ~~بالتكاليف التي كلفهم سبحانه بها وبالتزام العدل في أقوالهم وأحكامهم ، ثم ~~أمرتهم في النداء الخامس بالتنبه إلى نعم الله ومداومة شكره عليها حيث ~~نجاهم سبحانه مما أراده لهم أعداؤهم من شرور واستئصال وبعد هذه النداءات ~~والتكليفات التي كلف الله تعالى بها المؤمنين ، شرعت السورة الكريمة في ~~الحديث عن أحوال أهل الكتاب من اليهود ، فذكرت ما أخذه الله عليهم من عهود ~~موثقة ، وموقفهم منها ، وعقوبتهم على نقضهم لها. فقال تعالى : # ( @QUR@031 ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا ~~وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم ~~وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم PageV04P077 # @QUR@014 جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء ~~السبيل (12) @QUR@032 فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية ~~يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة ~~منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين ) (13) # قال الفخر الرازي : قوله تعالى ( @QUR@015 ولقد أخذ الله ميثاق بني ~~إسرائيل ، وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم ) اعلم أن في ~~اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه : # الأول : أنه تعالى خاطب المؤمنين فيما تقدم فقال : ( @QUR@012 واذكروا ~~نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا ). ثم ذكر ~~الآن أنه أخذ الميثاق من بنى إسرائيل لكنهم نقضوه وتركوا الوفاء به ، فلا ~~تكونوا أيها المؤمنون مثلهم في هذا الخلق الذميم. # الثاني : أنه لما ذكر قوله : ( @QUR@07 اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم ~~) وقد ms1578 ذكرت بعض الروايات أنها نزلت في اليهود ، وأنهم أرادوا إيقاع الشر ~~بالمؤمنين. فلما ذكر سبحانه ذلك أتبعه بذكر فضائحهم ، وبيان أنهم كانوا ~~أبدا مواظبين على نقض العهود والمواثيق. # الثالث : أن الغرض من الآيات المتقدمة ترغيب المكلفين في قبول التكاليف ~~وترك التمرد والعصيان. فذكر سبحانه أنه كلف من كان قبل المسلمين كما كلفهم ~~ليعلموا أن عادة الله في التكليف والإلزام غير مخصوصة بهم ، بل هي عادة ~~جارية له مع جميع عباده» (1). # والميثاق : العهد الموثق المؤكد ، مأخوذ من لفظ وثق المتضمن معنى الشد ~~والربط على الشيء بقوة وإحكام. # والمراد به : ما أخذه الله على بنى إسرائيل لكي يؤدوا ما أوجب عليهم من ~~تكاليف ولكي يعملوا بما تضمنته التوراة من أحكام وتشريعات وغير ذلك مما جاء فيها. # والنقيب : كبير القوم. والكفيل عليهم والمنقب عن أحوالهم وأسرارهم فيكون شاهدهم PageV04P078 # وضمينهم وعريفهم ، وأصله من النقب وهو الثقب الواسع. # قال الآلوسى. والنقيب : قيل فعيل بمعنى فاعل مشتق من النقب بمعنى التفتيش ~~ومنه ( @QUR@03 فنقبوا في البلاد ) وسمى بذلك لتفتيشه عن أحوال القوم ~~وأمرهم. # قال الزجاج : وأصله من النقب وهو الثقب الواسع والطريق في الجبل : # ويقول : فلان حسن النقيبة. أى : جميل الخليقة ، ويقال : فلان نقاب ؛ ~~للعالم بالأشياء ، الذكي القلب ، الكثير البحث عن الأمور (1). # والمعنى : ولقد أخذ الله العهود المؤكدة على بنى إسرائيل. لكي يعملوا بما ~~كلفهم من تكاليف ، وأمر نبيه موسى عليه السلام أن يختار متهم اثنى عشر ~~نقيبا. وأن يرسل هؤلاء النقباء إلى الأرض المقدسة لكي يطلعوا على أحوال ~~ساكنيها ، ثم يخبروا نبيهم موسى عليه السلام بعد ذلك بما شاهدوه من أحوالهم. # وسنفصل القول في شأن بعث هؤلاء النقباء عند تفسيرنا لقوله تعالى بعد ذلك ~~( @QUR@016 وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمت الله عليكم ، إذ جعل ~~فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا ). # وأكد سبحانه ما أخذه على بنى إسرائيل من عهود بقد وباللام ، للاهتمام ~~بشأن هذا الخبر ، ولترغيب المؤمنين في الوفاء بعهودهم مع الله تعالى حتى لا ~~يصيبهم ما أصاب بنى إسرائيل من عقوبات بسبب نقضهم لمواثيقهم. # وأسند ms1579 سبحانه الأخذ إليه ، لأنه هو الذي أمر به موسى عليه السلام ولأن في ~~إسناد أخذ الميثاق إليه سبحانه زيادة في توثيقه ، وتعظيم توكيده وأى عهد ~~يكون أقوى وأوثق من عهد يكون بين العبد والرب؟ # وفي قوله : ( @QUR@01 وبعثنا ) التفات إلى المتكلم العظيم سبحانه لتهويل ~~شأن هذا الابتعاث ، لأن الله تعالى هو الذي أمر به. # وإنما اختار موسى عليه السلام اثنى عشر نقيبا من بنى إسرائيل لأنهم كانوا ~~اثنى عشر سبطا ، كما قال تعالى ( @QUR@05 وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما ~~) (2) ولأن كل نقيب كان بمنزلة الرقيب على القبيلة التي هو منها يذكرها ~~بالفضائل ويرغبها في اتباع موسى عليه السلام وينهاها عن معصيته. PageV04P079 # والمعية في قوله تعالى ( @QUR@04 وقال الله إني معكم ) معية مجازية بمعنى ~~الحفظ والرعاية والنصرة. # أى : أخذ الله على بنى إسرائيل العهود الموثقة ، وأمر نبيه موسى أن يرسل ~~منهم اثنى عشر نقيبا لمعرفة أحوال الجبارين الذين يسكنون الأرض المقدسة ~~وقال الله تعالى لهؤلاء النقباء ، أو لبنى إسرائيل جميعا : إنى معكم لا ~~تخفى على خافية من أحوالكم. وسأؤيدكم برعايتي ونصرى متى وفيتم بعهدي ، ~~واتبعتم رسلي. فالجملة الكريمة تحذير لهم من معصية الله ؛ لأنه لا تخفى ~~عليه خافية ، ووعد لهم بالنصر متى أطاعوه. # ثم بين سبحانه بعض التكاليف التي كلفهم بها ، وأخذ عليهم العهد بالمحافظة ~~عليها فقال : ( @QUR@021 لئن أقمتم الصلاة ، وآتيتم الزكاة ، وآمنتم برسلي ~~، وعزرتموهم ، وأقرضتم الله قرضا حسنا ، لأكفرن عنكم سيئاتكم ، ولأدخلنكم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار ). # واللام في قوله ( @QUR@01 لئن ) موطئة للقسم المحذوف ، و «إن» شرطية ، ~~وقوله : ( @QUR@01 لأكفرن ) جواب القسم وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب ~~القسم عليه. # وقوله : ( @QUR@01 وعزرتموهم ) من التعزيز بمعنى النصر والإعانة مع ~~التعظيم والتفخيم يقال : عزر فلان فلانا إذا نصره وقواه ، وأصل معناه : ~~المنع والذب ؛ لأن من نصر إنسانا منع عنه أعداءه. # والمعنى : لئن داومتم على إقامة الصلاة ، وعلى أدائها على الوجه الأكمل ~~بخضوع وخشوع ، وأعطيتم الزكاة لمستحقيها ( @QUR@02 وآمنتم برسلي ) إيمانا ~~كاملا ، ونصرتموهم مع تعظيمهم وطاعتهم ( @QUR@04 وأقرضتم الله قرضا حسنا ) ~~بأن أنفقتم جانبا من أموالكم في وجوه الخير والبر ms1580 ، لئن فعلتم ذلك ( ~~@QUR@03 لأكفرن عنكم سيئاتكم ) بأن أغفرها لكم ، ولأدخلنكم في الآخرة جنات ~~تجرى من تحت أشجارها وبساتينها الأنهار فأنت ترى أن الله تعالى قد كلف بنى ~~إسرائيل بخمسة أمور نافعة ووعدهم على أدائها بتكفير سيئاتهم في الدنيا ، ~~وبإدخالهم جناته في الآخرة. # قال الإمام الرازي : وأخر سبحانه الإيمان بالرسل عن إقامة الصلاة وإيتاء ~~الزكاة مع أنه مقدم عليها ؛ لأن اليهود كانوا مقرين بأنه لا بد في حصول ~~النجاة من الصلاة وإيتاء الزكاة ، إلا أنهم كانوا مصرين على تكذيب بعض ~~الرسل. فذكر بعد إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة أنه لا بد من الإيمان بجميع ~~الرسل حتى يحصل المقصود. وإلا لم يكن لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تأثير في ~~حصول النجاة بدون الإيمان بجميع الرسل» (1). PageV04P080 # والمراد بالزكاة في قوله ( @QUR@02 وآتيتم الزكاة ) الزكاة المفروضة. # والمراد بالقرض الحسن في قوله ( @QUR@04 وأقرضتم الله قرضا حسنا ) ~~الصدقات غير المفروضة التي يبذلها القادرون عليها في وجوه الخير المتنوعة ~~بدون رياء أو أذى وفي التعبير بقوله : ( @QUR@04 وأقرضتم الله قرضا حسنا ) ~~تأنيس للقلوب وترغيب للنفوس في البذل والعطاء ، حيث شبه سبحانه ما يعطى ~~للمحتاج رغبة في الثواب بالقرض الذي سيكافئ الله تعالى صاحبه عليه بأضعافه ~~من الخير والنعم. # وأضاف سبحانه الرسل إليه في قوله ( @QUR@02 وآمنتم برسلي ) لتشريفهم ~~وتكريمهم وتعظيم شأن رسالاتهم وللإشارة إلى أن الايمان بهم جميعا واجب ، ~~فمن أطاعهم فقد أطاع الله ، ومن كفر بواحد منهم كفر بالله تعالى . # ثم بعد أن فتح الله تعالى لهم باب كرمه إن أدوا ما أمرهم به حذرهم من ~~المخالفة والعصيان فقال : ( @QUR@09 فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء ~~السبيل ) أى : فمن جحد منكم شيئا مما أمرته به فتركه ، أو أعرض عن التكاليف ~~التي كلفته بها بعد أن عرفها فقد بعد عن السبيل المستوية ، أخطأ الطريق ~~الواضح المستقيم ، وسار في متاهات الضلال التي لا هداية فيها ولا خير معها. # فالجملة الكريمة تهديد شديد لمن ترك الدين الحق واتجه إلى الأديان ~~الباطلة. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : من كفر قبل ذلك أيضا فقد ضل ms1581 سواء السبيل ، ~~فلم قال : ( @QUR@04 فمن كفر بعد ذلك )؟ قلت : أجل من كفر قبل ذلك أيضا ~~فقد ضل. ولكن الضلال بعده أظهر وأعظم : لأن الكفر إنما عظم قبحه لعظم ~~النعمة المكفورة ، فإذا زادت النعمة زاد قبح الكفر وبلغ النهاية العظمى» (1). # وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت أن الله تعالى قد أخذ الميثاق على بنى ~~إسرائيل بأن يقوموا بالتكليفات التي كلفهم بها ، وحذرهم من النقض والخيانة ~~والكفر ، ورغبهم في الطاعة والإيمان فماذا كان موقفهم من عهود الله تعالى ؟ # لقد بين سبحانه جانبا من رذائلهم ، ومن العقوبات التي عاقبهم بها بسبب ~~فسوقهم عن أمره فقال : ( @QUR@016 فبما نقضهم ميثاقهم ، لعناهم ، وجعلنا ~~قلوبهم قاسية ، يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ). # والفاء في قوله : ( @QUR@02 فبما نقضهم ) للتفريع على ما تقدم من الحديث ~~عنهم ، والباء للسببية PageV04P081 # و «ما» مزيدة لتوكيد الكلام وتمكينه في النفس والجار والمجرور متعلق بقوله ~~: ( @QUR@01 لعناهم ) وقوله : ( @QUR@03 وجعلنا قلوبهم قاسية ) معطوف على ~~ما قبله وقوله : ( @QUR@01 قاسية ) بوزن فاعلة من القسوة بمعنى الصلابة ~~واليبوسة يقال : قسا قلبه يقسو فهو قاس ، إذا غلظ واشتد وصار يابسا صلبا ~~وقساوة القلب هنا مجاز عن عدم تأثره بالمواعظ والترغيب والترهيب أى فبسبب ~~جرائمهم الشديدة أبعدناهم من رحمتنا وجعلنا قلوبهم يابسة غليظة تنبو عن ~~قبول الحق ولا تتأثر بالمواعظ والنذر. # وقرأ حمزة والكسائي : ( @QUR@03 وجعلنا قلوبهم قاسية ) بتشديد الياء من ~~غير ألف على وزن فعيلة. وللمفسرين في معناها رأيان : # أحدهما : أن (قسية) بمعنى قاسية ، غير أن فيها مبالغة ، إذ هي على وزن ~~فعيلة ، وهذه الصفة تدل على تمكن صفة القسوة من قلوبهم. # والثاني : أن معنى (قسية) هنا غير معنى قاسية ، لأن قسية في هذا الموضع ~~مأخوذة من قولهم : درهم قسى على وزن شقي أى : فاسد رديء لأنه مغشوش بنحاس ~~أو غيره مما يخلو منه الدرهم السليم. # والمعنى على هذا الوجه : وجعلنا قلوبهم إيمانها ليس خالصا وإنما يخالطه ~~كفر ونفاق كالدراهم القسية التي يخالط فضتها غش من نحاس أو رصاص أو غيرهما. # وقد رجح ابن جرير الرأى الأول وهو ms1582 أن قسية بمعنى قاسية غير أن فيها ~~مبالغة فقال (وأولى التأويلين عندي بالصواب تأويل من تأول فعيلة من القسوة ~~كما قيل : نفس زكية وزاكية ، وامرأة شاهدة وشهيدة ، لأن الله تعالى وصف ~~القوم بنقضهم ميثاقهم ، وكفرهم به ، ولم يصفهم بشيء من الإيمان فتكون ~~قلوبهم موصوفة بأن إيمانها يخالطه كفر كالدراهم القسية التي يخالط فضتها ~~غش) (1) وأما صاحب الكشاف فقد رد التفسير الثاني إلى الأول وجعل بينهما ~~تعانقا وتلازما في المعنى فقال : وقرأ عبد الله (قسية) أى : ردية مغشوشة. ~~من قولهم : درهم قسى وهو من القسوة ، لأن الذهب والفضة الخالصين فيهما لين ~~، والمغشوش فيه يبس وصلابة» (2). # وقوله : ( @QUR@04 يحرفون الكلم عن مواضعه ) استئناف مبين لشدة قساوة ~~قلوبهم ، فإنه لا قسوة PageV04P082 # أشد من تحريف كلام الله تعالى والميل به عن الحق والصواب. # أى : أنهم بلغ بهم الحال في قسوة قلوبهم ، وعدم تأثرها بوعيد الله أنهم ~~يميلون كلامه سبحانه عن الموضع الذي نزل فيه ولأجله عن طريق التأويل الباطل ~~، أو التفسير الفاسد ، أو التبديل للألفاظ بالزيادة تارة وبالنقصان أخرى ، ~~على حسب ما تمليه عليهم أهواؤهم وشهواتهم الممقوتة وعبر سبحانه بقوله : ( ~~@QUR@01 يحرفون ) بصيغة الفعل المضارع ، لاستحضار صورة هؤلاء المحرفين. ~~والدلالة على أن أبناءهم قد نهجوا نهج آبائهم في هذا الخلق الذميم. # فإن هذا التحريف الذي حكاه الله تعالى في هذه الآية قد كان من بنى ~~إسرائيل بعد عهد موسى عليه السلام واستمروا على ذلك دون أن يصدهم عنه ما كان ~~من نصح النبي صلى الله عليه وسلم لهم ومن تحذيره إياهم. # والمراد بالنسيان في قوله : ( @QUR@05 ونسوا حظا مما ذكروا به ) الترك ~~والإهمال قال الراغب : (النسيان : ترك الإنسان ضبط ما استودع. إما لضعف ~~قلبه ، وإما عن غفلة ، وإما عن قصد حتى يزول عن القلب ذكره). # والأنواع الثلاثة التي ذكرها الراغب كأسباب للنسيان قد فعلها بنو إسرائيل ~~فهم قد أصابتهم الغفلة عن تدبر كتابهم والعمل بما فيه بسبب ضعف قلوبهم ، ~~واستيلاء المطامع والشهوات عليها وأهملوا أمر دينهم وشريعتهم ولم يقيدوا ~~أنفسهم بها عن تعمد وإصرار ، لأن تنفيذها يكلفهم ms1583 الاستقامة على دين الله ~~وهذا ما تأباه نفوسهم الجامحة وشهواتهم العارمة. # والتنكير في قوله : ( @QUR@01 حظا ) للتكثير والتهويل. أى : تركوا نصيبا ~~كبيرا مما أمرتهم به شريعتهم وذكرتهم به توراتهم من وجوب اتباعهم للحق ~~وإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم عند ظهوره. # وهذه الجملة الكريمة وما يشبهها مما أورده القرآن في هذا المعنى تعتبر من ~~المعجزات الدالة على صدق القرآن الكريم فإن الناس قبل البعثة النبوية ~~الشريفة لم يكونوا يعرفون أن اليهود نسوا حظا كبيرا مما ذكرتهم به توراتهم. ~~فلما بين القرآن ذلك ، عرفوا ما لم يكونوا يعرفونه من قبل. # ولما كانت أخلاق الآباء كثيرا ما يتوارثها الأبناء ، فقد رأينا القرآن ~~الكريم يحذر النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود المعاصرين له ، والذين ورثوا ~~رذائل آبائهم فقال : ( @QUR@09 ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا ~~منهم ). # وقوله ( @QUR@01 خائنة ) بمعنى الخيانة أى عدم الوفاء بالعهد. فهي مصدر ~~على وزن فاعله كالعافية والطاغية. قال تعالى ( @QUR@04 فأما ثمود فأهلكوا ~~بالطاغية ) أى بالطغيان. ويحتمل أن يكون قوله PageV04P083 # ( @QUR@01 خائنة ) صفة لموصوف محذوف أى على فرقة خائنة أو طائفة. # والمعنى : ولا تزال أيها الرسول الكريم ترى في هؤلاء اليهود المعاصرين لك ~~صورة السابقين في الغدر والخيانة. وإن تباعدت الأزمان فهؤلاء الذين ~~يعاصرونك فيهم خيانة أسلافهم ، وغدرهم ونقضهم لعهودهم. إلا قليلا منهم ~~دخلوا في الإسلام فوفوا بعهودهم ولم يكونوا ناقضين لها. # وفي هذه الجملة الكريمة تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما لقيه من اليهود ~~المعاصرين له من كيد ومكر وخيانة. فكأن الله تعالى يقول له إن ما تراه منهم ~~من غدر وخداع ليس شيئا مستبعدا ، بل هو طبيعة فيهم ورثوها عن آبائهم منذ ~~زمن بعيد : وفيها أيضا تحذير له صلى الله عليه وسلم من شرورهم ومن مسالكهم ~~الخبيثة لكيد الإسلام والمسلمين فإن التعبير بقوله ( @QUR@02 ولا تزال ) ~~المفيد للدوام والاستمرار يدل على استمرار خيانتهم ودوام نقضهم لعهودهم ~~ومواثيقهم وقوله : ( @QUR@03 إلا قليلا منهم ) استثناء من الضمير المجرور ~~في قوله ( @QUR@02 خائنة منهم ) والمراد بهذا العدد القليل منهم ، أولئك ~~الذين دخلوا في ms1584 الإسلام ، واتبعوا الحق كعبد الله بن سلام وأمثاله. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@07 فاعف عنهم واصفح إن الله يحب ~~المحسنين ) والعفو عدم مقابلة الإساءة بمثلها. # والصفح : ترك اللوم والمعاتبة. ولذا قالوا : الصفح أعلى رتبة من العفو ، ~~لأن العفو ترك المقابلة بالمثل ظاهرا. أما الصفح فهو يتناول السماحة ~~النفسية واعتبار الإساءة كأن لم تكن في الظاهر والباطن. # وللعلماء أقوال في المراد بالذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعفو ~~والصفح عنه : # 1 فيرى بعضهم أن المراد بهم ، القلة اليهودية التي أسلمت ، واستثناها ~~الله بقوله ( @QUR@03 إلا قليلا منهم ) وهذا الرأى مردود بأنهم ماداموا قد ~~آمنوا ، فقد عصموا دماءهم وأموالهم ، ولم يصبح للعفو والصفح عنهم موضع. # 2 ويرى آخرون أن الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعفو والصفح عنهم هم ~~كافة اليهود ، إلا أن الآية نسخت بآية التوبة وهي قوله ( @QUR@029 قاتلوا ~~الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ، ~~ولا يدينون دين الحق ، من الذين أوتوا الكتاب ، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم ~~صاغرون ) (1) وهذا الرأى ضعيف لأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع ~~بين الآيتين وهو غير متعذر كما سنبين. PageV04P084 # 3 ويرى أبو مسلم أن المراد بهم اليهود الذين بقوا على كفرهم ولكنهم لم ~~ينقضوا عهودهم. # والذي نراه أولى أن العفو والصفح عام لليهود ، وأن من مظاهر ذلك مسالمتهم ~~ومساكنتهم ، ومجادلتهم بالتي هي أحسن ومعاملتهم بمبدأ لهم ما لنا وعليهم ما ~~علينا ، مع العفو عن زلاتهم التي لا تؤثر على كيان الدعوة الإسلامية. # فإذا ما نقضوا عهودهم وخانوا الله ورسوله والمؤمنين ، وأصبح العفو عنهم ~~فيه مضرة بالمسلمين ففي هذه الحالة تجب معاملتهم بالطريقة التي تقى ~~المسلمين شرورهم ، لأن العفو عنهم عند استلزام قتالهم للدفاع عن النفس وعن ~~العقيدة يكون إلقاء بالنفس إلى التهلكة ويكون قد وضع العفو في غير موضعه. ~~وهذا القول يقارب ما ذهب إليه أبو مسلم. وربما اعتبر توضيحا له. فكأن الله ~~تعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم فاعف عن هؤلاء ms1585 اليهود الذين ورثوا ~~الخيانة عن آبائهم ، واصفح عن زلاتهم التي لا تؤثر في سير الدعوة الإسلامية ~~إلى الوقت المناسب لمحاسبتهم ، إن الله تعالى يحب المحسنين. # وبذلك نرى السورة الكريمة قد بينت جانبا مما أخذ الله على بنى إسرائيل من ~~عهود ومواثيق ، ورغبتهم في الوفاء بها وحذرتهم. من نقضها ، كما بينت بعض ~~العقوبات التي عاقبهم الله بها بسبب فسوقهم عن أمره ورسمت للنبي ~~صلى الله عليه وسلم طريق معالجتهم ومعاملتهم بما يقي المسلمين من شرورهم ~~ومكرهم. # وبعد أن بين سبحانه جانبا من قبائح اليهود ونقضهم لمواثيقهم عقب ذلك ~~ببيان حال النصارى فقال تعالى : # ( @QUR@025 ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا ~~به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما ~~كانوا يصنعون ) (14) # وقوله تعالى : ( @QUR@05 ومن الذين قالوا إنا نصارى ) معطوف على قوله قبل ~~ذلك : ( @QUR@06 ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل ). # ونسب سبحانه تسميتهم نصارى إلى أنفسهم فقال : ( @QUR@05 ومن الذين قالوا ~~إنا نصارى ) PageV04P085 # جمع نصران كندامى جمع ندمان ، ولم يستعمل نصران إلا بياء النسب. وقد صارت ~~كلمة نصراني لكل من اعتنق المسيحية. # وقد سموا بذلك لدعواهم أنهم أنصار عيسى على أعدائهم. أو نسبة إلى بلدة ~~الناصرة التي فيها نشأ عيسى عليه السلام وأعلن دعوته للناس. # والمعنى : وكما أخذنا على بنى إسرائيل الميثاق بأن يعبدوا الله وحده ~~ويطيعوا أنبياءه ، ويستجيبوا لمحمد صلى الله عليه وسلم الذي بشرت به الكتب ~~السماوية ، فقد أخذنا أيضا من الذين قالوا إنا نصارى الميثاق بذلك ، ولكنهم ~~كان شأنهم في الكفر ونقض العهود كشأن اليهود ، إذ ترك هؤلاء الذين قالوا ~~إنا نصارى قدرا كبيرا ، ونصيبا عظيما مما ذكروا به على لسان عيسى ~~عليه السلام فقد أمرهم بتوحيد الله ، وبشرهم بظهور رسول من بعده هو محمد ~~صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الإيمان به ، ولكنهم استحبوا الكفر على الإيمان ~~، فكان دأبهم كدأب بنى إسرائيل في العناد والضلال. # ونسب سبحانه تسميتهم نصارى إلى أنفسهم فقال : ( @QUR@05 ومن الذين قالوا ~~إنا نصارى ) ولم يقل : «ومن النصارى» للإشارة ms1586 إلى أن ادعاءهم النصرانية وهي ~~الدين الذي جاء به عيسى. إنما هو قول يقولونه بأفواههم دون أن يتبعوه ~~بقلوبهم إذ لو كانوا متبعين حقا لما جاء به عيسى عليه السلام لأقروا لله ~~تعالى بالوحدانية ولآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي بشر به عيسى ~~عليه السلام . # وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : فإن قلت : فهلا قيل : ومن ~~النصارى؟ # قلت : لأنهم إنما سموا أنفسهم بذلك ادعاء لنصرة الله ، وهم الذين قالوا ~~لعيسى : نحن أنصار الله. ثم اختلفوا بعد : نسطورية ، ويعقوبية ، وملكانية ، ~~أنصارا للشيطان» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@05 ونسوا حظا مما ذكروا به ) بيان لما حدث منهم بعد ~~أخذ الميثاق. # أى : أخذنا من الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم على أن يعبدوا الله وحده ~~ويطيعوا أنبياءه ورسله ولكنهم لم يكونوا أوفياء بعهودهم ، بل تركوا نصيبا ~~كبيرا مما أمروا بفعله ومما ذكروا به على لسان المسيح عيسى بن مريم. ~~والمراد بالنسيان هنا الترك والإهمال عن تعمد وقصد ، لأن الناسي حقيقة لا ~~يؤاخذه الله تعالى : # والإتيان بالفاء في قوله : ( @QUR@01 فنسوا ) للإشارة إلى أن تركهم لما ~~أخذ عليهم من ميثاق ، كان عن تعجل وعدم تمهل بسبب استيلاء الأهواء والشهوات ~~على نفوسهم. # والتنكير في قوله تعالى : ( @QUR@01 حظا ) للتهويل والتكثير. أى تركوا ~~نصيبا كبيرا مما أمرتهم به PageV04P086 # شريعتهم من وجوب اتباعهم للحق وإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم عند ظهوره ~~فكان تركهم لهذا النصيب العظيم مما ذكروا به سببا في ضلالهم وسوء عاقبتهم. # قال بعض العلماء : «وسبب نسيان حظ أى نصيب كبير مما ذكروا به ، هو اضطهاد ~~النصارى اضطهادا شديدا في عهد الرومان حتى ضاعت كتبهم ولم يعرف شيء منها ~~إلا قليل غير سليم بعد مائتي سنة من ترك المسيح هذه الدنيا. وما ظهرت هذه ~~الأناجيل التي يتدارسونها ولا يزالون يغيرون ويبدلون فيها على حسب الطبعات ~~المختلفة إلا بعد أن دخل قسطنطين أمبراطور الرومان في المسيحية ، وغير وبدل ~~في مجمع نيقية الذي انعقد في سنة 325 ميلادية. وقد ذهب لب الديانة وهو ~~التوحيد» (1). # وقوله : ( @QUR@013 فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى ms1587 يوم القيامة ، ~~وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون ) وعيد شديد لهم بسبب تركهم لما أرشدوا ~~إليه ، ولما ذكروا به. # فالفاء في قوله تعالى ( @QUR@01 فأغرينا ) للسببية وأغرينا أى : ألقينا ~~وهيجنا وألصقنا. يقال : أغريت فلانا بكذا حتى أغرى به ، أى : ألزمته به ~~وألصقته وأصل ذلك من الغراء وهو ما يلتصق به الشيء. # وقوله : ( @QUR@01 بينهم ) ظرف لأغرينا. والضمير فيه يعود إلى فرق ~~النصارى المتعددة عند جمهور المفسرين. # والمعنى : بسبب ترك هؤلاء الذين قالوا إنا نصارى لما ذكروا به فرقناهم ~~شيعا وأحزابا وجعلنا كل فرقة منهم تعادى الأخرى وتبغضها إلى يوم القيامة. # ويرى بعضهم أن الضمير في قوله : ( @QUR@01 بينهم ) تعود إلى اليهود ~~والنصارى ، فيكون المعنى : بسبب ما عليه الطائفتان من عناد وضلال ، ألقينا ~~بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ، فهم في عداوة شديدة ، وكراهية ~~مستحكمة. # وقد رجح ابن جرير عودة الضمير إلى فرق النصارى فقال : # وأولى التأويلين بالآية عندي : ما قاله الربيع بن أنس وغيره. وهو أن ~~المعنى بالإغراء بينهم : النصارى في هذه الآية خاصة وأن الهاء والميم ~~عائدتان على النصارى ، دون اليهود ، لأن ذكر الإغراء في خبر الله عن ~~النصارى بعد تقضى خبره عن اليهود ، وبعد ابتداء خبره عن النصارى ، فلأن ~~يكون ذلك معنيا به النصارى خاصة. أولى من أن يكون معنيا به الحزبان جميعا ~~لما ذكرناه» (2) PageV04P087 # وقال ابن كثير : قوله تعالى : ( @QUR@012 فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا ~~بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ) أى : فألقينا بينهم العداوة ~~والبغضاء لبعضهم بعضا ، ولا يزالون كذلك إلى يوم قيام الساعة. وكذلك طوائف ~~النصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين يكفر بعضهم بعضا ، ~~ويلعن بعضهم بعضا ، فكل فرقة تحرم الأخرى ولا تدعها تلج معبدها. فالملكانية ~~تكفر اليعقوبية ، وكذلك الآخرون. وكذلك النسطورية الآريوسية كل طائفة تكفر ~~الأخرى في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد» (1). # والذي تطمئن إليه النفس أن قوله تعالى ( @QUR@07 فأغرينا بينهم العداوة ~~والبغضاء إلى يوم القيامة ) يشمل ما بين اليهود والنصارى من عداوة ظاهرة ~~مستحكمة يراها الرائي في كل العصور والأزمان ، كما يشمل ما بين ms1588 فرق النصارى ~~من اختلاف وتباغض وتقاتل بسبب عقائدهم الزائغة وأهوائهم الفاسدة. وما نراه ~~من تصارع وتقاتل بين طائفتى الكاثوليك والبروستانت في. إيرلاندا وفي غيرها ~~خير شاهد على صدق القرآن الكريم ، وأنه من عند الله عز وجل وقوله تعالى : ( ~~@QUR@06 وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون ) بيان لسوء عاقبتهم في الآخرة ~~بعد بيان ما حكم به عليه في الدنيا من عداوة وبغضاء. و ( @QUR@01 سوف ) هنا ~~لتأكيد الخبر وتقويته وبيان أنه وإن تأخر آت لا محالة. # والمعنى : لقد ألقينا العداوة والبغضاء بين هذه الطوائف الضالة وسوف ~~يخبرهم الله في الآخرة بما كانوا يصنعونه من كتمان الحق ، ومخالفة للرسل ، ~~وانغماس في الباطل ، وسيجازيهم على كل ذلك بما يستحقون من عذاب شديد. # وبعد أن بين سبحانه بعض الرذائل التي انغمس فيها اليهود والنصارى. وجه ~~إليهم نداء دعاهم فيه إلى الدخول في الدين الحق الذي جاء به محمد ~~صلى الله عليه وسلم فقال : تعالى : # ( @QUR@023 يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون ~~من الكتاب ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب PageV04P088 # @QUR@01 مبين (15) @QUR@018 يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ~~ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ) (16) # والمعنى : ( @QUR@03 يا أهل الكتاب ) من اليهود والنصارى ( @QUR@03 قد ~~جاءكم رسولنا ) محمد صلى الله عليه وسلم ( @QUR@08 يبين لكم كثيرا مما كنتم ~~تخفون من الكتاب ) أى : يظهر لكم كثيرا من الأحكام والمسائل التي ذكرتها ~~كتبكم وكتمتموها عن الناس ، كإخفائكم صفة النبي صلى الله عليه وسلم التي ~~تجدونها في التوراة والإنجيل وكتمانكم ما جاء فيها من بشارات تبشر به. وغير ~~ذلك من الأحكام التي أخفاها علماؤكم عن العامة ، وتولى الرسول ~~صلى الله عليه وسلم إعلانها إظهارا للحق ، ووضعا للأمور في نصابها. # وقوله : ( @QUR@03 ويعفوا عن كثير ) أى : يعرض ولا يظهر كثيرا مما كنتم ~~تخفونه ، لأنه لا ضرورة تدعو إلى بيانه ، ولا فائدة تعود على الناس من وراء ~~إظهاره ، ففي السكوت عنه رحمة بكم ، وصيانة لكم عن الافتضاح والمؤاخذة. # يقال : عفا عن المذنب ، أى : ستر ms1589 عنه ذنبه فلم يعاقبه عليه. # والمراد بالكتاب في قوله ( @QUR@03 يا أهل الكتاب ) جنس الكتب ، فيشمل ~~التوراة والإنجيل. # وفي ندائهم بهذا الوصف حمل لهم على الدخول في الإسلام ؛ فإن علمهم بما في ~~كتبهم من بشارات بالرسول صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى الإيمان به. فإذا لم ~~يؤمنوا به مع علمهم بأنه رسول صادق في رسالته كانت مذمتهم أشد وأقبح ، وكان ~~عقابهم على كتمانهم الحق أعظم وأقسى. وكان التعبير بقوله تعالى ( @QUR@02 ~~قد جاءكم ) للإشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم قد وصل إليهم ، ويعيش بينهم ، ~~فهم يرونه ويراهم ، ويخاطبهم ويخاطبونه ، ليسمعوا منه ما يشهد بصدقه بدون ~~حجاب أو وساطة. # وفي التعبير بقوله تعالى ( @QUR@01 رسولنا ) تشريف للرسول ~~صلى الله عليه وسلم حيث أضافه سبحانه إلى ذاته ، وفيه كذلك إيذان بوجوب اتباعه ~~لأنه رسول مبلغ عن الله تعالى ما يأمره بتبليغه بدون تغيير أو تبديل. # والمراد بالكتاب في قوله : ( @QUR@03 تخفون من الكتاب ) التوراة ~~والإنجيل. فقد امتدت أيدى اليهود والنصارى إلى هذين الكتابين فغيروا وبدلوا ~~فيهما على حسب ما تمليه عليهم أهواؤهم وشهواتهم. # وفي إظهار الرسول صلى الله عليه وسلم للكثير مما كتموه ، وعفوه عن الكثير ~~مما أخفوه ، معجزة له ، لأنه لم PageV04P089 # يقرأ كتابا ، ولم يجلس أمام معلم ، فإخباره بأسرار ما في كتبهم إخبار عن ~~أمور مغيبة ، فيكون معجزة له تحملهم على الإيمان به فيما يدعوهم إليه. # ثم مدح الله تعالى رسوله ، وما جاء به من الخير والهدى فقال : ( @QUR@07 ~~قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ). # والمراد بالنور هنا : محمد صلى الله عليه وسلم فهو نور الأنوار كما يقول ~~الآلوسى. # والمراد بالكتاب : القرآن الكريم الذي أنزله تعالى على نبيه ~~صلى الله عليه وسلم والجملة الكريمة مستأنفة مسوقة لبيان أن فائدة مجيء الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ليست منحصرة فيما ذكر من بيان ما كانوا يخفونه ، بل له ~~منافع أخرى لا تحصى. # قال ابن جرير ما ملخصه ، قوله : تعالى ( @QUR@07 قد جاءكم من الله نور ~~وكتاب مبين ) يقول جل ثناؤه لهؤلاء الذين خاطبهم من أهل الكتاب : «قد ms1590 جاءكم ~~يا أهل التوراة والإنجيل من الله نور هو محمد صلى الله عليه وسلم الذي أنار ~~الله به الحق ، وأظهر به الإسلام ومحق به الشرك» قوله ( @QUR@02 وكتاب مبين ~~) يعنى : «كتابا فيه بيان ما اختلفوا فيه بينهم من توحيد الله ، وحلاله ~~وحرامه وشرائع دينه وهو القرآن الذي أنزله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~» (1). # ويرى بعض المفسرين أن المراد بالنور وبالكتاب هنا : القرآن الكريم. # وقد اقتصر على هذا التفسير صاحب الكشاف فقال : قوله : ( @QUR@07 قد جاءكم ~~من الله نور وكتاب مبين ) يريد القرآن لكشفه ظلمات الشرك والشك ، ولإبانته ~~ما كان خافيا عن الناس من الحق ، أو لأنه ظاهر الإعجاز» (2). # ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن جرير أرجح ، لأن العطف في الغالب يقتضى ~~المغايرة في الذات إذ الرسول صلى الله عليه وسلم قد جاء للناس برسالة هي نور ~~في شخصه صلى الله عليه وسلم كما جاءهم بالقرآن الكريم الدال على صدقه في ~~رسالته. # ثم بين سبحانه الغاية من رسالته صلى الله عليه وسلم فقال تعالى ( @QUR@08 ~~يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ). # والضمير في قوله ( @QUR@01 به ) يعود إلى مجموع ما ذكر ، أو إلى الكتاب ~~المبين باعتباره أقرب مذكور و ( @QUR@01 سبل ) جمع سبيل بمعنى طريق. و ( ~~@QUR@01 السلام ) مصدر بمعنى السلامة. # والمعنى : قد جاءكم يا معشر أهل الكتاب من الله نور وكتاب مبين. يهدى ~~الله تعالى PageV04P090 # بذلك أو بالكتاب ( @QUR@03 من اتبع رضوانه ) أى : من علم سبحانه منه أنه ~~يريد اتباع ما يرضي بأن يخلص له العبادة ويستجيب للحق الذي أرسل به أنبياءه ~~فإنه متى كان كذلك ، أوصله سبحانه إلى ( @QUR@02 سبل السلام ) أى : إلى طرق ~~السلامة والنجاة من كل خوف وشقاء ، بأن يثبته في الدنيا على طريق الحق ، ~~ويكرمه في الآخرة بمثوبته وجنته هذه هي الثمرة الأولى من ثمار اتباع ما جاء ~~من عند الله من نور وكتاب مبين. أما الثمرة الثانية فقد بينها سبحانه بقوله ~~: @QUR@06 ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ). # والضمير المنصوب في قوله ( @QUR@01 ويخرجهم ) وهو هم يعود إلى ( @QUR@01 ~~من ) في ms1591 قوله ( @QUR@03 من اتبع رضوانه ) باعتبار المعنى. # أى : ويخرج سبحانه هؤلاء الأخيار الذين علم منهم اتباع ما يرضيه يخرجهم ~~من ظلمات الكفر والضلال إلى نور الحق والإيمان ( @QUR@01 بإذنه ) أى : ~~بإرادته وعلمه. # وقوله : ( @QUR@04 ويهديهم إلى صراط مستقيم ) بيان للثمرة الثالثة من ~~ثمار اتباع ما جاء من عند الله من حق وخير. # أى : ويهدى سبحانه هؤلاء الذين علم منهم اتباع ما يرضيه إلى صراط مستقيم ~~، وطريق قويم لا اعوجاج فيه ولا اضطراب ، وهو طريق الإسلام الذي يوصل إلى ~~الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة. # وبذلك نرى الآيتين الكريمتين قد دعتا أهل الكتاب إلى اتباع الحق الذي جاء ~~به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله ، بأوضح أسلوب ، وأكمل بيان ، وبينتا ~~لهم ما يترتب على اتباعه صلى الله عليه وسلم من منافع جليلة ، وفوائد عظيمة ~~تجعلهم يسارعون إلى تصديقه إن كانوا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. # وبعد أن أرشد سبحانه أهل الكتاب إلى الطريق القويم الذي يجب عليهم أن ~~يسلكوه ، عقب ذلك ببيان ما عليه النصارى من ضلال وبطلان فقال : # ( @QUR@042 لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك ~~من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ~~ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير ) (17) PageV04P091 # اللام في قوله : ( @QUR@02 لقد كفر ) واقعة جوابا لقسم مقدر. # والمراد بالكفر : ستر الحق وإنكاره ، والانغماس في الباطل والضلال. ~~والمعنى : أقسم لقد كفر أولئك النصارى الذين قالوا كذبا وزورا : إن الله ~~المستحق للعبادة والخضوع هو المسيح عيسى ابن مريم. # قال بعض العلماء ما ملخصه : «لقد اتفق النصارى على أن يسوع عندهم فيه ~~عنصر إلهى» وإذا كان الأمر المعروف عندهم أن يسوع ابن الله وفيه عنصر إلهى ~~فقد قالوا : إن الألوهية قد حلت فيه. ولازم ذلك القول أن يكون هو الله ، أو ~~هو إله يعبد ومهما يكن فقد قالوا باتحاد عنصر الألوهية فيه. وقد قال في ذلك ~~البيضاوي : «هم الذين قالوا بالاتحاد منهم. وقيل ms1592 : لم يصرح به أحد منهم. ~~ولكنهم لما زعموا أن فيه لاهوتا ، وقالوا : لا إله إلا واحد لزمهم أن يكون ~~هو المسيح فنسب إليهم لازم قولهم». # وذلك بلا ريب ينتهى إلى القول بأنهم يعتقدون أن المسيح هو الله ، وإن لم ~~يصرحوا بذلك ، فهو لازم قولهم باتحاد عنصر الألوهية فيه مع الله. # وإن ذلك الكلام تخريج على أن النصارى مذهب واحد في اعتقاد الألوهية وأنه ~~ابن الله وبذلك يكون قوله تعالى في أواخر هذه السورة ( @QUR@08 لقد كفر ~~الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ) متلاقيا مع هذا النص الكريم فهنا صرح ~~بلازم قولهم وهناك صرح بذات قولهم. # والحقيقة أن النصارى اليوم وهم لا يزالون يغيرون ويبدلون يصرحون بأن ~~الأقانيم ثلاثة. وأنها شيء واحد. وينتهون إلى أن المسيح هو الله ، والله هو ~~روح القدس. فقد قال الدكتور بوست في تاريخ الكتاب المقدس : «طبيعة الله ~~عبارة عن ثلاثة أقانيم متساوية الجوهر هي : الله الأب ، والله الابن والله ~~الروح القدس فإلى الأب ينتمى الخلق بواسطة الابن وإلى الابن الفداء ، وإلى ~~الروح القدس التطيهر. غير أن ثلاثة الأقانيم تتقاسم جميع الأعمال على ~~السواء. أما مسألة التثليث فغير واضحة في العهد القديم ، كما هي في العهد ~~الجديد». # ومن هذا الكلام يتبين أن النصارى يصرحون بأن الابن هو الله ، ولا يكون ~~الكلام بطريق اللازم لقولهم ، بل بطريق الصريح منه. فهم يصرحون بأن الله هو ~~الابن ، كما أن الله هو الأب ، كما أن الله هو روح القدس (1) هذا ، وقد أمر ~~الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرد على أولئك الذين قالوا ( @QUR@06 ~~إن الله هو المسيح ابن مريم ) بما يكشف عن جهلهم وضلالهم فقال تعالى : PageV04P092 # ( @QUR@018 قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم ~~وأمه ومن في الأرض جميعا ). # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء النصارى الذين قالوا : ( @QUR@06 إن ~~الله هو المسيح ابن مريم )، قل لهم على سبيل الإنكار والتوبيخ والتجهيل : ~~من ذا الذي يملك من أمر الله وإرادته شيئا يدفع به الهلاك عن المسيح ms1593 وعن ~~أمه وعن سائر أهل الأرض ، إن أراد الله سبحانه أن يهلكهم ويبيدهم؟ لا شك أن ~~أحدا لن يستطيع أن يمنع إرادته سبحانه لأنه هو المالك لأمر الوجود كله ، ~~ولا يملك أحد من أمره شيئا يستطيع به أن يصرفه عن عمل يريده ؛ أو يحمله على ~~أمر لا يريده ، أو يستقل بعمل دونه. ومادام الأمر كذلك فدعوى أن الله هو ~~المسيح ابن مريم ظاهرة البطلان ، لأن المسيح وأمه من مخلوقات الله التي هي ~~قابلة لطروء الهلاك والفناء عليها. وحاشا للمخلوق الفاني أن يكون إلها ~~وإنما الألوهية لله الخالق الباقي ( @QUR@08 ألا له الخلق والأمر ، تبارك ~~الله رب العالمين ) قال الإمام الرازي ما ملخصه : «احتج سبحانه على فساد ما ~~ذهب إليه النصارى بقوله : ( @QUR@017 فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن ~~يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ). وهذه جملة شرطية قدم ~~فيها الجزاء على الشرط. # والتقدير : إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا فمن ~~الذي يقدر على أن يدفعه عن مراده ومقدوره. وقوله ( @QUR@05 فمن يملك من ~~الله شيئا ) أى : فمن يملك من أفعال الله شيئا والملك هو القدرة. يعنى فمن ~~الذي يقدر على دفع شيء من أفعال الله تعالى ومنع شيء من مراده. # وقوله : ( @QUR@04 ومن في الأرض جميعا ) يعنى : أن عيسى مشاكل لمن في ~~الأرض في الصورة والخلقة والجسمية والتركيب وتغيير الصفات والأحوال ، فلما ~~سلم كونه تعالى خالقا للكل مدبرا للكل وجب أن يكون أيضا خالقا لعيسى» (1). # وفي توجيه الأمر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم للرد عليهم تثبيت له وتقوية ~~لحجته حتى يبطل قولهم الفاسد إبطالا يزداد معه المؤمنون إيمانا بالحق الذي ~~آمنوا به. # قال أبو السعود : وإنما نفيت المالكية المذكورة بالاستفهام الإنكارى عن ~~أحد مع تحقيق الإلزام والتبكيت لا بنفيها عن المسيح فقط ، لتحقيق الحق بنفي ~~الألوهية عن كل ما عداه سبحانه وإثبات المطلوب في ضمنه بالطريق البرهاني. PageV04P093 # وتعميم إرادة الإهلاك للكل مع حصول المطلوب بقصرها على المسيح لتهويل ~~الخطب ، وإظهار كمال العجز ms1594 ببيان أن الكل تحت قهره تعالى وملكوته. لا يقدر ~~أحد على دفع ما أريد به. فضلا عن دفع ما أريد بغيره. # وللإيذان بأن المسيح أسوة لسائر المخلوقات في كونه عرضة للهلاك ، كما أنه ~~أسوة لها فيما ذكر من العجز ، وعدم استحقاق الألوهية» (1). # وتخصيص الأم بالذكر مع اندراجها في عموم المعطوف ، لزيادة تأكيد عجز ~~المسيح ، وأنه هو وأمه عبدان من عباد الله لا يقدران على رفع الهلاك عنهما. # وعطف عليهما قوله ( @QUR@04 ومن في الأرض جميعا ) من باب عطف العام على ~~الخاص ، ليكونا قد ذكرا مرتين. مرة بالنص عليهما. ومرة بالاندراج في العام ~~، وذلك على سبيل التوكيد والمبالغة في تعلق نفاذ الإرادة فيهما. # وقوله ( @QUR@06 ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما ) تأكيد لاختصاص ~~الألوهية به تعالى إثر بيان انتفائها عما سواه. # أى : ولله تعالى وحده دون أن ينازعه منازع. أو يشاركه مشارك ، ملك جميع ~~الموجودات ، والتصرف المطلق فيها ، إيجادا وإعداما ، وإحياء وإماتة. فهو ~~المالك للسموات وما فيها وللأرض وما عليها ، ولما بينهما من فضاء تجرى فيه ~~السحب بأمره ، ويطير فيه الطير بإذنه وقدرته. وما المسيح وأمه إلا من جملة ~~ما في الأرض ، فهما عبدان من عباد الله يدينان له سبحانه بالعبادة والطاعة ~~والخضوع. # وقال سبحانه ( @QUR@02 وما بينهما ) ولم يقل وما بينهن مع أن السموات ~~بلفظ الجمع ، لأن المراد بالسموات والأرض النوعان أو الصنفان. # أى : ولله تعالى وحده ملك السموات والأرض وما بين هذين النوعين من ~~مخلوقات خاضعة لمشيئة الله وقدرته. # وقوله ( @QUR@03 يخلق ما يشاء ) جملة مستأنفة مسوقة لبيان بعض أحكام ~~الملك والألوهية على وجه يزيح ما اعترى النصارى من شبه في أمر المسيح ~~لولادته من غير أب ، وإحيائه الموتى ، وإبرائه الأكمه والأبرص ، كل ذلك ~~بإذن الله. # أى أنه سبحانه يخلق ما يشاء أن يخلقه من أنواع الخلق بالكيفية التي ~~يريدها تبعا لمشيئته وإرادته. PageV04P094 # فتارة يخلق الإنسان من ذكر وأنثى كما هو المعتاد بين الناس ، وتارة يخلقه ~~بدون أب أو أم كما هو الشأن في خلق آدم ، وتارة يخلقه بدون أب كما هو الشأن ms1595 ~~في خلق عيسى ، إلى ذلك من مخلوقاته التي ليست مقصورة على نوع واحد بل هي ~~شاملة لهذا الكون بما فيه من إنسان وحيوان وجماد ، فكل ما تعلقت إرادته ~~بإيجاده أوجده ، وكل ما تعلقت إرادته بإعدامه أعدمه ، لا راد لمشيئته ولا ~~معقب لحكمه ولا حائل دون نفاذ قدرته. # وقوله : ( @QUR@05 والله على كل شيء قدير ) تذييل مقرر لمضمون ما قبله. # أى : والله تعالى قدير على كل شيء ومالك لكل شيء ومهيمن على كل شيء لا ~~يغلبه شيء طلبه ، ولا يعجزه أمر أراده وما عيسى وأمه إلا من مخلوقاته ~~وعبيده ، وحاشا للمخلوق العاجز أن يكون إلها من دون الله عز وجل . # فهذه الآية الكريمة تحكى أقوال النصارى الباطلة في شأن عيسى عليه السلام ~~وترد عليهم بما يزهق باطلهم ، ويثبت أن عيسى إنما هو عبد من عباد الله وأن ~~العبادة إنما تكون لله الواحد القهار. # ثم ساق سبحانه بعض دعاوى أهل الكتاب الباطلة وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم ~~أن يرد عليهم بما يخرس ألسنتهم فقال تعالى : # ( @QUR@030 وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم ~~بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك ~~السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير ) (18) # قال الإمام ابن كثير : روى محمد بن إسحاق وابن أبى حاتم وابن جرير عن ابن ~~عباس قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من اليهود فكلموه وكلمهم ~~ودعاهم إلى الله تعالى وحذرهم نقمته فقالوا : ما تخوفنا يا محمد؟ نحن أبناء ~~الله وأحباؤه كقول النصارى ؛ فأنزل الله تعالى فيهم. # ( @QUR@07 وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه ).. الآية (1). # وقوله تعالى ( @QUR@03 وقالت اليهود والنصارى ) حكاية لما صدر عن ~~الفريقين من أقاويل فاسدة ودعاوى باطلة ، يدل على سفاهة عقولهم ، وبلادة ~~تفكيرهم ، حيث قالوا في حق الله تعالى PageV04P095 # ما لا يليق بعظمته سبحانه . # قال الآلوسى : ما ملخصه : قوله تعالى : «ومرادهم بالأبناء : المقربون. أى ~~نحن مقربون عند الله تعالى قرب الأولاد من والدهم. ومن مرادهم بالأحباء : ~~جمع حبيب بمعنى محب أو ms1596 محبوب. ويجوز أن يكون أرادوا من الأبناء الخاصة ، ~~كما يقال : أبناء الدنيا وأبناء الآخرة. ويجوز أن يكونوا أرادوا بما قالوا ~~أنهم أشياع وأتباع من وصف بالبنوة. أى قالت اليهود : نحن أشياع ابنه عزير. ~~وقالت النصارى : نحن أشياع ابنه عيسى. وأطلق الأبناء على الأشياع مجازا إما ~~تغليبا أو تشبيها لهم بالأبناء في قرب المنزلة. وهذا كما يقول أتباع الملك ~~: نحن الملوك. # وقيل الكلام على حذف المضاف. أى : نحن أبناء أنبياء الله تعالى وهو خلاف ~~الظاهر. ومقصود الفريقين بقوله تعالى حكاية عنهم ( @QUR@04 نحن أبناء الله ~~وأحباؤه ) هو المعنى المتضمن مدحا ، وحاصل دعواهم أن لهم فضلا ومزيد عند ~~الله تعالى على سائر الخلق» (1). # والمعنى : وقالت طائفة اليهود التي تزعم أنها شعب الله المختار ، وقالت ~~طائفة النصارى التي تزعم أنها على الحق دون غيرهم قالت كل طائفة منهما : ~~نحن في القرب من الله تعالى بمنزلة أبنائه المدللين ، وأحبائه المختارين ، ~~فلنا من الفضل والمنزلة والتكريم ما ليس لغيرنا من البشر. # والذي حملهم على هذا القول الباطل ، جهلهم بما اشتملت عليه كتبهم ، ~~وتخبطهم في الكفر والضلال وفهمهم السقيم لمعانى الألفاظ. # قال ابن كثير : «ونقلوا عن كتبهم أن الله تعالى قال لعبده إسرائيل : أنت ~~ابني بكرى. فحملوا هذا على غير تأويله وحرفوه. وقد رد عليهم غير واحد ممن ~~أسلم من عقلائهم. وقالوا هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام. كما نقل ~~النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم. إنى ذاهب إلى أبى وأبيكم ، يعنى : ربي ~~وربكم. ومعلوم أنهم لم يدعوا لأنفسهم من البنوة ما ادعوها في عيسى ~~عليه السلام وإنما أرادوا بذلك معزتهم لديه ، وحظوتهم عنده ، ولهذا قالوا : ~~( @QUR@04 نحن أبناء الله وأحباؤه ) (2). # وعطف سبحانه قولهم : ( @QUR@01 وأحباؤه ) على قولهم ( @QUR@03 نحن أبناء ~~الله ) للإشارة إلى غلوهم في الجهل والغرور ، حيث قصدوا أنهم أبناء محبوبون ~~وليسوا مغضوبا عليهم من أبيهم بل هم محل رضاه وإكرامه. # وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم بما يكبتهم فقال : ( ~~@QUR@09 قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق ). PageV04P096 # والفاء في قوله ms1597 ( @QUR@02 فلم يعذبكم ) للافصاح ، لأنها تفصح عن جواب شرط ~~مقدر أى : قل يا محمد لهؤلاء المغرورين ، إن كان الأمر كما زعمتم من أنكم ~~أبناء الله وأحباؤه فلأى شيء يعذبكم إذ الحبيب لا يعذب حبيبه. # وإن واقعكم يا أهل الكتاب يناقض دعواكم ، فقد عذبكم سبحانه في الدنيا ~~بسبب ذنوبكم بالقتل والأسر والمسخ وتهييج العداوة والبغضاء بينكم إلى يوم ~~القيامة. # أما في الآخرة فإن كتبكم التي بين أيديكم تشهد بأنكم ستعذبون في الآخرة ~~على ما تقترفون من آثام في دنياكم. # وقد أقر اليهود بأن العذاب سيقع بهم في زعمهم أياما معدودات في الآخرة ~~وحكى القرآن عنهم ذلك في قوله تعالى ( @QUR@07 وقالوا لن تمسنا النار إلا ~~أياما معدودة ): # وأقر النصارى بأن الله تعالى سيحاسب الناس يوم القيامة ، وسيجازى كل ~~إنسان على حسب عمله إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر. # قال القرطبي : «رد الله عليهم قولهم فقال : ( @QUR@03 فلم يعذبكم بذنوبكم ~~) فلم يكونوا يخلون من أحد وجهين ، إما إن يقولوا هو يعذبنا ، فيقال لهم : ~~فلستم إذا أبناءه ولا أحباءه فإن الحبيب لا يعذب حبيبه. وأنتم تقرون بعذابه ~~، فذلك دليل على كذبكم وهذا هو المسمى عند الجدليين ببرهان الخلف أو يقولوا ~~: لا يعذبنا فيكذبوا ما في كتبهم ، وما جاءت به رسلهم. ويبيحوا المعاصي وهم ~~معترفون بعذاب العصاة منهم ، ولهذا يلتزمون أحكام كتبهم» (1) وقوله : ( ~~@QUR@05 بل أنتم بشر ممن خلق ) رد على أصل دعواهم الباطلة ، وبيان لما هو ~~الحق من أمرهم وهو معطوف على كلام مقدر. # أى : ليس الأمر كما زعمتم يا معشر اليهود والنصارى من أنكم أبناء الله ~~وأحباؤه ، بل الحق أنكم كسائر البشر من خلق الله. فإنكم إن آمنتم وأصلحتم ~~أعمالكم نلتم الثواب من الله ، وإن بقيتم على كفركم وغروركم حق عليكم ~~العقاب ، وليس لأحد فضل على أحد إلا بالإيمان والعمل الصالح. # قال أبو حيان قوله : ( @QUR@05 بل أنتم بشر ممن خلق ) إضراب عن الاستدلال ~~من غير إبطال له إلى استدلال آخر من ثبوت كونهم بشرا من بعض خلقه ، فهم ~~مساوون لغيرهم في البشرية والحدوث ، وهما يمنعان البنوة ms1598 ، فإن القديم لا ~~يلد بشرا ، والأب لا يخلق ابنه ، فامتنع بهذين الوجهين البنوة. وامتنع ~~بتعذيبهم أن يكونوا أحباء الله ، فبطل الوصفان اللذان ادعوهما» (2). PageV04P097 # وقوله سبحانه ( @QUR@06 يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ) بيان لعموم قدرته ~~، وشمول إرادته. # أى أنه سبحانه يغفر لمن يشاء أن يغفر له من خلقه ، وهم المؤمنون به ~~وبرسله ، ويعذب من يشاء أن يعذبه منهم ، وهم المنحرفون عن طريق الحق والهدى ~~، لا راد لقضائه. ولا معقب لحكمه. # وقوله ( @QUR@08 ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير ) ~~تذييل قصد به تأكيد ما قبله من عموم قدرته ، وشمول إرادته وهيمنته على سائر خلقه. # أى : ولله تعالى وحده ملك جميع الموجودات وهو صاحب التصرف المطلق فيها ، ~~إيجادا وإعداما ، وإحياء وإماتة ، وإليه وحده مصير الخلق يوم القيامة ~~فيجازيهم على ما عملوا من خير أو شر. قال تعالى ( @QUR@012 فمن يعمل مثقال ~~ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ). وبذلك تكون الآية الكريمة قد ~~أبطلت حجة اليهود والنصارى الذين زعموا أنهم ( @QUR@03 أبناء الله وأحباؤه ~~) وأثبتت بالمنطق الواضح أنهم كذابون فيما يدعون ؛ وأنه لا فضل لأحد على ~~أحد إلا بالإيمان والعمل الصالح. # وبعد أن بين سبحانه فساد أقوال أهل الكتاب وبطلان عقائدهم ، ورد عليهم ~~بما لا يدع للعاقل متمسكا بتلك الضلالات. أتبع ذلك بتوجيه نداء آخر إليهم ~~تكريرا لوعظهم ، وتحريضا لهم على اتباع الحق فقال تعالى # ( @QUR@029 يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن ~~تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء ~~قدير ) (19) # أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : قال معاذ بن جبل ، وسعد بن عبادة وعقبة ~~بن وهب لليهود : يا معشر اليهود ، اتقوا الله وأسلموا ، فو الله إنكم ~~لتعلمون أنه رسول الله. لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه ، وتصفونه لنا ~~بصفته. فقال رافع بن حرملة ووهب بن يهوذا : ما قلنا هذا لكم ، وما أنزل ~~الله من كتاب من بعد موسى ، ولا أرسل بشيرا ولا نذيرا بعده ، فأنزل الله PageV04P098 # في ms1599 قولهما قوله : ( @QUR@012 يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على ~~فترة من الرسل ) الآية (1). # وقوله ( @QUR@04 على فترة من الرسل ) أى : على انقطاع من الرسل ، إذ ~~الفترة هي الزمن بين زمنين ، ويكون فيها سكون عما يكون في هذين الزمنين. # قال الراغب : الفتور سكون بعد حدة ، ولين بعد شدة ، وضعف بعد قوة. قال ~~تعالى ( @QUR@012 يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من ~~الرسل ) أى : سكون خال عن مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله ( @QUR@05 ~~يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) أى لا يسكنون عن نشاطهم في العادة» (2). ~~فأصل الفتور : السكون والانقطاع. يقال فتر عن عمله إذا انقطع عما كان عليه ~~من الجد والنشاط. # والمعنى : يا أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، يا من أنزل الله تعالى ~~الكتب السماوية على أنبيائكم لهدايتكم وسعادتكم ، ها هو ذا رسولنا محمد ~~صلى الله عليه وسلم قد جاءكم لكي يبين لكم شرائع الدين ، والطريق الحق الذي ~~يوصلكم إلى السعادة الدينية والدنيوية ، وذلك بعد انقطاع من الرسل ، وطموس ~~من السبل ، وضلال في العقائد ، وفساد في الأفكار والمعاملات. # قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@04 على فترة من ~~الرسل ) أى : بعد مدة متطاولة ما بين إرساله صلى الله عليه وسلم وبين عيسى ابن ~~مريم. وقد اختلفوا في مقدار هذه الفترة كم هي؟ # فعن قتادة خمسمائة وستون سنة. # وكانت هذه الفترة بين عيسى ابن مريم آخر أنبياء بنى إسرائيل وبين محمد ~~صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين من بنى آدم على الإطلاق ، كما ثبت في «صحيح ~~البخاري» عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «أنا أولى الناس ~~بابن مريم ليس بيني وبينه نبي» وهذا فيه رد على من زعم أنه بعث بعد عيسى ~~نبي يقال له خالد بن سنان. # والمقصود من هذه الآية ، أن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم على ~~فترة من الرسل ، وطموس من السبل ، وتغير الأديان ، وكثرة عباد الأوثان ~~والنيران والصلبان ، فكانت النعمة به أتم النعم (3). # وفي ms1600 ندائه سبحانه لليهود والنصارى بقوله : ( @QUR@03 يا أهل الكتاب ) ~~تنبيه لهم إلى أن مصاحبتهم للكتاب وكونهم أهل معرفة ، يوجبان عليهم ~~المبادرة إلى اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم الذي بشرت بمبعثه كتبهم التي ~~بين أيديهم ، والذي يعرفون صدقه كما يعرفون أبناءهم. وإلا فسيكون PageV04P099 # عقابهم أشد إذا ما استمروا في كفرهم وضلالهم. # وعبر سبحانه بقوله : ( @QUR@02 قد جاءكم ) للإيذان بأنه صلى الله عليه وسلم ~~قد أصبح بينهم ، بحيث يشاهدهم ويشاهدونه ، ويسمع منهم ويسمعون منه ، وأنه ~~قد صار من اللازم عليهم اتباعه ، لأن الشواهد قد قامت على صدقه فيما يبلغه ~~عن ربه. # وأضاف سبحانه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ذاته فقال : ( @QUR@03 قد جاءكم ~~رسولنا ) لتشريفه صلى الله عليه وسلم وتكريمه ، وللإشارة إلى قدسية هذه ~~الرسالة وسمو منزلتها ، وأنها لا تسوغ مخالفة من أتى بها ، ولا يصح الخروج ~~عن طاعته ، لأنه رسول من عند الله تعالى الذي له الخلق والأمر. # ومفعول ( @QUR@01 يبين ) محذوف. أى : يبين لكم الشرائع والأحكام ، وما ~~أمرتم به ، وما نهيتم عنه ، وحذف هذا المفعول اعتمادا على ظهوره ، إذ من ~~المعلوم أن ما يبينه الرسول هو الشرائع والأحكام. # وقوله : ( @QUR@02 على فترة ) متعلق بقوله ( @QUR@01 جاءكم ) على الظرفية ~~، وقوله : ( @QUR@02 من الرسل ) متعلق بمحذوف صفة لفترة. أى : قد جاءكم ~~رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم على حين فتور من الإرسال وانقطاع الوحى ، ~~ومزيد الاحتياج إلى البيان. # والتعبير بقوله تعالى ( @QUR@02 على فترة ) فيه معنى فوقيه الرسالة على ~~الفترة ، وعلوها عليها ؛ كعلوا البيان على الجهل ، والنور على الظلمة ، فمن ~~الواجب عليهم أن يسارعوا إلى اتباع الرسول الذي جاءهم بالحق ، وإلا كانوا ~~ممن يرتضى لنفسه الانحدار من الأعلى إلى الأدنى ، ومن العلم إلى الجهل ، ~~ومن الهدى إلى الضلال. # وقوله تعالى : ( @QUR@08 أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير ) جملة ~~تعليلية المقصود بها قطع معاذيرهم إذا احتجوا بالجهل وعدم معرفتهم لأوامر ~~الله ونواهيه. # والمراد بالبشير : المبشر الذي يبشر أهل الحق والطاعة بالخير والسعادة. # والمراد بالنذير : المنذر الذي ينذر أهل الباطل والضلال بسوء المصير. # والمعنى : لقد جاءكم يا معشر أهل ms1601 الكتاب رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ~~يبين لكم شرائع الله بعد فترة متطاولة من انقطاع الرسل ، لكي لا تقولوا على ~~سبيل المعذرة يوم الحساب ، ما جاءنا من بشير يبشرنا بالخير عند الطاعة ، ~~ولا نذير ينذرنا بسوء العاقبة عند المعصية. # و ( @QUR@01 من ) في قوله ( @QUR@02 من بشير ) لتأكيد نفى المجيء. # والتنكير في قوله : ( @QUR@02 بشير ونذير ) للتقليل ، أى : ما جاءنا أى ~~بشير ولو كان صغيرا ، وما جاءنا أى نذير ولو كان ضئيلا. PageV04P100 # وهنا يسوق الله تعالى ما يبطل معاذيرهم ، بإثبات أن البشير والنذير قد ~~جاءهم فقال تعالى : ( @QUR@04 فقد جاءكم بشير ونذير ). # والفاء هنا للافصاح عن كلام مقدر قبلها. والتقدير. لا تعتذروا بقولكم ما ~~جاءنا من بشير ولا نذير ، فقد جاءكم رسولنا الذي يبشركم بالخير إن آمنتم ~~وينذركم بسوء المصير إذا ما بقيتم على كفركم. والتنكير هنا في قوله : ( ~~@QUR@02 بشير ونذير ) للتعظيم من شأن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو خاتم ~~النبيين ، والذي أرسله الله تعالى رحمة للعالمين. # وقوله : ( @QUR@02 بشير ونذير ) وإن كانا وصفين للرسول صلى الله عليه وسلم ~~إلا أن ثانيهما قد عطف على أولهما لتغايرهما في المعنى ، لأن التبشير عمل ~~يختلف عن الإنذار ، وكلاهما من وظائف النبوة. # وقوله تعالى ( @QUR@05 والله على كل شيء قدير ) تذييل قصد به شمول قدرة ~~الله وأنه سبحانه لا يعجزه شيء. أى : والله على كل شيء قدير ، فلا يعجزه أن ~~يرسل رسله تترى ، كما لا يعجزه أيضا أن يرسلهم على فترات متباعدة. # وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت سمو الرسالة المحمدية وعظمتها ، وأنها ~~جاءت والناس في أشد الحاجة إليها ، وأنه لا عذر لأهل الكتاب في عدم ~~الاستجابة لها بعد أن بلغتهم ، وبشرتهم بالخير إن آمنوا وأطاعوا ، وبالعذاب ~~الأليم إن استمروا على كفرهم وضلالهم. # وبعد أن بين سبحانه جانبا من رذائل أهل الكتاب ، ومن أقوالهم الباطلة في ~~حق الرسول الذي أرسله الله تعالى لهدايتهم وسعادتهم وإخراجهم من ظلمات ~~الكفر إلى نور الإيمان. # بعد كل ذلك ساق سبحانه جانبا مما حدث بين موسى عليه السلام وبين قومه بنى ms1602 ~~إسرائيل ، ومما لقيه منهم من سفاهة وجبن وتخاذل وعصيان. إذ في ذلك تسلية ~~للرسول صلى الله عليه وسلم عما شاهده منهم من عناد وجحود. استمع إلى القرآن ~~وهو يحكى بعض قصص بنى إسرائيل مع نبيهم موسى فيقول : # ( @QUR@023 وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمت الله عليكم إذ جعل ~~فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين (20) @QUR@013 ~~يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم PageV04P101 # @QUR@02 فتنقلبوا خاسرين (21) @QUR@018 قالوا يا موسى إن فيها قوما ~~جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون (22) ~~@QUR@021 قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب ~~فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين (23) @QUR@017 ~~قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ~~هاهنا قاعدون (24) @QUR@013 قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا ~~وبين القوم الفاسقين (25) @QUR@014 قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة ~~يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين ) (26) # هذه الآيات الكريمة تصور لنا ما جبل عليه بنو إسرائيل من جبن شديد ، ~~وعزيمة خوارة ، وعصيان لرسلهم. وإيثار للذلة مع الراحة على العزة مع الجهاد ~~وهي تحكى بأسلوبها البليغ قصة تاريخية معروفة ، وملخص هذه القصة : # أن بنى إسرائيل بعد أن ساروا مع نبيهم موسى عليه السلام إلى بلاد الشام ، ~~عقب غرق فرعون أمام أعينهم. أوحى الله تعالى إلى موسى أن يختار من قومه ~~اثنى عشر نقيبا ، وأمره أن يرسلهم إلى الأرض المقدسة التي كان يسكنها ~~الكنعانيون حينئذ. ليتحسسوا أحوال سكانها ، وليعرفوا شيئا من أخبارهم. # وقد أشار القرآن قبل ذلك إلى هذه القصة بقوله : ( @QUR@011 ولقد أخذ الله ~~ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا ) (1). # ولقد نفذ موسى عليه السلام ما أمره به ربه سبحانه ، وكان مما قاله موسى ~~للنقباء PageV04P102 # عند إرسالهم لمعرفة أحوال سكان الأرض المقدسة : «لا تخبروا أحدا سواي عما ~~ترونه». # فلما دخل النقباء الأرض المقدسة ، واطلعوا على أحوال سكانها. وجدوا ms1603 منهم ~~قوة عظيمة ، وأجساما ضخمة .. فعاد النقباء إلى موسى وقالوا له وهو في جماعة ~~من بنى إسرائيل : قد جئنا إلى الأرض التي بعثتنا إليها ، فإذا هي في ~~الحقيقة تدر لبنا وعسلا ، وهذا شيء من ثمارها ، غير أن الساكنين فيها ~~أقوياء ، ومدينتهم حصينة. وأخذ كل نقيب منهم ينهى سبطه عن القتال. إلا ~~اثنين منهم ، فإنهما نصحا القوم بطاعة نبيهم موسى عليه السلام وبقتال ~~الكنعانيين معه. ولكن بنى إسرائيل عصوا أمر هذين النقيبين ، وأطاعوا أمر ~~بقية النقباء العشرة «وأصروا على عدم الجهاد ، ورفعوا أصواتهم بالبكاء ~~وقالوا : يا ليتنا متنا في مصر أو في هذه البرية. وحاول موسى عليه السلام أن ~~يصدهم عما تردوا فيه من جبن وعصيان وأن يحملهم على قتال الجبارين ؛ ولكنهم ~~عموا وصموا. # وأوحى الله تعالى إلى موسى أن الأرض المقدسة محرمة عليهم أربعين سنة ~~يتيهون في الأرض جزاء عصيانهم وجبنهم. # هذا هو ملخص هذه القصة كما وردت في كتب التفسير والتاريخ. وقد حشا بعض ~~المفسرين كتبهم بأوصاف للجبارين الذين ورد ذكرهم في الآيات الكريمة لا ~~تقبلها العقول السليمة ، وليس لها أصل يعتمد عليه بل هي مما يستحى من ذكره ~~كما قال ابن كثير (1). # هذا ، وقوله تعالى : ( @QUR@010 وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمت ~~الله عليكم ) كلام مستأنف ساقه الله تعالى لبيان بعض ما فعله بنو إسرائيل ~~من رذائل بعد أخذ الميثاق عليهم ، وتفصيل لكيفية نقضهم لهذا الميثاق. # و ( @QUR@01 إذ ) ظرف للزمن الماضي بمعنى وقت. وهو مفعول به لفعل ملاحظ ~~في الكلام ، تقديره اذكر. وقد خوطب بهذا الفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بطريق قرينة الخطاب وصرفه عن أهل الكتاب ، ليعدد عليهم ما سلف من بعضهم من ~~جنايات. # أى : واذكر يا محمد لهؤلاء اليهود المعاصرين لك ، قول موسى لآبائهم على ~~سبيل النصح والإرشاد : يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم. أى : تذكروا إنعامه ~~عليكم بالشكر والطاعة. # والمراد بذكر الوقت تذكر ما حدث فيه من وقائع وخطوب. # قال أبو السعود : وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت ، دون ما وقع فيه من ms1604 ~~حوادث ، مع أنها PageV04P103 # هي المقصودة ، لأن الوقت مشتمل على ما وقع فيه تفصيلا فإذا استحضر كان ما ~~وقع فيه بتفاصيله كأنه مشاهد عيانا» (1). # وفي قول موسى لهم كما حكى القرآن عنه : ( @QUR@06 يا قوم اذكروا نعمت ~~الله عليكم ) تلطف معهم في الخطاب ، وحمل لهم على شكر النعمة ، واستعمالها ~~فيما خلقت له لكي يزيدهم الله منها. وفيه كذلك تذكير لهم بما يربطهم به من ~~رابطة الدم والقرابة التي تجعله منهم ، يهمه ما يهمهم ، ويسعده ما يسعدهم ، ~~فهو يوجه إليهم ما هو كائن لهدايتهم وسعادتهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@013 إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم ~~يؤت أحدا من العالمين ) بيان لنعم ثلاث أسبغها الله عليهم. # أما النعمة الأولى : فهي جعل كثير من الأنبياء فيهم كموسى وهارون ، واسحق ~~، ، ويعقوب ، ويوسف ، عليهم السلام . وقد أرسل الله تعالى هؤلاء الأنبياء ~~وغيرهم في بنى إسرائيل ، لكي يخرجوهم من ظلمات الكفر والفسوق والعصيان ، ~~إلى نور الهداية والطاعة والإيمان. # والتنكير في قوله ( @QUR@01 أنبياء ) للتكثير والتعظيم. أى : تذكروا يا ~~بنى إسرائيل نعم الله عليكم ، وأحسنوا شكرها ، حيث جعل فيكم أنبياء كثيرين ~~يهدونكم إلى الرشد. # قال صاحب الكشاف : «لم يبعث الله في أمة ما بعث في بنى إسرائيل من ~~الأنبياء» (2). # وأما النعمة الثانية : فهي جعلهم ملوكا. أى : جعلكم أحرارا تملكون أمر ~~أنفسكم بعد أن كنتم مملوكين لفرعون وقومه ، الذين كانوا يسومونكم سوء ~~العذاب. # أى : جعلكم تملكون المساكن وتستعملون الخدم ، بعد أن كنتم لا تملكون شيئا ~~من ذلك وأنتم تحت سيطرة فرعون وقومه. # قال الآلوسى : «أخرج البخاري عن عبد الله بن عمر أنه سأله رجل فقال : ~~ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال عبد الله : ألك زوجة تأوى إليها؟ قال : نعم ~~، قال : ألك مسكن تسكنه؟ قال : نعم. قال : فأنت من الأغنياء. قال الرجل : ~~فإن لي خادما. قال عبد الله : فأنت من الملوك. # واخرج ابن أبى حاتم عن أبى سعيد الخدري قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : كانت بنو إسرائيل PageV04P104 # إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة كتب ملكا» (1). # وهذه النعمة أى : نعمة ms1605 الحرية بعد الذل ، والسعة بعد الضيق من النعم ~~العظمى التي لا يقدرها ويحافظ عليها إلا أصحاب النفوس الكبيرة ، التي تعاف ~~الظلم ، وتأبى الضيم ، وتحسن الشكر لله تعالى . # قال صاحب الانتصاف : فإن قلت : فلما ذا لم يقل إذ جعلكم أنبياء ، كما قال ~~: ( @QUR@02 وجعلكم ملوكا )؟ قلت. لأن النبوة مزية غير الملك. وآحاد الناس ~~يشارك الملك في كثير مما به صار الملك ملكا ، ولا كذلك النبوة ، فإن درجتها ~~أرفع من أن يشرك من لم تثبت له مع الثابتة نبوته في مزيتها وخصوصيتها ~~ونعتها ، فهذا هو سر تمييز الأنبياء وتعميم الملوك» (2). # وأما النعمة الثالثة : فهي أنه سبحانه : آتاهم من ألوان الإكرام والمنن ~~ما لم يؤت أحدا من عالمي زمانهم. فقد فلق لهم البحر فساروا في طريق يابس ~~حتى نجوا وغرق عدوهم. وأنزل عليهم المن والسلوى ليأكلوا من الطيبات ، وفجر ~~لهم من الحجر اثنتي عشرة عينا حتى يعلم كل أناس مشربهم .. إلى غير ذلك من ~~ألوان النعم التي حباهم الله تعالى بها ، والتي كانت تستلزم منهم المبادرة ~~إلى امتثال أوامره ، واجتناب نواهيه. # قال الآلوسى : و «أل» في ( @QUR@01 العالمين ) للعهد : والمراد عالمو ~~زمانهم. أو للاستغراق. والتفضيل من وجه لا يستلزم التفضيل من جميع الوجوه ، ~~فإنه قد يكون للمفضول ما ليس للفاضل : وعلى التقديرين لا يلزم تفضيلهم على ~~هذه الأمة المحمدية ، لأن الخطابات السابقة واللاحقة لبنى إسرائيل ، فوجود ~~خطاب في الأثناء لغيرهم مما يخل بالنظم الكريم» (3). # وبعد هذا التذكير بالنعم ، وجه إليهم نداء ثانيا طلب منهم فيه دخول الأرض ~~المقدسة فقال كما حكى القرآن عنه : ( @QUR@015 يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة ~~التي كتب الله لكم ، ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين ). # ومعنى المقدسة : المطهرة المباركة بسبب أنها كانت موطنا لكثير من ~~الأنبياء. # والمراد بها. بيت المقدس وقيل المراد بها : اريحاء وقيل : الطور وما حوله. # قال ابن جرير : وهي لا تخرج عن أن تكون من الأرض التي ما بين الفرات ~~وعريش مصر ، لإجماع أهل التأويل والسير والعلماء بالأخبار على ذلك». PageV04P105 # ومعنى ( @QUR@03 كتب الله لكم ): قدر لكم سكناها ، ووعدكم إياها ms1606 متى ~~آمنتم به وأطعتم أنبياءه ، أو معناه : فرض عليكم دخولها وأمركم به كما ~~أمركم بأداء الصلاة والزكاة وسنفصل القول في هذه المسألة بعد تفسيرنا ~~للآيات . # ومفعول ( @QUR@01 كتب ) محذوف. أى كتب لكم أن تدخلوها وفرض عليكم دخولها ~~لإنقاذكم من الأهوال التي نزلت بكم في أرض مصر من فرعون وجنده. # وقد تعدى فعل ( @QUR@01 كتب ) هنا باللام دون على ، للإشارة إلى أن ما ~~فرضه عليهم إنما هو لمنفعتهم ولعزتهم ورفعة شأنهم. # وفي تكرير النداء من موسى لهم بقوله : ( @QUR@02 يا قوم ) مبالغة في حثهم ~~على الامتثال لما يأمرهم به ، وتنبيه إلى خطر ما يدعوهم إليه وعظم شأنه. # وقوله : ( @QUR@03 كتب الله لكم ) فيه حض شديد لهم على الاستجابة لأمره ، ~~وإغراء لهم بالنصر والفوز ، لأن الذي كتب لهم أن يدخلوها متى آمنوا وأطاعوا ~~هو الله الذي لا معقب لحكمه. # قال الإمام الرازي : في قوله : ( @QUR@03 كتب الله لكم ) فائدة عظيمة. ~~وهي أن القوم كانوا جبارين إلا أن الله تعالى لما وعد هؤلاء الضعفاء بأن ~~تلك الأرض لهم ، فإن كانوا مؤمنين مقرين بصدق موسى عليه السلام علموا قطعا ~~أن الله ينصرهم عليهم ، فلا بد وأن يقدموا على قتالهم من غير جبن ولا خوف ~~ولا هلع» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@06 ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين ) تحذير ~~لهم من الجبن والإحجام ، بعد ترغيبهم الشديد في الشجاعة والإقدام. # وقوله ( @QUR@01 ترتدوا ) من الارتداد وهو الرجوع إلى الخلف. # والأدبار جمع دبر وهو الظهر. # وهذا التعبير استعارة تمثيلية فيها تشبيه حال من يرجع عن الجهاد بعد أن ~~توافرت أسبابه ، يحال من يتراجع سائرا بظهره إلى الوراء ، بدل أن يسير ~~بوجهه إلى الأمام. وهذا التعبير يصور قبح الجبن والتخاذل حسا ومعنى. # وقوله (فتنقلبوا) من الانقلاب بمعنى الرجوع والانصراف عن الشيء وهو مجزوم ~~عطفا على فعل النهى وهو ( @QUR@02 ولا ترتدوا ). # والمعنى : أمضوا أيها القوم لأمر الله ، وسيروا خلفي لقتال الأعداء ودخول ~~الأرض المقدسة PageV04P106 # التي أمركم سبحانه بدخولها ، ولا ترجعوا القهقرى منصرفين عن القتال خوفا ~~من أعدائكم ، ومبتعدين عن طاعتي وأمرى ، فإن ذلك يؤدى بكم إلى الخسران في ms1607 ~~الدنيا والآخرة ، وإلى الحرمان من خيرات الأرض التي أوجب الله عليكم ~~دخولها. # قال ابن جرير : فإن قال قائل : وما كان وجه قول موسى لقومه إذ أمرهم ~~بدخول الأرض المقدسة : ( @QUR@06 ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين ) ~~. أو يستوجب الخسارة من لم يدخل أرضا جعلت له؟ قيل : إن الله تعالى كان ~~أمره بقتال من فيها من أهل يستوجب الخسارة من لم يدخل أرضا جعلت له؟ قيل : ~~إن الله تعالى كان أمره بقتال من فيها من أهل الكفر به ، وفرض عليهم دخولها ~~، فاستوجب القوم الخسارة بتركهم فرض الله عليهم من وجهين : # أحدهما : تضييع فرض الجهاد الذي كان الله فرضه عليهم. # والثاني : مخالفتهم أمر الله في تركهم دخول الأرض المقدسة» (1). # هذا ، وقد جاءت هذه الجملة الكريمة ، وهي قوله تعالى : ( @QUR@06 ولا ~~ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين ) تحمل طابع التحذير الشديد ، وتنذرهم ~~بالخسران المبين إذا لم يستجيبوا لأمر الله بعد أن ساق لهم موسى ألوانا من ~~المشجعات والمرغبات في الجهاد ، وذلك لأنه عليه السلام كان متوقعا منهم ~~الإحجام عن القتال ، بعد أن جرب عنادهم وعصيانهم ونكوصهم على أعقابهم في ~~مواطن كثيرة ، فهذه التجارب جعلته وهو يأمرهم بدخول الأرض المقدسة يذكر لهم ~~أكبر النعم ويسوق لهم أكرم الذكريات وأقوى الضمانات وأشد التحذيرات لكي ~~يقبلوا على الجهاد بعزيمة صادقة. # ولكن بنى إسرائيل هم بنو إسرائيل ، مهما قيل لهم من ألوان الترغيب ~~والترهيب فإن همتهم الساقطة وعزيمتهم الخائرة ، وطبيعتهم المنتكسة لم ~~تتركهم فقد قالوا لنبيهم متذرعين بالمعاذير الكاذبة : ( @QUR@017 يا موسى ~~إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا ~~داخلون ) وقوله : ( @QUR@01 جبارين ) جمع جبار «والجبار صيغة مبالغة من جبر ~~الثلاثي. ويطلق في اللغة على الطويل القوى العاتي الذي يجبر غيره على ما ~~يريد. مأخوذ من قولهم : مخلة جبارة أى : طويلة لا ينال ثمرها بالأيدى. # أى : قال بنو إسرائيل لنبيهم موسى عليه السلام إن الأرض التي وعدتنا ~~بدخولها فيها قوم متغلبون على من يقاتلهم ، ولا قدرة لنا على لقائهم وإنا ~~لن ندخل هذه الأرض المقدسة ms1608 التي أمرتنا بدخولها مادام هؤلاء الجبارون فيها ~~، فإن يخرجوا منها لأى سبب من الأسباب التي لا شأن لنا بها ، فنحن على ~~استعداد لدخولها في راحة ويسر ، وبلا أدنى تعب أو جهد. PageV04P107 # ولا شك أن قولهم هذا الذي حكته الآية الكريمة عنهم ليدل على منتهى الجبن ~~والضعف ، لأنهم لا يريدون أن ينالوا نصرا باستخدام حواسهم البدنية أو ~~العقلية ، وإنما يريدون أن ينالوا ما يبغون بقوة الخوارق والآيات ، وأمة ~~هذا شأنها لا تستحق الحياة الكريمة ، لأنها لم تقدم العمل الذي يؤهلها لتلك ~~الحياة : # وفي ندائهم لنبيهم باسمه مجردا ( @QUR@03 قالوا يا موسى ) سوء أدب منهم ~~معه ، حيث استهانوا بمقام النبوة فنادوه باسمه حتى يكف عن دعوتهم إلى ~~الجهاد. وفي قولهم ( @QUR@06 وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها ) امتناع عن ~~القتال بإصرار شديد ، حيث أكدوا عدم دخولهم بحرف النفي ( @QUR@01 لن ) ~~وجعلوا غاية النفي أن يخرج الجبارون منها ، مع أن خروجهم منها بدون قتال ~~أمر مستبعد ، وهم لا يريدون قتالا ، بل يريدون دخولا من غير معاناة ~~ومجاهدة. # ثم بين القرآن بعد ذلك أن رجلين مؤمنين منهم قد استنكرا إحجام قومهما عن ~~الجهاد ، وحرضاهم على طاعة نبيهم فقال : ( @QUR@021 قال رجلان من الذين ~~يخافون أنعم الله عليهما ، ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ، ~~وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ). # والمراد بالرجلين : يوشع بن نون ، وكالب بن يوقنا ، وكانا من الاثنى عشر نقيبا. # وقد وصف الله تعالى هذين الرجلين بوصفين. # أولهما : قوله : ( @QUR@03 من الذين يخافون ) أى : من الذين يخافون الله ~~وحده ويتقونه ولا يخافون سواه وفي وصفهم بذلك تعريض بأن من عداهما من القوم ~~لا يخافونه تعالى بل يخافون العدو. # وقيل المعنى : من الذين يخافون الأعداء ويقدرون قوتهم إلا أن الله تعالى ~~ربط على قلبيهما بطاعته. فجعلهما يقولان ما قالا : # الوصف الثاني : فهو قوله : ( @QUR@03 أنعم الله عليهما ) فهذه الجملة صفة ~~ثانية للرجلين. أى : قال رجلان موصوفان بأنهما من الذين يخافون الله تعالى ~~ولا يخافون سواه ، وبأنهما من الذين أنعم الله عليهما بالإيمان والتثبيت ~~والثقة بوعده ، والطاعة لأمره قالا ms1609 لقومهما. ادخلوا عليهم الباب. # هذا ، وقد ذكر صاحب الكشاف وغيره وجها ثالثا فقال : ويجوز أن تكون الواو ~~في قوله : ( @QUR@01 يخافون ) لبنى إسرائيل. والراجع إلى الموصول محذوف. ~~والتقدير : قال رجلان من الذين يخاف بنو إسرائيل منهم ، وهم الجبارون وهما ~~رجلان منهم «أنعم الله عليهما» بالإيمان فآمنا ، قالا لهم : إن العمالقة ~~أجسام لا قلوب فيها فلا تخافوهم وازحفوا إليهم فإنكم غالبوهم ، PageV04P108 # يشجعانهم على قتالهم. وقراءة من قرأ : ( @QUR@01 يخافون ) يضم الياء ~~شاهدة له. وكذلك. أنعم الله عليهما» (1). # والذي نراه أن الرأى الأول أرجح وهو أن الرجلين من بنى إسرائيل ، وأن ~~قوله تعالى ( @QUR@06 من الذين يخافون أنعم الله عليهما ) صفتان للرجلين ~~وأن مفعول يخافون محذوف للعلم به وهو الله تعالى أى : يخافون الله ويخشونه ~~لأن هذا هو الظاهر من معنى الآية ، وهو الذي صدر به المفسرون تفسيرهم للآية ~~، ولأنه لم يرد نص يعتمد عليه في أن أحد الجبارين قد آمن وحرض بنى إسرائيل ~~على قتال قومه ، بينما وردت الآثار في بيان اسمى الرجلين وأنهما كانا من ~~الاثنى عشر نقيبا كما سبق أن ذكرنا وقوله تعالى ( @QUR@07 ادخلوا عليهم ~~الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ) تشجيع من الرجلين لقومهما ليزيلا عنهم ~~الخوف من قتال الجبارين. # أى : قال الرجلان اللذان يخافان الله لقومهما : ادخلوا على أعدائكم باب ~~مدينتهم وفاجئوهم بسيوفكم ، وباغتوهم بقتالكم إياهم ، فإذا فعلتم ذلك ~~أحرزتم النصر عليهم ، وأدركتم الفوز ، فإنه «ما غزى قوم في عقر دارهم إلا ذلوا». # قال صاحب الكشاف : فان قلت : من أين علما أنهم غالبون؟ قلت : من جهة ~~إخبار موسى بذلك. ومن جهة قوله تعالى ( @QUR@03 كتب الله لكم ). وقيل : من ~~جهة غلبة الظن وما تبينا من عادة الله في نصرة رسله ، وما عهدا من صنع الله ~~لموسى في قهر أعدائه ، وما عرفا من حال الجبابرة» (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@06 وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ) دعوة من ~~الرجلين المؤمنين لقومها ، بأن يكلوا أمورهم إلى خالقهم بعد مباشرة الأسباب ~~، وأن يعقدوا عزمهم على دخول الباب على أعدائهم ، إن كانوا مؤمنين حقا ، ~~فإن النصر يحتاج إلى تأييد ms1610 من الله تعالى لعباده ، وإلى توكل عليه وحده ، ~~وإلى عزيمة صادقة ، ومباشرة للأسباب التي توصل إليه. # ولكن هذه النصيحة الحكيمة من هذين الرجلين المؤمنين ، لم تصادف من بنى ~~إسرائيل قلوبا واعية ، ولا آذانا صاغية بل قابلوها بالتمرد والعناد وكرروا ~~لنبيهم موسى عليه السلام نفيهم القاطع للإقدام على دخول الأرض المقدسة مادام ~~الجبارون فيها فقالوا كما حكى القرآن عنهم : ( @QUR@09 يا موسى إنا لن ~~ندخلها أبدا ما داموا فيها ). # أى : قالوا غير عابئين بالنصيحة. بل معلنين العصيان والمخالفة : يا موسى ~~إنا لن ندخل PageV04P109 # هذه الأرض التي أمرتنا بدخولها في أى وقت من الأوقات ، مادام أولئك ~~الجبارون يقيمون فيها ، لأننا لا قدرة لنا على مواجهتهم. # وقد أكدوا امتناعهم عن دخول هذه الأرض في هذه المرة بثلاثة مؤكدات ، هي : ~~إن ، ولن ، وكلمة أبدا. # أى : لن ندخلها بأى حال من الأحوال مادام الجبارون على قيد الحياة ~~ويسكنون فيها. # ثم أضافوا إلى هذا القول الذي يدل على جبنهم وخورهم ، سلاطة في اللسان ، ~~وسوء أدب في التعبير ، وتطاولا على نبيهم فقالوا : ( @QUR@07 فاذهب أنت ~~وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ). # أى : إذا كان دخول هذه الأرض يهمك أمره ، فاذهب أنت وربك لقتال سكانها ~~الجبابرة وأخرجاهم منها لأنه سبحانه ليس ربا لهم في زعمهم إن كانت ربوبيته ~~تكلفهم قتال سكان تلك الأرض. # وقولهم : ( @QUR@03 إنا هاهنا قاعدون ) تأكيد منهم لعدم دخولهم لتلك ~~الأرض المقدسة. # أى : إنا ها هنا قاعدون في مكاننا لن نبرجه ، ولن نتقدم خطوة إلى الأمام ~~لأن كل مجد وخير يأتينا عن طريق قتال الجبارين فنحن في غنى عنه ، ولا رغبة ~~لنا فيه. # وإن هذا الوصف الذي وصفوا به أنفسهم ، ليدل على الخسة وسقوط الهمة ، لأن ~~القعود في وقت وجوب النشاط للعمل الصالح يؤدى بصاحبه إلى المذمة ، والمذلة ~~، قال تعالى ذما لأمثالهم : ( @QUR@015 ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ~~ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين ) (1). # قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله تعالى حكاية عنهم : ( @QUR@04 فاذهب أنت ~~وربك فقاتلا ) قالوا ذلك استهانة واستهزاء به سبحانه وبرسوله موسى وعدم ~~مبالاة. ms1611 وقصدوا ذهابهما حقيقة كما ينبئ عنه غاية جهلهم ، وقسوة قلوبهم ~~والمقابلة : ( @QUR@03 إنا هاهنا قاعدون ). # ولم يذكروا أخاه هارون ولا الرجلين اللذين قالا ، كأنهم لم يجزموا ~~بذهابهم ، أو يعبئوا بقتالهم وأرادوا بالقعود عدم التقدم لا عدم التأخر ثم ~~قصت علينا السورة الكريمة أن موسى عليه السلام بعد أن رأى من قومه ما رأى من ~~عناد وجبن ، لجأ إلى ربه يشكو إليه منهم ، يلتمس منه أن يفرق بينه وبينهم ، ~~فقال : ( @QUR@012 رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي ، فافرق بيننا وبين القوم ~~الفاسقين ). # أى : قال موسى باثا شكواه وحزنه إلى الله ، ومعتذرا إليه من فسوق قومه ~~وسفاهتهم PageV04P110 # وجبنهم : رب إنك تعلم أنى لا أملك لنصرة دينك أمر أحد ألزمه بطاعتك سوى ~~أمر نفسي ، وأمر أخى هارون ، ولا ثقة لي في غيرنا أن يطيعك في العسر واليسر ~~والمنشط والمكره. # ولم يذكر الرجلين اللذين قالا لقومهما فيما سبق ( @QUR@03 ادخلوا عليهم ~~الباب ) لعدم ثقته الكاملة في دخولهما معه أرض الجبارين ، وفي وقوفهما ~~بجانبه عند القتال إذا تخلى بقية القوم عنه فإن بعض الناس كثيرا ما يقدم ~~على القتال مع الجيش الكبير ، ولكنه قد يحجم إذا رأى أن عدد المجاهدين ~~قليل. ومن هنا لم يذكر أنه يملك أمر هذين الرجلين كما يملك أمر نفسه وأمر أخيه. # وصرح موسى عليه السلام بأنه يملك أمر أخيه هارون كما يملك أمر نفسه ، ~~لمؤازرته التامة له في كفاحه ظلم فرعون ، ولوقوفه إلى جانبه بعزيمة صادقة ~~في كل موطن من مواطن الشدة وليقينه بأنه مؤيد بروح من الله تعالى. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : أما كان معه الرجلان المذكوران؟ قلت كأنه لم ~~يثق بهما كل الوثوق ، ولم يطمئن إلى ثباتهما لما ذاق على طول الزمان واتصال ~~الصحبة من أحوال قومه ، وتلونهم وقسوة قلوبهم فلم يذكر إلا النبي المعصوم ~~الذي لا شبهة في أمره. ويجوز أن يكون قال ذلك لفرط ضجره عند ما سمع منهم ~~تقليلا لمن يوافقه. ويجوز أن يريد ومن يؤاخينى على ديني» (1). # هذا وقد ذكر النحويون وجوها من الإعراب لقوله ms1612 ( @QUR@01 وأخي ) منها : ~~أنه منصوب عطفا على قوله : ( @QUR@01 نفسي ) أى : ولا أملك إلا أخى مع ملكي ~~نفسي دون غيرهما. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ) بيان لما ~~يرجوه موسى من ربه عز وجل بعد أن خرج بنو إسرائيل عن طاعته. # والفاء هنا لترتيب الفرق والدعاء به على ما قبله. والفرق معناه الفصل بين شيئين. # والمعنى : قال موسى مخاطبا ربه : لقد علمت يا إلهى أنى لا أملك لنصرة ~~دينك إلا أمر نفسي وأمر أخى ، أما قومي فقد خرجوا عن طاعتي وفسقوا عن أمرك ~~ومادام هذا شأنهم فافصل بيننا وبينهم بقضائك العادل ، بأن تحكم لنا بما ~~نستحق ، وتحكم عليهم بما يستحقون فإنك أنت الحكم العدل بين العباد. # وهذا الرجاء من موسى لربه في معنى الدعاء عليهم بسبب جبنهم وعصيانهم وقد ~~أجاب الله تعالى دعاءه فيهم ، بأن أضلهم ظاهرا كما ضلوا باطنا وجاء الحكم ~~الفاصل ممن يملكه فقال تعالى : ( @QUR@014 قال فإنها محرمة عليهم أربعين ~~سنة يتيهون في الأرض ، فلا تأس على القوم الفاسقين ). PageV04P111 # وقوله : ( @QUR@01 يتيهون ) من التيه وهو الحيرة. يقال : تاه يتيه ويتوه ~~إذا تحير وضل الطريق. ووقع فلان في التيه. أى : في مواضع الحيرة. # وقوله : ( @QUR@02 فلا تأس ) أى : فلا تحزن عليهم من الأسى وهو الحزن. ~~يقال : أسى كتعب أى : حزن. فهو آس مثل حزين. وأسا على مصيبته من باب عدا أى ~~: حزن قال امرؤ القيس : # وقوفا بها صحبي على مطيهم %~% يقولون لا تهلك أسى وتجمل # أى : يقولون لا تهلك نفسك حزنا وتجمل بالصبر. # والمعنى : قال الله تعالى لنبيه موسى مجيبا لدعائه : يا موسى إن الأرض ~~المقدسة محرمة على هؤلاء الجبناء العصاة مدة أربعين سنة ، يسيرون خلالها في ~~الصحراء تائهين حيارى لا يستقيم لهم أمر ، ولا يستقر لهم قرار ، فلا تحزن ~~عليهم بسبب هذه العقوبة ؛ فإننا ما عاقبناهم بهذه العقوبة إلا بسبب خروجهم ~~عن طاعتنا ، وتمردهم على أوامرنا ، وجبنهم عن قتال أعدائنا ، وسوء أدبهم مع ~~أنبيائنا. # قال الآلوسى. قوله : ( @QUR@02 محرمة عليهم ) أى : لا يدخلونها ولا ~~يملكونها. والتحريم تحريم منع لا تحريم تعبد ، وجوز ms1613 أن يكون تحريم تعبد ~~والأول أظهر وقوله ( @QUR@02 أربعين سنة ) متعلق بقوله : محرمة فيكون ~~التحريم مؤقتا لا مؤبدا ، فلا يكون مخالفا لظاهر قوله تعالى ( @QUR@07 ~~ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ). والمراد بتحريمها عليهم أنه لا ~~يدخلها أحد منهم هذه المدة ، لكن لا بمعنى أن كلهم يدخلونها بعدها ، بل ~~بعضهم ممن بقي يجوز له دخولها فقد روى أن موسى سار بمن بقي من بنى إسرائيل ~~بعد انقضاء هذه المدة إلى الأرض المقدسة. # وقوله : ( @QUR@03 يتيهون في الأرض ) استئناف لبيان كيفية حرمانهم. وقيل ~~حال من ضمير ( @QUR@01 عليهم ). وقيل : الظرف متعلق بقوله : ( @QUR@01 ~~يتيهون ) فيكون التيه مؤقتا والتحريم مطلقا يحتمل التأبيد وعدمه» (1). # وقال الفخر الرازي : اختلف الناس في أن موسى وهارون عليهما السلام هل بقيا ~~في التيه أو لا؟ فقال قوم : إنهما ما كانا في التيه ؛ لأن موسى دعا الله أن ~~يفرق بينه وبين القوم الفاسقين ، ودعوات الأنبياء مجابة ، لأن التيه كان ~~عذابا والأنبياء لا يعذبون. # وقال آخرون : إنهما كانا مع القوم في ذلك التيه ، إلا أن الله تعالى سهل ~~عليهما ذلك العذاب كما سهل النار على إبراهيم فجعلها بردا وسلاما. وإنهما ~~قد ماتا في التيه وبقي يوشع بن PageV04P112 # نون وكان ابن أخت موسى ووصيه بعد موته وهو الذي فتح الأرض المقدسة بعد ~~انقضاء مدة التيه وقيل بل بقي موسى بعد ذلك وخرج من التيه وحارب الجبارين ~~وقهرهم وأخذ الأرض المقدسة» (1). # هذا ونرى من المناسب في هذا المقام أن نتعرض بشيء من التفصيل للمسائل ~~الآتية : # أولا : الرد على اليهود في دعواهم أن الأرض المقدسة فلسطين ملك لهم ~~مستندين إلى قوله تعالى : ( @QUR@07 ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله ~~لكم ) ثانيا : الحكمة في كون عقابهم أربعين سنة يتيهون في الأرض. # ثالثا : ما يؤخذ من هذه الآيات من العبر والعظات. # وللإجابة على المسألة الأولى نقول : للمفسرين أقوال في المراد من الكتابة ~~في قوله تعالى ( @QUR@07 ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ) أشهرها ~~قولان : # أولهما : أن معنى ( @QUR@03 كتب الله لكم ): أمركم بدخولها ، وفرضه ~~عليكم كما أمركم بالصلاة والزكاة فالكتب ms1614 هنا مثله في قوله تعالى ( @QUR@03 ~~كتب عليكم الصيام ): أى : فرض عليكم وهذا قول قتادة والسدى والثاني : أن ~~معنى ( @QUR@03 كتب الله لكم ) قدرها لكم وقضى أن تكون مساكن لكم دون ~~الجبارين. وهذا القضاء مشروط بالإيمان ، وطاعة الأنبياء ، والجهاد في سبيل ~~نصرة الحق ، فإذا لم يكونوا كذلك وهم لم يكونوا كذلك فعلا لم يتحقق لهم ~~التمكين في الأرض المقدسة ، ولذا بعد أن أغراهم نبيهم موسى عليه السلام ~~بدخولها ، حذرهم من الجبن والعصيان فقال لهم : ( @QUR@06 ولا ترتدوا على ~~أدباركم فتنقلبوا خاسرين ). # قال الآلوسى : «وترتيب الخيبة والخسران على الارتداد يدل على اشتراط ~~الكتب بالمجاهدة المترتبة على الإيمان قطعا» (2). # وقال ابن عباس : كانت هبة من الله لهم ثم حرمها سبحانه عليهم بشؤم تمردهم ~~وعصيانهم. # وقال الفخر الرازي : إن الوعد بقوله ( @QUR@03 كتب الله لكم ) مشروط بقيد ~~الطاعة فلما لم يوجد الشرط لا جرم لم يوجد المشروط» (3). PageV04P113 # والخلاصة أن الكتابة في قوله تعالى ( @QUR@03 كتب الله لكم ): إما أن ~~تكون تكليفية على معنى : أن الله تعالى كتب عليكم وفرض أن تدخلوها مجاهدين ~~مطيعين لنبيكم فإذا خالفتم ذلك حقت عليكم العقوبة. # وإما أن تكون كتابة قدرية. أى : قضى وقدر سبحانه أن تكون لكم متى آمنتم ~~وأطعتم. وبنو إسرائيل ما آمنوا وما أطاعوا ، بل كفروا وعصوا فحرمها سبحانه عليهم. # وبذلك ترى أن دعوى اليهود بأن الأرض المقدسة ملك لهم ، بدليل قوله تعالى ~~( @QUR@03 كتب الله لكم ) لا أساس لها من الصحة ولا يشهد لها عقل أو نقل. # وللإجابة عن المسألة الثانية نقول : اقتضت حكمة الله تعالى أن يجعل ~~عقوبته لقوم مناسبة لما اجترحوا من ذنوب وآثام وبنو إسرائيل لطول ما ألفوا ~~من ذل واستعباد ، هانت عليهم نعمة الحرية. وضعف عندهم الشعور بالعزة. ~~وأصبحت حياة الذلة مع القعود. أحب إليهم من حياة العزة مع الجهاد ولهذا عند ~~ما أمرهم نبيهم موسى عليه السلام بدخول الأرض المقدسة اعتذروا بشتى المعاذير ~~الواهية وأكدوا له عدم اقترابهم منها مادام الجبارون فيها : وقالوا : ( ~~@QUR@03 إنا هاهنا قاعدون ). # فاقتضت حكمة الله تعالى أن يحرمهم منها جزاء جبنهم وعصيانهم ms1615 وأن يعاقبهم ~~بما يشبه القعود ، بأن يحكم عليهم بالتيهان في بقعة محدودة من الأرض ، ~~يذهبون فيها ويجيئون وهم حيارى لا يعرفون لهم مقرا وأن يستمروا على تلك ~~الحالة أربعين سنة حتى ينشأ من بينهم جيل آخر سوى ذلك الجيل الذي استمرأ ~~الذل والهوان. # قال ابن خلدون في مقدمته .. ويظهر من مساق قوله تعالى ( @QUR@09 قال ~~فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ) ومن مفهومه : أن حكمة ذلك ~~التيه مقصودة ، وهي فناء الأجيال الذين خرجوا من قبضة الذل والقهر ، ~~وأفسدوا من عصبيتهم ، حتى نشأ في ذلك التيه جيل آخر عزيز لا يعرف القهر ولا ~~يسام بالمذلة. فنشأت لهم بذلك عصبية أخرى اقتدروا بها على المطالبة والتغلب ~~ويظهر لك من ذلك أن الأربعين سنة أقل ما يأتى فيها فناء جيل ونشأة جيل آخر. ~~فسبحان الحكيم العليم» (1). # هذا ولصاحب المنار كلام حسن في حكمة هذه العقوبة ، نرى من المناسب إثباته ~~هنا ، فقد قال رحمه الله في ختام تفسيره لهذه الآيات : # «إن الشعوب التي تنشأ في مهد الاستبداد ، والإحساس بالظلم والاضطهاد ، تفسد PageV04P114 # أخلاقها ، وتذل نفوسها. وإذا طال عليها أمد الظلم تصير هذه الأخلاق ~~موروثة ومكتسبة ، حتى تكون كالغرائز الفطرية. والطبائع الخلقية ، وإذا ~~أخرجت صاحبها من بيئتها ، ورفعت عن رقبته نيرها ، ألفيته ينزع بطبعه إليها ~~ويتفلت منك ليقتحم فيها ، وهذا شأن البشر في كل ما يألفونه ، ويجرون عليه ~~من خير وشر ، وإيمان وكفر. # أفسد ظلم فرعون فطرة بنى إسرائيل في مصر ، وطبع عليها بطابع المهانة ~~والذل. وقد أراهم الله تعالى من الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته وصدق ~~رسوله موسى عليه السلام وبين لهم أنه أخرجهم من مصر لينقذهم من الذل إلى ~~الحرية. ولكنهم كانوا مع هذا كله إذا أصابهم ضرر يتطيرون بموسى ، ويذكرون ~~مصر ويحنون إليها. # وكان الله تعالى يعلم أنهم لا تطاوعهم أنفسهم المهينة على دخول أرض ~~الجبارين ، وأن وعده تعالى لأجدادهم إنما يتم على وفق سنته في طبيعة ~~الاجتماع البشرى ، إذا هلك ذلك الجيل الذي نشأ في الوثنية والعبودية. ونشأ ~~بعده جيل جديد ms1616 في حرية البداوة ، وعدل الشريعة ، ونور الآيات الإلهية ، وما ~~كان الله ليهلك قوما بذنوبهم ، حتى يبين لهم حجته عليهم ، ليعلموا أنه لم ~~يظلمهم إنما يظلمون أنفسهم. # وعلى هذه السنة العادلة أمر الله تعالى بنى إسرائيل بدخول الأرض المقدسة ~~، فأبوا واستكبروا. فأخذهم الله بذنوبهم وأنشأ من بعدهم قوما آخرين. # فعلينا أن نعتبر بهذه الأمثال التي ضربها الله لنا ، وأن نعلم أن إصلاح ~~الأمم من بعد فسادها بالظلم والاستبداد إنما يكون بإنشاء جيل جديد جمع بين ~~حرية البداوة واستقلالها وعزتها ، وبين معرفة الشريعة والفضائل والعمل بها (1). # وللإجابة عن المسألة الثالثة وهي ما يؤخذ من هذه الآيات من عظات وعبر ~~نقول : إن هذه الآيات الكريمة قد اشتملت على لون حكيم في أسلوب الدعوة إلى ~~الله تعالى فقد بدأت بتذكير بنى إسرائيل بأمجادهم وبعظم نعم الله عليهم ، ~~لتغرس فيهم الشعور بالعزة ؛ ولتغريهم بالاستجابة لما أمر به سبحانه . # كما اشتملت على تحذيرهم من مغبة الجبن والمخالفة لأن ذلك يؤدى إلى ~~الخسران. # وفوق ذلك فقد صورت تصويرا معجزا طبيعة بنى إسرائيل على حقيقتها وكشفت عن ~~خور عزيمتهم ، وسقوط همتهم وسوء اختيارهم لأنفسهم .. بما جعلهم أهلا ~~للعقوبات الرادعة وفي كل ذلك تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما لحقه من ~~اليهود المعاصرين له من أذى ، وتحذير لهم من السير PageV04P115 # على طريقة آبائهم المعوجة ، حتى لا يعرضوا أنفسهم للعقوبات التي حلت ~~بأسلافهم. # قال الإمام ابن جرير : عند تفسيره للآيات الكريمة : وهذا أيضا من الله ~~تعالى تعريف لنبيه صلى الله عليه وسلم بتمادي هؤلاء اليهود في الغي ، وبعدهم ~~عن الحق ، وسوء اختيارهم لأنفسهم ، وشدة خلافهم لأنبيائهم وبطء إثابتهم إلى ~~الرشاد ، مع كثرة نعم الله عندهم ، وتتابع آياته وآلائه عليهم ، مسليا بذلك ~~نبيه صلى الله عليه وسلم عما ينزل به من مجادلاتهم في ذات الله ، يقول الله له ~~: لا تأس على ما أصابك منهم ، فإن الذهاب عن الله ، والبعد عن الحق ، وما ~~فيه من الحظ لهم في الدنيا والآخرة ، من عاداتهم وعادات أسلافهم ، وأوائلهم ~~، وتعز بما لاقى منهم أخوك موسى ms1617 عليه السلام (1). # وقال الإمام ابن كثير : وهذه القصة تضمنت تقريع اليهود ، وبيان فضائحهم ، ~~ومخالفتهم لله ولرسوله ، ونكولهم عن طاعتهما فيما أمرهم به من الجهاد ، ~~فضعفت أنفسهم عن مصابرة الأعداء ومجالدتهم ومقاتلتهم ، مع أن بين أظهرهم ~~كليم الله وصفيه من خلقه في ذلك الزمان. وهو يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم. ~~هذا مع ما شاهدوا من فعل الله بعدوهم فرعون من الغرق له ولجنوده في اليم ~~وهم ينظرون. لتقر به أعينهم وما بالعهد من قدم ثم ينكلون عن مقاتلة أهل بلد ~~هي بالنسبة إلى ديار مصر لا توازن عشر المعشار في عدة أهلها وعددهم. وظهرت ~~قبائح صنيعهم للخاص والعام وافتضحوا فضيحة لا يغطيها الليل ، ولا يسترها الذيل. # وقال رحمه الله قبل ذلك : وما أحسن ما أجاب به الصحابة رضى الله عنهم يوم ~~بدر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استشارهم في قتال قريش. فقد قالوا ~~فأحسنوا. # لقد قال المقداد : يا رسول الله ، إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل ~~لموسى ؛ ( @QUR@07 فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ) ولكن نقول لك ~~: «اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون» (2) كذلك يؤخذ من هذه القصة أن ~~معصية الله ورسله تؤدى إلى الخسران ، فإن بنى إسرائيل لما جبنوا عن دخول ~~الأرض المقدسة ، وعصوا أمر نبيهم ، عاقبهم الله بالتيه مدة أربعين سنة ، ~~صارت قصتهم عبرة للمعتبرين ، وموعظة للمتقين. # وبعد أن ساق سبحانه جوانب متعددة من أحوال أهل الكتاب وما جبلوا عليه من ~~أخلاق سيئة ، أتبع ذلك بقصة ابني آدم ، فقال تعالى : PageV04P116 # ( @QUR@024 واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من ~~أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين ~~(27) @QUR@016 لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني ~~أخاف الله رب العالمين (28) @QUR@013 إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون ~~من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين (29) @QUR@09 فطوعت له نفسه قتل أخيه ~~فقتله فأصبح من الخاسرين (30) @QUR@026 فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ~~ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ms1618 ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب ~~فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين (31) @QUR@040 من أجل ذلك كتبنا على بني ~~إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ~~ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن ~~كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون ) (32) # قال أبو حيان في البحر «مناسبة هذه الآيات لما قبلها ، هو أن الله لما ~~ذكر تمرد بنى إسرائيل وعصيانهم أمره في النهوض لقتال الجبارين ، أتبع ذلك ~~بذكر قصة ابني آدم وعصيان قابيل أمر الله ، وأنهم اقتفوا في العصيان أول ~~عاص لله وأنهم انتهوا في خور الطبيعة. وهلع النفوس PageV04P117 # والجبن والفزع إلى غاية بحيث قالوا لنبيهم الذي ظهرت على يديه خوارق ~~عظيمة ( @QUR@07 فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ) وانتهى قابيل ~~إلى طرف نقيض منهم من الجسارة والعتو بأن أقدم على أكبر المعاصي بعد الشرك ~~وهو قتل النفس التي حرم الله قتلها ، بحيث كان أول من سن القتل ، وكان عليه ~~وزره ووزر من عمل به إلى يوم القيامة. فاشتبهت القصتان من حيث الجبن عن ~~القتل والإقدام عليه. ومن حيث المعصية بهما وأيضا فتقدم قوله في أوائل ~~الآيات : # ( @QUR@07 إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ) وتبين ان عدم اتباع بنى ~~إسرائيل للنبي صلى الله عليه وسلم إنما سببه الحسد ، وقصة بنى آدم انطوت على ~~الحسد : وأن بسببه وقعت أول جريمة قتل على ظهر الأرض (1). # وقوله : ( @QUR@01 واتل ) من التلاوة. وأصل التلاوة القراءة المتتابعة ~~الواضحة في مخارج حروفها. وفي النطق بها. والمراد بابني آدم : ولداه وهما ~~قابيل وهابيل. # قال القرطبي : واختلف في ابني آدم. فقال الحسن البصري : ليسا من صلبه ~~كانا رجلين من بنى إسرائيل ضرب الله بهما المثل في إبانة حسد اليهود وكان ~~بينهما خصومة ، فتقربا بقربانين ، ولم تكن القرابين إلا في بنى إسرائيل قال ~~ابن عطية : وهذا وهم ، وكيف يجهل صورة الدفن أحد من بنى إسرائيل يقتدى ~~بالغراب؟ والصحيح أنهما ابناه لصلبه. هذا قول الجمهور من المفسرين وهما ~~قابيل ms1619 وهابيل (2). # والضمير في قوله : ( @QUR@01 عليهم ) يعود على بنى إسرائيل الذين سبق ~~الحديث عنهم. أو على جميع الذين أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم لهدايتهم ~~ويدخل فيه بنو إسرائيل دخولا أوليا ، لإعلامهم بما هو في كتبهم حيث وردت ~~هذه القصة في التوراة. # وقوله ( @QUR@01 بالحق ) متعلق بمحذوف وقع صفة لمصدر ( @QUR@01 اتل ) أى ~~: اتل عليهم تلاوة ملتبسة بالحق والصدق. والقربان : اسم لما يتقرب به إلى ~~الله تعالى من صدقة أو غيرها. ويطلق في أكثر الأحوال على الذبائح التي ~~يتقرب إلى الله بذبحها. # قال أبو حيان : وقد طول المفسرون في سبب تقريب هذا القربان من قابيل ~~وهابيل وملخصه : أن حواء كانت تلد في كل بطن ذكرا وأنثى ، وكان آدم يزوج ~~ذكر هذا البطن أنثى ذلك البطن الآخر. ولا يحل للذكر نكاح توأمته : فولد مع ~~قابيل أخت جميلة ، وولد مع هابيل أخت دون ذلك. فأبى قابيل إلا أن يتزوج ~~توأمته لا توأمة هابيل ، وأن يخالف سنة النكاح ونازع قابيل هابيل في ذلك ، ~~فاتفقا على أن يقدما قربانا فأيهما قبل قربانه تزوجها ، والقربان الذي PageV04P118 # قرباه هو زرع لقابيل وكان صاحب زرع وكبش لهابيل وكان صاحب غنم فتقبل من ~~أحدهما وهو هابيل ولم يتقبل من الآخر وهو قابيل. وكانت علامة التقبل أن ~~تأكل نار نازلة من السماء القربان المتقبل وتترك غير المتقبل (1). # والمعنى : واتل يا محمد على هؤلاء الحسدة من اليهود ، وعلى الناس جميعا ~~قصة قابيل وهابيل ، وقت أن قربا قربانا لله تعالى فتقبل الله عز وجل قربان ~~أحدهما وهو هابيل لصدقه وإخلاصه ، ولم يتقبل من الآخر وهو قابيل بسوء نيته ~~وعدم تقواه. # ثم حكى سبحانه ما دار بين الأخوين من حوار فقال : ( @QUR@02 قال لأقتلنك ~~) أى قال قابيل متوعدا أخاه هابيل : لأقتلنك بسبب قبول قربانك ، دون قرباني ~~، فأنت ترى أن هذا الأخ الظالم قد توعد أخاه بالقتل وهو من أكبر الكبائر. ~~دون أن يقيم للأخوة التي بينهما وزنا ودون أن يهتم بحرمة الدماء وبحق غيره ~~في الحياة والذي حمله على ذلك الحسد له على مزية القبول. # وقد ms1620 أكد تصميمه على قتله لأخيه بالقسم المطوى في الكلام والذي تدل عليه ~~اللام. ونون التوكيد الثقيلة أى والله لأقتلنك بسبب قبول قربانك. # وهنا يحكى القرآن الكريم مارد به الأخ البار التقى هابيل على أخيه الظالم ~~الحاسد قابيل ، فيقول : ( @QUR@05 إنما يتقبل الله من المتقين ). # أى : قال هابيل لقابيل ناصحا ومرشدا : إنما يتقبل الله الأعمال والصدقات ~~من عباده المتقين الذين يخشونه في السر والعلن ؛ وليس من سواهم من الظالمين ~~الحاسدين لغيرهم على ما آتاهم الله من نعم ، فعليك أن تكون من المتقين لكي ~~يقبل منك الله. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف كان قوله : ( @QUR@05 إنما يتقبل الله ~~من المتقين ) جوابا لقوله : ( @QUR@01 لأقتلنك )؟ قلت : لما كان الحسد ~~لأخيه على تقبل قربانه هو الذي حمله على توعده بالقتل قال له : إنما أتيت ~~من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى ، لا من قبلي ، فلم تقتلني؟ ومالك لا ~~تعاتب نفسك ولا تحملها على تقوى الله التي هي السبب في القبول؟ فأجابه ~~بكلام حكيم مختصر جامع لمعان. وفيه دليل على أن الله تعالى لا يقبل طاعة ~~إلا من مؤمن متق (2). # ثم انتقل الأخ التقى من وعظ أخيه بتطهير قلبه ، إلى تذكيره بحقوق الأخوة ~~وما تقتضيه من بر وتسامح فقال كما حكى القرآن عنه ( @QUR@09 لئن بسطت إلي ~~يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي # . PageV04P119 # @QUR@07 إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين ) وبسط اليد : مدها ~~والمراد هنا : مدها بالاعتداء. # والمعنى : لئن مددت إلى يا أخى يدك لتقتلني ظلما وحسدا ( @QUR@06 ما أنا ~~بباسط يدي إليك لأقتلك ) فإن القتل وخصوصا بين الأخوة جريمة منكرة ، تأباها ~~شرائع الله تعالى وتنفر منها العقول السليمة. # وإذا كان الأخ الظالم قابيل قد أكد تصميمه على قتل أخيه هابيل بجملة ~~قسمية وهي ( @QUR@01 لأقتلنك ) فإن هابيل قد أكد عدم قتله له بجملة قسمية ~~أيضا وهي ( @QUR@011 لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك ~~لأقتلك ). # فأنت ترى أن الجملة الكريمة تصور أكمل تصوير ما بين الأخيار والأشرار من تضاد. # قال الآلوسى : قيل كان هابيل أقوى من قابيل ms1621 ولكنه تحرج عن قتله واستسلم ~~له خوفا من الله تعالى لأن المدافعة لم تكن جائزة في ذلك الوقت ، وفي تلك ~~الشريعة. أو تحريا لما هو الأفضل والأكثر ثوابا وهو كونه مقتولا ، لا ~~قاتلا» (1). # وقوله : ( @QUR@05 إني أخاف الله رب العالمين ) جملة تعليلية مسوقة لبيان ~~سبب امتناع هابيل عن بسط يده إلى أخيه قابيل. # أى : إنى أخاف الله رب العالمين أن يراني باسطا يدي إليك بالقتل. وقد أكد ~~خوفه من الله تعالى بأن المؤكدة للقول ، وبذكره له سبحانه بلفظ الجلالة ، ~~المشعر بأنه هو وحده صاحب السلطان ، وبوصفه له عز وجل بأنه رب العالمين ، أى ~~: منشئ الكون ومن وما فيه ، وصاحب النعم التي لا تحصى على خلقه. # وفي هذه الجملة الكريمة إرشاد لقابيل لخشية الله على أتم وجه ، وتعريض ~~بأن القاتل لا يخاف الله. # ثم انتقل هابيل من وعظ أخيه بتطهير قلبه وبتذكيره بما تقتضيه الأخوة من ~~بر وتسامح إلى تخويفه من عقاب الآخرة فقال : ( @QUR@013 إني أريد أن تبوء ~~بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار ، وذلك جزاء الظالمين ): # وقوله : ( @QUR@04 أن تبوء بإثمي وإثمك )، أى ترجع. وتقر : من البوء وهو ~~الرجوع واللزوم ، يقال : باء إليه : أى : رجع ، وبؤت به إليه أى رجعت. # والآية الكريمة تعليل آخر لامتناعه عن بسط يده إلى أخيه ، ولم تعطف على ~~ما قبلها للإيذان باستقلالها في العلية ، ولدفع توهم أن تكون جزء علة لا ~~علة تامة. PageV04P120 # والمعنى : ( @QUR@02 إني أريد ) بامتناعى عن التعرض لك ببسط يدي ( ~~@QUR@04 أن تبوء بإثمي وإثمك ) أى : ترجع بإثم قتلك إياى ، وبإثمك الذي قد ~~كان منك قبل قتلى ، والذي بسببه لم يتقبل قربانك ( @QUR@01 فتكون ) بسبب ~~الإثمين ( @QUR@03 من أصحاب النار ) في الآخرة ( @QUR@01 وذلك ) أى : ~~كينونتك من أصحاب النار ( @QUR@02 جزاء الظالمين ) الذين ظلموا أنفسهم ~~وظلموا غيرهم. # قال الإمام الرازي : فإن قيل : كما لا يجوز للإنسان أن يريد من نفسه أن ~~يعصى الله ، فكذلك لا يجوز له أن يريد من غيره أن يعصى الله ، فلم قال : ( ~~@QUR@06 إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك )؟ # فالجواب : أن هذا الكلام إنما دار بينهما عند ms1622 ما غلب على ظن المقتول أنه ~~يريد قتله ، وكان ذلك قبل إقدام القاتل على إيقاع القتل به ، وكأنه لما ~~وعظه ونصحه قال له : وإن كنت لا تنزجر عن هذه الكبيرة بسبب هذه النصيحة فلا ~~بد وأن تترصد قتلى في وقت أكون غافلا عنك وعاجزا عن دفعك فحينئذ لا يمكنني ~~أن أدفعك عن قتلى إلا إذا قتلتك ابتداء بمجرد الظن والحسبان. وهذا منى ~~كبيرة ومعصية وإذا دار الأمر بين أن يكون فاعل هذه المعصية أنا ، وبين أن ~~يكون أنت ، فأنا أحب أن تحصل هذه الكبيرة لك لا لي. # ومن المعلوم أن إرادة صدور الذنب من الغير في هذه الحالة ، وعلى هذا ~~الشرط لا يكون حراما. ويجوز أن يكون المراد : إنى أريد أن تبوء بعقوبة ~~قتلى. ولا شك أنه يجوز للمظلوم أن يريد من الله عقاب ظالمه» (1). # وقال صاحب الانتصاف : فأما إرادته أى إرادة هابيل لإثم أخيه وعقوبته في ~~قوله تعالى ( @QUR@06 إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك ) فمعناه : إنى لا أريد ~~أن أقتلك فأعاقب. ولما لم يكن بد من إرادة أحد الأمرين إما إثمه بتقدير أن ~~يدفع عن نفسه فيقتل أخاه ، وإما إثم أخيه بتقدير أن يستسلم وكان غير مريد ~~للأول. اضطر إلى الثاني. # فهو لم يرد إذا إثم أخيه لعينه ، وإنما أراد أن الإثم هو بالمدافعة ~~المؤدية إلى القتل ولم تكن حينئذ مشروعة فلزم من ذلك إرادة إثم أخيه. وهذا ~~كما يتمنى الإنسان الشهادة. ومعناه أن يبوء الكافر بقتله وبما عليه في ذلك ~~من الإثم ، ولكن لم يقصد هو إثم الكافر لعينه ، وإنما أراد أن يبذل نفسه في ~~سبيل الله» (2). # وإلى هنا نرى. أن هابيل قد استعمل في صرف أخيه عن جريمة القتل وسائل ~~متنوعة فهو PageV04P121 # أولا أرشده إلى أن الله تعالى إنما يتقبل الأعمال من المتقين ، فإذا أراد ~~أن يتقبل قربانه فعليه أن يكون منهم. # وأرشده ثانيا إلى حقوق الأخوة وما تقتضيه من محبة ومودة وتسامح. # وأرشده ثالثا إلى أنه لا يمنعه من بسط يده إليه إلا الخوف من الله ms1623 رب ~~العالمين. # وأرشده رابعا إلى أن ارتكابه لجريمة القتل سيؤدي به إلى عذاب النار يوم ~~القيامة ، بسبب قتله لأخيه ظلما وحسدا. # فماذا كان وقع هذا النصح الحكيم ، والإرشاد القويم في نفس ذلك الإنسان ~~الحاسد الظالم؟ # لقد بين الله ذلك بقوله : ( @QUR@09 فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح ~~من الخاسرين ). # قال القرطبي : قوله ( @QUR@03 فطوعت له نفسه ): أى : سولت وسهلت نفسه له ~~الأمر. وشجعته وصورت له أن قتل أخيه طوع سهل. يقال : طاع الشيء يطوع أى : ~~سهل وانقاد. «وطوعه فلان له أى سهله» (1). # والمعنى : أن قابيل سهلت له نفسه وزينت له بعد هذه المواعظ ( @QUR@06 قتل ~~أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين ) في دنياه وفي أخراه. # أصبح من الخاسرين في دنياه لأنه قتل أخاه ، والأخ سند لأخيه وعون له ، ~~لما بينهما من رحم قوية ورابطة متينة. # وأصبح من الخاسرين في آخرته ، لأنه ارتكب جريمة من أكبر الجرائم وأشنعها ~~وقد توعد الله مرتكبها بالغضب واللعنة والعذاب العظيم. # والتعبير بقوله تعالى ( @QUR@01 فطوعت ) تعبير دقيق بليغ ، فإن هذه ~~الصيغة صيغة التفعيل تشير إلى أنه كانت هناك بواعث متعددة تتجاذب نفسه ، ~~كانت هناك بواعث الشر التي تدعوه إلى الاقدام على قتله ، ودوافع الخير التي ~~تمنعه من الإقدام على قتل أخيه ، وأخيرا تغلبت دوافع الشر على دوافع الخير ~~فقتل أخاه. # وقد صور الإمام الرازي هذا المعنى تصويرا حسنا فقال : # قال المفسرون : فطوعت ، أى : سهلت له نفسه قتل أخيه ، وتحقيق الكلام أن ~~الإنسان إذا تصور القتل العمد العدوان وكونه من أعظم الكبائر فهذا الاعتقاد ~~يصير صارفا له عن فعله فيكون هذا الفعل كالشىء العاصي المتمرد عليه الذي لا ~~يطيعه بوجه ألبتة. فإذا أوردت النفس PageV04P122 # أنواع وساوسها ، صار هذا الفعل سهلا عليه ، فكأن النفس جعلت بوساوسها ~~العجيبة هذا الفعل كالمطيع له ، بعد أن كان كالعاصى المتمرد عليه ، فهذا هو ~~المراد بقوله : ( @QUR@05 فطوعت له نفسه قتل أخيه ) (1). # هذا ، والآية الكريمة بعد كل ذلك ، تشير إلى شناعة الجريمة في ذاتها من ~~حيث الباعث عليها ، إذ الباعث عليها هو الحسد ومن حيث الصلة بين ms1624 القاتل ~~والمقتول إذ هي صلة أخوة تقتضي المحبة والمودة والتراحم ومن حيث ذات الفعل ~~فإنه أكبر جريمة بعد الإشراك بالله تعالى . # قال الآلوسى : أخرج الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود رضى الله عنه قال : قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول ~~كفل من دمها. لأنه أول من سن القتل» وأخرج ابن جرير والبيهقي في شعب ~~الإيمان عن ابن عمر رضى الله عنه قال : «إنا لنجد ابن آدم القاتل ، يقاسم ~~أهل النار العذاب. عليه شطر عذابهم» (2). # ثم حكى القرآن بعض ما حدث بعد قتل الأخ أخاه فقال : ( @QUR@026 فبعث الله ~~غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون ~~مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين ). # وقوله : ( @QUR@01 فبعث ) من البعث بمعنى الإرسال. وهو هنا مستعمل في ~~الإلهام بالطير إلى ذلك المكان بحيث يراه قابيل. # والغراب : طائر معروف. قالوا : والحكمة في كونه المبعوث دون غيره من ~~الطيور أو الحيوان ، لأنه يتشاءم به في الفراق والاغتراب. أو لأن من عادة ~~الغراب دفن الأشياء. # وقوله : ( @QUR@03 يبحث في الأرض ) أى : ينبش التراب بمنقاره ورجليه بحيث ~~يستخرجه من الأرض ، ليعمل ما يشبه الحفرة. # والتعبير بالمضارع ، للإشارة إلى أن البحث قد مكث وقتا ، وكان مجال ~~استمرار. # وقوله : ( @QUR@01 ليريه ) إما متعلق بقوله ( @QUR@01 فبعث ) فيكون ~~الضمير في الفعل لله تعالى أو متعلق بقوله : ( @QUR@01 يبحث ) فيكون الضمير ~~للغراب. # قال القرطبي : قال مجاهد : بعث الله غرابين فاقتتلا حتى قتل أحدهما الآخر ~~ثم حفر فدفنه فتعلم قابيل ذلك من الغراب وكان ابن آدم هذا أول من قتل. وقيل ~~إن الغراب PageV04P123 # بحث الأرض على طعمه أى : أكله ليخفيه إلى وقت الحاجة إليه ، لأن عادة ~~الغراب فعل ذلك ، فتنبه قابيل بذلك على مواراة أخيه» (1). # «والسوءة» ما تسوء رؤيته من الجسد ، والمراد بها هنا : جميع جسد الميت ~~وقيل : المراد بها العورة ، لأنها تسوء ناظرها. وخصت بالذكر مع أن المراد ~~مواراة جميع الجسد للاهتمام بها ، لأن سترها آكد. # وهذه الآية ms1625 الكريمة مرتبطة بكلام يسبقها لم يذكره القرآن الكريم لفهمه من ~~السياق. # والتقدير : أن القاتل بعد أن ارتكب جريمته. ورأى جثة أخيه أمامه ملقاة في ~~العراء. تحير ماذا يفعل فيها حتى لا يتركها عرضة لنهش السباع والطيور. ( ~~@QUR@04 فبعث الله غرابا يبحث ) أى : يحفر وينبش بمنقاره ورجليه متعمقا ( ~~@QUR@03 في الأرض ليريه ) أى : ليعلم ذلك القاتل ويعرفه ( @QUR@04 كيف ~~يواري سوأة أخيه ) أى : كيف يستر في التراب جسم أخيه بعد أن فارقته الحياة ~~، وأصبح عرضة للتغير والتعفن. # وقوله تعالى ( @QUR@012 قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب ~~فأواري سوأة أخي ) بيان لما اعترى هذا القاتل من تحسر وندم. # وكلمة ( @QUR@02 يا ويلتى ) أصلها : يا ويلتى. وهي كلمة جزع وتحسر. ~~تستعمل عند وقوع المصيبة العظيمة كأن المتحسر ينادى ويلته ويطلب حضورها ، ~~بعد تنزيلها منزلة من ينادى. ولا يكون ذلك إلا في أشد الأحوال ألما ، ~~والويلة كالويل : ومعناهما الفضيحة والبلية والهلاك. # أى : قال القاتل لأخيه ظلما وحسدا بجزع وحسرة بعد أن أرى غرابا يحفر حفرة ~~ليدفن فيها شيئا قال ( @QUR@02 يا ويلتى ) أى : يا فضحيتى وبليتى أقبلى ~~فهذا وقتك ، لأنى قد نزلت بي أسبابك. # وقوله : ( @QUR@09 أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي ) أى : ~~أضعفت عن الحيلة التي تجعلني مثل هذا الغراب فأستر جسد أخى في التراب كما ~~دفن الغراب بمنقاره ورجليه في الأرض ما أراد دفنه؟! والاستفهام في ( ~~@QUR@01 أعجزت ) للتعجب من عدم اهتدائه إلى ما اهتدى إليه الغراب ، مع أنه ~~إنسان فيه عقل ، والغراب طائر من أخس الطيور. # وقوله : ( @QUR@01 فأواري ) معطوف على قوله : ( @QUR@02 أن أكون ). # وقوله : ( @QUR@03 فأصبح من النادمين )، تذييل قصد به بيان ما أصاب ~~قابيل بعد أن قتل أخاه عدوانا وحسدا ، ولم يعرف كيف يستر جثته إلا من ~~الغراب. PageV04P124 # والندم : أسف الفاعل على فعل صدر منه. # قال الراغب : الندم والندامة التحسر من تغير رأى في أمر فائت. قال تعالى ~~: ( @QUR@03 فأصبح من النادمين ). وأصله من منادمة الحزن له وملازمته ~~إياه» (1). # والمعنى : فأصبح قابيل الذي قتل أخاه هابيل بغيا وحسدا من النادمين على ~~ما اقترف من ms1626 فواحش تدل على جهله ، وبغيه ، وتمكن الحقد من نفسه. # قال صاحب المنار : والندم الذي ندمه قابيل هو ما يعرض لكل إنسان عقب ما ~~يصدر عنه من الخطأ في فعل إذا ظهر له أن فعله كان شرا له لا خيرا. وقد يكون ~~الندم توبة إذا كان سببه الخوف من الله ، والتألم من تعدى حدوده ، وهذا هو ~~المراد بحديث «الندم توبة» رواه أحمد والبخاري في تاريخه والحاكم والبيهقي. # وأما الندم الطبيعي الذي أشرنا إليه فلا يعد وحده توبة. وفي حديث ابن ~~مسعود في الصحيحين مرفوعا : «لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم كفل أى ~~نصيب من دمها ؛ لأنه أول من سن القتل» (2). # ثم بين سبحانه بعد أن ساق ما جرى بين ابني آدم ما شرعه من شرائع تردع ~~المعتدى ، وتبشر التقى فقال تعالى : ( @QUR@027 من أجل ذلك كتبنا على بني ~~إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ~~، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ). # وأصل معنى الأجل : الجناية التي يخشى منها آجلا. يقال : أجل الرجل على ~~أهله شرا يأجله بضم الجيم وكسرها أجلا إذا جناه أو أثاره وهيجه ، ثم استعمل ~~في تعليل الجنايات كما في قولهم : من أجلك فعلت كذا. أى بسببك ، ثم اتسع ~~فيه فاستعمل في كل تعليل. # والجار والمجرور ( @QUR@02 من أجل ) متعلق بالفعل ( @QUR@01 كتبنا ) واسم ~~الإشارة ( @QUR@01 ذلك ) يعود إلى ما ذكر في تضاعيف قصة ابن آدم من أنواع ~~المفاسد المترتبة على هذا القتل الحرام. # والمعنى : بسبب قتل قابيل لأخيه هابيل حسدا وظلما ، ومن أجل ما يترتب على ~~القتل بغير حق من مفاسد ( @QUR@01 كتبنا ) أى فرضنا وأوجبنا ( @QUR@03 على ~~بني إسرائيل ) في التوراة ما يردع المعتدى وما يبشر المتقى. # قال الجمل : قال بعضهم : إن قوله : ( @QUR@03 من أجل ذلك ) من تمام ~~الكلام الذي قبله أى أنه PageV04P125 # متعلق بقوله : ( @QUR@03 فأصبح من النادمين ) والمعنى : فأصبح من ~~النادمين من أجل ذلك. يعنى من أجل أنه قتل أخاه هابيل ولم يواره ، ويروى عن ~~نافع أنه كان يقف على قوله ms1627 : من أجل ذلك ويجعله من تمام الكلام الأول ، ~~ولكن جمهور المفسرين وأصحاب المعاني على أن قوله ( @QUR@03 من أجل ذلك ) ~~ابتداء كلام متعلق بقوله ( @QUR@01 كتبنا ) فلا يوقف عليه (1). # و ( @QUR@01 من ) هنا للسببية. أى : بسبب هذه الجناية شرعنا ما شرعنا من ~~أحكام لدفع الشر وإشاعة الخير. # وعبر سبحانه عن السببية. بمن لبيان الابتداء في الحكم. وأنه اقترن بوقوع ~~تلك الجريمة النكراء التي ستكون آثارها سيئة إذا لم تشرع الأحكام لمنعها. # وقدم الجار والمجرور على ما تعلق به وهو ( @QUR@01 كتبنا ) لإفادة الحصر ~~أى : من ذلك ابتدئ الكتب ومنه نشأ لا من شيء آخر. # وعبر سبحانه بقوله ( @QUR@01 كتبنا ) للإشارة إلى أن الأحكام التي كتبها ~~، قد سجلت بحيث لا تقبل المحو أو التبديل ، بل من الواجب على الناس أن ~~يلتزموا بها ، ولا يفرطوا في شيء منها. # وخص بنو إسرائيل بالذكر مع أن الحكم عام لأنهم أول أمة نزل الوعيد عليهم ~~في قتل الأنفس مكتوبا ، وكان قبل ذلك قولا مطلقا ، ولأنهم أكثر الناس سفكا ~~للدماء ، وقتلا للمصلحين ، فقد قتلوا كثيرا من الأنبياء ، كما قتلوا أكثر ~~المرشدين والناصحين ، ولأن الأسباب التي أدت إلى قتل قابيل لهابيل من أهمها ~~الحسد ، وهو رذيلة معروفة فيهم ، فقد حملهم حسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم ~~على الكفر به مع أنهم يعرفون صدقه كما يعرفون أبناءهم ، كما حملهم على ~~محاولة قتله ولكن الله تعالى نجاه من شرورهم. # وما أشبههم في قتلهم للذين يأمرونهم بالخير بقابيل الذي قتل أخاه هابيل ؛ ~~لأنه أرشده إلى ما يصلحه. # وقوله تعالى : ( @QUR@020 أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض ~~فكأنما قتل الناس جميعا ، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) بيان لما ~~كتبه سبحانه من أحكام تسعد الناس متى اتبعوها. # والمعنى : بسبب قتل قابيل لأخيه هابيل ظلما وعدوانا ، كتبنا في التوراة ~~على بنى إسرائيل ( @QUR@01 أنه ) أى : الحال والشأن ( @QUR@03 من قتل نفسا ~~) واحدة من النفوس الإنسانية ( @QUR@02 بغير نفس ). # أى : بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص منه ( @QUR@04 أو فساد في الأرض ) أى : ~~أو بغير فساد في PageV04P126 # الأرض يوجب إهدار ms1628 الدم كالردة وزنا المحصن ( @QUR@04 فكأنما قتل الناس ~~جميعا ) لأن الذي يقتل نفسا بغير حق ، يكون قد استباح دما مصونا قد حماه ~~الإسلام بشرائعه وأحكامه ، ومن استباح هذا الدم في نفس واحدة ، فكأنه قد ~~استباحه في نفوس الناس جميعا ، إذ النفس الواحدة تمثل النوع الإنسانى كله. ~~( @QUR@06 ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) أى : ومن تسبب في إحيائها ~~وصيانتها من العدوان عليها ، كأن استنقذها مما يؤدى بها إلى الهلاك والأذى ~~الشديد ، أو مكن الحاكم من إقامة الحد على قاتلها بغير حق ، من فعل ذلك ~~فكأنما تسبب في إحياء الناس جميعا. # وفي هذه الجملة الكريمة أسمى ألوان الترغيب في صيانة الدماء ، وحفظ ~~النفوس من العدوان عليها ، حيث شبه سبحانه قتل النفس الواحدة بقتل الناس ~~جميعا ، وإحياءها بإحياء الناس جميعا. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف شبه الواحد بالجميع ، وجعل حكمه كحكمهم؟ ~~قلت : لأن كل إنسان يدلى بما يدلى به الآخر من الكرامة على الله ، وثبوت ~~الحرمة. فإذا قتل فقد أهين ما كرم على الله وهتكت حرمته ، وعلى العكس. فلا ~~فرق إذا بين الواحد والجميع في ذلك. # فإن قلت : فما الفائدة في ذكر ذلك؟ قلت : تعظيم قتل النفس وإحيائها في ~~القلوب وليشمئز الناس عن الجسارة عليها ، ويتراغبوا في المحاماة على حرمتها ~~، لأن المتعرض لقتل النفس إذا تصور قتلها بصورة قتل الناس جميعا ، عظم ذلك ~~عليه فثبطه عن القتل وكذلك الذي أراد إحياءها (1)». # وقال الإمام ابن كثير : قال الحسن وقتادة في قوله تعالى ( @QUR@04 أنه من ~~قتل نفسا ).. إلخ. هذا تعظيم لتعاطى القتل. قال قتادة : عظيم والله وزرها ~~، وعظيم والله أجرها. وقيل للحسن : هذه الآية لنا كما كانت لبنى إسرائيل؟ ~~فقال : إى والذي لا إله غيره هي لنا كما كانت لهم. وما جعل سبحانه دماءهم ~~أكرم من دمائنا (2). # وعلى هذا التفسير الذي سرنا عليه يكون المراد بالنفس في قوله ( @QUR@04 ~~أنه من قتل نفسا ): العموم أى : نفسا يحرم قتلها من بنى الإنسان. # وبعضهم يرى أن المراد نفس الامام العادل ، لأن القتل في هذه الحالة يؤدى ~~إلى اضطراب ms1629 أحوال الجماعة ، وإشاعة الفتنة فيها. قال القرطبي : روى عن ابن ~~عباس أنه قال : المعنى : PageV04P127 # من قتل نبيا أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياه بأن شد عضده ~~ونصره ، فكأنما أحيا الناس جميعا» (1). # ويبدو لنا أن تفسير النفس بالعموم أولى ، لأنه هو الذي عليه جمهور ~~العلماء ، ولأنه أدعى لحفظ الدماء الإنسانية ، وإعطائها ما تستحقه من صيانة ~~واحترام. # وقوله. ( @QUR@02 بغير نفس ) متعلق بالفعل قبله وهو (قتل). وقوله ( ~~@QUR@02 أو فساد ) مجرور عطفا على نفس المجرورة بإضافه غير إليها. # و «ما» في قوله ( @QUR@01 فكأنما ) كافة مهيئة لوقوع الفعل بعدها. # وقوله تعالى : ( @QUR@013 ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم ~~بعد ذلك في الأرض لمسرفون ) بيان لموقف بنى إسرائيل القبيح مما جاءهم من ~~هدايات على أيدى أنبيائهم ومرشديهم. # أى : ولقد جاءت رسلنا لبنى إسرائيل بالآيات البينات ، والمعجزات الواضحات ~~، ( @QUR@06 ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك ) أى : بعد الذي كتبناه عليهم من ~~شرائع ، وبعد مجيء الرسل إليهم بالبينات ( @QUR@03 في الأرض لمسرفون ) أى : ~~لمجاوزون الحد في ارتكاب المعاصي والآثام ، إذ الإسراف مجاوزة حدود الحق ~~والعدل بدون مبالاة أو اهتمام بهما. وأكد سبحانه جملة ( @QUR@03 ولقد ~~جاءتهم رسلنا ) بالقسم ، لكمال العناية بمضمونها ، ولبيان أن الرسل ~~عليهم السلام ما قصروا في إرشاد بنى إسرائيل إلى ما يسعدهم ويهديهم ، فقد ~~جاءوهم بالشرائع البينة الواضحة التي تحمل في نفسها دليل صلاحها. والتعبير ~~«بجاءتهم» يشير إلى أن الرسل عليهم السلام وصلوا إليهم ، وصاروا قريبين منهم ~~، بحيث يرونهم ويخاطبونهم ولا يتركون أمرا يهمهم إلا بينوه لهم. # وجملة ( @QUR@04 ثم إن كثيرا منهم ) معطوفة على جملة ( @QUR@02 ولقد ~~جاءتهم ). # وكان العطف «بثم» المفيدة هنا للتراخي في الرتبة ، للإشارة إلى الفرق ~~الشاسع بين ما جاءتهم به الرسل من بينات وهدايات ، وبينات وهدايات ، وبين ~~ما كان عليه بنو إسرائيل من جحود وعناد وإفساد في الأرض. # واسم الإشارة «ذلك» يعود إلى المذكور من مجيء الرسل إليهم بالبينات ومن ~~كتابة الشرائع عليهم. وفي وصف الكثيرين من بنى إسرائيل بالإسراف احتراس في ~~الحكم ، وإنصاف للقلة التي آمنت منهم ، وهذا من عدالة ms1630 القرآن الكريم في ~~أحكامه ، ودقته في تعبيراته. # وذكر سبحانه أن إسراف الكثيرين منهم ( @QUR@02 في الأرض ) مع أنه لا يكون ~~إلا فيها ، للإيذان بأن فسادهم وإسرافهم في القتل والمعاصي لم يكن فيما ~~بينهم فحسب ، بل انتشر شره في PageV04P128 # الأرض ، وسرى إلى غيرهم من سكانها المنتشرين فيها. وبذلك نرى أن هذه ~~الآيات الكريمة قد حكت لنا ما دار بين ابني آدم من محاورات أدت إلى قتل ~~أحدهما للآخر ظلما وحسدا ، إذ الحسد يأكل القلوب ، ويشعلها بالشر كما تشتعل ~~النار في الحطب ، وبسببه ارتكبت أول جريمة قتل على ظهر الأرض ، وبسببه كانت ~~أكثر الجرائم في كل زمان ومكان .. كما حكت لنا أن بنى إسرائيل مع علمهم ~~بشناعة جريمة القتل قد أسرفوا في قتل الأنبياء والمصلحين مما يدل على قسوة ~~قلوبهم ، وفي كل ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه عما كانوا ~~يلاقونه من اليهود المعاصرين لهم من عناد ومكر وأذى. # وبعد أن ذكر سبحانه تغليظ الإثم في قتل النفس بغير حق ، وتعظيم الأجر لمن ~~عمل على إحيائها ، أتبع ذلك ببيان الفساد المبيح للقتل ، فقال تعالى : # ( @QUR@034 إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ~~أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك ~~لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (33) @QUR@013 إلا الذين تابوا ~~من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم ) (34) # قال ابن جرير : اختلف أهل التأويل فيمن نزلت هذه الآية؟ فقال بعضهم : ~~نزلت في قوم من أهل الكتاب كانوا أهل موادعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فنقضوا العهد ، وأفسدوا في الأرض ، فعرف الله نبيه الحكم فيهم ... # وقال آخرون : نزلت في قوم من المشركين. # وقال آخرون : بل نزلت في قوم من عرينة وعكل بضم العين وسكون الكاف ارتدوا ~~عن الإسلام ، وحاربوا الله ورسوله ، فعن أنس أن رهطا من عكل وعرينة أتوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله إنا أهل ضرع ، ولم نكن أهل ~~ريف ، وإنا استوخمنا المدينة ms1631 أى : وجدناها PageV04P129 # رديئة المناخ فأمر لهم النبي صلى الله عليه وسلم بذود وراع أى : بعدد من ~~الإبل ومعهم راع ، وأمرهم أن يخرجوا بها ، فيشربوا من ألبانها وأبوالها ، ~~فقتلوا الراعي ، واستاقوا الذود ، وكفروا بعد إسلامهم ، فأتى بهم إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقطع أيديهم وأرجلهم ، وسمل أعينهم ، وتركهم في الحرة حتى ~~ماتوا ، فذكر لنا أن هذه الآية نزلت فيهم. # ثم قال ابن جرير : وأولى الأقوال في ذلك عندي أن يقال : أنزل الله هذه ~~الآية على نبيه صلى الله عليه وسلم : لمعرفة حكمه على من حارب الله ورسوله ، ~~وسعى في الأرض فسادا ، بعد الذي كان من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالعرنيين» (1). # والذي يراه ابن جرير أولى هو الذي تطمئن إليه النفس ، فإن الآية الكريمة ~~تبين عقاب قطاع الطرق الذين يحاربون النظام القائم للأمة ، ويرتكبون جرائم ~~القتل والنهب والسلب والسرقة سواء أكانوا من المشركين أم من غيرهم؟ إذ ~~العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. # وقوله : سبحانه ( @QUR@01 يحاربون ) من المحاربة. والمحاربة : مفاعلة من ~~الحرب وهي ضد السلم ، والأصل في معنى كلمة الحرب : الأخذ والسلب. يقال : ~~حربه ، إذا سلبه ماله ، والمراد بالمحاربة هنا : قطع الطريق على الآمنين ~~بالاعتداء عليهم بالقتل أو السلب أو ما يشبه ذلك من الجرائم التي حرمها ~~الله تعالى : # ومحاربة الناس لله تعالى على وجه الحقيقة غير ممكنة ، لتنزهه سبحانه عن ~~أن يكون من الجواهر والأجسام التي تقاتل ؛ ولأن ، المحاربة تستلزم أن يكون ~~كل من المتحاربين في وجهة ومكان والله منزه عن ذلك ، فيكون التعبير مجازا ~~عن المخالفة لشرع الله ، وارتكاب ما يغضبه أو المعنى : يحاربون أولياء الله ~~وأولياء رسوله وهم المسلمون ؛ فيكون الكلام على تقدير حذف مضاف. # وصدر سبحانه الآية بلفظ إنما المفيد للقصر ، لتأكيد العقاب ، ولبيان أنه ~~عقاب لا هوادة فيه ، لأنه حد من حدود الله تعالى على تلك الجريمة النكراء ~~التي تقوض بنيان الجماعة ، وتهدم أمنها ، وتزلزل كيانها ، وتبعث الرعب ~~والخوف في نفوس أفرادها. # وعبر سبحانه عمن يحارب أولياءه وشرعه بأنهم محاربون له ولرسوله لزيادة ms1632 ~~التشنيع عليهم ، ولبيان أن كل من يهدد أمن المسلمين ويعتدى عليهم يكون ~~محاربا لله ولرسوله ومستحقا لغضبه سبحانه وعقوبته. # وقوله : ( @QUR@04 ويسعون في الأرض فسادا ) معطوف على قوله ( @QUR@01 ~~يحاربون ). PageV04P130 # وقوله : ( @QUR@01 ويسعون ) من السعى وهو الحركة السريعة المستمرة. # والفساد : ضد الصلاح. فكل ما خرج عن وضعه الذي يكون به صالحا نافعا ، ~~يقال إنه قد فسد. والسعى في الأرض بالفساد المراد به هنا : قطع الطريق على ~~الناس ، وتهديد أمنهم ، والتعرض لهم بالأذى في أنفسهم أو أموالهم أو ~~أعراضهم. # وقوله : ( @QUR@01 فسادا ) مفعول لأجله أى : يحاربون ويسعون لأجل الفساد. ~~أو هو حال من فاعل ( @QUR@01 يسعون ) بتأويله بمفسدين ، أو ذوى فساد. # وقوله : أن يقتلوا أو يصلبوا إلخ. خبر عن المبتدأ الذي هو ( @QUR@01 جزاء ~~) والمعنى : ( @QUR@02 إنما جزاء ) أى : عقاب ( @QUR@04 الذين يحاربون الله ~~ورسوله ) أى : يخالفونهما ويعصون أمرهما ، ويعتدون على أوليائهما ( @QUR@04 ~~ويسعون في الأرض فسادا ) أى : يعملون بسرعة ونشاط في الأرض لا من أجل ~~الإصلاح وإنما من أجل الإفساد فيها عن طريق تهديد أمن الناس ، والاعتداء ~~على أموالهم وأنفسهم. جزاء هؤلاء ( @QUR@02 أن يقتلوا ) والتقتيل هو القتل ~~، إلا أنه ذكر بصيغة التضعيف لإفادة الشدة في القتل وعدم التهاون في إيقاعه ~~عليهم لكونه حق الشرع وللإشارة إلى الاستمرار في قتلهم ماداموا مستمرين في ~~الجريمة فكلما كان منهم قتل قتلوا. # ( @QUR@02 أو يصلبوا ) والتصليب : وضع الجاني الذي يراد قتله مشدودا على ~~مكان مرتفع بحيث يرى بعد القتل ليكون عبرة لغيره ، وردعا له عن ارتكاب ~~المعاصي والجرائم. قالوا : ويكون الصلب لمدة ثلاثة أيام وقيل : لمدة يوم ~~واحد. وجيء هنا أيضا بصيغة التضعيف لإفادة التشديد في تنفيذ هذه العقوبة ~~وإثبات أنه لا هوادة فيها. # ( @QUR@06 أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ) أى : تقطع مختلفة ، فقوله ( ~~@QUR@02 من خلاف ) حال من أيديهم وأرجلهم أى : لا تكون اليد والرجل ~~المقطوعتان من جانب واحد بل تكونان من جانبين مختلفين. # ( @QUR@04 أو ينفوا من الأرض ) أى ، يطردوا من الأرض التي اتفقوا فيها ~~على الإجرام إلى أرض أخرى ليتشتت شملهم ، ويتفرق جمعهم ، مع مراقبتهم ~~والتضييق عليهم. وفسر بعضهم النفي بالحبس في السجون ms1633 ، لأن فيه إبعادا لهم ~~وتفريقا لجمعهم. # واسم الإشارة في قوله تعالى ( @QUR@05 ذلك لهم خزي في الدنيا ) يعود إلى ~~العقاب المذكور في الآية من القتل والصلب .. إلخ. # والخزي : الذل والفضيحة أى ذلك العقاب المذكور ( @QUR@04 لهم خزي في ~~الدنيا ) أى : ذل وفضيحة وعار عليهم ، لأنه كشف أمرهم ، وهتك سترهم ، ~~وجعلهم عبرة لغيرهم. PageV04P131 # هذا هو عقاب الدنيا أما عقاب الآخرة فقد بينه سبحانه بقوله : ( @QUR@05 ~~ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) أى : لهم في الآخرة عذاب عظيم في شدته وآلامه ~~جزاء ما اقترفوا من جرائم. # وقوله : ( @QUR@013 إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن ~~الله غفور رحيم ) بيان لحكم هؤلاء المحاربين إذا ما تابوا قبل القدرة عليهم. # أى نفذوا أيها المسلمون هذه العقوبات على هؤلاء المحاربين لأولياء الله ~~وأولياء رسوله ، والساعين في الأرض بالفساد ماداموا مستمرين في غيهم ~~وعدوانهم ( @QUR@03 إلا الذين تابوا ) منهم ( @QUR@05 من قبل أن تقدروا ~~عليهم ) أى : من قبل أن تتمكنوا من أخذهم ، بأن أتوكم طائعين نادمين ، ( ~~@QUR@05 فاعلموا أن الله غفور رحيم ) أى واسع المغفرة والرحمة بعباده. # هذا وهناك مسائل تتعلق بهاتين الآيتين من أهمها ما يأتى : # 1 احتج بعموم هذه الآية جمهور العلماء في أن المحاربة في الأمصار وفي ~~القرى وفي الصحراء على السواء ، فحيثما تحققت إخافة المسلمين ، كان ~~الفاعلون لتلك الإخافة محاربين لله ولرسوله ويجب إنزال العقاب بهم ، لقوله ~~تعالى ( @QUR@04 ويسعون في الأرض فسادا ) وكل هذه الأماكن من الأرض. وعلى ~~هذا الرأى سار الإمام مالك والشافعى وأحمد وغيرهم. # ويرى الإمام أبو حنيفة أن قطع الطريق لا يتصور في داخل المصر ، إذ يمكن ~~الإغاثة عند الاستغاثة ويد السلطان مبسوطة في داخل الأمصار والقرى وإنما ~~يتصور قطع الطريق في الصحراء وخارج المدن والقرى. # والذي نراه متفقا مع الآية الكريمة أنه حيثما تحقق الوصف وهو محاربة ~~الآمنين ؛ واستلاب أموالهم ، والاعتداء على أرواحهم كانت الحرابة ، ولزمت ~~العقوبة التي تردع هؤلاء المعتدين على أموال الناس وأنفسهم. # قال القرطبي : واختلف العلماء فيمن يستحق اسم المحاربة. فقال مالك : ~~المحارب عندنا من حمل على الناس في مصر ms1634 أو في برية وكابرهم على أنفسهم ~~وأموالهم دون نائرة (1). # قال ابن المنذر : اختلف عن مالك في هذه المسألة فأثبت المحاربة في المصر ~~مرة ونفى ذلك مرة. وقالت طائفة حكم ذلك في المصر أو في المنازل والطرق ، ~~وديار أهل البادية والقرى سواء وحدودهم واحدة. # قال ابن المنذر : كذلك هو ، لأن كلا يقع عليه اسم المحاربة. والآية على ~~العموم. وليس PageV04P132 # لأحد أن يخرج من جملة الآية قوما بغير حجة. وقالت طائفة : لا تكون ~~المحاربة في المصر إنما تكون خارجة عن المصر (1). # وقال ابن العربي : والذي نختاره أن الحرابة عامة في المصر والقفر ، وإن ~~كان بعضها أفحش من بعض. ولكن اسم الحرابة يتناولها ، ومعنى الحرابة موجود ~~فيها. ولو خرج بعض من في المصر لقتل بالسيف. ويؤخذ فيه بأشد ذلك لا بأيسره. ~~فإنه سلب وغيلة ، وفعل الغيلة أقبح من فعل الظاهرة ولذلك دخل العفو في قتل ~~المجاهرة فكان قصاصا ، ولم يدخل في قتل الغيلة وكان حدا» (2) 2 اختلف ~~الفقهاء في معنى التخيير في قوله تعالى ( @QUR@014 أن يقتلوا أو يصلبوا أو ~~تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، أو ينفوا من الأرض ). # فقال قوم من السلف : الآية تدل على التخيير بين هذه الأجزية. فمتى خرج ~~المحاربون بقطع الطريق ، وقدر الإمام عليهم ، فهو مخير بين أن يوقع بهم أى ~~نوع من العقاب من هذه الأنواع الأربعة : القتل أو الصلب أو التقطيع أو ~~النفي ، حتى ولو لم يقتلوا ولم يأخذوا مالا ، ماداموا قد اجتمعوا وقصدوا ~~تهديد أمن الناس. فالمسألة متروكة لتقدير الحاكم ، وعليه أن يوقع بهم ما ~~يراه مناسبا لزجرهم وردعهم وجعلهم عبرة لغيرهم حتى لا يستشرى الشر في الأمة. # قال ابن كثير : قال ابن أبى طلحة عن ابن عباس فيمن شهر السلاح في قبة ~~الإسلام. وأخاف السبيل ثم ظفر به الإمام وقدر عليه ، فإمام المسلمين فيه ~~بالخيار : إن شاء قتله وإن شاء صلبه وإن شاء قطع يده ورجله ، وكذا قال : ~~سعيد بن المسيب ومجاهد ، وعطاء ، والحسن البصري ، وإبراهيم النخعي ، ~~والضحاك ، كما رواه ابن جرير عن أنس وهو مذهب ms1635 المالكية. # ومستند هذا القول أن ظاهر ( @QUR@01 أو ) للتخيير كما في نظائر ذلك من ~~القرآن ، كما في قوله تعالى في كفارة الفدية : ( @QUR@016 فمن كان منكم ~~مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) فأو هنا للتخيير ، ~~وكذلك في الآية التي معنا» (3). # وقال قوم آخرون من السلف : الآية تدل على ترتيب الأحكام وتوزيعها على ما ~~يليق بها من الجنايات. أى : أن ( @QUR@01 أو ) لتنويع العقوبات على حسب ~~طبيعة الجرائم. فإذا قتل هؤلاء المحاربون غيرهم وأخذوا المال قتلوا وصلبوا ~~وإذا قتلوا فقط قتلوا ، وإذا أخذوا المال فحسب قطعت أيديهم وأرجلهم من ~~خلاف. وإذا تجمعوا واتفقوا على ارتكاب الجرائم من غير أن PageV04P133 # يرتكبوا بالفعل نفوا من الأرض. # وبهذا الرأى قال ابن عباس وقتادة والأوزاعى ، وهو مذهب الشافعية والأحناف ~~والحنابلة. # قال ابن كثير : وقال الجمهور : هذه الآية منزلة على أحوال ، فعن ابن عباس ~~أنه قال في قطاع الطريق : إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا ، وإذا ~~قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا ، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا ~~قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا المال نفوا ~~من الأرض. # ثم قال ابن كثير : ويشهد لهذا التفصيل الحديث الذي رواه ابن جرير في ~~تفسيره أن عبد الله بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية ، ~~فكتب إليه يخبره أنها نزلت في أولئك النفر العرنيين الذين ارتدوا عن ~~الإسلام وقتلوا الراعي ، واستاقوا الإبل وأخافوا السبيل .. قال أنس : فسأل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عن القضاء فيمن حارب ، فقال جبريل : من ~~سرق ما لا وأخاف السبيل فاقطع يده بسرقته ورجله بإخافته ومن قتل فاقتله. ~~ومن قتل وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام فاصلبه» (1). # وقال الفخر الرازي : والذي يدل على ضعف القول الأول وجهان : # الأول : أنه لو كان المراد من الآية التخيير لوجب أن يمكن الإمام من ~~الاقتصار على النفي ، ولما أجمعوا على أنه ليس له ذلك علمنا أنه ليس المراد ~~من الآية التخيير. # الثاني : أن هذا المحارب إذا ms1636 لم يقتل ولم يأخذ المال فقدهم بالمعصية ولم ~~يفعل ، وذلك لا يوجب القتل كالعزم على سائر المعاصي فثبت أنه لا يجوز حمل ~~الآية على التخيير ، فيجب أن يضمر في كل فعل على حدة فعلا على حدة ، فصار ~~التقدير : أن يقتلوا إن قتلوا ، أو يصلبوا إن جمعوا بين أخذ المال والقتل ~~أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على أخذ المال. أو ينفوا من ~~الأرض إن أخافوا السبيل» (2). # والخلاصة أن أصحاب هذا الرأى الثاني يستدلون بأدلة نقلية سبق بيانها كما ~~يستدلون بأدلة عقلية منها ما ذكر الإمام الرازي ومنها أن العقل يقضى أن ~~يكون الجزاء مناسبا للجناية بحيث يزداد بازديادها ، وينقص بنقصها ، وليس من ~~المعقول أن تكون جريمة الاتفاق على الإرهاب بدون تنفيذ ، متساوية مع جريمة ~~الإرهاب والقتل والسلب. إذا فالعدالة توجب تنويع العقوبة. PageV04P134 # ومنها أن التخيير الوارد في الأحكام المختلفة بحرف التخيير إنما يجرى على ~~ظاهره إذا كان سبب الوجوب واحدا كما في كفارة اليمين وكفارة الفدية ، أما ~~إذا كان السبب مختلفا فإنه يخرج التخيير عن ظاهره كما هنا ، ويكون الغرض ~~بيان الحكم لكل واحد في نفسه ، وذلك لأن قطع الطريق متنوع وبين أنواعه ~~تتفاوت الجريمة : فقد يكون باستلاب المال فقط ، وقد يكون بالقتل فقط ، وقد ~~يكون بهما ومادام الأمر كذلك وجب أن يكون العقاب مختلفا ووجب أن يحمل ظاهر ~~النص على غير التخيير. بأن يحمل على بيان الحكم لكل نوع. # قالوا : ونظير ذلك قوله تعالى ( @QUR@012 قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب ~~وإما أن تتخذ فيهم حسنا ) فإنه ليس الغرض التخيير وإنما الغرض : ليكن شأنك ~~مع قومك تعذيب من جحد وظلم ، والإحسان إلى من آمن وعمل صالحا. # وإنما قلنا : ليس الغرض التخيير ، لأنه لا يمكن أن يكون له الحق في أى ~~الأمرين من غير مرجح لأحدهما في الاعتبار ، إذ منطق العدالة يقتضى أن يكون ~~العذاب لمن فسق وجحد ، وأن يكون الإحسان لمن آمن واستقام. # قال بعض العلماء : «وإن الفقه في التفرقة بين الرأيين أن الرأى الثاني ~~يحدد جرائم ms1637 معينة ، ويعتبرها موضوع قطع بفعلها أو بالشروع فيها وهي القتل ~~والسرقة. وأن الجرائم لا تخلو عن ذلك ، ولذلك كانت العقوبات مترددة بين ~~القطع والقتل ، وأنه يكون ثمة تغليظ إذا ارتكبت الجريمتان معا. # وإن كان الشروع بالتجمع واتخاذ الأسباب ، فإن العقوبة تكون بمنع الجريمة ~~من الوقوع باتخاذ أسباب الوقاية بالنفي من الأرض ، ولذلك كان التنويع ، ~~وكان تخريج حرف ( @QUR@01 أو ) على ذلك الأساس ، ليكون التكافؤ بين الجريمة ~~والعقوبة ، وإن لم تكن جريمة كانت الوقاية. # أما الرأى الأول فهو يتجه إلى أن عقوبة الحرابة لذات الحرابة والسعى في ~~الأرض بالفساد ، ومنع الناس من السير والاستمتاع بأموالهم وحرياتهم ~~الشخصية. وظاهر هذا الرأى أنه لا ينظر إلا إلى ذات الحرابة التي هي التخويف ~~والإرهاب ، ولا ينظر إلى الجرائم التي ارتكبوها فعلا ، ولذلك يعمم الجرائم ~~ولا يقصرها على القتل والسرقة كالرأى الثاني. # ويرى أن العقوبات في جملتها هي لعلاج ذلك الشر ، وحسم مادته ، والقضاء ~~على التفكير لمن يهم بمحاكاة من وقعوا فيه ، ولذلك يجب إطلاق يد ولى الأمر ~~واعتبار تلك العقوبات في يده كالدواء بين يدي الطبيب ، يختار من أصنافه ما ~~يراه أنجح في علاج الآفة التي أصابت الجسم الاجتماعى. # وإنا نرى الرأى الثاني بالنسبة لتنويع العقاب ، ونرى الرأى الأول بالنسبة ~~لتعميم الجرائم PageV04P135 # التي تفسد المجتمع. فإذا كانت عصابة تعمل لجمع الرجال على النساء وتخطف ~~النساء لذلك الغرض ، أو كانت عصابة لتجميع المواد المخدرة المحرم دينا ~~وقانونا تناولها ، فإنهم يكونون كقطاع الطريق ، ويدخلون في باب الحرابة (1). # 3 تدل الآية بظاهرها على أن المحاربين يعاقبون في الدنيا والآخرة ، ولا ~~يكون العقاب الدنيوي طهرة لهم ولو كانوا مسلمين لقوله تعالى ( @QUR@010 ذلك ~~لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ). # قال القرطبي : فقوله : ( @QUR@05 ذلك لهم خزي في الدنيا ) لشناعة ~~المحاربة ، وعظم ضررها وإنما كانت المحاربة عظيمة الضرر ، لأن فيها سد سبيل ~~الكسب على الناس. لأنه إذا أخيف الطريق انقطع الناس عن السفر ، واحتاجوا ~~إلى لزوم البيوت ، فانسد باب التجارة عليهم ، وانقطعت أكسابهم ، فشرع الله ~~على قطاع الطريق الحدود ms1638 المغلظة ، وذلك الخزي في الدنيا ردعا لهم عن سوء ~~فعلهم ، وفتحا لباب التجارة التي أباحها الله لعباده. وتكون هذه المعصية ~~خارجة عن المعاصي ومستثناة من حديث عبادة بن الصامت في قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم : «فمن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له». # ويحتمل أن يكون الخزي لمن عوقب ، وعذاب الآخرة لمن سلم في الدنيا ، ويجرى ~~هذا الذنب مجرى غيره. ولا خلود لمؤمن في النار على ما تقدم ، ولكن يعظم ~~عقابه لعظم ذنبه ، ثم يخرج إما بالشفاعة وإما بالقبضة وهذا الوعيد كغيره ~~مقيد بالمشيئة ، وله تعالى أن يغفر هذا الذنب» (2). # 4 دل قوله تعالى : ( @QUR@08 إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ) ~~على أن توبة المحاربين قبل الظفر بهم ، تسقط عنهم حد المحاربين المذكور في ~~الآية ، إلا أن كثيرا من الفقهاء قالوا إن الذي يسقط عنهم هو ما يتعلق ~~بحقوق الله ، أما ما يتعلق بحقوق العباد فلا يسقط عنهم بالتوبة قبل القدرة عليهم. # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@08 إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا ~~عليهم ): استثنى جل شأنه التائبين قبل أن يقدر عليهم ، وأخبر بسقوط حقه ~~عنهم بقوله : ( @QUR@05 فاعلموا أن الله غفور رحيم ). أما القصاص وحقوق ~~الآدميين فلا تسقط ، وظاهر الآية أن من تاب بعد القدرة عليه فتوبته لا تنفع ~~، وتقام الحدود عليه كما تقدم» (3). PageV04P136 # وقال الآلوسى : قوله : ( @QUR@08 إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ~~) استثناء مخصوص بما هو من حقوق الله تعالى كما ينبئ عنه قوله ( @QUR@05 ~~فاعلموا أن الله غفور رحيم ). وأما ما هو من حقوق العباد كحقوق الأولياء ~~من القصاص ونحوه فيسقط بالتوبة وجوبه على الإمام من حيث كونه حدا ، ولا ~~يسقط جوازه بالنظر إلى الأولياء من حيث كونه قصاصا ؛ فإنهم إن شاءوا عفوا ، ~~وإن أحبوا استوفوا» (1). # ويرى ابن جرير وابن كثير أن توبة المحاربين قبل القدرة عليهم تسقط عنهم ~~جميع الحدود. # فقد قال ابن جرير بعد أن ساق الأقوال في ذلك : «وأولى هذه الأقوال ~~بالصواب عندي ، قول من قال : توبة المحارب ms1639 الممتنع بنفسه ، أو بجماعة معه ، ~~قبل القدرة عليه ، تضع عنه تبعات الدنيا التي كانت لزمته أيام حربه وحرابته ~~، من حدود الله ، وغرم لازم ، وقود وقصاص ، إلا ما كان قائما في يده من ~~أموال المسلمين والمعاهدين فيرد على أهله» (2). # وقال ابن كثير : وقوله تعالى ( @QUR@08 إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا ~~عليهم ) أما على قول من قال إنها في أهل الشرك ، فظاهر. أى : فإنهم إذا ~~آمنوا قبل القدرة عليهم سقطت عنهم جميع الحدود المذكورة : وأما المحاربون ~~المسلمون فإذا تابوا قبل القدرة عليهم فإنه يسقط عنهم تحتم القتل والصلب ~~وقطع الرجل. # وهل يسقط قطع اليد؟ فيه قولان للعلماء. وظاهر الآية يقتضى سقوط الجميع ، ~~وعليه عمل الصحابة. # ثم ساق آثارا في هذا المعنى منها : ما رواه ابن أبى حاتم عن الشعبي قال : ~~كان حارثة بن بدر التميمي من أهل البصرة وكان قد أفسد في الأرض وحارب فكلم ~~رجالا من قريش فكلموا عليا فيه فلم يؤمنه. فأتى سعيد بن قيس الهمدانى فخلفه ~~في داره ثم أتى عليا فقال : يا أمير المؤمنين : أرأيت من حارب الله ورسوله ~~وسعى في الأرض فسادا ، فقرأ حتى بلغ ( @QUR@08 إلا الذين تابوا من قبل أن ~~تقدروا عليهم ) فقال على : اكتب له أمانا ..» (3). # وبعد ، فهذه بعض الأحكام التي تتعلق بقطاع الطريق الذين سماهم الله تعالى ~~محاربين لله ولرسوله ، وسمى الفقهاء عملهم حرابة. # وقد رأينا أن الله تعالى قد عاقبهم بتلك العقوبات الرادعة في الدنيا. ~~وأعد لهم العذاب PageV04P137 # العظيم في الآخرة ، ما داموا مستمرين في عدوانهم وتهديدهم لأمن الناس ، ~~واستلابهم لأموالهم. # وإن المقصد من هذه العقوبات الشديدة ، أن يكف المعتدون عن عدوانهم ، وأن ~~يحس الناس في حياتهم بالأمان والاطمئنان على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم ، ~~فإن الأمة التي ترتكب فيها الجرائم بدون خوف أو وجل ، ويفتقد أبناؤها ~~الأمان والاطمئنان ، هذه الأمة التي هذا شأنها ، لا بد أن تضطرب كلمتها ، ~~ويهون أمرها ، وتنتزع الثقة بين الحاكمين والمحكومين فيها ، لذا فقد أوجب ~~الإسلام على أتباعه أن يتكاتفوا ويتعاونوا للقضاء على كل من يحاول إثارة ~~الفتن والاضطراب ms1640 بين صفوفهم ، حتى يعيشوا آمنين مطمئنين ، مؤدين لما يجب ~~عليهم نحو دينهم ودنياهم بدون خوف أو إزعاج. # وقد قال القرطبي في هذا المعنى : «وإذا أخاف المحاربون السبيل ، وقطعوا ~~الطريق ، وجب على الإمام قتالهم من غير أن يدعوهم ، ووجب على المسلمين ~~التعاون على قتالهم وكفهم عن أذى المسلمين ، فإن انهزموا لم يتبع منهم ~~مدبرا إلا أن يكون قد قتل وأخذ مالا ، فإن كان كذلك أتبع ليؤخذ ويقام عليه ~~ما وجب لجنايته (1). # وبعد أن بين سبحانه سوء عاقبة المحاربين له ولرسوله صلى الله عليه وسلم ~~وأخرج منهم من تاب إليه سبحانه قبل القدرة عليه بعد كل ذلك وجه سبحانه نداء ~~إلى المؤمنين أمرهم فيه بتقواه ، وبالتقرب إليه بالعمل الصالح فقال تعالى : # ( @QUR@014 يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا ~~في سبيله لعلكم تفلحون ) (35) # وقوله : ( @QUR@01 اتقوا ) من التقوى بمعنى صيانة النفس عن كل ما يبغضه ~~الله تعالى . # وقوله : ( @QUR@01 وابتغوا ) من الابتغاء وهو الاجتهاد في طلب الشيء. # و ( @QUR@01 الوسيلة ) على وزن فعيلة بمعنى ما يتوصل به ويتقرب به إلى ~~الله تعالى ، من فعل PageV04P138 # الطاعات ، واجتناب المعاصي ، مأخوذة من وسل إلى كذا ، أى. تقرب إليه ~~بشيء. وقيل : الوسيلة الحاجة. # قال الراغب : الوسيلة : التوصل إلى الشيء برغبة ، وهي أخص من الوصيلة ، ~~لتضمنها معنى الرغبة ، وحقيقة الوسيلة إلى الله مراعاة سبيله بالعلم ~~والعبادة وتحرى مكارم الشريعة ، وهي كالقربة. والواسل : الراغب إلى الله ~~تعالى ... (1). # والمعنى : يا أيها الذين آمنوا بالحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ( ~~@QUR@02 اتقوا الله ) أى : خافوه وصونوا أنفسكم عن كل ما لا يرضيه ( ~~@QUR@03 وابتغوا إليه الوسيلة ): أى : اطلبوا باجتهاد ونشاط الزلفى ~~والقربى إليه عن طريق مداومتكم على فعل الطاعات ، والتزود من الأعمال ~~الصالحات ، واجتناب المعاصي والمنكرات. # ( @QUR@05 وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون ) أى : وجاهدوا أنفسكم بكفها عن ~~الأهواء ، وكذلك جاهدوا أعداءكم حتى تكون كلمة الله هي العليا ، رجاء أن ~~تفوزوا بالفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة. وقد ناداهم سبحانه بصفة ~~الإيمان ، لتحريك حرارة العقيدة في قلوبهم وتوجيه عقولهم إلى ما يستدعيه ~~الإيمان ms1641 من طاعة وإخلاص. # وقوله : ( @QUR@01 إليه ) متعلق بالفعل قبله وهو ( @QUR@01 وابتغوا ). ~~أو بلفظ ( @QUR@01 الوسيلة ) لأنها بمعنى المتوسل به ، وقدم الجار والمجرور ~~لإفادة التخصيص. # أى. اطلبوا برغبة وشدة ما يقربكم إلى الله من الأعمال الصالحة ، ولا ~~تتقربوا إلى غيره إلا في ظل طلب رضاه سبحانه . # أو : اطلبوا متوجهين إليه سبحانه حاجتكم ، فإن بيده مقاليد السموات ~~والأرض ، ولا تطلبوها متوجهين إلى غيره. # وقد جاء لفظ الوسيلة في الأحاديث النبوية على أنه اسم لأعلى الدرجات في ~~الجنة ، وهذا المعنى متلاق مع أصل المعنى ، وهو التقرب إلى الله والتوسل ~~إليه وحده بالطاعات ، لأن من يفعل ذلك ينال من الله تعالى أسمى الدرجات. # وقد ساق الامام ابن كثير جملة من الأحاديث في هذا المعنى فقال ما ملخصه : # والوسيلة : القربة. كذا قال ابن عباس ومجاهد وأبو وائل والحسن وقتادة ~~وغير واحد. # قال قتادة : أى تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه. # والوسيلة أيضا : علم على أعلى منزلة في الجنة وهي منزلة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وداره في الجنة ، PageV04P139 # وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش. وقد ثبت في صحيح البخاري عن جابر بن عبد ~~الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قال حين سمع النداء أى ~~الأذان : اللهم رب هذه الدعوة التامة ، والصلاة القائمة. آت محمدا الوسيلة ~~والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة». # وثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول : «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على ، فإنه من صلى ~~على صلاة صلى الله عليه بها عشرا ، ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في ~~الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو. فمن سأل ~~الوسيلة حلت له شفاعتي» (1). # والمتأمل في هذه الآية الكريمة يراها قد أرشدت المؤمنين إلى ما يسعدهم ~~بأن ذكرت لهم ثلاث وسائل وغاية ، أو ثلاث مقدمات ونتيجة. # أما الوسائل الثلاث أو المقدمات الثلاث فهي : تقوى الله ، والتقرب إليه ms1642 ~~بما يرضيه ، والجهاد في سبيله. وأما الغاية أو النتيجة لكل ذلك فهي الفلاح ~~والفوز والنجاح. # ولو أن المسلمين تمسكوا بهذه الوسائل حق التمسك لو صلوا إلى ما يسعدهم في ~~دنياهم وفي آخرتهم. # هذا ، وللعلماء كلام طويل في التوسل والوسيلة ، نرى أنه لا بأس من ذكر ~~جانب منه. # قال الامام ابن تيمية : إن لفظ الوسيلة والتوسل فيه إجمال واشتباه ، يجب ~~أن تعرف معانيه ويعطى كل ذي حق حقه. فيعرف ما ورد به الكتاب والسنة من ذلك ~~ومعناه : وما كان يتكلم به الصحابة ويفعلونه ومعنى ذلك ، ويعرف ما أحدثه ~~المحدثون في هذا اللفظ ومعناه فإن كثيرا من اضطراب الناس في هذا الباب هو ~~بسبب ما وقع من الإجمال والاشتراك في الألفاظ ومعانيها حتى تجد أكثرهم لا ~~يعرف في هذا الباب فصل الخطاب. # إن لفظ الوسيلة ورد في القرآن ومن ذلك قوله تعالى ( @QUR@09 يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ). # الوسيلة التي أمر الله أن تبتغى إليه. هي ما يتقرب به إليه من الواجبات ~~والمستحبات. # فجماع الوسيلة التي أمر الله الخلق بابتغائها ، هو التوسل إليه باتباع ما ~~جاء به الرسول ، لا وسيلة لأحد إلى الله إلا ذلك. # ولفظ الوسيلة ورد أيضا في الأحاديث الصحيحة كقوله صلى الله عليه وسلم «سلوا ~~الله لي الوسيلة فإنها PageV04P140 # درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله. وأرجو أن أكون أنا ذلك ~~العبد». # ثم قال : والتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم والتوجه به في كلام الصحابة ، ~~يريدون التوسل به وشفاعته. والتوسل به في عرف كثير من المتأخرين يراد به ~~الإقسام به والسؤال به. # وحينئذ فلفظ التوسل به صلى الله عليه وسلم يراد به معنيان صحيحان باتفاق ~~المسلمين ويراد به معنى ثالث لم ترد به سنة. # أما المعنيان الصحيحان. فأحدهما : التوسل بالإيمان به وبطاعته. # والثاني : دعاؤه وشفاعته. ومن هذا قول عمر بن الخطاب : اللهم إنا كنا إذا ~~أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا ، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا العباس ~~فاسقنا أى بدعائه وشفاعته. # والتوسل بدعائه وشفاعته ms1643 كما قال عمر هو توسل بدعائه لا بذاته ، ولهذا ~~عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بعمه العباس. # فلما عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بالعباس ، علم أن ما يفعل في حياته ~~قد تعذر بموته. # وأما المعنى الثالث الذي لم ترد به سنة فهو التوسل به بمعنى الإقسام على ~~الله بذاته والسؤال بذاته ، فهذا لم يكن الصحابة يفعلونه لا في حياته ولا ~~بعد مماته ولا عند قبره ولا غير قبره. ولا يعرف في شيء من الأدعية المشهورة ~~بينهم وإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة. أو عمن ليس ~~قوله حجة» (1). # قال الآلوسى ما ملخصه : واستدل بعض الناس بهذه الآية على مشروعية ~~الاستغاثة بالصالحين ، وجعلهم وسيلة بين الله تعالى وبين العباد والقسم على ~~الله تعالى بهم ، بأن يقال : اللهم إنا نقسم عليك بفلان أن تعطينا كذا. ~~ومنهم من يقول للغائب أو للميت من عباد الله الصالحين : يا فلان ادع الله ~~أن يرزقني كذا وكذا ويزعمون أن ذلك من ابتغاء الوسيلة وكل ذلك بعيد عن الحق ~~بمراحل. # وتحقيق الكلام في هذا المقام أن الاستغاثة بمخلوق وجعله وسيلة بمعنى طلب ~~الدعاء منه لا شك في جوازه إن كان المطلوب منه حيا ، ولا يتوقف على أفضليته ~~من الطالب ، بل قد يطلب الفاضل من المفضول ، فقد صح أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال لعمر لما استأذنه في العمرة : «لا تنسنا يا أخى من دعائك». ولم يرد عن ~~أحد من الصحابة وهم أحرص الناس على كل خير أنه طلب من ميت شيئا. # وأما القسم على الله تعالى بأحد من خلقه مثل أن يقال : اللهم إنى أقسم ~~عليك أو PageV04P141 # أسألك بفلان إلا ما قضيت لي حاجتي ، فعن ابن عبد السلام جواز ذلك في ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأنه سيد ولد آدم. ولا يجوز أن يقسم على الله بغيره ~~من الأنبياء أو الملائكة أو الأولياء. لأنهم ليسوا في درجته. # ومن الناس من منع التوسل بالذات ، والقسم على الله بأحد من خلقه مطلقا ، ~~وهو الذي ترشح ms1644 به كلام ابن تيمية ونقله عن أبى حنيفة وأبى يوسف ، وغيرهما ~~من العلماء الأعلام. ثم قال بعد كلام طويل : # وبعد هذا كله فأنا لا أرى بأسا في التوسل إلى الله تعالى بجاه النبي ~~صلى الله عليه وسلم حيا وميتا ويراد من الجاه معنى يرجع إلى صفة من صفاته ~~تعالى مثل أن يراد به المحبة التامة المستدعية عدم رده وقبول شفاعته فيكون ~~معنى القائل : إلهى أتوسل بجاه نبيك صلى الله عليه وسلم أن تقضى لي حاجتي ، أى ~~: إلهى أجعل محبتك له وسيلة في قضاء حاجتي ، بل لا أرى بأسا أيضا في ~~الإقسام على الله تعالى بجاهه صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى. # ثم قال : وإن الناس قد أكثروا من دعاء غير الله تعالى من الأولياء. ~~الأحياء منهم والأموات وغيرهم. مثل يا سيدي فلان أغثنى. وليس ذلك من التوسل ~~المباح في شيء. # واللائق بحال المؤمن عدم التفوه بذلك. وأن لا يحوم حول حماه ، وقد عده ~~بعض العلماء شركا ، وإن لا يكنه فهو قريب منه. # فالحزم التجنب عن ذلك وعدم الطلب إلا من الله تعالى القوى الغنى الفعال ~~لما يريد» (1). # وبعد أن حض سبحانه عباده المؤمنين على تقواه والتقرب إليه بصالح الأعمال ~~لكي ينالوا الفلاح والنجاح ، عقب ذلك ببيان ما أعده للكافرين من عذاب أليم ~~فقال تعالى : # ( @QUR@024 إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ~~ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم (36) @QUR@012 ~~يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم ) (37) PageV04P142 # والمعنى : ( @QUR@03 إن الذين كفروا ) بآياتنا وجحدوا الحق الذي جاءتهم ~~به رسلنا ( @QUR@07 لو أن لهم ما في الأرض جميعا ) أى : لو أن لهم جميع ما ~~في الأرض من أموال وخيرات ومنافع ( @QUR@02 ومثله معه ) أى : وضعفه معه ، ~~وقدموا كل ذلك ( @QUR@02 ليفتدوا به ) أى : ليخلصوا به أنفسهم ( @QUR@07 من ~~عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ) أى : ما قبله الله منهم ، لأن سنته قد ~~اقتضت أن تكون نجاة الإنسان من العذاب يوم القيامة متوقفة على ms1645 الإيمان ~~والعمل الصالح ، لا على الأموال وما يشبهها من حطام الدنيا مهما عظم شأنها ~~وكثر عددها. ( @QUR@03 ولهم عذاب أليم ) أى : شديد في آلامه وأوجاعه. # فالآية الكريمة تبين ما أعده الله تعالى يوم القيامة للكافرين بآياته من ~~عذاب أليم ، لن يصرفه عنهم صارف مهما قدموا من ثمن ، أو بذلوا من أموال. # وقوله ( @QUR@03 لو أن لهم ). إلخ ، جملة شرطية جوابها قوله تعالى ( ~~@QUR@03 ما تقبل منهم ) وهذه الجملة الشرطية وجوابها خبر إن في قوله : ( ~~@QUR@03 إن الذين كفروا ). # وصدرت الآية الكريمة بأداة التوكيد «إن» للرد على ما ينكره الكافرون من ~~وقوع عذاب عليهم يوم القيامة فقد حكى القرآن عنهم أنهم قالوا : ( @QUR@07 ~~نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين ). # والمراد بقوله : ( @QUR@03 لو أن لهم ) أى : لو أن لكل واحد منهم منفردا ~~، ما في الأرض جميعا ومثله معه ، وقدمه يوم القيامة ليخلص نفسه من العذاب ، ~~ما قبل منه ذلك الذي قدمه. وفي ذلك ما فيه من ثبوت العذاب عليهم ووقوعه بهم ~~لا محالة. وقوله : ( @QUR@01 جميعا ) توكيد للموصول وهو ( @QUR@01 ما ) في ~~قوله : ( @QUR@03 ما في الأرض ) أو حال منه. وقوله : ( @QUR@01 ومثله ) ~~معطوف على اسم أن وهو (ما) الموصولة. # وقوله : ( @QUR@01 معه ) ظرف واقع موقع الحال من المعطوف والضمير يعود ~~إلى الموصول. وجاء الضمير المجرور في قوله ( @QUR@02 ليفتدوا به ) بصيغة ~~الإفراد ، مع أن الذي تقدمه شيئان وهما : ما في الأرض جميعا ومثله. للإشارة ~~إلى أنهما لتلازمهما قد صارا بمنزلة شيء واحد. أو لإجراء الضمير مجرى اسم ~~الإشارة بأن يؤول المرجع المتعدد بالمذكور أى ليفتدوا بذلك المذكور من عذاب ~~يوم القيامة ما تقيل منهم. # ونفى سبحانه قبول الفدية منهم بقوله : ( @QUR@03 ما تقبل منهم ) لإفادة ~~تأكيد هذا النفي واستبعاده ، إذ أن صيغة «التقبل» تدل على تكلف القبول أى : ~~أنه لا يمكن قبول الفداء منهم مهما قدموا من أموال ومهما بذلوا من محاولات ~~في سبيل الوصول لغرضهم. # قال الفخر الرازي : والمقصود من هذا الكلام التمثيل للزوم العذاب لهم ، ~~فإنه لا سبيل لهم إلى الخلاص منه (1). PageV04P143 # روى البخاري عن أنس بن مالك قال : قال ms1646 رسول الله صلى الله عليه وسلم «يؤتى ~~بالرجل من أهل النار فيقال له : يا بن آدم كيف وجدت مضجعك؟ فيقول : شر ~~مضجع. فيقال له. أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت تفتدى به؟ فيقول : ~~نعم ، فيقال له : قد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك : أن لا تشرك بالله شيئا ~~فيؤمر به إلى النار» (1). # وقوله تعالى ( @QUR@012 يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ~~ولهم عذاب مقيم ) بيان لدوام نزول العذاب بهم بعد بيان شدة آلامه وأوجاعه. # أى : يريد هؤلاء الكافرون ( @QUR@04 أن يخرجوا من النار ) بعد أن ذاقوا ~~عذابها وآلامها ، ( @QUR@04 وما هم بخارجين منها ) أبدا ، بسبب ما ارتكبوه ~~في الدنيا من قبائح ومنكرات ( @QUR@03 ولهم عذاب مقيم ) أى : دائم ثابت لا ينقطع. # فأنت ترى هاتين الآيتين قد بينتا سوء عاقبة الكافرين ، بعد أن رغب سبحانه ~~المؤمنين في التقرب إليه بالإيمان والعمل الصالح ، وذلك لكي يزداد المؤمنون ~~إيمانا. ولكي ينصرف الناس عن الكفر والفسوق والعصيان إلى الإيمان والطاعة ~~والاستجابة لتعاليم الله الواحد القهار. # وبعد أن بين سبحانه عقوبة الذين يحاربون الله ورسوله ، ودعا المؤمنين إلى ~~التقرب إليه بالعمل الصالح وبين سوء عاقبة الكافرين. بعد أن بين كل ذلك ~~أعقبه ببيان عقوبة السرقة فقال تعالى : # ( @QUR@013 والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من ~~الله والله عزيز حكيم (38) @QUR@014 فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله ~~يتوب عليه إن الله غفور رحيم (39) @QUR@019 ألم تعلم أن الله له ملك ~~السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء قدير ) (40) PageV04P144 # قال الجمل ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@02 والسارق والسارقة ).. إلخ. ~~شروع في بيان حكم السرقة الصغرى بعد بيان أحكام الكبرى. # وقرأ الجمهور : والسارق بالرفع وفيها وجهان : # أحدهما : وهو مذهب سيبويه والمشهور من أقوال البصريين أن السارق مبتدأ ~~محذوف الخبر. والتقدير : فيما يتلى عليكم أو فيما فرض عليكم السارق ~~والسارقة. أى : حكم السارق ، ويكون قوله ( @QUR@01 فاقطعوا ) بيانا لذلك ~~الحكم المقدر. فما بعد الفاء مرتبط بما قبلها ، ولذلك أتى بها فيه لأنه هو ms1647 ~~المقصود. ولو لم يؤت بالفاء لتوهم أنه أجنبى ، والكلام على هذا جملتان : ~~الأولى خبرية والثانية أمرية. # والثاني : وهو مذهب الأخفش وجماعة كثيرة أنه مبتدأ أيضا والخبر الجملة ~~الأمرية من قوله ( @QUR@01 فاقطعوا ) وإنما دخلت الفاء في الخبر ، لأنه ~~يشبه الشرط إذ الألف واللام فيه موصولة بمعنى الذي والتي والصفة صلتها ، ~~فهي في قوة قولك والذي يسرق والتي تسرق فاقطعوا» (1). # والمعنى : ( @QUR@01 السارق ) أى : من الرجال ( @QUR@01 والسارقة ) أى : ~~من النساء ( @QUR@01 فاقطعوا ) أيديهما ، أى فاقطعوا يد كل منهما الذكر إذا ~~سرق قطعت يده. والأنثى إذا سرقت قطعت يدها. # والخطاب في قوله : ( @QUR@01 فاقطعوا ) لولاة الأمر الذين إليهم يرجع ~~تنفيذ الحدود وجمع سبحانه اليد فقال «أيديهما» ولم يقل يديهما بالتثنية ، ~~لأن فصحاء العرب يستثقلون إضافة المثنى إلى ضمير التثنية. # وقوله ( @QUR@06 جزاء بما كسبا نكالا من الله ) بيان لسبب هذه العقوبة ~~وللحكمة التي من أجلها شرعت. أى : اقطعوا أيديهما جزاء لهما بسبب فعلهما ~~الخبيث ، وكسبهما السيئ ، وخيانتهما القبيحة ، ولكي يكون هذا القطع ~~لأيديهما ( @QUR@01 نكالا ) أى : عبرة وزجرا من الله تعالى لغيرهما حتى يكف ~~الناس عن ارتكاب هذه الجريمة. # يقال : نكل فلان بفلان تنكيلا : أى : صنع به صنيعا يحذر غيره. # والاسم النكال وهو ما نكلت به غيرك. وأصله من النكل بالكسر وهو القيد ~~الشديد ، وحديدة اللجام ، لكونهما مانعين وجمعه أنكال. # وسميت هذه العقوبة نكالا ، لأنها تجعل غير من نزلت به يخاف من ارتكابها ~~حتى لا ينزل به ما نزل بمرتكبها من قطع ليده ، وفضيحة لأمره. PageV04P145 # وقوله : ( @QUR@03 والله عزيز حكيم ) أى : والله تعالى غالب على أمره ، ~~حكيم في شرائعه وتكاليفه. # قال صاحب المنار ما ملخصه. وقد كانت العرب بدوها وحضرها تفهم الكثير من ~~وضع أسماء الله تعالى في الآيات بحسب المناسبة. # ومن ذلك ما نقل الأصمعى أنه قال : كنت أقرأ سورة المائدة ، ومعى أعرابى ، ~~فقرأت هذه الآية فقلت و ( @QUR@03 الله غفور رحيم ) سهوا فقال الأعرابى ~~كلام من هذا؟ فقلت : كلام الله. قال : أعد فأعدت و ( @QUR@03 الله غفور ~~رحيم ) ثم تنبهت فقلت : ( @QUR@03 والله عزيز حكيم ) فقال : الآن أصبت فقلت ~~له. ms1648 كيف عرفت؟ فقال : يا هذا ( @QUR@02 عزيز حكيم ) فأمر بالقطع ، فلو غفر ~~ورحم لما أمر بالقطع. # فقد فهم الأعرابى الأمى أن مقتضى العزة والحكمة ، غير مقتضى المغفرة ~~والرحمة وأن الله تعالى يضع كل اسم موضعه من كتابه» (1). # ثم فتح سبحانه لعباده باب التوبة فقال تعالى : ( @QUR@010 فمن تاب من بعد ~~ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه ). # أى : فمن تاب إلى الله تعالى توبة صادقة من بعد ظلمه لنفسه بسبب إيقاعها ~~في المعاصي التي من أكبرها السرقة وأصلح عمله بالطاعات التي تمحو السيئات ( ~~@QUR@04 فإن الله يتوب عليه ) أى : يقبل توبته ، ويغسل حوبته ، إن الله ~~واسع المغفرة والرحمة ومن مظاهر ذلك أنه سبحانه فتح لعباده باب التوبة ~~والإنابة. # فالآية الكريمة ترغب العصاة من السراق وغيرهم في التوبة إلى الله ، وفي ~~الرجوع إلى طاعته حتى ينالوا مغفرته ورحمته. # ثم ساق سبحانه ما يدل على شمول قدرته ، ونفاذ إرادته بصيغة الاستفهام ~~التقريرى فقال تعالى : ( @QUR@08 ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض ~~) بحيث يتصرف فيهما وفي غيرهما من خلقه تصرف المالك في ملكه بدون مدافع أو منازع. # فالاستفهام هنا لتقرير العلم وتأكيده. أى إنك تعلم أيها العاقل ذلك علما. ~~متيقنا ، فاعمل بمقتضى هذا العلم ، بأن تكون مطيعا لخالقك في كل ما أمر ~~ونهى وبأن تدعو غيرك إلى هذه الطاعة. # وقوله : ( @QUR@06 يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء ) تأكيد لشمول قدرته ~~ونفاذ إرادته ، أى : هو PageV04P146 # سبحانه المالك لكل شيء ، والخالق لكل شيء وهو صاحب السلطان المطلق في ~~خلقه ، فله سبحانه أن يعذب من يشاء تعذيبه وله أن يرحم من يشاء رحمته. # قال الآلوسى : وكان الظاهر لحديث : «سبقت رحمتي غضبى» ، تقديم المغفرة ~~على التعذيب ، وإنما عكس هنا ، لأن التعذيب للمصر على السرقة ، والمغفرة ~~للتائب منها. وقد قدمت السرقة في الآية أولا ثم ذكرت التوبة بعدها فجاء هذا ~~اللاحق على ترتيب السابق. # أو لأن المراد بالتعذيب القطع ، وبالمغفرة التجاوز عن حق الله تعالى ~~والأول في الدنيا والثاني في الآخرة ، فجيء به على ترتيب الوجود. ولأن ~~المقام مقام الوعيد (1). # وقوله : ( @QUR@05 والله ms1649 على كل شيء قدير ) تذييل مؤكد لما قبله ، ومقرر ~~لشمول قدرته سبحانه على كل شيء. # هذا وقد تكلم العلماء عن معنى السرقة ، وعن شروط إقامة حدها ، وعن طريقة ~~إثباتها. وعن غير ذلك من المسائل المتعلقة بها ، تكلموا عن كل ذلك باستفاضة ~~في كتب الفقه وفي بعض كتب التفسير. # ونرى أنه لا بأس من ذكر خلاصة لبعض المسائل التي تحدثوا عنها فنقول : # 1 عرف الفقهاء السرقة شرعا بأنها أخذ العاقل البالغ مقدارا مخصوصا من ~~المال على طريق الاستخفاء من حرز بمكان أو حافظ وبدون شبهة. # 2 وقد ذهب بعض الفقهاء من أهل الظاهر إلى أنه متى سرق السارق شيئا قطعت ~~يده به ، سواء أكان قليلا أم كثيرا ، لعموم هذه الآية. # ولكن جمهور الفقهاء يرون أنه لا تقطع يد السارق إلا إذا بلغ المسروق قدرا ~~معينا من المال ، وقد تفاوتت أنظارهم في هذا القدر. # فالاحناف يرون أنه لا قطع إلا في عشرة دراهم فصاعدا ، أو فيما قيمته عشرة ~~دراهم. ومن حججهم ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «لا قطع فيما دون عشرة دراهم». # والمالكية والشافعية يرون أنه لا قطع إلا في ربع دينار أو فيما قيمته ذلك. # ومن حججهم ما روى عن عائشة أنها قالت : «تقطع يد السارق في ربع دينار ~~فصاعدا». # قال القرطبي : وظاهر الآية العموم في كل سارق وليس كذلك لقوله ~~صلى الله عليه وسلم «لا تقطع يد PageV04P147 # السارق إلا في ربع دينار فصاعدا» فبين أنه إنما أراد بقوله ( @QUR@02 ~~والسارق والسارقة ) بعض السراق دون بعض ، فلا تقطع يد السارق في أقل من ربع ~~دينار ، ويقطع في ربع دينار أو فيما قيمته ربع دينار أو في ثلاثة دراهم .. ~~وقال أحمد : إن سرق ذهبا فربع دينار. وإن سرق غير الذهب والفضة فالقيمة ربع ~~دينار أو ثلاثة دراهم من الورق». # وقال أبو حنيفة وصاحباه والثوري : لا تقطع يد السارق إلا في عشرة دراهم ~~كيلا ، أو في دينار ذهبا عينا أو وزنا. ولا ms1650 يقطع حتى يخرج بالمتاع من ملك ~~صاحبه .. ثم قال : وتقطع اليد من الرسغ. ولا خلاف في أن اليمنى هي التي ~~تقطع أولا» (1). # 3 وقد اشترط الفقهاء في المال المسروق الذي تقطع فيه يد السارق أن يكون ~~ما لا محرزا ، أى مصونا محفوظا معنيا بحفظه العناية اللائقة بمثله. # قال القرطبي : الحرز هو ما نصب عادة لحفظ أموال الناس ، وهو يختلف في كل ~~شيء بحسب حاله. قال ابن المنذر : ليس في هذا الباب خبر ثابت لا مقال فيه ~~لأهل العلم. وإنما ذلك كالإجماع من أهل العلم. وحكى عن الحسن وأهل الظاهر ~~أنهم لم يشترطوا الحرز. وفي الموطأ لمالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~: «لا قطع في ثمر معلق أى في ثمر على الأشجار ولا حريسة جبل أى ما يحرس ~~بالجبل فإذا أواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن» (2). # كذلك اشترطوا عدم الشبهة في المال المسروق ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ~~«ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم». # فلا يقطع من سرق ما لا له فيه شركة ، أو سرق من مدينه مثل دينه ، ولا ~~يقطع العبد إذا سرق من مال سيده. ولا الأب إذا سرق من مال ابنه وما أشبه ~~ذلك لوجود الشبهة. # كذلك اشترطوا في المسروق الذي يجب فيه الحد أن يكون ما لا متقوما. أى : ~~مما يتموله الناس ، ويعدونه لمقاصدهم المختلفة فلا تقطع يد السارق إذا سرق ~~شيئا تافها ، أو سرق شيئا مما لا يتمول كالتراب والطين والماء وما يشبه ذلك. # كذلك اشترطوا فيه ألا يكون مما يحرم تناوله أو استعماله. فإذا كان مما ~~يحرم تناوله أو استعماله كالخمر أو الخنزير أو أدوات اللهو والمجون فإنه في ~~تلك الأحوال لا تقطع يد السارق. PageV04P148 # وهكذا نرى أن الشريعة الإسلامية وإن كانت قد شرعت العقوبات الشديدة لزجر ~~العصاة والمفسدين والخائنين .. إلا أنها لا تطبق هذه العقوبات إلا على ~~الذين يستحقونها ، وفي أضيق الحدود ، وبأدق الشروط ، عملا بقول الرسول ~~صلى الله عليه وسلم «ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم». # ولو أن المسلمين ms1651 ساروا على هدى شريعة الله لنالوا الأمان والاطمئنان في ~~دنياهم ، والفوز والرضا من الله تعالى في أخراهم. # 4 كذلك أخذ أكثر الشافعية والحنابلة من قوله تعالى ( @QUR@010 فمن تاب من ~~بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه ) أن التوبة تمنع إقامة الحد. # قالوا : لأن هذه الآية قد اقترنت بقوله تعالى : ( @QUR@04 والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما ) فكانت مخصصة للعموم في الأمر بالقطع ، وإلا ما ~~اقترنت به ولأنه قد ورد في الأحاديث الصحيحة أن التوبة تجب ما قبلها ومن ~~ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم : «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» ويرى ~~الأحناف والمالكية أن التوبة لا تسقط الحد ، لأن الأمر بالقطع عام يشمل ~~التائب وغير التائب ، والتوبة المنصوص عليها في هذه الآية هي ما يكون بعد ~~إقامة الحد كما جاءت بذلك الأحاديث النبوية. # قال ابن كثير : قوله تعالى ( @QUR@05 فمن تاب من بعد ظلمه ). إلخ. أى : ~~من تاب بعد سرقته وأناب إلى الله إن الله يتوب عليه فيما بينه وبينه. فأما ~~أموال الناس فلا بد من ردها إليهم أو رد بدلها. وهذا عند الجمهور. # وقال أبو حنيفة : متى قطع وقد تلفت في يده فإنه لا يرد بدلها. # وقد روى الدارقطني عن أبى هريرة أن رسول الله أتى بسارق قد سرق شملة فقال ~~«ما إخاله قد سرق». فقال السارق : بلى يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم ~~: «اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه ثم ائتوني به». فقطع فأتى به فقال : تب إلى ~~الله ، فقال : تبت إلى الله. فقال : «تاب الله عليك» أى : قبل توبتك. # وروى ابن ماجة عن ثعلبة الأنصارى : أن عمر بن سمرة جاء إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال : «يا رسول الله ، إنى سرقت جملا لبنى فلان فطهرني. ~~فأرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : إنا افتقدنا جملا لنا. فأمر به ~~فقطعت يده وهو يقول : الحمد لله الذي طهرني منك. أردت أن تدخلي جسدي ~~النار». # روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو أن امرأة سرقت على عهد ms1652 رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فجاء بها الذين سرقتهم فقالوا : يا رسول الله : إن هذه ~~المرأة سرقتنا ، قال قومها : فنحن نفديها فقال PageV04P149 # رسول الله صلى الله عليه وسلم «اقطعوا يدها. فقطعت يدها اليمنى. فقالت ~~المرأة : هل لي من توبة يا رسول الله؟ قال : نعم. أنت اليوم من خطيئتك كيوم ~~ولدتك أمك ، فأنزل الله تعالى : ( @QUR@010 فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن ~~الله يتوب عليه ) الآية (1). # هذه خلاصة لبعض المسائل والأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآيات ~~الكريمة ، ومن أراد المزيد من ذلك فليرجع إلى ما كتبه الفقهاء في كتبهم ، ~~وإلى ما كتبه بعض المفسرين في تفاسيرهم (2). # وبعد أن بين سبحانه ما بين من تكاليف قويمة ، وشرائع حكيمة ، تهدى من ~~اتبعها إلى السعادة في الدنيا والآخرة. أتبع ذلك بالحديث عن بعض الوسائل ~~الخبيثة التي اتبعها اليهود وأشباههم لكيد الدعوة الإسلامية ، فذكر تلاعبهم ~~بأحكامه تعالى ، ومحاولتهم فتنة الرسول صلى الله عليه وسلم عند تقاضيهم أمامه ~~، وحذر سبحانه رسوله من مكرهم وساق له ما يسليه ويشرح صدره ، فقال تعالى : # ( @QUR@068 يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين ~~قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون ~~لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا ~~فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا ~~أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة ~~عذاب عظيم (41) PageV04P150 # @QUR@026 سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ~~وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب ~~المقسطين (42) @QUR@015 وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم ~~يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين ) (43) # وردت أحاديث متعددة في سبب نزول هذه الآيات الكريمة ، ومن ذلك : ما أخرجه ~~البخاري عن ابن عمر رضى الله عنهما أن اليهود جاءوا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلا ms1653 منهم وامرأة قد زنيا. فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا : نفضحهم ~~ويجلدون. فقال عبد الله بن سلام : كذبتم. إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة ~~فنشروها. # فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها. فقال له عبد الله ~~بن سلام : ارفع يدك. فرفع يده فإذا آية الرجم ، فقالوا : صدق يا محمد ؛ ~~فيها آية الرجم. فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما. # فقال عبد الله بن عمر : فرأيت الرجل يميل نحو المرأة يقيها الحجارة (1). # وروى مسلم في صحيحه عن البراء بن عازب قال : مر على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بيهودي محمم مجلود أى قد وضع الفحم الأسود على وجهه ~~للتنكيل به فدعاهم فقال. هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ فقالوا : نعم ~~فدعا رجلا من علمائهم فقال : أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أهكذا ~~تجدون حد الزاني في كتابكم؟ فقال : لا والله ولو لا أنك نشدتني بهذا لم ~~أخبرك ، تجد حد الزاني في كتابنا الرجم ، ولكنه كثر في أشرافنا ، فكنا إذا ~~أخذنا الشريف تركناه. وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد. فقلنا : تعالوا ~~حتى نجعل شيئا نقيمه على الشريف والوضيع. فاجتمعنا على التحميم والجلد مكان الرجم. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم إنى أول من أحيا أمرك إذ أماتوه قال : ~~فأمر به فرجم. قال : فأنزل PageV04P151 # الله تعالى : ( @QUR@05 يا أيها الرسول لا يحزنك ) (1). # وأخرج الإمام أحمد عن ابن عباس قال : إن الله أنزل : ( @QUR@09 ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) و ( @QUR@03 فأولئك هم الظالمون ~~) ( @QUR@03 وأولئك هم الفاسقون ). # قال ابن عباس : أنزلها الله في الطائفتين من اليهود. وكانت إحداهما قد ~~قهرت الأخرى في الجاهلية ، حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته ~~العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقا (2). وكل قتيل قتلته الذليلة من ~~العزيزة فديته مائة وسق. فكانوا على ذلك حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلا ، فأرسلت العزيزة إلى الذليلة أن ابعثوا ~~لنا ms1654 بمائة وسق فقالت الذليلة : وهل كان في حيين دينهما واحد ونسبهما واحد ، ~~وبلدهما واحد ، دية بعضهم نصف دية بعض؟ إنما أعطيناكم هذا خوفا منكم ، فأما ~~إذ قدم محمد صلى الله عليه وسلم فلا نعطيكم ، فكادت الحرب تهيج بينهما. ثم ~~ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حكما بينهم. ثم ذكرت ~~العزيزة فقالت : والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم. ولقد ~~صدقوا. ما أعطونا هذا إلا خوفا منا. فدسوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه. إن ~~أعطاكم ما تريدون حكمتموه ، وإن لم يعطكم لا تحكموه. فدسوا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ناسا من المنافقين ليخبروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فلما جاءوه أخبر الله رسوله بأمرهم كله وما أرادوا. فأنزل الله تعالى : ( ~~@QUR@05 يا أيها الرسول لا يحزنك ) إلى قوله : ( @QUR@09 ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) (3). # قال ابن كثير بعد أن ساق هذه الأحاديث وغيرها فهذه الأحاديث دالة على أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم بما يوافق حكم التوراة. وليس هذا من باب ~~الإكرام لهم بما يعتقدون صحته ، لأنهم مأمورون باتباع الشرع المحمدي لا ~~محالة ، ولكن هذا بوحي خاص من الله تعالى إليه بذلك وسؤالهم إياه عن ذلك ~~ليقررهم على ما بأيديهم مما تواطأوا على كتمانه وجحوده وعدم العمل به تلك ~~الدهور الطويلة. فلما اعترفوا به مع عملهم على خلافه ، ظهر زيفهم وعنادهم ~~وتكذيبهم لما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم ، وعدولهم إلى تحكيم ~~الرسول صلى الله عليه وسلم إنما كان عن هوى منهم وشهوة لموافقة آرائهم لا ~~لاعتقادهم صحة ما يحكم به ، ولهذا قالوا : ( @QUR@04 إن أوتيتم هذا فخذوه ) ~~، أى : إن حكم بالجلد والتحميم فاقبلوا حكمه ، ( @QUR@04 وإن لم تؤتوه ~~فاحذروا ) أى : وإن لم يحكم بذلك فاحذروا من قبوله واتباعه (4). PageV04P152 # وبمطالعتنا لهذه الأحاديث التي وردت في سبب نزول الآيات ، نراها جميعها ~~قد وردت بأسانيدها صحيحة وفي كتب السنة المعتمدة ، وأن بعضها قد حكى أن ~~الآيات نزلت في شأن القضية ms1655 التي تحاكم فيها اليهود إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وبعضها قد حكى أنها نزلت في قضية دماء. ولا تعارض بين هذه ~~الأحاديث ، فقد يكون هذان السببان قد حصلا في وقت واحد ، أو متقارب ، فنزلت ~~هذه الآيات فيهما معا. وقد قرر العلماء أنه لا مانع من تعدد أسباب النزول ~~للآية الواحدة أو للطائفة من الآيات. # هذا ، وقد افتتحت هذه الآيات الكريمة بنداء من الله تعالى لرسوله ~~صلى الله عليه وسلم فقال سبحانه : ( @QUR@020 يا أيها الرسول لا يحزنك الذين ~~يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين ~~هادوا ). # قال القرطبي : قوله تعالى ( @QUR@02 لا يحزنك ) قرأ نافع بضم الياء وكسر ~~الزاى وقرأ الباقون بفتح الياء وضم الزاى. والحزن خلاف السرور. ويقال : حزن ~~الرجل بالكسر فهو حزن وحزين» (1). # والمعنى : يا أيها الرسول الكريم إن ربك يقول لك : لا تهتم ولا تبال ~~بهؤلاء المنافقين ، وبأولئك اليهود الذين يقعون في الكفر بسرعة ورغبة ، ~~ويقولون بأفواههم آمنا بك وصدقناك ، مع أن قلوبهم خالية من الإيمان ، ~~ومليئة بالنفاق والفسوق والعصيان .. لا تهتم أيها الرسول الكريم بهؤلاء ~~جميعا ، فإنى ناصرك عليهم ، وكافيك شرهم. # وفي ندائه صلى الله عليه وسلم بعنوان الرسالة ( @QUR@03 يا أيها الرسول ) ~~تشريف له وتكريم وإشعار بأن وظيفته كرسول أن يبلغ رسالة الله دون أن يصرفه ~~عن ذلك عناد المعاندين ، أو كفر الكافرين ، فإن تكاليف الرسالة تحتم عليه ~~الصبر على أذى أعدائه حتى يحكم الله بينه وبينهم. # والنهى عن الحزن وهو أمر نفسي لا اختيار للإنسان فيه المراد به هنا : ~~النهى عن لوازمه ، كالإكثار من محاولة تجديد شأن المصائب. وتعظيم أمرها ، ~~وبذلك تتجدد الآلام ، وتعز السلوى. # وفي هذه الجملة الكريمة تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وتأنيس لقلبه ، ~~وإرشاد له إلى ما سيقع له من أعدائه من شرور حتى لا يتأثر بها عند وقوعها. # وفي التعبير بقوله : ( @QUR@03 يسارعون في الكفر ) ذم لهم على انحدارهم ~~في دركات الكفر بسرعة من غير مواناة ولا تدبر ولا تفكر. فهم يتنقلون بحركات ~~سريعة في ثنايا ms1656 الكفر ومداخله دون أن PageV04P153 # يزعهم وازع من خلق أو دين. # قال صاحب الكشاف : يقال : أسرع فيه الشيب ، وأسرع فيه الفساد بمعنى : وقع ~~فيه سريعا. فكذلك مسارعتهم في الكفر عبارة عن إلقائهم أنفسهم فيه على أسرع ~~الوجوه ، بحيث إذا وجدوا فرصة لم يخطئوها» (1) وقال أبو السعود : والمسارعة ~~في الشيء : الوقوع فيه بسرعة ورغبة. وإيثار كلمة ( @QUR@01 في ) على كلمة ~~إلى ، للإيمان إلى أنهم مستقرون في الكفر لا يبرحونه. # وإنما ينتقلون بالمسارعة عن بعض فنونه وأحكامه إلى بعض آخر منها ، كإظهار ~~موالاة المشركين ، وإبراز آثار الكيد للإسلام ونحو ذلك» (2) وقوله : ( ~~@QUR@08 من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ) بيان لأولئك ~~المسارعين في الكفر. والمتنقلين في دركاته من دركة إلى دركة. # وقوله ( @QUR@01 بأفواههم ) متعلق بقوله : ( @QUR@01 قالوا ) وقوله : ( ~~@QUR@03 ولم تؤمن قلوبهم ) جملة حالية من ضمير ، قالوا. # وقوله : ( @QUR@03 ومن الذين هادوا ) معطوف على قوله : ( @QUR@05 من ~~الذين قالوا آمنا بأفواههم ) وعليه فيكون الذين هادوا داخلين في الذين ~~يسارعون في الكفر. # أى أن المسارعين في الكفر فريقان : فريق المنافقين الذين قالوا آمنا ~~بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ، وفريق اليهود الذين تميزوا بهذا الإسم واشتركوا ~~مع المنافقين في نفاقهم والمعنى : لا تهتم يا محمد بأولئك الذين يسارعون في ~~الكفر من المنافقين واليهود الذين من صفاتهم أنهم يظهرون الإيمان على أطراف ~~ألسنتهم والحال أن قلوبهم خالية منه. # وعلى هذا المعنى يكون الكلام قد تم عند قوله تعالى ( @QUR@03 ومن الذين ~~هادوا )، ويكون ما بعده وهو قوله : ( @QUR@02 سماعون للكذب ). ألخ. من ~~أوصاف الفريقين معا ، لأنهم مشتركون في المسارعة في الكفر. # ومنهم من يرى أن قوله تعالى : ( @QUR@03 ومن الذين هادوا ) جمله مستأنفة ~~لبيان أحوال فريق آخر من الناس وهم اليهود ، وأن قوله تعالى بعد ذلك ( ~~@QUR@02 سماعون للكذب ) إلخ. من أوصاف هؤلاء اليهود ، وأن الكلام قد تم عند ~~قوله تعالى ( @QUR@03 ولم تؤمن قلوبهم ) وأن البيان بقوله : ( @QUR@08 من ~~الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ) لفريق المنافقين. PageV04P154 # قال الفخر الرازي : قوله ( @QUR@010 ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون ~~لقوم آخرين لم يأتوك ) ذكر الفراء والزجاج ها هنا ms1657 وجهين : # الأول : أن الكلام إنما يتم عند قوله : ( @QUR@03 ومن الذين هادوا ) ثم ~~يبدأ الكلام من قوله ( @QUR@05 سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين ) وتقدير ~~الكلام لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من المنافقين ومن اليهود ثم بعد ~~ذلك وصف الكل بكونهم سماعين للكذب. # الثاني : أن الكلام تم عند قوله تعالى : ( @QUR@03 ولم تؤمن قلوبهم ) ثم ~~ابتدأ من قوله : ( @QUR@05 ومن الذين هادوا سماعون للكذب ) وعلى هذا ~~التقدير فقوله ( @QUR@01 سماعون ) صفة لمحذوف. والتقدير : ومن الذين هادوا ~~قوم سماعون (1). # قال الجمل : الأولى والأحسن أن يكون قوله : و ( @QUR@03 ومن الذين هادوا ~~) معطوفا على البيان وهو قوله : ( @QUR@04 من الذين قالوا آمنا ) فيكون ~~البيان بشيئين المنافقين واليهود. أما على القول الثاني فيكون البيان بشيء ~~واحد وهو المنافقون» (2). # وقوله : ( @QUR@01 سماعون ) للكذب ؛ سماعون لقوم آخرين لم يأتوك صفتان ~~أخريان لأولئك الذين يقعون في الكفر بسرعة ورغبة. # وقوله : ( @QUR@01 سماعون ) جمع سماع. وهو صيغة مبالغة جيء بها لإفادة ~~أنهم كثير والسماع للكذب ، وأنهم لفساد نفوسهم يجدون لذة في الاستماع إليه ~~من رؤسائهم وأحبارهم ، ومن هم على شاكلتهم في العناد والضلال. # واللام في قوله : ( @QUR@01 للكذب ) للتقوية أى : أنهم يسمعون الكذب ~~كثيرا سماع قبول وتلذذ ، ويأخذونه ممن يقوله من أعداء الإسلام على أنه ~~حقائق ثابتة لا مجال للريب فيها. # وقيل إن اللام للتعليل أى أنهم كثير والسماع لكلام الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ولأخباره من أجل الكذب عليه ، عن طريق تغيير وتبديل ما ~~سمعوه على حسب ما تهواه نفوسهم المريضة. # وقوله : ( @QUR@05 سماعون لقوم آخرين لم يأتوك ) بيان لمسلك آخر من ~~مسالكهم الخبيثة بعد بيان احتفالهم بالأخبار الكاذبة ، وتقبلها بفرح وسرور. # أى : أن هؤلاء المسارعين في الكفر من المنافقين واليهود من صفاتهم أنهم ~~كثير والسماع للأكاذيب التي يروجها أعداء الدعوة الإسلامية ضدها كثير ~~والسماع والقبول والاستجابة لما يقوله عنها قوم آخرون من أعدائها لم يحضروا ~~مجالس الرسول صلى الله عليه وسلم تكبرا وعتوا. PageV04P155 # ويجوز أن يكون المعنى : أنهم كثير والسماع للكذب عن محبة ورغبة ، وأنهم ~~كثير والسماع لما يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم لينقلوه إلى ms1658 قوم آخرين من ~~أشباههم في الكفر والعناد ولم يحضروا مجالس الرسول صلى الله عليه وسلم أنفة ~~وبغضا فأنت ترى أن القرآن قد وصفهم بفساد بواطنهم حيث استحبوا الكذب على ~~الصدق. كما وصفهم بضعف نفوسهم حيث صاروا مطايا لغيرهم يطيعون أمرهم ويبلغون ~~أخبار المسلمين ، فهم عيون على المسلمين ليبلغوا أخبارهم إلى زعماء الكفر ~~والنفاق. # وإلى هذين المعنيين أشار صاحب الكشاف بقوله : ومعنى ( @QUR@02 سماعون ~~للكذب ): قابلون لما يفتريه الأحبار ويفتعلونه من الكذب على الله وتحريف ~~كتابه ، من قولك : الملك يسمع كلام فلان ، ومنه سمع الله لمن حمده. # وقوله : ( @QUR@05 سماعون لقوم آخرين لم يأتوك ) يعنى اليهود الذين لم ~~يصلوا إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجافوا عنه لما أفرط فيهم من ~~شدة البغضاء. وتبالغ من العداوة ، أى : قابلون من الأحبار ومن أولئك ~~المفرطين في العداوة الذين لا يقدرون أن ينظروا إليك وقيل : سماعون إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل أن يكذبوا عليه ، بأن يمسخوا ما سمعوا منه ~~بالزيادة والنقصان والتبديل والتغيير سماعون من رسول الله لأجل قوم آخرين ~~من اليهود وجهوهم عيونا ليبلغوهم ما سمعوا منه» (1). # وقوله : ( @QUR@05 يحرفون الكلم من بعد مواضعه ). صفة أخرى للقوم ~~الآخرين الذين لم يأتوا إلى مجالس الرسول صلى الله عليه وسلم أنفة وبغضا. أو ~~للمسارعين في الكفر من الفريقين. # وقوله : ( @QUR@01 يحرفون ) من التحريف وأصله من الحرف وهو طرف الشيء. # ومعناه إمالة الكلام عن معناه ، وإخراجه عن أطرافه وحدوده. # والكلم : اسم جنس جمعى للفظ كلمة ومعناه الكلام. # أى أن هؤلاء القوم الآخرين الذين لم يحضروا مجلسك نفورا منك ، أو هم ~~والمسارعون في الكفر من المنافقين واليهود من صفاتهم ودأبهم تحريف جنس ~~الكلم عن مواضعه. فهو يحرفون كلامك يا محمد ، ويحرفون التوراة ، ويحرفون ~~معاني القرآن حسب أهوائهم وشهواتهم ويحرفون الحق الذي جئت به تارة تحريفا ~~لفظيا ، وتارة تحريفا معنويا ، وتارة بغير ذلك من وجوه التحريف والتبديل. # وقوله : ( @QUR@03 من بعد مواضعه ) أى : يحرفون الكلم من بعد استقرار ~~مواضعه وبيان حلالها وحرامها. PageV04P156 # وعبر هنا بقوله «من بعد مواضعه» ms1659 وفي مواطن أخرى بقوله ( @QUR@02 عن ~~مواضعه ) لأن المقام هنا للحديث عن الأحكام المستقرة الثابتة التي حاول ~~أولئك المسارعون في الكفر تغييرها وإحلال أحكام أخرى محلها تبعا لأهوائهم ~~كما حدث في قضية الزنا وفي غيرها من القضايا التي تحاكموا فيها إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فكان من المناسب هنا التعبير بقوله : ( @QUR@03 من ~~بعد مواضعه ) أى : من بعد استقرار مواضعه وثبوتها ثبوتا لا يقبل التحريف أو ~~التغيير أو الإهمال. # وقوله : ( @QUR@09 يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ) ~~بيان لما نطقت به أفواه أولئك الذين لم يحضروا مجالس رسول الله من مكر ~~وخداع وضلال. # أى : أن أولئك القوم الآخرين الذين لم يحضروا مجلس رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عنادا وتكبرا لم يكتفوا بتحريف الكلم عن مواضعه هم ~~وأشياعهم. بل كانوا إلى جانب ذلك يقولون لمطاياهم السامعين منهم أو ~~السامعين من أجلهم : يقولون لهم عند ما أرسلوهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ليحكم بينهم ( @QUR@04 إن أوتيتم هذا فخذوه ) أى : إن أفتاكم محمد ~~صلى الله عليه وسلم يمثل هذا الذي نفتيكم به كالجلد والتحميم بدل الرجم ~~فاقبلوا حكمه وخذوه واعملوا به ( @QUR@04 وإن لم تؤتوه فاحذروا ) أى : وإن ~~أفتاكم بغير ما أفتيناكم به فاحذروا قبول حكمه ، وإياكم أن تستجيبوا له ، ~~أو تميلوا إلى ما قاله لكم. # واسم الإشارة هذا في قوله : ( @QUR@04 يقولون إن أوتيتم هذا ) يعود إلى ~~القول المحرف الذي تواضع أحبار اليهود على الإفتاء به تبعا لأهوائهم. كما ~~حدث منهم في قضية الزنا حيث غيروا حكم الرجم بحكم آخر هو الجلد والتحميم. # وفي ترتيب الأمر بالحذر على مجرد عدم إيتاء المحرف ، إشارة إلى تخوفهم ~~الشديد من ميل أتباعهم إلى حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم يحذرونهم ~~بشدة من الاستماع إلى ما يقوله لهم مما يخالف ما تواضعوا عليه من أباطيل. # وقوله : ( @QUR@02 إن أوتيتم ) مفعول لقوله ( @QUR@01 قدير ). واسم ~~الإشارة ( @QUR@01 يقولون ) مفعول ثان «لأوتيتم» والأول نائب الفاعل وقوله ~~: ( @QUR@01 فخذوه ) جواب الشرط ثم بين سبحانه سوء عاقبتهم فقال : ( ~~@QUR@027 ومن يرد ms1660 الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا ، أولئك الذين لم ~~يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم ). # أى : ومن يقض الله بكفره وضلاله ، فلن تملك له أيها الرسول الكريم شيئا ~~من الهداية لتدفع بها ضلاله وكفره ، أولئك الموصوفون بما ذكر من الصفات ~~الذميمة لم يرد الله تعالى أن يطهر قلوبهم من النفاق والضلال ؛ لأنهم ~~استحبوا العمى على الهدى ، ( @QUR@04 لهم في الدنيا خزي ) أى : فضيحة وهوان ~~بسبب ظهور كذبهم ، وفساد نفوسهم ، وانتشار تعاليم PageV04P157 # الإسلام التي يحاربونها ويشيعون الأباطيل حولها وحول من جاء بها ~~صلى الله عليه وسلم . # ( @QUR@05 ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) وهو خلودهم في النار بسبب اجتراحهم ~~السيئات ، ومحاربتهم لمن جاءهم بالحق والهدى والسعادة. # ثم كشف سبحانه عن رذيلة أخرى من رذائلهم المتعددة فقال تعالى : ( @QUR@04 ~~سماعون للكذب أكالون للسحت ). # والسحت : هو كل ما خبث كسبه وقبح مصدره ، كالتعامل بالربا وأخذ الرشوة ~~وما إلى ذلك من وجوه الكسب الحرام. # وقد بسط الإمام القرطبي هذا المعنى فقال : والسحت في اللغة أصله الهلاك ~~والشدة. # قال تعالى ( @QUR@02 فيسحتكم بعذاب ) أى : فيهلككم ويستأصلكم بعذاب ويقال ~~للحالق : أسحت أى استأصل. وقال الفراء : أصل السحت كلب الجوع. يقال رجل ~~مسحوت المعدة أى : أكول ، فكأن بالمسترشى وآكل الحرام من الشره إلى ما يعطى ~~مثل الذي بالمسحوت المعدة من النهم. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «كل لحم نبت بالسحت فالنار أولى به» ~~قالوا يا رسول الله وما السحت؟ قال : «الرشوة في الحكم». # وقال بعضهم : من السحت أن يأكل الرجل بجاهه. وذلك بأن يكون له جاه عند ~~السلطان فيسأله إنسان حاجة فلا يقضيها إلا برشوة يأخذها» (1). # والمعنى : أن هؤلاء المنافقين واليهود من صفاتهم أيضا أنهم كثير والسماع ~~للكذب ، وكثير والأكل للمال الحرام بجميع صوره وألوانه. ومن كان هذا شأنه ~~فلا تنتظر منه خيرا ، ولا تؤمل فيه رشدا. # وقوله : ( @QUR@01 سماعون ) خبر لمبتدأ محذوف أى : هم سماعون. وكرر ~~تأكيدا لما قبله ، وتمهيدا لما بعده وهو قوله : ( @QUR@02 أكالون للسحت ). # وجاءت هاتان الصفتان ms1661 سماعون وأكالون بصيغة المبالغة ، للإيذان بأنهم ~~محبون حبا جما لما يأباه الدين والخلق الكريم. فهم يستمرئون سماع الباطل من ~~القول ، كما يستمرئون أكل أموال الناس بالباطل : # إن اليهود بصفة خاصة قد اشتهروا في كل زمان بتقبل السحت ، وقد أرشد الله تعالى PageV04P158 # نبيه إلى ما يجب عليه نحوهم إذا ما تحاكموا إليه فقال : ( @QUR@022 فإن ~~جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ، وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا ، وإن حكمت ~~فاحكم بينهم بالقسط ، إن الله يحب المقسطين ). # أى : فإن جاءك هؤلاء اليهود متحاكمين إليك يا محمد في قضاياهم ، فأنت ~~مخير بين أن تحكم بما أراك الله ، وبين أن تتركهم وتهملهم وتعرض عنهم ، وإن ~~تعرض عنهم ، فيما احتكموا فيه إليك ، قاصدين مضرتك وإيذاءك فلا تبال بشيء ~~من كيدهم ، لأن الله حافظك وناصرك عليهم ، وإن اخترت الحكم في قضاياهم ، ~~فليكن حكمك بالعدل الذي أمرت به ، لأن الله تعالى يحب العادلين في أحكامهم. # والفاء في قوله : ( @QUR@02 فإن جاؤك ) للإفصاح أى : إذا كان هذا حالهم ~~وتلك صفاتهم فإن جاءوك متحاكمين إليك فيما شجر بينهم من خصومات ( @QUR@05 ~~فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ). # وجاء التعبير بإن المفيدة للشك مع أنهم قد جاءوا إليه للإيذان بأنهم ~~كانوا مترددين في التحاكم إليه صلى الله عليه وسلم وأنهم ما ذهبوا إليه إلا ~~ظنا منهم بأنه سيحكم فيهم بما يتفق مع أهوائهم ، فلما حكم فيهم بما هو الحق ~~كبتوا وندموا على مجيئهم إليه. # قال أبو السعود : وقوله : ( @QUR@03 وإن تعرض عنهم ) بيان لحال الأمرين ~~إثر تخييره صلى الله عليه وسلم بينهما. وتقديم حال الإعراض ، للمسارعة إلى ~~بيان أنه لا ضرر فيه ، حيث كان مظنة الضرر ، لما أنهم كانوا لا يتحاكمون ~~إليه إلا لطلب الأيسر والأهون عليهم ، فإذا أعرض عنهم وأبى الحكومة بينهم ~~شق ذلك عليهم ؛ فتشتد عداوتهم ومضارتهم له ، فأمنه الله بقوله : ( @QUR@03 ~~فلن يضروك شيئا ) من الضر (1). # وكان التعبير بإن أيضا في قوله ( @QUR@04 وإن حكمت فاحكم بينهم ) للإشارة ~~إلى أنه صلى الله عليه وسلم ليس حريصا على الحكم بينهم بل هو زاهد فيه ، لأنهم ms1662 ~~ليسوا طلاب حق وانصاف بل هم يريدون الحكم كما يهوون ويشتهون ، والدليل على ~~ذلك أن التوراة التي بين أيديهم فيها حكم الله ، إلا أنهم جاءوا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مؤملين أن يقضى بينهم بغير ما أنزل الله ، فيشيعوا ~~ذلك بين الناس ، ويعلنوا عدم صدقه في نبوته ، فلما حكم بما أنزل الله خاب ~~أملهم وانقلبوا صاغرين. # وقوله : ( @QUR@04 إن الله يحب المقسطين ) تذييل مقرر لما قبله من وجوب ~~الحكم بينهم بالعدل إذا ما اختار أن يقضى بينهم. # يقال : أقسط الحاكم في حكمه ، إذا عدل وقضى بالحق فهو مقسط أى عادل ومنه قوله PageV04P159 # تعالى ( @QUR@04 إن الله يحب المقسطين ). # روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن. ~~وكلتا يديه يمين. الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» (1). # هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة ما يأتى : # 1 أن أكل السحت حرام سواء أكان عن طريق الرشوة أم عن أى طريق محرم سواها. # ولقد كان السابقون من السلف الصالح يتحرون الحلال. وينفرون من الحرام ، ~~بل ومن الشبهات ، وكانوا يرون أن تأييد الحق ودفع الباطل واجب عليهم ، وأنه ~~لا يصح أن يأخذوا عليه أجرا .. # قال ابن جرير : شفع مسروق لرجل في حاجة فأهدى إليه جارية ، فغضب مسروق ~~غضبا شديدا وقال : لو علمت أنك تفعل هذا ما كلمت في حاجتك ، ولا أكلمه فيما ~~بقي من حاجتك. سمعت ابن مسعود يقول : من شفع شفاعة ليرد بها حقا ، أو يرفع ~~بها ظلما ، فأهدى له ، فقبل ، فهو سحت». # وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «كل لحم أنبته ~~السحت فالنار أولى به». قيل يا رسول الله وما السحت؟ قال صلى الله عليه وسلم : ~~«الرشوة في الحكم». # وعن الحكم بن عبد الله قال : قال لي أنس بن مالك : إذا انقلبت إلى أبيك ~~فقل له : إياك والرشوة فإنها سحت. وكان ms1663 أبوه على شرط المدينة» (2). # قال بعض العلماء : والرشوة قد تكون في الحكم وهي محرمه على الراشي ~~والمرتشي. وقد روى أنه صلى الله عليه وسلم قال : «لعن الراشي والمرتشي والذي ~~يمشى بينهما» لأن الحاكم حينئذ إن حكم له بما هو حقه كان فاسقا من جهه أنه ~~قبل الرشوة على أن يحكم بما يعرض عليه الحكم به. وإن حكم بالباطل كان فاسقا ~~من جهة أنه أخذ الرشوة. ومن جهة أنه حكم بالباطل. # وقد تكون الرشوة في غير الحكم مثل أن يرشو الحاكم ليدفع ظلمه عنه فهذه ~~الرشوة محرمة على آخذها غير محرمة على معطيها ، فقد روى عن الحسن أنه قال : ~~«لا بأس أن يدفع الرجل من ماله ما يصون به عرضه». وروى عن جابر بن زيد ~~والشعبي أنهما قالا : «لا بأس بأن يصانع الرجل عن نفسه وما له إذا خاف ~~الظلم». PageV04P160 # وقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم حين قسم غنائم بعض الغزوات وأعطى العطايا ~~الجزيلة ، أعطى العباس ابن مرداس أقل من غيره ، فلم يرق ذلك العباس وقال ~~شعرا يتضمن التعجيب من هذا التصرف. فقال صلى الله عليه وسلم «اقطعوا لسانه». ~~فزادوه حتى رضى. فهذا نوع من الرشوة رخص فيه السلف لدفع الظلم عن نفسه ~~يدفعه إلى من يريد ظلمه أو انتهاك عرضه (1). # 2 استدل بعض العلماء بقوله تعالى : ( @QUR@07 فإن جاؤك فاحكم بينهم أو ~~أعرض عنهم ) على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مخيرا في الحكم بين أهل ~~الكتاب أو الإعراض عنهم ، وأن حكم التخيير غير منسوخ ، لأن ظاهر الآية يفيد ذلك. # ويرى فريق من العلماء أن هذا التخيير قد نسخ بقوله تعالى بعد ذلك ( ~~@QUR@06 وأن احكم بينهم بما أنزل الله ). قالوا : إن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم كان أولا مخيرا ثم أمر بعد ذلك بإجراء الأحكام عليهم. # وقد رد القائلون بثبوت التخيير على القائلين بالنسخ بأن التخيير ثابت ~~بهذه الآية. # أما قوله : ( @QUR@06 وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) فهو بيان لكيفية ~~الحكم عند اختياره له. # ويرى فريق ثالث من العلماء ms1664 : أن التخيير ورد في المعاهدين الذين ليسوا من ~~أهل الذمة كبني النضير وبنى قريظة ، فهؤلاء كان الرسول صلى الله عليه وسلم ~~مخيرا بين أن يحكم بينهم أو أن يعرض عنهم : # وقوله تعالى ( @QUR@06 وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) ورد في أهل الذمة ~~الذين لهم مالنا وعليهم ما علينا. وعلى هذا فلا نسخ في الآية. # قال الآلوسى : قال أصحابنا : أهل الذمة محمولون على أحكام الإسلام في ~~البيوع والمواريث وسائر العقود ، إلا في بيع الخمر والخنزير ، فإنهم يقرون ~~عليه ، ويمنعون من الزنا كالمسلمين ، ولا يرجمون لأنهم غير محصنين ، واختلف ~~في مناكحتهم ، فقال أبو حنيفة : يقرون عليها ، وخالفه في بعض ذلك. محمد ~~وزفر. وليس لنا عليهم اعتراض قبل التراضي بأحكامنا ؛ فمتى تراضوا بها ~~وترافعوا إلينا وجب إجراء الأحكام عليهم ، وتمام التفصيل في كتب الفروع. # 3 أخذ العلماء من هذه الآية أيضا أن الحاكم ينفذ حكمه فيما حكم فيه لأن ~~اليهود حكموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض قضاياهم ، فحكم فيهم بما ~~أنزل الله ، ونفذ هذا الحكم عليهم. # قال بعضهم : إنه صلى الله عليه وسلم قد حكم بينهم بشريعة موسى عليه السلام ~~ولكن هذا الحكم كان قبل أن تنزل عليه الحدود. أما الآن وقد أكمل الله الدين ~~، وتقررت الشريعة ، فلا يجوز لأى حاكم أن يحكم بغير الأحكام الإسلامية لا ~~فرق بين المسلمين وغيرهم (2). PageV04P161 # هذا ، وبعد أن وصف الله تعالى اليهود وأشباههم بجملة من الصفات القبيحة ، ~~وخير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أن يحكم فيهم بشرع الله وبين أن يعرض ~~عنهم. بعد كل ذلك أنكر عليهم مسالكهم الخبيثة ، وعجب كل عاقل من حالهم فقال ~~تعالى : ( @QUR@015 وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون ~~من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين ) أى أن أمر هؤلاء اليهود لمن أعجب العجب ، ~~لأنهم يحكمونك يا محمد في قضاياهم مع أنهم لم يتبعوا شريعتك ومع أن كتابهم ~~التوراة قد ذكر حكم الله صريحا واضحا فيما يحكمونك فيه. # فالاستفهام في قوله : ( @QUR@02 وكيف يحكمونك ) للتعجب من أحوالهم حيث ms1665 ~~حكموا من لا يؤمنون به في قضية حكمها بين أيديهم ، ظنا منهم أنه سيحكم ~~بينهم بما اتفقوا عليه مما يرضى أهواءهم وشهواتهم. # وقوله : ( @QUR@02 وعندهم التوراة ) جملة حالية من الواو في ( @QUR@01 ~~يحكمونك ) والعامل ما في الاستفهام من التعجيب. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت ( @QUR@03 فيها حكم الله ) ما موضعه من ~~الإعراب؟ قلت : إما أن ينتصب على الحال من التوراة ، وكلمة التوراة هي ~~مبتدأ والخبر ( @QUR@01 عندهم )، وإما أن يرتفع خبرا عنها كقولك : وعندهم ~~التوراة ناطقة بحكم الله. وإما أن لا يكون له محل وتكون جملة مبينة ، لأن ~~عندهم ما يغنيهم عن التحكيم كما تقول : عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب ~~فما تصنع بغيره (1). # وقوله ( @QUR@05 ثم يتولون من بعد ذلك ) معطوف على ( @QUR@01 يحكمونك ) ~~وجاء العطف بثم المفيدة للتراخي للإشارة إلى التفاوت الكبير بين ما في ~~التوراة من حق وبين ما هم عليه من باطل ومخادعة. # واسم الإشارة ( @QUR@01 ذلك ) يعود إلى حكم الله الذي في التوراة ، والذي ~~حكم به النبي صلى الله عليه وسلم أى : كيف يحكمونك يا محمد في قضاياهم والحال ~~أنهم عندهم التوراة فيها حكم الله واضحا فيما تحاكموا إليك فيه ، ثم هم ~~يعرضون من بعد تحكيمك عن حكمك الموافق لما قضى الله به في كتابهم التوراة. # وقوله : ( @QUR@03 وما أولئك بالمؤمنين ) تذييل مقرر لمضمون ما قبله. # ونفى الإيمان عنهم مع حذف متعلقه لقصد التعميم. # أى : وما أولئك الذين جاءوا يتحاكمون إليك من اليهود بالمؤمنين لا ~~بكتابهم التوراة. لأنهم PageV04P162 # لو كانوا مؤمنين به لنفذوا أحكامه ، ولا بك يا محمد لأنهم لو كانوا ~~مؤمنين بك لاستجابوا لك فيما تأمرهم به وتنهاهم عنه. # قال الفخر الرازي : قوله تعالى : ( @QUR@02 وكيف يحكمونك ).. إلخ : هذا ~~تعجيب من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بتحكيم اليهود إياه بعد علمهم بما في ~~التوراة من حد الزاني ، ثم تركهم قبول ذلك الحكم فعدلوا عما يعتقدونه حكما ~~حقا إلى ما يعتقدونه باطلا طلبا للرخصة. فلا جرم ظهر جهلهم وعنادهم في هذه ~~الواقعة من وجوه : # أحدها : عدولهم عن حكم كتابهم. # والثاني : رجوعهم إلى حكم ms1666 من كانوا يعتقدون فيه أنه مبطل. # والثالث : إعراضهم عن حكمه بعد أن حكموه. فبين الله حال جهلهم وعنادهم ~~لئلا يغتربهم مغتر أنهم أهل كتاب الله ، ومن المحافظين على أمر الله» (1). # وبعد أن وصف الله تعالى اليهود وأشباههم بجملة من الصفات القبيحة ، ~~كمسارعتهم في الكفر. وكثرة سماعهم للكذب ، وتحريفهم للكلم عن مواضعه ، ~~وتهافتهم على أكل أسحت. وبعد أن خير رسوله صلى الله عليه وسلم في أن يحكم ~~بينهم أو أن يعرض عنهم إذا ما تحاكموا إليه ، وبعد أن عجب كل عاقل من ~~أحوالهم. بعد كل ذلك شرع سبحانه في بيان منزلة التوراة وفي بيان بعض ما ~~اشتملت عليه من أحكام فقال تعالى : # ( @QUR@041 إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين ~~أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا ~~عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون (44) @QUR@02 وكتبنا عليهم PageV04P163 # @QUR@029 فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن ~~بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) (45) # فقوله تعالى : ( @QUR@06 إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ) بيان لشرف ~~التوراة قبل أن تمتد إليها الأيدى الأثيمة بالتحريف والتبديل. ويدل على ~~شرفها وعلو مقامها أن الله تعالى هو الذي أنزلها لا غيره ، وأنه سبحانه ~~جعلها مشتملة على الهدى والنور. والمراد بالهدى ، ما اشتملت عليه من بيان ~~للأحكام والتكاليف والشرائع التي تهدى الناس إلى طريق السعادة. # والمراد بالنور : ما اشتملت عليه من بيان للعقائد السليمة ، والمواعظ ~~الحكيمة ، والأخلاق القويمة. # والمعنى إنا أنزلنا التوراة على نبينا موسى عليه السلام مشتملة على ما ~~يهدى الناس إلى الحق من أحكام وتكاليف وعلى ما يضيء لهم حياتهم من عقائد ~~ومواعظ وأخلاق فاضلة. # ثم بين سبحانه بعض الوظائف التي جعلها للتوراة فقال : ( @QUR@017 يحكم ~~بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من ~~كتاب الله وكانوا عليه شهداء ). # والمراد بقوله : ( @QUR@01 النبيون ) من ms1667 بعثهم الله في بنى إسرائيل من ~~بعد موسى لإقامة التوراة. # وقوله : الذين أسلموا صفة للنبيين. أى : أسلموا وجوههم لله وأخلصوا له ~~العبادة والطاعة. # وعن الحسن والزهري وقتادة : يحتمل أن يكون المراد بالنبيين الذين أسلموا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم وذلك لأنه حكم على اليهوديين الذين زنيا بالرجم ، ~~وكان هذا حكم التوراة. وإنما ذكر بلفظ الجمع تعظيما له. # وقال ابن الأنبارى : هذا رد على اليهود والنصارى لأن بعضهم كانوا يقولون ~~: الأنبياء كلهم يهود أو نصارى فقال تعالى ( @QUR@05 يحكم بها النبيون ~~الذين أسلموا ) يعنى أن الأنبياء ما كانوا موصوفين باليهودية أو النصرانية ~~، بل كانوا مسلمين لله منقادين لتكاليفة» (1). PageV04P164 # وقوله : ( @QUR@02 للذين هادوا ) أى : رجعوا عن الكفر. والمراد بهم ~~اليهود. واللام للتعليل. # وقوله : ( @QUR@01 والربانيون ) معطوف على ( @QUR@01 النبيون ) وهو جمع ~~رباني. وهم كما يقول ابن جرير العلماء والحكماء البصراء بسياسة الناس ~~وتدبير أمورهم ، والقيام بمصالحهم (1). # وقوله : ( @QUR@01 الأحبار ) معطوف أيضا على ( @QUR@01 النبيون ). # قال القرطبي ما ملخصه : والأحبار : قال ابن عباس : هم الفقهاء. والحبر ~~بالفتح والكسر الرجل العالم وهو مأخوذ من التحبير بمعنى التحسين والتزيين ، ~~فهم يحبرون العلم. # أى : يبينونه ، وهو محبر في صدورهم (2) والباء في قوله : ( @QUR@05 بما ~~استحفظوا من كتاب الله ) متعلقة بقوله ( @QUR@01 يحكم ). # وقوله ( @QUR@01 استحفظوا ) من الاستحفاظ بمعنى طلب الحفظ بعناية وفهم ، ~~إذ أن السين والتاء للطلب ، والضمير في ( @QUR@01 استحفظوا ) يعود على ~~النبيين والربانيين والأحبار. # والمعنى : إنا أنزلنا التوراة فيها هداية للناس إلى الحق ، وضياء لهم من ~~ظلمات الباطل ، وهذه التوراة يحكم بها بين اليهود أنبياؤهم الذين أسلموا ~~وجوههم لله ، وأخلصوا له العبادة والطاعة ، ويحكم أيضا بينهم الربانيون ~~والأحبار الذين هم خلفاء الأنبياء. وكان هذا الحكم منهم بالتوراة بين ~~اليهود ، بسبب أنه تعالى حملهم أمانة حفظ كتابه ، وتنفيذ أحكامه وشرائعه ~~وتعاليمه. # ويصح أن يكون قوله ( @QUR@02 بما استحفظوا ) متعلقا بالربانيين والأحبار ~~، وأن يكون الضمير عائدا عليهم وحدهم. أى : على الربانيين والأحبار ويكون ~~الاستحفاظ بمعنى أن الأنبياء قد طلبوا منهم حفظه وتطبيق أحكامه. # والمعنى : كذلك الربانيون والأحبار كانوا يحكمون بالتوراة بين اليهود. ~~بسبب أمر أنبيائهم إياهم بأن ms1668 يحفظوا كتاب الله من التغيير والتبديل. # وقوله : ( @QUR@03 وكانوا عليه شهداء ) معطوف على ( @QUR@01 استحفظوا ). # أى : وكان الأنبياء والربانيون والأحبار شهداء على الكتاب الذي أنزله ~~الله وهو التوراة بأنه حق ، وكانوا رقباء على تنفيذ حدوده ، وتطبيق أحكامه ~~حتى لا يهمل شيء منها. # قال الفخر الرازي قوله : ( @QUR@05 بما استحفظوا من كتاب الله ): حفظ ~~كتاب الله على وجهين : PageV04P165 # الأول : أن يحفظ فلا ينسى. # الثاني : أن يحفظ فلا يضيع. # وقد أخذ الله على العلماء حفظ كتابه من وجهين. # أحدهما : أن يحفظوه في صدورهم ويدرسوه بألسنتهم. # والثاني : ألا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه. # وقوله : ( @QUR@03 وكانوا عليه شهداء ) أى : هؤلاء النبيون والربانيون ~~والأحبار كانوا شهداء على أن كل ما في التوراة حق وصدق ومن عند الله فلا ~~جرم كانوا يمضون أحكام التوراة ويحفظونها من التحريف والتغيير» (1). # ثم أمر الله تعالى اليهود ولا سيما علماءهم وفقهاءهم أن يجعلوا خشيتهم ~~منه وحده. وألا يبيعوا دينهم بدنياهم فقال تعالى : ( @QUR@09 فلا تخشوا ~~الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ). # والخشية كما يقول الراغب خوف يشوبه تعظيم ، وأكثر ما يكون ذلك على علم ~~بما يخشى منه ، ولذلك خص العلماء بها في قوله : ( @QUR@06 إنما يخشى الله ~~من عباده العلماء ) (2). # وكأن الراغب رحمه الله يريد أن يفرق بين الخوف والخشية فهو يرى أن الخشية ~~خوف يشوبه تعظيم ومحبة للمخشى بخلاف الخوف فهو أعم من أن يكون من مرهوب ~~معظم محبوب أو مرهوب مبغوض مذموم. # والفاء في قوله ( @QUR@02 فلا تخشوا ) للإفصاح عن كلام مقدر. # والمعنى : إذا كان الأمر كما ذكر من أن الله تعالى قد أنزل التوراة ~~لتنفيذ أحكامها ، وتطبيق تعاليمها .. فمن الواجب عليكم يا معشر اليهود أن ~~تقتدوا بأنبيائكم وصلحائكم في ذلك ، وأن تستجيبوا للحث الذي جاء به رسولنا ~~محمد صلى الله عليه وسلم وأن تجعلوا خشيتكم منى وحدي لا من أحد من الناس ، ~~فأنا الذي بيدي نفع العباد وضرهم. # وقوله : ( @QUR@05 ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ) معطوف على قوله ( ~~@QUR@04 فلا تخشوا الناس واخشون ) والاشتراء هنا المراد به الاستبدال. # والمراد بالآيات : ما اشتملت عليه التوراة ms1669 من أحكام وتشريعات وبشارات ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم . PageV04P166 # والمراد بالثمن القليل : حظوظ الدنيا وشهواتها من نحو الرياسة والمال ~~والجاه وما إلى ذلك من متع الحياة الدنيا. # أى : ولا تستبدلوا بأحكام آياتي التي اشتملت عليها التوراة أحكاما أخرى ~~تغايرها وتخالفها ، لكي تأخذوا في مقابل هذا الاستبدال ثمنا قليلا من حظوظ ~~الدنيا وشهواتها كالمال والجاه وما يشبه ذلك. # وليس وصف الثمن بالقلة من الأوصاف المخصصة للنكرات ، بل هو من الأوصاف ~~اللازمة للثمن المحصل في مقابل استبدال الآيات ؛ لأنه لا يكون إلا قليلا ~~وإن بلغ ما بلغ من أعراض الدنيا بالنسبة لطاعة الله ، والرجاء في رحمته ورضاه. # وهذا النهى الذي اشتملت عليه هاتان الجملتان الكريمتان : ( @QUR@02 فلا ~~تخشوا )، و ( @QUR@02 لا تشتروا ) وإن كان موجها في الأصل إلى رؤساء ~~اليهود وأحبارهم. إلا أنه يتناول الناس جميعا في كل زمان ومكان ، لأنه نهى ~~عن رذائل يجب أن يبتعد عنها كل إنسان يتأتى له الخطاب. # وإلى هذا المعنى أشار الآلوسى بقوله : ( @QUR@03 فلا تخشوا الناس ) خطاب ~~لرؤساء اليهود وعلمائهم بطريق الالتفات إذ انتقل من الحديث عن الأحبار ~~السابقين منهم إلى خطاب هؤلاء المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم ويتناول غير ~~أولئك المخاطبين بطريق الدلالة» (1). # ثم ختم سبحانه الآية ببيان سوء عاقبة من يفعل فعل اليهود ، فيحكم بغير ~~شريعة الله فقال تعالى ( @QUR@09 ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون ). # أى : كل من رغب عن الحكم بما أنزل الله : وقضى بغيره من الأحكام ، فأولئك ~~هم الكافرون بما أنزله سبحانه لأنهم كتموا الحق الذي كان من الواجب عليهم ~~إظهاره والعمل به. والجملة الكريمة كما يقول الآلوسى تذييل مقرر لمضمون ما ~~قبلها أبلغ تقرير ، وتحذير من الإخلال به أشد تحذير. # هذا ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى : # 1 سمو منزلة التوراة التي أنزلها الله تعالى على نبيه موسى عليه السلام ، ~~فقد أضاف سبحانه إنزالها إليه ، فكان لهذه الإضافة ما لها من الدلالة على ~~علو مقامها ، كما بين سبحانه شرفها الذاتي بذكر ما اشتملت عليه من ms1670 هداية ~~إلى الحق ، ومن نور يكشف للناس ما اشتبه عليهم من أمور دينهم ودنياهم. # وهذا السمو إنما هو للتوراة التي لم تمتد إليها أيدى اليهود بالتحريف ~~والتبديل ، والزيادة PageV04P167 # والنقصان. أما تلك التوراة التي بين أيديهم الآن ، والتي دخلها من ~~التحريف ما دخلها فهي عارية عن الثقة في كثير مما اشتملت عليه من قصص ~~وأحكام. # 2 قال الفخر الرازي : «دلت الآية على أنه يحكم بالتوراة النبيون ~~والربانيون والأحبار ، وهذا يقتضى كون الربانيين أعلى حالا من الأحبار ، ~~فثبت أن يكون الربانيون كالمجتهدين. والأحبار كآحاد العلماء. # ثم قال : وقد احتج جماعة بأن شرع من قبلنا لازم علينا إلا إذا قام الدليل ~~على صيرورته منسوخا بهذه الآية ، وتقريره أنه تعالى قال في التوراة هدى ~~ونورا ، والمراد كونها هدى ونورا في أصول الشرع وفروعه ، ولو كان ما فيها ~~منسوخا غير معتبر الحكم بالكلية لما كان فيها هدى ونور ، ولا يمكن أن يحمل ~~الهدى والنور على ما يتعلق بأصول الدين فقط ، لأنه ذكر الهدى والنور ولو ~~كان المراد منهما معا ما يتعلق بأصول الدين للزم التكرار ، وأيضا فإن هذه ~~الآية إنما نزلت في مسألة الرجم فلا بد وأن تكون الأحكام الشرعية داخلة ~~فيها لأنا وإن اختلفنا في أن غير سبب نزول الآية هل يدخل فيها أم لا لكنا ~~توافقنا على أن سبب نزول الآية يجب أن يكون داخلا فيها» (1). # 3 استدل العلماء بهذه الآية على أن الحاكم من الواجب عليه أن ينفذ أحكام ~~الله دون أن يخشى أحدا سواه ، وأن عليه كذلك أن يبتعد عن أكل المحرم بكل ~~صوره وأشكاله ، وألا يغير حكم الله في نظير أى عرض من أعراض الدنيا ، لأن ~~الله تعالى يقول : ( @QUR@09 فلا تخشوا الناس واخشون ، ولا تشتروا بآياتي ~~ثمنا قليلا ). # وقد أشار إلى هذا المعنى صاحب الكشاف بقوله : قوله : ( @QUR@04 فلا تخشوا ~~الناس واخشون ) نهى للحكام عن خشيتهم غير الله في حكومتهم ، وادهانهم فيها ~~أى ومصانعتهم فيها وإمضائها على خلاف ما أمروا به من العدل لخشية سلطان ~~ظالم ، أو خيفة أذية أحد من ms1671 الأقرباء والأصدقاء وقوله : ( @QUR@05 ولا ~~تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ) وهو الرشوة وابتغاء الجاه ورضا الناس ، كما حرف ~~أحبار اليهود كتاب الله وغيروا أحكامه رغبة في الدنيا وطلبا للرياسة ~~فهلكوا» (2). # 4 قال بعض العلماء : في قوله : ( @QUR@09 ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الكافرون ) تغليظ في الحكم بخلاف المنصوص عليه ، حيث علق عليه ~~الكفر هنا والظلم والفسق بعد. وكفر الحاكم لحكمه بغير ما أنزل الله مقيد ~~بقيد الاستهانة به. والجحود له ، وهذا ما سار عليه كثير من العلماء وأثروه ~~عن عكرمة وابن عباس. PageV04P168 # وعن عطاء : هو كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق. أى : أن كفر ~~المسلم وظلمه وفسقه ليس مثل كفر الكافر وظلمه وفسقه. فإن كفر المسلم قد ~~يحمل على جحود النعمة» (1). # وقال فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف : قوله ( @QUR@09 ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الكافرون ): اختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآية ~~والآيتان بعدها. فقيل في اليهود خاصة وقيل : في الكفار عامة. وقيل : الأولى ~~في هذه الأمة والثانية في اليهود. والثالثة في النصارى والكفر إذا نسب إلى ~~المؤمنين حمل على التشديد والتغليظ ، لا على الكفر الذي ينقل عن الملة. ~~والكافر إذا وصف بالفسق والظلم أريد منهما العتو والتمرد في الكفر. وعن ابن ~~عباس : من لم يحكم بما أنزل الله جاحدا به فهو كافر. ومن أقربه ولم يحكم به ~~فهو ظالم فاسق» (2). # وقال الآلوسى ما ملخصه : واحتجت الخوارج بهذه الآية على أن الفاسق كافر ~~غير مؤمن. ووجه استدلالهم بها أن كلمة ( @QUR@01 من ) في قوله : ( @QUR@03 ~~ومن لم يحكم ) عامة شاملة لكل من لم يحكم بما أنزل الله فيدخل الفاسق ~~المصدق أيضا لأنه غير حاكم وغير عامل بما أنزل الله. # وأجيب عن شبهتهم بأن الآية متروكة الظاهر فإن الحكم وإن كان شاملا لفعل ~~القلب والجوارح لكن المراد به هنا عمل القلب وهو التصديق ولا نزاع في كفر ~~من لم يصدق بما أنزل الله تعالى» (3). # والذي يبدو لنا أن هذه الجملة الكريمة عامة في اليهود وفي غيرهم فكل من ~~حكم ms1672 بغير ما أنزل الله ، مستهينا بحكمه تعالى أو منكرا له ، يعد كافرا لأن ~~فعله هذا جحود وإنكار واستهزاء بحكم الله ومن فعل ذلك كان كافرا. # أما الذي يحكم بغير حكم الله مع إقراره بحكم الله واعترافه به ، فإنه لا ~~يصل في عصيانه وفسقه إلى درجة الكفر. # ثم بين سبحانه بعض ما اشتملت عليه التوراة من أحكام فقال ( @QUR@016 ~~وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين ، والأنف بالأنف ، والأذن ~~بالأذن ، والسن بالسن ، والجروح قصاص ). # فالآية الكريمة معطوفة على ما سبقها وهو قوله تعالى : ( @QUR@03 إنا ~~أنزلنا التوراة ). PageV04P169 # وقوله : ( @QUR@01 كتبنا ) بمعنى فرضنا وأوجبنا وقررنا. والمراد بالنفس : الذات. # أى : أنزلنا التوراة على موسى لتكون هداية ونورا لبنى إسرائيل ، وفرضنا ~~عليهم (أن النفس بالنفس) أى : مقتولة أو مأخوذة بها إذا قتلتها بغير حق. ~~وأن (العين) مفقوءة ( @QUR@01 بالعين ) وأن ( @QUR@01 الأنف ) مجدوع ( ~~@QUR@01 بالأنف ) وأن ( @QUR@01 الأذن ) مقطوعة ( @QUR@01 بالأذن ) وأن ( ~~@QUR@01 السن ) مقلوعة ( @QUR@01 بالسن ) وأن ( @QUR@02 الجروح قصاص ) أى : ~~ذات قصاص ، بأن يقتص فيها إذا أمكن ذلك ، وإلا فما لا يمكن القصاص فيه ككسر ~~عظم وجرح لحم لا يمكن الوقوف على نهايته ففيه حكومة عدل. # وعبر سبحانه عما فرض عليهم من عقوبات في التوراة بقوله : ( @QUR@01 كتبنا ~~) للإشارة إلى أن هذه العقوبات وتلك الأحكام لا يمكن جحدها أو محوها ، ~~لأنها مكتوبة والكتابة تزيد الكلام توثيقا وقوة. # قال القرطبي ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@04 والعين بالعين والأنف ~~بالأنف ). ألخ قرأ نافع وعاصم والأعمش وحمزة بالنصب في جميعها على العطف. # وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر بنصب الكل إلا الجروح ؛ ~~فإنه بالرفع على القطع عما قبله والاستئناف به أى أن الجروح مبتدأ وقصاص خبره. # وقرأ الكسائي وأبو عبيد : ( @QUR@09 والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن ~~بالأذن والسن بالسن ، والجروح ) بالرفع فيها كلها. # قال أبو عبيد : حدثنا حجاج عن هارون عن عباد بن كثير ، عن عقيل عن الزهري ~~، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ( @QUR@016 وكتبنا عليهم فيها أن ~~النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف ، والأذن بالأذن والسن بالسن ~~والجروح قصاص ). # والرفع من ms1673 ثلاث جهات ، بالابتداء والخبر. والوجه الثاني : بالعطف على ~~المعنى على موضع (أن النفس)، لأن المعنى قلنا لهم : النفس بالنفس والوجه ~~الثالث قاله الزجاج يكون عطفا على المضمر في النفس. لأن الضمير في النفس في ~~موضع رفع ، لأن التقدير أن النفس هي مأخوذة بالنفس فالأسماء معطوفة على هي (1). # وقوله : ( @QUR@06 فمن تصدق به فهو كفارة له ) ترغيب في العفو والصفح. # والضمير في (به) يعود إلى القصاص. والتعبير عنه بالتصدق للمبالغة في الحث ~~عليه فإنه أدعى إلى صفاء النفوس. وإلى فتح باب التسامح بين الناس. PageV04P170 # وقوله : ( @QUR@01 فهو ) يعود إلى التصدق المدلول عليه بالفعل (تصدق) ~~والضمير في قوله ( @QUR@01 له ) يعود إلى العافي المتصدق وهو المجنى عليه ~~أو من يقوم مقامه. # والمعنى : ( @QUR@02 فمن تصدق ) بما ثبت له من حق القصاص ، بأن عفا عن ~~الجاني فإن هذا التصدق يكون كفارة لذنوب هذا المتصدق ، حيث قدم العفو مع ~~تمكنه من القصاص. # وقيل إن الضمير في ( @QUR@01 له ) يعود على الجاني فيكون المعنى : فمن ~~تصدق بما ثبت له من حق القصاص ، بأن عفا عن الجاني ، فإن هذا التصدق يكون ~~كفارة له. أى لذنوب الجاني ، بأن لا يؤاخذه الله بعد ذلك العفو. وأما ~~المتصدق فأجره على الله. # وقد رجح ابن جرير عودة الضمير إلى العافي المتصدق وهو المجنى عليه أو ولى ~~دمه فقال : وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب : قول من قال : عنى به : فمن ~~تصدق به فهو كفارة له أى المجروح ، ولأنه لأن تكون الهاء في قوله (له) ~~عائدة على (من) أولى من أن تكون عائدة على من لم يجر له ذكر إلا بالمعنى ~~دون التصريح ، إذ الصدقة هي المكفرة ذنب صاحبها دون المتصدق عليه في سائر ~~الصدقات) (1). # وقوله : ( @QUR@09 ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) تذييل ~~قصد به التحذير من مخالفة حكم الله. أى : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك ~~هم الظالمون لأنفسهم ، حيث تركوا الحكم العدل واتجهوا إلى الحكم الجائر ~~الظالم. # قال الرازي : وفيه سؤال وهو أنه تعالى . قال : أولا : ( @QUR@03 فأولئك ~~هم الكافرون ) وثانيا ms1674 ( @QUR@02 هم الظالمون ) والكفر أعظم من الظلم ، فلما ~~ذا ذكر أعظم التهديدات أولا وأى فائدة في ذكر الأخف بعده؟ # وجوابه : أن الكفر من حيث إنه إنكار لنعمة المولى وجحود لها فهو كفر ، ~~ومن حيث إنه يقتضى إبقاء النفس في العقاب الدائم الشديد فهو ظلم على النفس. ~~ففي الآية الأولى ذكر الله ما يتعلق بتقصيره في حق الخالق سبحانه وفي هذه ~~الآية ذكر ما يتعلق بالتقصير في حق نفسه» (2). # هذا ، ومما أخذه العلماء من هذه الآية ما يأتى : # 1 أن الآية الكريمة ككثير غيرها تنعى على بنى إسرائيل إهمالهم لأحكام ~~الله تعالى وتهافتهم على ما يتفق مع أهوائهم. PageV04P171 # قال ابن كثير : هذه الآية مما وبخت به اليهود أيضا وقرعت عليه ، فإن ~~عندهم في نص التوراة أن النفس بالنفس. وقد خالفوا حكم ذلك عمدا وعنادا ~~فأقادوا النضري من القرظي ، ولم يقيدوا القرظي من النضري وعدلوا إلى الدية ~~، كما خالفوا حكم التوراة في رجم الزاني المحصن ، وعدلوا إلى ما اصطلحوا ~~عليه من الجلد والتحميم والإشهار. ولهذا قال هناك ( @QUR@09 ومن لم يحكم ~~بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون )، لأنهم جحدوا حكم الله قصدا منهم ~~وعنادا وعمدا. وقال هنا في تتمة الآية ( @QUR@03 فأولئك هم الظالمون ). ~~لأنهم لم ينصفوا المظلوم من الظالم في الأمر الذي أمر الله بالعدل والتسوية ~~بين الجميع فيه ، فخانوا وظلموا وتعدى بعضهم على بعض. # ثم قال : واستدل كثير ممن ذهب من الأصوليين والفقهاء إلى أن شرع من قبلنا ~~شرع لنا بهذه الآية. وذلك إذا حكى مقررا ولم ينسخ. والحكم عندنا على وفقها ~~في الجنايات عند جميع الأئمة. وقال الحسن البصري : هي عليهم وعلى الناس ~~عامة» (1). # 2 استدل جمهور الفقهاء بعموم هذه الآية على أن الرجل يقتل بالمرأة. ويؤيد ~~ذلك ما رواه النسائي وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب في كتاب عمرو ~~بن حزم : أن الرجل يقتل بالمرأة .. وفي رواية للإمام أحمد أن الرجل إذا قتل ~~المرأة لا يقتل بها ، بل تجب ديتها (2). # قال الآلوسى : واستدل بعموم ( @QUR@03 أن النفس بالنفس ) من ms1675 قال : يقتل ~~المسلم بالكافر ، والحر بالعبد ، والرجل بالمرأة ومن خالف استدل بقوله ~~تعالى : # ( @QUR@06 الحر بالحر ، والعبد بالعبد ، والأنثى بالأنثى ) وبقوله ~~صلى الله عليه وسلم «لا يقتل مؤمن بكافر». # وأجاب بعض أصحابنا بأن النص تخصيص بالذكر فلا يدل على نفى ما عداه. ~~والمراد بما روى في الحديث الكافر الحربي وقد روى أنه صلى الله عليه وسلم قتل ~~مسلما بذمي» (3). # 3 استدل العلماء بجريان القصاص في الأطراف لقوله تعالى ( @QUR@04 العين ~~بالعين ، والأنف بالأنف ) إلخ. إلا أنهم قالوا بوجوب استيفاء ما يماثل فعل ~~الجاني بدون تعد أو ظلم فتؤخذ العين اليمنى باليمنى عند وجودها ، ولا تؤخذ ~~اليسرى باليمنى. # وقالوا : إنما تؤخذ العين بالعين إذا فقأها الجاني متعمدا. فإن أصابها ~~خطأ ففيها نصف الدية : إن أصاب العينين معا خطأ ففيهما الدية كاملة. PageV04P172 # ويرى بعضهم أن في عين الأعور الدية كاملة لأن منفعته بها كمنفعة ذي عينين ~~أو قريبة منها. # وقد توسع الإمام القرطبي في بسط هذه المسائل فارجع إليه إن شئت (1). # 4 أخذ العلماء من هذه الآية أن الله تعالى رغب في العفو ، وحض عليه ، ~~وأجزل المثوبة لمن يقوم به فقد قال تعالى ( @QUR@06 فمن تصدق به فهو كفارة ~~له ). أى : فمن تصدق بما ثبت له من حق القصاص فتصدقه كفارة لذنوبه. # وقد وردت في الحض على العفو نصوص كثيرة ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@06 ~~فمن عفا وأصلح فأجره على الله ) (2) وقوله تعالى ( @QUR@08 والكاظمين الغيظ ~~والعافين عن الناس ، والله يحب المحسنين ) (3). # وروى الإمام أحمد عن الشعبي أن عبادة بن الصامت قال : سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول : «ما من رجل يجرح في جسده جراحة فيتصدق بها إلا كفر ~~الله عنه مثل ما تصدق به» (4). # وروى ابن جرير عن أبى السفر قال : دفع رجل من قريش رجلا من الأنصار ، ~~فاندقت ثنيته. فرفعه الأنصارى إلى معاوية. فلما ألح عليه الرجل قال معاوية ~~: شأنك وصاحبك. قال : وأبو الدرداء عند معاوية. فقال أبو الدرداء : سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «ما من مسلم يصاب بشيء من ms1676 جسده ، فيهبه ~~إلا رفعه الله به درجة وحط عنه به خطيئة». فقال الأنصارى : أنت سمعته من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : سمعته أذناى ووعاه قلبي فخلى سبيل ~~القرشي. فقال معاوية : «مروا له بمال» (5) ومن هذه الآية وغيرها نرى أن ~~الإسلام قد جمع فيما شرع من عقوبات بين العدل والرحمة فقد شرع القصاص زجرا ~~للمعتدى. وإشعارا له بأن سوط العقاب مسلط عليه إذا ما تجاوز حده ، جبرا ~~لخاطر المعتدى عليه ، وتمكينا له من أخذ حقه ممن اعتدى عليه. # ومع هذا التمكين التام للمجنى عليه من الجاني فقد رغب الإسلام المجنى ~~عليه في العفو عن الجاني حتى تشيع المحبة والمودة بين أفراد الأمة ، ووعده ~~على ذلك بتكفير خطاياه ، وارتفاع درجاته عند الله تعالى PageV04P173 # وبعد أن بين سبحانه منزلة التوراة وما اشتملت عليه من هدايات وتشريعات ~~أتبع ذلك ببيان منزلة الإنجيل وما اشتمل عليه من مواعظ وأحكام .. فقال ~~تعالى : # ( @QUR@026 وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من ~~التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى ~~وموعظة للمتقين (46) @QUR@016 وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) (47) # وقوله : ( @QUR@01 وقفينا ) معطوف على قوله قبل ذلك ( @QUR@02 أنزلنا ~~التوراة ) وأصل القفو اتباع الأثر : يقال قفاه يقفوه أى : اتبع أثره ، ~~والتقفية : الاتباع ، يقال : قفيته بكذا أى أتبعته. وإنما سميت قافية الشعر ~~قافية ؛ لأنها تتبع الوزن ، والقفا مؤخر الرقبة. ويقال : قفا أثره إذا سار ~~وراءه واتبعه. # قال صاحب الكشاف : قفيته مثل عقبته ، إذا أتبعته. ثم يقال قفيته وعقبته ~~به ، فتعديه إلى الثاني بزيادة الباء. # فإن قلت فأين المفعول الأول في الآية؟ قلت هو محذوف. والظرف الذي هو «على ~~آثارهم» كالساد مسده ، لأنه إذا قفى به على أثره فقد قفى به إياه. والضمير ~~في قوله : ( @QUR@02 على آثارهم ) يعود على النبيين في قوله : ( @QUR@05 ~~يحكم بها النبيون الذين أسلموا ) (1). # وقوله : ( @QUR@01 آثارهم ) جمع أثر وهو العلم الذي يظهر للحس. وآثار ~~القوم : ما أبقوا من أعمالهم. وقوله ms1677 ( @QUR@02 على آثارهم ) تأكيد لمدلول ~~فعل «قفينا» وإيماء إلى سرعة التقفية. # وقوله. ( @QUR@03 لما بين يديه ) أى : لما تقدمه ، لأن ما بين يدي ~~الإنسان كأنه حاضر أمامه. # والمعنى وأتبعنا على آثار أولئك النبيين الذين أسلموا وجوههم لله ، ~~وأخلصوا له العبادة ، والذين كانوا يحكمون بالتوراة كموسى وهارون وداود ~~وسليمان وغيرهم أتبعنا على آثارهم PageV04P174 # بعيسى ابن مريم ناهجا نهجهم في الخضوع والطاعة والإخلاص لله رب العالمين ~~ومصدقا للتوراة التي تقدمته ، ومنفذا لأحكامها إلا ما جاء نسخه في الإنجيل منها. # وفي التعبير بقوله ( @QUR@03 وقفينا على آثارهم ) إشارة إلى أن عيسى ~~عليه السلام لم يكن بدعة من الرسل ، وإنما هو واحد منهم ، جاء على آثار من ~~سبقوه ، سالكا مسلكهم في الدعوة إلى عبادة الله وحده وإلى التحلي بمكارم ~~الأخلاق. # وفي التعبير بقوله ( @QUR@03 بعيسى ابن مريم ) إيذان بأنه محدث كجميع ~~المحدثات ، وأنه قد ولد من أمه كما يولد سائر البشر من أمهاتهم ، وأنه لا ~~نسب له إلا من جهتها ، فليس له أب ، وليس ابنا لله تعالى ، وإنما هو عبد من ~~عباد الله أو جده بقدرته ، وأرسله سبحانه لدعوة الناس إلى توحيده وعبادته. # وقوله : ( @QUR@01 مصدقا ) حال من عيسى عليه السلام : # قال بعض العلماء : «ولو سايرنا الواقع عند النصارى في هذه الأيام ، لكان ~~لذكر كلمة التصديق في هذا المقام معنى أعمق من مجرد التصديق بأصل النزول ، ~~بل بالتنفيذ ، لأن الإنجيل ليس فيه أحكام عملية كثيرة ، فأحكام الأسرة كلها ~~مأخوذة عند النصارى من التوراة ، وليس ثمة نص قاطع في الأناجيل التي بين ~~أيدينا يغاير ما جاء في التوراة من أحكام تتعلق بالأسرة ، ولا بأحكام ~~العقوبات من حدود وقصاصر ولقد رويت عبارات عندهم منسوبة للمسيح عليه السلام ~~تدل على العمل بأحكام التوراة ، مثل قوله عليه السلام «ما جئت لأنقض ~~الناموس» أى التوراة. # وكلمة ( @QUR@02 بين يديه ) تعبير قرآنى ، للدلالة على أن التوراة كانت ~~حاضرة قائمة وقت مجيء عيسى عليه السلام وعلما عنده ، وهو علم خال من التحريف ~~والتبديل ، أوحى الله به إليه. # ولفظ بين يديه في دلالته على الأمر المهيأ القائم من ms1678 الاستعارات الرائعة ~~، ومضمونها أن الأمر معلوم علما يقينا لعيسى بن مريم عليه السلام كعلم ~~المحسوس يكون موضوعا بين يديه (1). # وقوله : ( @QUR@014 وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ، ومصدقا لما بين يديه ~~من التوراة ، وهدى وموعظة للمتقين ) معطوف على ( @QUR@01 قفينا ). # وقد وصف الله تعالى الإنجيل الذي أعطاه لعيسى بخمس صفات : PageV04P175 # أولها : أنه فيه ( @QUR@01 هدى ) أى : فيه هداية للناس إلى الحق الذي متى ~~اتبعوه سعدوا في دنياهم وآخرتهم. # وثانيها : أنه فيه ( @QUR@01 نور ) أى : ضياء يكشف لهم ما التبس عليهم من ~~أمور دينية ودنيوية. # وثالثها : كونه ( @QUR@06 مصدقا لما بين يديه من التوراة ) أى أن الإنجيل ~~مؤيد ومقرر لما جاءت به التوراة من أحكام وآداب وشرائع أنزلها الله فيها. # ورابعها : كونه : ( @QUR@01 هدى ) أى : هو بذاته هدى فضلا على اشتماله عليه. # وخامسها : كونه : ( @QUR@02 موعظة للمتقين ) أى : تذكير لهم بما يرق له ~~القلب ، وتصفو به النفس ، وتنزجر به القلوب عن غشيان المحرمات. # وقوله ( @QUR@02 فيه هدى ) جملة مكونة من خبر مقدم ومبتدأ مؤخر. وقوله ( ~~@QUR@01 ونور ) معطوف على قوله ( @QUR@01 هدى ) والجملة كلها في موضع نصب ~~على أنها حال من الإنجيل. # أى : أعطينا عيسى الإنجيل حالة كونه مشتملا على الهدى والنور. # وقوله : ( @QUR@06 ومصدقا لما بين يديه من التوراة ) حال أيضا من ~~الإنجيل. ولا تكرار بين ( @QUR@01 مصدقا ) الأولى وبين ( @QUR@01 مصدقا ) ~~الثانية ، لأن الأولى لبيان حال عيسى وأنه جاء يدعو الناس إلى التصديق ~~بالتوراة وإلى تنفيذ أحكامها ، والثانية لبيان حال الإنجيل وأنه جاء مقررا ~~لما اشتملت عليه التوراة من أحكام أنزلها الله ، وأن من الواجب على بنى ~~إسرائيل أن يسيروا على هدى هذه الأحكام إلا ما نسخه الإنجيل منها فعليهم أن ~~يتبعوا أحكام الإنجيل فيها. # قال ابن كثير : وقوله : ( @QUR@06 ومصدقا لما بين يديه من التوراة ) أى : ~~متبعا لها غير مخالف لما فيها إلا في القليل. مما بين لبنى إسرائيل بعض ما ~~كانوا يختلفون فيه كما قال تعالى إخبارا عن المسيح أنه قال لبنى إسرائيل : ~~( @QUR@06 ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ). ولهذا كان المشهور من قول ~~العلماء : «أن الإنجيل نسخ بعض أحكام التوراة» (1). # وقوله ms1679 : ( @QUR@03 وهدى وموعظة للمتقين ) معطوف على ما تقدم ومنتظم معه ~~في سلك الحالية. # وقال أولا ( @QUR@02 فيه هدى ) وقال ثانيا ( @QUR@01 هدى ) لزيادة ~~المبالغة في التنويه بشأن الإنجيل ، فهو مشتمل على ما يهدى الناس إلى الحق ~~والخير ، وهو في ذاته هدى ، لأنه منزل من عند الله ، ولأنه بشارة بنبي يرسل ~~من بعد عيسى اسمه أحمد. # قال الفخر الرازي : «وأما كونه ( @QUR@01 هدى ) مرة أخرى ، فلأن اشتمال ~~الإنجيل على البشارة PageV04P176 # بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم سبب لاهتداء الناس إلى نبوته. ولما كان أشد ~~وجوه الاختلاف والمنازعة بين المسلمين وبين اليهود ، والنصارى في ذلك ، لا ~~جرم أعاده الله تعالى مرة أخرى تنبيها على أن الإنجيل يدل دلالة ظاهرة على ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فكان هدى في هذه المسألة التي هي أشد المسائل ~~احتياجا إلى البيان والتقرير. # وأما كونه موعظة : فلاشتمال الإنجيل على النصائح والمواعظ والزواجر ~~البليغة المتأكدة. وإنما خصها بالمتقين ، لأنهم هم الذين ينتفعون بها» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@07 وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ) أمر من ~~الله تعالى لأتباع سيدنا عيسى عليه السلام الذين وجدوا قبل بعثة النبي ~~صلى الله عليه وسلم بأن يحكموا فيما بينهم بمقتضى أحكام الإنجيل بدون تحريف أو ~~تبديل. أما الذين وجدوا بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فمن الواجب عليهم ~~أن يصدقوه ويتبعوا شريعته ، لأن الشريعة التي جاء بها صلى الله عليه وسلم نسخت ~~ما قبلها من شرائع. # قال الآلوسى ما ملخصه ، قوله : ( @QUR@07 وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل ~~الله فيه ) أمر مبتدأ لهم بأن يحكموا ويعلموا بما فيه من الأمور التي من ~~جملتها دلائل رسالته صلى الله عليه وسلم وما قررته شريعته الشريفة من أحكام ، ~~وأما الأحكام المنسوخة فليس الحكم بها حكما بما أنزل الله ، بل هو إبطال ~~وتعطيل له إذ هو شاهد بنسخها وانتهاء وقت العمل بها ، لأن شهادته بصحة ما ~~ينسخها من الشريعة الأحمدية شاهدة بنسخها. واختار كونه أمرا مبتدأ الجبائي. # وقيل هو حكاية للأمر الوارد عليهم بتقدير فعل معطوف على قوله ( @QUR@01 ~~وآتيناه ). # أى : وآتينا ms1680 عيسى ابن مريم الإنجيل فيه هدى ونور وقلنا ليحكم أهل الإنجيل ~~بما أنزل الله فيه. وحذف القول لدلالة ما قبله عليه كثير في الكلام. ومنه ~~قوله تعالى : ( @QUR@08 والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ، سلام عليكم ). # واختار ذلك على بن عيسى. # وقرأ حمزة ( @QUR@01 وليحكم ) بكسر اللام وفتح الميم بأن مضمرة بعد لام ~~كي والمصدر معطوف على ( @QUR@02 هدى وموعظة ) على تقدير كونهما معللين. أى ~~: وآتيناه ليحكم (2). # وقوله : ( @QUR@09 ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) تذييل ~~مقرر ومؤكد لوجوب الامتثال لأحكام الله تعالى . أى : ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله ، فأولئك هم المتمردون الخارجون عن جادة الحق. وعن السنن القويم ، ~~والصراط المستقيم. PageV04P177 # قال أبو حيان : قوله ( @QUR@09 ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الفاسقون ) ناسب هنا ذكر الفسق ، لأنه خرج عن أمر الله تعالى إذ تقدم قوله ~~: ( @QUR@01 وليحكم ) وهو أمر كما قال تعالى للملائكة ( @QUR@012 اسجدوا ~~لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه ). # أى : خرج عن طاعته» (1) وقال صاحب المنار ما ملخصه : وأنت إذا تأملت ~~الآيات السابقة ظهر لك نكتة التعبير بالكفر في الأولى وبوصف الظلم في ~~الثانية ، وبوصف الفسوق في الثالثة. # ففي الآية الأولى كان الكلام في التشريع ، وإنزال الكتاب مشتملا على ~~الهدى والنور ، والتزام الأنبياء وحكماء العلماء بالعمل والحكم به. فكان من ~~المناسب أن يختم الكلام ببيان أن كل معرض عن الحكم به لعدم الإذعان له ، ~~مؤثرا لغيره عليه. يكون كافرا به. # وأما الآية الثانية فلم يكن الكلام فيها في أصل الكتاب الذي هو ركن ~~الإيمان ، بل في عقاب المعتدين على الأنفس أو الأعضاء. فمن لم يحكم بحكم ~~الله في ذلك يكون ظالما في حكمه. # وأما الآية الثالثة فهي في بيان هداية الإنجيل وأكثرها مواعظ وآداب ~~وترغيب في إقامة الشريعة على الوجه الذي يطابق مراد الشارع وحكمته. فمن لم ~~يحكم بهذه الهداية ممن خوطبوا فهم الفاسقون بالمعصية ، والخروج عن محيط ~~تأديب الشريعة (2). # وبعد أن تحدث سبحانه عن التوراة والإنجيل وما فيهما من الهدى والنور ، ~~وأمر ms1681 باتباع تعاليمهما .. عقب ذلك بالحديث عن القرآن الكريم الذي أنزله على ~~رسوله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى : # ( @QUR@029 وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ~~ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق ~~لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا PageV04P178 # @QUR@022 ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم ~~فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (48) ~~@QUR@033 وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك ~~عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ~~ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون (49) @QUR@010 أفحكم الجاهلية يبغون ومن ~~أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ) (50) # قوله : ( @QUR@012 وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من ~~الكتاب ومهيمنا عليه ). معطوف على قوله قبل ذلك ( @QUR@03 إنا أنزلنا ~~التوراة ). # والمراد بالكتاب الأول : القرآن الكريم وأل فيه للعهد. # والمراد بالكتاب الثاني : جنس الكتب السماوية المتقدمة فيشمل التوراة ~~والإنجيل وأل فيه للجنس وقوله ( @QUR@02 ومهيمنا عليه ) أى : رقيبا على ما ~~سبقه من الكتب السماوية المحفوظة من التغيير ، وأمينا وحاكما عليها ؛ لأنه ~~هو الذي يشهد لها بالصحة ويقرر أصول شرائعها. # قال ابن جرير : وأصل الهيمنة الحفظ والارتقاب. يقال : إذا رقب الرجل ~~الشيء وحفظه وشهده : قد هيمن فلان عليه. فهو يهيمن هيمنة ، وهو عليه مهيمن» (1). # وقال صاحب الكشاف : وقرئ ( @QUR@02 ومهيمنا عليه ) بفتح الميم أى هومن ~~عليه بأن حفظ من التغيير والتبديل كما قال تعالى : ( @QUR@09 لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه ). # والذي هيمن عليه هو الله عز وجل . أو الحفاظ في كل بلد ، لو حرف حرف منه ~~أو حركة أو سكون لتنبه له كل أحد ، ولاشمأزوا ، رادين ومنكرين» (2). # والمعنى : لقد أنزلنا التوراة على موسى ، والإنجيل على عيسى ، وأنزلنا ~~إليك يا محمد الكتاب PageV04P179 # الجامع لكل ما اشتملت عليه الكتب السماوية من هدايات وقد أنزلناه ملتبسا ~~بالحق الذي لا يحوم حوله باطل ، وجعلناه ( @QUR@06 مصدقا لما بين يديه من ~~الكتاب ) أى : مؤيدا ms1682 لما في تلك الكتب التي تقدمته : من دعوة إلى عبادة ~~الله وحده ، وإلى التمسك بمكارم الأخلاق. وجعلناه كذلك «مهيمنا عليها» أى : ~~أمينا ورقيبا وحاكما عليها. # فأنت ترى أن الله تعالى قد أشار إلى سمو مكانة القرآن من بين الكتب ~~السماوية بإشارات من أهمها : # أنه سبحانه لم يقل : وقفينا على آثارهم أى على آثار الأنبياء السابقين ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وآتيناه القرآن. كما قال في شأن عيسى ابن مريم ( ~~@QUR@014 وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة ~~وآتيناه الإنجيل ).. إلخ. # لم يقل ذلك في شأن الرسول صلى الله عليه وسلم وفي شأن القرآن الكريم ، وإنما ~~قال : ( @QUR@04 وأنزلنا إليك الكتاب بالحق ) للإشارة إلى معنى استقلاله ~~وعدم تبعيته لغيره من الكتب التي سبقته ، وللإيذان بأن الشريعة التي هذا ~~كتابها هي الشريعة الباقية الخالدة التي لا تقبل النسخ أو التغيير. # وأنه سبحانه لم يزد في تعريف الكتاب الذي أنزله على نبيه محمد ~~صلى الله عليه وسلم على تعريفه بلام العهد فقال : ( @QUR@03 وأنزلنا إليك ~~الكتاب ) للإشارة إلى كماله وتفوقه على سائر الكتب. # أى : أنه الكتاب الذي هو جدير بهذا الاسم ، بحيث إذا أطلق اسم الكتاب لا ~~ينصرف إلا إليه لأنه الفرد الكامل من بين الكتب في هذا الوجود. # وأنه سبحانه قد وصفه بأنه قد أنزله ملتبسا بالحق والصدق ، وأنه مؤيد ~~ومقرر لما اشتملت عليه الكتب السماوية من الدعوة إلى الحق والخير ، وأنه ~~فضلا عن كل ذلك أمين على تلك الكتب ، وحاكم عليها ، فما أيده من أحكامها ~~وأقوالها فهو حق ، وما لم يؤيده منها فهو باطل. # قال ابن كثير : جعل الله هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها ~~، جعله أشملها وأعظمها وأكملها ، لأنه سبحانه جمع فيه محاسن ما قبله من ~~الكتب وزاد فيه من الكمالات ما ليس في غيره ، فلهذا جعله شاهدا وأمينا ~~وحاكما عليها كلها ، وتكفل سبحانه بحفظه بنفسه فقال : ( @QUR@07 إنا نحن ~~نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) (1). # وقوله : ( @QUR@012 فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك ~~من ms1683 الحق ) أمر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يلتزم في حكمه بين ~~الناس الأحكام التي أنزلها سبحانه PageV04P180 # والفاء في قوله : ( @QUR@01 فاحكم ) للإفصاح عن شرط مقدر. # أى : إذا كان شأن القرآن كما ذكرت لك يا محمد فاحكم بين هؤلاء اليهود ~~وبين غيرهم من الناس بما أنزله الله من أحكام ، فإن ما أنزله هو الحق الذي ~~لا باطل معه ، ولا تتبع في حكمك أهواء هؤلاء اليهود وأشباههم لأن اتباعك ~~لأهوائهم يجعلك منحرفا ومائلا عما جاءك من الحق الذي لا مرية فيه ولا ريب. ~~ولم يقل سبحانه «فاحكم بينهم به» بل ترك الضمير وعبر بالموصول فقال : ( ~~@QUR@05 فاحكم بينهم بما أنزل الله ) للتنبيه على علية ما في حيز الصلة ~~للحكم ، لأن الموصول إذا كان في ضمن حكم تكون الصلة هي علة الحكم. # أى : التزم في حكمك بينهم بما يؤيده القرآن لأنه الكتاب الذي أنزله الله عليك. # قال بعض العلماء : «وهذا يفيد أن اليهود الذين عاشروا النبي ~~صلى الله عليه وسلم ومن جاءوا بعدهم مخاطبون بشريعة القرآن ، وأنه نسخ ما قبله ~~من الشرائع إلا ما جاء النص بوجوب العمل به كالقصاص ، أو ما لم يثبت أنه ~~نسخ والمعول عليه في الحالين هو القرآن وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ولقد روى أنه عليه السلام ذكر أن موسى لو كان حيا ما وسعه إلا الإيمان به ~~عليه السلام » (1). # والضمير في قوله ، ( @QUR@01 أهواءهم ) يعود إلى أولئك اليهود الذين ~~كانوا يتحاكمون إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا بقصد الوصول إلى الحق ، وإنما ~~بقصد الوصول إلى ما يسهل عليهم احتماله من أحكام. # قال الآلوسى : والنهى يجوز أن يكون لمن لا يتصور منه وقوع المنهي عنه ، ~~ولا يقال : كيف نهى صلى الله عليه وسلم عن اتباع أهوائهم ، وهو ~~صلى الله عليه وسلم معصوم عن ارتكاب ما دون ذلك. وقيل الخطاب له ~~صلى الله عليه وسلم والمراد سائر الحكام» (2). # وقوله : ( @QUR@05 لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) استئناف جيء به لحمل ~~أهل الكتاب على الانقياد لحكمه صلى ms1684 الله عليه وسلم بما أنزل الله إليه من الحق. # والشرعة والشريعة بمعنى واحد. وهي في الأصل الطريق الظاهر الموصل للماء. ~~والمراد بها هنا ما اشتمل عليه الدين من أحكام تكليفية يجب العمل بها أمرا ~~ونهيا وندبا وإباحة. وسمى ما اشتمل عليه الدين من أحكام شريعة تشبيها ~~بشريعة الماء. من حيث إن كلا منهما سبب الحياة. إذ أن الشريعة الدينية سبب ~~في حياة الأرواح حياة معنوية. كما أن الماء سبب في حياة الأرواح حياة مادية. PageV04P181 # والمنهاج : الطريق الواضح في الدين ، من نهج الأمر ينهج إذا وضح. والعطف ~~باعتبار جمع الأوصاف. # قال بعضهم. هما كلمتان بمعنى واحد والتكرير للتأكيد. # وقيل : ليستا بمعنى واحد. فالشرعة ابتداء الطريق. والمنهاج الطريق ~~المستقيم. # وقوله : ( @QUR@01 منكم ) متعلق بمحذوف وقع صفة لما عوض عنه تنوين «كل». # أى : لكل أمة من الأمم الحاضرة والماضية وضعنا شرعة ومنهاجا خاصين بها ، ~~فالأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما السلام ، كانت شرعتها ~~ما في التوراة من أحكام. والأمة التي كانت من مبعث عيسى إلى مبعث محمد ~~عليهما الصلاة والسلام كانت شرعتها ما في الإنجيل. وأما هذه الأمة ~~الإسلامية فشريعتها ما في القرآن من أحكام ، لأنه مشتمل على ما جاء في ~~الكتب السابقة عليه من أصول الدين وكلياته التي لا تختلف باختلاف الأزمنة ~~والأمكنة وزاد عليها ما يناسب العصر الذي نزل فيه ، والعصور التي تلت ذلك ~~إلى يوم القيامة. # وأهل الكتاب إنما أمروا بأن يتحاكموا إلى كتبهم قبل نسخها بالقرآن الكريم ~~، أما بعد نزوله ومجيء النبي صلى الله عليه وسلم خاتما للرسالات السماوية ، ~~فقد أصبح من الواجب عليهم الدخول في الإسلام ، واتباع رسوله محمد ~~صلى الله عليه وسلم في كل ما أمر به أو نهى عنه ، وليس لأحد بعد بعثته ~~صلى الله عليه وسلم إيمان مقبول إلا باتباعه وتصديقه في جميع أقواله وأعماله. # والاختلاف في الشرائع إنما يكون فيما يتعلق ببعض الأوامر والنواهي ، ~~وببعض وجوه الحلال والحرام ، وبغير ذلك من فروع الشريعة ، فقد يحرم الله ~~شيئا على قوم عقوبة لهم ms1685 ، ويحله لقوم آخرين تخفيفا عنهم ، كما قال تعالى : ~~( @QUR@028 وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ، ومن البقر والغنم حرمنا ~~عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك ~~جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون ) (1). # وكما قال تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام : ( @QUR@06 ولأحل لكم بعض الذي ~~حرم عليكم ) (2). # أما ما يتعلق بأصول الشريعة ، وجوهر الدين ، وأساس العقيدة كالأمر بعبادة ~~الله وحده ، PageV04P182 # والتحلي بمكارم الأخلاق ، فلا يتعلق به اختلاف في أى شريعة من الشرائع ، ~~أو أى دين من الأديان. # وقد تكلم عن هذا المعنى الإمام ابن كثير فقال : قوله : ( @QUR@05 لكل ~~جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) هذا إخبار عن الأمم المختلفة الأديان باعتبار ما ~~بعث الله به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام المتفقة في ~~التوحيد. كما ثبت في صحيح البخاري عن أبى هريرة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم ~~واحد» يعنى بذلك التوحيد الذي بعث الله به كل رسول أرسله ، وضمنه كل كتاب ~~أنزله ، كما قال تعالى : ( @QUR@015 وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي ~~إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) (1). وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر ~~والنواهي فقد يكون الشيء في هذه الشريعة حراما ثم يحل في الشريعة الأخرى. ~~كما قال تعالى في شأن شريعة عيسى : ( @QUR@06 ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ~~) وبالعكس ، قد يكون الشيء حلالا في هذه الشريعة ثم يحرم في شريعة أخرى ، ~~فيزداد في الشدة في هذه دون هذه ، وذلك لما له تعالى في ذلك من الحكمة ~~البالغة ، والحجة الدامغة» (2). # وقال الآلوسى ما ملخصه : وقوله : ( @QUR@05 لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ~~) الخطاب فيه كما قال جماعة من المفسرين للناس كافة الموجودين والماضين ~~بطريق التغليب. واستدل بالآية من ذهب إلى أننا غير متعبدين بشرائع من قبلنا ~~، لأن الخطاب يعم الأمم ، واللام للاختصاص فيكون لكل أمة دين يخصها. # والتحقيق في هذا المقام أننا متعبدون بأحكام الشرائع السابقة من حيث إنها ~~أحكام شريعتنا لا من حيث إنها شريعة للأولين» ms1686 (3). # ثم بين سبحانه بعض مظاهر قدرته ، وبالغ حكمته فقال : ( @QUR@011 ولو شاء ~~الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم ). # ومفعول المشيئة هنا محذوف لدلالة الجزاء عليه. # وقوله : ( @QUR@02 ولكن ليبلوكم ) متعلق بمحذوف يستدعيه المقام. # والابتلاء : الاختبار والامتحان ليميز المطيع من العاصي. # والمعنى : لو شاء الله تعالى أن يجعل الأمم جميعا أمة واحدة تدين بدين ~~واحد وبشريعة PageV04P183 # واحدة لفعل ، لأنه سبحانه لا يعجزه شيء ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك ، وإنما ~~شاء أن يجعلكم أمما متعددة ليختبركم فيما آتاكم من شرائع مختلفة في بعض ~~فروعها ولكنها متحدة في جوهرها وأصولها فيجازى من أطاعه بما يستحقه من ثواب ~~؛ ويجازى من خالف أمره بما يستحقه من عذاب. # وقوله : ( @QUR@02 فاستبقوا الخيرات ) حض منه سبحانه لعباده على الاجتهاد ~~في فعل الطاعات. # أى إذا كان الأمر كما وصفت لكم. فسارعوا إلى القيام بالأعمال الصالحة ~~التي تسعدكم في الدنيا والآخرة ، وتنافسوا في تحصيلها بكل عزيمة ونشاط ~~لتنالوا رضا الله تعالى وجزيل مثوبته. # ( @QUR@01 فاستبقوا ) بمعنى فتسابقوا ، ولتضمنه معنى السبق والابتدار ~~تعدى بنفسه من غير إلى كما في قوله تعالى ( @QUR@02 واستبقا الباب ) أى : ~~حاول كل واحد منهما الابتدار والوصول إلى الباب قبل الآخر. # وقوله ( @QUR@09 إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ) ~~استئناف مسوق مساق التعليل لاستباق الخيرات. # وقوله ( @QUR@01 فينبئكم ) أى فيخبركم والمراد بالإنباء والإخبار هنا ~~المجازاة على الأعمال ، وإنما عبر عنها بالإنباء لوقوعها موقع إزالة ~~الاختلاف التي هي وظيفة الأنبياء. # أى : إلى الله وحده مصيركم ومرجعكم ، فيخبركم عند الحساب بما كنتم ~~تختلفون فيه في الدنيا ، ويجازيكم بما تستحقون : فأما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فلهم منه سبحانه جزيل الثواب. وأما الذين طغوا وآثروا الحياة ~~الدنيا فلهم منه شديد العقاب. # ثم كرر سبحانه الأمر لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بأن يحكم بين اليهود ~~وغيرهم بما أنزله الله تعالى وحذره من مكرهم وكيدهم فقال : ( @QUR@018 وأن ~~احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما ~~أنزل الله إليك ). # أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضى الله ms1687 عنهما قال : قال كعب بن أسد وابن ~~صوريا وشاس بن قيس بعضهم لبعض : اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه : ~~فأتوه فقالوا : يا محمد ، إنك قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم وساداتهم ~~وإنا إن اتبعناك اتبعك يهود ولم يخالفونا. وإن بيننا وبين قومنا خصومة ~~فنحاكمهم إليك فتقضى لنا عليهم ، ونؤمن لك ونصدق فأبى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ذلك. فأنزل الله فيهم : ( @QUR@09 وأن احكم بينهم بما أنزل ~~الله ولا تتبع أهواءهم ) PageV04P184 # إلى قوله : ( @QUR@07 ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ) (1). # وقوله : ( @QUR@06 وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) في محل نصب عطفا على ~~الكتاب في قوله : ( @QUR@04 وأنزلنا إليك الكتاب بالحق ). # وقوله : ( @QUR@02 أن يفتنوك ) بدل اشتمال من المفعول في ( @QUR@01 ~~واحذرهم ) كأنه قيل : واحذر فتنتهم كما تقول : أعجبنى زيد علمه. # والمراد بالفتنة هنا محاولة إضلاله وصرفه عن الحكم بما أنزل الله. # والمعنى : وأنزلنا إليك الكتاب يا محمد فيه حكم الله ، وأنزلنا إليك فيه ~~أن أحكم بينهم بما أنزل الله ، ولا تتبع أهواء هؤلاء اليهود الذين اتخذوا ~~دينهم لهوا ولعبا ، واحذرهم أن يضلوك أو يصدوك عن بعض ما أنزلناه إليك ولو ~~كان أقل قليل ؛ بأن يصوروا لك الباطل في صورة الحق ، أو بأن يحاولوا حملك ~~على الحكم الذي يناسب شهواتهم : # وقد كرر سبحانه على نبيه صلى الله عليه وسلم وجوب التزامه في أحكامه بما ~~أنزل الله ، لتأكيد هذا الأمر في مقام يستدعى التأكيد ، لأن اليهود كانوا ~~لا يكفون عن محاولتهم فتنته صلى الله عليه وسلم وإغراءه بالميل إلى الأحكام ~~التي تتفق مع أهوائهم ، ولأنه قد جاء في الآية السابقة ما قد يوهم بأن لكل ~~قوم شريعة خاصة بهم ( @QUR@05 لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) وأن حكم ~~القرآن ليس له صفة العموم فأراد سبحانه أن ينفى هذا الوهم نفيا واضحا وأن ~~يؤكد أن شريعة القرآن هي الشريعة العامة الخالدة التي يجب أن يتحاكم إليها ~~الناس في كل زمان ومكان ، لأنها نسخت ما سبقها من شرائع. # وقوله تعالى ( @QUR@09 واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل ms1688 الله إليك ) ~~تيئيس لأولئك اليهود الذين حاولوا إغراء الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقضى ~~لهم بما يرضيهم لكي يتبعوه ، ونهى له صلى الله عليه وسلم ولأتباعه عن ~~الاستجابة لأهواء هؤلاء ولو في أقل القليل مما يتنافى مع الحق الذي أمره ~~الله تعالى بالسير عليه في القضاء بين الناس. # ثم بين سبحانه سوء عاقبة كل من يعرض عن حكم الله تعالى فقال : ( @QUR@010 ~~فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ). # أى : فإن تولوا عن حكمك ، وأعرضوا عنك بعد تحاكمهم إليك وأرادوا الحكم ~~بغير ما أنزل الله. فاعلم أن حكمة الله قد اقتضت أن يعاقبهم بسبب بعض هذه ~~الذنوب التي اقترفوها بتوليهم عن حكم الله ، وإعراضهم عنك ، وانصرافهم عن ~~الهدى والرشاد إلى الغي والضلال ، لأن الأمة التي لا تخضع لأحكام شرع الله ~~، وتسير وراء لذائذها ومتعها وشهواتها وأهوائها PageV04P185 # الباطلة ، لا بد أن يصيبها العقاب الشديد بسبب ذلك. # وعبر سبحانه عما يصيبهم من عقاب بأنه بسبب ارتكابهم لبعض الذنوب ، ~~للإشارة بأن لهم ذنوبا كثيرة بعضها كاف لإنزال العقوبة الشديدة بهم. # وقوله : ( @QUR@05 وإن كثيرا من الناس لفاسقون ) اعتراض تذييلى مقرر ~~لمضمون ما قبله ، ومتضمن تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما لقيه من مخالفيه ~~ولا سيما اليهود. # أى : وإن كثيرا من الناس لخارجون عن طاعتنا ، ومتمردون على أحكامنا ، ~~ومتبعون لخطوات الشيطان الذي استحوذ عليهم ، وإذا كان الأمر كذلك فلا تبتئس ~~يا محمد عما لقيته من أصحاب النفوس المريضة ، بل اصبر حتى يحكم الله بينك ~~وبينهم. # ثم ختم سبحانه هذه الآية الكريمة بتوبيخ أولئك الذين يرغبون عن حكم الله ~~إلى حكم غيره فقال : ( @QUR@03 أفحكم الجاهلية يبغون ). # فالهمزة هنا للاستفهام الإنكارى التوبيخي. والفاء للعطف على مقدر يستدعيه ~~المقام. # والمعنى : أينصرفون عن حكمك بما أنزل الله ويعرضون عنه فيبغون حكم ~~الجاهلية مع أن ما أنزله الله إليك من قرآن فيه الأحكام العادلة التي ترضى ~~كل ذي عقل سليم ، ومنطق قويم. # وقدم سبحانه المفعول «أفحكم» لإفادة التخصيص المفيد لتأكيد الإنكار ~~والتعجيب من أحوال أولئك اليهود ms1689 الذين يريدون حكم الجاهلية. # إذ أن التولي عن حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حكم آخر منكر عجيب. ~~وطلب حكم الجاهلية أقبح وأعجب. # والمراد بالجاهلية : الملة الجاهلية التي هي متابعة الهوى ، والمداهنة في ~~الأحكام ، فيكون ذلك توبيخا لليهود بأنهم مع كونهم أهل كتاب ؛ يبغون حكم ~~الملة الجاهلية. وعدم الأخذ بشريعة المساواة. فيكون ذلك أيضا تعييرا لهم ~~لاقتدائهم بأهل الجاهلية. # قال الآلوسى : فقد روى أن بنى النضير لما تحاكموا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في خصومة قتيل وقعت بينهم وبين بنى قريظة ، طلب بعضهم من ~~رسول الله أن يحكم بينهم بما كان عليه أهل الجاهلية من التفاضل ، فقال ~~صلى الله عليه وسلم : «القتلى سواء» أى : متساوون فقال بنو النضير : نحن لا ~~نرضى بحكمك ، فنزلت هذه الآية» (1). # وقوله تعالى ( @QUR@07 ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ) إنكار منه ~~سبحانه لأن يكون هناك حكم أحسن من حكمه أو مساو له. PageV04P186 # أى : لا أحد أحسن حكما من حكم الله تعالى عند قوم يوقنون بصحة دينه ، ~~ويذعنون لتكاليف شريعته ، ويقرون بوحدانيته ، ويتبعون أنبياءه ورسله. # فاللام في قوله : ( @QUR@01 لقوم ) بمعنى عند ، وهي متعلقة بأحسن ، ~~ومفعول ( @QUR@01 يوقنون ) محذوف أى لقوم يوقنون بحكمه وأنه أعدل الأحكام. ~~والجملة حالية متضمنة لمعنى الإنكار السابق. # وخص سبحانه الموقنين بالذكر ، لأنهم هم الذين يحسنون التدبر فيما شرعه ~~الله من أحكام ، وينتفعون بما اشتملت عليه من عدل ومساواة. # هذا ، وقد شدد الإمام ابن كثير النكير على الذي يرغبون عن حكم الله إلى ~~أحكام من عند البشر ، ووصف من يفعل ذلك بالكفر ، وأفتى بوجوب مقاتلته حتى ~~يرجع إلى حكم الله ورسوله فقال رحمه الله : # «ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر ~~وعدل عنه إلى ما سواه من الآراء والأهواء والإصلاحات التي وضعها الرجال بلا ~~مستند من شريعة الله ، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات ~~والجهالات. # مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم ، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية ~~المأخوذة عن ملكهم ms1690 «جنكزخان» الذي وضع لهم «الباسق» وهو عبارة عن كتاب ~~مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى. فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونه ~~على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فمن فعل ذلك منهم فهو ~~كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله ، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير. # قال تعالى ( @QUR@010 أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم ~~يوقنون ) أى : ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه وآمن به ~~وأيقن. وعلم أنه سبحانه أحكم الحاكمين ، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها؟ ~~فإنه تعالى هو العالم بكل شيء ، والقادر على كل شيء ، والعادل في كل شيء. # روى الطبراني عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبغض ~~الناس إلى الله تعالى من يبتغى في الإسلام سنة الجاهلين ومن طلب دم امرئ ~~بغير حق ليريق دمه (1). # وإلى هنا نرى الآيات الكريمة قد كشفت «باستفاضة» عن المسالك الخبيثة التي ~~سلكها اليهود وأشباههم لكيد الإسلام والمسلمين. # فأنت تراها في مطلعها قد نادت الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا النداء وأمرته ~~بعدم المبالاة بما يصدر عن PageV04P187 # أولئك الذين يسارعون في الكفر من مكر وخداع ووصفهم بجملة من الصفات ~~القبيحة التي تجعل كل عاقل ينفر من الاقتراب منهم ، وخيرت الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بين الحكم بينهم أو الإعراض عنهم إذا ما تحاكموا إليه. # ووبخت اليهود على إعراضهم عن الأحكام العادلة التي أنزلها الله تعالى ~~ووصفت المعرضين عن حكمه سبحانه بالكفر تارة وبالظلم تارة وبالفسق تارة أخرى. # وبعد أن مدحت التوراة والإنجيل ، وبينت بعض ما اشتملا عليه من هدايات ... ~~عقبت ذلك ببيان منزلة القرآن الكريم وأنه الكتاب الجامع في هدايته وفضله ~~وتشريعاته لكل ما جاء في الكتب السابقة. # ثم ختمت بتكرير الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يلتزم في أحكامه بما ~~أنزله الله ، وبتحذيره وتحذير أتباعه من خداع أعدائهم ومكرهم ، وتتوعد كل ~~من يرغب عن حكم الله إلى حكم غيره ، بسوء العاقبة ms1691 ، وشديد العذاب. # وبعد هذا الحديث المستفيض عن الكتب السماوية : وعن وجوب الحكم بما أنزل ~~الله ، وعن المسالك الخبيثة التي استعملها اليهود ومن على شاكلتهم لكيد ~~الدعوة الإسلامية بعد كل ذلك وجه سبحانه نداء إلى المؤمنين حذرهم فيه من ~~موالاة أعدائهم فقال تعالى : # ( @QUR@023 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم ~~أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (51) ~~@QUR@028 فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا ~~دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في ~~أنفسهم نادمين (52) @QUR@015 ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله ~~جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين ) (53) PageV04P188 # ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات الكريمة روايات منها : # ما رواه السدى من أنها نزلت في رجلين قال أحدهما لصاحبه بعد واقعة أحد : ~~أما أنا فإنى ذاهب إلى ذلك اليهودي فأواليه وأتهود معه لعله ينفعني إذا وقع ~~أمر أو حدث حادث. وقال الآخر : وأما أنا فإنى ذاهب إلى فلان النصراني ~~بالشام فأواليه وأتنصر معه. فأنزل الله تعالى الآيات. # وقال عكرمة : نزلت في أبى لبابة بن عبد المنذر ، حين بعثه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : إلى بنى قريظة فسألوه : ماذا هو صانع بنا؟ فأشار بيده ~~إلى حلقه ، أى : إنه الذبح. # وقيل نزلت في عبد الله بن أبى بن سلول فقد أخرج ابن جرير عن عطية بن سعد ~~قال : جاء عبادة بن الصامت من بنى الحارث بن الخزرج إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن لي موالي من يهود كثير عددهم. وإنى ~~أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود وأتولى الله ورسوله. فقال عبد الله بن ~~أبى : إنى رجل أخاف الدوائر ، لا أبرأ من ولاية موالي. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبى : يا أبا الحباب ، ما بخلت به من ولاية ~~يهود على عبادة بن الصامت فهو إليك دونه قال : قد قبلت. فأنزل ms1692 الله تعالى : ~~( @QUR@011 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم ~~أولياء ... ) إلى قوله : ( @QUR@01 نادمين ) (1). # والخطاب في قوله عز وجل : ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أولياء ) للمؤمنين جميعا في كل زمان ومكان ، إذ العبرة بعموم ~~اللفظ لا بخصوص السبب. # الأولياء جمع ولى ويطلق بمعنى النصير والصديق والحبيب. # والمراد بالولاية هنا : مصافاة أعداء الإسلام والاستنصار بهم ، والتحالف ~~معهم دون المسلمين. # أى : يا أيها الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. ، لا ~~يتخذ أحد منكم أحدا من اليهود والنصارى وليا ونصيرا ، أى : لا تصافوهم ~~مصافاة الأحباب ، ولا تستنصروا بهم ، فإنهم جميعا يد واحدة عليكم ، يبغونكم ~~الغوائل ، ويتربصون بكم الدوائر ، فكيف يتوهم بينكم وبينهم موالاة؟. # وقد نادى سبحانه المؤمنين بصفة الإيمان ، لحملهم من أول الأمر على ~~الانزجار عما نهوا عنه ، إذ أن وصفهم بما هو ضد صفات الفريقين اليهود ~~والنصارى من أقوى الزواجر عن موالاتهما : PageV04P189 # وقوله : ( @QUR@03 بعضهم أولياء بعض ) جملة مستأنفة بمثابة التعليل للنهى ~~، والتأكيد لوجوب اجتناب المنهي عنه. # أى لا تتخذوا أيها المؤمنون اليهود والنصارى أولياء ، لأن بعض اليهود ~~أولياء لبعض منهم ، وبعض النصارى أولياء لبعض منهم ، والكل يضمرون لكم ~~البغضاء والشر ، وهم وإن اختلفوا فيما بينهم ، لكنهم متفقون على كراهية ~~الإسلام والمسلمين. # وقوله ( @QUR@05 ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) تنفير من موالاة اليهود ~~والنصارى بعد النهى عن ذلك. # والولاية لليهود والنصارى إن كانت على سبيل الرضا بدينهم ، والطعن في دين ~~الإسلام ، كانت كفرا وخروجا عن دين الإسلام. # وإلى هذا المعنى أشار ابن جرير بقوله : قوله : ( @QUR@05 ومن يتولهم منكم ~~فإنه منهم ) أى : ومن يتول اليهود والنصارى دون المؤمنين فإنه منهم ، فإنه ~~لا يتولى متول أحدا إلا وهو به وبدينه راض. وإذا رضى دينه ، فقد عادى من ~~خالفه وسخطه. وصار حكمه حكمه». # وإذا كانت الولاية لهم ليست على سبيل الرضا بدينهم وإنما هي على سبيل ~~المصافاة والمصادقة كانت معصية تختلف درجتها بحسب قوة الموالاة وبحسب ~~اختلاف أحوال المسلمين وتأثرهم بهذه الموالاة. # قال الفخر الرازي : قوله : ( @QUR@05 ومن يتولهم منكم فإنه ms1693 منهم ) قال ~~ابن عباس : يريد كأنه مثلهم. وهذا تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبة ~~المخالف في الدين. # روى عن أبى موسى الأشعرى أنه قال : قلت لعمر بن الخطاب رضى الله عنه إن ~~لي كاتبا نصرانيا فقال : مالك؟ قاتلك الله ، ألا اتخذت حنيفيا أما سمعت قول ~~الله تعالى ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى ~~أولياء ) قلت : له دينه ولى كتابته. فقال : لا أكرمهم إذ أهانهم الله ، ولا ~~أعزهم إذ أذلهم الله. ولا أدنيهم إذ أبعدهم الله قلت لا يتم أمر البصرة إلا ~~به. فقال : مات النصراني والسلام. # يعنى : هب أنه مات فما تصنع بعد ، فما تعمله بعد موته فاعمله الآن واستغن ~~عنه بغيره» (1). # وقوله : ( @QUR@06 إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) تعليل لكون من ~~يواليهم منهم وتأكيد للنهى عن موالاتهم. PageV04P190 # أى : إن الله لا يهدى القوم الظالمين لأنفسهم إلى الطريق المستقيم ، ~~وإنما يخليهم وشأنهم فيقعون في الكفر والضلال ، والفسوق والعصيان ، بسبب ~~وضعهم الولاية في غير موضعها الحق ، وسيرهم في طريق أعداء الله. # وبعد هذا النهى الشديد عن موالاة أعداء الله ، صور القرآن حالة من حالات ~~المنافقين بين فيها كيفية توليهم لأعداء الله ، وأشعر بسببه فقال : ( ~~@QUR@012 فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا ~~دائرة ). # والدائرة : من الصفات الغالبة التي لا يذكر معها موصوفها. وأصلها داورة. ~~لأنها من دار يدور. ومعناها لغة : ما أحاط بالشيء. والمراد بها هنا : ~~المصيبة من مصائب الدهر التي تحيط بالناس كما تحيط الدائرة بما في داخلها. # والمعنى : فترى يا محمد أولئك المنافقين الذين ضعف إيمانهم ، وذهب يقينهم ~~، يسارعون في مناصرة أعداء الإسلام مسارعة الداخل في الشيء ، قائلين في ~~أنفسهم أو للناصحين لهم بالثبات على الحق : اتركونا وشأننا فإننا نخشى أن ~~تنزل بنا مصيبة من المصائب التي يدور بها الزمان كأن تمسنا أزمة مالية ، أو ~~ضائقة اقتصادية ، أو أن يكون النصر في النهاية لهؤلاء الذين نواليهم فنحن ~~نصادقهم ونصافيهم لنتقى شرهم ، ولننال عونهم عند الملمات والضوائق. # قال الجمل : والفاء في قوله ( @QUR@01 فترى ) إما ms1694 للسببية المحضة : أى : ~~بسبب أن الله لا يهدى القوم الظالمين المتصفين بما ذكر ( @QUR@07 فترى ~~الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم ) وإما للعطف على قوله : ( @QUR@06 إن ~~الله لا يهدي القوم الظالمين ) من حيث المعنى. # والرؤية في قوله ( @QUR@01 فترى ). بصرية ، فتكون جملة يسارعون حال. ~~وقيل علمية فتكون جملة يسارعون مفعولا ثانيا. والأول أنسب بظهور نفاقهم. # وقوله : ( @QUR@05 يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ) حال من ضمير يسارعون (1). # والتعبير بقوله : ( @QUR@03 في قلوبهم مرض ) تعبير قوى رائع ، وصف القرآن ~~به المنافقين وأشباههم في الكفر والضلال في مواطن كثيرة ، لأنه لما كانت ~~قوة القلب تضرب مثلا للثبات والتماسك. كان ضعف القلب الذي عبر عنه بالمرض ~~يضرب مثلا للخور ، والتردد والتزلزل ، وانهيار النفس. # وهذه طبيعة المنافقين ومن على شاكلتهم في كل زمان ومكان. إنهم لا يمكن أن ~~يكونوا صرحاء في انحيازهم إلى ناحية معينة. وإنما هم يترددون بين الناحيتين ~~، ويلتمسون الحظوة في PageV04P191 # الجانبين فهم كما يقال : يصلون خلف على ويأكلون على مائدة معاوية وأبلغ ~~من كل ذلك وصف الله لهم بقوله : ( @QUR@09 مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ~~ولا إلى هؤلاء ). # والتعبير بقوله سبحانه ترى .. تصوير للحال الواقعة منهم بأنها كالمرئية ~~المكشوفة التي لا تخفى على العقلاء البصراء. # وفي ذلك تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتحذير له ولأصحابه من مكر أولئك ~~الذين في قلوبهم مرض. # والتعبير بقوله : ( @QUR@02 يسارعون فيهم ) يشير إلى أنهم لا يدخلون ~~ابتداء في صفوف الأعداء «وإنما هم منغمرون فيهم دائما» ولا يخرجون عن ~~دائرتهم بل ينتقلون في صفوفهم بسرعة ونشاط من دركة إلى دركة ، ومن إثم إلى آثام. # وقوله تعالى حكاية عنهم : ( @QUR@05 يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ) بيان ~~لما اعتذروا به من معاذير كاذبة تدل على سقوط همتهم ، وقلة ثقتهم بما وعد ~~الله به المؤمنين من حسن العاقبة. # ولذا فقد رد الله عليهم بما يكبتهم ، وبما يزيد المؤمنين إيمانا على ~~إيمانهم فقال تعالى : ( @QUR@016 فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ~~فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ). # وعسى : لفظ يدل على الرجاء والطمع ms1695 في الحصول على المأمول ، وإذا صدر من ~~الله تعالى كان متحقق الوقوع لأنه صادر من أكرم الأكرمين الذي لا يخلف وعده ~~، ولا يخيب من رجاه. # والفتح يطلق بمعنى التوسعة بعد الضيق كما في قوله : ( @QUR@011 ولو أن ~~أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء ). ويطلق بمعنى ~~الفصل بين الحق والباطل. ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@06 ربنا افتح بيننا ~~وبين قومنا بالحق ) ويطلق بمعنى الظفر والنصر كما في قوله تعالى ( @QUR@05 ~~إنا فتحنا لك فتحا مبينا ). # ولفظ الفتح هنا يشمل هذه الأمور الثلاثة فهو سعة بعد ضيق ، وفصل بين حق ~~وباطل ، ونصر بعد جهاد طويل. # والمعنى : لا تهتموا أيها المؤمنون بمسارعة هؤلاء الذين في قلوبهم مرض ~~إلى صفوف أعدائكم وارتمائهم في أحضانهم خشية أن تصيبهم دائرة ، فلعل الله ~~عز وجل بفضله وصدق وعده أن يأتى بالخير العميم والنصر المؤزر الذي يظهر ~~دينه. ويجعل كلمته هي العليا .. أو يأتى بأمر من عنده لا أثر لكم فيه ~~فيزلزل قلوب أعدائكم ، وينصركم عليهم ، ويجعل الهزيمة والندم للموالين ~~لأعدائكم ، وبسبب شكهم في أن تكون العاقبة للإسلام والمسلمين. # ولقد صدق الله وعده ، ففضح المنافقين وأذلهم ، وأنزل الهزيمة باليهود ، ~~وأورث المؤمنين PageV04P192 # أرضهم وديارهم وأموالهم. # وقد جاء التعبير في قوله تعالى : ( @QUR@05 فعسى الله أن يأتي بالفتح ) ~~بصيغة الرجاء ، لتعليم المؤمنين عدم اليأس من رحمة الله ، ومن مجيء نصره ، ~~ولتعويدهم على أن يتوجهوا إليه سبحانه في مطالبهم بالرجاء الصادق ، والأمل ~~الخالص. # قال الفخر الرازي : فإن قيل : شرط صحة التقسيم أن يكون ذلك بين قسمين ~~متنافيين. # وقوله : ( @QUR@09 فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ) ليس كذلك ، ~~لأن الإتيان بالفتح داخل في قوله : ( @QUR@04 أو أمر من عنده ). # قلنا : قوله : ( @QUR@04 أو أمر من عنده ) معناه : أو أمر من عنده لا ~~يكون للناس فيه فعل ألبتة ، كبني النضير الذين طرح الله في قلوبهم الرعب ~~فأعطوا بأيديهم من غير محاربة ولا عسكر (1). # والضمير في قوله : ( @QUR@01 فيصبحوا ) يعود على أولئك المنافقين الذين ~~في قلوبهم مرض والجملة معطوفة على ( @QUR@02 أن يأتي ) داخل معه في حيز ms1696 خبر عسى. # وعبر سبحانه عن ندمهم بالوصف ( @QUR@01 نادمين ) لا بالفعل ، للإيذان ~~بأنه ندم دائم تصحبه الحسرات والآلام المستمرة ، بسبب ما وقعوا فيه من ظن ~~فاسد ، وأمل خائب. # ثم حكى سبحانه ما قاله المؤمنون الصادقون على سبيل الإنكار لمسالك ~~المنافقين الخبيثة وتوبيخهم على ضعف إيمانهم ، وهوان نفوسهم فقال تعالى : ( ~~@QUR@011 ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم ~~لمعكم ). # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@03 ويقول الذين آمنوا ) كلام مستأنف لبيان ~~كمال سوء حال الطائفة المذكورة : وهي قراءة عاصم وحمزه والكسائي بإثبات ~~الواو مع الرفع. # وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر بغير واو على أنه استئناف بيانى ، كأنه ~~قيل : فماذا يقول المؤمنون حينئذ؟. # وقرأ أبو عمرو ويعقوب : ويقول بالنصب عطفا على ( @QUR@01 فيصبحوا ) (2). # وقوله : ( @QUR@02 جهد أيمانهم ) أى : أقوى أيمانهم وأغلظها. والجهد : ~~الوسع والطاقة والمشقة. يقال جهد نفسه يجهدها في الأمر إذا بلغ بها أقصى ~~وسعها وطاقتها فيه. والمراد : أنهم أكدوا الإيمان ووثقوها بكل ألفاظ ~~التأكيد والتوثيق. PageV04P193 # والمعنى : ويقول الذين آمنوا بعضهم لبعض مستنكرين ما صدر عن المنافقين من ~~خداع وكذب ، ومتعجبين من ذبذبتهم والتوائهم : يقولون مشيرين إلى المنافقين ~~: أهؤلاء الذين أقسموا بالله مؤكدين إيمانهم بأقوى المؤكدات وأوثقها ، بأن ~~يكونوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم ومعنا في ولايتهم ونصرتهم ومعونتهم ...؟. # فالاستفهام للإنكار والتعجيب من أحوال هؤلاء المنافقين الذين مردوا على ~~الخداع والكذب. وقد ذكر صاحب الكشاف وجها آخر في معنى ويقول الذين آمنوا ~~فقال : فإن قلت : لمن يقولون هذا القول؟ قلت : إما أن يقوله بعضهم لبعض ~~تعجبا من حالهم ، واغتباطا بما من الله عليهم من التوفيق في الإخلاص ( ~~@QUR@03 أهؤلاء الذين أقسموا ) لكم بأغلظ الإيمان أنهم أولياؤكم ومعاضدوكم ~~على الكفار. # وإما أن يقولوه لليهود ، لأنهم أى المنافقون حلفوا لهم بالمعاضدة والنصرة ~~كما حكى الله عنهم ( @QUR@03 وإن قوتلتم لننصرنكم ) ثم خذلوهم ، (1): # وعلى كلا الوجهين فالجملة الكريمة تنعى على المنافقين كذبهم وجبنهم ، ~~وتعجب الناس من طباعهم الذميمة ، وأخلاقهم المرذولة. # وقوله : ( @QUR@04 حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين ) أى : فسدت أعمالهم ~~وبطلت فصاروا خاسرين في الدنيا والآخرة. # ويحتمل أن تكون هذه ms1697 الجملة مما حكاه الله تعالى من قول المؤمنين ويحتمل ~~أنها من كلام الله تعالى وقد ساقها على سبيل الحكم عليهم بفساد أعمالهم ، ~~وسوء مصيرهم. # هذا ، وقد اشتملت هذه الآيات الكريمة على ضروب من توكيد النهى عن موالاة ~~أعداء الله تعالى بأساليب متعددة. # منها : النهى الصريح كما في قوله تعالى : ( @QUR@05 لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أولياء ). # ومنها : بيان علة النهى كما في قوله : ( @QUR@03 بعضهم أولياء بعض ). # ومنها : التصريح بأن من يواليهم فهو منهم وذلك في قوله : ( @QUR@05 ومن ~~يتولهم منكم فإنه منهم ). # ومنها : تسجيل الظلم على من يواليهم كما في قوله : ( @QUR@06 إن الله لا ~~يهدي القوم الظالمين ). # ومنها : الإخبار بأن موالاتهم من طبيعة الذين في قلوبهم مرض قال تعالى : ~~( @QUR@07 فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم ). PageV04P194 # ومنها : قطع أطماع الموالين لهم وتبشير المؤمنين بالفوز قال تعالى : ( ~~@QUR@09 فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ). # ومنها : الإخبار عن حال الموالين لهم بقوله : ( @QUR@04 حبطت أعمالهم ~~فأصبحوا خاسرين ). # وهنا قد يرد سؤال وهو : إن الآيات الكريمة وما يشبهها من الآيات القرآنية ~~تؤكد النهى عن موالاة غير المسلمين ومودتهم فهل هذا النهى على إطلاقه؟ # والجواب عن ذلك أن غير المسلمين أقسام ثلاثة : القسم الأول : وهم الذين ~~يعيشون مع المسلمين ويسالمونهم ، ولا يعملون لحساب غيرهم ؛ ولم يبدر منهم ~~ما يفضى إلى سوء الظن بهم. وهؤلاء لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم ، ولا ~~مانع من مودتهم والإحسان إليهم كما في قوله تعالى ( @QUR@021 لا ينهاكم ~~الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ، ولم يخرجوكم من دياركم ، أن تبروهم ~~وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ) (1). # والقسم الثاني : وهم الذين يقاتلون المسلمين ، ويسيئون إليهم بشتى الطرق ~~وهؤلاء لا تصح مصافاتهم ، ولا تجوز موالاتهم ، وهم الذين عناهم الله في ~~الآيات التي معنا وفيما يشبهها من آيات كما في قوله تعالى ( @QUR@021 إنما ~~ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على ~~إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ) (2). # والقسم الثالث : قوم لا يعلنون العداوة لنا ولكن القرائن تدل على ms1698 أنهم لا ~~يحبوننا بل يحبون أعداءنا ، وهؤلاء يأمرنا ديننا بأن نأخذ حذرنا منهم دون ~~أن نعتدى. # ومهما تكن أحوال غير المسلمين ؛ فإنه لا يجوز لولى الأمر المسلم أن يوكل ~~إليهم ما يتعلق بأسرار الدولة الإسلامية. أو أن يتخذهم بطانة له بحيث ~~يطلعون على الأمور التي يؤدى إفشاؤها إلى خسارة الأمة في السلم أو الحرب. # وبعد أن حذر سبحانه المؤمنين من ولاية اليهود والنصارى ، عقب ذلك بنداء ~~آخر وجهه إليهم ، وبين لهم فيه أن موالاة أعداء الله قد تجر إلى الارتداد ~~عن الدين ، وأنهم إن ارتدوا فسوف يأتى الله بقوم آخرين لن يكونوا مثلهم ، ~~وأن من الواجب عليهم أن يجعلوا ولا يتهم لله ولرسوله وللمؤمنين فقال تعالى : PageV04P195 # ( @QUR@038 يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل ~~الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ~~(54) @QUR@013 إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ~~ويؤتون الزكاة وهم راكعون (55) @QUR@011 ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا ~~فإن حزب الله هم الغالبون ) (56) # قوله تعالى ( @QUR@02 من يرتد ) من الارتداد. ومعناه : الرجوع إلى الخلف ~~ومنه قوله تعالى ( @QUR@02 ردوها علي ) أى : ارجعوها على. وقوله : ( ~~@QUR@05 إن الذين ارتدوا على أدبارهم ). # والمراد بالارتداد هنا : الرجوع عن دين الإسلام إلى الكفر والضلال ، ~~والخروج من الحق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غيره من ~~الأباطيل والأكاذيب. # قالوا : وفي هذه الآية الكريمة إشارة إلى أن من الذين دخلوا في الإسلام ~~من سيرتد عنه إلى غيره من الكفر والضلال ، وقد كان الأمر كما أشارت الآية ~~الكريمة ؛ فقد ارتد عن الإسلام بعض القبائل كقبيلة بنى حنيفة قوم مسيلمة ~~الكذاب وقبيلة بنى أسد ، وقبيلة بنى مدلج وغيرهم. # وقد تصدى سيدنا أبو بكر الصديق ومن معه من المؤمنين الصادقين للمرتدين ~~فكسروا شوكة الردة ، وأعادوا لكلمة الإسلام هيبتها وقوتها. # قال الآلوسى ما ملخصه : هذه الآية من الكائنات التي أخبر عنها القرآن قبل ~~وقوعها ms1699 وقد وقع المخبر به على وفقها فيكون معجزا فقد روى أنه ارتد عن ~~الإسلام إحدى عشرة فرقة. # ثلاث في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وهم : «بنو مدلج ، ورئيسهم الأسود ~~العنسي و «بنو حنيفة» قوم مسيلمة الكذاب و «بنو أسد» قوم طليحة بن خويلد ~~الأسدى. وسبع في عهد أبى بكر وهم : فزارة. وغطفان ، وبنو سليم ، وبنو يربوع ~~، وبعض بنى تميم ، وكنده ، وبنو بكر ابن وائل. PageV04P196 # وارتدت فرقة واحدة في عهد عمر وهي قبيلة «غسان قوم جبلة بن الأيهم» (1). # والمعنى : يا أيها الذين آمنوا لا يتخذ أحد منكم أحدا من أعداء الله وليا ~~ونصيرا لأن ولايتهم تفضى إلى مضرتكم وخسرانكم. بل وإلى ردتكم عن الحق الذي ~~آمنتم به ، ومن يرتدد منكم عن دينه الحق إلى غيره من الأديان الباطلة فلن ~~يضر الله شيئا ، لأنه سبحانه سوف يأتى بقوم آخرين مخلصين له ، ومطيعين ~~لأوامره ، ومستجيبين لتعاليمه. بدل أولئك الذين ارتدوا على أدبارهم ، ~~وكفروا بعد إيمانهم. قال تعالى : ( @QUR@09 وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ~~ثم لا يكونوا أمثالكم ) (2). # ولفظ ( @QUR@01 فسوف ) جيء به هنا لتأكيد وقوع الأمر في المستقبل ، إذا ~~ما ارتد بعض الناس على أدبارهم. # وقد وصف الله تعالى أولئك القوم الذين يأتى بهم بدل الذين كفروا بعد ~~إيمانهم ، وصفهم بعدد من الصفات الحميدة ، والسجايا الكريمة. # وصفهم أولا بقوله : ( @QUR@02 يحبهم ويحبونه ): # ومحبة الله تعالى للمؤمنين هي أسمى نعمة يتعشقونها ويتطلعون إليها ، ~~ويرجون حصولها ودوامها. وهي كما يقول الآلوسى محبة تليق بشأنه على المعنى ~~الذي أراده. # ومن علاماتها : أن يوفقهم سبحانه لطاعته ، وأن ييسر لهم الخير في كل ~~شئونهم. # ومحبة المؤمنين لله تعالى معناها : التوجه إليه وحده بالعبادة ، واتباع ~~نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في كل ما جاء به ، والاستجابة لتعاليمه برغبة وشوق. # وقوله : ( @QUR@01 يحبهم ) جملة في محل جر صفة لقوم. وقوله «ويحبونه» ~~معطوف على ( @QUR@01 يحبهم ). # وقدم سبحانه محبته لهم على محبتهم له ، لشرفها وسبقها ، إذ لو لا محبته ~~لهم لما وصلوا إلى طاعته. # وصفهم ثانيا بقوله : ( @QUR@06 أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ). # وقوله ms1700 : ( @QUR@01 أذلة ) جمع ذليل ، من تذلل إذا تواضع وحنا على غيره ، ~~وليس المراد بكونهم أذلة أنهم مهانون ، بل المراد المبالغة في وصفهم بالرفق ~~ولين الجانب للمؤمنين. # وقوله : ( @QUR@01 أعزة ) جمع عزيز وهو المتصف بالعزة بمعنى القوة ~~والامتناع عن أن يغلب أو يقهر PageV04P197 # ومنه قوله تعالى ( @QUR@03 وعزني في الخطاب ) أى : غلبني في الخطاب. # والمعنى : إن من صفات هؤلاء القوم الذين يأتى الله بهم بدل الذين كفروا ~~بعد إيمانهم ، أنهم أرقاء على المؤمنين ، عاطفون عليهم متواضعون لهم ، تفيض ~~قلوبهم حنوا وشفقة بهم. وأنهم في الوقت نفسه أشداء على الكافرين ، ينظرون ~~إليهم نظرة العزيز الغالب ، لا نظرة الضعيف الخانع. # وهذه كما يقول ابن كثير صفات المؤمنين الكمل. أن يكون أحدهم متواضعا ~~لأخيه ووليه ، متعززا على خصمه وعدوه كما قال تعالى : ( @QUR@010 محمد رسول ~~الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ) ومن صفات الرسول ~~صلى الله عليه وسلم : «أنه الضحوك القتال» فهو ضحوك لأوليائه قتال لأعدائه» (1). # وقال صاحب الكشاف : فإن قلت : هلا قيل أذلة للمؤمنين أعزة على الكافرين؟ ~~قلت : فيه وجهان : # أحدهما : أن يضمن الذل معنى الحنو والعطف كأنه قيل : عاطفين عليهم على ~~وجه التذلل والتواضع. # والثاني : أنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خافضون لهم ~~أجنحتهم» (2). # وقال الطيبي : إن قوله تعالى ( @QUR@03 أعزة على الكافرين ) جيء به ~~للتكميل ، لأنه لما وصفهم قبل ذلك بالتذلل ، ربما يتوهم أحد أنهم أذلاء ~~محقرون في أنفسهم فدفع ذلك الوهم بأنهم مع ذلتهم على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين على حد قول القائل : # جلوس في مجالسهم رزان %~% وإن ضيم ألم بهم خفاف # ثم وصفهم ثالثا بقوله : ( @QUR@08 يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة ~~لائم ) وقوله : ( @QUR@01 يجاهدون ) من المجاهدة وهي بذل الجهد ونهاية ~~الطاقة من أجل الوصول إلى المقصد الذي يسعى إليه الساعى. # وقوله : ( @QUR@03 في سبيل الله ) أى في سبيل إعلاء دين الله ، وإعزاز ~~كلمته وليس في سبيل الهوى أو الشيطان. PageV04P198 # واللومة : هي المرة الواحدة من اللوم. وهو بمعنى اعتراض المعترضين ، ~~ومخالفة المخالفين وعدم رضاهم عن هؤلاء القوم. # والمعنى : أن من صفات ms1701 هؤلاء القوم أيضا أنهم يبذلون أقصى جهدهم في سبيل ~~إعلاء كلمة الله والعمل على مرضاته ، وأنهم في جهادهم وجهرهم بكلمة الحق ، ~~وحرصهم على ما يرضيه سبحانه لا يخافون لوما قط من أى لائم كائنا من كان. ~~لأن خشيتهم ليست إلا من الله وحده. # وعبر سبحانه بلومة بصيغة الإفراد والتنكير ، للمبالغة في نفى الخوف عنهم ~~سواء أصدر اللوم لهم من كبير أم من صغير. وسواء أكانت اللومة شديدة أم ~~رفيقة .. # فهم كما يقول الزمخشري : صلاب في دينهم ، إذا شرعوا في أمر من أمور الدين ~~لإنكار منكر أو أمر بمعروف مضوا فيه كالمسامير المحماة ، لا يرعبهم قول ~~قائل ، ولا اعتراض معترض ، ولا لومة لائم ، والجملة على هذا معطوفة على ( ~~@QUR@04 يجاهدون في سبيل الله ). ويحتمل أن تكون الواو للحال. أى أنهم ~~يجاهدون وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين الذين كانوا إذا خرجوا في ~~جيش المؤمنين خافوا أولياءهم اليهود ، فلا يعملون شيئا مما يعلمون أنه ~~يلحقهم فيه لوم من جهتهم ، وأما المؤمنون فكانوا يجاهدون لوجه الله لا ~~يخافون لومة لائم» (1). # وقد ذكر المفسرون أقوالا متعددة في المراد بهؤلاء القوم الذين وصفهم الله ~~تعالى بتلك الصفات الكريمة ، والذين يأتى بهم بدل أولئك الذين يرتدون على ~~أعقابهم. # قال بعضهم : المراد بهم أبو بكر ومن معه من المؤمنين الذين قاتلوا ~~المرتدين. # وقال آخرون : المراد بهم الأنصار الذين نصروا النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأيدوه. # وقال مجاهد : المراد بهم أهل اليمن ... وقيل غير ذلك. # والذي نراه أنهم قوم ليسوا مخصوصين بزمن معين أو بلد معين ، أو أشخاص ~~معينين ، وإنما هم كل من تنطبق عليهم هذه الصفات الجليلة. فكل من أحب الله ~~وأحبه الله ، وتواضع للمؤمنين وأغلظ على الكافرين. وجاهد في سبيل الله دون ~~أن يخشى أحدا سواه فهو منهم ، أما ذواتهم فيعلمها الله وحده ، لأنه لم يرد ~~نص صحيح يعتمد عليه في بيان المراد بهؤلاء القوم. # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@09 ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع ~~عليم ) يعود على ما تقدم ذكره من أوصاف القوم. PageV04P199 # أى ms1702 : ذلك الذي أعطيناه لهم من صفات كريمة فضل الله وإحسانه ، يؤتيه من ~~يشاء إيتاءه من عباده ، والله تعالى واسع الفضل والجود والعطاء ، عليم ~~بأحوال خلقه ، لا تخفى عليه خافية من شئونهم. # هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة : وجوب ~~المجاهدة في سبيل إعلاء كلمة الله عن طريق قتال أعدائه سبحانه أو عن طريق ~~الجهر بكلمة الحق ، أو عن طريق إحقاق الحق وإبطال الباطل دون أن يخاف ~~المجاهد لومة لائم. # ولقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث في هذا ~~المعنى ومن ذلك : # ما رواه الإمام أحمد عن أبى ذر : أمرنى خليلي صلى الله عليه وسلم بسبع : ~~أمرنى بحب المساكين والدنو منهم ، وأمرنى أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر ~~إلى من هو فوقى ، وأمرنى أن أصل الرحم وإن أدبرت ، وأمرنى أن لا أسأل أحدا ~~شيئا ، وأمرنى أن أقول الحق وإن كان مرا ، وأمرنى أن لا أخاف في الله لومة ~~لائم ، وأمرنى أن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله فإنهن كنز تحت ~~العرش». # وعن أبى سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ألا لا ~~يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده. فإنه لا يقرب من أجل ~~ولا يباعد من رزق أن يقول بحق أو أن يذكر بعظيم». # وعنه أيضا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا يحقرن أحدكم نفسه ~~قالوا : وكيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال : أن يرى أمر الله فيه مقال فلا يقول ~~فيه. فيقال له يوم القيامة. ما منعك أن تكون قلت في كذا وكذا؟ فيقول مخافة ~~الناس. فيقول : إياى أحق أن تخاف» (1). # وهناك أحاديث أخرى في هذا المعنى سوى التي ذكرها الإمام ابن كثير ومن ذلك ~~ما أخرجه الشيخان عن عبادة بن الصامت قال : بايعنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمنكرة. وأن لا ننازع الأمر ~~أهله. وأن نقول بالحق حيثما كنا. لا نخاف ms1703 في الله لومة لائم» (2). # ثم بين سبحانه من تجب موالاتهم ، بعد النهى عن تولى من تجب معاداتهم فقال ~~: ( @QUR@013 إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ، الذين يقيمون الصلاة ، ~~ويؤتون الزكاة ، وهم راكعون ). # أى : ( @QUR@03 إنما وليكم الله ) المفيض عليكم كل خير ، والمرجو وحده في ~~الشدائد والكروب PageV04P200 # ( @QUR@01 ورسوله ) الذي أخرجكم بإذنه تعالى من ظلمات الكفر إلى نور ~~التوحيد. ( @QUR@02 والذين آمنوا ) الذين هم منكم وأنتم منهم والذين ( ~~@QUR@02 يقيمون الصلاة ) في مواقيتها بخشوع وإخلاص ( @QUR@02 ويؤتون الزكاة ~~) لمستحقيها بسماحة وطيب نفس ( @QUR@02 وهم راكعون ) أى : خاشعون متواضعون ~~لله ، وليسوا مرائين أو منانين. # وقوله : ( @QUR@03 إنما وليكم الله ) جملة من مبتدأ وخبر. وقوله : ( ~~@QUR@03 ورسوله والذين آمنوا ) معطوف على الخبر. # قال صاحب الكشاف : ومعنى ( @QUR@01 إنما ) وجوب اختصاصهم بالموالاة. فإن ~~قلت قد ذكرت الآية جماعة فهلا قيل إنما أولياؤكم؟ قلت : أصل الكلام إنما ~~وليكم الله ، فجعلت الولاية لله على طريق الأصالة ، ثم نظم في سلك إثباتها ~~له ، إثباتها لرسوله وللمؤمنين على سبيل التبع. ولو قيل : إنما أولياؤكم ~~الله ورسوله والذين آمنوا ، لم يكن في الكلام أصل وتبع (1). # والمراد بالذين آمنوا عامة المؤمنين وليس فردا معينا منهم. # قال تعالى : ( @QUR@024 والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ~~ورسوله ، أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ) (2). # وما ورد من آثار تفيد أن المراد بالذين آمنوا شخصا معينا وهو على بن أبى ~~طالب رضى الله عنه لا يعتمد عليها ، لأنها كما يقول ابن كثير «لم يصح شيء ~~منها بالكلية لضعف أسانيدها وجهالة رجالها». # وقد توسع الإمام الرازي في الرد على الشيعة الذين وضعوا هذه الآثار فارجع ~~إليه إن شئت (3). # وقوله : ( @QUR@05 الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ) بدل من الذين آمنوا. # وهما وصفان لهم ساقهما سبحانه على سبيل الثناء عليهم والمدح لهم. # وقوله : ( @QUR@02 وهم راكعون ) حال من فاعل الفعلين يقيمون ويؤتون أى : ~~يعملون ما ذكر من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهم خاشعون خاضعون لله تعالى ~~إذ الركوع قد يطلق بمعنى الخضوع لله تعالى : PageV04P201 # قال الراغب : الركوع : الانحناء وتارة ms1704 يستعمل في الهيئة المخصوصة في ~~الصلاة ، وتارة يستعمل في التذلل والتواضع إما في العبادة وإما في غيرها» (1). # ثم بين سبحانه حسن عاقبة الذين يوالون الله ورسوله والمؤمنين فقال : ( ~~@QUR@011 ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ). ~~والحزب معناه الجمع من الناس يجتمعون على رأى واحد من أجل أمر حزبهم أى ~~أهمهم وشغلهم. # والمعنى : ( @QUR@03 ومن يتول الله ) تعالى بأن يطيعه ويتوكل عليه ، ~~ويتول ( @QUR@01 رسوله ) بأن يتبعه ويتأسى به ، ويتول ( @QUR@02 الذين ~~آمنوا ) بأن يناصرهم ويشد أزرهم ويتعاون معهم على البر والتقوى ، من يفعل ~~ذلك لا شك في حسن عاقبته وظفره بالفلاح والنصر «فإن حزب الله هم الغالبون» ~~لغيرهم من الأحزاب الأخرى التي استحوذ عليها الشيطان. # و ( @QUR@01 من ) في قوله ( @QUR@03 ومن يتول الله ) شرطية ، وقوله : ( ~~@QUR@05 فإن حزب الله هم الغالبون ) دليل على جواب الشرط. # أى : ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا يكن من حزب الله المنتصر القوى ، ~~فإن حزب الله هم الغالبون. # وقال سبحانه فإن حزب الله ، ولم يقل حزب الله ورسوله ، للإشارة إلى أن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعمل إلا بأمر من الله تعالى وأنه ~~صلى الله عليه وسلم لا يستمد العون والنصرة إلا منه سبحانه . # قال بعض العلماء : وقوله تعالى ( @QUR@05 فإن حزب الله هم الغالبون ) ~~معناه : فإنهم الغالبون. # فوضع الظاهر موضع الضمير العائد إلى من دلالة على علة الغلبة. # وهو أنهم حزب الله. فكأنه قيل : ومن يتول هؤلاء فهو حزب الله ، وحزب الله ~~هم الغالبون. تنويها بذكرهم ، وتعظيما لشأنهم ، وتشريفا لهم بهذا الاسم ، ~~وتعريضا لمن يوالى غير هؤلاء بأنه حزب الشيطان» (2). # وبذلك ترى أن هذه الآيات الكريمة قد نهت المؤمنين نهيا شديدا عن موالاة ~~أعداء الله ، لأن موالاتهم قد تجر إلى الارتداد عن الدين الحق ، ومن يرتد ~~عن الدين الحق فلن يضر الله شيئا ، لأنه سبحانه قادر على أن يأتى بقوم ~~آخرين صادقين في إيمانهم بدل أولئك الذين ارتدوا على PageV04P202 # أعقابهم. كما نراها قد أرشدت المؤمنين إلى من تجب موالاتهم ، وبشرتهم ~~بالفلاح والنصر متى جعلوا ولايتهم ms1705 لله ولرسوله ولإخوانهم في العقيدة ~~والدين. # ثم كرر سبحانه نهى المؤمنين عن موالاة أعدائه وأعدائهم الذين استخفوا ~~بتعاليم الإسلام ، وشعائر دينه فقال تعالى : # ( @QUR@024 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا ~~من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين ~~(57) @QUR@012 وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا ~~يعقلون ) (58) # قال الآلوسى : أخرج ابن إسحاق وجماعة عن ابن عباس قال : كان رفاعة بن زيد ~~بن التابوت ، وسويد بن الحارث قد أظهرا الإسلام ونافقا ، وكان رجال من ~~المسلمين يوادونهما. فأنزل الله تعالى : ( @QUR@08 يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا الذين اتخذوا )... الآية (1). # والدين : هو ما عليه المرء من عقائد وأعمال ناشئة عن العقيدة. فهو عنوان ~~عقل المتدين ، ورائد آماله ، وباعث أعماله. والذي يتخذ دين امرئ هزوا ولعبا ~~، فقد اتخذ ذلك المتدين بهذا الدين هزوا ولعبا. # وقوله : ( @QUR@01 هزوا ) أى سخرية يقال : فلان هزئ من فلان إذا سخر منه ~~، واستخف به. وأصله هزءا ، فأبدلت الهمزة واوا لضم ما قبلها. # وقوله : ( @QUR@01 لعبا ) أى ملهاة وعبثا. وأصله من لعاب الطفل. يقال عن ~~الطفل لعب بفتح العين إذا سال لعابه. # والمعنى : يا أيها الذين اتصفوا بالإيمان ( @QUR@05 لا تتخذوا الذين ~~اتخذوا دينكم ) الذي هو سر سعادتكم وعزتكم ( @QUR@02 هزوا ولعبا ) أى : ~~اتخذوا مادة لسخريتهم وتهكمهم ، وموضعا لعبثهم ولهوهم. PageV04P203 # و ( @QUR@01 من ) في قوله : ( @QUR@08 من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~والكفار أولياء ) بيانية. # أى : مبينة لأولئك الذين يستهزئون بدين الله ويجعلونه موضع عبثهم. # والمراد بالذين أوتوا الكتاب : اليهود والنصارى. # وسموا بذلك ؛ لأن أصل شرعهم ينتمى إلى كتاب منزل هو التوراة والإنجيل. # وفي وصفهم بذلك هنا ، توبيخ لهم ، حيث إنهم استهزءوا بالدين الحق ، مع أن ~~كتابهم ينهاهم عن ذلك. # والمراد بالكفار هنا المشركون الذين لا كتاب لهم. # وقرأ الجمهور ( @QUR@01 الكفار ) بالنصب عطفا على ( @QUR@03 الذين اتخذوا ~~دينكم ) المبين بقوله : ( @QUR@04 من الذين أوتوا الكتاب ). # وقرأ أبو عمرو والكسائي ( @QUR@01 الكفار ) بالجر عطفا على ( @QUR@03 ~~الذين أوتوا الكتاب ). # وقوله : ( @QUR@01 أولياء ) أى : نصراء وأصفاء. وهو المفعول الثاني لقوله ~~( @QUR@02 لا ms1706 تتخذوا ) والآية الكريمة تنهى المؤمنين عن ولاية كل عدو لله ~~تعالى ولهم سواء أكان هذا العدو من أهل الكتاب أم من المشركين ؛ لأن الجميع ~~يشتركون في الاستهزاء بتعاليم الإسلام ، وفي العبث بشعائره. # وقوله : ( @QUR@05 واتقوا الله إن كنتم مؤمنين ) تذييل قصد به استنهاض ~~همتهم لامتثال أمر الله تعالى وإلهاب نفوسهم حتى يتركوا موالاة أعدائهم ~~بسرعة ونشاط. # أى : واتقوا الله في سائر ما أمركم به وما نهاكم عنه ، فلا تضعوا ~~موالاتكم في غير موضعها ، ولا تخالفوا لله أمرا. إن كنتم مؤمنين حقا ، ~~ممتثلين صدقا ، فإن وصفكم بالإيمان يحتم عليكم الطاعة التامة لله رب ~~العالمين. # ثم ذكر سبحانه بعض مظاهر استهزاء أولئك الضالين بالدين وشعائره ، فقال ~~تعالى : ( @QUR@07 وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ). # والمراد بالنداء للصلاة : الإعلام بها عن طريق الأذان. # قال القرطبي : كان إذا أذن المؤذن وقام المسلمون إلى الصلاة قالت اليهود ~~: قاموا لا قاموا ، وكانوا يضحكون إذا ركع المسلمون وسجدوا. وقالوا في حق ~~الأذان : لقد ابتدعت شيئا لم نسمع به فيما مضى من الأمم. فمن أين لك صياح ~~مثل صياح العير؟ فما أقبحه من صوت ، وما أسمجه من أمر (1). PageV04P204 # وروى ابن جرير وابن أبى حاتم عن السدى في قوله : ( @QUR@07 وإذا ناديتم ~~إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ) قال : كان رجل من النصارى بالمدينة ، إذا ~~سمع المنادى ينادى : أشهد أن محمدا رسول الله. قال : حرق الكاذب. فدخل ~~خادمه ليلا من الليالى بنار ، وهو نائم وأهله نيام ، فسقطت شرارة فأحرقت ~~البيت. فاحترق هو وأهله» (1). # وقيل : كان المنافقون يتضاحكون عند القيام إلى الصلاة تنفيرا للناس منها. # أى : وإذا ناديتم أيها المؤمنون بعضكم بعضا إلى الصلاة عن طريق الأذان ، ~~اتخذ هؤلاء الضالون الصلاة والمناداة بها موضعا لسخريتهم وعبثهم وتهكمهم. # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@05 ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ) يعود إلى ما ~~كان منهم من استهزاء وسخرية. # أى : ذلك الذي صدر عنهم من استهزاء وعبث سببه أنهم قوم سفهاء جهلاء ، لا ~~يدركون الأمور على وجهها الصحيح ، ولا يستجيبون للحق الذي ظهر لهم بسبب ~~عنادهم وأحقادهم. # قال ms1707 ابن كثير : هذا تنفير من موالاة أعداء الإسلام من الكتابيين ~~والمشركين الذين يتخذون أفضل ما يعمله العاملون وهي شرائع الإسلام المطهرة ~~المحكمة المشتملة على كل خير دنيوى وأخروى ، يتخذونها هزوا يستهزئون بها ، ~~ولعبا يعتقدون أنها نوع من اللعب في نظرهم الفاسد ، وفكرهم البارد ، كما ~~قال القائل. # وكم من عائب قولا صحيحا %~% وآفته من الفهم السقيم (2) # وبعد أن حذر سبحانه المؤمنين تحذيرا شديدا من موالاة أعدائه. عقب ذلك ~~بتوبيخ أهل الكتاب على عنادهم وحسدهم ، ووصفهم بجملة من الصفات القبيحة ~~التي ينأى عنها العقلاء وأصحاب المروءة فقال تعالى : # ( @QUR@021 قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل ~~إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون (59) @QUR@022 قل هل أنبئكم بشر ~~من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير ~~وعبد الطاغوت أولئك شر PageV04P205 # @QUR@05 مكانا وأضل عن سواء السبيل (60) @QUR@016 وإذا جاؤكم قالوا آمنا ~~وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم بما كانوا يكتمون (61) ~~@QUR@013 وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما ~~كانوا يعملون (62) @QUR@014 لو لا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم ~~الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون ) (63) # قال القرطبي : قال ابن عباس : جاء نفر من اليهود إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فسألوه عمن يؤمن به من الرسل عليهم السلام فقال : نؤمن ~~بالله وما أنزل إلينا ، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل إلى قوله : ونحن له ~~مسلمون». فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته ، وقالوا : والله ما نعلم أهل دين أقل ~~حظا في الدنيا والآخرة منكم ، ولا دينا شرا من دينكم. فنزلت هذه الآية وما بعدها. # وتنقمون معناه : تسخطون. وقيل تكرهون. وقيل تنكرون. والمعنى متقارب يقال ~~: نقم من كذا ينقم ونقم والأول أكثر .. وفي التنزيل «وما نقموا منهم إلا أن ~~يؤمنوا بالله العزيز الحميد». وانتقم منه أى : عاقبه : والاسم النقمة ~~والجمع نقم (1) والاستفهام ، للإنكار والتعجب من حالهم حيث يعيبون على ~~المؤمنين ما هو المدح والثناء والتكريم. # والمعنى : قل يا محمد على سبيل ms1708 التوبيخ لأهل الكتاب ، والتعجيب من ~~أحوالهم قل لهم : # ( @QUR@03 يا أهل الكتاب ). يا من كتابكم عرفكم مواطن الذم ( @QUR@03 هل ~~تنقمون منا ) أى : ما تعيبون وتنكرون وتكرهون منا ( @QUR@04 إلا أن آمنا ~~بالله ) الذي يجب الإيمان به ، والخضوع له ، لأنه الخالق لكل شيء ، وآمنا ~~بما أنزل إلينا من القرآن الكريم وآمنا بما أنزل من قبل من كتب سماوية ~~كالتوراة والإنجيل والزبور وغير ذلك من الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه ~~قبل إنزال القرآن الكريم. PageV04P206 # ولا شك أن إيماننا بذلك لا يعاب ولا ينكر ، بل يمدح ويشكر ، ولكن لأن ( ~~@QUR@02 أكثركم فاسقون ) أى : خارجون عن دائرة هذا الايمان الحق كرهتم منا ~~ذلك ، وأنكرتموه علينا ، وحسدتمونا على توفيق الله إيانا لما يحبه ويرضاه. # وقال الجمل ما ملخصه : وقوله : ( @QUR@03 إلا أن آمنا ) مفعول لقوله ( ~~@QUR@01 تنقمون ) بمعنى تكرهون. # وهو استثناء مفرغ. وقوله : ( @QUR@01 منا ) متعلق به. أى ما تكرهون من ~~جهتنا إلا الإيمان بالله وبما أنزل إلينا وأصل نقم أن يتعدى بعلى. تقول : ~~نقمت عليه بكذا. وإنما عدى هنا بمن ؛ لتضمنه معنى تكرهون وتنكرون. # وقوله : ( @QUR@03 وأن أكثركم فاسقون ) يحتمل أن يكون في محل رفع أو نصب ~~أو جر فالرفع على أن يكون مبتدأ والخبر محذوف أى : وفسقكم ثابت عندكم ، ~~لأنكم علمتم أنا على الحق وأنكم على الباطل إلا أن حب الرياسة وجمع الأموال ~~حملكم على العناد. # والنصب على أن يكون معطوفا على قوله ( @QUR@02 أن آمنا ) ولكن الكلام فيه ~~مضاف محذوف لفهم المعنى. والتقدير : واعتقاد أن أكثرهم فاسقون وهو معنى ~~واضح فإن الكفار ينقمون اعتقاد المؤمنين أنهم أى الكفار فاسقون أى : ما ~~تعيبون منا إلا إيماننا بالله وما أنزل إلينا. واعتقادنا أن أكثرهم فاسقون .. # وأما الجر فعلى أن يكون معطوفا على علة محذوفة والتقدير : ما تنقمون منا ~~إلا الإيمان بالله وبما أنزل. لقلة إنصافكم وفسقكم واتباعكم شهواتكم» (1). # هذا ومن بلاغة القرآن الكريم ، وإنصافه في الأحكام ، واحتراسه في التعبير ~~أنه لم يعمم الحكم بالفسق على جميعهم. بل جعل الحكم بالفسق منصبا على ~~الأكثرين منهم ، حتى يخرج عن هذا الحكم القلة المؤمنة ms1709 من أهل الكتاب. # وشبيه بهذا قوله في آية أخرى : ( @QUR@08 منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ~~ما يعملون ) قال بعض العلماء : في الآية تسجيل على أهل الكتاب بكمال ~~المكابرة والتعكيس ، حيث جعلوا الإيمان بما ذكر ، موجبا للنقمة ، مع كونه ~~في نفسه موجبا للقبول والرضا. وهذا مما تقصد العرب في مثله تأكيد النفي ~~والمبالغة فيه بإثبات شيء وذلك الشيء لا يقتضى إثباته فهو منتف أبدا. ويسمى ~~مثل ذلك عند علماء البيان تأكيد المدح بما يشبه الذم وبالعكس. فمن الأول ~~قول القائل : # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم %~% بهن فلول من قراع الكتائب PageV04P207 # وقول الآخر : # فتى كملت أخلاقه غير أنه %~% جواد ، فما يبقى من المال باقيا # ومن الثاني هذه الآية وما يشبهها. أى : ما ينبغي لهم أن ينقموا شيئا إلا ~~هذا ، وهذا لا يوجب لهم أن ينقموا شيئا إذا فليس هناك شيء ينقمونه ، وما ~~دام الأمر كذلك ، فينبغي لهم أن يؤمنوا ولا يكفروا. وفيه أيضا تقريع لهم ~~حيث قابلوا الإحسان بسوء الصنيع» (1). # ثم تابع سبحانه التهكم بهم ، وتعجب الناس من أفن رأيهم ، مع تذكيرهم بسوء ~~مصيرهم فقال : ( @QUR@09 قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله )؟ # والمشار إليه بقوله : ( @QUR@01 ذلك ) يعود إلى ما نقمه اليهود على ~~المؤمنين من إيمانهم بالله وبالكتب السماوية وقيل يعود إلى الكثرة الفاسقة ~~من أهل الكتاب المعبر عنها بقوله : ( @QUR@02 وأكثرهم فاسقون ). وتوحيد ~~اسم الإشارة لكونه يشار به إلى الواحد وغيره. أو لتأويله بالمذكور ونحوه. # والخطاب لأهل الكتاب المتقدم ذكرهم وقيل للكفار مطلقا ، وقيل للمؤمنين. # والمثوبة : مصدر ميمى بمعنى الثواب الثابت على العمل ، وأكثر استعمالها ~~في الخير. # وقد استعملت هنا بمعنى العقوبة على طريقة التهكم بهم كما في قوله تعالى : ~~( @QUR@03 فبشرهم بعذاب أليم ) وهي منصوبة على أنها تمييز لقوله ( @QUR@01 ~~بشر ). # وقوله : ( @QUR@03 من لعنه الله ) خبر لمبتدأ محذوف أى : هو من لعنه الله ~~: والمراد اليهود لأن الصفات التي ذكرت في الآية لا تنطبق إلا عليهم. # والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء اليهود الذين عابوا على المؤمنين إيمانهم ~~بالله وبما أنزله من كتب ms1710 سماوية والذين قالوا لكم : ما نعلم أهل دين أقل ~~حظا في الدنيا والآخرة منكم ، ولا دينا شرا من دينكم قل لهم على سبيل ~~التبكيت والتنبيه على ضلالهم : هل أخبركم بشر من أهل ذلك الدين عقوبة عند ~~الله يوم القيامة؟ هو من ( @QUR@02 لعنه الله ) أى أبعده من رحمته ( ~~@QUR@02 وغضب عليه ) بأن منع عنه رضاه ( @QUR@04 وجعل منهم القردة ~~والخنازير ) بأن مسخ بعضهم قردة وبعضهم خنازير وجعل منهم من عبد الطاغوت أى ~~: من عبد كل معبود باطل من دون الله كالأصنام والأوثان وغير ذلك من ~~المعبودات الباطلة التي اتبعوها بسبب طغيانهم وفساد نفوسهم. # فإن قيل : إن قوله ( @QUR@07 قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة ) يفيد أن ما ~~عابه اليهود على المؤمنين من إيمانهم بالله فيه شر. إلا أن ما عليه اليهود ~~أشد شرا ، مع أن إيمان المؤمنين لا شر فيه ألبتة بل هو عين الخير فكيف ذلك؟. PageV04P208 # فالجواب ، أن الكلام مسوق على سبيل المشاكلة ، والمجاراة لتفكير اليهود ~~الفاسد ، وزعمهم الباطل ، فكأنه سبحانه يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم إن ~~هؤلاء اليهود يا محمد ينكرون عليكم إيمانكم بالله وبالكتب السماوية ~~ويعتبرون ذلك شرا مع أنه عين الخير قل لهم على سبيل التبكيت وإلزامهم الحجة : # لئن كنتم تعيبون علينا إيماننا وتعتبرونه شرا لا خير فيه في زعمكم فشر ~~منه عاقبة ومآلا ما أنتم عليه من لعن وطرد من رحمة الله ، وما أصاب أسلافكم ~~من مسخ بعضهم قردة ، وبعضهم خنازير ، وما عرف عنكم من عبادة لغير الله ... ~~وشبيه بهذه الآية في مجاراة الخصم في زعمه قوله تعالى ( @QUR@09 وإنا أو ~~إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ) (1). # وقوله : ( @QUR@07 أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل ) بيان لسوء ~~عاقبتهم وقبح مكانتهم .. أى : أولئك المتصفون بما ذكر من الفسوق واللعن ~~والطرد من رحمة الله أولئك المتصفون بذلك ( @QUR@02 شر مكانا ) من غيرهم ~~وأكثر ضلالا عن طريق الحق المستقيم من سواهم ، فهم في الدنيا يشركون بالله ~~، وينتهكون محارمه وفي الآخرة مأواهم النار وبئس القرار. # وقوله ( @QUR@01 أولئك ) مبتدأ وقوله ( @QUR@01 شر ) خبره ، وقوله ms1711 ( ~~@QUR@01 مكانا ) تمييز محول عن الفاعل. # وأثبت سبحانه الشرية لمكانهم ليكون أبلغ في الدلالة على كثرة شرورهم ، إذ ~~أن إثبات الشرية لمكان الشيء كناية عن إثباتها للشيء نفسه. فكأن شرهم قد ~~أثر في مكانهم ، أو عظم وضخم حتى صار متجسما. # وقوله : ( @QUR@01 وأضل ) معطوف على ( @QUR@01 شر ) مقرر له. والمقصود من ~~صيغتي التفضيل في قوله : ( @QUR@04 أولئك شر مكانا وأضل ) الزيادة مطلقا من ~~غير نظر إلى مشاركة غيرهم في ذلك. أو بالنسبة إلى غيرهم من الكفار الذين لم ~~يفجروا فجورهم ، ولم يحقدوا على المؤمنين حقدهم. # ثم حكى سبحانه بعد ذلك بعض مظاهر نفاقهم وخداعهم فقال : ( @QUR@011 وإذا ~~جاؤكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به ). # قال الآلوسى : نزلت كما قال قتادة والسدى في ناس من اليهود كانوا يدخلون ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيظهرون له الإيمان والرضا بما جاء به نفاقا. # والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. والضمير في ( @QUR@01 جاؤكم ) ~~يعود على اليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم . PageV04P209 # أى : وإذا جاء إليكم أيها المؤمنون أولئك اليهود أظهروا أمامكم الإسلام ، ~~وقالوا لكم آمنا بأنكم على حق ، وحالهم وحقيقتهم أنهم قد دخلوا إليكم وهم ~~متلبسون بالكفر ، وخرجوا من عندكم وهم متلبسون به أيضا فهم يدخلون عليكم ~~ويخرجون من عندكم وقلوبهم كما هي لا تتأثر بالمواعظ التي يلقيها الرسول ~~صلى الله عليه وسلم لأنهم قد قست قلوبهم ، وفسدت نفوسهم. # وقوله : ( @QUR@07 وقد دخلوا بالكفر ، وهم قد خرجوا به ) جملتان في موضع ~~الحال من ضمير الجمع في ( @QUR@01 قالوا ). # والباء في قوله : ( @QUR@01 بالكفر ) وقوله : ( @QUR@01 به ) للملابسة. ~~أى : دخلوا وخرجوا وهم متلبسون بالكفر من غير نقصان منه ولا تغيير فيه ألبتة. # قال الفخر الرازي : وذكر عند الدخول كلمة ( @QUR@01 قد ) وذكر عند الخروج ~~كلمة ( @QUR@01 هم ) لأن الفائدة من ذكر كلمة ( @QUR@01 قد ) تقريب الماضي ~~من الحال. والفائدة من ذكر كلمة ( @QUR@01 هم ) التأكيد في إضافة الكفر ~~إليهم ، ونفى أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فعل ، أى : لم يسمعوا ~~منك يا محمد عند جلوسهم معك ما يوجب ms1712 كفرا ، فتكون أنت الذي ألقيتهم في ~~الكفر ، بل هم الذين خرجوا بالكفر باختيار أنفسهم» (1). # ويبدو لنا أنه عبر عن دخولهم بقوله ( @QUR@03 وقد دخلوا بالكفر ) وعبر عن ~~خروجهم بقوله : ( @QUR@04 وهم قد خرجوا به ) بإضافة ضميرهم مع قد ، للإشارة ~~إلى أنهم عند خروجهم كانوا أشد كفرا ، وأقسى قلوبا منهم عند دخولهم. # وهذا شأن الجاحدين المنافقين ، لا تؤثر فيهم العظات مهما كانت بليغة ، ~~ولا النذر مهما كانت قوية ، بخلاف قلوب المؤمنين فإن المواعظ تزيدها يقينا ~~على يقينها ، وإيمانا على إيمانها. ألا ترى إلى قوله تعالى : # ( @QUR@030 وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا ، ~~فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون. وأما الذين في قلوبهم مرض ~~فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ) (2). # وقوله تعالى ( @QUR@05 والله أعلم بما كانوا يكتمون ) وعيد شديد لهم على ~~كفرهم ونفاقهم. # أى : والله تعالى أعلم بما كانوا يخفونه من نفاق وخداع عند دخولهم وعند ~~خروجهم ، لأنه سبحانه لا تخفى عليه خافية من أحوالهم. PageV04P210 # ثم حكى سبحانه لونا آخر من رذائلهم فقال : ( @QUR@09 وترى كثيرا منهم ~~يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت ). # والرؤية في قوله : ( @QUR@01 وترى ) بصرية. # والإثم : هو كل قول أو عمل لا يرضاه الله تعالى . # والعدوان : مجاوزة الحد في الظلم والتعدي. والسحت : هو المال الحرام ~~كالرشوة وغيرها. # أى : وترى أيها الرسول الكريم أو أيها السامع كثيرا من هؤلاء اليهود ، ~~يسارعون في ارتكاب الآثام وفي التعدي والظلم وأكل المال الحرام بدون تردد ~~أو تريث. والتعبير بقوله : ( @QUR@01 وترى ) يفيد أن ارتكابهم لهذه ~~المنكرات لم يكن خافيا أو مستورا ، وإنما هم يرتكبونها مجاهرة وعلانية ، ~~لأن فضيلة الحياء قد نضبت من وجوههم. # والمسارعة في الشيء : المبادرة إليه بسرعة وخفة ونشاط ، وأكثر استعمالها ~~في الخير كما قال تعالى ( @QUR@04 أولئك يسارعون في الخيرات ) (1) ( ~~@QUR@04 نسارع لهم في الخيرات ) (2) وقد استعملت هنا في مسارعتهم في الإثم ~~والعدوان وأكلهم السحت ، للإشارة إلى أنهم كانوا يقدمون على هذه المنكرات ~~وكأنهم محقون فيها. # والتعدية بحرف ( @QUR@01 في ) تؤذن بأنهم مغمورون في الآثام ؛ وأنهم ~~يتنقلون فيها من حال إلى ms1713 حال أخرى شر منها ، حتى لكأن السير في طريق الحق ~~والصدق والفضيلة صار غير مألوف عندهم. # وقوله : ( @QUR@04 لبئس ما كانوا يعملون ) تذييل قصد به تقبيح أعمالهم ~~التي يأباها الدين والخلق الكريم. # أى : لبئس شيئا كانوا يعملونه هذه المنكرات التي منها مسارعتهم في الإثم ~~والعدوان وأكلهم السحت. # وهذه الجملة هي حكم من الله تعالى عليهم بذم أعمالهم. وقد جمع سبحانه في ~~حكمه بين صيغة الماضي ( @QUR@01 كانوا ) وصيغة المضارع ( @QUR@01 يعملون ) ~~للإشارة إلى أن هذا العمل القبيح كان منهم في الماضي ، وأنهم قد استمروا ~~عليه في حاضرهم ومستقبلهم بدون توبة أو ندم. # وقد أكد سبحانه هذا الحكم بالقسم ، وباللام الموطئة للقسم ، وبكلمة بئس ~~الدالة على PageV04P211 # شدة الذم. أى : أقسم لبئس العمل الذي كان هؤلاء يعملونه من مسارعتهم في ~~الإثم والعدوان وأكلهم السحت. # ثم وبخ سبحانه رؤساء هؤلاء اليهود على سكوتهم على المنكر فقال : # ( @QUR@010 لو لا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت ). # و ( @QUR@02 لو لا ) هنا للحض على الفعل في المستقبل ، وللتوبيخ على تركه ~~في الماضي فهي لتوبيخ علماء اليهود على تركهم فضيلة الأمر بالمعروف والنهى ~~عن المنكر في الماضي. ولحضهم على مباشرتها في المستقبل. وهي هنا بمعنى هلا. # والربانيون : كما يقول ابن جرير جمع رباني. وهم العلماء الحكماء البصراء ~~بسياسة الناس ، وتدبير أمورهم ، والقيام بمصالحهم. # والأحبار جمع حبر وهم علماء اليهود وفقهاؤهم المفسرون لما ورد في التوراة ~~من أقوال وأحكام. # والمعنى : إن هؤلاء اليهود دأبهم المسارعة إلى اقتراف الآثام وإلى أكل ~~المال الحرام ، فهلا ينهاهم علماؤهم عن هذه الأقوال الكاذبة الباطلة ، وعن ~~تلك المآكل الخبيثة التي أكلوها عن طريق السحت. # والسحت كما سبق أن بينا هو المال الحرام كالربا والرشوة. سمى سحتا من ~~سحته إذا استأصله لأنه مسحوت البركة أى مقطوعها. أو لأنه يذهب فضيلة ~~الإنسان ويستأصلها. واليهود أرغب الناس في المال الحرام وأحرصهم عليه. # وقد وبخ الله تعالى علماء اليهود وفقهاءهم على عدم نهيهم لهم عن قولهم ~~الإثم وأكلهم السحت ، لأن هاتين الرذيلتين هما جماع الرذائل ، إذ القول ~~الباطل الكاذب ms1714 إذا ما تعود عليه الإنسان هانت عليه الفضائل ، وقال في الناس ~~ما ليس فيهم بدون تحرج أو حياء. وأكل السحت يقتل في نفسه المروءة والشرف ، ~~ويجعله يستهين بحقوق الناس وأموالهم. # ولقد ألف علماء اليهود أكل أموال الناس بالباطل بدعوى أن هذا الأكل ~~سيغفره الله لهم ، ألا ترى قول الله تعالى : ( @QUR@013 فخلف من بعدهم خلف ~~ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا ) (1). # قال بعض العلماء : واقتصر سبحانه في توبيخ الربانيين على ترك نهيهم عن ~~قول الإثم PageV04P212 # وأكل السحت ، ولم يذكر العدوان الذي ورد في الآية السابقة إيماء إلى أن ~~العدوان يزجرهم عنه المسلمون ولا يلتجئون في زجرهم إلى غيرهم لأن الاعتماد ~~في النصرة على غير المجنى عليه ضعف» (1). # وقوله : ( @QUR@04 لبئس ما كانوا يصنعون ) تذييل قصد به ذم علماء اليهود ~~بسبب تركهم لفضيلة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. # وقوله : ( @QUR@01 يصنعون ) من الصنع وهو العمل بدقة ومهارة وإحكام. # أى : والله لبئس الصنع صنعهم حيث تركوا نهى عامتهم عن قول الإثم وأكل السحت. # وقد تكلم المفسرون عن السر في أن الله تعالى ذم اليهود بقوله : ( @QUR@04 ~~لبئس ما كانوا يعملون ) وذم علماءهم وفقهاءهم بقوله : ( @QUR@04 لبئس ما ~~كانوا يصنعون ). # وقد أجاد الكلام عن ذلك الإمام الرازي فقال : والمعنى ، أن الله تعالى ~~استبعد من علماء أهل الكتاب أنهم ما نهوا سفلتهم وعوامهم عن المعاصي ، وذلك ~~يدل على أن تارك النهى عن المنكر بمنزلة مرتكبه ، لأنه تعالى ذم الفريقين ~~.. بل نقول : إن ذم تارك النهى عن المنكر أقوى ، لأنه سبحانه قال في ~~المقدمين على الإثم والعدوان وأكل السحت ( @QUR@04 لبئس ما كانوا يعملون ) ~~وقال في العلماء التاركين للنهى عن المنكر ( @QUR@04 لبئس ما كانوا يصنعون ~~) والصنع أقوى من العمل ، لأن العمل إنما يسمى صناعة إذا صار راسخا متمكنا ~~، فجعل جرم العاملين ذنبا غير راسخ. وذنب التاركين للنهى عن المنكر ذنبا ~~راسخا. والأمر في الحقيقة كذلك ، لأن المعصية مرض الروح ، وعلاجه العلم ~~بالله وبصفاته وبأحكامه ، فإذا حصل هذا العلم وما زالت المعصية كان كمثل ~~المرض الذي شرب صاحبه الدواء ms1715 إلا أن المرض بقي كما هو» (2). # وقال ابن جرير : كان العلماء يقولون : ما في القرآن آية أشد توبيخا ~~للعلماء من هذه الآية ، ولا أخوف عليهم منها (3). # وقال ابن كثير : روى الإمام أحمد عن جرير قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ما من قوم يكون بين أظهرهم من يعمل بالمعاصي ، هم أعز منه ~~وأمنع ، ولم يغيروا ، إلا أصابهم الله منه بعذاب. # وروى ابن أبى حاتم عن يحيى بن يعمر قال : خطب على بن أبى طالب ، فحمد ~~الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس!! إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم ~~المعاصي ولم ينههم الربانيون PageV04P213 # والأحبار. فلما تمادوا أخذتهم العقوبات. فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ~~قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم. واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهى عن ~~المنكر لا يقطع رزقا ، ولا يقرب أجلا (1). # وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة قد وبخت اليهود على حسدهم للمؤمنين على ما ~~آتاهم الله من فضله ، ووصفتهم بجملة من الصفات الذميمة حتى يحذرهم المؤمنون ~~، ويجعلوا ولاءهم لله ولرسوله ولإخوانهم في العقيدة والدين. # ثم حكى سبحانه بعد ذلك لونا آخر من سوء معتقد اليهود ، وخبث طويتهم ، ~~وسوء أدبهم مع الله تعالى فقال : # ( @QUR@047 وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل ~~يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك ~~طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا ~~نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين ) (64) # قال ابن عباس : قال رجل من اليهود يقال له شاس بن قيس : يا محمد إن ربك ~~بخيل لا ينفق. فأنزل الله هذه الآية (2). # وقد أضاف سبحانه المقالة إلى اليهود جميعا ، لأنهم لم ينكروا على القائل ~~ما قاله ورضوا به. # وقال عكرمة : إنما قال هذا فنحاص بن عازوراء وأصحابه. فقد كانت لهم أموال ~~فلما كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم قل ما لهم ، فقالوا ما قالوا. # وقيل : إنهم لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم في فقر ms1716 وقلة مال وسمعوا ( ~~@QUR@07 من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ) قالوا : إن إله محمد بخيل (3). PageV04P214 # وقوله تعالى حكاية عنهم : ( @QUR@05 وقالت اليهود يد الله مغلولة ) إخبار ~~من الله عن جراءة اليهود عليه سبحانه وسوء أدبهم معه ، وتوبيخ لهم على ~~جحودهم نعمه التي لا تحصى. # وأرادوا بقولهم : ( @QUR@03 يد الله مغلولة ): أنه سبحانه بخيل عليهم ، ~~ممسك خيره عنهم ، مانع فضله عن أن يصل إليهم ، حابس عطاءه عن الاتساع لهم ، ~~كالمغلولة يده الذي لا يقدر أن يبسطها بعطاء ولا بذل معروف. # وأصل الغل كما يقول الراغب تدرع الشيء وتوسطه ، ومنه الغلل للماء الجاري ~~بين الشجر. والغل مختص بما يقيد به الشخص فيجعل الأعضاء وسطه ، وجمعه أغلال (1). # وليس المراد باليد هنا الجارحة المعروفة بهذا الاسم ، لأن الله تعالى ~~منزه عن مشابهة الحوادث. وإنما غل اليد وبسطها مجاز مشهور عن التقتير ~~والعطاء. # والسبب فيه أن اليد آلة لأكثر الأعمال ، لا سيما في دفع المال وإنفاقه. ~~فأطلقوا اسم السبب على المسبب ، وأسندوا الجود والبخل إلى اليد والكف فقيل ~~للجواد فياض اليد ، مبسوط الكف ، وقيل للبخيل : مقبوض اليد ، كز الكف. # وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف بقوله : «غل اليد وبسطها مجاز عن البخل ~~والجود ، ومنه قوله تعالى ( @QUR@010 ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا ~~تبسطها كل البسط ) ولا يقصد من يتكلم به إثبات يد ولا غل ولا بسط. ولا فرق ~~عنده بين هذا الكلام وبين ما وقع مجازا عنه ، لأنهما كلامان معتقبان على ~~حقيقة واحدة ، حتى إنه يستعمله في ملك لا يعطى عطاء قط ولا يمنعه إلا ~~بإشارته من غير استعمال يد وقبضها وبسطها. ولو أعطى الأقطع إلى المنكب عطاء ~~جزيلا لقالوا : ما أبسط يده بالنوال ، لأن بسط اليد وقبضها عبارتان ~~معاقبتان البخل والجود. وقد استعملوهما حيث لا تصح اليد كقول القائل : # جاد الحمى بسط اليدين بوابل %~% شكرت نداه تلاعه ووهاده # ويقال : بسط اليأس كفيه في صدري ، فجعلت لليأس الذي هو من المعاني لا من ~~الأعيان كفين. # وقد علق صاحب الانتصاف على قول صاحب الكشاف «غل اليد وبسطها ms1717 مجاز» فقال : ~~والنكتة في استعمال هذا المجاز تصوير الحقيقة المعنوية بصورة حسية تلزمها ~~غالبا ، وهي بسط اليد للجود وقبضها للبخل ، ولا شيء أثبت من الصور الحسية ~~في الذهن ، فلما كان الجود PageV04P215 # والبخل معنيين لا يدر كان بالحس. عبر عنهما بلازمهما لفائدة الإيضاح ~~والانتقال من المعنويات إلى المحسوسات (1). # وقوله : ( @QUR@05 غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ) دعاء عليهم بالشح ~~المرير والبخل الشنيع بأن يخلق سبحانه فيهم الشح الذي يجعلهم منبوذين من ~~الناس ومن ثم كان اليهود أبخل خلق الله ، وحكم عليهم بالطرد من رحمة الله ~~تعالى بسبب سوء أدبهم معه سبحانه وجحودهم لنعمه. # وهذه الجملة تعليم من الله لنا بأن ندعو على من فسدت قلوبهم ، وأساءوا ~~الأدب مع خالقهم ورازقهم ، فقالوا في شأنه ما هو منزه عنه تعالى الله عما ~~يقولون علوا كبيرا. # قال الآلوسى ما ملخصه : ويجوز أن يكون المراد بغل الأيدى الحقيقة ، بأن ~~يغلوا في الدنيا أسارى وفي الآخرة معذبين في أغلال جهنم. ومناسبة هذا لما ~~قبله حينئذ من حيث اللفظ فقط فيكون تجنيسا. وقيل من حيث اللفظ وملاحظة أصل ~~المجاز كما تقوله : سبني سب الله دابره أى قطعه ، لأن السب أصله القطع (2). # وقوله : ( @QUR@03 بل يداه مبسوطتان ) معطوف على مقدر يقتضيه المقام ، ~~وتكذيب لهم فيما قالوه من باطل. # والمعنى : كلا أيها اليهود ليس الأمر كما زعمتم من قول باطل ، بل هو ~~سبحانه الواسع الفضل ، الجزيل العطاء ، الذي ما من شيء إلا عنده خزائنه. # فبسط اليد هنا كناية عن الجود والفضل والإنعام منه سبحانه على خلقه. # وعبر بالمثنى فقال : ( @QUR@02 بل يداه ) للإشارة إلى كثرة الفيض ~~والإنعام ، لأن الجواد السخي إذا أراد أن يبالغ في العطاء أعطى بكلتا يديه. # قال ابن كثير قوله : ( @QUR@03 بل يداه مبسوطتان ) أى : بل هو الواسع ~~الفضل. الذي ما يخلقه من نعمة فمنه وحده لا شريك له. كما قال : ( @QUR@010 ~~وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار ) والآيات في هذا كثيرة. # وقد روى الإمام أحمد والشيخان عن أبى هريرة قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ms1718 : «إن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة أى لا ينقصها الإنفاق ~~سحاء أى مليئة الليل والنهار. أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض ، ~~فإنه لم يغض ما في يمينه. وكان عرشه على الماء ، وفي يده الأخرى PageV04P216 # الفيض أو القبض يرفع ويخفض وقال : يقول الله تعالى : أنفق أنفق عليك» (1). # وقوله : ( @QUR@03 ينفق كيف يشاء ) جملة مستأنفة واردة لتأكيد كمال جوده ~~، والدلالة على أنه على مقتضى حكمته ومشيئته فهو سبحانه يبسط الرزق لمن ~~يشاء أن يبسطه له ويقبضه عمن يشاء أن يقبضه عنه ، وقبضه الرزق عمن يشاء من ~~خلقه لا ينافي سعة كرمه ، لأنه يعطى ويمنع على حسب مشيئته التي أقام بها ~~نظام خلقه. # ثم بين سبحانه موقفهم الجحودى مما أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم فقال ~~: ( @QUR@010 وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا ). # أى : إن ما أنزلنا عليك يا محمد من قرآن كريم ، وما أطلعناك عليه من خفى ~~أمور هؤلاء اليهود ، ومن أحوال سلفهم كل ذلك ليزيدن الكثيرين منهم كفرا على ~~كفرهم ، وطغيانا على طغيانهم ، وذلك لأنهم قوم أكل الحقد قلوبهم ، واستولى ~~الحسد على نفوسهم. # وإذا كان ما أنزلناه إليك يا محمد فيه الشفاء لنفوس المؤمنين ، فإنه ~~بالنسبة لهؤلاء اليهود يزيدهم بغيا وظلما وكفرا. # قال تعالى : ( @QUR@013 وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا ~~يزيد الظالمين إلا خسارا ) (2). # فالجملة الكريمة بيان لموقف اليهود الجحودى من الآيات التي أنزلها الله ~~على رسوله صلى الله عليه وسلم وهي في الوقت ذاته تسلية له صلى الله عليه وسلم عما ~~يلقاه منهم. # وقد أكد سبحانه هذه الجملة بالقسم المطوى ، وباللام الموطئة له ، ونون ~~التوكيد الثقيلة لكي ينتفى الرجاء في إيمانهم ، وليعاملهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأتباعه على أساس مكنون نفوسهم الخبيثة ، وقلوبهم المريضة ~~بالحسد والخداع. # وقوله ( @QUR@01 كثيرا ) هو المفعول الأول لقوله ( @QUR@01 وليزيدن ) ~~وفاعله ما الموصولة في قوله ( @QUR@02 ما أنزل ) وقوله ( @QUR@01 طغيانا ) ~~هو المفعول الثاني. # ثم زاد سبحانه في تسلية رسوله صلى الله عليه وسلم فأصدر حكمه فيهم بدوام ~~العداوة والبغضاء ms1719 بين طوائفهم وفرقهم فقال : ( @QUR@07 وألقينا بينهم ~~العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ) فالضمير في قوله ( @QUR@01 بينهم ) ~~يعود إلى فرق اليهود المختلفة من فريسيين وصدوقيين وقرائين ، وكتبة وغير ~~ذلك من فرقهم المتعددة. PageV04P217 # وقيل : الضمير يعود إلى طائفتى اليهود والنصارى. # والأول أرجح لأن الحديث في هذه الآية عن اليهود الذين وصفوا الله تعالى ~~بما هو منزه عنه. # والعداوة والبغضاء يرى بعضهم أنهما اسمان لمعنى واحد. # ويرى آخرون أن معناهما مختلف. فالعداوة معناها المناوأة الظاهرة ، ~~والبغضاء هي الكراهية التي تكون في القلب. فهما معنيان متغايران وإن كانا ~~متلازمين أحيانا. فلا عداوة من غير بغضاء ، ولكن قد يفترقان فتوجد البغضاء ~~من غير إعلان للعداوة. # قال أبو حيان : والعداوة أخص من البغضاء لأن كل عدو مبغض وقد يبغض من ليس ~~التي تكون في القلب. فهما معنيان متغايران وإن كانا متلازمين أحيانا. فلا ~~عداوة من غير بغضاء ، ولكن قد يفترقان فتوجد البغضاء من غير إعلان للعداوة. # قال أبو حيان : والعداوة أخص من البغضاء لأن كل عدو مبغض وقد يبغض من ليس ~~بعدو. وقال ابن عطية. وكأن العداوة شيء يشهد ، يكون عنه عمل وحرب ، ~~والبغضاء لا تتجاوز النفوس (1). # والمعنى : وألقينا بين طوائف اليهود المتعددة العداوة الدائمة ، والبغضاء ~~المستمرة ، فأنت تراهم كلمتهم مختلفة ، وقلوبهم شتى وكل فرقة منهم تلصق ~~النقائص بالأخرى ، وهم على هذه الحال إلى يوم القيامة. # وما أظهره اليهود في هذا العصر من تعاون وتساند جعلهم ينشئون دولة لهم ~~بفلسطين ، هو أمر مؤقت ، فإن هذه الدولة لن تستمر طويلا ، بل ستعود إلى ~~أهلها المسلمين متى صدقوا في جهادهم واتبعوا تعاليم دينهم. # قال الفخر الرازي : واعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها ، هو أنه تعالى ~~بين أن هؤلاء اليهود إنما ينكرون نبوته صلى الله عليه وسلم بعد ظهور الدلائل ~~على صحتها ، لأجل الحسد. ولأجل حب الجاه والمال. ثم إنه تعالى بين أنهم لما ~~رجحوا الدنيا على الآخرة ، لا جرم أنه تعالى كما حرمهم سعادة الدين ، فكذلك ~~حرمهم سعادة الدنيا ، لأن كل فريق منهم بقي مصرا على مذهبه ومقالته ms1720 .. فصار ~~ذلك سببا لوقوع الخصومة الشديدة بين فرقهم وطوائفهم. وانتهى الأمر فيه إلى ~~أن بعضهم يكفر بعضا. ويحارب بعضهم بعضا. # فإن قلت : فهذا المعنى حاصل أيضا بين فرق المسلمين فكيف يمكن جعله عيبا ~~على الكتابيين حتى يذموا عليه؟ # قلنا : بدعة التفرق التي حصلت في المسلمين إنما حدثت بعد عصر النبوة وعصر ~~الصحابة والتابعين. أما في الصدر الأول فلم يكن شيء من ذلك حاصلا بينهم ~~فحسن جعل ذلك عيبا PageV04P218 # على الكتابيين في ذلك العصر الذي نزل فيه القرآن» (1). # وقوله : ( @QUR@06 كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ) أى : كلما ~~أرادوا حرب الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وهيئوا الأسباب لذلك وحاولوا ~~تفريق كلمتهم وإثارة العداوة بينهم. كلما فعلوا ذلك أفسد الله عليهم خطتهم ~~، وأحبط مكرهم ، وألقى الرعب في قلوبهم. # والتعبير بهذه الجملة الكريمة جاء على وفق ما جرى عليه العرب من أنهم ~~كانوا إذا أرادوا حربا بالإغارة على غيرهم أوقدوا نارا يسمونها نار الحرب. # والتعبير هنا لذلك على سبيل المجاز إذ عبر سبحانه عن إثارة الحروب بإيقاد ~~نارها. باعتبار أن الحروب في ذاتها وبما تشتمل عليه من مذابح بشرية تشبه ~~النار المستعرة في أخطارها ومصائبها. # وقوله : ( @QUR@08 ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين ) تذييل ~~مقرر لما قبله من الصفات الذميمة التي دمغ الله تعالى بها اليهود. # أى : أن حال هؤلاء اليهود أنهم يجتهدون في الكيد للإسلام وأهله وأنهم ~~يسعون سعيا حثيثا للإفساد في الأرض عن طريق إثارة الفتن ، وإيقاظ الأحقاد ~~بين الناس. والله تعالى لا يحب المفسدين بل يبغضهم ويمقتهم ، لإيثارهم ~~الضلالة على الهدى ، والشر على الخير. # وبهذا نرى الآية الكريمة قد ردت على اليهود في نسبتهم البخل إلى الله ~~تعالى وبينت أنه سبحانه هو الواسع الفضل ، الجزيل العطاء وكشفت عن جوانب من ~~رذائلهم وعنادهم وأوضحت أنه سبحانه يبغضهم لأنهم يفسدون في الأرض ولا ~~يصلحون. # ولقد بسطنا القول في مظاهر فسادهم في الأرض في غير هذا الموطن فارجع إليه ~~إن شئت (2). # وبعد أن حكى سبحانه ما حكى من رذائل أهل الكتاب وخصوصا ms1721 اليهود عقب ذلك ~~بفتح باب الخير لهم متى آمنوا واتقوا فقال تعالى : # ( @QUR@012 ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ~~ولأدخلناهم جنات النعيم (65) @QUR@012 ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ~~وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من PageV04P219 # @QUR@012 فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون ) (66) # والمعنى : ( @QUR@04 ولو أن أهل الكتاب ) من اليهود والنصارى ( @QUR@01 ~~آمنوا ) برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من حق ونور ( @QUR@01 ~~واتقوا ) الله تعالى بأن صانوا أنفسهم عن كل ما لا يرضاه. لو أنهم فعلوا ~~ذلك ( @QUR@03 لكفرنا عنهم سيئاتهم ) بأن رفعنا عنهم العقاب وسترنا عليهم ~~معاصيهم فلم نحاسبهم عليها ، ( @QUR@03 ولأدخلناهم جنات النعيم ) في ~~الآخرة. # قال الفخر الرازي : واعلم أنه سبحانه لما بالغ في ذمهم وفي تهجين طريقتهم ~~عقب ذلك ببيان أنهم لو آمنوا واتقوا لوجدوا سعادات الآخرة والدنيا. أما ~~سعادات الآخرة فهي محصورة في نوعين : # أحدهما : رفع العقاب. # والثاني : إيصال الثواب. # أما رفع العقاب فهو المراد بقوله : ( @QUR@03 لكفرنا عنهم سيئاتهم ). ~~وأما إيصال التواب فهو المراد بقوله : ( @QUR@03 ولأدخلناهم جنات النعيم ). # وأما سعادات الدنيا فقد ذكرها في قوله بعد ذلك : ( @QUR@04 ولو أنهم ~~أقاموا التوراة ) (1). # وكرر سبحانه اللام في قوله : ( @QUR@01 لكفرنا ). ( @QUR@01 ولأدخلناهم ~~) لتأكيد الوعد. وفيه تنبيه إلى كثرة ذنوبهم ومعاصيهم وإلى أن الإسلام يجب ~~ما قبله من ذنوب مهما كثرت. # وفي إضافة الجنات إلى النعيم إشارة إلى ما يستحقونه من العذاب لو لم ~~يؤمنوا ويتقوا. # وجمع سبحانه بين الإيمان والتقوى ، للإيذان بأن الإيمان الذي ينجى صاحبه ~~، ويرفع درجاته ، هو ما كان نابعا عن يقين وإخلاص وخشية من الله ، لا إيمان ~~المنافقين الذين يدعون الإيمان وهو منهم برىء والضمير في قوله : ( @QUR@05 ~~ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ) يعود إلى أهل الكتاب من اليهود ~~والنصارى الذين فتح الله لهم باب الإيمان ليدخلوا فيه كي ينالوا رضاه. # والمراد بإقامة التوراة والإنجيل : العمل بما فيهما من بشارات بصدق النبي ~~صلى الله عليه وسلم وحضهم على PageV04P220 # الإيمان به عند ظهوره وتنفيذ ما اشتملا عليه من أحكام أيدتها تعاليم ~~الإسلام ، وأصل الإقامة ms1722 الثبات في المكان. ثم استعير في إقامة الشيء لتوفية حقه. # والمراد بما أنزل إليهم من ربهم القرآن الكريم ، لأنهم مخاطبون به ، ~~وليسوا خارجين عن دائرة التكاليف التي دعا إليها. # قال تعالى ( @QUR@08 وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ) (1) أى : ~~لأنذركم به يا أهل مكة ، ولأنذر به أيضا جميع من بلغه هذا الكتاب من اليهود ~~والنصارى وغيرهم. # وقيل : المراد بما أنزل إليهم من ربهم. كتب أنبيائهم السابقين مثل كتاب ~~شعياء ، وكتاب حزقيل ، وكتاب دانيال. فإنها مشتملة أيضا على البشارة بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم . # والمراد بقوله : ( @QUR@06 لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ) المبالغة في ~~شرح ما ينعم الله به عليهم من خيرات وأرزاق تعمهم من كل جهة من الجهات لا ~~أن هناك فوقا وتحتا. # أى : لأكلوا أكلا متصلا وفيرا ، ولعمهم الخير والرزق من كل جهة بأن ~~تعطيهم السماء مطرها وبركتها ، وتعطيهم الأرض نباتها وخيرها ، فيعيشوا في ~~رغد من العيش ؛ وفي بسطة من الرزق. # وفي ذلك دلالة على أن الاستقامة على شرع الله ، تأتى بالرزق الرغيد ، ~~ولقد أشار القرآن إلى هذا المعنى في آيات كثيرة ومن ذلك قوله تعالى : # ( @QUR@08 وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا ) (2). # وقال تعالى حكاية عن هود أنه قال لقومه : ( @QUR@015 ويا قوم استغفروا ~~ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ) (3). # والمعنى : ( @QUR@02 ولو أنهم ) أى اليهود والنصارى ( @QUR@03 أقاموا ~~التوراة والإنجيل ) بأن عملوا بما فيهما من أقوال تدعوهم إلى الإيمان ~~بالدين الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وتركوا تحريف الكلم عن ~~مواضعه. # ولو أنهم أيضا آمنوا بما ( @QUR@04 أنزل إليهم من ربهم ) من قرآن مجيد ~~فيه هدايتهم وسعادتهم لو أنهم فعلوا ذلك لأتاهم الرزق الواسع من كل ناحية ~~ولعمهم الخير من كل جهة ، ولعاشوا آمنين مطمئنين. PageV04P221 # والمراد بالأكل الانتفاع مطلقا ، وعبر عن ذلك به لكونه أعظم الانتفاعات ~~ويستتبع سائرها. # ومفعول «أكلوا» محذوف لقصد التعميم. أو القصد إلى نفس الفعل كما في قولهم ~~: فلان يعطى ويمنع. # وقوله : ( @QUR@08 منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ms1723 ساء ما يعملون ) مدح للقلة ~~التي تستحق المدح من أهل الكتاب» وذم للكثيرين منهم الذين قبح عملهم وفسدت ~~نفوسهم. # والأمة : الجماعة من الناس الذين يجمعهم دين واحد. أو جنس واحد. أو مكان ~~واحد. ومقتصدة من الاقتصاد وهو الاعتدال في كل شيء والمراد به هنا : السير ~~على الطريق المستقيم الذي يوصل إلى الحق والخير ، وهو طريق الإسلام. # والمعنى : من أهل الكتاب جماعة مستقيمة على طريق الحق ، وهم قلة آمنت ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم وإلى جوار هذه الجماعة القليلة المستقيمة عدد كبير ~~من أهل الكتاب ساء عملهم ، واعوج سلوكهم ، وكان من حالهم ما يثير العجب ~~والدهشة. # والمراد بهذه الأمة المقتصدة من أهل الكتاب من دخل منهم في الإسلام واتبع ~~ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم . # وبذلك نرى هاتين الآيتين قد بشرت أهل الكتاب بالسعادة الدنيوية والأخروية ~~متى آمنوا بالله تعالى واتبعوا ما جاء به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم . # وبعد أن حكى الله تعالى في الآيات السابقة ما كان عليه أعداء الإسلام ~~وخصوصا اليهود من محاولات لفتنة الرسول صلى الله عليه وسلم ومن دسائس حاكوها ~~لعرقلة سير الدعوة الإسلامية ، ومن استهزاء بتعاليم الإسلام ومن حقد على ~~المؤمنين لإيمانهم برسل الله وكتبه ومن سوء أدب مع خالقهم ورازقهم. بعد أن ~~حكى سبحانه كل ذلك ، أتبعه بتوجيه نداء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أمره ~~فيه بأن يمضى في تبليغ رسالته إلى الناس دون أن يلتفت إلى مكر الماكرين ، ~~أو حقد الحاقدين. فإنه سبحانه قد حماه وعصمه منهم فقال : # ( @QUR@025 يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين ) (67) PageV04P222 # روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه ابن أبى حاتم ~~عن جابر بن عبد الله الأنصارى قال : لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى ~~أنمار ، نزل ذات الرقاع بأعلى نخل. فبينما هو جالس على رأس بئر قد دلى ~~رجليه ، فقال ms1724 الحارث من بنى النجار : لأقتلن محمدا فقال له أصحابه : كيف ~~تقتله؟ قال : أقول له أعطنى سيفك ، فإذا أعطانيه قتلته به. قال : فأتاه ~~فقال يا محمد. أعطنى سيفك أشيمه أى أراه فأعطاه إياه فرعدت يده حتى سقط ~~السيف من يده : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حال الله بينك وبين ما تريد. # فأنزل الله تعالى ( @QUR@09 يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ).. ~~الآية (1). # قال الفخر الرازي بعد أن ذكر عشرة أقوال في سبب نزولها واعلم أن هذه ~~الروايات وإن كثرت إلا أن الأولى حمل الآية على أن الله تعالى آمنه من مكر ~~اليهود والنصارى ، وأمره بإظهار التبليغ من غير مبالاة منه بهم ، وذلك لأن ~~ما قبل هذه الآية بكثير وما بعدها بكثير لما كان كلاما مع اليهود والنصارى ~~، امتنع إلقاء هذه الآية الواحدة على وجه تكون أجنبية عما قبلها وما بعدها» (2). # وهذا الذي قاله الإمام الرازي هو الذي تسكن إليه النفس أى أن الآية ~~الكريمة ساقها الله تعالى لتثبيت النبي صلى الله عليه وسلم وتقوية قلبه وأمره ~~بالمضي في تبليغ رسالته بدون خوف من أعدائه الذين حدثه عن مكرهم به ~~وكراهتهم له ، حديثا مستفيضا ، وقد بشره سبحانه في هذه الآية بأنه حافظه من ~~مكرهم وعاصمه من كيدهم. # وقوله : ( @QUR@01 بلغ ) من التبليغ بمعنى : إيصال الشيء إلى المطلوب ~~إيصاله إليه. # والمعنى : ( @QUR@03 يا أيها الرسول ) الكريم المرسل إلى الناس جميعا ( ~~@QUR@01 بلغ ) أى : أوصل إليهم ( @QUR@05 ما أنزل إليك من ربك ) أى : كل ما ~~أنزل إليك من ربك من الأوامر والنواهي والأحكام والآداب والأخبار دون أن ~~تخشى أحدا إلا الله. ( @QUR@03 وإن لم تفعل ) ما أمرت به من إيصال وتبليغ ~~جميع ما أنزل إليك من ربك إلى الناس ( @QUR@03 فما بلغت رسالته ) أى : وإن ~~لم تبلغ كل ما أنزل إليك من ربك كنت كمن لم يبلغ شيئا مما أوحاه الله إليه ~~، لأن ترك بعض الرسالة يعتبر تركا لها كلها. # وقد عبر عن هذا المعنى صاحب الكشاف بقوله : قوله : ( @QUR@03 وإن لم تفعل ~~) أى : وإن لم تبلغ ms1725 جميعه كما أمرتك. ( @QUR@03 فما بلغت رسالته ) أى : فلم ~~تبلغ إذا ما كلفت به من أداء الرسالة ، ولم تؤد منها شيئا قط ، وذلك أن ~~بعضها ليس بأولى بالأداء من بعض وإن لم تؤد بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعا ~~، كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها ، لإدلاء كل منها بما ~~يدلى به PageV04P223 # غيرها ، وكونها لذلك في حكم شيء واحد. والشيء الواحد لا يكون مبلغا غير ~~مبلغ ؛ مؤمنا به غير مؤمن به» (1). # وفي ندائه صلى الله عليه وسلم بوصف الرسالة تشريف له وتكريم وتمهيد لما ~~يأمره به الله من وجوب تبليغ ما كلف بتبليغه إلى الناس دون أن يخشى أحدا سواه. # لأن الله تعالى هو الذي خلقه ورباه وتعهده بالرعاية والحماية. وهو الذي ~~اختاره لحمل هذه الرسالة دون غيره ، فمن الواجب عليه صلى الله عليه وسلم أن ~~يبلغ جميع ما أنزل إليه منه سبحانه قال الجمل : وقوله : ( @QUR@06 وإن لم ~~تفعل فما بلغت رسالته ) ظاهر هذا التركيب اتحاد الشرط والجزاء ، لأنه يؤول ~~ظاهرا إلى وإن لم تفعل فما فعلت ، مع أنه لا بد وأن يكون الجواب مغايرا ~~للشرط لتحصل الفائدة ومتى اتحدا اختل الكلام. # وقد أجاب عن ذلك ابن عطية بقوله أى : وإن تركت شيئا فقد تركت الكل وصار ~~ما بلغته غير معتد به فصار المعنى : وإن لم تستوف ما أمرت بتبليغه فحكمك في ~~العصيان وعدم الامتثال حكم من لم يبلغ شيئا أصلا» (2). # وقال صاحب الانتصاف ما ملخصه : ولما كان عدم تبليغ الرسالة أمرا معلوما ~~عند الناس أنه عظيم شنيع ، ينقم على مرتكبه بل إن عدم نشر العلم من العالم ~~أمر فظيع ، فضلا عن كتمان الرسالة من الرسول : لما كان الأمر كذلك استغنى ~~عن ذكر الزيادات التي يتفاوت بها الشرط والجزاء ، للصوقها بالجزاء في ~~الأفهام وإن كان من سمع عدم تبليغ الرسالة فهم ما وراءه من الوعيد والتهديد ~~، وحسن هذا الأسلوب في الكتاب العزيز يذكر الشرط عاما بقوله : ( @QUR@03 ~~وإن لم تفعل ) ولم يقل : فإن لم تبلغ الرسالة فما بلغت الرسالة ms1726 ، حتى يكون ~~اللفظ متغايرا ، وهذه المغايرة اللفظية وإن كان المعنى واحدا أحسن رونقا ، ~~وأظهر طلاوة من تكرار اللفظ الواحد في الشرط والجزاء ، وهذا الفصل كاللباب ~~من علم البيان» (3). # هذا ، ومن المعلوم الذي لا خفاء فيه عند كل مسلم ، أن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم قد بلغ ما أمره الله به البلاغ التام ، وقام به أتم القيام ~~دون أن يزيد شيئا على ما كلفه به ربه أو ينقص شيئا. # وقد ساق ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من النصوص التي تشهد بأن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم قد امتثل أمر الله في تبليغ رسالته ، ومن ذلك ما ~~رواه الشيخان عن عائشة أنها قالت لمسروق : من حدثك أن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم كتم شيئا مما أنزل الله عليه فقد كذب. PageV04P224 # والله يقول : ( @QUR@09 يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ).. الآية. # ثم قال : ابن كثير : وقد شهدت له صلى الله عليه وسلم أمته بإبلاغ الرسالة ، ~~واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع. فقد قال في خطبته ~~يومئذ : «أيها الناس ، إنكم مسئولون عنى فماذا أنتم قائلون؟ قالوا : نشهد ~~أنك قد بلغت وأديت ونصحت» (1). # وقوله : ( @QUR@04 والله يعصمك من الناس ) وعد منه سبحانه بحفظ نبيه من ~~كيد أعدائه. # وقوله : ( @QUR@01 يعصمك ) من العصم بمعنى الإمساك والمنع. وأصله كما ~~يقول ابن جرير من عصام القربة ، وهو ما تربط به من سير وخيط ومنه قول ~~الشاعر : # وقلت عليكم بمالك إن مالكا %~% سيعصمكم إن كان في الناس عاصم # أى : سيمنعكم (2). # والمعنى : عليك يا محمد أن تبلغ رسالة الله دون أن تخشى أحدا سواه ، ~~والله تعالى يحفظك من كيد أعدائك ويمنعك من أن تعلق نفسك بشيء من شبهاتهم ~~واعتراضاتهم ويصون حياتك عن أن يعتدى عليها أحد بالقتل أو الإهلاك : # فالمراد بالعصمة هنا : عصمة نفسه وجسمه صلى الله عليه وسلم من القتل أو ~~الإهلاك ، وعصمة دعوته من أن يحول دون نجاحها حائل. وهذا لا ينافي ما تعرض ~~له صلى الله عليه وسلم من بأساء وضراء ms1727 وأذى بدني ، فقد رماه المشركون بالحجارة ~~حتى سالت دماؤه ، وشج وجهه وكسرت رباعيته في غزوة أحد. # والمراد بالناس هنا : المشركون والمنافقون واليهود ومن على شاكلتهم في ~~الكفر والضلال والعناد ، إذ ليس في المؤمنين الصادقين إلا كل محب لله ~~ولرسوله. # ولقد تضمنت هذه الجملة الكريمة معجزة كبرى للرسول صلى الله عليه وسلم فقد ~~عصم الله تعالى حياة رسوله عن أن يصيبها قتل أو إهلاك على أيدى الناس مهما ~~دبروا له من مكر وكيد. # لقد نجاه من كيدهم عند ما اجتمعوا لقتله في دار الندوة ليلة هجرته إلى ~~المدينة. # ونجاه من كيد اليهود عند ما هموا بإلقاء حجر عليه وهو جالس تحت دار من دورهم. # ونجاه من مكرهم عند ما هموا بإلقاء حجر عليه وهو جالس تحت دار من دورهم. # ونجاه من مكرهم عند ما وضعت إحدى نسائهم السم في طعام قدم إليه ~~صلى الله عليه وسلم . # إلى غير ذلك من الأحداث التي تعرض لها النبي صلى الله عليه وسلم من أعدائه. ~~ولكن الله تعالى نجاه منهم (3). PageV04P225 # وهناك آثار تشهد بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرس من بعض أصحابه فلما ~~نزلت هذه الآية صرفهم عن حراسته. # فقد أخرج الترمذي والحاكم وابن أبى حاتم وابن جرير عن عائشة قالت : كان ~~رسول الله يحرس ليلا حتى نزلت ( @QUR@04 والله يعصمك من الناس ) فأخرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة فقال لهم : «أيها الناس انصرفوا لقد ~~عصمنى الله» (1). # وقوله : ( @QUR@06 إن الله لا يهدي القوم الكافرين ) تذييل قصد به تعليل ~~عصمته صلى الله عليه وسلم وتثبيت قلبه أى : إن الله تعالى لا يهدى القوم ~~الكافرين إلى طريق الحق بسبب عنادهم وإيثارهم الغي على الرشد. ولا يوصلهم ~~إلى ما يريدونه من قتلك ومن القضاء على دعوتك ، بل سينصرك عليهم ويجعل ~~العاقبة لك. # وبعد هذا التثبيت والتكريم لنبيه. أمره سبحانه أن يصارح أهل الكتاب بما ~~هم عليه من باطل وأن يدعوهم إلى اتباع الحق الذي جاء به فقال تعالى : # ( @QUR@031 قل يا أهل الكتاب لستم ms1728 على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل ~~وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا ~~وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين ) (68) # قال الآلوسى : أخرج ابن إسحاق وابن جرير وغيرهما عن ابن عباس قال : جاء ~~جماعة من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد ألست تزعم أنك ~~على ملة إبراهيم ودينه ، وتؤمن بما عندنا من التوراة ، وتشهد أنها من الله ~~حق ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم بلى ، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما ~~أخذ عليكم من الميثاق وكتمتم منها ما أمركم أن تبينوه للناس فبرئت من ~~أحداثكم. قالوا : فإن لم تأخذ بما في أيدينا فإنا على الحق والهدى ولا نؤمن ~~بك ولا نتبعك فأنزل الله ( @QUR@07 قل يا أهل الكتاب لستم على شيء ) الآية (2). # والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى الذين امتدت أيديهم إلى ~~كتبهم بالتغيير والتبديل. قل لهم ( @QUR@06 يا أهل الكتاب لستم على شيء ) ~~يعتد به من الدين أو العلم أو المروءة PageV04P226 # ( @QUR@09 حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم ). # أى : لستم على شيء يقام له وزن من أمر الدين حتى تعملوا بما جاء في ~~التوراة والإنجيل ، من أقوال تبشر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وحتى تؤمنوا ~~بما أنزل إليكم من ربكم من قرآن كريم يهدى إلى الرشد : لأنكم مخاطبون به ، ~~ومطالبون بتنفيذ أوامره ونواهيه ، ومحاسبون حسابا عسيرا على الكفر به ، ~~وعدم الإذعان لما اشتمل عليه. # والتعبير بقوله تعالى ( @QUR@03 لستم على شيء ) فيه ما فيه من الاستخفاف ~~بهم ، والتهوين من شأنهم ، أى : لستم على شيء يعتد به ألبتة من أمر الدين. ~~وذلك كما يقول القائل عن أمر من الأمور : هذا الأمر ليس بشيء يريد تحقيره ~~وتصغير شأنه. وفي الأمثال ، أقل من لا شيء. # فالجملة الكريمة تنفى عنهم أن يكون في أيديهم شيء من الحق والصواب ~~ماداموا لم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي بشرت به التوراة والإنجيل ~~وأنزل الله عليه القرآن وهو الكتاب المهيمن على الكتب السماوية السابقة. ms1729 # وقوله : ( @QUR@010 وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا ~~) جملة مستأنفة مبينة لغلوهم في العناد والجحود ، وناعية عليهم عدم ~~انتفاعهم بما يشفى النفوس ، ويصلح القلوب. والضمير في قوله ( @QUR@01 منهم ~~) يعود إلى أهل الكتاب. # أى : وإن ما أنزلناه إليك يا محمد من هدايات وخيرات ليزيدن هؤلاء الضالين ~~من أهل الكتاب طغيانا على طغيانهم. وكفرا على كفرهم ؛ لأن نفوسهم لا تميل ~~إلى الحق والخير وإنما تنحدر نحو الباطل والشر. # وقوله : ( @QUR@05 فلا تأس على القوم الكافرين ) تذييل قصد به تسلية ~~الرسول صلى الله عليه وسلم والفاء للإفصاح. والأسى : الحزن. يقال : أسى فلان ~~على كذا يأسى أسى إذا حزن. # أى : إذا كان شأن الكثيرين كذلك فلا تحزن عليهم ، ولا تتأسف على القوم ~~الكافرين ؛ فإنهم هم الذين استحبوا العمى على الهدى ، وفي المؤمنين غنى لك عنهم. # وليس المراد نهيه صلى الله عليه وسلم عن الحزن والأسى ، لأنهما أمران ~~طبيعيان لا قدرة للإنسان عن صرفهما ، وإنما المراد نهيه عن لوازمهما ، ~~كالإكثار من محاولة تجديد شأن المصائب وتعظيم أمرها وبذلك تتجدد الآلام ~~ويحزن القلب. # ثم بين سبحانه بعد ذلك أن الناس أمامه سواء وأنه لا تفاضل بينهم إلا ~~بالإيمان والعمل الصالح ، وأن الايمان الحق يقطع ما قبله من عقائد زائفة. ~~وأفعال سيئة فقال تعالى : PageV04P227 # ( @QUR@020 إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله ~~واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) (69) # فالآية الكريمة تبين أن أساس النجاة يوم القيامة هو الإيمان بالله واليوم ~~الآخر ، وما يستتبع ذلك من أفعال طيبة وأعمال صالحة. # وقد ذكر سبحانه في هذه الآية أربع فرق من الناس : # أما الفرقة الأولى : فهي فرقة المؤمنين ، وهم الذين عبر عنهم سبحانه ~~بقوله : ( @QUR@03 إن الذين آمنوا ) أى : آمنوا إيمانا صادقا ، بأن أذعنوا ~~للحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم واتبعوه في كل ما جاء به. # وقد ابتدأ القرآن بهم لشرفهم وعلو منزلتهم وللإشعار بأن دين الإسلام دين ~~قائم على أساس أن الفوز برضا الله لا ينال إلا بالإيمان الصادق ms1730 والعمل ~~الصالح ، ولا فضل لأمة على أمة إلا بذلك. # والفرقة الثانية : فرقة الذين هادوا. أى اليهود. يقال : هاد وتهود إذا ~~دخل في اليهودية. وسموا يهودا نسبة إلى يهوذا أكبر أولاد يعقوب عليه السلام ~~وقد قلبت الذال في كلمة يهوذا دالا في التعريب. أو سموا حين تابوا من عبادة ~~العجل من هاد يهود هودا بمعنى تاب ومنه قوله تعالى ( @QUR@03 إنا هدنا إليك ~~) أى : تبنا ورجعنا إليك. # والفرقة الثالثة : فرقة الصابئين جمع صابئ وهو الخارج من دين إلى دين. ~~يقال صبا الظلف والناب والنجم منع وكرم إذا طلع. # والمراد بهم قوم يعبدون الملائكة ، أو الكواكب ويزعمون أنهم على دين صابئ ~~بن شيث بن آدم ، ولا تزال بقية منهم تعيش في تخوم العراق ، ومن العسير ~~الجزم بحقيقة معتقدهم ، لأنهم أكتم الناس لعقائدهم. # وأما الفرقة الرابعة : فهي فرقة النصارى جمع نصران بمعنى نصراني قيل سموا ~~بذلك لأنهم ادعوا أنهم أنصار عيسى عليه السلام وقيل سموا بذلك نسبة إلى قرية ~~الناصرة التي ظهر بها عيسى عليه السلام واتبعه بعض أهلها. # والإيمان المشار إليه في قوله : ( @QUR@05 من آمن بالله واليوم الآخر ) ~~يفسره بعض العلماء بالنسبة PageV04P228 # لليهود والنصارى والصابئين بمعنى صدور الإيمان منهم على النحو الذي قرره ~~الإسلام. فمن لم تبلغه منهم دعوة الإسلام ، وكان ينتمى إلى دين صحيح في ~~أصله بحيث يؤمن بالله واليوم الآخر ويقوم بالعمل الصالح على الوجه الذي ~~يرشده إليه دينه ، فله أجره على ذلك عند ربه. # أما الذين بلغتهم دعوة الإسلام من تلك الفرق ولكنهم لم يقبلوها ؛ فإنهم ~~لا يكونون ناجين من عذاب الله مهما ادعوا أنهم يؤمنون بغيرها ؛ لأن شريعة ~~الإسلام قد نسخت ما قبلها ، والرسول صلى الله عليه وسلم قال : «لو كان موسى ~~حيا ما وسعه إلا اتباعى». # ويفسرونه أى الإيمان المشار إليه سابقا بالنسبة للمؤمنين الذين عبر الله ~~عنهم بقوله : ( @QUR@03 إن الذين آمنوا ) على أنه بمعنى الثبات والدوام ~~والإذعان ، وبذلك ينتظم عطف قوله تعالى ( @QUR@02 وعمل صالحا ) على قوله ( ~~@QUR@01 آمن ) مع مشاركته هؤلاء المؤمنين لتلك الفرق الثلاث فيما يترتب على ms1731 ~~العمل الصالح من ثواب جزيل وعاقبة حميدة. # وبعض العلماء يرى أن معنى ( @QUR@02 من آمن ) أى : من أحدث من هذه الفرق ~~إيمانا بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند ربه. # قالوا : لأن مقتضى المقام هو الترغيب في دين الإسلام ، وأما بيان من مضى ~~على دين آخر قبل نسخه فلا ملابسة له بالمقام ، فضلا عن أن الصابئين ليس لهم ~~دين تجوز رعايته في وقت من الأوقات. # وقوله : ( @QUR@06 فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) بيان لحسن عاقبتهم ، ~~وجزيل ثوابهم. # أى. فلا خوف عليهم من أهوال يوم القيامة بل هم في مأمن منها ، ولا هم ~~يحزنون على ما مضى من أعمارهم لأنهم أنفقوها في العمل الصالح. # هذا وقد قرأ جمهور القراء ( @QUR@01 والصابئون ) بالرفع. وقرأ ابن كثير ~~بالنصب. # وقد ذكر النحويون وجوها من الإعراب لتخريج قراءة الرفع التي قرأها ~~الأكثرون ، ولعل خير هذه الوجوه ما ذكره الشيخ الجمل في قوله : وقوله : ( ~~@QUR@03 إن الذين آمنوا ) أى : إيمانا حقا لا نفاقا. وخبر إن محذوف تقديره ~~: فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. دل عليه المذكور ، وقوله : ( @QUR@02 ~~والذين هادوا ) مبتدأ. فالواو لعطف الجمل أو للاستئناف وقوله ( @QUR@02 ~~والصابئون والنصارى ) عطف على هذا المبتدأ. وقوله ( @QUR@03 فلا خوف عليهم ~~). خبر عن هذه المبتدءات الثلاثة. وقوله : ( @QUR@05 من آمن بالله واليوم ~~الآخر ) بدل من كل منها بدل بعض من كل فهو مخصص. فكأنه قال : الذين آمنوا ~~من اليهود والنصارى ومن الصابئين لا خوف عليهم ولا هم PageV04P229 # يحزنون. فالإخبار عن اليهود ومن بعدهم بما ذكر مشروط بالإيمان لا مطلقا (1). # وقد ذكر صاحب الكشاف وجها آخر فقال : قوله : ( @QUR@01 والصابئون ) رفع ~~على الابتداء وخبره محذوف. والنية به التأخير عما في حيز إن من اسمها ~~وخبرها. كأنه قيل : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا. ~~والصابئون كذلك. # ثم قال : فإن قلت ما التأخير والتقديم إلا لفائدة فما فائدة هذا التقديم؟ # قلت : فائدته التنبيه على أن الصابئين يتاب عليهم إن صح منهم الإيمان ~~والعمل الصالح فما الظن بغيرهم؟ وذلك لأن الصابئين أبين هؤلاء المعدودين ~~ضلالا ms1732 وأشدهم غيا ، وما سموا صابئين إلا لأنهم صبئوا عن الأديان كلها أى : ~~خرجوا» (2). # والخلاصة ، أن الآية الكريمة مسوقة للترغيب في الإيمان والعمل الصالح ~~ببيان أن كل من آمن بالله واليوم الآخر ، واتبع ما جاء به النبي ~~صلى الله عليه وسلم واستمر على هذا الإيمان وهذا الاتباع إلى أن فارق هذه ~~الحياة ، فإن الله تعالى يرضى عنه ويثيبه ثوابا حسنا ، وبتجاوز عما فرط منه ~~من ذنوب ، لأن الإيمان الصادق يجب ما قبله ، من عقائد زائفة ، وأعمال باطلة ~~وأقوال فاسدة. # وبعد أن فتح سبحانه باب الإيمان أمام أهل الكتاب وغيرهم لكي يدخلوه ~~فينالوا رضاه ومثوبته. عقب ذلك باستئناف الحديث من أنواع أخرى من الرذائل ~~التي عرفت عن بنى إسرائيل فقال تعالى : # ( @QUR@019 لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم ~~رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون (70) @QUR@019 وحسبوا ~~ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم ~~والله بصير بما يعملون ) (71) PageV04P230 # والمراد بالميثاق في قوله : ( @QUR@05 لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل ): ~~العهد الموثق الذي أخذه الله عليهم بواسطة أنبيائهم بأن يؤدوا ما كلفهم به ~~من تكاليف وأن يتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم عند ظهوره. # وقد أكد الله هذا الميثاق الذي أخذه عليهم بلام القسم وبقد المفيدة ~~للتحقيق أى : بالله لقد أخذنا الميثاق على بنى إسرائيل بأن يعبدوني ولا ~~يشركوا بي شيئا ، وبأن ينفذوا ما كلفتهم به من المأمورات والمنهيات ~~والشرائع والأحكام. # وقوله ( @QUR@03 وأرسلنا إليهم رسلا ) معطوف على ( @QUR@01 أخذنا ) ~~والتنكير في قوله : ( @QUR@01 رسلا ) للتكثير والتعظيم. # أى : أخذنا العهد المؤكد عليهم بأن يسيروا على الطريق المستقيم ، وأرسلنا ~~إليهم رسلا ذوى عدد كثير ، وأولى شأن خطير ، لكي يتعهدوهم بالتبشير ~~والإنذار ، ولكي يرشدوهم إلى ما يأتون وما يذرون من أمور دينهم. # فأنت ترى أن الله تعالى مع أخذه الميثاق عليهم لم يتركهم هملا ، بل أرسل ~~إليهم الرسل ليعينوهم على تنفيذ ما جاء به. # ولم يذكر سبحانه هنا موضوع هذا الميثاق ، اكتفاء بذكره في مواطن أخرى ~~كثيرة. ومن ذلك ms1733 قوله تعالى قبل ذلك في هذه السورة : # ( @QUR@027 ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا ~~، وقال الله إني معكم ، لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة. وآمنتم برسلي ~~وعزرتموهم ، وأقرضتم الله قرضا حسنا ) الآية (1). # وقوله تعالى في سورة البقرة : ( @QUR@015 وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا ~~تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين ).. ~~الآية (2). # وقوله : ( @QUR@011 كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا ~~وفريقا يقتلون ) بيان لموقفهم الذميم من الميثاق الذي أخذ عليهم ومن الرسل ~~الكرام الذين أرسلهم الله لهدايتهم وسعادتهم. # أى : أخذنا الميثاق المؤكد عليهم ، وأرسلنا إليهم رسلا كثيرين لهدايتهم ~~ولكنهم نقضوا الميثاق ، وعصوا الرسل ، فكانوا ( @QUR@03 كلما جاءهم رسول ) ~~بما لا تشتهيه نفوسهم الشقية ، وبما لا تميل إليه قلوبهم الردية ، ناصبوه ~~العداء ؛ فكذبوا بعض الرسل ، ولم يكتفوا مع البعض الآخر بالتكذيب بل أضافوا ~~إليه القتل. # ولقد كذب اليهود جميع الرسل الذين جاءوا لهدايتهم ولم يؤمن بهم إلا قلة ~~منهم. وقتلوا من PageV04P231 # بين من قتلوا من الرسل بعد أن كذبوهم : زكريا ويحيى ، وحاولوا قتل عيسى ~~عليه السلام كما حاولوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن الله تعالى ~~نجاهما من مكرهم وكيدهم. # قال صاحب الكشاف : وقوله : ( @QUR@03 كلما جاءهم رسول ) جملة شرطية وقعت ~~صفة لقوله : ( @QUR@01 رسلا ). والرابط محذوف : أى : رسول منهم ( @QUR@04 ~~بما لا تهوى أنفسهم ) أى بما يخالف هواهم ويضاد شهواتهم. # فإن قلت : أين جواب الشرط قلت : هو محذوف يدل عليه ( @QUR@04 فريقا كذبوا ~~وفريقا يقتلون ) فكأنه قيل : كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه» (1). # والتعبير بقوله : ( @QUR@011 كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا ~~كذبوا وفريقا يقتلون ) يدل على أن حال بنى إسرائيل بالنسبة للرسل يدور بين ~~أمرين إما التكذيب لهم ، والاستهانة بتعاليمهم وإما أن يجمعوا مع التكذيب ~~قتلهم وإزهاق أرواحهم الشريفة. فكأن التكذيب والقتل قد صارا سجيتين لهم لا ~~تتخلفان في أى زمان ومع أى رسول ، وذلك لأن لفظ «كل» يدل على العموم. «وما» ~~مصدرية ظرفية دالة على الزمان ، فكأنه سبحانه يقول : في كل أوقات مجيء ~~الرسل ms1734 إليهم كذبوا ويقتلون دون أن يفرقوا بين رسول ورسول أو بين زمان وزمان. # وقال سبحانه ( @QUR@04 بما لا تهوى أنفسهم ) للمبالغة في ذمهم ، إذ هوى ~~النفس ميلها في الغالب إلى الشهوات التي لا تنبغي ، والرسل ما أرسلهم الله ~~تعالى إلا لهداية الأنفس ، وكفها عن شهواتها التي يؤدى الوقوع فيها إلى ~~المفاسد. # وبنو إسرائيل لا يكذبون الرسل ، ويقتلونهم إلا لأنهم جاءوهم بما يخالف ~~هواهم ، ويتعارض مع أنانيتهم وشرههم ومطامعهم الباطلة. # وهكذا الأمم عند ما تفسد عقولها ؛ وتسيطر عليها الأطماع والشهوات ، ترى ~~الحسن قبيحا ، وتحارب من يهديها إلى الرشاد حتى لكأنه عدو لها. # وقدم سبحانه المفعول به في قوله ( @QUR@04 فريقا كذبوا وفريقا يقتلون ) ~~للاهتمام بتفصيل أحوال بنى إسرائيل السيئة ، وبيان ما لقيه الرسل الكرام منهم. # وعبر عن التكذيب بالفعل الماضي فقال : ( @QUR@02 فريقا كذبوا ) وعن القتل ~~بالفعل المضارع فقال : ( @QUR@02 وفريقا يقتلون ) لحكاية الحال الماضية ~~التي صدرت من أسلافهم بتصوير ما حصل في الماضي كأنه حاصل وقت التكلم ، ~~ولاستحضار جريمتهم البشعة في النفوس حتى لكأنها واقعة PageV04P232 # في الحال ، وفي ذلك ما فيه من النعي عليهم. والتوبيخ لهم والتعجيب من ~~أحوالهم التي بلغت نهاية الشناعة والقبح. # ثم بين سبحانه بعد ذلك أنهم مع ما فعلوه مع رسلهم من التكذيب والقتل لم ~~ينزجروا ، ولم يندموا ... بلغ بهم الغرور والسفه أنهم ظنوا أن ما فعلوه شيء ~~هين وأنه لن يكون له أثر سىء في حياتهم. فقال تعالى ( @QUR@019 وحسبوا ألا ~~تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله ~~بصير بما يعملون ). # وقوله : ( @QUR@01 وحسبوا ) معطوف على قوله ( @QUR@01 كذبوا ) وهو من ~~الحسبان بمعنى الظن : وقوله : ( @QUR@01 فتنة ) من الفتن وهو إدخال الذهب ~~في النار لتظهر جودته. والمراد بها هنا : الشدائد والمحن والمصائب التي ~~تنزل بالناس. # وقوله : ( @QUR@02 فعموا وصموا ) من العمى الذي هو ضد الإبصار ، ومن ~~الصمم الذي هو ضد السمع. وقد استعير هنا للإعراض عن دلائل الهدى والرشاد ~~التي جاء بها الرسل. # والمعنى إن بنى إسرائيل قد أخذنا عليهم العهد المؤكد ، وأرسلنا إليهم ~~الرسل لهدايتهم ، فكان ms1735 حالهم أنهم كذبوا بعض الرسل ، وقتلوا البعض الآخر. ~~ولم يكتفوا بهذا بل ظنوا لسوء أعمالهم وفساد قلوبهم واستيلاء الغرور ~~والتكبر على نفوسهم أنهم لن يصيبهم بلاء ولا عقاب بتكذيبهم للرسل وقتلهم ~~لهم فأمنوا عقاب الله وتمادوا في فنون البغي والفساد وعموا وصموا عن دلائل ~~الهدى والرشاد التي جاء بها الرسل واشتملت عليها الكتب السماوية ( @QUR@04 ~~ثم تاب الله عليهم ) أى : قبل توبتهم بعد أن رجعوا عما كانوا عليه من فساد ~~( @QUR@03 ثم عموا وصموا ) أى : ثم نكسوا على رءوسهم مرة أخرى فعادوا إلى ~~فسادهم وضلالهم وعدوانهم على هدايتهم ، إلا عددا قليلا منهم بقي على إيمانه ~~وتوبته فأنت ترى أن الآية الكريمة مسوقة لبيان فساد معتقدات بنى إسرائيل ~~وما جبلت عليه نفوسهم من جحود وغرور. حيث ارتكبوا ما ارتكبوا من جرائم ~~ومنكرات تقشعر لها الأبدان ومع كل ذلك حسبوا أن الله تعالى لا يعاقبهم ~~عليها ، لأنهم كما يزعمون أبناء الله وأحباؤه. ثم إنهم بعد أن تاب الله ~~عليهم نقضوا عهودهم معه وعادوا إلى عماهم عن الدين الذي جاءتهم به رسلهم ~~وإلى صممهم عن الاستماع إلى الحق الذي ألقوه إليهم. # وقوله : ( @QUR@02 ألا تكون ) قراءة أبو عمر والكسائي وحمزة بضم النون ~~على اعتبار «أن» هي المخففة من الثقيلة ، وأصله أنه لا تكون فتنة. فخففت أن ~~وحذف ضمير الشأن وهو اسمها وحسبوا على هذه القراءة بمعنى علموا. # وتعليق فعل الحسبان بها وهي للتحقيق لتنزيله منزلة العلم لتمكنه في ~~قلوبهم. PageV04P233 # وقرأه الباقون بفتح النون على اعتبار أن «أن» ناصبة لتكون. وحسب على هذه ~~القراءة على بابها من الشك والظن. # وسد مسد مفعولي حسب على القراءتين ما اشتمل عليه الكلام من المسند ~~والمسند إليه وهو أن وما في حيزها. # وقوله ( @QUR@01 فعموا ) معطوف على ( @QUR@01 حسبوا ) وجيء بالفاء التي ~~للسببية للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما قبلها. # أى أن عماهم عن الطريق القويم وصممهم عن سماع الحق كان سببه ظنهم الفاسد ~~، واعتقادهم الباطل أن ما ارتكبوه من قبائح لن يعاقبوا عليه في الدنيا. # ومن بديع إيجاز القرآن الكريم أن ms1736 أومأ إلى عدم اهتمامهم بمصيرهم في ~~الآخرة ببيان أن ظنهم لن تنزل بهم مصائب في الدنيا يسبب مفاسدهم ، هذا الظن ~~هو الذي جعلهم يرتكبون ما يرتكبون من قبائح .. أما الآخرة فلا مكان لها في ~~تفكيرهم ، لأنهم قوم تعساء يحرصون على الدنيا حرصا شديدا دون أن يعيروا ~~الآخرة وما فيها من حساب وثواب وعقاب أى اهتمام. # وهذا شأن الأمم إذا ما استحوذ عليها الشيطان وتغلب عليها حب الشهوات وضعف ~~الوازع الديني في نفوس أفرادها. إنهم في هذه الحالة يصير همهم مقصورا على ~~تدبير شئون دنياهم ، فإذا ما وجدوا فيها مأكلهم وشربهم وملذاتهم اغمضوا ~~أعينهم عن آخرتهم ، بل وربما استهانوا وتهكموا بمن يذكرهم بها فتكون نتيجة ~~إيثارهم الدنيا على الآخرة الشقاء والتعاسة. # وجيء بحرف العطف ( @QUR@01 ثم ) المفيد للتراخي في قوله ( @QUR@04 ثم تاب ~~الله عليهم ) للإشارة إلى أن قبول توبتهم كان بعد مفاسد عظيمة وقعت منهم أى ~~: ثم تاب الله عليهم بعد أن كان منهم ما كان من منكرات وجرائم وإعراض عن ~~الرشد والهدى. # وقوله ( @QUR@03 ثم عموا وصموا ) بيان لنقضهم لعهودهم مع الله ، ~~وارتكاسهم في الذنوب والخطايا والمنكرات. ارتكاسا شديدا بحيث صاروا ليسوا ~~أهلا لقبول التوبة منهم بعد ذلك. # أى : بعد أن قبل الله توبتهم من جرائمهم المنكرة. عادوا إلى الانتكاس مرة ~~أخرى فوقعوا في الذنوب والجرائم بإصرار وعناد فأصابهم ما أصابهم من عقوبات ~~لم يتب الله عليهم بعدها. # وقوله ( @QUR@02 كثير منهم ) بدل من الضمير في قوله ( @QUR@02 عموا وصموا ~~) وهذا الإبدال في غاية الحسن. لأنه لو قال ( @QUR@02 عموا وصموا ) بدون ~~هذا البدل لأوهم ذلك أنهم جميعا صاروا كذلك. فلما قال ( @QUR@02 كثير منهم ~~) دل على أن العمى والصمم قد حدث للكثيرين منهم ، وهناك قلة منهم لم تنقض ~~عهودها مع الله تعالى بل بقيت على إيمانها وصدق توبتها. PageV04P234 # وهذا كما قلنا مرارا من إنصاف القرآن للناس في أحكامه ، ودقته في ألفاظه ~~، واحتراسه فيما يصدر من أحكامه. # وقوله : ( @QUR@04 والله بصير بما يعملون ) تذييل قصد به بطلان حسبانهم ~~المذكور ، والبصير مبالغة في المبصر وهو هنا بمعنى العليم ms1737 بكل ما يكون منهم ~~من أعمال سواه أبصرها الناس أم لم يبصروها. # والمقصود من هذا الخبر لازم معناه ، وهو الإنذار والتذكير بأن الله لا ~~يخفى عليه شيء. وسيحاسبهم على أعمالهم. # أى : والله تعالى عليم بما يعملونه علم من يبصر كل شيء دون أن تخفى عليه ~~خافية ، وسيجازيهم على أعمالهم بما يستحقونه من عذاب أليم. # هذا ، وقد تكلم المفسرون عن وقت التوبة التي كانت بعد عماهم وصممهم وعن ~~العمى والصمم الذي أصابهم بعد ذلك وقد أجمل الإمام الرازي كلامهم فقال : # والآية تدل على أن عماهم وصممهم عن الهداية إلى الحق حصل مرتين. واختلف ~~المفسرون في المراد بهاتين المرتين على وجوه : # الأول : المراد أنهم عموا وصموا في زمان زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام ~~ثم تاب الله على بعضهم حيث وفق بعضهم للإيمان : ثم عموا وصموا كثير منهم في ~~زمان محمد صلى الله عليه وسلم بأن أنكروا نبوته. وقلة منهم هي التي آمنت به. # الثاني : المراد أنهم عموا وصموا حين عبدوا العجل ، ثم تابوا عنه فتاب ~~الله عليهم ، ثم عموا وصموا كثير منهم بالتعنت وهو طلبهم رؤية الله جهرة. # الثالث : قال القفال : ذكر الله تعالى في سورة الإسراء ما يجوز أن يكون ~~تفسيرا لهذه الآية فقال : ( @QUR@013 وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب ~~لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا ) (1). # والذي نراه أن تحديد عماهم وصممهم وتوبتهم بزمان معين أو بجريمة أو جرائم ~~معينة تابوا بعدها هذا التحديد غير مقنع. # ولعل أحسن منه أن نقول : إن القرآن الكريم يصور ما عليه بنو إسرائيل من ~~صفات ذميمة ، وطبائع معوجة ، ومن نقض للعهود والمواثيق. فهم أخذ الله عليهم ~~العهود فنقضوها ، وأرسل إليهم الرسل فاعتدوا عليهم وظنوا أن عدوانهم هذا ~~شيء هين ولن يصيبهم بسببه عقاب PageV04P235 # دنيوى ، فلما أصابهم العقاب الدنيوي كالقحط والوباء والهزائم. بسبب ~~مفاسدهم ، تابوا إلى الله فقبل الله توبتهم ورفع عنهم عقابه ، فعادوا إلى ~~عماهم وصممهم إلا قليلا منهم ، وارتكبوا ما ارتكبوا من منكرات بتصميم ~~وتكرار فأصابهم سبحانه بفتن لم يتب عليهم منها. ( @QUR@08 وما ms1738 كان الله ~~ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) (1). # وبعد أن بين سبحانه أنماطا من قبائح اليهود ومن صفاتهم الذميمة شرع في ~~بيان قبائح النصارى وضلالاتهم وأرشدهم إلى طريق الحق والصواب ، وحذرهم من ~~السير في طريق الغواية والعناد فقال تعالى : # ( @QUR@034 لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح ~~يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه ~~الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار (72) @QUR@025 لقد كفر الذين ~~قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما ~~يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم (73) @QUR@08 أفلا يتوبون إلى ~~الله ويستغفرونه والله غفور رحيم (74) @QUR@025 ما المسيح ابن مريم إلا ~~رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين ~~لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون ) (75) PageV04P236 # قال الفخر الرازي : اعلم أنه تعالى لما استقصى الكلام مع اليهود ، شرع ~~هاهنا في الكلام مع النصارى ، فحكى عن فريق منهم أنهم قالوا : إن الله هو ~~المسيح بن مريم. # وهذا هو قول اليعقوبية ؛ لأنهم يقولون : إن مريم ولدت إلها ، ولعل معنى ~~هذا المذهب أنهم يقولون : إن الله تعالى حل في ذات عيسى واتحد بذات عيسى (1). # واللام في قوله : ( @QUR@02 لقد كفر ) واقعة جوابا لقسم مقدر. # والمراد بالكفر : ستر الحق وإنكاره والانغماس في الباطل والضلال. # أى : اقسم لقد كفر أولئك النصارى الذين قالوا كذبا وزورا : إن الله ~~المستحق للعبادة والخضوع هو المسيح ابن مريم. # وقد أكد سبحانه كفرهم بالقسم المقدر ؛ لأنهم غالوا في إطراء عيسى وفي ~~وضعه في غير موضعه كما غالت اليهود في الكفر به وفي وصفه بالأوصاف التي هو ~~برىء منها. # ثم حكى سبحانه ما قاله عيسى في الرد على من جعلوه إلها فقال : ( @QUR@09 ~~وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم ). # أى : وقال المسيح مكذبا لمن وصفه بالألوهية : يا بنى إسرائيل اعبدوا الله ~~وحده ولا تشركوا به شيئا ، فهو ربي الذي خلقني وتعهدنى بالتربية والرعاية ، ~~وهو ربكم أيضا ms1739 الذي أنشأكم وأوجدكم ورزقكم من الطيبات. # والواو في قوله : ( @QUR@02 وقال المسيح ) للحال. والجملة حالية من الواو ~~التي هي فاعل ( @QUR@01 قالوا ). # أى : قالوا ما قالوا ، والحال أن عيسى قد تبرأ مما قالوه. وقال لبنى ~~إسرائيل حين إرساله إليهم : اعبدوا الله ربي وربكم. # وقوله : ( @QUR@02 ربي وربكم ) تنبيه إلى ما هو الحجة القاطعة على فساد ~~قولهم المذكور ؛ لأن عيسى لم يفرق بينه وبين غيره في العبودية لله تعالى ~~لأنه سبحانه هو الخالق له ولهم ولكل شيء. # ثم حكى سبحانه ما قاله عيسى محذرا من الإشراك فقال : ( @QUR@015 إنه من ~~يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار ). # وهذه الجملة تعليل للأمر بعبادة الله وحده. والضمير المقترن بإن ضمير ~~الشأن والمراد بتحريم الجنة على المشرك : منعه من دخولها ، لإشراكه مع الله ~~آلهة أخرى. # والمأوى : المكان الذي يأوى إليه الإنسان. أى يرجع إليه ويستقر فيه. PageV04P237 # أى : قال المسيح لبنى إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم ، لأنه أى الحال ~~والشأن ( @QUR@03 من يشرك بالله ) شيئا في عبادته سبحانه ( @QUR@05 فقد حرم ~~الله عليه الجنة ) أى : منعه من دخولها ، بسبب شركه وكفره ، وجعل ( @QUR@02 ~~مأواه النار ) أى : جعل مستقره ومكانه النار بدل الجنة ( @QUR@04 وما ~~للظالمين من أنصار ) ينصرونهم بأن ينقذوهم مما هم فيه من بلاء وشقاء مقيم. # فالجملة الكريمة تحذير شديد من الإشراك بالله ، وبيان لما سيؤول إليه حال ~~المشركين من تعاسة وشقاء. # وجمع سبحانه بين العقوبة السلبية للمشركين وهي حرمانهم من الجنة وبين ~~العقوبة الإيجابية وهي استقرارهم في النار ، للإشارة إلى عظيم جرمهم حيث ~~أشركوا بالله ، وتقولوا عليه الأقاويل الباطلة التي تدل على جهلهم ~~وسفاهتهم. # والمراد بالظالمين : المشركون الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم ~~فتكون ال للعهد. # ويجوز أن يراد بهم كل ظالم بسبب إشراكه وكفره ويدخل فيه هؤلاء دخولا ~~أوليا فتكون أل للجنس. # وقال سبحانه ( @QUR@04 وما للظالمين من أنصار ) بصيغة الجمع لكلمة ~~«أنصار» ، وبالتأكيد بمن المفيدة للاستغراق ، للإيذان بأنه إذا كان ~~الظالمون لن يستطيع الأنصار مجتمعين أن ينصروهم فمن باب أولى لن يستطيع ms1740 ~~واحد أن ينصرهم. # أى : مالهم من أحد كائنا من كان أن ينقذهم من عقاب الله بأى طريقة من الطرق. # وهذه الجملة الكريمة يحتمل أن تكون من كلام عيسى الذي حكاه الله عنه كما ~~سبق أن ذكرنا ويحتمل أن تكون من كلام الله تعالى وقد ساقها سبحانه لتأكيد ~~ما قاله المسيح من أمره لقومه بعبادة الله وحده ولتقرير مضمونه المفيد ~~للتحذير من الإشراك. # وقوله تعالى ( @QUR@08 لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ) بيان ~~لما قالته طائفة أخرى من طوائف النصارى الذين يتفرقون في العقائد والنحل ، ~~ويتجمعون على الكفر والضلال ، فهم شيع شتى ، وفرق متنابذة ، كل شيعة منهم ~~تكفر الأخرى وتعارضها في معتقداتها. # قال الفخر الرازي ما ملخصه : في تفسير قول النصارى ( @QUR@04 إن الله ~~ثالث ثلاثة ) طريقان : # الأول : أنهم أرادوا بذلك أن الله ومريم وعيسى آلهة ثلاثة. والذي يؤكد ~~ذلك قوله تعالى للمسيح ( @QUR@09 أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله ) فقوله : ( @QUR@02 ثالث ثلاثة ) أى : أحد ثلاثة آلهة. أو واحد من ~~ثلاثة آلهة. # والطريق الثاني : أن المتكلمين حكوا عن النصارى أنهم يقولون : جوهر واحد ~~، ثلاثة PageV04P238 # أقانيم : أب ، وابن وروح القدس وهذه الثلاثة إله واحد ، كما أن الشمس اسم ~~يتناول القرص والشعاع والحرارة. وعنوا بالأب الذات. وبالابن الكلمة. # وبالروح الحياة. وأثبتوا الذات والكلمة والحياة وقالوا : إن الكلمة التي ~~هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء بالخمر أو اللبن فزعموا أن ~~الأب إله ، والابن إله ، والروح إله ، والكل إله واحد. # ثم قال الإمام الرازي : واعلم أن هذا معلوم البطلان ببديهة العقل. فإن ~~الثلاثة لا تكون واحدا ، والواحد لا يكون ثلاثة ، ولا يرى في الدنيا مقالة ~~أشد فسادا وأظهر بطلانا من مقالة النصارى» (1): # وقد ذكر بعض المفسرين أن الذين قالوا من النصارى إن الله ثالث ثلاثة هم ~~النسطورية والمرقوسية (2). # ومعنى ثالث ثلاثة : واحد من ثلاثة. أى : أحد هذه الأعداد مطلقا وليس ~~الوصف بالثالث فقد ذكر النحاة أن اسم الفاعل المصوغ من لفظ اثنين وعشرة وما ~~بينهما لك أن تستعمله على وجوه منها ms1741 : أن تستعمله مع أصله الذي صيغ هو منه ~~، ليفيد أن الموصوف به بعض تلك العدة المعينة لا غير. فتقول : رابع أربعة ~~أى : واحد من أربعة وليس زائدا عليها ، ويجب حينئذ إضافته إلى أصله. # وقوله : ( @QUR@06 وما من إله إلا إله واحد ) بيان للاعتقاد الحق بعد ذكر ~~الاعتقاد الباطل. # وقد جاءت هذه الجملة بأقوى أساليب القصر وهو اشتمالها على «ما» و «إلا». ~~مع تأكيد النفي بمن المفيدة لاستغراق النفي. # والمعنى : لقد كفر الذين قالوا كذبا وزورا إن الله واحد من آلهة ثلاثة ، ~~والحق أنه ليس في هذا الوجود إله مستحق للعبادة والخضوع سوى إله واحد وهو ~~الله رب العالمين ، الذي خلق الخلق بقدرته ، ورباهم بنعمته. وإليه وحده ~~مرجعهم وإيابهم. # ثم بين سبحانه سوء عاقبة هؤلاء الضالين الذين قالوا ما قالوا من ضلال ~~وكذب فقال تعالى : ( @QUR@011 وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا ~~منهم عذاب أليم ). # وهذه الجملة الكريمة معطوفة على قوله : ( @QUR@02 لقد كفر ) والمراد ~~بانتهائهم : رجوعهم عما هم عليه من ضلال وكفر. # والمراد بقوله : ( @QUR@02 عما يقولون ): أى عما يعتقدون وينطقون به من ~~زور وبهتان. PageV04P239 # أى : لقد كفر أولئك الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة كفرا شديدا بينا ~~والحق أنه ليس في الوجود سوى إله واحد مستحق للعبادة ، وإن لم يرجع هؤلاء ~~الذين قالوا بالتثليث عن عقائدهم الزائفة وأقوالهم الفاسدة ويعتصموا بعروة ~~التوحيد ( @QUR@04 ليمسن الذين كفروا منهم ) أى : ليصيبن الذين استمروا على ~~الكفر منهم عذاب أليم. # فالجملة الكريمة تحذير من الله تعالى لهم عن الاستمرار في هذا القول ~~الكاذب. والاعتقاد الفاسد الذي يتنافى مع العقول السليمة ، والأفكار ~~القويمة. # وقوله : ( @QUR@01 ليمسن ) جواب لقسم محذوف ، وهو ساد مسد جواب الشرط ~~المحذوف في قوله ( @QUR@03 وإن لم ينتهوا ) والتقدير : والله إن لم ينتهوا ليمسن. # وأكد سبحانه وعيدهم بلام القسم في قوله ( @QUR@01 ليمسن ) ردا على ~~اعتقادهم أنهم لا تمسهم النار ، لأن صلب عيسى في زعمهم كان كفارة عن خطايا البشر. # وعبر بالمس للإشارة إلى شدة ما يصيبهم من آلام : لأن المراد أن هذا ~~العذاب الأليم يصيب جلدهم ms1742 وهو موضع الإحساس فيهم إصابة مستمرة ، كما قال ~~تعالى في آية أخرى : ( @QUR@08 كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب ) (1). # وقال سبحانه ( @QUR@03 ليمسن الذين كفروا ) بالتعبير بالظاهر دون الضمير ~~للإشارة إلى سبب العذاب وهو كفرهم ؛ لأن التعبير بالموصول يشير إلى أن ~~الصلة هي سبب الحكم. # ومن في قوله ( @QUR@01 منهم ) يصح أن تكون تبعيضية أى : ليمسن الذين ~~استمروا على الكفر من هؤلاء النصارى عذاب أليم ، لأن كثيرا منهم لم يستمروا ~~على الكفر بل رجعوا عنه ودخلوا في دين الإسلام. # ويصح أن تكون بيانية ، وقد وضح ذلك صاحب الكشاف بقوله : ومن في قوله : ( ~~@QUR@04 ليمسن الذين كفروا منهم ) للبيان كالتي في قوله ( @QUR@04 فاجتنبوا ~~الرجس من الأوثان ). # والمعنى : ليمسن الذين كفروا من النصارى خاصة ( @QUR@02 عذاب أليم ) أى ~~نوع شديد الألم من العذاب .. كما تقول : أعطنى عشرين من الثياب. تريد من ~~الثياب خاصة لا من غيرها من الأجناس التي يجوز أن يتناولها عشرون» (2). # وبعد هذا الترهيب الشديد للكافرين من العذاب الأليم ، فتح لهم سبحانه باب ~~رحمته ، حيث رغبهم في الإيمان ، وأنكر عليهم تقاعسهم عنه بعد أن ثبت بطلان ~~ما هم عليه من عقائد فقال تعالى : ( @QUR@08 أفلا يتوبون إلى الله ~~ويستغفرونه والله غفور رحيم ). PageV04P240 # والاستفهام هنا يتضمن حضهم على التوبة والرجوع إلى الحق وتوبيخهم على ما ~~كان منهم من ضلال والتعجيب من استمرارهم على كفرهم وعقائدهم الفاسدة التي ~~لا يقبلها عقل سليم ، ولا تصور قويم. # والفاء للعطف على مقدر يقتضيه الكلام. أى : أيسمعون ما يسمعون من الحق ~~الذي يزهق باطلهم ومن النذر التي ترقق القلوب فلا يحملهم ذلك على التوبة ~~والرجوع إلى الله وطلب مغفرته ، والحال أنه سبحانه عظيم المغفرة واسع ~~الرحمة لمن آمن وعمل صالحا. # إن إصرارهم على كفرهم بعد تفنيده وإبطاله ، وبعد تحذيرهم من سوء عاقبة ~~الكافرين ليدل على أنهم قوم ضالون خاسرون يستحقون أن يكونوا محل عجب الناس ~~وإهمالهم. # قال أبو السعود : وقوله ( @QUR@03 والله غفور رحيم ) جملة حالية من فاعل ~~( @QUR@01 يستغفرونه ) مؤكدة للإنكار والتعجيب من إصرارهم على الكفر وعدم ~~مسارعتهم إلى الاستغفار. # أى ms1743 : والحال أن الله : تعالى مبالغ في المغفرة. فيغفر لهم عند استغفارهم ~~ويمنحهم من فضله» (1). # وقال ابن كثير : هذا من كرمه تعالى وجوده ولطفه ورحمته بخلقه. مع هذا ~~الذنب العظيم ، وهذا الافتراء والكذب والإفك ، يدعوهم إلى التوبة والمغفرة. ~~فكل من تاب إليه تاب عليه. كما قال ( @QUR@03 والله غفور رحيم ) فيغفر ~~لهؤلاء إن تابوا ولغيرهم (2). # ثم بين سبحانه حقيقة عيسى عليه السلام وحقيقة أمه مريم حتى يزيل عن ~~ساحتهما ما افتراه عليهما المفترون فقال تعالى : ( @QUR@016 ما المسيح ابن ~~مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام ). # وقوله ( @QUR@01 صديقة ) صيغة مبالغة في التمسك بفضيلة الصدق مثل شريب ~~ومسيك مبالغة في الشرب والمسك. # قال الراغب : والصديق من كثر منه الصدق ، وقيل : بل يقال لمن لم يكذب قط ~~: وقيل : بل لمن لا يأتى منه الكذب لتعوده الصدق. وقيل ، لمن صدق بقوله ~~واعتقاده وحقق صدقه بفعله .. قال تعالى ( @QUR@011 فأولئك مع الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ) فالصديقون هم قوم ~~دون الأنبياء في الفضيلة (3). PageV04P241 # والمعنى : إن الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة. قد قالوا منكرا وزورا ، إذ ~~ليس الألوهية إلا لله وحده وليس المسيح عيسى ابن مريم سوى بشر من البشر ~~ورسول مثل الرسل الذين سبقوه كنوح وإبراهيم وموسى وغيرهم من الرسل الذين ~~مضوا دون أن يدعى واحد منهم الألوهية. وأما أم عيسى مريم فما هي إلا أمة من ~~إماء الله كسائر النساء ديدنها الصدق مع خالقها عز وجل أو التصديق له في ~~سائر أمورها. وهما أى عيسى وأمه مريم عبدان من عباد الله كانا يأكلان ~~الطعام ، ويشربان الشراب ويتصرفان كما يتصرف سائر البشر فكيف ساغ لكم يا ~~معشر النصارى أن تصفوهما بأنهما إلهين مع أن طبيعتهما الظاهرة أمامكم ~~تتنافى تنافيا تاما مع صفات الألوهية : إن وصفكم لهما بالألوهية لدليل واضح ~~على فساد عقولكم وضلال تفكيركم ، وعظيم جهلكم. # وقوله ( @QUR@06 ما المسيح ابن مريم إلا رسول ) جملة مشتملة على قصر ~~موصوف على صفة ، وهو قصر إضافى ، أى أن المسيح مقصور ms1744 على صفة الرسالة لا ~~يتجاوزها إلى غيرها وهي الألوهية فالقصر قصر قلب لرد اعتقاد النصارى في ~~عيسى أنه الله ، أو أنه جزء من الله أو أنه أحد آلهة ثلاثة. # وقوله : ( @QUR@05 قد خلت من قبله الرسل ) صفة للرسول وهو عيسى أريد بها ~~بيان أنه مساو للرسل الكرام الذين سبقوه في تبليغ رسالة الله إلى الناس ؛ ~~وأنه ليس بدعا في هذا الوصف وإذا فلا شبهة للذين زعموا انه إله لأنه لم ~~يجيء بشيء زائد على ما جاء به الرسل. # وقوله. ( @QUR@02 وأمه صديقة ) معطوف على قوله : ( @QUR@06 ما المسيح ابن ~~مريم إلا رسول ) والقصد من وصف مريم بذلك مدحها والثناء عليها ، ونفى أن ~~يكون لها وصف أعلى من ذلك ، فهي ليست إلها. كما أنها ليست رسولا. # ولذا قال ابن كثير : دلت الآية على أن مريم ليست بنبية كما زعمه ابن حزم ~~وغيره ممن ذهب إلى نبوة سارة أم إسحاق ونبوة أم عيسى ونبوة أم موسى ~~استدلالا منهم بخطاب الملائكة لسارة ومريم وبقوله : ( @QUR@06 وأوحينا إلى ~~أم موسى أن أرضعيه ) والذي عليه الجمهور أن الله لم يبعث نبيا إلا من ~~الرجال قال تعالى ( @QUR@011 وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من ~~أهل القرى ) (1). # وقوله : ( @QUR@03 كانا يأكلان الطعام ) جملة مستأنفة لبيان خواصهما ~~الآدمية بعد بيان منزلتهما السامية عند الله تعالى وقد اختيرت هذه الصفة ~~لهما من بين صفات كثيرة كالمشرب والملبس. لأنها صفة واضحة PageV04P242 # ظاهرة للناس ، ودالة على احتياجهما لغيرهما في مطلب حياتهما ، ومن يحتاج ~~إلى غيره لا يكون إلها. # وقال صاحب الكشاف : لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من ~~الهضم والنفض ، لم يكن إلا جسما مركبا من عظم ولحم وعروق وأعصاب وأخلاط ~~وأمزجة مع شهوة .. وغير ذلك مما يدل على أنه مصنوع مؤلف كغيره من الأجسام ~~وحاشا للإله أن يكون كذلك (1). # ففي هذه الجمل الكريمة رد على ما زعمه النصارى في شأن عيسى وأمه بأبلغ ~~وجه وأحكمه ، ولذا عجب الله تعالى رسوله وكل من يصلح للخطاب من جهلهم ~~وبعدهم عن الحق مع وضوحه ms1745 وظهوره فقال : ( @QUR@09 انظر كيف نبين لهم الآيات ~~ثم انظر أنى يؤفكون ) أى : يصرفون يقال أفكه يأفكه إذا صرفه عن الشيء. # أى : انظر يا محمد كيف تبين لهم الأدلة المنوعة على حقيقة عيسى وأمه ~~بيانا واضحا ظاهرا. ثم انظر بعد ذلك كيف ينصرفون عن الإصاخة إليها والتأمل ~~فيها لسوء تفكيرهم ، واستيلاء الجهل والوهم والعناد على عقولهم. # فالجملتان الكريمتان تعجيب لكل عاقل من أحوال النصارى الذين زعموا أن ~~الله هو المسيح ابن مريم ، أو أن الله ثالث ثلاثة. مع أنه سبحانه أقام لهم ~~الأدلة المتعددة على بطلان ذلك. # وكرر الله سبحانه الأمر بالنظر للمبالغة في التعجيب من أحوالهم الغريبة ~~وجيء بثم المفيدة للتراخي في قوله ( @QUR@04 ثم انظر أنى يؤفكون ) لإظهار ~~ما بين وضوح الآيات وانصرافهم عنها من تفاوت شديد أى : أن بياننا للآيات ~~أمر بديع في بابه بحيث يجعل كل عاقل يستجيب لها ، ويخضع لما تدعو إليه من ~~هدايات وخيرات. وانصراف هؤلاء الضالين عنها مع وضوحها وتعاضد ما يوجب ~~قبولها أمر يدعو إلى العجب الشديد من جهلهم وضلالهم وسوء تفكيرهم. # ثم تابع سبحانه حديثه عن ضلال أهل الكتاب وجهالتهم فأمر رسوله ~~صلى الله عليه وسلم أن يوبخهم على عنادهم وغفلتهم وأن يواصل دعوتهم إلى الدين ~~الحق فقال تعالى : # ( @QUR@016 قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو ~~السميع العليم (76) @QUR@010 قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق PageV04P243 # @QUR@014 ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن ~~سواء السبيل ) (77) # والاستفهام في قوله ( @QUR@01 أتعبدون ) لإنكار واقعهم والتعجيب مما وقع ~~منهم ، وتوبيخهم على جهلهم وغفلتهم. # و ( @QUR@01 ما ) في قوله ( @QUR@03 ما لا يملك ) يجوز أن تكون موصولة ~~بمعنى الذي وأن تكون نكرة موصوفة. والجملة بعدها صلة فلا محل لها أو صفة ~~فمحلها النصب. # وقوله ( @QUR@01 يملك ) من الملك بمعنى حيازة الشيء والتمكن من التصرف ~~فيه بدون عجز. # والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء الضالين من النصارى وأشباههم في الكفر ~~والشرك قل لهم : أتعبدون معبودات غير الله تعالى هذه ms1746 المعبودات وأشباههم في ~~الكفر والشرك قل لهم : كالمرض والفقر ، ولا تملك أيضا أن تنفعكم بشيء من ~~النفع كبسط الرزق ودفع الضر وغير ذلك مما أنتم في حاجة إليه. # فالمراد بما لا يملك : كل ما عبد من دون الله من حجر أو وثن أو غيرهما ~~فتكون «ما» للعموم وليست كناية عن عيسى وأمه فحسب. # وقد سار على هذا المعنى ابن كثير فقال : يقول تعالى منكرا على من عبد ~~غيره من الأصنام والأوثان والأنداد ، ومبينا له أنها لا تستحق شيئا من ~~الألوهية فقال تعالى ( @QUR@01 قل ) أى : يا محمد لهؤلاء العابدين غير الله ~~من سائر فرق بنى آدم ودخل في ذلك النصارى وغيرهم ( @QUR@011 أتعبدون من دون ~~الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا ) (1). # ويرى كثير من المفسرين أن المراد بقوله : ( @QUR@03 ما لا يملك ) عيسى ~~عليه السلام أو هو وأمه لأن الكلام مع النصارى الذين قال بعضهم : إن الله ~~المسيح ابن مريم. وقال آخرون منهم : إن الله ثالث ثلاثة ، فتكون الآية ~~دليلا آخر بعد الأدلة السابقة على فساد أقوال النصارى في عيسى وأمه مريم. # والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء النصارى أتعبدون من دون الله عيسى وأمه وهما ~~لا يستطيعان أن يضراكم بشيء من الضرر في الأنفس والأموال ، ولا أن ينفعاكم ~~بشيء من النفع كإيجاد الصحة والخصب والسعة ، لأن الضر والنفع من الله وحده ~~وكل ما يستطيعه البشر من المضار أو المنافع هو بتمكين الله لهم وليس ~~بقدرتهم الذاتية. PageV04P244 # وأوثرت «ما» على «من» لتحقيق ما هو المراد من كونهما بمعزل من الألوهية ~~رأسا ، ببيان انتظامهما في مسلك الأشياء التي لا قدرة لها على شيء أصلا ولا ~~شك أن من صفات الرب أن يكون قادرا على كل شيء ، فقول النصارى بأن الله هو ~~المسيح ابن مريم أو هو ثالث ثلاثة ، قول ظاهر البطلان واضح الفساد. # وعلى كلا القولين فالآية الكريمة تنفى أن يكون هناك إله سوى الله تعالى ~~يستحق العبادة والخضوع ، لأنه سبحانه هو المالك لكل شيء ، والخالق لكل شيء ~~( @QUR@08 ألا له الخلق والأمر تبارك ms1747 الله رب العالمين ). # وقدم سبحانه الضر على النفع فقال : ( @QUR@07 ما لا يملك لكم ضرا ولا ~~نفعا ) لأن النفوس أشد تطلعا إلى دفعه من تطلعها إلى جلب الخير ، ولأنهم ~~كانوا يعبدون غير الله تعالى وهمهم الأكبر أن هذا المعبود يستطيع أن يقربهم ~~إلى الله زلفى ، وأن يمنع عنهم المصائب والاضرار. # وقوله : ( @QUR@04 والله هو السميع العليم ) في محل نصب على الحال. من ~~فاعل ( @QUR@01 أتعبدون ) أى أتعبدون آلهة سوى الله لا تملك ضرركم أو نفعكم ~~وتتركون عبادة الله والحال أن الله وحده هو السميع لكل ما تنطقون به ، ~~العليم بجميع أحوالكم وأعمالكم ، وسيحاسبكم على ذلك وسيجازيكم على أقوالكم ~~الباطلة وعقائدكم الزائفة ، بما تستحقون من عذاب أليم. # ثم أرشدهم سبحانه إلى طريق الحق ، ونهاهم عن الغلو الباطل فقال : ( ~~@QUR@014 قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ، ولا تتبعوا أهواء ~~قوم ) والغلو مصدر غلا في الأمر : إذا تجاوز الحد. وهو نقيض التقصير. # وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغلو حتى في الدين ، فقد روى الإمام ~~أحمد والنسائي وابن ماجة والحاكم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~: «إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قلبكم بالغلو في الدين» (1). # وروى البخاري عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لا ~~تطرونى كما أطرت النصارى ابن مريم ؛ إنما أنا عبد فقولوا : عبد الله ~~ورسوله» (2). # وروى مسلم عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «هلك ~~المتنطعون. قالها ثلاثة» (3) والمتنطعون هم المتشددون المتجاوزون للحدود ~~التي جاءت بها تعاليم الإسلام. PageV04P245 # وقد غالى أهل الكتاب في شأن عيسى عليه السلام أما اليهود فقد كفروا به ~~ونسبوه إلى الزنا وافتروا عليه وعلى أمه افتراء شديدا وأما النصارى فقد ~~وصفوه بالألوهية فوضعوه في غير موضعه الذي وضعه الله فيه وهو منصب الرسالة. ~~وكما غالوا في شأن عيسى عليه السلام فقد غالوا أيضا في تمسكهم بعقائدهم ~~الزائفة ، مع أن الدلائل الواضحة قد دلت على بطلانها وفسادها. # وقوله ( @QUR@02 غير ms1748 الحق ) منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف. أى : لا ~~تغلوا في دينكم غلوا غير الحق : أى : غلوا باطلا. # وقوله : ( @QUR@04 ولا تتبعوا أهواء قوم ) معطوف على قوله : ( @QUR@02 لا ~~تغلوا ) قال الفخر الرازي : الأهواء هاهنا المذاهب التي تدعو إليها الشهوة ~~دون الحجة. # قال الشعبي : ما ذكر الله لفظ الهوى في القرآن إلا ذمه. قال : ( @QUR@07 ~~ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ) وقال : ( @QUR@03 واتبع هواه فتردى ) ~~وقال : ( @QUR@04 وما ينطق عن الهوى ) وقال : ( @QUR@05 أرأيت من اتخذ إلهه ~~هواه ). # وقال أبو عبيدة : لم نجد الهوى يوضع إلا في الشر لا يقال : فلان يهوى ~~الخير إنما يقال يريد الخير ويحبه. # وقيل : سمى الهوى هوى لأنه يهوى بصاحبه في النار. وأنشد في ذم الهوى : # إن الهوى الهوان بعينه %~% فإذا هويت فقد لقيت هوانا # وقال رجل لابن عباس : الحمد لله الذي جعل هو اى على هواك. فقال ابن عباس ~~: كل هوى ضلالة» (1). # والمعنى : قل يا محمد لأهل الكتاب الذين تجاوزوا الحدود التي تقرها ~~الشرائع والعقول السليمة ، قل لهم يا أهل الكتاب : ( @QUR@06 لا تغلوا في ~~دينكم غير الحق ) أى : لا تتجاوزوا حدود الله تجاوزا باطلا ، كأن تعبدوا ~~سواه مع أنه هو الذي خلقكم ورزقكم ، وكأن تصفوا عيسى بأوصاف هو برىء منها. # وقل لهم أيضا : ( @QUR@04 ولا تتبعوا أهواء قوم ) أى : ولا تتبعوا شهوات ~~وأقوال قوم من أسلافكم وعلمائكم ورؤسائكم ( @QUR@04 قد ضلوا من قبل ) أى : ~~قد ضلوا من قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بتحريفهم للكتب السماوية وتركهم ~~لتعاليمها جريا وراء شهواتهم وأهوائهم ( @QUR@02 وأضلوا كثيرا ) أى أنهم لم ~~يكتفوا بضلال أنفسهم بل أضلوا أناسا كثيرين سواهم ممن قلدهم ووافقهم على ~~أكاذيبهم وقوله : ( @QUR@04 وضلوا عن سواء السبيل ) معطوف على قوله ( ~~@QUR@04 قد ضلوا من قبل ). PageV04P246 # أى أنهم قد ضلوا من قبل البعثة النبوية الشريفة ، وضلوا من بعدها عن ( ~~@QUR@02 سواء السبيل ) أى : عن الطريق الواضح الذي أتى به النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو طريق الإسلام وذلك لأنهم لم يتبعوه صلى الله عليه وسلم مع ~~معرفتهم بصدقة ؛ بل كفروا به حسدا له على ms1749 ما آتاه الله من فضله. # فأنت ترى أنه تعالى قد وصفهم كما يقول الإمام الرازي بثلاث درجات في ~~الضلال : فبين أنهم كانوا ضالين من قبل ، ثم ذكر أنهم كانوا مضلين لغيرهم ، ~~ثم ذكر أنهم استمروا على تلك الحالة حتى الآن ضالون كما كانوا ولا نجد حالة ~~أقرب إلى البعد من الله والقرب من عقابه من هذه الحالة ويحتمل أنهم ضلوا ~~وأضلوا ثم ضلوا بسبب اعتقادهم في ذلك الإضلال أنه إرشاد إلى الحق (1). # هذا ، ومما أخذه العلماء من هذه الآية الكريمة أن الغلو في الدين لا يجوز ~~وهو مجاوزة الحق إلى الباطل وقد سقنا من الآثار ما يشهد بذلك عند تفسيرنا ~~لصدر الآية الكريمة. # قال صاحب الكشاف ما ملخصه دلت الآية على أن الغلو في الدين غلوان «غلو ~~حق» وهو أن يفحص عن حقائقه ، ويفتش عن أباعد معانيه ، ويجتهد في تحصيل حججه ~~كما يفعل المتكلمون. وغلو باطل ، وهو أن يتجاوز الحق ويتخطاه بالإعراض عن ~~الأدلة واتباع الشبه. كما يفعل أهل الأهواء والبدع والضلال (2). # ثم حكى سبحانه بعد ذلك بعض الرذائل التي شاعت في بنى إسرائيل ، والتي ~~بسببها استحقوا اللعن والطرد من رحمة الله فقال تعالى : # ( @QUR@017 لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ~~ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (78) @QUR@010 كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ~~لبئس ما كانوا يفعلون (79) @QUR@011 ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا ~~لبئس ما قدمت لهم أنفسهم PageV04P247 # @QUR@08 أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون (80) @QUR@015 ولو كانوا ~~يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم ~~فاسقون ) (81) # وقوله ( @QUR@01 لعن ) من اللعن بمعنى الطرد من رحمة الله فالملعون هو ~~المحروم من رحمته سبحانه ولطفه وعنايته. # والمعنى : لعن الله تعالى الذين كفروا من بنى إسرائيل بأن طردهم من رحمته ~~، على لسان نبيين كريمين هما داود وعيسى عليهما السلام وقد جاء الفعل «لعن» ~~بالبناء للمجهول لأن الفاعل معلوم وهو الله تعالى ولأن الأنبياء ومنهم داود ~~وعيسى لا يلعنون أحدا إلا بإذن الله سبحانه وقوله : ( @QUR@03 من ms1750 بني ~~إسرائيل ) في محل نصب على الحال من الذين كفروا أو من فاعل ( @QUR@01 كفروا ~~) وهو واو الجماعة. # وقوله : ( @QUR@06 على لسان داود وعيسى ابن مريم ) متعلق بلعن. أى : ~~لعنهم سبحانه في الزبور والإنجيل على لسان هذين النبيين الكريمين اللذين ~~كان أولهما بجانب منصب الرسالة قائدا مظفرا قادهم إلى النصر بعد الهزيمة. ~~وكان ثانيهما وهو عيسى عليه السلام رسولا مسالما جاءهم ليحل لهم بعض الذي ~~حرم عليهم. # قال الآلوسى : لعنهم الله تعالى في الزبور والإنجيل على لسان داود وعيسى ~~ابن مريم بأن أنزل في هذين الكتابين «ملعون من يكفر من بنى إسرائيل بالله ~~أو بأحد من رسله». # وقيل : إن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت قال داود : اللهم ألبسهم اللعن ~~مثل الرداء ومثل المنطقة على الحقوين فمسخهم الله قردة. # وأصحاب المائدة لما كفروا بعيسى قال : اللهم عذب من كفر من المائدة عذابا ~~لم تعذبه أحدا من العالمين ، والعنهم كما لعنت أصحاب السبت» (1). # وقوله : ( @QUR@05 ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ) بيان لسبب لعنهم وطردهم ~~من رحمة الله. # واسم الإشارة ( @QUR@01 ذلك ) يعود إلى اللعن المذكور. PageV04P248 # أى : ذلك اللعن للكافرين من بنى إسرائيل سببه عصيانهم لله ولرسله ، ~~وعدوانهم على الذين يأمرونهم بالقسط من الناس. # أى أن لعنهم لم يكن اعتباطا أو جزافا ، وإنما كان بسبب أقوالهم القبيحة ~~وأفعالهم المنكرة ، وسلوكهم السيئ. # وقوله : ( @QUR@03 ذلك بما عصوا ) جملة من مبتدأ وخبر. وقوله : ( @QUR@02 ~~وكانوا يعتدون ) معطوف على صلة ما وهو ( @QUR@01 عصوا ) فيكون داخلا في حيز ~~السبب الذي أدى إلى لعنهم والجملة المكونة من اسم الإشارة ( @QUR@01 ذلك ) ~~وما بعدها مستأنفة واقعة موقع الجواب لسؤال تقديره لما ذا لعن الذين كفروا ~~من بنى إسرائيل؟ # وقد أفاد اسم الإشارة مع باء السببية ومع وقوع الجملة في جواب سؤال مقدر ~~أفاد مجموع ذلك ما يشبه القصر. # وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله : ( @QUR@05 ذلك بما عصوا ~~وكانوا يعتدون ). # أى : لم يكن ذلك اللعن الشنيع إلا لأجل المعصية والاعتداء لا لشيء آخر ، (1). # وعبر سبحانه عن عصيانهم بالماضي فقال ( @QUR@03 ذلك بما عصوا ) للإشارة ~~إلى ms1751 استقرار العصيان في طبائعهم ، وثباته في نفوسهم وجوارحهم. # وعبر عن عدوانهم بالمضارع ، للإيذان بأنه مستمر قائم ، فهم لم يتركوا ~~نبيا إلا وآذوه ، ولم يتركوا مصلحا إلا واعتدوا عليه فاعتداؤهم على ~~المصلحين مستمر في كل زمان ومكان. # ثم فسر سبحانه عصيانهم وعدوانهم بقوله ( @QUR@010 كانوا لا يتناهون عن ~~منكر فعلوه ، لبئس ما كانوا يفعلون ). # وقوله ( @QUR@01 يتناهون ) من التناهى. # قال الفخر الرازي : وللتناهى هاهنا معنيان : # أحدهما : وهو الذي عليه الجمهور أنه تفاعل من النهى. أى : كانوا لا ينهى ~~بعضهم بعضا. # روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «من رضى عمل قوم فهو ~~منهم. ومن كثر سواد قوم فهو منهم» والمعنى الثاني : في التناهى أنه بمعنى ~~الانتهاء عن الأمر ، تناهى عنه إذا كف عنه» (2). PageV04P249 # والمنكر : هو كل ما تنكره الشرائع والعقول من الأقوال والأفعال. # أى أن مظاهر عصيان الكافرين من بنى إسرائيل وتعديهم مما أدى إلى لعنهم ~~وطردهم من رحمة الله أنهم كانوا لا ينهى بعضهم بعضا عن اقتراف المنكرات. ~~واجتراح السيئات ، بل كانوا يرون المنكرات ترتكب فيسكتون عنها بدون استنكار ~~مع قدرتهم على منعها قبل وقوعها. # وهذا شر ما تصاب به الأمم حاضرها ومستقبلها : أن تفشو فيها المنكرات ~~والسيئات والرذائل فلا تجد من يستطيع تغييرها وإزالتها. # وقوله : ( @QUR@04 لبئس ما كانوا يفعلون ) ذم لهم على كثرة ولوغهم في ~~المعاصي والمنكرات وتعجب من سوء فعلهم. # واللام في قوله ( @QUR@01 لبئس ) لام القسم فكأنه سبحانه قال : أقسم لبئس ~~ما كانوا يفعلون وهو ارتكاب المعاصي والعدوان وترك الأمر بالمعروف والنهى ~~عن المنكر. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@04 لبئس ما كانوا يفعلون ) للتعجيب من ~~سوء فعلهم مؤكدا لذلك بالقسم. فيا حسرة على المسلمين في إعراضهم عن باب ~~التناهى عن المناكير ، وقلة عبئهم به ، كأنه ليس من ملة الإسلام في شيء مع ~~ما يتلون من كلام الله وما فيه من المبالغات في هذا الباب. # فإن قلت ما معنى وصف المنكر بفعلوه ، ولا يكون النهى بعد الفعل؟ قلت : ~~معناه لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه ، أو عن منكر ms1752 أرادوا فعله كما ترى ~~أمارات الخوض في الفسق وآلاته تسوى وتهيأ فتنكر» (1). # هذا ، وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة وجوب الأمر بالمعروف والنهى ~~عن المنكر لأنهما قوام الأمم وسياج الدين ولإصلاح لأمة من الأمم إلا ~~بالقيام بحقهما. # وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية عددا من الأحاديث في هذا ~~المعنى. # ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن أبى سعيد قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده. فإن لم يستطع فبلسانه ~~فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان». # وروى الإمام أحمد في معنى الآية عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ~~ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم أو في أسواقهم وواكلوهم وشاربوهم فضرب الله ~~قلوب بعضهم ببعض ، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ، ذلك بما عصوا ~~وكانوا يعتدون». PageV04P250 # قال ابن مسعود : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا فجلس فقال : «لا ~~والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا أى تحملوهم على التزام الحق ~~وتعطفوهم عليه». # وروى الترمذي عن حذيفة بن اليمان : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~«والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ، أو ليوشكن الله أن ~~يبعث عليكم عقابا من عنده ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم». # وروى الإمام أحمد عن عدى بن عميرة رضى الله عنه قال : سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول : «إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا ~~المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه. فإذا فعلوا ذلك لعن الله ~~العامة والخاصة». # وروى ابن ماجة عن أنس بن مالك قال يا رسول الله ، متى نترك الأمر ~~بالمعروف والنهى عن المنكر؟ قال : «إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم ~~قلنا : يا رسول الله ، وما الذي ظهر في الأمم قبلنا؟ قال صلى الله عليه وسلم : ~~الملك في صغاركم ، والفاحشة في كباركم ، والعلم في رذالتكم» (1) أى ms1753 في ~~فساقكم. # هذا جانب من الأحاديث التي وردت في وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن ~~المنكر. فعلى الأمة الاسلامية أن تقوم بحقها حتى تكون مستحقة لمدح الله ~~تعالى لها بقوله : ( @QUR@012 كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) (2). # ثم حكى سبحانه ما كان يقوم به اليهود في العهد النبوي من تحالف مع ~~المشركين ضد المسلمين فقال : ( @QUR@06 ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا ). # أى : ترى أيها الرسول الكريم كثيرا من بنى إسرائيل المعاصرين لك يوالون ~~الكافرين ويحالفونهم عليك ؛ بسبب حسدهم لك على ما آتاك الله من فضله وبسبب ~~كراهتهم للإسلام والمسلمين. # والذي يقرأ تاريخ الدعوة الاسلامية يرى أن اليهود كانوا دائما يضعون ~~العراقيل في طريقها ، ويناصرون كل محارب لها ، ففي غزوة الأحزاب انضم بنو ~~قريظة إلى المشركين ولم يقيموا وزنا للعهود والمواثيق التي كانت بينهم وبين ~~المسلمين (3). # وفي كل زمان ومكان نرى أن اليهود يحاربون الإسلام والمسلمين ، ويؤيدون كل ~~من يريد لهما الشرور والاضرار. PageV04P251 # وقوله : ( @QUR@013 لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي ~~العذاب هم خالدون ) ذم لهم على موالاتهم للمشركين وبيان لما حاق بهم من سوء ~~المصير بسبب مناصرتهم لأعداء الله ، ومحاربتهم لأوليائه. # أى : لبئس ما قدمت لهم أنفسهم من أقوال كاذبة وأعمال قبيحة وأفعال منكرة ~~استحقوا بسببها سخط الله عليهم ، ولعنه إياهم كما استحقوا أيضا بسببها ~~الخلود الدائم في العذاب المهين. # قال الجمل : و ( @QUR@01 ما ) في قوله ( @QUR@05 لبئس ما قدمت لهم أنفسهم ~~) هي الفاعل ، وقوله : ( @QUR@04 وفي العذاب هم خالدون ) هذه الجملة معطوفة ~~على ما قبلها فهي من جملة المخصوص بالذم. # فالتقدير : سخط الله عليهم وخلدهم في العذاب (1). # ثم بين سبحانه الدوافع التي حملت هؤلاء الفاسقين من أهل الكتاب على ولاية ~~الكافرين ومصادقتهم ومعاونتهم على حرب المسلمين فقال : # ( @QUR@015 ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم ~~أولياء ، ولكن كثيرا منهم فاسقون ). # فالضمير في قوله ( @QUR@01 كانوا ) يعود إلى أولئك الكثيرين من أهل ~~الكتاب الذين حملهم حقدهم وبغضهم للنبي صلى الله عليه وسلم ولأتباعه على ms1754 ~~موالاة الكافرين. # والمراد هنا بالنبي : موسى عليه السلام وبما أنزل إليه التوراة ، لأن ~~الحديث مع الكافرين من بنى إسرائيل الذين يزعمون أنهم من أتباع موسى. # وقيل المراد به النبي صلى الله عليه وسلم ؛ والمراد بما أنزل إليه : القرآن. # أى : ولو كان هؤلاء اليهود يؤمنون بالله إيمانا حقا ، ويؤمنون بنبيهم ~~موسى إيمانا صادقا ويؤمنون بالتوراة التي أنزلها الله عليه إيمانا سليما ، ~~لو كانوا مؤمنين هذا الإيمان الصادق ، لكفوا عن اتخاذ الكافرين أولياء ~~وأصفياء ، لأن تحريم موالاة المشركين متأكدة في التوراة وفي كل شريعة ~~أنزلها الله على نبي من أنبيائه. # وقوله : ( @QUR@04 ولكن كثيرا منهم فاسقون ) استدراك لبيان حالهم ، ~~ولبيان سبب موالاتهم للكافرين وعداوتهم للمسلمين. # أى : ولكن كثيرا من هؤلاء اليهود فاسقون ، أى : خارجون عن الدين الحق إلى ~~الأديان الباطلة ، فدفعهم هذا الفسق وما صاحبه من حقد وعناد على موالاة ~~الكافرين ومعاداة المؤمنين. # وقد كرر سبحانه وصف الكثيرين منهم بالصفات الذميمة ، إنصافا للقلة التي ~~آمنت وتمييزا لها عن تلك الكثرة الكافرة الفاسقة .. PageV04P252 # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد بينت ما عليه الكافرون من بنى إسرائيل من ~~صفات ذميمة ، أفضت إلى لعنهم وطردهم من رحمة الله ، حتى يحذرهم المسلمون ~~ويجتنبوا سلوكهم السيئ ، وخلقهم القبيح. # وبعد هذا الحديث الطويل الذي طوفت فيه سورة المائدة مع أهل الكتاب بصفة ~~عامة ومع اليهود بصفة خاصة ، والذي تحدثت خلاله عن علاقة المؤمنين بهم وعن ~~العهود التي أخذها الله عليهم وموقفهم منها ، وعن دعاواهم الباطلة وكيف رد ~~القرآن عليها ، وعن أخلاقهم السيئة ، وعن مسالكهم الخبيثة لكيد الإسلام ~~والمسلمين ، وعن المصير السيئ الذي ينتظرهم إذا ما استمروا على كفرهم ~~وضلالهم ، وعن المنهاج القويم الذي استعمله القرآن معهم في دعوتهم إلى ~~الدين الحق ، بعد هذا الحديث الطويل معهم في تلك الموضوعات وفي غيرها نرى ~~السورة الكريمة في نهاية المطاف تحدثنا عن أشد الناس عداوة للمؤمنين وعن ~~أقربهم مودة لهم فتقول : # ( @QUR@026 لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ~~ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ms1755 ~~ورهبانا وأنهم لا يستكبرون (82) @QUR@021 وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ~~ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع ~~الشاهدين (83) @QUR@016 وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن ~~يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين (84) @QUR@014 فأثابهم الله بما قالوا جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين (85) @QUR@07 والذين ~~كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم ) (86) PageV04P253 # أخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال : بعث النجاشي وفدا إلى رسول ~~صلى الله عليه وسلم فأسلموا ، قال : فأنزل الله فيهم : ( @QUR@07 لتجدن أشد ~~الناس عداوة للذين آمنوا اليهود ) إلى آخر الآية. قال : فرجعوا إلى النجاشي ~~فأخبروه فأسلم النجاشي فلم يزل مسلما حتى مات ، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه فصلى عليه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالمدينة والنجاشي بالحبشة. # ثم قال ابن جرير بعد أن ساق روايات أخرى في سبب نزول هذه الآيات : ~~والصواب في ذلك من القول عندي ، أن الله تعالى وصف صفة قوم قالوا : إنا ~~نصارى ، وأن نبي الله صلى الله عليه وسلم يجدهم أقرب الناس مودة لأهل الايمان ~~بالله ورسوله ، ولم يسم لنا أسماءهم وقد يجوز أن يكون أريد بذلك أصحاب ~~النجاشي ويجوز أن يكون أريد به قوم كانوا على شريعة عيسى فأدركهم الإسلام ~~فأسلموا ، لما سمعوا القرآن ، وعرفوا أنه الحق ، ولم يستكبروا عنه» (1). # فقوله تعالى ( @QUR@09 لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين ~~أشركوا ) جملة مستأنفة لتقرير ما قبلها من آيات سجلت على اليهود كثيرا من ~~الصفات القبيحة والمسالك الخبيثة. # وقد أكد سبحانه هذه الجملة بلام القسم اعتناء ببيان تحقق مضمونها ، ~~والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ويصح أن يكون لكل من يصلح للخطاب للإيذان ~~بأن حالهم لا تخفى على أحد من الناس. # والمعنى : أقسم لك يا محمد بأنك عند مخالطتك للناس ودعوتهم إلى الدين ~~الحق ، ستجد أشدهم عداوة لك ولأتباعك فريقين منهم : وهما اليهود والذين ~~أشركوا ، لأن عداوتهم منشؤها الحقد والحسد والعناد والغرور. ms1756 وهذه الرذائل ~~متى تمكنت في النفس حالت بينها وبين الهداية والإيمان بالحق. # وقوله ( @QUR@02 أشد الناس ) مفعول أول لقوله ( @QUR@01 لتجدن ) ومفعوله ~~الثاني ( @QUR@01 اليهود ) وقوله ( @QUR@01 عداوة ) تمييز. # قال الآلوسى : والظاهر أن المراد من اليهود العموم ، أى من كان منهم ~~بحضرة الرسول الله صلى الله عليه وسلم من يهود المدينة وغيرهم ويؤيده ما أخرجه ~~أبو الشيخ وابن مردويه عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«ما خلا يهودي بمسلم إلا هم بقتله» وقيل المراد بهم يهود المدينة وفيه بعد ~~، وكما اختلف في عموم اليهود اختلف في عموم الذين أشركوا. والمراد من ( ~~@QUR@01 الناس ). كما قال أبو حيان الكفار : أى لتجدن أشد الكفار عداوة هؤلاء. # ووصفهم سبحانه بذلك لشدة كفرهم ، وانهماكهم في اتباع الهوى ، وقربهم إلى PageV04P254 # التقليد ، وبعدهم عن التحقيق ، وتمرنهم على التمرد والاستعصاء على ~~الأنبياء ، وقد قيل : إن من مذهب اليهود أنه يجب عليهم إيصال الشر إلى من ~~يخالفهم في الدين بأى طريق كان وفي تقديم اليهود على المشركين إشعار ~~بتقدمهم عليهم في العداوة» (1). # وقوله : ( @QUR@09 ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ~~) معطوف على ما قبله لزيادة التوضيح والبيان. # أى : لتجدن يا محمد أشد الناس عداوة لك ولأتباعك اليهود والذين أشركوا. ~~ولتجدن أقربهم مودة ومحبة لك ولأتباعك الذين قالوا إنا نصارى. # قال ابن كثير : أى الذين زعموا أنهم نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج ~~إنجيله فيهم مودة للإسلام وأهله في الجملة : وما ذاك إلا لما في قلوبهم من ~~لين عريكة إذ كانوا على دين المسيح من الرقة والرأفة ، كما قال تعالى ( ~~@QUR@08 وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ) وفي كتابهم : ~~«من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر» وليس القتال مشروعا في ملتهم (2). # وقال الجمل : فإن قلت : كفر النصارى أشد من كفر اليهود لأن النصارى ~~ينازعون في الألوهية فيدعون أن لله ولدا ، واليهود ينازعون في النبوة ~~فينكرون نبوة بعض الأنبياء فلم ذم اليهود ومدح النصارى؟ # قلت : هذا مدح في مقابلة ذم وليس مدحا على إطلاقه ، وأيضا ms1757 الكلام في ~~عداوة المسلمين وقرب مودتهم لا في شدة الكفر وضعفه (3). # وقوله : ( @QUR@08 ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ) ~~تعليل لقرب مودة النصارى للمؤمنين. # والقسيسين : جمع قسيس. وأصله من قس إذا تتبع الشيء فطلبه ، وهم علماء ~~النصارى والمرشدون لهم. # والرهبان : جمع راهب كركبان جمع راكب وتطلق كلمة رهبان على المفرد كما ~~تطلق على الجمع ، والراهب هو الرجل العابد الزاهد المنصرف عن الدنيا ، ~~مأخوذ من الرهبة بمعنى الخوف. يقال : رهب فلان ربه يرهبه ، أى : خافه. PageV04P255 # والمعنى : ولتجدن يا محمد أقرب الناس مودة لك ولأتباعك الذين قالوا إنا ~~نصارى ، وذلك لأن منهم القسيسين الذين يرغبون في طلب العلم ويرشدون غيرهم ~~إليه ، ومنهم الرهبان الذين تفرغوا لعبادة الله وانصرفوا عن ملاذ الدنيا ~~وشهواتهم وأيضا فلأن هؤلاء الذين قالوا إنا نصارى من صفاتهم أنهم لا ~~يستكبرون عن اتباع الحق والانقياد له إذا فهموه أو أنهم متواضعون وليسوا ~~مغرورين أو متكبرين. # وفي ذلك تعريض باليهود والمشركين لأن غرورهم واستكبارهم جعلهم ينصرفون عن ~~الحق فاليهود يرون أنفسهم شعب الله المختار ، وأن النبوة يجب أن تكون فيهم ~~والمشركون يرون أن النبوة يجب أن تكون في أغنيائهم وزعمائهم. وقد حملهم هذا ~~الغرور على الكفر بالنبي صلى الله عليه وسلم لأنهم وجدوا أكثر أتباعه من ~~الفقراء. # قال الآلوسى : وفي الآية دليل على أن صفات التواضع والإقبال على العلم ~~والعمل والإعراض عن الشهوات محمودة أينما كانت. # ثم حكى سبحانه ما كان منهم عند سماعهم لما أنزل الله تعالى على رسوله من ~~هدايات فقال : ( @QUR@015 وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض ~~من الدمع مما عرفوا من الحق ) والمراد بالرسول : محمد صلى الله عليه وسلم وبما ~~أنزل إليه : القرآن الكريم. # والجملة الكريمة معطوفة على قوله ؛ ( @QUR@03 وأنهم لا يستكبرون ) ~~والضمير في قوله ( @QUR@01 سمعوا ) يعود على الذين قالوا إنا نصارى بعد أن ~~عرفوا الحق وآمنوا به. # أى ، أن من صفات هؤلاء الذين قالوا إنا نصارى زيادة على ما تقدم ، أنهم ~~إذا سمعوا ما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1758 من قرآن تأثرت قلوبهم. ~~وخشعت نفوسهم وسالت الدموع من أعينهم بغزارة وكثرة من أجل ما عرفوه من الحق ~~الذي بينه لهم القرآن الكريم بعد أن كانوا غافلين عنه. # وفي التعبير عنهم بقوله : ( @QUR@01 ترى ) الدالة على الرؤية البصرية ~~والتي هي أقوى أسباب العلم الحسى ، مبالغة في مدحهم ، حيث يراهم الرائي وهم ~~على تلك الصورة من رقة القلب وشدة التأثر عند سماع الحق. # فلقد كانوا يحسون أنهم في ظلام وضلال فلما سمعوا الحق أشرقت له نفوسهم ~~ودخلوا في نوره وهدايته وأعينهم تتدفق بالدموع من شدة تأثرهم به وحبهم له. # وقوله ( @QUR@01 تفيض ) من الفيض وهو انصباب عن امتلاء : يقال فاض الإناء ~~إذا امتلأ حين سال من جوانبه. # وقد أجاد صاحب الكشاف في تصوير هذا المعنى فقال : فإن قلت : ما معنى قوله ~~: ( @QUR@01 تفيض PageV04P256 # @QUR@02 من الدمع ) قلت : معناه تمتلئ من الدمع حتى تفيض ، لأن الفيض أن ~~يمتلئ الإناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه. فوضع الفيض الذي هو من ~~الامتلاء موضع الامتلاء وهو من إقامة المسبب مقام السبب ، أو قصدت المبالغة ~~في وصفهم بالبكاء فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها. أى : تسيل من الدمع من ~~أجل البكاء من قولك : دمعت عينه دمعا. # فإن قلت : أى فرق بين من ومن في قوله : ( @QUR@04 مما عرفوا من الحق )؟ ~~قلت : الأولى لابتداء الغاية على أن فيض الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحق ~~وكان من أجله وبسببه ، والثانية لتبيين الموصول الذي هو ما عرفوا وتحتمل ~~معنى التبعيض على أنهم عرفوا بعض الحق ، فأبكاهم وبلغ منهم فكيف إذا عرفوه ~~كله وقرءوا القرآن وأحاطوا بالسنة؟ (1). # ثم حكى سبحانه ما قالوه بعد سماعهم للحق فقال : ( @QUR@06 يقولون ربنا ~~آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ). # أى : يقولون بعد أن سمعوا الحق : يا ربنا إننا آمنا بما سمعنا إيمانا ~~صادقا فاكتبنا مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم التي آمنت به وشهدت بصدق رسولك ~~محمد صلى الله عليه وسلم وبصدق كل رسول أرسلته إلى الناس ليخرجهم من الظلمات ~~إلى النور. # ثم حكى سبحانه بعد ذلك عنهم ما ms1759 علمه منهم من إصرارهم على الدخول في الدين ~~الحق ، فقال. ( @QUR@016 وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن ~~يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين ). # فالآية الكريمة من تتمة قولهم. # والاستفهام هنا لإنكار انتفاء الإيمان منهم مع قيام موجباته ، وظهور ~~أماراته ووضوح أدلته وشواهده. # والمعنى : وأى مانع يمنعنا من الإيمان بالله الواحد الأحد الفرد الصمد ، ~~وبما جاءنا على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من قرآن يهدى إلى الرشد ~~ومن توجيهات توصل إلى السعادة ونحن نطمع أن يدخلنا ربنا بسبب إيماننا مع ~~القوم الذين صلحت أنفسهم بالعقيدة السليمة ، وبالعبادات الصحيحة وبالأخلاق ~~الفاضلة وهم أتباع هذا النبي الأمى محمد صلى الله عليه وسلم فأنت تراهم بعد أن ~~استمعوا إلى القرآن تأثرت نفوسهم به تأثرا شديدا فاضت معه أعينهم بالدمع. ~~ثم بعد ذلك التمسوا من الله تعالى أن يكتبهم مع الأمة الإسلامية التي تشهد ~~على غيرها يوم القيامة. ثم بعد ذلك استنكروا واستبعدوا أن يعوقهم معوق عن ~~الإيمان الصحيح مع قيام موجباته. وهذا PageV04P257 # كله يدل على صفاء نفوسهم وطهارة قلوبهم ومسارعتهم إلى قبول الحق عند ~~ظهوره بدون تردد أو تقاعس : # وقولهم كما حكى القرآن عنهم ( @QUR@03 ونطمع أن يدخلنا ) يدل على قوة ~~إيمانهم ، وصدق يقينهم ، لأنهم مع هذا الإقبال الشديد على الدين الحق ~~والمسارعة إلى العمل الصالح ، لم يجزموا بحسن عاقبتهم ، بل التمسوا من الله ~~تعالى الطمع في مغفرته ، وفي أن يجعلهم مع القوم الصالحين من أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم . # وهكذا المؤمن الصادق يستصغر عمله بجانب فضل الله ونعمه ، ويقف من جزائه ~~وثوابه سبحانه موقف الخوف والرجاء. # ولقد كان ما أعده الله تعالى لهؤلاء الأصفياء من ثواب شيئا عظيما ، عبر ~~عنه سبحانه بقوله : ( @QUR@014 فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها ؛ وذلك جزاء المحسنين ). # أى : فكافأهم الله تعالى بسبب أقوالهم الطيبة الدالة على إيمانهم ~~وإخلاصهم ، جنات تجرى من تحت بساتينها وأشجارها الأنهار ( @QUR@02 خالدين ~~فيها ) أى : باقين في تلك الجنات بقاء لا موت معه ، ( @QUR@01 وذلك ) ~~العطاء الجزيل ms1760 الذي منحه الله لهم ( @QUR@02 جزاء المحسنين ) أى : المؤمنين ~~المخلصين في أقوالهم وأعمالهم. # والمراد بقوله ( @QUR@02 بما قالوا ): ما سبق أن حكاه عنهم سبحانه من ~~قولهم : ( @QUR@05 ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ) ورتب الثواب المذكور ~~على القول : لأنه قد سبق وصفهم بما يدل على إخلاصهم ، وعلى صدق يقينهم ، ~~والقول إذا اقترن بذلك فهو الإيمان. # قال الآلوسى : قوله. ( @QUR@04 فأثابهم الله بما قالوا ) أى بسبب قولهم ~~أو بالذي قالوه عن اعتقاد ، فإن القول إذا لم يقيد بالخلو عن الاعتقاد يكون ~~المراد به المقارن له ، كما إذا قيل : هذا قول فلان ، لأن القول إنما يصدر ~~عن صاحبه لإفادة الاعتقاد. # وقيل : إن القول هنا مجاز عن الرأى والاعتقاد والمذهب كما يقال : هذا قول ~~الامام الأعظم أى : هذا مذهبه واعتقاده. وذهب كثير من المفسرين إلى أن ~~المراد بهذا القول قولهم : ( @QUR@02 ربنا آمنا ). وقولهم ( @QUR@04 وما ~~لنا لا نؤمن ) (1) وقد بينت هذه الآية الكريمة أنه سبحانه قد أجابهم إلى ما ~~طلبوا ، بل أكبر مما طلبوا ، فقد كانوا يطمعون في أن يكونوا مع القوم ~~الصالحين ، وأن يكتبهم مع الشاهدين. فأعطاهم PageV04P258 # سبحانه جنات تجرى من تحتها الأنهار. وسماهم محسنين. والإحسان أعلى درجات ~~الإيمان ، وأكرم أوصاف المتقين. # هذا جزاء الذين سمعوا ما أنزل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فآمنوا به ، ~~وقالوا ما قالوا مما يشهد بصفاء نفوسهم. أما الذين سمعوا فأعرضوا وجحدوا ~~فقد بين سبحانه مصيرهم السيئ بقوله : ( @QUR@07 والذين كفروا وكذبوا ~~بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم ). # أى : والذين كفروا وجحدوا الحق الذي جاءهم ، وكذبوا بآياتنا الدالة على ~~وحدانيتنا وصدق رسلنا فأولئك أصحاب الجحيم ، أى : النار الشديدة الاتقاد. ~~يقال : جحم فلان النار إذا شدد إيقادها. # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد مدحت أولئك الذين قالوا إنا نصارى ، لأنهم ~~تأثروا بالقرآن عند سماعه فدخلوا في الدين الحق بسرعة ورغبة ، فأكرمهم الله ~~غاية الإكرام ، وهذا ينطبق على كل نصراني ينهج نهجهم ، ويسلك مسلكهم ، ~~فيدخل في الدين الحق كما دخل هؤلاء المحسنون. # أما الذين كفروا وكذبوا بآيات الله وحججه فأولئك أصحاب النار خالدين فيها ~~وبئس المصير. # ثم وجه ms1761 سبحانه نداء إلى المؤمنين نهاهم عن تحريم الطيبات التي أحلها الله ~~لهم ، وأمرهم أن يتمتعوا بما رزقهم من رزق طيب حلال فقال تعالى : # ( @QUR@018 يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا ~~تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (87) @QUR@012 وكلوا مما رزقكم الله حلالا ~~طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ) (88) # قال صاحب المنار بدأ الله هذه السورة بآيات من أحكام الحلال والحرام ~~والنسك. # ثم جاء بهذا السياق الطويل في بيان أحوال أهل الكتاب ومحاجتهم ، فكان ~~أوفى وأتم ما ورد في القرآن من ذلك ، ولم يتخلله إلا قليل من الأحكام. ~~وهاتان الآيتان وما بعدهما عود إلى أحكام الحلال والحرام والنسك التي بدئت ~~بها السورة. # وإنما لم تجعل آيات الأحكام كلها في أول السورة وتجعل الآيات في أهل ~~الكتاب مفصلا PageV04P259 # بعضها ببعض في باقيها. لما بيناه غير مرة من حكمة مزج المسائل والموضوعات ~~في القرآن من حيث هو مثاني تتلى دائما للاهتداء بها ، لا كتابا فنيا ولا ~~قانونا يتخذ لأجل مراجعة كل مسألة من كل طائفة من المعاني في باب معين. # على أن نظمه وترتيب آياته يدهش أصحاب الأفهام الدقيقة بحسنه وتنسيقه كما ~~ترى في مناسبة هاتين الآيتين لما قبلهما مباشرة. # ذلك أنه تعالى ذكر أن النصارى أقرب الناس مودة للذين آمنوا وذكر من سبب ~~ذلك أن منهم قسيسين ورهبانا فكان من مقتضى هذا أن يرغب المؤمنون في ~~الرهبانية ويظن الميالون للتقشف والزهد أنها مرتبة كمال تقربهم إلى الله ~~تعالى وهي إنما تتحقق بتحريم التمتع بالطيبات. وقد أزال الله تعالى هذا ~~الظن وقطع طريق تلك الرغبة بقوله : ( @QUR@011 يا أيها الذين آمنوا لا ~~تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ) (1). # هذا ، وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هاتين الآيتين روايات متعددة منها ما ~~أخرجه الترمذي وابن جرير عن ابن عباس : أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال : إنى إذا أكلت انتشرت للنساء ، وأخذتنى شهوتي فحرمت على اللحم. فأنزل ~~الله تعالى ( @QUR@06 يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا ). الآية (2). # وأخرج ابن ms1762 جرير عن عكرمة قال ، كان : أناس من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم هموا بالخصاء وترك اللحم والنساء ، فنزلت هذه الآية ( ~~@QUR@011 يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ) وعن أبى ~~قلابة قال : أراد أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يرفضوا الدنيا ، ~~ويتركوا النساء ويترهبوا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فغلظ فيهم ~~المقالة. ثم قال : «إنما هلك من كان قبلكم بالتشديد شددوا على أنفسهم فشدد ~~الله عليهم ، فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع ، واعبدوا الله ولا تشركوا ~~به شيئا وحجوا واعتمروا واستقيموا». قال : ونزلت فيهم : ( @QUR@06 يا أيها ~~الذين آمنوا لا تحرموا ) الآية وعن أبى طلحة عن ابن عباس قال : نزلت هذه ~~الآية في رهط من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : نقطع مذاكيرنا ، ~~ونترك شهوات الدنيا ، ونسيح في الأرض كما تفعل الرهبان ، فبلغ ذلك النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهم ، فذكر لهم ذلك فقالوا : نعم. فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : «لكني أصوم وأفطر ، وأصلى وأنام ، وأنكح النساء ، فمن ~~أخذ بسنتي فهو منى ، ومن لم يأخذ بسنتي فليس منى». # وقد وجه سبحانه النداء للمؤمنين بوصف الإيمان ؛ لتحريك حرارة العقيدة في ~~قلوبهم حتى يمتثلوا أوامر الله ونواهيه. PageV04P260 # والمراد بقوله : ( @QUR@02 لا تحرموا ): لا تعتقدوا تحريم ما أحل الله ~~لكم من طيبات بأن تأخذوا على أنفسكم عهدا بعدم تناولها أو الانتفاع بها. # فالنهي عن التحريم هنا ليس منصبا على الترك المجرد. فقد يترك الإنسان بعض ~~الطيبات لأسباب تتعلق بالمرض أو غيره. وإنما هو منصب على اعتقاد أن هذه ~~الطيبات يجب تركها ويأخذ الشخص على نفسه عهدا بذلك. # والمراد بالطيبات : الأشياء المستلذة المستطابة المحللة التي تقوى بدن ~~الإنسان وتعينه على الجهاد في سبيل الله ، من طعام شهى ، وشراب سائغ. وملبس جميل. # والمعنى : يا أيها الذين آمنوا بالله إيمانا حقا ، لا تحرموا على أنفسكم ~~شيئا من الطيبات التي أحلها الله لكم ، فإنه سبحانه ما أحلها لكم إلا لما ~~فيها من منافع وفوائد تعينكم على شئون دينكم ms1763 ودنياكم. # وقوله : ( @QUR@02 ولا تعتدوا ) تأكيد للنهى السابق. والتعدي معناه : ~~تجاوز الحدود التي شرعها الله تعالى عن طريق الإسراف أو عن طريق التقتير. ~~أو عن طريق الاعتداء على حق الغير أو عن أى طريق يخالف ما شرعه الله تعالى . # وقوله : ( @QUR@05 إن الله لا يحب المعتدين ) في موضع التعليل لما قبله. # أى : لا تحرموا أيها المؤمنون على أنفسكم ما أحله الله لكم من طيبات ولا ~~تتجاوزوا حدوده بالإسراف. أو بالتقتير أو بتناول ما حرمه عليكم فإنه سبحانه ~~لا يحب الذين يتجاوزون حدود شريعته ، وسنن فطرته. وهدى نبيه ~~صلى الله عليه وسلم . # وبعد أن نهى سبحانه عن تحريم الطيبات أمر بتناولها والتمتع بها فقال : ( ~~@QUR@012 وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ، واتقوا الله الذي أنتم به ~~مؤمنون ). # والأمر في قوله ( @QUR@01 وكلوا ) للإباحة. وقيل إنه للندب. ويرى بعضهم ~~أنه للوجوب لأن من الواجب على المؤمن ألا يترك أمرا أباحه الله تعالى تركا ~~مطلقا لأن هذا الترك يكون من باب تحريم ما أحله الله. # أى : وكلوا أيها المؤمنون من الرزق الحلال الطيب الذي رزقكم الله إياه ، ~~وتفضل عليكم به ( @QUR@06 واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ) بأن تصونوا ~~أنفسكم عن كل ما يغضبه ، وتلتزموا في مأكلكم ومشربكم وملبسكم وسائر شئونكم ~~حدود شريعته ، وتوجيهات رسوله صلى الله عليه وسلم . # والمراد بالأكل هنا التمتع بألوان الطيبات التي أحلها الله ، فيدخل فيه ~~الشرب مما كان حلالا ، وكذلك يدخل فيه كل ما أباحه سبحانه من متعة طيبة ~~تميل إليها النفوس وتشتهيها. PageV04P261 # وعبر عن مطلق التمتع بما أحله الله بالأكل ، لأنه أعظم أنواع المتع ، ~~وأهم ألوان منافع الإنسان التي عليها قوام حياته. # وقد زكى سبحانه طلب التمتع بعطائه وخيره بأمور منها : أنه جعله مما رزقهم ~~إياه ، وأنه وصفه بكونه حلالا وليس محرما ، ويكونه طيبا وليس خبيثا. # والمأكول أو المشروب أو غيرهما متى كان كذلك اتجهت نفس المؤمن إليه ~~بارتياح وطمأنينة واجتهدت في الشكر لواهب النعم على ما أنعم وأعطى. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@06 وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ) أى : ~~كلوا ما حل ms1764 لكم وطاب مما رزقكم الله تعالى فحلالا مفعول به لكلوا. و ( ~~@QUR@02 مما رزقكم ) حال منه وقد كان في الأصل صفة له إلا أن صفة النكرة ~~إذا قدمت صارت حالا. والآية دليل لنا في شمول الرزق للحلال والحرام إذ لو ~~لم يقع الرزق على الحرام لم يكن لذكر الحلال فائدة سوى التوكيد وهو خلاف ~~الظاهر في مثل ذلك. # وقوله : ( @QUR@06 واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ) استدعاء إلى التقوى ~~وامتثال الوصية بوجه حسن. # والآية ظاهرة في أن أكل اللذائذ لا ينافي التقوى. وقد أكل النبي ~~صلى الله عليه وسلم ثريد اللحم ومدحه ، وكان يحب الحلوى» (1). # وقال القرطبي : قال علماؤنا : في هذه الآية وما شابهها ، والأحاديث ~~الواردة في معناها ، رد على غلاة المتزهدين ، وعلى كل أهل البطالة من ~~المتصوفين ، إذ كل فريق منهم قد عدل عن طريقه ، وحاد عن تحقيقه. # قال الطبري : لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شيء على نفسه مما أحل الله ~~لعباده المؤمنين من طيبات المطاعم والملابس والمناكح. ولذلك رد النبي ~~صلى الله عليه وسلم التبتل على ابن مظعون ، فثبت أنه لا فضل في ترك شيء مما ~~أحله الله لعباده ، وأن الفضل والبر إنما هو في فعل ما ندب عباده إليه وعمل ~~به رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنه لأمته ، واتبعه على منهاجه الأئمة ~~الراشدون. # وقد جاء رجل إلى الحسن البصري فقال له : إن لي جارا لا يأكل الفالوذج ~~فقال له ولم؟ قال : يقول ، لا يؤدى شكره. فقال الحسن : أفيشرب الماء ~~البارد؟ قال : نعم. فقال الحسن : إن جارك جاهل ، فإن نعمة الله عليه في ~~الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذج (2). PageV04P262 # والخلاصة أن هاتين الآيتين تنهيان المؤمنين عن تحريم الطيبات التي أحلها ~~الله لهم ، وتأمرانهم بالتمتع بها بدون إسراف أو تقتير مع خشيتهم لله تعالى ~~وشكره على ما وهبهم من نعم. # وذلك لأن ترك هذه الطيبات يؤدى إلى ضعف العقول والأجسام ، والإسلام يريد ~~من أتباعه أن يكونوا أقوياء في عقولهم وفي أجسامهم وفي سائر شئونهم ، لأن ~~المؤمن القوى ms1765 خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف كما جاء في الحديث ~~الشريف. # ولأن دين الإسلام ليس دين رهبانية ، وفي الحديث الشريف «إن الله لم ~~يبعثني بالرهبانية» (1) وإنما دين الإسلام دين عبادة وعمل ، فهو لا يقطع ~~العابد عن الحياة ، ولكنه يأمره أن يعيش عاملا فيها غير منقطع عنها. # وإن التفاضل بين المؤمنين يكون باستقامة النفس ، وسلامة العبادة وكثرة ~~إيصال النفع للناس. ولا يكون بالانقطاع عن الدنيا ، وتحريم طيباتها التي ~~أحلها الله تعالى. # وقد وردت آيات وأحاديث كثيرة تؤيد معنى هاتين الآيتين الكريمتين. # أما الآيات فمنها قوله تعالى ( @QUR@016 يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل ~~مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) (2). # ومنها قوله تعالى ( @QUR@015 يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون ) (3). # وأما الأحاديث فمنها ما أخرجه الشيخان عن أنس بن مالك قال : جاء ثلاثة ~~رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته فلما أخبروا ~~كأنهم تقالوها أى عدوها قليلة فقالوا : وأين نحن من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال أحدهم : أما أنا ~~فإنى أصلى الليل أبدا ، وقال آخر : أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر : ~~أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. # فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما ~~والله إنى لأخشاكم لله وأتقاكم له. لكني أصوم وأفطر وأصلى وأرقد ؛ وأتزوج ~~النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس منى» (4) PageV04P263 # ورحم الله الحسن البصري فقد قال : إن الله تعالى أدب عباده فأحسن أدبهم ~~فقال تعالى ( @QUR@05 لينفق ذو سعة من سعته ) ما عاب قوما ما وسع عليهم ~~الدنيا فتنعموا وأطاعوا ، ولا عذر قوما زواها عنهم فعصوه» (1). # فعلى المؤمن أن يجتنب تحريم الطيبات التي أحلها الله له ، وأن يتمتع بها ~~بدون إسراف أو تقتير ، وأن يداوم على شكر الله على نعمه وآلائه ، وأن يجعل ~~جانبا من هذه النعم للإحسان إلى الفقراء والمحتاجين. # قال الفخر الرازي ms1766 : لم يقل سبحانه : وكلوا ما رزقكم الله ، ولكن قال : ( ~~@QUR@04 وكلوا مما رزقكم الله ) وكلمة «من» للتبعيض. فكأنه قال : اقتصروا ~~في الأكل على البعض واصرفوا البقية إلى الصدقات والخيرات لأنه إرشاد إلى ~~ترك الإسراف كما قال : ( @QUR@06 ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) (2). # ثم بين سبحانه كفارة اليمين ، وأمر المؤمنين بحفظ أيمانهم فلا يكثروا ~~منها ، فقال تعالى # ( @QUR@045 لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو ~~تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ~~واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون ) (89) # أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : لما نزلت ( @QUR@011 يا أيها الذين ~~آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ) في القوم الذين كانوا حرموا على ~~أنفسهم النساء واللحم : قالوا يا رسول الله. كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا ~~عليها؟ فأنزل الله تعالى قوله : ( @QUR@06 لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمانكم PageV04P264 # @QUR@05 ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ) الآية (1) واللغو من الكلام ~~كما يقول الراغب : ما لا يعتد به منه ، وهو الذي يورد لا عن روية وفكر ~~فيجري مجرى اللغا وهو صوت العصافير ونحوها من الطيور. وقد يسمى كل قبيح ~~لغوا. قال تعالى ( @QUR@05 وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ) (2). # ولغو اليمين. أن يحلف الحالف على شيء يرى أنه صادق فيه ثم يتبين له خلاف ذلك. # ويرى بعضهم أن لغو اليمين هو الذي يجرى على اللسان بدون قصد ، كقولك لا ~~والله وبلى والله. # وقد رجح هذا القول ابن كثير فقال ما ملخصه. واللغو في اليمين هو قول ~~الرجل في الكلام من غير قصد : لا والله وبلى والله وهو مذهب الشافعى. وقيل ~~هو في الهزل. وقيل في المعصية : وقيل على غلبة الظن وهو قول أبى حنيفة ~~وأحمد والصحيح أنه اليمين من غير قصد بدليل قوله : ( @QUR@05 ولكن يؤاخذكم ~~بما عقدتم الأيمان ) (3). # وقوله : ( @QUR@01 عقدتم ) من العقد وهو الجمع بين أطراف الشيء لتوثيقه ~~وهو نقيض الحل : وقرأ حمزة والكسائي ( @QUR@01 عقدتم ms1767 ) بالتخفيف. وقرأ ابن ~~عامر «عاقدتم». # والمراد بعقد الأيمان توكيدها وتوثيقها قصدا ونية. # والمعنى : لا يؤاخذكم الله أيها المؤمنون فضلا منه وكرما على اللغو في ~~اليمين وهو ما يجرى على ألسنتكم بدون قصد. ولكن يؤاخذكم بالعقوبة في الآخرة ~~أو بوجوب الكفارة بتعقيدكم الأيمان وتوثيقها بالقصد والنية ، إذا حنثتم ~~فيها ، بأن تعمدتم الكذب في أيمانكم. # فالمراد بعدم المؤاخذة في قوله ( @QUR@06 لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمانكم ): عدم المعاقبة في الدنيا بالكفارة ولا في الآخرة بالعقوبة. # والمراد بالمؤاخذة في قوله : ( @QUR@05 ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ) ~~: العقوبة الأخروية عند جمهور الفقهاء ويرى الشافعى أن المراد بها الكفارة ~~التي تجب على الحانث. # وقوله ( @QUR@02 في أيمانكم ) متعلق باللغو. وما في قوله ( @QUR@02 بما ~~عقدتم ) مصدرية أى : ولكن يؤاخذكم بتعقيدكم الأيمان وتوثيقها. ويحتمل أن ~~تكون موصولة والعائد محذوف. أى ولكن يؤاخذكم بالذي عقدتم الأيمان عليه. # وقوله : ( @QUR@013 فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم ~~أو كسوتهم أو تحرير PageV04P265 # @QUR@01 رقبة ) بيان لكيفية الكفارة والضمير في قوله : فكفارته يعود على ~~الحنث الدال عليه سياق الكلام وإن لم يجر له ذكر. # أى : فكفارة الحنث. ولا مانع من عودته إلى الحالف إذا حنث في يمينه فيكون ~~المعنى : فكفارة الحالف إذا حنث في يمينه إطعام عشرة مساكين لأن الشخص ~~الحانث في يمينه هو الذي يجب عليه التكفير عن حنثه. # والكفارة من الكفر بمعنى الستر ، وهي اسم للفعلة التي من شأنها أن تكفر ~~الخطيئة ، أى تسترها وتمحوها ، لأن الشيء الممحى يكون كالشىء المستور الذي ~~لا يرى ولا يشاهد. # وكلمة ( @QUR@01 أوسط ) يرى بعضهم أنها بمعنى الأمثل والأحسن ، لأن لفظ ~~الأوسط كثيرا ما يستعمل بهذا المعنى ومنه قوله تعالى ( @QUR@08 قال أوسطهم ~~ألم أقل لكم لو لا تسبحون ) (1) أى : قال أحسنهم عقلا وأمثلهم فكرا ونظرا. # ويرى آخرون أن الأوسط هنا بمعنى المتوسط لأن هذا هو الغالب في استعمال ~~هذه الكلمة ، أى يطعمهم لا من أفخر أنواع الطعام ولا من أردئه ولكن من ~~الطعام الذي يطعم منه أهله في الغالب. # والمعنى : لقد تفضل الله عليكم أيها المؤمنون ms1768 بأن رفع عنكم العقوبة ~~والكفارة في الأيمان اللغو ، ولكنه سبحانه يؤاخذكم بتعقيدكم الأيمان ~~وتوثيقها إذا ما حنثتم فيها ومتى حنث أحدكم في يمينه ، فمن الواجب عليه ~~لتكفير هذا اليمين ومحو إثمه أن يطعم عشرة مساكين طعاما يكون من متوسط ما ~~يطعم منه أهله في الجودة والمقدار ، أو أن يكسو هؤلاء المساكين العشرة كساء ~~مناسبا ساترا للبدن أو أن يحرر رقبة بأن يعتق عبدا من الرق فيجعله حرا. # قال الجمل ما ملخصه : وقوله : ( @QUR@02 فكفارته إطعام ) مبتدأ وخبر. # وقوله : إطعام مصدر مضاف لمفعوله ، وهو مقدر بحرف وفعل مبنى للفاعل أى ~~فكفارته أن يطعم الحانث عشرة ، وفاعل المصدر يحذف كثيرا. # وقوله : ( @QUR@02 من أوسط ) في محل نصب مفعول ثان لإطعام ؛ ومفعوله ~~الأول عشرة أى : فكفارته أن تطعموا عشرة مساكين إطعاما من أوسط ما تطعمون ~~أهليكم .. وقوله : ( @QUR@02 ما تطعمون ) مفعوله الأول : أهليكم ، ومفعوله ~~الثاني : محذوف أى : «تطعمونه أهليكم» (2). # فأنت ترى أن الله تعالى قد خير الحانث في يمينه بين أمور ثلاثة يختار ~~إحداها ، فإذا لم PageV04P266 # يستطع إحداها ، فقد بين سبحانه له حكما آخر فقال : ( @QUR@06 فمن لم يجد ~~فصيام ثلاثة أيام ). # أى : فمن لم يجد ما يكفر حنثه في يمينه من إطعام أو كساء أو تحرير رقبة ~~فعليه حينئذ أن يصوم ثلاثة أيام ، تطهيرا لنفسه ، وتكفيرا عن ذنبه ، وتقوية ~~لإرادته وعزيمته. # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@05 ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ) يعود ~~إلى المذكور من الإطعام والكساء وتحرير الرقبة والصوم. # أى : ذلك الذي شرعناه لكم كفارة لأيمانكم إذا حلفتم وحنثتم فيها ، ~~وخالفتم طريق الحق الذي أمركم الله تعالى باتباعه. # وقوله : ( @QUR@02 واحفظوا أيمانكم ) أمر من الله تعالى لعباده بأن ~~يصونوا أنفسهم عن الحنث في أيمانهم ، وعن الإكثار منها لغير ضرورة ، فإن ~~الإكثار من الحلف بغير ضرورة يؤدى إلى قلة الحياء من الله تعالى. كما أن ~~الحلف الكاذب يؤدى إلى سخطه سبحانه على الحالف وبغضه له. # وقوله : ( @QUR@07 كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون ) تذييل قصد به ~~التذكير بنعم الله حتى يداوم الناس على شكرها وطاعة واهبها عز وجل ms1769 . # أى : مثل هذا البيان البديع الجامع لوجوه الخير والفلاح ، يبين الله لكم ~~آياته المشتملة على الأحكام الميسرة ، والتشريعات الحكيمة ، والهدايات ~~الجليلة لعلكم بذلك تستمرون على شكر الله وطاعته ، وتواظبون على خشيته ~~ومراقبته فتنالون ما وعدكم من فلاح وسعادة. # هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى : # 1 أن اليمين اللغو لا مؤاخذة فيها. أى : لا عقوبة عليها في الآخرة ولا ~~كفارة لها في الدنيا لقوله تعالى : ( @QUR@06 لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمانكم ). # ونعنى بها كما سبق أن أشرنا أن يقول الرجل من غير قصد الحلف لا والله ~~وبلى والله. # ومع هذا فمن الأفضل للمؤمن ألا يلجأ إلى الحلف إلا إذا كانت هناك ضرورة ~~تدعو لذلك ؛ لأن الإكثار من الحلف يسقط مهابة الإنسان ، وقد يفضى به إلى ~~الاستهانة بالآداب الحميدة التي شرعها الله. # قال تعالى : ( @QUR@019 ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ~~ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم ) (1). # 2 أن اليمين التي يحلفها الحالف بالقصد والنية وهو كاذب فيها ، يستحق ~~صاحبها العذاب PageV04P267 # الشديد من الله تعالى ، وهي التي يسميها الفقهاء باليمين الغموس ، أى ~~التي تغمس صاحبها في النار قال تعالى ( @QUR@05 ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~الأيمان ). # أى : بما صممتم عليه منها وقصدتموه وأنتم حانثون فيها. # قال القرطبي ما ملخصه : خرج البخاري عن عبد الله بن عمرو قال : جاء ~~أعرابى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ما الكبائر؟ قال : ~~«الإشراك بالله. قال : : ثم ماذا؟ قال : عقوق الوالدين. قال : ثم ماذا؟ قال ~~: اليمين الغموس» قلت : وما اليمين الغموس؟ قال : التي يقتطع بها مال امرئ ~~مسلم وهو كاذب فيها». # وخرج مسلم عن أبى أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «من اقتطع حق ~~امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة. فقال رجل : وإن ~~كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم : وإن كان قضيبا من أراك». # وقد اختلف في اليمين الغموس فالذي عليه ms1770 الجمهور أنها يمين مكر وخديعة ~~وكذب فلا تنعقد ولا كفارة فيها. لأن هذا الحالف قد جمع بين الكذب ، ~~واستحلال مال الغير ، والاستخفاف باليمين بالله. فأهان ما عظمه الله ، وعظم ~~ما حقره الله ، ولهذا قيل : إنما سميت اليمين الغموس غموسا ، لأنها تغمس ~~صاحبها في النار. # وقال الشافعى : «هي يمين منعقدة ، لأنها مكتسبة بالقلب ، معقودة بخبر ، ~~مقرونة باسم الله تعالى ، وفيها الكفارة. # والصحيح الأول : وهو قول مالك بن أنس ومن تبعه من أهل المدينة ، وبه قال ~~الأوزاعى والثوري وأهل العراق وأحمد وإسحاق وأصحاب الحديث وأصحاب الرأى من ~~أهل الكوفة (1): # 3 أن ( @QUR@01 أو ) في قوله تعالى : ( @QUR@014 فكفارته إطعام عشرة ~~مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة ) للتخيير. # أى : أن الحالف إذا حنث في يمينه فهو مخير بين واحد من أمور ثلاثة ليكفر ~~عن يمينه التي حنث فيها. وهذه الثلاثة هي الإطعام أو الكسوة ، أو عتق ~~الرقبة. فإذا لم يجد إحدى هذه الكفارات الثلاث انتقل إلى الصوم. # قال الفخر الرازي : وأعلم أن الآية دالة على أن الواجب في كفارة اليمين ~~أحد الأمور الثلاثة على التخيير ، فإن عجز عنها جميعا فالواجب شيء آخر وهو الصوم. # ومعنى الواجب المخير أنه لا يجب عليه الإتيان بكل واحد من هذه الثلاثة ~~ولا يجوز له تركها PageV04P268 # جميعا. ومتى أتى بأى واحد شاء من هذه الثلاثة فإنه يخرج عن العهدة. فإذا ~~اجتمعت هذه القيود الثلاثة فذاك هو الواجب المخير» (1). # وللعلماء أقوال متعددة في الإطعام المطلوب لكفارة اليمين. # قال القرطبي ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@08 إطعام عشرة مساكين من ~~أوسط ما تطعمون أهليكم ) لا بد عندنا أى المالكية وعند الشافعى من تمليك ما ~~يخرج لهم ودفعه إليهم حتى يتملكوه ويتصرفوا فيه. # وقال أبو حنيفة : لو غداهم وعشاهم جاز. والأوسط هنا منزلة بين منزلتين ~~ونصفا بين طرفين أى يطعمهم من غالب الطعام الذي يطعم منه أهله لا من أدناه ~~حتى لا يبخس المساكين حقهم ولا من أعلاه حتى لا يتكلف ما يشق عليه والإطعام ~~عند مالك : مد (2) لكل واحد ms1771 من المساكين العشرة. وبه قال الشافعى. وقال أبو ~~حنيفة : يخرج من البر نصف صاع ، ومن التمر والشعير صاعا. أى يخرج ما يجب في ~~صدقة الفطر. # ولا يجوز عندنا دفع الكفارة إلى مسكين واحد وبه قال الشافعى ، لأن الله ~~تعالى نص على العشرة فلا يجوز العدول عنهم ، وأيضا فإن فيه إحياء جماعة من ~~المسلمين وكفايتهم يوما واحدا ، فيتفرغون فيه لعبادة الله ولدعائه ، فغفر ~~للمكفر بسبب ذلك. # وقال أبو حنيفة : يجزئه أى : إذا أطعم واحدا عشر مرات أغنى عن إطعام ~~العشرة لأن المقصود من الآية التعريف بقدر ما يطعم ، فلو دفع ذلك القدر ~~لواحد أجزأه» (3). # والكسوة التي تصلح لكفارة اليمين يلاحظ فيها أن تكون سابغة في الجملة وهي ~~تختلف باختلاف الأزمان والأحوال. # قال الشافعى : لو دفع إلى كل واحد من العشرة ما يصدق عليه اسم الكسوة من ~~قميص أو سراويل أجزأه ذلك. # وقال مالك وأحمد : لا بد أن يدفع إلى كل واحد منهم من الكسوة ما يصح أن ~~يصلى فيه ، إن كان رجلا أو امرأة كل بحسبه. # وقال أبو حنيفة : الكسوة في كفارة اليمين لكل مسكين ثوب وإزار. ولا تجزئ ~~القيمة عن PageV04P269 # الطعام والكسوة عند الشافعى. # وقال أبو حنيفة : تجزئ القيمة ، لأن الغرض سد حاجة المحتاج ، وقد تكون ~~القيمة أنفع له. # والنوع الثالث الذي به تكون كفارة اليمين : تحرير رقبة أى : إعتاقها من ~~الرق ، والمراد بالرقبة جملة الإنسان. # قال الرازي : المراد بالرقبة : الجملة قيل : الأصل في هذا المجاز أن ~~الأسير في العرب كانت تجمع يداه إلى رقبته بحبل. فإذا أطلق حل ذلك الحبل. ~~فسمى الإطلاق من الرقبة فك الرقبة. ثم جرى ذلك على العتق. وقد أخذ بإطلاقها ~~أبو حنيفة فقال : تجزئ الكافرة كما تجزى المؤمنة. وقال الشافعى وآخرون : لا ~~بد أن تكون مؤمنة. # فإن قيل : أى فائدة في تقديم الإطعام على العتق مع أن العتق أفضل لا ~~محالة؟ قلنا له وجوه. # أحدها : أن المقصود منه التنبيه على أن هذه الكفارة وجبت على التخيير لا ~~على الترتيب ، لأنها لو وجبت على الترتيب لوجبت ms1772 البداءة بالأغلظ. # وثانيها : قدم الإطعام لأنه أسهل ، لكون الطعام أعم وجودا ، والمقصود منه ~~التنبيه على أنه تعالى يراعى التخفيف والتسهيل في التكاليف. # وثالثها : أن الإطعام أفضل ، لأن الحر الفقير قد لا يجد الطعام ، ولا ~~يكون هناك من يعطيه الطعام فيقع في الضر. أما العبد فإنه يجب على مولاه ~~إطعامه وكسوته (1). # 4 يرى مالك والشافعى أن قوله : تعالى : ( @QUR@03 فصيام ثلاثة أيام ) ~~يصدق على الصيام المتتابع والمتفرق ، فلو صام الحالف ثلاثة أيام متفرقة ~~أجزأه ذلك ، لأن التتابع صفة لا تجب إلا بنص أو قياس على منصوص وقد عدما. # ويرى أبو حنيفة وأحمد صوم الثلاثة أيام متتابعة ، فقد قرأ أبى بن كعب ~~وعبد الله بن مسعود «فصيام ثلاثة أيام متتابعات» وقراءتهما لا تختلف عن ~~روايتهما. # وقال ابن كثير : واختلف العلماء هل يجب فيها التتابع أو يستحب ولا يجب ~~ويجزئ التفريق؟ قولان : # أحدهما : لا يجب وهذا منصوص الشافعى في كتاب الأيمان. وهو قول مالك ، لإطلاق PageV04P270 # قوله : ( @QUR@03 فصيام ثلاثة أيام ) وهو صادق على المجموعة والمفرقة كما ~~في قضاء رمضان لقوله : ( @QUR@04 فعدة من أيام أخر ) ونص الشافعى في موضع ~~آخر في الأم على وجوب التتابع كما هو مذهب الحنفية والحنابلة لأنه قد روى ~~عن أبى بن كعب وغيره أنه كان يقرؤها «فصيام ثلاثة أيام متتابعات» وحكاها ~~مجاهد والشعبي وأبو إسحاق عن عبد الله بن مسعود. وهذه ، إذا لم يثبت كونها ~~قرآنا متواترا فلا أقل من أن يكون خبر واحد أو تفسيرا من الصحابة وهو في ~~حكم المرفوع. # وروى ابن مردويه عن ابن عباس قال : لما نزلت آية الكفارات قال حذيفة يا ~~رسول الله نحن بالخيار؟ قال : أنت بالخيار. إن شئت أعتقت. وإن شئت كسوت. ~~وإن شئت أطعمت. فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات (1). # ويبدو لنا أن الصيام المتتابع أفضل ، لأن قراءة أبى وحديث حذيفة يزكيانه ~~، ولأنه رأى عدد كبير من الصحابة منهم عبد الله بن مسعود. # 5 أخذ بعض العلماء من قوله تعالى : ( @QUR@04 فكفارته إطعام عشرة مساكين ~~)... إلخ. أن الكفارة لا تكون إلا بعد الحنث ms1773 ؛ لأن السبب في الكفارة هو ~~الحنث ، وما دام لم يتحقق فإنه لا كفارة. # وقال آخرون يجوز أن تتقدم الكفارة عند نية الحنث ، وتقوم النية مقام ~~الحنث بالفعل. # وقد تكلم عن هذه المسألة الإمام القرطبي فقال ما ملخصه : اختلف العلماء ~~في تقديم الكفارة على الحنث أتجزئ أم لا على ثلاثة أقوال : # أحدها : يجزئ مطلقا وهو مذهب أربعة وعشرين من الصحابة ، وجمهور الفقهاء ، ~~وهو مشهور مذهب مالك ، فقد قال أبو موسى الأشعرى : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «وإنى والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا ~~منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير» رواه وأخرجه أبو داود. # ومن جهة المعنى أن اليمين سبب الكفارة ، لقوله تعالى ( @QUR@05 ذلك كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم ) فأضاف الكفارة إلى اليمين والمعاني تضاف إلى أسبابها. ~~وأيضا فإن الكفارة بدل عن البر فيجوز تقديمها قبل الحنث. # وثانيها : قال أبو حنيفة وأصحابه لا يجزئ بوجه لما رواه مسلم عن عدى بن ~~حاتم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «من حلف يمين ثم رأى ~~غيرها خيرا منها فليأت الذي هو PageV04P271 # خير زاد النسائي وليكفر عن يمينه». # ومن جهة المعنى أن الكفارة إنما هي لرفع الإثم ، وما لم يحنث لم يكن هناك ~~ما يرفع فلا معنى لفعلها. وأيضا فإن كل عبادة فعلت قبل وجوبها لم تصح ~~اعتبارا بالصلوات وسائر العبادات. # وثالثها : قال الشافعى : تجزئ بالإطعام والعتق والكسوة ولا تجزئ بالصوم ؛ ~~لأن عمل البدن لا يقدم قبل وقته. ويجزئ في غير ذلك تقديم الكفارة» (1). # 6 أخذ العلماء من قوله تعالى ( @QUR@02 واحفظوا أيمانكم ) أن من الواجب ~~على المؤمن أن يقلل من الأيمان فلا يلجأ إليها إلا عند الضرورة ، وأن يحرص ~~على أن يكون صادقا فيها حتى لا يحتاج إلى التكفير عنها ؛ وأن يبادر إلى ~~التكفير عنها إذا كانت المصلحة تستدعى الحنث فيها ، لما سبق أن ذكره ~~القرطبي من حديث أبى موسى الأشعرى وحديث عدى بن حاتم. # ولما رواه الشيخان عن عبد الرحمن بن سمرة ms1774 قال : قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم يا عبد الرحمن بن سمرة ، لا تسأل الإمارة فإنك إن أوتيتها ~~عن مسألة وكلت إليها ، وأن أوتيتها عن غير مسألة أعنت عليها. وإذا حلفت على ~~يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير». # هذا «وقد ساق صاحب المنار في نهاية تفسيره لهذه الآية بحوثا تتعلق ~~بالأيمان فقال ما ملخصه : # (أ) لا يجوز في الإسلام الحلف بغير الله تعالى وأسمائه وصفاته ، لما رواه ~~الشيخان من حديث ابن عمر : «من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله» ورويا عنه ~~أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يحلف بأبيه فقال : «إن الله ينهاكم ~~أن تحلفوا بآبائكم ، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت». # روى أحمد والبخاري وأصحاب السنن عن ابن عمر أيضا قال : كان أكثر ما يحلف ~~به النبي صلى الله عليه وسلم يحلف : لا ومقلب القلوب. # وهذه الأحاديث الصحيحة صريحة في حظر الحلف بغير الله تعالى ويدخل النبي ~~صلى الله عليه وسلم في عموم غير الله وكذلك الكعبة وسائر ما هو معظم شرعا ~~تعظيما يليق به. # (ب) ثم قال ويجوز الحنث للمصلحة الراجحة فقد روى الشيخان وأحمد عن عبد ~~الرحمن ابن سمرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا حلفت على يمين ورأيت ~~غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك وفي رواية فكفر عن يمينك ~~وأت الذي هو خير». # وينقسم الحلف باعتبار المحلوف عليه إلى أقسام : PageV04P272 # 1 أن يحلف على فعل واجب وترك حرام ، فهذا تأكيد لما كلفه الله إياه فيحرم ~~الحنث ويكون إثمه مضاعفا. # 2 أن يحلف على ترك واجب أو فعل محرم ، فهذا يجب عليه الحنث ، لأنه يمين ~~معصية على ترك فريضة من الفرائض ، أو حق من الحقوق الواجبة عليه. # 3 أن يحلف على فعل مندوب أو ترك مكروه ، فهذا طاعة فيندب له الوفاء ويكره ~~الحنث كذا قال بعضهم. والظاهر وجوب الوفاء كما قالوا في النذر. # 4 أن يحلف على ترك مندوب أو فعل ms1775 مكروه ، فيستحب له الحنث ويكره التمادي ~~كذا قالوا. وظاهر الحديث وجوب الكفارة والحنث مطلقا. # 5 أن يحلف على ترك مباح وقد اختلفوا فيه : فقال ابن الصباغ : إن ذلك ~~يختلف باختلاف الأحوال. # أى أن الحالف يوازن بين مقدار الضرر الذي سيترتب على الاستمرار في الترك ~~، والخير الذي يجلبه الحنث ، فإن رجح أحدهما مضى فيه. # (ج) ثم قال : وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : الأيمان بحسب صيغتها وأحكامها ~~ثلاثة أقسام : # أحدهما : ما ليس من أيمان المسلمين وهو الحلف بالمخلوقات كالكعبة ~~والملائكة والمشايخ والملوك والآباء ونحو ذلك ، فهذه يمين غير منعقدة ولا ~~كفارة فيها باتفاق العلماء بل هي منهى عنها باتفاق أهل العلم والنهى نهى ~~تحريم في أصح الأقوال. ففي الحديث : «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ، ~~ومن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» : # الثاني : اليمين بالله كقول القائل : والله لأفعلن كذا. فهذه يمين منعقدة ~~فيها الكفارة إذا حنث فيها باتفاق المسلمين. # الثالث : أيمان المسلمين التي هي في معنى الحلف بالله ، ومقصود الحالف ~~بها تعظيم الخالق لا الحلف بالمخلوقات كالحلف بالنذر والطلاق والعتاق كقوله ~~إن فعلت كذا فعلى صيام شهر أو الحج إلى بيت الله. # فهذه الأيمان للعلماء فيها أقوال أظهرها أنه إذا حنث فيها لزمته كفارة ~~يمين كما قال تعالى ( @QUR@05 ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ). وقال تعالى ~~( @QUR@06 قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ). # (د) ثم ختم صاحب المنار مباحثه بقوله : واليمين الغموس التي يهضم بها ~~الحق أو يقصد بها الغش والخيانة ، لن يكفرها عتق ولا صدقة ولا صيام ، بل لا ~~بد من التوبة وأداء الحقوق PageV04P273 # والاستقامة. قال تعالى ( @QUR@019 ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل ~~قدم بعد ثبوتها ، وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم ) (1). # وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت للمؤمنين ما يجب عليهم إذا ما حنثوا في ~~أيمانهم ، وحضتهم على حفظ أيمانهم ، لكي ينالوا من الله تعالى الرضا ~~والفلاح. # وبعد أن نهى الله المؤمنين عن تحريم ما أحله لهم ، وأمرهم بأن يتمتعوا ~~بما رزقهم من خير بدون إسراف أو ms1776 تقتير ، وبين لهم حكم ما عقدوه من أيمان ~~بعد كل ذلك وجه سبحانه نداء ثانيا إليهم بين لهم فيه مضار الخمر وأشباهها ~~من الرذائل ، وأمرهم باجتنابها ، فقال تعالى : # ( @QUR@016 يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ~~رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (90) @QUR@020 إنما يريد الشيطان ~~أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن ~~الصلاة فهل أنتم منتهون (91) @QUR@013 وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ~~فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين ) (92) # قال الفخر الرازي : اعلم أن هذا النوع الثالث من الأحكام المذكورة في هذا ~~الموضع فقد أمر الله المؤمنين بعدم تحريم الطيبات ثم بين حكم الأيمان ~~المنعقدة. # ووجه اتصال هذه الآيات بما قبلها أنه تعالى قال فيما تقدم : ( @QUR@07 لا ~~تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ) إلى قوله : ( @QUR@06 وكلوا مما رزقكم الله ~~حلالا طيبا ). ثم لما كان من جملة الأمور المستطابة الخمر والميسر ، لا ~~جرم أنه تعالى بين أنهما غير داخلين في المحلات بل في المحرمات (2). # والخمر بمعنى المصدر هو الستر ، ولذلك يقال لما يستر به الرأس عند النساء ~~خمار. والخمر بمعنى الاسم ما يخمر العقل ويستره ، ويمنعه من التقدير السليم : PageV04P274 # قال القرطبي : والخمر مأخوذة من خمر ، إذا ستر ، ومنه خمار المرأة لأنه ~~يستر وجهها. وكل شيء غطى شيئا فقد خمره. ومنه : خمروا آنيتكم أى : غطوها. # وقيل : إنما سميت الخمر خمرا ، لأنها تركت حتى أدركت كما يقال : قد اختمر ~~العجين ، أى : : بلغ إدراكه. وخمر الرأى ، أى ترك حتى يتبين فيه الوجه. # وقيل : إنما سميت الخمر خمرا ، لأنها تخالط العقل. من المخامرة وهي ~~المخالطة. ومنه قولهم : دخلت في خمار الناس بفتح الخاء وضمها أى : اختلطت ~~بهم. فالمعاني الثلاثة متقاربة ، فالخمر تركت حتى أدركت ، ثم خالطت العقل ، ~~ثم خمرته والأصل الستر» (1). # والميسر : القمار بكسر القاف وهو في الأصل مصدر ميمى من يسر كالموعد من ~~وعد. وهو مشتق من اليسر بمعنى السهولة ، لأن المال يجيء ، للكاسب من غير ~~جهد ، أو هو مشتق من يسر بمعنى جزأ ، ثم أصبح ms1777 علما على كل ما يتقامر عليه ~~كالجزور ونحوه. # قال القرطبي : الميسر : الجزور الذي كانوا يتقامرون عليه ، سمى ميسرا ~~لأنه يجزأ أجزاء فكأنه موضوع التجزئة. وكل شيء جزأته فقد يسرته. والياسر : ~~الجازر ، لأنه يجزئ لحم الجزور. ويقال للضاربين بالقداح والمتقامرين على ~~الجزور : يأسرون لأنهم جازرون إذ كانوا سببا لذلك» (2). # والمراد بالميسر ما يشمل كل كسب يجيء بطريق الحظ المبنى على المصادفة ~~فاللعب بالنرد على مال يسمى قمارا ، واللعب بالشطرنج على مال يسمى قمارا ~~وهكذا ما يشبه ذلك من ألوان تمليك المال بالمخاطرة وبطريق الحظ المبنى على ~~المصادفة. # وتحريم الميسر تحريم لذات الفعل. فالعمل في ذاته حرام ، والكسب عن طريقه حرام. # والأنصاب : جمع نصب ، وتطلق على الأصنام التي كانت تنصب للعبادة لها أو ~~على الحجارة التي كانت تخصص للذبح عليها تقربا للأصنام. # والأزلام : جمع زلم. وهي السهام التي كانوا يتقاسمون بها الجزور أو ~~البقرة إذا ذبحت. فسهم عليه واحد ، وسهم اثنان وهكذا إلى عشرة. أو هي ~~السهام التي كانوا يكتبون على أحدها : أمرنى ربي وعلى الآخر نهاني ربي ، ~~ويتركون الثالث غفلا من الكتابة فإذا أرادوا سفرا أو حربا أو زواجا أو غير ~~ذلك ، أتوا إلى بيت الأصنام واستقسموها ، فإن خرج أمرنى ربي أقدموا PageV04P275 # على ما يرونه ، وإن خرج نهاني ربي أمسكوا عنه ، وإن خرج الغفل أجالوها ~~ثانية حتى يخرج الآمر أو الناهي. # وقد نهى الله تعالى في أوائل هذه السورة عن الاستقسام بالأزلام فقال ( ~~@QUR@05 وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق ) (1). # وقوله : ( @QUR@01 رجس ) أى قذر تأباه النفوس الكريمة والعقول السليمة ~~لقذارته ونجاسته. # قال الفخر الرازي : والرجس في اللغة كل ما استقذر من عمل. يقال : رجس ~~الرجل رجسا إذا عمل عملا قبيحا : وأصله من الرجس بفتح الراء وهو شدة الصوت. ~~يقال : سحاب رجاس إذا كان شديد الصوت بالرعد. فكأن الرجس هو العمل الذي ~~يكون قوى الدرجة كامل الرتبة في القبح» (2). # وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات منها : ما جاء في صحيح ~~مسلم عن سعد بن أبى وقاص أنه قال : نزلت فى آيات ms1778 من القرآن ، وفيه قال. ~~وأتيت على نفر من الأنصار فقالوا : تعال نطعمك ونسقيك خمرا وذلك قبل أن ~~تحرم الخمر قال فأتيتهم في حش أى بستان فإذا رأس جزور مشوى عندهم وزق من ~~خمر قال : فأكلت وشربت معهم. قال : فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم فقلت : ~~المهاجرون خير من الأنصار. قال. فأخذ رجل من الأنصار لحى جمل فضربني به ~~فجرح أنفى ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فأنزل الله تعالى ( ~~@QUR@014 يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من ~~عمل الشيطان فاجتنبوه ).. الآيات (3). # ومنها ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس قال : نزل تحريم الخمر في قبيلتين ~~من قبائل الأنصار. شربوا حتى ثملوا ، فعبث بعضهم ببعض ، فلما أن صحوا ، جعل ~~الرجل منهم يرى الأثر بوجهه ولحيته فيقول : فعل هذا بي أخى فلان وكانوا ~~إخوة ليس في قلوبهم ضغائن والله لو كان بي رءوفا رحيما ما فعل بي هذا ، حتى ~~وقعت في قلوبهم الضغائن فأنزل الله : ( @QUR@06 يا أيها الذين آمنوا إنما ~~الخمر ). إلى قوله : ( @QUR@03 فهل أنتم منتهون ) (4). # والمعنى : ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا ) إيمانا حقا. إنما تعاطى ( ~~@QUR@01 الخمر ) أى : الشراب الذي يخامر العقل ويخالطه ويمنعه من التفكير ~~السليم ( @QUR@01 والميسر ) أى القمار الذي عن طريقه يكون تمليك PageV04P276 # المال بالحظ المبنى على المصادفة والمخاطرة ( @QUR@01 والأنصاب ) أى : ~~الحجارة التي تذبح عليها الحيوانات تقربا للأصنام. ( @QUR@01 والأزلام ) أى ~~: السهام التي عن طريقها يطلب الشخص معرفة ما قسم له من خير أو شر. هذه ~~الأنواع الأربعة ( @QUR@04 رجس من عمل الشيطان ) أى : مستقذرة تعافها ~~النفوس الكريمة ، وتأباها العقول السليمة ، لأنها من تزيين الشيطان الذي هو ~~عدو للإنسان ، ولا يريد له إلا ما كان شيئا قبيحا. # قال تعالى : ( @QUR@05 الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ). # والفاء في قوله ( @QUR@01 فاجتنبوه ) للإفصاح ، والضمير فيه يعود على ~~الرجس الذي هو خبر عن تلك الأمور الأربعة وهي الخمر والميسر والأنصاب ~~والأزلام. # أى : إذا كان تعاطى هذه الأشياء الأربعة رجسا وقذرا ينأى عنه العقلاء ~~فاجتنبوه لعلكم بسبب هذا الاجتناب والترك لذلك الرجس تنالون الفلاح والظفر ~~في ms1779 دنياكم وآخرتكم. # والنداء بقوله : ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا ) عام لجميع المؤمنين ، ~~وقد ناداهم سبحانه بهذه الصيغة لتحريك حرارة العقيدة في قلوبهم حتى ~~يستجيبوا لما نودوا من أجله ، وهو اجتناب تلك الرذائل وتركها تركا تاما. # وقوله : ( @QUR@01 رجس ) خبر عن هذه الرذائل الأربعة. وصح الإخبار به مع ~~أنه مفرد عن متعدد هو هذه الأربعة ، لأنه مصدر يستوي فيه القليل والكثير ~~وشبيه بذلك قوله تعالى ( @QUR@03 إنما المشركون نجس ). # وقيل : لأنه خبر عن الخمر ، وخبر المعطوفات عليها محذوف ثقة بالمذكور ~~وقيل : لأن في الكلام مضافا إلى تلك الأشياء ، وهو خبر عنه. أى : إنما شأن ~~هذه الأشياء أو تعاطيها رجس. # وقوله : ( @QUR@03 من عمل الشيطان ) في محل رفع على أنه صفة لقوله : ( ~~@QUR@01 رجس ) أى : رجس كائن من عمل الشيطان ، لأنه ناجم عن تزيينه وتسويله ~~، إذ هو خبيث والخبيث لا يدعو إلا إلى الخبيث فالمراد من إضافة العمل إلى ~~الشيطان المبالغة في كمال قبح ذلك العمل. # وعبر بقوله : ( @QUR@01 فاجتنبوه ) للمبالغة في الأمر بترك هذه الرذائل ، ~~فكأنه سبحانه يقول لا آمركم فقط بترك الرذائل ، بل أمركم أيضا بأن تكونوا ~~أنتم في جانب وهذه المنكرات في جانب آخر. فالأمر هنا منصب على الترك وعلى ~~كل ما يؤدى إلى اقتراف هذه المنكرات كمخالطة المرتكبين لها. وغشيان ~~مجالسها. إلخ. # ثم أكد سبحانه تحريم الخمر والميسر ببيان مفاسدهما الدنيوية والدينية ~~فقال تعالى ( @QUR@02 إنما يريد PageV04P277 # @QUR@018 الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ~~ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ). # أى : ( @QUR@03 إنما يريد الشيطان ) بتزيينه المنكرات لكم ( @QUR@05 أن ~~يوقع بينكم العداوة والبغضاء ) بأن يقطع ما بينكم من صلات ، ويثير في ~~نفوسكم الأحقاد والضغائن بسبب تعاطيكم للخمر والميسر ، وذلك لأن شارب الخمر ~~إذا ما استولت الخمر على عقله أزالت رشده. وأفقدته وعيه ، وتجعله قد يسيء ~~إلى من أحسن إليه ، ويعتدى على صديقه وجليسه. وذلك يورث أشد ألوان العداوة ~~والبغضاء بين الناس. # ولأن متعاطى الميسر كثيرا ما يخسر ما له على مائدة الميسر. والمال كما ~~نعلم شقيق الروح ، فإذا ما خسره هذا ms1780 المقامر صار عدوا لمن سلب ماله منه عند ~~المقامرة ، وأصبح يضمر له السوء. وقد يؤدى به الحال إلى قتله حتى يشفى غيظه ~~منه ، لأنه قد جعله فقيرا بائسا مجردا من أمواله بعد أن كان مالكها وفي ذلك ~~ما فيه من تولد العداوة والبغضاء وإيقاد نار الفتن والشرور بين الناس. # فقوله تعالى : ( @QUR@011 إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضاء في الخمر والميسر ) إشارة إلى مفاسدهما الدنيوية. # أما مفاسدهما الدينية فقد أشار إليها سبحانه بقوله : ( @QUR@06 ويصدكم عن ~~ذكر الله وعن الصلاة ). # أى : ويريد الشيطان أيضا بسبب تعاطيكم للخمر والميسر أن يصدكم أى يشغلكم ~~ويمنعكم ( @QUR@03 عن ذكر الله ) أى : عن طاعته ومراقبته والتقرب إليه ( ~~@QUR@02 وعن الصلاة ) التي هي الركن الثاني من أركان الإسلام. # وذلك لأن شارب الخمر يمنعه ما حل به من نشوة كاذبة ، ومن فقدان لرشده عن ~~طاعة الله وعن أداء ما أوجبه عليه من صلاة وغيرها. # ولأن متعاطى الميسر بسبب استحلاله لكسب المال عن هذا الطريق الخبيث ، ~~ويسبب فقدانه للعاطفة الدينية السليمة صار لا يفكر في القيام بما أوجبه ~~الله عليه من عبادات. # ورحم الله الآلوسى ، فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : ووجه صد الشيطان ~~لهم عن ذكر الله وعن الصلاة بسبب تعاطيهم للخمر والميسر أن الخمر لغلبة ~~السرور بها والطرب على النفوس. والاستغراق في الملاذ الجسمانية ، تلهى عن ~~ذكر الله تعالى وعن الصلاة. # وأن الميسر إن كان اللاعب به غالبا ، انشرحت نفسه ، وصده حب الغلب والقهر ~~والكسب عما ذكر ، وإن كان مغلوبا حصل له من الانقباض والقهر ما يحثه على ~~الاحتيال لأن يصير غالبا فلا يخطر بقلبه غير ذلك. PageV04P278 # وقد شاهدنا كثيرا ممن يلعب بالشطرنج يجرى بينهم من اللجاج والحلف الكاذب ~~والغفلة عن ذكر الله تعالى ما ينفر منه الفيل وتكبو له الفرس ويحار لشناعته ~~الفهم وتسود رقعة الأعمال (1). # وجمع سبحانه الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام في الآية الأولى ثم ~~أفردهما بالذكر في هذه الآية ، لأن الخطاب للمؤمنين ، والمقصود نهيهم عن ~~الخمر والميسر ، وإظهار أن هذه الأربعة متقاربة في ms1781 القبح والمفسدة ، أى أن ~~مجيء الأنصاب والأزلام مع الخمر والميسر إنما هو لتقبيح تعاطيهما ، وتأكيد ~~حرمتهما ، حتى لكأن متعاطى الخمر والميسر يفعل أفعال أهل الجاهلية ، وأهل ~~الشرك بالله تعالى وكأنه كما يقول الزمخشري : لا مباينة بين من عبد صنما ~~وأشرك بالله في علم الغيب ، وبين من شرب خمرا أو قامر. # وخص الصلاة بالذكر مع أنها لون من ألوان ذكر الله ، تعظيما لشأنها ، كما ~~هو الحال في ذكر الخاص بعد العام ، وإشعارا بأن الصاد عنها كالصاد عن ~~الإيمان ، لما أنها عماد الدين والفارق بين المسلم وبين الكافر. # والاستفهام في قوله ( @QUR@03 فهل أنتم منتهون ) لإنكار استمرارهم على ~~الخمر والميسر بعد أن بين لهم ما بين من مضارهما الدنيوية والدينية ولحضهم ~~على ترك تعاطيهما فورا ، أى : انتهوا سريعا عنهما فقد بينت لكم ما يدعو إلى ذلك. # ولقد لبى الصحابة رضى الله عنهم هذا الأمر فقالوا : «انتهينا يا رب ؛ ~~انتهينا يا رب» وألقوا ما عندهم من خمر في طرقات المدينة. # ثم أكد سبحانه وجوب هذا الانتهاء بأن أمر بطاعته وطاعة رسوله ~~صلى الله عليه وسلم فقال : ( @QUR@05 وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ). # أى : اجتنبوا أيها المؤمنون هذه الرذائل وانتهوا عنها فقد بينت لكم ~~مضارها ، ( @QUR@04 وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) في جميع ما أمرا به ~~ونهيا عنه ( @QUR@01 واحذروا ) مخالفتهما ، لأن مخالفة أوامرهما تؤدى إلى ~~الحسرة والخسران. # وأمر سبحانه بطاعته وبطاعته رسوله مع أن طاعة رسوله طاعة له سبحانه ~~لتأكيد الدعوة إلى هذه الطاعة ، ولتكريم الرسول صلى الله عليه وسلم حيث جعلت ~~طاعته مجاورة لطاعة الله تعالى . # وقوله : ( @QUR@08 فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين ) ~~تأكيد للتحذير السابق وتنبيه إلى سوء عاقبة العاصين لأمر الله ورسوله. PageV04P279 # وجواب الشرط محذوف والتقدير : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول أيها المؤمنون ~~واحذروا مخالفة أمرهما ، فإن توليتم وأعرضتم عن طاعتهما ، فقد وقعتم في ~~الخطيئة وستعاقبون عليها عقابا شديدا ، واعلموا أنه ليس على رسولنا محمد ~~صلى الله عليه وسلم سوى التبليغ الواضح البين عن الله تعالى أما الحساب ~~والجزاء ، والثواب والعقاب فمن الله وحده. ms1782 # فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد ذكرت أنواعا من التأكيدات ، وألوانا ~~من التهديدات التي تدعو إلى اجتناب الخمر والميسر اجتنابا تاما وتركهما ~~تركا لا عودة بعده إليهما. # وقد وضح صاحب الكشاف هذا المعنى بقوله : أكد سبحانه تحريم الخمر والميسر ~~بوجوه من التأكيد : # منها : تصدير الجملة بإنما. # ومنها : قرنهما بعبادة الأصنام ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «شارب الخمر ~~كعابد الوثن». # ومنها : أنه جعلهما رجسا كما قال تعالى ( @QUR@04 فاجتنبوا الرجس من ~~الأوثان ) ومنها : أنه جعلهما من عمل الشيطان ، والشيطان ، لا يأتى منه إلا ~~الشر البحت. # ومنها : أنه أمر بالاجتناب وظاهر الأمر للوجوب. # ومنها : أنه جعل الاجتناب من الفلاح. وإذا كان الاجتناب فلاحا ، كان ~~الارتكاب خيبة وخسرانا. # ومنها : أنه ذكر ما ينتج منهما من الوبال وهو وقوع التعادي والتباغض وما ~~يؤديان إليه من الصد عن ذكر الله وعن مراعاة أوقات الصلاة. # ومنها : قوله ( @QUR@03 فهل أنتم منتهون ) فهو من أبلغ ما ينهى به ، كأنه ~~قيل : قد تلى عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والموانع فهل أنتم مع هذه ~~الصوارف منتهون أم أنتم باقون على ما كنتم عليه ، كأن لم توعظوا ولم ~~تزجروا؟؟؟» (1). # هذا ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى : # 1 أن هذه الآيات الكريمة هي آخر ما نزل في القرآن لتحريم الخمر تحريما ~~قاطعا لأن التعبير بالانتهاء والأمر به فيه إشارة إلى تمهيدات سابقة ~~للتحريم. # قال القرطبي : تحريم الخمر كان بتدريج ونوازل كثيرة. فإنهم كانوا مولعين ~~بشربها ، وأول ما نزل في شأن الخمر قوله تعالى ( @QUR@010 يسئلونك عن الخمر ~~والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ) (2) أى : في تجارتهم. فلما نزلت ~~هذه الآية تركها بعض الناس وقالوا : لا حاجة فيما فيه PageV04P280 # إثم كبير ، ولم يتركها بعض الناس. وقالوا : نأخذ منفعتها ونترك إثمها ~~فنزلت هذه الآية ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى ) (1) فتركها بعض الناس وقالوا : لا حاجة فيما يشغلنا عن الصلاة ~~وشربها بعض الناس في غير أوقات الصلاة ، حتى نزلت : ( @QUR@07 يا أيها ~~الذين آمنوا إنما الخمر ms1783 والميسر ) الآية. فصارت حراما عليهم حتى صار بعضهم ~~يقول : ما حرم الله شيئا أشد من الخمر» (2). # وأخرج عبد بن حميد عن الربيع أنه قال : لما نزلت آية البقرة ( @QUR@04 ~~يسئلونك عن الخمر والميسر ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن ربكم يقدم ~~في تحريم الخمر» ، ثم نزلت آية النساء : ( @QUR@05 لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى ) فقال صلى الله عليه وسلم : «إن ربكم يقدم في تحريم الخمر» ، ثم نزلت ~~آية المائدة : ( @QUR@07 يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ) فحرمت ~~عند ذلك. # ولما سمع عمر قوله تعالى ( @QUR@03 فهل أنتم منتهون ) قال : انتهينا يا ~~رب (3) ولا شك في أن تدرج القرآن في تحريم الخمر يدل دلالة واضحة على رحمة ~~الله تعالى بعباده المؤمنين وتربية حكيمة حتى يقلعوا عما تعودوه بسهولة ~~ويسر وذلك لأن شرب الخمر كان من العادات المتأصلة في النفوس ويكفى للدلالة ~~على حب العرب لها قول أنس بن مالك : حرمت الخمر ولم يكن للعرب عيش أعجب ~~منها. وما حرم عليهم شيء أشد عليهم من الخمر». # ولقد كان موقف الصحابة من هذا التحريم لما يحبونه ويشتهونه ، يمثل اسمى ~~ألوان الطاعة والاستجابة لأمر الله تعالى فعند ما بلغهم تحريم الخمر أراقوا ~~ما عندهم منها في الطرقات ، بل وحطموا الأوانى التي كانت توضع فيها الخمر. # أخرج البخاري عن أنس قال : كنت ساقى القوم في منزل أبى طلحة ، وكان خمرهم ~~يومئذ الفضيخ أى : نقيع البسر فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديا ينادى ~~«ألا إن الخمر قد حرمت». # قال : فقال لي أبو طلحة : اخرج فأهرقها. قال : فخرجت فهرقتها فجرت في سكك ~~المدينة (4) وأخرج ابن جرير عن قتادة عن أنس بن مالك قال : بينما أنا أدير ~~الكأس على أبى طلحة ، وأبى عبيدة بن الجراح ، ومعاذ بن جبل وسهيل بن بيضاء ~~وأبى دجانة حتى مالت رءوسهم من PageV04P281 # خليط بسر وتمر ، فسمعنا مناديا ينادى : إن الخمر قد حرمت. قال : فما دخل ~~علينا داخل ولا خرج ، حتى أهرقنا الشراب ، وكسرنا القلال ، وتوضأ بعضنا ، ~~واغتسل بعضنا ثم خرجنا إلى المسجد ms1784 وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ( ~~@QUR@07 يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ).. إلى قوله ( @QUR@03 ~~فهل أنتم منتهون ). # فقال رجل لقتادة : سمعته من أنس بن مالك؟ قال : نعم وقال رجل لأنس أنت ~~سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم. وحدثني من لم يكذب : ~~والله ما كنا نكذب ، ولا ندري ما الكذب (1). # وأخرج ابن جرير أيضا عن أبى بريدة عن أبيه قال : بينما نحن قعود على شراب ~~لنا ، ونحن نشرب الخمر حلا ، إذ قمت حتى آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأسلم عليه وقد نزل تحريم الخمر ( @QUR@07 يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر ~~والميسر ).. الآيات. فجئت إلى أصحابى فقرأتها عليهم ، إلى قوله : ( ~~@QUR@03 فهل أنتم منتهون ) قال : وبعض القوم شربته في يده قد شرب بعضا وبقي ~~بعض الإناء ، فقال بالإناء تحت شفته (2) العليا ، كما يفعل الحجام. ثم صبوا ~~ما في باطيتهم ، فقالوا : انتهينا ربنا ، انتهينا ربنا» (3). # وهكذا ترى أن قوة الإيمان التي غرسها الإسلام في نفوس أتباعه عن طريق ~~تعاليمه الحكيمة وتربيته السامية. قد تغلبت على ما أحبته النفوس وأزالت من ~~القلوب ما ألفته الطبائع إلفا شديدا. # 2 أن كلمة خمر اسم لما خامر العقل وغطاه من الأشربة المسكرة ، سواء كانت ~~من عصير العنب ، أم من الشعير ، أم من التمر ، أم من غير ذلك وكلها سواء في ~~التحريم قل المشروب منها أو كثر ، سكر شاربها أو لم يسكر ، وأن على الشارب ~~حد الشرب في الجميع. # وبهذا القول قال جمهور العلماء : ومن أدلتهم النقلية ما أخرجه البخاري عن ~~ابن عمر قال : خطب عمر على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنه قد ~~نزل تحريم الخمر وهي خمسة أشياء : «العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل ~~والخمر ما خامر العقل». # وأخرج أيضا عن عائشة قالت : «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التبع وهو ~~نبيذ العسل وكان PageV04P282 # أهل اليمن يشربونه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كل ما أسكر فهو حرام». # وأخرج كذلك عن أنس قال ms1785 : «حرمت علينا الخمر حين حرمت وما نجد يعنى ~~بالمدينة خمر الأعناب إلا قليلا ، وعامة خمرنا البسر والتمر» (1). # فهذه الأحاديث الصحيحة صريحة في أن ما أسكر من هذه الأشربة المأخوذة من ~~التمر أو الحنطة أو الشعير أو العنب يسمى خمرا. # ومن أدلتهم العقلية أصل الاشتقاق اللغوي لكلمة خمر ، فقد عرفنا أنها سميت ~~بهذا الاسم لمخامرتها العقل وستره ، فكل ما خامر العقل من الأشربة وجب أن ~~يطلق عليه لفظ خمر سواء أكان من العنب أم من غيره. # ويرى الأحناف ووافقهم بعض العلماء كإبراهيم النخعي ، وسفيان الثوري ، ~~وابن أبى ليلى : أن كلمة خمر لا تطلق إلا على الشراب المسكر من عصير العنب ~~فقط. أما المسكر من غيره كالشراب الذي من التمر والشعير فلا يسمى خمرا بل ~~يسمى نبيذا. # ومن حججهم أن الخمر حرمت ولم يكن العرب يعرفون الخمر في غير المأخوذ من ~~ماء العنب ، فالخمر عندهم اسم لهذا النوع فقط. وما وجد فيه مخامرة للعقل من ~~غير هذا النوع لا يسمى خمرا : لأن اللغة لا تثبت من طريق القياس. # وقد ورد عن ابن عمر أنه قال : «حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء». # ولقد كان بالمدينة من المسكرات نقيع التمر والبسر ، فدل على أن ابن عمر ~~وهو عربي ما كان يرى أن اسم الخمر يتناول هذين. # ويقول الأحناف ومن وافقهم : إن الأحاديث التي استشهد بها الجمهور على أن ~~الخمر اسم لكل مسكر من عصير العنب أو غيره هذه الأحاديث لبيان الحكم الشرعي ~~، والحرمة بالقياس لتحقيق علة الحرمة وهي الإسكار في القدر المسكر من هذه ~~الأشياء. # وقد ابتنى على هذا الخلاف بين الجمهور والأحناف أحكام أخرى تتعلق بنجاسة ~~هذه الأشياء ، وبوجوب إقامة الحد على شاربها .. إلخ وتفصيل هذه الأحكام ~~يرجع فيه إلى كتب الفقه وأصوله. # هذا ، وقد رجح المحققون من العلماء ما ذهب إليه الجمهور وضعفوا ما ذهب ~~إليه الأحناف ومن وافقهم. PageV04P283 # قال ابن العربي : وتعلق أبو حنيفة بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة فلا ~~يلتفت إليها والصحيح ما رواه الأئمة أن أنسا قال : «حرمت ms1786 الخمر يوم حرمت ~~وما بالمدينة خمر الأعناب إلا القليل ، وعامة خمرها البسر والتمر». # واتفق الأئمة على رواية أن الصحابة إذ حرمت الخمر لم يكن عندهم يومئذ خمر ~~عنب وإنما كانوا يشربون خمر النبيذ فكسروا دنانهم أى : أوانى الخمر وبادروا ~~إلى الامتثال لاعتقادهم أن ذلك كله خمر (1) أى : وأقرهم رسول الله على ذلك. # وقال الآلوسى : وعندي أن الحق الذي لا ينبغي العدول عنه ، أن الشراب ~~المتخذ مما عدا العنب كيف كان وبأى اسم سمى متى كان بحيث يسكر من لم يتعوده ~~فهو حرام ، وقليله ككثيره ، ويحد شاربه ويقع طلاقه ، ونجاسته غليظة. وفي ~~الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن النقيع وهو نبيذ العسل فقال : «كل ~~شراب أسكر فهو حرام». # وروى أبو داود : «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر». # وصح عنه صلى الله عليه وسلم : «ما أسكر كثيره فقليله حرام». والأحاديث ~~متضافرة على ذلك. # ولعمري إن اجتماع الفساق في زماننا على شرب المسكرات مما عدا الخمر ، ~~ورغبتهم فيها ، فوق اجتماعهم على شرب الخمر ورغبتهم فيه بكثير. وقد وضعوا ~~لها أسماء كالعنبرية والإكسير ونحوهما ، ظنا منهم أن هذه الأسماء تخرجها من ~~الحرمة ، وتبيح شربها للأمة وهيهات هيهات فالأمر وراء ما يظنون وإنا لله ~~وإنا إليه راجعون (2). # 3 قال القرطبي ما ملخصه : «فهم الجمهور من تحريم الخمر ، واستخباث الشرع ~~لها ، وإطلاق الرجس عليها ، والأمر باجتنابها ، الحكم بنجاستها. # وخالفهم في ذلك ربيعة والليث بن سعد والمزني صاحب الشافعى. وبعض ~~المتأخرين من البغداديين والقرويين فرأوا أنها طاهرة وأن المحرم إنما هو شربها. # والصحيح ما عليه الجمهور لأن وصفها بأنها ( @QUR@01 رجس ) يدل على ~~نجاستها فإن الرجس في اللسان النجاسة. # وقوله : ( @QUR@01 فاجتنبوه ) يقتضى الاجتناب المطلق الذي لا ينتفع معه ~~بشيء بوجه من الوجوه وعلى هذا تدل الأحاديث الواردة في هذا الباب. # روى مسلم عن ابن عباس أن رجلا أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم راوية خمر ~~، أى قربة خمر PageV04P284 # فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «هل علمت أن الله ms1787 حرمها» قال : لا. ~~قال : فسار رجلا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «بم ساررته»؟ قال : ~~أمرته أن يبيعها ، فقال : «إن الذي حرم شربها حرم بيعها». # ثم قال القرطبي : وهذه الآيات تدل على أن كل لهو دعا قليله إلى كثيره ، ~~وأوقع العداوة والبغضاء بين العاكفين عليه ، وصد عن ذكر الله وعن الصلاة ~~فهو كشرب الخمر ، ووجب أن يكون حراما مثله (1). # 4 هذه الآيات الكريمة تدل على تأكيد تحريم الخمر وما ذكر معها من رذائل ، ~~كما تدل على تحريم ما تؤدى إليه من مفاسد ومضار ، وما يحيق بمرتكبها من سوء عاقبة. # وقد ساق ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات جملة من الأحاديث في هذا المعنى ~~، ومن هذه الأحاديث ما رواه الإمام أحمد عن ابن عمر قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لعنت الخمر على عشرة أوجه : «لعنت الخمر بعينها ، وشاربها ~~، وساقيها وبائعها ومبتاعها ، وعاصرها ومعتصرها ، وحاملها والمحمولة إليه ، ~~وآكل ثمنها». # وقال ابن وهب قال عبد الله بن عمر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~«ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة : العاق لوالديه ، والمدمن الخمر ، ~~والمنان بما أعطى». # وروى أبو داود عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «كل مخمر خمر ~~، وكل مسكر حرام ، ومن شرب مسكرا بخست صلاته أربعين صباحا ، فإن تاب ؛ تاب ~~الله عليه ، فإن عاد الرابعة كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال ، ~~قيل : وما طينة الخبال يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم : «صديد أهل ~~النار» (2). # هذا جانب من الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآيات الكريمة ، ومن ~~الأحاديث التي وردت في حرمة الخمر وفي سوء مصير شاربها. # وقد أتبع سبحانه ذلك ببيان حكم من شربها ومات قبل أن ينزل تحريمها فقال ~~تعالى : # ( @QUR@024 ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما ~~اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب ~~المحسنين ) (93) PageV04P285 # روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات متقاربة في ms1788 معناها ، ومن ذلك ~~ما رواه الترمذي عن البراء بن عازب قال : مات ناس من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهم يشربون الخمر. فلما نزل تحريمها قال ناس من أصحاب ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها قال : ~~فنزلت : ( @QUR@06 ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) الآية وعن ابن ~~عباس قال : قالوا يا رسول الله ، أرأيت الذين ماتوا وهم يشربون الخمر «لما ~~نزل تحريم الخمر» فنزلت ( @QUR@04 ليس على الذين آمنوا ) الآية. # وروى الإمام أحمد من حديث أبى هريرة أنه بعد أن نزل قوله تعالى ( @QUR@07 ~~يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ) الآيات ، قال الناس : يا رسول ~~الله ، ناس قتلوا في سبيل الله أو ماتوا على فرشهم ، كانوا يشربون الخمر ~~ويأكلون مال الميسر ؛ وقد جعله الله رجسا ومن عمل الشيطان؟ فأنزل الله ~~تعالى : ( @QUR@09 ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ) ~~الآية (1). # قال القرطبي : وهذه الآية وتلك الأحاديث نظير سؤالهم عمن مات إلى القبلة ~~الأولى فنزلت ( @QUR@05 وما كان الله ليضيع إيمانكم ). # ومن فعل ما أبيح له حتى مات على فعله لم يكن له ولا عليه شيء ، لا إثم ~~ولا مؤاخذة ولا ذم ولا أجر ولا مدح ، لأن المباح مستوى الطرفين بالنسبة إلى ~~الشرع ، وعلى هذا فما كان ينبغي أن يتخوف ولا يسأل عن حال من مات والخمر في ~~بطنه وقت إباحتها ، فإما أن يكون ذلك القائل غفل عن دليل الإباحة فلم يخطر ~~له ، أو يكون لغلبة خوفه من الله تعالى وشفقته على إخوانه المؤمنين توهم ~~مؤاخذة ومعاقبة لأجل شرب الخمر المتقدم ، فرفع الله التوهم بقوله : ( ~~@QUR@09 ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ) الآية (2). # وقال الآلوسى : وقيل إن هذه الآية نزلت في القوم الذين حرموا على أنفسهم ~~اللحوم وسلكوا طريق الترهب كعثمان بن مظعون وغيره والأول هو المختار» (3). # وقوله تعالى ( @QUR@02 فيما طعموا ) أى : ذاقوا ، مأخوذ من الطعم بالفتح ~~وهو تذوق الشيء والتلذذ به ، سواء أكان مأكولا أم مشروبا وهو المراد هنا. # قال القرطبي : وأصل هذه الكلمة ms1789 في الأكل. يقال : طعم الطعام وشرب الشراب ~~لكن قد تجوز في ذلك فيقال : لم أطعم خبزا ولا ماء ولا نوما» (4). PageV04P286 # والمعنى : ( @QUR@07 ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ) أى : ~~حرج أو إثم ( @QUR@02 فيما طعموا ) أى فيما تناولوه من خمر أو ما يشبهها من ~~محرمات قبل أن يحرمها الله تعالى وكذلك لا إثم ولا حرج على من مات قبل ~~التحريم. # وقوله : ( @QUR@06 إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ) تحريض للمؤمنين ~~على الازدياد من الإيمان والتقوى والعمل الصالح. # أى : إذا ما اتقوا الله وخافوه وتلقوا أوامره بالقبول ، وثبتوا على ~~الإيمان ، وأكثروا من الأعمال الصالحات. # وقوله : ( @QUR@03 ثم اتقوا وآمنوا ) معطوف على ما قبله. # أى : ثم استمروا على تقواهم وامتلاء قلوبهم بخشية الله ، والإيمان الحق ~~به سبحانه فتكرير التقوى والإيمان هنا لبيان أنه يجب استمرارهم ومواظبتهم ~~على ذلك ، مع تمسكهم بما يقتضيه الإيمان والتقوى من فعل الخير وابتعاد عن الشر. # وقوله : ( @QUR@03 ثم اتقوا وأحسنوا ) معطوف على ما قبله أيضا لتأكيد ~~معنى الاستمرار على هذه التقوى طول مدة حياتهم مع إحسانهم إلى أنفسهم ~~بالإكثار من العمل الصالح ، وإلى غيرهم بما يستطيعونه من إسداء الخير إليه. # وقوله : ( @QUR@03 والله يحب المحسنين ) تذييل قصد به تأكيد ما قبله من ~~الحض على الإيمان والتقوى والإحسان ، ومدح المتمسكين بتلك الصفات الحميدة. # أى : والله تعالى يحب المحسنين إلى أنفسهم بإلزامها بالوقوف عند حدود ~~الله ، والاستجابة له فيما أمر أو نهى أو أحل أو حرم برغبة ومسارعة ، وإلى ~~غيرهم بمديد العون إليهم. # فالآية الكريمة من مقاصدها بيان جانب من مظاهر رحمة الله بعباده ، ورأفته ~~بهم ؛ حيث بين لهم : أن من شرب الخمر أو لعب الميسر أو فعل ما يشبههما من ~~محرمات ، ثم مات قبل أن ينزل الأمر بتحريم هذه الأشياء فإن الله تعالى لا ~~يؤاخذه على ذلك. لأن المؤاخذة على الفعل تبدأ من وقت تحريمه لا من قبل ~~تحريمه. # وكذلك الحال بالنسبة لمن وقع في هذه الأشياء قبل أن تحرم فإن الله لا ~~يؤاخذه عليها ، وإنما يؤاخذه عليها بعد نزول تحريمها وهذا من ms1790 فضل الله على ~~عباده ، ورحمته بهم. # هذا ، وقد تعددت أقوال المفسرين حول مسألتين تتعلقان بهذه الآية الكريمة. # أما المسألة الأولى فهي : كيف شرط الله في رفع الجناح أى الإثم عن ~~المطعومات والمشروبات الإيمان والتقوى ، مع أن الجناح مرفوع عن المباح من ~~هذه الأشياء حتى عن الكافرين؟ PageV04P287 # وقد قالوا في الإجابة عن ذلك : إن تعليق نفى الجناح أى الإثم بهذه ~~الأحوال ليس على سبيل اشتراطها ؛ فإن نفى الإثم عن الذي يتناول المباح قبل ~~أن يحرم لا يشترط بشرط ، وإنما تعليق نفى الجناح بهذه الأحوال وهي التقوى ~~والإيمان وارد على سبيل المدح لهم ، والثناء عليهم ؛ والدلالة على أنهم ~~جديرون بهذه الصفات ، ولإدخال الطمأنينة على قلوبهم حتى يوقنوا بأن من ~~تعاطى شيئا من المحرمات قبل تحريمها فلا يؤاخذه الله على ذلك ، وإنما ~~يؤاخذه إذا تعاطاها بعد تحريمها. # وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : «قيل لما نزل تحريم الخمر قالت ~~الصحابة : يا رسول الله!! كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ~~ويأكلون مال الميسر؟ فنزلت الآية ( @QUR@07 ليس على الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جناح ).. إلخ يعنى أن المؤمنين لا جناح عليهم في أى شيء طعموه من ~~المباحات إذا ما اتقوا المحارم ، ثم اتقوا وآمنوا وأحسنوا ، على معنى : أن ~~أولئك كانوا على هذه الصفة ثناء عليهم وحمدا لأحوالهم في الإيمان والتقوى ~~والإحسان. ومثاله أن يقال لك : هل على زيد جناح فيما فعل؟ فتقول : وقد علمت ~~أن ذلك أمر مباح : ليس على أحد جناح في المباح إذا اتقى المحارم ، وكان ~~مؤمنا محسنا. تريد : أن زيدا تقى مؤمن محسن ، وأنه غير مؤاخذ بما فعل» (1). # وقال أبو السعود ما ملخصه : ما عدا التقاء المحرمات من الصفات الجميلة ~~المذكورة ، لا دخل لها في انتفاء الجناح. وإنما ذكرت في حيز ( @QUR@01 إذا ~~) شهادة باتصاف الذين سألوا عن حالهم بها ، ومدحا لهم بذلك ، وحمدا ~~لأحوالهم. فكأنه قيل : ليس عليهم جناح فيما طعموه إذا كانوا في طاعته تعالى ~~: مع مالهم من الصفات الحميدة بحيث كلما أمروا بشيء تلقوه بالامتثال ، ~~وإنما كانوا يتعاطون الخمر ms1791 والميسر في حياتهم لعدم تحريمها إذ ذاك ، ولو ~~حرما في عصرهم لا لاتقوهما بالمرة» (2). # وأما المسألة الثانية التي كثرت أقوال المفسرين فيها فهي : تكرار التقوى ~~مرة مع الإيمان والعمل الصالح. ومرة مع الإيمان ومرة مع الإحسان؟ # وقد ذكر القرطبي في ذلك أربعة أقوال فقال : # الأول : أنه ليس في ذكر التقوى تكرار ، والمعنى : اتقوا شربها وآمنوا ~~بتحريمها ، أو دام اتقاؤهم وإيمانهم ، أو على معنى إضافة الإحسان إلى ~~الاتقاء. PageV04P288 # والثاني : اتقوا قبل التحريم في غيرها من المحرمات ، ثم اتقوا بعد ~~تحريمها شربها ، ثم اتقوا فيما بقي من أعمالهم وأحسنوا العمل. # الثالث : اتقوا الشرك وآمنوا بالله ورسوله ، والمعنى الثاني ثم اتقوا ~~الكبائر ، وازدادوا إيمانا ، والمعنى الثالث ، ثم اتقوا الصغائر وأحسنوا أى ~~تنفلوا. # الرابع : قال ابن جرير : الاتقاء الأول : هو الاتقاء بتلقى أمر الله ~~بالقبول والتصديق ، والدينونة به العمل. والاتقاء الثاني : الاتقاء بالثبات ~~على التصديق ، والثالث : الاتقاء بالإحسان والتقرب بالنوافل» (1). # والذي يبدو لنا أن ما قاله ابن جرير أقرب إلى الصواب ، وأن تكرير التقوى ~~إنما هو لتأكيد وجوب امتلاء قلب المؤمن بها ، واستمراره على ذلك حتى يلقى ~~الله. فإن المؤمن بمداومته على خشيته سبحانه يتدرج من الكمال إلى الأكمل ~~حتى يصل في إيمانه وتقواه إلى مرتبة الإحسان التي ترفعه إلى أعلى عليين ، ~~والتي عرفها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : «الإحسان أن تعبد الله كأنك ~~تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك». # ولقد بين لنا القرآن في مواطن كثيرة أن المؤمن يقوى إيمانه ويزداد ، ~~بكثرة تدبره ما أنزله الله من شرائع وهدايات. ومن ذلك قوله تعالى ( ~~@QUR@030 وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا ، فأما ~~الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم ~~رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ) (2). # وقال تعالى ( @QUR@021 وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم ~~إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا ~~إيمانا ) (3). # وبذلك نرى الآية الكريمة قد طمأنت المؤمنين إلى أن الله تعالى لن يؤاخذهم ~~بما تعاطوه ms1792 من محرمات قبل تحريمها. وأن الواجب عليهم أن يستمروا على ~~مراقبتهم له ، وخشيتهم منه حتى يلقوه عز وجل . # وبعد أن حذر الله تعالى المؤمنين من تعاطى المنكرات كالخمر والميسر وبين ~~لهم حكم من مات قبل تحريم هذه الأشياء بعد كل ذلك بين سبحانه بشيء من ~~التفصيل بعض الأحكام التي تتعلق بالصيد فقال تعالى : PageV04P289 # ( @QUR@024 يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله ~~أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب ~~أليم ) (94) # قال الآلوسى : هذه الآية كما خرج ابن أبى حاتم عن مقاتل بن حيان نزلت في ~~عمرة الحديبية ، حيث ابتلاهم الله تعالى بالصيد وهم محرمون ، فكانت الوحوش ~~تغشاهم في رحالهم ، وكانوا متمكنين من صيدها أخذا بأيديهم وطعنا برماحهم ~~فهموا بأخذها فنزلت (1). # وقوله : ( @QUR@01 ليبلونكم ) أى : ليختبرنكم وليمتحننكم من الابتلاء ~~بمعنى الاختبار والامتحان. ولفظ الصيد في قوله : ( @QUR@02 من الصيد ) مصدر ~~بمعنى المصيد أى : ما يصطادونه. # والمعنى : يا أيها الذين آمنوا ليختبرن الله سبحانه إيمانكم ومبلغ قوته ~~بأن يرسل إليكم وأنتم محرمون شيئا من الصيد الذي تحبونه ، بحيث يكون في ~~متناول أيديكم ورماحكم. # وقوله : ( @QUR@02 ليبلونكم الله ) جواب قسم محذوف والتقدير : والله ~~ليعاملنكم سبحانه معاملة المختبر ليتبين المطيع من العاصي. # وأكد سبحانه هذا الخبر بلام القسم ونون التوكيد للإشارة إلى أهمية هذا ~~الاختبار حتى يسارعوا إلى طاعته سبحانه وامتثال أمره. # والتنوين في قوله ( @QUR@01 بشيء ) للتقليل والتحقير. وإنما امتحنوا بهذا ~~الشيء الصغير ، تنبيها إلى أن من لم يثبت ويعصم نفسه عن ارتكاب هذه الأشياء ~~الصغيرة فإنه لن يثبت أمام التكاليف الكبيرة. # ويمكن أن يقال ، إن التنوين هنا للتعظيم باعتبار الجزاء الأليم المترتب ~~على الاعتداء على الصيد في حال الإحرام. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما معنى التقليل والتصغير في قوله : بشيء من الصيد؟ # قلت : قلل وصغر ليعلم أنه ليس بفتنة من الفتن العظام التي تدحض عندها ~~أقدام الثابتين كالابتلاء ببذل الأرواح والأموال وأنما هو شبيه بما ابتلى ~~به أهل أيلة من صيد السمك ، وأنهم إذا لم يثبتوا عنده فكيف ms1793 شأنهم عند ما هو ~~أشد منه» (2). PageV04P290 # وقوله : ( @QUR@06 بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ) هو موضع ~~الاختبار و ( @QUR@01 من ) في قوله ( @QUR@02 من الصيد ) لبيان الجنس. أو ~~التبعيض ، لأن المراد صيد البر دون البحر ، وصيد الإحرام دون صيد الإحلال. # ومعنى ( @QUR@03 تناله أيديكم ورماحكم ) تستطيع أيديكم أن تأخذ هذا الصيد ~~بسهولة ويسر إذا كان صغيرا وقريبا منكم ، وتستطيع رماحكم أن تناله إذا كان ~~كبيرا أو بعيدا بعدا نسبيا منكم. # وخص الأيدى والرماح بالذكر ، لأن معظم التصرفات التي تتعلق بالصيد تكون ~~بالأيدى ، ولأن معظم الآلات التي تستعمل في الصيد تكون الرماح. # وقوله : ( @QUR@05 ليعلم الله من يخافه بالغيب ) تعليل قصد به بيان ~~الحكمة من وراء الابتلاء والاختبار. # والمراد بالعلم في قوله : ( @QUR@02 ليعلم الله .. ) إظهار ما علمه أزلا ~~من أهل طاعته ومعصيته ، حتى يتميز الخبيث من الطيب. # والمعنى : اختبرناكم أيها المؤمنون بنوع من البلايا وهو تحريم صيد البر ~~صغارا وكبارا وأنتم محرمون أو في الحرم ، ليظهر ما علمه أزلا سبحانه من أهل ~~طاعته ومعصيته ، وبذلك يتميز للناس الخبيث من الطيب ، ويعرف الشخص الذي ~~يخاف الله ويراقبه مع أنه لم ير الله سبحانه من الشخص الذي لا يخافه ~~بالغيب. # قال الجمل : وقوله ( @QUR@01 بالغيب ) حال من فاعل يخافه ، أى : يخاف ~~الله حالة كونه غائبا عن الله ومعنى كون العبد غائبا عن الله ، أنه لم ير ~~الله تعالى. # أو حال من المفعول. أى : يخاف الله حال كونه تعالى ملتبسا بالغيب عن ~~العبد ، أى غير مرئى له (1). # وقوله : ( @QUR@07 فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ) بيان لسوء عاقبة ~~المخالف لأوامر الله ، والمتجاوز لحدوده. # واسم الإشارة ( @QUR@01 ذلك ) يعود إلى ما بينه سبحانه لعباده من أحكام. # والمعنى : لقد اختبرناكم أيها المؤمنون بما اختبرناكم به ، ليتميز قوى ~~الإيمان من ضعيفه ، فمن تعدى منكم حدود الله بعد هذا البيان والإعلام ، فله ~~عذاب شديد الآلام عظيم الإهانة ، لأن التعدي بعد الإنذار ، دليل على عدم ~~المبالاة بأوامر الله ومن لم يبال بأوامر الله ساءت عاقبته وقبح مصيره. هذا ~~، ولقد نجحت الأمة الإسلامية وخصوصا سلفها الصالح في ms1794 هذا الاختبار فقد PageV04P291 # تجنب أبناؤها وهم محرمون أو في الحرم مصيد البر مهما أغراهم قربه منهم ، ~~وحبهم له على صيده والانتفاع به. # بينما أخفق بنو إسرائيل فيما يشبه هذا الاختبار ؛ فقد نهاهم الله تعالى ~~عن الصيد في يوم السبت ، فكانت الأسماك تظهر لهم في هذا اليوم امتحانا من ~~الله لهم ، فما كان منهم إلا أن تحايلوا على صيدها ، بأن حبسوها في يوم ~~السبت ليصيدوها في غيره .. فاستحقوا من الله اللعنة والمسخ واستحقت الأمة ~~الإسلامية أن تكون خير أمة أخرجت للناس. # ثم نهى سبحانه المؤمنين نهيا صريحا عن قتل الصيد وهم حرم وبين ما يجب على ~~القاتل. وكرر تحذيره وتهديده لمن يتعدى حدوده فقال تعالى : # ( @QUR@051 يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم ~~متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة ~~أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ~~ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام ) (95) # قال القرطبي : قوله تعالى ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا ) خطاب عام لكل ~~مسلم ، وهذا النهى هو الابتلاء المذكور في قوله تعالى ( @QUR@09 يا أيها ~~الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد ).. الآية وروى أن أبا اليسر ~~واسمه عمرو بن مالك الأنصارى كان محرما عام الحديبية بعمرة فقتل حمار وحش ~~فنزلت هذه الآية (1). # والمراد بالصيد هنا المصيد ، لأنه هو الذي يقع عليه القتل. # وقوله ( @QUR@01 حرم ) جمع حرام. وهذا اللفظ يتناول المحرم بالحج أو ~~بالعمرة أو بهما وإن كان في الحل ، كما يتناول من كان في الحرم وإن كان حلالا. # قال ابن جرير : والحرم جمع حرام ، يقال : هذا رجل حرام ، وهذه امرأة حرام ~~، فإذا قيل محرم ، قيل للمرأة محرمة والإحرام : هو الدخول فيه. يقال : أحرم ~~القوم : إذا دخلوا في الشهر الحرام أو في الحرم ، فتأويل الكلام : لا ~~تقتلوا الصيد وأنتم محرمون» (2). PageV04P292 # والصيد المنهي عن قتله هنا : صيد البر ، لأن صيد البحر قد أحله الله بعد ~~ذلك بقوله : ( @QUR@05 أحل لكم ms1795 صيد البحر وطعامه ) الآية. # والنهى كما يتناول قتل صيد البر بإزهاق روحه بأى طريق من طرق الإزهاق ، ~~يتناول أيضا قتله بطريق التسبب كالإشارة إليه مثلا. ويتناول كذلك حظر الصيد ~~نفسه ، لقوله تعالى في مطلع هذه السورة : ( @QUR@019 يا أيها الذين آمنوا ~~أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد ~~وأنتم حرم ). # ولقوله تعالى بعد هذه الآية التي معنا : ( @QUR@015 أحل لكم صيد البحر ~~وطعامه متاعا لكم وللسيارة ، وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ). # فالنهي في قوله تعالى ( @QUR@05 لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ) يتناول ~~القتل عن طريق المباشرة أو التسبب كما يتناول أى عمل يؤدى إلى صيد الحيوان. # وإنما كان النهى في الآية منصبا على القتل ، لأنه هو المقصود الأعظم من ~~وراء مباشرة عملية الصيد إذ الصائد يريد قتل المصيد لكي يأكله في الغالب. # هذا ، وقد اختلف الفقهاء في المصيد الذي يحرم صيده على المحرم. # فذهب بعضهم إلى أن المراد به ما يصاد مطلقا سواء أكان مأكولا أم غير ~~مأكول ولا يستثنى من ذلك إلا ما جاء النص باستثنائه ، وذلك لأن الصيد اسم ~~عام يتناول كل ما يصاد من المأكول ومن غير المأكول. # وبهذا الرأى قال الأحناف ومن وافقهم من الفقهاء. # ويرى الشافعية أن المراد به المأكول فقط ، لأن الصيد إنما يطلق على ما ~~يحل أكله فحسب. # وقد انبنى على هذا الخلاف أن من قتل وهو محرم سبعا ، فالأحناف يرون أنه ~~يجب عليه الجزاء الذي فصلته الآية. والشافعية يرون أنه لا يجب عليه ذلك. # قال الإمام ابن كثير : قوله تعالى ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا لا ~~تقتلوا الصيد وأنتم حرم ). # هذا تحريم منه تعالى لقتل الصيد في حال الإحرام ، ونهى عن تعاطيه فيه. ~~وهذا إنما يتناول من حيث المعنى المأكول ولو ما تولد منه ومن غيره ، فأما ~~غير المأكول من حيوانات البر ، فعند الشافعى يجوز قتلها ، والجمهور على ~~تحريم قتلها أيضا ولا يستثنى من ذلك إلا ما ثبت في الصحيحين عن عائشة أن ~~رسول الله صلى الله عليه ms1796 وسلم قال : خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم : الغراب ~~والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور» وفي رواية الحية بدل العقرب ومن ~~العلماء PageV04P293 # كمالك وأحمد من ألحق بالكلب العقور : الذئب والسبع والنمر والفهد ، لأنها ~~أشد ضررا منه» (1). # وقوله : ( @QUR@010 ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم ) ~~بيان لما يجب على المحرم في حال قتله للصيد. # قال الآلوسى ما ملخصه : والمعنى : ( @QUR@02 ومن قتله ) كائنا ( @QUR@01 ~~منكم ) حال كونه ( @QUR@01 متعمدا ) أى : ذاكرا لإحرامه عالما بحرمة قتل ما ~~يقتله ، ومثله من قتله خطأ. # والفاء في قوله ( @QUR@06 فجزاء مثل ما قتل من النعم ) جزائية إذا ~~اعتبرنا ( @QUR@01 من ) شرطية وهو الظاهر ، وإذا اعتبرناها موصولة تكون ~~زائدة لشبه المبتدأ بالشرط. # وقوله : ( @QUR@01 فجزاء ) بالرفع والتنوين مبتدأ ، و ( @QUR@01 مثل ) ~~مرفوع على أنه صفته ، والخبر محذوف. أى : فعليه جزاء مماثل لما قتله ، ~~وبهذا قرأ الكوفيون ويعقوب. وقرأ باقى السبعة برفع جزاء بدون تنوين ويجر ~~«مثل» بالإضافة. # وقد خرجت هذه القراءة بتخريجات منها : أن تعتبر الإضافة بيانية أى : جزاء ~~هو مثل ما قتل (2). # وظاهر الآية يفيد ترتيب الجزاء على القتل العمد ، إلا أنهم اختلفوا هنا ~~على أقوال ذكرها القرطبي فقال ما ملخصه : # قوله تعالى : ( @QUR@010 ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم ~~) ذكر سبحانه المتعمد ولم يذكر المخطئ ولا الناسي ، والمتعمد هنا هو القاصد ~~للشيء مع العلم بالإحرام. والمخطئ هو الذي يقصد شيئا فيصيب صيدا. والناسي ~~هو الذي يتعمد الصيد ولا يذكر إحرامه. واختلف العلماء في ذلك على خمسة ~~أقوال : # الأول : ما أسنده الدارقطني عن ابن عباس قال : إنما التكفير في العمد ، ~~وإنما غلظوا في الخطأ لئلا يعودوا. # الثاني : أن قوله ( @QUR@01 متعمدا ) خرج على الغالب ، فألحق به النادر ~~كأصول الشريعة. # الثالث : أنه لا شيء على المخطئ والناسي وبه قال الطبري وأحمد في إحدى ~~روايته وطاوس وداود وأبو ثور .. PageV04P294 # الرابع : أنه يحكم عليه في العمد والخطأ والنسيان ، وبه قال مالك ~~والشافعى وأبو حنيفة وأصحابهم. # قال الزهري : وجب الجزاء في العمد بالقرآن ، وفي الخطأ والنسيان بالسنة. ~~فقد سئل النبي صلى الله ms1797 عليه وسلم عن الضبع فقال : «هي صيد» وجعل فيها إذا ~~أصابها المحرم كبشا ، ولم يقل عمدا ولا خطأ. # الخامس : أن يقتله متعمدا لقتله ناسيا لإحرامه وهو قول مجاهد ، لقوله ~~تعالى بعد ذلك ( @QUR@05 ومن عاد فينتقم الله منه ) قال : ولو كان ذاكرا ~~لإحرامه لوجبت عليه العقوبة لأول مرة. قال : فدل على أنه أراد متعمدا لقتله ~~ناسيا لإحرامه» (1). # ويبدو لنا أن القول الرابع الذي قال به الأئمة أبو حنيفة والشافعى ، ~~ومالك أقرب إلى الصواب ، لأن تخصيص العمد بالذكر في الآية ، لأجل أن يرتب ~~عليه الانتقام عند العود ، لأن العمد هو الذي يترتب عليه ذلك دون الخطأ ، ~~ولأن جزاء الخطأ معروف من الأدلة التي قررت التسوية في ضمان المتلفات ، إذ ~~من المعروف أن من قتل صيد إنسان عمدا أو خطأ في غير الحرم فعليه جزاؤه ، ~~فهذا حكم عام في جميع المتلفات ومادام الأمر كذلك كان الجزاء ثابتا على ~~المحرم متى قتل الصيد سواء أكان قتله له عمدا أم خطأ. # وقد اختلف العلماء أيضا في المراد بالمثل في قوله تعالى ( @QUR@010 ومن ~~قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم ). # فجمهور الفقهاء يرون أن المراد بالمثل النظير. أى أن الجزاء يكون ~~بالمماثلة بين الصيد المقتول وبين حيوان يقاربه في الحجم والمنظر من النعم ~~وهي الإبل والبقر والغنم. # ومن حججهم أن الله أوجب مثل المصيد المقتول مقيدا بكونه من النعم ، فلا ~~بد أن يكون الجزاء مثلا من النعم ، وعليه فلا تصح القيمة لأنها ليست من النعم. # قال ابن كثير : وفي قوله تعالى : ( @QUR@06 فجزاء مثل ما قتل من النعم ) ~~دليل لما ذهب إليه مالك والشافعى وأحمد من وجوب الجزاء من مثل ما قتله ~~المحرم إذا كان له مثل من الحيوان الإنسى ، خلافا لأبى حنيفة حيث أوجب ~~القيمة سواء أكان الصيد المقتول مثليا أم غير مثلي. قال : وهو مخير إن شاء ~~تصدق بثمنه. وإن شاء اشترى به هديا. # والذي حكم به الصحابة في المثل أولى بالاتباع ، فإنهم حكموا في النعامة ~~ببدنه ، وفي بقرة PageV04P295 # الوحش ببقرة ، وفي الغزال ms1798 بعنز. وأما إذا لم يكن الصيد مثليا فقد حكم ابن ~~عباس فيه بثمن يحمل إلى مكة» (1). # ثم بين سبحانه بعد ذلك طريق معرفة الجزاء ، ومآله ، وأنواعه ، فقال تعالى ~~( @QUR@016 يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة ، أو كفارة طعام مساكين ~~أو عدل ذلك صياما ). # والضمير في قوله ( @QUR@01 به ) يعود على الجزاء المماثل للمصيد المقتول. # وقوله : ( @QUR@01 هديا ) حال من جزاء ، أو منصوب على المصدرية. أى يهديه هديا. # والهدى : اسم لما يذبح في الحج لإهدائه إلى فقراء مكة. # وقوله ( @QUR@02 بالغ الكعبة ) صفة لقوله ( @QUR@01 هديا ) لأنه إضافته لفظية. # وقوله : ( @QUR@02 أو كفارة ) معطوف على جزاء. وأو للتخيير ، وكذلك في ~~قوله ( @QUR@04 أو عدل ذلك صياما ). # والعدل بالفتح ما عادل الشيء من غير جنسه. وأما بالكسر فما عادله من ~~جنسه. وقيل هما سيان ومعناهما المثل مطلقا. # والمعنى الإجمالى للآية الكريمة : يا أيها الذين آمنوا بالله إيمانا حقا ~~، لا تقتلوا الصيد وأنتم محرمون ، ومن قتل منكم الصيد وهو بهذه الصفة فعليه ~~جزاء من النعم مماثل الصيد المقتول ومقارب له في الخلقة والمنظر ، أو في ~~القيمة ، وهذا الجزاء المماثل للصيد المقتول يحكم به رجلان منكم تتوافر ~~فيهما العدالة والخبرة حتى يكون حكمهما أقرب إلى الحق والصواب ، ويكون هذا ~~الجزاء الواجب على قاتل الصيد ( @QUR@03 هديا بالغ الكعبة ) أى : يصل إلى ~~الحرم فيذبح فيه ويتصدق به على مساكينه ، أو يكون على قاتل الصيد ( @QUR@01 ~~كفارة ) هي ( @QUR@02 طعام مساكين ) بأن يطعمهم من غالب قوت البلد ما يساوى ~~قيمة هذا الجزاء المماثل للصيد المقتول بحيث يعطى لكل مسكين نصف صاغ من بر ~~أو صاعا من غيره ، أو يكون عليه ما يعادل هذا الطعام صياما ، بأن يصوم عن ~~طعام كل مسكين يوما ، وما قل عن طعام المسكين يصوم عنه يوما كاملا. # وإذا لم يجد للصيد المقتول مماثلا كالعصفور وما يشبهه فعليه قيمته ، ~~يشترى بها طعاما لكل مسكين مد ، أو يصوم عن كل مد يوما. # وبهذا نرى أن المحرم إذا قتل الصيد فعليه جزاء من النعم مماثل للصيد ~~المقتول في الخلقة والمنظر أو عليه ما ms1799 يساوى قيمة هذا الجزاء طعاما ، أو ~~عليه ما يعادل هذا الطعام صياما. وهذا ما يقول به جمهور الفقهاء. PageV04P296 # أما أبو حنيفة فيرى كما سبق أن أشرنا أن المماثلة إنما تعتبر ابتداء بحسب ~~القيمة ، فيقوم الصيد المقتول من حيث هو ، فإن بلغت قيمته قيمة هدى يخير ~~الجاني بين أن يشترى بها هديا يهدى إلى الكعبة ويذبح في الحرم ويتصدق بلحمه ~~على الفقراء ، وبين أن يشترى بها طعاما للمساكين ، وبين أن يصوم عن طعام كل ~~مسكين يوما. # والمراد من الكعبة هنا الحرم ؛ وإنما خصت بالذكر تعظيما لها. # قال بعض العلماء : ولا شك أن التخيير هنا ليس على حقيقته ، إنما هو ترتيب ~~مراتب على حسب القدرة على كل رتبة ، فالأصل بلا ريب شراء هدى وذبحه في ~~الحرم ، فإن تعذر ذلك كان الطعام ، فإن تعذر كان الصيام. # هذا هو الظاهر عند الحنفية. وروى عنهم أنهم قالوا بالتخيير إذا عرفت ~~القيمة بين الذبح عند الكعبة وبين إطعام المساكين ، وبين الصوم. # وعندي أن الترتيب حسب القدرة أوضح وذلك هو رأى أحمد وزفر. # والمذاهب الأخرى تلتقي في الجملة مع المذهب الحنفي بيد أنها تعتبر ~~المماثلة في الأوصاف. # وعندي أن المذهب الحنفي أوضح وأسهل تطبيقا ، وأدق في تعرف المثل وقد ~~اضطروا إليه عند استبدال الطعام بالذبح ، إذ لا يعرف مقدار الطعام إلا ~~بمعرفة القيمة» (1). # هذا ، وقوله تعالى ( @QUR@03 ليذوق وبال أمره ) تعليل لإيجاب الجزاء ~~السابق على المحرم القاتل للصيد عن تعمد. # وقوله ( @QUR@01 ليذوق ) من الذوق وهو إدراك المطعومات باللسان لمعرفة ما ~~فيها من حلاوة أو مرارة أو غير ذلك. والمراد به هنا : إدراك ألم العذاب على ~~سبيل الاستعارة. # والوبال في الأصل : الثقل والشدة والوخامة. ومنه طعام وبيل إذا كان ثقيلا ~~على المعدة. ومرعى وبيل وهو الذي يتأذى به بعد أكله. # والمراد به هنا : سوء عاقبة فعله. # والمعنى : شرعنا ما شرعنا من جزاء على المحرم في حالة قتله للصيد ، ليدرك ~~سوء عاقبة قتله وفعله السيئ ، وليعلم أن مخالفته لأمر الله تؤدى إلى ~~الخسارة في الدنيا والآخرة. # قال الإمام الرازي : وإنما ms1800 سمى الله تعالى ذلك وبالا ، لأنه خيره بين ~~ثلاثة أشياء : اثنان منها توجب تنقيص المال وهو ثقيل على الطبع وهما : ~~الجزاء بالمثل والإطعام. والثالث : PageV04P297 # يوجب إيلام البدن وهو الصوم ، وذلك أيضا ثقيل على الطبع. # والمعنى أنه تعالى أوجب على قاتل الصيد أحد هذه الأشياء التي كل واحد ~~منها ثقيل على الطبع حتى يحترز عن قتل الصيد في الحرم وفي حال الإحرام» (1). # وقوله : ( @QUR@04 عفا الله عما سلف ) بيان لمظهر من مظاهر رحمة الله ~~بعباده ولطفه بهم ، لأنه سبحانه لم يؤاخذهم على قتلهم للصيد وهم محرمون قبل ~~تحريمها والنهى عنها. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بتهديد شديد لمن تتكرر منه المخالفة لأوامر ~~الله ونواهيه فقال : ( @QUR@09 ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو ~~انتقام ). # أى : ومن عاد وهو محرم إلى قتل الصيد بعد ورود النهى عن ذلك فإن الله ~~تعالى ينتقم منه ويعاقبه عقابا شديدا فهو سبحانه العزيز الذي لا يغالب ولا ~~يقاوم ، المنتقم الذي لا يدفع انتقامه بأى وسيلة من الوسائل. # هذا وجمهور العلماء على أن المحرم يتكرر الجزاء عليه في قتل الصيد بتكرر ~~القتل وأن عقوبة الآخرة وهي انتقام الله من الجاني لا تمنع وجوب الجزاء ~~عليه في الدنيا. # قال ابن كثير. ثم الجمهور من السلف والخلف على أنه متى قتل المحرم الصيد ~~وجب الجزاء ولا فرق بين الأولى والثانية والثالثة وإن تكرر ما تكرر سواء ~~الخطأ في ذلك والعمد. # وقال على بن طلحة عن ابن عباس قال : من قتل شيئا من الصيد خطأ وهو محرم ~~يحكم عليه فيه كلما قتله. فإن قتله عمدا يحكم عليه فيه مرة واحدة. فإن عاد ~~يقال له ينتقم الله منك» (2). # وبذلك نرى الآية الكريمة قد حذرت المؤمنين من التعرض للصيد في حالة ~~إحرامهم ، وبينت الجزاء المترتب على من يفعل ذلك ، وهددت من يستهين بحدود ~~الله بالعذاب الشديد. # ثم بين سبحانه ما أحله للمحرم وما حرمه عليه مما يتعلق بالصيد فقال تعالى : # ( @QUR@020 أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد ~~البر ما ms1801 دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون ) (96) PageV04P298 # والمراد بصيد البحر : ما توالده ومثواه في الماء. والمراد بالبحر : ما ~~يشمل جميع المياه العذبة والملحة سواء أكانت أنهارا أم غدرانا أم غيرهما. # والمراد بالصيد : الاصطياد أو ما يصاد منه. # والمراد بطعامه : ما يطعم من صيده. وهو عطف على ( @QUR@01 صيد ) من عطف ~~الخاص على العام ، ويكون الحل الواقع على الصيد المقصود به حل الانتفاع ~~مطلقا ثم عطف عليه ما يفيد حل الأكل خاصة من باب إظهار الامتنان بالإنعام ~~بما هو قوام الحياة وهو الأكل ؛ فإن صيد البحر قد يقصد لمنافع أخرى غير ~~الأكل ، كالانتفاع بزيت بعض أنواع المصيد منه. # ويرى ابن أبى ليلى أن المراد بالصيد والطعام المعنى المصدري ، وقدر مضافا ~~في صيد البحر ، وجعل الضمير في ( @QUR@01 طعامه ) يعود إليه لا إلى البحر ، ~~فيكون المعنى : # أحل لكم صيد حيوان البحر كما أحل لكم أن تأكلوا ما صدتموه منه. فهو يرى ~~حل الأكل من جميع حيوانات البحر. # وقيل : بل المراد بصيد البحر ما أخذ بحيلة ، وبطعامه ما ألقاه البحر من ~~حيواناته أو انحسر عنه الماء وأخذه الآخذ من غير حيلة أو معالجة. # وقوله : ( @QUR@01 متاعا ) مفعول لأجله. # وقوله : ( @QUR@01 وللسيارة ) متعلق بأحل. وهو جمع سيار باعتبار الجماعة. # والمراد بالسيارة : القوم المسافرون. # والمعنى : أحل الله لكم أيها المحرمون صيد البحر كما أحل لكم أكل ما يؤكل ~~منه ، لأجل تمتعكم وانتفاعكم بذلك في حال إقامتكم وفي حال سفركم فأنتم ~~تتمتعون بهذه النعم مقيمين ومسافرين ، وذلك يقتضى منكم الشكر لله لكي ~~يزيدكم من هذه النعم. # قال ابن كثير ما ملخصه : وقد استدل الجمهور على حل ميتة البحر بهذه الآية ~~وبما أخرجه الشيخان عن جابر قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا قبل ~~الساحل ، فأمر عليهم أبا عبيدة وهم ثلاثمائة قال : وأنا فيهم قال فخرجنا ~~حتى إذا كنا ببعض الطريق فنى الزاد. قال : ثم انتهينا إلى البحر فإذا حوت ~~كبير. فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة. فلما قدمنا المدينة أتينا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ms1802 ذلك له فقال : هو رزق أخرجه الله لكم. هل معكم ~~من لحمه شيء فتطعمونا؟ قال : فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه ~~فأكله». # وأخرج الإمام أحمد وأهل السنن ومالك والشافعى عن أبى هريرة : أن رجلا سأل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله!! إنا نركب البحر ونحمل ~~معنا القليل من الماء. فإن توضأنا به عطشنا PageV04P299 # أنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «هو الطهور ماؤه ~~الحل ميتته». # وعن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أحلت لنا ميتتان ~~ودمان ؛ فأما الميتتان : فالحوت والجراد ، وأما الدمان : فالكبد والطحال». # رواه الشافعى وأحمد وابن ماجة والدارقطني والبيهقي وله شواهد. # وقد احتج بهذه الآية أيضا من ذهب من الفقهاء إلى أنه تؤكل دواب البحر ولم ~~يستثن من ذلك شيئا. وقد استثنى بعضهم الضفادع وأباح ما سواها. # وقال أبو حنيفة : لا يؤكل ما مات في البحر كما لا يؤكل ما مات في البر ~~لعموم قوله تعالى : ( @QUR@03 حرمت عليكم الميتة ) (1). # ثم أكد سبحانه حرمة صيد البر للمحرمين فقال. ( @QUR@07 وحرم عليكم صيد ~~البر ما دمتم حرما ) والمراد بصيد البر : ما كان توالده ومأواه في البر مما ~~هو متوحش بأصل خلقته. # وبعض الفقهاء يرى أن التحريم هنا منصب على الفعل ، وعليه فالآية إنما تدل ~~على حرمة الاصطياد فقط ، وأما الأكل منه أى من الصيد بأن يصيده حلال فلا ~~تدل عليه الآية. # وبعضهم يرى أن التحريم هنا منصب على ذات الصيد. وعليه فتكون الآية تقتضي ~~تحريم جميع وجوه الانتفاع بالصيد إلا ما يخرجه الدليل. # وقد بسط القرطبي الكلام في هذه المسألة فقال ما ملخصه : قوله تعالى ( ~~@QUR@07 وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ) التحريم ليس صفة للأعيان وإنما ~~يتعلق بالأفعال فمعنى قوله : ( @QUR@04 وحرم عليكم صيد البر ) أى فعل الصيد ~~وهو المنع من الاصطياد. # أو يكون الصيد بمعنى المصيد وهو الأظهر لإجماع العلماء أنه لا يجوز ~~للمحرم قبول صيد وهب له ، ولا يجوز له شراؤه ، ولا اصطياده ، ولا استحداث ms1803 ~~ملكه بوجه من الوجوه. # وقد اختلف العلماء فيما يأكله المحرم من الصيد ، فقال مالك والشافعى ~~وأحمد. إنه لا بأس بأكل المحرم الصيد إذا لم يصد له ولا من أجله ، لما رواه ~~الترمذي والنسائي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «صيد البر لكم ~~حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم» وقال أبو حنيفة : أكل الصيد للمحرم جائز على ~~كل حال إذا اصطاده الحلال سواء صيد من أجله أو لم يصد لظاهر قوله تعالى ( ~~@QUR@05 لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ) فحرم صيده وقتله على المحرمين دون ما ~~صاده غيرهم. PageV04P300 # وروى عن على بن أبى طالب وابن عباس وابن عمر أنه لا يجوز للمحرم أكل صيد ~~على حال من الأحوال سواء صيد من أجله أو لم يصد. لحديث الصعب بن جثامة ~~الليثي ، أنه أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا وهو بالأبواء ~~فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فلما أن رأى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ما في وجهى قال : «إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم» خرجه ~~الأثمة واللفظ لمالك (1). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بالدعوة إلى خشيته وتقواه وبالتذكير بالحشر ~~وما فيه من حساب وعقاب فقال : ( @QUR@05 واتقوا الله الذي إليه تحشرون ). # أى : واتقوا الله في كل أحوالكم ، وقفوا عند حدوده فلا تتجاوزوها ، ~~واعلموا أن مرجعكم وحشركم إليه وحده ، وسيجازيكم على أعمالكم التي عملتموها ~~في دنياكم. # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أحلت للمحرم صيد البحر فضلا من الله ورحمة ؛ ~~لأن البحر بعيد عن الحرم ، والمحرم قد يحرم في منطقة قد تكون فيها بحار ~~فتحريم صيد البحر عليه قد يؤدى إلى تعبه وإجهاده دون أن تكون هناك فائدة ~~تعود على سكان الحرم. # أما الحكمة من وراء تحريم الصيد البرى على المحرمين فمنها : أن البيت ~~الحرام بواد غير زرع ، وسكان هذه المنطقة من وسائل حياتهم الصيد ، فلو أبيح ~~الصيد للمحرمين القادمين لزيارة البيت من كل فج عميق .. لأدى ذلك إلى قتل ~~الكثير من الصيد البرى ms1804 الذي هو مصدر انتفاع للقاطنين في تلك المناطق. وفضلا ~~عن كل ذلك ففي تحريم الصيد البرى الذي يعيش في مناطق الحرم ، تكريم لهذه ~~المناطق ، وتشريف لها ، وإعلاء لشأنها ومكانتها. فهي أماكن الأمان ~~والاطمئنان والسلام. لا للبشر وحدهم ، بل للبشر ولغير البشر من مخلوقات ~~الله التي نهت شريعته عن التعرض لها بسوء. # وبعد هذا النهى الشديد للمحرمين عن صيد البر وهم على هذه الحالة بين ~~سبحانه المنزلة السامية للكعبة التي هي أشرف مكان ، وأصلحه لأمان الناس ~~واطمئنانهم كما بين سبحانه مكانة الأشهر الحرم وما يقدم فيها من خيرات ~~لسكان الحرم فقال تعالى : # ( @QUR@025 جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام ~~والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن ~~الله بكل PageV04P301 # @QUR@02 شيء عليم (97) @QUR@09 اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور ~~رحيم (98) @QUR@011 ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما ~~تكتمون (99) @QUR@016 قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث ~~فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون ) (100) # قال الفخر الرازي : «اعلم أن اتصال هذه الآية ( @QUR@03 جعل الله الكعبة ~~) بما قبلها هو ان الله تعالى حرم في الآية المتقدمة الاصطياد على المحرم. ~~فبين أن الحرم كما أنه سبب لأمن الوحش والطير. فكذلك هو سبب لأمن الناس عن ~~الآفات والمخافات ، وسبب لحصول الخيرات والسعادات في الدنيا والآخرة» (1). # والكعبة في اللغة : البيت المكعب أى المربع. وقيل المرتفع. # قال القرطبي : وقد سميت الكعبة كعبة ، لأنها مربعة .. وقيل : إنما سميت ~~كعبة لنتوئها وبروزها ، فكل ناتئ بارز كعب ، ومنه كعب القدم وكعوب الفتاة ، ~~وكعب ثدي المرأة إذا ظهر في صدرها» (2). # وجعل هنا يحتمل أن تكون بمعنى فيتعدى لاثنين أو لهما الكعبة وثانيهما ~~قياما ويحتمل أن يكون بمعنى خلق أو شرع فيتعدى لواحد وهو الكعبة ويكون قوله ~~: ( @QUR@01 قياما ) حال من البيت الحرام. # والبيت الحرام : بدل من الكعبة أو عطف بيان جيء به على سبيل المدح ~~والتعظيم ووصف بالحرام إيذانا بحرمته وإشعارا بشرفه ، حيث حرم سبحانه القتل ~~فيه ، وجعله مكان أمان ms1805 الناس واطمئنانهم. # وقوله ( @QUR@01 قياما ) أصله قواما فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. # والقيام والقوام ما به صلاح الشيء ، كما يقال : الملك العادل قوام رعيته. ~~لأنه يدبر أمرهم PageV04P302 # ويردع ظالمهم ، ويحجز قويهم عن ضعيفهم ، ومسيئهم عن محسنهم. # والمراد بالشهر الحرام : الأشهر الحرم على إرادة الجنس وهي : ذو القعدة ~~وذو الحجة والمحرم ورجب. # وقيل المراد به شهر ذي الحجة فحسب ، لأنه هو الذي تؤدى فيه فريضة الحج ، ~~فالتعريف للعهد وليس للجنس. # والهدى : اسم لما يهدى إلى الحرم من حيوان ليتقرب بذبحه إلى الله تعالى ~~وهو جمع هدية بسكون الدال والقلائد جمع قلادة وهي ما يقلد به الهدى ليعلم ~~أنه مهدى إلى البيت الحرام فلا يتعرض له أحد بسوء. # فالمراد بالقلائد هنا الحيوانات ذوات القلائد التي تساق إلى الحرم لذبحها ~~فيه ، فيكون ذكر القلائد بعد الهدى من باب التخصيص بالذكر على سبيل ~~الاهتمام بشأنها ، لأن الثواب فيها أكثر. # وقيل المراد بها : ما كان يفعله بعض الناس من وضع قلادة من شعر أو من ~~غيره في أعناقهم عند ما يحرمون حتى لا يتعرض لهم أحد بسوء. # وقوله : ( @QUR@04 والشهر الحرام والهدي والقلائد ) معطوف على ما قبله ~~وهو الكعبة. # والمعنى : اقتضت حكمة الله تعالى ورحمته بعباده أن يصير الكعبة التي هي ~~البيت الحرام ( @QUR@02 قياما للناس ) أى به قوامهم في إصلاح أمورهم دينا ~~ودنيا ، وكذلك جعل الأشهر الحرم والهدى وخصوصا ما يقلد منه قياما للناس أيضا. # وذلك لأن البيت الحرام الذي يأتى الناس إليه من كل فج عميق ، يجدون في ~~رحابه ما يقوى إيمانهم ، ويرفع درجاتهم ، ويغسل سيئاتهم ، ويصلح من شئون ~~دنياهم عن طريق تبادل المنافع ، وبذل الأموال ، والشعور بالأمان والاطمئنان ~~، وتوثيق الصلات الدينية والدنيوية التي ترضى الله تعالى ، وتجعلهم أهلا ~~لفضله ورحمته. # ولأن الأشهر الحرم تأتى للناس فتجعلهم يمتنعون عن القتال فيها ، فتهدأ ~~نفوسهم ، ويحصل التالف والتزاور بعد التدابر والتقاطع والتعادي ولأن الهدى ~~والقلائد التي يسوقها المحرمون إلى الحرم لذبحها فيها ما فيها من التوسعة ~~على الفقراء. وإشاعة روح المحبة والتسامح والإخاء. # ورحم الله الإمام القرطبي ms1806 حيث يقول : «والحكمة في جعل الله تعالى هذه ~~الأشياء قياما للناس ، أن الله سبحانه خلق الخلق على سليقة الآدمية من ~~التحاسد والتقاطع والسلب PageV04P303 # والغارة. فلم يكن بد في الحكمة الإلهية من وازع يزعهم أى يزجرهم عن ~~التنازع ، ويحملهم على التآلف ، ويرد الظالم عن المظلوم ، فقد روى مالك أن ~~عثمان بن عفان كان يقول : ما يزع الإمام أكثر مما يزع القرآن». # فجعل سبحانه الخليفة في الأرض حتى لا يكون الناس فوضى ، وعظم في قلوبهم ~~البيت الحرام ، وأوقع في نفوسهم هيبته ، فكان من لجأ إليه معصوما به ، وكان ~~من اضطهد محميا بالكون فيه. # ولما كان لهذا البيت موضع مخصوص ومكان معين لا يدركه كل مظلوم ، فقد جعل ~~سبحانه الأشهر الحرم ملجأ آخر. وقرر في قلوبهم حرمتها ، فكانوا لا يروعون ~~فيها سربا أى نفسا ولا يطلبون فيها دما ، حتى كان الرجل يلقى قاتل أبيه ~~وابنه وأخيه فلا يؤذيه. ثم شرع لهم الهدى والقلائد ، فكانوا إذا أخذوا ~~بعيرا وأشعروه دما ، أو علقوا عليه قلادة أو فعل ذلك الرجل بنفسه. لم يروعه ~~أحد حيث لقيه» (1). # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@011 ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في ~~السماوات وما في الأرض ). # يعود على الجعل المذكور الذي هو تصيير البيت الحرام وما عطف عليه قياما ~~للناس ، أى ؛ صلاحا لأحوالهم الدينية والدنيوية. # والمعنى : فعل الله تعالى ذلك لتعلموا أنه سبحانه يعلم علما تاما شاملا ~~ما في السموات وما في الأرض ، ولتوقنوا بأنه يعلم طبائع البشر وحاجاتهم ~~ومكنونات نفوسهم ، وهتاف أرواحهم. لأن تشريع هذه الشرائع المستتبعة لدفع ~~المضار ولجلب المصالح الدينية والدنيوية دليل على أنه سبحانه يعلم ما في ~~السموات وما في الأرض. وعلى أنه بكل شيء عليم دون أن تخفى عليه خافية مما ~~في هذا الكون : وكرر سبحانه «ما. وفي» في المعطوف والمعطوف عليه للإشارة ~~إلى دقة العلم وشموله ، وأنه سبحانه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. # وقوله ( @QUR@05 وأن الله بكل شيء عليم ) تعميم إثر تخصيص. للتأكيد وقدم ~~الخاص على العام ليكون ذكر الخاص كالدليل على العام. ms1807 # قال الجمل : واسم الإشارة ( @QUR@01 ذلك ) فيه ثلاثة أوجه : # أحدها : أنه خبر لمبتدأ محذوف أى : الحكم الذي حكمناه ذلك لا غير. # والثاني : أنه مبتدأ وخبره محذوف أى : ذلك الحكم هو الحق لا غيره. PageV04P304 # والثالث : أنه منصوب بفعل مقدر يدل عليه السياق. أى : شرع الله ذلك. وهذا ~~أقواها ، لتعلق لام العلة به. وقوله ( @QUR@01 لتعلموا ) منصوب بإضمار أن ~~بعد لام كي. وقوله : ( @QUR@05 وأن الله بكل شيء عليم ) معطوف على ما قبله ~~وهو ( @QUR@09 أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ) (1). # ثم رهب الله تعالى عباده من عقابه ؛ ورغبهم في ثوابه فقال : ( @QUR@09 ~~اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم ). # أى : اعلموا أيها الناس أن الله شديد العقاب لمن انتهك حرماته ، وتجاوز ~~حدوده ، وأنه سبحانه واسع المغفرة والرحمة لمن أطاعه وتاب إليه توبة صادقة. # وفي تصدير الآية الكريمة بفعل الأمر ( @QUR@01 اعلموا ) تنبيه شديد إلى ~~أهمية ما سيلقى عليهم من أمر أو نهى ، حتى يستقر في قلوبهم ، ويرسخ في ~~نفوسهم ، فيسهل عليهم تنفيذه. # وجمع سبحانه بين الترهيب والترغيب ، حتى يكون المؤمن بين الرجاء والخوف ، ~~فلا يقنط من رحمة الله ولا يجترئ على ارتكاب ما يغضبه سبحانه . # وبعد هذا الترغيب والترهيب بين سبحانه وظيفة رسوله صلى الله عليه وسلم فقال ~~: ( @QUR@011 ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ). # وأصل البلاغ كما يقول القرطبي البلوغ ، وهو الوصول. يقال : بلغ يبلغ ~~بلوغا وأبلغه إبلاغا. وبلغه تبليغا ، ومنه البلاغة ، لأنها إيصال المعنى ~~إلى النفس في أحسن صورة من اللفظ» (2). # أى : ليس على رسولنا أيها الناس إلا تبليغ ما أمرناه بتبليغه إليكم ~~وتوصيل ما كلفناه بتوصيله لكم ، وهو لم يقصر في ذلك ، ولم يأل جهدا في ~~نصحكم وإرشادكم فأطيعوه لتسعدوا. واعلموا أن الله تعالى يعلم ما تظهرون وما ~~تخفون من خير أو شر ، وسيجازيكم بما تستحقون يوم القيامة. # فالآية الكريمة تأكيد لما اشتملت عليه سابقتها من ترغيب وترهيب ، ومن ~~تبشير وإنذار ، وتصريح بأن الرسول صلى الله عليه وسلم عليه تبليغ ما كلفه الله ~~بتبليغه إلى ms1808 الناس ، وليس عليه بعد ذلك هدايتهم أو ضلالهم ، وإنما الله ~~وحده هو الذي بيده ذلك ، وهو الذي بيده حسابهم ومجازاتهم على أعمالهم. PageV04P305 # ثم صرح سبحانه بعد ذلك بأنه لا يستوي عنده الخبيث والطيب فقال : ( ~~@QUR@09 قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث ). # والخبيث كما يقول الراغب ما يكره رداءة وخساسة محسوسا كان أم معقولا ، ~~وأصله الرديء الدخلة الجاري مجرى خبث الحديد كما قال الشاعر : # سبكناه ونحسبه لجينا %~% فأبدى الكير عن خبث الحديد # وذلك يتناول الباطل في الاعتقاد ، والكذب في المقال ، والقبيح في الفعال (1). # والطيب : الشيء الحسن الذي أباحته الشريعة ورضيته العقول السليمة ، ~~ويتناول الاعتقاد الحق ، والمقال الصدق ، والعمل الصالح. # والمعنى : قل يا محمد للناس : إنه لا يستوي عند الله ولا عند العقلاء ~~القبيح والحسن من كل شيء ، لأن الشيء القبيح في ذاته أو في سببه أو في غير ~~ذلك من أشكاله بغيض إلى الله وإلى كل عاقل ، وسيكون مصيره إلى الهلاك ~~والبوار. # أما الشيء الطيب الحسن فهو محبوب من الله ومن كل عاقل ، ومحمود العاقبة ~~دنيا ودينا. # وقوله : ( @QUR@04 ولو أعجبك كثرة الخبيث ) زيادة في التنفير من الشيء ~~الخبيث ، وحض على التمسك بما هو طيب. # أى : لا يستوي في ميزان الله ولا في ميزان العقلاء الخبيث والطيب ، حتى ~~ولو كان الفريق الخبيث كثير المظهر ، براق الشكل ، تعجب الناظرين هيئته فلا ~~تغتر به أيها العاقل ، ولا تؤثر في نفسك كثرته وسطوته فإنه مهما كثر وظهر ~~وفشا. فإنه سيئ العاقبة ، سريع الزوال ، لذته تعقبها الحسرة ، وشهوته ~~تتلوها الندامة ، وسطوته تصحبها الخسارة والكراهية ، وطريقه المليئة بالدنس ~~والقذر يجب أن يوصد أبوابها الأخيار الشرفاء. # أما الفريق الطيب أو الشيء الطيب فهو محمود العاقبة ، لذته الحلال ~~يباركها الله ، وثماره الحسنة تؤيدها شريعته وتستريح لها العقول السليمة ، ~~والقلوب النقية من كل دنس وباطل وطريقه المستقيم مهما قل سالكوه هو الطريق ~~الذي يوصل إلى كل خير وفلاح. # ولا شك أن العقل عند ما يتخلص من الهوى سيختار الطيب على الخبيث لأن في ~~الطيب سعادة الدنيا والآخرة. # وما ms1809 أحسن قول أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها : «ما تمتع الأشرار بشيء ~~إلا وتمتع به PageV04P306 # الأخيار ، وزادوا عليهم رضا الله عز وجل . # والفاء في قوله : ( @QUR@07 فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون ) ~~للافصاح عن كلام مقدر ، والتقدير : # إذا كان الأمر كما بينت لكم أيها الناس من أنه لا يستوي الخبيث والطيب ، ~~لأن أهل الخبيث سيعاقبون ويندمون مهما كثروا وأهل الطيب سيثابون ويفرحون ، ~~إذا كان الأمر كذلك فاتقوا الله يا أصحاب العقول السليمة بأن تجتنبوا كل ما ~~هو خبيث ، وتقلبوا على كل ما هو طيب ، لعلكم بسبب هذه التقوى والخشية من ~~الله تنالون الفلاح والنجاح في دنياكم وآخرتكم. # والجملة الكريمة تذييل قصد به تأكيد ما مر من الترغيب في الطاعات ~~والتحذير من المعاصي. # قال الفخر الرازي : لما ذكر سبحانه هذه الترغيبات الكثيرة في الطاعة ، ~~والتحذيرات من المعصية. أتبعها بوجه آخر يؤكدها فقال : ( @QUR@07 فاتقوا ~~الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون ): أى : فاتقوا الله بعد هذه البيانات ~~الجليلة والتعريفات القوية ، ولا تقدموا على مخالفته لعلكم تصيرون فائزين ~~بالمطالب الدنيوية والدينية العاجلة والآجلة (1). # وبعد هذا الحديث المستفيض عن الحلال والحرام في شريعة الإسلام اتجهت آيات ~~السورة الكريمة إلى تربية المسلمين وإرشادهم إلى الآداب التي يجب أن ~~يتمسكوا بها ونهيهم عن الأسئلة التي لا خير يرجى من وراء إثارتها .. فقال ~~تعالى : # ( @QUR@026 يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن ~~تسئلوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم (101) ~~@QUR@09 قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين ) (102) # وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هاتين الآيتين روايات متعددة ، منها ما ~~حكاه القرطبي في قوله : روى البخاري ومسلم وغيرهما واللفظ للبخاري عن أنس ~~قال : قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله من أبى؟ قال : «أبوك فلان». PageV04P307 # وخرج البخاري أيضا عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه : «فو الله لا ~~تسألونى عن شيء إلا أخبرتكم به مادمت في مقامي هذا» فقام إليه رجل فقال ms1810 : ~~أين مدخلي يا رسول الله؟ قال «النار» فقام عبد الله بن حذافة وكان إذا لا ~~حي يدعى إلى غير أبيه فقال من أبى يا رسول الله؟ فقال : أبوك حذافة .. # وروى الدارقطني والترمذي عن على رضى الله عنه قال : لما نزلت هذه الآية ( ~~@QUR@09 ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) قالوا : يا رسول ~~الله ، أفي كل عام؟ فسكت. فقالوا : أفي كل عام؟ قال : «لا ولو قلت نعم ~~لوجبت» فأنزل الله تعالى ( @QUR@08 يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء ~~).. الآية. # وروى مجاهد عن ابن عباس أنها نزلت في قوم سألوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. # ثم قال القرطبي : ويحتمل أن تكون الآية نزلت جوابا للجميع ، فيكون السؤال ~~قريبا بعضه من بعض» (1). # والمعنى : يا أيها الذين آمنوا بالله حق الإيمان ، لا تسألوا نبيكم ~~صلى الله عليه وسلم أو غيره ، عن أشياء تتعلق بالعقيدة أو بالأحكام الشرعية أو ~~بغيرهما. هذه الأشياء ( @QUR@03 إن تبد لكم ) وتظهر ( @QUR@01 تسؤكم ) أى : ~~تغمكم وتحزنكم وتندموا على السؤال عنها لما يترتب عليها من إحراجكم ، ومن ~~المشقة عليكم ، ومن الفضيحة لبعضكم. # فالآية الكريمة كما يقول ابن كثير تأديب من الله لعباده المؤمنين ، ونهى ~~لهم عن أن يسألوا عن أشياء مما لا فائدة لهم في السؤال والتنقيب عنها ، ~~لأنها إن ظهرت لهم تلك الأمور ربما ساءتهم ، وشق عليهم سماعها ، كما جاء في ~~الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لا يبلغني أحد عن أحد شيئا ، ~~فإنى أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» (2). # وقد وجه سبحانه النداء إليهم بصفة الإيمان ، لتحريك حرارة العقيدة في ~~نفوسهم ، حتى يستجيبوا بسرعة ورغبة إلى ما كلفوا به. # وقوله : ( @QUR@01 أشياء ) اسم جمع من لفظ شيء ، فهو مفرد لفظا جمع معنى ~~كطرفاء وقصباء وهذا رأى الخليل وسيبويه وجمهور البصريين . # ويرى الفراء أن أشياء جمع لشيء. وهو ممنوع من الصرف لألف التأنيث ~~الممدودة ، ومتعلق بقوله : ( @QUR@01 تسئلوا ). PageV04P308 # ومفعول ( @QUR@01 تسئلوا ) محذوف للتعميم. أى : لا تسألوا الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ms1811 ولا تسألوا غيره عن أشياء لا فائدة من السؤال عنها ، بل إن ~~السؤال عنها قد يؤدى إلى إحراجكم وإلى المشقة عليكم. # وقوله : ( @QUR@04 إن تبد لكم تسؤكم ) صفة لأشياء داعية إلى الانتهاء عن ~~السؤال عنها. # وعبر «بإن» المفيدة للشك وعدم القطع بوقوع الشرط والجزاء للإشارة إلى أن ~~هذا الشك كاف في تركهم للسؤال عن هذه الأشياء ، فإن المؤمن الحق يبتعد عن ~~كل ما لا فائدة من ورائه من أسئلة أو غيرها. # وقوله : ( @QUR@08 وإن تسئلوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ) معطوف على ~~ما قبله وهو قوله : ( @QUR@04 إن تبد لكم تسؤكم ). # والضمير في قوله ( @QUR@01 عنها ) يعود على ( @QUR@01 أشياء ) و ( ~~@QUR@01 حين ) ظرف زمان منصوب بالفعل ( @QUR@01 تسئلوا ). # والمعنى : لا تكثروا أيها المؤمنون من الأسئلة التي لا خير لكم في السؤال ~~عنها ، وإن تسألوا عن أشياء نزل بها القرآن مجملة ، فتطلبوا بيانها تبين ~~لكم حينئذ لاحتياجكم إليها. # قال الفخر الرازي : السؤال على قسمين : # أحدهما : السؤال عن شيء لم يجر ذكره في الكتاب والسنة بوجه من الوجوه. ~~فهذا السؤال منهى عنه بقوله : ( @QUR@08 لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم ~~تسؤكم ). # والنوع الثاني من السؤال : السؤال عن شيء نزل به القرآن لكن السامع لم ~~يفهمه كما ينبغي فهاهنا السؤال واجب ، وهو المراد بقوله : ( @QUR@08 وإن ~~تسئلوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ). # والفائدة في ذكر هذا القسم ، أنه لما منع في الجملة الأولى من السؤال ، ~~أو هم أن جميع أنواع السؤال ممنوع منه ، فذكر ذلك تمييزا لهذا القسم عن ذلك القسم. # فإن قيل : إن قوله ( @QUR@03 وإن تسئلوا عنها ) هذا الضمير عائد على ~~الأشياء المذكورة في قوله : ( @QUR@04 لا تسئلوا عن أشياء ) فكيف يعقل في ( ~~@QUR@01 أشياء ) بأعيانها أن يكون السؤال عنها ممنوعا وجائزا معا؟ # قلنا : الجواب عنه من وجهين : # الأول : جائز أن يكون السؤال عنها ممنوعا قبل نزول القرآن بها ومأمورا به ~~بعد نزول القرآن بها. والثاني : أنهما وإن كانا نوعين مختلفين ، إلا أنهما ~~في حكم شيء واحد ، فلهذا حسن اتحاد الضمير ، وإن كانا في الحقيقة نوعين ~~مختلفين» (1): PageV04P309 # وقال القرطبي ms1812 : قوله تعالى ( @QUR@08 وإن تسئلوا عنها حين ينزل القرآن ~~تبد لكم ) فيه غموض. وذلك أن في أول الآية النهى عن السؤال ، ثم قال : ( ~~@QUR@02 وإن تسئلوا ).. إلخ. فأباحه لهم. # فقيل : المعنى وإن تسألوا عن غيرها فيما مست الحاجة إليه ، فحذف المضاف ~~ولا يصح حمله على غير الحذف. # قال الجرجانى : الكناية في «عنها» ترجع إلى أشياء أخر ، كقوله تعالى : ( ~~@QUR@07 ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ) يعنى آدم ، ثم قال : ( ~~@QUR@03 ثم جعلناه نطفة ) أى : ابن آدم ، لأن آدم لم يجعل نطفة في قرار ~~مكين ، لكن لما ذكر الإنسان وهو آدم دل على إنسان مثله ، وعرف ذلك بقرينة الحال. # فالمعنى : وإن تسألوا عن أشياء أخر حين ينزل القرآن من تحليل أو تحريم أو ~~حكم ، أو مست حاجتكم إلى التفسير ، فإذا سألتم فحينئذ تبد لكم فقد أباح ~~سبحانه هذا النوع من السؤال» (1). # والضمير في قوله ( @QUR@03 عفا الله عنها ) يعود إلى أشياء ، والجملة في ~~محل جر صفه أخرى لأشياء. # أى : أن هذه الأشياء التي نهيتم عن السؤال عنها هي مما عفا الله عنه رحمة ~~منه وفضلا حيث لم يكلفكم بها. ولم يفضحكم ببيانها. # ويجوز أن يعود الضمير إلى الأسئلة المدلول عليها بقوله ( @QUR@02 لا ~~تسئلوا ) فتكون الجملة مستأنفة ، ويكون المعنى : عفا الله عن أسئلتكم ~~السالفة التي سألتموها قبل النهى ، وتجاوز سبحانه عن معاقبتكم عليها رحمة ~~منه وكرما ؛ فمن الواجب عليكم بعد ذلك ألا تعودوا إلى مثلها أبدا. # قال صاحب المنار : ولا مانع عندنا يمنعنا من إرادة المعنيين معا. فإن كل ~~ما تدل عليه عبارات القرآن من المعاني الحقيقة والمجازية والكناية يجوز ~~عندنا أن يكون مرادا منها مجتمعة تلك المعاني أو منفردة ما لم يمنع مانع من ~~ذلك كأن تكون تلك المعاني مما لا يمكن اجتماعها شرعا أو عقلا ، فحينئذ لا ~~يصح أن تكون كلها مرادة بل يرجح بعضها على بعض بطرق الترجيح المعروفة من ~~لفظية ومعنوية. # وقوله ( @QUR@03 والله غفور حليم ) اعتراض تذييلى مقرر لعفوه سبحانه أى : ~~عفا الله عن كل ذلك ، وهو سبحانه واسع المغفرة والحلم والصفح ms1813 ولذا لم ~~يكلفكم بما يشق عليكم ، ولم يؤاخذكم بما فرط منكم من أقوال وأعمال قبل ~~النهى عنها. # ثم بين سبحانه بعض مظاهر العبر والعظات والحكم من وراء نهيهم عن الأسئلة التي PageV04P310 # لا خير يرجى من ورائها فقال : ( @QUR@09 قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا ~~بها كافرين ). # والضمير في قوله : ( @QUR@02 قد سألها ) يعود إلى الأسئلة المنهي عنها في ~~قوله تعالى ( @QUR@02 لا تسئلوا ). # أى : قد سأل قوم من قبلكم أيها المؤمنون أمثال هذه الأسئلة التي لا خير ~~يرجى من ورائها ، ثم أصبحوا بعد إظهار الإجابة عنها كافرين بها ، لأنهم ~~استقلوا الإجابة عما سألوا عنه ، وتركوا العمل بما تطلعوا إلى معرفته ويجوز ~~أن يكون الضمير عائدا إلى أشياء في قوله ( @QUR@04 لا تسئلوا عن أشياء ) ~~على تقدير السؤال عن حكمها أو عن سببها أو عن أصلها ، أو عن غير ذلك مما لا ~~فائدة من السؤال عنه. # إلى هذين المعنيين أشار الآلوسى بقوله : ( @QUR@02 قد سألها ) أى : ~~المسألة ، فالضمير في موقع المصدر لا المفعول به. والمراد : سأل مثلها في ~~كونها محظورة ومستتبعة للوبال ( @QUR@01 قوم ). وعدم التصريح بالمثل ~~للمبالغة في التحذير. # وجوز أن يكون الضمير للأشياء على تقدير المضاف أيضا ، فالضمير في موقع ~~المفعول به ، وذلك من باب الحذف والإيصال. والمراد : سأل عنها واختلف في ~~تعيين القوم : فعن ابن عباس هم قوم عيسى : سألوه إنزال المائدة ثم كفروا ~~بها وقيل : هم قوم صالح عليه السلام سألوه الناقة ثم عقروها وكفروا بها ، ~~وقيل : هم بنو إسرائيل كانوا يسألون أنبياءهم عن أشياء فإذا أخبروهم ~~كذبوهم» (1): # والذي نراه أن لفظ ( @QUR@01 قوم ) يشمل هؤلاء الأقوام الذين ذكرهم ~~الآلوسى كما يشمل غيرهم ممن سألوا عن أشياء لا خير من السؤال عنها فلما ~~أجيبوا عما سألوا عنه لم يعملوا بما أخبروا به بل كفروا به وهجروه وأنكروه. # ونكر سبحانه لفظ ( @QUR@01 قوم ) لأنه ليس الغرض تعيين ذواتهم ، بل الغرض ~~النهى عن التشبه بهم مهما كانت أجناسهم أو أزمانهم. # وجاء العطف في الآية «بثم» المفيدة للتراخي ، للدلالة على التباعد ~~المعنوي بين اللجاجة في السؤال وبين ms1814 الجحود والكفر بعد ذلك ؛ فكأنهم كانوا ~~يريدون حكما يناسب أهواءهم فلما جاءهم الحكم الذي لا يهوونه كفروا به. # وقوله ( @QUR@04 ثم أصبحوا بها كافرين ) يؤذن بأنهم قبل السؤال عن تلك ~~الأشياء أو قبل الخوض في تلك الأسئلة لم يكونوا كافرين ، ولكنهم أصبحوا ~~بسبب الخوض فيها والتفتيش عنها كافرين PageV04P311 # لأنهم لم يمتثلوا ما أجيبوا به ، وإنما نبذوه وراء ظهورهم. # وبذلك ترى أن الآيتين الكريمتين تنهيان المؤمنين في كل زمان ومكان عن ~~الخوض في الأسئلة عن أشياء يسوءهم الكشف عنها ، وضربتا لهم الأمثال بحال ~~الذين من قبلهم ممن كانوا يشددون على أنفسهم بالأسئلة عن التكاليف والأحكام ~~، فلما كتبها الله عليهم كفروا بها ولم يؤدوها ، ولو سكتوا عن هذه الأسئلة ~~التي لا فائدة من ورائها لكان خيرا لهم وأقوم. # هذا ، وقد ساق الشيخ القاسمى رحمه الله عقب تفسيره لهاتين الآيتين أقوالا ~~متعددة للعلماء فيما يؤخذ منهما من آداب وأحكام ، فقال ما ملخصه : # قال ابن كثير : ظاهر الآية النهى عن السؤال عن الأشياء التي إذا علم بها ~~الشخص ساءته فالأولى الإعراض عنها : # فقد روى الإمام أحمد ومسلم والنسائي عن أبى هريرة : أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : «ذروني ما تركتكم ، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة ~~سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم. فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم. ~~وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه». # وروى الدارقطني وأبو نعيم عن أبى ثعلبة الخشني : أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : # «إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها. وحد حدودا فلا تعتدوها. وحرم ~~أشياء فلا تقربوها. وترك أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها». # ثم قال الشيخ القاسمى : ثم رأيت في «موافقات» الامام الشاطبي في هذا ~~الموضوع مبحثا جليلا قال فيه. # الإكثار من الأسئلة مذموم. والدليل عليه النقل المستفيض من الكتاب والسنة ~~وكلام السلف الصالح. وهذه مواضع يكره السؤال فيها : # 1 السؤال عما لا ينفع في الدين ، كسؤال عبد الله بن حذافة : من أبى يا ~~رسول الله؟ فأجابه أبوك حذافة. # 2 أن يسأل عن شيء بينه القرآن ، كما ms1815 سأل الرجل عن الحج : أكل عام يا رسول ~~الله؟ مع أن قوله تعالى ( @QUR@09 ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا ) قاض بظاهره أنه للأبد لإطلاقه. # 3 السؤال من غير احتياج إليه في الوقت ، وكأن هذا والله أعلم خاص بما لم ~~ينزل فيه حكم ، وعليه يدل قوله : «ذروني ما تركتكم». وقوله : «وسكت عن ~~أشياء رحمة بكم لا عن نسيان فلا تبحثوا عنها». PageV04P312 # 4 أن يسأل عن صعاب المسائل وشرارها ، كما جاء في النهى عن الأغلوطات (1). # 5 أن يسأل عن علة الحكم وهو من قبيل التعبدات ، أو يكون السائل ممن لا ~~يليق به ذلك السؤال كما في حديث قضاء الصوم دون الصلاة. # فقد أخرج مسلم في صحيحه عن معاذة قالت : سألت عائشة فقلت : ما بال الحائض ~~تقضى الصوم ولا تقضى الصلاة؟ فقالت : أحرورية أنت؟ # قلت : لست بحرورية ، ولكني أسأل. قالت عائشة : كان يصيبنا ذلك فنؤمر ~~بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة. # 6 أن يبلغ بالسؤال إلى حد التكلف والتعمق ، وعلى ذلك يدل ما أخرجه مالك ~~في الموطأ عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أن عمر بن الخطاب خرج في ركب ، ~~فيهم عمرو بن العاص. حتى وردوا حوضا. فقال عمرو بن العاص : يا صاحب الحوض!! ~~هل ترد حوضك السباع؟ فقال عمر بن الخطاب : يا صاحب الحوض! لا تخبرنا. فإنا ~~نرد على السباع وترد علينا. # 7 السؤال عن المتشابهات ، وعلى ذلك يدل قوله تعالى ( @QUR@09 فأما الذين ~~في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ).. الآية. # وعن عمر بن عبد العزيز : من جعل دينه عرضا للخصومات أسرع التنقل. # ومن ذلك سؤال رجل مالكا عن الاستواء ؛ فقد جاء رجل إلى مالك فقال : يا ~~أبا عبد الله «الرحمن على العرش استوى» كيف استوى؟ # قال راوي الحديث : فما رأيت مالكا وجد أى غضب في شيء كموجدته من مقالته. # وعلاه الرحضاء أى العرق وأطرق القوم. فقال مالك : الاستواء معلوم ، ~~والكيف غير معقول. والإيمان به واجب. والسؤال عنه بدعة وإنى أخاف أن تكون ضالا. # 8 السؤال عما شجر ms1816 بين السلف الصالح ، وقد سئل عمر بن عبد العزيز عن قتال ~~أهل صفين فقال : تلك دماء كف الله عنها يدي ، فلا أحب أن ألطخ بها لساني. # 9 سؤال التعنت والإفحام وطلب الغلبة عند الخصام : وقد ذم القرآن هذا ~~اللون من PageV04P313 # الناس فقال. ( @QUR@03 وهو ألد الخصام ) (1) وقال ، ( @QUR@04 بل هم قوم ~~خصمون ) (2). وفي الحديث : أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم. # هذه جملة من المواضع التي يكره السؤال فيها ، ويقاس عليها ما سواها ، ~~وليس النهى فيها واحدا ، بل فيها ما تشتد كراهيته ومنها ما يخفف ، ومنها ما ~~يحرم. ومنها ما يكون محل اجتهاد. # والنهى في الآية مقيد بما لا تدعو إليه الحاجة من الأسئلة ؛ لأن الأمر ~~الذي تدعو إليه الحاجة في أمور الدين قد أذن الله بالسؤال عنه فقال : ( ~~@QUR@07 فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) (3). # وفي الحديث : «قاتلهم الله!! هلا سألوا إذا لم يعلموا ، فإنما شفاء الجهل ~~بالسؤال» (4). # ثم حكى سبحانه بعض الأوهام والخرافات التي كان أهل الجاهلية يتمسكون بها ~~، ويعتبرونها من العادات الدينية الراسخة في نفوسهم ، مع أنها لا أصل لها ، ~~وإنما هم الذين ابتدعوها ونسبوها إلى دين الله بدون دليل أو برهان فقال ~~تعالى : # ( @QUR@021 ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين ~~كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون (103) @QUR@024 وإذا قيل ~~لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ~~أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ) (104) # قال الفخر الرازي : اعلم أنه تعالى لما منع الناس من البحث عن أمور ما ~~كلفوا بالبحث عنها ، كذلك منعهم عن التزام أمور ما كلفوا التزامها. ولما ~~كان الكفار يحرمون على أنفسهم الانتفاع بهذه الحيوانات وإن كانوا في غاية ~~الاحتياج إلى الانتفاع بها بين تعالى أن ذلك باطل فقال : ( @QUR@05 ما جعل ~~الله من بحيرة ) (5) PageV04P314 # وجعل هنا بمعنى شرع ووضع ، و ( @QUR@01 من ) زائدة لتأكيد النفي والبحيرة ~~بزنة فعلية بمعنى مفعولة من البحر وهو الشق. # وكانوا في الجاهلية إذا ولدت الناقة خمسة أبطن آخرها ms1817 ذكر ، شقوا أذنها ~~ومنعوا ركوبها ، وتركوها لآلهتهم وامتنعوا عن نحرها وركوبها. وسموها ~~«البحيرة» أى : مشقوقه الأذن. # وعن قتادة أنهم كانوا إذا أنجبت خمسة أبطن نظروا في الخامس فإن كان ذكرا ~~ذبحوه وأكلوه ، وإن كان أنثى شقوا أذنها وتركوها ترعى دون أن يستعملها أحد ~~في حلب أو ركوب. # والسائبة بزنة فاعلة من ساب إذا جرى على وجه الأرض. يقال ساب الماء إذا ~~ترك يجرى. # قال أبو عبيدة : كان الرجل في الجاهلية إذا قدم من سفر أو شفى من مرض. ~~سيب ناقته وخلاها وجعلها كالبحيرة وتسمى السائبة. # وقال محمد بن إسحاق : السائبة هي الناقة تلد عشرة أبطن إناث ، فتهمل ولا ~~تركب ولا يجز وبرها ، ولا يشرب لبنها إلا ضيف. # وعن ابن عباس : هي التي تسيب للأصنام ، فتعطى للسدنة ولا يطعم من لبنها ~~إلا أبناء السبيل ونحوهم. # والوصيلة بزنة فعلية بمعنى فاعله. قال الفراء هي الشاة تنتج سبعة أبطن ~~عناقين عناقين أى اثنين اثنين وإذا ولدت في آخرها أنثى وذكرا. قيل : وصلت ~~أخاها. فلا يشرب لبن الأم إلا الرجال دون النساء ، وتجرى مجرى السائبة في ~~تركها دون أن يجز وبرها. # وقال الزجاج : هي الشاة إذا ولدت ذكرا كان لآلهتهم وإذا ولدت أنثى كانت ~~لهم وإذا ولدت ذكرا وأنثى قالوا : وصلت أخاها فلا تذبح ويكون الذكر ~~لآلهتهم. # وقيل : هي الناقة تبكر بأنثى ثم تثنى بأنثى ، فكانوا يتركونها للطواغيت ، ~~ويقولون : قد وصلت أنثى بأنثى ليس بينهما ذكر. # والحام اسم فاعل من حمى يحمى أى منع. # قال الفراء : هو الفحل إذا لقح ولد ولده قالوا : قد حمى ظهره فلا يركب ~~ولا يحمل عليه ، ولا يمنع من ماء أو مرعى. # وقال أبو عبيدة : هو الفحل يولد من ظهره عشرة أبطن فيقولون : حمى ظهره ~~فلا يحمل عليه ولا يمنع من ماء أو مرعى. PageV04P315 # هذه بعض الأقوال التي ذكرها العلماء في تفسير هذه الألفاظ الأربعة ، ~~وهناك أقوال أخرى سواها تختلف عنها. # ويبدو أن الخلاف في حقيقة هذه الأربعة مرجعه إلى اختلاف القبائل في بلاد ~~العرب واختلاف الأماكن التي يقيمون ms1818 فيها ، والعادات الباطلة التي شبوا ~~عليها وألفوها. # هذا ، وقد ذكر ابن كثير بعض الروايات التي وردت في تفسيره هذه الألفاظ ، ~~كما ذكر أول من أدخل هذه العادات الباطلة في بلاد العرب فقال ما ملخصه : ~~(1) «روى البخاري ومسلم والنسائي عن سعيد بن المسيب قال. البحيرة : هي التي ~~تكون درها للطواغيت. والسائبة : هي التي كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل ~~عليها شيء ، والوصيلة : الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل ثم تثنى بعد ~~بأنثى وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر. ~~والحام : فحل الإبل يضرب الضرائب المعدود فإذا قضى ضرابه تركوه للطواغيت ~~ولا يحملون عليه شيئا. # وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن ~~أول من سيب السوائب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن لحى وإنى رأيته يجر ~~أمعاءه في النار. # والمعنى : ما شرع الله تعالى شيئا مما حرمه أهل الجاهلية على أنفسهم من ~~البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وهذه الحيوانات إنما حرم أهل الجاهلية ~~أكلها والانتفاع بها من عند أنفسهم بدون علم أو برهان ، وهم في هذا التحريم ~~إنما يفترون على الله الكذب الصريح القاطع بسبب كفرهم وضلالهم وأكثرهم لا ~~يفقهون الحق ولا يستجيبون له انقيادا لأهوائهم ورؤسائهم. # والمراد بالذين كفروا في قوله ( @QUR@07 ولكن الذين كفروا يفترون على ~~الله الكذب ) رؤساؤهم وزعماؤهم الذين يأتون لعوامهم بالأحكام الفاسدة ~~والمزاعم الباطلة ، وينسبونها إلى دين الله كذبا وزورا. # والمراد بأكثرهم في قوله : ( @QUR@03 وأكثرهم لا يعقلون ) عوامهم ~~ودهماؤهم الذين يسيرون خلف كل ناعق بدون تفكير أو تدبر. # وقد عبر سبحانه بقوله ( @QUR@01 وأكثرهم ) إنصافا للقلة العاقلة التي ~~خالفت هذه الأوهام الباطلة ، واستجابت للحق عند ظهوره. # ثم حكى سبحانه ما كان عليه هؤلاء العوام المقلدون من جمود وخضوع للباطل فقال. PageV04P316 # ( @QUR@016 وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا ~~حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ). # أى : وإذا قال قائل على سبيل النصح والإرشاد إلى الخير لهؤلاء المقلدين ~~المنقادين انقيادا أعمى للأوهام إذا قال لهم هذا القائل : تعالوا ms1819 أى : ~~أقبلوا واستجيبوا لما أنزل الله في كتابه ، ولما أنزل على رسوله من هدايات ~~لتسعدوا وتفوزوا قالوا : بعناد وغباء ( @QUR@05 حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ~~): كافينا في هذا الشأن ما وجدنا عليه آباءنا من عقائد وتقاليد وعادات. ~~فلا نلتفت إلى ما سواه. # وهذه حجة كل ضال مقلد لمن سبقوه بغير تعقل ولا تدبر. إنه يترك معاني ~~العزة والكرامة وإعمال الفكر ليعيش أسير ذلته للأوهام التي شب عليها وسار ~~خلفها مقلدا غيره ومنقادا له انقياد الخانعين الأذلاء. # ولم يذكر سبحانه القائل في قوله : ( @QUR@03 وإذا قيل لهم ) للإشارة إلى ~~أن الذين يدعونهم إلى طريق الحق متعددون ، فالنبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم ، ~~والمؤمنون يدعونهم. والأدلة الدالة على صدق هذا الدين تدعوهم. ومع كل ذلك ~~فهم في ضلالهم سادرون ، وتحت سلطان سادتهم خانعون. # وقوله تعالى ( @QUR@08 أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ) رد ~~عليهم بأسلوب التأنيب والتعجيب من جهالاتهم وخضوعهم للباطل بدون مراجعة أو تفكير. # والواو في قوله ( @QUR@03 أولو كان آباؤهم ) واو الحال. والهمزة التي ~~دخلت عليها للإنكار والتعجب من ضلالهم. # والمعنى : أيقولون حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا. ويغلقون على أنفسهم باب ~~الهداية ليبقوا في ظلمات الضلالة ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا من الحق ~~ولا يهتدون إليه لانطماس بصيرتهم. # وليس المراد أن آباءهم لو كانوا يعلمون شيئا أو يهتدون إلى شيء لجاز لهم ~~ترك ما أنزل الله وإنما المراد هنا تسجيل الواقع المظلم الذي كانوا عليه ~~وكان عليه آباؤهم من قبلهم. فآباؤهم كانوا كذلك يتبعون ما شرعه لهم آباؤهم ~~بدون تأمل أو تفكير. # فالآية الكريمة زيادة في توبيخهم وتوبيخ آبائهم ؛ لأنهم جميعا مشتركون في ~~الانغماس في الضلال والجهل. # وبعد أن بين سبحانه ما بين من التكاليف والأحكام والحلال والحرام ، وذم ~~المقلدين لآبائهم تقليدا أعمى. وجه سبحانه نداء إلى المؤمنين ، أمرهم فيه ~~بأن يلزموا أنفسهم طاعة الله ، وأنهم ليس عليهم شيء من آثام غيرهم ماداموا ~~قد نصحوهم وأرشدوهم إلى الخير فقال تعالى : PageV04P317 # ( @QUR@020 يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا ms1820 اهتديتم ~~إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون ) (105) # وقوله ( @QUR@01 عليكم ) اسم فعل أمر بمعنى : الزموا وقوله : ( @QUR@01 ~~أنفسكم ) منصوب على الإغراء بقوله : ( @QUR@01 عليكم ). # قال الجمل : واختلف النحويون في الضمير المتصل بها أى بكلمة ( @QUR@01 ~~عليكم ) والصحيح أنه في موضع جر كما كان قبل أن تنقل الكلمة إلى الإغراء» (1). # والمعنى : يا أيها الذين آمنوا بالله إيمانا حقا ، الزموا العمل بطاعة ~~الله ، بأن تؤدوا ما أمركم به ، وتنتهوا عما نهاكم عنه ، وأنتم بعد ذلك «لا ~~يضركم من ضل إذا اهتديتم» أى : لا يضركم ضلال من ضل وغوى ، ما دمتم أنتم قد ~~أديتم حق أنفسكم عليكم بصيانتها عما يغضب الله وأديتم حق غيركم عليكم ~~بإرشاده ونصحه وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر. فإن أبى هذا الغير ~~الاستجابة لكم بعد النصح والإرشاد والأخذ على يده من الوقوع في الظلم فلا ~~ضير عليكم في تماديه في غيه وضلاله ، فإن مصيركم ومرجعكم جميعا إلى الله ~~تعالى وحده ( @QUR@01 فينبئكم ) يوم القيامة ( @QUR@03 بما كنتم تعملون ) ~~في الدنيا من خير أو شر ، ويجازى أهل الخير بما يستحقون من ثواب ، ويجازى ~~أهل الشر بما يستحقون من عقاب. # هذا ، وقد يقول قائل : إن ظاهر هذه الآية قد يفهم منه بعض الناس ، أنه لا ~~يضر المؤمنين أن يتركوا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ماداموا قد أصلحوا ~~أنفسهم ؛ لأنها تقول : ( @QUR@08 عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ~~) فهل هذا الفهم مقبول؟ # والجواب على ذلك ، أن هذا الفهم ليس مقبولا ، لأن الآية الكريمة مسوقة ~~لتسلية المؤمنين ، ولإدخال الطمأنينة على قلوبهم إذا لم يجدوا أذنا صاغية ~~لدعوتهم. # فكأنها تقول لهم : إنكم أيها المؤمنون إذا قمتم بما يجب عليكم ، لا يضركم ~~تقصير غيركم. ولا شك أن مما يجب عليهم القيام به : الأمر بالمعروف والنهى ~~عن المنكر ، إذ لا يكون المرء مهتديا إلى الحق مع تركه لفريضة الأمر ~~بالمعروف والنهى عن المنكر وإنما يكون مهتديا متى أصلح نفسه ودعا غيره إلى ~~الخير والصلاح. PageV04P318 # أى أن الهداية التي ذكرها سبحانه في قولهم ( @QUR@02 إذا اهتديتم ) لا ~~تتم إلا بإصلاح النفس ms1821 ودعوة الغير إلى الخير والبر. # وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذه المعاني بقوله : كان المؤمنون تذهب أنفسهم ~~حسرة على أهل العتو والعناد من الكفرة ، يتمنون دخولهم في الإسلام ، فقيل ~~لهم ( @QUR@02 عليكم أنفسكم ) وما كلفتم من إصلاحها والمشي بها في طرق ~~الهدى ( @QUR@02 لا يضركم ) الضلال عن دينكم إذا كنتم مهتدين. وليس المراد ~~ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ؛ فإن من تركهما مع القدرة عليهما لا ~~يكون مهتديا ، وإنما هو بعض الضلال الذين فصلت الآية بينهم وبينه (1). # ويبدو أن هذه الآية الكريمة قد فهمها بعض الناس فهما غير سليم حتى في ~~الصدر الأول من الإسلام. # قال القرطبي : روى أبو داود والترمذي وغيرهما عن قيس بن أبى حازم قال : ~~خطبنا أبو بكر الصديق رضى الله عنه فقال : أيها الناس إنكم تقرءون هذه ~~الآية وتتأولونها على غير تأويلها ( @QUR@06 يا أيها الذين آمنوا عليكم ~~أنفسكم ) وإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «إن الناس إذا رأوا ~~الظالم فلم يأخذوا على يديه ، أوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده». # وروى أبو داود والترمذي وغيرهما عن أبى أمية الشعبانى قال : أتيت أبا ~~ثعلبة الخشني فقلت له : كيف تصنع بهذه الآية؟ فقال : أية آية؟ قلت : قوله ~~تعالى ( @QUR@06 يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ) قال : أما والله لقد ~~سألت عنها خبيرا. سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ائتمروا ~~بالمعروف وتناهوا عن المنكر. حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ، ودنيا ~~مؤثرة. وإعجاب كل ذي رأى برأيه ، فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة ، ~~فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر ~~خمسين رجلا يعملون مثل عملكم. # وفي رواية قيل يا رسول الله! أجر خمسين منا أو منهم؟ قال «بل أجر خمسين ~~منكم» (2). # وأخرج ابن جرير عن جبير بن نفير قال : كنت في حلقة فيها أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم وإنى لأصغر القوم ؛ فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهى عن ~~المنكر. فقلت أنا : أليس الله يقول : ( @QUR@06 يا أيها الذين آمنوا ms1822 عليكم ~~أنفسكم ) فأقبلوا على بلسان واحد وقالوا : تنزع آية من القرآن لا تعرفها. ~~ولا تدرى ما تأويلها حتى تمنيت أنى لم أكن تكلمت ثم أقبلوا يتحدثون ، فلما ~~حضر قيامهم قالوا : إنك غلام حدث السن وإنك نزعت آية لا تدرى ما هي ، وعسى ~~أن تدرك ذلك PageV04P319 # الزمان ، إذا رأيت شحا مطاعا ، وهوى متبعا ، وإعجاب كل ذي رأى برأيه ~~فعليك بنفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت» (1). # والخلاصة أن الآية الكريمة لا ترخص في ترك الأمر بالمعروف والنهى عن ~~المنكر إنها كما قال الحاكم لو استدل بها على وجوبهما لكان أولى ، لأن قوله ~~( @QUR@02 عليكم أنفسكم ) معناه : الزموا أن تصلحوا أنفسكم باتباع الدلائل ~~من كتاب الله وسنة رسوله والعقليات المؤيدة بها ، ودعوة الإخوان إلى ذلك ، ~~بإقامة الحجج ودفع الشبه ، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ولا تقصروا في ~~ذلك» (2). # ونقل الفخر الرازي عن عبد الله بن المبارك أنه قال : هذه أوكد آية في ~~وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، فإنه سبحانه قال ( @QUR@02 عليكم ~~أنفسكم ) يعنى عليكم أهل دينكم ولا يضركم من ضل من الكفار. وهذا كقوله ~~فاقتلوا أنفسكم ، يعنى أهل دينكم فقوله ( @QUR@02 عليكم أنفسكم ) يعنى بأن ~~يعظ بعضكم بعضا. ويرغب بعضكم بعضا في الخيرات وينفره عن القبائح والسيئات» ~~(3) ثم ختمت السورة حديثها الطويل المتنوع عن الأحكام الشرعية ببيان بعض ~~أحكام المعاملات في المجتمع الإسلامى فتحدثت عن التشريع الخاص بالإشهاد على ~~الوصية في حالة السفر ، وعن الضمانات التي شرعتها لكي يصل الحق إلى أهله ~~كاملا غير منقوص فقال تعالى : # ( @QUR@044 يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين ~~الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض ~~فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا ~~نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى PageV04P320 # @QUR@08 ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين (106) @QUR@026 فإن عثر ~~على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم ~~الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا ms1823 لمن ~~الظالمين (107) @QUR@022 ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا ~~أن ترد أيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم ~~الفاسقين ) (108) # ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات مختلفة في تفاصيلها إلا أنها ~~متقاربة في مغزاها. # ومن ذلك ما ذكره ابن كثير بقوله : روى ابن أبى حاتم عن أبن عباس عن تميم ~~الداري في هذه الآية ( @QUR@06 يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ) قال : ~~برىء الناس منها غيرى وغير عدى بن بداء ، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام ~~قبل الإسلام ، فأتيا الشام لتجارتهما ، وقدم عليهما مولى لبنى سهم يقال له ~~«بديل بن أبى مريم» بتجارة ، معه جام من فضة أى إناء من فضة يريد به الملك ~~، وهو أعظم تجارته ؛ فمرض فأوصى إليهما ، وأمرهما أن يبلغا ما ترك إلى أهله ~~أى : يوصلا ما تركه من متاع لورثته. # قال تميم : فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم ، واقتسمنا الثمن ~~أنا وعدى ، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا ، وفقدوا الجام ~~فسألونا عنه ، فقلنا : ما ترك غير هذا ، وما دفع إلينا غيره. # قال تميم : فلما أسلمت بعد قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ~~ذلك ، فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر ، ودفعت إليهم خمسمائة درهم ، وأخبرتهم أن ~~عند صاحبي مثلها ، فوثبوا عليه ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يستحلفوه ~~بما يحكم به على أهل دينه ، فحلف فنزلت : ( @QUR@05 يا أيها الذين آمنوا ~~شهادة ) الآيات فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفاه فنزعت الخمسمائة ~~من عدى بن بداء (1). PageV04P321 # وقال القرطبي : ولا أعلم خلافا أن هذه الآيات نزلت بسبب تميم الداري وعدى ~~بن بداء ، روى البخاري والدارقطني وغيرهما عن ابن عباس قال : كان تميم ~~الداري وعدى بن بداء يختلفان إلى مكة فخرج معهما فتى من بنى سهم فتوفى بأرض ~~ليس بها مسلم ، فأوصى إليهما فدفعا تركته إلى أهله وحبسا جاما من فضة مخوصا ~~بالذهب أى عليه صفائح الذهب مثل خوص النخل فاستحلفهما رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «ما ms1824 كتمتما ولا اطلعتما» ثم وجد الجام بمكة فقالوا : ~~اشتريناه من عدى وتميم ، فجاء رجلان من ورثة السهمي فحلفا أن الجام للسهمى ~~، ولشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا ، قال : فأخذوا الجام وفيهم نزلت ~~هذه الآيات (1). # هذا ، والمعنى الإجمالى لهذه الآيات : أن الله تعالى شرع لكم أيها ~~المؤمنون الوصية في السفر فعلى من يحس منكم بدنو أجله وهو في السفر أن يحضر ~~رجلا مسلما يوصيه بإيصال ماله لورثته فإذا لم يجد رجلا مسلما فليحضر كافرا ~~، والاثنان أحوط ، فإذا أوصلا ما عندهما إلى ورثة الميت. وارتاب الورثة في ~~أمانة هذين الرجلين ، فعليهم في هذه الحالة أن يرفعوا الأمر للحاكم ، وعلى ~~الحاكم أن يستحلف الرجلين بالله بعد الصلاة بأنهما ما كتما شيئا من وصية ~~وما خانا. # فإذا ظهر بعد ذلك للحاكم أو لورثة الميت أن هذين الرجلين لم يكونا أمينين ~~في أداء ما كلفهما الميت بأدائه ، فعندئذ يقوم رجلان من أقرب ورثة الميت ، ~~ليحلفا بالله أن شهادتهما أحق وأولى من شهادة الرجلين الأولين ، وأن هذين ~~الرجلين لم يؤديا الوصية على وجهها. # ثم بين سبحانه في الآية الثالثة أن ما شرعه الله لهم هو أضمن طريق لأداء ~~الشهادة على وجهها الصحيح وعليهم أن يراقبوه ويتقوه لكي يكونوا من المؤمنين ~~الصادقين : # هذا هو المعنى الإجمالى للآيات الكريمة سقناه قبل تفصيل القول في تفسيرها ~~حتى يتهيأ الذهن لفهمها بوضوح. # قال الآلوسى : وقوله : ( @QUR@016 يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا ~~حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم ).. إلخ استئناف مسوق ~~لبيان الأحكام المتعلقة بأمور دنياهم ، إثر بيان الأحوال المتعلقة بأمور ~~دينهم وفيه من إظهار العناية بمضمونه ما لا يخفى. # وللشهادة معان منها ، الإحضار والقضاء ، والحكم ، والحلف ، والعلم ~~والإيصاء ، والمراد بها هنا الأخير ، كما نص عليه جماعة من المفسرين» (2). # وقوله : ( @QUR@01 شهادة ) يصح أن يكون مبتدأ وخبره قوله : ( @QUR@01 ~~اثنان ) على حذف مضاف. أى : شهادة اثنين. PageV04P322 # ويصح أن يكون مبتدأ والخبر محذوف. أى : فيما أمرتم به أن يشهد اثنان : ~~ويكون قوله ( @QUR@01 اثنان ) فاعلا لقوله ( @QUR@01 شهادة ) وعليه تكون ~~إضافة قوله ms1825 ( @QUR@01 شهادة ) إلى الظرف وهو ( @QUR@01 بينكم ) على التوسع. # قال القرطبي : قوله ( @QUR@02 شهادة بينكم ) قيل : معناه شهادة ما بينكم ~~فحذفت «ما» وأضيفت الشهادة إلى الظرف ، ، واستعمل اسما على الحقيقة ، وهو ~~المسمى عند النحويين بالمفعول على السعة. ومنه قوله تعالى ( @QUR@04 هذا ~~فراق بيني وبينك ) أى ، : ما بيني وبينك» والمراد بقوله : ( @QUR@04 إذا ~~حضر أحدكم الموت ) ظهور أماراته وعلاماته وهو ظرف متعلق بقوله : «شهادة». # وقوله : ( @QUR@02 حين الوصية ) بدل من الظرف. وفي هذا الإبدال تنبيه على ~~أن الوصية لا ينبغي أن يتهاون فيها. # وقوله : ( @QUR@03 ذوا عدل منكم ) صفة لقوله ( @QUR@01 اثنان ) وقوله : ( ~~@QUR@04 أو آخران من غيركم ) معطوف على قوله ( @QUR@01 اثنان ). # والمراد من غير المسلمين ، ويرى بعضهم أن المراد بقوله ( @QUR@01 منكم ) ~~أى : من قبيلتكم ، وبقوله : ( @QUR@02 من غيركم ) أى : من غير قبيلتكم. # وقوله : ( @QUR@08 إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت ) بيان ~~لمكان الوصية وزمانها. # والمراد بالضرب في الأرض السفر فيها وقيل للمسافر ضارب في الأرض لأنه ~~يضربها برجليه أو بعصاه. # والمراد بقوله : ( @QUR@03 فأصابتكم مصيبة الموت ) أى : فقاربتم نهاية ~~أجلكم بأن أحسستم بدنو الموت منكم. فليس المراد الموت بالفعل وإنما المراد ~~مشارفته ومقاربته. # وسمى سبحانه الموت مصيبة ، لأنه بطبيعته يؤلم ، أو يصحبه أو يقاربه أو ~~يسبقه آلام نفسية. # قال القرطبي : وفي الكلام حذف تقديره إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم ~~مصيبة الموت ، فأوصيتم إلى اثنين عدلين في ظنكم ودفعتم إليهما ما معكم من ~~المال ، ثم متم وذهبا إلى ورثتكم بالتركة فارتابوا في أمرهما ، وادعو ~~عليهما خيانة ، فالحكم أن تحبسوهما من بعد الصلاة ، أى تستوثقوا منهما» (1). PageV04P323 # فقوله : ( @QUR@06 تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله ) كلام مستأنف ~~لبيان ما يجب على الحاكم أن يفعله عند الشك في أمانة الرجلين اللذين دفع ~~إليهما الميت ما له ليوصلاه إلى أهله. # ومعنى ( @QUR@01 تحبسونهما ) توقفونهما وتمسكونهما لأداء اليمين اللازمة ~~عليهما والمراد بالصلاة : صلاة العصر. وقد روى ذلك عن ابن عباس وجماعة من ~~التابعين. # قال الفخر الرازي : إنما عرف هذا التعيين بوجوه : # أحدها : أن هذا الوقت كان معروفا عندهم بالتحليف بعده ، فالتقييد ~~بالمعروف المشهور أغنى عن التقييد ms1826 باللفظ. # وثانيها : ما روى أنه لما نزلت هذه الآية صلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~العصر ، ودعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر فصار فعل الرسول دليلا على ~~التقييد. # وثالثها : أن جميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ويذكرون الله فيه ، ~~ويحترزون عن الحلف الكاذب (1). # وقال الزهري : المراد بالصلاة ، الصلاة مطلقا : وإنما كان الحلف بعد ~~الصلاة ، لأنها داعية إلى النطق بالصدق ، وناهية عن الكذب والزور. # أى : توقفون أيها المسلمون هذين الرجلين بعد الصلاة لأداء اليمين ( ~~@QUR@02 فيقسمان بالله ) أى : فيحلفان بالله ( @QUR@02 إن ارتبتم ) في ~~صدقهما ، بأن يقولا : ( @QUR@08 لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ) أى : ~~لا نحصل بيمين الله عرضا من أعراض الدنيا ، ولو كان من نقسم له ونشهد عليه ~~قريبا لنا. # ( @QUR@04 ولا نكتم شهادة الله ) أى : ولا نكتم الشهادة التي أمرنا الله ~~بإظهارها وأدائها ( @QUR@04 إنا إذا لمن الآثمين ) أى : إنا إذا لنكونن ~~معدودين من المستقرين في الذنوب والآثام إن كتمناها وبدلناها عن وجهها ~~الصحيح. # وقوله ( @QUR@02 إن ارتبتم ) شرط لا يتوجه تحليف الشاهدين إلا به ، ومتى ~~لم يقع ريب ولا اختلاف فلا يمين. # وجواب الشرط محذوف للعلم به مما قبله. أى : إن ارتبتم فحلفوهما. # والضمير في قوله : ( @QUR@01 به ) يعود إلى القسم المفهوم من قوله : ( ~~@QUR@01 فيقسمان ) أى : فيقسمان بالله لا نشتري بصحة القسم ثمنا مهما كان ~~هذا الثمن. PageV04P324 # وقوله : ( @QUR@04 ولو كان ذا قربى ) تأكيد لتنزههما عن الحلف الكاذب. # قال صاحب الكشاف : والضمير في ( @QUR@01 به ) للقسم وفي ( @QUR@01 كان ) ~~للمقسم له. يعنى : لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضا من الدنيا. أى : لا ~~نحلف كاذبين لأجل المال ، ولو كان من يقسم له قريبا منا ، على معنى : أن ~~هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبدا ، وأنهم داخلون تحت قوله تعالى ( ~~@QUR@011 كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين ~~والأقربين ) (1). # فأنت ترى أن الله تعالى قد أكد هذا القسم بجملة من المؤكدات منها : أن ~~الحالفين يحلفان بأنهما لا يحصلان بيمين الله ثمنا مهما كانت قيمته ، ~~وبأنهما لن يحابيا إنسانا مهما بلغت درجة قرابته وبأنهما لن يكتما الشهادة ms1827 ~~التي أمرهما الله بأدائها على وجهها الصحيح ، وبأنهما يقران على أنفسهما ~~باستحقاق عقوبة الآثم المذنب إن كتما أو خانا أو حادا عن الحق ، وهذا كله ~~لأجل أن تصل وصية الميت إلى أهله كاملة غير منقوصة. # ثم بين سبحانه الحكم فيما إذا تبين أن الرجلين اللذين دفع إليهما الموصى ~~ما له لم يكونا أمينين فقال : ( @QUR@014 فإن عثر على أنهما استحقا إثما ~~فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان ). # وقوله : ( @QUR@01 عثر ) أى : اطلع. يقال عثر الرجل على الشيء عثورا إذا ~~اطلع عليه. ويقال : عثرت منه على خيانة أى : اطلعت. # وقوله : ( @QUR@01 الأوليان ) تثنية أولى بمعنى أقرب. فالمراد بقوله ( ~~@QUR@01 الأوليان ) أى : الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما بأحوال الميت. # والمعنى : فان اطلع بعد تحليف الشاهدين الوصيين من جهة الميت على أنهما ( ~~@QUR@02 استحقا إثما ) أى : فعلا ما يوجب الإثم من خيانة أو كتمان أو ما ~~يشبههما ( @QUR@03 فآخران يقومان مقامهما ) أى : فرجلان آخران يقومان مقام ~~اللذين اطلع على خيانتهما : أى يقفان موقفهما في الحبس بعد الصلاة والحلف ~~ويكون هذان الرجلان الآخران ( @QUR@05 من الذين استحق عليهم الأوليان ). # قال القرطبي : قال ابن السرى : أى من الذين استحق عليهم الإيصاء واختاره ~~ابن العربي ؛ وأيضا فإن التفسير عليه ، لأن المعنى عند أهل التفسير : من ~~الذين استحقت عليهم الوصية (2). PageV04P325 # وقال بعض العلماء : قوله ( @QUR@05 من الذين استحق عليهم الأوليان ) أى : ~~من ورثة الميت الذين استحق من بينهم الأوليان أى : الأقربان إلى الميت ، ~~الوارثان له. الأحقان بالشهادة ، أى : اليمين. فقوله ( @QUR@01 الأوليان ) ~~فاعل ( @QUR@01 استحق ). # ومفعول ( @QUR@01 استحق ) محذوف ، قدره بعضهم «وصيتهما» وقدره ابن عطية ~~«ما لهم وتركتهم» وقدره الزمخشري. أن يجردوهما للقيام بالشهادة لأنها حقهما ~~ويظهروا بهما كذب الكاذبين. # وقرئ ( @QUR@01 استحق ) على البناء للمفعول. أى من الذين استحق عليهم ~~الإثم أى «جنى عليهم» ، وهم أهل الميت وعشريته. وعليه فقوله : ( @QUR@01 ~~الأوليان ) هو بدل من الضمير في ( @QUR@01 يقومان ) أو من ( @QUR@01 فآخران ~~) (1). # وقوله : ( @QUR@012 فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا ~~إنا إذا لمن الظالمين ) بيان لكيفية اليمين التي يحلفها هذان الأوليان. # أى : فيحلف بالله هذان الأوليان أى الأقربان ms1828 إلى الميت قائلين ( @QUR@01 ~~لشهادتنا ) أى : ليميننا ( @QUR@01 أحق ) بالقبول ( @QUR@02 من شهادتهما ) ~~أى : من يمينهما ( @QUR@02 وما اعتدينا ) أى : وما تجاوزنا الحق في يميننا ~~وفيما نسبناه إليهما من خيانة ( @QUR@04 إنا إذا لمن الظالمين ) أى إنا إذا ~~اعتدينا وقلنا فيهما خلاف الحق لنكونن في زمرة الظالمين لأنفسهم المستحقين ~~لسخط الله وعقابه. # قال الآلوسى : وقوله ( @QUR@02 فيقسمان بالله ) معطوف على ( @QUR@01 ~~يقومان ) في قوله : ( @QUR@03 فآخران يقومان مقامهما ) والسببية ظاهرة ~~وقوله : ( @QUR@04 لشهادتنا أحق من شهادتهما ) جواب القسم. والمراد ~~بالشهادة هنا عند الكثيرين اليمين كما في قوله تعالى ( @QUR@05 فشهادة ~~أحدهم أربع شهادات بالله ). # وصيغة التفضيل ( @QUR@01 أحق ) إنما هي لإمكان قبول يمينهما في الجملة ~~باعتبار صدقهما في ادعاء تملكهما لما ظهر في أيديهما» (2). # ثم بين سبحانه وجه الحكمة والمصلحة فيما شرعه مما تقدم تفصيله فقال ( ~~@QUR@014 ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد ~~أيمانهم ). # فاسم الإشارة ( @QUR@01 ذلك ) يعود إلى ما شرعه الله من أحكام تتعلق ~~بالوصية التي تكون في السفر ويموت صاحبها. # أى : ذلك الحكم المذكور ( @QUR@06 أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ) أى ~~: أقرب إلى أن يؤدى PageV04P326 # الأوصياء الشهادة في هذه الحادثة وأمثالها على وجهها الصحيح. أى : على ~~حقيقتها من غير تغيير لها خوفا من عذاب الآخرة. فالوجه في قوله ( @QUR@02 ~~على وجهها ) بمعنى الذات والحقيقة. # والجملة الكريمة بيان لحكمة مشروعية التحليف بالتغليظ المتقدم ، وقوله : ~~( @QUR@07 أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ) بيان لحكمة رد اليمين على ~~الورثة. وهو معطوف على مقدر ينبئ عنه المقام فكأنه قيل : ذلك الذي شرعناه ~~لكم أقرب إلى أن يأتى الأوصياء بالشهادة على وجهها الصحيح ويخافوا عذاب ~~الآخرة بسبب اليمين الكاذبة ، أو يخافوا أن ترد أيمان على الورثة بعد ~~أيمانهم فيظهر كذبهم على رؤوس الأشهاد ، فيكون ذلك الخوف داعيا لهم إلى ~~النطق بالحق وترك الكذب والخيانة. # فأى الخوفين حصل عندهم سيقودهم إلى التزام الحق وترك الخيانة وإيصال ~~الحقوق لذويها كاملة غير منقوصة. # فمن لم يمنعه خوف الله من أن يكذب أو يخون لضعف دينه منعه خوف الفضيحة ~~على رءوس الأشهاد. # ثم ms1829 قال سبحانه ( @QUR@02 ذلك أدنى ) أى أقرب إلى الحق وأبعد عن الباطل ~~لأن معرفة الحق من كل وجوهه وجزئياته ، مرجعها إلى الله العليم بخفايا ~~الأمور وبواطنها وبواعثها. أما الحاكم فإنه يحكم على حسب ما يظهر له من حق ~~، وحكمه قابل للخطأ والصواب. # والضمير في قوله ( @QUR@01 يأتوا )، و ( @QUR@01 يخافوا )، و ( @QUR@01 ~~أيمانهم ) يعود إلى الأوصياء الذين أوصاهم الميت بإيصال ما يريد إيصاله ~~لورثته ، ثم حدث شك من الورثة في أمانتهم. # وجاء الضمير مجموعا مع أن السياق لاثنين فقط ، لأن المراد ما يعم هذين ~~المذكورين وما يعم غيرهما من بقية الناس. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@08 واتقوا الله واسمعوا ~~والله لا يهدي القوم الفاسقين ). # أى : واتقوا الله في كل ما تأتون وتذرون من أموركم واسمعوا ما تؤمرون به ~~سماع إذعان وقبول وطاعة واعلموا أن الله تعالى لا يوفق القوم الخارجين عن ~~طاعته إلى طريق الخير والفلاح ، لأنهم آثروا الغي على الرشد واستحبوا العمى ~~على الهدى. # فهذا الختام للآية الكريمة اشتمل على أبلغ ألوان التحذير من معصية الله ~~ومن مخالفة أمره. # هذا ؛ ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى : # 1 الحث على الوصية وتأكيد أمرها ، وعدم التهاون فيها بسبب السفر أو غيره ~~، لأن الوصية PageV04P327 # تثبت الحقوق ، وتمنع التنازع ولهذا شدد الإسلام في ضرورة كتابة الوصية ، ~~والشخص قوى معافى ، ففي صحيح مسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال : «ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصى فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته ~~مكتوبة عنده». # قال ابن عمر راوي هذا الحديث : ما مرت على ليلة منذ سمعت رسول الله قال ~~ذلك إلا وعندي وصيتي» (1). # 2 الإشهاد على الوصية في الحضر والسفر ، ليكون أمرها أثبت ، والرجاء في ~~تنفيذها أقوى ، فإن عدم الإشهاد عليها كثيرا ما يؤدى إلى التنازع وإلى ~~التشكك في صحتها. # 3 شرعية اختيار الأوقات والأمكنة والصيغ المغلظة التي تؤثر في قلوب ~~الشهود وفي قلوب مقسمى الأيمان ، وتحملهم على النطق بالحق. # قال صاحب المنار : ويشهد لاختيار الأوقات جعل ms1830 القسم بعد الصلاة ، ومثله ~~في ذلك اختيار المكان ومما ورد في السنة في ذلك ما رواه مالك وأحمد وأبو ~~داود. عن جابر مرفوعا ، «لا يحلف أحد عند منبري كاذبا إلا تبوأ مقعده من ~~النار». # ويشهد بجواز التغليظ على الحالف في صيغة اليمين بأن يقول فيه ما يرجى أن ~~يكون رادعا للحالف عن الكذب ما جاء في الآيات الكريمة من قوله تعالى ( ~~@QUR@020 فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ، ولا ~~نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين ) (2). # 4 جواز تحليف الشهود إذا ارتاب الحكام أو الخصوم في شهادتهم ، وقد روى عن ~~ابن عباس أنه حلف المرأة التي شهدت في قضية رضاع بين زوجين. # 5 جواز شهادة غير المسلمين على المسلمين عند الضرورة. وقد بسط الإمام ~~القرطبي القول في هذه المسألة على ثلاثة أقوال : # الأول : أن الكاف والميم في قوله ( @QUR@04 اثنان ذوا عدل منكم ) ضمير ~~للمسلمين ، وفي قوله ( @QUR@04 أو آخران من غيركم ) للكافرين. فعلى هذا ~~تكون شهادة أهل الكتاب على المسلمين جائزة في السفر إذا كانت وصية. وهو ~~الأشبه بسياق الآية ، مع ما تقرر من الأحاديث. # وهو قول ثلاثة من الصحابة الذين شاهدوا التنزيل وهم : أبو موسى الأشعرى ~~وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس ، وتبعهم في ذلك جمع من التابعين ، ~~واختاره أحمد بن حنبل وقال : PageV04P328 # شهادة أهل الذمة جائزة على المسلمين في السفر عند عدم المسلمين ، كلهم ~~يقولون : «منكم» من المؤمنين. ومعنى ( @QUR@02 من غيركم ) يعنى الكفار. # القول الثاني : أن قوله سبحانه ( @QUR@04 أو آخران من غيركم ) منسوخ وهذا ~~قول زيد بن أسلم ؛ والنخعي ومالك والشافعى وأبى حنيفة وغيرهم من الفقهاء. # واحتجوا بقوله تعالى ( @QUR@04 ممن ترضون من الشهداء ) وبقوله : ( ~~@QUR@04 وأشهدوا ذوي عدل منكم ) فهؤلاء زعموا أن آية الدين من آخر ما نزل ~~وأن فيها ( @QUR@04 ممن ترضون من الشهداء ) فهو ناسخ لذلك ، ولم يكن ~~الإسلام يومئذ إلا بالمدينة فجازت شهادة أهل الكتاب. وهو اليوم طبق الأرض ~~فسقطت شهادة الكفار وقد أجمع المسلمون على أن شهادة الفساق لا تجوز ms1831 والكفار ~~فساق فلا تجوز شهادتهم. # قال القرطبي : قلت : ما ذكرتموه صحيح إلا أنا نقول بموجبه وأن ذلك جائز ~~في شهادة أهل الذمة على المسلمين في الوصية في السفر خاصة للضرورة بحيث لا ~~يوجد مسلم وأما مع وجود مسلم فلا. # ولم يأت ما ادعيتموه من النسخ عن أحد ممن شهد التنزيل ، وقد قال بالأولى ~~ثلاثة من الصحابة ومخالفة الصحابة إلى غيرهم ينفر عنه أهل العلم. # ويقوى هذا أن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا ، حتى قال ابن عباس ~~والحسن وغيرهما : إنه لا منسوخ فيها ، وما ادعوه من النسخ لا يصح ، فإن ~~النسخ لا بد فيه من إثبات الناسخ على وجه ينافي الجمع بينهما مع تراخى ~~الناسخ فما ذكروه لا يصح أن يكون ناسخا ، فإنه في قصة غير قصة الوصية لمكان ~~الحاجة والضرورة ، ولا يمتنع اختلاف الحكم عند الضرورات. # القول الثالث : أن الآية لا نسخ فيها. قاله الزهري والحسن وعكرمة ، ويكون ~~معنى قوله منكم أى من عشيرتكم وقرابتكم .. ومعنى ( @QUR@04 أو آخران من ~~غيركم ) أى : من غير القرابة والعشيرة. # وهذا ينبنى على معنى غامض في العربية ، وذلك أن معنى آخر في العربية من ~~جنس الأول ، تقول : مررت بكريم وكريم آخر ولا تقول مررت بكريم وخسيس آخر ، ~~فوجب على هذا أن يكون قوله ( @QUR@04 أو آخران من غيركم ) أى عدلان من غير ~~عشيرتكم من المسلمين» (1). # وبعد أن ساقت السورة الكريمة قبل ذلك ما ساقت من تشريعات حكيمة ومن تفصيل ~~لأحوال أهل الكتاب وعقائدهم الزائفة. بعد كل ذلك اتجهت السورة في أواخرها ~~إلى الكلام PageV04P329 # عن أحوال الناس يوم القيامة وعن معجزات عيسى عليه السلام وعن موقف ~~الحواريين منه. قال تعالى : # ( @QUR@016 يوم يجمع الله الرسل فيقول ما ذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك ~~أنت علام الغيوب (109) @QUR@064 إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي ~~عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك ~~الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني ~~فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ ms1832 الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى ~~بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم ~~إن هذا إلا سحر مبين ) (110) # قال الفخر الرازي : اعلم أن عادة الله تعالى جارية في هذا الكتاب الكريم ~~أنه إذا ذكر أنواعا كثيرة من الشرائع والتكاليف والأحكام ، أتبعها إما ~~بالإلهيات وإما بشرح أحوال الأنبياء أو بشرح أحوال القيامة ، ليصير ذلك ~~مؤكدا لما تقدم ذكره من التكاليف والشرائع فلا جرم لما ذكر فيما تقدم ~~أنواعا كثيرة من الشرائع ، أتبعها بوصف أحوال القيامة. # ثم قال وفي هذه الآية قولان : # أحدهما : أنها متصلة بما قبلها والتقدير : واتقوا الله يوم يجمع الله ~~الرسل فيكون قوله : ( @QUR@02 يوم يجمع ) بدل اشتمال من قوله في الآية ~~السابقة ( @QUR@02 واتقوا الله ) والقول الثاني : أنها منقطعة عما قبلها ~~والتقدير : PageV04P330 # اذكروا ( @QUR@04 يوم يجمع الله الرسل ) (1). # والمعنى : لقد سقنا لكم أيها الناس ما سقنا من الترغيب والترهيب وبينا ~~لكم ما بينا من الأحكام والآداب ، فمن الواجب عليكم أن تتقوا الله وأن ~~تحذروا عقابه ، وأن تذكروا ذلك اليوم الهائل الشديد يوم يجمع الله الرسل ~~الذين أرسلهم إلى مختلف الأقوام. في شتى الأمكنة والأزمان فيقول لهم : ماذا ~~أجبتم من أقوامكم؟ # أى : ما الإجابة التي أجابكم بها أقوامكم؟ # وخص سبحانه الرسل بالذكر مع أن الرسل وغيرهم سيجمعون للحساب يوم القيامة ~~لإظهار شرفهم وللإيذان بعدم الحاجة إلى التصريح بجمع غيرهم من الأقوام لأن ~~هؤلاء الأقوام إنما هم تبع لهم. # وقال سبحانه ( @QUR@03 ما ذا أجبتم ) ولم يقل مثلا «هل بلغتم رسالتي ~~أولا»؟ للإشعار بأن الرسل الكرام قد بلغوا رسالة الله على أكمل وجه وأن ~~الذين خالفوهم من أقوامهم سيتحملون وزر مخالفتهم يوم القيامة. # وقوله : ( @QUR@08 قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب ) حكاية لإجابة ~~الرسل فإن قيل : لما ذا نفوا عن أنفسهم العلم مع أن عندهم بعض العلم؟ ~~فالجواب على ذلك أن هذا من باب التأدب مع الله تعالى فكأنهم يقولون : لا ~~علم لنا يذكر بجانب علمك المحيط بكل شيء ، ونحن وإن كنا قد عرفنا ما أجابنا ~~به ms1833 أقوامنا ، إلا أن معرفتنا هذه لا تتعدى الظواهر ، أما علمك أنت يا ربنا ~~فشامل للظواهر والبواطن ، أو أنهم قالوا ذلك إظهارا للتشكى والالتجاء إلى ~~الله ليحكم بينهم وبين أقوامهم الذين كذبوهم. أو أن مرادهم لا علم لنا بما ~~كان منهم بعد أن فارقناهم وفارقنا من جاء بعدنا من الناس ، لأن علمنا مقصور ~~على حال من شاهدناهم وعاصرناهم. # ورحم الله صاحب الكشاف فقد حكى هذه الأقوال وغيرها بأسلوبه البليغ فقال : ~~فإن قلت : ما معنى سؤالهم؟ قلت : توبيخ قومهم. كما كان سؤال الموءودة ~~توبيخا للوائد. فإن قلت : كيف يقولون : «لا علم لنا وقد علموا بما ~~أجيبوا؟». # قلت : يعلمون أن الغرض بالسؤال توبيخ أعدائهم فيكلون الأمر إلى علمه ~~وإحاطته بما منوا به منهم أى : بما ابتلوا به منهم ، وكابدوا من سوء ~~إجابتهم ، إظهارا للتشكى واللجأ إلى ربهم في الانتقام منهم ، وذلك أعظم على ~~الكفرة ، وأنت في أعضادهم ، وأجلب لحسرتهم PageV04P331 # وسقوطهم في أيديهم ، إذا اجتمع توبيخ الله لهم وتشكى أنبيائه منهم. ~~ومثاله : أن ينكب بعض الخوارج على السلطان خاصة من خواصه نكبة ، قد عرفها ~~السلطان واطلع على كنهها وعزم على الانتصار له منه. فجمع بينهما ويقول له : ~~ما فعل بك هذا الخارجي؟ وهو عالم بما فعل به يريد توبيخه وتبكيته ، فيقول ~~له : أنت أعلم بما فعل بي ، تفويضا للأمر إلى علم سلطانه واتكالا عليه ، ~~وإظهارا للشكاية وتعظيما لما حل به منه. ولله المثل الأعلى وقيل : من هول ~~ذلك اليوم يفزعون ويذهلون عن الجواب ، ثم يجيبون بعد ما تثوب إليهم عقولهم ~~بالشهادة على أنفسهم. # وقيل معناه : علمنا ساقط مع علمك ومغمور ، لأنك علام الغيوب ، ومن علم ~~الخفيات لم تخف عليه الظواهر التي فيها إجابة الأمم لرسلهم. # وقيل معناه : لا علم لنا بما كان منهم بعدنا ، وإنما الحكم للخاتمة ، ~~وكيف يخفى عليهم أمرهم وقد رأوهم سود الوجوه موبخين» (1). # ثم ذكر سبحانه بعض النعم التي أنعم بها على عيسى وأمه فقال : ( @QUR@012 ~~إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك ). # وقوله : ( @QUR@07 إذ قال الله ms1834 يا عيسى ابن مريم ) بدل من قوله : ( ~~@QUR@04 يوم يجمع الله الرسل ) وقد نصب بإضمار اذكر. # والمعنى : اذكر أيها المخاطب لتعتبر وتتعظ يوم يجمع الله الرسل فيقول لهم ~~ماذا أجبتم؟. واذكر أيضا زيادة في العبرة والعظة قوله سبحانه ( @QUR@04 يا ~~عيسى ابن مريم ) تذكر يا عيسى نعمى المتعددة عليك وعلى والدتك وعبر بالماضي ~~في قوله : ( @QUR@03 إذ قال الله ) مع أن هذا القول سيكون في الآخرة ، ~~للدلالة على تحقيق الوقوع ، وأن هذا القول سيحصل بلا أدنى ريب يوم القيامة. # قال أبو السعود : قوله تعالى : ( @QUR@07 إذ قال الله يا عيسى ابن مريم ) ~~شروع في بيان ما جرى بينه تعالى وبين واحد من الرسل المجموعين ، من ~~المفاوضة على التفصيل ، إثر بيان ما جرى بينه تعالى وبين الكل على وجه ~~الإجمال ليكون ذلك كالأنموذج لتفاصيل أحوال الباقين ، وتخصيص شأن عيسى ~~بالبيان ، لما أن شأنه عليه السلام متعلق بكلا الفريقين من أهل الكتاب الذين ~~نعت عليهم هذه السورة جناياتهم. فتفصيل شأنه يكون أعظم عليهم ، وأجلب ~~لحسراتهم ، وأدخل في صرفهم عن غيهم وعنادهم» (2). PageV04P332 # والمراد بالنعمة في قوله ( @QUR@02 اذكر نعمتي ) النعم المتعددة التي ~~أنعم بها سبحانه على عيسى وعلى والدته مريم حيث طهرها من كل ريبة ، ~~واصطفاها على نساء العالمين. وفي ندائه سبحانه لعيسى بقوله ( @QUR@04 يا ~~عيسى ابن مريم ) إشارة إلى أنه ابن لها وليس ابنا لأحد سواها ، فقد ولد من ~~غير أب ، ومن كان شأنه كذلك لا يصلح أن يكون إلها ، لأن الإله الحق لا يمكن ~~أن يكون مولودا أو محدثا. (1) وقوله : ( @QUR@09 إذ أيدتك بروح القدس تكلم ~~الناس في المهد وكهلا ) تعديد للنعم التي أنعم الله تعالى بها على عيسى. # وقوله ( @QUR@01 أيدتك ) أى قويتك من التأييد بمعنى التقوية. # والمراد بروح القدس : جبريل عليه السلام فإن من وظيفته أن يؤيد الله به ~~رسله بالتعليم الإلهى ، وبالتثبيت في المواطن التي من شأن البشر أن يضعفوا فيها. # وقيل : المراد ( @QUR@02 بروح القدس ) روح عيسى حيث أيده سبحانه بطبيعة ~~روحانية مطهرة في وقت سادت فيه المادية وسيطرت. # أى : أيدتك بروح الطهارة والنزاهة والكمال ms1835 ، فكنت متسما بهذه الروح ~~الطاهرة من كل سوء. # والمهد : سن الطفولة والصبا والكهولة : السن التي يكون في أعقاب سن ~~الشباب. # والمعنى : اذكر يا عيسى نعمى عليك وعلى والدتك ، وقت أن قويتك بروح القدس ~~الذي تقوم به حجتك ، ووقت أن جعلتك تكلم الناس في طفولتك بكلام حكيم لا ~~يختلف عن كلامك معهم في حال كهولتك واكتمال رجولتك. # وقوله : ( @QUR@02 إذ أيدتك ) ظرف لنعمتي. أى : اذكر إنعامى عليكما وقت ~~تأييدى لك. وذكر سبحانه كلامه في حال الكهولة مع أن الكلام في هذه الحالة ~~معهود في الناس للإيذان بأن كلامه في هاتين الحالتين المهد والكهولة كان ~~على نسق واحد بديع صادر عن كمال العقل والتدبير ، دون أن يكون هناك فرق بين ~~حالة الضعف وحالة القوة. قال الرازي : وهذه خاصية شريفة كانت حاصلة له ، ~~وما حصلت لأحد من الأنبياء قبله ولا بعده. # وقال ابن كثير : قوله ( @QUR@03 اذكر نعمتي عليك ) أى في خلقي إياك من أم ~~بلا ذكر ، وجعلى إياك آية ودلالة قاطعة على كمال قدرتي ( @QUR@02 وعلى ~~والدتك ) حيث جعلتك لها برهانا على براءتها مما نسبه الظالمون والجاهلون ~~إليها من الفاحشة و ( @QUR@04 إذ أيدتك بروح القدس ) وهو جبريل ، PageV04P333 # وجعلتك نبيا داعيا إلى الله في صغرك وكبرك. فأنطقتك في المهد صغيرا : ~~فشهدت ببراءة أمك من كل عيب. واعترفت لي بالعبودية. وأخبرت عن رسالتي إياك ~~ودعوتك إلى عبادتي ولهذا قال : ( @QUR@05 تكلم الناس في المهد وكهلا ) أى : ~~تدعو إلى الله الناس في صغرك وكبرك. وضمن ( @QUR@01 تكلم ) معنى تدعو ، لأن ~~كلامه الناس في كهولته ليس بأمر عجيب» (1). # وقوله : ( @QUR@06 وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ) بيان ~~لنعمة أخرى من النعم التي أنعم بها سبحانه على عيسى. # والمراد بالكتاب : الكتابة. أى أن عيسى عليه السلام لم يكن أميا بل كان ~~قارئا وكاتبا وقيل المراد به ما سبقه من كتب النبيين كزبور داود ، وصحف ~~إبراهيم ، وأخبار الأنبياء الذين جاءوا من قبله. # والمراد بالحكمة : الفهم العميق للعلوم مع العمل بما فهمه وإرشاد الغير إليه. # أى : واذكر وقت أن علمتك الكتابة حتى تستطيع أن تتحدى ms1836 من يعرفونها من ~~قومك. ووقت أن علمتك ( @QUR@01 الحكمة ) بحيث تفهم أسرار العلوم فهما سليما ~~تفوق به غيرك ، كما علمتك أحكام الكتاب الذي أنزلته على أخيك موسى وهو ~~التوراة وأحكام الكتاب الذي أنزلته عليك وهو الإنجيل. # ثم ذكر سبحانه بعض معجزات عيسى ، بعد أن بين بعض ما منحه من علم ومعرفة ، ~~فقال : ( @QUR@012 وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون ~~طيرا بإذني ) أى : واذكر وقت أن وفقتك لأن تخلق أى تصور من الطين صورة ~~مماثلة لهيئة الطير ( @QUR@02 فتنفخ فيها ) أى في تلك الهيئة المصورة ( ~~@QUR@01 فتكون ) أى فتصير تلك الهيئة المصورة ( @QUR@02 طيرا بإذني ) أى : ~~تصير كذلك بقدرتي وإرادتى وأمرى. # ثم قال تعالى : ( @QUR@02 وتبرئ الأكمه ) وهو الذي يولد أعمى ؛ وتبرئ ~~كذلك ( @QUR@01 الأبرص ) وهو المريض بهذا المرض العضال ( @QUR@01 بإذني ). # وقوله : ( @QUR@01 وتبرئ ) معطوف على ( @QUR@01 تخلق ). # وقوله : ( @QUR@04 وإذ تخرج الموتى بإذني ) معطوف على قوله : ( @QUR@04 ~~وإذ تخلق من الطين ). # أى : واذكر وقت أن جعلت من معجزاتك أن تخرج الموتى من القبور أحياء ~~ينطقون ويتحركون. وكل ذلك بإذنى ومشيئتى وإرادتى. # وقد ذكر المفسرون أن إبراء عيسى للأكمه والأبرص وإحياءه للموتى كان عن ~~طريق الدعاء ، PageV04P334 # وكان دعاؤه يا حي يا قيوم ، وذكروا من بين من أحياهم سام بن نوح (1). # وبعد أن ذكر سبحانه بعض المعجزات التي أعطاها لعيسى لكي ينفع بها الناس ، ~~أتبعها بذكر ما دفعه عنه من مضار فقال : ( @QUR@08 وإذ كففت بني إسرائيل ~~عنك إذ جئتهم بالبينات ). # أى : واذكر نعمتي عليك وقت أن صرفت عنك اليهود الذين أرادوا السوء ، ~~وسعوا في قتلك وصلبك مع أنك قد بشرتهم وأنذرتهم وجئتهم بالمعجزات الواضحات ~~التي تشهد بصدقك في نبوتك. # وقوله ( @QUR@09 فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين ) تذييل قصد ~~به ذمهم وتسجيل الحقد والجحود عليهم. # أى : لقد أعطيناك يا عيسى ما أعطيناك من النعم والمعجزات لتكون دليلا ~~ناطقا بصدقك ، وشاهدا يحمل الناس على الإيمان بنبوتك ، ولكن الكافرين من ~~بنى إسرائيل الذين أرسلت إليهم لم يصدقوا ما جئتهم به من معجزات واضحات ، ~~بل سارعوا إلى تكذيبك قائلين : ما ms1837 هذا الذي جئتنا به يا عيسى إلا سحر ظاهر ~~، وتخييل بين. # وهكذا نرى أن الكافرين من بنى إسرائيل ، لم تزدهم البينات التي جاء بها ~~عيسى إلا جحودا وعنادا. # ثم حكى سبحانه بعد ذلك ما قاله الحواريون لعيسى ، وما طلبوه منه ، مما ~~يدل على إكرام الله تعالى لنبيه عيسى فقال : # ( @QUR@013 وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا ~~واشهد بأننا مسلمون (111) @QUR@022 إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل ~~يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ~~(112) @QUR@015 قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ~~ونكون عليها من الشاهدين (113) PageV04P335 # @QUR@022 قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون ~~لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين (114) @QUR@017 ~~قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه ~~أحدا من العالمين ) (115) # قال ابن كثير ما ملخصه : وقوله ( @QUR@04 وإذ أوحيت إلى الحواريين ) هذا ~~أيضا من الامتنان على عيسى ، بأن جعل الله له أصحابا وأنصارا وهم الحواريون ~~والمراد بهذا الوحى الإلهام كما في قوله : ( @QUR@06 وأوحينا إلى أم موسى ~~أن أرضعيه ) وكما في قوله ( @QUR@04 وأوحى ربك إلى النحل ) وقال بعض السلف ~~في هذه الآية ( @QUR@04 وإذ أوحيت إلى الحواريين ) أى : ألهموا ذلك ~~فامتثلوا ما ألهموا (1). # فأنت ترى أن الإمام ابن كثير يرى أن المراد بالوحي هنا الإلهام. وعلى ذلك ~~كثير من المفسرين ، ومنهم من يرى أن المراد بقوله ( @QUR@04 وإذ أوحيت إلى ~~الحواريين ) أى : أمرتهم في الإنجيل على لسانك أو أمرتهم على ألسنة رسلي. # قال الآلوسى معززا هذا الرأى : وقد جاء استعمال الوحى بمعنى الأمر في ~~كلام العرب ، كما قال الزجاج وأنشد : # الحمد لله الذي استقلت %~% بإذنه السماء واطمأنت # أوحى لها القرار فاستقرت # أى : أمرها أن تقر فامتثلت (2). # والحواريون جمع حوارى. وهم أنصار عيسى الذين لازموه وآمنوا به وصدقوه. ~~وكانوا عونا له في الدعوة إلى الحق. # يقال : فلان حوارى فلان. أى : خاصته من أصحابه. ومنه قول النبي ~~صلى ms1838 الله عليه وسلم في الزبير بن العوام : لكل نبي حوارى وحوارى الزبير». # وأصل مادة «حور» الدلالة على شدة الصفاء ونصوع البياض ، ولذلك قالوا في ~~خالص لباب الدقيق : الحوارى وقالوا في النساء البيض : الحواريات ~~والحواريات. PageV04P336 # وقد سمى الله تعالى أنصار عيسى بالحواريين ، لأنهم أخلصوا لله نياتهم ، ~~وطهروا نفوسهم من النفاق والخداع فصاروا في نقائهم وصفائهم كالشىء الأبيض ~~الخالص البياض. # قال الراغب : والحواريون أنصار عيسى عليه السلام قيل كانوا صيادين وقال ~~بعض العلماء إنما سموا حواريين لأنهم كانوا يطهرون نفوس الناس بإفادتهم ~~الدين والعلم (1). # والمعنى : اذكر نعمتي عليك يا عيسى حين ( @QUR@03 أوحيت إلى الحواريين ) ~~بطريق الإلهام أو بطريق الأمر على لسانك ، وقلت لهم : ( @QUR@04 أن آمنوا ~~بي وبرسولي ) أى : آمنوا وصدقوا بأنى أنا الواحد الأحد المستحق للعبادة ~~والخضوع وآمنوا برسولي عيسى بأنه مرسل من جهتي لهدايتكم وسعادتكم. # وفي ذكر كلمة ( @QUR@01 برسولي ) إشارة إلى مقامه من الله عز وجل وانفصال ~~شخصه عن ذات الله سبحانه وأن عيسى ما هو إلا رسول من رب العالمين وأن من ~~زعموا أنه غير ذلك جاهلون وضالون. # وقوله : ( @QUR@05 قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون ) حكاية لما نطق به ~~الحواريون من إيمان وطاعة. # أى : أن الحواريين عند ما دعوا إلى الدين الحق ( @QUR@02 قالوا آمنا ) ~~بأن الله هو الواحد الأحد المستحق للعبادة وأنه لا والد له ولا ولد. ثم ~~أكدوا إيمانهم هذا ، بأن قالوا ( @QUR@01 واشهد ) علينا يا إلهنا واشهد لنا ~~يا عيسى يوم القيامة ( @QUR@02 بأننا مسلمون ) أى : منقادون لكل ما جئتنا ~~به وما تدعونا إليه. # وقدموا ذكر الإيمان لأنه صفة القلب ، وأخروا ذكر الإسلام لأنه عبارة عن ~~الانقياد الظاهر فكأنهم قالوا : لقد استقر الإيمان في قلوبنا استقرارا ~~مكينا ، كان من ثماره أن انقادت ظواهرنا لكل ما يأمرنا الله به على لسانك ~~يا عيسى. # قال الفخر الرازي ما ملخصه : فإن قيل : إنه تعالى قال في أول الآية ( ~~@QUR@05 اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك ) ثم إن جميع ما ذكره تعالى من النعم ~~مختص بعيسى ، وليس لأمه تعلق بشيء منها. قلنا : كل ما حصل للولد من ms1839 النعم ~~الجليلة والدرجات العالية فهو حاصل على سبيل التضمن والتبع للأم ولذلك قال ~~تعالى ( @QUR@05 وجعلنا ابن مريم وأمه آية ) فجعلهما معا آية واحدة لشدة ~~اتصال كل واحد منهما بالآخر. # وإنما ذكر سبحانه قوله ( @QUR@02 وإذ أوحيت ) في معرض تعديد النعم لأن ~~صيرورة الإنسان مقبول القول عند الناس محبوبا في قلوبهم ، من أعظم نعم الله ~~على الإنسان. PageV04P337 # وقد عدد عليه من النعم سبعا : ( @QUR@06 إذ أيدتك وإذ علمتك وإذ تخلق ) و ~~( @QUR@02 إذ تبرأ ). ( @QUR@07 وإذ تخرج الموتى وإذ كففت وإذ أوحيت ) (1). # ثم حكى سبحانه بعض ما دار بين عيسى وبين الحواريين فقال : ( @QUR@016 إذ ~~قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من ~~السماء ). # «المائدة» الخوان إذا كان عليه الطعام من ماد يميد ، إذا تحرك. فكأن ~~المائدة تتحرك بما عليها. وقال أبو عبيدة : سميت «مائدة» لأنها ميد بها ~~صاحبها. أى : أعطيها وتفضل عليه بها. والخوان : ما يؤكل عليه الطعام. # ويرى الأخفش وغيره أن المائدة هي الطعام نفسه ، مأخوذة من «مادة» إذا أفضل. # و «إذ» في قوله ( @QUR@07 إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم ) متعلق ~~بمحذوف تقديره : اذكر وقت قول الحواريين يا عيسى ابن مريم. # وقد ذكروه باسمه ونسبوه إلى أمه كما حكى القرآن عنهم لئلا يتوهم أنهم ~~اعتقدوا ألوهيته أو ولديته وقوله : ( @QUR@09 هل يستطيع ربك أن ينزل علينا ~~مائدة من السماء ) فيه قراءتان سبعيتان : # الأولى : ( @QUR@02 يستطيع ربك ) بالياء على أنه فعل وفاعل. وقوله ( ~~@QUR@02 أن ينزل ) المفعول. والاستفهام على هذه القراءة محمول على المجاز ، ~~لأن الحواريين كانوا مؤمنين ، ولا يعقل من مؤمن أن يشك في قدرة الله. # ومن تخريجاتهم في معنى هذه القراءة أن قوله ( @QUR@01 يستطيع ) بمعنى ~~«يطيع» والسين زائدة. كاستجاب وأجاب. # أى : أن معنى الجملة الكريمة : هل يطيعك ربك يا عيسى إن سألته أن ينزل ~~علينا مائدة من السماء. # وسنفصل القول في تخريج هذه القراءة ، وفي اختلاف المفسرين في إيمان ~~الحواريين بعد انتهائنا من تفسير هذه الآيات الكريمة. # أما القراءة الثانية : فهي «هل تستطيع ربك» بالتاء وبفتح الباء في «ربك» ms1840 ~~والمعنى : هل تستطيع يا عيسى أن تسأل ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء. ~~فقوله «ربك» منصوب على التعظيم بفعل محذوف يقدر على حسب المقام وهذه ~~القراءة لا إشكال فيها ، لأن الاستطاعة فيها متجهة إلى عيسى. أى : أتستطيع ~~يا عيسى سؤال ربك إنزال المائدة أم لا تستطيع؟ PageV04P338 # قال القرطبي : قراءة الكسائي وعلى وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد «هل ~~تستطيع» بالتاء «ربك» بالنصب وقرأ الباقون بالياء «هل يستطيع» «ربك» ~~بالرفع. # والمعنى على قراءة الكسائي بالتاء : هل تستطيع أن تسأل ربك .. # قالت عائشة : كان القوم أعلم بالله تعالى من أن يقولوا «هل يستطيع ربك» ~~وقال معاذ : أقرأنا النبي صلى الله عليه وسلم : هل تستطيع ربك قال معاذ : ~~وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم مرارا يقرأ بالتاء» (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@06 قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ) حكاية لما رد به ~~عيسى على الحواريين فيما طلبوه من إنزال المائدة : # أى قال لهم عيسى : اتقوا الله وقفوا عند حدوده ، واملئوا قلوبكم هيبة ~~وخشية منه ، ولا تطلبوا أمثال هذه المطالب إن كنتم مؤمنين حق الإيمان ، فإن ~~المؤمن الصادق في إيمانه يبتعد عن أمثال هذه المطالب التي قد تؤدى إلى فتنته. # ثم حكى القرآن ما رد به الحواريون على عيسى فقال : ( @QUR@015 قالوا نريد ~~أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين ). # أى : قال الحواريون لعيسى إننا نريد نزول هذه المائدة علينا من السماء ~~لأسباب : أولها : أننا نرغب في الأكل منها لننال البركة ، ولأننا في حاجة ~~إلى الطعام بعد أن ضيق علينا أعداؤك وأعداؤنا الذين لم يؤمنوا برسالتك. # وثانيها : أننا نرغب في نزولها لكي تزداد قلوبنا اطمئنانا إلى أنك صادق ~~فيما تبلغه عن ربك ، فإن انضمام علم المشاهدة إلى العلم الاستدلالي ، مما ~~يؤدى إلى رسوخ الإيمان ، وقوة اليقين. # وثالثها : أننا نرغب في نزولها لكي نعلم أن قد صدقتنا في دعوى النبوة ، ~~وفي جميع ما تخبرنا به من مأمورات ومنهيات ، لأن نزولها من السماء يجعلها ~~تخالف ما جئتنا به من معجزات أرضية ، وفي ذلك ms1841 ما فيه من الدلالة على صدقك ~~في نبوتك. # ورابع هذه الأسباب : أننا نرغب في نزولها لكي نكون من الشاهدين على هذه ~~المعجزة عند الذين لم يحضروها من بنى إسرائيل ، ليزداد الذين آمنوا منهم ~~إيمانا ، ويؤمن الذي عنده استعداد للإيمان. # وبذلك نرى ان الحواريين قد بينوا لعيسى كما حكى القرآن عنهم أنهم لا ~~يريدون نزول المائدة من السماء لأنهم يشكون في قدرة الله ، أو في نبوة عيسى ~~أو أن مقصدهم من هذا الطلب PageV04P339 # التعنت. وإنما هم يريدون نزولها لتلك الأسباب السابقة التي يبغون من ~~ورائها الأكل وزيادة الإيمان واليقين والشهادة أمام الذين لم يحضروا نزولها ~~بكمال قدرة الله وصدق عيسى في نبوته. # ثم حكى سبحانه ما تضرع به عيسى بعد أن سمع من الحواريين ما قالوه في سبب ~~طلبهم لنزول المائدة من السماء فقال تعالى ( @QUR@022 قال عيسى ابن مريم ~~اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية ~~منك وارزقنا وأنت خير الرازقين ). # وقوله : ( @QUR@01 اللهم ) أى : يا الله. فالميم المشددة عوض عن حرف ~~النداء ، ولذلك لا يجتمعان. وهذا التعويض خاص بنداء الله ذي الجلال ~~والإكرام. # وقوله : ( @QUR@01 عيدا ) أى سرورا وفرحا لنا ، لأن كلمة العيد تستعمل ~~بمعنى الفرح والسرور. # قال القرطبي : والعيد واحد الأعياد. وأصله من عاد يعود أى : رجع وقيل ~~ليوم الفطر والأضحى عيد ، لأنهما يعودان كل سنة. وقال الخليل : العيد كل ~~يوم يجمع الناس فيه كأنهم عادوا إليه ، وقال ابن الأنباري : سمى عيدا للعود ~~إلى المرح والفرح فهو يوم سرور» (1). # والمعنى : قال عيسى بضراعة وخشوع بعد أن سمع من الحواريين حجتهم ( ~~@QUR@02 اللهم ربنا ) أى : يا الله يا ربنا ومالك أمرنا ، ومجيب سؤالنا. ~~أتوسل إليك أن تنزل علينا ( @QUR@03 مائدة من السماء ). أى : أطعمة كائنة ~~من السماء ، هذه الأطعمة ( @QUR@05 تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا ) أى : ~~يكون يوم نزولها عيدا نعظمه ونكثر من التقرب إليك فيه نحن الذين شاهدناها ، ~~ويكون أيضا يوم نزولها عيدا وسرورا وبهجة لمن سيأتى بعدنا ممن لم يشاهدنا. # قال ابن كثير. قال السدى : أى نتخذ ms1842 ذلك اليوم الذي نزلت فيه عيدا نعظمه ~~نحن ومن بعدنا. وقال سفيان الثوري : يعنى يوما نصلى فيه. وقال قتادة : ~~أرادوا أن يكون لعقبهم من بعدهم. وقال سلمان الفارسي : يعنى يوما نصلى فيه. ~~وقال قتادة : أرادوا أن يكون لعقبهم من بعدهم. وقال سلمان الفارسي : تكون ~~عظة لنا ولمن بعدنا (2). # وقوله : ( @QUR@02 وآية منك ) معطوف على قوله ( @QUR@01 عيدا ). # أى : تكون هذه المائدة النازلة من السماء عيدا لأولنا وآخرنا ، وتكون ~~أيضا دليلا وعلامة منك سبحانك على صحة نبوتي ورسالتي ، فيصدقونى فيما أبلغه ~~عنك ، ويزداد يقينهم بكمال قدرتك. # وقوله : ( @QUR@04 وارزقنا وأنت خير الرازقين ) تذييل بمثابة التعليل لما ~~قبله. أى : أنزلها علينا يا ربنا وأرزقنا من عندك رزقا هنيئا رغدا ، فإنك ~~أنت خير الرازقين ، وخير المعطين ، وكل عطاء من PageV04P340 # سواك لا يغنى ولا يشبع. # وقد جمع عيسى في دعائه بين لفظي «اللهم وربنا» إظهارا لنهاية التضرع وشدة ~~الخضوع ، حتى يكون تضرعه أهلا للقبول والإجابة. # وعبر عن مجيء المائدة بالإنزال من السماء للإشارة إلى أنها هبة رفيعة ، ~~ونعمة شريفة ، آتية من مكان عال مرتفع في الحس والمعنى ، فيجب أن تقابل ~~بالشكر لواهبها عز وجل وبتمام الخضوع والإخلاص له. # وقوله ( @QUR@03 تكون لنا عيدا ) صفة ثانية لمائدة ، وقوله ( @QUR@01 لنا ~~) خبر كان وقوله ( @QUR@01 عيدا ) حال من الضمير في الظرف. # قال الفخر الرازي : تأمل في هذا الترتيب ، فإن الحواريين لما سألوا ~~المائدة ذكروا في طلبها أغراضا ، فقدموا ذكر الأكل فقالوا ( @QUR@04 نريد ~~أن نأكل منها ) وأخروا الأغراض الدينية الروحانية. # فأما عيسى فإنه لما ذكر المائدة وذكر أغراضه فيها قدم الأغراض الدينية ~~وأخر غرض الأكل حيث قال : ( @QUR@01 وارزقنا ) وعند هذا يلوح لك مراتب ~~درجات الأرواح في كون بعضها روحية ، وبعضها جسمانية. # ثم إن عيسى لشدة صفاء دينه لما ذكر الرزق انتقل إلى الرازق بقوله ( ~~@QUR@01 وارزقنا ) لم يقف عليه : بل انتقل من الرزق إلى الرازق فقال : ( ~~@QUR@03 وأنت خير الرازقين ). فقوله : ( @QUR@01 ربنا ) ابتداء منه بذكر ~~الحق. وقوله ( @QUR@02 أنزل علينا ) انتقال من الذات إلى الصفات. # وقوله ( @QUR@05 تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا ) إشارة إلى ابتهاج الروح ~~بالنعمة ms1843 لا من حيث إنها نعمة ، بل من حيث إنها صادرة من المنعم. # وقوله : ( @QUR@02 وآية منك ) إشارة إلى كون هذه المائدة دليلا لأصحاب ~~النظر والاستدلال. # وقوله : ( @QUR@01 وارزقنا ) إشارة إلى حصة النفس. # ثم قال الإمام الرازي : فانظر كيف ابتدأ بالأشرف فالأشرف نازلا إلى ~~الأدون فالأدون ثم قال : ( @QUR@03 وأنت خير الرازقين ) وهو عروج مرة أخرى ~~من الخلق إلى الخالق ، ومن غير الله إلى الله ، وعند ذلك تلوح لك سمة من ~~كيفية عروج الأرواح المشرقة النورانية إلى الكمالات الإلهية ونزولها (1). # ثم ختم سبحانه حديثه عن هذه المائدة وما جرى بشأنها بين عيسى والحواريين من PageV04P341 # أقوال فقال تعالى : ( @QUR@017 قال الله إني منزلها عليكم ، فمن يكفر بعد ~~منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ). # وقوله : ( @QUR@01 منزلها ) ورد فيه قراءتان متواتران. # إحداهما : منزلها بتشديد الزاى من التنزيل وهي تفيد التكثير أو التدريج ~~كما تنبئ عن ذلك صيغة التفعيل. وبهذه القراءة قرأ ابن عامر وعاصم ونافع. # وقرأ الباقون ( @QUR@01 منزلها ) بكسر الزاى من الإنزال المفيد لنزولها ~~دفعة واحدة. # والمعنى : قال الله تعالى إنى منزل عليكم المائدة من السماء إجابة لدعاء ~~رسولي عيسى عليه السلام ( @QUR@04 فمن يكفر بعد منكم ) أى فمن يكفر بعد ~~نزولها منكم أيها الطالبون لها ( @QUR@08 فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا ~~من العالمين ) أى : فإن الله تعالى يعذب هذا الكافر بآياته عذابا لا يعذب ~~مثله أحدا من عالمي زمانه أو من العالمين جميعا. # وقد أكد سبحانه عذابه للكافر بآيات الله بعد ظهورها وقيام الأدلة على ~~صحتها بمؤكدات منها : حرف إن في قوله ( @QUR@02 فإني أعذبه ) ومنها : ~~المصدر في قوله ( @QUR@03 فإني أعذبه عذابا ) إذ المفعول المطلق هنا لتأكيد ~~وقوع الفعل وهو العذاب. ومنها : وصف هذا العذاب بأنه لا يعذب مثله لأحد من ~~العالمين. # وهذه المؤكدات لوقوع العذاب على الكافر بآيات الله بعد وضوحها من أسبابه ~~: أن الكفر بعد إجابة ما طلبوه ، وبعد رؤيته ومشاهدته ؛ وبعد قيام الأدلة ~~على وحدانية الله وكمال قدرته ، وبعد ظهور البراهين الدالة على صدق رسوله. # أقول : الكفر بعد كل ذلك يكون سببه الجحود ms1844 والعناد والحسد ، والجاحد ~~والمعاند والحاسد يستحقون أشد العذاب ، وأعظم العقاب. # هذا ، وهنا مسألتان تتعلقان بهذه الآيات الكريمة ، نرى من الخير أن نتحدث ~~عنهما بشيء من التفصيل. # المسألة الأولى : آراء العلماء في إيمان الحواريين وعدم إيمانهم. # المسألة الثانية : آراء العلماء في نزول المائدة وعدم نزولها. # وللاجابة عن المسألة الأولى نقول : لعل منشأ الخلاف في إيمان الحواريين ~~وعدم إيمانهم مرجعه إلى قولهم لعيسى كما حكى القرآن عنهم ( @QUR@09 هل ~~يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء )؟ فإن هذا القول يشعر بشكهم في ~~قدرة الله على إنزال هذه المائدة. # وقد ذهب فريق من العلماء وعلى رأسهم الزمخشري إلى عدم إيمانهم ، وجعلوا ~~الظرف في PageV04P342 # قوله : ( @QUR@03 إذ قال الحواريون ) متعلقا بقوله قبل ذلك ( @QUR@05 ~~قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون ). # أى : أنهم قالوا لعيسى آمنا واشهد بأننا مسلمون ، في الوقت الذي قالوا له ~~فيه ( @QUR@03 هل يستطيع ربك ) فكأنهم ادعوا الإيمان والإسلام ادعاء بدون ~~إيقان وإذعان ، وإلا فلو كانوا صادقين في دعواهم لما قالوا لعيسى بأسلوب ~~الاستفهام : ( @QUR@03 هل يستطيع ربك ). # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف قالوا : ( @QUR@03 هل يستطيع ربك ) بعد ~~إيمانهم وإخلاصهم؟ قلت : ما وصفهم الله بالإيمان والإخلاص ، وإنما حكى ~~ادعاءهم لهما ، ثم اتبعه بقوله : ( @QUR@02 إذ قال ) فإذن دعواهم كانت ~~باطلة ، وانهم كانوا شاكين ، وقوله : ( @QUR@03 هل يستطيع ربك ) كلام لا ~~يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربهم. وكذلك قول عيسى لهم معناه : اتقوا الله ~~ولا تشكوا في اقتداره واستطاعته ، ولا تقترحوا عليه ولا تحكموا ما تشتهون ~~من الآيات فتهلكوا إذا عصيتموه بعدها ( @QUR@03 إن كنتم مؤمنين ) أى : إن ~~كانت دعواكم للايمان صحيحة (1). # وذهب جمهور العلماء إلى أن الحواريين عند ما قالوا لعيسى ( @QUR@03 هل ~~يستطيع ربك ) كانوا مؤمنين واستدلوا على ذلك بأدلة منها : # 1 أن الظرف في قوله : ( @QUR@03 إذ قال الحواريون ) ليس متعلقا بقوله : ( ~~@QUR@02 قالوا آمنا ) وإنما هو منصوب بفعل مضمر تقديره اذكر ، وهذا ما رجحه ~~العلامة أبو السعود في تفسيره فقد قال : # قوله : ( @QUR@03 إذ قال الحواريون ) كلام مستأنف مسوق لبيان بعض ما جرى ~~بينه عليه السلام وبين قومه منقطع ms1845 عما قبله ، كما ينبئ عنه الإظهار في موضع ~~الإضمار وإذ منصوب بمضمر. وقيل : هو ظرف لقالوا أريد به التنبيه على أن ~~ادعاءهم الايمان والإخلاص لم يكن عن تحقيق وإيقان ولا يساعده النظم الكريم» (2). # 2 أن قول الحواريين لعيسى ( @QUR@09 هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة ~~من السماء ) لا يسحب عنهم الإيمان ، وقد خرج العلماء قولهم هذا بتخريجات ~~منها (أ) أن قولهم لم يكن من باب الشك في قدرة الله ، وإنما هو من باب ~~زيادة الاطمئنان عن طريق ضم علم المشاهدة إلى العلم النظري بدليل أنهم ~~قالوا بعد ذلك ( @QUR@06 نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ). # وشبيه بهذا قول إبراهيم ( @QUR@013 رب أرني كيف تحي الموتى ، قال أولم ~~تؤمن؟ قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ). PageV04P343 # قال القرطبي ما ملخصه : «الحواريون خلصان الأنبياء ودخلاؤهم وأنصارهم ، ~~وقد كانوا عالمين باستطاعة الله لذلك ولغيره علم دلالة وخبر ونظر فأرادوا ~~علم معاينة كذلك ، كما قال إبراهيم ( @QUR@05 رب أرني كيف تحي الموتى ) وقد ~~كان إبراهيم علم ذلك علم خبر ونظر ، ولكن أراد المعاينة التي لا يدخلها ريب ~~ولا شبهة ؛ لأن علم النظر والخبر قد تدخله الشبهة والاعتراضات ، وعلم ~~المعاينة لا يدخله شيء من ذلك ، ولذلك قال الحواريون : ( @QUR@02 وتطمئن ~~قلوبنا ) كما قال إبراهيم ( @QUR@03 ولكن ليطمئن قلبي ) (1). # (ب) أن السؤال إنما هو عن الفعل لا عن القدرة عليه ، وقد بسط الآلوسى هذا ~~المعنى فقال : إن معنى ( @QUR@03 هل يستطيع ربك ) هل يفعل ربك كما تقول ~~للقادر على القيام : هل تستطيع أن تقوم معى مبالغة في التقاضي. # والتعبير عن الفعل بالاستطاعة من باب التعبير عن المسبب بالسبب ، إذ هي ~~أى الاستطاعة من أسباب الإيجاد (2). # (ج) أن الاستطاعة هنا بمعنى الإطاعة كما سبق أن أشرنا ويشهد لذلك قول ~~الفخر الرازي : قال السدى ؛ قوله ( @QUR@03 هل يستطيع ربك ). أى : هل ~~يطيعك ربك إن سألته. وهذا تفريع على أن استطاع بمعنى أطاع والسين زائدة (3). # والذي نراه أن رأى الجمهور أرجح للأدلة التي ذكرناها ، ولأن الله تعالى ~~قد ذكر قبل هذه الآية أنه قد امتن عليهم بإلهامهم الإيمان ms1846 فقال : # ( @QUR@08 وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي ) ولأنهم لو ~~كانوا غير مؤمنين لكشف الله عن حقيقتهم ، فقد جرت سنته سبحانه مع أنبيائه ~~أن يظهر لهم نفاق المنافقين حتى يحذروهم. # ولأنهم لو كانوا غير مؤمنين ، لما أمر الله أتباع النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالتأسى بهم في إخلاصهم ورسوخ يقيتهم قال تعالى : ( @QUR@022 يا أيها الذين ~~آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى ~~الله؟ قال الحواريون نحن أنصار الله ) (4). PageV04P344 # وقال تعالى ( @QUR@020 فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله؟ ~~قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ) (1). # فهاتان الآيتان صريحتان في مدح الحواريين وفي أنهم قوم التفوا حول عيسى ~~عليه السلام وناصروه مناصرة صادقة ، وآمنوا به إيمانا سليما من الشك ~~والتردد. # وأما المسألة الثانية : وهي آراء العلماء في نزول المائدة : فالجمهور على ~~أنها نزلت. # وقد رجح ذلك ابن جرير فقال ما ملخصه : والصواب من القول عندنا في ذلك أن ~~يقال : إن الله أنزل المائدة .. لأن الله لا يخلف وعده ، ولا يقع في خبره ~~الخلف وقد قال تعالى مخبرا في كتابه عن إجابة نبيه عيسى حين سأله ما سأله ~~من ذلك ( @QUR@03 إني منزلها عليكم ) وغير جائز أن يقول الله إنى منزلها ~~عليكم ثم لا ينزلها ، لأن ذلك منه تعالى خبر ، ولا يكون منه خلاف ما يخبر (2). # وقد علق ابن كثير على ما رجحه ابن جرير فقال : وهذا القول هو والله أعلم ~~الصواب ، كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم. # ومن الآثار ما خرجه الترمذي عن عمار بن ياسر قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنزلت المائدة من السماء خبزا ولحما ، وأمروا أن لا يخونوا ~~ولا يدخروا لغد : فخانوا وادخروا ورفعوا لغد فمسخهم قردة وخنازير. # قال الترمذي : وقد روى عن عمار من طريق موقوفا وهو أصح. # وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن شهاب عن ابن عباس ، أن عيسى ابن مريم قالوا له ~~ادع الله أن ينزل علينا مائدة من ms1847 السماء. قال : فنزلت الملائكة بالمائدة ~~يحملونها. عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة. فأكل منها آخر الناس كما أكل منها ~~أولهم (3). # والذي يراجع بعض كتب التفسير يرى كلاما كثيرا عما كان على المائدة من ~~أصناف الطعام ، وعن كيفية نزولها ومكانه ، وعن كيفية استقبالها وكشف غطائها ~~، والأكل منها والباقي عليها بعد الأكل. وهذا الكلام الكثير رأينا من الخير ~~أن نضرب عنه صفحا ، لضعف أسانيده ، ولأنه لا يخلو عن غرابة ونكارة كما قال ~~ابن كثير فقد ذكر رحمه الله أثرا طويلا في هذا المعنى ثم قال في نهايته : ~~هذا أثر غريب جدا قطعه ابن حاتم في مواضع من هذه القصة ، وقد جمعته PageV04P345 # أنا ليكون سياقه أتم» (1). # ويعجبني في هذا المقام قول ابن جرير : وأما الصواب من القول فيما كان على ~~المائدة ، فأن يقال : كان عليها مأكول. وجائز أن يكون هذا المأكول سمكا ~~وخبزا ، وجائز أن يكون من ثمر الجنة ، وغير نافع العلم به ، ولا ضار الجهل ~~به ، إذا أقر تالي الآية بظاهر ما احتمله التنزيل (2). # ويرى الحسن ومجاهد أن المائدة لم تنزل ، فقد روى ابن جرير بسنده عن قتادة ~~قال : كان الحسن يقول : لما قيل لهم : ( @QUR@04 فمن يكفر بعد منكم ) قالوا ~~: لا حاجة لنا فيها فلم تنزل. # وروى منصور بن زادان عن الحسن أيضا أنه قال في المائدة : إنها لم تنزل. # وروى ابن أبى حاتم وابن جرير عن ليث بن أبى سليم عن مجاهد قال : هو مثل ~~ضربه الله ولم ينزل شيء. # أى : مثل ضربه الله للناس نهيا لهم عن مسألة الآيات لأنبيائه. # قال الحافظ ابن كثير : وهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد والحسن وقد يتقوى ذلك ~~بأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى. وليس في كتابهم ، ولو كانت قد نزلت لكان ~~ذلك مما تتوفر الدواعي على نقله. وكان يكون موجودا في كتابهم متواترا ولا ~~أقل من الآحاد» (3). # وقد علق بعض العلماء على كلام ابن كثير هذا فقال : ولنا أن نقول : إن هذا ~~الاستدلال إن كان يعنى عدم نزولها فقط ، فقد يكون له شيء من الوجاهة ms1848 وإن ~~كان يعنى أنها لم تنزل ولم يسأل ، فهو محل نظر كبير ، لأن السؤال ما لم ~~ينته بإجابة كونية فعلية تبرز بها المائدة للناس ويرونها بأعينهم ويلمسونها ~~بأيديهم فلا يعد بذلك مما تتوافر الدواعي على نقله ، لا سيما وعيسى في بيته ~~محصورة : جماعة سألوا وأجيبوا ، وانتهى الأمر برجوعهم عما سألوا فعدم تواتر ~~سؤالها في كتب النصارى أو عدم وجوده فيها لا يستغرب كما يستغرب الأمر فيما ~~لو نزلت المائدة فعلا ورآها الناس فعلا وأكلوا منها. وتذوقوا طعامها ، ولم ~~يذكر عن ذلك شيء. # وقد ذكر القرآن هذه الحقيقة ابتداء وانفرد بها عن سائر الكتب ، ولا يلزم ~~أن يكون كل ما قصه الله تعالى في القرآن قد قصه في غيره من الكتب المتقدمة ~~، ولا أن أصحاب الأناجيل علموا بكل شيء حتى بمثل هذه المحاورة الخاصة التي ~~لم تنته بحادث كوني حتى يكون عدم ذكرهم إياها في أنا جيلهم التي وضعوها ~~دليلا على عدم سؤالها. فقصة السؤال إذن لم PageV04P346 # ترد فيما عند النصارى ولكنها وردت فيما عند المسلمين. # ومن الجائز أن تكون مما ورد في الأناجيل ، وأن تكون مما أخفاه أهل الكتاب ~~، أو ضاع منهم علمه بسبب ما. والقرآن كما وصف نفسه مهيمن على كتبهم التي ~~وصفها بأنهم حرفوها وأنهم كانوا يخفون كثيرا منها ، وأنه يبين لهم كثيرا ~~مما كانوا يخفون» (1). # هذا ومما سبق يتبين لنا أن العلماء متفقون على أن الحواريين قد سألوا ~~عيسى أن يدعو ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء ، وأن عيسى قد دعا ربه ~~فعلا أن ينزلها ، كما جاء في الآية الكريمة. # ومحل الخلاف بينهم أنزلت أم لا؟ فالجمهور يرون أنها نزلت لأن الله وعد ~~بذلك في قوله ( @QUR@03 إني منزلها عليكم ) والحسن ومجاهد يريان أنها لم ~~تنزل ، لأن الوعد بنزولها مقيد بما رتب عليه من وقوع العذاب بهم إذا لم ~~يؤمنوا بعد نزولها ، وأن القوم بعد أن سمعوا هذا الشرط قالوا : لا حاجة لنا ~~فيها. فلم تنزل. ويبدو لنا أن رأى الجمهور أقرب إلى الصواب ، لأن ظاهر ~~الآيات ms1849 يؤيده ، وكذلك الآثار التي وردت في ذلك. # ثم حكت السورة الكريمة ما سيقوله الله لعيسى يوم القيامة ، وما سيرد به ~~عيسى على خالقه عز وجل حتى تزداد حسرة الذين وصفوا المسيح وأمه. بما هما ~~بريئان منه فقال تعالى : # ( @QUR@045 وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي ~~إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت ~~قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ~~(116) @QUR@029 ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت ~~عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل ~~شيء شهيد (117) @QUR@011 إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت ~~العزيز الحكيم ) (118) PageV04P347 # وقوله : ( @QUR@016 وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ) معطوف على قوله تعالى قبل ذلك : ( ~~@QUR@03 إذ قال الحواريون ). # والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وهذا القول إنما يكون في الآخرة على ~~الصحيح والمعنى : واذكر أيها الرسول الكريم وليذكر معك كل مكلف وقت أن يسأل ~~الله تعالى عبده ورسوله عيسى فيقول له يا عيسى : أأنت قلت للناس ( @QUR@01 ~~اتخذوني ) أى : اجعلوني ( @QUR@05 وأمي إلهين من دون الله ) أى من غير الله. # قال القرطبي : اختلف في وقت هذه المقالة ، فقال قتادة وابن جريج وأكثر ~~المفسرين : إنما يقول له هذا يوم القيامة. وقال السدى وقطرب : قال له ذلك ~~حين رفعه إلى السماء وقالت النصارى فيه ما قالت فإن ( @QUR@01 إذ ) في كلام ~~العرب لما مضى والأول أصح ، يدل عليه ما قبله من قوله ( @QUR@04 يوم يجمع ~~الله الرسل ) الآية. كما يدل عليه ما بعده وهو قوله : ( @QUR@05 هذا يوم ~~ينفع الصادقين صدقهم ). # وعلى هذا تكون إذ بمعنى إذا كما في قوله : ( @QUR@06 ولو ترى إذ فزعوا ~~فلا فوت ) أى : إذا فزعوا فعبر عن المستقبل بلفظ الماضي. لأنه لتحقيق أمره ~~وظهور برهانه. كأنه قد وقع (1). # وكان النداء بقوله سبحانه ms1850 ( @QUR@04 يا عيسى ابن مريم ) أى : بغير ذكر ~~النبوة ، للإشارة إلى الولادة الطبيعية التي تنفى أن يكون إلها أو ابن إله ~~أو فيه عنصر الألوهية بأى وضع من الأوضاع لأن الألوهية والبشرية نقيضان لا ~~يجتمعان فلا يمكن أن يكون البشر فيه ألوهية ، ولا إله فيه بشرية. # والتعبير بقوله ( @QUR@01 اتخذوني ) يدل على أنه ليس له حقيقة ، بل هو في ~~ذاته اتخاذ بما لا أصل له. # والمقصود بالاستفهام في قوله : ( @QUR@02 أأنت قلت ) توبيخ للكفرة من ~~قومه وتبكيت كل من نسب إلى عيسى وأمه ما ليس من حقهما ، وفضيحتهم على رءوس ~~الأشهاد في ذلك اليوم العصيب ، لأن عيسى سينفى عن نفسه أمامهم أنه قال ذلك ~~وإنما هو أمرهم بعبادة الله وحده. ولا شك أن النفي بعد السؤال أبلغ في ~~التكذيب وأشد في التوبيخ والتقريع وادعى لقيام الحجة على من وصفوه بما هو ~~برىء منه. # قال الآلوسى : واستشكلت الآية بأنه لا يعلم أن أحدا من النصارى اتخذ مريم إلها. # وأجيب عنه بأجوبة الأول : أنهم لما جعلوا عيسى إلها لزمهم أن يجعلوا ~~والدته أيضا كذلك لأن الولد من جنس PageV04P348 # من يلده ، فذكر ( @QUR@01 إلهين ) على طريق الإلزام لهم. # والثاني : أنهم لما عظموها تعظيم الإله أطلق عليها اسم الإله كما أطلق ~~اسم الرب على الأحبار والرهبان في قوله : ( @QUR@07 اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله ). # والثالث : أنه يحتمل أن يكون فيهم من قال بذلك. ويعضد هذا القول ما حكاه ~~أبو جعفر الإمامى عن بعض النصارى أنه قد كان فيما مضى قوم يقال لهم : ~~المريمية ، يعتقدون في مريم الألوهية وهو أولى الأوجه عندي (1). # وقوله تعالى ( @QUR@011 قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ) ~~بيان لما أجاب به عيسى على خالقه عز وجل . # أى : قال عيسى مجيبا ربه بكل أدب وإذعان : تنزيها لك يا إلهى عن أن أقول ~~هذا القول ، فإنه ليس من حقي ولا من حق أحد أن ينطق به. # فأنت ترى أن سيدنا عيسى عليه السلام قد صدر كلامه بالتنزيه المطلق لله ~~عز وجل ثم ms1851 عقب ذلك بتأكيد هذا التنزيه ، بأن أعلن بأنه ليس من حقه أن يقول ~~هذا القول ، لأنه عبد له تعالى ومخلوق بقدرته. ومرسل منه لهداية الناس فكيف ~~يليق بمن كان شأنه كذلك أن يقول لمن أرسل إليهم ( @QUR@06 اتخذوني وأمي ~~إلهين من دون الله ). # ثم أضاف إلى كل ذلك الاستشهاد بالله تعالى على براءته ، وإظهار ضعفه ~~المطلق أمام علم خالقه وقدرته فقال كما حكى القرآن عنه ( @QUR@018 إن كنت ~~قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ). # أى : إن كنت قلت هذا القول وهو ( @QUR@06 اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ~~) فأنت تعلمه ولا يخفى عليك منه شيء لأنك أنت يا إلهى تعلم ما في ( @QUR@01 ~~نفسي ) أى ما في ذاتى ، ولا أعلم ما في ذاتك. # والمراد : تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم ، وتعلم ما في غيبي ولا أعلم ما ~~في غيبك ، وتعلم ما أقول وأفعل ولا أعلم ما تقول وتفعل إنك أنت يا إلهى ~~علام الغيوب. # فهذه الجملة الكريمة بجانب تأكيدها لنفى ما سئل عنه عيسى عليه السلام تدل ~~بأبلغ تعبير على إثبات شمول علم الله تعالى بكل شيء ، وقد أكد عيسى ذلك ، ~~بإن المؤكدة وبالضمير أنت ، وبصيغة المبالغة «علام» وبصيغة الجمع للفظ ~~«الغيوب» فهو لم يقل : إنك أنت عالم الغيب وإنما قال كما حكى القرآن عنه ( ~~@QUR@04 إنك أنت علام الغيوب ) بكل أنواعها ، PageV04P349 # وبكل ما يتعلق بالكائنات كلها. # وبعد هذا التنزيه من عيسى عليه السلام لله عز وجل ، وبعد هذا النفي المؤكد ~~لما سئل عنه بعد كل ذلك يحكى القرآن ما قاله عيسى لقومه فيقول : ( @QUR@018 ~~ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم ، وكنت عليهم شهيدا ~~ما دمت فيهم ) أى : ما قلت لهم يا إلهى ( @QUR@06 اتخذوني وأمي إلهين من ~~دون الله ) وإنما القول الذي قلته لهم هو الذي أمرتنى أن أبلغهم إياه وهو ~~عبادتك وحدك لا شريك لك ، فأنت ربي وربهم ، وأنت الذي خلقتني وخلقتهم ، ~~فيجب أن ندين لك جميعا بالعبادة ms1852 والخضوع والطاعة ، وأنت تعلم يا الهى أننى ~~لم أقصر في ذلك ، وأننى كنت رقيبا وشهيدا على قومي ، وداعيا لهم إلى اخلاص ~~العبادات لك والعمل بموجب أمرك مدة بقائى فيهم. # قال الفخر الرازي : وأن في قوله ( @QUR@03 أن اعبدوا الله ) مفسرة ~~والمفسر هو الهاء في (به) من قوله ( @QUR@04 إلا ما أمرتني به ) وهو يعود ~~إلى القول المأمور به. # والمعنى : ما قلت لهم إلا قولا أمرتنى به ، وذلك القول هو أن : اعبدوا ~~الله ربي وربكم. واعلم أنه كان الأصل أن يقال : ما أمرتهم إلا بما أمرتنى ~~به إلا أنه وضع القول موضع الأمر ، نزولا على موجب الأدب الحسن لئلا يجعل ~~نفسه وربه آمرين معا ، ودل على الأصل بذكر أن المفسرة (1). # وقوله : ( @QUR@011 فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء ~~شهيد ) بيان لانتهاء مهمته بعد فراقه لقومه. # أى : أنت تعلم يا إلهى بأنى ما أمرتهم إلا بعبادتك وبأنى ما قصرت في ~~حملهم على طاعتك مدة وجودى معهم ، ( @QUR@02 فلما توفيتني ) يا إلهى أى : ~~قبضتني بالرفع إلى السماء حيا ، كنت أنت الرقيب عليهم ، أى : كنت أنت وحدك ~~الحفيظ عليهم المراقب لأحوالهم ، العليم بتصرفاتهم. الخبير بمن أحسن منهم ~~وبمن أساء وأنت يا إلهى على كل شيء شهيد ، لا تخفى عليك خافية من أمور خلقك. # هذا. وما ذهبنا إليه من أن معنى ( @QUR@02 فلما توفيتني ) أى : قبضتني ~~بالرفع إلى السماء حيا قول جمهور العلماء. # ومنهم من يرى أن معنى ( @QUR@02 فلما توفيتني ) أى : أمتنى وزعموا أن ~~رفعه إلى السماء كان بعد موته. PageV04P350 # قال بعض العلماء مؤيدا ما ذهب أليه الجمهور قوله : ( @QUR@02 فلما ~~توفيتني ) أى فلما أخذتنى وافيا بالرفع إلى السماء حيا ، إنجاء لي مما ~~دبروه من قتلى ، من التوفي وهو أخذ الشيء وافيا أى كاملا. وقد جاء التوفي ~~بهذا المعنى في قوله تعالى ( @QUR@010 يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ~~ومطهرك من الذين كفروا ... ). # ولا يصح أن يحمل التوفي على الإماتة ، لأن إماتة عيسى في وقت حصار أعدائه ~~له ليس فيها ما يسوغ الامتنان بها ، ورفعه إلى السماء جثة ms1853 هامدة سخف من ~~القول ، وقد نزه الله السماء أن تكون قبرا لجثث الموتى ، وإن كان الرفع ~~بالروح فقط ، فأى مزية لعيسى في ذلك على سائر الأنبياء ، والسماء مستقر ~~أرواحهم الطاهرة فالحق أنه عليه السلام رفع إلى السماء حيا بجسده وروحه وقد ~~جعله الله آية ، والله على كل شيء قدير» (1). # وقال الشيخ القاسمى : وقد دلت الآية الكريمة على أن الأنبياء بعد استيفاء ~~أجلهم الدنيوي ، ونقلهم إلى البرزخ لا يعلمون أعمال أمتهم وقد روى البخاري ~~هنا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~صلى الله عليه وسلم : «يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا» ~~أى غير مختونين ثم قال : ( @QUR@010 كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا ~~إنا كنا فاعلين ). ثم قال صلى الله عليه وسلم : «ألا وإن أول الخلائق يكسى ~~يوم القيامة إبراهيم ألا وإنه يجاء برجال من أمتى فيؤخذ بهم ذات الشمال ~~فأقول : يا رب أصحابى فيقال : إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال ~~العبد الصالح ، وكنت عليهم شهيدا مادمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب ~~عليهم ، فيقال لي : إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم» (2). # وبعد أن أجاب عيسى على سؤال ربه تلك الإجابة الموفقة. فوض الأمر إليه ~~سبحانه في شأن قومه. فقال كما حكى القرآن عنه ( @QUR@011 إن تعذبهم فإنهم ~~عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ). # أى : إن تعذب يا إلهى قومي ، فإنك تعذب عبادك الذين خلقتهم بقدرتك ، ~~والذين تملكهم ملكا تاما ، ولا اعتراض على المالك المطلق فيما يفعل ~~بمملوكه. وإن تغفر لهم ، وتستر سيئاتهم وتصفح عنهم فذلك إليك وحدك ، لأن ~~صفحك عمن تشاء من عبادك هو صفح القوى القاهر الغالب الذي لا يعجزه شيء. ~~والذي يضع الأمور في مواضعها بمقتضى حكمته السامية وقد قال بعض المفسرين ~~هنا : كيف جاز لعيسى أن يقول : ( @QUR@03 وإن تغفر لهم ) والله تعالى لا ~~يغفر أن يشرك به؟ PageV04P351 # وقد أجاب عن ذلك الإمام القرطبي بقوله : قول عيسى ms1854 ( @QUR@03 وإن تغفر لهم ~~) قاله على وجه الاستعطاف لهم ، والرأفة بهم ، كما يستعطف السيد لعبده ، ~~ولهذا لم يقل : فإنهم عصوك. وقيل قاله على وجه التسليم لأمره ، والاستجارة ~~من عذابه ، وهو يعلم أنه لا يغفر لكافر وقيل. الهاء والميم في ( @QUR@02 إن ~~تعذبهم ) لمن مات منهم على الكفر. والهاء والميم في قوله : ( @QUR@03 وإن ~~تغفر لهم ) لمن تاب منهم قبل الموت. وهذا وجه حسن» (1). # أقول : هذا الوجه الثالث الذي ذكره القرطبي قد اكتفى به بعض المفسرين ~~فقال : قوله : ( @QUR@02 إن تعذبهم ) أى : من أقام على الكفر منهم ( ~~@QUR@02 فإنهم عبادك ) وأنت مالكهم تتصرف فيهم كيف شئت لا اعتراض عليك ( ~~@QUR@03 وإن تغفر لهم ) أى : لمن آمن منهم ( @QUR@03 فإنك أنت العزيز ) ~~الغالب على أمره ( @QUR@01 الحكيم ) في صنعه (2). # ومع وجاهة هذا الوجه فإننا نرى أن الآية الكريمة حكاية للتفويض المطلق ~~الذي فوضه عيسى إلى ربه سبحانه في شأن قومه ولهذا قال ابن كثير : # هذا الكلام يتضمن رد المشيئة إلى الله تعالى فإنه الفعال لما يشاء الذي ~~لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ويتضمن التبري من النصارى الذين كذبوا على ~~الله وكذبوا على رسوله ، وجعلوا لله ندا وصاحبة وولدا. # وهذه الآية لها شأن عظيم ونبأ عجيب ، وقد ورد في الحديث أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قام بها ليلة حتى الصباح يرددها. # فقد روى الإمام أحمد عن أبى ذر قال : صلى النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ~~: فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها ( @QUR@04 إن تعذبهم فإنهم عبادك ~~) الآية فلما أصبح قلت : يا رسول الله ألم تزل تقرأ هذه الآية حتى أصبحت ~~تركع بها وتسجد بها؟ قال : إنى سألت ربي عز وجل الشفاعة لأمتى فأعطانيها وهي ~~نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله شيئا» (3). # وبعد أن حكى القرآن الكريم ما رد به عيسى عليه السلام على قول ربه وخالقه ~~سبحانه ( @QUR@09 أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ) وقد ~~تضمن هذا الرد كما سبق أن بينا التنزيه المطلق لله تعالى ، والنفي التام ~~لأن يكون عيسى قد ms1855 قال هذا القول. بعد كل ذلك ختم سبحانه تلك المجاوبة ببيان ~~حسن عاقبة الصادقين يوم القيامة فقال تعالى : PageV04P352 # ( @QUR@024 قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم (119) ~~@QUR@011 لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير ) (120) # قال الآلوسى : ( @QUR@02 قال الله ) كلام مستأنف ختم به سبحانه حكاية ما ~~حكى مما يقع يوم يجمع الله الرسل. وأشير إلى نتيجته ومآله. والمراد بقول ~~الله تعالى عقيب جواب عيسى الإشارة إلى صدقه ضمن بيان حال الصادقين الذين ~~هو في زمرتهم (1). # والمراد باليوم في قوله ( @QUR@02 هذا يوم ) يوم القيامة الذي تجازى فيه ~~كل نفس بما كسبت وقد قرأ الجمهور برفع ( @QUR@01 يوم ) من غير تنوين على ~~أنه خبر لاسم الإشارة أى : قال الله تعالى : إن هذا اليوم هو اليوم الذي ~~ينتفع الصادقون فيه بصدقهم في إيمانهم وأعمالهم ، لأنه يوم الجزاء والعطاء ~~على ما قدموا من خيرات في دنياهم. # أى أن صدقهم في الدنيا ينفعهم يوم القيامة ، بخلاف صدق الكفار يوم ~~القيامة فإنه لا ينفعهم ، لأنهم لم يكونوا مؤمنين في دنياهم. # وقرأ نافع (يوم) بالنصب من غير تنوين على أنه ظرف لقال. أى : قال الله ~~تعالى هذا القول لعيسى يوم ينفع الصادقين صدقهم. # وقوله : ( @QUR@09 لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ) ~~جملة مستأنفه لبيان مظاهر النفع الذي ظفر به الصادقون في هذا اليوم. # أى : أن هؤلاء الصادقين في دنياهم قد نالوا في آخرتهم جنات تجرى من تحت ~~أشجارها وسررها الأنهار ( @QUR@03 خالدين فيها أبدا ) أى : مقيمين فيها ~~إقامة دائمة لا يعتريها انقطاع وقوله : ( @QUR@05 رضي الله عنهم ورضوا عنه ~~) أى : رضى الله عنهم فأعطاهم بسبب إيمانهم الصادق وعملهم الصالح عطاء هو ~~نهاية الآمال والأمانى. ورضوا عنه بسبب هذا العطاء الجزيل الذي لا تحيط ~~العبارة بوصفه. # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@03 ذلك الفوز العظيم ) يعود إلى ما انتفع ~~به الصادقون من جنات PageV04P353 # تجرى من تحتها الأنهار. ومن رضا الله عنهم. أى : إلى ms1856 النعيم الجثمانى ~~المتمثل في الجنات وما يتبعها من عيشة هنيئة ، وإلى النعيم الروحاني ~~المتمثل في رضا الله عنهم. # قال الفخر الرازي : اعلم أنه تعالى لما أخبر أن صدق الصادقين في الدنيا ~~ينفعهم في القيامة شرح كيفية ذلك النفع وهو الثواب. وحقيقة الثواب : أنها ~~منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم ، فقوله : ( @QUR@06 لهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار ) إشارة إلى المنفعة الخالصة عن الغموم والهموم ، وقوله ( ~~@QUR@03 خالدين فيها أبدا ) إشارة إلى الدوام. واعتبر هذه الدقيقة : فإنه ~~أينما ذكر الثواب قال ( @QUR@03 خالدين فيها أبدا ) وأينما ذكر العقاب ~~للفساق من أهل الإيمان ، ذكر لفظ الخلود ولم يذكر معه التأييد ، وأما قوله ~~: ( @QUR@05 رضي الله عنهم ورضوا عنه ) فتحته أسرار عجيبة لا تسمح الأقلام ~~بمثلها جعلنا الله من أهلها» (1). # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بهذه الآية الدالة على شمول ملكه لكل شيء ~~في هذا الكون فقال : ( @QUR@011 لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على ~~كل شيء قدير ) أى : لله تعالى وحده دون أحد سواه الملك الكامل للسموات ~~وللأرض ولما فيهن من كل كائن وهو سبحانه على كل شيء قدير لا يعجزه أمر ~~أراده ، ومن زعم أن له شريكا سواء أكان هذا الشريك عيسى أم أمه أم غيرهما ~~فقد أعظم الفرية وتسر بل بالجهل ، وكان مستحقا لخزي الدنيا ، وعذاب الآخرة. # وقال سبحانه ( @QUR@02 وما فيهن ) فغلب غير العقلاء ، للإشارة إلى أن كل ~~المخلوقات مسخرة في قبضة قهره وقدرته وقضائه وقدره وهم في ذلك التسخير ~~كالجمادات التي لا قدرة لها. إذ أن قدرة سائر المخلوقات بالنسبة لقدرة الله ~~كلا قدرة. # وإن هذه الآية الكريمة ، لمتسقة كل الاتساق مع الآية التي قبلها ، لأنه ~~سبحانه بعد أن بين جزاء الصادقين في دنياهم عقبه ببيان سعة ملكه ، وشمول ~~قدرته الدالين على أن هذا الجزاء لا يقدر عليه أحد سواه سبحانه . # وإن هذه الآية الكريمة أيضا لمتسقة كل الاتساق لأن تكون خاتمة لهذه ~~السورة التي ساقت ما ساقت من تشريعات وأحكام وآداب وهدايات ومن حجج حكيمة ، ~~وأدلة ساطعة دحضت بها الأقوال الباطلة التي افتراها ms1857 أهل الكتاب . خصوصا ~~النصارى على عيسى وأمه مريم ، وبرهنت على أن عيسى وأمه ما هما إلا عبدان من ~~عباد الله ، يدينان له بالعبادة والطاعة والخضوع ، ويأمران غيرهما بأن ينهج ~~نهجهما في ذلك. PageV04P354 # ثم أما بعد : فهذا ما وفقني الله تعالى لكتابته في تفسير سورة المائدة ، ~~تلك السورة التي اشتملت من بين ما اشتملت على كثير من التشريعات التي تتعلق ~~بالحلال والحرام وبالعبادات والحدود والقصاص والأيمان. كما اشتملت على كثير ~~من الآيات التي تتعلق بأهل الكتاب فذكرت حكم أطعمتهم وحكم الزواج بالمحصنات ~~من نسائهم ، كما ذكرت أقوالهم الباطلة في شأن عيسى وأمه وردت على مزاعمهم ~~بما يدحض مفترياتهم في هذا الشأن وفي غيره. # والله أسأل أن يجعل ما كتبناه خالصا لوجهه ، ونافعا وشفيعا لنا يوم نلقاه ~~( @QUR@012 يوم لا ينفع مال ولا بنون ، إلا من أتى الله بقلب سليم ). # والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه واتباعه إلى يوم الدين. ||محمد سيد طنطاوى شيخ الأزهر| PageV04P355 ### ||| * فهرس إجمالى لتفسير سورة «المائدة» # مقدمة................................................................. ~~......... 5 # تمهيد................................................................. ~~.......... 7 # 1 يا أيها الذين آمنوا أوفوا ~~بالعقود............................................... 21 # 2 يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا ~~شعائر.............................................. 25 # 3 حرمت عليكم الميتة ~~والدم.................................................... 33 # 4 يسألونك ماذا أحل ~~لهم...................................................... 46 # 5 اليوم أحل لكم ~~الطيبات..................................................... 50 # 6 يا أيها الذين آمنوا إذا ~~قمتم................................................... 57 # 7 واذكروا نعمة الله ~~عليكم...................................................... 70 # 8 يا أيها الذين آمنوا كونوا ~~قوامين................................................ 72 # 9 وعد الله الذين آمنوا ~~وعملوا................................................... 74 # 10 والذين كفروا ~~وكذبوا........................................................ 75 # 11 يا أيها الذين آمنوا اذكروا ~~نعمة.............................................. 75 # 12 ولقد أخذ الله ميثاق بنى ~~إسرائيل............................................. 77 # 13 فبما نقضهم ~~ميثاقهم....................................................... 81 # 14 ومن الذين قالوا إنا ~~نصارى................................................. 85 # 15 يا أهل الكتاب قد جاءكم ~~رسولنا............................................ 88 # 16 يهدى به الله من ~~اتبع...................................................... 90 # 17 لقد كفر الذين قالوا إن الله هو ~~المسيح........................................ 91 # 18 وقالت اليهود ~~والنصارى.................................................... 95 # 19 يا أهل الكتاب قد جاءكم ~~رسولنا............................................ ms1858 98 # 20 وإذ قال موسى ~~لقومه..................................................... 101 # 21 يا قوم ادخلوا الأرض ~~المقدسة.............................................. 105 PageV04P356 # 22 قالوا يا موسى إن فيها قوما ~~جبارين......................................... 107 # 23 قال رجلان من الذين ~~يخافون.............................................. 108 # 24 قالوا يا موسى إنا لن ندخلها ~~أبدا.......................................... 109 # 25 قال رب إنى لا أملك ~~إلا.................................................. 110 # 26 قال فإنها محرمة ~~عليهم.................................................... 111 # 27 واتل عليهم نبأ ابني ~~آدم................................................... 117 # 28 لئن بسطت إلى ~~يدك..................................................... 120 # 29 إنى أريد أن ~~تبوء......................................................... 120 # 30 فطوعت له ~~نفسه........................................................ 122 # 31 فبعث الله غرابا ~~يبحثذ.................................................... 123 # 32 من أجل ذلك كتبنا ~~على.................................................. 125 # 33 إنما جزاء الذين ~~يحاربون................................................... 129 # 34 إلا الذين تابوا من ~~قبل.................................................... 137 # 35 يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله................................................ 138 # 36 إن الذين كفروا لو أن ~~لهم................................................. 142 # 37 يريدون أن يخرجوا من ~~النار................................................ 144 # 38 والسارق والسارقة ~~فاقطعوا................................................. 144 # 39 فمن تاب من بعد ~~ظلمه.................................................. 146 # 40 ألم تعلم أن الله له ~~ملك................................................... 146 # 41 يا أيها الرسول لا ~~يحزنك.................................................. 150 # 42 سماعون للكذب ~~أكالون.................................................. 158 # 43 وكيف يحكونك ~~وعندهم.................................................. 162 # 44 إنا أنزلنا ~~التوراة........................................................... 163 # 45 وكتبنا عليهم فيها ~~أن..................................................... 169 # 46 وقفينا على آثارهم ~~بعيسى................................................. 174 # 47 وليحكم أهل ~~الإنجيل..................................................... 177 # 48 وأنزلنا إليك الكتاب ~~بالحق................................................ 178 PageV04P357 # 49 وأن احكم بينهم بما أنزل ~~الله.............................................. 184 # 50 أفحكم الجاهلية ~~يبغون.................................................... 186 # 51 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~اليهود........................................ 188 # 52 فترى الذين في قلوبهم ~~مرض............................................... 191 # 53 ويقول الذين ~~آمنوا........................................................ 193 # 54 يا أيها الذين آمنوا من ~~يرتد................................................ 196 # 55 إنما وليكم الله ~~ورسوله.................................................... 200 # 56 ومن يتول الله ~~ورسوله..................................................... 202 # 57 يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا.............................................. 203 # 58 وإذا ناديتم إلى ~~الصلاة................................................... 204 # 59 قل يا أهل ~~الكتاب....................................................... 205 # 60 قل هل أنبئكم بشر من ~~ذلك.............................................. 208 # 61 وإذا جاءوكم قالوا ~~آمنا.................................................... 209 # 62 وترى كثيرا منهم ~~يسارعون................................................. 211 # 63 لو لا ينهاهم ~~الربانيون.................................................... 212 # 64 وقالت اليهود يد الله ~~مغلولة............................................... 214 # 65 ولو ms1859 أن أهل ~~الكتاب..................................................... 219 # 66 ولو أنهم أقاموا ~~التوراة..................................................... 220 # 67 يا أيها الرسول ~~بلغ....................................................... 222 # 68 قل يا أهل ~~الكتاب....................................................... 226 # 69 إن الذين ~~آمنوا........................................................... 228 # 70 لقد أخذنا ~~ميثاق........................................................ 230 # 71 وحسبوا أن لا تكون ~~فتنة................................................. 233 # 72 لقد كفر الذين ~~قالوا...................................................... 236 # 73 لقد كفر الذين قالوا إن الله ~~ثالث.......................................... 238 # 74 أفلا يتوبون إلى ~~الله....................................................... 240 # 75 ما المسيح ابن مريم إلا ~~رسول.............................................. 242 PageV04P358 # 76 قل أتعبدون من دون ~~الله.................................................. 243 # 77 قل يا أهل الكتاب لا ~~تغلو................................................ 245 # 78 لعن الذين كفروا من بنى ~~إسرائيل........................................... 247 # 79 كانوا لا ~~يتناهون......................................................... 249 # 80 ترى كثيرا ~~منهم.......................................................... 251 # 81 ولو كانوا ~~يؤمنون......................................................... 252 # 82 لتجدن أشد ~~الناس....................................................... 253 # 83 وإذا سمعوا ما ~~أنزل........................................................ 256 # 84 وما لنا لا نؤمن ~~بالله...................................................... 257 # 85 فأثابهم الله بما ~~قالوا....................................................... 258 # 86 والذين كفروا ~~وكذبوا...................................................... 259 # 87 يا أيها الذين آمنوا لا ~~تحرموا............................................... 259 # 88 وكلوا مما رزقكم ~~الله....................................................... 261 # 89 لا يؤاخذكم الله ~~باللغو.................................................... 264 # 90 يا أيها الذين آمنوا إنما ~~الخمر............................................... 274 # 91 إنما يريد الشيطان أن يوقع ~~بينكم........................................... 278 # 92 وأطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول................................................ 279 # 93 ليس على الذين آمنوا ~~وعملوا.............................................. 285 # 94 يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم ~~الله............................................ 290 # 95 يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا ~~الصيد.......................................... 292 # 96 أحل لكم صيد البحر ~~وطعامه............................................. 298 # 97 جعل الله الكعبة البيت ~~الحرام.............................................. 301 # 91 اعلموا أن الله شديد ~~العقاب............................................... 305 # 99 ما على الرسول إلا ~~البلاغ................................................ 305 # 100 قل لا يستوي الخبيث ~~والطيب........................................... 306 # 101 يا أيها الذين آمنوا لا ~~تسألوا............................................. 307 # 102 قد سألها قوم من ~~قبلكم................................................. 311 PageV04P359 # 103 ما جعل الله من ~~بحيرة................................................... 314 # 104 وإذا قيل لهم ~~تعالوا...................................................... 317 # 105 يا أيها الذين آمنوا عليكم ~~أنفسكم....................................... 318 # 106 يا أيها الذين آمنوا شهادة ~~بينكم.......................................... 320 # 107 فإن عثر على أنهما ~~استحقا.............................................. 325 # 108 ذلك أدنى أن يأتوا ~~بالشهادة............................................. 326 # 109 يوم يجمع الله ~~الرسل.................................................... 330 ms1860 # 110 إذ قال الله يا عيسى ابن ~~مريم............................................ 332 # 111 وإذ أوحيت إلى ~~الحواريين................................................ 335 # 112 إذ قال ~~الحواريون....................................................... 338 # 113 قالوا نريد أن نأكل ~~منها................................................. 339 # 114 قال عيسى ابن ~~مريم.................................................... 340 # 115 قال الله إنى منزلها ~~عليكم................................................ 342 # 116 وإذ قال الله يا عيسى ابن ~~مريم........................................... 347 # 117 ما قلت لهم إلا ما أمرتنى ~~به.............................................. 350 # 118 إن تعذبهم فإنهم ~~عبادك................................................. 351 # 119 قال الله هذا يوم ينفع ~~الصادقين.......................................... 353 # 120 لله ملك السموات ~~والأرض.............................................. 354 PageV04P360 ![](https://books.rafed.net/Books/3942_altafsir-alwasit-05/images/image001.gif) PageV05P001 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة # الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أفضل المرسلين سيدنا محمد ~~وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. # وبعد : فهذا تفسير وسيط لسورة الأنعام ، حاولت فيه أن أكشف عما اشتملت ~~عليه هذه السورة الكريمة من توجيهات سامية ، وآداب عالية ، وهدايات محكمة ، ~~ووصايا جليلة، وحجج باهرة تقذف حقها على باطل الملحدين فتدمغه فإذا هو ~~زاهق، وقيم الأدلة الساطعة على وحدانية الله وعلى صدق رسوله محمد ~~صلى الله عليه وسلم على صحة البعث والحساب والثواب والعقاب. # وقد رأيت من الخبر قبل أن أبدا في تفسير هذه السورة الكريمة، أن أقدم بين ~~يديها تعريفا لها ، أتحدث فيه عن زمان ومكان نزولها ، وعن طبيعة الفترة ~~التي نزلت فيها ، وعن سبب تسميتها بهذا الاسم ، وعن مناسبتها لما قبلها وعن ~~المقاصد والأهداف التي اشتملت عليها ، وعن فضائل هذه السورة الكريمة ~~ومزاياها .. # والله نسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، ونافعا لعباده، إنه أكرم ~~مسئول وأعظم مأمول. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ||د. محمد سيد طنطاوي| PageV05P003 ### ||| * تمهيد بين يدي السورة ### ||| ** 1 متى نزلت سورة الأنعام؟ # سورة الأنعام عدد آياتها خمس وستون ومائة آية وهي أول سورة مكية من طوال ~~المفصل بالنسبة لترتيب المصحف ، وتعتبر بالنسبة لهذا الترتيب السورة ~~السادسة ، فقد سبقتها سور : الفاتحة ، والبقرة ، وآل عمران ، والنساء ، ~~والمائدة ، وهي سور مدنية باستثناء سورة الفاتحة. # أما ترتيبها في النزول فقد قال العلماء : إنها السورة السادسة والخمسون ، ~~وإن نزولها ms1861 كان بعد نزول سورة «الحجر». # ويغلب على الظن أن نزول سورة الأنعام كان في السنة الرابعة من البعثة ~~النبوية الشريفة ، وذلك لأن سورة الحجر التي نزلت قبلها فيها آية تأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بأن يجهر بدعوته وهي قوله تعالى ( @QUR@06 فاصدع بما ~~تؤمر وأعرض عن المشركين ) (1). # ومن المعروف تاريخيا أن النبي صلى الله عليه وسلم مكث يدعو الناس سرا إلى ~~عبادة الله زهاء ثلاث سنين ، ثم بدأت مرحلة الجهر بالدعوة في السنة الرابعة ~~من البعثة بعد أن أمره الله بأن يصدع بما يؤمر به ، أى : يجهر بما يكلف ~~بتبليغه للناس ، مأخوذ من صدع بالحجة إذا جهر بها. # قال ابن إسحاق عند حديثه عن مرحلة الجهر بالدعوة الإسلامية : «ثم دخل ~~الناس في الإسلام أرسالا من الرجال والنساء حتى فشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث ~~به ، ثم إن الله تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يصدع بما جاءه منه ، ~~وأن يبادى الناس بأمره ، وأن يدعو إليه ، وكان بين ما أخفى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أمره واستتر به إلى أن أمره الله تعالى بإظهار دينه ثلاث ~~سنين فيما بلغني من مبعثه ، ثم قال الله تعالى له : ( @QUR@06 فاصدع بما ~~تؤمر وأعرض عن المشركين ) (2). ### ||| ** 2 طبيعة الفترة التي نزلت فيها سورة الأنعام : # قلنا إن سورة الأنعام نزلت غالبا في السنة الرابعة من البعثة النبوية ، ~~وهذه الفترة من تاريخ الدعوة الإسلامية كانت فترة نضال فكرى عنيف بين ~~الإسلام والشرك ، ففيها بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بدعوته ويصارح ~~قريشا برسالته ، ويدعوهم بأعلى صوته إلى الإيمان بالله وملائكته PageV05P005 # وكتبه ورسله واليوم الآخر ، ويبين لهم بجرأة ووضوح بطلان عقائدهم ، ~~وسخافة تفكيرهم واعوجاجهم عن الطريق المستقيم. # وأخذ المشركون يدافعون عن معتقداتهم بكل وسيلة بعد أن رأوا الدعوة ~~الإسلامية يزداد نورها يوما بعد يوم ، ورأوا أتباع النبي صلى الله عليه وسلم ~~يزيدون ولا ينقصون ، ويجهرون بتعاليم دينهم بعد أن كانوا يخفونها ويتحملون ~~في سبيل نشرها الكثير من ألوان التعذيب والترهيب. # وقد صور بعض العلماء طبيعة ms1862 هذه الفترة التي كانت تجتازها الدعوة ~~الإسلامية عند نزول سورة الأنعام فقال : # «وهذه الفترة من فترات الدعوة الإسلامية كانت فترة عنيفة أشد العنف ، ~~مملوءة بالمقاومة من الجانبين كأعظم ما تكون المقاومة ، فالمشركون مأخوذون ~~بهذا النجاح الذي صارت إليه الدعوة حتى استطاعت أن تستعلن بعد الخفاء ، وأن ~~تتحدى في صوت عال ، ونداء جهير ، بعد ما كان المؤمنون بها يلجئون إلى ~~الشعاب والأماكن البعيدة ليؤدوا صلاتهم ، والرسول صلى الله عليه وسلم ماض فيما ~~أمره به ربه من الصدع بدعوة الحق ، يتلو عليهم ما أنزله الله عليه من كتابه ~~، وفيه إنذار لهم وتفنيد لمعتقداتهم ، وتسفيه لآرائهم ، وإنكار لآلهتهم ، ~~وتهكم بأوثانهم وتقاليدهم البالية. # يومئذ واجهت دعوة الحق أعداءها مسفرة واضحة متحدية ، ووقف هؤلاء الأعداء ~~مشدوهين مضطربين يشعرون في أعمال نفوسهم بصدقها وكذبهم ، ويترقبون يوما ~~قريبا لانتصارها وانهزامهم ، ولا يجدون لهم حيلة إلا المكابرة والمعارضة ~~المستميتة بما درجوا عليه من العقائد الباطلة ، بادعائهم كذب الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وبزعمهم أن إرسال الرسل من البشر أمر لم يقع من قبل ، وأن ~~الله لو شاء إبلاغ عباده شيئا لأنزل إليهم ملائكة ، وإنكارهم البعث والدار ~~الآخرة ، واستماتوا في الدفاع عن عقائدهم وآلهتهم ، ونسوا أن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم عاش فيهم عمرا طويلا لم يقل فيه يوما قولة كاذبة ، ولم يخن ~~فيه يوما أمانة أؤتمن عليها ، وأنهم لذلك كانوا يلقبونه بالصادق الأمين. # لم يذكروا شيئا من ذلك ولم يفكروا فيه ، ولكنهم فكروا فقط في أن الدعوة ~~الجديدة التي استعلنت بعد استخفاء ، وتحدت بعد ما ظنوه بها من الاستخذاء ، ~~يجب أن تموت في مهدها ويجب أن تكتم أنفاسها قبل أن تنبعث حرارة هذه الأنفاس ~~إلى البلاد والقبائل والشعوب. # ورحبت الدعوة الإسلامية بهذا النضال ، وتحملت أعباءه وأثقاله ، وكان ذلك ~~أول النصر ، لأن النور لا يظهر إلا بعد الاحتكاك. # وأخذت سور القرآن في هذه المرحلة تتلاحق ، وأخذت آياتها تتعاون وتتآزر ، ~~وكانت أغراضها متشابهة إلى حد بعيد ، وكان أولها وأحفلها بما نزلت له من ~~أغراض بعد أمر الرسول PageV05P006 # صلى الله عليه ms1863 وسلم بإعلان الدعوة والصدع بها ، هو سورة «الأنعام» ؛ فقد ~~جمعت كل العقائد الصحيحة ، وعنيت بالاحتجاج لأصول الدين ، وتفنيد شبه ~~الملحدين ، وإبطال العقائد الفاسدة ، وتركيز مبادئ الأخلاق الفاصلة (1). # وبذلك يتبين لنا أن ما اشتملت عليه سورة الأنعام من مقاصد وأهداف وأحكام ~~ومعتقدات يوافق كل الموافقة طبيعة المرحلة التي كانت تجتازها الدعوة ~~الإسلامية في ذلك الوقت. ### ||| ** 3 أين نزلت سورة الأنعام : # يرى جمهور العلماء أن سورة الأنعام كلها مكية ، ويرى فريق منهم أنها كلها ~~نزلت بمكة ما عدا الآيات 20 ، 23 ، 91 ، 93 ، 104 ، 141 ، 151 ، 152 ، 153. # ولعل الذي حمل أصحاب هذا الرأى على القول بأن هذه الآيات التسع مدنية ~~ورود بعض الروايات بذلك ، وأنها آيات نزلت في بيان أحكام تتعلق بالحلال ~~والحرام من التكاليف العملية ، وهي لهذا كانت أنسب بالمدينة. # والذي تطمئن إليه النفس وعليه المحققون من المفسرين أن سورة الأنعام قد ~~نزلت كلها بمكة جملة واحدة ، ويشهد لما ذهبنا إليه ما يأتى : # (أ) كثرة الآثار التي صرحت بنزولها بمكة دفعة واحدة ، ومن هذه الآثار ما ~~ورد عن ابن عباس أنه قال : لقد نزلت سورة الأنعام بمكة ليلا جملة واحدة ~~وحولها سبعون ألف ملك يجأرون بالتسبيح. # وعن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نزلت على سورة ~~الأنعام جملة واحدة وشيعها سبعون ألفا من الملائكة لهم زجل بالتسبيح ~~والتحميد (2). # (ب) المحققون من المفسرين عند ما بدءوا في تفسير سورة الأنعام صرحوا ~~بأنها جميعها مكية ، وأنها قد نزلت جملة واحدة ، وتجاهلوا قول القائل إن ~~فيها آيات مدنية. # فهذا مثلا الإمام ابن كثير ساق في مطلع تفسيره لهذه السورة الروايات التي ~~تثبت أنها مكية ، ولم يذكر رواية واحدة تثبت أن فيها آية أو آيات قد نزلت ~~بالمدينة. # وابن كثير كما نعرف من الحفاظ النقاد الذين يعرفون كيف يتخيرون الروايات ~~، وكيف يميزون بين صحيحها وضعيفها. # (ج) الروايات التي اعتمد عليها القائلون بأن تلك الآيات التسع مدنية ~~روايات فيها PageV05P007 # مقال ، ولم يعتمدها المحققون من العلماء ، فقد نقل السيوطي عن ابن الحصار ~~قوله ms1864 : استثنى من سورة الأنعام تسع آيات مدنية ولا يصح به نقل ، خصوصا وأنه ~~قد ورد أنها نزلت جملة (1). # (د) الذي يقرأ سورة الأنعام بتدبر يجد فيها سمات القرآن المكي واضحة جلية ~~، فهي تتحدث باستفاضة عن وحدانية الله ، وعن مظاهر قدرته ، وعن صدق النبي ~~صلى الله عليه وسلم في دعوته ، وعن الأدلة الدامغة التي تؤيد صحة البعث ~~والثواب والعقاب يوم القيامة ، إلى غير ذلك من المقاصد التي كثر الحديث ~~عنها في القرآن المكي. # ومن هنا كانت سورة الأنعام بين السور المكية ذات شأن كبير في تركيز ~~الدعوة الإسلامية ، تقرر حقائقها ، وتفند شبه المعارضين لها ، واقتضت لذلك ~~الحكمة الإلهية أن تنزل مع طولها وتنوع آياتها جملة واحدة ، وأن تكون ذات ~~امتياز خاص لا يعرف لسواها كما قرره جمهور العلماء. # ومن ذلك يتبين أنه لا مجال للقول بأن بعضها من قبيل المدني ، ولا بأن آية ~~كذا نزلت في حادثة كذا ، فكلها جملة واحدة نزلت بمكة لغاية واحدة ، هو ~~تركيز الدعوة بتقرير أصولها والدفاع عنها (2). # هذه بعض الأدلة التي تجعلنا نرجح أن سورة الأنعام كلها مكية ، وأنها نزلت ~~على النبي صلى الله عليه وسلم جملة واحدة. ### ||| ** 4 لما ذا سميت بسورة الأنعام؟ # الأنعام لغة تطلق على ذوات الخف والحافر من الحيوان ، وهي الإبل والبقر ~~والغنم وقد سميت سورة الأنعام بهذا الإسم ، لأنها فصلت الحديث عن هذه ~~الأنواع بطريقة متعددة الجوانب ، متنوعة الأهداف. # وقد تكرر لفظ الأنعام في تلك السورة ست مرات في أربع آيات. # أما الآية الأولى فقد حكى القرآن فيها ما كانوا يفعلونه من قسمتهم الحرث ~~والأنعام إلى قسمين : قسم جعلوه لله يتقربون به إليه عن طريق إكرام الضيف ~~ومساعدة المحتاج. # وقسم جعلوه لآلهتهم فذبحوه على الأنصاب ، وأنفقوا منها على سدنتها وخدمها ~~، ثم هم بعد ذلك العمل الباطل لا يعدلون في القسمة ، يجورون أحيانا على ~~القسم الذي جعلوه لله ؛ بينما PageV05P008 # يتحرزون عن الجور على القسم الذي جعلوه لشركائهم. # قال تعالى : ( @QUR@031 وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ، ~~فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا ms1865 لشركائنا ، فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله ~~وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون ) (1). # وأما الآية الثانية فقد ورد فيها لفظ «الأنعام» ثلاث مرات ، وقد كشف ~~القرآن فيها عن بعض أعمال المشركين المنكرة ، وهي أنهم جعلوا الأنعام ثلاثة ~~أقسام : # قسما لا يأكل منه عند ذبحه إلا سدنة الأوثان والرجال دون النساء. وقسما ~~يحرم ركوبه كالبحيرة والسائبة والحامى ، وقسما لا يذكرون اسم الله عليه عند ~~الذبح وإنما يذكرون أسماء آلهتهم. # قال تعالى : ( @QUR@026 وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء ~~بزعمهم ، وأنعام حرمت ظهورها ، وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء ~~عليه ، سيجزيهم بما كانوا يفترون ) (2). # وفي الآية الثالثة تحدث القرآن عن لون من ألوان ظلمهم وجهلهم ، فقد كانوا ~~يجعلون بعض ما في بطون أنعامهم إذا نزل حيا كان خاصا بالرجال دون النساء ، ~~وإذا نزل ميتا فالرجال والنساء فيه شركاء. # قال تعالى : ( @QUR@022 وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ~~ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء ، سيجزيهم وصفهم إنه حكيم ~~عليم ) (3). # أما الآية الرابعة ، فقد بين القرآن فيها جانبا من نعم الله على عباده ، ~~إذ جعل لهم من الأنعام أنواعا تذبح لينتفعوا بلحومها وشحومها وجلودها ~~وأنواعا تحمل أثقالهم إلى بلد لم يكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس. # قال تعالى : ( @QUR@016 ومن الأنعام حمولة وفرشا ، كلوا مما رزقكم الله ~~ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ) (4). # وهناك آيات أخرى سوى هذه الآيات السابقة تناول الحديث فيها أحكاما أخرى ~~تتعلق بالأنعام ، وسنفصل القول فيها عند تفسيرنا لها بعون الله تعالى . PageV05P009 ### ||| ** 5 مناسبتها لما قبلها : # وقد جرت عادة بعض المفسرين أن يعقدوا مناسبة بين السورة وبين سابقتها ، ~~ولعل أكثرهم توسعا في ذلك الإمام الآلوسى فقد قال : «ووجه مناسبتها لآخر ~~المائدة أنها افتتحت بالحمد والمائدة اختتمت بفصل القضاء وهما متلازمان ، ~~كما قال سبحانه ( @QUR@08 وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين ) (1). # وقال الجلال السيوطي في وجه المناسبة : «إنه تعالى لما ذكر في آخر ~~المائدة ( @QUR@06 لله ملك السماوات ms1866 والأرض وما فيهن ) على سبيل الإجمال ، ~~افتتح جل شأنه هذه السورة بشرح ذلك وتفصيله ، فبدأ سبحانه بذكر خلق السموات ~~والأرض ، وضم تعالى إليه أنه جعل الظلمات والنور ، وهو بعض ما تضمنه ما ~~فيهن ، ثم ذكر أنه خلق النوع الإنسان وقضى له أجلا وجعل له أجلا آخر للبعث ~~، وأنه جل جلاله منشئ القرون قرنا بعد قرن ، ثم قال تعالى ( @QUR@06 قل لمن ~~ما في السماوات والأرض ) إلخ. فأثبت له ملك جميع المظروفات لظرف المكان. ثم ~~قال ( @QUR@06 وله ما سكن في الليل والنهار ) فأثبت أنه ملك جميع المظروفات ~~لظرف الزمان ، ثم ذكر سبحانه خلق سائر الحيوان من الدواب والطير ، ثم خلق ~~النوم واليقظة والموت ، ثم أكثر في أثناء السورة من ذكر الإنشاء والخلق لما ~~فيهن من النيرين والنجوم وفلق الإصباح وفلق الحب والنوى ، وإنزال الماء ~~وإخراج النبات والثمار بأنواعها ، وإنشاء جنات معروشات وغير معروشات إلى ~~غير ذلك مما فيه تفصيل ما فيهن». # هذا ، وقد عقد فضيلة الشيخ محمود شلتوت رحمه الله مقارنة ضافية بين سورة ~~الأنعام وبين ما سبقها من سور مدنية فقال ما ملخصه : # وأما السور الأربع المدنية التالية لسورة الفاتحة والسابقة لسورة الأنعام ~~وهي سور : البقرة ، آل عمران ، النساء ، المائدة ، فهي بحكم مدنيتها تشترك ~~كلها في هدف واحد وهو تنظيم شئون المسلمين بالتشريع لهم باعتبارهم أمة ~~مستقلة ، وبإرشادهم إلى مناقشة أهل جوارهم فيما يتصل بالعقيدة والأحكام ، ~~وإلى الأساس الذي يرجعون إليه ويحكمونه في التعامل معهم في حالتي السلم ~~والحرب ، وقلما تعرض هذه السور المدنية إلى شيء من شئون الشرك ومناقشة ~~المشركين. # وهذه السور مع اشتراكها في أصل الهدف العام ، تختلف قلة وكثرة فيما ~~تتناوله من التشريع الداخلى الخاص بالمسلمين ، والتشريع الخارجي الذي يرتبط ~~بهم مع من يخالفهم في الدين. PageV05P010 # إن سورة البقرة قد نزلت في أوائل الهجرة ، وقد صار للمسلمين بالهجرة كيان ~~خاص وجوار خاص ، وبذلك كان أمامها هدفان : # الأول : نظم يأخذ بها المسلمون أنفسهم في عباداتهم ومعاملاتهم : شخصية ~~ومدنية وجنائية. # والهدف الآخر : إرشاد إلى طريق المناقشة فيما كان مجاوروهم يثيرونه ms1867 حول ~~الدين والدعوة من شبه وتشكيكات ، وقد تجلى هذان الهدفان بصورة واضحة في ~~سورة البقرة ، برز أحد الهدفين في نصفها الأول ، وبرز الهدف الثاني في ~~نصفها الأخير ، واقرأ في الأول على وجه عام من قوله تعالى ( @QUR@014 يا ~~بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي ~~فارهبون ) (الآية 40) إلى قوله تعالى : ( @QUR@014 ذلك بأن الله نزل الكتاب ~~بالحق. وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد ) (الآية 176). # واقرأ في الهدف الثاني قوله تعالى : ( @QUR@08 ليس البر أن تولوا وجوهكم ~~قبل المشرق والمغرب ) (الآية 177) إلى نهاية الآية 283 : ( @QUR@09 وإن ~~كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة ). # وقد عرضت في هذا السبح الطويل بعد أن أجملت أوصاف الصادقين في إيمانهم ~~المتقين في أعمالهم لجملة من الأحكام التي تسوس الأمة فيما بينها. # عرضت القصاص ، والوصية ، والصيام ، والقتال ، وبعض أحكام الحج. إلخ. # ثم تجيء سورة آل عمران ، فتصرف عناية خاصة إلى مناقشة النصارى في قضية ~~الألوهية ، وإلى كشف بعض صور التزييف التي كان يصطنعها أهل الكتاب إخفاء ~~لحق الإسلام ودعوته. # ثم ترشد المسلمين إلى ما يحفظ عليهم شخصيتهم ، ويقيهم شر الوقوع في مخالب ~~الأعداء وترسم لهم في ذلك الطرق الحكيمة التي تجعل منهم قوة الجهاد في ~~تأييد الحق وهزيمة الباطل. # وعلى أساس من مشاركة سورة النساء لزميلاتها المدنيات في أصل الهدف تناولت ~~الأمرين : تنظيم جماعة المسلمين ، ومناقشة أهل الكتاب في موضوع الألوهية ~~والرسالة ، غير أن عنايتها بجانب التنظيم كانت أشد من عنايتها بجانب ~~المناقشة. # ثم تجيء سورة المائدة فتأخذ سبيل أخواتها أيضا ، فتشرع للمسلمين في خاصة ~~أنفسهم ، وفي معاملة من يخالطون من أهل الكتاب ، مع الإرشاد إلى طرق ~~محاجتهم والتنبيه على أخطائهم وتحريفهم للكلم عن مواضعه. وتذكيرهم بسيئاتهم ~~مع أنبيائهم. وقد استغرق ذلك معظم السورة. PageV05P011 # أما سورة الأنعام فإنها لم تعرض لهدف من الأهداف الأصلية التي تميزت بها ~~السور الأربع المدنية قبلها. # فهي أولا : لم تعرض لشيء من الأحكام التنظيمية لجماعة المسلمين ، كالصوم ~~والحج في العبادات ، والعقوبات في الجنايات ، والمداينة والربا في ms1868 الأموال ~~، وأحكام الأسرة في الأحوال الشخصية. # وهي ثانيا : لم تذكر في قليل ولا كثير شيئا يتعلق بالقتال ومحاربة ~~الخارجين عن دعوة الإسلام. # وهي ثالثا : لم تتحدث في شيء ما عن أهل الكتاب من اليهود والنصارى وكذلك ~~لم تتحدث عن طوائف المنافقين ولا عن أخلاقهم السيئة ومسالكهم المظلمة. # وهي رابعا : لا نجد فيها مع ذلك كله نداء واحدا للمؤمنين باعتبارهم جماعة ~~تنتظمها وحدة الإيمان ، لا نجد فيها شيئا من هذا كله كما وجدناه جميعا في ~~السور الأربع السابقة ، وإنما نجد الحديث فيها يدور بشدة وقوة حول العناصر ~~الأولى للدعوة ، ونجد سلاحها في ذلك ، الحجة المتكررة ، والآيات المصرفة ، ~~والتنويع العجيب في طرق الإلزام والإقناع : تذكر توحيد الله في الخلق وفي ~~الإيجاد ، وفي العبادة والتشريع ، وتذكر موقف المكذبين وتقص عليهم ما حاق ~~بأمثالهم السابقين ، وتذكر شبههم في الرسالة ، وتذكر يوم البعث والجزاء. # ولعلنا بعد هذا نلمس الفرق الجلى الواضح بين منهج سورة الأنعام ، ومنهج ~~السور الأربع المدنية قبلها» (1). ### ||| ** 6 عرض عام لسورة الأنعام : # عند ما نفتح كتاب الله لنتدبر ما اشتملت عليه سورة الأنعام من مقاصد ~~حكيمة ، وتوجيهات نافعة ، نراها في مطلعها قد ابتدأت بحمد الله والثناء ~~عليه وبيان استحقاقه لذلك ، لأنه سبحانه هو الخالق للسموات والأرض وما ~~بينهما ، وهو العليم الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. # قال تعالى : ( @QUR@040 الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات ~~والنور ، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون* هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا ، ~~وأجل مسمى عنده ، ثم أنتم تمترون* وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم ~~سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون ). PageV05P012 # ثم تحدثت السورة الكريمة عن طبائع المعاندين ، وأنذرتهم بسوء المصير إذا ~~ما استمروا في عتوهم وجحودهم ، وساقت لهم ليعتبروا ، ما حل بالمكذبين الذين ~~سبقوهم والذين كانوا أشد منهم قوة وأكثر جمعا ، فعليهم أن يفيئوا إلى رشدهم ~~حتى لا يصيبهم ما أصاب المكذبين من قبلهم. # استمع إلى القرآن وهو يصور هذه المعاني بأسلوبه البليغ المؤثر ، فيقول ~~تعالى : ( @QUR@054 وما تأتيهم من آية ms1869 من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين* ~~فقد كذبوا بالحق لما جاءهم ، فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤن* ألم ~~يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ، ما لم نمكن لكم وأرسلنا ~~السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم ~~وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ). # ثم تأخذ السورة بعد ذلك في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم فترسم صورة ~~عجيبة لمكابرة المشركين وأنهم قد غدوا لانطماس بصيرتهم واستيلاء الجحود على ~~قلوبهم لا يجدي معهم توجيه أو دليل ، حتى أنهم لو نزل عليهم كتاب من السماء ~~فلمسوه بأيديهم ، وقرءوه بأعينهم ، وعرفوا منه صدق نبوتك يا محمد ، لقالوا ~~بعد كل ذلك ( @QUR@05 إن هذا إلا سحر مبين ). # قال تعالى : ( @QUR@052 ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم ~~لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين* وقالوا لو لا أنزل عليه ملك ولو ~~أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون* ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ~~وللبسنا عليهم ما يلبسون* ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ~~ما كانوا به يستهزؤن ). # فإذا ما وصلنا إلى الربع الثاني من سورة الأنعام ، ألفيناها تسوق حشودا ~~من البراهين الدالة على وحدانية الله وقدرته بطريقة تحمل الترغيب تارة ~~والترهيب أخرى ، وبأسلوب يسكب في القلوب السكينة والطمأنينة ، ويقنع العقول ~~السليمة بأن المستحق للعبادة والخضوع إنما هو الله وحده. # ( @QUR@0114 قل لمن ما في السماوات والأرض ، قل لله ، كتب على نفسه ~~الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا ~~يؤمنون* وله ما سكن في الليل والنهار وهو* السميع العليم* قل أغير الله ~~أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني* أمرت أن أكون ~~أول من أسلم ولا تكونن من المشركين* قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب* يوم ~~عظيم* من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين* وإن يمسسك الله بضر* ~~فلا كاشف له إلا هو* وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير* وهو القاهر ms1870 فوق ~~عباده وهو* الحكيم الخبير* قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم ~~وأوحي إلي هذا القرآن PageV05P013 # @QUR@023 لأنذركم به ومن بلغ أإنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى. قل لا ~~أشهد. قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون ). # ثم ذكرت السورة بعد ذلك حال المكذبين بيوم القيامة. فوضحت أنهم في هذا ~~اليوم الهائل الشديد ينكرون أنهم كانوا مشركين ولكن هذا الإنكار لن ينفعهم ~~شيئا لأن الذي يخاطبهم هو العليم الخبير. # ( @QUR@034 ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين ~~كنتم تزعمون* ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا : والله ربنا ما كنا مشركين* ~~انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ). # ثم تمضى الآيات في الحديث عن مشاهد يوم القيامة ، فتصور حسرتهم وندمهم ~~عند ما يقفون على النار التي كانوا يكذبون بها في الدنيا ، وعند ما يقفون ~~أمام ربهم الذي كانوا يشركون معه آلهة أخرى فتقول : # ( @QUR@061 ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب ~~بآيات ربنا ونكون من المؤمنين* بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا ~~لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون* وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما ~~نحن بمبعوثين* ولو ترى إذ وقفوا على ربهم ، قال : أليس هذا بالحق؟ قالوا ~~بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ). # ثم بعد هذا التصوير المؤثر لأحوال المشركين يوم القيامة ، يتركهم القرآن ~~مؤقتا ليوجه خطابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم مسليا له ، ومثبتا لقلبه ، ~~وداعيا إياه إلى الصبر على تحمل الرسالة بدون كلل أو ملل ، وإلى التأسى بمن ~~سبقوه من أولى العزم من الرسل. # قال تعالى : ( @QUR@064 قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون ، فإنهم لا ~~يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون* ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا ~~على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ، ولقد جاءك من ~~نبإ المرسلين. وإن كان كبر عليك إعراضهم ، فإن استطعت أن تبتغي نفقا في ~~الأرض أو سلما ms1871 في السماء فتأتيهم بآية ، ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا ~~تكونن من الجاهلين ). # أما الربع الثالث من السورة الكريمة فقد افتتح ببيان أن الذين يستجيبون ~~لدعوة الحق إنما هم الذين يسمعون ويتعظون وهم الأحياء حقا ، أما من ماتت ~~قلوبهم فصارت لا تتفتح للحق ، ولا تتقبل الهداية فإن مصيرهم إلى الله ، فهو ~~سبحانه وتعالى سيجازيهم بسبب جحودهم وعنادهم ومطالبتهم لنبيهم بالمطالب ~~المتعنتة التي لا فائدة من ورائها. # قال تعالى : ( @QUR@011 إنما يستجيب الذين يسمعون ، والموتى يبعثهم الله ~~، ثم إليه يرجعون* وقالوا : PageV05P014 # @QUR@019 لو لا نزل عليه آية من ربه. قل : إن الله قادر على أن ينزل آية ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون ). # ثم تدعوهم السورة بعد ذلك بأسلوب تلقيني إنذارى إلى التفكر والتدبر في ~~مظاهر قدرة الله وتبين لهم بطريقة منطقية مقنعة أن الله وحده هو القادر على ~~سلب أسماعهم وأبصارهم ، وهو القادر على إنزال العذاب بهم أو رفعه عنهم. ~~استمع إلى القرآن الكريم وهو يسوق هذه المعاني بأسلوبه الفريد فيقول : # ( @QUR@027 قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة ، أغير الله ~~تدعون إن كنتم صادقين* بل إياه تدعون ، فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ~~ما تشركون ). # ثم يقول : ( @QUR@037 قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على ~~قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به. انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون* قل ~~أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون ). # ثم وضحت السورة أن وظيفة الرسل إنما هي التبشير للمتقين والإنذار ~~للمكذبين وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل لهم إنى أملك خزائن الأرض ، أو ~~إنى أعلم الغيب ، أو إنى ملك من الملائكة. وإنما قال لهم : إنى بشر مثلكم ~~أتبع ما يوحى إلى من ربي ، والناس مختلفون بعد ذلك في تلقى نور الوحى ، ~~وجزاؤهم على حسب حالهم وعملهم ، فلا يستوي المحسن والمسيء كما لا يستوي ~~الأعمى والبصير : # قال تعالى : ( @QUR@028 قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ~~ولا أقول لكم إني ملك ، إن ms1872 أتبع إلا ما يوحى إلي ، قل هل يستوي الأعمى ~~والبصير أفلا تتفكرون ). # ثم تمضى السورة في سرد توجيهاتها وحكمها فتسوق البشارة للمؤمنين الذين ~~اقترفوا بعض السيئات ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ، كما تسوق الإنذار ~~الحاسم للمشركين الذين لم يتبعوا الطريق القويم فتقول : # ( @QUR@033 وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم ، كتب ربكم ~~على نفسه الرحمة ، أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه ~~غفور رحيم* وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ). # ثم يمضى السياق مع المكذبين المستعجلين بالعذاب فيطلعهم ويطلع غيرهم في ~~الربع الرابع من السورة على صورة شاملة لعلم الله الواسع ، وقدرته النافذة ~~، وحكمته الحكيمة ، ويطوف بهم في مجاهل الغيب الذي لا يعلمه إلا هو ، وفي ~~عالم البر والبحر الذي لا يخرج منه شيء عن إرادته ، وفي ظلمات الأرض ~~المخبوءة التي لا يحيط بها إلا علمه ، ثم يريهم كيف أنهم محكومون PageV05P015 # بإرادته. وأن حركاتهم وسكناتهم مردها إليه ، وأنهم في ساعة الشدة والكرب ~~لا يلوذون إلا بحماه. # تدبر كتاب الله وهو يحكى كل ذلك بطريقته المقنعة للعقل والعاطفة فيقول : # ( @QUR@0136 وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ، ويعلم ما في البر ~~والبحر ، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ~~ولا يابس إلا في كتاب مبين* وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم ~~بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ، ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم ~~تعملون* وهو القاهر فوق عباده ، ويرسل عليكم حفظة ، حتى إذا جاء أحدكم ~~الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون* ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له ~~الحكم وهو أسرع الحاسبين* قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا ~~وخفية ، لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين* قل الله ينجيكم منها ومن كل ~~كرب ثم أنتم تشركون* قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من ~~تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ، انظر كيف نصرف الآيات ~~لعلهم يفقهون ms1873 ). # وبعد هذا البيان الذي تعددت مظاهر عظاته وعبره ، وتنوعت ألوان هداياته ~~وإرشاداته اتجه القرآن بالخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليقول له مسليا ~~ومثبتا : إن قومك قد كذبوك مع أن ما معك هو الحق المبين قل لهم : # ( @QUR@08 لست عليكم بوكيل* لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون ). # ثم يأمره ويأمر كل من يتأتى له الخطاب بالإعراض عن الجاهلين الذين يخوضون ~~في آيات الله بغير علم فيقول : # ( @QUR@035 وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في ~~حديث غيره ، وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين* ~~وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون ). # ثم تبدأ السورة في الرابع الخامس منها جولة جديدة لتثبيت العقيدة السليمة ~~فتسلك طريق القصة ، وتتخذ من إبراهيم أبى الأنبياء نموذجا لاستقامة الفطرة ~~، وسلامة التفكير وحسن الإدراك ويقظة العقل ، فقد رأى إبراهيم عليه السلام ~~بفطرته النقية أن الأصنام لا يعقل أن تكون آلهة. وخاطب أباه وقومه بذلك ، ~~واعتبرهم بهذا الإشراك في ضلال مبين ، ثم اتجه إلى التعرف على الإله الحق ~~فتخيله في كوكب ، ولكنه حين أفل وزال قال : ( @QUR@03 لا أحب الآفلين ) لأن ~~الإله الحق لا يغيب ولا يزول. ثم ظن الألوهية في ذلك القمر الذي ينسكب نوره ~~في الوجود PageV05P016 # فيضيء الليل البهيم ، ولكنه رأى القمر أيضا يأفل ويغيب فأعرض عن اتخاذه ~~إلها والتمس من الإله الحق أن يهديه إلى الصراط المستقيم. # فلما أصبح الصباح ورأى الشمس وقد أشرقت وعم ضوؤها الآفاق قال : ( @QUR@02 ~~هذا ربي ) لأنها أكبر مصادر الضوء ، فلما غابت الشمس أدرك بفطرته السليمة ~~أن الإله لا يغيب ولا يكون شيئا محسوسا ، فقرر البراءة من الشرك ، واتجه ~~إلى الخالق الحق الذي تدل آثاره على وجوده وعلى مخالفته لمخلوقاته فقال : ( ~~@QUR@012 إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من ~~المشركين ). ثم أخذ بعد ذلك يجادل قومه ويرشدهم إلى الصراط المستقيم ، ~~ويقيم لهم الأدلة على بطلان معتقداتهم. # تأمل معى أيها القارئ الكريم تلك الآيات الكريمة التي تحكى كل هذه ~~المعاني ms1874 بأسلوبها البديع فتقول : # ( @QUR@086 وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة ، إني أراك ~~وقومك في ضلال مبين* وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من ~~الموقنين* فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي ، فلما أفل قال لا أحب ~~الآفلين* فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي ، فلما أفل قال لئن لم يهدني ~~ربي لأكونن من القوم الضالين* فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر ، ~~فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون* إني وجهت وجهي للذي فطر ~~السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ). # ثم مضت السورة الكريمة في الحديث عن رسل الله الذين آتاهم الله الحجة على ~~أقوامهم ، وختمت الحديث عنهم بالثناء عليهم ووجوب الاقتداء بهم في هديهم ~~وسلوكهم. # ( @QUR@033 أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة ، فإن يكفر بها ~~هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين* أولئك الذين هدى الله فبهداهم ~~اقتده قل لا أسئلكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين ). # وبعد هذا القصص المذكر ، والتوجيه المنبه ، والتدليل الواضح على وحدانية ~~الله وقدرته ساقت لنا السورة في الربع السادس منها حشودا متنوعة من مظاهر ~~قدرة الله ومن نعمه التي لا تحصى على عباده. إنها هنا توقفنا أمام هذا ~~الكون الرائع البديع لتقول لنا : انظروا ماذا في السموات والأرض ، ثم ~~اتجهوا بالعبادة والخضوع إلى الله رب العالمين ، فهو الذي فلق الحب فكان ~~منه النبات ، وفلق النوى فكان منه الشجر ، وهو الذي يخرج الحي من الميت ~~ويخرج الميت من الحي ، وهو الذي يأتيكم بالضياء بعد الليل المظلم لكي ~~تبتغوا من فضله ، ويأتيكم بالليل بعد النهار لكي تسكنوا فيه بعد طول الكدح ~~والعناء ، وهو الذي يسير الشمس والقمر بتقدير PageV05P017 # دقيق وحساب لا يتخلف ، وهو الذي زين السماء بالنجوم لتهتدوا بها في ظلمات ~~البر والبحر ، وهو الذي أوجدكم جميعا من نفس واحدة لها مستقر في أصلاب ~~الرجال ومستودع في أرحام النساء ، وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرج به ~~نبات كل شيء. لأن الماء قوام الحياة. # استمع ms1875 إلى القرآن وهو يحكى كل هذه النعم الدالة على قدرة الله وفضله ~~فيقول : ( @QUR@0102 إن الله فالق الحب والنوى ، يخرج الحي من الميت ، ~~ومخرج الميت من الحي ، ذلكم الله فأنى تؤفكون* فالق الإصباح وجعل الليل ~~سكنا والشمس والقمر حسبانا ، ذلك تقدير العزيز العليم* وهو الذي جعل لكم ~~النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون وهو ~~الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون* وهو ~~الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه ~~حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون ~~والرمان مشتبها وغير متشابه ، انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه ، إن في ذلكم ~~لآيات لقوم يؤمنون ). # وبعد أن ساق القرآن كل هذه النعم التي أسبغها الله على الناس ، والتي من ~~شأنها أن تجعلهم يخصونه بالعبادة والاستعانة ، بعد كل ذلك صرح بأنه مع كل ~~هذه النعم أضحى الكثيرون من خلقه يشركون معه آلهة أخرى ، ويزعمون أن له ~~بنين وبنات. # ولقد رد القرآن على هؤلاء الجاحدين بالحجة البالغة التي تدمغ باطلهم ~~وتخرس ألسنتهم ، وتنزه الخالق عز وجل عما قالوه وافتروه بغير علم فقال : # ( @QUR@058 وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ~~، سبحانه وتعالى عما يصفون* بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن ~~له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم. ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق ~~كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل. لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ~~وهو اللطيف الخبير ). # ثم تتابع في الربع السادس منها حديثها عن المكابرين الذين لم يكتفوا ~~بالقرآن معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم ، بل طلبوا منه على سبيل التعنت ~~معجزات أخرى حسية ، فتحكى السورة أقوالهم وترد عليهم بما يفضح أكاذيبهم ، ~~لأنهم لعنادهم وجحودهم لو أن الله تعالى أجاب لهم مطالبهم ما كانوا ليؤمنوا ~~، إذ هم لا تنقصهم الآيات الدالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم ms1876 وإنما الذي ~~ينقصهم هو القلب المنفتح للحق ، والنفس المتقبلة للهداية. # قال تعالى : ( @QUR@030 وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن ~~بها ، قل إنما الآيات عند الله ، وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون* ~~ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة PageV05P018 # @QUR@026 ونذرهم في طغيانهم يعمهون. ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة ~~وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ~~ولكن أكثرهم يجهلون ). # ثم تستطرد السورة الكريمة فتحكى بعض رذائل المشركين في مآكلهم وذبائحهم ، ~~وتنهى المؤمنين عن الأكل من الذبائح التي لم يذكر اسم الله عليها إلا في ~~حالة الاضطرار ، ثم تغرس فيهم خلق الحياء من الله فتأمرهم أن يتركوا ~~الفواحش ما ظهر وما بطن ، ثم تبين لهم أن المشركين سيثيرون الشكوك والشبهات ~~حول عقيدتهم فعليهم أن يهملوا مجادلاتهم وأن يتركوهم في طغيانهم يعمهون : # قال تعالى : ( @QUR@072 فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته ~~مؤمنين* وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم ~~عليكم إلا ما اضطررتم إليه ، وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم ، إن ربك ~~هو أعلم بالمعتدين* وذروا ظاهر الإثم وباطنه ، إن الذين يكسبون الإثم ~~سيجزون بما كانوا يقترفون* ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ~~، وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ، وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ). # ثم تضرب السورة الأمثال للكفر والإيمان ، فتشبه الكفر بالموت وتشبه ~~الإيمان بالحياة ، فكما أنه لا يتساوى الميت مع الحي ، فكذلك لا يتساوى ~~الضال الذي هو كالميت مع المؤمن الذي يحيا حياة طيبة وله نور يمشى به في ~~الناس ، ثم تبين أنه من دأب الجاحدين والحاقدين محاربة الحق ، وأنه ليس ~~بغريب أن يحارب زعماء قريش الدعوة الإسلامية لأنهم يحسدون صاحبها على ما ~~آتاه الله من فضله ، ويطلبون أن تكون النبوة فيهم مع أن النبوة هبة من الله ~~يهبها لمن يشاء من عباده ، وأنهم بسبب هذا الحقد سيصيبهم عذاب شديد من الله ~~عز وجل . # قال تعالى : ( @QUR@0105 أومن كان ميتا ms1877 فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به ~~في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ، كذلك زين للكافرين ما كانوا ~~يعملون* وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها ، وما يمكرون ~~إلا بأنفسهم وما يشعرون* وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما ~~أوتي رسل الله* الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند ~~الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون* فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء ، كذلك ~~يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون* وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا ~~الآيات لقوم يذكرون ). # فإذا ما وصلنا إلى الربع الثامن من سورة الأنعام ، رأيناها تعرض مشهدا من ~~مشاهد يوم القيامة ، تعرض مشهد الحشر للجن والإنس وهم يتناقشون ويتلاومون ~~ويتحسرون ، ولكن ذلك لن يفيدهم لأنهم قد وسوس بعضهم إلى بعض زخارف من ~~الأباطيل والأكاذيب. تعرض PageV05P019 # مشهدهم عند ما يقفون أمام ربهم فيسألهم : ( @QUR@011 ألم يأتكم رسل منكم ~~يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا )؟ وهنا لا يملكون ، إلا ~~الشهادة على أنفسهم بأن الرسل الكرام قد بشروهم وأنذروهم ، ولكن الشيطان هو ~~الذي استحوذ عليهم فجعلهم يستحبون العمى على الهدى. # استمع إلى القرآن الكريم وهو يصور هذا المشهد بأسلوبه الرائع فيقول : # ( @QUR@072 ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس ، وقال ~~أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال ~~النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله ، إن ربك حكيم عليم* وكذلك نولي ~~بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون* يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل ~~منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا ~~وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ). # ومع أن السورة الكريمة قد تعرضت فيما سبق منها بصورة موجزة للأباطيل التي ~~كان يتبعها المشركون في ذبائحهم ومآكلهم ومشاربهم ، إلا أنها هنا في أواخر ~~الربع الثامن وفي معظم الربع التاسع قد أفاضت ms1878 القول في استعراض رذائل ~~المشركين التي تتعلق بنذورهم ومطاعمهم وذبائحهم وما أحلوه وما حرموه ، وذلك ~~لأن السورة الكريمة تريد أن تنقى العقيدة الإسلامية من كل ما كان سائدا في ~~الجاهلية من معتقدات باطلة ، وأفعال قبيحة ، وتقاليد وثنية موروثة ، وعادات ~~جاهلية مرذولة ، فتحدثت عن أوهامهم التي منها أنهم جعلوا لله مما خلق نصيبا ~~وجعلوا لآلهتهم نصيبا آخر ، ثم هم بعد ذلك لا يعدلون في قسمتهم مع بطلانها ~~، بل تارة يأخذون من نصيب الله الذي هو للفقراء فيجعلونه لسدنة أصنامهم ~~وخدامها. ومنها أن يعضهم كانوا يقتلون أولادهم سفها بغير علم لأن الشياطين ~~زينت لهم ذلك. ومنها أنهم شرعوا لأنفسهم أحكاما ما أنزل الله بها من سلطان. # ولقد حكى القرآن بعض هذه الرذائل التي كانت متفشية فيهم ، ووبخهم عليها ~~ونهى المؤمنين عن سلوك مسلكهم فقال : # ( @QUR@051 وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله ~~بزعمهم وهذا لشركائنا ، فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله ، وما كان لله ~~فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون* وكذلك زين لكثير من المشركين قتل ~~أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ، ولو شاء الله ما فعلوه ~~فذرهم وما يفترون ). # ثم قال : ( @QUR@020 قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما ~~رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين ). PageV05P020 # ثم انتقلت السورة بعد ذلك في الربع التاسع منها إلى الحديث عن الطيبات ~~التي أحلها الله لعباده في مأكلهم ومشربهم ، فذكرت ألوانا من النعم التي ~~خلقها الله وأنشأها لعباده ، فقد أنشأ سبحانه الجنات المعروشات أى ~~المرفوعات على ما يحملها كالأعناب وما يشبهها ، وأنشأ الجنات غير المعروشات ~~كالبرتقال وغيره ، كما أنشأ الزروع والأشجار المختلفة الأنواع والثمار. ~~وذلك كله لكي يقبل الناس على عبادة خالقهم ، ويشكروه على نعمه التي لا تحصى. # قال تعالى : ( @QUR@031 وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل ~~والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه ، كلوا من ثمره ~~إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ). # ثم أخذت السورة ms1879 تناقش المشركين فيما أحلوه وحرموه من الأنعام بأسلوب ~~منطقي رصين ، يقيم عليهم الحجة ، ويكشف عن سخافة تفكيرهم وتفاهة عقولهم ، ~~واتباعهم خطوات الشيطان في تحريم بعضها وتحليل البعض الآخر ، فهذه الأنعام ~~ثمانية أزواج ، من الضأن اثنان ، ومن المعز اثنان ، ومن الإبل اثنان ، ومن ~~البقر اثنان ، فلما ذا حرم المشركون على أنفسهم بعضها دون بعض؟ إن كان ~~التحريم للأنوثه فعليهم أن يحرموا جميع الإناث ، وإن كان للذكورة فعليهم أن ~~يحرموها ، إذا فتحريمهم لبعض الذكور دون بعض يدل على ضلال في التفكير ، ~~وجهالة في الأحكام ، وافتراء على الله بغير علم. # استمع إلى القرآن وهو يحكى أوهامهم ثم يرد عليها بما يدمغها فيقول : # ( @QUR@063 ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ، قل آلذكرين ~~حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ، نبئوني بعلم إن كنتم ~~صادقين* ومن الإبل اثنين ، ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا ، فمن أظلم ~~ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم ، إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين )، ثم صرحت السورة الكريمة أن ما حرمه الله على اليهود من ~~المطاعم كان بسبب بغيهم ، وقساوة قلوبهم ، وأنهم وأمثالهم الذين يتنصلون من ~~تبعة الضلال ويحيلونها على مشيئة الله كاذبون فيما يزعمون ، وأنهم يهرفون ~~بما لا يعرفون ، وإلا فأين دليلهم على هذا التنصل؟ وأين حجتهم على أن الله ~~قد حرم هذا وأحل هذا؟ # لقد حكى القرآن مزاعمهم ثم فندها بالبراهين الدامغة ، والحجة البالغة فقال : # ( @QUR@047 وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ، ومن البقر والغنم حرمنا ~~عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ، ذلك ~~جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون* فإن كذبوك* فقل ربكم ذو رحمة واسعة ، ولا يرد ~~بأسه عن القوم المجرمين* سيقول الذين أشركوا لو شاء الله PageV05P021 # @QUR@066 ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ، كذلك كذب الذين من ~~قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ، إن تتبعون إلا ~~الظن وإن ms1880 أنتم إلا تخرصون قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين. قل ~~هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا ، فإن شهدوا فلا تشهد معهم ، ولا ~~تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون ). # فإذا ما انتهينا إلى الربع العاشر والأخير من سورة الأنعام رأيناها تخاطب ~~أولئك الذين أحلوا لأنفسهم ما حرمه الله وحرموا عليها ما لم يأذن به فتقول ~~لهم ولغيرهم «تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم» ثم تسوق عشر وصايا رسمت ~~للإنسان طريق علاقته بربه ، ووضعت الأساس المكين الذي يبنى عليه صرح الأسرة ~~الفاضلة التي منها تتكون الأمة القوية الناجحة في الحياة ، وأوصدت منافذ ~~الشرور والآثام التي تصيب المسلم في نفسه أو ماله أو عرضه ثم ذكرت أهم ~~المبادئ التي تسمو بالمحافظة عليها الحياة الاجتماعية الكريمة ، وختمت هذه ~~الوصايا ببيان أنها هي الصراط المستقيم الذي يجب على كل إنسان أن يتبع هداه ~~حتى لا يزل أو يضل. ### ||| ** استمع إلى القرآن وهو يسوق هذه الوصايا الحكيمة فيقول : # ( @QUR@094 قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا ~~وبالوالدين إحسانا ، ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ، ولا ~~تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ، ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي ~~أحسن حتى يبلغ أشده ، وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ، لا نكلف نفسا إلا ~~وسعها ، وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ، وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم ~~به لعلكم تذكرون وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم ~~عن سبيله ، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ). # وبعد أن ساقت السورة الكريمة هذه الوصايا الحكيمة اتجهت في ختامها إلى ~~دعوة الناس للعمل بكتاب الله الذي أنزله ليكون هداية ورحمة لهم ، وأنذرت ~~الذين يعرضون عن هديه الحكيم بسوء العذاب ، وحثت كل عاقل على المبادرة إلى ~~الإيمان بالله من قبل أن يأتى يوم لا ينفع فيه الإيمان ، ولا تنفع فيه ~~الأعمال ، لأنه يوم ms1881 جزاء وحساب ، وأمرت في ختامها كل مسلم بأن يخلص عمله ~~لله ، وأن يحمده على هدايته إياه إلى طريق الحق والرشاد ، وبينت منزلة ~~الإنسان في هذا الوجود وحضته على أن يكون بقوله وعمله أهلا لهذه المنزلة ~~السامية حتى ينال رضا الله. # وقد ساقت السورة في ختامها كل هذه المعاني بأسلوب ساحر يخلب الألباب ، ويرقق PageV05P022 # القلوب ، ويصفى النفوس ، ويشيع في وجدان المؤمن الأنس والبهجة والخوف ~~والرجاء. # قال تعالى : ( @QUR@099 من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة ~~فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا ~~قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ~~ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين قل أغير ~~الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ، ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى ، ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون وهو الذي ~~جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم ، إن ربك ~~سريع العقاب وإنه لغفور رحيم ). # هذه هي أهم المقاصد التي اشتملت عليها سورة الأنعام ، ومنها نستخلص أن ~~الأغراض الرئيسية التي استهدفتها السورة الكريمة تتركز فيما يلي : # (أ) إقامة الأدلة على وحدانية الله وقدرته ، وأنه سبحانه هو المستحق ~~للعبادة والخضوع ، وأن شريعته وحدها هي التي يجب أن تكون مرجعنا في كل ما ~~يتعلق بعبادتنا ومعاملاتنا وسائر شئوننا. # (ب) إقامة الأدلة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته ، مع بيان ~~وظيفته وتسليته عما يلاقيه من أعدائه. # (ج) إقامة الأدلة على أن يوم القيامة حق ، وعلى أن الناس سيحاسبون فيه ~~على أعمالهم ، إن خيرا فخير وإن شرا فشر. # (د) تفنيد الشبهات التي أثارها المشركون حول هذه الأمور الثلاثة السابقة ~~بأسلوب يقنع العقول ، ويهدى القلوب ، ويرضى العواطف ، ويحمل العقلاء على ~~المسارعة إلى الدخول في هذا الدين عن طواعية واختيار. ### ||| ** 7 من فضائل سورة الأنعام ومزاياها : # تكاثرت الروايات في بيان فضائل سورة الأنعام ms1882 وأنها قد نزلت مشيعة بالملإ ~~العظيم من الملائكة ، كما تكلم العلماء عن المميزات التي تميزت بها هذه ~~السورة في عرضها للحقائق التي اشتملت عليها. # وفي ذلك يقول الإمام الرازي : هذه السورة اختصت بنوعين من الفضيلة. # أحدهما : أنها نزلت دفعة واحدة. # والثاني : أنها شيعها سبعون ألفا من الملائكة ، والسبب في ذلك أنها ~~مشتملة على دلائل PageV05P023 # التوحيد والعدل والنبوة والمعاد وإبطال مذاهب المبطلين والملحدين» (1). # ويقول الإمام القرطبي : (هذه السورة أصل في محاجة المشركين وغيرهم من ~~المبتدعين ، ومن كذب بالبعث والنشور ، وهذا يقتضى إنزالها جملة واحدة ، ~~لأنها في معنى واحد من الحجة وإن تصرف ذلك بوجوه كثيرة ، وعليها بنى ~~المتكلمون أصول الدين (2)..). ### ||| ** ويقول فضيلة الأستاذ الشيخ محمود شلتوت : # ويجدر بنا أن نلفت النظر إلى أن سورة الأنعام قد عرضت ما عرضت في أسلوبين ~~بارزين لا نكاد نجدهما بتلك الكثرة في غيرها من السور : # أما الأسلوب الأول فهو أسلوب التقرير ، فهي تورد الأدلة المتعلقة بتوحيد ~~الله وتفرده بالملك والتصرف ، والقدرة والقهر ، في صورة الشأن المسلم الذي ~~لا يقبل الإنكار أو الجدل ، وتضع لذلك ضمائر الغائب عن الحس الحاضر في ~~القلب ، وتجرى عليه أفعاله وآثار قدرته ونعمته البارزة للعيان ، والتي لا ~~يمارى قلب سليم في أنه مصدرها ومفيضها وصاحب الشأن فيها : # ( @QUR@014 هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا ، وأجل مسمى عنده ثم أنتم ~~تمترون ). # ( @QUR@012 وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما ~~تكسبون ). # ( @QUR@07 وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير ). # ( @QUR@08 وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ). # ( @QUR@08 وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع ).. ألخ هذا هو ~~أحد الأسلوبين. # أما الأسلوب الثاني فهو أسلوب تلقين الحجة ، والأمر بقذفها في وجه الخصم ~~حتى تأخذ عليه سمعه ، وتملك عليه قلبه ، وتحيط به من جميع جوانبه فلا ~~يستطيع التفلت منها ، ولا يجد بدا من الاستسلام لها. # ففي حجج التوحيد والقدرة يقول : ( @QUR@012 قل لمن ما في السماوات والأرض ~~قل لله ، كتب على نفسه الرحمة ). # ( @QUR@020 قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو ms1883 يطعم ولا ~~يطعم؟ قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ). PageV05P024 # ( @QUR@09 قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ). # ( @QUR@09 قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ). # وفي حجج الوحى وبيان مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم وأن الرسالة لا تنافى ~~البشرية وفي إيمان الرسول بدعوته واعتماده فيها على الله ، وعدم اكتراثه ~~بهم ، أو انتظار الأجر منهم يقول. # ( @QUR@010 قل أي شيء أكبر شهادة؟ قل الله شهيد بيني وبينكم ). # ( @QUR@015 قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم ~~إني ملك ). # ( @QUR@09 قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ). # وفي وعيدهم على التكذيب يقول : ( @QUR@010 قل سيروا في الأرض ثم انظروا ~~كيف كان عاقبة المكذبين ). # هذان الأسلوبان : (هو كذا) و (قل كذا) قد تناوبا معظم ما تضمنته هذه ~~السورة من الحجج وقضايا التبليغ ، وهما وإن جاءا في غيرها من سور القرآن ~~إلا أنهما وخاصة الأسلوب الثاني وهو أسلوب (قل كذا) لم يوجد في غيرها بهذه ~~الكثرة التي نراها في هذه السورة ، وهما بعد ذلك : أسلوبان من أساليب الحجة ~~القوية التي تدل على قوة المعارضين وإسرافهم في المعارضة ، وأنهم بحالة ~~تستوجب تلك الشدة التي تستخرج الحق من نفوسهم .. # ويدل الأسلوبان من جهة أخرى على أنهما صدرا في موقف واحد ، وفي مقصد واحد ~~، لخصم واحد بلغ من الشدة والعتو مبلغا استدعى من القوى القاهر تزويد ~~المهاجم بعدة قوية تتضافر أسلحتها في حملة شديدة يقذف بها في معسكر الأعداء ~~فتزلزل عمده ، وتهد من بنيانه فيخضع للتسليم بالحق الذي يدعى إليه. # ومن هنا كانت سورة الأنعام بين السور المكية ، ذات شأن كبير في تركيز ~~الدعوة الإسلامية ، تقرر حقائقها ، وتفند شبه المعارضين لها ، واقتضت لذلك ~~الحكمة الإلهية أن تنزل مع طولها وتنوع آياتها جملة واحدة وأن تكون ذات ~~امتياز خاص لا يعرف لسواها كما قرره جمهور العلماء ا ه (1). # وبعد : فهذا تمهيد بين يدي تفسير سورة الأنعام ، تعرضنا خلاله لبيان مكان ~~نزولها ، ولبيان الفترة الزمنية التي نزلت فيها ، ولطبيعة هذه الفترة ms1884 ، ~~ولسبب تسميتها بهذا الاسم ، ولمناسبتها للسور التي قبلها ، وللأهداف ~~الإجمالية التي اشتملت عليها ، ولجانب من فضائلها ومزاياها. PageV05P025 # ولعلنا بذلك أيها القارئ الكريم نكون قد قدمنا لك فكرة مجملة عن هذه ~~السورة الكريمة تعينك على تفهم أسرارها ، ومقاصدها ، وتوجيهاتها ، عند ~~تفسيرنا لآياتها بشيء من التفصيل والتحليل. والله نسأل أن يوفقنا جميعا لما ~~يحبه ويرضاه وأن يجنبنا فتنة القول والعمل. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ~~آله وصحبه وسلم. PageV05P026 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@014 الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم ~~الذين كفروا بربهم يعدلون (1) @QUR@014 هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا ~~وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون (2) @QUR@012 وهو الله في السماوات وفي ~~الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون ) (3) # افتتحت سورة الأنعام بتقرير الحقيقة الأولى في كل دين ، وهي أن المستحق ~~للحمد المطلق ، والثناء الكامل هو رب العالمين. # والحمد : هو الثناء باللسان على الجميل الصادر عن اختيار من نعمة أو غيرها. # وأل في ( @QUR@01 الحمد ) للاستغراق ، بمعنى أن المستحق لجميع المحامد ~~ولكافة ألوان الثناء هو الله تعالى ، وإنما كان الحمد مقصورا في الحقيقة ~~على الله ، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء فهو صادر عنه ومرجعه إليه ، ~~إذ هو الخالق لكل شيء ، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم ، فهو ~~في الحقيقة حمد لله ، لأنه سبحانه هو الذي وفقهم لذلك ، وأعانهم عليه. # وقد بين بعض المفسرين الحكمة في ابتداء السورة الكريمة بقوله تعالى : ( ~~@QUR@02 الحمد لله ) كما بين الفرق بين المدح والحمد والشكر فقال : «اعلم ~~أن المدح أعم من الحمد ، والحمد أعم من الشكر ، أما بيان أن المدح أعم من ~~الحمد ، فلأن المدح يحصل للعاقل ولغير العاقل ، ألا ترى أنه كما يحسن مدح ~~الرجل العاقل على أنواع فضائله فكذلك قد يمدح اللؤلؤ لحسن شكله ، وأما ~~الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من الإنعام ~~والإحسان فثبت أن المدح أعم من الحمد ، وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر ~~فلأن الحمد ms1885 عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل PageV05P027 # ما صدر عنه من الإنعام سواء كان ذلك الإنعام واصلا إليك أو إلى غيرك ، ~~وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك فثبت بما ذكرنا أن ~~المدح أعم من الحمد وهو أعم من الشكر. إذا عرفت هذا فنقول : إنما لم يقل ~~المدح لله لأننا بينا أن المدح كما يحصل للفاعل المختار فقد يحصل لغيره. ~~أما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار ، فكان قوله الحمد لله تصريحا ~~بأن المؤثر في وجود هذا العالم فاعل مختار خلقه بالقدرة والمشيئة. وإنما لم ~~يقل الشكر لله ، لأنا بينا أن الشكر عبارة عن تعظيمه بسبب إنعام صدر منه ~~ووصل إليك ، وهذا مشعر بأن العبد إذا ذكر تعظيمه بسبب ما وصل إليه من ~~النعمة ، فحينئذ يكون المطلوب الأصلى له وصول النعمة إليه وهذه درجة حقيرة ~~فأما إذا قال الحمد لله فهذا يدل على أن العبد حمده لأجل كونه مستحقا للحمد ~~لا لخصوص أنه تعالى أوصل النعمة إليه ، فيكون الإخلاص أكمل ، واستغراق ~~القلب في مشاهدة نور الحق أتم ، وانقطاعه عما سوى الحق أقوى وأثبت» (1). # هذا وفي القرآن الكريم خمس سور مكية اشتركت في الافتتاح بتقرير أن الحمد ~~لله وحده ، ولكن كان لكل سورة منهج خاص في بيان أسباب ذلك الحمد. # أما السورة الأولى فهي سورة الفاتحة التي تقول في مطلعها ( @QUR@04 الحمد ~~لله رب العالمين ). # أى : أن الحمد لله وحده ، الذي ربي هذا العالم تربية خلقية أساسها ~~الإيجاد والتصوير ، ورباه تربية عقلية أساسها منح قوى التفكير والإدراك ، ~~كما أنه رباه تربية تشريعية قوامها الأحكام التي أوحى بها إلى رسله فتربط ~~استحقاق الحمد لله بربوبيته للعالمين ، والربوبية المطلقة تنتظم التربية ~~الخلقية جسمية وعقلية ، عن طريق الإيجاد والتصوير ، كما تنتظم التربية ~~التشريعية التي أساسها الأحكام التي أوحاها الله إلى أنبيائه ورسله. # وتجيء بعد سورة الفاتحة في الترتيب المصحفى سورة الأنعام فأثبتت أيضا ~~استحقاق الحمد لله وحده ، لأنه «خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ، ~~فهي تهتم بالحديث عن نوع خاص من التربية ، وهو ms1886 التربية الخلقية التي أساسها ~~الخلق والإيجاد والتسوية والتصوير الحقيقي. # ثم تجيء بعدهما سورة «الكهف» فتثبت أن الحمد لله ، لأنه ( @QUR@08 أنزل ~~على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا ) فتراها تهتم بإبراز التربية التشريعية ~~التي تهذب الروح ، وتهدى الفكر. # والسورة الرابعة التي افتتحت بإثبات أن ( @QUR@02 الحمد لله ) هي سورة ~~سبأ ، لأنه سبحانه ( @QUR@014 له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في ~~الآخرة وهو الحكيم الخبير )، ثم تراها بعد ذلك PageV05P028 # زاخرة بالحديث عن أنواع التربية المطلقة التي تنجلي في إرساء مظاهر علم ~~الله الشامل ، وملكه المطلق ، وتدبيره المحكم وقدرته النافذة التي تجعله ~~أهلا لكل حمد وثناء. # أما السورة الخامسة فهي سورة فاطر ، فقد أثبتت في مطلعها أن الحمد لله ، ~~لأنه ( @QUR@022 فاطر السماوات والأرض ، جاعل الملائكة رسلا ، أولي أجنحة ~~مثنى وثلاث ورباع ، يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير ) والذي ~~يقرأ هذه السورة الكريمة بتدبر يراها تهتم بإبراز إثبات أن الحمد لله وحده ~~عن طريق الجمع بين التربيتين الخلقية والتشريعية فهي تذكر خلق السموات ~~والأرض والجبال وتصريف الليل والنهار والشمس والقمر. كما تذكر أنواع الناس ~~في الانتفاع بوحي الله ، وبهدى أنبيائه ورسله. # وهكذا نجد أن السور الخمس قد اشتركت في أنها افتتحت بجملة ( @QUR@02 ~~الحمد لله* ) وفي قصر الحمد والثناء عليه وحده. إلا أن كل واحدة منها قد ~~سلكت منهجا خاصا في تقرير هذه الحقيقة ، وفي إقامة الأدلة على صدقها. # وقد أحسن القرطبي عند ما قال : «فإن قيل : قد افتتح غيرها أى سورة ~~الأنعام بالحمد لله فكان الاجتزاء بواحدة يغنى عن سائره فيقال : لأن لكل ~~واحدة منه معنى في موضعه ، لا يؤدى عن غيره من أجل عقده بالنعم المختلفة ، ~~وأيضا فلما فيه من الحجة في هذا الموضع على الذين هم بربهم يعدلون» (1). # ثم بين القرآن بعد ذلك الأسباب التي تحمل العقلاء على أن يجعلوا حمدهم ~~كله لله تعالى فقال : # ( @QUR@07 الذي خلق السماوات والأرض ، وجعل الظلمات والنور ). # والمعنى : الحمد كله لله الذي أنشأ بقدرته هذه العوالم العلوية والسفلية ~~، وأوجد ما فيها ms1887 من مخلوقات ناطقة وصامتة ، وظاهرة وخافية ، وأحدث ما ~~يتعاقب عليها من تحولات وتقلبات ونور وظلمات. فالجملة الكريمة قد اشتملت ~~على صفتين من صفات الله تعالى تثبتان وجوب استحقاق الحمد الكامل لله عز وجل ~~وهما خلق السموات والأرض ، وجعل الظلمات والنور. # وعبر سبحانه في جانب السموات والأرض بخلق ، وفي جانب الظلمات والنور يجعل ~~، لأن الخلق معناه هنا الإنشاء والإيجاد الابتدائى من العدم ، أما الجعل ~~فيتضمن معنى تكوين شيء من شيء أو من أشياء ، فالظلمات تتولد من اختفاء ~~الشمس عن الأرض ، والنور يتكون من بزوغ الشمس على الأرض ، وهذه التقلبات ~~الكونية هي بتقدير الله العزيز العليم. PageV05P029 # قال صاحب الكشاف : «والفرق بين الخلق والجعل. أن الخلق فيه معنى التقدير ~~، وفي الجعل معنى التضمين ، كإنشاء شيء من شيء ، أو تصيير شيء شيئا ، أو ~~نقله من مكان إلى مكان ، ومن ذلك ( @QUR@03 وجعل منها زوجها ) ( @QUR@03 ~~وجعل الظلمات والنور )، لأن الظلمات من الأجرام المتكاثفة ، والنور من ~~النار» (1). # وقال الفخر الرازي : «وإنما حسن لفظ الجعل هنا ، لأن النور والظلمة لما ~~تعاقبا صار كل واحد منهما كأنما تولد من الآخر» (2). # وقال أبو السعود : «والجعل هنا هو الإنشاء والإبداع كالخلق ، خلا أن ذلك ~~أى الخلق مختص بالإنشاء التكويني وفيه معنى التقدير والتسوية وهذا عام له ~~كما في الآية الكريمة والتشريعي أيضا كما في قوله تعالى ( @QUR@05 ما جعل ~~الله من بحيرة ) (3). # وقد وردت نصوص تصرح بأن الأرض سبع طبقات كالسماوات. إلا أنها في كثير من ~~المواضع القرآنية تفرد أى الأرض وتجمع السماء كما هنا ، لعظم السماء. ~~ولإحاطتها بالأرض ، ولأنه لم يعرف أن الله تعالى قد عصى فيها ، ولأن ~~طبقاتها متمايزة ينفصل بعضها عن بعض ، بخلاف طبقات الأرض فإنها متصلة. # والمراد بالظلمات هنا الظلمات الحسية ، كما أن المراد بالنور النور الحسى ~~لأن اللفظ حقيقة فيهما ، ولأنهما إذا جعلا مقرونين بذكر السموات والأرض ~~فإنه لا يفهم منهما إلا هاتان الكيفيتان المحسوستان ، ولأن القرآن يستشهد ~~عليهم بمقتضى ما يعلمونه من تفرده بالخلق وهم يعلمون تفرده سبحانه بخلق هذه ~~الأشياء. # ويرى بعض المفسرين أن المراد ms1888 بالظلمات ، ظلمات الشرك والكفر والنفاق ، ~~وأن المراد بالنور ، نور الإيمان والإسلام واليقين ، وعلى هذا الرأى يكون ~~المراد بهما معنويا لا حسيا. # قال صاحب المنار : قال الواحدي : والأولى حمل اللفظين عليهما ، واستشكله ~~الرازي لأنه مبنى على القول بجواز الجمع بين الحقيقة والمجاز ، والمختار ~~عندنا جوازه ، وجواز استعمال المشترك في معنييه أو معانيه إذا احتمل المقام ~~ذلك بلا التباس كما هنا ، والتعبير بالجعل دون الخلق يلائم هذا فإن الجعل ~~يشمل الخلق والأمر أى الشرع كما تقدم ، فيفسر جعل كل نور بما يليق به (4). PageV05P030 # وعبر القرآن في جانب الظلمات بصيغة الجمع ، وفي جانب النور بالإفراد لأن ~~النور واحد ومن نتائجه الكشف والظهور ، وتعدد أسبابه لا يغير حقيقته. أما ~~الظلمة فإنها متنوعة بتنوع أسبابها ، فهناك ظلمة الليل ، وهناك ظلمة السجون ~~، وهناك ظلمة القبور ، وهناك ظلمة الغمام ، وهي تتغير حقائقها بتغير ~~أسبابها. ثم ثمة إشارة إلى أمر معنوي وهي أن ظلمة الإدراك تتعدد حقائقها ، ~~فهناك ظلمة الانحراف ، وظلمة الأهواء ، والشهوات وطمس القلوب. # والنور واحد ( @QUR@012 وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل ~~فتفرق بكم عن سبيله ) فالنور في هذا واحد (1). # ثم بين سبحانه الموقف الجحودى الذي وقفه المشركون من قضية الألوهية فقال ~~( @QUR@05 ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ). # العدل : المراد به هنا التسوية ، فقال : عدل الشيء بالشيء إذا سواه به ~~والمعنى : أن الله تعالى هو الذي خلق السموات والأرض ، وهو الذي جعل ~~الظلمات والنور ، فهو لذلك من حقه على خلقه أن يعبدوه وحده وأن يخصوه ~~بالحمد والثناء ، ولكن المشركين مع كل هذه الدلائل الدالة على وحدانية الله ~~وقدرته يساوون به غيره في العبادة ، ويشركون معه آلهة أخرى لا تنفع ولا تضر. # وهذه الجملة الكريمة معطوفة على جملة ( @QUR@02 الحمد لله ) على معنى أن ~~الله تعالى حقيق بالحمد على ما خلق من نعم ، وأوجد من كائنات ثم الذين ~~كفروا يجحدون كل ذلك فيشركون معه آلهة أخرى. # ويحتمل أن تكون معطوفة على جملة «خلق السموات والأرض» على معنى أن الله ~~تعالى قد خلق الأشياء العظيمة التي لا يقدر عليها ms1889 أحد سواه ، ثم إن ~~المشركين بعد ذلك يعدلون به جمادا لا يقدر على شيء أصلا. # وجاء العطف «بثم» لإفادة استبعاد واستقباح ما فعله الكافرون. فإنهم رغم ~~البراهين الواضحة والدالة على وحدانية الله وقدرته ، قد نزلوا بمداركهم إلى ~~الحضيض فسووا في العبادة بين الخالق والمخلوق. # قال القرطبي : قال ابن عطية : فثم دالة على قبح فعل الكافرين لأن المعنى ~~أن خلق السموات والأرض قد تقرر ، وآياته قد سطعت ، وإنعامه بذلك قد تبين ، ~~ثم بعد ذلك كله عدلوا بربهم ، فهذا كما تقول : يا فلان أعطيتك وأكرمتك ~~وأحسنت إليك ثم تشتمني! ولو وقع PageV05P031 # العطف بالواو في هذا ونحوه لم يلزم التوبيخ كلزومه بثم» (1). # ثم ساق القرآن في الآية الثانية دليلا آخر على أن الله تعالى هو المستحق ~~للعبادة والحمد ، وعلى أن يوم القيامة حق ، فتحدث عن أصل خلق الإنسان ، بعد ~~أن تحدث في الآية الأولى عن خلق السموات والأرض فقال : # ( @QUR@014 هو الذي خلقكم من طين ، ثم قضى أجلا ، وأجل مسمى عنده ، ثم ~~أنتم تمترون ). # أى : هو الذي أنشأكم من طين ، ثم تعهدكم برعايته في مراحل خلقكم بعد ذلك ~~، كما قال تعالى : ( @QUR@044 ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم ~~جعلناه نطفة في قرار مكين. ثم خلقنا النطفة علقة ، فخلقنا العلقة مضغة ، ~~فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر ، فتبارك الله ~~أحسن الخالقين ثم إنكم بعد ذلك لميتون. ثم إنكم يوم القيامة تبعثون ). # وفي ذكر خلق الإنسان من طين ، دليل على قدرة الله وعظمته ، لأنه سبحانه ~~هو الذي حول هذا الطين إلى بشر سوى مفكر ، يختار الخير فيهتدى ويختار الشر ~~فيردى ، كما أن فيه تذكيرا له بأصله حتى لا يستكبر أو يطغى ، وحتى يوقن بأن ~~من خلقه من هذا الأصل قادر على أن يعيده إليه. # قال تعالى : ( @QUR@08 منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ). # قال أبو السعود : (وتخصيص خلقهم بالذكر من بين سائر دلائل صحة البعث ، مع ~~أن ما ذكر من خلق السموات والأرض من أوضحها وأظهرها. لما أن محل النزاع ms1890 ~~بعثهم ، فدلالة بدء خلقهم على ذلك أظهر ، وهم بشئون أنفسهم أعرف ، والتعامي ~~عن الحجة البينة أقبح) (2). # وقال الجمل : (وإنما نسب هذا الخلق إلى المخاطبين لا إلى آدم عليه السلام ~~وهو المخلوق منه حقيقة. لتوضيح منهاج القياس ، والمبالغة في إزاحة الاشتباه ~~والالتباس ، مع ما فيه من تحقيق الحق ، والتنبيه على حكمة خفية هي أن كل ~~فرد من أفراد البشر له حظ من إنشائه عليه السلام منه. حيث لم تكن فطرته ~~البديعة مقصورة على نفسه ، بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر آحاد ~~البشر انطواء إجماليا ، فكان خلقه عليه السلام من الطين خلقا لكل أحد من ~~فروعه) (3). PageV05P032 # ثم قال تعالى ( @QUR@06 ثم قضى أجلا ، وأجل مسمى عنده ). الأجل في اللغة ~~عبارة عن الوقت المضروب لانقضاء الأمد ، وأجل الإنسان هو الوقت المضروب ~~لانتهاء عمره. والمعنى : أنه سبحانه قدر لعباده أجلين : أجلا تنتهي عنده ~~حياتهم بعد أن عاشوا زمنا معينا ، وأجلا آخر يمتد من وقت موتهم إلى أن ~~يبعثهم الله من قبورهم عند انتهاء عمر الدنيا ليحاسبهم على أعمالهم ، هذا ~~هو الرأى الأول في معنى الأجلين. # وقيل : المراد من الأجل الأول آجال الماضين من الخلق ، ومن الثاني آجال ~~الباقين منهم. وقيل المراد من الأول النوم ومن الثاني الموت. وقيل : المراد ~~من الأول ما مضى من عمر الإنسان ومن الثاني ما بقي منه. # والذي نرجحه هو الرأى الأول لأسباب منها. # 1 أن من تتبع ذكر الأجل المسمى في القرآن في سياق الكلام عن الناس يراه ~~قد ورد في عمر الإنسان الذي ينتهى بالموت ، ومن ذلك قوله تعالى ( @QUR@023 ~~ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل ~~مسمى ، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@018 يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن ~~أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون ) (2). # 2 أن الآية الكريمة مسوقة لإثبات وحدانية الله ولتقرير أن البعث حق ، ~~فالمناسب أن يكون المراد بالأجل الثاني هو انتهاء عمر الدنيا وبعث الناس من ~~قبورهم. ms1891 # ولذا قال أبو السعود في تضعيفه للآراء المخالفة للرأى الأول : «ومن هاهنا ~~تبين أن ما قيل من أن الأجل الأول هو النوم والثاني هو الموت ، أو أن الأول ~~أجل الماضين والثاني أجل الباقين ، أو أن الأول مقدار ما مضى من عمر كل أحد ~~والثاني مقدار ما بقي منه ؛ مما لا وجه له أصلا ، لما رأيت من أن مساق ~~النظم الكريم استبعاد امترائهم في البعث الذي عبر عن وقته بالأجل المسمى. ~~فحيث أريد به أحد ما ذكر من الأمور الثلاثة ففي أى شيء تمترون؟» (3). # 3 أن الرأى الأول هو الرأى المأثور عن بعض الصحابة ، وبه قال جمهور ~~المفسرين ، وقد عزاه ابن كثير في تفسيره إلى عشرة من التابعين (4). PageV05P033 # وعطفت الجملة الكريمة بثم ، للإشارة إلى أطوار خلق الإنسان المختلفة ، ~~فهو في أصله من سلالة من طين ، ثم يصيره الله تعالى نطفة ، فعلقة ، فمضغة ، ~~فعظاما ، ثم يكونه سبحانه وتعالى خلقا آخر. فتبارك الله أحسن الخالقين». # ووصف الأجل الثاني بأنه (مسمى عنده)، لأن وقت قيام الساعة من الأمور ~~التي لا يعلمها إلا الله قال تعالى : ( @QUR@037 يسئلونك عن الساعة أيان ~~مرساها ، قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ، ثقلت في ~~السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسئلونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها ~~عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) (1). # وجاء قوله تعالى ( @QUR@02 وأجل مسمى ) مقدما على (عنده) لأنه مبتدأ ، ~~والذي سوغ الابتداء به مع كونه نكرة تخصصه بالوصف فقارب المعرفة لذلك ، فهو ~~كقوله تعالى ( @QUR@05 ولعبد مؤمن خير من مشرك ). # ومعنى (عنده) أى : في علمه الذي لا يعلمه أحد سواه ، فهي عندية تشريف ~~وخصوصية. # ثم ختمت الآية الكريمة بتوبيخ الشاكين في البعث والحساب فقال تعالى : # ( @QUR@03 ثم أنتم تمترون ). الامتراء : هو التردد الذي ينتهى إلى محاجة ~~ومجادلة وقد ينتهى إلى شك ثم إلى إنكار. مأخوذ من مرى الضرع إذا مسحه للدر ~~ووجه المناسبة في استعماله في الشك ، أن الشك سبب لاستخراج العلم الذي هو ~~كاللبن الخالص من بين فرث ودم. # والمعنى : ثم إنكم ms1892 بعد كل هذه الأدلة الدالة على وحدانية الله ، وعلى أن ~~يوم القيامة حق ، تشكون في ذلك ، وتجادلون المؤمنين فيما تشكون فيه «بغير ~~علم ولا هدى ولا كتاب منير». # وجاء العطف بثم لبيان التفاوت الكبير بين الحقائق الثابتة الناصعة ، وبين ~~ما سولته لهم أنفسهم من المجادلة فيها. # قال الآلوسى : «والمراد استبعاد امترائهم في وقوع البعث وتحققه في نفسه ~~مع مشاهدتهم في أنفسهم من الشواهد ما يقع مادة ذلك بالكلية فإن من قدر على ~~إفاضة الحياة على مادة غير مستعدة لشيء من ذلك ، كان أوضح اقتدارا على ~~إقامته على مادة قد استعدت له وقارنته مدة» (2). # وبعد أن أقام سبحانه الأدلة في الآيتين السابقتين على أنه هو المستحق ~~للعبادة والحمد ، وعلى أن يوم القيامة حق ، جاءت الآية الثالثة لتصفه ~~سبحانه بأنه هو صاحب السلطان المطلق PageV05P034 # في هذا الكون فقال تعالى : ( @QUR@012 وهو الله في السماوات وفي الأرض ، ~~يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون ). # أى : أنه سبحانه هو المعبود بحق في السموات والأرض ، العليم بكل شيء في ~~هذا الوجود ، الخبير بكل ما يكسبه الإنسان من خير أو شر فيجازيه عليه بما ~~يستحقه. # والضمير «هو» الذي صدرت به الآية يعود إلى الله تعالى الذي نعت ذاته في ~~الآيتين السابقتين بأنه هو صاحب الحمد المطلق ، وخالق السموات والأرض ، ~~وجاعل الظلمات والنور ، ومنشئ الإنسان من طين ، وأنه لذلك يكون مختصا ~~بالعبادة والخضوع. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 وهو الله ) جملة من مبتدأ وخبر ، معطوفة على ما ~~قبلها ، سيقت لبيان شمول ألوهيته لجميع المخلوقات. # قال أبو السعود : وقوله ( @QUR@04 في السماوات وفي الأرض ) متعلق بالمعنى ~~الوصفي الذي ينبئ عنه الاسم الجليل إما باعتبار أصل اشتقاقه وكونه علما ~~للمعبود بالحق ، كأنه قيل : وهو المعبود فيهما. وإما باعتبار أنه اسم اشتهر ~~بما اشتهرت به الذات من صفات الكمال ، فلو حظ معه منها ما يقتضيه المقام من ~~المالكية حسبما تقتضيه المشيئة المبنية على الحكم البالغة ، فعلق به الظرف ~~من تلك الحيثية فصار كأنه قيل : وهو المالك أو المتصرف المدبر فيهما ، كما ~~في قوله تعالى : ( @QUR@08 وهو الذي ms1893 في السماء إله وفي الأرض إله ) (1). # وجملة ( @QUR@06 يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون ) تقرير لمعنى الجملة ~~الأولى لأن الذي استوى في علمه السر والعلن هو الله وحده. ويجوز أن تكون ~~كلاما مبتدأ بمعنى : هو يعلم سركم وجهركم ، أو خبرا ثانيا. # ثم صور سبحانه طبيعة الجاحدين الذين هم لانطماس بصائرهم وإصرارهم على ~~العناد غدوا لا يجدي معهم دليل ولا تنفع معهم حجة ، وساق لهم أخبار من ~~سبقوهم. فقال تعالى : # ( @QUR@011 وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (4) ~~@QUR@012 فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤن ~~(5) @QUR@01 ألم PageV05P035 # @QUR@030 يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم ~~وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم ~~بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ) (6) # والمعنى الإجمال للآية الأولى : أن هؤلاء الجاحدين لرسالات الله ، لا ~~تأتيهم معجزة من المعجزات الدالة على صدقك يا محمد فيما تبلغه عن ربك إلا ~~تلقوها بالإعراض ، واستقبلوها بالنبذ والاستخفاف. # فالآية الكريمة ، كلام مستأنف سيق لبيان كفرهم بآيات الله تعالى وإعراضهم ~~عنها بالكلية بعد بيان كفرهم بالله تعالى وإعراضهم عن بعض آيات التوحيد. ~~وامترائهم في البعث ، وإعراضهم عن أدلتة (1). # و ( @QUR@01 من ) الأولى لاستغراق الجنس الذي يقع في حيز النفي ، كقولك : ~~ما أتانى من أحد والثانية للتبعيض ، أى : ما يظهر لهم دليل قط من الأدلة ~~التي توجب النظر والتأمل والاعتبار ، إلا أهملوه وأعرضوا عنه. لقسوة قلوبهم ~~وعدم تدبرهم للعواقب. # وإضافة الآيات إلى اسم الرب عز وجل تدل على تفخيم شأنها ، وعلى أن تكذيبهم ~~لها إنما هو تكذيب لما عرفوا مصدره ، كما يدل على شدة عنادهم وإيغالهم في ~~الكفر والجحود. # والآية الكريمة بأسلوبها المتضمن الحصر ، وباشتمالها على كان وخبرها ~~المفيد للدوام ، والاستمرار ، تفيد أن الإعراض عن الحق دأبهم ، وأنهم ليسوا ~~على استعداد لتقبل الحق مهما اتضحت معالمه ، وأسفرت حججه. # ثم بين سبحانه أنهم لم يكتفوا بالإعراض عن الحق ، بل تجاوزوا ذلك إلى ~~التهكم بدعاته ، والتطاول عليهم ، وأنهم نتيجة لذلك المسلك الأثيم ms1894 ستكون ~~عاقبتهم خسرا فقال تعالى : ( @QUR@012 فقد كذبوا بالحق لما جاءهم ، فسوف ~~يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤن ). # فالآية الكريمة كشفت بأسلوب مؤكد عن جانب من عتوهم وسفههم وسوء أدبهم ، ~~بعد أن كشفت سابقتها عن عنادهم ونأيهم عن الحق. PageV05P036 # وقد بين الفخر الرازي مراحل تماديهم في الباطل كما صورها القرآن فقال ~~«اعلم أنه تعالى رتب أحوال هؤلاء الكفار على ثلاث مراتب : # فالمرتبة الأولى : كونهم معرضين عن التأمل في الدلائل والتفكر والبينات. # والمرتبة الثانية : كونهم مكذبين بها ، وهذه المرتبة أزيد مما قبلها ، ~~لأن المعرض عن الشيء قد لا يكون مكذبا به ، بل يكون غافلا عنه غير متعرض له ~~، فإذا صار مكذبا به فقد زاد على الإعراض. # والمرتبة الثالثة : كونهم مستهزئين بها ، لأن المكذب بالشيء قد لا يبلغ ~~تكذيبه إلى حد الاستهزاء ، فإذا بلغ إلى هذا الحد فقد بلغ الغاية القصوى في ~~الإنكار ، فبين سبحانه أن أولئك الكفار وصلوا إلى هذه المراتب الثلاثة على ~~هذا الترتيب» (1). # والمراد بالحق الذي كذبوا به : قيل إنه القرآن ، وقيل إنه المعجزات ، ~~وقيل إنه الشرع الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل : إنه الوعد الذي ~~يرغبهم به تارة ، والوعيد الذي يحذرهم بسببه تارة أخرى. # والذي نراه أن تكذيبهم قد شمل كل ذلك ، لأنهم بعدم دخولهم في الإسلام قد ~~صاروا مكذبين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. # والتعبير بقوله ( @QUR@02 لما جاءهم ) يفيد أن الحق قد وصل إليهم ، وطرق ~~قلوبهم وأسماعهم ، ولكنهم عموا وصموا عنه. # والأنباء : جمع نبأ وهو ما يعظم وقعه من الأخبار ، والمراد بها في قوله ~~تعالى : ( @QUR@07 فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤن ) الإخبار عن ~~العذاب الذي توعدهم الله به عند إصرارهم على كفرهم ، ونظيره قوله تعالى : ( ~~@QUR@04 ولتعلمن نبأه بعد حين ). # قال صاحب الكشاف : ( @QUR@03 فسوف يأتيهم أنباء ) الشيء الذي ( @QUR@03 ~~كانوا به يستهزؤن ) وهو القرآن ، أى أخباره وأحواله ، بمعنى : سيعلمون بأى ~~شيء استهزءوا ، وسيظهر لهم أنه لم يكن بموضع استهزاء ، وذلك عند إرسال ~~العذاب عليهم في الدنيا أو في يوم القيامة أو عند ظهور الإسلام وعلو ms1895 كلمته (2). # ثم ساق القرآن لهم على سبيل النصيحة والإرشاد أخبار من سبقوهم في الكفر ~~والبطر وبين لهم سوء عاقبتهم ليعتبروا ويتعظوا فقال تعالى : PageV05P037 # ( @QUR@015 ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم ~~نمكن لكم ). # قال القرطبي : «القرن الأمة من الناس والجمع القرون. قال الشاعر : # إذا ذهب القرن الذي كنت فيهم %~% وخلفت في قرن فأنت غريب # فالقرن كل عالم في عصره ، مأخوذ من الاقتران ، أى عالم مقترن بعضهم إلى ~~بعض ، وفي الحديث الشريف : «خير الناس قرني يعنى أصحابى ثم الذين يلونهم ثم ~~الذين يلونهم» فالقرن على هذا مدة من الزمان ، قيل : ستون عاما ، وقيل : ~~سبعون ، وقيل ، ثمانون ، وقيل مائة وعليه أكثر أصحاب الحديث أن القرن مائة ~~سنة ، واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله ابن بشر : «تعيش ~~قرنا» فعاش مائة (1). # والاستفهام الذي صدرت به الآية الكريمة لتوبيخ الكفار وتبكيتهم ، وإنكار ~~ما وقع منهم من إعراض واستهزاء ، وهو داخل على فعل محذوف دل عليه سابق ~~الكلام ولاحقه. # والتقدير : أعملوا عن الحق وأعرضوا عن دلائله ، ولم يروا بتدبر وتفكر كم ~~أهلكنا من قبلهم من أقوام كانوا أشد منهم قوة وأكثر جمعا. # وجملة ( @QUR@01 أهلكنا ) سدت مسد مفعول رأى إن كانت بصرية ، وسدت مسد ~~مفعوليها إن كانت علمية ، و ( @QUR@01 كم ) مفعول مقدم لأهلكنا ، و ( ~~@QUR@02 من قبلهم ) على حذف المضاف ، أى : من قبل زمنهم ووجودهم. # قال صاحب المنار : وكان الظاهر أن يقال : مكناهم في الأرض أى القرون ما ~~لم نمكنهم ، أى الكفار المحكي عنهم المستفهم عن حالهم ، فعدل عن ذلك ~~بالالتفات من الغيبة إلى الخطاب ، لما في إيراد الفعلين بضميري الغيبة من ~~إيهام اتحاد مرجعهما ، وكون المثبت عين المنفي ، فقيل ما لم نمكن لكم (2). # و ( @QUR@01 ما ) في قوله ( @QUR@04 ما لم نمكن لكم ) يحتمل أن تكون ~~موصولة بمعنى الذي ، وهي حينئذ صفة لمصدر محذوف. والتقدير : مكناهم في ~~الأرض التمكين الذي لم نمكن لكم ، والعائد محذوف : أى الذي لم نمكنه لكم. ~~ويحتمل أن تكون نكرة موصوفة بالجملة المنفية بعدها والعائد محذوف. ms1896 أى : ~~مكناهم في الأرض شيئا لم نمكنه لكم (3). # وفي تعدية الأول وهو ( @QUR@01 مكناهم ) بنفسه والثاني وهو ( @QUR@02 ~~نمكن لكم ) باللام إشارة إلى أن PageV05P038 # السابقين قد مكنوا بالفعل من وسائل العيش الرغيد ما لم يتيسر مثله لهؤلاء ~~المنكرين لدعوة الإسلام ، وهذا أعظم في باب القدرة على إهلاك هؤلاء الذين ~~هم أعجز من سابقيهم. # هذا ، وقد وصف الله أولئك المهلكين بسبب اجتراحهم للسيئات بصفات ثلاث لم ~~تتوفر للمشركين المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم . # وصفهم أولا بأنهم كانوا أوسع سلطانا ، وأكثر عمرانا ، وأعظم استقرارا ، ~~كما يفيده قوله تعالى ( @QUR@07 مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم ). # قال صاحب الكشاف : «والمعنى لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا قوم عاد وثمود ~~وغيرهم من البسطة في الأجسام ، والسعة في الأموال ، والاستظهار بأسباب ~~الدنيا» (1). # ووصفهم ثانيا بأنهم كانوا أرغد عيشا ، وأسعد حالا ، وأهنأ بالا ، يدل على ~~ذلك قوله تعالى : # ( @QUR@04 وأرسلنا السماء عليهم مدرارا ) أى : أنزلنا عليهم المطر النافع ~~بغزارة وكثرة ، وعبر عنه بالسماء لأنه ينزل منها. # ووصفهم ثالثا بأنهم كانوا منعمين بالمياه الكثيرة التي يسيرون مجاريها ~~كما يشاءون ، فيبنون مساكنهم على ضفافها. ويتمتعون بالنظر إلى مناظرها ~~الجملية ، كما يرشد إليه قوله تعالى : ( @QUR@05 وجعلنا الأنهار تجري من ~~تحتهم ) أى : صيرنا الأنهار تجرى من تحت مساكنهم. # ولكن ماذا كانت عاقبة هؤلاء المنعمين بتلك النعم الوفيرة التي لم تتيسر ~~لأهل مكة ؛ كانت عاقبتهم كما أخبر القرآن عنهم ( @QUR@07 فأهلكناهم بذنوبهم ~~وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ) أى : فكفروا بنعمة الله وجحدوا فأهلكناهم ~~بسبب ذلك ، إذ الذنوب سبب الانتقام وزوال النعم. ### ||| ** والإهلاك بسبب الذنوب له مظهران : # أحدهما : أن الذنوب ذاتها تهلك الأمم ، إذ تشيع فيها الترف والغرور ~~والفساد في الأرض ، وبذلك تنحل وتضمحل وتذهب قوتها. # والمظهر الثاني : إهلاك الله تعالى لها عقابا عن أوزارها (2). # وقوله تعالى في ختام الآية ( @QUR@05 وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ) يدل ~~على كمال قدرة الله ، PageV05P039 # ونفاذ إرادته ، وأن إهلاكه لتلك الأمم بسبب ذنوبها لم ينقص من ملكه شيئا ~~، لأنه سبحانه كلما أهلك أمة أنشأ من بعدها أخرى. # قال تعالى ms1897 ( @QUR@09 وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ~~) (1). # ثم بين القرآن توغلهم في الجحود والعناد ، وانصرافهم عن الحق مهما قويت ~~أدلته ، وساق جانبا من أقوالهم الباطلة ثم رد عليهم بما يدحضها فقال تعالى : # ( @QUR@016 ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين ~~كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7) @QUR@014 وقالوا لو لا أنزل عليه ملك ولو ~~أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون (8) @QUR@09 ولو جعلناه ملكا لجعلناه ~~رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون (9) @QUR@013 ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق ~~بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن (10) @QUR@010 قل سيروا في الأرض ثم ~~انظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) (11) # الكتاب في الأصل مصدر كالكتابة ، ويستعمل غالبا بمعنى المكتوب ، فيطلق ~~على الصحيفة المكتوبة وعلى مجموعة الصحف. # والقرطاس بكسر القاف وقد تفتح وتضم في بعض اللغات ما يكتب فيه سواء كان ~~من رق أو من ورق أو من غيرهما : ولا يطلق على ما يكتب فيه قرطاس إلا إذا ~~كان مكتوبا. # والمعنى : إن هؤلاء الجاحدين لا ينقصهم الدليل على صدقك يا محمد. ولكن ~~الذي ينقصهم PageV05P040 # هو التفتح للحق ، والانقياد للهداية ، فإننا لو نزلنا عليك كتابا من ~~السماء في قرطاس كما اقترحوا فشاهدوه بأعينهم وهو نازل عليك ولمسوه بأيديهم ~~منذ وصوله إلى الأرض وباشروه بعد ذلك بجميع حواسهم بحيث يرتفع عنهم كل ~~ارتياب ، ويزول كل إشكال. لو أننا فعلنا ذلك. استجابة لمقترحاتهم المتعنتة ~~، لقالوا بلغة العناد والجحود ما هذا الذي أبصرناه ولمسناه إلا سحر مبين. # فالآية الكريمة تصور مكابرتهم المتبجحة ، وعنادهم الصفيق ، وإدبارهم عن ~~الحق مهما تكن قوة أدلته ، ونصاعة حجته. # قال الإمام الرازي «بين الله تعالى في هذه الآية أن هؤلاء الكفار لو أنهم ~~شاهدوا نزول كتاب من السماء دفعة واحدة عليك يا محمد لم يؤمنوا به بل حملوه ~~على أنه سحر. والمراد من قوله ( @QUR@02 في قرطاس ) أنه لو نزل الكتاب جملة ~~واحدة في صحيفة واحدة فرأوه ولمسوه وشاهدوه عيانا لطعنوا فيه وقالوا إنه ~~سحر» (1). # و ( @QUR@01 لو ) في الآية الكريمة حرف امتناع ، أى : أنه سبحانه قد ms1898 ~~امتنع عن إجابة مقترحاتهم لأنه يعلم أن إجابتها لا ثمرة لها ، ولا فائدة من ~~ورائها ، لأن هؤلاء الجاحدين لا ينقصهم الدليل على صدق النبي ~~صلى الله عليه وسلم في دعوته ، وإنما الذي ينقصهم هو الاستجابة للحق والاتجاه ~~السليم لطلبه ، والاستماع إليه بعناية وتفكير. # وعبر سبحانه بقوله : ( @QUR@02 فلمسوه بأيديهم ). مع أن اللمس هو باليد ~~غالبا للتأكيد وزيادة التعيين ، ودفع احتمال المجاز. فالجملة الكريمة ~~المقصود بها تصوير فرط جحودهم ومكابرتهم ، وإعراضهم عن الحق مهما تكن قوة ~~الدليل وحسيته. # وفي قوله تعالى ( @QUR@03 لقال الذين كفروا ) إشارة إلى أن الكافرين ~~وحدهم هم الذين بسبب كفرهم ينتحلون الأعذار لضلالهم ، ويصفون الحق الواضح ~~بأنه سحر مبين. أما المؤمنون فإنهم يقابلون الحق بالتصديق والإذعان. # وقد حكى القرآن عنهم أنهم قالوا : ( @QUR@05 إن هذا إلا سحر مبين )، ~~فأكدوا حكمهم الباطل بطريق النفي والإثبات أى : أنه مقصور على أنه سحر ~~وبالإشارة إليه ، وبأنه بين واضح في كونه سحرا ، وذلك يدل على أن تبجحهم قد ~~بلغ النهاية ، وأن مكابرتهم قد كذبت ما شهدت بصدقه حواسهم ، وإن قوما بهذه ~~الدرجة من العناد لا تجدى فيهم معجزة ، ولا ينفع معهم دليل. # وفي معنى هذه الآية قد وردت آيات أخرى في القرآن الكريم منها قوله تعالى ~~( @QUR@02 ولو أننا PageV05P041 # @QUR@020 نزلنا إليهم الملائكة ، وكلمهم الموتى ، وحشرنا عليهم كل شيء ~~قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ، ولكن أكثرهم يجهلون ) (1). # ومنها قوله تعالى ( @QUR@017 ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه ~~يعرجون* لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ) (2). # ثم حكى القرآن بعض مقترحاتهم المتعنتة ورد عليها بما يدحضها فقال : # ( @QUR@023 وقالوا لو لا أنزل عليه ملك ، ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم ~~لا ينظرون* ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ، وللبسنا عليهم ما يلبسون ). # أى : قال الكافرون للنبي صلى الله عليه وسلم هلا كان معك ملك يا محمد لكي ~~يشهد بصدقك ونسمع كلامه ، ونرى هيئته ، وحينئذ نؤمن بك ونصدقك. # قال محمد بن إسحاق «دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه إلى الإسلام ، ~~وكلمهم فأبلغ إليهم ms1899 ، فقال له زمعة بن الأسود بن المطلب والنضر بن الحارث ~~بن كلده ، وعبد بن يغوث وأبى بن خلف بن وهب والعاص بن وائل بن هشام : لو ~~جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويروى معك». # فهم لا يريدون ملكا لا يرونه ، وإنما يريدون ملكا يمشى معه ويشاهدونه ~~بأعينهم. # وأسند سبحانه القول إليهم مع أن القائل بعضهم ، لأنهم جميعا متعنتون ~~جاحدون ، وما يصدر عن بعضهم إنما هو صادر في المعنى عن جميعهم لأن الباعث ~~واحد ، ولو لا هنا للتحضيض فلا تحتاج إلى جواب. # أى : وقال الكافرون للنبي صلى الله عليه وسلم هلا كان معك ملك يا محمد لكي ~~يشهد بصدقك ونسمع كلامه ، ونرى هيئته ، وحينئذ نؤمن بك ونصدقك. # وقد رد الله تعالى على قولهم هذا بردين حكيمين : # أما الرد الأول : فقال فيه : ( @QUR@08 ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ~~ينظرون ). # أى : لو أنزلنا ملكا كما اقترح هؤلاء الكافرون وهم على ما هم عليه من ~~الكفر والجحود ، لقضى الأمر بإهلاكهم ، ثم لا ينظرون ، أى : لا يؤخرون ولا ~~يمهلون ليؤمنوا ، بل يأخذهم العذاب عاجلا ، فقد مضت سنة الله فيمن قبلهم ، ~~أنهم كانوا إذا اقترحوا آية وأعطوها ولم PageV05P042 # يؤمنوا يعذبهم الله بالهلاك ، والله تعالى لا يريد أن يهلك هذه الأمة ~~التي بعث فيها خاتم رسله نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم بسبب إجابة مقترحات ~~أولئك المعاندين المستكبرين. # وأما الرد الثاني فقال فيه : ( @QUR@09 ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ~~وللبسنا عليهم ما يلبسون ). # أى : لو جعلنا الرسول من الملائكة كما اقترحوا لكانت الحكمة تقتضي أن ~~نجعله في صورة بشر ليتمكنوا من رؤيته ومن سماع كلامه الذي يبلغه عن الله ~~تعالى وفي هذه الحالة سيقولون لهذا الملك المرسل إليهم في صورة بشر : لست ~~ملكا ، لأنهم لا يدركون منه إلا صورته وصفاته البشرية التي تمثل بها ، ~~وحينئذ يقعون في نفس اللبس والاشتباه الذي يلبسونه على أنفسهم باستنكار جعل ~~الرسول بشرا. # ومعنى ( @QUR@04 وللبسنا عليهم ما يلبسون ) لخلطنا عليهم مثل ما يخلطون ~~على أنفسهم بسبب استبعادهم أن يكون الرسول ms1900 بشرا مثلهم. # قال الإمام القرطبي : قوله تعالى ( @QUR@05 ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ~~) لأن كل جنس يأنس بجنسه وينفر من غير جنسه ، فلو جعل الله تعالى الرسول ~~إلى البشر ملكا لنفروا من مقاربته ولما أنسوا به ، ولداخلهم من الرعب من ~~كلامه والاتقاء له ، ما يكفهم عن كلامه ويمنعهم عن سؤاله فلا تعم المصلحة ، ~~ولو نقله عن صورة الملائكة إلى مثل صورتهم ليأنسوا به وليسكنوا إليه لقالوا ~~: لست ملكا وإنما أنت بشر فلا نؤمن بك ، وعادوا إلى مثل حالهم» (1). # وبهذين الجوابين الحكيمين يكون القرآن الكريم قد دحض شبهات أولئك ~~الجاحدين ، وبين أن الحكمة تقتضي أن يكون الرسول من جنس المرسل إليهم ، قال ~~تعالى : ( @QUR@011 وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى ). ### ||| ** ثم أخذ القرآن في تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عما أصابه من قومه فقال : # ( @QUR@013 ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به ~~يستهزؤن ). # والمعنى : لا تحزن يا محمد لما أصابك من قومك ، فإن من شأن الدعاة إلى ~~الحق المجاهدين في سبيله أن ينالهم الأذى من أعدائهم ، ولقد أوذى من سبقك ~~من الرسل الكرام ، وسخر الساخرون منهم ، فصبروا على ذلك ، وجاءهم في ~~النهاية نصرنا الذي وعدناهم به. أما أعداؤهم الذين استهزءوا بهم ، فقد ~~أخذناهم أخذ عزيز مقتدر ( @QUR@028 فكلا أخذنا بذنبه ، فمنهم من أرسلنا ~~عليه حاصبا ، ومنهم من أخذته الصيحة ، ومنهم من خسفنا به الأرض ، ومنهم من ~~أغرقنا ، وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) (2). PageV05P043 # فالآية الكريمة تهدف إلى تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والترويح عن نفسه ~~، وتبشيره بحسن العاقبة وتثبيت قلبه حتى لا يتأثر أو يضعف أمام سفه ~~المشركين وتطاولهم عليه. # والاستهزاء بالشيء : الاستهانة به ، والاستهزاء بالشخص احتقاره وعدم ~~الاهتمام بأمره. وتنكير الرسل للتكثير والتعظيم ، والفاء في قوله ( @QUR@01 ~~فحاق ) للسببية ، أى : بسبب هذا الاستهزاء برسل الله الكرام ، أحاط العذاب ~~بأولئك المستهزئين فأهلكهم. # وقال سبحانه ( @QUR@03 فحاق بالذين سخروا ) ولم يقل بالساخرين ، للإشارة ~~إلى أن ما أصابهم من عذاب لم يكن تجنبا عليهم ، وإنما ms1901 كان بسبب سخريتهم ~~برسل الله والاستخفاف بهم ؛ لأن التعبير بالموصول يفيد أن الصلة هي علة الحكم. # وفي قوله تعالى : ( @QUR@08 فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن ~~) مجاز علاقته السببية ، لأن الذي حاق بهم هو العذاب المسبب عن الاستهزاء ، ~~ففيه إطلاق السبب وإرادة المسبب ، وذلك يفيد أن العذاب ملازم لهذه السخرية ~~لا ينفك عنها ، فحيثما وجد التطاول على أولياء الله والدعاة إلى دينه ، وجد ~~معه عذاب الله وسخطه على المتطاولين والمستهزئين. # ثم أمر القرآن النبي صلى الله عليه وسلم أن يذكرهم بحال من سبقوهم عن طريق ~~التطلع إلى آثارهم ، والتدبر فيما أصابهم. والاتعاظ بما حل بهم فقال تعالى : # ( @QUR@010 قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين ). # أى : قل يا محمد لأولئك المكذبين لك ، المستهزئين بدعوتك ، لا تغتروا بما ~~أنتم فيه من قوة وجاه ، فإن ذلك لا دوام له ، وسيروا في فجاج الأرض متدبرين ~~متأملين ، فسترون بأعينكم آثار أقوام كانوا أشد منكم قوة وأكثر جمعا ، ولكن ~~ذلك لم يمنع وقوع العذاب بهم حين بدلوا نعمة الله كفرا ، وحاربوا رسل الله ~~والدعاة إلى دينه. # وقد ذكر القرآن الكريم في سور متعددة أن آثار أولئك الأقوام المهلكين ، ~~ما زال بعضها باقيا ، وإنها لتدعو العقلاء إلى الاتعاظ والاعتبار فقال ~~تعالى : ( @QUR@09 ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد ) (1). # وقال تعالى في شأن قوم لوط : ( @QUR@07 وإنكم لتمرون عليهم مصبحين* ~~وبالليل ، أفلا تعقلون ) (2). PageV05P044 # وقد أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يطلب منهم السير في الأرض ~~للتفكر والتدبر ، لأنهم كانوا يستهزئون به صلى الله عليه وسلم فكانت المخاطبة ~~منه لهم من قبيل النصيحة والتحذير. # وليس المراد مجرد النظر في قوله ( @QUR@02 ثم انظروا )، بل المراد منه ~~التفكر والتدبر والاعتبار الذي يهدى إلى الإيمان ، ويعين على اتباع الصراط ~~المستقيم. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : أى فرق بين قوله ( @QUR@01 فانظروا ) وبين ~~قوله ( @QUR@02 ثم انظروا )؟ قلت : جعل النظر مسببا عن السير في قوله ( ~~@QUR@01 فانظروا ) فكأنه قيل : سيروا لأجل النظر ، ولا تسيروا سير ~~الغافلين. وأما قوله ms1902 ( @QUR@05 سيروا في الأرض ثم انظروا ) فمعناه إباحة ~~السير في الأرض للتجارة وغيرها من المنافع وإيجاب النظر في آثار الهالكين ، ~~ونبه على ذلك بثم لتباعد ما بين الواجب والمباح (1). # وقد علق الشيخ ابن المنير على عبارة صاحب الكشاف فقال : «وأظهر من هذا ~~التأويل أن يجعل الأمر بالسير في المكانين واحدا ، ليكون ذلك سببا في النظر ~~، فحيث دخلت الفاء فلإظهار السببية ، وحيث دخلت ثم فللتنبيه على أن النظر ~~هو المقصود من السير وأن السير وسيلة إليه لا غير وشتان بين المقصود ~~والوسيلة». # والذي نرجحه أن التعبير بثم هنا المفيدة للتراخي للإشارة إلى أن السير ~~الذي هو وسيلة للتفكر مطلوب في ذاته كما أن النظر الذي يصحبه التفكر ~~والاعتبار مطلوب أيضا ، وكأنه أمر بدهى نتيجة للسير ، أما التعبير بالفاء ~~في قوله «فانظروا» فلإبراز كون النظر مسببا عن السير ، ومترتبا عليه ، وكلا ~~الأسلوبين مناسب للمقام الذي سيق من أجله ، ومتناسق مع البلاغة القرآنية. # ثم ساق القرآن الكريم ألوانا من البراهين الدالة على وحدانية الله وقدرته ~~وعلى أنه هو المهيمن على هذا الكون ، فقال تعالى : # ( @QUR@025 قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ~~ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (12) PageV05P045 # @QUR@09 وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم (13) @QUR@024 قل ~~أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت ~~أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين (14) @QUR@09 قل إني أخاف إن ~~عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) @QUR@09 من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك ~~الفوز المبين ) (16) # والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين على سبيل التوبيخ والتنبيه من الذي ~~يملك السموات والأرض وما فيهما من إنس وجن وحيوان ونبات وغير ذلك من ~~المخلوقات ، إن الإجابة الصحيحة التي يعترفون بها ولا يستطيعون إنكارها أن ~~جميع المخلوقات لله رب العالمين. قال تعالى ( @QUR@06 ولئن سألتهم من خلقهم ~~ليقولن الله ) فالمقصود بالاستفهام تبكيتهم على عنادهم ، وتنبيههم إلى ~~ضلالهم لعلهم يثوبون إلى رشدهم. # قال الإمام الرازي ms1903 : وقوله : ( @QUR@06 قل لمن ما في السماوات والأرض ) ~~سؤال ، وقوله ( @QUR@02 قل لله ) جواب. فقد أمره الله تعالى بالسؤال أولا ~~ثم بالجواب ثانيا ، وهذا إنما يحسن في الموضع الذي يكون الجواب قد بلغ في ~~الظهور إلى حيث لا يقدر على إنكاره منكر ، ولا يقدر على دفعه دافع ، وهنا ~~كذلك لأن القوم كانوا معترفين بأن العالم كله لله وتحت تصرفه وقهره وقدرته» (1). # ثم قال تعالى ( @QUR@04 كتب على نفسه الرحمة ) أى : أوجب سبحانه على نفسه ~~رحمته التي وسعت كل شيء والتي من مظاهرها أنه منح خيره ونعمه في الدنيا ~~للطائعين والعصاة ، وأنه سيحاسبهم يوم القيامة على أعمالهم فيجازى الذين ~~أساءوا بما عملوا ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. # وفي الصحيحين عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «إن الله لما خلق الخلق كتب كتابا عنده فوق العرش ، إن ~~رحمتي تغلب غضبى». # وجملة ، ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ، يرى بعض العلماء أنها ~~جواب لقسم محذوف PageV05P046 # أى : والله ليجمعنكم ، وجملة القسم والجواب لا محل لها من الإعراب ، وإن ~~تعلقت بما قبلها من حيث المعنى وعلى هذا الرأى يكون الكلام قد تم عند قوله ~~تعالى ( @QUR@04 كتب على نفسه الرحمة ). # ويرى الزجاج ومن شايعه أن جملة (ليجمعنكم) في محل نصب بدل من الرحمة ، ~~وفسر (ليجمعنكم) بمعنى أمهلكم وأمد لكم في العمر والرزق مع كفركم ، فهو ~~تفسير الرحمة ، كما قال تعالى في السورة نفسها (كتب على نفسه الرحمة أنه من ~~عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم) (1). # والمقصود بهذه الجملة الكريمة (ليجمعنكم) بيان عدل الله بين عباده. فهو ~~لم يجمعهم يوم القيامة لتعذيبهم جميعا ، وإنما يجمعهم لإثابة المحسن ~~ومعاقبة المسيء. # ولما كان الكافرون ينكرون حصول البعث والحساب فقد أكد الله تعالى حصولهما ~~باللام وبنون التوكيد الثقيلة ، وبتعدية الفعل بإلى دون في للإشارة إلى أن ~~هذا الجمع نهايته يوم القيامة وبأنه يوم لا ينبغي لأحد أن يرتاب فيه لوضوح أدلته. # ثم ختمت الآية الكريمة ببيان عاقبتهم السيئة فقال ms1904 تعالى ( @QUR@06 الذين ~~خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ). أى : الذين خسروا أنفسهم بانطماس فطرتهم ، ~~وإصرارهم على العناد والجمود ، لا يتسرب الإيمان إلى قلوبهم لأنها قست ~~وأظلمت. # قال الآلوسى : (الفاء) في قوله (فهم لا يؤمنون) للدلالة على أن عدم ~~إيمانهم وإصرارهم على الكفر مسبب عن خسرانهم ، فإن إبطال العقل والانهماك ~~في التقليد أدى بهم إلى الإصرار على الكفر والامتناع عن الإيمان) (2). # ثم ساق سبحانه ما يشهد بشمول علمه وقدرته فقال : ( @QUR@09 وله ما سكن في ~~الليل والنهار وهو السميع العليم ). # قال القرطبي : (سكن معناه هدأ واستقر ، والمراد ما سكن وما تحرك ، فحذف ~~لعلم السامع ، وقيل : خص الساكن بالذكر لأن ما يعمه السكون أكثر مما تعمه ~~الحركة ، وقيل : المعنى ، ما خلق ، فهو عام في جميع المخلوقات متحركها ~~وساكنها ، فإنه يجرى عليه الليل والنهار ، وعلى هذا فليس المراد بالسكون ضد ~~الحركة بل المراد الخلق وهذا أحسن ما قيل لأنه يجمع شتات الأقوال) (3). PageV05P047 # والمعنى : ولله سبحانه جميع ما استقر وتحرك ووجد في كل زمان ومكان من ~~إنسان وحيوان ونبات وغير ذلك من المخلوقات ، وهو سبحانه السميع لكل دقيق ~~وجليل ، العليم بكل الظواهر والبواطن ، والتعبير بما في قوله : ( @QUR@03 ~~وله ما سكن ) للدلالة على العموم والشمول. # ثم أمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستنكر ما عليه المشركون من كفر ~~وإلحاد ، وأن ينفى عن نفسه بشدة ما تردوا فيه من جهالة وضلالة فقال : # ( @QUR@012 قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض ، وهو يطعم ولا ~~يطعم ). # أى : قل لهم يا محمد موبخا وزاجرا ، بأى عقل أبحتم لأنفسكم الإشراك بالله ~~، واتخذتم من دونه معبودا سواه ، مع أنه سبحانه باعترافكم هو الخالق لكم ~~وللسموات والأرض ولكل شيء؟ # وقد سلطت الهمزة على المفعول الأول لا على الفعل ، للإيذان بأن المستنكر ~~إنما هو اتخاذ غير الله وليا لا اتخاذ الولي مطلقا ، ونظير هذه الآية قوله ~~تعالى ( @QUR@07 قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ). # ثم دلل سبحانه على أنه هو وحده المستحق للعبادة بأمرين. # أولهما : قوله تعالى ( @QUR@03 فاطر السماوات والأرض ). # أى خالقهما ومنشئهما ms1905 على غير مثال سبق ، فالفطر كما قال اللغويون الإبداع ~~والإيجاد من غير سبق مثال يحتذي. # وثانيهما : قوله تعالى ( @QUR@04 وهو يطعم ولا يطعم ). # أى : أنه سبحانه هو الذي لا يحتاج إلى أحد وكل ما سواه محتاج إليه وهو ~~الرزاق لغيره ، والمنافع كلها من عنده. # وقرأ أبو عمرو (وهو يطعم ولا يطعم) بفتح الياء في الثاني. أى : وهو يرزق ~~غيره ويطعمه أما هو سبحانه فلا يتناول طعاما ولا شرابا. # وهذه الجملة حالية مؤيدة لإنكار اتخاذ ولى سوى الله ، وفيها تعريض بمن ~~اتخذوا أولياء من دونه من البشر بأنهم محتاجون إلى الطعام ، وأنه سبحانه هو ~~الذي خلق لهم هذا الطعام فهم عاجزون عن البقاء بدونه. # ثم أمره سبحانه بأن يصرح أمامهم بأنه برىء من شركهم ومن أفعالهم القبيحة ~~فقال تعالى ( @QUR@012 قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من ~~المشركين ). # أى : قل أيها الرسول الكريم بعد إيراد هذه الآيات والحج الدالة على ~~وحدانية الله : إنى PageV05P048 # أمرت من خالقي أن أكون أول من يسلم له وجهه ويخصه بالعبادة ، كما أنى ~~نهيت عن أن أكون من المشركين الذين يجعلون مع الله آلهة أخرى. # وصح عطف الجملة الثانية الإنشائية على الأولى الخبرية لأن الأولى خبرية ~~في اللفظ ولكنها إنشائية في المعنى فكانت في قوة الجملة الطلبية والتقدير : ~~كن أول من أسلم ولا تكونن من المشركين ، ويجوز عطفها على جملة ( @QUR@03 قل ~~إني أمرت ) وهي إنشائية في اللفظ والمعنى. # ثم أمره سبحانه بأن يعلن أمامهم بأن خوفه من خالقه يحتم عليه أن يبتعد عن ~~كل معصية فقال : # ( @QUR@09 قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ). # أى : قل لهم يا محمد على سبيل الإنذار والتحذير من الاستمرار في الكفر ~~إنى أخاف إن عصيت خالقي عذاب يوم عظيم الأهوال تذهل فيه ( @QUR@019 كل ~~مرضعة عما أرضعت ، وتضع كل ذات حمل حملها ، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ~~ولكن عذاب الله شديد ). # وفي هذا التحذير أسمى ألوان التعبير والتصوير لأنه إذا كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو أحب ms1906 الخلق إلى الله سينا له العذاب إن كان على سبيل ~~الفرض والتقدير قد عصى ربه في الدنيا. فكيف بأولئك الذين أشركوا مع الله ~~آلهة أخرى؟ فمن الواجب عليهم أن يقتدوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في عبادته ~~وإخلاصه لربه. # وكلمة ( @QUR@01 عذاب ) مفعول لأخاف ، وجواب الشرط محذوف والتقدير : إن ~~عصيت ربي استحققت العذاب العظيم. # ثم بين سبحانه أن النجاة من هول هذا اليوم غنيمة ليس بعدها غنيمة فقال : ~~( @QUR@09 من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه ، وذلك الفوز المبين ). # أى : من يصرف عنه عذاب هذا اليوم ، فإنه يكون ممن شملتهم رحمة الله ~~ورعايته ، وذلك هو الفوز الذي ليس بعده فوز. # والضمير الذي يعتبر نائب فاعل ليصرف ، يعود على العذاب العظيم الذي سيحل ~~بالمجرمين يوم القيامة. # وفي قراءة لحمزة والكسائي وأبى بكر عن عاصم (من يصرف) بفتح الياء فيكون ~~الضمير عائدا على الله ويكون المفعول محذوفا. والتقدير من يصرف الله عنه ~~هذا العذاب العظيم في ذلك اليوم فقد شملته رحمة الله ، وعلى كلتا القراءتين ~~فالضمير في قوله (فقد رحمه) يعود على الله تعالى : PageV05P049 # هذا ، وفي هذه الآيات الخمس نجد القرآن قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقوله ( @QUR@01 قل ) خمس مرات وهو أسلوب إنذارى تلقيني كثر استعماله في ~~هذه السورة كما سبق أن قلنا في التمهيد لها لأنه يلقن النبي ~~صلى الله عليه وسلم الحجج التي تزلزل كيان المشركين وتأتى على بنيانهم من ~~القواعد. وفضلا عن ذلك فهو لون من التفنن في أسلوب الدعوة إلى أن يحتاج ~~إليه المرشدون والدعاة. لأن التزام أسلوب واحد في إقامة الحجة على الخصم ~~يفضى إلى السآمة والملل ، ومن هنا فقد لون القرآن أساليبه حتى تناسب العقول ~~على اختلاف مداركها ، وصدق الله إذ يقول ( @QUR@06 انظر كيف نصرف الآيات ~~لعلهم يفقهون ). # ثم بين سبحانه أن نواصي العباد بيديه ، وأنه هو المتصرف في خلقه بما يشاء ~~، لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه فقال تعالى : # ( @QUR@017 وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو ~~على كل شيء قدير ms1907 (17) @QUR@07 وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير (18) ~~@QUR@037 قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا ~~القرآن لأنذركم به ومن بلغ أإنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد ~~قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون (19) @QUR@013 الذين آتيناهم ~~الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (20) ~~@QUR@014 ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح ~~الظالمون ) (21) # المس : أعم من اللمس في الاستعمال. يقال : مسه السوء والكبر والعذاب ~~والتعب. أى : أصابه ذلك ونزل به. # «والضر : اسم للألم والحزن والخوف وما يفضى إليهما أو إلى أحدهما كما أن ~~النفع اسم للذة PageV05P050 # والسرور وما يفضى إليهما أو إلى أحدهما» (1). # والخير : اسم لكل ما كان فيه منفعة أو مصلحة حاضرة أو مستقبله. # والمعنى : إن الناس جميعا تحت سلطان الله وقدرته ، فما يصيبهم من ضر كمرض ~~وتعب وحزن اقتضته سنة الله في هذه الحياة ، فلا كاشف له إلا هو ، وما ~~يصيبهم من خير كصحة وغنى وقوة وجاه فهو سبحانه قادر على حفظه عليهم ، ~~وإبقائه لهم ، لأنه على كل شيء قدير. # والخطاب في الآية يصح أن يكون موجها إلى النبي صلى الله عليه وسلم لتقويته ~~في دعوته ، وتثبيته أمام كيد الأعداء وأذاهم ، كما يصح أن يكون لكل من هو ~~أهل للخطاب. # قال صاحب المنار : «ومن دقائق بلاغة القرآن المعجزة ، تجرى الحقائق بأوجز ~~العبارات ، وأجمعها لمحاسن الكلام مع مخالفته بعضها في بادئ الرأى لما هو ~~الأصل في التعبير ، كالمقابلة هنا بين الضر والخير ، وإنما مقابل الضر ~~النفع ومقابل الخير الشر ، فنكتة المقابلة أن الضر من الله ليس شرا في ~~الحقيقة بل هو تربية واختبار للعبد يستفيد به من هو أهل للاستفادة أخلاقا ~~وأدبا وعلما وخبرة. وقد بدأ بذكر الضر لأن كشفه مقدم على نيل مقابله ، كما ~~أن صرف العذاب في الآخرة مقدم على النعيم» (2). # وقوله : ( @QUR@03 وإن يمسسك بخير ) جوابه محذوف تقديره : فلا راد له غيره. # وقوله : ( @QUR@05 فهو على كل شيء قدير ) تعليل ms1908 لكل من الجوابين ~~المذكورين في الشرطية الأولى والمحذوف في الثانية. # وفي معنى هذه الآية جاءت آيات أخرى منها قوله تعالى : ( @QUR@019 ما يفتح ~~الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ، وما يمسك فلا مرسل له من بعده ، وهو ~~العزيز الحكيم ) (3). # وفي الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : «اللهم لا ~~مانع لما أعطيت ، ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد». # ثم بين سبحانه كمال قدرته ، وعظيم سلطانه فقال : ( @QUR@07 وهو القاهر ~~فوق عباده وهو الحكيم الخبير ). # أى أنه كما قال ابن كثير «هو الذي خضعت له الرقاب ، وذلت له الجباه. وعنت ~~له الوجوه ، وقهر كل شيء ، ودانت له الخلائق ، وتواضعت لعظمة جلاله ~~وكبريائه الأشياء ، وتضاءلت بين يديه وتحت قهره وحكمه». PageV05P051 # ثم أمر الله : نبيه صلى الله عليه وسلم في بيان رائع حكيم ، أن يسأل ~~المشركين عن أى شيء في هذا الكون أعظم وأزكى شهادة بحيث تقبل شهادته ولا ~~ترد فقال تعالى : ( @QUR@010 قل أي شيء أكبر شهادة؟ قل الله شهيد بيني ~~وبينكم ). # روى بعض المفسرين أن أهل مكة قالوا : يا محمد ، أرنا من يشهد أنك رسول ~~الله ، فإنا لا نرى أحدا نصدقه ، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا ~~أنه ليس لك عندهم ذكر ، فأنزل الله تعالى : ( @QUR@010 قل أي شيء أكبر ~~شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم ). # أى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يخاصمونك فيما تدعو إليه : أى شيء ~~في هذا الوجود شهادته أكبر شهادة وأعظمها بحيث تقبلونها عن تسليم وإذعان؟ ~~ثم أمره أن يجيبهم على هذا السؤال بالحقيقة التي لا يمارى فيها عاقل وهي أن ~~شهادة الله هي أكبر شهادة وأقواها وأزكاها ، لأنها شهادة من يستحيل عليه ~~الكذب أو الخطأ ، وقد شهد سبحانه : بصدقى فيما أبلغه عنه فلما ذا تعرضون عن ~~دعوتي ، وتتنكبون الطريق المستقيم؟ # وصدرت الآية الكريمة بقل وبصيغة الاستفهام تنبيها إلى جلال الشاهد ، وإلى ~~سلامة دعوى النبي صلى الله عليه وسلم لكي يدركوا ما فيها من حق وما هم فيه من ضلال. # وأوثرت ms1909 كلمة «شيء» في قوله تعالى : ( @QUR@05 قل أي شيء أكبر شهادة ) ~~لأنها تفيد الشمول والإحاطة والاستقصاء. # قال صاحب الكشاف : ما ملخصه قوله تعالى : ( @QUR@010 قل أي شيء أكبر ~~شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم ) أراد : أى شهيد أكبر شهادة ، فوضع شيئا ~~مقام شهيد ليبالغ في التعميم ، ويحتمل أن يكون تمام الجواب عنه قوله : ( ~~@QUR@02 قل الله ) بمعنى : الله أكبر شهادة ، ثم ابتدأ ( @QUR@03 شهيد بيني ~~وبينكم ) أى : هو شهيد بيني وبينكم. وأن يكون ( @QUR@04 الله شهيد بيني ~~وبينكم ) هو الجواب ، لدلالته على أن الله تعالى : (إذا كان هو الشهيد بينه ~~وبينهم فأكبر شيء شهادة من هو شهيد له) (1). # والمراد بشهادة الله ما جاء في آياته القرآنية من أنه سبحانه : قد أرسل ~~رسوله محمدا ( @QUR@07 بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ). # ثم بين سبحانه : أن القرآن هو المعجزة الخالدة للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال : ( @QUR@08 وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ). # أى : أن الله تعالى : قد أنزل هذا القرآن عن طريق وحيه الصادق ، لأنذركم ~~به يا أهل PageV05P052 # مكة ، ولأنذر به أيضا جميع من بلغه هذا الكتاب الكريم ووصلت إليه دعوته ~~من العرب والعجم في كل زمان ومكان إلى يوم القيامة. # فهذه الجملة تدل على عموم بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كما تدل على أن ~~أحكام القرآن تعم الموجودين وقت نزوله ، وتعم أيضا الذين وجدوا بعد نزوله ~~وبلغتهم دعوته. ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم ففي الحديث الشريف : «بلغوا ~~عن الله تعالى فمن بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله» (1). # وعن محمد بن كعب قال : «من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ~~وذلك لأن القرآن الكريم لما كان متواترا بلفظه ومعناه ، كان من بلغه بعد ~~وفاة النبي صلى الله عليه وسلم : كأنما سمعه منه وإن كثرت الوسائط ، لأنه هو ~~الذي بلغه بلا زيادة ولا نقصان ، أما من لم تبلغه دعوة القرآن فلا يصدق ~~عليه أنه بلغته الدعوة ، وحينئذ لا يكون مخاطبا بتعاليم هذا الدين ، وإثمه ~~يكون في أعناق ms1910 الذين قصروا في تبليغ دعوة الإسلام إليه. # ثم أمره سبحانه أن يستنكر ما عليه المشركون من كفر وإلحاد ، وأن يعلن ~~براءته منهم ومن معبوداتهم فقال تعالى : ( @QUR@019 أإنكم لتشهدون أن مع ~~الله آلهة أخرى ، قل : لا أشهد ، قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما ~~تشركون ). # أى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين : إذا كنتم قد ألغيتم عقولكم. وترديتم ~~في مهاوي الشرك والضلال ، وشهدتم بأن مع الله آلهة أخرى ، فإنى برىء منكم ~~ومن أعمالكم القبيحة ، ومحال أن أشهد بما شهدتم به ، وإنما الذي أشهد به ~~وأعتقده ، أن الله تعالى واحد لا شريك له ، وإننى بعيد كل البعد عن ضلالكم ~~وجحودكم. # والاستفهام في قوله ( @QUR@01 أإنكم ) إنكارى ، جيء به لاستقباح ما وقع ~~منهم من شرك ، وأكد قوله ( @QUR@01 لتشهدون ) للإشارة إلى تغلغل الضلال في ~~نفوسهم ، واستيلاء الجحود على قلوبهم. # وعبر عن أوثانهم بأنها ( @QUR@02 آلهة أخرى ) مجاراة لهم في زعمهم الباطل ~~ومبالغة في توبيخهم والتهكم بهم. # وفي أمره سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يصارحهم بأنه لا يشهد ~~بشهادتهم «قل : لا أشهد» توبيخ لهم على جهالتهم ، وتوجيه لأتباعه إلى ~~الاقتداء به في شجاعته أمام الباطل ، وفي ثباته على مبدئه. # وقد تضمن قوله تعالى : ( @QUR@05 قل إنما هو إله واحد ) اعتراف كامل ~~بوحدانية الله ، وقصرها عليه سبحانه ، وتصريح بالبراءة التامة من الأوثان ~~وعابديها ، وتنديد شديد بهذا العمل الباطل. PageV05P053 # وبذلك تكون الآية الكريمة قد تضمنت شهادة من الله تعالى بأن رسوله محمدا ~~صلى الله عليه وسلم صادق في رسالته ، وشهادة من هذا الرسول الكريم بأن الله ~~واحد لا شريك له ، وأنه برىء من إلحاد الملحدين وكفر الكافرين. # ثم ساق القرآن شهادة ثالثة بصدق النبي صلى الله عليه وسلم وهي شهادة أهل ~~الكتاب فقال ( @QUR@013 الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ~~الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ): قال الجمل في حاشيته على الجلالين : ~~«روى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وأسلم عبد الله بن سلام قال ~~له عمر : إن الله أنزل على نبيه بمكة : ( @QUR@07 الذين آتيناهم ms1911 الكتاب ~~يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ) فكيف هذه المعرفة؟ فقال عبد الله بن سلام : ~~يا عمر ، لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني ، ولأنا أشد معرفة بمحمد منى ~~با بنى!! فقال عمر : كيف ذلك؟ فقال : أشهد أنه رسول الله حقا ولا أدرى ما ~~تصنع النساء» (1). # والمعنى : إن علماء أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، يعرفون صدق ما جاء ~~به محمد صلى الله عليه وسلم معرفة تماثل معرفتهم لأبنائهم الذين هم من أصلابهم ~~، فهي معرفة بلغت حد اليقين وذلك بسبب ما عندهم من الأخبار والأنباء عن ~~المرسلين المتقدمين ، فإن الرسل كلهم بشروا بوجود محمد صلى الله عليه وسلم ~~ومبعثه وصفته وبلده ومهاجره وصفة أمته. # والضمير في ( @QUR@01 يعرفونه ) يرى أكثر المفسرين أنه يعود على النبي ~~صلى الله عليه وسلم ويؤيد ذلك سبب نزول الآية ، ويرى بعضهم أنه يعود على ~~القرآن لتقدمه في قوله ( @QUR@04 وأوحي إلي هذا القرآن ) أو على التوحيد ~~لدلالة قوله ( @QUR@05 قل إنما هو إله واحد ). # والأولى عودة الضمير على جميع ما ذكر ، لأن معرفتهم بما في كتابهم يتناول ~~كل ذلك. # ثم بين سبحانه علة إنكار المكابرين منهم لما يعرفونه من أمر نبوته ~~صلى الله عليه وسلم فقال : @QUR@06 الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ). # قال صاحب الكشاف : ( @QUR@03 الذين خسروا أنفسهم ) من المشركين ومن أهل ~~الكتاب الجاحدين ( @QUR@03 فهم لا يؤمنون ) به (2) جمعوا بين أمرين ~~متناقضين فكذبوا على الله بما لا حجة عليه ، وكذبوا بما ثبت بالحجة البينة ~~والبرهان الصحيح حيث قالوا : ( @QUR@07 لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ) ~~وقالوا ( @QUR@03 والله أمرنا بها ) وقالوا : «الملائكة بنات الله» ونسبوا ~~إليه تحريم البحائر والسوائب ، وذهبوا فكذبوا القرآن والمعجزات وسموها سحرا ~~ولم يؤمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم . PageV05P054 # وهذه الآية الكريمة من الآيات التي قيل أنها مدنية ، والصحيح أنها مكية ، ~~ويشهد لذلك سبب النزول الذي سقناه عن عمر رضى الله عنه فقد قال لعبد الله ~~بن سلام : «إن الله أنزل على نبيه بمكة» إلخ. # ويؤكد كونها مكية أيضا سياق الآيات قبلها ، فالآية التي قبلها وهي قوله ~~تعالى : ( @QUR@05 قل ms1912 أي شيء أكبر شهادة ). إلخ. فيها شهادة من الله لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم بأنه صادق فيما يبلغه عن ربه ، والآية التي معنا فيها ~~شهادة من أهل الكتاب بأنهم يعرفون صدق محمد صلى الله عليه وسلم كما يعرفون ~~أبناءهم ، ومن المعروف أن أهل مكة كانوا يسألون أهل الكتاب عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وفضلا عن ذلك لم يرد نص صحيح يثبت أن هذه الآية الكريمة قد ~~نزلت بالمدينة. # قال بعض العلماء : ويظهر أنهم أى القائلون بأن الآية مدنية لما وجدوا ~~الحديث في هذه الآية عن أهل الكتاب ، ووجدوا أن هذه الآية نظيرة لآية أخرى ~~مدنية تبدأ بما بدأت به ، وهي قوله تعالى : في سورة البقرة ( @QUR@014 ~~الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون ~~الحق وهم يعلمون ) الآية 146 ، ومن المعروف أن صلة الإسلام بأهل الكتاب ~~إنما كانت بعد الهجرة وفي المدينة دون مكة ، لما وجدوا هذا قرروا أن الآية ~~مدنية ، فالمسألة ليست إلا اجتهادا حسب رواية مسندة ، وهو اجتهاد غير صحيح (1). # ولما كان هذا الخسران أكبر ظلم ظلم به هؤلاء الكفار أنفسهم فقد قال تعالى ~~في شأنهم : ( @QUR@014 ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته ، ~~إنه لا يفلح الظالمون ). # أى : لا أحد أشد ظلما من أولئك المشركين الذين كذبوا بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وإن هؤلاء الذين سقطوا في أقصى دركات الكذب لن ~~يفوزوا ولن يفلحوا ، والاستفهام في الآية الكريمة إنكارى للنفي ، وفيه ~~توبيخ للمشركين. # ثم بين سبحانه بعض أحوالهم عند ما يحشرون يوم القيامة ، فقال تعالى : # ( @QUR@012 ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين ~~كنتم تزعمون (22) @QUR@012 ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما ~~كنا مشركين (23) @QUR@010 انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون (24) @QUR@06 ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على PageV05P055 # @QUR@026 قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا ~~يؤمنوا بها حتى إذا جاؤك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير ~~الأولين ms1913 (25) @QUR@011 وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما ~~يشعرون ) (26) # الحشر : الجمع ، والمراد به جمعهم يوم القيامة لحسابهم على أعمالهم ~~الدنيوية. # والمعنى : واذكر لهم أيها الرسول الكريم ليعتبروا ويتعظوا حالهم يوم ~~نجمعهم جميعا في الآخرة لنحاسبهم على أقوالهم وأفعالهم ، ثم نسألهم سؤال ~~إفضاح لا إيضاح كما يقول القرطبي : أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون أنهم ~~شفعاء لكي يدافعوا عنكم في هذا اليوم العصيب. # و ( @QUR@01 يوم ) منصوب على الظرفية بفعل مضمر بعده أى : ويوم نحشرهم ~~كان كذا وكذا ، وحذف هذا الفعل من الكلام ليبقى على الإبهام الذي هو أدخل ~~في التخويف والتهويل ، وقيل إنه منصوب على أنه مفعول به بفعل محذوف قبله ~~والتقدير ، واذكر يوم نحشرهم ، أى : اذكر هذا اليوم من حيث ما يقع فيه ، ~~والضمير في ( @QUR@01 نحشرهم ) للذين افتروا على الله كذبا ، أو كذبوا ~~بآياته. # وفائدة كلمة ( @QUR@01 جميعا ) رفع احتمال التخصيص ، أى : أن جميع ~~المشركين ومعبوداتهم سيحشرون أمام الله للحساب. # وكان العطف بثم لتعدد الوقائع قبل هذا الخطاب الموجه للمشركين ، إذ قبل ~~ذلك سيكون قيامهم من قبورهم ، ويكون هول الموقف ، ويكون إحصاء الأعمال ~~وقراءة كل امرئ لكتابه ... إلخ ، ثم يقول الله تعالى ( @QUR@07 للذين ~~أشركوا : أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون )؟ # ووبخهم سبحانه بقوله : ( @QUR@02 أين شركاؤكم ) مع أنهم محشورون معهم ، ~~لأنهم لا نفع يرجى من وجودهم معهم ، فلما كانوا كذلك نزلوا منزلة الغائب ~~كما تقول لمن جعل أحدا ظهيرا يعينه في الشدائد إذا لم يعنه وقد وقع في ورطة ~~بحضرته أين فلان؟ فتجعله لعدم نفعه وإن كان حاضرا كالغائب (1). PageV05P056 # ثم أخبر سبحانه عما يكون منهم من تخبط وحسرة فقال : # ( @QUR@012 ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا : والله ربنا ما كنا مشركين ). # الفتنة مأخوذة من الفتن ، وهو إدخال الذهب في النار لتعرف جودته من ~~رداءته ، ثم استعمل في معان أخرى كالاختبار ، والعذاب ، والبلاء ، والكفر. # والمعنى : ثم لم تكن عاقبة كفرهم حين اختبروا بهذا السؤال ورأوا الحقائق ~~، وارتفعت الدعاوى إلا أن قالوا مؤكدين ما قالوا بالقسم الكاذب والله يا ~~ربنا ما كنا مشركين. ظنا ms1914 منهم أن تبرأهم من الشرك في الآخرة سينجيهم من ~~عذاب الله كما نجا المؤمنين بفضله ورضوانه. # قال ابن عباس : يغفر الله تعالى لأهل الإخلاص ذنوبهم. ولا يتعاظم عليه ~~ذنب أن يغفره ، فإذا رأى المشركون ذلك قالوا : إن ربنا يغفر الذنوب ولا ~~يغفر الشرك ، فتعالوا نقول : إنا كنا أهل ذنوب ولم نكن مشركين. فقال الله ~~تعالى : أما إذ كتموا الشرك فاختموا على أفواههم ، فتنطق أيديهم وتشهد ~~أرجلهم بما كانوا يكسبون ، فعندئذ يعرف المشركون أن الله لا يكتم حديثا ، ~~فذلك قوله : ( @QUR@014 يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم ~~الأرض ولا يكتمون الله حديثا ) (1). # ثم قال تعالى ( @QUR@010 انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون ). # والمراد بالنظر هنا : التدبر والتفكير. # والمعنى : انظر أيها العاقل وتأمل كيف كذب هؤلاء المشركون على أنفسهم في ~~قولهم والله ربنا ما كنا مشركين ، وغاب عن عملهم ما كانوا يفترونه في ~~الدنيا من الأقوال الباطلة ، وما كانوا يفعلونه من جعلهم لله شركاء. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف يصح أن يكذبوا حين يطلعون على حقائق ~~الأمور مع أن الكذب والجحود لا وجه لمنفعته؟ قلت : الممتحن ينطق بما ينفعه ~~وبما لا ينفعه من غير تمييز بينهما حيرة ودهشا : ألا تراهم يقولون ( ~~@QUR@07 ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون ) وقد أيقنوا بالخلود ولم ~~يشكوا فيه ( @QUR@06 ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك ) وقد علموا أنه لا ~~يقضى عليهم» (2). # وبعد أن بين سبحانه أحوال الكفار في الآخرة أتبعه بما يوجب اليأس من ~~إيمان بعضهم فقال : ( @QUR@013 ومنهم من يستمع إليك ، وجعلنا على قلوبهم ~~أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ). # قال ابن عباس : إن أبا سفيان بن حرب ، والوليد بن المغيرة ، والنضر بن ~~الحارث ، وعتبة PageV05P057 # وشيبة ابنا ربيعة ، وأمية بن خلف. استمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو يقرأ القرآن ، فقالوا للنضر : يا أبا قتيلة ما يقول محمد؟ فقال : والذي ~~جعلها بيته ما أدرى ما يقول ، إلا أنى أرى تحرك شفتيه يتكلم بشيء فما يقول ~~إلا أساطير ، مثل ما ms1915 كنت أحدثكم عن القرون الماضية ، وكان النضر كثير ~~الحديث عن القرون الأولى وكان يحدث قريشا فيستملحون حديثه فأنزل الله هذه ~~الآية» (1). # والأكنة : جمع كنان كغطاء وأغطية لفظا ومعنى والوقر بالفتح الثقل في السمع. # والمعنى : ومن هؤلاء المشركين يا محمد من يستمع إليك حين تقرأ القرآن وقد ~~جعلنا بسبب عنادهم وجحودهم على قلوبهم أغطية تحول بينهم وبين فقهه ، كما ~~جعلنا في أسماعهم صمما يمنع من سماعه بتدبر وتعقل. # قال صاحب المنار : «وجعل الأكنة على القلوب والوقر في الآذان في الآية من ~~تشبيه الحجب والموانع المعنوية بالحجب والموانع الحسية ؛ فإن القلب الذي لا ~~يفقه الحديث ولا يتدبره كالوعاء الذي وضع عليه الكن أو الكنان وهو الغطاء ~~حتى لا يدخل فيه شيء. والآذان التي لا تسمع الكلام سماع فهم وتدبر كالآذان ~~المصابة بالثقل أو الصمم ، لأن سمعها وعدمه سواء (2). # وقال بعض العلماء : «وهنا يسأل سائل : إذا كان منع الهداية من الله تعالى ~~بالغشاوة على قلوبهم والختم عليها وبالوقر في آذانهم فلا يسمعون سماع تبصر ~~فماذا يكون عليهم من تبعة يحاسبون عليها حسابا عسيرا بالعذاب الأليم؟ # والجواب عن ذلك أن الله سبحانه يسير الأمور وفق حكمته العلياء فمن يسلك ~~سبيل الهداية يرشده وينير طريقه ويثيبه ، ومن يقصد إلى الغواية ويسير في ~~طريقها تجيئه النذر تباعا إنذارا بعد إنذار ، فإن أيقظت النذر ضميره وتكشفت ~~العماية عن قلبه فقد اهتدى وآمن بعد كفر. ومن لم تجد فيه النذر المتتابعة ~~ولم توقظ له ضميرا ولم تبصره من عمى فقد وضع الله تعالى على قلبه غشاوة وفي ~~آذانه وقرا» (3). # ثم صور سبحانه عنادهم وإعراضهم عن الحق مهما وضحت براهينه فقال : ( ~~@QUR@07 وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ). # أى : وإن يروا كل آية من الآيات الدالة على صحة نبوتك وصدق دعوتك فلن ~~يؤمنوا بها لاستحواذ الغرور والعناد على قلوبهم. PageV05P058 # والمراد من الرؤية هنا البصرية ، ومن الآيات المعجزات الحسية كانشقاق ~~القمر ونبع الماء من بين أصابعه الشريفة. # وهذه الجملة الكريمة المقصود بها ذمهم لعدم انتفاعهم بحاسة البصر بعد ~~ذمهم لعدم ms1916 انتفاعهم بعقولهم وأسماعهم. # وجيء بكلمة ( @QUR@01 كل ) لعموم النفي ، أى : أنهم لا يؤمنون بأية معجزة ~~يرونها مهما وضحت براهينها ، ومهما كانت دلالتها ظاهرة على صدق النبي ~~صلى الله عليه وسلم . # ثم بين سبحانه ما كان يجرى منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : # ( @QUR@012 حتى إذا جاؤك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير ~~الأولين ). # الأساطير جمع إسطارة أو أسطورة ومعناها الخرافات والترهات. # أى : حتى إذا ما صاروا إليك أيها الرسول ليخاصموك وينازعوك في دعوتك ~~فإنهم يقولون لك بسبب كفرهم وجحودهم ، ما هذا القرآن الذي نسمعه منك إلا ~~أقاصيص الأولين المشتملة على خرافاتهم وأوهامهم. # وفي قوله تعالى ( @QUR@04 حتى إذا جاؤك يجادلونك ) إشارة إلى أن مجيئهم ~~لم يكن من أجل الوصول إلى الحق ، وإنما كان من أجل المجادلة المتعنتة مع ~~الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم . # ثم بين سبحانه أنهم لا يكتفون بمحاربة الدعوة الإسلامية ، بل هم لفجورهم ~~يحرضون غيرهم على محاربتها معهم فقال تعالى : # ( @QUR@011 وهم ينهون عنه وينأون عنه ، وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون ). # النهى : الزجر ، والنأى : البعد ، والضمير «هم» يعود على المشركين. # والمعنى : إن هؤلاء المشركين لا يكتفون بمحاربة الحق ، بل يزجرون الناس ~~عن اتباعه ، ويبعدونهم عن الاستماع إليه. فهم قد جمعوا بين فعلين قبيحين : ~~محاربتهم للحق وحمل غيرهم معهم على محاربته والبعد عنه. # وهم بهذا العمل الباطل القبيح ما يهلكون إلا أنفسهم ولكنهم لا يشعرون ~~بذلك لانطماس بصيرتهم ، وقسوة قلوبهم. # وعملهم هذا يدل على أنهم كانوا معترفين في قرارة أنفسهم بأن القرآن حق ، ~~لأنهم لو كانوا يعتقدون أنه أساطير الأولين كما زعموا لتركوا الناس ~~يسمعونها ليتأكدوا من أنها خرافات وأوهام ، ولكنهم لما كانوا مؤمنين ببلاغة ~~القرآن وصدقه ، فإنهم نهوا غيرهم عن سماعه حتى PageV05P059 # لا يؤمن به وابتعدوا هم عنه حتى لا يتأثروا به فيدخلوا في دين الإسلام ، ~~ولقد حكى الله عنهم هذا المعنى في قوله تعالى ( @QUR@011 وقال الذين كفروا ~~لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ) (1). # والضمير في قوله تعالى ( @QUR@01 عنه ) يرجع إلى النبي صلى ms1917 الله عليه وسلم ~~وما جاء به من آيات. # ويرى بعض المفسرين أن الضمير «هم» يرجع إلى عشيرة النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيكون المعنى : وهم أى أعمام النبي صلى الله عليه وسلم وعشيرته ينهون الناس عن ~~إيذائه والتعرض له بسوء ، ولكنهم في الوقت نفسه ينأون عنه أى يبتعدون عن ~~دعوته فلا يؤمنون بها ، ولعل أوضح مثل لذلك أبو طالب ، فقد كان يدافع عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه لم يدخل في الإسلام مع تصريحه بأنه هو الدين الحق. # ومما روى عنه في هذا المعنى قوله : # والله لن يصلوا إليك بجمعهم %~% حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة %~% وابشر بذاك وقر منك عيونا ودعوتني وزعمت أنك ناصحي %~% فلقد صدقت وكنت قبل أمينا وعرضت دينا قد عرفت بأنه %~% من خير أديان البرية دينا لو لا الملامة أو حذار مسبة %~% لوجدتني سمحا بذاك يقينا # والذي تطمئن إليه النفس أن الرأى الأول هو الأرجح. لأن الكلام مسوق في ~~بيان موقف المشركين من النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنهم قد بلغ بهم السفه ~~والعناد أنهم لا يكتفون بالإعراض عن الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ~~بل تعدى شرهم إلى غيرهم ، وأنهم كانوا يحرضون الناس على إيذائه وعلى ~~الابتعاد عنه. # ثم يصور سبحانه حالهم عند ما يعرضون على النار ، وعند ما يقفون أمام ربهم ~~، وحكى ما يقولونه في تلك المواقف الشديدة فقال تعالى : # ( @QUR@017 ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب ~~بآيات ربنا ونكون من المؤمنين (27) @QUR@014 بل بدا لهم ما كانوا يخفون من ~~قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه PageV05P060 # @QUR@02 وإنهم لكاذبون (28) @QUR@09 وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما ~~نحن بمبعوثين (29) @QUR@019 ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق ~~قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (30) @QUR@027 قد خسر ~~الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما ~~فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ms1918 ساء ما يزرون (31) @QUR@013 ~~وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ) (32) # ( @QUR@01 لو ) شرطية ، حذف جوابها لتذهب النفس في تصوره كل مذهب وذلك ~~أبلغ من ذكره. # و ( @QUR@01 وقفوا ) بالبناء للمفعول بمعنى : وقفهم غيرهم. يقال : وقف ~~على الأطلال أى : عندها مشرفا عليها ، ويقال وقف على الشيء عرفه وتبينه. # والمعنى : إنك أيها النبي الكريم أو أيها الإنسان العاقل لو اطلعت على ~~هؤلاء المشركين عند ما يقفون على النار ويشاهدون لهيبها وسعيرها. لرأيت ~~شيئا مروعا مخيفا يجعلهم يتحسرون على ما فرط منهم ، ويتمنون أن يعودوا إلى ~~الدنيا ليصدقوا بآيات الله التي طالما كذبوها. وليكونوا من المؤمنين. # وعبر سبحانه بإذ التي تدل على الماضي مع أن الحديث عما سيحصل لهم في ~~الآخرة فكان يناسبه إذا لإفادة تحقق الوقوع وتأكده ، وليتصور المستقبل على ~~أنه موجود لا على أنه سيوجد ، وعطف بالفاء في قوله : ( @QUR@01 فقالوا ) ~~للدلالة على أن أول شيء يقع في قلوبهم حينئذ إنما هو الندم على ما سلف منهم ~~، وتمنى الرجوع إلى الدنيا ليؤمنوا. # ثم يعقب سبحانه على قولتهم هذه فيما لو أجيبوا إلى طلبهم على سبيل الفرض ~~والتقدير فيقول : ( @QUR@016 بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل. ولو ردوا ~~لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ). # بل هنا للإضراب عما يدل عليه تمنيهم من إدراكهم لقبح الكفر وسوء مغبته ، ~~ولحقيقة الإيمان وحسن عاقبته. PageV05P061 # والمعنى : ليس الأمر كما يوهمه كلامهم في التمني من أنهم يريدون العودة ~~للهداية ، بل الحق أنهم تمنوا العودة إلى الدنيا بعد أن استقبلتهم النار ~~بلهبها ، وبعد أن ظهر لهم ما كانوا يخفونه في الدنيا من أعمال قبيحة ، ومن ~~أفعال سيئة ، وبعد أن بدا لهم ما كانوا يكذبون به ، وينكرون تحققه ، ولو ~~أنهم ردوا إلى الدنيا بمتعها وشهواتها وأهوائها لعادوا لما نهوا عنه من ~~التكذيب بالآيات ، والسخرية من المؤمنين ، وإنهم لكاذبون في كل ما يدعون. # فالآية الكريمة تصور ما طبع عليه هؤلاء الجاحدون من فجور وعناد وافتراء ، ~~لأنهم حتى لو أجيبوا إلى طلبهم على سبيل الفرض والتقدير لما ms1919 تخلوا عن كفرهم ~~ومحاربتهم للأنبياء وللمصلحين. # ثم بين سبحانه بعض مفترياتهم في الدنيا واغترارهم بها فقال تعالى ( ~~@QUR@09 وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ). # أى : أن هؤلاء الكافرين قد بلغ بهم الحب للدنيا والتعلق بها أنهم قالوا : ~~ما الحياة التي تسمى حياة في نظرنا إلا هذه الدنيا التي نتمتع فيها بما ~~نريد من شهوات وما نحن بمبعوثين ولا محاسبين بعد ذلك. # فالآية الكريمة تحكى عنهم أنهم ينكرون أى حياة سوى الحياة التي يعيشونها ~~، وينفون وقوع البعث والحساب والثواب والعقاب نفيا مؤكدا بالباء وبالجملة ~~الاسمية. # ويرى جمهور المفسرين أن هذه الآية الكريمة تتمة للآية السابقة لها من حيث ~~المعنى ، وأن قوله ( @QUR@01 وقالوا ) معطوف على ( @QUR@01 لعادوا ) ~~والتقدير ، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه من الكفر وسيئ الأعمال وقالوا ما ~~الحياة إلا حياتنا الدنيا ، ويكون قوله ( @QUR@02 وإنهم لكاذبون ) جملة ~~اعتراضية مؤكدة لمعنى عودتهم إلى ما كانوا عليه إن عادوا إلى الدنيا ، إذ ~~هي تكذيب لادعائهم أنهم لا يكذبون بآيات ربهم. # ثم بين سبحانه حالهم عند ما يقفون ليستمعوا إلى ما يوجهه إليهم ربهم من ~~توبيخ وتقريع بسبب كفرهم فقال : # ( @QUR@010 ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق ). # أى : قال لهم سبحانه أليس هذا البعث الذي تشاهدونه بأعينكم ثابتا بالحق؟ ~~وهنا يجيبون خالقهم مصدقين لأن الواقع يحتم عليهم ذلك فيقولون كما حكى ~~القرآن عنهم ( @QUR@02 بلى وربنا ) أى : قالوا : بلى يا ربنا إنه للحق الذي ~~لا شك فيه ، ولا باطل يحوم من حوله ، وأكدوا اعترافهم بالقسم شاهدين على ~~أنفسهم بأنهم كانوا كافرين في الدنيا. PageV05P062 # وهنا يحكم الله فيهم بحكمه العادل فيقول : ( @QUR@06 قال فذوقوا العذاب ~~بما كنتم تكفرون ) أى : إذا كان الأمر كما ذكرتم وشهدتم على أنفسكم ، ~~فانغمسوا في العذاب ذائقين لآلامه وأهواله بسبب كفركم بآيات الله ، ~~وإنكاركم لهذا اليوم العصيب. # والذوق هنا كناية عن الإحساس الشديد بالعذاب بعد أن وقعوا فيه. # ثم صور سبحانه عاقبتهم السيئة ، وخسارتهم التي ليس بعدها خسارة فقال : ( ~~@QUR@06 قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ). # أى : أن أولئك ms1920 الكفار الذين أنكروا البعث والحساب قد خسروا أعز شيء في ~~هذه الحياة ، ومن مظاهر ذلك أنهم خسروا الرضا الذي سيناله المؤمنون من ربهم ~~، وخسروا العزاء الروحي الذي يغرس في قلب المؤمن الطمأنينة والصبر عند ~~البلاء ، لأن المؤمن يعتقد أن ما عند الله خير وأبقى ، بخلاف الكافر فإن ~~الدنيا منتهى آماله. # وإن هؤلاء الخاسرين سيستمرون في تكذيبهم بالحق وإعراضهم عنه ( @QUR@012 ~~حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا : يا حسرتنا على ما فرطنا فيها ). # أى : حتى إذا جاءتهم الساعة مباغته مفاجئة وهم في طغيانهم يعمهون ، ~~اعتراهم الهم ، وحل بهم البلاء وقالوا : بعد أن سقط في أيديهم ورأوا أنهم ~~قد ضلوا يا حسرتنا أقبلى فهذا أوانك ، فإننا لم نستعد لهذا اليوم ، بل ~~أهملناه ولم نلتفت إليه. وعلى ذلك يكون المراد بالساعة يوم القيامة وما فيه ~~من حساب. # وقيل : المراد بالساعة وقت مقدمات الموت ، فالكلام على حذف المضاف ، أى : ~~جاءتهم مقدمات الساعة وهي الموت وما فيه من الأهوال. فلما كان الموت من ~~مبادئ الساعة سمى باسمها ، ولذا قال صلى الله عليه وسلم «من مات فقد قامت ~~قيامته». # وسميت القيامة ساعة لسرعة الحساب فيها ، ولأنها تحمل أشد الأهوال ولأنها ~~فاصلة بين نوعين من الحياة : فانية وأخرى باقية. # وفي قوله تعالى ( @QUR@05 حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة ) إشارة إلى أنها ~~تفاجئهم بأهوالها من غير أن يكونوا مستعدين لها أو متوقعين لحدوثها ، أما ~~المؤمنين فإنهم رغم عدم علمهم بمجيئها فإنهم يكونون في حالة استعداد لها ~~بالإيمان والعمل الصالح. # والبغت والبغتة مفاجأة الشيء بسرعة من غير إعداد له ، وكلمة ( @QUR@01 ~~بغتة ) يصح أن تكون مصدرا في موضع الحال من فاعل جاءتهم أى : جاءتهم مباغتة ~~، ويصح أن تكون مفعولا مطلقا لفعل محذوف من لفظها أى : تبغتهم بغتة ، ~~والحسرة : شدة الغم والندم على ما فات وانقضى. PageV05P063 # ثم قال تعالى : ( @QUR@09 وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما ~~يزرون ). # الأوزار جمع وزر وهو بكسر الواو الحمل الثقيل ، ويطلق على الإثم والذنب ~~لأنهما أثقل الأحمال النفسية التي تنوء بها القوة. # والجملة الكريمة من قبيل الاستعارة ms1921 التمثيلية حيث شبهت حالهم وما يحملونه ~~يوم القيامة من ذنوب ثقيلة مضنية ، بهيئة المثقل المجهد بحمل كبير يحمله ~~على ظهره وينوء به. ثم حذفت الهيئة الدالة على المشبه به ورمز إليها بشيء ~~من لوازمها. # وقيل إن الكلام على حقيقته وأنهم سيحملون ذنوبهم على ظهورهم فعلا ، حيث ~~إن الذنوب والأعمال ستتجسم يوم القيامة ، وبهذا الرأى قال كثير من أهل السنة. # والمعنى : إن هؤلاء الكافرين يأتون يوم القيامة وهم يحملون ذنوبهم ~~وآثامهم على ظهورهم ، ألا ما أسوأ ما حملوا ، وما أشد ما سيستقبلونه بعد ~~ذلك من عذاب أليم. # ثم عقد سبحانه مقابلة بين الحياة الدنيا والآخرة. بين فيها أن الحياة ~~الآخرة هي الحياة العالية السامية الباقية ، أما الحياة الدنيا فهي إلى ~~زوال وانتهاء فقال تعالى : # ( @QUR@013 وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو ، وللدار الآخرة خير للذين ~~يتقون أفلا تعقلون ). # اللعب : هو العمل الذي لا يقصد به مقصدا صحيحا من تحصيل منفعة أو دفع ~~مضرة ، واللهو : هو طلب ما يشغل عن معالى الأمور وعما يهم الإنسان ويعنيه. # والمعنى : إن هذه الحياة التي نعتها الكفار بأنها لا حياة سواها ما هي ~~إلا لهو ولعب لمن يطلبها بأنانية وشره من غير استعداد لما يكون وراءها من ~~حياة أخرى فيها الحساب والجزاء ، وفيها النعيم الذي لا ينتهى ، وفيها ~~السعادة التي لا تحد ، بالنسبة للذين اتقوا ربهم ، ونهوا أنفسهم عن الهوى. # فالحياة الدنيا لعب ولهو لمن اتخذوها فرصة للتكاثر والتفاخر وجمع الأموال ~~من حلال وحرام ، ولم يقيموا وزنا للأعمال الصالحة التي كلفهم الله تعالى ~~بها. أما بالنسبة للذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا. فإن الحياة الدنيا ~~تعتبر وسيلة إلى رضا الله الذي يظفرون به يوم القيامة ، وإن ما يحصل عليه ~~المؤمنون في هذا اليوم من ثواب جزيل ومن نعيم مقيم هو خير من الدنيا وما ~~فيها من متعة زائلة ومن شهوات لا دوام لها. # والاستفهام في قوله تعالى ( @QUR@02 أفلا تعقلون ) للحث على التدبر ~~والتفكر والموازنة بين اللذات العاجلة الفانية التي تكون في الدنيا ، وبين ~~النعيم الدائم الباقي الذي ms1922 يكون في الآخرة. # ثم أخذ القرآن الكريم في مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم وفي تسليته عما ~~أصابه من قومه فقال : PageV05P064 # ( @QUR@014 قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن ~~الظالمين بآيات الله يجحدون (33) @QUR@022 ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا ~~على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من ~~نبإ المرسلين (34) @QUR@028 وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي ~~نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على ~~الهدى فلا تكونن من الجاهلين (35) @QUR@010 إنما يستجيب الذين يسمعون ~~والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون ) (36) # ( @QUR@01 قد ) هنا للتحقيق وتأكيد العلم وتكثيره ، والتحقيق هنا جاء من ~~موضوعها لا من ذاتها كما أن التكثير راجع إلى متعلقات العلم ، لا إلى العلم ~~نفسه ، لأن صفة القديم لا تقبل الزيادة والتكثير وإلا لزم حدوثها. والحزن ~~ألم يعترى النفس عند فقد محبوب ، أو امتناع مرغوب أو حدوث مكروه. # قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : يقول تعالى مسليا ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم . في تكذيب قومه له ومخالفتهم إياه ( @QUR@06 قد ~~نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون ) أى : قد أحطنا علما بتكذيبهم لك وحزنك ~~وتأسفك عليهم وقوله ( @QUR@08 فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله ~~يجحدون ) أى : هم لا يتهمونك بالكذب في نفس الأمر ، ولكنهم يعاندون الحق ~~ويدفعونه بصدورهم كما قال سفيان الثوري عن أبى إسحاق عن ناجية عن على قال : ~~قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا لا نكذبك يا محمد ولكن نكذب ما ~~جئت به فأنزل الله ( @QUR@08 فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله ~~يجحدون ). وعن أبى يزيد المدني أن النبي صلى الله عليه وسلم لقى أبا جهل ~~فصافحه فقال PageV05P065 # له رجل : ألا أراك تصافح هذا الصابئ؟ فقال : والله إنى لأعلم أنه لنبي ، ~~ولكن متى كنا لبنى عبد مناف تبعا؟ وتلا أبو يزيد ( @QUR@08 فإنهم لا ~~يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ) (1). # فالآية الكريمة مسوقة على سبيل الاستئناف لتسلية النبي صلى الله ms1923 عليه وسلم ~~عما كان يصيبه من المشركين ومما لا شك فيه أنه عليه الصلاة والسلام كان ~~حريصا على إسلامهم ، فإذا ما رآهم معرضين عن دعوته حزن وأسف ، وفي معنى هذه ~~الآية جاءت آيات كثيرة منها قوله تعالى : ( @QUR@011 فلعلك باخع نفسك على ~~آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ) (2). # ومنها قوله تعالى ( @QUR@010 فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما ~~يصنعون ) (3). # ومنها قوله تعالى ( @QUR@09 فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما ~~يعلنون ) (4). # قال الجمل : والفاء في قوله ( @QUR@03 فإنهم لا يكذبونك ) للتعليل ، فإن ~~قوله ( @QUR@04 قد نعلم إنه ليحزنك ) بمعنى لا يحزنك ، كما يقال في مقام ~~المنع والزجر نعلم ما تفعل. ووجه التعليل : أن التكذيب في الحقيقة لي وأنا ~~الحليم الصبور ، فتخلق بأخلاقى. ويحتمل أن يكون المعنى : إنه يحزنك قولهم ~~لأنه تكذيب لي فأنت لم تحزن لنفسك بل لما هو أهم (5). # والمعنى : إن هؤلاء الكفار يا محمد لا ينسبونك إلى الكذب ، فهم قد لقبوك ~~بالصادق الأمين ، ولكنهم يجحدون الآيات الدالة على صدقك بإنكارها بألسنتهم ~~مع اعتقادهم صدقها. # والجحود هو الإنكار مع العلم ، أى نفى ما في القلب ثبوته ، أو إثبات ما ~~في القلب نفيه ، وفي التعبير بالجحود بعد نفى التكذيب إشارة إلى أن آيات ~~الله واضحة بحيث يصدقها كل عاقل وأنه لا يصح إنكارها إلا عن طريق الجحود. # وقال سبحانه ( @QUR@02 ولكن الظالمين ) ولم يقل ( @QUR@01 ولكنهم )، ~~لبيان سبب جحودهم وهو الظلم الذي استقر في نفوسهم ، وفيه فوق ذلك تسجيل ~~للظلم عليهم حتى يكونوا أهلا لما يصيبهم من عقاب. # ثم زاد القرآن في تعزية النبي صلى الله عليه وسلم وتسليته عن طريق إخباره ~~بما حدث للأنبياء من قبله فإن PageV05P066 # عموم البلوى مما يخفف وقعها فقال : ( @QUR@013 ولقد كذبت رسل من قبلك ~~فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ). # أى : أن الرسل من قبلك يا محمد قد كذبتهم أقوامهم وأنزلت بهم الأذى ، ~~فليس بدعا أن يصيبك من أعدائك ما أصاب الأنبياء من قبلك ، ولقد صبر أولئك ~~الأنبياء الكرام على التطاول والسفه فكانت نتيجة صبرهم ms1924 أن آتاهم الله النصر ~~والظفر ، فعليك وأنت خاتمهم وإمامهم أن تصبر كما صبروا حتى تنال ما نالوا ~~من النصر ، فإن سنة الله لا تتخلف في أى زمان أو مكان. # وجاء قوله تعالى ( @QUR@05 ولقد كذبت رسل من قبلك ) مؤكدا بقد وباللام ، ~~للإشارة إلى تأكيد التسلية والتعزية ، وإلى تأكيد التمسك بفضيلة الصبر التي ~~سيعقبها النصر الذي وعد الله به الصابرين. # و ( @QUR@01 ما ) في قوله ( @QUR@03 على ما كذبوا ) مصدرية ، ( @QUR@01 ~~وأوذوا ) معطوف على قوله ( @QUR@01 كذبت ) أى : كذبت الرسل وأوذوا فصبروا ~~على كل ذلك. # وقوله ( @QUR@03 حتى أتاهم نصرنا ) غاية للصبر ، أى : صبروا على التكذيب ~~وما قارنه من الإيذاء إلى أن جاءهم نصرنا وفيه بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم ~~مؤكدا للتسلية بأنه سبحانه سينصره على القوم الظالمين. # وقوله تعالى ( @QUR@04 ولا مبدل لكلمات الله ) معناه : لا مغير لكلمات ~~الله وآياته التي وعد فيها عباده الصالحين بالنصر على أعدائه ، ومن ذلك ~~قوله تعالى ( @QUR@09 كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز ) (1). # وقوله تعالى ( @QUR@012 ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين. إنهم لهم ~~المنصورون. وإن جندنا لهم الغالبون ) (2). وقوله تعالى ( @QUR@011 إنا ~~لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) (3). إلى ~~غير ذلك من الآيات التي بشر فيها عباده المؤمنين بالفلاح وحسن العاقبة. # ويرى المحققون من العلماء أن المراد بكلمات الله : شرائعه ، وصفاته ، ~~وأحكامه ، وسننه في كونه ، ويدخل فيها دخولا أولياء ما وعد الله به أنبياءه ~~وأولياءه من النصر والظفر. وهذا الرأى أرجح من سابقه لأنه أعم وأشمل. # وإضافة الكلمات إليه سبحانه للإشعار باستحالة تبديلها أو تغييرها لأنه سبحانه PageV05P067 # لا يغالبه أحد في فعل من الأفعال ، ولا يقع منه خلف في قول من الأقوال ، ~~فما دام المؤمنون يخلصون له العبادة والقول والعمل ويجتهدون في مباشرة ~~الأسباب واتخاذ الوسائل النافعة ، فإنه سبحانه سيجعل العاقبة لهم. # وقوله تعالى ( @QUR@05 ولقد جاءك من نبإ المرسلين ) تأكيد وتقرير لما ~~قبله أى : ولقد جاءك من أخبار المرسلين وأنبائهم مما قصه عليك في كتابه ما ~~فيه العظات والعبر ، فلقد صبر المرسلون على الأذى فكافأهم الله ms1925 تعالى على ~~ذلك بالظفر على أعدائهم. # ثم بين سبحانه أنه لا سبيل إلى إيمان هؤلاء الجاحدين إلا بمشيئة الله ~~وإرادته فقال ( @QUR@018 وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي ~~نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ). # كبر عليك : أى شق وعظم عليك. والنفق : السرب النافذ في الأرض الذي يخلص ~~إلى مكان. # والمعنى : وإن كان يا محمد قد شق عليك إعراض قومك عن الإيمان وظننت أن ~~إتيانهم بما اقترحوه من آيات يكون سببا في إيمانهم ، فإن استطعت أن تطلب ~~مسلكا عميقا في جوف الأرض ، أو مرقاة ترتقى بها إلى السماء لتأتيهم بما ~~اقترحوا من مطالب فافعل فإن ذلك لن يفيد شيئا لأن هؤلاء المشركين لا ينقصهم ~~الدليل الدال على صدقك ، ولكنهم يعرضون عن دعوتك عنادا وجحودا. # ثم قال تعالى ( @QUR@010 ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من ~~الجاهلين ). # أى : لو شاء الله جمعهم على ما جئت به من الهدى والرشاد لفعل ، بأن ~~يوفقهم إلى الإيمان فيؤمنوا ، ولكن الله لم يشأ ذلك لأنهم بسوء اختيارهم ~~آثروا الحياة الدنيا ، فلا تكونن من الجاهلين بحكمة الله في خلقه ، وبسننه ~~التي اقتضاها علمه. # ثم بين سبحانه من هم أهل للإيمان والاستجابة للحق فقال : # ( @QUR@04 إنما يستجيب الذين يسمعون ) أى : إنما يستجيب لك أيها الرسول ~~الكريم أولئك الذين يسمعون توجيهك وأقوالك سماع تدبر وتفهم وتأثر ، أما ~~هؤلاء الذين يعاندونك فقد طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون. # فالمراد بالاستجابة هنا ، الإجابة المقرونة بالتفكر والتأمل ، فهي إجابة ~~محكمة دقيقة لأنها أنت بعد استقراء وتدبر وهذا ما تدل عليه السين. # ثم بين سبحانه حال الكفار فقال : ( @QUR@06 والموتى يبعثهم الله ثم إليه ~~يرجعون ) أى : وموتى PageV05P068 # القلوب الذين لا يسمعون سماع تدبر وتقبل وهم المشركون ، سيبعثهم الله من ~~قبورهم يوم القيامة ويحاسبهم حسابا عسيرا على أقوالهم الباطلة وأعمالهم ~~السيئة. # فالمراد بالموتى هنا الكفار لأنهم موتى القلوب فشبههم سبحانه بموتى ~~الأجساد ، وهذا من باب التهكم بهم والتحقير من شأنهم. # وقيل : إن لفظ الموتى على حقيقته وأن الله تعالى ms1926 بقدرته النافذة سيبعث ~~الجميع يوم القيامة ويرجعهم إليه فيجازى الذين أساؤا بما عملوا ويجازى ~~الذين أحسنوا بالحسنى. # ثم حكى سبحانه بعض الشبهات التي تذرع بها المشركون تعنتا ، ورد عليها بما ~~يخرس ألسنتهم ، وبما يؤكد قدرته النافذة وعلمه المحيط فقال تعالى : # ( @QUR@020 وقالوا لو لا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ~~ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون (37) @QUR@022 وما من دابة في الأرض ولا ~~طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم ~~يحشرون (38) @QUR@017 والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله ~~يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ) (39) # و ( @QUR@02 لو لا ) هنا تحضيضية بمعنى هلا. والمعنى : وقال أولئك ~~الكافرون : هلا نزل عليك يا محمد معجزة حسية كتفجير الأنهار ، وفلق البحر ، ~~ونزول الملائكة معك .. إلخ. # فهذه الآيات الكريمة تحكى عنهم أنهم لم يكتفوا بالقرآن معجزة خالدة للنبي ~~صلى الله عليه وسلم وإنما يريدون معجزات حسية من جنس معجزات الأنبياء ~~السابقين. # وإنما قالوا ذلك مع تكاثر ما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الآيات ، لتركهم الاعتداد بما أنزل عليه ، حتى لكأنه لم ينزل عليه شيء ~~عنادا وجحودا منهم. # وفي قولهم كما حكى القرآن عنهم ( @QUR@07 لو لا نزل عليه آية من ربه ) ~~ببناء الفعل للمجهول وذكر لفظ الرب ، للإشارة إلى أنهم لا يوجهون الطلب إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وإنما يوجهونه إلى الله تعالى ، لأنه إذا كان رسولا ~~من عنده ، فليجب له هذا الطلب الذي نتمناه ونكون من بعده مؤمنين. PageV05P069 # وقد رد الله تعالى عليهم بقوله : ( @QUR@012 قل إن الله قادر على أن ينزل ~~آية ولكن أكثرهم لا يعلمون ). # أى : قل لهم أيها الرسول الكريم على سبيل التوبيخ والتقريع إن الله تعالى ~~قادر على تنزيل ما اقترحوا من آيات ، لأنه سبحانه لا يعجزه شيء ، ولكنه ~~سبحانه ينزل ما تقتضيه حكمته ، إلا أنهم لجهلهم وعنادهم لا يعلمون شيئا من ~~حكم الله في أفعاله ، ولا من سننه في خلقه. # وقوله تعالى ms1927 : ( @QUR@04 ولكن أكثرهم لا يعلمون ) يفيد أنهم لا يؤمنون ~~حتى ولو جاءتهم الآيات التي اقترحوها ، لأن عدم إيمانهم ليس عن نقص في ~~الدليل ولكنه عن تكبر وجحود. # ثم ذكر سبحانه بعض الآيات الكونية المبثوثة في الأرض والجو والمعروضة على ~~البصائر والأبصار فقال تعالى : # ( @QUR@012 وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ). # الدابة : كل ما يدب على الأرض من حيوان. والطائر : كل ذي جناح يسبح في ~~الهواء ، والأمم : جمع أمة وهي جماعة يجمعهم أمر ما. # والمعنى : إنه لا يوجد نوع ما من أنواع الأحياء التي تدب على الأرض ولا ~~من أنواع الطير التي تسبح في الهواء إلا وهي أمم مماثلة لكم في أن الله ~~خلقهم وتكفل بأرزاقهم. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما الغرض من ذكر ذلك؟ قلت : الدلالة عن عظم ~~قدرة الله. وسعة سلطانه ، وتدبير تلك الخلائق المتفاوتة الأجناس ، ~~المتكاثرة الأصناف ، وهو حافظ لما لها ، وما عليها ، مهيمن على أحوالها ، ~~لا يشغله شأن عن شأن ، وأن المكلفين ليسوا بمخصوصين بذلك دون من عداهم من ~~سائر الحيوان» (1) وذكر الجناحين في الطير لتوجيه الأنظار إلى بديع صنعه ~~سبحانه وحسن خلقه. # قال تعالى : ( @QUR@015 أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما ~~يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير ) (2). # ثم قال تعالى : ( @QUR@010 ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ). # التفريط في الأمر : التقصير فيه وتضييعه حتى يفوت. والمراد بالكتاب اللوح ~~المحفوظ وقيل المراد به القرآن. PageV05P070 # والمعنى : ما تركنا في الكتاب شيئا لم نحصه ولم نثبته ، وإنما أحطنا بكل ~~شيء علما ، وليس من مخلوق صغر أو كبر في هذا الوجود إلا وسيجمع يوم القيامة ~~أمام خالقه. # فالآية الكريمة مسوقة لبيان سعة علم الله تعالى وكمال قدرته ، لتكون ~~كالدليل على أنه سبحانه قادر على تنزيل الآية التي اقترحوها ، وإنما لم ~~ينزلها لأن حكمته تقتضي ذلك. # وجملة ( @QUR@06 ما فرطنا في الكتاب من شيء ) معترضة لتقرير مضمون ما قبلها. # والتعبير بثم في قوله ( @QUR@04 ثم إلى ربهم يحشرون ) للإشارة إلى أنهم ~~أعداد لا ms1928 يحصيها العد ، وجمعهم ليس يسيرا في ذاته ، وإن كان بالنسبة لقدرته ~~تعالى أمرا هينا. # ويرى بعض العلماء أن المراد بحشر البهائم موتها. ويرى آخرون أن المراد ~~بعثها يوم القيامة لقوله تعالى : ( @QUR@03 وإذا الوحوش حشرت ). وفي ~~الحديث الشريف عن أبى ذر الغفاري أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى شاتين ~~تتناطحان فقال : يا أبا ذر هل تدرى فيم تتناطحان؟ قال : لا. قال : ولكن ~~الله يدرى وسيقضي بينهما. # ثم قال تعالى : ( @QUR@07 والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات ). # أى : مثلهم في جهلهم وقلة علمهم وعدم فهمهم كمثل الأصم الذي لا يسمع ، ~~والأبكم الذي لا يتكلم وهو مع ذلك في ظلمات لا يبصر ، فكيف يهتدى مثل هذا ~~إلى الطريق القويم أو يخرج مما هو فيه من ضلال. # ففي التعبير القرآنى استعارة تمثيلية إذ شبهت حال الجاحدين المعرضين عن ~~كل دليل وبرهان بحال الصم البكم الذين يعيشون في الظلام من حيث لا نور ~~يهديهم. # ثم قال تعالى : ( @QUR@010 من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط ~~مستقيم ). # أى : من يشأ الله له الضلالة أضله بأن يجعله يسير في طريق هواه بسبب ~~إعراضه عن طريق الخير ، وإيثاره العمى على الهدى ، ومن يشأ الله له الهداية ~~يهده ، لأنه قد خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى. فالهداية والضلالة ليسا ~~إجباريين لا اختيار للعبد فيهما ، وإنما الحق أن للعبد اختيارا في الطريق ~~الذي يسلكه ، فإن كان خيرا خطا فيه إلى النهاية ، وإن كان شرا سار فيه إلى ~~الهاوية. # ثم بين سبحانه أن هؤلاء المشركين عند ما تحيط بهم المصائب والأهوال لا ~~يتوجهون بالضراعة والدعاء إلا إلى الله ، وأنهم مع ذلك لا يخصونه بالعبادة ~~كما يخصونه بالدعاء لكشف الضر ، فقال تعالى : PageV05P071 # ( @QUR@015 قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله ~~تدعون إن كنتم صادقين (40) @QUR@012 بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن ~~شاء وتنسون ما تشركون (41) @QUR@011 ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم ~~بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون (42) @QUR@015 فلو لا إذ جاءهم بأسنا ~~تضرعوا ولكن قست قلوبهم ms1929 وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون (43) @QUR@020 ~~فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا ~~أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون (44) @QUR@09 فقطع دابر القوم الذين ظلموا ~~والحمد لله رب العالمين ) (45) # ( @QUR@01 أرأيتكم ) المقصود به أخبرونى ، وكلمة أرأيت في القرآن تستعمل ~~للتنبيه والحث على الرؤية والتأمل ، فهو استفهام للتنبيه مؤداه : أرأيت كذا ~~فإن لم تكن رأيته فانظره وتأمله. # والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين : أخبرونى عن حالكم عند ما يداهمكم ~~عذاب الله الدنيوي كزلزال مدمر ، أو ريح صرصر عاتية ، أو تفاجئكم الساعة ~~بأهوالها وشدائدها ألستم في هذه الأحوال تلتجئون إلى الله وحده وتنسون ~~آلهتكم الباطلة ، لأن الفطرة حينئذ هي التي تنطق على ألسنتكم بدون شعور ~~منكم؟ وما دام الأمر كذلك فلما ذا تشركون مع الله آلهة أخرى؟ إن أحوالكم ~~هذه لتدعو إلى الدهشة والغرابة ، لأنكم تلجأون إليه وحده عند الشدائد ~~والكروب ومع ذلك تعبدن غيره ومن لا يملك ضرا ولا نفعا. # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@03 أغير الله تدعون ) للتوبيخ ~~والتقريع والتعجب من حالهم. # وجواب الشرط محذوف ، والتقدير : إن كنتم صادقين في أن الأصنام تنفعكم ~~فادعوها. PageV05P072 # ثم أكد سبحانه أنهم عند الشدائد والكروب لا يلجئون إلا إلى الله فقال ~~تعالى : ( @QUR@012 بل إياه تدعون ، فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما ~~تشركون ). # بل للإضراب الانتقالى عن تفكيرهم وأوهامهم ، أى : بل تخصونه وحده بالدعاء ~~دون الآلهة ، فيكشف ما تلتمسون كشفه إن شاء ذلك ، لأنه هو القادر على كل ~~شيء ( @QUR@03 وتنسون ما تشركون ) أى : تغيب عن ذاكرتكم عند الشدائد ~~والأهوال تلك الأصنام الزائفة والمعبودات الباطلة. # وقدم سبحانه المفعول على الفعل في قوله : ( @QUR@03 بل إياه تدعون ) ~~لإفادة الاختصاص ، أى : لا تدعون إلا إياه ، وذلك يدل على أن المشركين مهما ~~بلغ ضلالهم فإنهم عند الشدائد يتجهون بتفكيرهم إلى القوة الخفية الخالقة ~~لهذا الكون. # وفي قوله : ( @QUR@03 فيكشف ما تدعون ) استعارة حيث شبه حال إزالة الشر ~~بحال كشف غطاء غامر مؤلم بجامع إزالة الضر في كل وإحلال السلامة محله. # والمقصود فيكشف الضر الذي تدعونه ms1930 أن يكشفه : فالكلام على تقدير حذف مضاف. # وجواب الشرط لقوله : ( @QUR@02 إن شاء ) محذوف لفهم المعنى ودلالة ما ~~قبله عليه ، أى إن شاء أن يكشف الضر كشفه ، لأنه سبحانه لا يسأل عما يفعل. # ثم أخذ القرآن في تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وفي بيان أحوال الأمم ~~الماضية فقال تعالى : ( @QUR@011 ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم ~~بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ). # البأساء : تطلق على المشقة والفقر الشديد ، وعلى ما يصيب الأمم من أزمات ~~تجتاحها بسبب الحروب والنكبات. والضراء. تطلق على الأمراض والأسقام التي ~~تصيب الأمم والأفراد. # والمعنى : ولقد أرسلنا من قبلك يا محمد رسلا إلى أقوامهم ، فكان هؤلاء ~~الأقوام أعتى من قومك في الشرك والجحود ، فعاقبناهم بالفقر الشديد والبلاء ~~المؤلم ، لعلهم يخضعون ويرجعون عن كفرهم وشركهم. # فالآية الكريمة تصور لونا من ألوان العلاج النفسي الذي عالج الله به ~~الأمم التي تكفر بأنعمه ، وتكذب أنبياءه ورسله ، إذ أن الآلام والشدائد ~~علاج للنفوس المغرورة بزخارف الدنيا ومتعها إن كانت صالحة للعلاج. # ولقد بين سبحانه بعد ذلك. أن تلك الأمم لم تعتبر بما أصابها من شدائد ~~فقال : ( @QUR@015 فلو لا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ، ولكن قست قلوبهم ، وزين ~~لهم الشيطان ما كانوا يعملون ). # ولو لا هنا للنفي ، أى أنهم ما خشعوا ولا تضرعوا وقت أن جاءهم بأسنا. PageV05P073 # وقيل إنها للحث والتحضيض بمعنى هلا ، أى : فهلا تضرعوا تائبين إلينا وقت ~~أن جاءهم بأسنا. # وقد اختار صاحب الكشاف أنها للنفي فقال : ( @QUR@06 فلو لا إذ جاءهم ~~بأسنا تضرعوا ) معناه : نفى التضرع ، كأنه قيل. فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا ~~ولكنه جاء بلولا ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا عنادهم وقسوة ~~قلوبهم وإعجابهم بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم» (1). # ثم بين سبحانه أن أمرين حالا بينهم وبين التوبة والتضرع عند نزول الشدائد بهم. # أما الأمر الأول : فهو قسوة قلوبهم ، وقد عبر سبحانه عن هذا الأمر الأول ~~بقوله : ( @QUR@03 ولكن قست قلوبهم ) أى : غلظت وجمدت وصارت كالحجارة أو ~~أشد قسوة. # وأما الأمر الثاني : فهو تزيين الشيطان لهم أعمالهم السيئة ms1931 ، بأن يوحى ~~إليهم بأن ما هم عليه من كفر وشرك وعصيان هو عين الصواب ، وأن ما أتاهم به ~~أنبياؤهم ليس خيرا لأنه يتنافى مع ما كان عليه آباؤهم. # هذان هما الأمران اللذان حالا بينهم وبين التضرع إلى الله والتوبة إليه. # ثم بين سبحانه أنه قد ابتلاهم بالنعم بعد أن عالجهم بالشدائد فلم يرتدعوا ~~فقال تعالى : # ( @QUR@020 فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء ، حتى إذا ~~فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ). # والمعنى : فلما أعرضوا عن النذر والعظات التي وجهها إليهم الرسل ، فتحنا ~~عليهم أبواب كل شيء من الرزق وأسباب القوة والجاه. حتى إذا اغتروا وبطروا ~~بما أوتوا من ذلك أخذناهم بغتة فإذا هم متحسرون يائسون من النجاة. # والفاء في قوله تعالى ( @QUR@02 فلما نسوا ) لتفصيل ما كان منهم. وبيان ~~ما ترتب على كفرهم من عواقب قريبة وأخرى بعيدة. # والمراد بالنسيان هنا : الإعراض والترك. أى : تركوا الاهتداء بما جاء به ~~الرسل حتى نسوه أو جعلوه كالمنسي في عدم الاعتبار والاتعاظ به لإصرارهم على ~~كفرهم ، وجمودهم على تقليد من قبلهم. PageV05P074 # والتعبير بقوله تعالى ( @QUR@05 فتحنا عليهم أبواب كل شيء ) يرسم صورة ~~بليغة لإقبال الدنيا عليهم من جميع أقطارها بجميع ألوان نعمها ، وبكل قوتها ~~وإغرائها ، فهو اختبار لهم بالنعمة بعد أن ابتلاهم بالبأساء والضراء. # وعبر سبحانه عن إعطائهم النعمة بقوله : ( @QUR@02 بما أوتوا ) بالبناء ~~للمجهول لأنهم يحسبون أن ذلك بعلمهم وقدرتهم وحدهم ، كما قال قارون من قبل ~~( @QUR@05 إنما أوتيته على علم عندي ). # وأضاف سبحانه الأخذ إلى ذاته في قوله ( @QUR@01 فأخذناهم ) لأنهم كانوا ~~لا ينكرون ذلك ، بل كانوا ينسبون الخلق والإيجاد إلى الله تعالى . # وكان الأخذ بغتة ليكون أشد عليهم وأفظع هولا ، أى أخذناهم بعذاب ~~الاستئصال حال كوننا مباغتين لهم. أو حال كونهم مبغوتين ، فقد فجأهم العذاب ~~على غرة بدون إمهال. # وإذا في قوله ( @QUR@03 فإذا هم مبلسون ) فجائية ، والمبلس : الباهت ~~الحزين البائس من الخير ، الذي لا يحير جوابا لشدة ما نزل به من سوء الحال. # روى الإمام أحمد بسنده عن عقبة بن عامر ms1932 عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~«وإذا رأيت الله يعطى العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج» ~~، ثم تلا قوله تعالى ( @QUR@05 فلما نسوا ما ذكروا به ). الآية. # ثم قال تعالى : ( @QUR@09 فقطع دابر القوم الذين ظلموا ، والحمد لله رب ~~العالمين ). # الدابر : الآخر ، والمعنى : فأهلك الله تعالى أولئك الأقوام عن آخرهم ~~بسبب ظلمهم وفجورهم ، والحمد لله رب العالمين الذي نصر رسله وأولياءه على ~~أعدائهم ، وفي ختام هذه الآية بقوله ( @QUR@04 والحمد لله رب العالمين ) ~~تعليم لنا ، إذ أن زوال الظالمين نعمة تستوجب الحمد والثناء على الله تعالى . # ثم ذكرهم سبحانه بنعمه عليهم في خلقهم وتكوينهم ، وبين لهم إذا سلبهم ~~شيئا من حواسهم فإنهم لا يتجهون إلا إليه فقال تعالى : # ( @QUR@023 قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله ~~غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون (46) @QUR@06 قل ~~أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله PageV05P075 # @QUR@08 بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون (47) @QUR@015 وما نرسل ~~المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~(48) @QUR@08 والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون ) (49) # والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين الجاحدين : أخبرونى إن سلب الله ~~عنكم نعمتي السمع والبصر فأصبحتم لا تسمعون ولا تبصرون ، وختم على قلوبكم ~~فصرتم لا تفقهون شيئا ، من إله غيره يقدر على رد ما سلب منكم وأنتم تعرفون ~~ذلك ولا تنكرونه فلما ذا تشركون معه آلهة أخرى؟ ثم التفت عنهم إلى التعجيب ~~من حالهم فقال تعالى ( @QUR@07 انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون ) أى : ~~انظر كيف ننوع الآيات والحجج والبراهين فنجعلها على وجوه شتى ليتعظوا ~~ويعتبروا ثم هم بعد ذلك يعرضون عن الحق ، وينأون عن طريق الرشاد. # والاستفهام في قوله تعالى ( @QUR@01 أرأيتم ) للتنبيه أى : إن لم تكونوا ~~قد رأيتم ذلك فتبينوه وتأملوا ما يدل عليه. # والضمير في ( @QUR@01 به ) يعود إلى المأخوذ وهو السمع والبصر والفؤاد. # وفي قوله ( @QUR@07 انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون ) تعجيب من عدم ~~تأثرهم رغم كثرة ms1933 الدلائل وتنوعها من أسلوب إلى أسلوب. # وجملة ( @QUR@03 ثم هم يصدفون ) معطوفة على جملة نصرف الآيات وداخلة في ~~حكمها ، وكان العطف بثم لإفادة الاستبعاد المعنوي ، لأن تصريف الآيات ~~والدلائل يدعو إلى الإقبال ، فكان من المستبعد في العقول والأفهام أن يترتب ~~عليه الإعراض والابتعاد. # قال القرطبي : ( @QUR@01 يصدفون ) أى : يعرضون. يقال : صدف عن الشيء إذا ~~أعرض صدفا وصدوفا فهو صادف. فهم مائلون معرضون عن الحجج والدلالات (1). # ثم وجه عقولهم إلى لون آخر من ألوان الإقناع فقال تعالى : # ( @QUR@014 قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة ، هل يهلك إلا ~~القوم الظالمون ). بغتة : أى مفاجأة ، وجهرة : أى جهارا عيانا. PageV05P076 # والمعنى : قل لهم أيها الرسول الكريم أخبرونى عن مصيركم إن أتاكم عذاب ~~الله مباغتا ومفاجئا لكم من غير ترقب ولا انتظار ، أو أتاكم ظاهرا واضحا ~~بحيث ترون مقدماته ومباديه ، هل يهلك به إلا القوم الظالمون؟. # والاستفهام في قوله ( @QUR@02 هل يهلك ) بمعنى النفي ، أى : ما يهلك به ~~إلا القوم الظالمون ، الذين أصروا على الشرك والجحود ، فهلاكهم سببه السخط ~~عليهم والعقوبة لهم ، لأنهم عموا وصموا عن الهداية. # ثم بين سبحانه وظيفة الرسل فقال : ( @QUR@06 وما نرسل المرسلين إلا ~~مبشرين ومنذرين )، أى : تلك سنتنا وطريقتنا في إهلاك المكذبين للرسل ، ~~والمعرضين عن دعوتهم ، فإننا ما نرسل المرسلين إليهم إلا بوظيفة معينة ~~محددة هي تقديم البشارة لمن آمن وعمل صالحا ، وسوق الإنذار لمن كذب وعمل سيئا. # فالجملة الكريمة كلام مستأنف مسوق لبيان وظيفة الرسل عليهم الصلاة ~~والسلام ولإظهار أن ما يقترحه المشركون عليهم من مقترحات باطلة ليس من ~~وظائف المرسلين أصلا. # ثم بين سبحانه عاقبة من آمن وعاقبة من كفر فقال : ( @QUR@017 فمن آمن ~~وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب ~~بما كانوا يفسقون ). # والمعنى : فمن آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وأصلح في ~~عمله. فلا خوف عليهم من عذاب الدنيا الذي ينزل بالجاحدين ، ولا من عذاب ~~الآخرة الذي يحل بالمكذبين ، ولا هم يحزنون يوم لقاء الله على شيء فاتهم. # والمس اللمس باليد ، ويطلق على ما ms1934 يصيب المرء من ضر أو شر في الغالب وفي ~~قوله ( @QUR@02 يمسهم العذاب ) استعارة تبعية ، فكأن العذاب كائن حي يفعل ~~بهم ما يريد من الآلام والعذاب. # ثم لقن الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم الأجوبة الحاسمة التي تدمغ ~~شبهات الكافرين ، وتبين ضلال مقترحاتهم فقال : # ( @QUR@026 قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم ~~إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير PageV05P077 # @QUR@02 أفلا تتفكرون (50) @QUR@017 وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ~~ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون (51) @QUR@025 ولا تطرد ~~الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما ~~من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين (52) @QUR@015 وكذلك فتنا ~~بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم ~~بالشاكرين ) (53) # والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يقترحون عليك المقترحات ~~الباطلة قل لهم : ليس عندي خزائن الرزق فأعطيكم منها ما تريدون ، وإنما ذلك ~~لله تعالى فهو الذي له خزائن السموات والأرض ، وقد كان المشركون يقولون ~~للنبي صلى الله عليه وسلم إن كنت رسولا من الله فاطلب منه أن يوسع عيشنا ويغنى ~~فقرنا ، وقل لهم كذلك إنى لا أعلم الغيب فأخبركم بما مضى وبما سيقع في ~~المستقبل ، وإنما علم ذلك عند الله ، وقد كانوا يقولون له أخبرنا بما ~~ينفعنا ويضرنا في المستقبل. حتى نستعد لتحصيل المصالح ودفع المضار ، وقل ~~لهم : إنى لست ملكا فأطلع على ما لا يطلع عليه الناس وأقدر على مالا يقدرون ~~عليه. وقد كانوا يقولون : ما لهذا الرسول يأكل طعاما ويمشى في الأسواق ثم ~~يتزوج النساء. # ثم بين لهم وظيفته فقال : ( @QUR@06 إن أتبع إلا ما يوحى إلي ) أى إن ~~وظيفتي اتباع ما يوحى إلى من ربي. فأنا عبده وممتثل لأمره ، وحاشاى أن أدعى ~~شيئا من تلك الأشياء التي اقترحتموها على. فالآية الكريمة مسوقة على سبيل ~~الاستئناف لإظهار تبريه عما يقترحونه عليه. # ثم بين لهم سبحانه الفرق بين المهتدى والضال ms1935 فقال : ( @QUR@07 قل هل ~~يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون ). # أى : قل لهم : هل يستوي أعمى البصيرة الضال عن الصراط المستقيم الذي ~~دعوتكم إليه ، وذو البصيرة المنيرة التي اهتدت إلى الحق فآمنت به واتبعته؟ # فالمراد بالأعمى الكافر الذي لم يستجب للحق ، وبالبصير المؤمن الذي انقاد له. PageV05P078 # والاستفهام للإنكار ونفى الوقوع ، أى : كما أنه لا يتساوى أعمى العينين ~~وبصيرهما ، فكذلك لا يتساوى المهتدى والضال والرشيد والسفيه ، بل إن الفرق ~~بين المهتدى والضال أقوى وأظهر ، لأنه كم من أعمى العينين وبصير القلب هو ~~من أعلم العلماء وأهدى الفضلاء وكم من بصير العينين أعمى القلب هو أضل من ~~الأنعام ، ولذا قرعهم الله تعالى بقوله : ( @QUR@02 أفلا تتفكرون )؟ أى : ~~أفلا تتفكرون في ذلك فتميزوا بين ضلالة الشرك وهداية الإسلام ، وبين صفات ~~الرب وصفات الإنسان. والاستفهام هنا للتحريض على التفكر والتدبر. # ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجتهد في إنذار قوم يتوقع ~~منهم الصلاح والاستجابة للحق ، بعد أن أمره قبل ذلك بتوجيه دعوته إلى الناس ~~كافة فقال تعالى : ( @QUR@017 وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ~~ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون ). # والمعنى : عظ وخوف يا محمد بهذا القرآن أولئك الذين يخافون شدة الحساب ~~والعقاب ، وتعتريهم الرهبة عند ما يتذكرون أهوال يوم القيامة لأنهم يعلمون ~~أنه يوم لا تنفع فيه خلة ولا شفاعة ، فهؤلاء هم الذين ترجى هدايتهم لرقة ~~قلوبهم وتأثرهم بالعظات والعبر. # فالمراد بهم المؤمنون العصاة الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ، ولذا ~~قال ابن كثير : ( @QUR@08 وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ) أى ~~وأنذر بهذا القرآن يا محمد الذين هم من خشية ربهم مشفقون ، والذين يخشون ~~ربهم ويخافون سوء الحساب أى : يوم القيامة ، ( @QUR@02 ليس لهم ) يومئذ ( ~~@QUR@06 من دون الله ولي ولا شفيع ) أى : لا قريب لهم ولا شفيع فيهم من ~~عذابه إن أراده بهم ( @QUR@02 لعلهم يتقون ) فيعملون في هذه الدار عملا ~~ينجيهم الله به يوم القيامة من عذابه ويضاعف لهم الجزيل من ثوابه) (1). # ثم أمر الله تعالى رسوله ms1936 صلى الله عليه وسلم أن يقرب فقراء المسلمين من ~~مجلسه لأنهم مع فقرهم أفضل عند الله من كثير من الأغنياء. فقال تعالى : # ( @QUR@09 ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ). # أى : لا تبعد أيها الرسول الكريم عن مجالسك هؤلاء المؤمنين الفقراء الذين ~~يدعون ربهم صباح مساء ، ويريدون بعملهم وعبادتهم وجه الله وحده بل اجعلهم ~~جلساءك وأخصاءك فهم أفضل عند الله من الأغنياء المتغطرسين والأقوياء ~~الجاهلين. # وقد روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها ما جاء عن ابن مسعود ~~قال : مر الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم . وعنده خباب وصهيب ~~وبلال وعمار فقالوا : يا محمد PageV05P079 # أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا؟ أنحن نصير ~~تبعا لهؤلاء؟ لا .. اطردهم فلعلك إن طردتهم نتبعك. فنزلت هذه الآية (1): # ففي الآية الكريمة نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يطرد هؤلاء الضعفاء ~~من مجلسه. لأنه وإن كان صلى الله عليه وسلم يميل إلى تأليف قلوب الأقوياء ~~للإسلام لينال بقوتهم قوة ، إلا أن الله تعالى بين له أن القوة في الإيمان ~~والعمل الصالح ، وأن هؤلاء الضعفاء من المؤمنين قد وصفهم خالقهم بأنهم ~~يتضرعون إليه في كل أوقاتهم ولا يقصدون بعبادتهم إلا وجه الله ، فكيف ~~يطردون من مجالس الخير؟. # ثم قال تعالى : ( @QUR@016 ما عليك من حسابهم من شيء ، وما من حسابك ~~عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين ). # أى : إن الله تعالى هو الذي سيتولى حسابهم وجزاءهم ولن يعود عليك من ~~حسابهم شيء ، كما أنه لا يعود عليهم من حسابك شيء ، فهم مجزيون بأعمالهم ، ~~كما أنك أنت يا محمد مجزى بعملك ، فإن طردتهم استجابة لرضى غيرهم كنت من ~~الظالمين. إذ أنهم لم يصدر عنهم ما يستوجب ذلك ، وحاشا للرسول ~~صلى الله عليه وسلم أن يطرد قوما تلك هي صفاتهم. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : أما كفى قوله ( @QUR@06 ما عليك من حسابهم ~~من شيء ) حتى ضم إليه ( @QUR@06 وما من حسابك عليهم من شيء )؟ قلت : قد ~~جعلت ms1937 الجملتان بمنزلة جملة واحدة وقصد بهما مؤدى واحد وهو المعنى في قوله : ~~( @QUR@05 ولا تزر وازرة وزر أخرى ) ولا يستقل بهذا المعنى إلا الجملتان ~~جميعا كأنه قيل : لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه. # وقيل : الضمير للمشركين. والمعنى : لا يؤاخذون بحسابك ولا أنت بحسابهم ~~حتى يهمك إيمانهم ويحركك الحرص عليه إلى أن تطرد المؤمنين) (2). # وهنا تخريج آخر لقوله : ( @QUR@012 ما عليك من حسابهم من شيء ، وما من ~~حسابك عليهم من شيء ) بأن المعنى : ما عليك شيء من حساب رزقهم ان كانوا ~~فقراء ، وما من حسابك في الفقر والغنى عليهم من شيء ، أى أنت مبشر ومنذر ~~ومبلغ للناس جميعا سواء منهم الفقير والغنى ، فكيف تطرد فقيرا لفقره ، ~~وتقرب غنيا لغناه؟ إنك إن فعلت ذلك كنت من الظالمين ، ومعاذ الله أن يكون ~~ذلك منك. # وقوله ( @QUR@03 فتكون من الظالمين ) جواب للنهى عن الطرد ، وقوله ( ~~@QUR@01 فتطردهم ) جواب لنفى الحساب. PageV05P080 # ثم قال تعالى : ( @QUR@015 وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا : أهؤلاء من ~~الله عليهم من بيننا. أليس الله بأعلم بالشاكرين ). # والمعنى : ومثل ذلك الفتن. أى الابتلاء والاختبار ، جعلنا بعض البشر فتنة ~~لبعض ، ليترتب على هذه الفتن أن يقول المفتونون الأقوياء في شأن الضعفاء : ~~أهؤلاء الصعاليك خصهم الله بالإيمان من بيننا! وقد رد الله عليهم بقوله ( ~~@QUR@04 أليس الله بأعلم بالشاكرين ) أى : أليس هو بأعلم بالشاكرين له ~~بأقوالهم وأفعالهم وضمائرهم فيوفقهم ويهديهم سبل السلام ويخرجهم من الظلمات ~~إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم. # والكاف في قوله ( @QUR@04 وكذلك فتنا بعضهم ببعض ) في محل نصب على أنها ~~نعت لمصدر محذوف والتقدير : ومثل ذلك الفتون المتقدم الذي فهم من سياق ~~أخبار الأمم الماضية فتنا بعض هذه الأمم ببعض ، ومن مظاهر ذلك أننا ابتلينا ~~الغنى بالفقير ، والفقير بالغنى ، فكل واحد مبتلى بضده ، فكان ابتلاء ~~الأغنياء الشرفاء حسدهم لفقراء الصحابة على كونهم سبقوهم إلى الإسلام ~~وتقدموا عليهم ، فامتنعوا عن الدخول في الإسلام لذلك ، فكان ذلك فتنة ~~وابتلاء لهم وأما فتنة الفقراء بالأغنياء فلما يرون من سعة رزقهم وخصب ~~عيشهم. فكان ذلك فتنة لهم (1). # واللام في ms1938 قوله ( @QUR@07 ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ) ~~تعليلية لأنها هي للباعث على الاختبار أى : ومثل ذلك الفتون فتنا ليقولوا ~~هذه المقالة ابتلاء منا وامتحانا. # والاستفهام في قوله ( @QUR@04 أليس الله بأعلم بالشاكرين ) للتقرير على ~~أكمل وجه لأنه سبحانه محيط بكل صغير وكبير ودقيق وجليل. # وكذلك تكون الآيات الكريمة قد قررت أن الفضل ليس بالغنى ولا بالجاه ولا ~~بالقوة في الدنيا ، ولكنه بمقدار شكر الله على ما أنعم ، وأنه سبحانه هو ~~العالم وحده بمن يستحق الفضل علما ليس فوقه علم. # ( @QUR@018 وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على ~~نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا PageV05P081 # @QUR@09 بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم (54) @QUR@06 وكذلك ~~نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين (55) @QUR@021 قل إني نهيت أن أعبد ~~الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من ~~المهتدين ) (56) # السلام والسلامة مصدران من الثلاثي. يقال سلم فلان من المرض أو من البلاء ~~سلاما وسلامة ومعناهما البراءة والعافية. ويستعمل السلام في التحية ، وهو ~~بمعنى الدعاء بالسلامة من كل سوء ، فهو آية المودة والأمان والصفاء. # والمعنى : وإذا حضر إلى مجالسك يا محمد أولئك الذين يؤمنون بآياتنا ~~ويعتقدون صحتها فقل لهم : تحية لكم من خالقكم وبشارة لكم بمغفرته ورضوانه ~~مادمتم متبعين لهديه ، ومحافظين على فرائضه. # ( @QUR@05 كتب ربكم على نفسه الرحمة ) أى أنه سبحانه أوجب على نفسه ~~الرحمة لعباده تفضلا منه وكرما. # ثم بين سبحانه أصلا من أصول الدين في هذه الرحمة المكتوبة فقال ( ~~@QUR@014 أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم ). # أى أنه من عمل منكم عملا تسوء عاقبته متلبسا بجهالة دفعته إلى ذلك السوء ~~كغضب شديد ثم تاب من بعد تلك الجهالة وأصلح خطأه وندم على ما بدر منه ، ورد ~~المظالم إلى أهلها ، فالله سبحانه شأنه في معاملته لهذا التائب النادم أنه ~~غفور رحيم». # ثم قال تعالى ( @QUR@03 وكذلك نفصل الآيات ) المنزلة في بيان الحقائق ~~التي يهتدى بها أهل النظر الصحيح والفقه الدقيق. ms1939 # ( @QUR@03 ولتستبين سبيل المجرمين ) أى ولأجل أن يظهر بها طريق المجرمين ~~فيمتازوا بها عن جماعة المسلمين. # ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ، أن يصارح أعداءه ببراءته من ~~شركهم ومن اتباع باطلهم فقال تعالى : ( @QUR@03 قل إني نهيت ). PageV05P082 # قال الإمام الرازي : اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة ما يدل ~~على أنه يفصل الآيات ليظهر الحق وليستبين سبيل المجرمين. ذكر في هذه الآية ~~أنه تعالى نهى عن سلوك سبيلهم فقال : إنى نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون ~~الله ، وبين أن الذين يعبدونها إنما يعبدونها بناء على محض الهوى والتقليد ~~لا على سبيل الحجة والدليل ، لأنها جمادات وأحجار وهي أخس مرتبة من الإنسان ~~بكثير. وكون الأشرف مشتغلا بعبادة الأخس أمر يدفعه صريح العقل ، وأيضا ~~فالقوم كانوا ينحتون تلك الأصنام ويركبونها ، ومن المعلوم بالبديهة أنه ~~يقبح من هذا العامل الصانع أن يعبد معموله ومصنوعه ، فثبت أن عبادتها مبنية ~~على الهوى ومضادة للهدى» (1). # والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يريدون منك أن تركن إليهم : ~~إن الله نهاني وصرفني بفضله ، وبما منحني من عقل مفكر عن عبادة الآلهة التي ~~تعبدونها من دون الله ، وقل أيضا لهم بكل صراحة وقوة : إنى لست متبعا لما ~~تمليه عليكم أهواؤكم وشهواتكم من انقياد للأباطيل ، ولو أنى ركنت إليكم ~~لضللت عن الحق وكنت خارجا عن طائفة المهتدين. # فالآية الكريمة قطعت بكل حسم ووضوح أطماعهم الفارغة في استمالة النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى أهوائهم ، ووصمتهم بأنهم في الضلال غارقون ، وعن الهدى ~~مبتعدون. # وجاءت كلمة ( @QUR@01 نهيت ) بالبناء للمجهول للاستغناء عن ذكر الفاعل ~~لظهوره أى : نهاني الله تعالى عن ذلك. وأجرى على الأصنام اسم الموصول ~~الموضوع للعقلاء لأنهم عاملوهم معاملة العقلاء فأتى لهم بما يحكى اعتقادهم. # قال أبو حيان : و «تدعون» معناه تعبدون : وقيل معناه تسمونهم آلهة من دعوت ~~ولدي زيدا أى سميته بهذا الإسم. وقيل تدعون في أموركم وحوائجكم وفي قوله ~~تدعون من دون الله استجهال لهم ووصف بالاقتحام فيما كانوا منه على غير ~~بصيرة ، ولفظة نهيت ms1940 أبلغ من النفي بلا أعبد إذ ورد فيه ورود تكليف» (2). # وجملة ( @QUR@04 قل لا أتبع أهواءكم ) مستأنفة ، وعدل بها عن العطف إلى ~~الاستئناف لتكون غرضا مستقلا ، وأعيد الأمر بالقول زيادة في الاهتمام ~~بالاستئناف واستقلاله ليكون هذا النفي شاملا للاتباع في عبادة الأصنام وفي ~~غيرها من ألوان ضلالهم كطلبهم طرد المؤمنين من مجلسه ، وعبر بقوله ( ~~@QUR@04 قل لا أتبع أهواءكم ) دون لا أتبعكم. للإشارة إلى أنهم في عبادتهم ~~لغير الله تابعون PageV05P083 # للأهواء الباطلة ، نابذون للأدلة العقلية ، وفي هذا أكبر برهان على ~~انطماس بصيرتهم ، وبنائهم لدينهم على الأوهام والأباطيل. # وجملة ( @QUR@03 قد ضللت إذا ) جواب لشرط مقدر. أى : إن اتبعت أهواءكم ~~فقد ضللت إذا وما اهتديت. # وجملة ( @QUR@04 وما أنا من المهتدين ) معطوفة على جملة ( @QUR@02 قد ~~ضللت ) ومؤكدة لمضمونها أى : إنه إن فعل ذلك على سبيل الفرض والتقدير خرج ~~عن الحالة التي هو عليها الآن من كونه في عداد المهتدين إلى كونه في زمرة ~~الضالين. # والتعبير بقوله ( @QUR@04 وما أنا من المهتدين ) أبلغ من قوله وما أنا ~~مهتد ، لأن التعريف في المهتدين تعريض للجنس ، وإخبار المتكلم عن نفسه بأنه ~~من المهتدين يفيد أنه واحد من الفئة التي تعرف عند الناس بفئة المهتدين ، ~~فيفيد أنه مهتد بطريقة تشبه طريقة الاستدلال ، فهو من قبيل الكناية التي هي ~~إثبات الشيء بإثبات ملزومه وهي أبلغ من التصريح. ولذا قال صاحب الكشاف : ~~قولك فلان من العلماء أبلغ من قولك فلان عالم ، لأنك تشهد له بكونه معدودا ~~في زمرتهم ومعرفة مساهمته معهم في العلم». # وبعد أن أمر الله تعالى نبيه بمصارحة المشركين بأنه لن يكون في يوم من ~~الأيام متبعا لأهوائهم ، أمره أن يخبرهم بأنه على الحق الواضح الذي لا يضل ~~متبعه ، وبأن الله وحده هو الذي سيقضي بينه وبينهم فقال تعالى : # ( @QUR@022 قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن ~~الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين (57) @QUR@014 قل لو أن عندي ما ~~تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين (58) @QUR@031 ~~وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها ms1941 إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ~~ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) (59) PageV05P084 # البينة : الدلالة الواضحة من بان يبين إذا ظهر ، أو الحجة الفاصلة بين ~~الحق والباطل على أنها من البينونة أى الانفصال. # والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يريدون منك اتباع أهوائهم ~~كيف يتأتى لي ذلك وأنا على شريعة واضحة وملة صحيحة لا يعتريها شك ، ولا ~~يخالطها زيغ لأنها كائنة من ربي الذي لا يضل ولا ينسى. # والتنوين في كلمة ( @QUR@01 بينة ) للتفخيم والتعظيم ، وهي صفة لموصوف ~~محذوف للعلم به في الكلام ، أى : على حجة بينة واضحة محقة للحق ومبطلة ~~للباطل فأنا لن أتزحزح عنها أبدا. # وفي ذلك تعريض بالمشركين بأنهم ليسوا على بصيرة من أمرهم ، وإنما هم قد ~~اتبعوا ما وجدوا عليه آباءهم بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. # وجملة ( @QUR@02 وكذبتم به ) في موضع الحال من ( @QUR@01 بينة ) وهي تفيد ~~التعجب منهم حيث كذبوا بما دلت عليه البينات ، واتفقت على صحته العقول ~~السليمة. # والضمير في قوله ( @QUR@01 به ) يعود على الله تعالى أى : وكذبتم بالله ~~مع أن دلائل توحيده ظاهرة واضحة. # وقيل : يعود على البينة والتذكير باعتبار أنها بمعنى البيان. # وقيل : يعود على القرآن أى والحال أنكم كذبتم بالقرآن الذي هو بينتي من ربي. # وقوله : ( @QUR@05 ما عندي ما تستعجلون به ) أى : ليس في مقدوري أن أنزل ~~بكم ما تستعجلونه من العذاب ، وإنما ذلك مرجعه إلى الله وحده. # وهذه الجملة الكريمة رد على المشركين الذين استعجلوا نزول العذاب عند ما ~~أنذرهم النبي صلى الله عليه وسلم بسوء المصير إذا ما استمروا في ضلالهم ، فقد ~~حكى القرآن عنهم أنهم قالوا ( @QUR@017 اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ~~فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) فكان رد النبي ~~صلى الله عليه وسلم عليهم بأن الذي يملك إنزال العذاب بهم إنما هو الله وحده ، ~~وتأخير العذاب عنهم إنما هو لحكمة يعلمها الله ، فهو وحده الذي يقدر وقت ms1942 نزوله. # وقوله ( @QUR@04 إن الحكم إلا لله ) أى : ما الحكم في تعجيل العذاب أو ~~تأخيره وفي كل شأن من شئون الخلق إلا لله وحده فهو سبحانه الذي ينزل قضاءه ~~حسب سنته الحكيمة ، وموازينه الدقيقة. # وقرأ الكسائي وغيره «يقص الحق» ، أى : يقص سبحانه القضاء الحق في كل شأن ~~من شئونه. PageV05P085 # وقوله ( @QUR@02 يقص الحق ) أى : يتبع الحق والحكمة فيما يحكم به ويقدره ~~( @QUR@03 وهو خير الفاصلين ) أى : القاضين بين عباده. # قال ابن جرير : ( @QUR@03 وهو خير الفاصلين ) أى : وهو من ميز بين المحق ~~والمبطل وأعدلهم ، لأنه لا يقع في حكمه وقضائه حيف إلى أحد لوسيلة إليه ولا ~~لقرابة ولا مناسبة ، ولا في قضائه جور لأنه لا يأخذ الرشوة في الأحكام ~~فيجور ، فهو أعدل الحكام وخير الفاصلين» (1). # ثم بين سبحانه حالهم فيما لو كان أمر إنزال العذاب عليهم بيد النبي عليه ~~الصلاة والسلام فقال : ( @QUR@04 قل لو أن عندي ) أى : قل لهم يا محمد لو ~~أن في قدرتي وإمكانى العذاب الذي تتعجلونه ، لقضى الأمر بيني وبينكم. # قال صاحب الكشاف أى : لأهلكتكم عاجلا غضبا لربي. وامتعاضا من تكذيبكم به ~~، ولتخلصت منكم سريعا» (2). # وجملة ( @QUR@03 والله أعلم بالظالمين ) تذييل ، أى : والله أعلم منى ومن ~~كل أحد بحكمة تأخير العذاب وبوقت نزوله ، لأنه العليم. الخبير الذي عنده ما ~~تستعجلون به. # والتعبير ( @QUR@01 بالظالمين ) إظهار في مقام ضمير الخطاب لإشعارهم ~~بأنهم ظالمون في شركهم وظالمون في تكذيبهم لما جاء به النبي ~~صلى الله عليه وسلم . # قال ابن كثير : فإن قيل : فكيف الجمع بين هذه الآية وبين ما ثبت في ~~الصحيحين عن عائشة أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ، ~~هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال : «لقد لقيت من قومك ، وكان أشد ~~ما لقيت منهم يوم العقبة ، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم ~~يجبني إلى ما أردت ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهى فلم أستفق إلا بقرن ~~الثعالب (3) فرفعت رأسى فإذا أنا بسحابة قد أظلتنى فنظرت فيها فإذا جبريل ~~فناداني فقال : إن ms1943 الله قد سمع قول قومك لك ، وما ردوا به عليك وقد بعث ~~إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم ، قال فناداني ملك الجبال وسلم على ثم ~~قال يا محمد : إن الله قد سمع قول قومك لك. وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك ~~إليك لتأمرنى بأمرك فإن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ، فقلت له : بل أرجو أن ~~يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا شريك له». # فقد عرض عليه عذابهم واستئصالهم فاستأناهم وسأل لهم التأخير لعل الله أن ~~يخرج من أصلابهم من لا يشرك به شيئا. PageV05P086 # قال ابن كثير : فالجواب على ذلك والله أعلم أن هذه الآية دلت على أنه لو ~~كان إليه وقوع العذاب الذي يطلبونه حال طلبهم له لأوقعه بهم ، وأما الحديث ~~فليس فيه أنهم سألوه وقوع العذاب بهم ، بل عرض عليه ملك الجبال أنه إن شاء ~~أطبق عليهم الأخشبين وهما جبلا مكة يكتنفانها جنوبا وشمالا فلهذا استأنى ~~بهم وسأل الرفق لهم» (1). # ثم يمضى السياق القرآنى مع المكذبين المتعجلين للعذاب ، فيسوق لهم صورة ~~لعلم الله الشامل الذي لا يند عنه شيء ( @QUR@07 وعنده مفاتح الغيب لا ~~يعلمها إلا هو ). # قال القرطبي : ( @QUR@01 مفاتح ) جمع مفتح ، ويقال مفتاح ويجمع مفاتيح ، ~~وهي قراءة ابن السميقع ، والمفتح عبارة عن كل ما يخل غلقا محسوسا كان ~~كالقفل على البيت ، أو معقولا كالنظر ، وروى ابن ماجة في سننه وأبى حاتم ~~البستي في صحيحه عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن ~~من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر ، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق ~~للخير فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه ، وويل لمن جعل الله ~~مفاتيح الشر على يديه» ، وهو في الآية استعارة عن التوصل إلى الغيوب كما ~~يتوصل في الشاهد بالمفتح إلى الغيب عن الإنسان. ولذلك قال بعضهم هو مأخوذ ~~من قول الناس افتح على كذا ، أى : أعطنى أو علمني ما أتوصل إليه به فالله ~~تعالى عنده علم الغيب ، وبيده الطرق الموصلة إليه لا يملكها إلا هو ms1944 ، فمن ~~شاء اطلاعه عليها أطلعه ، ومن شاء حجبه عنها حجبه» (2). # والغيب : ما غاب عن علم الناس بحيث لا سبيل لهم إلى معرفته ، وهو يشمل ~~الأعيان المغيبة كالملائكة والجن ، ويشمل الأعراض الخفية ومواقيت الأشياء ~~وغير ذلك. وقدم الظرف لإفادة الاختصاص ، أى : عنده لا عند غيره مفاتيح ~~الغيب ، وجملة «لا يعلمها إلا هو» في موضع الحال من مفاتح ، وهي مؤكدة ~~لمضمون ما قبلها. # ومعنى ( @QUR@04 لا يعلمها إلا هو ) أى : لا يعلم الغيوب علما تاما ~~مستقلا إلا هو سبحانه فأما ما أطلع عليه بعض أصفيائه من الغيوب فهو إخبار ~~منه لهم ، فكان في الأصل راجعا إلى علمه هو. قال تعالى ( @QUR@012 عالم ~~الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ). # ثم بين سبحانه أن علمه ليس مقصورا على المغيبات ، وإنما هو يشملها كما ~~يشمل المشاهدات فقال : ( @QUR@05 ويعلم ما في البر والبحر ). # قال الراغب : أصل البحر كل مكان واسع جامع للماء الكثير ، وقيل إن أصله ~~الماء الملح PageV05P087 # دون العذب وأطلق على النهر بالتوسع أو التغليب ، والبر ما يقابله من ~~الأرض وهو ما يسمى باليابسة. # وهذه الجملة معطوفة على جملة ، وعنده مفاتح الغيب ، لإفادة تعميم علمه ~~سبحانه بالأشياء الظاهرة المتفاوتة في الظهور بعد إفادة علمه بما لا يظهر للناس. # وقدم ذكر البر على البحر على طريقة الترقي من الأقل إلى الأعظم ، لأن قسم ~~البحر من الأرض أكبر من قسم البر ، وخفاياه أكثر وأعظم ، وخصهما بالذكر ~~لأنهما أعظم المخلوقات المجاورة للبشر. # ثم صرح سبحانه بشمول علمه لكل كلى وجزئى ، ولكل صغير وكبير ، ولكل دقيق ~~وجليل ، فقال تعالى ( @QUR@019 وما تسقط من ورقة إلا يعلمها. ولا حبة في ~~ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ). # أى : وما تسقط ورقة ما من شجرة من الأشجار ولا حبة في باطن الأرض ~~وأجوافها ، ولا رطب ولا يابس من الثمار أو غيرها إلا ويعلمه الله علما تاما ~~شاملا ، لأن كل ذلك مكتوب ومحفوظ في العلم الإلهى الثابت. # وجملة ( @QUR@06 وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ) معطوفة على جملة ms1945 ، ويعلم ~~ما في البر والبحر ، لقصد زيادة التعميم في الجزئيات الدقيقة. # والمراد بظلمات الأرض بطونها ، وكنى بالظلمة عن البطن لأنه لا يدرك ما ~~فيه كما لا يدرك ما في الظلمة. # وقوله ( @QUR@04 إلا في كتاب مبين ) تأكيد لقوله «لا يعلمها» لأن المراد ~~بالكتاب المبين علم الله تعالى الذي وسع كل شيء ، أو اللوح المحفوظ الذي هو ~~محل معلوماته عز وجل . # قال الإمام الرازي : قال الزجاج : يجوز أن الله تعالى : أثبت كيفية ~~المعلومات في كتاب من قبل أن يخلق الخلق كما قال تعالى : ( @QUR@016 ما ~~أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ). ### ||| ** ثم قال الإمام الرازي : وفائدة هذا الكتاب أمور : # أحدها : أنه تعالى : إنما كتب هذه الأحوال في اللوح المحفوظ لتقف ~~الملائكة على نفاذ علمه في المعلومات ، وأنه لا يغيب عنه مما في السموات ~~والأرض شيء ، فيكون ذلك عبرة تامة كاملة للملائكة الموكلين باللوح المحفوظ ~~لأنهم يقابلون به ما يحدث في صحيفة هذا العالم فيجدونه موافقا له. PageV05P088 # وثانيها : أنه يجوز أن يقال : أنه تعالى : ذكر ما ذكر من الورقة والحبة ~~تنبيها للمكلفين على أمر الحساب ، وإعلاما بأنه لا يفوته من كل ما يصنعون ~~في الدنيا شيء ، لأنه إذا كان لا يهمل الأحوال التي ليس فيها ثواب ولا عقاب ~~ولا تكليف فبأن لا يهمل الأحوال المشتملة على الثواب والعقاب أولى. # وثالثها : أنه تعالى : علم أحوال جميع الموجودات ، فيمتنع تغييرها عن ~~مقتضى ذلك العلم وإلا لزم الجهل ، فإذا كتب أحوال جميع الموجودات في ذلك ~~الكتاب على التفصيل التام امتنع أيضا تغييرها ، وإلا لزم الكذب ، فتصير ~~كتابة جملة الأحوال في ذلك الكتاب موجبا. تاما ، وسببا كاملا في أنه يمتنع ~~تقدم ما تأخر وتأخر ما تقدم كما قال صلى الله عليه وسلم «جف القلم بما هو كائن ~~إلى يوم القيامة» (1). ### ||| ** ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أمور من أهمها : # أن علم الله تعالى : محيط بالكليات والجزئيات ، وبكل شيء في هذا الكون ، ~~وبذلك يتبين بطلان رأى بعض الفلاسفة الذين قالوا بأن ms1946 الله يعلم الكليات ولا ~~يعلم الجزئيات. # أن علم الغيب مرده إلى الله وحده ، قال الحاكم : دل قوله تعالى ( @QUR@07 ~~وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) على بطلان قول الإمامية : إن الإمام ~~يعلم شيئا من الغيب». # وقال القاسمى : قال صاحب «فتح البيان» : في هذه الآية الشريفة ما يدفع ~~أباطيل الكهان والمنجمين وغيرهم من مدعى الكشف والإلهام ما ليس من شأنهم ~~ولا يدخل تحت قدرتهم ولا يحيط به علمهم. ولقد ابتلى الإسلام وأهله بقوم سوء ~~من هذه الأجناس الضالة والأنواع المخذولة ، ولم يربحوا من أكاذيبهم ~~وأباطيلهم سوى خطة السوء المذكورة في قول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ~~«من أتى كاهنا أو منجما فقد كفر بما أنزل على محمد» قال ابن مسعود «أوتى ~~نبيكم كل شيء إلا مفاتيح الغيب». # وروى البخاري بسنده عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله. لا يعلم أحد ما يكون في غد إلا الله ~~، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام إلا الله. ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدا ، ~~ولا تدرى نفس بأى أرض تموت ، ولا يدرى أحد متى يجيء المطر» (2). # وقال القرطبي : قال علماؤنا : أضاف سبحانه علم الغيب إلى نفسه في غير ما آية من PageV05P089 # كتابه إلا من اصطفى من عباده ، فمن قال : إنه ينزل الغيث غدا وجزم فهو ~~كافر ، وكذلك من قال : إنه يعلم ما في الرحم فهو كافر. وفي صحيح مسلم عن ~~عائشة قالت : من زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر بما يكون في غد فقد ~~أعظم على الله الفرية ؛ والله تعالى يقول : ( @QUR@010 قل لا يعلم من في ~~السماوات والأرض الغيب إلا الله ). ثم قال : وقد انقلبت الأحوال في هذه ~~الأزمان بإتيان المنجمين والكهان لا سيما بالديار المصرية فقد شاع في ~~رؤسائهم وأتباعهم وأمرائهم اتخاذ المنجمين ، بل ولقد انخدع كثير من ~~المنتسبين للفقر والدين فلجأوا إلى هؤلاء الكهنة والعرافين فبهرجوا عليهم ~~بالمحال ، واستخرجوا منهم الأموال ، فحصلوا من أقوالهم على السراب والآل ms1947 ~~(1)، ومن أديانهم على الفساد والضلال ، وكل ذلك من الكبائر لحديث النبي ~~صلى الله عليه وسلم «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوما» ~~والعراف هو الحازر والمنجم الذي يدعى علم الغيب (2). # وبعد أن بين سبحانه : شمول علمه لكل شيء ، أتبع ذلك بالحديث عن كمال ~~قدرته ، ونفاذ إرادته فقال تعالى : # ( @QUR@022 وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم ~~فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون (60) ~~@QUR@017 وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت ~~توفته رسلنا وهم لا يفرطون (61) @QUR@012 ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا ~~له الحكم وهو أسرع الحاسبين (62) @QUR@014 قل من ينجيكم من ظلمات البر ~~والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه PageV05P090 # @QUR@03 لنكونن من الشاكرين (63) @QUR@010 قل الله ينجيكم منها ومن كل ~~كرب ثم أنتم تشركون ) (64) # قوله تعالى : ( @QUR@04 وهو الذي يتوفاكم بالليل ) أى : ينيمكم فيه. ~~والتوفي أخذ الشيء وافيا ، أى تاما كاملا. والتوفي يطلق حقيقة على الإماتة ~~، وإطلاقه على النوم كما هنا مجاز لشبه النوم بالموت في انقطاع الإدراك ~~والعمل والإحساس قال تعالى : ( @QUR@020 الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي ~~لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى ) ~~فهذه الآية صريحة في أن التوفي أعم من الموت ، فقد صرحت بأن الأنفس التي ~~تتوفى في منامها غير ميتة ، فهناك وفاتان : وفاة كبرى وتكون بالموت ، ووفاة ~~صغرى وتكون بالنوم. والمعنى : وهو سبحانه الذي يتوفى أنفسكم في حالة نومكم ~~بالليل ، دون غيره لأن غيره لا يملك موتا ولا حياة ولا نشورا. # ( @QUR@04 ويعلم ما جرحتم بالنهار ) أى : ما كسبتم وعملتم فيه من أعمال. ~~وأصل الجرح تمزيق جلد الحي بشيء محدد مثل السكين والسيف والظفر والناب ~~وأطلق هنا على ما يكتسبه الإنسان بجوارحه من يد أو رجل أو لسان. # وتخصيص الليل بالنوم ، والنهار بالكسب جريا على المعتاد ، لأن الغالب أن ~~يكون النوم ليلا ، وأن يكون الكسب والعمل نهارا ، قال تعالى : # ( @QUR@06 وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار ms1948 معاشا ). # ( @QUR@06 ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ) أى : ثم إنه بعد توفيكم بالنوم ~~يوقظكم منه في النهار ، لأجل أن يقضى كل فرد أجله المسمى في علم الله تعالى ~~، والمقدر له في هذه الدنيا ، فقد جعل سبحانه لأعماركم آجالا محددة لا بد ~~من قضائها وإتمامها. # وجملة ( @QUR@03 ثم يبعثكم فيه ) معطوفة على ( @QUR@02 يتوفاكم بالليل ) ~~فتكون ثم للمهلة الحقيقية وهو الأظهر. # ( @QUR@08 ثم إليه مرجعكم ، ثم ينبئكم بما كنتم تعملون ) أى : ثم إليه ~~وحده يكون رجوعكم بعد انقضاء حياتكم في هذه الدنيا ، فيحاسبكم على أعمالكم ~~التي اكتسبتموها فيها ، إن خيرا فخير وإن شرا فشر. # فالآية الكريمة تسوق للناس مظهرا من مظاهر قدرة الله وتبرهن لهم على صحة البعث PageV05P091 # والحساب يوم القيامة ، لأن النشأة الثانية كما يقول القرطبي منزلتها بعد ~~الأولى كمنزلة اليقظة بعد النوم في أن من قدر على أحدهما فهو قادر على ~~الأخرى. # هذا ، ويرى جمهور المفسرين أن ظاهر الخطاب في الآية للمؤمنين والكافرين ، ~~ولكن الزمخشري خالف في ذلك فجعلها خطابا للكافرين فقال : ( @QUR@04 وهو ~~الذي يتوفاكم بالليل ) الخطاب للكفرة ، أى : أنتم منسدحون الليل كله كالجيف ~~أى مسطحون على القفا ( @QUR@04 ويعلم ما جرحتم بالنهار ) ما كسبتم من ~~الآثام فيه ( @QUR@03 ثم يبعثكم فيه ) من القبور في شأن ذلك الذي قطعتم به ~~أعماركم من النوم بالليل وكسب الآثام بالنهار ( @QUR@03 ليقضى أجل مسمى ) ~~وهو الأجل الذي سماه وضربه لبعث الموتى وجزائهم على أعمالهم (1). # والذي نراه أن رأى الجمهور أرجح لأنه لم يرد نص يدل على تخصيص الخطاب في ~~الآية للكافرين. # ثم قال تعالى : ( @QUR@04 وهو القاهر فوق عباده ) أى : وهو الغالب ~~المتصرف في شئون خلقه يفعل بهم ما يشاء إيجادا وإعداما وإحياء وإماتة ~~وإثابة وعقابا إلى غير ذلك ، والمراد بالفوقية فوقية المكانة والرتبة لا ~~فوقية المكان والجهة. ### ||| ** قال الإمام الرازي : وتقرير هذا القهر من وجوه : # الأول : أنه قهار للعدم بالتكوين والإيجاد. # والثاني : أنه قهار للوجود بالإفناء والإفساد ، فإنه تعالى هو الذي ينقل ~~الممكن من العدم إلى الوجود تارة ، ومن الوجود إلى العدم تارة أخرى ، فلا ~~وجود إلا بإيجاده ms1949 ، ولا عدم إلا بإعدامه في الممكنات. # والثالث : أنه قهار لكل ضد بضده ، فيقهر النور بالظلمة ، والظلمة بالنور ~~، والنهار بالليل ، والليل بالنهار ، وتمام تقريره في قوله : ( @QUR@025 قل ~~اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء ~~وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ) (2). # وقوله ( @QUR@03 ويرسل عليكم حفظة ) أى : ويرسل عليكم ملائكة تحفظ ~~أعمالكم وتحصيها وتسجل ما تعملونه من خير أو شر. قال : تعالى : ( @QUR@08 ~~وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون ) وقال تعالى : ( ~~@QUR@016 إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد. ما يلفظ من قول ~~إلا لديه رقيب عتيد ). PageV05P092 # وفي الصحيحين عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار يجتمعون في صلاة الفجر وصلاة ~~العصر ؛ ثم يعرج بالذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم : كيف تركتم ~~عبادي فيقولون : تركناهم وهم يصلون ، وأتيناهم وهم يصلون». # قال صاحب الكشاف : فإن قلت إن الله تعالى غنى بعلمه عن كتابة الملائكة ~~فما فائدتها؟ قلت : فيها لطف للعباد ، لأنهم إذا علموا أن الله رقيب عليهم ~~، والملائكة الذين هم أشرف خلقه موكلون بهم يحفظون عليهم أعمالهم ويكتبونها ~~في صحائف تعرض على رءوس الأشهاد في مواقف القيامة ، كان ذلك أزجر لهم عن ~~القبيح وأبعد عن السوء) (1). # وجملة ( @QUR@03 ويرسل عليكم حفظة ) يجوز أن تكون معطوفة على اسم الفاعل ~~الواقع صلة ل (أل)، لأنه في معنى يقهر والتقدير وهو الذي يقهر عباده ويرسل ~~، فعطف الفعل على الإسم لأنه في تأويله. # وقوله ( @QUR@010 حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ) ~~أى : حتى إذا احتضر أحدكم وحان أجله قبضت روحه ملائكتنا الموكلون بذلك حالة ~~كونهم لا يتوانون ولا يتأخرون في أداء مهمتهم. # قال الآلوسى : وحتى في قوله : ( @QUR@05 حتى إذا جاء أحدكم الموت ) هي ~~التي يبتدأ بها الكلام وهي مع ذلك تجعل ما بعدها من الجملة الشرطية غاية ~~لما قبلها ، كأنه قيل : ويرسل عليكم حفظة يحفظون ما يحفظون منكم مدة حياتكم ~~، حتى إذا ms1950 انتهت مدة أحدكم وجاءت أسباب الموت ومباديه توفته رسلنا الآخرون ~~المفوض إليهم ذلك ، وانتهى هناك حفظ الحفظة. والمراد بالرسل على ما أخرجه ~~ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس أعوان ملك الموت (2). # وقال الجمل : فإن قلت : إن هناك آية تقول : ( @QUR@05 الله يتوفى الأنفس ~~حين موتها ) وثانية تقول : ( @QUR@07 قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ) ~~والتي معنا تقول ( @QUR@02 توفته رسلنا ) فكيف الجمع بين هذه الآيات؟. # فالجواب على ذلك أن المتوفى في الحقيقة هو الله ، فإذا حضر أجل العبد أمر ~~الله ملك الموت بقبض روحه ، ولملك الموت أعوان من الملائكة فيأمرهم بنزع ~~روح ذلك العبد من جسده ، فإذا وصلت إلى الحلقوم تولى قبضها ملك الموت نفسه ~~، وقيل المراد من قوله ( @QUR@02 توفته رسلنا ) ملك الموت وحده وإنما ذكر ~~بلفظ الجمع تعظيما له (3). PageV05P093 # ثم صرح سبحانه بأن مصير الخلق جميعا إليه فقال : ( @QUR@06 ثم ردوا إلى ~~الله مولاهم الحق ) أى : ثم رد الله تعالى هؤلاء الذين توفتهم الملائكة إلى ~~مالكهم الحق الذي لا يشوب ملكه باطل ليتولى حسابهم وجزاءهم على أعمالهم. # فالضمير في ( @QUR@01 ردوا ) يعود على الخلائق الذين توفتهم الملائكة ~~والمدلول عليهم بأحد. والسر في الإفراد أولا والجمع ثانيا وقوع التوفي على ~~الأفراد والرد على الاجتماع. أى : ردوا بعد البعث فيحكم فيهم بعدله. قال ~~تعالى ( @QUR@09 قل إن الأولين والآخرين* لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ). # وقيل إن الضمير في ( @QUR@01 ردوا ) يعود على الملائكة. أى : ثم ردوا ~~أولئك الرسل بعد إتمام مهمتهم بإماتة جميع الناس فيموتون هم أيضا. وجملة ( ~~@QUR@06 ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين ). تذييل ولذلك ابتدئ بأداة ~~الاستفتاح المؤذنة بالتنبيه إلى أهمية الخبر. # أى : ألا له الحكم النافذ لا لغيره وهو سبحانه أسرع الحاسبين لأنه لا ~~يحتاج إلى ما يحتاج إليه الخلائق من تفكر واشتغال بحساب عن حساب. # وبذلك تكون هذه الآيات الثلاث قد أقامت أقوى البراهين وأصحها على كمال ~~قدرة الله ، ونفاذ إرادته ، ومحاسبته لعباده يوم القيامة على ما قدموا ~~وأخروا. # ثم ساق القرآن لونا آخر من الدلائل الدالة على كمال قدرة الله وسابغ ms1951 ~~رحمته وفضله وإحسانه فقال تعالى : ( @QUR@07 قل من ينجيكم من ظلمات البر ~~والبحر ). # قال صاحب الكشاف : ظلمات البر والبحر مجاز عن مخاوفهما وأهوالهما. # يقال لليوم الشديد يوم مظلم ويوم ذو كواكب ، أى اشتدت ظلمته حتى عاد ~~كالليل» (1). # وقيل : حمله على الحقيقة أولى فظلمة البر هي ما اجتمع فيه من ظلمة الليل ~~ومن ظلمة السحاب فيحصل من ذلك الخوف الشديد لعدم الاهتداء إلى الطريق ~~الصواب ، وظلمة البحر ما اجتمع فيه من ظلمة الليل وظلمة الرياح العاصفة ~~والأمواج الهائلة فيحصل من ذلك أيضا الخوف الشديد من الوقوع في الهلاك. # والتضرع : المبالغة في الضراعة مع الذل والخضوع. والخفية بالضم والكسر ~~الخفاء والاستتار. وللكرب الغم الشديد مأخوذ من كرب الأرض وهو إثارتها ~~وقلبها بالحفر. فالغم يثير النفس كما يثير الأرض كاربها. PageV05P094 # والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء الغافلين من الذي ينجيكم من ظلمات البر ~~والبحر عند ما تغشاكم بأهوالها المرعبة ، وشدائدها المدهشة ، إنكم في هذه ~~الحالة تلجأون إلى الله وحده تدعونه إعلانا وإسرارا بذلة وخضوع وإخلاص ~~قائلين له : لئن أنجيتنا يا ربنا من هذه الشدائد والدواهي المظلمة لنكونن ~~لك من الراسخين في الشكر المداومين عليه ( @QUR@010 قل الله ينجيكم منها ~~ومن كل كرب ثم أنتم تشركون ) أى قل لهم يا محمد : الله وحده هو الذي ينجيكم ~~من هذه المخاوف والأهوال ومن كل غم يأخذ بنفوسكم ، ثم أنتم بعد هذه النجاة ~~تشركون معه غيره ، مخلفين بذلك وعدكم حانثين في أيمانكم. # قال الإمام الرازي : «والمقصود من ذلك أنه عند اجتماع هذه الأسباب ~~الموجبة للخوف الشديد لا يرجع الإنسان إلا إلى الله ، وهذا الرجوع يحصل ~~ظاهرا وباطنا ، لأن الإنسان في هذه الحالة يعظم إخلاصه في حضرة الله ، ~~وينقطع رجاؤه عن كل ما سواه ، وهو المراد من قوله ( @QUR@02 تضرعا وخفية ) ~~فبين سبحانه أنه إذا شهدت الفطرة السليمة والخلقة الأصلية في هذه الحالة ~~بأن لا ملجأ إلا إلى الله ولا تعويل إلا على فضله ، وجب أن يبقى هذا ~~الإخلاص في كل الأحوال ، لكن الإنسان ليس كذلك فإنه بعد الفوز بالسلامة ~~والنجاة يحيل ms1952 تلك السلامة إلى الأسباب الجسمانية ويقدم على الشرك. # ولفظ الآية يدل على أنه عند حصول الشدائد يأتى الإنسان بأمور : ### |||| ** أحدها : الدعاء. ### |||| ** وثانيها : التضرع. ### |||| ** وثالثها : الإخلاص بالقلب وهو المراد من قوله ( @QUR@01 خفية ). # ورابعها : التزام الاشتغال بالشكر. ونظير هذه الآية قوله تعالى ( ~~@QUR@010 وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه ) وقوله ( @QUR@09 ~~وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين ) وبالجملة فعادة أكثر ~~الناس أنهم إذا شاهدوا الأمر الهائل أخلصوا ، وإذا انتقلوا إلى الأمن ~~والرفاهية أشركوا به» (1). # ثم بين سبحانه قدرته على تعذيبهم تهديدا لهم حتى يخشوا بأسه أثر بيان ~~قدرته على تنجيتهم فقال تعالى : PageV05P095 # ( @QUR@027 قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت ~~أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم ~~يفقهون (65) @QUR@09 وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل (66) ~~@QUR@05 لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون (67) @QUR@023 وإذا رأيت الذين يخوضون ~~في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا ~~تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين (68) @QUR@012 وما على الذين يتقون من ~~حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون ) (69) # والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء الجاحدين ، إن الله تعالى وحده هو القادر ~~على أن يرسل عليكم عذابا عظيما من فوقكم أى : من جهة العلو كما أرسل على ~~قوم لوط وعلى أصحاب الفيل الحجارة ، أو من تحت أرجلكم أى من السفل كما حدث ~~بالنسبة لفرعون وجنده من الغرق ، وبالنسبة لقارون حيث خسف به الأرض. # وقيل : من فوقكم أى من قبل سلاطينكم وأكابركم ، ومن تحت أرجلكم أى : من ~~قبل سفلتكم وعبيدكم. وقيل : هو حبس المطر والنبات. # وتصوير العذاب بأنه آت من أعلى أو من أسفل أشد وقعا في النفس من تصويره ~~بأنه آت من جهة اليمين أو من جهة الشمال ، لأن الآتي من هاتين الجهتين قد ~~يتوهم دفعه ، أما الآتي من أعلى أو من أسفل فهو عذاب قاهر مزلزل لا مقاومة ~~له ولا ثبات معه. # وقوله ( @QUR@03 أو يلبسكم شيعا ) أى : يخلطكم ms1953 فرقا مختلفة الأهواء ، ~~متباينة المشارب ، مضطربة الشئون ، كل فرقة تتبع إماما لها تقاتل معه غيرها ~~، فيزول الأمن ويعم الفساد. # و ( @QUR@01 شيعا ) جمع شيعة وهم الأتباع والأنصار ، وكل قوم اجتمعوا على ~~أمر فهم شيعة ، وقوله ( @QUR@04 ويذيق بعضكم بأس بعض ) معطوف على ما قبله ، ~~أى : يسلط بعضكم على بعض بالعذاب PageV05P096 # والقتل ، لأن من عواقب ذلك اللبس التقاتل والتصارع. وفي هاتين الجملتين ~~تصوير مؤثر للعذاب الذي يذوقه الناس بحواسهم إذ يجعلهم سبحانه شيعا وأحزابا ~~غير منعزل بعضها عن بعض ، فهي أبدا في جدال وصراع وفي خصومة ونزاع ، وفي ~~بلاء يصبه هذا الفريق على ذاك ، وذلك أشنع ما تصاب به الجماعة فيأكل بعضها بعضا. # ثم تختم الآية بهذا التعبير الحكيم ( @QUR@06 انظر كيف نصرف الآيات لعلهم ~~يفقهون ). # أى : انظر وتدبر أيها الرسول الكريم أو أيها العاقل كيف ننوع الآيات ~~والعبر والعظات بالترغيب تارة وبالترهيب أخرى لعلهم يفقهون الحق ويدركون ~~حقيقة الأمر ، فينصرفوا عن الجحود والمكابرة ، ويكفوا عن كفرهم وعنادهم. # هذا ، وقد ساق ابن كثير عقب تفسير هذه الآية جملة (1) من الأحاديث منها ~~ما رواه الإمام مسلم عن سعد بن أبى وقاص أنه أقبل مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~ذات يوم من العالية ، حتى إذا مر بمسجد بنى معاوية دخل فركع فيه ركعتين ~~وصلينا معه. ودعا ربه طويلا ثم انصرف إلينا فقال : سألت ربي ثلاثا فأعطانى ~~ثنتين ومنعني واحدة. سألت ربي أن لا يهلك أمتى بالسنة فأعطانيها ، وسألته ~~أن لا يهلك أمتى بالغرق فأعطانيها ، وسألت ربي أن لا يجعل بأسهم بينهم ~~فمنعنيها». # بعد هذا التهديد الشديد للمعاندين اتجه القرآن إلى الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فأمره أن يصارح قومه بسوء مصيرهم إذا ما استمروا في ضلالهم فقال : # ( @QUR@05 وكذب به قومك وهو الحق ) أى : وكذب جمهور قومك بهذا العذاب ~~الذي حدثناك عنه فظنوا أن الله لن يعذبهم بسبب إعراضهم عن دعوتك ، أو كذبوا ~~بهذا القرآن الذي هو معجزتك الكبرى. # والتعبير عنهم بقومك تسجيل عليهم بسوء المعاملة لمن هو من أنفسهم وجملة ( ~~@QUR@02 وهو الحق ) مستأنفة لقصد تحقيق ms1954 القدرة على بعث العذاب عليهم ، أو ~~حال من الهاء في به ، أى : كذبوا حال كونه حقا ، وهو أعظم في القبح قل لهم ~~يا محمد ( @QUR@03 لست عليكم بوكيل ) أى : لم يفوض إلى أمركم فأمنعكم من ~~التكذيب وأجبركم على التصديق ، فأنا لست بقيم عليكم وإنما أنا منذر وقد ~~بلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكنكم لا تحبون الناصحين. # ثم ختم هذا التهديد بقوله تعالى ( @QUR@05 لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون ). # قال الراغب : «النبأ : خبر ذو فائدة عظيمة يحصل به علم أو غلبة ظن ولا ~~يقال للخبر نبأ حق يتضمن هذه الأشياء الثلاثة». PageV05P097 # والمستقر : وقت الاستقرار. # أى : لكل خبر عظيم وقت استقرار وحصول لا بد منه ، وسوف تعلمونه في ~~المستقبل عند حلوله بكم متى شاء الله ذلك ، قال تعالى ( @QUR@04 ولتعلمن ~~نبأه بعد حين ). # وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ساقت ألوانا من قدرة الله ، وهددت ~~المعاندين في كل زمان ومكان بسوء المصير. # ثم أمر الله تعالى رسوله وأتباعه بأن يهجروا المجالس التي لا توقر فيه ~~آيات الله وشرائعه ، فقال تعالى : # ( @QUR@08 وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم ). # قال الراغب : الخوض هو الشروع في الماء والورود فيه ، ثم استعير للأخذ في ~~الحديث فقيل : تخاوضوا في الحديث ، أى : أخذوا فيه على غير هدى ، وأكثر ما ~~ورد في القرآن ورد فيما يذم الشروع فيه نحو قوله تعالى ( @QUR@07 ولئن ~~سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب ) (1). # والمعنى : وإذا رأيت أيها النبي الكريم ، أو أيها المؤمن العاقل ، الذين ~~يخوضون في آياتنا بالتكذيب والطعن والاستهزاء فأعرض عنهم. وانصرف عن ~~مجالسهم ، وأرهم من نفسك الاحتقار لتصرفاتهم ، ولا تعد إلى مجالسهم حتى ~~يخوضوا في حديث آخر ، لأن آياتنا المنسوبة إلينا من حقها أن تعظم وأن تحترم ~~لا أن تكون محل تهكم واستهزاء. # قال ابن جريج : كان المشركون يجلسون إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحبون أن ~~يسمعوا منه ، فإذا سمعوا استهزءوا فنزلت هذه الآية فجعل صلى الله عليه وسلم ~~إذا استهزءوا قام فحذروا وقالوا : لا تستهزءوا فيقوم. # وإنما عبر عن انتقالهم إلى حديث آخر ms1955 بالخوض ، لأنهم لا يتحدثون إلا فيما ~~لا جدوى فيه ولا منفعة من ورائه غالبا. # وقوله ( @QUR@010 وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم ~~الظالمين ) أى : وإما ينسينك الشيطان ما أمرت به من ترك مجالسة الخائضين ~~على سبيل الفرض والتقدير فلا تقعد بعد التذكر مع القوم الظالمين لأنفسهم ~~بتكذيب آيات ربهم والاستهزاء بها ، وقد جاء الشرط الأول بإذا لأن خوضهم في ~~الآيات محقق ، وجاء الشرط الثاني بإن لأن إنساء الشيطان له قد يقع وقد لا يقع. # فإن قيل : النسيان فعل الله فلم أضيف إلى الشيطان؟ أجيب بأن السبب من ~~الشيطان وهو الوسوسة والإعراض عن الذكر فأضيف إليه لذلك ، كما أن من ألقى ~~غيره في النار فمات يقال : إنه القاتل وإن كان الإحراق فعل الله. PageV05P098 # هذا وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة أحكاما من أهمها ما يأتى : # 1 وجوب الإعراض عن مجالسة المستهزئين بآيات الله أو برسله ، وأن لا يقعد ~~لأن في القعود إظهار عدم الكراهة ، وذلك لأن التكليف عام لنا ولرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم . # قال القرطبي : من خاض في آيات الله تركت مجالسته وهجرته ، مؤمنا كان أو ~~كافرا ، وقد منع أصحابنا الدخول إلى أرض العدو ودخول كنائسهم وبيعهم ، ~~وكذلك منعوا مجالسة الكفار وأهل البدع. فقد قال بعض أهل البدع لأبى عمران ~~النخعي : اسمع منى كلمة فأعرض عنه وقال : ولا نصف كلمة. # وروى الحاكم عن عائشة رضى الله عنها قالت : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «من وقر صاحب بدعة فقد أعانه على هدم الإسلام» (1). # وقال صاحب المنار : وسبب هذا النهى أن الإقبال على الخائضين والقعود معهم ~~أقل ما فيه أنه إقرار لهم على خوضهم وإغراء لهم بالتمادى فيه وأكبره أنه ~~رضاء به ومشاركة فيه والمشاركة في الكفر والاستهزاء كفر ظاهر لا يقترفه ~~باختياره إلا منافق مراء أو كافر مجاهر قال تعالى ( @QUR@033 وقد نزل عليكم ~~في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم ~~حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم ms1956 إن الله جامع المنافقين والكافرين ~~في جهنم جميعا ) (2). # 2 جواز مجالسة الكفار مع عدم الخوض. لأنه إنما أمرنا بالإعراض في حالة ~~الخوض ، وأيضا فقد قال تعالى ( @QUR@05 حتى يخوضوا في حديث غيره ). # قال بعض العلماء : «وحتى غاية الإعراض ، لأنه إعراض فيه توقيف دعوتهم ~~زمانا أو جبته رعاية المصلحة ، فإذا زال موجب ذلك عادت محاولة هدايتهم ~~وإرشادهم إلى أصلها لأنها تمحضت للمصلحة» (3). # 3 استدل بهذه الآية على أن الناسي غير مكلف ، وأنه إذا ذكر عاد إليه ~~التكليف فيعفى عما ارتكبه حال نسيانه ففي الحديث الشريف «إن الله رفع عن ~~أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». رواه الطبراني عن ثوبان مرفوعا ~~وإسناده صحيح. # 4 قال القرطبي : قال بعضهم إن الخطاب في الآية للنبي صلى الله عليه وسلم ~~والمقصود أمته ، ذهبوا إلى PageV05P099 # ذلك لتبرئته صلى الله عليه وسلم من النسيان. وقال آخرون إن الخطاب له ~~صلى الله عليه وسلم والنسيان جائز عليه فقد قال صلى الله عليه وسلم مخبرا عن نفسه ~~: «إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني» فأضاف النسيان ~~إليه. واختلفوا بعد جواز النسيان عليه هل يكون فيما طريقه البلاغ من ~~الأفعال وأحكام الشرع أولا؟ فذهب إلى الأول فيما ذكره القاضي عياض عامة ~~العلماء والأئمة كما هو ظاهر القرآن والأحاديث ، لكن اشترط الأئمة أن الله ~~تعالى ينبهه على ذلك ولا يقره عليه. ومنعت طائفة من العلماء السهو عليه في ~~الأفعال البلاغية والعبادات الشرعية كما منعوه اتفاقا في الأقوال البلاغية» (1). # قال الآلوسى : «وأنا أرى أن محل الخلاف النسيان الذي لا يكون منشؤه ~~اشتغال السر بالوساوس والخطرات الشيطانية فإن ذلك مما لا يرتاب مؤمن في ~~استحالته على رسول الله صلى الله عليه وسلم » (2). # ثم بين سبحانه أنه لا تبعة على المؤمنين ما داموا قد أعرضوا عن مجلس ~~الخائضين فقال تعالى ( @QUR@012 وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ~~ذكرى لعلهم يتقون ). # أى : وما على الذين يتقون الله شيء من حساب الخائضين على ما ارتكبوا من ~~جرائم وآثام ما داموا قد أعرضوا ms1957 عنهم ، ولكن عليهم أن يعرضوا عنهم ويذكروهم ~~ويمنعوهم عما هم فيه من القبائح بما أمكن من العظة والتذكير لعل أولئك ~~الخائضين يجتنبون ذلك ، ويتقون الله في أقوالهم وأفعالهم. # وعليه يكون الضمير في قوله : ( @QUR@02 لعلهم يتقون ) يعود على الخائضين. # وقيل يجوز أن يكون الضمير في قوله : ( @QUR@02 لعلهم يتقون ) للذين اتقوا ~~أى : عليهم أى يذكروا أولئك الخائضين ، لأن هذا التذكير يجعل المتقين ~~يزدادون إيمانا على إيمانهم ، ويثبتون على تقواهم. # روى البغوي عن ابن عباس قال : لما نزلت : ( @QUR@08 وإذا رأيت الذين ~~يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم ).. إلخ قال المسلمون : كيف نقعد في المسجد ~~الحرام ونطوف بالبيت وهم يخوضون أبدا؟ فأنزل الله تعالى ( @QUR@08 وما على ~~الذين يتقون من حسابهم من شيء ) يعنى إذا قمتم عنهم فما عليكم تبعة ما ~~يقولون ، وما عليكم نصيب من إثم ذلك الخوض. # قال الجمل : قوله (ولكن ذكرى) فيه أربعة أوجه : PageV05P100 # أحدها : أنها منصوبة على المصدر بفعل مضمر وقدره بعضهم أمرا ، أى : ولكن ~~ذكروهم ذكرى ، وبعضهم قدره خبرا. أى : ولكن يذكرونهم ذكرى. # والثاني : أنه مبتدأ خبره محذوف : أى : ولكن عليكم ذكرى ، أى : تذكيرهم. # والثالث : أنه خبر لمبتدأ محذوف أى : هو ذكرى أى : النهى عن مجالستهم ~~والامتناع منها ذكرى. # والرابع : أنه عطف على موضع شيء المجرور بمن أى : ما على المتقين من ~~حسابهم شيء ولكن عليهم ذكرى فيكون من عطف المفردات وأما على الأوجه السابقة ~~فهو من عطف الجمل» (1). # ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن ينطلق في تبليغ دعوته دون أن ~~يشغل نفسه بسفاهة السفهاء ، وأن يذكر المعاندين بسوء مصيرهم فقال تعالى : # ( @QUR@045 وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر ~~به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل ~~لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم ~~بما كانوا يكفرون (70) @QUR@039 قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا ~~يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين ms1958 في الأرض ~~حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا ~~لنسلم لرب العالمين (71) @QUR@03 وأن أقيموا الصلاة PageV05P101 # @QUR@05 واتقوه وهو الذي إليه تحشرون (72) @QUR@024 وهو الذي خلق ~~السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في ~~الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير ) (73) # والمعنى : واترك يا محمد هؤلاء الغافلين الذين اتخذوا دينهم الذي كلفوه ~~ودعوا إليه وهو دين الإسلام لعبا ولهوا حيث سخروا من تعاليمه واستهزءوا بها ~~، وغرتهم الحياة الدنيا حيث اطمأنوا إليها ، واشتغلوا بلذاتها وزعموا أنه ~~لا حياة بعدها. # ولم يقل سبحانه اتخذوا اللعب واللهو دينا لأنهم لم يجعلوا كل ما هو من ~~اللعب واللهو دينا لهم ، وإنما هم عمدوا إلى أن ينتحلوا دينا فجمعوا له ~~أشياء من اللعب واللهو وسموها دينا. # قال الإمام الرازي ما ملخصه : ومعنى ( @QUR@01 ذرهم* ): أعرض عنهم ولا ~~تبال بتكذيبهم واستهزائهم ولا تقم لهم في نظرك وزنا ، وليس المراد أن يترك ~~إنذارهم لأنه قال له بعده ( @QUR@02 وذكر به ) وإنما المراد ترك معاشرتهم ~~وملاطفتهم لا ترك إنذارهم وتخويفهم .. ومعنى اتخاذ دينهم لعبا ولهوا ، أنهم ~~اتخذوا ما هو لعب ولهو من عبادة الأصنام وغيرها دينا لهم ، أو أن الكفار ~~كانوا يحكمون في دين الله بمجرد التشهى والتمني مثل تحريم السوائب والبحائر ~~، ولم يكونوا يحتاطون في أمر الدين ، بل كانوا يكتفون فيه بمجرد التقليد ~~فعبر الله عنهم لذلك بأنهم اتخذوا دينهم لعبا ولهوا. وأنهم اتخذوا عيدهم ~~لعبا ولهوا قال ابن عباس : جعل الله لكل قوم عيدا يعظمونه ويصلون فيه ~~ويعمرونه بذكر الله ، ثم إن المشركين وأهل الكتاب اتخذوا عيدهم لعبا ولهوا ~~أما المسلمين فإنهم اتخذوا عيدهم كما شرعه الله ...» (1). # والضمير في قوله ( @QUR@02 وذكر به ) يعود إلى القرآن : وقد جاء مصرحا به ~~في قوله تعالى ( @QUR@05 فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ). # وقوله ( @QUR@05 أن تبسل نفس بما كسبت ) أى : وذكر بهذا القرآن أو بهذا ~~الدين الناس مخافة أن تسلم نفس إلى الهلاك ، أو تحبس أو ترتهن أو تفتضح ، ~~أو تحرم الثواب بسبب كفرها ms1959 واغترارها بالحياة الدنيا ، واتخاذها الدين لعبا ولهوا. PageV05P102 # ولفظ تبسل مأخوذ من السبل بمعنى المنع بالقهر أو التحريم أو الحبس ومنه ~~أسد باسل لمنعه فريسته من الإفلات. وشراب بسيل أى متروك وهذا الشيء بسيل ~~عليك أى محرم عليك. # ثم بين سبحانه أن هذه النفس المعرضة للحرمان ليس لها ما يدفع عنها السوء ~~فقال : ( @QUR@015 ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا ~~يؤخذ منها ) أى : ليس لهذه النفس من غير الله ناصر ينصرها ولا شفيع يدفع ~~عنها ، ومهما قدمت من فداء فلن يقبل منها ، فالمراد بالعدل هنا الفداء فهو ~~كقوله تعالى ( @QUR@016 إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ~~ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به ). # قال الإمام الرازي : والمقصود من هذه الآية بيان أن وجوه الخلاص على تلك ~~النفس منسدة فلا ولى يتولى دفع ذلك المحذور عنها ، ولا شفيع يشفع فيها ، ~~ولا فدية تقبل منها ليحصل الخلاص بسبب قبولها ، حتى لو جعلت الدنيا بأسرها ~~فدية من عذاب الله لم تنفع. فإذا كانت وجوه الخلاص هي الثلاثة في الدنيا ~~وثبت أنها لا تفيد في الآخرة البتة وظهر أنه ليس هناك إلا الإبسال الذي هو ~~الارتهان والاستسلام فليس لها البتة دافع من عذاب الله ، وإذا تصور المرء ~~كيفية العقاب على هذا الوجه يكاد يرعد إذا أقدم على معاصى الله» (1). # ثم بين سبحانه عاقبة أولئك الغافلين فقال : ( @QUR@014 أولئك الذين ~~أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ). # أى : أولئك الذين أسلموا للهلاك بسبب ما اكتسبوه في الدنيا من أعمال ~~قبيحة لهم شراب من حميم أى من ماء قد بلغ النهاية في الحرارة يتجرجر في ~~بطونهم وتتقطع به أمعاؤهم ، ولهم فوق ذلك عذاب مؤلم بنار تشتعل بأبدانهم ~~بسبب كفرهم ، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. # ثم ساق القرآن صورة منفرة للشرك والمشركين تدعو المؤمنين إلى أن يزدادوا ~~إيمانا على إيمانهم فقال تعالى : ( @QUR@010 قل أندعوا من دون الله ما لا ~~ينفعنا ولا يضرنا ). # قال ابن ms1960 كثير : قال السدى : قال المشركون للمؤمنين اتبعوا سبيلنا واتركوا ~~دين محمد صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل ( @QUR@013 قل أندعوا من دون ~~الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا ) (2). # والمعنى : قل يا محمد أو أيها العاقل لهؤلاء المشركين الذين يحاولون رد ~~المسلمين عن الإسلام ، قل لهم : أنعبد من دون الله مالا يقدر على نفعنا إن ~~دعوناه ولا على ضرنا إن تركناه PageV05P103 # ( @QUR@03 ونرد على أعقابنا ) أى نرجع إلى الشرك الذي كنا فيه ، بعد أن ~~هدانا الله إلى الإسلام وأنقذنا من الكفر والضلال. يقال لمن رد عن حاجته ~~ولم يظفر بها : قد رد على عقبيه. # والاستفهام في الآية الكريمة للإنكار والنفي ، وجيء بنون المتكلم ومعه ~~غيره ، لأن الكلام مع الرسول صلى الله عليه وسلم عن نفسه وعن المسلمين كلهم. # والمراد بما لا ينفع ولا يضر : تلك الأصنام فإنها مشاهد عدم نفعها وعجزها ~~عن الضر ، ولو كانت تستطيع الضر لأضرت بالمسلمين لأنهم خلعوا عبادتها ، ~~وسفهوا أتباعها ، وأعلنوا حقارتها. # وجملة ( @QUR@03 ونرد على أعقابنا ) معطوفة على ( @QUR@01 ندعوا ) و «على» ~~داخلة في حيز الإنكار والنفي. والتعبير عن الشرك بالرد على الأعقاب لزيادة ~~تقبيحه بتصويره ما هو علم في القبح مع ما فيه من الإشارة إلى أن الشرك حالة ~~قد تركت ونبذت وراء الظهر ، ومن المستحيل أن يرجع إليها من ذاق حلاوة ~~الإيمان. # وحرف ( @QUR@01 على ) في قوله ( @QUR@03 ونرد على أعقابنا ) للاستعلاء ، ~~أى رجع على طريق هي جهة عقبه أى مؤخر قدمه كما يقال : رجع وراءه ثم استعمل ~~هذا التعبير في التمثيل للتلبس بحالة ذميمة كان قد فارقها صاحبها ثم عاد ~~إليها وتلبس بها. # وفي الحديث الشريف «اللهم أمض لأصحابى هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم». # ثم ساق القرآن صورة مؤثرة دقيقة للضلالة والحيرة التي تناسب من يشرك بعد ~~التوحيد فقال : ( @QUR@012 كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب ~~يدعونه إلى الهدى ائتنا ). # ( @QUR@02 استهوته الشياطين ) أى استغوته وزينت هواه ودعته إليه ، والعرب ~~تقول : استهوته الشياطين ، لمن اختطف الجن عقله فسيرته كما تريد دون أن ~~يعرف له ms1961 وجهة في الأرض. # والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين : أتريدون منا أن نعود إلى الكفر ~~بعد أن نجانا الله منه فيكون مثلنا كمثل الذي ذهبت به مردة الشياطين فألقته ~~في صحراء مقفرة وتركته تائها ضالا عن الطريق القويم ولا يدرى ماذا يصنع وله ~~أصحاب يدعونه إلى الطريق المستقيم قائلين له : ائتنا لكي تنجو من الهلاك ~~ولكنه لحيرته وضلاله لا يجيبهم ولا يأتيهم. # قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : «إن مثل من يكفر بالله بعد ~~إيمانه كمثل رجل خرج مع قوم على الطريق فضل الطريق فحيرته الشياطين ~~واستهوته في الأرض وأصحابه على الطريق فجعلوا يدعونه إليهم ويقولون : ائتنا ~~فإنا على الطريق فأبى أن يأتيهم ، فذلك مثل من PageV05P104 # يتبعهم بعد المعرفة بمحمد صلى الله عليه وسلم . ومحمد صلى الله عليه وسلم هو ~~الذي يدعو إلى الطريق ، والطريق هو الإسلام» (1). ### ||| ** ثم أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرد على الكفار بما يخرس ألسنتهم فقال : # ( @QUR@010 قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين ) أى : قل ~~يا محمد لهؤلاء المشركين إن هدى الله الذي أرسلت به رسله هو الهدى وحده وما ~~وراءه ضلال وخذلان ، وأمرنا لنسلم وجوهنا لله رب العالمين. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : فما محل الكاف في قوله «كالذي استهوته» قلت ~~: النصب على الحال من الضمير في ( @QUR@03 نرد على أعقابنا ) أى : أننكص ~~مشبهين من استهوته الشياطين؟ فإن قلت ما معنى ( @QUR@01 استهوته )؟ قلت هو ~~استفعال من هوى في الأرض أى ذهب فيها ، كأن معناه : طلبت هويه وحرصت عليه ، ~~فإن قلت : فما محل أمرنا؟ قلت : النصب عطفا على محل قوله : ( @QUR@05 إن ~~هدى الله هو الهدى ) على أنهما مقولان كأنه قيل : قل هذا القول وقل أمرنا ~~لنسلم (2). # وقوله ( @QUR@04 وأن أقيموا الصلاة واتقوه ) معطوف على محل ( @QUR@01 ~~لنسلم ) كأنه قيل أمرنا لنسلم وأمرنا أيضا بإقامة الصلاة والاتقاء. # وفي تخصيص الصلاة بالذكر من بين أنواع الشرائع وعطفها على الأمر بالإسلام ~~، وقرنها بالأمر بالتقوى دليل على تفخيم أمرها وعظمة شأنها. # وقوله ( @QUR@04 وهو الذي إليه ms1962 تحشرون ) جملة مستأنفة موجبة لامتثال ما ~~أمر من الأمور الثلاثة ، أى : هو الذي تعودون إليه يوم القيامة للحساب لا ~~إلى غيره. # وقوله ( @QUR@06 وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ) معطوف على قوله ( ~~@QUR@04 وهو الذي إليه تحشرون ). # قال الآلوسى : «ولعله أريد بخلقهما خلق ما فيهما أيضا وعدم التصريح بذلك ~~لظهور اشتمالهما على جميع العلويات والسفليات. # وقوله «بالحق» متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل «خلق» أى : قائما بالحق ، ~~وجوز أن يكون صفة لمصدر الفعل المؤكد أى : خلقا متلبسا بالحق». PageV05P105 # والحق في الأصل مصدر حق إذا ثبت ، ثم صار اسما للأمر الثابت الذي لا ينكر ~~، وهو ضد الباطل. # وقوله ( @QUR@06 ويوم يقول كن فيكون قوله الحق ) أى : وقضاؤه المعروف ~~بالحقيقة كائن ، حين يقول سبحانه لشيء من الأشياء «كن فيكون» ذلك الشيء ويحدث. # و ( @QUR@01 يوم ) خبر مقدم ، و ( @QUR@01 قوله ) مبتدأ مؤخر ، و ( ~~@QUR@01 الحق ) صفته. # والجملة الكريمة بيان لقدرته تعالى على حشر المخلوقات بكون مراده لا ~~يتخلف عن أمره ، وإن قوله هو النافذ وأمره هو الواقع قال تعالى ( @QUR@010 ~~إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ). # وفي قوله ( @QUR@02 قوله الحق ) صيغة قصر للمبالغة أى : هو الحق الكامل ، ~~لأن أقوال غيره وإن كان فيها كثير من الحق فهي معرضة للخطأ وما كان فيها ~~غير معرض للخطأ فهو من وحى الله أو من نعمته بالعقل والإصابة للحق. # وقوله ( @QUR@06 وله الملك يوم ينفخ في الصور ) أى : أن الملك لله تعالى ~~وحده في ذلك اليوم فلا ملك لأحد سواه. # قال أبو السعود : «وتقييد اختصاص الملك له تعالى بذلك اليوم مع عموم ~~الاختصاص لجميع الأوقات لغاية ظهور ذلك بانقطاع العلائق المجازية الكائنة ~~في الدنيا المصححة للملكية المجازية في الجملة ، فهو كقوله تعالى ( @QUR@06 ~~لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ) وقوله : ( @QUR@04 الملك يومئذ الحق ~~للرحمن ). # المراد «بالصور» القرن الذي ينفخ فيه الملك نفخة الصعق والموت ، ونفخة ~~البعث والنشور والله أعلم بحقيقته. # وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو قال : إن أعرابيا سأل النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن الصور فقال : «قرن ms1963 ينفخ فيه» رواه أبو داود والترمذي ~~والحاكم عنه أيضا. # وقيل المراد بالصور هنا جمع صورة والمراد بها الأبدان أى : يوم ينفخ في ~~صور الموجودات فتعود إلى الحياة. # ثم ختمت الآية بما يدل على سعة علم الله تعالى وعظم إتقانه في صنعه فقال ~~تعالى : ( @QUR@06 عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير ). # الغيب. ما غاب عن الناس فلم يدركوه. الشهادة : ضد الغيب وهي الأمور التي ~~يشاهدها الناس ويتوصلون إلى علمها. PageV05P106 # وصفة ( @QUR@01 الحكيم ) تجمع إتقان الصنع فدل على عظم القدرة مع تعلق ~~العلم بالمصنوعات. # وصفة ( @QUR@01 الخبير ) تجمع العلم بالمعلومات ظاهرها وخفيها. # أى : فهو سبحانه وحده العالم بأحوال جميع الموجودات ما غاب منها وما هو ~~مشاهد ، وهو ذو الحكمة في جميع أفعاله والعالم بالأمور الجلية والخفية. # وبعد أن ساق القرآن ألوانا من الأدلة على وحدانية الله وسعة علمه وقدرته ~~أخذ في التدليل على بطلان الشرك وإثبات التوحيد عن طريق القصة ، فحكى لنا ~~جانبا مما قاله إبراهيم لأبيه وقومه فقال تعالى : # ( @QUR@014 وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك ~~في ضلال مبين (74) @QUR@09 وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون ~~من الموقنين (75) @QUR@015 فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما ~~أفل قال لا أحب الآفلين (76) @QUR@018 فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي ~~فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين (77) @QUR@018 فلما ~~رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما ~~تشركون ) (78) @QUR@012 إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما ~~أنا من المشركين ) (79) # والمعنى : واذكر يا محمد وذكر قومك ليعتبروا ويتعظوا وقت أن قال إبراهيم ~~لأبيه آزر منكرا عليه عبادة الأصنام ( @QUR@03 أتتخذ أصناما آلهة ) تعبدها ~~من دون الله الذي خلقك فسواك فعدلك ( @QUR@03 إني أراك وقومك ) الذين ~~يتبعونك في عبادتها في ضلال مبين ، أى في انحراف ظاهر بين عن الطريق ~~المستقيم. PageV05P107 # قال الآلوسى : (وآزر بزنة آدم علم أعجمى لأبى إبراهيم عليه السلام وكان من ~~قرية من سواد الكوفة ، وهو بدل من إبراهيم أو ms1964 عطف بيان عليه ، وقيل : إنه ~~لقب لأبى إبراهيم واسمه الحقيقي تارح وأن آزر لقبه ، وقيل هو اسم جده ومنهم ~~من قال اسم عمه ، والعم والجد يسميان أبا مجازا) (1). # والاستفهام في قوله ( @QUR@03 أتتخذ أصناما آلهة ) للإنكار. والتعبير ~~بقوله ( @QUR@01 أتتخذ ) الذي هو افتعال من الأخذ ، فيه إشارة بأن عبادته ~~هو وقومه لها شيء مصطنع ، والأصنام ليست أهلا للألوهية ، وفي ذلك ما فيه من ~~التعريض بسخافة عقولهم ، وسوء تفكيرهم. # والرؤية يجوز أن تكون بصرية قصد منها في كلام إبراهيم أن ضلال أبيه وقومه ~~صار كالشىء المشاهد لوضوحه ، وعليه فقوله ( @QUR@03 في ضلال مبين ) في موضع ~~المفعول. # ويجوز أن تكون الرؤية علمية وعليه فقوله ( @QUR@03 في ضلال مبين ) في ~~موضع المفعول الثاني. # ووصف الضلال بأنه مبين يدل على شدة فساد عقولهم حيث لم يتفطنوا لضلالهم ~~مع أنه كالمشاهد المرئي. # قال الشيخ القاسمى : قال بعض مفسري الزيدية : ثمرة الآية الدلالة على ~~وجوب النصيحة في الدين لا سيما للأقارب ، فإن من كان أقرب فهو أهم ، ولهذا ~~قال تعالى ( @QUR@03 وأنذر عشيرتك الأقربين ) وقال تعالى : ( @QUR@04 قوا ~~أنفسكم وأهليكم نارا ) وقال صلى الله عليه وسلم «أبدأ بنفسك ثم بمن تعول» ~~ولهذا بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بعلى وخديجة وزيد وكانوا معه في الدار ~~فآمنوا وسبقوا ، ثم بسائر قريش ، ثم بالعرب ، ثم بالموالي ، وبدأ إبراهيم ~~بأبيه ثم بقومه ، وتدل هذه الآية أيضا على أن النصيحة في الدين ، والذم ~~والتوبيخ لأجله ليس من العقوق ، وقد ثبت في الصحيح عن أبى هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة «وعلى وجه آزر ~~قترة وغبرة» فيقول له إبراهيم : ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول أبوه : فاليوم ~~لا أعصيك. فيقول إبراهيم : يا رب إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون ، فأى ~~خزي أخزى من أبى الأبعد؟ فيقول الله تعالى «إنى حرمت الجنة على الكافرين». # ثم قال الشيخ القاسمى : والآية حجة على الشيعة في زعمهم أنه لم يكن أحد ~~من آباء الأنبياء كافرا ، وأن آزر عم إبراهيم لا أبوه ، وذلك ms1965 لأن الأصل في ~~الإطلاق الحقيقة ومثله لا يجزم به من غير نقل» (2). PageV05P108 # ثم بين سبحانه بعض مظاهر نعمه على خليله إبراهيم فقال تعالى ( @QUR@09 ~~وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ). # أى : وكما أرينا إبراهيم الحق في خلاف ما عليه أبوه وقومه من الشرك ، ~~نريه أيضا مظاهر ربوبيتنا ، ومالكيتنا للسموات والأرض ، ونطلعه على ~~حقائقها. ليزداد إيمانا على إيمانه وليكون من العالمين علما كاملا لا يقبل ~~الشك بأنه على الحق وأن مخالفيه على الباطل. # والرؤية هنا المقصود بها الانكشاف والمعرفة. فتشمل المبصرات والمعقولات ~~التي يستدل بها على الحق. # وإنما قال ( @QUR@02 نري إبراهيم ) بصيغة المضارع ، مع أن الظاهر أن يقول ~~«أريناه» لاستحضار صورة الحال الماضية التي كانت تتجدد وتتكرر بتجدد رؤية ~~آياته تعالى في ذلك الملكوت العظيم. # والملكوت : مصدر كالرغبوت والرحموت والجبروت ، وزيدت فيه الواو والتاء ~~للمبالغة في الصفة ، والمراد به الملك العظيم وهو مختص بملكه تعالى كما قال ~~الراغب في مفرداته. # ثم بين سبحانه ثمار تلك الإراءة التي أكرم بها نبيه إبراهيم فقال : ( ~~@QUR@09 فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي ). # ( @QUR@03 جن عليه الليل ): أى ستره بظلامه وتغشاه بظلمته ، وأصل الجن : ~~الستر عن الحاسة. # يقال : جنه الليل وجن عليه يجن جنا وجنونا ، ومنه الجن والجنة بالكسر ~~والجنة بالفتح وهي البستان الذي يستر بأشجاره الأرض. # والمعنى : فلما ستر الليل بظلامه إبراهيم رأى كوكبا قال هذا ربي ، قال ~~ذلك على سبيل الفرض وإرخاء العنان ، مجاراة مع عباد الأصنام والكواكب ليكر ~~عليه بالإبطال ، ويثبت أن الرب لا يجوز عليه التغيير والانتقال. # قال صاحب الكشاف : «كان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر ~~والكواكب فأراد أن ينبههم على الخطأ في دينهم ، وأن يرشدهم إلى طريق النظر ~~والاستدلال. ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤد إلى أن شيئا منها لا يصح أن يكون ~~إلها. لقيام دليل الحدوث فيها ، وأن وراءها محدثا أحدثها ، وصانعا صنعها ، ~~ومدبرا دبر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها. وقول إبراهيم ~~( @QUR@02 هذا ربي ) قول من ينصف خصمه مع علمه بأنه مبطل ، فيحكى قوله كما ms1966 ~~روى غير متعصب لمذهبه ، لأن ذلك أدعى إلى الحق وأنجى من الشغب ، ثم يكر ~~عليه بعد حكايته فيبطله بالحجة (1). PageV05P109 # وجملة ( @QUR@03 قال هذا ربي ) مستأنفة استئنافا بيانيا جوابا لسؤال ينشأ ~~عن مضمون جملة «رأى كوكبا» وهو أن يسأل سائل : فماذا كان منه عند ما رآه ، ~~فيكون قوله : ( @QUR@03 قال هذا ربي ) جوابا لذلك. # وقوله ( @QUR@02 فلما أفل ) أى : غاب وغرب : يقال أفل الشيء يأفل أفلا ~~وأفولا أى : غاب. # وقوله ( @QUR@04 قال لا أحب الآفلين ) أى : لا أحب عبادة الأرباب ~~المنتقلين من مكان إلى مكان ومن حال إلى حال ، لأن الأفول غياب وابتعاد ، ~~وشأن الإله الحق أن يكون دائم المراقبة لتدبير أمر عباده. # وجاء بالآفلين بصيغة جمع المذكر المختص بالعقلاء بناء على اعتقاد قومه أن ~~الكواكب عاقلة متصرفة في الأكوان. # ثم بين سبحانه حالة ثانية من الحالات التي برهن بها إبراهيم على وحدانية ~~الله فقال تعالى : ( @QUR@07 فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي ) أى : فلما ~~رأى إبراهيم القمر مبتدئا في الطلوع ، منتشرا ضوؤه من وراء الأفق قال هذا ربي. # وبازغا : مأخوذ من البزوع وهو الطلوع والظهور. يقال : بزغ الناب بزوغا ~~إذا طلع. # ( @QUR@011 فلما أفل قال : لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ). # أى : فلما أفل القمر كما أفل الكوكب من قبله قال مسمعا من حوله من قومه : ~~لئن لم يهدني ربي إلى جناب الحق وإلى الطريق القويم الذي يرتضيه لأكونن من ~~القوم الضالين عن الصراط المستقيم ، لأن هذا القمر الذي يعتوره الأفول أيضا ~~لا يصلح أن يكون إلها. # وفي قول إبراهيم لقومه هذا القول تنبيه لهم لمعرفة الرب الحق وأنه واحد ~~وأن الكواكب والقمر كليهما لا يستحقان الألوهية. وفي هذا تهيئة لنفوس قومه ~~لما عزم عليه من التصريح بأن له ربا غير الكواكب. ثم عرض بقومه بأنهم ضالون ~~، لأن قوله «لأكونن من القوم الضالين» يدخل على نفوسهم الشك في معتقدهم أنه ~~لون من الضلال. # وإنما استدل على بطلان كون القمر إلها بعد أفوله ، ولم يستدل على بطلان ~~ذلك بمجرد ظهوره مع أن أفوله محقق ms1967 ، لأنه أراد أن يقيم استدلاله على ~~المشاهدة لأنها أقوى وأقطع لحجة الخصم. # ثم حكى القرآن الحالة الثالثة والأخيرة التي استدل بها إبراهيم على بطلان ~~الشرك فقال تعالى ( @QUR@09 فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر ) ~~أى : فلما رأى إبراهيم الشمس مبتدئة في الطلوع وقد عم نورها الآفاق ، قال ~~مشيرا إليها ( @QUR@04 هذا ربي هذا أكبر ) أى : أكبر الكواكب جرما وأعظمها ~~قوة ، فهو أولى بالألوهية ان كان المدار فيها على التفاضل والخصوصية. PageV05P110 # فقوله ( @QUR@02 هذا أكبر ) تأكيد لما رامه من إظهار النصفة للقوم ، ~~ومبالغة في تلك المجاراة الظاهرة لهم ، وتمهيد قوى لإقامة الحجة البالغة ~~عليهم ، واستدراج لهم إلى ما يريد أن يلقيه على مسامعهم بعد ذلك. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما وجه التذكير في قوله ( @QUR@02 هذا ربي ) ~~والإشارة للشمس؟ قلت : جعل المبتدأ مثل الخبر لكونهما عبارة عن شيء واحد ، ~~كقولهم : ما جاءت حاجتك ومن كانت أمك ، وكان اختيار هذه الطريقة واجبا ~~لصيانة الرب عن شبهة التأنيث ألا تراهم قالوا في صفة الله علام ولم يقولوا ~~علامة وإن كان العلامة أبلغ احترازا من علامة التأنيث (1). # وقوله ( @QUR@02 فلما أفلت ) قال : ( @QUR@06 يا قوم إني بريء مما تشركون ~~) أى فلما غابت الشمس واحتجب ضوؤها ، جاهر إبراهيم قومه بالنتيجة التي يريد ~~الوصول إليها فقال : يا قوم إنى برىء من عبادة الأجرام المتغيرة التي ~~يغشاها الأفول ، وبرىء من إشراككم مع الله آلهة أخرى. # قال الآلوسى : وإنما احتج عليه السلام بالأفول دون البزوغ مع أنه انتقال ، ~~لأن الأفول متعدد الدلالة أيضا إذ هو انتقال مع احتجاب ولا كذلك البزوغ ، ~~ولأن دلالة الأفول على المقصود ظاهرة يعرفها كل أحد ، فإن الآفل يزول ~~سلطانه وقت الأفول (2). # هذا والمتأمل في هذه الحالات الثلاث يرى أن إبراهيم عليه السلام قد سلك مع ~~قومه أحكم الطرق في الاستدلال على وحدانية الله ، فقد ترقى معهم وهو يأخذ ~~بيدهم إلى النتيجة التي يريدها بأسلوب يقنع العقول السليمة ، ورحم الله ~~صاحب الانتصاف فقد بين ذلك بقوله : «والتعريض بضلالهم ثانيا أى في قوله ( ~~@QUR@08 لئن لم يهدني ربي ms1968 لأكونن من القوم الضالين ) أصرح وأقوى من قوله ~~أولا ( @QUR@03 لا أحب الآفلين ) وإنما ترقى إلى ذلك ، لأن الخصوم قد أقام ~~عليهم بالاستدلال الأول حجة ، فأنسوا بالقدح في معتقدهم ، ولو قيل هذا في ~~الأول فلعلهم كانوا ينفرون ولا يصغون إلى الاستدلال ، فما عرض صلوات الله ~~عليه بأنهم في ضلالة إلا بعد أن وثق بإصغائهم إلى تمام المقصود واستماعهم ~~إلى آخره. والدليل على ذلك أنه ترقى في النوبة الثالثة إلى التصريح ~~بالبراءة منهم والتقريع بأنهم على شرك حين تم قيام الحجة ، وتبلج الحق ، ~~وبلغ من الظهور غاية المقصود (3). # ثم ختم إبراهيم هذا الترقي في الاستدلال على وحدانية الله بقوله كما حكى القرآن PageV05P111 # عنه : ( @QUR@08 إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا ) أى : ~~إنى صرفت وجهى وقلبي في المحبة والعبادة لله الذي أوجد وأنشأ السموات ~~والأرض على غير مثال سابق. # ومعنى ( @QUR@01 حنيفا ) مائلا عن الأديان الباطلة والعقائد الزائفة كلها ~~إلى الدين الحق ، وهو أى حنيفا حال من ضمير المتكلم في ( @QUR@01 وجهت ). # وقوله ( @QUR@04 وما أنا من المشركين ) أى : وما أنا من الذين يشركون مع ~~الله آلهة أخرى لا في أقوالهم ولا في أفعالهم. وقد أفادت هذه الجملة ~~التأكيد لجملة ( @QUR@03 إني وجهت وجهي ).. إلخ. # وبذلك يكون إبراهيم عليه السلام قد أقام الأدلة الحكيمة والبراهين الساطعة ~~على وحدانية الله تعالى وسفه المعبودات الباطلة وعابديها. # ثم بين سبحانه بعض ما دار بين إبراهيم وبين قومه من مجادلات ومخاصمات فقال : # ( @QUR@025 وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون ~~به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون (80) @QUR@022 ~~وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم ~~سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون (81) @QUR@011 الذين آمنوا ~~ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) (82) # المحاجة : المجادلة والمغالبة في إقامة الحجة ، والحجة الدلالة المبينة ~~للمحجة أى : المقصد المستقيم كما قال الراغب وتطلق الحجة على كل ما يدلى به ~~أحد الخصمين في إثبات دعواه أو رد ms1969 دعوى خصمه. # فمعنى ( @QUR@02 وحاجه قومه ) أى : جادلوه وخاصموه أو شرعوا في مغالبته ~~في أمر التوحيد تارة PageV05P112 # بإيراد أدلة فاسدة واقعة في حضيض التقليد ، وأخرى بالتهديد والتخويف ، ~~فقد حكى القرآن أنهم قالوا له عند ما نهاهم عن عبادة الأصنام ( @QUR@04 ~~وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ). # وقد رد عليهم إبراهيم ردا قويا جريئا فقال لهم : ( @QUR@05 أتحاجوني في ~~الله وقد هدان ) أى أتجادلونني في شأنه تعالى وفي أدلة وحدانيته ، والحال ~~أنه سبحانه قد هداني إلى الدين الحق وإلى إقامة الدليل عليكم بأنه هو ~~المستحق للعبادة. # والاستفهام للإنكار والتوبيخ وتيئيسهم من رجوعه إلى معتقداتهم. # وجملة ( @QUR@02 وقد هدان ) حال مؤكدة للإنكار أى لا جدوى من محاجتكم ~~إياى بعد أن هداني الله إلى الطريق المستقيم ، وجعلني من المبغضين للأصنام ~~المحتقرين لها. # ثم صارحهم بأنه لا يخشى أصنامهم ولا يقيم لها وزنا فقال : ( @QUR@05 ولا ~~أخاف ما تشركون به ) أى لا أخاف معبوداتكم لأنها جمادات لا تضر ولا تنفع ، ~~ولا تبصر ولا تسمع ، ولا تقرب ولا تشفع. ويبدو أن قومه كانوا قد خوفوه بطش ~~أصنامهم وقالوا له كما قالت قبيلة عاد لنبيها هود ( @QUR@07 إن نقول إلا ~~اعتراك بعض آلهتنا بسوء ) فرد عليهم إبراهيم هذا الرد القوى الصريح. # وقوله ( @QUR@05 إلا أن يشاء ربي شيئا ) استثناء مما قبله أى : لا أخاف ~~معبوداتكم في جميع الأوقات إلا وقت مشيئة ربي شيئا من المكروه يصيبني من ~~جهتها بأن يسقط على صنم يشجنى ، فإن ذلك يقع بقدرة ربي ومشيئة لا بقدرة ~~أصنامكم أو مشيئتها ، وعلى هذا التفسير الذي ذهب إليه صاحب الكشاف يكون ~~الاستثناء متصلا. # ويرى ابن عطية وغيره أن الاستثناء منقطع على معنى : لا أخاف معبوداتكم ~~ولكن أخاف أن يشاء ربي خوفي مما أشركتم به. # وهذه الجملة الكريمة تدل على سمو أدب إبراهيم عليه السلام مع ربه ، وعلى ~~نهاية استسلامه لمشيئته ، فمع أنه مؤمن بخالقه كل الإيمان وكافر بتلك ~~الآلهة كل الكفران ، إلا أنه ترك الأمر كله لمشيئة الله ، وعلق مستقبله على ~~ما يريد الله فيه. # وقوله ( @QUR@05 وسع ربي كل شيء علما ) أى : أن ms1970 علم ربي وسع كل شيء وأحاط ~~به ، فلا يبعد أن يكون في علمه إنزال ما يخفيني من جهة تلك المعبودات ~~الباطلة لسبب من الأسباب. # وهذه الجملة الكريمة مستأنفة استئنافا بيانيا فكأن قومه قد قالوا : كيف ~~يشاء ربك شيئا تخافه فكان جوابه عليهم : ( @QUR@05 وسع ربي كل شيء علما ) ~~فأنا وإن كنت عبده وناصره إلا أنه أعلم بإلحاق الضر أو النفع بمن يشاء من عباده. # و ( @QUR@01 علما ) منصوب على التمييز المحول عن الفاعل ، إذ الأصل في ~~هذا التعبير «أن يقال : PageV05P113 # وسع علم ربي كل شيء ، ولكن عدل به عن هذا النسق ، وأسند الفعل فيه إلى ~~الله لا إلى علمه ، وجعل لفظ العلم تمييزا لا فاعلا ليكون الوسع والإحاطة ~~والشمول لله ، فيخلع التعبير ظلا أشمل وأفخم وأعمق وقعا في النفس. # وقوله ( @QUR@02 أفلا تتذكرون ) أى تعرضون أيها الغافلون عن التأمل ~~والتذكير بعد أن أوضحت لكم بما لا يقبل مجالا للشك أن الله وحده هو المستحق ~~للعبادة وأن هذه المعبودات التي سواه لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا. # فالاستفهام للإنكار والتوبيخ لعدم تذكرهم مع وضوح الدلائل. # وفي إيراد التذكر دون التفكر ونحوه إشارة إلى أن أمر آلهتهم مركوز في ~~العقول ولا يتوقف إلا على التذكير. # ثم حكى القرآن عن إبراهيم عليه السلام أنه بعد أن صارح قومه بأنه لا يخشى ~~آلهتهم ، أخذ في التهكم بهم والتعجب من شأنهم لأنهم يخوفونه مما لا يخيف ~~فقال : ( @QUR@015 وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ~~ينزل به عليكم سلطانا ). # أى : كيف ساغ لكم أن تظنوا أنى أخاف معبوداتكم الباطلة وهي مأمونة الخوف ~~لأنها لا تضر ولا تنفع ، وأنتم لا تخافون إشراككم بالله خالقكم دون أن يكون ~~معكم على هذا الإشراك حجة أو برهان من العقل أو النقل. # فالاستفهام للإنكار التعجبي من إنكارهم عليه الأمن في موضع الأمن ، وعدم ~~إنكارهم على أنفسهم الأمن في موضع أعظم المخوفات وأهوالها وهو إشراكهم بالله. # قال بعض العلماء : وجملة ( @QUR@02 وكيف أخاف ).. إلخ. معطوفة على جملة ~~( @QUR@05 ولا أخاف ما تشركون به ms1971 ) ليبين لهم أن عدم خوفه من آلهتهم أقل ~~عجبا من عدم خوفهم من الله ، وهذا يؤذن بأن قومه كانوا يعرفون الله وأنهم ~~أشركوا معه في الإلهية غيره فلذلك احتج عليهم بأنهم أشركوا بربهم المعترف ~~به دون أن ينزل عليهم سلطانا بذلك (1). # وقال الآلوسى : وقوله ( @QUR@04 وكيف أخاف ما أشركتم ) استئناف كما قال ~~شيخ الإسلام مسوق لنفى الخوف عنه عليه السلام بحسب زعم الكفر بالطريق ~~الإلزامى بعد نفيه عنه بحسب الواقع ونفس الأمر ، وفي توجيه الإنكار إلى ~~كيفية الخوف من المبالغة ما ليس في توجيهه إلى نفسه بأن يقال : أأخاف لما ~~أن كل موجود لا يخلو عن كيفية ، فإذا انتفت جميع كيفياته فقد انتفى من جميع ~~الجهات بالطريق البرهاني» (2). PageV05P114 # وما في قوله ( @QUR@02 ما أشركتم ) موصولة والعائد محذوف أى : ما أشرككم ~~به ، ثم ركب عليه السلام على هذا الإنكار التعجبي ما هو نتيجة له فقال : ( ~~@QUR@07 فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ). # أى : فأى الفريقين فريق الموحدين أم فريق المشركين أحق وأولى بالأمن من ~~لحوق الضرر به ، إن كنتم تعلمون ذلك فأخبرونى به وأظهروه بالدلائل والحجج. ~~فجواب الشرط محذوف تقديره أخبرونى بذلك. # وهذا لون من إلجائهم إلى الاعتراف بالحق إن كانوا ممن يعقل أو يسمع ، وحث ~~لهم على الإجابة. # قال صاحب المنار : «ونكتة عدوله عن قوله «فأينا أحق بالأمن» إلى قوله ~~«فأى الفريقين» هي بيان أن هذه المقابلة عامة لكل موحد ومشرك من حيث إن أحد ~~الفريقين موحد والآخر مشرك ، لا خاصة به وبهم ، فهي متضمنة لعلة الأمن. ~~وقيل إن نكتته الاحتراز عن تزكية النفس ، واسم التفضيل على غير بابه ، ~~فالمراد أينا حقيق بالأمن ، ولكنه عبر باسم التفضيل ناطقا في استنزالهم عن ~~منتهى الباطل وهو ادعاؤهم أنهم هم الحقيقون بالأمن وأنه الحقيق بالخوف إلى ~~الوسط النظري بين الأمرين ؛ وهو أى الفريقين أحق ، واحترازا عن تنفيرهم من ~~الإصغاء إلى قوله كله» (1). # ثم بين سبحانه من هو الفريق الأحق بالأمن فقال تعالى : # ( @QUR@011 الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم ~~مهتدون ) أى : الذين ms1972 آمنوا ولم يخلطوا إيمانهم بأى لون من ألوان الشرك كما ~~يفعله فريق المشركين حيث إنهم عبدوا الأصنام وزعموا أنهم ما عبدوها إلا ~~ليتقربوا بها إلى الله زلفى ، أولئك المؤمنون الصادقون لهم الأمن دون غيرهم ~~لأنهم مهتدون إلى الحق وغيرهم في ضلال مبين. # هذا وقد وردت أحاديث صحيحة فسرت الظلم في هذه الآية بالشرك ، ومن ذلك ما ~~رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال : لما نزلت ( @QUR@06 الذين ~~آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) قال الصحابة : وأينا لم يظلم نفسه؟ فنزلت ~~( @QUR@04 إن الشرك لظلم عظيم )، وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود قال : لما ~~نزلت هذه الآية ( @QUR@06 الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) شق ذلك ~~على الناس فقالوا يا رسول الله : فأينا لا يظلم نفسه؟ قال : «إنه ليس الذي ~~تعنون. ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح ( @QUR@04 إن الشرك لظلم عظيم ) ~~إنما هو الشرك». PageV05P115 # قال الإمام الرازي : والدليل على أن هذا هو المراد أن هذه القصة من أولها ~~إلى آخرها إنما وردت في نفى الشركاء والأضداد والأنداد ، وليس فيها ذكر ~~الطاعات والعبادات فوجب حمل الظلم ها هنا على ذلك» (1). # وقد فسر الزمخشري في كشافه الظلم بالمعصية فقال : ( @QUR@06 الذين آمنوا ~~ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) أى لم يخلطوا إيمانهم بمعصية تفسقهم ، وأبى ~~تفسير الظلم بالكفر لفظ اللبس (2). أى : لأن لبس الإيمان بالشرك أى خلطه ~~به مما لا يتصور لأنهما ضدان لا يجتمعان في رأى الزمخشري. # قال الشيخ القاسمى : وفهم الزمخشري هذا مدفوع بأنه يلابسه ، لأنه إن أريد ~~بالإيمان مطلق التصديق سواء كان باللسان أو غيره فظاهر أنه يجامع الشرك ~~كالمنافق. وكذا إن أريد تصديق القلب لجواز أن يصدق بوجود الصانع دون ~~وحدانيته لما في قوله تعالى : ( @QUR@07 وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم ~~مشركون ). # ولو أريد التصديق بجميع ما يجب التصديق به بحيث يخرج عن الكفر ، فلا يلزم ~~من لبس الإيمان بالكفر الجمع بينهما ، بحيث يصدق عليه أنه مؤمن ومشرك ، بل ~~تغطيته بالكفر وجعله مغلوبا مضمحلا ، أو اتصافه بالإيمان ثم الكفر ، ثم ~~الإيمان ثم الكفر مرارا» ms1973 (3). # وقال صاحب الانتصاف : «وإنما يروم الزمخشري بذلك تنزيل الآية على معتقده ~~في وجوب وعيد العصاة وأنهم لا حظ لهم في الأمن كالكفار. ويجعل هذه الآية ~~تقتضي تخصيص الأمن بالجامعين بين الأمرين : الإيمان والبراءة من المعاصي. ~~ونحن نسلم ذلك ولا يلزم أن يكون الخوف اللاحق للعصاة هو الخوف اللاحق ~~للكفار ، لأن العصاة من المؤمنين إنما يخافون العذاب المؤقت وهم آمنون من ~~الخلود ، وأما الكفار فغير آمنين بوجه ما» (4). # والذي نراه أنه مادام قد ورد عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الصحيح أنه قد فسر الظلم في الآية بالشرك فيجب أن نسلم به وأن نعض ~~عليه بالنواجذ ، واجتهاد الزمخشري هنا لتأييد مذهبه مجانب للصواب ، لأنه لا ~~اجتهاد مع النص. لا سيما وأن حديث عبد الله بن مسعود المتقدم قد خرجه ~~الشيخان وغيرهما من أعلام السنة. # ثم بين سبحانه مظاهر فضله على نبيه إبراهيم فقال تعالى : PageV05P116 # ( @QUR@014 وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ~~ربك حكيم عليم (83) @QUR@021 ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا ~~من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي ~~المحسنين (84) @QUR@07 وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين (85) ~~@QUR@08 وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين (86) @QUR@09 ~~ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم (87) ~~@QUR@016 ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما ~~كانوا يعملون (88) @QUR@017 أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن ~~يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين (89) @QUR@016 أولئك ~~الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسئلكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى ~~للعالمين ) (90) # قال الإمام الرازي : اعلم أنه تعالى لما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه ~~أظهر حجة الله في التوحيد ونصرها ، وذب عنها ، عدد وجوه نعمه وإحسانه عليه. # فأولها : قوله ( @QUR@04 وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم ) والمراد إنا نحن ~~آتيناه تلك الحجة وهديناه إليها ، وأوقفنا عقله على حقيقتها. PageV05P117 # وثانيها : أنه تعالى خصه بالرفعة والاتصال إلى الدرجات العالية وهي قوله ~~( @QUR@04 نرفع ms1974 درجات من نشاء ). # وثالثها : أنه جعله عزيزا في الدنيا وذلك لأنه تعالى جعل أشرف الناس وهم ~~الأنبياء والرسل من نسله وذريته وأبقى هذه الكرامة في نسله إلى يوم القيامة ~~، لأن من أعظم أنواع السرور علم المرء بأنه يكون من عقبه الأنبياء والملوك (1). # والإشارة في قوله تعالى ( @QUR@02 وتلك حجتنا ) إلى جميع ما تكلم به ~~إبراهيم في مجادلة قومه في شأن وحدانية الله وبطلان الشرك. # وأضاف سبحانه الحجة إليه مع ذكر اللفظ الدال على العظمة وهو «نا» تنويها ~~بشأنها وتفخيما لأمرها ، والمراد بالحجة جنسها لا فرد من أفرادها. # أى : وتلك الحجة التي لا يمكن نقضها أو مغالبتها في إثبات الحق وتزييف ~~الباطل أعطيناها إبراهيم ليكون مستعليا بها على قومه ، قاطعا لألسنتهم عن ~~المجادلة والمخاصمة. # وجملة ( @QUR@01 آتيناها ) في محل نصب على الحال والعامل فيها معنى ~~الإشارة. # وقوله ( @QUR@02 على قومه ) متعلق «بحجتنا» إن جعل خبرا لتلك ، وبمحذوف ~~إن جعل بدله. أى : آتيناها حجة ودليلا على قومه الكثيرين لتكون الغلبة عليهم. # وقوله ( @QUR@04 نرفع درجات من نشاء ) أى نرفع من شئنا من عبادنا درجات ~~عالية من العلم والحكمة. # والدرجات في الأصل تطلق على مراقى السلم. والمراد بها هنا المراتب ~~المعنوية في الخير على سبيل التمثيل ، فقد شبهت حالة المفضل على غيره بحال ~~المرتقى في سلم إذا ارتفع من درجة إلى درجة. # والجملة مستأنفة على سبيل التقرير لما قبلها ، وقيل هي حال من فاعل آتينا ~~أى حال كوننا رافعين. # ومفعول المشيئة محذوف. أى : من نشاء رفعه على حسب ما تقتضيه حكمتنا. وقد ~~دل قوله ( @QUR@02 من نشاء ) على أن هذا التكريم لا يكون لكل أحد لأنه لو ~~كان حاصلا لكل الناس لم يحصل الرفع ولا التفضيل. # وقوله تعالى ( @QUR@04 إن ربك حكيم عليم ) تذييل مقرر لمضمون ما قبله ، ~~أى : إن ربك الذي PageV05P118 # خلقك فسواك فعدلك ( @QUR@01 حكيم ) في كل ما يفعل من رفع هذا وخفض ذاك ، ~~( @QUR@01 عليم ) كل العلم بحال خلقه وسياسة عباده. # قال الإمام الرازي : واعلم أن هذه الآية من أدل الدلائل على أن كمال ~~السعادة في الصفات الروحانية ms1975 لا في الصفات الجسمانية ، والدليل على ذلك أن ~~الله تعالى قال ( @QUR@06 وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ) ثم قال ~~بعده ( @QUR@04 نرفع درجات من نشاء ) وذلك يدل على أن الموجب لحصول هذه ~~الرفعة هو إيتاء تلك الحجة وهذا يقتضى أن وقوف النفس على حقيقة تلك الحجة ~~واطلاعها على إشراقها اقتضى ارتفاع الروح من حضيض العالم الجسماني إلى ~~أعالى العالم الروحاني ، وذلك يدل على أنه لا رفعة ولا سعادة إلا في ~~الروحانيات» (1). # وقوله : ( @QUR@06 ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ) أى : ووهبنا ~~لإبراهيم فضلا منا وكرما وعوضا عن قومه لما اعتزلهم ؛ إسحاق وهو ولده من ~~زوجه سارة ، ويعقوب وهو ابن إسحاق لتقر عينه ببقاء عقبه ؛ إذ في رؤية أبناء ~~الأبناء سرور للنفس ، وراحة للفؤاد. # وقوله ( @QUR@02 كلا هدينا ) أى : كلا من إسحاق ويعقوب هديناه الهداية ~~الكبرى بلحوقهما بدرجة أبيهما في النبوة. # ولفظ ( @QUR@01 كلا ) مفعول لما بعده وقدم لإفادة اختصاص كل منهما ~~بالهداية على سبيل الاستقلال والتنويه بشأنهما. # وقوله : ( @QUR@04 ونوحا هدينا من قبل ) أى : وهدينا نوحا من قبل إبراهيم ~~إلى مثل ما هدينا إليه إبراهيم وذريته من النبوة والحكمة. # وهذا لون آخر من تشريف إبراهيم حيث أنه من نسل نوح الذي وصفه الله ~~بالهداية ، ولا شك أن شرف الآباء يسرى على الأبناء. # وقال ابن كثير ، «وكل منهما له خصوصية عظيمة. أما نوح فإن الله لما أغرق ~~أهل الأرض إلا من آمن به وهم الذين صحبوه في السفينة ، جعل الله ذريته هم ~~الباقين ، فالناس كلهم من ذريته ، وأما الخليل إبراهيم فلم يبعث الله بعده ~~نبيا إلا من ذريته كما قال تعالى ( @QUR@09 ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم ~~وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب ) (2). # ثم قال تعالى ( @QUR@026 ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى ~~وهارون وكذلك نجزي المحسنين* وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين* ~~وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين ). PageV05P119 # الضمير في قوله تعالى ( @QUR@02 ومن ذريته ) يرى ابن جرير وغيره أنه يعود ~~إلى نوح لأنه أقرب مذكور. # ويرى جمهور المفسرين أنه يعود على إبراهيم لأن الكلام في ms1976 شأنه وفي شأن ~~النعم التي منحها الله إياه. # وقد ذكر الله في هذه الآيات أربعة عشر نبيا وهم : # 1 داود بن يسى من سبط يهوذا من بنى إسرائيل وكانت ولادته في بيت لحم سنة ~~1085 ق. م تقريبا وهو الذي قتل جالوت كما جاء في القرآن الكريم ( @QUR@010 ~~وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ) وكانت وفاته ~~سنة 1000 ق م تقريبا. # 2 سليمان بن داود عليهما السلام ولد بأورشليم حوالى سنة 1043 ق. م. وتوفى ~~سنة 975 ق. م. وقد جاء ذكر داود وسليمان في كثير من آيات القرآن الكريم ، ~~ومن ذلك قوله تعالى ( @QUR@015 ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد ~~لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين ). # 3 أيوب ، قال ابن جرير : هو ابن موصى بن روم بن عيص بن إسحاق ، وروى ~~الطبراني أن مدة عمره كانت ثلاثا وتسعين سنة. # 4 يوسف وهو ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام وكانت ولادته قبل ~~ميلاد عيسى عليه السلام بألفى سنة تقريبا. # 5 موسى وهو ابن عمران بن يصهر بن ماهيث بن لاوى بن يعقوب وكانت ولادته ~~حوالى القرن الرابع عشر ق. م. # 6 هارون وهو أخو موسى لأمه وقيل لأبيه وأمه ، وقيل مات قبيل موسى بزمن يسير. # 7 زكريا وهو ابن أزن بن بركيا ويتصل نسبه بسليمان عليه السلام وكان قريب ~~العهد بعيسى حيث تولى كفالة أمه مريم كما جاء في القرآن الكريم ( @QUR@02 ~~وكفلها زكريا ). # 8 يحيى وهو ابن زكريا. # 9 عيسى وهو ابن مريم. قال ابن كثير. وفي ذكر عيسى في ذرية إبراهيم أو نوح ~~دلالة على دخول ولد البنات في ذرية الرجل ، لأن انتساب عيسى ليس إلا من جهة ~~أمه مريم. # 10 الياس وهو ابن فنحاص بن العيزار بن هارون أخى موسى وهو المعروف في كتب ~~الإسرائيليين باسم «إيليا» وقد أرسله الله إلى بنى إسرائيل حين عبدوا ~~الأوثان قال تعالى ( @QUR@014 وإن إلياس لمن المرسلين* إذ قال لقومه ألا ~~تتقون* أتدعون بعلا وتذرون أحسن ms1977 الخالقين ). PageV05P120 # ويقال إنه كان موجودا في زمن الملك «آحاب» ملك بنى إسرائيل في حوالى سنة ~~918 ق م. # 11 إسماعيل وهو الابن الأكبر لإبراهيم عليهما السلام وجد محمد ~~صلى الله عليه وسلم . # 12 اليسع وهو ابن شافاط وكانت وفاته حوالى سنة 840 ق م ودفن بالسامرة. # 13 يونس وهو ابن متى أرسله الله إلى أهل نينوى من بلاد آشور في حوالى ~~القرن الثامن ق م. # 14 لوط وهو ابن هاران بن تارح فهو ابن أخى إبراهيم وكانت رسالته إلى أهل ~~سدوم من شرق الأردن. # وقوله ( @QUR@04 وكلا فضلنا على العالمين ) أى : وكل واحد من هؤلاء ~~الأنبياء المذكورين لا بعضهم دون بعض فضلناه بالنبوة على العالمين من أهل عصره. # قال الجمل : اعلم أن الله تعالى ذكر هنا ثمانية عشر نبيا من غير ترتيب لا ~~بحسب الزمان ولا بحسب الفضل لأن الواو لا تقتضي الترتيب ، ولكن هنا لطيفة ~~في هذا الترتيب وهي أن الله تعالى خص كل طائفة من الأنبياء بنوع من الكرامة ~~والفضل ، فذكر أولا نوحا وإبراهيم وإسحاق ويعقوب لأنهم أصول الأنبياء ~~وإليهم يرجع حسبهم جميعا. ثم من المراتب المعتبرة بعد النبوة الملك والقدرة ~~والسلطان وقد أعطى الله من ذلك داود وسليمان حظا وافرا. ومن المراتب الصبر ~~عند نزول البلاء والمحن والشدائد وقد خص الله بهذه أيوب. ثم عطف على هاتين ~~المرتبتين من جمع بينهما وهو يوسف فإنه صبر على البلاء والشدة إلى أن آتاه ~~الله ملك مصر مع النبوة ، ثم من المراتب المعتبرة في تفضيل الأنبياء كثرة ~~المعجزات وقوة البراهين وقد خص الله موسى وهارون من ذلك بالحظ الوافر ، ومن ~~المراتب المعتبرة الزهد في الدنيا وقد خص الله بذلك زكريا ويحيى وعيسى ~~وإلياس ، ثم ذكر الله بعد هؤلاء الأنبياء من لم يبق له أتباع ولا شريعة وهم ~~إسماعيل واليسع ويونس ولوط فإذا اعتبرنا هذه اللطيفة كان هذا الترتيب حسنا ~~والله أعلم بمراده وأسرار كتابه (1)». # ومن المعروف أن الأنبياء الذين يجب الإيمان بهم على التفصيل خمسة وعشرون ~~نبيا. وهم هؤلاء الثماني عشرة ms1978 الذين ذكروا في هذه الآيات ، يضاف إليهم سبعة ~~نظمهم الناظم في قوله : # حتم على كل ذي التكليف معرفة %~% بأنبياء على التفصيل قد علموا في تلك حجتنا منهم ثمانية %~% من بعد عشر ويبقى سبعة وهم إدريس ، هود ، شعيب ، صالح وكذا %~% ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا PageV05P121 # ثم ذكر سبحانه فضائل من يتصل بهؤلاء الأنبياء الكرام فقال : # ( @QUR@04 ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم ) أى : ومن آباء هؤلاء الأنبياء ~~وذرياتهم وإخوانهم من هديناه إلى الطريق المستقيم فمن هنا للتبعيض. # والجملة معطوفة على ( @QUR@01 كلا ) أى : كلا من هؤلاء الأنبياء فضلنا ، ~~وفضلنا بعض آبائهم وأبنائهم وإخوانهم وهديناه. # وجملة ( @QUR@05 واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ) معطوفة على ( ~~@QUR@01 فضلنا ) أى : فضلنا هؤلاء الأنبياء واخترناهم وهديناهم إلى الطريق ~~الواضح. قال الراغب : «والاجتباء الجمع على طريق الاصطفاء قال تعالى ( ~~@QUR@02 فاجتباه ربه ) واجتباء العبد تخصيصه إياه بفيض إلهى يتحصل له منه ~~أنواع من النعم بلا سعى من العبد وذلك للأنبياء وبعض من يقاربهم من ~~الصديقين والشهداء» (1). # وقوله : ( @QUR@09 ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ) أى : ذلك ~~الهدى إلى صراط مستقيم الذي اهتدى إليه أولئك الأخيار هو هدى الله الذي ~~يهدى به من يشاء هدايته من عباده وهم المستعدون لذلك. # وفي قوله : ( @QUR@04 من يشاء من عباده ) من الإبهام ما يبعث النفوس على ~~طلب هدى الله تعالى والتعرض لنفحاته. # وقوله ( @QUR@07 ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ) أى ، ولو فرض أن ~~أشرك بالله أولئك المهديون المختارون لبطل وسقط عنهم ثواب ما كانوا يعملونه ~~من أعمال صالحة فكيف بغيرهم. # قال ابن كثير : في هذه الآية تشديد لأمر الشرك وتغليظ لشأنه ، وتعظيم ~~لملابسته ، كقوله تعالى ( @QUR@014 ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن ~~أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ) والشرط لا يقتضى جواز الوقوع ، ~~فهو كقوله ، ( @QUR@08 قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ) وكقوله : ~~( @QUR@011 لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين ) (2). # وقوله ( @QUR@06 أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة ) اسم ~~الإشارة فيه يعود إلى المذكورين من الأنبياء الثمانية عشرة والمعطوفين ~~عليهم ms1979 باعتبار اتصافهم بما ذكر من الهداية وغيرها من النعوت الجليلة. PageV05P122 # وقصر بعضهم عودته على الأنبياء فحسب وإليه ذهب ابن جرير والرازي أى : ~~أولئك المصطفون الأخيار هم الذين آتيناهم الكتاب أى جنسه المتحقق في ضمن أى ~~فرد كان من أفراد الكتب السماوية. # والمراد بإيتائه : التفهيم التام لما اشتمل عليه من حقائق وأحكام ، وذلك ~~أعم من أن يكون بالإنزال ابتداء أو بالإيراث بقاء ، فإن المذكورين لم ينزل ~~على كل واحد منهم كتاب معين. # والحكم أى : الحكمة وهي علم الكتاب ومعرفة ما فيه من الأحكام. أو الإصابة ~~في القول والعمل. أو القضاء بين الناس بالحق. # و ( @QUR@01 النبوة ) أى : الرسالة. # وقوله ( @QUR@011 فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها ~~بكافرين ) أى : فإن يكفر بهذه الثلاث التي اجتمعت فيك يا محمد هؤلاء ~~المشركون من أهل مكة ، فلن يضرك كفرهم لأنا قد وفقنا للإيمان بها قوما ~~كراما ليسوا بها بكافرين في وقت من الأوقات وإنما هم مستمرون على الإيمان ~~بك والتصديق برسالتك وفي ذلك ما فيه من التسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن إعراض بعض قومه عن دعوته. # والمراد بالقوم الذين وكلوا بالقيام بحق هذه الرسالة ووفقوا للإيمان بها ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار مطلقا ، لأنهم هم الذين ~~دافعوا عن دعوة الإسلام وبذلوا في سبيل إعلانهم نفوسهم وأموالهم ، ويدخل ~~معهم كل من سار على نهجهم في كل زمان ومكان. # وقيل : المراد بهم أهل المدينة من الأنصار. وقيل : المراد بهم الأنبياء ~~المذكورون وأتباعهم ، وقيل غير ذلك. # والذي نراه أن الرأى الأول أرجح لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هم ~~المقابلون لكفار قريش الذين كفروا بها. # وفي التكنية عن توفيقهم للإيمان بها بالتوكيل الذي أصله الحفظ للشيء ~~ومراعاته ، وإيذان بفخامة وعلو قدرها. # قال الإمام الرازي : «دلت هذه الآية على أن الله تعالى سينصر نبيه ، ~~ويقوى دينه ، ويجعله مستعليا على كل من عاداه ، قاهرا لكل من نازعه ، وقد ~~وقع هذا الذي أخبر الله عنه في هذا الموضع ، فكان جاريا مجرى ms1980 الإخبار عن ~~الغيب فيكون معجزا» (1). # ثم قال تعالى ( @QUR@06 أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) أى : أولئك ~~الأنبياء الذين PageV05P123 # ذكرناهم لك يا محمد هم الذين هديناهم إلى الحق وإلى الطريق المستقيم ~~فبهداهم ، أى : فبطريقتهم في الإيمان بالله وفي تمسكهم بمكارم الأخلاق كن ~~مقتديا ومتأسيا. # والمقصود إنما هو التأسى بهم في أصول الدين ، أما الفروع القابلة للنسخ ~~فإنهم يختلفون فيها ويجوز عدم الاقتداء بهم بالنسبة لها قال تعالى ( ~~@QUR@05 لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ). # وتكرير اسم الإشارة لتأكيد تمييز المشار إليه ، ولما يقتضيه للتكرير من ~~الاهتمام بالخبر. وفي قوله ( @QUR@02 فبهداهم اقتده ) تعريض بالمشركين إذ ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء إلا على سنة الرسل كلهم وأنه ما كان بدعا ~~منهم ، أما هم فقد اختلقوا لأنفسهم عبادات ما أنزل الله بها من سلطان. # ثم ختم الله تعالى هذا السياق بقوله : ( @QUR@05 قل لا أسئلكم عليه أجرا ~~) أى : قل أيها الرسول الكريم لمن بعثت إليهم لا أطلب منكم على ما أدعوكم ~~إليه من خير وما أبلغكم إياه من قرآن أجرا قليلا أو كثيرا. # ( @QUR@05 إن هو إلا ذكرى للعالمين ) أى : ما هذا القرآن إلا تذكيرا ~~وموعظة للناس أجمعين في كل زمان ومكان. # قال بعضهم : وفي الآية دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثا إلى الجن ~~والإنس وأن دعوته قد عمت جميع الخلائق. # * * * # وبعد أن بين سبحانه ما دار بين إبراهيم وقومه من مجالات تتعلق بإثبات ~~وحدانية الله ، وإبطال الشرك ، وحكى جانبا من النعم التي أنعم بها على ~~خليله وعلى كل من سار على نهجه ، وأخبر بأن هذا القرآن ما هو إلا تذكير ~~للعالمين وأن المذكر به لا يريد منهم أجرا على تبليغه ، بعد كل ذلك أخذ ~~القرآن في الرد على منكري نزول الكتب السماوية وفي بيان عاقبتهم الوخيمة ~~بسبب هذا الجحود فقال تعالى : # ( @QUR@044 وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ~~قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس ~~تبدونها وتخفون كثيرا ms1981 وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم ~~في خوضهم يلعبون (91) @QUR@09 وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر PageV05P124 # @QUR@013 أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على ~~صلاتهم يحافظون (92) @QUR@049 ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال ~~أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ ~~الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم ~~تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته ~~تستكبرون (93) @QUR@029 ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما ~~خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد ~~تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون ) (94) # قوله ( @QUR@014 وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر ~~من شيء ) كلمة ( @QUR@01 قدروا ) مأخوذة من القدر بفتح فسكون ، وأصل القدر ~~معرفة مقدار الشيء بالسبر والحزر ، يقال : قدر الشيء يقدره إذا سبره وحزره ~~ليعرف مقداره ، ثم استعمل في معرفة الشيء على أتم الوجوه حتى صار حقيقة فيه. # والمعنى : ما عظموا الله حق تعظيمه ، وما عرفوه حق معرفته في اللطف ~~بعباده وفي الرحمة بهم ، بل أخلوا بحقوقه إخلالا عظيما ، وضلوا ضلالا كبيرا ~~، إذ أنكروا بعثة الرسل وإنزال الكتب ، وقالوا تلك المقالة الشنعاء ما أنزل ~~الله على بشر شيئا من الأشياء ، قاصدين بهذا القول الطعن في نبوة النبي ~~صلى الله عليه وسلم وفي أن القرآن من عند الله. # ولفظ ( @QUR@01 حق ) منصوب على المصدرية ، وهو في الأصل صفة للمصدر ، أى ~~: قدره الحق فلما أضيف إلى موصوفه انتصب على ما كان ينتصب عليه. # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يلزمهم بما يخرس ألسنتهم ، ~~وأن يرد على سلبهم العام PageV05P125 # بإثبات قضية جزئية بديهية التسليم فقال تعالى : ( @QUR@011 قل من أنزل ~~الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس ) أى : قل يا محمد لهؤلاء ~~الزاعمين بأن الله ما أنزل على بشر شيئا من الأشياء : قل لهم ms1982 من الذي أنزل ~~التوراة وهو الكتاب الذي جاء به موسى ( @QUR@03 نورا وهدى للناس ) أى : ~~ضياء من ظلمة الجهالة وهداية تعصم من الأباطيل والضلالة. # وكلمة ( @QUR@01 نورا ) حال من الضمير في به أو من الكتاب. # ثم بين سبحانه ما فعله الجاحدون بكتبه من تحريف وتغيير فقال : ( @QUR@05 ~~تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا ). # القراطيس : جمع قرطاس وهو ما يكتب فيه من ورق ونحوه. # أى : تجعلون هذا الكتاب الذي أنزله الله نورا وهداية للناس أوراقا مكتوبة ~~مفرقة لتتمكنوا من إظهار ما تريدون إظهاره منها ، ومن إخفاء الكثير منها ~~على حسب ما تمليه عليكم نفوسكم السقيمة وشهواتكم الأثيمة. # فالمراد من هذه الجملة الكريمة ذم المحرفين لكتب الله ، وتوبيخهم على هذا ~~الفعل الشنيع ، الذي قصدوا من ورائه الطعن في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ~~والتوصل إلى ما يبغونه من مطامع وأهواء. # وقوله ( @QUR@07 وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ) أى : وعلمتم على ~~لسان محمد صلى الله عليه وسلم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم من المعارف التي ~~لا يرتاب عاقل في أنها تنزيل رباني. # وقوله ( @QUR@07 قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ). # أى : قل أيها الرسول لهؤلاء الجاحدين : الله تعالى هو الذي أنزل الكتاب ~~على موسى ، ثم بعد هذا القول الفصل ذرهم في باطلهم الذي يخوضون فيه يلعبون ~~، وفي غيهم يعمهون حتى يأتيهم من الله اليقين. # وفي أمره صلى الله عليه وسلم بأن يجيب عنهم ، إشعار بأن الجواب متعين لا ~~يمكن غيره ، وتنبيهه على أنهم بهتوا بحيث إنهم لا يقدرون على الجواب. # وكان العطف بثم في قوله ( @QUR@02 ثم ذرهم ) للدلالة على الترتيب الرتبى ~~أى : أنهم لا تنجع فيهم الحجج والأدلة فتركهم وخوضهم بعد التبليغ هو الأولى ~~، وإنما كان الاحتجاج عليهم لتبكيتهم وقطع معاذيرهم. ### ||| ** هذا ، وللمفسرين لهذه الآية قولان : # الأول : أنها مكية النزول تبعا للسورة ، وأن الذين قالوا ( @QUR@07 ما ~~أنزل الله على بشر من شيء ) PageV05P126 # مشركو مكة ، وإنما ألزمهم الله بإنزال التوراة لأنهم كانوا يعرفون ذلك ~~ولا ينكرون أن الله قد أنزلها على موسى. # قال ابن جرير ms1983 : وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك قول من قال : عنى ~~بذلك ( @QUR@05 وما قدروا الله حق قدره ) مشركو قريش. وذلك أن ذلك في سياق ~~الخبر عنهم. فأن يكون ذلك أيضا خبرا عنهم أشبه من أن يكون خبرا عن اليهود ~~ولما يجر لهم ذكر. وليس ذلك مما تدين به اليهود ، بل المعروف من دين اليهود ~~الإقرار بصحف إبراهيم وموسى ..) (1). # وقد تابع ابن كثير رأى ابن جرير وقال : وهذا الرأى هو الأصح ، لأن اليهود ~~لا ينكرون إنزال الكتب من السماء ، وأما كفار قريش فكانوا ينكرون رسالة ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأنه من البشر كما قال تعالى ( @QUR@011 أكان للناس ~~عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس ) وكذا قالوا هنا ( @QUR@07 ما ~~أنزل الله على بشر من شيء ) (2). # الثاني : أن هذه الآية مدنية النزول ، وكون سورة الأنعام مكية لا يمنع من ~~وجود بعض آيات منها مدنية كما نص عليه كثير من العلماء. # ومما يؤيد كون هذه الآية مدنية ما ورد من آثار في أسباب نزولها ، ومن هذه ~~الآثار ما أخرجه ابن جرير من طريق ابن أبى طلحة عن ابن عباس قال : قالت ~~اليهود : والله ما أنزل الله من السماء كتابا) فنزل قوله تعالى ( @QUR@05 ~~وما قدروا الله حق قدره ).. إلخ وأخرج ابن أبى حاتم عن سعيد بن جبير مرسلا ~~قال : جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف فخاصم النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال له النبي : «أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل ~~تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين» وكان حبرا سمينا فغضب وقال : ~~(هل أنزل الله على بشر من شيء) فقال له أصحابه : ويحك ولا على موسى فأنزل ~~الله ( @QUR@05 وما قدروا الله حق قدره ) الآية (3). # والذي نراه أن الآية الكريمة تصلح للرد على الفريقين : فريق المشركين ~~وفريق اليهود إلا أن سياقها يجعلنا نرجح أن الخطاب فيها موجه بالأصالة إلى ~~اليهود وإلى غيرهم بالتبع ، لأنهم هم الذين جعلوا التوراة قراطيس أى أوراقا ~~مفرقة ليظهروا منها ما يناسب أهواءهم وليخفوا منها ms1984 ما فيه شهادة بصدق النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولأن هناك آثارا متعددة تثبت أنها نزلت في شأنهم. # وتوجيه الخطاب إلى اليهود لا يتنافى مع كونها مكية ، لأنه ليس بلازم أن ~~يكون كل قرآن مكي خطابا لغير اليهود. PageV05P127 # وبعد أن أبطل سبحانه بالدليل قول من قال «ما أنزل الله على بشر من شيء» ~~أتبعه ببيان أن هذا القرآن من عند الله وأنه مصدق للكتب السماوية السابقة ~~ومهيمن عليها فقال تعالى : # ( @QUR@08 وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ). # والمعنى : وهذا القرآن كتاب أنزلناه على قلبك يا محمد وهذا الكتاب من ~~صفاته أنه مبارك أى : كثير الفوائد لاشتماله على منافع الدين والدنيا. # والمبارك اسم مفعول من باركه وبارك فيه ، إذا جعل له البركة ، ومعناها ~~كثرة الخير ونماؤه. # وقدم هنا وصفه بالإنزال على وصفه بالبركة بخلاف قوله «وهذا ذكر مبارك ~~أنزلناه» لأن الأهم هنا وصفه بالإنزال ، إذ جاء عقيب إنكارهم أن ينزل الله ~~على بشر من شيء بخلافه هناك. # ووقعت الصفة الأولى جملة فعلية لأن الإنزال يتجدد وقتا فوقتا ، والثانية ~~اسمية لأن الاسم يدل على الثبوت والاستقرار وهو مقصود هنا أى : أن بركته ~~ثابتة مستقرة. # قال الإمام الرازي : العلوم إما نظرية وإما عملية ، أما العلوم النظرية ~~فأشرفها وأكملها معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه ، ولا ترى ~~في هذه العلوم أكمل ولا أشرف مما تجده في هذا الكتاب ، وأما العلوم العملية ~~فالمطلوب إما أعمال الجوارح ، وإما أعمال القلب ، وهو المسمى بطهارة ~~الأخلاق وتزكية النفس ، ولا تجد هذين العلمين مثل ما تجده في هذا الكتاب ، ~~ثم قد جرت سنة الله بأن الباحث فيه والمتمسك به يحصل له عز الدنيا وسعادة ~~الآخرة» (1). # وقوله ( @QUR@04 مصدق الذي بين يديه ) أى أن هذا القرآن موافق ومؤيد ~~للكتب التي قبله في إثبات التوحيد ونفى الشرك ، وفي سائر أصول الشرائع التي ~~لا تنسخ. # وقوله : ( @QUR@05 ولتنذر أم القرى ومن حولها ) أى : ولتنذر بهذا الكتاب ~~أم القرى أى مكة ، ومن حولها من أطراف الأرض شرقا وغربا لعموم بعثته ~~صلى الله عليه ms1985 وسلم قال تعالى ( @QUR@08 وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن ~~بلغ ) وقال تعالى ( @QUR@09 قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ) ~~، وسميت مكة بأم القرى لأنها مكان أول بيت وضع للناس ، ولأنها قبلة أهل ~~القرى كلها ومحجهم ، ولأنها أعظم القرى شأنا وغيرها كالتبع لها كما يتبع ~~الفرع الأصل ، وفي ذكرها بهذا الاسم المنبئ عما ذكر إشعار بأن إنذار أهلها ~~مستتبع لإنذار أهل الأرض كافة. PageV05P128 # ووجه الاقتصار على مكة ومن حولها في هذه الآية أنهم الذين جرى الكلام ~~والجدال معهم في قوله تعالى قبل ذلك ( @QUR@05 وكذب به قومك وهو الحق ). # قال الآلوسى : ويمكن أن يقال خصهم بالذكر لأنهم الأحق بإنذاره ~~صلى الله عليه وسلم فهو كقوله تعالى : ( @QUR@03 وأنذر عشيرتك الأقربين ) ولذا ~~أنزل كتاب كل رسول بلسان قومه» (1). # وقال صاحب المنار «وزعم بعض اليهود المتقدمين وغيرهم أن المراد بمن حولها ~~بلاد العرب فخصه بمن قرب منها عرفا ، واستدلوا به على أن بعثة النبي ~~صلى الله عليه وسلم خاصة بقومه العرب. والاستدلال باطل وإن سلم التخصيص ~~المذكور ، فإن إرساله إلى قومه لا ينافي إرساله إلى غيرهم ، وقد ثبت عموم ~~بعثته صلى الله عليه وسلم من آيات أخرى كقوله تعالى ( @QUR@07 وما أرسلناك إلا ~~كافة للناس بشيرا ونذيرا ) (2). # وقوله ( @QUR@05 والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به ). # أى : والذين يؤمنون بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب يؤمنون بهذا الكتاب ~~الذي أنزله الله هداية ورحمة لأن من صدق بالآخرة خاف العاقبة ، وحرص على ~~العمل الصالح الذي ينفعه. # ثم ختمت الآية بهذا الثناء الجميل عليهم فقالت ( @QUR@04 وهم على صلاتهم ~~يحافظون ) أى يؤدونها في أوقاتها مقيمين لأركانها وآدابها في خشوع واطمئنان ~~، وخصت الصلاة بالذكر لكونها أشرف العبادات وأعظمها خطرا بعد الإيمان. # قال الإمام الرازي : «ويكفيها شرفا أنه لم يقع اسم الإيمان على شيء من ~~العبادات الظاهرة إلا عليها كما في قوله تعالى ( @QUR@05 وما كان الله ~~ليضيع إيمانكم ) أى صلاتكم ، ولم يقع اسم الكفر على شيء من المعاصي إلا على ~~ترك الصلاة ، ففي الحديث الشريف «من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر» ms1986 فلما اختصت ~~الصلاة بهذا النوع من التشريف لا جرم خصها الله بالذكر في هذا المقام» (3). # وبعد أن بين سبحانه مزايا هذا القرآن أتبع ذلك ببيان عاقبة الذين يفترون ~~الكذب على الله تعالى ، وصور أحوالهم عند النزع الأخير وعند ما يقفون أمام ~~ربهم للحساب بصورة ترتجف لها الأفئدة فقال تعالى : # ( @QUR@015 ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح ~~إليه شيء ). PageV05P129 # والمعنى لا أحد أشد ظلما ممن اختلق الكذب على الله فجعل له شركاء من خلقه ~~، وأنكر ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من هدايات ، وحلل وحرم بهواه ما ~~لم يأذن به الله. # والاستفهام إنكارى فهو في معنى النفي. و ( @QUR@01 من ) اسم موصول ~~والمراد به الجنس. أى : كل من افترى على الله كذبا ، وليس المراد فردا معينا. # ( @QUR@08 أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ) أى : قال بأن الله أوحى ~~إلى بالرسالة أو النبوة مع أنه كاذب في دعواه ، فإن الله ما أوحى إليه شيئا ~~، وهذا يصدق على ما ادعاه مسيلمة الكذاب والأسود العنسي من أنهما نبيان ~~يوحى إليهما. ويصدق أيضا على كل مدع للوحى والنبوة في كل زمان ومكان. # وهذه الجملة الكريمة معطوفة على صلة ( @QUR@01 من ) من عطف الخاص على ~~العام ، لأن هذا القول هو نوع من أنواع افتراء الكذب. # ( @QUR@07 ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ) أى : ولا أحد أظلم أيضا ممن ~~قال بأنى قادر على أن أنزل قرآنا مثل الذي أنزله الله كالذين حكى القرآن ~~عنهم قوله : ( @QUR@017 وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء ~~لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين ). # وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد توعدت بأشد ألوان الوعيد كل مفتر على الله ~~الكذب ، وكل مدع أنه يوحى إليه شيء وكل من زعم أنه في قدرته أن يأتى بقرآن ~~مثل هذا القرآن كما حدث من النضر بن الحارث وعبد الله بن سعد بن أبى سرح. # ثم بين سبحانه مصير كل ظالم أثيم فقال : ( @QUR@07 ولو ترى إذ الظالمون ms1987 ~~في غمرات الموت ) أى : ولو ترى أيها الرسول الكريم أو أيها العاقل حالة ~~أولئك الظالمين وهم في غمرات الموت أى : في شدائده وكرباته وسكراته لرأيت ~~شيئا فظيعا هائلا ترتعد منه الأبدان ، فجواب الشرط محذوف. # والغمرات : جمع غمرة وهي الشدة. وأصلها الشيء الذي يغمر الأشياء فيغطيها ~~، يقال غمره الماء إذا علاه وستره ثم استعمل في الشدائد والمكاره. # وتقييد الرؤية بهذا الوقت لإفادة أنه ليس المراد مجرد الرؤية ، بل المراد ~~رؤيتهم على حال فظيعة عند كل ناظر. # وقوله ( @QUR@05 والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم ) أى والملائكة ~~الموكلون بقبض أرواحهم باسطوا أيديهم إليهم بالإماتة والعذاب قائلين لهم ~~على سبيل التوبيخ والزجر : أخرجوا إلينا أرواحكم من أجسادكم. PageV05P130 # والأمر هنا للتعجيز أى : أخرجوا أنفسكم من هذا العذاب إن استطعتم إلى ذلك سبيلا. # قال الآلوسى : وذهب بعضهم إلى أن هذا تمثيل لفعل الملائكة في قبض أرواح ~~الظلمة بفعل الغريم الملح يبسط يده إلى من عليه الحق ويعنف عليه في ~~المطالبة ولا يمهله ويقول له : أخرج مالي عليك الساعة ولا أبرح مكاني حتى ~~انتزعه منك (1). وفي الكشاف : أنه كناية عن العنف في السياق والإلحاح ~~والتشديد في الإزهاق من غير تنفيس وإمهال ولا بسط ولا قول حقيقة هناك ~~واستظهر ابن المنير أنهم يفعلون معهم هذه الأمور حقيقة على الصور المحكية ~~وإذا أمكن البقاء على الحقيقة فلا معدل عنها». # ولعل مما يؤيد قول ابن المنير في تعليقه على ما قال صاحب الكشاف ما جاء ~~في آية أخرى وهي قوله تعالى ( @QUR@010 ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا ~~الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ) (2). # وقوله : ( @QUR@015 اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير ~~الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ) هذا القول من تتمة ما تقوله الملائكة ~~لأولئك الظالمين. # أى : تقول لهم أخرجوا أنفسكم ، اليوم تلقون عذاب الذل والهوان لا بظلم من ~~الرحمن ، وإنما بسبب أنكم كنتم في دنياكم تفترون على الله الكذب ، وبسبب ~~أنكم كنتم معرضين عن آياته ، مستكبرين عنها ولا تتأملون فيها ، ولا تعتبرون بها. # والمراد باليوم مطلق الزمن لا اليوم المتعارف ms1988 عليه ، وهو إما حين الموت ~~أو ما يشمله وما بعده. # والهون معناه : الهوان والذل ، وفسره صاحب الكشاف ، بالهوان الشديد وقال ~~: «وإضافة العذاب إليه كقولك ، رجل سوء يريد العراقة في الهوان والتمكن ~~فيه» (3). # ثم صور سبحانه حالهم عند ما يعرضون للحساب فقال : ( @QUR@07 ولقد جئتمونا ~~فرادى كما خلقناكم أول مرة ). # أى : ولقد جئتمونا للحساب والجزاء منعزلين ومنفردين عن الأموال والأولاد ~~وعن كل ما جمعتموه في الدنيا من متاع ، أو منفردين عن الأصنام والأوثان ~~التي زعمتهم أنها شفعاؤكم عند الله. PageV05P131 # وفرادى قيل هو جمع فرد ، وفريد وقيل : هو اسم جمع لأن فردا لا يجمع على ~~فرادى وقول من قال إنه جمع : أراد أنه جمع له في المعنى : # وهذه الجملة الكريمة مستأنفة جاءت لبيان ما سيقوله الله لهؤلاء الظالمين ~~يوم القيامة ، بعد بيان ما تقوله ملائكة العذاب عند موتهم. # وقوله : ( @QUR@04 كما خلقناكم أول مرة ) تشبيه للمجيء أريد منه معنى ~~الإحياء بعد الموت الذي كانوا ينكرونه فقد رأوه رأى العين. # أى : جئتمونا منعزلين عن كل ما كنتم تعتزون به في الحياة الدنيا ، مجيئا ~~مثل مجيئكم يوم خلقناكم أول مرة حفاة عراة. فالكاف في محل نصب صفة لمصدر محذوف. # روى الشيخان عن ابن عباس قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة ~~فقال : «أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا ( @QUR@010 كما ~~بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ) (1). # ورويا أيضا عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «تحشرون حفاه ~~عراة غرلا. قالت : يا رسول الله ، الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى ~~بعض؟ قال صلى الله عليه وسلم : الأمر أشد من أن يهمهم ذلك» (2). # وروى الطبراني بسنده عن عائشة أنها قالت قرأت قول الله تعالى ( @QUR@07 ~~ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ) فقالت : يا رسول الله وا سوأتاه! ~~الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى سوأة بعض؟ فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه لا ينظر الرجال إلى النساء ~~ولا النساء إلى الرجال ، شغل ms1989 بعضهم عن بعض. # قوله : ( @QUR@05 وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ) أى : تركتم ما ~~أعطيناكم وملكناكم في الدنيا من أموال وأولاد وغيرهما وراء ظهوركم ولم ~~تحملوا منه معكم نقيرا عند ما جئتمونا للحساب. # الخول : ما أعطاه الله لعباده من النعم : يقال : خوله الشيء تخويلا ، ~~ملكه إياه ومكنه منه. ومنه التخول بمعنى التعهد. # والجملة الكريمة تتضمن توبيخهم ، لأنهم لم يقدموا منه شيئا في دنياهم ~~ليكون نافعا لهم في أخراهم ، بل جمعوه وتركوه لغيرهم دون أن ينتفعوا به في ~~معادهم. PageV05P132 # وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «يقول ابن آدم : ~~مالي! مالي! وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت أو تصدقت ~~فأمضيت وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس» (1). # وقوله : ( @QUR@09 وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء ) ~~تقريع وتوبيخ لهم على شركهم. # أى : ما نرى وما نبصر معكم من زعمتم أنهم سيشفعون لكم عند الله من ~~الأصنام والأوثان التي توهمتم أنهم شركاء لله تعالى في ربوبيتكم واستحقاقه ~~عبادتكم. # وقوله ( @QUR@03 لقد تقطع بينكم ) أى : لقد تقطع الاتصال الذي كان بينكم ~~في الدنيا واضمحل. ففاعل ( @QUR@01 تقطع ) ضمير يعود على الاتصال المدلول ~~عليه بلفظ ( @QUR@01 شركاء ) و ( @QUR@01 بينكم ) منصوب على الظرفية. # وقرئ بالرفع أى : لقد تقطع شملكم فإن البين مصدر يستعمل في الوصل وفي ~~الفراق بالاشتراك ؛ والأصل لقد تقطع ما بينكم وقد قرئ به أى : تقطع ما ~~بينكم من الأسباب والصلات. # ( @QUR@05 وضل عنكم ما كنتم تزعمون ) أى : وغلب عنكم ما كنتم تزعمون من ~~شفاعة الشفعاء ، ورجاء الأنداد والأصنام. كما قال تعالى ( @QUR@035 إذ تبرأ ~~الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب* وقال الذين ~~اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤا منا كذلك يريهم الله أعمالهم ~~حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار ) (2). # وهكذا يسوق القرآن مشهد هؤلاء الظالمين بتلك الصورة التي تهز النفوس ، ~~وتحمل العقلاء على الإيمان والعمل الصالح. # * * * # وبعد أن ساق سبحانه ألوانا من الدلائل على وحدانيته ، وعلى صدق نبيه ~~صلى الله ms1990 عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه ، شرع سبحانه في سرد مظاهر قدرته ، ~~وكمال علمه وحكمته عن طريق التأمل في هذا الكون العجيب ، وفي بدائع ~~مخلوقاته فقال تعالى : PageV05P133 # ( @QUR@017 إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من ~~الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون (95) @QUR@012 فالق الإصباح وجعل الليل سكنا ~~والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم (96) @QUR@016 وهو الذي جعل ~~لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون ~~(97) @QUR@013 وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا ~~الآيات لقوم يفقهون (98) @QUR@044 وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ~~نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها ~~قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا ~~إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ) (99) # قوله : ( @QUR@05 إن الله فالق الحب والنوى ). # فالق : أى شاق ، والفلق هو الشق وقيل ، فالق بمعنى خالق وأنكر ابن جرير ~~الطبري ذلك وقال : لا يعرف في كلام العرب فلق الشيء بمعنى خلق. # والحب. ما ليس له نوى كالحنطة والشعير. # والنوى : جمع نواة وهو الموجود في داخل الثمرة ، مثل نوى التمر وغيره. # والمعنى : إن الله وحده هو الذي يشق الحبة اليابسة كالحنطة فيخرج منها ~~النبات الأخضر النامي ، ويشق النواة الصلبة فيخرج منها النخلة والشجرة ~~النامية ، وفي ذلك أكبر دلالة على قدرة الله التي لا تحد وعلى أنه هو ~~المستحق للعبادة لا غيره. PageV05P134 # هذا ، وقد أفاض الإمام الرازي وهو يتحدث عن هذه الآية في بيان قدرة الله ~~فقال ما ملخصه : # «إذا عرفت هذا فنقول : إنه إذا وقعت الحبة أو النواة في الأرض الرطبة ثم ~~مر بها قدر من المدة أظهر الله تعالى في تلك الحبة والنواة من أعلاها شقا ~~ومن أسفلها شقا آخر ، فالأول يخرج منها الشجرة الصاعدة إلى الهواء ، ~~والثاني يخرج منه الشجرة الهابطة في الأرض ثم إن ها هنا عجائب. # فإحداها : أن طبيعة تلك الشجرة إن كانت تقتضي الهوى في عمق الأرض ms1991 فكيف ~~تولدت منها الشجرة الصاعدة في الهواء؟ وإن كانت تقتضي الصعود في الهواء ~~فكيف تولدت منها الشجرة الهابطة في الأرض؟ فلما تولد منها الشجرتان مع أن ~~الحس والعقل يشهد بكون طبيعة إحدى الشجرتين مضادة لطبيعة الشجرة الأخرى ~~علمنا أن ذلك ليس بمقتضى الطبع والخاصية ، بل بمقتضى الإيجاد والإبداع ~~والتكوين. # وثانيهما : أن باطن الأرض جرم كثيف صلب لا تنفذ المسلة القوية فيه ولا ~~يغوص السكين الحاد القوى فيه ، ثم إنا نشاهد طراف تلك العروق في غاية الدقة ~~واللطافة وبحيث لو دلكها الإنسان بإصبعه بأدنى قوة لصارت كالماء ، ثم إنها ~~مع غاية اللطافة تقوى على النفوذ في تلك الأرض الصلبة ، والغوص في بواطن ~~تلك الأجرام الكثيفة. فحصول هذه القوى الشديدة لهذه الأجرام الضعيفة التي ~~هي في غاية اللطافة لا بد وأن يكون بتقدير العزيز الحكيم. # ثم قال رحمه الله بعد كلام طويل : فانظر أيها المسكين بعين رأسك في تلك ~~الورقة الواحدة من تلك الشجرة ، واعرف كيفية خلقة تلك العروق والأوتار فيها ~~، ثم انتقل من مرتبة إلى ما فوقها حتى تعرف أن المقصود الأخير منها حصول ~~المعرفة والمحبة في الأرواح البشرية ، فحينئذ ينفتح لك باب من المكاشفات لا ~~آخر له ، ويظهر لك أن أنواع نعم الله في حقك غير متناهية كما قال : ( ~~@QUR@06 وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) وكل ذلك إنما ظهر من كيفية خلقه ~~تلك الورقة من الحبة والنواة» (1). # وقوله ( @QUR@04 يخرج الحي من الميت ) أى : يخرج ما ينمو من الحيوان ~~والنبات والشجر مما لا ينمو كالنطفة والحبة. # والجملة الكريمة مستأنفة مبينة لما قبلها ولذلك ترك العطف ، وقيل خبر ثان ~~ولم يعطف لاستقلاله في الدلالة على عظمة الله تعالى . PageV05P135 # وقوله : ( @QUR@04 ومخرج الميت من الحي ) أى : مخرج الميت كالحب والنوى ~~من النبات والبيضة والنطفة من الحيوان. # قال صاحب المنار : فإن قيل إن علماء المواليد يزعمون أن في كل أصول ~~الأحياء حياة فكل ما ينبت من ذلك ذو حياة كامنة إذا عقم بالصناعة لا ينبت ، ~~قلنا : إن هذا اصطلاح لهم يسمون القوة أو الخاصية التي ms1992 يكون بها الحب قابلا ~~للإنبات حياة ، ولكن هذا لا يصح في اللغة إلا بضرب من التجوز وإنما حقيقة ~~الحياة في اللغة ما يكون به الجسم متغذيا ناميا بالفعل ، وهذا أدنى مراتب ~~الحياة عند العرب ، ولها مراتب أخرى كالإحساس والقدرة والإرادة والعلم ~~والعقل والحكمة والنظام ، وهذا أعلى مراتب الحياة في المخلوق» (1). # ونقل بعض المفسرين عن ابن عباس أن معنى الجملتين : يخرج المؤمن من الكافر ~~والكافر من المؤمن ومثله إخراج البار من الفاجر والصالح من الطالح والعالم ~~من الجاهل وعكسه ، وذلك بحمله الحياة والموت على المعنوي منها كما في قوله ~~تعالى ( @QUR@04 أومن كان ميتا فأحييناه ). # ويبدو لنا أن حمل الحياة والموت هنا على المعنى المعنوي لا يناسبه سياق ~~الآيات التي معنا ، لأنها تتحدث عن آثار قدرة الله المحسوسة ليزداد ~~المؤمنون إيمانا على إيمانهم ، ويتأمل كل ذي عقل في مظاهر قدرة الله في ~~كونه يهتدى إلى طريق الحق والصواب. # وقوله ( @QUR@04 ومخرج الميت من الحي ) معطوف على ما قبله وهو قوله ( ~~@QUR@04 يخرج الحي من الميت ) لأنه إخبار بضد مضمونه وهو وضع آخر عجيب دال ~~على كمال القدرة. # وجيء بجملة ( @QUR@04 يخرج الحي من الميت ) فعليه لإرادة تصوير إخراج ~~الحي من الميت واستحضاره في ذهن السامع. وهذا التصوير والاستحضار إنما ~~يتمكن في أدائهما الفعل المضارع دون اسم الفاعل والماضي. # ويرى صاحب الكشاف أن قوله : ( @QUR@04 ومخرج الميت من الحي ) معطوف على ( ~~@QUR@01 فالق ) لا على ( @QUR@01 يخرج ) لأنه بيان لفالق الحب والنوى. # قال رحمه الله : فإن قلت : كيف قال ( @QUR@04 ومخرج الميت من الحي ) بلفظ ~~اسم الفاعل بعد قوله : ( @QUR@04 يخرج الحي من الميت )؟ قلت : عطفه على ~~فالق الحب والنوى لا على الفعل ، ويخرج الحي من الميت : موقعه موقع الجملة ~~المبينة لقوله ( @QUR@03 فالق الحب والنوى ) لأن فالق الحب والنوى بالنبات ~~والشجر الناميين من جنس إخراج الحي من الميت ، لأن النامي في حكم الحيوان ~~ألا ترى إلى قوله تعالى ( @QUR@04 ويحي الأرض بعد موتها ) (2). PageV05P136 # ( @QUR@04 ذلكم الله فأنى تؤفكون ) الأفك بفتح الهمزة مصدر أفكه يأفكه من ~~باب ضرب إذا صرفه عن مكان أو عن ms1993 عمل ، ويقال أفكت الأرض أفكا : أى صرف عنها المطر. # والإشارة بذلكم لزيادة التمييز ، وللتعريض بغباوة المخاطبين والمشركين ~~لغفلتهم عن هذه الدلالة على أنه هو المستحق للعبادة. # والمعنى : ذلكم المتصف بما ذكر من مقتضى الحكمة البالغة والقدرة النافذة ~~هو الله خالق كل شيء فكيف تصرفون عن عبادة من يخلق إلى عبادة من لا يخلق ، ~~وتشركون معه من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا؟. # قال الإمام الرازي : والمقصود منه أن الحي والميت متضادان متنافيان ، ~~فحصول المثل عن المثل يوهم أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية. أما حصول الضد ~~من الضد فيمتنع أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية بل لا بد أن يكون بتقدير ~~المقدر الحكيم والمدبر العليم» (1). # ثم بين سبحانه ألوانا أخرى من مظاهر قدرته وحكمته فقال : ( @QUR@08 فالق ~~الإصباح وجعل الليل سكنا ، والشمس والقمر حسبانا ). # الإصباح : مصدر سمى به الصبح ، أى : شاق ظلمة الصبح وهي الغبش في آخر ~~الليل الذي يلي الفجر المستطيل الكاذب عن بياض النهار فيضيء الوجود ، ~~ويضمحل الظلام ، ويذهب الليل بسواده ، ويجيء النهار بضيائه. # وجملة «فالق الإصباح» خبر لمبتدأ محذوف أى : هو فالق ، أو خبر آخر لإن ( ~~@QUR@03 وجعل الليل سكنا ) أى وجعل الليل محلا لسكون الخلق فيه ، وراحة لهم ~~بعد معاشهم بالنهار وسعيهم للحصول على رزقهم. # قال صاحب الكشاف : السكن : ما يسكن إليه الرجل ويطمئن استئناسا به ~~واسترواحا إليه ، من زوج أو حبيب. ومنه قيل للنار سكن لأنه يستأنس بها ، ~~ألا تراهم سموها المؤنسة ، والليل يطمئن إليه المتعب بالنهار لاستراحته فيه ~~، ويجوز أن يراد : وجعل الليل مسكونا فيه من قوله : ( @QUR@02 لتسكنوا فيه ~~) (2). # ( @QUR@03 والشمس والقمر حسبانا ) الحسبان في الأصل مصدر حسب بفتح السين ~~كالغفران والشكران تقول حسبت المال حسبانا : أى أحصيته عددا. والمعنى : ~~وجعل الشمس والقمر يجريان في الفلك بحساب مقدر معلوم لا يتغير ولا يضطرب ~~حتى ينتهى إلى أقصى منازلهما بحيث PageV05P137 # تتم الشمس دورتها في سنة ويتم القمر دورته في شهر ، وبذلك تنتظم المصالح ~~المتعلقة بالفصول الأربعة وغيرها ، قال تعالى ( @QUR@013 هو الذي جعل الشمس ~~ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد ms1994 السنين والحساب ) (1). # وقوله ( @QUR@04 ذلك تقدير العزيز العليم ) أى : ذلك الجعل والتسيير ~~البديع الشأن تقدير العزيز ، أى : الغالب القاهر الذي لا يتعاصاه شيء من ~~الأشياء التي من جملتها تسييرهما على الوجه المخصوص ، العليم بكل شيء فلا ~~يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. # قال الإمام الرازي عند تفسيره لهذه الآية الكريمة ما ملخصه : # «اعلم أن هذا نوع آخر من دلائل وجود الصانع وعلمه وقدرته وحكمته فالنوع ~~المتقدم أى قوله ( @QUR@03 إن الله فالق )... إلخ كان مأخوذا من دلالة ~~أحوال النبات والحيوان ، والنوع المذكور في هذه الآية مأخوذ من الأحوال ~~الفلكية ، وذلك لأن فلق ظلمة الليل بنور الصبح أعظم في كمال القدرة من فلق ~~الحب والنوى بالنبات والشجر ولأن من المعلوم بالضرورة أن الأحوال الفلكية ~~أعظم في القلوب وأكثر وقعا من الأحوال الأرضية». # وبعد أن ساق رحمه الله الأدلة على ذلك قال : والعزيز إشارة إلى كمال قدرته ~~، والعليم إشارة إلى كمال علمه ، ومعناه : أن تقدير الأفلاك بصفاتها ~~المخصوصة ، وهيآتها المحدودة ، وحركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة في ~~البطء والسرعة ، لا يمكن تحصيله إلا بقدرة كاملة متعلقة بجميع الممكنات ، ~~وعلم نافذ في جميع المعلومات من الكليات والجزئيات ، وذلك تصريح بأن حصول ~~هذه الأحوال والصفات ليس بالطبع والخاصة ، وإنما هو بتخصيص الفاعل المختار ~~والله أعلم» (2). # ثم ساق سبحانه نوعا ثالثا من الدلائل على كمال قدرته ورحمته وحكمته فقال ~~تعالى ( @QUR@011 وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر ~~والبحر ) أى : وهو سبحانه وحده الذي أنشأ لكم هذه الكواكب النيرة لتهتدوا ~~بها إلى الطرق والمسالك خلال سيركم في ظلمات الليل بالبر والبحر حيث لا ~~ترون شمسا ولا قمرا. # وجملة ( @QUR@02 لتهتدوا بها ) بدل اشتمال من ضمير ( @QUR@01 لكم ) ~~بإعادة العامل ، فكأنه قيل : جعل النجوم لاهتدائكم. # ( @QUR@05 قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون ) أى : قد وضحنا وبينا الآيات ~~الدالة على قدرته تعالى PageV05P138 # ورحمته بعباده ، لقوم يعلمون وجه الاستدلال بها فيعملون بموجب علمهم ، ~~ويزدادون إيمانا على إيمانهم. # فالجملة الكريمة مستأنفة للتسجيل والتبليغ وقطع معذرة من لم يؤمنوا. # والتعريف في الآيات ms1995 للاستغراق فيشمل آية خلق النجوم وغيرها. # ثم ساق سبحانه لونا رابعا من دلائل كمال قدرته ورحمته. فقال تعالى : ( ~~@QUR@08 وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع ). # أى : وهو سبحانه الذي أوجدكم من نفس واحدة هي نفس أبيكم آدم عليه السلام ~~قال تعالى ( @QUR@018 يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ~~وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ). # وفي هذه الجملة الكريمة تذكير بنعمة أخرى من نعم الله على خلقه ، لأن ~~رجوع الناس إلى أصل واحد أقرب إلى التواد والتراحم والتعاطف ، وفيها أيضا ~~دليل على عظيم قدرته عز وجل . والفاء في قوله تعالى ( @QUR@02 فمستقر ~~ومستودع ) للتفريع عن أنشأكم. # أى : أنشأكم من نفس واحدة فلكم موضع الاستقرار في الأرحام أو في الأرض ~~وموضع استيداع في الأصلاب أو في القبور. # وهذا التفسير مأثور عن ابن عباس ، وقد زكاه الإمام الرازي فقال : ومما ~~يدل على قوة هذا القول أن النطفة الواحدة لا تبقى في صلب الأب زمانا طويلا ~~فالمستقر أقرب إلى الثبات من المستودع» (1). # وقيل المستقر حالة الإنسان بعد الموت لأنه إن كان سعيدا فقد استقرت تلك ~~السعادة ، وكذلك إن كان شقيا ، والمستودع حالة قبل الموت لأن الكافر قد ~~ينقلب مؤمنا. # وقيل : المستقر من خلق من النفس الأولى ودخل الدنيا واستقر فيها ، ~~والمستودع الذي لم يخلق بعد وسيخلق. # والذي نراه أن الرأى الأول هو الصحيح لأنه رأى جمهور المفسرين ، ولأن ~~شواهد القرآن تؤيده كما في قوله تعالى ( @QUR@07 ولكم في الأرض مستقر ومتاع ~~إلى حين ) وكما في قوله تعالى ( @QUR@08 ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل ~~مسمى ). # وقرئ ( @QUR@01 فمستقر ) بكسر القاف أى : فمنكم مستقر في الأرحام ومنكم ~~مستودع. PageV05P139 # وقوله ( @QUR@05 قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون ) أى : قد فصلنا الآيات ~~الدالة على قدرتنا ووضحناها لقوم يفقهون ما يتلى عليهم ويتدبرونه فينتفعون بذلك. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم قيل «يعلمون» مع ذكر النجوم و ( @QUR@01 ~~يفقهون ) مع ذكر إنشاء بنى آدم؟ قلت : كان إنشاء الإنس من نفس واحدة ~~وتصريفهم بين أحوال مختلفة ألطف وأدق صنعة ms1996 وتدبيرا فكان ذكر الفقه الذي هو ~~استعمال فطنته وتدقيق نظره مطابقا له (1). # وقد علق صاحب الانتصاف على كلام الزمخشري بما ملخصه : «جواب الزمخشري ~~صناعى ، والتحقيق أنه لما أريد فصل كليهما بفاصلة تنبيها على استقلال كل ~~واحدة منهما بالمقصود من الحجة ، كره فصلهما بفاصلتين متساويتين في اللفظ ، ~~لما في ذلك من التكرار فعدل إلى فاصلة مخالفة تحسينا للنظم واتساقا في ~~البلاغة ، ويحتمل وجها آخر في تخصيص الأولى بالعلم والثانية بالفقه وهو أنه ~~لما كان المقصود التعريض بمن لا يتدبر آيات الله ولا يعتبر بمخلوقاته وكانت ~~الآية الأولى خارجة عن أنفس النظار ومنافية لها ، إذ النجوم والنظر فيها ~~وعلم الحكمة الإلهية في تدبيره لها أمر خارج عن نفس الناظر ، ولا كذلك ~~النظر في إنشائهم من نفس واحدة ، وتقلباتهم في أطوار مختلفة فإنه نظر لا ~~يعدو نفس الناظر ولا يتجاوزها ، فإذا تمهد ذلك فجهل الإنسان بنفسه وبأحواله ~~أبشع من جهله بالأمور الخارجة عنه كالنجوم والأفلاك ، فلما كان الفقه أدنى ~~درجات العلم إذ هو عبارة عن الفهم نفى من أشبع القبيلين جهلا وهم الذين لا ~~يتبصرون في أنفسهم ، ونفى الأدنى أبشع من نفى الأعلى درجة فخص به أسوأ ~~الفريقين حالا .. وإذا قيل : فلان «لا يفقه شيئا» كان أذم في العرف من قولك ~~: فلان لا يعلم شيئا وكأن معنى قولك لا يفقه شيئا ليست له أهلية الفهم وإن ~~فهم ، وأما قولك «لا يعلم شيئا» فغايته نفى حصول العلم له ، وقد يكون له ~~أهلية الفهم والعلم لو يعلم» (2). # ثم ساق سبحانه حجة خامسة تدل دلالة واضحة على كمال قدرته وعلمه ورحمته ~~وإحسانه إلى خلقه فقال تعالى : # ( @QUR@011 وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء ). # أى : وهو سبحانه الذي أنزل من السحاب ماء فأخرجنا بسبب ذلك كل صنف من ~~أصناف النبات والثمار المختلفة في الكم والكيف والطعوم والألوان ، قال ~~تعالى ( @QUR@015 وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان ~~وغير صنوان يسقى بماء واحد PageV05P140 # @QUR@012 ونفضل بعضها على بعض في الأكل ، إن في ذلك ms1997 لآيات لقوم يعقلون ). # وسمى السحاب سماء لأن العرب تسمى كل ما علا سماء ، ونزول الماء من السحاب ~~قد جاء صريحا في مثل قوله تعالى ( @QUR@011 أفرأيتم الماء الذي تشربون ~~أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون ). # و ( @QUR@01 من ) في قوله ( @QUR@02 من السماء ) ابتدائية ، لأن ماء ~~المطر يتكون في طبقات الجو العليا الباردة عند تصاعد البخار الأرضى إليها ~~فيصير البخار كثيفا وهو السحاب ثم يتحول إلى ماء ، والباء في ( @QUR@01 به ~~) للسببية. حيث جعل الله تعالى الماء سببا في خروج النبات ، والفاء في قوله ~~( @QUR@02 فأخرجنا به ) للتفريع و ( @QUR@01 فأخرجنا ) عطف على ( @QUR@01 ~~أنزل ) والالتفات إلى التكلم إظهار لكمال العناية بشأن ما أنزل الماء لأجله. # ثم شرع سبحانه في تفصيل ما أجمل من الإخراج فقال : ( @QUR@03 فأخرجنا منه ~~خضرا ) أى : فأخرجنا من النبات الذي لا ساق له نباتا غضا أخضر ، وهو ما ~~تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة ، وخضر بمعنى أخضر اسم فاعل. يقال : ~~خضر الزرع من باب فرح وأخضر ، فهو خضر وأخضر. # وقوله ( @QUR@04 نخرج منه حبا متراكبا ). أى : نخرج من هذا النبات الخضر ~~( @QUR@02 حبا متراكبا ) أى : متراكما بعضه فوق بعض كما في الحنطة والشعير ~~وسائر الحبوب ، يقال : ركبه كسمعه ركوبا ومراكبا. أى : علاه. # وجملة ( @QUR@02 نخرج منه ) صفة لقوله «خضرا». وعبر عنها بصيغة المضارع ~~لاستحضار الصورة لما فيها من الغرابة لأن إخراج الحب المتراكب من هذا الخضر ~~الغض يدعو إلى التأمل والإعجاب بمظاهر قدرة الله. # وبعد أن ذكر سبحانه ما ينبت من الحب أتبعه بذكر ما ينبت من النوى فقال : ~~( @QUR@06 ومن النخل من طلعها قنوان دانية ). # الطلع : أول ما يبدو ويخرج من تمر النخل كالكيزان. وقشره يسمى الكفرى ؛ ~~وما في داخله يسمى الإغريق لبياضه. # والقنوان. جمع قنو وهو العرجون بما فيه الشماريخ ، وهو ومثناه سواه لا ~~يفرق بينهما إلا في الإعراب. أى : ونخرج بقدرتنا من طلع النخل قنوان دانية ~~القطوف ، سهلة التناول أو بعضها دان قريب من بعض لكثرة حملها. # قال صاحب الكشاف : و ( @QUR@01 قنوان ) رفع بالابتداء ، و ( @QUR@02 من ~~النخل ) خبره و ( @QUR@02 من طلعها ) PageV05P141 # بدل ms1998 منه. كأنه قيل : وحاصلة من طلع النخل قنوان دانية. وذكر القريبة وترك ~~ذكر البعيدة ، لأن النعمة فيها أظهر وأدل ، واكتفى بذكر القريبة على ذكر ~~البعيدة كقوله : ( @QUR@03 سرابيل تقيكم الحر ) (1). # وقوله : ( @QUR@03 وجنات من أعناب ) معطوف على ( @QUR@03 نبات كل شيء ) ~~أى : فأخرجنا بهذا الماء نبات كل شيء وأخرجنا به جنات كائنة من أعناب. ~~وجعله : بعضهم عطفا على ( @QUR@01 خضرا ). وقيل هو معطوف على ( @QUR@01 ~~حبا ). # وقوله : ( @QUR@02 والزيتون والرمان ) منصوب على الاختصاص أى : وأخص من ~~نبات كل شيء الزيتون والرمان ، وقيل معطوف على ( @QUR@03 نبات كل شيء ). # قال الآلوسى : وقوله : ( @QUR@03 مشتبها وغير متشابه ) إما حال من ~~الزيتون لسبقه اكتفى به عن حال ما عطف عليه وهو الرمان والتقدير : والزيتون ~~مشتبها وغير متشابه والرمان كذلك ، وإما حال من الرمان لقربه ويقدر مثله في الأول. # وأياما كان ففي الكلام مضاف مقدر وهو بعض. أى بعض ذلك مشتبها وبعضه غير ~~متشابه في الهيئة والمقدار واللون والطعم وغير ذلك من الأوصاف الدالة على ~~كمال قدرة صانعها ، وحكمة منشئها ومبدعها كما قال تعالى ( @QUR@09 يسقى ~~بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل ) (2). # ثم أمر الله عباده أن يتأملوا في بديع صنعه فقال : ( @QUR@06 انظروا إلى ~~ثمره إذا أثمر وينعه ) أى : انظروا نظر تأمل واعتبار إلى ثمار كل واحد مما ~~ذكرنا حال ابتدائه حين يكون ضئيلا ضعيفا لا يكاد ينتفع به ، وحال ينعه أى : ~~نضجه كيف يصير كبيرا أو جامعا لألوان من المنافع والملاذ. # يقال : أينعت الثمرة إذا نضجت. # وقوله ( @QUR@06 إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ) أى : إن في ذلكم الذي ~~ذكرناه من أنواع النبات والثمار ، وذلكم الذي أمرتم بالنظر إليه لدلائل ~~عظيمة على وجود القادر الحكيم لقوم يصدقون بأن الذي أخرج هذا النبات وهذه ~~الثمار لهو المستحق للعبادة دون ما سواه أو هو القادر على أن يحيى الموتى ~~ويبعثهم. # قال الشيخ القاسمى : قال بعضهم : القوم كانوا ينكرون البعث فاحتج عليهم ~~بتعريف ما خلق ونقله من حال إلى حال وهو ما يعلمونه قطعا ويشاهدونه من ~~إحياء الأرض بعد موتها ، PageV05P142 # وإخراج أنواع النبات والثمار ms1999 منها. وأنه لا يقدر على ذلك أحد إلا الله ~~تعالى فبين أنه سبحانه كذلك قادر على إنشائهم من نفوسهم وأبدانهم ، وعلى ~~البعث بإنزال المطر من السماء ، ثم إنبات الأجساد كالنبات ، ثم جعلها خضرة ~~بالحياة ثم تصوير الأعمال بصور كثيرة ، وإفادة أمور زائدة وتفريعها ، ~~وإعطاء أطعمة مشتبهة في الصورة غير متشابهة في اللذة جزاء عليها» (1). # هذا وقد أفاض الإمام الرازي رحمه الله عند تفسيره لهذه الآية في بيان ~~مظاهر قدرة الله وكمال رحمته وحكمته فقال ما ملخصه : # «اعلم أنه تعالى ذكره هنا أربعة أنواع من الأشجار : النخل والعنب ~~والزيتون والرمان. وإنما قدم الزرع على الشجر لأن الزرع غذاء ، وثمار ~~الأشجار فواكه ، والغذاء مقدم على الفاكهة ، وإنما قدم النخل على سائر ~~الفواكه لأن التمر يجرى مجرى الغذاء بالنسبة إلى العرب. وإنما ذكر العنب ~~عقيب النخيل ، لأن العنب أشرف أنواع الفواكه ، وذلك لأنه من أول ما يظهر ~~يصير منتفعا به إلى آخر الحال. وأما الزيتون فهو أيضا كثير النفع لأنه يمكن ~~تناوله كما هو وينفصل أيضا عنه دهن كثير عظيم النفع. وأما الرمان فحاله ~~عجيب جدا. واعلم أن أنواع النبات أكثر من أن تفي بشرحها مجلدات ، فلهذا ~~السبب ذكر سبحانه هذه الأقسام الأربعة التي هي أشرف أنواع النبات ، واكتفى ~~بذكرها تنبيها على البواقي. # ثم قال : وقد أمر سبحانه بالنظر في حال ابتداء الثمر ونضجه لأن هذا هو ~~موضوع الاستدلال ، والحجة التي هي تمام المقصود من هذه الآية وذلك لأن هذه ~~الثمار والأزهار تتولد في أول حدوثها عن صفات مخصوصة وعند تمامها لا تبقى ~~على حالاتها الأولى بل تنتقل إلى أحوال مضادة للأحوال السابقة مثل أنها ~~كانت موصوفة بلون الخضرة فتصير ملونة بلون السواد أو بلون الحمرة وكانت ~~موصوفة بالحموضة فتصير موصوفة بالحلاوة ، وربما كانت في أول الأمر باردة ~~بحسب الطبيعة فتصير في آخر أمرها حارة بحسب الطبيعة أيضا فحصول هذه ~~المبتدلات والمتغيرات لا بد له من سبب ، وذلك السبب ليس هو تأثير الطبائع ~~والفصول والأنجم والأفلاك ، لأن نسبة هذه الأحوال بأسرها إلى جميع ms2000 هذه ~~الأجسام المتباينة متساوية متشابهة ، والنسب المتشابهة لا يمكن أن تكون ~~أسبابا لحدوث الحوادث المختلفة. ولما بطل إسناد حدوث هذه الحوادث إلى ~~الطبائع والأنجم والأفلاك وجب إسناده إلى القادر المختار الحكيم الرحيم ~~المدبر لهذا العالم على وفق الرحمة ، والمصلحة الحكيمة» (2). PageV05P143 # وبعد أن ذكر سبحانه تلك الدلائل الدالة على عظيم قدرته ، وباهر حكمته ~~ووافر نعمته. واستحقاقه الألوهية ، أتبعها بتوبيخ المشركين والرد عليهم بما ~~يرشدهم إلى الطريق القويم لو كانوا يعقلون فقال تعالى : # ( @QUR@015 وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ~~سبحانه وتعالى عما يصفون (100) @QUR@018 بديع السماوات والأرض أنى يكون له ~~ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم (101) @QUR@016 ذلكم ~~الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل (102) ~~@QUR@09 لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ) (103) # قوله ( @QUR@04 وجعلوا لله شركاء الجن ) أى : وجعل هؤلاء المشركون لله ~~سبحانه شركاء في الألوهية والربوبية من الجن. # وفي المراد بالجن هنا أقوال : # أحدها : أنهم الملائكة حيث عبدوهم وقالوا إنهم بنات الله وتسميتهم جنا ~~مجازا لاجتنانهم واستتارهم عن الأعين كالجن. # والثاني : أن المراد بالجن هنا الشياطين. ومعنى جعلهم شركاء أنهم أطاعوهم ~~في أمور الشرك والمعاصي كما يطاع الله تعالى . # والثالث : أن المراد بالجن إبليس فقد عبده قوم وسموه ربا ومنهم من سماه ~~إله الشر والظلمة وخص الباري بألوهية الخير والنور. وقد نقل هذا الرأى عن ~~ابن عباس ، وقد قال الرازي عن هذا الرأى أنه أحسن الوجوه المذكورة في هذه الآية. # أما ابن كثير فقد رجح الرأى الثاني وقال : فإن قيل كيف عبدت الجن مع أنهم ~~إنما كانوا يعبدون الأصنام؟. PageV05P144 # فالجواب : أنهم ما عبدوها إلا عن طاعة الجن وأمرهم لهم بذلك كقوله : ( ~~@QUR@011 إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا ) وكقوله ~~( @QUR@019 ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان ، إنه لكم عدو ~~مبين ، وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ) وتقول الملائكة يوم القيامة : ( ~~@QUR@012 سبحانك أنت ولينا من دونهم بل ms2001 كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم ~~مؤمنون ) (1). # وقال سبحانه ( @QUR@04 وجعلوا لله شركاء الجن ) ولم يقل : وجعلوا الجن ~~شركاء لله. لإفادة أن محل الغرابة والنكارة أن يكون لله شركاء. ولو قال ~~وجعلوا الجن شركاء لله لأوهم أن موضع الإنكار أن يكون الجن شركاء لله ~~لكونهم جنا. وليس الأمر كذلك ، بل المنكر أن يكون لله شريك من أى جنس كان. # وجملة : ( @QUR@01 وخلقهم ) حال من فاعل ( @QUR@01 جعلوا ) مؤكدة لما في ~~جعلهم ذلك من كمال القباحة والبطلان. # أى : وجعلوا لله شركاء الجن والحال أنهم قد علموا أن الله وحده هو الذي ~~خلقهم دون الجن وليس من يخلق كمن لا يخلق ، وعليه فالضمير في خلقهم يعود ~~على المشركين الذين جعلوا لله شركاء. # وقيل الضمير للشركاء أى : والحال أنهم قد علموا أن الله هو الذي خلق الجن ~~فكيف يجعلون مخلوقه شريكا له؟. # وقوله ( @QUR@06 وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ) أى : واختلقوا وافتروا ~~له بجهلهم وانطماس بصيرتهم بنين وبنات من غير أن يعلموا حقيقة ما قالوه من ~~خطأ أو صواب ، ولكن رميا بقول عن عمى وجهالة من غير فكر وروية. أو بغير علم ~~بمرتبة ما قالوه وأنه من الشناعة والبطلان بحيث لا يقادر قدره ، وفيه ذم ~~لهم بأنهم يقولون ما يقولون بمجرد الرأى والهوى وفيه إشارة إلى أنه لا يجوز ~~أن ينسب إليه تعالى إلا ما قام الدليل على صحته. # قال الراغب : «أصل الخرق قطع الشيء على سبيل الفساد من غير تدبر ولا تفكر ~~، قال تعالى ( @QUR@03 أخرقتها لتغرق أهلها )، وهو ضد الخلق لأن الخلق هو ~~فعل الشيء بتقدير ورفق» (2). # ثم ختمت الآية الكريمة بتنزيه الله تعالى عما نسبوه إليه فقال تعالى : ( ~~@QUR@04 سبحانه وتعالى عما يصفون ) أى : تقدس وتنزه وتعاظم عما يصفه به ~~هؤلاء الضالون من الأجداد والأولاد والنظراء والشركاء. PageV05P145 # ثم ساق سبحانه الأدلة المبطلة لما تفوه به المشركون من مزاعم فقال تعالى ~~( @QUR@018 بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل ~~شيء وهو بكل شيء عليم ). # أى : هو مبدعهما ومنشئهما وخالقهما على غير مثال ms2002 سبق ، ومنه سميت البدعة ~~بدعة لأنه لا نظير لها فيما سلف. # وقوله : ( @QUR@08 أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ) أى : من أين وكيف ~~يكون له ولد كما زعموا والحال أنه ليس له صاحبة يكون الولد منها ، ويستحيل ~~ضرورة وجود الولد بلا والدة وإن أمكن وجوده بلا والد ، وأيضا الولد لا يحصل ~~إلا بين متجانسين ولا مجانس له سبحانه . # وجملة ( @QUR@04 أنى يكون له ولد ) مستأنفة لتقرير تنزهه عن ذلك ، وجملة ~~( @QUR@04 ولم تكن له صاحبة ) حال مؤكدة لاستحالة ما نسبوه إليه من الولد. # وقوله ( @QUR@03 وخلق كل شيء ) جملة أخرى مستأنفة لتحقيق ما ذكر من ~~الاستحالة ، أو حال ثانيه مقررة لها. # أى : كيف يكون له ولد والحال أنه خلق كل شيء انتظمه التكوين والإيجاد من ~~الموجودات التي من جملتها ما سموه ولدا له تعالى فكيف يتصور أن يكون ~~المخلوق ولدا لخالقه؟ # قال صاحب الكشاف : «وفي هذه الآية الكريمة إبطال لأن يكون لله ولد من ~~ثلاثة أوجه : # أحدها : أن مبتدع السموات والأرض وهي أجسام عظيمة لا يستقيم أن يوصف ~~بالولادة. # لأن الولادة من صفات الأجسام ، ومخترع الأجسام لا يكون جسما حتى يكون والدا. # والثاني : أن الولادة لا تكون إلا لمن له صاحبة والله تعالى لا صاحبة له ~~فلم تصح الولادة. # والثالث : أنه ما من شيء إلا وهو خالقه والعالم به ، ومن كان بهذه الصفة ~~كان غنيا عن كل شيء والولد إنما يطلبه المحتاج (1). # وجملة ( @QUR@04 وهو بكل شيء عليم ) مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها من ~~الدلائل القاطعة ببطلان أن يكون له ولد. PageV05P146 # أى : أنه سبحانه عالم بكل المعلومات ، فلو كان له ولد فلا بد أن يتصف ~~بصفاته ومنها عموم العلم ، وهو منفي عن غيره بالإجماع. # وبعد أن أبطل سبحانه الشرك ونعى على معتنقيه سوء تفكيرهم ، دعا المكلفين ~~إلى إخلاص العبودية لله وحده فقال تعالى : # ( @QUR@011 ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه ). # أى ذلكم الموصوف بما سمعتم من جلائل الصفات هو الله ربكم لا من زعمتم من ~~الشركاء ، فأخلصوا له العبادة ms2003 فهو سبحانه الخالق لكل شيء وما عداه فهو ~~مخلوق يجب أن يعبد خالقه. # وقوله ( @QUR@05 وهو على كل شيء وكيل ) أى وهو مع تلك الصفات الجليلة ~~رقيب على عباده حفيظ عليهم ، يدبر أمرهم ، ويتولى جميع شئونهم. # وقوله : ( @QUR@03 لا تدركه الأبصار ) جملة مستأنفة إما مؤكدة لقوله ( ~~@QUR@05 وهو على كل شيء وكيل ) ذكرت للتخويف بأنه رقيب من حيث لا يرى فيجب ~~أن يخاف ويحذر ، وأما مؤكدة أعظم تأكيد لما تقرر قبل من تنزهه وتعاليمه عما ~~وصفه به المشركون ، ببيان أنه لا تراه الأبصار المعبودة وهي أبصار أهل ~~الدنيا لجلاله وكبريائه وعظمته. فكيف يكون له ولد؟. # والإدراك : اللحاق والوصل إلى الشيء والإحاطة به. والأبصار جمع بصر يطلق ~~كما قال الراغب على الجارحة الناظرة وعلى القوة التي فيها. # والمعنى : لا تحيط بعظمته وجلاله على ما هو عليه سبحانه أبصار الخلائق ، ~~أو لا تدركه الأبصار إدراك إحاطة بكنهه وحقيقته فإن ذلك محال والإدراك بهذا ~~المعنى أخص من الرؤية التي هي مجرد المعاينة ، فنفيه لا يقتضى نفى الرؤية ، ~~لأن نفى الأخص لا يقتضى نفى الأعم فأنت ترى الشمس والقمر ولكنك لا تدرك ~~كنههما وحقيقتهما. # هذا ، وهناك خلاف مشهور بين أهل السنة والمعتزلة في مسألة رؤية الله ~~تعالى في الآخرة. # أما أهل السنة فيجيزون ذلك ويستشهدون بالكتاب والسنة ، فمن الكتاب قوله ~~تعالى ( @QUR@06 وجوه يومئذ ناضرة* إلى ربها ناظرة ) ومن السنة ما رواه ~~الشيخان عن جرير بن عبد الله البجلي قال : كنا جلوسا عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر وقال : «إنكم سترون ربكم كما ~~ترون هذا القمر ، لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل ~~طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ ( @QUR@08 وسبح بحمد ربك قبل طلوع ~~الشمس وقبل الغروب ). PageV05P147 # قال الإمام ابن كثير : تواترت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة في العرصات وفي روضات الجنات» (1). # أما المعتزلة فيمنعون رؤية المؤمنين لله تعالى في الآخرة ، واستدلوا فيما ~~استدلوا بهذه الآية ، وقالوا ms2004 : إن الإدراك المضاف إلى الأبصار إنما هو ~~الرؤية ولا فرق بين ما أدركته ببصرى ورأيته إلا في اللفظ. # والذي نراه أن رأى أهل السنة أقوى لأن ظواهر النصوص تؤيدهم ولا مجال هنا ~~لبسط حجج كل فريق ، فقد تكفلت بذلك كتب علم الكلام (2). # وقوله ( @QUR@03 وهو يدرك الأبصار ) أى : وهو يدرك القوة التي تدرك بها ~~المبصرات. ويحيط بها علما ، إذ هو خالق القوى والحواس. # وقوله ( @QUR@03 وهو اللطيف الخبير ) أى : هو الذي يعامل عباده باللطف ~~والرأفة وهو العليم بدقائق الأمور وجلياتها. # * * * # ثم أخذ القرآن في تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي تسليته. وفي مدح ما ~~جاء به من هدايات فقال تعالى : # ( @QUR@015 قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما ~~أنا عليكم بحفيظ (104) @QUR@08 وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه ~~لقوم يعلمون (105) @QUR@013 اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض ~~عن المشركين (106) @QUR@013 ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا ~~وما أنت عليهم بوكيل (107) @QUR@03 ولا تسبوا الذين PageV05P148 # @QUR@022 يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة ~~عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون (108) @QUR@021 وأقسموا ~~بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما ~~يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون (109) @QUR@013 ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما ~~لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ) (110) # قوله ( @QUR@05 قد جاءكم بصائر من ربكم ) البصائر : جمع بصيرة ، وهي ~~للقلب بمنزلة البصر للعين ، فهي النور الذي يبصر به القلب ، كما أن البصر ~~هو النور الذي تبصر به العين. # والمراد بها آيات القرآن ودلائله التي يفرق بها بين الهدى والضلالة. أى : ~~قد جاءكم أيها الناس من ربكم وخالقكم هذا القرآن بآياته وحججه وهداياته لكي ~~تميزوا بين الحق والباطل ، وتتبعوا الصراط المستقيم. # وإطلاق البصائر على هذه الآيات من إطلاق اسم المسبب على السبب. # وقوله : ( @QUR@06 فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها ) أى : فمن أبصر الحق ~~وعلمه بواسطة تلك البصائر وآمن به فلنفسه أبصر وإياها نفع ms2005 ، ولسعادتها ما ~~قدم من ألوان الخير ، ومن عمى عن الحق وجهله بإعراضه عن هذه البصائر فعلى ~~نفسه وحدها جنى وإياها ضرب العمى وهذا كقوله تعالى : ( @QUR@07 إن أحسنتم ~~أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ) وقوله : ( @QUR@07 من عمل صالحا فلنفسه ~~ومن أساء فعليها ). # واختتمت الآية بقوله ( @QUR@04 وما أنا عليكم بحفيظ ) أى : وما أنا عليكم ~~برقيب أحصى عليكم أعمالكم ، وأحفظكم من الضلال ، وإنما أنا على البلاغ ~~والله وحده هو الذي يحصى عليكم أعمالكم ويجازيكم عليها بما تستحقون. # وقوله : ( @QUR@03 وكذلك نصرف الآيات ) أى : وكما فصلنا الآيات الدالة ~~على التوحيد في هذه السورة تفصيلا بديعا محكما نفصل الآيات ونبينها وننوعها ~~في كل موطن لتقوم على الجاحدين الحجة ، وليزداد المؤمنون إيمانا على ~~إيمانهم. PageV05P149 # ( @QUR@02 وليقولوا درست ) يقال درس الكتاب يدرسه دراسة إذا أكثر قراءته ~~وذلك للحفظ. وأصله من درس الحنطة يدرسها درسا ودراسا إذا داسها ، فكأن ~~التالي يدوس الكلام فيخفف على لسانه. # والمعنى : وليقول المشركون في الرد عليك : إنك يا محمد قد قرأت الكتب على ~~أهل الكتاب وتعلمت منهم ، وحفظت عن طريق الدراسة أخبار من مضى ، ثم جئتنا ~~بعد كل ذلك تزعم أن ما جئت به من عند الله ، وما هو من عند الله. # وقد حكى القرآن في مواضع كثيرة التهم الباطلة التي وجهها المشركون إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم ومن ذلك قوله تعالى : # ( @QUR@025 وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم ~~آخرون فقد جاؤ ظلما وزورا* وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه ~~بكرة وأصيلا ) (1). # قال ابن عباس : ( @QUR@01 وليقولوا ) يعنى : أهل مكة حين تقرأ عليهم ~~القرآن ( @QUR@01 درست ) يعنى : تعلمت من يسار وخير وكانا عبدين من سبى ~~الروم ثم قرأت علينا تزعم أنه من عند الله. # وقال الفراء : معناه ، تعلمت من اليهود لأنهم كانوا معروفين عند أهل مكة ~~بالعلم والمعرفة. # وقرئ (دارست) بالألف وفتح التاء أى : دارست غيرك ممن يعلم الأخبار ~~الماضية كأهل الكتاب ، من المدارسة بين الإثنين ، أى : قرأت عليهم وقرءوا عليك. # قال تعالى : ( @QUR@016 ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي ms2006 ~~يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ). # وقرئ أيضا (درست) بفتح الدال والراء والسين وسكون التاء أى : وليقولوا ~~مضت وقدمت وتكررت على الأسماع ، وقد حكى القرآن أنهم قالوا أساطير الأولين ~~قال تعالى ( @QUR@012 حتى إذا جاؤك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا ~~أساطير الأولين ). # وهذه القراءات الثلاث متواترة وهناك قراءات أخرى شاذة لا مجال لذكرها هنا. # وقوله : ( @QUR@03 ولنبينه لقوم يعلمون ) أى : ولنبين ونوضح هذا القرآن ~~لقوم يعلمون الحق فيتبعونه والباطل فيجتنبونه ، فهم المنتفعون به دون سواهم. # فالضمير في ( @QUR@01 ولنبينه ) يعود إلى القرآن لكونه معلوما وإن لم يجر ~~له ذكر ، وقيل : يعود إلى الآيات لأنها في معنى القرآن. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : أى فرق بين اللامين في ( @QUR@01 وليقولوا ) ~~و ( @QUR@01 لنبينه )؟ PageV05P150 # قلت : الفرق بينهما أن الأول مجاز والثانية حقيقة ، وذلك لأن الآيات صرفت ~~للنبيين ولم تصرف ليقولوا درست ، ولكن لأنه حصل هذا القول بتصريف الآيات ~~كما حصل للنبيين شبه به فسيق مساقه (1). # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يستمر في دعوته دون أن يعول ~~على تعنت المشركين فقال تعالى ( @QUR@013 اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله ~~إلا هو وأعرض عن المشركين ). # أى عليك يا محمد أن تداوم على تبليغ رسالتك ، متبعا في ذلك ما أوحاه إليك ~~ربك الذي لا إله إلا هو من آيات وهدايات ، معرضا عن المشركين الذين يفترون ~~على الله الكذب وهم يعلمون. # وجملة ( @QUR@04 لا إله إلا هو ) معترضة لتأكيد إيجاب الاتباع ، أو حال ~~مؤكدة لقوله «من ربك» بمعنى : منفردا في الألوهية. # ثم هون عليه أمر إعراضهم فقال تعالى ( @QUR@05 ولو شاء الله ما أشركوا ) ~~. أى : ولو شاء الله عدم إشراكهم لما أشركوا ، ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك ~~لأنه جرت سنته برعاية الاستعدادات. # قال الآلوسى : وهذا دليل أهل السنة على أنه تعالى لا يريد إيمان الكافر ~~لكن لا بمعنى أنه يمنعه عنه مع توجهه إليه ، ولكن بمعنى أنه تعالى لا يريده ~~منه لسوء اختياره الناشئ من سوء استعداده» (2). # وقوله ( @QUR@08 وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت ms2007 عليهم بوكيل ) أى : وما ~~جعلناك عليهم حفيظا يحفظ عليهم أعمالهم لتحاسبهم وتجازيهم عليها وما أنت ~~عليهم بوكيل تدبر عليهم أمورهم وتتصرف فيها ، وإنما أنت وظيفتك التبليغ قال ~~تعالى ( @QUR@07 فإن تولوا* فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ) وقال تعالى ~~( @QUR@07 فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر ). # ثم أرشد الله المؤمنين إلى مكارم الأخلاق ، فنهاهم عن سب آلهة المشركين ~~حتى لا يقابلهم المشركون بالمثل فقال تعالى : ( @QUR@07 ولا تسبوا الذين ~~يدعون من دون الله ). # السب : الشتم الوضيع وذكر مساوئ الغير لمجرد التحقير والإهانة. # وعدوا : مصدر بمعنى العدوان والظلم والتجاوز من الحق إلى الباطل وهو ~~مفعول مطلق PageV05P151 # «لتسبوا». من معناه ، لأن السب عدوان ، وقيل هو حال من ضمير ( @QUR@01 ~~فيسبوا ) مؤكدة لمضمون الجملة وكذلك قوله ( @QUR@02 بغير علم ). # والمعنى : ولا تسبوا ايها المؤمنون آلهة المشركين الباطلة فيترتب على ذلك ~~أن يسب المشركون معبودكم الحق جهلا منهم وضلالا. # قال الآلوسى : ومعنى سبهم لله تعالى إفضاء كلامهم إليه كشتمهم له ~~صلى الله عليه وسلم ولمن يأمره وقد فسر ( @QUR@02 بغير علم ) بذلك أى : فيسبوا ~~الله تعالى بغير علم أنهم يسبونه وإلا فالقوم كانوا يقرون بالله تعالى ~~وعظمته وأن آلهتهم إنما عبدوها لتكون شفعاء لهم عنده سبحانه فكيف يسبونه؟ ~~ويحتمل أن يراد سبهم له عز وجل صراحة ولا إشكال بناء على أن الغضب والغيظ قد ~~يحملهم على ذلك ، ألا ترى أن المسلم قد تحمله شدة غيظه على التكلم بالكفر! ~~ومما شاهدناه أن بعض جهلة العوام رأى بعض الرافضة يسب الشيخين أبا بكر وعمر ~~فغاظه ذلك جدا فسب عليا كرم الله وجهه فسئل عن ذلك فقال : ما أردت إلا ~~إغاظتهم ولم أر شيئا يغيظهم مثل ذلك فاستتيب عن هذا الجهل العظيم» (1). # وقد روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية الكريمة روايات منها ما رواه ~~معمر عن قتادة قال. كان المسلمون يسبون أوثان الكفار فيسب الكفار الله عدوا ~~بغير علم فنزلت» (2). # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : سب الآلهة الباطلة حق وطاعة فكيف صح النهى ~~عنه وإنما يصح النهى عن المعاصي؟ قلت رب طاعة ms2008 علم أنها تؤدى إلى مفسدة ~~فتخرج عن أن تكون طاعة فيجب النهى عنها لأنها معصية لا لأنها طاعة. كالنهى ~~عن المنكر هو من أجل الطاعات ، فإذا علم أنه يؤدى إلى زيادة الشر انقلب إلى ~~معصية ووجب النهى عن ذلك كما يجب النهى عن المنكر» (3). # وقال الشيخ القاسمى : قال ابن الفارس في الآية : إنه متى خيف من سب ~~الكفار وأصنامهم أن يسبوا الله أو رسوله أو القرآن لم يجز أن يسبوا آلهتهم ~~ولا دينهم ، وهذا أصل في سد الذرائع». # وقال السيوطي : «وقد يستدل بها على سقوط وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن ~~المنكر إذا خيف من ذلك مفسدة أقوى وكذا كل مفعول مطلوب ترتب على فعله مفسدة ~~أقوى من مفسدة تركه». PageV05P152 ### ||| ** وقال الحاكم : نهوا عن سب الأصنام لوجهين : # أحدهما : أنها جماد لا ذنب لها. # والثاني : أن ذلك يؤدى إلى المعصية بسب الله تعالى . والذي يجب علينا ~~إنما هو بيان بغضها وأنه لا تجوز عبادتها ، وأنها لا تضر ولا تنفع ، وأنها ~~لا تستحق العبادة ، وهذا ليس بسب. ولهذا قال أمير المؤمنين على يوم صفين ~~«لا تسبوهم ولكن اذكروا قبيح أفعالهم» (1). # وقال بعض العلماء : ووجه النهى عن سب أصنامهم هو أن السب لا تترتب عليه ~~مصلحة دينية ، لأن المقصود من الدعوة هو الاستدلال على إبطال الشرك وإظهار ~~استحالة أن تكون الأصنام شركاء لله تعالى فذلك الذي يتميز به المحق من ~~المبطل ، فأما السب فإنه مقدور للمحق وللمبطل فيظهر بمظهر التساوي بينهما ، ~~وربما استطاع المبطل بوقاحته وفحشه ما لا يستطيعه المحق ، فيلوح للناس أنه ~~تغلب على المحق. على أن سب آلهتهم لما كان يحمى غيظهم ويزيد تصلبهم صار ~~منافيا لمراد الله من الدعوة فقد قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ( @QUR@04 ~~وجادلهم بالتي هي أحسن ). وأصبح هذا السب متمحضا للمفسدة وليس مشوبا ~~بمصلحة ، وليس هذا مثل تغيير المنكر إذا خيف إفضاؤه إلى مفسدة ، لأن تغيير ~~المنكر مصلحة بالذات وإفضاؤه إلى المفسدة بالعرض. وذلك مجال تتردد فيه ~~أنظار العلماء المجتهدين بحسب الموازنة بين المصالح والمفاسد قوة ms2009 وضعفا ~~وتحققا واحتمالا ، وكذلك القول في تعارض المصالح والمفاسد كلها (2). # وهذه الآية الكريمة ليست منسوخة بآية السيف كما قيل وإنما هي محكمة ولذا ~~قال القرطبي : قال العلماء : حكمها باق في هذه الأمة على كل حال فمتى كان ~~الكافر في منعة وخيف أن يسب الإسلام أو النبي صلى الله عليه وسلم أو الله ~~تعالى فلا يحل لمسلم أن يسب صلبانهم ولا كنائسهم ، ولا يتعرض إلى ما يؤدى ~~إلى ذلك ، لأنه بمنزلة البعث على المعصية» (3). # وقوله ( @QUR@05 كذلك زينا لكل أمة عملهم ). # التزيين تفعيل من الزين وهو الحسن. # والمعنى : مثل ذلك التزيين الذي حمل المشركين على الدفاع عن عقائدهم ~~الباطلة جهلا منهم وعدوانا ، زينا لكل أمة من الأمم عملهم ، من الخير والشر ~~والإيمان والكفر ، فقد مضت سننا في أخلاق البشر أن يستحسنوا ما تعودوه ، ~~وأن يتعلقوا بما ألفوه. PageV05P153 # وقيل : المراد بكل أمة أمم الفكر لأن الكلام فيهم. والمراد بعملهم. ~~شرورهم ومفاسدهم. والمشبه به تزيين سب الله تعالى لهم. # أى : كما زينا لهؤلاء المشركين سوء أعمالهم زينا لكل أمة من الأمم ~~الماضية على الضلال عملهم السيئ. # قال الآلوسى : «وقد استدل بالآية على أنه تعالى هو الذي زين للكافر كفره ~~كما زين للمؤمن إيمانه. وأنكر ذلك المعتزلة فتأولوا الآية بما لا يخفى ضعفه». # وقال صاحب المنار : فظهر بهذا التزيين أثر لأعمال اختيارية لا جبر فيها ~~ولا إكراه وليس المراد به أن الله خلق في قلوب بعض الأمم تزيينا للكفر ~~والشر ، وفي قلوب بعضها الآخر تزيينا للإيمان والخير خلقا ابتدائيا من غير ~~أن يكون لهم عمل اختياري نشأ عنه ذلك ، إذ لو كان الأمر كما ذكر لكان ~~الإيمان والكفر والخير والشر من الغرائب الخلقية التي تعد الدعوة إليها ~~والترغيب فيها وما يقابلهما من النهى والترهيب عنها من العبث الذي يتنزه ~~الله عن إرسال الرسل وإنزال الكتب لأجله. وقد غفلت المعتزلة عن هذا التحقيق ~~فأول بعضهم الآية بأنها خاصة بالمؤمنين الذين زين الله في قلوبهم الإيمان ، ~~وبعضهم بغير ذلك» (1). # ثم ختم الله تعالى الآية بقوله : ( @QUR@08 ثم إلى ms2010 ربهم مرجعهم فينبئهم ~~بما كانوا يعملون ) أى : ثم إلى ربهم أمورهم ورجوعهم ومصيرهم بعد البعث ، ~~فيخبرهم من غير تسويف أو تأخير بما كانوا يعملونه في الدنيا ، ويجازيهم على ~~ذلك بما يستحقونه. وفي هذه الجملة الكريمة تهديد وتوبيخ لأولئك المشركين ~~الذين تجاسروا على مقام الله ، وزين لهم سوء أعمالهم فرأوه حسنا. # ثم حكى القرآن بعض المقترحات المتعنتة التي كان يقترحها المشركون على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( @QUR@04 وأقسموا بالله جهد أيمانهم ). # الجهد : الوسع والطاقة من جهد نفسه يجهدها في الأمر إذا بلغ أقصى وسعها ~~وطاقتها فيه. # وهو مصدر في موضع الحال. # أى : وأقسم أولئك المشركون بالله مجتهدين في أيمانهم ، مؤكدين إياها ~~بأقصى ألوان التأكيد ، معلنين أنهم لئن جاءتهم آية من الآيات الكونية التي ~~اقترحوها عليك يا محمد ليؤمنن بها أنها من عند الله وأنك صادق فيما تبلغه ~~عن ربك. # وقد لقن الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم الرد المفحم لهم فقال : ( ~~@QUR@05 قل إنما الآيات عند الله ). # أى : قل لهم يا محمد إن هذه الآيات التي اقترحتموها تعنتا وعنادا مردها ~~إلى الله ، فهو وحده PageV05P154 # القادر عليها والمتصرف فيها حسب مشيئته وحكمته ، إن شاء أنزلها وإن شاء ~~منعها ، أما أنا فليس ذلك إلى. # أخرج ابن جرير بسنده عن محمد بن كعب القرظي قال : كلم نفر من قريش رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له ، يا محمد ، تخبرنا أن موسى كان معه عصا ~~ضرب بها الحجر ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، وتخبرنا أن عيسى كان يحيى ~~الموتى ، وتخبرنا أن ثمود كانت لهم ناقة فأتنا بآية من هذه الآيات حتى ~~نصدقك ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أى شيء تحبون أن آتيكم به»؟ ~~قالوا ، تجعل لنا الصفا ذهبا ، فقال لهم «فإن فعلت تصدقوني»؟ قالوا نعم. ~~والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعون فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فجاءه ~~جبريل فقال ، إن شئت أصبح الصفا ذهبا على أن يعذبهم الله إذا لم يؤمنوا ، ~~وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم ms2011 ، فقال صلى الله عليه وسلم «بل أتركهم حتى ~~يتوب تائبهم» ، فأنزل الله تعالى قوله : ( @QUR@04 وأقسموا بالله جهد ~~أيمانهم ). إلى قوله ( @QUR@03 ولكن أكثرهم يجهلون ) (1). # وقوله : ( @QUR@07 وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ). # أى : وما يدريكم أيها المؤمنون الراغبون في إنزال هذه الآيات طمعا في ~~إسلام هؤلاء المشركين أنها إذا جاءت لا يؤمنون أى : إذا جاءت هذه الآيات ~~فأنا أعلم أنهم لا يؤمنون وأنتم لا تعلمون ذلك ولذا توقعتم إيمانهم ورغبتم ~~في نزول الآيات. # فالخطاب هنا للمؤمنين ، والاستفهام في معنى النفي ، وهو إخبار عنهم بعدم ~~العلم وليس للإنكار عليهم. # أى : إنكم أيها المؤمنون ليس عندكم شيء من أسباب الشعور بهذا الأمر ~~الغيبى الذي لا يعلمه إلا علام الغيوب وهو أنهم لا يؤمنون إن جاءتهم الآيات ~~التي يقترحونها على رسول الله صلى الله عليه وسلم تعنتا وجهلا. # قال صاحب الكشاف : ( @QUR@02 وما يشعركم ) وما يدريكم ( @QUR@01 أنها ) ~~أى الآية التي تقترحونها ( @QUR@04 إذا جاءت لا يؤمنون ) يعنى أنا أعلم ~~أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها وأنتم لا تدرون بذلك ، وذلك أن المؤمنين كانوا ~~يطمعون في إيمانهم إذا جاءت تلك الآية ويتمنون مجيئها ، فقال عز وجل وما ~~يدريكم أنهم لا يؤمنون ، وقيل : إنها بمعنى «لعل» من قول العرب : ائت السوق ~~أنك تشترى حمارا. PageV05P155 # وقال امرؤ القيس. # عوجا على الطلل المحيل لأننا %~% نبكي الديار كما بكى ابن خذام # أى : لعلنا نبكي الديار. # وقرئ بكسر «إنها» على أن الكلام قد تم قبله بمعنى : وما يشعركم ما يكون ~~منهم؟ ثم أخبرهم بعلمه فيهم فقال : إنها إذا جاءت لا يؤمنون البتة» (1). # وقوله ( @QUR@09 ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ) ~~معطوف على ( @QUR@02 لا يؤمنون ) وداخل معه في حكم ( @QUR@02 وما يشعركم ) ~~مقيد بما قيد به. # أى : وما يشعركم أنا نقلب أفئدتهم عن إدراك الحق فلا يفقهونه ، وأبصارهم ~~عن اجتلائه فلا يبصرونه ، كشأنهم في عدم إيمانهم بما جاءهم أول مرة من ~~آيات. وهدايات على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يقترحوا عليه تلك ~~المقترحات الباطلة. # إنكم أيها المؤمنون لا ms2012 تدرون ذلك ولا تشعرون به لأن علمه عند الله وحده. # قال الآلوسى : وهذا التقليب ليس مع توجه الأفئدة والأبصار إلى الحق ~~واستعدادها له ، بل لكمال نبوها عنه وإعراضها بالكلية ، ولذلك أخر ذكره عن ~~ذكر عدم إيمانهم إشعارا بأصالتهم في الكفر ، وحسما لتوهم أن عدم إيمانهم ~~ناشئ من تقليبه تعالى مشاعرهم بطريق الإجبار» (2). # وقوله ( @QUR@04 ونذرهم في طغيانهم يعمهون ) معطوف على ( @QUR@02 لا ~~يؤمنون ). # والعمه : التردد في الأمر مع الحيرة فيه ، يقال : عمه كفرح ومنع عمها إذا ~~تردد وتحير. # أى : ونتركهم في تجاوزهم الحد في العصيان يترددون متحيرين ، لا يعرفون ~~لهم طريقا ، ولا يهتدون إلى سبيل. # ثم بين سبحانه أن هؤلاء المشركين الذين يزعمون أنهم لو جاءتهم آية ليؤمنن ~~بها كاذبون في أيمانهم الفاجرة ، فقال تعالى : PageV05P156 # ( @QUR@022 ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل ~~شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون (111) ~~@QUR@023 وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض ~~زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون (112) @QUR@012 ~~ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم ~~مقترفون ) (113) # والمعنى : ولو أننا يا محمد لم نقتصر على إيتاء ما اقترحه هؤلاء المشركون ~~من آيات كونية ، بل أضفنا إلى ذلك أننا نزلنا عليهم الملائكة يشهدون بصدقك ~~وأحيينا لهم الموتى فشهدوا بحقيقة الإيمان ، وزدنا على ذلك فجمعنا لهم جميع ~~الخلائق مقابلة ومعاينة حتى يواجهوهم بأنك على الحق ، لو أننا فعلنا كل ذلك ~~ما استقام لهم الإيمان لسوء استعدادهم وفساد فطرهم ، وانطماس بصيرتهم ، فإن ~~قوما يمرون على تلك الآيات الكونية التي زخر بها هذا الكون والتي استعرضتها ~~هذه السورة فلا تتفتح لها بصائرهم ، ولا تتحرك لها مشاعرهم ، ليسوا على ~~استعداد لأن يخالط الإيمان شغاف قلوبهم ، والذي ينقصهم إنما هو القلب الحي ~~الذي يتلقى ويتأثر ويستجيب وليس الآيات التي يقترحونها فإن أمامهم الكثير ~~منها ، واقترحاتهم إنما هي نوع من العبث السخيف ، والتعنت المرذول الذي لا ~~يستحق أن يهتم به. # و ( @QUR@01 قبلا ) بضم القاف ms2013 والباء حال من «كل شيء» وفيه أوجه : # الأول : أنه جمع قبيل بمعنى كفيل مثل قليب وقلب ، أى : وحشرنا عليهم كل ~~شيء من المخلوقات ليكونوا كفلاء بصدقك. # والثاني : أنه مفرد كقبل الإنسان ودبره فيكون معناه المواجهة والمعاينة ~~ومنه آتيك قبلا لا دبرا أى آتيك من قبل وجهك والمعنى. وحشرنا عليهم كل شيء ~~مواجهة وعيانا ليشهدوا بأنك على الحق. # والثالث : أن يكون قبلا جمع قبيل لكن بمعنى جماعة جماعة أو صنفا صنفا ~~والمعنى : وحشرنا PageV05P157 # عليهم كل شيء فوجا فوجا ونوعا نوعا من سائر المخلوقات ليشهدوا بصدقك. # وجملة ( @QUR@07 ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ) جواب لو. # أى : لو فعلنا لهم كل ذلك ما كانوا ليؤمنوا في حال من الأحوال بسبب غلوهم ~~في التمرد والعصيان ، إلا في حال مشيئة الله إيمانهم فيؤمنوا ، لأنه سبحانه ~~هو القادر على كل شيء. # وقوله ( @QUR@03 ولكن أكثرهم يجهلون ). # أى : ولكن أكثر هؤلاء المشركين يجهلون أنهم لو أوتوا كل آية لم يؤمنوا ~~فهم لذلك يحلفون الأيمان المغلظة بأنهم لو جاءتهم آية ليؤمنن بها. أو ~~يجهلون أن الإيمان بمشيئة الله لا بخوارق العادات. # وقيل الضمير يعود على المؤمنين فيكون المعنى. ولكن أكثر المؤمنين يجهلون ~~عدم إيمان أولئك المشركين عند مجيء الآيات لجهلهم عدم مشيئة الله تعالى ~~لإيمانهم ، فيتمنون مجيء الآيات طمعا في إيمانهم. # قال الشيخ القاسمى : في قوله ( @QUR@04 إلا أن يشاء الله ) حجة واضحة على ~~المعتزلة لدلالته على أن جميع الأشياء بمشيئة الله تعالى حتى الإيمان ~~والكفر. وقد اتفق سلف هذه الأمة وحملة شريعتها على أنه «ما شاء الله كان ~~وما لم يشأ لهم يكن». والمعتزلة يقولون «إلا أن يشاء الله مشيئة قسر ~~وإكراه» (1). # ثم سلى الله تعالى نبيه عن تعنت المشركين وتماديهم في الباطل ببيان أن كل ~~نبي كان له أعداء يسيئون إليه ويقفون عقبة في طريق دعوته فقال : # ( @QUR@08 وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن ). # والمعنى : ومثل ما جعلنا لك يا محمد أعداء يخالفونك ويعاندونك جعلنا لكل ~~نبي من قبلك أيضا أعداء ، فلا يحزنك ذلك ، قال تعالى ms2014 ( @QUR@017 ما يقال لك ~~إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم ) (2). # وقال تعالى ( @QUR@011 وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك ~~هاديا ونصيرا ) (3). # والمراد بشياطين الإنس والجن ، والمردة من النوعين. والشيطان : كل عات ~~متمرد من الإنس والجن. PageV05P158 # وجملة ( @QUR@05 وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا ) إلخ مستأنفة لتسلية النبي ~~صلى الله عليه وسلم عما يشاهده من عداوة قريش له ، والكاف في محل نصب على أنها ~~نعت لمصدر مؤكد لما بعده. # وجعل ينصب مفعولين أولهما ( @QUR@01 عدوا ) وثانيهما ( @QUR@02 لكل نبي ) ~~و ( @QUR@01 شياطين ) بدل من المفعول الأول ، وبعضهم أعرب ( @QUR@01 شياطين ~~) مفعولا أولا و ( @QUR@01 عدوا ) مفعولا ثانيا ، و ( @QUR@02 لكل نبي ) ~~حالا من ( @QUR@01 عدوا ). # وقوله : ( @QUR@07 يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ). # الوحى : الإعلام بالأشياء من طريق خفى دقيق سريع. زخرف القول : باطله ~~الذي زين وموه بالكذب. وأصل الزخرف. الزينة المزوقة ، ومنه قيل للذهب : ~~زخرف ، ولكل شيء حسن مموه : زخرف. # والغرور : الخداع والأخذ على غرة وغفلة. # والمعنى : يلقى بعضهم إلى بعض بطرق خفية دقيقة القول المزين المموه الذي ~~حسن ظاهره وقبح باطنه لكي يخدعوا به الضعفاء ويصرفونهم عن الحق إلى الباطل. # والجملة مستأنفة لبيان إحكام عداوتهم ، أو حال من الشياطين وقد ورد أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أمر أتباعه أن يستعيذوا بالله من شياطين الإنس والجن ~~، فعن أبى ذر قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس. قد أطال فيه ~~الجلوس فقال : «يا أبا ذر هل صليت؟ قلت : لا يا رسول الله. قال : قم فاركع ~~ركعتين قال : ثم جئت فجلست إليه فقال : يا أبا ذر ، هل تعوذت بالله من ~~شياطين الجن والإنس؟ قال : قلت لا يا رسول الله ، وهل للإنس من شياطين؟ قال ~~: نعم ، هم شر من شياطين الجن». # وقد ساق الإمام ابن كثير عدة روايات عن أبى ذر في هذا المعنى ، ثم قال في ~~نهايتها : فهذه طرق لهذا الحديث ومجموعها يفيد قوته وصحته» (1). # وقوله : ( @QUR@08 ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ). # أى : ولو شاء ربك ms2015 ألا يفعل هؤلاء الشياطين ما فعلوه من معاداة الأنبياء ~~ومن الإيحاء بالقول الباطل لتم له ذلك ، لأنه سبحانه هو صاحب المشيئة ~~النافذة ، والإرادة التامة ولكنه سبحانه لم يشأ أن يجبرهم على خلاف ما ~~زينته لهم أهواؤهم باختيارهم ، لكي يميز الله PageV05P159 # الخبيث من الطيب. فدعهم يا محمد وما يفترون من الكفر وغيره من ألوان ~~الشرور ، فسوف يعلمون سوء عاقبتهم. # وقوله : ( @QUR@07 ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ). معطوف ~~على ( @QUR@01 غرورا ) فيكون علة أخرى للإيحاء ، والضمير في ( @QUR@01 إليه ~~) يعود إلى زخرف القول. # وأصل الصغو : الميل. يقال : صغا يصغو ويصغى صغوا ، وصغى يصغى صغا أى : ~~مال ، وأصغى إليه مال إليه يسمعه ، وأصغى الإناء : أماله. ويقال : صغت ~~الشمس والنجوم صغوا : مالت إلى الغروب. # والمعنى : يوحى بعضهم إلى بعضهم زخرف القول ليغروا به الضعفاء ، ولتميل ~~إلى هذا الزخرف الباطل من القول قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة لموافقته ~~لأهوائهم وشهواتهم. # وخص عدم إيمانهم بالآخرة بالذكر مع أنهم لا يؤمنون بأمور أخرى يجب ~~الإيمان بها لأن من لم يؤمن بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب يمشى دائما ~~وراء شهواته وأهوائه ولا يتبع إلا زخرف القول وباطله. # ثم بين سبحانه تدرجهم السيئ في هذا العمل الأثيم فقال : ( @QUR@05 ~~وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون ). # أى : وليرضوا هذا الفعل الخبيث لأنفسهم بعد أن مالت إليه قلوبهم ، ~~وليقترفوا ما هم مقترفون أى : وليكتسبوا ما هم مكتسبون من الأعمال السيئة ~~فإن الله تعالى سيجازيهم عليها بما يستحقونه. # وأصل القرف والاقتراف. قشر اللحاء عن الشجر ، والجلدة عن الجرح. واستعير ~~الاقتراف للاكتساب مطلقا ولكنه في الإساءة أكثر. فيقال : قرفته بكذا إذا ~~عبته واتهمته. # قال أبو حيان : وترتيب هذه المفاعيل في غاية الفصاحة ، لأنه أولا يكون ~~الخداع ، فيكون الميل ، فيكون الرضا ، فيكون الاقتراف ، فكل واحد مسبب عما ~~قبله (1). # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يصارح المشركين بأن الله ~~وحده هو الحكم الحق ، وإن كتابه هو الآية الكبرى الدالة على صدقه فيما ~~يبلغه عنه فقال تعالى : PageV05P160 # ( @QUR@023 أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل ms2016 إليكم الكتاب مفصلا ~~والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين ~~(114) @QUR@011 وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع ~~العليم (115) @QUR@018 وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن ~~يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون (116) @QUR@011 إن ربك هو أعلم من يضل ~~عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ) (117) # روى أن مشركي مكة قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم اجعل بيننا حكما من ~~أحبار اليهود أو من أساقفة النصارى ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك فنزل ~~قوله تعالى ( @QUR@04 أفغير الله أبتغي حكما ) الآية (1). # وقوله : ( @QUR@04 أفغير الله أبتغي حكما ) كلام مستأنف على إرادة القول ~~، والهمزة للإنكار ، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام. # والحكم بفتحتين هو من يتحاكم إليه الناس ويرضون بحكمه ، وقالوا : إنه ~~أبلغ من الحاكم «وأدل على الرسوخ ، كما أنه لا يطلق إلا على العادل وعلى من ~~تكرر منه الحكم بخلاف الحاكم. # والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين ، أأميل إلى زخارف الشياطين ، ~~فأطلب معبودا سوى الله تعالى ليحكم بيني وبينكم ، ويفصل المحق منها من ~~المبطل. # وأسند صلى الله عليه وسلم الابتغاء لنفسه لا إلى المشركين ، لإظهار كمال ~~النصفة أو لمراعاة قولهم : اجعل بيننا وبينك حكما. PageV05P161 # وغير مفعول لأبتغى و ( @QUR@01 حكما ) إما أن يكون حالا لغير أو تمييزا ~~له. وجملة ( @QUR@06 وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا ) حالية مؤكدة ~~للإنكار أى : أفغير الله أطلب من يحكم بيني وبينكم ، والحال أنه سبحانه هو ~~الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا ، أى مبينا فيه الحق والباطل ، والحلال ~~والحرام ، والخير والشر ، وغير ذلك من الأحكام التي أنتم في حاجة إليها في ~~دينكم ودنياكم ، وأسند الإنزال إليهم لاستمالتهم نحو المنزل واستدعائهم إلى ~~قبول حكمه ، لأن من نزل الشيء من أجله ، من الواجب عليه أن يتقبل حكمه. # ثم ساق سبحانه دليلا آخر على أن القرآن حق فقال : ( @QUR@09 والذين ~~آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ). # أى : والذين آتيناهم الكتاب أى التوراة والإنجيل من اليهود والنصارى ~~يعلمون علم اليقين أن ms2017 هذا القرآن منزل عليك من ربك بالحق. لأنهم يجدون في ~~كتبهم البشارات التي تبشر بك ، ولأن هذا القرآن الذي أنزله الله عليك مصدق ~~لكتبهم ومهيمن عليها. # فهذه الجملة الكريمة تقرير لكون القرآن منزلا من عند الله ، لأن الذين ~~وثق بهم المشركون من علماء أهل الكتاب عالمون بحقيقته وأنه منزل من عند الله. # وقوله : ( @QUR@04 فلا تكونن من الممترين ) أى : فلا تكونن من الشاكين في ~~أن أهل الكتاب يعلمون أن القرآن منزل من عند ربك بالحق ، لأن عدم اعتراف ~~بعضهم بذلك مرده إلى الحسد والجحود ، وهذا النهى إنما هو زيادة في التوكيد ~~، وتثبيت لليقين ، كي لا يجول في خاطره طائف من التردد في هذا اليقين. # قال ابن كثير : وهذا كقوله تعالى ( @QUR@022 فإن كنت في شك مما أنزلنا ~~إليك فسئل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من ~~الممترين ) قال : وهذا شرط ، والشرط لا يقتضى وقوعه ، ولهذا جاء عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «لا أشك ولا أسأل» (1). # وقيل : الخطاب لكل من يتأتى له الخطاب على معنى أنه إذا تعاضدت الأدلة ~~على صحته وصدقه فلا ينبغي أن يشك في ذلك أحد. # وقيل : الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمقصود أمته ، لأنه ~~صلى الله عليه وسلم حاشاه من الشك. # ثم بين سبحانه أن هذا الكتاب كامل من حيث ذاته بعد أن بين كماله من حيث ~~إضافته إليه تعالى بكونه منزلا منه بالحق فقال تعالى : ( @QUR@05 وتمت كلمة ~~ربك صدقا وعدلا ) وقرئ (كلمات ربك). PageV05P162 # والمراد بها كما قال قتادة وغيره القرآن. # أى : كمل كلامه تعالى وهو القرآن ، وبلغ الغاية في صدق أخباره ومواعيده ، ~~وفي عدل أحكامه وقضاياه. # وصدقا وعدلا مصدران منصوبان على الحال من ( @QUR@01 ربك ) أو من ( ~~@QUR@01 كلمة ) وقيل : هما منصوبان على التمييز. # وجملة ( @QUR@03 لا مبدل لكلماته ) مستأنفة لبيان فضل هذه الكلمات على ~~غيرها أثر بيان فضلها في ذاتها. أى : لا مغير لها بخلف في الأخبار ، أو نقض ~~في الأحكام ، أو تحريف أو تبديل كما حدث في التوراة ms2018 والإنجيل ، وهذا ضمان ~~من الله تعالى لكتابه بالحفظ والصيانة ، قال تعالى ( @QUR@07 إنا نحن نزلنا ~~الذكر وإنا له لحافظون ). # ثم ختمت الآية بقوله ( @QUR@03 وهو السميع العليم ) أى : هو سبحانه ~~السميع لكل ما من شأنه أن يسمع ، العليم بكل ما يسرون وما يعلنون. # وبعد أن أقام سبحانه الأدلة على وحدانيته وصدق نبيه صلى الله عليه وسلم أتبع ~~ذلك بنهيه صلى الله عليه وسلم عن الالتفات إلى جهالات أعدائه فقال تعالى : ( ~~@QUR@010 وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ). # أى : وإن تطع أكثر من في الأرض من الناس الذين استحبوا العمى على الهدى ~~يضلوك عن الطريق المستقيم ، وعن الدين القويم الذي شرعه الله لعباده ، لأن ~~هؤلاء المجادلين ما يتبعون في جدالهم وعقائدهم وأعمالهم إلا الظن الذي ~~تزينه لهم أهواؤهم ، وما هم إلا يخرصون أى : يكذبون. # وأصل الخرص : القول بالظن. يقال : خرصت النخل خرصا من باب قتل حزرت ثمره ~~وقدرته بالظن والتخمين. واستعمل في الكذب لما يداخله من الظنون الكاذبة ، ~~فيقال : خرص في قوله كنصر أى : كذب. # قال صاحب المنار : «وهذا الحكم القطعي بضلال أكثر أهل الأرض ظاهر بما ~~بينه به من اتباع الظن والخرص ولا سيما في ذلك العصر تؤيده تواريخ الأمم ~~كلها ، فقد اتفقت على أن أهل الكتاب كانوا قد تركوا هداية أنبيائهم وضلوا ~~ضلالا بعيدا ، وكذلك أمم الوثنية التي كانت أبعد عهدا عن هداية رسلهم وهذا ~~من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم وهو أمى لم يكن يعلم من أحوال الأمم إلا ~~شيئا يسيرا من شئون المجاورين لبلاد العرب خاصة» (1). PageV05P163 # وقوله سبحانه ( @QUR@011 إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم ~~بالمهتدين ) تقرير للآية السابقة ، وتأكيد لما يفيده مضمونها ، أى : إن ربك ~~الذي لا تخفى عليه خافية هو أعلم منك ومن سائر خلقه بمن يضل عن طريق الحق ~~وهو أعلم منك ومن سائر الخلق أيضا بالمهتدين السالكين صراطه المستقيم ، ~~فعليك أيها العاقل أن تكون من فريق المهتدين لتسعد كما سعدوا واحذر أن تركن ~~إلى فريق الضالين ، فتشقى كما ms2019 شقوا. # وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة قد قررت أن الله وحده هو الحكم العدل ، ~~وأن كتابه هو المهيمن على الكتب السابقة ، وأن أهل الكتاب يعرفون ذلك كما ~~يعرفون أبناءهم ، وأنه سبحانه قد تكفل بحفظ كتابه من التغيير والتبديل ، ~~وأن الطبيعة الغالبة في البشر هي اتباع الظنون والأهواء ، لأن طلب الحق ~~متعب ، والكثيرون لا يصبرون على مشقة البحث والتمحيص ، والقليلون هم الذين ~~يتبعون اليقين في أحكامهم ، والله وحده هو الذي يعلم الضالين والمهتدين من عباده. # وبعد أن أقام سبحانه الأدلة على وحدانيته وكمال قدرته. وسعة علمه ورد على ~~الشبهات التي أثارها المشركون حول الدعوة الإسلامية بما يخرس ألسنتهم. ~~وأثبت سبحانه أنه هو الحكم الحق ، وأن كتابه هو الكتاب الذي لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلقه ، وأن أكثر أهل الأرض يتبعون الظن في ~~أحكامهم. بعد كل ذلك انتقل القرآن إلى الكلام في مسألة كثر فيها الجدل بين ~~المسلمين والمشركين ، وهي مسألة الذبائح ما ذكر عليه اسم الله منها وما لم ~~يذكر فقال تعالى : # ( @QUR@010 فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين (118) ~~@QUR@030 وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم ~~عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو ~~أعلم بالمعتدين (119) @QUR@012 وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون ~~الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون (120) @QUR@014 ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم ~~الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى PageV05P164 # @QUR@06 أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون (121) @QUR@024 ~~أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في ~~الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون ) (122) # روى أبو داود بسنده عن ابن عباس قال : أتى ناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا يا رسول الله إنا نأكل ما نقتل ولا نأكل ما يقتل الله فأنزل الله ( ~~@QUR@06 فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ). إلى قوله ( @QUR@04 وإن أطعتموهم ~~إنكم لمشركون ) (1). # وذكر الواحدي أن المشركين قالوا : يا محمد ms2020 أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من ~~قتلها فقال الله قتلها. قالوا. فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال وما قتل ~~الصقر أو الكلاب حلال وما قتله الله حرام فأنزل الله تعالى قوله : ( ~~@QUR@06 فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ) الآية : (2). # والخطاب في الآية الكريمة للمؤمنين الذين ضايقهم جدال المشركين لهم في ~~شأن الذبائح. # والمعنى كلوا أيها المؤمنون مما ذكر اسم الله عليه عند ذبحه واتركوا ما ~~ذكر عليه اسم غيره كالأوثان أو ما ذبح على النصب ، أو ما ذكر اسم مع اسمه ~~تعالى أو ما مات حتف أنفه ، ولا تضرنكم مخالفتكم للمشركين في ذلك فإنهم ما ~~يتبعون في عقائدهم ومآكلهم وأعمالهم إلا تقاليد الجاهلية وأوهامها التي لا ~~ترتكز على شيء من الحق. # والفاء في قوله : ( @QUR@01 فكلوا ) يرى الزمخشري أنها جواب لشرط مقدر ~~والتقدير : إن كنتم محقين في الإيمان فكلوا ، ويرى غيره أنها معطوفة على ~~محذوف والتقدير «كونوا على الهدى فكلوا». # وقوله : ( @QUR@04 إن كنتم بآياته مؤمنين ) أى : إن كنتم بآياته التي من ~~جملتها الآيات الواردة في هذا الشأن مؤمنين ، فإن الإيمان بها يقتضى ~~استباحة ما أحله سبحانه واجتناب ما حرمه. # ثم أنكر سبحانه عليهم ترددهم في أكل ما أحله الله من طعام لأنهم لم ~~يتعودوه قبل ذلك فقال : ( @QUR@09 وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله ~~عليه ). PageV05P165 # أى : أى مانع يمنعكم من أن تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ، وأى فائدة ~~تعود عليكم من ذلك؟ فالاستفهام لإنكار أن يكون هناك شيء يدعوهم إلى اجتناب ~~الأكل من الذبائح التي ذكر اسم الله عليها سواء أكانت تلك الذبائح من ~~البحائر أو السوائب أو غيرها مما حرمه المشركون على أنفسهم بدون علم. # وقوله ( @QUR@06 وقد فصل لكم ما حرم عليكم ) جملة حالية مؤكدة للإنكار ~~السابق أى والحال أن الله تعالى قد فصل لكم على لسان رسولكم ~~صلى الله عليه وسلم ما حرمه عليكم من المطعومات ، وبين لكم ذلك في كتابه كما ~~في قوله تعالى ( @QUR@039 قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه ~~إلا ms2021 أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير ~~الله به ، فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم ). # إذا فمن الواجب عليكم أيها المسلمون أن تأكلوا وأنتم مطمئنون من جميع ~~المطاعم التي أحلها الله لكم وذكر اسمه عليها ولو خالفتم في ذلك المشركين ~~وأن تتجنبوا أكل ما حرمه الله عليكم ولو كان مما يستبيحه المشركون. # وقوله ( @QUR@04 إلا ما اضطررتم إليه ) استثناء مما حرم الله عليهم أكله. # أى : إلا أن تدعوكم الضرورة إلى أكل شيء من هذه المحرمات بسبب شدة الجوع ~~ففي هذه الحالة يباح لكم أن تأكلوا من هذه المحرمات ما يحفظ عليكم حياتكم. ~~هذا هو حكم الله الذي يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر فعليكم أن تتبعوه ~~، وألا تلقوا بالا إلى أوهام المتخرصين وأصحاب الظنون الباطلة. # ثم نعى على المشركين جهالاتهم فقال ( @QUR@06 وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم ~~بغير علم ). # قرأ الجمهور «ليضلون» بضم الياء ، والمعنى عليه : وإن كثيرا من الكفار ~~ليضلون غيرهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام بسبب أهوائهم الزائفة وشهواتهم ~~الباطلة ، دون أن يكون عندهم أى علم مقتبس من وحى الله ومستنبط من عقل سليم. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب «ليضلون» بفتح الياء ، والمعنى عليه : ~~وإن كثيرا من الكفار لينحرفون عن الحق ويقعون في الضلال بسبب اتباعهم ~~لأهوائهم بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. # وقراءة الجمهور أبلغ في الذم لأنها تتضمن قبح فعلهم حيث ضلوا في أنفسهم ~~وأضلوا غيرهم. # وقوله : ( @QUR@02 بغير علم ) متعلق بمحذوف وقع حالا أى : يضلون مصاحبين للجهل. PageV05P166 # وقوله ( @QUR@05 إن ربك هو أعلم بالمعتدين ) أى : أعلم منك يا محمد ومن ~~كل مخلوق بالمتجاوزين لحدود الحق إلى الباطل والحلال والحرام. # ففي الجملة الكريمة التفات عن خطاب المؤمنين إلى خطاب الرسول ~~صلى الله عليه وسلم . # قال الإمام الرازي : وقد دلت هذا الآية على أن القول في الدين بمجرد ~~التقليد حرام ، لأن القول بالتقليد قول بمحض الهوى والشهوة ، والآية دلت ~~على أن ذلك حرام (1). # ثم أمر الله عباده أن ms2022 يتركوا ما ظهر من الآثام وما استتر فقال : # ( @QUR@04 وذروا ظاهر الإثم وباطنه ) أى اتركوا جميع المعاصي ما كان منها ~~سرا وما كان منها علانية ، أو ما كان منها بالجوارح وما كان منها بالقلوب ، ~~لأن الله تعالى لا يخفى عليه شيء. # ثم بين سبحانه عاقبة المرتكبين للآثام فقال : ( @QUR@08 إن الذين يكسبون ~~الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون ) أى : إن الذين يعملون المعاصي ويرتكبون ~~القبائح الظاهرة والباطنة لن ينجو من المحاسبة والمؤاخذة بل سيجزون بما ~~يستحقونه من عقوبات بسبب اجتراحهم للسيئات. # وبعد أن أمر الله المؤمنين بالأكل مما ذكر اسم الله عليه ، نهاهم صراحة ~~عن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه لشدة العناية بهذا الأمر فقال تعالى : # ( @QUR@08 ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ) أى : لا تأكلوا أيها ~~المسلمون من أى حيوان لم يذكر عليه اسم الله عند ذبحه ، بأن ذكر عليه اسم ~~غيره ، أو ذكر اسم مع اسمه تعالى ، أو غير ذلك مما سبق بيانه من المحرمات. # وقوله ( @QUR@02 وإنه لفسق ) جملة حالية والضمير يعود على الأكل من الذي ~~لم يذكر اسم الله عليه ، أى : وإن الأكل من ذلك الحيوان المذبوح الذي لم ~~يذكر اسم الله عليه لخروج عن طاعة الله تعالى وابتعاد عن الفعل الحسن إلى ~~الفعل القبيح ، وفي ذلك ما فيه من تنفيرهم من أكل ما لم يذكر اسم الله عليه. # ثم كشف للمسلمين عن المصدر الذي يمد المشركين بمادة الجدل حول هذه ~~المسألة فقال : ( @QUR@06 وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ). # أى : وإن إبليس وجنوده ليوسوسون إلى أوليائهم الذين اتبعوهم من المشركين ~~ليجادلوكم في تحليل الميتة وفي غير ذلك من الشبهات الباطلة ( @QUR@02 وإن ~~أطعتموهم ) في استحلال ما حرمه الله عليكم ( @QUR@02 إنكم لمشركون ). # قال ابن كثير : أى : حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره ~~فقدمتم عليه غيره PageV05P167 # فهذا هو الشرك ، كقوله تعالى ( @QUR@07 اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ~~من دون الله ) الآية ، وقد روى الترمذي في تفسيرها عن عدى بن حاتم أنه قال ~~: يا رسول الله ما عبدوهم فقال ms2023 : «بلى إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم ~~الحلال فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم» (1). # هذا ، وقد استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب إلى أن الذبيحة لا تحل إذا لم ~~يذكر اسم الله عليها وإن كان الذابح مسلما ، وقد اختلف الفقهاء في هذه ~~المسألة على ثلاثة أقوال. # فمنهم من قال لا تحل الذبيحة التي يترك ذكر اسم الله عليها سواء كان ~~الترك عمدا أو سهوا ، وإلى هذا الرأى ذهب ابن عمر ونافع وعامر والشعبي ~~ومحمد بن سيرين ، وداود الظاهري وفي رواية عن الإمامين مالك وأحمد بن حنبل. # واحتجوا لمذهبهم هذا بهذه الآية التي وصفت ما ذبح ولم يذكر اسم الله عليه ~~بأنه فسق ، كما احتجوا بقوله تعالى ( @QUR@08 فكلوا مما أمسكن عليكم ~~واذكروا اسم الله عليه ) وبالأحاديث التي وردت في الأمر بالتسمية عند ~~الذبيحة والصيد كحديث عدى بن حاتم وفيه «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم ~~الله عليه فكل» (2). # وحديث رافع بن خديج وفيه «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه» (3) # أما القول الثاني فيرى أصحابه أن التسمية ليست شرطا بل هي مستحبة ، ~~وتركها عن عمد أو نسيان لا يضر ، وقد حكى هذا المذهب عن ابن عباس وأبى ~~هريرة وعطاء وهو مذهب الشافعى وأصحابه وفي رواية عن الإمامين مالك وأحمد بن حنبل. # وحجتهم أن هذه الآية ( @QUR@08 ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ... ~~) واردة فيما ذبح لغير الله بأن يذكر على الذبيحة اسم الصنم كما كان يفعل ~~المشركون عند ذبائحهم. # واحتجوا أيضا بما رواه الدارقطني عن ابن عباس أنه قال : «إذا ذبح المسلم ~~ولم يذكر اسم الله فليأكل فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله» (4). # أما القول الثالث فيرى أصحابه أن ترك التسمية نسيانا لا يضر ، أما عمدا ~~فلا تحل الذبيحة ، وإلى هذا المذهب ذهب على وابن عباس وسعيد بن المسيب ~~والحسن البصري وهو المشهور من مذهب أحمد بن حنبل وعليه أبو حنيفة وأصحابه. PageV05P168 # واحتجوا لمذهبهم بأحاديث منها ما رواه عبد الله بن عمرو عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال ms2024 : «إن الله وضع عن أمتى الخطأ والنسيان وما ~~استكرهوا عليه» (1). # ولعل هذا المذهب أقرب المذاهب إلى الصواب ، لأن المتعمد هو الذي يؤاخذ ~~على عمله أما الناسي فليس مؤاخذا. # وقد تولت بعض كتب التفسير بسط الأقوال في هذه المسألة فليرجع إليها من ~~شاء (2). # ثم ضرب الله مثلا لحال المؤمن والكافر فقال : # ( @QUR@04 أومن كان ميتا فأحييناه ). # الهمزة للاستفهام الإنكارى ، وهي داخلة على جملة محذوفة للعلم بها من ~~الكلام السابق. # والتقدير : أأنتم أيها المؤمنون مثل أولئك المشركين الذين يجادلونكم بغير ~~علم وهل يعقل أن من كان ميتا فأعطيناه الحياة وجعلنا له نورا عظيما يمشى به ~~فيما بين الناس آمنا كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها. # فالآية الكريمة تمثيل بليغ للمؤمن والكافر لتنفير المسلمين عن طاعة ~~المشركين بعد أن نهاهم صراحة عن طاعتهم قبل ذلك في قوله ( @QUR@04 وإن ~~أطعتموهم إنكم لمشركون ). # فمثل المؤمن المهتدى إلى الحق كمن كان ميتا هالكا فأحياه الله وأعطاه ~~نورا يستضيء به في مصالحه ، ويهتدى به إلى طرقه. ومثل الكافر الضال كمن هو ~~منغمس في الظلمات لا خلاص له منها فهو على الدوام متحير لا يهتدى فكيف ~~يستويان؟. # والمراد بالنور : القرآن أو الإسلام ، والمراد بالظلمات : الكفر والجهالة ~~وعمى البصيرة. فهو كقوله تعالى : ( @QUR@017 وما يستوي الأعمى والبصير. ولا ~~الظلمات ولا النور. ولا الظل ولا الحرور ، وما يستوي الأحياء ولا الأموات ). # وقوله : ( @QUR@06 كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون ) أى : مثل ذلك ~~التزيين الذي تضمنته الآية وهو تزيين نور الهدى للمؤمنين وظلمات الشرك ~~للضالين قد زين للكافرين ما كانوا يعملونه من الآثام كعداوة النبي ~~صلى الله عليه وسلم وذبح القرابين لغير الله تعالى وتحليل الحرام ، وتحريم ~~الحلال وغير ذلك من المنكرات. # وجمهور المفسرين يرون أن المثل في الآية عام لكل مؤمن وكل كافر وقيل إن ~~المراد بمن أحياه الله وهداه عمر بن الخطاب ، والمراد بمن بقي في الظلمات ~~ليس بخارج منها عمرو بن هشام ، PageV05P169 # فقد أخرج ابن أبى الشيخ أن الآية نزلت فيهما ، وقيل نزلت في عمار بن ياسر ~~وأبى جهل ، وقيل ms2025 في حمزة وأبى جهل. # والذي نراه أن الآية عامة في كل من هداه الله إلى الإيمان بعد أن كان ~~كافرا ، وفي كل من بقي على ضلاله مؤثرا الكفر على الإيمان ويدخل في ذلك ~~هؤلاء المذكورون دخولا أوليا. # ثم سلى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ببيان أن المترفين في كل زمان ~~ومكان هم أعداء الإصلاح ، وأن ما لقيه صلى الله عليه وسلم من أكابر مكة ليس ~~بدعا بل هو شيء رآه الأنبياء قبله على أيدى أمثال هؤلاء المترفين فقال ~~تعالى : # ( @QUR@015 وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما ~~يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون (123) @QUR@029 وإذا جاءتهم آية قالوا لن ~~نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين ~~أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون (124) @QUR@028 فمن يرد ~~الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ~~كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون (125) ~~@QUR@09 وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون ) (126) # أكابر : جمع أكبر ، وهم الرؤساء والعظماء في الأمم. والمجرمون : جمع مجرم ~~، من أجرم إذا اكتسب أمرا قبيحا ، ومنه الجرم والجريمة للذنب والإثم. # والمعنى : وكما جعلنا في قريتك مكة رؤساء دعاة إلى الكفر وإلى عداوتك ~~جعلنا في كل قرية PageV05P170 # من قرى الرسل من قبلك رؤساء من المجرمين مثلهم ليمكروا فيها ، ويتجبروا ~~على الناس ، ثم كانت العاقبة للرسل ، فلا تبتئس يا محمد مما يصيبك من زعماء ~~مكة فتلك طبيعة الحياة في كل عصر ، أن يكون زعماء الأمم وكبراؤها أشد الناس ~~عداوة للرسل والمصلحين. # قال الجمل : وقوله : ( @QUR@01 أكابر ) مفعول أول لجعل ، وأكابر مضاف ~~ومجرميها مضاف إليه ، و ( @QUR@03 في كل قرية ) المفعول الثاني لجعل ، ووجب ~~تقديمه ليصح عود الضمير عليه ، فهو على حد قوله : # كذا إذا عاد عليه مضمر %~% مما به عنه مبينا يخبر # هذا أحسن الأعاريب (1) وهناك أوجه أخرى للأعراب لا تخلو من مقال. # وخص الأكابر بالمكر ، لأنهم هم الحاملون لغيرهم ms2026 على الضلال ، وهم الذين ~~يتبعهم الضعفاء في كفرهم وفجورهم. # قال ابن كثير : والمراد بالمكر هنا دعاؤهم غيرهم إلى الضلالة بزخرف من ~~المقال والفعال كقوله تعالى إخبارا عن قوم نوح ( @QUR@03 ومكروا مكرا كبارا ~~)، وكقوله : ( @QUR@054 ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم ~~إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لو لا أنتم لكنا مؤمنين* ~~قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل ~~كنتم مجرمين* وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ ~~تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا )... الآية (2). وقوله سبحانه ( ~~@QUR@06 وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون ). # أى وما يمكر أولئك الأكابر المجرمون الذين يعادون الرسل والمصلحين في كل ~~وقت إلا بأنفسهم ، حيث يعود ضرره عليهم وحدهم في الدنيا والآخرة ولكنهم ~~لانطماس بصيرتهم ، لا يشعرون بأن مكرهم سيعود عليهم ضرره ، بل يتوهمون أنهم ~~سينجون في مكرهم بغيرهم من الأنبياء والمصلحين. # فالجملة الكريمة بيان لسنة من سنن الله في خلقه ، وهي أن المكر السيئ لا ~~يحيق إلا بأهله ، وفي ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عما يصيبه منهم ، ~~وبشارة له ، ولأصحابه بالنصر عليهم ، ووعيد لأولئك الماكرين بسوء المصير. # وجملة ( @QUR@02 وما يشعرون ) حال من ضمير يمكرون ، وهي تسجل عليهم ~~بلاهتهم وجهالتهم حيث فقدوا الشعور بما من شأنه أن يعترف به كل عاقل. PageV05P171 # ثم حكى القرآن لونا من ألوان مكرهم فقال : ( @QUR@013 وإذا جاءتهم آية ~~قالوا : لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ). # أى : وإذا جاءت أولئك المشركين الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم «لئن ~~جاءتهم آية ليؤمنن بها» حجة قاطعة تشهد بصدقك يا محمد فيما تبلغه عن ربك ، ~~قالوا حسدا لك ، لن نؤمن لك يا محمد حتى نعطى من الوحى والرسالة مثلما أعطى ~~رسل الله ، وأضافوا الإيتاء إلى رسل الله ، لأنهم لا يعترفون بما أوتيه ~~صلى الله عليه وسلم من الوحى والرسالة. # روى أن الوليد بن المغيرة قال للنبي صلى الله عليه وسلم : لو كانت النبوة ~~حقا لكنت أنا أولى بها منك ms2027 لأنى أكبر منك سنا وأكثر مالا فأنزل الله هذه ~~الآية». # وقال مقاتل : نزلت في أبى جهل وذلك أنه قال : زاحمنا بنو عبد المطلب في ~~الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا : منا نبي يوحى إليه ، والله لا نؤمن ~~به ولا نتبعه أبدا إلا أن يأتينا وحى كما يأتيه ، فأنزل الله هذه الآية» (1). # وقد رد الله تعالى على هؤلاء الحاسدين ردا حاسما فقال : ( @QUR@05 الله ~~أعلم حيث يجعل رسالته ) أى : الله سبحانه أعلم منهم ومن كل أحد بالموضع ~~الصالح للرسالة فيضعها فيه فهو سبحانه يختار لها بحكمته وعلمه من يستحقها ~~وينهض بها. ويهب نفسه لها ، وينسى في سبيلها ذاته. # قال الإمام الرازي : وقوله تعالى ( @QUR@05 الله أعلم حيث يجعل رسالته ) ~~أى : أن للرسالة موضوعا مخصوصا لا يصلح وضعها إلا فيه ، فمن كان مخصوصا ~~موصوفا بتلك الصفات لأجلها يصلح وضع الرسالة فيه كان رسولا وإلا فلا ، ~~والعالم بتلك الصفات ليس إلا الله تعالى ثم قال : وفي هذه الجملة الكريمة ~~تنبيه على دقيقة أخرى وهي أن أقل ما لا بد منه في حصول النبوة والرسالة ~~البراءة عن المكر والغدر والغل والحسد ، وقوله ( @QUR@09 لن نؤمن حتى نؤتى ~~مثل ما أوتي رسل الله ) عين المكر والغدر والغل والحسد ، فكيف يعقل حصول ~~النبوة والرسالة مع هذه الصفات» (2). # وهذه الجملة حجة لأهل الحق على أن الرسالة هبة من الله يختص بها من يشاء ~~من عباده ، ولا ينالها أحد بكسبه ولا بذكائه ولا بنسبه. # ولذا قال الإمام الآلوسى : وجملة ( @QUR@02 الله أعلم )... إلخ. استئناف ~~بيانى ، والمعنى : أن PageV05P172 # منصب الرسالة ليس مما ينال بما يزعمونه من كثرة المال والولد ، وتعاضد ~~الأسباب والعدد ، وإنما ينال بفضائل نفسانية ، ونفس قدسية أفاضها الله ~~تعالى بمحض الكرم والجود على من كمل استعداده» (1). # هذا. وقد وردت أحاديث كثيرة تحدث النبي صلى الله عليه وسلم فيها عن اصطفاء ~~الله له وفضله عليه ، ومن ذلك ما رواه الإمام مسلم عن وائلة ابن الأسقع قال ~~: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الله عز وجل اصطفى من ولد إبراهيم ms2028 ~~إسماعيل ، واصطفى من بنى إسماعيل بنى كنانة ، واصطفى من بنى كنانة قريشا ، ~~واصطفى من قريش بنى هاشم ، واصطفى من بنى هاشم محمدا صلى الله عليه وسلم » (2). # وروى الإمام أحمد عن المطلب بن أبى وداعة عن العباس عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : «إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه ، وجعلهم ~~فريقين ، فجعلني في خير فرقة ، وخلق القبائل فجعلني في خير قبيلة ، وجعلهم ~~بيوتا ، فجعلني في خيرهم بيتا ، فأنا خيركم بيتا وخيركم نفسا» (3). # ثم بين سبحانه عاقبة أولئك الماكرين الحاسدين للنبي صلى الله عليه وسلم على ~~ما آتاه الله من فضله فقال : ( @QUR@011 سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله ~~وعذاب شديد بما كانوا يمكرون ). # قال القرطبي ما ملخصه : الصغار : الضيم والذل والهوان. والمصدر الصغر ~~بالتحريك وأصله من الصغر دون الكبر فكأن الذل يصغر إلى المرء نفسه وقيل : ~~أصله من الصغر وهو الرضا بالذل. والصاغر : الراضي بالذل. وأرض مصغرة : ~~نبتها صغير لم يطل. ويقال : صغر بالكسر يصغر صغرا وصغارا فهو صاغر إذا ذل ~~وهان» (4). # والمعنى : سيصيب الذين أجرموا بعد تكبرهم وغرورهم وتطاولهم ذل عظيم وهوان ~~شديد ثابت لهم عند الله في الدنيا والآخرة ، وبسبب مكرهم المستمر ، وعدائهم ~~الدائم لرسل الله وأوليائه. # والجملة الكريمة استئناف آخر ناع على أولئك الماكرين ما سيلقونه من ألوان ~~العقوبات بعد ما نعى عليهم حرمانهم مما أنكره من إيتائهم مثل ما أوتى رسل ~~الله ، والسين للتأكيد. # والعندية في قوله «عند الله» مجاز عن حشرهم يوم القيامة ، أو عن حكمه ~~سبحانه وقضائه PageV05P173 # فيهم بذلك ، كقولهم : ثبت عند فلان القاضي كذا أى : في حكمه ، ولذا قدم ~~الصغار على العذاب لأنه يصيبهم في الدنيا. # قال ابن كثير : ولما كان المكر غالبا إنما يكون خفيا ، وهو التلطف في ~~التحيل والخديعة ، قوبلوا بالعذاب الشديد من الله يوم القيامة جزاء وفاقا ~~ولا يظلم ربك أحدا. وجاء في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~: «ينصب لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة فيقال : هذه غدرة فلان بن ~~فلان» والحكمة ms2029 في ذلك أنه لما كان الغدر خفيا لا يطلع عليه الناس ، فيوم ~~القيامة يصير علما منشورا على صاحبه بما فعل» (1). # ثم بين سبحانه حال المستعد لهداية الإسلام ، وحال المستعد للضلال فقال : # ( @QUR@08 فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ). # أى : فمن يرد الله أن يهديه للإسلام ، ويوفقه له ، يوسع صدره لقبوله ، ~~ويسهله له بفضله وإحسانه. # وشرح الصدر : توسعته ، يقال : شرح الله صدره فانشرح ، أى : وسعه فاتسع ، ~~وهو مجاز أو كناية عن جعل النفس مهيأة لحلول الحق فيها. مصفاة عما يمنعه ~~وينافيه. # روى عبد الرازق أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية : كيف يشرح ~~صدره؟ فقال : «نور يقذف فينشرح له وينفسح ، قالوا : فهل لذلك من أمارة يعرف ~~بها؟ قال : الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد ~~للموت قبل لقاء الموت» (2). # وقوله : ( @QUR@08 ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ) أى ومن يرد أن ~~يضله لسوء اختياره ، وإيثاره الضلالة على الهداية يصير صدره ضيقا متزايد ~~الضيق لا منفذ فيه للإسلام. # والحرج : مصدر حرج صدره حرجا فهو حرج ، أى : ضاق ضيقا شديدا. وصف به ~~الضيق للمبالغة ، كأنه نفس الضيق ، وأصل الحرج مجتمع الشيء ويقال : للحديقة ~~الملتفة الأشجار التي يصعب دخولها حرجة. # وقرئ حرجا بكسر الراء صفة لقوله ( @QUR@01 ضيقا ). # روى أن جماعة من الصحابة قرءوا أمام عمر رضى الله عنه «ومن يرد أن يضله ~~يجعل صدره ضيقا حرجا» بكسر الراء فقال عمر : يا فتى ما الحرجة فيكم؟ قال ~~الحرجة فينا الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية ولا وحشية. ~~فقال عمر : كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير» (3). PageV05P174 # وقوله ( @QUR@04 كأنما يصعد في السماء ) استئناف ، أو حال من ضمير الوصف ~~، أو وصف آخر لقلب الضال ، والمراد المبالغة في ضيق صدره حيث شبه بمن يزاول ~~ما لا يقدر عليه. فإن صعود السماء مثل فيما هو خارج عن دائرة الاستطاعة. # أى : كأنما إذا دعى إلى الإسلام قد كلف الصعود إلى السماء وهو لا يستطيعه ~~بحال. ويصعد أى : يتصعد ms2030 ، بمعنى يتكلف الصعود فلا يقدر عليه. # وفيه إشارة إلى أن الإيمان يمتنع منه كما يمتنع منه الصعود. # وقوله : ( @QUR@08 كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ) أى : مثل ~~جعل الصدر ضيقا حرجا بالإسلام ، يجعل الله الرجس. أى : العذاب ، أو الخذلان ~~، أو اللعنة في الدنيا على الذين لا يؤمنون بالإسلام. # ثم بين سبحانه أن طريق الإسلام هو الطريق الحق المستقيم فقال : # ( @QUR@04 وهذا صراط ربك مستقيما ) أى : وهذا البيان الذي جاء به القرآن ~~، أو سبيل التوحيد ، وإسلام الوجه إلى الله ، هو طريق ربك الواضح المستقيم ~~الذي ارتضاه لعباده ، والذي لا ميل فيه إلى إفراط أو تفريط في الاعتقادات ~~والأخلاق والأعمال. # و ( @QUR@01 مستقيما ) حال مؤكدة لصاحبها وعاملها محذوف وجوبا مثل : هذا ~~أبوك عطوفا ، وقيل حال مؤسسة والعامل فيها معنى الإشارة أو (ها) التي ~~للتنبيه. # وقوله : ( @QUR@04 فصلنا الآيات لقوم يذكرون ) أى : جعلناها بينة واضحة ~~مفصلة لقوم يتذكرون ما فيها من هدايات وإرشادات فيعملون بها لينالوا ~~السعادة في الدنيا والآخرة. # * * * # ثم بين سبحانه ما أعده للمتذكرين فقال : # ( @QUR@010 لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون (127) ~~@QUR@033 ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال ~~أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال ~~النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن PageV05P175 # @QUR@03 ربك حكيم عليم (128) @QUR@08 وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما ~~كانوا يكسبون (129) @QUR@028 يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون ~~عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم ~~الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ) (130) # أى : أن هؤلاء المتذكرين المتقين لهم جنة عرضها السموات والأرض في جوار ~~ربهم وكفالته ، وهو سبحانه ( @QUR@01 وليهم ) أى : متولى إيصال الخير إليهم ~~، أو محبهم أو ناصرهم بسبب أعمالهم الصالحة. وسميت الجنة بدار السلام ، لأن ~~جميع حالاتها مقرونة بالسلامة من جميع المكاره. # قال الجمل : وقوله ( @QUR@02 عند ربهم ) في المراد بهذه العندية وجوه : # أحدها : أنها معدة عنده كما تكون الحقوق معدة مهيأة حاضرة كقوله ( ~~@QUR@03 جزاؤهم عند ربهم ). # وثانيها ms2031 : أن هذه العندية تشعر بأن هذا الأمر المدخر موصوف بالقرب من ~~الله بالشرف والرتبة لا بالمكان والجهة لتنزهه تعالى عنهما. # وثالثها : هي كقوله تعالى في صفة الملائكة ( @QUR@06 ومن عنده لا ~~يستكبرون عن عبادته ). وقوله : أنا عند المنكسر قلوبهم وأنا عند ظن عبدى ~~بي» (1). # ثم بين سبحانه جانبا من أحوال الظالمين يوم القيامة عند ما يقفون أمام ~~ربهم للحساب فقال : ( @QUR@010 ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم ~~من الإنس ). # ففي هذه الآيات عرض مؤثر زاخر بالحوار والاعتراف والمناقشة والحكم تحكيه ~~السورة الكريمة وهي تصور مشاهد المجرمين يوم القيامة. # وقوله : ( @QUR@010 ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس ). PageV05P176 # المعشر : الجماعة الذين يعاشر بعضهم بعضا أو الذين يربطهم أمر مشترك ~~بينهم والمراد بالجن شياطينهم ومردتهم. # والمعنى : واذكر يا محمد أو أيها العاقل يوم نحشر الضالين والمضلين جميعا ~~من الإنس والجن ، فنقول للمضلين من الجن : ( @QUR@04 قد استكثرتم من الإنس ~~) أى : قد أكثرتم من إغوائكم الإنس وإضلالكم إياهم ، أو قد أكثرتم منهم بأن ~~جعلتموهم أتباعكم ، وأهل طاعتكم ، ووسوستكم لهم بالمعاصي حتى غررتموهم ~~وأوردتموهم هذا المصير الأليم. # و «يوم» منصوب على الظرفية والعامل فيه مقدر ، أى : اذكر يوم نحشرهم ~~جميعا. والضمير المنصوب في «نحشرهم» لمن يحشر من الثقلين. وقيل للكفار ~~الذين تتحدث عنهم هذه الآيات. # ووجه الخطاب إلى معشر الجن ، لأنهم هم الأصل في إضلال أتباعهم من الإنس ، ~~وهم السبب في صدهم عن السبيل القويم. # والمقصود من هذا القول لهم توبيخهم وتقريعهم على ما كان يصدر منهم من ~~إغواء الغافلين من الإنس. # وهنا يحكى القرآن رد الضالين من الإنس على هذا التوبيخ فيقول : ( ~~@QUR@013 وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي ~~أجلت لنا ). # أى : وقال الذين أطاعوهم وانقادوا لهم من الإنس يا ربنا ، لقد استمتع ~~بعضنا ببعض. # أى : انتفع الإنس بالجن حيث دلوهم على المفاسد وما يوصل إليها ، وانتفع ~~الجن بالإنس ، حيث أطاعوهم واستجابوا لوسوستهم ، وخالفوا أمر ربهم. # وقال الحسن : ما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت وعملت ms2032 الإنس. ~~أى : فالجن نالت التعظيم منهم فعبدت ، والإنس بوسوستهم تمتعوا بإيثار ~~الشهوات الحاضرة على اللذات الغائبة. # وقيل : استمتاع الإنس بالجن معناه أن الرجل في الجاهلية كان إذا سافر ~~فنزل بأرض قفر خاف على نفسه من الجن فيقول. أعوذ بسيد هذا الوادي من شر ~~سفهاء قومه ، فيبيت في جوارهم. وأما استمتاع الجن بالإنس فهو أنهم قالوا. ~~سدنا الإنس حتى عاذوا بنا ، فيزدادون بذلك شرفا في قومهم وعظما في أنفسهم. # وقيل : استمتاع الإنس بالجن هو ما كانوا يلقون إليهم من الأراجيف والسحر ~~والكهانة ، واستمتاع الجن بالإنس هو طاعة الإنس لهم فيما يزينون لهم من ~~المعاصي فصاروا كالرؤساء لهم. # والذي نراه. أن استمتاع الجن بالإنس والإنس بالجن يتناول كل ذلك ، حيث ~~انتفع كل PageV05P177 # فريق من صاحبه باللذة العاجلة التي أوردته إلى سوء المصير. # وقولهم هذا ، هو تحسر منهم على حالهم ، إذ قالوه اعترافا بما فعلوه من ~~طاعة للشياطين واتباع الهوى ، وتكذيب أمر البعث. # وإنما قال الأتباع من الإنس هذا القول مع أن الخطاب موجه إلى المتبوعين ~~من شياطين الجن ، للإيذان بأن شياطين الجن قد أفحموا. ولم يستطيعوا أن ~~ينطقوا أو يجيبوا. ثم أتبعوا تحسرهم هذا بتحسر آخر وهو قولهم : «وبلغنا ~~أجلنا الذي أجلت لنا». # أى : ها نحن يا ربنا قد استمتع بعضنا ببعض في الدنيا عن طريق الشهوات ~~المحرمة. واللذات الفانية القبيحة ، وها نحن قد وصلنا بعد استمتاع بعضنا ~~ببعض إلى الأجل الذي حددته لنا ، وهو يوم القيامة والجزاء. ونحن في أقبح ~~صورة وأسوأ عيش. # وهنا يأتيهم الرد الحاسم. والحكم النافذ من الله العلى الكبير. حيث يقول ~~سبحانه ( @QUR@09 قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله ). # مثواكم : الثواء مع الإقامة مع الاستقرار. يقال : ثوى يثوى ثواء أى : ~~استقر ، والثوية مأوى الغنم. # والمعنى : قال الله تعالى لهؤلاء الظالمين المعترفين على أنفسهم بارتكاب ~~الموبقات : النار منزلكم ومحل إقامتكم الدائمة. فأنتم خالدون فيها في كل ~~وقت إلا في وقت مشيئة الله بخلاف ذلك ، لأن الأمور كلها متروكة إليه ، ~~وخاضعة لمشيئته. # والأرجح أن المراد بهذا الاستثناء ms2033 وبنظائره في آيات أخر ، المبالغة في ~~الخلود. # أى : أنه لا ينتفى في وقت ما إلا وقت مشيئته تعالى وهو سبحانه لا يشاء ~~ذلك. فقد أخبر في آيات متعددة من كتابه أن هؤلاء الكفار لا يخرجون من النار أبدا. # وفي إيراد هذا المعنى بتلك الصورة ، بلاغ للناس بأن مرد الأمور كلها إلى ~~مشيئة الله ، وأن خلود المشركين في نار جهنم إنما هو بمحض مشيئته ، ولو شاء ~~غير ذلك ما خلدوا ، وفيه إلى جانب ذلك تنكيل آخر بهؤلاء الأشقياء لأنهم قد ~~صاروا في حيرة دائمة من أمرهم. تجعلهم مشتتين بين الطمع في الخروج مما هم ~~فيه ، واليأس منه. # وهذا التفسير للجملة الكريمة هو الذي نختاره ونرجحه ، وهناك وجوه أخرى في ~~تفسيرها منها ما ذهب إليه الزمخشري حيث قال : # وقوله : ( @QUR@06 خالدين فيها إلا ما شاء الله ) أى : يخلدون في عذاب ~~النار الأبد كله إلا الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب ~~الزمهرير فقد روى أنهم يدخلون واديا فيه من PageV05P178 # الزمهرير ما يميز بعض أوصالهم من بعض ، فيتعاوون ويطلبون الرد إلى الجحيم ~~، أو أن يكون من قول الموتور أى المظلوم الذي ظفر بواتره ، ولم يزل يحرق ~~عليه أنيابه ، وقد طلب أن ينفس عن خناقه. أهلكنى الله إن نفست عنك إلا إذا ~~شئت ، علم أنه لا يشاء إلا التشفي منه بأقصى ما يقدر عليه من التعنت ~~والتشديد. فيكون قوله إلا إذا شئت من أشد الوعيد مع تهكم بالموعد لخروجه في ~~صورة الاستثناء الذي فيه إطماع (1). # ومنها : ما نقل عن ابن عباس أنه تعالى استثنى قوما قد سبق في علمه أنهم ~~يدخلون في الإسلام ، وهو مبنى على أن الاستثناء. ليس من المحكي وأن «ما» ~~بمعنى «من». # ومنها : أنهم تفتح لهم أبواب الجنة ويخرجون من النار فإذا توجهوا للدخول ~~أغلقت في وجوههم استهزاء بهم. فهم فيها إلا الوقت الذي يخرجون منها متجهين ~~إلى الجنة حيث تقفل في وجوههم ليكون ذلك أعظم في حسرتهم. # ومنها : أن هذا الاستثناء إشارة إلى فناء النار. أى : إلا وقت مشيئة ms2034 الله ~~فناءها وزوال عذابها. وهي مسألة خلافية بين العلماء. # وهناك أقوال أخرى لا مجال لذكرها. والقول الذي نرجحه ونعتمده هو الذي ~~سقناه أولا كما أشرنا إلى ذلك من قبل لأنه قول المحققين من العلماء ؛ ولأنه ~~يتناسب مع ما يليق بذات الله من كمال قدرته. ونفاذ إرادته. # وجملة «إن ربك حكيم عليم» تسلية لبيان ما تقتضيه حكمته وإرادته. أى : إن ~~ربك حكيم في التعذيب والإثابة وفي كل أفعاله. عليم بأحوال الثقلين وأعمالهم ~~وبما يليق بها من جزاء. # ثم يعقب القرآن على هذا الاستمتاع المتبادل بين الضالين والمضلين من الجن ~~والإنس فيقول : ( @QUR@08 وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون ). # ونولي : من الولاية بمعنى القرابة ، والنصرة ، والمحالفة وما إلى ذلك من ~~أنواع الاتصال. # أى : ومثل ما سبق من تمكين الجن من إغواء الإنس وإضلالهم لما بينهم من ~~التناسب والمشاكلة ، نولي بعض الظالمين من الإنس بعضا آخر منهم بأن نجعلهم ~~يزينون لهم السيئات ، ويؤثرون فيهم بالإغواء. بسبب ما كانوا مستمرين على ~~اكتسابه من الكفر والمعاصي. # قال الإمام الرازي : «لأن الجنسية علة الضم» فالأرواح الخبيثة تنضم إلى ~~ما يشاكلها في الخبث. وكذا القول في الأرواح الطاهرة ، فكل أحد يهتم بشأن ~~من يشاكله في النصرة والمعونة والتقوية. ثم قال : والآية تدل على أن الرعية ~~متى كانوا ظالمين فالله تعالى يسلط عليهم PageV05P179 # ظالما مثلهم. فإن أرادوا أن يتخلصوا من ذلك الأمير الظالم فليتركوا ~~الظلم» (1). # وقال ابن كثير : معنى الآية الكريمة : كما ولينا هؤلاء الخاسرين من الإنس ~~تلك الطائفة التي أغوتهم من الجن ، كذلك نفعل بالظالمين ، نسلط بعضهم على ~~بعض ، ونهلك بعضهم ببعض ، وننتقم من بعضهم ببعض جزاء على ظلمهم وبغيهم» (2). # وقال الفضيل بن عياض : إذا رأيت ظالما ينتقم من ظالم. فقف وانظر فيه ~~متعجبا. # فالآية الكريمة تصور لنا مشهدا واقعا في حياة الأمم ، وهو أن الظالمين من ~~الناس يوالى بعضهم بعضا ، ويناصر بعضهم بعضا ، بسبب ما بينهم من صلات في ~~المشارب والأهداف والطباع وأن الأمة التي لا تتمسك بمبدأ العدالة بل تسودها ~~روح الظلم والاعتداء يكون ms2035 حكامها عادة على شاكلتها لأن الحاكم الظالم لا ~~يستطيع البقاء عادة في مجتمع أفراده تسودهم العدالة والشجاعة في الحق. # والآية في الوقت ذاته تهدد الظالمين ، وتتوعدهم بسوء المصير إذا لم ~~يقلعوا عن ظلمهم ، ويثوبوا إلى رشدهم ، ويقيدوا أنفسهم بمبدأ العدالة ~~ورعاية الحق ثم بعد هذا التعقيب بتلك الآية التي بينت طبيعة الأشرار يعود ~~القرآن إلى سؤال الإنس والجن فيقول : ( @QUR@015 يا معشر الجن والإنس ألم ~~يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا )؟. # قال الإمام ابن جرير : وهذا خبر من الله جل ثناؤه عما هو قائل يوم ~~القيامة ، لهؤلاء العادلين به من مشركي الإنس والجن ، يخبر أنه تعالى يقول ~~لهم : ( @QUR@011 يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم ~~آياتي ) يقول : يخبرونكم بما أوحى إليهم من تنبيهى إياكم على مواضع حججي ، ~~وتعريفى لكم أدلتى على توحيدي وتصديقى أنبيائى والعمل بأمرى والانتهاء إلى ~~حدودي ، ( @QUR@04 وينذرونكم لقاء يومكم هذا ) يقول : يحذرونكم لقاء عذابي ~~في يومكم هذا وعقابي على معصيتكم إياى فتنتهوا عن معاصى ، وهذا من الله ~~تعالى تقريع لهم وتوبيخ على ما سلف منهم في الدنيا من الفسوق والمعاصي ~~ومعناه ، قد أتاكم رسل منكم ينبهونكم على خطأ ما كنتم عليه مقيمين بالحجج ~~البالغة ، وينذرونكم وعيد الله ، فلم تقبلوا ولم تتذكروا» (3). # وقوله ( @QUR@02 رسل منكم ) استدل به من قال إن الله قد أرسل رسلا من ~~الجن إلى أبناء جنسهم إلا أن جمهور العلماء يخالفون ذلك ويرون أن الرسل ~~جميعا من الإنس ، وإنما قيل : رسل منكم PageV05P180 # لأنه لما جمع الثقلان في الخطاب صح ذلك وإن كان من أحدهما ، كقوله : ~~«يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ، وإنما يخرجان من أحدهما وهو الماء الملح دون العذب. # قال أبو السعود : والمعنى : ألم يأتكم رسل من جملتكم : لكن لا على أنهم ~~من جنس الفريقين معا بل من الإنس خاصة ، وإنما جعلوا منهما إما لتأكيد وجوب ~~اتباعهم ، والإيذان بتقاربهما ذاتا ، واتحادهما تكليفا وخطابا. كأنهما من ~~جنس واحد ، ولذلك تمكن أحدهما من إضلال الآخر ، وإما لأن المراد بالرسل ما ~~يعم رسل ms2036 الرسل ، وقد ثبت أن الجن استمعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأنذروا بما سمعوه. أقوامهم ، إذ حكى القرآن عنهم أنهم ( @QUR@04 ولوا إلى ~~قومهم منذرين ) وأنهم قالوا لهم : ( @QUR@04 إنا سمعنا قرآنا عجبا ) (1). # وقال صاحب المنار ، وجملة القول في الخلاف أنه ليس في المسألة نص قطعى ، ~~والظواهر التي استدل بها الجمهور يحتمل أن تكون خاصة برسل الإنس ، لأن ~~الكلام معهم ، وليست أقوى من ظاهر ما استدل به من قال إن الرسل من ~~الفريقين. والجن عالم غيبي لا نعرف عنه ألا ما ورد به النص. وقد دل القرآن ~~وكذا السنة على رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إليهم ، فنحن نؤمن بما ~~ورد ونفوض الأمر فيما عدا ذلك إلى الله تعالى » (2). # ثم يحكى القرآن أنهم قد شهدوا على أنفسهم بالكفر فقال : ( @QUR@04 قالوا ~~شهدنا على أنفسنا ) أن الرسل قد بشرونا وأنذرونا ، ولم يقصروا في تبليغنا ~~وإرشادنا. # وقوله سبحانه ( @QUR@03 وغرتهم الحياة الدنيا ) أى غرهم متاع الحياة ~~الدنيا من الشهوات والمال والجاه وحب الرياسة ، فاستحبوا العمى على الهدى ، ~~وباعوا آخرتهم بدنياهم. ( @QUR@06 وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ) ~~أى : شهدوا على أنفسهم عند ما وقفوا بين يدي الله للحساب في الآخرة أنهم ~~كانوا كافرين في الدنيا بما جاءتهم به الرسل. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما لهم مقرين في هذه الآية على أنفسهم ~~بالكفر جاحدين في قوله ( @QUR@05 والله ربنا ما كنا مشركين )؟ قلت. يوم ~~القيامة يوم طويل ، والأحوال فيه مختلفة فتارة يقرون واخرى يجحدون ، وذلك ~~يدل على شدة خوفهم واضطراب أحوالهم ، فإن من عظم خوفه كثر الاضطراب في ~~كلامه. أو أريد شهادة أيديهم وأرجلهم وجلودهم حين يختم على أفواههم. فإن ~~قلت : لم كرر ذكر شهادتهم على أنفسهم؟ قلت : # الأولى : حكاية لقولهم كيف يقولون ويعترفون. PageV05P181 # والثانية : ذم لهم وتخطئة لرأيهم ووصف لقلة نظرهم لأنفسهم وأنهم قوم ~~غرتهم الحياة الدنيا واللذات الحاضرة وكانت عاقبة أمرهم إن اضطروا إلى ~~الشهادة على أنفسهم بالكفر ، والاستسلام لربهم ، وإنما قال ذلك تحذيرا ~~للسامعين من مثل حالهم» (1). # هذا ، وإنك لتقرأ هذه الآية الكريمة ms2037 وغيرها من الآيات التي تصور مشهدا من ~~مشاهد يوم القيامة فيخيل إليك أنك أمام مشهد حاضر أمام عينيك ترى فيه ~~الظالمين وحسراتهم ، والضالين والمضلين وهم يتبادلون التهم وذلك من إعجاز ~~القرآن الكريم وأنه من عند الله ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا. # ثم يحدثنا القرآن بعد ذلك عن عدالة الله في أحكامه ، وعن سعة غناه ورحمته ~~، وعن حسن عاقبة المؤمنين ، وسوء مصير الكافرين فيقول : # ( @QUR@010 ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون (131) ~~@QUR@09 ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون (132) @QUR@018 ~~وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم ~~من ذرية قوم آخرين (133) @QUR@07 إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين (134) ~~@QUR@019 قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له ~~عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون ) (135) # قال الآلوسى : «ذلك» إشارة إلى إتيان الرسل ، أو السؤال المفهوم من ( ~~@QUR@02 ألم يأتكم )، أو ما قص من أمرهم ، أعنى شهادتهم على أنفسهم بالكفر ~~وهو إما مرفوع على أنه خبر مبتدأ مقدر أى : الأمر ذلك ، أو مبتدأ خبره مقدر ~~، أو خبره قوله سبحانه ( @QUR@05 أن لم يكن ربك مهلك PageV05P182 # @QUR@01 القرى ) بخلاف اللام على أن ( @QUR@01 أن ) مصدرية ، أو مخففة من ~~أن وضمير الشأن اسمها. # وإما منصوب على أنه مفعول به لفعل مقدر كخذ ذلك ، أو فعلنا ذلك. # وفي قوله ( @QUR@01 بظلم ) متعلق بمهلك أى : بسبب ظلم. أو بمحذوف وقع ~~حالا من القرى أى : ملتبسة بظلم ...» (1). # والمعنى : ذلك الذي ذكرناه لك يا محمد من إتيان الرسل يقصون على الأمم ~~آيات الله ، سببه أن ربك لم يكن من شأنه ولا من سننه في تربية خلقه أن يهلك ~~القرى من أجل أى ظلم فعلوه قبل أن ينبهوا على بطلانه ، وينهوا عنه بواسطة ~~الأنبياء والمرسلين ، فربك لا يظلم ، ولا يعذب أحدا وهو غافل لم ينذر قال ~~تعالى ( @QUR@06 وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) وقال تعالى ( @QUR@07 وإن ~~من أمة إلا خلا فيها نذير ). # فالآية الكريمة صريحة في أن ms2038 سبحانه قد أعذر إلى الثقلين بإرسال الرسل ، ~~وإنزال الكتب ، وتبيين الآيات ، وإلزام الحجة ( @QUR@011 رسلا مبشرين ~~ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ). # ثم بين سبحانه أن الدرجات إنما هي على حسب الأعمال فقال تعالى ( @QUR@04 ~~ولكل درجات مما عملوا ) أى : ولكل من المكلفين جنا كانوا أو إنسا درجات أى ~~منازل ومراتب ( @QUR@02 مما عملوا ) أى : من أعمالهم صالحة كانت أو سيئة أو ~~من أجل أعمالهم إذ الجزاء من جنس العمل والعمل متروك للناس يتسابقون فيه ، ~~والجزاء ينتظرهم عادلا لا ظلم فيه. # ( @QUR@05 وما ربك بغافل عما يعملون ) بل هو عالم بأعمالهم ومحصيها عليهم ~~، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. # ثم صرح سبحانه بغناه عن كل عمل وعن كل عامل ، وبأنه هو صاحب الرحمة ~~الواسعة ، والقدرة النافذة فقال : ( @QUR@04 وربك الغني ذو الرحمة ). # أى : وربك يا محمد هو الغنى عن جميع خلقه من كل الوجوه ، وهم الفقراء ~~إليه في جميع أحوالهم ، وهو وحده صاحب الرحمة الواسعة العامة التي شملت ~~جميع خلقه. # والجملة الكريمة تفيد الحصر. وقوله : وربك مبتدأ ، والغنى خبره ، وقوله ( ~~@QUR@02 ذو الرحمة ) خبر بعد خبر. وجوز أن يكون هو الخبر و «الغنى» صفة لربك. # وفي هذه الجملة تنبيه إلى أن ما سبق ذكره من إرسال الرسل وغيره ، ليس ~~لنفعه سبحانه ، PageV05P183 # بل لترحمه على العباد ، وتمهيد لقوله بعد ذلك. ( @QUR@08 إن يشأ يذهبكم ~~ويستخلف من بعدكم ما يشاء ) أى : أنه سبحانه إن يشأ إذهابكم أيها الناس ~~بالإهلاك لفعل ذلك فهو قدير على كل شيء وعلى أن ينشئ بعد إذهابكم ما يشاء ~~من الخلق الذين يعملون بطاعته ، ولا يكونون أمثالكم. # والكاف في قوله : ( @QUR@06 كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين ) في موضع نصب ~~والمعنى : إن الله تعالى قادر على أن يستخلف من بعدكم ما يشاء استخلافه مثل ~~ما أنشأكم من ذرية قوم آخرين. ونظيره قوله تعالى ( @QUR@012 إن يشأ يذهبكم ~~أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا ) وقوله ( @QUR@022 يا ~~أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد* إن يشأ ms2039 يذهبكم ~~ويأت بخلق جديد* وما ذلك على الله بعزيز ). # ثم بين سبحانه أن أمر البعث والحساب كائن لا ريب فيه فقال : ( @QUR@07 إن ~~ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين ). # أى : «إن ما توعدون من أمر القيامة والحساب ، والعقاب والثواب لواقع لا ~~شك فيه ، وما أنتم بمعجزين ، أى : بجاعليه عاجزا عنكم ، غير قادر على ~~إدراككم. من أعجزه بمعنى جعله عاجزا. أو : بفائتين العذاب ، من أعجزه ~~الأمر. إذا فاته. أى لا مهرب لكم من عذابنا بل هو مدرككم لا محالة. # ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينفض يده من هؤلاء المشركين ، ~~وإن يتركهم لأنفسهم. وأن ينذرهم بسوء العاقبة إذا ما استمروا في كفرهم فقال ~~تعالى ( @QUR@019 قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون. من ~~تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون ). # أى : قل يا محمد لهؤلاء المصرين على كفرهم اعملوا على غاية تمكنكم من ~~أمركم ، وأقصى استطاعتكم. مصدر مكن ككرم مكانة ، إذا تمكن أبلغ التمكن ~~وأقواه ، أو المعنى اعملوا على جهتكم واثبتوا على كفركم وحالتكم التي أنتم ~~عليها من قولهم. مكان ومكانة كمقام ومقامة. # قال الزمخشري : يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حالة : مكانك يا فلان أى ~~: أثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه. # والأمر للتهديد والوعيد ، وإظهار ما هو عليه صلى الله عليه وسلم في غاية ~~التصلب في الدين ، ونهاية الوثوق بأمره ، وعدم المبالاة بأعدائه أصلا. # وقوله ( @QUR@04 إني عامل فسوف تعلمون ) أى : إنى عامل على مكانتى ، ثابت ~~على الإسلام لا أتزحزح عن الدعوة إليه ، فسوف تعلمون بعد حين من تكون له ~~العاقبة الحسنى في هذه الدنيا. # وقوله : ( @QUR@02 فسوف تعلمون ) بجانب إفادته للإنذار ، فيه إنصاف في ~~المقال ، وحسن أدب في PageV05P184 # الخطاب ، حيث لم يقل مثلا العاقبة لنا ، وإنما فوض الأمر إلى الله ، فهو ~~كقوله تعالى ( @QUR@09 وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ) وفيه ~~تنبيه على وثوق المنذر بأنه على الحق. # قال الجمل وسوف لتأكيد مضمون الجملة ، وهذه الجملة. تعليل لما قبلها ~~والعلم ms2040 عرفان ، ومن استفهامية معلقة لفعل العلم محلها الرفع على الابتداء ~~وخبرها جملة تكون ، وهي مع خبرها في محل نصب لسدها مسد مفعول تعلمون. أى : ~~فسوف تعلمون أينا تكون له العاقبة الحسنى التي خلق الله هذه الدار لها ، ~~ويجوز أن تكون موصولة فيكون محلها النصب على أنها مفعول لتعلمون. أى : فسوف ~~تعلمون الذي له عاقبة الدار» (1). # ثم ختمت الآية بقوله تعالى ( @QUR@04 إنه لا يفلح الظالمون ) أى : لن ~~يظفروا بمطلوبهم بسبب ظلمهم ، وقيل المراد بالظلم هنا الكفر ، ووضع الظلم ~~موضع الكفر ، إيذانا بأن امتناع الفلاح يترتب على أى فرد كان من أفراد ~~الظلم ، فما ظنك بالكفر الذي هو أعظم أفراده. # قال ابن كثير ، وقد أنجز الله موعوده لرسوله صلى الله عليه وسلم فمكن له في ~~البلاد ، وحكمه في نواصي مخالفيه من العباد ، وفتح له مكة ، وأظهره على من ~~كذبه من قومه ، واستقر أمره على سائر جزيرة العرب. ، وكل ذلك في حياته ، ثم ~~فتحت الأقاليم والأمصار بعد وفاته. قال تعالى ( @QUR@011 إنا لننصر رسلنا ~~والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) (2). # ثم تبدأ السورة بعد ذلك حديثا مستفيضا عن أوهام المشركين وجهالاتهم التي ~~تتعلق بمآكلهم ، ومشاربهم ، ونذورهم ، وذبائحهم ، وعاداتهم البالية ، ~~وتقاليدهم الموروثة ، فتناقشهم في كل ذلك مناقشة منطقية حكيمة ، وترد عليهم ~~فيما أحلوه وحرموه بدون علم ولا هدى ولا كتاب منير ، وترشدهم إلى الطريق ~~السليم الذي من الواجب عليهم أن يسلكوه. استمع إلى سورة الأنعام وهي تحكى ~~كل ذلك في بضع عشرة آية بأسلوبها البليغ المؤثر فتقول : # ( @QUR@021 وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله ~~بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله PageV05P185 # @QUR@010 وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون (136) @QUR@020 ~~وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم ~~دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون (137) @QUR@026 وقالوا هذه ~~أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا ~~يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا ms2041 يفترون (138) ~~@QUR@022 وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا ~~وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم (139) @QUR@020 قد ~~خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على ~~الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين ) (140) # لقد حكت هذه الآيات الكريمة بعض الرذائل التي كانت متفشية في المجتمع ~~الجاهلى ، أما الرذيلة الأولى فملخصها أنهم كانوا يجعلون من زروعهم ~~وأنعامهم وسائر أموالهم نصيبا لله ونصيبا لأوثانهم ، فيشركونها في أموالهم ~~فما كان لله صرفوه إلى الضيفان والمساكين ، وما كان للأوثان أنفقوه عليها ~~وعلى سدنتها فإذا رأوا ما جعلوه لله أزكى بدلوه بما للأوثان ، وإذا رأوا ما ~~جعلوه للأوثان أزكى تركوه لها. PageV05P186 # استمع إلى القرآن وهو يقص ذلك بأسلوبه الحكيم فيقول : ( @QUR@08 وجعلوا ~~لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ). # «ذرأ» بمعنى خلق يقال : ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءا أى : خلقهم وأوجدهم ~~وقيل : الذرأ الخلق على وجه الاختراع. # أى : وجعل هؤلاء المشركون مما خلقه الله تعالى من الزروع والأنعام نصيبا ~~لله يعطونه للمساكين وللضيوف وغيرهم ، وجعلوا لأصنامهم نصيبا آخر يقدمونه ~~لسدنتها ، وإنما لم يذكر النصيب الذي جعلوه لأصنامهم اكتفاء بدلالة ما بعده ~~وهو قوله : ( @QUR@06 فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ). # أى : فقالوا في القسم الأول : هذا لله نتقرب به إليه. # وقالوا في الثاني : وهذا لشركائنا نتوسل به إليها. # وقوله تعالى في القسم الأول ( @QUR@03 هذا لله بزعمهم ) أى : بتقولهم ~~ووضعهم الذي لا علم لهم به ولا هدى. # قال الجمل : ومن المعلوم أن الزعم هو الكذب ، وإنما نسبوا للكذب في هذه ~~المقالة مع أن كل شيء لله ، لأن هذا الجعل لم يأمرهم به الله وإنما هو مجرد ~~اختراع منهم (1). # وقال أبو السعود : وإنما قيد الأول بالزعم للتنبيه على أنه في الحقيقة ~~جعل لله تعالى غير مستتبع لشيء من الثواب كالتطوعات التي يبتغى بها وجه ~~الله لا لما قيل من أنه للتنبيه على أن ذلك مما اخترعوه ، فإن ذلك مستفاد ~~من الجعل ولذلك لم يقيد به الثاني ، ويجوز أن يكون ms2042 ذلك تمهيدا لما بعده على ~~معنى أن قولهم هذا لله مجرد زعم منهم لا يعملون بمقتضاه الذي هو اختصاصه ~~تعالى به (2). # ثم فصل سبحانه ما كانوا يعملونه بالنسبة للقسمة فقال : ( @QUR@014 فما ~~كان لشركائهم فلا يصل إلى الله ، وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ). # أى : فما كان من هذه الزروع والأنعام من القسم الذي يتقرب به إلى شركائهم ~~، فإنهم يحرمون الضيفان والمساكين منه ولا يصل إلى الله منه شيء ، وما كان ~~منها من القسم الذي يتقرب به إلى الله عن طريق إكرام الضيف والصدقة ، فإنهم ~~يجورون عليه ويأخذون منه ما يعطونه لسدنة الأصنام وخدامها. PageV05P187 # فهم يجعلون قسم الأصنام لسدنتها وأتباعها وحدهم ، بينما القسم الذي جعلوه ~~لله بزعمهم ينتقصونه ويضعون الكثير منه في غير موضعه ، ويقولون : إن الله ~~غنى وإن آلهتنا محتاجة. # وقد عقب القرآن على هذه القسمة الجائرة بقوله : ( @QUR@03 ساء ما يحكمون ~~) أى : ساء وقبح حكمهم وقسمتهم حيث آثروا مخلوقا عاجزا عن كل شيء ، على ~~خالق قادر على كل شيء ، فهم بجانب عملهم الفاسد من أساسه لم يعدلوا في ~~القسمة. # هذه هي الرذيلة الأولى من رذائلهم ، أما الرذيلة الثانية فهي أن كثيرا ~~منهم كانوا يقتلون أولادهم ، ويئدون بناتهم لأسباب لا تمت إلى العقل السليم ~~بصلة وقد حكى القرآن ذلك في قوله. # ( @QUR@012 وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم ~~وليلبسوا عليهم دينهم ). # أى : ومثل ذلك التزيين في قسمة الزروع والأنعام بين الله والأوثان ، زين ~~للمشركين شركاؤهم من الشياطين أو السدنة قتل بناتهم خشية العار أو الفقر ~~فأطاعوهم فيما أمروهم به من المعاصي والآثام. # والتزيين : التحسين ، فمعنى تزيينهم لهم أنهم حسنوا لهم هذه الأفعال ~~القبيحة ، وحضوهم على فعلها. # سموا شركاء لأنهم أطاعوهم فيما امروهم به من قتل الأولاد ، فأشركوهم مع ~~الله في وجوب طاعتهم ، أو سموا شركاء لأنهم كانوا يشاركون الكفار في ~~أموالهم التي منها الحرث والأنعام. # و ( @QUR@01 شركاؤهم ) فاعل ( @QUR@01 زين ) وأخر عن الظرف والمفعول ~~اعتناء بالمقدم واهتماما به ، لأنه موضع التعجب. # وقوله : ( @QUR@01 ليردوهم ) أى ليهلكوهم ؛ من الردى وهو الهلاك. ms2043 يقال ~~ردى كرضى أى : هلك. # وقوله : ( @QUR@03 وليلبسوا عليهم دينهم ) معطوف على ليردوهم ، أى : ~~ليخلطوا عليهم ما كانوا عليه من دين إسماعيل عليه السلام حتى زالوا عنه إلى الشرك. # ويلبسوا مأخوذ من اللبس بمعنى الخلط بين الأشياء التي يشبه بعضها بعضا ~~وأصله الستر بالثوب ، ومنه اللباس ، ويستعمل في المعاني فيقال : لبس الحق ~~بالباطل يلبسه ستره به. ولبست عليه الأمر. خلطته عليه وجعلته مشتبها حتى لا ~~يعرف جهته ، فأنت ترى أن شركاءهم قد حسنوا لهم القبيح من أجل أمرين : ~~إهلاكهم وإدخال الشبهة عليهم في دينهم عن طريق PageV05P188 # التخليط والتلبيس. ثم سلى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وهدد أعداءه ~~فقال : ( @QUR@08 ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون ). # أى : ولو شاء الله ألا يفعل الشركاء ذلك التزيين أو المشركون ذلك القتل ~~لما فعلوه ، لأنه سبحانه لا يعجزه شيء ، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات بسبب ما ~~يفعلونه ، بل دعهم وما يفترونه من الكذب ، فإنهم لسوء استعدادهم آثروا ~~الضلالة على الهداية. # والفاء في قوله ( @QUR@01 فذرهم ) فصيحة أى : إذا كان ما قصصناه عليك ~~بمشيئة الله ، فدعهم وافتراءهم ولا تبال بهم ، فإن فيما يشاؤه الله حكما بالغة. # ثم حكى القرآن رذيلة ثالثة من رذائلهم المتعددة ، وهي أن أوهام الجاهلية ~~وضلالاتها ساقتهم إلى عزل قسم من أموالهم لتكون حكرا على آلهتهم بحيث لا ~~ينتفع بها أحد سوى سدنتها ، ثم عمدوا إلى قسم من الأنعام فحرموا ركوبها ~~وعمدوا إلى قسم آخر فحرموا أن يذكر اسم الله عليها عند ذبحها أو ركوبها إلى ~~آخر تلك الأوهام المفتراة. # استمع إلى القرآن وهو يقص ذلك فيقول : ( @QUR@011 وقالوا هذه أنعام وحرث ~~حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم ). # حجر : بمعنى المحجور أى : الممنوع من التصرف فيه ، ومنه قيل للعقل حجر ~~لكون الإنسان في منع منه مما تدعوه إليه نفسه من اثام. # أى : ومن بين أوهام المشركين وضلالاتهم أنهم يقتطعون بعض أنعامهم ~~وأقواتهم من الحبوب وغيرها ويقولون : هذه الأنعام وتلك الزروع محجورة علينا ~~أى : محرمة ممنوعة ، لا يأكل منها إلا من نشاء ms2044 ، يعنون : خدم الأوثان ~~والرجال دون النساء أى : لا يأكل منها إلا خدم الأوثان والرجال فقط. # وقوله : ( @QUR@01 بزعمهم ) متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل قالوا. أى : ~~قالوا ذلك متلبسين بزعمهم الباطل من غير حجة. # وقوله : ( @QUR@02 وقالوا هذه ) الإشارة إلى ما جعلوه لآلهتم ، والتأنيث ~~باعتبار الخبر وهو قوله : ( @QUR@02 أنعام وحرث ) وقوله ( @QUR@01 حجر ) ~~صفة لأنعام وحرث ، وقوله ( @QUR@02 لا يطعمها ) صفة ثانية لأنعام وحرث. # هذا هو النوع الأول الذي ذكرته الآية من أنواع ضلالاتهم. # أما النوع الثاني فهو قوله تعالى ( @QUR@03 وأنعام حرمت ظهورها ) أى : ~~وقالوا مشيرين إلى طائفة أخرى من أنعامهم : هذه أنعام حرمت ظهورها فلا تركب ~~ولا يحمل عليها ، يعنون بها PageV05P189 # البحائر والسوائب والوصائل والحوامي (1) التي كانوا يزعمون أنها تعتق ~~وتقصى لأجل الآلهة. فقوله ( @QUR@01 وأنعام ) خبر لمبتدأ محذوف والجملة ~~معطوفة على قوله ( @QUR@02 هذه أنعام ). # وأما النوع الثالث من أنواع اختراعاتهم الذي ذكرته الآية فهو قوله : ( ~~@QUR@06 وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها ). # أى : وقالوا أيضا هذه أنعام لا يذكر اسم الله عليها عند الذبح ، وإنما ~~يذكر عليها أسماء الأصنام لأنها ذبحت من أجلها. # وقد عقب سبحانه على تلك الأقسام الثلاثة الباطلة بقوله : ( @QUR@02 ~~افتراء عليه ) أى فعلوا ما فعلوا من هذه الأباطيل وقالوا ما قالوا من تلك ~~المزاعم من أجل الافتراء على الله وعلى دينه ، فإنه سبحانه لم يأذن لهم في ~~ذلك ولا رضيه منهم. # ثم ختمت الآية بهذا التهديد الشديد حيث قال : سبحانه ( @QUR@04 سيجزيهم ~~بما كانوا يفترون ) أى : سيجزيهم الجزاء الشديد الأليم بسبب هذا الافتراء ~~القبيح. # ثم يحكى القرآن الرذيلة الرابعة من رذائلهم وملخصها : أنهم زعموا أن ~~الأجنة التي في بطون هذه الأنعام المحرمة ، ما ولد منها حيا فهو حلال ~~للرجال ومحرم على النساء ، وما ولد ميتا اشترك في أكله الرجال والنساء. # استمع إلى القرآن وهو يفضح زعمهم هذا فيقول : ( @QUR@017 وقالوا ما في ~~بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ، ومحرم على أزواجنا ، وإن يكن ميتة فهم ~~فيه شركاء ) ومرادهم بما في بطون هذه الأنعام أجنة البحائر والسوائب. # أى : ومن فنون كفرهم أنهم قالوا ما في ms2045 بطون هذه الأنعام المحرمة إذا نزل ~~منها حيا فأكله حلال للرجال دون والنساء ، وإذا نزل ميتا فأكله حلال للرجال ~~والنساء على السواء. # وفي رواية العوفى عن ابن عباس أن المراد بما في بطونها اللبن ، فقد كانوا ~~يحرمونه على إناثهم ويشربه ذكرانهم وكانت الشاة إذا ولدت ذكرا ذبحوه ، وكان ~~للرجال دون النساء ، وإن كانت أنثى تركت فلم تذبح ، وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء. # قال بعضهم : «ومن مباحث اللفظ في الآية أن قوله «خالصة» فيه وجوه : # والوصيلة : اسم للناقة التي تلد أول ما تلد أنثى ثم تثنى بأنثى كانوا ~~يتركونها للأصنام والحام : اسم للفحل إذا لقح ولد ولده قالوا حمى ظهره فلا ~~يركب ويترك حتى يموت. PageV05P190 # أحدها : أن التاء قيد للمبالغة في الوصف كراوية وداهية فلا يقال إنه غير ~~مطابق للمبتدأ على القول بأنه خبر. # وثانيا : أن المبتدأ وهو ( @QUR@05 ما في بطون هذه الأنعام ) مذكر اللفظ ~~مؤنث المعنى ، لأن المراد به الأجنة فيجوز تذكير خبره باعتبار اللفظ ~~وتأنيثه باعتبار المعنى. # وثالثها : أنه مصدر فتكون العبارة مثل قولهم : عطاؤك عافية والمطر رحمة ~~والرخصة نعمة. # ورابعها : أنه مصدر مؤكد أو حال من المستكن في الظرف وخبر المبتدأ ( ~~@QUR@01 لذكورنا ) (1). # وقوله : ( @QUR@05 سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم ) تهديد لهم أى : سيجزيهم ~~بما هم أهله من العذاب المهين جزاء وصفهم أو بسبب وصفهم الكذب على الله في ~~أمر التحليل والتحريم على سبيل التحكم والتهجم بالباطل على شرعه. إنه ~~سبحانه حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه ، عليم بأعمال عباده من خير أو شر ~~وسيجازيهم عليها. # قال الآلوسى : ونصب ( @QUR@01 وصفهم ) على ما ذهب إليه الزجاج لوقوعه ~~موقع مصدر ( @QUR@01 سيجزيهم ) فالكلام على تقدير مضاف. أى : جزاء وصفهم. ~~وقيل : التقدير. سيجزيهم العقاب بوصفهم أى : بسببه فلما سقطت الباء نصب وصفهم. # ثم قال : وهذا كما قال بعض المحققين من بليغ الكلام وبديعه ، فإنهم ~~يقولون ، كلامه يصف الكذب إذا كذب ، وعينه تصف السحر ، أى ساحرة ، وقد يصف ~~الرشاقة ، بمعنى رشيق. مبالغة ، حتى كأن من سمعه أو رآه وصف له ذلك بما ~~يشرحه له» (2). # وإلى ms2046 هنا تكون الآيات الأربعة التي بدأت بقوله تعالى ( @QUR@08 وجعلوا ~~لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ).. إلخ. قد قصت علينا أربع رذائل من ~~أفعال المشركين وأقوالهم. # وإن العاقل ليعجب وهو يستعرض هذه الضلالات التي حكتها الآيات. يعجب لما ~~تحملوه في سبيل ضلالاتهم من أعباء مادية وخسائر وتضحيات ، يعجب للعقيدة ~~الفاسدة وكيف تكلف أصحابها الكثير ومع ذلك فهم مصرون على اعتناقها ، وعلى ~~التقيد بأغلالها ، وأوهامها ، وتبعاتها. # لكأن القرآن وهو يحكى تلك الرذائل وما تحمله أصحابها في سبيلها يقول ~~لأتباعه من بين ما يقول إذا كان أصحاب العقائد الفاسدة قد ضحوا حتى بفلذات ~~أكبادهم إرضاء PageV05P191 # لشركائهم. فأولى بكم ثم أولى أن تضحوا في سبيل عقيدتكم الصحيحة ، وملتكم ~~الحنيفة السمحاء بالأنفس والأموال. ### ||| ** هذا وقد عقب القرآن بعد إيراده لتلك الرذائل بقوله. # ( @QUR@015 قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم ، وحرموا ما رزقهم ~~الله افتراء على الله ). # قال الإمام ابن كثير : قد خسر الذين فعلوا هذه الأفاعيل في الدنيا ~~والآخرة ، أما في الدنيا فخسروا أولادهم بقتلهم ، وضيقوا على أنفسهم في ~~أموالهم ، فحرموا أشياء ابتدعوها من تلقاء أنفسهم. وأما في الآخرة فيصيرون ~~إلى أسوأ المنازل بكذبهم على الله وافترائهم» (1). # والتعبير بخسر بدون ذكر مفعول معين يقع عليه الفعل للإشارة إلى أن ~~خسارتهم خسارة مطلقة من أى تحديد ، فهي خسارة دينية وخسارة دنيوية كما قال ~~ابن كثير. # وقرأ ابن عامر قتلوا بالتشديد. أى : فعلوا ذلك كثيرا ، إذ التضعيف يفيد ~~التكثير. # و ( @QUR@01 سفها ) منصوب على أنه علة لقتلوا أى : لخفة عقولهم وجهلهم ~~قتلوا أولادهم. أو منصوب على أنه حال من الفاعل في قتلوا وهو ضمير الجماعة. # والسفه : خفة في النفس لنقصان العقل في أمور الدنيا أو الدين. # وقوله ( @QUR@04 وحرموا ما رزقهم الله ) أى من البحائر والسوائب ونحوهما ~~، وهو معطوف على ( @QUR@01 قتلوا ). # ثم بين سبحانه نتيجة ذلك القتل والتحريم فقال : ( @QUR@05 قد ضلوا وما ~~كانوا مهتدين ) أى : قد ضلوا عن الصراط المستقيم بأقوالهم وأفعالهم القبيحة ~~وما كانوا مهتدين إلى الحق والصواب. # قال الشهاب ، وفي قوله ( @QUR@03 وما كانوا مهتدين ) بعد ms2047 قوله ( @QUR@02 ~~قد ضلوا ) مبالغة في نفى الهداية عنهم ، لأن صيغة الفعل تقتضي حدوث الضلال ~~بعد أن لم يكن. فلذا أردف بهذه الحال لبيان عراقتهم في الضلال ، وإنما ~~ضلالهم الحادث ظلمات بعضها فوق بعض» (2). # روى البخاري عن ابن عباس قال : إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق ~~الثلاثين والمائة من سورة الأنعام ( @QUR@020 قد خسر الذين قتلوا أولادهم ~~سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا ~~مهتدين ) (3). PageV05P192 # ثم بين سبحانه أنه هو الخالق لكل شيء من الزروع والثمار والأنعام التي ~~تصرف فيها المشركون بآرائهم الفاسدة ، وأن من الواجب عليهم أن يستعملوا نعم ~~الله فيما خلقت له فقال تعالى : # ( @QUR@031 وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع ~~مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر ~~وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين (141) @QUR@016 ومن ~~الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم ~~عدو مبين (142) @QUR@023 ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل ~~آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن ~~كنتم صادقين (143) @QUR@040 ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين ~~حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم ~~الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله ~~لا يهدي القوم الظالمين ) (144) PageV05P193 # قوله تعالى ( @QUR@07 وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات ). # أنشأ : أى أوجد وخلق. والجنات : البساتين والكروم الملتفة الأشجار. # ومعروشات : أصل العرش في اللغة شيء مسقف يجعل عليه الكرم وجمعه عروش ، ~~يقال عرشت الكرم أعرشه عرشا من بابى ضرب ونصر ، وعرشته تعريشا إذا جعلته ~~كهيئة السقف. فالمادة تدل على الرفع ومنها عرش الملك. قال ابن عباس : ~~المعروشات. ما انبسط على الأرض وانبسط من الزروع مما يحتاج إلى أن يتخذ له ~~عريش يحمل عليه ، كالكرم والبطيخ والقرع ونحو ذلك. وغير المعروشات ما قام ~~على ساق واستغنى باستوائه وقوة ms2048 ساقه عن التعريش كالنخل والشجر. # وقيل المعروشات وغير المعروشات كلاهما في الكرم خاصة ، لأن منه ما يعرش ~~ومنه ما لا يعرش بل يبقى على وجه الأرض منبسطا. # وقيل المعروشات ما غرسه الناس في البساتين واهتموا به فعرشوه من كرم أو ~~غيره ، وغير المعروشات. هو ما أنبته الله في البراري والجبال من كرم وشجر. # أى : وهو سبحانه الذي أوجد لكم هذه البساتين المختلفة التي منها ~~المرفوعات عن الأرض ، ومنها غير المرفوعات عنها ، فخصوه وحده بالعبادة ~~والخضوع. # وقوله : ( @QUR@04 والنخل والزرع مختلفا أكله ) عطف على جنات ، أى : أنشأ ~~جنات ، وأنشأ النخل والزرع ، والمراد بالزرع جميع الحبوب التي يقتات بها. # وإنما أفردهما مع أنهما داخلان في الجنات لما فيهما من الفضيلة على سائر ~~ما ينبت في الجنات. # و ( @QUR@02 مختلفا أكله ) أى ، ثمره وحبه في اللون والطعم والحجم ~~والرائحة. # والضمير في أكله راجع إلى كل واحد منهما ، أى : النخل والزرع والمراد ~~بالأكل المأكول أى ، مختلف المأكول في كل منهما في الهيئة والطعم. # قال الجمل : وجملة. ( @QUR@02 مختلفا أكله ) حال مقدرة ، لأن النخل ~~والزرع وقت خروجه لا أكل منه حتى يكون مختلفا أو متفقا ، فهو مثل قولهم : ~~مررت برجل معه صقر صائدا له غدا». # وقوله : ( @QUR@05 والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه ) أى : وأنشأ ~~الزيتون والرمان متشابها في المنظر وغير متشابه في الطعم أو متشابها بعض ~~أفرادهما في اللون أو الطعم أو الهيئة «وغير متشابه في بعضها. # قال القرطبي : وفيه أدلة ثلاثة. # أحدها : ما تقدم من قيام الدليل على أن المتغيرات لا بد لها من مغير. PageV05P194 # الثاني : على المنة منه سبحانه علينا ، فلو شاء إذ خلقنا ألا يخلق لنا ~~غذاء ، وإذا خلقه ألا يكون جميل المنظر طيب الطعم ، وإذ خلقه كذلك ألا يكون ~~سهل الجنى ، فلم يكن عليه أن يفعل ذلك ابتداء ، لأنه لا يجب عليه شيء. # الثالث : على القدرة في أن يكون الماء الذي من شأنه الرسوب يصعد بقدرة ~~الله الواحد علام الغيوب من أسافل الشجرة إلى أعاليها ، حتى إذا انتهى إلى ~~آخرها نشأت فيها أوراق ليست من ms2049 جنسها ، وثمر خارج من صفته : الجرم الوافر ، ~~واللون الزاهر ، والجنى الجديد ، والطعم اللذيذ ، فأين الطبائع وأجناسها ~~وأين الفلاسفة وأسسها ، هل هي في قدرة الطبيعة أن تتقن هذا الإتقان أو ترتب ~~هذا الترتيب العجيب. كلا ، لا يتم ذلك في العقول إلا لحى قادر عالم مريد ، ~~فسبحان من له في كل شيء آية ونهاية. # ووجه اتصال هذا بما قبله أن الكفار لما افتروا على الله الكذب. وأشركوا ~~معه وحللوا وحرموا دلهم على وحدانيته بأنه خالق الأشياء ، وأنه جعل هذه ~~الأشياء أرزاقا لهم» (1). # ثم ذكر سبحانه المقصود من خلق هذه الأشياء فقال : ( @QUR@05 كلوا من ثمره ~~إذا أثمر ) أى : كلوا من ثمر تلك الزروع والأشجار التي أنشأناها لكم ، ~~شاكرين الله على ذلك. والأمر للإباحة. وفائدة التقييد بقوله ( @QUR@02 إذا ~~أثمر ) إباحة الأكل قبل النضوج والإدراك. # وقيل فائدته : الترخيص للمالك في الأكل من قبل أداء حق الله تعالى لأنه ~~لما أوجب الحق فيه ربما يتبادر إلى الأذهان أنه يحرم على المالك تناول شيء ~~منه لمكان شركة المساكين له فيه ، فأباح الله له هذا الأكل. # ثم أمرهم سبحانه بأداء حقوق الفقراء والمحتاجين مما رزقهم فقال : ( ~~@QUR@04 وآتوا حقه يوم حصاده ) أى : كلوا من ثمر ما أنشأنا لكم ، وأدوا حق ~~الله فيه للفقراء والمحتاجين يوم حصاده. # ويرى بعض العلماء أن المراد بهذا الحق الصدقة بوجه عام على المستحقين لها ~~، بأن يوزع صاحب الزرع منه عند حصاده على المساكين والبائسين ما يسد حاجتهم ~~بدون إسراف أو تقتير. # وأصحاب هذا الرأى فسروا هذا الحق بالصدقة الواجبة من غير تحديد للمقدار ~~وليس بالزكاة المفروضة لأن الآية مكية والزكاة إنما فرضت بالمدينة. # وهم يرون أن هذا الحق لم ينسخ بالزكاة المفروضة ، بل على صاحب الزرع أن ~~يطعم منه المحتاجين عند حصاده. PageV05P195 # ويرى بعض آخر من العلماء أن المراد بهذا الحق ما فصلته السنة النبوية من ~~الزكاة المفروضة وهذه الآية مدنية وإن كانت السورة مكية. # ويبدو لنا أن الرأى الأول أرجح ، لأنه لا دليل على أن هذه الآية مدنية ~~ولأن فرضية الزكاة لا تمنع ms2050 إعطاء الصدقات ، وفي الأمر بإيتاء هذا الحق يوم ~~الحصاد ، مبالغة في العزم على المبادرة إليه. # والمعنى : اعزموا على إيتاء هذا الحق واقصدوه ، واهتموا به يوم الحصاد ~~حتى لا تؤخروه عن أول وقت يمكن فيه الإيتاء. # وقيل : إنما ذكر وقت الحصاد تخفيفا على أصحاب الزروع حتى لا يحسب عليهم ~~ما أكل قبله. # ثم ختمت الآية بالنهى عن الإسراف فقالت : ( @QUR@06 ولا تسرفوا إنه لا ~~يحب المسرفين ). أى لا تسرفوا في أكلكم قبل الحصاد ولا في صدقاتكم ولا في ~~أى شأن من شئونكم ، لأنه سبحانه لا يحب المسرفين. # وقال ابن جريج ، نزلت في ثابت بن قيس ، قطع نخلا له فقال. لا يأتينى ~~اليوم أحد إلا أطعمته ، فأطعم حتى أمسى وليست له ثمرة ، فنزلت هذه الآية. # وقال عطاء ، نهوا عن السرف في كل شيء. # وقال إياس بن معاوية ، ما جاوزت به أمر الله فهو سرف. # ثم بين سبحانه حال الأنعام. وأبطل ما تقولوه عليه في شأنها بالتحريم ~~والتحليل فقال. ( @QUR@04 ومن الأنعام حمولة وفرشا ). # الحمولة ، هي الأنعام الكبار الصالحة للحمل. والفرش هي صغارها الدانية من ~~الأرض ، مثل الفرش المفروش عليها. # وقيل الحمولة كل ما حمل عليه من إبل وبقر وبغل وحمار. والفرش ما اتخذ من ~~صوفه ووبره وشعره ما يفرش. # أى : وأنشأ لكم سبحانه من الأنعام حمولة وهي ما تحملون عليه أثقالكم ، ~~كما أنشأ لكم منها فرشا وهي صغارها التي تفرش للذبائح من الضأن والمعز ~~والإبل والبقر. # والجملة معطوفة على جنات. والجهة الجامعة بينهما إباحة الانتفاع بهما. # وقوله ( @QUR@012 كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم ~~عدو مبين ). # أى : كلوا مما رزقكم الله من هذه الثمار والزروع والأنعام وغيرها ، ~~وانتفعوا منها بسائر أنواع PageV05P196 # الانتفاع المشروعة ، ولا تتبعوا وساوس الشيطان وطرقه في التحريم والتحليل ~~كما اتبعها أهل الجاهلية ، إذ حرموا ما رزقهم الله افتراء عليه ، إن ~~الشيطان عداوته ، ظاهرة واضحة لكم ، فهو يمنعكم مما يحفظ روحكم ، ويطهر ~~قلوبكم ، فالجملة الكريمة ( @QUR@02 إنه لكم ) تعليل للنهى عن اتباع خطوات ~~الشيطان. # ثم بين القرآن بعد ذلك بعض ms2051 ما كان عليه الجاهليون من جهالات ، وناقشهم ~~فيما أحلوه وحرموه مناقشة منطقية حكيمة فقال : # ( @QUR@08 ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ). # وقوله سبحانه ( @QUR@02 ثمانية أزواج ) بدل من ( @QUR@02 حمولة وفرشا ) ~~بناء على كونهما قسمين لجميع الأنعام على الراجح ، وقيل أن لفظ ثمانية ~~منصوب بفعل مضمر أى : وأنشأ لكم ثمانية أزواج ، أو هو مفعول به لفعل ( ~~@QUR@01 كلوا ) وقوله ( @QUR@02 ولا تتبعوا )... إلخ» معترض بينهما. # والزوج يطلق على المفرد إذا كان معه آخر من جنسه يزاوجه ويحصل منهما ~~النسل ، وكذا يطلق على الاثنين فهو مشترك والمراد هنا الإطلاق الأول. # والمعنى : ثمانية أصناف خلقها الله لكم ، لتنتفعوا بها أكلا وركوبا وحملا ~~وحلبا وغير ذلك. # ثم فصل الله تعالى هذه الأزواج الثمانية فقال : ( @QUR@03 من الضأن اثنين ~~) أى. من الضأن زوجين اثنين هما الكبش والنعجة ، ( @QUR@03 ومن المعز اثنين ~~) أى. ومن المعز زوجين اثنين هما التيس والعنز. # ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبكتهم على جهلهم فقال ( ~~@QUR@010 قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ). # أى : قل لهم يا محمد على سبيل التوبيخ وإلزامهم الحجة. أحرم الله الذكرين ~~وحدهما من الضأن والمعز أم الأنثيين وحدهما ، أم الأجنة التي اشتملت عليها ~~أرحام إناث الزوجين كليهما سواء أكانت تلك الأجنة ذكورا أم إناثا؟ # وقوله : ( @QUR@05 نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ) أى : أخبرونى بأمر معلوم ~~من جهته تعالى جاءت به الأنبياء ، يدل على أنه سبحانه قد حرم شيئا مما ~~حرمتموه إن كنتم صادقين في دعوى التحريم. # والأمر هنا للتعجيز لأنهم لا دليل عندهم من العقل أو النقل على صحة ~~تحريمهم لبعض الأنعام دون بعض. # وقوله تعالى ( @QUR@03 ومن الإبل اثنين ) عطف على قوله ( @QUR@03 من ~~الضأن اثنين ) أى : وأنشأ لكم PageV05P197 # من الإبل اثنين هما الجمل والناقة ( @QUR@03 ومن البقر اثنين ) هما الثور ~~وأنثاه البقرة. # ( @QUR@01 قل ) إفحاما في أمر هذين النوعين أيضا ( @QUR@02 آلذكرين حرم ) ~~الله تعالى منهما ، ( @QUR@07 أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ~~) من ذينك النوعين؟ # قال الآلوسى : والمعنى كما قال كثير من أجلة العلماء : إنكار ان الله ms2052 ~~تعالى حرم عليهم شيئا من هذه الأنواع الأربعة ، وإظهار كذبهم في ذلك وتفصيل ~~ما ذكر من الذكور والإناث وما في بطونها للمبالغة في الرد عليهم بإيراد ~~الإنكار على كل مادة من مواد افترائهم ، فإنهم كانوا يحرمون ذكور الأنعام ~~تارة ، وإناثها تارة. وأولادها كيفما كانت تارة أخرى ، مسندين ذلك كله إلى ~~الله سبحانه . # ثم قال : وإنما لم يل المنكر وهو التحريم الهمزة ، والجاري في الاستعمال ~~أن ما نكر وليها لأن ما في النظم الكريم أبلغ. # وبيانه على ما قاله السكاكي أن إثبات التحريم يستلزم إثبات محله لا محالة ~~، فإذا انتفى محله وهو الموارد الثلاثة لزم انتفاء التحريم على وجه برهاني. ~~كأنه وضع الكلام موضع من سلم أن ذلك قد تم ، وطالبه ببيان محله كي يتبين ~~كذبه ، ويفتضح عند الحاجة. # وإنما لم يورد سبحانه الأمر عقيب تفصيل الأنواع الأربعة ، بأن يقال : ~~قلءآلذكور حرم أم الإناث أما اشتملت عليه أرحام الإناث ، لما في التكرير من ~~المبالغة أيضا في الإلزام والتبكيت» (1). # وقوله تعالى ( @QUR@07 أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا ) تكرير للإفحام ~~والتبكيت. # أى : أكنتم حاضرين حين وصاكم الله وأمركم بهذا التحريم؟ لا ، ما كنتم ~~حاضرين فمن أين لكم هذه الأحكام الفاسدة؟. # فالجملة الكريمة تبكتهم غاية التبكيت على جهالاتهم وافترائهم الكذب على ~~الله ، والاستفهام في قوله تعالى ( @QUR@011 فمن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا ليضل الناس بغير علم ) للنفي والإنكار. # أى : لا أحد أشد ظلما من هؤلاء المشركين الذين يفترون على الله الكذب ~~بنسبتهم إليه سبحانه تحريم ما لم يحرمه لكي يضلوا الناس عن الطريق القويم ~~بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. PageV05P198 # وقوله ، ( @QUR@02 بغير علم ) متعلق بمحذوف حال من فاعل افترى ، أى : ~~افترى عليه تعالى جاهلا بصدور التحريم. # وإنما وصف بعدم العلم مع أن المفترى عالم بعدم الصدور ، إيذانا بخروجه في ~~الظلم عن الحدود والنهايات ، لأنه إذا كان المفترى بغير علم يعد ظالما فكيف ~~بمن يفترى الكذب وهو عالم بذلك. # ثم ختمت الآية بقوله تعالى ( @QUR@06 إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) ~~أى لا ms2053 يهديهم إلى طريق الحق بسبب ظلمهم ، وإيثارهم طريق الغي على طريق الرشد. # هذا ، والمتأمل في هاتين الآيتين الكريمتين يراهما قد ردتا على المشركين ~~بأسلوب له مع سهولته وتأثيره الطابع المنطقي الذي يزيد المؤمنين إيمانا ~~بصحة هذا الدين ، وصدق هذا القرآن ، ويقطع على المعارضين والملحدين كل حجة وطريق. # وتقرير ذلك كما قال بعض العلماء أن تطبق قاعدة (السير والتقسيم) فيقال ، ~~إن الله تعالى خلق من كل صنف من المذكورات نوعين : ذكرا وأنثى ، وأنتم أيها ~~المشركون حرمتم بعض هذه الأنعام ، فلا يخلو الأمر في هذا التحريم من : # 1 أن يكون تحريما معللا بعلة. # 2 أو أن يكون تحريما تعبديا ملقى من الله تعالى . # ولا جائز أن يكون تحريما معللا ، لأن العلة إن كانت هي (الذكورة) فأنتم ~~أبحتم بعض الذكور وحرمتم بعضا ، فلم تجعلوا الأمر في الذكورة مطردا وإن ~~كانت العلة هي (الأنوثة) فكذلك الأمر : حيث حرمتم بعض الإناث وحللتم بعضا ، ~~فلم تطرد العلة ، ومثل هذا يقال إذا جعلت العلة هي اشتمال الرحم من الأنثى ~~على النوعين ، لأنها حينئذ تقتضي أن يكون الكل حراما فلما ذا أحلوا بعضه. # وهذا كله يؤخذ من قوله تعالى ( @QUR@010 قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين ). # فبطل إذن أن يكون التحريم معللا. # ولا جائز أن يكون التحريم تعبديا لا يدرى له علة ، أى : مأخوذ عن الله ، ~~لأن الأخذ عن الله إما بشهادة توصيته بذلك وسماع حكمه به ، وقد أنكر هذا ~~عليهم بقوله : ( @QUR@07 أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا ) وإما أن يكون ~~برسول أبلغهم ذلك ، وهم لم يأتهم رسول بذلك ، وفي هذا يقول جل شأنه متحديا ~~لهم ( @QUR@016 نبئوني بعلم إن كنتم صادقين فمن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا ليضل الناس بغير علم ). PageV05P199 # وإذن فما قالوه من التحريم إنما هو افتراء وضلال» (1). # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بعد إلزام المشركين وتبكيتهم ، ~~وبيان أن ما يتقولونه في أمر التحريم افتراء محض بعد كل ذلك أمره بأن يبين ~~لهم ما حرمه الله عليهم ms2054 فقال : # ( @QUR@039 قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ~~ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن ~~اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم (145) @QUR@028 وعلى الذين هادوا ~~حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما ~~أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون (146) ~~@QUR@013 فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين ~~) (147) # أى : ( @QUR@01 قل ) يا محمد لهؤلاء المفترين على الله الكذب في أمر ~~التحليل والتحريم وغيرهما ( @QUR@010 لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه ). # أى : لا أجد فيما أوحاه الله إلى من القرآن طعاما محرما على آكل يريد أن ~~يأكله من ذكر أو أنثى ردا على قولهم ( @QUR@03 محرم على أزواجنا ). # والجملة الكريمة تفيد أن طريق التحريم والتحليل إنما هو الوحى وليس مجرد ~~الهوى والتشهى ، وأن الأصل في الأشياء الحل إلا أن يرد نص بالتحريم. PageV05P200 # و ( @QUR@01 محرما ) صفة لموصوف محذوف ، أى : شيئا محرما ، أو طعاما ~~محرما ، وهو المفعول الأول لأجد ، أما المفعول الثاني فهو ( @QUR@04 في ما ~~أوحي إلي ) قدم للاهتمام به. # وقوله ( @QUR@01 يطعمه ) في موضع الصفة لطاعم جيء به قطعا للمجاز كما في ~~قوله ( @QUR@04 ولا طائر يطير بجناحيه ). # ثم بين سبحانه ما حرمه فقال : ( @QUR@018 إلا أن يكون ميتة ، أو دما ~~مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا ، أهل لغير الله به ). # أى : لا أجد فيما أوحاه الله إلى الآن شيئا محرما من المطاعم إلا أن يكون ~~هذا الشيء أو ذلك الطعام ( @QUR@01 ميتة ) أى : بهيمة ماتت حتف أنفها. # ( @QUR@03 أو دما مسفوحا ) أى : دما مصبوبا سائلا كالدم الذي يخرج من ~~المذبوح عند ذبحه ، لا الدم الجامد كالكبد والطحال ، والسفح : الصب ~~والسيلان. # ( @QUR@04 أو لحم خنزير فإنه ) أى اللحم لأنه المحدث عنه ، أو الخنزير ~~لأنه الأقرب أو جميع ما ذكر من الميتة والدم ولحم الخنزير. # ( @QUR@01 رجس ) أى : قذر خبيث تعافه الطباع السليمة وضار ms2055 بالأبدان ( ~~@QUR@06 أو فسقا أهل لغير الله به ) أى : خروجا عن الدين ، لكونه عند ذبحه ~~قد ذكر عليه غير اسمه تعالى من صنم أو وثن أو طاغوت أو نحو ذلك. # والإهلال : رفع الصوت عند رؤية الهلال ، ثم استعمل لرفع الصوت مطلقا ، ~~ومنه إهلال الصبى ، والإهلال بالحج ، وكانوا في الجاهلية إذا أرادوا ذبح ما ~~قربوه إلى آلهتهم سموا عليها أسماءها كاللات والعزى ورفعوا بها أصواتهم ، ~~وسمى ذلك إهلالا. # وإنما سمى ( @QUR@05 ما أهل به لغير الله ) فسقا ، لتوغله في باب الفسق ، ~~والخروج عن الشريعة الصحيحة ، ومنه قوله تعالى ( @QUR@010 ولا تأكلوا مما ~~لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ). # ثم بين سبحانه حكم المضطر فقال : ( @QUR@02 فمن اضطر ): # أى : فمن أصابته الضرورة الداعية إلى تناول شيء مما ذكر ، بأن ألجئ ~~بإكراه أو جوع مهلك مع فقد الحلال إلى أكل شيء من هذه المحرمات التي كانوا ~~في الجاهلية يستحلونها ، فلا إثم عليه في أكلها. # واضطر : مأخوذ من الاضطرار وهو الاحتياج إلى الشيء ، يقال : اضطره إليه ، ~~أى أحوجه والجأه فاضطر. # ثم قيد سبحانه حالة الاضطرار بقوله : ( @QUR@04 غير باغ ولا عاد ). PageV05P201 # أى : فمن أصابته ضرورة قاهرة ألجأته إلى الأكل من هذه الأشياء المحرمة ~~حالة كونه غير باغ في أكله ، أى غير طالب للمحرم وهو يجد غيره. أو غير طالب ~~له للذته ، أو على جهة الاستئثار به على مضطر آخر بأن ينفرد بتناوله فيها ~~عن الآخر. # أو حالة كونه أيضا غير عاد فيما يأكل ، أى : غير متجاوز سد الجوعة فلا ~~إثم عليه في هذه الأحوال. # وباغ : مأخوذ من البغاء وهو الطلب تقول : بغيته بغاء وبغى بغية وبغية أى ~~: طلبته. # وعاد : اسم فاعل بمعنى متعد ، تقول : فلان عدا طوره إذا تجاوز حده وتعداه ~~إلى غيره فهو عاد ، ومنه قوله تعالى ( @QUR@04 بل أنتم قوم عادون ). # وقوله ( @QUR@04 فإن ربك غفور رحيم ) أى : فإن ربك واسع المغفرة والرحمة ~~لا يؤاخذ المضطرين ، ولا يكلف الناس بما فوق طاقتهم ، وإنما هو رءوف رحيم ~~بهم يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر. # والجملة الكريمة جواب الشرط ms2056 باعتبار لازم المعنى وهو عدم المؤاخذة. وقيل ~~جواب الشرط محذوف : أى فمن اضطر ، فلا مؤاخذة عليه وهذه الجملة تعليل له. # هذا ، والآية الكريمة ليس المقصود منها حصر المحرمات في هذه الأربعة ~~وإنما المقصود منها الرد على مزاعم المشركين فيما حرموه بغير علم من ~~البحائر والسوائب وغيرها. # قال ابن كثير : الغرض من سياق هذه الآية الرد على المشركين الذين ابتدعوا ~~ما ابتدعوه من تحريم المحرمات على أنفسهم بآرائهم الفاسدة من البحيرة ~~والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك. فأمر تعالى رسوله أنه لا يجد فيما ~~أوحاه الله إليه أن ذلك محرم ، وأن الذي حرمه هو الميتة وما ذكر معها وما ~~عدا ذلك فلم يحرم ، وإنما هو عفو مسكوت عنه. فكيف تزعمون أنه حرام؟! ومن ~~أين حرمتموه ولم يحرمه الله تعالى ؟! وعلى هذا فلا ينفى تحريم أشياء أخر ~~فيما بعد هذا. كما جاء النهى عن الحمر الأهلية ولحوم السباع وكل ذي مخلب من ~~الطير» (1). # وقال القرطبي : والآية مكية ، ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقت محرم غير ~~هذه الأشياء ، ثم نزلت سورة المائدة بالمدينة وزيد في المحرمات كالمنخنقة ~~والموقوذة والمتردية والنطيحة وغير ذلك ، وحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالمدينة أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير ، وقد اختلف ~~العلماء في حكم هذه الآية وتأويلها على أقوال : # الأول : ما أشرنا إليه من أن هذه الآية مكية وكل محرم حرمه رسول الله أو ~~جاء في الكتاب PageV05P202 # مضموم إليها ، فهو زيادة حكم من الله على لسان نبيه. على هذا أكثر أهل ~~العلم من أهل النظر والفقه والأثر» (1). # والخلاصة : أن الآية الكريمة ليس المقصود منها حصر المحرمات في هذه ~~الأربعة وإنما المقصود منها الرد على مزاعم المشركين ، وذلك أن الكفار. كما ~~قال الإمام الشافعى لما حرموا ما أحل الله وأحلوا ما حرمه الله وكانوا على ~~المضادة والمحادة جاءت الآية مناقضة لغرضهم ، فكأنه قال سبحانه لا حلال إلا ~~ما حرمتموه ولا حرام إلا ما أحللتموه ، نازلا منزلة من يقول : لا تأكل ~~اليوم حلاوة. ms2057 فتقول : لا آكل اليوم إلا الحلاوة ، والغرض المضادة لا للنفي ~~والإثبات على الحقيقة. # فهو تعالى لم يقصد حل ما وراء الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير ~~الله به ، إذ القصد إثبات التحريم لا إثبات الحل. # قال امام الحرمين : وهذا في غاية الحسن ، ولو لا سبق الشافعى إلى ذلك لما ~~كنا نستجيز مخالفة مالك رضى الله عنه في حصر المحرمات فيما ذكرته الآية» (2). # وفي حكم هذه الآية وتأويلها أقوال أخرى بسطها العلماء فارجع إليها إذا ~~شئت (3). # ثم بين سبحانه بعد ذلك ما حرمه الله على اليهود بسبب ظلمهم وبغيهم فقال ~~تعالى ( @QUR@07 وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ). # فقوله تعالى ( @QUR@04 وعلى الذين هادوا حرمنا ) بيان لما حرمه الله ~~تعالى على بنى إسرائيل جزاء ظلمهم ، وفي هذا البيان رد على اليهود ، وتكذيب ~~لهم ، إذ زعموا أن الله لم يحرم عليهم شيئا ، وإنما هم حرموا على أنفسهم ما ~~حرمه إسرائيل على نفسه ، فجاءت هذه الآية الكريمة لتبين بعض ما حرمه الله ~~عليهم من الطيبات التي كانت حلالا لهم بسبب فسقهم وطغيانهم. # والمراد بقوله تعالى ( @QUR@03 كل ذي ظفر ) ما ليس بمنفرج الأصابع من ~~البهائم والطير ، كالإبل والنعام والأوز والبط ، كما روى عن ابن عباس وسعيد ~~ابن جبير وقتادة. # قال الإمام الرازي : قوله تعالى : ( @QUR@07 وعلى الذين هادوا حرمنا كل ~~ذي ظفر ) يفيد تخصيص هذه الحرمة بهم من وجهين : PageV05P203 # الأول : أن قوله تعالى ( @QUR@04 وعلى الذين هادوا حرمنا ) كذا وكذا يفيد ~~الحصر في اللغة. لتقدم المعمول على عامله. # الثاني : أنه لو كانت هذه الحرمة ثابتة في حق الكل لم يبق لقوله ( ~~@QUR@04 وعلى الذين هادوا حرمنا ) فائدة (1). # ثم بين سبحانه ما حرم عليهم من غير ذوى الظفر فقال تعالى : ( @QUR@016 ~~ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما ، أو الحوايا ، ~~أو ما اختلط بعظم ). # والشحم : هو المادة الدهنية التي تكون في الحيوان وبها يكون لحمه سمينا ~~والعرب تسمى سنام البعير ، وبياض البطن شحما ، وغلب إطلاق الشحم على ما ~~يكون فوق أمعاء الحيوان. # والحوايا : كما قال ابن ms2058 جرير جمع حاوياء وحاوية ، وحوية وهي ما تحوى من ~~البطن فاجتمع واستدار ، وفسرت بالمباعر ، والمرابض التي هي مجتمع الأمعاء ~~في البطن (2). # والمعنى : كما حرمنا على اليهود كل ذي ظفر ، فقد حرمنا عليهم كذلك من ~~البقر والغنم شحومهما الزائدة التي تنتزع بسهولة ، إلا ما استثنيناه من هذه ~~الشحوم وهو ما حملت ظهورهما أو ما حملت حواياهما ، أو اختلط من هذه الشحوم ~~بعظمهما. فقد أحللناه لهم. # ثم بين سبحانه أن هذا التحريم كان نتيجة لطغيانهم فقال تعالى : ( @QUR@05 ~~ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون ) أى. هذا الذي حرمناه على الذين هادوا من ~~الأنعام والطير ومن البقر والغنم ، وهذا التضييق الذي حكمنا به عليهم ، ~~إنما ألزمناهم به ، بسبب بغيهم وظلمهم ، وتعديهم حدود الله تعالى. # قال قتادة : إنما حرم الله عليهم ما ليس بخبيث عقوبة لهم وتشديدا عليهم. # ولما كان هذا النبأ عن شريعة اليهود ، من الأنباء التي لم يكن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقومه يعلمون عنها شيئا لأميتهم ، وكان تكذيب اليهود له ~~بأن الله لم يحرم ذلك عليهم عقوبة لهم ، لما كان الأمر كذلك ، أكد الله هذا ~~النبأ بقوله : ( @QUR@02 وإنا لصادقون ). أى : وإنا لصادقون يا محمد فيما ~~أخبرناك به ، ومن بينه ما أعلمناك عنه مما حرمناه على اليهود من الطيبات ~~وهم الكاذبون في زعمهم أن ذلك إنما حرمه إسرائيل على نفسه ، وأنهم إنما ~~حرموه لتحريم إسرائيل إياه على نفسه. # ومع أن الشحوم جميعا باستثناء ما أحله لهم منها محرمة عليهم ، فإنهم ~~تحايلوا على شرع الله ، PageV05P204 # وأخذوا يذيبونها ويستعملونها في شئونهم المختلفة أو يبيعونها ويأكلون ~~ثمنها ، ولقد لعنهم النبي صلى الله عليه وسلم بسبب هذا التحايل في أحاديث ~~متعددة. # من ذلك ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان قاعدا خلف المقام ، فرفع بصره إلى السماء وقال : «لعن الله اليهود ~~ثلاثا إن الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها ، وإن الله لم يحرم ~~على قوم أكل شيء إلا حرم عليهم ثمنه» (1). # وعن جابر بن عبد الله قال ms2059 سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح ~~«إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل يا رسول الله أرأيت ~~شحوم الميتة فإنها يدهن بها الجلود ، وتطلى بها السفن ويستصبح بها الناس ، ~~فقال : (لا. هو حرام) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك (قاتل الله ~~اليهود)، إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوها. أى : أذابوها ثم باعوها ~~وأكلوا ثمنها» (2). # ثم حذرهم الله من الكفر والطغيان ، فقال تعالى : ( @QUR@013 فإن كذبوك ~~فقل ربكم ذو رحمة واسعة ، ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين ) أى : فإن كذبك ~~يا محمد هؤلاء اليهود وأمثالهم من المشركين ، فيما أخبرناك عنه من أنا ~~حرمنا على هؤلاء اليهود بعض الطيبات عقوبة لهم ، فقل لهم. إن الله تعالى ذو ~~رحمة واسعة حقا ورحمته وسعت كل شيء ، ومن مظاهر رحمته أنه لا يعاجل من كفر ~~به بالعقوبة ، ولا من عصاه بالنقمة ، ولكن ذلك لا يقتضى أن يرد بأسه ، أو ~~يمنع عقابه عن القوم المصرين على إجرامهم المستمرين على اقتراف المنكرات ، ~~وارتكاب السيئات. # فالآية الكريمة قد جاءت لتزجرهم عن البغي والكفران ، حتى يعودوا إلى طريق ~~الحق. إن كانوا ممن ينتفع بالذكرى ، ويعتبر بالموعظة. # ثم حكى القرآن بعد ذلك شبهة من الشبهات الباطلة التي تمسك بها المشركون ~~في شركهم وجهالاتهم ورد عليها بما يبطلها ويخرس ألسنة قائليها أو المتذرعين ~~بها فقال : # ( @QUR@022 سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا ~~حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا PageV05P205 # @QUR@015 قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم ~~إلا تخرصون (148) @QUR@08 قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين ~~(149) @QUR@027 قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا ~~تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة ~~وهم بربهم يعدلون ) (150) # إن هذه الآيات الكريمة تعرض لشبهة قديمة جديدة : قديمة لأن كثيرا من ~~مجادلى الرسل موهوا بها ، وحديثة لأنها دائما تراود كثيرا من المتمسكين ~~بالأوهام ms2060 في سبيل إرضاء نزواتهم من المتع الباطلة والشهوات المحرمة. # إنهم يقولون عند ما يرتكبون القبائح والمنكرات : هذا أمر الله ، وهذا ~~قضاؤه ، وتلك مشيئته وإرادته ، ولو شاء الله عدم فعلنا لهذه الأشياء لما ~~فعلناها وإذا كان الله قد قضى علينا بها فما ذنبنا؟ ولما ذا يعاقبنا عليها؟ ~~إلى غير ذلك من اللغو الباطل ، والكلام العابث الذي يريدون من ورائه التحلل ~~من أوامر الله ونواهيه. # ولنتدبر سويا أيها القارئ الكريم هذه الآيات ، وهي تحكى تلك الشبهات ~~الباطلة ، ثم تقذفها بالحق الواضح ، والبرهان القاطع ، فإذا هي زاهقة. # يقول سبحانه ( @QUR@014 سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا ~~آباؤنا ولا حرمنا من شيء ). # أى : سيقول هؤلاء المشركون لو شاء الله تعالى ألا نشرك به وألا يشرك به ~~آباؤنا من قبلنا ، لنفذت مشيئته ، ولما أشركنا نحن ولا آباؤنا. # ولو شاء كذلك ألا نحرم شيئا مما حرمناه من الحرث والأنعام وغيرها لتمت ~~مشيئته ولما حرمنا شيئا مما حرمنا. # ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك ، بل شاء لنا أن نشرك معه في العبادة هذه ~~الأصنام ، وأن نحرم ما نحرم من الحرث والأنعام وقد رضى لنا ذلك فلما ذا ~~تطالبنا يا محمد بتغيير مشيئة الله ، وتدعونا إلى الدخول في دينك الذي لم ~~يشأ الله دخولنا فيه؟. PageV05P206 # قال الآلوسى ما ملخصه : «وهم لم يريدوا بهذا الكلام الاعتذار عن ارتكاب ~~القبيح ، لأنهم لم يعتقدوا قبح أفعالهم وإنما مرادهم من هذا القول الاحتجاج ~~على أن ما ارتكبوه من الشرك والتحريم حق ومشروع ومرضى عند الله ، بناء على ~~أن المشيئة والإرادة تسابق الأمر وتستلزم الرضا ، فيكون حاصل كلامهم : # إن ما نرتكبه من الشرك والتحريم وغيرهما تعلقت به مشيئة الله وإرادته ، ~~وكل ما تعلقت به مشيئة الله وإرادته فهو مشروع ومرضى عنده. فينتج أن ما ~~نرتكبه من الشرك والتحريم مشروع ومرضى عند الله» (1). # وقد حكى القرآن في كثير من آياته ما يشبه قولهم هذا ، ومن ذلك قوله تعالى ~~( @QUR@026 وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا ~~آباؤنا ms2061 ولا حرمنا من دونه من شيء ، كذلك فعل الذين من قبلهم ) (2). # وقوله تعالى ( @QUR@015 وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من ~~علم إن هم إلا يخرصون ) (3). وقد رد القرآن على قولهم بما يبطله فقال : ( ~~@QUR@08 كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا ). # أى : مثل هذا التكذيب من مشركي مكة للرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به ~~من إبطال الشرك ، قد كذب الذين من قبلهم لرسلهم ، واستمروا في تكذيبهم لهم ~~حتى أنزلنا على هؤلاء المكذبين عذابنا ونقمتنا. # ومن مظاهر تكذيب هؤلاء المشركين لرسلهم ، أنهم عند ما قال لهم الرسل ~~عليهم السلام اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا. كذبوهم واحتجوا عليهم بأن ما ~~هم عليه من شرك واقع بمشيئة الله ، وزعموا أنه ما دام كذلك فهو مرضى عنده ~~سبحانه فكان الرد عليهم بأنه لو كان هذا الشرك وغيره من قبائحهم مرضيا عنده ~~سبحانه : لما أذاق أسلافهم المكذبين الذين قالوا لرسلهم مثل قولهم عذابه ~~ونقمته. ولما أخذهم أخذ عزيز مقتدر. # قال الآلوسى ما ملخصه : وحاصل هذا الرد أن كلام المشركين يتضمن تكذيب ~~الرسل وقد دلت المعجزة على صدقهم ، ولا يخفى أن المقدمة الأولى وهي أن كل ~~شيء بمشيئة الله : لا تكذيب فيها ، بل هي متضمنة لتصديق ما تطابق فيه العقل ~~والشرع من كون كل شيء بمشيئة الله ، وامتناع أن يجرى في ملكه خلاف ما يشاء. ~~فمنشأ التكذيب هو المقدمة الثانية ، وهي أن PageV05P207 # كل ما تعلقت به مشيئة الله وإرادته فهو مشروع ومرضى عنه ، لأن الرسل ~~عليهم السلام : يدعونهم إلى التوحيد ويقولون لهم : إن الله لا يرضى لعباده ~~الكفر دينا ولا يأمر بالفحشاء ، فيكون قولهم : إن ما نرتكبه مشروع ومرضى ~~عنده سبحانه : تكذيب لقول الرسل. وحيث كان فساد هذه الحجة باعتبار المقدمة ~~الثانية تعين أنها ليست بصادقة ، وحينئذ يصدق نقيضها وهي أنه ليس كل ما ~~تعلقت به المشيئة والإرادة بمشروع ومرضى عنده سبحانه بناء على أن الإرادة ~~لا تساوق الأمر (1). # ثم بعد هذا الرد المفحم للمشركين أمر الله : تعالى : رسوله أن ms2062 يطالبهم ~~بدليل على مزاعمهم فقال : ( @QUR@07 قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ). # أى : قل لهم يا محمد على سبيل التوبيخ والتعجيز : هل عندكم من علم ثابت ~~تعتمدون عليه في قولكم ( @QUR@05 لو شاء الله ما أشركنا )! إن كان عندكم ~~هذا العلم فأخرجوه لنا لنتباحث معكم فيه ، ونعرضه على ما جئتكم به من آيات ~~بينة ودلائل ساطعة. فإن العاقل هو الذي لا يتكلم بدون علم ، ولا يحيل على ~~مشيئة الله التي لا ندري عنها شيئا. # و ( @QUR@01 من ) في قوله ( @QUR@02 من علم ) زائدة ، وعلم مبتدأ ، ~~وعندكم خبر مقدم. # وقوله : ( @QUR@01 فتخرجوه ) منصوب بأن المضمرة بعد فاء السببية الواقعة ~~بعد الاستفهام الإنكارى. # ثم بين حقيقة حالهم فقال : ( @QUR@08 إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا ~~تخرصون ). # أى : أنتم لستم على شيء ما من العلم ، بل ما تتبعون في أقوالكم وأعمالكم ~~وعقائدكم إلا الظن الباطل الذي لا يغنى من الحق شيئا. وما أنتم إلا تخرصون ~~أى تكذبون على الله فيما ادعيتموه. # وأصل الخرص : القول بالظن. يقال : خرصت النخل خرصا من باب قتل حزرت ثمره ~~وقدرته بالظن والتخمين ، واستعمل في الكذب لما يداخله من الظنون الكاذبة ، ~~فيقال : خرص في قوله كنصر أى كذب. # وبعد أن نفى سبحانه عنهم أدنى ما يقال له علم وحصر ما هم عليه من دين في ~~أدنى مراتب الظن مع أن أعلاها لا يغنى من الحق شيئا ، ووصمهم بالكذب فيما ~~يدعون ، بعد كل ذلك أثبت لذاته سبحانه في مقابلة ذلك الحجة العليا التي لا ~~تعلوها حجة فقال : PageV05P208 # ( @QUR@08 قل فلله الحجة البالغة ، فلو شاء لهداكم أجمعين ). # الحجة : كما قال الراغب في مفرداته : الدلالة المبينة للمحجة ، أى : ~~المقصد المستقيم. # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء المشركين الذين بنوا قواعد دينهم على ~~الظن والكذب بعد أن عجزوا عن الإثبات بأدنى دليل على مزاعمهم ، قل لهم : ~~لله وحده الحجة البالغة. أى البينة الواضحة التي بلغت أعلى درجات العلم ~~والقوة والمتانة ، والتي وصلت إلى أعلى درجات الكمال في قطع عذر المحجوج ~~وإزالة الشكوك عمن تدبرها وتأملها. # وقوله. ( @QUR@04 فلو شاء ms2063 لهداكم أجمعين ) أى : لو شاء سبحانه هدايتكم ~~جميعا لفعل ؛ لأنه لا يعجزه شيء ، ولكنه لم يشأ ذلك ، بل شاء هداية البعض ~~لأنهم صرفوا اختيارهم إلى سلوك طريق الحق ، وشاء ضلالة آخرين ، لأنهم صرفوا ~~اختيارهم إلى سلوك طريق الباطل. # ونريد أن نزيد هذه الشبهة القديمة الحديثة تمحيصا وكشفا ودفعا فنقول ~~لأولئك الذين يبررون ارتكابهم للموبقات بأنها واقعة بمشيئة الله. # نحن معكم في أنه لا يقع في ملكه سبحانه إلا ما يشاؤه ، فالطائع تحت ~~المشيئة والعاصي تحت المشيئة ، ولكن المشيئة لم تجبر أحدا على طاعة أو ~~معصية وقضاء الله وقدره هو علمه بكل ما هو كائن قبل أن يكون ، وليس العلم ~~صفة تأثير وجبر. # ولقد شاء الله تعالى أن يجعل في طبيعة البشر الاستعداد للخير والشر ، ~~ووهبهم العقل ليهتدوا به وأرسل إليهم الرسل لينمو فيهم استعدادهم وسن لهم ~~شريعة لتكون مقياسا ثابتا لما يأخذون وما يدعون ، كي لا يتركهم لعقولهم وحدها. # وإذن فمشيئة الله متحققة حسب سنته التي ارتضاها مختارا وهو قادر على ~~اختيار غيرها وعلى تغييرها وتبديلها متحققة سواء اتخذ العبد طريقه إلى ~~الهدى أو إلى الضلال ، وهو مؤاخذ إن ضل ومأجور إذا اهتدى. غير أن سنة الله ~~اقتضدت أن من يفتح عينه يبصر النور ، ومن يغمضها لا يراه ، كذلك من يفتح ~~قلبه لإدراك دلائل الإيمان يهتدى. ومن يحجب قلبه عنها يضل ، سنة الله ولن ~~تجد لسنة الله تبديلا. # وإذن فزعم الزاعمين بأن الله شاء هذا على معنى أنه أجبرهم عليه فهم لا ~~يستطيعون عنه فكاكا ، إنما هو زعم باطل لا سند له من العلم والتفكير الصحيح ~~فإن المشيئة الإلهية لها سنة تقيدت بها ، وهذه السنة هي أنه لا جبر على ~~طاعة ولا قسر على معصية. # وتقرير ذلك يؤخذ من قوله تعالى ( @QUR@08 قل فلله الحجة البالغة فلو شاء ~~لهداكم أجمعين ) أى : فلو شاء أن يكرهكم ويفرض هدايتكم بقدرته وقدره لهداكم ~~، ولكنه لم يشأ إجباركم على الضلالة ، فهي مشيئة المنح والتيسير وليست ~~مشيئة الإلجاء والتسخير قال تعالى ( @QUR@02 فأما من PageV05P209 # @QUR@014 أعطى واتقى وصدق ms2064 بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى ~~وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ). # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يطالب المشركين بإحضار من ~~يشهد لهم بأن الله قد حرم عليهم ما زعموا تحريمه من الحرث والأنعام وغيرها فقال : # ( @QUR@09 قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا ). # هلم : لفظ يقصد به الدعوة إلى الشيء ، وهي اسم فعل بمعنى أقبل إذا كان ~~لازما ، وبمعنى أحضر وائت إذا كان متعديا كما هنا ، ويستوي فيه الواحد ~~والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث في لغة الحجازيين. # أى : أحضروا شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم عليكم هذا الذي زعمتم ~~تحريمه ، وهم كبراؤهم الذين أسسوا ضلالهم. # والمقصود من إحضارهم تفضيحهم وإلزامهم الحجة ، وإظهار أنه لا متمسك لهم ~~كمقلدين ، ولذلك قيد الشهداء بالإضافة ، ووصفوا بما يدل على أنهم شهداء ~~معروفون بالشهادة لهم وبنصر مذهبهم. # ثم قال سبحانه ( @QUR@05 فإن شهدوا فلا تشهد معهم ) أى : فإن فرض إحضار ~~هؤلاء الشهود الذين عرفوا بضلالهم فلا تصدقهم ولا تقبل شهادتهم ولا تسلمها ~~لهم بالسكوت عليها فإن السكوت عن الباطل في مثل هذا المقام كالشهادة به ~~وإنما عليك أن تبين لهم بطلان زعمهم بواسطة ما آتاك الله من حجج وبينات. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف أمره باستحضار شهدائهم الذين يشهدون أن ~~الله حرم ما زعموه محرما ثم أمره بأن لا يشهد معهم؟ قلت : أمره باستحضارهم ~~وهم شهداء بالباطل ليلزمهم الحجة ويلقمهم الحجر ، ويظهر للمشهود لهم ~~بانقطاع الشهداء أنهم ليسوا على شيء لتساوى أقدام الشاهدين والمشهود لهم في ~~أنهم لا يرجعون إلى ما يصح التمسك به. وقوله ( @QUR@03 فلا تشهد معهم ) ~~يعنى فلا تسلم لهم ما شهدوا به ولا تصدقهم ، لأنه إذا سلم لهم فكأنه شهيد ~~معهم مثل شهادتهم وكان واحدا منهم (1). # ثم قال سبحانه ( @QUR@06 ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا ) أى : ولا ~~تتبع أهواء هؤلاء الناس الذين كذبوا بآياتنا التي أنزلها الله عليك لتكون ~~هداية ونورا لقوم يعقلون ، فإن شهادتهم إن وقعت فإنما هي صادرة عن هوى وضلال. PageV05P210 # ولم يقل سبحانه ولا ms2065 تتبع أهواءهم بل قال : ولا تتبع أهواء الذين كذبوا ، ~~فوضع الظاهر موضع الضمير لبيان أن المكذب بهذه الآيات والحجج الظاهرة ~~إمعانا في التمسك بتقاليده الباطلة ، إنما هو صاحب هوى وظن لا صاحب علم وحجة. # وقوله ( @QUR@07 والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون ) عطف على ~~الموصوف قبله لتعدد صفاتهم القبيحة. # أى : ولا تتبع أهواء الذين يجمعون بين تكذيب آيات الله ، وبين الكفر ~~بالآخرة ، وبين جعلهم لله عديلا أى شريكا مع أنه سبحانه هو الخالق لكل شيء ~~، لأن هذه الصفات لا تؤهلهم لشهادة حق ، ولا للثقة بهم ، وإنما للاحتقار في ~~الدنيا ، ولسوء العذاب في الآخرة. # وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حكت في بضع عشرة آية جانبا من رذائل ~~المشركين وسخف تقاليدهم وعبث أهوائهم وفساد معاذيرهم وبطلان شبهاتهم وردت ~~عليهم بما يخرس ألسنتهم ، ويبطل حجتهم ، فيما أحلوه وحرموه في شأن النذور ~~والذبائح والمطاعم والمشارب وغير ذلك مما حكته الآيات الكريمة. # ثم تنتقل السورة بعد ذلك إلى أفق أرحب وأوسع ، وإلى ميدان أفسح وأشمل ~~فتناديهم بأسلوب مؤثر بليغ ليستمعوا إلى ما حرم الله عليهم فيجتنبوه وإلى ~~ما كلفهم به فيعملوه ، تناديهم ليتدبروا في الأصول الكلية التي تقوم عليها ~~العقيدة السليمة ، ويسعد بها المجتمع ، ويحيا في ظلها الأفراد والجماعات في ~~أمان واطمئنان. تناديهم ليسمعوا البيان الصحيح الحق فيما أحل الله وحرم من ~~الأفعال والأقوال ليسمعوه ممن له وحده الحق في أن يقوله ، وفي أن يتلقى عنه ~~تناديهم فتقول : # ( @QUR@042 قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا ~~وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا ~~تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون (151) PageV05P211 # @QUR@035 ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا ~~الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ~~ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون (152) @QUR@017 وأن ~~هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق ms2066 بكم عن سبيله ذلكم وصاكم ~~به لعلكم تتقون ) (153) # إن المتأمل في هذه الآيات يراها قد رسمت للإنسان علاقته بربه علاقة ينال ~~بها السعادة والثواب ، ورسمت له علاقته بأسرته بحيث تقوم على المودة ~~والمحبة وسدت في وجهه أبواب الشر التي تؤدى إلى انتهاك حرمات الأنفس ~~والأموال والأعراض ، وقد أطلق العلماء على هذه الآيات الكريمة اسم «الوصايا ~~العشر» نظرا لتذييل آياتها الثلاث بقوله تعالى ( @QUR@03 ذلكم وصاكم به ). # روى الترمذي بسنده عن ابن مسعود أنه قال : من سره أن ينظر إلى وصية محمد ~~التي عليها خاتمه فليقرأ هذه الآيات ( @QUR@03 قل تعالوا أتل ). إلى قوله ~~: ( @QUR@02 لعلكم تتقون ). # وروى الحاكم وصححه ، وابن أبى حاتم عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : «أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث ، ثم تلا ~~قوله تعالى : ( @QUR@03 قل تعالوا أتل ). حتى فرغ منها ثم قال : من وفى ~~بهن فأجره على الله ، ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله في الدنيا كانت ~~عقوبته ، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله ، إن شاء الله أخذه ، وإن ~~شاء عفا عنه» (1). # وروى البيهقي عن على بن أبى طالب رضى الله عنه قال : لما أمر الله نبيه ~~صلى الله عليه وسلم أن يعرض نفسه على قبائل العرب ، خرج إلى منى وأنا وأبو بكر ~~معه ، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على منازل القوم ومضاربهم. فسلم ~~عليهم وردوا السلام ، وكان في القوم مفروق بن عمرو وهاني بن قبيصة PageV05P212 # والمثنى بن حارثة ، والنعمان بن شريك ، وكان مفروق بن عمر وأغلب القوم ~~لسانا وأفصحهم بيانا ، فالتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له : # إلام تدعو يا أخا قريش؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم أدعوكم إلى شهادة أن ~~أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنى رسول الله ، وأن تؤوونى وتنصروني ~~وتمنعوني حتى أؤدي حق الله الذي أمرنى به ، فإن قريشا تظاهرت على أمر الله ~~وكذبت رسوله واستغنت بالباطل عن الحق ، والله هو الغنى الحميد. # فقال له مفروق : وإلام ms2067 تدعو أيضا يا أخا قريش؟ فتلا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ( @QUR@07 قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ). إلى آخر ~~الآيات الثلاث. # فقال له مفروق : وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش؟ فو الله ما هذا من كلام ~~أهل الأرض ولو كان من كلامهم لعرفناه. فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~@QUR@05 إن الله يأمر بالعدل والإحسان ). الآية. # فقال له مفروق : دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ، ومحاسن ~~الأعمال ، وقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك. # وقال هانئ بن قبيصة : قد سمعت مقالتك ، واستحسنت قولك يا أخا قريش ، ~~ويعجبني ما تكلمت به ، فبشرهم الرسول إن آمنوا بأرض فارس وأنهار كسرى. فقال ~~له النعمان : اللهم وإن ذلك لك يا أخا قريش؟ فتلا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ( @QUR@014 يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ~~ونذيرا. وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ) ثم نهض رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم . # هذا جانب من فضائل هذه الآيات الثلاث ، وذلك هو تأثيرها في نفوس العرب ، ~~والآن فلنبدأ في التفسير التحليلى لها فنقول : # لقد بدئت الآيات بقوله تعالى ( @QUR@07 قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ). # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الذين حللوا وحرموا حسب أهوائهم ، ~~تعالوا إلى وأقبلوا نحوي لأبين لكم ما حرمه ربكم عليكم ، ولأتلو على ~~مسامعكم ما أمركم به ، وما نهاكم عنه خالقكم ومربيكم ، فإنكم إن أقبلتم ~~نحوي وأطعمتمونى سعدتم في دينكم ودنياكم. # وفي تصدير هذه الوصايا بكلمة ( @QUR@01 قل ) إشعار من أول الأمر بأن هذا ~~بيان إليه ، ليس الرسول فيه إلا ناقلا مبلغا ، وفيه أيضا دلالة على أن ~~المأمور به يحتاج إلى مزيد عناية واهتمام وقد سبق أن بينا أن سورة الأنعام ~~زاخرة بهذا الأسلوب التلقينى الذي يبدأ بكلمة ( @QUR@01 قل ). # والأصل في كلمة تعال أن يقولها من كان في مكان عال لمن هو أسفل منه ، ثم ~~اتسع فيها PageV05P213 # حتى عمت ، وهي تتضمن إرادة تخليص المخاطبين ورفعتهم من انحطاط هم فيه إلى ~~علو يراد لهم ويدعون إليه ، وتتضمن كذلك أن المتكلم ms2068 يريد منهم أن يلتفوا من ~~حوله لتتحد وجهتهم ، ولا تتفرق بهم الأهواء والسبل. # وفي قوله ( @QUR@01 أتل ) إيماء قوى بأن المتكلم يقدر المخاطبين ، ويرتفع ~~بهم إلى درجة أنهم لا يحتاجون في الإرشاد إلا لأن يتلو عليهم ما يريدهم أن ~~يعملوه ثم هم بعد ذلك سيمتثلون لحسن استعدادهم لقبول الحق. # وإنه لأسلوب قد بلغ الغاية في اللطف وفي التكريم وفي حسن الموعظة وتوجيه ~~الخطاب. # وخص التحريم بالذكر مع أن الوصايا قد اشتملت على المحرمات وعلى غيرها لأن ~~سياق الآيات قبل ذلك كان منصبا على كشف ما اخترعه المشركون من تحريم في ~~الحرث والنسل ما أنزل الله به من سلطان ، ولأن بيان أصول المحرمات يستلزم ~~حل ما عداها لأنه الأصل. # وفي نسبة التحريم إلى الرب الذي هو منبع الخير والإحسان. حض لهم على ~~التدبر والاستجابة. لأن الذي حرم عليهم ذلك هو مربيهم ، فليس معقولا أن ~~يحرم عليهم ما فيه منفعة لهم ، وإنما هو بمقتضى ربوبيته قد حرم عليهم ما ~~فيه ضررهم. # وقوله ( @QUR@01 أتل ) جواب الأمر ، أى : إن تأتونى أتل. و ( @QUR@01 ما ~~) في قوله ( @QUR@02 ما حرم ) موصولة بمعنى الذي والعائد محذوف أى : أقرأ ~~الذي حرمه ربكم عليكم ، وهي في محل نصب مفعول به ، ويحتمل أن تكون مصدرية ، ~~أى أتل تحريم ربكم ، ونفس التحريم لا يتلى وإنما هو مصدر واقع موقع المفعول ~~به ، أى : أتل محرم ربكم الذي حرمه هو. و ( @QUR@01 عليكم ) متعلق ب ( ~~@QUR@01 حرم ) أو ب ( @QUR@01 أتل ). # قال بعض العلماء : وهذه العبارة التي قدمت بها الوصايا وهي ( @QUR@07 قل ~~تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ) فيها إشعار بأن الحقائق الأولى التي قام ~~عليها الجدال في السورة قد أصبحت واضحة. لا مفر من قبولها والبناء عليها ، ~~فالله تعالى يأمر رسوله بأن يبلغهم ، وإذن فهناك إله من شأنه أن يرسل الرسل ~~، وهناك رسل من شأنهم أن يتلقوا عن الله ، وهناك محرمات وردت من المصدر ~~الذي يحق له التحريم وحده لأنه هو الرب ( @QUR@03 ما حرم ربكم ) ثم هناك ~~لازم عقلي لهذا التحريم هو أن من تعداه وانتهكه كان ms2069 مغضبا للرب الذي قرره. ~~مستحقا لعقوبته ، وإذن فهناك دار للجزاء» (1). ولننظر بعد ذلك في الوصايا. # الوصية الأولى : ( @QUR@04 ألا تشركوا به شيئا ) أى : أوصيكم ألا تشركوا ~~مع الله في عبادتكم آلهة PageV05P214 # أخرى. بل خصوه وحده بالعبادة والخضوع والطاعة فإنه هو الخالق لكل شيء. # وصدر سبحانه هذه الوصايا بالنهى عن الشرك ، لأنه أعظم المحرمات وأكبرها ~~إفسادا للفطرة ، ولأنه هو الجريمة التي لا تقبل المغفرة من الله ، بينما ~~غيره قد يغفره سبحانه قال تعالى : ( @QUR@013 إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ). # وقد ساق القرآن مئات الآيات التي تدعو إلى الإيمان وتنفر من الشرك وتقيم ~~الأدلة الساطعة ، والبراهين الدامغة على وحدانية الله عز وجل . # هذا ، وقد ذكر الشيخ الجمل في إعراب هذه الجملة الكريمة ألا تشركوا به ~~شيئا عدة آراء منها : # 1 أن تكون أن تفسيرية ، لأنه تقدمها ما هو بمعنى القول لا حروفه ، ولا ~~ناهية ولا تشركوا مجزوم بها. # 2 أن تكون أن ناصية للفعل بعدها ، وهي وما في حيزها في محل نصب بدلا من ( ~~@QUR@02 ما حرم ) ولا زائدة لئلا يفسد المعنى كزيادتها في قوله : ( @QUR@02 ~~ألا تسجد )، ولئلا يعلم. # 3 تكون أن ناصبة وما في حيزها منصوب على الإغراء بعليكم ويكون الكلام قد ~~تم عند قوله ( @QUR@01 ربكم ) ثم ابتدأ فقال : عليكم ألا تشركوا أى الزموا ~~نفى الشرك. # 4 أنها وما في حيزها في محل نصب أو جر على حذف لام العلة ، والتقدير ~~تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم لئلا تشركوا به شيئا. # 5 أن تكون هي وما بعدها في محل نصب بإضمار فعل تقديره : أوصيكم ألا ~~تشركوا. # ونكتفي بهذا القدر من وجوه الإعراب التي توسع فيها النحاة توسعا كبيرا ، ~~بسبب ورود بعض هذه الوصايا بصيغة النهى ، وبعضها بصيغة الأمر ، مع تقدم فعل ~~التحريم على جميعها (1). # أما الوصية الثانية : في قوله تعالى ( @QUR@02 وبالوالدين إحسانا ) أى : ~~أحسنوا بهما إحسانا كاملا لا إساءة معه. # وقد قرن سبحانه هذه الوصية بالوصية الأولى التي هي توحيده وعدم الإشراك ~~به ، في هذه الآية ms2070 وفي غيرها ، للإشعار بعظم هذه الوصية وللتنبيه إلى معنى ~~واحد يجمعها مع الأولى وهو أن المنعم يجب أن يشكر ؛ فالوالدان سبب في حياة ~~الولد فيجب أن يشكرهما ويحسن إليهما ، والله تعالى هو الخالق المنعم فيجب ~~أن يشكر ويفرد بالعبادة والطاعة. PageV05P215 # قال بعض العلماء : وقد جاءت هذه الوصية بأسلوب الأمر بالواجب المطلوب وهو ~~الإحسان إلى الوالدين ، ولم تذكر بأسلوب النهى عن المحرم وهو الإساءة ، ~~سموا بالإنسان عن أن تظن به الإساءة إلى الوالدين ، وكأن الإساءة إليهما ، ~~ليس من شأنها أن تقع منه حتى يحتاج إلى النهى عنها ، ولأن الخير المنتظر من ~~هذه الوصية وهو تربية الأبناء على الاعتراف بالنعم وشكر المنعمين عليها ~~إنما يتحقق بفعل الواجب ، وهو الإحسان لا بمجرد ترك المحرم وهو الإساءة. ~~لهذا وذاك قال سبحانه ( @QUR@02 وبالوالدين إحسانا ). # والإحسان يتعدى بحرفى الباء وإلى ، فقال : أحسن به ، وأحسن إليه ، ~~وبينهما فرق واضح ، فالباء تدل على الإلصاق ، وإلى تدل على الغاية ، ~~والإلصاق يفيد اتصال الفعل بمدخول «الباء» دون انفصال ولا مسافة بينهما ، ~~أما الغاية فتفيد وصول الفعل إلى مدخول إلى ولو كان منه على بعد أو كان ~~بينهما واسطة ، ولا شك أن الإلصاق في هذا المقام أبلغ في تأكيد شأن العناية ~~والإحسان بالوالدين ، ومن هنا لم يعد الإحسان بالباء في القرآن إلا حيث ~~أريد ذلك التأكيد ، وقد جاءت جميع الآيات القرآنية التي توحى بالإحسان ~~بالوالدين على هذا الأسلوب» (1). # ثم جاءت الوصية الثالثة وهي قوله تعالى ( @QUR@08 ولا تقتلوا أولادكم من ~~إملاق نحن نرزقكم وإياهم ). # الإملاق : الفقر ، مصدر أملق الرجل إملاقا إذا احتاج وافتقر. # أى : لا تقتلوا أولادكم الصغار من أجل الفقر فنحن قد تكفلنا برزقكم ~~ورزقهم. # ( @QUR@09 وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ). # ولا شك أن الحياة حق لهؤلاء الصغار كما أنها حق لكم. فمن الظلم البين ~~الاعتداء على حقوقهم ، والتخلص منهم خوفا من الفقر ، مع أن الله تعالى هو ~~الرازق لكم ولهم. # والمجتمع الذي يبيح قتل الأولاد خوفا من الفقر أو خوفا من العار ، لا ~~يمكن أن يصلح شأنه ms2071 ، لأنه مجتمع نفعي تسوده الأثرة والأنانية ، ويكون في ~~الوقت نفسه مجتمعا أفراده يسودهم التشاؤم ، وتتغشاهم الأوهام ، لأنهم يظنون ~~أن الله يخلق خلقا لا يدبر لهم حقهم من الرزق ، ويعتدون على روح بريئة ~~طاهرة تخوفا من جريمة متوهمة ، وذلك هو الضلال المبين. # وقد روى النهى عن قتل الأولاد هنا بهذه الصيغة ، وورد في سورة الإسراء ~~بصيغة أخرى هي قوله تعالى ( @QUR@08 ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن ~~نرزقهم وإياكم ) وليس إحداهما PageV05P216 # تكرارا للأخرى. وإنما كل واحدة منهما تعالج حالة معينة. # فهنا يقول سبحانه ( @QUR@02 من إملاق ) أى : لا تقتلوهم بسبب الفقر ~~الموجود فيكم أيها الآباء لذا قال : ( @QUR@03 نحن نرزقكم وإياهم ) فجعل ~~الرزق للآباء ابتداء ، لأن الفقر الذي يقتلون من أجله أولادهم حاصل لهم فعلا. # وفي سورة الإسراء يقول : ( @QUR@02 خشية إملاق ) أى : خوفا من فقر ليس ~~حاصلا ، ولكنه متوقع بسبب الأولاد ولذا قال : ( @QUR@03 نحن نرزقهم وإياكم ~~) فقدم رزق الأولاد لأنهم سبب توقع الفقر ، ليكف الآباء عن هذا التوقع ، ~~وليضمن للأولاد رزقهم ابتداء مستقلا عن رزق الآباء. # ففي كلتا الحالتين القرآن ينهى عن قتل الأولاد ، ويغرس في نفوس الآباء ~~الثقة بالله ، والاعتماد عليه. # وجملة ( @QUR@03 نحن نرزقكم وإياهم ) تعليلية لإبطال ما اتخذوه سببا ~~لمباشرة جريمتهم ، وضمان منه سبحانه لأرزاقهم أى : نحن نرزق الفريقين لا ~~أنتم وحدكم ، فلا تقدموا على تلك الجريمة النكراء وهي قتل الأولاد لأن ~~الأولاد قطعة من أبيهم ، والشأن حتى في الحيوان الأعجم أنه يضحى من أجل ~~أولاده ، ويحميهم ويتحمل الصعاب في سبيلهم. # أما الوصية الرابعة فتقول : ( @QUR@08 ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها ~~وما بطن ) الفواحش. جمع فاحشة وهي كما قال الراغب في مفرداته ما عظم قبحه ~~من الأقوال والأفعال يقال : فحش فلان ، أى صار فاحشا مرتكبا للقبائح ، ~~والمتفحش هو الذي يأتى بالفحش من القول أو الفعل ، كالسرقة والزنا والنميمة ~~وشهادة الزور. # وأنهاكم عن أن تقتربوا من الأقوال والأفعال القبيحة ما كان منها ظاهرا ~~وما كان منها خافيا. # وقد تعلق التحريم والنهى بهذا الوصف الذي يشعر بالعلة كما يقول علماء ~~الأصول فكأنه قال. إن ms2072 كل قول أو فعل تستقبحه العقول فهو فاحشة يجب البعد عنها. # والمجتمع الذي يؤمن بأن هناك «فواحش» يجب أن تجتنب ، و «محاسن» يجب أن ~~تلتمس هو المجتمع الفاضل الطهور. # أما المجتمع الذي يسوى بين القبيح والحسن ، ويقوم على الإباحية التي لا ~~تفرق بين ما يجب أن يفعل وما يجب أن يترك ، فلا بد أن يكون مصيره إلى ~~التدهور والتعاسة والمهانة. # وجملة ( @QUR@05 ما ظهر منها وما بطن ) بدل اشتمال من الفواحش. # وتعليق النهى بقربانها للمبالغة في الزجر عنها لأن قربانها قد يؤدى إلى ~~مباشرتها ، فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، وهذا لون حكيم من ألوان ~~الإصلاح ، لأنه إذا حصل النهى PageV05P217 # عن القرب من الشيء ، فلأن ينهى عن فعله من باب أولى. # ثم جاءت الآية في ختامها بالوصية الخامسة فقالت : ( @QUR@08 ولا تقتلوا ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق ). # أى : لا تقتلوا النفس التي حرم الله قتلها بأن عصمها بالإسلام إلا بالحق ~~الذي يبيح قتلها شرعا كردة أو قصاص أو زنا يوجب الرجم. # قال ابن كثير : وهذا مما نص تبارك وتعالى على النهى عنه تأكيدا ، وإلا ~~فهو داخل في النهى عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن. فقد جاء في الصحيحين عن ~~ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا يحل دم امرئ مسلم ~~يشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني ، ~~والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (1). # وقوله ( @QUR@02 إلا بالحق ) في محل نصب على الحال من فاعل ( @QUR@01 ~~تقتلوا ) أى : لا تقتلوها ملتبسين بالحق ، ويجوز أن يكون وصفا لمصدر محذوف ~~أى : قتلا ملتبسا بالحق ، وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال ، أى : لا ~~تقتلوها في حال من الأحوال إلا حال ملابستكم بالحق. # وذلك لأن الإسلام ينظر إلى وجود الإنسان على أنه بناه الله فلا يحق لأحد ~~أن يهدمه إلا بالحق ، وبذلك يقرر عصمة الدم الإنسانى ، ويعتبر من يعتدى على ~~نفس واحدة فكأنما قد اعتدى على الناس جميعا : ( @QUR@020 أنه من قتل نفسا ~~بغير نفس ms2073 أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ، ومن أحياها فكأنما ~~أحيا الناس جميعا ). # ثم ختمت الآية بقوله تعالى ( @QUR@05 ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ). # أى : ذلكم الذي ذكرناه لكم من وصايا جليلة ، وتكاليف حكيمة ، وصاكم الله ~~به ، وطلبه منكم. لعلكم تستعملون عقولكم التي تعقل نفوسكم وتحبسها عن ~~مباشرة القبائح. # فاسم الإشارة ( @QUR@01 ذلكم ) مشار به إلى الوصايا الخمس السابقة ، وهو ~~مبتدأ وجملة وصاكم به خبر. ولفظ وصاكم من اللطف والرأفة وجعلهم أوصياء له ~~تعالى ما يحمل النفوس على الطاعة والاستجابة. # هذه هي الوصايا الخمس التي تضمنتها الآية الأولى من هذه الآيات الثلاث ~~وكلها تشترك في معنى واحد هو أنها حقائق أو حقوق ثابتة في نفسها ، ولم يكن ~~ثبوتها إلا تجاوبا مع الفطرة ، فالله واحد سواء آمن الناس بهذه الحقيقة ~~عقيديا وعمليا أم لم يؤمنوا ، وشكر النعمة يقتضى الإحسان PageV05P218 # إلى الوالدين طبعا ووضعا ، وللنسل حق الحياة والحفظ ، والفواحش فحش ونكر ~~في ذاتها فيجب أن تجتنب ، والنفوس معصومة فليس لأحد أن يهدمها إلا بحق ، ~~ولاتفاقها كلها في هذا المعنى جاءت في آية واحدة ، وختمت بعبارة تفيد أن ~~هذا مرجعه إلى حكم العقول ( @QUR@02 لعلكم تعقلون ). # والوصية السادسة تأتى في مطلع الآية الثانية فتقول : ( @QUR@011 ولا ~~تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ). # أى : لا تقربوا مال اليتيم الذي فقد الأب الحانى ، ولا تتعرضوا لما هو من ~~حقه بوجه من الوجوه إلا بالوجه الذي ينفعه في الحال أو المآل ، كتربيته ~~وتعليمه ، وحفظ ماله واستثماره. # وإذن ، فكل تصرف مع اليتيم أو في ماله لا يقع في تلك الدائرة دائرة ~~الأنفع والأحسن محظور ، ومنهى عنه. # قال بعض العلماء : وكثيرا ما يتعلق النهى في القرآن بالقربان من الشيء ، ~~وضابطه بالاستقراء : أن كل منهى عنه كان من شأنه أن تميل إليه النفوس وتدفع ~~إليه الأهواء النهى فيه عن «القربان» ويكون القصد التحذير من أن يأخذ ذلك ~~الميل في النفس مكانة تصل بها إلى اقتراف المحرم ، وكان من ذلك في الوصايا ~~السابقة النهى عن الفواحش ، ومن هذا الباب ms2074 ( @QUR@04 ولا تقربا هذه الشجرة* ~~) و ( @QUR@07 لا تقربوا الزنى ولا تقربوهن حتى يطهرن ) إلخ. # أما المحرمات التي لم يؤلف ميل النفوس إليها ولا اقتضاء الشهوات لها ، ~~فإن الغالب فيها أن يتعلق النهى عنها بنفس الفعل لا بالقربان منه. ومن ذلك ~~في الوصايا السابقة الشرك بالله ، وقتل الأولاد ، وقتل النفس التي حرم الله ~~قتلها ، فإنها وإن كان الفعل المنهي عنه فيها أشد قبحا وأعظم جرما عند الله ~~من أكل مال اليتيم وفعل الفواحش ، إلا أنها ليست ذات دوافع نفسية يميل ~~إليها الإنسان بشهوته ، وإنما هي في نظر العقل على المقابل من ذلك ، يجد ~~الإنسان في نفسه مرارة من ارتكابها ، ولا يقدم عليها إلا وهو كاره لها أو ~~في حكم الكاره» (1). # وقوله : ( @QUR@03 حتى يبلغ أشده ) ليس غاية للنهى ، إذ ليس المعنى فإذا ~~بلغ أشده فاقربوه لأن هذا يقتضى إباحة أكل الولي له بعد بلوغ الصبى ، بل هو ~~غاية لما يفهم من النهى كأنه قيل : احفظوه حتى يصير بالغا رشيدا فحينئذ ~~سلموا إليه ماله. # والخطاب للأولياء والأوصياء. أى : احفظوا ماله حتى يبلغ الحلم فإذا بلغه ~~فادفعوه إليه. # والأشد : قوة الإنسان واشتعال حرارته : من الشدة بمعنى القوة والارتفاع. ~~يقال : شد النهار إذا ارتفع. وهو مفرد جاء بصيغة الجمع. ولا واحد له. PageV05P219 # والوصية السابعة : ( @QUR@09 وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا ~~إلا وسعها ). # أى : أتموا الكيل إذا كلتم للناس أو اكتلتم عليهم لأنفسكم ، وأوفوا ~~الميزان إذا وزنتم لأنفسكم فيما تبتاعون أو لغيركم فيما تبيعون. # فالجملة الكريمة أمر من الله تعالى لعباده بإقامة العدل في التعامل : ~~بحيث يعطى صاحب الحق حقه من غير نقصان ولا بخس ، ويأخذ صاحب الحق حقه من ~~غير طلب الزيادة. # والكيل والوزن : مصدران أريد بهما ما يكال وما يوزن ، كالعيش بمعنى ما ~~يعاش به. وبالقسط حال من فاعل أوفوا أى : أوفوهما مقسطين أى : متلبسين ~~بالقسط. ويجوز أن يكون حالا من المفعول أى : أوفوا الكيل والميزان بالقسط ~~أى : تامين. # وهذه الوصية هي مبدأ العدل والتعادل ، وكل مجتمع محتاج إليها ، فالناس لا ~~بد لهم من ms2075 التعامل ، ولا بد لهم من التبادل ، والكيل والوزن هما وسيلة ذلك ~~، فلا بد من أن يكونا منضبطين بالقسط. # والمجتمعات الأمينة التي لا تجد فيها أحدا يغبن عن جهل أو غفلة ، وهي ~~أيضا المجتمعات الأمينة التي لا تجد فيها من يحاول أن يأخذ أكثر من حقه. أو ~~يعطى أقل مما يجب عليه. # وقوله ( @QUR@05 لا نكلف نفسا إلا وسعها ) أى : لا نكلف نفسا إلا ما ~~يسعها ولا يعسر عليها. # والجملة مستأنفة جيء بها عقيب الأمر بإيفاء الكيل والميزان بالعدل ، ~~للترخيص فيما خرج عن الطاقة ، ولبيان قاعدة من قواعد الإسلام الرافعة للحرج ~~وذلك لأن التبادل التجارى لا يمكن أن يتحقق على وجه كامل من المساواة أو ~~التعادل ، فلا بد من تقبل اليسير من الغبن في هذا الجانب أو ذاك. # والوصية الثامنة تقول : ( @QUR@07 وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ). # أى : وإذا قلتم قولا فاعدلوا فيه ولو كان المقول له أو عليه صاحب قرابة منكم. # إذ العدل هو أساس الحكم السليم : العدل في القول ، والعدل في الحكم ، ~~والعدل في كل فعل. # وإنما خصصت الآية العدل في القول مع أن العدل مطلوب في الأقوال والأفعال ~~وفي كل شيء ، لأن أكثر ما يكون فيه العدل أقوال كالشهادة ، والحكم ، ثم ~~الأقوال هي التي تراود النفوس في كل حال. فالإنسان حين تصادفه قضية من ~~القضايا القولية أو العملية يحدث نفسه في شأنها ، ويراوده معنى العدل وكأنه ~~يطالبه بأن ينطق به ويؤيده ، فيقول في نفسه سأفعل كذا لأنه العدل ، فإذا لم ~~يكن صادقا في هذا القول فقد جافى العدل وقال زورا وكذبا. PageV05P220 # أما قوله ( @QUR@04 ولو كان ذا قربى ) فهو أخذ بالإنسان عما جرت به عادته ~~من التأثر بصلات القربى في المحاباة للأقرباء والظلم لغيرهم. # فالقرآن يرتفع بالضمير البشرى إلى مستوى سامق رفيع ، على هدى من العقيدة ~~في الله ، بأن يكلفه بتحرى العدل في كل أحواله ولو إزاء أقرب المقربين إليه. # أما الوصية التاسعة والأخيرة في هذه الآية فهي قوله تعالى ( @QUR@03 ~~وبعهد الله أوفوا ) أى : كونوا أوفياء مع الله في ms2076 كل ما عهد إليكم به من ~~العبادات والمعاملات وغيرها. # إذ الوفاء أصل من الأصول التي يتحقق بها الخير والصلاح ، وتستقر عليها ~~أمور الناس. # وقوله : ( @QUR@03 وبعهد الله أوفوا ) يفيد الحصر لتقديم المعمول ، وفي ~~هذا إشعار بأن هناك عهودا غير جديرة بأن تنسب إلى الله ، وهي العهود ~~القائمة على الظلم أو الباطل ، أو الفساد ، فمثل هذه العهود غير جديرة ~~بالاحترام ، ويجب العمل على التخلص منها. # ثم ختمت الآية بقوله تعالى ( @QUR@05 ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون ) أى : ~~ذلكم المتلو عليكم في هذه الآية من الأوامر والنواهي وصاكم الله به في ~~كتابه رجاء أن تتذكروا وتعتبروا وتعملوا بما أمرتم به وتجتنبوا ما نهيتم ~~عنه أو رجاء أن يذكر بعضكم بعضا فإن التناصح واجب بين المسلمين. # أما الوصية العاشرة فهي قوله تعالى في الآية الثالثة من هذه الآيات : ( ~~@QUR@012 وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن ~~سبيله ). # قرأ الجمهور بفتح همزة ( @QUR@01 أن ) وتشديد النون. ومحلها مع ما في ~~حيزها الجر بحذف لام العلة. أى : ولأن هذا الذي وصيتكم به من الأوامر ~~والنواهي طريقي وديني الذي لا اعوجاج فيه ، فمن الواجب عليكم أن تتبعوه ~~وتعملوا به. # ويحتمل أن يكون محلها مع ما في حيزها النصب على ( @QUR@02 ما حرم ) أى : ~~وأتلو عليكم أن هذا صراطي مستقيما. # وقرأ حمزة والكسائي «إن» بكسر الهمزة على الاستئناف. # وقوله ( @QUR@03 ولا تتبعوا السبل ) يعنى الأديان الباطلة ، والبدع ~~والضلالات الفاسدة ( @QUR@04 فتفرق بكم عن سبيله ) أى. فتفرقكم عن صراط ~~الله المستقيم وهو دين الإسلام الذي ارتضاه لكم. # روى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال : خط لنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خطا ثم قال : هذا سبيل الله ، ثم خط خطوطا عن يمينه ~~وعن شماله ثم قال : هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ ( ~~@QUR@04 وأن هذا صراطي مستقيما ). PageV05P221 # وقد أفرد سبحانه الصراط المستقيم وهو سبيل الله ، وجمع السبل المخالفة له ~~لأن الحق واحد والباطل ما خالفه وهو كثير فيشمل الأديان الباطلة ، والبدع ms2077 ~~الفاسدة ، والشبهات الزائفة ، والفرق الضالة وغيرها. # ثم ختمت الآية بقوله تعالى ( @QUR@05 ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ) أى : ~~ذلكم المذكور من اتباع سبيله تعالى وترك اتباع السبل وصاكم الله به لعلكم ~~تتقون اتباع سبل الكفر والضلالة ، وتعملون بما جاءكم به هذا الدين. # قال أبو حيان : ولما كانت الخمسة المذكورة في الآية الأولى من الأمور ~~الظاهرة الجليلة مما يجب تعلقها وتفهمها ختمت الآية بقوله ( @QUR@02 لعلكم ~~تعقلون )، ولما كانت الأربعة المذكورة في الآية الثانية خافية غامضة ولا ~~بد فيها من الاجتهاد والتفكر حتى يقف الإنسان فيها على موضع الاعتدال ختمت ~~بقوله : ( @QUR@02 لعلكم تذكرون ) ولما كان الصراط المستقيم هو الجامع ~~للتكاليف ، وأمر سبحانه باتباعه ونهى عن اتباع السبل المختلفة ختم ذلك ~~بالتقوى التي هي اتقاء النار ، إذ من اتبع صراطه نجا النجاة الأبدية وحصل ~~على السعادة السرمدية» (1). # وبعد : فهذه هي الوصايا العشر التي جاءت بها هذه الآيات الكريمة ، ~~والمتأمل فيها يراها قد وضعت أساس العقيدة السليمة في توحيد الله تعالى ~~وبنت الأسرة الفاضلة على أساس الإحسان بالوالدين والرحمة بالأبناء ، وحفظت ~~المجتمع من التصدع عن طريق تحريمها لانتهاك الأنفس والأموال والأعراض ، ثم ~~ربطت كل ذلك بتقوى الله التي هي منبع كل خير وسبيل كل فلاح. # فأين المسلمون اليوم من هذه الوصايا؟ إنهم لو عملوا بها لعزوا في دنياهم ~~ولسعدوا في أخراهم ، فهل تراهم فاعلون؟. # اللهم خذ بيدنا إلى ما يرضيك وجنبنا مالا يرضيك. # ولما كان هذا الصراط قديما ، والديانات قبله كانت في اتجاهه ، أشار ~~سبحانه إلى موسى وكتابه ، وبين منزلة هذا القرآن ، وأمر الناس باتباعه فقال : # ( @QUR@015 ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء ~~وهدى ورحمة لعلهم بلقاء PageV05P222 # @QUR@02 ربهم يؤمنون (154) @QUR@08 وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه ~~واتقوا لعلكم ترحمون (155) @QUR@014 أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على ~~طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين (156) @QUR@035 أو تقولوا لو ~~أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة ~~فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا ms2078 سوء ~~العذاب بما كانوا يصدفون ) (157) # قال الآلوسى : قوله ( @QUR@04 ثم آتينا موسى الكتاب ). إلخ. كلام مستأنف ~~مسوق من جهته تعالى تقريرا للوصية وتحقيقا لها ، وتمهيدا لما تعقبه من ذكر ~~إنزال القرآن المجيد كما ينبئ عنه تغيير الأسلوب بالالتفات إلى التكلم ~~معطوف على مقدر يقتضيه المقام ويستدعيه النظام كأنه قيل بعد قوله ( @QUR@03 ~~ذلكم وصاكم به ) بطريق الاستئناف تصديقا له وتقريرا لمضمونه ، فعلنا ذلك ( ~~@QUR@02 ثم آتينا ) وقيل عطف على ( @QUR@03 ذلكم وصاكم به ). وعند الزجاج ~~أنه عطف على معنى التلاوة ، كأنه قيل : ( @QUR@07 قل تعالوا أتل ما حرم ~~ربكم عليكم ) ثم أتل عليهم ما آتاه الله موسى (1). # وكلمة ثم لا تفيد الترتيب الزمنى هنا ، وإنما تفيد عطف معنى على معنى ، ~~فكأنه سبحانه يقول : لقد بينت لكم في هذه الوصايا ما فيه صلاحكم ثم أخبركم ~~بأنا آتينا موسى الكتاب وهو التوراة ليكون هدى ونورا. # وقوله : ( @QUR@04 تماما على الذي أحسن ) قرأ الجمهور أحسن بفتح النون ~~على أنه فعل ماض وفاعله ضمير الذي ، أى : آتينا موسى الكتاب تماما للكرامة ~~والنعمة على من أحسن القيام به كائنا من كان. فالذي لجنس المحسنين. # وتدل عليه قراءة عبد الله «تماما على الذين أحسنوا» وقراءة الحسن «على ~~المحسنين». # ويجوز أن يكون فاعل أحسن ضمير موسى عليه السلام ومفعوله محذوف أى : آتينا PageV05P223 # موسى الكتاب تتمة للكرامة على العبد الذي أحسن الطاعة في التبليغ وفي كل ~~أمر وهو موسى عليه السلام و «تماما» مفعول لأجله أى : آتيناه لأجل تمام ~~نعمتنا ، أو حال من الكتاب ، أى : حال كونه أى الكتاب تاما. أو مصدر لقوله ~~«آتينا» من معناه ، لأن إيتاء الكتاب إتمام للنعمة. كأنه قيل : أتممنا ~~النعمة إتماما. فهو «كنباتا» في قوله : ( @QUR@05 والله أنبتكم من الأرض ~~نباتا ) أى إنباتا. # وقرأ يحيى بن يعمر «على الذي أحسن» بضم النون على أنه خبر لمبتدأ محذوف ، ~~و «الذي» وصف للدين أى : تماما على الدين الذي هو أحسن دين وأرضاه. # قال ابن جرير : وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها وإن كان لها في العربية ~~وجه صحيح ، لخلافها ما عليه الحجة ms2079 مجمعة من قراء الأمصار» (1). # وقوله : ( @QUR@03 وتفصيلا لكل شيء ) معطوف على ما قبله ، أى : وبيانا ~~مفصلا لكل ما يحتاج إليه قومه في أمور دينهم ودنياهم. # وقوله : ( @QUR@06 وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون ) أى : هذا الكتاب ~~هداية لهم إلى طريق الحق ، ورحمة لمن عمل به لعلهم أى قوم موسى وسائر أهل ~~الكتاب يصدقون بيوم الجزاء ، ويقدمون العمل الصالح الذي ينفعهم في هذا ~~اليوم الشديد. # ثم بين سبحانه منزلة القرآن فقال : ( @QUR@04 وهذا كتاب أنزلناه مبارك ) ~~أى : وهذا القرآن الذي قرأ عليكم أوامره ونواهيه رسولنا صلى الله عليه وسلم ~~كتاب عظيم الشأن أنزلناه بواسطة الروح الأمين ، وهو جامع لكل أسباب الهداية ~~الدائمة ، والسعادة الثابتة. # ( @QUR@01 فاتبعوه ) أى : اعملوا بما فيه من الأوامر والنواهي والأحكام. # ( @QUR@01 واتقوا ) مخالفته واتباع غيره. # ( @QUR@02 لعلكم ترحمون ) أى : لترحموا بواسطة اتباعه والعمل بما فيه. # ثم قطع سبحانه عذر كل من يعرض عن هذا الكتاب فقال : ( @QUR@014 أن تقولوا ~~إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين ). # أى : أنزلنا هذا الكتاب لهدايتكم كراهة أن تقولوا يوم القيامة ، أو لئلا ~~تقولوا لو لم ننزله : إنما أنزل الكتاب الناطق بالحجة على جماعتين كائنتين ~~من قبلنا وهما اليهود والنصارى ، وإنا كنا عن تلاوة كتابهم لغافلين لا علم ~~لنا بشيء منها لأنها ليست بلغتنا. PageV05P224 # فقوله : ( @QUR@02 أن تقولوا ) مفعول لأجله والعامل فيه أنزلناه مقدرا ~~مدلولا عليه بنفس أنزلناه الملفوظ به في الآية السابقة أى : أنزلناه كراهية ~~أن تقولوا. # وقيل إنه مفعول به والعامل فيه قوله في الآية السابقة أيضا ( @QUR@01 ~~واتقوا ... ) أى. واتقوا قولكم كيت وكيت. وقوله ( @QUR@02 لعلكم ترحمون ) ~~معترض جار مجرى التعليل. # والمراد بالكتاب جنسه المنحصر في التوراة والإنجيل والزبور. # وتخصيص الإنزال بكتابيهما لأنهما اللذان اشتهرا من بين الكتب السماوية ~~بالاشتمال على الأحكام. # والخطاب لكل من أرسل إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم . # ثم ساق سبحانه آية أخرى لقطع أعذارهم فقال ( @QUR@010 أو تقولوا لو أنا ~~أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم ). # أى : وأنزلنا الكتاب أيضا خشية أن تقولوا معتذرين يوم القيامة لو أنا ~~أنزل علينا ms2080 الكتاب كما أنزل على الذين من قبلنا ، لكنا أهدى منهم إلى الحق ~~وأسرع منهم استجابة لله ولرسوله لمزيد ذكائنا ، وتوقد أذهاننا ، وتفتح ~~قلوبنا. # وقوله : ( @QUR@07 فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة ) جواب قاطع ~~لأعذارهم وتعلاتهم أى : فقد جاءكم من ربكم عن طريق نبيكم محمد ~~صلى الله عليه وسلم هذا الكتاب الواضح المبين ، والذي هو هداية لكم إلى طريق ~~الحق ، ورحمة لمن يعمل بما اشتمل عليه من توجيهات وإرشادات. # وقوله : ( @QUR@02 فقد جاءكم ) متعلق بمحذوف تنبئ عنه الفاء الفصيحة إما ~~معلل به أى : لا تعتذروا فقد جاءكم ... وإما شرط له أى : إن صدقتم فيما ~~كنتم تعدون به. فقد حصل ما فرضتم وجاءكم بينة من ربكم. # والاستفهام في قوله ( @QUR@08 فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها ) ~~للإنكار والنفي. أى : لا أحد أظلم ممن كذب بآيات الله وأعرض عنها بعد أن ~~جاءته ببيناتها الكاملة ، وهداياتها الشاملة. # والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها. فإن مجيء القرآن المشتمل على الهدى ~~والرحمة موجب لغاية أظلمية من يكذبه أى : وإذا كان الأمر كذلك فمن أظلم ..؟ ~~ومعنى : وصدف عنها أى : أعرض عنها غير متفكر فيها ، أو صرف الناس عنها ~~وصدهم عن سبيلها. فجمع بين الضلال والإضلال. # ثم ختم سبحانه الآية بتهديد أولئك المعرضين عن آياته بقوله : ( @QUR@02 ~~سنجزي الذين PageV05P225 # @QUR@08 يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون ) أى : سنجزيهم ~~أسوأ العذاب وأشده بسبب تكذيبهم لآياتنا وإعراضهم عنها. # فالآيتان الكريمتان تقطعان كل عذر قد يتعلل به يوم القيامة المكذبون ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللقرآن الكريم ، وتتوعدهم بأشد ألوان العذاب. # ثم يمضى القرآن في تهديدهم خطوة أخرى. ردا على ما كانوا يطلبون من الآيات ~~الخارقة ، وتحذيرا من إعراضهم وتقاعسهم عن طريق الحق مع أن الزمن لا يتوقف ~~، والفرص لا تعود فيقول : # ( @QUR@037 هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض ~~آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ~~أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون ms2081 (158) @QUR@019 إن الذين ~~فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم ~~بما كانوا يفعلون (159) @QUR@016 من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء ~~بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون ) (160) # أى : ما ينتظر مشركو مكة وغيرهم من المكذبين بعد إعراضهم عن آيات الله ~~إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم من أجسادهم. # والجملة الكريمة مستأنفة لبيان أنهم لا يتأتى منهم الإيمان بإنزال ما ذكر ~~من البينات والهدى. # قال البيضاوي : وهم ما كانوا منتظرين لذلك ، ولكن لما كان يلحقهم لحوق ~~المنتظر شبهوا بالمنتظرين. # وقوله : ( @QUR@03 أو يأتي ربك ) أى : إتيانا يناسب ذاته الكريمة بدون ~~كيف أو تشبيه للقضاء بين الخلق يوم القيامة ، وقيل المراد بإتيان الرب ، ~~إتيان ما وعد به من النصر للمؤمنين والعذاب للكافرين. PageV05P226 # وقوله : ( @QUR@05 أو يأتي بعض آيات ربك ) أى : بعض علامات قيام الساعة ، ~~وذلك قبل يوم القيامة ، وفسر في الحديث بطلوع الشمس من مغربها. # فقد روى البخاري عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا ~~تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها. فإذا رآها الناس آمن من عليها. فذاك ~~حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل». # وفي رواية لمسلم والترمذي عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~: «ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ~~إيمانها خيرا : طلوع الشمس من مغربها ، والدجال ، ودابة الأرض». # ثم بين سبحانه أنه عند مجيء علامات الساعة لا ينفع الإيمان فقال : # ( @QUR@019 يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من ~~قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ). # أى : عند مجيء بعض أشراط الساعة ، يذهب التكليف ، فلا ينفع الإيمان حينئذ ~~نفسا كافرة لم تكن آمنت قبل ظهورها ، ولا ينفع العمل الصالح نفسا مؤمنة ~~تعمله عند ظهور هذه الأشراط ، لأن العمل أو الإيمان عند ظهور هذه العلامات ~~لا قيمة له لبطلان التكليف في هذا الوقت. # قال الطبري : معنى الآية لا ينفع ms2082 كافرا لم يكن آمن قبل الطلوع أى طلوع ~~الشمس من مغربها إيمان بعد الطلوع. ولا ينفع مؤمنا لم يكن عمل صالحا قبل ~~الطلوع ، بعد الطلوع. لأن حكم الإيمان والعمل الصالح حينئذ. حكم من آمن أو ~~عمل عند الغرغرة ، وذلك لا يفيد شيئا. كما قال تعالى ( @QUR@07 فلم يك ~~ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ) وكما ثبت في الحديث الصحيح : إن الله يقبل ~~توبة العبد ما لم يغرغر» (1). # وقال ابن كثير : إذا أنشأ الكافر إيمانا يومئذ لم يقبل منه ، فأما من كان ~~مؤمنا قبل ذلك فإن كان مصلحا في عمله فهو بخير عظيم ، وإن لم يكن مصلحا ~~فأحدث توبة حينئذ لم تقبل منه توبته ، كما دلت عليه الأحاديث ، وعليه يحمل ~~قوله تعالى : ( @QUR@05 أو كسبت في إيمانها خيرا ) أى : لا يقبل منها كسب ~~عمل صالح إذا لم يكن عاملا به قبل ذلك» (2). # وقوله : ( @QUR@04 قل انتظروا إنا منتظرون ) تهديد لهم. أى : قل يا محمد ~~لهؤلاء الكافرين : انتظروا PageV05P227 # ما تنتظرونه من إتيان أحد الأمور الثلاثة لتروا أى شيء تنتظرون ، فإنا ~~منتظرون معكم لنشاهد ما يحل بكم من سوء العاقبة. # ثم بين سبحانه أحوال الفرق الضالة بوجه عام فقال : ( @QUR@010 إن الذين ~~فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ). # أى : إن الذين فرقوا دينهم بأن اختلفوا فيه مع وحدته في نفسه فجعلوه ~~أهواء متفرقة ، ومذاهب متباينة : ( @QUR@02 وكانوا شيعا ) أى فرقا ونحلا ~~تتبع كل فرقة إماما لها على حسب أهوائها ومتعها ومنافعها بدون نظر إلى الحق. # وقوله : ( @QUR@04 قل انتظروا إنا منتظرون ) تهديد لهم. أى : قل يا محمد ~~لهؤلاء الكافرين : انتظروا ما تنتظرونه من إتيان أحد الأمور الثلاثة لتروا ~~أى شيء تنتظرون ، فإنا منتظرون معكم لنشاهد ما يحل بكم من سوء العاقبة. # ثم بين سبحانه أحوال الفرق الضالة بوجه عام فقال : ( @QUR@010 إن الذين ~~فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ). # أى : إن الذين فرقوا دينهم بأن اختلفوا فيه مع وحدته في نفسه فجعلوه ~~أهواء متفرقة ، ومذاهب متباينة : ( @QUR@02 وكانوا شيعا ) أى فرقا ونحلا ~~تتبع كل فرقة إماما لها على ms2083 حسب أهوائها ومتعها ومنافعها بدون نظر إلى الحق. # وقوله : ( @QUR@04 لست منهم في شيء ) أى : أنت برىء منهم محمى الجناب عن ~~مذاهبهم الباطلة ، وفرقهم الضالة. أو لست من هدايتهم إلى التوحيد في شيء إذ ~~هم قد انطمست قلوبهم فأصبحوا لا يستجيبون لمن يدعوهم إلى الهدى. # وقوله : ( @QUR@04 إنما أمرهم إلى الله ) تعليل للنفي المذكور قبله أى : ~~هو يتولى وحده أمرهم جميعا ، ويدبره حسب ما تقتضيه حكمته ، فلا تذهب نفسك ~~عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون». # وقوله : ( @QUR@05 ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ) أى : ثم يخبرهم يوم ~~القيامة بما كانوا يفعلونه في الدنيا من آثام وسيئات ، ويعاقبهم على ذلك ~~بما يستحقونه من عقوبات. # والآية الكريمة عامة في كل من فارق تعاليم الإسلام سواء أكان مشركا أم ~~كتابيا ، ويندرج فيها أصحاب الفرق الباطلة والمذاهب الفاسدة في كل زمان ~~ومكان ، كالقاديانية ، والباطنية ، والبهائية ، وغير ذلك من أصحاب الأهواء ~~والبدع والضلالات. # قال ابن كثير : «والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان ~~مخالفا له ، فإن الله PageV05P228 # بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ، وشرعه واحد لا اختلاف ~~فيه ولا افتراق. فمن اختلف فيه ( @QUR@02 وكانوا شيعا ) أى : فرقا كأهل ~~الأهواء والملل والنحل والضلالات ، فإن الله قد برأ رسوله منهم. وهذه الآية ~~كقوله تعالى : ( @QUR@011 شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا ~~إليك ). الآية. # وفي الحديث : «نحن معاشر الأنبياء أولاد علات. ديننا واحد» فهذا هو ~~الصراط المستقيم ، وهو ما جاءت به الرسل من عبادة الله وحده والتمسك بشريعة ~~الرسول المتأخر ، وما خالف ذلك فضلالات وجهالات وآراء وأهواء ، والرسل برآء ~~منها كما قال تعالى ( @QUR@04 لست منهم في شيء ) (1). # ثم بين سبحانه لطفه في حكمه ، وفضله على عباده ، بمناسبة الحديث عن ~~الجزاء فقال : ( @QUR@06 من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ). # أى : من جاء يوم القيامة بالأعمال الحسنة. فله عشر حسنات أمثالها في ~~الحسن ، فضلا من الله تعالى وكرما. # قال بعضهم : وذلك ولله المثل الأعلى كمن أهدى إلى سلطان عنقود عنب يعطيه ~~بما يليق بسلطنته ms2084 لا قيمة العنقود. والعشر أقل ما وعد من الأصناف ، وقد جاء ~~الوعد بسبعين وبسبعمائة وبغير حساب ، ولذلك قيل : المراد بذكر العشر بيان ~~الكثرة لا الحصر في العدد الخاص. # ( @QUR@03 ومن جاء بالسيئة ) أى : بالأعمال السيئة ( @QUR@04 فلا يجزى ~~إلا مثلها ) أى : فلا يجزى بحكم الوعد إلا بمثلها في العقوبة واحدة بواحدة ~~( @QUR@03 وهم لا يظلمون ) بنقص الثواب وزيادة العقاب. فإن ربك لا يظلم أحدا. # وقد وردت أحاديث كثيرة في معنى الآية منها ما رواه الشيخان عن أبى هريرة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «يقول الله تعالى : إذا أراد عبدى أن ~~يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها فإن عملها فاكتبوها بمثلها. وإن ~~تركها من أجلى فاكتبوها له حسنة ، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها ~~فاكتبوها له حسنة. فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة». # ثم ختمت السورة الكريمة بخمس آيات جامعة لوجوه الخير ، من تأملها تجلى له ~~أنها ختام حكيم يناسب هذه السورة التي هي سورة البلاغ والإعلان ، والمبادئ ~~العليا لدعوة الإيمان. # أما الآيات الخمس فهي قوله تعالى : PageV05P229 # ( @QUR@016 قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم ~~حنيفا وما كان من المشركين (161) @QUR@09 قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي ~~لله رب العالمين (162) @QUR@08 لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ~~(163) @QUR@029 قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا ~~عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه ~~تختلفون (164) @QUR@021 وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض ~~درجات ليبلوكم في ما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم ) (165) # أى : قل يا محمد لهؤلاء الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ، ولغيرهم ممن ~~أرسلت إليهم ، قل لهم جميعا : لقد هداني خالقي ومربينى إلى دين الإسلام ~~الذي ارتضاه لعباده ( @QUR@02 دينا قيما ) أى : ثابتا أبدا لا تغيره الملل ~~والنحل ولا تنسخه الشرائع والكتب. # وقوله ( @QUR@01 دينا ) نصب على البدل من محل ( @QUR@02 إلى صراط ) لأن ~~معناه هداني صراطا ، أو مفعول لمضمر يدل ms2085 عليه المذكور. أى : عرفني دينا. # وقوله ( @QUR@01 قيما ) صفة ل ( @QUR@01 دينا ) والقيم والقيم لغتان ~~بمعنى واحد وقرئ بهما. # وقوله ( @QUR@02 ملة إبراهيم ) منصوب بتقدير أعنى أو عطف بيان ل ( ~~@QUR@01 دينا ) و ( @QUR@01 حنيفا ) حال من إبراهيم. أى : هداني ربي ووفقني ~~إلى دين الإسلام الذي هو الصراط المستقيم والدين القيم المتفق مع ملة ~~إبراهيم الذي كان مائلا عن كل دين باطل إلى دين الحق ، والذي ما كان أبدا ( ~~@QUR@02 من المشركين ) مع الله آلهة أخرى في شأن من شئونه. لا كما يزعم ~~المشركون وأهل الكتاب أن إبراهيم كان على دينهم. # ثم قل لهم للمرة الثانية : إن صلاتي التي أتوجه بها إلى ربي ( @QUR@01 ~~ونسكي ) أى عبادتي وتقربي إليه وهو من عطف العام على الخاص وقيل المراد به ~~ذبائح الحج والعمرة. ( @QUR@01 ومحياي PageV05P230 # @QUR@01 ومماتي ) أى : ما أعمله في حياتي من أعمال وما أموت عليه من ~~الإيمان والعمل الصالح. # كل ذلك ( @QUR@03 لله رب العالمين ) فأنا متجرد تجردا كاملا لخالقي ~~ورازقي بكل خالجة في القلب ، وبكل حكة في هذه الحياة. # فهو سبحانه رب كل شيء. ولا شريك له في ملكه ، بذلك القول الطيب ، وبذلك ~~العمل الخالص أمرت وأنا أول المسلمين الممتثلين لأوامر الله والمنتهين عن ~~نواهيه من هذه الأمة. # ثم قل لهم للمرة الثالثة على سبيل التعجب من حالهم ، والاستنكار لواقعهم ~~: ( @QUR@04 أغير الله أبغي ربا ) أى : أغير الله تعالى تريدونني أن أطلب ~~ربا فأشركه في عبادته ، والحال والشأن أنه سبحانه هو رب كل شيء ومليكه ، ~~وهو الخالق لكل شيء. # فجملة ( @QUR@04 وهو رب كل شيء ) حال في موضع العلة لإنكار ما هم عليه من ضلال. # ثم بين سبحانه أن كل إنسان مجازى بعمله فقال : ( @QUR@06 ولا تكسب كل نفس ~~إلا عليها ). أى : لا تجترح نفس إثما إلا عليها من حيث عقابه. فلا يؤاخذ ~~سواها به ، وكل مرتكب لإثم فهو وحده المعاقب به. # ( @QUR@05 ولا تزر وازرة وزر أخرى ) أى : ولا تحمل نفس مذنبة ولا غير ~~مذنبة ذنب نفس أخرى ، وإنما تتحمل الآثمة وحدها عقوبة إثمها الذي ارتكبته ~~بالمباشرة أو بالتسبب. # قال القرطبي : وأصل ms2086 الوزر الثقل ، ومنه قوله تعالى ( @QUR@03 ووضعنا عنك ~~وزرك ) وهو هنا الذنب كما في قوله تعالى ( @QUR@05 وهم يحملون أوزارهم على ~~ظهورهم ). # ثم بين سبحانه نهايتهم فقال : ( @QUR@04 ثم إلى ربكم مرجعكم ) أى : ~~رجوعكم بعد الموت يوم القيامة ( @QUR@05 فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ) ~~بتمييز الحق من الباطل ، ومجازاة كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر على حسب عمله. # ثم ختمت السورة بهذه الآية ( @QUR@05 وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ) أى : ~~خلائف القرون الماضية ، فأورثكم أرضهم لتخلفوهم فيها وتعمروها بعدهم. # وخلائف : جمع خليفة ، وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة ، لأنه يخلفه. # وقوله : ( @QUR@05 ورفع بعضكم فوق بعض درجات ) أى : فاوت بينكم في ~~الأرزاق والأخلاق والمحاسن والمساوئ والمناظر والأشكال والألوان وغير ذلك. # ثم بين سبحانه العلة في ذلك فقال : ( @QUR@04 ليبلوكم في ما آتاكم ) أى : ~~ليختبركم في الذي أنعم به عليكم ، يختبر الغنى في غناه ويسأله عن شكره ، ~~ويختبر الفقير في فقره ويسأله عن صبره. PageV05P231 # وفي الحديث الشريف الذي رواه الإمام مسلم عن أبى سعيد الخدري أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال : «إن الدنيا حلوة خضرة. وإن الله مستخلفكم فيها ~~فناظر كيف تعملون ، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء ، فإن أول فتنة بنى ~~إسرائيل كانت في النساء». # ثم رهب سبحانه من معصيته ، ورغب في طاعته فقال. ( @QUR@04 إن ربك سريع ~~العقاب ) لمن عصاه وخالف رسله. ( @QUR@03 وإنه لغفور رحيم ) لمن أطاعه ~~واتبع سبيل المؤمنين الصادقين. # أما بعد : فهذه هي سورة الأنعام التي عالجت من مبدئها إلى نهايتها قضية ~~العقيدة بكل مقوماتها علاجا قويا حكيما يهدى إلى الرشد لمن عنده الاستعداد ~~لذلك ، والتي طوفت بالنفس البشرية في الكون كله لترشدها إلى خلق هذا الكون ~~، وتجعلها تستجيب له وتنتفع بما منحها من نعم ، والتي كشفت عن مواطن الشرك ~~ومظاهره في كل مظانه ومكانه. لتدمغه وتدحضه وتخلص النفس البشرية والحياة ~~الإنسانية من أمراضه وأدرانه. # تلك هي سورة الأنعام التي نزلت مشيعة بالملإ العظيم من الملائكة وذلك ~~تفسير تحليلي لها ، لا نزعم أننا استقصينا فيه كل ما يتعلق بهذه السورة ~~الكريمة ms2087 ، من توجيهات وهدايات ، وإنما هو قبسات من نور القرآن الكريم ، ~~نرجو الله أن ينفع به ، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم. # ( @QUR@07 ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ). # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. PageV05P232 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الأعراف PageV05P233 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمه # الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أفضل المرسلين سيدنا محمد ~~وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. # وبعد : فهذا تفسير تحليلي لسورة الأعراف ، توخينا فيه أن نبرز ما اشتملت ~~عليه السورة الكريمة من توجيهات سامية ، وآداب عالية ، وهدايات شاملة ، ~~وحكم جليلة. # والله نسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده إنه أكرم ~~مسئول وأعظم مأمول. # ( @QUR@037 ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، ربنا ولا تحمل علينا ~~إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ، ~~واعف عنا واغفر لنا وارحمنا ، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ). # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. |القاهرة مدينة نصر 14 / 2 / 1405 ه 7 / 12 / 1984 م|د. محمد سيد طنطاوى| PageV05P235 ### ||| * تمهيد بين يدي السورة # 1 سورة الأعراف هي السورة السابعة في الترتيب المصحفى ، وهي أطول سورة ~~مكية في القرآن الكريم ، وعدد آياتها ست ومائتا آية. # والرأى الراجح عند العلماء أنها جميعها مكية ، وقيل إن الآيات من 163 170 ~~مدنية ، وكان نزولها بعد سورة «ص». # 2 ومناسبتها لسورة الأنعام التي قبلها أن سورة الأعراف تعتبر كالتفصيل ~~لها ، فإن سورة الأنعام قد تكلمت عن أصول العقائد وكليات الدين كلاما ~~إجماليا ، ثم جاءت سورة الأعراف فكانت كالشرح والتفصيل لذلك الإجمال ، ~~خصوصا فيما يتعلق بقصص الأنبياء مع أقوامهم وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم . # 3 مقاصدها ومميزاتها : وقد اشتملت سورة الأعراف على المقاصد الإجمالية ~~التي اشتملت عليها السور المكية ، كإقامة الأدلة على وحدانية الله ، وعلى ~~صدق رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وعلى أن يوم القيامة حق .. إلخ. # والذي يتأمل هذه السورة الكريمة يراها ms2088 تهتم بعرض الحقائق في أسلوبين ~~بارزين فيها ، أحدهما أسلوب التذكير بالنعم ، والآخر أسلوب التخويف من ~~العذاب والنقم. # أما أسلوب التذكير بالنعم فتراه واضحا في لفتها لأنظار الناس إلى ما ~~يلمسونه ويحسونه من نعمة تمكينهم في الأرض ، ونعمة خلقهم وتصويرهم في أحسن ~~تقويم ، ونعمة تمتع الإنسان بما في هذا الكون من خيرات سخرها الله له. # وأما أسلوب التخويف بالعذاب فالسورة الكريمة زاخرة به ، تلمس ذلك في قصص ~~نوح ، وهود ، وصالح. ولوط ، وشعيب ، وموسى عليهم السلام مع أقوامهم. # وقد استغرق هذا القصص أكثر من نصفها ، وقد ساقت لنا السورة الكريمة ما ~~دار بين الأنبياء وبين أقوامهم ، وما آل إليه أمر أولئك الأقوام الذين لم ~~يستجيبوا لنصائح المرسلين إليهم. # 4 عرض إجمالى لها : ونحن عند ما نستعرض سورة الأعراف نراها في الربع ~~الأول منها تطالعنا بالحديث عن عظمة القرآن وتأمرنا باتباعه ، وتحذرنا من ~~مخالفته ، وتحثنا على المسارعة إلى العمل الصالح الذي تثقل به موازيننا يوم ~~القيامة. PageV05P237 # قال تعالى : ( @QUR@027 كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به ~~وذكرى للمؤمنين* اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء ~~قليلا ما تذكرون ). # ثم ساقت لنا بأسلوب منطقي بليغ قصة آدم مع إبليس ، وكيف أن إبليس قد خدعه ~~بأن أغراه بالأكل من الشجرة المحرمة ، فلما أكل منها هو وزوجه. # ( @QUR@09 بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ). # ثم وجهت إلى بنى آدم نداء في أواخر هذا الربع نهتهم فيه عن الاستجابة ~~لوسوسة الشيطان. # قال تعالى : ( @QUR@031 يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم ~~من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما ، إنه يراكم هو وقبيله من حيث ~~لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون ). # وفي الربع الثاني منها نراها تأمرنا بأن نأخذ زينتنا عند كل مسجد ، ~~وتخبرنا بأن الله تعالى ، قد أباح لنا أن نتمتع بالطيبات التي أحلها لنا ، ~~وتبشرنا بحسن العاقبة متى اتبعنا الرسل الذين أرسلهم الله لهدايتنا ، ثم ~~تسوق لنا في بضع آيات عاقبة المكذبين لرسل ms2089 الله ، وكيف أن كل أمة من أمم ~~الكفر عند ما تقف بين يدي الله للحساب تلعن أختها. # قال تعالى : ( @QUR@041 كلما دخلت أمة لعنت أختها ، حتى إذا اداركوا فيها ~~جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار ، ~~قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون* وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من ~~فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون ). # ثم تبين السورة بعد ذلك عاقبة المؤمنين فتقول : ( @QUR@015 والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ). # وفي أواخر هذا الربع وفي أوائل الربع الثالث منها نراها تسوق لنا تلك ~~المحاورات التي تدور بين أصحاب الجنة وأصحاب النار ، وتحكى لنا ما يحصل ~~بينهم من نداءات ومجادلات ، تنتهي بأن يقول أصحاب النار لأصحاب الجنة على ~~سبيل التذلل والتوسل : ( @QUR@08 أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله ). # فيجيبهم أصحاب الجنة : ( @QUR@013 إن الله حرمهما على الكافرين. الذين ~~اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا ). # ثم تسوق لنا السورة بعد ذلك جانبا من مظاهر نعم الله على خلقه ، وتدعونا ~~إلى شكره عليها لكي يزيدنا من فضله. PageV05P238 # وفي الربع الرابع منها وكذلك في أواخر الثالث ، تحدثنا السورة الكريمة عن ~~قصة نوح مع قومه ، ثم عن قصة هود مع قومه ، ثم عن قصة صالح مع قومه ، ثم عن ~~قصة لوط مع قومه ، ثم عن قصة شعيب مع قومه. ولقد ساقت لنا خلال حديثها عن ~~هؤلاء الأنبياء مع أقوامهم من العبر والعظات ما يهدى القلوب ، ويشفى الصدور ~~ويحمل العقلاء على الاستجابة لهدى الأنبياء والمرسلين. # أما في الربع الخامس منها فقد بينت لنا سنن الله في خلقه ، ومن مظاهر هذه ~~السنن أنه سبحانه لا يعاقب قوما إلا بعد الابتلاء والاختبار ، وأن الناس لو ~~آمنوا لفتح سبحانه عليهم بركات من السماء والأرض وأن الذين يأمنون مكر ~~خالقهم هم القوم الخاسرون. # قال تعالى : ( @QUR@032 تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم ~~بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل ، كذلك يطبع الله على ms2090 قلوب ~~الكافرين* وما وجدنا لأكثرهم من عهد ، وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ). # ثم عقب على ذلك ببيان أن الله تعالى قد ساق قصص السابقين للعظة ~~والاعتبار. # ثم أسهبت السورة في الحديث عن قصة موسى عليه السلام فقصت علينا في زهاء ~~سبعين آية استغرقت الربع السادس والسابع والثامن ما دار بينه وبين فرعون من ~~محاورات ومناقشات ، وما حصل بينه وبين السحرة من مجادلات ومساجلات انتهت ~~بأن قال السحرة : ( @QUR@06 آمنا برب العالمين رب موسى وهارون ). # ثم حكت لنا ما لقيه موسى من قومه بنى إسرائيل من تكذيب وجهالات ، مما يدل ~~على أصالتهم في التمرد والعصيان ، وعراقتهم في الكفر والطغيان. # وفي الربع التاسع منها حدثتنا عن العهد الذي أخذه الله على البشر بأن ~~يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، ثم حضتنا على التفكر والتدبر في ملكوت السموات ~~والأرض ، وبينت لنا أن موعد قيام الساعة لا يعلمه سوى علام الغيوب ، وأن ~~الرسل الكرام وظيفتهم تبليغ رسالات الله ، ثم هم بعد ذلك لا يملكون لأنفسهم ~~نفعا ولا ضرا. # أما في الربع العاشر والأخير فقد اهتمت السورة الكريمة بإقامة الأدلة على ~~وحدانية الله ، ووبخت المشركين على شركهم ، ودعت الناس إلى مكارم الأخلاق ~~ومحاسن الشيم ( @QUR@07 خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ) وأمرتهم ~~بأن يكثروا من التضرع والدعاء. # ( @QUR@027 واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو ~~والآصال ولا تكن من الغافلين* إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ~~ويسبحونه وله يسجدون ). PageV05P239 # وبعد : فهذا عرض سريع لما اشتملت عليه سورة الأعراف من توجيهات حكيمة ، ~~وآداب عالية ، وعظات سامية ، ولعلنا بذلك نكون قد أعطينا القارئ الكريم ~~فكرة مجملة عنها قبل أن نفسرها تفسيرا تحليليا مفصلا. والله نسأل أن يلهمنا ~~جميعا الرشد والسداد فيما نقول ونعمل. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV05P240 ### ||| * التفسير ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@01 المص (1) @QUR@013 كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه ~~لتنذر به وذكرى للمؤمنين (2) @QUR@014 اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا ~~تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون ms2091 (3) @QUR@010 وكم من قرية أهلكناها ~~فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون (4) @QUR@012 فما كان دعواهم إذ جاءهم ~~بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين (5) @QUR@06 فلنسئلن الذين أرسل إليهم ~~ولنسئلن المرسلين (6) @QUR@06 فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين (7) ~~@QUR@09 والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (8) ~~@QUR@011 ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا ~~يظلمون ) (9) # سورة الأعراف من السور التي ابتدأت ببعض حروف التهجي «المص» ولم يسبقها ~~في النزول من هذا النوع من السور سوى ثلاثة وهي سور : (ن ، ق ، ص) ويبلغ ~~عدد السور القرآنية التي ابتدئت بالحروف المقطعة تسعا وعشرين سورة. # هذا ، وقد وقع خلاف بين العلماء في المعنى المقصود من حروف التهجي التي ~~افتتحت بها بعض السور القرآنية ، ويمكن إجمال اختلافهم في رأيين : # الرأى الأول : أن المعنى المقصود منها غير معروف ، فهي من المتشابه الذي ~~استأثر الله بعلمه PageV05P241 # وإلى هذا الرأى ذهب ابن عباس في إحدى الروايات عنه كما ذهب إليه الشعبي ، ~~وسفيان الثوري ، وغيرهما من العلماء ؛ فقد أخرج ابن المنذر وغيره عن الشعبي ~~أنه سئل عن فواتح السور فقال : «إن لكل كتاب سرا ، وإن سر هذا القرآن فواتح ~~السور» وروى عن ابن عباس أنه قال : «عجزت العلماء عن إدراكها» وعن على رضي ~~الله عنه أنه قال : «إن لكل كتاب صفوة ، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي» وفي ~~رواية أخرى للشعبى أنه قال : «سر الله فلا تطلبوه». # ومن الاعتراضات التي وجهت إلى هذا الرأى أنه إذا كان الخطاب بهذه الفواتح ~~غير مفهوم للناس لأنه من المتشابه فإنه يترتب على ذلك أنه كالخطاب بالمهمل ~~، أو مثل ذلك كمثل التكلم بلغة أعجمية مع أناس عرب لا يفهمونها. # وقد أجيب عن ذلك بأن هذه الألفاظ لم ينتف الإفهام عنها عند كل الناس ~~فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يفهم المراد منها ، وكذلك بعض أصحابه ~~المقربين. ولكن الذي ننفيه أن يكون الناس جميعا فاهمين لمعنى هذه الحروف ~~المقطعة في أوائل بعض السور. وهناك مناقشات للعلماء حول هذا الرأى لا مجال ~~لذكرها هنا. # أما الرأى ms2092 الثاني : فيرى أصحابه أن المعنى المقصود منها معلوم ، وأنها ~~ليست من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه ، وأصحاب هذا الرأى قد اختلفوا ~~فيما بينهم في تعيين هذا المعنى المقصود على أقوال كثيرة من أهمها ما يأتى : # 1 أن هذه الحروف أسماء للسور ، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم : «من ~~قرأ حم السجدة ، حفظ إلى أن يصبح» ، وبدليل اشتهار بعض السور بالتسمية بها ~~، كسورة «ص» وسورة «يس» إلخ. # ولا يخلو هذا القول من الضعف ، لأن كثيرا من السور قد افتتحت بلفظ واحد ~~من هذه الفواتح ، فلو كانت أسماء للسور لم تتكرر لمعان مختلفة ؛ لأن الغرض ~~من التسمية رفع الاشتباه. وأيضا فالتسمية بها أمر عارض لا يتنافى مع المراد ~~منها في ذاتها. # 2 وقيل إن هذه الحروف قد جاءت هكذا فاصلة للدلالة على انقضاء سورة ~~وابتداء أخرى. # 3 وقيل إنها حروف مقطعة بعضها من أسماء الله تعالى ، وبعضها من صفاته ، ~~فمثلا : «ألم» أصلها أنا الله أعلم. # 4 وقيل إنها اسم الله الأعظم ، إلى غير ذلك من الأقوال التي لا تخلو من ~~مقال ، والتي أوصلها الإمام السيوطي في كتابه «الإتقان» ، إلى أكثر من ~~عشرين قولا. PageV05P242 # 5 ولعل أقرب الأقوال إلى الصواب أن هذه الحروف المقطعة قد وردت في بعض ~~سور القرآن على سبيل الإيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن ، فكأن الله ~~تعالى يقول لأولئك المعارضين في أن القرآن من عند الله : هاكم القرآن ترونه ~~مؤلفا من كلام هو جنس ما تؤلفون منه كلامكم. ومنظوما من حروف هي من جنس ~~الحروف الهجائية التي تنظمون منها حروفكم ، فإن كنتم في شك من كونه منزلا ~~من عند الله فهاتوا مثله ، أو ادعوا من شئتم من الخلق لكي يعاونوكم في ذلك. # ومما يشهد بصحة هذا الرأى أن الآيات التي تلى هذه الأحرف المقطعة تتحدث ~~عن الكتاب المنزل معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم وكثيرا ما تبدأ هذه الآيات ~~باسم الإشارة صراحة ، مثل قوله تعالى : ( @QUR@06 الم. ذلك الكتاب لا ريب ~~فيه ) أو ضمنا مثل قوله تعالى : في أول سورة ms2093 الأعراف ( @QUR@012 المص. كتاب ~~أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به ) وأيضا فإن هذه السور تجعل ~~هدفها الأول منذ بدئها إلى نهايتها اثبات الرسالة عن طريق هذا الكتاب ~~المنزل. # هذه خلاصة موجزة لآراء العلماء في الحروف المقطعة التي افتتحت بها بعض ~~السور القرآنية ، ومن أراد مزيدا لذلك فليرجع مثلا إلى كتاب «البرهان» ~~للزركشى ، وإلى كتاب «الإتقان» للسيوطي (1). # ثم مدح سبحانه الكتاب الذي أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم فقال : ( ~~@QUR@09 كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه ). # المراد بالكتاب جملة القرآن الكريم ، وقيل : المراد به هنا السورة. وحرج ~~الصدر ضيقه وغمه ، مأخوذ من الحرجة التي هي مجتمع الشجر المشتبك الملتف ~~الذي لا يجد السالك فيه طريقا يخرج منه. # والمعنى ، هذا كتاب كريم أنزلناه إليك يا محمد فيه هداية الثقلين ، فبلغ ~~تعاليمه للناس. ولا تحزن أو تضجر إذا وجدت من بعضهم صدودا عنه ، فأنت عليك ~~البلاغ ونحن علينا الحساب. # ولقد حكى لنا القرآن أن المشركين وصفوا النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر. ~~أو مجنون ، كما وصفوا القرآن بأنه ليس من عند الله ، فكان صلى الله عليه وسلم ~~يضيق صدره لذلك. # قال تعالى : ( @QUR@07 ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون ). # فالمقصود بقوله تعالى : ( @QUR@09 كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج ~~منه ) تقوية قلب PageV05P243 # النبي صلى الله عليه وسلم ، وتثبيت فؤاده ، وتسليته عما يتقوله المشركون من ~~أكاذيب وأباطيل ، وإفهام الداعي إلى الله في كل زمان ومكان أن من الواجب ~~عليه أن يكون قوى القلب في تحمل مهمته ، مطمئن البال على حسن عاقبته ، لا ~~يتأثر بالمخالفة ، ولا يضيق صدره بالإنكار. # وقد فسر صاحب الكشاف الحرج بالشك فقال : ( @QUR@06 فلا يكن في صدرك حرج ~~منه ) أى شك منه كقوله : ( @QUR@07 فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك ) وسمى ~~الشك حرجا لأن الشاك ضيق الصدر حرجه ، كما أن المتيقن منشرح الصدر منفسحه. ~~أى : لا تشك في أنه منزل من الله ، ولا تتحرج من تبليغه ، لأنه كان يخاف ~~قومه وتكذيبهم له وإعراضهم عنه ms2094 وأذاهم. فكان يضيق صدره من الأداء ولا ينبسط ~~له ، فأمنه الله ونهاه عن المبالاة بهم» (1). # وعلى أية حال فإن من فسر الحرج بالضيق راعى مدلول الكلمة الأصلى ومن فسره ~~بالشك راعى الاستعمال المجازى ولذا قال الآلوسى : # قوله تعالى : ( @QUR@06 فلا يكن في صدرك حرج منه ) أى : شك. وأصله الضيق ~~، واستعماله في الشك مجاز علاقته اللزوم ، فإن الشاك يعتريه ضيق الصدر ، ~~كما أن المتيقن يعتريه انشراحه وانفساحه» (2). # ولفظ ( @QUR@01 كتاب ) يكون مبتدأ إذا جعلنا «المص» اسما للسورة ، وإلا ~~كان خبرا لمبتدأ محذوف والتقدير : هذا كتاب. وتنكيره للتفخيم والتعظيم ~~وجملة ( @QUR@02 أنزل إليك ) صفة له دالة على كمال تعظيم قدره وقدر من أنزل عليه. # وإنما قيل : ( @QUR@01 أنزل ) ولم يقل أنزله الله وأنزلناه ، للإيذان بأن ~~المنزل مستغن عن التعريف لشرفه وغاية ظهوره. # ثم بين سبحانه العلة في إنزال الكتاب فقال : ( @QUR@04 لتنذر به وذكرى ~~للمؤمنين ). # الإنذار : هو الإعلام المقترن بالتخويف من سوء عاقبة المخالفة. # أى : أنزلنا إليك الكتاب لتنذر به قومك وسائر الناس ، وتذكر به أهل ~~الإيمان والطاعة ذكرى نافعة مؤثرة ، لأنهم هم المستعدون لذلك ، وهم ~~المنتفعون بإرشادك. # قال تعالى : ( @QUR@05 وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ). # وقال تعالى : ( @QUR@05 تبصرة وذكرى لكل عبد منيب ). # وقال تعالى : ( @QUR@04 إنما يتذكر أولوا الألباب ). PageV05P244 # قال صاحب الكشاف : فما محل ذكرى؟ قلت يحتمل الحركات الثلاث. النصب بإضمار ~~فعلها. كأنه قيل : لتنذر به وتذكر تذكيرا ، لأن الذكرى اسم بمعنى التذكير ، ~~والرفع عطفا على كتاب ، أو لأنه خبر مبتدأ محذوف. والجر للعطف على محل ~~لتنذر ، أى : للإنذار وللذكر» (1). # ثم أمر القرآن الناس باتباع تعاليم الإسلام التي جاء بها محمد ~~صلى الله عليه وسلم فقال : ( @QUR@014 اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا ~~تتبعوا من دونه أولياء ، قليلا ما تذكرون ). # أى : اتبعوا أيها الناس ملة الإسلام وأحلوا حلاله ، وحرموا حرامه ، ~~وامتثلوا أوامره ، واجتنبوا نواهيه ، لأن الذي أنزل عليكم هذه الشريعة هو ~~ربكم الذي هو خالقكم ومربيكم ومدبر أموركم والعليم بما فيه مصلحتكم وحذار ~~من أن تتركوا شريعة الإسلام التي تدعوكم إلى إفراد الله بالعبودية ، ~~وتتخذوا معه شركاء يزينون ms2095 لكم الأباطيل ، ويصرفونكم عن دينه القويم فالآية ~~الكريمة كلام مستأنف خوطب به كافة المكلفين لحضهم على إفراد الله بالعبودية ~~، ونهيهم عن اتباع أحد من الخلق فيما يتعلق بالأمور الدينية التي وضحتها ~~الشريعة الإسلامية. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 قليلا ما تذكرون ) معناه : تذكرا قليلا تتذكرون ~~، أو زمنا قليلا تتذكرون فهو منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف أو لظرف زمان ~~محذوف. وما مزيدة لتأكيد القلة. # ثم ساق لهم بعد ذلك على سبيل الإنذار والتخويف جانبا من العذاب الذي نزل ~~بمن سبقوهم بسبب ظلمهم وعنادهم فقال تعالى : # ( @QUR@022 وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون فما ~~كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين ). # كم هنا خبرية بمعنى كثر. وهي في محل رفع على الابتداء والجملة بعدها ~~خبرها ، و ( @QUR@02 من قرية ) تمييز. # والقرية تطلق على مكان اجتماع الناس. وبأسنا : أى عذابنا وعقابنا. وبياتا ~~: أى ليلا ومنه البيت لأنه يبات فيه. يقال : بات يبيت بيتا وبياتا. وقائلون ~~من القائلة وهي القيلولة وهي نوم نصف النهار. وقيل : هي الاستراحة نصف ~~النهار إذا اشتد الحر وإن لم يكن معها نوم. ودعواهم ، أى : دعاؤهم ~~واستغاثتهم بربهم أو قولهم. # والمعنى : وكثيرا من القرى الظالمة أردنا إهلاكها ، فنزل على بعضها ~~عذابنا في وقت نوم أهلها بالليل كما حصل لقوم لوط ، ونزل على بعضها في وقت ~~استراحة أهلها بالنهار كما حصل لقوم PageV05P245 # شعيب ، فما كان منهم عند ما باغتهم العذاب في وقت اطمئنانهم وراحتهم إلا ~~أن اعترفوا بذنوبهم وقالوا على سبيل التحسر والندم وطمعا في الخلاص : إنا ~~كنا ظالمين. # فهاتان الآيتان الكريمتان توضحان بأجلى بيان أن هلاك الأمم سببه بغيها ~~وفسادها وانحرافها عن الطريق المستقيم ، وتلك سنة الله التي لا تختلف في أى ~~زمان أو مكان. وأن الظالمين عند ما يفاجئون بالعقوبة يتحسرون ولا يستطيعون ~~إنكار ما ارتكبوه من جرائم ومنكرات ولكن ذلك لن ينفعهم لأن ندمهم وتحسرهم ~~قد فات وقته ، وكان الأجدر بهم أن يتوبوا من ذنوبهم عند ما جاءتهم النذر ، ~~وقبل حلول العذاب. # ولذا قال ms2096 ابن كثير : قال ابن جرير : في هذه الآية الدلالة الواضحة في صحة ~~ما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : «ما هلك قوم ~~حتى يعذروا عن أنفسهم (1)». # و ( @QUR@01 أو ) في قوله : ( @QUR@06 فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون ) ~~للتنويع ، أى أن بعضهم جاءهم عذابنا ليلا وبعضهم جاءهم نهارا عند ~~استراحتهم. وإنما خص هذان الوقتان بنزول العذاب ، لأنهما وقتا غفلة ودعة ~~واستراحة ، فيكون نزول العذاب فيهما أشد وأوجع. # ومن العبر التي نأخذها من هاتين الآيتين أن العاقل هو الذي يحافظ على ~~أداء الأوامر واجتناب النواهي ، ولا يأمن صفو الليالى ، ورخاء الأيام ، بل ~~يعيش حياته وصلته بربه مبنية على الخوف والرجاء فإنه ( @QUR@07 فلا يأمن ~~مكر الله إلا القوم الخاسرون ). # وبعد أن بين القرآن ما أصاب الظالمين من عذاب دنيوى. عقبه ببيان ما سيحل ~~بهم من عذاب أخروى ، فقال : # ( @QUR@012 فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين : فلنقصن عليهم ~~بعلم وما كنا غائبين ). # والمراد بالذين أرسل إليهم جميع الأمم التي بلغتها دعوة الرسل ، يسأل كل ~~فرد منها عن رسوله إليه وعن تبليغه لدعوة الله ، ويسأل المرسلون عن التبليغ ~~منهم وعن إجابة أقوامهم لهم ، وقد ورد ذلك في كثير من آيات القرآن. قال ~~تعالى : ( @QUR@016 يوم يجمع الله الرسل فيقول ما ذا أجبتم؟ قالوا لا علم ~~لنا إنك أنت علام الغيوب ). # وقال تعالى : ( @QUR@07 ويوم يناديهم فيقول ما ذا أجبتم المرسلين )؟ # والمعنى : فلنسألن المرسل إليهم عما أجابوا به رسلهم الذين جاءوا ~~لهدايتهم ، ولنسألن المرسلين عما أجيبوا به من أقوامهم وعن تبليغهم لرسالات ~~الله ، ولنقصن على الرسل والمرسل إليهم كل ما وقع منهم عن علم دقيق وإحصاء ~~شامل ، لأننا لا يغيب عنا شيء من أحوالهم. PageV05P246 # وعطفت جملة ( @QUR@01 فلنسئلن ) على ما قبلها بالفاء ، لأن هذا السؤال ~~سيكون في الآخرة ، وما ذكر قبل ذلك من عقوبات هو آخر أمرهم في الدنيا. ~~فالآية الكريمة بيان لعذابهم الأخروى إثر بيان عذابهم الدنيوي. # وأكد الخبر بلام القسم ونون التوكيد ، لأن المخاطبين كانوا ينكرون البعث ~~والجزاء. # فإن قيل : قد أخبر الله ms2097 عنهم قبل ذلك أنهم قالوا عند نزول العذاب بهم ( ~~@QUR@03 إنا كنا ظالمين ) فلما ذا يسألون يوم القيامة مع أنهم اعترفوا ~~بظلمهم في الدنيا؟ # فالجواب : أنهم لما اعترفوا سئلوا بعد ذلك عن سبب هذا الظلم ، والمقصود ~~من هذا السؤال تقريعهم وتوبيخهم لكفرهم وعنادهم. # فإن قيل : فما فائدة سؤال الرسل مع العلم بأنهم قد بلغوا الأمانة ونصحوا للأمة؟ # فالجواب من فوائده الرد على من أنكر من المشركين أن الرسل قد بلغوهم ، ~~فقد حكى القرآن أن بعضهم قال : ( @QUR@06 ما جاءنا من بشير ولا نذير ) ومن ~~فوائده أيضا مضاعفة الثواب لهؤلاء الرسل الكرام حيث إنهم قد بذلوا قصارى ~~جهدهم في التبشير والإنذار ، ولم يصدر عنهم تقصير قط. فسؤال المرسل إليهم ~~إنما هو سؤال توبيخ وإفضاح ، وسؤال المرسلين إنما هو سؤال استشهاد بهم ~~وإفصاح. # فإن قيل : هناك بعض الآيات تثبت أن المجرمين لن يسألوا يوم القيامة كما ~~في قوله تعالى : ( @QUR@05 ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون ) وكما في قوله ~~تعالى : ( @QUR@08 فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان ) فكيف نجمع بين هذه ~~الآيات التي تنفى السؤال والآيات التي تثبته كما في قوله : ( @QUR@04 ~~فلنسئلن الذين أرسل إليهم )؟ # فالجواب ، أن في يوم القيامة مواقف متعددة ، فقد يسألون في موقف الحساب ~~ولا يسألون في موقف العقاب. أو أن المراد بالسؤال في قوله : ( @QUR@02 ~~فلنسئلن الذين ) التوبيخ والتقريع. والمنفي في قوله : ( @QUR@05 فيومئذ لا ~~يسئل عن ذنبه ) سؤال الاستعلام ، أى أن المذنب لا يسأل يوم القيامة هل ~~أذنبت أولا ، لأن الله لا تخفى عليه خافية ، وإنما يسأل : لم فعلت كذا؟ بعد ~~أن يعرفه سبحانه بما فعله ، ويؤيد هذا القول قوله تعالى : ( @QUR@06 فلنقصن ~~عليهم بعلم وما كنا غائبين ) أى : فلنخبرنهم بما فعلوا إخبارا ناشئا عن علم منا. # قال بعض العلماء : «والذي يهمنا هنا ، أن نقرر أن هذا السؤال لم يكن سؤال ~~استفهام ولا استخبار ، وإنما هو سؤال تبكيت وتنديد ، فليس في السائل مظنة ~~أن يجهل ، ولا في المسئول مظنة أن ينكر : ، وهو تصوير لما يكون من شعور ~~المكذبين بتكذيبهم ، وشعور المرسلين بتبليغهم ، وهو ms2098 نوع من تسجيل الحجة على ~~من أنكرها وأعرض عنها في الوقت الذي كان يجديه PageV05P247 # الإقبال عليها والإيمان بها ، وهو نوع من زيادة الحسرة ، وقطع الآمال في ~~النجاة بوضع يد المجرم على جسم جريمته ، وهو في الوقت نفسه نوع من زيادة ~~الأمن والطمأنينة للرسل في القيام بدعوتهم وتبليغهم ما أمروا بتبليغه ، ~~ولعل كل ذلك يرشد إليه قوله تعالى : ( @QUR@06 فلنقصن عليهم بعلم وما كنا ~~غائبين ) (1). # ثم بين سبحانه مظاهر عدله مع عباده يوم القيامة فقال : # ( @QUR@020 والوزن يومئذ الحق ، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون* ~~ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون ). # الوزن : عمل يعرف به قدر الشيء ، يقال : وزنته وزنا وزنة. وهو مبتدأ ، ~~ويومئذ متعلق بمحذوف خبره. والحق صفته. أى : والوزن الحق يوم القيامة. # ومعنى الآيتين الكريمتين : والوزن الحق ثابت في ذلك اليوم الذي يسأل الله ~~فيه الرسل والمرسل إليهم. ويخبرهم جميعا بما كان منهم في الدنيا ، فمن رجحت ~~موازين أعماله بالإيمان والعمل الصالح ، فأولئك هم الفائزون بالثواب ~~والنعيم ، ومن خفت موازين أعماله بالكفر والمعاصي فأولئك الذين خسروا ~~أنفسهم بسبب ما اقترفوا من سيئات أدت بهم إلى سوء العقاب. # قال تعالى : ( @QUR@020 ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس ~~شيئا ، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ). # وقد اختلف العلماء في كيفية الوزن فقال بعضهم : إن التي توزن هي صحائف ~~الأعمال التي كتبت فيها الحسنات والسيئات تأكيدا للحجة وإظهارا للنصفة ، ~~وقطعا للمعذرة. قال ابن عمر : توزن صحائف أعمال العباد يوم القيامة». # وقيل : إن الوزن هنا كناية عن القضاء السوى ، والعدل التام في تقدير ما ~~يمكن به الجزاء من الأعمال ، وذكر الوزن إنما هو ضرب مثل كما تقول : هذا ~~الكلام في وزن هذا وفي وزانه. أى يعادله ويساويه وإن لم يكن هناك وزن. # والذي نراه أن من الواجب علينا أن نؤمن بأن في الآخرة وزنا للأعمال ، ~~وأنه على مقدار ما يظهر يكون الجزاء ، وأنه وزن أو ميزان يليق بما يجرى في ~~ذلك اليوم الهائل الشديد ms2099 ، أما كيفية هذا الوزن فمرده إلى الله ، لأنه شيء ~~استأثر الله بعلمه ، وعلينا أن نعفي أنفسنا من محاولة الكشف عن أمر غيبي لم ~~يرد في حقيقته خبر قاطع في كتاب الله أو سنة رسوله. PageV05P248 # قال الجمل في حاشيته على الجلالين : فإن قلت : أليس الله تعالى يعلم ~~مقادير أعمال العباد ، فما الحكمة في وزنها؟ قلت فيه حكم : منها ، إظهار ~~العدل وأن الله تعالى لا يظلم عباده ، ومنها : امتحان الخلق بالإيمان بذلك ~~في الدنيا وإقامة الحجة عليهم في العقبى. ومنها تعريف العباد بما لهم من ~~خير أو شر وحسنة أو سيئة ، ومنها إظهار علامة السعادة والشقاوة ونظيره أنه ~~سبحانه أثبت أعمال العباد في اللوح المحفوظ وفي صحائف الحفظة الموكلين ببني ~~آدم من غير جواز النسيان عليه» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@03 فمن ثقلت موازينه ) تفصيل للأحكام المترتبة على ~~الوزن ، وثقل الموازين المراد به رجحان الأعمال الحسنة على غيرها ، كما أن ~~خفة الموازين المراد بها رجحان الأعمال القبيحة على ما سواها. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 بما كانوا بآياتنا يظلمون ) متعلق بخسروا ؛ أى : ~~أن خسرانهم لأنفسهم في الآخرة كان سببه جحودهم لآيات الله واستهزاءهم بها ~~في الدنيا. # ثم حكى القرآن جانبا من مظاهر نعم الله على خلقه فقال تعالى : # ( @QUR@011 ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون ~~(10) @QUR@016 ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ~~فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين ) (11) # مكناكم : من التمكين بمعنى التمليك ، أو معناه : جعلنا لكم فيها مكانا ~~وقرارا وأقدرناكم على التصرف فيها ومعايش : جمع معيشة وهي ما يعاش به من ~~المطاعم والمشارب وما تكون به الحياة. # والمعنى : ولقد جعلنا لكم يا بنى آدم مكانا وقرارا في الأرض ، وأقدرناكم ~~على التصرف فيها ، وأنشأنا لكم فيها أنواعا شتى من المطاعم والمشارب التي ~~تتعيشون بها عيشة راضية ، ولكن كثيرا منكم لم يقابلوا هذه النعم بالشكر ، ~~بل قابلوها بالجحود والكفران. وفضلا عن ذلك فنحن الذين خلقنا أباكم آدم من ~~طين غير مصور ، ثم صورناه بعد ذلك. PageV05P249 # أو المعنى نحن الذين خلقناكم في ظهر ms2100 آدم. ثم صورناكم حين أخذنا عليكم ~~الميثاق ، ثم أمرنا بعد ذلك ملائكتنا بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس فإنه ~~لم يكن من الساجدين. # والسجود : لغة ، التذلل والخضوع مع انخفاض بانحناء وغيره ، وخص في الشرع ~~بوضع الجبهة على الأرض بقصد العبادة. # وللعلماء أقوال في كيفية السجود الذي أمر الله به الملائكة لآدم وأرجح ~~هذه الأقوال. أن السجود المأمور به في الآية يحمل على المعنى المعروف في ~~اللغة. أى : أن الله تعالى أمرهم بفعل تجاه آدم يكون مظهرا من مظاهر ~~التواضع والخضوع له تحية وتعظيما ، وإقرارا له بالفضل دون وضع الجبهة على ~~الأرض الذي هو عبادة ، إذ عبادة غير الله شرك يتنزه الملائكة عنه ، وعلى ~~هذا الرأى سار علماء أهل السنة. # وقيل إن السجود كان لله. وآدم إنما كان كالقبلة يتوجه إليه الساجدون تحية ~~له. وإلى هذا الرأى اتجه علماء المعتزلة ، وقد قالوا ذلك هربا من أن تكون ~~الآية الكريمة حجة عليهم ، إذ أن أهل السنة قالوا : إبليس من الملائكة ~~والصالحون من البشر أفضل من الملائكة. واحتجوا بسجود الملائكة لآدم وخالفت ~~المعتزلة في ذلك ، وقالت الملائكة أفضل من البشر ، وسجود الملائكة لآدم كان ~~كالقبلة. # والذي نراه أن ما سار عليه أهل السنة أرجح لأن ما ذهب إليه المعتزلة ~~يبعده أن المقام مقام لإظهار فضل آدم على الملائكة ، وإظهار فضله عليهم لا ~~يتحقق بمجرد كونه قبلة للسجود : وأمر الله الملائكة بالسجود لآدم ، هو لون ~~من الابتلاء والاختبار ، ليميز الله الخبيث من الطيب ، وينفذ ما سبق به ~~العلم واقتضته المشيئة والحكم. # وإبليس : اسم مشتق من الإبلاس ، وهو الحزن الناشئ عن شدة اليأس وفعله ~~بلس. والراجح أنه اسم أعجمى ، ومنعه من الصرف للعلمية والعجمة وهو كائن حي ~~، وقد أخطأ من حمله على معنى داعي الشر الذي يخطر في النفوس ، إذ ليس من ~~المعقول أن يكون ذلك مع أن القرآن أخبرنا بأنه يرى الناس ولا يرونه. قال ~~تعالى : ( @QUR@08 إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ). ### ||| ** وللعلماء في كون إبليس من الملائكة أولا قولان : # أحدهما : أنه كان ms2101 منهم ، لأنه سبحانه أمرهم بالسجود لآدم ، ولو لا أنه ~~كان منهم لما توجه إليه الأمر بالسجود ، ولو لم يتوجه إليه الأمر بالسجود ~~لم يكن عاصيا ولما استحق الخزي والنكال ، ولأن الأصل في المستثنى أن يكون ~~داخلا تحت اسم المستثنى منه حتى يقوم دليل على أنه خارج عنه. PageV05P250 # والثاني : أنه ليس منهم لقوله تعالى : ( @QUR@09 إلا إبليس كان من الجن ~~ففسق عن أمر ربه ) فهو أصل الجن ، كما أن آدم أصل الإنس ، ولأنه خلق من نار ~~، والملائكة خلقوا من نور ، ولأن له ذرية ولا ذرية للملائكة. ### ||| ** ففي هاتين الآيتين بيان لنعمتين عظيمتين من نعم الله على عباده : # أولاهما : نعمة التمكين في الأرض واتخاذهم إياها وطنا مزودا بضروب شتى ~~مما يحتاجون إليه من معايشهم وما به قوام حياتهم وكمالها. # وثانيهما : نعمة خلقهم من أب واحد ، تجمعهم به رحم واحدة ، وبسببها كانوا ~~خلفاء في الأرض وفي عمارة الكون ، وفضلوا على كثير من الخلق ، فكان الواجب ~~عليهم أن يقابلوهما بالشكر والإيمان. # ثم حكى القرآن الكريم الأسباب التي حملت إبليس على عدم السجود لآدم فقال : # ( @QUR@017 قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار ~~وخلقته من طين ) (12) # أى : قال الله تعالى لإبليس : ما ألزمك واضطرك إلى أن لا تسجد لآدم؟ ~~فالمنع مجاز عن الإلجاء والاضطرار. أو ما حملك ودعاك إلى ألا تسجد؟ فالمنع ~~مجاز عن الحمل. والاستفهام للتوبيخ والتقريع. # و (لا) في قوله : ( @QUR@02 ألا تسجد ) مزيدة للتنبيه على أن الموبخ عليه ~~ترك السجود. وتوكيد لمعنى الفعل الذي دخلت عليه وتحقيقه ، كأنه قيل : ما ~~منعك أن تحقق السجود وتلزمه نفسك. # وقد حكى القرآن ما أجاب به إبليس فقال : ( @QUR@010 قال أنا خير منه ~~خلقتني من نار وخلقته من طين ) أى : قال إبليس أنا خير من آدم ، لأنى مخلوق ~~من عنصر النار الذي هو أشرف من عنصر الطين ، والأشرف لا يليق به الانقياد ~~لمن هو دونه. # قال ابن كثير : «وقول إبليس لعنه الله ( @QUR@03 أنا خير منه ).. إلخ. ~~من العذر الذي هو أكبر من الذنب ms2102 ، إذ بين بأنه خير من آدم لأنه خلق من ~~النار وآدم خلق من الطين ، فنظر اللعين إلى أصل العنصر ولم ينظر إلى ~~التشريف العظيم ، وهو أن الله تعالى خلق آدم بيده ، ونفخ فيه من روحه ، ~~وقاس قياسا فاسدا في مقابلة نص ، وهو قوله تعالى : ( @QUR@03 فقعوا له ~~ساجدين )، فشذ من بين الملائكة لترك السجود فأبعده الله عن رحمته ، وكان ~~قياسه فاسدا لأن النار ليست PageV05P251 # أشرف من الطين ، فإن الطين من شأنه الرزانة والأناة والتثبت ، وهو محل ~~النبات والنمو والزيادة والإصلاح ، والنار من شأنها الإحراق والطيش والسرعة ~~، ولهذا خان إبليس عنصره ، ونفع آدم عنصره بالرجوع والإنابة والاستكانة ~~والانقياد والاستسلام لأمر الله. وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت : # «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «خلقت الملائكة من نور ، وخلق إبليس من ~~مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم» (1). # وقد حكى القرآن ما رد الله به على إبليس بقوله : # ( @QUR@013 قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من ~~الصاغرين ) (13) # أى : قال الله تعالى لإبليس : فاهبط من الجنة بسبب عصيانك لأمري وخروجك ~~عن طاعتي. # وقيل إن الضمير في ( @QUR@01 منها ) يعود على المنزلة التي كان فيها قبل ~~أن يطرده الله من رحمته. أى : فاهبط من رتبة الملكية التي كنت فيها إلى ~~رتبة العناصر الشريرة. # وقيل : إن الضمير يعود على روضة كانت على مرتفع من الأرض خلق فيها آدم ~~عليه السلام . # وقوله : ( @QUR@06 فما يكون لك أن تتكبر فيها ) معناه : فما يصح ولا ~~يستقيم ولا يليق بشأنك أن تتكبر فيها ، لأنها ليست مكانا للمتكبرين وإنما ~~هي مكان للمطيعين الخاشعين المتواضعين. # وقوله : ( @QUR@01 فاخرج ) تأكيد للأمر بالهبوط ومتفرع عليه. # وقوله : ( @QUR@03 إنك من الصاغرين ) تعليل للأمر بالخروج. أى : فاخرج ~~منها فأنت من أهل الصغار والهوان على الله وعلى أوليائه لتكبرك وغرورك. # ثم حكى القرآن ما طلبه إبليس من الله تعالى وما أجاب الله به عليه. PageV05P252 # ( @QUR@05 قال أنظرني إلى يوم يبعثون (14) @QUR@04 قال إنك من المنظرين ~~(15) @QUR@07 قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم (16) @QUR@015 ثم ~~لآتينهم من بين أيديهم ms2103 ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم ~~شاكرين (17) @QUR@012 قال اخرج منها مذؤما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن ~~جهنم منكم أجمعين ) (18) # أى : قال إبليس لله تعالى أخرنى ولا تمتنى إلى يوم بعث آدم وذريته من ~~القبور ، وهو وقت النفخة الثانية عند قيام الساعة. وقد أراد بذلك النجاة من ~~الموت : إذ لا موت بعد البعث. كما أراد بذلك أن يجد فسحة من الإغواء لبنى آدم. # وقوله : ( @QUR@01 أنظرني ) مأخوذ من الإنظار بمعنى الإمهال والتأخير. ~~تقول أنظرته بحقي أنظره إنظارا أى : أمهلته. # وقوله : ( @QUR@04 قال إنك من المنظرين ) معناه : قال الله تعالى له : ~~إنك من المؤخرين إلى يوم الوقت المعلوم كما جاء في قوله تعالى : ( @QUR@014 ~~قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون. قال فإنك من المنظرين. إلى يوم الوقت ~~المعلوم* ) وهو على الراجع وقت النفخة الأولى فيموت كما يموت غيره. وقيل : ~~المراد به الوقت المعلوم في علم الله أنه يموت فيه. # قال ابن كثير : أجابه الله تعالى إلى ما سأل. لما له في ذلك من الحكمة ~~والإرادة والمشيئة التي لا تخالف ولا تمانع ولا معقب لحكمه وهو سريع ~~الحساب. # ثم حكى القرآن ما توعد به إبليس آدم وذريته من كيد وأذى فقال : ( @QUR@07 ~~قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ). # الباء للقسم أو للسببية أى : فأقسم بإغوائك إياى ، أو بسبب إغوائك إياى ، ~~لأترصدن لآدم وبنيه على طريق الحق وسبيل النجاة ، كما يترصد قطاع الطرق ~~للسائرين فيها فأصدنهم عنها وأحاول بكل السبل أن أصرفهم عن صراطك المستقيم ~~، ولن أتكاسل عن العمل على إفسادهم وإضلالهم. PageV05P253 # والإغواء : خلق الغي بمعنى الضلال. وأصل الغي الفساد ، ومنه غوى الفصيل ~~كرضى غوى ، إذا بشم من اللبن ففسدت معدته ، أو منع الرضاع فهزل وكاد يهلك ، ~~ثم استعمل في الضلال ، يقال : غوى يغوى غيا وغواية فهو غاو ، وغوى إذا ضل ، ~~وأغواه غيره : أضله. وقوله : ( @QUR@011 ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن ~~خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ) زيادة بيان لحرص الشيطان على إضلال بنى ~~آدم بشتى الوسائل ، أى : آتيهم من الجهات الأربع التي اعتاد العدو ms2104 أن يهاجم ~~عدوه منها ، والمراد : لأسولن لهم ولأضلنهم بحيث لا أفتر عن ذلك ولا أيأس. # وقيل إن معنى ( @QUR@05 ثم لآتينهم من بين أيديهم ) أى : من قبل الآخرة ~~لأنها مستقبلة آتية ، وما هو كذلك فكأنه بين الأيدى. ( @QUR@02 ومن خلفهم ) ~~أى من قبل الدنيا لأنها ماضية بالنسبة إلى الآخرة ولأنها فانية متروكة «وعن ~~أيمانهم وعن شمائلهم» أى : من جهة حسناتهم وسيئاتهم بحيث أزين لهم السيئات ~~وأزهدهم في الحسنات. # وقوله : ( @QUR@04 ولا تجد أكثرهم شاكرين ) أى : مطيعين مستعملين لقواهم ~~وجوارحهم وما أنعم الله به عليهم في طريق الطاعة والتقرب إلى الله. # وإنما قال ذلك لما رآه من الأمارات على طريق الظن كقوله تعالى : ( ~~@QUR@010 ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين ). # ولقد وردت آيات كثيرة وأحاديث متعددة في التحذير من الشيطان وكيده ، ومن ~~ذلك قوله تعالى : ( @QUR@013 إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا ~~حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ). وجاء في الحديث الشريف الذي رواه الإمام ~~أحمد عن سبرة بن الفاكه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ان ~~الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه ، فقعد له بطريق الإسلام ، فقال : أتسلم وتذر ~~دينك ودين آبائك وآباء أبيك؟ قال : فعصاه فأسلم. ثم قعد له بطريق الهجرة ~~فقال : أتهاجر وتدع أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطول أى ~~كالفرس المربوطة بالحبل. قال : فعصاه فهاجر. قال : ثم قعد له بطريق الجهاد ~~فقال له : هو جهاد النفس والمال. فتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال ، ~~قال فعصاه فجاهد : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فمن فعل ذلك منهم فمات ~~، كان حقا على الله أن يدخله الجنة ، أو قتل كان حقا على الله أن يدخله ~~الجنة ، وإن غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة ، أو وقصته دابة كان حقا ~~على الله أن يدخله الجنة». # وروى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم عن عبد الله بن عمر قال لم ~~يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يترك هؤلاء الدعوات حين يصبح وحين يمسي. ~~يقول : اللهم ms2105 إنى أسألك العفو والعافية في ديني ودنياى وأهلى ومالي. اللهم ~~استر عوراتي وآمن روعاتي. اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن ~~شمالي ومن فوقى ، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي. PageV05P254 # ثم حكى القرآن ما توعد الله به الشيطان واتباعه فقال : ( @QUR@04 قال ~~اخرج منها مذؤما ) أى : اخرج من الجنة أو من تلك الروضة مهانا محقرا. # يقال : ذأمه يذأمه ذأما إذا عاقبه وحقره فهو مذءوم ، وقوله : ( @QUR@01 ~~مدحورا ) أى : مطرودا مبعدا. يقال : دحره دحرا ودحورا طرده وأبعده. # ( @QUR@07 لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين ) أى : لمن أطاعك من ~~الجن والإنس لأملأن جهنم من كفاركم. كقوله تعالى : ( @QUR@010 قال اذهب فمن ~~تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا ). # واللام في قوله : ( @QUR@01 لمن ) لتوطئة القسم والجواب ( @QUR@04 لأملأن ~~جهنم منكم أجمعين ) ثم حكى القرآن ما أمر الله تعالى به آدم فقال : # ( @QUR@017 ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا ~~هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ) (19) # صدر الكلام بالنداء للتنبيه على الاهتمام بالمأمور به ، وتخصيص الخطاب ~~بآدم عليه السلام للإيذان بأصالته بالتلقى وتعاطى المأمور به. # وقوله : ( @QUR@01 اسكن ) من السكنى وهو اللبث والإقامة والاستقرار ، دون ~~السكون الذي هو ضد الحركة. # والزوج. يطلق على الرجل والمرأة. والمراد به هنا حواء ، حيث تقول العرب ~~للمرأة زوج ولا تكاد تقول زوجة. # والجنة. هي كل بستان ذي شجر متكاثف ملتف الأغصان ، يظلل ما تحته ويستره ~~من الجن وهو ستر الشيء عن الحواس. # وجمهور أهل السنة على أن المراد بها هنا دار الثواب التي أعدها الله ~~للمؤمنين يوم القيامة ، لأن هذا هو المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق. # ويرى جمهور علماء المعتزلة أن المراد بها هنا بستان بمكان مرتفع من الأرض ~~، خلقه الله لإسكان آدم وزوجته. واختلفوا في مكانه ، فقيل انه بفلسطين ، ~~وقيل بغيرها. # وقد ساق ابن القيم في كتابه «حادي الأرواح» أدلة الفريقين دون أن يرجح ~~شيئا منها. # والذي نراه أن الأحوط والأسلم. الكف عن تعيينها وعن القطع به ، وإليه ذهب ~~أبو حنيفة وأبو منصور الماتريدى في التأويلات ms2106 ، إذ ليس لهذه المسألة تأثير ~~في العقيدة. PageV05P255 # وتوجيه الخطاب إليهما في قوله : ( @QUR@04 فكلا من حيث شئتما ) لتعميم ~~التشريف والإيذان بتساويهما في مباشرة المأمور به. أى : كلا من مطاعم الجنة ~~وثمارها أكلا واسعا من أى مكان أردتم. # ثم بين سبحانه أنه نهاهم عن الأكل من شجرة معينة فقال : ( @QUR@07 ولا ~~تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ). # القرب : الدنو والمنهي عنه هو الأكل من ثمار الشجرة. وتعليق النهى على ~~القرب منها القصد منه المبالغة في النهى عن الأكل ، إذ في النهى عن القرب ~~من الشيء نهى عن فعله من باب أولى. وأكد النهى بأن جعل عدم اجتناب الأكل من ~~الشجرة ظلما. فقال : ( @QUR@03 فتكونا من الظالمين ) وقد ظلما أنفسهما إذ ~~أكلا منها ، فقد ترتب على أكلا منها أن أخرجا من الجنة التي كانا يعيشان ~~فيها عيشة راضية. # وقد تكلم العلماء كثيرا عن اسم هذه الشجرة ونوعها فقيل هي التينة ، وقيل ~~هي السنبلة ، وقيل هي الكرمة ... إلخ إلا أن القرآن لم يذكر نوعها على ~~عادته في عدم التعرض لذكر ما لم يدع المقصود من سياق القصة إلى بيانه. # وقد أحسن ابن جرير في التعبير عن هذا المعنى فقال : «والصواب في ذلك أن ~~يقال : ان الله تعالى نهى آدم وزوجه عن الأكل من شجرة بعينها من أشجار ~~الجنة دون سائر أشجارها فأكلا منها ، ولا علم عندنا بأى شجرة كانت على ~~التعيين ، لأن الله لم يضع لعباده دليلا على ذلك في القرآن ولا من السنة ~~الصحيحة ، وقد قيل كانت شجرة البر ، وقيل شجرة العنب ، وذلك علم إذا علم لم ~~ينفع العالم به علمه ، وإن جهله جاهل لم يضره جهله به» (1) # ( @QUR@025 فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ~~ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ~~(20) @QUR@05 وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين (21) @QUR@018 فدلاهما بغرور ~~فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ~~وناداهما ربهما ألم أنهكما PageV05P256 # @QUR@010 عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو ms2107 مبين (22) ~~@QUR@012 قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين (23) @QUR@012 قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ~~ومتاع إلى حين (24) @QUR@07 قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ) (25) # قوله تعالى : ( @QUR@03 فوسوس لهما الشيطان ) أى : ألقى إليهما إبليس ~~الوسوسة ، والوسوسة في الأصل الصوت الخفى ، ومنه قيل لصوت الحلي. وسواس. ~~والمراد بها هنا : الحديث الخفى الذي يلقيه الشيطان في قلب الإنسان ليقارف الذنب. # وقوله : ( @QUR@07 ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما ). ( @QUR@01 ~~ووري ) من المواراة وهي الستر. والسوءة. فرج الرجل والمرأة ، من السوء. ~~وسميت بذلك ، لأن انكشافها يسوء صاحبها. وقيل الكلام كناية عن إزالة الحرمة ~~وإسقاط الجاه. # والمعنى : أن إبليس وسوس إلى آدم وحواء بأن يأكلا من الشجرة المحرمة ~~لتكون عاقبة ذلك أن يظهر لهما ما ستر عنهما من عوراتهما ، وكانا لا يريانها ~~من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر. وفي هذا التعبير تصريح بأن كشف العورة من ~~أقبح الفواحش التي نهى الله تعالى عنها. # وقد حكى القرآن أن إبليس لم يكتف بالوسوسة ، وإنما خدعهما بقوله : ( ~~@QUR@014 ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من ~~الخالدين ). # أى قال لهما : ما نهاكما عن الأكل من هذه الشجرة إلا كراهية أن تكونا ~~ملكين أو تكونا من الخالدين الذين لا يموتون ويبقون في الجنة ساكنين. # وقوله : ( @QUR@04 إلا أن تكونا ملكين ) استثناء مفرغ من المفعول لأجله ~~بتقدير مضاف أو حذف حرف النفي ليكون علة. أى كراهية أن تكونا ملكين. # ثم حكى القرآن أن إبليس لم يكتف بالوسوسة أو بالقول المجرد ، وإنما أضاف ~~إلى ذلك القسم المؤكد فقال : ( @QUR@05 وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ) ~~أى : أقسم لهما بالله إنه لهما لمن الناصحين المخلصين الذين يسعون لما فيه ~~منفعتهما. # قال الآلوسى : إنما عبر بصيغة المفاعلة للمبالغة ، لأن من يبارى أحدا في ~~فعل يجد فيه. وقيل PageV05P257 # المفاعلة على بابها ، والقسم وقع من الجانبين ، لكنه اختلف متعلقه ، فهو ~~أقسم لهما على النصح وهما أقسما له على القبول (1). # ثم حكى القرآن كيف نجح إبليس في خداع ms2108 آدم وحواء فقال : ( @QUR@02 فدلاهما ~~بغرور ). أى : فأنزلهما عن رتبة الطاعة إلى رتبة المعصية ، وأطمعهما في ~~غير مطمع بسبب ما غرهما به من القسم. # ودلاهما مأخوذ من التدلية ، وأصله أن الرجل العطشان يدلى في البئر بدلوه ~~ليشرب من مائها ، فإذا ما أخرج الدلو لم يجد به ماء ، فيكون مدليا فيها ~~بغرور. والغرور إظهار النصح مع إضمار الغش ، وأصله من غررت فلانا أى أصبت ~~غرته وغفلته ونلت منه ما أريد. # ثم بين القرآن الآثار التي ترتبت على هذه الخديعة من إبليس لهما فقال : ( ~~@QUR@012 فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق ~~الجنة ). # أى : فلما خالفا أمر الله تعالى بأن أكلا من الشجرة التي نهاهما الله عن ~~الأكل منها ، أخذتهما العقوبة وشؤم المعصية ، فتساقط عنهما لباسهما ، وظهرت ~~لهما عوراتهما. وشرعا يلزقان من ورق الجنة ورقة فوق أخرى على عوراتهما ~~لسترها. # ويخصفان : مأخوذ من الخصف ، وهو خرز طاقات النعل ونحوه بإلصاق بعضها ببعض ~~، وفعله من باب ضرب. # قال بعض العلماء : «ولعل المعنى والله أعلم أنهما لما ذاقا الشجرة وقد ~~نهيا عن الأكل منها ظهر لهما أنهما قد زلا ، وخلعا ثوب الطاعة ، وبدت منهما ~~سوأة المعصية ، فاستحوذ عليهما الخوف والحياء من ربهما ، فأخذا يفعلان ما ~~يفعل الخائف الخجل عادة من الاستتار والاستخفاء حتى لا يرى ، وذلك بخصف ~~أوراق الجنة عليهما ليستترا بها ، وما لهما إذ ذاك حيلة سوى ذلك. فلما سمعا ~~النداء الرباني بتقريعهما ولومهما ألهما أن يتوبا إلى الله ويستغفرا من ~~ذنبهما بكلمات من فيض الرحمة الإلهية ، فتاب الله عليهما وهو التواب الرحيم ~~، وقال لهما فقط أولهما ولذريتهما ، أو لهما ولإبليس : اهبطوا من الجنة إلى ~~الأرض ، لينفذ ما أراد الله من استخلاف آدم وذريته في الأرض ، وعمارة ~~الدنيا بهم إلى الأجل المسمى. ومنازعة عدوهم لهم فيها ، ( @QUR@010 إن الله ~~بالغ أمره ، قد جعل الله لكل شيء قدرا ) (2). # ثم بين القرآن ما قاله الله تعالى لهما بعد أن خالفا أمره. فقال : ( ~~@QUR@02 وناداهما ربهما ) بطريق العتاب والتوبيخ ( @QUR@05 ألم أنهكما عن ~~تلكما الشجرة ). أى عن ms2109 الأكل منها ( @QUR@04 وأقل لكما إن الشيطان PageV05P258 # @QUR@03 لكما عدو مبين ) أى : ظاهر العداوة لا يفتر عن إيذائكما وإيقاع ~~الشر بكما. # وهنا التمس آدم وحواء من ربهما الصفح والمغفرة ( @QUR@04 قالا ربنا ظلمنا ~~أنفسنا ) أى : أضررناها بالمعصية والمخالفة ( @QUR@04 وإن لم تغفر لنا ) ما ~~سلف من ذنوبنا ( @QUR@01 وترحمنا ) بقبول توبتنا ( @QUR@03 لنكونن من ~~الخاسرين ) أى : لنصيرن من الذين خسروا أنفسهم في الدنيا والآخرة». # وقد حكى القرآن ما رد به الله على آدم وحواء وإبليس ، فقال : ( @QUR@02 ~~قال اهبطوا ) أى من الجنة إلى ما عداها. وقيل الخطاب لآدم وحواء وذريتهما. ~~وقيل الخطاب لهما فقط لقوله سبحانه في آية أخرى : ( @QUR@04 قال اهبطا منها ~~جميعا ) والقصة واحدة ، وضمير الجمع لكونهما أصل البشر. # وجملة ( @QUR@03 بعضكم لبعض عدو ) في موضع الحال من فاعل اهبطوا ، ~~والمعنى اهبطوا إلى الأرض حالة كون العداوة لا تنفك بين آدم وذريته ، وبين ~~إبليس وشيعته ( @QUR@04 ولكم في الأرض مستقر ) أى موضع استقرار ( @QUR@01 ~~ومتاع ) أى : تمتع ومعيشة ( @QUR@02 إلى حين ) أى : إلى حين انقضاء آجالكم. # قال : ( @QUR@01 فيها ) أى في الأرض ( @QUR@01 تحيون ) تعيشون ( @QUR@04 ~~وفيها تموتون ومنها تخرجون ) أى : يوم القيامة للجزاء ، كما في قوله تعالى ~~: ( @QUR@08 منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ). # وبعد أن قص القرآن على بنى آدم قصة خلقهم وتصويرهم وما جرى بين أبيهم ~~وبين إبليس ، وكيف أن إبليس قد خدع آدم وزوجه خداعا ترتب عليه إخراجهما من ~~الجنة. بعد كل ذلك أورد القرآن أربع نداءات لبنى آدم حضهم فيها على تقوى ~~الله وحذرهم من وسوسة الشيطان وذكرهم بنعمه عليهم ، فقال في النداء الأول : # ( @QUR@020 يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس ~~التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون ) (26) # السوءة : العورة. والريش : لباس الزينة ، استعير من ريش الطائر ، لأنه ~~لباسه وزينته. وقال الجوهري : الريش والرياش بمعنى كاللبس واللباس ، وهو ~~اللباس الفاخر». # والمعنى : يا بنى آدم تذكروا واعتبروا واشكروا الله على ما حباكم من نعم ~~، فإنه سبحانه قد هيأ لكم سبيل الحصول على الملبس الذي تسترون به عوراتكم ، ~~وتتزينون به في مناسبات التجمل ms2110 والتعبد. PageV05P259 # والمراد بإنزال ما ذكر أنه خلق لبنى آدم مادة هذا اللباس التي تتكون من ~~القطن والصوف والحرير وما إليها ، وألهمهم بما خلق فيهم من غرائز طرق ~~استنباتها وصناعتها بالغزل والنسج والخياطة. # والتعبير بأنزلنا يفيد خصوصية البشر باللباس الذي يستر العورة ، وبالرياش ~~التي يتزينون بها ، أى أنزلنا عليكم لباسين : لباسا يوارى سوآتكم ، ولباسا ~~يزينكم ، لأن الزينة غرض صحيح وحبها من طبيعة البشر. قال تعالى : ( @QUR@05 ~~والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ). # قال الجمل : «وقوله تعالى : ( @QUR@01 وريشا ) يحتمل أن يكون من باب عطف ~~الصفات. والمعنى : أنه وصف اللباس بوصفين : مواراة السوأة ، والزينة. ~~ويحتمل أن يكون من باب عطف الشيء على غيره. أى : أنزلنا عليكم لباسا موصوفا ~~بالمواراة ، ولباسا موصوفا بالزينة» (1). # ثم بين سبحانه أن هناك لباسا آخر أفضل وأكمل من كل ذلك فقال : ( @QUR@04 ~~ولباس التقوى ذلك خير ) أى : أن اللباس الذي يصون النفس من الدنايا ~~والأرجاس ، ويسترها بالإيمان والعمل الصالح هو خير من كل لباس حسى يتزين به ~~البشر. فاسم الإشارة هنا يعود على لباس التقوى. وقد عبر القرآن هنا عن ~~التقوى بأنها لباس ، وعبر عنها في موضع آخر بأنها زاد مشاكلة للسياق الذي ~~وردت فيه هنا أو هناك. وذلك من باب تجسيم المعنويات وتنسيقها مع الجو العام ~~الذي وردت فيه ، وتلك طريقة انفرد بها القرآن الكريم. # قال صاحب الكشاف : وقوله : ( @QUR@02 ولباس التقوى ) مبتدأ ، وخبره إما ~~الجملة التي هي ( @QUR@02 ذلك خير ) كأنه قيل : ولباس التقوى هو خير ، لأن ~~أسماء الإشارة تقرب من الضمائر فيما يرجع إلى عود الذكر. وإما المفرد الذي ~~هو خير ، وذلك صفة للمبتدأ ، كأنه قيل : ولباس التقوى المشار إليه خير» (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@06 ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون ) معناه : ذلك ~~الذي أنزله الله على بنى آدم من النعم من دلائل قدرته وإحسانه عليهم ، ~~لعلهم بعد ذلك لا يعودون إلى النسيان الذي أوقع أبويهم في المعصية. # قال صاحب الكشاف : وهذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقب ذكر ظهور ~~العورات وخصف الورق عليها ، إظهارا للمنة فيما خلق من اللباس ، ولما في ~~العرى ms2111 وكشف العورة من المهانة والفضيحة ، وإشعارا بأن التستر باب عظيم من ~~أبواب التقوى (3). # ثم أتبع القرآن النداء الأول بنداء آخر مبالغة في وعظ بنى آدم وتذكيرهم ~~بفضل الله عليهم ، فقال تعالى : PageV05P260 # ( @QUR@031 يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع ~~عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا ~~جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون ) (27) # والمعنى : يا بنى آدم لا يصرفنكم الشيطان عن طاعة الله ، بأن تمكنوه من ~~أن يوقعكم في المعاصي كما أوقع أبويكم من قبل فيها ، فكان ذلك سببا في ~~خروجهما من الجنة التي كانا يتمتعان بنعيمها. # وقوله : ( @QUR@05 ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما ) جملة حالية من ~~أبويكم. أى أخرجهما من الجنة حال كونه نازعا عنهما لباسهما. وأسند النزع ~~إلى الشيطان لأنه كان متسببا فيه. ثم أكد تحذيرهم من الشيطان بجملة تعليلية ~~فقال : ( @QUR@08 إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ) أى : إن الشيطان ~~وجنوده يرونكم يا بنى آدم وأنتم لا ترونهم ، فالجملة الكريمة تعليل للنهى ~~السابق. وهو قوله : ( @QUR@02 لا يفتننكم ) وتأكيد للتحذير ، لأن العدو إذا ~~أتى من حيث لا يرى كان أشد وأخوف ، ولذا قال مالك بن دينار : «إن عدوا يراك ~~ولا تراه لشديد المؤنة إلا على من عصمه الله». # وقوله : ( @QUR@01 وقبيله ) معطوف على الضمير المستتر في قوله : ( ~~@QUR@01 يراكم ) المؤكد بقوله : ( @QUR@01 هو ). # قال الآلوسى ما ملخصه : والقضية مطلقة لا دائمة ، فلا تدل على ما ذهب ~~إليه المعتزلة من أن الجن لا يرون ولا يظهرون للإنس أصلا ولا يتمثلون. ~~ويشهد لما قلنا ما صح من رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لأحدهم حين رام أن ~~يشغله عن الصلاة فأمكنه الله منه ، وأراد أن يربطه في سارية من سوارى ~~المسجد ثم ذكر دعوة سليمان في قوله : ( @QUR@011 رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ~~ينبغي لأحد من بعدي ) فتركه (1). # ثم بين سبحانه سنته في خلقه فقال : ( @QUR@07 إنا جعلنا الشياطين أولياء ~~للذين لا يؤمنون ). أى : إنا صيرنا الشياطين قرناء للذين لا يؤمنون ، ~~مسلطين عليهم ، متمكنين ms2112 من إغوائهم ، لأن حكمتنا اقتضت أن يكون الشياطين ~~الذين هم شرار الجن ، متجانسين مع الكافرين الذين هم شرار الإنس. PageV05P261 # وبذلك نرى أن الآية الأولى التي ورد فيها النداء الأول قد ذكرت بنى آدم ~~بجانب من نعم الله عليهم ، ثم جاءت هذه الآية مصدرة بنداء آخر حذرتهم منه ~~من وسوسة الشيطان ومداخله حتى لا يقعوا فيما وقع فيه أبوهم آدم من قبل. # ثم حكى القرآن بعض القبائح التي كان يفعلها المشركون ، ورد على أكاذيبهم ~~بما يدحضها فقال : # ( @QUR@022 وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها ~~قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون ) (28) # الفاحشة : هي كل فعل قبيح يتنافى مع تعاليم الشريعة مثل الإشراك بالله ، ~~والطواف بالبيت الحرام بدون لباس يستر العورة. # قال الإمام ابن كثير : «كانت العرب ما عدا قريشا لا يطوفون بالبيت الحرام ~~في ثيابهم التي لبسوها ، يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله ~~فيها ، وكانت قريش وهم الحمس (1) يطوفون في ثيابهم ، ومن أعاره أحمسى ثوبا ~~طاف فيه ، ومن معه ثوب جديد طاف فيه ثم يلقيه فلا يتملكه أحد ، ومن لم يجد ~~ثوبا جديدا ولا أعاره أحمسى ثوبا طاف عريانا ، وربما كانت المرأة تطوف ~~عريانة ، فتجعل على فرجها شيئا ليستره بعض الستر ، وأكثر ما كان النساء ~~يطفن عراة ليلا ، وكان هذا شيئا قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم واتبعوا فيه ~~آباءهم ، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله فأنكر الله عليهم ~~ذلك وقال : ( @QUR@010 وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله ~~أمرنا بها ) (2). # فالآية الكريمة تحكى عن هؤلاء المشركين أنهم كانوا يرتكبون القبائح التي ~~نهى الله عنها كالطواف بالكعبة عرايا ، وكالإشراك بالله ، ثم بعد ذلك ~~يحتجون بأنهم قد وجدوا آباءهم كذلك يفعلون ، وبأن الله قد أمرهم بذلك ، ولا ~~شك أن احتجاجهم هذا من الأكاذيب التي ما أنزل الله بها من سلطان ، ولذا ~~عاجلهم القرآن بالرد المفحم ، فقال : ( @QUR@012 قل إن الله لا يأمر ~~بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون ms2113 ). PageV05P262 # أى : قل يا محمد لهؤلاء المفترين على الله الكذب : إن كلامكم هذا يناقضه ~~العقل والنقل. أما أن العقل يناقضه ويكذبه. فلأنه لا خلاف بيننا وبينكم في ~~أن ما تفعلونه هو من أقبح القبائح بدليل أن بعضكم قد تنزه عن فعله ، وأما ~~أن النقل يناقضه ويكذبه فلأنه لم يثبت عن طريق الوحى أن الله أمر بهذا ، بل ~~الثابت أن الله لا يأمر به ، لأن الفاحشة في ذاتها تجاوز لحدود الله ، ~~وانتهاك لحرماته ، فهل من المعقول أن يأمر الله بانتهاك حدوده وحرماته؟ ~~والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@01 أتقولون ) للإنكار والتوبيخ وفيه ~~معنى النهى. # ثم بين سبحانه ما أمر به من طاعات عقب تكذيبه للمشركين فيما افتروه فقال : # ( @QUR@016 قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين ~~له الدين كما بدأكم تعودون (29) @QUR@016 فريقا هدى وفريقا حق عليهم ~~الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون ) (30) # أى : قل لهم يا محمد إن الذي أمر الله به هو العدل في الأمور كلها ، لأنه ~~هو الوسط بين الإفراط والتفريط ، كما أنه سبحانه قد أمركم بأن تتوجهوا إليه ~~وحده في كل عبادة من عباداتكم ، وأن تكثروا من التضرع إليه بخالص الدعاء ~~وصالحه ، فإنه مخ العبادة. # ثم ذكرهم سبحانه بمبدئهم ونهايتهم فقال : ( @QUR@09 كما بدأكم تعودون ~~فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة ). # أى : أن الذي قدر على ابتدائكم وإنشائكم ولم تكونوا شيئا ، يقدر على ~~إعادتكم ليجازيكم على أعمالكم ، فأخلصوا له العبادة والطاعة. # قال صاحب المنار : «وهذه الجملة من أبلغ الكلام الموجز المعجز ؛ فإنها ~~دعوى متضمنة الدليل ، بتشبيه الإعادة بالبدء فهو يقول : كما بدأكم ربكم ~~خلقا وتكوينا بقدرته تعودون إليه يوم القيامة حالة كونكم فريقين ، فريقا ~~هداهم في الدنيا فاهتدوا بإيمانهم به وإقامة وجوههم له وحده في العبادة ~~ودعائه مخلصين له الدين ، وفريقا حق عليهم الضلالة لاتباعهم إغواء الشيطان ~~، وإعراضهم عن طاعة الرحمن ، وكل فريق يموت على ما عاش ويبعث على ما مات ~~عليه ، ومعنى حقت عليهم الضلالة ، ثبتت بثبوت أسبابها الكسبية ، لا أنها ~~جعلت غريزة ms2114 لهم PageV05P263 # فكانوا مجبورين عليها ، يدل على هذا تعليلها على طريق الاستئناف البياني ~~بقوله : ( @QUR@010 إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم ~~مهتدون ) ومعنى اتخاذهم الشياطين أولياء ، أنهم أطاعوهم في كل ما يزينونه ~~لهم من الفواحش والمنكرات ، ويحسبون أنهم مهتدون فيما تلقنهم الشياطين إياه ~~من الشبهات (1)». # ثم وجه القرآن بعد ذلك نداء ثالثا إلى بنى آدم أمرهم فيه بالتمتع بالحلال ~~، وبزينة الله التي أخرجها لعباده بدون إسراف أو تبذير فقال تعالى : # ( @QUR@016 يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ~~إنه لا يحب المسرفين ) (31) # والمعنى : عليكم يا بنى آدم أن تتجملوا بما يستر عورتكم ، وأن تتحلوا ~~بلباس زينتكم كلما صليتم أو طفتم ، واحذروا أن تطوفوا بالبيت الحرام وأنتم عرايا. # قال القرطبي : «يا بنى آدم هو خطاب لجميع العالم ، وإن كان المقصود بها ~~من كان يطوف من العرب بالبيت عريانا ، فإنه عام في كل مسجد للصلاة ، لأن ~~العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (2)». # وقال ابن عباس : «كان بعض العرب يطوفون بالبيت عراة ، الرجال بالنهار ، ~~والنساء بالليل. يقولون : لا نطوف في ثياب عصينا الله فيها». فأنزل الله ~~تعالى : ( @QUR@08 يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ) (3). # ثم أمرهم سبحانه أن يتمتعوا بالطيبات بدون إسراف أو تقتير فقال : ( ~~@QUR@08 وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ). # أى : كلوا من المآكل الطيبة ، واشربوا المشارب الحلال ولا تسرفوا لا في ~~زينتكم ولا في مأكلكم أو مشربكم. لأنه سبحانه يكره المسرفين. # قال الإمام ابن كثير : «قال بعض السلف : جمع الله الطب في نصف آية في ~~قوله : ( @QUR@04 وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ) «وقال البخاري : قال ابن عباس ~~: «كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان : سرف ومخيلة» (4). PageV05P264 # وقد كان السلف الصالح يقفون بين يدي الله في عبادتهم وهم في أكمل زينة ، ~~فهذا مثلا الإمام الحسن بن على ، كان إذا قام إلى الصلاة لبس أحسن ثيابه ~~فقيل له ؛ يا ابن بنت رسول الله لم تلبس أجمل ثيابك؟ فقال : إن الله جميل ~~يحب الجمال ، فأنا أتجمل ms2115 لربي ، لأنه هو القائل : ( @QUR@05 خذوا زينتكم ~~عند كل مسجد ) (1). # وقال الكلبي : «كانت بنو عامر لا يأكلون في أيام حجهم إلا قوتا ولا ~~يأكلون لحما ولا دسما يعظمون بذلك حجهم ، فهم المسلمون أن يفعلوا كفعلهم ~~فأنزل تعالى : ( @QUR@04 وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ). # فهذه الآية الكريمة تهدى الناس إلى ما يصلح معاشهم ومعادهم ، إذ أنها ~~أباحت للمسلم أن يتمتع بالطيبات التي أحلها الله ، ولكن بدون إسراف أو بطر ~~، ولذا جاء الرد على المتنطعين الذين يضيقون على أنفسهم ما وسعه الله في ~~قوله تعالى بعد ذلك : # ( @QUR@026 قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل ~~هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم ~~يعلمون ) (32) # أى : قل يا محمد لأولئك الذين يطوفون بالبيت عرايا ، ويمتنعون عن أكل ~~الطيبات : من أين أتيتم بهذا الحكم الذي عن طريقه حرمتم على أنفسكم بعض ما ~~أحله الله لعباده؟ فالاستفهام لإنكار ما هم عليه بأبلغ وجه. # ثم أمر رسوله أن يرد عليهم بأبلغ رد فقال : ( @QUR@010 قل هي للذين آمنوا ~~في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ). # أى : قل أيها الرسول لأمتك : هذه الزينة والطيبات من الرزق ثابتة للذين ~~آمنوا في الحياة الدنيا ، ويشاركهم فيها المشركون أيضا ، أما في الآخرة فهي ~~خالصة للمؤمنين ولا يشاركهم فيها أحد ممن أشرك مع الله آلهة أخرى. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ) معناه : مثل ~~تفصيلنا هذا الحكم نفصل سائر الأحكام لقوم يعلمون ما في تضاعيفها من ~~توجيهات سامية ، وآداب عالية. PageV05P265 # ثم بين سبحانه بعد ذلك ألوانا من المحرمات التي نهى عباده عن اقترافها ~~فقال تعالى : # ( @QUR@029 قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي ~~بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما ~~لا تعلمون ) (33) # والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء الذين ضيقوا على أنفسهم ما وسعه الله ، قل ~~لهم : إن ما حرمه الله عليكم في كتبه وعلى ألسنة رسله هو هذه الأنواع الخمس ~~التي أولها ( @QUR@06 الفواحش ما ms2116 ظهر منها وما بطن )، أى : ما كان قبيحا ~~من الأقوال والأفعال سواء أكان في السر أو العلن ، وثانيها وثالثها ( ~~@QUR@04 الإثم والبغي بغير الحق ) والإثم : هو الشيء القبيح الذي فعله ~~يعتبر معصية ، والبغي : هو الظلم والتطاول على الناس وتجاوز الحد. # قال الإمام ابن كثير : «وحاصل ما فسر به الإثم أنه الخطايا المتعلقة ~~بالفاعل نفسه ، والبغي هو التعدي على الناس ، فحرم الله هذا وهذا» (1). # وقيد البغي بكونه بغير الحق ، لأنه لا يكون إلا كذلك. إذ معناه في اللغة ~~تجاوز الحد. يقال : بغى الجرح. إذ تجاوز الحد في فساده. # وقيل قيده بذلك ليخرج البغي على الغير في مقابلة بغيه ، فإنه يسمى بغيا ~~في الجملة. لكنه بحق ، وهو قول ضعيف لأن دفع البغي لا يسمى بغيا ، وإنما ~~يسمى انتصافا من الظالم ، ولذا قال القرآن : ( @QUR@09 ولمن انتصر بعد ظلمه ~~فأولئك ما عليهم من سبيل ). # وقيل إن القيد هنا لإخراج الأمور التي ليس لهم فيها حقوق ، أو التي تطيب ~~أنفسهم فيها عن بعض حقوقهم فيبذلونها عن رضى وارتياح لمنفعة أو مصلحة لهم ~~يرجونها ببذلها. # ورابع الأمور التي حرمها الله أخبر عنه القرآن بقوله : ( @QUR@08 وأن ~~تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ). # أى : وحرم عليكم أن تجعلوا لله شركاء في عبادته بدون حجة وبرهان. وقوله : ~~( @QUR@05 ما لم ينزل به سلطانا ) بيان للواقع من شركهم ، إذ أنهم لا حجة ~~عندهم على شركهم : لا من العقل ولا من النقل ، فالجملة الكريمة قد اشتملت ~~على التهكم بالمشركين وتوبيخهم على كفرهم. PageV05P266 # وخامسها قوله تعالى : ( @QUR@07 وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) أى : ~~حرم عليكم أن تقولوا قولا يتعلق بالعبادات أو المحللات أو المحرمات أو ~~غيرها بدون علم منكم بصحة ما تقولون ، وبغير بينة على صدق ما تدعون. # قال صاحب المنار : «ومن تأمل هذه الآية حق التأمل ، فإنه يجتنب أن يحرم ~~على عباد الله شيئا ويوجب عليهم شيئا في دينهم بغير نص صريح عن الله ورسوله ~~، بل يجتنب أيضا أن يقول : هذا مندوب أو مكروه في الدين بغير دليل واضح من ~~النصوص ms2117 ، وما أكثر الغافلين عن هذا المتجرئين على التشريع» (1). # وبعد أن بين القرآن ما أحله الله وما حرمه. عقب على ذلك بأن بين أن أجل ~~الناس في هذه الدنيا محدود ، وأنهم إن آجلا أو عاجلا سوف يقفون أمام ربهم ~~للحساب فقال : # ( @QUR@011 ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) (34) # أى : لكل أمة من الأمم ولكل جيل من الأجيال مدة من العمر محدودة في علم ~~الله ، فإذا ما انتهت هذه المدة انقطعت حياتهم وفارقوا هذه الدنيا بدون أى ~~تقديم أو تأخير. # وليس المراد بالساعة هنا ما اصطلح عليه الناس من كونها ستين دقيقة ، ~~وإنما المراد بها الوقت الذي هو في غاية القلة. # ثم أورد القرآن بعد ذلك النداء الرابع والأخير لبنى آدم ، وحضهم فيه على ~~اتباع الرسل ، والسير على الطريق المستقيم فقال : # ( @QUR@019 يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى ~~وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (35) @QUR@011 والذين كذبوا بآياتنا ~~واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) (36) PageV05P267 # والمعنى : يا بنى آدم إن يأتكم رسل من أبناء جنسكم ، يتلون عليكم آياتي ~~التي أنزلتها عليهم لهدايتكم فآمنوا بهم وعزروهم وانصروهم ، فإن من آمن بهم ~~واتقى ما نهاه عنه ربه ، وأصلح نفسه وعمله ، فأولئك لا خوف عليهم يوم ~~القيامة ، ولا هم يحزنون لمفارقتهم الدنيا ، أما الذين كذبوا بآياتنا ~~واستكبروا عنها فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. # فالآيتان الكريمتان تخبران جميع بنى آدم أن رسل الله قد بلغوا الرسالة ~~وأدوا الأمانة ، فعلى المرسل إليهم أن يطيعوهم حتى يفوزوا برضاء خالقهم. # قال الجمل : «وإنما قال رسل بلفظ الجمع وإن كان المراد به واحدا وهو ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه خاتم الأنبياء ، وهو مرسل إلى كافة الخلق ، ~~فذكره بلفظ الجمع على سبيل التعظيم ، فعلى هذا يكون الخطاب في قوله : ( ~~@QUR@03 يا بني آدم ) لأهل مكة ومن يلحق بهم. وقيل أراد جميع الرسل. وعلى ~~هذا الخطاب في قوله : ( @QUR@03 يا بني آدم ) عام لكل بنى آدم ، وإنما قال ~~منكم أى : من جنسكم ms2118 ومثلكم من بنى آدم ، لأن الرسول إذا كان من جنسهم كان ~~أقطع لعذرهم وأثبت للحجة عليهم ، لأنهم يعرفونه ويعرفون أحواله ، فإذا ~~أتاهم بما لا يليق بقدرته أو بقدرة أمثاله علم أن ذلك الذي أتى به معجزة له ~~، وحجة على من خالفه» (1). # ثم تعرض السورة الكريمة بعد ذلك لمشاهد يوم القيامة في خمس عشرة آية ~~فتصور لنا في أسلوبها البليغ المؤثر حال المشركين عند قبض أرواحهم ، وحالهم ~~عند ما يقفون أمام الله للحساب يوم الدين ، وتحكى لنا ما يجرى بين رؤساء ~~المشركين ومرءوسيهم من مجادلات وملاعنات ، ثم تعقب على ذلك ببيان ما أعده ~~الله للمؤمنين من أجر عظيم وثواب جزيل ، ثم يختم هذه المشاهدة بالحديث عما ~~يدور بين أصحاب الجنة وأصحاب النار من محاورات ونداءات. استمع إلى القرآن ~~الكريم وهو يحكى كل ذلك بطريقته التصويرية المعجزة فيقول : # ( @QUR@037 فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم ~~نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون ~~من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ) (37) PageV05P268 # أى : لا أحد أشد ظلما ممن افترى الكذب على الله ، بأن أحل ما حرمه أو حرم ~~ما أحله ، أو كذب بآياته المنزلة على أنبيائه ، والاستفهام في قوله : ( ~~@QUR@02 فمن أظلم ) للإنكار. # ثم بين سبحانه عاقبتهم فقال : ( @QUR@05 أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ). # أى : أولئك الذين كذبوا بآيات الله سينالهم نصيبهم مما كتب لهم وقدر من ~~رزق وأجر ، وخير وشر ، والمراد بالكتاب ، كتاب الوحى الذي أنزل على الرسل ، ~~فإنه يتضمن ما أعده الله للمؤمنين من ثواب وما أعده للكافرين من عقاب ، ~~وقيل المراد به اللوح المحفوظ ، أى أولئك ينالهم نصيبهم المكتوب لهم في ~~كتاب المقادير ، وهو : اللوح المحفوظ. # ثم صور القرآن حالهم عند قبض أرواحهم فقال : ( @QUR@022 حتى إذا جاءتهم ~~رسلنا يتوفونهم ، قالوا : أين ما كنتم تدعون من دون الله؟ قالوا : ضلوا عنا ~~، وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ). # أى : أولئك المفترون ينالهم نصيبهم الذي كتب لهم مدة حياتهم ، حتى إذا ms2119 ما ~~انتهت آجالهم وجاءتهم ملائكة الموت لقبض أرواحهم سألتهم سؤال توبيخ وتقريع ~~: أين الآلهة التي كنتم تعبدونها في الدنيا ، وتزعمون أنها شفعاؤكم عند ~~الله لكي تنقذكم من هذا الموقف العصيب؟ وهنا يجيب المشركون على الملائكة ~~بقولهم بحسرة وندامة : ( @QUR@02 ضلوا عنا ) أى : غابوا عنا وصرنا لا ندري ~~مكانهم ، ولا نرجو منهم خيرا أو نفعا ، وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا ~~كافرين بعبادتهم لغير الله الواحد القهار. ### ||| ** وهنا يصدر عليهم قضاء الله العادل الذي صوره القرآن في قوله : # ( @QUR@040 قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار ~~كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ~~ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون ) (38) # أى : قال الله تعالى لأولئك المكذبين ادخلوا في ضمن أمم من الجن والإنس ~~قد سبقتكم في الكفر ، وشاركتكم في الضلالة. # ثم بين سبحانه بعض أحوالهم فقال : ( @QUR@05 كلما دخلت أمة لعنت أختها ) ~~أى : كلما دخلت أمة من أمم الكفر النار لعنت أختها في الدين والملة ، ~~فالأمة المتبوعة تلعن الأمة التابعة PageV05P269 # لأنها زادتها ضلالا ، والأمة التابعة تلعن الأمة المتبوعة لأنها كانت ~~سببا في عذابها. # ثم قال تعالى : ( @QUR@05 حتى إذا اداركوا فيها جميعا ) أى : حتى إذا ما ~~اجتمعوا جميعا في النار الرؤساء والأتباع ، والأغنياء ، والفقراء ، قالت ~~أخراهم دخولا أو منزلة وهم الأتباع ، لأولاهم دخولا أو منزلة وهم الزعماء ~~والمتبوعين ( @QUR@08 ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار ). # أى : قال الأتباع : يا ربنا هؤلاء الرؤساء هم السبب في ضلالنا وهلاكنا ، ~~فأذقهم ضعفا من عذاب النار لإضلالهم إيانا فضلا عن أنفسهم. # وهنا يأتيهم الجواب الذي يحمل لهم التهكم والسخرية ، فيقول الله لهم : ( ~~@QUR@06 قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون ) أى : لكل منكم ومنهم عذاب مضاعف من ~~النار. أما أنتم فبسبب تقليدكم الأعمى ، وأما هم فبسبب إضلالهم لكم ولغيركم ~~، ولكنكم يا معشر المقلدين لا تعلمون ذلك لجهلكم وانطماس بصيرتكم. # ( @QUR@014 وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب ~~بما كنتم ms2120 تكسبون ) (39) # أى : قال الزعماء لأتباعهم بعد أن سمعوا رد الله عليهم : إنا وإياكم ~~متساوون في استحقاق العذاب ، وكلنا فيه سواء ، لأنا لم نجبركم على الكفر ، ~~ولكنكم أنتم الذين كفرتم باختياركم ، وضللتم بسبب جهلكم ، فذوقوا العذاب ~~المضاعف مثلنا بسبب ما اكتسبتموه في الدنيا من قبائح ومنكرات : # فقوله تعالى : ( @QUR@03 بما كنتم تكسبون ) بيان لأسباب الحكم عليهم. # وأنهم ما وردوا هذا المصير الأليم إلا بسبب ، ما اكتسبوه من آثام : ~~واجترحوه من سيئات. # ثم بين القرآن بعد ذلك لونا آخر من ألوان عذاب المكذبين فقال : # ( @QUR@022 إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب ~~السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي PageV05P270 # @QUR@01 المجرمين (40) @QUR@010 لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك ~~نجزي الظالمين ) (41) # فهاتان الآيتان تصوران أكمل تصوير استحالة دخول المشركين الجنة بسبب ~~تكذيبهم لآيات الله واستكبارهم عنها. # وقد فسر بعض العلماء قوله تعالى : ( @QUR@05 لا تفتح لهم أبواب السماء ) ~~بمعنى ، لا تقبل أعمالهم ولا ترفع إلى الله كما ترفع أعمال الصالحين. قال ~~تعالى : ( @QUR@07 إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ). # وفسره بعضهم بمعنى أن أرواحهم لا تصعد إلى السماء بعد الموت ، لأنها قد ~~أغلقت عليهم بسبب شركهم ، ولكنها تفتح لأرواح المؤمنين. # والمراد أن الكافرين عند موتهم وعند حسابهم يوم القيامة يكونون على غضب ~~الله ولعنته بسبب ما ارتكبوه في الدنيا من شرك وظلم. # أما قوله تعالى : ( @QUR@09 ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ~~) فمعناه : أن هؤلاء المشركين لا تفتح لأعمالهم ولا لأرواحهم أبواب السماء ~~ولا يدخلون الجنة حتى يدخل ما هو مثل في الضخامة وهو الجمل الكبير ، فيما ~~هو مثل في الضيق وهو ثقب الإبرة. # وفي قراءة ( @QUR@03 حتى يلج الجمل ) بضم الجيم وتشديد الميم وفتحها وهو ~~الحبل الغليظ أى : لا يدخلون الجنة حتى يدخل الحبل الغليظ الذي تربط به ~~السفن في ذلك الثقب الصغير للإبرة ، وهيهات أن يحصل هذا ، فكما أنه غير ~~ممكن حصول ذلك فكذلك غير ممكن دخول المشركين الجنة. # قال الجمل في حاشيته : ولا يدخلون ms2121 الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط. ~~الولوج : الدخول بشدة ، ولذلك يقال هو الدخول في ضيق فهو أخص من مطلق ~~الدخول. والجمل معروف وهو الذكر من الإبل ، وسم الخياط ، ثقب الإبرة ، ~~وإنما خص الجمل بالذكر من بين سائر الحيوانات لأنه أكبرها ، وثقب الإبرة من ~~أضيق المنافذ ، فكان ولوج الجمل مع عظم جسمه في ثقب الإبرة الضيق محالا ~~فثبت أن الموقوف على المحال محال ، فوجب بهذا الاعتبار أن دخول الكفار ~~الجنة ميئوس منه قطعا (1)». PageV05P271 # وقوله : ( @QUR@03 وكذلك نجزي المجرمين ) معناه : ومثل ذلك الجزاء الرهيب ~~نجزى جنس المجرمين ، الذين صار الاجرام وصفا لازما لهم. # ثم بين سبحانه ما أعد لهم في النار فقال : ( @QUR@010 لهم من جهنم مهاد ~~ومن فوقهم غواش ، وكذلك نجزي الظالمين ). # جهنم : اسم لدار العذاب. والمهاد : الفراش. والغواشي جمع غاشية ، وهي ما ~~يغشى الشيء أى يغطيه ويستره. # أى : أن هؤلاء المكذبين لهم نار جهنم تحيط بهم من فوقهم ومن تحتهم ، فهي ~~من تحتهم بمنزلة الفراش ، ومن فوقهم بمثابة الغطاء ، ومثل ذلك الجزاء نجزى ~~كل ظالم ومشرك. وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد بينت لنا بأسلوب مؤثر مصور ~~حال المشركين عند ما تقبض أرواحهم ، وحالهم عند ما يقفون أمام الله للحساب ~~، وحالهم عند ما يلعن بعضهم بعضا ، وحالهم والعذاب من فوقهم ومن أسفل منهم ~~، وهي مشاهد تفزع النفوس ، وتحمل العقلاء على الاستقامة والاهتداء. # ثم نرى السورة بعد ذلك تسوق لنا ما أعده الله للمؤمنين بعد أن بينت فيما ~~سبق عاقبة الكافرين فقال تعالى : # ( @QUR@015 والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك ~~أصحاب الجنة هم فيها خالدون (42) @QUR@037 ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري ~~من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لو لا ~~أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما ~~كنتم تعملون ) (43) # أى : والذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وعملوا ~~الأعمال الصالحة التي لا عسر فيها ولا مشقة ، إذ لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها ، أولئك الجامعون ms2122 بين الإيمان والعمل الصالح ، هم أصحاب الجنة هم ~~فيها خالدون. PageV05P272 # وجملة لا نكلف نفسا إلا وسعها معترضة بين المبتدأ الذي هو قوله : ( ~~@QUR@02 والذين آمنوا ) وبين الخبر الذي هو قوله : ( @QUR@03 أولئك أصحاب ~~الجنة ). # قال الجمل : «وإنما حسن وقوع هذا الكلام بين المبتدأ والخبر ، لأنه من ~~جنس هذا الكلام ، لأنه سبحانه لما ذكر عملهم الصالح ، ذكر أن ذلك العمل من ~~وسعهم وطاقتهم وغير خارج عن قدرتهم ، وفيه تنبيه للكفار على أن الجنة مع ~~عظم قدرها ، يتوصل إليها بالعمل السهل من غير مشقة ولا صعوبة (1)». # وقال صاحب الكشاف : «وجملة ( @QUR@05 لا نكلف نفسا إلا وسعها ) معترضة ~~بين المبتدأ والخبر ، للترغيب في اكتساب ما لا يكتنهه وصف الواصف من النعيم ~~الخالد مع التعظيم بما هو في الوسع ، وهو الإمكان الواسع غير الضيق من ~~الإيمان والعمل الصالح (2)». # ثم بين سبحانه ما هم عليه في الجنة من صفاء نفسي ونقاء قلبي فقال تعالى : ~~( @QUR@010 ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار ) أى : قلعنا ~~ما في قلوبهم من تحاقد وعداوات في الدنيا ، فهم يدخلون الجنة بقلوب سليمة ، ~~زاخرة بالتواد والتعاطف حالة كونهم تجرى من تحتهم الأنهار فيرونها وهم في ~~غرفات قصورهم فيزداد سرورهم وحبورهم. # ( @QUR@014 وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لو لا أن ~~هدانا الله ). أى : قالوا شاكرين لله أنعمه ومننه : الحمد لله الذي هدانا ~~في الدنيا إلى الإيمان والعمل الصالح ، وأعطانا في الآخرة هذا النعيم ~~الجزيل ، وما كنا لنهتدي إلى ما نحن فيه من نعيم لو لا أن هدانا الله إليه ~~بفضله وتوفيقه. وجواب لو لا محذوف لدلالة ما قبله عليه ، والتقدير : ولو لا ~~هداية الله موجودة ما اهتدينا. # وقوله : ( @QUR@05 لقد جاءت رسل ربنا بالحق ) جملة قسمية ، أى : والله ~~لقد جاءت رسل ربنا في الدنيا بالحق ، لأن ما أخبرونا به قد وجدنا مصداقه في ~~الآخرة. # ( @QUR@08 ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ) أى : ونودوا ~~من قبل الخالق عز وجل بأن قيل لهم : تلكم هي الجنة التي كانت الرسل تعدكم ~~بها في ms2123 الدنيا قد أورثكم الله إياها بسبب ما قدمتموه من عمل صالح. # فالآية الكريمة صريحة في أن الجنة قد ظفر بها المؤمنون بسبب أعمالهم ~~الصالحة. # فإن قيل : إن هناك أحاديث صحيحة تصرح بأن دخول الجنة ليس بالعمل وإنما ~~بفضل الله، PageV05P273 # ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال : «لن يدخل أحدا عمله الجنة ، قالوا : ولا أنت يا رسول الله؟ قال : ولا ~~أنا إلا أن يتغمدني الله بفضله ورحمته». # فالجواب على ذلك أنه لا تنافى في الحقيقة ، لأن المراد أن العمل لا يوجب ~~دخول الجنة ، بل الدخول بمحض فضل الله ، والعمل سبب عادى ظاهرى. وتوضيحه أن ~~الأعمال مهما عظمت فهي ثمن ضئيل بالنسبة لعظمة دخول الجنة ، فإن النعمة ~~الأخروية سلعة غالية جدا فمثل هذه المقابلة كمثل من يبيع قصورا شاهقة ~~وضياعا واسعة بدرهم واحد. # فإقبال البائع على هذه المبادلة ليس للمساواة بين العمل ونعمة الجنة ، بل ~~لتفضله على المشترى ورحمته به ، فمن رحمته بعباده المؤمنين أن جعل بعض ~~أعمالهم الفانية وأموالهم الزائلة ثمنا لنعيم لا يبلى ، ولذلك قال ابن عباس ~~عند ما قرأ قوله تعالى : ( @QUR@010 إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة ): نعمت الصفقة ، أنفس هو خالقها وأموال هو رازقها ~~ثم يمنحنا عليها الجنة. # على أنه سبحانه هو المتفضل في الحقيقة بالثمن والمثمن جميعا. لا جرم كان ~~دخول الجنة بفضله سبحانه وهو الموفق للعمل والمعين عليه. # ويمكن أن يجاب أيضا بأن الفوز بالجنة ونعيمها إنما هو بفضل الله والعمل ~~جميعا ، فقوله : ( @QUR@08 ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ~~) أى : مع فضل الله تعالى ، وإنما لم يذكر ذلك لئلا يتكلوا. وقوله ~~صلى الله عليه وسلم : «لن يدخل أحدا عمله الجنة ..» أى مجردا من فضل الله ، ~~وإنما اقتصر على هذا لئلا يغتروا. # هذا أصح الآراء في الجمع بين الآية والحديث ، وهناك آراء أخرى لم نذكرها ~~لضعفها. # وبعد هذه الموازنة بين مصير الكافرين ومصير المؤمنين ، بدأ القرآن يسوق ~~لنا مشهدا آخر من ms2124 الحوار الذي يدور يوم القيامة بين أصحاب الجنة وأصحاب النار. # استمع إلى سورة الأعراف وهي تحكى لنا هذا المشهد المؤثر بأسلوبها العجيب ~~فتقول : # ( @QUR@028 ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ~~فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على ~~الظالمين (44) @QUR@010 الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم ~~بالآخرة كافرون (45) @QUR@04 وبينهما حجاب وعلى الأعراف PageV05P274 # @QUR@014 رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم ~~يدخلوها وهم يطمعون (46) @QUR@013 وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار ~~قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين (47) @QUR@014 ونادى أصحاب الأعراف ~~رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون (48) ~~@QUR@015 أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف ~~عليكم ولا أنتم تحزنون (49) @QUR@020 ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن ~~أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على ~~الكافرين (50) @QUR@019 الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة ~~الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون ) (51) # والمعنى : أن أصحاب الجنة سوف يسألون أهل النار سؤال تعيير وتوبيخ يوم ~~القيامة فيقولون لهم قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا من الثواب ومن الجزاء ، ~~فهل وجدتم أنتم ما وعدكم ربكم حقا من العقاب وسوء المصير؟ قالوا : نعم. أى ~~: قال أهل النار : نعم وجدنا ما وعدنا ربنا على ألسنة رسله حقا. # وهذا النداء إنما يكون بعد استقرار أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار. # والظاهر أن هذا النداء من كل أهل الجنة لكل أهل النار لأن الجمع إذا قابل ~~الجمع يوزع الفرد على الفرد. فكل فريق من أهل الجنة ينادى من كان يعرفه من ~~الكفار في دار الدنيا. # وعبر بالماضي مع أن هذا النداء يكون في الآخرة لتحقق الوقوع وتأكده. # وكلمة ( @QUR@01 حقا ) نصبت في الموضعين على الحالية ، وقيل إنها مفعول ~~ثان ويكون وجد بمعنى علم. PageV05P275 # ثم بين سبحانه ما جرى بعد ذلك فقال : ( @QUR@015 فأذن مؤذن بينهم ، أن ~~لعنة الله ms2125 على الظالمين. الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا ). # التأذن : رفع الصوت بالإعلام بالشيء. واللعنة : الطرد والإبعاد مع الخزي ~~والإهانة. # والمعنى : بعد أن قامت الحجة على الكافرين وثبت الفوز للمؤمنين. نادى ~~مناد بين الفريقين بقوله : لعنة الله على الظالمين لأنفسهم ، ولغيرهم ، ~~الذين من صفاتهم أنهم يمنعون الناس عن اتباع شريعة الله ، ويريدون لها أن ~~تكون معوجة غير مستقيمة حتى لا يتبعها الناس ، وهم بالآخرة وما فيها من ~~ثواب وعقاب جاحدون مكذبون. # وفي قوله : ( @QUR@03 فأذن مؤذن بينهم ). نكر المؤذن ؛ لأن معرفته غير ~~مقصودة بل المقصود الإعلام بما يكون هناك من الأحكام ولم يرو عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فيه شيء ، فهو من أمور الغيب التي لا تعلم علما صحيحا إلا ~~بالتوقيف المستند إلى الوحى ، وما ورد في ذلك فهو من الآثار التي لا يعتمد عليها. # قال بعض العلماء : «وفي هاتين الآيتين تعرض السورة لمرحلة أخرى من مراحل ~~العذاب ، وهي نداء أصحاب الجنة لأصحاب النار نداء يسجل عليهم الخزي والنكال ~~، ويشعرهم بالحسرة والندامة ، إذ كذبوا بما يرونه الآن واقعا في مقابلة ~~النعيم الذي صار إليه أهل الإيمان ، وأحسوا به كذلك واقعا. # وفي هذا نرى صورة من الحديث الذي يمثل الرضا والاطمئنان واللذة من جانب. ~~ويمثل الحسرة والذلة والقلق من جانب آخر. ويصور الحكم النافذ الذي لا مرد ~~له ولا محيص عنه يؤذن به مؤذن لا يدرك كنهه ولا يعلم من هو ولا ما صوته ولا ~~كيف يلقى أذانه ، ولا كيف يكون أثر هذا الأذن في نفوس سامعه. # وإنه لتصوير قوى بارع ، يحرك إليه النفوس ، ويهز المشاعر ، ويبين أن ~~النهاية الأليمة المتوقعة لهؤلاء المكذبين ، إنما هي تسجيل اللعنة عليهم ، ~~والطرد والحرمان من رحمة الله ، مشيرا إلى أسباب ذلك الحرمان الماثلة في ~~ظلمهم الذي كونه صدهم عن سبيل الله ، وبغيهم إياها عوجا وانحرافا وكفرهم ~~بدار الجزاء» (1). # ثم ينتقل القرآن إلى الحديث عن مشهد آخر من مشاهد يوم القيامة ، يحدثنا ~~فيه عن أصحاب الأعراف وما يدور بينهم وبين أهل الجنة وأهل النار من ms2126 حوار ~~فيقول : PageV05P276 # ( @QUR@02 وبينهما حجاب ) أى : بين أهل الجنة وأهل النار حجاب يفصل ~~بينهما ، ويمنع وصول أحد الفريقين إلى الآخر ، ويرى بعض العلماء أن هذا ~~الحجاب هو السور الذي ذكره الله في قوله تعالى في سورة الحديد : ( @QUR@027 ~~يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ~~ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا ، فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة ~~وظاهره من قبله العذاب ). # ثم قال تعالى : ( @QUR@016 وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ، ~~ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون ). # الأعراف : جمع عرف ، وهو المكان المرتفع من الأرض وغيرها. ومنه عرف الديك ~~وعرف الفرس وهو الشعر الذي يكون في أعلى الرقبة. # والمعنى : وبين الجنة والنار حاجز يفصل بينهما وعلى أعراف هذا الحاجز أى ~~في أعلاه رجال يرون أهل الجنة وأهل النار فيعرفون كلا منهم بسيماهم ~~وعلاماتهم التي وصفهم الله بها في كتابه كبياض الوجوه بالنسبة لأهل الجنة ، ~~وسوادها بالنسبة لأهل النار ، ونادى أصحاب الأعراف أصحاب الجنة عند رؤيتهم ~~لهم بقولهم : سلام عليكم وتحية لكم ( @QUR@04 لم يدخلوها وهم يطمعون ). # هذا ، وللعلماء أقوال في أصحاب الأعراف أوصلها بعض المفسرين إلى اثنى عشر ~~قولا من أشهرها قولان : # أولهما : أن أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم ، وقد روى هذا ~~القول عن حذيفة وابن عباس وابن مسعود وغير واحد من السلف والخلف. # وقد استشهد أصحاب هذا القول بما رواه ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال ~~: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن استوت حسناتهم وسيئاتهم فقال : ~~«أولئك أصحاب الأعراف ، لم يدخلوها وهم يطمعون». # وعن الشعبي عن حذيفة أنه سئل عن أصحاب الأعراف فقال : هم قوم استوت ~~حسناتهم وسيئاتهم فقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة ، وخلفت بهم حسناتهم عن ~~النار. قال : فوقفوا هناك على السور حتى يقضى الله فيهم (1)». # وهناك آثار أخرى تقوى هذا الرأى ذكرها الإمام ابن كثير في تفسيره (2)». PageV05P277 # أما الرأى الثاني : فيرى أصحابه أن أصحاب الأعراف قوم من أشرف الخلق ~~وعدولهم كالأنبياء والصديقين والشهداء. وينسب هذا القول إلى مجاهد ms2127 وإلى أبى ~~مجلز فقد قال مجاهد : «أصحاب الأعراف قوم صالحون فقهاء علماء» وقال أبو ~~مجلز : أصحاب الأعراف هم رجال من الملائكة يعرفون أهل الجنة وأهل النار. ~~ومعنى كونهم رجالا في قول أبى مجلز أى : في صورتهم. # وقد رجح بعض العلماء الرأى الثاني فقال : «وليس أصحاب الأعراف ممن تساوت ~~حسناتهم وسيئاتهم كما جاء في بعض الروايات ، لأن ما نسب إليهم من أقوال لا ~~يتفق مع انحطاط منزلتهم عن أهل الجنة ، انظر قولهم للمستكبرين : # ( @QUR@07 ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون ) فإن هذا الكلام لا ~~يصدر إلا من أرباب المعرفة الذين اطمأنوا إلى مكانتهم. ولذا أرجح أن رجال ~~الأعراف هم عدول الأمم والشهداء على الناس ، وفي مقدمتهم الأنبياء والرسل (1)». # والذي نراه : أن هناك حجابا بين الجنة والنار ، الله أعلم بحقيقته ، وأن ~~هذا الحجاب لا يمنع وصول الأصوات عن طريق المناداة ، وأن هذا الحجاب من ~~فوقه رجال يرون أهل الجنة وأهل النار فينادون كل فريق بما يناسبه ، يحيون ~~أهل الجنة ويقرعون أهل النار ، وأن هؤلاء الرجال يغلب على ظننا أنهم قوم ~~تساوت حسناتهم وسيئاتهم. لأن هذا القول هو قول جمهور العلماء من السلف ~~والخلف ، ولأن الآثار تؤيده ، ولذا قال ابن كثير : «واختلفت عبارات ~~المفسرين في أصحاب الأعراف من هم؟ وكلها قريبة ترجع إلى معنى واحد ، وهو ~~أنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم ، نص عليه حذيفة وابن عباس وابن مسعود ~~وغير واحد من السلف والخلف رحمهم الله (2)». # وقوله : ( @QUR@04 لم يدخلوها وهم يطمعون ) فيه وجهان : # أحدهما : أنه في أصحاب الأعراف ، أى أن أصحاب الأعراف عند ما رأوا أهل ~~الجنة سلموا عليهم حال كونهم أى أصحاب الأعراف لم يدخلوها معهم وهم طامعون ~~في دخولها مترقبون له. # وثانيهما : أنه في أصحاب الجنة : أى : أنهم لم يدخلوها بعد ، وهم طامعون ~~في دخولها لما ظهر لهم من يسر الحساب. وكريم اللقاء. PageV05P278 # ثم قال تعالى : ( @QUR@013 وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا : ~~ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين ). # أى : وإذا ما اتجهت أبصار أصحاب الأعراف إلى جهة النار قالوا مستعيذين ~~بالله ms2128 من سوء ما رأوا من أحوالهم : يا ربنا لا تجعلنا مع هؤلاء القوم ~~الظالمين ، ولا تجعلنا وإياهم في هذا المكان المهين. # قال صاحب المنار : «وقد أفاد هذا التعبير بالفعل المبنى للمجهول أنهم ~~يوجهون أبصارهم إلى أصحاب الجنة بالقصد والرغبة ويلقون إليهم السلام ، ~~وأنهم يكرهون رؤية أصحاب النار ، فإذا صرفت أبصارهم تلقاءهم من غير قصد ولا ~~رغبة ، بل بصارف يصرفهم إليها قالوا : ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين. # ثم قال : والإنصاف أن هذا الدعاء أليق بحال من استوت حسناتهم وسيئاتهم ~~وكانوا موقوفين مجهولا مصيرهم (1)». # ثم بين سبحانه ما يقوله أهل الأعراف لرءوس الكفر في هذا الموقف العصيب ~~فقال : ( @QUR@014 ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما ~~أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون ). # أى : ونادى أصحاب الأعراف رجالا من أهل النار وكانوا أصحاب وجاهة وغنى في ~~الدنيا ، فيقولون لهم على سبيل التوبيخ والتقريع ما أغنى عنكم جمعكم ~~وكثرتكم واستكباركم في الأرض بغير الحق. فقد صرتم في الآخرة بسبب كفركم ~~وعنادكم إلى هذا الوضع المهين. # وقد كرر سبحانه ذكرهم مع قرب العهد بهم ، فلم يقل «ونادوا» لزيادة ~~التقرير ، وكون هذا النداء خاصا في موضوع خاص فكان مستقلا. # وقوله : ( @QUR@02 يعرفونهم بسيماهم ) أى : بعلاماتهم الدالة على سوء ~~حالهم يومئذ كسواد الوجوه ، وظهور الذلة على وجوههم. أو يعرفونهم بصورهم ~~التي كانوا يعرفونهم بها في الدنيا. # ثم يزيدون توبيخهم وتبكيتهم فيقولون لهم : ( @QUR@015 أهؤلاء الذين ~~أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ، ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ). # أى : أن أصحاب الأعراف يشيرون إلى أهل الجنة من الفقراء والذين كانوا ~~مستضعفين في الأرض ثم يقولون لرءوس الكفر الذين كانوا يعذبونهم : أهؤلاء ~~الذين أقسمتم في الدنيا أن الله PageV05P279 # تعالى لا ينالهم برحمة في الآخرة لأنه لم يعطهم في الدنيا مثل ما أعطاكم ~~من مال وبنين وسلطان. # وهنا ينادى مناد من قبل الله تعالى على هؤلاء الفقراء فيقول لهم : ( ~~@QUR@08 ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ). # أى : ادخلوا الجنة لا خوف عليكم مما يكون في المستقبل ، ولا أنتم تحزنون ms2129 ~~على ما خلفتموه في الدنيا. # وقيل : إن قوله تعالى : ( @QUR@01 ادخلوا ). من كلام أصحاب الأعراف أيضا ~~، فكأنهم التفتوا إلى أولئك المشار إليهم من أهل الجنة وقالوا لهم : امكثوا ~~في الجنة غير خائفين ولا محزونين على أكمل سرور وأتم كرامة. # ثم تسوق لنا السورة الكريمة بعد ذلك مشهدا ختاميا من مشاهد يوم القيامة ~~تدور محاوراته بين أصحاب الجنة وأصحاب النار فتقول : # ( @QUR@039 ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو ~~مما رزقكم الله ، قالوا إن الله حرمهما على الكافرين* الذين اتخذوا دينهم ~~لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا ، ~~وما كانوا بآياتنا يجحدون ). # إفاضة الماء : صبه ، ومادة الفيض فيها معنى الكثرة. # والمعنى : أن أهل النار بعد أن أحاط بهم العذاب المهين أخذوا يستجدون أهل ~~الجنة بذلة وانكسار فيقولون لهم : أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله ~~من طعام ، لكي نستعين بهما على ما نحن فيه من سموم وحميم. # وهنا يرد عليهم أهل الجنة بما يقطع آمالهم بسبب أعمالهم فيقولون لهم : إن ~~الله منع كلا منهما على الكافرين ، الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا ، أى ~~الذين اتخذوا دينهم الذي أمرهم الله باتباع أوامره واجتناب نواهيه مادة ~~للسخرية والتلهي ، وصرف الوقت فيما لا يفيد ، فأصبح الدين في زعمهم صورة ~~ورسوما لا تزكى نفسا ، ولا تطهر قلبا ، ولا تهذب خلقا وهم فوق ذلك قد غرتهم ~~الحياة الدنيا أى شغلتهم بمتعها ولذائذها وزينتها عن كل ما يقربهم إلى الله ~~، ويهديهم إلى طريقه القويم. # وقوله تعالى : ( @QUR@07 فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا ) معناه ~~فاليوم نفعل بهم فعل الناسي بالمنسى من عدم الاعتناء بهم وتركهم في النار ~~تركا كليا بسبب تركهم الاستعداد لهذا اليوم ، وبسبب جحودهم لآياتنا التي ~~جاءتهم بها أنبياؤهم. PageV05P280 # فالنسيان في حق الله تعالى مستعمل في لازمه ، بمعنى أن الله لا يجيب ~~دعاءهم ، ولا يرحم ضعفهم وذلهم ، بل يتركهم في النار كما تركوا الإيمان ~~والعمل الصالح في الدنيا. # وهكذا تسوق لنا السورة الكريمة مشاهد متنوعة لأهوال يوم القيامة ms2130 ، فتحكى ~~لنا أحوال الكافرين ، كما تصور لنا ما أعده الله للمؤمنين. كما تسوق لنا ما ~~يدور بين الفريقين من محاورات ومناقشات فيها العبر والعظات «لمن كان له قلب ~~أو ألقى السمع وهو شهيد». # ثم بين سبحانه منزلة القرآن الكريم في إثباته للرسالة المحمدية عن طريق ~~الإخبار بأحوال الأمم السابقة وبيان سوء عاقبة من كذب به ، فقال : # ( @QUR@010 ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون (52) ~~@QUR@038 هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد ~~جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي ~~كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ) (53) # قوله : ( @QUR@04 ولقد جئناهم بكتاب فصلناه )... إلخ. # التفصيل : عبارة عن جعل الحقائق والمسائل بيانها مفصولا بعضها عن بعض ~~بحيث لا يبقى فيها اشتباه أو لبس. # والمعنى : ولقد جئنا لهؤلاء الناس على لسانك يا محمد بكتاب عظيم الشأن ، ~~كامل التبيان ، فصلنا آياته تفصيلا حكيما ، وبينا فيه ما هم في حاجة إليه ~~من أمور الدنيا والآخرة بيانا شافيا يؤدى إلى سعادتهم متى اتبعوه واهتدوا ~~بهديه». # والضمير لأولئك الكافرين الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا ، وقيل هو لهم ~~وللمؤمنين ، والمراد بالكتاب : القرآن الكريم. # وقوله : ( @QUR@02 على علم ) حال من فاعل «فصلناه» ، أى : فصلناه على ~~أكمل وجه وأحسنه حالة كوننا عالمين بذلك أتم العلم. PageV05P281 # فالمراد بهذه الجملة الكريمة بيان أن ما في هذا القرآن من أحكام وتفصيل ~~وهداية ، لم يحصل عبثا ، وإنما حصل مع العلم التام بكل ما اشتمل عليه من ~~فوائد متكاثرة ، ومنافع متزايدة. # وقرأ ابن محيص «فضلناه» بالضاد المعجمة. أى : فضلناه على سائر الكتب ~~عالمين بأنه حقيق بذلك. # وقوله : ( @QUR@02 هدى ورحمة ) حال من مفعول «فصلناه» وقرئ بالجر على ~~البدلية من «علم» وبالرفع على إضمار المبتدأ ، أى : هو هدى عظيم ورحمة واسعة. # وقال : ( @QUR@02 لقوم يؤمنون ) لأنهم هم المنتفعون بهديه ، والمستجيبون ~~لتوجيهاته ثم بين سبحانه عاقبة هؤلاء الذين كذبوا بالقرآن الذي أنزله الله ~~هداية ورحمة فقال : ( @QUR@04 هل ينظرون إلا تأويله ). # النظر هنا بمعنى ms2131 الانتظار والتوقع لا بمعنى الرؤية. فالمراد بينظرون : ~~ينتظرون ويتوقعون ، وتأويل الشيء : مرجعه ومصيره الذي يئول إليه ذلك الشيء ~~والاستفهام بمعنى النفي. # والمعنى : إن هؤلاء المشركين ليس أمامهم شيء ينتظرونه بعد أن أصروا على ~~شركهم إلا ما يئول إليه أمر هذا الكتاب وما تتجلى عنه عاقبته ، من تبين ~~صدقه ، وظهور صحة ما أخبر به من الوعد والوعيد والبعث والحساب ، وانتصار ~~المؤمنين به واندحار المعرضين عنه. # فإن قيل : كيف ينتظرون ذلك مع كفرهم به؟ # فالجواب : أنهم قبل وقوع ما هو محقق الوقوع ، صاروا كالمنتظرين له ، لأن ~~كل آت قريب ، فهم على شرف ملاقاة ما وعدوا به ، وسينزل بهم لا محالة. # ثم بين سبحانه حالهم يوم الحساب فقال : ( @QUR@026 يوم يأتي تأويله يقول ~~الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو ~~نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل ). # أى : يوم يأتى يوم القيامة الذي أخبر عنه القرآن ، والذي يقف الناس فيه ~~أمام خالقهم للحساب ، يقول هؤلاء الكافرون الذين جحدوا هذا اليوم عند ما ~~تكشف لهم الحقائق ، ( @QUR@05 قد جاءت رسل ربنا بالحق ) وتبين صدقهم ولكننا ~~نحن الذين كذبناهم وسرنا في طريق الضلال ، ( @QUR@06 فهل لنا من شفعاء ~~فيشفعوا لنا ) في هذه الساعة العصيبة ويدفعوا عنا ما نحن فيه من كرب وبلاء ~~، أو نرد إلى الدنيا فنعمل عملا صالحا غير الذي كنا نعمله من الجحود واللهو ~~واللعب. # أى : أنه لا طريق لنا إلى الخلاص مما نحن فيه من العذاب الشديد إلا أحد ~~هذين الأمرين ، وهو أن يشفع لنا شفيع فلأجل تلك الشفاعة يزول هذا العذاب ، ~~أو يردنا الله إلى الدنيا حتى نعمل غير ما كنا نعمل. PageV05P282 # فالجملة الكريمة تصور حسرتهم يوم القيامة تصويرا يهز المشاعر ، ويحمل ~~العقلاء على الإيمان والعمل الصالح. # والاستفهام في قوله : ( @QUR@04 فهل لنا من شفعاء ) للتمني والتحسر ، ومن ~~مزيدة للاستغراق والتأكيد وشفعاء مبتدأ مؤخر ولنا خبر مقدم. # ثم بين سبحانه نهايتهم فقال : ( @QUR@08 قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما ~~كانوا يفترون ). # أى : قد خسر هؤلاء الذين اتخذوا دينهم ms2132 لعبا ولهوا أنفسهم ، بسبب إشراكهم ~~بالله ، وذهب عنهم ما كانوا يفترونه في الدنيا من أن أصنامهم ستشفع لهم يوم ~~الجزاء ، وأيقنوا أنهم كانوا كاذبين في دعواهم. # ثم ذكر سبحانه جانبا من بديع صنعه ، وجليل قدرته ، لكي يدل على أنه هو ~~المعبود الحق فقال تعالى : # ( @QUR@032 إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى ~~على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات ~~بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ) (54) # أى : إن سيدكم ومالككم الذي يجب عليكم أن تفردوه بالعبادة هو الله الذي ~~أنشأ السموات والأرض على غير مثال سابق في مقدار ستة أيام. # قال الشهاب : اليوم في اللغة مطلق الوقت ، فإن أريد هذا فالمعنى في ستة ~~أوقات. وإن أريد المتعارف وهو زمان طلوع الشمس إلى غروبها فالمعنى في مقدار ~~ستة أيام ، لأن اليوم إنما كان بعد خلق الشمس والسموات فيقدر فيه مضاف (1). # وقال صاحب فتح البيان : «قيل هذه الأيام من أيام الدنيا ، وقيل من أيام ~~الآخرة ، قال ابن عباس : يوم مقداره ألف سنة وبه قال الجمهور وقال سعيد ابن ~~جبير ، «كان الله قادرا على أن PageV05P283 # يخلق السموات والأرض وما بينهما في لمحة ولحظة ، فخلقهن في ستة أيام ~~تعليما لخلقه التثبت والتأنى في الأمور» (1). # وقوله : ( @QUR@04 ثم استوى على العرش ) قال الشيخ القاسمى : # ورد الاستواء على معان اشترك لفظه فيها ، فجاء بمعنى الاستقرار ، ومنه ( ~~@QUR@03 استوت على الجودي ) وبمعنى القصد ومنه ( @QUR@06 ثم استوى إلى ~~السماء وهي دخان ) وكل من فرغ من أمر وقصد لغيره فقد استوى له وإليه. قال ~~الفراء : تقول العرب استوى إلى يخاصمني أى : قصد لي وأقبل على. ويأتى بمعنى ~~الاستيلاء. # قال الشاعر : %~% قد استوى بشر على العراق |ويأتى بمعنى العلو ومنه هذه الآية. | # قال البخاري في آخر صحيحه في كتاب الرد على الجهمية في باب قوله تعالى : ~~( @QUR@04 وكان عرشه على الماء ). قال مجاهد : استوى وعلا على العرش. # وقال ابن راهويه : سمعت غير واحد من المفسرين يقول : ( @QUR@04 الرحمن ~~على العرش استوى ) أى : علا وارتفع ms2133 (2). # وعرش الله كما قال الراغب مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم ، وليس كما تذهب ~~إليه أوهام العامة ، فإنه لو كان كذلك لكان حاملا له تعالى الله عن ذلك لا ~~محمولا. # وقد ذكر العرش في إحدى وعشرين آية. وذكر الاستواء على العرش في سبع آيات. # أما الاستواء على العرش فذهب سلف الأمة إلى أنه صفة الله تعالى بلا كيف ~~ولا انحصار ولا تشبيه ولا تمثيل لاستحالة اتصافه سبحانه بصفات المحدثين ، ~~ولوجوب تنزيهه عما لا يليق به «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير» وأنه يجب ~~الإيمان بها كما وردت وتفويض العلم بحقيقتها إليه تعالى . # فعن أم سلمة رضى الله عنها في تفسير قوله تعالى : ( @QUR@04 الرحمن على ~~العرش استوى ) أنها قالت : الكيف غير معقول ، والاستواء غير مجهول ، ~~والإقرار به من الإيمان ، والجحود به كفر. # وقال الإمام مالك : الكيف غير معقول ، والاستواء غير مجهول ، والإيمان به ~~واجب ، والسؤال عنه بدعة. PageV05P284 # وقال محمد بن الحسن : اتفق الفقهاء جميعا على الإيمان بالصفات من غير ~~تفسير ولا تشبيه. # وقال الإمام الرازي : إن هذا المذهب هو الذي نقول به ونختاره ونعتمد عليه. # وذهب بعض علماء الخلف إلى وجوب صرفه أى الاستواء عن ظاهره لاستحالته ، ~~وأن المراد منه كما قال الإمام القفال أنه استقام ملكه ، واطرد أمره ونفذ ~~حكمه تعالى في مخلوقاته ، والله تعالى دل على ذاته وصفاته وكيفية تدبيره ~~للعالم على الوجه الذي ألفوه من ملوكهم واستقر في قلوبهم «تنبيها على عظمته ~~وكمال قدرته» وذلك مشروط بنفي التشبيه ، ويشهد بذلك قوله تعالى : ( @QUR@06 ~~ثم استوى على العرش يدبر الأمر ) (1). # هذا وللعلماء كلام طويل حول هذه المسألة التي تتعلق بالمحكم والمتشابه ~~فليرجع إليها من شاء. # وقوله : ( @QUR@03 يغشي الليل النهار ) التغشية : التغطية والستر ، أى : ~~يجعل الليل غاشيا للنهار مغطيا له فيذهب بنوره ، ويصير الكون مظلما بعد أن ~~كان مضيئا ، ويجعل النهار غاشيا لليل فيصير الكون مضيئا بعد أن كان مظلما ، ~~وفي ذلك من منافع الناس ما فيه وبه تتم الحياة ، وهو دليل القدرة والحكمة ~~والتدبير من الإله العلى العظيم. # ولم يذكر ms2134 في هذه الآية يغشى الليل بالنهار اكتفاء بأحد الأمرين عن الآخر ~~كقوله تعالى : ( @QUR@03 سرابيل تقيكم الحر ) أو لدلالة الحال عليه ، أو ~~لأن اللفظ يحتملهما : يجعل الليل مفعولا أول والنهار مفعولا ثانيا أو ~~بالعكس. # والآية الكريمة من باب أعطيت زيدا عمرا ، لأن كلا من الليل والنهار يصلح ~~أن يكون غاشيا ومغشيا ، فوجب جعل الليل هو الفاعل المعنوي ، والنهار هو ~~المفعول من غير عكس لئلا يلتبس المعنى. # وقد قال تعالى في آية أخرى : ( @QUR@08 يكور الليل على النهار ويكور ~~النهار على الليل ). # وقوله : ( @QUR@02 يطلبه حثيثا ) أى : يطلب الليل النهار أو كلاهما بطلب ~~الآخر طلبا سريعا حتى يلحقه ويدركه ، وهو كناية عن أن أحدهما يأتى عقب ~~الآخر ويخلفه بلا فاصل ، فكأنه يطلبه طلبا سريعا لا يفتر عنه حتى يلحقه. # والحث على الشيء : الحض عليه. يقال : حث الفرس على العدو يحثه حثا صاح به ~~أو وكزه برجل أو ضرب. وذهب حثيثا أى : مسرعا. PageV05P285 # والجملة حال من الليل ، لأنه هو المتحدث عنه أو حال من النهار أى : مطلوب ~~حثيثا ، أو من كل منهما على الرأى الثاني الذي يفسر «يطلبه حثيثا» بأن ~~كليهما يطلب الآخر. # وقوله : ( @QUR@05 والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ) أى : وخلق الشمس ~~والقمر والنجوم كونهن مذللات خاضعات لتصرفه ، منقادات لمشيئته ، كأنهن ~~مميزات أمرن فانقدن ، فتسمية ذلك أمر على سبيل التشبيه. # قال الآلوسى : ويصح حمل الأمر على الإرادة. أى : هذه الأجرام العظيمة ~~والمخلوقات البديعة منقادة لإرادته : ومنهم من حمل الأمر على الأمر الكلامى ~~وقال : إنه سبحانه أمر هذه الأجرام بالسير الدائم والحركة المستمرة على ~~الوجه المخصوص إلى حيث شاء ولا مانع أن يعطيها الله إدراكا وفهما لذلك (1)». # وقرأ الجمهور بنصب الألفاظ الثلاثة على أنها معطوفة على السموات ، أى : ~~خلق السموات وخلق الشمس والقمر والنجوم. وبنصب ( @QUR@01 مسخرات ) أيضا على ~~أنها حال من هذه الثلاثة. # وقرأ أبو عامر بالرفع في جميعها على الابتداء والخبر مسخرات. # وقوله : ( @QUR@04 ألا له الخلق والأمر ) ألا : أداة يفتتح بها القول ~~الذي يهتم بشأنه لأجل تنبيه المخاطب لمضمونه وحمله على تأمله. والخلق : ~~إيجاد الشيء ms2135 من العدم. والأمر : التدبير والتصرف على حسب الإرادة لما خلقه. ~~فهو سبحانه الخالق والمدبر للعالم على حسب إرادته وحكمته لا شريك له في ذلك. # وهذه الجملة الكريمة كالتدليل للكلام السابق أى : أنه سبحانه هو الذي خلق ~~الأشياء كلها ويدخل في ذلك السموات والأرض وغيرهما ، وهو الذي دبر هذا ~~الكون على حسب إرادته ويدخل في ذلك ما أشار إليه بقوله : ( @QUR@02 مسخرات ~~بأمره ). # وقوله : ( @QUR@04 تبارك الله رب العالمين ). # تبارك : فعل ماض لا يتصرف ، أى لم يجيء منه مضارع ولا أمر ولا اسم فاعل. ~~من البركة بمعنى الكثرة من كل خير. وأصلها النماء والزيادة. أى : كثر خيره ~~وإحسانه وتعاظمت وتزايدت بركات الله رب العالمين. # أو من البركة بمعنى الثبوت. يقال : برك البعير ، إذا أناخ في موضعه فلزمه ~~وثبت فيه. وكل شيء ثبت ودام فقد برك. أى : ثبت ودام خيره على خلقه. PageV05P286 # أو المعنى : تعالى الله رب العالمين وتعظم وارتفع وتنزه عن كل نقص. # ثم أمر الله تعالى عباده أن يكثروا من التضرع إليه بالدعاء الخالص فقال : # ( @QUR@08 ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين (55) @QUR@015 ولا ~~تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من ~~المحسنين ) (56) # التضرع : تفعل من الضراعة وهي الذلة والاستكانة. يقال : ضرع فلان ضراعة : ~~أى خشع وذل وخضع. ويقال : تضرع ، أى أظهر الضراعة والخضوع. وتضرعا حال من ~~الضمير في ادعوا. # الخفية : بضم الخاء وكسرها مصدر خفى كمرض بمعنى اختفى أى : استتر وتوارى ~~ولم يجهر بدعائه. # والمعنى : سلوا ربكم أيها الناس حوائجكم بتذلل واستكانة وإسرار واستتار ~~فإنه سبحانه يسمع الدعاء ويجيب المضطر ، ويكشف السوء ، وهو القادر على ~~إيصالها إليكم ، وغيره عن ذلك عاجز. # وإنما أمر الله عباده بالإكثار من الدعاء في ضراعة وإسرار ، لأن الدعاء ~~ما هو إلا اتجاه إلى الله بقلب سليم ، واستعانة به بإخلاص ويقين ، لكي يدفع ~~المكروه ، ويمنح الخير ، ويعين على نوائب الدهر ، ولا شك أن الإنسان في هذه ~~الحالة يكون في أسمى درجات الصفاء الروحي ، والنقاء النفسي ، ويكون كذلك ~~مؤديا لأشرف ألوان العبادة والخضوع ms2136 لله الواحد القهار ، معترفا لنفسه ~~بالعجز والنقص. ولربه بالقدرة والكمال (1). # هذا ، وقد أخذ العلماء من هذه الآية من آداب الدعاء الخشوع والإسرار ~~واستدلوا على ذلك بأحاديث وآثار متعددة منها ما جاء في الصحيحين عن أبى ~~موسى الأشعرى قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنا إذا أشرفنا على ~~واد هللنا وكبرنا وارتفعت أصواتنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «أيها ~~الناس ، PageV05P287 # اربعوا على أنفسكم أى ارفقوا بها وأقصروا من الصياح فإنكم لا تدعون أصم ~~ولا غائبا. إنه معكم. إنه سميع قريب. تبارك اسمه وتعالى جده» (1). # وقال عبد الله بن المبارك عن مبارك بن فضالة ، عن الحسن قال : إن كان ~~الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس ، وإن كان الرجل ، لقد فقه الفقه ~~الكثير وما يشعر به الناس. وإن كان الرجل ليصلى الصلاة الطويلة في بيته ~~وعنده الزور أى الزوار وما يشعرون به. ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض ~~عمل يقدرون أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدا. ولقد كان المسلمون يجهدون ~~في الدعاء وما يسمع لهم صوت ، إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم. وذلك أن ~~الله تعالى يقول : ( @QUR@04 ادعوا ربكم تضرعا وخفية ) وذلك أن الله ذكر ~~عبدا صالحا رضى فعله وهو زكريا فقال : ( @QUR@010 ذكر رحمت ربك عبده زكريا. ~~إذ نادى ربه نداء خفيا ) (2). # وقال ابن المنير : «وحسبك في تعين الإسرار في الدعاء اقترانه بالتضرع في ~~الآية ، فالاخلال بالضراعة إلى الله إخلال بالدعاء. وإن دعاء لا تضرع فيه ~~ولا خشوع لقليل الجدوى. فكذلك دعاء لا خفية فيه ولا وقار يصحبه. وترى كثيرا ~~من أهل زمانك يعمدون إلى الصراخ والصياح في الدعاء خصوصا في الجوامع حتى ~~يعظم اللفظ ويشتد ، وتستك المسامع وتنسد ، ويهتز الداعي بالناس ، ولا يعلم ~~أنه جمع بين بدعتين : رفع الصوت في الدعاء وفي المسجد ، وربما حصلت للعوام ~~حينئذ رقة لا تحصل مع خفض الصوت ، ورعاية سمت الوقار ، وسلوك السنة الثابتة ~~بالآثار. وما هي إلا رقة شبيهة بالرقة العارضة للنساء والأطفال ليست خارجة ~~عن صميم ms2137 الفؤاد ، لأنها لو كانت من أصل لكانت عند اتباع السنة في الدعاء. ~~وفي خفض الصوت به أوفر وأوفى وأزكى فما أكثر التباس الباطل بالحق على عقول ~~كثير من الخلق. اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا ~~وارزقنا اجتنابه» (3). # وقوله : ( @QUR@04 إنه لا يحب المعتدين ) الاعتداء تجاوز الحد أى : لا ~~يحب المتجاوزين حدودهم في كل شيء ، ويدخل فيه الاعتداء في الدعاء دخولا ~~أوليا. ومن مظاهر الاعتداء في الدعاء أن يترك هذين الأمرين وهما التضرع ~~والإخفاء ، كذلك من مظاهر الاعتداء في الدعاء أن يتكلف فيه. # روى أبو داود في سننه أن سعد بن أبى وقاص سمع ابنا له يدعو ويقول : اللهم ~~إنى أسألك الجنة ونعيمها وإستبرقها ونحوا من هذا ، وأعوذ بك من النار ~~وسلاسلها وأغلالها. فقال له يا بنى : إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول : إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء ثم قرأ سعد هذه PageV05P288 # الآية ( @QUR@04 ادعوا ربكم تضرعا وخفية ) وإن بحسبك أن تقول : اللهم إنى ~~أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل ، وأعوذ بك من النار وما قرب ~~إليها من قول أو عمل (1)». # ثم نهى الله عباده عن كل لون من ألوان المعاصي فقال : ( @QUR@06 ولا ~~تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) أى : لا تفسدوا في الأرض بعد إصلاح الله ~~إياها ، بأن خلقها على أحسن نظام ، فالجملة الكريمة نهى عن سائر أنواع ~~الإفساد كإفساد النفوس والأموال والأنساب والعقول والأديان. # روى أبو الشيخ عن أبى بكر بن عياش أنه سئل عن قوله تعالى : ( @QUR@06 ولا ~~تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) فقال : إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم ~~إلى أهل الأرض وهم في فساد فأصلحهم الله به ، فمن دعا إلى خلاف ما جاء به ~~محمد صلى الله عليه وسلم فهو من المفسدين في الأرض». # قال صاحب المنار : وقال سبحانه : ( @QUR@06 ولا تفسدوا في الأرض بعد ~~إصلاحها ) لأن الإفساد بعد الإصلاح أشد قبحا من الإفساد على الإفساد ، فإن ~~وجود الإصلاح أكبر حجة على المفسد إذا هو لم يحفظه ويجرى على ms2138 سننه. فكيف ~~إذا هو أفسده وأخرجه عن وضعه؟ ولذا خص بالذكر وإلا فالإفساد مذموم ومنهى ~~عنه في كل حال» (2). # وقوله : ( @QUR@03 وادعوه خوفا وطمعا ). # أصل الخوف : انزعاج في الباطن يحصل من توقع أمر مكروه يقع في المستقبل. # والمعنى : وادعوه خائفين من عقابه إياكم على مخالفتكم لأوامره ، طامعين ~~في رحمته وإحسانه وفي إجابته لدعائكم تفضلا منه وكرما. # قال الجمل : فإن قلت : قال في أول الآية : ( @QUR@04 ادعوا ربكم تضرعا ~~وخفية ) وقال هنا : ( @QUR@03 وادعوه خوفا وطمعا ) وهذا عطف للشيء على نفسه ~~فما فائدة ذلك؟ قلت : الفائدة أن المراد بقوله تعالى : ( @QUR@04 ادعوا ~~ربكم تضرعا وخفية ) بيان شرطين من شروط الدعاء وبقوله : ( @QUR@03 وادعوه ~~خوفا وطمعا ) بيان شرطين آخرين ، والمعنى : كونوا جامعين في أنفسكم بين ~~الخوف والرجاء في أعمالكم ولا تطمعوا أنكم وفيتم حق الله في العبادة ~~والدعاء وإن اجتهدتم فيهما» (3). # وقوله : ( @QUR@06 إن رحمت الله قريب من المحسنين ) أى : إن رحمته تعالى ~~وإنعامه على عباده قريب من المتقين لأعمالهم ، المخلصين فيها ، لأن الجزاء ~~من جنس العمل ، فمن أحسن عبادته PageV05P289 # نال عليها الثواب الجزيل ، ومن أحسن في أمور دنياه كان أهلا للنجاح في ~~مسعاه ، ومن أحسن في دعائه كان جديرا بالقبول والإجابة. # قال الشيخ القاسمى : وفي الآية الكريمة ترجيح للطمع على الخوف ، لأن ~~المؤمن بين الرجاء والخوف ، ولكنه إذا رأى سعة رحمته سبحانه وسبقها ، غلب ~~الرجاء عليه. وفيها تنبيه على ما يتوسل به إلى الإجابة وهو الإحسان في ~~القول والعمل. # قال مطر الوراق : استنجزوا موعود الله بطاعته ، فإنه قضى أن رحمته قريب ~~من المحسنين» (1). # هذا ، وكلمة «قريب» وقعت خبرا للرحمة ، ومن قواعد النحو أن يكون الخبر ~~مطابقا للمبتدأ في التذكير والتأنيث ، فكان مقتضى هذه القواعد أن يقال إن ~~رحمة الله قريبة. وقد ذكر العلماء في تعليل ذلك بضعة عشر وجها ، منها أن ~~تذكير «قريب» صفة لمحذوف أى أمر قريب ، أو لأن كلمة الرحمة مؤنثة تأنيثا ~~مجازيا ، فجاز في خبرها التذكير والتأنيث أو لأن الرحمة هنا بمعنى الثواب ~~وهو مذكر فيكون تذكير قريب باعتبار ذلك وقيل غير ذلك مما ms2139 لا مجال لذكره هنا. # وبعد أن بين سبحانه أنه هو الخالق للسموات والأرض ، وأنه هو المتصرف ~~الحاكم المدبر المسخر ، وأن رحمته قريبة من المحسنين الذين يكثرون من ~~التضرع إليه بخشوع وإخلاص. # بعد كل ذلك تحدث سبحانه عن بعض مظاهر رحمته التي تتجلى في إرسال الرياح ، ~~وإنزال المطر ، وعن بعض مظاهر قدرته التي تتجلى في بعث الموتى للحساب ، وفي ~~هداية من يريد هدايته وإضلال من يريد ضلالته فقال تعالى : # ( @QUR@029 وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ~~ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج ~~الموتى لعلكم تذكرون ) (57) # وقوله تعالى : ( @QUR@08 وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ) ~~معطوف على ما سبق من PageV05P290 # قوله تعالى : ( @QUR@07 إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض ) لبيان ~~مظاهر قدرته ورحمته. وقرأ حمزة والكسائي «الريح» بالإفراد : # و ( @QUR@01 بشرا ) بضم الباء فسكون الشين مخفف و ( @QUR@01 بشرا ) ~~بضمتين جمع بشير كنذر ونذير ، أى : مبشرات بنزول الغيث المستتبع لمنفعة الخلق. # وقرأ أهل المدينة والبصرة «نشرا» بضم النون والشين جمع نشور كصبور وصبر ~~بمعنى ناشر من النشر ضد الطى ، وفعول بمعنى فاعل يطرد جمعه. # وهناك قراءات أخرى غير ذلك. # والمعنى وهو سبحانه الذي يرسل الرياح مبشرات عباده بقرب نزول الغيث الذي ~~به حياة الناس. # وقوله : ( @QUR@03 بين يدي رحمته ) أى بين يدي المطر الذي هو من أبرز ~~مظاهر رحمة الله بعباده. # قال تعالى : ( @QUR@013 وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته ~~وهو الولي الحميد ). # وقال تعالى : ( @QUR@06 ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات ). # قال الإمام الرازي : وقوله : ( @QUR@03 بين يدي رحمته ) من أحسن أنواع ~~المجاز ، والسبب في ذلك أن اليدين يستعملهما العرب في معنى التقدمة على ~~سبيل المجاز. يقال : إن الفتن تحصل بين يدي الساعة يريدون قبيلها ، كذلك ~~مما حسن هذا المجاز أن يدي الإنسان متقدمة ، فكل ما كان يتقدم شيئا يطلق ~~عليه لفظ اليدين على سبيل المجاز لأجل هذه المشابهة ، فلما كانت الرياح ~~تتقدم المطر ، لا جرم عبر عنه بهذا ms2140 اللفظ» (1). # وقوله : ( @QUR@08 حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت ) حتى : غاية ~~لقوله : ( @QUR@01 يرسل ). وأقلت : أى حملت. وحقيقة أقله وجده قليلا ثم ~~استعمل بمعنى حمله. لأن الحامل لشيء يستقل ما يحمله بزعم أن ما يحمله قليل. # و ( @QUR@01 سحابا ) أى : غيما ، سمى بذلك لانسحابه في الهواء ، وهو اسم ~~جنس جمعى يفرق بينه وبين واحده بالتاء كتمر وتمرة ، وهو يذكر ويؤنث ويفرد ~~وصفه ويجمع. # و ( @QUR@01 ثقالا ) جمع ثقيلة من الثقل كعنب ضد الخفة. يقال : ثقل الشيء ~~ككرم ثقلا وثقالة فهو ثقيل وهي ثقيلة. # والمعنى : أن الله تعالى هو الذي يرسل الرياح مبشرات بنزول الغيث ، حتى ~~إذا حملت PageV05P291 # الرياح سحابا ثقالا من كثرة ما فيها من الماء ، سقناه أى السحاب إلى «بلد ~~ميت» أى إلى أرض لا نبات فيها ولا مرعى ، فاهتزت وربت وأخرجت النبات ~~والمرعى. فأطلق سبحانه الموت على الأرض التي لا نبات فيها ، وأطلق الحياة ~~على الأرض الزاخرة بالنبات والمرعى لأن حياتها بذلك. # قال تعالى : ( @QUR@017 والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى ~~بلد ميت ، فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور ) (1). # وقوله : ( @QUR@03 فأنزلنا به الماء ) أى : فأنزلنا في هذا البلد الميت ~~الماء الذي يحمله السحاب. فالباء في ( @QUR@01 به ) للظرفية. # وقيل إن الضمير في ( @QUR@01 به ) للسحاب ، أى : فأنزلنا بالسحاب الماء ~~وعليه فتكون الباء للسببية. # وقوله : ( @QUR@05 فأخرجنا به من كل الثمرات ) أى : فأخرجنا بهذا الماء ~~من كل أنواع الثمرات المعتادة في كل بلد ، تخرج به على الوجه الذي أجرى ~~الله العادة بها ودبرها. # فليس المراد أن كل بلد ميت تخرج منه جميع أنواع الثمار التي خلقها الله ، ~~متى نزل به الماء ، وإنما المراد أن كل بلد تخرج منه الثمار التي تناسب ~~تربته على حسب مشيئة الله وفضله وإحسانه ، إذ من المشاهد أن البلاد تختلف ~~أرضها فيما تخرجه ، وهذا أدل على قدرة الله ، وواسع رحمته. # وقوله : ( @QUR@05 كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون ) إشارة إلى إخراج ~~الثمرات ، أو إلى إحياء البلد الميت. # أى : مثل ما أحيينا الأرض بعد موتها وجعلناها زاخرة بأنواع الثمرات بسبب ~~نزول ms2141 الماء عليها ، نخرج الموتى من الأرض ونبعثهم أحياء في اليوم الآخر ~~لنحاسبهم على أعمالهم ، فالتشبيه في مطلق الإخراج من العدم. وهذا رد على ~~منكري البعث بدليل ملزم ، لأن من قدر على إخراج النبات من الأرض بعد نزول ~~الماء عليها ، قادر أيضا على إخراج الموتى من قبورهم. # وقوله : ( @QUR@02 لعلكم تذكرون ) تذييل قصد به الحث على التدبر والتفكر ~~، أى : لعلكم تذكرون وتعتبرون بما وصفنا لكم فيزول إنكاركم للبعث والحساب. # قال الشيخ القاسمى : «من أحكام الآية كما قال الجشمي : أنها تدل على عظم ~~نعمة الله PageV05P292 # علينا بالمطر ، وتدل على الحجاج في إحياء الموتى بإحياء الأرض بالنبات ~~وتدل على أنه أراد من الجميع التذكر ، وتدل على أنه أجرى العادة بإخراج ~~النبات بالماء. وإلا فهو قادر على إخراجه من غير ماء فأجرى العادة على وجوه ~~دبرها عليها على ما نشاهده ، لضرب من المصلحة دينا ودنيا ..» (1). # ثم ضرب سبحانه مثلا لاختلاف استعداد البشر للخير والشر فقال : # ( @QUR@017 والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا ~~كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون ) (58) # ( @QUR@012 والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا ). # أصل النكد : العسر القليل الذي لا يخرج إلا بعناء ومشقة. يقال : نكد عيشه ~~ينكد ، اشتد وعسر. ونكدت البئر : قل ماؤها ، ومنه : رجل نكد ، ونكد وأنكد ، ~~شؤم عسر. وهم أنكاد ومناكيد. ### ||| ** وقال في اللسان : والنكد : قلة العطاء ، قال الشاعر : لا تنجز الوعد إن وعدت وإن %~% أعطيت ، أعطيت تافها نكدا # أى : عطاء قليلا لا جدوى منه. # والمعنى : أن الأرض الكريمة التربة يخرج نباتها وافيا حسنا غزير النفع ~~بمشيئة الله وتيسيره ، والذي خبث من الأرض كالسبخة منها لا يخرج نباته إلا ~~قليلا عديم الفائدة. # فالأول : مثل ضربه الله للمؤمن يقول : هو طيب وعمله طيب. # والثاني : مثل للكافر ، يقول : هو خبيث وعمله خبيث ، وفيهما بيان أن ~~القرآن يثمر في القلوب التي تشبه الأرض الطيبة التربة ، ولا يثمر في القلوب ~~التي تشبه الأرض الرديئة السبخة. # ونكدا منصوب على أنه حال أو على أنه نعت لمصدر محذوف ms2142 والتقدير : والذي ~~خبث لا يخرج إلا خروجا نكدا. # قال صاحب الكشاف : «وهذا مثل لمن ينجح فيه الوعظ والتذكير من المكلفين ، ~~ولمن لا يؤثر فيه شيء من ذلك. وعن مجاهد : آدم وذريته منهم خبيث وطيب. وعن ~~قتادة : المؤمن سمع PageV05P293 # كتاب الله فوعاه بعقله وانتفع به ، كالأرض الطيبة أصابها الغيث فأنبتت. ~~والكافر بخلاف ذلك. وهذا التمثيل واقع على أثر ذكر المطر. وإنزاله بالبلد ~~الميت ، وإخراج الثمرات به على طريق الاستطراد» (2). # وقريب من معنى الآية الكريمة ما رواه الشيخان عن أبى موسى قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث ~~الكثير أصاب أرضا ، فكانت منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ~~، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا ، ~~وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ، فذلك مثل ~~من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع ~~بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» (1). # وقوله : ( @QUR@05 كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون ) أصل التصريف : تبديل ~~حال بحال ومنه تصريف الرياح. والآيات : الدلائل الدالة على قدرة الله. # أى : مثل ذلك التصريف البديع والتنويع الحكيم نصرف الآيات الدالة على ~~علمنا وحكمتنا ورحمتنا بالإتيان بها على أنواع جلية واضحة لقوم يشكرون ~~نعمنا ، باستعمالها فيما خلقت له ، فيستحقون مزيدنا منها وإثابتنا عليها. # وعبر هنا بالشكر لأن هذه الآية موضوعها الاهتداء بالعلم والعمل والإرشاد ~~، بينما عبر في الآية السابقة عليها بالتذكر لأن موضوعها يتعلق بالاعتبار ~~والاستدلال على قدرة الله تعالى في إحياء الموتى. # وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حدثتنا من بين ما حدثتنا عن عظمة القرآن ~~الكريم وعن وجوب اتباعه ، وعن قصة آدم وما فيها من عبر وعظات ، وعما أحله ~~الله وحرمه ، وعما يدور بين أهل النار من مجادلات واتهامات ، وعن العاقبة ~~الطيبة التي أعدها الله للصالحين من عباده ، وعن المحاورات التي تدور بينهم ~~وبين أهل النار ، ثم عن ms2143 مظاهر قدرة الله ، وأدلة وحدانيته. # وبعد كل ذلك تبدأ السورة جولة جديدة مع الأمم الخالية ، والقرى المهلكة ~~التي جاء ذكرها في مطلعها. # ( @QUR@010 وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون ). # فتحدثنا السورة الكريمة عن مصارع قوم نوح ، وقوم هود ، وقوم صالح ، وقوم ~~لوط ، وقوم PageV05P294 # شعيب ، ثم حديثا مستفيضا عن قصة موسى مع فرعون ومع بنى إسرائيل. # وقد تكلم الإمام الرازي عن فوائد مجيء قصص هؤلاء الأنبياء مع أقوامهم في ~~هذه السورة بعد أن تحدثت عن أدلة توحيده وربوبيته سبحانه فقال : اعلم أنه ~~تعالى لما ذكر في تقرير المبدأ والمعاد دلائل ظاهرة ، وبينات قاهرة ، ~~وبراهين باهرة أتبعها بذكر قصص الأنبياء وفيه فوائد : # أحدها : التنبيه على أن إعراض الناس عن قبول هذه الدلائل والبينات. ليس ~~من خواص قوم النبي صلى الله عليه وسلم بل هذه العادة المذمومة كانت حاصلة في ~~جميع الأمم السالفة ، والمصيبة إذا عمت خفت ، فكان ذكر قصصهم ، وحكاية ~~إصرارهم وعنادهم ، يفيد تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتخفيف ذلك على قلبه. # ثانيها : أنه تعالى يحكى في هذه القصص أن عاقبة أمر أولئك المنكرين كان ~~إلى اللعن في الدنيا ، والخسارة في الآخرة ، وعاقبة أمر المحقين إلى الدولة ~~في الدنيا ، والسعادة في الآخرة ، وذلك يقوى قلوب المحقين ، ويكسر قلوب ~~المبطلين. # وثالثها : التنبيه على أنه تعالى وإن كان يمهل هؤلاء المبطلين ، ولكنه لا ~~يمهلهم ، بل ينتقم منهم على أكمل الوجوه. # ورابعها : بيان أن هذه القصص دالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه ~~كان أميا. وما طالع كتابا ولا تتلمذ على أستاذ. فإذا ذكر هذه القصص على هذا ~~الوجه من غير تحريف ولا خطأ دل ذلك على أنه إنما عرفها بالوحي من الله ~~تعالى » (1). # والآن فلنستمع بتدبر واعتبار إلى السورة الكريمة وهي تحدثنا عن قصة نوح ~~مع قومه فتقول : # ( @QUR@021 لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (59) @QUR@09 قال الملأ من قومه إنا ~~لنراك في ضلال مبين ms2144 (60) @QUR@011 قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من ~~رب العالمين (61) @QUR@08 أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله PageV05P295 # @QUR@03 ما لا تعلمون (62) @QUR@013 أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على ~~رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون (63) @QUR@014 فكذبوه فأنجيناه ~~والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين ) (64) # تلك هي قصة نوح مع قومه كما وردت في هذه السورة ، وقد وردت بصورة أكثر ~~تفصيلا في سورة هود ، والمؤمنون ، ونوح وغيرها. # وقوله : ( @QUR@05 لقد أرسلنا نوحا إلى قومه ) جواب قسم محذوف ، أى : ~~والله لقد أرسلنا نوحا إلى قومه والدليل على هذا القسم وجود لامه في بدء ~~الجملة. # قال الآلوسى : «واطرد استعمال هذه اللام مع قد في الماضي على ما قال ~~الزمخشري وقل الاكتفاء بها وحدها. والسر في ذلك أن الجملة القسمية لا تساق ~~إلا تأكيدا للجملة المقسم عليها التي هي جوابها ، فكانت مظنة لتوقع المخاطب ~~حصول المقسم عليه ، لأن القسم دل على الاهتمام فناسب ذلك إدخال قد» (1). # وينتهى نسب نوح عليه السلام إلى شيث بن آدم عليه السلام وقد ذكر نوح في ~~القرآن في ثلاث وأربعين موضعا. # وقوم الرجل أقرباؤه الذين يجتمعون معه في جد واحد. وقد يقيم الرجل بين ~~الأجانب فيسميهم قومه مجازا للمجاورة. # وكان قوم نوح يعبدون الأصنام فأرسل الله إليهم نوحا ليدلهم على طريق ~~الرشاد. # قال ابن كثير : قال عبد الله بن عباس وغير واحد من علماء التفسير : كان ~~أول ما عبدت الأصنام أن قوما صالحين ماتوا ، فبنى قومهم عليهم مساجد ، ~~وصوروا صور أولئك الصالحين فيها ليتذكروا حالهم وعبادتهم فيتشبهوا بهم ، ~~فلما طال الزمان جعلوا أجسادا على تلك الصور ، فلما تمادى الزمان عبدوا تلك ~~الأصنام وسموها بأسماء أولئك الصالحين : ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا فلما ~~تفاقم الأمر بعث الله تعالى رسوله نوحا فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك ~~له» (2). PageV05P296 # وقوله : ( @QUR@010 فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) حكاية ~~لما وجهه نوح لقومه من إرشادات ، أى : قال لهم بتلطف وأدب تلك الكلمة التي ~~وجهها كل رسول ms2145 لمن أرسل إليهم : اعبدوا الله وحده لا شريك له ، فإنه هو ~~المستحق للعبادة ، أما سواه فلا يملك نفعا أو ضرا. # وكلمة ( @QUR@01 غيره ) قرئت بالحركات الثلاث ، بالرفع على أنها صفة لإله ~~باعتبار محله الذي هو الرفع على الابتداء أو الفاعلية. وقرأ الكسائي بالجر ~~باعتبار اللفظ ، وقرئ بالنصب على الاستثناء بمعنى ، ما لكم من إله إلا إياه. # ثم حكى القرآن أن نوحا حذر قومه من سوء عاقبة التكذيب ، وأظهر لهم شفقته ~~بهم وخوفه عليهم فقال : ( @QUR@06 إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ) أى : إنى ~~أخاف عليكم إذا ما سرتم في طريق الكفر والضلال وتركتم عبادة الله وحده عذاب ~~يوم عظيم ، ووصف اليوم بالعظم لبيان عظم ما يقع فيه ولتكميل الإنذار. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما موقع الجملتين بعد قوله : ( @QUR@02 اعبدوا ~~الله ) قلت : الأولى وهي ما لكم من إله غيره بيان لوجه اختصاصه بالعبادة ، ~~والثانية وهي إنى أخاف ... إلخ بيان الداعي إلى عبادته لأنه هو المحذور ~~عقابه دون ما كانوا يعبدونه من دون الله. واليوم العظيم : يوم القيامة ، أو ~~يوم نزول العذاب بهم وهو الطوفان» (1). # بهذا الأسلوب المقنع المهذب دعا نوح قومه إلى وحدانية الله. فكيف كان ~~ردهم عليه؟ # لقد ردوا عليه ردا سقيما حكاه القرآن في قوله : ( @QUR@09 قال الملأ من ~~قومه إنا لنراك في ضلال مبين ). # الملأ : الأشراف والسادة من القوم. سموا بذلك لأنهم يملؤون العيون مهابة. ~~وقيل : هم الرجال ليس فيهم نساء. والملأ : اسم جمع لا واحد له من لفظه : كرهط. # والجملة الكريمة مستأنفة ، كأنه قيل فماذا قالوا له؟ فقيل : قال الملأ ~~... إلخ والرؤية هنا قلبية ومفعولاها الضمير والظرف ، وقيل : بصرية فيكون ~~الظرف في موضع الحال. أى : قال الأشراف من قوم نوح له عند ما دعاهم إلى ~~وحدانية الله : إنا لنراك بأمرك لنا بعبادة الله وحده وترك آلهتنا في ~~انحراف بين عن طريق الحق والرشاد. # يقال : ضل الطريق يضل وضل عنه ضلالا وضلالة ، أى زل عنه فلم يهتد إليه ، ~~وجعلوا الضلال ظرفا له ( @QUR@03 في ضلال مبين ) مبالغة في وصفهم له بذلك ms2146 ~~وزادوا في المبالغة بأن أكدوا ذلك بالجملة المصدرة بإن ولام التأكيد. PageV05P297 # ورحم الله ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الآية. وهكذا حال الفجار ، ~~إنما يرون الأبرار في ضلالة ، كقوله تعالى : ( @QUR@06 وإذا رأوهم قالوا إن ~~هؤلاء لضالون ) (1). # ( @QUR@019 وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه ، ~~وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم ) (2) إلى غير ذلك من الآيات (3). # ويرد نوح على قومه بأسلوب عف مهذب ، فينفى عن نفسه الضلالة ، ويكشف لهم ~~عن حقيقة دعوته ومصدرها فيقول كما حكى القرآن عنه : # ( @QUR@06 قال يا قوم ليس بي ضلالة ) أى : قال نوح لقومه مستميلا لقلوبهم ~~: يا قوم ليس بي أدنى شيء مما يسمى بالضلال فضلا عن الضلال المبين الذي ~~رميتمونى به ، فقد نفى الضلال عن نفسه الكريمة على أبلغ وجه ، لأن التاء في ~~ضلالة للمرة الواحدة منه ، ونفى الأدنى أبلغ من نفى الأعلى ، والمقام يقتضى ~~ذلك ، لأنهم لما بالغوا في رميه بالضلال المبين ، رد عليهم بما يبرئه من أى ~~لون من ألوانه. وفي تقديم الظرف (بي) تعريض بأنهم هم في ضلال واضح. # ثم قفى على نفى الضلالة عنه بإثبات مقابلها لنفسه وهي الهداية والتبليغ ~~عن الله تعالى فقال : ( @QUR@016 ولكني رسول من رب العالمين. أبلغكم رسالات ~~ربي ، وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون ). # فأنت ترى أن نوحا عليه السلام بعد أن نفى عن نفسه أى لون من ألوان الضلالة ~~وصف نفسه بأربع صفات كريمة : # أولها : قوله : ( @QUR@05 ولكني رسول من رب العالمين ) أى : لست بمنجاة ~~من الضلال الذي أنتم فيه فحسب ، ولكني فضلا عن ذلك رسول من رب العالمين ~~إليكم لهدايتكم وإنقاذكم مما أنتم فيه من شرك وكفر. # قال الجمل : (وقد جاءت لكن هنا أحسن مجيء لأنها بين نقيضين ، لأن الإنسان ~~لا يخلو من أحد شيئين : ضلال أو هدى ، والرسالة لا تجامع الضلال و ( ~~@QUR@03 من رب العالمين ) صفة لرسول ومن لابتداء الغاية) (4). # وثانيها : قوله : ( @QUR@03 أبلغكم رسالات ربي ) أى : أبلغكم ما أوحاه ~~الله إلى من الأوامر والنواهي ، والمواعظ والزواجر ، والبشائر والنذائر ms2147 ، ~~والعبادات والمعاملات. # قال الآلوسى : وجمع الرسالات مع أن رسالة كل نبي واحدة ، رعاية لاختلاف ~~أوقاتها أو PageV05P298 # تنوع معاني ما أرسل عليه السلام به من العبادات والمعاملات أو أنه أراد ~~رسالته ورسالة غيره ممن قبله من الأنبياء كإدريس عليه السلام ) (1) والجملة ~~الكريمة مستأنفة لتقرير رسالته وتقرير أحكامها. # وثالثها : قوله : ( @QUR@02 وأنصح لكم ) أى : أبلغكم جميع تكاليف الله ~~وأتحرى ما فيه صلاحكم وخيركم فأرشدكم إليه وآخذكم نحوه. # وأنصح : مأخوذ من النصح وهو كما قال القرطبي إخلاص النية من شوائب الفساد ~~، يقال : نصحته ونصحت له نصيحة ونصاحة أى أرشدته إلى ما فيه صلاحه ويقال : ~~رجل ناصح الجيب ، أى : نقى القلب. والناصح الخالص من العسل وغيره ، مثل ~~الناصع. وكل شيء خلص فقد نصح (2). # والفرق بين تبليغ الرسالة وبين النصح ، هو أن تبليغ الرسالة معناه أن ~~يعرفهم جميع أوامر الله ونواهيه وجميع أنواع التكاليف التي كلفهم الله بها ~~، وأما النصح فمعناه أن يرغبهم في قبول تلك الأوامر والنواهي والعبادات ~~ويحذرهم من عذاب الله إن عصوه. # وأما الصفة الرابعة فهي قوله : ( @QUR@06 وأعلم من الله ما لا تعلمون ) ~~أى : أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم عن إخلاص ، وأعلم في الوقت نفسه من ~~الأمور الغيبية التي لا تعلم إلا عن طريق الوحى أشياء لا علم لكم بها ، لأن ~~الله قد خصنى بها. # أو المعنى : وأعلم من قدرة الله الباهرة ، وشدة بطشه على أعدائه ، ما لا ~~تعلمونه فأنا أحذركم عن علم ، وأنذركم عن بينة ( @QUR@03 فاتقوا الله ~~وأطيعون ). # قال ابن كثير : وهذا شأن الرسول أن يكون مبلغا نصيحا عالما بالله لا ~~يدركه أحد من خلق الله في هذه الصفات كما جاء في صحيح مسلم أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم عرفة وهم أوفر ما كانوا وأكثر جمعا : ~~«أيها الناس ، إنكم مسئولون عنى ، فما أنتم قائلون؟ قالوا : نشهد أنك قد ~~بلغت وأديت ونصحت. فجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكسها عليهم ، ويقول : ~~اللهم اشهد ، اللهم اشهد (3). # وبعد أن وصف نوح نفسه بتلك الصفات الأربع ، وبين لهم وظيفته أكمل بيان ~~أخذ ms2148 ينكر عليهم استبعادهم أن يخصه الله بالنبوة فقال : PageV05P299 # ( @QUR@013 أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ، ولتتقوا ~~، ولعلكم ترحمون ) الهمزة في أول الجملة للاستفهام الإنكارى ، والواو بعدها ~~للعطف على محذوف مقدر بعد الهمزة. # والمعنى : أكذبتم وعجبتم من أن جاءكم ذكر أى موعظة من ربكم وخالقكم على ~~لسان رجل من جنسكم ، تعرفون مولده ونشأته. # ولقد حكى القرآن عن قوم نوح أنهم عجبوا من أن يختار الله رسولا منهم ، ~~قال تعالى : ( @QUR@026 فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر ~~مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ، ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في ~~آبائنا الأولين ) (1). # وقوله : ( @QUR@01 لينذركم ) علة للمجيء ، أى : وليحذركم العذاب والعقاب ~~على الكفر والمعاصي. # وقوله : ( @QUR@01 ولتتقوا ) علة ثانية مرتبة على العلة التي قبلها ، أى ~~: ولتوجد منكم التقوى ، وهي الخشية من الله بسبب الإنذار. # وقوله : ( @QUR@02 ولعلكم ترحمون ) علة ثالثة مترتبة على التي قبلها. أى ~~: ولترحموا بسبب التقوى إن وجدت منكم. # قال بعض العلماء : وهذا الترتيب في غاية الحسن ، لأن المقصود من الإرسال ~~الإنذار ، ومن الإنذار التقوى. ومن التقوى الفوز بالرحمة. # وفائدة حرف الترجي ( @QUR@01 ولعلكم ) التنبيه على عزة المطلب ، وأن ~~التقوى غير موجبة للرحمة ، بل هي منوطة بفضل الله ، وأن المتقى ينبغي ألا ~~يعتمد على تقواه ولا يأمن عذاب الله» (2). # وإلى هنا نكون قد عرفنا أسلوب نوح في دعوته كما جاء في هذه السورة ~~الكريمة ، فماذا كان موقف قومه؟ # لقد صرحت السورة الكريمة بأن موقفهم كان قبيحا ، ولذا عوقبوا بما يناسب ~~جرمهم قال تعالى : ( @QUR@01 فكذبوه ) أى : فكذب قوم نوح نبيهم ومرشدهم ~~نوحا ، وأصروا على التكذيب مع أنه دعاهم إلى الهدى ليلا ونهارا ، وسرا ~~وجهارا ، ومع أنه مكث فيهم «ألف سنة إلا خمسين عاما» كانت نتيجة ذلك كما ~~حكى القرآن : PageV05P300 # ( @QUR@05 فأنجيناه والذين معه في الفلك ) أى : فأنجيناه من الغرق هو ~~والذين آمنوا معه بأن حملناهم في السفينة التي صنعها. والفاء في ( @QUR@01 ~~فأنجيناه ) للسببية. # قيل كان عدد الذين آمنوا معه أربعين رجلا وأربعين امرأة. وقيل غير ذلك. ~~والقرآن قد صرح ms2149 بأن المؤمنين به كانوا قلة ، فقال : ( @QUR@05 وما آمن معه ~~إلا قليل ). # ( @QUR@08 وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين ) عمين : ~~جمع عم صفة مشبهة ، يقال : هو عم كفرح لأعمى البصيرة. # أى : وأغرقنا بالطوفان أولئك الذين كذبوا بآياتنا من قوم نوح لأنهم كانوا ~~قوما عمى البصائر عن الحق والإيمان لا تنفع فيهم المواعظ ولم يجد معهم ~~التذكير. # وهذه سنة الله في خلقه أن جعل حسن العاقبة للمؤمنين ، وسوء العذاب ~~للجاحدين. # ثم تحكى لنا السورة بعد ذلك قصة هود عليه السلام مع قومه ، فيقول الله ~~تعالى : # ( @QUR@016 وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره أفلا تتقون (65) @QUR@014 قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في ~~سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين (66) @QUR@011 قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني ~~رسول من رب العالمين (67) @QUR@07 أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين ~~(68) @QUR@027 أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا ~~إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بصطة فاذكروا آلاء الله ~~لعلكم تفلحون (69) PageV05P301 # @QUR@017 قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا ~~بما تعدنا إن كنت من الصادقين (70) @QUR@025 قال قد وقع عليكم من ربكم رجس ~~وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان ~~فانتظروا إني معكم من المنتظرين (71) @QUR@013 فأنجيناه والذين معه برحمة ~~منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين ) (72) # تلك هي قصة هود عليه السلام مع قومه كما حكتها سورة الأعراف. وقد وردت ~~أيضا في سورة أخرى ، منها : سورة هود ، والشعراء ، والأحقاف ... إلخ. # وينتهى نسب هود إلى نوح عليهما السلام كما قال بعض المؤرخين. فهو هود بن ~~عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح (1). # وقومه هم قبيلة عاد نسبة إلى أبيهم الذي كان يسمى بهذا الاسم وكانت ~~مساكنهم بالأحقاف باليمن والأحقاف جمع حقف وهو الرمل الكثير المائل. # وكانوا يعبدون الأصنام من دون الله ، فأرسل الله إليهم ms2150 هودا لهدايتهم ، ~~ويقال بأن هودا عليه السلام قد أرسله الله إلى عاد الأولى ، أما عاد الثانية ~~فهم قوم صالح ، وبينهما مائة سنة. # وقوله : ( @QUR@014 وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم ~~من إله غيره ) إلخ معطوف على قوله تعالى : ( @QUR@05 لقد أرسلنا نوحا إلى ~~قومه ) والمعنى : # وأرسلنا إلى قبيلة عاد أخاهم هودا فقال لهم ما قاله كل نبي لقومه : يا ~~قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. # ووصفه بأنه أخاهم لأنه من قبيلتهم نسبا ، أو لأنه أخوهم في الإنسانية. ثم ~~حكى القرآن أن PageV05P302 # هودا أنكر على قومه عبادتهم لغير الله ، وحضهم على إفراده بالعبادة فقال ~~: ( @QUR@02 أفلا تتقون ) أى : أفلا تخافون عذاب الله فتبتعدوا عن طريق ~~الشرك والضلال لتنجوا من عقابه. # قال أبو حيان : وفي قوله : ( @QUR@02 أفلا تتقون ) استعطاف وتحضيض على ~~تحصيل التقوى. ولما كان ما حل بقوم نوح من أمر الطوفان واقعة لم يظهر في ~~العالم مثلها قال لهم : ( @QUR@06 إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ) وواقعة ~~هود كانت مسبوقة بواقعة نوح وعهد الناس قريب بها فاكتفى هود بقوله لهم : ( ~~@QUR@02 أفلا تتقون ). والمعنى تعرفون أن قوم نوح لما لم يتقوا الله ~~وعبدوا غيره حل بهم ذلك العذاب الذي اشتهر خبره في الدنيا ، فقوله : ( ~~@QUR@02 أفلا تتقون ) إشارة إلى التخويف بتلك الواقعة المشهورة (1)». # وكأنما عظم على هؤلاء الطغاة أن يستنكر عليهم هود عليه السلام عبادتهم ~~لغير الله ، فردوا عليه ردا قبيحا حكاه القرآن في قوله : # ( @QUR@010 قال الملأ الذين كفروا من قومه ، إنا لنراك في سفاهة ) أى : ~~قال الأغنياء الذين كفروا من قوم هود له : إنه لنراك متمكنا في خفة العقل ، ~~راسخا فيها ، حيث هجرت دين قومك إلى دين آخر. وجعلت السفاهة ظرفا على طريق ~~المجاز ، فقد أرادوا أنه متمكن فيها ، غير منفك عنها. # وأصل السفه : الخفة والرقة والتحرك والاضطراب ، يقال : ثوب سفيه إذا كان ~~رديء النسج خفيفه ، أو كان باليا رقيقا : تسفهت الريح الشجر : مالت به. ~~وزمام سفيه : كثير الاضطراب لمنازعة الناقة إياه. وشاع السفه في خفة العقل ~~وضعف الرأى. ms2151 # ولم يكتفوا بوصفه بالسفه بل أضافوا إلى ذلك قولهم : ( @QUR@04 وإنا لنظنك ~~من الكاذبين ) أى : وإنا لنظنك من الكاذبين في دعوى التبليغ عن الله تعالى. # وأكدوا ظنهم الآثم كما أكدوا اتهامهم له بالسفه مبالغة منهم في الإساءة ~~إليه. ويرجح بعض العلماء أن الظن هنا على حقيقته ، لأنهم لو قالوا وإنا ~~لنعتقد أنك من الكاذبين ، لكانوا كاذبين على أنفسهم في ذلك ، لأنهم يعلمون ~~منه الصدق وحسن السيرة. # ومن بلاغة القرآن وإنصافه في أحكامه أنه قيد القائلين لهود هذا القول ~~الباطل بأنهم «الملأ الذين كفروا من قومه» ليخرج منهم الملأ أى الأشراف ~~الذين آمنوا من قومه. # وبعد هذا الرد القبيح منهم ، أخذ هود يدافع عن نفسه ويبين لهم وظيفته ~~بأسلوب حكيم فقال : ( @QUR@05 يا قوم ليس بي سفاهة ) أى : ليس بي أى نوع من ~~أنواع السفاهة كما تزعمون ( @QUR@012 ولكني رسول من رب العالمين. أبلغكم ~~رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين ). PageV05P303 # فأنت ترى أن هودا في هذا الرد الحكيم على قومه ، قد نفى عن نفسه تهمة ~~السفاهة كما نفى أخوه نوح من قبله عن نفسه تهمة الضلالة ، ثم بين لهم بعد ~~ذلك وظيفته وطبيعة رسالته ، ثم أخبرهم بعد ذلك بمقتضى أخوته لهم ليس معقولا ~~أن يكذب عليهم أو يخدعهم فإن الرائد لا يكذب أهله ، وإنما هو ناصح أمين ~~يهديهم إلى ما يصلحهم ويبعدهم عما يسوءهم : # قال صاحب الكشاف : «وفي إجابة الأنبياء عليهم السلام على من نسبهم إلى ~~الضلالة والسفاهة بما أجابوهم به من الكلام الصادر عن الحلم والإغضاء ، ~~وترك المقابلة بما قالوا لهم ، مع علمهم بأن خصومهم أضل الناس وأسفههم في ~~إجابتهم هذه أدب حسن ، وخلق عظيم ، وحكاية الله عز وجل ذلك ، تعليم لعباده ~~كيف يخاطبون السفهاء ، وكيف يغضون عنهم ويسبلون أذيالهم على ما يكون منهم» (1). # ونلمس من خلال التعبير القرآنى أن قوم هود قد تعجبوا من اختصاص هود ~~بالرسالة كما تعجب قوم نوح من قبلهم من ذلك ، فأخذ هود عليه السلام في إزالة ~~هذا العجب من نفوسهم ، فقال : # ( @QUR@010 أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم ms2152 على رجل منكم لينذركم ) أى : ~~أكذبتم وعجبتم من أن جاءكم ذكر وموعظة من ربكم على لسان رجل منكم تعرفون ~~صدقه ونسبه وحسبه ، إن ما عجبتم له ليس موقع عجب ، بل هو عين الحكمة فقد ~~اقتضت رحمة الله أن يرسل لعباده من بينهم من يرشدهم إلى الطريق القويم و ( ~~@QUR@05 الله أعلم حيث يجعل رسالته ). # ثم أخذ في تذكيرهم بواقعهم الذي يعيشون فيه لكي يحملهم على شكر الله فقال ~~: ( @QUR@08 واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ) أى : اذكروا بتأمل ~~واعتبار فضل الله عليكم ونعمه حيث جعلكم مستخلفين في الأرض من بعد قوم نوح ~~الذين أغرقوا بالطوفان لكفرهم وجحودهم. # قال الآلوسى ما ملخصه : و «إذ» منصوب على المفعولية لقوله : ( @QUR@01 ~~واذكروا ) أى : اذكروا هذا الوقت المشتمل على النعم الجسام. وتوجيه الأمر ~~بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه مع أنه المقصود بالذات للمبالغة في إيجاب ~~ذكره ، ولأنه إذا استحضر الوقت كان هو حاضرا بتفاصيله. # وهو معطوف على مقدر كأنه قيل : لا تعجبوا وتدبروا في أمركم واذكروا إذ ~~جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح» (2). PageV05P304 # ثم ذكرهم بنعمة ثانية فقال : ( @QUR@04 وزادكم في الخلق بصطة ) أى : ~~زادكم في المخلوقات بسطة وسعة في الملك والحضارة ، أو زادكم بسطة في قوة ~~أبدانكم وضخامة أجسامكم ، ومن حق هذا الاستخلاف وتلك القوة ، أن تقابلا ~~بالشكر لله رب العالمين. # وقد ذكر بعض المفسرين روايات تتعلق بضخامة أجسام قوم هود وقوتهم وهي ~~روايات ضعيفة لا يعتد بها ، ولذا أضربنا عنها ، ويكفينا أن القرآن الكريم ~~قد أشار إلى قوتهم وجبروتهم بدون تفصيل لذلك كما في قوله تعالى : ( @QUR@04 ~~وإذا بطشتم بطشتم جبارين ) وكما في قوله : ( @QUR@04 كأنهم أعجاز نخل خاوية ). # ثم كرر هود عليه السلام تذكيرهم بنعم الله فقال : ( @QUR@05 فاذكروا آلاء ~~الله لعلكم تفلحون ). أى : فاذكروا نعم الله واشكروها له لعلكم تفوزون بما ~~أعده للشاكرين من إدامتها عليهم وزيادتها لهم ، ولن تكونوا كذلك إلا ~~بعبادتكم له وحده عز وجل . # وآلاء الله : نعمه الكثيرة. والآلاء جمع إلى كحمل وأحمال. أو ألى ، كقفل ~~وأقفال. أو إلى ، كمعى ms2153 وأمعاء. # وإلى هنا يكون هود عليه السلام قد رد على قومه ردا مقنعا حكيما ، كان ~~المتوقع من ورائه أن يستجيبوا له ، وأن يقبلوا على دعوته ، ولكنهم لسوء ~~تفكيرهم وانطماس بصيرتهم ، أخذتهم العزة بالإثم فماذا قالوا لنبيهم ~~ومرشدهم؟. # ( @QUR@017 قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا ~~بما تعدنا إن كنت من الصادقين ). أى : قالوا له على سبيل الإنكار ~~والاستهزاء : أجئتنا يا هود لأجل أن نعبد الله وحده ، ونترك ما كان يعبد ~~آباؤنا من الأوثان والأصنام إن هذا لن يكون منا أبدا فأتنا بما تعدنا به من ~~العذاب ان كنت من الصادقين فيما تخبر به. # وننظر في هذا الرد من قوم هود فنراه طافحا بالتهور والتحدي والاستهزاء ~~واستعجال العذاب. # حتى لكأن هودا عليه السلام يدعوهم إلى منكر لا يطيقون سماعه ولا يصبرون ~~على الجدل فيه!!. # أليس هو يدعوهم إلى وحدانية الله وإفراده بالعبادة وترك ما كان يعبد ~~آباؤهم ، وهذا في زعمهم أمر منكر لا يطيقون الصبر عليه. # وهكذا يستحوذ الشيطان على قلوب بعض الناس وتفكيرهم فيصور لهم الحسنات في ~~صورة سيئات ، والسيئات في صورة حسنات. PageV05P305 # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى المجيء في قوله : ( @QUR@01 أجئتنا ~~)، قلت فيه أوجه : أن يكون لهود عليه السلام مكان معتزل عن قومه يتحنث فيه ~~كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحراء قبل المبعث ، فلما أوحى إليه ~~جاء قومه يدعوهم. وأن يريدوا به الاستهزاء ، لأنهم كانوا يعتقدون أن الله ~~تعالى لا يرسل إلا الملائكة ، فكأنهم قالوا : أجئتنا من السماء كما يجيء ~~الملك. وأنهم لا يريدون حقيقة المجيء. ولكن التعريض بذلك والقصد كما يقال : ~~ذهب يشتمني ولا يراد حقيقة الذهاب ، كأنهم قالوا أقصدتنا لنعبد الله وحده ~~وتعرضت لنا بتكليف ذلك» (1). # وقولهم : ( @QUR@07 فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ) يدل على أنه ~~كان يتوعدهم بالعذاب من الله. إذا استمروا على شركهم ، ويدل أيضا على ~~تصميمهم على الكفر ، واحتقارهم لأمر هود عليه السلام واستعجالهم إياه ~~بالعقوبة على سبيل التحدي ، لأنهم كانوا يتوهمون أن العقوبة ms2154 لن تقع عليهم أبدا. # وإزاء هذا التحدي السافر من قوم هود له ولدعوته ولوعيد الله لهم ، ما كان ~~من هود عليه السلام إلا أن جابههم بالرد الحاسم الذي تتجلى فيه الشجاعة ~~التامة ، والثقة الكاملة بأن الله سينصره عليهم وينتقم له منهم. # ( @QUR@08 قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب ) أى : قال هود لقومه بعد ~~أن لجوا في طغيانهم : قد حق ووجب عليكم من قبل ربكم عذاب وسخط بسبب إصراركم ~~على الكفر والعناد. # والرجس والرجز بمعنى ، وأصل معناه الاضطراب يقال : رجست السماء أى : رعدت ~~رعدا شديدا ، وهم في مرجوسة من أمرهم أى : في اختلاط والتباس. ثم شاع في ~~العذاب لاضطراب من حل به. # وعبر عن العذاب المتوقع وقوعه بأنه ( @QUR@02 قد وقع ) مبالغة في تحقيق ~~الوقوع ، وأنه أمر لا مفر لهم منه. # وعطف الغضب على الرجس ، للإشارة إلى ما سينزل بهم من عذاب هو انتقام لا ~~يمكن دفعه ، لأنه صادر من الله الذي غضب عليهم بسبب كفرهم ، وبعد أن أنذرهم ~~هددهم بوقوع العذاب عليهم ، ووبخهم على مجادلتهم إياه بدون علم فقال : ( ~~@QUR@06 أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم )؟ PageV05P306 # أى : أتجادلوني وتخاصمونى في شأن أشياء ما هي إلا أسماء ليس تحتها مسميات ~~، لأنكم تسمونها آلهة مع أن معنى الإلهية فيها معدوم ومحال وجوده إذ ~~المستحق للعبادة إنما هو الله الذي خلق كل شيء ، أما هذه الأصنام التي ~~زعمتم أنها آلهة فهي لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا. # فأنت ترى أن هودا عليه السلام قد حول آلهتهم إلى مجرد أسماء لا تبلغ أن ~~تكون شيئا وراء الاسم الذي يطلق عليها ، وهذا أعمق في الإنكار عليهم ، ~~والاستهزاء بعقولهم. # وقوله : ( @QUR@06 ما نزل الله بها من سلطان ) أى : ما نزل الله بها من ~~حجة أو دليل يؤيد زعمكم في ألوهيتها أو في كونها شفعاء لكم عند الله ، ~~وإنما هي أصنام باطلة قلدتم آباءكم في عبادتها بدون علم أو تفكير. # ثم هدد بالعاقبة المقررة المحتومة فقال : ( @QUR@05 فانتظروا إني معكم من ~~المنتظرين ) أى : فانتظروا نزول العذاب الذي استعجلتموه وطلبتموه حين ms2155 قلتم ~~( @QUR@03 فأتنا بما تعدنا ) فإنى معكم من المنتظرين لما سيحل بكم بسبب ~~شرككم وتكذيبكم. # ولم يطل انتظار هود عليهم ، فقد حل بهم العقاب الذي توعدهم به سريعا ولذا ~~قال تعالى : ( @QUR@05 فأنجيناه والذين معه برحمة منا ) الفاء فصيحة. أى : ~~فوقع ما وقع فأنجينا هودا والذين اتبعوه في عقيدته برحمة عظيمة منا لا يقدر ~~عليها غيرنا. # ( @QUR@05 وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا ) أى : استأصلناهم عن آخرهم ~~بالريح العقيم التي ( @QUR@09 ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم ). # فقطع الدابر كناية عن الاستئصال والإهلاك للجميع يقال قطع الله دابره أى ~~: أذهب أصله. # وقوله : ( @QUR@03 وما كانوا مؤمنين ) عطف على ( @QUR@01 كذبوا ) داخل ~~معه حكم الصلة أى : أصروا على الكفر والتكذيب ولم يرجعوا عن ذلك أصلا. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما فائدة نفى الإيمان عنهم في قوله : ( ~~@QUR@03 وما كانوا مؤمنين ) مع إثبات التكذيب بآيات الله؟ قلت : هو تعريض ~~بمن آمن منهم كمرثد بن سعد ومن نجا مع هود عليه السلام كأنه قال : وقطعنا ~~دابر الذين كذبوا منهم ، ولم يكونوا مثل من آمن منهم ليؤذن أن الهلاك ~~للمكذبين ونجى الله المؤمنين» (1). # وهكذا طويت صفحة أخرى من صحائف المكذبين ، وتحقق النذير في قوم هود كما ~~تحقق قبل ذلك في قوم نوح. PageV05P307 # ثم قصت علينا السورة بعد ذلك قصة صالح عليه السلام مع قومه فقالت : # ( @QUR@035 وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض ~~الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم (73) @QUR@025 واذكروا إذ جعلكم ~~خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال ~~بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين (74) @QUR@023 قال ~~الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن ~~صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون (75) @QUR@08 قال الذين ~~استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون (76) @QUR@016 فعقروا الناقة وعتوا عن ~~أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا ms2156 إن كنت من المرسلين (77) @QUR@06 ~~فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (78) @QUR@015 فتولى عنهم وقال يا ~~قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين ) (79) PageV05P308 # هذه قصة صالح مع قومه كما حكتها سورة الأعراف ، وقد وردت هذه القصة في ~~سور أخر كسور هود والشعراء والنمل والقمر وغيرها. # وصالح كما قال الحافظ البغوي هو ابن عبيد بن آسف بن ماسح بن عبيد ابن ~~حاذر بن ثمود : وينتهى نسبه إلى نوح عليه السلام . # وثمود اسم للقبيلة التي منها صالح سميت باسم جدها ثمود ، وقيل سميت بذلك ~~لقلة مائها لأن الثمد هو الماء القليل. # وكانت مساكنهم بالحجر بكسر الحاء وسكون الجيم ، والحجر مكان يقع بين ~~الحجاز والشام إلى وادي القرى ، وموقعه الآن ، تقريبا المنطقة التي بين ~~الحجاز وشرق الأردن ، وما زال المكان الذي كانوا يسكنونه يسمى بمدائن صالح ~~إلى اليوم ، وقد مر النبي صلى الله عليه وسلم على ديارهم وهو ذاهب إلى غزوة ~~تبوك سنة تسع من الهجرة. # وقبيلة صالح من قبائل العرب ، وكانوا خلفاء لقوم هود عليه السلام بعد أن ~~هلكوا فورثوا أرضهم ، وآتاهم الله نعما وفيرة ، وكانوا يعبدون الأصنام ~~فأرسل إليهم نبيهم صالحا مبشرا ونذيرا. # قال تعالى : ( @QUR@019 وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم ). # أى : وأرسلنا إلى ثمود أخاهم في النسب والموطن صالحا عليه السلام فقال لهم ~~الكلمة التي دعا بها كل نبي قومه : يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله سواه ~~، قد جاءتكم معجزة ظاهرة الدلائل ، شاهدة بنبوتي وصدقى فيما أبلغه عن ربي. # وقوله : ( @QUR@02 من ربكم ) متعلق بمحذوف صفة لبينة ، أى هذه البينة ~~كائنة من ربكم وليست من صنعي فعليكم أن تصدقوني لأنى مبلغ عن الله تعالى . # ثم كشف لهم عن معجزته وحجته فقال : ( @QUR@05 هذه ناقة الله لكم آية ) أى ~~: هذه التي ترونها وأشير إليها ناقة الله ، والتي جعلها سبحانه علامة لكم ~~على صدقى. # وأضاف الناقة إلى الله للتفضيل والتخصيص والتعظيم لشأنها. وقيل : لأنه ~~سبحانه خلقها على ms2157 خلاف سنته في خلق الإبل وصفاتها ، وقيل : لأنها لم يكن ~~لها مالك. # وقد ذكر المفسرون عنها قصصا لا تخلو من ضعف ، لذا اكتفينا بما ورد في ~~شأنها في القرآن الكريم. PageV05P309 # ثم أرشدهم إلى ما يجب عليهم نحوها فقال : ( @QUR@011 فذروها تأكل في أرض ~~الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم ). # أى اتركوا الناقة حرة طليقة تأكل في أرض الله التي لا يملكها أحد سواه ~~ولا تعتدوا عليها بأى لون من ألوان الاعتداء ، لأنكم لو فعلتم ذلك أصابكم ~~عذاب أليم. # والفاء في قوله : ( @QUR@01 فذروها ) للتفريع على كونها آية من آيات الله ~~، فيجب إكرامها وعدم التعرض لها بسوء. و ( @QUR@01 تأكل ) مجزوم في جواب الأمر. # وأضيفت الأرض إلى الله أيضا قطعا لعذرهم في التعرض لها ، فكأنه يقول لهم ~~، الأرض أرض الله والناقة ناقته ، فذروها تأكل في أرضه لأنها ليست لكم ، ~~وليس ما فيها من عشب ونبات من صنعكم ، فأى عذر لكم في التعرض لها؟ # وفي نهيهم عن أن يمسوها بسوء تنبيه بالأدنى على الأعلى ، لأنه إذا كان قد ~~نهاهم عن مسها بسوء إكراما لها فنهيهم عن نحرها أو عقرها أو منعها من الكلأ ~~والماء من باب أولى. فالجملة الكريمة وعيد شديد لمن يمسها بسوء. # وقوله : ( @QUR@03 فيأخذكم عذاب أليم ) الفعل المضارع منصوب في جواب النهى. # وبعد أن بين لهم صالح عليه السلام وظيفته ، وكشف لهم عن معجزته ، وأنذرهم ~~بسوء العاقبة إذا ما خالفوا أمره ، أخذ في تذكيرهم بنعم الله عليهم. ~~وبمصائر الماضين قبلهم. # فقال كما حكى القرآن عنه : ( @QUR@07 واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد ). # أى : واذكروا بتدبر واتعاظ نعم الله عليكم حيث جعلكم خلفاء لقبيلة عاد في ~~الحضارة والعمران والقوة والبأس ، بعد أن أهلكهم الله بسبب طغيانهم وشركهم. # وقوله : ( @QUR@03 وبوأكم في الأرض ) أى : أنزلكم فيها وجعلها مباءة ~~ومساكن لكم. يقال : بوأه منزلا ، أى : أنزله وهيأه له ومكن له فيه. # والمراد بالأرض : أرض الحجر التي كانوا يسكنونها وهي بين الحجاز والشام ، ~~تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا. # السهول : الأراضي السهلة المنبسطة. والجبال : الأماكن المتحجرة ms2158 المرتفعة. # أى أنزلكم في أرض الحجر ، ويسر لكم أن تتخذوا من سهولها قصورا جميلة ، ~~ودورا عالية ، ومن جبالها بيوتا تسكنونها بعد نحتكم إياها. PageV05P310 # يقال : نحته ينحته كيضربه وينصره ويعلمه أى : براه وسواه. # قيل إنهم كانوا يسكنون الجبال في الشتاء لما في البيوت المنحوتة من القوة ~~التي لا تؤثر فيها الأمطار والعواصف ، ولما فيها من الدفء. أما في غير ~~الشتاء فكانوا يسكنون السهول لأجل الزراعة والعمل ومن التعبير القرآنى نلمح ~~أثر النعمة والتمكين في الأرض لقوم صالح ، وندرك طبيعة الموقع الذي كانوا ~~يعيشون فيه ، فهو سهل وجبل ، يتخذون في السهل القصور ، وينحتون في الجبال ~~البيوت ، فهم في حضارة عمرانية واضحة المعالم ، ولذا نجد صالح عليه السلام ~~يكرر عليهم التذكير بشكر النعم فيقول : # ( @QUR@08 فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين ). # أى : فاذكروا بتدبر واتعاظ نعم الله عليكم ، واشكروه على هذه النعم ~~الجزيلة ، وخصوه وحده بالعبادة ، ولا تتمادوا في الفساد حال إفسادكم في الأرض. # والمقصود النهى عما كانوا عليه من التمادي في الفساد. مأخوذ من العيث وهو ~~أشد الفساد. # يقال : عثى كرضى عثوا إذ أفسد أشد الإفساد. # وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد ذكرت لنا جانبا من النصائح التي وجهها ~~صالح لقومه فماذا كان موقفهم منه. # لقد كان موقفهم لا يقل في القبح والتطاول والعناد عن موقف قوم نوح وقوم ~~هود ، وهاك ما حكاه القرآن عنهم : # ( @QUR@017 قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن ~~منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه )؟ # أى : قال المترفون المتكبرون من قوم صالح للمؤمنين المستضعفين الذين ~~هداهم الله إلى الحق : أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه إليكم لعبادته وحده لا ~~شريك له؟ # وهو سؤال قصد المترفون منه تهديد المؤمنين والاستهزاء بهم ، لأنهم يعلمون ~~أن المؤمنين يعرفون أن صالحا مرسل من ربه. # ولذا وجدنا المؤمنين لا يردون عليهم بما يقتضيه ظاهر السؤال بأن يقولوا ~~لهم : نعم أنه مرسل من ربه ، وإنما ردوا عليهم بقولهم : ( @QUR@05 إنا بما ~~أرسل به مؤمنون )، مسارعة منهم إلى إحقاق الحق وإبطال الباطل ms2159 ، وإظهارا ~~للإيمان الذي استقر في قلوبهم ، وتنبيها على أن أمر إرسال صالح عليه السلام ~~من الظهور والوضوح حيث لا ينبغي لعاقل أن يسأل عنه ، وإنما الشيء الجدير ~~بالسؤال عنه هو الإيمان بما جاء به هذا الرسول الكريم ، والامتثال لما ~~يقتضيه العقل السليم. PageV05P311 # وهو رد من المؤمنين المستضعفين يدل على شجاعتهم في الجهر بالحق وعلى قوة ~~إيمانهم ، وسلامة يقينهم. # وقوله : ( @QUR@03 لمن آمن منهم ) بدل من ( @QUR@02 للذين استضعفوا ) ~~بإعادة الجار بدل كل من كل ، والضمير في ( @QUR@01 منهم ) يعود على قوم صالح. # وهنا يعلن المستكبرون عن موقفهم في عناد ، وصلف وجحود ، واستمع إلى ~~القرآن وهو يحكى ذلك فيقول : ( @QUR@08 قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم ~~به كافرون ). # أى : قال المستكبرون ردا على المؤمنين الفقراء : إنا بما آمنتم به كافرون ~~، ولم يقولوا إنا بما أرسل به كافرون ، إظهارا لمخالفتهم إياهم ، وردا على ~~مقالتهم ( @QUR@05 إنا بما أرسل به مؤمنون ). # قال صاحب الانتصاف : ولو طابقوا بين الكلامين لكان مقتضى المطابقة أن ~~يقولوا ، بما أرسل به كافرون ولكنهم أبوا ذلك حذرا مما في ظاهره من إثباتهم ~~لرسالته ، وهم يجحدونها ، وقد يصدر مثل ذلك على سبيل التهكم ، كما قال ~~فرعون : إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ، فأثبت إرساله تهكما ، وليس ~~المقام هنا مقام التهكم ، فإن الغرض إخبار كل واحد من الفريقين المؤمنين ~~والمكذبين عن حاله ، فرد كل فريق على الآخر بما يناسبه» (1). # ثم أتبع المستكبرون قولهم القبيح بفعل أقبح يتجلى في قوله تعالى عنهم : ( ~~@QUR@02 فعقروا الناقة ) أى : نحروها وأصل العقر : قطع عرقوب البعير ، ثم ~~استعمل في النحر ، لأن ناحر البعير يعقره ثم ينحره. # أى : عقروا الناقة التي جعلها الله حجة لنبيه صالح عليه السلام والتي قال ~~لهم صالح في شأنها : ( @QUR@06 لا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم ). # وأسند العقر إلى جميعهم لأنه كان برضاهم ، وإن لم يباشره إلا بعضهم ، ~~ويقال للقبيلة الكبيرة أنتم فعلتم كذا مع أن الفاعل واحد منهم ، لكونه بين ~~أظهرهم. # وقوله : ( @QUR@04 وعتوا عن أمر ربهم ) أى : استكبروا عن امتثال أوامره ~~واجتناب نواهيه. من العتو وهو النبو ، أى ms2160 : الارتفاع عن الطاعة والتكبر عن ~~الحق والغلو في الباطل. يقال : عتا يعتو عتيا ، إذا تجاوز الحد في ~~الاستكبار. فهو عات وعتى. # وقد اختار القرآن كلمة ( @QUR@01 عتوا ) لإبراز ما كانوا عليه من تجبر ~~وتبجح وغرور خلال اقترافهم PageV05P312 # للمعاصي والجرائم التي من أبرزها عقر الناقة ، فهم قد فعلوا ما فعلوا عن ~~تعمد وإصرار على ارتكاب المنكر. # ثم لم يكتفوا بكل هذا ، بل قالوا لنبيهم في سفاهة وتطاول : ( @QUR@09 يا ~~صالح ائتنا ، بما تعدنا إن كنت من المرسلين ). # نادوه باسمه تهوينا لشأنه ، وتعريضا بما يظنون من عجزه ؛ وقالوا له على ~~سبيل تعجل العذاب الذي توعدهم به إذا استمروا في طغيانهم ائتنا بما توعدتنا ~~به إن كنت صادقا في رسالتك. # ولقد كان رد القدر على تبجحهم وعتوهم واستكبارهم سريعا ؛ قال تعالى ( ~~@QUR@06 فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين ): # الرجفة : الزلزلة الشديدة. يقال : رجفت الأرض ترجف رجفا ، إذا اضطربت ~~وزلزلت ؛ ومنه الرجفان للاضطراب الشديد. # وجاثمين : من الجثوم وهو للناس والطير بمنزلة البروك للإبل ، يقال جثم ~~الطائر يجثم جثما وجثوما فهو جاثم إذا وقع على صدره أو لزم مكانه فلم يبرحه. # والمعنى : فأخذت أولئك المستكبرين الرجفة ، أى : الزلزلة الشديدة ~~فأهلكتهم ، فأصبحوا في بلادهم أو مساكنهم باركين على الركب ، ساقطين على ~~وجوههم ، هامدين لا يتحركون. وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. # ويتركهم القرآن على هيئتهم جاثمين ، ليتحدث عن نبيهم صالح الذي كذبوه ~~فيقول : ( @QUR@015 فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت ~~لكم ولكن لا تحبون الناصحين ). # أى : فأعرض عنهم نبيهم صالح ، ونفض يديه منهم ، وتركهم للمصير الذي جلبوه ~~على أنفسهم ، وأخذ يقول متحسرا على ما فاتهم من الإيمان : يا قوم لقد ~~أبلغتكم رسالة ربي كاملة غير منقوصة ، ونصحت لكم بالترغيب تارة وبالترهيب ~~أخرى ، ولكن كان شأنكم الاستمرار على بغض الناصحين وعداوتهم». # هذا وقد وردت أحاديث تصرح بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد مر على ديار ~~ثمود المعروفة الآن بمدائن صالح وهو ذاهب إلى تبوك سنة تسع من الهجرة ، ~~فأمر أصحابه أن يدخلوها خاشعين وجلين كراهة ms2161 أن يصيبهم ما أصاب أهلها ، ~~ونهاهم عن أن يشربوا من مائها. # روى الإمام أحمد عن ابن عمر قال : نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس ~~عام تبوك ، نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود فاستسقى الناس من الآبار التي كانت ~~تشرب منها ثمود فعجنوا منها ونصبوا PageV05P313 # القدور باللحم ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم فأهرقوا القدور ، وعلفوا ~~العجين الإبل ، ثم ارتحل بهم عن البئر التي كانت تشرب منها الناقة ، ونهاهم ~~أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا وقال : إنى أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم ~~، فلا تدخلوا عليهم» (1). # وروى الشيخان عن ابن عمر قال : لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر ~~قال : لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين. فإن لم تكونوا ~~باكين فلا تدخلوا عليهم ، أن يصيبكم مثل ما أصابهم ، ثم قنع رأسه وأسرع ~~السير حتى جاوزوا الوادي (2). # وهكذا طويت صفحة أخرى من صحائف المكذبين ، وحلت العقوبة بمن كانوا ~~يتعجلونها ويستهزئون بها. # ثم حكت لنا السورة بعد ذلك جانبا مما دار بين لوط وقومه فقالت : # ( @QUR@013 ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من ~~العالمين (80) @QUR@011 إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم ~~مسرفون (81) @QUR@013 وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم ~~إنهم أناس يتطهرون (82) @QUR@07 فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من ~~الغابرين (83) @QUR@08 وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين ) (84) # قال ابن كثير : لوط. هو ابن هاران بن آزر وهو ابن أخى إبراهيم ، وكان قد ~~آمن مع إبراهيم وهاجر معه إلى أرض الشام ، فبعثه الله إلى أهل سدوم وما ~~حولها من القرى يدعوهم إلى PageV05P314 # الله تعالى ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عما كانوا يرتكبونه من المآثم ~~والمحارم والفواحش التي اخترعوها لم يسبقهم بها أحد من بنى آدم ولا من ~~غيرهم ، وهو إتيان الذكور دون الإناث ، وهذا شيء لم يكن بنو آدم تعهده ولا ~~تألفه ولا يخطر ببالهم «حتى صنع ذلك أهل سدوم وهي قرية بوادي الأردن عليهم ~~لعائن الله (1)». # وقوله تعالى ms2162 : ( @QUR@01 ولوطا ) منصوب بفعل مضمر معطوف على ما سبق أى : ~~وأرسلنا لوطا و ( @QUR@03 إذ قال لقومه ) ظرف لأرسلنا ، وجوز أن يكون ( ~~@QUR@01 لوطا ) منصوبا باذكر محذوفا فيكون من عطف القصة على القصة ، و ( ~~@QUR@01 إذ ) بدل من لوط بدل اشتمال بناء على أنها لا تلزم الظرفية. # وقوله : ( @QUR@09 أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين ). # أى : أتفعلون تلك الفعلة التي بلغت نهاية القبح والفحش ، والتي ما فعلها ~~أحد قبلكم في زمن من الأزمان فأنتم أول من ابتدعها فعليكم وزرها ووزر من ~~عملها إلى يوم القيامة ، والاستفهام ، للإنكار والتوبيخ قال عمر بن دينار : ~~«ما نزا ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط». # وقال الوليد بن عبد الملك : «لو لا أن الله قص علينا خبر قوم لوط ما ظننت ~~أن ذكرا يعلو ذكرا» والباء في ( @QUR@01 بها ) كما قال الزمخشري للتعدية ، ~~من قولك سبقته بالكرة إذا ضربتها قبله ومن قوله صلى الله عليه وسلم : «سبقك ~~بها عكاشة» و ( @QUR@01 من ) في قوله : ( @QUR@02 من أحد ) لتأكيد النفي ~~وعمومه المستغرق لكل البشر. # والجملة كما قال أبو السعود مستأنفة مسوقة لتأكيد النكير وتشديد التوبيخ ~~والتقريع ، فإن مباشرة القبح قبيح واختراعه أقبح ، فأنكر عليهم أولا إتيان ~~الفاحشة ، ثم وبخهم بأنهم أول من عملها». # ثم أضاف لوط إلى إنكاره على قومه إنكارا آخر وتوبيخا أشنع فقال : ( ~~@QUR@07 إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء ). # أى : إنكم أيها القوم لممسوخون في طبائعكم حيث تأتون الرجال الذين خلقهم ~~الله ليأتوا النساء ، ولا حامل لكم على ذلك إلا مجرد الشهوة الخبيثة ~~القذرة. # والإتيان : كناية عن الاستمتاع والجماع. من أتى المرأة إذا غشيها. # وفي إيراد لفظ ( @QUR@01 الرجال ) دون الغلمان والمردان ونحوهما ، مبالغة ~~في التوبيخ والتقريع. PageV05P315 # قال صاحب الكشاف : و ( @QUR@01 شهوة ) مفعول له ، أى للاشتهاء ولا حامل ~~لكم عليه إلا مجرد الشهوة من غير داع آخر. ولا ذم أعظم منه ، لأنه وصف لهم ~~بالبهيمية ، وأنه لا داعي لهم من جهة العقل البتة كطلب النسل ونحوه. أو حال ~~بمعنى مشتهين تابعين للشهوة غير ملتفتين إلى السماحة» (1). # وقوله : ( @QUR@03 من ms2163 دون النساء ) حال من الرجال أو من الواو في تأتون ، ~~أى : تأتون الرجال حالة كونكم تاركين النساء اللائي هن موضع الاشتهاء عند ~~ذوى الطبائع السليمة ، والأخلاق المستقيمة. # قال الجمل : وإنما ذمهم وعيرهم ووبخهم بهذا الفعل الخبيث ، لأن الله ~~تعالى خلق الإنسان وركب فيه شهوة النكاح لبقاء النسل وعمران الدنيا ، وجعل ~~النساء محلا للشهوة وموضعا للنسل. فإذا تركهن الإنسان وعدل عنهن إلى غيرهن ~~من الرجال فقد أسرف وجاوز واعتدى ، لأنه وضع الشيء في غير محله وموضعه الذي ~~خلق له ، لأن أدبار الرجال ليست محلا للولادة التي هي مقصودة بتلك الشهوة ~~للإنسان» (2). # وقوله : ( @QUR@04 بل أنتم قوم مسرفون ) إضراب عن الإنكار إلى الاخبار عن ~~الأسباب التي جعلتهم يرتكبون هذه القبائح ، وهي أنهم قوم عادتهم الإسراف ~~وتجاوز الحدود في كل شيء. # أى : أنتم أيها القوم لستم ممن يأتى الفاحشة مرة ثم يهجرها ويتوب إلى ~~الله بل أنتم قوم مسرفون فيها وفي سائر أعمالكم ، لا تقفون عند حد الاعتدال ~~في عمل من الأعمال. # وقد حكى القرآن أن لوطا عليه السلام قال لهم في سورة العنكبوت : ( @QUR@09 ~~إنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل ، وتأتون في ناديكم المنكر ). # وقال لهم في سورة النمل : ( @QUR@04 بل أنتم قوم عادون ) أى : متجاوزون ~~لحدود الفطرة وحدود الشريعة. # وقال لهم في سورة النمل : ( @QUR@04 بل أنتم قوم تجهلون ) وهو يشمل الجهل ~~الذي هو ضد العلم ، والجهل الذي هو بمعنى السفه والطيش. # ومجموع الآيات يدل على أنهم كانوا مصابين بفساد العقل ، وانحطاط الخلق ، ~~وإيثار الغي والعدوان على الرشاد والتدبر. PageV05P316 # ولقد حكى القرآن جوابهم القبيح على نصائح نبيهم لهم ، فقال : ( @QUR@010 ~~وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم ). # أى : وما كان جواب الطغاة المستكبرين على نصائح نبيهم لوط عليه السلام إلا ~~أن قال بعضهم لبعض أخرجوا لوطا ومن معه من المؤمنين من قريتكم سدوم التي ~~استوطنتموها وعشتم بها. # وقوله : ( @QUR@03 إلا أن قالوا ) استثناء مفرغ من أعم الأشياء ، أى : ما ~~كان جوابهم شيئا من الأشياء سوى قول بعضهم لبعض أخرجوهم. # لما ذا هذا الإخراج؟ بين القرآن ms2164 أسبابه كما تفوهت به ألسنتهم الخبيثة ، ~~واتفقت عليه قلوبهم المنكوسة فقال : ( @QUR@03 إنهم أناس يتطهرون ) بهذه ~~الجملة التعليلية. # أى : إن لوطا وأتباعه أناس يتنزهون عن إتيان الرجال ، وعن كل عمل من ~~أعمالنا لا يرونه مناسبا لهم. يقال : تطهر الرجل ، أى : تنزه عن الآثام ~~والقبائح. # وما أعجب العقول عند ما تنتكس ، والأخلاق عند ما ترتكس ، إنها تستنكف أن ~~يبقى معها الطهور المتعفف عن الفحش ، وتعمل على إخراجه ، ليبقى لها ~~الملوثون الممسوخون. وإنه لمنطق يتفق مع المنحرفين الذين انحطت طباعهم ، ~~وانقلبت موازينهم ، وزين لهم الشيطان سوء أعمالهم فرأوه حسنا. # ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال : وقولهم : ( @QUR@03 إنهم أناس يتطهرون ) ~~سخرية بهم وبتطهرهم من الفواحش ، وافتخار بما كانوا فيه من القذارة ، كما ~~يقول الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم : أبعدوا عنا هذا المتقشف وأريحونا من ~~هذا المتزهد» (1). # ثم حكت السورة عاقبة الفريقين فقالت : ( @QUR@02 فأنجيناه وأهله ) أى : ~~أنجينا لوطا ومن يختص به من ذويه أو من المؤمنين به. # قالوا : ولم يؤمن به أحد منهم سوى أهل بيته فقط ، كما قال تعالى : ( ~~@QUR@013 فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين. فما وجدنا فيها غير بيت من ~~المسلمين ). # وقوله : ( @QUR@02 إلا امرأته ) استثناء من أهله ، أى : فأنجيناه وأهله ~~إلا امرأته فإنا لم ننجها لخبثها وعدم إيمانها. # قال ابن كثير : إنها لم تؤمن به ، بل كانت على دين قومها ، تمالئهم عليه ~~وتخبرهم بمن يقدم عليه من ضيفانه بإشارات بينها وبينهم ، ولهذا لما أمر لوط ~~عليه السلام ليسرى بأهله أمر أن PageV05P317 # لا يعلمها ولا يخرجها من البلد ، ومنهم من يقول بل اتبعتهم ، فلما جاء ~~العذاب التفتت هي فأصابها ما أصابهم ، والأظهر أنها لم تخرج من البلد ولا ~~أعلمها لوط بل بقيت معهم ، ولهذا قال هاهنا : ( @QUR@05 إلا امرأته كانت من ~~الغابرين ) أى : «الباقين في العذاب» (1). # والغابر : الباقي. يقال : غبر الشيء يغبر غبورا ، أى «بقي». وقد يستعمل ~~فيما مضى أيضا فيكون من الأضداد ، ومنه قول الأعشى : في الزمن الغابر. أى : ~~الماضي. # وقوله : ( @QUR@03 وأمطرنا عليهم مطرا ) أى : وأرسلنا على قوم لوط نوعا ~~من المطر عجيبا أمره ms2165 ، وقد بينه الله في آية أخرى بقوله : ( @QUR@08 فجعلنا ~~عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل ) (2). # أى : جازيناهم بالعقوبة التي تناسب شناعة جرمهم فإنهم لما قلبوا الأوضاع ~~فأتوا الرجال دون النساء ، أهلكناهم بالعقوبة التي قلبت عليهم قريتهم فجعلت ~~أعلاها أسفلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل أى من طين متجمد. # ثم ختمت القصة بالدعوة إلى التعقل والتدبر والاعتبار فقال تعالى : ( ~~@QUR@05 فانظر كيف كان عاقبة المجرمين ). # أى : فانظر أيها العاقل نظرة تدبر واتعاظ في مآل أولئك الكافرين ~~المقترفين لأشنع الفواحش ، واحذر أن تعمل أعمالهم حتى لا يصيبك ما أصابهم ~~وسر في الطريق المستقيم لتنال السعادة في الدنيا والآخرة. # هذا ، وقد وردت أحاديث تصرح بقتل من يعمل عمل قوم لوط فقد روى الإمام ~~أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي والحاكم والبيهقي عن ابن عباس. # قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط. ~~فاقتلوا الفاعل والمفعول به». # وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن اللائط يلقى من شاهق ويتبع بالحجارة كما ~~فعل بقوم لوط. # وذهب بعض العلماء إلى أنه يرجم ، سواء أكان محصنا أو غير محصن (3). # ثم قصت علينا سورة الأعراف بعد ذلك قصة شعيب مع قومه ، فقالت : PageV05P318 # ( @QUR@038 وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس ~~أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين (85) ~~@QUR@024 ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به ~~وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة ~~المفسدين (86) @QUR@019 وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم ~~يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين ) (87) # وقوله : ( @QUR@014 وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم ~~من إله غيره ) أى : وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبا. ومدين اسم للقبيلة التي ~~تنسب إلى مدين بن إبراهيم عليه السلام وكانوا يسكنون في المنطقة التي تسمى ~~معان بين حدود ms2166 الحجاز والشام ، وهم أصحاب الأيكة والأيكة : منطقة مليئة ~~بالشجر كانت مجاورة لقرية معان ، وكان يسكنها بعض الناس فأرسل الله شعيبا ~~إليهم جميعا. # وشعيب هو ابن ميكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم فهو أخوهم في النسب وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شعيب قال : «ذلك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته ~~لقومه ، وقوة حجته. # وكان قومه أهل كفر وبخس للمكيال والميزان فدعاهم إلى توحيد الله تعالى ~~ونهاهم عن الخيانة وسوء الأخلاق. # وعن السدى وعكرمة : أن شعيبا أرسل إلى أمتين : أهل مدين الذين أهلكوا ~~بالصيحة ، PageV05P319 # وأصحاب الأيكة الذين أخذهم الله بعذاب يوم الظلة ، وأنه لم يبعث نبي ~~مرتين إلا شعيب عليه السلام . # ولكن المحققين من العلماء اختاروا أنهما أمة واحدة فأهل مدين هم أصحاب ~~الأيكة أخذتهم الرجفة والصيحة وعذاب يوم الظلة أى السحابة ، وأن كل عذاب ~~كان كالمقدمة للآخر. # وبعد أن دعاهم إلى وحدانية الله شأن جميع الرسل في بدء دعوتهم قال لهم : ~~( @QUR@05 قد جاءتكم بينة من ربكم ) أى : قد جاءتكم معجزة شاهدة بصحة نبوتي ~~توجب عليكم الإيمان بي والأخذ بما آمركم به والانتهاء عما أنهاكم عنه. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما كانت معجزته؟ قلت : قد وقع العلم بأنه ~~كانت له معجزة لقوله : ( @QUR@05 قد جاءتكم بينة من ربكم )، ولأنه لا بد ~~لمدعي النبوة من معجزة تشهد له وتصدقه وإلا لم تصح دعواه ، وكان متنبئا لا ~~نبيا ، غير أن معجزته لم تذكر في القرآن كما لم تذكر معجزات نبينا ~~صلى الله عليه وسلم فيه (1). # ثم أخذ في نهيهم عن أبرز المنكرات التي كانت متفشية فيهم فقال كما حكى ~~القرآن عنه : # ( @QUR@03 فأوفوا الكيل والميزان ) الكيل والميزان مصدران أريد بهما ما ~~يكال وما يوزن به ، كالعيش بمعنى ما يعاش به. أو المكيل والموزون. # أى : فأتموا الكيل والميزان للناس بحيث يعطى صاحب الحق حقه من غير نقصان ~~، ويأخذ صاحب الحق حقه من غير طلب الزيادة. # ( @QUR@04 ولا تبخسوا الناس أشياءهم ) أى : ولا تنقصوهم حقوقهم بتطفيف ~~الكيل ونقص الوزن فيما يجرى بينكم وبينهم من معاملات. # يقال ms2167 : بخسه حقه يبخسه إذا نقصه إياه. وظلمه فيه «وتبخسوا» تعدى إلى ~~مفعولين أولهما الناس والثاني أشياءهم. # وفائدة التصريح بالنهى عن النقص بعد الأمر بالإيفاء ، تأكيد ذلك الأمر ~~وبيان قبح ضده. # قال الآلوسى : وقد يراد بالأشياء الحقوق مطلقا فإنهم كانوا مكاسين لا ~~يدعون شيئا إلا مكسوة. وقد جاء عن ابن عباس أنهم كانوا قوما طغاة بغاة ~~يجلسون على الطريق فيبخسون الناس أموالهم. قيل ويدخل في ذلك بخس الرجل حقه ~~من حسن المعاملة والتوقير اللائق به وبيان فضله على ما هو عليه للسائل عنه. ~~وكثير ممن ينتسب إلى أهل العلم اليوم مبتلون بهذا PageV05P320 # البخس ، وليتهم قنعوا به بل جمعوا «حشفا وسوء كيلة» فإنا لله وإنا إليه ~~راجعون (1) ثم نهاهم عن الإفساد بوجه عام فقال : ( @QUR@06 ولا تفسدوا في ~~الأرض بعد إصلاحها ) أى : لا تفسدوا في الأرض بما ترتكبون فيها من ظلم وبغى ~~، وكفر وعصيان ، بعد أن أصلح أمرها وأمر أهلها الأنبياء وأتباعهم الصالحون ~~الذين يعدلون في معاملاتهم ويلتزمون الحق في كل تصرفاتهم. # ثم ختمت الآية بتلك الجملة الكريمة التي استجاش بها شعيب مشاعر الإيمان ~~في نفوس قومه حيث قال لهم : ( @QUR@06 ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين ). # أى : ذلكم الذي آمركم به وأنهاكم عنه خير لكم في الحال والمآل فبادروا ~~إلى الاستجابة لي إن كنتم مصدقين قولي ، ومنتفعين بالهدايات التي جئت بها ~~إليكم من ربكم. # فاسم الإشارة ( @QUR@01 ذلكم ) يعود إلى ما ذكر من الأمر بالوفاء في ~~الكيل والميزان والنهى عن بخس الناس أشياءهم وعن الإفساد في الأرض. # ثم انتقل شعيب إلى نهيهم عن رذائل أخرى كانوا متلبسين بها فقال : ( ~~@QUR@05 ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ) توعدون : من التوعد بمعنى التخويف ~~والتهديد. أى : ولا تقعدوا بكل طريق من الطرق المسلوكة تهددون من آمن بي ~~بالقتل ، وتخيفونه بأنواع الأذى ، وتلصقون بي وأنا نبيكم التهم التي أنا ~~برىء منها ، بأن تقولوا لمن يريد الإيمان برسالتي : إن شعيبا كذاب وإنه ~~يريد أن يفتنكم عن دينكم. # وقوله : ( @QUR@09 وتصدون عن سبيل الله من آمن به ، وتبغونها عوجا ) أى : ~~وتصرفون عن دين ms2168 الله وطاعته من آمن به ، وتطلبون لطريقه العوج بإلقاء الشبه ~~أو بوصفها بما ينقصها ، مع أنها هي الطريق المستقيم الذي هو أبعد ما يكون ~~عن شائبه الاعوجاج. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : صراط الحق واحد ( @QUR@012 وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) فكيف قيل : بكل ~~صراط؟ قلت : صراط الحق واحد ، ولكنه يتشعب إلى معارف وحدود وأحكام كثيرة ~~مختلفة ، فكانوا إذا رأوا أحدا يشرع في شيء منها أوعدوه وصدوه فإن قلت : ~~إلام يرجع الضمير في ( @QUR@02 آمن به )؟ قلت : إلى كل صراط ، والتقدير : ~~توعدون من آمن به وتصدون عنه. فوضع الظاهر الذي هو سبيل الله موضع الضمير ~~زيادة في تقبيح أمرهم ، ودلالة على عظم ما يصدون عنه (2). PageV05P321 # وقوله : توعدون. وتصدون ، وتبغون هذه الجمل أحوال ، أى : لا تقعدوا ~~موعدين وصادين ، وباغين ، ولم يذكر الموعد به لتذهب النفس فيه كل مذهب ، ثم ~~ذكرهم شعيب بنعم الله عليهم فقال : ( @QUR@05 واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم ~~) أى : اذكروا ذلك الزمن الذي كنتم فيه قليلي العدد فكثركم الله بأن جعلكم ~~موفورى العدد ، وكنتم في قلة من الأموال فأفاضها الله بين أيديكم ، فمن ~~الواجب عليكم أن تشكروه على هذه النعم ، وأن تفردوه بالعبادة والطاعة ثم ~~اتبع هذا التذكير بالنعم بالتخويف من عواقب الإفساد فقال : ( @QUR@05 ~~وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين ) أى : انظروا نظر تأمل واعتبار كيف كانت ~~عاقبة المفسدين من الأمم الخالية ، والقرون الماضية ، كقوم لوط وقوم صالح ، ~~فسترون أنهم قد دمروا تدميرا بسبب إفسادهم في الأرض ، وتكذيبهم لرسلهم ( ~~@QUR@07 فاتقوا الله وأطيعون. ولا تطيعوا أمر المسرفين ) لأن سيركم على ~~طريقهم سيؤدي بكم إلى الدمار. # ثم نصحهم بأن يأخذوا أنفسهم بشيء من العدل وسعة الصدر ، وأن يتركوا ~~أتباعه أحرارا في عقيدتهم حتى يحكم الله بين الفريقين ، فقال : ( @QUR@019 ~~وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به ، وطائفة لم يؤمنوا ، فاصبروا حتى ~~يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين ). # أى : إن كان بعضكم قد آمن بما أرسلنى الله به إليكم من التوحيد وحسن ~~الأخلاق ، وبعضكم لم يؤمن بما أرسلت ms2169 به بل أصر على شركه وعناده ، فتربصوا ~~وانتظروا حتى يحكم الله بيننا وبينكم بحكمه العادل ، الذي يتجلى في نصرة ~~المؤمنين ، وإهلاك الظالمين ، وهو سبحانه خير الحاكمين. # قال صاحب الكشاف : وهذا وعيد للكافرين بانتقام الله منهم ، كقوله : ( ~~@QUR@04 فتربصوا إنا معكم متربصون ) أو هو عظة للمؤمنين وحث على الصبر ~~واحتمال ما كان يلحقهم من أذى المشركين إلى أن يحكم الله بينهم وينتقم لهم ~~منهم. ويجوز أن يكون خطابا للفريقين. أى : ليصبر المؤمنون على أذى الكفار ، ~~وليصبر الكفار على ما يسوءهم من إيمان من آمن حتى يحكم الله فيميز الخبيث ~~من الطيب (1)». # وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حكت لنا جانبا من الحجج الناصعة ، ~~والنصائح الحكيمة ، والتوجيهات الرشيدة التي وجهها شعيب خطيب الأنبياء إلى قومه. # وارجع البصر أيها القارئ الكريم في هذه النصائح ترى شعيبا عليه السلام ~~يأمر قومه بوحدانية الله لأنها أساس العقيدة وركن الدين الأعظم ، ثم يتبع ~~ذلك بمعالجة الجرائم التي PageV05P322 # كانت متفشية فيهم ، فيأمرهم بإيفائهم الكيل والميزان ، وينهاهم عن بخس ~~الناس أشياءهم وعن الإفساد في الأرض ، وعن القعود في الطرقات لتخويف الناس ~~وتهديدهم ، وعن محاولة صرفهم عن طريق الحق ، بإلقاء الشبهات ، وإشاعة ~~الأباطيل. مستعملا في وعظه التذكير بنعم الله تارة. وبنقمه من المكذبين ~~تارة أخرى. # ولقد كان من المنتظر أن يتقبل قوم شعيب هذه المواعظ تقبلا حسنا ، وأن ~~يصدقوه فيما يبلغه عن ربه ، ولكن المستكبرين منهم عموا وصموا عن الحق ، ~~واستمع إلى القرآن وهو يحكى موقفهم فيقول : # ( @QUR@022 قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين ~~آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين (88) @QUR@042 ~~قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما ~~يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على ~~الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين (89) ~~@QUR@012 وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا ~~لخاسرون (90) @QUR@06 فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (91) ~~@QUR@013 الذين ms2170 كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم ~~الخاسرين (92) @QUR@016 فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ~~ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين ) (93) # أى : قال الأشراف المستكبرون من قوم شعيب له ردا على مواعظه لهم : والله ~~لنخرجنك PageV05P323 # يا شعيب أنت والذين آمنوا معك من قريتنا بغضا لكم ، ودفعا لفتنتكم ~~المترتبة على مساكنتنا ومجاورتنا ، أو لتعودن وترجعن إلى ملتنا وما نؤمن به ~~من تقاليد ورثناها عن آبائنا ومن المستحيل علينا تركها. فعليك يا شعيب أنت ~~ومن معك أن تختاروا لأنفسكم أحد أمرين : الإخراج من قريتنا أو العودة إلى ملتنا. # هكذا قال المترفون المغرورون لشعيب وأتباعه باستعلاء وغلظة وغضب. # وجملة ( @QUR@02 قال الملأ ) إلخ. مستأنفة استئنافا بيانيا ، كأنه قيل : ~~فماذا كان رد قوم شعيب على نصائحه لهم؟ فكان الجواب : قال الملأ ... إلخ. # وقد أكدوا قولهم بالجملة القسمية للمبالغة في إفهامه أنهم مصممون على ~~تنفيذ ما يريدونه منه ومن أتباعه. # ونسبوا الإخراج إليه أولا وإلى أتباعه ثانيا ، للتنبيه على أصالته في ذلك ~~، وأن الذين معه إنما هم تبع له ، فإذا ما خرج هو كان خروج غيره أسهل. # وجملة : ( @QUR@04 أو لتعودن في ملتنا ) معطوفة على جملة ( @QUR@01 ~~لنخرجنك ) وهي أى جملة ( @QUR@04 أو لتعودن في ملتنا ) المقصود الأعظم ~~عندهم ، فهؤلاء المستكبرون يهمهم في المقام الأول أن يعود من فارق ملتهم ~~وديانتهم إليها ثانية. # والتعبير بقولهم : ( @QUR@04 أو لتعودن في ملتنا ) يقتضى أن شعيبا ومن ~~معه كانوا على ملتهم ثم خرجوا منها ، وهذا محال بالنسبة لشعيب عليه السلام ~~فإن الأنبياء معصومون حتى قبل النبوة عن ارتكاب الكبائر فضلا عن الشرك. # وقد أجيب عن ذلك بأن المستكبرين قد قالوا ما قالوا من باب التغليب ، ~~لأنهم لما رأوا أن أتباعه كانوا من قبل ذلك على ملتهم ثم فارقوهم واتبعوا ~~شعيبا ، قالوا لهم : إما أن تخرجوا مع نبيكم الذي اتبعتموه وإما أن تعودوا ~~إلى ملتنا التي سبق أن كنتم فيها ، فأدرجوا شعيبا معهم في الأمر بالعودة ~~إلى ملتهم من باب تغليبهم عليه هنا ، هذا هو الجواب الذي ms2171 ارتضاه كثير من ~~العلماء وعلى رأسهم صاحب الكشاف ، فقد قال : فإن قلت : كيف خاطبوا شعيبا ~~عليه السلام بالعود في الكفر في قولهم : ( @QUR@04 أو لتعودن في ملتنا ) ~~وكيف أجابهم بقوله : ( @QUR@015 إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها ~~وما يكون لنا أن نعود فيها ) والأنبياء عليهم السلام لا يجوز عليهم من ~~الصغائر إلا ما ليس فيه تنفير ، فضلا عن الكبائر ، فضلا عن الكفر؟ قلت : ~~قالوا : ( @QUR@08 لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا ) فعطفوا ~~على ضميره الذين دخلوا في الإيمان منهم بعد كفرهم قالوا : لتعودن فغلب ~~الجماعة على الواحد ، فجعلوهم عائدين جميعا ، إجراء للكلام على حكم ~~التغليب. وعلى ذلك أجرى شعيب عليه السلام جوابه فقال : PageV05P324 # ( @QUR@09 إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها ) وهو يريد عودة قومه ~~، إلا أنه نظم نفسه في جملتهم وإن كان بريئا من ذلك إجراء لكلامه على حكم ~~التغليب (1). # هذا هو الجواب الذي اختاره الزمخشري وتبعه فيه بعض العلماء ، وهناك أجوبة ~~أخرى ذكرها المفسرون ومنها : # 1 أن هذا القول جار على ظنهم أنه كان في ملتهم ، لسكوته قبل البعثة عن ~~الإنكار عليهم. # 2 أنه صدر عن رؤسائهم تلبيسا على الناس وإيهاما لهم بأنه كان على دينهم ~~وما صدر عن شعيب عليه السلام كان على طريق المشاكلة. # 3 أن قولهم : ( @QUR@04 أو لتعودن في ملتنا ) بمعنى : أو لتصيرن ، إذ ~~كثيرا ما يرد «عاد» بمعنى «صار» فيعمل عمل كان. ولا يستدعى الرجوع إلى حالة ~~سابقة ، بل عكس ذلك ، وهو الانتقال من حال سابقة إلى حال مؤتنفة ، وكأنهم ~~قالوا لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتصيرن كفارا مثلنا». # قال الإمام الرازي : تقول العرب : قد عاد إلى فلان مكره ، يريدون : قد ~~صار منه المكر ابتداء. # وقال صاحب الانتصاف : إنه يسلم استعمال «العود» بمعنى الرجوع إلى أمر ~~سابق ، ويجاب عن ذلك بمثل الجواب عن قوله تعالى : ( @QUR@018 الله ولي ~~الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ~~يخرجونهم من النور إلى الظلمات ). والإخراج يستدعى دخولا سابقا ms2172 فيما وقع ~~الإخراج منه. ونحن نعلم أن المؤمن الناشئ في الإيمان لم يدخل قط في ظلمة ~~الكفر ، ولا كان فيها. وكذلك الكافر الأصلى ، لم يدخل قط في نور الإيمان ~~ولا كان فيه ، ولكن لما كان الإيمان والكفر من الأفعال الاختيارية التي خلق ~~الله العبد متيسرا لكل واحد منهما متمكنا منه لو أراده ، فعبر عن تمكن ~~المؤمن من الكفر ثم عدوله إلى الإيمان ، إخبارا بالإخراج من الظلمات إلى ~~النور توفيقا من الله له ، ولطفا به ، وبالعكس في حق الكافر وفائدة اختياره ~~في هذه المواضع ، تحقيق التمكن والاختيار ؛ لإقامة حجة الله على عباده» (2). # هذه بعض الأجوبة التي أجاب بها العلماء على قول قوم شعيب ( @QUR@04 أو ~~لتعودن في ملتنا ) ولعل أرجحها هو الرأى الذي اختاره صاحب الكشاف «لبعده عن ~~التكلف ، واتساقه مع رد شعيب عليهم». فقد قال لهم : PageV05P325 # ( @QUR@03 أولو كنا كارهين ). أى : أتجبروننا على العودة إلى ملتكم حتى ~~ولو كنا كارهين لها ، لاعتقادنا أنها باطلة وقبيحة ومنافية للعقول السليمة ~~والأخلاق المستقيمة لا. لن نعود إليها بأى حال من الأحوال. فالهمزة لإنكار ~~الوقوع ونفيه ، والتعجيب من أحوالهم الغريبة حيث جهلوا أن الدخول في ~~العقائد اختياري محض ولا ينفع فيه الإجبار أو الإكراه. # ثم صارحهم برفضه التام لما يتوهمونه من العودة إلى ملتهم فقال : ( ~~@QUR@014 قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله ~~منها ). # أى : قد اختلقنا على الله تعالى أشنع أنواع الكذب إن عدنا في ملتكم ~~الباطلة بعد إذ نجانا الله بهدايتنا إلى الدين الحق وتنزيهنا عن الإشراك به ~~سبحانه . # قال صاحب المنار : وهذا كلام مستأنف لبيان أهم الأمرين بالرفض والكراهية ~~، وهو إنشاء في صورة الخبر. فإما أن يكون تأكيدا قسميا لرفض دعوة الملأ ~~إياهم إلى العودة في ملتهم ، كما يقول القائل : برئت من الذمة إن فعلت كذا ~~، فيكون مقابلة لقسمهم بقسم أعرق منه في التوكيد وإما أن يكون تعجبا خرج لا ~~على مقتضى الظاهر ، وأكد بقد والفعل الماضي ، والمعنى ما أعظم افتراءنا على ~~الله تعالى إن عدنا في ملتكم ms2173 بعد إذ نجانا الله منها وهدانا إلى صراطه ~~المستقيم» (1). # ثم كرر هذا الرفض بأبلغ وجه فقال : ( @QUR@016 وما يكون لنا أن نعود فيها ~~إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما ) أى ما يصح لنا ولا يتأتى منا ~~أن نعود في ملتكم الباطلة في حال من الأحوال أو في وقت من الأقوات إلا في ~~حال أو في وقت مشيئة الله المتصرف في جميع الشئون عودتنا إليها ، فهو وحده ~~القادر على ذلك ولا يقدر عليه غيره لا أنتم ولا نحن ، لأننا موقنون بأن ~~ملتكم باطلة وملتنا هي الحق والموقن لا يستطيع إزالة يقينه ولا تغييره ~~وإنما ذلك بيد مقلب القلوب ، الذي وسع علمه كل شيء. # وهذا اللون من الأدب العالي ، حكاه القرآن عن الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام في مخاطبتهم ، فأنت ترى أن شعيبا عليه السلام مع ثقته المطلقة في ~~أنه لن يعود هو وأتباعه إلى ملة الكفر أبدا ، مع ذلك هو يفوض الأمر إلى ~~الله تأدبا معه ، فلا يجزم بمشيئته هو ، بل يترك الأمر لله ، فقد يكون في ~~علمه سبحانه ما يخفى على البشر ، مما تقتضيه حكمته وإرادته. # قال صاحب الانتصاف : «وموقع قوله : ( @QUR@05 وسع ربنا كل شيء علما ) ~~الاعتراف بالقصور عن علم العاقبة ، والاطلاع على الأمور الغائبة ، فإن ~~العود إلى الكفر جائز في قدرة الله أن يقع من العبد : ولو وقع فبقدرة الله ~~ومشيئته المغيبة عن خلقه. فالحذر قائم ، والخوف لازم ، ونظيره PageV05P326 # قول إبراهيم عليه السلام «ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ~~ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون» ، لما رد الأمر إلى المشيئة وهي مغيبة ، مجد ~~الله تعالى بالانفراد بعلم الغائبات» (1). # ثم يترك شعيب عليه السلام قومه وتهديدهم ووعيدهم ، ويتوجه إلى الله ~~بالاعتماد والدعاء فيقول : ( @QUR@012 على الله توكلنا ربنا افتح بيننا ~~وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ). # أى : على الله وحده وكلنا أمرنا ، فهو الذي يكفينا أمر تهديدكم ووعيدكم ، ~~ومن يتوكل على الله فهو حسبه ، ربنا احكم بيننا وبين قومنا الذين ظلمونا ~~بالحق وأنت خير ms2174 الحاكمين ، لخلو حكمك عن الجور والحيف. # فقوله : ( @QUR@03 على الله توكلنا ) إظهار للعجز من جانب شعيب ، وأنه في ~~مواجهته لأولئك المستكبرين لا يعتمد إلا على الله وحده ، ولا يأوى إلا إلى ~~ركنه المكين ، وحصنه الحصين. والجملة الكريمة تفيد الحصر لتقديم المعمول فيها. # وقوله : ( @QUR@03 ربنا افتح بيننا ) إعراض عن مجادلتهم ومفاوضتهم بعد أن ~~تبين له عنادهم وسفههم ، وإقبال على الله تعالى بالتضرع والدعاء. # والفتح : أصله إزالة الأغلاق عن الشيء ، واستعمل في الحكم ، لما فيه من ~~إزالة الأشكال في الأمر. ومنه قيل للحاكم : فاتح وفتاح لفتحه أغلاق الحق ، ~~وقيل للحكومة : الفتاحة بضم الفاء وكسرها. # أخرج البيهقي عن ابن عباس قال : ما كنت أدرى قوله تعالى : ( @QUR@02 ربنا ~~افتح ) حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول لزوجها وقد جرى بينها وبينه كلام : تعال ~~أفاتحك ، تريد أقاضيك وأحاكمك. # وقوله : ( @QUR@01 بالحق ) بهذا القيد إظهارا للنصفة والعدالة. # والخلاصة أنك إذا تأملت في رد شعيب عليه السلام على ما قاله المستكبرون من ~~قومه ، تراه يمثل أسمى ألوان الحكمة وحسن البيان ، فهو يرد على وعيدهم ~~وتهديدهم بالرفض التام لما يبغون ، والبغض السافر لما يريدونه منه ، ثم يكل ~~الأمور كلها إلى الله ، مظهرا الاعتماد عليه وحده ، ثم يتجه إليه سبحانه ~~بالدعاء متلمسا منه أن يفصل بينه وبين قومه بالحق الذي مضت به سنته في ~~التنازع بين المرسلين والكافرين ، وبين سائر المحقين والمبطلين. # وهنا نلمح أن الملأ من قوم شعيب قد يئسوا من استمالة شعيب وأتباعه إلى ~~ملتهم ، فأخذوا PageV05P327 # يحذرون الناس من السير في طريقه ، ويحكى القرآن ذلك بأسلوبه الحكيم فيقول ~~: ( @QUR@012 وقال الملأ الذين كفروا من قومه ، لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا ~~لخاسرون ). # أى : قال الأشراف الكافرون من قوم شعيب لغيرهم : ( @QUR@06 لئن اتبعتم ~~شعيبا إنكم إذا لخاسرون ) لشرفكم ومجدكم ، بإيثار ملته على ملة آبائكم ~~وأجدادكم ، وخاسرون لثروتكم وربحكم المادي. لأن اتباعكم له سيحول بينكم ~~وبين التطفيف في الكيل والميزان وهو مدار غناكم واتساع أموالكم. # وقولهم هذا يقصدون به تنفير الناس من دعوة شعيب ، وتثبيطهم عن الإيمان به ~~، وإغرائهم بالبقاء على عقائدهم الباطلة ، وتقاليدهم ms2175 البالية التي ورثوها ~~عن آبائهم وأجدادهم ، فهم لم يكتفوا بضلالهم في أنفسهم ، بل عملوا على ~~إضلال غيرهم. وقولهم هذا معطوف على قوله تعالى فيما سبق : ( @QUR@06 قال ~~الملأ الذين استكبروا من قومه* ). وليس ردا على شعيب ، لأنه لو كان كذلك ~~لجاء مفصولا بدون عطف ، وقد أكدوا قولهم بعدة مؤكدات منها اللام الموطئة ~~للقسم ، والجملة الاسمية المصدرة بإن. وذلك لكي يخدعوا السامعين بأنهم ما ~~يريدون إلا خيرهم وعدم خسرانهم. # وحذف متعلق الخسران ليعم كل أنواعه الدينية والدنيوية. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : أين جواب القسم الذي وطأته اللام في قوله : ~~( @QUR@02 لئن اتبعتم ) وجواب الشرط؟ قلت : قوله : ( @QUR@03 إنكم إذا ~~لخاسرون ) ساد مسد الجوابين» (1). # وبعد هذه المحاورات والمجادلات التي دارت بين شعيب وقومه ، جاءت الخاتمة ~~التي حكاها القرآن في قوله : ( @QUR@06 فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم ~~جاثمين ). أى : فأخذتهم الزلزلة الشديدة فأصبحوا في دارهم هامدين صرعى لا ~~حراك بهم. # قال ابن كثير ما ملخصه : أخبر سبحانه هنا بأنهم أخذتهم الرجفة ، كما ~~أرجفوا شعيبا وأصحابه وتوعدوهم بالجلاء ، كما أخبر عنهم في سورة هود بأنهم ~~أخذتهم الصيحة ، والمناسبة هناك والله أعلم أنهم لما تهكموا به في قولهم : ~~( @QUR@04 يا شعيب أصلاتك تأمرك ) فجاءت الصيحة فأسكتتهم. وقال في سورة ~~الشعراء : ( @QUR@05 فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة ) وما ذاك إلا لأنهم ~~قالوا له في سياق القصة ( @QUR@05 فأسقط علينا كسفا من السماء ) فأخبر ~~سبحانه أنهم أصابهم عذاب يوم الظلة ، وقد اجتمع عليهم ذلك كله ، أصابهم ~~عذاب يوم الظلة. وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب ، ثم جاءتهم صيحة ~~من السماء ورجفة من الأرض PageV05P328 # شديدة من أسفل منهم ، فزهقت الأرواح ، وفاضت النفوس ، وخمدت الأجسام» (1). # ثم يعقب القرآن على مصرعهم بالرد على قولتهم : إن من يتبع شعيبا خاسر ، ~~فيقرر على سبيل التهكم أن الخسران لم يكن من نصيب من اتبع شعيبا ، وإنما ~~الخسران كان من نصيب الذين خالفوه وكذبوه ، فيقول : ( @QUR@013 الذين كذبوا ~~شعيبا كأن لم يغنوا فيها ، الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين ). # أى : الذين كذبوا شعيبا وتطاولوا عليه وهددوه وأتباعه بالإخراج من ms2176 قريتهم ~~، كأنهم عند ما حاقت بهم العقوبة لم يقيموا في ديارهم ناعمى البال ، يظلهم ~~العيش الرغيد ، والغنى الظاهر. # يقال : غنى بالمكان يغنى ، أقام به وعاش فيه في نعمة ورغد. # والجملة الكريمة استئناف لبيان ابتلائهم بشؤم قولهم : ( @QUR@08 لنخرجنك ~~يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا ) فكأن سائلا ، قال : فكيف كان مصيرهم؟ ~~فكان الجواب : الذين هددوا شعيبا ومن معه وأنذروهم بالإخراج كانت عاقبتهم ~~أن هلكوا وحرموا من قريتهم حتى لكأنهم لم يقيموا بها ، ولم يعيشوا فيها ~~مطلقا ، لأنه متى انقضى الشيء صار كأنه لم يكن. # والاسم الموصول ( @QUR@01 الذين ) مبتدأ ، وخبره جملة ( @QUR@04 كأن لم ~~يغنوا فيها ). # ثم أعاد القرآن الموصول وصلته لزيادة التقرير ، وللإيذان بأن ما ذكر في ~~حيز الصلة هو الذي استوجب العقوبتين فقال : ( @QUR@06 الذين كذبوا شعيبا ~~كانوا هم الخاسرين ). # أى : الذين كذبوا شعيبا وكفروا بدعوته كانوا هم الخاسرين دينيا ودنيويا ، ~~وليس الذين اتبعوه كما زعم أولئك المهلكون. # وبهذا القدر اكتفى القرآن عن التصريح بإنجائه هنا ، وقد صرح بإنجائه في ~~سورة هود فقال : ( @QUR@08 ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه ). # قال صاحب الكشاف : وفي هذا الاستئناف والابتداء ، وهذا التكرير ، مبالغة ~~في رد مقالة الملأ لأشياعهم ، وتسفيه لرأيهم ، واستهزاء بنصحهم لقومهم ~~واستعظام لما جرى عليهم». # وأخيرا تطوى السورة الكريمة صفحتهم مشيعة إياهم بالتبكيت والإهمال من ~~رسولهم وأخيهم في النسب فتقول : ( @QUR@016 فتولى عنهم وقال : يا قوم لقد ~~أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين ). # الأسى : الحزن. وحقيقته اتباع الفائت بالغم. يقال : أسيت عليه أسا ، أى : ~~حزنت عليه. PageV05P329 # والمعنى فأعرض عنهم شعيب بعد أن أصابهم ما أصابهم من النقمة والعذاب وقال ~~مقرعا إياهم يا قوم : ( @QUR@04 لقد أبلغتكم رسالات ربي ) التي أرسلنى بها ~~إليكم من العقائد والأحكام والمواعظ ( @QUR@02 ونصحت لكم ) بما فيه إصلاحكم ~~وهدايتكم «فكيف أحزن على قوم كافرين» بذلت جهدي في سبيل هدايتهم ونجاتهم ، ~~ولكنهم كرهوا النصح ، واستحبوا العمى على الهدى. # لا ، لن آسى عليهم. ولن أحزن من أجل هلاكهم ، لأنهم لا يستحقون ذلك. # وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حدثتنا ms2177 عن جانب من قصص نوح وهود ، وصالح ~~، ولوط ، وشعيب مع أقوامهم. بعد أن بدأت بقصة آدم وإبليس وسنراها بعد قليل ~~تحدثنا حديثا مستفيضا عن قصة موسى مع فرعون ومع بنى إسرائيل. # ويلاحظ أن سورة الأعراف قد اتبعت في حديثها عن هؤلاء الرسل الكرام ~~التسلسل التاريخى ، وذلك لأهداف من أهمها : # 1 إبراز وحدة العقيدة في دعوة الأنبياء جميعا ، فأنت رأيت أن كل رسول أتى ~~قومه ليقول لهم : يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ، يقولها ثم يسوق ~~لهم بأسلوبه الخاص أنصع الدلائل ، وأقوى الحجج ، وخير البراهين ومختلف وجوه ~~الإرشاد ، لكي يقنعهم بأنه صادق فيما يبلغه عن ربه. # 2 تصوير وحدة طبيعة الإيمان ووحدة طبيعة الكفر في نفوس الناس على مدار ~~التاريخ ، فالمؤمنون يلتفون حول رسولهم يصدقون قوله ، ويتأسون به في كل ~~أحواله ويدافعون عن عقيدتهم بقوة وشجاعة ، والكافرون يستكبرون أن يرسل الله ~~رسولا من البشر ، ويأبون بدافع الحقد والعناد والتطاول الاستجابة لرجل منهم ~~، ويلقون التهم جزافا لكي يصرفوا الناس عنه. # وهكذا نرى أن نفوس المؤمنين تتشابه في إخلاصها ونقائها وصفائها وحسن ~~تقبلها للخير. بينما نفوس الكافرين تتشابه أيضا في ظلامها وقسوتها وفجورها ~~وسوء تقبلها للهداية. # 3 بيان العاقبة الطيبة التي انتهى إليها المؤمنون بسبب إيمانهم وصبرهم ~~وعملهم الطيب ، والعاقبة السيئة التي حاقت بالكافرين المستكبرين ، بسبب ~~إعراضهم عن الحق ، واستهزائهم بأصحابه ، ( @QUR@028 فكلا أخذنا بذنبه ، ~~فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ، ومنهم من أخذته الصيحة ، ومنهم من خسفنا به ~~الأرض ومنهم من أغرقنا ، وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ). # وبعد هذا الحديث الزاخر بالعظات والعبر عن بعض الأنبياء مع أقوامهم تمضى ~~السورة الكريمة في سرد هداياتها ، فتسوق للناس ألوانا من سنن الله التي لا ~~تتغير ولا تتبدل ، لعل قلوبهم PageV05P330 # ترق ، ونفوسهم تتذكر ، وعقولهم تعى. # وكأن السورة الكريمة تقول للناس : لقد سقت لكم الكثير من أخبار الماضين. ~~وقصصت عليكم ما فيه الذكر لكل قلب سليم من أخبار بعض الأنبياء مع أقوامهم ، ~~وأريتكم كيف كانت عاقبة الأخيار ، وكيف كانت عاقبة الأشرار ، فاجتهدوا ms2178 في ~~طاعة الله ، وسيروا في طريق الأخيار لتسعدوا كما سعدوا. واجتنبوا سبيل ~~الأشرار حتى لا يصيبكم ما أصابهم ، فقد جرت سنته سبحانه أنه يمهل ولا يهمل ~~، وأن يبتلى الناس بالسراء والضراء لعلهم يضرعون ، وأن يفتح أبواب خيراته ~~وبركاته لمن آمن به واتقاه ، وأبواب عقوباته لمن كفر به وعصاه. # واستمع إلى السورة الكريمة وهي تصور هذه المعاني وغيرها بأسلوبها الحكيم ~~فتقول : # ( @QUR@013 وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء ~~لعلهم يضرعون (94) @QUR@018 ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا ~~قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون (95) @QUR@018 ~~ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن ~~كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون (96) @QUR@09 أفأمن أهل القرى أن يأتيهم ~~بأسنا بياتا وهم نائمون (97) @QUR@09 أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى ~~وهم يلعبون (98) @QUR@010 أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم ~~الخاسرون (99) @QUR@019 أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو ~~نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون (100) PageV05P331 # @QUR@023 تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما ~~كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين (101) ~~@QUR@09 وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ) (102) # هذه هي الآيات التي جاءت في السورة الكريمة بعد حديثها المتنوع عن بعض ~~الأنبياء مع أقوامهم ، وقبل حديثها المستفيض الذي سنراه بعد قليل عن قصة ~~موسى مع فرعون ومع بنى إسرائيل. # وقد بدئت بقوله تعالى : ( @QUR@013 وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا ~~أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون ) البأساء : الشدة والمشقة كالحرب ~~والجدب وشدة الفقر. والضراء : ما يضر الإنسان في بدنه أو معيشته كالمرض ~~والمصائب. # والمعنى : ذلك الذي قصصناه عليك يا محمد شأن الرسل السابقين مع أقوامهم ~~الهالكين وقد جرت سنتنا أننا ما أرسلنا في قرية من نبي كذبه أهلها إلا ~~أخذناهم وأنزلنا بهم قبل إهلاكنا لهم ألوانا من الشدائد والمصائب لعلهم ~~ينقادون لأمر الله ، ويثوبون إلى رشدهم ، ويكثرون من التضرع إليه ms2179 ~~والاستجابة لهديه. # فالآية الكريمة إشارة إجمالية إلى بيان أحوال سائر الأمم ، إثر بيان ~~أحوال الأمم التي سبق الحديث عنها وهي أمة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب ~~عليهم السلام . # والمقصود منها التحذير والتخويف لكفار قريش وغيرهم ، لينزجروا عن الضلال ~~والعناد ، ويستجيبوا لله ولرسوله. # وإنما ذكر القرية لأنها مجتمع القوم الذين بعث إليهم ، ويدخل تحت هذا ~~اللفظ المدينة لأنها مجتمع الأقوام. # وقوله : ( @QUR@02 من نبي ) فيه حذف وإضمار والتقدير : من نبي كذبه قومه ~~أو أهل القرية لأن قوله : ( @QUR@03 إلا أخذنا أهلها ) لا يترتب على ~~الإرسال ، وإنما يترتب على التكذيب والعصيان. و ( @QUR@01 من ) لتأكيد النفي. PageV05P332 # والاستثناء في قوله : ( @QUR@03 إلا أخذنا أهلها ) مفرغ من أعم الأحوال ، ~~و ( @QUR@01 أخذنا ) في موضع نصب على الحال من فاعل ( @QUR@01 أرسلنا ) أى ~~: وما أرسلنا في قرية من القرى المهلكة بسبب ذنوبها نبيا من الأنبياء في ~~حال من الأحوال إلا حال كوننا آخذين أهلها بالبأساء والضراء. قبل إنزال ~~العقوبة المستأصلة لهم. # وجملة ( @QUR@02 لعلهم يضرعون ) تعليلية. أى : فعلنا ما فعلنا لكي ~~يتضرعوا ويتذللوا ويتوبوا من ذنوبهم. # فما يأخذ الله به الغافلين من الشدائد والمحن ليس من أجل التسلية والتشفي ~~تعالى الله عن ذلك وإنما من أجل أن ترق القلوب الجامدة ، وتتعظ المشاعر ~~الخامدة ، ويتجه البشر الضعاف إلى خالقهم ، يتضرعون إليه ويستغفرونه ، عما ~~فرط منهم من خطايا. # ثم بين سبحانه لونا آخر من ألوان ابتلائه للناس فقال : ( @QUR@05 ثم ~~بدلنا مكان السيئة الحسنة ) المراد بالسيئة ما يسوء ويحزن كالشدائد ~~والأمراض. وبالحسنة السعة والصحة وأنواع الخيرات. # أى : ثم بعد أن ابتلينا هؤلاء الغافلين بالبأساء والضراء رفعنا ذلك عنهم ~~، وابتليناهم بضده ، بأن أعطيناهم بدل المصائب نعما ، فإذا الرخاء ينزل بهم ~~مكان الشدة ، واليسر مكان الحرج ، والعافية بدل الضر ، والذرية بدل العقم. ~~والكثرة بدل القلة ، والأمن محل الخوف. # قال الآلوسى : وقوله : ( @QUR@02 ثم بدلنا ) معطوف على ( @QUR@01 أخذنا ) ~~داخل في حكمه ، وهو أى بدلنا متضمن معنى أعطى الناصب لمفعولين وهما هنا ~~الضمير المحذوف والحسنة أى : أعطيناهم الحسنة في مكان السيئة ومعنى كونها ~~في مكانها أنها بدل منها. # ويرى بعض ms2180 العلماء أن لفظ ( @QUR@01 مكان ) مفعول به لبدلنا وليس ظرفا ، ~~والمعنى بدلنا مكان الحال السيئة الحال الحسنة ، فالحسنة هي المأخوذة ~~الحاصلة في مكان السيئة المتروكة (1). # وقوله : ( @QUR@02 حتى عفوا ) أى : كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم. يقال ~~: عفا النبات ، وعفا الشحم إذا كثر وتكاثف. وأعفيته. أى : تركته يعفو ويكثر ~~، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : «واعفوا اللحى» أى : وفروها وكثروها. # فماذا كان موقفهم من ابتلاء الله إياهم بالشدائد تارة وبالنعم أخرى؟ لقد ~~كان موقفهم يدل على فساد فطرتهم ، وانحطاط نفوسهم ، وعدم اتعاظهم بما تجرى ~~به الأقدار ، وبما بين أيديهم من PageV05P333 # سراء وضراء تحمل كل عاقل على التفكير والاعتبار. # استمع إلى القرآن وهو يصور موقفهم فيقول : ( @QUR@06 وقالوا قد مس آباءنا ~~الضراء والسراء ). # أى : أنهم حينما رأوا ألوان الخيرات بين أيديهم بعد أن كانوا في بأساء ~~وضراء ، لم يعتبروا ولم يشكروا الله على نعمه ، بل قالوا بغباء وجهل. قد مس ~~آباءنا من قبلنا ما يسوء وما يسر ، وتناوبهم ما ينفع وما يضر ، ونحن مثلهم ~~يصيبنا ما أصابهم ، وقد أخذنا دورنا من الضراء كما أخذوا ، وجاء دورنا في ~~السراء فلنغنمها في إرواء شهواتنا. وإشباع متعنا ، فتلك عادة الزمان في ~~أبنائه ولا داعي لأن ننظر إلى السراء والضراء على أنهما نوع من الابتلاء ~~والاختبار. # وهذا شأن الغافلين الجاهلين في كل زمان ومكان ، إنهم لا يعتبرون بأى لون ~~من ألوان العبر ، ولا يستشعرون في أنفسهم تحرجا من شيء يعملونه. # وإن قولهم هذا ليوحى بحالة نفسية خاصة «حالة عدم المبالاة والاستهتار» ~~وهي حالة أكثر ما تكون مشاهدة في أهل الرخاء والجاه. فهم يسرفون ويبذرون ~~بدون تحرج ، ويرتكبون كل كبيرة تقشعر لها الأبدان بدون اكتراث ، وتغشاهم ~~العبر من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ، ومع كل ذلك لا ~~يعتبرون ولا يتعظون. # هذا شأنهم ، أما المؤمنون فإنهم ليسوا كذلك ، وإنما هم كما وصفهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في قوله : «عجبا لأمر المؤمن : إن أمره كله خير ، ~~وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سراء شكر فكان خيرا ms2181 له. وإن أصابته ~~ضراء صبر فكان خيرا له». # ولم يترك القدر أولئك الغافلين بدون قصاص ، وإنما فاجأهم بالعقوبة التي ~~تناسبهم ، قال تعالى : ( @QUR@05 فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ) أى : فكان ~~عاقبة بطرهم وأشرهم وغفلتهم أن أخذناهم بالعذاب فجأة ، من غير شعور منهم ~~بذلك ، ولا خطور شيء من المكاره ببالهم ، لأنهم كانوا لغبائهم يظنون أنهم ~~سيعيشون حياتهم في نعم الحياة ورغدها بدون محاسبة لهم على أعمالهم القبيحة ~~، وأقوالهم الذميمة. # فالجملة الكريمة تشير إلى أن أخذهم بالعقوبة كان أليما شديدا ، لأنهم ~~فوجئوا بها مفاجأة بدون مقدمات. وجملة ( @QUR@03 وهم لا يشعرون ) حال من ~~المفعول به في ( @QUR@01 فأخذناهم ) مؤكدة لمعنى البغتة. # ثم بين سبحانه أن سنته قد جرت بفتح أبواب خيراته للمحسنين ، وبإنزال نقمه ~~على المكذبين الضالين فقال : ( @QUR@012 ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا ~~لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ). PageV05P334 # البركات : جمع بركة : وهي ثبوت الخير الإلهى في الشيء ، وسمى بذلك لثبوت ~~الخير فيه كما يثبت الماء في البركة. # قال الراغب : ولما كان الخير الإلهى يصدر من حيث لا يحس ، وعلى وجه لا ~~يحصى ولا يحصر ، قيل لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة هو مبارك وفيه ~~بركة» (1). # والمعنى : ولو أن أهل تلك القرى المهلكة آمنوا بما جاء به الرسل. واتقوا ~~ما حرمه الله عليهم ، لآتيناهم بالخير من كل وجه. ولوسعنا عليه الرزق سعة ~~عظيمة ، ولعاشوا حياتهم عيشة رغدة لا يشوبها كدر ، ولا يخالطها خوف. # وفي قوله : ( @QUR@01 لفتحنا ) استعارة تبعيه ، لأنه شبه تيسير البركات ~~وتوسعتها عليهم بفتح الأبواب في سهولة التناول. # وقيل : المراد بالبركات السماوية المطر ، وبالبركات الأرضية النبات ~~والثمار وجميع ما فيها من خيرات. # وقوله : ( @QUR@06 ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ) بيان لموقفهم ~~الجحودى. # أى : ولكنهم لم يؤمنوا ولم يتقوا بل كذبوا الرسل الذين جاءوا لهدايتهم ~~فكانت نتيجة تكذيبهم وتماديهم في الضلال أن عاقبناهم بالعقوبة التي تناسب ~~جرمهم واكتسابهم للمعاصي ، فتلك هي سنتنا التي لا تتخلف ، نفتح للمؤمنين ~~المتقين أبواب الخيرات ، وننتقم من المكذبين الضالين بفنون العقوبات. # وقد يقال : إننا ننظر فنرى كثيرا من ms2182 الكافرين والعصاة مفتوحا عليهم في ~~الرزق والقوة والنفوذ وألوان الخير ، وترى كثيرا من المؤمنين مضيقا عليهم ~~في الرزق وفي غيره من وجوه النعم ، فأين هذا من سنة الله التي حكتها الآية ~~الكريمة؟ # والجواب على ذلك أن الكافرين والعصاة قد يبسط لهم في الأرزاق وفي ألوان ~~الخيرات بسطا كبيرا ، ولكن هذا على سبيل الاستدراج كما في قوله تعالى : ( ~~@QUR@020 فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا ~~بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ). # ومما لا شك فيه أن الابتلاء بالنعمة الذي مر ذكره في الآية السابقة ( ~~@QUR@07 ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا ) لا يقل خطرا عن الابتلاء ~~بالشدة. فقد ابتلى الله كثيرا من الناس بألوان النعم فأشروا وبطروا ولم ~~يشكروه عليها فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر. PageV05P335 # وشتان بين نعم تساق لإنسان على سبيل الاستدراج في الشرور والآثام فتكون ~~نقمة على صاحبها لأنه يعاقب عقابا شديدا بسبب سوء استعمالها ، وبين النعم ~~التي وعد بها من يؤمنون ويتقون. إنها نعم مصونة عن المحق والسلب والخوف ، ~~لأن أصحابها شكروا الله عليها. واستعملوها فيما خلقت له ، فكانت النتيجة أن ~~زادهم الله غنى على غناهم ، وأن منحهم الأمان والاطمئنان وذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء. # ثم يتجه القرآن إلى الغافلين ، ليوقظ فيهم مشاعر الخوف من بأس الله ~~وعقابه فيقول : ( @QUR@09 أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم ~~نائمون ). # البيات : قصد العدو ليلا. يقال : بيت القوم بياتا ، إذا أوقعوا به ليلا ، ~~وهو حال بمعنى بائتين. # والاستفهام للإنكار والتعجيب من أمر ليس من شأنه أن يقع من العاقل ، ~~والمراد بأهل القرى : أهل مكة وغيرهم من القرى التي بعث إليها الرسول ~~صلى الله عليه وسلم . # وقيل المراد بهم الأمة المحمدية من عصر النور الأعظم إلى يوم القيامة ~~لتعتبر بما أنزل بغيرها كما يرشد إليه قوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@08 أولم ~~يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها ). # وقيل المراد بهم من ذكر حالهم فيما تقدم من القرى المهلكة بسبب ذنوبها. # قال الجمل : والفاء للعطف ms2183 على ( @QUR@02 فأخذناهم بغتة ) وما بينهما وهو ~~قوله : ( @QUR@04 ولو أن أهل القرى ) إلى هنا اعتراض بين المعطوف والمعطوف ~~عليه جيء به للمسارعة إلى بيان أن الأخذ المذكور إنما هو بما كسبت أيديهم. ~~والمعنى : أبعد ذلك الأخذ أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون (1)؟ # فالآية الكريمة تحذر الناس من الغفلة عن طاعة الله ، وتحثهم على التيقظ ~~والاعتبار : وقوله : ( @QUR@03 أوأمن أهل القرى ) إنكار بعد إنكار للمبالغة ~~في التوبيخ والتشديد ( @QUR@06 أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون ) أى : أن ~~يأتيهم عقابنا في ضحوة النهار وانبساط الشمس ، وهم لاهون لاعبون من فرط ~~الغفلة. # فقد خوفهم سبحانه بنزول العذاب بهم في الوقت الذي يكونون فيه في غاية ~~الغفلة وهو حال النوم بالليل ، وحال الضحى بالنهار لأنه الوقت الذي يغلب ~~على المرء التشاغل فيه باللذات. PageV05P336 # وقوله : ( @QUR@03 أفأمنوا مكر الله ) تكرير لمجموع الإنكارين السابقين ، ~~جمعا بين التفريق قصدا إلى زيادة التحذير والإنذار. # والمكر في الأصل الخداع ، ويطلق على الستر يقال : مكر الليل أى : ستر ~~بظلمته ما هو فيه ، وإذا نسب إليه سبحانه فالمراد به استدراجه للعبد العاصي ~~حتى يهلكه في غفلته تشبيها لذلك بالخداع. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : فلم رجع فعطف بالفاء قوله : ( @QUR@03 ~~أفأمنوا مكر الله )؟ قلت : هو تكرير لقوله : ( @QUR@03 أفأمن أهل القرى ) ~~ومكر الله : استعارة لأخذه العبد من حيث لا يشعر ولاستدراجه ، فعلى العاقل ~~أن يكون في خوفه من مكر الله كالمحارب الذي يخاف من عدوه الكمين والبيات ~~والغيلة. وعن الربيع بن خثعم أن ابنته قالت له : مالي أراك لا تنام والناس ~~ينامون؟ فقال : يا بنتاه إن أباك يخاف البيات. أراد قوله : ( @QUR@04 أن ~~يأتيهم بأسنا بياتا ) (1). # والمعنى : أفأمنوا مكر الله وتدبيره الخفى الذي لا يعلمه البشر فغفلوا عن ~~قدرتنا على إنزال العذاب بهم بياتا أو ضحوة؟ لئن كانوا كذلك فهم بلا ريب عن ~~الصراط لناكبون ، وعن سنن الله في خلقه غافلون ، فإنه ( @QUR@07 فلا يأمن ~~مكر الله إلا القوم الخاسرون ) أى : إلا القوم الذين خسروا أنفسهم وعقولهم ~~، ولم يستفيدوا شيئا من أنواع العبر والعظات التي بثها ms2184 الله في أنحاء هذا الكون. # هذا ، ويرى الإمام الشافعى وأتباعه أن الأمن من مكر الله كبيرة من ~~الكبائر ، لأنه استرسال في المعاصي اتكالا على عفو الله. # وقال الحنفية إن الأمن من مكر الله كفر كاليأس ، لقوله تعالى : ( @QUR@09 ~~إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ) وقوله : ( @QUR@07 فلا يأمن ~~مكر الله إلا القوم الخاسرون ). # ثم بين سبحانه أن من الواجب على الأحياء الذين يرثون الأرض من أهلها ~~الذاهبين المهلكين ، الذين أهلكتهم ذنوبهم ، وجنت عليهم غفلتهم ، وعوقبوا ~~على استهتارهم وغرورهم من الواجب على هؤلاء الأحياء أن يعتبروا ويتعظوا ~~ويحسنوا القول والعمل حتى ينجوا من العقوبات. # قال تعالى : ( @QUR@013 أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو ~~نشاء أصبناهم بذنوبهم ). PageV05P337 # الاستفهام للإنكار والتوبيخ. ويهد : أى يتبين ، يقال : هداه السبيل أو ~~الشيء وهداه إليه ، إذا دله عليه وبينه له. # أى : أو لم يتبين لهؤلاء الذين يعيشون على تلك الأرض التي ورثوها بعد ~~أهلها المهلكين ، أننا في قدرتنا أن ننزل بهم العذاب بسبب ذنوبهم كما ~~أنزلناه بأولئك المهلكين. # والمراد بالذين يرثون الأرض من بعد أهلها ، أهل مكة ومن حولها الذين أرسل ~~النبي صلى الله عليه وسلم لهدايتهم. وقيل المراد بهم الأحياء في كل زمان ومكان ~~الذين يخلفون من سبقهم من الأمم. # قال الجمل : وفاعل ( @QUR@01 يهد ) فيه وجوه أظهرها : أنه المصدر المؤول ~~من أن وما في حيزها والمفعول محذوف. والتقدير : أو لم يهد أى يبين ويوضح ~~للوارثين مآلهم وعاقبة أمرهم إصابتنا إياهم بذنوبهم لو شئنا ذلك» (1). # وقوله : ( @QUR@06 ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون ) جملة مستأنفة لإثبات ~~حصول الطبع على قلوبهم. # أى : ونحن نطبع على قلوبهم ونختم عليها ، بسبب اختيارهم الكفر على ~~الإيمان ، فهم لذلك لا يسمعون الحكم والنصائح سماع تفقه وتدبر واتعاظ. # والذي يتأمل في الآيات السابقة يراها تحذر الناس بأساليب متنوعة حكيمة من ~~الغفلة عن العظات والعبر ، وتحضهم على التخلص من الأمن الكاذب ، والشهوات ~~المردية. والمتع الزائلة. # وما يريد القرآن بهذا أن يعيش الناس قلقين ، يرتجفون من الهلاك والدمار ~~أن يأخذهم في لحظة ms2185 من ليل أو نهار. # كلا ، ما يريد منهم ذلك لأن القلق الدائم من المستقبل ، يشل طاقة البشر ، ~~وقد ينتهى بهم إلى اليأس من العمل والإنتاج وتنمية الحياة. # وإنما الذي يريده القرآن منهم أن يتعظوا بآيات الله في كونه ، وأن يكونوا ~~دائما على صلة طيبة به ، وأن يبتغوا فيما آتاهم الله من فضله الدار الآخرة ~~دون أن ينسوا نصيبهم من الدنيا ، وألا يغتروا بطراوة العيش ، ورخاء الحياة ~~، وقوة الجاه ، كي لا يقودهم ذلك إلى الفساد والطغيان ، والاستهتار ~~والانحلال. # وإذا كان القرآن في هذه الآية قد حذر وأنذر ، فلأنه يعالج كل أمة وجماعة ~~بالطب الذي يناسبها ويلائمها ، فهو يعطيها جرعات من الأمن والثقة ~~والطمأنينة حين يرسخ الإيمان في قلوب أبنائها ، وحين يراقبون خالقهم في ~~سرهم وعلنهم ، ويشكرونه على نعمه ، وهو يعطيها جرعات PageV05P338 # من التحذير والتخويف ، حين تستولى الشهوات على النفوس ، وحين تصبح الدنيا ~~بمتعها ولذائذها المطلب الأكبر عند الناس. # هذا وبعد أن انتهت السورة الكريمة من الحديث عما جرى لبعض الأنبياء مع ~~أقوامهم ، ومن بين سنن الله في خلقه ، وبعد أن حذرت وأنذرت ، اتجهت بالخطاب ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتطلعه على النتيجة الأخيرة لابتلاء تلك ~~القرى ، وما تكشف عنه من حقائق تتعلق بطبيعة الكفر وطبيعة الإيمان فقالت : ~~( @QUR@06 تلك القرى نقص عليك من أنبائها ). # أى : تلك القرى التي طال الأمد على تاريخها ، وجهل قومك أيها الرسول ~~الكريم أحوالها. وهي قرى قوم نوح وعاد وثمود وقوم شعيب ، نقص عليكم ما فيه ~~العظات والعبر من أخبارها. ليكون ذلك تسلية لك وتثبيتا لفؤادك ، وتأييدا ~~لصدقك في دعوتك. # قال الزمخشري : قوله تعالى : ( @QUR@06 تلك القرى نقص عليك من أنبائها ) ~~كقوله : ( @QUR@03 هذا بعلي شيخا ) في أنه مبتدأ وخبر وحال. ويجوز أن يكون ~~القرى صفة لتلك ونقص خبرا ، وأن يكون ( @QUR@02 القرى نقص ) خبرا بعد خبر. ~~فإن قلت : ما معنى ( @QUR@02 تلك القرى )؟ حتى يكون كلاما مفيدا. قلت : هو ~~مفيد ولكن بشرط التقييد بالحال كما يفيد بشرط التقييد بالصفة في قولك : هو ~~الرجل الكريم. فإن قلت : ما معنى الإخبار ms2186 عن القرى بنقص عليك من أنبائها؟ ~~قلت : معناه أن تلك القرى المذكورة نقص عليك بعض أخبارها ولها أنباء أخرى ~~لم نقصها عليك» (1). # وإنما قص الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم أنباء أهل هذه القرى ، ~~لأنهم اغتروا بطول الإمهال مع كثرة النعم ، فتوهموا أنهم على الحق ، فذكرها ~~الله لمن أرسل إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم ليحترسوا عن مثل تلك الأعمال ، ~~وليعتبروا بما أصاب الغافلين الطاغين من قبلهم. # ثم بين سبحانه أنه قد أعذر إليهم بأن وضح لهم الحق بالحجج على ألسنة ~~الرسل فقال : ( @QUR@011 ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما ~~كذبوا من قبل ) أى : ولقد جاء إلى أهل تلك القرى رسلهم بالدلائل الدالة على ~~صدقهم ، فما كانوا ليؤمنوا بعد رؤية المعجزات من رسلهم بما كانوا قد كذبوا ~~به قبل رؤيتها منهم ، لأنهم لجحودهم وعنادهم تحجرت قلوبهم ، واستوت عندهم ~~الحالتان : حالة مجيء الرسل بالمعجزات وحالة عدم مجيئهم بها. # وقيل إن المعنى : ما كانوا لو أحييناهم بعد إهلاكهم ورددناهم إلى دار ~~التكليف ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل إهلاكهم ، ونظيره قوله تعالى ( ~~@QUR@06 ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ). # وقوله : ( @QUR@06 كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين ) أى : «مثل ذلك ~~الطبع الشديد المحكم PageV05P339 # الذي طبع الله به على قلوب أهل تلك القرى المهلكة ، يطبع الله على قلوب ~~أولئك الكافرين الذين جاءوا من بعدهم بسبب إيثارهم الضلالة على الهداية. # ثم كشف القرآن عن طبيعتهم فقال : ( @QUR@09 وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن ~~وجدنا أكثرهم لفاسقين ). # أى : ما وجدنا لأكثر الناس من وفاء بعهودهم في الإيمان والتقوى ، بل ~~الحال والشأن أننا علمنا أن أكثرهم فاسقين ، أى خارجين عن طاعتنا ، تاركين ~~لأوامرنا ، منتهكين لحرماتنا. # وبعضهم يجعل الضمير في ( @QUR@01 أكثرهم ) لأهل القرى المهلكة ، وأنهم ~~كانوا إذا عاهدوا الله بعهد نقضوه ولم يوفوا به. والأول أرجح. # والمراد بالعهد ما عاهدهم الله عليه من الإيمان والتقوى والعمل الصالح. # ومن في قوله ( @QUR@02 من عهد ) مزيدة للاستغراق وتأكيد النفي. # وإنما حكم على الأكثرين منهم بنقض العهود ، لأن الأقلية منهم قد ms2187 آمنوا ~~ووفوا بما عاهدوا الله عليه من الإيمان والعمل الصالح. # وهذا لون من الاحتراس الذي امتاز به القرآن في عرضه للحقائق ، فهو لا ~~يلقى التهم جزافا ، وإنما يعطى كل ذي حق حقه ، فإن كان الأكثرون قد استحقوا ~~الذم لكفرهم ونقضهم لعهودهم ، فإن هناك قلة آمنت فاستحقت المدح والثناء. # قال الآلوسى : و ( @QUR@01 إن ) مخففة من الثقيلة وضمير الشأن محذوف ، ~~ولا عمل لها فيه لأنها ملغاة على المشهور. وذهب الكوفيون إلى أن ( @QUR@01 ~~إن ) هنا نافية واللام في ( @QUR@01 لفاسقين ) بمعنى إلا ، أى : ما وجدنا ~~أكثرهم إلا فاسقين» (1). # وإلى هنا تكون الآيات الكريمة التي جاءت في أعقاب الحديث عن أهل القرى ~~المهلكة ، قد بينت لنا السنن الإلهية في سعادة الأمم وشقائها ، وكشفت لنا ~~عن حكمته سبحانه في ابتلائه لعباده بالسراء تارة وبالضراء أخرى ، وحضت ~~الناس على المراقبة لله وشكره على نعمائه ، وحذرتهم من الغفلة والأمان من ~~مكره سبحانه فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. ثم اتجهت في ~~النهاية بالخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . # فأطلعته على الطبائع الغالبة في البشر حتى لا يضيق ذرعا بأحوال من أرسل إليهم. # ثم عادت السورة بعد ذلك إلى الحديث عن قصة أخرى من قصص الأنبياء مع ~~أقوامهم ، PageV05P340 # فحدثتنا عن قصة موسى مع فرعون ومع بنى إسرائيل بعد حديثها قبل ذلك عن ~~شعيب الذي كان معاصرا لموسى عليهما السلام . # فأنت ترى أن السورة الكريمة قد التزمت الترتيب التاريخى في حديثها عن ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . # ولقد قلنا من قبل إن الأسلوب البارز في هذه السورة الكريمة وهي تدعو ~~الناس إلى وحدانية الله يتجلى في تذكيرهم بنعم الله التي لا تحصى ، ~~وتخويفهم عن طريق سرد أحوال الأمم المهلكة ، بسبب مخالفتها لرسلها ، وعتوها ~~عن أمر ربها ، ولعل هذا هو السر في أنها ساقت لنا قصص نوح وهود وصالح ولوط ~~وشعيب مع أممهم الذين أهلكوا بسبب كفرهم ولم تذكر لنا مثلا قصة إبراهيم مع ~~قومه مع أن لوطا عليه السلام كان معاصرا له ، وذلك لأن قوم إبراهيم لم ms2188 ~~يهلكوا ، ولم يلتمس هو من ربه ذلك ، بل اعتزلهم وما يعبدون من دون الله. # فالسورة الكريمة قد التزمت في مجموعها الحديث عن مصارع المكذبين ليكونوا ~~عبرة لكل عاقل ، وذكرى لكل عبد منيب. # ومن هنا فهي لا تحدثنا عن قصة موسى من أولها كما جاء في سورة القصص مثلا ~~وإنما هي تبدأ حديثها عنها بالغرض الذي جاءت من أجله وهو التخويف من عواقب ~~التكذيب فتقول : ( @QUR@016 ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون ~~وملائه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ). # وهكذا تصرح السورة الكريمة في أول آية من قصة موسى بالهدف الذي سيقت من ~~أجله وهو النظر والتدبر في عاقبة المفسدين. # ثم بعد ذلك تحدثنا حديثا مستفيضا زاخرا بالعبر والعظات عما دار بين موسى ~~وفرعون من محاورات ومجادلات انتهت بغرق فرعون وقومه ، ثم عما دار بين موسى ~~وبين بنى إسرائيل من مجادلات تدل على أصالتهم في الكذب والإفساد والفسوق عن ~~أمر الله. # والآن فلنستمع إلى السورة الكريمة وهي تحكى لنا قصة موسى مع فرعون ومع ~~بنى إسرائيل في نحو سبعين آية تبدؤها بقوله تعالى : # ( @QUR@016 ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فظلموا بها ~~فانظر كيف كان عاقبة المفسدين (103) @QUR@09 وقال موسى يا فرعون إني رسول ~~من رب العالمين (104) PageV05P341 # @QUR@018 حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم ~~فأرسل معي بني إسرائيل (105) @QUR@011 قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت ~~من الصادقين (106) @QUR@06 فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (107) @QUR@06 ~~ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين (108) @QUR@09 قال الملأ من قوم فرعون إن ~~هذا لساحر عليم (109) @QUR@08 يريد أن يخرجكم من أرضكم فما ذا تأمرون (110) ~~@QUR@07 قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين (111) @QUR@04 يأتوك بكل ~~ساحر عليم (112) @QUR@011 وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن ~~الغالبين (113) @QUR@05 قال نعم وإنكم لمن المقربين (114) @QUR@011 قالوا ~~يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين (115) @QUR@011 قال ألقوا ~~فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤ بسحر عظيم (116) @QUR@011 ~~وأوحينا إلى موسى أن ms2189 ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون (117) @QUR@06 فوقع ~~الحق وبطل ما كانوا يعملون (118) @QUR@04 فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ~~(119) @QUR@03 وألقي السحرة ساجدين (120) @QUR@04 قالوا آمنا برب العالمين ~~(121) @QUR@03 رب موسى وهارون (122) @QUR@012 قال فرعون آمنتم به قبل أن ~~آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه PageV05P342 # @QUR@07 في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون (123) @QUR@08 لأقطعن ~~أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين (124) @QUR@05 قالوا إنا إلى ~~ربنا منقلبون (125) @QUR@016 وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما ~~جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين ) (126) # هذا هو الدرس الأول من قصة موسى مع فرعون وفيه نرى ما دار بين موسى ~~وفرعون من محاورات ، وما دار بين موسى والسحرة من مناقشات ومساجلات انتهت ~~بإيمان السحرة وهم يضرعون إلى الله بلسان صادق ، وقلب سليم فيقولون كما حكى ~~القرآن عنهم : ( @QUR@06 ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين ). ولنبدأ في ~~تفسير آيات هذا الدرس من أولها فنقول : # قوله تعالى ( @QUR@09 ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه ) ~~معطوف على ما قبله من قصص الأنبياء الذين تحدثت عنهم السورة الكريمة. # وموسى عليه السلام هو ابن عمران من نسل لاوى بن يعقوب. ويرى بعض المؤرخين ~~أن ولادة موسى كانت في حوالى القرن الثالث عشر قبل الميلاد ، وان بعثته ~~كانت في عهد منفتاح بن رمسيس الثاني. # وفرعون : لقب لملوك مصر القدماء ، كلقب قيصر لملوك الروم ، وكسرى لملوك ~~الفرس ، والمعنى : ثم بعثنا من بعد أولئك الرسل الذين سبق الحديث عنهم وهم ~~نوح وهود وصالح ولوط وشعيب بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا التي تدل على صدقه ~~فيما يبلغه عن ربه إلى فرعون وملئه ، وهم اشراف قومه ، ووجهاء دولته. # قال بعض العلماء : «ولم يقل سبحانه إلى فرعون وقومه ، لأن الملك ورجال ~~الدولة هم الذين كانوا مستعبدين لبنى إسرائيل ، وبيدهم أمرهم ، وليس لسائر ~~المصريين من الأمر شيء ، ولأنهم كانوا مستعبدين أيضا ولكن الظلم على بنى ~~إسرائيل الغرباء كان أشد» (1). # وقوله ( @QUR@01 بآياتنا ) متعلق بمحذوف وقع حالا من مفعول بعثنا ، أو ~~صفة لمصدره. أى : بعثناه عليه السلام ملتبسا بها. أو بعثناه بعثا ملتبسا ms2190 بها. # والمراد بها الآيات التسع وهي العصا ، واليد البيضاء ، والسنون ، ونقص ~~الثمرات ، والطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم. PageV05P343 # ثم بين سبحانه في الآية الأولى من هذه القصة كيف تلقى فرعون وملؤه دعوة ~~موسى وآياته فقال : ( @QUR@02 فظلموا بها ) أى : فكفروا بهذه الآيات تكبرا ~~وجحودا ، فكان عليهم وزر ذلك ، وقد عدى الظلم هنا بالباء مع أنه يتعدى ~~بنفسه لتضمنه معنى الكفر ، إذ هما من واد واحد قال تعالى ( @QUR@04 إن ~~الشرك لظلم عظيم ). # ويجوز أن تكون الباء للسببية والمفعول محذوف ، أى : ظلموا أنفسهم بسببها ~~بأن عرضوها للعقاب المهين. أو ظلموا الناس بصدهم عن الإيمان بهذه الآيات ، ~~واستمروا على ذلك إلى أن حق عليهم العذاب الأليم. # ثم ختمت الآية بالأمر بالتدبر في أحوال هؤلاء الظالمين وفيما حل بهم من ~~سوء المصير فقال تعالى ( @QUR@05 فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ) أى : ~~فانظر أيها الرسول الكريم أو أيها العاقل كيف كانت عاقبة فرعون وملئه الذين ~~أفسدوا في الأرض ، لقد أخذهم الله بذنوبهم فأغرقهم في اليم ، وموسى وقومه ~~ينظرون إليهم ، وتلك عاقبة كل من طغى وآثر الحياة الدنيا. # ووضع سبحانه المفسدين موضع ضميرهم للإيذان بأن الظلم مستلزم للافساد. # و ( @QUR@01 كيف ) خبر لكان مقدم عليها لاقتضائه الصدارة. وعاقبة ، اسمها ~~، وهذه الجملة الاستفهامية في محل نصب على إسقاط حرف الجر ، إذ التقدير : ~~فانظر بعين عقلك إلى كيفية ما فعلناه بهم. # وهكذا نرى السورة الكريمة ترينا في أول آية من هذه القصة الغرض الذي سيقت ~~من أجله وهو التدبر في عواقب المكذبين ، والتخويف من المصير الذي ساروا ~~إليه ، وتنهى الناس في كل زمان ومكان عن السير على منوالهم. والسورة ~~الكريمة عند ما ترينا ذلك في مطلع هذه القصة تكون متناسقة كل التناسق مع ~~أسلوبها الذي اختارته في دعوة الناس إلى وحدانية الله وإلى مكارم الأخلاق ، ~~وهو أسلوب التذكير بالنعم ، والتحذير من عواقب الظلم والطغيان كما سبق أن ~~أشرنا إلى ذلك في التمهيد بين يدي السورة. # ثم بعد هذا التنبيه الإجمالي إلى مآل المفسدين ، أخذت السورة تحكى لنا ما ~~دار بين موسى عليه ms2191 السلام وبين فرعون بصورة مفصلة فقالت : ( @QUR@09 وقال ~~موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين ) أى : قال موسى عليه السلام لفرعون ~~في أدب واعتزاز إنى رسول من رب العالمين ، أرسلنى إليك لأدعوك لعبادته ~~والخضوع له. # ثم بين له أنه بمقتضى هذه الرسالة لا يقول إلا كلمة الحق فقال : ( ~~@QUR@09 حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق ) أى : جدير بألا أقول على ~~الله إلا القول الحق. PageV05P344 # و ( @QUR@01 حقيق ): صفة ( @QUR@01 رسول ) أو خبر لمبتدأ محذوف أى : أنا ~~حقيق. أو خبر بعد خبر. و ( @QUR@01 على ) بمعنى الباء. # وقرأ أبى «حقيق بأن لا أقول على الله إلا الحق» وقرأ عبد الله ابن مسعود ~~«حقيق ألا أقول». وقرأ نافع «حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق» أى : ~~واجب وحق على أن لا أخبر عنه تعالى إلا بما هو حق وصدق. # ثم قال : ( @QUR@05 قد جئتكم ببينة من ربكم ) أى : قد جئتكم بحجة قاطعة ~~من الله أعطانيها دليلا على صدقى فيما جئتكم به. وفي قوله ( @QUR@02 من ~~ربكم ) إشعار بأن ما جاء به من حجج وبراهين لم يكن من صنعه. وإنما هو من ~~عند رب العالمين ، الذي بيده ملكوت كل شيء. # ( @QUR@04 فأرسل معي بني إسرائيل ) أى : قد جئتكم ببينة عظيمة الشأن في ~~الدلالة على صدقى. فأطلق بنى إسرائيل من أسرك وأعتقهم من رقك وقهرك ، ودعهم ~~يخرجون أحرارا من تحت سلطانك ليذهبوا معى إلى دار سوى دارك. # وإلى هنا يكون موسى عليه السلام قد بين لفرعون طبيعة رسالته وطالبه برفع ~~الظلم عن المظلومين فماذا كان رد فرعون. # يحكى القرآن رده فيقول : ( @QUR@05 قال إن كنت جئت بآية ) أى : بمعجزة ~~تشهد بصدقك من عند من أرسلك كما تدعى ( @QUR@02 فأت بها ) أى : فأحضرها ~~عندي ليثبت بها صدقك في دعواك ( @QUR@04 إن كنت من الصادقين ) في دعواك أنك ~~من الملتزمين لقول الحق. # وعبر بإن المفيدة للشك في تحقيق مضمون الجملة الشرطية ، للإيذان بأنه ليس ~~معتقدا في صدق موسى عليه السلام . # وهنا يحكى لنا القرآن ما أسرع بفعله موسى للرد على فرعون ms2192 فقال : ( ~~@QUR@06 فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ): أى فألقى موسى عصاه التي كانت ~~بيده أمام فرعون فإذا هي ثعبان مبين ، أى : ظاهر بين لا خفاء في كونه ~~ثعبانا حقيقيا يسعى في خفة وسرعة كأنه جان. # والثعبان : الذكر العظيم من الحيات ، وقيل : إنه الحية مطلقا. # وقد ذكر بعض المفسرين روايات عن ضخامة هذا الثعبان وأحواله ، إلا أننا ~~أضربنا عنها صفحا لضعفها. # ثم حكى القرآن معجزة أخرى لموسى تشهد بصدقة فقال : ( @QUR@06 ونزع يده ~~فإذا هي بيضاء للناظرين ) النزع : إخراج الشيء من مكانه. أى : وأخرج موسى ~~يده من درعه بعد أن أدخلها فيه أو من طوق قميصه ، أو من إبطه فإذا هي بيضاء ~~بياضا عجيبا خارقا للعادة من غير أن يكون PageV05P345 # بها علة من مرض أو غيره. قيل : إنه كان لها شعاع يغلب ضوء الشمس. # قال الآلوسى : قوله ( @QUR@04 فإذا هي بيضاء للناظرين ) أى : بيضاء بياضا ~~نورانيا خارجا عن العادة يجتمع عليه النظار. وقيل المعنى : بيضاء لأجل ~~النظار لا أنها بيضاء في أصل خلقتها ، لأنه عليه السلام كان آدم أى أسمر ~~شديد الأدمة فقد أخرج البخاري عن عبد الله بن عمر قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «وأما موسى فآدم جثيم سبط كأنه من رجال الزط» وعنى ~~صلى الله عليه وسلم بالزط جنسا من السودان والهنود» (1). # وبذلك يكون موسى قد أتى بالبينة التي تدعو فرعون وملأه إلى الإيمان به ~~فهل آمنوا؟ كلا إنهم ما آمنوا بل استمروا في ضلالهم ، وحكى لنا القرآن أن ~~حاشية فرعون السيئة ، وأصحاب الجاه والغنى في دولته غاظهم ما جاء به موسى ، ~~يدل على ذلك قوله تعالى ( @QUR@09 قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر ~~عليم ). # أى : قال الأشراف من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم ، أى : راسخ في علم ~~السحر ، ماهر فيه. ولم يكتفوا بهذا القول الباطل ، بل أخذوا يثيرون الناس ~~على موسى ، ويهولون لهم الأمر ليقفوا في وجهه فقالوا ( @QUR@09 يريد أن ~~يخرجكم من أرضكم بسحره فما ذا تأمرون ). # أى : يريد هذا الساحر أن يسلب منكم ملككم ، وأن ms2193 يصبح هو ملكا على مصر ، ~~فماذا تأمرون لاتقاء هذا الخطر الداهم؟ وبما ذا تشيرون في أمره؟ فهو من ~~الأمر بمعنى المشاورة. يقال : آمرته فآمرنى. أى : شاورته فأشار على. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت قد عزى هذا الكلام إلى فرعون في سورة الشعراء ~~حيث قال : ( @QUR@03 قال للملإ حوله ) أى قال فرعون للملأ حوله ( @QUR@013 ~~إن هذا لساحر عليم. يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فما ذا تأمرون؟ ) وهنا ~~عزى إلى الملأ فكيف الجمع ، قلت : قد قاله هو وقالوه هم فحكى قوله هناك ~~وقولهم هاهنا. أو قاله ابتداء فتلقفه منه الملأ فقالوه لأعقابهم. أو قالوه ~~عنه للناس عن طريق التبليغ كما يفعل الملوك ، يرى الواحد منهم الرأى فيكلم ~~به من يليه من الخاصة ، ثم تبلغه الخاصة العامة ... وقولهم : ( @QUR@03 فما ~~ذا تأمرون ) من أمرته فأمرنى بكذا إذا شاورته فأشار عليك برأى : وقيل : ( ~~@QUR@03 فما ذا تأمرون ) من كلام فرعون ، قاله للملأ لما قالوا له : إن هذا ~~لساحر عليم يريد أن يخرجكم «كأنه قيل : فماذا تأمرون؟ فأجابوه : أرجه وأخاه ~~..» (2). PageV05P346 # ثم حكى القرآن ما أشار به الملأ من قوم فرعون فقال : ( @QUR@011 قالوا ~~أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين* يأتوك بكل ساحر عليم ). # أرجه : أصله أرجئه وقد قرئ به حذفت الهمزة وسكنت الهاء ، تشبيها للضمير ~~المنفصل بالضمير المتصل. والإرجاء التأخير. يقال : أرجيت هذا الأمر وأرجأته ~~، إذا أخرته. ومنه ( @QUR@04 ترجي من تشاء منهن ). # والمدائن : أى : البلاد جمع مدينة ، وهي من مدن بالمكان كنصر إذا أقام به ~~، و ( @QUR@01 حاشرين ) أى : جامعين ، يقال. حشر الناس من باب نصر وضرب ~~يحشرهم حشرا إذا جمعهم ، ومنه : يوم الحشر والمحشر. # والمعنى : قال الملأ من قوم فرعون حين استشارهم في أمر موسى : أخر أمره ~~وأمر أخيه ولا تتعجل بالقضاء في شأنهما ، وأرسل في مدائن ملكك رجالا أو ~~جماعات من الشرطة يجمعون إليك السحرة المهرة ، لكي يقفوا في وجه هذا الساحر ~~العليم ، ويكشفوا عن سحره ويبطلوه بسحر مثله أو أشد» وكان السحر في عهد ~~فرعون من الأعمال الغالبة التي يحسنها كثير من أهل مملكته. # وقال بعضهم ms2194 : الأمر بالتأخير دل على أنه تقدم منه أمر آخر ، وهو الهم ~~بقتله ، فقالوا له : أخره ليتبين حاله للناس. # وقال القاسمى : تدل الآية على معجزة عظيمة لموسى ، وتدل على جهل فرعون ~~وقومه ، حيث لم يعلموا أن قلب العصا حية تسعى لا يقدر عليه إلا الله وتدل ~~على أن من عادة البشر أن من رأى أمرا عظيما أن يعارضه ، فلذلك دعا فرعون ~~بالسحرة وتدل على أنهم أنكروا أمره محافظة على الملك والمال ، لذلك قالوا ( ~~@QUR@05 يريد أن يخرجكم من أرضكم ) فيدل على أن من أقوى الدواعي إلى ترك ~~الدين ، المحافظة على الرياسة والمال والجاه كما هي عادة الناس في هذا ~~الزمن» (1). # وقوله ( @QUR@02 في المدائن ) متعلق بأرسل ، و ( @QUR@01 حاشرين ) نعت ~~لمحذوف أى : رجالا حاشرين. ومفعوله محذوف. أى : حاشرين السحرة ، بدليل ما بعده. # ولا يذكر السياق القرآنى بعد ذلك أنهم أرسلوا إلى السحرة ، ولا أنهم ~~جمعوهم ، وإنما يترك ذلك للعقل يفهمه حيث لا داعي لذكر هذه التفاصيل. ويتجه ~~القرآن إلى الحديث عما دار بين السحرة وبين فرعون بعد أن جمعوا من مدائن ~~الصعيد بمصر حيث كان مقرهم هناك فيقول : PageV05P347 # ( @QUR@016 وجاء السحرة فرعون قالوا : إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين. ~~قال : نعم وإنكم لمن المقربين ). # أى : وأقبل السحرة سريعا على فرعون بعد أن أرسل إليهم فقالوا له بلغة ~~المحترف الذي مقصده الأول مما يعمله الأجر والعطاء : إن لنا لأجرا عظيما إن ~~كانت لنا الغلبة على هذا الساحر العليم؟ فهم يستوثقون أولا من جزالة الأجر ~~وضخامته. وهنا يجيبهم فرعون بقوله : نعم لكم أجر مادى جزيل إذا انتصرتم ~~عليه ، وفضلا عن ذلك فأنتم تكونون بهذا الانتصار من الظافرين بقربى وجواري. ~~فهو يغريهم بالأجر المادي ويعدهم بالقرب المعنوي من قلبه تشجيعا لهم على ~~الإجادة ، وهو وهم لا يعلمون أن الموقف ليس موقف الاحتراف والمهارة ~~والتضليل ، وإنما هو موقف المعجزة والرسالة والاتصال بالقوة الغالبة التي ~~لا يستطيع الوقوف في وجهها الساحرون ولا المتجبرون وغيرهم. # هذا ، وقد اختلف المفسرون في عدد هؤلاء السحرة فقيل ، كانوا اثنين وسبعين ~~ساحرا ، وقيل كانوا ms2195 أكثر من ذلك بكثير. # وبعد أن اطمأن السحرة على الأجر ، وتطلعت نفوسهم إليه ، يحكى لنا القرآن ~~أنهم توجهوا إلى موسى بلغة الواثق من قوته ، المتحدى لخصمه : ( @QUR@011 ~~قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين ). # أى : أنت يا موسى مخير بين أن تلقى عصاك أولا ؛ وبين أن نلقى نحن أولا ~~وأنت تفعل ما تشاء بعدنا ، وكأنهم يقولون له : وفي كلتا الحالتين فنحن على ~~ثقة من الفوز والنصر فأرح نفسك واستسلم لنا مقدما. # ويرى الزمخشري أن تخييرهم إياه أدب حسن راعوه معه ، كما يفعل أهل ~~الصناعات إذا التقوا كالمتناظرين قبل أن يتخاوضوا في الجدال ، والمتصارعين ~~قبل أن يتآخذوا في الصراع (1). # ولقد حكى لنا القرآن في سورة طه أن موسى نصحهم بعدم الدخول معه في معركة ~~هم الخاسرون فيها قطعا فقال : ( @QUR@015 قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على ~~الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى ) (2). # أما هنا فيحكى لنا القرآن أن موسى عليه السلام قد طلب منهم أن يلقوا أولا ~~مستهينا بتحديهم له ، غير مبال بهم ولا بمن جمعهم ، لأنه قد اعتمد على ~~خالقه ( @QUR@011 قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤ ~~بسحر عظيم ). PageV05P348 # أى : قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون أولا ، فلما ألقوا ما كان معهم من ~~الحبال والعصى ( @QUR@03 سحروا أعين الناس ) أى : خيلو إلى الأبصار أن ما ~~فعلوه له حقيقة في الخارج مع أنه لم يكن إلا مجرد صنعة وخيال ، ولذا لم يقل ~~سبحانه سحروا الناس. # وقوله ( @QUR@01 واسترهبوهم ) أى : خوفوهم وأفزعوهم بما فعلوا من السحر. ~~( @QUR@03 وجاؤ بسحر عظيم ) أى : في باب السحر ، أو في عين من رآه ، فإنه ~~ألقى كل واحد منهم عصاه ، فصارت كأنها ثعابين. # والتعبير بقوله سبحانه ( @QUR@01 واسترهبوهم ) تعبير مصور بليغ ، فهو ~~يوحى بأنهم استجاشوا وجدان الناس قسرا ، وساقوهم سوقا بوسائل مصطنعة مفتعلة ~~لا تستند إلى واقع سليم. # روى أنهم ألقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا ، فإذا حيات كأمثال الجبال قد ~~ملأت الوادي يركب بعضها بعضا. # وروى أنهم لونوا حبالهم وخشبهم وجعلوا فيها ما ms2196 يوهم الحركة. قيل. جعلوا ~~فيها الزئبق. # وقال بعض العلماء : قيل إنها كانت عصيا مجوفة قد ملئت زئبقا ، وقد حفروا ~~قبل ذلك تحت المواضع أسرابا ملؤها نارا ، فلما طرحت عليها العصى المجوفة ~~المملوءة بالزئبق حركها ، لأن شأن الزئبق إذا أصابته النار أن يطير ، فأخبر ~~الله أن ذلك كان مموها على غير حقيقته. فعلى هذا يكون سحرهم لأعين الناس ~~عبارة عن هذه الحيلة الصناعية» (1). # ويمضى القرآن فيبين لنا أن هذا السحر العظيم الذي استرهب الناس وسحر ~~أعينهم ، قد تهاوى في لحظة ، وانطوى في ومضة ، وزالت آثاره بعد أن قذفه ~~موسى بسلاح الحق الذي سلحه به ربه ، استمع إلى القرآن وهو يحكى ذلك فيقول : ~~( @QUR@021 وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون* فوقع ~~الحق وبطل ما كانوا يعملون* فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ). # اللقف : التناول بسرعة. يقال : لقف الشيء يلقفه لقفا ولقفانا ، أخذه بسرعة. # والإفك : الكذب. يقال أفك يأفك ، وأفك يأفك إفكا وأفكا كضرب وعلم إذا كذب ~~، وأصله من الأفك بفتح أوله وهو بمعنى صرف الشيء عن وجهه الذي يجب أن يكون ~~عليه. واطلق على الكذب إفك بكسر الهمزة لكونه مصروفا عن وجه الحق ، ثم صار ~~حقيقة فيه. # والمعنى : وأوحينا إلى موسى بعد أن أوجس خيفة مما رآه من أمر السحرة أن ~~الق عصاك ولا تخف إنك أنت الأعلى ، فألقاها فإذا هي تبتلع وتلتقم بسرعة ما ~~يكذبون ويموهون به أولئك السحرة ( @QUR@02 فوقع الحق ) أى : ظهر وتبين وثبت ~~الحق الذي عليه موسى وفسد وبطل ما كانوا PageV05P349 # يعملون من الحيل والتخييل وذهب تأثيره. وترتب على ذلك أن أصابت الهزيمة ~~المنكرة فرعون وملأه وسحرته في ذلك المجمع العظيم ، الذي حشر الناس له في ~~يوم عيدهم وزينتهم ، وانقلب الجميع إلى بيوتهم صاغرين أذلاء ، بعد أن أنزل ~~بهم موسى الخذلان والخيبة. # وان قوله ( @QUR@02 أن ألق ) يجوز أن تكون مفسرة لتقدم ما فيه معنى القول ~~دون حروفه وهو الإيحاء ، ويجوز أن تكون مصدرية فتكون هي وما بعدها مفعول ~~الإيحاء. # والفاء في قوله ( @QUR@03 فإذا هي تلقف ) فصيحة أى ms2197 : فألقاها فصارت حية ~~فإذا هي تلقف ما يأفكون. # وإنما حذف هذا المقدر للإيذان بمسارعة موسى إلى الإلقاء ، وبغاية سرعة ~~الانقلاب ، كأن ابتلاعها لما يأفكون قد حصل متصلا بالأمر بالإلقاء. # و ( @QUR@01 ما ) في قوله ( @QUR@02 ما يأفكون ) موصولة والعائد محذوف أى ~~: الذي يأفكونه ، أو مصدرية وهي مع الفعل بمعنى المفعول أى : فإذا هي تلقف ~~المأفوك. # وفي التعبير بقوله سبحانه ( @QUR@06 فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون ) ~~تجسيم لهذا الحق الذي كان عليه موسى ، وتثبيت واستقرار له ، حتى لكأنه شيء ~~ذو ثقل نزل على شيء آخر خفيف الوزن فأزاله ومحاه من الوجود. # وهذه الآيات الكريمة تصور لنا كيف أن الباطل قد يسحر عيون الناس ببريقه ~~لفترة من الوقت ، وقد يسترهب قلوبهم لساعة من الزمان ، حتى ليخيل إلى ~~الكثيرين الغافلين أنه غالب وجارف. ولكن ما إن يواجهه الحق الهادئ الثابت ~~المستقر بقوته التي لا تغالب حتى يزهق ويزول ، وينطفئ كشعلة الهشيم ، وإذا ~~بأتباع هذا الباطل يصيبهم الذل والصغار ، وهم يرون صروحهم تتهاوى ، وآمالهم ~~تتداعى ، أمام نور الحق المبين ، وإذا بتحديهم الصريح ، وتطاولهم الأحمق ~~يتحول إلى استسلام مهين ، وذل مشين. # ثم يحكى لنا القرآن بعد ذلك موقف السحرة بعد أن رأوا بأعينهم أن ما فعله ~~موسى عليه السلام ليس من قبيل السحر فقال : ( @QUR@07 فغلبوا هنالك وانقلبوا ~~صاغرين وألقي السحرة ساجدين ) أى : خروا سجدا ، كأنما كما قال الزمخشري قد ~~ألقاهم ملق لشدة خرورهم أو لم يتمالكوا أنفسهم مما رأوا فكأنهم ألقوا. # والمراد أن ظهور بطلان سحرهم ، وإدراكهم بأن موسى على الحق ، قد حملهم ~~على السجود لله تعالى وأن نور الحق قد بهرهم وجعلهم يسارعون إلى الإيمان ~~حتى لكأن أحدا قد دفعهم إليه دفعا ، وألقاهم إليه إلقاء. # وقوله ( @QUR@07 قالوا آمنا برب العالمين. رب موسى وهارون ) أى : قال ~~السحرة بعد أن تبين لهم PageV05P350 # الحق وخروا ساجدين لله ، آمنا بمالك أمر العالمين ومدبر شئونهم ، ~~والمتصرف فيهم ، وجملة ( @QUR@03 رب موسى وهارون ) بدل من الجملة التي ~~قبلها ، أو صفة لرب العالمين ، أو عطف بيان. وفائدة ذلك نفى توهم من يتوهم ~~أن رب ms2198 العالمين قد يطلق على غير الله تعالى كقول فرعون ( @QUR@03 أنا ربكم ~~الأعلى ). # وهكذا نرى أثر الحق عند ما تخالط بشاشته القلوب الواعية ، لقد آمن السحرة ~~وصرحوا بذلك أمام فرعون وشيعته ، لأنهم أدركوا عن يقين قطعى أن ما جاء به ~~موسى عليه السلام ليس من قبيل السحر ، والعالم في فنه هو أكثر الناس ~~استعدادا للتسليم بالحقيقة حين تتكشف له ، ومن هنا فقد تحول السحرة من ~~التحدي السافر إلى التسليم المطلق أمام صولة الحق الذي لا يجحده إلا مكابر حقود. # ولكن فرعون وملؤه لم يرقهم ما شاهدوا من إيمان السحرة ، ولم يدركوا ~~لانطماس بصيرتهم فعل الإيمان في القلوب ، فأخذ يتوعدهم بالموت الأليم ويحكى ~~القرآن ذلك فيقول : ( @QUR@08 قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم ) أى : ~~قال فرعون منكرا على السحرة إيمانهم ، آمنتم برب موسى وهارون قبل أن آمركم ~~أنا بذلك؟ فهو لغروره وجهله ظن أن الإيمان بالحق بعد أن تبين يحتاج إلى ~~استئذان. # ثم أضاف إلى ذلك اتهامهم بأن إيمانهم لم يكن عن إخلاص ليصرف الناس عنهم ~~فقال : ( @QUR@09 إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها ) أى ~~: إن ما صنعتموه من الإيمان برب موسى وهارون ليس عن اقتناع منكم بذلك ، بل ~~هو حيلة احتلتموها أنتم وموسى قبل أن يلقى كل منكم بسحره ، لكي تخرجوا من ~~مصر أهلها الشرعيين ، وتخلص لكم ولبنى إسرائيل. # وغرضه من هذا القول إفهام قبط مصر أن إيمان السحرة كان عن تواطؤ مع موسى ~~، وأنهم يهدفون من وراء ذلك إلى إخراجهم من أوطانهم ، فعليهم. أى القبط أن ~~يستمسكوا بدينهم وأن يعلنوا عداوتهم لموسى وللسحرة ولبنى إسرائيل. # ولا شك أن هذا لون من الكذب الخبيث أراد من ورائه فرعون صد الناس عن ~~الإيمان بموسى عليه السلام . # ثم أتبع هذا الاتهام الباطل بالوعيد الشديد فقال : ( @QUR@02 فسوف تعلمون ~~) أى : فسوف تعلمون عاقبة ما فعلتم. ثم فصل هذا الوعيد بقوله : ( @QUR@08 ~~لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين ). # أى : أقسم لأقطعن من كل شق منكم عضوا مغايرا للآخر ، كاليد من الجانب ~~الأيمن ms2199 ، والرجل من الجانب الأيسر ، ثم لأصلبنكم أجمعين تفضيحا لكم ، ~~وتنكيلا لأمثالكم. ومع أن PageV05P351 # فرعون قد توعد هؤلاء المؤمنين بالعذاب والتشويه والتنكيل والموت القاسي ~~البطيء المرهوب ، فإننا نراهم يقابلون كل ذلك بالصبر الجميل ، والإيمان ~~العميق ، والاستهانة ببطش فرعون وجبروته فيقولون له بكل ثبات واطمئنان : ( ~~@QUR@04 إنا إلى ربنا منقلبون ) قال صاحب الكشاف : فيه أوجه : أن يريدوا ~~إنا لا نبالى بالموت لانقلابنا إلى لقاء ربنا ورحمته وخلاصنا منك ومن ~~لقائك. أو ننقلب إلى الله يوم الجزاء فيثيبنا على شدائد القطع والصلب. أو ~~إنا جميعا يعنون أنفسهم وفرعون ننقلب إلى الله فيحكم بيننا. أو إنا لا ~~محالة ميتون منقلبون إلى الله فما تقدر أن تفعل بنا إلا ما لا بد لنا منه» (1). # ثم قالوا له على سبيل الاستهزاء والتوبيخ ( @QUR@010 وما تنقم منا إلا أن ~~آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ) أى : وما تكره منا وتعيب إلا الإيمان بالله ، ~~مع أن ما تكرهه منا وتعيبه علينا هو أعظم محاسننا ، لأنه خير الأعمال ، ~~وأعظم المناقب ، فلا نعدل عنه طلبا لمرضاتك. # يقال : نقم عليه أمره ، ونقمت منه نقما من باب ضرب عبته وكرهته أشد ~~الكراهة. # قال الجمل : وقوله ( @QUR@03 إلا أن آمنا ) يجوز أن يكون في محل نصب ~~مفعول به ، أى : ما تعيب علينا إلا إيماننا. ويجوز أن يكون مفعولا من أجله. ~~أى : ما تنال منا وتعذبنا لشيء من الأشياء إلا لإيماننا. وعلى كل من ~~القولين فهو استثناء مفرغ» (2). # ثم ختموا مناقشتهم لفرعون بالانصراف عنه والالتجاء إلى الله تعالى فقالوا ~~: ( @QUR@06 ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين ) أى : يا ربنا أفض علينا ~~صبرا واسعا لنثبت على دينك ، وتوفنا إليك حالة كوننا مسلمين لك مذعنين ~~لأمرك ونهيك ، مستسلمين لقضائك. # وبذلك يكون السحرة قد ضربوا للناس في كل زمان ومكان أروع الأمثال في ~~التضحية من أجل العقيدة ، وفي الوقوف أمام الطغيان بثبات وعزة ، وفي الصبر ~~على المكاره والآلام ، وفي المسارعة إلى الدخول في الطريق الحق بعد أن تبين ~~لهم ، وفي التعالي عن كل مغريات الحياة. # قال قتادة : كانوا في أول النهار كفارا ms2200 سحرة. وفي آخره شهداء بررة ، فرضي ~~الله عنهم وحشرنا في زمرتهم. # وبعد هذا الحديث الذي ساقته السورة عما دار بين موسى وفرعون ، وبين موسى ~~والسحرة ، والذي انتهى بإيمان السحرة برب العالمين بعد ذلك بدأت السورة ~~تحكى لنا ما قاله الملأ من قوم فرعون بعد هزيمتهم المنكرة ، وما قاله موسى ~~عليه السلام لقومه بعد أن بلغهم وعيد فرعون وتهديده لهم ، وما رد به قومه ~~عليه مما يدل على سفاهتهم فقالت : PageV05P352 # ( @QUR@021 وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ~~ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون (127) ~~@QUR@016 قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من ~~يشاء من عباده والعاقبة للمتقين (128) @QUR@022 قالوا أوذينا من قبل أن ~~تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض ~~فينظر كيف تعملون ) (129) # قوله تعالى ( @QUR@013 وقال الملأ من قوم فرعون : أتذر موسى وقومه ~~ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك ). # أى : قال الزعماء والوجهاء من قوم فرعون له ، بعد أن أصابتهم الهزيمة ~~والخذلان في معركة الطغيان والإيمان ، قالوا له على سبيل التهييج والإثارة ~~: أتترك موسى وقومه أحرارا آمنين في أرضك ، ليفسدوا فيها بإدخال الناس في ~~دينهم ، أو جعلهم تحت سلطانهم ورئاستهم. # روى أنهم قالوا له ذلك بعد أن رأوا عددا كبيرا من الناس ، قد دخل في ~~الإيمان متبعا السحرة الذين قالوا ( @QUR@03 آمنا برب العالمين ). # وقوله ( @QUR@02 ويذرك وآلهتك ) معناه : أتتركهم أنت يعبدون رب موسى ~~وهارون ، ويتركون عبادتك وعبادة آلهتك ، فيظهر للناس عجزك وعجزها ، فتكون ~~الطامة الكبرى التي بها يفسد ملكك. # قال السدى : إن فرعون كان قد صنع لقومه أصناما صغارا وأمرهم بعبادتها ، ~~وسمى نفسه الرب الأعلى. # وقال الحسن إنه كان يعبد الكواكب ويعتقد أنها المربية للعالم السفلى كله ~~، وهو رب النوع الإنساني. PageV05P353 # وقد قرئ ( @QUR@01 ويذرك ) بالنصب والرفع أما النصب فعلى أنه معطوف على ( ~~@QUR@01 ليفسدوا ) وأما الرفع فعلى أنه عطف على ( @QUR@01 أتذر ) أو على ~~الاستئناف ، أو على أنه حال بحذف المبتدأ أى : وهو يذرك. # والمتأمل في هذا الكلام الذي ms2201 حكاه القرآن عن الملأ من قوم فرعون ، يراه ~~يطفح بأشد ألوان التآمر والتحريض. فهم يخوفونه فقدان الهيبة والسلطان ~~بتحطيم الأوهام التي يستخدمها السلطان ، لذا نراه يرد عليهم بمنطق الطغاة ~~المستكبرين فيقول : ( @QUR@07 سنقتل أبناءهم ، ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم ~~قاهرون ). # أى : لا تخافوا ولا ترتاعوا أيها الملأ فإن قوم موسى أهون من ذلك ، ~~وسننزل بهم ما كنا نفعله معهم من قبل وهو تقتيل الأبناء ، وترك النساء ~~أحياء ، وإنا فوقهم غالبون كما كنا ما تغير شيء من حالنا ، فهم الضعفاء ~~ونحن الأقوياء ، وهم الأذلة ونحن الأعزة. # فأنت ترى أن ما قاله الملأ من قوم فرعون هو منطق حاشية السوء في كل عهود ~~الطغيان فهم يرون أن الدعوة إلى وحدانية الله إفساد في الأرض ، لأنها ستأتى ~~على بنيانهم من القواعد. ولأنها هي الدعوة إلى وحدانية الله التي ستحرر ~~الناس من ظلمهم وجبروتهم ، وتفتح العيون على النور الذي يخشاه أولئك ~~الفاسقون. # وترى أن ما قاله فرعون هو منطق الطغاة المستكبرين دائما. فهم يلجئون إلى ~~قوتهم المادية ليحموا بها آثامهم ، وشهواتهم ، وسلطانهم القائم على الظلم ، ~~والبطش ، والمنافع الشخصية. # ويبلغ موسى وقومه هذا التهديد والوعيد من فرعون وملئه فماذا قال موسى ~~عليه السلام ؟ لقد حكى القرآن عنه أنه لم يحفل بهذا التهديد بل أوصى قومه ~~بالصبر ، ولوح لهم بالنصر. استمع إلى القرآن وهو يحكى قول موسى عليه السلام ~~فيقول : # ( @QUR@016 قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا ، إن الأرض لله يورثها ~~من يشاء من عباده ، والعاقبة للمتقين ). # أى : قال موسى لقومه على سبيل التشجيع والتسلية حين ضجوا وارتعبوا من ~~تهديدات فرعون وملئه : يا قوم استعينوا بالله في كل أموركم. واصبروا على ~~البلاء ، فهذه الأرض ليست ملكا لفرعون وملئه ، وإنما هي ملك لله رب ~~للعالمين ، وهو سبحانه يورثها لمن يشاء من عباده ، وقد جرت سنته سبحانه أن ~~يجعل العاقبة الطيبة لمن يخشاه ولا يخشى أحدا سواه. # بهذا الأسلوب المؤثر البليغ ، وبهذه الوصايا الحكيمة ، وصى موسى قومه بنى ~~إسرائيل فماذا كان ردهم عليه؟ لقد كان ردهم يدل على سفاهتهم ، فقد قالوا ms2202 له ~~: ( @QUR@09 أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا ) أى : قال بنو ~~إسرائيل لموسى ردا على نصيحته لهم : لقد أصابنا الأذى من PageV05P354 # فرعون قبل أن تأتينا يا موسى بالرسالة ، فقد قتل منا ذلك الجبار الكثير ~~من أبنائنا وأنزل بنا ألوانا من الظلم والاضطهاد وأصابنا الأذى بعد أن ~~جئتنا بالرسالة كما ترى من سوء أحوالنا. واشتغالنا بالأشغال الحقيرة ~~المهينة ، فنحن لم نستفد من رسالتك شيئا ، فإلى متى نسمع منك تلك النصائح ~~التي لا جدوى من ورائها؟. # ومع هذا الرد السفيه من قوم موسى عليه ، نراه يرد عليهم بما يليق به ~~فيقول : ( @QUR@05 عسى ربكم أن يهلك عدوكم ) فرعون الذي فعل بكم ما فعل من ~~أنواع الظلم ، وتوعدكم بما توعد من صنوف الاضطهاد. # ( @QUR@03 ويستخلفكم في الأرض ) أى يجعلكم خلفاء فيها من بعد هلاكه هو ~~وشيعته. ( @QUR@03 فينظر كيف تعملون ) أى : فيرى سبحانه الكائن منكم من ~~العمل ، حسنه وقبيحه ، ليجازيكم على حسب أعمالكم ، فإن استخلافكم في الأرض ~~من بعد هلاك أعدائكم ليس محاباة لكم ، وإنما هو استخلاف للاختبار والامتحان ~~، فإن أحسنتم زادكم الله من فضله ، وإن أسأتم كان مصيركم كمصير أعدائكم. # وفي التعبير «بعسى» الذي يدل على الرجاء ، أدب عظيم من موسى مع ربه عز وجل ~~: وتعليم للناس من بعده أن يلتزموا هذا الأدب السامي مع خالقهم ، وفيه كذلك ~~منع لهم من الاتكال وترك العمل ، لأنه لو جزم لهم في الوعد فقد يتركون ~~السعى والجهاد اعتمادا على ذلك. # وقيل : إن موسى ساق لهم ما وعدهم به في صيغة الرجاء لئلا يكذبوه ، لضعف ~~نفوسهم بسبب ما طال عليهم من الذل والاستخذاء لفرعون وقومه ، واستعظامهم ~~لملكه وقوته ، فكأنهم يرون أن ما قاله لهم موسى مستبعد الحصول ، لذا ساقه ~~لهم في صورة الرجاء. # ثم تمضى السورة الكريمة بعد ذلك فتحدثنا في بضع آيات عن العذاب الذي أخذ ~~الله به آل فرعون بسبب ظلمهم وطغيانهم ، وكيف أن الله تعالى قد حقق لموسى ~~رجاءه ، وكيف أن أولئك الظالمين لم يمنعهم العذاب الذي نزل بهم من ارتكاب ~~المنكرات والآثام. # ( @QUR@010 ولقد ms2203 أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون ~~(130) @QUR@019 فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا ~~بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن PageV05P355 # @QUR@03 أكثرهم لا يعلمون (131) @QUR@012 وقالوا مهما تأتنا به من آية ~~لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين (132) @QUR@013 فأرسلنا عليهم الطوفان ~~والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين ~~(133) @QUR@023 ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد ~~عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل (134) @QUR@011 ~~فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون (135) @QUR@011 ~~فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ~~(136) @QUR@029 وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها ~~التي باركنا فيها وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ~~ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون ) (137) # تدبر معنا أيها القارئ الكريم تلك الآيات الكريمة التي تحكى كل ذلك وغيره ~~بأسلوبها البليغ المؤثر. # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@05 ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ) ~~يعنى الجدب ، وهذا معروف في اللغة ، يقال : أصابتهم سنة ، أى : جدب. ~~وتقديره : جدب سنة ، وفي الحديث «اللهم اجعلها عليهم سنين كسنى يوسف» ~~والسنة هنا بمعنى الجدب لا بمعنى الحول. ومنه PageV05P356 # أسنت القوم ، أى أجدبوا وقحطوا (1). # وقال الآلوسى : هذا شروع في تفصيل مبادئ الهلاك الموعود به ، وإيذان ~~بأنهم لم يمهلوا حتى تحولوا من حال إلى حال إلى أن حل بهم عذاب الاستئصال (2). # والمعنى : ولقد أخذنا آل فرعون أى : اختبرناهم وامتحناهم بالجدب والقحط ، ~~وضيق المعيشة ، وانتقاص الثمرات لعلهم يثوبون إلى رشدهم ؛ ويتذكرون ضعفهم ~~أمام قوة خالقهم ، ويرجعون عما هم فيه من الكفر والعصيان ، فإن الشدائد من ~~شأنها أن ترقق القلوب ، وتصفى النفوس ، وترغب في الضراعة إلى الله ، وتدعو ~~إلى اليقظة والتفكير ومحاسبة النفس على الخطايا اتقاء للبلايا. # وصدرت الآية الكريمة بالقسم ، لإظهار الاعتناء بمضمونها. # والمراد بآل فرعون قومه وأتباعه ، فهم مؤاخذون بظلمه وطغيانه ، لأن قوته ~~المالية والجندية منهم ، وقد خلقهم الله أحرارا ؛ وأكرمهم بالعقل والفطرة ~~التي تكره ms2204 الظلم والطغيان بالغريزة فكان حقا عليهم ألا يقبلوا استعباده لهم ~~وجعلهم آلة لطغيانه ، لا سيما بعد بعثة موسى عليه السلام ووصول دعوته إليهم ~~، ورؤيتهم لما أيده الله به من الآيات (3). # وإضافة الآل إليه وهو لا يضاف إلا إلى الأشراف ، لما فيه من الشرف ~~الدنيوي الظاهر ، وإن كان في نفس الأمر خسيسا. # ثم بين سبحانه أن آل فرعون لم يعتبروا بهذا الأخذ والامتحان ، وإنما ~~ازدادوا تمردا وكفرا فقال : ( @QUR@06 فإذا جاءتهم الحسنة قالوا : لنا هذه ). # أى : فإذا جاءهم ما يستحسنونه من الخصب والسعة والرخاء ، قالوا بغرور ~~وصلف : ما جاء هذا الخير إلا من أجلنا لأننا أهل له ، ونحن مستحقوه وبكدنا ~~واجتهادنا وامتيازنا على غيرنا ناسين فضل الله عليهم ، ولطفه بهم ، غافلين ~~عن شكره على نعمائه. # ( @QUR@07 وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ) أى : وإن اتفق أن ~~أصابتهم سيئة أى : حالة تسؤهم كجدب أو قحط أو مصيبة في الأبدان أو الأرزاق ~~، تشاءموا بموسى ومن معه من أتباعه ، وقالوا : ما أصابنا ما أصابنا إلا ~~بشؤمهم ونحسهم ، ولو لم يكونوا معنا لما أصبنا. # وأصل ( @QUR@01 يطيروا ) يتطيروا فأدغمت التاء في الطاء لمقاربتها لها. ~~والتطير التشاؤم والأصل في PageV05P357 # إطلاق التطير على التشاؤم : أن العرب كانت تزجر الطير فتتشاءم بالبارح ~~وهو ما طار إلى الجهة اليسرى ، وتتيامن بالسانح وهو ما طار إلى الجهة ~~اليمنى. ومنه سموا الشؤم طيرا وطائرا ، والتشاؤم تطيرا. وقد يطلق الطائر ~~على الحظ والنصيب خيرا كان أو شرا ، ولكنه غالب في الشر. # وإنما عرف الحسنة وذكرها مع أداة التحقيق وهي إذا لكثرة وقوعها وتعلق ~~الإرادة بإحداثها بالذات ، لأن العناية الإلهية اقتضت سبق الرحمة وعموم ~~النعمة قبل حصول الأعمال. ونكر السيئة وذكرها بأداة الشك وهي إن لندورها ~~وعدم تعلق الإرادة بإحداثها إلا بالتبع ، فإن النقمة بمقتضى تلك العناية ~~إنما تستحق بسبب الأعمال السيئة. # وقوله تعالى ( @QUR@09 ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون ) ~~استئناف مسوق للرد على خرافاتهم وأباطيلهم. وصدر بلفظ «ألا» الذي يفيد ~~التنبيه لإبراز كمال العناية بمضمون هذا الخبر. # أى : إنما سبب شؤمهم ms2205 هو أعمالهم السيئة المكتوبة لهم عند الله ، فهي التي ~~ساقت إليهم ما يسوءهم وليس لموسى ولا لمن معه أى تدخل في ذلك. ولكن أكثرهم ~~يجهلون هذه الحقيقة ، فيقولون ما يقولون مما تمليه عليهم أهواؤهم ~~وجهالاتهم. # وفي إسناد عدم العلم إلى أكثرهم ، إشعار بأن قلة منهم تعلم ذلك ، ولكنها ~~لا تعمل بمقتضى علمها. # هذا ، وقد أفادت الآية الكريمة أن القوم لم يتأثروا لا بالرخاء ولا ~~بالشدائد. الرخاء العظيم ، والخصب الواسع زادهم غرورا وبطرا ، والشدائد ~~والمحن جعلتهم ينسبون أسبابها إلى غيرهم دون أن يتوبوا إلى الله من ذنوبهم. ~~مع أن الشدائد كما يقول صاحب الكشاف تجعل الناس «أضرع خدودا وألين أعطافا ، ~~وأرق أفئدة». # ثم تحكى السورة الكريمة أن آل فرعون قد لجوا في طغيانهم يعمهون فقالت : ( ~~@QUR@012 وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين ). # أى : قال الملأ من بنى إسرائيل لموسى بعد أن رأوا من حججه الدالة على ~~صدقه : إنك يا موسى إن تجئنا بكل نوع من أنواع الآيات التي تستدل بها على ~~حقية دعوتك لأجل أن تسحرنا بها ، أى تصرفنا بها عما نحن فيه ، فما نحن لك ~~بمصدقين ، ولا لرسالتك بمتبعين. # ومنطقهم هذا يدل على منتهى العناد والجحود ، فهم قد صاروا في حالة نفسية ~~لا يجدي معها دليل ولا ينفع فيها إقناع ، لأنهم قد أعلنوا الإصرار على ~~التكذيب حتى ولو أتاهم نبيهم بألف دليل ودليل ، وهكذا شأن الجبارين الذين ~~قست قلوبهم ، ومسخت نفوسهم وأظلمت PageV05P358 # مشاعرهم ، حين يدمغهم الحق ، ويطاردهم الدليل الساطع بنوره الواضح ، إنهم ~~تأخذهم العزة بالإثم فيأبون أى لون من ألوان التفكير والتدبر. # قال الجمل : و ( @QUR@01 مهما ) اسم شرط جازم يدل على العموم ، و ( ~~@QUR@02 من آية ) بيان له ، والضميران في «به» و «بها» راجعان لمهما الأول ~~مراعاة للفظها لإبهامه ، والثاني مراعاة لمعناها» (1). # وسموا ما جاء به موسى عليه السلام آية من باب المجاراة له والاستهزاء بها ~~حيث زعموا أنها نوع من السحر كما ينبئ عنه قولهم ( @QUR@02 لتسحرنا بها ). # ثم حكت السورة الكريمة ما حل بهؤلاء الفجرة ms2206 من عقوبات جزاء عتوهم وعنادهم ~~فقالت : ( @QUR@013 فأرسلنا عليهم الطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ~~والدم ، آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين ). # أى : فأرسلنا على هؤلاء الجاحدين عقوبة لهم الطوفان. # قال الآلوسى : أى : ما طاف بهم ، وغشى أماكنهم وحروثهم من مطر وسيل ، فهو ~~اسم جنس من الطواف. وقد اشتهر في طوفان الماء ، وجاء تفسيره هنا بذلك في ~~عدة روايات عن ابن عباس وجاء عن عطاء ومجاهد تفسيره بالموت ، وفسره بعضهم ~~بالطاعون وكانوا أول من عذبوا به» (2). # وأرسلنا عليهم ( @QUR@01 الجراد ) فأكل زروعهم وثمارهم وأعشابهم ، حتى ~~ترك أرضهم سوداء قاحلة. # وأرسلنا عليهم ( @QUR@01 القمل ) وهو ضرب معروف من الحشرات المؤذية ، ~~وقيل : هو السوس الذي أكل حبوبهم وما اشتملت عليه بيوتهم. # وأرسلنا عليهم ( @QUR@01 الضفادع ) فصعدت من الأنهار والخلجان والمنابع ~~فغطت الأرض وضايقتهم في معاشهم ومنامهم. # وأرسلنا عليهم ( @QUR@01 الدم ) فصارت مياه الأنهار مختلطة به ، فمات ~~السمك فيها ، وقيل المراد بالدم الرعاف الذي كان يسيل من أنوفهم. # تلك هي النقم التي أنزلها الله تعالى على هؤلاء المجرمين ، بسبب فسوقهم ~~عن أمر ربهم ، وتكذيبهم لنبيهم عليه السلام . PageV05P359 # وقوله : ( @QUR@01 آيات ) حال من العقوبات الخمس المتقدمة. # وقوله : ( @QUR@01 مفصلات ) أى : مبينات واضحات لا يشك عاقل في كونها ~~آيات إلهية لا مدخل فيها للسحر كما يزعمون. # وقيل ( @QUR@01 مفصلات ) أى : مميزا بعضها عن بعض ، منفصلة بالزمان ~~لامتحان أحوالهم. وكان بين كل اثنين منها شهر ، وكان امتداد كل واحدة منها ~~شهرا ، كما أخرج ذلك ابن المنذر عن ابن عباس (1): # ثم وضحت الآية في نهايتها موقفهم من هذا الابتلاء وتلك العقوبات فقالت : # ( @QUR@04 فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين ) أى فاستكبروا عن الإيمان بموسى ~~عليه السلام وعما جاء به من معجزات ، وكانوا قوما طبيعتهم الاجرام ودينهم ~~الكفر والفسوق. # ثم بين سبحانه حالهم عند نزول العقاب بهم فقال : ( @QUR@023 ولما وقع ~~عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز ~~لنؤمنن لك ، ولنرسلن معك بني إسرائيل ). # أى وحين وقع على فرعون ومثله العذاب المذكور في الآية السابقة ، والمتمثل ~~في الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ، حين وقع ms2207 عليهم ذلك أخذوا ~~يقولون لموسى بتذلل واستعطاف عقب كل عقوبة من تلك العقوبات : يا موسى ادع ~~لنا ربك واسأله بحق ما عهد عندك من أمر إرسالك إلينا لإنقاذنا من الهلاك أن ~~يكشف عنا هذا العذاب ، ونحن نقسم لك بأنك إن كشفته عنا لنؤمنن لك ولنرسلن ~~معك بنى إسرائيل. # قال صاحب الكشاف : ( @QUR@03 بما عهد عندك ) ما مصدرية ، والمعنى بعهده ~~عندك وهو النبوة. والباء إما أن تتعلق بقوله : ( @QUR@03 ادع لنا ربك ) على ~~وجهين : # أحدهما : أسفنا إلى ما نطلب إليك من الدعاء لنا بحق ما عندك من عهد الله ~~وكرامته بالنبوة. أو ادع الله لنا متوسلا إليه بعهده عندك. # وإما أن يكون قسما مجابا بلنؤمنن ، أى أقسمنا بعهد الله عندك لئن كشفت ~~عنا الرجز لنؤمنن لك» (2). # ثم بين سبحانه موقفهم الجحودى فقال : ( @QUR@011 فلما كشفنا عنهم الرجز ~~إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون ) أى : فلما كشفنا عنهم العذاب مرة بعد ~~مرة إلى الوقت الذي أجل لهم وهو PageV05P360 # وقت إغراقهم في اليم ، إذا هم ينكثون أى : ينقضون عهدهم الذي التزموه ، ~~ويحنثون في قسمهم في كل مرة. # وينكثون : من النكث. وأصله فك طاقات الصوف المغزول ليغزل ثانيا ، ثم ~~استعير لنقض العهد بعد إبرامه. # قال الآلوسى : وجواب «لما» فعل مقدر يؤذن به إذا الفجائية لا الجملة ~~المقترنة بها ، أى : فلما كشفنا عنهم ذلك فاجأوا بالنكث من غير توقف» (1). # هذا ، وقد ساق بعض المفسرين آثارا متعددة في كيفية نزول هذا العذاب بهم. ~~ومن هذه الآثار ما رواه أبو جعفر بن جرير بسنده عن سعيد بن جبير قال : # لما أتى موسى عليه السلام فرعون قال له : أرسل معى بنى إسرائيل ، فأرسل ~~الله عليهم الطوفان وهو المطر فصب عليهم منه شيئا خافوا أن يكون عذابا. ~~فقالوا لموسى : ادع لنا ربك أن يكشف عنا هذا المطر فنؤمن لك ونرسل معك بنى ~~إسرائيل. فدعا ربه ، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بنى إسرائيل. فأنبت لهم في ~~تلك السنة شيئا لم ينبته قبل ذلك من الزروع والثمار والكلأ ، فقالوا : هذا ~~ما كنا نتمنى ms2208 ، فأرسل الله عليهم الجراد فسلطه على الكلأ فلما رأوا أثره في ~~الكلأ عرفوا أنه لا يبقى الزرع فقالوا : يا موسى ادع لنا ربك أن يكشف عنا ~~الجراد فنؤمن لك ونرسل معك بنى إسرائيل ، فدعا ربه فكشف عنهم الجراد فلم ~~يؤمنوا ولم يرسلوا معه بنى إسرائيل ، فداسوا وأحرزوا في البيوت فقالوا : قد ~~أحرزنا. فأرسل الله عليهم القمل وهو السوس الذي يخرج منه ، فكان الرجل يخرج ~~عشرة أجربة إلى الرحى فلم يرد منها إلا ثلاثة أقفزة والجريب والقفيز ~~مكيالان للحبوب ، والجريب أربعة أقفزة فقالوا : يا موسى ادع لنا ربك أن ~~يكشف عنا القمل فنؤمن لك ونرسل معك بنى إسرائيل ، فدعا ربه فكشف عنهم فأبوا ~~أن يرسلوا معه بنى إسرائيل. فبينما هو جالس عند فرعون إذ سمع نقيق ضفدع ~~فقال لفرعون : ما تلقى أنت وقومك من هذا. فقال : وما عسى أن يكون كيد هذا ، ~~فما أمسوا حتى كان الرجل يجلس إلى ذقنه في الضفادع ، ويهم أن يتكلم فيثبت ~~الضفدع في فيه فقالوا لموسى ادع لنا ربك أن يكشف عنا هذه الضفادع فنؤمن لك ~~ونرسل معك بنى إسرائيل فدعا ربه فكشف عنهم فلم يؤمنوا ، وأرسل الله عليهم ~~الدم فكانوا ما استقوا من الأنهار والآبار ، وما كان في أوعيتهم وجدوه دما ~~عبيطا ، فشكوا إلى فرعون ، فقالوا إنا قد ابتلينا بالدم وليس لنا شراب ، ~~فقال : إنه قد سحركم ، فقالوا : من أين سحرنا ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئا ~~من الماء إلا وجدناه دما عبيطا؟ PageV05P361 # فأتوه وقالوا : يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم فنؤمن لك ونرسل ~~معك بنى إسرائيل ، فدعا ربه فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بنى إسرائيل» (1). # قال ابن كثير : قد روى نحو هذا عن ابن عباس والسدى وقتادة وغير واحد من ~~علماء السلف أنه أخبر بهذا. # ثم حكت السورة الكريمة نهايتهم الأليمة ، بسبب نقضهم لعهودهم ومواثيقهم ~~في كل مرة ، وبسبب تكذيبهم لآيات الله. وعصيانهم لنبيهم موسى عليه السلام ~~فقالت : ( @QUR@011 فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم ، بأنهم كذبوا بآياتنا ~~وكانوا عنها غافلين ) أى : فانتقمنا ms2209 منهم عند بلوغ الأجل المضروب لإهلاكهم. ~~بأن أغرقناهم في اليم أى البحر ، وذلك بسبب تكذيبهم لآياتنا الواضحة ، ~~وحججنا الساطعة ، وكانوا عنها غافلين بحيث لا يتدبرونها ، ولا يتفكرون فيما ~~تحمله من عظات وعبر. # والقرآن هنا يسوق حادث إغراق فرعون وملئه بصورة مجملة ، فلا يفصل خطواته ~~كما فصلها في مواطن أخرى ، وذلك لأن المقام هنا هو مقام الأخذ الحاسم بعد ~~الإمهال الطويل ، فلا داعي إذن إلى طول العرض والتفصيل. إن الحسم السريع ~~هنا أوقع في النفس ، وأرهب للحس ، وأزجر للقلب ، وأدعى إلى العظة والاعتبار ~~، ولأن سورة الأعراف كما سبق أن بينا يغلب عليها هذا الأسلوب الذي يزلزل ~~قلوب الطغاة ، ويغرس في النفوس الرهبة والخوف وهي تقص على الناس ما أصاب ~~الظالمين من عذاب دنيوى مضى وصار تاريخا يعلمونه ويتحدثون عنه ، وهو ما حل ~~بالأمم السابقة التي كذبت رسلها وعتت عن أمر ربها. # ثم وهي تحكى لهم ما أعد للمستكبرين من عذاب أخروى بسبب عصيانهم وانتهاكهم ~~لحرمات الله. # ثم بين سبحانه مظاهر فضله وكرمه على بنى إسرائيل بعد أن بين نهاية فرعون ~~وآله فقال : ( @QUR@011 وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ~~ومغاربها التي باركنا فيها ). # أى : وأعطينا القوم الذين كانوا يستضعفون في مصر من فرعون وملئه ~~بالاستعباد وقتل الأبناء ، وسوء العذاب ، أعطيناهم من طريق الاستخلاف قبل ~~أن يزيغوا ويضلوا مشارق أرض الشام ومغاربها التي باركنا فيها بالخصوبة وسعة ~~الأرزاق ، وبكونها مساكن الأنبياء والصالحين ليكون ذلك امتحانا لهم ، ~~واختبارا لنفوسهم. # وجمع سبحانه بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على استمرار الاستضعاف PageV05P362 # وتجدده ، والمراد بهم بنو إسرائيل ، وذكروا بعنوان القوم ، إظهارا لكمال ~~اللطف بهم ، وعظيم الإحسان إليهم ، حيث رفعوا من حضيض المذلة إلى أوج العزة. # وقوله : ( @QUR@09 وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا )، ~~أى : ونفذت كلمة الله الحسنى ومضت عليهم تامة كاملة ، حيث رزقهم سبحانه ~~النصر على أعدائهم. والتمكين في الأرض بسبب صبرهم على ظلم فرعون وملئه. # قال الزمخشري : وحسبك به حاثا على الصبر. ودالا على أن من قابل البلاء ~~بالجزع وكله الله إليه. ms2210 ومن قابله بالصبر ، وانتظار النصر ، ضمن الله له الفرج. # وعن الحسن : عجبت ممن خف كيف خف وقد سمع قوله تعالى ثم تلا هذه الآية ( ~~@QUR@04 وأورثنا القوم الذين كانوا ... ) ومعنى «خف» طاش جزعا وقلة صبر ، ~~ولم يرزق رزانة أولى الصبر» (1). # ثم ختمت الآية بقوله تعالى ( @QUR@06 ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه ) ~~من بناء القصور الشاهقة والمنازل القوية ، وما كانوا يرفعونه من البساتين ، ~~والصروح المشيدة ، كصرح هامان وغيره. # و ( @QUR@01 يعرشون ) بكسر الراء وضمها أى يرفعون من العرش وهو الشيء ~~المسقف المرفوع. # قال الجمل : وقوله ( @QUR@06 ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه ) في إعرابه أوجه : # أحدها : أن يكون فرعون اسم كان ويصنع خبر مقدم ، والجملة الكونية صلة ~~والعائد محذوف. والتقدير : ودمرنا الذي كان فرعون يصنعه. # والثاني : أن اسم كان ضمير عائد على ما الموصولة ، ويصنع مسند لفرعون. ~~والجملة خبر عن كان ، والعائد محذوف ، والتقدير : ودمرنا الذي كان هو يصنعه فرعون. # الثالث : أن تكون كان زائدة وما مصدرية والتقدير ودمرنا ما يصنع فرعون أى ~~: صنعه» (2). # وهكذا تنهى السورة الكريمة هذا الدرس بذكر ما أصاب الظالمين والغادرين من ~~دمار وخراب ، وما أصاب المستضعفين الصابرين من خير واستخلاف في الأرض. # ثم بدأت السورة بعد ذلك مباشرة حديثا طويلا عن هؤلاء المستضعفين من بنى ~~إسرائيل بينت فيه ألوانا من جحودهم لنعم الله ، ونسيانهم لما كانوا فيه من ~~ذل واستعباد ، وتفضيلهم PageV05P363 # عبادة الأصنام على عبادة الخالق عز وجل وغير ذلك من أنواع كفرهم ومعاصيهم ~~، واستمع إلى القرآن وهو يحكى لونا من رذائلهم فيقول : # ( @QUR@024 وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام ~~لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون (138) ~~@QUR@010 إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون (139) @QUR@09 قال ~~أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين (140) @QUR@018 وإذ أنجيناكم ~~من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم ~~بلاء من ربكم عظيم ) (141) # إن هذه الآيات تحكى قصة عجيبة لبنى إسرائيل ملخصها : أنهم بعد أن خرجوا ~~من مصر ms2211 بقيادة موسى عليه السلام تبعهم فرعون وجنوده ليعيدوهم إليها ، إلا أن ~~الله تعالى انتقم لهم من فرعون وجنده فأغرقهم أمام أعينهم وسار بنو إسرائيل ~~نحو المشرق متجهين إلى الأرض المقدسة بعد أن عبروا البحر ، ولكنهم ما إن ~~جاوزوا البحر الذي غرق فيه عدوهم والذي ما زالت رماله الرطبة عالقة بنعالهم ~~، حتى وقعت أبصارهم على قوم يعبدون الأصنام ، فماذا كان من بنى إسرائيل؟. # كان منهم أن عاودتهم طبيعتهم الوثنية ، فطلبوا من نبيهم موسى عليه السلام ~~الذي جاء لهدايتهم وإنقاذهم مما هم فيه من ظلم أن يصنع لهم آلهة من جنس ~~الآلهة التي يعبدها أولئك القوم. # وهنا غضب عليهم موسى غضبا شديدا. ووصفهم بأنهم قوم يجهلون الحق ، وبين ~~لهم فساد ما عليه المشركون ، وذكرهم بما حباهم الله تعالى به من نعم جزيلة ~~، يوجب عليهم إفراده بالخضوع والعبادة والطاعة والشكر. PageV05P364 # وقوله تعالى ( @QUR@04 وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ) بيان للمنة العظيمة ~~التي منحهم الله إياها ، وهي عبورهم البحر بعد أن ضربه موسى بعصاه ، فأصبح ~~طريقا يابسا يسيرون فيه بأمان واطمئنان حتى عبروه إلى الناحية الأخرى ، ~~يصحبهم لطف الله ، وتحدوهم عنايته ورعايته. # وجاوز بمعنى أصل الفعل الذي هو جاز ، أى : قطعنا بهم البحر. يقال : جاز ~~الوادي وجاوزه إذا قطعه وخلفه وراء ظهره. # والمراد بالبحر : بحر القلزم وهو المسمى الآن بالبحر الأحمر. # وقوله تعالى ( @QUR@07 فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم ) بيان لما ~~شاهدوه من أحوال بعض المشركين عقب عبورهم البحر ونجاتهم من عدوهم ، فماذا ~~كانت نتيجة هذه المشاهدة؟ لقد كان المتوقع منهم أن يحتقروا ما شاهدوه ، وأن ~~ينفروا مما أبصروه ، لأن العهد لم يطل بهم منذ أن كانوا يسامون سوء العذاب ~~في ظل عبادة الأصنام عند فرعون وقومه ، ولأن نجاتهم مما كانوا فيه من ذل ~~وهوان ، قد تمت على يد نبيهم الذي دعاهم إلى توحيد الله تعالى لكي يزيدهم ~~من فضله. # ولكن طبيعة بنى إسرائيل المعوجة لم تفارقهم ، فها هم أولاء ما إن وقعت ~~أبصارهم على قوم يعكفون ويداومون على عبادة أصنام لهم (1)، حتى انجذبوا ~~إليها ms2212 وطلبوا من نبيهم الذي جاء لهدايتهم ، أن يجعل لهم وثنا كغيرهم لكي ~~يعبدوه من جديد. لقد حكى القرآن عنهم أنهم عند ما شاهدوا هذا المنظر ، ما ~~لبثوا أن قالوا لنبيهم ( @QUR@08 يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ). ~~قالوا ذلك لأن الإيمان لم يستقر في قلوبهم ، ولأن ما ألفوه من عبادة ~~الأصنام أيام استعباد فرعون لهم ، ما زال متمكنا من نفوسهم ، ومسيطرا على ~~عقولهم ، وهكذا عدوى الأمراض تصيب النفوس كما تصيب الأبدان ، وهكذا طبيعة ~~بنى إسرائيل ما تكاد تهتدى حتى تضل ، وما تكاد ترتفع حتى تنحط ؛ وما تكاد ~~تسير في طريق الاستقامة حتى ترتكس وتنتكس. # وفي قولهم لنبيهم ( @QUR@06 اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ) بصيغة الأمر ؛ ~~أكبر دليل على غباء عقولهم ، وسوء أدبهم ؛ لأنهم لو استأذنوه مثلا في اتخاذ ~~صنم يعبدونه كغيرهم لكان شأنهم أقل غرابة ؛ ولكن الذي حصل منهم أنهم طلبوا ~~منه وهو نبيهم الداعي لهم إلى توحيد الله تعالى ؛ والمنقذ لهم من عدوهم ~~الوثني الجبار أن يقوم هو بنفسه بصناعة صنم لكي يعبدوه كغيرهم!!. PageV05P365 # قال القرطبي : ونظيره قول جهال الأعراب وقد رأوا شجرة خضراء للكفار تسمى ~~ذات أنواط لأنهم كانوا ينوطون بها سلاحهم أى يعلقونه وكان الكفار يعظمون ~~هذه الشجرة في كل سنة يوما ، قال الأعراب : يا رسول الله اجعل لنا ذات ~~أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الله أكبر. قلتم ~~والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى ( @QUR@06 اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ) ~~لتركبن سنن من قبلكم حذو القذة بالقذة (1) حتى إنهم لو دخلوا حجر ضب ~~لدخلتموه» وكان هذا في مخرجه إلى حنين (2). # ولقد غضب موسى عليه السلام من طلبهم هذا وهو الغضوب بطبيعته لربه ودينه ~~فرد عليهم ردا قويا فيه توبيخ لهم وتعجب من قولهم بعد أن رأوا من المعجزات ~~ما رأوا فقال : ( @QUR@03 إنكم قوم تجهلون ) أى : إنكم يا بنى إسرائيل ~~بطلبكم هذا برهنتم على أنكم قوم قد ملأ الجهل قلوبكم ، وغطى على عقولكم ، ~~فصرتم لا تفرقون بين ما عليه ms2213 هؤلاء من ضلال مبين ، وبين ما تستحقه الألوهية ~~من صفات وتعظيم ولم يقيد ما يجهلونه ليفيد أنه جهل كامل شامل يتناول فقد ~~العلم ، وسفه النفس ، وفساد العقل. وسوء التقدير. # وبعد أن كشف لهم سوء حالهم ، وفرط جهالاتهم ، بين لهم فساد ما طلبوه في ~~ذاته ، وقبح عاقبة من أرادوا تقليدهم ، فقال لهم بأسلوب الاستئناف المفيد ~~للتعليل ( @QUR@010 إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون ). # متبر : من التتبير بمعنى الإهلاك أو التكسير والتحطيم يقال : تبره يتبره ~~وتبره أى أهلكه ودمره. # أى : إن هؤلاء الذين تبغون تقليدهم في عبادة الأوثان ، محكوم على ما هم ~~فيه بالدمار ، ومقضي على ما يعملونه من عبادة الأصنام بالاضمحلال والزوال ~~لأن دين التوحيد سيظهر في هذه الديار ، وستصير العبادة لله الواحد القهار. # وبهذا الرد يكون موسى عليه السلام قد كشف لقومه عن سوء ما يطلبون ، وصرح ~~لهم بأن مصير ما يبغونه إلى الهلاك والتدمير. # قال الإمام الرازي : (والمراد من بطلان عملهم أنه لا يعود عليهم من عبادة ~~ذلك العجل نفع ولا دفع ضرر ، وتحقيق القول في هذا الباب أن المقصود من ~~العبادة أن تصير المواظبة على تلك الأعمال سببا لاستحكام ذكر الله تعالى في ~~القلب حتى تصير الروح سعيدة بحصول تلك المعرفة فيها ، فإذا اشتغل الإنسان ~~بعبادة غير الله تعلق قلبه بغيره ، ويصير ذلك التعلق سببا PageV05P366 # لإعراض القلب عن ذكره تعالى. وإذا ثبت هذا التحقيق ظهر أن الاشتغال ~~بعبادة غير الله متبر وباطل وضائع. وسعى في تحصيل ضد هذا الشيء ونقيضه ، ~~لأنا بينا أن المقصود من العبادة رسوخ معرفة الله تعالى في القلب. ~~والاشتغال بعبادة غير الله يزيل معرفته عن القلب ، فكان هذا ضد الغرض ~~ونقيضا للمطلوب والله أعلم ) (1). # ثم مضى موسى عليه السلام يستنكر عليهم هذا الطلب ، ويبين لهم أن الله وحده ~~هو المستحق للعبادة فقال : ( @QUR@08 أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على ~~العالمين ). # أى قال موسى عليه السلام مذكرا قومه بنعم الله عليهم الموجبة لإفراده ~~بالعبادة والخضوع : أغير الله أطلب لكم معبودا أحملكم على ms2214 العبودية له ، ~~وهو فضلكم على عالمي زمانكم ، وقد كان الواجب عليكم أى تخصوه بالعبادة ، ~~كما اختصكم هو بشتى النعم الجليلة. فالاستفهام في الآية الكريمة للإنكار ~~المشرب معنى التعجب لابتغائهم معبودا سوى الله تعالى الذي غمرهم بنعمه ، ~~وأحاطهم بألوان إحسانه. # و «غير» كما قال الجمل منصوب على أنه مفعول به لأبغيكم على حذف اللام ~~والتقدير : أأبغي لكم غير الله إلها ، فلما حذف الحرف وصل الفعل بنفسه وهو ~~غير منقاس. و «إلها» تمييز لغير. # ثم ذكرهم سبحانه بنعمة إنجائهم من العذاب والتنكيل ، ليبتليهم أيشكرون أم ~~يكفرون ، فقال تعالى : ( @QUR@018 وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء ~~العذاب ، يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ). # «إذ» بمعنى وقت ، وهي مفعول به لفعل ملاحظ في الكلام وهو اذكروا أى : ~~اذكروا وقت أن أنجيناكم من آل فرعون. والمراد من التذكير بالوقت تذكيرهم ~~بما وقع فيه من أحداث. # وآل الرجل : أهله وخاصته وأتباعه. ويطلق غالبا على أولى الشأن والخطر من ~~الناس ، فلا يقال آل الحجام أو الإسكاف. # و ( @QUR@03 يسومونكم سوء العذاب ) يبغون لكم أشد العذاب وأفظعه من السوم ~~وهو مطلق الذهاب ، أو الذهاب في ابتغاء الشيء. يقال : سامت الإبل فهي سائمة ~~، أى ذهبت إلى المرعى. وسام السلعة ، إذا طلبها وابتغاها. # والسوء بالضم كل ما يحزن الإنسان ويغمه من الأمور الدنيوية أو الأخروية. ~~ويستحيون : أى يستبقون. يقال : استحياه أى : استبقاه ، وأصله : طلب له ~~الحياة والبقاء. PageV05P367 # والبلاء : الامتحان والاختبار ويكون بالخير والشر. # والمعنى : واذكروا يا بنى إسرائيل لتعتبروا وتتعظوا وتشكروا الله على ~~نعمه وقت أن أنجيناكم من آل فرعون الذين كانوا يعذبونكم أشق العذاب وأصعبه ~~، حيث كانوا يزهقون أرواح ذكوركم ، ويستبقون نفوس نسائكم ليستخدموهن ~~ويستذلوهن. وفي ذلكم العذاب وفي النجاة منه امتحان لكم لتشكروا الله على ~~نعمه ، ولتقلعوا عن السيئات التي تؤدى بكم إلى الإذلال في الدنيا ، والعذاب ~~في الأخرى. # وجعلت النجاة هنا من آل فرعون ولم تجعل منه ، مع أنه هو الآمر بتعذيب بنى ~~إسرائيل ، للتنبيه على أن حاشيته وبطانته كانت عونا له على إذاقتهم ms2215 سوء ~~العذاب ، وفي إنزال ألوان الأذلال بهم. # وجعلت الآية الكريمة استحياء النساء عقوبة لبنى إسرائيل مع أنه في ظاهره ~~نعمة لهم لأن هذا الإبقاء على النساء كان المقصود منه الاعتداء على أعراضهن ~~، واستعمالهن في شتى أنواع الخدمة ، وإذلالهن بالاسترقاق ، فبقاؤهن كذلك ~~بقاء ذليل ؛ وعذاب أليم ، تأباه النفوس الكريمة ، والطباع الحرة الأبية. # قال الامام الرازي ما ملخصه : في قتل الذكور دون الإناث مضرة من وجوه : # أحدها : أن ذبح الأبناء يقتضى فناء الرجال ، وذلك يقضى انقطاع النسل ، ~~لأن النساء إذا انفردن فلا تأثير لهن البتة في ذلك ، وهذا يقضى في نهاية ~~الأمر إلى هلاك الرجال والنساء جميعا. # ثانيها : أن هلاك الرجال يقتضى فساد مصالح النساء في أمر المعيشة. # فإن المرأة لتتمنى الموت إذا انقطع عنها الرجال. لما قد تقع فيه من نكد ~~العيش بالانفراد. # ثالثها : ان قتل الولد عقب الحمل الطويل ، وتحمل الكد ، والرجاء القوى في ~~الانتفاع به من أعظم العذاب. فنعمة الله في تخليصهم من هذه المحنة كبيرة. # رابعا : أن بقاء النساء بدون الذكران من أقاربهن ، يؤدى إلى صيرورتهن ~~مستفرشات للأعداء. وذلك نهاية الذل والهوان (1). # وقد رجح كثير من المفسرين أن المراد بالأبناء هنا الأطفال لا البالغين ، ~~لأن اللفظ من حيث وضعه يفيد ذلك ، ولأن قتل الرجال لا يفيدهم حيث أنهم ~~كانوا يستعملونهم في الأعمال الشاقة والحقيرة ، ولأنه لو كان المقصود ~~بالذبح الرجال لما قامت أم موسى بإلقائه في اليم وهو طفل صغير لتنجيه من الذبح. PageV05P368 # ويرى بعض المفسرين أن المراد بالأبناء الرجال ، لا الأطفال ، لأن لفظ ~~الأبناء هنا جعل في مقابلة النساء ، والنساء هن البالغات. # والذي نرجحه هو القول الأول لما ذكرنا ، ولأنه أتم في إظهار نعمة الإنجاء ~~، حيث كان آل فرعون يقتلون الصغار قطعا للنسل ، ويسترقون الأمهات استعبادا ~~لهن ، ويبقون الرجال للخدمة حتى ينقرضوا على سبيل التدرج ، وبقاء الرجال ~~على هذه الحالة أشد عليهم من الموت. # وبهذا تكون الآيات الكريمة قد ردت على بنى إسرائيل فيما طلبوا أبلغ رد ~~وأحكمه ، ووصفتهم بما هم أهله من سوء تدبير ، وسفاهة تفكير. ms2216 فقد بدأت ~~بإثبات جهلهم بربهم وبأنفسهم ، حيث طلبوا من نبيهم أن يجعل لهم إلها كما ~~لغيرهم آلهة ، ثم ثنت بإظهار فساد ما طلبوه في ذاته ، لأن مصيره إلى الزوال ~~والهلاك ، وما كان كذلك لا يصلح أن يكون الها ، ثم بينت بعد ذلك بأن ~~العبادة لغير الله لا تجوز بأى حال ، لأنه هو وحده صاحب الخلق والأمر ، ثم ~~ذكرتهم في ختامها بوجوه النعم التي أسبغها الله عليهم ، لتشعرهم بأن ما ~~طلبوه من نبيهم ، هو من قبيل مقابلة الإحسان بالجحود والنكران ، ولتحملهم ~~على أن يتدبروا أمرهم ، ويراجعوا أنفسهم ، ويتوبوا إلى خالقهم توبة صادقة ~~نصوحا. ان كانوا ممن ينتفع بالعظات ويعتبر بالمثلات. # ثم حكت لنا السورة الكريمة بعد ذلك مشهد تطلع موسى عليه السلام للقاء ربه ~~، ووصيته لأخيه هارون قبل ذهابه لهذا اللقاء العظيم فقالت : # ( @QUR@023 وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه ~~أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل ~~المفسدين (142) @QUR@041 ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني ~~أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني ~~فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك ~~وأنا أول المؤمنين (143) PageV05P369 # @QUR@015 قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما ~~آتيتك وكن من الشاكرين ) (144) # قال صاحب الكشاف : «روى أن موسى عليه السلام وعد بنى إسرائيل وهو بمصر ، ~~إن أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب من عند الله ، فيه بيان ما يأتون وما يذرون ~~، فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب فأمره بصوم ثلاثين يوما وهو شهر ذي ~~القعدة ، فلما أتم الثلاثين أنكر خلوف فمه فتسوك. فقالت له الملائكة : كنا ~~نشم من فمك رائحة المسك فأفسدته بالسواك فأمره الله تعالى ان يزيد عليها ~~عشرة أيام من ذي الحجة لذلك. وقيل أمره الله أن يصوم ثلاثين يوما وان يعمل ~~فيها بما يقربه من الله ثم انزل الله عليه في العشر التوراة وكلمه فيها» (1). # والمواعدة مفاعلة من ms2217 الجانبين ، وهي هنا على غير بابها ، لأن المراد بها ~~هنا أن الله تعالى أمر موسى أن ينقطع لمناجاته أربعين ليلة تمهيدا لإعطائه ~~التوراة ، ويؤيد ذلك قراءة أبى عمرو ويعقوب «وعدنا». # وقيل المفاعلة على بابها على معنى أن الله تعالى وعد نبيه موسى أن يعطيه ~~التوراة وأمره بالحضور للمناجاة فوعد موسى ربه بالطاعة والامتثال. # وقوله ( @QUR@01 ثلاثين ) مفعول ثان لواعدنا بحذف المضاف ، أى : إثمام ~~ثلاثين ليلة أو إتيانها. # والضمير في قوله ( @QUR@02 وأتممناها بعشر ) يعود على المواعدة المفهومة ~~من قوله ( @QUR@01 واعدنا ) أى : وأتممنا مواعدته بعشر ، أو أنه يعود على ~~ثلاثين : # وحذف تمييز عشر لدلالة الكلام عليه ، أى : وأتممناها بعشر ليال. # و ( @QUR@01 أربعين ) منصوب على الحالية أى : فتم ميقات ربه بالغا أربعين ليلة. # ثم حكى سبحانه ما وصى به موسى أخاه هارون فقال : ( @QUR@07 وقال موسى ~~لأخيه هارون اخلفني في قومي ) أى : قال موسى لأخيه هارون حين استودعه ليذهب ~~لمناجاة ربه : كن خليفتي في قومي ، وراقبهم فيما يأتون ويذرون فإنهم في ~~حاجة إلى ذلك لضعف إيمانهم ، واستيلاء الشهوات والأهواء عليهم ( @QUR@05 ~~وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ) الذين ( @QUR@013 إن يروا سبيل الرشد لا ~~يتخذوه سبيلا ، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ). # وإننا لنلمح من هذه الوصية أن موسى عليه السلام كان متوقعا شرا من قومه ، ولقد PageV05P370 # صح ما توقعه ، فإنهم بعد أن فارقهم موسى استغلوا جانب اللين في هارون ~~فعبدوا عجلا جسدا له خوار صنعه لهم السامري. # ثم حكى القرآن ما كان من موسى عند ما وصل إلى طور سيناء لمناجاة ربه فقال ~~: ( @QUR@06 ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه ) أى : وحين حضر موسى ~~لموقتنا الذي وقتناه له وحددناه ، وكلمه ربه ، أى : خاطيه من غير واسطة ملك ~~( @QUR@05 قال رب أرني أنظر إليك ) أى : قال موسى حين كلمه ربه وسمع منه : ~~رب أرنى ذاتك الجليلة. والمراد مكنى من رؤيتك. أو تجل لي أنظر إليك وأراك. # و ( @QUR@01 أرني ) فعل أمر مبنى على حذف الياء. وياء المتكلم مفعول ، ~~والمفعول الثاني محذوف أى : ذاتك أو نفسك ولم يصرح به لأنه معلوم ، وزيادة ms2218 ~~في التأدب مع الخالق عز وجل . # وجملة ( @QUR@03 قال لن تراني ) مستأنفة استئنافا بيانيا ، كأنه قيل : ~~فماذا قال الله تعالى حين قال موسى ذلك ، فكان الجواب ( @QUR@03 قال لن ~~تراني ) أى : لن تطيق رؤيتي ، وأنت في هذه النشأة وعلى الحالة التي أنت ~~عليها في هذه الدنيا فنفى الرؤية منصب على الحالة الدنيوية ، أما في الآخرة ~~فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن المؤمنين يرون ربهم في روضات الجنات. # ثم قال تعالى ( @QUR@09 ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني ~~) أى : لن تطيق رؤيتي يا موسى وأنت في هذه الحياة الدنيا ، ولكن انظر إلى ~~الجبل الذي هو أقوى منك ، فإن استقر مكانه أى ثبت مكانه حين أتجلى له ولم ~~يتفتت من هذا التجلي ، فسوف تراني أى تثبت لرؤيتى إذا تجليت لك وإلا فلا ~~طاقة لك برؤيتى. # وفي هذا الاستدراك ( @QUR@02 ولكن انظر )... إلخ ، تسلية لموسى ~~عليه السلام وتلطف معه في الخطاب ، وتكريم له ، وتعظيم لأمر الرؤية ، وأنه ~~لا يقوى عليها إلا من قواه الله بمعونته. # ثم بين سبحانه ما حدث للجبل عند التجلي فقال : ( @QUR@06 فلما تجلى ربه ~~للجبل جعله دكا ) أى : فحين ظهر نوره سبحانه للجبل على الوجه اللائق بجلاله ~~( @QUR@02 جعله دكا ) أى مدقوقا مفتتا ، فنبه سبحانه بذلك على أن الجبل مع ~~شدته وصلابته مادام لم يستقر عند هذا التجلي ، فالآدمى مع ضعف بنيته أولى ~~بأن لا يستقر. والداك والدق بمعنى ، وهو تفتيت الشيء وسحقه وفعله من باب رد. # قال الآلوسى : وهذا كما لا يخفى من المتشابهات التي يسلك فيها طريق ~~التسليم وهو أسلم وأحكم ، أو التأويل بما يليق بجلال ذاته تعالى . # وقوله ( @QUR@03 وخر موسى صعقا ) أى : سقط من هول ما رأى من النور الذي ~~حصل به التجلي مغشيا عليه ، كمن أخذته الصاعقة. PageV05P371 # يقال : صعقتهم السماء تصعقهم صعقا فهو صعق أى : غشى عليه. # وقوله : ( @QUR@09 فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ) أى ~~: فلما أفاق موسى من غشيته ، وعاد إلى حالته الأولى التي كان عليها قبل أن ~~يخر مغشيا عليه ، قال تعظيما لأمر ms2219 الله ( @QUR@01 سبحانك ) أى تنزيها لك من ~~مشابهة خلقك في شيء ( @QUR@02 تبت إليك ) من الإقدام على السؤال بغير إذن ( ~~@QUR@03 وأنا أول المؤمنين ) بعظمتك وجلالك أو أنا أول المؤمنين بأنه لا ~~يراك أحد. # قال أبو العالية : قد كان قبله مؤمنون : ولكن يقول أنا أول المؤمنين أنه ~~لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة. قال ابن كثير : وهو قول حسن. # هذا ، وقد توسع بعض المفسرين عند تفسيره لهذه الآية في الحديث عن رؤية ~~الله تعالى وعلى رأس هذا البعض الإمام الآلوسى ، فقد قال رحمه الله : ~~«واستدل أهل السنة المجوزون لرؤيته سبحانه بهذه الآية على جوازها في الجملة ~~، واستدل بها المعتزلة النفاة على خلاف ذلك ، وقامت الحرب بينهما على ساق ، ~~وخلاصة الكلام في ذلك أن أهل السنة قالوا : إن الآية تدل على إمكان الرؤية ~~من وجهين : # الأول : أن موسى عليه السلام سألها بقوله ( @QUR@04 رب أرني أنظر إليك ) ~~ولو كانت مستحيلة فإن كان موسى عالما بالاستحالة فالعالم فضلا عن النبي ~~مطلقا ، فضلا عمن هو من أولى العزم لا يسأل المحال ولا يطلبه. وإن لم يكن ~~عالما بذلك ، لزم أن يكون آحاد المعتزلة أعلم بالله وما يجوز عليه وما لا ~~يجوز من النبي الصفي ، والقول بذلك غاية الجهل والرعونة وحيث بطل القول ~~بالاستحالة تعين القول بالجواز. # والثاني : أن فيها تعليق الرؤية على استقرار الجبل وهو ممكن في ذاته وما ~~علق على الممكن ممكن». # ثم قال ما ملخصه : واعترض الخصوم على الوجه الأول بوجوه منها أنا لا نسلم ~~أن موسى سأل الرؤية وإنما سأل العلم الضروري به تعالى إلا أنه عبر عنه ~~بالرؤية مجازا. أو أنه سأل رؤية علم من أعلام الساعة بطريق حذف المضاف ، أى ~~: أرنى أنظر إلى علم من أعلامك الدالة على الساعة. أو أنه سأل الرؤية لا ~~لنفسه ولكن لدفع قومه القائلين ( @QUR@03 أرنا الله جهرة ) وإنما أضاف ~~الرؤية إليه دونهم ليكون منعه أبلغ في دفعهم وردعهم عما سألوه تنبيها ~~بالأدنى على الأعلى. # واعترضوا على الوجه الثاني بأنا لا نسلم أنه علق الرؤية على ms2220 أمر ممكن ، ~~لأن التعليق لم يكن على استقرار الجبل حال سكونه وإلا لوجدت الرؤية ضرورة ~~وجود الشرط ، لأن الجبل حال سكونه كان مستقرا ، بل على استقراره حال حركته ~~وهو محال لذاته. PageV05P372 # ثم أورد الآلوسى بعد ذلك ما رد به كل فريق على الآخر مما لا مجال لذكره ~~هنا (1). # والذي نراه أن رؤية الله في الآخرة ممكنة كما قال أهل السنة لورود الآيات ~~القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة التي تشهد بذلك ، أما في الدنيا فقد ~~منع العلماء وقوعها ، وقد بينا ذلك بشيء من التفصيل عند تفسيرنا لقوله ~~تعالى ( @QUR@06 لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) (2). # ثم حكى القرآن بعد ذلك ما كرم الله تعالى به موسى عليه السلام فقال : ( ~~@QUR@09 قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي ). # الاصطفاء. افتعال من الصفوة ، وصفوة الشيء خالصه وخياره أى : قال الله ~~تعالى لموسى إنى اخترتك واجتبيتك على الناس الموجودين في زمانك لأن الرسل ~~كانوا قبل موسى وبعده ، فهو اصطفاء على جيل معين من الناس بحكم هذه ~~القرينة. # وقوله ( @QUR@01 برسالاتي ) أى : بأسفار التوراة ، أو بإرسالى إياك إلى ~~من أرسلت إليهم. و ( @QUR@01 بكلامي ) أى : بتكليمى إياك بغير واسطة قال ~~تعالى ( @QUR@04 وكلم الله موسى تكليما ). # والجملة الكريمة مسوقة لتسليته عليه السلام عما أصابه من عدم الرؤية فكأنه ~~سبحانه يقول له : إن منعتك الرؤية فقد أعطيتك من النعم العظام ما أعطيتك ~~فاغتنمه ودم على شكرى. # وقدم الرسالة على الكلام لأنها أسبق ، أو ليترقى إلى الأشرف. # ثم قال تعالى ( @QUR@06 فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين ) أى : فخذ يا موسى ~~ما أعطيتك من شرف الاصطفاء والنبوة والمناجاة وكن من الراسخين في الشكر على ~~ما أنعمت به عليك ، فأنت أسوة وقدوة لأهل زمانك. # ( @QUR@020 وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها ~~بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين ) (145) PageV05P373 # ثم فصل سبحانه بعض النعم التي منحها لنبيه موسى وقال : ( @QUR@011 وكتبنا ~~له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء ). # والمراد بالألواح كما قال ابن عباس ألواح التوراة ms2221 ، واختلف في عددها فقيل ~~: سبعة ألواح وقيل عشرة ألواح وقيل أكثر من ذلك. كما اختلف في شأنها فقيل ~~كانت من سدر الجنة ، وقيل كانت من زبرجد أو زمرد ... إلخ. # والذي نراه تفويض معرفة ذلك إلى الله تعالى لأنه لم يرد نص صحيح عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في عددها أو كيفيتها. # والمعنى : وكتبنا لموسى عليه السلام في ألواح التوراة من كل شيء يحتاجون ~~إليه من الحلال والحرام ، والمحاسن والقبائح. ليكون ذلك موعظة لهم من شأنها ~~أن تؤثر في قلوبهم ترغيبا وترهيبا ، كما كتبنا له في تلك الألواح تفصيل كل ~~شيء يتعلق بأمر هذه الرسالة الموسوية. # وإسناد الكتابة إليه تعالى إما على معنى أن ذلك كان بقدرته تعالى وصنعه ~~ولا كسب لأحد فيه ، وإما على معنى أنها كتبها بأمره ووحيه سواء كان الكاتب ~~لها موسى أو ملك من ملائكته عز وجل . # قال صاحب المنار : قال بعض المفسرين : إن الألواح كانت مشتملة على ~~التوراة : وقال بعضهم بل كانت قبل التوراة. والراجح أنها كانت أول ما أوتيه ~~من وحى التشريع فكانت أصل التوراة الإجمالى ، وكانت سائر الأحكام من ~~العبادات والمعاملات الحربية والمدنية والعقوبات تنزل يخاطبه بها الله ~~تعالى في أوقات الحاجة إليها» (1). # وقوله ( @QUR@04 موعظة وتفصيلا لكل شيء ) بدل من قوله ( @QUR@03 من كل ~~شيء ) باعتبار محله وهو النصب لأن من مزيدة كما يرى كثير من النحاة. أى : ~~كتبنا له فيها كل شيء من المواعظ وتفصيل الأحكام. # والضمير في قوله تعالى ( @QUR@02 فخذها بقوة ) يعود إلى الألواح. والفاء ~~عاطفة لمحذوف على كتبنا ، والمحذوف هو لفظ قلنا وقوله ( @QUR@01 بقوة ) حال ~~من فاعل خذها أى : كتبنا له في الألواح من كل شيء ، وقلنا له خذها بقوة أى ~~بجد وحزم ، وصبر وجلد ، لأنه عليه السلام قد أرسل إلى قوم طال عليهم الأمد ~~وهم في الذل والاستعباد ، فإذا لم يكن المتولى لإرشادهم وإلى ما فيه ~~هدايتهم ذا قوة وصبر ويقين ، فإنه قد يعجز عن تربيتهم. ويفشل في تنفيذ أمر ~~الله فيهم. # قال الجمل : وقوله تعالى ( @QUR@04 وأمر قومك يأخذوا ms2222 بأحسنها ) أى ~~التوراة ومعنى بأحسنها PageV05P374 # بحسنها إذ كل ما فيها حسن ، أو أمروا فيها بالخير ونهوا عن الشر ، وفعل ~~الخير أحسن من ترك الشر ، وذلك لأن الكلمة المحتملة لمعنيين أو لمعان تحمل ~~على أشبه محتملاتها بالحق وأقربها إلى الصواب. أو أن فيها حسنا وأحسن ~~كالقود والعفو ، والانتصار والصبر ، والمأمور به والمباح فأمروا بأن يأخذوا ~~بما هو أكثر ثوابا (1). # وقوله تعالى ( @QUR@03 سأريكم دار الفاسقين ) توكيد لأمر القوم بالأخذ ~~بالأحسن وبعث عليه على نهج الوعيد والتهديد. # أى : سأريكم عاقبة من خالف أمرى ، وخرج عن طاعتي ، كيف يصير إلى الهلاك ~~والدمار ، فتلك سنتي التي لا تتغير ولا تتبدل. # قال ابن كثير : وإنما قال ( @QUR@03 سأريكم دار الفاسقين ) كما يقول ~~القائل لمن يخاطبه : سأريك غدا ما يصير إليه حال من خالفني على وجه التهديد ~~والوعيد لمن عصاه وخالف أمره (2) وقيل المراد بدار الفاسقين دار فرعون ~~وقومه وهي مصر ، كيف أقفرت منهم ودمروا لفسقهم لتعتبروا فلا تفسقوا مثل ~~فسقهم فيصيبكم ما أصابهم. # وقيل المراد بها منازل عاد وثمود والأقوام الذين هلكوا بسبب كفرهم. # وقيل المراد بها أرض الشام التي كان يسكنها الجبارون. فإنهم لم يدخلوها ~~إلا بعد أربعين سنة من خروجهم من مصر على يد يوشع بن نون. # والذي نراه أن الرأى الأول أرجح ، لأن الآية الكريمة تحكى سنة من سنن ~~الله في خلقه ، وهذه السنة تتمثل في أن كل دار تفسق عن أمر ربها تكون ~~عاقبتها الذل والدمار ، ولأنه لم يرد حديث صحيح يعين المراد بدار الفاسقين. # فالآية الكريمة قد اشتملت على جانب من مظاهر نعم الله على نبيه موسى ~~عليه السلام كما اشتملت على الأمر الصريح منه سبحانه له بأن يهيئ نفسه لحمل ~~تكاليف الرسالة بعزم وصبر ، وأن يأمر قومه بأن يأخذوا بأكملها وأعلاها بدون ~~ترخيص أو تحايل ، لأنهم قوم كانت طبيعتهم رخوة وعزيمتهم ضعيفة ، ونفوسهم ~~منحرفة. كما اشتملت على التحذير الشديد لكل من يخرج عن طاعة الله وينتهك ~~حرماته. # ثم بين سبحانه عاقبة من يتكبرون في الأرض بغير الحق فقال تعالى : PageV05P375 # ( @QUR@036 سأصرف عن ms2223 آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل ~~آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي ~~يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (146) @QUR@013 ~~والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا ~~يعملون ) (147) # قوله تعالى ( @QUR@09 سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ) ~~استئناف مسوق لبيان أن أعداء دعاة الحق هم المستكبرون ، لأن من شأن التكبر ~~أن يصرف أهله عن النظر والاستدلال على وجوه الخير. ومعنى صرف هؤلاء ~~المتكبرين عن الانتفاع بآيات الله وحججه ، منعهم عن ذلك بالطبع على قلوبهم ~~لسوء استعدادهم لا يتفكرون ولا يتدبرون ولا يعتبرون. # أى : سأطبع على قلوب هؤلاء الذين يعدون أنفسهم كبراء ، ويرون أنفسهم أنهم ~~أعلى شأنا من غيرهم ، مع أنهم أجهل الناس عقلا ، وأتعسهم حالا. # وقوله ( @QUR@02 بغير الحق ) صلة للتكبر على معنى يتكبرون ويتطاولون بما ~~ليس بحق وهو دينهم الباطل ، وسفههم المفرط ، أو متعلق بمحذوف هو حال من ~~فاعله ، أى يتكبرون متلبسين بغير الحق. # ثم بين سبحانه ما هم عليه من عناد وجحود فقال : ( @QUR@07 وإن يروا كل ~~آية لا يؤمنوا بها ) أى : وإن يروا كل آية من الآيات التي تهدى إلى الحق ~~وترشد إلى الخير لا يؤمنوا بها لفساد قلوبهم ، وحسدهم لغيرهم على ما آتاه ~~الله من فضله ، وتكبرهم على الناس. والجملة الكريمة معطوفة على جملة ( ~~@QUR@05 يتكبرون في الأرض بغير الحق ) داخلة معها في حكم الصلة. # والمقصود بالآية إما المنزلة فيكون المراد برؤيتها مشاهدتها والإحساس بها ~~عن طريق السماع. وإما ما يعمها وغيرها من المعجزات ، فيكون المراد برؤيتها ~~مطلق المشاهدة المنتظمة للسماع والإبصار. PageV05P376 # ( @QUR@04 وإن يروا سبيل الرشد ) أى : الصلاح والاستقامة والسداد ( ~~@QUR@03 لا يتخذوه سبيلا ) أى : لا يتوجهون إليه ولا يسلكونه لمخالفته ~~لأهوائهم وشهواتهم ( @QUR@04 وإن يروا سبيل الغي ) أى : طريق الضلال عن ~~الحق ( @QUR@02 يتخذوه سبيلا ) أى : طريقا يميلون إليه ، ويسيرون فيه بدون ~~تفكر أو تدبر. وهذا شأن من مرد على الضلال ، وانغمس في الشرور والآثام. إنه ~~لإلفه المنكرات صار الحسن ms2224 عنده قبيحا والقبيح حسنا ، وصدق الله إذ يقول : ( ~~@QUR@07 أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا ). # ثم ختم سبحانه الآية ببيان الأسباب التي أدت بهم إلى هذا الضلال العجيب ~~فقال تعالى : ( @QUR@07 ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ) أى : ~~ذلك المذكور من التكبر وعدم الإيمان بشيء من الدلائل الدالة على الحق ~~وإعراضهم عن سبيل الهدى. وإقبالهم التام على طريق الغواية ، كائن بسبب أنهم ~~كذبوا بآياتنا الدالة على بطلان ما هم عليه من أباطيل ، وبسبب أنهم كانوا ~~عن هذه الآيات غافلين لاهين لا يتفكرون فيها ، ولا يعتبرون بما اشتملت عليه ~~من عظات. # فالله تعالى لم يخلقهم مطبوعين على شيء مما ذكر طبعا ، ولم يجبرهم ~~ويكرههم عليه إكراها ، بل كان ذلك بكسبهم واختيارهم للتكذيب بآياته الدالة ~~على الحق. # واسم الإشارة ( @QUR@01 ذلك ) مبتدأ ، وخبره الجار والمجرور بعده ، أى : ~~ذلك الصرف بسبب تكذيبهم. # ثم قال تعالى ( @QUR@07 والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم ~~) أى : بطلت وفسدت وصارت هباء منثورا ، بسبب تكذيبهم لآيات الله ، وإنكارهم ~~للآخرة وما فيها من ثواب وعقاب. # والاستفهام في قوله ( @QUR@06 هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ) للنفي : أى ~~: لا يجزون يوم القيامة إلا الجزاء الذي يستحقونه بسبب أعمالهم في الدنيا. ~~فربك سبحانه لا يظلم أحدا. # وقوله ( @QUR@02 والذين كذبوا ) في خبره وجهان : # أحدهما : أنه الجملة من قوله : ( @QUR@02 حبطت أعمالهم ) وهل يجزون خبر ~~ثان أو مستأنف. # والثاني : أن الخبر ( @QUR@02 هل يجزون ) والجملة من قوله ( @QUR@02 حبطت ~~أعمالهم ) في محل نصب على الحال وقد مضمرة عند من يشترط ذلك ، وصاحب الحال ~~فاعل كذبوا. # وقوله ( @QUR@02 ولقاء الآخرة ) فيه وجهان : # أحدهما : أنه من باب إضافة المصدر لمفعوله والفاعل محذوف والتقدير : ~~ولقائهم الآخرة. PageV05P377 # والثاني : أنه من باب إضافة المصدر إلى الظرف بمعنى : ولقاء ما وعد الله ~~في الآخرة» (1). # ثم قصت السورة علينا رذيلة من رذائل بنى إسرائيل المتعددة ، وذلك أنهم ~~بعد أن تركهم موسى عليه السلام وذهب لمناجاة ربه مستخلفا عليهم أخاه هارون ، ~~انتهزوا لين جانب هارون معهم ، فعبدوا عجلا جسدا له خوار صنعه لهم السامري ~~من الحلي التي ms2225 استعارها نساؤهم من نساء قبط مصر. # وحاول هارون عليه السلام أن يصدهم عن ذلك بشتى السبل ، ولكنهم أعرضوا عنه ~~قائلين ( @QUR@08 لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى )، وأعلم الله ~~تعالى موسى بما حدث من قومه في غيبته فعاد إليهم مغضبا حزينا ، فوبخهم على ~~كفرهم وجهالاتهم ، وعاتب بشدة أخاه هارون لتركه إياهم يعبدون العجل ولكن ~~هارون اعتذر له ، وأقنعه بأنه لم يقصر في نصيحتهم ولكنهم قوم لا يحبون ~~الناصحين. # وعلى مشهد من بنى إسرائيل أحرق موسى العجل ، وقال للسامري رأس الفتنة ~~ومدبرها ( @QUR@025 وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه ~~في اليم نسفا* إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما ) وبذلك ~~أثبت موسى عليه السلام لقومه أن المستحق للعبادة إنما هو الله رب العالمين. # واستمع معى إلى هذه الآيات التي قصت علينا ما حدث منهم بأسلوبها البليغ ~~فقالت : # ( @QUR@022 واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا ~~أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين (148) @QUR@018 ولما ~~سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا ~~لنكونن من الخاسرين (149) @QUR@019 ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال ~~بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس PageV05P378 # @QUR@020 أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ~~فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين (150) @QUR@011 قال رب ~~اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين (151) @QUR@015 إن ~~الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي ~~المفترين (152) @QUR@014 والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ~~ربك من بعدها لغفور رحيم ) (153) # قوله تعالى : ( @QUR@011 واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له ~~خوار ) بيان لما صنعه بنو إسرائيل بعد فراق موسى عليه السلام لهم ، وذهابه ~~لتلقى التوراة عن ربه. مستخلفا عليهم أخاه هارون. # والحلي (1) بضم الحاء والتشديد جمع حلى بفتح فسكون كثدي وثدي وهي اسم لما ms2226 ~~يتزين به من الذهب والفضة ، وهذه الحلي كان نساء بنى إسرائيل قبيل خروجهن ~~من مصر قد استعرنها من نساء المصريين ، فلما أغرق الله تعالى فرعون وقومه ، ~~بقيت تلك الحلي في أيديهن ، فجمعها السامري بحجة أنها لا تحل لهن ، وصاغ ~~منها عجلا جسدا له خوار ، وأوهمهم بأن هذا إلههم وإله موسى فعبدوه من دون الله. # قال الحافظ ابن كثير : (وقد اختلف المفسرون في هذا العجل هل صار لحما ~~ودما له خوار ، أو استمر على كونه من ذهب إلا أنه يدخل فيه الهواء فيصوت ~~كالبقر ، على قولين والله أعلم (2) والمعنى : واتخذ قوم موسى من بعد فراقه ~~لهم لأخذ التوراة عن ربه عجلا جسدا له صوت البقر ليكون معبودا لهم. PageV05P379 # وقوله ( @QUR@01 عجلا ) مفعول اتخذ بمعنى صاغ وعمل. وقيل إن اتخذ متعد ~~إلى اثنين وهو بمعنى صير والمفعول الثاني محذوف أى : إلها. # و ( @QUR@01 جسدا ) بدل من ( @QUR@01 عجلا ) أو عطف بيان أو نعت له ~~بتأويل متجسدا. # قال صاحب الكشاف : (فإن قلت لم قيل : ( @QUR@08 واتخذ قوم موسى من بعده ~~من حليهم عجلا ) والمتخذ هو السامري؟ قلت فيه وجهان : # أحدهما : أن ينسب الفعل إليهم لأن رجلا منهم باشره ووجد بين ظهرانيهم ، ~~كما يقال بنو تميم قالوا كذا ، وفعلوا كذا والقائل والفاعل واحد. ولأنهم ~~كانوا مريدين لاتخاذه راضين به فكأنهم أجمعوا عليه. # والثاني : أن يراد واتخذوه إلها وعبدوه. فإن قلت لم قال من حليهم ولم تكن ~~الحلي لهم إنما كانت عارية في أيديهم؟ قلت : الإضافة تكون بأدنى ملابسه ~~وكونها عوارى في أيديهم كفى به ملابسة على أنهم قد ملكوها بعد المهلكين كما ~~ملكوا غيرها من أملاكهم ألا ترى إلى قوله تعالى : ( @QUR@011 فأخرجناهم من ~~جنات وعيون. وكنوز ومقام كريم. كذلك وأورثناها بني إسرائيل ) (1) اه. # وقوله تعالى : ( @QUR@08 ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا ) ~~تقريع لهم على جهالاتهم. وبيان لفقدان عقولهم ، والمعنى : أبلغ عمى البصيرة ~~بهؤلاء القوم ، أنهم لم يفطنوا حين عبدوا العجل ، أنه لا يقدر على ما يقدر ~~عليه آحاد البشر ، من الكلام والإرشاد إلى أى طريق من ms2227 طرق الإفادة ، وليس ~~ذلك من صفات ربهم الذي له العبادة ، لأن من صفاته تعالى أنه يكلم أنبياءه ~~ورسله ، ويرشد خلقه إلى طريق الخير ، وينهاهم عن طرق الشر!! # ثم أكد سبحانه ذمهم بقوله ( @QUR@03 اتخذوه وكانوا ظالمين ) أى : اتخذوا ~~العجل معبودا لهم وهم يشاهدونه لا يكلمهم بأى كلام ، ولا يرشدهم إلى أى ~~طريق ، ولا شك أنهم بهذا الاتخاذ كانوا ظالمين لأنفسهم بعبادتهم غير الله ، ~~وبوضعهم الأمور في غير مواضعها. # وفي التعبير عن ظلمهم بلفظ (كانوا) المفيد للدوام والاستمرار ، إشعار بأن ~~هذا الظلم دأبهم وعادتهم قبل هذا الاتخاذ وأن ما صدر عنهم ليس بدعا منهم ~~ولا أول مناكيرهم ، فقد سبق لهم أن قالوا لنبيهم بمجرد أن أتوا على قوم ~~يعكفون على أصنام لهم ( @QUR@012 يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ، قال ~~إنكم قوم تجهلون ). # ثم بين سبحانه ما كان منهم بعد أن رأوا ضلالهم فقال تعالى : ( @QUR@018 ~~ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا ، قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر ~~لنا لنكونن من الخاسرين ) أى وحين اشتد PageV05P380 # ندمهم على عبادة العجل ، وتبينوا ضلالهم واضحا كأنهم أبصروه بعيونهم ~~قالوا متحسرين ( @QUR@09 لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ~~) أى لنكونن من الهالكين الذين حبطت أعمالهم. # وكان هذا الندم بعد رجوع موسى إليهم من الميقات وقد أعطاه الله التوراة ، ~~بدليل أنه لما نصحهم هارون بترك عبادة العجل قالوا ( @QUR@08 لن نبرح عليه ~~عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ) وبدليل أن موسى عليه السلام لما رجع أنكر ~~عليهم ما هم عليه وهذا دليل على أنهم كانوا مستمرين على عبادته إلى أن رجع ~~موسى إليهم وبصرهم بما هم عليه من ضلال مبين. # ولذلك قال ابن جرير عند تفسيره لقوله تعالى ( @QUR@04 ولما سقط في أيديهم ~~) (ولما ندم الذين عبدوا العجل الذي وصف جل ثناؤه صفته ، عند رجوع موسى ~~إليهم ، واستسلموا لموسى وحكمه فيهم ، وكذلك تقول العرب لكل نادم على أمر ~~فات منه أو سلف ، وعاجز عن شيء : قد سقط في يديه وأسقط ، لغتان فصيحتان ، ~~وأصله من الاستئسار ، وذلك ms2228 بأن يضرب الرجل الرجل أو يصرعه ، فيرمى به من ~~بين يديه إلى الأرض ليأسره ، فالمرمى به مسقوط في يدي الساقط به ، فقيل لكل ~~عاجز عن شيء ومتندم على ما فاته : سقط في يديه وأسقط) (1) وعبر سبحانه عن ~~شدة ندمهم بقوله تعالى : ( @QUR@04 ولما سقط في أيديهم ) لأن من شأن من ~~اشتد ندمه وحسرته أن يعض يده غما فتصير يده مسقوطا فيها ، لأن فاه قد وقع ~~فيها. وكأن أصل الكلام ولما سقطت أفواههم في أيديهم ، أى ندموا أشد الندم. # قال صاحب تاج العروس : وفي (العباب) هذا نظم لم يسمع به قبل القرآن ولا ~~عرفته العرب (والأصل فيه نزول الشيء من أعلى إلى أسفل)، ووقوعه على الأرض ~~، ثم اتسع فيه فقيل للخطأ من الكلام (سقط) لأنهم شبهوه بما لا يحتاج إليه ، ~~وذكر اليد لأن الندم يحدث في القلب. وأثره يظهر في اليد ، كقوله تعالى : ( ~~@QUR@07 فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها ) ولأن اليد هي الجارحة العظمى ، ~~فربما يسند إليها ما لم تباشره كقوله تعالى : ( @QUR@04 ذلك بما قدمت يداك ~~) (2). اه. # وقوله تعالى : ( @QUR@07 ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا ) بيان ~~للحالة التي كان عليها موسى عليه السلام عند رجوعه من الطور ، ومشاهدته ~~للعجل الذي عبده قومه ، فهو كان غاضبا عليهم لعبادتهم غير الله تعالى ~~وحزينا لفتنتهم بعبادتهم عجلا جسدا له خوار. # قال الإمام الرازي : في الأسف قولان : PageV05P381 # الأول : أن الأسف الشديد : الغضب ، وهو قول أبى الدرداء وعطاء عن ابن ~~عباس ، واحتجوا له بقوله تعالى : ( @QUR@04 فلما آسفونا انتقمنا منهم ) أى ~~: أغضبونا : # والثاني : أن الأسف هو الحزن ، وهو قول الحسن والسدى وغيرهما ، واحتجوا ~~له بحديث عائشة أنها قالت : «إن أبا بكر رجل أسيف أى حزين». # قال الواحدي : والقولان متقاربان لأن الغضب من الحزن ، والحزن من الغضب ، ~~فإذا جاءك ما تكره ممن هو دونك غضبت. وإذا جاءك ممن هو فوقك حزنت ، فتسمى ~~إحدى هاتين الحالتين حزنا والأخرى غضبا» (1). # وقوله ( @QUR@02 غضبان أسفا ) منصوبان على الحال من موسى عند من يجيز ~~تعدد الحال. وعند من لا يجيزه يجعل أسفا ms2229 حالا من الضمير المستكن في غضبان ~~فتكون حالا متداخلة. # وقول موسى لقومه : ( @QUR@04 بئسما خلفتموني من بعدي ) ذم منه لهم ، ~~والمعنى : بئس خلافة خلفتمونيها من بعد ذهابي عنكم إلى مناجاة ربي ، وبئس ~~الفعل فعلكم بعد فراقي إياكم. حيث عبدتم العجل ، وأشربت قلوبكم محبته ، ولم ~~تعيروا التفاتا لما عهدت به إليكم ، من توحيد الله ، وإخلاص العبادة ، ~~والسير على سنتي وشريعتي. # قال الجمل : و «بئس» فعل ماض لإنشاء الذم ، وفعله مستتر تقديره هو ، و «ما» ~~تمييز بمعنى خلافة ، وجملة خلفتموني صفة لما. والرابط محذوف ، والمخصوص ~~بالذم محذوف ، والتقدير بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم (2). # وقوله ( @QUR@02 من بعدي ) معناه : من بعد ما رأيتم منى توحيد الله ، ~~ونفى الشركاء عنه ، وإخلاص العبادة له ، أو من بعد ما كنت احمل بنى إسرائيل ~~على التوحيد واكفهم عما طمحت نحوه أبصارهم من عبادة البقر حين قالوا ( ~~@QUR@06 اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ). ومن حق الخلفاء أن يسيروا بسيرة ~~المستخلف من بعده ولا يخالفوه. # وقوله تعالى ( @QUR@03 أعجلتم أمر ربكم ) معناه أسبقتم بعبادة العجل ما ~~أمركم به ربكم وهو انتظاري حافظين لعهدي ، وما أوصيتكم به من التوحيد ~~وإخلاص العبادة لله حتى آتيكم بكتاب الله ، فغيرتم وعبدتم العجل قيل : ~~كانوا قد استبطئوا نزوله من الجبل ، فخدعهم السامري وصنع لهم العجل فعبدوه ~~، وجعلوا يغنون ويرقصون حوله ويقولون : هذا هو الإله الحق الذي أنقذنا من ~~الظلم ، قال صاحب الكشاف : يقال عجل عن الأمر إذا تركه غير تام. ويضمن معنى PageV05P382 # سبق فعدى تعديته فقال : عجلت الأمر. والمعنى : أعجلتم عن أمر ربكم وهو ~~انتظار موسى حافظين لعهده وما وصاكم به ، فبينتم الأمر على أن الميعاد قد ~~بلغ آخره ولم أرجع إليكم ، فحدثتم أنفسكم بموتى فغيرتم كما غيرت الأمم بعد ~~أنبيائهم. # وروى أن السامري قال لهم حين أخرج لهم العجل : هذا إلهكم وإله موسى ، وأن ~~موسى لن يرجع وأنه قد مات. # وروى أنهم عدوا عشرين يوما بلياليها فجعلوها أربعين ثم أحدثوا ما أحدثوا (1). # ثم بين سبحانه أن غضب موسى ترتب عليه أمران يدلان على شدة الانفعال ms2230 : ~~أولهما : قوله تعالى : ( @QUR@02 وألقى الألواح ) أى طرحها من يديه لما ~~اعتراه من فرط الدهش ، وشدة الضجر ، حين أشرف على قومه وهم عاكفون على ~~عبادة العجل ، فإلقاؤه الألواح لم يكن إلا غضبا لله ، وحمية لدينه ، وسخطا ~~على قومه الذين عبدوا ما يضرب به المثل في البلادة. # قال الآلوسى : قوله تعالى ( @QUR@02 وألقى الألواح ) حاصله أن موسى لما ~~رأى من قومه ما رأى. غضب غضبا شديدا حمية لدينه فعجل في وضع الألواح لتفرغ ~~يده فيأخذ برأس أخيه فعبر عن ذلك الوضع بالإلقاء تفظيعا لفعل قومه حيث كانت ~~معاينته سببا لذلك وداعيا إليه ، وليس فيه ما يتوهم منه الإهانة لكتاب الله ~~بوجه من الوجوه. وانكسار بعض الألواح حصل من فعل مأذون فيه ولم يكن غرض ~~موسى ولا مر بباله ولا ظن ترتيبه على ما فعل. وليس هناك إلا العجلة في ~~الوضع الناشئة من الغيرة لله. وقد أنكر بعض العلماء أن يكون شيء منها قد ~~تكسر ، لأن ظاهر القرآن خلافه. نعم أخرج أحمد وغيره عن ابن عباس قال. قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «يرحم الله موسى ، ليس المعاين كالمخبر أخبره ~~ربه أن قومه فتنوا بعده فلم يلق الألواح فلما رآهم وعاينهم ألقى الألواح ~~فتكسر منها» (2). # وثانيهما : قوله تعالى : ( @QUR@05 وأخذ برأس أخيه يجره إليه ) أى. أخذ ~~موسى بشعر رأس أخيه هارون يجره إليه غضبا منه ، لظنه أنه قد قصر في نصحهم ~~وزجرهم عن عبادة العجل. ولكن هارون عليه السلام أخذ يستجيش في نفس موسى ~~عاطفة الأخوة الرحيمة ، ليسكن من غضبه الشديد. وليكشف له عن طبيعة الموقف ، ~~وليبرئ ساحته من مغبة التقصير ، فقال له : ( @QUR@016 ابن أم إن القوم ~~استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم ~~الظالمين ). أى : قال هارون لموسى مستعطفا : يا ابن أمى بهذا النداء ~~الرقيق وبتلك الوشيجة الرحيمة لا تعجل بلومي وتعنيفى ، فإنى ما آليت جهدا ~~في الإنكار عليهم ، PageV05P383 # وما قصرت في نصيحتهم ولكنهم لم يستمعوا إلى ، بل قهروني واستضعفوني ، ~~وأوشكوا أن يقتلوني عند ما بذلت أقصى طاقتي لأخفف ms2231 هياجهم واندفاعهم نحو ~~العجل ، فلا تفعل بي ما هو أمنيتهم ومحل شماتتهم ، من الاستهانة بي ~~والإساءة إلى ، فإن من شأن الأخوة التي بيننا أن تكون ناصرة معينة حين يكون ~~هناك أعداء ، ولا تجعلني في زمرة القوم الظالمين ، فإنى برىء منهم ، ولقد ~~نصحتهم ولكنهم قوم لا يحبون الناصحين. # وهنا اقتنع موسى عليه السلام ببراءة هارون من مغبة التقصير فقال : # ( @QUR@010 رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين ) أى : ~~قال موسى ليرضى أخاه ، وليظهر لأهل الشماتة رضاه عنه بعد أن ثبتت براءته : ~~رب اغفر لي ما فرط منى من قول أو فعل فيه غلظة على أخى. واغفر له كذلك ما ~~عسى أن يكون قد قصر فيه مما أنت أعلم به منى ، وأدخلنا في رحمتك التي وسعت ~~كل شيء فأنت أرحم بعبادك من كل راحم. # وبهذا يكون القرآن الكريم قد برأ ساحة هارون من التقصير ، وأثبت أنه قد ~~عرض نفسه للأذى في سبيل أن يصرف عابدى العجل عن عبادته وفي ذلك تصحيح لما ~~جاء في التوراة (الفصل الثاني والثلاثين من سفر الخروج) من أن هارون ~~عليه السلام هو الذي صنع العجل لبنى إسرائيل ليعبدوه في غيبة موسى ~~عليه السلام . # ثم أصدر القرآن الكريم حكمه الفاصل في شأن عبدة العجل فقال تعالى : # ( @QUR@015 إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة ~~الدنيا وكذلك نجزي المفترين ). # والمعنى. إن الذين اتخذوا العجل معبودا ، واستمروا على ضلالتهم سيحيق بهم ~~سخط شديد من ربهم ، ولا تقبل توبتهم إلا إذا قتلوا أنفسهم ، وسيصيبهم كذلك ~~هوان وصغار في الحياة الدنيا ، وبمثل هذا الجزاء نجازي المفترين جميعا في ~~كل زمان ومكان ، لخروجهم عن طاعتنا ، وتجاوزهم لحدودنا ، فهو جزاء متكرر ~~كلما تكررت الجريمة من بنى إسرائيل وغيرهم. # ثم فتح سبحانه بابه لكل تائب صادق في توبته فقال تعالى : ( @QUR@014 ~~والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ). # والمعنى : والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعد فعلهم لها توبة صادقة ~~نصوحا ، ورجعوا إلى الله ms2232 تعالى معتذرين نادمين مخلصين الإيمان له ، فإن ~~الله تعالى من بعد الكبائر التي أقلعوا عنها لساتر عليهم أعمالهم السيئة ، ~~وغير فاضحهم بها ، رحيم بهم وبكل من كان مثلهم من التائبين. PageV05P384 # وإلى هنا تكون الآيات الكريمة بعد أن دمغت بنى إسرائيل بما يستحقونه من ~~تقريع ووعيد قد فتحت أمامهم وأمام غيرهم باب التوبة ليفيئوا إلى نور الحق ، ~~وليتركوا ما انغمسوا فيه من ضلالات وجهالات. # ثم بين سبحانه ما فعله موسى بعد أن هدأ غضبه فقال : # ( @QUR@015 ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة ~~للذين هم لربهم يرهبون ) (154) # السكوت في أصل اللغة ترك الكلام ، والتعبير القرآنى هنا يشخص الغضب كأنما ~~هو كائن حي يدفع موسى ويحركه ، ثم تركه بعد ذلك. ففي الكلام استعارة مكنية ~~حيث شبه الغضب بشخص آمر ، ناه. وأثبت له السكوت على طريق التخييل. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@05 ولما سكت عن موسى الغضب ) هذا مثل. ~~كأن الغضب كان يغريه على ما فعل ويقول له : قل لقومك كذا ، وألق الألواح ، ~~وجر برأس أخيك إليك ، فترك النطق بذلك ، وقطع الإغراء. ولم يستحسن هذه ~~الكلمة ولم يستفصحها كل ذي طبع سليم وذوق صحيح إلا لذلك ولأنه من قبل شعب ~~البلاغة. وإلا ، فما لقراءة معاوية بن قرة «ولما سكن عن موسى الغضب» لا تجد ~~النفس عندها شيئا من تلك الهزة ، وطرفا من تلك الروعة» (1). # والمعنى : وحين سكت غضب موسى بسبب اعتذار أخيه وتوبة قومه أخذ الألواح ~~التي كان قد ألقاها. # وظاهر الآية يفيد أن الألواح لم تتكسر ، ولم يرفع من التوراة شيء ، وأنه ~~أخذها بعينها. # وقوله ( @QUR@08 وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون ) أى : أخذ ~~موسى الألواح التي سبق له أن ألقاها ، وفيما نسخ في هذه الألواح أى : كتب ~~هداية عظيمة إلى طريق الحق ، ورحمة واسعة للذين هم لربهم يرهبون. أى : ~~يخافون أشد الخوف من خالقهم عز وجل . # والنسخ : الكتابة ، ونسخة هنا بمعنى منسوخة أى. مكتوبة ، والمراد وفي ~~منسوخها ومكتوبها هدى ورحمة. # و ( @QUR@01 هم ) مبتدأ. ويرهبون خبره ، والجملة صلة الموصول ms2233 ، واللام في ~~( @QUR@01 للذين ) متعلقة PageV05P385 # بمحذوف صفة لرحمة أى : كائنة لهم. أو هي لام العلة أى. هدى ورحمة لأجلهم. ~~واللام في لربهم» لتقوية عمل الفعل المؤخر كما في قوله تعالى : ( @QUR@04 ~~إن كنتم للرءيا تعبرون ) أو هي أيضا لام العلة والمفعول محذوف ، أى : ~~يرهبون المعاصي لأجل ربهم لا للرياء والتباهي. # ثم تمضى السورة في حديثها عن بنى إسرائيل فتحكى لنا قصة موسى مع السبعين ~~الذين اختارهم من قومه فنقول : # ( @QUR@041 واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال ~~رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا ~~فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير ~~الغافرين (155) @QUR@030 واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا ~~إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ~~ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون ) (156) # قال الآلوسى : قوله تعالى ( @QUR@06 واختار موسى قومه سبعين رجلا ~~لميقاتنا ) تتمة لشرح أحوال بنى إسرائيل وقال البعض : إنه شروع في بيان ~~كيفية استدعاء التوبة وكيفية وقوعها. واختار من الاختيار بمعنى الانتخاب ~~والاصطفاء وهو يتعدى إلى اثنين ثانيهما مجرور بمن وقد حذفت هنا وأوصل الفعل ~~والأصل من قومه ، والمفعول الأول سبعين» (1). # أى : اختار موسى سبعين رجلا من قومه للميقات الذي وقته الله له ، ودعاهم ~~للذهاب معه. وهؤلاء السبعون كانوا من خيرتهم أو كانوا خلاصتهم ، لأن الجملة ~~الكريمة جعلتهم بدلا من PageV05P386 # القوم جميعا في الاختيار ، وكأن بنى إسرائيل على كثرتهم لا يوجد من بينهم ~~فضلاء سوى هؤلاء السبعين. # وتختلف روايات المفسرين في سبب هذا الميقات وزمانه ، فمنهم من يرى أنه ~~الميقات الكلامى الذي كلم الله فيه موسى تكليما فقد كان معه سبعون رجلا من ~~شيوخ بنى إسرائيل ينتظرونه في مكان وضعهم فيه غير مكان المناجاة ، فلما تمت ~~مناجاة موسى لربه طلبوا منه أن يخاطبوا الله تعالى وأن يكلموه كما كلمه ~~موسى ، وأن يروه جهرة فأخذتهم الصاعقة ، وكان ذلك قبل أن يخبر الله تعالى ~~موسى ms2234 أن قومه قد عبدوا العجل في غيبته. # والذي نرجحه وعليه المحققون من المفسرين والسياق القرآنى يؤيده أن هذا ~~الميقات الذي جاء في هذه الآية غير الميقات الأول ، وأنه كان بعد عبادة بنى ~~إسرائيل للعجل في غيبة موسى ، فقد عرفنا أن الله قد أخبره بذلك عند ذهابه ~~إليه لتلقى التوراة ، فرجع موسى إليهم مسرعا ووبخهم على صنيعهم وأحرق العجل ~~، وأمره الله تعالى بعد ذلك أن يأتيه مع جماعة من بنى إسرائيل ليتوبوا إليه ~~من عبادة العجل فاختار موسى هؤلاء السبعين ، وهناك روايات ترجح ذلك منها ما ~~جاء عن محمد بن إسحاق قال : إن موسى عليه السلام لما رجع إلى قومه فرأى ما ~~هم فيه من عيادة العجل ، وقال لأخيه والسامري ما قال وحرق العجل وذراه في ~~اليم ، اختار من بنى إسرائيل سبعين رجلا الخير فالخير ، وقال : انطلقوا إلى ~~الله فتوبوا إليه مما صنعتم واسألوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم ، ~~فصوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم. فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقته له ربه ~~، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم ، فقال له السبعون فيما ذكر لي حين ~~صنعوا ما أمرهم به وخرجوا معه للقاء ربه يا موسى : اطلب لنا نسمع كلام ~~ربنا. فقال : أفعل. فلما دنا موسى من الجيل ، وقع عليه عمود الغمام حتى ~~تغشى الجبل كله ، ودنا موسى فدخل فيه ، وقال للقوم : ادنوا. وكان موسى إذا ~~كلمه الله وقع على جبهة موسى نور ساطع ، لا يستطيع أحد من بنى آدم أن ينظر ~~إليه. ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا فسمعوه وهو يكلم ~~موسى ، يأمره وينهاه ، افعل ولا تفعل ، فلما انكشف عن موسى الغمام أقبل ~~إليهم فقالوا له : ( @QUR@09 لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة ~~) وهي الصاعقة التي يحصل منها الاضطراب الشديد فماتوا جميعا فقام موسى ~~يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ويقول : ( @QUR@07 رب لو شئت أهلكتهم من قبل ~~وإياي ) قد سفهوا ، أتهلك من ورائي من بنى إسرائيل» (1). # وهكذا نرى أن هؤلاء السبعين المختارين من بنى ms2235 إسرائيل قد طلبوا من نبيهم موسى PageV05P387 # عليه السلام ما لا يصح لهم أن يطلبوه فأخذتهم الرجفة بسبب ذلك ، أو بسبب ~~أنهم عند ما عبد بنو إسرائيل العجل في غيبة موسى لم ينهوهم عن المنكر ولم ~~يأمروهم بالمعروف. # وقوله : ( @QUR@011 فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل ~~وإياي ) أى : فلما أخذت هؤلاء السبعين المختارين الرجفة قال موسى يا رب ~~إننى أتمنى لو كانت سبقت مشيئتك أن تهلكهم من قبل خروجهم معى إلى هذا ~~المكان وأن تهلكني معهم حتى لا أقع في حرج شديد مع بنى إسرائيل ، لأنهم ~~سيقولون لي : قد ذهبت بخيارنا لإهلاكهم. # ويرى بعض المفسرين أن هذه الرجفة التي أخذتهم وصعقوا منها أدت إلى موتهم ~~جميعا ثم أحياهم الله تعالى بعد ذلك ، ويرى آخرون أنهم غشى عليهم ثم ~~أفاقوا. # وقد قال موسى هذا القول لاستجلاب العفو من ربه عن هذه الجريمة التي ~~اقترفها قومه. بعد أن من عليهم سبحانه بالنعم السابقة الوافرة ، وأنقذهم من ~~فرعون وقومه. فكأنه يقول : يا رب لقد رحمتهم من ذنوب كثيرة ارتكبوها فيما ~~سبق فارحمهم الآن كما رحمتهم من قبل جريا على مقتضى كرمك. # ومفعول المشيئة محذوف ، أى : لو شئت إهلاكهم لأهلكتهم. # وقوله ( @QUR@01 وإياي ) معطوف على الضمير في ( @QUR@01 أهلكتهم )، وقد ~~قال موسى ذلك تسليما منه لأمر الله وقضائه وإن كان لم يسبق منه ما يوجب ~~هلاكه ، بل الذي سبق منه إنما هو الطاعة الكاملة لله رب العالمين. # والاستفهام في قوله ( @QUR@05 أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ) للاستعطاف ~~الذي بمعنى النفي أى : ألجأ إليك يا مولانا ألا تهلكنا بذنب غيرنا فلئن كان ~~هؤلاء السفهاء قد خرجوا عن طاعتك ، وانتهكوا حرماتك. فنحن يا رب مطيعون لك ~~وخاضعون لأمرك. # قوله ( @QUR@011 إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء ) ~~استئناف مقرر لما قبله ، و ( @QUR@01 إن ) نافية. والفتنة : الابتلاء ~~والاختبار ، والباء في ( @QUR@01 بها ) للسببية أى : ما الفتنة التي وقع ~~فيها السفهاء إلا اختبارك وابتلاؤك وامتحانك لعبادك ، فأنت الذي ابتليتهم ~~واختبرتهم ، فالأمر كله لك وبيدك. لا يكشفه إلا ms2236 أنت. كما لم يمتحن به ~~ويختبر إلا أنت. فنحن عائذون بك منك. ولاجئون منك إليك. ما شئت كان وما لم ~~تشأ لم يكن. # وقوله ( @QUR@08 أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين ) أى : ~~أنت القائم بأمورنا كلها لا أحد غيرك ، فاغفر لنا ما فرط منا ، وارحمنا ~~برحمتك التي وسعت كل شيء ، وأنت خير الغافرين إذ كل غافر سواك إنما يغفر ~~لغرض نفسانى ، كحب الثناء ، واجتلاب المنافع ، أما أنت با إلهنا فمغفرتك لا ~~لطلب عوض أو غرض وإثما هي لمحض الفضل والكرم. PageV05P388 # ثم أضاف موسى إلى هذه الدعوات الطيبات دعوات أخرى فقال كما حكى القرآن ~~عنه ( @QUR@08 واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة ) أى : وأثبت لنا ~~في هذه الدنيا ما يحسن من نعمة وطاعة وعافية وتوفيق ، وأثبتت لنا في الآخرة ~~أيضا ما يحسن من مغفرة ورحمة وجنة عرضها السموات والأرض. # وقوله ( @QUR@03 إنا هدنا إليك ) استئناف مسوق لتعليل الدعاء فإن التوبة ~~الصادقة تجعل الدعاء جديرا بالإجابة ، أى : لأنا تبنا إليك من المعاصي التي ~~جئناك للاعتذار منها. فاكتب لنا الحسنات في الدارين ، ولا تحرمنا من عطائك ~~الجزيل. # وهدنا : بمعنى تبنا. يقال : هاد يهود إذا رجع وتاب. # وصدرت الجملة الكريمة ب «إن» المفيدة للتحقيق لإظهار كمال النشاط والرغبة ~~في مضمونها. وقوله : ( @QUR@010 قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل ~~شيء ) استئناف وقع جوابا عن سؤال ينساق إليه الجواب ، كأنه قيل : فماذا قال ~~الله تعالى عند دعاء موسى ، فكان الجواب : قال عذابي ... إلخ. # ثم قال الله تعالى لموسى ردا على دعائه : يا موسى إن عذابي الذي تخشى أن ~~يصيب قومك أصيب به من أشاء تعذيبه من العصاة ، فلا يتعين ان يكون قومك محلا ~~له بعد توبتهم ، فقد اقتضت حكمتى ان أجازي الذين أساءوا بما عملوا وأجازي ~~الذين أحسنوا بالحسنى. # ( @QUR@04 ورحمتي وسعت كل شيء ) فلا تضيق عن قومك ، ولا عن غيرهم من خلقي ~~ممن هم أهل لها. # وقد استفاضت الآيات والأحاديث التي تصرح بأن رحمة الله تعالى قد وسعت كل ~~شيء ومن ذلك قوله ms2237 صلى الله عليه وسلم : إن لله عز وجل مائة رحمة فمنها رحمة ~~يتراحم بها الخلق ، وبها تعطف الوحوش على أولادها ، وأخر تسعة وتسعين إلى ~~يوم القيامة. # ثم بين سبحانه من هم أهل لرحمته فقال : ( @QUR@09 فسأكتبها للذين يتقون ~~ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون ). # أى : فسأكتب رحمتي للذين يصونون أنفسهم عن كل ما يغضب الله ويؤدون الزكاة ~~المفروضة عليهم في أموالهم. # وتخصيص إيتاء الزكاة بالذكر مع اقتضاء التقوى له للتعريض بقوم موسى. لأن ~~إيتاءها كان شاقا على نفوسهم لحرصهم الشديد على المال. # ولعل الصلاة لم تذكر مع أنها مقدمة على سائر العبادات. اكتفاء عنها ~~بالاتقاء الذي هو عبارة PageV05P389 # عن فعل الواجبات بأسرها. وترك المنهيات عن آخرها. # وسأكتبها كذلك للذين هم بآياتنا يؤمنون إيمانا تاما خالصا لا رياء فيه. ~~ولا نقص معه. # ثم أضاف سبحانه صفات أخرى لمن هم أهل لرحمته ورضوانه. # وهذه الصفات تنطبق كل الانطباق على محمد صلى الله عليه وسلم الذي أمر بنو ~~إسرائيل وغيرهم باتباعه فقال تعالى : # ( @QUR@043 الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في ~~التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ~~ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين ~~آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ~~(157) @QUR@032 قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك ~~السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي ~~الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون ) (158) # قوله تعالى ( @QUR@05 الذين يتبعون الرسول النبي الأمي ) في محل جر على ~~أنه نعت لقوله : ( @QUR@02 للذين يتقون ) أو بدل منه. أو مرفوع على أنه خبر ~~لمبتدأ محذوف. أى : هم الذين يتبعون ... إلخ. # وقد وصف الله تعالى رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بأوصاف كريمة تدعو ~~العاقل المنصف إلى اتباعه والإيمان به. PageV05P390 # الوصف الأول : أنه رسول الله إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا. # الوصف الثاني : أنه نبي أوحى الله إليه بشريعة عامة كاملة باقية إلى يوم الدين. # الوصف الثالث ms2238 : أنه أمى ما قرأ ولا كتب ولا جلس إلى معلم ولا أخذ علمه عن ~~أحد ولكن الله تعالى أوحى إليه بالقرآن الكريم عن طريق جبريل عليه السلام ، ~~وأفاض عليه من لدنه علوما نافعة ومبادئ توضح ما أنزله عليه من القرآن ~~الكريم ، فسبق بذلك الفلاسفة والمشرعين والمؤرخين وأرباب العلوم الكونية ~~والطبيعية ، فأميته مع هذه العلوم التي يصلح عليها أمر الدنيا والآخرة ، ~~أوضح دليل على أن ما يقوله إنما هو بوحي من الله إليه. # قال تعالى : ( @QUR@022 وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما ~~الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ) (1). # وقال سبحانه ( @QUR@013 وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك ~~إذا لارتاب المبطلون ) (2). # الصفة الرابعة : أشار إليها بقوله ( @QUR@07 الذي يجدونه مكتوبا عندهم في ~~التوراة والإنجيل ) أى هذا الرسول النبي الأمى من صفاته أن أهل الكتاب ~~يجدون اسمه ونعته مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ، ووجود اسمه ونعته في ~~كتبهم من أكبر الدواعي إلى الإيمان به وتصديقه واتباعه ولقد كان اليهود ~~يبشرون ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم قبل زمانه ويقرءون في كتبهم ما يدل على ~~ذلك ، فلما بعث الله تعالى نبيه بالهدى ودين الحق آمن منهم الذين فتحوا ~~قلوبهم للحق ، وخافوا مقام ربهم ونهوا أنفسهم عن الهوى ، وأما الذين ~~استنكفوا واستكبروا ، وحسدوا محمدا صلى الله عليه وسلم على ما آتاه الله من ~~فضله فقد أخذوا يحذفون من كتبهم ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها ، ~~«أو يؤولونه تأويلا فاسدا أو يكتمونه عن عامتهم. # ورغم حرصهم على حذف ما جاء عن الرسول في كتبهم أو تأويلهم السقيم له ، أو ~~كتمانه عن الأميين منهم. أبى الله تعالى إلا أن يتم نوره ، إذ بقي في ~~التوراة والإنجيل ما بشر بالنبي صلى الله عليه وسلم وصرح بنعوته وصفاته ، بل ~~وباسمه صريحا. # وقد تحدث العلماء الإثبات عن بشارات الأنبياء بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وجمعوا عشرات النصوص التي ذكرت نعوته وصفاته ، وها نحن نذكر طرفا مما ms2239 قاله ~~العلماء في هذا الشأن. PageV05P391 # قال الإمام الماوردي في (أعلام النبوة): (وقد تقدمت بشائر من سلف من ~~الأنبياء ، بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم مما هو حجة على أممهم ، ومعجزة تدل ~~على صدقه عند غيرهم ، بما أطلعه الله تعالى على غيبه ، ليكون عونا للرسل ، ~~وحثا على القبول ، فمنهم من عينه باسمه ، ومنهم من ذكره بصفته ومنهم من ~~عزاه إلى قومه ، ومنهم من أضافه إلى بلده ، ومنهم من خصه بأفعاله ، ومنهم ~~من ميزه بظهوره وانتشاره ، وقد حقق الله تعالى هذه الصفات جميعها فيه ، حتى ~~صار جليا بعد الاحتمال ، ويقينا بعد الارتياب) (1). # وجاء في (منية الأذكياء في قصص الأنبياء): (إن نبينا عليه الصلاة ~~والسلام قد بشر به الأنبياء السابقون ، وشهدوا بصدق نبوته ، ووصفوه وصفا ~~رفع كل احتمال ، حيث صرحوا باسمه وبلده وجنسه وحليته وأطواره وسمته ، ومع ~~أن أهل الكتاب حذفوا اسمه من نسخهم الأخيرة إلا أن ذلك لم يجدهم نفعا ، ~~لبقاء الصفات التي اتفق عليها المؤرخون من كل جنس وملة وهي أظهر دلالة من ~~الاسم على المسمى ، إذ قد يشترك اثنان في اسم ، ويمتنع اشتراك اثنين في ~~جميع الأوصاف. لكن من أمد غير بعيد قد شرعوا في تحريف بعض الصفات ليبعد ~~صدقها على النبي صلى الله عليه وسلم فترى كل نسخة متأخرة تختلف عما قبلها في ~~بعض المواضع اختلافا لا يخفى على اللبيب أمره ، ولا ما قصد به. ولم يفدهم ~~ذلك غير تقوية الشبهة عليهم. لانتشار النسخ بالطبع وتيسير المقابلة بينها» (2). # وقال المرحوم الشيخ (رحمة الله الهندي) في كتابه (إظهار الحق) (إن ~~الأخبار الواقعة في حق محمد صلى الله عليه وسلم توجد كثيرة إلى الآن أيضا مع ~~وقوع التحريفات في هذه الكتب. ومن عرف أولا طريق أخبار النبي المتقدم عن ~~النبي المتأخر. ثم نظر ثانيا بنظر الإنصاف إلى هذه الاخبارات وقابلها ~~بالأخبارات التي نقلها الانجيليون في حق عيسى عليه السلام جزم بأن الاخبارات ~~المحمدية في غاية القوة) (3). # وقد جمع صاحب كتاب (إظهار الحق) وغيره من العلماء والمؤرخين كثيرا من ~~البشائر التي وردت ms2240 في التوراة والإنجيل خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم ومبينة ~~نعوته وصفاته. # ومن أجمع ما جاء في التوراة خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم ما أخرجه ~~البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما قال : (قرأت في ~~التوراة صفة النبي صلى الله عليه وسلم (محمد رسول الله : عبدى ورسولي ، سميته ~~المتوكل ، ليس بفظ ، ولا غليظ ، ولا صخاب في الأسواق ، ولا يجزى بالسيئة PageV05P392 # السيئة ، بل يعفو ويصفح ، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء بأن ~~يقولوا : لا إله إلا الله) (1). # كذلك مما يشهد بوجود النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة ، ما أخرجه الإمام ~~أحمد عن أبى صخر العقيلي قال : (حدثني رجل من الأعراب فقال : جلبت حلوبة ~~(2). إلى المدينة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فلما فرغت من بيعي قلت ~~لألقين هذا الرجل فلأسمعن منه ، قال : فتلقاني بين أبى بكر وعمر يمشيان ، ~~فتبعتهم حتى إذا أتوا على رجل من اليهود وقد نشر التوراة يقرؤها يعزى بها ~~نفسه عن ابن له في الموت كأجمل الفتيان وأحسنها ، فقال له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : أنشدك بالذي أنزل التوراة هل تجد في كتابك هذا صفتي ~~ومخرجي) فقال برأسه هكذا ، أى : لا ، فقال ابنه : أى والذي أنزل التوراة ~~إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك ، وإنى أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك ~~رسول الله ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم «أقيموا اليهودي عن أخيكم» ثم ~~تولى كفنه والصلاة عليه. # هذا ، ومن أراد مزيد معرفة بتلك المسألة فليراجع ما كتبه العلماء في ذلك (3). # ثم وصف الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بصفة خامسة فقال تعالى : ( ~~@QUR@05 يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ) أى هذا الرسول النبي الأمى ~~الذي يجده أهل الكتاب مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل من صفاته كذلك أنه ~~يأمرهم بالمعروف الذي يتناول الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر كما يتناول مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم وغير ذلك من الأمور التي جاء ~~بها الشرع الحنيف. وارتاحت لها العقول السليمة ، والقلوب ms2241 الطاهرة وينهاهم ~~عن المنكر الذي يتناول الكفر والمعاصي ومساوئ الأخلاق. # ثم وصف الله تعالى رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بصفة سادسة فقال تعالى : ~~( @QUR@06 ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ) أى : يحل لهم ما حرمه ~~الله عليهم من الطيبات كالشحوم وغيرها بسبب ظلمهم وفسوقهم عقوبة لهم ، ويحل ~~لهم كذلك ما كانوا قد حرموه على أنفسهم دون أن يأذن به الله كلحوم الإبل ~~وألبانها ، ويحرم عليهم ما هو خبيث كالدم ولحم الميتة والخنزير في ~~المأكولات ، وكأخذ الربا وأكل أموال الناس بالباطل في المعاملات وفي ذلك ~~سعادتهم وفلاحهم. # ثم وصف الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بصفة سابعة فقال تعالى : ( ~~@QUR@07 ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ). # الإصر : الثقل الذي يأصر صاحبه. أى بحبسه عن الحركة لثقله ، ويطلق على ~~العهد كما في PageV05P393 # قوله تعالى : ( @QUR@06 قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري ) أى عهدي. # قال القرطبي : «وقد جمعت هذه الآية المعنيين ، فإن بنى إسرائيل قد كان ~~أخذ عليهم عهد أن يقوموا بأعمال ثقال فوضع عنهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ذلك ~~العهد وثقل تلك الأعمال ، كغسل البول ، وتحليل الغنائم ، ومجالسة الحائض ، ~~ومؤاكلتها ومضاجعتها. فإنهم كانوا إذا أصاب ثوب أحدهم بول قرضه. وإذا جمعوا ~~الغنائم نزلت نار من السماء فأكلتها وإذا حاضت المرأة لم يقربوها. إلى غير ~~ذلك مما ثبت في الصحيح وغيره» (1). # والأغلال : جمع غل. وهو ما يوضع في العنق أو اليد من الحديد. والتعبير ~~بوضع الإصر والأغلال عنهم استعارة لما كان في شرائعهم من الأشياء الشاقة ~~والتكاليف الشديدة كاشتراط قتل النفس لصحة التوبة. فقد شبه سبحانه ما أخذ ~~به بنو إسرائيل من الشدة في العبادات والمعاملات والمأكولات جزاء ظلمهم ~~بحال من يحمل أثقالا يئن من حملها وهو فوق ذلك مقيد بالسلاسل ؛ والأغلال في ~~عنقه ويديه ورجليه. # والمعنى : إن من صفات هذا الرسول النبي الأمى أنه جاءهم ليرفع عنهم ما ~~ثقل عليهم من تكاليف كلفهم الله بها بسبب ظلمهم. لأنه عليه الصلاة والسلام ~~جاء بالتبشير والتخفيف. وبعث بالحنيفية السمحة. ومن وصاياه صلى الله ms2242 عليه وسلم ~~: «بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا». # قال الإمام ابن كثير : «وقد كانت الأمم التي قبلنا في شرائعهم ضيق عليهم. ~~فوسع الله على هذه الأمة أمورها. وسهلها لهم. ولهذا قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «إن الله تجاوز لأمتى ما حدثت به أنفسهم ما لم تقل أو ~~تعمل». وقال : «رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» ولهذا قال : ~~أرشد الله هذه الأمة أن يقولوا : ( @QUR@019 ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة ~~لنا به. واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ). # وثبت في صحيح مسلم أن الله تعالى قال بعد كل سؤال من هذه : قد فعلت قد ~~فعلت» (2). # إذا ، فمن الواجب على بنى إسرائيل أن يتبعوا محمدا صلى الله عليه وسلم الذي ~~هذه صفاته ، والذي في اتباعه سعادتهم في دنياهم وآخرتهم ، ولهذا ختم الله ~~تعالى الآية الكريمة ببيان حالة المصدقين لنبيه فقال تعالى : # ( @QUR@013 فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه ، واتبعوا النور الذي أنزل معه ~~، أولئك هم المفلحون ). # أى : فالذين آمنوا بهذا الرسول النبي الأمى من بنى إسرائيل وغيرهم وعزروه ~~، بأن منعوه PageV05P394 # وحموه من كل من يعاديه ، مع التعظيم والتوقير له ونصروه بكل وسائل النصر ~~( @QUR@05 واتبعوا النور الذي أنزل معه ) وهو القرآن والوحى الذي جاء به ~~ودعا إليه الناس ، ( @QUR@03 أولئك هم المفلحون ) أى الفائزون الظافرون ~~برحمة الله ورضوانه. # وبذلك تكون الآية الكريمة قد وصفت النبي صلى الله عليه وسلم بأحسن الصفات ~~وأكرم المناقب ، وأقامت الحجة على أهل الكتاب بما يجدونه في كتبهم وعلى ~~ألسنة رسلهم بأنه ما جاء إلا لهدايتهم وسعادتهم ، وأنهم إن آمنوا به وصدقوه ~~، كانوا من ( @QUR@013 الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين ~~هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب ). # ثم أمر الله رسوله أن يبين للناس أنه مرسل إلى الناس كافة ، فقال تعالى : ~~( @QUR@09 قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ) أى : قل يا محمد ~~لكافة البشر من عرب وعجم ، إنى رسول الله إليكم جميعا ، لا فرق بين نصراني ~~أو يهودي ، وإنما رسالتي إلى ms2243 الناس عامة ، وقد جاء في القرآن الكريم وفي ~~السنة النبوية ما يؤيد عموم رسالته. # أما في القرآن الكريم ، فمن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@05 وما أرسلناك إلا ~~رحمة للعالمين ). # وقال تعالى : ( @QUR@07 وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ). # وقال تعالى : ( @QUR@08 وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ). # أى وأنذر من بلغه القرآن ممن سيوجد إلى يوم القيامة من سائر الأمم وفي ~~ذلك دلالة على عموم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أن أحكام القرآن تعم ~~الثقلين إلى يوم الدين. # وأما في السنة فمن ذلك ما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي : نصرت بالرعب مسيرة ~~شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتى أدركته الصلاة فليصل ~~، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبي يبعث ~~إلى قومه خاصة ، وبعثت إلى الناس عامة» (1). # وفي صحيح مسلم عن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «والذي نفسي بيده لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا ~~نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» (2). # قال الإمام ابن كثير : والآيات في هذا كثيرة ، كما أن الأحاديث في هذا ~~أكثر من أن تحصر ، وهو معلوم من دين الإسلام ضرورة أنه رسول إلى الناس كلهم (3) ه. PageV05P395 # ثم وصف الله تعالى ذاته بما هو أهل له من صفات القدرة والوحدانية فقال ~~تعالى : ( @QUR@011 الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت ~~) أى : قل يا محمد للناس إنى رسول إليكم من الله الذي له التصرف في السموات ~~والأرض ، والذي لا معبود بحق سواه والذي بيده الأحياء والإماتة ، ومن كان ~~هذا شأنه فمن الواجب أن يطاع أمره ، وأن يترك ما نهى عنه ، وأن يصدق رسوله. ~~ثم بنى سبحانه على هذه النعوت الجليلة التي وصف بها نفسه الدعوة إلى ~~الإيمان فقال تعالى : ( @QUR@012 فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي ~~يؤمن بالله ms2244 وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون ) أى : فآمنوا أيها الناس جمعا ~~بالله الواحد الأحد وآمنوا أيضا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم النبي الأمى ~~الذي يؤمن بالله ، وبما أنزل عليه وعلى من تقدمه من الرسل من كتبه ووحيه ~~واسلكوا سبيله ، واقتفوا آثاره ، في كل ما يأمر به أو ينهى عنه رجاء أن ~~تهتدوا إلى الصراط المستقيم. # وفي وصفه صلى الله عليه وسلم بالأمية مرة ثانية ، إشارة إلى كمال علمه ، ~~لأنه مع عدم مطالعته للكتاب ، أو مصاحبته لمعلم. فتح الله له أبواب العلم ، ~~وعلمه ما لم يكن يعلم من سائر العلوم التي تعلمها الناس عنه ، وصاروا بها ~~أئمة العلماء وقادة المفكرين ، فأكرم بها من أمية تضاءل بجانبها علم ~~العلماء في كل زمان ومكان. # وبذلك تكون الآيتان الكريمتان قد وصفتا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأشرف ~~الصفات وأقامتا أوضح الحجج وأقواها على صدقه في نبوته ، ودعتا اليهود بل ~~الناس جميعا إلى الإيمان به لأنه قد بشرت به الكتب السماوية السابقة ولأنه ~~صلى الله عليه وسلم ما جاءهم إلا بالخير ، وما نهاهم إلا عن الشر. ولأن شريعته ~~تمتاز باليسر والسماحة ، ولأن أنصاره وأتباعه هم المفلحون ، ولأن رسالته ~~عامة للجن والانس ، ومن كانت هذه صفاته ، وتلك شريعته ، جدير أن يتبع ، ~~وقمين أن يصدق ويطاع ، وما يعرض عن دعوته إلا من طغى وآثر الحياة الدنيا. # ثم بين القرآن الكريم أن قوم موسى لم يكونوا جميعا ضالين. وإنما كان فيهم ~~الأخيار وفيهم الأشرار فقال تعالى : # ( @QUR@08 ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ) (159) # أى : ومن قوم موسى جماعة عظيمة يهدون الناس بالحق الذي جاءهم به من عند ~~الله ، وبالحق أيضا يسيرون في أحكامهم فلا يجورون ، ولا يرتشون ، وإنما ~~يعدلون في كل شئونهم. # والمراد بهم أناس كانوا على خير وصلاح في عهد موسى عليه السلام ، مخالفين ~~لأولئك السفهاء من قومه. PageV05P396 # وقيل المراد بهم من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم عند بعثته. # وهذا لون من ألوان عدالة القرآن في أحكامه ، وإنصافه لمن يستحق الإنصاف ~~من الناس. إنه لا ms2245 يسوق أحكامه معممة بحيث يندرج تحتها الصالح والطالح بدون ~~تمييز ، كلا وإنما القرآن يسوق أحكامه بإنصاف واحتراس ، فهو يحكم للصالحين ~~بما يستحقون ، وتلك هي العدالة التي ما أحوج الناس في كل زمان ومكان إلى ~~السير على طريقها ، وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : # ( @QUR@014 ليسوا سواء. من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء ~~الليل وهم يسجدون ). # وقوله : ( @QUR@021 وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما ~~أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا ). # وقوله ( @QUR@01 بالحق ) الباء للملابسة ، وهي مع مدخولها في محل الحال ~~من الواو في يهدون. أى : يهدون الناس حال كونهم ملتبسين بالحق. # ثم ذكر القرآن بعض النعم التي أنعم الله بها على بنى إسرائيل ، وكيف ~~وقفوا من هذه النعم موقف الجاحد الكنود فقال تعالى : # ( @QUR@043 وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه ~~قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس ~~مشربهم وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (160) @QUR@020 وإذ قيل لهم ~~اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر ~~لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين (161) PageV05P397 # @QUR@017 فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم ~~رجزا من السماء بما كانوا يظلمون ) (162) # قوله ( @QUR@05 وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما ) أى : فرقنا قوم موسى ~~وصيرناهم اثنتي عشرة أمة تتميز كل أمة عن الأخرى. # والأسباط في بنى إسرائيل كالقبائل في العرب. والسبط : ولد الولد فهو ~~كالحفيد. وقد يطلق السبط على الولد. # وكان بنو إسرائيل اثنتي عشرة قبيلة من اثنى عشر ولدا هم أولاد يعقوب ~~عليه السلام قالوا : والظاهر أن قطعناهم متعد لواحد لأنه لم يضمن معنى ما ~~يتعدى لاثنين ، فعلى هذا يكون اثنتي عشرة حالا من مفعول ( @QUR@01 قطعناهم ~~) وهو ضمير الغائبين «هم». # ويرى الزمخشري وغيره أن «قطعناهم» بمعنى صيرناهم وأن ( @QUR@02 اثنتي ~~عشرة ) مفعول ثان ، وتمييز اثنتي محذوف لفهم المعنى والتقدير وقطعناهم ~~اثنتي عشرة فرقة. ms2246 # و ( @QUR@01 أسباطا ) بدل من ذلك التمييز ، و ( @QUR@01 أمما ) بدل بعد ~~بدل من اثنتي عشرة. # والجملة الكريمة معطوفة على ما قبلها من أخبار بنى إسرائيل ، لمشاركتها ~~لها في كل ما يقصد به من العظات والعبر. # وقوله : ( @QUR@015 وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك ~~الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا ). # الاستسقاء : طلب السقيا عند عدم الماء أو حبس المطر. وذلك عن طريق الدعاء ~~لله تعالى في خشوع واستكانة ، وقد سأل موسى عليه السلام ربه أن يسقى بنى ~~إسرائيل الماء بعد أن استبد بهم العطش بعد ما كانوا في التيه. # فعن ابن عباس أنه قال : كان ذلك في التيه ضرب لهم موسى الحجر فصار منه ~~اثنتا عشرة عينا من ماء لكل سبط منهم عين يشربون منها» (1). # وقيل : كان الاستسقاء في البرية ولكن الآثار التي تدل على أنه كان في ~~التيه أصح وأكثر. PageV05P398 # والمعنى : وأوحينا إلى موسى حين طلب منه قومه الماء أن اضرب بعصاك الحجر ~~فضربه فخرج منه الماء من اثنتي عشرة عينا ليروا بأعينهم مظاهر قدرتنا ، ~~وليشاهدوا دليلا من الأدلة المتعددة التي تؤيد موسى في أنه صادق فيما يبلغه ~~عن ربه عز وجل . # وقوله ( @QUR@03 إذ استسقاه قومه ) يفيد أن الذي سأل ربه السقيا هو موسى ~~وحده ، لتظهر كرامته لدى ربه عند قومه ، وليشاهدوا بأعينهم كيف أن الله ~~تعالى قد أكرمه حيث أجاب دعاءه ففجر لهم الماء من الحجر. # وال في ( @QUR@01 الحجر ) لتعريف الجنس ، أى : اضرب أى حجر شئت بدون ~~تعيين ، وقيل للعهد ، ويكون المراد حجرا معينا معروفا لموسى عليه السلام ~~بوحي من الله تعالى وقد أورد بعض المفسرين في ذلك آثارا حكم عليها المحققون ~~من العلماء بالضعف ، ولذا لم نعتد بها. # والذي نرجحه أن «أل» هنا لتعريف الجنس ، لأن انفجار الماء من أى حجر بعد ~~ضربه أظهر في إقامة البرهان على صدق موسى عليه السلام وأدعى لإيمان بنى ~~إسرائيل وانصياعهم للحق بعد وضوحه ، وأبعد عن التشكيك في إكرام الله لنبيه ~~موسى ، إذ لو كان انفجار الماء من حجر معين لأمكن ms2247 أن يقولوا إن انفجار ~~الماء منه لمعنى خاص بهذا الحجر ، وليس لكرامة موسى عند ربه عز وجل . # والفاء في قوله ( @QUR@05 فانبجست منه اثنتا عشرة عينا ) معطوفة على ~~محذوف والتقدير : فضرب فانبجست .. # قال بعضهم : والانبجاس والانفجار واحد. يقال بجست الماء أبجسه فانبجس ، ~~بمعنى فجرته فانفجر. # وقيل : إن الانبجاس خروج الماء من مكان ضيق بقلة ، والانفجار خروجه بكثرة. # ولا تنافى بين قوله تعالى في سورة البقرة ( @QUR@01 فانفجرت ) وبين قوله ~~هنا ( @QUR@01 فانبجست ) لأنه انبجس أولا ثم انفجر ثانيا. وكذا العيون يظهر ~~الماء منها قليلا ثم يكثر لدوام خروجه. # وكانت العيون اثنتي عشرة عينا بحسب عدد أسباط بنى إسرائيل إتماما للنعمة ~~عليهم حتى لا يقع بينهم تنازع أو تشاجر. # وقوله ( @QUR@05 قد علم كل أناس مشربهم ) إرشاد وتنبيه إلى حكمة الانقسام ~~إلى اثنتي عشرة عينا. أى : قد عرف كل سبط من أسباط بنى إسرائيل مكان شربه ~~فلا يتعداه إلى غيره ، وفي ذلك ما فيه من استقرار أمورهم ، واطمئنان نفوسهم ~~، وعدم تعدى بعضهم على بعض. PageV05P399 # ثم ذكر سبحانه نعما أخرى مما أنعم به عليهم فقال : ( @QUR@03 وظللنا ~~عليهم الغمام ). # الغمام : جمع غمامة وهي السحابة : وخصه بعض علماء اللغة بالسحاب الأبيض. # أى : وسخرنا لبنى إسرائيل الغمام بحيث يلقى عليهم ظله ليقيهم من حر الشمس. # وقوله ( @QUR@04 وأنزلنا عليهم المن والسلوى ) معطوف على ما قبله. # والمن : اسم جنس لا واحد له من لفظه ، وهو على أرجح الأقوال مادة صمغية ~~تسقط من الشجر تشبه حلاوته حلاوة العسل. # والسلوى : اسم جنس جمعى واحدته سلواة ، وهو طائر برى لذيذ اللحم ، سهل ~~الصيد يسمى بالسمانى ، كانت تسوقه لهم ريح الجنوب كل مساء فيمسكونه قبضا ~~بدون تعب. # وتظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم كان في مدة تيههم بين مصر ~~والشام المشار إليه بقوله تعالى : ( @QUR@09 قال فإنها محرمة عليهم أربعين ~~سنة يتيهون في الأرض ). # أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المن فكان ينزل على شجر الزنجبيل والسلوى ~~وهو طائر يشبه السمانى فكان يأتى أحدهم فينظر إلى الطير فإن كان سمينا ذبحه ~~وإلا أرسله ، فإذا سمن أتاه ، فقالوا ms2248 : هذا الطعام فأين الشراب؟ فأمر الله ~~موسى أن يضرب بعصاه الحجر فضربه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا فشرب كل سبط ~~من عين. فقالوا : هذا الشراب فأين الظل! فظلل الله عليهم بالغمام فقالوا : ~~هذا الظل فأين اللباس؟ فكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان ولا يتمزق ~~لهم ثوب فذلك قوله تعالى ( @QUR@07 وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن ~~والسلوى ) (1). # وقوله ( @QUR@05 كلوا من طيبات ما رزقناكم ) أى : وقلنا لهم كلوا من ~~طيبات ما رزقناكم ، واشكروا ربكم على هذه النعم لكي يزيدكم منها. # وقوله : ( @QUR@06 وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) معطوف على ~~محذوف أى : فعصوا أمر ربهم وكفروا بهذه لنعم الجليلة وما ظلمونا ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون. # ويرى البعض أنه لا حاجة إلى هذا التقدير ، وأن جملة ( @QUR@02 وما ظلمونا ~~) معطوفة على ما قبلها لأنها مثلها في أنها من أحوال بنى إسرائيل. # والتعبير عن ظلمهم لأنفسهم بكلمة «كانوا» والفعل المضارع «يظلمون» يدل على أن PageV05P400 # ظلمهم لأنفسهم كان يتكرر منهم ، لأنك لا تقول في ذم إنسان «كان يسيء إلى ~~الناس» إلا إذا كانت الإساءة تصدر منه المرة تلو الأخرى. # قال ابن جرير عند تفسيره لهذه الجملة الكريمة ما ملخصه : «هذا من الذي ~~استغنى بدلالة ظاهره على ما ترك منه وذلك أن معنى الكلام : كلوا من طيبات ~~ما رزقناكم فخالفوا ما أمرناهم به ، وعصوا ربهم ، ثم رسولنا إليهم وما ~~ظلمونا» فاكتفى بما ظهر عما ترك. وقوله : ( @QUR@02 وما ظلمونا ) أى : ما ~~ظلمونا بفعلهم ذلك ومعصيتهم ، وما وضعوا فعلهم ذلك وعصيانهم إيانا موضع ~~مضرة علينا ومنقصة لنا ، ولكنهم وضعوه من أنفسهم موضع مضرة عليها ومنقصة ~~لها. فان الله تعالى لا تضره معصية عاص ، ولا يتحيف خزائنه ظلم ظالم ولا ~~تنفعه طاعة مطيع ، ولا يزيد في ملكه عدل عادل ، لنفسه يظلم الظالم ، وحظها ~~يبخس العاصي ، وإياها ينفع المطيع ، وحظها يصيب العادل» (1). # وقوله تعالى ( @QUR@015 وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث ~~شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا )... إلخ. تذكير لهم بصفة جليلة مكنوا ~~منها فما أحسنوا قبولها ، وما رعوها ms2249 حق رعايتها ، وهي نعمة تمكينهم من دخول ~~بيت المقدس ونكولهم عن ذلك. # قال الآلوسى : وقوله ( @QUR@03 وإذ قيل لهم ) معمول لفعل محذوف تقديره : ~~اذكر. وإيراد الفعل هنا مبينا للمفعول جريا على سنن الكبرياء «مع الإيذان ~~بأن الفاعل غنى عن التصريح. أى : أذكر لهم وقت قولنا لأسلافهم» (2). # والقرية هي البلدة المشتملة على مساكن ، والمراد بها هنا بيت المقدس على ~~الراجح وقيل المراد بها أريحاء. # والحطة : كجلسة : اسم للهيئة ، من الحط بمعنى الوضع والإنزال ، وأصله ~~إنزال الشيء من علو. يقال : استحطه وزره : سأله أن يحطه عنه وينزله. # وهي خبر مبتدأ محذوف أى : مسألتنا حطة ، والأصل فيها النصب بمعنى : حط ~~عنا ذنوبنا حطة ، وإنما رفعت لتعطى معنى الثبات. # والمعنى : واذكروا أيها المعاصرون للعهد النبوي من بنى إسرائيل وقت أن ~~قيل لأسلافكم اسكنوا قرية بيت المقدس بعد خروجهم من التيه ، وقيل لهم كذلك ~~كلوا من خيراتها أكلا واسعا ، واسألوا الله أن يحط عنكم ذنوبكم ، وادخلوا ~~من بابها خاضعين خاشعين شكرا لله على PageV05P401 # نعمه ، فإنكم إن فعلتم ذلك غفرنا لكم خطيئاتكم. # وقوله تعالى ( @QUR@04 وكلوا منها حيث شئتم ) فيه إشعار بكمال النعمة ~~عليهم واتساعها وكثرتها ، حيث أذن لهم في التمتع بثمرات القرية وأطعمتها من ~~أى مكان شاءوا. # وقوله : ( @QUR@05 وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا ) إرشاد لهم إلى ما يجب ~~عليهم عمله نحو خالقهم ، وتوجههم إلى ما يعينهم على بلوغ غاياتهم بأيسر ~~الطرق وأسهل السبل لأن كل ما كلفهم الله تعالى به أن يضرعوا إليه بأن يحط ~~عنهم خطيئاتهم ، وأن يدخلوا من باب المدينة التي فتحها الله عليهم مخبتين. # وقوله ( @QUR@03 نغفر لكم خطيئاتكم ) مجزوم في جواب الأمر. # وهذه الجملة الكريمة بيان للثمرة التي تترتب على طاعتهم وخضوعهم لخالقهم ~~وإغراء لهم على الامتثال والشكر ولو كانوا يعقلون لأن غاية ما يتمناه ~~العقلاء هو غفران الذنوب. # وقوله تعالى ( @QUR@02 سنزيد المحسنين ) وعد بالزيادة من خيرى الدنيا ~~والآخرة لمن أسلم وجهه لله وهو محسن. # وقد أمر الله تعالى أن يفعلوا ذلك ، وأن يقولوا هذا القول ، لأن تغلبهم ~~على أعدائهم نعمة من أجل النعم ms2250 التي تستدعى منهم الشكر الجزيل لله تعالى . ~~ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يظهر أقصى درجات الخضوع ، وأسمى ألوان ~~الشكر عند النصر والظفر وبلوغ المطلوب ، فعند ما تم له فتح مكة دخل إليها ~~من الثنية العليا وهو خاضع لربه ، حتى إن رأسه الشريف ليكاد يمس عنق ناقته ~~شكرا لله على نعمة الفتح ، وبعد دخوله مكة اغتسل وصل ثماني ركعات سماها بعض ~~الفقهاء صلاة الفتح. # ومن هنا استحب العلماء للفاتحين من المسلمين إذا فتحوا بلدة أن يصلوا ~~فيها ثماني ركعات عند أول دخولها شكرا لله ، وقد فعل ذلك سعد بن أبى وقاص ~~عند ما دخل إيوان كسرى. فقد ثبت أنه صلى بداخله ثماني ركعات. # ولكن ماذا كان من بنى إسرائيل بعد أن أتم الله لهم نعمة الفتح. # لقد حكى القرآن ما كان منهم من جحود وبطر فقال : ( @QUR@09 فبدل الذين ~~ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم ). # قال صاحب الكشاف : «أى وضعوا مكان حطة قولا غيرها ، يعنى أنهم أمروا بقول ~~معناه التوبة والاستغفار فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أمروا به ، ولم ~~يمتثلوا أمر الله ، وليس الغرض أنهم أمروا بلفظ بعينه وهو لفظ الحطة فجاءوا ~~بلفظ آخر ، لأنهم لو جاءوا بلفظ آخر PageV05P402 # مستقل بمعنى ما أمروا به لم يؤخذوا به ، كما لو قالوا مكان حطة نستغفرك ~~ونتوب إليك ، أو اللهم اعف هنا وما أشبه ذلك» (1). # وقال الإمام ابن كثير : «وحاصل ما ذكره المفسرون وما دل عليه السياق أنهم ~~بدلوا أمر الله لهم من الخضوع بالقول والفعل. فقد أمروا أن يدخلوا الباب ~~سجدا فدخلوا يزحفون على أستاههم رافعي رؤوسهم. وأمروا أن يقولوا حطة أى ~~احطط عنا ذنوبنا فاستهزأوا وقالوا حنطة في شعيرة. وهذا في غاية ما يكون من ~~المخالفة والمعاندة ولهذا أنزل الله بهم بأسه وعذابه بفسقهم وخروجهم عن ~~طاعته» (2). # وأخرج البخاري عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «قيل ~~لبنى إسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة فبدلوا ودخلوا يزحفون على ~~أستاههم وقالوا. حبة في شعيرة» (3). # والعبرة ms2251 التي تؤخذ من هذه الجملة الكريمة أن من أمره الله تعالى بقول أو ~~فعل فتركه وأتى بآخر لم يأذن به الله دخل في زمرة الظالمين ، وعرض نفسه ~~لسوء المصير. # وقوله تعالى ( @QUR@08 فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون ) ~~تصريح بأن ما أصابهم من عذاب كان نتيجة عصيانهم وتمردهم وجحودهم لنعم الله. # والرجز : هو العذاب ، سواء أكان بالأمراض المختلفة أو بغيرها. # وفي النص على أن الرجز قد أتاهم من السماء إشعار بأنه عذاب لا يمكن دفعه ~~، وأنه لم يكن له سبب أرضى من عدوى أو نحوها ، بل رمتهم به الملائكة من جهة ~~السماء فأصيب به الذين ظلموا دون غيرهم. # هذا وقد وردت في سورة البقرة آيتان تشبهان في ألفاظهما هاتين الآيتين ~~اللتين معنا هنا في سورة الأعراف ، أما آيتا سورة البقرة فهما قوله تعالى : # ( @QUR@038 وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا ~~الباب سجدا وقولوا حطة ، نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين. فبدل الذين ~~ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما ~~كانوا يفسقون ). # وقد عقد الإمام الرازي مقارنة بين أسلوب الآيتين في كل من السورتين فقال ~~ما ملخصه : إن ألفاظ الآيتين في سورة الأعراف تخالف ألفاظ آيتي سورة البقرة ~~من وجوه : PageV05P403 # الأول : أنه قال سبحانه في سورة البقرة : ( @QUR@05 وإذ قلنا ادخلوا هذه ~~القرية ) وهنا قال : وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية. # الثاني : أنه قال في سورة البقرة : ( @QUR@01 فكلوا ) بالفاء ، وقال هنا ~~( @QUR@01 وكلوا ) بالواو. # الثالث : أنه قال في سورة البقرة : ( @QUR@01 رغدا ) وهذه الكلمة غير ~~مذكورة هنا. # الرابع : أنه قال في سورة البقرة : ( @QUR@05 وادخلوا الباب سجدا وقولوا ~~حطة ) وقال هنا على التقديم والتأخير. # الخامس : أنه قال في سورة البقرة : ( @QUR@03 نغفر لكم خطاياكم ) وقال ~~هاهنا ( @QUR@03 نغفر لكم خطيئاتكم ). # السادس : أنه قال في سورة البقرة : ( @QUR@02 وسنزيد المحسنين ) وهاهنا ~~حذف حرف الواو. # السابع : أنه قال في سورة البقرة : ( @QUR@04 فأنزلنا على الذين ظلموا ) ~~وقال هاهنا ( @QUR@02 فأرسلنا عليهم ). # الثامن : أنه قال في سورة البقرة : ( @QUR@03 بما كانوا يفسقون ) وقال ms2252 ~~هاهنا ( @QUR@03 بما كانوا يظلمون ). # واعلم أن هذه الألفاظ متقاربة ولا منافاة بينها البتة ، ويمكن ذكر فوائد ~~هذه الألفاظ المختلفة من وجوه. # الأول : وهو أنه قال في سورة البقرة ( @QUR@03 ادخلوا هذه القرية ) وقال ~~هاهنا اسكنوا ، فالفرق أنه لا بد من دخول القرية أولا ثم سكناها ثانيا. # الثاني : أنه هناك قال ( @QUR@01 فكلوا ) بالفاء وهنا بالواو. والفرق أن ~~الدخول حالة مخصوصة ، فإنه إنما يكون داخلا في أول دخوله ، وأما ما بعد ذلك ~~فيكون سكونا لا دخولا ، إذا ثبت هذا فنقول : الدخول حالة منقضية زائلة وليس ~~لها استمرار فلا جرم أن يحسن ذكر فاء التعقيب بعده ، فلهذا قال : ( @QUR@04 ~~ادخلوا هذه القرية فكلوا ) وأما السكون فحالة مستمرة باقية فيكون الأكل ~~حاصلا معه لا عقيبه ، فظهر الفرق. # وأما الثالث : وأنه ذكر هناك ( @QUR@01 رغدا ) ولم يذكره هنا ، فالفرق أن ~~الأكل عقيب دخول القرية يكون ألذ ، لأن الحاجة إلى ذلك الأكل كانت أكمل ~~وأتم ، ولما كان الأمر كذلك ذكر كلمة «رغدا» وأما الأكل حال سكون القرية ~~فالظاهر أنه لا يكون في محل الحاجة الشديدة ولم تكن اللذة فيه متكاملة. فلا ~~جرم ترك قوله ( @QUR@01 رغدا ) فيه. # وأما الرابع : وهو قوله هناك ( @QUR@05 وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة ) ~~وهنا على العكس ، PageV05P404 # فالمراد التنبيه على أنه لا منافاة في ذلك ، لأن المقصود هو تعظيم أمر ~~الله وإظهار الخضوع والخشوع له ، فلم يتفاوت الحال بحسب التقديم والتأخير. # وأما الخامس : وهو أنه قال هناك ( @QUR@01 خطاياكم ) وقال هنا ( @QUR@01 ~~خطيئاتكم ) فهو إشارة إلى أن هذه الذنوب سواء كانت قليلة أو كثيرة فهي ~~مغفورة عند الإتيان بهذا التضرع والدعاء. # وأما السادس : وهو قوله هناك ( @QUR@02 وسنزيد المحسنين ) بالواو ، وقال ~~هنا ( @QUR@01 سنزيد ) بحذفها ، فالفائدة في حذف الواو أنه تعالى وعد ~~بشيئين : بالغفران وبالزيادة للمحسنين من الثواب وإسقاط الواو لا يخل بذلك ~~لأنه استئناف مرتب على تقدير قول القائل ماذا بعد الغفران فقيل : إنه سيزيد ~~المحسنين. # وأما السابع : وهو الفرق بين أنزلنا وبين أرسلنا ، فلأن الإنزال لا يشعر ~~بالكثرة والإرسال يشعر بها. فكأنه سبحانه بدأ بإنزال العذاب القليل ثم جعله ms2253 كثيرا. # وأما الثامن : فهو الفرق بين قوله هناك ( @QUR@01 يفسقون ) وقوله هنا ( ~~@QUR@01 يظلمون ) فذلك لأنهم موصوفون بكونهم ظالمين لأجل أنهم ظلموا أنفسهم ~~، وبكونهم فاسقين لأجل أنهم خرجوا عن طاعة الله. فالفائدة في ذكر هذين ~~الوصفين التنبيه على حصول هذين الأمرين منهم. # ثم قال : فهذا ما خطر بالبال في ذكر فوائد هذه الألفاظ المختلفة ، وتمام ~~العلم بها عند الله تعالى » (1). # وبذلك تكون الآيات الكريمة قد بينت أن بنى إسرائيل مكنوا من النعمة ~~فنفروا منها ، وفتحت لهم أبواب الخير فأبوا دخولها ، فكانت عاقبتهم أن محقت ~~النعم من بين أيديهم ، وسلط الله عليهم عذابا شديدا من عنده بسبب ظلمهم ~~وفسوقهم عن أمره. # وفي ذلك إثارة لحسرة اليهود المعاصرين للعهد النبوي على ما ضاع من ~~أسلافهم بسبب انتهاكهم لحرمات الله وتحذير لهم من سلوك طريق آبائهم حتى لا ~~يصيبهم ما أصابهم من عذاب أليم. # ثم تحدث القرآن بعد ذلك عن رذيلة أخرى من رذائل بنى إسرائيل الكثيرة ، ~~وهي تحايلهم على استحلال محارم الله بسبب جهلهم وجشعهم وضعف إرادتهم. # وذلك أن الله تعالى أخذ عليهم عهدا بأن يتفرغوا لعبادته في يوم السبت ، ~~وحرم عليهم الاصطياد فيه دون سائر الأيام ، واختبارا منه سبحانه لإيمانهم ~~ووفائهم بعهودهم أرسل PageV05P405 # إليهم الحيتان في يوم السبت دون غيره ، فكانت تتراءى لهم على الساحل في ~~ذلك اليوم ، قريبة المأخذ ، سهلة الاصطياد. # وهنا سال لعاب شهواتهم ومطامعهم وفكروا في حيلة لاصطياد هذه الحيتان في ~~يوم السبت فقالوا : لا مانع من أن نحفر إلى جانب ذلك البحر الذي يزخر ~~بالأسماك في يوم السبت أحواضا تناسب إليها المياه ومعها الأسماك ، ثم نترك ~~هذه الأسماك محبوسة في الأحواض في يوم السبت لأنها لا تستطيع الرجوع إلى ~~البحر لضآلة الماء الذي في الأحواض. ثم نصطادها بعد ذلك في غير يوم السبت ، ~~وبذلك نجمع بين احترام ما عهد إلينا في يوم السبت وبين ما تشتهيه أنفسنا من ~~الحصول على تلك الأسماك. # ولقد نصحهم الناصحون بأن عملهم هذا هو احتيال على محارم الله ، وأن حبس ~~الحيتان في الأحواض هو ms2254 صيد لها في المعنى ، وهو فسوق عن أمر الله ونقض ~~لعهوده. # ولكنهم لجهلهم واستيلاء المطامع على نفوسهم لم يعبئوا بنصح الناصحين بل ~~نفذوا حيلتهم الشيطانية ، فغضب الله عليهم ومسخهم قردة ، وجعلهم عبرة لمن ~~عاصرهم ولمن أتى بعدهم وموعظة للمتقين. # واستمع إلى سورة الأعراف وهي تحكى لنا هذه القصة بأسلوبها البليغ فتقول : # ( @QUR@027 وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ ~~تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما ~~كانوا يفسقون (163) @QUR@019 وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم ~~أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون (164) @QUR@018 ~~فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا ~~بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون (165) @QUR@011 فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا ~~لهم كونوا قردة خاسئين ) (166) PageV05P406 # قوله تعالى ( @QUR@03 وسئلهم عن القرية )... إلخ. معطوف على اذكر المقدر ~~في قوله تعالى : ( @QUR@04 وإذ قيل لهم اسكنوا ). والخطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم وضمير الغيبة للمعاصرين له من اليهود. # أى : سل يا محمد هؤلاء اليهود المعاصرين لك كيف كان حال أسلافهم الذين ~~تحايلوا على استحلال محارم الله فإنهم يجدون أخبارهم في كتبهم ولا يستطيعون ~~كتمانها. # والمقصود من سؤالهم تقريعهم على عصيانهم ، لعلهم أن يتوبوا ويرجعوا إلى ~~الحق ، ولا يعرضوا أنفسهم لعقوبات كالتي نزلت بسابقيهم ، وتعريفهم بأن هذه ~~القصة من علومهم المعروفة لهم والتي لا يستطيعون إنكارها ، والتي لا تعلم ~~إلا بكتاب أو وحى ، فإذا أخبرهم بها النبي الأمى الذي لم يقرأ كتابهم كان ~~ذلك معجزة له. ودليلا على أنه نبي صادق موحى إليه بها. # قال الإمام ابن كثير عند تفسيره للآية الكريمة : (أى واسأل يا محمد هؤلاء ~~اليهود الذين بحضرتكم عن قصة أصحابهم الذين خالفوا أمر الله ففاجأتهم نقمته ~~على اعتدائهم واحتيالهم في المخالفة ، وحذر هؤلاء من كتمان صفتك التي ~~يجدونها في كتبهم «لئلا يحل بهم ما حل بإخوانهم وسلفهم وهذه القرية هي ~~«أيلة» وهي على شاطئ بحر القلزم ، أى البحر الأحمر ) (1). # وقال الإمام ms2255 القرطبي : وهذا سؤال تقرير وتوبيخ ، وكان ذلك علامة لصدق ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذ أطلعه الله على تلك الأمور من غير تعلم وكانوا ~~يقولون : نحن أبناء الله وأحباؤه ، لأنا من سبط إسرائيل. ومن سبط موسى كليم ~~الله ، ومن سبط ولده عزير فنحن أولادهم ، فقال الله عز وجل لنبيه سلهم يا ~~محمد عن القرية. أما عذبتهم بذنوبهم ، وذلك بتغيير فرع من فروع الشريعة (2). # وجمهور المفسرين على أن المراد بهذه القرية. قرية (أيلة) التي تقع بين ~~مدين والطور ، وقيل هي قرية طبرية ، وقيل هي مدين. # ومعنى كونها ( @QUR@02 حاضرة البحر ): قريبة منه ، مشرفة على شاطئه ، ~~تقول كنت بحضرة الدار أى قريبا منها. # وقوله ( @QUR@04 إذ يعدون في السبت ) أى يظلمون ويتجاوزون حدود الله ~~تعالى بالصيد في يوم السبت ويعدون بمعنى يعتدون ، يقال : عدا فلان الأمر ~~واعتدى إذا تجاوز حده. PageV05P407 # وقوله تعالى ( @QUR@011 إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ، ويوم لا ~~يسبتون لا تأتيهم ) بيان لموضع الاختبار والامتحان. # و ( @QUR@03 إذ تأتيهم حيتانهم ) ظرف ليعدون. وحيتان جمع حوت وهو السمك ~~الكبير. وشرعا : أى : شارعة ظاهرة على وجه الماء. جمع شارع ، من شرع عليه ~~إذا دنا وأشرف وكل شيء دنا من شيء فهو شارع ، وقوله : شرعا حال من الحيتان. # والمعنى : إذ تأتيهم حيتانهم في وقت تعظيمهم ليوم السبت ظاهرة على وجه ~~الماء دانية من القرية بحيث يمكنهم صيدها بسهولة ، فإذا مر يوم السبت ~~وانتهى لا تأتيهم كما كانت تأتيهم فيه ، ابتلاء من الله تعالى لهم. # قال ابن عباس : (اليهود أمروا باليوم الذي أمرتم به ، وهو يوم الجمعة ، ~~فتركوه واختاروا السبت فابتلاهم الله تعالى به ، وحرم عليهم الصيد فيه ، ~~وأمرهم بتعظيمه ، فإذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في ~~البحر ، فإذا انقضى السبت ذهبت وما تعود إلا في السبت المقبل ، وذلك بلاء ~~ابتلاهم الله به ، فذلك معنى قوله تعالى ( @QUR@05 ويوم لا يسبتون لا ~~تأتيهم ) (1). # وقال الإمام القرطبي : (وروى في قصص هذه الآية أنها كانت في زمن داود ~~عليه السلام وأن إبليس أوحى إليهم فقال إنما نهيتم ms2256 عن أخذها يوم السبت ، ~~فاتخذوا الحياض ، فكانوا يسوقون الحيتان إليها يوم السبت فتبقى فيها ، فلا ~~يمكنها الخروج منها لقلة الماء. فيأخذونها يوم الأحد) (2). # وقوله تعالى ( @QUR@05 كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون ) معناه : بمثل هذا ~~الابتلاء ، وهو ظهور السمك لهم في يوم السبت ، واختفائه في غيره نبتليهم ~~ونعاملهم معاملة من يختبرهم ، لينالوا ما يستحقونه من عقوبة بسبب فسقهم ~~وتعديهم حدود ربهم ، وتحايلهم القبيح على شريعتهم ، فقد جرت سنة الله بأن ~~من أطاعه سهل له أمور دنياه ، وأجل له ثواب أخراه ، ومن عصاه أخذه أخذ عزيز مقتدر. # ثم بين سبحانه طوائف هذه القرية وحال كل طائفة فقال تعالى ( @QUR@019 وإذ ~~قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ، قالوا ~~معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ). # والذي يفهم من الآية الكريمة ، وعليه جمهور المفسرين أن أهل القرية كانوا ~~ثلاث فرق. PageV05P408 # 1 فرقة المعتدين في السبت ، المتجاوزين حدود الله عن تعمد وإصرار. # 2 فرقة الناصحين لهم بالانتهاء عن تعديهم وفسوقهم. # 3 فرقة اللائمين للناصحين ليأسهم من صلاح العادين في السبت. # وهذه الفرقة الثالثة هي التي عبر القرآن الكريم عنها بقوله : ( @QUR@013 ~~وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ) أى : ~~قالت فرقة من أهل القرية ، لإخوانهم الذين لم يألوا جهدا في نصيحة العادين ~~في السبت ، لم تعظون قوما لا فائدة من وعظهم ولا جدوى من تحذيرهم ، لأن ~~الله تعالى قد قضى باستئصالهم وتطهير الأرض منهم ، أو بتعذيبهم عذابا شديدا ~~، جزاء تماديهم في الشر ، وصممهم عن سماع الموعظة فكان رد الناصحين عليهم ( ~~@QUR@05 معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ). # فهم قد عللوا نصيحتهم للعادين بعلتين : # الأولى : الاعتذار إلى الله تعالى من مغبة التقصير في واجب الأمر ~~بالمعروف والنهى عن المنكر. # والثانية : الأمل في صلاحهم وانتفاعهم بالموعظة حتى ينجو من العقوبة ، ~~ويسيروا في طريق المهتدين. # وقيل : إن أهل القرية كانوا فرقتين ، فرقه أقدمت على الذنب فاعتدت في ~~السبت ، وفرقة أحجمت عن الأقدام ، ونصحت المعتدين بعدم التجاوز لحدود الله ~~تعالى فلما داومت الفرقة الواعظة ms2257 على نصيحتها للفرقة العادية ، قالت لها ~~الفرقة العادية على سبيل التهكم والاستهزاء : لم تعظون قوما الله مهلكهم أو ~~معذبهم عذابا شديدا في زعمكم؟ فاجابتهم الناصحة بقولها. معذرة إلى ربكم ~~ولعلهم يتقون. # والذي نرجحه أن أهل القرية كانوا ثلاث فرق كما قال جمهور المفسرين لأن ~~هذا هو الظاهر من الضمائر في الآية الكريمة ، إذ لو كانوا فرقتين لقالت ~~الناهية للعاصية (ولعلكم تتقون) بكاف الخطاب ، بدل قولهم (ولعلهم يتقون) ~~الذي يدل على أن المحاورة قد دارت بين الفرقة اللائمة ، والفرقة الناصحة. # قال الإمام القرطبي عند تفسيره الآية الكريمة : إن بنى إسرائيل افترقت ~~ثلاث فرق «فرقة عصت وصدت ، وكانوا ، نحوا من سبعين ألفا ، فرقة نهت واعتزلت ~~، وكانوا نحوا من اثنى عشر ألفا ، وفرقة اعتزلت ولم تنه ولم تعص ، وأن هذه ~~الطائفة هي التي قالت للناهية ، لم تعظون PageV05P409 # قوما عصاة الله مهلكهم ، أو معذبهم على غلبة الظن. وما عهد حينئذ من فعل ~~الله تعالى بالأمم العاصية؟) (1). # وقوله ( @QUR@01 معذرة ) بالنصب على أنها مفعول لأجله أى : وعظناهم لأجل ~~المعذرة ، أو منصوبة على أنها مصدر لفعل مقدر من لفظها أى : نعتذر معذرة ~~وقرئت «معذرة» بالرفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف أى : موعظتنا معذرة وقد ~~اختار سيبويه هذا الوجه وقال في تعليله : لأنهم لم يريدوا أن يعتذروا ~~اعتذارا مستأنفا ولكنهم قيل لهم لم تعظون؟ فقالوا موعظتنا معذرة. # ثم بين سبحانه عاقبة كل من الفرقة الناهية والعاصية فقال تعالى ( ~~@QUR@018 فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ~~ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون ) أى : فلما لج الظالمون في طغيانهم ، ~~وعموا وصموا عن النصيحة أنجينا الناصحين ، وأخذنا العادين بعذاب شديد لا ~~رحمة فيه بسبب خروجهم على أوامر الله. # والآية الكريمة صريحة في بيان أن الذين أخذوا بالعذاب البئيس هم الظالمون ~~المعتدون وأن الذين نجوا هم الناهون عن السوء ، أما الفرقة الثالثة التي ~~لامت الناهين عن السوء على وعظهم للمعتدين ، فقد سكتت عنها. # ويرى بعض المفسرين : أنها لم تنج ، لأنها لم تنه عن المنكر. فضلا عن أنها ms2258 ~~لامت الناصحين لغيرهم. # ويرى جمهور المفسرين : أنها نجت ، لأنها كانت كارهة لما فعله العادون في ~~السبت ولم ترتكب شيئا مما ارتكبوه ، وإذا كانت قد سكتت عن النصيحة ، فلأنها ~~كانت يائسة من صلاح المعتدين ، ومقتنعة بأن القوم قد أصبحوا محل سخط الله ~~وعذابه ، فلا جدوى وراء وعظهم ، وإلى هذا الرأى ذهب صاحب الكشاف وغيره. # قال صاحب الكشاف : (فإن قلت : الأمة الذين قالوا لم تعظون قوما الله ~~مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا من أى الفريقين هم؟ أمن فريق الناجين أم من ~~فريق المعذبين. قلت من فريق الناجين ، لأنهم من فريق الناهين ، غرضا صحيحا ~~لعلمهم بحال القوم. وإذا علم الناهي حال المنهي ، وأن النهى لا يؤثر فيه ، ~~سقط عنه النهى ، وربما وجب الترك لدخوله في باب العبث ، ألا ترى أنك لو ~~ذهبت إلى المكاسين القاعدين على المآصر والجلادين المرتبين للتعذيب ، ~~لتعظهم وتكفهم عما هم فيه ، كان ذلك عبثا منك ، ولم يكن إلا سببا للتلهى بك ~~، أما الآخرون فإنهم لم يعرضوا عنهم ، إما لأن يأسهم لم يستحكم كما استحكم ~~يأس الأولين ، ولم يخبروهم كما PageV05P410 # خبروهم. أو لفرط حرصهم وجدهم في أمرهم ، كما وصف الله تعالى رسوله عليه ~~الصلاة والسلام في قوله ( @QUR@011 فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم ~~يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ) (1). # وقال الإمام ابن كثير : (ويروى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال عند ~~ما سئل عن مصير الفرقة اللائمة ، ما أدرى ما فعل بهم ، ثم صار إلى نجاتهم ~~لما قال له غلامه عكرمة : ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم فقال ~~( @QUR@09 لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ) قال عكرمة : ~~فلم أزل به حتى عرفته أنهم نجوا فكساني حلة) (2). # والذي نرجحه أن مصير هذه الفرقة مفوض إلى الله ، لأنه لم يرد نص صحيح في ~~شأنها ، فإن الآية الكريمة قد ذكرت صراحة عاقبة كل من الناصحين والعادين ~~ولم تذكر مصير الفرقة اللائمة للناصحين ولعل ذلك مرجعه إلى أنها وقفت من ~~العادين في السبت موقفا سلبيا استحقت معه الإهمال ms2259 ، إن لم تكن بسببه أهلا ~~للمؤاخذة. # ثم فصل سبحانه ما عوقبوا به من العذاب البئيس الذي أصابهم فقال تعالى : ( ~~@QUR@011 فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ) أى فلما ~~تكبروا عن ترك ما نهاهم عنه الواعظون ، قلنا لهم كونوا قردة صاغرين فكانوا كذلك. # قال الآلوسى : (والأمر في قوله تعالى ( @QUR@01 قلنا ) تكويني لا تكليفى ~~، لأنه ليس في وسعهم حتى يكلفوا به ، وهذا كقوله تعالى ( @QUR@010 إنما ~~قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) في أنه يحتمل أن يكون هناك ~~قول وأن يكون الغرض مجرد التمثيل) (3). # وقيل في تفسير الآية : إن الله تعالى عاقب القوم أو لا بالعذاب البئيس ~~الذي يتناول البؤس والشقاء والفقر في المعيشة ، فلما لم يرتدعوا ويثوبوا ~~إلى رشدهم ، مسخهم مسخا خلقيا وجسميا ، فكانوا قردة على الحقيقة ، وهو ~~الظاهر من الآية ، وعليه الجمهور : # وقيل : مسخهم مسخا خلقيا ونفسيا ، فصاروا كالقردة في شرورها وإفسادها لما ~~تصل إليه أيديها ، وهذا مروى عن مجاهد. # وتلك العقوبة كانت جزاء إمعانهم في المعاصي ، وتأبيهم عن قبول النصيحة ، ~~وضعف إرادتهم أمام مقاومة أطماعهم ، وانتكاسهم إلى عالم الحيوان لتخليهم عن ~~خصائص الإنسان ، فكانوا حيث أرادوا لأنفسهم من الصغار والهوان. PageV05P411 # هذا وقد استدل العلماء بهذه الآيات الكريمة على تحريم الحيل القبيحة التي ~~يتخذها بعض الناس ذريعة للتوصل إلى مقاصدهم الذميمة. وغاياتهم الدنيئة ~~ومطامعهم الخسيسة. # وقد أفاض الإمام ابن القيم في كتابه (إغاثة اللهفان) في إيراد الأدلة ~~الدالة على هذا التحريم ، فقال ما ملخصه : (ومن مكايد الشيطان التي كاد بها ~~الإسلام وأهله ، الحيل والمكر والخداع الذي يتضمن تحليل ما حرم الله وإسقاط ~~ما فرضه ، ومضادته في أمره ونهيه ، وهي من الباطل الذي اتفق السلف على ذمه ~~، فإن الرأى رأيان : رأى يوافق النصوص وتشهد له بالصحة والاعتبار ، وهو ~~الذي اعتبره السلف وعملوا به. ورأى يخالف النصوص وتشهد له بالإبطال ~~والإهدار ، وهو الذي ذموه وأهدروه. # وكذلك الحيل نوعان : نوع يتوصل به إلى فعل ما أمر الله تعالى به وترك ما ~~نهى عنه ، والتخلص من الحرام وتخليص ms2260 المحق من الظالم المانع له ، وتخليص ~~المظلوم من يد الظالم الباغي ، فهذا النوع محمود يثاب فاعله ومعلمه. ونوع ~~يتضمن إسقاط الواجبات ، وتحليل المحرمات ، وقلب المظلوم ظالما ، والظالم ~~مظلوما ، والحق باطلا ، والباطل حقا. فهذا الذي اتفق السلف على ذمه ، ~~وصاحوا بأهله من أقطار الأرض ... ثم قال : # إن الله تعالى أخبر عن أهل السبت من اليهود بمسخهم قردة ، لما تحايلوا ~~على إباحة ما حرمه الله تعالى عليهم من الصيد ، بأن نصبوا الشباك يوم ~~الجمعة ، فلما وقع فيها الصيد ، أخذوه يوم الأحد. # قال بعض الأئمة : ففي هذا زجر عظيم لمن يتعاطى الحيل على المناهي الشرعية ~~، ممن يتلبس بعلم الفقه وهو غير فقيه ، إذ الفقيه من يخشى الله تعالى بحفظ ~~حدوده ، وتعظيم حرماته ، والوقوف عندها ، وليس المتحيل على إباحة محارمه ، ~~وإسقاط فرائضه ، ومعلوم أنهم لم يستحلوا ذلك تكذيبا لموسى عليه السلام وكفرا ~~بالتوراة ، وإنما هو استحلال تأويل واحتيال ، ظاهره ظاهر الإيفاء ، وباطنه ~~باطن الاعتداء ، ولهذا مسخوا قردة ، لأن صورة القردة فيها شبه من صورة ~~الإنسان ، فلما مسخ أولئك المعتدون دين الله تعالى بحيث لم يتمسكوا إلا بما ~~يشبه الدين في بعض مظاهره دون حقيقته ، مسخهم سبحانه قردة يشبهونهم في بعض ~~ظواهرهم دون الحقيقة جزاء وفاقا ، وفي الحديث الشريف (لا ترتكبوا ما ارتكبت ~~اليهود ، وتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل) (1). # وفي الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : PageV05P412 # (قاتل الله اليهود ، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها) (1). # وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال : «بلغ عمر رضى الله عنه أن سمرة باع ~~خمرا فقال : قاتل الله سمرة. ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~لعن الله اليهود ، حرمت عليهم الشحوم فجملوها أى أذابوها فباعوها) (2). # وبهذا تكون الآيات الكريمة قد دمغت العادين في السبت من اليهود ، برذيلة ~~الجهالة وضعف الإرادة ، وتحايلهم القبيح على استحلال محارم الله ، مما ~~جعلهم أهلا للعذاب الشديد والمسخ الشنيع ، جزاء إمعانهم في المعصية وصممهم ~~عن سماع الموعظة ، وما ربك بظلام للعبيد. # ثم بين سبحانه ما ms2261 توعد به أولئك اليهود من عقوبات بسبب كفرهم وفسوقهم ~~وإفسادهم في الأرض فقال تعالى : # ( @QUR@019 وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء ~~العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم (167) @QUR@014 وقطعناهم في ~~الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم ~~يرجعون ) (168) # قوله ( @QUR@03 وإذ تأذن ربك ) منصوب على المفعولية بمقدر معطوف على ( ~~@QUR@01 وسئلهم ) أى : واذكر يا محمد لليهود وقت أن تأذن ربك. # وتأذن بمعنى آذن ، أى : أعلم. يقال : آذن الأمر وبالأمر أى : أعلمه. وأذن ~~تأذينا : أكثر الإعلام. # وأجرى مجرى فعل القسم كعلم الله وشهد الله ، ولذلك جيء بلام القسم ونون ~~التوكيد في جوابه وهو قوله تعالى «ليبعثن عليهم ... إلخ». PageV05P413 # وقوله ( @QUR@03 إلى يوم القيامة ) متعلق بقوله ( @QUR@01 ليبعثن ). # والمعنى : واذكر يا محمد وقت أن أعلم الله تعالى هؤلاء اليهود وأسلافهم ~~بأنهم إن غيروا وبدلوا ولم يؤمنوا بأنبيائهم ، ليسلطن عليهم إلى يوم ~~القيامة من يذيقهم سوء العذاب كالإذلال وضرب الجزية وغير ذلك من صنوف ~~العذاب إن ربك لسريع العقاب لمن أقام على الكفر ، وجانب طريق الحق ، وإنه ~~لغفور رحيم لمن تاب وآمن وعمل صالحا. وهذا من باب قرن الترغيب بالترهيب حتى ~~لا ييأس العاصي من رحمة الله بسبب ذنوبه السابقة إذا هو أقبل على الله ~~بالتوبة والعمل الصالح كما قال تعالى ( @QUR@09 وإني لغفار لمن تاب وآمن ~~وعمل صالحا ثم اهتدى ). # ولقد يبدو للبعض أن هذا الوعيد لليهود قد توقف بسبب ما نرى لهم الآن من ~~دولة وصولة ولكن الذي نعتقده أن هذا الوعيد ما توقف مع ما لهم من دولة ، ~~فإنهم ما زالوا محل احتقار الناس وبغضهم ، وحتى الدول التي تناصرهم إنما ~~تناصرهم لأن السياسة تقتضي ذلك بينما شعوب هذه الدول تكره أولئك اليهود ~~وتزدريهم وتنفر منهم. # وما قامت لليهود تلك الدولة إلا لأن المسلمين قد فرطوا في حق خالقهم ، ~~وفي حق أنفسهم ، ولم يأخذوا بالأسباب التي شرعها الله لهم لحرب أعدائهم ~~فكانت النتيجة أن أقام اليهود دولة لهم في قلب البلاد الإسلامية وعند ما ~~يعود المسلمون إلى ms2262 الأخذ التام الكامل بتعاليم دينهم وإلى مباشرة الأسباب ~~التي شرعها الله مباشرة سليمة ، عند ما يفعلون ذلك تعود إليهم عزتهم ~~المسلوبة وكرامتهم المغصوبة. # وصدق الله إذ يقول : ( @QUR@014 ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها ~~على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ). # هذا وقوله تعالى ( @QUR@04 وقطعناهم في الأرض أمما ) إخبار عن عقوبة أخرى ~~من عقوباتهم المتنوعة بسبب كفرهم وجحودهم ، وتتمثل هذه العقوبة في تفريقهم ~~في الأرض ، وتمزيقهم شر ممزق حتى لا تكون لهم شوكة. # و ( @QUR@01 أمما ) حال من مفعول ( @QUR@01 قطعناهم ) أو مفعول ثان ~~لقطعناهم على أنه بمعنى صيرناهم. # أى : أن هؤلاء اليهود قد مزقناهم في الأرض شر ممزق بسبب عصيانهم وفسوقهم ~~، وصيرناهم فرقا متقطعة الأوصال ، مشتتة الأهواء. وقوله ( @QUR@05 منهم ~~الصالحون ومنهم دون ذلك ) بيان لحالهم. # أى : من هؤلاء اليهود قلة آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ~~فصلح حالها ، وحسنت عاقبتها ، ومنهم كثرة منحطة عن رتبة أولئك المؤمنين ~~الصالحين ، بسبب فسوقهم عن PageV05P414 # أمر الله ، وانتهاكهم لحرماته. # والجملة من المبتدأ والخبر ، في موضع نصب على أنها صفة ل ( @QUR@01 أمما ). # وقوله ( @QUR@03 ومنهم دون ذلك ) الجار والمجرور خبر مقدم و ( @QUR@02 ~~دون ذلك ) نعت لمنعوت محذوف هو المبتدأ والتقدير : ومنهم ناس أو جماعة دون ذلك. # وهذه الجملة الكريمة تدل على أن القرآن الكريم يستعمل الإنصاف والعدالة ~~وتقرير الحقائق مع أعدائه وأتباعه على السواء ، فهو يمدح من يستحق المديح ، ~~ويذم من هو أهل الذم ، وما أحوج الناس في كل زمان ومكان إلى التخلق بهذه ~~الأخلاق. # وقوله تعالى ( @QUR@05 وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون ) أى ~~عاملناهم معاملة المبتلى الممتحن تارة بالنعم الكثيرة كالصحة والخصب وسعة ~~الأرزاق ، وتارة بالنقم المتنوعة كالجدب والأمراض والشدائد ، لعلهم يرجعون ~~إلى طاعة ربهم ، ويتركون ما نهوا عنه من المعاصي والسيئات. # يقال : بلاه يبلوه بلوا ، وابتلاه ابتلاء ، إذا جربه واختبره ، ولقد كانت ~~نتيجة هذا الابتلاء والاختبار أن تكشفت الحقائق عن أن الكثرة من بنى ~~إسرائيل سلكت طريق الضلالة والغواية ، والقلة هي التي آمنت وأصلحت ولذا ~~عاقب الله تلك الكثرة بالعقوبة التي تناسبها جزاء وفاقا. # هذا ms2263 ، وما أخبر به القرآن من أن الله تعالى قد توعد بنى إسرائيل وأخبرهم ~~بأنه سيسلط عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب بسبب كفرهم وفسوقهم ~~قد شهد بصدقه التاريخ ، وأيدته الحوادث ، وهذه نماذج قليلة من تلك العقوبات ~~التي نزلت بهم في الأزمنة المختلفة (1). # أولا : بعد وفاة سليمان عليه السلام حوالى سنة 975 ق م انقسمت مملكته إلى ~~قسمين : مملكة الشمال ، واسمها (إسرائيل) ومقرها (السامرة) (2) وتتكون من ~~الأسباط العشرة. # ومملكة الجنوب واسمها (يهوذا) ومقرها (أورشليم) (3) وتتكون من سبطي يهوذا ~~وبنيامين. # وقد استمرت المنازعات بين المملكتين مدة طويلة ، انتهت بانقضاض (سرجون) ~~ملك آشور على مملكة الشمال (إسرائيل) سنة 721 ق. م. فقتل الآلاف من رجالها ~~، وأسر البقية منهم PageV05P415 # فرحلهم إلى ما وراء نهر الفرات ، وقضى على هذه المملكة قضاء لم تقم لها ~~بعده قائمة. # وأما مملكة الجنوب (أورشليم) فقد حاولت أن تتشبث بالبقاء ، ولكن معاول ~~الهدم غزتها من الشرق ومن الجنوب وكانت نهايتها على يد بختنصر البابلي سنة ~~586 ق م. # ويصور أحد الكتاب الغربيين قصة النكبات التي أدت إلى زوال مملكة (يهوذا ~~وإسرائيل) فيقول : (هي قصة نكبات وقصة تحررات لا تعود عليهم إلا بإرجاء ~~النكبة القاضية ، هي قصة ملوك همج يحكمون شعبا من الهمج ، حتى إذا وافت سنة ~~721 ق م «محت يد الأسر الآشورى مملكة إسرائيل من الوجود ، وزال شعبها من ~~التاريخ زوالا تاما ، وظلت مملكة يهوذا تكافح حتى أسقطها البابليون سنة 586 ق م. # ثانيا : استرد اليهود بعض أنفاسهم بعد وقوعهم تحت حكم الفرس من حوالى سنة ~~536 إلى سنة 332 ق م فقد عادوا في هذه الفترة إلى فلسطين ، ووقعوا تحت ~~سيطرة الإسكندر المقدونى سنة 330 ق م. # وفي سنة 320 ق م. سار إليهم (بطليموس) خليفة الإسكندر ، فهدم القدس ، ودك ~~أسوارها ، وأرسل منهم مائة ألف أسير إلى مصر ، لأنهم ثاروا عليه. # ثالثا : في سنة 20 ق م تقريبا ، وقع اليهود تحت سيطرة السلوقيين السوريين ~~بعد انتصارهم على البطالسة ، ورأى بعض الحكام السلوقيين من اليهود تمردا ~~وعصيانا ms2264 ، فأنزلوا بهم أشد العقوبات في عدة مواقع ، وكان من أبرز المنكلين ~~باليهود (انطوخيوس) ما بين سنة 170. وسنة 168 ق م فقد هاجم (أورشليم) وهدم ~~أسوارها وهيكلها. ونهب ما فيها من أموال وقتل من أهلها أربعين ألفا في ~~ثلاثة أيام وباع مثل ذلك العدد عبيدا منهم ولم يفلت من يده إلا اليهود ~~الذين هربوا إلى الجبال ، وقد أقام (انطوخيوس) قمة على أحد الجبال ليشاهد ~~منها كل من يقترب من اليهود إلى أورشليم ليقتله ، وقد وصل به الحال أنه ~~أكره عددا كبيرا منهم على ترك الديانة اليهودية وجعل هيكلهم في أورشليم ~~معبدا لإلهه. # رابعا : وفي سنة 63 ق م أغار الرومان بقيادة (بامبيوس) على أورشليم ~~فاحتلوها ، واستمر احتلالهم حتى سنة 614 م. وخلال احتلال الرومان لفلسطين ~~قام اليهود بعدة ثورات باءت كلها بالفشل ، ولقوا بسبب تمردهم وعصيانهم من ~~الرومان ألوانا من القتل والسبي والتشريد. # كان من أشهرها ما أنزله بهم «تيطس الرومانى» سنة 70 م فقد اقتحم في هذه ~~السنة أورشليم فدمرها تدميرا ، وقتل الآلاف من اليهود وأحرق هيكلهم. # خامسا : بعد هذه النماذج التي سقناها لما أنزله الرومان من عقوبات على ~~اليهود ، نتابع سيرنا في سرد بعض العقوبات التي أنزلها المسلمون باليهود ~~بسبب بغيهم وخياناتهم فنقول : PageV05P416 # بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، عامل اليهود القاطنين ~~والمجاورين لها معاملة طيبة ، وعقد معهم معاهدة ضمنت لهم حقوقهم ولكنهم ~~نقضوا عهودهم ، ولم يتركوا وسيلة من وسائل الكيد للإسلام والمسلمين إلا ~~فعلوها ، وحاول الرسول صلى الله عليه وسلم أن يثنيهم عن جحودهم وبغيهم ولكنهم ~~لم يستجيبوا له. فعاقب صلى الله عليه وسلم كل طائفة منهم بالعقوبة التي تناسب ~~جرمهم وخيانتهم وتكفل للمسلمين أن يعيشوا في مأمن من شرورهم ، ومن بين ~~العقوبات التي أنزلها النبي صلى الله عليه وسلم بهم إجلاؤه لبنى قينقاع ولبنى ~~النضير عن المدينة ، وقتله لبنى قريظة وإهداره لدم بعض كبرائهم ككعب بن ~~الأشرف وسلام بن أبى الحقيق ، ومحاربته ليهود خيبر ومصالحته لهم بعد مقتل ~~عدد كبير منهم ، ورفعهم راية الأمان ms2265 ، والاستسلام ، وقبولهم الشروط التي ~~اشترطها عليهم النبي صلى الله عليه وسلم . # ولقد كان من آخر الكلمات التي نطق بها الرسول صلى الله عليه وسلم قبل وفاته ~~قوله موصيا أصحابه أخرجوا اليهود من جزيرة العرب لا يبقى في جزيرة العرب ~~دينان) (1). # وفي عهد عمر بن الخطاب رضى الله عنه تم إخراج جميع اليهود من جزيرة العرب ~~، استجابة لوصية الرسول صلى الله عليه وسلم . # سادسا : وفي ختام عرضنا لبعض العقوبات التي نزلت باليهود في الأزمنة ~~المختلفة جزاء إجرامهم وإثارتهم للفتن نسوق بعض الأمثلة لما حل بهم على ~~أيدى بعض الدول الأوربية. # (أ) ففي بريطانيا : لقى اليهود في بعض العهود ألوانا من التعذيب ، وصنوفا ~~من القتل والتشريد. # 1 من ذلك أن الملك الإنجليزى (يوحنا) أصدر أمرا بحبسهم في جميع أنحاء ~~مملكته. # وفي سنة 1328 م جأر الشعب البريطانى بالشكوى من اليهود ، فأصدر الملك ~~ادوارد الأول أمرا بطرد اليهود من جميع البلاد البريطانية في غضون ثلاثة ~~أشهر ، إلا أن الشعب البريطانى لم يصبر على اليهود حتى تنقضي تلك المدة ، ~~بل أخذ يقتل منهم العشرات والمئات وفي قلعة (بورك) التي احتمى بها عدد كبير ~~من اليهود أحرق الإنجليز أكثر من خمسمائة يهودي وقد اضطر الملك إلى ترحيلهم ~~قبل انقضاء المدة لئلا يفتك الشعب بهم جميعا في كل مكان ، وظلت بريطانيا ~~خالية من اليهود طوال ثلاثة قرون تقريبا. ولكن عادوا إليها سنة 1656 م في ~~عهد الطاغية (كرومويل) الذي اغتصب الملك (شارل الأول) بعد أن قدم له اليهود ~~الأموال الطائلة في سبيل بلوغ أغراضه. PageV05P417 # (ب) وفي فرنسا : تعرض اليهود في أزمنة مختلفة لنقمة الشعب الفرنسى وغضبه ~~، لأنهم دمروا اقتصاده الوطنى ، وخنقوه بالربا الفاحش ، والمعاملات السيئة. # 1 ففي عهد (لويس التاسع) تدهورت الحالة الاقتصادية في فرنسا فأصدر أمرا ~~بإلغاء ثلث ما لليهود على الفرنسيين من ديون ، ثم أصدر أمرا بإحراق جميع ~~كتبهم المقدسة ، وخاصة التلمود. وقد قال أحد المؤرخين إنهم أحرقوا في باريس ~~وحدها محمول أربع وعشرين مركبة من نسخ التلمود وغيرها) (1). # 2 وخلال تولى (فيليب الجميل) ms2266 حكم فرنسا. أنزل الفرنسيون باليهود صنوفا من ~~القتل والنهب والتشريد ، ثم طردوا من فرنسا نهائيا ، ولكنهم عادوا إليها ~~بعد أن دفعوا (لفيليب) ثلثى الديون التي لهم في فرنسا. # 3 وفي سنة 1321 م هاجمهم الشعب الفرنسى وذبح عددا كبيرا منهم ، ونكل بهم ~~تنكيلا شديدا ، ثم طردوا من فرنسا بعد أن نهبت أموالهم ولم يستطيعوا العودة ~~إليها إلا في أواسط القرن السادس عشر. # 4 وفي أوائل القرن التاسع عشر حاول (نابليون) أن يستغلهم لبلوغ مطامعه ، ~~ولكنهم خانوه ، فاحتقرهم ، وبطش بعدد منهم ، وقال عنهم إنهم حثالات البشر ~~وجراثيمه. # ولم ينج اليهود من بطش الشعب الفرنسى إلا في القرنين التاسع عشر ~~والعشرين. # (ج) وفي إيطاليا ، حاربهم البابوات حربا شعواء وأطلقوا عليهم اسم (الشعب ~~المكروه) وأغروا الشعب الإيطالى بهم فأعمل فيهم القتل والتشريد وقد أصدر ~~البابوات مراسيم عديدة لتكفير اليهود وتسفيه ديانتهم القائمة على التلمود. # وفي سنة 1242 م أعلن البابا (جريجورى) التاسع اتهامات صريحة ضد التلمود ~~الذي يطعن في المسيح والمسيحية ، وأصدر أوامره بإحراقه فأحرقت جميع نسخه. # وفي سنة 1540 ثار الشعب الإيطالى على اليهود ثورة عارمة قتل فيها الآلاف ~~منهم وطردوا من بقي حيا خارج إيطاليا. # (د) وفي أسبانيا : ذاق اليهود من الشعب الأسبانى وملوكه صنوف الذل وألوان ~~الهوان ، ولم يظفروا بالراحة إلا في أيام الحكم الإسلامى لأسبانيا. ولنكتف ~~بذكر عقوبة واحدة من العقوبات المتعددة التي نزلت بهم في تلك البلاد. PageV05P418 # في عهد الملك (فرديناند) وزوجته (إيزابلا) وصلت موجة السخط على اليهود ~~أقصاها ؛ لتغلغلهم في الحياة الأسبانية ، واستيلائهم على اقتصادها وإشعالهم ~~نار الخلافات الدينية بين الطوائف ... فرأى الملك وزوجته أن خير وسيلة ~~لوقاية البلاد من شرورهم هي طردهم من أسبانيا طردا نهائيا. # وفي 31 من مارس سنة 1952 صدر المرسوم التالي عن الملك (فرديناند): (يعيش ~~في مملكتنا عدد غير قليل من اليهود ، ولقد أنشأنا محاكم التفتيش منذ اثنتي ~~عشرة سنة. وهي تعمل دائما على توقيع العقوبة على المذنبين ، وبناء على ~~التقارير التي رفعتها لنا محاكم التفتيش ، ثبت بأن الصدام الذي يقع بين ms2267 ~~المسيحيين واليهود يؤدى إلى ضرر عظيم ، ويؤدى بالتالى إلى القضاء على ~~المذهب الكاثوليكى ، ولذا قررنا نفى اليهود ذكورا وإناثا خارج حدود مملكتنا ~~وإلى الأبد وعلى اليهود جميعا الذين يعيشون في بلادنا وممتلكاتنا ومن غير ~~تميز في الجنس أو الأعمار أن يغادروا البلاد في غضون فترة أقصاها نهاية ~~يوليو من نفس العام ، وعليهم ألا يحاولوا العودة تحت أى ظرف أو سبب (1). # وبمقتضى هذا القرار طرد اليهود شر طردة من أسبانيا بعد أن أرغموا على ترك ~~ذهبهم ونقودهم ، وبعد أن نفثوا سمومهم في أسبانيا زهاء سبعة قرون وكان ~~عددهم عند ما خرجوا منها مطرودين يبلغ نصف مليون نسمه ويعتبر بعض اليهود ~~هذا القرار وما تلاه من طرد وتشريد أسوأ من خراب أورشليم. # (ه) وفي روسيا : كان يعيش نصف يهود العالم تقريبا خلال القرن التاسع عشر ~~وقد استعملوا طول مدة إقامتهم في روسيا كل وسائلهم الخبيثة للتدمير ~~والتخريب ، ففتحوا الحانات وتاجروا في الخمور ، وأقرضوا بالربا الفاحش ، ~~واستولوا على الكثير من أموال الدولة بالطرق المحرمة ، وقتلوا الكثير من ~~أبناء الشعب الروسى عند ما مكنتهم الظروف من ذلك وكونوا الجمعيات السرية ~~التي عملت على هدم نظام الحكم القيصري واستمرت في نشاطها حتى أزالته بواسطة ~~الثورة الشيوعية في سنة 1917 م هذه الثورة التي كان معظم قوادها من اليهود. ~~ولم ينس الروس لليهود ما قاموا به نحوهم من عدوان واستغلال ، فانقضوا عليهم ~~عدة مرات للتخلص منهم وأعملوا فيهم الذبح والقتل بلا رحمة ، وكان من أبرز ~~المذابح التي أوقعها الروس باليهود مذبحة سنة 1881 م ومذبحة سنة 1882 م فقد ~~حاول الفلاحون الروس أن يدمروا اليهود تدميرا في هاتين السنتين. PageV05P419 # وعند ما نشر الكاتب الروسى (نيلوس) نسخا قليلة من (بروتوكولات حكماء ~~صهيون) سنة 1902 م التي تفضح نيات اليهود الإجرامية تجاه العالم أجمع ، جن ~~جنونهم خوفا وفزعا. وعمت المذابح ضدهم في روسيا حتى لقد قتل منهم في إحداها ~~نحو عشرة آلاف يهودي. # (و) وفي ألمانيا : انتشر اليهود في كثير من مدنها منذ القرن الثامن ~~الميلادى ، وسكنوا على ms2268 ضفاف نهر الراين. واستغلوا الشعب الألمانى أسوأ ~~استغلال حتى كادوا يستولون على أمواله عن طريق الربا الفاحش واستخدام ~~الوسائل المختلفة لجمع المال الحرام. ولقد هاج الشعب الألمانى ضدهم في ~~أوقات مختلفة ، واستعمل معهم كل وسائل القتل والسلب والطرد. # يقول صاحب كتاب (تاريخ الإسرائيليين) وظل القتل والذبح منتشرا في اليهود ~~إلى أن صدرت الأوامر بطردهم من أنحاء ألمانيا في أزمنة متتابعة ، وذلك ما ~~بين القرنين الثاني عشر والرابع عشر ، حتى لم يكد يبقى منهم واحدا فيها) (1). # وكان آخر ما لاقوه من عذاب وتقتيل وتشريد على يد «هتلر» ابتداء من توليه ~~الحكم في ألمانيا سنة 1933 إلى أن سقط حكمه سنة 1945. # وفي كل البلاد التي نزل بها اليهود ، تعرضوا لنقمة السكان وغضبهم ~~وازدرائهم ، يستوي في ذلك تاريخهم القديم والوسيط والحديث ، لقد أنزل ~~العالم بهم ضربات قاصمة ، وعقوبات صارمة ، شملت التنكيل والطرد والسجن ~~والقتل ومصادرة الأموال. # ويقرر أحد الكتاب الغربيين أن كل الأمم المسيحية اشتركت في اضطهاد اليهود ~~وإنزال مختلف العقوبات بهم ، وكانت القسوة مع اليهود تعد مآثرة يمتدح ~~المسيحيون بعضهم بعضا عليها (2). # هذا ، والشيء الذي نؤكده بعد سرد هذه النماذج من العقوبات التي نزلت ~~باليهود في مختلف العصور والأمم ، هو أن اليهود هم المسئولون عن كل اضطهاد ~~وقع بهم ، وأنهم مستحقون لهذه العقوبات لأسباب من أهمها : # أولا : أنانيتهم وأطماعهم التي لا حدود لها «فقد سوغت لهم أنانيتهم أن ~~العالم ملك لهم بكل من فيه وما فيه ، وأن عليهم متى حلوا في أى دولة أن ~~ينهبوا خيراتها بكل وسيلة وإن يجمعوا أموالها بأى طريقة ، فإن المال هو ~~معبود اليهود من قديم. # وأنانية اليهود وجشعهم وأكلهم أموال الناس بالباطل ، جعلهم محل نقمة ~~العالم وغضبه ، PageV05P420 # ولقد فطن بعض الزعماء العقلاء إلى خطر تغلغل اليهود في بلاده ، فأخذ ~~يطردهم منها ، ويحذر أبناء أمته من شرورهم ، ومن هؤلاء الزعماء العقلاء ~~(بنيامين فرانكلين) أحد رؤساء الولايات المتحدة ، فإنه ألقى خطابا سنة 1789 ~~قال فيه : (هناك خطر عظيم يهدد الولايات المتحدة الأمريكية ، وذلك الخطر هو ~~(اليهود). أيها السادة : حيثما ms2269 استقر اليهود ، تجدونهم يوهنون من عزيمة ~~الشعب ، ويزعزعون الخلق التجارى الشريف. إنهم لا يندمجون بالشعب. لقد ~~كانوا. حكومة داخل الحكومة. وحينما يجدون معارضة من أحد فإنهم يعملون على ~~خنق الأمة ماليا كما حدث للبرتغال وأسبانيا ... إذا لم يمنع اليهود من ~~الهجرة بموجب الدستور. ففي أقل من مائتي سنة سوف يتدفقون على هذه البلاد ~~بأعداد ضخمة تجعلهم يحكموننا ويدمروننا ويغيرون شكل الحكومة التي ضحينا ~~وبذلنا لإقامتها دماءنا وحياتنا وأموالنا وحريتنا. إذا لم يستثن اليهود من ~~الهجرة فإنه لن يمضى أكثر من مائتي سنة ليصبح أبناؤنا عمالا في الحقول ~~لتأمين الغذاء لليهود .. ، إنى أحذركم أيها السادة. إذا لم تستثنوا اليهود ~~من الهجرة إلى الأبد فسوف يلعنكم أبناؤكم وأحفادكم في قبوركم ، إن عقليتهم ~~تختلف عنا حتى لو عاشوا بيننا عشرة أجيال. والنمر لا يستطيع تغيير لونه. ~~اليهود خطر على هذه البلاد. وإذا دخلوها فسوف يخربونها ويفسدونها) (1). # وللتعليق على هذا الخطاب نقول : ما أصدق ما توقعه (فرانكلين) لو لا أنه ~~قد أخطأ التقدير في المدة اللازمة لتحويل أمريكا إلى بقرة حلوب لليهود ، ~~فقد قدر (فرانكلين) هذه المدة بمائتي سنة أى في سنة 1989 ، بينما استطاع ~~اليهود أن يسخروا سياسة أمريكا وأسلحتها ، وأموالها وعلمها ونفوذها ~~وخيراتها ، لمنفعتهم الخاصة في مدة تقل عما توقعه بأكثر من خمسين سنة. # ثانيا : غرورهم وتعاليهم : فاليهود يعتبرون أنفسهم أبناء الله وأحباؤه ، ~~وشعبه المختار. ومن قديم الزمن وهم يقسمون العالم إلى قسمين متقابلين : قسم ~~إسرائيل وهم صفوة الخلق وأصحاب الحظوة عند الله ، وقسم آخر يسمونه الأمم ~~(الجوييم) أى غير اليهود ومعنى (جوييم) عندهم ، وثنيون وكفرة وبهائم ~~وأنجاس. وقد أدى هذا الغرور والتعالي باليهود إلى إهدار كل حق لغيرهم عليهم ~~، وأن من حق اليهود أن يسرقوا من ليس يهوديا وأن يغشوه ويكذبوا عليه ~~ويقتلوه إذا أمنوا اكتشاف جرائمهم ، وقد أشار القرآن الكريم إلى تلك ~~الرذيلة التي تمكنت من اليهود بقوله. ( @QUR@036 ومن أهل الكتاب من إن ~~تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت ~~عليه قائما ms2270 ، ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ، ويقولون على ~~الله الكذب وهم يعلمون ) (2). PageV05P421 # وكتب اليهود لا سيما التلمود طافحة بالوصايا التي تبيح لهم أن يعاملوا ~~غيرهم بمعاملة تخالف معاملتهم مع بعضهم ، من ذلك ما جاء في التلمود : إذا ~~خدع يهود أحدا من الأمم وجاء يهودي آخر واختلس من الأمم بعض ما عنده بنقص ~~الكيل أو زيادة الثمن ، فعلى اليهوديين أن يقتسما الغنيمة التي أرسلها ~~إليهما (يهواه) (1) ويهواه هو إله اليهود. # ونتيجة لهذا الغرور والتعالي الذي تميز به اليهود ، وأهدروا بسببه كل حق ~~أو كرامة لسواهم من الناس ، قام غيرهم من الأمم ليدافع عن حقه الذي سلبوه ~~منهم ، وليوقع بهم أقسى العقوبات جزاء غرورهم الكاذب ، وتعاليهم الباطل. # ثالثا : عزلتهم وعصبيتهم وخيانتهم للبلاد التي آوتهم فهم متعصبون متحزبون ~~، لا يجمعهم حب بعضهم لبعض ولكن تجمعهم كراهية من ليس على ملتهم ، كما ~~يجمعهم الحقد على العالم بأسره. وقد أصبحت العزلة والعصبية والعنصرية طابع ~~اليهود الذي لا محيد لهم عنه. # ويصف الدكتور (ويزمان) أول رئيس لإسرائيل طابع العزلة في اليهود بقوله : ~~(وكان اليهود في موتول (مسقط رأسه) بروسيا ، يعيشون كما يعيش اليهود في ~~مئات المدن الصغيرة والكبيرة منعزلين منكمشين ، وفي عالم غير عالم الناس ~~الذين يعيشون معهم). # ولعل أدق صورة للتحريض على العزلة والتمسك بها ، ما ذكره (سلامون شحتر) ~~في خطابه بمدرسة اللاهوت اليهودية العليا حيث قال : (إن معنى الاندماج في ~~الأمم هو فقدان الذاتية. وهذا النوع من الاندماج مع ما يترتب عليه من ~~النتائج ، هو ما أخشاه أكثر مما أخشى المذابح والاضطهادات) (2). # وقد تسبب عن عزلتهم وعصيبتهم أمور خطيرة ، فقد نظروا إلى من سواهم من ~~الأمم نظرة كلها عداء وريبة وحذر ، وصار طابعهم في كل زمان ومكان عدم ~~الإخلاص لاية هيئة دينية أو دنيوية. وعدم الولاء للأوطان التي يعيشون فيها ~~ويأكلون من خيراتها ، وإنما يجعلون ولاءهم لجماعتهم ومصالحهم الخاصة دون ~~غيرها ، لأن اليهودي يهودي قبل كل شيء ، مهما تكن جنسيته ، ومهما يعتنق من ~~عقائد ومبادئ في الظاهر ، وإذا تعارضت جنسيته مع يهوديته ms2271 ناصر يهوديته ، ~~وحاول أن يشيع الخراب والدمار في الأمة التي هو فرد من أفرادها خصوصا إذا ~~أمن العقاب والصهيونية العالمية تأمر اليهود في كل مكان أن يجعلوا ولاءهم ~~لإسرائيل وليس للدولة التي يعيشون فيها. # تقول جولدامايير وزيرة خارجية إسرائيل سابقا : (إن اليهود المقيمين خارج ~~إسرائيل طوائف PageV05P422 # مشتتة تعيش في المنفي ، وأنهم مواطنون إسرائيليون قبل كل شيء ، ويتحتم ~~عليهم الولاء المطلق لهذه الدولة الجديدة مهما تكن جنسيتهم الرسمية التي ~~يسبغونها على أنفسهم ، وإن اليهودي الإنجليزى الذي ينشد بحكم إنجليزيته ~~نشيد (حفظ الله الملكة) لا يمكن أن يكون في نفس الوقت صهيونيا) (1). # وما أكثر الحوادث التي قام فيها اليهود بدور العيون والجواسيس على ~~الأوطان التي يعيشون فيها لحساب أعدائها ، واظهر مثل على ذلك ما قام به ~~اليهود المقيمون في ألمانيا من خيانات لها خلال الحرب العالمية الأولى ، ~~وكان ثمرة هذه الخيانات هزيمة ألمانيا ، ومنح اليهود جزاء غدرهم الوطنى وعد ~~(بلفور) من الحكومة البريطانية سنة 1917 م. # وقد عدد (هتلر) خيانات اليهود لألمانيا فذكر منها استنزاف أموال الشعب ~~بالربا الفادح وإفساد التعليم والسيطرة لصالحهم على المصارف والبورصة ~~والشركات التجارية ، والسيطرة على دور النشر ، والتدخل في سياسة الدولة ~~لغير مصلحة ألمانيا وفي القمة من خياناتهم التجسس ضد ألمانيا الذي احترفه ~~عدد كبير منهم. # ويختم هتلر حديثه الطويل عن اليهود بقوله (وإذا قيض لليهودي أن يتغلب على ~~شعوب هذا العالم ، فسيكون تاجه إكليل جنازة البشرية ، وعند ما يستأنف ~~كوكبنا السيار طوافه في الأثير كما فعل منذ ملايين السنين لن يكون هناك بشر ~~على سطحه .. لهذا أعتقد أنى تصرفت معهم حسبما شاء خالقنا ، لأنى بدفاعى عن ~~نفسي ضد اليهودي ، أنما أناضل في سبيل الدفاع ، عن عمل الخالق) (2). # وإذن فعزلة اليهود ، وعصبيتهم ، وخيانتهم للأوطان التي آوتهم ، كان ~~جزاؤها العادل ما حل بهم من دمار وتشريد خلال العصور المختلفة. # رابعا : اضطهادهم لغيرهم متى ملكوا القدرة الظاهرة أو الخفية لذلك وتاريخ ~~اليهود ملطخ بجراثم القتل والذبح والنهب والسلب والغدر والبطش بغيرهم وملئ ~~بالمجاز التي قاموا بها ضد الشعوب التي ms2272 كان لهم النصر عليها ، وقد ساعدهم ~~على ذلك ما أمرتهم به كتبهم من قتل وإذلال لغيرهم متى واتتهم الفرصة عليه ، ~~ففي سفر الخروج ما نصه. # (حين تقترب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح ، فإن إجابتك فكل ~~الشعب الموجود فيها يكون للتسخير ، ويستعبد لك ، وإن لم تسالمك بل عملت معك ~~حربا فحاصرها ، وإذا PageV05P423 # دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف ، هكذا تفعل بجميع ~~المدن البعيدة منك جدا ، وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إياها فلا ~~تستبق منها نسمة ما) (1). # ولقد طبق اليهود هذه التعاليم أسوأ تطبيق في كل أدوار تاريخهم فلقد قتلوا ~~في روما وحدها مائة ألف مسيحى سنة 214 م بإيعاز من الإمبراطور (مارك ~~أوريل). # وما لنا نذهب بعيدا في الاستشهاد على إجرامهم ، ومعارك فلسطين ما زالت ~~ماثلة في أذهاننا ، يقول أحد الكتاب المعاصرين : (إن مذبحة دير ياسين كانت ~~من أبشع المذابح التي ارتكبها اليهود. فقد قتلوا مائتين وخمسين إنسانا في ~~قرية صغيرة ومثلوا بأجسامهم ، وذبحوا الأطفال في أحضان أمهاتهم وأمام ~~أعينهن). وحدث ما يشبه هذه المذابح في كثير من مدن فلسطين كحيفا ويافا ~~وقبية وكفر قاسم. # والحق ، أن مفاهيم اليهود الباطلة ، وأنانيتهم الطاغية ، وطباعهم اللئيمة ~~وأخلاقهم الفاسدة ، وعصبيتهم الذميمة ، وقلوبهم القاسية ، واستباحتهم لقتل ~~غيرهم ، وإهدار كرامته ، كل ذلك جعلهم محل نقمة العالم وغضبه ، وبسبب هذه ~~الأخلاق المرذولة سلط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة ، ~~ومن يمزقهم شر ممزق. # ويعجبني في هذا المقام قول المؤرخ اليهودي «يوسيفوس» «لا توجد أمة في ~~الأرض في كل أجيال التاريخ منذ بدء الخليقة إلى الآن تحملت ما تحمل بنو ~~إسرائيل من الكوارث والآلام ، على أن هذه الكوارث والآلام لم تكن إلا من ~~صنع بنى إسرائيل أنفسهم». # والآن ، بعد سرد هذه العقوبات التي حلت ببني إسرائيل في مختلف العصور ~~تأييدا لقوله تعالى ( @QUR@09 ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء ~~العذاب ) بسبب أعمالهم السيئة نعود إلى السورة الكريمة فنراها تحدثنا عن ~~لون من ألوان الدعاوى الباطلة التي ms2273 حكاها القرآن عنهم ، وهو زعمهم أن ~~ذنوبهم مغفورة لهم ، وأنهم مهما فعلوا من ذنوب ، وارتكبوا من موبقات ، ~~واستحلوا من أموال حرام ، فلن يحاسبهم الله على ذلك إلا حسابا يسيرا لأنهم ~~أبناؤه وأحباؤه ، واستمع إلى السورة الكريمة وهي تحكى ذلك عنهم فتقول : PageV05P424 # ( @QUR@040 فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ~~ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ~~أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين ~~يتقون أفلا تعقلون (169) @QUR@010 والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة ~~إنا لا نضيع أجر المصلحين ) (170) # قال الإمام القرطبي : الخلف بسكون اللام الأولاد ، الواحد والجمع فيه ~~سواء ، الخلف بفتح اللام البدل ، ولدا كان أو غريبا. وقال ابن الأعرابى : ~~الخلف بفتح اللام الصالح ، وبسكونها الطالح ، ومنه قيل للردى من الكلام خلف ~~بسكون اللام ومنه المثل السائر «سكت ألفا ونطق خلفا» قال لبيد. # ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب. # فخلف في الذم بالإسكان ، وخلف بالفتح في المدح ، هذا هو المستعمل المشهور ~~، وفي الحديث الشريف (يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له) وقد يستعمل كل واحد ~~منهما موضع الآخر (1). # والعرض بفتح الراء متاع الدنيا وحطامها من المال وغيره. # قال صاحب الكشاف : قوله تعالى : ( @QUR@04 يأخذون عرض هذا الأدنى ) أى ~~حطام هذا الشيء الأدنى ، يريد الدنيا وما يتمتع به منها ، وفي قوله هذا ~~تخسيس وتحقير ، والأدنى إما من الدنو بمعنى القرب ، لأنه عاجل قريب ، وإما ~~من دنو الحال وسقوطها وقلتها والمراد ما كانوا يأخذونه من الرشا في الأحكام ~~على تحريف الكلم للتسهيل على العامة) (2). # والضمير في قوله ( @QUR@02 من بعدهم ) يعود إلى اليهود الذين وصفهم الله ~~في الآية السابقة بقوله ( @QUR@014 وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ~~ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون ). # والمعنى : فخلف من بعد أولئك القوم الذين قطعناهم في الأرض أمما خلف سوء ~~، ورثوا PageV05P425 # كتاب الله وهو التوراة فقرأوه وتعلموه ، ووقفوا على ما فيه من تحليل ~~وتحريم وأمر ونهى ولكنهم لم يتأثروا ms2274 به بل خالفوا أحكامه ، واستحلوا محارمه ~~مع علمهم بها ، فهم يتهافتون على حطام الدنيا ومتاعها ويتقبلون المال ~~الحرام بشراهة نفس. ويأكلون السحت أكلا لما ويقولون وهم والغون في المعاصي ~~ومصرون على الذنوب : إن الله سيغفر لنا ذنوبنا ولا يؤاخذنا بما أكلنا من ~~أموال ، لأننا من نسل أنبيائه ، فنحن شعبه الذي اصطفاه من سائر البشر ، إلى ~~غير ذلك من الأقاويل التي يفترونها على الله وهم يعلمون. # وجملة ( @QUR@04 يأخذون عرض هذا الأدنى ) مستأنفة لبيان ما يصنعون ~~بالكتاب بعد وراثتهم إياه. وقيل : هي حال من الضمير في ورثوا. # ثم أخبر سبحانه عنهم بأنهم أهل إصرار على ذنوبهم ، وليسوا بأهل إنابة ولا ~~توبة فقال تعالى : (وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه) أى : أنهم يأخذون عرض ~~الحياة الدنيا ويعرضون عن شريعة الله التي أنزلها عليهم في التوراة ويزعمون ~~أن الله لا يؤاخذهم بما فعلوا. ثم هم بعد ذلك لا يتوبون إلى الله ولا ~~يستغفرونه ، وإنما حالهم أنهم إن لاح لهم عرض حرام آخر مثل الذي أخذوه أولا ~~بالباطل ، تهافتوا عليه من جديد واستحلوه وأكلوه في بطونهم ، وبدون توبة أو ندم. # قال مجاهد قوله تعالى ( @QUR@05 وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ) لا يشرف لهم ~~شيء من متاع الدنيا إلا أخذوه حلالا كان أو حراما ، ويتمنون المغفرة ~~(ويقولون سيغفر لنا) وإن يجدوا عرضا مثله يأخذوه (1). # وقال السدى : (كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيا إلا ارتشى في الحكم وإن ~~خيارهم اجتمعوا ، فأخذ بعضهم على بعض العهود أن لا يفعلوا ولا يرتشوا ، ~~فجعل الرجل منهم إذا استقضى ارتشى ، فيقال له ما شأنك ترتشى في الحكم؟ ~~فيقول سيغفر لي ، فيطعن عليه البقية الآخرون من بنى إسرائيل صنعه فإذا مات ~~أو نزع وجعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه قبل الرشوة ، ويقول : (وإن يأت ~~الآخرين عرض الدنيا يأخذوه) (2). # ثم أنكر سبحانه عليهم ما زعموه بقولهم : (سيغفر لنا) وهم مصرون على ~~معصيتهم فقال تعالى : (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله ~~إلا الحق ودرسوا ما فيه). # والمعنى : لقد أخذ الله العهد ms2275 في التوراة على هؤلاء المرتشين في أحكامهم ~~: والقائلين سيغفر الله فعلنا هذا ألا يقولوا على الله إلا القول الحق ، ~~ولا يخبروا عنه إلا بالصدق ولا يخالفوا أمره. PageV05P426 # ولا ينقضوا عهده ، ولا يتجاوزوا حدوده ، وقد درس هؤلاء الكتاب ، أى : ~~قرءوه وفهموه ، ولكنهم لم يعملوا بما أخذ عليهم من عهود ولم يتبعوا أوامر ~~كتابهم ونواهيه ، لأنهم درسوه ولم يتأثروا به ، ولم تخالط تعاليمه شغاف ~~قلوبهم ، فضيعوه واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون. # وقوله ( @QUR@07 أن لا يقولوا على الله إلا الحق ) بدل من ميثاق الكتاب ~~أو عطف بيان له. وقيل إنه مفعول لأجله أى : لئلا يقولوا. # وجملة ( @QUR@03 ودرسوا ما فيه ) معطوفة في المعنى على قوله تعالى ( ~~@QUR@05 ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ) أى أن الله تعالى قد أخذ عليهم ~~الميثاق في التوراة ودرسوه. # قال ابن دريد : (كان يأتيهم المحق برشوة فيخرجون له كتاب الله فيحكمون له ~~به ، فإذا جاء المبطل أخذوا منه الرشوة وأخرجوا له كتابهم الذي كتبوه ~~بأيديهم وحكموا له (1). # ثم بين الله لهم أن ما أعده في الآخرة للمتقين الذين يتعففون عن السحت ~~وعن أكل أموال الناس بالباطل خير من متاع الدنيا وزهرتها الذي آثره هؤلاء ~~الذين يفترون على الله الكذب فقال تعالى : ( @QUR@07 والدار الآخرة خير ~~للذين يتقون أفلا تعقلون ) أى : والدار الآخرة وما أعده فيها من نعيم ~~لأولئك الذين يتقونه حق تقاته في السر والعلن ، خير من عرض هذا الأدنى الذي ~~استحله هؤلاء اليهود بدون حق وآثروه على ما عند الله من نعيم مقيم وثواب ~~جزيل ( @QUR@02 أفلا تعقلون ) يا من أكلتم أموال الناس بالباطل وقلتم سيغفر ~~الله لنا ذنوبنا هذا الحكم الواضح ، الذي لا يخفى على ذي عقل سليم ، لم ~~تطمسه الشهوات ، ولم يستحوذ عليه الشيطان. # وفي هذا إشارة إلى أن الطمع في متاع الحياة الدنيا هو الذي جعل بنى ~~إسرائيل يقولون على الله غير الحق. ويتشبعون من المال الحرام بدون تعفف ~~ويبيعون دينهم بدنياهم. # قال الإمام الآلوسى : (والمراد من الآية توبيخ أولئك الورثة على بتهم ~~القول بالمغفرة مع إصرارهم ms2276 على الذنوب وجاء البت من السين فإنها للتأكيد ~~كما نص عليه المحققون ، وعن ابن عباس رضى الله عنهما إنهم وبخوا على ~~إيجابهم على الله تعالى غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون إليها ثم لا ~~يتوبون منها. # وقد أطبق أهل السنة على ذم المتمنى على الله ، ورووا عن شداد بن أوس أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ~~والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأمانى) ومن هنا قيل : إن ~~القوم ذموا بأكلهم أموال الناس بالباطل وباتباعهم أنفسهم هواها PageV05P427 # وتمنيهم على الله سبحانه الأمانى ، ووبخوا على افترائهم على الله في ~~الأحكام التي غيروها ، وأخذوا عرض هذا الأدنى على تغييرها ، وقالوا على ~~الله ما ليس بحق من القول) (1). # ثم أثنى الله تعالى على من تمسك بكتابه ، فأحل حلاله وحرم حرامه ، ولم ~~يتقول على الله الكذب فقال تعالى : ( @QUR@010 والذين يمسكون بالكتاب ~~وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين ). # والمراد بالكتاب التوراة أو القرآن أو جنس الكتب السماوية عموما. # والمعنى : والذين يستمسكون بأوامر الكتاب الذي أنزله الله ويعتصمون بحبله ~~في جميع شئونهم إنا لا نضيع أجرهم لأنهم قد أصلحوا دينهم ودنياهم والله لا ~~يضيع أجر من أحسن عملا. # وخص الصلاة بالذكر مع دخولها فيما قبلها إظهارا لمزيتها لكونها عماد ~~الدين وناهية عن الفحشاء والمنكر. # وبذلك تكون الآيتان الكريمتان قد وبختا اليهود لافترائهم على الله الكذب ~~وردتا عليهم في دعواهم أن ذنوبهم مغفورة لهم مع تعمدهم أكل أموال الناس ~~بالباطل ، وبينتا لهم طريق الفلاح لكي يسيروا عليها ، إن كانوا ممن ينتفع ~~بالذكر ، ويعتبر بالمثلات. # ثم ختمت السورة الكريمة حديثها الطويل عن بنى إسرائيل بتذكيرهم بالعهد ~~الذي أخذه الله عليهم ، وبأمرهم بالإيمان والعمل الصالح فقالت : # ( @QUR@019 وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما ~~آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ) (171) # والآية الكريمة معطوفة على ما سبق من أحوال بنى إسرائيل بتقدير : اذكر. # ونتقنا : من النتق وهو الزعزعة والرفع والجذب بشدة ، يقال : نتق ms2277 الشيء ~~ينتقه وينتقه ، جذبه واقتلعه. PageV05P428 # والمراد بالجبل جبل الطور الذي سمع موسى عليه الكلام من ربه. # قيل : «إن موسى لما أتى بنى إسرائيل بالتوراة وقرأها عليهم وسمعوا ما ~~فيها من التغليظ كبر ذلك عليهم ، وأبوا أن يقبلوا ذلك ، فأمر الله الجبل ~~فانقطع من أصله حتى قام على رءوسهم مقدار عسكرهم ، فلما نظروا إليه فوق ~~رءوسهم خروا ساجدين ، فسجدوا كل واحد منهم على خده وحاجبه الأيسر ، وجعل ~~ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل خوفا من أن يسقط فوقهم (1). # أى : واذكر يا محمد وذكر بنى إسرائيل المعاصرين لك وقت أن رفعنا الجبل ~~فوق آبائهم الذين كانوا في عهد موسى حتى صار كأنه غمامة أو سقيفة فوق ~~رءوسهم لنريهم آية من الآيات التي تدل على قدرتنا وعلى صدق نبينا موسى ~~عليه السلام . # قال بعض العلماء : «ورفع الجبل فوقهم لإرشادهم آية من آيات الله تقوى ~~إيمانهم بأن التوراة منزلة من عند الله ، وقوة الإيمان من شأنها أن تدفع ~~إلى العمل بما في الكتاب المنزل بجد واجتهاد» (2). # وقوله ( @QUR@04 وظنوا أنه واقع بهم ) أى : ووقع في نفوسهم أن الجبل ساقط ~~عليهم إذا لم يستجيبوا لما أمرهم به نبيهم عليه السلام . # قال الجمل : وقوله ( @QUR@01 وظنوا ) فيه أوجه : # أحدها : أنه في محل جر نسقا على نتقنا المخفوض بالظرف تقديرا. # والثاني : أنه حال ، و «قد» مقدرة عند بعضهم ، وصاحب الحال الجبل. # أى : كأنه ظلة في حال كونه مظنونا وقوعه بهم. # والثالث : أنه مستأنف فلا محل له. والظن هنا على بابه ، وقيل بمعنى ~~اليقين». # وقوله ( @QUR@04 خذوا ما آتيناكم بقوة ) مقول لقول محذوف دل عليه المعنى. # والتقدير : وقلنا لهم خذوا ما آتيناكم بقوة ، أى تمسكوا به واعملوا بما ~~فيه يجد ونشاط ، وتقبلوه بحسن استعداد وبدون تقصير أو تردد. # والمراد بقوله : ( @QUR@02 ما آتيناكم ) التوراة التي أنزلها الله على ~~موسى لتكون هدى ونورا لهم. # وقوله ( @QUR@03 واذكروا ما فيه ) أى : احفظوه وتدبروه وتدارسوه واعملوا ~~به بلا تعطيل لشيء منه. PageV05P429 # قال القرطبي : وهذا هو من المقصود من الكتب : العمل بمقتضاها لا تلاوتها ~~باللسان فحسب ، فقد روى ms2278 النسائي عن أبى سعيد الخدري أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : «إن من شر الناس رجلا فاسقا يقرأ القرآن لا يرعوى ~~إلى شيء منه» (1). # و «لعل» في قوله ( @QUR@02 لعلكم تتقون ) إما للتعليل فيكون المعنى : خذوا ~~الكتاب بجد وعزم ، واعملوا بما فيه بصدق وطاعة لتتقوا الهلاك في دنياكم ~~وآخرتكم. وإما للترجى ، وهو منصرف إلى المخاطبين فيكون المعنى : خذوا ما ~~آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه ولا تنسوه وأنتم ترجون أن تكونوا من طائفة ~~المتقين. # ولكن بنى إسرائيل لم يذكروا ولم يتدبروا بل نقضوا العهد ، ولجوا في ~~المعصية ، فاستحقوا لعنة الله وغضبه ، وما ربك بظلام للعبيد. # وبذلك تكون سورة الأعراف قد حدثتنا من بين ما حدثتنا من مطلعها إلى هنا ~~عن هداية القرآن الكريم ، وعن يوم القيامة وما فيه من ثواب وعقاب ، وجنة ~~ونار ، وعن النداءات التي وجهها الله تعالى لبنى آدم تذكيرا وتوجيها ~~وتعليما حتى يسعدوا في دينهم ودنياهم ، وعن أحوال السعداء والأشقياء في ~~الآخرة وما يدور بينهم من مناقشات ومحاورات ، وعن قصة آدم وإبليس وعن قصص ~~نوح وهود وصالح ولوط وشعيب مع أقوامهم ، ثم أفاضت السورة الكريمة في حديثها ~~عن قصة موسى مع فرعون ومع بنى إسرائيل. # والهدف الأول الذي قصدته السورة مما عرضته من قصص وتوجيهات وإرشادات هو ~~إثبات وحدانية الله ، وإخلاص العبادة له ، وحمل الناس على السير في الطريق ~~المستقيم ، وقد استعملت السورة في عرضها لتلك الحقائق أساليب الترغيب ~~والترهيب ، والتذكير بالنعم والتحذير من النقم ، وإقامة الحجج ودفع الشبه. # ثم بدأت السورة بعد أن انتهت من حديثها عن بنى إسرائيل وحتى نهايتها ~~تحدثنا عن قضية التوحيد من زاوية جديدة عميقة ، زاوية الفطرة التي فطر الله ~~عليها البشر ، ولنتصاحب سويا أيها القارئ الكريم متأملين فيما ساقته لنا ~~السورة الكريمة في الربعين الأخيرين منها من آيات تزخر بالأدلة العقلية ~~والمنطقية التي تثبت وحدانية الله وتبطل الشرك والشركاء ، مستعينة في ذلك ~~بما تهدى إليه الفطرة البشرية والطبيعة الانسانية. # تدبر معى قوله تعالى : PageV05P430 # ( @QUR@026 وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ms2279 ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ~~ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ~~(172) @QUR@015 أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ~~أفتهلكنا بما فعل المبطلون (173) @QUR@05 وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون ~~) (174) # قال صاحب المنار : هذه الآيات بدء سياق جديد في شئون البشر العامة ~~المتعلقة بهداية الله لهم بما أودع في فطرتهم وركب في عقولهم من الاستعداد ~~للايمان به وتمجيده وشكره ، في إثر بيان هدايته لهم بإرسال الرسل وإنزال ~~الكتب في قصة بنى إسرائيل. فالمناسبة بين هذا وما قبله ظاهرة ، ولذلك عطف ~~عليه عطف جملة على جملة أو سياق على سياق (1). # قوله ( @QUR@09 وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ) الظهور : جمع ~~ظهر وهو العمود الفقرى لهيكل الإنسان الذي هو قوام بنيته. # والذرية : سلالة الإنسان من الذكور والإناث. # وقوله ( @QUR@02 من ظهورهم ) بدل بعض من قوله ( @QUR@03 من بني آدم ) و ( ~~@QUR@01 ذريتهم ) مفعول أخذ. # والمعنى : واذكر أيها الرسول وذكر كل عاقل وقت أن استخرج الله تعالى من ~~أصلاب بنى آدم ذريتهم ، وذلك الإخراج أنهم كانوا نطفة فأخرجها سبحانه في ~~أرحام الأمهات ، وجعلها علقة ثم مضغة ، ثم جعلها بشرا سويا ، وخلقا كاملا مكلفا. # قال الآلوسى : وإيثار الأخذ على الإخراج للإيذان بشأن المأخوذ إذ ذاك لما ~~فيه من الإنباء عن الاجتباء والاصطفاء وهو السبب في إسناده إلى اسم الرب ~~بطريق الالتفات مع ما فيه من التمهيد للاستفهام الآتي. وقيل إن إيثار الأخذ ~~على الإخراج لمناسبة ما تضمنته الآية من الميثاق ، فإن الذي يناسبه هو ~~الأخذ دون الإخراج. # والتعبير بالرب لما أن ذلك الأخذ باعتبار ما يتبعه من آثار الربوبية. # وقوله : ( @QUR@03 وأشهدهم على أنفسهم ) أى : أشهدهم على أنفسهم بما ركب ~~فيهم من دلائل PageV05P431 # وحدانيته ، وعجائب خلقه ، وغرائب صنعته ، وبما أودع في قلوبهم من غريزة ~~الإيمان ، وفي عقولهم من مدارك تهديهم إلى معرفة ربهم وخالقهم. # وقوله : ( @QUR@02 ألست بربكم ) مقول لقول محذوف : أى : قائلا لهم بعد أن ~~أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل الوحدانية ألست بربكم ، ومالك ~~أمركم ms2280 ، ومربيكم على الإطلاق ، من غير أن يكون لأحد مدخل في شأن من شئونكم ~~( @QUR@03 قالوا بلى شهدنا ) أى : قالوا بلى شهدنا على أنفسنا عن عقيدة ~~وإقناع بأنك أنت ربنا وخالقنا ولا رب لنا سواك ، فإن آثار رحمتك وعجائب ~~خلقك ، ومظاهر قدرتك تجعلنا لا نتردد في هذه الشهادة. # و ( @QUR@01 بلى ) حرف جواب ، وتختص بالنفي فلا تقع إلا جوابه فتفيد ~~إبطاله سواء أكان مجردا أم مقرونا بالاستفهام ولذلك قال ابن عباس وغيره ، ~~لو قالوا نعم لكفروا. لأن نعم حرف تصديق للمخبر بنفي أو إيجاب. # قال صاحب الكشاف : وقوله : ( @QUR@04 ألست بربكم قالوا بلى ) من باب ~~التمثيل ومعنى ذلك أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته ، وشهدت بها ~~عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى ، فكأنه ~~أشهدهم على أنفسهم وقررهم وقال لهم : ألست بربكم؟ وكأنهم قالوا : بلى أنت ~~ربنا شهدنا على أنفسنا وأقررنا بوحدانيتك ، وباب التمثيل واسع في كلام الله ~~تعالى وفي كلام رسوله صلى الله عليه وسلم وفي كلام العرب. ونظيره قوله تعالى ( ~~@QUR@010 إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) وقوله ( ~~@QUR@010 فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ). ~~ومعلوم أنه لا قول ثم وإنما تمثيل وتصوير للمعنى» (1). # والمقصود من الآية الكريمة الاحتجاج على المشركين بمعرفتهم ربوبيته تعالى ~~معرفة فطرية لازمة لهم لزوم الإقرار منهم والشهادة. قال تعالى : ( @QUR@014 ~~فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ). # والفطرة هي معرفة ربوبيته سبحانه : # وقد وردت أحاديث كثيرة تشهد بأن الناس قد فطرهم الله تعالى على معرفته ، ~~ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن أبى هريرة قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : ما من مولود الا ويولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ~~ينصرانه أو يمجسانه ، كما تنتج البهيمة جمعاء أى سالمة الأذن هل تحسون فيها ~~من جدعاء أى مقطوعة الأذن. # وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~يقول الله تعالى إنى PageV05P432 # خلقت عبادي ms2281 حنفاء ، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم أى صرفتهم عن ~~دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم». # وروى الطبري عن الحسن الأسود بن سريع قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها فأبواها ~~يهودانها أو ينصرانها» ولذلك يتبين لنا أن المعنى الإجمالى للآية الكريمة ~~أن الله تعالى نصب للناس في كل شيء من مخلوقاته ومنها أنفسهم دلائل توحيده ~~وربوبيته ، وركز فيهم عقولا وبصائر يتمكنون بها تمكنا تاما من معرفته ~~والاستدلال بها على التوحيد والربوبية حتى صاروا بمنزلة من إذا دعى إلى ~~الإيمان بها سارع إليه بدون شك أو تردد. # فالكلام على سبيل المجاز التمثيلى لكون الناس قد فطرهم الله تعالى على ~~معرفته والإيمان به ، وجعلهم مستعدين جميعا للنظر المؤدى إلى الاعتراف ~~بوحدانيته ، ولا إخراج للذرية ولا قول ولا إشهاد بالفعل. # وعلى هذا الرأى سار المحققون من مفسري السلف والخلف : # ويرى بعض المفسرين أن معنى الآية الكريمة : أن الله تعالى مسح ظهر آدم ~~فأخرج منه ذريته كالذر ، وأحياهم وجعل لهم العقل والنطق ، وألهمهم ذلك ~~الإقرار ، ثم أعادهم إلى ظهر أبيهم آدم ، واستشهدوا لذلك بأحاديث وآثار ~~ليست صحيحة الاسناد ، وما حسن إسناده منها فقد أوله العلماء بما يتفق مع ~~منطوق الآية الكريمة. # وقد رد أصحاب الرأى الأول على هذا البعض بردود منها : أن الله تعالى قال ~~: ( @QUR@06 وإذ أخذ ربك من بني آدم ) ولم يقل من آدم ، وقال ( @QUR@02 من ~~ظهورهم ) ولم يقل من ظهره ، وقال ( @QUR@01 ذريتهم ) ولم يقل ذريته. قال ( ~~@QUR@03 إنما أشرك آباؤنا ) ولم يكن لهم يومئذ أب مشرك ، لأن آدم حاشاه من ~~الشرك بالله تعالى : # قال الإمام ابن كثير بعد أن ساق عددا كبيرا من الأحاديث في هذا المعنى : ~~ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف : إن المراد بهذا الاشهاد إنما هو فطرهم ~~على التوحيد كما تقدم في حديث أبى هريرة وعياض والأسود بن سريع وقد فسر ~~الحسن الآية بذلك» (1). # ثم بين سبحانه سبب الاشهاد وعلله فقال : ( @QUR@09 أن تقولوا يوم القيامة ~~إنا كنا عن هذا ms2282 غافلين ) أى : فعلنا ما فعلنا كراهة أن تقولوا ، أو منعا من ~~أن تقولوا يوم القيامة معتذرين عن شرككم : إنا كنا عن هذا الأمر وهو إفراد ~~الله تعالى بالربوبية غافلين لم ننبه إليه ، لأنهم PageV05P433 # ما داموا قد خلقوا على الفطرة ، ونصب الله لهم في كل شيء من مخلوقاته ما ~~يدل على وحدانيته ، وجاءتهم الرسل فبشرتهم وأنذرتهم. فقد بطل عذرهم ، وسقطت حجتهم. # ثم بين سبحانه سببا آخر لهذا الاشهاد فقال : ( @QUR@011 أو تقولوا إنما ~~أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ). # أى. وفعلنا ذلك أيضا منعا لكم من أن تقولوا يوم الحساب : إن آباءنا هم ~~الذين سنوا هذا الإشراك وساروا عليه فنحن قد اتبعناهم في ذلك بمقتضى أننا ~~أبناؤهم ، وننهج نهجهم من بعدهم ، فإن قولكم هذا غير مقبول بعد أن هيأ الله ~~لكم من الأسباب ما يفتح قلوبكم لنور الحق لو كنتم مستعدين لقبوله. # والاستفهام في قوله ( @QUR@04 أفتهلكنا بما فعل المبطلون ) للإنكار. أى : ~~أنت يا ربنا حكيم وعادل فهل تؤاخذنا بما فعل آباؤنا من الشرك وأسسوا من ~~الباطل أو بفعل آبائنا الذين أبطلوا تأثير العقول وأقوال الرسل؟ إنك يا ~~ربنا قد وعدت أنك لا تأخذ الأبناء بفعل الآباء ونحن قد سلكنا طريقهم والحجة ~~عليهم بما شرعوا لنا من الباطل فكيف تؤاخذنا؟. # والجواب على ذلك أن الإقرار بالربوبية والتوحيد هو في أصل فطرتكم فلم لم ~~ترجعوا إليه عند ما دعاكم رسولنا الكريم إلى وحدانية الله ونبذ الشركاء إن ~~انقيادكم للاباء بعد أن وهبكم الله العقول المفكرة ، وأرسل إليكم الرسل ~~مبشرين ومنذرين لن يعفيكم من المسئولية ، ولن ينقذكم من العذاب. # ثم قال تعالى ( @QUR@05 وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون ) أى : ومثل هذا ~~التفصيل البليغ نفصل لبنى آدم الآيات والدلائل ليستعملوا عقولهم ، ولعلهم ~~يرجعون إلى فطرتهم وما استكن فيها من ميثاق ، وإلى خلقتهم وما كمن فيها من ~~ناموس. فالرجوع إلى الفطرة القويمة كفيل بغرس عقيدة التوحيد في القلوب ، ~~وردها إلى بارئها الواحد القهار الذي فطرها على الحق ، وصرفها عن الجهل ~~والتقليد. # هذا ، وقد أخذ العلماء من ms2283 هذه الآيات أمورا من أهمها : # 1 فساد التقليد في الدين ، وأنه تعالى قد أزاح العذر ، وأزال العلل بحيث ~~أصبح لا يعذر أحد بكفره أو شركه. # 2 أن معرفته تعالى فطرية ضرورية. قال تعالى ( @QUR@08 ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن الله ). # وروى الترمذي عن عمران بن الحصين قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبى : ~~يا حصين كم إلها تعبد PageV05P434 # اليوم. قال أبى : سبعة ؛ ستة في الأرض وواحدا في السماء قال. فأيهم تعد ~~لرغبتك ورهبتك. قال : الذي في السماء. # فالله تعالى فطر الخلق كلهم على معرفة فطرة التوحيد ، حتى من خلق مجنونا ~~لا يفهم شيئا ما يحلف إلا به. ولا يلهج لسانه بأكثر من اسمه المقدس (1). # ثم ضرب سبحانه مثلا لمن لا يعمل بعلمه فقال تعالى : # ( @QUR@013 واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه ~~الشيطان فكان من الغاوين (175) @QUR@030 ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد ~~إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ~~ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون (176) ~~@QUR@09 ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون ) (177) # قال صاحب المنار : هذا مثل ضربه الله تعالى للمكذبين بآيات الله المنزلة ~~على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وهو مثل من آتاه الله آياته فكان عالما بها ~~حافظا لقواعدها وأحكامها قادرا على بيانها والجدل بها ، ولكنه لم يؤت العمل ~~مع العلم ، بل كان عمله مخالفا تمام المخالفة لعلمه فسلب هذه الآيات ، لأن ~~العلم الذي لا يعمل به لا يلبث أن يزول فأشبه الحية التي تنسلخ من جلدها ~~وتخرج منه وتتركه على الأرض ، أو كان في التباين بين علمه وعمله كالمنسلخ ~~من العلم التارك له ، كالثوب الخلق يلقيه صاحبه ، والثعبان يتجرد من جلده ~~حتى لا تبقى له به صلة على حد قول الشاعر : # خلقوا ، وما خلقوا لمكرمة %~% فكأنهم خلقوا وما خلقوا رزقوا ، وما رزقوا سماح يد %~% فكأنهم رزقوا وما رزقوا PageV05P435 # فحاصل معنى المثل : أن المكذبين بآيات الله المنزلة على رسوله مع إيضاحها ms2284 ~~بالحجج والدلائل كالعالم الذي حرم ثمرة الانتفاع من علمه ، لأن كلا منهما ~~لم ينظر في الآيات نظر تأمل واعتبار وإخلاص» (1). # وقوله تعالى ( @QUR@08 واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ) ~~أى : اقرأ على قومك يا محمد ليعتبروا ويتعظوا خبر ذلك الإنسان الذي آتيناه ~~آياتنا بأن علمناه إياه ، وفهمناه مراميها ، فانسلخ من تلك الآيات انسلاخ ~~الجلد من الشاة ، أو الحية من جلدها. # والمراد أنه خرج منه بالكلية بأن كفر بها ، ونبذها وراء ظهره ، ولم ينتفع ~~بما اشتملت عليه من عظات وإرشادات. # وحقيقة السلخ كشط الجلد وإزالته بالكلية عن المسلوخ عنه ، ويقال لكل شيء ~~فارق شيئا على أتم وجه انسلخ منه. وفي التعبير به ما لا يخفى من المبالغة ~~وقوله : ( @QUR@05 فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ) أى : فلحقه الشيطان ~~وأدركه فصار هذا الإنسان بسبب ذلك من زمرة الضالين الراسخين في الغواية ، ~~مع أنه قبل ذلك كان من المهتدين : # وفي التعبير بقوله ( @QUR@02 فأتبعه الشيطان ) مبالغة في ذم هذا الإنسان ~~وتحقيره ، جعل كأنه إمام للشيطان والشيطان يتبعه ، فهو على حد قول الشاعر : # وكان فتى من جند إبليس فارتقى %~% به الحال حتى صار إبليس من جنده # قال الجمل : أتبعه فيه وجهان : # أحدهما : أنه متعد لواحد بمعنى أدركه ولحقه ، وهو مبالغة في حقه حيث جعل ~~إماما للشيطان. # وثانيهما : أن يكون متعديا لاثنين لأنه منقول بالهمزة من تبع ، والمفعول ~~الثاني محذوف تقديره : فأتبعه الشيطان خطواته ، أى جعله تابعا لها : # وقوله ( @QUR@04 ولو شئنا لرفعناه بها ) كلام مستأنف مسوق لبيان ما ذكر ~~من الانسلاخ وما يتبعه. # والضمير في قوله ( @QUR@01 لرفعناه ) يعود إلى الشخص المعبر عنه بالاسم ~~الموصول ( @QUR@01 الذي ) والضمير في قوله ( @QUR@01 بها ) يعود إلى ~~الآيات. ومفعول المشيئة محذوف. # أى : ولو شئنا رفعه بسبب تلك الآيات إلى درجات الكمال والعرفان لرفعناه لأننا PageV05P436 # لا يستعصى على قدرتنا شيء ، ولكننا لم نفعل ذلك لأن سنتنا جرت أن نرفع من ~~عنده الاستعداد لذلك أما الذين استحبوا العمى على الهدى فنذرهم في ضلالهم ~~يعمهون. # وقد بين القرآن هذا المعنى في قوله : ( @QUR@06 ولكنه أخلد إلى الأرض ms2285 ~~واتبع هواه ) أخلد إلى الأرض : أى ركن إليها. وأصل الإخلاد اللزوم للمكان ~~من الخلود. # أى : ولو شئنا لرفعنا هذا الإنسان إلى منازل الأبرار بسبب تلك الآيات ~~ولكنه هو الذي ركن إلى الدنيا ، واطمأن بها ، واستحوذت بشهواتها على نفسه ، ~~واختار لنفسه طريق التسفل المنافى للرفعة ، واتبع هواه في ذلك فلم ينتفع ~~بشيء من الآيات التي آتيناه إياه. # أى : أن مقتضى هذه الآيات أن ترفع صاحبها إلى أعلى عليين ، ولكن هذا ~~المقتضى عارضه مانع وهو إخلاد من أوتى هذه الآيات إلى الأرض واتباعه للهوى ~~، فتغلب المانع على المقتضى ، فهو كما قال القائل : # قالوا فلان عالم فاضل %~% فأكرموه مثلما يقتضى فقلت : لما لم يكن عاملا %~% تعارض المانع والمقتضى # قال الآلوسى : وما ألطف نسبة إتيان الآيات والرفع إليه تعالى ونسبة ~~الانسلاخ والإخلاد إلى العبد ، مع أن الكل من الله تعالى ، إذ فيه من تعليم ~~العباد حسن الأدب ما فيه. ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم اللهم إن الخير ~~بيديك والشر ليس إليك» (1). # وقوله ( @QUR@010 فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ). # اللهث : إدلاع اللسان بالنفس الشديد. يقال : لهث الكلب يلهث كسمع ومنع ~~لهثا ولهاثا ، إذا أخرج لسانه في التنفس. # والمعنى : فمثل هذا الإنسان الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها وأصبح إيتاء ~~الآيات وعدمها بالنسبة له سواء ، مثله كمثل الكلب إن شددت عليه وأتبعته لهث ~~، وإن تركته على حاله لهث أيضا ، فهو دائم اللهث في الحالين. لأن اللهث ~~طبيعة فيه ، وكذلك حال الحريص على الدنيا ، المعرض عن الآيات بعد إيتائها ، ~~إن وعظته فهو لإيثاره الدنيا على الآخرة لا يقبل الوعظ ، وإن تركت وعظه فهو ~~حريص أيضا على الدنيا وشهواتها. # والإشارة في قوله ( @QUR@03 ذلك مثل القوم ) إلى وصف الكلب أو إلى ~~المنسلخ من الآيات ، أى : PageV05P437 # ذلك المثل البعيد الشأن في الغرابة مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا من ~~الجاحدين المستكبرين المنسلخين عن الهدى بعد أن كان في حوزتهم. # وقوله ( @QUR@04 فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ) أى : إذا ثبت ذلك ، فاقصص ~~على قومك أيها الرسول الكريم المقصوص عليك ms2286 من جهتنا لعلهم يتفكرون فينزجرون ~~عما هم عليه من الكفر والضلال. # والفاء في قوله ( @QUR@01 فاقصص ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها. والقصص ~~مصدر بمعنى اسم المفعول ، واللام فيه للعهد ، وجملة الترجي في محل نصب على ~~أنها حال من ضمير المخاطب أو في موضع المفعول له. أى فاقصص القصص راجيا ~~لتفكرهم ، أو رجاء لتفكرهم. # وقوله : ( @QUR@06 ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا ) استئناف مسوق ~~لبيان كمال قبحهم بعد البيان السابق. و ( @QUR@01 ساء ) بمعنى بئس وفاعلها ~~مضمر. و ( @QUR@01 مثلا ) تمييز مفسر له ، والمخصوص بالذم قوله تعالى ( ~~@QUR@04 القوم الذين كذبوا بآياتنا ). # أى : ساء مثلا مثل أولئك القوم الذين كذبوا بآياتنا حيث شبهوا بالكلاب ~~إما في استواء الحالتين في النقصان وأنهم ضالون وعظوا أم لم يوعظوا ، وإما ~~في الخسة ، فإن الكلاب لا همة لها إلا في تحصيل أكلة أو شهوة ، فمن خرج عن ~~خير الهدى والعلم وأقبل على هواه صار شبيها بالكلب ، وبئس المثل مثله ولهذا ~~ثبت في الصحيحين عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «ليس لنا ~~مثل السوء. العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه». # وقوله ( @QUR@03 وأنفسهم كانوا يظلمون ) معطوف على ( @QUR@01 كذبوا ) ~~داخل معه في حكم الصلة بمعنى أنهم جمعوا بين أمرين قبيحين : التكذيب وظلمهم ~~أنفسهم أو منقطع عنه بمعنى وما ظلموا إلا أنفسهم وحدها بارتكابهم تلك ~~الموبقات والخطيئات. فإن العقوبة لا تقع إلا عليهم لا على غيرهم. # هذا ، والذي ذهب إليه المحققون من العلماء أن هذه الآيات الكريمة المثل ~~فيها مضروب لكل إنسان أوتى علما ببعض آيات الله ، ولكنه لم يعمل بمقتضى ~~علمه ، بل كفر بها ونبذها وراء ظهره وصار هو والجاهل سواء. # وقيل : إن الآيات الكريمة واردة في شخص معين ، واختلفوا في هذا المعين. # فبعضهم قال إنها في أمية بن أبى الصلت ، فإنه كان قد قرأ الكتب ، وعلم أن ~~الله مرسل رسولا وتمنى أن يكون هو هذا الرسول ، فلما أرسل الله تعالى نبيه ~~محمدا صلى الله عليه وسلم حسده ومات كافرا. PageV05P438 # وبعضهم قال : نزلت في أبى عامر ms2287 الراهب الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم : ~~«الفاسق» كان يترهب في الجاهلية فلما جاء الإسلام خرج إلى الشام ، وأمر ~~المنافقين باتخاذ مسجد الضرار والشقاق. # وبعضهم قال : إنها في منافقي أهل الكتاب ، كانوا يعرفون صفة النبي ~~صلى الله عليه وسلم ومخرجه ، فلما بعثه الله تعالى كفروا به. # وبعضهم قال : إنها نزلت لتحكى قصة رجل من علماء اليهود اسمه بلعم ابن ~~باعوراء أوتى علم بعض كتب الله ثم انسلخ منها بأن كفر بها ونبذها بعد أن ~~رشاه اليهود. # والذي نراه أن الرأى الأول الذي عليه المحققون من المفسرين هو الراجح ، ~~وأن هؤلاء الذين ذكروا يندرجون تحته ، لأنه لم يرد نص صحيح يعين اسم الذي ~~وردت الآيات في حقه ، فوجب أن نحملها على أنها وارد في شأن كل من علم الحق ~~فأعرض عنه واتبع هواه. # ثم يعقب القرآن على هذا المثل ببيان أن الهداية والضلال من الله وأن هناك ~~أقواما من الجن والإنس قد خلقوا لجهنم بسبب إيثارهم طريق الشر على طريق ~~الخير قال تعالى : # ( @QUR@010 من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون (178) ~~@QUR@030 ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ~~ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل ~~أولئك هم الغافلون ) (179) # قوله ( @QUR@05 من يهد الله فهو المهتدي ) أى : من يوفقه الله تعالى إلى ~~سلوك طريق الهدى باستعمال عقله وحواسه بمقتضى سنة الفطرة فهو المهتدى حقا ، ~~الواصل إلى رضوان الله صدقا. # ( @QUR@05 ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ) أى : ومن يخذله سبحانه بالحرمان ~~من هذا التوفيق بسبب إيثاره السير في طريق الهوى والشيطان على طريق الهدى ~~والإيمان ، فأولئك هم الخاسرون لدنياهم وآخرتهم. # وأفرد سبحانه المهتدى في الجملة الأولى مراعاة للفظ ( @QUR@01 من )، ~~وجمع الخاسرين في الثانية مراعاة لمعناها فإنها من صيغ العموم. PageV05P439 # وحكمة إفراد المهتدى للإشارة إلى أن الحق واحد لا يتعدد ولا يتنوع ، ~~وحكمة جمع الثاني وهو قوله ( @QUR@01 الخاسرون ) للإشارة إلى تعدد أنواع ~~الضلال ، وتنوع وسائله وأساليبه. # وقوله ( @QUR@06 ولقد ذرأنا لجهنم ms2288 كثيرا من الجن ) كلام مستأنف مقرر ~~لمضمون ما قبله ومفصل له. و «الذرء» الخلق. يقال : ذرأ الله خلقه يذرؤهم ~~ذرءا ، أى : خلقهم. واللام في ( @QUR@01 لجهنم ) للعاقبة والصيرورة. # أى : ولقد خلقنا لدخول جهنم والتعذيب بها كثيرا من الجن والانس وهم ~~الكفار المعرضون عن الآيات وتدبرها ، الذين علم الله منهم أزلا اختيارهم ~~الكفر فشاءه منهم وخلقه فيهم وجعل مصيرهم النار لذلك. # ثم بين سبحانه صفاتهم التي أدت بهم إلى هذا المصير السيئ فقال. ( @QUR@05 ~~لهم قلوب لا يفقهون بها ) أى : لا يفقهون بها الآيات الهادية إلى الكمالات ~~مع أن دلائل الإيمان مبثوثة في ثنايا الكون تدركها القلوب المتفتحة ، ~~والبصائر المستنيرة. # وجملة ( @QUR@02 لهم قلوب ) في محل نصب صفة أخرى لقوله ( @QUR@01 كثيرا ) ~~وجملة ( @QUR@03 لا يفقهون بها ) في محل رفع صفة لقلوب. # وقوله ( @QUR@05 ولهم أعين لا يبصرون بها ) أى : لهم أعين لا يبصرون بها ~~ما في هذا الكون من براهين تشهد بوحدانية الله ، مع أنها معروضة للأبصار ~~مكشوفة للأنظار ، فهم كما قال تعالى ، ( @QUR@011 وكأين من آية في السماوات ~~والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ) فهم لهم أعين ترى وتبصر ولكن بدون ~~تأمل أو اعتبار ، فكأن وجودها وعدمه سواء. # وقوله ( @QUR@05 ولهم آذان لا يسمعون بها ) أى : لا يسمعون بها الآيات ~~والمواعظ سماع تدبر واتعاظ ، أى أنهم لا ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي ~~جعلها الله سببا للهداية. # قال صاحب الكشاف : «هم المطبوع على قلوبهم الذين علم الله أنه لا لطف لهم ~~: وجعلهم في أنهم لا يلقون أذهانهم إلى معرفة الحق ، ولا ينظرون بأعينهم ~~إلى ما خلق الله نظر اعتبار ، ولا يسمعون ما يتلى عليهم من آيات سماع تدبر ~~كأنهم عدموا فهم القلوب ، وإبصار العيون واستماع الآذان ، وجعلهم لإعراقهم ~~في الكفر وشدة شكائمهم فيه ، وأنه لا يأتى منهم إلا أفعال أهل النار ~~مخلوقين للنار ، دلالة على توغلهم في الموبقات ، وتوغلهم فيما يؤهلهم لدخول ~~النار» (1). PageV05P440 # وقوله ( @QUR@02 أولئك كالأنعام ) أى : أولئك الموصوفون بتلك الصفات ~~المذكورة كالأنعام السارحة التي لا تنتفع بشيء من هذه الجوارح التي جعلها ~~الله سببا للهداية. # وقوله ms2289 ( @QUR@03 بل هم أضل ) تنقيص لهم عن رتبة الأنعام ، أى : بل هم ~~أسوأ حالا من الأنعام ، إذ أن الأنعام ليس لها سوى الاستعدادات الفطرية ~~التي تهديها أما الإنسان فقد زود إلى جانب الفطرة بالقلب الواعي ، والعقل ~~المدرك ، والعين المبصرة ، وزود بالقدرة على اتباع الهدى أو اتباع الضلال ، ~~فإذا لم يفتح بصره وقلبه وسمعه على الحق فإنه يكون أضل من الأنعام الموكولة ~~إلى استعداداتها الفطرية. # وقوله ( @QUR@03 أولئك هم الغافلون ) أى أولئك المنعوتون بما ذكرهم ~~الكاملون في الغفلة عما فيه صلاحهم وخيرهم وسعادتهم ، بسبب استحواذ الهوى ~~والشيطان عليهم ولا يظلم ربك أحدا. # وبعد أن بين سبحانه حال المخلوقين لجهنم بسبب غفلتهم وإهمالهم لعقولهم ~~وحواسهم ، أعقبه ببيان العلاج الذي يشفى من ذلك ، وبالنهى عن اتباع ~~المائلين عن الحق فقال تعالى : # ( @QUR@014 ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه ~~سيجزون ما كانوا يعملون ) (180) # قال القرطبي : قوله تعالى ( @QUR@05 ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) ~~أمر بإخلاص العبادة لله تعالى ومجانبة الملحدين والمشركين. قال مقاتل وغيره ~~من المفسرين : نزلت الآية في رجل من المسلمين كان يقول في صلاته : يا رحمن ~~يا رحيم. فقال رجل من مشركي مكة : أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربا ~~واحدا فما بال هذا يدعو ربين اثنين؟ فنزلت» (1). # والأسماء : جمع اسم ، وهو اللفظ الدال على الذات فقط أو على الذات مع صفة ~~من صفاتها سواء كان مشتقا كالرحمن ، والرحيم ، أو مصدرا كالرب والسلام. # والحسنى : تأنيث الأحسن أفعل تفضيل ، ومعنى ذلك أنها أحسن الأسماء وأجلها ~~، لإنبائها عن أحسن المعاني وأشرفها. # والمعنى : ولله تعالى وحده جميع الأسماء الدالة على أحسن المعاني وأكمل ~~الصفات فادعوه أى سموه واذكروه ونادوه بها. PageV05P441 # روى الشيخان عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن لله ~~تسعة وتسعين اسما من حفظها دخل الجنة والله وتر يحب الوتر». # قال الآلوسى : والذي أراه أنه لا حصر لأسمائه عزت أسماؤه في التسعة ~~والتسعين ، ويدل على ذلك ما أخرجه البيهقي عن ابن مسعود قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه ms2290 وسلم «من أصابه هم أو حزن فليقل : اللهم إنى عبدك وابن ~~عبدك وابن أمتك ، ناصيتي في يدك ماضى فى حكمك ، عدل فى قضاؤك ، أسألك بكل ~~اسم هو لك سميت به نفسك ، أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحدا من خلقك أو ~~استأثرت به في علم الغيب عندك ، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وذهاب ~~همي وجلاء حزنى ... إلخ» فهذا الحديث صريح في عدم الحصر. # وحكى النووي اتفاق العلماء على ذلك وأن المقصود من الحديث الإخبار بأن ~~هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة ، وهو لا ينافي أن له تعالى أسماء ~~غيرها» (1). # ثم قال تعالى ( @QUR@09 وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا ~~يعملون ). # ذروا : فعل أمر لم يرد في اللغة استعمال ماضيه ولا مصدره ، وهو بمعنى ~~الترك والإهمال. # ويلحدون من الإلحاد وهو الميل والانحراف ، يقال : ألحد إلحادا إذا مال عن ~~القصد والاستقامة ، وألحد في دين الله : حاد عنه ؛ ومنه لحد القبر لأنه ~~يمال بحفره إلى جانبه بخلاف الضريح فإنه يحفر في وسطه. # والمعنى : ولله تعالى أشرف الأسماء وأجلها فسموه بها أيها المؤمنون ، ~~واتركوا جميع الذين يلحدون في أسمائه سبحانه بالميل بألفاظها أو معانيها عن ~~الحق من تحريف أو تأويل أو تشبيه أو تعطيل أو ما ينافي وصفها بالحسنى ~~اتركوا هؤلاء جميعا فإنهم سيلقون جزاء عملهم من الله رب العالمين. # ومن مظاهر إلحاد الملحدين في أسمائه تعالى تسمية أصنامهم بأسماء مشتقة ~~منها ، كاللات : من الله تعالى ، والعزى : من العزيز ، ومناة : من المنان ~~وتسميته تعالى بما بوهم معنى فاسدا ، كقولهم له سبحانه : يا أبيض الوجه ~~كذلك من مظاهر الإلحاد في أسمائه تعالى ، تسميته بما لم يسم به نفسه في ~~كتابه ، أو فيما صح من حديث رسوله ، إلى غير ذلك مما يفعله الجاهلون ~~والضالون. # ثم تمضى السورة الكريمة في هديها وتوجيهها فتفصل صنوف الخلق ، وتمدح من ~~يستحق المدح وتذم من يستحق الذم فتقول : PageV05P442 # ( @QUR@07 وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (181) @QUR@08 والذين ~~كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (182) @QUR@05 وأملي لهم إن كيدي ms2291 ~~متين (183) @QUR@011 أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين ~~(184) @QUR@022 أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء ~~وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون (185) @QUR@010 من ~~يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون (186) # وقوله ( @QUR@07 وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ) معطوف على قوله ~~( @QUR@02 ولقد ذرأنا ) قبل ذلك ، لأن كلتيهما تفصيل لإجمال قوله تعالى ( ~~@QUR@05 من يهد الله فهو المهتدي ). # أى : وممن خلقنا للجنة لأنه في مقابلة ( @QUR@03 ولقد ذرأنا لجهنم ) أمة ~~يهدون بالحق ، أى : يدعون إليه ويسيرون عليه ، وبه يعدلون أى : به يقضون ~~وينصفون الناس. # وقد وردت آثار تفيد أن المراد بهذه الأمة : الأمة المحمدية ففي الصحيحين ~~عن معاوية بن أبى سفيان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تزال ~~طائفة من أمتى على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعة ، وفي ~~رواية : «حتى يأمر الله وهم على ذلك» : # وقال قتادة : بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذا الآية يقول ~~: هذه لكم ، وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها. # وعن الربيع بن أنس في هذه الآية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ~~من أمتى قوما على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم متى ما نزل». # وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن الإجماع حجة في كل عصر ، وعلى ~~أنه لا يخلو عصر من مجتهد إلى قيام الساعة. # ثم ذكر سبحانه حال المكذبين فقال. ( @QUR@08 والذين كذبوا بآياتنا ~~سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ). PageV05P443 # الاستدراج : كما قال القرطبي هو الأخذ بالتدريج منزلة بعد منزلة. والدرج ~~لف الشيء ، يقال : أدرجته ودرجته. ومنه أدرج الميت في أكفانه. وقيل : هو من ~~الدرجة ، فالاستدراج أن يحط درجة بعد درجة إلى المقصود. قال الضحاك : كلما ~~جددوا لنا معصية جددنا لهم نعمة» (1). # وقال صاحب الكشاف : الاستدراج : استفعال من الدرجة بمعنى الاستصعاد أو ~~الاستنزال درجة بعد درجة ، ومنه : درج الصبى إذا قارب بين خطوه ، وأدرج ~~الكتاب. طواه شيئا بعد ms2292 شيء ، ودرج القوم : مات بعضهم في أثر بعض. ومعنى ( ~~@QUR@01 سنستدرجهم ) سنستدنيهم قليلا قليلا إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم. ( ~~@QUR@04 من حيث لا يعلمون ) ما يراد بهم. وذلك أن يواتر الله نعمه عليهم مع ~~انهماكهم في الغي ، فكلما جدد عليهم نعمة ، ازدادوا بطرا وجددوا معصية ، ~~فيتدرجون في المعاصي بسبب ترادف النعم ، ظانين أن متواترة النعم محبة من ~~الله وتقريب. وإنما هي خذلان منه وتبعيد ، فهو استدراج من الله تعالى نعوذ ~~بالله منه» (2). # وقد قيل : إذا رأيت الله تعالى أنعم على عبد وهو مقيم على معصيته فاعلم ~~أنه مستدرج. # وقوله : ( @QUR@05 وأملي لهم إن كيدي متين ) الإملاء : الإمداد في الزمن ~~والإمهال والتأخير ، مشتق من الملاوة والملوة ، وهي الطائفة الطويلة من ~~الزمن. والملوان : الليل والنهار. # ويقال : أملى له إذا أمهله طويلا ، وأملى للبعير : إذ أرخى له في الزمام ~~ووسع له في القيد ليتسع المرعى. # والكيد كالمكر ، وهو التدبير الذي يقصد به غير ظاهره بحيث ينخدع المكيد ~~له بمظهره فلا يفطن له حتى ينتهى إلى ما يسوءه من مخبره وغايته. وإضافته ~~إلى الله تعالى يحمل على المعنى اللائق به ، كإبطال مكر أعدائه أو إمدادهم ~~بالنعم ثم أخذهم بالعذاب. # ومتين : من المتانة بمعنى الشدة والقوة. ومنه المتن للظهر أو للحم ~~الغليظ. # والمعنى. والذين كذبوا بآياتنا سنستدنيهم قليلا قليلا إلى ما يهلكهم ~~ويضاعف عقابهم بكثرة النعم بين أيديهم ، حتى يفاجئهم الهلاك من حيث لا ~~يعلمون أن صنعنا هذا معهم هو لون من الاستدراج. وأمهل لهؤلاء المكذبين ~~المستدرجين في العمر ، وأمد لهم في أسباب الحياة الرغدة ، إن كيدي شديد ~~متين لا يدافع بقوة ولا بحيلة. وفي الحديث الشريف الذي رواه الشيخان عن أبى ~~موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «إن الله ليملى للظالم حتى إذا ~~أخذه لم يفلته». PageV05P444 # وقوله ( @QUR@02 وأملي لهم ) جوز بعضهم أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف أى : ~~وأنا أملى لهم. وقيل هو معطوف على قوله ( @QUR@01 سنستدرجهم ) وقيل هو ~~مستأنف. # ثم أمر سبحانه هؤلاء الظالمين بالتفكر والتدبر فقال : ( @QUR@011 أولم ~~يتفكروا ، ما بصاحبهم من جنة ، إن ms2293 هو إلا نذير مبين ). # الهمزة للإنكار والتوبيخ ، وهي داخلة على فعل حذف للعلم به من سياق القول ~~، والواو للعطف على مقدر يستدعيه المقام. # والجنة : مصدر كالجلسة بمعنى الجنون. وأصل الجن الستر عن الحاسة. # والمعنى : أكذب هؤلاء الظالمون رسولهم صلى الله عليه وسلم ولم يتفكروا في ~~أنه ليس به أى شيء من الجنون ، بل هو أكمل الناس عقلا ، وأسدهم رأيا ، ~~وأنقاهم نفسا. # والتعبير ( @QUR@01 بصاحبهم ) للإيذان بأن طول مصاحبتهم له مما يطلعهم ~~على نزاهته عما اتهموه به ، فهو صلى الله عليه وسلم قد لبث فيهم قبل الرسالة ~~أربعين سنة كانوا يلقبونه فيها بالصادق الأمين ، ويعرفون عنه أسمى ألوان ~~الإدراك السليم والتفكير المستقيم. # قال الجمل : وجملة «ما بصاحبهم من جنة» في محل نصب معمولة ليتفكروا فهو ~~عامل فيها محلا لا لفظا لوجود المعلق له عن العمل وهو ما النافية. # ويجوز أن يكون الكلام قد تم عند قوله ( @QUR@02 أولم يتفكروا ) ثم ابتدأ ~~كلاما آخر إما استفهام إنكار وإما نفيا. ويجوز أن تكون «ما» استفهامية في ~~محل الرفع بالابتداء والخبر بصاحبهم. والتقدير : أى شيء استقر بصاحبهم من ~~الجنون» (1). # وقوله ( @QUR@05 إن هو إلا نذير مبين ) بيان لوظيفته صلى الله عليه وسلم أى ~~: ليس بمجنون كما زعمتم أيها المشركون وإنما هو مبالغ في الإنذار ، مظهر له ~~غاية الإظهار. فهو لا يقصر في تخويفكم من سوء عاقبة التكذيب ، ولا يتهاون ~~في نصيحتكم وإرشادكم إلى ما يصلح من شأنكم. # ثم دعاهم القرآن إلى النظر والاستدلال العقلي فقال : ( @QUR@011 أولم ~~ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء ). # الملكوت : هو الملك العظيم زيدت فيه اللام والتاء للمبالغة كما في جبروت. # والجملة الكريمة مسوقة لتوبيخهم على إخلالهم بالتأمل في الآيات التكوينية ~~إثر تقريعهم على عدم تفكرهم في أمر نبيهم صلى الله عليه وسلم . PageV05P445 # أى : أكذبوا ولم يتفكروا في شأن رسولهم صلى الله عليه وسلم وما هو عليه من ~~كمال العقل ، ولم ينظروا نظر تأمل واعتبار واستدلال في ملكوت السموات من ~~الشمس والقمر والنجوم وغيرها ، وفي ملكوت الأرض من البحار والجبال ms2294 والدواب ~~وغيرها ، ولم ينظروا كذلك فيما خلق الله مما يقع عليه اسم الشيء من أجناس ~~لا يحصرها العدد ولا يحيط بها الوصف مما يشهد بأن لهذا الكون خالقا قادرا ~~هو المستحق وحده للعبادة والخضوع. # وقوله ( @QUR@02 من شيء ) بيان «لما» وفي ذلك تنبيه على أن الدلالة على ~~التوحيد غير مقصورة على السموات والأرض ، بل كل ذرة من ذرات العالم دليل ~~على توحيده. # وقوله : ( @QUR@07 وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم ) في محل جر معطوف على ~~ما قبله ، و ( @QUR@01 أن ) مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن ، وخبرها ~~عسى مع فاعلها الذي هو ( @QUR@02 أن يكون ). # والمعنى : أو لم ينظروا أيضا في اقتراب آجالهم ، وتوقع حلولها فيسارعوا ~~إلى طلب الحق والتوجه إلى ما ينجيهم قبل مفاجأة الموت لهم ونزول العذاب بهم ~~وهم في أتعس حال. # إنهم لو تفكروا في أمر رسولهم صلى الله عليه وسلم ولو نظروا فيما خلق الله ~~من مخلوقات بعين التدبر والاتعاظ ، لآمنوا وهدوا إلى صراط العزيز الحميد. # وقوله : ( @QUR@04 فبأي حديث بعده يؤمنون ) أى : إذا لم يؤمنوا بالقرآن ~~وهو أكمل كتب الله بيانا ، وأقواها برهانا ، فبأى كلام بعده يؤمنون؟. # والجملة الكريمة مسوقة للتعجب من أحوالهم. ولقطع أى أمل في إيمانهم لأنهم ~~ما داموا لم يؤمنوا بهذا الرسول المؤيد بالمعجزات ، وبهذا الكلام المعجز ~~الجامع لكل ما يفيد الهداية ، فأحرى بهم ألا يؤمنوا بغير ذلك. # ثم عقب القرآن على هذا التوبيخ والتهديد للمشركين بقوله : ( @QUR@010 من ~~يضلل الله فلا هادي له ، ويذرهم في طغيانهم يعمهون ). # أى : من يرد الله إضلاله بسبب اختياره للضلالة ، وصممه عن الاستماع للحق ~~فلا قدرة لأحد على هدايته ، وهو سبحانه يترك هؤلاء الضالين في طغيانهم ~~متحيرين مترددين. # ثم بينت السورة الكريمة أن أمر الساعة مرده إلى الله تعالى ، وأن ~~السائلين عن وقتها من الأحسن لهم أن يستعدوا لها بدل أن يكثروا من السؤال ~~عن زمن مجيئها فقالت : PageV05P446 # ( @QUR@037 يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا ~~يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة ms2295 يسئلونك ~~كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون (187) ~~@QUR@028 قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم ~~الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون ~~) (188) # قال الآلوسى : عن ابن عباس أن قوما من اليهود قالوا : يا محمد ، أخبرنا ~~متى الساعة إن كنت نبيا. إنا نعلم متى هي ، وكان ذلك امتحانا منهم ، مع ~~علمهم أن الله تعالى قد استأثر بعلمها. وأخرج ابن جرير عن قتادة أن جماعة ~~من قريش قالوا : يا محمد أسر إلينا متى الساعة لما بيننا وبينك من القرابة ~~فنزلت» (1). # وقوله : ( @QUR@05 يسئلونك عن الساعة أيان مرساها ) استئناف مسوق لبيان ~~بعض أنواع ضلالهم وطغيانهم. # والساعة في الأصل اسم لمدار قليل من الزمان غير معين ، وتطلق في عرف ~~الشرع على يوم القيامة وهو المراد بالسؤال هنا. # وأطلق على يوم القيامة ساعة إما لوقوعه بغتة ، أو لسرعة ما فيه من الحساب ~~، أو لأنه على طوله قدر يسير عند الله تعالى . # و ( @QUR@01 أيان ) ظرف زمان متضمن معنى متى. و ( @QUR@01 مرساها ) مصدر ~~ميمى من أرساها إذا أثبته وأقره ، ولا يكاد يستعمل الإرساء إلا في الشيء ~~الثقيل كما في قوله تعالى ( @QUR@02 والجبال أرساها ) ونسبته هنا إلى ~~الساعة باعتبار تشبيه المعاني بالأجسام. و ( @QUR@01 أيان ) خبر مقدم و ~~@QUR@01 مرساها ) مبتدأ مؤخر. PageV05P447 # والمعنى : يسألك يا محمد هؤلاء القوم عن الساعة قائلين أيان مرساها؟. # أى متى إرساؤها واستقرارها ، أو متى زمن مجيئها وحصولها؟. # وقوله ( @QUR@05 قل إنما علمها عند ربي ) جواب عن سؤالهم : أى : قل أيها ~~الرسول الكريم : علم الساعة أو علم قيامها عند ربي وحده ليس عندي ولا عند ~~غيرى من الخلق شيء منه. # والتعبير بإنما المفيد للحصر للاشعار بأنه سبحانه هو الذي استأثر بعلم ~~ذلك ولم يخبر أحدا به من ملك مقرب أو نبي مرسل. # وقوله ( @QUR@05 لا يجليها لوقتها إلا هو ) بيان لاستمرار إخفائها إلى ~~حين قيامها وإقناط كلى عن إظهار أمرها بطريق الإخبار. # والتجلية : الكشف والإظهار. يقال : جلى لي الأمر ms2296 وانجلى وجلاه تجلية ~~بمعنى : كشفه وأظهره أتم الإظهار. # والمعنى : لا يكشف الحجاب عن خفائها ، ولا يظهرها للناس في الوقت الذي ~~يختاره إلا الله وحده. # قال بعضهم : والسبب في إخفاء الساعة عن العباد لكي يكونوا دائما على حذر ~~، فيكون ذلك أدعى للطاعة وأزجر عن المعصية ، فإنه متى علمها المكلف ربما ~~تقاصر عن التوبة وأخرها. # ثم عظم سبحانه أمر الساعة فقال ( @QUR@04 ثقلت في السماوات والأرض ) أى : ~~كبرت أو شقت على أهلها لخوفهم من شدائدها وأهوالها وما فيها من محاسبة ~~ومجازاة ، وعن السدى : أن من خفى عليه علم شيء كان ثقيلا عليه. # أو المعنى : ثقلت عند الوقوع على نفس السموات حتى انشقت وانتثرت نجومها ~~وكورت شمسها ، وعلى نفس الأرض حتى سيرت جبالها ، وسجرت بحارها ، وقوله : ~~«لا تأتيكم إلا بغتة» أى : لا تأتيكم إلا فجأة وعلى حين غفلة من غير توقع ~~ولا انتظار. # وقد وردت أحاديث متعددة تؤيد وقوع الساعة فجأة ، ومنها ما رواه الشيخان ~~عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لتقومن الساعة وقد نشر ~~الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه. ولتقومن الساعة وقد ~~انصرف الرجل بلبن لقحته أى ناقته ذات اللبن فلا يطعمه ولتقومن الساعة وهو ~~يليط حوضه أى يطليه بالجص أو الطين فلا يسقى فيه. ولتقومن الساعة وقد رفع ~~أحدكم أكلته إلى فمه فلا يطعمها». # ثم قال تعالى ( @QUR@014 يسئلونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون ). PageV05P448 # أى : يسألونك يا محمد هذا السؤال كأنك حفى عنها أى : كأنك حفى عنها أى : ~~كأنك عالم بها. من حفى عن الشيء إذا بحث عن تعرف حاله بتتبع واستقصاء ومن ~~بحث عن شيء وسأل عنه استحكم علمه به ، وعدى ( @QUR@01 حفي ) بعن اعتبارا ~~لأصل معناه ، وهو السؤال والبحث. # قال صاحب الكشاف : ( @QUR@03 كأنك حفي عنها ) عالم بها. وحقيقته كأنك ~~بليغ في السؤال عنها ، لأن من بالغ في المسألة عن الشيء والتنقير عنه. ~~استحكم علمه فيه ورصن أى ثبت وتمكن ، وهذا التركيب معناه المبالغة ومنه ~~إحفاء الشارب ، واحتفاء ms2297 البقل ، استئصاله ، وأحفى في المسألة إذا ألحف أى ~~ألح وتشدد وحفى بفلان وتحفى به : بالغ في البر به .. وقيل : إن قريشا قالت ~~له إن بيننا وبينك قرابة فقل لنا متى الساعة؟ فقيل : يسألونك عنها كأنك حفى ~~تتحفى بهم فتختصهم بتعليم وقتها لأجل القرابة وتزوى علمها عن غيرهم ، ولو ~~أخبرت بوقتها لمصلحة عرفها الله في اخبارك به ، لكنت مبلغه للقريب والبعيد ~~من غير تخصيص ، كسائر ما أوحى إليك. # ثم قال : فإن قلت : لم كرر يسألونك وإنما علمها عند الله؟ قلت : للتأكيد ~~ولما جاء به من زيادة قوله ( @QUR@03 كأنك حفي عنها ) وعلى هذا تكرير ~~العلماء والحذاق» (1). # وقال صاحب الانتصاف : وفي هذا النوع من التكرير نكتة لا تلقى إلا في ~~الكتاب العزيز ، وهو أجل من أن يشارك فيها. وذاك أن المعهود في أمثال هذا ~~التكرار أن الكلام إذا بنى على مقصد واعترض في أثنائه عارض فأريد الرجوع ~~لتتميم المقصد الأول وقد بعد عهده ، طرى بذكر المقصد الأول لتتصل نهايته ~~ببدايته ، وقد تقدم لذلك في الكتاب العزيز أمثال ، وسيأتى ، وهذا منها فإنه ~~لما ابتدأ الكلام. بقوله «يسألونك عن الساعة أيان مرساها» ثم اعترض ذكر ~~الجواب المضمن في قوله ( @QUR@05 قل إنما علمها عند ربي ) إلى قوله ( ~~@QUR@01 بغتة ) أن يدمغ تتميم سؤالهم عنها بوجه من الإنكار عليهم ، وهو ~~المضمن في قوله ( @QUR@03 كأنك حفي عنها ) وهو شديد التعلق بالسؤال وقد بعد ~~عهده ، فطري ذكره تطرية عامة ، ولا تراه أبدا يطري إلا بنوع من الإجمال ~~كالتذكرة للأول مستغنى عن تفصيله بما تقدم. فمن ثم قيل ( @QUR@01 يسئلونك ) ~~ولم يذكر المسئول عنه وهو «الساعة» اكتفاء بما تقدم ، فلما كرر السؤال لهذه ~~الفائدة كرر الجواب أيضا مجملا فقال : ( @QUR@05 قل إنما علمها عند الله ) ~~ويلاحظ هذا في تلخيص الكلام بعد بسطه» (2). # هذا ، وإذا كان علم الساعة مرده إلى الله وحده ، فإن هناك نصوصا من ~~الكتاب والسنة تحدثت عن أماراتها وعلاماتها ، ومن ذلك قوله تعالى : PageV05P449 # ( @QUR@015 فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها. فأنى ~~لهم إذا جاءتهم ذكراهم ). # والأشراط : جمع شرط ms2298 بفتح الشين والراء وهي العلامات الدالة على قربها ، ~~وأعظم هذه العلامات بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إذ بها كمل الدين وما بعد ~~الكمال إلا الزوال. # وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : «بعثت أنا ~~والساعة كهاتين» ويفرج بين إصبعيه الوسطى والسبابة. # وفي حديث جبريل المشهور أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة ، فقال ~~له ما المسئول عنها بأعلم من السائل ، وسأخبرك عن أشراطها : # «إذا ولدت الأمة ربها أى سيدها ، وإذا تطاول رعاة الإبل في البنيان». # ومن علامات الساعة كما صرحت بذلك الأحاديث قبض العلم ، ففي الصحيحين عن ~~عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «إن الله لا يقبض ~~العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا ~~لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» ~~ومنها أى من علامات الساعة كثرة الزلازل ، وتقارب الزمان أى قلة البركة في ~~الوقت بحيث يمر الشهر كأنه أسبوع ، وظهور الفتن وكثرة الهرج أى القتل إلى ~~غير ذلك من العلامات التي وردت في الأحاديث النبوية ، وقد ساق بعض المفسرين ~~وعلى رأسهم ابن كثير جملة منها (1). # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس أن كل الأمور بيد ~~الله تعالى ، وأن علم الغيب كله مرجعه إليه سبحانه فقال : # ( @QUR@07 قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا ) أى : لا أملك لأجل نفسي جلب ~~نفع ما ولا دفع ضرر ما. # وقوله ( @QUR@01 لنفسي ) متعلق بأملك. أو بمحذوف وقع حالا من ( @QUR@01 ~~نفعا ) والمراد : لا أملك ذلك في وقت من الأوقات. # وقوله ( @QUR@04 إلا ما شاء الله ) استثناء متصل. أى لا أملك لنفسي نفعا ~~ولا ضرا في وقت من الأوقات إلا في وقت مشيئة الله بأن يمكنني من ذلك ، ~~فإننى حينئذ أملكه بمشيئته. # وقيل : الاستثناء منقطع ، أى لكن ما شاء الله من ذلك كائن. PageV05P450 # وقوله ( @QUR@010 ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء ) ~~أى : لكانت ms2299 حالي كما قال الزمخشري على خلاف ما هي عليه من استكثار الخير ، ~~واستغزار المنافع واجتناب السوء والمضار حتى لا يمسني شيء منها ولم أكن ~~غالبا مرة ومغلوبا أخرى في الحروب ، ورابحا وخاسرا في التجارات ومصيبا ~~ومخطئا في التدابير» (1). # قال الجمل : فان قلت : قد أخبر صلى الله عليه وسلم عن المغيبات وقد جاءت ~~أحاديث في الصحيح بذلك وهو من أعظم معجزاته فكيف نوفق بينه وبين قوله تعالى ~~( @QUR@04 ولو كنت أعلم الغيب ).. إلخ.؟ قلت : يحتمل أنه قاله على سبيل ~~التواضع والأدب ، والمعنى : لا أعلم الغيب إلا أن يطلعني الله عليه ويقدره لي. # ويحتمل أن يكون قال ذلك قبل أن يطلعه الله على علم الغيب. فلما أطلعه ~~الله أخبر به كما قال تعالى ( @QUR@012 عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا ~~إلا من ارتضى من رسول ) أو يكون خرج هذا الكلام مخرج الجواب عن سؤالهم ، ثم ~~بعد ذلك أظهره سبحانه على أشياء من المغيبات فأخبر عنها ليكون ذلك معجزة له ~~ودلالة على صحة نبوته (2). # ثم بين القرآن وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله ( @QUR@07 إن أنا ~~إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون ) أى : ما أنا إلا عبد أرسلنى الله نذيرا ~~وبشيرا ، وليس من مهمتى أو وظيفتي معرفة علم الغيب. # وقوله ( @QUR@02 لقوم يؤمنون ) يجوز أن يتعلق بقوله ( @QUR@02 نذير وبشير ~~) جميعا لأن المؤمنين هم الذين ينتفعون بالإنذار والتبشير ، ويجوز أن يتعلق ~~بقوله ( @QUR@01 بشير ) وحده ، وعليه يكون متعلق النذير محذوف أى : ~~للكافرين. وحذف للعلم به : # وبهذا الإعلان من جانب الرسول صلى الله عليه وسلم للناس عن وظيفته ، تتم ~~لعقيدة التوحيد الإسلامية كل خصائص التجريد المطلق من الشرك في أية صورة من ~~صوره ، وتنفرد الذات الإلهية بخصائص لا يشاركها فيها بشر ولو كان هذا البشر ~~محمدا صلى الله عليه وسلم فعند عتبة الغيب تقف الطاقة البشرية ، ويقف العلم ~~البشرى ، وتقف القدرة البشرية ، إذ علم الغيب إنما هو لله الذي لا يخفى ~~عليه شيء في الأرض ولا في السماء. # ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن مظاهر قدرة الله وأدلة ms2300 وحدانيته ، فذكرت ~~الناس بمبدأ نشأتهم ، وكيف أن بعضهم قد انحرف عن طريق التوحيد إلى طريق ~~الشرك ، وساقت ذلك في صورة القصة لضرب المثل من واقع الحياة فقالت : PageV05P451 # ( @QUR@029 هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما ~~تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا ~~صالحا لنكونن من الشاكرين (189) @QUR@012 فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء ~~فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون ) (190) # قوله تعالى ( @QUR@011 هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن ~~إليها ) استئناف مسوق لبيان ما يقتضى التوحيد الذي هو المقصد الأعظم. # أى. إن الذي يستحق العبادة والخضوع ، والذي عنده مفاتح الغيب هو الله ~~الذي خلقكم من نفس واحدة هي نفس أبيكم آدم ، وجعل من نوع هذه النفس وجنسها ~~زوجها حواء ، ثم انتشر الناس منهما بعد ذلك كما قال تعالى ( @QUR@018 يا ~~أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما ~~رجالا كثيرا ونساء ). # وقوله ( @QUR@02 ليسكن إليها ) أى : ليطمئن إليها ويميل ولا ينفر ، لأن ~~الجنس إلى الجنس أميل وبه آنس. وإذا كانت بعضا منه كان السكون والمحبة أبلغ ~~، كما يسكن الإنسان إلى ولده ويحبه محبة نفسه لكونه بضعة منه. # فالأصل في الحياة الزوجية هو السكن والاطمئنان والأنس والاستقرار وهذه ~~نظرة الإسلام إلى تلك الحياة قال تعالى ( @QUR@014 ومن آياته أن خلق لكم من ~~أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ). # والضمير المستكن في ( @QUR@01 ليسكن ) يعود إلى النفس ، وكان الظاهر ~~تأنيثه لأن النفس من المؤنثات السماعية ولذا أنثت صفتها وهي قوله ( @QUR@01 ~~واحدة ) إلا أنه جاء مذكرا هنا باعتبار أن المراد من النفس هنا آدم ~~عليه السلام «ولو أنث على حسب الظاهر لتوهم نسبة السكون إلى الأنثى ، فكان ~~التذكير كما يقول الزمخشري أحسن طباقا للمعنى. # وقوله ( @QUR@07 فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به ). PageV05P452 # الغشاء : غطاء الشيء الذي يستره من فوقه ، والغاشية ؛ الظلة التي تظل ~~الإنسان من سحابة أو غيرها. والتغشى كناية عن الجماع. أى فلما تغشى الزوج ~~الذي هو ms2301 الذكر الزوجة التي هي الأنثى وتدثرها لقضاء شهوتهما ( @QUR@03 حملت ~~حملا خفيفا ). أى : حملت منه محمولا خفيفا وهو الجنين في أول حملة لا تجد ~~المرأة له ثقلا لأنه يكون نطفة ثم مضغة ، ولا ثقل له يذكر في تلك الأحوال ( ~~@QUR@02 فمرت به ) أى : فمضت به إلى وقت ميلاده من غير نقصان ولا إسقاط. أو ~~المعنى : فاستمرت به كما كانت من قبل حيث قامت وقعدت وأخذت وتركت من غير ~~مشقة وتلك هي المرحلة الأولى من مراحل الحمل. # وتأمل معى أيها القارئ الكريم مرة أخرى قوله تعالى : ( @QUR@05 فلما ~~تغشاها حملت حملا خفيفا ) لترى سمو القرآن في تعبيره ، وأدبه في عرض ~~الحقائق. إن أسلوبه يلطف ويدق عند تصوير العلاقة بين الزوجين ، فهو يسوقها ~~عن طريق كناية بديعة تتناسب مع جو السكن والمودة بين الزوجين وتتسق مع جو ~~الستر الذي تدعو إليه الشريعة الإسلامية عند المباشرة بين الرجل والمرأة ، ~~ولا نجد كلمة تؤدى هذه المعاني أفضل من كلمة ( @QUR@01 تغشاها ). # ثم تأتى المرحلة الثانية من مراحل الحمل فيعبر عنها القرآن بقوله : ( ~~@QUR@011 فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين ). # أى : فحين صارت ذات ثقل يسبب نمو الحمل في بطنها ، فالهمزة للصيرورة ~~كقولهم : أتمر فلان وألبن أى : صار ذا تمر ولبن. # أى : وحين صارت الأم كذلك وتبين الحمل ، وتعلق به قلب الزوجين ، توجها ~~إلى ربهما يدعوانه بضراعة وطمع بقولهما : ( @QUR@03 لئن آتيتنا صالحا ) أى ~~لئن أعطيتنا نسلا سويا تام الخلقة ، يصلح للأعمال الإنسانية النافعة ( ~~@QUR@03 لنكونن من الشاكرين ) لك على نعمائك التي من أجلها هذه النعمة ~~واستجاب الله للزوجين دعاءهما ، فرزقهما الولد الصالح فماذا كانت النتيجة؟. # لقد كانت النتيجة عدم الوفاء لله فيما عاهداه عليه ، ويحكى القرآن ذلك ~~فيقول : ( @QUR@08 فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما ) أى : ~~فحين أعطاهما سبحانه الولد الصالح الذي كانا يتمنيانه ، جعلا لله تعالى ~~شركاء في هذا العطاء ، وأخلا بالشكر في مقابلة هذه النعمة أسوأ إخلال ، حيث ~~نسبوا هذا العطاء إلى الأصنام والأوثان ، أو إلى الطبيعة كما يزعم الطبعيون ~~أو إلى غير ms2302 ذلك مما يتنافى مع إفراد الله تعالى بالعبادة والشكر. # وقوله ( @QUR@04 فتعالى الله عما يشركون ) تنزيه فيه معنى التعجب من ~~أحوالهم. أى : تنزه سبحانه وتقدس عن شرك هؤلاء الأغبياء الجاحدين الذين ~~يقابلون نعم الله بالإشراك والكفران. PageV05P453 # والضمير في ( @QUR@01 يشركون ) يعود على أولئك الآباء الذين جعلوا لله ~~شركاء : هذا والمحققون من العلماء يرون أن هاتين الآيتين قد سيقتا توبيخا ~~للمشركين حيث إن الله تعالى أنعم عليهم بخلقهم من نفس واحدة ، وجعل أزواجهم ~~من أنفسهم ليأنسوا بهن ، وأعطاهم الذرية ، وأخذ عليهم العهود بشكره على هذه ~~النعم ، ولكنهم جحدوا نعمه وأشركوا معه في العبادة والشكر آلهة أخرى ( ~~@QUR@04 فتعالى الله عما يشركون ). # ويرى بعض المفسرين أن المراد بهذا السياق آدم وحواء ، واستدلوا على ذلك ~~بما رواه الإمام أحمد بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «لما طاف بها ~~إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال لها سميه عبد الحارث فإنه يعيش فسمته عبد ~~الحارث فعاش ، وكان ذلك من وحى الشيطان وأمره. # وقد أثبت ابن كثير في تفسيره ضعف هذا الحديث من عدة وجوه ، ثم قال : قال ~~الحسن : عنى الله تعالى بهذه الآية ذرية آدم ومن أشرك منهم بعده ، وقال ~~قتادة : كان الحسن يقول : هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادا فهودوا ~~ونصروا. قال ابن كثير : وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية ، ~~ونحن على مذهب الحسن البصري في هذا ، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم ~~وحواء وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته ، ولهذا قال : ( @QUR@04 ~~فتعالى الله عما يشركون ) (1). # وقال صاحب الانتصاف : والأسلم والأقرب أن يكون المراد والله أعلم جنسى ~~الذكر والأنثى لا يقصد فيه إلى معين. وكأن المعنى خلقكم جنسا واحدا ، وجعل ~~أزواجكم منكم أيضا لتسكنوا إليهن ، فلما تغشى الجنس الذي هو الذكر ، الجنس ~~الآخر الذي هو الأنثى جرى من هذين الجنسين كيت وكيت. وإنما نسب هذه المقالة ~~إلى الجنس وإن كان فيهم الموحدون على حد قولهم : «بنو فلان قتلوا قتيلا» ~~يعنى من نسبة البعض إلى الكل (2). # والذي نراه أن الآيتين ms2303 واردتان في توبيخ المشركين على شركهم ونقضهم ~~لعهودهم مع الله تعالى لأن الأحاديث والآثار التي وردت في أنهما وردتا في ~~شأن آدم وحواء لتسميتهما ابنهما بعبد الحارث اتباعا لوسوسة الشيطان لهما ~~ليست صحيحة ، كما أثبت ذلك علماء الحديث. # ثم أخذت السورة بعد ذلك في توبيخ المشركين ، وفي إبطال شركهم بأسلوب ~~منطقي حكيم فقالت : PageV05P454 # ( @QUR@07 أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون (191) @QUR@07 ولا ~~يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون (192) @QUR@012 وإن تدعوهم إلى الهدى ~~لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون (193) @QUR@014 إن الذين ~~تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ~~(194) @QUR@026 ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين ~~يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون ~~(195) @QUR@09 إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين (196) ~~@QUR@010 والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون (197) ~~@QUR@012 وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ~~) (198) # قوله تعالى ( @QUR@07 أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون ) أى : أيشركون ~~به تعالى وهو الخالق لهم ولكل شيء ، ما لا يخلق شيئا من الأشياء مهما يكن ~~حقيرا ، بل إن هذه الأصنام التي تعبد من دون الله مخلوقة ومصنوعة ، فكيف ~~يليق بسليم العقل أن يجعل المخلوق العاجز شريكا للخالق القادر. # والاستفهام للإنكار والتجهيل. والمراد بما في قوله ( @QUR@04 ما لا يخلق ~~شيئا ) أصنامهم ، ورجع الضمير إليها مفردا لرعاية لفظها ، كما أن إرجاع ~~ضمير الجمع إليها في قوله ( @QUR@02 وهم يخلقون ) لرعاية معناها. # وجاء بضمير العقلاء في ( @QUR@01 يخلقون ) مسايرة لهم في اعتقادهم أنها ~~تضر وتنفع. PageV05P455 # ثم قال تعالى : ( @QUR@07 ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون ) أى ~~: أن هذه الأصنام فضلا عن كونها مخلوقة ، فإنها لا تستطيع أن تجلب لعابديها ~~نصرا على أعدائهم ، بل إنها لا تستطيع أن تدفع عن نفسها شرا ، ومن هذه صفته ~~كيف يعبد من دون الله؟ قال تعالى ( @QUR@022 إن الذين تدعون من دون الله لن ~~يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ، وإن ms2304 يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف ~~الطالب والمطلوب ). # ثم بين سبحانه عجز الأصنام عما هو أدنى من النصر المنفي عنهم وأيسر وهو ~~مجرد الدلالة على المطلوب من غير تحصيله للطالب فقال : ( @QUR@06 وإن ~~تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم ) أى : وإن تدعو أيها المشركون هذه الأصنام ~~إلى الهدى والرشاد لا يتبعوكم ، أى أنهم لا ينفعوكم بشيء ولا ينتفعون منكم بشيء. # وقوله ( @QUR@06 سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون ) استئناف مقرر ~~لمضمون ما قبله. # أى : مستو عندكم دعاؤكم إياهم وبقاؤكم على صمتكم ، فإنه لا يتغير حالكم ~~في الحالين ، كما لا يتغير حالهم بحكم أنهم جماد. # ثم مضى القرآن في دعوته إياهم إلى التدبر والتعقل فقال : ( @QUR@08 إن ~~الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم ). # أى : إن هذه الأصناف التي تعبدونها من دون الله ، أو تنادونها لدفع الضر ~~أو جلب النفع ( @QUR@02 عباد أمثالكم ) أى : مماثلة لكم في كونها مملوكة ~~لله مسخرة مذللة لقدرته كما أنكم أنتم كذلك فكيف تعبدونها أو تنادونها؟. # وأطلق عليها لفظ ( @QUR@01 عباد ) مع أنها جماد وفق اعتقادهم فيها تبكيتا ~~لهم وتوبيخا. # وقوله ( @QUR@03 فادعوهم فليستجيبوا لكم ) تحقيق لمضمون ما قبله بتعجيزهم ~~وتبكيتهم أى : فادعوهم في رفع ما يصيبكم من ضر ، أو في جلب ما أنتم في حاجة ~~إليه من نفع ( @QUR@03 إن كنتم صادقين ) في زعمكم أن هذه الأصنام قادرة على ذلك. # ثم تابع القرآن تقريعه لهذه الأصنام وعابديها فقال : ( @QUR@019 ألهم ~~أرجل يمشون بها ، أم لهم أيد يبطشون بها ، أم لهم أعين يبصرون بها ، أم لهم ~~آذان يسمعون بها ). # الاستفهام للإنكار ، والمعنى : أن هذه الأصنام التي تزعمون أنها تقربكم ~~إلى الله زلفى هي أقل منكم مستوى لفقدها الحواس التي هي مناط الكسب إنها ~~ليس لها أرجل تسعى بها إلى دفع ضر أو جلب نفع ؛ وليس لها أيد : تبطش بها أى ~~تأخذ بها ما تريد أخذه ، وليس لها أعين تبصر بها شئونكم وأحوالكم وليس لها ~~آذان تسمع بها أقوالكم ، وتعرف بواسطتها مطالبكم ، فأنتم PageV05P456 # أيها الناس تفضلون هذه الأصنام بما منحكم الله تعالى من حواس السمع ms2305 ~~والبصر وغيرها فكيف يعبد الفاضل المفضول ، وكيف ينقاد الأقوى للأضعف؟. # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يناصبهم الحجة وان يكرر ~~عليهم التوبيخ فقال : ( @QUR@07 قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون ) أى ~~: قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الذين هبطوا بعقولهم إلى أحط المستويات ~~نادوا شركاءكم الذين زعمتموهم أولياء ثم تعاونوا أنتم وهم على كيدي وإلحاق ~~الضر بي من غير انتظار أو إمهال ، فإنى أنا معتز بالله ، وملتجئ إلى حماه ~~ومن كان كذلك فلن يخشى شيئا من المخلوقين جميعا. # وهذا نهاية التحدي من جانب الرسول صلى الله عليه وسلم لهم والحط من شأنهم ~~وشأن آلهتهم. # ثم بين لهم الأسباب التي دعته إلى تحديهم وتبكيتهم فقال ( @QUR@09 إن ~~وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ). # أى : قل يا محمد لهؤلاء الضالين إننى ما تحديتكم وطلبت كيدكم وكيد ~~أصنامكم إن كنتم أنتم وهم تقدرون على ذلك على سبيل الفرض إلا لأنى معتز ~~بالله وحده ، فهو ناصري ومتولى أمرى ، وهو الذي نزل هذا القرآن لأخرجكم به ~~من الظلمات إلى النور ، وقد جرت سنته سبحانه أن يتولى الصالحين وأن يجعل ~~العاقبة لهم. # قال الحسن البصري : إن المشركين كانوا يخوفون الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بآلهتهم فقال تعالى ( @QUR@03 قل ادعوا شركاءكم ) الآية ليظهر لكم أنه لا ~~قدرة لها على إيصال المضار إلى بوجه من الوجوه. وهذا كما قال هود ~~عليه السلام لقومه ردا على قولهم. ( @QUR@023 إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا ~~بسوء قال : إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون. من دونه فكيدوني ~~جميعا ثم لا تنظرون ). # ثم قال تعالى ( @QUR@010 والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا ~~أنفسهم ينصرون ) أى : والذين تعبدونهم من دون الله أو تنادونهم لدفع الضر ~~أو جلب النفع لا يستطيعون نصركم في أى أمر من الأمور ، وفضلا عن ذلك فهم لا ~~يستطيعون رفع الأذى عن أنفسهم إذا ما اعتدى عليهم معتد. # ثم قال تعالى ( @QUR@04 وإن تدعوهم إلى الهدى ) أى : إلى أن يرشدوكم إلى ~~ما تحصلون به مقاصدكم ms2306 من النصر على الأعداء أو غير ذلك ( @QUR@02 لا يسمعوا ~~) أى : لا يسمعوا شيئا مما تطلبونه منهم ، ولو سمعوا على سبيل الفرض ما ~~استجابوا لكم لعجزهم عن فعل أى شيء. # وقوله ( @QUR@06 وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ) بيان لعجزهم عن ~~الإبصار بعد بيان عجزهم عن السمع ، أى : وترى هذه الأصنام كأنها تنظر إليك ~~بواسطة تلك العيون الصناعية PageV05P457 # التي ركبت فيها ولكنها في الواقع لا تبصر لخلوها من الحياة. # وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة قد وبخت المشركين وآلهتهم أعظم توبيخ ، ~~وأثبتت بالأدلة المنطقية الحكيمة ، وبوسائل الحس والمشاهدة أن هذه الأصنام ~~لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا ، وأن الذين قالوا في شأنها ( @QUR@07 ما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) هم قوم غافلون جاهلون ، قد هبطوا ~~بعقولهم إلى أحيط الدركات ، لأنهم يتقربون إلى الله زلفى عن طريق ما لا ~~يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنهم شيئا ، بل لا يستطيع أن يدفع الأذى عن نفسه. # وفي الوقت نفسه فالآيات دعوة قوية لكل عاقل إلى أن يجعل عبادته وخضوعه ~~لله الواحد. القهار. # ثم تتجه السورة الكريمة بعد ذلك إلى شخص الرسول صلى الله عليه وسلم فترسم له ~~ولكل عاقل طريق معاملته للخلق على وجه يقيه شر الحرج والضيق فتقول. # ( @QUR@07 خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ) (199) # العفو : يطلق في اللغة على خالص الشيء وجيده ، وعلى الفضل الزائد فيه ، ~~وعلى السهل الذي لا كلفة فيه. # أى : خذ ما عفا وسهل وتيسر من أخلاق الناس ، وارض منهم بما تيسر من ~~أعمالهم وتسهل من غير كلفة. ولا تطلب منهم ما يشق عليهم ويرهقهم حتى لا ~~ينفروا ، وكن لينا رفيقا في معاملة أتباعك ، فإنك ( @QUR@08 لو كنت فظا ~~غليظ القلب لانفضوا من حولك ) ( @QUR@02 وأمر بالعرف ) أى : مر غيرك ~~بالمعروف المستحسن من الأفعال ، وهو كل ما عرف حسنه في الشرع ، فإن ذلك ~~أجدر بالقبول من غير نكير ، فإن النفوس حين تتعود الخير الواضح الذي لا ~~يحتاج إلى مناقشة وجدال ، يسلس قيادها ، ويسهل توجيهها. # ( @QUR@03 وأعرض عن الجاهلين ) الذين لا يدركون قيم الأشياء والأشخاص ms2307 ~~والكلمات فيما يبدر منهم من أنواع السفاهة والإيذاء لأن الرد على أمثال ~~هؤلاء ومناقشتهم لا تؤدى إلى خير ، ولا تنتهي إلى نتيجة. والسكوت عنهم ~~احتزام للنفس ، واحترام للقول ، وقد يؤدى الإعراض عنهم إلى تذليل نفوسهم ~~وترويضها. # وهذه الآية على قصرها تشتمل كما قال العلماء على مكارم الأخلاق فيما ~~يتعلق بمعاملة الإنسان لأخيه الإنسان ، وهي طريق قويم لكل ما تطلبه ~~الإنسانية الفاضلة لأبنائها الأبرار ، وقد جاءت في أعقاب حديث طويل عن أدلة ~~وحدانية الله تعالى وأبطال الشرك والشركاء ، لكي PageV05P458 # تبين للناس في كل زمان ومكان أن التحلي بمكارم الأخلاق إنما هو نتيجة ~~لإخلاص العبادة لله الواحد الأحد ، الفرد الصمد. # قال القرطبي : هذه الآية من ثلاث كلمات ، تضمنت قواعد الشريعة في ~~المأمورات والمنهيات. # فقوله ( @QUR@02 خذ العفو ) دخل فيه صلة القاطعين والعفو عن المذنبين ، ~~والرفق بالمؤمنين ، وغير ذلك من أخلاق المطيعين. ودخل في قوله ( @QUR@02 ~~وأمر بالعرف ) صلة الأرحام ، وتقوى الله في الحلال والحرام ، وغض الأبصار ، ~~والاستعداد لدار القرار. # وفي قوله ( @QUR@03 وأعرض عن الجاهلين ) الحض على التعلق بالعلم ، ~~والإعراض عن أهل الظلم ، والتنزه عن منازعة السفهاء ، ومساواة الجهلة ~~الأغنياء ، وغير ذلك من الأخلاق المجيدة والأفعال الرشيدة» (1). # ثم يرشد القرآن المسلمين في شخص الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى ما ~~يهدئ غضبهم ويطفئ ثورتهم فيقول : # ( @QUR@010 وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم (200) ~~@QUR@012 إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ~~(201) @QUR@07 وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون ) (202) # النزغ والنخس والغرز بمعنى واحد ، وهو إدخال الإبرة أو طرف العصا ونحوها ~~في الجلد. # أى : وإن تعرض لك من الشيطان وسوسة تثير غضبك ، وتحملك على خلاف ما أمرت ~~به من أخذ العفو والأمر بالمعروف والإعراض عن الجاهلين ، فالتجئ إلى الله ، ~~واستعذ بحماه ، فإنه سبحانه سميع لدعائك ، عليم بكل أحوالك. وهو وحده ~~الكفيل بصرف وسوسة الشياطين عنك ، وصيانتك من همزاتهم ونزغاتهم. PageV05P459 # ثم بين سبحانه حالة المتقين فقال ( @QUR@09 إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف ~~من الشيطان تذكروا ). # طائف من الطواف والطواف بالشيء ms2308 أى : الاستدارة به أو حوله. يقال : طاف ~~بالشيء إذا دار حوله. والمراد به هنا وسوسة الشيطان وهمزاته. # أى : إن الذين اتقوا الله تعالى وصانوا أنفسهم عن كل ما يغضبه إذا مسهم ~~شيء من وسوسة الشيطان ونزغاته التي تلهيهم عن طاعة الله ومراقبته ( @QUR@01 ~~تذكروا ) أى : تذكروا أن المس إنما هو من عدوهم الشيطان فعادوا سريعا إلى ~~طاعة الله ، وإلى خوف مقامه ونهوا أنفسهم عن اتباع همزات الشياطين. # والجملة الكريمة مستأنفة مقررة لما قبلها من الأمر ببيان أن الاستعاذة ~~سنة مسلوكة للمتقين ، وأن الإخلال بها من طبيعة الضالين. # وفي قوله ( @QUR@03 إذا مسهم طائف ) إشعار بعلو منزلتهم ، وقوة إيمانهم ، ~~وسلامة يقينهم لأنهم بمجرد أن تطوف بهم وساوس الشيطان أو بمجرد أن يمسهم ~~شيء منه فإنهم يتذكرون عداوته ، فيرجعون سريعا إلى حمى ربهم يستجيرون به ~~ويتوبون إليه. # وفي التعبير عن الوسوسة بالطائف إشعار بأنها وإن مست هؤلاء المتقين فإنها ~~لا تؤثر فيهم ، لأنها كأنها طافت حولهم دون أن تصل إليهم. # وقوله ( @QUR@03 فإذا هم مبصرون ) أى : فإذا هم مبصرون مواقع الخطأ ، ~~وخطوات الشيطان ، فينتهون عنها. # وفي هذه الآية الكريمة ما يهدى العقول ، ويطب النفوس ، إذ هي تبين لنا أن ~~مس الشيطان قد يغلق بصيرة الإنسان عن كل خير ، ولكن التقوى هي التي تفتح ~~هذه البصيرة ، وهي التي تجعل الإنسان دائما يقظا متذكرا لما أمره الله به ~~أو نهاه عنه ، فينتصر بذلك على وساوس الشيطان وهمزاته وتبقى لهم بصيرتهم ~~على أحسن ما تكون صفاء ونقاء وكشفا. # أما الذين لم يتقوا الله ، ولم يلجئوا إلى حماه ، ولم يخالفوا الشيطان ~~فقد عبر عنهم القرآن بقوله : ( @QUR@07 وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا ~~يقصرون ). # يمدونهم من المد ، وهو الزيادة يقال : مده يمده أى : زاده. والغي : ~~الضلال ، مصدر غوى يغوى غيا وغواية. # أى : وإخوان الشياطين من المشركين والغافلين تزيدهم الشياطين من الضلال ~~عن طريق الوسوسة والإغراء بارتكاب المعاصي والموبقات ( @QUR@03 ثم لا ~~يقصرون ) أى : ثم لا يكف هؤلاء PageV05P460 # الشياطين عن إمداد أوليائهم من الإنس بألوان الشرور والآثام حتى يهلكوهم. ~~ويجوز أن يعود ms2309 الضمير لإخوانهم : أى ثم لا يكف هؤلاء الناس عن الغي والضلال ~~مهما وعظهم الواعظون وأرشدهم المرشدون. # و ( @QUR@01 يقصرون ) من أقصر عن الشيء إذا كف عنه ونزع مع القدرة عليه. # ثم بين سبحانه لونا من ألوان غوايتهم وضلالهم فقال : # ( @QUR@024 وإذا لم تأتهم بآية قالوا لو لا اجتبيتها قل إنما أتبع ما ~~يوحى إلي من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) (203) # الاجتباء : افتعال من الجباية بمعنى الجمع ، يقال : جبيت الماء في الحوض ~~أى جمعته ، ومنه قيل للحوض جابية : # والمعنى : وإذا لم تأت أيها الرسول هؤلاء المشركين بآية من القرآن وتراخى ~~الوحى بنزولها ، أو بآية مما اقترحوه عليك من الآيات الكونية ، إذا لم تفعل ~~ذلك قالوا لك بجهالة وسفاهة ( @QUR@03 لو لا اجتبيتها ) أى : هلا جمعتها من ~~عند نفسك واخترعتها اختراعا بعقلك ، أو هلا ألححت في الطلب على ربك ليعطيك ~~إياها ويجمعها لك. # قل لهم يا محمد على سبيل التبكيت ردا على تهكمهم بك ( @QUR@07 إنما أتبع ~~ما يوحى إلي من ربي ) أى إنما أنا متبع لا مبتدع فما يوحيه الله إلى من ~~الآيات أنا أبلغه إليكم بدون تغيير أو تبديل. # ثم أرشدهم سبحانه إلى أن هذا القرآن هو أعظم المعجزات ، وأبين الدلالات ~~وأصدق الحجج والبينات فقال : ( @QUR@08 هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون ). # أى : هذا القرآن بمنزلة البصائر للقلوب ، به تبصر الحق. وتدرك الصواب وهو ~~هداية لكم من الضلالة ، ورحمة من العذاب لقوم يؤمنون به ، ويعملون ~~بإرشاداته ووصاياه. # وكما افتتحت السورة بالثناء على القرآن ( @QUR@013 كتاب أنزل إليك فلا ~~يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين ) فقد اتجهت في أواخرها إلى ~~أمر الناس بحسن الاستماع إلى هذا القرآن ، وإلى تدبره والعمل به فقالت : PageV05P461 # ( @QUR@08 وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ) (204) # أى وإذا قرئ القرآن الذي ذكرت خصائصه ومزاياه عليكم فاستمعوا له بتدبر ~~وخشوع ، واصغوا إليه بأسماعكم وكل جوارحكم لتفهموا معانيه ، وتفقهوا ~~توجيهاته ، وأنصتوا لقراءته حتى تنقضي تعظيما له ، وإكبارا لشأنه ، لكي ~~تفوزوا برحمة الله ورضاه. # وبعض العلماء يحمل ms2310 القراءة في الآية على القراءة خلف الإمام في الصلاة ، ~~أى أن على المؤتم أن يستمع إلى قراءة الإمام بتدبر وخشوع ، واستدلوا على ~~ذلك بأحاديث في هذا المعنى. وبعضهم يجعل الآية عامة في وجوب الاستماع إلى ~~قراءة القرآن بتدبر وإنصات وخشوع في الصلاة وفي غير الصلاة وحملوا الأحاديث ~~التي أوردها أصحاب الرأى الأول على العموم أيضا. # والذي نراه أن الآية تأمر بوجوب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن في ~~الصلاة وفي غير الصلاة ، لأن تعاليم الإسلام وآدابه تقتضي منا أن نستمع إلى ~~القرآن بتدبر وإنصات وخشوع ، ليؤثر تأثيره الشافي في القلوب ، وليقودها إلى ~~الطاعة والتقوى ، فتنال المغفرة والرحمة. # ثم اختتمت السورة الكريمة بالحديث عن ذكر الله الذي هو طب القلوب ودواؤها ~~وعافية الأبدان وشفاؤها فقالت : # ( @QUR@016 واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو ~~والآصال ولا تكن من الغافلين (205) @QUR@011 إن الذين عند ربك لا يستكبرون ~~عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون ) (206) # أى : استحضر عظمة ربك جل جلاله في قلبك. واذكره بما يقربك إليه عن طريق ~~قراءة القرآن والدعاء والتسبيح والتحميد والتهليل وغير ذلك. # وقوله ( @QUR@02 تضرعا وخيفة ) في موضع الحال بتأويل اسم الفاعل أى. ~~اذكره متضرعا متذللا له وخائفا منه سبحانه : # وقوله ( @QUR@04 ودون الجهر من القول ) معطوف على قوله ( @QUR@02 في نفسك ~~) أى : اذكر ربك ذكرا في نفسك ، وذكرا بلسانك دون الجهر. PageV05P462 # والمراد بالجهر : رفع الصوت بإفراط ، وبما دونه مما هو أقل منه ، وهو ~~الوسط بين الجهر والمخافتة ، قال ابن عباس : هو أن يسمع نفسه. # وقوله ( @QUR@02 بالغدو والآصال ) متعلق باذكر ، والغدو جمع غدوة وهو ما ~~بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. # والآصال جمع أصيل وهو من العصر إلى الغروب. # أى : اذكر ربك مستحضرا عظمته ، في كل وقت ، وراقبه في كل حال ، لا سيما ~~في هذين الوقتين لأنهما طرفا النهار ومن افتتح نهاره بذكر الله واختتمه به ~~كان جديرا برعاية ربه. # قيل : وخص هذان الوقتان بالذكر لأنهما وقت سكون ودعة وتعبد واجتهاد. وما ~~بينهما من أوقات الغالب فيها الانقطاع لأمر المعاش. # ثم نهى سبحانه عن ms2311 الغفلة عن ذكره فقال : ( @QUR@04 ولا تكن من الغافلين ) ~~الذين شغلتهم الدنيا عن ذكر الله. # وفيه إشعار بطلب دوام ذكره تعالى واستحضار عظمته وجلاله وكبريائه بقدر ~~الطاقة البشرية. # قال بعض العلماء : ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن للذكر آدابا من أهمها : # 1 أن يكون في النفس لأن الإخفاء أدخل في الإخلاص ، وأقرب إلى الإجابة ، ~~وأبعد من الرياء. # 2 أن يكون على سبيل التضرع وهو التذلل والخضوع والاعتراف بالتقصير. # 3 أن يكون على وجه الخيفة أى الخوف والخشية من سلطان الربوبية وعظمة ~~الألوهية من المؤاخذة على التقصير في العمل لتخشع النفس ويخضع القلب. # 4 أن يكون دون الجهر لأنه أقرب إلى حسن التفكر ، وفي الصحيحين عن أبى ~~موسى الأشعرى قال : رفع الناس أصواتهم بالدعاء في بعض الأسفار ، فقال لهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس : اربعوا على أنفسكم أى هونوا على ~~أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا. إن الذي تدعونه سميع قريب ، أقرب إلى ~~أحدكم من عنق راحلته». # 5 أن يكون باللسان لا بالقلب وحده ، وهو مستفاد من قوله ( @QUR@02 ودون ~~الجهر ) لأن معناه ومتكلما كلاما دون الجهر ، فيكون صفة لمعمول حال محذوفة ~~، معطوفا على ( @QUR@01 تضرعا ) أو هو معطوف على ( @QUR@02 في نفسك ) أى : ~~اذكره ذكرا في نفسك وذكرا بلسانك دون الجهر (1). PageV05P463 # ثم ذكر سبحانه ما يقوى دواعي الذكر ، وينهض بالهمم إليه ، بمدحه للملائكة ~~الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون فقال : ( @QUR@04 إن الذين عند ربك ) ~~وهم ملائكة الملأ الأعلى. والمراد بالعندية القرب من الله تعالى بالزلفى ~~والرضا لا المكانية لتنزهه سبحانه عن ذلك. # ( @QUR@04 لا يستكبرون عن عبادته ) بل يؤدونها حسبما أمروا به بخضوع وطاعة. # ( @QUR@01 ويسبحونه ) أى : ينزهونه عن كل ما لا يليق بجلاله على ابلغ وجه. # ( @QUR@02 وله يسجدون ) أى : يخصونه وحده بغاية العبودية والتذلل والخضوع ~~، ولا يشركون معه أحدا في عبادة من عباداتهم. # أما بعد : فهذه هي سورة الأعراف التي سبحت بنا سبحا طويلا وهي تحدثنا عن ~~أدلة وحدانية الله ، وعن هداية القرآن الكريم ، وعن مظاهر نعم الله على ~~خلقه ، وعن ms2312 اليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب ، وعن بعض الأنبياء وما جرى ~~لهم مع أقوامهم ، وكيف كانت عاقبة هؤلاء الأقوام ، وعن سنن الله تعالى في ~~إسعاد الأمم وإشقائها ، وغير ذلك من أصول التشريع وآداب الاجتماع ، وشئون البشر. # وقد استعملت السورة في أوامرها ونواهيها وتوجيهاتها أساليب التذكير ~~بالنعم ، والتخويف من النقم ، وإيراد الحجج المقنعة ، ودفع الشبهات ~~الفاسدة. # وهذا تفسير لها تناولنا فيه بالشرح والتحليل ما اشتملت عليه من توجيهات ~~سامية ، وآداب عالية ، ومقاصد جليلة ، وحجج باهرة ، ومواعظ مؤثرة. # والله نسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم ، ونافعا لنا يوم الدين. # والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله ~~وصحبه وسلم. # * * * PageV05P464 ### ||| * فهرس إجمالى لتفسير سورة «الأنعام» |رقم الآية|الآية المفسرة|الصفحة|رقم الآية|الآية المفسرة|الصفحة| ||المقدمة|4|21|ومن أظلم ممن افترى|55| ||تمهيد بين يدي السورة|5|22|ويوم نحشرهم جميعا|55| |1|الحمد لله الذي خلق|27|23|ثم لم تكن فتنتهم إلا|57| |2|هو الذي خلقكم من طين|32|24|انظر كيف كذبوا|57| |3|وهو الله في السموات وفي الأرض|35|25|ومنهم من يستمع إليك|57| |4|وما تأتيهم من آية من آيات ربهم|35|26|وهم ينهون عنه|59| |5|فقد كذبوا بالحق لما جاءهم|36|27|ولو ترى إذ وقفوا على النار|60| |6|ألم يروا كم أهلكنا|38|28|بل بدا لهم ما كانوا|61| |7|ولو نزلنا عليك كتابا|40|29|وقالوا إن هي|62| |8|وقالوا لو لا أنزل عليه ملك|42|30|ولو ترى إذ وقفوا|62| |9|ولو جعلناه ملكا|43|31|قد خسر الذين|63| |10|ولقد استهزئ برسل|43|32|وما الحياة الدنيا إلا لعب|64| |11|قل سيروا في الأرض|44|33|قد نعلم إنه ليحزنك|65| |12|قل لمن ما في السموات والأرض|45|34|ولقد كذبت رسل|67| |13|وله ما سكن في الليل|47|35|وإن ms2313 كان كبر عليك|68| |14|قل أغير الله أتخذ وليا|48|36|إنما يستجيب الذين|68| |15|قل إنى أخاف إن عصيت|49|37|وقالوا لو لا نزل|69| |16|من يصرف عنه|49|38|وما من دابة في الأرض|70| |17|وإن يمسسك الله بضر|50|39|والذين كذبوا بآياتنا|71| |18|وهو القاهر فوق عباده|51|40|قل أرأيتكم إن أتاكم|72| |19|قل أى شيء أكبر شهادة|52|41|بل إياه تدعون|73| |20|الذين آتيناهم الكتاب|54|42|ولقد أرسلنا إلى أمم|73| PageV05P465 |رقم الآية|الآية المفسرة|الصفحة|رقم الآية|الآية المفسرة|الصفحة| |43|فلو لا إذ جاءهم|74|70|وذر الذين اتخذوا|101| |44|فلما نسوا ما ذكروا به|74|71|قل أندعو من دون الله|103| |45|فقطع دابر القوم|75|72|وأن أقيموا الصلاة|105| |46|قل أرأيتم إن أخذ الله|75|73|وهو الذي خلق|105| |47|قل أرأيتكم إن أتاكم|76|74|وإذ قال إبراهيم|107| |48|وما نرسل المرسلين|77|75|وكذلك نرى إبراهيم|109| |49|والذين كذبوا بآياتنا|77|76|فلما جن عليه الليل|109| |50|قل لا أقول لكم|77|77|فلما رأى القمر|110| |51|وأنذر به الذين|79|78|فلما رأى الشمس|110| |52|ولا تطرد الذين|79|79|إنى وجهت وجهى|112| |53|وكذلك فتنا|81|80|وحاجه قومه|112| |54|وإذ جاءك الذين|81|81|وكيف أخاف|114| |55|وكذلك نفصل الآيات|82|82|الذين آمنوا ولم يلبسوا|115| |56|قل إنى نهيت|83|83|وتلك حجتنا|117| |57|قل إنى على بينة|84|84|ووهبنا له إسحاق|119| |58|قل لو أن عندي|85|85|وزكريا ويحيى|119| |59|وعنده مفاتح الغيب|87|86|وإسماعيل واليسع|119| |60|وهو الذي يتوفاكم|90|87|ومن آبائهم وذرياتهم|122| |61|وهو القاهر فوق عباده|92|88|ذلك هدى الله|122| |62|ثم ردوا إلى الله ms2314|94|89|أولئك الذين آتيناهم|122| |63|قل من ينجيكم من|94|90|أولئك الذين هدى الله|123| |64|قل الله ينجيكم|95|91|وما قدروا الله|124| |65|قل هو القادر|96|92|وهذا كتاب|128| |66|وكذب به قومك|97|93|ومن أظلم ممن افترى|129| |67|لكل نبأ مستقر|97|94|ولقد جئتمونا فرادى|131| |68|وإذا رأيت الذين|98|95|إن الله فالق الحب|134| |69|وما على الذين يتقون|100|96|فالق الإصباح|137| PageV05P466 |رقم الآية|الآية المفسرة|الصفحة|رقم الآية|الآية المفسرة|الصفحة| |97|وهو الذي جعل لكم|138|124|وإذا جاءتهم آية|172| |98|وهو الذي أنشأكم|139|125|فمن يرد الله أن يهديه|174| |99|وهو الذي أنزل من السماء|140|126|وهذا صراط ربك|175| |100|وجعلوا لله شركاء الجن|144|127|لهم دار السلام|175| |101|بديع السموات والأرض|146|128|ويوم يحشرهم جميعا|176| |102|ذلكم الله ربكم|147|129|وكذلك نولي|179| |103|لا تدركه الأبصار|147|130|يا معشر الجن والإنس|180| |104|قد جاءكم بصائر|148|131|ذلك أن لم يكن ربك|182| |105|وكذلك نصرف|149|132|ولكل درجات|183| |106|اتبع ما أوحى إليك|151|133|وربك الغنى ذو الرحمة|183| |107|ولو شاء الله ما أشركوا|151|134|إن ما توعدون لآت|184| |108|ولا تسبوا الذين|151|135|قل يا قوم اعملوا|184| |109|وأقسموا بالله|154|136|وجعلوا لله مما ذرأ|185| |110|ونقلب أفئدتهم|156|137|وكذلك زين لكثير|188| |111|ولو أننا نزلنا|157|138|وقالوا هذه أنعام|189| |112|وكذلك جعلنا لكل نبي|158|139|وقالوا ما في بطون هذه|190| |113|ولتصغى إليه أفئدة|160|140|قد خسر الذين|192| |114|أفغير الله أبتغى|161|141|وهو الذي أنشأ|193| |115|وتمت كلمة ربك|162|142|ومن الأنعام حمولة|196| |116|وإن تطع أكثر|163|143|ثمانية ms2315 أزواج|197| |117|إن ربك هو أعلم|163|144|ومن الإبل اثنين|197| |118|فكلوا مما ذكر اسم الله|164|145|قل لا أجد في ما أوحى|200| |119|وما لكم ألا تأكلوا|165|146|وعلى الذين هادوا|203| |120|وذروا ظاهر الإثم|167|147|فإن كذبوك فقل|205| |121|ولا تأكلوا مما لم يذكر|167|148|سيقول الذين أشركوا|205| |122|أو من كان ميتا|169|149|قل فلله الحجة البالغة|209| |123|وكذلك جعلنا|170|150|قل هلم شهداءكم|210| PageV05P467 |رقم الآية|الآية المفسرة|الصفحة|رقم الآية|الآية المفسرة|الصفحة| |151|قل تعالوا أتل|211|159|إن الذين فرقوا|228| |152|ولا تقربوا مال اليتيم|219|160|من جاء بالحسنة|229| |153|وأن هذا صراطي|221|161|قل إننى هداني ربي|230| |154|ثم آتينا موسى الكتاب|222|162|قل إن صلاتي|230| |155|وهذا كتاب أنزلناه|224|163|لا شريك له وبذلك|231| |156|أن تقولوا إنما|224|164|قل أغير الله أبغى|231| |157|أو تقولوا لو أنا|225|165|وهو الذي جعلكم|231| |158|هل ينظرون إلا|226|||| PageV05P468 ### ||| * فهرس إجمالى لتفسير سورة «الأعراف» |رقم الآية|الآية المفسرة|الصفحة|رقم الآية|الآية المفسرة|الصفحة| ||المقدمة|236|22|فدلاهما بغرور|258| ||تمهيد بين يدي السورة|237|23|قالا ربنا ظلمنا|259| |1|المص|241|24|قال اهبطوا بعضكم|259| |2|كتاب أنزل إليك|243|25|قال فيها تحيون|259| |3|اتبعوا ما أنزل إليكم|245|26|يا بنى آدم قد أنزلنا|259| |4|وكم من قرية|245|27|يا بنى آدم لا يفتننكم|261| |5|فما كان دعواهم|245|28|وإذ فعلوا فاحشة|262| |6|فلنسألن الذين|246|29|قل أمر ربي بالقسط|263| |7|فلنقصن عليهم بعلم|247|30|فريقا هدى وفريقا|263| |8|والوزن يومئذ الحق|248|31|يا بنى آدم خذوا زينتكم|264| |9|ومن خفت موازينه|248|32|قل من حرم زينة الله ms2316|265| |10|ولقد مكناكم في الأرض|249|33|قل إنما حرم ربي|266| |11|ولقد خلقناكم ثم|249|34|ولكل أمة أجل|267| |12|قال ما منعك|251|35|يا بنى آدم إما يأتينكم|267| |13|قال فاهبط منها|252|36|والذين كذبوا بآياتنا|268| |14|قال أنظرنى إلى|253|37|فمن أظلم ممن افترى|268| |15|قال إنك من|253|38|قال ادخلوا في أمم|269| |16|قال فبما أغويتنى|253|39|وقالت أولاهم لأخراهم|270| |17|ثم لآتينهم|254|40|إن الذين كذبوا بآياتنا|270| |18|قال اخرج منها|255|41|لهم من جهنم مهاد|272| |19|ويا آدم أسكن|255|42|والذين آمنوا وعملوا|272| |20|فوسوس لهما الشيطان|256|43|ونزعنا ما في صدورهم|273| |21|وقاسمهما إنى لكما|257|44|ونادى أصحاب الجنة|274| ||||45|الذين يصدون عن|276| PageV05P469 |رقم الآية|الآية المفسرة|الصفحة|رقم الآية|الآية المفسرة|الصفحة| |46|وبينهما حجاب|277|74|واذكروا إذ جعلكم|310| |47|وإذا صرفت أبصارهم|279|75|قال الملأ الذين|311| |48|ونادى أصحاب الأعراف|279|76|قال الذين استكبروا|312| |49|أهؤلاء الذين أقسمتم|279|77|فعقروا الناقة|312| |50|ونادى أصحاب النار|280|78|فأخذتهم الرجفة|313| |51|الذين اتخذوا دينهم|280|79|فتولى عنهم|313| |52|ولقد جئناهم بكتاب|281|80|ولوطا إذ قال|314| |53|هل ينظرون إلا|282|81|إنكم لتأتون|315| |54|إن ربكم الله|283|82|وما كان جواب|317| |55|ادعوا ربكم تضرعا|287|83|فأنجيناه وأهله|317| |56|ولا تفسدوا في الأرض|289|84|وأمطرنا عليهم|318| |57|وهو الذي يرسل الرياح|290|85|وإلى مدين أخاهم|319| |58|والبلد الطيب يخرج|293|86|ولا تقعدوا بكل|321| |59|لقد أرسلنا نوحا|295|87|وإن كان طائفة|322| |60|قال الملأ من قومه|297|88|قال الملأ الذين|323| |61|قال يا قوم ليس بي|298|89|قد افترينا ms2317 على الله|326| |62|أبلغكم رسالات ربي|298|90|وقال الملأ الذين|328| |63|أو عجبتم أن جاءكم|300|91|فأخذتهم الرجفة|328| |64|فكذبوه فأنجيناه|300|92|الذين كذبوا شعيبا|329| |65|وإلى عاد أخاهم هودا|301|93|فتولى عنهم وقال|329| |66|قال الملأ الذين|303|94|وما أرسلنا في قرية|331| |67|قال يا قوم ليس|303|95|ثم بدلنا مكان السيئة|333| |68|أبلغكم رسالات ربي|303|96|ولو أن أهل القرى|334| |69|أو عجبتم أن جاءكم|304|97|أفأمن أهل القرى|336| |70|قالوا أجئتنا|305|98|أو أمن أهل القرى|336| |71|قال قد وقع عليكم|306|99|أفأمنوا مكر الله|337| |72|فأنجيناه والذين|307|100|أو لم يهد للذين يرثون|337| |73|وإلى ثمود أخاهم|308|101|تلك القرى نقص|339| PageV05P470 |رقم الآية|الآية المفسرة|الصفحة|رقم الآية|الآية المفسرة|الصفحة| |102|وما وجدنا لأكثرهم|340|130|ولقد أخذنا آل|355| |103|ثم بعثنا من بعدهم|341|131|فإذا جاءتهم الحسنة|357| |104|وقال موسى يا فرعون|344|132|وقالوا مهما تأتنا|358| |105|حقيق على أن لا أقول|344|133|فأرسلنا عليهم|359| |106|قال إن كنت جئت|345|134|ولما وقع عليهم الرجز|360| |107|فألقى عصاه فإذا|345|135|فلما كشفنا عنهم|360| |108|ونزع يده فإذا|345|136|فانتقمنا منهم|362| |109|قال الملأ من قوم|346|137|وأورثنا القوم|362| |110|يريد أن يخرجكم|346|138|وجاوزنا ببني إسرائيل|364| |111|قالوا أرجه وأخاه|347|139|إن هؤلاء متبر|366| |112|يأتوك بكل ساحر|347|140|قال أغير الله أبغيكم|367| |113|وجاء السحرة فرعون|348|141|وإذ أنجيناكم من|367| |114|قال نعم وإنكم|348|142|وواعدنا موسى|369| |115|قالوا يا موسى إما أن|348|143|ولما جاء موسى|371| |116|قال ألقوا فلما|348|144|قال يا موسى إنى|373| |117|وأوحينا إلى ms2318 موسى أن|349|145|وكتبنا له في الألواح|373| |118|فوقع الحق وبطل|349|146|سأصرف عن آياتي|376| |119|فغلبوا هنالك|350|147|والذين كذبوا|377| |120|وألقى السحرة ساجدين|350|148|واتخذ قوم موسى|378| |121|قالوا آمنا برب العالمين|350|149|ولما سقط في أيديهم|381| |122|رب موسى وهارون|351|150|ولما رجع موسى|381| |123|قال فرعون آمنتم به|351|151|قال رب اغفر لي|384| |124|لأقطعن أيديكم|351|152|إن الذين اتخذوا|384| |125|قالوا إنا إلى ربنا|352|153|والذين عملوا السيئات|384| |126|وما تنقم منا إلا أن|352|154|ولما سكت عن موسى|385| |127|وقال الملأ من قوم|353|155|واختار موسى قومه|386| |128|قال موسى لقومه|354|156|واكتب لنا في هذه|389| |129|قالوا أوذينا من|354|157|الذين يتبعون الرسول|390| PageV05P471 |رقم الآية|الآية المفسرة|الصفحة|رقم الآية|الآية المفسرة|الصفحة| |158|قل يا أيها الناس إنى|395|183|وأملى لهم إن كيدي|444| |159|ومن قوم موسى|396|184|أو لم يتفكروا ما بصاحبهم|445| |160|وقطعناهم اثنتي|397|185|أو لم ينظروا في ملكوت|445| |161|وإذ قيل لهم اسكنوا|401|186|من يضلل الله فلا|446| |162|فبدل الذين ظلموا|402|187|يسألونك عن الساعة|447| |163|واسألهم عن القرية|406|188|قل لا أملك لنفسي|450| |164|وإذ قالت أمة منهم|409|189|هو الذي خلقكم من|452| |165|فلما نسوا ما ذكروا|410|190|فلما آتاهما صالحا جعلا|453| |166|فلما عتوا عما نهوا|411|191|أيشركون ما لا يخلق|455| |167|وإذ تأذن ربك|413|192|ولا يستطيعون لهم نصرا|456| |168|وقطعناهم في الأرض|414|193|وإن تدعوهم إلى الهدى|456| |169|فخلف من بعدهم خلف|425|194|إن الذين تدعون من دون|456| |170|والذين يمسكون|428|195|ألهم أرجل يمشون بها|456| |171|وإذ نتقنا الجبل ms2319|429|196|إن وليي الله الذي|457| |172|وإذ أخذ ربك|431|197|والذين تدعون من|457| |173|أو تقولوا إنما أشرك|434|198|وإن تدعوهم إلى الهدى|457| |174|وكذلك نفصل الآيات|434|199|خذ العفو وأمر بالعرف|458| |175|واتل عليهم نبأ الذي|435|200|وإما ينزغنك من الشيطان|459| |176|ولو شئنا لرفعناه|436|201|إن الذين اتقوا إذا|460| |177|ساء مثلا القوم|438|202|وإخوانهم يمدونهم في|460| |178|من يهد الله فهو المهتدى|439|203|وإذا لم تأتهم بآية|461| |179|ولقد ذرأنا لجهنم|440|204|وإذا قرئ القرآن|462| |180|ولله الأسماء الحسنى|441|205|واذكر ربك في نفسك|462| |181|وممن خلقنا أمة يهدون|443|206|إن الذين عند ربك|464| |182|والذين كذبوا بآياتنا|443|||| PageV05P472 ![](https://books.rafed.net/Books/3944_altafsir-alwasit-06/images/image001.gif) PageV06P001 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * ( @QUR@07 ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ) (127) PageV06P003 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين # والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ومن والاه # وبعد فهذا تفسير لسورة الأنفال أسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه ~~ونافعا لعباده إنه سميع مجيب. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ||المؤلف د. محمد سيد طنطاوى| PageV06P005 ### ||| * تمهيد بين يدي تفسير السورة # 1 سورة الأنفال هي السورة الثامنة في ترتيب المصحف ، فقد تقدمتها سورة ~~الفاتحة وهي مكية ، ثم جاءت بعد سورة الفاتحة أربع سور مدنية ، هن أطول ~~السور المدنية في القرآن الكريم ، وهن سور : البقرة ، آل عمران ، النساء ، ~~المائدة. ثم جاءت بعد هذه السور الأربع سورتان مكيتان ، وهما أطول السور ~~المكية في القرآن ، سورتا : الأنعام والأعراف. # ثم جاءت سورة الأنفال بعد ذلك ، فكانت الثامنة في ترتيب سور المصحف. # 2 وعدد آياتها خمس وسبعون آية في المصحف الكوفي ، وست وسبعون في الحجازي ~~، وسبع وسبعون في الشامي. # 3 وقد سميت سورة الأنفال بهذا الإسم ، لحديثها عن الأنفال أى الغنائم في ~~أكثر من موضع. # وقد أطلق عليها بعض الصحابة سورة بدر ، فقد أخرج أبو الشيخ عن سعيد بن ms2320 ~~جبير أن ابن عباس سئل عنها فقال : تلك سورة بدر (1). # 4 وسورة الأنفال كلها مدنية ، وممن قال بذلك : زيد بن ثابت ، وعبد الله ~~بن الزبير ، وعطاء بن أبي رباح والحسن ، وعكرمة. # قال صاحب المنار : وقيل إنها مدنية إلا آية (64) وهي قوله تعالى : ( ~~@QUR@09 يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ) فقد روى البزار ~~عن ابن عباس أنها نزلت لما أسلم عمر بن الخطاب ، فعلى هذا وضعت في سورة ~~الأنفال وقرئت مع آياتها التي نزلت في التحريض على القتال في غزوة بدر ~~لمناسبتها للمقام ، وروى عن مقاتل استثناء قوله تعالى ( @QUR@08 وإذ يمكر ~~بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك )... «الآية (30)؛ لأن موضوعها ائتمار ~~قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم قبيل الهجرة ، بل في الليلة التي خرج فيها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صاحبه أبى بكر بقصد الهجرة وباتا في الغار ، ~~وهذا استنباط من المعنى ، وهو استنباط يرده ما صح عن ابن عباس من أن الآية ~~نفسها نزلت في المدينة. # وزاد بعضهم استثناء خمس آيات أخرى بعد هذه الآية ، وهي قوله تعالى : ( ~~@QUR@07 وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا ).. إلى قوله : ( @QUR@03 ~~بما كنتم تكفرون ) «الآيات من PageV06P007 # 31 35» ؛ لأن موضوعها حال كفار قريش في مكة ، وهذا لا يقتضى نزولها في ~~مكة ، بل ذكر الله بها رسوله بعد الهجرة ، وكل ما نزل بعد الهجرة فهو مدني» (1). # والذي ترتاح إليه النفس أن سورة الأنفال جميعها مدنية ، وأن ما في بعض ~~آياتها من أوصاف لأحوال المشركين في مكة قبل الهجرة لا يعنى كون هذه الآيات ~~مكية ؛ لأن هذه الآيات إنما هي من باب تذكير الرسول وأصحابه بما كان عليه ~~أولئك القوم من عناد ومكابرة وانحراف عن الطريق القويم ، أدى بهم إلى ~~الهزيمة في بدر وفي غيرها من المعارك التي كان النصر فيها للمؤمنين. # 5 وقد ذكر بعض المفسرين ومنهم الزمخشري أن سورة الأنفال نزلت بعد سورة ~~البقرة ، ولعل مرادهم بذلك أن نزولها كان بعد نزول بعض الآيات من سورة ~~البقرة ، لأنه من المعروف أن ms2321 سورة البقرة لم تنزل دفعة واحدة ، وإنما ابتدأ ~~نزولها بعد الهجرة ، ثم امتد هذا النزول لآياتها إلى قبيل وفاة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بمدة قصيرة. # 6 قال الآلوسى : ووجه مناسبتها لسورة الأعراف أن سورة الأعراف فيها ( ~~@QUR@04 خذ العفو وأمر بالعرف ... ) وفي هذه أى الأنفال كثير من أفراد ~~المأمور به ، وفي الأعراف ذكر قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع ~~أقوامهم ، وفي هذه ذكره صلى الله عليه وسلم وذكر ما جرى بينه وبين قومه. # وقد فصل سبحانه في تلك قصص آل فرعون وأضرابهم وما حل بهم وأجمل في هذه ~~ذلك فقال : ( @QUR@012 كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله ~~فأخذهم الله بذنوبهم .. ). # وأشار هناك إلى سوء زعم الكفرة في القرآن بقوله تعالى : ( @QUR@08 وإذا ~~لم تأتهم بآية قالوا لو لا اجتبيتها ... ) وصرح بذلك هنا إذ يقول .. ( ~~@QUR@010 وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا ... ) إلى ~~غير ذلك من المناسبات. # ثم قال الآلوسى : «والظاهر أن وضعها هنا توقيفي ، وكذا وضع براءة بعدها ، ~~وإلى ذلك ذهب غير واحد ...» (2). # والحق أنه بمطالعتنا لما يقوله الآلوسى وغيره من المفسرين في بيان وجه ~~مناسبة السورة للتي قبلها ، نرى أن هذه الأقوال لا تخلو من تكلف ، وأن ~~كثيرا مما ذكروه من مناسبات بين سورتين معينتين لا يختص بهما ، بل هو موجود ~~فيهما وفي غيرهما. PageV06P008 # فالآلوسى مثلا يجعل من وجوه مناسبة الأنفال للأعراف أن الأعراف فيها ( ~~@QUR@02 وأمر بالعرف ). وأن الأنفال فيها كثير من أفراد المأمور به .. # وهذا المعنى نراه في كثير من السور المتتالية ، فسورة آل عمران مثلا من ~~بين آياتها قوله تعالى : ( @QUR@011 ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ~~ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر .. ) (1). # وسورة النساء التي بعدها فيها أيضا كثير من أفراد المأمور به ؛ لأن الأمر ~~بالمعروف من الدعائم التي يقوم عليها المجتمع الإسلامى. # والذي تميل إليه النفس أن ترتيب السور توقيفي ، وأن كل سورة لها ~~موضوعاتها التي نراها بارزة بصورة تميزها عن غيرها. # 7 وسورة الأنفال عند ما نتأمل ما اشتملت عليه من آيات ms2322 ، نراها تحدثنا في ~~مجموعها عن غزوة بدر ، فتعرض أحداثها الظاهرة ، كما تعرض بشارات النصر فيها ~~، وتكشف عن قدرة الله وتدبيره في وقائع هذه الغزوة الحاسمة ، وتبين كثيرا ~~من الإرشادات والتشريعات الحربية التي يجب على المؤمنين اتباعها حتى ينالوا ~~النجاح والفلاح. # أخرج البخاري عن ابن عباس أن سورة الأنفال نزلت في بدر (2): # (أ) لقد افتتحت السورة الكريمة ببيان أن قسمة الأنفال أى الغنائم مردها ~~إلى الله ورسوله ، وأن على المؤمنين أن يذعنوا لما يفعله فيها رسولهم ~~صلى الله عليه وسلم ثم وصفت المؤمنين الصادقين أكمل وصف ، وبشرتهم بأسمى ~~المنازل ، وأرفع الدرجات. # قال تعالى : ( @QUR@052 يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ~~فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ، إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا وعلى ربهم يتوكلون. الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. أولئك ~~هم المؤمنون حقا ، لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم ). # (ب) وبعد هذا الحديث الطيب عن أوصاف المؤمنين الصادقين ، تبدأ السورة في ~~الحديث عن حال بعض الذين اشتركوا في غزوة بدر ، وكيف أنهم كرهوا القتال في ~~أول الأمر ، لأنهم لم يخرجوا من أجله وإنما خرجوا من أجل الحصول على ~~التجارة التي قدم بها مشركو قريش من بلاد الشام لكن الله تعالى أراد أن ~~يعلمهم وغيرهم أن الخير فيما قدره ، لا فيما يقدرون ويريدون. PageV06P009 # استمع إلى السورة الكريمة بتأمل وتدبر وهي تصور هذه المعاني بأسلوبها ~~البليغ المؤثر فتقول. # ( @QUR@053 كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ، وإن فريقا من المؤمنين ~~لكارهون. يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون. ~~وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ، وتودون أن غير ذات الشوكة تكون ~~لكم ، ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين. ليحق الحق ~~ويبطل الباطل ولو كره المجرمون ). # (ج) ثم تسوق السورة بعد ذلك ألوانا من البشارات التي تشعر المؤمنين بأن ~~الله تعالى قد أجاب لهم دعاءهم ، وأنه سبحانه سيجعل النصر في هذه المعركة ms2323 ~~حليفا لهم. # ومن مظاهر هذه البشارات أن الله تعالى أمدهم بألف من الملائكة مردفين ، ~~وأمدهم بالنعاس ليكون مصدر طمأنينة لقلوبهم ، وأمدهم بمياه الأمطار ~~ليتطهروا بها ، ولتثبت الأرض من تحتهم ، وأمدهم قبل ذلك وبعده بعونه الذي ~~جعلهم يقبلون على قتال أعدائهم بقلوب ملؤها الإقدام والشجاعة. # قال تعالى : ( @QUR@051 إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من ~~الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا ~~من عند الله إن الله عزيز حكيم. إذ يغشيكم النعاس أمنة منه ، وينزل عليكم ~~من السماء ماء ليطهركم به ، ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ~~ويثبت به الأقدام ). # (د) ثم وجهت السورة الكريمة خمسة نداءات إلى المؤمنين ، أرشدتهم في كل ~~واحد منها إلى ما فيه خيرهم وفلاحهم. # فقد أمرتهم في النداء الأول بالثبات في وجوه أعدائهم ، ونهتهم عن الفرار ~~منهم ، وهددت من يوليهم دبره بسوء المصير ، وأخبرتهم بأن الله معهم ما ~~داموا معتمدين عليه ، ومستجيبين لما يدعوهم إليه. # وأمرتهم في النداء الثاني بطاعة الله ورسوله ، وحذرتهم من المعصية ، ومن ~~التشبه بالكافرين الذين «قالوا سمعنا وهم لا يسمعون». # وأمرتهم في النداء الثالث بالمسارعة إلى أداء ما كلفوا به من تكاليف فيها ~~سعادتهم وفلاحهم ، وخوفتهم من ارتكاب ذنوب لا يحيق شرها بالذين ارتكبوها ~~وحدهم ، وإنما يعمهم وغيرهم ممن رأوا المنكر فلم يعملوا على تغييره. # ونهتهم في النداء الرابع عن خيانة الله ورسوله ، أى : عن ترك فرائض الله ~~، وعن هجر PageV06P010 # سنة رسوله .. وحذرتهم من أن تشغلهم أموالهم وأولادهم عن طاعة الله وعن ~~أداء واجباته. # ثم بشرتهم في النداء الخامس بأنهم إذا ما اتقوا الله حق تقاته ، فإنه ~~سبحانه سيرزقهم الهداية والنصر والنجاة من كل مكروه. # تدبر معى أخى القارئ هذه النداءات ، وما اشتملت عليه من توجيهات سامية ~~وإرشادات عالية ، حيث يقول سبحانه : # ( @QUR@012 يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم ~~الأدبار ).. # ( @QUR@012 يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم ~~تسمعون ).. # ( @QUR@011 يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا ms2324 دعاكم لما ~~يحييكم ).. # ( @QUR@012 يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم ~~وأنتم تعلمون ).. # ( @QUR@013 يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر ~~عنكم سيئاتكم ).. # (ه) ثم أخذت السورة بعد ذلك في تذكير المؤمنين بنعم الله عليهم ليزدادوا ~~له شكرا ، وفي تصوير ما عليه الكافرون من جهل وعناد وخسران. # فحكت ما قالوه في شأن القرآن من كذب ومكابرة. # وحكت استهزاءهم بالدين ، وإمعانهم في الجحود ، وتعجلهم للعذاب .. # وحكت ما كانوا يقومون به من تصفيق ولغو عند قراءة القرآن ، حتى يشغلوا ~~الناس عن سماعه .. # وحكت مسارعتهم إلى إنفاق أموالهم ، لا في وجوه الخير ، ولكن في وجوه الشر ~~التي ستكون عاقبتها الخسران وسوء المصير. # وبعد أن حكت كل هذه الرذائل عن الكافرين ، أمرت الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أن يبلغهم أنهم إذا ما انتهوا عن كفرهم وعنادهم ، فإن الله تعالى سيغفر لهم ~~ما سلف من ذنوبهم. أما إذا استمروا في طغيانهم وجحودهم ، فستدور الدائرة عليهم. # قال تعالى : ( @QUR@064 وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو ~~يخرجوك ، ويمكرون ويمكر الله ، والله خير الماكرين. وإذا تتلى عليهم آياتنا ~~قالوا قد سمعنا ، لو نشاء لقلنا مثل هذا ، إن هذا إلا أساطير الأولين. وإذ ~~قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ~~ائتنا بعذاب أليم. وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ، وما كان الله معذبهم ~~وهم يستغفرون ). PageV06P011 # (و) وبعد أن افتتحت السورة الكريمة بالحديث المجمل عن الغنائم وساقت في ~~أعقابه ما ساقت من توجيه وإرشاد وترغيب وترهيب. # بعد كل ذلك عادت السورة إلى الحديث عن الغنائم ، ففصلت ما أجملته في ~~مطلعها ، وذكرت المؤمنين بنعم أخرى منحهم الله إياها في بدر. # ومن ذلك : أنه سبحانه هيأ لهم المكان المناسب لقتال أعدائهم ، وجعل ~~اللقاء الحاسم بين الفريقين بدون موعد سابق .. وقلل كل فريق في عين الآخر ~~ليقضى سبحانه قضاءه النافذ .. # قال تعالى : ( @QUR@068 واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ~~ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ، إن ms2325 كنتم آمنتم بالله وما ~~أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير. إذ ~~أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى ، والركب أسفل منكم ، ولو تواعدتم ~~لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ~~ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم ). # (ز) ثم يأتى بعد ذلك النداء السادس والأخير للمؤمنين ، فيأمرهم سبحانه ~~فيه بالثبات عند لقائهم لأعدائهم ، وبالإكثار من ذكره ، وبالطاعة التامة له ~~ولرسوله ، وبالابتعاد عن التنازع والاختلاف. # ثم ينهاهم عن التشبه بالمرائين ، والمتكبرين ، والمغرورين ، الذين زين ~~لهم الشيطان سوء أعمالهم ولكنه عند ما تراءى الجمعان نكص على عقبيه والذين ~~سيكون مصيرهم الهزيمة في الدنيا ، والعذاب المهين في الآخرة بسبب كفرهم ~~بآيات الله ، وإيثارهم الضلالة على الهداية. # قال تعالى : ( @QUR@079 يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا ، ~~واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون. وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا ~~وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين. ولا تكونوا كالذين خرجوا من ~~ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله ، والله بما يعملون محيط. وإذ ~~زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم ، ~~فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون ، ~~إني أخاف الله ، والله شديد العقاب ). # (ح) ثم تمضى السورة الكريمة في تصوير رذائل الكافرين ، وفي تشجيع ~~المؤمنين على قتالهم ، وإعداد العدة لدحرهم وتشريدهم ما داموا مستمرين على ~~كفرهم وخيانتهم .. ، فإن جنحوا للسلم. ومالوا إلى المصالحة والمهادنة فاقبل ~~منهم ذلك أيها الرسول الكريم ، PageV06P012 # واحترس من خداعهم وغدرهم ، وحرض أتباعك على قتالهم بصبر وجلد. # قال تعالى : ( @QUR@099 إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا ~~يؤمنون. الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون. فإما ~~تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون. وإما تخافن من قوم خيانة ~~فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين. ولا يحسبن الذين كفروا ~~سبقوا إنهم ms2326 لا يعجزون. وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون ~~به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ، وما تنفقوا ~~من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون. وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ~~وتوكل على الله إنه هو السميع العليم ). # (ط) ثم انتقلت السورة إلى الحديث عن أسرى غزوة بدر من المشركين فبينت ما ~~كان يجب على الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في شأنهم ، وعاتبتهم ~~لإيثارهم أخذ الفداء على ما عند الله من ثواب عظيم ، وأباحت لهم أن يأكلوا ~~مما غنموه ، فإنه حلال طيب ، وأمرت النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الأسرى ~~إلى الدين الحق ، وأن يخبرهم بأنهم متى آمنوا ظفروا بخير الدنيا والآخرة .. # تأمل معى أخى القارئ هذه الآيات الكريمة التي ساقتها السورة في هذا ~~المعنى. # ( @QUR@080 ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ، تريدون عرض ~~الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم. لو لا كتاب من الله سبق لمسكم ~~فيما أخذتم عذاب عظيم. فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله ~~غفور رحيم. يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في ~~قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم. وإن ~~يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم ). # (ى) وإذا كانت السورة قد تحدثت في أوائلها عن صفات المؤمنين .. الصادقين ~~، وعن حال الذين كرهوا الخروج إلى القتال في بدر .. فإنها قد تحدثت في ~~ختامها أيضا عن أصناف المؤمنين .. فمدحت المهاجرين السابقين ، ومدحت ~~الأنصار الذين آووا ونصروا ، لأنهم قد اشتركوا جميعا في بذل أموالهم ~~وأنفسهم من أجل إعلاء كلمة الله .. ثم بينت ما يجب عليهم نحو غيرهم من ~~المؤمنين الذين لم يهاجروا ، بل ظلوا في أرض الشرك. ثم مدحت المؤمنين الذين ~~تأخرت هجرتهم عن صلح الحديبية وإن كانوا أقل في الدرجات من المهاجرين ~~السابقين. # قال تعالى : ( @QUR@025 إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ms2327 ~~في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض ، والذين آمنوا ~~ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم PageV06P013 # @QUR@073 من شيء حتى يهاجروا ، وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا ~~على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير. والذين كفروا بعضهم ~~أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير. والذين آمنوا وهاجروا ~~وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ~~ورزق كريم. والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم ، وأولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ، إن الله بكل شيء عليم ). # 8 هذا عرض مجمل لما اشتملت عليه سورة الأنفال من توجيهات سامية ، وآداب ~~عالية ، وتشريعات حكيمة ... # ومن هذا العرض نرى أن السورة الكريمة قد اهتمت بأمور من أبرزها ما يلي : # (ا) تربية المؤمنين على العقيدة السليمة ، وعلى الطاعة لله ولرسوله. ~~وإصلاح ذات بينهم ، والثبات في وجه أعدائهم ، والإكثار من التقرب إلى ~~خالقهم ، والمداومة على مراقبته وخشيته وشكره ، فهو الذي هداهم للإيمان ، ~~وهو الذي آواهم وأيدهم بنصره ورزقهم من الطيبات .. بعد أن كانوا ضالين ~~ومستضعفين في الأرض. # ولقد أفاضت السورة في غرس هذه المعاني في نفوس المؤمنين لأنها نزلت كما ~~سبق أن بينا في أعقاب اللقاء الأول بينهم وبين أعدائهم فكان من المناسب أن ~~تكرر غرس هذه المعاني في القلوب حتى تستمر على طاعة الله ورسوله ، تلك ~~الطاعة التي من ثمارها الظفر الدائم والخير الباقي .. # (ب) تذكير المؤمنين بما عليه أعداؤهم من جحود وعناد ، وبما كان منهم من ~~مكر برسولهم صلى الله عليه وسلم ومن استهزائهم بدينهم وقرآنهم ومن عداوة شديدة ~~للحق وأهله ، ومن صفات ذميمة جعلتهم أهلا لاستحواذ الشيطان عليهم ... # وهذا التذكير قد تكرر كثيرا في سورتنا هذه ، لكي يستمر المؤمنون على حسن ~~استعدادهم ، ولكي لا تنسيهم نشوة النصر في بدر ما يضمره لهم أعداؤهم من ~~كراهية وبغضاء ، وما يبيتونه لهم من سوء وشر. # (ج) إرشاد المؤمنين إلى المنهاج الذي يجب أن يسيروا عليه في حالتي حربهم ~~وسلمهم ، لأنه ms2328 متى ساروا عليه حالفهم النصر ، وصاحبهم التوفيق. # ففي حالة الحرب : أمرتهم السورة الكريمة بأن يعدوا لأعدائهم كل ما ~~يستطيعون من قوة. وأن يبذلوا أموالهم بسخاء من أجل نصرة الحق .. وأن ~~يقاتلوا خصومهم بشجاعة وإقدام ، وأن يكثروا من التقرب إلى الله بصالح ~~الأقوال والأعمال خصوصا في مواطن القتال .. وأن PageV06P014 # يجعلوا غايتهم في قتالهم إحقاق الحق وإبطال الباطل ( @QUR@08 حتى لا تكون ~~فتنة ويكون الدين كله لله ... ). # وأن يؤثروا السلم على الحرب متى وجد السبيل إليه ، فإن السلم هو الأصل ~~أما الحرب فهي أمر لا يلجأ إليه إلا عند الضرورة التي تقتضيها .. أما في ~~حالة سلمهم : فقد أمرتهم السورة الكريمة بالتآخى والتناصر والتواد والتراحم ~~والتصالح .. ونبذ التنازع والتخاصم والاختلاف والبطر. # كما أمرتهم بتقوى الله وبإيثار ما عنده من ثواب وأجر على الأموال ~~والأولاد. # قال تعالى : ( @QUR@010 واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله ~~عنده أجر عظيم ). # وهناك موضوعات أخرى تعرضت لها السورة : # كحديثها عن الغنائم ، وعن الأسرى ، وعن المعاهدات ، وعن أحداث غزوة بدر ، ~~وعن المشاعر التي تحركت في نفوس بعض المشتركين فيها قبل أن تبدأ المعركة ~~وخلالها وبعدها. # وقد ساقت السورة الكريمة كل ذلك بأسلوب يهدى القلوب ، ويشرح الصدور ، ~~ويرشد الناس إلى مواطن عزهم وسعادتهم. # هذا ، ونرى من المناسب أخى القارئ أن نختم هذا العرض المجمل لسورة بدر ~~كما سماها ابن عباس بتلخيص لقصة هذه الغزوة لنتنسم الجو الذي نزلت فيه هذه ~~السورة ، ولندرك مرامي النصوص فيها .. لأننا نعتقد أن ما يعين على فهم ~~الآيات القرآنية فهما قويما مستنيرا ، أن يكون القارئ أو المفسر لها ملما ~~بأسباب نزولها وبالجو التاريخى الذي نزلت فيه ، وبالأحداث التي لا بست ~~نزولها .. يجانب إلمامه بمدلولاتها اللغوية والبيانية .. # قال الإمام ابن هشام عند حديثه عن «غزوة بدر الكبرى» (1). # قال ابن إسحاق : لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبى سفيان مقبلا من ~~الشام في عير لقريش عظيمة .. ندب المسلمين إليها وقال : «هذه عير قريش فيها ~~أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها» فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل ~~بعضهم وذلك ms2329 أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربا. # وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتجسس الأخبار ، ويسأل من لقى من ~~الركبان : تخوفا على أمر الناس أى : على أموالهم التي معه في القافلة حتى ~~أصاب خبرا من بعض الركبان أن محمدا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك فحذر عند ~~ذلك. فاستأجر ضمضم بن PageV06P015 # عمرو الغفاري فبعثه إلى مكة ، وأمره أن يأتى قريشا فيستنفرهم إلى أموالهم ~~، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه. فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة. # فلما وصلها أخذ يصرخ ببطن الوادي .. ويقول يا معشر قريش : اللطيمة ~~اللطيمة أى : العير التي تحمل الطيب والمسك والثياب .. أموالكم مع أبى ~~سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه ، لا أرى أن تدركوها. الغوث الغوث. # فتجهز الناس سراعا وقالوا : أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي؟ ~~كلا والله ليعلمن غير ذلك فكانوا بين رجلين ، إما خارج وإما باعث مكانه ~~رجلا ، وأوعبت قريش فلم يتخلف من أشرافها أحد. # خرجوا بالقيان والدفوف يغنين في كل منهل ، وينحرون الجزر ، وهم تسعمائة ~~وخمسون مقاتلا ، وقادوا مائة فرس ، عليها مائة درع سوى درع المشاة ، وكانت ~~إبلهم سبعمائة بعير. # قال ابن إسحاق : وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليال مضت من شهر ~~رمضان في أصحابه : واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة بالناس ، واستعمل على ~~المدينة أبا لبابة .. ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير. # وكان إبل المسلمين يومئذ سبعين بعيرا ، فاعتقبوها أى كانوا يركبونها ~~بالتعاقب وكانت راية الأنصار مع سعد بن معاذ. # وسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم طريقه من المدينة إلى مكة على نقب ~~المدينة ، ثم على العقيق ، ثم على ذي الحليفة .. ثم نزل قريبا من بدر .. ~~وأتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم ، ~~فاستشار الناس وأخبرهم عن قريش فقام أبو بكر فقال وأحسن. ثم قام عمر بن ~~الخطاب فقال وأحسن. ثم قام المقداد بن عمرو فقال : يا رسول الله ، امض لما ms2330 ~~أراك الله فنحن معك والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : ( ~~@QUR@07 فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ) ولكن اذهب أنت وربك ~~فقاتلا إنا معكما مقاتلون. # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أشيروا على أيها الناس ، وإنما يريد ~~الأنصار ، وذلك لأنهم عدد الناس ، وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا : يا ~~رسول الله : إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا ، فإذا وصلت إلى ديارنا ~~فأنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا. # فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ، قال له سعد بن معاذ : والله ~~لكأنك تريدنا يا رسول الله ؛ لقد آمنا بك وصدقناك ، وشهدنا أن ما جئت به هو ~~الحق ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا ، فامض يا رسول الله لما أردت ~~فنحن معك فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما ~~تخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا ، وإنا PageV06P016 # لصبر في الحرب صدق عند اللقاء ، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر ~~بنا على بركة الله. # ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد .. # ثم قال : سيروا وأبشروا ، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين والله ~~لكأنى أنظر إلى مصارع القوم. # قال ابن إسحاق : ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر فسارا ~~حتى وقفا على شيخ من العرب. فسأله الرسول صلى الله عليه وسلم عن قريش وعن محمد ~~وأصحابه وما بلغه عنهم ، فقال الشيخ لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟ ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخبرتنا أخبرناك. قال : أذاك بذاك؟ قال ~~: نعم ، قال الشيخ : فإنه بلغني أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا ، فإن ~~كان صدق الذي أخبرنى ، فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذي به المسلمون. # وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا ، فإن كان الذي أخبرنى صدقنى ، فهم ~~اليوم بمكان كذا وكذا ، للمكان الذي فيه قريش. # فلما فرغ من خبره قال : ممن ms2331 أنتما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن ~~من ماء ، ثم انصرف عنه. # ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه فلما أمسى أرسل بعضهم إلى ~~ماء بدر يلتمسون الخبر له .. فأصابوا ساقيين لقريش فأتوا بهما .. فقال لهما ~~النبي صلى الله عليه وسلم أخبرانى عن قريش. # قالا : هم والله وراء الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى. # فقال لهما : كم القوم؟ قالا كثير قال : ما عددهم؟ قالا لا ندري قال : كم ~~ينحرون كل يوم؟ قالا : يوما تسعا ويوما عشرا. فقال : القوم فيما بين ~~التسعمائة والألف ثم قال لهما. فمن فيهم من أشراف قريش؟ قالا : عتبة وشيبة ~~ابنا ربيعة ، والنضر بن الحارث ، وزمعة بن الأسود ، وأمية بن خلف .. فأقبل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال : هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ ~~كبدها .. # قال ابن إسحاق : ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره ، أرسل إلى قريش : ~~إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم ، فقد نجاها الله فارجعوا. ~~فقال أبو جهل : والله لا نرجع حتى نرد ماء بدر ، فنقيم عليه ثلاثة ، ننحر ~~الجزر ، ونطعم الطعام ، ونسقى الخمر ، وتعزف علينا القيان ، وتسمع بنا ~~العرب وبمسيرنا وجمعنا ، فلا يزالون يهابوننا أبدا بعدها. PageV06P017 # وقال الأخنس بن شريق لبنى زهرة ، يا بنى زهرة قد نجى الله لكم أموالكم ~~فارجعوا فرجعوا فلم يشهد غزوة بدر زهري واحد. # ومضت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي : وبعث الله السماء بالماء ~~فأصاب المسلمون منه ما لبد لهم الأرض ولم يمنعهم من المسير ، وأصاب قريشا ~~منه ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يبادرهم إلى الماء ، حتى إذا جاء ماء نزل به .. # فقال الحباب بن المنذر يا رسول الله؟ أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن ~~نتقدمه ولا نتأخر عنه ، أم هو الرأى والمكيدة والحرب؟. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل هو الرأى والمكيدة والحرب. # فقال الحباب يا رسول الله ، فإن هذا ليس بمنزل ، فانهض بالناس حتى ms2332 تأتى ~~أدنى ماء من القوم فنزله ، ثم نغور ما وراءه من القلب أى : ثم نغطى ما خلفه ~~من الآبار ثم نبنى عليه حوضا فنملؤه ماء ، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا ~~يشربون. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لقد أشرت بالرأى» ثم نهض ومعه الناس ~~فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه ، ثم أمر بالقلب فغورت وبنى ~~حوضا على القليب الذي نزل عليه فملىء ماء. ثم قال سعد بن معاذ يا رسول الله ~~، ألا نبنى لك عريشا تكون فيه ، ونعد عندك ركائبك ثم نلقى عدونا ، فإن ~~أعزنا الله وأظهرنا على عدونا. كان ذلك ما أحببنا ، وإن كانت الأخرى ، جلست ~~على ركائبك فلحقت بمن وراءنا. فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد ~~لك حبا منهم ، ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك. # فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا له بخير ، ثم بنى لرسول الله ~~عريش فكان فيه. # ثم ارتحلت قريش حين أصبحت ، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قادمة ~~من الكثيب إلى الوادي قال : «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها ، ~~تحادك وتكذب رسولك اللهم فنصرك الذي وعدتني. اللهم أحثهم الغداة». # ثم أرسلت قريش عمير بن وهب الجمحي فقالوا له : احزر لنا أصحاب محمد ، ~~فاستجال بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم فقال : هم ثلاثمائة رجل يزيدون ~~قليلا أو ينقصون قليلا .. # ولقد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا ، نواضح يثرب تحمل الموت ~~الناقع. # قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم. والله ما أرى أن يقتل رجل منهم ~~حتى يقتل رجلا منكم ، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك ، ~~فروا رأيكم. # فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس ، فأتى عتبة بن ربيعة فقال : يا ~~أبا الوليد PageV06P018 # إنك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها ، فهل لك إلى أن تفعل شيئا تذكر به ~~بخير إلى آخر الدهر؟ فقال عتبة : وما ذاك يا حكيم؟ # قال : ترجع بالناس وتحمل أمر ms2333 حليفك عمرو بن الحضرمي ... # قال عتبة : قد فعلت .. ثم قام عتبة خطيبا في الناس فقال : # يا معشر قريش إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا ، والله ~~لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه. قتل ابن عمه ~~أو ابن خاله .. فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب ؛ فإن أصابوه فذاك ~~الذي أردتم ، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون .. # وبلغ كلام عتبة أبا جهل فسبه .. ثم بعث أبو جهل إلى ابن الحضرمي فقال له ~~: هذا حليفك عتبة يريد أن يرجع بالناس ، وقد رأيت ثارك بعينك ، فقم فانشد ~~خفرتك ومقتل أخيك أى : فقم فاطلب من الناس الوفاء بالعهد والأخذ بثأر أخيك .. # فقام ابن الحضرمي فاكتشف ثم صرخ : وا عمراه ، وا عمراه ، فحميت الحرب ، ~~واشتد أمر الناس ، واستوثقوا على ما هم عليه من الشر ، وأفسد أبو جهل الرأى ~~الذي دعا عتبة الناس إليه .. # قال ابن إسحاق : ثم خرج الأسود بن عبد الأسد المخزومي وكان شرسا سيئ ~~الخلق فقال : أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه ، أو لأموتن دونه فلما ~~دنا منه خرج إليه حمزة بن عبد المطلب. فلما التقيا ضربه حمزة فأطن قدمه ~~بنصف ساقه أى. أطارها وهو دون الحوض ، فوقع على ظهره تشخب رجله دما نحو ~~أصحابه. ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه ، فضربه حمزة حتى قتله في الحوض .. # ثم خرج عتبة بين أخيه شيبة وابنه الوليد بن عتبة .. فنادى يا محمد : أخرج ~~إلينا أكفاءنا من قومنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قم يا عبيدة وقم ~~يا حمزة وقم يا على .. أما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله ، وأما على فلم يمهل ~~الوليد أن قتله ، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين كلاهما أثبت صاحبه أى : ~~جرحه جرحا شديدا لا يملك معه الحركة وكر حمزة وعلى بأسيافهما على عتبة ~~فأجهزا عليه ، واحتملا عبيدة فحازاه إلى أصحابه. # قال ابن إسحاق : ثم تزاحف الناس ، ودنا بعضهم من بعض ، وقد أمر رسول الله ~~الناس ms2334 أن لا يحملوا حتى يأمرهم ، وقال : «إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم ~~بالنبل» ... # ثم عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف ، ورجع إلى العريش فدخله ومعه ~~أبو بكر الصديق .. وأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم يناشد ربه ويقول فيما يقول ~~: «اللهم إن تهلك هذه PageV06P019 # العصابة اليوم لا تعبد ، وأبو بكر يقول : يا رسول الله بعض مناشدتك ربك ، ~~فإن الله منجز لك ما وعدك». # ثم خفق رسول الله صلى الله عليه وسلم خفقة وهو في العريش ، ثم انتبه فقال : ~~«أبشر يا أبا بكر ، أتاك نصر الله. هذا جبريل آخذ بعنان فرس .. يقوده على ~~ثناياه النقع» أى الغبار. # وكان قد رمى مهجع مولى عمر بن الخطاب بسهم فقتل ، فكان أول قتيل .. من ~~المسلمين. ثم رمى حارثة بن سراقة وهو يشرب من الحوض بسهم فقتل. # ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس فحرضهم وقال : «والذي نفس ~~محمد بيده. لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا ، مقبلا غير مدبر ، ~~إلا أدخله الله الجنة» ... # ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ حفنة من الحصباء فاستقبل قريشا بها ~~، ثم نفخهم بها وأمر أصحابه فقال : «شدوا» فكانت الهزيمة فقتل الله تعالى ~~من قتل من صناديد قريش ، وأسر من أسر من أشرافهم .. # فلما وضع القوم أيديهم يأسرون ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش ، ~~وسعد بن معاذ قائم على باب العريش الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~متوشحا السيف في نفر من الأنصار يحرسون رسول الله يخافون عليه كرة العدو ، ~~ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجه سعد الكراهية لما يصنع الناس ، فقال ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم : «والله لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم!». # فقال سعد : أجل والله يا رسول الله؟ كانت هذه أول موقعة أوقعها الله بأهل ~~الشرك ، فكان الإثخان في القتل أحب إلى من استبقاء الرجال .. # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه يومئذ : «إنى قد عرفت أن رجالا ~~من ms2335 بنى هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها ، ولا حاجة لهم بقتالنا ، فمن لقى منكم ~~أحدا من بنى هاشم فلا يقتله ومن لقى أبا البحتري فلا يقتله .. # قال ابن إسحاق : وبعد انتهاء المعركة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالقتلى من المشركين أن يطرحوا في القليب فلما طرحوا وقف عليهم فقال : «بئس ~~العشيرة كنتم لنبيكم يا أهل القليب لقد كذبتموني وصدقنى الناس ، وأخرجتموني ~~وآوانى الناس ، وقاتلتموني ونصرني الناس» .. # ثم قال : «هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فإنى قد وجدت ما وعدني ربي حقا» ~~فقال المسلمون : يا رسول الله! أتنادي قوما قد جيفوا؟ PageV06P020 # فقال صلى الله عليه وسلم : «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ، ولكنهم لا ~~يستطيعون أن يجيبوني». # ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بما في العسكر مما جمع الناس فجمع ، ~~فاختلف فيه المسلمون ، فقال من جمعه : هو لنا ، وقال الذين كانوا يقاتلون ~~العدو .. : والله لو لا نحن ما أصبتموه .. # ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة ليبشر ~~أهل المدينة بنصر الله لهم على المشركين. # ثم فرق الرسول صلى الله عليه وسلم الأسرى من المشركين بين أصحابه وقال لهم : # «استوصوا بالأسارى خيرا». # قال ابن إسحاق : وكان أول من قدم مكة بمصاب قريش الحيسمان بن عبد الله ~~الخزاعي فقالوا له : ما وراءك؟ فقال ، قتل عتبة ، وشيبة ، وأبو الحكم بن ~~هشام ، وأمية بن خلف .. فلما جعل يعدد أشراف قريش الذين قتلوا ، قال صفوان ~~بن أمية وهو قاعد في الحجر : والله إن يعقل هذا فاسألوه عنى!! فقالوا له : ~~ما فعل صفوان بن أمية؟ فقال : ها هو ذاك في الحجر ، وقد والله رأيت أباه ~~وأخاه حين قتلا .. # ولما قدم أبو سفيان بن الحارث قال له أبو لهب : هلم إلى ، فعندك لعمري ~~الخبر!! فجلس إليه الناس قيام عليه فقال له أبو لهب : يا ابن أخى أخبرنى ~~كيف كان أمر الناس؟ # فقال أبو سفيان : والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا ~~يقودوننا كيف شاءوا ms2336 ، ويأسروننا كيف شاءوا .. # أما بعد : فهذا ملخص لغزوة بدر سقناه قبل البدء في التفسير التحليلى ~~لسورة الأنفال ، وقصدنا من ذكر هذا الملخص لهذه الغزوة الحاسمة : أن نتنسم ~~الجو الذي نزلت فيه السورة كما سبق أن أشرنا وأن نستعين به على فهم الآيات ~~فهما واضحا مستنيرا .. # لأن سورة الأنفال هي سورة بدر كما سماها ابن عباس رضى الله عنه وفي ختام ~~هذا التعريف بسورة الأنفال ، نسأل الله تعالى أن يوفقنا لتفسير آياتها ~~تفسيرا واضحا مقبولا ، بعيدا عن الانحراف. محررا من لغو القول وباطله .. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. ||المؤلف د. محمد سيد طنطاوى| PageV06P021 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@018 يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله ~~وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين (1) @QUR@017 إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا وعلى ربهم يتوكلون (2) @QUR@06 الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ~~ينفقون (3) @QUR@011 أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق ~~كريم ) (4) # لعل من الخير قبل أن نتكلم في تفسير هذه الآيات الكريمة أن نذكر بعض ~~الروايات التي وردت في سبب نزولها ، فإن معرفة سبب النزول يعين على الفهم ~~السليم. # قال الإمام ابن كثير ما ملخصه روى الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت قال : ~~خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدت معه بدرا فالتقى الناس ، فهزم ~~الله تعالى العدو ، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون. وأقبلت طائفة ~~على العسكر يحوزونه ويجمعونه. وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم لكي ~~لا يصيب العدو منه غرة. حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض ، قال ~~الذين جمعوا الغنائم : نحن حويناها وجمعناها ، فليس لأحد فيها نصيب ، وقال ~~الذين خرجوا في طلب العدو : لستم بأحق بها منا ، نحن نفينا عنها العدو ~~وهزمناهم. وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم : لستم بأحق بها ~~منا. نحن أحدقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم مخافة ms2337 أن يصيب العدو منه غرة ~~فاشتغلنا به فنزلت : PageV06P023 # ( @QUR@07 يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ).. فقسمها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين. # وروى أبو داود والنسائي وابن جرير وابن مردويه واللفظ له عن ابن عباس قال ~~: «لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صنع كذا وكذا فله كذا ~~وكذا ، فتسارع في ذلك شبان القوم ، وبقي الشيوخ تحت الرايات. فلما كانت ~~المغانم جاءوا يطلبون الذي جعل لهم. فقال الشيوخ : لا تستأثروا علينا فإنا ~~كنا ردءا لكم ، لو انكشفتم لثبتم إلينا. فتنازعوا ، فأنزل الله تعالى : ( ~~@QUR@07 يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول .. ). # وقال الثوري ، عن الكلبي ، عن أبى صالح عن ابن عباس قال : لما كان يوم ~~بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قتل قتيلا فله كذا وكذا ، ومن أتى ~~بأسير فله كذا وكذا» ، فجاء أبو اليسر بأسيرين ، فقال : يا رسول الله صلى ~~الله عليك أنت وعدتنا. فقام سعد بن عبادة فقال : يا رسول الله ، إنك لو ~~أعطيت هؤلاء لم يبق لأصحابك شيء ، وإنه لم يمنعنا من هذا زهادة في الأجر ~~ولا جبن عن العدو ، وإنما قمنا هذا المقام محافظة عليك مخافة أن يأتوك من ~~ورائك. فتشاجروا ، ونزل القرآن : ( @QUR@07 يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال ~~لله والرسول ). # وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن سلمة عن ابن إسحاق ، عن عبد الرحمن عن ~~سليمان بن موسى عن مكحول عن أبى أمامة قال : سألت عبادة بن الصامت عن ~~الأنفال فقال : فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل ، وساءت فيه ~~أخلاقنا ، فنزعه الله من أيدينا وجعله إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقسمه ~~بين المسلمين عن بواء أى : على السواء (1). # هذه بعض الروايات التي وردت في سبب نزول هذه الآيات ، ومنها يتبين لنا أن ~~نزاعا حدث بين بعض الصحابة الذين اشتركوا في غزوة بدر ، حول الغنائم التي ~~ظفروا بها من هذه الغزوة ، فأنزل الله تعالى في هذه الآيات بيان حكمه فيها. # والضمير في قوله ( @QUR@01 يسئلونك ) يعود ms2338 إلى بعض الصحابة الذين اشتركوا ~~في غزوة بدر ، وصح عود الضمير إليهم مع أنهم لم يسبق لهم ذكر ، لأن السورة ~~نزلت في هذه الغزوة ، ولأن هؤلاء الذين اشتركوا فيها هم الذين يهمهم حكمها ~~، ويعنيهم العلم بكيفية قسمتها. # قال الإمام الرازي ما ملخصه : فإن قيل من هم الذين سألوا؟ فالجواب : إن ~~قوله ( @QUR@03 يسئلونك عن الأنفال ) إخبار عمن لم يسبق ذكرهم ، وحسن ذلك ~~هاهنا ، لأنه في حالة النزول كان السائل عن هذا السؤال معلوما معينا فانصرف ~~اللفظ إليهم. ولا شك أنهم كانوا PageV06P024 # أقواما لهم تعلق بالغنائم والأنفال ، وهم أقوام من الصحابة اشتركوا في ~~غزوة بدر (1). # والأنفال جمع نفل بفتح النون والفاء كسبب وأسباب وهو في أصل اللغة من ~~النفل بفتح فسكون أى : الزيادة ، ولذا قيل للتطوع نافلة ، لأنه زيادة عن ~~الأصل وهو الفرض وقيل لولد الولد نافلة ، لأنه زيادة على الولد. قال تعالى ~~: ( @QUR@05 ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة ) (2). # قال الآلوسى : ثم صار النفل حقيقة في العطية ، لأنها لكونها تبرعا غير ~~لازم كان زيادة ، ويسمى به الغنيمة أيضا وما يشترطه الإمام للغازى زيادة ~~على سهمه لرأى يراه سواء أكان لشخص معين أو لغير معين ، وجعلوا من ذلك ما ~~يزيده الإمام لمن صدر منه أثر محمود في الحرب كبراز وحسن إقدام ، وغيرهما. # وإطلاقه على الغنيمة ، باعتبار أنها زيادة على ما شرع الجهاد له وهو ~~إعلاء كلمة الله ، أو باعتبار أنها زيادة خص الله بها هذه الأمة ، أو ~~باعتبار أنها منحة من الله تعالى من غير وجوب. # ثم قال : ومن الناس من فرق بين الغنيمة والنفل بالعموم والخصوص. فقيل : ~~الغنيمة ما حصل مستغنما سواء أكان بتعب أو بغير تعب ، قبل الظفر أو بعده ، ~~والنفل ما كان قبل الظفر ، أو ما كان بغير قتال وهو «الفيء». # والمراد بالأنفال هنا الغنائم كما روى عن ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، ~~والضحاك ، وابن زيد ، وطائفة من الصحابة وغيرهم (3). # هذا ، وجمهور العلماء على أن المقصود من سؤال بعض الصحابة لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن الأنفال أى الغنائم إنما هو ms2339 حكمها وعن المستحق لها ، ~~فيكون المعنى : # يسألك بعض أصحابك يا محمد عن غنائم بدر كيف تقسم؟ ومن المستحق لها؟ قل ~~لهم : الأنفال لله يحكم فيها بحكمه سبحانه وللرسول صلى الله عليه وسلم فهو ~~الذي يقسمها على حسب حكم الله وأمره فيها. # وفي هذه الإجابة على سؤالهم تربية حكيمة لهم وهم في أول لقاء لهم مع ~~أعدائهم حتى يجعلوا جهادهم من أجل إعلاء كلمة الله. أما الغنائم والأسلاب ~~وأعراض الدنيا التي تأتيهم PageV06P025 # من وراء جهادهم فعليهم ألا يجعلوها ضمن غايتهم السامية من جهادهم ، وأن ~~يفوضوا الأمر فيها لله ورسوله عن إذعان وتسليم. # وبعض العلماء يرى أن السؤال للاستعطاء ، وأن المراد بالأنفال ما شرط ~~للغازى زيادة على سهمه ، وأن حرف «عن» زائد ، أو هو بمعنى من ، فيكون ~~المعنى : يسألك بعض أصحابك يا محمد إعطاءهم الأنفال التي وعدتهم بها زيادة ~~على سهامهم فيها. قل لهم : الأنفال لله ولرسوله. # والذي نراه أن الرأى الأول أرجح وذلك لأمور منها : # 1 بعض الروايات التي وردت في أسباب نزول هذه الآية تؤيده تأييدا صريحا ، ~~ومن ذلك ما سبق أن ذكرناه عن عبادة بن الصامت أنه قال : «فينا معشر أصحاب ~~بدر نزلت ، حين اختلفنا في النفل ، وساءت فيه أخلاقنا ، فنزعه الله من ~~أيدينا. فجعله إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقسمه بين المسلمين عن بواء». # 2 ولأن غزوة بدر كانت أول غزوة لها شأنها وأثرها بين المسلمين والكافرين ~~، وكانت غنائمها الضخمة التي ظفر بها المؤمنون من المشركين ، حافزا لسؤال ~~بعض المؤمنين رسولهم صلى الله عليه وسلم عن حكمها وعن المستحق لها. # 3 ولأن الجواب عن السؤال بقوله تعالى : ( @QUR@04 قل الأنفال لله والرسول ~~) يؤيد أن السؤال إنما هو عن حكم الأنفال وعن مصرفها ، إذ أن هذا الجواب ~~يفيد أن اختصاص أمرها وحكمها مرجعه إلى الله ورسوله دون تدخل أحد سواهما. # ولو كان السؤال للاستعطاء لما كان هذا جوابا له ، فإن اختصاص حكم ما شرط ~~لهم بالله والرسول لا ينافي إعطاءه إياهم بل يحققه ، لأنهم إنما يسألونه ~~بموجب شرطه لهم ms2340 الصادر عنه بإذن الله تعالى لا بحكم سبق أيديهم إليه أو نحو ~~ذلك مما يخل بالاختصاص المذكور» (1). # 4 ولأن قوله تعالى بعد ذلك «فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم .. إلخ» يؤيد ~~أن السؤال عن حكم الأنفال ومصرفها بعد أن تنازعوا في شأنها ، فهو سبحانه ~~ينهاهم عن هذا التنازع ، ويأمرهم بأن يصونوا أنفسهم عن كل ما يغضب الله ... ~~ولو كان السؤال للاستعطاء بناء على ما شرطه الرسول صلى الله عليه وسلم لبعضهم ~~زيادة على سهامهم لما كان هناك محذور يجب اتقاؤه ، لأنهم لم يطلبوا من ~~الرسول إلا ما وعدهم به وهذا لا محظور فيه. PageV06P026 # 5 ولأن الآية الكريمة بمنطوقها الواضح ، وبتركيبها البليغ ، وبتوجيهها ~~السامي ، تفيد أن السؤال إنما هو عن حكم الأنفال وعن المستحق لها .. أما ~~القول بأن السؤال سؤال استعطاء وأن عن زائدة أو بمعنى من فهو تكلف لا ضرورة إليه. # والمعنى الواضح الجلى للآية الكريمة كما سبق أن بينا : يسألك بعض أصحابك ~~يا محمد عن غنائم بدر كيف تقسم ، ومن المستحق لها؟ قل لهم : الأنفال لله ~~يحكم فيها بحكمه ، ولرسوله يقسمها بحسب حكم الله فيها ، فهو سبحانه العليم ~~بمصالح عباده ، الحكيم في جميع أقواله وأفعاله. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما وجه الجمع بين ذكر الله والرسول في قوله ~~: ( @QUR@04 قل الأنفال لله والرسول )؟ # قلت : معناه أن حكمها مختص بالله ورسوله ، يأمر الله بقسمتها على ما ~~تقتضيه حكمته ، ويمتثل الرسول أمر الله فيها ، وليس الأمر في قسمتها مفوضا ~~إلى رأى أحد ، والمراد : «أن الذي اقتضته حكمة الله وأمر به رسوله أن يواسى ~~المقاتلة المشروط لهم التنفيل الشيوخ الذين كانوا عند الرايات ، فيقاسموهم ~~على السوية ولا يستأثروا بما شرط لهم ، فإنهم إن فعلوا لم يؤمن أن يقدح ذلك ~~فيما بين المسلمين من التحاب والتصافي» (1). # وقوله : ( @QUR@011 فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله ~~إن كنتم مؤمنين ) حض لهم على تقوى الله وامتثال أمره ، وإصلاح ذات بينهم ، ~~وتحذير لهم من الوقوع في المعاصي والنزاع والخلاف. # وكلمة ( @QUR@01 ذات ) بمعنى حقيقة الشيء ونفسه ، ولا تستعمل ms2341 إلا مضافة ~~إلى الظاهر ، كذات الصدور ، وذات الشوكة. # وكلمة ( @QUR@01 بينكم )، من البين ، وهو مصدر بان يبين بينا ، متى بعد ~~، ويطلق على الاتصال والفراق ، أى : على الضدين ، ومنه قول الشاعر : # فو الله لو لا البين لم يكن الهوى %~% ولو لا الهوى ما حس للبين آلف # والمراد به في الآية الاتصال. # أى : فاتقوا الله أيها المؤمنون ، وأصلحوا نفس ما بينكم وهي الحال والصفة ~~التي بينكم والتي تربط بعضكم ببعض وهي رابطة الإسلام. وإصلاحها يكون بما ~~يقتضيه كمال الإيمان من الموادة والمصافاة ، وترك الاختلاف والتنازع ، ~~والتمسك بفضيلة الإيثار. PageV06P027 # وكلمة ( @QUR@01 ذات ) على هذا المعنى مفعول به. # ومنهم من يرى أن كلمة «ذات» بمعنى صاحبة ، وأنها صفة لمفعول محذوف ، ~~فيكون المعنى : فاتقوا الله وأصلحوا أحوالا ذات بينكم. # وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : «فإن قلت : ما حقيقة قوله : ( ~~@QUR@02 ذات بينكم ). # قلت : أحوال بينكم ، يعنى ما بينكم من الأحوال ، حتى تكون أحوال ألفة ~~ومودة واتفاق. كقوله : ( @QUR@02 بذات الصدور ) وهي مضمراتها. # ولما كانت أحوال ملابسة للبين قيل لها : ذات البين ، كقولهم : اسقني ذا ~~إنائك ، يريدون ما في الإناء من الشراب ..» (1). # وقوله ( @QUR@03 وأطيعوا الله ورسوله ) معطوف على ما قبله ، وهو قوله : ( ~~@QUR@02 فاتقوا الله ). # أى : فاتقوا الله أيها المؤمنون في كل أقوالكم وأفعالكم ، وأصلحوا ما ~~بينكم من الأحوال حتى تكون أحوال ألفة ومحبة ومودة ، وأطيعوا الله ورسوله ~~في حكمه الذي قضاه في الأنفال وفي غيرها ، من كل أمر ونهى ، وقضاء وحكم ... # وقد كرر سبحانه الاسم الجليل في هذه الآية ثلاث مرات ، لتربية المهابة في ~~القلوب ، وتعليل الحكم حتى تقبله النفوس بإذعان وتسليم. # وذكر سبحانه رسوله معه مرتين في هذه الآية ، لتعظيم شأنه ، وإظهار شرفه ، ~~والإيذان بأن طاعته صلى الله عليه وسلم طاعة لله تعالى ، ومخالفته مخالفة لأمر ~~الله تعالى . قال سبحانه : ( @QUR@012 من يطع الرسول فقد أطاع الله ، ومن ~~تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا ) (2). # ووسط سبحانه الأمر بإصلاح ذات البين بين الأمر بالتقوى والأمر بالطاعة ، ~~لإظهار كمال العناية بالإصلاح ، وليندرج الأمر به بعينه تحت الأمر بالطاعة. # وقوله : ( @QUR@03 إن كنتم ms2342 مؤمنين ) متعلق بالأوامر الثلاثة السابقة ، ~~وهي : التقوى ، وإصلاح ذات البين ، وطاعة الله ورسوله. # وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله ، أى : إن كنتم مؤمنين إيمانا حقا ~~فامتثلوا هذه الأوامر الثلاثة السابقة. PageV06P028 # قال الآلوسى : قوله ( @QUR@03 إن كنتم مؤمنين ) جوابه محذوف ثقة بدلالة ~~المذكور عليه ، أو المذكور هو الجواب على الخلاف المشهور. وأيا ما كان ~~فالمراد بيان ترتب ما ذكر عليه لا التشكيك في إيمانهم ، وهو يكفى في ~~التعليق بالشرط. # والمراد بالإيمان : التصديق. ولا خفاء في اقتضائه ما ذكر ، على معنى أنه ~~من شأنه ذلك لا أنه لازم له حقيقة. # وقد يراد بالإيمان الإيمان الكامل والأعمال شرط فيه أو شطر ، فالمعنى : ~~إن كنتم كاملى الإيمان ، فإن كمال الإيمان يدور على تلك الخصال الثلاثة : ~~الاتقاء ، والإصلاح ، وإطاعة الله تعالى . # ويؤيد إرادة الكمال قوله سبحانه بعد ذلك ( @QUR@02 إنما المؤمنون ... ) ~~إذ المراد به قطعا الكاملون في الإيمان وإلا لم يصح الحصر ..» (1). # وعلى أية حال ففي هذا التذييل تنشيط للمخاطبين ، وحث لهم على الامتثال ~~والطاعة ، ودعوة لهم إلى أن يكون إيمانهم إيمانا عميقا راسخا ، متفقا مع كل ~~ما جاءهم به رسولهم صلى الله عليه وسلم من هدايات وإرشادات ، ومتساميا عن كل ~~ما يخدش صفاءه ونقاءه من متع وشهوات. # ثم وصف سبحانه المؤمنين الصادقين بخمس صفات ، وبشرهم بأعلى الدرجات ، ~~فقال في بيان صفتهم الأولى : ( @QUR@08 إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله ~~وجلت قلوبهم .. ) فالجملة الكريمة مستأنفة وهي مسوقة لبيان أحوال المؤمنين ~~الذين هم أهل لرضا الله وحسن ثوابه ، حتى يتأسى بهم غيرهم. # وقوله ( @QUR@01 وجلت ) من الوجل وهو استشعار الخوف. يقال : وجل يوجل ~~وجلا فهو وجل ، إذا خاف وفزع. # والمراد بذكر الله : ذكر صفاته الجليلة ، وقدرته النافذة ، ورحمته ~~الواسعة ، وعقابه الشديد ، وعلمه المحيط بكل شيء ، وما يستتبع ذلك من حساب ~~وثواب وعقاب. # والمعنى : إنما المؤمنون الصادقون الذين إذا ذكر اسم الله وذكرت صفاته ~~أمامهم ، خافت قلوبهم وفزعت ، استعظاما لجلاله وتهيبا من سلطانه ، وحذرا من ~~عقابه ، ورغبة في ثوابه ، وذلك لقوة إيمانهم ، وصفاء نفوسهم ، وشدة ~~مراقبتهم لله عز وجل ووقوفهم ms2343 عند أمره ونهيه .. PageV06P029 # وقد جاء التعبير عن صفاتهم بصيغة من صيغ القصر وهي «إنما» ، للإشعار بأن ~~من هذه صفاتهم هم المؤمنون الصادقون في إيمانهم وإخلاصهم ، أما غيرهم ممن ~~لم تتوفر به هذه الصفات ، فأمره غير أمرهم ، وجزاؤه غير جزائهم. # قال الفخر الرازي : فإن قيل : إنه تعالى قال هاهنا : ( @QUR@02 وجلت ~~قلوبهم ) وقال في آية أخرى : ( @QUR@06 الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر ~~الله ) (1) فكيف الجمع بينهما؟ # قلنا : الاطمئنان : إنما يكون عن ثلج اليقين ، وشرح الصدر بمعرفة التوحيد ~~، والوجل : إنما يكون من خوف العقوبة. ولا منافاة بين هاتين الحالتين. بل ~~نقول : هذان الوصفان اجتمعا في آية واحدة وهي قوله تعالى : ( @QUR@020 الله ~~نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ، ثم ~~تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ) (2). # والمعنى تقشعر الجلود من خوف عذاب الله ، ثم تلين جلودهم وقلوبهم عند ~~رجاء ثواب الله (3). # والصفة الثانية من صفات هؤلاء المؤمنين الصادقين عبر عنها سبحانه بقوله : ~~( @QUR@06 وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ). # أى أن من صفات هؤلاء المؤمنين أنهم إذا قرئت عليهم آيات الله أى : حججه ~~وهي القرآن ؛ زادتهم إيمانا ، أى : زادتهم قوة في التصديق ، وشدة في ~~الإذعان ، ورسوخا في اليقين ، ونشاطا في الأعمال الصالحة ، وسعة في العلم ~~والمعرفة. # وجاء التعبير بصيغة الفعل المبنى للمفعول في قوله : ( @QUR@02 ذكر الله ) ~~و ( @QUR@03 تليت عليهم آياته )، للإيذان بأن هؤلاء المؤمنين الصادقين إذا ~~كانوا يخافون عند ما يسمعون من غيرهم آيات الله .. فإنهم يكونون أشد خوفا ~~وفزعا عند ذكرهم لله وعند تلاوتهم لآياته بألسنتهم وقلوبهم. # فالمقصود من هذه الصيغة : مدحهم ، والثناء عليهم ، وبيان الأثر الطيب ~~الذي يترتب على ذكر الله وعلى تلاوة آياته. # والصفة الثالثة من صفاتهم قوله تعالى : ( @QUR@03 وعلى ربهم يتوكلون ). # أى : أن من صفات هؤلاء المؤمنين أيضا أنهم يعتمدون على ربهم الذي خلقهم PageV06P030 # بقدرته ، ورباهم بنعمته ، فيفوضون أمورهم كلها إليه وحده سبحانه لا إلى ~~أحد سواه ، كما يدل عليه تقديم المتعلق على عامله. # ورحم الله الإمام ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الجملة : أى : أنهم ms2344 ~~لا يرجون سواه ، ولا يقصدون إلا إياه ، ولا يلوذون إلا بجنابه ، ولا يطلبون ~~الحوائج إلا منه ، ولا يرغبون إلا إليه ، ويعلمون أنه ما شاء كان وما لم ~~يشأ لم يكن ، وأنه المتصرف في الملك لا شريك له ، ولا معقب لحكمه وهو سريع ~~الحساب. ولهذا قال سعيد بن جبير : «التوكل على الله جماع الإيمان» (1). # ومن الواضح عند ذوى العقول السليمة أن التوكل على الله لا ينافي الأخذ ~~بالأسباب التي شرعها سبحانه بل إن الأخذ بالأسباب التي شرعها الله وأمر بها ~~لبلوغ الغايات ، لدليل على قوة الإيمان ، وعلى حسن طاعته سبحانه فيما شرعه ~~وفيما أمر به. # وليس من الإيمان ولا من العقل ولا من التوكل على الله أن ينتظر الإنسان ~~ثمارا بدون غرس ، أو شبعا بدون أكل ، أو نجاحا بدون جهد ، أو ثوابا بدون ~~عمل صالح. # إنما المؤمن العاقل المتوكل على الله ، هو الذي يباشر الأسباب التي شرعها ~~الله لبلوغ الأهداف مباشرة سليمة .. ثم بعد ذلك يترك النتائج له سبحانه ~~يسيرها كيف يشاء ، وحسبما يريد .. # أما الصفتان الرابعة والخامسة من صفات هؤلاء المؤمنين فهما قوله تعالى ( ~~@QUR@06 الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ). # والمراد بإقامة الصلاة : أداؤها في مواقيتها مستوفية لأركانها وشروطها ~~وآدابها وخشوعها من أقام الشيء إقامة إذا قومه وأزال عوجه لأن الشأن في ~~صلاة المؤمنين أن تكون : إحساسا عميقا بالوقوف بين يدي الله ، وانقطاعا ~~تاما لمناجاته ، وتمثلا حيا لجلاله وكبريائه ، واستغراقا كاملا في دعائه. # والمراد بقوله : ( @QUR@01 ينفقون ) يخرجون ويبذلون ، من الإنفاق وهو ~~إخراج المال وبذله وصرفه. # والجملة الكريمة في محل رفع صفة للموصول في الآية السابقة أو بدل منه أو ~~بيان له. # والمعنى : أن من صفات هؤلاء المؤمنين أنهم يؤدون الصلاة في مواقيتها ~~مستوفية لأركانها وشروطها وسننها وآدابها وخشوعها .. وأنهم يبذلون أموالهم ~~للفقراء والمحتاجين بسماحة PageV06P031 # نفس ، وسخاء يد ، استجابة لتعاليم دينهم. # فأنت ترى أنه سبحانه قد وصف هؤلاء المؤمنين بخمس صفات : الأولى والثانية ~~والثالثة منها ترجع إلى العبادات القلبية التي تدل على شدة خشيتهم من ربهم ~~، وقوة تأثرهم بآيات خالقهم ، واعتمادهم ms2345 عليه سبحانه وحده لا على أحد سواه. # والصفة الرابعة ترجع إلى العبادات البدنية ، وهي إقامة الصلاة بإخلاص وخشوع. # أما الصفة الخامسة فترجع إلى العبادات المالية ، وهي إنفاق المال في سبيل ~~الله ولا شك أن هذه الصفات متى تمكنت في النفس ، كان صاحبها أهلا لمحبة ~~الله ؛ ورضوانه ، ولذا مدح سبحانه أصحاب هذه الصفات ، وبين ما أعده لهم من ~~ثواب جزيل فقال : ( @QUR@011 أولئك هم المؤمنون حقا ، لهم درجات عند ربهم ~~ومغفرة ورزق كريم ). # أى : أولئك المتصفون بتلك الصفات الكريمة هم المؤمنون إيمانا حقا ( ~~@QUR@02 لهم درجات ) عالية ، ومكانة سامية ( @QUR@02 عند ربهم ) ولهم ( ~~@QUR@01 مغفرة ) شاملة لما فرط منهم من ذنوب ، ولهم ( @QUR@02 رزق كريم ) ~~في الجنة ، يجعلهم يحيون فيها حياة طيبة ( @QUR@05 لا لغو فيها ولا تأثيم ). # وقوله ( @QUR@01 حقا ) منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف ، أى : أولئك هم ~~المؤمنون إيمانا حقا. # والتنوين في قوله ( @QUR@01 درجات ) للتعظيم والتهويل أى : لهم درجات ~~رفيعة ، ومنازل عظيمة ، وفي وصف هذه الدرجات بأنها ( @QUR@02 عند ربهم ) ~~مزيد تشريف لهم ، ولطف بهم ، وإيذان بأن ما وعدهم به متيقن الوقوع ، لأنه ~~وعد من كريم لا يخلف وعده سبحانه وفي وصف الرزق الذي أعده لهم بالكرم ، ~~زيادة في إدخال السرور على قلوبهم ؛ لأن لفظ الكريم يصف به العرب كل شيء ~~حسن في بابه ، بحيث يكون لا قبح فيه ولا شكوى معه. # وبذلك نرى أن أصحاب تلك الصفات الحميدة قد مدحهم الله تعالى مدحا عظيما ، ~~وكافأهم على إيمانهم الحق بالدرجات العالية ، والمغفرة الشاملة ، والرزق ~~الكريم : ( @QUR@010 ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ). # هذا ، وقد استنبط العلماء من تلك الآيات جملة من الأحكام والآداب منها : # 1 حرص الصحابة على سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عما يهمهم من أمور دينهم ~~ودنياهم. فإن قيل : كيف تأتى لأصحابه الذين شهدوا بدرا وهم من هم في عفتهم ~~وزهدهم أن يختلفوا في شأن الغنائم. # فالجواب ، ، أن بعض الصحابة المشتركين في هذه الغزوة هم الذين حدث بينهم ~~الخلاف في PageV06P032 # شأنها ؛ لأنهم لم يكن لهم عهد سابق بكيفية تقسيمها ، أما ms2346 أكثر الصحابة ~~فإنهم لم يلتفتوا إلى هذه الغنائم ، بل تركوا أمرها إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يضعها كيف يشاء. # وأيضا فإن هؤلاء الذين حدث بينهم الخلاف في شأن الغنائم ، كان من الدوافع ~~التي دفعتهم إلى هذا الخلاف ، ما فهموه من أن حيازة الغنائم تدل على حسن ~~البلاء ، وشدة القتال في سبيل الله ، فكان كل واحد منهم يحرص على أن يظهر ~~بهذا المظهر المشرف وهم في أول لقاء لهم مع أعدائهم. # وعند ما جاوز هذا الحرص حده ، بأن غطى على ما يجب أن يسود بينهم من سماحة ~~وصفاء ، نزل القرآن ليربيهم بتربيته الحكيمة ، وليؤدبهم بأدبه السامي ، ~~وليخبرهم بحكم الله في شأن هذه الأنفال .. وبعد أن عرفوا حكم الله في شأنها ~~، قابلوه بالرضا والإذعان والتسليم. # 2 أن القرآن في ترتيبه للحوادث ، لا يلزم سردها على حسب زمن وقوعها ، ~~وإنما يرتبها بأسلوبه الخاص الذي يراعى فيه مقتضى حال المخاطب. # فلقد افتتحت السورة التي معنا بالحديث عن الغنائم التي غنمها المسلمون في ~~بدر مع أن ذلك كان بعد انتهاء الغزوة ليشعر المخاطبين من أول الأمر أن ~~النصر في هذه الغزوة كان للمسلمين ، وأن الإسلام قد صرع الكفر منذ أول ~~معركة نازله فيها. # وهذا اللون من الافتتاح هو ما يعبر عنه البلغاء ببراعة الاستهلال. # ولقد أفاض بعض العلماء في شرح هذا المعنى فقال ما ملخصه. # وقد بدأت السورة بموضوع الأنفال واختلافهم في قسمتها وسؤالهم عنها ، ~~فساقت في ذلك أربع آيات ، هن : ( @QUR@09 يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال ~~لله والرسول فاتقوا الله .. ) إلى قوله ( @QUR@02 ورزق كريم ). # وقد عالجت هذه الآيات نفوس المؤمنين ، وعملت على تطهيرها من الاختلاف ~~الذي ينشأ عن حب المال والتطلع إلى المادة ، ولا ريب أن حب المال والتطلع ~~إلى المادة من أكبر أسباب الفشل. # ولأهمية هذا الموضوع في حياة المؤمنين بدأت به السورة ، وإن كان اختلافهم ~~في قسمة الأنفال متأخرا في الوجود عن اختلافهم في الخروج إلى بدر ، وقتال ~~الأعداء. # وقد عرفنا من سنة القرآن في ذكر القصص والوقائع أنه لا يعرض ms2347 لها مرتبة ~~حسب وقوعها ، وذلك لأنه لا يذكرها على أنها تاريخ يعين لها الوقت والمكان ، ~~وإنما يذكرها لما فيها من العبر والمواعظ ، ولما تتطلبه من الأحكام والحكم. PageV06P033 # وقد بدأت السورة بالحديث عن الأنفال للمسارعة من أول الأمر بنتائج النصر ~~الذي كفله الله للمؤمنين. # وليس من تربية النفوس أن نبدأ الكلام معها بما يدل على الاضطراب والفزع ~~والتردد أمام وسائل العزة والشرف ، متى وجد لهم بجانب هذا التردد ما يدل ~~على مواقف الشرف والكرامة .. # ولا كذلك يكون الأمر إذا بدئت ببيان تثاقلهم في الخروج إلى الغزوة ، ~~وانظر كيف يكون وقع المطلع إذا جاء على هذا الوجه «كما أخرجك ربك من بيتك ~~بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون ... إلخ». # لا ريب أنه مطلع شديد الوقع على النفوس ، يصور علاقة المؤمنين بنبيهم في ~~صورة يأباها إيمانهم به وامتثالهم لأمره. يصورهم في شقاق واختلاف مع قائدهم ~~ورسولهم ويصورهم في ثوب الكراهية الشديدة لمعالي الأمور وعز الحياة. # لهذا كله جاء الأسلوب في سرد الوقائع غير مكترث بمخالفة ترتيبها في ~~الوجود الخارجي (1). # 3 استدل جمهور العلماء بقوله تعالى ( @QUR@06 وإذا تليت عليهم آياته ~~زادتهم إيمانا ) على أن الإيمان يزيد وينقص .. # ومن المفسرين الذين بسطوا القول في هذه المسألة الإمام الآلوسى ، فقد قال ~~ما ملخصه : # قوله تعالى ( @QUR@04 وإذا تليت عليهم آياته ) أى : القرآن ( @QUR@02 ~~زادتهم إيمانا ) أى : تصديقا كما هو المتبادر ، فإن تظاهر الأدلة وتعاضد ~~الحجج مما لا ريب في كونه موجبا لذلك. # وهذا أحد أدلة من ذهب إلى أن الإيمان يقبل الزيادة والنقص ، وهو مذهب ~~الجم الغفير من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين ، وبه أقول لكثرة الظواهر ~~الدالة على ذلك من الكتاب والسنة من غير معارض لها عقلا. # بل قد احتج عليه بعضهم بالعقل أيضا وذلك أنه لو لم تتفاوت حقيقة الإيمان ~~لكان إيمان آحاد الأمة بل المنهمكين في الفسق والمعاصي ، مساويا لإيمان ~~الأنبياء والملائكة ، واللازم باطل فكذا الملزوم. # وقال النووي : إن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى يكون في بعض ~~الأحيان أعظم يقينا وإخلاصا منه في ms2348 بعضها ، فكذا التصديق والمعرفة يتفاضلان ~~بحسب ظهور البراهين وكثرتها. PageV06P034 # وذهب الإمام أبو حنيفة وكثير من المتكلمين إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ~~ينقص ، واختاره إمام الحرمين ، محتجين بأنه اسم للتصديق البالغ حد الجزم ~~والإذعان ، وذلك لا يتصور فيه زيادة ولا نقصان فالمصدق إذا أتى بالطاعات أو ~~ارتكب المعاصي فتصديقه بحاله لم يتغير أصلا ، وإنما يتفاوت إذا كان اسما ~~للطاعات المتفاوتة قلة وكثرة. # وذهب جماعة منهم الإمام الرازي إلى أن الخلاف في زيادة الإيمان ونقصانه ~~وعدمهما لفظي ، وهو فرع تفسير الإيمان ، فمن فسره بالتصديق قال : إنه لا ~~يزيد ولا ينقص ، ومن فسره بالأعمال مع التصديق قال : إنه يزيد وينقص ، وعلى ~~هذا قول البخاري «لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار ، فما رأيت ~~أحدا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص ، وهو المعنى بما روى ~~عن ابن عمر أنه قال. قلنا يا رسول الله إن الإيمان يزيد وينقص ، قال ، نعم ~~، يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة ، وينقص حتى يدخل صاحبه النار (1). # ويبدو لنا أن رأى جمهور العلماء في هذه المسألة ، أولى بالقبول ؛ لأنه من ~~الواضح أن إيمان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أرسخ وأقوى من إيمان آحاد ~~الناس ، ولأنه كلما تكاثرت الأدلة كان الإيمان أشد رسوخا في النفس وأعمق ~~أثرا في القلب ، فلا تزلزله الشبهات ولا تزعزعه العوارض والفتن. # ومن أوضح الأدلة على أن الإيمان يقوى بقوة البرهان إلى درجة الاطمئنان ، ~~ما حكاه الله تعالى عن إبراهيم في قوله : ( @QUR@016 وإذ قال إبراهيم رب ~~أرني كيف تحي الموتى ، قال أولم تؤمن؟ قال : بلى ، ولكن ليطمئن قلبي ) (2). # فهذه الآية تدل دلالة واضحة على أن مقام الطمأنينة في الإيمان ، يزيد على ~~ما دونه من الإيمان المطلق قوة وكمالا. إن إبراهيم عليه السلام لا شك أنه ~~كان مؤمنا عند ما سأل ربه هذا السؤال ، سأله ذلك لينتقل من مرتبة علم ~~اليقين إلى مرتبة أعلى : وهي مرتبة عين اليقين ... # هذا ، وشبيه بهذه الآية في الدلالة على قبول الإيمان للزيادة والنقصان ~~قوله تعالى : ( @QUR@012 الذين قال لهم الناس ms2349 إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم فزادهم إيمانا .. ) (3). PageV06P035 # وقوله تعالى : ( @QUR@011 هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ~~ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم .. ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@030 وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته ~~هذه إيمانا؟ فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون. وأما الذين في ~~قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ) (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@018 ولما رأ المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا ~~الله ورسوله ، وصدق الله ورسوله ، وما زادهم إلا إيمانا وتسليما ) (3)، ~~إلى غير ذلك من الآيات الكريمة التي وردت في هذا المعنى. # 4 في هذه الآيات الكريمة تربية ربانية للمؤمنين ، وتوجيه لهم إلى ما ~~يسعدهم ، وإرشاد لهم إلى أن المؤمن الصادق في إيمانه ، هو الذي يجمع بين ~~سلامة العقيدة ، وسلامة الخلق ، وصلاح العمل ، وأن المؤمن متى جمع بين هذه ~~الصفات ارتفع إلى أعلى الدرجات ، وأحس بحلاوة الإيمان في قلبه .. # روى الحافظ الطبراني عن الحارث بن مالك الأنصارى أنه مر برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال له : «كيف أصبحت يا حارث»؟ قال : أصبحت مؤمنا حقا ، ~~فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : «انظر ما تقول فإن لكل شيء حقيقة ، فما ~~حقيقة إيمانك»؟ فقال الحارث : عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلى ، وأظمأت ~~نهاري. وكأنى أنظر إلى عرش ربي بارزا ، وكأنى أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون ~~فيها ، وكأنى أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها ، فقال صلى الله عليه وسلم : ~~«يا حارث عرفت فالزم» ثلاثا (4). # ثم أخذت السورة بعد هذا الافتتاح المشتمل على أروع استهلال وأبلغه وأحكمه ~~.. ، في الحديث عن الغزوة التي كان من ثمارها تلك الأنفال ، فاستعرضت مجمل ~~أحداثها ، وصورت نفوس فريق من المؤمنين الذين اشتركوا فيها أكمل تصوير ، ~~استمع معى أخى القارئ بتدبر وتعقل إلى قوله تعالى : PageV06P036 # ( @QUR@011 كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون ~~(5) @QUR@012 يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ~~ينظرون (6) @QUR@023 وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ~~ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق ms2350 بكلماته ويقطع دابر الكافرين ~~(7) @QUR@07 ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون ) (8) # الكاف في قوله تعالى : ( @QUR@03 كما أخرجك ربك .. ) بمعنى مثل ، أى : ~~للتشبيه وهي خبر لمبتدأ محذوف هو المشبه ، وما بعدها هو المشبه به ، ووجه ~~الشبه مطلق الكراهة ، وما ترتب على ذلك من خير للمؤمنين. # والمعنى : حال بعض أهل بدر في كراهتهم تقسيمك الغنائم بالسوية ، مثل حال ~~بعضهم في كراهة الخروج للقتال ، مع ما في هذه القسمة والقتال من خير وبركة. # ونحن عند ما نستعرض أحداث غزوة بدر ، نرى أنه قد حدث فيها أمران يدلان ~~على عدم الرضا من فريق من الصحابة ، ثم أعقبهما الرضا والإذعان والتسليم ~~لحكم الله ورسوله. # أما الأمر الأول فهو أن فريقا من الصحابة وأكثرهم من الشبان كانوا يرون ~~أن قسمة الغنائم بالسوية فيها إجحاف بحقهم ، لأنهم هم الذين قاموا بالنصيب ~~الأوفر في القتال ، وأن غيرهم لم يكن له بلاؤهم كما سبق أن بينا في أسباب ~~نزول قوله تعالى «يسألونك عن الأنفال .. إلخ». # ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قسم غنائم بدر بين الجميع بالسوية ، كما ~~أمره الله تعالى . # وكان هذا التقسيم خيرا للمؤمنين ، إذ أصلح الله به بينهم ، وردهم إلى ~~حالة الرضا والصفاء .. # وأما الأمر الثاني : فهو أن جماعة منهم كرهوا قتال قريش بعد نجاة العير ~~التي خرجوا من أجل الحصول عليها ، وسبب كراهيتهم لذلك أنهم خرجوا بدون ~~استعداد للقتال ، لا من حيث العدد ولا من حيث العدد. PageV06P037 # ولكنهم استجابوا بعد قليل لما نصحهم به رسولهم صلى الله عليه وسلم من وجوب ~~قتال قريش ،. # وكان في هذه الاستجابة نصر الإسلام ، ودحر الطغيان. # قال ابن كثير : روى الحافظ بن مردويه بسنده عن أبى أيوب الأنصارى قال : ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بالمدينة : «إنى أخبرت عن عير أبى ~~سفيان بأنها مقبلة ، فهل لكم أن نخرج قبل هذه العير لعل الله أن يغنمنا ~~إياها؟ فقلنا نعم. فخرج وخرجنا ، فلما سرنا يوما أو يومين قال لنا : # «ما ترون في قتال القوم؟ إنهم قد أخبروا بخروجكم»؟ فقلنا : ما ms2351 لنا طاقة ~~بقتال العدو ولكننا أردنا العير ، ثم قال : «ما ترون في قتال القوم»؟ فقال ~~المقداد بن عمرو : إذن لا نقول لك يا رسول الله كما قال بنو إسرائيل لموسى ~~: ( @QUR@07 فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون .. ) ولكن اذهب أنت ~~وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. # وفي رواية أن أبا بكر وعمر وسعد بن معاذ تكلموا بكلام سر له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم (1). # هذا ، وما قررناه قبل ذلك من أن الكاف في قوله تعالى ( @QUR@03 كما أخرجك ~~ربك .. ) بمعنى مثل ، هو ما نرجحه من بين أقوال المفسرين التي أوصلها بعضهم ~~إلى عشرين قولا. # قال الجمل ، قوله ( @QUR@03 كما أخرجك ربك .. ) فيه عشرون وجها ، أحدهما ~~: أن الكاف نعت لمصدر محذوف تقديره ؛ الأنفال ثابتة لله ثبوتا كما أخرجك ~~ربك ، أى : ثبوتا بالحق كإخراجك من بيتك ، يعنى أنه لا مرية في ذلك. # الثاني : أن تقديره وأصلحوا ذات بينكم إصلاحا كما أخرجك ، وقد التفت من ~~خطاب الجماعة إلى خطاب الواحد. # الثالث : تقديره : وأطيعوا الله ورسوله طاعة ثابتة محققة كما أخرجك أى : ~~كما أن إخراج الله إياك لا مرية فيه ولا شبهة. إلخ (2). # والحق أن معظم الوجوه النحوية التي ذكرها الجمل وغيره من المفسرين كأبى ~~حيان والآلوسى أقول : إن معظم هذه الوجوه يبدو عليها التكلف ومجانبة ~~الصواب. # ورحم الله صاحب الكشاف فقد أهمل أكثر ما ذكره المفسرون في ذلك ، واكتفى ~~بوجهين فقال : PageV06P038 # قوله : ( @QUR@03 كما أخرجك ربك ). فيه وجهان أحدهما : أن يرتفع محل ~~الكاف على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره : هذه الحال كحال إخراجك. يعنى أن ~~حالهم في كراهية ما رأيت من تنفيل الغزوة مثل حالهم في كراهة خروجك للحرب. # والثاني : أن ينتصب على أنه صفة مصدر الفعل المقدر في قوله : ( @QUR@03 ~~الأنفال لله والرسول ) أى : الأنفال استقرت لله والرسول ، وثبتت مع كراهتهم ~~ثباتا مثل ثبات إخراج ربك إياك من بيتك وهم كارهون (1). # والوجه الأول من الوجهين اللذين ذكرهما صاحب الكشاف هو الذي نميل إليه ، ~~وهو الذي ذكرناه قبل ذلك بصورة أكثر تفصيلا. # وأضاف سبحانه الإخراج إلى ذاته ms2352 فقال : ( @QUR@03 كما أخرجك ربك ) للإشعار ~~بأن هذا الإخراج كان بوحي منه سبحانه وبأنه هو الراعي له في هذا الخروج. # والمراد بالبيت في قوله : ( @QUR@02 من بيتك ) مسكنه صلى الله عليه وسلم ~~بالمدينة أو المراد المدينة نفسها ، لأنها مثواه ومستقره ، فهي في اختصاصها ~~به كاختصاص البيت بساكنه. # وقوله : ( @QUR@01 بالحق ) متعلق بقوله : ( @QUR@01 أخرجك ) والباء ~~للسببية ، أى : أخرجك بسبب نصرة الحق ، وإعلاء كلمة الدين ، وإزهاق باطل ~~المبطلين. # ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف على أنه حال من مفعول أخرجك ، وتكون الباء ~~للملابسة ، أى : أخرجك إخراجا متلبسا بالحق الذي لا يحوم حوله باطل. # قال الآلوسى : وقوله : ( @QUR@05 وإن فريقا من المؤمنين لكارهون )، أى : ~~للخروج ، إما لعدم الاستعداد للقتال ، أو للميل للغنيمة ، أو للنفرة ~~الطبيعية عنه ، وهذا مما لا يدخل تحت القدرة والاختيار ، فلا يرد أنه لا ~~يليق بمنصب الصحابة. # والجملة في موضع الحال ، وهي حال مقدرة ؛ لأن الكراهة وقعت بعد الخروج (2). # والمعنى الإجمالى للآية الكريمة : حال بعض المسلمين في بدر في كراهة قسمة ~~الغنيمة بالسوية بينهم ، مثل حال فريق منهم في كراهة الخروج للقتال ، مع ~~أنه قد ثبت أن هذه القسمة وذلك القتال ، كان فيهما الخير لهم ، إذ الخير ~~فيما قدره الله وأراده ، لا فيما يظنون. # وقوله تعالى : ( @QUR@012 يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى ~~الموت وهم ينظرون ) حكاية لما حدث من هذا الفريق الكاره للقتال ، وتصوير ~~معجز لما استبد به من خوف وفزع. PageV06P039 # والمراد بقوله ( @QUR@01 يجادلونك ) مجادلتهم للنبي صلى الله عليه وسلم في ~~شأن القتال وقولهم له : ما كان خروجنا إلا للعير ، ولو أخبرتنا بالقتال ~~لأعددنا العدة له. # والضمير يعود للفريق الذي كان كارها للقتال. # والمراد بالحق الذي جادلوا فيه : أمر القتال الذي حضهم الرسول ~~صلى الله عليه وسلم على أن يعدوا أنفسهم له. # وقوله : ( @QUR@03 بعد ما تبين ) متعلق : ( @QUR@01 يجادلونك ) و ( ~~@QUR@01 ما ) مصدرية والضمير في الفعل ( @QUR@01 تبين ) يعود على الحق. # والمراد بتبينه : إعلام الرسول صلى الله عليه وسلم لهم بأنهم سينصرون على ~~أعدائهم فقد روى أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرهم قبل نجاة ms2353 العير بأن الله ~~وعده الظفر بإحدى الطائفتين : العير أو النفير ، فلما نجت العير علم أن ~~الظفر الموعود به إنما هو النفير ، أى : على المشركين الذين استنفرهم أبو ~~سفيان للقتال لا على العير ، أى : الإبل الحاملة لأموال المشركين. # والمعنى : يجادلك بعض أصحابك يا محمد ( @QUR@02 في الحق ) أى في أمر ~~القتال ( @QUR@03 بعد ما تبين ) أى ، بعد ما تبين لهم الحق بإخبارك إياهم ~~بأن النصر سيكون حليفهم ، وأنه لا مفر لهم من لقاء قريش تحقيقا لوعد الله ~~الذي وعد بإحدى الطائفتين. # وقوله : ( @QUR@06 كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون ) أى : يكرهون ~~القتال كراهة من يساق إلى الموت ، وهو ناظر إلى أسبابه ، ومشاهد لموجباته. # والجملة في محل نصب على الحالية من الضمير في قوله : ( @QUR@01 لكارهون ). # وفي هذه الجملة الكريمة تصوير معجز لما استولى على هذا الفريق من خوف ~~وفزع من القتال يسبب قلة عددهم وعددهم. # وقوله : ( @QUR@03 بعد ما تبين ) زيادة في لومهم ، لأن الجدال في الحق ~~بعد تبينه أقبح من الجدال فيه قبل ظهوره. # ثم حكى سبحانه جانبا من مظاهر فضله على المؤمنين ، مع جزع بعضهم من قتال ~~عدوه وعدوهم ، وإيثارهم العير على النفير فقال : ( @QUR@014 وإذ يعدكم الله ~~إحدى الطائفتين أنها لكم ، وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ). # والمراد بإحدى الطائفتين : العير أو النفير ، والخطاب للمؤمنين. # والمراد بغير ذات الشوكة : العير ، والمراد بذات الشوكة : النفير. PageV06P040 # والشوكة في الأصل واحدة الشوك وهو النبات الذي له حد ، ثم استعيرت للشدة ~~والحدة ، ومنه قولهم : رجل شائك السلاح أى : شديد قوى. # والمعنى : واذكروا أيها المؤمنون وقت أن وعدكم الله تعالى على لسان رسوله ~~بأن إحدى الطائفتين : العير أو النفير هي لكم تظفرون بها ، وتتصرفون فيها ~~تصرف المالك في ملكه ، وأنتم مع ذلك تودون وتتمنون أن تظفروا بالطائفة التي ~~ليس معها سلاح وهي العير. # وعبر سبحانه عن وعده لهم بصيغة المضارع ( @QUR@01 يعدكم ) مع أن هذا ~~الوعد كان قبل نزول الآية ، لاستحضار صورة الموعود به في الذهن ، ولمداومة ~~شكره سبحانه على ما وهبهم من نصر وفوز. # وإنما وعدهم سبحانه إحدى ms2354 الطائفتين على الإبهام مع أنه كان يريد إحداهما ~~وهي النفير ، ليستدرجهم إلى الخروج إلى لقاء العدو حتى ينتصروا عليه ، ~~وبذلك تزول هيبة المشركين من قلوب المؤمنين. # وقوله ( @QUR@01 إحدى ) مفعول ثان ليعد ، وقوله : ( @QUR@02 أنها لكم ) ~~بدل اشتمال من ( @QUR@01 إحدى ) مبين لكيفية الوعد. # أى : يعدكم أن إحدى الطائفتين كائنة لكم ، ومختصة لكم ، تتسلطون عليها ~~تسلط الملاك ، وتتصرفون فيها كيفما شئتم. # وقوله : ( @QUR@07 وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) معطوف على قوله : ~~( @QUR@01 يعدكم ) أى : وعدكم سبحانه إحدى الطائفتين بدون تحديد لإحداهما ، ~~وأنتم تحبون أن تكون لكم طائفة العير التي لا قتال فيها يذكر ، على طائفة ~~النفير التي تحتاج منكم إلى قتال شديد ، وإلى بذل للمهج والأرواح. # وفي هذه الجملة تعريض بهم ، حيث كرهوا القتال ، وأحبوا المال ، وما هكذا ~~يكون شأن المؤمنين الصادقين. # ثم بين لهم سبحانه أنهم وإن كانوا يريدون العير ، إلا أنه سبحانه يريد ~~لهم النفير ، ليعلو الحق ، ويزهق الباطل ، فقال : ( @QUR@09 ويريد الله أن ~~يحق الحق بكلماته ، ويقطع دابر الكافرين ). # أى : ويريد الله بوعده غير ما أردتم ، ( @QUR@04 أن يحق الحق بكلماته ) ~~أى أن يظهر الحق ويعلمه بآياته المنزلة على رسوله ، وبقضائه الذي لا يتخلف ~~، وأن يستأصل الكافرين ويذلهم ، PageV06P041 # ويقطع دابرهم ؛ أى آخرهم الذي يدبرهم. # والدابر : التابع من الخلف ، يقال : دبر فلان القوم يدبرهم دبورا ، إذا ~~كان آخرهم في المجيء ، والمراد أنه سبحانه يريد أن يستأصلهم استئصالا. # وقد هلك في غزوة بدر عدد كبير من صناديد قريش الذين كانوا يحاربون ~~الإسلام ، ويستهزئون بتعاليمه. # قال صاحب الكشاف في معنى الآية الكريمة ، قوله : ( @QUR@06 ويريد الله أن ~~يحق الحق بكلماته ... ) يعنى أنكم تريدون العاجلة وسفساف الأمور ، وأن لا ~~تلقوا ما يرزؤكم في أبدانكم وأموالكم ، والله عز وجل يريد معالى الأمور ، ~~وما يرجع إلى عمارة الدين ، ونصرة الحق ، وعلو الكلمة والفوز في الدارين ، ~~وشتان ما بين المرادين ولذلك اختار لكم الطائفة ذات الشوكة ، وكسر قوتهم ~~بضعفكم ، وغلب كثرتهم بقلتكم ، وأعزكم وأذلهم ، وحصل لكم ما لا تعارض أدناه ~~العير وما فيها» (1). # ثم بين سبحانه الحكمة في اختيار ذات ms2355 الشوكة لهم ، ونصرتهم عليهم فقال : ( ~~@QUR@07 ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون ). # أى : فعل ما فعل من النصرة والظفر بالأعداء ( @QUR@02 ليحق الحق ) أى : ~~ليثبت الدين الحق دين الإسلام ( @QUR@02 ويبطل الباطل ) أى : ويمحق الدين ~~الباطل وهو ما عليه المشركون من كفر وطغيان. # وقوله : ( @QUR@03 ولو كره المجرمون ) بيان لنفاذ إرادته سبحانه ، أى : ~~اقتضت إرادته أن يعز الدين الحق وهو دين الإسلام ، وأن يمحق ما سواه ، ولو ~~كره المشركون ذلك ؛ لأن كراهيتهم لا وزن لها ، ولا تعويل عليها .. # وبهذا يتبين أنه لا تكرار بين الآيتين السابقتين ، لأن المراد بإحقاق ~~الحق في قوله تعالى ( @QUR@06 ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ): إعلاؤه ~~وإظهاره ونصرته عن طريق قتال المؤمنين للمشركين. # والمراد بإحقاق الحق في قوله بعد ذلك في الآية الثانية ( @QUR@04 ليحق ~~الحق ويبطل الباطل ): تثبيت دين الإسلام وتقويته وإظهار شريعته ، ويمحق ~~دين الكفر. # فكان ما اشتملت عليه الآية الأولى هو الوسيلة والسبب وما اشتملت عليه ~~الآية الثانية هو المقصد والغاية. PageV06P042 # وقد بسط هذا المعنى الإمام الرازي فقال ما ملخصه : فإن قيل : أليس قوله : ~~( @QUR@06 ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ) ثم قوله بعد ذلك : ( @QUR@02 ~~ليحق الحق ) تكرارا محضا ، فالجواب : ليس هاهنا تكرير ؛ لأن المراد بالأول ~~سبب ما وعد به في هذه الواقعة من النصر والظفر بالأعداء ، والمراد بالثاني ~~؛ تقوية القرآن والدين ونصرة هذه الشريعة ، لأن الذي وقع من المؤمنين يوم ~~بدر بالكافرين ، كان سببا لعزة الدين وقوته ، ولهذا السبب قرنه بقوله ( ~~@QUR@02 ويبطل الباطل ) الذي هو الشرك ، وذلك في مقابلة ( @QUR@01 الحق ) ~~الذي هو الدين والإيمان (1). # وإلى هنا نرى السورة الكريمة قد حدثتنا في الأربع الآيات الأولى منها عن ~~حكم الله تعالى في غنائم بدر بعد أن اختلف بعض المؤمنين في شأنها ، وعن ~~صفات المؤمنين الصادقين الذين يستحقون من الله تعالى أرفع الدرجات. # ثم حدثتنا في الأربع الآيات الثانية منها عن حال بعض المؤمنين عند ما ~~دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى قتال أعدائهم ، وعن مجادلتهم له في ذلك ، ~~وعن إيثارهم المال على القتال ، وعن إرادة ما هو ms2356 خير لهم في دنياهم وآخرتهم ~~، وفي ذلك ما فيه من العبر والعظات لقوم يعقلون. # ثم ساق سبحانه بعض مظاهر تدبيره المحكم في هذه الغزوة ، وبعض النعم التي ~~أنعم بها على المؤمنين ، وبعض البشارات التي تقدمت تلك الغزوة أو صاحبتها ، ~~والتي كانت تدل دلالة واضحة على أن النصر سيكون للمسلمين فقال تعالى : # ( @QUR@011 إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة ~~مردفين (9) @QUR@018 وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر ~~إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم (10) @QUR@022 إذ يغشيكم النعاس أمنة ~~منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط ~~على قلوبكم ويثبت به الأقدام (11) PageV06P043 # @QUR@023 إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في ~~قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان (12) ~~@QUR@013 ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد ~~العقاب (13) @QUR@06 ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار ) (14) # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@03 إذ تستغيثون ربكم ) الاستغاثة : ~~طلب الغوث والنصر ، يقال : غوث الرجل ، أى : قال وا غوثاه ، والاسم الغوث ~~والغواث ، واستغاثني فلان فأغثته ، والاسم الغياث (1). # وقوله ( @QUR@01 ممدكم ) من الإمداد بمعنى الزيادة والإغاثة ، وقد جرت ~~عادة القرآن أن يستعمل الإمداد في الخير ، وأن يستعمل المد في الشر والذم. # قال تعالى : ( @QUR@010 واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون ، أمدكم بأنعام ~~وبنين ، وجنات وعيون ) (2). # وقال تعالى : ( @QUR@011 ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال ~~وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا ) (3). # قال تعالى : ( @QUR@09 قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا ) (4). # وقال تعالى : ( @QUR@07 الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون ) (5). # وقوله : ( @QUR@01 مردفين ) من الإرداف بمعنى التتابع. # قال الفخر الرازي : قرأ نافع وأبو بكر عن عاصم ( @QUR@01 مردفين ) بفتح ~~الدال وقرأ PageV06P044 # الباقون بكسرها ، والمعنى على الكسر ، أى : متتابعين يأتى بعضهم في إثر ~~البعض كالقوم الذين أردفوا على الدواب. # والمعنى على قراءة الفتح ، أى : فعل بهم ذلك ، ومعناه أن الله تعالى أردف ~~المسلمين وأمدهم بهم (1) أى جعلهم خلف المسلمين لتقويتهم. # والمعنى : اذكروا أيها المؤمنون وقت أن ms2357 كنتم وأنتم على أبواب بدر ( ~~@QUR@02 تستغيثون ربكم ) أى : تطلبون منه الغوث والنصر على عدوكم ( @QUR@02 ~~فاستجاب لكم ) دعاءكم ، وكان من مظاهر ذلك أن أخبركم على لسان نبيكم ~~صلى الله عليه وسلم بأنى ( @QUR@01 ممدكم ) أى : معينكم وناصركم بألف من ~~الملائكة مردفين ، أى : متتابعين ، بعضهم على إثر بعض ، أو أن الله تعالى ~~جعلهم خلف المسلمين لتقويتهم وتثبيتهم. # ويروى الإمام مسلم عن ابن عباس قال : حدثني عمر بن الخطاب قال : كان يوم ~~بدر ، نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف ، وأصحابه ~~ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا ، فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة ، ثم ~~مد يديه فجعل يهتف بربه ويقول : اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم أنجز لي ~~ما وعدتني ، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض ، ~~فما زال يهتف بربه مادا يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه. # فأتاه أبو بكر ، فأخذ رداءه ، فألقاه على منكبيه ، ثم التزمه من ورائه ، ~~وقال : يا نبي الله!! كفاك مناشدتك ربك ، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل ~~الله عز وجل : ( @QUR@05 إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم ) الآية فأمده الله ~~بالملائكة (2). # وروى البخاري عن ابن عباس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر ، ~~اللهم أنشدك عهدك ووعدك ، اللهم إن شئت لم تعبد ، فأخذ أبو بكر بيده ، فقال ~~حسبك ، فخرج صلى الله عليه وسلم وهو يقول : «سيهزم الجمع ويولون الدبر» (3). # وروى سعيد بن منصور عن طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال : لما كان ~~يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وتكاثرهم ، وإلى ~~المسلمين فاستقلهم ، فركع ركعتين وقام أبو بكر عن يمينه ، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو في صلاته : «اللهم لا تودع منى ، اللهم لا تخذلني ، ~~اللهم لا تترنى أى لا تقطعني عن أهلى وأنصارى أو لا تنقصني شيئا من عطائك ~~اللهم أنشدك ما وعدتني أى : أستنجزك وعدك». PageV06P045 # وروى ابن إسحاق في سيرته أنه صلى الله عليه وسلم قال : اللهم هذه ms2358 قريش قد ~~أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك ، اللهم فنصرك الذي وعدتني (1). # فإن قيل : إن هذه النصوص يؤخذ منها أن هذه الاستغاثة كانت من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فلما ذا أسندها القرآن إلى المؤمنين؟ # فالجواب : أن المؤمنين كانوا يؤمنون على دعائه صلى الله عليه وسلم ويتأسون ~~به في الدعاء ، إلا أن الروايات ذكرت دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ، لأنه ~~هو قائد المؤمنين ، وهو الذي يحرص الرواة على نقل دعائه ، أكثر من حرصهم ~~على نقل دعاء غيره من أصحابه. # وقيل : إن الضمير في قوله ( @QUR@01 تستغيثون ) للرسول صلى الله عليه وسلم ، ~~وجيء به مجموعا على سبيل التعظيم ، ويعكر على هذا القيل أن السياق بعد ذلك ~~لا يلتئم معه ، لأنه خطاب للمؤمنين بالنعم التي أنعم بها سبحانه عليهم. # وعبر سبحانه بالمضارع ( @QUR@01 تستغيثون ) مع أن استغاثتهم كانت قبل ~~نزول الآية استحضارا للحال الماضية ، حتى يستمروا على شكرهم لله ، ولذلك ~~عطف عليه. # فاستجاب لكم ، بصيغة الماضي مسايرة للواقع. # وكان العطف بالفاء للإشعار بأن إجابة دعائهم كانت في أعقاب تضرعهم ~~واستغاثتهم وهذا من فضل الله عليهم ، ورحمته بهم ، حيث أجارهم من عدوهم ، ~~ونصرهم عليه مع قلتهم عنه نصرا مؤزرا. # والسين والتاء في قوله : «تستغيثون» للطلب ، أى : تطلبون منه الغوث ~~بالنصر. # فإن قيل : إن الله تعالى ذكر هنا أنه أمدهم بألف من الملائكة ، وذكر في ~~سورة آل عمران أنه أمدهم بأكثر من ذلك فكيف الجمع بينهما؟. # فالجواب أن الله تعالى أمد المؤمنين بألف من الملائكة في يوم بدر ، كما ~~بين هنا في سورة الأنفال ، ثم زاد عددهم إلى ثلاثة آلاف كما قال تعالى في ~~سورة آل عمران : ( @QUR@023 ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله ~~لعلكم تشكرون. إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من ~~الملائكة منزلين ... )، ثم زاد عددهم مرة أخرى إلى خمسة آلاف ، قال تعالى ~~( @QUR@015 بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا ، يمددكم ربكم بخمسة ~~آلاف من الملائكة مسومين ) (2). PageV06P046 # وقد صبروا واتقوا وأتاهم المشركون من مكة فورا حين ms2359 استنفرهم أبو سفيان ~~لإنقاذ العير .. فكان المدد خمسة آلاف .. # واختار ابن جرير أنهم وعدوا بالمدد بعد الألف ، ولا دلالة في الآيات على ~~أنهم أمدوا بما زاد على ذلك ، ولا على أنهم لم يمدوا ، ولا يثبت شيء من ذلك ~~إلا بنص. # وهذا بناء على أن المدد الذي وعد الله به المؤمنين في آيات سورة آل عمران ~~كان خاصا بغزوة بدر. # أما على الرأى القائل بأن هذا المدد الذي بتلك الآيات كان خاصا بغزوة أحد ~~فلا يكون هناك إشكال بين ما جاء في السورتين. # وقد بسط القول في هذه المسألة الإمام ابن كثير فقال ما ملخصه : # «اختلف المفسرون في هذا الوعد هل كان يوم بدر أو يوم أحد على قولين : # أحدهما : أن قوله تعالى : ( @QUR@012 إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن ~~يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة ) متعلق بقوله : ( @QUR@04 ولقد نصركم ~~الله ببدر ). # وهذا قول الحسن والشعبي والربيع بن أنس وغيرهم .. # ، فإن قيل فكيف الجمع بين هذه الآيات التي في سورة آل عمران وبين قوله في ~~سورة الأنفال : ( @QUR@011 إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من ~~الملائكة مردفين ). # فالجواب : أن التنصيص على الألف هنا ، لا ينافي الثلاثة الآلاف فما فوقها ~~لقوله تعالى ( @QUR@01 مردفين ) بمعنى يردفهم غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم. # قال الربيع بن أنس : أمد الله المسلمين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ، ثم ~~صاروا خمسة آلاف». # والقول الثاني يرى أصحابه أن هذا الوعد وهو قوله تعالى : ( @QUR@012 إذ ~~تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة ). متعلق ~~بقوله قبل ذلك ( @QUR@08 وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال ). ~~وذلك يوم أحد. # وهو قول مجاهد ، وعكرمة ، والضحاك ، وغيرهم. # لكن قالوا : لم يحصل الإمداد بالخمسة الآلاف ، لأن المسلمين يومئذ فروا. # وزاد عكرمة : ولا بالثلاثة الآلاف لقوله تعالى ( @QUR@04 بلى إن تصبروا ~~وتتقوا ) فلم يصبروا بل فروا فلم يمدوا يملك واحد» (1). PageV06P047 # ثم بين سبحانه بعض مظاهر فضله عليهم ورحمته بهم في هذا الإمداد فقال : ( ~~@QUR@018 وما جعله الله إلا بشرى ، ولتطمئن به قلوبكم ، وما النصر ms2360 إلا من ~~عند الله ، إن الله عزيز حكيم ) فالآية الكريمة كلام مستأنف ساقه سبحانه ~~لبيان بعض مظاهر فضله على المؤمنين ، ولبيان أن المؤثر الحقيقي هو الله ~~وحده حتى يزدادوا ثقة به ، وحتى لا يقنطوا من النصر عند قلة أسبابه. # أى : وما جعل الله تعالى هذا الإمداد بالملائكة إلا بشارة لكم أيها ~~المؤمنون بالنصر على أعدائكم في هذه الغزوة الحاسمة وقوله ( @QUR@01 بشرى ) ~~مفعول لأجله مستثنى من أعم العلل. # وقوله : ( @QUR@03 ولتطمئن به قلوبكم ) معطوف عليه : أى : ولتسكن بهذا ~~الإمداد قلوبكم ، ويزول عنكم الخوف ، وتهاجموا أعداءكم بنفوس لا يداخلها ~~الإحجام أو التردد .. # وقوله : ( @QUR@06 وما النصر إلا من عند الله )، أى : ليس النصر ~~بالملائكة أو غيرهم إلا كائنا من عند الله وحده ، لأنه سبحانه هو الخالق ~~لكل شيء ، والقادر على كل شيء .. # وإن الوسائل مهما عظمت ، والأسباب مهما كثرت ، لا تؤدى إلى النتيجة ~~المطلوبة والغاية المرجوة ، إلا إذا أيدتها إرادة الله وقدرته ورعايته. # وقوله : ( @QUR@04 إن الله عزيز حكيم ) أى : غالب لا يقهره شيء ، ولا ~~ينازعه منازع حكيم في تدبيره وأفعاله. # فالجملة الكريمة تذييل قصد به التعليل لما قبله ، وفيه إشعار بأن النصر ~~الواقع على الوجه المذكور من مقتضيات حكمته البالغة سبحانه . # ثم حكى سبحانه بعد ذلك بعض المنن الأخرى التي منحها للمؤمنين قبل أن ~~يلتحموا مع أعدائهم في بدر فقال : ( @QUR@022 إذ يغشيكم النعاس أمنة منه ، ~~وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ، ويذهب عنكم رجز الشيطان ، وليربط ~~على قلوبكم ، ويثبت به الأقدام ). # وقوله : ( @QUR@01 يغشيكم ) بتشديد الشين من التغشية بمعنى التغطية من ~~غشاه تغشية أى : غطاه. # والنعاس : أول النوم قبل أن يثقل ، وفعله على الراجح على وزن منع. # والأمنة : مصدر بمعنى الأمن. وهو طمأنينة القلب وزوال الخوف ، يقال : ~~أمنت من كذا أمنة وأمنا وأمانا بمعنى. # قال الجمل : في قوله : ( @QUR@03 إذ يغشيكم النعاس ) ثلاث قراءات سبعية. PageV06P048 # الأولى : يغشاكم كيلقاكم ، من غشيه إذا أتاه وأصابه وفي المصباح : غشيته ~~أغشاه من باب تعب بمعنى أتيته وهي قراءة أبى عمرو وابن كثير. # الثانية : يغشيكم بإسكان الغين وكسر الشين من ms2361 أغشاه. أى أنزله بكم وأوقعه ~~عليكم وهو قراءة نافع # الثالثة : يغشيكم بتشديد الشين وفتح الغين وهي قراءة الباقين من غشاه ~~تغشية بمعنى غطاه. # أى : يغشيكم الله النعاس أى يجعله عليكم كالغطاء من حيث اشتماله عليكم. # والنعاس على القراءة الأولى مرفوع على الفاعلية ، وعلى الأخيرتين منصوب ~~على المفعولية. وقوله : «أمنة» حال أو مفعول لأجله (1). # وقال القرطبي : وكان هذا النعاس في الليلة التي كان القتال من غدها ، ~~فكان النوم عجيبا مع ما كان بين أيديهم من الأمر المهم ، ولكن الله ربط جأشهم. # وقال القرطبي : وكان هذا النعاس في الليلة التي كان القتال من غدها ، ~~فكان النوم عجيبا مع ما كان بين أيديهم من الأمر المهم ، ولكن الله ربط جأشهم. # وعن على رضى الله عنه قال : ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد على ~~فرس أبلق ، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تحت شجرة يصلى حتى أصبح. # وفي امتنان الله عليهم بالنوم في هذه الليلة وجهان : أحدهما : أن قواهم ~~بالاستراحة على القتال من الغد. # الثاني : أن أمنهم بزوال الرعب من قلوبهم : كما يقال : الأمن منيم ، ~~والخوف مسهر» (2). # وقال ابن كثير : وجاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان ~~يوم بدر في العريش مع الصديق ، وهما يدعوان ، أخذت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم سنة من النوم. ثم استيقظ متبسما ، فقال : «أبشر يا أبا بكر ~~، هذا جبريل على ثناياه النقع». ثم خرج من باب العريش وهو يتلو قول الله ~~تعالى ( @QUR@04 سيهزم الجمع ويولون الدبر ) (3). # والمعنى : واذكروا أيها المؤمنون أيضا ، وقت أن كنتم متعبين وقلقين على ~~مصيركم في هذه المعركة ، فألقى الله عليكم النعاس ، وغشاكم به قبل التحامكم ~~بأعدائكم ، ليكون أمانا لقلوبكم ، وراحة لأبدانكم ، وبشارة خير لكم. PageV06P049 # هذا ، ومن العلماء الذين تكلموا عن نعمة النعاس التي ساقها الله للمؤمنين ~~قبل المعركة ، الإمامان الرازي ومحمد عبده. # أما الامام الرازي فقد قال ما ملخصه : واعلم أن كل نوم ونعاس لا يحصل إلا ~~من قبل الله ms2362 تعالى فتخصيص هذا النعاس بأنه من الله لا بد فيه من مزيد فائدة ~~، وذكروا في ذلك وجوها : منها : أن الخانف إذا خاف من عدوه فإنه لا يأخذه ~~النوم ، وإذا نام الخائفون أمنوا. فصار حصول النوم لهم في وقت الخوف الشديد ~~، يدل على إزالة الخوف وحصول الأمن. # ومنها : أنهم ما ناموا نوما غرقا يتمكن معه العدو من معافصتهم ، بل كان ~~ذلك نعاسا يزول معه الإعياء والكلال ، ولو قصدهم العدو في هذه الحالة ~~لعرفوا وصوله ، ولقدروا على دفعه. # ومنها : أنه غشيهم هذا النعاس دفعة واحدة مع كثرتهم ، وحصول النعاس للجمع ~~العظيم في الخوف الشديد أمر خارق للعادة. فلهذا السبب قيل : إن ذلك النعاس ~~كان في حكم المعجز (1). # وقال الإمام محمد عبده : لقد مضت سنة الله في الخلق ، بأن من يتوقع في ~~صبيحة ليلته هولا كبيرا ، ومصابا عظيما ، فإنه يتجافى جنبه عن مضجعه فيصبح ~~خاملا ضعيفا. وقد كان المسلمون يوم بدر يتوقعون مثل ذلك ، إذ بلغهم أن جيشا ~~يزيد على عددهم ثلاثة أضعاف سيحاربهم غدا فكان من مقتضى العادة أن يناموا ~~على بساط الأرق والسهاد .. ولكن الله رحمهم بما أنزل عليهم من النعاس : ~~غشيهم فناموا ، واثقين بالله ، مطمئنين لوعده ، وأصبحوا على همة ونشاط في ~~لقاء عدوهم وعدوه .. فالنعاس لم يكن يوم بدر في وقت الحرب بل قبلها» (2). # وبذلك نرى أن النعاس الذي أنزله الله تعالى على المؤمنين قبل لقائهم ~~بأعدائهم في بدر كان نعمة عظيمة ومنة جليلة. # وقوله تعالى : ( @QUR@07 وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ) معطوف ~~على قوله ( @QUR@01 يغشيكم ) وهو أى : إنزال الماء من السماء نعمة عظمى ~~تحمل في طياتها نعما وسننا. # أولها : يتجلى في هذه الجملة الكريمة ، أنه سبحانه أنزل على المؤمنين ~~المطر من السماء ليطهرهم به من الحدثين : الأصغر والأكبر ، فإن المؤمن كما ~~يقول الإمام الرازي «يكاد PageV06P050 # يستقذر نفسه إذا كان جنبا ، ويغتم إذا لم يتمكن من الاغتسال ، ويضطرب ~~قلبه لأجل هذا السبب (1). # وثانيها : قوله تعالى : ويذهب عنكم رجز الشيطان». # وأصل الرجز : الاضطراب ويطلق على كل ما تشتد مشقته على ms2363 النفوس. # قال الراغب : أصل الرجز الاضطراب ، ومنه قيل رجز البعير رجزا فهو أرجز ، ~~وناقة رجزاء إذا تقارب خطوها واضطرب لضعفها ..» (2). # والمراد برجز الشيطان : وسوسته للمؤمنين ، وتخويفه إياهم من العطش وغيره ~~عند فقدهم الماء وإلقاؤه الظنون السيئة في قلوبهم. # أى : أنه سبحانه أنزل عليكم الماء أيها المؤمنون ليطهركم به تطهيرا حسيا ~~وليزيل عنكم وسوسة الشيطان ، بتخويفه إياكم من العطش وبإلقائه في نفوسكم ~~الظنون والأوهام .. وهذا هو التطهير الباطني. # وثالثها قوله تعالى : ( @QUR@03 وليربط على قلوبكم ) أى : وليقويها ~~بالثقة في نصر الله ، وليوطنها على الصبر والطمأنينة .. ولا شك أن وجود ~~الماء في حوزة المحاربين يزيدهم قوة على قوتهم ، وثباتا على ثباتهم ، أما ~~فقده فإنه يؤدى إلى فقد الثقة والاطمئنان ، بل وإلى الهزيمة المحققة. # وأصل الربط : الشد. ويقال لكل من صبر على أمر : ربط قلبه عليه ، أى : حبس ~~قلبه عن أن يضطرب أو يتزعزع ، ومنه قولهم : رجل رابط الجأش. أى : ثابت متمكن. # ورابع هذه النعم التي تولدت عن نزول الماء من السماء على المؤمنين ، قبل ~~خوضهم معركة بدر ، يتجلى في قوله تعالى ( @QUR@03 ويثبت به الأقدام ). # أى : أنه سبحانه أنزل عليهم المطر قبل المعركة لتطهيرهم حسيا ومعنويا ، ~~ولتقويتهم وطمأنينتهم ، وليثبت أقدامهم به حتى لا تسوخ في الرمال ، وحتى ~~يسهل المشي عليها ، إذ من المعروف أنه من العسير المشي على الرمال ، فإذا ~~ما نزلت عليها الأمطار جمدت وسهل السير فوقها ، وانطفأ غبارها .. فالضمير ~~في قوله ( @QUR@01 به ) يعود على الماء المنزل من السماء. # قال الزمخشري : ويجوز أن يعود للربط في قوله ( @QUR@03 وليربط على قلوبكم ~~)، لأن القلب إذا تمكن فيه الصبر والجراءة ثبتت القدم في مواطن القتال. # هذا ، وقد وردت آثار متعددة توضح ما اشتملت عليه هذه الآية الكريمة من ~~نعم جليلة ، PageV06P051 # ومن ذلك ما جاء عن ابن عباس أنه قال : نزل النبي صلى الله عليه وسلم يعنى ~~حين سار إلى بدر والمسلمون بينهم وبين الماء رملة دعصة أى كثيرة مجتمعة ~~فأصاب المسلمين ضعف شديد ، وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ ، فوسوس بينهم ، ~~تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله ms2364 ، وقد غلبكم المشركون على الماء ، ~~وأنتم تصلون مجنبين؟ فأمطر الله عليهم مطرا شديدا ، فشرب المسلمون وتطهروا ~~، وأذهب الله عنهم رجز الشيطان ، وثبت الرمل حين أصابه المطر ، ومشى الناس ~~عليه والدواب ، فساروا إلى القوم ..» (1). # وعن عروة بن الزبير قال : بعث الله السماء وكان الوادي دهسا فأصاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما لبد لهم الأرض ولم يمنعهم من المسير ، ~~وأصاب قريشا ما لم يقدروا على أن يرحلوا معه» (2). # ومن هذا القول المنقول عن عروة رضى الله عنه نرى أن المطر كان خيرا ~~للمسلمين ، وكان شرا على الكافرين ، لأن المسلمين كانوا في مكان يصلحه ~~المطر ، بينما كان المشركون في مكان يؤذيهم فيه المطر. # ثم ذكرهم بنعمة أخرى كان لها أثرها العظيم في نصرهم على المشركين فقال ~~سبحانه : ( @QUR@023 إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم. فثبتوا الذين ~~آمنوا ، سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ، فاضربوا فوق الأعناق واضربوا ~~منهم كل بنان ). # والبنان : كما يقول القرطبي واحده بنانة. وهي هنا الأصابع وغيرها من ~~الأعضاء .. وهو أى البنان مشتق من قولهم أبن الرجل بالمكان إذا أقام به. ~~فالبنان يعتمل به ما يكون للإقامة والحياة. وقيل : المراد بالبنان هنا ~~أطراف الأصابع من اليدين والرجلين ، وهو عبارة عن الثبات في الحرب وموضع ~~الضرب ، فإذا ضربت البنان تعطل من المضروب القتال بخلاف سائر الأعضاء ...... # وذكر بعضهم : «أنها سميت بنانا لأن بها صلاح الأحوال التي بها يستقر ~~الإنسان ..» (3). # والمعنى : واذكر أيها الرسول الكريم وقت أن أوحى ربك إلى الملائكة الذين ~~أمد بهم المسلمين في بدر ( @QUR@02 أني معكم ) أى بعونى وتأييدى ( @QUR@03 ~~فثبتوا الذين آمنوا ) أى فقووا قلوبهم ، واملئوا نفوسهم ثقة بالنصر ، ~~وصححوا نياتهم في القتال حتى تكون غايتهم إعلاء كلمة الله. # قال الآلوسى : والمراد بالتثبيت : الحمل على الثبات في موطن الحرب والجد ~~في مقاساة شدائد القتال. وكان ذلك هنا في قول بظهورهم لهم في صورة بشرية ~~يعرفونها ، ووعدهم PageV06P052 # إياهم النصر على أعدائهم ، فقد أخرج البيهقي في الدلائل أن الملك كان ~~يأتى الرجل في صورة الرجل يعرفه فيقول له ms2365 : أبشروا فإنهم ليسوا بشيء ، ~~والله معكم. كروا عليهم. # وقال الزجاج : كان بأشياء يلقونها في قلوبهم تصح بها عزائمهم ويتأكد ~~جدهم. وللملك قوة إلقاء الخير في القلب ويقال له إلهام ، كما أن للشيطان ~~قوة إلقاء الشر ويقال له وسوسة ، (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@06 سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ) بشارة عظيمة ~~للمؤمنين. # أى : سأملأ قلوب الكافرين بالخوف والفزع منكم أيها المؤمنون ، وسأقذف ~~فيها الهلع والجزع حتى تتمكنوا منهم. # والرعب : انزعاج النفس وخوفها من توقع مكروه ، وأصله التقطيع من قولهم : ~~رعبت السنام ترعيبا إذا قطعته مستطيلا ، كأن الخوف يقطع الفؤاد. # وقوله : ( @QUR@07 فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ) الخطاب ~~فيه للمؤمنين ، وقيل ، للملائكة. # والمراد بما فوق الأعناق الرءوس كما روى عن عطاء وعكرمة. أو المراد بها ~~الأعناق ذاتها فتكون فوق بمعنى : على وهو قول أبى عبيدة. # ويرى صاحب الكشاف أن المراد بما فوق الأعناق : أعالى الأعناق التي هي ~~المذابح ، لأنها مفاصل ، فكان إيقاع الضرب فيها جزا وتطييرا للرءوس. # والمراد بالبنان كما سبق أن بينا الأصابع أو مطلق الأطراف. # والمعنى : لقد أعطيتكم أيها المؤمنون من وسائل النصر ما أعطيتكم ، ~~فهاجموا أعدائى وأعداءكم بقوة وغلظة ، واضربوهم على أعناقهم ورءوسهم ومواضع ~~الذبح فيهم. واضربوهم على كل أطرافهم حتى تشلوا حركتهم ، فيصبحوا عاجزين عن ~~الدفاع عن أنفسهم. # ثم بين سبحانه السبب في تكليفه المؤمنين بمجاهدة الكافرين والإغلاظ عليهم ~~وقتلهم. # فقال تعالى ( @QUR@013 ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ~~ورسوله فإن الله شديد العقاب ). # فاسم الإشارة ( @QUR@01 ذلك ) يعود إلى ما سبق بيانه من تأييد المؤمنين ، ~~وأمرهم بضرب الكافرين .. وهو في محل رفع على الابتداء. وقوله ( @QUR@01 ~~بأنهم ... ) خبره. والباء للسببية. # وقوله : ( @QUR@01 شاقوا ) من المشاقة بمعنى المخالفة والمعاداة مشتقة من ~~الشق أى الجانب ، فكل واحد من المتعاديين أو المتخالفين صار في شق غير شق صاحبه. # والمعنى : ذلك الذي ذكره الله تعالى فيما سبق ، من تأييده للمؤمنين وأمره إياهم PageV06P053 # بضرب الكافرين ، سببه أن هؤلاء الكافرين ( @QUR@03 شاقوا الله ورسوله ) ~~أى : عاد وهما وخالفوا شرعهما : ( @QUR@04 ومن يشاقق الله ورسوله ) بأن ~~يسير في غير ms2366 الطريق الذي أمرا به ، ( @QUR@04 فإن الله شديد العقاب ) لهذا ~~المعادى والمخالف. # قال الآلوسى : وقوله : ( @QUR@04 فإن الله شديد العقاب ) إما نفس الجزاء ~~، وقد حذف منه العائد عند من يكتفى ولا يلتزم بالعائد في الربط. أى : شديد ~~العقاب له. أو قائم مقام الجزاء المحذوف أى : يعاقبه الله تعالى فإن الله ~~شديد العقاب. وأيا ما كان فالشرطية بيان للسببية السابقة بطريق برهاني. ~~كأنه قيل : ذلك العقاب الشديد بسبب المشاقة لله تعالى ولرسوله ~~صلى الله عليه وسلم وكل من يشاقق الله ورسوله كائنا من كان ، فله بسبب ذلك ~~عقاب شديد ، فإن لهم بسبب مشاقة الله ورسوله عقابا شديدا (1). # ثم يوجه سبحانه خطابه على سبيل الالتفات لأولئك الذين شاقوا الله ورسوله ~~، متوعدا إياهم بسوء المصير فيقول : ( @QUR@06 ذلكم فذوقوه وأن للكافرين ~~عذاب النار ) فاسم الإشارة ( @QUR@01 ذلكم ) يعود إلى ما سبق بيانه من ~~تأييد المؤمنين ، وخذلان الكافرين وإنزال العقوبة بهم. # أى ذلكم الذي نزل بكم أيها الكافرون من القتل والأسر في بدر ، هو العقاب ~~المناسب لطغيانكم وشرككم وعنادكم ، فذوقوا آلامه ، وتجرعوا غصصه ، وعيشوا ~~في مذلته. # هذا في الدنيا ، أما في الآخرة فلكم عذاب النار الذي هو أشد وأبقى من ~~عذاب الدنيا. فاتركوا الكفر ، وادخلوا في الإيمان لتنجوا من العذاب وتنالوا ~~الثواب. # قال الجمل ما ملخصه وقوله : ( @QUR@02 ذلكم فذوقوه .. ) يجوز فيه وجوه من ~~الإعراب أحدها أن يرفع بالابتداء والخبر محذوف أى ذلكم العقاب. الثاني : أن ~~يرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أى : العقاب ذلكم أو الأمر ذلكم وعلى هذين ~~الوجهين يكون قوله ( @QUR@01 فذوقوه ) لا تعلق له بما قبله من جهة الاعراب ~~فهو مستأنف ، والوقف يتم على قوله : ( @QUR@01 ذلكم ) الثالث : أن يرتفع ~~بالابتداء. والخبر قوله ( @QUR@01 فذوقوه ) وهذا على رأى الأخفش. # وقوله ( @QUR@04 وأن للكافرين عذاب النار ) معطوف على قوله ( @QUR@01 ~~ذلكم ) أو منصوب على أنه مفعول معه ، والمعنى : ذوقوا ما عجل لكم مع ما أجل ~~لكم في الآخرة ، ووضع الظاهر فيه موضع المضمر بأن قال ( @QUR@03 فذوقوه وأن ~~للكافرين ) ولم يقل فذوقوه وأن لكم للدلالة على أن الكفر سبب للعذاب الآجل ~~أو ms2367 للجمع بينهما (2). PageV06P054 # ومن هذا نرى أن تلك الآيات الكريمة قد ذكرت المؤمنين الذين اشتركوا في ~~غزوة بدر بألوان من نعم الله عليهم ، وبأنواع من البشارات التي كانت تدل ~~على أن النصر سيكون لهم. # 1 ذكرتهم بوعد الله لهم بأن إحدى الطائفتين : العير أو النفير ستكون لهم ~~، وقد وفى لهم سبحانه بوعده ، حيث جعل النصر لهم ، ومن أوفى بعهده من الله؟. # 2 وذكرتهم بإجابة الله لدعائهم ، حيث أمدهم بألف من الملائكة مردفين. # 3 وذكرتهم بالنعاس الذي ألقاه سبحانه عليهم قبل المعركة ، ليكون أمانا ~~لهم ، وراحة لأبدانهم. # 4 وذكرتهم بنزول المطر عليهم من السماء ليكون طهارة ظاهرية وباطنية لهم ، ~~وليكون طمأنينة لقلوبهم ، وتثبيتا لأقدامهم. # 5 وذكرتهم بأمر الله لملائكته أن يثبتوهم ، بأن يغرسوا في قلوبهم الثقة ~~في نصر الله لهم ، والاستهانة بقوة أعدائهم. # 6 وذكرتهم بما ألقاه سبحانه في قلوب الكافرين من رعب وفزع وجزع ، جعلهم ~~ينهزمون أمامهم. # 7 وذكرتهم بأن ما أصاب أعداء الله وأعداءهم من قتل وأسر وخسران كان سببه ~~كفرهم وعنادهم وإيثارهم سبيل الغي على سبيل الرشد ، وأنهم إذا استمروا في ~~كفرهم فسيلقون في الآخرة عذابا أشد وأبقى مما نزل بهم في الدنيا. # ولا شك أن هذا التذكير من مقاصده الأساسية حض المؤمنين على الاستجابة لله ~~ولرسوله : وعلى مداومة الشكر لخالقهم ، فهو سبحانه الذي منحهم هذه النعم ~~الجزيلة التي تمكنوا معها من رقاب أعدائهم ، وهو الذي جعلهم يغنمون كل هذه ~~الغنائم بعد أن خرجوا من ديارهم بلا مال ولا ظهر ولا عتاد. # هذا ، ومن الخير قبل أن ننتقل من هذه الآيات إلى غيرها ، أن نتكلم بشيء ~~من التفصيل عن مسألة كثر الحديث عنها. # وهذه المسألة هي : ماذا كانت وظيفة الملائكة في بدر؟ أكانت وظيفتهم تثبيت ~~المؤمنين فحسب أم أنهم بجانب هذا التثبيت قاتلوا فعلا معهم؟ إننا بمطالعتنا ~~لما كتبه الكاتبون عن هذه المسألة نراهم في كتاباتهم ينقسمون إلى ثلاثة ~~أقسام : # (أ) أما القسم الأول منهم ، فيرى أن الملائكة في غزوة بدر لم تكن وظيفتهم ~~التثبيت فحسب ، وإنما هم قاتلوا ms2368 مع المؤمنين فعلا ، ويستدلون على ذلك بأدلة ~~من أهمها : # 1 ما جاء عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال : بينما رجل من المسلمين ~~يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه. إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وقائلا يقول : ~~أقدم حيزوم ، PageV06P055 # فخر المشرك مستلقيا فنظر إليه فإذا هو قد حطم وشق وجهه. فجاء فحدث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال : صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة (1). # 2 وجاء عنه أنه قال أيضا : كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضاء ، ~~ويوم أحد عمائم خضراء ، ولم تقاتل الملائكة في يوم سوى بدر وكانوا فيما ~~سواه عددا ومددا (2). # 3 وعن أبى داود المازني قال : تبعت رجلا من المشركين لأضربه يوم بدر. ~~فوقع رأسه بين يدي قبل أن يصل إليه سيفي. # 4 وروى عن عبد الله بن مسعود أن أبا جهل سأله يوم بدر : من أين كان ذلك ~~الصوت الذي كنا نسمعه ولا نرى شخصا؟ فقال : من الملائكة ، فقال له أبو جهل ~~: هم إذن غلبونا لا أنتم (3). # 5 وقال القرطبي : وتظاهرت الروايات بأن الملائكة حضرت يوم بدر وقاتلت. ~~ومن ذلك قول أبى أسيد مالك بن ربيعة وكان شهد بدرا : لو كنت معكم الآن ببدر ~~ومعى بصرى لأريتكم الشعب أى الطريق في الجبل الذي خرجت منه الملائكة. لا ~~أشك ولا أمارى. وعن سهل بن حنيف قال : لقد رأيتنا يوم بدر وإن أحدنا يشير ~~بسيفه إلى رأس المشرك فتقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه (4). # هذه أهم الروايات التي استند إليها العلماء الذين يرون أن الملائكة قد ~~قاتلوا مع المؤمنين يوم بدر ، وعلى رأس هؤلاء العلماء القرطبي ، فهو يرى أن ~~هذا هو الصحيح وأنه رأى الجمهور. # (ب) أما القسم الثاني من العلماء فيرى أن الملائكة لم تقاتل يوم بدر ، ~~وإنما كانت وظيفتهم تثبيت المؤمنين في المعركة ، وتقوية أرواحهم وقلوبهم ، ~~واستدلوا على ذلك بأدلة من أهمها : # 1 أنه ليس في الآيات القرآنية التي تحدثت عن غزوة بدر آية واحدة صريحة في ~~أن الملائكة قد قاتلت بالفعل ms2369 ، وإنما هي صريحة في أن الله تعالى قد أمد ~~المؤمنين بالملائكة ، وجعل هذا الإمداد بشارة لهم. # قال الآلوسى عند تفسيره لقوله تعالى : ( @QUR@05 وما جعله الله إلا بشرى ~~.. ) وفي الآية إشعار بأن الملائكة لم يباشروا قتالا ، وهو مذهب لبعضهم. ~~ويشعر ظاهرها بأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم بذلك الإمداد ، وفي الأخبار ~~ما يؤيد ذلك. بل جاء في غير ما خبر أن PageV06P056 # الصحابة رأوا الملائكة عليهم السلام (1). # 2 أن بعض الآيات القرآنية التي تحدثت عن غزوة بدر قد وضحت وظيفة الملائكة ~~توضيحا تاما ، ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@023 إذ يوحي ربك إلى الملائكة ~~أني معكم فثبتوا الذين آمنوا ، سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ، فاضربوا ~~فوق الأعناق ، واضربوا منهم كل بنان ). # قال ابن جرير في معنى ( @QUR@03 فثبتوا الذين آمنوا ) قووا عزمهم ، ~~وصححوا نياتهم في قتال أعدائهم من المشركين .. # وقال في معنى قوله تعالى ( @QUR@03 فاضربوا فوق الأعناق .. ): والصواب ~~من القول في ذلك أن يقال إن الله أمر المؤمنين معلما إياهم كيفية قتل ~~المشركين وضربهم بالسيف ، أن يضربوا فوق الأعناق منهم والأيدى والأرجل ...» (2). # وقال الفخر الرازي : قوله ( @QUR@03 فاضربوا فوق الأعناق ) فيه وجهان : ~~الأول : أنه أمر للملائكة متصل بقوله تعالى ( @QUR@01 فثبتوا ). وقيل : بل ~~أمر للمؤمنين ، وهذا هو الأصح لما بينا أنه تعالى ما أنزل الملائكة لأجل ~~المقاتلة والمحاربة .. (3). # 3 أن الروايات التي استند إليها من قال بأن الملائكة قاتلت مع المؤمنين ~~في بدر لم ترد في كتب السنة المعتمدة ، بل لم يذكر معظمها الإمام ابن جرير ~~مع علمنا باهتمامه بالمرويات في تفسيره. وفضلا عن ذلك فإن أكثر هذه ~~الروايات لم تصرح بأن الملائكة قد قاتلت. # فمثلا رواية أبى داود المازني لم تصرح بأن المشرك الذي أراد هو أن يقتله ~~قد قتله ملك. وكذلك الحال بالنسبة لروايتي أبى أسيد وسهيل بن حنيف وأما قول ~~أبى جهل لابن مسعود : «هم إذن غلبونا يعنى الملائكة لا أنتم ، فنرجح أنه من ~~باب التبرير والمغالطة. فهو يريد أن ينفى حقدا منه وعنادا قوة المؤمنين ~~الذين صرعوا أمثاله من الطغاة .. # والخلاصة ms2370 أن معظم هذه الروايات مع ضعفها لم تصرح بأن الملائكة قد قاتلوا ~~مع المؤمنين يوم بدر. # 4 استبعد كثير من العلماء اشتراك الملائكة في القتال ، ومن هؤلاء العلماء ~~الإمام أبو بكر الأصم فقد قال : # «إن الملك الواحد يكفى في إهلاك أهل الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط. فإذا PageV06P057 # حضر هو يوم بدر وجميع الروايات تذكر أنه كان على رأس الملائكة فأى حاجة ~~إلى مقاتلة الناس مع الكفار؟ بل أى حاجة حينئذ إلى إرسال سائر الملائكة؟ ~~وأيضا فإن أكابر الكفار كانوا مشهورين ، وقاتل كل منهم من الصحابة معلوم. # وأيضا لو قاتلوا فإما أن يكونوا بحيث يراهم الناس أو لا .. وعلى الأول ~~يكون المشاهد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف وأكثر ، ولم يقل أحد بذلك .. وعلى ~~الثاني كان يلزم جز الرءوس ، وتمزيق البطون ، وإسقاط الكفار من غير مشاهدة ~~فاعل ، ومثل هذا من أعظم المعجزات ، فكان يجب أن يتواتر ويشتهر بين المسلم ~~والكافر والموافق والمخالف ...» (1). # وقال صاحب المنار : مقتضى السياق أن وحى الله للملائكة ( @QUR@05 وما ~~جعله الله إلا بشرى ) إلخ. # وقوله تعالى ( @QUR@06 سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب .. ) إلخ بدء ~~كلام خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون تتمة للبشرى. فيكون الأمر ~~بالضرب موجها إلى المؤمنين قطعا ، وعليه المحققون الذين جزموا بأن الملائكة ~~لم تقاتل يوم بدر تبعا لما قبله من الآيات. # ثم قال : وفي كتب السير وصف للمعركة علم منه القاتلون والآسرون لأشد ~~المشركين بأسا ، فهل تعارض هذه البينات النقلية بروايات لم يرها شيخ ~~المفسرين ابن جرير حرية بأن تنقل. # كفانا الله شر هذه الروايات الباطلة التي شوهت التفسير وقلبت الحقائق ، ~~حتى إنها خالفت نص القرآن نفسه فالله تعالى يقول في إمداد الملائكة ( ~~@QUR@08 وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم .. ) وهذه الروايات تقول ~~بل جعله مقاتلة ، وإن هؤلاء السبعين الذين قتلوا من المشركين لم يمكن قتلهم ~~إلا باجتماع ألف أو ألوف من الملائكة عليهم مع المسلمين الذين خصهم الله ~~بما ذكر من أسباب النصر المتعددة. # ألا إن في هذا من ms2371 تعظيم شأن المشركين ، وتكبير شجاعتهم وتصغير شأن أفضل ~~أصحاب الرسول وأشجعهم ما لا يصدر عن عاقل ، إلا وقد سلب عقله لتصحيح روايات ~~باطلة لا يصح لها سند ، ولم يرفع منها إلا حديث مرسل عن ابن عباس ذكره ~~الآلوسى وغيره بغير سند. وابن عباس لم يحضر غزوة بدر لأنه كان صغيرا ، ~~فرواياته عنها حتى في الصحيح مرسلة. (2). PageV06P058 # هذه أهم الأدلة التي استند إليها القائلون بأن الملائكة لم تقاتل يوم بدر ~~، وإنما كانت وظيفتهم تثبيت المؤمنين ، وتقوية عزائمهم. وتصحيح نياتهم. # (ج) أما القسم الثالث من العلماء الذين كتبوا في هذه المسألة ، فمنهم ~~الذي اكتفى بسرد الآراء دون أن يرجح بينها ، ومن هؤلاء صاحب الكشاف ، فقد قال : # فإن قلت : هل قاتلت الملائكة يوم بدر؟ قلت : اختلف فيه. فقيل : نزل جبريل ~~في يوم بدر في خمسمائة ملك على الميمنة وفيها أبو بكر ، وميكائيل في ~~خمسمائة على الميسرة وفيها على بن أبى طالب في صورة الرجال. فقاتلت. وقيل : ~~قاتلت يوم بدر ولم تقاتل يوم الأحزاب .. وقيل : لم يقاتلوا وإنما كانوا ~~يكثرون السواد ، ويثبتون المؤمنين ، وإلا فملك واحد كاف في إهلاك أهل ~~الدنيا كلهم .. (1). # ومنهم الذي يرى أن البحث في تفاصيل أمثال هذه المسائل ليس من الجد الذي ~~هو طابع هذه العقيدة ، ومن هؤلاء صاحب «في ظلال القرآن» فقد قال ما ملخصه : # «تروى روايات كثيرة مفصلة عن الملائكة في يوم بدر : عددهم وطريقة ~~مشاركتهم في المعركة. وما كانوا يقولونه للمؤمنين مثبتين ، وما كانوا ~~يقولونه للمشركين مخذلين. ونحن على طريقتنا في الظلال نكتفي في مثل هذا ~~الشأن من عوالم الغيب بما يرد في النصوص المتيقنة من قرآن أو سنة ، والنصوص ~~القرآنية هنا فيها الكفاية : ( @QUR@010 إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ~~ممدكم بألف من الملائكة .. ) فهذا عددهم ( @QUR@010 إذ يوحي ربك إلى ~~الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا .. ) فهذا عملهم. ولا حاجة إلى ~~التفصيل وراء هذا فإن فيه الكفاية. وبحسبنا أن تعلم أن الله لم يترك العصبة ~~المسلمة وحدها في ذلك اليوم ، وهي قلة والأعداء كثرة ، وأن أمر هذه ms2372 العصبة ~~وأمر هذا الدين قد شارك فيه الملأ الأعلى مشاركة فعلية على النحو الذي يصفه ~~الله سبحانه في كلماته .. إننا نؤمن بوجود خلق أسماهم الملائكة ، ولكنا لا ~~ندرك من طبيعتهم إلا ما أخبرنا به خالقهم عنهم. فلا نملك من إدراك الكيفية ~~التي اشتركوا بها في نصرة المسلمين يوم بدر إلا بمقدار ما يقرره النص ~~القرآنى. وقد أوحى إليهم ربهم : أنى معكم. وأمرهم أن يثبتوا الذين آمنوا ~~ففعلوا. # لأنهم يفعلون ما يؤمرون ولكننا لا ندري كيف فعلوا. # إن البحث التفصيلي في كيفيات هذه الأفعال كلها ليس من الجد الذي هو طابع ~~هذه العقيدة. وطابع الحركة الواقعية بهذه العقيدة ولكن هذه المباحث صارت من ~~مباحث الفرق PageV06P059 # الإسلامية ومباحث علم الكلام في العصور المتأخرة ، وعند ما فرغ الناس من ~~الاهتمامات الإيجابية في هذا الدين ، وتسلط الترف العقلي على النفوس ~~والعقول. وإن وقفة أمام الدلالة الهائلة لمعية الله سبحانه للملائكة في ~~المعركة ، واشتراك الملائكة فيها مع العصبة المسلمة لهى أنفع وأجدى .. (1). # وبعد فهذه أهم الأقوال التي قالها العلماء في مسألة وظيفة الملائكة في ~~بدر ، بسطناها بشيء من التفصيل لتتضح آراؤهم فيها. # والذي نراه بعد كل ذلك : أن أقرب الأقوال إلى الصواب ، هو القول الذي ذهب ~~أصحابه إلى أن الملائكة في بدر لم تقاتل ، وإنما كانت وظيفتهم تثبيت وتقوية ~~عزائم المؤمنين .. وذلك لما سبق أن بيناه من أدلة وحجج والله أعلم بالصواب. # وبعد أن بين سبحانه بعض البشارات والنعم التي ساقها للمؤمنين الذين ~~اشتركوا في بدر. وجه سبحانه نداء إليهم أمرهم فيه بالثبات في وجوه أعدائهم ~~، وذكرهم بجانب من مننه عليهم. ### ||| ** فقال تعالى : # ( @QUR@012 يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم ~~الأدبار (15) @QUR@020 ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا ~~إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير (16) @QUR@021 فلم ~~تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين ~~منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم (17) @QUR@06 ذلكم وأن الله موهن كيد ~~الكافرين (18) @QUR@05 إن تستفتحوا فقد ms2373 جاءكم الفتح PageV06P060 # @QUR@019 وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم ~~شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين ) (19) # قوله سبحانه ( @QUR@01 زحفا ): مصدر زحف وأصله للصبي ، وهو أن يزحف على ~~استه قبل أن يمشى. ثم أطلق على الجيش الكثيف المتوجه لعدوه لأنه لكثرته ~~وتكاتفه يرى كأنه جسم واحد يزحف ببطء وإن كان سريع السير. # قال الجمل : وفي المصباح : زحف القوم زحفا وزحوفا. ويطلق على الجيش ~~الكثير زحف تسمية بالمصدر والجمع زحوف مثل فلس وفلوس. ونصب قوله : ( ~~@QUR@01 زحفا ) على أنه حال من المفعول وهو ( @QUR@02 الذين كفروا ) أى إذا ~~لقيتم الذين كفروا حال كونهم زاحفين نحوكم. # والأدبار : جمع دبر بضمتين وهو الخلف ، ومقابله القبل وهو الأمام ، ويطلق ~~لفظ الدبر على الظهر وهو المراد هنا. # والمعنى : يا أيها الذين آمنوا بالله إيمانا حقا ( @QUR@04 إذا لقيتم ~~الذين كفروا ) زاحفين نحوكم لقتالكم ( @QUR@03 فلا تولوهم الأدبار ) أى. ~~فلا تفروا منهم ، ولا تولوهم ظهوركم منهزمين ، بل قابلوهم بقوة وغلظة ~~وشجاعة ، فإن من شأن المؤمن أن يكون شجاعا لا جبانا ، ومقبلا غير مدبر. # فالمراد من تولية الأدبار : الانهزام ، لأن المنهزم يولى ظهره وقفاه لمن ~~انهزم منه. # وعدل من لفظ الظهور إلى الأدبار ، تقبيحا للانهزام ، وتنفيرا منه ، لأن ~~القبل والدبر يكنى بهما عن السوءتين. # ثم بين سبحانه أن تولية الأدبار محرمة إلا في حالتين فقال تعالى : ( ~~@QUR@020 ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء ~~بغضب من الله ، ومأواه جهنم وبئس المصير ). # وقوله : ( @QUR@01 متحرفا ) من التحرف بمعنى الميل والانحراف من جهة إلى ~~جهة بقصد المخادعة في القتال وهو منصوب على الحالية. # وقوله ( @QUR@04 أو متحيزا إلى فئة ) من التحيز بمعنى الانضمام. تقول : ~~حزت الشيء أحوزه إذا ضممته إليك. وتحوزت الحية أى انطوت على نفسها. # والفئة : الجماعة من الناس. سميت بذلك لرجوع بعضهم إلى بعض في التعاضد PageV06P061 # والتناصر. من الفيء بمعنى الرجوع إلى حالة محمودة. # والمعنى : أن تولية الأدبار محرمة إلا في حالتين : # الحالة الأولى : أن يكون المؤمن عند توليته الأدبار مائلا عن مكانه إلى ms2374 ~~مكان آخر أصلح للقتال فيه ، أو أن يكون منعطفا إلى قتال طائفة من الأدبار ~~أهم من الطائفة التي أمامه ، أو أن يوهم عدوه بأنه منهزم أمامه استدراجا له ~~، ثم يكر عليه فيقتله. # الحالة الثانية : أن يكون في توليه منحازا إلى جماعة أخرى من الجيش ~~ومنضما إليها للتعاون معها على القتال ، حيث إنها في حاجة إليه. # وهذا كله من أبواب خدع الحرب ومكايدها. # وقد توعد سبحانه الذي ينهزم أمام الأعداء في غير هاتين الحالتين بقوله : ~~( @QUR@09 فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ). # أى : ومن يول الكافرين يوم لقائهم دبره غير متحرف ولا متحيز فقد رجع ~~متلبسا بغضب شديد كائن من الله تعالى ومأواه الذي يأوى إليه في الآخرة جهنم ~~وبئس المصير هي. # وقوله : ( @QUR@05 فقد باء بغضب من الله .. ) جواب الشرط لقوله ، ومن يولهم. # هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هاتين الآيتين ما يأتى : # 1 وجوب مصابرة العدو ، والثبات في وجهه عند القتال ، وتحريم الفرار منه. # قال الآلوسى : في الآية دلالة على تحريم الفرار من الزحف على غير المتحرف ~~أو المتحيز. # أخرج الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : «اجتنبوا السبع الموبقات أى المهلكات قالوا : يا ~~رسول الله وما هن قال : الشرك بالله ، والسحر ، وقتل النفس التي حرم الله ~~إلا بالحق ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والتولي يوم الزحف ، وقذف ~~المحصنات الغافلات المؤمنات». # ثم قال : وجاء عد التولي يوم الزحف من الكبائر في غير ما حديث (1). # 2 أن الخطاب في الآيتين لجميع المؤمنين وليس خاصا بأهل بدر. قال الفخر ~~الرازي ما ملخصه : اختلف المفسرون في أن هذا الحكم وهو تحريم التولي أمام ~~الزحف هل هو مختص بيوم بدر أو هو حاصل على الإطلاق؟ PageV06P062 # فنقل عن أبى سعيد الخدري والحسن وقتادة والضحاك أن هذا الحكم مختص بمن ~~كان انهزم يوم بدر. قالوا : والسبب في اختصاص بدر بهذا الحكم أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان حاضرا يوم بدر .. وأنه سبحانه ms2375 شدد الأمر على أهل بدر ، ~~لأنه كان أول الجهاد ، ولو اتفق للمسلمين انهزام فيه لزم منه الخلل العظيم. # والقول الثاني : أن الحكم المذكور في هذه الآية كان عاما في جميع الحروب ~~بدليل أن قوله تعالى ( @QUR@08 يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا ~~... ) عام فيتناول جميع الصور. أقصى ما في الباب أنه نزل في واقعة بدر ، ~~لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب» (1). # وهذا القول الثاني هو الذي نرجحه ، لأن ظاهر الآية يفيد العموم لكل ~~المؤمنين في كل زمان ومكان ، ولأن سورة الأنفال كلها قد نزلت بعد الفراغ من ~~غزوة بدر لا قبل الدخول فيها. # 3 أن الآيتين محكمتان وليستا منسوختين. أى أن تحريم التولي يوم الزحف على ~~غير المتحرف أو المتحيز ثابت لم ينسخ. # وقد رجح ذلك الإمام ابن جرير فقال ما ملخصه : «سئل عطاء بن أبى رباح عن ~~قوله ( @QUR@04 ومن يولهم يومئذ دبره ) فقال : هذه الآية منسوخة بالآية ~~التي في الأنفال بعد ذلك وهي قوله تعالى : ( @QUR@015 الآن خفف الله عنكم ~~وعلم أن فيكم ضعفا ، فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين ... ) وليس ~~لقوم أن يفروا من مثليهم. # وقال آخرون : بل هذه الآية حكمها عام في كل من ولى الدبر عن العدو ~~منهزما. # وأولى التأويلين بالصواب في هذه الآية عندي : قول من قال : حكمها محكم ، ~~وأنها نزلت في أهل بدر. وحكمها ثابت في جميع المؤمنين. وأن الله حرم على ~~المؤمنين إذا لقوا العدو أن يولوهم الدبر منهزمين إلا لتحرف القتال ، أو ~~التحيز إلى فئة من المؤمنين ، حيث كانت من أرض الإسلام ، وأن من ولاهم ~~الدبر بعد الزحف لقتال منهزما بغير نية إحدى الخلتين اللتين أباح الله ~~التولية بهما فقد استوجب من الله وعيده ، إلا أن يتفضل عليه بعفوه. # وإنما قلنا : هي محكمة غير منسوخة ، لما قد بينا في غير موضع ، أنه لا ~~يجوز أن يحكم لحكم آية بنسخ وله في غير النسخ وجه ، إلا بحجة يجب التسليم ~~لها : من خبر يقطع العذر ، أو حجة عقل ، ولا حجة من هذين ms2376 المعنيين تدل على ~~نسخ حكم قوله تعالى ( @QUR@016 ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال ، أو ~~متحيزا إلى فئة ، فقد باء بغضب من الله ) (2). PageV06P063 # ثم بين لهم سبحانه بعض مظاهر فضله عليهم ليزدادوا شكرا له ، وطاعة لأمره ~~فقال تعالى : ( @QUR@021 فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ، وما رميت إذ رميت ~~ولكن الله رمى ، وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا ، إن الله سميع عليم ). # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@05 فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم )، ~~أى يوم بدر. روى أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صدروا عن بدر. # ذكر كل واحد منهم ما فعل فقال : قتلت كذا ، وأسرت كذا ، فجاء من ذلك ~~تفاخر ونحو ذلك. فنزلت الآية إعلاما بأن الله هو المميت والمقدر لجميع ~~الأشياء ، وأن العبد إنما يشارك بكسبه وقصده ...» (1). # وقال ابن كثير : قال على بن طلحة عن ابن عباس : رفع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يديه يعنى يوم بدر فقال : «يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن ~~تعبد في الأرض أبدا ، فقال جبريل : «خذ قبضة من التراب فارم بها في وجوههم» ~~فأخذ قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم ، فما من المشركين أحد إلا أصاب ~~عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة فولوا مدبرين. # وقال السدى : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلى يوم بدر «أعطنى حصا من ~~الأرض» فناوله حصا عليه تراب ، فرمى به في وجوه القوم ، فلم يبق مشرك إلا ~~دخل في عينيه من ذلك التراب شيء ، ثم ردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم ، ~~وأنزل الله : ( @QUR@012 فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ~~ولكن الله رمى .. ). # وقال أبو معشر المدني عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي قالا : لما دنا ~~القوم بعضهم من بعض أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من تراب فرمى بها ~~في وجوه القوم وقال : «شاهت الوجوه» ، فدخلت في أعينهم كلهم. وأقبل أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله. ( @QUR@07 وما رميت إذ رميت ولكن ~~الله رمى ) (2). # وهناك روايات أخرى ذكرت ms2377 أن قوله تعالى ( @QUR@07 وما رميت إذ رميت ولكن ~~الله رمى ) المقصود به رميه صلى الله عليه وسلم لأبى بن خلف يوم أحد ، أو رميه ~~لكنانة بن أبى الحقيق في غزوة خيبر ، أو رميه المشركين في غزوة حنين. # قال ابن كثير : وقد روى في هذه القصة عن عروة ومجاهد وعكرمة وقتادة وغير ~~واحد من الأئمة أنها نزلت في رمية النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر ... وسياق ~~الآية في سورة الأنفال في قصة بدر لا محالة ، وهذا مما لا يخفى على أئمة العلم. PageV06P064 # والمعنى : إنكم أيها المؤمنون لم تقتلوا المشركين في بدر بقوتكم وشجاعتكم ~~، ولكن الله تعالى هو الذي أظفركم بحوله وقوته ، بأن خذلهم ، وقذف في ~~قلوبهم الرعب ، وقوى قلوبكم ، وأمدكم بالملائكة ، ومنحكم من معونته ورعايته ~~ما بلغكم هذا النصر. # والفاء في قوله : ( @QUR@02 فلم تقتلوهم .. ) يرى صاحب الكشاف أنها جواب ~~شرط محذوف تقديره : إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ( @QUR@03 ولكن ~~الله قتلهم ) لأنه هو الذي أنزل الملائكة ، وألقى الرعب في قلوبهم ، وشاء ~~النصر والظفر وأذهب عن قلوبكم الفزع والجزع. # وقوله : ( @QUR@07 وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) خطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم بطريق التلوين. # أى : ( @QUR@02 وما رميت ) بالرعب في قلوب الأعداء ( @QUR@02 إذ رميت ) ~~في وجوههم بالحصباء يوم بدر ( @QUR@02 ولكن الله ) تعالى هو الذي ( @QUR@01 ~~رمى ) بالرعب في قلوبهم فهزمهم ونصركم عليهم. # أو المعنى : ما أوصلت الحصباء إلى أعينهم إذ رميتهم بها ، ولكن الله هو ~~الذي أوصلها إليها. # ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الجملة الكريمة : يعنى أن ~~الرمية التي رميتها يا محمد لم ترمها أنت على الحقيقة ، لأنك لو رميتها ما ~~بلغ أثرها إلا ما يبلغه أثر رمى البشر ، ولكنها كانت رمية الله ، حيث أثرت ~~ذلك الأثر العظيم .. فأثبت الرمية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأن صورتها ~~وجدت منه ، ونفاها عنه ، لأن أثرها الذي لا تطيقه البشر فعل الله عز وجل ، ~~فكان الله تعالى هو فاعل الرمية على الحقيقة ، وكأنها لم توجد من الرسول ~~صلى الله عليه ms2378 وسلم أصلا (1). # وقال الآلوسى : واستدل بالآية على أن أفعال العباد بخلقه تعالى وإنما لهم ~~كسبها ومباشرتها وقال الإمام : أثبت سبحانه كونه صلى الله عليه وسلم راميا ، ~~ونفى كونه راميا ، فوجب حمله على أنه صلى الله عليه وسلم رمى كسبا ، والله ~~تعالى رمى خلقا (2). # فإن قيل : لما ذا ذكر مفعول القتل منفيا ومثبتا ولم يذكر للرمي مفعول قط؟ # فالجواب كما يقول أبو السعود : «أن المقصود الأصلى بيان حال الرمي نفيا ~~وإثباتا ، إذ هو الذي ظهر منه ما ظهر ، وهو المنشأ لتغير المرمى به في نفسه ~~وتكثره إلى حيث أصاب عيني كل واحد من أولئك الأمة الجمة شيء من ذلك» (3). # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا ) بيان لبعض ~~وجوه حكمته سبحانه في خذلان الكافرين ، ونصر المؤمنين. PageV06P065 # وقوله ( @QUR@01 ليبلي ) من البلاء بمعنى الاختبار. وهو يكون بالنعمة ~~لإظهار الشكر ، كما يكون بالمحنة لإظهار الصبر. والمراد به هنا : الإحسان ~~والنعمة والعطاء ، ليزداد المؤمنون شكرا لربهم الذي وهبهم ما وهب من نعم. # واللام للتعليل متعلقة بمحذوف مؤخر. # والمعنى ، ولكي يحسن سبحانه إلى عباده المؤمنين ، وينعم عليهم بالنصر ~~والغنائم ، ليزدادوا شكرا له ، فعل ما فعل من خذلان الكافرين وإذلالهم. # وقوله ( @QUR@04 إن الله سميع عليم ) تذييل قصد به الحض على طاعة الله ، ~~والتحذير من معصيته ، أى : إن الله سميع لأقوالكم ودعائكم ، عليم بضمائركم ~~وقلوبكم ، فاستبقوا الخيرات لتنالوا المزيد من رعايته ونصره. # ثم يقرر سبحانه سنة من سننه التي لا تتخلف ، وهي تقوية الحق وتوهين ~~الباطل ، وليزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم ، وثباتا على ثباتهم فيقول : ~~( @QUR@06 ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين ). # قال الإمام الرازي : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ( @QUR@01 موهن ) بفتح ~~الواو وتشديد الهاء والتنوين. من التوهين. تقول وهنت الشيء أى ضعفته ، ( ~~@QUR@01 كيد ) بالنصب على المفعولية. وقرأ حفص عن عاصم ( @QUR@02 موهن كيد ~~) بالإضافة. وقرأ الباقون ( @QUR@01 موهن ) بالتخفيف ، من أوهننه فأنا ~~موهنه بمعنى أضعفته و ( @QUR@01 كيد ) بالنصب وتوهين الله كيدهم ومكرهم ~~يكون بأشياء منها : إطلاع المؤمنين على عوراتهم ، وإلقاء الرعب في قلوبهم ، ~~وتفريق كلمتهم ، (1). # واسم الإشارة ( @QUR@01 ذلكم ) يعود ms2379 إلى ما سبق من نعمة الإبلاء والقتل ~~والرمي وغير ذلك من النعم. وهو مبتدأ وخبره محذوف ، وقوله : ( @QUR@03 وأن ~~الله موهن .... ) معطوف عليه. # المعنى : ذلكم الذي منحته إياكم من العطاء الحسن ، والقتل للمشركين ، ~~والإمداد بالملائكة ، وإنزال الماء عليكم. ذلكم كله نعم منى إليكم ، ويضاف ~~إلى ذلك كله أنه سبحانه مضعف لكيد الكافرين ومفسد لمكرهم بكم. # قال ابن كثير : وهذه بشارة أخرى مع ما حصل من النصر ، فإنه أعلمهم بأنه ~~مضعف كيد الكافرين فيما يستقبل ، مصغر أمرهم ، وأنهم في تبار ودمار» (2) ~~وبعد أن ذكر سبحانه عباده المؤمنين بما حباهم به من منن في غزوة بدر ، ~~ليستمروا على طاعتهم له ولرسوله .. أتبع ذلك بتوجيه الخطاب إلى الكافرين ~~الذين حملهم الرسوخ في الكفر على أن يدعو الله أن يجعل PageV06P066 # الدائرة في بدر على أضل الفريقين فقال تعالى : ( @QUR@024 إن تستفتحوا ~~فقد جاءكم الفتح ، وإن تنتهوا فهو خير لكم ، وإن تعودوا نعد ، ولن تغني ~~عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت ، وأن الله مع المؤمنين ). # روى الإمام أحمد والنسائي والحاكم وصححه ، عن ثعلبة ، أن أبا جهل قال حين ~~التقى القوم في بدر : اللهم أقطعنا للرحم ، وآتانا بما لا نعرفه ، فأحنه أى ~~فأهلكه الغداة. فكان المستفتح (1). # وعن السدى أن المشركين حين خرجوا من مكة إلى بدر أخذوا بأستار الكعبة ~~فاستنصروا الله وقالوا : اللهم انصر أهدى الجندين ، وأكرم الفئتين ، وخير ~~القبيلتين. فقال تعالى ( @QUR@02 إن تستفتحوا ).. الآية (2). # قال الراغب : وقوله : ( @QUR@02 إن تستفتحوا ... ) أى : إن طلبتم الظفر ، ~~أو طلبتم الفتاح أى الحكم .. والفتح إزالة الإغلاق والإشكال ... ويقال : ~~فتح القضية فتاحا. أى فصل الأمر فيها وأزال الإغلاق عنها. قال تعالى : ( ~~@QUR@09 ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ). ~~والاستفتاح : الاستنصار أى طلب النصر قال تعالى ( @QUR@07 وكانوا من قبل ~~يستفتحون على الذين كفروا ... ) (3). # والمعنى : إن تطلبوا الفتح أى : القضاء والفصل بينكم وبين أعدائكم ~~المؤمنين ( @QUR@03 فقد جاءكم الفتح ) أى : فقد جاءكم الفصل والقضاء فيما ~~طلبتم حيث حكم الله وقضى بينكم وبين المؤمنين ، بأن أعزهم ونصرهم لأنهم على ~~الحق ، وخذلكم وأذلكم لأنكم على الباطل. # فالخطاب ms2380 مسوق للكافرين على سبيل التهكم بهم ، والتوبيخ لهم ، حيث طلبوا ~~من الله تعالى القضاء بينهم وبين المؤمنين ، والنصر عليهم ، فكان الأمر على ~~عكس ما أرادوا حيث حكم الله فيهم بحكمه العادل وهو خذلانهم لكفرهم وجحودهم ~~، وإعلاء كلمة المؤمنين ، لأنهم على الطريق القويم. # وقوله : ( @QUR@05 وإن تنتهوا فهو خير لكم ) أى : وإن تنتهوا عن الكفر ~~وعداوة الحق ، يكن هذا الانتهاء خيرا لكم من الكفر ومحاربة الحق. # وقوله : ( @QUR@010 وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت ~~... ) تحذير لهم من التمادي في الباطل بعد ترغيبهم في الانقياد للحق. # أى : ( @QUR@02 وإن تعودوا ) إلى محاربة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين وعداوتهم ( @QUR@01 نعد ) PageV06P067 # عليكم بالهزيمة والذلة. وعلى المؤمنين بالنصر والعزة ، ولن تستطيع فئتكم ~~وجماعتكم ولو كثرت أن تدفع عنكم شيئا من تلك الهزيمة وهذه الذلة ، فإن ~~الكثرة والقوة لا وزن لها ولا قيمة إذا لم يكن الله مع أصحابها بعونه ~~وتأييده. # وقوله : ( @QUR@04 وأن الله مع المؤمنين ) تذييل قصد به تثبيت المؤمنين ، ~~وإلقاء الطمأنينة في نفوسهم. # أى : وأن الله مع المؤمنين بعونه وتأييده ، ومن كان الله معه فلن يغلبه ~~غالب مهما بلغت قوته. # قال الجمل : «قرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم بفتح «أن» والباقون ~~بكسرها. فالفتح من أوجه : # أحدها : أنه على لام العلة والمعلل تقديره ، ولأن الله مع المؤمنين كان ~~كيت وكيت. # والثاني : أن التقدير : ولأن الله مع المؤمنين امتنع عنادهم. والثالث أنه ~~خبر مبتدأ محذوف. أى : والأمر أن الله مع المؤمنين. # والوجه الأخير يقرب في المعنى من قراءة الكسر لأنه استئناف (1). # هذا وما جرينا عليه من أن الخطاب في قوله تعالى ( @QUR@02 إن تستفتحوا .. ~~) للمشركين هو رأى جمهور المفسرين. # ومنهم من يرى أن الخطاب في الآية الكريمة للمؤمنين ، وعليه يكون المعنى : ~~( @QUR@02 إن تستفتحوا ... ) أى تطلبوا أيها المؤمنون النصر على أعدائكم ( ~~@QUR@03 فقد جاءكم الفتح ) أى : فقد جاءكم النصر من عند الله كما طلبتم. # ( @QUR@02 وإن تنتهوا ) أى عن المنازعة في أمر الأنفال ، وعن التكاسل في ~~طاعة الله ورسوله ، ( @QUR@01 فهو ) أى هذا الانتهاء ( @QUR@02 خير لكم ). # ( @QUR@02 وإن تعودوا ms2381 ) إلى المنازعات والتكاسل ( @QUR@01 نعد ) عليكم ~~بالإنكار وتهييج الأعداء. # ( @QUR@07 ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت ) أى : ولن تفيدكم كثرتكم ~~شيئا مهما كثرت إن لم يكن الله معكم بنصره. # وأن الله تعالى مع المؤمنين الصادقين في إيمانهم وطاعتهم له. # والذي يبدو لنا أن كون الخطاب للكافرين أرجح ، لأن أسباب النزول تؤيده ، ~~فقد سبق أن بينا أن الكافرين عند خروجهم إلى بدر تعلقوا بأستار الكعبة ~~وقالوا : اللهم انصر أهدى الجندين .. وأن أبا جهل قال حين التقى القوم : PageV06P068 # اللهم أينا أقطع للرحم .. فأحنه الغداة. قال ابن جرير : فكان ذلك ~~استفتاحه ، فأنزل الله في ذلك ( @QUR@05 إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح .. ) (1). # ولعل مما يرجح أن الخطاب في قوله تعالى ( @QUR@02 إن تستفتحوا ... ) ~~للكافرين ، أن بعض المفسرين كابن جرير وابن كثير ساروا في تفسيرهم للآية ~~على ذلك ، وأهملوا الرأى القائل بأن الخطاب للمؤمنين فلم يذكروه أصلا. # أما صاحب الكشاف فقد ذكره بصيغة «وقيل» وصدر كلامه بكون الخطاب للكافرين ~~فقال : قوله تعالى : ( @QUR@02 إن تستفتحوا .. ) خطاب لأهل مكة على سبيل ~~التهكم ، وذلك أنهم حين أرادوا أن ينفروا تعلقوا بأستار الكعبة وقالوا : ~~اللهم انصر أقرانا للضيف ، وأوصلنا للرحم ، وأفكنا للعانى ...» (2). # وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة التي افتتحت بنداء المؤمنين ، قد أمرتهم ~~بالثبات عند لقاء الأعداء .. وبينت لهم جوانب من مظاهر فضل الله عليهم ، ~~ورعايته لهم .. ورغبت المشركين في الانتهاء عن شركهم وعن محاربتهم للحق ، ~~وحذرتهم من التمادي في باطلهم وطغيانهم .. وأخبرتهم في ختامها بأن الله ~~تعالى مع المؤمنين بتأييده ونصره. # ثم وجهت السورة الكريمة نداء ثانيا إلى المؤمنين ، أمرتهم بطاعة الله ~~ورسوله ، ونهتهم عن التشبه بالكافرين وأمثالهم من المنافقين. ### ||| ** فقال تعالى : # ( @QUR@012 يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم ~~تسمعون (20) @QUR@08 ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون (21) ~~@QUR@010 إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون (22) @QUR@011 ~~ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ) (23) PageV06P069 # والمعنى ؛ يا أيها الذين آمنوا حق الإيمان ، أطيعوا الله ورسوله في كل ~~أحوالكم ، ( @QUR@03 ولا تولوا عنه ) أى ولا ms2382 تعرضوا عنه ، فإن في إعراضكم ~~عنه خسارة عظيمة لكم في دنياكم وآخرتكم. # قال الآلوسى : «وأعيد الضمير إليه صلى الله عليه وسلم ، لأن المقصود طاعته ، ~~وذكر طاعة الله تعالى توطئة لطاعته ، وهي مستلزمة لطاعة الله تعالى ، لأنه ~~مبلغ عنه ، فكان الراجع إليه صلى الله عليه وسلم كالراجع إلى الله تعالى » (1). # وقوله : ( @QUR@02 وأنتم تسمعون ) جملة حالية مسوقة لتأكيد وجوب الانتهاء ~~عن التولي مطلقا ، لا لتقييد النهى عنه بحال السماع. # أى أطيعوا الله ورسوله أيها المؤمنون ولا تتولوا عنه والحال أنكم تسمعون ~~القرآن الناطق بوجوب طاعته ، والمواعظ الزاجرة عن مخالفته وقوله : ( ~~@QUR@08 ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ) تأكيد لما قبله ، ~~ونهى لهم عن التشبه بالضالين. # أى أطيعوا الله ورسوله في كل أحوالكم عن إخلاص وإذعان ، ولا تقصروا في ~~ذلك في وقت من الأوقات ، وإياكم أن تتشبهوا بأولئك الكافرين والمنافقين ~~الذين ادعوا السماع فقالوا سمعنا ، والحال أنهم لم يسمعوا سماع تدبر واتعاظ ~~، لأنهم لم يصدقوا ما سمعوه ، ولم يتأثروا به. بل نبذوه وراء ظهورهم. # فالمنفى في قوله تعالى ( @QUR@03 وهم لا يسمعون ) سماع خاص ، وهو سماع ~~التدبر والاتعاظ ، لكنه جيء به على سبيل الإطلاق ، للإشعار بأنهم قد نزلوا ~~منزلة من لم يسمع أصلا ، بجعل سماعهم بمنزلة العدم ، حيث إنه سماع لا وزن ~~له ، ولا فائدة لهم من ورائه ، مع أنهم لو فتحوا آذانهم وقلوبهم للحق ~~لاستفادوا ، ولكنهم آثروا الغي على الرشد. # ثم وصف سبحانه الكفار والمنافقين وأشباههم وصفا يحمل العقلاء على النفور ~~منهم ، فقال تعالى : ( @QUR@010 إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا ~~يعقلون .. ). # والدواب : جمع دابة وهي كل ما يدب على الأرض. قال تعالى : ( @QUR@021 ~~والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ، ومنهم من يمشي على ~~رجلين ، ومنهم من يمشي على أربع .. ) (2). # قال الجمل : «وإطلاق الدابة على الإنسان لما ذكروه في كتب اللغة من أنها ~~تطلق على كل حيوان ولو آدميا ، وفي المصباح : الدابة كل حيوان في الأرض ~~مميزا أو غير مميز» (3). # وقد روى أن هذه الآية نزلت ms2383 في نفر من بنى عبد الدار ، كانوا يقولون : نحن ~~صم بكم عما PageV06P070 # جاء به محمد ، فقتلوا جميعا يوم بدر. # وهذا لا يمنع أن الآية الكريمة يشمل حكمها جميع المشركين والمنافقين ، إذ ~~العبرة بعموم اللفظ ، لا بخصوص السبب. # والمعنى : إن شر ما يدب على الأرض ( @QUR@02 عند الله ) أى : في حكمه ~~وقضائه ، هم أولئك ( @QUR@01 الصم ) عن سماع الحق ( @QUR@01 البكم ) عن ~~النطق به ( @QUR@03 الذين لا يعقلون ) أى لا يعقلون التمييز بينه وبين ~~الباطل. # ووصفهم سبحانه بذلك مع أنهم يسمعون وينطقون ، لأنهم لم ينتفعوا بهذه ~~الحواس ، بل استعملوها فيما يضر ويؤذى ، فكان وجودها فيهم كعدمها. # وقدم الصمم على البكم ، لأن صممهم عن سماع الحق متقدم على بكمهم فإن ~~السكوت عن النطق بالحق من فروع عدم سماعهم له ، كما أن النطق به من فروع سماعه. # وقوله ( @QUR@03 الذين لا يعقلون ) تحقيق لكمال سوء حالهم ، لأن الأصم ~~الأبكم إذا كان له عقل ربما فهم بعض الأمور .. أما إذا كان بجانب صممه ~~وبكمه فاقد العقل ، فإنه في هذه الحالة يكون قد بلغ الغاية في سوء الحال .. # قال صاحب المنار : وقوله : ( @QUR@03 الذين لا يعقلون ) أى : فقدوا فضيلة ~~العقل الذي يميز بين الحق والباطل والخير والشر ، إذ لو عقلوا لطلبوا ، ولو ~~طلبوا لسمعوا وميزوا ، ولو سمعوا لنطقوا وبينوا ، وتذكروا وذكروا .. فهم ~~لفقدهم منفعة العقل والسمع والنطق صاروا كالفاقدين لهذه المشاعر والقوى .. ~~بل هم شر من ذلك لأنهم أعطيت لهم المشاعر والقوى فأفسدوها على أنفسهم لعدم ~~استعمالها فيما خلقها الله لأجله ، فهم كما قال الشاعر : # خلقوا ، وما خلقوا لمكرمة %~% فكأنهم خلقوا وما خلقوا رزقوا وما رزقوا سماح يد %~% فكأنهم رزقوا وما رزقوا # ولم يصفهم هنا بالعمى كما وصفهم في آية الأعراف وآيتي البقرة ، لأن ~~المقام هنا مقام تعريض بالذين ردوا دعوة الإسلام ، ولم يهتدوا بسماع آيات ~~القرآن» (1). # وقوله تعالى ( @QUR@06 ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ... ) بيان لما ~~جبلوا عليه من إيثار الغي على الرشد ، والضلالة على الهداية. # أى : ولو علم الله تعالى في هؤلاء الصم البكم ( @QUR@01 خيرا ) أى : ~~استعدادا للإيمان ورغبة ms2384 فيما يصلح نفوسهم وقلوبهم ( @QUR@01 لأسمعهم ) سماع ~~تفهم وتدبر ، أى : لجعلهم سامعين للحق ، ومستجيبين له ، ولكنه سبحانه لم ~~يعلم فيهم شيئا من ذلك ، فحجب خيره عنهم بسبب سوء استعدادهم. PageV06P071 # ولذا قال تعالى بعد ذلك : ( @QUR@05 ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ) أى : ~~ولو أسمعهم سماع تفهم وتدبر ، وهم على هذه الحالة العارية من كل خير لتولوا ~~عما سمعوه من الحق ( @QUR@02 وهم معرضون ) عن قبوله جحودا وعنادا. # قال الفخر الرازي : قوله تعالى : ( @QUR@011 ولو علم الله فيهم خيرا ~~لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ) أى : أن كل ما كان حاصلا ، فإنه ~~يجب أن يعلمه الله ، فعدم علم الله بوجوده من لوازم عدمه ، فلا جرم حسن ~~التعبير عن عدمه في نفسه بعدم علم الله بوجوده ، وتقرير الكلام : لو حصل ~~فيهم خير لأسمعهم الله الحجج والمواعظ سماع تعليم وتفهم ، ولو أسمعهم بعد ~~أن علم أنه لا خير فيهم لم ينتفعوا به ، ولتولوا وهم معرضون» (1). # ثم وجه سبحانه إلى المؤمنين نداء ثالثا أمرهم فيه بالاستجابة لتعاليمه ، ~~وحذرهم من الأقوال والأعمال التي تكون سببا في عذابهم ، وذكرهم بجانب من ~~مننه عليهم ، فقال تعالى : # ( @QUR@021 يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما ~~يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون (24) ~~@QUR@013 واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد ~~العقاب (25) @QUR@019 واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن ~~يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون ) (26) # قال القرطبي : قوله تعالى ( @QUR@07 يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله ~~وللرسول .. ) هذا الخطاب للمؤمنين المصدقين بلا خلاف ، والاستجابة : PageV06P072 # الإجابة .. قال الشاعر : # وداع دعا يا من يجيب إلى الندى %~% فلم يستجبه عند ذاك مجيب (1) # أى : فلم يجبه عند ذاك مجيب. # وكان الإمام القرطبي يرى أن السين والتاء في قوله : «استجيبوا» زائدتان. # ولعل الأحسن من ذلك أن تكون السين والتاء للطلب ، لأن الاستجابة هي ~~الإجابة بنشاط وحسن استعداد. # وقوله ( @QUR@02 لما يحييكم ) أى لما يصلحكم من أعمال البر والخير ~~والطاعة ، التي توصلكم متى تمسكتم بها إلى ms2385 الحياة الكريمة الطيبة في الدنيا ~~، وإلى السعادة التي ليس بعدها سعادة في الآخرة. # وهذا المعنى الذي ذكرناه لقوله ( @QUR@02 لما يحييكم ) أدق مما ذكره ~~بعضهم من أن المراد بما يحييهم القرآن ، أو الجهاد ، أو العلم ... إلخ. # وذلك ، لأن أعمال البر والخير والطاعة تشمل كل هذا. # والمعنى : ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا ) بالله حق الإيمان ، ( @QUR@03 ~~استجيبوا لله وللرسول ) عن طواعية واختيار ، ونشاط وحسن استعداد ( @QUR@02 ~~إذا دعاكم ) الرسول صلى الله عليه وسلم ( @QUR@02 لما يحييكم ) أى : إلى ما ~~يصلح أحوالكم ، ويرفع درجاتكم ، من الأقوال النافعة ، والأعمال الحسنة ، ~~التي بالتمسك بها تحيون حياة طيبة : وتظفرون بالسعادتين : الدنيوية ~~والأخروية. # والضمير في قوله ( @QUR@01 دعاكم ) يعود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأنه هو المباشر للدعوة إلى الله ، ولأن في الاستجابة له استجابة لله تعالى ~~قال سبحانه : ( @QUR@012 من يطع الرسول فقد أطاع الله ، ومن تولى فما ~~أرسلناك عليهم حفيظا ) (2). # وقوله : ( @QUR@07 واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ) تحذير لهم من ~~الغفلة عن ذكر الله ، وبعث لهم على مواصلة الطاعة له سبحانه . # وقوله : ( @QUR@01 يحول ) من الحول بين الشيء والشيء ، بمعنى الحجز ~~والفصل بينهما. # قال الراغب : أصل الحول تغير الشيء وانفصاله عن غيره ، وباعتبار التغير ~~قيل حال الشيء يحول حولا واستحال تهيأ لأن يحول : وباعتبار الانفصال قيل ~~حال بيني وبينك كذا ... أى فصل ..» (3). PageV06P073 # هذا ، وللمفسرين في معنى هذه الجملة الكريمة أقوال متعددة أهمها قولان : # أما القول الأول فهو أن المراد بالحيلولة بين المرء وقلبه كما يقول ابن ~~جرير : أنه سبحانه أملك لقلوب عباده منهم وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء ، ~~حتى لا يقدر ذو قلب أن يدرك شيئا من إيمان أو كفر ، أو أن يعي به شيئا ، أو ~~أن يفهم إلا بإذنه ومشيئته ، وذلك أن الحول بين الشيء والشيء إنما هو الحجز ~~بينهما ، وإذا حجز جل ثناؤه بين عبد وقلبه في شيء أن يدركه أو يفهمه ، لم ~~يكن للعبد إلى إدراك ما قد منع الله قلبه إدراكه سبيل ، وإذا كان ذلك معناه ~~دخل في ذلك قول من قال : يحول بين ms2386 المؤمن والكفر ، وبين الكافر والإيمان. # وقول من قال : يحول بينه وبين عقله. وقول من قال : يحول بينه وبين قلبه ~~حتى لا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه .. فالخبر على العموم حتى يخصصه ~~ما يجب التسليم له ، (1). # وقد رجح ابن جرير هذا القول بعد أن ذكر قبله بعض الأقوال الأخرى. # وقال ابن كثير بعد أن لخص القول الذي رجحه ابن جرير : وقد وردت الأحاديث ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن قلوب بنى آدم بين إصبعين من أصابع ~~الرحمن كقلب واحد ، يصرفها كيف شاء ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~(اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك). # وروى : الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة عن النواس بن سمعان الكلابي قال : ~~سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع ~~الرحمن رب العالمين ، إذا شاء أن يقيمه أقامه ، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه» (2). # أما القول الثاني فهو أن المراد بالحيلولة بين المرء وقلبه كما يقول ~~الزمخشري «أنه سبحانه يميت المرء فتفوته الفرصة التي هو واجدها ، وهي ~~التمكن من إخلاص القلب ومعالجة أدوائه وعلله ، ورده سليما كما يريده الله ، ~~فاغتنموا هذه الفرصة ، وأخلصوا قلوبكم لطاعة الله ورسوله ، (3). # أو كما يقول الفخر الرازي بعبارة أوضح : «أن المراد أنه تعالى يحول بين ~~المرء وبين ما يتمناه ويريده بقلبه ، فإن الأجل يحول دون الأمل. فكأنه قال ~~: بادروا إلى الأعمال الصالحة ولا تعتمدوا على ما يقع في قلوبكم من توقع ~~طول البقاء ، فإن ذلك غير موثوق به ، PageV06P074 # وإنما حسن إطلاق لفظ القلب على الأمانى الحاصلة في القلب ، لأن تسمية ~~الشيء باسم ظرفه جائزة كقولهم : سال الوادي ، (1). # والذي نراه أن القول الثاني أولى بالقبول ، لأن الآية الكريمة ساقته لحض ~~المؤمنين على سرعة الاستجابة للحق الذي دعاهم إليه رسوله صلى الله عليه وسلم ~~والذي باتباعه يحيون حياة طيبة ، وتذكيرهم بيوم الحساب وما فيه من ثواب ~~وعقاب ، كما قال تعالى في ختامها ( @QUR@03 وأنه إليه تحشرون ). # وليست مسوقة لإثبات ms2387 قدرة الله ، وأنه أملك لقلوب عباده منهم : وأنه يحول ~~بينهم وبينها إذا شاء. # فالمعنى الذي ذكره ابن جرير وتابعه عليه ابن كثير وغيره ، معنى وجيه في ~~ذاته ، إذ لا ينكر أحد أن الله مقلب القلوب ومالكها .. ولكن ليس مناسبا هنا ~~مناسبة المعنى الذي ذكره الزمخشري والرازي ، لأن الآية التي معنا والتي ~~بعدها صريحتان في دعوة المؤمنين إلى الاستجابة للحق قبل أن يفاجئهم الموت ، ~~وقبل أن تحل بهم مصيبة لا تصيب الظالمين منهم خاصة. # والمعنى الإجمالى للآية الكريمة ( @QUR@07 يا أيها الذين آمنوا استجيبوا ~~لله وللرسول ) بعزيمة صادقة ، وسرعة فائقة ، ( @QUR@02 إذا دعاكم ) الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ( @QUR@02 لما يحييكم ) أى لما به تحيون حياة طيبة من ~~الأقوال والأعمال الصالحة ( @QUR@01 واعلموا ) علما يقينا ( @QUR@06 أن ~~الله يحول بين المرء وقلبه ) أى يحول بين المرء وبين ما يتمناه قلبه من ~~شهوات الدنيا ومتعها : فكم من إنسان يؤمل أنه سيفعل كذا غدا ، وسيجمع كذا ~~في المستقبل ، وسيحصل على كذا قريبا .. ثم يحول الموت ويفصل بينه وبين ~~آماله وأمانيه .. فبادروا إلى اغتنام الأعمال الصالحة من قبل أن يفاجئكم الموت. # وقوله : ( @QUR@03 وأنه إليه تحشرون ) تذبيل قصد به تذكيرهم بأهوال يوم ~~القيامة. والضمير في قوله ( @QUR@01 وأنه ) يعود إلى الله تعالى أو هو ضمير ~~الشأن. أى : وأنه سبحانه إليه وحده ترجعون لا إلى غيره ، فيحاسبكم على ما ~~قدمتم وما أخرتم ، ويجازى كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر. # فأنت ترى أن الآية الكريمة قد جمعت بين الترغيب. في العمل الصالح بسرعة ~~ونشاط ، وبين الترهيب من التكاسل والغفلة عن طاعة الله. # ثم يؤكد سبحانه بعد ذلك ترهيبه لهم من التراخي في تغيير المنكر فيقول : ( ~~@QUR@013 واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ، واعلموا أن الله ~~شديد العقاب ). PageV06P075 # والفتنة : من الفتن. وأصله كما يقول الراغب : إدخال الذهب النار لتظهر ~~جودته من رداءته ، واستعمل في إدخال الإنسان النار. # كما في قوله تعالى ( @QUR@02 ذوقوا فتنتكم ) أى : عذابكم. وتارة يسمون ما ~~يحصل عنه العذاب فتنة فيستعمل فيه نحو قوله تعالى : ( @QUR@04 ألا في ~~الفتنة سقطوا ms2388 ). وتارة في الاختيار نحو قوله تعالى ( @QUR@02 وفتناك فتونا ~~) (1). # والمراد بالفتنة هنا العذاب الدنيوي ، كالأمراض ، والقحط ، واضطراب ~~الأحوال ، وتسلط الظلمة ، وعدم الأمان .. وغير ذلك من المحن والمصائب ~~والآلام التي تنزل بالناس بسبب غشيانهم الذنوب ، وإقرارهم للمنكرات ، ~~والمداهنة في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. # والخطاب لجميع المؤمنين في كل زمان ومكان. # فالمعنى : داوموا أيها المؤمنون على طاعة الله بقوة ونشاط ، واحذروا من ~~أن ينزل بكم عذاب سيعم عند نزوله الأخيار والفجار والمحسنين والمسيئين. # وقوله ، ( @QUR@05 واعلموا أن الله شديد العقاب ) المراد منه الحث على ~~لزوم الاستقامة خوفا من عقاب الله تعالى . # أى : واعلموا أن الله شديد العقاب لمن خالف أمره ، وانتهك حرماته. # قال صاحب الكشاف : وقوله ( @QUR@02 لا تصيبن ) لا يخلو من أن يكون جوابا ~~للأمر ، أو نهيا بعد أمر ، أو صفة لفتنة. # فإذا كان جوابا فالمعنى : إن أصابتكم لا تصيب الظالمين منكم خاصة ولكنها ~~تعمكم ... وإذا كانت نهيا بعد أمر فكأنه قيل : واحذروا ذنبا أو عقابا ، ثم ~~قيل : لا تتعرضوا للظلم فيصيب العقاب أو أثر الذنب ووباله الجميع وليس من ~~ظلم منكم خاصة. # فإن قلت : كيف جاز دخول النون المؤكدة في جواب الأمر؟ # قلت : لأن فيه معنى النهى ومتى كان كذلك جاز إدخال النون المؤكدة كما إذا ~~قلت : انزل عن الدابة لا تطرحك أو لا تطرحنك. ومنه قوله تعالى : ( @QUR@09 ~~يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده ) (2). # وقوله ( @QUR@01 خاصة ) منصوب على الحال من الفاعل المستكن في قوله ( ~~@QUR@02 لا تصيبن ). ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف. والتقدير : إصابة خاصة. PageV06P076 # هذا ، وقد دلت الآية الكريمة على وجوب الإقلاع عن المعاصي ، ووجوب محاربة ~~مرتكبيها ، فإن الأمة التي تشيع فيها المعاصي والمظالم والمنكرات .. ثم لا ~~تجد من يحاربها ويعمل على إزالتها ، تستحق العقوبة جزاء سكوتها واستخذائها ~~وجبنها. # وقد ذكر بعض المفسرين أن هذه الآية الكريمة نزلت في حق بعض الصحابة الذين ~~اشتركوا في واقعة الجمل فيما بعد. # ولكن هذا القول غير صحيح ؛ لأن الآية الكريمة تخاطب المؤمنين جميعا في كل ~~زمان ومكان ، وتأمرهم بالبعد عن المعاصي ms2389 والمنكرات التي تفضى بهم إلى ~~العذاب الدنيوي قبل الأخروى. وليست خاصة بفريق دون فريق. # لذا قال ابن كثير : والقول بأن هذا التحذير يعم الصحابة وغيرهم هو الصحيح ~~، ويدل عليه الأحاديث الواردة في التحذير من الفتن. # ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد عن عدى بن عميرة قال : سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول : «إن الله تعالى لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى ~~يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه ، فإذا ~~فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة». # وروى الإمام أحمد أيضا عن جرير بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال : «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي وهم أعز وأكثر ممن يعملون ، ثم لم ~~يغيروه ، إلا عمهم الله بعقاب» (1). # وقال الإمام القرطبي : قال ابن عباس : أمر الله المؤمنين ألا يقروا ~~المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب. # ففي صحيح مسلم عن زينب بنت جحش أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالت له : يا رسول الله ، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال : «نعم إذا كثر ~~الخبث». # وفي صحيح الترمذي : «إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه ، أو ~~شك أن يعمهم الله بعقاب من عنده». # وفي صحيح البخاري والترمذي عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا أى اقترعوا ~~على سفينة فأصاب بعضهم أغلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا ~~استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا : لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ~~ولم نؤذ من فوقنا ، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا ، وإن أخذوا على ~~أيديهم نجوا ونجوا جميعا». PageV06P077 # ففي هذا الحديث تعذيب العامة بذنوب الخاصة. # قال علماؤنا : فالفتنة إذا عمت هلك الكل وذلك عند ظهور المعاصي ، وانتشار ~~المنكر وعدم التغيير. وإذا لم تغير وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم ~~هجران تلك البلدة والهرب منها. # روى ابن وهب عن مالك قال : تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهارا ولا ms2390 ~~يستقر فيها. # واحتج بصنيع أبى الدرداء في خروجه عن أرض معاوية حين أعلن بالربا ، فأجاز ~~بيع سقاية الذهب بأكثر من وزنها. # فإن قيل : فقد قال الله تعالى ( @QUR@05 ولا تزر وازرة وزر أخرى ) وقال : ~~( @QUR@05 كل نفس بما كسبت رهينة ). وهذا يوجب ألا يؤخذ أحد بذنب أحد ، ~~وإنما تتعلق العقوبة بصاحب الذنب؟ # فالجواب أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على كل من رآه أن يغيره ~~، فإذا سكت عليه فكلهم عاص ؛ هذا بفعله وهذا برضاه ، وقد جعل الله في حكمه ~~الراضي بمنزلة العامل ؛ فانتظم في العقوبة (1). # وقال بعض العلماء : وذكر القسطلاني «أن علامة الرضا بالمنكر عدم التألم ~~من الخلل الذي يقع في الدين بفعل المعاصي ، فلا يتحقق كون الإنسان كارها له ~~، إلا إذا تألم للخلل الذي يقع في الدين ، كما يتألم ويتوجع لفقد ماله أو ~~ولده. فكل من لم يكن بهذه الحالة ، فهو راض بالمنكر ، فتعمه العقوبة ~~والمصيبة بهذا الاعتبار (2). # وبعد أن أمر سبحانه المؤمنين بالاستجابة له ونهاهم عن الوقوع في المعاصي ~~.. أخذ في تذكيرهم بجانب من فضله عليهم فقال : ( @QUR@011 واذكروا إذ أنتم ~~قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس ... ). # أى : ( @QUR@01 اذكروا ) يا معشر المؤمنين ( @QUR@06 إذ أنتم قليل ~~مستضعفون في الأرض ) أى : وقت أن كنتم قلة مستضعفة في أرض مكة تحت أيدى ~~كفار قريش. أو في أرض الجزيرة العربية حيث كانت الدولة لغيركم من الفرس ~~والروم. # وقوله : ( @QUR@04 تخافون أن يتخطفكم الناس ) أى : تخافون أن يأخذكم ~~أعداؤكم أخذا سريعا. لقوتهم وضعفكم. يقال خطفه من باب تعب أى : استلبه بسرعة. PageV06P078 # والمراد بالتذكر في قوله : ( @QUR@01 اذكروا ) أن يتنبهوا بعقولهم ~~وقلوبهم إلى نعم الله ، وأن يداوموا على شكرها حتى يزيدهم سبحانه من فضله. # و ( @QUR@01 إذ ) ظرف بمعنى وقت. و ( @QUR@01 أنتم ) مبتدأ ، أخبر عنه ~~بثلاثة أخبار بعده وهي ( @QUR@01 قليل ) و ( @QUR@01 مستضعفون ) و ( ~~@QUR@01 تخافون ). # والمراد بالناس : كفار قريش ، أوهم وغيرهم من كفار العرب والفرس والروم. # وقوله : ( @QUR@06 فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات ) بيان لما من ~~به عليهم من نعم بعد أن كانوا محرومين منها. # أى : اذكروا وقت ms2391 أن كنتم قلة ضعيفة مستضعفة تخشى أن يأخذها أعداؤها أخذا ~~سريعا ، فرفع الله عنكم بفضله هذه الحال ، وأبدلكم خيرا منها ، بأن آواكم ~~إلى المدينة ، وألف بين قلوبكم يا معشر المهاجرين والأنصار ( @QUR@02 ~~وأيدكم بنصره ) في غزوة بدر ، وقذف في قلوب أعدائكم الرعب منكم ( @QUR@03 ~~ورزقكم من الطيبات ) أى : ورزقكم من الغنائم التي أحلها لكم بعد أن كانت ~~محرمة على الذين من قبلكم ، كما رزقكم أيضا بكثير من المطاعم والمشارب ~~الطيبة التي لم تكن متوفرة لكم قبل ذلك. # وقوله ( @QUR@02 لعلكم تشكرون ) تذييل قصد به حضهم على مداومة الشكر ~~والطاعة لله عز وجل أى : نقلكم الله تعالى من الشدة إلى الرخاء ، ومن القلة ~~إلى الكثرة ، ومن الضعف إلى القوة ، ومن الخوف إلى الأمن ، ومن الفقر إلى ~~الغنى .. حتى تستمروا على طاعة الله وشكره ، ولا يشغلكم عن ذلك أى شاغل. # قال ابن جرير : قال قتادة في قوله تعالى ( @QUR@07 واذكروا إذ أنتم قليل ~~مستضعفون في الأرض .. ): # «كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلا ، وأشقاه عيشا وأجوعه بطونا ، ~~وأعراه جلودا ، وأبينه ضلالا ، من عاش منهم عاش شقيا ، ومن مات منهم ردى في ~~النار ، يؤكلون ولا يأكلون ، والله ما نعلم قبيلا من حاضر أهل الأرض يومئذ ~~كانوا أشر منهم منزلا ، حتى جاء الله بالإسلام ، فمكن به في البلاد ، ووسع ~~به في الرزق ، وجعلكم به ملوكا على رقاب الناس. فبالاسلام أعطى الله ما ~~رأيتم ، فاشكروا الله على نعمه ، فإن ربكم منعم يحب الشكر ، وأهل الشكر في ~~مزيد من الله تعالى » (1). # وبذلك نرى أن هذه الآيات الثلاثة قد جمعت بين الترغيب والترهيب والتذكير ~~... الترغيب PageV06P079 # كما في قوله تعالى : ( @QUR@07 يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~... ). # والترهيب كما في قوله تعالى : ( @QUR@08 واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ~~ظلموا منكم خاصة ... ). # والتذكير كما في قوله تعالى ( @QUR@07 واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في ~~الأرض ... ). # وبالترغيب في الطاعات ، وبالترهيب من المعاصي ، وبالتذكير بالنعم ، ينجح ~~الدعاة في دعوتهم إلى الله. # ثم وجه سبحانه بعد ذلك نداء رابعا وخامسا إلى المؤمنين فقال : # ( @QUR@012 يا أيها الذين آمنوا ms2392 لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم ~~وأنتم تعلمون (27) @QUR@010 واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله ~~عنده أجر عظيم (28) @QUR@019 يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم ~~فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم ) (29) # روى المفسرون في سبب نزول قوله تعالى : ( @QUR@06 يا أيها الذين آمنوا لا ~~تخونوا ) روايات منها : # ما جاء عن ابن عباس من أنها نزلت في أبى لبابة حين بعثه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى بنى قريظة فقالوا له : يا أبا لبابة ما ترى؟ أننزل على ~~حكم سعد بن معاذ فينا؟ فأشار أبو لبابة إلى حلقه. أى أن حكم سعد فيكم سيكون ~~الذبح فلا تنزلوا. # قال أبو لبابة : والله ما زالت قدماي عن مكانهما حتى علمت أنى قد خنت ~~الله ورسوله. # ومنها ما جاء عن جابر بن عبد الله من أنها نزلت في منافق كتب إلى أبى ~~سفيان يطلعه على سر من أسرار المسلمين. # ومنها ما جاء عن السدى من أنها نزلت في قوم كانوا يسمعون الشيء عن النبي ~~صلى الله PageV06P080 # عليه وسلم ثم يحدثون به المشركين .. (1). # قال ابن كثير : والصحيح أن الآية عامة وإن صح أنها وردت على سبب خاص ؛ ~~فإن الأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب هو المعتمد عند الجماهير من العلماء. # وقوله ( @QUR@02 لا تخونوا ) من الخون بمعنى النقص. يقال خونه تخوينا أى ~~: نسبه إلى الخيانة ونقصه. # قال صاحب الكشاف : معنى الخون : النقص ، كما أن معنى الوفاء التمام. ومنه ~~تخونه إذا تنقصه ، ثم استعمل في ضد الأمانة والوفاء ؛ لأنك إذا خنت الرجل ~~في شيء فقد أدخلت عليه النقصان فيه. وقد استعير فقيل : خان الدلو الكرب ~~والكرب حبل يشد في رأس الدلو وخان المشتار السبب. والمشتار مجتنى العسل ~~والسبب الحبل لأنه إذا انقطع به فكأنه لم يف له» (2). # والمقصود بخيانة الله : ترك فرائضه وأوامره التي كلف العباد بها ، ~~وانتهاك حرماته التي نهى عن الاقتراب منها. # والمقصود بخيانة الرسول صلى الله عليه وسلم : إهمال سننه التي جاء بها ~~وأمرنا بالتقيد بتعاليمها. # والمقصود بالأمانات ms2393 : الأسرار والعهود والودائع وغير ذلك من الشئون التي ~~تكون بينهم وبين غيرهم مما يجب أن يصان ويحفظ. # والمعنى : ( @QUR@07 يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله ) بأن تهملوا ~~فرائضه ، وتتعدوا حدوده ، ولا تخونوا ( @QUR@01 الرسول ) صلى الله عليه وسلم ، ~~بأن تتركوا سنته وتنصرفوا إلى غيرها ، وتخالفوا ما أمركم به وتجترحوا ما ~~نهاكم عنه ، ولا تخونوا ( @QUR@01 أماناتكم ) بأن تفشوا الأسرار التي بينكم ~~، وتنقضوا العهود التي تعاهدتم على الوفاء بها ، وتنكروا الودائع التي ~~أودعها لديكم غيركم ، وتستبيحوا ما يجب حفظه من سائر الحقوق المادية ~~والمعنوية ، فقوله : ( @QUR@02 وتخونوا أماناتكم ) معطوف على قوله ( ~~@QUR@02 لا تخونوا ). # وأعاد النهى للإشعار بأن كل واحد من المنهي عنه مقصود بذاته اهتماما به. # وقوله : ( @QUR@02 وأنتم تعلمون ) الواو للحال ، والمفعول محذوف. أى. ~~والحال أنكم تعلمون سوء عاقبة الخائن لله ولرسوله وللأمانات التي اؤتمن ~~عليها ، فعليكم أن تتجنبوا الخيانة في جميع صورها ؛ لتنالوا رضى الله ~~ومثوبته. PageV06P081 # ولما كان حب الأموال والأولاد والاشتغال بهم من أهم دواعي الإقدام على ~~الخيانة ، نبه سبحانه إلى ذلك فقال : ( @QUR@010 واعلموا أنما أموالكم ~~وأولادكم فتنة ، وأن الله عنده أجر عظيم ). # أى : واعلموا أيها المؤمنون أنما أموالكم وأولادكم فتنة ، أى امتحان ~~واختبار لكم من الله تعالى ليتبين قوى الإيمان من ضعيفه. # أما قوى الإيمان فلا يشغله ماله وولده عن طاعة الله ، وأما ضعيف الإيمان ~~فيشغله ذلك عن طاعة الله ، ويجعله يعيش حياته عبدا لأمواله ، ومطيعا لمطالب ~~أولاده حتى ولو كانت هذه الطاعة متنافية مع تعاليم دينه وآدابه. # وقال صاحب المنار : الفتنة هي الاختبار والامتحان بما يشق على النفس فعله ~~أو تركه ، أو قبوله أو إنكاره. # وأموال الإنسان عليها مدار حياته ، وتحصيل رغائبه وشهواته ، ودفع كثير من ~~المكاره عنه ، فهو يتكلف في طلبها المشاق ، ويركب الصعاب ، ويكلفه الشرع ~~فيها التزام الحلال واجتناب الحرام ، ويرغبه في القصد والاعتدال في ~~إنفاقها. # وأما الأولاد فحبهم كما يقول الأستاذ الامام ضرب من الجنون يلقيه الفاطر ~~الحكيم في قلوب الأمهات والآباء ، فيحملهم على بذل كل ما يستطاع بذله في ~~سبيلهم. # روى أبو ليلى من حديث أبى ms2394 سعيد الخدري مرفوعا «الولد ثمرة القلب ، وإنه ~~مجبنة مبخلة محزنة». فحب الولد قد يحمل الوالدين على اقتراف الآثام ، وعلى ~~الجبن ، وعلى البخل ، وعلى الحزن. # فالواجب على المؤمن اتقاء خطر الفتنة الأولى يكسب المال من وجوهه الحلال ~~، وإنفاقه في وجوهه المشروعة .. واتقاء خطر الفتنة الثانية باتباع ما أوجبه ~~الله على الآباء من حسن تربية الأولاد على الدين والفضائل ، وتجنبهم أسباب ~~المعاصي والرذائل» (1). # وقوله ( @QUR@05 وأن الله عنده أجر عظيم ) تذييل قصد به ترغيب المؤمنين ~~في طاعة الله ، بعد أن حذرهم من فتنة المال والولد. # أى : واعلموا أن الله عنده أجر عظيم لمن آثر طاعته ورضاه على جمع المال ~~وحب الأولاد ، فكونوا أيها المؤمنون من حزب المؤثرين لحب الله على حب ~~الأموال والأولاد لتنالوا السعادة في الدنيا والآخرة. PageV06P082 # ثم ختم سبحانه نداءاته للمؤمنين بهذا النداء الذي يهديهم إلى سبل الخير ~~والفلاح فقال سبحانه ( @QUR@019 يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل ~~لكم فرقانا ، ويكفر عنكم سيئاتكم ، ويغفر لكم ، والله ذو الفضل العظيم ). # والفرقان في كلام العرب كما يقول ابن جرير مصدر من قولهم فرقت بين الشيء ~~والشيء أفرق بينهما فرقا وفرقانا أى أفرق وأفصل بينهما. # وقد اختلف أهل التأويل في العبارة عند تأويل قوله ( @QUR@03 يجعل لكم ~~فرقانا ) فقال بعضهم : يجعل لكم مخرجا. وقال بعضهم نجاة ، وقال بعضهم فصلا ~~وفرقا بين حقكم وباطل من يبغيكم السوء من أعدائكم .. وكل ذلك متقارب المعنى ~~، وإن اختلفت العبارة ..» (1). # وقال الآلوسى : ( @QUR@01 فرقانا ) أى : هداية ونورا في قلوبكم تفرقون به ~~بين الحق والباطل كما روى عن ابن جريج وابن زيد أو نصرا يفرق به بين الحق ~~والباطل بإعزاز المؤمنين وإذلال الكافرين كما قال الفراء أو نجاة في ~~الدارين كما هو كلام السدى أو مخرجا من الشبهات كما جاء عن مقاتل أو ظهورا ~~يشهر أمركم وينشر صيتكم كما يشعر به كلام محمد بن إسحاق من بت أفعل كذا حتى ~~سطع الفرقان أى الصبح. وكل المعاني ترجع إلى الفرق بين أمرين. وجوز البعض ~~من المحققين الجمع بينها» (2). # ونحن مع هذا البعض ms2395 من المحققين في جواز الجمع بين هذه المعاني فيكون ~~المعنى : ( @QUR@07 يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله ) بأن تصونوا أنفسكم ~~عن كل ما يغضبه ، وتطيعوه في السر والعلن ( @QUR@03 يجعل لكم فرقانا ) أى ~~هداية في قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل ونصرا تعلو به كلمتكم على ~~كلمة أعدائكم ، ومخرجا من الشبهات التي تقلق النفوس ، ونجاة مما تخافون ، ~~.. وفضلا عن كل ذلك فإنه سبحانه يكفر عنكم سيئاتكم ، أى يسترها عليكم في ~~الدنيا ، ( @QUR@02 ويغفر لكم ) أى : ويغفر لكم يوم القيامة ما فرط منكم من ~~ذنوب بلطفه وإحسانه وقوله : ( @QUR@04 والله ذو الفضل العظيم ) تذييل قصد ~~به التعليل لما قبله ، والتنبيه على أن ما وعد به سبحانه المؤمنين على ~~تقواهم إنما هو تفضل منه لهم ، فهو سبحانه صاحب العطاء الجزيل ، والخير ~~العميم. لمن أطاعه واتقاه ، وصان نفسه عما يسخطه ويغضبه. # فأنت ترى أنه سبحانه قد رتب على تقواه وعلى الخوف منه نعما عظمى ، ومننا ~~كبرى ، وأى نعم يتطلع إليها المؤمنون أفضل من هداية القلوب وتكفير الخطايا ~~والذنوب؟. # اللهم لا تحرمنا من هذه النعم والمنن بفضلك وإحسانك ، فأنت وحدك صاحب ~~العطاء العميم ، وأنت وحدك ذو الفضل العظيم ، وأنت وحدك على كل شيء قدير. PageV06P083 # وبعد : فنحن أخى القارئ لو استعرضنا سورة الأنفال من مطلعها إلى هنا ، ~~لرأيناها تحدثنا على سبيل الإجمال عن : # (أ) أحكام الأنفال ، وأن مرد الحكم فيها إلى الله ورسوله .. # (ب) وعن الصفات الكريمة التي يجب أن يتحلى بها المؤمنون لينالوا مغفرة ~~الله ورضوانه. # (ج) وعن أحوال بعض المؤمنين الذين اشتركوا في غزوة بدر ، وكانوا يفضلون ~~العير على النفير. ولكن الله تعالى بين لهم أن الخير فيما قدره لا فيما ~~يفضلون. # (د) وعن النعم والبشارات وأسباب النصر التي أمد الله بها المؤمنين في بدر ~~والتي كان من آثارها ارتفاع شأنهم ، واندحار شأن أعدائهم. # (ه) وعن التوجيهات الحكيمة التي أعقبت تلك النداءات الخمسة التي نادى ~~الله بها المؤمنين ، فقد أمرهم سبحانه بالثبات في وجه أعدائهم ، وبالطاعة ~~التامة له ولرسوله صلى الله عليه وسلم وبالاستجابة السريعة للحق ms2396 الذي جاءهم به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم .. ونهتهم عن التولي يوم الزحف ؛ وعن التشبه بمن ~~قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ، وعن إقرار المنكرات والبدع والرضا بها ، وعن ~~خيانة الله والرسول ، وعن خيانة الأمانات التي تجب صيانتها والمحافظة عليها. # ووعدهم سبحانه بهداية القلوب ، وتكفير الخطايا والذنوب ، متى اتقوه ~~ووقفوا عند حدوده. # (و) والآن ، وبعد هذا التوجيه الحكيم ، والتأديب القويم ، والتعليم ~~النافع والتذكير بالنعم ، والتحذير من النقم .. ما ذا نرى؟ # نرى السورة الكريمة تأخذ في تذكير المؤمنين بجوانب من جرائم أعدائهم فتقص ~~عليهم ما كان من هؤلاء الأعداء من تآمر على حياة رسولهم صلى الله عليه وسلم ~~ومن تهكم بالقرآن الكريم وادعاء أنهم في استطاعتهم أن يأتوا بمثله لو شاءوا ~~، ومن استهزاء بتعاليم الإسلام ، وسخرية بشعائره وعباداته ، ومن إنفاق ~~لأموالهم ليصدوا الناس عن الطريق للحق ، ومن إصرار على العناد والجحود ~~جعلهم يستعجلون العذاب. # ومع كل هذا فالسورة الكريمة تفتح الباب في وجوه هؤلاء الجاحدين المعاندين ~~، وتأمر المؤمنين أن ينصحوهم بالدخول في دين الله .. فإذا لم يستجيبوا ~~لنصحهم فعليهم أن يقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. # استمع أخى القارئ بتدبر إلى الآيات التي تحكى كل ذلك بأسلوبها البليغ ~~المؤثر فتقول : PageV06P084 # ( @QUR@016 وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ~~ويمكر الله والله خير الماكرين (30) @QUR@017 وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا ~~قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين (31) @QUR@019 ~~وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ~~أو ائتنا بعذاب أليم (32) @QUR@012 وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان ~~الله معذبهم وهم يستغفرون (33) @QUR@021 وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون ~~عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون (34) @QUR@013 وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا ~~العذاب بما كنتم تكفرون (35) @QUR@021 إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ~~ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا ~~إلى جهنم يحشرون ms2397 (36) @QUR@018 ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث ~~بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون (37) @QUR@02 ~~قل للذين PageV06P085 # @QUR@014 كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت ~~الأولين (38) @QUR@016 وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن ~~انتهوا فإن الله بما يعملون بصير (39) @QUR@010 وإن تولوا فاعلموا أن الله ~~مولاكم نعم المولى ونعم النصير ) (40) # قال ابن كثير : عن ابن عباس في قوله : ( @QUR@05 وإذ يمكر بك الذين كفروا ~~) أنه قال : تشاورت قريش ليلة بمكة في شأن النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك ~~بعد أن رأوا أمره قد اشتهر ، وأن غيرهم قد آمن به فقال بعضهم إذا أصبح ~~فأثبتوه بالوثاق. وقال بعضهم بل اقتلوه. وقال بعضهم بل أخرجوه. ثم اتفقوا ~~أخيرا على قتله ، فأطلع الله تعالى نبيه على ذلك ، وأمره أن لا يبيت في ~~مضجعه ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عليا أن يبيت مكانه ففعل وخرج النبي ~~صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالغار ، وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي ~~صلى الله عليه وسلم فلما أصبحوا ثاروا إليه ، فلما رأوا عليا قالوا له أين ~~صاحبك؟ قال : لا أدرى. فاقتصوا أثره ، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم ، ~~فصعدوا في الجبل فمروا بالغار ، فرأوا على بابه نسج العنكبوت ، فقالوا لو ~~دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه ، فمكث فيه ثلاث ليال. # وقد ذكر ابن كثير وغيره روايات أخرى تتعلق بهذه الآية ، إلا أننا نكتفي ~~بهذه الرواية ، لإفادتها بالمطلوب في موضوعنا ، ولأن غيرها قد اشتمل على ~~أخبار أنكرها بعض المحققين ، كما أنكرها ابن كثير نفسه (1). # وقوله : ( @QUR@02 وإذ يمكر .. ) تذكير من الله تعالى لنبيه وللمؤمنين ~~ببعض نعمه عليهم ، حيث نجى نبيه صلى الله عليه وسلم من مكر المشركين حين ~~تآمروا على قتله وهو بينهم بمكة. # قال ابن جرير : أنزل الله على النبي صلى الله عليه وسلم بعد قدومه المدينة ~~سورة الأنفال ، يذكره نعمه عليه ومن ذلك قوله تعالى ( @QUR@05 وإذ يمكر بك ~~الذين كفروا .. ) الآية (2). # وقوله ( @QUR@01 يمكر ) من المكر ، وهو ms2398 كما يقول الراغب صرف الغير عما ~~يقصده بحيلة PageV06P086 # وذلك ضربان : مكر محمود وذلك أن يتحرى بمكره فعلا جميلا ومنه قوله تعالى ~~( @QUR@03 والله خير الماكرين ). ومكر مذموم ، وهو أن يتحرى بمكره فعلا ~~قبيحا ، ومنه قوله تعالى ( @QUR@05 وإذ يمكر بك الذين كفروا .. ) وقال ~~سبحانه وتعالى في الأمرين : ( @QUR@07 ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا ~~يشعرون ) (1). # وقوله : «ليثبتوك» أى ليحبسوك. يقال أثبته إذا حبسته. # والمعنى : واذكر يا محمد وقت أن نجيتك من مكر أعدائك ، حين تآمروا عليك ~~وأنت بين أظهرهم في مكة ، لكي ( @QUR@01 ليثبتوك ) أى : يحبسوك في دارك ، ~~فلا تتمكن من لقاء الناس ومن دعوتهم إلى الدين الحق ( @QUR@02 أو يقتلوك ) ~~بواسطة مجموعة من الرجال الذين اختلفت قبائلهم في النسب ، حتى يتفرق دمك ~~فيهم فلا تقدر عشيرتك على الأخذ بثأرك من هذه القبائل المتعددة .. ( ~~@QUR@02 أو يخرجوك ) أى : من مكة منفيا مطاردا حتى يحولوا بينك وبين لقاء قومك. # وقوله : ( @QUR@06 ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) بيان لموضع ~~النعمة والمنة ، أى : والحال أن هؤلاء المشركين يمكرون بك وبأتباعك المكر ~~السيئ ، والله تعالى يرد مكرهم في نحورهم ، ويحبط كيدهم ، ويخيب سعيهم ، ~~ويعاقب عليه عقابا شديدا ، ويدبر أمرك وأمر أتباعك ، ويحفظكم من شرورهم ، ~~فهو سبحانه أقوى الماكرين. وأعظمهم تأثيرا ، وأعلمهم بما يضر منه وما ينفع. # قال الآلوسى : قوله ( @QUR@03 ويمكرون ويمكر الله ) أى : برد مكرهم ويجعل ~~وخامته عليهم ، أو يجازيهم عليه أو يعاملهم معاملة الماكرين ، وذلك بأن ~~أخرجهم إلى بدر ، وقلل المسلمين في أعينهم حتى حملوا عليهم فلقوا منهم ما ~~يشيب منه الوليد. # ( @QUR@03 والله خير الماكرين ) إذ لا يعتد بمكرهم عند مكره سبحانه . ~~وإطلاق هذا المركب الإضافى عليه تعالى إن كان باعتبار أن مكره سبحانه أنفذ ~~وأبلغ تأثيرا فالإضافة للتفضيل ، لأن لمكر الغير أيضا نفوذا أو تأثيرا في ~~الجملة .. وإن كان باعتبار أنه سبحانه لا ينزل إلا الحق ولا يصيب إلا ما ~~يستوجب الممكور به ، فلا شركة لمكر الغير فيه ، وتكون الإضافة حينئذ ~~للاختصاص ، لانتفاء المشاركة ..» (2). # هذا والصورة التي يرسمها قوله تعالى : ( @QUR@03 ويمكرون ويمكر الله ) ~~صورة عميقة التأثير ، ذلك حين ms2399 تتراءى للخيال ندوة قريش ، وهم يتآمرون ~~ويتذاكرون ويدبرون ويمكرون ، والله من روائهم محيط ، ويمكر بهم ويبطل كيدهم ~~وهم لا يشعرون. PageV06P087 # إنها صورة ساخرة ، وهي في الوقت ذاته صورة مفزعة .. فأين هؤلاء البشر ~~الضعاف المهازيل ، من تلك القدرة القادرة .. قدرة الله الجبار ، القاهر فوق ~~عباده ، الغالب على أمره ، وهو بكل شيء محيط؟ # والتعبير القرآنى يرسم الصورة على طريقة القرآن الفريدة في التصوير ، ~~فيهز بها القلوب ، ويحرك بها أعماق الشعور» (1). # ثم حكى القرآن بعد ذلك جانبا من الدعاوى الكاذبة التي تفوه بها المشركون ~~فقال تعالى ( @QUR@017 وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء ~~لقلنا مثل هذا ، إن هذا إلا أساطير الأولين ). # وقد ذكر كثير من المفسرين أن القائل لهذا القول : النضر بن الحارث ؛ فإنه ~~كان قد ذهب إلى بلاد فارس فأحضر منها قصصا عن ملوكهم .. ولما قدم مكة ووجد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن قال للمشركين : لو شئت لقلت مثل هذا ~~، وكان صلى الله عليه وسلم إذا قام من مجلس ، جاء بعده النضر فجلس فيه وحدث ~~المشركين بأخبار ملوك الفرس والروم ، وغيرهم ثم قال : أينا أحسن قصصا؟ أنا ~~أو محمد؟ وقد أمكن الله منه يوم بدر ، فقد أسره المقداد بن عمرو ، فأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بضرب عنقه وقال فيه : «إنه كان يقول في كتاب الله ~~عز وجل ما يقول» (2). # وأسند سبحانه قول النضر إلى جميع المشركين ، لأنهم كانوا راضين بقوله ، ~~ولأنه كان من زعمائهم الذين يقودونهم إلى طريق الغواية. # والأساطير كما يقول ابن جرير : جمع أسطر ، وهو جمع الجمع ، لأن واحد ~~الأسطر سطر. ثم يجمع السطر : أسطر وسطور ، ثم يجمع الأسطر أساطير وأساطر. ~~وقد كان بعض أهل العربية يقول : واحد الأساطير : أسطورة كأحاديث وأحدوثة (3). # والمراد بها : تلك القصص والحكايات التي كتبها الكاتبون عن القدامى ، ~~والتي يغلب عليها طابع الخرافة والتخيلات التي لا حقيقة لها. # والمعنى : أن هؤلاء المشركين قد بلغ بهم الكذب والتمادي في الطغيان ، ~~أنهم كانوا إذا تتلى عليهم آيات الله ( @QUR@01 قالوا ) بصفاقة ووقاحة : ( ~~@QUR@02 قد ms2400 سمعنا ) أى : قد سمعنا ما قرأته علينا يا محمد ووعيناه ( ~~@QUR@05 لو نشاء لقلنا مثل هذا ) أى لو نشاء لقلنا مثل هذا القرآن الذي ~~تتلوه علينا يا محمد وما هو إلا من قصص الأولين وحكاياتهم التي سطرها بعضهم ~~عنهم وليس من عند الله تعالى PageV06P088 # ولا شك أن قولهم هذا يدل على تعمدهم الكذب على أنفسهم وعلى الناس فإن هذا ~~القرآن الذي زعموا أنهم لو شاءوا لقالوا مثله قد تحداهم في نهاية المطاف أن ~~يأتوا بسورة من مثله فعجزوا وانقلبوا خاسرين. # والذي نعتقده أن قولهم هذا ، ما هو إلا من قبيل الحرب النفسية التي كانوا ~~يشنونها على الدعوة الإسلامية ، بقصد تضليل البسطاء ، والوقوف في وجه تأثير ~~القرآن في القلوب ، ومحاولة طمس معالم الحق ولو إلى حين. # ولكنهم لم يفلحوا. فإن نور الحق لا تحجبه الشبهات الزائفة ، ولا يعدم ~~الحق أن يجد له أنصارا حتى من أعدائه ، يكفى هنا أن نستشهد بما قاله الوليد ~~بن المغيرة في وصف القرآن الكريم : «إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن ~~أسفله لمغدق ، وإن أعلاه لمثمر .. وما يقول هذا بشر». # ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لقوله تعالى ( @QUR@05 لو نشاء ~~لقلنا مثل هذا .. ): نفاجة منهم وصلف تحت الراعدة ، فإنهم لم يتوانوا في ~~مشيئتهم لو ساعدتهم الاستطاعة ، وإلا فما منعهم إن كانوا مستطيعين أن ~~يشاءوا غلبة من تحداهم وقرعهم بالعجز حتى يفوزوا بالقدح المعلى دونه ، مع ~~فرط أنفتهم ، واستنكافهم أن يغلبوا في باب البيان خاصة ...» (1). # ثم تمضى السورة في حديثها عن رذائل مشركي قريش ، فتحكى لونا عجيبا من ~~ألوان عنادهم ، وجحودهم للحق. فتقول : ( @QUR@019 وإذ قالوا اللهم إن كان ~~هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ).. # وقائل هذا القول : النضر بن الحارث صاحب القول السالف ( @QUR@05 لو نشاء ~~لقلنا مثل هذا .. ) ذكر ذلك عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير. # وأخرج البخاري عن أنس بن مالك أن قائل ذلك : أبو جهل بن هشام. وأخرجه ابن ~~جرير عن ابن رومان ومحمد بن قيس أن ms2401 قريشا قال بعضها لبعض : أأكرم الله ~~محمدا صلى الله عليه وسلم من بيننا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السماء (2). # والمعنى : أن هؤلاء المشركين قد بلغ بهم العناد والجحود أنهم لم يكتفوا ~~بإنكار أن القرآن من عند الله ، وأن محمدا قد جاءهم بالحق .. بل أضافوا إلى ~~ذلك قولهم : اللهم إن كان هذا الذي PageV06P089 # جاءنا به محمد من قرآن وغيره هو الحق المنزل من عندك ، فعاقبنا على ~~إنكاره والكفر به ، بأن تنزل علينا حجارة من السماء تهلكنا. أو تنزل علينا ~~عذابا أليما يقضى علينا. # قال الجمل : قوله : ( @QUR@02 هو الحق ) قرأ العامة «الحق» بالنصب على ~~أنه خبر الكون ولفظ ( @QUR@01 هو ) للفصل. وقرأ الأعمش وزيد بن على «الحق» ~~بالرفع ووجهها ظاهر برفع لفظ «هو» على الابتداء ، والحق خبره ، والجملة خبر ~~الكون (1). # وفي إطلاقهم ( @QUR@01 الحق ) على ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، ~~وجعله من عند الله ؛ تهكم بمن يقول ذلك سواء أكان هذا القائل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أو المؤمنين. # وأل فيه للعهد : أى الحق الذي ادعى محمد أنه جاء به من عند الله. # وقوله : ( @QUR@02 من السماء ) متعلق بمحذوف صفة لقوله ( @QUR@01 حجارة ) ~~. وفائدة هذا الوصف الدلالة على أن المراد بها حجارة معينة مخصوصة لتعذيب ~~الظالمين. # قال صاحب الكشاف : وهذا أسلوب من الجحود بليغ. يعنى إن كان القرآن هو ~~الحق فعاقبنا على إنكاره بالسجيل كما فعلت بأصحاب الفيل ، أو بعذاب آخر. ~~ومرادهم نفى كونه حقا ، وإذا انتفى كونه حقا لم يستوجب منكره عذابا ، فكان ~~تعليق العذاب بكونه حقا ، مع اعتقاد أنه ليس بحق كتعليقه بالمحال في قولك : ~~إن كان الباطل حقا فأمطر علينا حجارة من السماء. # فإن قلت : ما فائدة قوله ( @QUR@02 من السماء ) والأمطار لا تكون إلا منها؟ # قلت : كأنهم يريدون أن يقولوا : فأمطر علينا السجيل وهي الحجارة المسومة ~~للعذاب ، فوضع حجارة من السماء موضع السجيل. # وعن معاوية أنه قال لرجل من سبأ : ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة ، ~~فقال الرجل : أجهل من قومي ms2402 قومك ، فقد قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حين دعاهم إلى الحق : ( @QUR@012 إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء ... ) ولم يقولوا : إن كان هذا هو الحق فاهدنا له (2). # ولقد كان هذا الرجل حكيما في رده على معاوية ، لأنه كان الأولى بأولئك ~~المشركين أن يقولوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له ووفقنا ~~لاتباعه .. ولكن العناد الجامح الذي استولى عليهم جعلهم يؤثرون الهلاك على ~~الإذعان للحق ويفضلون عبادة الأصنام على اتباع محمد صلى الله عليه وسلم الذي ~~دعاهم إلى عبادة الله وحده .. وهكذا النفوس عند ما تنغمس في الأحقاد ~~وتتمادى في الجحود. وتنقاد للأهواء والشهوات ، وتأخذها العزة بالإثم. ترى الباطل PageV06P090 # حقا ، والحق باطلا ، وتؤثر العذاب وهي سادرة في باطلها ، على الخضوع للحق ~~والمنطق والصواب. # ثم تعقب السورة على هذا الدعاء الغريب الذي حكته عن مشركي مكة ، فتبين ~~الموجب لإمهالهم وعدم إجابة دعائهم فتقول : ( @QUR@012 وما كان الله ~~ليعذبهم وأنت فيهم ، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ). # أى : وما كان الله مريدا لتعذيب هؤلاء الذين دعوا بهذا الدعاء الغريب ~~تعذيب استئصال وإهلاك ، وأنت مقيم فيهم يا محمد بمكة ، فقد جرت سنته سبحانه ~~ألا يهلك قرية مكذبة وفيها نبيها والمؤمنون به حتى يخرجهم منها ثم يعذب ~~الكافرين. # واللام في قوله ( @QUR@01 ليعذبهم ) لتأكيد النفي ، وللدلالة على أن ~~تعذيبهم والرسول صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم غير مستقيم في الحكمة. # والمراد بالاستغفار في قوله : ( @QUR@06 وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون ) استغفار من بقي بينهم من المؤمنين المستضعفين الذين لم يستطيعوا ~~مغادرة مكة بعد أن هاجر منها النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون. # أى : ما كان الله مريدا لتعذيبهم وأنت فيهم يا محمد وما كان أيضا مريدا ~~تعذيبهم وبين أظهرهم بمكة من المؤمنين المستضعفين من يستغفر الله ، وهم ~~الذين لم يستطيعوا مغادرتها واللحاق بك في المدينة. # قالوا : ويؤيد أن هذا هو المراد بالاستغفار قوله تعالى في آية أخرى : ( ~~@QUR@08 لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما ) (1) أى : لو ms2403 تميز ~~المؤمنون عن الكافرين لعذبنا الذين كفروا عذابا أليما. # وأسند سبحانه الاستغفار إلى ضمير الجميع ، لوقوعه فيما بينهم ، ولتنزيل ~~ما صدر عن البعض منزلة ما صدر عن الكل. كما يقال : قتل أهل بلدة كذا فلانا ~~والمراد بعضهم. # ويرى بعضهم أن المراد بالاستغفار المذكور : استغفار الكفرة أنفسهم كقولهم ~~: غفرانك. في طوافهم بالبيت ، أو ما يشبه ذلك من معاني الاستغفار وكأن هذا ~~البعض يرى أن مجرد طلب المغفرة منه سبحانه يكون مانعا من عذابه ولو كان هذا ~~الطلب صادرا من الكفرة. # ويرجح ابن جرير أن المراد بقوله : ( @QUR@02 وهم يستغفرون ) نفى ~~الاستغفار عنهم فقد قال بعد أن ذكر بضعة آراء : وأولى هذه الأقوال عندي ~~بالصواب قول من قال : تأويله وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم يا محمد ، ~~وبين أظهرهم مقيم ، حتى أخرجك من بين أظهرهم ، لأنى لا أهلك قرية وفيها ~~نبيها ، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون من ذنوبهم وكفرهم ، ولكنهم PageV06P091 # لا يستغفرون من ذلك بل هم مصرون عليه ، فهم للعذاب مستحقون ...» (1). # قال بعض المحققين : والقول الأول أبلغ لدلالته على أن استغفار الغير مما ~~يدفع به العذاب عن أمثال هؤلاء الكفرة. # ثم قال : روى الترمذي عن أبى موسى الأشعرى قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنزل الله على أمانين لأمتى ( @QUR@04 وما كان الله ~~ليعذبهم ... ) الآية. فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة». # قال ابن كثير : ويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد والحاكم وصححه عن أبى ~~سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن إبليس قال لربه : بعزتك وجلالك ~~لا أبرح أغوى بنى آدم ما دامت الأرواح فيهم. فقال الله تعالى فبعزتي وجلالي ~~لا أبرح أغفر لهم ما استغفرونى» (2). # ثم بين سبحانه بعض الجرائم التي ارتكبها المشركون ، والتي تجعلهم مستحقين ~~لعذاب الله ، فقال تعالى : ( @QUR@021 وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون ~~عن المسجد الحرام ، وما كانوا أولياءه ، إن أولياؤه إلا المتقون ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون ). # والمعنى : وأى شيء يمنع من عذاب مشركي قريش بعد خروجك يا محمد وخروج ~~المؤمنين ms2404 المستضعفين من بين أظهرهم؟ إنه لا مانع أبدا من وقع العذاب عليهم ~~وقد وجد مقتضية منهم ، حيث اجترحوا من المنكرات والسيئات ما يجعلهم مستحقين ~~للعقاب الشديد. # فالاستفهام في قوله ( @QUR@02 وما لهم .. ) إنكارى بمعنى النفي. أى : لا ~~مانع من تعذيب الله لهم وقوله ( @QUR@05 وهم يصدون عن المسجد الحرام ) جملة ~~حالية مبينة لجريمة من جرائمهم الشنيعة ، أى : لا مانع يمنع من تعذيبهم : ~~وكيف لا يعذبون وحالهم أنهم يمنعون المؤمنين عن الطواف بالمسجد الحرام ، ~~ومن زيارته. ومن مباشرة عباداتهم عنده ..؟ إنهم لا بد أن يعذبوا على هذه ~~الجرائم. # ولقد أوقع الله بهم عذابه في الدنيا : ومن ذلك ما حدث لهم يوم بدر من قتل ~~صناديدهم ومن أسر وجهائهم. # وأما عذابهم في الآخرة فهو أشد وأبقى من عذابهم في الدنيا. # وقوله : ( @QUR@03 وما كانوا أولياءه ) رد على ما كانوا يقولونه بالباطل ~~: نحن ولاة البيت الحرام ، فلنا أن نصد من نشاء عن دخوله ، ولنا أن نبيح ~~لمن نشاء دخوله. # أى : إن هؤلاء المشركين ما كانوا في يوم من الأيام أهلا لولاية البيت ~~الحرام بسبب شركهم وعداوتهم لله تعالى رب هذا البيت. PageV06P092 # وقوله ( @QUR@08 إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون ) بيان ~~للمستحقين لولاية البيت الحرام ، بعد نفيها عن المشركين. # أى : إن هؤلاء المشركين ليسوا أهلا لولاية البيت الحرام ، وليسوا أهلا ~~لأن يكونوا أولياء لله تعالى بسبب كفرهم وجحودهم ، وإنما المستحقون لذلك هم ~~المتقون الذين صانوا أنفسهم عن الكفر وعن الشرك وعن كل ما يغضب الله ، ولكن ~~أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون ذلك بسبب جهلهم وتماديهم في الجحود والضلال. # وقد جاءت جملة ( @QUR@04 إن أولياؤه إلا المتقون ) مؤكدة بأقوى ألوان ~~التأكيد ، لنفى كل ولاية على البيت الحرام سوى ولايتهم هم. # ونفى سبحانه العلم عن أكثر المشركين ، لأن قلة منهم كانت تعلم أنه لا ~~ولاية لها على المسجد الحرام ولكنها كانت تجحد ذلك عنادا وغرورا. أو أن ~~المراد بالأكثر الكل ، لأن للأكثر حكم الكل في كثير من الأحكام ، كما أن ~~الأقل قد لا يعتبر فينزل منزلة العدم. # ثم حكى ms2405 سبحانه لونا آخر من ألوان ضلال هؤلاء المشركين وجحودهم فقال : ( ~~@QUR@013 وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ، فذوقوا العذاب بما ~~كنتم تكفرون ). # قال القرطبي ما ملخصه : قال ابن عباس : كانت قريش تطوف بالبيت عراة ، ~~يصفقون ويصفرون ، فكان ذلك عبادة في ظنهم. # والمكاء : الصفير. يقال مكا يمكو مكوا ومكاء إذا صفر. # والتصدية : التصفيق. يقال : صدى يصدى تصدية إذا صفق. # قال قتادة : المكاء : ضرب بالأيدى ، والتصدية : الصياح. (1) والمعنى : أن ~~هؤلاء المشركين لم تكن صلاتهم عند البيت الحرام إلا تصفيقا وتصفيرا ، وهرجا ~~ومرجا لا وقار فيه ، ولا استشعار لحرمة البيت ، ولا خشوع لجلالة الله تعالى ~~، وذلك لجهلهم بما يجب عليهم نحو خالقهم ، ولحرصهم على أن يسيئوا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن ، أو وهو يطوف بالبيت ، أو وهو يؤدى شيئا ~~من شعائر الإسلام وعباداته. فقد حكى القرآن عنهم أنهم كانوا إذا سمعوا ~~القرآن رفعوا أصواتهم بالصياح والغناء ليمنعوا الناس من سماعه. قال تعالى : ~~( @QUR@011 وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم ~~تغلبون ) (2). # وروى ابن جرير أن ابن عمر حكى فعلهم ، فصفر ، وأمال خده وصفق بيديه. # وقال مجاهد إنهم كانوا يصنعون ذلك ليخلطوا على النبي صلى الله عليه وسلم صلاته. PageV06P093 # وعن سعيد بن جبير : كانت قريش يعارضون النبي صلى الله عليه وسلم في الطواف ~~يستهزئون به ، يصفرون ويصفقون (1). # وقال الفخر الرازي : فإن قيل المكاء والتصدية ما كانا من جنس الصلاة فكيف ~~جاز استثناؤهما من الصلاة؟ # قلنا : فيه وجوه : الأول : أنهم كانوا يعتقدون أن المكاء والتصدية من جنس ~~الصلاة فخرج هذا الاستثناء على حسب ، معتقدهم. # الثاني : أن هذا كقولك : وددت الأمير فجعل جفائى صلتي. أى : أقام الجفاء ~~مقام الصلة فكذا هنا. # الثالث : الغرض منه أن من كان المكاء والتصدية صلاته فلا صلاة له. كما ~~تقول العرب : # ما لفلان عيب إلا السخاء. يريد من كان السخاء عيبه فلا عيب له (2). # وقوله : ( @QUR@05 فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) وعيد لهم على كفرهم ~~وجحودهم ، واستهزائهم بشعائر الله. # أى : فذوقوا أيها الضالون العذاب الشديد ms2406 بسبب كفركم وعنادكم واستهزائكم ~~بالحق الذي جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله ، ثم حكى سبحانه ما ~~كانوا يفعلونه من إنفاق أموالهم لا في الخير ولكن في الشرور والآثام ~~وتوعدهم على ذلك بسوء المصير فقال تعالى : ( @QUR@021 إن الذين كفروا ~~ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ، فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم ~~يغلبون ، والذين كفروا إلى جهنم يحشرون .. ). # روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها ما ذكره محمد بن إسحاق ~~عن الزهري وغيره قالوا : لما أصيبت قريش يوم بدر ، ورجع فلهم أى جيشهم ~~المهزوم إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيره ، مشى عبد الله بن ربيعة وعكرمة بن ~~أبى جهل ، وصفوان بن أمية في رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ~~في بدر ، فكلموا أبا سفيان بن حرب ، ومن كانت له في تلك العير من قريش ~~تجارة ، فقالوا : يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم ، فأعينونا ~~بهذا المال على حربه ، لعلنا أن ندرك منه ثأرا بمن أصيب منا. ففعلوا. قال : ~~ففيهم كما ذكر عن ابن عباس أنزل الله تعالى ( @QUR@09 إن الذين كفروا ~~ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله .. ) الآية (3). # وروى ابن جرير عن سعيد بن جبير قال : نزلت في أبى سفيان بن حرب ، استأجر ~~يوم غزوة أحد ألفين من الأحابيش من بنى كنانة ، فقاتل بهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم : PageV06P094 # وروى عن الكلبي والضحاك ومقاتل أنها نزلت في المطعمين يوم بدر ، وكانوا ~~اثنى عشر رجلا من قريش .. كان كل واحد منهم يطعم الناس كل يوم عشر جزر (1). # قال ابن كثير : وعلى كل تقدير فهي عامة وإن كان سبب نزولها خاصا. # أى : أن الآية الكريمة تتناول بوعيدها كل من يبذل أمواله في الصد عن سبيل ~~الله ، وفي تأييد الباطل ومعارضة الحق. # المعنى : إن الذين كفروا بالحق لما جاءهم ( @QUR@02 ينفقون أموالهم ) لا ~~في وجوه الخير ، وإنما ينفقونها ( @QUR@04 ليصدوا عن سبيل الله ) أى : ~~ينفقونها ليمنعوا الناس عن الدخول في الدين الذي يوصلهم إلى رضا الله وإلى ~~طريقه القويم. ms2407 # واللام في قوله : ( @QUR@01 ليصدوا ) لام الصيرورة ، ويصح أن تكون ~~للتعليل ؛ لأن غرضهم منع الناس عن الدخول في دين الله الذي جاء به النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، والذي يرونه دينا مخالفا لما كان عليه الآباء والأجداد ~~فيجب محاربته في زعمهم. # وقوله : ( @QUR@07 فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون ... ) بيان ~~لما سيؤول إليه أمرهم في الدنيا من الخيبة والهزيمة والندامة. # أى : فسينفقون هذه الأموال في الشرور والعدوان ، ثم تكون عاقبة ذلك حسرة ~~وندامة عليهم ، لأنهم لم يصلوا ولن يصلوا من وراء إنفاقها إلى ما يبغون ~~ويؤملون. وفضلا عن كل هذا فستكون نهايتهم الهزيمة والإذلال في الدنيا ، لأن ~~سنة الله قد اقتضت أن يجعل النصر في النهاية لأتباع الحق لا لأتباع الباطل. # وقوله : ( @QUR@01 فسينفقونها ) خبر إن في قوله ( @QUR@03 إن الذين كفروا ~~.. ) واقترن الخبر بالفاء لتضمن المبتدأ الموصول مع صلته معنى الشرط ، فصار ~~الخبر بمنزلة الجزاء بحسب المعنى. # وفي تكرير الإنفاق في شبه الشرط والجزاء ، إشعار بكمال سوء إنفاقهم ، حيث ~~إنهم لم ينفقوا أموالهم في خير أو ما يشبه الخير ، وإنما أنفقوها في الشرور ~~المحضة. # وجاء العطف بحرف ( @QUR@01 ثم ) للدلالة على البون الشاسع بين ما قصدوه ~~من نفقتهم وبين ما آل ويئول إليه أمرهم. فهم قد قصدوا بنفقتهم الوقوف في ~~وجه الحق والانتصار على المؤمنين .. ولكن هذا القصد ذهب أدراج الرياح ، فقد ~~ذهبت أموالهم سدى ، وغلبوا المرة بعد المرة ، وعاد المؤمنون إلى مكة فاتحين ~~ظافرين بعد أن خرجوا منها مهاجرين. # وقوله : ( @QUR@05 والذين كفروا إلى جهنم يحشرون ) بيان لسوء مصيرهم في ~~الآخرة ، بعد بيان حسرتهم وهزيمتهم في الدنيا. PageV06P095 # أى : أن هؤلاء الكافرين ستكون عاقبة إنفاقهم لأموالهم الحسرة والهزيمة في ~~الدنيا ، أما في الآخرة فسيكون مصيرهم الحشر والسوق إلى نار جهنم لا إلى غيرها. # وقوله : ( @QUR@015 ليميز الله الخبيث من الطيب ، ويجعل الخبيث بعضه على ~~بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم ... ) بيان لحكمته سبحانه في هزيمة ~~الكافرين وحشرهم إلى جهنم. # وقوله : ( @QUR@01 فيركمه ) أى : فيجمعه ويضم بعضه إلى بعض يقال : ركم ~~الشيء يركمه ، إذا جمعه وألقى بعضه ms2408 على بعضه. وارتكم الشيء وتراكم أى : اجتمع. # والمعنى : أنه سبحانه فعل ما فعل من خذلان الكافرين وحشرهم إلى جهنم ، ~~ومن تأييد المؤمنين وفوزهم برضوانه ، ليتميز الفريق الخبيث وهو فريق ~~الكافرين ، من الفريق الطيب وهو فريق المؤمنين ، فإذا ما تمايزوا جعل ~~سبحانه الفريق الخبيث منضما بعضه على بعض ، فيلقى به في جهنم جزاء خبثه ~~وكفره. واللام في قوله ( @QUR@01 ليميز ) متعلقة بقوله ( @QUR@01 يغلبون ) ~~أو بقوله ( @QUR@01 يحشرون ) ويجوز أن يكون المراد بالخبيث ما أنفقه ~~الكافرون من أموال للصد عن سبيل الله ، وبالطيب ما أنفقه المؤمنون من أموال ~~لإعلاء كلمة الله. # وعليه تكون اللام في قوله ( @QUR@01 ليميز ) متعلقة بقوله : ( @QUR@04 ثم ~~تكون عليهم حسرة ) أى : أنه سبحانه يميز هذه الأموال بعضها من بعض ، ثم يضم ~~الأموال الخبيثة بعضها إلى بعض ، فيلقى بها وبأصحابها في جهنم. # والتعبير بقوله سبحانه ( @QUR@02 فيركمه جميعا ) تعبير مؤثر بليغ ، لأنه ~~يصور الفريق الخبيث كأنه لشدة تزاحمه وانضمام بعضه إلى بعض شيء متراكم مهمل ~~، يقذف به في النار بدون اهتمام أو اعتبار. # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@03 أولئك هم الخاسرون ) يعود إلى هذا ~~الفريق الخبيث ، أى : أولئك الكافرون الذين أنفقوا أموالهم في الصد عن سبيل ~~الله هم الخاسرون لدنياهم وآخرتهم. # وبعد كل هذا التهديد والوعيد للكافرين .. يوجه سبحانه خطابه إلى نبيه ~~صلى الله عليه وسلم يأمره فيه أن يبلغهم حكم الله إذا ما انتهوا عن كفرهم ، ~~كما يأمر المؤمنين أن يقاتلوهم حتى تكون كلمة الله هي العليا ، فيقول ~~سبحانه : ( @QUR@042 قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ، وإن ~~يعودوا فقد مضت سنت الأولين. وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله ~~لله ، فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير. وإن تولوا فاعلموا أن الله ~~مولاكم نعم المولى ونعم النصير ). # أى : ( @QUR@01 قل ) يا محمد لهؤلاء الذين كفروا بالحق لما جاءهم ، من ~~أهل مكة وغيرهم ، قل لهم : ( @QUR@02 إن ينتهوا ) عن كفرهم وعداوتهم ~~للمؤمنين ( @QUR@05 يغفر لهم ما قد سلف ) من كفرهم ومعاصيهم ( @QUR@02 وإن ~~يعودوا ) إلى قتالك ويستمروا في ضلالهم وكفرهم وطغيانهم ، انتقمنا منهم ، PageV06P096 # ونصرنا ms2409 المؤمنين عليهم ( @QUR@04 فقد مضت سنت الأولين ) على ذلك. # أى : فقد مضت سنة الله تعالى في الأولين ، وسنته لا تتخلف في أنه سبحانه ~~يعذب المكذبين بعد إنذارهم وتبليغهم دعوته ، وينصر عباده المؤمنين وينجيهم ~~ويمكن لهم في الأرض. وقد رأى هؤلاء المشركون كيف كانت عاقبة أمرهم في بدر ، ~~وكيف أهلك سبحانه الكافرين من الأمم قبلهم. # وجواب الشرط لقوله ( @QUR@02 وإن يعودوا ) محذوف والتقدير : وإن يعودوا ~~ننتقم منهم. # وقوله ( @QUR@04 فقد مضت سنت الأولين ) تعليل للجواب المحذوف. # قال الآلوسى : قوله ( @QUR@04 فقد مضت سنت الأولين ) أى عادة الله ~~الجارية في الذين تحزبوا على الأنبياء ، من نصر المؤمنين عليهم وخذلانهم ~~وتدميرهم. وأضيفت السنة إليهم لما بينهما من الملابسة الظاهرة. ونظير ذلك ~~قوله سبحانه ( @QUR@04 سنة من قد أرسلنا ) فأضاف السنة إلى المرسلين مع ~~أنها سنته لقوله سبحانه ( @QUR@04 ولا تجد لسنتنا تحويلا ) باعتبار جريانها ~~على أيديهم. ويدخل في الأولين الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر. # والآية حث على الإيمان وترغيب فيه .. واستدل بها على أن الإسلام يجب ما ~~قبله ، وأن الكافر إذا أسلم لا يخاطب بقضاء ما فاته من صلاة أو زكاة أو صوم ~~أو إتلاف مال أو نفس. وأجرى المالكية ذلك كله في المرتد إذا تاب لعموم ~~الآية ...» (1). # وقوله : ( @QUR@09 وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله .. ) ~~أمر من الله تعالى للمؤمنين بقتال الكافرين إذا ما استمروا في كفرهم ~~وطغيانهم. # والمعنى : عليكم أيها المؤمنون إذا ما استمر أولئك الكافرون في كفرهم ~~وعدوانهم ، أن تقاتلوهم بشدة وغلظة ، وأن تستمروا في قتالهم حتى تزول صولة ~~الشرك ، وحتى تعيشوا أحرارا في مباشرة تعاليم دينكم ، دون أن يجرأ أحد على ~~محاولة فتنتكم في عقيدتكم أو عبادتكم .. وحتى تصير كلمة الذين كفروا هي ~~السفلى. # قال الجمل : وقوله : ( @QUR@01 وقاتلوهم .. ) معطوف على قوله ( @QUR@03 ~~قل للذين كفروا ). ولكن لما كان الغرض من الأول التلطف بهم وهو وظيفة ~~النبي وحده جاء بالإفراد. ولما كان الغرض من الثاني تحريض المؤمنين على ~~القتال جاء بالجمع فخوطبوا جميعا» (2). # وقوله ( @QUR@07 فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير ) أى : فإن انتهوا ms2410 ~~عن كفرهم وعن معاداتكم ، فكفوا أيديكم عنهم ، فإن الله تعالى لا يخفى عليه ~~شيء من أعمالهم ، وسيجازيهم عليها بما يستحقون من ثواب أو عقاب. PageV06P097 # وقوله ( @QUR@010 وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم ~~النصير ) بشارة منه سبحانه للمؤمنين بالنصر والتأييد. # أى : وإن أعرضوا عن الإيمان ولم ينتهوا عن الكفر والطغيان ( @QUR@04 ~~فاعلموا أن الله مولاكم ) أى : ناصركم ومعينكم عليهم ، فثقوا بولايته ~~ونصرته ، فهو سبحانه ( @QUR@04 نعم المولى ونعم النصير ) لأنه لا يضيع من ~~تولاه ، ولا يهزم من نصره. # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد فتحت الباب للكافرين حتى يفيئوا إلى ~~رشدهم ، وينتهوا عن كفرهم ، وبشرتهم بأنهم إذا فعلوا ذلك غفر الله لهم ما ~~سلف من ذنوبهم .. أما إذا استمروا في كفرهم ومعاداتهم للحق ، فقد أمر الله ~~عباده المؤمنين بقتالهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله .. # أى أن القتال في الإسلام شرعه الله تعالى من أجل إعلاء كلمته ومن أجل رفع ~~الأذى والفتنة والعدوان عمن يعتنقون دينه وشريعته. # هذا ، وقد ساق ابن كثير عند تفسيره الآيات جملة من الأحاديث التي تشهد ~~بأن القتال في الإسلام إنما شرعه الله تعالى لإعلاء كلمته ، وليس لأجل ~~الغنيمة أو السيطرة على الغير .. وأنه لا يجوز لمسلم أن يقتل إنسانا بعد ~~نطقه بالشهادتين. فقال رحمه الله : وقوله تعالى ( @QUR@05 وقاتلوهم حتى لا ~~تكون فتنة .. ). # روى البخاري عن ابن عمر أن رجلا جاءه في فتنة ابن الزبير فقال له يا أبا ~~عبد الرحمن ، ألا تصنع ما ذكره الله في كتابه ( @QUR@05 وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا ... ) الآية (1). فما يمنعك من القتال؟ فقال يا ابن أخى ~~لأن أعير بهذه الآية ولا أقاتل ، أحب إلى من أن أعير بالآية التي تقول : ( ~~@QUR@08 ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها .. ) الآية (2). # فقال الرجل : فإن الله يقول : ( @QUR@05 وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) ~~فقال ابن عمر : «قد فعلنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كان ~~الإسلام قليلا ، فكان الرجل يفتن في دينه : إما أن يقتلوه ، وإما أن يوثقوه ~~حتى ms2411 كثر الإسلام فلم تكن فتنة .. # وعن سعيد بن جبير قال : خرج إلينا ابن عمر فقال له قائل : كيف ترى في ~~قتال الفتنة؟ فقال له ابن عمر وهل تدرى ما الفتنة؟ كان محمد ~~صلى الله عليه وسلم يقاتل المشركين ، وكان الدخول عليهم فتنة ، وليس بقتالكم ~~على الملك. # وفي رواية أنه قال : قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين كله لله وأنتم ~~تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ، ويكون الدين لغير الله. PageV06P098 # ثم قال ابن كثير : وقوله ( @QUR@02 فإن انتهوا ) أى : بقتالكم عما هم فيه ~~من الكفر فكفوا عنهم وإن لم تعلموا بواطنهم ( @QUR@05 فإن الله بما يعملون ~~بصير ).. # وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأسامة لما علا ذلك الرجل ~~بالسيف ، فقال الرجل لا إله إلا الله ، فضربه فقتله فذكر ذلك للرسول ~~صلى الله عليه وسلم فقال لأسامة : أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ فكيف ~~تصنع «بلا إله إلا الله» يوم القيامة؟ فقال : يا رسول الله إنما قالها ~~تعوذا فقال. هلا شققت عن قلبه؟ وجعل يقول ويكرر عليه من لك بلا إله إلا ~~الله يوم القيامة ، قال أسامة : حتى تمنيت أنى لم أكن أسلمت إلا يومئذ (1). # وبعد هذا الحديث المتنوع عن مكر الكافرين وعن دعاويهم الكاذبة ، وعن وجوب ~~مقاتلتهم إذا ما استمروا في طغيانهم وعدوانهم .. بعد كل ذلك بين سبحانه ~~للمؤمنين كيفية قسمة الغنائم التي كثيرا ما تترتب على قتال أعدائهم ، فقال ~~تعالى : # ( @QUR@033 واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا ~~يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير ) (41) # وقوله : ( @QUR@01 غنمتم ) من الغنم بمعنى الفوز والربح يقال : غنم غنما ~~وغنيمة إذا ظفر بالشيء قال القرطبي ما ملخصه : الغنيمة في اللغة ما يناله ~~الرجل أو الجماعة بسعي ، ومن ذلك قول الشاعر : # وقد طوفت في الآفاق حتى %~% رضيت من الغنيمة بالإياب # واعلم أن الاتفاق حاصل على أن المراد بقوله تعالى : ( @QUR@03 غنمتم من ms2412 ~~شيء ) مال الكفار إذا ظفر به المسلمون على وجه الغلبة والقهر. # وسمى الشرع الواصل من الكفار إلينا من الأموال باسمين : غنيمة وفيئا. # فالشيء الذي يناله المسلمون من عدوهم بالسعي وإيجاف الخيل والركاب يسمى ~~غنيمة. ولزم هذا الاسم هذا المعنى حتى صار عرفا. PageV06P099 # والفيء مأخوذ من فاء يفيء إذا رجع ، وهو كل مال دخل على المسلمين من غير ~~حرب ولا إيجاف. كخراج الأرضين ، وجزية الجماجم (1). # والمعنى الإجمالي للآية الكريمة : ( @QUR@01 واعلموا ) أيها المسلمون ( ~~@QUR@04 أنما غنمتم من شيء ) أى : ما أخذتموه من الكفار قهرا ( @QUR@02 فأن ~~لله ) الذي منه سبحانه النصر المتفرع عليه الغنيمة ( @QUR@01 خمسه ) أى خمس ~~ما غنمتموه شكرا له على هذه النعمة ( @QUR@01 وللرسول ) الذي هو سبب في ~~هدايتكم ( @QUR@02 ولذي القربى ) أى : ولأصحاب القرابة من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والمراد بهم على الراجح بنو هاشم وبنو المطلب. # ( @QUR@01 واليتامى ) وهم أطفال المسلمين الذين مات آباؤهم قبل أن ~~يبلغوا. # ( @QUR@01 والمساكين ) وهم أهل الفاقة والحاجة من المسلمين. # ( @QUR@02 وابن السبيل ) وهو المسافر الذي نفد ماله وهو في الطريق قبل أن ~~يصل إلى بلده. # وقوله ( @QUR@01 واعلموا ) معطوف على قوله قبل ذلك ( @QUR@05 وقاتلوهم ~~حتى لا تكون فتنة .. ) إلخ وما في قوله : ( @QUR@02 أنما غنمتم ) موصولة ~~والعائد محذوف. # وقوله : ( @QUR@02 من شيء ) بيان الموصول محله النصب على أنه حال من ~~العائد المقدر. # أى : أن ما غنمتموه من شيء سواء أكان هذا الشيء قليلا أم كثيرا ( @QUR@03 ~~فأن لله خمسه ). # وقوله : ( @QUR@03 فأن لله خمسه ) خبر مبتدأ محذوف والتقدير : فحكمه أن ~~لله خمسه والجار والمجرور خبر أن مقدم ، وخمسه اسمها مؤخر. والتقدير : فأن ~~خمسه كائن لله وللرسول ولذي القربى ... إلخ. # وأعيدت اللام في قوله ( @QUR@02 ولذي القربى ) دون غيرهم من الأصناف ~~التالية لدفع توهم اشتراكهم في سهم النبي صلى الله عليه وسلم لمزيد اتصالهم به. # وقوله : ( @QUR@04 إن كنتم آمنتم بالله .. ) شرط جزاؤه محذوف. # أى : إن كنتم آمنتم بالله حق الإيمان ، وآمنتم بما أنزلنا على عبدنا محمد ~~صلى الله عليه وسلم ( @QUR@02 يوم الفرقان ) أى يوم بدر ( @QUR@03 يوم التقى ~~الجمعان ) أى : جمع المؤمنين وجمع الكافرين .. إن ms2413 كنتم آمنتم بكل ذلك ، ~~فاعملوا بما علمتم ، وارضوا بهذه القسمة عن إذعان وتسليم وحسن قبول. # وما أنزله الله على نبيه صلى الله عليه وسلم يوم بدر. يتناول ما نزل من آيات ~~قرآنية ، كما يتناول نزول الملائكة لتثبيت المؤمنين ، وتبشيرهم بالنصر كما ~~يتناول غير ذلك مما أيدهم الله به في بدر. PageV06P100 # وسمى يوم بدر بيوم الفرقان ، لأنه اليوم الذي فرق الله فيه بين الحق ~~والباطل وقوله ( @QUR@05 والله على كل شيء قدير ) تذييل قصد به بيان أن ما ~~أصابه المؤمنون يوم بدر من غنيمة ونصر إنما هو بقدرة الله التي لا يعجزها ~~شيء فعليهم أن يداوموا على طاعته وشكره ليزيدهم من عطائه وفضله. # هذا ، وقد ذكر العلماء عند تفسيرهم لهذه الآية جملة من المسائل والأحكام ~~من أهمها ما يأتى : # 1 أن هذه الآية وضحت أن غنائم الحرب تخمس فيجعل الخمس الأول منها لله ~~وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ، والأربعة الأخماس ~~الباقية بينت السنة أنها تقسم على الجيش : للراجل سهم ، وللفارس ثلاثة أسهم ~~أو سهمان. # قال ابن كثير : ويؤيد هذا ما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن عبد الله بن ~~شقيق عن رجل قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو بوادي القرى ، وهو ~~معترض فرسا فقلت : يا رسول الله ، ما تقول في الغنيمة ، فقال : لله خمسها ~~وأربعة أخماسها للجيش ، قلت : فما أحد أولى به من أحد ، قال : لا ، ولا ~~السهم تستخرجه من جيبك ، ليس أنت أحق به من أخيك المسلم (1). # وقال بعض العلماء : أفادت الآية أن الواجب في المغنم تخميسه ، وصرف الخمس ~~إلى من ذكره الله تعالى وقسمة الباقي بين الغانمين بالعدل ، للراجل سهم ، ~~وللفارس ثلاثة أسهم ، سهم له وسهمان لفرسه. هكذا قسم النبي صلى الله عليه وسلم ~~الغنائم عام خيبر. # ومن الفقهاء من يقول : للفارس سهمان. والأول هو الذي دلت عليه السنة ~~الصحيحة ، ولأن الفرس يحتاج إلى مؤنة نفسه وسائسه ، ومنفعة الفارس به أكثر ~~من منفعة رجلين. # ويجب قسمتها بينهم بالعدل ، فلا يحابى أحدا ، لا لرئاسته ولا لنسبه ولا ~~لفضله ms2414 وفي صحيح البخاري أن سعد بن أبى وقاص رأى أن له فضلا على من دونه ، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم»؟ (2). # ذهب جمهور العلماء إلى أن المقصود بإيتاء لفظ الجلالة في قوله ( @QUR@03 ~~فأن لله خمسه ): التبرك والتعظيم والحض على إخلاص النية عند القسمة وعلى ~~الامتثال والطاعة له سبحانه . # وليس المقصود أن يقسم الخمس على ستة منها الله تعالى ، فإنه سبحانه له ~~الدنيا والآخرة ، وله ما في السموات وما في الأرض وما بينهما. PageV06P101 # وعليه يكون خمس الغنيمة مقسما على خمسة أقسام : للرسول ، ولذي القربى ، ~~واليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل. # ويرى أبو العالية والربيع والقاسم أن هذا الخمس يقسم إلى ستة أقسام ، ~~عملا بظاهر الآية ، وأن سهم الله تعالى يصرف في وجوه الخير ، أو يؤخذ ~~للكعبة. # وقد رجح ابن جرير رأى الجمهور فقال : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب من ~~قال : قوله ( @QUR@03 فأن لله خمسه ) افتتاح كلام ، وذلك لاجتماع الحجة على ~~أن الخمس غير جائز قسمه على ستة أسهم. ولو كان لله فيه سهم كما قال أبو ~~العالية لوجب أن يكون خمس الغنيمة مقسوما على ستة أسهم. وإنما اختلف أهل ~~العلم في قسمه على خمسة فما دونها. # فأما على أكثر من ذلك فلا نعلم قائلا قاله غير الذي ذكرنا من الخبر عن ~~أبى العالية. وفي إجماع من ذكرت الدلالة الواضحة على ما اخترناه (1). # وسهم النبي صلى الله عليه وسلم الذي جعله الله تعالى له في قوله ( @QUR@01 ~~وللرسول ) كان مفوضا إليه في حياته ، يتصرف فيه كما شاء ، ويضعه حيث يشاء. # روى الإمام أحمد أن أبا الدرداء قال لعبادة بن الصامت : يا عبادة ، ما ~~كلمات رسول صلى الله عليه وسلم في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس؟ فقال عبادة : ~~إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم في غزوهم إلى بعير من المقسم. فلما ~~سلم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتناول وبرة فقال : إن هذه من غنائمكم ، ~~وأنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم الخمس ، والخمس مردود عليكم ms2415 ، فأدوا الخيط ~~والمخيط وأكبر من ذلك وأصغر ، ولا تغلوا فإن الغلول نار وعار على أصحابه في ~~الدنيا والآخرة ، وجاهدوا الناس في الله تبارك وتعالى القريب والبعيد ، ولا ~~تبالوا في الله لومة لائم ، وأقيموا الحدود في الحضر والسفر ، وجاهدوا في ~~سبيل الله ، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة. ينجى الله به من الغم والهم ، ~~قال ابن كثير : هذا حديث حسن عظيم. # وروى أبو داود والنسائي عن عمرو بن عبسة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صلى بهم إلى بعير من المغنم ، فلما سلم أخذ وبرة من جنب البعير ثم قال : ~~ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذا إلا الخمس ، والخمس مردود عليكم (2). # هذا بالنسبة لسهمه صلى الله عليه وسلم في حياته ، أما بعد وفاته ، فمنهم من ~~يرى : أن سهمه صلى الله عليه وسلم يكون لمن يلي الأمر من بعده. روى هذا عن أبى ~~بكر وعلى وقتادة وجماعة .. ومنهم من يرى أن سهمه صلى الله عليه وسلم يصرف في ~~مصالح المسلمين. روى ابن جرير عن PageV06P102 # الأعمش عن إبراهيم قال : كان أبو بكر وعمر يجعلان سهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الكراع والسلاح. # ومنهم من يرى صرفه لبقية الأصناف : ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل. # وقد رجح ابن جرير هذا الرأى فقال : والصواب من القول في ذلك عندنا : أن ~~سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مردود في الخمس ، والخمس مقسوم على أربعة ~~أسهم على ما روى عن ابن عباس : للقرابة سهم ، ولليتامى سهم ، وللمساكين سهم ~~، ولابن السبيل سهم ، لأن الله تعالى أوجب الخمس لأقوام موصوفين بصفات ، ~~كما أوجب الأربعة الأخماس الآخرين. وقد اجمعوا أن حق أهل الأربعة الأخماس ~~لن يستحقه غيرهم ، فكذلك حق أهل الخمس لن يستحقه غيرهم ، فغير جائز أن يخرج ~~عنهم إلى غيرهم ..». # 4 المراد بذي القربى كما سبق أن أشرنا بنو هاشم وبنو المطلب على الراجح. ~~وعليه فإن السهم المخصص لذي القربى لا يصرف إلا لهم. # قال القرطبي ما ملخصه : اختلف العلماء في ذوى القربى على ثلاثة ms2416 أقوال : # أولها : أن المراد بهم قريش كلها : قاله بعض السلف ، لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما صعد الصفا جعل يهتف يا بنى فلان يا بنى عبد مناف .. ~~أنقذوا أنفسكم من النار. # ثانيها : أن المراد بهم بنو هاشم وبنو المطلب. قاله الشافعى وأحمد وأبو ~~ثور ومجاهد .. لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قسم سهم ذوى القربى بين بنى ~~هاشم وبنى المطلب قال : «إنهم لم يفارقونى في جاهلية ولا إسلام وإنما بنو ~~هاشم وبنو المطلب شيء واحد» وشبك بين أصابعه. أخرجه البخاري والنسائي. # ثالثها : أن المراد بهم بنو هاشم خاصة. قاله مجاهد وعلى بن الحسين. وهو ~~قول مالك والثوري والأوزاعى وغيرهم (1). # وقال الآلوسى : وكيفية القسمة عند الأصحاب أنها كانت على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على خمسة أسهم سهم له صلى الله عليه وسلم وسهم للمذكورين من ~~ذوى القربى ، وثلاثة أسهم للأصناف الثلاثة الباقية. # وأما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فسقط سهمه .. وكذا سقط سهم ذوى القربى ، ~~وإنما يعطون بالفقر ، ويقدم فقراؤهم على فقراء غيرهم ، ولا حق لأغنيائهم ، ~~لأن الخلفاء الأربعة قسموا الخمس كذلك وكفى بهم قدوة ... PageV06P103 # ثم قال : ومذهب المالكية أن الخمس لا يلزم تخميسه ، وأنه مفوض إلى رأى ~~الإمام. # أى انهم يرون أن خمس الغنيمة يجعل في بيت المال فينفق منه على من ذكر ~~وعلى غيرهم بحسب ما يراه الإمام من مصلحة المسلمين ، وكأنهم يرون أن هذه ~~الأصناف إنما ذكرت على سبيل المثال ، وأنها من باب الخاص الذي قصد به العام ~~، بينما يرى غيرهم أن هذه الأصناف من باب الخاص الذي قصد به الخاص. # ثم قال : ومذهب الإمامية أنه ينقسم إلى ستة أسهم كما ذهب أبو بالعالية ، ~~إلا أنهم قالوا : إن سهم الله تعالى ، وسهم رسوله صلى الله عليه وسلم وسهم ذوى ~~القربى الكل للإمام القائم مقام الرسول صلى الله عليه وسلم أما الأسهم الثلاثة ~~الباقية فهم لليتامى من آل محمد صلى الله عليه وسلم ، وسهم لمساكينهم ، وسهم ~~لأبناء سبيلهم ، لا يشركهم في ذلك غيرهم. ms2417 رووا ذلك عن زين العابدين ، ومحمد ~~بن على الباقر .. # ثم قال : والظاهر أن الأسهم الثلاثة الأولى التي ذكروها اليوم تخبأ في ~~السرداب ، إذ القائم مقام الرسول صلى الله عليه وسلم قد غاب عندهم فتخبأ له ~~حتى يرجع من غيبته ..» (1). # هذا ، ومن كل ما سبق نرى أن أكثر العلماء يرون أن خمس الغنيمة يقسم إلى ~~خمسة أقسام ، ومنهم من يرى أنه يقسم الى ستة أقسام ، ومنهم من يرى أنه لا ~~يلزم تقسيمه إلى خمسة أقسام أو إلى ستة ، وإنما هو موكول إلى نظر الإمام ~~واجتهاده .. ومنهم من يرى غير ذلك ، ولكل فريق أدلته المبسوطة في كتب ~~الفروع. # 5 ذكرنا عند تفسيرنا لقوله تعالى في مطلع السورة ( @QUR@03 يسئلونك عن ~~الأنفال ... ) أن المراد بالأنفال : الغنائم وعليه تكون الآية التي معنا ~~وهي قوله ( @QUR@03 واعلموا أنما غنمتم .. ) مفصلة لما أجملته الآية التي ~~في مطلع السورة. # أى أن الآية التي في مطلع السورة بينت أن الأمر في قسمة الأنفال مفوض إلى ~~الله ورسوله ، ثم جاءت الآية التي معنا ففصلت كيفية قسمة الغنائم حتى لا ~~يتطلع أحد إلى ما ليس من حقه. # وهذا أولى من قول بعضهم : إن الآية التي معنا نسخت الآية التي في مطلع ~~السورة : لأن النسخ لا يصار إليه إلا عند التعارض وهنا لا تعارض بين ~~الآيتين. # 6 الآية الكريمة أرشدت المؤمنين إلى أن من الواجب عليهم أن يخلصوا في ~~طاعتهم لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم وأن يجعلوا غايتهم من جهادهم ~~إعلاء كلمة الله ، لكي يكونوا مؤمنين حقا. PageV06P104 # ويشعر بهذا الإرشاد تصديره سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@08 واعلموا أنما ~~غنمتم من شيء فأن لله خمسه .. ) كما يشعر به قوله تعالى ( @QUR@010 إن كنتم ~~آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان .. )، فإن كل ذلك فيه معنى ~~الحض على إخلاص النية لله تعالى والامتثال لحكمه ، والمداومة على شكره ، ~~حيث منحهم سبحانه هذه النعم بفضله وإحسانه. # وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : فإن قلت : بم تعلق قوله ( ~~@QUR@04 إن كنتم آمنتم بالله ): قلت بمحذوف يدل عليه قوله ms2418 ( @QUR@03 ~~واعلموا أنما غنمتم .. ) والمعنى : إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أن الخمس ~~من الغنيمة يجب التقرب به ، فاقطعوا عنه أطماعكم واقتنعوا بالأخماس ~~الأربعة. وليس المراد بالعلم المجرد ، ولكنه العلم المضمن بالعمل ، والطاعة ~~لأمر الله تعالى ، لأن العلم المجرد يستوي فيه المؤمن والكافر (1). # هذه بعض المسائل والأحكام التي استنبطناها من الآية الكريمة ، وهناك ~~مسائل وأحكام أخرى تتعلق بها ذكرها بعض المفسرين فارجع إليها إن شئت (2). # ثم حكى سبحانه بعض مظاهر فضله وحكمه في غزوة بدر ، فبين الأماكن التي نزل ~~فيها كل فريق ، كما بين الحكمة في لقاء المؤمنين والكافرين على غير ميعاد ، ~~والحكمة في تقليل كل فريق منهما في عين الآخر ... فقال تعالى : # ( @QUR@035 إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ~~ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من ~~هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم (42) @QUR@020 إذ ~~يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ~~ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور (43) @QUR@01 وإذ PageV06P105 # @QUR@018 يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي ~~الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور ) (44) # قوله : ( @QUR@04 إذ أنتم بالعدوة الدنيا .. ) بدل من قوله ( @QUR@02 يوم ~~الفرقان .. ) أو معمول لفعل محذوف. والتقدير : اذكروا. # والعدوة مثلثة العين جانب الوادي وحافته. وهي من العدو بمعنى التجاوز ~~سميت بذلك لأنها عدت .. أى منعت ما في الوادي من ماء ونحوه أن يتجاوزها. # والدنيا : تأنيث الأدنى بمعنى الأقرب. والقصوى : تأنيث الأقصى بمعنى ~~الأبعد. والركب : اسم جمع لراكب ، وهم العشرة فصاعدا من راكبي الإبل. # قال القرطبي : ولا تقول العرب : ركب إلا للجماعة الراكبى الإبل .. # والمراد بهذا الركب : أبو سفيان ومن معه من رجال قريش الذين كانوا قادمين ~~بتجارتهم من بلاد الشام ومتجهين بها إلى مكة ، فلما بلغ النبي ~~صلى الله عليه وسلم أمرها ، أشار على أصحابه بالخروج لملاقاته ، كما سبق أن ~~بينا عند تفسيرنا لقوله تعالى ( @QUR@06 كما أخرجك ربك من بيتك بالحق .. ). # والمعنى : اذكروا أيها المؤمنون وقت أن ms2419 خرجتم إلى بدر ، فسرتم إلى أن ~~كنتم ( @QUR@02 بالعدوة الدنيا ) أى : بجانب الوادي وحافته الأقرب إلى ~~المدينة ، وكان أعداؤكم الذين قدموا لنجدة العير ( @QUR@02 بالعدوة القصوى ~~) أى : بالجانب الآخر الأبعد من المدينة ، وكان أبو سفيان ومن معه من حراس ~~العير ( @QUR@02 أسفل منكم ) أى : في مكان أسفل من المكان الذي أنتم فيه ، ~~بالقرب من ساحل البحر الأحمر ، على بعد ثلاثة أميال منكم. # قال الجمل : قوله ( @QUR@03 والركب أسفل منكم ) الأحسن في هذه الواو ، ~~والواو التي قبلها الداخلة على ( @QUR@01 هم ) أن تكون عاطفة ما بعدها على ~~( @QUR@01 أنتم ) لأنها مبدأ تقسيم أحوالهم وأحوال عدوهم ويجوز أن يكونا ~~واو حال ، وأسفل منصوب على الظرف النائب عن الخبر ، وهو في الحقيقة صفة ~~لظرف مكان محذوف. أى : والركب في مكان أسفل من مكانكم وكان الركب على ثلاثة ~~أميال من بدر ..» (1). PageV06P106 # وقال الإمام الزمخشري رحمه الله فإن قلت : ما فائدة هذا التوقيت ، وذكر ~~مراكز الفريقين ، وأن العير كانت أسفل منهم؟. # قلت : الفائدة فيه الإخبار عن الحال الدالة على قوة الشأن للعدو ، وتكامل ~~عدته ، وتمهد أسباب الغلبة له ، وضعف شأن المسلمين ، والتياث أمرهم ، وأن ~~غلبتهم في هذه الحال ليس إلا صنعا من الله سبحانه ودليلا على أن ذلك أمر لم ~~يتيسر إلا بحوله وقوته وباهر قدرته. # وذلك أن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون ، كان فيها الماء ، وكانت ~~أرضا لا بأس بها. ولا ماء بالعدوة الدنيا ، وهي خبار أى أرض لينة رخوة تسوخ ~~فيها الأرجل ، ولا يمشى فيها إلا بتعب ومشقة. # وكانت العير وراء ظهور العدو ، مع كثرة عددهم ، فكانت الحماية دونها ~~تضاعف حميتهم ، وتشحذ في المقاتلة عنها نياتهم ، ولهذا كانت العرب تخرج إلى ~~الحرب بظعنهم وأموالهم ، ليبعثهم الذب عن الحريم على بذل جهودهم في القتال. # وفيه تصوير ما دبر سبحانه من أمر غزوة بدر ( @QUR@05 ليقضي الله أمرا كان ~~مفعولا ) ومن إعزاز دينه ، وإعلاء كلمته ، حين وعد المسلمين إحدى الطائفتين ~~مبهمة غير مبينة حتى خرجوا ليأخذوا العير راغبين في الخروج ، وأقلق قريشا ~~ما بلغهم من تعرض المسلمين لأموالهم ، فنفروا ليمنعوا عيرهم ms2420 ، وسبب الأسباب ~~حتى أناخ هؤلاء بالعدوة الدنيا وهؤلاء بالعدوة القصوى ، ووراءهم العير ~~يحامون عليها ، حتى قامت الحرب في ساق ، وكان ما كان» (1). # وقوله : ( @QUR@011 ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ، ولكن ليقضي الله ~~أمرا كان مفعولا ) بيان لتدبير الله الحكيم ، وإرادته النافذة. # أى : ولو تواعدتم وأهل مكة على موعد تلتقون فيه للقتال ، لتخلفتم عن ~~الميعاد المضروب بينكم ، لأن كل فريق منكم كان سيتهيب الإقدام على صاحبه ، ~~ولكن الله تعالى بتدبيره الخفى شاء أن يجمعكم للقتال على غير ميعاد ، ليقضى ~~سبحانه أمرا كان مفعولا ، أى : ثابتا في علمه وحكمته ، وهو : إعزاز الإسلام ~~وأهله ، وخذلان الشرك وحزبه. # روى ابن جرير من حديث كعب بن مالك رضى الله عنه قال : إنما خرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش ، حتى جمع الله بينهم وبين ~~عدوهم على غير ميعاد. وروى أيضا عن عمير بن إسحاق قال : أقبل أبو سفيان في ~~الكرب من الشام ، وخرج أبو جهل ليمنعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه فالتقوا ببدر ، ولا يشعر هؤلاء بهؤلاء ، ولا هؤلاء بهؤلاء ، حتى ~~التقى السقاة قال : ونظر الناس بعضهم إلى بعض» (2). PageV06P107 # وقوله ( @QUR@010 ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ) بدل من ~~قوله ( @QUR@01 ليقضي ) بإعادة الحروف ، أو هو متعلق بقوله ( @QUR@01 ~~مفعولا ). # والمراد بالهلاك والحياة هنا ما يشمل الحسى والمعنوي منهما. # والمراد بالبينة الحجة الظاهرة الدالة على حقية الإسلام وبطلان الكفر. # قال الآلوسى : أى : ليموت من يموت عن حجة عاينها ، ويعيش من يعيش عن حجة ~~شاهدها ، فلا يبقى محل للتعلل بالأعذار ، فإن وقعة بدر من الآيات الواضحة ~~والحجج الغر المحجلة. # ويجوز أن يراد بالحياة : الإيمان ، وبالموت : الكفر على سبيل الاستعارة ~~أو المجاز المرسل بأن يراد بالبينة : إظهار كمال القدرة الدالة على الحجة ~~الدامغة. # أى : ليصدر كفر من كفر وإيمان من آمن عن وضوح وبينة وإلى هذا ذهب قتادة ~~وابن إسحاق. والظاهر أن ( @QUR@01 عن ) هنا بمعنى بعد كقوله تعالى ( ~~@QUR@04 عما قليل ليصبحن نادمين ). # وقرأ نافع وابن كثير وأبو بكر ويعقوب حيي ms2421 على وزن تعب بفك الإدغام. وقرأ ~~الباقون بإدغام الياء الأولى في الثانية على وزن شد ومد (1). # وقوله ( @QUR@04 وإن الله لسميع عليم ) تذييل قصد به الترغيب في الإيمان ~~والترهيب من الكفر ، أى : وإن الله لسميع لأقوال أهل الإيمان والكفر عليم ~~بما تنطوى عليه قلوبهم وضمائرهم ، وسيجازى سبحانه كل إنسان بما يستحقه من ~~ثواب أو عقاب على حساب ما يعلم وما يسمع منه. # ثم يبين سبحانه بعض وجوه نعمه على المؤمنين ، وتدبيره الخفى لنصرهم ~~وفوزهم فيقول : ( @QUR@020 إذ يريكهم الله في منامك قليلا ، ولو أراكهم ~~كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ، ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور ). # أى : اذكر يا محمد فضل الله عليك وعلى أصحابك ، حيث أراك في منامك ~~الكافرين قليلا عددهم ، ضئيلا وزنهم فأخبرت بذلك أتباعك فازدادوا ثباتا ~~واطمئنانا وجرأة على عدوهم ( @QUR@03 ولو أراكهم كثيرا ) أى : ولو أراك ~~الأعداء عددا كثيرا ( @QUR@01 لفشلتم ) أى : لتهيبتم الإقدام عليهم ، لكثرة ~~عددهم ، من الفشل وهو ضعف مع جبن ( @QUR@03 ولتنازعتم في الأمر ) أى : في ~~أمر الإقدام عليهم والإحجام عنهم. فمنكم من يرى هذا ومنكم من يرى ذلك. PageV06P108 # وقوله ( @QUR@03 ولكن الله سلم ) بيان لمحل النعمة. أى : ولكن الله تعالى ~~بفضله وإحسانه أنعم عليكم بالسلامة من الفشل والتنازع وتفرق الآراء في شأن ~~القتال : حيث ربط على قلوبكم ، ورزقكم الجرأة على أعدائكم وعدم المبالاة ~~بهم بسبب رؤيا نبيكم. # وقوله : ( @QUR@04 إنه عليم بذات الصدور ) تذييل يدل على شمول علمه ~~سبحانه . # أى : إنه سبحانه عليم بكل ما يحصل في القلوب وما يخطر بها من شجاعة وجبن. ~~ومن صبر وجزع ولذلك دير ما دبر. # قال الفخر الرازي ، قال مجاهد : أرى الله النبي صلى الله عليه وسلم كفار ~~قريش في منامه قليلا ، فأخبر بذلك أصحابه فقالوا : رؤيا النبي حق. القوم ~~قليل ، فصار ذلك سببا لجرأتهم وقوة قلوبهم. # فإن قيل : رؤية الكثير قليلا غلط ، فكيف يجوز من الله تعالى أن يفعل ذلك؟ # قلنا : ذهبنا أنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريده وأيضا لعله سبحانه ~~أراه البعض دون البعض فحكم الرسول على أولئك الذين ms2422 رآهم بأنهم قليلون (1). # ونستطيع أن نضيف إلى ما أجاب به الفخر الرازي أنه يجوز أن يكون المراد ~~بالقلة : الضعف وهوان الشأن .. # أى : أن المشركين وإن كانوا في حقيقتهم يقاربون الألف أى أكثر من ثلاثة ~~أمثال المؤمنين إلا أنهم لا قوة لهم ولا وزن ، فهم كثير عددهم ولكن قليل ~~غناؤهم ، قليل وزنهم في المعركة. لأنهم ينقصهم الإيمان الصحيح الذي يقوى ~~القلوب ، ويدفع النفوس إلى الإقدام لنصرة الحق لكي تفوز برضا الله وحسن ~~مثوبته. # وإلى هذا المعنى أشار صاحب المنار بقوله : وقد تقدم أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قدر عدد المشركين بألف وأخبر أصحابه بذلك ، ولكنه أخبرهم ~~مع هذا أنه رآهم في منامه قليلا ، لا أنهم قليل في الواقع ، فالظاهر أنهم ~~أولوا الرؤيا بأن بلاءهم يكون قليلا ، وأن كيدهم يكون ضعيفا ، فتجرءوا ~~وقويت قلوبهم (2). # هذا ، ونسب الى الحسن أنه ذكر أن هذه الآراء كانت في اليقظة ، وأن المراد ~~من المنام العين التي هي موضع النوم. قال الزمخشري. وهذا تفسير فيه تعسف. ~~وما أحسب الرواية صحيحة فيه عن الحسن. # وقال الآلوسى : وعن الحسن أنه فسر المنام بالعين ، لأنها مكان النوم كما ~~يقال للقطيفة PageV06P109 # المنامة لأنها ينام فيها ، فلم يكن عنده هناك رؤيا أصلا بل كانت رؤية ، ~~وإليه ذهب البلخي. ولا يخفى ما فيه ، لأن المنام شائع بمعنى النوم مصدر ~~ميمى. ففي الحمل على خلاف ذلك تعقيد ولا نكتة فيه .. على أن الروايات الجمة ~~برؤيته صلى الله عليه وسلم إياهم مناما ، وقص ذلك على أصحابه مشهورة لا ~~يعارضها كون العين مكان النوم نظرا إلى الظاهر .. ولعل الرواية عن الحسن ~~غير صحيحة ، فإنه الفصيح العالم بكلام العرب (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@010 وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ~~ويقللكم في أعينهم ... ) معطوف على ما قبله وهو قوله ( @QUR@06 إذ يريكهم ~~الله في منامك قليلا .... ) وذلك لتأكيد الرؤيا المنامية بالرؤية في ~~اليقظة. # والمعنى : واذكروا أيها المؤمنون وقت أن التقيتم مع أعدائكم وجها لوجه في ~~بدر ، فكان من فضل الله عليكم قبل أن تلتحموا معهم أن جعل عددهم قليلا ms2423 في ~~أعينكم وجعل عددكم قليلا في أعينهم ، وذلك لإغرائهم على خوض المعركة. # أما أنتم فتخوضونها بدون مبالاة بهم لقلتهم في أعينكم ، ولثقتكم بنصر ~~الله إياكم .. # وأما هم فيخوضونها معتمدين على غرورهم وبطرهم وقلتكم في أعينهم ، فيترتب ~~على ذلك أن يتركوا الاستعداد اللازم لقتالكم ، فتكون الدائرة عليهم .. # قال ابن مسعود وهو ممن حضر بدرا : لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى ~~جنبي : أتراهم سبعين؟ قال : أراهم مائة ، فأسرنا رجلا منهم فقلنا له : كم ~~كنتم؟ قال : ألفا (2). # وقال أبو جهل في ذلك اليوم وقبل الالتحام : إن محمدا وأصحابه أكلة جزور ~~أى هم قليل يشبعهم لحم ناقة واحدة خذوهم أخذا أو اربطوهم بالحبال .. # وقد أجاد صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الآية حيث يقول : قوله ( @QUR@02 ~~وإذ يريكموهم ) الضميران مفعولان يعنى : وإذ يبصركم إياهم. و ( @QUR@01 ~~قليلا ) حال ، وإنما قللهم في أعينهم تصديقا لرؤيا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، وليعاينوا ما أخبرهم به فيزداد يقينهم ويجدوا ويثبتوا .. ~~(3) فإن قلت : الغرض من تقليل الكفار في أعين المؤمنين ظاهر ، فما الغرض من ~~تقليل المؤمنين في أعينهم؟ # قلت : قد قللهم في أعينهم قبل اللقاء ، ثم كثرهم فيها بعده ، ليجترؤوا ~~عليهم ، قلة مبالاة بهم ، ثم تفجؤهم الكثرة فيبهتوا ويهابوا ، وتقل شوكتهم ~~، حين يرون ما لم يكن في حسابهم PageV06P110 # وتقديرهم ، وذلك قوله ( @QUR@018 قد كان لكم آية في فئتين التقتا ، فئة ~~تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة ، يرونهم مثليهم رأي العين ) (1) ولئلا ~~يستعدوا لهم ، وليعظم الاحتجاج عليهم فاستيضاح الآية البينة من قلتهم أولا ~~، وكثرتهم آخرا. # ثم قال : فإن قلت : بأى طريق يبصرون الكثير قليلا؟ # قلت : بأن يستر الله عنهم بعضه بساتر ، أو يحدث في عيونهم ما يستقلون به ~~الكثير ، كما أحدث في أعين الحول ما يرون به الواحد اثنين. # قيل لبعضهم : إن الأحوال يرى الواحد اثنين وكان بين يديه ديك واحد فقال : ~~ما لي لا أرى هذين الديكين أربعة (2). # وقوله سبحانه ( @QUR@09 ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع ~~الأمور ) بيان لحكمة تدبيره ، ونفاذ قدرته ، وشمول إرادته. # أى فعل سبحانه ms2424 ما فعل من تقليل كل فريق في عين الآخر ، ليقضى أمرا كان ~~مفعولا ، أى : ثابتا في علمه وحكمته ، وهو نشوب القتال المفضى إلى انتصار ~~المؤمنين ، واندحار الكافرين وإلى الله وحده ترجع الأمور لا إلى أحد سواه ، ~~فإن كل شيء عنده بمقدار ، ولأن كل شيء في هذا الكون بقضائه وقدره ، وما من ~~شيء إلا مصيره ومرده إليه. # قال بعض العلماء : ولا يقال إن قوله تعالى : ( @QUR@05 ليقضي الله أمرا ~~كان مفعولا ) مكرر مع ما سبق ، لأننا نقول : إن المقصود من ذكره أولا في ~~قوله : إذ أنتم بالعدوة الدنيا .. هو اجتماعهم بلا ميعاد ليحصل استيلاء ~~المؤمنين على الكافرين ، على وجه يكون معجزة دالة على صدق النبي ~~صلى الله عليه وسلم والمقصود منه هنا بيان خارق آخر ، وهو تقليلهم في أعين ~~المشركين ثم تكثيرهم للحكم المتقدمة (3). # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة حكت لنا جانبا من أحداث غزوة بدر بأسلوب ~~تصويري بديع في استحضار لمشاهدها ومواقفها ، وكشفت لنا عن جوانب من مظاهر ~~قدرة الله ، ومن تدبيره المحكم الذي كان فوق تدبير البشر ، ومن تهيئة ~~الأسباب الظاهرة والخفية التي أدت إلى نصر المؤمنين وخذلان الكافرين. # وبعد هذا التذكير النافع ، والتصوير المؤثر لأحداث غزوة بدر ، وجه سبحانه ~~في هذه السورة إلى المؤمنين النداء السادس والأخير ، حيث أمرهم بالثبات في ~~وجه أعدائهم ، وبالمداومة على ذكره وطاعته .. ، ونهاهم عن التنازع ~~والاختلاف فقال تعالى : PageV06P111 # ( @QUR@013 يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله ~~كثيرا لعلكم تفلحون (45) @QUR@013 وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا ~~وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ) (46) # وقوله : ( @QUR@01 لقيتم ) من اللقاء بمعنى المقابلة والمواجهة ، ويغلب ~~استعماله في لقاء القتال وهو المراد هنا. # وقوله : ( @QUR@01 فئة ) أى : جماعة. مشتقة من الفيء بمعنى الرجوع ، لأن ~~بعضهم يرجع إلى بعض. # والمراد بها هنا : جماعة المقاتلين من الكافرين وأشباههم. # والمتتبع لاستعمال القرآن لهذه الكلمة ، يراه يستعملها في الأعم الأغلب ~~في الجماعة المقاتلة أو الناصرة أو ما يشبه ذلك. # قال تعالى : ( @QUR@09 كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ... ) (1). # وقال تعالى ms2425 : ( @QUR@014 قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في ~~سبيل الله وأخرى كافرة ... ) (2). # وقال تعالى : ( @QUR@011 ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان ~~منتصرا ) (3). # والمعنى : يا أيها الذين آمنوا بالله حق الإيمان ، ( @QUR@03 إذا لقيتم ~~فئة ) أى : حاربتم جماعة من أعدائكم ، فاثبتوا لقتالهم وأغلظوا عليهم في ~~النزال ، ولا تولوهم الأدبار ، ( @QUR@03 واذكروا الله كثيرا ) لا سيما في ~~مواطن الحرب ، فإن ذكر الله عن طريق القلب واللسان من أعظم وسائل النصر : ~~لأن المؤمن متى استحضر عظمة الله في قلبه لا تهوله قوة عدوه ، ولا تخفيه ~~كثرته .. # وقوله ( @QUR@02 لعلكم تفلحون ) أى : لعلكم تظفرون بمرادكم من النصر وحسن ~~الثواب ، متى فعلتم ذلك عن إخلاص. # وقوله ( @QUR@03 وأطيعوا الله ورسوله ) معطوف على ما قبله ، أى : اثبتوا ~~عند لقاء الأعداء ، وأكثروا من ذكر الله ، وأطيعوا الله ورسوله في كل ~~أقوالكم وأعمالكم ، وفي سركم وجهركم ، PageV06P112 # وفي كل ما تأتون وما تذرون. # وقوله ( @QUR@05 ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) نهى لهم عن الاختلاف ~~المؤدى إلى الفشل وضياع القوة بعد أمرهم بالثبات والمداومة على ذكر الله ~~وطاعته. # وقوله ( @QUR@01 تنازعوا ) من النزع بمعنى الجذب وأخذ الشيء .. والتنازع ~~والمنازعة المجاذبة كأن كل واحد من المتنازعين يريد أن ينزع ما عند الآخر ~~ويلقى به. # والمراد بالتنازع هنا : الخصام والجدال والاختلاف المفضى إلى الفشل أى : الضعف. # قال الآلوسى : وقوله : ( @QUR@02 وتذهب ريحكم )، قال الأخفش : الريح ~~مستعارة للدولة. لشبهها بها في نفوذ أمرها وتمشيه ، ومن كلامهم هبت رياح ~~فلان إذا دالت له الدولة وجرى أمره على ما يريد. وركدت رياحه إذا ولت عنه ~~وأدبر أمره. قال الشاعر : # إذا هبت رياحك فاغتنمها %~% فإن لكل خافقة سكون ولا تغفل عن الإحسان فيها %~% فما تدرى السكون متى يكون (1). # والمعنى : كونوا أيها المؤمنون ثابتين ومستمرين على ذكر الله وطاعته عند ~~لقاء الأعداء ، ولا تنازعوا وتختصموا وتختلفوا ، فإن ذلك يؤدى بكم إلى ~~الفشل أى الضعف ، وإلى ذهاب دولتكم ، وهوان كلمتكم ، وظهور عدوكم عليكم. # ( @QUR@01 واصبروا ) على شدائد الحرب ، وعلى مخالفة أهوائكم التي تحملكم ~~على التنازع ، ( @QUR@04 إن الله مع الصابرين ) بتأييده ومعونته ms2426 ونصره. # هذا والمتأمل في هاتين الآيتين يراهما قد رسمتا للمؤمنين في كل زمان ~~ومكان الطريق التي توصلهم إلى الفلاح والظفر. # إنهما يأمران بالثبات ، والثبات من أعظم وسائل النجاح ، لأنه يعنى ترك ~~اليأس والتراجع وأقرب الفريقين إلى النصر أكثرهما ثباتا. # ويأمران بمداومة ذكر الله ، لأن ذكر الله هو الصلة التي تربط الإنسان ~~بخالقه الذي بيده كل شيء ، ومتى حسنت صلة الإنسان بخالقه ، صغرت في عينه ~~قوة أعدائه مهما كبرت. # ويأمران بطاعة الله ورسوله ، حتى يدخل المؤمنون المعركة بقلوب نقية ، ~~وبنفوس صافية ... لا مكان فيها للتنازع والاختلاف المؤدى إلى الفشل ، وذهاب ~~القوة .. ويأمران بالصبر ، أى بتوطين النفس على ما يرضى الله ، واحتمال ~~المكاره والمشاق في جلد. وهذه PageV06P113 # الصفة لا بد منها لمن يريد أن يصل إلى آماله وغاياته. # ورحم الله الإمام ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهاتين الآيتين الكريمتين ~~: «هذا تعليم من الله تعالى لعباده المؤمنين آداب اللقاء ، وطريق الشجاعة ~~عند مواجهة الأعداء». # وقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن أبى أوفى أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم انتظر في بعض أيامه التي لقى فيها العدو حتى إذا مالت ~~الشمس قام فيهم فقال : يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله ~~العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف. ثم قام ~~وقال : اللهم منزل الكتاب ، ومجرى السحاب ، وهازم الأحزاب ، اهزمهم وانصرنا ~~عليهم». # وفي الحديث الآخر المرفوع يقول الله تعالى «إن عبدى كل عبدى الذي يذكرني ~~وهو مناجز قرنه» أى : لا يشغله ذلك الحال عن ذكرى ودعائي واستعانتى. # وعن قتادة في هذه الآية : «افترض الله ذكره عند أشغل ما يكون. الضرب ~~بالسيوف». # ثم قال : «وقد كان للصحابة رضى الله عنهم في باب الشجاعة والائتمار بما ~~أمرهم الله ورسوله ، وامتثال ما أرشدهم إليه ، ما لم يكن لأحد من الأمم ~~والقرون قبلهم ، ولا يكون لأحد من بعدهم ، فإنهم ببركة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وطاعته فيما أمرهم ، فتحوا القلوب والأقاليم شرقا وغربا ، ~~في المدة اليسيرة ، مع قلة عددهم بالنسبة ms2427 إلى جيوش سائر الأقاليم من الروم ~~والفرس ... قهروا الجميع حتى علت كلمة الله وظهر دينه على سائر الأديان ، ~~وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها في أقل من ثلاثين سنة ~~فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين ، وحشرنا في زمرتهم إنه كريم وهاب» (1). # وبعد هذه التوجيهات السامية التي رسمت للمؤمنين طريق النصر ، نهاهم ~~سبحانه عن التشبه بالكافرين الذين صدهم الشيطان عن السبيل الحق ، فقال ~~تعالى : # ( @QUR@017 ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون ~~عن سبيل الله والله بما يعملون محيط (47) @QUR@011 وإذ زين لهم الشيطان ~~أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من PageV06P114 # @QUR@025 الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني ~~بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب (48) ~~@QUR@018 إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل ~~على الله فإن الله عزيز حكيم ) (49) # قال الفخر الرازي عند تفسيره لقوله تعالى ( @QUR@04 ولا تكونوا كالذين ~~خرجوا .... ) المراد قريش حين خرجوا من مكة لحفظ العير. خرجوا بالقيان ~~والمغنيات والمعازف ، فلما وردوا الجحفة ، بعث خفاف الكناني وكان صديقا ~~لأبى جهل بهدايا إليه مع ابن له ، فلما أتاه قال : إن أبى ينعمك صباحا ~~ويقول لك : إن شئت أن أمدك بالرجال أمددتك ، وإن شئت أن أزحف إليك بمن معى ~~من قرابتي فعلت. # فقال أبو جهل : قل لأبيك جزاك الله والرحم خيرا. إن كنا نقاتل الله كما ~~يزعم محمد فو الله ما لنا بالله طاقة. وإن كنا إنما نقاتل الناس ، فو الله ~~إن بنا على الناس لقوة. # والله ما نرجع عن قتال محمد حتى نرد بدرا فنشرب فيها الخمور ، وتعزف فيها ~~القيان ، فإن بدرا موسم من مواسم العرب ، وسوق من أسواقهم. وحتى تسمع العرب ~~بمخرجنا فتهابنا آخر الأبد . # قال المفسرون : فوردوا بدرا ، وشربوا كؤوس المنايا مكان الخمر ، وناحت ~~عليهم النوائح مكان القيان (1). # وقوله ( @QUR@01 بطرا ) مصدر بطر كفرح ومعناه كما يقول الراغب : دهش ~~يعترى الإنسان من سوء احتمال النعمة ، وقلة القيام بحقها ، وصرفها إلى غير ~~وجهها (2). # أى ms2428 أن البطر ضرب من التكبر والغرور واتخاذ نعم الله تعالى وسيلة إلى مالا ~~يرضيه وهو مفعول لأجله ، أو حال ، أى : حال كونهم بطرين. # وقوله ( @QUR@01 ورئاء ) مصدر رأى ومعناه : القول أو الفعل الذي لا يقصد ~~معه الإخلاص ، وإنما يقصد به التظاهر وحب الثناء. PageV06P115 # والمعنى : كونوا أيها المؤمنون ثابتين عند لقاء الأعداء ، ومكثرين من ذكر ~~الله وطاعته ، وصابرين في كل المواطن .. واحذروا أن تتشبهوا بأولئك ~~المشركين الذين خرجوا من مكة ( @QUR@03 بطرا ورئاء الناس ) أى خرجوا غرورا ~~وفخرا وتظاهرا بالشجاعة والحمية ... حتى ينالوا الثناء منهم .. # وقوله : ( @QUR@04 ويصدون عن سبيل الله ) معطوف على ( @QUR@01 بطرا ) ~~والسبيل : الطريق الذي فيه سهولة. والمراد بسبيل الله : دينه. لأنه يوصل ~~الناس إلى الخير والفلاح. # أى : خرجوا بطريق بما أوتوا من نعم ومرائين بها الناس ، وصادين إياهم عن ~~دين الإسلام الذي باتباعه يصلون إلى السعادة والنجاح. # وعبر عن بطرهم وريائهم بصيغة الاسم الدال على التمكن والثبوت ، وعن صدهم ~~بصيغة الفعل الدال على التجدد والحدوث ، للإشعار بأنهم كانوا مجبولين على ~~البطر والمفاخرة والرياء ، وأن هذه الصفات دأبهم وديدنهم ، أما الصد عن ~~سبيل الله فلم يحصل منهم إلا بعد أن دعا الرسول صلى الله عليه وسلم الناس إلى ~~الإسلام. # وقوله : ( @QUR@04 والله بما يعملون محيط ) تذييل قصد به التحذير من ~~الاتصاف بهذه الصفات الذميمة ، لأنه سبحانه محيط بكل صغيرة وكبيرة وسيجازى ~~الذين أساءوا بما عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. فعلى المؤمنين أن ~~يخلصوا لله تعالى أعمالهم. # وقوله : ( @QUR@015 وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم ~~من الناس وإني جار لكم .. ) تذكير للمؤمنين بما خدع به الشيطان الكافرين من ~~وعود كاذبة ، وأمانى باطلة. # والمراد بهذا التذكير : حضهم على المداومة على طاعة الله وشكره ، حيث إنه ~~سبحانه لم يجعلهم كأولئك الذين استحوذ عليهم الشيطان. # والمعنى : احذروا أيها المؤمنون أن تتشبهوا بأولئك الذين خرجوا من ديارهم ~~بطرا ومفاخرة .. واذكروا وقت أن ( @QUR@04 زين لهم الشيطان أعمالهم ) في ~~معاداتكم ، بأن وسوس لهم بأنهم على الحق وأنتم على الباطل ، وحسن لهم ما ~~جبلوا عليه من غرور ومراءاة ms2429 ، وأوهمهم بأن النصر سيكون لهم عند لقائكم ، ~~بأن قال لهم ( @QUR@09 لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم ) أى : لن ~~يغلبكم أحد من الناس ، لا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ولا غيرهم من ~~قبائل العرب ، وإنى مجير ومعين وناصر لكم ، إذ المراد بالجار هنا : الذي ~~يجير غيره. أى : يؤمنه مما يخاف ويخشى. # قال الآلوسى : أى : ألقى في روعهم وخيل لهم أنهم لا يغلبون لكثرة عددهم ، ~~وعددهم ، وأوهمهم أن اتباعهم إياه فيما يظنون أنها قربات تجعله مجيرا لهم ، ~~وحافظا إياهم عن السوء PageV06P116 # حتى قالوا : اللهم انصر أهدى الفئتين ، وأفضل الدينين. # فالقول مجاز عن الوسوسة. والإسناد في قوله ( @QUR@03 وإني جار لكم ) من ~~قبيل الإسناد إلى السبب الداعي. و ( @QUR@01 لكم ) خبر ( @QUR@01 لا ) أو ~~صفة ( @QUR@01 غالب ) والخبر محذوف. أى : لا غالب كائنا لكم موجود. و ( ~~@QUR@01 اليوم ) معمول الخبر. و ( @QUR@02 من الناس ) حال من ضمير الخبر ~~...» (1). # وقوله : ( @QUR@021 فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم ~~إني أرى ما لا ترون ، إني أخاف الله ، والله شديد العقاب ) بيان لما فعله ~~الشيطان وقاله بعد أن رأى ما رأى من قوة لا طاقة له بها .. # وقوله ( @QUR@02 تراءت الفئتان ) أى : تقاربتا بحيث صارت كل فئة ترى ~~الأخرى رؤية واضحة. # ومنهم من جعل ( @QUR@01 تراءت ) بمعنى التقت وقوله ( @QUR@03 نكص على ~~عقبيه ) أى : ولى هاربا ورجع القهقرى. وأبطل كيده وذهب ما مناهم به من ~~النصرة والعون يقال : نكص عن الأمر نكوصا ونكصا أى : تراجع عنه وأحجم. ~~والعقب : مؤخر القدم. # والمعنى : لقد حرض الشيطان جنوده من الكافرين على حربكم أيها المؤمنون ، ~~ومناهم بالنصر عليكم ... ولكنه حينما تراءت الفئتان : فئتكم وفئته ، ورأى ~~ما أمدكم الله به من الملائكة ، ولى مدبرا وقال للكافرين : ( @QUR@03 إني ~~بريء منكم ) أى : من عهدكم وجواركم ونصرتكم ، ( @QUR@02 إني أرى ) من ~~الملائكة النازلة لتأييد المؤمنين مالا ترونه أنتم ( @QUR@03 إني أخاف الله ~~) أن يعذبني قبل يوم القيامة ، أو إنى أخاف الله أن يصيبني بمكروه من قبل ~~ملائكته. # وقوله ( @QUR@03 والله شديد العقاب ) يحتمل أنه من كلام إبليس الذي حكاه ~~الله ms2430 تعالى عنه ، ويحتمل أنه جملة مستأنفة من كلامه عز وجل . # أى : والله شديد العقاب لمن عصاه وخالف أمره. # هذا ، وهناك قولان في كيفية تزيين الشيطان للمشركين : # أحدهما : أن هذا التزيين لم يكن حسيا ، وإنما كان معنويا عن طريق الوسوسة ~~دون أن يتحول الشيطان إلى صورة إنسان. # وعليه يكون قوله ( @QUR@04 لا غالب لكم اليوم ... ) مجازا عن الوسوسة. ~~وقوله ( @QUR@03 نكص على عقبيه ) استعارة لبطلان كيده ، شبه بطلان كيده بعد ~~وسوسته بمن رجع القهقرى عما يخافه. PageV06P117 # وثانيهما : أن هذا التزيين كان حسيا بمعنى أن الشيطان تمثل لهم في صورة ~~إنسان ، وقال لهم ما قال مما حكاه الله تعالى عنه. # وقد ذكر صاحب الكشاف هذين الوجهين في تفسير الآية فقال : واذكر ( @QUR@05 ~~إذ زين لهم الشيطان أعمالهم ) التي عملوها في معاداة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، ووسوس إليهم أنهم لا يغلبون ولا يطاقون ، وأوهمهم أن ~~اتباع خطوات الشيطان وطاعته مما يجيرهم ، فلما تلاقى الفريقان نكص الشيطان ~~وتبرأ منهم ، أى : بطل كيده حين نزلت جنود الله. # وكذا عن الحسن رحمه الله قال : كان ذلك على سبيل الوسوسة ولم يتمثل لهم. # وقيل : لما اجتمعت قريش على السير لحرب المسلمين في بدر ذكرت الذي بينها ~~وبين كنانة من الحرب ، فكاد ذلك يثنيهم عن حرب المسلمين ، فتمثل لهم إبليس ~~في صورة سراقة ابن مالك بن جعشم الشاعر الكناني وكان من أشرفهم في جند من ~~الشياطين معه راية وقال : لا غالب لكم اليوم وإنى مجيركم من بنى كنانة. ~~فلما رأى الملائكة تنزل ، نكص. # وقيل : كانت يده في يد الحارث بن هشام ، فلما نكص قال له الحارث : إلى ~~أين؟ أتخذلنا في هذه الحال؟ فقال : إنى أرى ما لا ترون ، ودفع صدر الحارث ~~وانطلق وانهزموا. # فلما بلغوا مكة قالوا : هزم الناس سراقة ، فبلغ ذلك سراقة فقال : والله ~~ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم. فلما أسلموا علموا أنه الشيطان. # وفي الحديث الذي أخرجه مالك في الموطأ : «وما رئي إبليس يوما أصغر ولا ~~أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة لما يرى من ms2431 نزول الرحمة. إلا ما رئي يوم ~~بدر» (1). # وقد ذكر ابن جرير وابن كثير روايات أخرى تتفق في جملتها مع ما ذكره صاحب ~~الكشاف ، وإن كانت تختلف عنها في التفصيل ، ومن ذلك قول ابن جرير : # «وكان تزيينه ذلك لهم كما حدثني المثنى قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، ~~قال : حدثني معاوية عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس قال : جاء إبليس يوم ~~بدر في جند من الشياطين معه رايته في صورة رجل من بنى مدلج ، في صورة سراقة ~~بن مالك بن جعشم ، فقال الشيطان للمشركين : لا غالب لكم اليوم من الناس ~~وإنى جار لكم فلما اصطف الناس ، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من ~~التراب ، فرمى بها في وجوه المشركين ، فولوا الأدبار. PageV06P118 # وأقبل جبريل إلى إبليس ، فلما رآه وكانت يده في يد رجل من المشركين انتزع ~~إبليس يده فولى مدبرا هو وشيعته. # فقال الرجل : يا سراقة تزعم أنك لنا جار؟ قال : ( @QUR@011 إني أرى ما لا ~~ترون ، إني أخاف الله ، والله شديد العقاب ) وذلك حين رأى الملائكة. # ثم قال : وحدثنا أحمد بن الفرج ، قال : حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز ~~الماجشون ، قال : حدثنا مالك ، عن إبراهيم بن أبى عبلة ، عن طلحة بن عبد بن ~~عبيد الله بن كريز : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «ما رئي إبليس ~~يوما هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أغيظ ولا أدحر من يوم عرفة وذلك مما يرى من ~~تنزيل الرحمة والعفو عن الذنوب ، إلا ما رأى يوم بدر» قالوا : يا رسول الله ~~، وما رأى يوم بدر؟ قال : أما إنه رأى جبريل يزع الملائكة أى : يرتبهم ~~ويسويهم ويصفهم للحرب» (1). # وقد سار ابن جرير وابن كثير في تفسيرهما للآية على أن التزيين من الشيطان ~~كان حسيا. # فابن جرير يقول. بعد أن ذكر بضع روايات في تفسير الآية : فتأويل : وإن ~~الله لسميع عليم في هذه الأحوال ، وحين زين لهم الشيطان خروجهم إليكم. أيها ~~المؤمنون لحربكم وقتالكم ، وحسن ذلك لهم ، وحثهم عليكم وقال لا غالب ms2432 لكم ~~اليوم ، من بنى آدم ، فاطمئنوا وأبشروا وإنى جار لكم من كنانة أن تأتيكم من ~~ورائكم ... واجعلوا جدكم وبأسكم على محمد وأصحابه ( @QUR@03 فلما تراءت ~~الفئتان ) يقول : فلما تزاحفت جنود الله من المؤمنين ، وجنود الشيطان من ~~الكافرين ، ونظر بعضهم إلى بعض ( @QUR@03 نكص على عقبيه ) أى : رجع القهقرى ~~على قفاه هاربا .. وقال للمشركين ( @QUR@05 إني أرى ما لا ترون ) يعنى أنه ~~يرى الملائكة الذين بعثهم الله مددا للمؤمنين ، والمشركون لا يرونهم (2). # وابن كثير يقول : وقوله تعالى ( @QUR@05 وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم ... ~~) الآية. # أى : حسن لهم لعنه الله ما جاءوا له ، وما هموا به. وذلك أنه تبدى لهم في ~~صورة سراقة بن مالك بن جعشم سيد بنى مدلج .. ثم قال : فلما رأى إبليس ~~الملائكة ( @QUR@03 نكص على عقبيه ) وقال إنى برىء منكم إنى أرى ما لا ترون ~~، وهو في صورة سراقة ، وأقبل أبو جهل يحض أصحابه ويقول لهم : لا يهولنكم ~~خذلان سراقة إياكم ، فإنه كان على موعد من محمد وأصحابه ..» (3). # ومن هذا يتضح أن هذين الإمامين الجليلين يسيران في تفسيرهما للآية ~~الكريمة ، على أن PageV06P119 # التزيين كان حسيا ، ويهملان القول بغير ذلك وممن تابعهما في هذا الإمام ~~القرطبي ، فقد ذكر بعض الروايات التي وردت في معنى الآية ، والتي صرحت بأن ~~الشيطان قد تمثل للمشركين في صورة إنسان ، وبنى تفسيره للآية على ذلك .. (1). # وقد خالف صاحب المنار هؤلاء الأئمة ، فرجح القول الأول وهو أن التزيين لم ~~يكن حسيا ، أى أن ما قاله الشيطان لهم من قبيل الوسوسة ، وأنه لم يتمثل لهم ~~في صورة إنسان. # فقد قال رحمه الله قوله : ( @QUR@012 وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا ~~غالب لكم اليوم من الناس ... ) أى : واذكر أيها الرسول للمؤمنين إذ زين ~~الشيطان لهؤلاء المشركين أعمالهم بوسوسته ، وقال لهم بما ألقاه في هواجسهم ~~لا غالب لكم اليوم من الناس. # ( @QUR@06 فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه ) أى : فلما قرب كل من ~~الفريقين من الآخر. نكص ، أى : رجع القهقرى .. والمراد أنه كف عن تزيينه ~~لهم ، وتغريره إياهم ، فخرج الكلام مخرج التمثيل بتشبيه وسوسته ms2433 بما ذكر ~~بحال المقبل على الشيء ، وتركها بحال من ينكص عنه ويوليه دبره ، ثم زاد على ~~هذا ما يدل على براءته منهم ، وتركه إياهم وشأنهم ، وهو ( @QUR@012 وقال ~~إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله ) أى : تبرأ منهم وخاف ~~عليهم ، وأيس من حالهم لما رأى إمداد الله المسلمين بالملائكة. # ثم قال بعد أن ضعف الروايات التي أوردها ابن جرير وابن كثير والمختار ~~عندنا في تفسير الآية أن الشيطان ألقى في قلوب المشركين أن أحدا لن يغلبهم ~~.. (2). # والخلاصة : أننا بمراجعتنا لأقوال المفسرين في كيفية تزيين الشيطان ~~للمشركين ، تراهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام : # (أ) قسم منهم ذكر القولين السابقين في كيفية التزيين دون أن يرجح أحدهما ~~على الآخر ، وممن فعل ذلك الزمخشري ، والفخر الرازي والآلوسى. # (ب) وقسم منهم سار في تفسيره على أن التزيين كان حسيا ، بمعنى أن الشيطان ~~تمثل للمشركين في صورة إنسان وقال لهم ما قال ، وأهمل القول بأن التزيين لم ~~يكن حسيا ، وممن فعل ذلك ابن جرير ، وابن كثير ، والقرطبي. # (ج) وقسم منهم رجح أن التزيين لم يكن حسيا ، بل كان عن طريق الوسوسة ، ~~وأن الشيطان ما تمثل للمشركين في صورة إنسان ، وقد سار في هذا الاتجاه صاحب ~~المنار مشككا في صحة ما سواه. PageV06P120 # والذي نراه بعد هذا العرض لأقوال المفسرين : أن الآية الكريمة صريحة في ~~أن الشيطان قد زين للمشركين أعمالهم ، وأنه قد قال لهم ما حكاه القرآن عنه ~~: ( @QUR@09 لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم ) وأنه حين تراءى ~~الجمعان كذب فعله قوله ، فقد ( @QUR@03 نكص على عقبيه ) وقال للمشركين ~~الذين وعدهم ومناهم بالنصر ( @QUR@014 إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون ~~إني أخاف الله والله شديد العقاب ). # ومن العسير علينا بعد ذلك أن نحدد تحديدا قاطعا كيفية هذا التزيين والقول ~~والنكوص : أهو حسى أم غير حسى ؛ لأن التحديد القاطع لا بد أن يستند إلى نص ~~صريح في دلالته على المعنى المراد ، وصحيح في نسبته إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم . # وهذا النص ms2434 غير موجود ، لأن الحديث الذي أخرجه الإمام مالك في موطئه والذي ~~سبق أن ذكرناه قال عنه ابن كثير وابن حجر إنه حديث مرسل ، وزيادة على ذلك ~~ففي بعض رجاله من هو ضعيف الحديث كابن الماجشون ، ولأن الروايات التي رويت ~~في تمثيل الشيطان بصورة سراقة قد جاء معظمها عن ابن عباس ، وابن عباس كما ~~يقول صاحب المنار كان سنه يوم بدر خمس سنين. فروايته لأخبارها منقطعة. # إذا فنحن نؤمن بما أثبته القرآن من أن الشيطان قد زين للمشركين أعمالهم ، ~~وأنه قد قال لهم ما قاله مما حكاه القرآن عنه ، وأنه قد نكص على عقبيه .. ~~إلا أننا لا نستطيع أن نحدد كيفية ذلك. # ويعجبني في هذا المقام قول بعض الكاتبين عند تفسيره لهذه الآية : «وفي ~~هذا الحادث نص قرآنى يثبت منه أن الشيطان زين للمشركين أعمالهم ، وشجعهم ~~على الخروج ... وأنه بعد ذلك «نكص على عقبيه ..» فخذلهم وتركهم يلاقون ~~مصيرهم وحدهم. # ولكننا لا نعلم الكيفية التي زين لهم بها أعمالهم والتي قال لهم بها : لا ~~غالب لكم اليوم من الناس ... والتي نكص بها كذلك. # الكيفية فقط هي التي لا نجزم بها. ذلك أن أمر الشيطان كله غيب ، ولا سبيل ~~لنا إلى الجزم بشيء من أمره إلا بنص قرآنى أو حديث نبوي صحيح ، والنص هنا ~~لا يذكر الكيفية إنما يثبت الحادث. # فإلى هنا ينتهى اجتهادنا ، ولا نميل إلى المنهج الذي تتخذه مدرسة الشيخ ~~محمد عبده في محاولة تأويل كل أمر غيبي من هذا القبيل تأويلا معينا ينفى ~~الحركة الحسية عن هذه العوالم ، وذلك كقول الشيخ رشيد رضا في تفسير الآية. # ( @QUR@05 وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم ... ) واذكر أيها الرسول للمؤمنين ~~إذ زين الشيطان PageV06P121 # لهؤلاء المشركين أعمالهم بوسوسته ، وقال لهم بما ألقاه في هواجسهم : لا ~~غالب لكم اليوم من الناس ... إلخ ما ذكره الشيخ رشيد في تفسير الآية (1). # هذا ، وقوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@010 إذ يقول المنافقون والذين في ~~قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم .. ) بيان لصنفين آخرين من أعداء المسلمين بعد ~~بيان العدو الرئيسى وهم المشركون الذين ms2435 خرجوا بطرا ورئاء الناس لمحاربة ~~الإسلام وقد شجعهم الشيطان على ذلك. # قال الفخر الرازي : أما المنافقون فهم قوم من الأوس والخزرج كانوا يظهرون ~~الإسلام ويخفون الكفر ولم يخرج منهم أحد إلى بدر سوى عبد الله بن أبى وأما ~~الذين في قلوبهم مرض فهم قوم من قريش أسلموا ولم يهاجروا. # ثم إن قريشا لما خرجوا لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أولئك : نخرج ~~مع قومنا فإن كان محمد في كثرة خرجنا إليه ، وإن كان في قلة أقمنا في قومنا .. # وعامل الإعراب في «إذ» فيه وجهان : الأول : التقدير ، والله شديد العقاب ~~إذ يقول المنافقون» .. # والثاني : اذكروا إذ يقول المنافقون ..» (2). # وقوله : ( @QUR@01 غر ) أى : خدع ، من الغرور وهو كل ما يغر الإنسان من ~~مال وجاه وشهرة وشيطان. # أى : اذكروا أيها المؤمنون وقت أن قال المنافقون والذين في قلوبهم مرض : ~~غر هؤلاء دينهم : أى خدعهم ، لأنكم أقدمتم على قتال قوم يفوقونكم عدة وعددا ~~، وهذا القتال في زعمهم لون من إلقاء النفس إلى التهلكة ، لأنهم قوم لا ~~يدركون حقيقة أسباب النصر وأسباب الهزيمة ، فهم لخراب بواطنهم من العقيدة ~~السليمة ، لا يعرفون أثرها في الإقدام من أجل نصرة الحق ولا يقدرون ما عليه ~~أصحابها من صلة طيبة بالله عز وجل الذي بيده النصر والهزيمة .. # وماداموا قد فقدوا تلك المعرفة ، وهذا التقدير ، فلا تستبعدوا منهم أيها ~~المؤمنون أن يقولوا هذا القول عنكم ، فذلك مبلغهم من العلم ، وتلك موازينهم ~~في قياس الأمور ... # والحق ، أن الإنسان عند ما يتدبر ما قاله المنافقون والذين في قلوبهم مرض ~~في حق المؤمنين عند ما أقدموا على حرب أعدائهم في بدر ... PageV06P122 # أقول : عند ما يتدبر ذلك ليرى أن هذا القول دأب كل المنافقين والذين في ~~قلوبهم مرض في كل زمان ومكان. # إننا في عصرنا الحاضر رأينا كثيرين من أصحاب العقيدة السليمة ، والنفوس ~~النقية ، والقلوب المضحية بكل شيء في سبيل نصرة الحق .. رأينا هؤلاء يبلغون ~~رسالات الله دون أن يخشوا أحدا سواه ويهاجمون الطغاة والمبطلين والفجار ، ~~ليمكنوا لدين الله في الأرض ، حتى ولو ms2436 أدت بهم هذه المهاجمة إلى بذل ~~أرواحهم. # ورأينا في مقابل هؤلاء الصادقين أقواما ممن آثروا شهوات الدنيا على كل ~~شيء لا يكتفون بالصمت وهم يشاهدون أصحاب العقيدة السليمة يصارعون الطغاة. # بل هم بسبب خلو نفوسهم من المثل العليا يلقون باللوم على هؤلاء المؤمنين ~~، ويقولون ما حكاه القرآن من أقوال في أشباههم السابقين من المنافقين ~~والذين في قلوبهم مرض : غر هؤلاء دينهم. # إنهم لا يدركون الأمور ببصيرة المؤمن ، ولا يزنونها بميزان الإيمان. # إن المؤمن يرى التضحية في سبيل الحق مؤدية إلى إحدى الحسنين النصر أو ~~الشهادة. # أما هؤلاء المنافقون والذين في قلوبهم مرض ، فلا يرون الحياة إلا متعة ~~وشهوة وغنيمة ( @QUR@011 فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم ~~يسخطون ) (1). # وقوله تعالى ( @QUR@08 ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم ) حض ~~للمؤمنين على التمسك بما يدعوهم إليه إيمانهم من استقامة وقوة .. # أى : ومن يكل أمره إلى الله ، ويثق به ينصره سبحانه على أعدائه ، فإنه ~~عز وجل عزيز لا يغلبه شيء ، حكيم فيما يدبر من أمر خلقه. # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة ، قد صورت تصويرا بديعا ما عليه ~~الكافرون وأشباههم من بطر ومفاخرة وصد عن سبيل الله .. ومن طاعة للشيطان ~~أوردتهم المهالك. # وحكت ما قالوه من أقوال تدل على جبنهم وجهلهم وانطماس بصيرتهم. # ونهت المؤمنين عن التشبه بهم ، لأن البطر والمفاخرة والبغي ، واتباع ~~الشيطان : كل ذلك يؤدى إلى خزي الدنيا وعذاب الآخرة. # ولقد كان أبو جهل قمة في البغي والبطر والمراءاة عند ما قال بعد أن نصحه ~~الناصحون PageV06P123 # بالرجوع عن الحرب فقد نجت العير : «لا لن نرجع حتى نرد بدرا ، فنقيم ~~ثلاثا ، ننحر الجزر ، ونشرب الخمر ، وتعزف القيان علينا ، فلن تزال العرب ~~تهابنا أبدا». # وعند ما بلغت مقالة أبى جهل أبا سفيان قال : «وا قوماه!! هذا عمل عمرو بن ~~هشام «يعنى أبا جهل» كره أن يرجع ؛ لأنه ترأس على الناس فبغى ، والبغي ~~منقصة وشؤم. إن أصاب محمد النفير ذللنا». # وصدقت فراسة أبى سفيان ، فقد أصاب محمد صلى الله عليه وسلم ms2437 النفير وتسر بل ~~المشركون بالذل والهوان في بدر بسبب بطرهم وريائهم وصدهم عن سبيل الله ، ~~واتباعهم لخطوات الشيطان. # فاللهم نسألك أن توفقنا إلى ما يرضيك ، وأن تجنبنا البطر والرياء وسوء ~~الأخلاق. # وبعد هذا البيان لأحوال الكافرين في حياتهم ؛ انتقل القرآن لبيان أحوالهم ~~عند مماتهم. ### ||| ** فقال تعالى : # ( @QUR@013 ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم ~~وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق (50) @QUR@09 ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ~~ليس بظلام للعبيد ) (51) # والخطاب في قوله تعالى : ( @QUR@02 ولو ترى .. ) للنبي صلى الله عليه وسلم ~~أو لكل من يصلح للخطاب و ( @QUR@01 لو ) شرطية ، وجوابها محذوف لتفظيع ~~الأمر وتهويله. # والمراد بالذين كفروا : كل كافر ، وقيل المراد بهم قتلى غزوة بدر من ~~المشركين. # قال ابن كثير : وهذا السياق وإن كان سببه غزوة بدر ، ولكنه علم في حق كل ~~كافر. ولهذا لم يخصصه الله بأهل بدر بل قال سبحانه ( @QUR@010 ولو ترى إذ ~~يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ... ) (1). # والفعل المضارع هنا وهو ( @QUR@01 ترى ) بمعنى الماضي ، لأن لو ~~الامتناعية ترد المضارع ماضيا. # والفعل ( @QUR@01 يتوفى ) فاعله محذوف للعلم به وهو الله عز وجل وقوله : ( ~~@QUR@02 الذين كفروا ) هو المفعول وعليه يكون : ( @QUR@01 الملائكة ) مبتدأ ~~، وجملة ( @QUR@02 يضربون وجوههم ... ) خبر. PageV06P124 # والمعنى ولو عاينت وشاهدت أيها العاقل حال الذين كفروا حين يتوفى الله ~~أرواحهم ، لعاينت وشاهدت منظرا مخيفا ، وأمرا فظيعا تقشعر من هوله الأبدان. # ثم فصل الله سبحانه هذا المنظر المخيف بجملة مستأنفة فقال : ( @QUR@04 ~~الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ) والمراد بوجوههم : ما أقبل منهم ~~وبأدبارهم : ما أدبر وهو كل الظهر. # أى : الملائكة عند ما يتوفى الله تعالى هؤلاء الكفرة يضربون ما أقبل منهم ~~وما أدبر ، لإعراضهم عن الحق ، وإيثارهم الغي على الرشد. # ومنهم من يرى أن الفعل ( @QUR@01 يتوفى ) فاعله ( @QUR@01 الملائكة ) وأن ~~قوله ( @QUR@02 الذين كفروا ) هو المفعول وقدم على الفاعل للاهتمام به. # وعليه تكون جملة ( @QUR@02 يضربون وجوههم .. ) حال من الفاعل وهو ~~الملائكة. # فيكون المعنى : ولو رأيت أيها العاقل حال الكافرين عند ما تتوفى الملائكة ~~أرواحهم فتضرب منهم الوجوه والأدبار ، لرأيت عندئذ ما يؤلم النفس ، ويخيف ~~الفؤاد. # ويبدو ms2438 لنا أن التفسير الأول أبلغ ، لأن توضيح وتفصيل الرؤية بالجملة ~~الاسمية المستأنفة خير منه بجملة الحال ، ولأن إسناد التوفي إلى الله أكثر ~~مناسبة هنا ، إذ أن الله تعالى قد بين وظيفة الملائكة هنا فقال : ( @QUR@03 ~~يضربون وجوههم وأدبارهم ). # وخص سبحانه الضرب للوجوه والأدبار بالذكر ، لأن الوجوه أكرم الأعضاء ، ~~ولأن الأدبار هي الأماكن التي يكره الناس التحدث عنها فضلا عن الضرب عليها. ~~أو لأن الخزي والنكال في ضربهما أشد وأعظم. # وقوله : ( @QUR@03 وذوقوا عذاب الحريق ) معطوف على قوله ( @QUR@01 يضربون ~~) بتقدير القول. أى يضربون وجوههم وأدبارهم ويقولون لهم : ذوقوا عذاب تلك ~~النار المحرقة التي كنتم تكذبون بها في الدنيا. # والذوق حقيقة إدراك المطعومات. والأصل فيه أن يكون في أمر مرغوب في ذوقه وطلبه. # والتعبير به هنا عن ذوق العذاب هو لون من التهكم عليهم ، والاستهزاء بهم ~~، كما في قوله تعالى : ( @QUR@03 فبشرهم بعذاب أليم ) وهو أيضا يشعر بأن ما ~~وقع عليهم من عذاب إنما هو بمنزلة المقدمة لما هو أشد منه ، كما أن الذوق ~~عادة يكون كالمقدمة للمطعوم أو الشيء المذاق. # وقوله : ( @QUR@09 ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد ) بيان ~~للأسباب التي أدت بهم إلى هذا المصير السيئ. وأنهم هم الذين جنوا على ~~أنفسهم بشؤم صنيعهم ، وانقيادهم للهوى والشيطان. PageV06P125 # أى : ذلك الذي نزل بكم أيها الكافرون من الضرب وعذاب النار ، سببه ما ~~قدمته أيديكم من عمل سىء ، وفعل قبيح ، وقول منكر ، وجحود للحق. وأن الله ~~تعالى ليس بذي ظلم لكم ولا لغيركم ، لأن حكمته سبحانه قد اقتضت ألا يعذب ~~أحدا إلا بسبب ذنب ارتكبه ، وجرم اقترفه. # فاسم الإشارة «ذلك» يعود إلى الضرب وعذاب الحريق ، وهو مبتدأ ، وخبره ~~قوله ( @QUR@03 بما قدمت أيديكم ). # والمراد بالأيدى : الأنفس والذوات. والتعبير بالأيدى عن ذلك من قبيل ~~التعبير بالجزء عن الكل. # وخصت الأيدى بالذكر ، للدلالة على التمكن من الفعل وإرادته ، وأن أكثر ~~الأفعال يكون عن طريق البطش بالأيدى. ولأن نسبة الفعل إلى اليد تفيد ~~الالتصاق به ، والاتصال بذاته. # وقوله : ( @QUR@05 وأن الله ليس بظلام للعبيد ) خبر لمبتدأ محذوف ، ~~والجملة اعتراض ms2439 تذييلى مقرر لمضمون ما قبله. # أى : ذلك الذي نزل بكم سببه ما قدمته أيديكم ، والأمر أن الله تعالى ليس ~~بمعذب لعبيده من غير ذنب جنوه. # ويجوز أن يكون معطوفا على (ما) المجرورة بالباء. أى : ذلك بسبب ما قدمته ~~أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد. # قال بعض العلماء : فإن قيل ما سر التعبير بقوله ( @QUR@01 بظلام ) ~~بالمبالغة ، مع أن نفى نفس الظلم أبلغ من نفى كثرته ، ونفى الكثرة لا ينفى ~~أصله ، بل ربما يشعر بوجوده ، وبرجوع النفي للقيد؟. ### ||| ** وأجيب بأجوبة : # منها : أنه نفى لأصل الظلم وكثرته ، باعتبار آحاد من ظلم ، كأنه قيل ظالم ~~لفلان ولفلان وهلم جرا ، فلما جمع هؤلاء عدل إلى ( @QUR@01 بظلام ) لذلك ، ~~أى : لكثرة الكمية فيه. # ومنها : أنه إذا انتفى الظلم الكثير ، انتفى الظلم القليل ، لأن من يظلم ~~للانتفاع بالظلم ، فإذا ترك كثيره ، مع زيادة نفعه في حق من يجوز عليه ~~النفع والضر ، كان لقليله مع قلة نفعه أكثر تركا. # ومنها : أن «ظلاما» للنسب كعطار ، أى : لا ينسب إليه الظلم أصلا. PageV06P126 # ومنها : أن كل صفة له تعالى في أكمل المراتب ، فلو كان سبحانه ظالما ، ~~كان ظلاما ، فنفى اللازم نفى للملزوم. # ومنها : أن نفى الظلام لنفى الظالم ضرورة أنه إذا انتفى الظلم انتفى ~~كماله ، فجعل نفى المبالغة كناية عن نفى أصله ، انتقالا من اللازم إلى ~~الملزوم. # ومنها : أن العذاب من العظم بحيث لو لا الاستحقاق لكان المعذب بمثله ~~ظلاما بليغ الظلم متفاقمه ، فالمراد تنزيهه تعالى وهو جدير بالمبالغة. # وفي صحيح مسلم عن أبى ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى ~~يقول : «يا عبادي إنى حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرما ، فلا ~~تظالموا» (1). # وبذلك نرى أن هاتين الآيتين قد بينتا حالة المشركين عند قبض أرواحهم ~~بيانا يحمل النفوس على الإيمان والطاعة لله تعالى فقد رسم القرآن صورة ~~مفزعة لهم ، صورة الملائكة وهي تضرب وجوههم وأدبارهم بأمر من الله تعالى ~~الذي ما ظلمهم ، ولكنهم هم الذين أحلوا بأنفسهم هذا المصير المؤلم المهين ، ~~حيث كفروا بالحق ، وحاربوا أتباعه ، واستحبوا ms2440 العمى على الهدى ثم بين ~~سبحانه أن هؤلاء الكافرين عادتهم في كفرهم وطغيانهم كعادة من سبقهم من ~~الأمم الظالمة وإن من سنة الله تعالى في خلقه ألا يعاقب إلا بذنب ، وألا ~~يغير النعمة إلا لسبب. فقال تعالى : # ( @QUR@017 كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله ~~بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب (52) @QUR@018 ذلك بأن الله لم يك مغيرا ~~نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم (53) ~~@QUR@017 كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم ~~بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين ) (54) PageV06P127 # والكاف في قوله : ( @QUR@01 كدأب )، للتشبيه ، والجار والمجرور في موضع ~~رفع خبر لمبتدأ محذوف. # والدأب : أصله الدوام والاستمرار ، يقال : دأب فلان على كذا يدأب دأبا ~~بفتح الهمزة ودأبا بسكونها ودؤوبا ، إذا داوم عليه وجد فيه ، ثم غلب ~~استعماله في الحال والشأن والعادة ، لأن الذي يستمر في عمل أمدا طويلا يصير ~~هذا العمل عادة من عاداته ، وحالا من أحواله ، فهو من باب إطلاق الملزوم ~~وإرادة اللازم. # والآل كما يقول الراغب مقلوب عن الأهل ، ويصغر على أهيل ، إلا أنه خص ~~بالإضافة إلى أعلام الناطقين دون النكرات ودون الأزمنة والأمكنة يقال : آل ~~فلان ، ولا يقال : آل رجل ، ولا يقال : آل الحجام .. بل يضاف إلى الأشرف ~~والأفضل يقال : آل الله ، وآل السلطان ، والأهل يضاف إلى الكل ، فيقال : ~~أهل الله ، وأهل الحجام ، وأهل زمان كذا .. (1). # والمقصود بآل فرعون : هو وأعوانه وبطانته ، لأن الآل يطلق على أشد الناس ~~التصاقا واختصاصا بالمضاف إليه. # والمعنى : شأن هؤلاء الكافرين الذين حاربوك يا محمد ، والذين هلك منهم من ~~هلك في بدر ، شأنهم وحالهم وعادتهم فيما اقترفوه من الكفر والعصيان وفيما ~~فعل بهم من عذاب وخذلان ، كشأن آل فرعون الذين استحبوا العمى على الهدى ، ~~والذين زينوا له الكفر والطغيان حتى صار عادة له ولهم ، وقد أخذهم سبحانه ~~أخذ عزيز مقتدر ، بسبب كفرهم وفجورهم. # وقد خص سبحانه فرعون وآله بالذكر من بين الأمم الكافرة ، لأن فرعون كان ~~أشد الطغاة طغيانا ، وأكثرهم غرورا وبطرا ، وأكثرهم ms2441 في الاستهانة بقومه وفي ~~الاحتقار لعقولهم وكيانهم. # ألم يقل لهم كما حكى القرآن عنه ( @QUR@03 أنا ربكم الأعلى ) (2). # وألم يبلغ به غروره أن يقول لهم : ( @QUR@011 أليس لي ملك مصر وهذه ~~الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون ) (3)؟. # أما آله وبطانته وأعوانه ، فهم الذين زينوا له السوء ، وحرضوه على البطش ~~بموسى لأنه PageV06P128 # جاءهم بالحق ، ولقد حكى الله عنهم نفاقهم وضلالهم وانغماسهم في الآثام في ~~آيات كثيرة ، ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@021 وقال الملأ من قوم فرعون ~~أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي ~~نساءهم وإنا فوقهم قاهرون ) (1). # ولقد وصف الله تعالى قوم فرعون بهوان الشخصية ، وتفاهة العقل ، والخروج ~~عن كل مكرمة فقال : ( @QUR@07 فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين ~~) (2) وذلك لأن الأمة التي تترك الظالم وبطانته يعيثون في الأرض فسادا ، لا ~~تستحق الحياة ، ولا يكون مصيرها إلا إلى التعاسة والخسران. # وقوله ( @QUR@03 كفروا بآيات الله ) تفسير لصنيعهم الباطل ، ودأبهم على ~~الفساد والضلال. # والمراد بآيات الله : ما يعم المتلوة في كتب الله تعالى ، والبراهين ~~والمعجزات الدالة على صدق الأنبياء فيما يبلغونه عن ربهم. # وفي إضافتها إلى الله : تعظيم لها وتشريف ، وتنبيه إلى قوة دلالتها على ~~الحق والخير. # وقوله : ( @QUR@03 فأخذهم الله بذنوبهم ) معطوف على قوله ( @QUR@03 كفروا ~~بآيات الله ) لبيان ما ترتب على كفرهم من عقوبات أليمة. # وفي التعبير بالأخذ إشارة إلى شدة العذاب ، فهو سبحانه قد أخذهم كما يؤخذ ~~الأسير الذي لا يستطيع الفكاك من آسره. # والباء في قوله : ( @QUR@01 بذنوبهم ) للسببية أى كفروا بآيات الله ~~فعاقبهم سبحانه بسبب كفرهم وفسوقهم عن أمره. # ويجوز أن تكون للملابسة ، أى : أخذهم وهم ملتبسون بذنوبهم دون أن يثوبوا ~~منها ، أو يقلعوا عنها. # وعلى الوجهين فالجملة الكريمة تدل على كمال عدل الله تعالى لأنه ما ~~عاقبهم إلا لأنهم استحقوا العقاب. # والمراد بذنوبهم : كفرهم وما ترتب عليه من فسوق وعصيان ، وأصل الذنب : ~~الأخذ بذنب الشيء أى بمؤخرته ، ثم أطلق على الجريمة ، لأن مرتكبها يعاقب بعدها. # وقوله : ( @QUR@05 إن الله قوي شديد العقاب ) تذييل مقرر لمضمون ما قبله ~~من الأخذ ms2442 الشديد ، بسبب الكفر والمعاصي. PageV06P129 # أى : إن الله تعالى قوى لا يغلبه غالب ، ولا يدفع قضاءه دافع ، شديد ~~عقابه لمن كفر بآياته ، وفسق عن أمره. # وقوله : ( @QUR@014 ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم ... ) # بيان لسنة من سننه تعالى في خلقه ، وتعليل لتعذيب أولئك الكفار ، ولسلب ~~نعمه عنهم وعن أشباههم من العصاة والجاحدين واسم الإشارة : ( @QUR@01 ذلك ) ~~يعود إلى تعذيب الكفرة المعبر عنه بقوله تعالى ( @QUR@03 فأخذهم الله ~~بذنوبهم ). # وهو ، أى : اسم الإشارة مبتدأ ، وخبره قوله سبحانه ( @QUR@05 بأن الله لم ~~يك مغيرا .. ) إلخ. # والمعنى : ذلك الذي نزل بهؤلاء الكفرة من التعذيب والخذلان عدل إلهى ، ~~فقد جرت سنته سبحانه في خلقه ، واقتضت حكمته في حكمه ألا يبدل نعمه بنقم ~~إلا بسبب ارتكاب الذنوب ، واجتراح السيئات ، فإذا لم يتلق الناس نعمه عز وجل ~~بالشكر والطاعة ، وقابلوها بالكفر والعصيان ، بدل نعمتهم بنقم جزاء وفاقا. # وشبيه بهذا قوله تعالى في آية أخرى : ( @QUR@010 إن الله لا يغير ما بقوم ~~حتى يغيروا ما بأنفسهم ) (1). # قال الفخر الرازي : قال القاضي : معنى الآية أنه تعالى أنعم عليهم بالعقل ~~والقدرة وإزالة الموانع وتسهيل السبل ، والمقصود أن يشتغلوا بالعبادة ~~والشكر ، ويعدلوا عن الكفر ، فإذا صرفوا هذه الأحوال إلى الفسق والكفر ، ~~فقد غيروا نعمة الله تعالى على أنفسهم ، فلا جرم استحقوا تبديل النعم ~~بالنقم ، والمنح بالمحن. # قال : وهذا من أوكد ما يدل على أنه تعالى لا يبتدئ أحدا بالعذاب والمضرة (2). # وقال صاحب الكشاف : «فإن قلت : فما كان من تغيير آل فرعون ومشركي مكة حتى ~~غير الله نعمته عليهم ، ولم تكن لهم حال مرضية فيغيروها إلى حال مسخوطة؟. # قلت : كما تغير الحال المرضية إلى المسخوطة ، تغير الحال المسخوطة إلى ~~أسخط منها وأولئك كانوا قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم كفرة عبدة ~~أصنام ، فلما بعث إليهم بالآيات البينات فكذبوه وعادوه وتحزبوا عليه ساعين ~~في إراقة دمه ، غيروا حالهم إلى أسوأ مما كانت ، فغير الله ما أنعم به ~~عليهم من الإمهال وعاجلهم بالعذاب (3). PageV06P130 # وقوله : ( @QUR@04 وأن الله سميع عليم ) معطوف ms2443 على قوله : ( @QUR@06 بأن ~~الله لم يك مغيرا نعمة .. ) إلخ. # أى : ذلك التعذيب بسبب جحودهم للنعم ، وبسبب أنه سبحانه سميع لما نطقوا ~~به من سوء ، وعليم بما ارتكبوه من قبائح ومنكرات ، وقد عاقبهم على ذلك بما ~~يستحقون من عذاب : ( @QUR@07 وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ). # ثم ذكر سبحانه ما عليه المشركون من جحود وغرور وعناد على سبيل التأكيد ~~والتوبيخ فقال : ( @QUR@017 كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ~~ربهم فأهلكناهم بذنوبهم ، وأغرقنا آل فرعون ، وكل كانوا ظالمين ). # أى : أن شأن هؤلاء المشركين الذين حاربوك يا محمد ، كشأن آل فرعون ومن ~~تقدمهم من الأقوام السابقة ، كقوم نوح وقوم هود .. ، كذب أولئك جميعا بآيات ~~ربهم التي أوجدها سبحانه لهدايتهم وسعادتهم .. فكانت نتيجة ذلك أن أهلكهم ~~سبحانه بسبب ما ارتكبوه من ذنوب ، وبسبب استعمالهم النعم في غير ما خلقت له. # ( @QUR@03 وأغرقنا آل فرعون ) الذين زينوا له الكفر والبطر والطغيان. # ( @QUR@03 وكل كانوا ظالمين ) أى : وكل من الأقوام المذكورين ومن على ~~شاكلتهم في الكفر والضلال ، كانوا ظالمين لأنفسهم بكفرهم ، ولأنبيائهم بسبب ~~محاربتهم لهم ، وإعراضهم عنهم مع أن الأنبياء ما جاءوا إلا لهدايتهم. # وجمع الضمير في ( @QUR@01 كانوا ) و ( @QUR@01 ظالمين ) مراعاة لمعنى ( ~~@QUR@01 كل ) لأنها متى قطعت عن الإضافة جاز مراعاة لفظها تارة ، ومراعاة ~~معناها أخرى ، واختير هنا مراعاة المعنى لأجل الفواصل. # قال الجمل : فإن قلت : ما الفائدة من تكرير هذه الآية مرة ثانية؟. # قلت : فيها فوائد منها : أن الكلام الثاني يجرى مجرى التفصيل للكلام ~~الأول ، لأن الآية الأولى فيها ذكر أخذهم ، والثانية ذكر إغراقهم فذلك ~~تفسير للأول. # ومنها : أنه ذكر في الآية الأولى أنهم كفروا بآيات الله وفي الآية ~~الثانية أنهم كذبوا بآيات ربهم ، ففي الآية إشارة إلى أنهم كفروا بآيات ~~الله وجحدوها ، وفي الثانية إشارة إلى أنهم كذبوا بها مع جحودهم لها ، ~~وكفرهم بها. # ومنها : أن تكرير هذه القصة للتأكيد (1). PageV06P131 # وبعد ، فإن المتدبر في هذه الآيات الكريمة ، يراها تصور تصويرا واضحا سنة ~~من سنن الله في خلقه ، وهي أنه سبحانه لا يسلب نعمه عن قوم إلا ms2444 بسبب ذنوب ~~اقترفوها ، وأنه تعالى لا ينزل عقوباته بهم إلا بعد لجاجهم في طغيانهم ، ~~وإدبارهم عن نصح الناصحين. # ورحم الله الأستاذ الإمام محمد عبده فقد كتب مقالا جيدا صدره بقوله تعالى ~~: ( @QUR@014 ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم .. ). # ومما جاء في هذا المقال قوله : تلك آيات الكتاب الحكيم ، تهدى إلى الحق ~~وإلى طريق مستقيم. # أرشدنا سبحانه إلى أن الأمم ما سقطت من عرش عزها ، ولا بادت ومحى اسمها ~~من لوح الوجود إلا بعد نكوبها عن تلك السنن التي سنها سبحانه على أساس ~~الحكمة البالغة ، إن الله لا يغير ما بقوم من عز وسلطان ، ورفاعة وخفض عيش ~~، وأمن وراحة حتى يغير أولئك ما بأنفسهم من نور العقل ، وصحة الفكر ، ~~وإشراق البصيرة ، والاعتبار بأفعال الله في الأمم السابقة ، والتدبر في ~~أحوال الذين حادوا عن صراط الله فهلكوا ، أو حل بهم الدمار. ثم لعدولهم عن ~~سنة العدل ، وخروجهم عن طريق البصيرة والحكمة ، حادوا عن الاستقامة في ~~الرأى ، والصدق في القول ، والسلامة في الصدر ، والعفة عن الشهوات ، ~~والحمية على الحق ، والقيام بنصرته والتعاون على حمايته .. خذلوا العدل ولم ~~يجمعوا همهم على إعلاء كلمته ، واتبعوا الأهواء الباطلة ، وانكبوا على ~~الشهوات الفانية .. فأخذهم بذنوبهم وجعلهم عبرة للمعتبرين. # هكذا جعل الله بقاء الأمم ونماءها في التحلي بالفضائل وجعل هلاكها ~~ودمارها في التخلي عنها. # سنة ثابتة لا تختلف باختلاف الأمم ، ولا تتبدل بتبدل الأجيال ، كسنته ~~سبحانه في الخلق والإيجاد ، وتقدير الأرزاق وتحديد الآجال ..» (1). # وبعد أن شرح سبحانه أحوال المهلكين من شرار الكفرة ، شرع في بيان أحوال ~~الباقين منهم ، وتفصيل أحكامها ، فقال تعالى : # ( @QUR@010 إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون (55) ~~@QUR@09 الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة PageV06P132 # @QUR@03 وهم لا يتقون (56) @QUR@010 فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من ~~خلفهم لعلهم يذكرون (57) @QUR@014 وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على ~~سواء إن الله لا يحب الخائنين (58) @QUR@08 ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا ~~إنهم لا يعجزون ) (59) # قال الفخر الرازي : اعلم أنه ms2445 تعالى لما وصف كل الكفار بقوله : ( @QUR@03 ~~وكل كانوا ظالمين ) أفرد بعضهم بمزية في الشر والعناد فقال : ( @QUR@05 إن ~~شر الدواب عند الله ) أى : في حكمه وعلمه من حصلت له صفتان : # الأولى : الكافر الذي يكون مستمرا على كفره مصرا عليه ... # الثانية : أن يكون ناقضا للعهد على الدوام ... # قال ابن عباس : هم بنو قريظة ، فإنهم نقضوا عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأعانوا عليه المشركين بالسلاح في يوم بدر ، ثم قالوا : ~~أخطأنا ، فعاهدهم مرة أخرى فنقضوه أيضا يوم الخندق ... (1). # والدواب : جمع دابة. وهي كل ما يدب على الأرض قال تعالى ( @QUR@021 والله ~~خلق كل دابة من ماء ، فمنهم من يمشي على بطنه ، ومنهم من يمشي على رجلين ، ~~ومنهم من يمشي على أربع .. ) (2). # قال الجمل : وإطلاق الدابة على الإنسان إطلاق حقيقى ، لما ذكروه في كتب ~~اللغة من أنها تطلق على كل حيوان ولو آدميا. وفي المصباح : «الدابة كل ~~حيوان في الأرض مميزا وغير مميز» (3). # والمعنى : إن شر ، ما يدب على الأرض ( @QUR@02 عند الله ) أى : في حكمه ~~وقضائه ( @QUR@02 الذين كفروا ) أى : الذين أصروا على الكفر ولجوا فيه. # وقد وصفهم سبحانه بأنهم شر الدواب لا شر الناس ، للإشعار بأنهم بمعزل عما يتحلى PageV06P133 # به الناس من تعقل وتدبر للأمور ، لأن لفظ الدواب وإن كان يطلق على الناس ~~، إلا أنه عند إطلاقه عليهم يلقى ظلا خاصا يجعل العقول تتجه إلى أن هؤلاء ~~الذين أطلق عليهم اللفظ هم إلى الدواب التي لا تعقل أقرب منهم إلى الآدميين ~~العقلاء ، وفي وصفه سبحانه لهم بأنهم شر الدواب زيادة توبيخ لهم ، لأنهم ~~ليسوا دواب فحسب بل هم شرها وأخسها. # وقوله : ( @QUR@03 فهم لا يؤمنون ) تذييل جيء به على وجه الاعتراض ~~بالبيان أى : أنهم بسبب إصرارهم على الكفر صار الإيمان بعيدا عنهم ، وأنهم ~~سواء أنذروا أو لم ينذروا مستمرون في الضلال والعناد. # وقوله : ( @QUR@09 الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة .. ) بدل ~~من الموصول الأول وهو قوله : ( @QUR@02 الذين كفروا .. ) أو عطف بيان له. # أى : إن شر الدواب عند الله الذين أصروا على الكفر ms2446 ورسخوا فيه ، الذين ( ~~@QUR@02 عاهدت منهم ) أى : أخذت منهم عهدهم ، ثم ينقضون عهدهم في كل مرة ~~دون أن يفوا بعهودهم ولو مرة واحدة من المرات المتعددة. # فقوله : ( @QUR@01 عاهدت ) مضمن معنى الأخذ ، ولذا عدى بمن. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@03 الذين عاهدت منهم .. ) بدل من الموصول ~~الأول ، أو عطف بيان ، أو نعت ، أو خبر مبتدأ محذوف ، أو نصب على الذم ، ~~وعائد الموصول قيل : ضمير الجمع المجرور ، والمراد : عاهدتهم ، ومن للإيذان ~~بأن المعاهدة التي هي عبارة عن إعطاء العهد وأخذه من الجانبين معتبرة هنا ~~من حيث أخذه صلى الله عليه وسلم ، إذ هو المناط لما نعى عليهم من النقض ، لا ~~إعطاؤه عليه الصلاة والسلام إياهم عهده كأنه قيل : الذين أخذت منهم عهدهم ، ~~وقال أبو حيان : تبعيضية ، لأن المباشر بعضهم لا كلهم ..» (1). # وقوله : ( @QUR@06 ثم ينقضون عهدهم في كل مرة ) معطوف على الصلة. # وكان العطف «بثم» المفيدة للتراخي ، للإيذان بالتفاوت الشديد بين ما أخذ ~~عليهم من عهود ، وبين ما تردوا فيه من نقض لها ، واستهانة بها. # وجيء بصيغة المضارع ( @QUR@01 ينقضون ) المفيدة للحال والاستقبال ، ~~للدلالة على تعدد النقض وتجدده ، وأنهم على نيته في كل مرة يعاهدون فيها غيرهم. # وقوله : ( @QUR@03 وهم لا يتقون ) في موضع الحال من فاعل ( @QUR@01 ~~ينقضون ). # أى : أن هؤلاء القوم دأبهم نقض العهود والمواثيق في كل وقت ، ومع ذلك ~~فحالهم وشأنهم PageV06P134 # أنهم لا يشعرون خلال نقضهم للعهود بأى تحرج أو خجل ، بل يرتكبون ما ~~يرتكبون من المنكرات دون أن يتقوا عارها ، أو يخشوا سوء عاقبتها. # ثم بين سبحانه ما يجب على المؤمنين نحو هؤلاء الناقضين لعهودهم في كل مرة ~~بدون حياء أو تدبر للعواقب فقال : ( @QUR@010 فإما تثقفنهم في الحرب فشرد ~~بهم من خلفهم لعلهم يذكرون ) فالفاء في قوله ( @QUR@01 فإما ) لترتيب ما ~~بعدها على ما قبلها. # وقوله : ( @QUR@01 تثقفنهم ) من الثقف بمعنى الحذق في إدراك الشيء وفعله. # قال الراغب : يقال ثقفت كذا إذا أدركته ببصرك لحذق في النظر ، ثم يتجوز ~~فيه فيستعمل في الإدراك وإن لم تكن معه ثقافته. # قال تعالى ( @QUR@04 فإما تثقفنهم في الحرب ) (1). # وقوله : ( @QUR@02 فشرد بهم ms2447 ) التشريد وهو عبارة عن التفريق مع الاضطراب ~~، يقال شردت بنى فلان ، أى : قلعتهم عن مواطنهم وطردتهم عنها حتى فارقوها ~~قال الشاعر : # أطوف في الأباطح كل يوم %~% مخافة أن يشرد بي حكيم # أى : مخافة أن يسمع بي ويطردنى حكيم ، وحكيم رجل من بنى سليم كانت قريش ~~قد ولته الأخذ على أيدى السفهاء. # والمعنى : إنك يا محمد إذا ما أدركت في الحرب هؤلاء الكافرين الناقضين ~~لعهودهم وظفرت بهم وهم بنو قريظة ومن لف لفهم .. فافعل بهم فعلا من القتل ~~والتنكيل يتفرق معه جمع كل ناقض للعهد ، ويفزع منه كل من كان على شاكلتهم ~~في الكفر ونقض العهود ، ويعتبر به كل من سمعه من أهل مكة وغيرهم. # فالباء في قوله ( @QUR@02 فشرد بهم ) للسببية ، وقوله ( @QUR@02 من خلفهم ~~) مفعول شرد. # والمراد بمن خلفهم : كفار مكة وغيرهم من الضالين ، أى : افعل ببني قريظة ~~ما يشرد غيرهم خوفا وفزعا. # وقوله ( @QUR@02 لعلهم يذكرون ) أى : لعل أولئك المشردين يتعظون بهذا ~~القتل والتنكيل الذي نزل بهؤلاء الناقضين لعهودهم في كل مرة ، فيمنعهم ذلك ~~عن نقض العهد. # هذا ، وإن تلك الآية الكريمة لمن أحكم الآيات التي ترشد المؤمنين إلى ~~وجوب أخذ المستمرين على كفرهم وعنادهم ونقضهم العهود أخذا شديدا رادعا .. ~~حتى يبقى للمجتمع الإسلامى أمانه واستقراره وهيبته أمام أعدائه. PageV06P135 # إن الآية الكريمة ترسم صورة بديعة للأخذ المفزع ، والهول المرعب ، الذي ~~يكفى السماع به للهرب والشرود ، فما بال من يحل به هذا الأخذ الشديد؟ # إنها الضربة المروعة ، يأمر الله تعالى رسوله أن ينزلها على رأس كل مستحق ~~لها بسبب كفره وتلاعبه بالعهود .. وبذلك تبقى لدين الله هيبته وسطوته. # هذا هو حكم المصرين على كفرهم الناقضين لعهودهم .. أما الذين تخشى منهم ~~الخيانة فقد بين سبحانه حكمهم بقوله : ( @QUR@014 وإما تخافن من قوم خيانة ~~فانبذ إليهم على سواء ، إن الله لا يحب الخائنين ). # وقوله : ( @QUR@01 تخافن ) من الخوف والمراد به هنا العلم. # وقوله : ( @QUR@01 فانبذ ) من النبذ بمعنى الطرح ، وهو مجاز عن إعلامهم ~~بأنهم لا عهد لهم بعد اليوم ، فشبه سبحانه العهد بالشيء الذي يرمى لعدم ~~الرغبة ms2448 فيه ، وثبت النبذ له على سبيل التخييل ، ومفعول «فانبذ» محذوف أى : ~~فانبذ إليهم عهودهم. # قال الجمل : وقوله : ( @QUR@02 على سواء ) حال من الفاعل والمفعول معا ، ~~أى : فاعل الفعل وهو ضمير النبي صلى الله عليه وسلم ومفعوله وهو المجرور بإلى. # أى : حال كونكم مستوين في العلم بطرح العهد. فعلمك أنت به لأنه فعل نفسك ~~، وعلمهم به بإعلامك إياهم ، فكأنه قيل في الآية : فانبذ عهدهم وأعلمهم ~~بنبذه ، ولا تقاتلهم بغتة لئلا يتهموك بالغدر وليس هذا من شأنك ولا من ~~صفاتك» (1). # والمعنى : وإما تعلمن يا محمد من قوم بينك وبينهم عهد أنهم على وشك نقضه ~~منهم ، بأمارات تلوح لك تدل على غدرهم ، فاطرح إليهم عهدهم على طريق مستو ~~ظاهر : بأن تعلمهم بنبذك عهدهم قبل أن تحاربهم ، حتى تكون أنت وهم في العلم ~~بنبذ العهد سواء ، لأن الله تعالى لا يحب الخائنين وإن من مظاهر الخيانة ~~التي يبغضها الله تعالى أن يحارب أحد المتعاهد معه دون أن بعلمه بإنهاء عهده. # قال ابن كثير : قال الإمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا شعبة ~~عن أبى الفيض عن سليم بن عامر قال : كان بين معاوية وبين الروم عهد ، وكان ~~يسير نحو بلادهم ليقرب منها ، حتى إذا انقضى العهد غزاهم فإذا شيخ على دابة ~~يقول : الله أكبر الله أكبر ، وفاء لا غدرا : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال : «من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقدة ، ولا يشدها حتى ينقضي ~~أمدها أو ينبذ إليهم على سواء». PageV06P136 # قال : فبلغ ذلك معاوية فرجع ، فإذا بالشيخ عمرو بن عيسة. # ثم قال ابن كثير ، وهذا الحديث رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة ، وأخرجه ~~أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه من طرق عن شعبة به ، وقال ~~الترمذي حسن صحيح. # وروى الإمام أحمد عن سلمان الفارسي أنه انتهى إلى حصن أو مدينة فقال ~~لأصحابه : دعوني أدعوهم كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم ، فقال ~~: إنما كنت رجلا منكم فهداني الله إلى الإسلام ؛ فإن أسلمتم فلكم ما ms2449 لنا ~~وعليكم ما علينا ، وإن أنتم أبيتم ، فأدوا الجزية وأنتم صاغرون فإن أبيتم ~~نابذناكم على سواء ، إن الله لا يحب الخائنين ، يفعل ذلك بهم ثلاثة أيام ، ~~فلما كان اليوم الرابع غدا الناس إليها ففتحوها بعون الله» (1). # وقال الفخر الرازي : قال أهل العلم : آثار نقض العهد إذا ظهرت ، فإما أن ~~تظهر ظهورا محتملا ، أو ظهورا مقطوعا به. # فإن كان الأول : وجب الإعلام على ما هو مذكور في هذه الآية ، وذلك لأن ~~بنى قريظة عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من ~~المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله ، فحصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خوف الغدر منهم به وأصحابه ، فهنا يجب على الإمام أن ينبذ إليهم عهودهم على ~~سواء ويؤذنهم بالحرب. # أما إذا ظهر نقض العهد ظهورا مقطوعا به ، فهنا لا حاجة إلى نبذ العهد ، ~~وذلك كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأهل مكة ، فإنهم لما نقضوا العهد ~~بقتل خزاعة وهم في ذمة النبي صلى الله عليه وسلم وصل إليهم جيش رسول الله بمر ~~الظهران ، وذلك على أربعة فراسخ من مكة (2). # أى : أنهم لم يعلموا بجيش رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جاء لمحاربتهم ~~إلا بعد وصوله إلى هذا المكان. # وبذلك ترى أن تعاليم الإسلام ترتفع بالبشرية إلى أسمى آفاق الوفاء والشرف ~~والأمان .. وتحقر من شأن الخيانة والخائنين ، وتتوعدهم بالطرد من رحمة الله ~~، وبالبعد عن رضوانه ومحبته. # ثم بين سبحانه بعد ذلك أن الكافرين لن ينجوا من عقابه ، وبشر المؤمنين ~~بالنصر فقال : ( @QUR@08 ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون ). PageV06P137 # وقوله ( @QUR@01 يحسبن ) من الحسبان بمعنى الظن ، وقد قرأ ابن عامر وحفص ~~وحمزة «يحسبن» بالياء ، وقرأ الباقون بالتاء. # وقوله : ( @QUR@01 يعجزون ) من العجز ، وأصله كما يقول الراغب : التأخر ~~عن الشيء .. ثم صار في التعارف اسما للقصور عن فعل الشيء ، وهو ضد القدرة ~~... والعجوز سميت بذلك لعجزها في كثير من الأمور ..» (1). # والمعنى على القراءة بالياء : ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم أنهم قد ~~سبقوا الله فنجوا من ms2450 عقابه ، وخلصوا من عذابه .. كلا إن حسبانهم هذا باطل ~~لأنهم لا يعجزون الله ، بل هو سبحانه قادر على إهلاكهم وتعذيبهم في كل وقت ... # وأن نجاتهم من القتل أو الأسر في الدنيا لن تنفعهم شيئا من العذاب المهين ~~في الآخرة. # وعلى هذه القراءة يكون فاعل ( @QUR@01 يحسبن ) قوله ( @QUR@02 الذين ~~كفروا ) ويكون المفعول الأول ليحسبن محذوف أى : ولا يحسبن الذين كفروا ~~أنفسهم ، والمفعول الثاني جملة ( @QUR@01 سبقوا ). # وأما على القراءة الثانية ولا تحسبن فيكون قوله ( @QUR@02 الذين كفروا ) ~~هو المفعول الأول. وجملة ( @QUR@01 سبقوا ) هي المفعول الثاني. # أى : ولا تحسبن أيها الرسول الكريم أن هؤلاء الكافرين قد سبقونا بخيانتهم ~~لك ، أو أفلتوا من عقابنا وصاروا في مأمن منا ... كلا ، إنهم لا يعجزوننا ~~عن إدراكهم وإنزال العقوبة بهم في أى وقت نريده فنحن لا يعجزنا شيء .. # وعلى كلتا القراءتين فالمقصود من الآية الكريمة قطع أطماع الكافرين في ~~النجاة ، وإقناطهم من الخلاص ، فكأنه سبحانه يقول لهم : إن من لم يصبه عذاب ~~الدنيا ، فسوف يصيبه عذاب الآخرة ، ولا مفر له من ذلك مادام قد استحب الكفر ~~على الإيمان ، أما المؤمنون فلهم من الله تعالى التأييد والنصر وحسن ~~العاقبة. # ثم أمر سبحانه المؤمنين باعداد وسائل القوة التي بها يصلون إلى النصر ، ~~وإلى بعث الرعب في قلوب أعدائهم .. فقال عز وجل : # ( @QUR@017 وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو ~~الله وعدوكم وآخرين من دونهم PageV06P138 # @QUR@016 لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف ~~إليكم وأنتم لا تظلمون ) (60) # وقوله : ( @QUR@01 وأعدوا .. ) معطوف على ما قبله ، وهو من الإعداد بمعنى ~~تهيئة الشيء للمستقبل ، والخطاب لكافة المؤمنين. # والرباط في الأصل مصدر ربط ، أى شد ، ويطلق ، بمعنى المربوط مطلقا ، وكثر ~~استعماله في الخيل التي تربط في سبيل الله. فالإضافة إما باعتبار عموم ~~المفهوم الأصلى ، أو بملاحظة كون الرباط مشتركا بين معان أخر كملازمة ~~الثغور ، والمواظبة على الأمر ، فإضافته لأحد معانيه للبيان. # قال صاحب الكشاف : والرباط : اسم للخيل التي تربط في سبيل الله ، ويجوز ~~أن يسمى بالرباط الذي هو بمعنى ms2451 المرابطة ، ويجوز أن يكون جمع ربيط كفصيل ~~وفصال يقال نعم الربيط هذا ، لما يرتبط من الخيل (1). # والمعنى : عليكم أيها المؤمنون أن تعدوا لقتال أعدائكم ما تستطيعون ~~إعداده من وسائل القوة على اختلاف صنوفها وألوانها وأسبابها. # وجاء سبحانه بلفظ ( @QUR@01 قوة ) منكرا ، ليشمل كل ما يتقوى به في الحرب ~~كائنا ما كان. # قال الجمل : وقوله ( @QUR@02 من قوة ) في محل نصب على الحال ، وفي صاحبها ~~وجهان : أحدهما أنه الموصول. والثاني : أنه العائد عليه ، إذ التقدير ما ~~استطعتموه حال كونه بعض القوة ، ويجوز أن تكون ( @QUR@01 من ) لبيان الجنس (2). # وقوله : ( @QUR@03 ومن رباط الخيل ) معطوف على ما قبله من عطف الخاص على العام. # أى : أعدوا لقتال أعدائكم ، ما أمكنكم من كل ما يتقوى به عليهم في الحرب ~~، من نحو : حصون وقلاع وسلاح. ومن رباط الخيل للغزو والجهاد في سبيل الله. # وخص رباط الخيل بالذكر من بين ما يتقوى به ، لمزيد فضلها وغنائها في ~~الحرب ، ولأن الخيل كانت الأداة الرئيسية في القتال في العهد النبوي ، ~~وقوله : ( @QUR@05 ترهبون به عدو الله وعدوكم ) بيان للمقصود من الأمر ~~بإعداد ما يمكنهم إعداده من قوة. PageV06P139 # وقوله : ( @QUR@01 ترهبون ) من الرهبة وهي مخافة مع تحرز واضطراب. # والضمير المجرور وهو قوله ( @QUR@01 به ) يعود إلى الإعداد المأخوذ من ~~قوله ( @QUR@01 وأعدوا ). # أى : أعدوا ما استطعتم من قوة ، حالة كونكم مرهبين بهذا الإعداد عدو الله ~~وعدوكم ، من كل كافر ومشرك ومنحرف عن طريق الحق ، وعلى رأس هؤلاء جميعا. ~~كفار مكة الذين أخرجوكم من دياركم بغير حق ، ويهود المدينة الذين لم يتركوا ~~وسيلة للإضرار بكم إلا فعلوها. # وقوله ( @QUR@07 وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ) معطوف على ما قبله. # أى : ترهبون بهذا الإعداد أعداء معروفين لكم كمشركي مكة ويهود المدينة ، ~~وترهبون به أيضا أعداء آخرين غيرهم أنتم لا تعرفونهم لأنهم يخفون عداوتهم ~~لكم ، ولكن الله تعالى الذي لا يخفى عليه شيء يعلمهم ، وسيحبط أعمالهم. # وقد اختلف المفسرون في المراد بهؤلاء الأعداء الذين عبر الله عنهم بقوله ~~لا تعلمونهم الله يعلمهم ، فمنهم من قال : المراد بهم بنو قريظة ومنهم ms2452 من ~~قال : المراد بهم أهل فارس والروم. # ورجح ابن جرير أن المراد بهم : كفار الجن .. لأن المؤمنين كانوا عالمين ~~بمداراة بنى قريظة وفارس والروم لهم ... والمعنى ترهبون بذلك الإعداد عدو ~~الله وعدوكم من بنى آدم الذين علمتم عداوتهم ، وترهبون به جنسا آخر من غير ~~بنى آدم لا تعلمون أماكنهم وأحوالهم ، الله يعلمهم دونكم ، لأن بنى آدم لا ~~يرونهم» (1). # ورجح الفخر الرازي أن المراد بهم المنافقون ، قال : لأن المنافق من عادته ~~أن يتربص ظهور الآفات ، ويحتال في إلقاء الإفساد والتفريق بين المسلمين ~~بطرق قد لا تعرف ، فإذا شاهد كون المسلمين في غاية القوة خافهم وترك ~~الأفعال المذمومة» (2). # ولعل ما رجحه الفخر الرازي هو الأقرب إلى الصواب ، لأن عداوة المنافقين ~~للمؤمنين كثيرا ما تكون خافية ، ويشهد لهذا قوله تعالى في آية أخرى : ( ~~@QUR@015 وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق ~~لا تعلمهم نحن نعلمهم ) (3). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بالدعوة إلى الإنفاق في سبيله ، وبشر ~~المنفقين بحسن الجزاء فقال : ( @QUR@012 وما تنفقوا من شيء في سبيل الله ~~يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ). PageV06P140 # أى : ( @QUR@02 وما تنفقوا ) أيها المؤمنون ( @QUR@02 من شيء ) قل أو كثر ~~هذا المنفق ( @QUR@03 في سبيل الله ) أى في وجوه الخيرات التي من أجلها ~~الجهاد لإعلاء كلمة الدين ( @QUR@02 يوف إليكم ) أى : يصل إليكم عوضه في ~~الدنيا وأجره في الآخرة ( @QUR@03 وأنتم لا تظلمون ) أى : لا تنقصون شيئا ~~من العوض أو الأجر. # قالوا : والتعبير بالظلم مع أن الأعمال غير موجبة للثواب حتى يكون ترك ~~ترتيبه عليها ظلما لبيان كمال نزاهته سبحانه عن ذلك بتصويره بصورة ما ~~يستحيل صدوره عنه تعالى من القبائح ، وإبراز الإثابة في معرض الأمور ~~الواجبة عليه تعالى » (1). # هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى : # 1 وجوب إعداد القوة الحربية للدفاع عن الدين وعن الوطن وعن كل ما يجب ~~الدفاع عنه ، لأن أعداء الإسلام إذا ما علموا أن أتباعه أقوياء هابوهم ، ~~وخافوا بأسهم ، ولم يجرؤوا على مهاجمتهم. # قال القرطبي : وقوله تعالى ( @QUR@02 وأعدوا لهم ). أمر الله المؤمنين ms2453 ~~بإعداد القوة للأعداء ، بعد أن أكد تقدمة التقوى. فإن الله تعالى لو شاء ~~لهزمهم بالكلام والتفل في وجوههم ، وبحفنة من تراب ، كما فعل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، ولكن أراد أن يبتلى بعض الناس ببعض بعلمه السابق وقضائه ~~النافذ ...» (2). # وقال بعض العلماء : دلت هذه الآية على وجوب إعداد القوة الحربية ، اتقاء ~~بأس العدو وهجومه ، ولما عمل الأمراء بمقتضى هذه الآية أيام حضارة الإسلام ~~، كان الإسلام عزيزا ، عظيما ، أبى الضيم ، قوى القنا ، جليل الجاه ، وفير ~~السنا ، إذ نشر لواء سلطته على منبسط الأرض ، فقبض على ناصية الأقطار ~~والأمصار. # أما اليوم فقد ترك المسلمون العمل بهذه الآية الكريمة ، ومالوا إلى ~~النعيم والترف ، فأهملوا فرضا من فروض الكفاية ، فأصبحت جميع الأمة آثمة ~~بترك هذا الفرض ، ولذا تعانى اليوم من غصته ما تعانى. # وكيف لا يطمع العدو في بلاد الإسلام ، وهو لا يرى فيها معامل للأسلحة ، ~~وذخائر الحرب ، بل كلها مما يشترى من بلاد العدو؟ # أما آن لها أن تتنبه من غفلتها ، فتعد العدة التي أمر الله بها لأعدائها ~~، وتتلافى ما فرطت قبل أن يداهم العدو ما بقي منها بخيله ورجله ..؟ PageV06P141 # إن القوة التي طلب الله من المؤمنين إعدادها لإرهاب الأعداء ، تتناول كل ~~ما من شأنه أن يجعل المؤمنين أقوياء. كإعداد الجيوش المدربة ، والأسلحة ~~المتنوعة التي تختلف بحسب الأزمنة والأمكنة. # وما روى من تفسير القوة التي وردت في الآية بالرمي ، فإنما هو على سبيل ~~المثال ، ولأن الرمي كان في ذلك الوقت أقوى ما يتقوى به (1). # قال الفخر الرازي عند تفسيره للآية ، والمراد بالقوة هنا ما يكون سببا ~~لحصول القوة ، وذكروا فيه وجوها : # الأول : المراد من القوة أنواع الأسلحة. # الثاني : روى أنه صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية على المنبر وقال : «ألا ~~إن القوة الرمي» قالها ثلاثا. # الثالث : قال بعضهم : القوة هي الحصون. # الرابع : قال أصحاب المعاني : الأولى أن يقال : هذا عام في كل ما يتقوى ~~به على حرب العدو ، وكل ما هو آلة للغزو والجهاد فهو من جملة القوة ، وقوله ~~صلى الله ms2454 عليه وسلم : «القوة هي الرمي» لا ينفى كون غير الرمي معتبرا. كما أن ~~قوله صلى الله عليه وسلم «الحج عرفة» «والندم توبة» لا ينفى اعتبار غيره. بل ~~يدل على أن هذا المذكور جزء شريف من المقصود فكذا هنا. # وهذه الآية تدل على أن الاستعداد للجهاد بالنبل ، والسلاح ، وتعليم ~~الفروسية ، والرمي فريضة إلا أنه من فروض الكفايات (2). # إن رباط الخيل للجهاد في سبيل الله فضله عظيم ، وثوابه كبير ، فقد كانت ~~الخيل هي خير ما عرف العرب من وسائل الانتقال في الحرب وأسرعها ، وما زالت ~~الخيل لها قيمتها في بعض أنواع الحروب. # قال القرطبي ، فإن قيل : إن قوله ( @QUR@06 وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ~~) كان يكفى ، فلما ذا خص الخيل بالذكر؟. # قيل له : إن الخيل لما كانت أصل الحرب وأوزارها (3) التي عقد الخير في ~~نواصيها ، وهي PageV06P142 # أقوى القوة ، وأشد العدة ، وحصون الفرسان ، وبها يجال في الميدان ، لما ~~كانت كذلك خصها بالذكر تشريفا ، وأقسم بغبارها تكريما ، فقال : «والعاديات ~~ضبحا» (1). # وقال الإمام ابن العربي : وأما رباط الخيل فهو فضل عظيم ومنزلة شريفة. # روى الأئمة عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «الخيل ~~ثلاثة ، لرجل ستر ، ولرجل أجر ، وعلى رجل وزر. فأما الذي هي عليه وزر فرجل ~~ربطها رياء وفخرا ونواء لأهل الإسلام أى : مناوأة ومعاداة فهي عليه وزر. # وأما الذي هي عليه ستر فرجل ربطها تغنيا وتعففا ، ولم ينس حق الله في ~~ظهورها فهي عليه ستر. # وأما الذي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله ، فأطال لها في مرج أو روضة ~~، فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء إلا كتب الله له عدد ما أكلت ~~حسنات ..». # وروى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله قال : رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يلوى ناصية فرس بإصبعيه وهو يقول : «الخير معقود في نواصي ~~الخيل إلى يوم القيامة» (2). # 4 أن المقصود من إعداد العدة في الإسلام إنما هو إرهاب الأعداء حتى لا ~~يفكروا في الاعتداء على المسلمين ، وحتى يعيش ms2455 أتباع هذا الدين آمنين ~~مطمئنين في ديارهم ، وحتى يستطيعوا أن يبلغوا رسالة الله إلى خلقه من الناس ~~دون أن يخشوا أحدا سواه عز وجل .. # وليس المقصود بإعداد العدة إرهاب المسالمين ، أو العدوان على الآمنين ، ~~أو القهر والإذلال للناس واستغلالهم فيما يغضب الله تعالى .. # ولذلك وجدنا الآية صريحة في بيان المقصود من هذا الإعداد ، وهو كما عبرت ~~عنه ( @QUR@012 ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم ~~الله يعلمهم ... ). # وهناك آيات أخرى صريحة في بيان سبب مشروعية القتال في الإسلام ومن ذلك ~~قوله تعالى : ( @QUR@013 وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ~~إن الله لا يحب المعتدين ) (3). # وقوله تعالى : ( @QUR@015 وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ، ~~فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين ) (4). PageV06P143 # والخلاصة : أن من تتبع آيات القرآن الواردة في القتال يجدها جميعها تقرر ~~أن سبب القتال في الإسلام ينحصر في رد العدوان ، وحماية الدعوة الإسلامية ~~من التطاول عليها وتثبيت حرية العقيدة ، وتطهير الأرض من الظلم والطغيان. # 5 وجوب الإنفاق في سبيل الله ، ومن أشرف وجوه الإنفاق في سبيل الله أن ~~يبذل المسلم ما يستطيع بذله في الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام ، والذي ~~ما تركه قوم إلا ذلوا ... وألقوا بأنفسهم في التهلكة. # ولقد بشرت الآية الكريمة المنفقين في سبيل الله ، بأنه سبحانه سيجازيهم ~~على إنفاقهم جزاء وافيا لا نقص معه ولا ظلم. # قال تعالى ( @QUR@012 وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا ~~تظلمون ) وفي الحديث الشريف الذي رواه الترمذي عن أبى يحيى قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : «من أنفق نفقة في سبيل الله كتب له سبعمائة ضعف» (1). # ثم أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بقبول السلم والمصالحة ، إذا ما رغب ~~أعداؤه في ذلك ، وكانت ظواهرهم وأفعالهم تدل على صدق نواياهم فقال تعالى : # ( @QUR@012 وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع ~~العليم (61) @QUR@012 وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك ~~بنصره وبالمؤمنين (62) @QUR@020 وألف بين قلوبهم لو ms2456 أنفقت ما في الأرض ~~جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم ) (63) # وقوله ( @QUR@01 جنحوا ) من الجنوح بمعنى الميل ، يقال : جنح فلان للشيء ~~وإليه يجنح مثلث النون جنوحا. أى : مال إليه. PageV06P144 # قال القرطبي : والجنوح : الميل. وجنح الرجل إلى الآخر : مال إليه. ومنه ~~قيل للأضلاع جوانح ، لأنها مالت على الحشوة بضم الحاء وكسرها أى : الأمعاء. # وجنحت الإبل : إذا مالت أعناقها في السير قال ذو الرمة : # إذا مات فوق الرحل أحييت روحه %~% بذكراك والعيس المراسيل جنح (1) # وقرأ الأعمش وأبو بكر وابن محيص «للسلم» بكسر السين وقرأ الباقون بالفتح. ~~وإنما قال ( @QUR@01 لها ) لأن السلم مؤنثة تأنيث نقيضها وهي الحرب .. ~~ويجوز أن يكون التأنيث للفعلة (2). # والمعنى : عليك أيها الرسول الكريم أن تنكل في الحرب بأولئك الكافرين ~~الناقضين لعهودهم في كل مرة ، وأن تهيئ ما استطعت من قوة لإرهابهم فإن ~~مالوا بعد ذلك إلى السلم أى : المسالمة والمصالحة فوافقهم ومل إليها ما ~~دامت المصلحة في هذه المسألة. # وقوله ( @QUR@07 وتوكل على الله إنه هو السميع العليم ) معطوف على ( ~~@QUR@02 فاجنح لها ) لقصد التثبيت وبعث الطمأنينة في قلبه. # أى : اقبل المسالمة ما دام فيها مصلحتك ، وفوض أمرك إلى الله تعالى ولا ~~تخش مكرهم وكيدهم وغدرهم ، إنه سبحانه ( @QUR@02 هو السميع ) لأقوالهم ( ~~@QUR@01 العليم ) بأحوالهم ، فيجازيهم بما يستحقون ، ويرد كيدهم في نحورهم. # وعبر سبحانه عن جنوحهم إلى السلم بحرف ( @QUR@01 إن ) الذي يعبر به عن ~~الشيء المشكوك في وقوعه ، للإشارة إلى أنهم ليسوا أهلا لاختيار المسالمة أو ~~المصالحة لذاتها ، وإنما هم جنحوا إليها لحاجة في نفوسهم ، فعلى المؤمنين ~~أن يكونوا دائما على حذر منهم ، وألا يأمنوا مكرهم. # هذا وقد اختلف العلماء فيمن عنى بهذه الآية. فمنهم من يرى أن المعنى بها ~~أهل الكتاب ، ومنهم من يرى أن الآية عامة ، أى تشمل أهل الكتاب والمشركين. ~~ثم اختلفوا بعد ذلك في كونها منسوخة أولا؟ # وقد حكى ابن جرير معظم هذه الخلافات ورجح أن المقصود بهذه الآية جماعة من ~~أهل الكتاب ، وأن الآية ليست منسوخة فقال ما ملخصه : # عن قتادة أن قوله ms2457 ( @QUR@05 وإن جنحوا للسلم فاجنح لها .. ) منسوخة بقوله ~~في سورة براءة PageV06P145 # ( @QUR@04 فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) (1). وبقوله ( @QUR@03 ~~وقاتلوا المشركين كافة ) (2). # فقد كانت هذه أى الآية التي معنا وهي قوله تعالى ( @QUR@03 وإن جنحوا ~~للسلم ... ) قبل براءة. كان النبي صلى الله عليه وسلم يوادع القوم إلى أجل ، ~~فإما أن يسلموا ، وإما أن يقاتلهم ، ثم نسخ ذلك بعد في براءة فقال : ( ~~@QUR@04 فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ). # وعن عكرمة والحسن البصري قالا : ( @QUR@03 وإن جنحوا للسلم ... ) نسختها ~~الآية التي في براءة وهي قوله تعالى ( @QUR@08 قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر ... ) الآية (3). # ثم قال ابن جرير : فأما ما قاله قتادة ومن قال مثل قوله من أن هذه الآية ~~منسوخة ، فقول لا دلالة عليه من كتاب ولا ثم قال ابن جرير : فأما ما قاله ~~قتادة ومن قال مثل قوله من أن هذه الآية منسوخة ، فقول لا دلالة عليه من ~~كتاب ولا سنة ولا فطرة عقل. # لأن قوله ( @QUR@05 وإن جنحوا للسلم فاجنح لها .. ) إنما عنى به بنو ~~قريظة كما قال مجاهد وكانوا يهودا أهل كتاب وقد أذن الله جل ثناؤه للمؤمنين ~~بصلح أهل الكتاب ، ومتاركتهم الحرب ، على أخذ الجزية منهم ، وأما قوله : ( ~~@QUR@04 فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم .. ) فإنما عنى به مشركو العرب من ~~عبدة الأوثان ، الذين لا يجوز قبول الجزية منهم ، فليس في إحدى الآيتين نفى ~~حكم الأخرى ، بل كل واحدة منهما محكمة فيما أنزلت فيه .. (4). # هذا ما يراه ابن جرير. أما ابن كثير فقد وافقه على أن الآية ليست منسوخة ~~، وخالفه في أن المقصود بها بنو قريظة ، فهو يرى أن الآية عامة فقد قال ~~رحمه الله : # قوله : ( @QUR@02 وإن جنحوا ) أى : مالوا ( @QUR@01 للسلم ) أى المسالمة ~~والمصالحة والمهادنة ( @QUR@02 فاجنح لها ) أى : فمل إليها واقبل منهم ذلك. ~~ولهذا لما طلب المشركون عام الحديبية الصلح ووضع الحرب بينهم وبين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين أجابهم إلى ذلك مع ما اشترطوا من الشروط ~~الأخر ... # وقال مجاهد : نزلت في بنى قريظة ، وهذا فيه نظر ، لأن السياق كله في ~~موقعة بدر ، وذكرها مكتنف ms2458 لها كله. # وقال ابن عباس ومجاهد وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني وعكرمة والحسن وقتادة ~~: إن الآية منسوخة بآية السيف في براءة ، وهي قوله تعالى ( @QUR@029 قاتلوا ~~الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا ~~يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ). PageV06P146 # وفيه نظر أيضا ، لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك ، فأما ~~إذا كان العدو كثيفا فإنه يجوز مهادنتهم كما دلت عليه هذه الآية الكريمة ( ~~@QUR@02 وإن جنحوا ... ) وكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية. فلا ~~منافاة ولا نسخ ولا تخصيص ..» (1). # ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن كثير أرجح ، لأن الآية الكريمة تقرر مبدأ ~~عاما في معاملة الأعداء ، وهو أنه من الجائز مهادنتهم ومسالمتهم ما دام ذلك ~~في مصلحة المسلمين. # ولعل هذا هو ما قصده صاحب الكشاف بقوله عند تفسير الآية : «والصحيح أن ~~الأمر موقوف على ما يرى فيه الإمام صلاح الإسلام وأهله من حرب أو سلم. وليس ~~يحتم أن يقاتلوا أبدا. أو يجابوا إلى الهدنة أبدا» (2). # ثم أمن الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم من خداع أعدائه ، إن هم أرادوا ~~خيانته ، وبيتوا له الغدر من وراء الجنوح إلى السلم فقال تعالى : ( ~~@QUR@012 وإن يريدوا أن يخدعوك ، فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره ~~وبالمؤمنين ). # أى : وإن يرد هؤلاء الأعداء الذين جنحوا إلى السلم في الظاهر أن يخدعوك ~~يا محمد لتكف عنهم حتى يستعدوا لمقاتلتك فلا تبال بخداعهم ، بل صالحهم مع ~~ذلك إذا كان في الصلح مصلحة للإسلام وأهله ، ولا تخف منهم ، فإن الله كافيك ~~بنصره ومعونته ، فهو سبحانه الذي أمدك بما أمدك به من وسائل النصر الظاهرة ~~والخافية ، وهو سبحانه الذي أيدك بالمؤمنين الذين هانت عليهم أنفسهم ~~وأموالهم في سبيل إعزاز هذا الدين ، وإعلاء كلمته .. # فالآية الكريمة تشجيع للنبي صلى الله عليه وسلم على السير في طريق الصلح ما ~~دام فيه مصلحة للإسلام وأهله ، وتبشير له بأن النصر سيكون له حتى ولو أراد ms2459 ~~الأعداء بإظهار الميل إلى السلم المخادعة والمراوغة. وقوله : ( @QUR@01 ~~حسبك ) صفة مشبهة بمعنى اسم الفاعل. أى. بحسبك وكافيك. # قال الفخر الرازي : فإن قيل : أليس قد قال تعالى ( @QUR@07 وإما تخافن من ~~قوم خيانة فانبذ إليهم ... ) أى : أظهر نقض ذلك العهد ، وهذا يناقض ما ذكره ~~في هذه الآية؟ # قلنا : قوله : ( @QUR@05 وإما تخافن من قوم خيانة ) محمول على ما إذا ~~تأكد ذلك الخوف بأمارات قوية دالة عليها ، وتحمل هذه المخادعة على ما إذا ~~حصل في قلوبهم نوع نفاق وتزوير ، إلا أنه لم تظهر أمارات على كونهم قاصدين ~~للشر وإثارة الفتنة ، بل كان الظاهر من أحوالهم الثبات على المسالمة وترك ~~المنازعة .. PageV06P147 # فإن قيل : لما قال : ( @QUR@04 هو الذي أيدك بنصره ) فأى حاجة مع نصره ~~إلى المؤمنين حتى قال ( @QUR@01 وبالمؤمنين )؟ # قلنا : التأييد ليس إلا من الله لكنه على قسمين : أحدهما ما يحصل من غير ~~واسطة أسباب معلومة معتادة والثاني ما يحصل بواسطة أسباب معلومة. # فالأول هو المراد من قوله ( @QUR@02 أيدك بنصره ) والثاني هو المراد من ~~قوله : ( @QUR@01 وبالمؤمنين ) (1). # ثم بين سبحانه بعض مظاهر فضله في كيفية تأييده لرسوله بالمؤمنين فقال ~~تعالى : ( @QUR@017 وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت ~~بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم ). # أى : أن من مظاهر فضل الله عليك يا محمد أن أيدك سبحانه بنصره وأن أيدك ~~بالمؤمنين ، بأن حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم ، وجعل منهم قوة موحدة ~~، فصاروا بفضله تعالى كالنفس الواحدة ، بعد أن كانوا متنازعين متفرقين وأنت ~~يا محمد ( @QUR@06 لو أنفقت ما في الأرض جميعا ) من الذهب والفضة وغيرهما ~~ما استطعت أن تؤلف بين قلوبهم المتنافرة المتنازعة ( @QUR@02 ولكن الله ) ~~بفضله وقدرته هو وحده الذي ( @QUR@02 ألف بينهم ) فصاروا إخوانا متحابين ~~متصافين ( @QUR@01 إنه ) سبحانه ( @QUR@01 عزيز ) أى : غالب في ملكه ~~وسلطانه على كل ظاهر وباطن ( @QUR@01 حكيم ) في كل أفعاله وأحكامه .. # وهذه الآية الكريمة يؤيدها التاريخ ، ويشهد بصدقها أحداثه ، فنحن نعلم أن ~~العرب وخصوصا الأوس والخزرج كانوا قبل الإسلام في حالة شديدة من التفرق ~~والتخاصم والتنازع والتحارب .. فلما دخلوا في الإسلام تحول بغضهم ms2460 إلى حب ، ~~وتخاصمهم إلى مودة ، وتفرقهم إلى اتحاد ... وصاروا في توادهم وتراحمهم ~~وتعاطفهم ، إلى مستوى لم يعرفه التاريخ من قبل ... # ولقد أجاد صاحب الكشاف رحمه الله في تصويره لهذه المعاني حيث قال : ~~«التأليف بين قلوب من بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآيات ~~الباهرة ، لأن العرب لما فيهم من الحمية والعصبية ، والانطواء على الضغينة ~~.. لا يكاد يأتلف منهم قلبان ، ثم ائتلفت قلوبهم على اتباع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم واتحدوا ، وأنشأوا يرمون عن قوس واحدة ، وذلك لما نظم الله ~~من ألفتهم ، وجمع من كلمتهم ، وأحدث بينهم من التحاب والتواد ، وأماط عنهم ~~من التباغض PageV06P148 # والتماقت ، وكلفهم من الحب ، في الله والبغض في الله ، ولا يقدر على ذلك ~~إلا من يملك القلوب ، فهو يقلبها كيف يشاء ، ويصنع فيها ما يريد. # قيل : هم الأوس والخزرج ، كان بينهم من الحروب والوقائع ما أهلك سادتهم ~~ورؤساءهم ، ودق جماجمهم. ولم يكن لبغضائهم أمد ومنتهى. وبينهما التجاور ~~الذي يهيج الضغائن ، ويديم التحاسد والتنافس. وعادة كل طائفتين كانتا بهذه ~~المثابة أن تتجنب هذه ما آثرته أختها ، وتكرهه وتنفر منه. # فأنساهم الله تعالى ذلك كله ، حتى اتفقوا على الطاعة ، وتصافوا وصاروا ~~أنصارا ، وعادوا أعوانا ، وما ذاك إلا بلطيف صنعه ، وبليغ قدرته» (1). هذا ~~، وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خطب الأنصار في شأن غنائم ~~«حنين» قال لهم : يا معشر الأنصار!! ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي ؛ ~~وعالة فأغناكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ فكانوا يقولون كلما ~~قال شيئا : الله ورسوله أمن» (2). # وروى الحاكم أن ابن عباس كان يقول : إن الرحم لتقطع ، وإن النعمة لتنكر ، ~~وإن الله إذا قارب بين القلوب لم يزحزحها شيء. ثم يقرأ قوله تعالى : ( ~~@QUR@014 لو أنفقت ما في الأرض جميعا ، ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف ~~بينهم ... ) (3). # ثم مضت السورة الكريمة في تثبيت الطمأنينة في قلب النبي صلى الله عليه وسلم ~~وفي قلوب أصحابه ، فبينت لهم أن الله كافيهم وناصرهم ، وأن القلة منهم تغلب ~~الكثرة من ms2461 أعداء الله وأعدائهم فقال تعالى : # ( @QUR@09 يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (64) @QUR@021 ~~يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا ~~مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من PageV06P149 # @QUR@06 الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون (65) @QUR@026 الآن خفف الله ~~عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن ~~منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين ) (66) # قال الفخر الرازي : اعلم أنه تعالى لما وعده بالنصر عند مخادعة الأعداء ، ~~وعده بالنصر والظفر في هذه الآية مطلقا على جميع التقديرات ، وعلى هذا ~~الوجه لا يلزم حصول التكرار ؛ لأن المعنى في الآية الأولى : إن أرادوا ~~خداعك كفاك الله أمرهم. # والمعنى في هذه الآية عام في كل ما يحتاج إليه في الدين والدنيا. # وهذه الآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال ...» (1). # وقوله : ( @QUR@01 حسبك ) صفة مشبهة بمعنى اسم الفاعل ، والكاف في محل جر. # والواو في قوله ( @QUR@02 ومن اتبعك ) بمعنى مع ، و ( @QUR@01 من ) في ~~محل نصب عطفا على الموضع ، فإن قوله ( @QUR@01 حسبك ) بمعنى كافيك في جميع أمورك. # والمعنى : يا أيها النبي كافيك الله وكافى متبعيك من المؤمنين فهو سبحانه ~~ناصركم ومؤيدكم على أعدائكم وإن كثر عددهم وقل عددكم ، وما دام الأمر كذلك ~~، فاعتمدوا عليه وحده ، وأطيعوه في السر والعلن ؛ لكي يديم عليكم عونه ~~وتأييده ونصره. # قال بعض العلماء : قال ابن القيم عند تفسيره لهذه الآية : أى : الله وحده ~~كافيك وكافى أتباعك فلا يحتاجون معه إلى أحد. ثم قال : وهاهنا تقديران : # أحدهما : أن تكون الواو عاطفة للفظ «من» على الكاف المجرورة .. # والثاني : أن تكون الواو بمعنى «مع» وتكون «من» في محل نصب عطفا على ~~الموضع ، فإن «حسبك» في معنى كافيك أى : الله يكفيك ويكفى من اتبعك ، كما ~~يقول العرب : حسبك وزيدا درهم ، قال الشاعر : # وإذا كانت الهيجاء وانشقت العصا %~% فحسبك والضحاك سيف مهند PageV06P150 # وهذا أصح التقديرين. وفيها تقدير ثالث ؛ أن تكون «من» في موضع رفع ~~بالابتداء : أى ومن اتبعك من المؤمنين فحسبهم الله. # وفيها تقدير ms2462 رابع وهو خطأ من جهة المعنى ، وهو أن يكون «من» في موضع رفع ~~عطفا على اسم الله. ويكون المعنى : حسبك الله وأتباعك. # هذا وإن قال به بعض الناس فهو خطأ محض ، لا يجوز حمل الآية عليه ، فإن ~~الحسب والكفاية لله وحده ، كالتوكل والتقوى والعبادة ...» (1). # ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بتحريض المؤمنين على القتال من ~~أجل إعلاء كلمة الحق ، فقال تعالى : ( @QUR@07 يا أيها النبي حرض المؤمنين ~~على القتال ... ). # وقوله : ( @QUR@01 حرض ) من التحريض بمعنى الحث على الشيء بكثرة التزيين ~~له ، وتسهيل الأمر فيه حتى تقدم عليه النفس برغبة وحماس. # قال الراغب : الحرض ما لا يعتد به ولا خير فيه ، ولذلك يقال لمن أشرف على ~~الهلاك حرض. قال تعالى ( @QUR@07 حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين ).. # والتحريض : الحث على الشيء .. فكأنه في الأصل إزالة الحرض نحو حرضته ~~وقذيته أى : أزلت عنه الحرض والقذى ..» (2). # والمعنى : يا أيها النبي بالغ في حث المؤمنين وإحمائهم على القتال بصبر ~~وجلد ، من أجل إحقاق الحق وإبطال الباطل. # ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرض أصحابه على القتال عند صفهم ~~ومواجهة الأعداء كما قال لأصحابه يوم بدر حين أقبل المشركون في عددهم ~~وعددهم : «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض». فقال عمير بن الحمام : ~~عرضها السموات والأرض؟ فقال رسول الله : نعم. فقال عمير : بخ بخ ، فقال ~~صلى الله عليه وسلم : «ما يحملك على قولك بخ بخ»؟ قال : رجاء أن أكون من أهلها ~~، قال صلى الله عليه وسلم «فإنك من أهلها» فتقدم الرجل فكسر جفن سيفه وأخرج ~~تمرات فجعل يأكل منهن» ثم ألقى بقيتهن من يده وقال : لئن أنا حييت حتى ~~آكلهن ، إنها لحياة طويلة ، ثم تقدم فقاتل حتى قتل رضى الله عنه (3). # وقوله : ( @QUR@013 إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ، وإن يكن ~~منكم مائة يغلبوا ألفا PageV06P151 # @QUR@07 من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون ) بشارة من الله تعالى ~~للمؤمنين ووعد لهم بالظفر على أعدائهم. # أى : قابلوا أيها المؤمنون أعداءكم بقوة وإقدام ، فإنكم إن يوجد منكم ms2463 ~~عشرون رجلا صابرون يغلبوا بسبب إيمانهم وصبرهم مائتين من الكافرين ، وإن ~~يوجد منكم مائة يغلبوا ألفا منهم ، وذلك بسبب أن هؤلاء الكافرين قوم جهلة ~~بحقوق الله تعالى وبما يجب عليهم نحوه. # فهم كما يقول صاحب الكشاف : «يقاتلون على غير احتساب وطلب ثواب كالبهائم» ~~فيقل ثباتهم. ويعدمون لجهلهم بالله نصرته ، ويستحقون الخذلان. بخلاف من ~~يقاتل على بصيرة ومعه ما يستوجب به النصر والإظهار من الله تعالى » (1). # وقال صاحب المنار : والآية تدل على أن من شأن المؤمنين أن يكونوا أعلم من ~~الكافرين وأفقه منهم بكل علم وفن يتعلق بحياة البشر وارتقاء الأمم. وأن ~~حرمان الكفار من هذا العلم هو السبب في كون المائة منهم دون العشرة من ~~المؤمنين الصابرين ... # وهكذا كان المؤمنون في قرونهم الأولى .. أما الآن فقد أصبح المسلمون ~~غافلين عن هذه المعاني الجليلة ، فزال مجدهم .. (2). # ثم حكى سبحانه بعض مظاهر فضله على المؤمنين ورحمته بهم فقال : ( @QUR@023 ~~الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا ، فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا ~~مائتين ، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله .. ). # وقوله ( @QUR@01 ضعفا ) قرأه بعضهم بفتح الضاد ، وقرأه آخرون بضمها ، ~~وهما بمعنى واحد عند الجمهور ، والمراد به الضعف في البدن. # وقيل الضعف بالفتح يكون في الرأى والعقل ، وبالضم يكون في البدن. # والمعنى : لقد فرضنا عليكم أيها المؤمنون أول الأمر أن يثبت الواحد منكم ~~أمام عشرة من الكافرين .. والآن وبعد أن شق عليكم الاستمرار على ذلك ، ولم ~~تبق هناك ضرورة لدوام هذا الحكم لكثرة عددكم .. شرعنا لكم التخفيف رحمة بكم ~~، ورعاية لأحوالكم ، فأوجبنا عليكم أن يثبت الواحد منكم أمام اثنين من ~~أعدائكم بدلا من عشرة ، وبشرناكم بأنه إن يوجد منكم مائة صابرة يغلبوا ~~مائتين من أعدائكم ، وإن يوجد منكم ألف يغلبوا ألفين منهم بإذن الله ~~وتيسيره وتأييده. PageV06P152 # وقوله : ( @QUR@03 والله مع الصابرين ) تذييل مقرر لمضمون ما قبله. # أى : والله تعالى مع الصابرين بتأييده ورعايته ونصره ، فاحرصوا على أن ~~تكونوا من المؤمنين الصادقين لتنالوا منه سبحانه ما يسعدكم في دنياكم ~~وآخرتكم. # هذا ، ومن العلماء من ms2464 يرى أن هذه الآية قد نسخت الآية السابقة عليها ، ~~ومنهم من يرى غير ذلك. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@04 إن يكن منكم عشرون .. ) شرط في معنى ~~الأمر بمصابرة الواحد العشرة ، والوعد بأنهم إن صبروا غلبوا بعون الله ~~وتأييده فالجملة خبرية لفظا إنشائية معنى. # والمعنى : ليصبرن الواحد لعشرة ؛ وليست بخبر محض ... # وقوله : ( @QUR@04 الآن خفف الله عنكم .. ) أخرج البخاري وغيره عن ابن ~~عباس رضى الله عنهما قال : لما نزلت ( @QUR@04 إن يكن منكم عشرون .. ) شق ~~ذلك على المسلمين إذ فرض عليهم أن لا يفر واحد من عشرة فجاء التخفيف وهل ~~يعد ذلك نسخا أولا؟ قولان : اختار بعضهم الثاني منهما وقال : إن الآية ~~مخففة ، ونظير ذلك التخفيف على المسافر بالفطر. # وذهب الجمهور إلى الأول ، وقالوا : إن الآية الثانية ناسخة للأولى (1). ~~وقال بعض العلماء : فرض الله على المؤمنين أول الأمر ألا يفر الواحد من ~~المؤمنين من العشرة من الكفار ، وكان ذلك في وسعهم ، فأعز الله بهم الدين ~~على قلتهم ، وخذل بأيديهم المشركين على كثرتهم ، وكانت السرايا تهزم من ~~المشركين أكثر من عشر أمثالها تأييدا من الله لدينه. # ولما شق على المؤمنين الاستمرار على ذلك ، وضعفوا عن تحمله ، ولم تبق ~~ضرورة لدوام هذا الحكم لكثرة عدد المسلمين ممن دخلوا في دين الله أفواجا ~~نزل التخفيف ، ففرض على الواحد الثبات للاثنين من الكفار ، ورخص له في ~~الفرار إذا كان العدو أكثر من اثنين. # وهو رخصة كالفطر للمسافر ، وذهب الجمهور إلى أنه نسخ» (2). # وقال الشيخ القاسمى : إن قيل : إن كفاية عشرين لمائتين تغنى عن كفاية ~~مائة لألف. وكفاية مائة لمائتين تغنى عن كفاية ألف لألفين ، لما تقرر من ~~وجوب ثبات الواحد للعشرة في الأولى ، وثبات الواحد للاثنين في الثانية فما ~~سر هذا التكرير؟ # أجيب : بأن سره كون كل عدة بتأييد القليل على الكثير لزيادة التقرير ~~المفيد لزيادة PageV06P153 # الاطمئنان ، والدلالة على أن الحال مع القلة والكثرة واحدة لا تتفاوت ، ~~فإن العشرين قد لا تغلب المائتين ، وتغلب المائة الألف ، وأما الترتيب في ~~المكرر فعلى ذكر الأقل ثم الأكثر على الترتيب الطبيعي. # وقيل ms2465 في سر ذلك : إنه بشارة للمسلمين بأن جنود الإسلام سيجاوز عددهم ~~العشرات والمئات إلى الألوف. # ثم قال : وقال في البحر : انظر إلى فصاحة هذا الكلام ، حيث أثبت في ~~الشرطية الأولى قيد الصبر ، وحذف نظيره من الثانية ، وأثبت في الثانية قيد ~~كونهم من الكفرة ، وحذفه من الأولى ، ولما كان الصبر شديد المطلوبية أثبت ~~في أولى جملتي التخفيف وحذف من الثانية لدلالة السابقة عليه ، ثم ختمت ~~بقوله : ( @QUR@03 والله مع الصابرين ) مبالغة في شدة المطلوبية ، وإشارة ~~إلى تأييدهم ، وأنهم منصورون حتما ، لأن من كان الله معه لا يغلب ...» (1). # وبعد هذا الحديث المستفيض عن القتال في سبيل الله .. عقب سبحانه ذلك ~~بالحديث عن بعض الأحكام التي تتعلق بالأسرى بمناسبة ما فعله الرسول ~~صلى الله عليه وسلم مع أسرى غزوة بدر من الكافرين ، فقال تعالى : # ( @QUR@020 ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض ~~الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم (67) @QUR@011 لو لا كتاب من ~~الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم (68) @QUR@011 فكلوا مما غنمتم حلالا ~~طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم ) (69) # ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات منها ، ما أخرجه مسلم في ~~صحيحه عن ابن عباس قال : حدثني عمر بن الخطاب : أنه لما كان يوم بدر نظر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف ، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة ~~عشر رجلا ، فاستقبل القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه : اللهم أنجز لي ما ~~وعدتني. PageV06P154 # فقتل المسلمون من المشركين يومئذ سبعين وأسروا سبعين. # قال ابن عباس : فلما أسروا الأسارى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبى ~~بكر وعمر : ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر : يا رسول الله هم بنو ~~العم والعشيرة ، أرى أن تأخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار فعسى أن ~~يهديهم الله إلى الإسلام. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال : قلت لا ~~والله يا رسول الله ، ما أرى الذي رأى أبو بكر ، ولكن أرى ms2466 أن تمكننا فنضرب ~~أعناقهم ، فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه ، وتمكن حمزة من العباس فيضرب ~~عنقه ، وتمكنني من فلان نسيب لعمر فأضرب عنقه ، حتى يعلم الله أن ليس في ~~قلوبنا هوادة للمشركين : فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديده. فهوى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ، ولم يهو ما قلت : # فلما كان من الغد جئت ، فإذا رسول الله وأبو بكر يبكيان ، فقلت : يا رسول ~~الله. أخبرنى من أى شيء تبكى أنت وصاحبك. فإن وجدت بكاء بكيت ، وإن لم أجد ~~بكاء تباكيت لبكائكما. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبكى على أصحابك من أخذهم الفداء لقد ~~عرض على عذابهم أدنى من هذه الشجرة؟؟؟ لشجرة قريبة منه صلى الله عليه وسلم ~~وأنزل الله عز وجل : ( @QUR@011 ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض ... ) إلخ الآيات (1). # وروى الإمام أحمد والترمذي عن عبد الله بن مسعود قال : لما كان يوم بدر ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما تقولون في هؤلاء الأسارى»؟ فقال أبو بكر ~~: يا رسول الله! قومك وأهلك استبقهم واستتبهم لعل الله أن يتوب عليهم. # وقال عمر : يا رسول الله! كذبوك وأخرجوك فقدمهم فاضرب أعناقهم. # وقال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله ، أنت بواد كثير الحطب فأضرم ~~الوادي عليهم نارا ثم ألقهم فيه. # قال : فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرد شيئا. ثم قال فدخل فقال ~~ناس : يأخذ بقول أبى بكر. وقال ناس : يأخذ بقول عمر. وقال ناس : يأخذ بقول ~~ابن رواحة. # ثم خرج عليهم رسول الله فقال : «إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ~~ألين من اللين ؛ ويشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة وإن مثلك يا ~~أبا بكر كمثل PageV06P155 # إبراهيم إذ قال ( @QUR@09 فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ) ~~(1) وكمثل عيسى إذ قال : ( @QUR@011 إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم ) (2). # وإن مثلك يا عمر كمثل نوح إذ قال : ( @QUR@08 رب لا تذر ms2467 على الأرض من ~~الكافرين ديارا ) (3)، وكمثل موسى إذ قال : ( @QUR@013 ربنا اطمس على ~~أموالهم واشدد على قلوبهم ، فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ) (4). # ثم قال صلى الله عليه وسلم : «أنتم عالة فلا ينفلتن أحد إلا بفداء أو ضربة عنق». # قال ابن مسعود : فقلت يا رسول ، إلا سهيل بن بيضاء ، فإنه يذكر الإسلام ، ~~فسكت رسول الله ثم قال : «إلا سهيل بن بيضاء». وأنزل الله عز وجل ( @QUR@011 ~~ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ... ) إلى آخر الآية (5). # وقال ابن إسحاق وهو يحكى أخبار غزوة بدر : فلما وضع القوم أيديهم يأسرون ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش ، وسعد بن معاذ قائم على باب العريش ~~الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم متوشحا السيف ، في نفر من الأنصار ~~يحرسون رسول الله ، يخافون عليه الكرة. ورأى رسول الله فيما ذكر لي في وجه ~~سعد الكراهية لما يصنع الناس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «والله ~~لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم»؟ فقال : أجل والله يا رسول الله : كانت ~~هذه أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك ، فكان الإثخان في القتل أحب إلى من ~~استبقاء الرجال (6). # قوله : ( @QUR@01 أسرى ): جمع أسير كقتلى جمع قتيل. وهو مأخوذ من الأسر ~~بمعنى الشد بالإسار أى : القيد الذي يقيد به حتى لا يهرب ، ثم صار لفظ ~~الأسير يطلق على كل من يؤخذ من فئته في الحرب ولو لم يشد بالإسار. # وقوله ( @QUR@01 يثخن ) من الثخانة وهي في الأصل الغلظ والصلابة. يقال : ~~ثخن الشيء يثخن ثخونة وثخانة وثخنا ، أى : غلظ وصلب فهو ثخين ، ثم استعمل ~~في الكناية والمبالغة في قتل العدو فقيل : أثخن فلان في عدوه. أى : بالغ في ~~قتله وإنزال الجراحة الشديدة به ، لأنه بذلك يمنعه من الحركة فيصير كالثخين ~~الذي لا يسيل ولا يتحرك. PageV06P156 # والمراد بالنبي في قوله ( @QUR@03 ما كان لنبي ): نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم وإنما جيء باللفظ منكرا تلطفا به صلى الله عليه وسلم حتى لا ~~يواجه بالعتاب. # والمعنى : ما صح ms2468 وما استقام لنبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ( ~~@QUR@04 أن يكون له أسرى ) من أعدائه الذين يريدون به وبدعوته شرا ( ~~@QUR@04 حتى يثخن في الأرض ) أى : حتى يبالغ في قتلهم ، وإنزاله الضربات ~~الشديدة عليهم إذلالا للكفر وإعزازا لدين الله. # وقوله : ( @QUR@06 تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة ) استئناف مسوق ~~للعتاب. # والعرض ؛ ما لا ثبات له ولا دوام من الأشياء ، فكأنها تعرض ثم تزول ، ~~والمراد بعرض الدنيا هنا : الفداء الذي أخذوه من أسرى غزوة بدر حتى يطلقوا ~~سراحهم. # تريدون أيها المؤمنون بأخذكم الفداء من أعدائكم الأسرى عرض الدنيا ~~ومتاعها الزائل ، وحطامها الذي لا ثبات له ، والله تعالى يريد لكم ثواب ~~الآخرة. # فالكلام في قوله : ( @QUR@03 والله يريد الآخرة ) على حذف المضاف وإقامة ~~المضاف إليه مقامه والإرادة هنا بمعنى الرضا أى : والله تعالى يرضى لكم ~~العمل الذي يجعلكم تظفرون بثوابه في الآخرة ، وهو تفضيل إذلال الشرك على ~~أخذ الفداء من أهله. # وقوله : ( @QUR@03 والله عزيز حكيم ) أى : والله تعالى ( @QUR@01 عزيز ) ~~لا يغالب بل هو الغالب على أمره ( @QUR@01 حكيم ) في كل ما يأمر به أو ينهى عنه. # فالآية الكريمة تعتب على المؤمنين ، لأنهم آثروا الفداء على القتل ~~والإثخان في الأرض ، وذلك لأن غزوة بدر كانت أول معركة حاسمة بين الشرك ~~والإيمان ، وكان المسلمون فيها قلة والمشركون كثرة ، فلو أن المسلمين آثروا ~~المبالغة في إذلال أعدائهم عن طريق القتل لكان ذلك أدعى لكسر شوكة الشرك ~~وأهله ، وأظهر في إذلال قريش وحلفائها ، وأصرح في بيان أن العمل على إعلاء ~~كلمة الله كان عند المؤمنين فوق متع الدنيا وأعراضها ، وأنهم لا يوادون من ~~حارب الله ورسوله مهما بلغت درجة قرابته ، وهذا ما عبر عنه عمر رضى الله ~~عنه بقوله : «وحتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا هوادة للمشركين». # والخلاصة أن غزوة بدر بظروفها وملابساتها التي سبق أن أشرنا إليها كان ~~الأولى بالمسلمين فيها أن يبالغوا في قتل أعدائهم لا أن يقبلوا منهم فداء ~~حتى يذلوهم ويعجزوهم عن معاودة الكرة. # ورضى الله تعالى عن «سعد بن معاذ» فقد ظهرت الكراهية على وجهه ms2469 بسبب أخذ ~~الفداء من الأسرى ، وقال كما سبق أن بينا : «.. كانت غزوة بدر أول وقعة ~~أوقعها الله بأهل الشرك ، فكان الإثخان في القتل أحب إلى من استبقاء ~~الرجال». PageV06P157 # قال الفخر الرازي : قال ابن عباس : هذا الحكم إنما كان يوم بدر ، لأن ~~المسلمين كانوا قليلين ، فلما كثروا وقوى سلطانهم أنزل الله بعد ذلك في ~~الأسارى ( @QUR@014 حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء ~~حتى تضع الحرب أوزارها ) (1). # ثم قال الرازي : وأقول : إن هذا الكلام يوهم أن قوله ( @QUR@05 فإما منا ~~بعد وإما فداء ) يزيد على حكم الآية التي نحن في تفسيرها : وليس الأمر كذلك ~~، لأن الآيتين متوافقتان ، فإن كلتيهما تدل على أنه لا بد من تقديم الإثخان ~~ثم بعده أخذ الفداء» (2). # ثم بين سبحانه بعد ذلك بعض مظاهر رحمته بالمؤمنين : ( @QUR@011 لو لا ~~كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ). # والمراد بالكتاب هنا : الحكم ، وأطلق عليه كتاب لأن هذا الحكم مكتوب في ~~اللوح المحفوظ. # وللمفسرين أقوال في تفسير هذا الحكم السابق في علم الله تعالى : # فمنهم من يرى أن المراد به أنه سبحانه لا يعذب المخطئ في اجتهاده. # وقد صدر صاحب الكشاف تفسيره لهذه الآية بهذا الرأى فقال قوله : ( @QUR@06 ~~لو لا كتاب من الله سبق ). أى : لو لا حكم منه سبق إثباته في اللوح ~~المحفوظ ، وهو أنه سبحانه لا يعاقب أحدا بخطإ ، وكان هذا خطأ في الاجتهاد ، ~~لأنهم نظروا في أن استبقاءهم ربما كان سببا في إسلامهم وتوبتهم وأن فداءهم ~~يتقوى به على الجهاد في سبيل الله ، وخفى عليهم أن قتلهم أعز للإسلام وأهيب ~~لمن وراءهم ، وأفل لشوكتهم ..» (3). # ومنهم من يرى أن المراد به أنه سبحانه لا يعذب قوما إلا بعد تقديم النهى ~~عن الفعل ولم يتقدم نهى عن أخذ الفداء. # ومنهم من يرى أن المراد به أنه سبحانه لا يعذبهم ما دام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بينهم. # أو أنه سبحانه لا يعذب أحدا ممن شهد بدرا. # وقد ساق الإمام الرازي هذه الأقوال وناقشها ثم اختار أن ms2470 المراد بالكتاب ~~الذي سبق : هو حكمه سبحانه في الأزل بالعفو عن هذه الواقعة ، لأنه كتب على ~~نفسه الرحمة ، وسبقت رحمته غضبه. PageV06P158 # أما الإمام ابن جرير فهو يرى : أن الآية خبر عام غير محصور على معنى دون ~~معنى ، وأنه لا وجه لأن يخص من ذلك معنى دون معنى .. فقال : يقول الله ~~تعالى لأهل بدر الذين أخذوا من الأسرى الفداء ( @QUR@06 لو لا كتاب من الله ~~سبق .. ). # أى : لو لا قضاء من الله سبق لكم أهل بدر في اللوح المحفوظ بأن الله يحل ~~لكم الغنيمة ، وأن الله قضى أنه لا يضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما ~~يتقون ، وأنه لا يعذب أحدا شهد هذا المشهد الذي شهدتموه ببدر .. لو لا كل ~~ذلك لنالكم من الله بأخذكم الفداء عذاب عظيم» (1). # ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن جرير من أن الآية خبر عام يشمل كل هذه ~~المعاني أولى بالقبول ، لأنه لم يوجد نص صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~يحدد تفسير المراد من هذا الكتاب السابق في علمه تعالى . # ولعل الحكمة في هذا الإبهام لتذهب الأفهام فيه إلى كل ما يحتمله اللفظ ، ~~ويدل عليه المقام ، ولكي يعرفوا أن أخذهم الفداء كان ذنبا يستحقون العقوبة ~~عليه لو لا أن الله تعالى قدر في الأزل العفو عنهم بسبب وجود النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيهم ، ولأنهم قد أخطئوا في اجتهادهم ، ولأنهم لم يتقدم ~~لهم نهى عن ذلك ، ولأنهم قد شهدوا هذه الغزوة التي قال الرسول في شأن من ~~حضرها على لسان ربه عز وجل : «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». # فقد روى الشيخان وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر في قصة ~~حاطب بن أبى بلتعة عند ما أخبر المشركين بأن الرسول سيغزوهم قبل فتح مكة ~~وكان حاطب قد شهد بدرا : «وما يدريك لعل الله تعالى اطلع على أهل بدر وقال ~~: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (2). # والمعنى الإجمالى للآية الكريمة : ( @QUR@06 لو لا كتاب من الله سبق ) أى ~~: لو لا ms2471 حكم من الله تعالى سبق منه في الأزل ألا يعذب المخطئ على اجتهاده ~~أو ألا يعذب قوما قبل تقديم البيان إليهم .. ولو لا كل ذلك ( @QUR@01 لمسكم ~~) أى لأصابكم ( @QUR@02 فيما أخذتم ) أى بسبب ما أخذتم من الفداء قبل أن ~~تؤمروا به ( @QUR@02 عذاب عظيم ) لا يقادر قدره في شدته وألمه. # قال ابن جرير : قال ابن زيد : لم يكن من المؤمنين أحد ممن نصر إلا أحب ~~الغنائم إلا عمر بن الخطاب ، جعل لا يلقى أسيرا إلا ضرب عنقه وقال : يا ~~رسول الله مالنا PageV06P159 # وللغنائم؟ نحن قوم نجاهد في دين الله حتى يعبد الله فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «لو عذبنا في هذا الأمر يا عمر ما نجا غيرك» .. # وقال ابن إسحاق : لما نزلت ( @QUR@06 لو لا كتاب من الله سبق ... ) ~~الآية. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو نزل عذاب من السماء لم ينج منه ~~إلا سعد بن معاذ لقوله : يا نبي الله ، كان الإثخان في القتل أحب إلى من ~~استبقاء الرجال» (1). # وقال بعض العلماء : قال القاضي ، وفي الآية دليل على أن الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام يجتهدون ، وأنه قد يكون خطأ ، ولكن لا يقرون عليه (2). # ثم زاد سبحانه المؤمنين فضلا ومنه فقال : ( @QUR@011 فكلوا مما غنمتم ~~حلالا طيبا ، واتقوا الله إن الله غفور رحيم ). # قال الآلوسى روى أنه لما نزلت الآية الأولى ( @QUR@07 ما كان لنبي أن ~~يكون له أسرى .. ) كف الصحابة أيديهم عما أخذوا من الفداء فنزلت هذه الآية. # فالمراد بقوله ( @QUR@02 مما غنمتم ) إما الفدية وإما مطلق الغنائم ، ~~والمراد بيان حكم ما اندرج فيها من الفدية ، وإلا فحل الغنيمة مما عداها ~~علم سابقا من قوله : ( @QUR@03 واعلموا أنما غنمتم ).. # وقيل المراد بقوله : ( @QUR@02 مما غنمتم ) الغنائم من غير اندراج الفدية ~~فيها ، لأن القوم لما نزلت الآية الأولى امتنعوا عن الأكل والتصرف فيها ~~تزهدا منهم ، لا ظنا لحرمتها .. والفاء للعطف على سبب مقدر ، أى قد أبحت ~~لكم الغنائم فكلوا مما غنمتم (3). # والمعنى : لقد عفوت عنكم أيها المؤمنون فيما وقعتم فيه من تفضيلكم أخذ ~~الفداء من ms2472 الأسرى على قتلهم ، وأبحت لكم الانتفاع بالغنائم فكلوا مما غنمتم ~~من أعدائكم حلالا طيبا ، أى لذيذا هنيئا لا شبهة في أكله ولا ضرر ( @QUR@02 ~~واتقوا الله ) في كل أحوالكم بأن تخشوه وتراقبوه ( @QUR@04 إن الله غفور ~~رحيم ) ولذا غفر لكم ما فرط منكم وأباح لكم ما أخذتموه من فداء. فسبحانه من ~~إله واسع الرحمة والمغفرة ، لمن اتقاه وتاب إليه توبة صادقة. # وقوله ( @QUR@01 حلالا ) حال من «ما» الموصولة في قوله : ( @QUR@02 مما ~~غنمتم ) أو صفة لمصدر محذوف ، أى : أكلا حلالا. # ووصف هذا المأمور بأكله بأنه حلال طيب ، تأكيدا للإباحة حتى يقبلوا على ~~الأكل منه بدون PageV06P160 # تحرج أو تردد ، فإن معاتبتهم على أخذ الفداء قبل ذلك جعلتهم يترددون في ~~الانتفاع به وبما غنموه من أعدائهم. # ثم أمرت السورة النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبر الأسرى بأنهم إذا ما فتحوا ~~قلوبهم للحق واستجابوا له ، سبحانه سيعوضهم عما فقدوه خيرا منه ، أما إذا ~~استمروا في كفرهم وعنادهم فإن الدائرة ستدور عليهم. استمع إلى السورة ~~الكريمة وهي تصور هذا المعنى بأسلوبها البليغ فتقول : # ( @QUR@025 يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في ~~قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم (70) ~~@QUR@013 وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم ~~حكيم ) (71) # قال : ابن كثير : عن الزهري عن جماعة سماهم قالوا : بعثت قريش إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في فداء أسراهم ، ففدى كل قوم أسيرهم بما رضوا. # وقال العباس : يا رسول الله! قد كنت مسلما! فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «الله أعلم بإسلامك ، فإن يكن كما تقول ، فإن الله ~~يجزيك. وأما ظاهرك فقد كان علينا ، فافتد نفسك وابني أخيك نوفل بن الحارث ، ~~وعقيل بن أبى طالب ، وحليفك عتبة بن عمرو أخى بنى الحارث بن فهر». # قال العباس : ما ذاك عندي يا رسول الله ، فقال له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «فأين المال الذي دفنته أنت وأم الفضل ، فقلت لها : إن ~~أصبت في سفري ms2473 هذا فهذا المال الذي دفنته لبنى : الفضل ، وعبد الله ، وقثم»؟ # قال : والله يا رسول الله إنى لأعلم أنك رسول الله. إن هذا الشيء ما علمه ~~أحد غيرى وغير أم الفضل ، فاحسب لي يا رسول الله ما أصبتم منى : عشرين ~~أوقية من مال كان معى . # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا ، ذاك شيء أعطانا الله منك». # ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه. فأنزل الله تعالى فيه ( @QUR@09 يا أيها ~~النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى ... ) الآية. PageV06P161 # قال العباس : فأعطانى الله مكان العشرين الأوقية في الإسلام ، عشرين عبدا ~~كلهم في يده مال يضرب به. مع ما أرجو من مغفرة الله تعالى (1). # وفي صحيح البخاري عن أنس : أن رجالا من الأنصار قالوا : يا رسول الله ~~ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه. # فقال صلى الله عليه وسلم : «لا والله! لا تذرون منه درهما». هذا ، والآية ~~الكريمة وإن كانت قد نزلت في العباس إلا أنها عامة في جميع الأسرى ؛ إذ ~~العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، ولأن الخطاب فيها موجه إلى سائر ~~الأسرى لا إلى فرد منهم دون آخر. # والمعنى : ( @QUR@07 يا أيها النبي قل لمن في أيديكم ) أى : قل للذين تحت ~~تصرف أيديكم ( @QUR@02 من الأسرى ) أى : من أسرى المشركين في بدر الذين ~~أخذتم منهم الفداء لتطلقوا سراحهم. # قل لهم أيها النبي الكريم ( @QUR@06 إن يعلم الله في قلوبكم خيرا ) أى : ~~إيمانا وتصديقا وعزما على اتباع الحق ونبذ الكفر والعناد .. إن يعلم الله ~~تعالى منكم ذلك ( @QUR@05 يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ) من فداء ، بأن يخلفه ~~عليكم في الدنيا ، ويمنحكم الثواب الجزيل في الآخرة. # ولقد صدق الله تعالى وعده مع من آمن وعمل صالحا من هؤلاء الأسرى ، ~~فأعطاهم الكثير من نعمه كما قال العباس رضى الله عنه وقوله : ( @QUR@02 ~~ويغفر لكم ) زيادة في حضهم على الدخول في الإيمان. # وقوله : ( @QUR@03 والله غفور رحيم ) تذييل قصد به تأكيد ما قبله من ~~الوعد بالخير والمغفرة. # أى : والله تعالى واسع المغفرة ، والرحمة لمن استجاب للحق ، وقدم العمل ~~الصالح. # والتعبير ، بقوله : ( @QUR@03 لمن ms2474 في أيديكم ) للإشعار بأن هؤلاء الأسرى ~~المشركين قد صاروا في قبضة المؤمنين وتحت تصرفهم ، حتى لكأن أيديهم قابضة عليهم. # وأسند وجود الخير في قلوبهم إلى علم الله تعالى للإشارة إلى أن ادعاء ~~الإيمان باللسان فقط لا يكفل لهم الحصول على الخير الذي فقدوه ولا يوصلهم ~~إلى مغفرة الله تعالى فعليهم أن يخلصوا لله في إيمانهم حتى ينالوا فضله ~~وثوابه ، فهو سبحانه عليم بذات الصدور. # وقوله : ( @QUR@010 وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم ~~). إنذار لهم بسوء المصير إذا ما لجوا في عنادهم وغدرهم ، وبشارة من الله ~~تعالى لرسوله والمؤمنين بأن العاقبة ستكون لهم. PageV06P162 # أى : وإن يرد هؤلاء الأسرى نقض عهودهم معك يا محمد والاستمرار في محاربتك ~~ومعاداتك .. فلا تهتم بهم ، ولا تجزع من خيانتهم فهم قد خانوا الله تعالى ~~من قبل هذه الغزوة بكفرهم وجحودهم لنعمه فكانت نتيجة ذلك أن أمكنك منهم ، ~~وأظفرك بهم ، وسينصرك عليهم بعد ذلك كما نصرك عليهم في بدر ، والله تعالى ~~عليم بما يسرونه وما يعلنونه ، حكيم في تدبيره وصنعه. # فالآية الكريمة إنذار للأسرى إذا ما استحبوا العمى على الهدى ، وتبشير ~~للرسول صلى الله عليه وسلم بأن خيانتهم ستكون وبالها عليهم. # قال الفخر الرازي : وقوله ( @QUR@02 فأمكن منهم ) قال الأزهرى : يقال ~~أمكننى الأمر يمكنني فهو ممكن ومفعول الإمكان محذوف. # والمعنى : فأمكن المؤمنين منهم ، أى : أنهم خانوا الله بما أقدموا عليه ~~من محاربة الرسول يوم بدر. فأمكن الله منهم قتلا وأسرا ، وذلك نهاية ~~الإمكان والظفر. فنبه الله بذلك على أنهم قد ذاقوا وبال ما فعلوه ، فإن ~~عادوا كان التمكين منهم ثابتا حاصلا ، وفيه بشارة للرسول صلى الله عليه وسلم ~~أنه يتمكن من كل من يخونه وينقض عهده» (1). # هذا ، ومن الأحكام والآداب التي حدثت عن أسرى غزوة بدر ما يأتى : # 1 أن على المؤمنين في كل زمان ومكان أن يجعلوا جهادهم خالصا لوجه الله ~~ومن أجل إعلاء كلمته ونصرة دينه ، وذلك بأن يبالغوا في قتال أعدائه ~~وأعدائهم إذلالا للكفر وإعزازا للحق ، وأن يؤثروا كل ذلك على أعراض ms2475 الدنيا ~~ومتعها. # 2 أن أخذ الفداء من الأسرى لا شيء فيه في ذاته ، وإنما عاتب الله ~~المؤمنين على أخذه من أسرى بدر ، لأن هذه الغزوة كانت المعركة الأولى بين ~~المؤمنين والمشركين ، وكان إذلال المشركين فيها عن طريق المبالغة في قتلهم ~~أهم من أخذ الفداء منهم ، وأظهر في كسر شوكتهم ، وعجزهم عن معاودة الكرة ~~على المسلمين. # قال ابن كثير. وقد استقر الحكم في الأسرى عند جمهور العلماء ، أن الإمام ~~مخير فيهم ، إن شاء قتل كما فعل ببني قريظة وإن شاء فادى بمال كما فعل ~~بأسرى بدر أو بمن أسر من المسلمين ، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~تلك الجارية وابنتها اللتين كانتا في سبى سلمة بن الأكوع ، حيث ردهما وأخذ ~~في مقابلتهما من المسلمين الذين كانوا عند المشركين ، وإن شاء استرق من أسر. PageV06P163 # هذا مذهب الإمام الشافعى وطائفة من العلماء ، وفي المسألة خلاف آخر بين ~~الأئمة مقرر في موضعه» (1). # 3 أن الذين شهدوا بدرا من المسلمين كانت لهم مكانتهم السامية ، ومنزلتهم ~~العالية ، عند الله تعالى . # ومما يدل على ذلك أنه سبحانه عفا عن خطئهم في أخذ الفداء من الأسرى ثم ~~زادهم فضلا ومنة فجعل غنائم الحرب حلالا لهم ، بعد أن كانت محرمة على أتباع ~~الرسل السابقين. # ففي البخاري عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي. نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت ~~لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتى أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي ~~الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبي يبعث إلى قومه ~~خاصة وبعثت إلى الناس عامة» (2). # 4 أن الإسلام لا يستبقى الأسرى لديه للإذلال والقهر والاستغلال ، وإنما ~~يستبقيهم ليوقظ في فطرتهم نور الحق الذي باتباعه يعوضهم الله عما أخذ منهم ~~في الدنيا ، ويمنحهم ثوابه ومغفرته في الآخرة. # أما إذا استمروا في عداوتهم للحق ، فإن الدائرة ستدور عليهم. # 5 أن الإيمان لا يكون صحيحا إلا إذا صاحبه التصديق والإذعان. # قال ابن ms2476 العربي : لما أسر من أسر من المشركين في بدر ، تكلم قوم منهم ~~بالإسلام ، ولم يمضوا فيه عزيمة ، ولا اعترفوا به اعترافا جازما ، ويشبه ~~أنهم أرادوا أن يتقربوا من المسلمين ولا يبعدوا عن المشركين فنزلت الآية : ~~( @QUR@09 يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى .. ) الآية. # قال علماؤنا : إن تكلم الكافر بالإيمان في قلبه وبلسانه ولم يمض فيه ~~عزيمة لم يكن مؤمنا ، وإذا وجد مثل ذلك من المؤمن كان كافرا إلا ما كان من ~~الوسوسة التي لا يقدر المرء على دفعها ، فإن الله قد عفا عنها وأسقطها. # وقد بين الله لرسوله صلى الله عليه وسلم الحقيقة فقال : ( @QUR@03 وإن ~~يريدوا خيانتك ) أى إن كان هذا القول منهم خيانة ومكرا ( @QUR@05 فقد خانوا ~~الله من قبل ) بكفرهم ومكرهم بك وقتالهم لك ، فأمكنك منهم. وإن كان هذا ~~القول منهم خيرا ويعلمه الله فيقبل ذلك منهم ، ويعوضهم خيرا مما PageV06P164 # أخذ منهم ، ويغفر لهم ما تقدم من كفرهم وخيانتهم ومكرهم (1). # ثم ختم الله تعالى سورة الأنفال بالحديث عن علاقة المسلمين بعضهم ببعض ، ~~وعن علاقتهم بغيرهم من الكفار وعن الأحكام المنظمة لهذه العلاقات فقال ~~تعالى : # ( @QUR@045 إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ~~ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر ~~إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير (72) @QUR@013 ~~والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ~~(73) @QUR@018 والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ~~ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم (74) @QUR@022 والذين ~~آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم ) (75) # هذه الآيات الكريمة التي ختم الله تعالى بها سورة الأنفال ، وضحت أن ~~المؤمنين في العهد النبوي أقسام ، وذكرت حكم كل قسم منهم. PageV06P165 # أما القسم الأول : فهم المهاجرون الأولون أصحاب الهجرة الأولى. # وأما القسم الثاني : فهم ms2477 الأنصار من أهل المدينة. # والقسم الثالث : المؤمنون الذين لم يهاجروا. # والقسم الرابع : المؤمنون الذين هاجروا بعد صلح الحديبية. # وقد عبر سبحانه عن القسمين : الأول والثاني بقوله : ( @QUR@013 إن الذين ~~آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا ~~... ). # أى : ( @QUR@03 إن الذين آمنوا ) بالله تعالى حق الإيمان ( @QUR@01 ~~وهاجروا ) أى تركوا ديارهم وأوطانهم وكل نفيس من زينة الحياة الدنيا. من ~~أجل الفرار بدينهم من فتنة المشركين ، ومن أجل نشر دين الله في الأرض ( ~~@QUR@06 وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ) أى : أنهم مع إيمانهم ~~الصادق ، وسبقهم بالهجرة إرضاء لله تعالى ، قد بالغوا في إتعاب أنفسهم من ~~أجل نصرة الحق ، فقدموا ما يملكون من أموال ، وقدموا نفوسهم رخيصة لا في ~~سبيل عرض من أعراض الدنيا ، وإنما في سبيل مرضاة الله ونصرة دينه. # فأنت ترى أن الله تعالى قد وصف هذا القسم الأول من المؤمنين وهم الذين ~~سبقوا إلى الهجرة. بأعظم الصفات وأكرمها. # فقد وصفهم بالإيمان الصادق ، وبالمهاجرة فرارا بدينهم من الفتن ، ~~وبالمجاهدة بالمال والنفس في سبيل إعلاء كلمة الله. # وقد جاءت هذه الأوصاف الجليلة مرتبة حسب الوقوع ، فإن أول ما حصل منهم هو ~~الإيمان ، ثم جاءت من بعده الهجرة ، ثم الجهاد. # ولعل تقديم المجاهدة بالأموال هنا على المجاهدة بالأنفس ، لأن المجاهدة ~~بالأموال أكثر وقوعا ، وأتم دفعا للحاجة ، حيث لا تتصور المجاهدة بالنفس ~~بلا مجاهدة بالأموال. # وقوله ( @QUR@03 في سبيل الله ) متعلق بقوله ( @QUR@01 جاهدوا ) لإبراز ~~أن جهادهم لم يكن لأى غرض دنيوى ، وإنما كان من أجل نصرة الحق وإعلاء كلمته ~~سبحانه وقوله : ( @QUR@03 والذين آووا ونصروا ) بيان للقسم الثاني من أقسام ~~المؤمنين في العهد النبوي ، وهم الأنصار من أهل المدينة الذين فتحوا ~~للمهاجرين قلوبهم ، واستقبلوهم أحسن استقبال ، حيث أسكنوهم منازلهم ، ~~وبذلوا لهم أموالهم ، وآثروهم على أنفسهم ، ونصروهم على أعدائهم. # فالآية الكريمة قد وصفت الأنصار بوصفين كريمين. # أولهما : الإيواء الذي يتضمن معنى التأمين من الخوف ، إذا المأوى هو ~~الملجأ والمأمن مما PageV06P166 # يخشى منه ، ومن ذلك قوله تعالى ( @QUR@05 إذ أوى الفتية إلى الكهف ... ) ~~(1)، وقوله تعالى ( @QUR@07 ولما دخلوا على ms2478 يوسف آوى إليه أخاه ... ) (2). # ولقد كانت المدينة مأوى وملجأ للمهاجرين ، وكان أهلها مثالا للكرم ~~والإيثار ... # ثانيهما : النصرة ، لأن أهل المدينة قد نصروا الرسول صلى الله عليه وسلم ~~والمهاجرين بكل ما يملكون من وسائل التأييد والمؤازرة ، فقد قاتلوا من ~~قاتلهم ، وعادوا من عاداهم ، ولذا جعل الله تعالى حكمهم وحكم المهاجرين ~~واحدا فقال : ( @QUR@04 أولئك بعضهم أولياء بعض ). # فاسم الإشارة يعود إلى المهاجرين السابقين ، وإلى الأنصار. # وقوله : ( @QUR@01 أولياء ) جمع ولى ويطلق على الناصر والمعين والصديق ~~والقريب ... # والمراد بالولاية هنا : الولاية العامة التي تتناول التناصر والتعاون ~~والتوارث .. # أى : أولئك المذكورون الموصوفون بهذه الصفات الفاضلة يتولى بعضهم بعضا في ~~النصرة والمعاونة والتوارث .. وغير ذلك ، لأن حقوقهم ومصالحهم مشتركة. # قال الآلوسى ما ملخصه : «روى عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى ~~بين المهاجرين والأنصار ، فكان المهاجر يرثه أخوه الأنصارى ، إذا لم يكن له ~~بالمدينة ولى مهاجرى وبالعكس ، واستمر أمرهم على ذلك إلى فتح مكة ثم ~~توارثوا بالنسب بعد إذ لم تكن هجرة .. وعليه فالآية منسوخة بقوله تعالى بعد ~~ذلك ( @QUR@08 وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله .. ). # وقال الأصم : الآية محكمة ، والمراد الولاية بالنصرة والمظاهرة (3). # والذي نراه أن الولاية هنا عامة فهي تشمل كل ما يحتاج إليه المسلمون فيما ~~بينهم من تعاون وتناصر وتكافل وتوارث وغير ذلك .. # وقوله تعالى : ( @QUR@012 والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من ~~شيء حتى يهاجروا .. ) بيان لحكم القسم الثالث من أقسام المؤمنين في العهد ~~النبوي .. # أى : هذا الذي ذكرته لكم قبل ذلك في الآية هو حكم المهاجرين السابقين ~~والأنصار الذي آووهم ونصروهم أما حكم الذين آمنوا ولم يهاجروا ، وهم ~~المقيمون في أرض الشرك تحت سلطان المشركين وحكمهم. فإنهم ليس بينهم وبين ~~المهاجرين والأنصار ولاية إرث ( @QUR@02 حتى يهاجروا ) إلى المدينة ، كما ~~أنكم أيها المؤمنون لا تنتظروا منهم تعاونا أو مناصرة ، لأنهم PageV06P167 # بسبب إقامتهم في أرض الشرك وتحت سلطانه أصبحوا لا يملكون وسائل المناصرة لكم. # ثم قال تعالى : ( @QUR@012 وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على ~~قوم بينكم وبينهم ms2479 ميثاق ). # أى : وإن طلب منكم هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا النصرة على أعدائكم ~~في الدين ، فيجب عليكم أن تنصروهم ، لأنهم إخوانكم في العقيدة ، بشرط ألا ~~يكون بينكم وبين هؤلاء الأعداء عهد ومهادنة ، فإنكم في هذه الحالة يحظر ~~عليكم نصرة هؤلاء المؤمنين الذين لم يهاجروا ، لأن في نصرتهم على من بينكم ~~وبينهم عهد نقضا لهذا العهد. # أى : إن نصرتكم لهم إنما تكون على الكفار الحربيين لا على الكفار ~~المعاهدين وهذا يدل على رعاية الإسلام للعهود ، واحترامه للشروط والعقود. # قال الجمل : أثبت الله تعالى للقسمين الأولين النصرة والإرث ، ونفى عن ~~هذا القسم الإرث وأثبت له النصرة (1). # وقوله : ( @QUR@04 والله بما تعملون بصير ) تذييل قصد به الترغيب في طاعة ~~الله ، والتحذير من معصيته. # أى : والله تعالى مطلع على كل أعمالكم فأطيعوه ، ولا تخالفوا أمره. # قبل أن تذكر السورة القسم الرابع من أقسام المؤمنين ، تتحدث عن ولاية ~~الكفار بعضهم لبعض فتقول : ( @QUR@013 والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ، إلا ~~تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ). # أى : والذين كفروا بعضهم أولياء بعض في النصرة والتعاون على قتالكم ~~وإيذائكم أيها المؤمنون فهم وإن اختلفوا فيما بينهم إلا أنهم يتفقون على ~~عداوتكم وإنزال الاضرار بكم. # وقوله : ( @QUR@08 إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) تحذير شديد ~~للمؤمنين عن مخالفة أمره سبحانه . # أى : إلا تفعلوا أيها المؤمنون ما أمرتكم به من التناصر والتواصل وتولى ~~بعضكم بعضا ، ومن قطع العلائق بينكم وبين الكفار ، تحصل فتنة كبيرة في ~~الأرض ، ومفسدة شديدة فيها ، لأنكم إذا لم تصيروا يدا واحدة على الشرك ، ~~يضعف شأنكم ، وتذهب ريحكم ، وتسفك دماؤكم ويتطاول أعداؤكم عليكم ، وتصيرون ~~عاجزين عن الدفاع عن دينكم وعرضكم .. وبذلك تعم الفتنة ، وينتشر الفساد. PageV06P168 # وقوله تعالى ( @QUR@014 والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله ~~والذين آووا ونصروا ، أولئك هم المؤمنون حقا .. ) كلام مسوق للثناء على ~~القسمين الأولين من الأقسام الثلاثة للمؤمنين وهم المهاجرون والأنصار. # إذ أن الآية الأولى من هذه الآيات الكريمة قد ساقها الله تعالى لإيجاب ~~التواصل بينهم ، أما هذه الآية فقد ساقها سبحانه للثناء ms2480 عليهم والشهادة لهم ~~بأنهم هم المؤمنون حق الإيمان وأكمله ، بخلاف من أقام من المؤمنين بدار ~~الشرك ، مع الحاجة إلى هجرته وجهاده. # قال الفخر الرازي : أثنى الله تعالى على المهاجرين والأنصار من ثلاثة أوجه : # أولها قوله : ( @QUR@04 أولئك هم المؤمنون حقا ) فإن هذه الجملة تفيد ~~المبالغة في مدحهم ، حيث وصفهم بكونهم محقين في طريق الدين. # وقد كانوا كذلك ، لأن من لم يكن محقا في دينه لم يتحمل ترك الأديان ~~السالفة ، ولم يفارق الأهل والوطن ، ولم يبذل النفس والمال. # وثانيها قوله : ( @QUR@02 لهم مغفرة ) والتنكير يدل على الكمال ، أى : ~~مغفرة تامة كاملة. # وثالثها قوله : ( @QUR@02 ورزق كريم ) والمراد منه الثواب الرفيع. # والحاصل : أنه سبحانه شرح أحوالهم في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا فقد ~~وصفهم بقوله : ( @QUR@04 أولئك هم المؤمنون حقا ). # وأما في الآخرة فالمقصود إما دفع العقاب ، وإما جلب الثواب. # أما دفع العقاب فهو المراد بقوله ( @QUR@02 لهم مغفرة ... ) وأما جلب ~~الثواب فهو المراد بقوله ( @QUR@02 ورزق كريم ) (1). # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة ببيان القسم الرابع من أقسام المؤمنين في ~~العهد النبوي فقال : ( @QUR@09 والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم ~~فأولئك منكم .. ). # أى : والذين آمنوا من بعد المؤمنين السابقين إلى الإيمان والهجرة ، ~~وهاجروا إلى المدينة ، وجاهدوا مع المهاجرين السابقين والأنصار من أجل ~~إعلاء كلمة الله ، فأولئك الذين هذا شأنهم ( @QUR@01 منكم ) أى : من جملتكم ~~أيها المهاجرون والأنصار في استحقاق الموالاة والنصرة ، واستحقاق الأجر من ~~الله ، إلا أن هذا الأجر ينقص عن أجركم ، لأنه لا يتساوى السابق في الإيمان ~~والهجرة والجهاد مع المتأخر في ذلك. # قالوا : والمراد بهذا القسم الرابع من أقسام المؤمنين ، أهل الهجرة ~~الثانية التي وقعت بعد PageV06P169 # الهجرة الأولى ، وقيل المراد بهذا القسم المهاجرون بعد صلح الحديبية ، أو ~~بعد غزوة بدر ، أو بعد نزول هذه الآية ، فيكون الفعل الماضي ( @QUR@01 ~~آمنوا ) وما بعده بمعنى المستقبل. # وقوله : ( @QUR@08 وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله .. ) ~~بيان لحقوق الأقارب بالنسب والأرحام جمع رحم ، وأصله رحم المرأة الذي هو ~~موضع تكوين الولد في بطنها ، وسمى به الأقارب ، لأنهم في الغالب من رحم ms2481 ~~واحدة وأولو الأرحام في اصطلاح علماء الفرائض : هم الذين لا يرثون بفرض ولا تعصيب. # أى : وذوو القرابة بعضهم أولى في التوارث وفي غير ذلك مما تقتضيه مطالب ~~الحياة من التكافل والتراحم. # وقوله : ( @QUR@03 في كتاب الله ) أى : في حكمه الذي كتبه على عباده ~~المؤمنين ، وأوجب به عليهم صلة الأرحام في هذه الآية وغيرها. # قال الآلوسى : «أخرج الطيالسي والطبراني وغيرهما عن ابن عباس قال : آخى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه ، وورث بعضهم من بعض حتى نزلت هذه ~~الآية فتركوا ذلك وتوارثوا بالنسب» (1). # أى أن هذه الآية الكريمة نسخت ما كان بين المهاجرين والأنصار من التوارث ~~بسبب الهجرة والمؤاخاة. # وقوله : ( @QUR@05 إن الله بكل شيء عليم ) تذييل ختمت به السورة الكريمة ~~لحض المؤمنين على التمسك بما اشتملت عليه من آداب وتشريعات وأحكام لينالوا ~~رضاه وثوابه. # أى : إن الله تعالى مطلع على كل شيء مما يدور ويجرى في هذا الكون ، ولا ~~يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، وسيجازى الذين أساؤوا بما عملوا ، ~~ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد مدحت المهاجرين والأنصار مدحا عظيما ، كما ~~مدحت المؤمنين من بعدهم ، وحضت على الجهاد في سبيل الله ، وأمرت بالوفاء ~~بالعهود ، وبالوقوف صفا واحدا في وجه الكفار حتى تكون كلمة الله هي العليا ~~وكلمة الذين كفروا هي السفلى. # وبعد : فهذا ما وفق الله إليه في تفسير سورة الأنفال ، أو سورة بدر كما ~~سماها ابن عباس لأنها تحدثت باستفاضة عن أحداث هذه الغزوة وعن أحوال ~~المشتركين فيها ، وعن PageV06P170 # بشارات النصر التي تقدمتها وصاحبتها وعن غنائمها وأسراها. # كما تحدثت عن صفات المؤمنين الصادقين ، وعن الأقوال والأعمال التي يجب ~~عليهم أن يتمسكوا بها لينالوا رضا الله ونصره ، وعن رذائل المشركين ~~ومسالكهم القبيحة لمحاربة الدعوة الاسلامية ، وعن المبادئ التي يجب أن يسير ~~عليها المسلمون في حربهم وسلمهم ، وعن سنن الله في خلقه التي لا تتغير ولا ~~تتبدل ، والتي من أهمها : # أنه سبحانه لا يسلب نعمة عن قوم إلا بسبب معاصيهم وتنكبهم الطريق القويم ~~، قال تعالى ms2482 : ( @QUR@014 ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم ~~حتى يغيروا ما بأنفسهم ). # وأنه سبحانه قد جعل العاقبة الحسنة للمؤمنين ، والعاقبة السيئة للفاسقين ~~، وأخبر المنحرفين عن صراطه بأنه سيغفر لهم ما سلف من خطاياهم متى أقلعوا ~~عنها ، وأخلصوا له العبادة. # قال تعالى ( @QUR@042 قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن ~~يعودوا فقد مضت سنت الأولين ، وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله ~~لله ، فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير ، وإن تولوا فاعلموا أن الله ~~مولاكم نعم المولى ونعم النصير ). # وختاما : نسأل الله تعالى أن يوفقنا للمداومة على خدمة كتابه ، وأن يهيئ ~~لنا من أمرنا رشدا ، وأن يتمم لنا نورنا ويغفر لنا إنه على كل شيء قدير. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم # د. محمد سيد طنطاوى PageV06P171 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة التوبة PageV06P173 ### ||| * مقدمة # الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، سيدنا محمد ~~وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. # وبعد : فهذا تفسير تحليلي لسورة التوبة ، توخيت فيه أن أبرز ما اشتملت ~~عليه السورة الكريمة من توجيهات سامية ، وآداب عالية ، وهدايات شاملة ، ~~وحكم جليلة ، وتراكيب بليغة .. # والله نسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده ، وشفيعا لنا ~~عنده سبحانه يوم نلقاه ، إنه أكرم مسئول وأعظم مأمول. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم. ||المؤلف د. محمد سيد طنطاوى| PageV06P175 ### ||| * تمهيد بين يدي تفسير سورة التوبة # نقصد بهذا التمهيد كما سبق أن بينا في تفسير السور السابقة إعطاء القارئ ~~صورة واضحة عن السورة التي سنفسرها قبل أن نبدأ في تفسيرها آية آية. فنقول : # 1 سورة التوبة هي السورة التاسعة في ترتيب المصحف ، فقد سبقتها سور ~~الفاتحة ، والبقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ~~، والأنفال. # 2 وعدد آياتها مائة وتسعة وعشرون آية عند الكوفيين. ومائة وثلاثون آية ~~عند جمهور العلماء. # 3 أسماؤها : # عرفت هذه السورة منذ العهد النبوي بجملة من الأسماء منها : # (ا) التوبة : وسميت بهذا الاسم لتكرار الحديث فيها ms2483 عن التوبة والتائبين ~~ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@05 فإن تبتم فهو خير لكم ... ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@09 فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم ~~في الدين ) (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@012 ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله ~~غفور رحيم ) (3). # وقوله تعالى : ( @QUR@013 وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر ~~سيئا عسى الله أن يتوب عليهم ... ) (4). # وقوله تعالى : ( @QUR@09 وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب ~~عليهم ... ) (5). # إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تكررت في هذه السورة عن التوبة ~~والتائبين. # (ب) براءة : وسميت بذلك لافتتاحها بقوله سبحانه : ( @QUR@09 براءة من ~~الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ... ). # وهذان الاسمان التوبة وبراءة هما أشهر أسماء هذه السورة الكريمة. # (ج) الفاضحة : وسميت بهذا الاسم لحديثها المستفيض عن المنافقين وصفاتهم ~~وأحوالهم .. وفضيحتهم على رءوس الأشهاد. PageV06P177 # أخرج البخاري عن سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس : سورة التوبة قال : ~~التوبة هي الفاضحة. ما زالت تنزل : ومنهم ومنهم ، حتى ظنوا أنها لن تبقى ~~أحدا منهم إلا ذكر فيها (1). # (د) المنقرة : وسميت بذلك ، لأنها نقرت عما في قلوب المنافقين والمشركين ~~فكشفت عنه ، وأظهرته للناس. # (ه) المثيرة : وسميت بهذا الاسم ، لأنها أثارت مثالبهم وعوراتهم. أى : ~~أخرجتها من الخفاء إلى الظهور. # (و) المبعثرة : لأنها بعثرت أسرارهم. أى بينتها وعرفتها للمؤمنين. # (ز) المدمرة : أى المهلكة لهم. # إلى غير ذلك من الأسماء التي اشتهرت بها هذه السورة الكريمة (2). # هذا ، وليس في سور القرآن الكريم أكثر أسماء منها ومن سورة الفاتحة. # 4 زمان ومكان نزولها : # قال ابن كثير : هذه السورة الكريمة من أواخر ما نزل على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كما قال البخاري ...» (3). # وقال صاحب المنار : هي مدنية بالاتفاق. وقيل : إلا قوله تعالى ( @QUR@012 ~~ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى ... ) ~~الآية وذلك لما روى في الحديث المتفق عليه من نزولها في النهى عن استغفاره ~~صلى الله عليه وسلم لعمه أبى طالب كما سيأتى تفصيله عند تفسيرها. # ويجاب عنه بجواز أن يكون نزولها تأخر عن ذلك ، وبما يقوله العلماء ms2484 في مثل ~~هذا المقام من جواز نزول الآية مرتين : مرة منفردة ومرة في أثناء السورة. # واستثنى ابن الفرس قوله تعالى ( @QUR@05 لقد جاءكم رسول من أنفسكم ... ) ~~إلى آخر الآيتين اللتين في آخرها ؛ فزعموا أنهما مكيتان. # ويرده ما رواه الحاكم وأبو الشيخ في تفسيره عن ابن عباس من أن هاتين ~~الآيتين من آخر ما نزل من القرآن ، كما يرده أيضا قول الكثيرين من أن هذه ~~السورة نزلت تامة. PageV06P178 # وما يعارض هذا مما ورد في أسباب نزول بعض الآيات ، يجاب عنه بأن أكثر ما ~~روى في أسباب النزول ، كان يراد به أن الآية نزلت في حكم كذا. أعنى أن ~~الرواة كانوا يذكرونها كثيرا في مقام الاستدلال. وهذا لا يدل على نزولها ~~وحدها ، ولا على كون النزول كان عند حدوث ما استدل بها عليه ، كما قلنا ~~آنفا في احتمال نزول آية استنكار الاستغفار للمشركين في المدينة ، وإن كان ~~ما ذكروه من سببها حدث بمكة قبل الهجرة» (1). # وقال بعض العلماء : ومن مراجعة نصوص السورة مراجعة موضوعية ، ومراجعة ما ~~جاء في الروايات المأثورة عن أسباب النزول وملابساته ، ومراجعة أحداث ~~السيرة النبوية كذلك .. يتبين أن السورة بجملتها نزلت في العام التاسع من ~~الهجرة. ولكنها لم تنزل دفعة واحدة. # ومع أننا لا نملك الجزم بالمواقيت الدقيقة التي نزلت فيها مقاطع السورة ~~في خلال العام التاسع ، إلا أنه يمكن الترجيح بأنها نزلت في ثلاث مراحل : # المرحلة الأولى منها : كانت قبل غزوة تبوك في شهر رجب من هذا العام. # والمرحلة الثانية : كانت في أثناء الاستعداد لهذه الغزوة ثم في ثناياها. # والمرحلة الثالثة : كانت بعد العودة منها. # أما مقدمات السورة من أولها إلى نهاية الآية الثامنة والعشرين منها ، فقد ~~نزلت متأخرة في نهاية السنة التاسعة قبيل موسم الحج من ذي القعدة أو في ذي الحجة. # وهذا على الإجمال هو كل ما يمكن ترجيحه والاطمئنان إليه (2). # والذي نراه أن هذا القول هو الذي تسكن إليه النفس في الحديث عن زمان ~~ومكان نزول السورة الكريمة ؛ لأن الذي يستعرض آياتها يراها في مجموعها ترسم ms2485 ~~للمؤمنين ما يجب أن تكون عليه علاقاتهم مع المشركين ، ومع أهل الكتاب ومع ~~المنافقين ؛ ومع غيرهم من الطوائف. # كما يراها ترسم لهم الطريق الذي يجب عليهم أن يتخذوه أساسا لدولتهم. ~~ومنهاجا لحياتهم ، حتى تستمر عزتهم ، وتبقى كلمتهم عالية قوية بعد أن فتح ~~الله لهم مكة وأذل الشرك وأهله. # كما يراها أيضا تتحدث باستفاضة عن أحداث قد وقعت خلال غزوة تبوك أو قبلها ~~أو بعدها. وغزوة تبوك قد كانت في السنة التاسعة من الهجرة. PageV06P179 # 5 لما ذا لم تذكر البسملة في أول سورة التوبة؟. # للإجابة على هذا السؤال ذكر العلماء أقوالا متعددة لخصها القرطبي تلخيصا ~~حسنا فقال : # واختلف العلماء في سبب سقوط البسملة من أول هذه السورة على أقوال خمسة : # الأول : أنه قيل كان من شأن العرب في زمانها في الجاهلية ، إذا كان بينهم ~~وبين قوم عهد وأرادوا نقضه ، كتبوا إليهم كتابا ولم يكتبوا فيه بسملة ؛ ~~فلما نزلت سورة براءة بنقض العهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم ~~والمشركين ، بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب فقرأها عليهم ~~في الموسم ، ولم يبسمل في ذلك على ما جرت به عادتهم في نقض العهود من ترك ~~البسملة. # وقول ثان : روى النسائي قال : حدثنا أحمد قال : حدثنا محمد بن المثنى عن ~~يحيى بن سعيد قال : حدثنا عوف ، قال : حدثنا يزيد الرقاشي وفي صحيح الترمذي ~~يزيد الفارسي قال : قال لنا ابن عباس : قلت لعثمان : ما حملكم على أن عمدتم ~~إلى «الأنفال» وهي من المثاني ، وإلى «براءة» وهي من المئين فقرنتم بينهما ~~، ولم تكتبوا سطر بسم الله الرحمن الرحيم ، ووضعتموها في السبع الطوال ؛ ~~فما حملكم على ذلك؟ # قال عثمان : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه الشيء يدعو ~~بعض من يكتب عنده فيقول : «ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا ~~وكذا» وكانت «الأنفال» من أوائل ما أنزل أى بعد الهجرة ، و «براءة» من آخر ~~القرآن نزولا ، وكانت قصتها شبيهة بقصتها. وقبض رسول الله صلى ms2486 الله عليه وسلم ~~ولم يبين لنا أنها منها فظننت أنها منها ، فمن ثم قرنت بينهما ولم أكتب ~~بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم. # وقول ثالث : روى عن عثمان أيضا. وقال مالك فيما رواه ابن وهب وابن القاسم ~~وابن عبد الحكم : إنه لما سقط أولها سقط بسم الله الرحمن الرحيم معه. # وروى ذلك عن ابن عجلان أنه بلغه أن سورة «براءة» كانت تعدل البقرة أو ~~قربها فذهب منها : فلذلك لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم. # وقال سعيد بن جبير : كانت مثل سورة البقرة. # وقول رابع : قاله خارجة وأبو عصمة وغيرهما. قالوا : لما كتبوا المصحف في ~~خلافة عثمان اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم : براءة ~~والأنفال سورة واحدة ، وقال بعضهم : هما سورتان ، فتركت بينهما فرجة لقول ~~من قال إنهما سورتان وتركت بسم الله الرحمن الرحيم لقول من قال هما سورة ~~واحدة ، فرضي الفريقان معا ، وثبت حجتاهما في المصحف. PageV06P180 # وقول خامس : قال عبد الله بن عباس : سألت على بن أبى طالب لما ذا لم يكتب ~~في براءة بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال : لأن بسم الله الرحمن الرحيم أمان ، ~~وبراءة نزلت بالسيف ليس فيها أمان. # وكذا قال المبرد : إن التسمية افتتاح للخير ، وأول هذه السورة وعيد ونقض ~~عهود ، فلذلك لم تفتتح بالتسمية. # ثم قال القرطبي والصحيح أن التسمية لم تكتب ، لأن جبريل عليه السلام ما ~~نزل بها في هذه السورة ..» (1). # هذا ، وقول القرطبي : والصحيح أن التسمية لم تكتب ... إلخ ، هو القول ~~الذي نعتمده ، وتطمئن إليه قلوبنا ، وقد رجحه المحققون من العلماء. # فقد قال الفخر الرازي وقد ذكر ستة أوجه في سبب إسقاط التسمية من أولها : # الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم أمر بوضع هذه السورة بعد سورة الأنفال وحيا ، ~~وأنه حذف بسم الله الرحمن الرحيم من أول هذه السورة وحيا (2). # وقال الجلال : ولم تكتب فيها البسملة لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر بذلك ~~، كما يؤكد من حديث رواه الحاكم. # أى أنه كما يقول الجمل لا مدخل لرأى أحد في ms2487 الإثبات والترك ، وإنما ~~المتبع في ذلك هو الوحى والتوقيف وحيث لم يبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ~~تعين ترك التسمية ، لأن عدم البيان من الشارع في موضع البيان بيان للعدم» (3). # وقال بعض العلماء : ولم تكتب في أولها البسملة لعدم أمره صلى الله عليه وسلم ~~بكتابتها ، إذ لم ينزل بها جبريل عليه السلام والأصل في ذلك التوقيف». # أما الأقوال الخمسة التي نقلناها عن القرطبي منذ قليل في سبب سقوط ~~البسملة من أول سورة التوبة ، فإننا لا نرى واحدا منها يعتمد عليه في هذا ~~الأمر. لأن القول الأول الذي حكاه بقوله : قيل كان من شأن العرب ... إلخ. ~~إنما هو تعليل عقلي على سبيل الاجتهاد لبيان الحكمة في عدم كتابة البسملة ~~في أولها. ومثل هذا التعليل يقال في القول الخامس الذي حكاه ابن عباس ، عن ~~على بن أبى طالب. PageV06P181 # وأما القول الثاني وهو الحديث الذي رواه النسائي والترمذي فقد علق عليه ~~أحد العلماء المحققين بقوله : «في إسناده نظر كثير ، بل هو عندي ضعيف جدا ، ~~بل هو حديث لا أصل له. يدور إسناده في كل رواياته على «يزيد الفارسي» .. ~~ويزيد الفارسي هذا اختلف فيه : أهو يزيد بن هرمز أم غيره. # قال البخاري في التاريخ الكبير : «قال لي على : قال عبد الرحمن : يزيد ~~الفارسي هو ابن هرمز. قال : فذكرته ليحيى فلم يعرفه ، قال : «وكان يكون مع ~~الأمراء». وفي التهذيب : «قال ابن أبى حاتم : اختلفوا هل هو يعنى ابن هرمز ~~يزيد الفارسي أو غيره ... # فهذا يزيد الفارسي الذي انفرد برواية هذا الحديث يكاد يكون مجهولا ، حتى ~~شبه على مثل ابن مهدى وأحمد والبخاري أن يكون هو ابن هرمز أو غيره. # ويذكره البخاري في الضعفاء ، فلا يقبل منه مثل هذا الحديث ينفرد به ، ~~وفيه تشكيك في معرفة سور القرآن الثابتة بالتواتر القطعي ، قراءة وسماعا ~~وكتابة في المصاحف. وفيه تشكيك في إثبات البسملة في أوائل السور ، كأن ~~عثمان كان يثبتها برأيه وينفيها برأيه ، وحاشاه من ذلك. # فلا علينا إذا قلنا إنه «حديث لا أصل له» تطبيقا للقواعد ms2488 الصحيحة التي لا ~~خلاف فيها بين أئمة الحديث. # قال السيوطي في تدريب الراوي في الكلام على أمارات الحديث الموضوع : أن ~~«يكون منافيا لدلالة الكتاب القطعية ، أو السنة المتواترة ، أو الإجماع ~~القطعي» ... (1). # وأما القول الثالث الذي يقول «إنه لما سقط أولها سقط معه بسم الله الرحمن ~~الرحيم ...» فهو قول ساقط لا يعتد به ، لأنه لا دليل عليه ولا سند له ، ~~ويؤدى الالتفات إليه إلى المساس بقداسة القرآن الكريم ، حيث إن بعض سوره ~~كانت طويلة ثم سقط منها ما سقط. # وأما القول الرابع الذي يزعم قائلوه أن بعض الصحابة قال : «براءة ~~والأنفال سورة واحدة ...» فهو قول ضعيف ولا يعتد به أيضا كسابقه ، لأنه قد ~~عرف واشتهر بأنهما سورتان مستقلتان منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~يومنا هذا. # ولأن الذي يقرأ السورتين بإمعان وتدبر ، يرى أن لكل منهما موضوعاتها ~~الخاصة بها ، والتي اهتمت بها أكثر من غيرها ، فسورة الأنفال تحدثت ~~باستفاضة عن غزوة بدر وما يتعلق بها .. بينما سورة التوبة قد تحدثت ~~باستفاضة عن غزوة تبوك أى في السنة التاسعة. PageV06P182 # قال الحاكم : استفاض النقل أنهما سورتان. # وقال أبو السعود : اشتهارها أى سورة التوبة بهذه الأسماء المتقدمة براءة ~~والفاضحة ... إلخ يقضى بأنها سورة مستقلة ، وليست بعضا من سورة الأنفال ~~...» (1): # وقال بعض العلماء : وهذه الأسماء وغيرها مما ثبت إطلاقه على السورة أى ~~سورة التوبة من الصدر الأول ، لم يعرف إطلاق واحد منها على السورة التي ~~قبلها وهي سورة الأنفال ، كما لم يعرف أنه أطلق اسم سورة الأنفال على هذه ~~السورة. وبذلك احتفظت كل من السورتين منذ العهد الأول بما لها من اسم لم ~~تشاركها فيه صاحبتها. # وكما احتفظت كل من السورتين بما لها من اسم ، احتفظت كل منهما بوقت ~~نزولها ، فسورة الأنفال نزلت بعد غزوة بدر. أى : في السنة الثانية من ~~الهجرة. وسورة التوبة نزلت بعد غزوة تبوك ، وبعد خروج أبى بكر على رأس ~~المسلمين إلى الحج. أى : في أواخر السنة التاسعة. # وكما احتفظت كل منهما بهذا وذاك ، احتفظت كل منهما أيضا بهدفها ms2489 الخاص. # فسورة التوبة عالجت شئونا حدثت بعد زمن طويل من نزول سورة الأنفال ، ~~ومعرفتها باسم سورة الأنفال. وسورة الأنفال عالجت شئونا حدثت قبل نزول سورة ~~التوبة ولم يرد لها ذكر فيها. # ولا شك أن كل هذه الاعتبارات الواضحة المبينة والمحققة في السورتين من ~~الصدر الأول ، تدل دلالة واضحة على أنهما سورتان منفصلتان ، وأن عدهما سورة ~~واحدة رأى لا قيمة له ، كما لا قيمة للاشتباه في استقلال كل منهما حتى يقال ~~: تركت البسملة بينهما نظرا لاحتمال وحدتهما ، وتركت بينهما فرجة نظرا ~~لاحتمال انفصالهما. # وقد عرف مع ترك التسمية بينهما أنهما سورتان مستقلتان من عهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا. # وقد جاءتا كذلك في المصاحف الأولى : مصحف عثمان ، وعلى ، وابن عباس ، فلا ~~معنى بعد هذا كله لإثارة شبهة قد تمس من قرب أو بعد قداسة تنظيم كتاب الله ~~وترتيبه بناء على روايات ضعيفة أو موضوعة (2). # والخلاصة أن القول بأنهما سورة واحدة ، قول لا وزن له ، ولا يعول عليه ~~للأسباب التي ذكرناها آنفا. PageV06P183 # 6 مناسبتها لسورة الأنفال : # قال الآلوسى : ووجه مناسبتها للأنفال أن في الأولى قسمة الغنائم وجعل ~~خمسها لخمسة أصناف على ما علمت ، وفي هذه قسمة الصدقات وجعلها لثمانية ~~أصناف على ما ستعلم إن شاء الله. # وفي الأولى أيضا ذكر العهود وهنا نبذها. وأنه سبحانه أمر في الأولى ~~بالإعداد فقال : ( @QUR@06 وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) ونعى هنا على ~~المنافقين عدم الإعداد بقوله : ( @QUR@06 ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ). # وأنه سبحانه ختم الأولى بإيجاب أن يوالى المؤمنون بعضهم بعضا وأن يكونوا ~~منقطعين عن الكفار بالكلية ، وصرح جل شأنه في هذه بهذا المعنى فقال : ( ~~@QUR@09 براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين .. ). # إلى غير ذلك من وجوه المناسبة (1). # وقال صاحب المنار : وأما التناسب بينها وبين ما قبلها فإنه أظهر من ~~التناسب بين سائر السور بعضها مع بعض ، فهي أى التوبة كالمتممة لسورة ~~الأنفال في معظم ما فيهما من أصول الدين وفروعه والسنن الإلهية والتشريع ~~وأحكام المعاهدات .. فما بدئ به ms2490 في الأولى أتم في الثانية ، مثال ذلك. # 1 أن العهود ذكرت في سورة الأنفال ، وافتتحت سورة التوبة بتفصيل الكلام ~~فيها ، ولا سيما نبذها الذي قيد في الأولى بخوف خيانة الأعداء. # 2 تفصيل الكلام في قتال المشركين وأهل الكتاب في كل منهما. # 3 ذكر في الأولى صد المشركين عن المسجد الحرام وأنهم ليسوا بأوليائه ، ~~وجاء في الثانية ( @QUR@07 ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ... ). # 4 ذكر في أول الأولى صفات المؤمنين الكاملين ، وذكر بعد ذلك بعض صفات ~~الكافرين ، ثم ذكر في آخرها حكم الولاية بين كل من الفريقين. وجاء في ~~الثانية مثل هذا في مواضع أيضا (2). # والحق أن الذي يقرأ السورتين بتأمل وتدبر يراهما تعطيانه ما يشبه أن يكون ~~صورة تاريخية مجملة لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم وجهاده إلى أن أتم الله له ~~نعمة النصر. PageV06P184 # فمثلا عند ما نقرأ سورة الأنفال نراها تتحدث عن حالة المسلمين قبل الهجرة ~~كما في قوله تعالى ( @QUR@011 واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض ~~تخافون أن يتخطفكم الناس ... ) الآية 26. # كما تتحدث عن المكر السيئ الذي صدر عن المشركين والذي كان من أسباب ~~الهجرة ، كما في قوله تعالى ( @QUR@016 وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو ~~يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) الآية 30. # ثم نراها تفيض في الحديث عن غزوة بدر ، وتشير إلى ما ظهر من المنافقين ~~فيها ( @QUR@010 إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ) ~~. الآية 49. وإلى ما حدث من اليهود من نقض للعهود ( @QUR@014 وإما تخافن من ~~قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين ) الآية 58. # أما سورة التوبة فنراها تذكر المسلمين بالنصر الذي منحه الله لهم في ~~مواطن كثيرة قال تعالى ( @QUR@06 لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ... ) ~~«الآية 25» كما تصف بالتفصيل مواقف المنافقين في غزوة تبوك وغيرها. # ولعل قيام السورتين الكريمتين بإعطاء القارئ ما يشبه أن يكون صورة ~~تاريخية مجملة للدعوة الإسلامية هو الحكمة في وضعهما مقترنتين وفي تسميتهما ~~بالقرينتين. # قال القرطبي : كانتا تدعيان القرينتين ؛ فوجب أن ms2491 تجمعا وتضم إحداهما إلى ~~الأخرى ؛ للوصف الذي لزمهما من الاقتران ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي. (1). # 7 المقاصد الإجمالية لسورة التوبة : # عند ما نقرأ سورة التوبة بتأمل وتدبر نراها في مطلعها تحدد تحديدا حاسما ~~المنهاج الذي يجب أن يسلكه المؤمنون في علاقتهم مع المشركين ، وتبين بوضوح ~~وجلاء الأسباب التي تدعو المؤمنين إلى التزام هذا المنهاج. # فهي في أولها تعلن براءة الله ورسوله من المشركين بسبب خيانتهم ، وتمنحهم ~~الأمان لمدة أربعة أشهر لكي يدبروا فيها أمر أنفسهم ، وتعلن للناس عامة يوم ~~الحج الأكبر أن الله ورسوله قد برئا من عهود المشركين ، وأنها قد نبذت ~~إليهم ، وتستثني من هؤلاء المشركين أولئك الذين لم ينقضوا ، فتأمر المؤمنين ~~بأن يتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ، فإذا ما انتهت مدة الأمان فعلى المؤمنين ~~أن يقتلوا المشركين الناكثين حيث وجدوهم ، وأن يؤمنوا من يطلب الأمان منهم ~~حتى يسمع القرآن ويتدبره ، ويطلع على حقيقة الإسلام. وبذلك لا يبقى له عذر. PageV06P185 # استمع إلى السورة الكريمة وهي تصور كل هذه المعاني بأسلوبها البليغ ~~الحاسم فتقول : ( @QUR@055 براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من ~~المشركين* فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ، واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن ~~الله مخزي الكافرين* وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن ~~الله بريء من المشركين ورسوله ؛ فإن تبتم فهو خير لكم ، وإن توليتم فاعلموا ~~أنكم غير معجزي الله ، وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ). # ثم تسوق السورة بعد ذلك الأسباب التي دعت إلى البراءة من المشركين. والتي ~~أوجبت على المؤمنين قتالهم ، وحرضتهم على ذلك بأنواع من المشجعات فقالت : # ( @QUR@042 ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم ~~بدؤكم أول مرة ، أتخشونهم؟ فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين* قاتلوهم ~~يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين* ويذهب غيظ ~~قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم ). # ثم توجه السورة الكريمة خطابها إلى الذين شق عليهم القتال من المؤمنين ، ~~وتبين أن الحكمة في الأمر به ، إنما هي الامتحان والتمحيص فتقول ms2492 : # ( @QUR@024 أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ، ولم ~~يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون ). # ثم تصرح السورة الكريمة بعد ذلك بأن المؤمنين وحدهم هم الذين من حقهم أن ~~يعمروا مساجد الله ... أما المشركون فليس من حقهم ذلك بسبب كفرهم ونجاستهم. # قال تعالى : ( @QUR@041 ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على ~~أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون* إنما يعمر مساجد ~~الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله ~~فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ). # فإذا ما وصلنا إلى الرابع الثاني من سورة التوبة رأيناها في أوائله توجه ~~إلى المؤمنين نداء تأمرهم فيه أن يؤثروا محبة الله ورسوله على محبة الآباء ~~والأبناء والأموال .. وتهدد من يخالف ذلك فتقول : # ( @QUR@053 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن ~~استحبوا الكفر على الإيمان ، ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون* قل إن ~~كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة ~~تخشون كسادها ، ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ، ~~فتربصوا حتى يأتي الله بأمره ، والله لا يهدي القوم الفاسقين ). PageV06P186 # ثم أخذت السورة الكريمة في تذكير المؤمنين بألوان من نعم الله عليهم ، ~~حيث نصرهم. سبحانه : على أعدائهم في مواطن كثيرة ، وحيث أيدهم بعونه بعد أن ~~ضاقت عليهم الأرض بما رحبت. # قال تعالى : ( @QUR@041 لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ، ويوم حنين إذ ~~أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ، وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم ~~مدبرين* ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ، وأنزل جنودا لم ~~تروها ، وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين ). # ثم وجهت إليهم نداء ثانيا نهتهم فيه عن تمكين المشركين من قربان المسجد ~~الحرام ، وبشرتهم بأن الله تعالى سيغنيهم من فضله متى تابوا إليه وأطاعوه. # قال تعالى : ( @QUR@028 يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا ~~يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من ms2493 ~~فضله إن شاء إن الله عليم حكيم ) (الآية 28). # وإلى هنا نرى السورة الكريمة قد حددت تحديدا حاسما المنهاج الذي يجب أن ~~يسلكه المؤمنون في علاقاتهم مع المشركين ، وأبرزت بصورة واضحة ومقنعة ~~الأسباب المتنوعة التي أوجبت سلوك هذا المنهاج. # وتلك عادة القرآن الكريم في تشريعاته ، لا تكاد تجد تشريعا من تشريعاته ~~إلا وقد صاحبته الحكمة التي كان لأجلها هذا التشريع ، والتي من شأنها أن ~~تدفع الناس إلى المسارعة في التنفيذ والامتثال. # ثم بدأت السورة بعد ذلك في تحديد المنهاج الذي يجب أن يسلكه المؤمنون في ~~علاقاتهم مع المنحرفين من أهل الكتاب ، وأبرزت ، أيضا : الأسباب التي تدعو ~~إلى التزام هذا المنهاج ، فأمرت باستمرار قتالهم ، وذكرت ما هم عليه من ~~صفات سيئة تحمل المؤمنين على تأديبهم ، وأرشدت إلى ما كان عليه رؤساؤهم من ~~أكل لأموال الناس بالباطل ، ومن صد عن سبيل الله ، استمع إلى الآيات ~~الكريمة وهي تحكى كل ذلك فتقول : # ( @QUR@052 قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ، ولا يحرمون ~~ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا ~~الجزية عن يد وهم صاغرون* وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ~~ابن الله ، ذلك قولهم بأفواههم يضاهؤن قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله ~~أنى يؤفكون ). # ( @QUR@013 يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون ~~أموال الناس بالباطل PageV06P187 # @QUR@016 ويصدون عن سبيل الله ، والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ~~في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ). # ثم وجهت السورة نداء رابعا إلى المؤمنين ، نعت فيه على المتثاقلين الذين ~~دعوا إلى الجهاد فتكاسلوا عنه .. وحذرتهم من سوء عاقبة هذا التكاسل وذكرتهم ~~بما كان من نصر الله تعالى لنبيه وقت أن أحاط به المشركون وهو في الغار ، ~~وأمرتهم بالخروج للجهاد في حالتي اليسر والعسر والمنشط والمكره. # قال تعالى : ( @QUR@045 يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا ~~في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ، أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ، فما ~~متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل* إلا تنفروا ms2494 يعذبكم عذابا أليما ~~ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا ، والله على كل شيء قدير ). # وبعد هذه الدعوة الحارة للمؤمنين إلى الجهاد في سبيل الله بالنفس ~~والأموال بدأت السورة الكريمة في الحديث عن المنافقين ، فكشفت عن أصنافهم ~~وأوصافهم ، ورسمت أحوالهم النفسية والعملية ، وفضحت مواقفهم في غزوة تبوك ~~وما كان منهم قبلها وبعدها وأثناءها ، وأظهرت حقيقة نواياهم وحيلهم ~~ومعاذيرهم عن القتال ، وأزاحت الستار عن أساليب نفاقهم وألوان فتنهم ~~وتخذيلهم للمؤمنين ، وحكت ما كانوا ينطقون به من سوء في حق النبي ~~صلى الله عليه وسلم وفي حق أصحابه. # وقد استغرق الحديث عن المنافقين زهاء نصف سورة التوبة أى من أواخر الربع ~~الثالث منها إلى نهاية الربع السابع. # وقد تركتهم السورة الكريمة بعد هذا الكشف السافر لأحوالهم : عراة من ~~الخير أمام المؤمنين ، منبوذين من جماعة المسلمين ، مميزين بصفاتهم القبيحة ~~التي فصلها القرآن تفصيلا يجعل العقلاء يعرفونهم ويحذرونهم. # فمن صفاتهم الذميمة ومسالكهم الخبيثة التي تحدثت السورة عنها : # (أ) الفرار من مواطن الجد والجهاد ، والتعلل بالأعذار الكاذبة ، والتستر ~~بالأيمان الفاجرة ، وقد حكت السورة عنهم ذلك في مواضع كثيرة منها. # قال تعالى : ( @QUR@023 لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت ~~عليهم الشقة ، وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله ~~يعلم إنهم لكاذبون ): # وقوله تعالى : ( @QUR@015 ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة ~~سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ). PageV06P188 # وقوله تعالى : ( @QUR@027 فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله ، وكرهوا ~~أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ، وقالوا لا تنفروا في الحر ، قل ~~نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون ): # وقوله تعالى : ( @QUR@029 وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع ~~رسوله استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين* رضوا بأن ~~يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون ). # (ب) إشاعة الفتنة في صفوف الجيش الإسلامى متى وجدوا فيه ، أى أن خلو ~~الجيش منهم خير وبركة ووجودهم فيه شر وفتنة. # قال تعالى ( @QUR@017 لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم ~~يبغونكم الفتنة وفيكم ms2495 سماعون لهم والله عليم بالظالمين ). # (ج) كراهتهم الخير للرسول صلى الله عليه وسلم ولأصحابه ، ومحبتهم السوء لهم. # قال تعالى : ( @QUR@016 إن تصبك حسنة تسؤهم ، وإن تصبك مصيبة يقولوا قد ~~أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون ). # (د) تكاسلهم عن أداء الشعائر الدينية بسبب فسوقهم وكفرهم : # قال تعالى : ( @QUR@034 قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم ~~قوما فاسقين* وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ~~ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون ). # (ه) تظاهرهم بالإسلام تقية وجبنهم عن التصريح بما هم عليه من كفر. # قال تعالى : ( @QUR@021 ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم ~~يفرقون* لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون ). # (و) طعنهم على الرسول صلى الله عليه وسلم في قسمة الأموال وفي توزيع الصدقات ~~بقصد إشاعة التهم الباطلة حوله. # قال تعالى : ( @QUR@016 ومنهم من يلمزك في الصدقات ، فإن أعطوا منها رضوا ~~وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ). # (ز) وصفهم للرسول صلى الله عليه وسلم بأنه أذن أى يصدق كل ما يقال له بدون ~~تثبت ... # قال تعالى : ( @QUR@026 ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن ~~خير لكم ، يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم ، والذين ~~يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ). PageV06P189 # (ح) استهزاؤهم بتعاليم الإسلام فيما بينهم ، واعتذارهم عن ذلك بأنهم لم ~~يكونوا جادين فيما ينطقون به من سوء ، وتكذيب الله لهم فيما اعتذروا عنه. # قال تعالى : ( @QUR@046 يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في ~~قلوبهم ، قل استهزؤا إن الله مخرج ما تحذرون* ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا ~~نخوض ونلعب ، قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن* لا تعتذروا قد كفرتم ~~بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين ). # (ط) تعاطفهم فيما بينهم وتعاونهم على الإثم والعدوان لا على البر ~~والتقوى. # قال تعالى : ( @QUR@019 المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون ~~بالمنكر وينهون عن المعروف ، ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين ms2496 ~~هم الفاسقون ). # (ى) سخريتهم من فقراء المؤمنين ، لأنهم يتصدقون بالقليل الذي لا يملكون سواه. # قال تعالى : ( @QUR@020 الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات ~~والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم ). # (ك) نقضهم للعهود ، وبخلهم بما آتاهم الله من فضله. # قال تعالى : ( @QUR@021 ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ~~ولنكونن من الصالحين* فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون ). # (ل) اتخاذهم مسجدا لهم لا من أجل العبادة ، وإنما من أجل المضارة وإيذاء ~~المسلمين ومحاولة تفريق كلمتهم ، وتشتيت وحدتهم. # قال تعالى : ( @QUR@024 والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين ~~المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل ، وليحلفن إن أردنا إلا ~~الحسنى ، والله يشهد إنهم لكاذبون ). # وهكذا نرى السورة الكريمة قد تتبعت المنافقين ، فكشفت عن أصنافهم ~~وأوصافهم وأحوالهم .. بصورة تجعل المؤمنين الصادقين يعرفونهم ويحذرونهم. # بعد ذلك اتجهت السورة : في أواخرها بالحديث إلى المؤمنين الصادقين. # (أ) فذكرتهم بالتعاقد الذي بينهم وبين خالقهم : عز وجل وبشرتهم برضوانه ~~ومحبته متى وفوا بعهودهم فقال ، تعالى : # ( @QUR@037 إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ~~يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل ~~والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ، وذلك هو ~~الفوز العظيم ). PageV06P190 # (ب) وأعلمتهم بأن إيمانهم يحتم عليهم عدم الاستغفار لمن خالفهم في الدين ~~مهما بلغت درجة قرابته. # ( @QUR@020 ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا ~~أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ). # (ج) وأمرتهم بأن يصحبوا رسولهم : صلى الله عليه وسلم : في جهاده للأعداء ، ~~وأن يكابدوا معه الشدائد والأهوال برغبة ونشاط ؛ لأن كل تعب يلحقهم معه ~~مكتوب لهم في سجل حسناتهم. # ( @QUR@052 ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول ~~الله ، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ، ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا ~~مخمصة في سبيل الله ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا ms2497 إلا ~~كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ). # (د) وأرشدتهم إلى أنه في حالة عدم خروج النبي صلى الله عليه وسلم معهم ~~للجهاد ، عليهم أن يقسموا أنفسهم إلى قسمين : قسم يخرج للجهاد وقسم آخر ~~يبقى مع النبي صلى الله عليه وسلم ليتعلم منه العلم ويحفظ عنه ما تجدد من أحكام. # ( @QUR@023 وما كان المؤمنون لينفروا كافة ، فلو لا نفر من كل فرقة منهم ~~طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ): # (ه) ثم ختم. سبحانه. هذه السورة الكريمة بهاتين الآيتين الدالتين على ~~سابغ رحمته بعباده ، حيث أرسل إليهم رسولا من أنفسهم حريصا على منفعتهم ~~رحيما بهم ، فقال تعالى : # ( @QUR@029 لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم ~~بالمؤمنين رؤف رحيم. فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو ~~رب العرش العظيم ). # أما بعد : فهذا عرض إجمالى لما اشتملت عليه سورة التوبة من موضوعات ومن ~~هذا العرض يتبين لنا أن السورة الكريمة قد اهتمت بأمور معينة من أهمها ما يأتى : # 1 رسم المنهاج النهائى الذي يجب أن يسير عليه المسلمون في علاقاتهم مع ~~مشركي العرب ، ومع أهل الكتاب ، ومع المنافقين ، مع بيان الأسباب التي تدعو ~~المسلمين إلى التزام هذا المنهاج. # 2 كشف الغطاء عن المنافقين وأصنافهم وأوصافهم ، وعما انطوت عليه قلوبهم ~~من أحقاد ، وعما سلكوه من مسالك خبيثة لمحاربة الدعوة الإسلامية ، ومناوأة ~~أتباعها الصادقين. # وقد أفاضت السورة في الحديث عن ذلك إفاضة لا توجد في غيرها من سور القرآن ~~الكريم. PageV06P191 # 3 حددت السورة الكريمة معالم المجتمع الإسلامى بعد أن تم فتح مكة ، وبعد ~~أن دخل الناس في دين الله أفواجا. # فأثنت على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ~~ووعدتهم بالفوز العظيم. # قال تعالى : ( @QUR@025 والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين ~~اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه ، وأعد لهم جنات تجري تحتها ~~الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم ). # وحكمت على كل فريق من المتخلفين عن غزوة تبوك ms2498 من أهل المدينة وما حولها ~~بالحكم الذي يناسبه. # قال تعالى : ( @QUR@022 وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة ~~مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب ~~عظيم ). # وقال تعالى : ( @QUR@013 وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر ~~سيئا عسى الله أن يتوب عليهم ). # وقال تعالى : ( @QUR@09 وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب ~~عليهم ). # وهكذا نرى السورة الكريمة قد وضحت الطوائف المتنوعة التي كان المجتمع ~~الإسلامى يتكون منها عند نزولها ، أى : بعد أن تم فتح مكة. # 4 يؤخذ من الحديث المستفيض الذي ساقته السورة عن المنافقين وصفاتهم ~~وأحوالهم .. أنهم بعد فتح مكة بدأت دولتهم تعود إلى الظهور في المجتمع ~~الإسلامى بينما كانت قبيل الفتح قد أوشكت على التلاشى والاندثار. # ولعل السبب في ذلك : أن كثيرا من الناس قد دخل في الإسلام بعد أن فتحت ~~مكة ، لأسباب دنيوية متنوعة ، دون أن يستقر الإيمان بالله في قلوبهم ، ~~وإنما بقيت آثار الجاهلية لها وزنها في تحريك طباعهم واتجاهاتهم وأفكارهم. # قال بعض العلماء : سياق السورة يرسم صورة كاملة للمجتمع المسلم في فترة ~~ما بعد الفتح ، ويصف تكوينه العضوى ، ومن هذه الصورة يتجلى نوع من الخلخلة ~~وقلة التناسق بين مستوياته الإيمانية ، كما تتكشف ظواهر وأعراض من الشح ~~بالنفس والمال ، ومن النفاق والضعف ، والتردد في الواجبات والتكاليف ، ~~والخلط وعدم الوضوح في تصور العلاقات بين PageV06P192 # المعسكر الإسلامى والمعسكرات الأخرى ، وعدم المفاضلة الكاملة على أساس ~~العقيدة ، وإن كان هذا كله لا يتعارض مع وجود القاعدة الصلبة الأمينة ~~الخالصة من المهاجرين والأنصار ، مما استدعى حملات مفصلة ومنوعة للكشف ~~والتوعية والبيان والتقرير تفي بحاجة المجتمع إليها. # وإن سبب هذه الحالة هو دخول جماعات كثيرة متنوعة من الناس في الإسلام بعد ~~الفتح ، لم تتم تربيتها ، ولم تنطبع بعد بالطابع الإسلامى الأصيل (1). # 5 عرضت السورة لبيان كثير من الأحكام والإرشادات التي تحتاج إليها الدولة ~~الناشئة ، كحديثها عن مصارف الزكاة ، وعن الجهاد وموجباته ، وعن العهود ~~وأحكامها ، وعن الأشهر الحرم .. إلى غير ذلك من الأحكام. # هذا ، ولعلنا ، بعد هذا التمهيد ms2499 الذي سقناه بين يدي تفسير سورة التوبة ~~نكون قد أعطينا القارئ الكريم فكرة واضحة عن أسماء هذه السورة ، وعن زمان ~~ومكان نزولها ، وعن السبب في عدم ذكر البسملة في أولها ، وعن مقاصدها ~~وموضوعاتها الإجمالية. # والله نسأل أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه ، وأن يجنبنا الزلل والانحراف عن ~~الطريق القويم. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV06P193 ### ||| * تفسير سورة التوبة قال تعالى : # ( @QUR@09 براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين (1) ~~@QUR@014 فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله ~~مخزي الكافرين (2) @QUR@032 وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج ~~الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم ~~فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم (3) @QUR@022 إلا ~~الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا ~~فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين ) (4) # قال الإمام ابن كثير : أول هذه السورة نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لما رجع من غزوة «تبوك» وهم بالحج ، ثم ذكر أن المشركين يحضرون عامهم هذا ~~الموسم على عادتهم في ذلك ، وأنهم يطوفون بالبيت عراة ، فكره مخالطتهم وبعث ~~أبا بكر الصديق رضى الله عنه أميرا على الحج تلك السنة ، ليقيم للناس ~~مناسكهم ، ويعلم المشركين أن لا يحجوا بعد عامهم هذا ، وأن ينادى بالناس ( ~~@QUR@04 براءة من الله ورسوله .. )، فلما قفل أتبعه بعلى بن أبى طالب ، ~~ليكون مبلغا عنه صلى الله عليه وسلم لكونه عصبة له (1). PageV06P194 # وقال محمد بن إسحاق : لما نزلت ( @QUR@01 براءة ) على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقد كان بعث أبا بكر الصديق رضى الله عنه ليقيم للناس الحج ~~، قيل له : يا رسول الله ، لو بعثت بها إلى أبى بكر؟ فقال : «لا يؤدى عنى ~~إلا رجل من أهل بيتي». # ثم دعا على بن أبى طالب فقال له : اخرج بهذه القصة من صدر براءة ، وأذن ~~في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى : أنه لا يدخل الجنة كافر ، ولا ms2500 يحج ~~بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان له عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عهد فهو له إلى مدته. # فخرج على بن أبى طالب على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم «العضباء» حتى ~~أدرك أبا بكر بالطريق ، فلما رآه أبو بكر قال : أمير أم مأمور؟ فقال : بل ~~مأمور. ثم مضيا ، فأقام أبو بكر للناس الحج ، والعرب إذ ذاك في تلك السنة ~~على منازلهم من الحج التي كانوا عليها في الجاهلية. # حتى إذا كان يوم النحر قام على بن أبى طالب فأذن في الناس بالذي أمره به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أيها الناس ، إنه لا يدخل الجنة كافر ، ~~ولا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان له عهد عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فهو إلى مدته ، وأجل الناس أربعة أشهر من يوم أذن ~~فيهم ، ليرجع كل قوم إلى مأمنهم وبلادهم ، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة ، إلا ~~أحد كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عهد إلى مدة ، فهو له إلى ~~مدته. فلم يحج بعد العام مشرك ، ولم يطف بالبيت عريان ، ثم قدما على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم (1). # وقال الفخر الرازي : روى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة تبوك ~~وتخلف المنافقون وأرجفوا الأراجيف ، جعل المشركون ينقضون العهد ، فنبذ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم العهد إليهم (2). # هذه بعض الآثار التي ذكرها المفسرون في هذا المقام. # وقوله تعالى : ( @QUR@01 براءة ) مصدر برئ «كتعب» ، وأصل البراءة : ~~التباعد عن الشيء والتخلص منه. تقول : برئت من هذا الشيء أبرأ براءة فأنا ~~منه برىء ، إذا أزلته عن نفسك ، وقطعت الصلة بينك وبينه. ومنه قولهم : برئت ~~من الدين أى تخلصت منه. PageV06P195 # ولفظ ( @QUR@01 براءة ) مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف ، والتنوين فيه ~~للتفخيم و ( @QUR@01 من ) لابتداء الغاية ، والعهد : العقد الموثق باليمين ~~، والخطاب في قوله ( @QUR@01 عاهدتم ) للمسلمين. # والمعنى : هذه براءة واصلة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ms2501 ~~بسبب نقضهم لعهودهم ، وإصرارهم على باطلهم ... # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم علقت البراءة بالله ورسوله والمعاهدة ~~بالمسلمين؟. # قلت : قد أذن الله في معاهدة المشركين أولا ، فاتفق المسلمون مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعاهدوهم ، فلما نقضوا العهد أوجب الله تعالى النبذ ~~إليهم ، فخوطب المسلمون بما تجدد من ذلك فقيل لهم : اعلموا أن الله ورسوله ~~قد برئا مما عاهدتم به المشركين. # وروى أنهم عاهدوا المشركين من أهل مكة وغيرهم من العرب ، فنكثوا إلا ناسا ~~منهم ، فنبذ العهد إلى الناكثين ، وأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر ~~آمنين ..» (1). # وقال بعض العلماء : والمعنى أن الله قطع ما بينه وبين المشركين من صلات ~~فلا عهد ولا تعاهد ولا سلم ولا أمان ، وتركهم تعمل فيهم سيوف المؤمنين حتى ~~يقوموهم أو يبيدوهم. ولا يدخل في هذا التبري قطع رحمته العامة عنهم التي ~~كتبها على نفسه من جهة أنه الخالق وأنهم المخلوقون ... فهو مع هذا التبري ~~لا يزال من هذه الجهة يرحمهم بمنح الحياة وموارد الرزق ، والتمكين من العمل ~~حسب تقديره العام وسنته الشاملة في خلقه ولو أن التبري كان على إطلاقه لما ~~عاش كافر طرفة عين ، ولما استطاع كافر أن يقف في وجه مسلم. # فالآية تقرر حكما تكليفيا للمسلمين في شأن معاملة المشركين .. # واعتبار أن الآية تقرر حكما شرعيا والمشرع هو الله أضيف صدور البراءة ~~إليه سبحانه وعطف عليه الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا المقام ، لأنه هو ~~المبلغ عنه ، والمنفذ لما يبلغه .. # ولما كان التعاهد بين المؤمنين وغيرهم تنفيذا لأمر الله به ، وأصله حق ~~لجماعتهم ، وإنما يقوم الإمام به نائبا عن الجماعة ، أضيف أى التعاهد إلى ~~جماعة المسلمين ، فقيل : ( @QUR@01 عاهدتم ).. وكثيرا ما ينسب القرآن ~~الأحكام العامة لجماعة المؤمنين ... # ويؤخذ من تقرير البراءة من المشركين في هذه الآية جواز نبذ العهود لمن ~~كان بيننا وبينه PageV06P196 # عهد متى رأى الإمام مصلحة الأمة في ذلك ، كأن خيف منهم خيانة ، أو نقضوا ~~شيئا من شروط المعاهدة ، أو وضعت المعاهدة على غير شرط احترامها الشرعي ، ~~وذلك كله ms2502 أخذا من هذا المقام ، ومن قوله تعالى في سورة الأنفال : ( @QUR@09 ~~وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء ). # كما يؤخذ أن عقد المعاهدات إنما هو حق للجماعة ، يوافق عليه أصحاب الرأى ~~والاختصاص في موضوع المعاهدة ، وما هو في مصلحة الجماعة ، ثم يباشرها ~~الإمام بعد ذلك نيابة عن الجماعة (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@05 فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ... ) بيان للمهلة ~~التي منحها سبحانه للمشركين ليدبروا فيها أمرهم. # والسياحة في الأصل : جريان الماء وانبساطه على موجب طبيعته ، ثم استعملت ~~في الضرب في الأرض والاتساع في السير والتجوال. يقال : ساح فلان في الأرض ~~سيحا وسياحة وسيوحا إذا تنقل بين أرجائها كما يشاء. # والخطاب للمؤمنين على تقدير القول. أى : فقولوا أيها المؤمنون للمشركين ~~سيحوا في الأرض أربعة أشهر. # ويجوز أن يكون الخطاب للمشركين أنفسهم على طريقة الالتفات من الغيبة إلى ~~الحضور ، لقصد تهيئة خطابهم بالوعيد المذكور بعد ذلك في قوله سبحانه ( ~~@QUR@05 واعلموا أنكم غير معجزي الله ). # والمقصود بالأمر في قوله : ( @QUR@01 فسيحوا ) الإباحة والإعلام بحصول ~~الأمان لهم في تلك المدة من أن يقتلوا أو يقاتلوا أو يعتدى عليهم .. # والمعنى : قولوا أيها المسلمون للمشركين بعد هذه البراءة منهم ، سيحوا في ~~الأرض ، أى : سيروا فيها مقبلين ومدبرين حيث شئتم وأنتم آمنون في هذه المدة. # وفي التعبير بقوله ( @QUR@01 فسيحوا ) من الدلالة على كمال التوسعة ، ما ~~ليس في قوله ( @QUR@01 سيروا ) أو ما يشبهه ، لأن لفظ السياحة يدل على ~~الاتساع في السير والبعد عن المدن ، وعن موضع العمارة. PageV06P197 # والحكمة في إعطائهم هذه المدة تمكينهم من النظر والتدبر في أمر أنفسهم ~~حتى يختاروا ما فيه مصلحتهم ، ويعلموا أنهم ليس أمامهم بعد هذه المدة إلا ~~الإسلام أو السيف ، ولكي لا ينسب إلى المسلمين الغدر ونبذ العهد دون إعلام ~~أو إنذار. # وهذا من سمو تعاليم الإسلام. تلك التعاليم التي لم تبح لأتباعها أن ~~يأخذوا أعدى أعدائهم على غرة ، بل منحت هؤلاء الأعداء مهلة كافية يدبرون ~~فيها أمر أنفسهم وهم آمنون من أن يتعرض لهم أحد من المسلمين بأذى. # ومتى كان ذلك؟ كان ذلك في ms2503 الوقت الذي نقض فيه المشركون عهودهم عند أول ~~بادرة لاحت لهم ، وفي الوقت الذي أرجف فيه المرجفون أن المسلمين لن يعودوا ~~من تبوك سالمين ، بل إن الروم سيأخذونهم أسرى ، وفي الوقت الذي كانت ~~المجتمعات فيه يغزو بعضها بعضا بدون إنذار أو إعلام ... # فإن قيل : وما الحكمة في تقدير هذه المهلة بأربعة أشهر؟ # فالجواب كما يقول الجمل اقتصر على الأربعة هنا لقوة المسلمين إذ ذاك ، ~~بخلاف صلح الحديبية فإنه كان لمدة عشر سنين لضعف المسلمين إذ ذاك ، والحاصل ~~أن المقرر في الفروع أنه إذا كان بالمسلمين ضعف جاز عقد الهدنة عشر سنين ~~فأقل ، وإذا لم يكن بهم ضعف لم تجز الزيادة على أربعة أشهر (1). # وقال بعض العلماء : ولعل الحكمة في تقدير تلك المدة بأربعة أشهر ، أنها ~~هي المدة التي كانت تكفى إذ ذاك بحسب ما يألفون لتحقيق ما أبيح لهم من ~~السياحة في الأرض ، والتقلب في شبه الجزيرة على وجه يمكنهم من التشاور ~~والأخذ والرد مع كل من يريدون أخذ رأيه في تكوين الرأى الأخير ، وفيه فوق ~~ذلك مسايرة للوضع الإلهى في جعل الأشهر الحرم من شهور السنة أربعة. # على أنا نجد في القرآن جعل الأربعة الأشهر أمدا في غير هذا فمدة إيلاء ~~الرجل من زوجه أربعة أشهر وعدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر. # ولعل ذلك وراء ما يعلم الله أنها المدة التي تكفى بحسب طبيعة الإنسان ~~لتقليب وجوه النظر فيما يحتاج إلى النظر ، وتبدل الأحوال على وجه تستقر فيه ~~إلى ما يقصد فيه. PageV06P198 # ويؤخذ من تقرير الهدنة للأعداء في هذا المقام تقرر مبدأ الهدنة والصلح في ~~الإسلام ، طلبها العدو أم تقدم بها المسلمون ، وأصل ذلك مع هدنة المشركين ~~هذه قوله تعالى في سورة الأنفال .. ( @QUR@08 وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ~~وتوكل على الله ) وأن مدتها تكون على حسب ما يرى الإمام وأرباب الشورى ~~المقررة في قوله تعالى ( @QUR@03 وشاورهم في الأمر ) (1). # وقد اختلف المفسرون في ابتداء هذه الأشهر الأربعة فقال مجاهد والسدى ~~وغيرهما : كان ابتداء هذه الأشهر الأربعة يوم الحج الأكبر ms2504 من السنة التاسعة ~~ونهايتها في العاشر من شهر ربيع الآخر من السنة العاشرة ، وذلك لأن ~~المشركين قد أعلموا بهذه المهلة يوم النحر من السنة التاسعة على لسان على ~~بن أبى طالب كما سبق أن بينا. # وقيل كان ابتداء هذه الأشهر الأربعة يوم النحر لعشر من ذي القعدة من ~~السنة التاسعة ونهايتها في اليوم العاشر من شهر ربيع الأول من السنة ~~العاشرة ، وذلك لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت بسبب النسيء الذي ~~ابتدعه المشركون. # والرأى الأول أرجح وعليه الأكثرون ، لأن معظم الآثار تؤيده. وكذلك اختلف ~~المفسرون اختلافا كبيرا فيمن تنطبق عليهم هذه المهلة ، فقال مجاهد ؛ هذا ~~تأجيل للمشركين مطلقا ، فمن كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر رفع إليها ، ~~ومن كانت أكثر حط إليها ، ومن كان عهده بغير أجل حد بها. ثم هو بعد ذلك حرب ~~لله ولرسوله ، يقتل حيث أدرك ، ويؤسر ، إلا أن يتوب ويؤمن (2). # وقال آخرون : كانت هذه الأربعة الأشهر مهلة لمن له عهد دون الأربعة ~~الأشهر ، فأما من كان له عهد مؤقت فأجله إلى مدته مهما كانت هذه المدة ~~لقوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@05 فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ). # وهذا القول قد اختاره ابن جرير وغيره ، فقد قال ابن جرير بعد أن ذكر عدة ~~أقوال في ذلك : # «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : الأجل الذي جعله الله إنما ~~هو لأهل العهد الذين ظاهروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقضوا عهدهم ~~قبل انقضاء مدته ، فأما الذين لم ينقضوا عهدهم ، ولم يظاهروا عليه ، فإن ~~الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بإتمام العهد بينه وبينهم إلى مدته ~~بقوله : ( @QUR@022 إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم ~~يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين )، ~~ثم قال : وبعد ففي PageV06P199 # الأخبار المتظاهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حين بعث عليا ببراءة ~~إلى أهل العهود بينه وبينهم أمره فيما أمره أن ينادى به فيهم «ومن كان بينه ms2505 ~~وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته». وهو أوضح دليل على صحة ما قلنا. # وذلك أن الله لم يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بنقض عهد قوم كان عاهدهم إلى ~~أجل ، فاستقاموا على عهدهم بترك نقضه ، وأنه إنما أجل أربعة أشهر من كان قد ~~نقض عهده قبل التأجيل ، أو كان له عهد إلى أجل غير محدود ، فأما من كان أجل ~~عهده محدودا ، ولم يجعل بنقضه على نفسه سبيلا ، فإن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان بإتمام عهده إلى غاية أجله مأمورا ، وبذلك بعث مناديه ~~في أهل الموسم من العرب ..» (1). # والذي يبدو لنا بعد مراجعة الأقوال المتعددة في شأن من تنطبق عليهم هذه ~~المهلة من المشركين أن ما اختاره ابن جرير هو خير الأقوال وأقواها ، لأن ~~النصوص من الكتاب والسنة تؤيده. # ومن أراد معرفة هذه الأقوال بالتفصيل فليراجع ما كتبه المفسرون في ذلك. # ثم بين سبحانه أن هذا الإمهال للمشركين لن ينجيهم من إنزال العقوبة بهم ~~متى استمروا على كفرهم فقال تعالى : ( @QUR@09 واعلموا أنكم غير معجزي الله ~~، وأن الله مخزي الكافرين ). # أى : واعلموا أيها المشركون أنكم بسياحتكم في الأرض خلال تلك المهلة لن ~~تعجزوا الله تعالى في طلبكم ، فأنتم حيثما كنتم تحت سلطانه وقدرته ، ~~واعلموا كذلك أنه سبحانه مذل للكافرين ، في الدنيا بالقتل والأسر ، وفي ~~الآخرة بالعذاب المهين. # فالآية الكريمة قد ذيلت بما يزلزل قلوب المشركين بالحقيقة الواقعة ، وهي ~~أن ذلك الإمهال لهم ، وتلك السياحة في الأرض منهم ، كل هذا لن يجعلهم في ~~مأمن من عقاب الله ، ومن إنزال الهزيمة بهم ، لأنهم في قبضته. # ومهما أعدوا خلال تلك المهلة من عدد وعدد لقتال المؤمنين ، فإن ذلك لن ~~ينفعهم ، لأن سنته سبحانه قد اقتضت أن يجعل النصر والفوز للمؤمنين والخزي ~~والسوء على الكافرين. # قال الفخر الرازي ما ملخصه ، وقوله : ( @QUR@05 واعلموا أنكم غير معجزي ~~الله ). المقصود منه : أنى أمهلتكم أيها المشركون وأطلقت لكم السياحة في ~~الأرض فافعلوا كل ما PageV06P200 # أمكنكم فعله من إعداد الآلات والأدوات ، فإنكم لا تعجزون الله بل الله هو ms2506 ~~الذي يعجزكم ، لأنكم حيث كنتم فأنتم في ملكه وتحت سلطانه .. (1). # ثم بين سبحانه بعد ذلك الموعد الذي تعلن فيه هذه البراءة من المشركين حتى ~~لا يكون لهم عذر بعد هذا الإعلان فقال تعالى : # ( @QUR@015 وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء ~~من المشركين ورسوله ... ). # الأذان : الإعلام تقول : آذنته بالشيء إذا أعلمته به. ومنه الأذان للصلاة ~~أى الإعلام بحلول وقتها. وهو بمعنى الإيذان كما أن العطاء بمعنى الإعطاء. # قال الجمل : وهو مرفوع بالابتداء. و ( @QUR@02 من الله ) إما صفته أو ~~متعلق به ( @QUR@02 إلى الناس ) الخبر ، ويجوز أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف. ~~أى : وهذه ، أى : الآيات الآتي ذكرها إعلام من الله ورسوله ... (2). # والمعنى : وهذه الآيات إيذان وإعلان من الله ورسوله إلى الناس عامة يوم ~~الحج الأكبر بأن الله ورسوله قد برئا من عهود المشركين ، وأن هذه العهود قد ~~نبذت إليهم ، بسبب إصرارهم على شركهم ونقضهم لمواثيقهم. # وأسند سبحانه الأذان إلى الله ورسوله ، كما أسندت البراءة إليهما ، إعلاء ~~لشأنه وتأكيدا لأمره : # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : أى فرق بين معنى الجملة الأولى والثانية؟ ~~قلت : تلك إخبار بثبوت البراءة ، وهذه إخبار بوجوب الإعلام بما ثبت. # فإن قلت : لم علقت البراءة بالذين عوهدوا من المشركين وعلق الأذان ~~بالناس؟ قلت : لأن البراءة مختصة بالمعاهدين والناكثين منهم وأما الأذان ~~فعام لجميع الناس «من عاهد ومن لم يعاهد ، ومن نكث من المعاهدين ومن لم ~~ينكث (3)». # واختير يوم الحج الأكبر لهذا الإعلام ، لأنه اليوم الذي يضم أكبر عدد من ~~الناس يمكن أن يذاع الخبر عن طريقهم في جميع أنحاء البلاد. # وأصح ما قيل في يوم الحج الأكبر أنه يوم النحر. وقيل : هو يوم عرفة ، ~~وقيل : هو جميع أيام الحج. PageV06P201 # وقد رجح ابن جرير بعد أن بسط الأقوال في ذلك أن المراد بيوم الحج الأكبر ~~: يوم النحر فقال. وأولى الأقوال في ذلك بالصحة عندنا : قول من قال : يوم ~~الحج الأكبر ، يوم النحر ، لتظاهر الأخبار عن جماعة من الصحابة أن عليا ~~نادى بما أرسله به رسول الله صلى ms2507 الله عليه وسلم إلى المشركين يوم النحر ، هذا ~~مع الأخبار التي ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم النحر : ~~«أتدرون أى يوم هذا؟ هذا يوم الحج الأكبر» (1). # وقال بعض العلماء : قال ابن القيم : والصواب أن المراد بيوم الحج الأكبر ~~يوم النحر ، لأنه ثبت في الصحيحين أن أبا بكر وعليا أذنا بذلك يوم النحر لا ~~يوم عرفة. وفي سنن أبى داود بأصح إسناد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~«يوم الحج الأكبر يوم النحر» ، وكذا قال أبو هريرة وجماعة من الصحابة. # ويوم عرفة مقدمة ليوم النحر بين يديه ، فإن فيه يكون الوقوف والتضرع ثم ~~يوم النحر تكون الوفادة والزيارة .. ويكون فيه ذبح القرابين ، وحلق الرءوس ~~، ورمى الجمار ، ومعظم أفعال الحج (2). # وقد ساق ابن كثير جملة من الأحاديث التي حكت ما كان ينادى به على بن أبى ~~طالب والناس يوم الحج الأكبر ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد عن محرز بن أبى ~~هريرة عن أبيه قال : كنت مع على بن أبى طالب حين بعثه النبي ~~صلى الله عليه وسلم ينادى ، فكان إذا صحل ناديت أى كان إذا بح صوته وتعب من ~~كثرة النداء ناديت قلت : بأى شيء كنتم تنادون؟ قال : بأربع : لا يطوف ~~بالبيت عريان ، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ، ولا يحج بعد عامنا هذا مشرك ~~، ومن كان له عهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فعهده إلى مدته (3). # وسمى يوم النحر بالحج الأكبر ، لأن العمرة كانت تسمى بالحج الأصغر ولأن ~~ما يفعل فيه معظم أفعال الحج كما قال ابن القيم. # هذا ، وللعلماء أقوال في إعراب لفظ ( @QUR@01 ورسوله ) من قوله تعالى ( ~~@QUR@06 أن الله بريء من المشركين ورسوله ). وقد لخص الشيخ الجمل هذه ~~الأقوال تلخيصا حسنا فقال : قوله ( @QUR@01 ورسوله ) بالرفع باتفاق السبعة ~~وقرئ شاذا بالجر على المجاورة. أو على أن الواو للقسم وقرئ شاذا أيضا ~~بالنصب على أنه مفعول معه ، أو معطوف على لفظ الجلالة ، وفي الرفع ثلاثة PageV06P202 # وجوه : أحدها أنه مبتدأ والخبر محذوف أى ms2508 : ورسوله برىء منهم ، وإنما حذف ~~للدلالة عليه. والثاني أنه معطوف على الضمير المستتر في الخبر ... والثالث ~~: أنه معطوف على محل اسم أن (1)...». # ثم أردف سبحانه هذا الإعلام بالبراءة من عهود المشركين بترغيبهم في ~~الإيمان وتحذيرهم من الكفر والعصيان فقال : ( @QUR@017 فإن تبتم فهو خير ~~لكم ، وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله ، وبشر الذين كفروا بعذاب ~~أليم ). # أى : فإن تبتم أيها المشركون من كفركم ، ورجعتم إلى الإيمان بالله وحده ~~واتبعتم ما جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم فهو أى المتاب والرجوع إلى الحق ~~( @QUR@02 خير لكم ) من التمادي في الكفر والضلال : ( @QUR@02 وإن توليتم ) ~~وأعرضتم عن الإيمان ، وأبيتم إلا الإقامة على باطلكم ( @QUR@05 فاعلموا ~~أنكم غير معجزي الله ) أى : فأيقنوا أنكم لا مهرب لكم من عقاب الله ، ولا ~~إفلات لكم من أخذه وبطشه ، لأنكم أينما كنتم فأنتم في قبضته وتحت قدرته. # وقوله : ( @QUR@05 وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ) تذييل قصد به تأكيد ~~زجرهم عن التولي والإعراض عن الحق. # أى : وبشر يا محمد هؤلاء الذين كفروا بالحق لما جاءهم بالعذاب الأليم في ~~الآخرة بعد إنزال الخزي والمذلة بهم في الدنيا. # ولفظ البشارة ورد هنا على سبيل الاستهزاء بهم ، كما يقال : تحيتهم الضرب ~~، وإكرامهم الشتم. # وقوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@018 إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ~~ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ) ~~استثناء من المشركين في قوله : ( @QUR@09 براءة من الله ورسوله إلى الذين ~~عاهدتم من المشركين ). # والمعنى : اعلموا. أيها المؤمنون أن الله ورسوله بريئان من عهود المشركين ~~بسبب نقضهم لها ، لكن الذين عاهدتموهم منهم ولم ينقضوا عهودهم ، ولم ~~ينقصوكم شيئا من شروط العهد ، ولم يعاونوا عليكم أحدا من الأعداء ، فهؤلاء ~~أتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ولا تعاملوهم معاملة الناكثين. # فالآية الكريمة تدل على أن المراد بالمشركين الذين تبرأ الله ورسوله منهم ~~وأعطوا مهلة الأربعة الأشهر ، هم أولئك الذين عرفوا بنقض العهود. PageV06P203 # أما الذين عاهدوا ووفوا بعهودهم ، فإن هؤلاء يجب إتمام عهدهم إلى مدتهم ~~وفاء بوفاء ، وكرامة بكرامة. # وعبر سبحانه بثم في ms2509 قوله : ( @QUR@04 ثم لم ينقصوكم شيئا ) للدلالة على ~~ثباتهم على عهدهم مع تمادى المدة وتطاولها. # وقراءة الجمهور ( @QUR@01 ينقصوكم ) بالصاد المهملة ، وعليها يجوز أن ~~يتعدى لواحد فيكون شيئا منصوبا على المصدرية أى : لم ينقصوكم شيئا من ~~النقصان لا قليلا ولا كثيرا ، ويجوز أن يتعدى لاثنين فيكون شيئا مفعوله ~~الثاني ، أى : لم ينقصوكم شيئا من شروط العهد بل أدوها بتمامها. # وقرأ عطاء بن السائب الكوفي وعكرمة وأبو زيد ثم لم ينقضوكم بالضاد ~~المعجمة وهي على حذف مضاف أى : ثم لم ينقضوا عهدكم فحذف المضاف وأقيم ~~المضاف إليه مقامه. # وفي تنكير كلمة «شيئا» وكلمة «أحدا» دلالة على أن انتقاص المعاهدة ولو ~~شيئا يسيرا ، وأن معاونة الأعداء بأى وسيلة مهما قلت ... كل ذلك مبيح لنبذ ~~العهد ، لأن الخيانة الصغيرة كثيرا ما تؤدى إلى الخيانة الكبيرة. # قالوا : والمراد بهؤلاء الذين أمر المسلمون بإتمام عهدهم معهم : بنو ضمرة ~~وبنو مدلج وهم من قبائل بنى بكر وكان قد بقي من عهدهم تسعة أشهر ، ولم ~~ينقضوا مواثيقهم. # وقوله ( @QUR@04 إن الله يحب المتقين ) تذييل قصد به التعليل لوجوب ~~الامتثال ، والتنبيه على أن الوفاء بالعهد إلى نهايته مع الموفين بعهدهم من ~~تقوى الله التي يحبها لعباده ويحبهم بسببها. # قال صاحب المنار : والآية تدل على أن الوفاء بالعهد من فرائض الإسلام ~~مادام العهد معقودا ، وعلى أن العهد المؤقت لا يجوز نقضه إلا بانتهاء وقته ~~وأن شرط وجوب الوفاء به علينا محافظة العدو المعاهد لنا عليه بحذافيره. # فإن نقص شيئا ما من شروط العهد ، وأخل بغرض ما من أغراضه عد ناقضا ، ~~لقوله تعالى ( @QUR@04 ثم لم ينقصوكم شيئا )، ولفظ شيء أعم الألفاظ وهو ~~نكرة في سياق النفي فيصدق بأدنى إخلال بالعهد. # ومن الضروري أن من شروطه التي ينتقض بالإخلال بها ، عدم مظاهرة أحد من ~~أعدائنا وخصومنا علينا ، وقد صرح بهذا للاهتمام به ، وإلا فهو يدخل في عموم ~~ما قبله ، وذلك أن الغرض الأول من المعاهدات ترك قتال كل من الفريقين ~~المتعاهدين للآخر ، فمظاهرة أحدهما لعدو الآخر ، أى معاونته ومساعدته على ~~قتاله وما يتعلق به ms2510 ، كمباشرته للقتال بنفسه. PageV06P204 # يقال : ظاهره إذا عاونه ، وظاهره عليه إذا ساعده عليه ، وتظاهروا عليهم ~~تعاونوا وكله من الظهر الذي يعبر به عن القوة ، ومنه بعير ظهير أى قوى» (1). # وقال بعض العلماء : ويؤخذ من هذا أن الإسلام يقرر في حالة نبذ العهود ~~لزوم إعلان العدو بذلك النبذ ، على وجه يمكن العدو من إيصال خبر النبذ إلى ~~أطراف بلده وأنحاء مملكته. # وفي ذلك يقول الكمال بن الهمام الفقيه الحنفي ، وهو بصدد قوله ، تعالى. ( ~~@QUR@09 وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء ) أنه لا يكفى مجرد ~~إعلانهم ، بل لا بد من مضى مدة يتمكن فيها ملكهم بعد علمه بالنبذ من إنفاذ ~~الخبر إلى أطراف مملكته ، ولا يجوز للمسلمين أن يغيروا على شيء من أطرافهم ~~قبل مضى المدة. # وذلك كله أثر من آثار وجوب رعاية العهد والبعد عن النكث بكل ما يستطاع (2). # وبعد أن قررت السورة الكريمة براءة الله ورسوله من عهود المشركين ~~الخائنين ، وأمرت بالوفاء لمن وفي بعهده منهم .. بعد كل ذلك أخذت في بيان ~~كيفية معاملة المشركين بعد انتهاء المهلة الممنوحة لهم فقال تعالى : # ( @QUR@026 فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ~~وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم ) (5) # وقوله : ( @QUR@01 انسلخ ) من السلخ بمعنى الكشط ، يقال : سلخ الإهاب عن ~~الشاة يسلخه ويسلخه سلخا إذا كشطه ونزعه عنها. أو بمعنى الإخراج من قولهم : ~~سلخت الشاة عن الإهاب إذا أخرجتها منه ، ثم استعير للانقضاء والانتهاء ~~فانسلاخ الأشهر استعارة لانقضائها والخروج منها. # قال الآلوسى : والانسلاخ فيما نحن فيه استعارة حسنة ؛ وذلك أن الزمان ~~محيط بما فيه من الزمانيات مشتمل عليه اشتمال الجلد على الحيوان ، وكذا كل ~~جزء من أجزائه الممتدة كالأيام والشهور والسنين ، فإذا مضى فكأنه انسلخ عما ~~فيه ، وفي ذلك مزيد لطف لما فيه من التلويح PageV06P205 # بأن تلك الأشهر كانت حرزا لأولئك المعاهدين عن غوائل أيدى المسلمين فنيط ~~قتالهم بزوالها» (1). # والمراد بالأشهر الحرم : أشهر الأمان الأربعة التي سبق ذكرها في قوله ، ~~تعالى ms2511 ، ( @QUR@05 فسيحوا في الأرض أربعة أشهر )، وعليه فتكون أل في قوله ~~( @QUR@02 الأشهر الحرم ) للعهد الذكرى. # وسميت حرما لأنه. سبحانه. جعلها فترة أمان للمشركين ، ونهى المؤمنين عن ~~التعرض لهم فيها. # ووضع سبحانه المظهر موضع المضمر حيث لم يقل فإذا انسلخت ، ليكون ذريعة ~~إلى وصفها بالحرمة ، تأكيدا لما ينبئ عنه إباحة السياحة من حرمة التعرض لهم ~~، مع ما فيه من مزيد الاعتناء بشأنها. # وقيل المراد بالأشهر الحرم هنا : الأشهر المعروفة وهي رجب ، وذو القعدة ، ~~وذو الحجة ، والمحرم ، روى ذلك عن ابن عباس والضحاك والباقر واختاره ابن جرير. # قال ابن كثير : وفيه نظر ، والذي يظهر من حيث السياق ما ذهب إليه ابن ~~عباس في رواية العوفى عنه وبه قال مجاهد ، وعمرو بن شعيب ، وابن إسحاق ، ~~وقتادة والسدى وعبد الرحمن ابن زيد بن أسلم أن المراد بها أشهر التيسير ~~الأربعة المنصوص عليها بقوله : ( @QUR@05 فسيحوا في الأرض أربعة أشهر )، ~~ثم قال ( @QUR@04 فإذا انسلخ الأشهر الحرم ) أى : إذا انقضت الأشهر الأربعة ~~التي حرمنا عليكم فيها قتالهم ، وأجلناهم فيها فحيثما وجدتموهم فاقتلوهم ، ~~لأن عود العهد على مذكور أولى من مقدر ، ثم إن الأشهر الأربعة المحرمة ~~سيأتى بيان حكمها في آية أخرى وهي قوله تعالى ( @QUR@08 إن عدة الشهور عند ~~الله اثنا عشر شهرا ... ) (2). # والمراد بالمشركين في قوله : ( @QUR@04 فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) ~~أولئك الخائنون الذين انتهت مدة الأمان لهم ، أما الذين لم يخونوا ولهم ~~عهود مؤقتة بمدة معينة فلا يحل للمسلمين قتالهم ، إلا بعد انتهاء هذه المدة ~~، كما سبق أن بينا قبل قليل تفسير قوله تعالى : ( @QUR@018 إلا الذين ~~عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا ~~إليهم عهدهم إلى مدتهم ... ). # والمعنى : فإذا انتهت هذه الأشهر الأربعة التي جعلها الله مهلة للخائنين ~~، فاقتلوا أيها المؤمنون أعداءكم المشركين ( @QUR@02 حيث وجدتموهم ) أى : ~~في أى مكان تجدونهم فيه PageV06P206 # ( @QUR@01 وخذوهم ) وهو كناية عن الأسر ، وكانت العرب تعبر عن الأسير ~~بالأخيذ ، ( @QUR@01 واحصروهم ) أى : وامنعوهم من الخروج إذا كانت مصلحتكم ~~في ذلك ( @QUR@04 واقعدوا لهم كل مرصد ) والمرصد الموضع الذي يقعد فيه ~~للعدو لمراقبته ms2512 ، يقال : رصدت الشيء أرصده رصدا ورصدا إذا ترقبته. # والمعنى : واقعدوا لهم في كل موضع يجتازون منه في أسفارهم ، حتى تسد ~~السبل في وجوههم ، وتضعف شوكتهم ، وتذهب ريحهم ، فيستسلموا لكم. # والمتدبر لهذه الآية الكريمة يرى أن هذه الوسائل الأربع القتل والأسر ~~والمحاصرة والمراقبة هي الوسائل الكفيلة بالقضاء على الأعداء ، ولا يخلو ~~عصر من العصور من استعمال بعضها أو كلها عند المهاجمة. # وهكذا نرى تعاليم الإسلام تحض المسلمين على استعمال كل الوسائل المشروعة ~~لكيد أعدائهم ، والعمل على هزيمتهم .. ، ما دام هؤلاء الأعداء مستمرين في ~~طغيانهم وعدوانهم وانتهاكهم لحدود الله تعالى . # أما إذا فتحوا قلوبهم للحق واستجابوا له ، فإن الآية الكريمة ترفع عنهم ~~السيف ، وتأمر المؤمنين بإخلاء سبيلهم. # استمع إلى بقيتها حيث تقول : ( @QUR@012 فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة فخلوا سبيلهم ، إن الله غفور رحيم ). # أى : عليكم أيها المؤمنون إذا ما انتهت أشهر الأمان الأربعة أن تقتلوا ~~المشركين الناكثين لعهودهم أينما وجدتموهم وأن تأسروهم وتحبسوهم وتراقبوهم ~~على كل طريق حتى تضعف شوكتهم فينقادوا لكم .. ( @QUR@02 فإن تابوا ) عن ~~الشرك بأن دخلوا في الإسلام فاتركوا التعرض لهم ، وكفوا عن قتالهم ، ~~وافتحوا المسالك والطرق في وجوههم. # واكتفى سبحانه بذكر الصلاة والزكاة عن ذكر بقية العبادات ، لكونهما ~~الأساسين للعبادات البدنية والمالية. # وقوله : ( @QUR@04 إن الله غفور رحيم ) تذييل قصد به التعليل لوجوب إخلاء ~~سبيلهم أى ، إن فعلوا ذلك فخلوا سبيلهم ، ولا تعاملوهم بما كان منهم من شرك ~~، فإن الإسلام يجب ما قبله ، وإن الله قد غفر لهم ما سلف من الكفر والغدر ~~بفضله ورحمته. # قال الإمام ابن كثير : وقد اعتمد الصديق رضى الله عنه في قتال ما نعى ~~الزكاة على هذه الآية وأمثالها ، حيث حرمت قتالهم بشرط هذه الأفعال وهي ~~الدخول في الإسلام والقيام بأداء واجباته ، ونبه بأعلاها على أدناها فإن ~~أشرف أركان الإسلام بعد الشهادتين الصلاة التي PageV06P207 # هي حق الله تعالى وبعدها الزكاة التي هي نفع متعد إلى الفقراء ، وهي أشرف ~~الأفعال المتعلقة بالمخلوقين ، ولهذا كثيرا ما يقرن الله الصلاة والزكاة. # وقد جاء في الصحيحين عن ابن ms2513 عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~«أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ~~ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة». # وروى الإمام أحمد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، فإذا ~~شهدوا واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا ، وصلوا صلاتنا فقد حرمت علينا ~~دماؤهم وأموالهم إلا بحقها ، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم» ورواه ~~البخاري وغيره. # وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : أبى الله أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة ~~ثم قال : يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه (1). # وبذلك ترى هذه الآية قد جمعت في إرشادها بين الترغيب والترهيب ؛ فقد أمرت ~~المؤمنين بأن يستعملوا مع أعدائهم كل الوسائل المشروعة لإرهابهم ثم أمرتهم ~~في الوقت نفسه بإخلاء سبيلهم متى تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة .. # وبعد أن بين سبحانه حكم المصرين على الشرك وهو قتالهم وأخذهم ، وحكم ~~الراجعين عنه وهو إخلاء سبيلهم. بعد ذلك بين سبحانه حكم المشركين الذين ~~يطلبون الأمان لمعرفة شرائع الإسلام فقال تعالى : # ( @QUR@018 وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم ~~أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ) (6) # وقوله : استجارك ، أى ، طلب جوارك وحمايتك من الاعتداء عليه ، وقد كان من ~~الأخلاق الحميدة المتعارف عليها حماية الجار والدفاع عنه ، حتى سمى النصير ~~جارا ، وعلى هذا المعنى جاء قوله ، تعالى : ( @QUR@015 وإذ زين لهم الشيطان ~~أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم ) (2) أى : نصير لكم. # و ( @QUR@01 إن ) شرطية و ( @QUR@01 أحد ) مرفوع بفعل مضمر يفسره الفعل ~~الظاهر وهو PageV06P208 # ( @QUR@01 استجارك ) والمعنى : وإن استأمنك يا محمد أحد من المشركين ، ~~وطلب جوارك وحمايتك بعد انقضاء مدة الأمان المحددة له ، ( @QUR@01 فأجره ) ~~أى : فأمنه وأجبه إلى طلبه ، ( @QUR@04 حتى يسمع كلام الله ) أى : لكي يسمع ~~كلام الله ويتدبره ويطلع على حقيقة ما تدعو إليه من تعاليم مقنعة للعقول ~~السليمة بأن الشرك ظلم عظيم .. # واقتصر على ذكر السماع ms2514 لعدم الحاجة إلى شيء آخر في الفهم ، لأنهم من أهل ~~الفصاحة والبلاغة ، وقد كان سماع بعضهم لشيء من كلام الله سببا في هدايته. # وقوله : ( @QUR@03 ثم أبلغه مأمنه ) بيان لما يجب على المسلمين نحو هذا ~~المشرك المستجير إذا ما استمع إلى كلام الله ثم بقي على شركه. # أى : عليك يا محمد أن تجيره حتى يسمع كلام الله ويتدبره ولا يبقى له عذر ~~في الإصرار على شركه ، فإن آمن بعد سماعه صار من أتباعك ، وإن بقي على شركه ~~وأراد الرجوع إلى جماعته ، فعليك أن تحافظ عليه حتى يصل إلى مكان أمنه ~~واستقراره ، وهو ديار قومه : ثم بعد ذلك يصبح حكمه كحكم المصرين على الشرك ~~، ويعامل بما يعاملون به. # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@05 ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ) يعود إلى ~~الأمر بالإجارة وإبلاغ المأمن. # أى : ذلك الذي أمرناك به من إجارة المستجير من المشركين وإبلاغه مأمنه ~~إذا لم يسلم ، بسبب أنهم قوم لا يعلمون الإسلام ولا حقيقة ما تدعوهم إليه ~~أى قوم يحتاجون إلى فترة من الوقت يسمعون كلام الله فيها وهم آمنون ، وبهذا ~~السماع منك ومن أصحابك لا يبقى لهم عذر أصلا في استمرارهم على الباطل. # عن سعيد بن جبير قال : جاء رجل من المشركين إلى على بن أبى طالب فقال : ~~إن أراد الرجل منا أن يأتى إلى محمد صلى الله عليه وسلم بعد انقضاء هذا الأجل ~~لسماع كلام الله أو لحاجة : قتل؟ فقال له على لا ، لأن الله يقول ( ~~@QUR@010 وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ) الآية (1). # هذا ، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من الآية ما يأتى : # 1 أن المستأمن لا يؤذى ، بل يجب على المسلمين حمايته في نفسه وماله وعرضه ~~مادام في دار الإسلام ، وقد حذر الإسلام أتباعه من الغدر أشد تحذير ، ومن ~~ذلك ما رواه البخاري والنسائي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «من أمن ~~رجلا على دمه فقتله فأنا برىء من القاتل وإن كان المقتول كافرا». PageV06P209 # وروى الشيخان وأحمد عن أنس قال ms2515 : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لكل ~~غادر لواء يعرف به يوم القيامة» (1). # 2 يلحق بالمستجير الطالب لسماع كلام الله ؛ من كان طالبا لسماع الأدلة ~~على كون الإسلام حقا ، ومن كان طالبا للجواب على الشبهات التي أثارها أعداء ~~الإسلام ، لأن هؤلاء وأمثالهم يطرقون باب الفهم والمعرفة ويبحثون عن الحق ~~فعلينا أن نحميهم ، وأن نبذل أقصى الجهود في تعليمهم وإرشادهم وإزالة ~~الشبهات عنهم ، لعل الله أن يشرح صدورهم للإسلام بسبب هذا التعليم ~~والإرشاد. # قال ابن كثير : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطى الأمان لمن جاءه ~~مسترشدا أو في رسالة ، كما جاءه يوم الحديبية جماعة من الرسل من قريش منهم ~~عروة بن مسعود ، ومكرز بن حفص ، وسهيل بن عمرو وغيرهم واحدا بعد واحد ، ~~يترددون في القضية بينه وبين المشركين ، فرأوا من إعظام المسلمين لرسولهم ~~صلى الله عليه وسلم ما بهرهم وما لم يشاهدوه عند ملك ولا قيصر ، فرجعوا إلى ~~قومهم ، وأخبروهم بذلك ، وكان ذلك وأمثاله من أكبر أسباب هداية أكثرهم (2). # 3 على الإمام أو من يقوم مقامه أن يعطى المستأمن المهلة التي يراها كافية ~~لفهمه حقائق الإسلام وأن يبلغه مأمنه بعد انقضاء حاجته ، وأن لا يمكنه من ~~الإقامة في دار الإسلام إلا بمقدار قضاء حاجته. # قال الإمام الرازي : ليس في الآية ما يدل على أن مقدار هذه المهلة كم ~~يكون ، ولعله لا يعرف مقدارها إلا بالعرف ، فمتى ظهر على المشرك علامات ~~كونه طالبا للحق باحثا عن وجه الاستدلال أمهل وترك ومتى ظهر عليه كونه ~~معرضا عن الحق دافعا للزمان بالأكاذيب لم يلتفت إليه (3). # 4 أخذ العلماء من هذه الآية وجوب التفقه في الدين ، وعدم الاكتفاء ~~بالظنون والتقليد للغير ، وقد وضح الإمام الرازي هذا المعنى فقال : # دلت الآية على أن التقليد غير كاف في الدين ، وأنه لا بد من النظر ~~والاستدلال ، وذلك لأنه لو كان التقليد كافيا ، لوجب أن لا يمهل هذا الكافر ~~، بل يقال له : إما أن تؤمن وإما أن نقتلك. فلما لم يقل له ذلك بل أمهل ~~وأزيل ms2516 الخوف عنه ووجب تبليغه مأمنه علم أن ذلك لأجل عدم كفاية التقليد في ~~الدين ، وأنه لا بد من الحجة والدليل : فلذا أمهل ليحل له النظر ~~والاستدلال» (4). PageV06P210 # 5 تكلم العلماء عمن له حق إعطاء الأمان للمستأمن فقال القرطبي : «ولا ~~خلاف بين كافة العلماء أن أمان السلطان جائز ؛ لأنه مقدم النظر والمصلحة. ~~نائب عن الجميع في جلب المصالح ودفع المضار. واختلفوا في أمان غير الخليفة ~~، فالحر يمضى أمانه عند كافة العلماء. وأما العبد فله الأمان في مشهور مذهب ~~المالكية وبه قال الشافعى وأحمد. # وقال أبو حنيفة : لا أمان له. والأول أصح لقوله صلى الله عليه وسلم ~~«المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم». # قالوا : فلما قال «أدناهم» جاز أمان العبد ... (1). # وقال بعض العلماء : هذه الآية كانت أصلا عند الفقهاء في إباحة تأمين ~~المشرك ، وقد توسع الإسلام في باب الأمان فقرر به عصمة المستأمن ، وأوجب ~~على المسلمين حمايته مادام في دار الإسلام ، وجعل للمسلمين حق إعطاء ذلك ~~الأمان ، ولم يشترط في ذلك إلا ما يضمن على المسلمين سلامتهم ، بأن لا تظهر ~~على المستأمن مظاهر الركون إلى التجسس على المسلمين. # ولا ينسى الإسلام وهو يعطى هذا الحق للأفراد حق الإمام المهيمن على شئون ~~المسلمين ، بل جعل له بمقتضى هيمنته العامة ، وتقديره لوجوه المصلحة ، حق ~~إبطال أى أمان لم يصادف محله ، أو لم يستوف شروطه ، كما له أن ينتزع ذلك ~~الحق من الأفراد متى رأى المصلحة في ذلك. # والإسلام يبيح بهذا الأمان التبادل التجارى والصناعى والثقافى ، وفي سائر ~~الشئون ما لم يتصل شيء منها بضرر الدولة (2). # 6 هذه الآية الكريمة تشهد بسمو تعاليم الإسلام وسماحتها وحرصها على هداية ~~الناس إلى الحق ، وعلى صيانة دمائهم وأموالهم وأعراضهم من العدوان عليها .. ~~حتى ولو كان هؤلاء الناس من أعداء الإسلام. # وقد بسط هذا المعنى بعض العلماء فقال ما ملخصه : إن هذه الآية تعنى أن ~~الإسلام حريص على كل قلب بشرى أن يهتدى وأن يثوب ، وأن المشركين الذين ~~يطلبون الجوار والأمان في دار الإسلام يجب أن يعطوا الجوار والأمان ذلك ms2517 أنه ~~في هذه الحالة آمن حربهم وتجمعهم وتألبهم عليه ، فلا ضير إذن من إعطائهم ~~فرصة سماع القرآن ومعرفة هذا الدين ، لعل قلوبهم أن تتفتح وتستجيب وحتى إذا ~~لم تستجب فقد أوجب الله لهم على أهل دار الإسلام أن يحرسوهم بعد إخراجهم ~~حتى يصلوا إلى بلد يأمنون فيه على أنفسهم. PageV06P211 # ولقد كانت قمة عالية تلك الإجارة والأمان لهم في دار الإسلام .. ولكن قمة ~~القمم هذه الحراسة للمشرك عدو الإسلام والمسلمين حتى يبلغ مأمنه خارج حدود ~~دار الإسلام. # إنه منهج الهداية لا منهج الإبادة ، حتى وهو يتصدى لتأمين قاعدة الإسلام. # إن هذا الدين إعلام لمن لا يعلمون ، وإجارة لمن يستجيرون ، حتى من أعدائه ~~الذين شهروا عليه السيف وحاربوه وعاندوه .. (1). # وبعد أن صرحت السورة الكريمة ببراءة الله ورسوله من عهود المشركين ~~الخائنين ، وأمرت المؤمنين بإعطائهم مهلة يسيحون فيها في الأرض ، ويتدبرون ~~خلالها أمرهم ، ثم بعد ذلك على المؤمنين أن يقتلوهم حيث وجدوهم ، وأن ~~يستعملوا معهم كل الوسائل المشروعة لإذلالهم ، وأن يؤمنوا المشرك الذي يريد ~~أن يسمع كلام الله ، وأن يحافظوا عليه حتى يصل إلى مكان استقراره .. # بعد كل ذلك أخذت السورة الكريمة في بيان الأسباب التي أوجبت البراءة من ~~عهود المشركين ، والحكم التي من أجلها أمر الله بقتالهم والتضييق عليهم ~~فقال تعالى : # ( @QUR@023 كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم ~~عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين (7) ~~@QUR@016 كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم ~~بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون (8) @QUR@013 اشتروا بآيات الله ثمنا ~~قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون (9) @QUR@010 لا يرقبون في ~~مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون (10) @QUR@07 فإن تابوا وأقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم PageV06P212 # @QUR@06 في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون (11) @QUR@018 وإن نكثوا ~~أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان ~~لهم لعلهم ينتهون ) (12) # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ) ~~الاستفهام فيه للإنكار والاستبعاد لأن يكون للمشركين عهد. ms2518 وهو إنكار للوقوع ~~لا للواقع. أى ؛ تحذير للمؤمنين من أن يقع منهم ذلك في المستقبل. # والمراد بالمشركين أولئك الذين نقضوا عهودهم ، لأن البراءة إنما هي في شأنهم. # والعهد : ما يتفق شخصان أو طائفتان من الناس على التزامه بينهما ، فإن ~~أكداه ووثقاه بما يقتضى زيادة العناية بالوفاء به سمى ميثاقا ، لاشتقاقه من ~~الوثاق بفتح الواو وهو الحبل أو القيد. وإن أكداه باليمين خاصة سمى يمينا. # وسمى بذلك لوضع كل من المتعاقدين يمينه في يمين الآخر عند عقده. # والمعنى : لا ينبغي ولا يجوز أن يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ~~لأن هؤلاء المشركين لا يدينون لله بالعبودية ، ولا لرسوله بالطاعة ، ولأنهم ~~قوم دأبهم الخيانة. وعادتهم الغدر ، ومن كان كذلك لا يكون له عهد عند الله ~~ولا عند رسوله. # قالوا : وفي توجيه الإنكار إلى كيفية ثبوت العهد من المبالغة ما ليس في ~~توجيهه إلى ثبوته ، لأن كل موجود يجب أن يكون وجوده على حال من الأحوال ، ~~فإذا انتفت جميع أحوال وجوده ، فقد انتفى وجوده بالطريق البرهاني. وتكرير ~~كلمة ( @QUR@01 عند ) للإيذان بعدم الاعتداد بعهودهم عند كل من الله تعالى ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم على حدة. # و ( @QUR@01 يكون ) من الكون التام و ( @QUR@01 كيف ) محلها النصب على ~~التشبيه بالحال أو الظرف. أو من الكون الناقص فيكون قوله ( @QUR@01 عهد ) ~~اسمها ، وقوله ( @QUR@01 كيف ) خبرها وهو واجب التقديم ، لأن الاستفهام له ~~صدر الكلام (1). # وقوله : ( @QUR@011 إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ، فما استقاموا ~~لكم فاستقيموا لهم .. ) استثناء من المشركين الذين استنكرت الآية أن تكون ~~لهم عهود عند الله وعند رسوله. PageV06P213 # والمراد بالمشركين الذين استثنوا هنا : أولئك الذين سبق الحديث عنهم في ~~قوله تعالى قبل ذلك ( @QUR@018 إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم ~~شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم .. ). # وهم كما رجحه ابن جرير والخازن بنو خزيمة وبنو مدلج وبنو ضمرة من قبائل ~~بنى بكر ، وكانوا قد وفوا بعهودهم مع المسلمين (1). # وأعيد ذكر استثنائهم هنا ، لتأكيد هذا الحكم وتقريره. # والمراد بالمسجد الحرام : جميع الحرم ms2519 ، فيكون الكلام على حذف مضاف. # أى : عند قرب المسجد الحرام. # والتعرض لكون المعاهدة عند المسجد الحرام ، لزيادة بيان أصحابها ، ~~وللإشعار بسبب وجوب الوفاء بها. # والمعنى : لا ينبغي ولا يصح أن يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ، ~~لكن الذين عاهدتموهم أيها المؤمنون عند المسجد الحرام من المشركين ولم ~~ينقضوا عهودهم ( @QUR@05 فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ). # أى : فاستقيموا لهم مدة استقامتهم لكم ، فتكون ما مصدرية منصوبة المحل ~~على الظرفية. # ويصح أن تكون شرطية وعائدها محذوف فيكون المعنى : فأى زمان استقاموا لكم ~~فيه فاستقيموا لهم ، إذ لا يجوز أن يكون نقض العهد من جهتكم. # وقوله : ( @QUR@04 إن الله يحب المتقين ) تذييل قصد به التعليل لوجوب ~~الامتثال ، وتبيين أن الوفاء بالعهد إلى مدته مع الموفين بعهدهم من تقوى ~~الله التي يحبها لعباده ، ويحبهم بسبب تمسكهم بها. # هذا ، وقد أخذ العلماء من هذه الآية : ان العهد المعتد به في شريعة ~~الإسلام ، هو عهد الأوفياء غير الناكثين ، وأن من استقام على عهده عاملناه ~~بمقتضى استقامته ، وأن الالتزام بالعهود من تقوى الله التي يحبها لعباده. # وقوله سبحانه ( @QUR@010 كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ~~ذمة ... ) لاستبعاد ثبات المشركين على العهد ، ولاستنكار ان يكون لهم عهد ~~حقيق بالمراعاة ، وبيان لما يكون عليه أمرهم عند ظهورهم على المؤمنين. PageV06P214 # وفائدة هذا التكرار للفظ ( @QUR@01 كيف ): التأكيد والتمهيد لتعداد ~~الأسباب التي تدعو المؤمنين إلى مجاهدتهم والإغلاظ عليهم ، والحذر منهم. # قال الآلوسى : وحذف الفعل بعد كيف هنا لكونه معلوما من الآية السابقة ، ~~وللإيذان بأن النفس مستحضرة له ، مترقبة لورود ما يوجب استنكاره. # وقد كثر الحذف للفعل المستفهم عنه مع كيف ويدل عليه بجملة حالية بعده. ~~ومن ذلك قول كعب الغنوي يرثى أخاه أبا المغوار : # وخبرتماني أنما الموت بالقرى %~% فكيف وماتا هضبة وقليب # يريد فكيف مات والحال ما ذكر. # والمراد هنا : كيف يكون لهم عهد معتد به عند الله وعند رسوله وحالهم أنهم ~~( @QUR@09 إن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ) (1). # وقوله : ( @QUR@02 يظهروا عليكم ) يظفروا بكم ويغلبوكم. يقال : ظهرت على ~~فلان ms2520 أى : غلبته ومنه قوله تعالى ( @QUR@07 فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم ~~فأصبحوا ظاهرين ) أى : غالبين. # وقوله : ( @QUR@03 لا يرقبوا فيكم ) أى : لا يراعوا في شأنكم. يقال : رقب ~~فلان الشيء يرقبه إذا رعاه وحفظه .. ورقيب القوم حارسهم. # والإل : يطلق على العهد ، وعلى القرابة ، وعلى الحلف. # قال ابن جرير بعد أن ساق أقوالا في معنى الإل وأولى الأقوال في ذلك ~~بالصواب أن يقال : والإل : اسم يشتمل على معان ثلاثة : وهي العهد والعقد ، ~~والحلف ، والقرابة .. ومن الدلالة على أنه يكون بمعنى القرابة قول ابن مقبل : # أفسد الناس خلوف خلفوا %~% قطعوا الإل وأعراق الرحم # أى قطعوا القرابة. # ومن الدلالة على أنه يكون بمعنى العهد قول القائل : # وجدناهم كاذبا إلهم %~% وذو الإل والعهد لا يكذب # وإذا كانت الكلمة تشمل هذه المعاني الثلاثة ، ولم يكن الله خص من ذلك ~~معنى دون معنى ، فالصواب أن يعم ذلك كما عم بها جل ثناؤه معانيها الثلاثة ~~... (2). PageV06P215 # والذمة : كل أمر لزمك بحيث إذا ضيعته لزمك مذمة أو هي ما يتذمم به أى ~~يجتنب فيه الذم. # والمعنى : بأية صفة أو بأية كيفية يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ~~، والحال المعهود منهم أنهم إن يظفروا بكم ويغلبوكم ، لا يراعوا في أمركم ~~لا عهدا ولا حلفا ولا قرابة ولا حقا من الحقوق. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم ، وأكثرهم فاسقون ~~) زيادة بيان للأحوال القبيحة الملازمة لهؤلاء المشركين. # أى : أن هؤلاء المشركين إن غلبوكم أيها المؤمنون فعلوا بكم الأفاعيل ، ~~وتفتنوا في إيذائكم من غير أن يقيموا ووزنا لما بينكم وبينهم من عهود ~~ومواثيق ، وقرابات وصلات ... أما إذا كانت الغلبة لكم فإنهم في هذه الحالة ~~( @QUR@02 يرضونكم بأفواههم ) أى : يعطونكم من ألسنتهم كلاما معسولا إرضاء ~~لكم ، وهم في الوقت نفسه ( @QUR@02 تأبى قلوبهم ) المملوءة حقدا عليكم ~~وبغضا لكم تصديق ألسنتهم ، فهم كما وصفهم سبحانه في آية أخرى : ( @QUR@06 ~~يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ) (1). # وتقييد الإرضاء بالأفواه ، للإشعار بأن كلامهم مجرد ألفاظ يتفوهون بها من ~~غير أن يكون لها مصداق في قلوبهم. # وقوله : ( @QUR@02 وأكثرهم فاسقون ) أى : خارجون عن حدود ms2521 الحق ، منفصلون ~~عن كل فضيلة ومكرمة ، إذ الفسق هو الخروج والانفصال. يقال : فسقت الرطبة ~~إذا خرجت عن قشرتها وفسق فلان إذا خرج عن حدود الشرع. # وإنما وصف أكثرهم بالفسوق ، لأن هؤلاء الأكثرين منهم ، هم الناقضون ~~لعهودهم ، الخارجون على حدود ربهم ، أما الأقلون منهم فهم الذين وفوا ~~بعهودهم ، ولم ينقصوا المؤمنين شيئا ، ولم يظاهروا عليهم أحدا. # وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد وصفت هؤلاء المشركين وصفا في نهاية الذم ~~والقبح ، لأنهم إن كانوا أقوياء فجروا وأسرفوا في الإيذاء ، نابذين كل عهد ~~وقرابة وعرف ... أما إذا شعروا بالضعف فإنهم يقدمون للمؤمنين الكلام اللين ~~الذي تنطق به ألسنتهم ، وتأباه قلوبهم الحاقدة الغادرة. # أى أن الغدر ملازم لهم في حالتي قوتهم وضعفهم ، لأنهم في حالة قوتهم ( ~~@QUR@03 لا يرقبون في PageV06P216 # @QUR@04 مؤمن إلا ولا ذمة ). وفي حالة ضعفهم يخادعون ويداهنون حتى تحين ~~لهم الفرصة للانقضاض على المؤمنين. # ثم بين سبحانه بعد ذلك السبب الأصيل الذي جعل الغدر ديدنهم ، والحقد على ~~المؤمنين دأبهم فقال : ( @QUR@013 اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن ~~سبيله ، إنهم ساء ما كانوا يعملون ). # والمراد بالاشتراء هنا الاستبدال والاستيعاض. # والمراد بآيات الله : كل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من آيات قرآنية ~~، ومن تعاليم سامية تهدى إلى الخير والفلاح. # والمعنى ؛ إن السبب الأصيل الذي حمل هؤلاء المشركين على الغدر ، وعلى ~~الفجور والطغيان عند القوة وعلى المداهنة والمخادعة عند الضعف. هو أنهم ~~استبدلوا بآيات الله المتضمنة لكل خير وفلاح ... ثمنا قليلا. أى : عرضا ~~حقيرا من أعراض الدنيا وزخارفها. # وليس وصف الثمن بالقلة هنا من الأوصاف المخصصة للنكرات. بل هو من الأوصاف ~~اللازمة للثمن المحصل بالآيات. لأن كل ثمن يؤخذ في مقابل آيات الله فهو ~~قليل وإن بلغ ما بلغ من أعراض الدنيا وزينتها. # وقوله : ( @QUR@03 فصدوا عن سبيله ) بيان لما ترتب على استبدالهم بآيات ~~الله ثمنا قليلا. # والصد : المنع والحيلولة بين الشيء وغيره ، ويستعمل لازما فيقال : صد ~~فلان عن الشيء صدودا بمعنى أعرض عنه. ويستعمل متعديا فيقال : صده عنه إذا ~~صرفه عن الشيء. # وهنا ms2522 تصح إرادة المعنيين فيكون التقدير : أن هؤلاء المشركين قد اشتروا ~~بآيات الله ثمنا قليلا ، يترتب على ذلك أن أعرضوا عن طريق الله الواضحة ~~المستقيمة التي جاء بها نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، ولم يكتفوا بهذا بل ~~صرفوا غيرهم عنها ، ومنعوه من الدخول فيها. # وقوله : ( @QUR@05 إنهم ساء ما كانوا يعملون ) تذييل قصد به بيان سوء ~~عاقبتهم ، وقبح أعمالهم. # أى : إنهم ساء وقبح عملهم الذي كانوا يعملونه من اشترائهم بآيات الله ~~ثمنا قليلا ، ومن صدودهم عن الحق وصدهم لغيرهم عنه .. وسيجازيهم الله على ~~ذلك بما يستحقونه عن عقاب شديد. # ثم بين سبحانه أن عداوة هؤلاء المشركين ليست خاصة بالمؤمنين الذين يقيمون ~~معهم ، وإنما هي عداوة عامة شاملة لكل مؤمن مهما تباعد عنهم فقال تعالى : ( ~~@QUR@010 لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون ). PageV06P217 # أى : أن هؤلاء المشركين لا يراعون في أمر مؤمن يقدرون على الفتك به عهدا ~~يحرم الغدر ، ولا قرابة تقتضي الود ، ولا ذمة توجب الوفاء خشية الذم ... ~~وإنما يبيتون الحقد والغدر والأذى لكل مؤمن ، من غير أن يقيموا للعهود أو ~~للفضائل وزنا. # وهذه الآية الكريمة أعم من قوله تعالى : قبل ذلك : ( @QUR@010 كيف وإن ~~يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ) لأن هذه بينت أن عدوانهم على ~~المؤمنين مقيد بظهورهم عليهم ، أما التي معنا فقد بينت أن عدوانهم ليس ~~مقيدا بشيء ، فهم متى وجدوا الفرصة اهتبلوها في الاعتداء على المؤمنين ولأن ~~التي معنا بينت أن عداوتهم قد شملت كل مؤمن مهما كان موضعه. أما الآية ~~السابقة فهي تخاطب المؤمنين الذين كان بينهم وبين المشركين الكثير من ~~الحروب والدماء. # وقوله ( @QUR@03 وأولئك هم المعتدون ) تذييل قصد به ذمهم والتحقير من شأنهم. # أى : وأولئك المشركون الموصوفون بتلك الصفات السيئة هم المتجاوزون لحدود ~~الله والخارجون على كل فضيلة ومكرمة. # وبعد أن وضحت السورة الكريمة طبيعة هؤلاء المشركين بالنسبة لكل مؤمن ، ~~وبينت الأسباب التي جعلتهم بمعزل عن الحق والخير .. شرعت في بيان ما يجب أن ~~يفعله المؤمنون معهم في حالتي إيمانهم وكفرهم فقال ms2523 تعالى. # ( @QUR@031 فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ، ~~ونفصل الآيات لقوم يعلمون. وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم ~~فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ). # أى : فإن تابوا عن شركهم وما يتبعه من رذائل ومنكرات وأقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة ، على الوجه الذي أمر الله به فهم في هذه الحالة ( @QUR@03 ~~فإخوانكم في الدين ) لهم ما لكم وعليهم ما عليكم وهذه الأخوة تجب ما قبلها ~~من عداوات. # وقوله : ( @QUR@04 ونفصل الآيات لقوم يعلمون ) جملة معترضة ، جيء بها ~~للحث والتحري على ما فصله سبحانه من أحكام المشركين ، وعلى الالتزام بها. # هذا ما يجب على المؤمنين نحو هؤلاء المشركين إن تابوا وأقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة .. أما إن كانت الأخرى ، أى إذا لم يتوبوا وأصروا على عداوتهم ~~، فقد بين سبحانه. ما يجب على المؤمنين نحوهم في هذه الحالة فقال : ( ~~@QUR@06 وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم ). # أى : وإن نقضوا عهودهم من بعد أن تعاقدوا معكم على الوفاء بها. # وقوله : ( @QUR@01 نكثوا ) من النكث بمعنى النقض والحل. يقال نكث فلان ~~الحبل إذا نقض فتله PageV06P218 # وحل خيوطه ومنه قوله تعالى : ( @QUR@09 ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من ~~بعد قوة أنكاثا ) (1). # وقوله : ( @QUR@03 وطعنوا في دينكم ) معطوف على ما قبله. أى : وعابوه ~~وانتقصوه. # وقوله : ( @QUR@03 فقاتلوا أئمة الكفر ) أى : فقاتلوهم فهم أئمة الكفر ، ~~وحملة لوائه. فوضع سبحانه الاسم الظاهر المبين لشر صفاتهم موضع الضمير على ~~سبيل الذم لهم. # وقيل : المراد بأئمة الكفر رؤساؤهم وصناديدهم الذين كانوا يحرضونهم على ~~عداوة المؤمنين ، ويقودونهم لقتال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. # وعطف. سبحانه قوله ( @QUR@03 وطعنوا في دينكم ) على ما قبله مع أن نقض ~~العهد كاف في إباحة قتالهم ، لزيادة تحريض المؤمنين على مجاهدتهم والاغلاظ عليهم. # وقوله : ( @QUR@04 إنهم لا أيمان لهم ) تعليل للأمر بقتالهم أى قاتلوا ~~هؤلاء المشركين بعزيمة صادقة ، وقلوب ثابتة. لأنهم قوم لا أيمان ولا عهود ~~لهم على الحقيقة ، لأنهم لما لم يفوا بها صارت أيمانهم كأنها ليست بأيمان. # وقرأ ابن عامر ( @QUR@04 إنهم لا أيمان لهم ) بكسر الهمزة. على ms2524 أنها مصدر ~~آمنه إيمانا بمعنى إعطاء الأمان. أى إنهم لا أمان لهم فاحذروا الاغترار ~~بهم. أو المراد الإيمان الشرعي. أى إنهم لا تصديق ولا دين لهم ، ومن كان ~~كذلك فلا وفاء له. # وقوله : ( @QUR@02 لعلهم ينتهون ) متعلق بقوله ( @QUR@03 فقاتلوا أئمة ~~الكفر ). # أى : ليكن مقصدكم من مقاتلتهم بعد أن وجد منهم ما وجد من إيذائكم الرجاء ~~في هدايتهم ، والانتهاء عن كفرهم وخيانتهم .. واحذروا أن يكون مقصدكم من ~~ذلك العدوان واتباع الهوى. # هذا ، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآيات سوى ما سبق ~~ما يأتى : # 1 أن ما ذكرته الآيات من كون المشركين ، لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ، ~~يقرر حقيقة واقعة ، ومن الأدلة على ذلك ما فعله التتار بالمسلمين وخاصة ~~مسلمي بغداد. سنة 656. وما فعله الوثنيون الهنود مع مسلمي باكستان ، وما ~~فعله الشيوعيون. في روسيا والصين وغيرها مع المسلمين الذين كانوا يعيشون ~~معهم (2). # 2 أن هؤلاء المشركين متى تابوا عن كفرهم ، وأقلعوا عن شركهم ، واندمجوا ~~في جماعة المؤمنين .. صاروا إخوة لنا في الدين. PageV06P219 # وهذه الأخوة الدينية كما يقول صاحب المنار مما يحسدنا جميع أهل الملل ~~عليها فهي لا تزال أقوى فينا منها فيهم برا وتعاونا. وعاصمة لنا من فوضى ~~الشيوعية ، وأثرة المادية وغيرها ، على ما منيت به شعوبنا من الضعف واختلال ~~النظام ، واختلاف الجنسيات والأحكام .. (1). # 3 قال القرطبي : استدل بعض العلماء بهذه الآية ( @QUR@09 وإن نكثوا ~~أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم ) على وجوب قتل كل من طعن في الدين ، ~~إذ هو كافر. والطعن أن ينسب إليه ما لا يليق به ، أو يعترض بالاستخفاف على ~~ما هو من الدين لما ثبت من الدليل القطعي على صحة أصوله واستقامة فروعه. # وقال ابن المنذر : أجمع عامة أهل العلم على أن من سب النبي ~~صلى الله عليه وسلم عليه القتل. وممن قال بذلك مالك والليث وأحمد وإسحاق ~~والشافعى (2). # 4 أخذ بعضهم من قوله تعالى ( @QUR@04 إنهم لا أيمان لهم ) أن الكافر لا ~~يمين له على الحقيقة. # قال الفخر الرازي : وبه تمسك أبو حنيفة. ms2525 رحمه الله . في أن يمين الكافر لا ~~يكون يمينا. وعند الشافعى. رحمه الله يمينهم يمين. ومعنى الآية عنده : أنهم ~~لما لم يفوا بها صارت أيمانهم كأنها ليست بأيمان. والدليل على أن أيمانهم ~~أيمان أنه سبحانه وصفها بالنكث في قوله ( @QUR@03 وإن نكثوا أيمانهم .. ) ~~ولو لم يكن منعقدا لما صح وصفها بالنكث (3). # 5 دل قوله تعالى ( @QUR@02 لعلهم ينتهون ) على أن قتال المؤمنين للمشركين ~~لا يراد به سلب أموالهم ولا هتك أعراضهم .. وإنما المراد به الرجاء في ~~هدايتهم ، والأمل في انتهائهم عن الكفر وسوء الأخلاق. # قال صاحب الكشاف : قوله ( @QUR@02 لعلهم ينتهون ) متعلق بقوله ( @QUR@03 ~~فقاتلوا أئمة الكفر ). # أى : ليكن غرضكم في مقاتلتهم بعد ما وجد منهم ما وجد من العظائم أن تكون ~~المقاتلة سببا في انتهائهم عما هم عليه. وهذا من غاية كرمه وفضله وعوده على ~~المسيء بالرحمة كلما عاد (4). # وبعد أن بينت السورة الكريمة الأسباب الموجبة لقتال المشركين : شرعت في ~~تحريض المؤمنين على مهاجمتهم ومقاتلتهم بأسلوب يثير الحمية في النفوس ، ~~ويحمل على الإقدام وعدم المبالاة بهم .. فقال تعالى : PageV06P220 # ( @QUR@020 ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم ~~بدؤكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين (13) @QUR@011 ~~قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ~~(14) @QUR@011 ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم ) (15) # قال الآلوسى : قوله تعالى ( @QUR@03 ألا تقاتلون قوما ... ) تحريض على ~~القتال بأبلغ وجه ، لأن الاستفهام فيه للإنكار ، والاستفهام الإنكارى في ~~معنى النفي ، وقد دخل هنا على نفى ، ونفى النفي إثبات. وحيث كان الترك ~~منكرا أفاد بطريق برهاني أن إيجاده أمر مطلوب مرغوب فيه ، فيفيد الحث ~~والتحريض عليه. بأقوى الأدلة ، وأسمى الأساليب (1). # وقد ذكر سبحانه هنا ثلاثة أسباب كل واحد منها يحمل المؤمنين على قتال ~~المشركين بغلظة وشجاعة. # أما السبب الأول فهو قوله تعالى : ( @QUR@02 نكثوا أيمانهم ) أى : نقضوا ~~عهودهم وحنثوا في أيمانهم التي حلفوها لتأكيد هذه العهود. # ومن مظاهر ذلك أن هؤلاء المشركين الذين تعاهدوا معكم في صلح الحديبية على ~~ترك القتال عشر سنين. قد ms2526 نقضوا عهودهم بمساعدة حلفائهم بنى بكر على قتال ~~حلفائكم بنى خزاعة عند أول فرصة سنحت لهم. # والسبب الثاني قوله. سبحانه. ( @QUR@03 وهموا بإخراج الرسول ) والهم : ~~المقاربة من الفعل من غير دخول فيه. # أى : وهموا بإخراج الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة التي ولد فيها وعاش بها ~~زمنا طويلا .. لكنهم لم يستطيعوا ذلك ، بل خرج باختيار. وبإذن الله له في ~~الهجرة. # وقد فصل سبحانه. ما هموا به في قوله ( @QUR@09 وإذ يمكر بك الذين كفروا ~~ليثبتوك أو يقتلوك أو PageV06P221 # @QUR@07 يخرجوك ، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) (1). # وإنما اقتصر ، سبحانه ، في الآية التي معنا على همهم بإخراجه. ~~صلى الله عليه وسلم . من مكة ، مع أن آية الأنفال قد بينت أنهم قد هموا بأحد ~~أمور ثلاثة لأن الإخراج هو الذي وقع أثره في الخارج بحسب الظاهر ، أما ~~القتل والحبس فلم يكن لهما أثر في الخارج. # وقيل : إنه. سبحانه. قد اقتصر على الأدنى وهو الهم بالإخراج ، ليعلم غيره ~~بالطريق الأولى ، إذ الإخراج أهون من القتل والحبس. # وأما السبب الثالث فهو قوله. سبحانه. ( @QUR@04 وهم بدؤكم أول مرة ) أى : ~~وهم الذين كانوا بادئين بقتالكم في أول لقاء بينكم وبينهم وهو يوم بدر ، ~~كما كانوا بادئين بالعدوان عليكم في كل قتال بعد ذلك ، كما حدث منهم في أحد ~~والخندق وكما حدث منهم مع حلفائكم من بنى خزاعة. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@04 وهم بدؤكم أول مرة ) أى : وهم الذين ~~كانت منهم البداءة بالمقاتلة ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءهم أولا ~~بالكتاب المنير ، وتحداهم به ، فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى القتال. ~~فهم البادئون بالقتال والبادئ أظلم ، فما يمنعكم من أن تقابلوهم بمثله ، ~~وأن تصدموهم بالشر كما صدموكم؟ (2). # فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد ذكرت ثلاثة أمور كل واحد منها كفيل ~~بحمل المؤمنين على قتال المشركين .. فكيف وقد توفرت هذه الأمور الثلاثة في ~~هؤلاء المشركين؟. # ولم تكتف الآية الكريمة بهذا التهييج والتحريض للمؤمنين على القتال ، بل ~~أمرتهم بأن تكون خشيتهم من الله وحده ، فقال سبحانه ( @QUR@08 أتخشونهم ~~فالله ms2527 أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين ). # أى : أتتركون أيها المؤمنون قتال هؤلاء المشركين الذين ( @QUR@09 نكثوا ~~أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرة ) خشية منهم ..؟ لا ، إن ~~هذا لا يليق بكم ، وإنما الذي يليق بكم إن كنتم مؤمنين حقا أن تكون خشيتكم ~~من الله وحده. # قال الإمام الرازي : وهذا الكلام يقوى داعية القتال من وجوه : # الأول : أن تعديد الموجبات القوية وتفصيلها مما يقوى هذه الداعية. # الثاني : أنك إذا قلت للرجل : أتخشى خصمك؟ كان ذلك تحريكا لأن يستنكف أن ~~ينسب إلى كونه خائفا من خصمه. # الثالث : أن قوله : ( @QUR@04 فالله أحق أن تخشوه ) يفيد ذلك كأنه قيل : ~~إن كنت تخشى أحدا PageV06P222 # فالله أحق أن تخشاه ، لكونه في غاية القدرة والكبرياء والجلالة .. # الرابع : أن قوله : ( @QUR@03 إن كنتم مؤمنين ) معناه : إن كنتم مؤمنين ~~إيمانا حقا ، وجب عليكم أن تقدموا على هذه المقاتلة ومعناه : أنكم إذا لم ~~تقدموا لا تكونوا كذلك ، فثبت أن هذا الكلام مشتمل على سبعة أنواع من ~~الأمور التي تحملهم على مقاتلة أولئك الكفار الناقضين للعهد (1). # ثم أمرهم سبحانه أمرا صريحا قاطعا بمقاتلة المشركين. ورتب على هذه ~~المقاتلة خمسة أنواع من الفوائد فقال : ( @QUR@04 قاتلوهم يعذبهم الله ~~بأيديكم ). # أى : أقدموا على قتالهم وباشروه بشجاعة وإخلاص كما أمركم ربكم ، فإنكم ~~متى فعلتم ذلك ( @QUR@03 يعذبهم الله بأيديكم ) بسبب ما تنزلونه بهم من قتل ~~وأسر وجراحات بليغة ، واغتنام للأموال. # وأسند سبحانه التعذيب إليه ، لأنه أمر زائد على أسبابه من الطعن والضرب ~~وما يفضيان إليه من القتل والجرح .. والأسر. تلك هي الفائدة الأولى من ~~قتالهم. # أما الفائدتان الثانية والثالثة فتتجليان في قوله. تعالى. ( @QUR@03 ~~ويخزهم ؛ وينصركم عليهم ). # أى : ويخزهم بسبب ما ينزل بهم من هزيمة وهوان وهم يتفاخرون بقواتهم ~~وبأسهم ، وينصركم عليهم بأن يجعل كلمتكم هي العليا وكلمتهم هي السفلى. # قال الإمام الرازي : فإن قالوا : لما كان حصول ذلك الخزي مستلزما لحصول ~~هذا النصر ، كان إفراده بالذكر عبثا؟ # فتقول : ليس الأمر كذلك ، لأنه من المحتمل أن يحصل الخزي لهم من جهة ~~المؤمنين ، إلا أن المؤمنين قد تحصل لهم ms2528 آفة لسبب آخر ، فلما قال : ( ~~@QUR@02 وينصركم عليهم ) دل على أنهم ينتفعون بهذا النصر والفتح والظفر» (2). # والفائدة الرابعة بينها سبحانه في قوله. ( @QUR@04 ويشف صدور قوم مؤمنين ). # أى : أنكم بقتالكم لهم وانتصاركم عليهم ، تشفون قلوب جماعة من المؤمنين ~~من غيظها المكظوم ، لأن هذه الجماعة قد لقيت ما لقيت من أذى المشركين ~~وظلمهم وغدرهم .. فكان انتصاركم عليهم شفاء لصدورهم. # قالوا : والمراد بهؤلاء القوم بنو خزاعة الذين غدر بهم بنو بكر بمساعدة قريش. PageV06P223 # والأولى أن تكون الجملة الكريمة عامة في كل من آذاهم المشركون. # أما الفائدة الخامسة فقد بينها سبحانه. في قوله ( @QUR@03 ويذهب غيظ ~~قلوبهم ): أى : ويذهب غيظ قلوب هؤلاء القوم المؤمنين ويزيل كربها وغمها ، ~~لأن الشخص الذي طال أذى خصمه له. ثم مكنه الله منه على أحسن الوجوه فإن هذا ~~الشخص في هذه الحالة يعظم سروره ، ويفرح قلبه ، ويتحول غيظه السابق إلى ~~غبطة وارتياح نفسي. # قال الآلوسى : «وظاهر العطف أن إذهاب الغيط غير شفاء الصدور. ووجه بأن ~~الشفاء يكون بقتل الأعداء وخزيهم ، وإذهاب الغيظ يكون بالنصر عليهم ... ~~وقيل ؛ إذهاب الغيظ كالتأكيد لشفاء الصدر ، وفائدته المبالغة في جعلهم ~~مسرورين بما يمن الله به عليهم من تعذيبه لأعدائهم ، ونصرته لهم عليهم ، ~~ولعل إذهاب الغيظ من القلب أبلغ مما عطف عليه ، فيكون ذكره من باب الترقي ~~...» (1). # وقوله : تعالى ( @QUR@08 ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم ) كلام ~~مستأنف لبيان شمول قدرة الله تعالى ، وواسع رحمته ، وبالغ حكمته. # أى : ويتوب الله على من يشاء أن يتوب عليه من عباده فيوفقه للإيمان ، ~~ويشرح صدره للإسلام ، والله تعالى عليم بسائر شئون خلقه ، حكيم في كل ~~أقواله وأفعاله وسائر تصرفاته ، فامتثلوا أمره ، واجتنبوا نهيه ، لتنالوا ~~السعادة في دنياكم وآخرتكم. # قال الإمام الرازي ما ملخصه : وهذه الآية تدل على كون الصحابة مؤمنين في ~~علم الله تعالى إيمانا حقيقيا ؛ لأنها تدل على أن قلوبهم كانت مملوءة ~~بالغضب وبالحمية من أجل الدين ، ومن أجل الرغبة الشديدة في علو دين الإسلام ~~، وهذه الأحوال لا تحصل إلا في قلوب المؤمنين الصادقين. # كما تدل على أنها ms2529 من المعجزات ، لأنه تعالى أخبر عن حصول هذه الأحوال ، ~~وقد وقعت كما أخبر فقد انتصر المؤمنون ، وأسلم من المشركين أناس كثيرون ~~فيكون ذلك إخبارا عن الغيب ، والإخبار عن الغيب معجزة» (2). # ثم ختم سبحانه هذه الآيات الكريمة التي حرضت المؤمنين على القتال أعظم ~~تحريض ، ببيان بعض الحكم التي من أجلها شرع الجهاد في سبيل الله ، فقال ~~تعالى : PageV06P224 # ( @QUR@024 أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم ~~يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون ) (16) # و «أم» هنا للاستفهام الإنكارى. وحسب كما يقول الراغب مصدره الحسبان وهو ~~أن يحكم الشخص لأحد النقيضين من غير أن يخطر الآخر بباله ، فيحسبه ويعقد ~~عليه الأصابع ، ويكون بعرض أن يعتريه فيه شك. ويقارب ذلك الظن ، لكن الظن ~~أن يخطر النقيضان بباله فيغلب أحدهما على الآخر (1). # والواو في قوله : ( @QUR@03 ولما يعلم الله ... ) حالية ، و ( @QUR@01 ~~لما ) للنفي مع توقع الحصول ، ونفى العلم هنا مجاز عن نفى التبيين والإظهار ~~والتمييز. # وقوله : ( @QUR@01 وليجة ) أى ، بطانة ومداخلة. من الولوج في الشيء أى ~~الدخول فيه. # يقال : ولج يلج ولوجا إذا دخل. وكل شيء أدخلته في شيء ولم يكن منه فهو وليجة. # والمراد بالوليجة هنا : البطانة من المشركين الذين يطلعون على أسرار ~~المؤمنين ويداخلونهم في أمورهم. # قال ابن جرير : قوله : ( @QUR@01 وليجة ) هو الشيء يدخل في آخر غيره. ~~يقال منه : ولج فلان في كذا يلجه فهو وليجة. وإنما عنى بها في هذا الموضع : ~~البطانة من المشركين ، نهى الله المؤمنين أن يتخذوا من عدوهم من المشركين ~~أولياء يفشون إليهم أسرارهم (2). # والمعنى : أحسبتم أيها المؤمنون أن تتركوا دون أن تؤمروا بقتال المشركين ~~، والحال أن الله تعالى لم يظهر الذين جاهدوا منكم بإخلاص ولم يتخذوا بطانة ~~من أعدائكم .. ممن جاهدوا منكم بدون إخلاص؟ # لا. أيها المؤمنون ، إن كنتم حسبتم ذلك فهو حسبان باطل ، لأن سنة الله قد ~~اقتضت أن يميز المخلص في جهاده من غيره ، وأن يجعل من حكم مشروعية الجهاد ~~الامتحان والتمحيص. # قال ابن كثير : والحاصل أنه تعالى لما ms2530 شرع الجهاد لعباده ، بين أن له فيه ~~حكمة وهو اختبار عبيده من يطيعه ممن يعصيه ، وهو تعالى العالم بما كان وما ~~يكون وما لم يكن لو PageV06P225 # كان كيف كان يكون ، فيعلم الشيء قبل كونه ومع كونه على ما هو عليه ، لا ~~إله إلا هو ولا رب سواه ، ولا راد لما قدره وأمضاه» (1). # وقوله تعالى. ( @QUR@04 والله خبير بما تعملون ) بيان لشمول علمه سبحانه ~~لجميع شئون خلقه. # أى : والله تعالى خبير بجميع أعمالكم ، مطلع على نياتكم ، فأخلصوا له ~~العمل والطاعة ، لتنالوا ثوابه ورضاه وعونه. # وبذلك نرى السورة الكريمة من أولها إلى هنا قد أعلنت براءة الله ورسوله ~~من عهود المشركين ، وأعطتهم مهلة يتدبرون خلالها أمرهم ، وأمرت المؤمنين ~~بعد هذه المهلة أن يقتلوا المشركين حيث وجدوهم .. ثم ساقت الأسباب التي ~~تدعو إلى مجاهدتهم ، والفوائد التي تترتب على هذه المجاهدة ، والحكم التي ~~من أجلها شرعت هذه المجاهدة. # ثم أخذت السورة بعد ذلك في إعلان حكم آخر يتعلق بتعمير مساجد الله ، ~~فبينت أنه يحرم على المشركين أن يعمروا مساجد الله ، وأن المستحقين لذلك هم ~~المؤمنون الصادقون ، فقال تعالى : # ( @QUR@018 ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم ~~بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون (17) @QUR@023 إنما يعمر ~~مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش ~~إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ) (18) # قال الجمل : وسبب نزول هذه الآية أن جماعة من رؤساء قريش أسروا يوم بدر ، ~~منهم العباس بن عبد المطلب ، فأقبل عليهم نفر من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يعيرونهم PageV06P226 # بالشرك. وجعل على بن أبى طالب يوبخ العباس بسبب قتال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقطيعة الرحم. # فقال العباس : ما لكم تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا؟ فقيل له : وهل لكم ~~محاسن؟ قال : نعم. ونحن أفضل منكم. إنا لنعمر المسجد الحرام. ونحجب الكعبة ~~أى نخدمها ، ونسقى الحجيج ، ونفك العاني أى الأسير فنزلت هذه الآية (1). # وقال صاحب المنار : والمراد أن هذه الآية تتضمن الرد على ذلك القول ms2531 الذي ~~كان يقوله ويفخر به العباس وغيره من كبراء المشركين ، لا أنها نزلت عند ما ~~قال ذلك القول لأجل الرد عليه في أيام بدر من السنة الثانية من الهجرة ، بل ~~نزلت في ضمن السورة بعد الرجوع من غزوة تبوك كما تقدم (2). # وقوله : ( @QUR@01 يعمروا ) من العمارة التي هي نقيض الخراب. يقال : عمر ~~فلان أرضه يعمرها عمارة إذا تعهدها بالخدمة والإصلاح والزراعة. # والمراد بعمارة المساجد ، هنا : ما يشمل إقامة العبادة فيها ، وإصلاح ~~بنائها وخدمتها ، ونظافتها ، واحترامها ، وصيانتها عن كل مالا يتناسب مع ~~الغرض الذي بنيت من أجله. # وقوله : ( @QUR@02 مساجد الله ) قرأ أبو عمرو وابن كثير مسجد الله ~~بالإفراد ، فيكون المراد به المسجد الحرام : لأنه أشرف المساجد في الأرض ، ~~ولأنه قبلة المساجد كلها .. فلا يجوز للمشركين دخوله أو الخدمة فيه. # وقرأ الجمهور ( @QUR@02 مساجد الله ) بالجمع ، فيكون المراد من المساجد ~~جميعها لأنها جمع مضاف في سياق النفي فيعم سائر المساجد ، ويدخل فيها ~~المسجد الحرام دخولا أوليا ، لأن تعميره مناط افتخارهم ، وأهم مقاصدهم. ~~وهذه القراءة آكد في النفي ، لأن نفى الجمع يدل على النفي عن كل فرد ، ~~فيلزم نفيه عن الفرد المعين بطريق الكناية ، كما لو قلت : فلان لا يقرأ كتب ~~الله ، فإن قولك هذا أنفى لقراءته القرآن من تصريحك بذلك. # قوله : ( @QUR@04 شاهدين على أنفسهم بالكفر ) حال من الواو في قوله ( ~~@QUR@01 يعمروا ). # وفائدة المجيء بهذه الجملة : الإشعار بأن كفرهم كفر صريح ، وأنهم يعترفون ~~به اعترافا لا يملكون إنكاره ، ولا يسعهم إلا إقراره. # والمعنى : لا ينبغي ولا يصح للمشركين أن يعمروا مساجد الله التي بنيت ~~لعبادته وحده PageV06P227 # سبحانه. وذلك لأن هؤلاء المشركين قد شهدوا على أنفسهم بالكفر شهادة نطقت ~~بها ألسنتهم ، وأيدتها أعمالهم. # فهم لا ينطقون بكلمة التوحيد ، وإنما ينطقون بالكفر والإشراك. وهم لا ~~يعملون أعمال المؤمنين ، وإنما يعملون الأعمال القبيحة التي تدل على ~~إصرارهم على باطلهم كسجودهم للأصنام عقب الطواف بالكعبة. # قال الفخر الرازي : وذكروا في تفسير هذه الشهادة وجوها : # الأول وهو الأصح : أنهم أقروا على أنفسهم بعبادة الأوثان ، وتكذيب القرآن ~~، وإنكار نبوة محمد عليه ms2532 الصلاة والسلام وكل ذلك كفر ؛ فمن يشهد على نفسه ~~بكل هذه الأشياء فقد شهد على نفسه بما هو كفر في نفس الأمر ، وليس المراد ~~أنهم شهدوا على أنفسهم بأنهم كفرة. # الثاني. قال السدى : شهادتهم على أنفسهم بالكفر هو أن يقول عابد الوثن ~~أنا عابد الوثن. # الثالث : أنهم كانوا يطوفون عراة ؛ وكلما طافوا شوطا سجدوا للأصنام. ~~وكانوا يقولون : لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك (1). # ثم بين سبحانه : في ختام الآية سوء عاقبتهم فقال ( @QUR@07 أولئك حبطت ~~أعمالهم وفي النار هم خالدون ): # أى : أولئك المشركون الشاهدون على أنفسهم بالكفر قد فسدت أعمالهم التي ~~كانوا يفتخرون بها مثل العمارة والحجابة والسقاية لأنها مع الكفر لا قيمة ~~لها ، ( @QUR@04 وفي النار هم خالدون ) يوم القيامة بسبب كفرهم وإصرارهم ~~على باطلهم. # ثم بين. سبحانه. أن المؤمنين الصادقين هم الجديرون بعمارة مساجد الله ، ~~فقال : ( @QUR@017 إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام ~~الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله ). # أى : ليس المشركون أهلا لعمارة مساجد الله ؛ وإنما الذين هم أهل لذلك ~~المؤمنون الصادقون الذين آمنوا بالله إيمانا حقا ، وآمنوا باليوم الآخر وما ~~فيه من ثواب وعقاب ، وآمنوا بما فرضه الله عليهم من فرائض فأدوها بالكيفية ~~التي أرشدهم إليها نبيهم صلى الله عليه وسلم فهم في صلاتهم خاشعون ؛ وللزكاة ~~معطون بسخاء وإخلاص. # وهم بجانب ذلك لا يخشون أحدا إلا الله في تبليغ ما كلفوا بتبليغه من أمور ~~الدين ؛ PageV06P228 # ولا يقصرون في العمل بموجب أوامر الله ونواهيه. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : هلا ذكر الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قلت : لما علم وشهر أن الإيمان بالله قرينته الإيمان بالرسول. عليه الصلاة ~~والسلام. لاشتمال كلمة الشهادة والأذان والإقامة وغيرها عليهما مقترنين ~~كأنهما شيء واحد .. انطوى تحت ذكر الإيمان بالله. تعالى. الإيمان بالرسول ~~صلى الله عليه وسلم فإن قلت : كيف قال : ( @QUR@04 ولم يخش إلا الله ) والمؤمن ~~يخشى المحاذير ولا يتمالك أن لا يخشاها. # قلت : هي الخشية والتقوى في أبواب الدين ، وأن لا يختار ms2533 على رضا الله رضا ~~غيره لتوقع مخوف : وإذا اعترض أمران : أحدهما حق الله والآخر حق نفسه ، آثر ~~حق الله على حق نفسه (1). # وقوله تعالى ( @QUR@06 فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ) تذييل قصد به ~~حسن عاقبة المؤمنين الصادقين. # أى : فعسى أولئك المتصفون بتلك الصفات الجليلة من الإيمان بالله واليوم ~~الآخر .. أن يكونوا من المهتدين إلى الجنة وما أعد فيها من خير عميم ، ورزق كبير. # قال الآلوسى : وإبراز اهتدائهم لذلك مع ما بهم من تلك الصفات الجليلة في ~~معرض التوقع ، لحسم أطماع الكافرين عن الوصول إلى مواقف الاهتداء لأن هؤلاء ~~المؤمنين. وهم من هم. إذا كان أمرهم دائرا بين لعل وعسى فكيف يقطع ~~المشركون. وهم بيت المخازي والقبائح. أنهم مهتدون؟!. # وفيه قطع اتكال المؤمنين على أعمالهم ، وإرشادهم إلى ترجيح جانب الخوف ~~على جانب الرجاء (2). # هذا ، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هاتين الآيتين ما يأتى : # 1 أن أعمال البر الصادرة عن المشركين. كإطعام الطعام ، وإكرام الضيف .. ~~إلخ. لا وزن لها عند الله ، لاقترانها بالكفر والإشراك به سبحانه . # قال. تعالى. : ( @QUR@09 وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ~~) (3). # 2 أن عمارة مساجد الله من حق المؤمنين وحدهم ، أما المشركون فإنهم لا يصح ~~منهم ذلك بسبب كفرهم ونجاستهم. PageV06P229 # قال الجمل. لا يصح للمشركين أن يعمروا مساجد الله بدخولها والقعود فيها. ~~فإذا دخل الكافر المسجد بغير إذن من مسلم عزر ، وإن دخل بإذنه لم يعزر لكن ~~لا بد من حاجة. فيشترط للجواز الإذن والحاجة. ويدل على جواز دخول الكافر ~~المسجد بالإذن أن النبي صلى الله عليه وسلم شد ثمامة بن أثال إلى سارية من ~~سوارى المسجد وهو كافر (1). # 3 التنويه بشأن بناء المساجد ، والتعبد فيها ، وإصلاحها ، وخدمتها ، ~~وتنظيفها ، والسعى إليها ، واحترامها ، وصيانتها عن كل ما يتنافى مع الغرض ~~الذي بنيت من أجله ، وقد وردت أحاديث كثيرة في هذا المعنى ، ومن ذلك : ما ~~أخرجه الشيخان وغيرهما عن عثمان بن عفان. رضى الله عنه. قال : سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول : «من بنى ms2534 لله مسجدا يبتغى به وجه الله بنى الله ~~له بيتا في الجنة». # وروى الشيخان. أيضا. عن أبى هريرة. رضى الله عنه. قال : رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «من غدا إلى المسجد أو راح أى سار قبل الزوال أو بعده ~~لعبادة الله في المسجد أعد الله له نزلا أى مكانا طيبا في الجنة كلما غدا ~~أو راح». # وروى الترمذي عن أبى سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «إذا ~~رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان» قال الله. تعالى : ( ~~@QUR@09 إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر .. ) الآية. # وروى أبو داود والترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم نهى عن الشراء والبيع في المسجد ، وأن تنشد فيه ضالة ؛ أو ~~ينشد فيه شعر». وروى مسلم في صحيحه عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال : «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر ، إنما هي لذكر ~~الله تعالى. وقراءة القرآن» (2). # إلى غير ذلك من الأحاديث التي وردت بشأن المساجد. # ثم بين. سبحانه. بعد ذلك أنه لا يصلح أن يسوى بين هؤلاء المشركين لمجرد ~~سقايتهم الحجاج وعمارتهم المسجد الحرام. وبين المؤمنين الصادقين المجاهدين ~~في سبيل الله لإعلاء كلمته فقال سبحانه : PageV06P230 # ( @QUR@024 أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله ~~واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم ~~الظالمين (19) @QUR@016 الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم ~~وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون (20) @QUR@010 يبشرهم ربهم ~~برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم (21) @QUR@08 خالدين فيها أبدا ~~إن الله عنده أجر عظيم ) (22) # ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات منها : ما رواه مسلم وأبو ~~داود وابن جرير وابن المنذر عن النعمان بن بشير قال : كنت عند منبر النبي. ~~صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل : ما أبالى أن لا أعمل عملا بعد ~~الإسلام إلا أن ms2535 أسقى الحاج. وقال آخر : بل عمارة المسجد الحرام وقال آخر بل ~~الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم ، فزجرهم عمر وقال : لا ترفعوا أصواتكم ~~عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم وذلك يوم الجمعة ولكن إذا صليتم الجمعة ~~دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. فأنزل ~~الله. تعالى. : ( @QUR@03 أجعلتم سقاية الحاج .. ) الآية (1) وأخرج ابن ~~جرير عن عبيد بن سليمان قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : ( @QUR@03 أجعلتم ~~سقاية الحاج .. ): أقبل المسلمون على العباس وأصحابه الذين أسروا يوم بدر ~~يعيرونهم بالشرك. فقال العباس : أما والله لقد كنا نعمر المسجد الحرام. ~~ونفك العاني ، ونحجب البيت ، ونسقى الحاج فأنزل الله. تعالى. : ( @QUR@03 ~~أجعلتم سقاية الحاج .. ) (2). # وقال صاحب المنار ، بعد أن ساق عددا من الروايات في سبب نزول هذه الآيات. : PageV06P231 # والمعتمد من هذه الروايات حديث النعمان لصحة سنده ، وموافقة متنه لما دلت ~~عليه الآيات من كون موضوعها في المفاضلة أو المساواة بين خدمة البيت ~~وحجابه. من أعمال البر الهينة المستلذة. وبين الإيمان والجهاد بالمال ~~والنفس والهجرة وهي أشق العبادات البدنية والمالية (1). # والسقاية والعمارة : مصدران من سقى وعمر. بتخفيف الميم. # والمراد بسقاية الحاج ما كانت قريش تسقيه للحجاج من الزبيب المنبوذ في ~~الماء ، وكان العباس. رضى الله عنه. هو الذي يتولى إدارة هذا العمل. # قال الجمل : السقاية هي المحل الذي يتخذ فيه الشراب في الموسم. كان يشترى ~~الزبيب فينبذ في ماء زمزم ويسقى للناس ، وكان يليها العباس جاهلية وإسلاما ~~، وأقرها النبي صلى الله عليه وسلم له .. ويظهر أن المراد بها هنا المصدر. أى ~~: إسقاء الحجاج وإعطاء الماء لهم (2). # والمراد بعمارة المسجد الحرام : ما يشمل العبادة فيه ، وإصلاح بنائه ، ~~وخدمته ، وتنظيفه .. كما سبق أن بينا. # والهمزة في قوله. ( @QUR@01 أجعلتم ) للاستفهام الإنكارى المتضمن معنى النهى. # والكلام على حذف مضاف ، لأن العمارة والسقاية مصدران ولا يتصور تشبيههما ~~بالأعيان ، فلا بد من تقدير مضاف في أحد الجانبين حتى يتأتى التشبيه ~~والمعنى : أجعلتم أهل سقاية الحاج وأهل عمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله ~~واليوم الآخر ، وجاهد في ms2536 سبيل الله؟ ويؤيده قراءة أجعلتم سقاة الحاج بضم ~~السين. جمع ساق. وعمرة المسجد الحرام بفتح العين والميم جمع عامر. # وعلى هذا المعنى يكون التقدير في جانب الصفة ، ويجوز أن يكون التقدير في ~~جانب الذات فيكون المعنى. أجعلتموهما ، أى السقاية والعمارة. كإيمان من آمن ~~وجهاد من جاهد؟ # والخطاب يشمل بعض المؤمنين الذين آثروا السقاية والعمارة على الجهاد كما ~~جاء في حديث النعمان. كما يشمل المشركين الذين كانوا يتفاخرون بأنهم سقاة ~~الحجيج ، وعمار المسجد الحرام. # والمقصود من الجملة الكريمة إنكار التسوية بين العملين وبين الفريقين. ~~وقد جاء هذا الإنكار صريحا في قوله تعالى. ( @QUR@04 لا يستوون عند الله ). PageV06P232 # أى : لا يساوى الفريق الأول الفريق الثاني في حكم الله ، إذ أن الفريق ~~الثاني له بفضل إيمانه الصادق. وجهاده الخالص الأجر الجزيل عند الله. # فالجملة الكريمة مستأنفة لتقرير الإنكار المذكور وتأكيده ثم ختم سبحانه. ~~الآية الكريمة بقوله. ( @QUR@05 والله لا يهدي القوم الظالمين ). # أى. والله تعالى. لا يوفق القوم الظالمين إلى معرفة الحق ، وتمييزه من ~~الباطل ، لأنهم قد آثروا الشر على الخير والضلالة على الهداية. # وقوله. ( @QUR@014 الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم ~~وأنفسهم أعظم درجة عند الله ..» ) استئناف لبيان مراتب فضلهم زيادة في الرد ~~، وتكميلا له. # أى : ( @QUR@02 الذين آمنوا ) بالله تعالى إيمانا حقا ، ( @QUR@01 ~~وهاجروا ) من دار الكفر إلى دار الإيمان فرارا بدينهم ، ( @QUR@04 وجاهدوا ~~في سبيل الله ) لإعلاء كلمة الله ( @QUR@02 بأموالهم وأنفسهم ) هؤلاء الذين ~~توفرت فيهم هذه الصفات الجليلة ( @QUR@04 أعظم درجة عند الله ) أى : أعلى ~~مقاما وأشرف منزلة في حكم الله وتقديره من أهل سقاية الحاج ، وعمارة المسجد ~~الحرام ومن كل من لم يتصف بهذه الصفات الأربعة الكريمة وهي : الإيمان ، ~~والهجرة ، والجهاد بالمال ، والجهاد بالنفس. # قال الفخر الرازي. فإن قيل : لما أخبرتم أن هذه الصفات كانت بين المسلمين ~~والكافرين. كما جاء في بعض روايات أسباب النزول. فكيف قال في وصفهم أعظم ~~درجة مع أنه ليس للكفار درجة. # قلنا. الجواب عنه من وجوه. الأول أن هذا ورد على حسب ما كانوا يقدرون ~~لأنفسهم من الدرجة والفضيلة ms2537 عند الله ، ونظيره قوله. سبحانه ( @QUR@04 آلله ~~خير أما يشركون ) (1). # الثاني : أن يكون المراد أن أولئك أعظم درجة من كل من لم يكن موصوفا بهذه ~~الصفات ، تنبيها على أنهم لما كانوا أفضل من المؤمنين الذين ما كانوا ~~موصوفين بهذه الصفات ، فبأن لا يقاسوا إلى الكفار أولى. # الثالث : أن يكون المراد أن المؤمن المجاهد المهاجر أفضل ممن على السقاية ~~والعمارة. والمراد منه ترجيح تلك الأعمال. ولا شك أن السقاية والعمارة من ~~أعمال الخير ، وإنما بطل ثوابها في حق الكفار بسبب كفرهم (2). PageV06P233 # وقوله : ( @QUR@03 وأولئك هم الفائزون ) أى : وأولئك الموصوفون بتلك ~~الصفات الكريمة ، هم الفائزون ، بثواب الله الأعظم ، وبرضائه الأسمى الذي ~~لا يصل إليه ، سواهم ممن لم يفعل فعلهم. # ثم فصل سبحانه هذا الفوز فقال : ( @QUR@018 يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان ~~وجنات لهم فيها نعيم مقيم. خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم ). # أى يبشرهم ربهم على لسان نبيهم صلى الله عليه وسلم في الدنيا وعلى لسان ~~الملائكة عند الموت ( @QUR@02 برحمة منه ) أى : برحمة واسعة منه سبحانه ~~وبرضائه التام عنهم ، وبجنات عالية لهم فيها نعيم عظيم لا يزول ولا يبيد. # ( @QUR@03 خالدين فيها أبدا ) أى : ماكثين في تلك الجنات مكثا أبديا. # ( @QUR@05 إن الله عنده أجر عظيم ) لا يقادر قدره لهؤلاء الذين آمنوا ~~وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. # قال الآلوسى : ذكر أبو حيان أنه تعالى لما وصف المؤمنين بثلاث صفات ~~الإيمان والهجرة ، والجهاد بالنفس والمال ، قابلهم على ذلك بالتبشير بثلاث ~~: الرحمة ، والرضوان ، والجنة. # وبدأ سبحانه بالرحمة في مقابلة الإيمان لتوقفها عليه ، ولأنها أعم النعم ~~وأسبقها كما أن الإيمان هو السابق. # وثنى سبحانه بالرضوان الذي هو نهاية الإحسان في مقابلة الجهاد الذي هو ~~بذل الأنفس والأموال. # وثلث بالجنات في مقابلة الهجرة وترك الأوطان ، إشارة إلى أنهم لما آثروا ~~تركها في سبيله أعطاهم بدلها دارا عظيمة دائمة وهي الجنات. # وفي الحديث الصحيح يقول الله سبحانه : «يا أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون ~~كيف لا نرضى وقد باعدتنا عن نارك وأدخلتنا جنتك؟ فيقول سبحانه لكم عندي ~~أفضل من ms2538 ذلك ، فيقولون : وما أفضل من ذلك؟ فيقول جل شأنه : أحل لكم رضائى ~~فلا أسخط عليكم بعده أبدا» (1). # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد بينت أنه لا تصح المساواة بين ~~المؤمنين الصادقين PageV06P234 # الذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ، وبين غيرهم ممن لم ~~يفعل فعلهم ، ولم يجاهد جهادهم ... # وبعد أن بين سبحانه ما أعده من عطاء عظيم للمؤمنين الصادقين ، الذين ~~هاجروا وجاهدوا في سبيله بأموالهم وأنفسهم ... أتبع ذلك بتوجيه نداء إليهم ~~، حثهم فيه على أن يجردوا أنفسهم لعقيدتهم ، وأن يقاطعوا أعداءهم في الدين ~~مهما بلغت درجة قرابتهم منهم ، وأن يؤثروا حب الله ورسوله على كل شيء من ~~زينة الحياة الدنيا فقال تعالى : # ( @QUR@020 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن ~~استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون (23) ~~@QUR@033 قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال ~~اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله ~~وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ) (24) # والمعنى : ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا ) إيمانا حقا ( @QUR@04 لا ~~تتخذوا آباءكم وإخوانكم ) المشركين ( @QUR@01 أولياء ) وأصدقاء تفشون إليهم ~~أسراركم ، وتطلعونهم على ما لا يجوز اطلاعهم عليه من شئونكم ، وتلقون إليهم ~~بالمودة .. فإن ذلك يتنافى مع الإيمان الحق ، ومع الإخلاص للعقيدة وإيثارها ~~على كل ما سواها من زينة الحياة. # والمراد النهى لكل فرد من أفراد المخاطبين عن موالاة أى فرد من أفراد ~~المشركين ، لأن الجمع إذا قوبل بالجمع يوزع الفرد على الفرد ، كما في قوله ~~تعالى ( @QUR@04 وما للظالمين من أنصار ) (1). PageV06P235 # قال القرطبي : وخص سبحانه الآباء والإخوة إذ لا قرابة أقرب منها. فنفى ~~الموالاة بينهم ليبين أن القرب قرب الأديان لا قرب الأبدان. # ولم يذكر الأبناء في هذه الآية ، إذ الأغلب من البشر أن الأبناء هم التبع ~~للآباء. والإحسان والهبة مستثناة من الولاية. قالت أسماء : يا رسول الله إن ~~أمى قدمت على راغبة وهي مشركة أفأصلها؟ قال نعم. «صلى أمك» (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 إن استحبوا الكفر على الإيمان ) قيد ms2539 في النهى ~~عن اتخاذهم أولياء. والاستحباب : طلب المحبة : يقال : استحب له بمعنى أحبه ~~كأنه طلب محبته. # أى : لا تتخذوهم أولياء إن اختاروا الكفر على الإيمان وأصروا على شركهم ~~وباطلهم .. أما إذا أقلعوا عن ذلك ودخلوا في دينكم ، فلا حرج عليكم من ~~اتخاذهم أولياء وأصفياء. # وقوله : ( @QUR@06 ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون ) تذييل قصد به ~~الوعيد والتهديد لمن يفعل ذلك. # أى : ومن يتولهم منكم في حال استحبابهم الكفر على الإيمان ، فأولئك ~~الموالون لهم هم الظالمون لأنفسهم ، لأنهم وضعوا الموالاة في غير موضعها ، ~~وتجاوزوا حدود الله التي نهاهم عن تجاوزها ، وسيجازيهم سبحانه على ذلك بما ~~يستحقونه من عقاب. # ثم أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يعلن للناس هذه الحقيقة : وهي أن ~~محبة الله ورسوله يجب أن تفوق كل محبة لغيرهما فقال تعالى : ( @QUR@01 قل ) ~~يا محمد لمن اتبعك من المؤمنين : ( @QUR@03 إن كان آباؤكم ) الذين أنتم ~~بضعة منهم ، ( @QUR@01 وأبناؤكم ) الذين هم قطعة منكم ( @QUR@01 وإخوانكم ) ~~الذين تربطكم بهم وشيجة الرحم ( @QUR@01 وأزواجكم ) اللائي جعل الله بينكم ~~وبينهن مودة ورحمة ( @QUR@01 وعشيرتكم ) أى : أقاربكم الأدنون الذين تربطكم ~~بهم رابطة المعاشرة والعصبة ( @QUR@02 وأموال اقترفتموها ) أى : اكتسبتموها ~~فهي عزيزة عليكم. # وأصل القرف والاقتراف قشر اللحاء عن الشجر ، والجلدة عن الجرح ثم استعير ~~الاقتراف للاكتساب مطلقا : # ( @QUR@03 وتجارة تخشون كسادها ) أى : تخافون بوارها وعدم رواجها بسبب ~~اشتغالكم بغيرها من متطلبات الإيمان. # يقال : كسد الشيء من باب نصر وكرم. كسادا وكسودا ، إذا قل رواجه وربحه. ( ~~@QUR@02 ومساكن ترضونها ) أى : ومنازل تعجبكم الإقامة فيها. PageV06P236 # قل لهم يا محمد : إن كان كل ذلك من الآباء والأبناء والإخوان والأزواج ~~والعشيرة ، والأموال ، والتجارة ، والمساكن ( @QUR@013 أحب إليكم من الله ~~ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره ). # أى : إن كانت هذه الأشياء أحسن في نفوسكم وأقرب إلى قلوبكم من طاعة الله ~~وطاعة رسوله ومن الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الحق ، فانتظروا حتى يحكم الله ~~فيكم ، وهو العذاب العاجل أو العقاب الآجل. # فالجملة الكريمة تهديد وتخويف لمن آثر محبة الآباء والأبناء ... على محبة ~~الله ورسوله ، وعلى الجهاد ms2540 من أجل إعلاء كلمة الدين. # وقوله : ( @QUR@05 والله لا يهدي القوم الفاسقين ) تذييل قصد به تأكيد ~~التهديد السابق أى : والله تعالى قد اقتضت حكمته أن لا يوفق القوم الخارجين ~~عن حدود دينه وشريعته إلى ما فيه مثوبته ورضاه. # هذا ، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هاتين الآيتين ما يأتى : # (1) تحريم موالاة الكافرين مهما بلغت درجة قرابتهم ، واعتبار هذه ~~الموالاة من الكبائر ، لوصف فاعلها بالظلم : قال تعالى : ( @QUR@06 ومن ~~يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون ). # (2) قوة إيمان الصحابة ، وسرعة امتثالهم لأوامر الله ، فإنهم في سبيل ~~عقيدتهم قاطعوا أقرب الناس إليهم ممن خالفوهم في الدين ، بل وحاربوهم ~~وقتلوهم. # قال ابن كثير : روى الحافظ البيهقي من حديث عبد الله بن شوذب قال : جعل ~~أبو أبى عبيدة بن الجراح ينعت له الآلهة يوم بدر وجعل أبو عبيدة يحيد عنه. ~~فلما أكثر الجراح ، قصده ابنه أبو عبيدة فقتله ، فأنزل الله فيه هذه الآية ~~التي بآخر سورة المجادلة ( @QUR@051 لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوادون من حاد الله ورسوله ، ولو كانوا آباءهم ، أو أبناءهم ، أو إخوانهم ، ~~أو عشيرتهم ، أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ، ويدخلهم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ، رضي الله عنهم ورضوا عنه ، أولئك حزب ~~الله ، ألا إن حزب الله هم المفلحون ) (1). # (3) إن المؤمن لا يتم إيمانه إلا إذا كانت محبته لله ورسوله مقدمة على كل ~~محبوب ، وقد وردت عدة أحاديث في هذه المعنى ، ومن ذلك ما أخرجه البخاري ~~والإمام أحمد عن أبى عقيل PageV06P237 # زهرة بن معبد أنه سمع جده عبد الله بن هشام قال : كنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال : يا رسول الله لأنت أحب ~~إلى من كل شيء إلا من نفسي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يؤمن أحدكم ~~حتى أكون أحب إليه من نفسه» فقال عمر : فأنت والله أحب إلى من نفسي. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «الآن يا عمر» (1). # (4) في الآية الثانية دليل على ms2541 أنه إذا تعارضت مصلحة من مصالح الدين مع ~~مهمات الدنيا ، وجب ترجيح جانب الدين على الدنيا ليبقى الدين سليما ، وهذا ~~عمل لا يستطيعه إلا الأتقياء .. ولذا قال الإمام الزمخشري : وهذه آية شديدة ~~لا ترى أشد منها. كأنها تنعى على الناس ما هم عليه من رخاوة عقد الدين ~~واضطراب حبل اليقين. فلينصف أورع الناس وأتقاهم من نفسه ، هل يجد عنده من ~~التصلب في ذات الله والثبات على دينه ، ما يستحب له دينه على الآباء ~~والأبناء والإخوان والعشائر والمال والمساكن وجميع حظوظ الدنيا ويتجرد منها ~~لأجله؟ أم يزوى الله عنه أحقر شيء منها لمصلحته ، فلا يدرى أى طرفيه أطول؟ ~~ويغويه الشيطان عن أجل حظ من حظوظ الدين ، فلا يبالى كأنما وقع على أنفه ~~ذباب فطيره؟ (2). # (5) قال بعض العلماء : وليس المطلوب. من قوله تعالى ( @QUR@04 قل إن كان ~~آباؤكم ... ) إلخ. أن ينقطع المسلم عن الأهل والعشيرة والزوج والولد والمال ~~والعمل والمتاع واللذة ، ولا أن يترهبن ويزهد في طيبات الحياة .. كلا إنما ~~تريد هذه العقيدة أن يفرغ لها القلب ، ويخلص لها الحب ، وأن تكون هي ~~المسيطرة الحاكمة ، وهي المحركة الدافعة. فإذا تم لها هذا فلا حرج عندئذ أن ~~يستمتع المسلم بكل طيبات الحياة ، على أن يكون مستعدا لنبذها كلها في ~~اللحظة التي تتعارض مع مطالب العقيدة. # ومفرق الطريق هو أن تسيطر العقيدة أو يسيطر المتاع ، وأن تكون الكلمة ~~الأولى للعقيدة أو لعرض من أعراض هذه الحياة؟ فإذا اطمأن المسلم إلى أن ~~قلبه خالص لعقيدته فلا عليه بعد هذا أن يستمتع بالأبناء والإخوة والعشيرة ~~والزوج .. ولا عليه أن يتخذ الأموال والمتاجر والمساكن. ولا عليه أن يستمتع ~~بزينة الله والطيبات من الرزق. في غير سرف ولا مخيلة. # بل إن المتاع حينئذ لمستحب ، باعتباره لونا من ألوان الشكر لله الذي أنعم ~~بها ليتمتع بها عباده. وهم يذكرون أنه الرازق المنعم الوهاب. # ثم انتقلت السورة الكريمة من نهى المؤمنين عن موالاة المشركين مهما بلغت ~~درجة قرابتهم ، وعن إيثارهم محبة الآباء والأبناء على محبة الله .. انتقلت ~~من ذلك إلى تذكيرهم ms2542 بجانب من نعم PageV06P238 # الله عليهم. حيث نصرهم سبحانه في حنين بعد أن ولوا مدبرين دون أن تنفعهم ~~كثرتهم وقوتهم فقال تعالى : # ( @QUR@023 لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ~~فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين (25) ~~@QUR@018 ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم ~~تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين (26) @QUR@012 ثم يتوب الله من ~~بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم ) (27) # قال ابن كثير. هذه أول آية نزلت من براءة يذكر تعالى المؤمنين فضله عليهم ~~وإحسانه لديهم في نصره إياهم في مواطن كثيرة من غزواتهم مع رسوله ، وأن ذلك ~~من عنده تعالى : وبتأييده وتقديره لا بعددهم ولا بعددهم ، ونبههم إلى أن ~~النصر من عنده سواء قل الجمع أم كثر ، فإنهم يوم حنين أعجبتهم كثرتهم ومع ~~هذا ما أجدى ذلك عنهم شيئا فولوا مدبرين إلا القليل منهم ... ثم أنزل الله ~~نصره على رسوله والمؤمنين. # وقد كانت واقعة حنين بعد فتح مكة في شوال سنة ثمان من الهجرة : وذلك أنه ~~لما فرغ صلى الله عليه وسلم من فتح مكة ، وتمهدت أمورها ، وأسلم عامة أهلها ، ~~وأطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن هوازن جمعوا له ليقاتلوه ، ~~ومعهم ثقيف بكمالها وبنو سعد بن بكر. # فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيشه الذي جاء للفتح وهو عشرة ~~آلاف من المهاجرين والأنصار وقبائل العرب ، ومعه الذين أسلموا من أهل مكة ~~وهم الطلقاء في ألفين. فسار بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العدو ، ~~فالتقوا بواد بين مكة والطائف يقال له حنين ، فكانت فيه الموقعة في أول ~~النهار في غلس الصبح. PageV06P239 # انحدروا في الوادي وقد كمنت فيه هوازن ، فلما تواجهوا لم يشعر المسلمون ~~إلا بهم قد بادروهم ، ورشقوا بالنبال ، وأصلتوا السيوف ، وحملوا حملة رجل ~~واحد .. فعند ذلك ولى المسلمون الأدبار ، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وثبت معه من أصحابه قريب من مائة. # ثم أمر صلى الله ms2543 عليه وسلم عمه العباس وكان جهير الصوت أن ينادى بأعلى صوته ~~يا أصحاب الشجرة أى شجرة بيعة الرضوان التي بايعه المسلمون تحتها على أن لا ~~يفروا عنه فجعل ينادى بهم .. فجعلوا يقولون : لبيك لبيك. # وانعطف الناس فتراجعوا .. فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصدقوا ~~الحملة ، وأخذ قبضة من تراب ثم رمى بها القوم ، فما بقي إنسان منهم إلا ~~أصابه منها في عينيه وفمه ما شغله عن القتال ، ثم انهزموا فاتبع المسلمون ~~أقفاءهم يقتلون ويأسرون ، وما تراجع بقية الناس إلا والأسرى مجندلة بين يدي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم (1). # هذه خلاصة لغزوة حنين التي اجتمع فيها للمسلمين للمرة الأولى جيش تعداده ~~اثنا عشر ألفا ، فلما أعجبتهم هذه الكثرة والقوة .. أصيبوا بالهزيمة في أول ~~معركة .. ليعلموا أن كثرتهم لن تغنى عنهم شيئا إذا لم يكن عون الله معهم. # فقوله تعالى : ( @QUR@015 لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ ~~أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ) تذكير للمؤمنين ببعض نعم الله عليهم ؛ ~~حتى يداوموا على طاعته ومحبته. وحتى لا يغتروا بقوتهم مهما كثرت. # والمواطن : جمع موطن. وهو المكان الذي يقيم فيه الإنسان. يقال : استوطن ~~فلان بمكان كذا ، إذا جعله وطنا له. # والمراد بالمواطن هنا : الأماكن التي حدثت فيها الحروب بين المسلمين ~~وأعدائهم. # قال الآلوسى : وقوله : ( @QUR@02 ويوم حنين ) معطوف على محل مواطن وعطف ~~ظرف الزمان على ظرف المكان وعكسه جائز .. وأوجب الزمخشري كون ( @QUR@01 يوم ~~) منصوبا بفعل مضمر والعطف من قبيل عطف الجملة على الجملة. # أى : «ونصركم يوم حنين ..» (2). # وقوله : ( @QUR@03 إذ أعجبتكم كثرتكم ) بدل من يوم حنين ، أو عطف بيان له. PageV06P240 # وأعجبتكم : من الإعجاب بمعنى السرور بما يتعجب منه. وسبب هذا الإعجاب أن ~~عدد المسلمين كان اثنا عشر ألفا ، وعدد أعدائهم كان أربعة آلاف. # وقوله : ( @QUR@04 فلم تغن عنكم شيئا ) بيان للأثر السيئ الذي أعقب ~~الإعجاب بالكثرة ، وأن سرورهم بهذه الكثرة لم يدم طويلا ، بل تبعه الحزن ~~والهزيمة. # وقوله : ( @QUR@01 تغن ) من الغناء بمعنى النفع. تقول : ما يغنى عنك هذا ~~الشيء ، أى : ما يجزئ ms2544 عنك وما ينفعك وقوله : ( @QUR@05 وضاقت عليكم الأرض ~~بما رحبت ) بيان لشدة خوفهم وفزعهم. # قال القرطبي : والرحب بضم الراء السعة. تقول منه : فلان رحب الصدر. # والرحب بالفتح الواسع. تقول منه : بلد رحب وأرض رحبة. # وقيل : الباء بمعنى مع ، أى : وضاقت عليكم الأرض مع رحبها. وقيل بمعنى ~~على. أى : على رحبها. وقيل المعنى برحبها فتكون «ما» مصدرية (1). # والمعنى : اذكروا أيها المؤمنون نعم الله عليكم ، وحافظوا عليها بالشكر ~~وحسن الطاعة ، ومن مظاهر هذه النعم أنه سبحانه قد نصركم على أعدائكم مع ~~قلتكم. في مواقف حروب كثيرة ؛ كغزوة بدر ، وغزوة بنى قينقاع والنضير ... ~~كما نصركم. أيضا. في يوم غزوة حنين ، وهو اليوم الذي راقتكم فيه كثرتكم ~~فاعتمدتم عليها حتى قال بعضكم : لن نغلب اليوم من قلة ... # ولكن هذه الكثرة التي أعجبتم بها لم تنفعكم شيئا من النفع في أمر العدو ~~بل انهزمتم أمامه في أول الأمر ، وضاقت في وجوهكم الأرض مع رحابتها وسعتها ~~بسبب شدة خوفكم ، فكنتم كما قال الشاعر : # كأن بلاد الله وهي عريضة %~% على الخائف المطلوب كفة حابل (2) # وقوله : ( @QUR@03 ثم وليتم مدبرين ) تذييل مؤكد لما قبله وهو شدة خوفهم. # ووليتم : من التولي بمعنى الإعراض. ومدبرين : من الإدبار بمعنى الذهاب ~~إلى الخلف. # أى : ثم وليتم الكفار ظهوركم منهزمين لا تلوون على شيء. # وهكذا ، نرى الآية الكريمة تصور ما حدث من المؤمنين في غزوة حنين تصويرا بديعا PageV06P241 # معجزا .. فهي تنتقل من تصوير سرورهم بالكثرة ، إلى تصوير عدم نفعهم بهذه ~~الكثرة ، إلى تصوير شدة خوفهم حتى لكأن الأرض على سعتها تضيق بهم ، وتقفل ~~في وجوههم ، إلى تصوير حركاتهم الحسية المتمثلة في تولية الأدبار ، والنكوص ~~على الأعقاب. # وبعد هذا الخوف الشديد الذي أصاب المؤمنين في مبدأ لقائهم بأعدائهم في ~~غزوة حنين ، يجيء نصر الله الذي عبر عنه سبحانه بقوله : ( @QUR@08 ثم أنزل ~~الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين .. ). # والسكينة : الطمأنينة والرحمة والأمنة وهي فعيلة من السكون : وهو ثبوت ~~الشيء بعد التحرك. أو من السكن وهو كل ما سكنت إليه واطمأننت به من أهل ~~وغيرهم. # أى : ثم أنزل ms2545 الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين رحمته ~~التي تسكن إليها القلوب ، وتطمئن بها اطمئنانا يستتبع النصر القريب. # وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم في حاجة إلى هذه السكينة ؛ لأنه مع ~~شجاعته وثباته ووقوفه في وجه الأعداء كالطود الأشم. أصابه الحزن والأسى ~~لفرار هذا العدد الكبير من أصحابه عنه. # وكان المؤمنون الذين ثبتوا من حوله في حاجة إلى هذه السكينة ؛ ليزدادوا ~~ثباتا على ثباتهم ، وإيمانا على إيمانهم. # وكان الذين فروا في حاجة إلى هذه السكينة ، ليعود إليهم ثباتهم ، فيقبلوا ~~على قتال أعدائهم بعد أن دعاهم رسولهم صلى الله عليه وسلم إلى ذلك. # وقوله : ( @QUR@04 وأنزل جنودا لم تروها ) بيان لنعمة أخرى سوى إنزال ~~السكينة. # أى : وأنزل مع هذه السكينة جنودا من الملائكة لم تروها بأبصاركم ، ولكنكم ~~وجدتم أثرها في قلوبكم ، حيث عاد إليكم ثباتكم وإقدامكم. # وقوله : ( @QUR@03 وعذب الذين كفروا )، بيان لنعمة ثالثة سوى السابقتين. # أى : أنزل سكينته وأنزل جنودا لم تروها ، وعذب الذين كفروا بأن سلطكم ~~عليهم فقتلتم منهم من قتلتم ، وأسرتم من أسرتم. # وقوله ( @QUR@03 وذلك جزاء الكافرين ) أى وذلك الذي نزل بهؤلاء الكافرين ~~من التعذيب جزاء لهم على كفرهم ، وصدهم عن سبيل الله. # ثم بين سبحانه بعض مظاهر قدرته ورحمته بعباده فقال تعالى ( @QUR@012 ثم ~~يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم ). PageV06P242 # أى : ثم يتوب الله تعالى من بعد هذا التعذيب للذين كفروا في الدنيا ، على ~~من يشاء أن يتوب عليه منهم ، بأن يوفقه للدخول في الإسلام ، والله تعالى ~~واسع المغفرة ، عظيم الرحمة ، لا يحاسب الكافرين بعد إيمانهم على ما حصل ~~منهم من كفر. # قال تعالى : ( @QUR@016 قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ، ~~وإن يعودوا فقد مضت سنت الأولين ) (1). # قال ابن كثير : وقوله : ( @QUR@09 ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء ~~... ) قد تاب الله على بقية هوازن فأسلموا ، وقدموا عليه مسلمين ، ولحقوه ~~وقد قارب مكة عند الجعرانة ، وذلك بعد الوقعة بقريب من عشرين يوما فعند ذلك ~~خيرهم بين سبيهم ms2546 وبين أموالهم فاختاروا سبيهم ، وكانوا ستة آلاف أسير ، ما ~~بين صبي وامرأة فرده عليهم : وقسم الأموال بين الغانمين ، ونفل أناسا من ~~الطلقاء لكي يتألف قلوبهم على الإسلام ، فأعطاهم مائة مائة من الإبل ، وكان ~~من جملة من أعطاهم مائة من الإبل مالك بن عوف النضري واستعمله على قومه (2). # وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة قد ذكرت المؤمنين بجانب من نعم الله عليهم. ~~ومن رحمته بهم ، وأرشدتهم إلى أن النصر لا يتأتى لمن أعجبوا بكثرتهم ~~فانشغلوا بها عن الاعتماد عليه سبحانه وإنما النصر يتأتى لمن أخلصوا لله ~~سرائرهم وعلانيتهم. وباشروا الأسباب التي شرعها سبحانه للوصول إلى الفوز ~~والظفر. # قال ابن القيم : افتتح الله تعالى غزوات العرب بغزوة بدر ، وختم غزوهم ~~بغزوة حنين ، لهذا يقرن بين هاتين بالذكر ، فقال بدر وحنين وإن كان بينهما ~~سبع سنين .. وبهاتين الغزوتين طفئت جمرة العرب لغزو رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والمسلمين. فالأولى خوفتهم وكسرت من حدتهم ، والثانية ~~استفرغت قواهم ، واستنفدت سهامهم ، وأذلت جمعهم ، حتى لم يجدوا بدا من ~~الدخول في دين الله (3). # وبعد هذا التذكير والتوجيه من الله تعالى لعباده المؤمنين .. وجه سبحانه ~~إليهم نداء أمرهم فيه بمنع المشركين من قربان المسجد الحرام ، ووعدهم ~~بالعطاء الذي يغنيهم ، فقال : PageV06P243 # ( @QUR@028 يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن ~~الله عليم حكيم ) (28) # وقوله : ( @QUR@01 نجس ) بالتحريك مصدر نجس الشيء ينجس فهو نجس إذا كان ~~قذرا غير نظيف ، وفعله من باب «تعب» وفي لغة من باب «قتل». # قال صاحب الكشاف : النجس : مصدر. يقال نجس نجسا وقذر قذرا ، لأن معهم ~~الشرك الذي هو بمنزلة النجس ، ولأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون ~~النجاسات فهي ملابسة لهم. أو جعلوا كأنهم النجاسة بعينها ، مبالغة في وصفهم ~~بها (1). # قيل : وجوز أن يكون لفظ «نجس» صفة مشبهة وإليه ذهب الجوهري ولا بد حينئذ ~~من تقدير موصوف مفرد لفظا مجموع معنى ، ليصح الإخبار به عن الجمع. أى جنس ~~نجس ونحوه ms2547 (2). # وقوله : ( @QUR@03 إنما المشركون نجس ) فيه ما فيه من التعبير البديع ~~المصور المجسم لهم ، حتى لكأنهم بأرواحهم وماهيتهم وكيانهم : النجس يمشى ~~على الأرض فيتحاشاه المتطهرون ، ويتحاماه الأتقياء من الناس. # وقوله : ( @QUR@07 فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) تفريع على ~~نجاستهم والمراد النهى عن الدخول إلا أنه عبر عنه بالنهى عن القرب مبالغة ~~في إبعادهم عن المسجد الحرام. # والنهى وإن كان موجها إلى المشركين ، إلا أن المقصود منه نهى المؤمنين عن ~~تمكينهم من ذلك ، والمراد بقوله : ( @QUR@03 بعد عامهم هذا ) العام الذي ~~حصل فيه النداء بالبراءة من المشركين ، وبعدم طوافهم بالمسجد الحرام .. وهو ~~العام التاسع من الهجرة. # قال ابن كثير : أمر الله عباده المؤمنين الطاهرين دينا وذاتا بنفي ~~المشركين الذين هم نجس دينا عن المسجد الحرام ، وأن لا يقربوه بعد نزول هذه ~~الآية. وكان نزولها في سنة تسع. PageV06P244 # ولهذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا صحبة أبى بكر رضى الله عنهما ~~عامئذ ، وأمره أن ينادى في المشركين : أن لا يحج بعد هذا العام مشرك ولا ~~يطوف بالبيت عريان. فأتم الله ذلك وحكم به شرعا وقدرا (1). # وقوله : ( @QUR@010 وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء ) ~~بشارة من الله تعالى للمؤمنين بأن سيعطيهم من فضله ما يغنيهم عن المشركين. # والعيلة : الفقر والفاقة : يقال : عال الرجل يعيل عيلة فهو عائل إذا ~~افتقر ، ومنه قول الشاعر : # وما يدرى الفقير متى غناه %~% وما يدرى الغنى متى يعيل # وقرئ «عائلة» بمعنى المصدر كالعافية : اسم فاعل صفة لموصوف مؤنث مقدر أى ~~: حالا عائلة. # قال ابن جرير بعد أن ساق روايات في سبب نزول الآية : عن عطية العوفى قال ~~: لما قيل «ولا يحج بعد العام مشرك» قالوا : قد كنا نصيب من بياعاتهم في ~~الموسم ، قال فنزلت ( @QUR@022 يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا ~~يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ، وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من ~~فضله ... ) الآية (2). # والمعنى : لا تمكنوا أيها المؤمنون. المشركين من دخول المسجد الحرام بعد ~~هذه السنة ، لأنهم نجس .. ولا تخشوا الفقر ms2548 والفاقة بسبب عدم تمكينهم ، حيث ~~إنكم تتبادلون معهم التجارات والمبايعات .. لأن الله تعالى قد وعدكم أن ~~يغنيكم من فضله بالعطايا والخيرات التي تكفيكم أمر معاشكم .. # وقد أنجز الله تعالى لهم وعده ، فأرسل السماء عليهم مدرارا ، وفتح لهم ~~البلاد ، فكثرت بين أيديهم الغنائم وألوان الخيرات ، ودخل في دين الله من ~~هم أيسر حالا وأغنى مالا من هؤلاء المشركين .. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@05 فسوف يغنيكم الله من فضله ) أى : من ~~عطائه أو من تفضله بوجه آخر ، فأرسل عليهم السماء مدرارا ، فأغزر بها خيرهم ~~، وأكثر مسيرهم. وأسلم أهل تبالة (3) وجرس فحملوا إلى مكة الطعام وما يعاش ~~به : فكان أعود عليهم مما خافوا العيلة لفواته» (4). PageV06P245 # والتقييد بالمشيئة في قوله : ( @QUR@02 إن شاء ) ليس للتردد ، بل هو ~~لتعليم المؤمنين رعاية الأدب مع الله تعالى كما في قوله : ( @QUR@07 لتدخلن ~~المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ). ولبيان أن هذا الإغناء بإرادته سبحانه ~~وحده ، فعليهم أن يجعلوا اعتمادهم عليه ، وتضرعهم إليه لا إلى غيره ، ~~وللتنبيه على أن عطاءه سبحانه لهم ، هو من باب التفضل لا الوجوب ، لأنه لو ~~كان واجبا ما قيده بالمشيئة. # ولما كانت مشيئته سبحانه تجرى حسب مقتضى علمه وحكمته ، فقد ختم الآية ~~بقوله : ( @QUR@04 إن الله عليم حكيم ). # أى : إن الله عليم بأحوالكم ومصالحكم ، وبما يكون عليه أمر حاضركم ~~ومستقبلكم حكيم فيما شرعه لكم. فاستجيبوا له لتنالوا السعادة في دنياكم ~~وآخرتكم. # هذا ، ومن الأحكام والآداب التي استنبطها العلماء من هذه الآية ما يأتى : # 1 أن المراد بالمشركين في الآية ما يتناول عبدة الأوثان وغيرهم من أهل ~~الكتاب. كما هو مقتضى ظاهر اللفظ ، وكما يدل عليه قوله تعالى ( @QUR@013 إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء .. ) (1). # أى : لا يغفر أن يشرك به بأى لون من ألوان الشرك. # ويرى كثير من الفقهاء أن المراد بالمشركين هنا عبدة الأوثان فحسب ، لأن ~~الحديث خاص بهم من أول السورة إلى هنا. # 2 يرى جمهور الفقهاء أن نجاسة المشركين مرجعها إلى خبث بواطنهم لعبادتهم ~~سوى الله تعالى أما ms2549 أبدانهم فطاهرة. # وقد بسط صاحب المنار القول في هذه المسألة فقال ما ملخصه : «قال بعضهم ~~بنجاسة أعيان المشركين ، ووجوب تطهير ما تصيبه أبدانهم مع البلل. # حكى هذا القول عن ابن عباس والحسن البصري .. وجمهور الظاهرية .. # ويرى جمهور السلف والخلف وأصحاب المذاهب الأربعة أن أعيانهم طاهرة. لأنه ~~من المعلوم أن المسلمين كانوا يعاشرون المشركين ويخالطونهم. ومع هذا فالنبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يأمر بغسل شيء مما أصابته أبدانهم .. بل الثابت أنه ~~صلى الله عليه وسلم توضأ من مزادة مشركة ، وأكل من طعام اليهود ... وأطعم هو ~~وأصحابه وفدا من الكفار ولم يأمر بغسل الأوانى التي أكلوا وشربوا فيها .. PageV06P246 # وروى الإمام أحمد وأبو داود من حديث عبد الله بن مسعود قال : كنا نغزو مع ~~رسول الله ، فنصيب من آنية المشركين وأسقيتهم فنستمتع بها ولا يعيب ذلك ~~علينا ...» (1). # 3 اختلف الفقهاء في المراد بالمسجد الحرام في قوله تعالى ( @QUR@07 فلا ~~يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ... ). # فقال ابن عباس وابن جبير ومجاهد وعطاء : المراد به الحرم كله فيشمل ~~المسجد الحرام ومكة ، لأن المسجد الحرام حيث أطلق في القرآن فالمراد به ~~الحرم كله. وعليه فالكافر يمنع من دخول الحرم كله .. # ويرى الشافعى أن المراد المسجد الحرام بخصوصه أخذا بظاهر اللفظ. # قال القرطبي : وقال الشافعى : الآية عامة في سائر المشركين ، خاصة في ~~المسجد الحرام ، ولا يمنعون من دخول غيره ، فأباح دخول اليهودي والنصراني ~~في سائر المساجد» (2). # ويرى الإمام مالك أن المراد المسجد الحرام بالنص وبقية المساجد تقاس عليه ~~، لأن العلة وهي النجاسة موجودة في المشركين ، والحرمة موجودة في كل مسجد. # وعليه فلا يجوز تمكينهم لا من المسجد الحرام ولا من غيره من المساجد. # ويرى الأحناف أن المراد بالمسجد الحرم كله ، إلا أن النهى هنا ليس منصبا ~~على دخوله وإنما هو منصب على المنع من الحج والعمرة. ومن الحج إليه أى : لا ~~تمكنوا أيها المؤمنون المشركين من الطواف بالمسجد الحرام بعد عامهم هذا. # قال الآلوسى : ويؤيده قوله تعالى ( @QUR@03 بعد عامهم هذا )، فإن تقييد ~~النهى يدل على اختصاص ms2550 المنهي عنه بوقت من أوقات العام. أى : لا يحجوا ولا ~~يعتمروا بعد حج عامهم هذا وهو عام تسعة من الهجرة .. ويدل عليه نداء على ~~كرم الله وجهه يوم نادى ببراءة ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك ، وكذا قوله ~~سبحانه ( @QUR@03 وإن خفتم عيلة ) أى : فقرا بسبب منعهم ، لما أنهم كانوا ~~يأتون في الموسم بالمتاجر ، فإنه إنما يكون إذا منعوا من دخول الحرم كما لا يخفى. # ثم قال : والحاصل أن الإمام الأعظم يقول بالمنع عن الحج والعمرة ويحمل ~~النهى عليه ، ولا يمنعون عنده من دخول المسجد الحرام ومن دخول سائر ~~المساجد» (3). PageV06P247 # 4 قال القرطبي : في هذه الآية دليل على أن تعلق القلب بالأسباب في الرزق ~~جائز ، وليس ذلك بمناف للتوكل ، وإن كان الرزق مقدرا ، ولكنه علقه بالأسباب ~~لتظهر القلوب التي تتعلق بالأسباب ، من القلوب التي تتوكل على رب الأرباب ~~وقد تقدم أن السبب لا ينافي التوكل ، ففي الحديث الذي أخرجه البخاري أن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم قال : «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما ~~يرزق الطير ، تغدو خماصا وتروح بطانا» (1) أى : تغدو صباحا وهي جياع ، ~~وتعود عشية وهي ممتلئة البطون . # هذا ، وبتدبر آيات السورة الكريمة من أولها إلى هنا نراها قد وضحت ~~العلاقات النهائية بين المسلمين وعبدة الأوثان ، وفصلت كثيرا من الأحكام ~~التي تخص الفريقين ، ومن ذلك أنها قررت : # 1 براءة الله ورسوله من عهود المشركين الذين مردوا على نقض المواثيق. # 2 إعطاءهم مهلة مقدارها أربعة أشهر يتدبرون خلالها أمرهم ، دون أن يتعرض ~~المسلمون لهم بسوء. # 3 إعلان الناس جميعا يوم الحج الأكبر بهذه البراءة .. # 4 أمر المؤمنين بإتمام مدة العهد لمن حافظ من المشركين على عهده. # 5 بيان ما يجب على المؤمنين فعله إذا ما انقضت أشهر الأمان التي أعطيت ~~للمشركين. # 6 إرشاد المؤمنين إلى أن من الواجب عليهم تأمين المشرك المستجير بهم حتى ~~يسمع كلام الله ، ويطلع على حقيقة الإسلام .. ثم توصيله إلى موضع أمنه إن ~~لم يسلم. # 7 بيان الأسباب التي تدعو إلى قتال المشركين ، وإلى ms2551 وجوب البراءة منهم. # 8 بيان بعض الحكم والأسرار التي من أجلها شرع الجهاد في الإسلام. # 9 بيان أن المشركين ليسوا أهلا لعمارة مساجد الله .. وأن الذين هم أهل لذلك : # المؤمنون الصادقون. # 10 توجيه المؤمنين إلى أن إيمانهم يحتم عليهم أن يؤثروا محبة الله ورسوله ~~على أى شيء آخر ، من الآباء والأبناء والإخوان. # 11 تذكيرهم بجانب من نعم الله عليهم حيث نصرهم في مواطن كثيرة ونصرهم يوم ~~غزوة حنين ، بعد أن هزموا في أول المعركة دون أن تنفعهم كثرتهم التي أعجبوا بها. PageV06P248 # 12 نهيهم عن تمكين المشركين من قربان المسجد الحرام ، وإزالة الوساوس ~~التي قد تخطر ببالهم بسبب هذا النهى ، بأن وعدهم سبحانه بأنه سيعطيهم من ~~فضله ما يغنيهم عن المكاسب التي تأتيهم عن طريق تبادل المنافع مع المشركين ~~في موسم الحج. # هذه أهم الموضوعات التي تعرضت لها سورة التوبة في ثمان وعشرين آية من ~~أولها إلى هنا. وهي موضوعات وضحت. كما أسلفنا. الأحكام النهائية في علاقات ~~المسلمين بالمشركين عبدة الأوثان. # ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك سبع آيات بينت فيها ما يجب أن يكون عليه ~~موقف المسلمين من المنحرفين من أهل الكتاب ، كما حكت بعض أقوالهم الذميمة ، ~~وأفعالهم القبيحة ، التي تدعو المسلمين إلى قتالهم حتى يخضعوا لسلطان ~~الإسلام ، وقد بدئت هذه الآيات بقوله تعالى # ( @QUR@029 قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما ~~حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا ~~الجزية عن يد وهم صاغرون ) (29) # قال الإمام الرازي : اعلم أنه لما ذكر سبحانه حكم المشركين في إظهار ~~البراءة من عهدهم ، وفي إظهار البراءة عنهم في أنفسهم ، وفي وجوب مقاتلتهم ~~، وفي تبعيدهم عن المسجد الحرام .. ذكر بعده حكم أهل الكتاب ، وهو أن ~~يقاتلوا إلى أن يعطوا الجزية فحينئذ يقرون على ما هم عليه بشرائط ، ويكونون ~~عند ذلك من أهل الذمة والعهد (1). # وقال ابن كثير ما ملخصه : هذه الآية أول أمر نزل بقتال أهل الكتاب اليهود ~~والنصارى. وكان ذلك في سنة تسع ، ولهذا تجهز ms2552 رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لقتال الروم ، ودعا الناس إلى ذلك ، وأظهره لهم ، وبعث إلى أحياء العرب حول ~~المدينة ، فندبهم فأوعبوا معه ، واجتمع من المقاتلة نحو من ثلاثين ألفا ، ~~وتخلف بعض الناس من أهل المدينة. ومن حولها من المنافقين وغيرهم ، وكان ذلك ~~في عام جدب ، ووقت قيظ حر. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV06P249 # يريد الشام لقتال الروم ، فبلغ تبوك ، ونزل بها ، وأقام بها قريبا من ~~عشرين يوما ، ثم استخار الله في الرجوع ، فرجع عامه ذلك لضيق الحال ، وضعف ~~الناس ....» (1). # وقوله : ( @QUR@02 قاتلوا الذين .... ) أمر منه سبحانه للمؤمنين بقتال ~~أهل الكتاب ، وبيان للأسباب التي اقتضت هذا الأمر ، وهي أنهم : # أولا : ( @QUR@03 لا يؤمنون بالله ) لأنهم لو كانوا مؤمنين به إيمانا ~~صحيحا ، لاتبعوا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم ، ولأن منهم من قال : ( ~~@QUR@03 عزير ابن الله ) ومنهم من قال : ( @QUR@03 المسيح ابن الله ). # وقولهم هذا كفر صريح ، لأنه سبحانه منزه عما يقولون. # قال تعالى ( @QUR@015 قل هو الله أحد ، الله الصمد ، لم يلد ولم يولد ، ~~ولم يكن له كفوا أحد ). # وثانيا : أنهم «لا يؤمنون باليوم الآخر» على الوجه الذي أمر الله تعالى ~~به ، ومن كان كذلك كان إيمانه. على فرض وجوده. كلا إيمان. # قال الجمل ما ملخصه : فإن قلت : اليهود والنصارى يزعمون أنهم يؤمنون ~~بالله واليوم الآخر فكيف نفى الله عنهم ذلك؟ # قلت : إن إيمانهم بهما باطل لا يفيد ، بدليل أنهم لم يؤمنوا بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم فلما لم يؤمنوا به كان إيمانهم بالله واليوم الآخر كالعدم ~~فصح نفيه في الآية ولأن إيمانهم بالله ليس كإيمان المؤمنين ، وذلك أن ~~اليهود يعتقدون التجسيم والتشبيه ، والنصارى يعتقدون الحلول ، ومن اعتقد ~~ذلك فليس بمؤمن بالله بل هو مشرك. # وأيضا فإن إيمانهم باليوم الآخر ليس كإيمان المؤمنين ، وذلك لأنهم ~~يعتقدون بعث الأرواح دون الأجساد ، وأن أهل الجنة لا يأكلون فيها ولا ~~يشربون ولا ينكحون أى أنهم يرون نعيم الجنة وعذاب النار يتعلقان بالروح فقط ~~ولا شأن للجسد بذلك. ومن اعتقد ذلك فليس إيمانه كإيمان المؤمنين وإن ms2553 زعم ~~أنه مؤمن (2). # وثالثا : أنهم ( @QUR@06 لا يحرمون ما حرم الله ورسوله ) أى : أنهم لا ~~يحرمون ما حرمه الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن والسنة ، وفضلا ~~عن ذلك فهم لا يلتزمون ما حرمته PageV06P250 # شريعتهم على ألسنة رسلهم ، وإنما غيروا وبدلوا فيها على حسب ما تمليه ~~عليهم أهواؤهم. # أى أنهم لا يحرمون ما حرمه الله لا في شريعتنا ولا في شريعتهم. # فاليهود بجانب كفرهم بشريعتنا لم يطيعوا شريعتهم ، بدليل أنهم استحلوا ~~أكل أموال الناس بالباطل مع أنها. أى شريعتهم. نهتهم عن ذلك. # قال تعالى ( @QUR@09 وأخذهم الربوا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس ~~بالباطل ... ) (1). # والنصارى بجانب كفرهم أيضا بشريعتنا لم يطيعوا شريعتهم بدليل أنهم ~~ابتدعوا الرهبانية مع أن شريعتهم لم تشرع لهم ذلك. # قال تعالى ( @QUR@031 ثم قفينا على آثارهم برسلنا ، وقفينا بعيسى ابن ~~مريم وآتيناه الإنجيل ، وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ~~ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها ) (2). # ورابعا : ( @QUR@04 لا يدينون دين الحق ). وقوله : ( @QUR@01 يدينون ) ~~بمعنى يعتقدون ويطيعون. يقال : فلان يدين بكذا إذا اتخذه دينه ومعتقده ~~وأطاع أوامره ونواهيه. # والمراد بدين الحق : دين الإسلام الناسخ لغيره من الأديان. # أى : أنهم لا يتخذون دين الإسلام دينا لهم ، مع أنه الدين الذي ارتضاه ~~الله لعباده ، والذي لا يقبل سبحانه دينا سواه. قال تعالى : ( @QUR@011 ~~اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ... ) (3). # وقال تعالى : ( @QUR@013 ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ، وهو ~~في الآخرة من الخاسرين ) (4). # ويصح أن يكون المراد بدين الحق. ما يشمل دين الإسلام وغيره من الأديان ~~السماوية التي جاء بها الأنبياء السابقون. # أى : ولا يدينون بدين من الأديان التي أنزلها الله على أنبيائه ، وشرعها ~~لعباده ، وإنما هم يتبعون أحبارهم ورهبانهم فيما يحلونه لهم ويحرمونه عليهم. PageV06P251 # وعبر عنهم في قوله : ( @QUR@04 قاتلوا الذين لا يؤمنون .. ) بالاسم ~~الموصول للإيذان بعلية ما في حيز الصلة للأمر بالقتال. # أى أن العلة في الأمر بقتالهم ، كونهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ~~، ولا يحرمون ms2554 ما حرم الله ورسوله ، ولا يدينون دين الحق. # وقوله : ( @QUR@04 من الذين أوتوا الكتاب ) بيان للمتصفين بهذه الصفات ~~الأربعة وهم اليهود والنصارى ؛ لأن الحديث عنهم ، وعن الأسباب التي توجب ~~قتالهم. # والمراد بالكتاب : جنسه الشامل للتوراة والإنجيل. # أى : قاتلوا من هذه صفاتهم ، وهم اليهود والنصارى الذين أعطاهم الله ~~التوراة والإنجيل عن طريق موسى وعيسى عليهما السلام ولكنهم لم يعملوا ~~بتعاليمهما وإنما عملوا بما تمليه عليهم أهواؤهم وشهواتهم. # والمقصود بقوله : ( @QUR@04 من الذين أوتوا الكتاب ) تميزهم عن المشركين ~~عبدة الأوثان في الحكم ، لأن حكم هؤلاء قتالهم حتى يسلموا ، أما حكم أهل ~~الكتاب فهو القتال ، أو الإسلام ، أو الجزية : # وقوله : ( @QUR@07 حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) غاية لإنهاء ~~القتال. # أى : قاتلوا من هذه صفاتهم من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن طوع ~~وانقياد ، فإن فعلوا ذلك فاتركوا قتالهم. # والجزية : ضرب من الخراج يدفعه أهل الكتاب للمسلمين وهي كما يقول القرطبي : # من جزى يجزى مجازاة إذا كافأ من أسدى إليه. فكأنهم أعطوها للمسلمين جزاء ~~ما منحوا من الأمن ، وهي كالقعدة والجلسة ، ومن هذا المعنى قول الشاعر : # يجزيك أو يثنى عليك وإن من %~% أثنى عليك بما فعلت فقد جزى (1) # والمراد بإعطائها في قوله : ( @QUR@03 حتى يعطوا الجزية )، التزام دفعها ~~وإن لم يذكر الوقت المحدد لذلك. # واليد هنا : يحتمل أن تكون كناية عن الاستسلام والانقياد. أى : حتى يعطوا ~~الجزية عن خضوع وانقياد. PageV06P252 # ويحتمل أن تكون كناية و «عن» الدفع نقدا بدون تأجيل. أى : حتى يعطوها نقدا ~~بدون تسويف أو تأخير. # ويحتمل أن تكون على معناها الحقيقي ، و «عن» بمعنى الباء أى : حتى يعطوها ~~بيدهم إلى المسلمين لا أن يبعثوا بها بيد أحد سواهم. # وهذه المعاني لليد إنما تتأتى إذا أريد بها يد المعطى. أى : يد الكتابي. # أما إذا أردنا بها اليد الآخذة وهي يد الحاكم المسلم ففي هذه الحالة يكون ~~معناها القوة والقهر والغلبة. # أى : حتى يعطوها عن يد غالبة قوية لا قبل لهم بالوقوف أمامها. # ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال : قوله : «عن يد» إما أن يراد ms2555 يد المعطى ~~أو الآخذ فمعناه على إرادة يد المعطى حتى يعطوها عن يده ، أى عن يد مؤاتية ~~غير ممتنعة ؛ إذ أن من أبى وامتنع لم يعط يده ، بخلاف المطيع المنقاد ، ~~ولذلك قالوا : أعطى بيده ، إذا انقاد وأصحب أى : سهل بعد صعوبة ألا ترى إلى ~~قولهم : نزع يده عن الطاعة ، كما يقال : خلع ربقة الطاعة عن عنقه. # أو المعنى : حتى يعطوها عن يد إلى نقدا غير نسيئة ، لا مبعوثا بها على يد ~~أحد ، ولكن يد المعطى إلى يد الآخذ. # ومعناه على إرادة يد الآخذ : حتى يعطوها عن يد قاهرة مستولية وهي يد ~~المسلمين أو حتى يعطوها عن إنعام عليهم ، لأن قبول الجزية منهم ، وترك ~~أرواحهم لهم ، نعمة عظيمة عليهم» (1). # وقوله : ( @QUR@02 وهم صاغرون ) من الصغار بمعنى الذل والهوان. يقال : ~~صغر فلان يصغر صغرا وصغارا إذا ذل وهان وخضع لغيره. # والمعنى : قاتلوا من هذه صفاتهم من أهل الكتاب حتى يدفعوا لكم الجزية عن ~~طواعية وانقياد. وهم أذلاء خاضعون لولايتكم عليهم ... فإن الذين لا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر ، ولا يحرمون ما حرمه الله ورسوله. ولا يتخذون ~~الدين الحق دينا لهم. يستحقون هذا الهوان في الدنيا ، أما في الآخرة ~~فعذابهم أشد وأبقى. # هذا. ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى : # 1 إن هذه الآية أصل في مشروعية الجزية ، وأنها لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب عند PageV06P253 # كثير من الفقهاء لأن أهل الكتاب هم الذين يخيرون بين الإسلام أو القتال ~~أو الجزية ، أما غيرهم من مشركي العرب فلا يخيرون إلا بين الإسلام أو ~~القتال. # قال القرطبي ما ملخصه : وقد اختلف العلماء فيمن تؤخذ منه الجزية فقال ~~الشافعى : لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب خاصة ، عربا كانوا أو عجما ~~لهذه الآية : فإنهم هم الذين خصوا بالذكر فتوجه الحكم إليهم دون من سواهم ، ~~لقوله تعالى في شأن المشركين : ( @QUR@04 فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) ~~ولم يقل : حتى يعطوا الجزية كما قال في أهل الكتاب. # وقال الشافعى : وتقبل من المجوس لحديث «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» ms2556 أى : في ~~أخذ الجزية منهم. # وبه قال أحمد وأبو ثور. وهو مذهب الثوري وأبى حنيفة وأصحابه وقال ~~الأوزاعى : تؤخذ الجزية من كل عابد وثن أو نار أو جاحد أو مكذب. # وكذلك مذهب مالك : فإنه يرى أن الجزية تؤخذ من جميع أجناس الشرك والجحد ، ~~عربيا أو عجميا تغلبيا أو قرشيا ؛ كائنا من كان إلا المرتد ..» (1). # 2 أن أخذ الجزية منهم إنما هو نظير ما ينالهم ، وكفنا عن قتالهم ، ~~ومساهمة منهم في رفع شأن الدولة الإسلامية التي أمنتهم وأموالهم وأعراضهم ~~ومعتقداتهم ، ومقدساتهم .. وإقرار منهم بالخضوع لتعاليم هذه الدولة وأنهم ~~متى التزموا بدفعها وجب علينا حمايتهم ، ورعايتهم ، ومعاملتهم بالعدل ~~والرفق والرحمة .. # وفي تاريخ الإسلام كثير من الأمثلة التي تؤيد هذا المعنى ، ومن ذلك ، ما ~~جاء في كتاب الخراج لأبى يوسف أنه قال في خطابه لهارون الرشيد «وينبغي يا ~~أمير المؤمنين أيدك الله أن تتقدم في الرفق بأهل ذمة نبيك وابن عمك محمد ~~صلى الله عليه وسلم والتفقد لهم حتى لا يظلموا ولا يؤذوا ولا يكلفوا فوق ~~طاقتهم ، ولا يؤخذ شيء من أموالهم إلا بحق يجب عليهم ؛ فقد روى عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «من ظلم من أمتى معاهدا أو كلفه فوق طاقته ~~فأنا حجيجه». # وكان فيما تكلم عمر بن الخطاب عند وفاته : أوصى الخليفة من بعدي بذمة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوفى بعهدهم ، وأن يقاتل من ورائهم ولا ~~يكلفوهم فوق طاقتهم» (2). # وجاء في كتاب «أشهر مشاهير الإسلام» أن جيوش التتار ، لما اكتسحت بلاد ~~الإسلام من حدود الصين إلى الشام ، ووقع في أسرهم من وقع من المسلمين ~~والنصارى ثم خضد المسلمون PageV06P254 # شوكة التتار ، ودان ملوكهم بالإسلام ، خاطب شيخ الإسلام ابن تيمية ، أمير ~~التتار بإطلاق الأسرى فسمح له بالمسلمين وأبى أن يسمح بأهل الذمة ، فقال له ~~شيخ الإسلام : لا بد من إطلاق جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ~~ذمتنا ولا ندع أسيرا لا من أهل الملة ، ولا من أهل الذمة ، فأطلقهم له» (1). # وجاء في كتاب ms2557 «الإسلام والنصرانية» للأستاذ الإمام محمد عبده ما ملخصه : # «... الإسلام كان يكتفى من الفتح بإدخال الأرض المفتوحة تحت سلطانه ، ثم ~~يترك الناس وما كانوا عليه من دين. ثم يكلفهم بجزية يدفعونها لتكون عونا ~~على صيانتهم والمحافظة على أمنهم في ديارهم ، وهم في عقائدهم ومعابدهم ~~وعاداتهم بعد ذلك أحرار ، لا يضايقون في عمل ، ولا يضامون في معاملة. # خلفاء المسلمين كانوا يوصون قوادهم باحترام العباد الذين انقطعوا عن ~~العامة في الصوامع والأديرة للعبادة ، كما كانوا يوصونهم باحترام دماء ~~النساء والأطفال وكل من لم يعن على القتال. # جاءت السنة بالنهى عن إيذاء أهل الذمة ، وبتقرير ما لهم من الحقوق على ~~المسلمين ، «لهم ما لنا وعليهم ما علينا» و «من آذى ذميا فليس منا». # واستمر العمل على ذلك ما استمرت قوة الإسلام. ولست أبالى إذا انحرف بعض ~~المسلمين عن هذه الأحكام عند ما بدأ الضعف في أبناء الإسلام فضيق الصدر من ~~طبع الضعيف. # ثم قال : أما المسيحية فترى لها حق القيام على كل دين يدخل تحت سلطانها ~~تراقب أعمال أهله ، وتخصهم دون الناس بضروب من المعاملة لا يحتملها الصبر ~~مهما عظم ، حتى إذا تمت لها القدرة على طردهم بعد العجز عن إخراجهم من ~~دينهم طردتهم عن ديارهم ، وغسلت الديار من آثارهم ، كما حصل ويحصل في كل ~~أرض استولت عليها أمة مسيحية استيلاء حقيقيا. # ولا يمنع غير المسيحي من تعدى المسيحي إلا كثرة العدد أو شدة العضد ، كما ~~شهد التاريخ ، وكما يشهد كاتبوه. # ثم قال : فأنت ترى الإسلام يكتفى من الأمم والطوائف التي يغلب على أرضها ~~، بشيء من المال ، أقل مما كانوا يؤدونه من قبل تغلبه عليهم ، وبأن يعيشوا ~~في هدوء ، لا يعكرون معه PageV06P255 # صفو الدولة ، ولا يخلون بنظام السلطة العامة ، ثم يرخى لهم بعد ذلك عنان ~~الاختيار في شئونهم الخاصة بهم ، لا رقيب عليهم فيها سوى ضمائرهم» (1). # وقال الشيخ القاسمى ما ملخصه : قال السيوطي : استدل بقوله تعالى ( ~~@QUR@02 وهم صاغرون ) من قال إنها تؤخذ بإهانة ، بأن يجلس الآخذ ويقوم ~~الذمي ويطأطئ رأسه ، ويحنى ظهره ، ويقبض الآخذ ms2558 لحيته ... إلخ. # وقد رد الإمام ابن القيم على هذا القائل بقوله : هذا كله مما لا دليل ~~عليه ، ولا هو من مقتضى الآية ، ولا نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ~~عن أصحابه. # والصواب في الآية ، أن الصغار : هو التزامهم بجريان أحكام الله عليهم ، ~~وإعطاء الجزية ، فإن ذلك هو الصغار ، وبه قال الشافعى» (2). # والذي نراه أن ما قاله الإمام ابن القيم في رده هو عين الصواب ، وأن ما ~~نقله السيوطي عن بعضهم ... يتنافى مع سماحة الإسلام وعدله ورحمته بالناس. # هذا ، وهناك أحكام أخرى تتعلق بالجزية لا مجال لذكرها هنا ، فليرجع إليها ~~من شاء في بعض كتب الفقه والتفسير (3). # وبعد أن بين سبحانه بعض رذائل أهل الكتاب على سبيل الإجمال ، اتبع ذلك ~~بتفصيل هذه الرذائل ، فحكى أقوالهم الباطلة ، وأفعالهم الذميمة ، ونواياهم ~~السيئة فقال تعالى : # ( @QUR@023 وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ~~ذلك قولهم بأفواههم يضاهؤن قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون ~~(30) @QUR@09 اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن PageV06P256 # @QUR@014 مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه ~~عما يشركون (31) @QUR@015 يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله ~~إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون (32) @QUR@014 هو الذي أرسل رسوله بالهدى ~~ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) (33) # أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم سلام بن ~~مشكم ، ونعمان بن أوفى. وشاس بن قيس ، ومالك بن الصيف فقالوا : كيف نتبعك ~~يا محمد وقد تركت قبلتنا ، وأنت لا تزعم أن عزيرا ابن الله ، فأنزل الله في ~~ذلك : ( @QUR@010 وقالت اليهود عزير ابن الله ، وقالت النصارى المسيح ابن ~~الله .. ) الآية (1). # و «عزير» كاهن يهودي سكن بابل سنة 457 ق م تقريبا ، ومن أعماله أنه جمع ~~أسفار التوراة ؛ وأدخل الأحرف الكلدانية عوضا عن العبرانية القديمة ، وألف ~~أسفار : الأيام ، وعزرا ، ونحميا. # وقد قدسه اليهود من أجل نشره لكثير من علوم الشريعة ، وأطلقوا عليه لقب ~~«ابن الله». # قال ms2559 البيضاوي : وإنما قالوا ذلك أى : عزير ابن الله لأنه لم يبق فيهم بعد ~~وقعة «بختنصر» سنة 586 ق م ه من يحفظ التوراة. وهو لما أحياه الله بعد مائة ~~عام أملى عليهم التوراة حفظا فتعجبوا من ذلك وقالوا : ما هذا إلا لأنه ابن ~~الله» (2). # وقال صاحب المنار ما ملخصه : جاء في دائرة المعارف اليهودية الإنكليزية ~~طبعة 1903 أن عصر عزرا هو ربيع التاريخ الملي لليهودية الذي تفتحت فيه ~~أزهاره ، وعبق شذا PageV06P257 # ورده. وأنه جدير بأن يكون هو ناشر الشريعة ..» (1). # وقد ذكر المفسرون هنا أقوالا متعددة في الأسباب التي حملت اليهود على أن ~~يقولوا «عزير ابن الله» وأغلب هذه الأقوال لا يؤيدها عقل أو نقل ، ولذا فقد ~~ضربنا عنها صفحا (2). # وقد نسب سبحانه القول إلى جميع اليهود مع أن القائل بعضهم ، لأن الذين لم ~~يقولوا ذلك لم ينكروا على غيرهم قولهم ، فكانوا مشاركين لهم في الإثم ~~والضلال ، وفيما يترتب على ذلك من عقاب. # وأما قول النصارى «المسيح ابن الله» فهو شائع مشهور ، ومن أسبابه أن الله ~~تعالى قد خلق عيسى بدون أب على خلاف ما جرت به سنته في التوالد والتناسل ، ~~فقالوا عنه «ابن الله». # وقد حاجهم سبحانه في سورة آل عمران بأن آدم قد خلقه الله من غير أب أو أم ~~، فكان أولى بنسبة البنوة إليه ، لكنهم لم ينسبوا إليه ذلك ، فينبغي أن ~~يكون عيسى كآدم. # قال تعالى ( @QUR@022 إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال ~~له كن فيكون. الحق من ربك فلا تكن من الممترين ). # وقوله : ( @QUR@03 ذلك قولهم بأفواههم ) ذم لهم على ما نطقوا به من سوء ~~يمجه العقل السليم ، والفكر القويم. # أى : ذلك الذي قالوه في شأن «عزير والمسيح» قول تلوكه ألسنتهم في أفواههم ~~بدون تعقل ، ولا مستند لهم فيما زعموه سوى افترائهم واختلاقهم ، فهو من ~~الألفاظ الساقطة التي لا وزن لها ولا قيمة ، فقد قامت الأدلة السمعية ~~والعقلية على استحالة أن يكون لله ولد أو والد أو صاحبة أو شريك. # قال تعالى ( @QUR@025 وما ms2560 ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا* إن كل من في ~~السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا* لقد أحصاهم وعدهم عدا* وكلهم آتيه ~~يوم القيامة فردا ) (3). # ولقد أنذر ، سبحانه ، الذين نسبوا إليه الولد بالعقاب الشديد فقال : ( ~~@QUR@022 وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ، ما لهم به من علم ولا لآبائهم ~~، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ) (4). PageV06P258 # وأسند ، سبحانه ، القول إلى الأفواه مع أنه لا يكون إلا بها ، لاستحضار ~~الصورة الحسية الواقعية ، حتى لكأنها مسموعة مرئية ولبيان أن هذا القول لا ~~وجود له في عالم الحقيقة والواقع ، وإنما هو قول لغو ساقط وليد الخيالات ~~والأوهام ، ولزيادة التأكيد في نسبة هذا القول إليهم ، أى : أنه قول صادر ~~منهم وليس محكيا عنهم. # قال صاحب الكشاف ، فإن قلت : كل القول يقال بالفم فما معنى قوله ( ~~@QUR@03 ذلك قولهم بأفواههم )؟. # قلت : فيه وجهان : أحدهما أن يراد أنه قول لا يعضده برهان ، فما هو إلا ~~لفظ يفوهون به ، فارغ من أى معنى تحته ، كالألفاظ المهملة التي هي أجراس ~~ونغم ، لا تدل على معان. وذلك أن القول الدال على معنى ، لفظه مقول بالفم ، ~~ومعناه مؤثر في القلب ، وما لا معنى له مقول بالفم لا غير. # والثاني أن يراد بالقول : المذهب ، كقولهم «قول أبى حنيفة» يريدون مذهبه ~~وما يقول به ، كأنه قيل : ذلك مذهبهم ودينهم بأفواههم لا بقلوبهم ، لأنه لا ~~حجة معه ولا شبهة ، حتى يؤثر في القلوب ، وذلك أنهم إذا اعترفوا أنه لا ~~صاحبة له لم تبق شبهة في انتفاء الولد» (1). # وقوله : ( @QUR@06 يضاهؤن قول الذين كفروا من قبل ) ذم آخر لهم على ~~تقليدهم لمن سبقوهم بدون تعقل أو تدبر. # قال الجمل ما ملخصه : قرأ العامة ( @QUR@01 يضاهؤن ) بضم الهاء بعدها واو ~~. وقرأ عاصم «يضاهئون» بهاء مكسورة بعدها همزة مضمومة فقيل هما بمعنى واحد ~~وهو المشابهة ، وفيه لغتان : ضاهأت وضاهيت ...» (2). # والمراد بالذين كفروا من قبل : قيل ، أهل مكة وأمثالهم من المشركين ~~السابقين الذين قالوا ، الملائكة بنات الله وقيل ، المراد بهم قدماء أهل ~~الكتاب ، أى ، أن اليهود والنصارى المعاصرين للنبي صلى ms2561 الله عليه وسلم يشابه ~~قولهم في العزير وعيسى قول آبائهم الأقدمين ، أى المعاصرين للعهد النبوي قد ~~ورثوا الكفر كابرا عن كابر. # والأولى من هذين الوجهين أن يكون المراد بالذين كفروا من قبل. جميع الأمم ~~التي ضلت وانحرفت عن الحق ، وأشركت مع الله في العبادة آلهة أخرى. # قال صاحب المنار ، وقد علمنا من تاريخ قدماء الوثنيين في الشرق والغرب أن عقيدة PageV06P259 # الابن لله والحلول والتثليث ، كانت معروفة عند البراهمة في الهند وفي ~~الصين واليابان وقدماء المصريين وقدماء الفرس. # وهذه الحقيقة التاريخية والتي بينها القرآن في هذه الآية من معجزاته لأنه ~~لم يكن يعرفها أحد من العرب ولا ممن حولهم ، بل لم تظهر إلا في هذا الزمان» (1). # والمعنى. أن هؤلاء الضالين الذين قال بعضهم «عزير ابن الله» وقال البعض ~~الآخر «المسيح ابن الله» ليس لهم على قولهم الباطل هذا دليل ولا برهان ، ~~ولكنهم يشابهون ويتابعون فيه قول الذين كفروا من قبلهم من الأمم «فهم على ~~آثارهم يهرعون» (2). # وقوله. ( @QUR@02 قاتلهم الله ) تعجيب من شناعة قولهم ، ودعاء عليهم ~~بالهلاك فإن من قاتله الله لا بد أن يقتل ، ومن غالبه لا بد أن يغلب. # وعن ابن عباس ، أن معنى ( @QUR@02 قاتلهم الله ) لعنهم الله وكل شيء في ~~القرآن قتل فهو لعن (3). # وقوله : ( @QUR@02 أنى يؤفكون ) تعجيب آخر من انصرافهم الشديد عن الحق ~~الواضح إلى الباطل المظلم المعقد. # و ( @QUR@01 أنى ) بمعنى كيف. و ( @QUR@01 يؤفكون ) من الإفك بمنى ~~الانصراف عن الشيء والابتعاد عنه ، يقال ، أفكه عن الشيء يأفكه أفكا ، أى ، ~~صرفه عنه وقلبه. ويقال ، أفكت الأرض أفكا ، أى : صرف ، عنها المطر. # والمعنى : قاتل الله هؤلاء الذين قالوا ( @QUR@03 عزير ابن الله ) والذين ~~قالوا ( @QUR@03 المسيح ابن الله ) لأنهم بقولهم هذا محل مقت العقلاء ~~وعجبهم ، إذ كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل ، بعد وضوح الدليل على استحالة ~~أن يكون له تعالى ولد أو والد أو صاحبة أو شريك ..؟!. # إن ما قالوه ظاهر البطلان وهو محل عجب العقلاء واستنكارهم وغضبهم. # وقوله سبحانه ( @QUR@010 اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ~~والمسيح ابن مريم ) بيان ms2562 للون آخر من ألوان انحراف اليهود والنصارى عن الحق ~~إلى الباطل ، وتقرير لما سبقت حكايته عنهم من أقوال فاسدة ، وأفعال ذميمة. PageV06P260 # والضمير في قوله ( @QUR@01 اتخذوا ) يعود إلى الفريقين اللذين حكت الآية ~~السابقة ما قالوه من باطل وبهتان. # والأحبار : علماء اليهود جمع حبر ، بكسر الحاء وفتحها وهو الذي يحسن ~~القول ويتقنه ، مأخوذ من التحبير بمعنى التحسين والتزيين ، ومنه ثوب محبر ~~أى جمع الزينة والحسن ، والرهبان : علماء النصارى جمع راهب وهو الزاهد في ~~متع الدنيا ، المنعزل عن الناس مأخوذ من الرهبة بمعنى الخشية والخوف من ~~الله تعالى. # والمراد باتخاذهم لأحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ، أنهم أطاعوهم ~~فيها أحلوه لهم ، وفيما حرموه عليهم ، ولو كان هذا التحليل والتحريم مخالفا ~~لشرع الله. # وهذا التفسير مأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روى الإمام أحمد ~~والترمذي وابن جرير من طرق عن عدى بن حاتم أنه لما بلغته دعوة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فر إلى الشام : وكان قد تنصر في الجاهلية ، فأسرت أخته ~~وجماعة من قومها ، ثم من رسول الله صلى الله عليه وسلم على أخته وأعطاها. ~~فرجعت إلى أخيها ، فرغبته في الإسلام وفي القدوم على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقدم عدى المدينة ، وكان رئيسا في قومه طيئ وأبوه حاتم ~~الطائي المشهور بالكرم فتحدث الناس بقدومه ، فدخل على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، وفي عنق عدى صليب من فضة ، وكان الرسول يقرأ هذه الآية ( ~~@QUR@07 اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله .. ). # قال عدى : فقلت ، إنهم لم يعبدوهم ، فقال ، بلى ، إنهم حرموا عليهم ~~الحلال ، وأحلوا لهم الحرام ، فاتبعوهم ، فذلك عبادتهم إياهم. # قال ابن كثير : وهكذا قال حذيفة بن اليمان وابن عباس وغيرهما في تفسير ~~هذه الآية : أنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا. # وقال السدى : استنصحوا الرجال ، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم (1). # وقال الآلوسى : وقيل اتخاذهم أربابا بالسجود لهم ونحوه مما لا يصلح إلا ~~لله ، تعالى ، وحينئذ فلا مجاز ، إلا أنه لا مقال لأحد بعد صحة الخبر عن ~~رسول الله صلى ms2563 الله عليه وسلم . # والآية ناعية على كثير من الفرق الضالة الذين تركوا كتاب الله وسنة رسوله ~~، لكلام علمائهم ورؤسائهم ، والحق أحق بالاتباع ، فمتى ظهر الحق فعلى ~~المسلم اتباعه وإن أخطأه اجتهاد مقلده» (2). PageV06P261 # وقوله : ( @QUR@03 والمسيح ابن مريم ) معطوف على قوله ( @QUR@01 أحبارهم ~~) والمفعول الثاني بالنسبة إليه محذوف أى : اتخذوه ربا وإلها. # قال صاحب المنار ما ملخصه : جمع سبحانه. بين اليهود والنصارى في اتخاذ ~~رجال دينهم أربابا بأن أعطوهم حق التشريع فيهم : وذكر بعد ذلك ما انفرد به ~~النصارى دون اليهود من اتخاذهم المسيح ربا وإلها يعبدونه واليهود لم يعبدوا ~~عزيرا ، ولم يؤثر عمن قال منهم إنه ابن الله ، أنهم عنوا ما يعنيه النصارى ~~من قولهم في المسيح : إنه هو الله الخالق المدبر لأمور العباد» (1). # وقوله : ( @QUR@010 وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو ) ~~جملة حالية أى : اتخذ هؤلاء المفترون على الله الكذب من اليهود والنصارى ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ، بأن أطاعوهم فيما يحلونه لهم وفيما ~~يحرمونه عليهم ولو كان ذلك مخالفا لشرع الله ؛ وكذلك اتخذ النصارى المسيح ~~ابن مريم ربا وإلها. # والحال أنهم جميعا ما أمروا على ألسنة رسلهم إلا بعبادة الله وحده ، فهو ~~المعبود الذي لا تعنو الوجوه إلا له ، ولا يكون الاعتماد إلا عليه ، وكل ما ~~سواه فهو مخلوق له. # وقوله : ( @QUR@04 لا إله إلا هو ) صفة ثانية لقوله ( @QUR@01 إلها ). ~~أو هو استئناف بيانى لتعليل الأمر بعبادة الله وحده ، وأنه سبحانه هو ~~المستحق لذلك شرعا وعقلا. # وقوله : ( @QUR@03 سبحانه عما يشركون ) تنزيه له عن الشرك والشركاء إثر ~~الأمر بإخلاص العبادة له. # أى : تنزه الله عز وجل وتقدس عن الشركاء والنظراء والأعوان والأضداد ~~والأولاد ، فهو رب العالمين ، وخالق الخلائق أجمعين .. # قال صاحب الظلال عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : ومن النص القرآنى ~~الواضح الدلالة ، ومن تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم للآية وهو فصل ~~الخطاب ، ثم من مفهومات المفسرين الأوائل والمتأخرين ، تخلص لنا حقائق في ~~العقيدة والدين ذات أهمية بالغة نشير إليها هنا بغاية الاختصار وهي : أن ~~العبادة ms2564 هي الاتباع في الشرائع بنص القرآن وتفسير الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فاليهود والنصارى لم يتخذوا الأحبار والرهبان أربابا بمعنى الاعتقاد في ~~ألوهيتهم ، أو تقديم الشعائر التعبدية إليهم ... ومع هذا فقد حكم الله ، ~~سبحانه ، عليهم PageV06P262 # بالشرك في هذه الآية ، وبالكفر في آية تالية في السياق لمجرد أنهم تلقوا ~~منهم الشرائع فأطاعوها واتبعوها فهذا وحده دون الاعتقاد والشعائر يكفى ~~لاعتبار من يفعله مشركا بالله ، الشرك الذي يخرجه من عداد المؤمنين ، ~~ويدخله في عداد الكافرين. # إن النص القرآنى يسوى في الوصف بالشرك واتخاذ الأرباب من دون الله ، بين ~~اليهود الذين قبلوا التشريع من أحبارهم وأطاعوه واتبعوه ، وبين النصارى ~~الذين قالوا بألوهية المسيح اعتقادا وقدموا إليه الشعائر في العبادة (1). # ثم بين سبحانه بعد ذلك ما يهدف إليه أهل الكتاب من وراء أقاويلهم الكاذبة ~~، ودعاواهم الباطلة فقال : ( @QUR@015 يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم ، ~~ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ). # والمراد بنور الله : دين الإسلام الذي ارتضاه. سبحانه لعباده دينا وبعث ~~به رسوله ، صلى الله عليه وسلم ، وأعطاه من المعجزات والبراهين الدالة على ~~صدقه ، وعلى صحته ما جاء به مما يهدى القلوب ، ويشفى النفوس ، ويجعلها لا ~~تدين بالعبادة والطاعة إلا لله الواحد القهار. # وقيل المراد بنور الله : حججه الدالة على وحدانيته سبحانه وقيل المراد به ~~، القرآن ، وقيل المراد به : نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وكلها معان ~~متقاربة. # والمراد بإطفاء نور الله : محاولة طمسه وإبطاله والقضاء عليه ، بكل وسيلة ~~يستطيعها أعداؤه ، كإثارتهم للشبهات من حول تعاليمه ، وكتحريضهم لأتباعهم ~~وأشياعهم على الوقوف في وجهه ، وعلى محاربته. # والمراد بأفواههم. أقوالهم الباطلة الخارجة من تلك الأفواه التي تنطق بما ~~لا وزن له ولا قيمة. # والمعنى : يريد هؤلاء الكافرون بالحق من أهل الكتاب أن يقضوا على دين ~~الإسلام ، وأن يطمسوا تعاليمه السامية التي جاء بها نبيه صلى الله عليه وسلم ~~عن طريق أقاويلهم الباطلة الصادرة عن أفواههم من غير أن يكون لها مصداق من ~~الواقع تنطبق عليه ، أو أصل تستند إليه ، وإنما هي أقوال من قبيل ms2565 اللغو ~~الساقط المهمل الذي لا وزن له ولا قيمة ... # قال الآلوسى ما ملخصه : في الكلام استعارة تمثيلية ، حيث شبه سبحانه حال أهل PageV06P263 # الكتاب في محاولة إبطال نبوة النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق تكذيبهم له ، ~~بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم مثبت في الآفاق ليطفئه بنفخه .. # وروعي في كل من المشبه والمشبه به معنى الإفراط والتفريط ، حيث شبه ~~الإبطال والتكذيب بالإطفاء بالفم ، ونسب النور إلى الله تعالى العظيم الشأن. # ومن شأن النور المضاف إليه سبحانه أن يكون عظيما ، فكيف يطفأ بنفخ الفم ~~(1)..؟!! # وقوله : ( @QUR@09 ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ) بشارة ~~منه سبحانه للمؤمنين ، وتقرير لسنته التي لا تتغير ولا تتبدل في جعل ~~العاقبة للحق وأتباعه. # والفعل ( @QUR@01 يأبى ) هنا بمعنى لا يريد أو لا يرضى أى : أنه جار مجرى ~~النفي ، ولذا صح الاستثناء منه. # قال أبو السعود : وإنما صح الاستثناء المفرغ وهو قوله ( @QUR@04 إلا أن ~~يتم نوره ). من الموجب ، وهو قوله ( @QUR@02 ويأبى الله ) لكونه بمعنى ~~النفي ، ولوقوعه في مقابلة قوله : ( @QUR@01 يريدون )، وفيه من المبالغة ~~والدلالة على الامتناع ما ليس في نفى الإرادة ، أى : لا يريد شيئا من ~~الأشياء إلا إتمام نوره فيندرج في المستثنى منه بقاؤه على ما كان عليه ، ~~فضلا عن الإطفاء. # وفي إظهار النور في مقام الإضمار مضافا إلى ضميره سبحانه زيادة اعتناء ~~بشأنه ، وتشريف له على تشريف ، وإشعار بعلة الحكم» (2). # وجواب ( @QUR@01 لو ) في قوله ( @QUR@03 ولو كره الكافرون ) محذوف لدلالة ~~ما قبله عليه. # والمعنى : يريد أعداء الله أن يطفئوا نور الله بأفواههم ، والحال أن الله ~~تعالى لا يريد إلا إتمام هذا النور ، ولو كره الكافرون هذا الإتمام لأتمه ~~سبحانه دون أن يقيم لكراهتهم وزنا. # فالآية الكريمة وعد من الله ، تعالى للمؤمنين بإظهار دينهم وإعلاء كلمتهم ~~لكي يمضوا قدما إلى تنفيذ ما كلفهم الله به بدون إبطاء أو تثاقل ، وهي في ~~الوقت نفسه تتضمن في ثناياها الوعيد لهؤلاء الضالين وأمثالهم. # ثم أكد سبحانه وعده بإتمام نوره ، وبين كيفية هذا الإتمام فقال : ( ~~@QUR@02 هو الذي PageV06P264 # @QUR@012 أرسل ms2566 رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره ~~المشركون ). # والمراد بالهدى : القرآن الكريم المشتمل على الإرشادات السامية ، ~~والتوجيهات القويمة ، والأخبار الصادقة ، والتشريعات الحكيمة. # والمراد بدين الحق : دين الإسلام الذي هو خاتم الأديان. # وقوله ( @QUR@04 ليظهره على الدين كله ) من الإظهار بمعنى الإعلاء ~~والغلبة بالحجة والبرهان ، والسيادة والسلطان. # والجملة تعليلية لبيان سبب هذا الإرسال والغاية منه. # والضمير في ( @QUR@01 ليظهره ) يعود على الدين الحق أو الرسول ~~صلى الله عليه وسلم والمعنى : هو الله سبحانه الذي أرسل رسوله محمدا ~~صلى الله عليه وسلم بالقرآن الهادي للتي هي أقوم ، وبالدين الحق الثابت الذي ~~لا ينسخه دين آخر ، وكان هذا الإرسال لإظهار هذا الدين الحق على سائر ~~الأديان بالحجة والغلبة ، ولإظهار رسوله صلى الله عليه وسلم على أهل الأديان ~~كلها ، بما أوحى إليه سبحانه من هدايات ، وعبادات ، وتشريعات ، وآداب ... ~~في اتباعها سعادة الدنيا والآخرة. # وختم سبحانه هذه الآية بقوله : ( @QUR@03 ولو كره المشركون ) وختم التي ~~قبلها بقوله : ( @QUR@03 ولو كره الكافرون ) للإشعار بأن هؤلاء الذين قالوا ~~: «عزير ابن الله والمسيح ابن الله» قد جمعوا بسبب قولهم الباطل هذا ، بين ~~رذيلتي الكفر والشرك ، وأنه ، سبحانه ، سيظهر أهل دينه على جميع أهل ~~الأديان الأخرى. # هذا ، وقد ساق الإمام ابن كثير بعض الأحاديث التي تؤيد ذلك ، منها : ما ~~ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «إن الله زوى لي ~~الأرض من مشارقها ومغاربها ، وسيبلغ ملك أمتى ما زوى لي منها». # وروى الإمام أحمد عن مسعود بن قبيصة أو قبيصة بن مسعود يقول : صلى هذا ~~الحي من محارب الصبح ، فلما صلوا قال شاب منهم : سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول : «إنه ستفتح لكم مشارق الأرض ومغاربها ، وإن عمالها ~~في النار ، إلا من اتقى الله وأدى الأمانة». # وروى أيضا عن تميم الداري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ~~«ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر ~~إلا أدخله هذا الدين ، يعز عزيزا ويذل ذليلا ، عزا ms2567 يعز الله به الإسلام ، ~~وذلا يذل الله به الكفر». وكان تميم الداري يقول : قد عرفت ذلك في أهل بيتي ~~، لقد أصاب من أسلم منهم الشرف والخير والعز ، ولقد أصاب من كان كافرا منهم ~~الذل والصغار والجزية. PageV06P265 # وأخرج أيضا عن عدى بن حاتم قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال : «يا عدى أسلم تسلم» ، فقلت يا رسول الله : إنى من أهل دين. قال : ~~«أنا أعلم بدينك منك ، فقلت : أنت أعلم بديني منى؟ قال نعم ، ألست من ~~الركوسية (1)، وأنت تأكل مرباع قومك» (2). # قلت : بلى. قال : «فإن هذا لا يحل لك في دينك». # ثم قال صلى الله عليه وسلم : «أما إنى أعلم ما الذي يمنعك من الإسلام تقول : ~~إنما اتبعه ضعفة الناس ، ومن لا قوة له ، ومن رمتهم العرب ، أتعرف الحيرة»؟ # قلت : لم أرها وقد سمعت بها. # قال : «فو الذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر ، حتى تخرج الظعينة من ~~الحيرة ، حتى تطوف بالبيت من غير جوار أحد ، ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز». # قلت : كسرى بن هرمز؟ قال : «نعم. كسرى بن هرمز ، وليبذلن المال حتى لا ~~يقبله أحد». # قال عدى بن حاتم : فهذه الظعينة تخرج من الحيرة ، فتطوف بالبيت من غير ~~جوار أحد. ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز ، والذي نفسي بيده لتكونن ~~الثالثة ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قالها (3). # وإلى هنا نرى أن هذه الآيات الكريمة قد كذبت أهل الكتاب في قولهم «عزير ~~ابن الله والمسيح ابن الله» ، وأرشدتهم إلى الطريق الحق الواضح المستقيم ~~ليسيروا عليه ، ووبختهم على تشبههم في هذه الأقوال الباطلة بمن سبقهم من ~~الضالين ، وعلى انقيادهم لأحبارهم ورهبانهم بدون تعقل أو تدبر ، وبشرت ~~المؤمنين بظهور دينهم الذي ارتضاه الله لهم على الأديان كلها. # ثم ختم سبحانه الحديث عن أهل الكتاب بتوجيه نداء إلى المؤمنين بين لهم ~~فيه بعض الرذائل التي انغمس فيها الأحبار والرهبان ، وكيف جمعوا بين ضلال ~~أنفسهم وإضلال أتباعهم ، حيث أمروا هؤلاء الأتباع بالانقياد لهم فيما يأتون ~~ويذرون ... فقال ms2568 تعالى : PageV06P266 # ( @QUR@029 يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون ~~أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (34) @QUR@019 يوم يحمى عليها في ~~نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما ~~كنتم تكنزون ) (35) # قال الفخر الرازي : اعلم أنه تعالى لما وصف رؤساء اليهود والنصارى ~~بالتكبر والتجبر وادعاء الربوبية والترفع على الخلق ، وصفهم في هذه الآية ~~بالطمع والحرص على أخذ أموال الناس ، تنبيها على أن المقصود من إظهار تلك ~~الربوبية والتجبر والفخر ، أخذ أموال الناس بالباطل. # ولعمري من تأمل أحوال أهل الناموس والتزوير في زماننا وجد هذه الآيات ~~كأنها ما أنزلت إلا في شأنهم ، وفي شرح أحوالهم ، فترى الواحد منهم يدعى ~~أنه لا يلتفت إلى الدنيا ، ولا يتعلق خاطره بجميع المخلوقات ، وأنه في ~~الطهارة والعصمة مثل الملائكة المقربين ؛ حتى إذا آل الأمر إلى الرغيف ~~الواحد تراه يتهالك عليه ؛ ويتحمل نهاية الذل والدناءة في تحصيله (1). # والمراد بالأكل في قوله ؛ ( @QUR@01 ليأكلون ) مطلق الأخذ والانتفاع. # وعبر عن ذلك بالأكل ، لأنه المقصود الأعظم من جمع الأموال ، فسمى الشيء ~~باسم ما هو أعظم مقاصده ، على سبيل المجاز المرسل ، بعلاقة العلية ~~والمعلولية. وأكلهم أموال الناس بالباطل ، يتناول ما كانوا يأخذونه من ~~سفلتهم عن طريق الرشوة والتدليس أو التحايل أو الفتاوى الباطلة. كما يتناول ~~ما سوى ذلك مما كانوا يأخذونه بغير وجه حق. PageV06P267 # وأسند سبحانه هذه الجريمة وهي أكل أموال الناس بالباطل إلى كثير من ~~الأحبار والرهبان ولم يسندها إلى جميعهم ، إنصافا للعدد القليل منهم الذي ~~لم يفعل ذلك ، فإن كل طائفة أو جماعة لا تخلو من وجود أفراد من بينها ~~يتعففون عن الحرام ، ويقيدون أنفسهم بالحلال. # قال صاحب المنار : وإسناد هذه الجريمة المزرية إلى الكثيرين منهم دون ~~جميعهم من دقائق تحرى الحق في عبارات الكتاب العزيز ، فهو لا يحكم على ~~الأمة الكبيرة بفساد جميع أفرادها أو فسقهم أو ظلمهم ، بل يسند ذلك إلى ~~الكثير أو الأكثر ، أو يطلق اللفظ العام ثم ms2569 يستثنى منه. # فمن الأول قوله تعالى في اليهود : ( @QUR@027 وترى كثيرا منهم يسارعون في ~~الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون* لو لا ينهاهم الربانيون ~~والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون ) (1). # ومن الثاني قوله تعالى في اليهود أيضا : ( @QUR@021 قل يا أهل الكتاب هل ~~تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم ~~فاسقون ) (2). # ومن الثالث قوله سبحانه في شأن المحرفين للكلم الطاعنين في الإسلام من ~~اليهود أيضا : ( @QUR@038 من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون ~~سمعنا وعصينا ، واسمع غير مسمع ، وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو ~~أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ، ولكن لعنهم ~~الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ) (3). # وقد نبهنا في تفسير هذه الآيات وأمثالها على العدل الدقيق في أحكام ~~القرآن على البشر وإنما نكرره لعظيم شأنه ...» (4). # وقوله : ( @QUR@04 ويصدون عن سبيل الله ) جريمة من جرائمهم الكثيرة. # والصد : المنع والصرف عن الشيء .. وسبيل الله : دينه وشريعته. # أى ، أن هؤلاء الكثيرين من الأحبار والرهبان لا يكتفون بأكل أموال الناس ~~بالباطل ، بل إنهم يضيفون إلى ذلك جريمة ثانية من جرائمهم المتعددة وهي ~~أنهم ينصرفون عن الدين الحق وهو دين الإسلام انقيادا لأحقادهم وشهواتهم ، ~~ويصرفون أتباعهم عنه بشتى الوسائل ، كأن PageV06P268 # يصفوه لهم بأنه دين باطل ، أو بأن رسوله صلى الله عليه وسلم ليس هو الرسول ~~الذي بشرت به الكتب السماوية السابقة ... إلى غير ذلك من وسائلهم المتنوعة ~~في صرف الناس عن الحق. # والاسم الموصول في قوله : ( @QUR@09 والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله .. ) يرى بعضهم أن المراد به أولئك الأحبار والرهبان ~~، لأن الكلام مسوق في ذمهم ، وتكون هذه الجملة ذما لهم على رذيلة ثالثة هي ~~الحرص والبخل ، بعد ذمهم على رذيلتي أكل أموال الناس بالباطل والصد عن سبيل الله. # ويرى آخرون أن المراد بهم البخلاء من المسلمين ، وأن الجملة مستأنفة لذم ~~مانعي الزكاة بقرينة قوله : ( @QUR@05 ولا ينفقونها في سبيل الله ) ويكون ~~نظمهم مع أهل السوء ms2570 من الأحبار والرهبان من باب التحذير والوعيد والإشارة ~~إلى أن الأشحاء المانعين لحقوق الله ، مصيرهم كمصير الأحبار والرهبان في ~~استحقاق البشارة بالعذاب. # وترى طائفة ثالثة من العلماء أن المراد به كل من كنز المال ، ولم يخرج ~~الحقوق الواجبة فيه ، سواء أكان من المسلمين أم من غيرهم ، لأن اللفظ مطلق ~~، فيجب إجراؤه على إطلاقه وعمومه ، إذ لم يرد ما يقيده أو يخصصه. # وقوله : ( @QUR@01 يكنزون ) من الكنز ، وأصله في اللغة العربية : الضم ~~والجمع. # يقال : كنزت التمر في الوعاء إذا جمعته فيه. وكل شيء مجموع بعضه إلى بعض ~~في بطن الأرض أو على ظهرها فهو كنز ، وجمعه كنوز. # وخص الذهب والفضة بالذكر ، لأنهما الأصل الغالب في الأموال ولأنهما ~~اللذان يقصدان بالكنز أكثر من غيرهما. # وقال الفخر الرازي ما ملخصه : ذكر سبحانه شيئين هما الذهب والفضة ثم قال ~~: ( @QUR@02 ولا ينفقونها ) وكان الظاهر أن يقول «ولا ينفقونهما» والجواب ~~من وجهين : # الأول : أن الضمير عائد إلى المعنى دون اللفظ ، لأن كل واحد منهما جملة ~~وافية ؛ وعدة كثيرة ودنانير ودراهم فهو كقوله تعالى ( @QUR@05 وإن طائفتان ~~من المؤمنين اقتتلوا .. ) # أو أن يكون التقدير : والذين يكنزون الكنوز ولا ينفقونها في سبيل الله ، ~~فيكون الضمير عائد إلى الكنوز المدلول عليها بالفعل ( @QUR@01 يكنزون ). # الثاني : أن يكون الضمير عائد إلى اللفظ ، ويكون ذكر أحدهما يغنى عن ذكر ~~الآخر ، PageV06P269 # كقوله تعالى ( @QUR@07 وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ) (1) جعل ~~الضمير للتجارة ... (2). # وقوله : ( @QUR@03 فبشرهم بعذاب أليم ) خبر الموصول. # والتعبير بالبشارة من باب التهكم بهم ، والسخرية منهم ، فهو كقولهم : ~~تحيتهم الضرب ؛ وإكرامهم الشتم. # وقوله : ( @QUR@011 يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم ~~وظهورهم .. ) تفصيل لهذا العذاب الأليم ، وبيان لميقاته ، حتى يقلع البخلاء ~~عن بخلهم ، والأشحاء عن شحهم ... # والظرف ( @QUR@01 يوم ) منصوب بقوله : ( @QUR@02 بعذاب أليم )؛ أو بفعل ~~محذوف يدل عليه هذا القول. # أى : يعذبون يوم يحمى عليها ، أو بفعل مقدر ؛ أى : اذكر يوم يحمى عليها. # وقوله ( @QUR@01 يحمى ) يجوز أن يكون من حميت وأحميت ثلاثيا ورباعيا يقال ~~: حميت الحديدة وأحميتها ، أى : أوقدت عليها لتحمى. # وقوله : ( @QUR@01 عليها ms2571 ) جار ومجرور في موضع رفع لقيامه مقام الفاعل. ~~ويجوز أن يكون القائم مقام الفاعل مضمرا ، أى : يحمى الوقود أو الجمر عليها. # قال الآلوسى : وأصله تحمى بالنار من قولك : حميت الميسم وأحميته فجعل ~~الإحماء للنار مبالغة ؛ لأن النار في ذاتها ذات حمى ، فإذا وصفت بأنها تحمى ~~دل على شدة توقدها. ثم حذفت النار ، وحول الإسناد إلى الجار والمجرور ~~تنبيها على المقصود بأتم وجه فانتقل من صيغة التأنيث إلى التذكير كما تقول ~~: رفعت القصة إلى الأمير. فإذا طرحت القصة وأسند الفعل إلى الجار والمجرور ~~قلت : رفع إلى الأمير ، وقرأ ابن عامر تحمى بالتاء بإسناده إلى النار ~~كأصله» (3). والمعنى : بشر يا محمد أولئك الذين يكنزون الأموال في الدنيا ~~ولا ينفقونها في سبيل الله ، بالعذاب الأليم يوم الحساب يوم تحمى النار ~~المشتعلة على تلك الأموال التي لم يؤدوا حق الله فيها ( @QUR@03 فتكوى بها ~~جباههم ) أى : فتحرق بها جباههم التي كانوا يستقبلون بها الناس ، والتي ~~طالما ارتفعت غرورا بالمال المكنوز ، وتحرق بها أيضا «جنوبهم» التي كثيرا ~~ما انتفخت من شدة الشبع وغيرها جائع ، وتحرق بها كذلك «ظهورهم» التي نبذت ~~وراءها حقوق الله بجحود وبطر ... PageV06P270 # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم خصت هذه الأعضاء بالكي؟ # قلت : لأنهم لم يطلبوا بأموالهم حيث لم ينفقوها في سبيل الله إلا الأغراض ~~الدنيوية ، من وجاهة عند الناس ، وتقدم ، وأن يكون ماء وجوههم مصونا عندهم ~~، يتلقون بالجميل ويحيون بالإكرام ، ويبجلون ويحتشمون ، ومن أكل طيبات ~~يتضلعون منها وينفخون جنوبهم ، ومن لبس ناعمة من الثياب يطرحونها على ~~ظهورهم ، كما ترى أغنياء زمانك ، هذه أغراضهم وطلباتهم من أموالهم ، لا ~~يخطر ببالهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «ذهب أهل الدثور بالأجر كله». # وقيل : لأنهم كانوا إذا أبصروا الفقير عبسوا ، وإذا ضمهم وإياه مجلس ~~ازوروا عنه ، وتولوا بأركانهم ، وولوه ظهورهم ..» (1). # وقوله : ( @QUR@08 هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ) مقول ~~لقول محذوف. # والتفسير : تقول لهم ملائكة العذاب على سبيل التبكيت والتوبيخ ، وهي ~~تتولى حرق جباههم وجنوبهم وظهورهم : هذا العذاب الأليم النازل بكم في ~~الآخرة ms2572 هو جزاء ما كنتم تكنزونه في الدنيا من مال لمنفعة أنفسكم دون أن ~~تؤدوا حق الله فيه. فذوقوا وحدكم وبال كنزكم. وتجرعوا غصصه ، وتحملوا سوء ~~عاقبته فأنتم الذين جنيتم على أنفسكم ، لأنكم لم تشكروا الله على هذه ~~الأموال. بل استعملتموها في غير ما خلقت له. # هذا ، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هاتين الآيتين ما يأتى. # 1 التحذير من الانقياد لدعاة السوء ، ومن تقليدهم في رذائلهم وقبائحهم ~~ووجوب السير على حسب ما جاء به الإسلام من تعاليم وتشريعات ... # ولذا قال ابن كثير عند تفسيره للآية الأولى : والمقصود التحذير من علماء ~~السوء ، وعباد الضلال ، كما قال سفيان بن عيينة : من فسد من علمائنا كان ~~فيه شبه من أحبار اليهود ، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من رهبان ~~النصارى. # وفي الحديث الصحيح : «لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة» قالوا : ~~اليهود والنصارى؟ قال : «فمن»؟ وفي رواية : فارس والروم؟ قال : «فمن الناس ~~إلا هؤلاء» والحاصل التحذير من التشبه بهم في أقوالهم وأحوالهم (2). # هذا ، ونص الحديث الصحيح الذي ذكره الإمام ابن كثير كما رواه الشيخان هكذا PageV06P271 # عن أبى سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «لتتبعن سنن من قبلكم ~~شبرا بشبر وذراعا بذراع ، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه ، قلنا : يا رسول ~~الله ، اليهود والنصارى؟ قال : فمن؟ (1). # أما الحديث الذي جاء فيه حذو القذة بالقذة ، فقد أخرجه الإمام أحمد عن ~~شداد بن أوس ونصه : «ليحملن شرار هذه الأمة على سنن الذين خلوا من قبلهم. ~~أهل الكتاب ، حذو القذة بالقذة» (2). # 2 يرى جمهور العلماء أن المقصود بالكنز في قوله ، تعالى ، ( @QUR@06 ~~والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ).. ألخ المال الذي لم تؤد زكاته ~~، أما إذا أديت زكاته فلا يسمى كنزا ، ولا يدخل صاحبه تحت الوعيد الذي ~~اشتملت عليه الآية. # وقد وضح الإمام القرطبي هذه المسألة فقال : واختلف العلماء في المال الذي ~~أديت زكاته هل يسمى كنزا أولا؟. # فقال قوم : نعم. رواه أبو الضحى عن جعدة بن هبيرة عن على قال : أربعة ms2573 ~~آلاف فما دونها نفقة ، وما كثر فهو كنز وإن أديت زكاته ، ، ، ، ولا يصح. # وقال قوم : ما أديت زكاته منه أو من غيره عنه فليس بكنز ، قال ابن عمر : ~~ما أديت زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين ، وكل ما لم تؤد زكاته فهو ~~كنز وإن كان فوق الأرض. # ومثله عن جابر ، وهو الصحيح. # وروى البخاري عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من آتاه ~~الله مالا فلم يؤد زكاته ، مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه ~~يوم القيامة ، ثم يأخذ بلهزمتيه يعنى شدقيه ثم يقول : أنا مالك أنا كنزك ..». # وفيه أيضا عن أبى ذر قال : انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ~~«والذي نفسي بيده ، ما من رجل تكون له إبل أو بقر أو غنم ، لا يؤدى حقها ، ~~إلا أتى بها يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمنه ، تطؤه بأخفافها ، وتنطحه ~~بقرونها ، كلما جازت أخراها ردت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس». # فدل دليل خطاب هذين الحديثين على صحة ما ذكرنا. وقد بين ابن عمر في صحيح ~~البخاري هذا المعنى. قال له أعرابى : أخبرنى عن قول الله. تعالى ( @QUR@02 ~~والذين يكنزون PageV06P272 # @QUR@02 الذهب والفضة .. ) الآية فقال ابن عمر : من كنزها فلم يؤد زكاتها ~~فويل له ، إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة ، فلما أنزلت جعلها الله طهرا ~~للأموال. # وروى أبو داود عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية ( @QUR@04 والذين ~~يكنزون الذهب والفضة .. ) كبر ذلك على المسلمين ، فقال عمر : أنا أفرج عنكم ~~، فانطلق فقال : يا نبي الله ، إنه كبر على أصحابك هذه الآية. فقال ~~صلى الله عليه وسلم «إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم ، ~~وإنما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم» قال : فكبر عمر. ثم قال له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة ، إذا ~~نظر إليها سرته ، وإذا أمرها أطاعته ، وإذا غاب عنها حفظته» (1). # 3 أخذ بعض الصحابة من هذه الآية تحريم اكتناز ms2574 الأموال التي تفيض عن حاجات ~~الإنسان الضرورية. # قال ابن كثير : كان من مذهب أبى ذر رضى الله عنه تحريم ادخار ما زاد على ~~نفقة العيال ، وكان يفتي بذلك ، ويحثهم عليه ويأمرهم به ، ويغلظ في خلافه ، ~~فنهاه معاوية فلم ينته ، فخشي أن يضر بالناس في هذا ، فكتب يشكوه إلى أمير ~~المؤمنين عثمان ، وأن يأخذه إليه ، فاستقدمه عثمان إلى المدينة وأنزله ~~بالربذة وهي بلدة قريبة من المدينة وبها مات رضى الله عنه في خلافة عثمان. # وروى البخاري في تفسير هذه الآية عن زيد بن وهب قال : مررت بالربذة ، ~~فإذا بأبى ذر ، فقلت له : ما أنزلك بهذه الأرض؟ قال : كنا بالشام فقرأت ( ~~@QUR@012 والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم ~~بعذاب أليم ). فقال معاوية : ما هذه فينا ما هذه إلا في أهل الكتاب. قال : ~~قلت : إنها لفينا وفيهم. # ثم قال ابن كثير : وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبى ذر ~~: «ما يسرني أن عندي مثل أحد ذهبا يمر على ثلاثة أيام وعندي منه شيء إلا ~~دينار أرصده لدين» فهذا والله أعلم هو الذي حدا أبا ذر على القول بهذا» (2). # وقال الشيخ القاسمى : قال ابن عبد البر : وردت عن أبى ذر آثار كثيرة تدل ~~على أنه كان يذهب إلى أن كل مال مجموع يفضل عن القوت وسداد العيش ، فهو كنز ~~يذم فاعله ، وأن آية الوعيد نزلت في ذلك. PageV06P273 # وخالفه جمهور الصحابة ومن بعدهم ، وحملوا الوعيد على مانعي الزكاة ، وأصح ~~ما تمسكوا به حديث طلحة وغيره في قصة الأعرابى حيث قال : هل على غيرها؟ قال ~~: لا ، إلا أن تطوع» (1). # وحديث طلحة الذي أشار إليه ابن عبد البر ، قد جاء في صحيح البخاري ونصه : ~~عن طلحة بن عبيد الله قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل ~~نجد ثائر الرأس يسمع دوى صوته ولا يفقه ما يقول حتى دنا فإذا هو يسأل عن ~~الإسلام. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «خمس صلوات في اليوم والليلة ms2575 ، فقال : هل ~~على غيرها؟ : # قال : «لا .. إلا أن تطوع» ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «وصيام ~~رمضان» قال : هل على غيره؟ قال : «لا إلا أن تطوع» ، قال. وذكر له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الزكاة ، قال. هل على غيرها؟ قال «لا إلا أن تطوع». # قال ، فأدبر الرجل وهو يقول. والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص. فقال ، ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «أفلح إن صدق» (2). # هذا ؛ ومما استدل به جمهور الصحابة ومن بعدهم من العلماء ، على عدم حرمة ~~اقتناء الأموال التي تفيض عن الحاجة مادام قد أدى حق الله فيها ما يأتى : # (أ) أن قواعد الشرع لا تحرم ذلك ، وإلا لما شرع الله المواريث لأنه لو ~~وجب إنفاق كل ما زاد عن الحاجة ، لما كان لمشروعية المواريث فائدة. # (ب) ثبت في الحديث الصحيح أن سعد بن أبى وقاص عند ما كان مريضا ، وزاره ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : يا رسول الله : أأوصى بمالي كله؟ قال : ~~«لا. قال سعد : فالشطر؟ قال : لا. قال سعد : فالثلث؟ فقال له ~~صلى الله عليه وسلم : فالثلث والثلث كثير. إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن ~~تدعهم عالة يتكففون الناس ...» (3). # ولو كان جمع المال واقتناؤه محرما ، لأقر النبي صلى الله عليه وسلم سعدا على ~~التصدق بجميع ماله ، ولأمر المسلمين أن يحذوا حذو سعد ، ولكنه ~~صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك ، بل قال لسعد : «إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير ~~من أن تدعهم عالة يتكففون الناس ..». # وقد كان في عهده صلى الله عليه وسلم من الصحابة من يملكون الكثير من الأموال ~~كعثمان بن PageV06P274 # عفان ، وعبد الرحمن بن عوف وغيرهما ومع هذا فلم يأمرهم بإنفاق كل ما زاد ~~عن حاجتهم الضرورية. # قال القرطبي : قرر الشرع ضبط الأموال وأداء حقها ، ولو كان ضبط المال ~~ممنوعا ، لكان حقه أن يخرج كله ، وليس في الأمة من يلزم هذا. وحسبك حال ~~الصحابة وأموالهم رضوان الله عليهم وأما ما ذكر عن أبى ذر فهو مذهب ms2576 له (1). # (ج) ما ورد من آثار في ذم الكنز والكانزين كان قبل أن تفرض الزكاة أو هو ~~في حق من امتنع عن أداء حق الله في ماله. # قال صاحب الكشاف. فإن قلت فما تصنع في قوله صلى الله عليه وسلم «من ترك ~~صفراء أو بيضاء كوى بها». # قلت. كان هذا قبل أن تفرض الزكاة ، فأما بعد فرضيتها ، فالله أعدل وأكرم ~~من أن يجمع عبده مالا من حيث أذن له فيه ، ويؤدى عنه ما أوجب عليه فيه ، ثم ~~يعاقبه. # ولقد كان كثير من الصحابة كعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله يقتنون ~~الأموال ويتصرفون فيها ، وما عابهم أحد ممن أعرض عن القنية لأن الإعراض ~~اختيار للأفضل ، والاقتناء مباح موسع لا يذم صاحبه ، ولكل شيء حد (2)». # 4 أن الإسلام وإن كان قد أباح للمسلم اقتناء المال بعد أداء حق الله فيه ~~إلا أنه أمر أتباعه أن يكونوا متوسطين في حبهم لهذا الاقتناء ، حتى لا ~~يشغلهم حب المال عن طاعة الله. # ورحم الله الإمام الرازي ، فقد قال عند تفسيره لهذه الآيات ما ملخصه ، ~~اعلم أن الطريق الحق أن يقال ، الأولى أن لا يجمع الرجل الطالب للدين المال ~~الكثير ، إلا أنه لم يمنع عنه في ظاهر الشرع. فالأول محمول على التقوى ~~والثاني على ظاهر الفتوى. # أما بيان أن الأولى الاحتراز عن طلب المال الكثير فلوجوه منها : # أن كثرة المال سبب لكثرة الحرص في الطلب ، والحرص متعب للروح والنفس ~~والقلب .. والعاقل هو الذي يحترز عما يتعب روحه ونفسه وقلبه. وأن كسب المال ~~شاق شديد ؛ وحفظه بعد حصوله أشد وأشق وأصعب ، فيبقى الإنسان طول عمره تارة ~~في طلب التحصيل ؛ وأخرى PageV06P275 # في تعب الحفظ وأن كثرة الجاه والمال تورث الطغيان ، كما قال تعالى ( ~~@QUR@07 إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى ) (1). # هذا ، وقد ساق الإمام ابن كثير جملة من الأحاديث في ذم التكثر من الذهب ~~والفضة ، ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد عن حسان بن عطية قال : # كان شداد بن أوس رضى الله عنه في سفر ، فنزل منزلا ms2577 فقال لغلامه : ائتنا ~~بالسفرة نعبث بها ، فأنكرت عليه ذلك. فقال ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت إلا ~~وأنا أخطمها وأزمها غير كلمتي هذه فلا تحفظوها عنى واحفظوا ما أقول لكم : ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «إذا كنز الناس الذهب والفضة ، ~~فاكنزوا هؤلاء الكلمات : اللهم إنى أسألك الثبات في الأمر ، والعزيمة على ~~الرشد ؛ وأسألك شكر نعمتك ، وأسألك حسن عبادتك ، وأسألك قلبا سليما ، ~~وأسألك لسانا صادقا ، واسألك من خير ما تعلم ، وأعوذ بك من شر ما تعلم ، ~~وأستغفرك لما تعلم. إنك أنت علام الغيوب (2). # وبعد : فهذه سبع آيات عن أهل الكتاب ، بدأت بقوله تعالى ( @QUR@08 قاتلوا ~~الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ) وانتهت بقوله تعالى : ( @QUR@04 ~~فذوقوا ما كنتم تكنزون ). # وقد بينت هذه الآيات ما يجب أن يكون عليه موقف المؤمنين منهم ، وكشفت عن ~~أقوالهم الباطلة ، وعن جحود رؤسائهم للحق ، وعن انقياد : عامتهم للضلال ، ~~وعن استحلال كثير من أحبارهم ورهبانهم لمحارم الله ... # ثم عادت السورة بعد ذلك إلى تكلمة الحديث عن أحوال المشركين السيئة ، وعن ~~وجوب مقاتلتهم ، فقال تعالى. # ( @QUR@036 إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق ~~السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ~~وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين (36) PageV06P276 # @QUR@031 إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ~~ويحرمونه عاما ليواطؤا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء ~~أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين ) (37) # قال صاحب المنار ، هاتان الآيتان عود إلى الكلام في أحوال المشركين ، وما ~~يشرع من معاملاتهم بعد الفتح ، وسقوط عصبية الشرك ، وكان الكلام قبل هاتين ~~الآيتين في قتال أهل الكتاب وما يجب أن ينتهى به من إعطاء الجزية من قبيل ~~الاستطراد ، اقتضاه ما ذكر قبله من أحكام قتال المشركين ومعاملتهم ، وقد ~~ختم الكلام في أهل الكتاب ببيان حال كثير من رجال الدين الذين أفسدت عليهم ~~دينهم المطامع المالية ، التي هي وسيلة العظمة الدنيوية والشهوات الحيوانية ~~، وإنذار ms2578 من كانت هذه حالهم بالعذاب الشديد يوم القيامة وجعل هذا الإنذار ~~موجها إلينا وإليهم جميعا ..» (1). # والعدة في قوله. إن عدة الشهور : على وزن فعله من العدد وهي بمعنى ~~المعدود. قال الراغب : العدة : هي الشيء المعدود ، قال تعالى ( @QUR@013 ~~وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ، وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ~~) أى : وما جعلنا عددهم إلا فتنة للذين كفروا .. # والشهور : جمع شهر. والمراد بها هنا : الشهور التي تتألف منها السنة ~~القمرية وهي شهور. المحرم. وصفر. وربيع الأول .. إلخ. # وهذه الشهور عليها مدار الأحكام الشرعية ، وبها يعتد المسلمون في عبادتهم ~~وأعيادهم وسائر أمورهم. # والمراد بقوله : ( @QUR@04 يوم خلق السماوات والأرض ): الوقت الذي ~~خلقهما فيه ، وهو ستة أيام كما جاء في كثير من الآيات ، ومن ذلك قوله تعالى ~~( @QUR@014 إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى ~~على العرش ) (2). PageV06P277 # والمعنى : إن عدد الشهور «عند الله» أى : في حكمه وقضائه ( @QUR@03 اثنا ~~عشر شهرا ) هي الشهور القمرية التي عليها يدور فلك الأحكام الشرعية. # وقوله ( @QUR@03 في كتاب الله )، أى : في اللوح المحفوظ. # قال القرطبي : وأعاده بعد أن قال ( @QUR@02 عند الله ) لأن كثيرا من ~~الأشياء يوصف بأنه عند الله ، ولا يقال إنه مكتوب في كتاب الله ، كقوله ( ~~@QUR@05 إن الله عنده علم الساعة ) (1). # وقيل معنى «في كتاب الله» أى فيما كتبه سبحانه وأثبته وأوجب على عباده ~~العمل به منذ خلق السموات والأرض. # قال الجمل : وقوله. ( @QUR@03 في كتاب الله ) صفة لاثنى عشر ، وقوله : ( ~~@QUR@04 يوم خلق السماوات والأرض ) متعلق بما تعلق به الظرف قبله من معنى ~~الثبوت والاستقرار ، أو بالكتاب ، إن جعل مصدرا. # والمعنى : أن هذا أمر ثابت في نفس الأمر منذ خلق الله الأجرام والأزمنة ~~(2) أى : أن المقصود من هذه الآية الكريمة ، بيان أن كون الشهور كذلك حكم ~~أثبته سبحانه في اللوح المحفوظ منذ أوجد هذا العالم ، وبينه لأنبيائه على ~~هذا الوضع .. فمن الواجب اتباع ترتيب الله لهذه الشهور ، والتزام أحكامها ~~ونبذ ما كان يفعله أهل الجاهلية من تقديم بعض الشهور أو تأخيرها أو الزيادة ~~عليها ، أو ms2579 انتهاك حرمة المحرم منها. # وقوله ، ( @QUR@01 حرم ) جمع حرام كسحب جمع سحاب مأخوذ من الحرمة وذلك ~~لأن الله تعالى أوجب على الناس احترام هذه الشهور ، ونهى عن القتال فيها : # وقد أجمع العلماء على أن المراد بها ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ~~ورجب ، وبذلك تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . # فقد أخرج البخاري عن أبى بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في خطبة ~~حجة الوداع : «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ، ~~السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم. ثلاث متواليات : ذو القعدة وذو الحجة ~~، والمحرم ، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» (3). # وسماه صلى الله عليه وسلم رجب مضر ، لأن بنى ربيعة بن نزار كانوا يحرمون شهر ~~رمضان ويسمونه PageV06P278 # رجبا وكانت قبيلة مضر تحرم رجبا نفسه ، لذا قال صلى الله عليه وسلم فيه ~~«ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان». # قال ابن كثير. وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعة : ثلاثة سرد. وواحد فرد ~~لأجل أداء مناسك الحج والعمرة فحرم قبل الحج شهرا وهو ذو القعدة يقعدون فيه ~~عن القتال وحرم شهر ذي الحجة لأنهم يوقعون فيه الحج ، ويشتغلون بأداء ~~المناسك ، وحرم بعده شهرا آخر هو المحرم ، ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم ~~آمنين ، وحرم رجب في وسط الحول لأجل زيارة البيت والاعتمار به لمن يقدم ~~إليه من أقصى جزيرة العرب ، فيزوره ثم يعود إلى وطنه آمنا (1). # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@03 ذلك الدين القيم ) يعود إلى ما شرعه ~~الله تعالى من أن عدة الشهور اثنا عشر شهرا ، ومن أن منها أربعة حرم. # والقيم : القائم الثابت المستقيم الذي لا التواء فيه ولا اعوجاج أى : ذلك ~~الذي شرعناه لكم من كون عدة الشهور كذلك ، ومن كون منها أربعة حرم : هو ~~الدين القويم ، والشرع الثابت الحكيم ، الذي لا يقبل التغيير أو التبديل .. ~~لا ما شرعه أهل الجاهلية لأنفسهم من تقديم بعض الشهور وتأخير بعضها استجابة ~~لأهوائهم وشهواتهم ، وإرضاء لزعمائهم وسادتهم. # والضمير المؤنث في قوله ( @QUR@04 فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) يرى ابن ms2580 عباس ~~أنه يعود على جميع الشهور أى : فلا تظلموا في الشهور الاثنى عشر أنفسكم ، ~~بأن تفعلوا فيها شيئا مما نهى الله عن فعله ، ويدخل في هذا النهى هتك حرمة ~~الأشهر الأربعة الحرم دخولا أوليا. # ويرى جمهور العلماء أن الضمير يعود إلى الأشهر الأربعة الحرم ، لأنه ~~إليها أقرب ؛ لأن الله تعالى قد خص هذه الأربعة بمزيد من الاحترام تشريفا لها. # وقد رجح ابن جرير ما ذهب إليه الجمهور فقال ما ملخصه : وأولى الأقوال في ~~ذلك عندي بالصواب قول من قال : فلا تظلموا في الأشهر الأربعة أنفسكم ~~باستحلال حرامها ، فإن الله عظمها وعظم حرمتها. # وعن قتادة : إن الله اصطفى صفايا من خلقه ، اصطفى من الملائكة رسلا ، ومن ~~الناس رسلا ، واصطفى من الكلام ذكره ، واصطفى من الأرض المساجد واصطفى من ~~الشهور رمضان والأشهر الحرم ، واصطفى من الأيام يوم الجمعة واصطفى من ~~الليالى ليلة القدر ، فعظموا ما عظم الله ، فإنما تعظم الأمور بما عظمها ~~الله عند أهل الفهم .. فإن قال قائل : فإن كان الأمر على ما وصفت ، فقد ~~يكون مباحا لنا ظلم أنفسنا في غيرهن من سائر شهور السنة. PageV06P279 # قيل : ليس ذلك كذلك ، بل ذلك حرام علينا في كل وقت ولكن الله عظم حرمة ~~هؤلاء الأشهر وشرفهن على سائر شهور السنة : فخص الذنب فيهن ، بالتعظيم كما ~~خصهن بالتشريف ، وذلك نظير قوله تعالى ( @QUR@05 حافظوا على الصلوات ~~والصلاة الوسطى ، ) ولكنه تعالى زادها تعظيما ، وعلى المحافظة عليها توكيدا ~~، وفي تضييعها تشديدا ، فكذلك في قوله ( @QUR@010 منها أربعة حرم ذلك الدين ~~القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ). # وقد كانت الجاهلية تعظم هذه الأشهر الحرم وتحرم القتال فيهن ، حتى لو لقى ~~الرجل منهم فيهن قاتل أبيه لم يهجه (1). # وقال القرطبي : لا يقال كيف جعلت بعض الأزمنة أعظم حرمة من بعض فإنا نقول ~~: للباري تعالى أن يفعل ما شاء ، ويخص بالفضيلة ما يشاء ليس لعمله علة ، ~~ولا عليه حجر ، بل يفعل ما يريد بحكمته ، وقد تظهر فيه الحكمة وقد تخفى (2). # وقوله : ( @QUR@06 وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ) تحريض ~~للمؤمنين على قتال المشركين ms2581 بقلوب مجتمعة ، وعزيمة صادقة. # وكلمة ( @QUR@01 كافة ) مصدر في موضع الحال من ضمير الفاعل في ( @QUR@01 ~~قاتلوا ) أو من المفعول وهو لفظ المشركين ، ومعناها : جميعا. # وقالوا : وهذه الكلمة من الكلمات التي لا تثنى ولا تجمع ولا تدخلها أل ~~ولا تعرب إلا حالا فهي ملتزمة للإفراد والتأنيث مثل : عامة وخاصة (3). # أى : قاتلوا أيها المؤمنون المشركين جميعا ، كما يقاتلونكم هم جميعا ، ~~بأن تكونوا في قتالكم لهم مجتمعين متعاونين متناصرين ، لا مختلفين ولا ~~متخاذلين. # وقوله : ( @QUR@05 واعلموا أن الله مع المتقين ) تذييل قصد به إرشادهم ~~إلى ما ينفعهم في قتالهم لأعدائهم بعد أمرهم به. # أى : واعلموا أيها المؤمنون أن الله تعالى مع عباده المتقين بالعون ~~والنصر والتأييد ، ومن كان الله معه فلن يغلبه شيء فكونوا أيها المؤمنون من ~~عباد الله المتقين الذين صانوا أنفسهم عن كل ما نهى عنه ؛ لتنالوا عونه ~~وتأييده. PageV06P280 # ثم نعى سبحانه على ما كانوا يفعلون من تحليل وتحريم للشهور على حسب ~~أهوائهم .. فقال تعالى : ( @QUR@05 إنما النسيء زيادة في الكفر .. ) ~~والنسيء : مصدر بزنة فعيل مأخوذ من نسأ الشيء إذا أخره. ومنه نسأت الإبل عن ~~الحوض إذا أخرتها عنه. ومنه : أنسأ الله في أجل فلان ، أى : أخره والمراد ~~به : تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر. # وقد أشار صاحب الكشاف إلى الأسباب التي جعلت المشركين يحلون الأشهر الحرم فقال : # «كانوا أصحاب حروب وغارات ، فإذا جاء الشهر الحرام وهم محاربون شق عليهم ~~ترك المحاربة ، فيحلونه ويحرمون مكانه شهرا آخر وكان يشق عليهم أن يمكثوا ~~ثلاثة أشهر لا يغيرون فيها حتى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم بالتحريم ؛ فكانوا ~~يحرمون من شتى شهور العام أربعة أشهر ، وذلك قوله ( @QUR@05 ليواطؤا عدة ما ~~حرم الله ) أى ليوافقو العدة التي هي الأربعة ولا يخالفوها وقد خالفوا ~~التخصيص الذي هو أحد الواجبين (1). # والمعنى : إنما النسيء الذي يفعله المشركون ، من تأخيرهم حرمة شهر إلى ~~آخر ، ( @QUR@03 زيادة في الكفر ) أى : زيادة في كفرهم ؛ لأنهم قد ضموا إلى ~~كفرهم بالله كفرا آخر ، هو تحليلهم لما حرمه الله وتحريمهم لما أحله وبذلك ~~يكونون قد جمعوا بين الكفر ms2582 في العقيدة والكفر في التشريع. # قال القرطبي : وقوله : ( @QUR@03 زيادة في الكفر ) بيان لما فعلته العرب ~~من جمعها أنواعا من الكفر ، فإنها أنكرت وجود الباري تعالى فقالت : ( ~~@QUR@02 وما الرحمن ) في أصح الوجوه. وأنكرت البعث فقالت ( @QUR@05 من يحي ~~العظام وهي رميم )، وأنكرت بعثة الرسل فقالوا : ( @QUR@04 أبشرا منا واحدا ~~نتبعه ) وزعمت أن التحليل والتحريم إليها ، فابتدعته من ذاتها مقتفية ~~لشهوانها فأحلت ما حرمه الله : ولا مبدل لكلماته ولو كره المشركون» (2). # وقوله ( @QUR@04 يضل به الذين كفروا ) قرأه الكوفيون بضم الياء وفتح ~~الضاد بالبناء للمفعول. # أى : يوقع الذين كفروا بسبب ارتكابهم للنسيء في الضلال والموقع لهم في ~~هذا الضلال كبراؤهم وشياطينهم. # وقرأه أهل الحرمين وأبو عمرو يضل بفتح الياء وكسر الضاد بالبناء للفاعل. # أى : يضل الله الذين كفروا ، بأن يخلق فيهم الضلال بسبب مباشرتهم لما أدى ~~إليه وهو ارتكابهم للنسيء. PageV06P281 # ويصح أن يكون الفاعل هو الذين كفروا أى يضل الذين كفروا عن الحق بسبب ~~استعمالهم للنسيء الذي هو لون من ألوان استحلال محارم الله. # وقوله : ( @QUR@04 يحلونه عاما ويحرمونه عاما ) بيان وتفسير لكيفية ~~ضلالهم. # والضمير المنصوب في ( @QUR@01 يحلونه ) و ( @QUR@01 يحرمونه ) يعود إلى ~~النسيء ، أى الشهر المؤخر عن موعده. # والمعنى أن هؤلاء الكافرين من مظاهر ضلالهم ، أنهم يحلون الشهر المؤخر عن ~~وقته عاما من الأعوام ، ويحرمون مكانه شهرا آخر ليس من الأشهر الحرم ، ~~وأنهم يحرمونه أى : يحافظون على حرمة الشهر الحرام عاما آخر ، إذا كانت ~~مصلحتهم في ذلك. # والمواطأة : الموافقة. يقال : واطأت فلانا على كذا إذا وافقته عليه بدون ~~مخالفته. # والمعنى : فعل المشركون ما فعلوه من التحليل والتحريم للأشهر على حسب ~~أهوائهم ، ليوافقوا بما فعلوه عدة الأشهر الحرم ، بحيث تكون أربعة في العدد ~~وإن لم تكن عين الأشهر المحرمة في شريعة الله. # قال ابن عباس : ما أحل المشركون شهرا من الأشهر الحرم إلا حرموا مكانه ~~شهرا من الأشهر الحلال. وما حرموا شهرا من الحلال إلا أحلوا مكانه شهرا من ~~الأشهر الحرام ، لكي يكون عدد الأشهر الحرم أربعة. (1). # وقوله : ( @QUR@04 فيحلوا ما حرم الله ) تفريع على ما تقدم. # أى ms2583 : فيحلوا بتغييرهم الشهور المحرمة ، ما حرمه الله في شرعه. فهم وإن ~~كانوا وافقوا شريعة الله في عدد الشهور المحرمة ، إلا أنهم خالفوه في ~~تخصيصها فقد كانوا مثلا يستحلون شهر المحرم ويحرمون بدله شهر صفر. # وقوله : ( @QUR@04 زين لهم سوء أعمالهم ) ذم لهم على انتكاس بصائرهم ، ~~وسوء تفكيرهم. # أى : زين لهم الشيطان سوء أعمالهم ، فجعلهم يرون العمل القبيح عملا حسنا. ~~وقوله : ( @QUR@05 والله لا يهدي القوم الكافرين ) تذييل قصد به التنفير ~~والتوبيخ للكافرين. # أى : والله تعالى. اقتضت حكمته أن لا يهدى القوم الكافرين إلى طريقه ~~القويم ، لأنهم بسبب سوء اختيارهم استحبوا العمى على الهدى ، وآثروا طريق ~~الغي على طريق الرشاد .. فكان أمرهم فرطا. # هذا ، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هاتين الآيتين ما يأتى. PageV06P282 # 1 أن السنة اثنا عشر شهرا ، وأن شهور السنة القمرية هي المعول عليها في ~~الأحكام لا شهور السنة الشمسية. # قال الفخر الرازي ، اعلم أن السنة عند العرب عبارة عن اثنى عشر شهرا من ~~الشهور القمرية ، والدليل عليه هذه الآية ( @QUR@03 إن عدة الشهور ) الآية ~~، وقوله تعالى : ( @QUR@013 هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره ~~منازل لتعلموا عدد السنين والحساب .. ) فجعل تقدير القمر بالمنازل علة ~~للسنين والحساب وذلك إنما يصح إذا كانت السنة معلقة بسير القمر. # وأيضا قوله. تعالى : (يسألونك عن الأهلة ، قل هي مواقيت للناس والحج ..). # ثم قال ، واعلم أن مذهب العرب من الزمان الأول أن تكون السنة قمرية لا ~~شمسية ، وهذا الحكم توارثوه عن إبراهيم وإسماعيل. عليهما السلام . فأما عند ~~اليهود والنصارى ، فليس الأمر كذلك ..) (1). # وقال الجمل : قوله (اثنا عشر شهرا) هذه شهور السنة القمرية التي هي مبنية ~~على سير القمر في المنازل ، وهي شهور العرب التي يعتد بها المسلمون في ~~صيامهم ومواقيت حجهم وأعيادهم وسائر أمورهم وأحكامهم. وأيام هذه الشهور ~~ثلاثمائة وخمسة وخمسون يوما. والسنة الشمسية عبارة عن دوران الشمس في الفلك ~~دورة تامة ، وهي ثلاثمائة وخمسة وستون يوما. وربع يوم. فتنقص السنة ~~الهلالية عن السنة الشمسية عشرة أيام ، فبسبب هذا النقصان تدور السنة ~~الهلالية فيقع الصوم ms2584 والحج تارة في الشتاء وتارة في الصيف) (2). # هذا ، وقد تكلم بعض المفسرين عن الشهور القمرية ، وعن سبب تسميتها بما ~~سميت به فارجع إليه إن شئت (3). # 2 وجوب التقيد بما شرعه الله من أحكام بدون زيادة أو نقصان عليها. # قال القرطبي ما ملخصه : وضع سبحانه هذه الشهور وسماها بأسمائها على ما ~~رتبها عليه يوم خلق السموات والأرض ، وأنزل ذلك على أنبيائه في كتبه ~~المنزلة ، وهو معنى قوله : ( @QUR@08 إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا ~~). وحكمها باق على ما كانت عليه لم يزلها عن ترتيبها تغيير المشركين ~~لأسمائها ، وتقديم المقدم في الاسم منها. # والمقصود من ذلك اتباع أمر الله فيها ، ورفض ما كان عليه أهل الجاهلية من ~~تأخير أسماء الشهور وتقديمها. PageV06P283 # ولذا قال صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع : «إن الزمان قد استدار ~~كهيئته يوم خلق الله السموات الأرض». # ثم قال القرطبي ؛ كانوا يحرمون شهرا فشهرا حتى استدار التحريم على السنة ~~كلها. فقام الإسلام وقد رجع المحرم إلى موضعه الذي وضعه الله فيه. فهذا ~~معنى قوله صلى الله عليه وسلم «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله ~~السموات والأرض» (1). # 3 أخذ بعضهم من قوله تعالى ( @QUR@04 فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) أن تحريم ~~القتال في الأشهر الحرم ثابت لم ينسخ ، وأنه لا يصح القتال فيها إلا أن ~~يكون دفاعا. # قال ابن جريج : حلف بالله عطاء بن أبى رباح أنه ما يحل للناس أن يغزوا في ~~الحرم ولا في الأشهر الحرم إلا أن يقاتلوا فيها. # وذهب جمهور العلماء إلى أن تحريم القتال في الأشهر الحرم قد نسخ ، بدليل ~~أن الله تعالى بعد أن نهى المؤمنين عن أن يظلموا أنفسهم بالقتال فيها أمرهم ~~بقتال المشركين من غير تقيد بزمن فقال ( @QUR@06 وقاتلوا المشركين كافة كما ~~يقاتلونكم كافة ) فدل ذلك على أن القتال في الأشهر الحرم مباح. # وبدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم حاصر أهل الطائف في شهر حرام وهو شهر ذي ~~القعدة. # قال ابن كثير : ثبت في الصحيحين أن رسول الله ms2585 صلى الله عليه وسلم خرج إلى ~~هوازن في شوال ، فلما كسرهم .. لجئوا إلى الطائف ، فعمد صلى الله عليه وسلم ~~إلى الطائف فحاصرهم أربعين يوما ، وانصرف ولم يفتتحها فثبت أنه حاصر في ~~الشهر الحرام أى. في شهر ذي القعدة. # ثم قال ما ملخصه : وأما قوله تعالى ( @QUR@06 وقاتلوا المشركين كافة كما ~~يقاتلونكم كافة ) فيحتمل أنه منقطع عما قبله وأنه حكم مستأنف ، ويكون من ~~باب التهييج للمؤمنين على قتال أعدائهم .. ويحتمل أنه أذن للمؤمنين بقتال ~~أعدائهم في الشهر الحرام إذا كانت البداءة منهم . أى من الأعداء : كما قال ~~: تعالى ( @QUR@06 الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص ) وكما قال ~~تعالى ( @QUR@011 ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن ~~قاتلوكم فاقتلوهم ). # وهكذا الجواب عن حصار رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الطائف واستصحابه ~~الحصار إلى أن دخل الشهر الحرام ، فإنه من تتمة قتال هوازن وأحلافها ، ~~فإنهم الذين بدءوا القتال للمسلمين .. فعند ذلك قصدهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فلما تحصنوا بالطائف ذهب إليهم لينزلهم PageV06P284 # من حصونهم فنالوا من المسلمين ، وقتلوا جماعة منهم .. واستمر حصار ~~المسلمين لهم أربعين يوما ، وكان ابتداؤه في شهر حلال ، ودخل الشهر الحرام ~~فاستمر فيه أياما ثم قفل عنهم ، لأنه يغتفر في الدوام مالا يغتفر في ~~الابتداء ، وهذا أمر مقرر (1). # ومن كلام ابن كثير. رحمه الله نستنتج أنه يميل إلى القول بأن المنهي عنه ~~هو ابتداء القتال في الأشهر الحرم ، لا إتمام القتال فيها متى بدأ الأعداء ~~ذلك وهو قريب من قول القائل : لا يحل القتال فيها ولا في الحرم إلا أن يكون دفاعا. # وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس ، لأنه لم يثبت أن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بدأ أعداءه القتال في الأشهر الحرم ، وإنما الثابت أن ~~الأعداء هم الذين ابتدءوا قتال المسلمين فيها ، فكان موقف المسلمين هو ~~الدفاع عن أنفسهم : # 4 ذكر المفسرون روايات في أول من أخر حرمة شهر إلى آخر ، فعن مجاهد قال : ~~كان رجل من بنى كنانة يأتى كل عام إلى الموسم على حمار ms2586 له فيقول : أيها ~~الناس : إنى لا أعاب ولا أخاب ولا مرد لما أقول. إنا قد حرمنا المحرم ~~وأخرنا صفر. ثم يجيء العام المقبل بعده فيقول مثل مقالته ويقول : إنا قد ~~حرمنا صفر وأخرنا المحرم. # وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هذا رجل من بنى كنانة يقال له «القلمس» ~~وكان في الجاهلية. وكانوا في الجاهلية لا يغير بعضهم على بعض في الشهر ~~الحرام. يلقى الرجل قاتل أبيه فلا يمد إليه يده. فلما كان هو قال لقوله : ~~اخرجوا بنا أى للقتال . فقالوا له : هذا المحرم. قال : ننسئه العام ، هما ~~العام صفران. فإذا كان العام القابل قضينا .. جعلناهما محرمين. # قال : ففعل ذلك. فلما كان عام قابل قال : لا تغزوا في صفر. حرموه مع ~~المحرم. هما محرمان» (2). # وقد كان بعض أهل الجاهلية يتفاخر بهذا النسيء ، ومن ذلك قول شاعرهم : # ومنا ناسئ الشهر القلمس # قال آخر : # ألسنا الناسئين على معد %~% شهور الحل نجعلها حراما PageV06P285 # وقد أبطل الإسلام كل ذلك ، وأمر بترتيب الشهور على ما رتبها سبحانه عليه ~~يوم خلق السموات والأرض. # وبعد : فهذه سبع وثلاثون آية من أول السورة إلى هنا ، نراها في مجموعها ~~كما سبق أن بينا قد حددت العلاقات النهائية بين المسلمين وبين أعدائهم من ~~المشركين وأهل الكتاب ، كما نراها قد أبرزت الأسباب التي دعت إلى هذا ~~التحديد بأسلوب حكيم مؤثر ، يقنع العقول ، ويشبع العواطف. # ثم انتقلت السورة بعد ذلك إلى الحديث عن غزوة تبوك وما جرى فيها من أحداث ~~متنوعة .. وقد استغرق هذا الحديث معظم آيات السورة ، لا سيما فيما يتعلق ~~بهتك أستار المنافقين ، والتحذير منهم. # وقد بدأت السورة حديثها عن غزوة تبوك بتوجيه نداء إلى المؤمنين نعت فيها ~~على المتثاقلين عن الجهاد ، وحرضت عليه بشتى ألوان التحريض قال تعالى : # ( @QUR@029 يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله ~~اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا ~~في الآخرة إلا قليل (38) @QUR@016 إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل ~~قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله ms2587 على كل شيء قدير (39) @QUR@031 إلا تنصروه ~~فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول ~~لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها PageV06P286 # @QUR@012 وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز ~~حكيم (40) @QUR@015 انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل ~~الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) (41) # قال الإمام ابن كثير : هذا شروع في عتاب من تخلف عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، حين طابت الثمار والظلال في شدة الحر ، ~~وحمارة القيظ ، (1). # وتبوك : اسم لمكان معروف في أقصى بلاد الشام من ناحية الجنوب ، ويبعد عن ~~المدينة المنورة من الجهة الشمالية بحوالى ستمائة كيلو متر. # وكانت غزوة تبوك في شهر رجب من السنة التاسعة ، وهي آخر غزوة لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم . # وكان السبب فيها أن الرسول صلى الله عليه وسلم بلغه أن الروم قد جمعوا له ~~جموعا كثيرة على أطراف الشام ، وأنهم يريدون أن يتجهوا إلى الجنوب لمهاجمة ~~المدينة. # فاستنفر صلى الله عليه وسلم الناس إلى قتال الروم ، وكان صلى الله عليه وسلم ~~قلما يخرج إلى غزوة إلا ورى بغيرها حتى يبقى الأمر سرا. # ولكنه في هذه الغزوة صرح للمسلمين بوجهته وهي قتال الروم ، وذلك لبعد ~~المسافة ، وضيق الحال ، وشدة الحر ، وكثرة العدو. # وقد لبى المؤمنون دعوة رسولهم صلى الله عليه وسلم لقتال الروم ، وصبروا على ~~الشدائد ، والمتاعب وبذلوا الكثير من أموالهم ، ولم يتخلف منهم إلا القليل. # أما المنافقون وكثير من الأعراب ، فقد تخلفوا عنها ، وحرضوا غيرهم على ~~ذلك ، وحكت السورة في كثير من آياتها الآتية ما كان منهم من جبن ومن تخذيل ~~الناس عن القتال ، ومن تحريض لهم على القعود وعدم الخروج. # وبعد أن وصل الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون إلى تبوك ، لم يجدوا جموعا ~~للروم. فأقاموا PageV06P287 # هناك بضع عشرة ليلة ، ثم عادوا إلى المدينة» (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@01 انفروا ) من النفر وهو التنقل بسرعة من مكان ~~إلى مكان لسبب ms2588 من الأسباب الداعية لذلك. # يقال : نفر فلان إلى الحرب ينفر وينفر نفرا ونفورا ، إذا خرج بسرعة ويقال ~~: استنفر الإمام الناس ، إذا حرضهم على الخروج للجهاد. ومنه قوله ~~صلى الله عليه وسلم : وإذا استنفرتم فانفروا أى : وإذا دعاكم الإمام إلى ~~الخروج معه للجهاد فاخرجوا معه بدون تثاقل. # واسم القوم الذين يخرجون للجهاد : النفير والنفرة والنفر. # ويقال : نفر فلان من الشيء ، إذا فزع منه ، وأدبر عنه ، ومنه قوله تعالى ~~( @QUR@010 وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ، ولوا على أدبارهم نفورا ) (2). # وقوله : ( @QUR@01 اثاقلتم ): من الثقل ضد الخفة. يقال : تثاقل فلان عن ~~الشيء ، إذا تباطأ عنه ولم يهتم به .. ويقال : تثاقل القوم : إذا لم ينهضوا ~~لنجدة المستجير بهم. وأصل ( @QUR@01 اثاقلتم ) تثاقلتم ، فأبدلت التاء ثاء ~~ثم أدغمت فيها ، ثم اجتلبت همزة الوصل من أجل التوصل للنطق بالساكن. # والمعنى : يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله ، ( @QUR@012 ما لكم إذا قيل ~~لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ) أى : ما الذي جعلكم تباطأتم ~~عن الخروج إلى الجهاد ، حين دعاكم رسولكم صلى الله عليه وسلم إلى قتال الروم ، ~~وإلى النهوض لإعلاء كلمة الله ، ونصرة دينه؟ # وقد ناداهم سبحانه بصفة الإيمان ، لتحريك حرارة العقيدة في قلوبهم ، ~~وتوجيه عقولهم إلى ما يستدعيه الإيمان الصادق من طاعة لله ولرسوله. ~~والاستفهام في قوله : ( @QUR@02 ما لكم ) لإنكار واستبعاد صدور هذا التثاقل ~~منهم ، مع أن هذا يتنافى مع الإيمان والطاعة. # قال الجمل : و «ما» مبتدأ ، و «لكم» خبر ، وقوله «اثاقلتم» حال. وقوله : ~~«إذا قيل لكم» ظرف لهذه الحال مقدم عليها. # والتقدير : أى شيء ثبت لكم من الأعذار. حال كونكم متثاقلين في وقت قول ~~الرسول لكم : انفروا في سبيل الله (3). # وقوله. «إلى الأرض» متعلق بقوله : «اثاقلتم» على تضمينه معنى الميل إلى ~~الراحة ، PageV06P288 # والإخلاد إلى الأرض ، ولذا عدى بإلى. # أى : اثاقلتم مائلين إلى الراحة وإلى شهوات الدنيا الفانية ، وإلى ~~الإقامة بأرضكم ودياركم ، وكرهتم الجهاد مع أنه ذروة سنام الإسلام. # وإن التعبير بقوله ، سبحانه ، ( @QUR@01 اثاقلتم ) لفي أسمى درجات ~~البلاغة ، وأعلى مراتب التصوير الصادق ، لأنه بلفظه وجرسه يمثل الجسم ms2589 ~~المسترخى الثقيل الذي استقر على الأرض .. والذي كلما حاول الرافعون أن ~~يرفعوه عاد إليه ثقله فسقط من بين أيديهم ، وأخلد إلى الأرض. # وذلك لأن ما استولى عليه من حب للذائذ الدنيا وشهواتها ، أثقل بكثير من ~~حبه لنعيم الآخرة وخيراتها. # وقوله ، سبحانه ، : ( @QUR@05 أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ) إنكار ~~آخر لتباطئهم عن الجهاد ، وتعجب من ركونهم إلى الدنيا مع أن إيمانهم يتنافى ~~مع ذلك. # وقوله. ( @QUR@08 فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ) بيان ~~لحقارة متاع الدنيا بالنسبة لنعيم الآخرة الدائم. # والمعنى : أى شيء حال بينكم ، أيها المؤمنون ، وبين المسارعة إلى الجهاد ~~عند ما دعاكم رسولكم صلى الله عليه وسلم إليه. أرضيتم براحة الحياة الدنيا ~~ولذائذها الناقصة. # إن كان أمركم كذلك ، فقد أخطأتم الصواب ، لأن متاع الحياة الدنيا مهما ~~كثر فهو قليل مستحقر بجانب متاع الآخرة الباقي ، ونعيمها الخالد. # قال الآلوسى ما ملخصه : «في» من قوله ( @QUR@06 فما متاع الحياة الدنيا ~~في الآخرة ) تسمى بفي القياسية. لأن المقيس يوضع في جنب ما يقاس به. وفي ~~ترشيح الحياة الدنيا بما يؤذن بنفاستها ، ويستدعى الرغبة فيها ، وتجريد ~~الآخرة عن مثل ذلك مبالغة في بيان حقارة الدنيا ودناءتها وعظم شأن الآخرة ~~ورفعتها. # وقد أخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم عن المستورد ، أخى بنى فهر ~~، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل ~~أحدكم إصبعه هذه في اليم ، فلينظر بم ترجع» (1). # وقال الفخر الرازي : اعلم أن هذه الآية تدل على وجوب الجهاد في كل حال ، لأنه ، PageV06P289 # سبحانه ، نص على أن تثاقلهم عن الجهاد أمر منكر ، ولو لم يكن الجهاد ~~واجبا لما كان هذا التثاقل منكرا. وليس لقائل أن يقول : الجهاد إنما يجب في ~~الوقت الذي يخاف هجوم الكفار فيه ، لأنه عليه السلام ، ما كان يخاف هجوم ~~الروم عليه ، ومع ذلك فقد أوجب الجهاد معهم .. وأيضا هو واجب على الكفاية ، ~~فإذا قام به البعض سقط عن الباقين. والخطاب في الآية للمؤمنين الذين ~~تقاعسوا في الخروج إلى غزوة تبوك مع رسول الله ms2590 صلى الله عليه وسلم (1). # ثم هددهم ، سبحانه ، بالعذاب الأليم ، إن لم ينفروا للجهاد في سبيله فقال ~~( @QUR@011 إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ، ولا تضروه ~~شيئا ). # أى : ( @QUR@02 إلا تنفروا )، أيها المؤمنون ، للجهاد كما أمركم رسولكم ~~( @QUR@01 يعذبكم ) الله ( @QUR@02 عذابا أليما ) في الدنيا بإنزال المصائب ~~، بكم ، وفي الآخرة بنار جهنم. # وقوله : ( @QUR@03 ويستبدل قوما غيركم ) أى : ويستبدل بكم قوما يطيعون ~~رسوله في العسر واليسر ، والمنشط والمكره .. كما قال ، : ( @QUR@09 وإن ~~تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ). # قال صاحب المنار : قيل المراد بهؤلاء القوم : أهل اليمن ، وقيل أهل فارس ~~وليس في محله ، فإن الكلام للتهديد ، والله يعلم أنه لا يقع الشرط ولا جزاؤه. # وإنما المراد يطيعونه سبحانه ويطيعون رسوله ، لأنه قد وعده بالنصر ؛ ~~وإظهار دينه ، فإن لم يكن هذا الإظهار بأيديكم. فلا بد أن يكون بأيدى غيركم ~~( @QUR@04 ولن يخلف الله وعده ). # وقد مضت سنته تعالى بأنه لا بقاء للأمم التي تتثاقل عن الدفاع عن نفسها ~~وحفظ حقيقتها وسيادتها ، ولا تتم فائدة القوة الدفاعية والهجومية إلا بطاعة ~~الإمام ، فكيف إذا كان الإمام والقائد هو النبي الموعود من ربه بالنصر .. (2). # والضمير في قوله ( @QUR@03 ولا تضروه شيئا ) يعود إلى الله ، تعالى. # أى : إن تباطأتم «أيها المؤمنون» عن الجهاد ، يعذبكم الله عذابا أليما ~~ويستبدل بكم قوما سواكم لنصرة نبيه ، ولن تضروا الله شيئا من الضرر بسبب ~~تقاعسكم. لأنكم أنتم الفقراء إليه ، وهو ، سبحانه ، الغنى الحميد. # وقيل : الضمير يعود للرسول ، صلى الله عليه وسلم أى : ولا تضروا الرسول شيئا ~~ما من الضرر بسبب تثاقلكم عن الجهاد ، لأن الله قد وعده بالنصر ووعده كائن ~~لا محاله. PageV06P290 # وقوله : ( @QUR@05 والله على كل شيء قدير ) تذييل مؤكد لما قبله. # أى : والله ، تعالى : على كل شيء من الأشياء قدير ، ولا يعجزه أمر ، ولا ~~يحول دون نفاذ مشيئته حائل ، فامتثلوا أمره لتفوزوا برضوانه. # فأنت ترى أن هذه الآية وسابقتها قد اشتملت على أقوى الأساليب التي ترغب ~~في الجهاد ، وترهب من النكوص عنه ، وتبعث على الطاعة لله ولرسوله. # ثم ذكرهم ، سبحانه ، بما يعرفونه من ms2591 حال الرسول صلى الله عليه وسلم حيث نصره ~~الله. تعالى ، على أعدائه بدون عون منهم ، وأيده بجنود لم يروها فقال ، ( ~~@QUR@05 إلا تنصروه فقد نصره الله ). # قال ابن جرير. هذا إعلام من الله لأصحاب رسوله صلى الله عليه وسلم أنه ~~المتوكل بنصر رسوله على أعداء دينه ، وإظهاره عليهم دونهم ، أعانوه أو لم ~~يعينوه ، وتذكير منه لهم بأنه فعل ذلك به ، وهو من العدد في قلة ، والعدو ~~في كثرة فكيف به وهو من العدد في كثرة والعدو في قلة (1). # والمعنى : إنكم ، أيها المؤمنون ، إن آثرتم القعود والراحة على الجهاد ~~وشدائده ، ولم تنصروا رسولكم الذي استنفركم للخروج معه. فاعلموا أن الله ~~سينصره بقدرته النافذة ، كما نصره ، وأنتم تعلمون ذلك ، وقت أن أخرجه الذين ~~كفروا من مكة ( @QUR@02 ثاني اثنين ) أى : أحد اثنين. والثاني : أبو بكر ~~الصديق ، رضى الله عنه. # يقال. فلان ثالث ثلاثة ، أو رابع أربعة .. أى : هو واحد من الثلاثة أو من ~~الأربعة. # فإذا قيل : فلان رابع ثلاثة أو خامس أربعة ، فمعناه أنه صير الثلاثة ~~أربعة بإضافة ذاته إليهم ، أو صير الأربعة خمسة. # وأسند سبحانه الإخراج إلى المشركين مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد خرج ~~بنفسه بإذن من الله ، تعالى ، لأنهم السبب في هذا الخروج حيث اضطروه إلى ~~ذلك ، بعد أن تآمروا على قتله. # قيل : وجواب الشرط في قوله ، ( @QUR@02 إلا تنصروه ) محذوف وقوله ( ~~@QUR@03 فقد نصره الله ) تعليل لهذا المحذوف. # والتقدير : إلا تنصروه ينصره الله في كل حال. ( @QUR@02 فقد نصره ) ~~سبحانه وقت أن أخرجه الكافرون من بلده ولم يكن معه سوى رجل واحد. # وقال صاحب الكشاف : فإن قلت. كيف يكون قوله ( @QUR@03 فقد نصره الله ) ~~جوابا للشرط؟. # قلت «فيه وجهان» أحدهما : إلا تنصروه فسينصره من نصره حين لم يكن معه إلا رجل PageV06P291 # واحد. ولا أقل من الواحد ، فدل بقوله. ( @QUR@03 فقد نصره الله ) على أنه ~~ينصره في المستقبل كما نصره في ذلك الوقت. # والثاني. أنه أوجب له النصرة وجعله منصورا في ذلك الوقت ، فلن يخذل من ~~بعده ، (1). # وقوله : ( @QUR@02 ثاني اثنين ) حال من الهاء في ms2592 قوله ( @QUR@01 أخرجه ) ~~أى أخرجه الذين كفروا حال كونه منفردا عن جميع الناس إلا أبا بكر الصديق ~~رضى الله عنه . # وقوله : ( @QUR@04 إذ هما في الغار ) بدل من قوله ( @QUR@02 إذ أخرجه ). # والغار : النقب العظيم يكون في الجبل. والمراد به هنا : غار جبل ثور. وهو ~~جبل في الجهة الجنوبية لمكة ، وقد مكثا فيه ثلاثة أيام. # وقوله : ( @QUR@08 إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ) بدل ثان من ~~قوله ( @QUR@02 إذ أخرجه ). # أى. إلا تنصروه فقد نصره الله وقت أن أخرجه الذين كفروا من مكة ، ووقت أن ~~كان هو وصاحبه أبو بكر في الغار ، ووقت أن كان صلى الله عليه وسلم يقول لصاحبه ~~الصديق : لا تحزن إن الله معنا بتأييده ونصره وحمايته. # وذلك أن أبا بكر وهو مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار ، أحس بحركة ~~المشركين من فوق الغار ، فخاف خوفا شديدا لا على حياته هو ، وإنما على حياة ~~النبي صلى الله عليه وسلم فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم منه ذلك ، أخذ في ~~تسكين روعه وجزعه وجعل يقول له : لا تحزن إن الله معنا. # أخرج الشيخان عن أبى بكر قال. نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار ، ~~وهم على رءوسنا ، فقلت. يا رسول الله ، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا ~~تحت قدميه ، فقال : «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ، لا تحزن إن ~~الله معنا» (2). # وقوله : ( @QUR@08 فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها .. ) ~~بيان لما أحاط الله به نبيه صلى الله عليه وسلم من مظاهر الحفظ والرعاية. # والسكينة : من السكون ، وهو ثبوت الشيء ؛ بعد التحرك. أو من السكن ~~بالتحريك وهو كل ما سكنت إليه نفسك ، واطمأنت به من أهل وغيرهم. # والمراد بها هنا : الطمأنينة التي استقرت في قلب النبي صلى الله عليه وسلم ~~فجعلته لا يبالى بجموع المشركين المحيطين بالغار ، لأنه واثق بأنهم لن ~~يصلوا إليه. PageV06P292 # والمراد بالجنود المؤيدين له. الملائكة الذين أرسلهم سبحانه لهذا الغرض : ~~والضمير في قوله : ( @QUR@01 عليه ) يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم . # أى. ms2593 فأنزل الله سكينته وطمأنينته وأمنه على رسوله صلى الله عليه وسلم وأيده ~~وقواه بجنود من الملائكة لم تروها أنتم ، كان من وظيفتهم حراسته وصرف أبصار ~~المشركين عنه. # ويرى بعضهم أن الضمير في قوله ( @QUR@01 عليه ) يعود إلى أبى بكر الصديق ~~، لأن الأصل في الضمير أن يعود إلى أقرب مذكور ، وأقرب مذكور هنا هو الصاحب ~~ولأن الرسول لم يكن في حاجة إلى السكينة. وإنما الذي كان في حاجة إليها هو ~~أبو بكر ، بسبب ما اعتراه من فزع وخوف. # وقد رد أصحاب الرأى الأول على ذلك بأن قوله ( @QUR@04 وأيده بجنود لم ~~تروها ) الضمير فيه لا يصح إلا للنبي صلى الله عليه وسلم وهو معطوف على ما ~~قبله فوجب أن يكون الضمير في قوله ( @QUR@01 عليه ) عائدا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم حتى لا يحصل تفكك في الكلام. # أما نزول السكينة فلا يلزم منه أن يكون لدفع الفزع والخوف ، بل يصح أن ~~يكون لزيادة الاطمئنان ، وللدلالة على علو شأنه صلى الله عليه وسلم . # قال ابن كثير قوله ( @QUR@04 فأنزل الله سكينته عليه ) أى. تأييده ونصره ~~عليه أى. على الرسول صلى الله عليه وسلم في أشهر القولين. وقيل. على أبى بكر. # قالوا : لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم تزل معه سكينة. وهذا لا ينافي ~~تجدد سكينة خاصة بتلك الحال ، ولهذا قال : ( @QUR@04 وأيده بجنود لم تروها ~~) أى : الملائكة (1). # وقوله : ( @QUR@09 وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا ) ~~بيان لما ترتب على إنزال السكينة والتأييد بالملائكة. # والمراد بكلمة الذين كفروا. كلمة الشرك ، أو كلمتهم التي اجتمعوا عليها ~~في دار الندوة وهي اتفاقهم على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم . # والمراد بكلمة الله : دينه الذي ارتضاه لعباده ، وهو دين الإسلام ، وما ~~يترتب على اتباع هذا الدين من نصر وحسن عاقبة ، أى : كانت نتيجة إنزال ~~السكينة والتأييد بالملائكة ، أن جعل كلمة الشرك هي السفلى ، أى. المقهورة ~~الذليلة. وكلمة الحق والتوحيد المتمثلة في دين الإسلام هي العليا أى : هي ~~الثابتة الغالبة النافذة. PageV06P293 # وقراءة الجمهور برفع. ( @QUR@01 كلمة ) على الابتداء. ms2594 وقوله ( @QUR@01 هي ~~) مبتدأ ثان : وقوله : ( @QUR@01 العليا ) خبرها ، والجملة خبر المبتدأ الأول. # ويجوز أن يكون الضمير ( @QUR@01 هي ) ضمير فصل ، وقوله ( @QUR@01 العليا ~~) هو الخبر وقرأ الأعمش ويعقوب ( @QUR@02 وكلمة الله ) بالنصب عطفا على ~~مفعول جعل وهو ( @QUR@03 كلمة الذين كفروا ). # أى : وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ، وجعل كلمة الله هي العليا. # قالوا : وقراءة الرفع أبلغ وأوجه ، لأن الجملة الاسمية تدل على الدوام ~~والثبوت ، ولأن الجعل لم يتطرق إلى الجملة الثانية وهي قوله : ( @QUR@04 ~~وكلمة الله هي العليا ) لأنها في ذاتها عالية ثابتة ، بدون جعلها كذلك في ~~حادثة معينة. بخلاف علو غيرها فهو غير ذاتى ، وإنما هو علو مؤقت في حالة ~~معينة ، ثم مصيرها إلى الزوال والخذلان بعد ذلك. # وقوله : ( @QUR@03 والله عزيز حكيم ) تذييل مقرر لمضمون ما قبله. # أى : والله تعالى ( @QUR@01 عزيز ) لا يغلبه غالب ، ولا يقهره قاهر ، ولا ~~ينصر من عاقبه ناصر ، ( @QUR@01 حكيم ) في تصريفه شأن خلقه ، لا قصور في ~~تدبيره ، ولا نقص في أفعاله. # هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية : الدلالة على فضل ~~أبى بكر الصديق رضى الله عنه وعلى علو منزلته ، وقوة إيمانه ، وشدة إخلاصه ~~لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم . # ومما يشهد لذلك ، أن الرسول صلى الله عليه وسلم عند ما أذن الله له بالهجرة ~~، لم يخبر أحدا غيره لصحبته في طريق هجرته إلى المدينة. # ولقد أظهر الصديق رضى الله عنه خلال مصاحبته للرسول صلى الله عليه وسلم ~~الكثير من ألوان الوفاء والإخلاص وصدق العقيدة (1). # قال الآلوسى ما ملخصه : واستدل بالآية على فضل أبى بكر .. فإنها خرجت ~~مخرج العتاب للمؤمنين ما عدا أبا بكر .. فعن الحسن قال : عاتب الله جميع ~~أهل الأرض غير أبى بكر فقال : ( @QUR@05 إلا تنصروه فقد نصره الله ) الآية. PageV06P294 # ولأن فيها النص على صحبته للرسول صلى الله عليه وسلم ولم يثبت ذلك لأحد من ~~الصحابة : لأنه هو المراد بالصاحب في قوله ( @QUR@03 إذ يقول لصاحبه ) وهذا ~~مما وقع عليه الإجماع. # ومن هنا قالوا : من أنكر صحبة أبى بكر فقد كفر ، لإنكار كلام الله ، وليس ~~ذلك لسائر ms2595 الصحابة (1). # وقد ساق الإمام الرازي ، والشيخ رشيد رضا ، عند تفسيرهما لهذه الآية اثنى ~~عشر وجها في فضل أبى بكر الصديق رضى الله عنه ، فارجع إليهما إن شئت (2). # وبعد هذا التذكير للمؤمنين بما كان منه سبحانه من تأييد لرسوله عند هجرته ~~، أمرهم جل شأنه بالنفير في كل حال فقال : ( @QUR@015 انفروا خفافا وثقالا ~~، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ). # قال الفخر الرازي ما ملخصه : اعلم أنه تعالى لما توعد من لا ينفر مع ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ، وضرب له من الأمثال ما وصفنا ، اتبعه بهذا الأمر ~~الجازم فقال : ( @QUR@03 انفروا خفافا وثقالا ). # والمراد : انفروا سواء كنتم على الصفة التي يخف عليكم الجهاد فيها ، أو ~~على الصفة التي يثقل. وهذا الوصف يدخل تحته أقسام كثيرة. # منها : ( @QUR@01 خفافا ) في النفور لنشاطكم له ، و ( @QUR@01 ثقالا ) ~~عنه لمشقته عليكم. # ومنها : ( @QUR@01 خفافا ) لقلة عيالكم ، و ( @QUR@01 ثقالا ) لكثرتها. # ومنها : ( @QUR@01 خفافا ) من السلاح ، و ( @QUR@01 ثقالا ) منه. # والصحيح ما ذكرنا ، إذ الكل داخل فيه ، لأن الوصف المذكور وصف كلى يدخل ~~فيه كل هذه الجزئيات» (3). # والمعنى : ( @QUR@01 انفروا ) أيها المؤمنون ( @QUR@02 خفافا وثقالا ) أى ~~: في حال سهولة النفر عليكم ، وفي حال صعوبته ومشقته. # ( @QUR@01 وجاهدوا ) أعداءكم ببذل أموالكم. وببذل أنفسكم ( @QUR@03 في ~~سبيل الله ) أى : في سبيل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه ورسوله ~~صلى الله عليه وسلم فمن استطاع منكم الجهاد بالمال والنفس وجب عليه الجهاد ~~بهما. ومن قدر على أحدهما PageV06P295 # دون الآخر ، وجب عليه ما كان في قدرته منهما. # قال القرطبي روى أبو داود عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم. # وهذا وصف لأكمل ما يكون الجهاد وأنفعه عند الله تعالى فقد حض سبحانه على ~~كمال الأوصاف. # وقدم الأموال في الذكر ، إذ هي أول مصرف وقت التجهيز ، فرتب الأمر كما هو ~~في نفسه (1). # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@06 ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) يعود ~~إلى المذكور من الأمرين السابقين وهما : النفور والجهاد. # أى : ذلكم الذي أمرتم به من النفور والجهاد ms2596 في سبيل الله ، خير لكم في ~~دنياكم وفي آخرتكم من التثاقل عنهما ، إن كنتم من أهل العلم بحقيقة ما بين ~~لكم خالقكم ومربيكم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم . # ولقد أدرك المؤمنون الصادقون هذا الخير فامتثلوا أمر ربهم ، ونفروا ~~للجهاد في سبيله خفاقا وثقالا ، بدون تباطؤ أو تقاعس. # وقد ساق المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآية كثيرا من الأمثلة التي تدل على ~~محبة السلف الصالح للجهاد في سبيل الله ، ومن ذلك. # ما جاء عن أنس أن أبا طلحة قرأ سورة براءة ، فأتى على هذه الآية : ( ~~@QUR@03 انفروا خفافا وثقالا ) فقال : أى بنى ، جهزوني جهزوني. فقال بنوه. ~~يرحمك الله!! لقد غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات ، ومع أبى بكر حتى ~~مات. ومع عمر حتى مات. فنحن نغزو عنك. فقال : لا ، جهزوني. فغزوا في البحر ~~فمات في البحر ، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام فدفنوه ~~فيها ، ولم يتغير رضى الله عنه. # وقال الزهري : خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له ~~: إنك عليل ، فقال : استنفر الله الخفيف والثقيل ، فإن لم يمكني الحرب كثرت ~~السواد وحفظت المتاع (2). # وأخرج ابن جرير عن حيان بن زيد الشرعبى قال : نفرنا مع صفوان بن عمرو ، وكان PageV06P296 # واليا على حمص ، فلقيت شيخا كبيرا هرما ، على راحلته فيمن نفر ، فأقبلت ~~عليه فقلت : يا عماه لقد أعذر الله إليك. # قال : فرفع حاجبيه فقال. يا ابن أخى ، استنفرنا الله خفافا وثقالا ، من ~~يحبه الله يبتليه ، ثم يعيده فيبقيه ، وإنما يبتلى الله من عباده من شكر ~~وصبر وذكر ، ولم يعبد إلا الله (1). # وعن أبى راشد الحبرانى قال. وافيت المقداد بن الأسود ، فارس رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم جالسا على تابوت من توابيت الصيارفة بحمص ، وهو يريد الغزو ~~وقد تقدمت به السن فقلت له : لقد أعذر الله إليك. # فقال : أبت علينا سورة البعوث ذلك. يعنى هذه الآية : ( @QUR@03 انفروا ~~خفافا وثقالا ) (2). # هذا ، ومن العلماء من يرى أن هذه الآية تجعل الجهاد على الجميع ms2597 حتى ~~المريض والزمن والفقير .. وليس الأمر كذلك ، فما معنى هذا الأمر؟. # قلت. من العلماء من حمله على الوجوب ثم إنه نسخ بقوله تعالى ( @QUR@06 ~~ليس على الضعفاء ولا على المرضى .. ) (3). # ومنهم من حمل هذا الأمر على الندب. # والصحيح أنها منسوخة ، لأن الجهاد من فروض الكفاية ، ويدل عليه أن هذه ~~الآيات نزلت في غزوة تبوك ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم خلف في المدينة في ~~تلك الغزوة النساء وبعض الرجال ، فدل ذلك على أن الجهاد من فروض الكفايات ، ~~وأنه ليس على الأعيان (4). # ويرى بعض العلماء أن الآية ليست منسوخة ، فقد قال الإمام القرطبي ما ~~ملخصه واختلف في هذه الآية ، فقيل إنها منسوخة بقوله تعالى ( @QUR@06 ليس ~~على الضعفاء ولا على المرضى ). # والصحيح أنها ليست بمنسوخة. # روى ابن عباس عن أبى طلحة في قوله تعالى : ( @QUR@03 انفروا خفافا وثقالا ~~) قال : شبانا وكهولا. ما سمع الله عذر أحد. فخرج إلى الشام فجاهد حتى مات. # ثم قال بعد أن ساق نماذج متعددة لمن خرجوا للجهاد خفافا وثقالا فلهذا وما ~~كان مثله مما روى عن الصحابة والتابعين قلنا. إن النسخ لا يصح. PageV06P297 # فقد تكون هناك حالة يجب فيها نفير الكل ، وذلك إذا تعين الجهاد لغلبة ~~العدو على قطر من الأقطار الإسلامية ، أو بحلوله في العقر. ففي هذه الحالة ~~يجب على جميع أهل الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافا وثقالا ؛ شبابا ~~وشيوخا ، كل على قدر طاقته. ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج. # فإن عجز أهل تلك البلدة عن صد عدوهم ؛ كان على من قاربهم أن يخرجوا معهم ~~لصد العدو ، وكذلك الشأن بالنسبة لكل من علم بضعفهم عن عدوهم فالمسلمون ~~كلهم يد على من سواهم. # حتى إذا قام بدفع العدو أهل الناحية التي نزل العدو عليها ، سقط الفرض عن ~~الآخرين. # ثم قال رحمه الله : ومن الجهاد أيضا ما هو نافلة ، وهو إخراج الإمام طائفة ~~.. لإظهار القوة ، وإعزاز دين الله. # ثم قال : وقال ابن العربي ، ولقد نزل بنا العدو قصمه الله. سنة سبع ~~وعشرين وخمسمائة : فجاس ديارنا ، وأسر خيرتنا ، وتوسط بلادنا ms2598 .. فقلت ~~للوالي والمولى عليه : عدو الله قد حصل في الشرك والشبكة ، فلتكن عندكم ~~بركة ، ولتظهر منكم إلى نصرة الدين المعينة عليكم حركة ، فليخرج إليه جميع ~~الناس .. فيحاط به فيهلك. # فغلبت الذنوب ، ورجفت القلوب بالمعاصي ، وصار كل أحد من الناس ثعلبا يأوى ~~إلى وجاره (1)، وإن رأى المكيدة بجاره. # فإنا لله وإنا إليه راجعون ، ولا حول ولا قوة إلا بالله (2). # والذي نراه. أن ما ذهب إليه الإمام القرطبي ، من أن الآية الكريمة ليست ~~منسوخة ، أولى بالاتباع. # لأن الجهاد قد يكون فرض كفاية في بعض الحالات ، وقد يكون فرض عين في ~~حالات أخرى والآية الكريمة التي معنا تدعو المؤمنين إلى النفير العام في ~~تلك الحالات الأخرى التي يكون الجهاد فيها فرض عين وبذلك يمكن الجمع بين ~~الآيات التي تدعو إلى النفير العام. والآيات التي تعفى بعض الناس من مشاقه ~~ومتاعبه. # ومن كل ما تقدم يتبين لنا أن هذه الآيات الأربع قد عاتبت المؤمنين الذين ~~تخلفوا عن الجهاد في غزوة تبوك عتابا شديدا ؛ وأنذرتهم بالعذاب الأليم إن ~~لم ينفروا .. وذكرتهم بما كان من نصر الله لنبيه حين أخرجه الذين كفروا ~~ثانى اثنين .. وأمرتهم بالنفور إلى الجهاد خفافا وثقالا. PageV06P298 # وبمجاهدة المشركين بأموالهم وأنفسهم ، فذلك هو الخير لهم في عاجلتهم ~~وآجلتهم. # ثم أخذت السورة الكريمة في بيان قبائح المنافقين ، ومعاذيرهم الواهية ، ~~ومسالكهم الخبيثة. وأيمانهم الفاجرة .. فقال تعالى : # ( @QUR@023 لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة ~~وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم ~~لكاذبون ) (42) # قال الفخر الرازي هذه الآية نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة ~~تبوك. (1) والعرض. ما يعرض للإنسان من منافع الدنيا وشهواتها. # والسفر القاصد : هو السفر القريب السهل الذي لا يصاحبه ما يؤدى إلى التعب ~~الشديد. من القصد بمعنى التوسط والاعتدال في الشيء. # والشقة : المسافة التي لا تقطع إلا بعد تكبد المشقة والتعب ، فهي مأخوذة ~~من المشقة وشدة العناء. # قال القرطبي : حكى أبو عبيدة وغيره أن الشقة : السفر إلى أرض بعيدة. يقال ~~: منه شقة شاقة. والمراد بذلك ms2599 كله غزوة تبوك ..» (2). # والمعنى : لو كان الذي دعوتهم إليه يا محمد ، متاعا من متع الحياة الدنيا ~~، وسفرا سهلا قريبا ، لاتبعوك فيما دعوتهم إليه ، لأنه يوافق أهواءهم ، ~~ويشبع رغباتهم ، ولكنهم حين عرفوا أن ما دعوتهم إليه هو الجهاد في سبيل ~~الله وما يصحبه من أسفار شاقة. وتضحيات جسيمة .. تعللوا لك بالمعاذير ~~الكاذبة ، وتخلفوا عن الخروج معك ، جبنا منهم ، وحبا للراحة والسلام. # وشبيه بهذه الآية من حيث المعنى ، قول الرسول صلى الله عليه وسلم في شأن ~~المتخلفين عن صلاة الجماعة «لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا ، أو مرماتين ~~(3) حسنتين لشهد العشاء». PageV06P299 # أى : لو يعلم أحد هؤلاء المتخلفين عن صلاة العشاء في جماعة ، أنه يجد عند ~~حضور صلاتها في جماعة شيئا من اللحم لحضرها. # ثم حكى سبحانه ما سيقوله هؤلاء المنافقون بعد عودة المؤمنين من الجهاد ~~فقال : ( @QUR@06 وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم ). # أى. وسيحلف هؤلاء المنافقون بالله كذبا وزورا قائلين. لو استطعنا أيها ~~المؤمنون أن نخرج معكم للجهاد في تبوك لخرجنا : فاننا لم نتخلف عن الخروج ~~معكم إلا مضطرين ، فقد كانت لنا أعذارنا القاهرة التي حملتنا على التخلف!! # وأتى سبحانه بالسين في قوله : ( @QUR@01 وسيحلفون ) لأنه من قبيل الإخبار ~~بالغيب. فقد كان نزول هذه الآية قبل رجوعه صلى الله عليه وسلم من تبوك. وحلفهم ~~هذا كان بعد رجوعه منها. # قال الفخر الرازي : قالوا : الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر عنهم أنهم ~~سيحلفون ، وهذا إخبار عن غيب يقع في المستقبل ، والأمر لما وقع كما أخبر ~~كان هذا إخبارا عن الغيب فكان معجزا ، (1). # والمراد بالاستطاعة في قوله : «لو استطعنا» : وجود وسائل للجهاد معهم ، ~~من زاد وعدة وقوة في البدن ، وغير ذلك مما يستلزمه الجهاد في سبيل الله. # وقوله : ( @QUR@02 لخرجنا معكم ) ساد مسد جوابي القسم والشرط. # ثم بين سبحانه سوء مصيرهم بسبب كذبهم ونفاقهم فقال : ( @QUR@06 يهلكون ~~أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون ): # أى. أن هؤلاء المتخلفين عن الجهاد يهلكون أنفسهم بسبب حلفهم الكاذب ، ~~وجرأتهم على الله. تعالى. في اختلاق المعاذير الباطلة ، مع أنه. سبحانه. ~~يعلم إنهم ms2600 لكاذبون في أيمانهم ، وفيما انتحلوه من أعذار. # قال ابن جرير قوله : ( @QUR@04 والله يعلم إنهم لكاذبون ) في قولهم : ( ~~@QUR@04 لو استطعنا لخرجنا معكم )، لأنهم كانوا للخروج مطيقين ، بوجود ~~السبيل إلى ذلك بالذي كان عندهم من الأموال ، مما يحتاج إليه الغازي في ~~غزوة ، وصحة الأبدان ، وقوة الأجسام (2). # هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية ، أن الأيمان الكاذبة ~~تؤدى إلى الخسران والهلاك : وفي الحديث الشريف : «اليمين الغموس تدع الديار ~~بلاقع؟؟؟». PageV06P300 # ثم عاتب الله : تعالى. نبيه صلى الله عليه وسلم عتابا رقيقا لأنه أذن ~~للمنافقين بالتخلف عن الجهاد حين طلبوا منه ذلك ، دون أن يتبين أحوالهم ~~فقال. تعالى. # ( @QUR@013 عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم ~~الكاذبين ) (43) # قال ابن كثير. قال مجاهد. نزلت هذه الآية في أناس قالوا : استأذنوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فإن أذن لكم فاقعدوا. وإن لم يأذن لكم فاقعدوا. # والعفو : يطلق على التجاوز عن الذنب أو التقصير ، كما يطلق على ترك ~~المؤاخذة على عدم فعل الأولى والأفضل ، وهو المراد هنا. # والمعنى : عفا الله عنك يا محمد ، وتجاوز عن مؤاخذتك فيما فعلته مع هؤلاء ~~المنافقين من سماحك لهم بالتخلف عن الجهاد معك في غزوة تبوك ، حين اعتذروا ~~إليك بالأعذار الكاذبة ، وكان الأولى بك أن تتريث وتتأنى في السماح لهم ~~بالتخلف ، حتى يتبين لك الذين صدقوا في اعتذارهم من الذين كذبوا فيه ، فقد ~~كانوا إلا قليلا منهم كاذبين في معاذيرهم ، وكانوا مصرين على القعود عن ~~الجهاد حتى ولو لم تأذن لهم به. # وقدم سبحانه. العفو على العتاب. وهو قوله : ( @QUR@03 لم أذنت لهم ) ~~للإشارة إلى المكانة السامية التي له صلى الله عليه وسلم عند ربه. # قال بعض العلماء : هل سمعتم بعتاب أحسن من هذا؟ لقد خاطبه سبحانه بالعفو ~~قبل أن يذكر المعفو عنه. # وقال العلامة أبو السعود ما ملخصه : وعبر سبحانه عن الفريق الأول ~~بالموصول الذي صلته فعل دال على الحدوث ، وعن الفريق الثاني باسم الفاعل ~~المفيد للدوام ، للإيذان بأن ما ظهر من الأولين صدق حادث في ms2601 أمر خاص غير ~~مصحح لنظمهم في سلك الصادقين ، وبأن ما صدر من الآخرين ، وإن كان كذبا ~~حادثا متعلقا بأمر خاص لكنه أمر جار على عادتهم المستمرة ، ناشئ عن رسوخهم ~~في الكذب. # وعبر عن ظهور الصدق بالتبين ، وعما يتعلق بالكذب بالعلم ، لما هو المشهور ~~من أن مدلول الخبر هو الصدق ، والكذب احتمال عقلي ، فظهور صدق الخبر إنما ~~هو تبين ذلك المدلول ، وانقطاع احتمال نقيضه بعد ما كان محتملا له احتمالا ~~عقليا. وأما كذبه فأمر حادث لا دلالة PageV06P301 # للخبر عليه في الجملة حتى يكون ظهوره تبينا له ، بل نقيض لمدلوله. فما ~~يتعلق به يكون علما مستأنفا .. (1). # هذا ، ومن الأمور التي تكلم عنها العلماء عند تفسيرهم لهذه الآية ما يأتى : # 1 أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحكم بمقتضى اجتهاده في بعض الوقائع. وقد ~~بسط القول في هذه المسألة صاحب المنار فقال ما ملخصه : # وقد كان الإذن المعاتب عليه اجتهادا منه صلى الله عليه وسلم فيما لا نص فيه ~~من الوحى ، وهو جائز وواقع من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. وليسوا ~~بمعصومين من الخطأ فيه ، وإنما العصمة المتفق عليها خاصة بتبليغ الوحى ~~ببيانه والعمل به ، فيستحيل على الرسول أن يكذب أو أن يخطئ فيما يبلغه عن ~~ربه أو يخالفه بالعمل. # ويؤيده حديث طلحة في تأبير النخل إذ رآهم صلى الله عليه وسلم يلقحونها فقال ~~: «ما أظن يغنى ذلك شيئا» فأخذوا بذلك فتركوه ظنا منهم أن قوله هذا من أمر ~~الدين ، فنفضت النخل وسقط ثمرها. فأخبر بذلك فقال : «إن كان ينفعهم ذلك ~~فليصنعوه ، فإنى ظننت ظنا فلا تؤاخذونى بالظن ، ولكن إذا حدثتكم عن الله ~~شيئا فخذوا به ، فانى لن أكذب على الله عز وجل ». # وقد صرح علماء الأصول بجواز الخطأ في الاجتهاد على الأنبياء. عليهم ~~الصلاة والسلام ؛ قالوا : ولكن لا يقرهم الله على ذلك ، بل يبين لهم الصواب ~~فيه ..» (2). # 2 أن من الواجب على المسلم التريث في الحكم على الأمور. # قال الفخر الرازي : دلت الآية على وجوب الاحتراز عن العجلة ، ووجوب ~~التثبت والتأنى ms2602 ، وترك الاغترار بظواهر الأمور ، والمبالغة في التفحص ، حتى ~~يمكنه أن يعامل كل فريق بما يستحقه من التقريب أو الإبعاد (3). # 3 أن المتتبع لآراء العلماء عند تفسيرهم لهذه الآية يرى لهم ثلاثة أقوال : # أما القول الأول فهو لجمهور العلماء : وملخصه : أن المراد بالعفو في قوله ~~سبحانه : ( @QUR@03 عفا الله عنك ) عدم مؤاخذته : صلى الله عليه وسلم في تركه ~~الأولى والأفضل ، لأنه كان من الأفضل له ألا يأذن للمنافقين في التخلف عن ~~الجهاد حتى يتبين أمرهم. # وهذا القول هو الذي نختاره ونرجحه ، لأنه هو المناسب لسياق الآية ولما ~~ورد في سبب نزولها : PageV06P302 # وأما القول الثاني فهو لصاحب الكشاف : وملخصه : أن العفو هنا كناية عن ~~الجناية ، فقد قال : قوله ( @QUR@03 عفا الله عنك ) كناية عن الجناية لأن ~~العفو مرادف لها ، ومعناه. أخطأت وبئس ما فعلت ، وقوله ( @QUR@03 لم أذنت ~~لهم ) بيان لما كنى عنه بالعفو (1). # ولم يرتض كثير من العلماء ما ذهب إليه صاحب الكشاف من أن العفو هنا كناية ~~عن الجناية ، ووصفوا ما ذهب إليه بالخطإ وإساءة الأدب. # قال أبو السعود : ولقد أخطأ وأساء الأدب وبئسما فعل فيما قال وكتب من زعم ~~أن الكلام كناية عن الجناية ، وأن معناه أخطأت ، وبئس ما فعلت. # هب أنه كناية ، أليس إيثارها على التصريح بالجناية للتلطيف في الخطاب ~~والتخفيف في العقاب؟ : (2). # وقال الشيخ أحمد بن المنير : ليس له أى الزمخشري : أن يفسر هذه الآية ~~بهذا التفسير ، وهو بين أحد أمرين : إما أن لا يكون هو المراد وإما أن يكون ~~هو المراد ، ولكن قد أحل الله نبيه الكريم عن مخاطبته بصريح العتب ، وخصوصا ~~في حق المصطفى عليه الصلاة والسلام فالزمخشرى على كلا التقديرين ذهل عما ~~يجب في حقه صلى الله عليه وسلم . # ولقد أحسن من قال في هذه الآية : إن من لطف الله تعالى بنبيه ، أن بدأه ~~بالعفو قبل العتب ، ولو قال له ابتداء «لم أذنت لهم» لتفطر قلبه عليه ~~الصلاة والسلام. فمثل هذا الأدب يجب احتذاؤه في حق سيد البشر عليه الصلاة ~~والسلام (3). # وأما القول الثالث فهو للإمام الفخرى ms2603 الرازي ، ولمن حذا حذوه كالقرطبى ~~وغيره ، وملخص هذا القول أنه يجوز أن يكون المراد بالعفو هنا : المبالغة في ~~تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره ، أو أن قوله سبحانه : ( @QUR@03 عفا ~~الله عنك ) افتتاح كلام. # قال الفخر الرازي ما ملخصه : لا نسلم أن قوله تعالى ( @QUR@03 عفا الله ~~عنك ) يوجب الذنب ، ولم لا يجوز أن يقال : إن ذلك يدل على مبالغة الله ، ~~تعالى في تعظيمه وتوقيره ، كما يقول الرجل لغيره إذا كان معظما عنده ، عفا ~~الله عنك ما صنعت في أمرى .. فلا يكون غرضه من هذا الكلام إلا مزيد التبجيل ~~والتعظيم. # ويؤيد ذلك قول على بن الجهم يخاطب المتوكل وقد أمر بنفيه : # عفا الله عنك ألا حرمة %~% تعوذ بعفوك أن أبعدا PageV06P303 ألم تر عبدا عدا طوره %~% ومولى عفا ورشيدا هدى أقلنى أقالك من لم يزل %~% يقيك ، ويصرف عنك الردى (1) # وقال القرطبي : قوله : تعالى ( @QUR@06 عفا الله عنك لم أذنت لهم ) قيل : ~~هو افتتاح كلام ؛ كما تقول : أصلحك الله وأعزك ورحمك كان كذا وكذا .. (2). # والذي نراه أن القول الأول هو الراجح لما سبق أن بيناه. # ثم بين سبحانه الصفات التي يتميز بها المؤمنون الصادقون ، عن غيرهم من ~~ضعاف الإيمان ، فقال تعالى : # ( @QUR@014 لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين (44) @QUR@014 إنما يستأذنك الذين لا ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون ) (45) # أى : ليس من شأن المؤمنين الصادقين أن يستأذنوك يا محمد في ( @QUR@04 أن ~~يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ) في سبيل إعلاء كلمة الله ، ونصرة دينه .. وإنما ~~الذي من شأنهم وعادتهم كما أثبته واقعهم وتاريخهم أن ينفروا خفافا وثقالا ~~عند ما يدعو الداعي إلى الجهاد ، دون أن ينتظروا إذنا من أحد. # فهم لقوة إيمانهم ، وصفاء نفوسهم ، يسارعون إلى الجهاد بقلوب مشتاقة إليه ~~، وبنفوس تتمنى الموت عن طريقه. # وهم في ذلك ممتثلون لقول النبي صلى الله عليه وسلم : «من خير معاش الناس رجل ~~ممسك بعنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه ، كلما سمع هيعة أى صيحة وفزعا ~~طار على ms2604 متنه يبتغى PageV06P304 # القتل أو الموت في مظانه» (1). # وقوله : ( @QUR@03 والله عليم بالمتقين ) تحريض لهم على الاتصاف بهذه ~~الصفة الكريمة ، وهي صفة التقوى. # والمراد بالعلم هنا لازمه ، وهو مجازاتهم بالثواب الجزيل على تقواهم. # أى : والله تعالى عليم بهؤلاء الذين ملأت خشيته قلوبهم. وسيثيبهم على ذلك ~~ثوابا يرضيهم. # هذا ، وقد استنبط العلماء من هذه الآية أنه ينبغي على المؤمن أن يقوم ~~بأداء الأعمال الحسنة ، والأفعال الجميلة بدون تردد أو استئذان. # قال صاحب الانتصاف عند تفسيره لهذه الآية : وهذا الأدب يجب أن يقتفى ~~مطلقا ، فلا يليق بالمرء أن يستأذن أخاه في أن يسدى له معروفا ، ولا ~~بالمضيف أن يستأذن ضيفه في أن يقدم إليه طعاما ؛ فإن الاستئذان في أمثال ~~هذه المواطن أمارة التكلف والتكره. وصلوات الله وسلامه على خليله إبراهيم ، ~~فقد بلغ من كرمه وأدبه مع ضيوفه أنه كان لا يتعاطى شيئا من أسباب التهيؤ ~~للضيافة بمرأى منهم ، فلذلك مدحه الله تعالى : بهذه الخلة الجميلة ، فقال : ~~( @QUR@06 فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين .. ) أى : ذهب على خفاء منهم ، ~~كيلا يشعروا به .. (2). # وقال صاحب المنار : وقد استنبط من الآية أنه لا ينبغي الاستئذان في أداء ~~شيء من الواجبات ، ولا في الفضائل والفواضل من العادات ، كقرى الضيف ، ~~وإغاثة الملهوف ، وسائر عمل المعروف. # ويعجبني قول بعض العلماء ما معناه : من قال لك أتأكل؟ هل آتيك بكذا من ~~الفاكهة مثلا؟ فقل له : لا فإنه لو أراد أن يكرمك لما استأذنك (3). # ثم بين سبحانه الصفات التي يعرف بها المنافقون ، بعد بيانه للصفات التي ~~يعرف بها المؤمنون الصادقون فقال : ( @QUR@010 إنما يستأذنك الذين لا ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم .. ). # أى : إنما يستأذنك يا محمد في القعود عن الجهاد أولئك الذين من صفاتهم ~~أنهم لا يؤمنون بالله إيمانا كاملا ، ولا يؤمنون باليوم الآخر وما فيه من ~~ثواب وعقاب إيمانا يقينيا. PageV06P305 # قال الآلوسى : وتخصيص الإيمان بهما أى بالله واليوم الآخر في الموضعين ~~للإيذان بأن الباعث على الجهاد والمانع عنه الإيمان بهما وعدم الإيمان بهما ~~، فمن آمن بهما قاتل في سبيل دينه ، وهان عليه ms2605 القتل فيه لما يرجوه في ~~اليوم الآخر من النعيم المقيم ، ومن لم يؤمن كان بمعزل عن ذلك. على أن ~~الإيمان بهما مستلزم للإيمان بسائر ما يجب الإيمان به» (1). # وقوله : ( @QUR@02 وارتابت قلوبهم ) صفة ثالثة من صفاتهم الذميمة. # أى : أنهم بجانب عدم إيمانهم بالله واليوم الآخر ، رسخ الريب في قلوبهم ~~فصاروا يشكون في صحة ما جئت به أيها الرسول الكريم ، ويقفون من تعاليمك ~~وتوجيهاتك ، موقف المكذب المرتاب لا موقف المصدق المذعن. # وأضاف الشك والارتياب إلى القلوب ، لأنها محل المعرفة والإيمان. وأوثرت ~~صيغة الماضي ارتابت ، للدلالة على تحقق الريب وتوبيخهم. وأصل معنى التردد : ~~الذهاب والمجيء. والمراد به هنا التحير على سبيل المجاز ، لأن المتحير لا ~~يستقر في مكان ، ولا يثبت على حال. # أى : فهم في شكهم الذي حل بهم يتحيرون ، فنراهم كما وصفهم سبحانه في آية ~~أخرى. ( @QUR@09 مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء .. ) (2). # أى : متحيرين بين الكفر وبين الإيمان. # وبذلك نرى أن هاتين الآيتين قد ذكرتا السمات التي بها يتميز المؤمنون ~~الصادقون عن غيرهم من الذين قالوا آمنا وما هم بمؤمنين. # ثم حكى سبحانه بعض المسالك الخبيثة التي كان يتبعها هؤلاء المنافقون ~~لمحاربة الدعوة الإسلامية ، وكيف أنه سبحانه أحبط مكرهم فقال تعالى : # ( @QUR@015 ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم ~~فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين (46) @QUR@010 لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا ~~خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم PageV06P306 # @QUR@07 الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين (47) @QUR@016 لقد ~~ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم ~~كارهون ) (48) # وقوله : ( @QUR@03 ولو أرادوا الخروج .. ) كلام مستأنف لبيان المزيد من ~~رذائل المنافقين. أو معطوف على قوله سبحانه قبل ذلك ( @QUR@07 لو كان عرضا ~~قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ). # وقوله : ( @QUR@01 انبعاثهم ) أى : نهوضهم وانطلاقهم للخروج بنشاط وهمة. ~~من البعث وهو إثارة الإنسان أو الحيوان وتوجيهه إلى الشيء بقوة وخفة. # تقول : بعثت البعير فانبعث إذا أثرته للقيام والسير بسرعة. # وقوله : «فثبطهم» أى : فمنعهم وحبسهم ، من التثبيط «وهو رد الإنسان عن ~~الفعل الذي هم به عن ms2606 طريق تعويقه عنه ومنعه منه. # يقال : ثبطه تثبيطا ، أى : قعد به عن الأمر الذي يريده ومنعه منه ~~بالتخذيل ونحوه. # والمعنى : ولو أراد هؤلاء المنافقون الخروج معك يا محمد إلى تبوك لأعدوا ~~لهذا الخروج عدته اللازمة له من الزاد والراحلة ، وغير ذلك من الأشياء التي ~~لا يستغنى عنها المجاهد في سفره الطويل ، والتي كانت في مقدورهم وطاقتهم. # وقوله. ( @QUR@04 ولكن كره الله انبعاثهم ) استدراك على ما تقدم. # أى : ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدته ، ولكنهم لم يريدوا ذلك ، لأن ~~الله تعالى كره خروجهم معك ، فحبسهم عنه ، لما يعلمه سبحانه من نفاقهم وقبح ~~نواياهم ، وإشاعتهم للسوء في صفوف المؤمنين. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت. كيف موقع حرف الاستدراك؟ قلت : لما كان قوله ~~( @QUR@03 ولو أرادوا الخروج ) معطيا معنى نفى خروجهم واستعدادهم للغزو ، ~~قيل : ( @QUR@04 ولكن كره الله انبعاثهم )، كأنه قيل : ما خرجوا ولكن ~~تثبطوا عن الخروج لكراهة انبعاثهم ، كما تقول. ما أحسن إلى زيد ولكن أساء ~~إلى ، (1). # وقال الجمل. وهاهنا يتوجه سؤال ، وهو أن خروج المنافقين مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إما PageV06P307 # أن يكون فيه مصلحة أو مفسدة ، فإن كان فيه مصلحة فلم قال : ( @QUR@05 ~~ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم ) وإن كان فيه مفسدة فلما ذا عاتب نبيه ~~صلى الله عليه وسلم في إذنه لهم في القعود؟ # والجواب عن هذا السؤال : أن خروجهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيه ~~مفسدة عظيمة : بدليل أنه سبحانه أخبر بتلك المفسدة بقوله ( @QUR@07 لو ~~خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ). # بقي أن يقال. فلم عاتب الله نبيه بقوله : ( @QUR@03 لم أذنت لهم ) فنقول ~~: إنه صلى الله عليه وسلم أذن لهم قبل إتمام الفحص ، وإكمال التدبير والتأمل ~~في حالهم ، فلهذا السبب قال تعالى ( @QUR@03 لم أذنت لهم ) وقيل إنما عاتبه ~~لأجل أنه أذن لهم قبل أن يوحى إليه في أمرهم بالقعود (1). # وقوله. ( @QUR@04 وقيل اقعدوا مع القاعدين ) تذييل المقصود منه ذمهم ~~ووصفهم بالجبن الخالع ، والهمة الساقطة ، لأنهم بقعودهم هذا سيكونون مع ~~النساء والصبيان والمرضى والمستضعفين الذين لا قدرة لهم على ms2607 خوض المعارك ~~والحروب. # قال الآلوسى. وقوله : ( @QUR@04 وقيل اقعدوا مع القاعدين ): تمثيل لخلق ~~الله داعية القعود فيهم ، وإلقائه كراهة الخروج في قلوبهم بالأمر بالقعود ~~أو تمثيل لوسوسة الشيطان بذلك فليس هناك قول حقيقة. ويجوز أن يكون حكاية ~~قول بعضهم لبعض ؛ أو حكاية لإذن الرسول صلى الله عليه وسلم لهم في القعود ، ~~فيكون القول على حقيقته (2). # هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية. أن الفعل يحسن ~~بالنية ؛ ويقبح بها. # أيضا. ، وإن استويا في الصورة ، لأن النفير واجب مع نية النصر. وقبيح مع ~~إرادة تحصيل القبيح ، وذلك لأنه. تعالى. أخبر أنه كره انبعاثهم لما يحصل من ~~إرادة المكر بالمسلمين. # ومنها : أن للإمام أن يمنع من يتهم بمضرة المسلمين من الخروج للجهاد ؛ ~~حماية لهم من شروره ومفاسده. # ومنها : أن إعداد العدة للجهاد أمر واجب ، وقد قال تعالى في آية أخرى : ( ~~@QUR@06 وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) (3). # ثم بين سبحانه المفاسد المترتبة على خروج المنافقين في جيش المؤمنين فقال ~~: ( @QUR@07 لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا )، وأصل الخبال. الاضطراب ~~والمرض الذي يؤثر في العقل كالجنون ونحوه. أو هو الاضطراب في الرأى. PageV06P308 # أى : لو خرج هؤلاء المنافقون معكم أيها المؤمنون إلى تبوك ما زادوكم شيئا ~~من الأشياء إلا اضطرابا في الرأى ؛ وفسادا في العمل ، وضعفا في القتال ، ~~لأن هذا هو شأن النفوس المريضة التي تكره لكم الخير ، وتحب لكم الشر. # قال الآلوسى. والاستثناء مفرغ متصل ، والمستثنى منه محذوف ، ولا يستلزم ~~أن يكون لهم خبال حتى لو خرجوا زادوه ؛ لأن الزيادة باعتبار أعم العام الذي ~~وقع منه الاستثناء. # وقال أبو حيان : إنه كان في تلك الغزوة منافقون لهم خبال فلو خرج هؤلاء ~~أيضا واجتمعوا بهم زاد الخبال ، فلا فساد في ذلك الاستلزام لو ترتب (1). # وقوله : ( @QUR@02 ولأوضعوا خلالكم ) معطوف على قوله : «ما زادوكم». ~~والإيضاع. كما يقول القرطبي. سرعة السير قال الراجز. # يا ليتني فيها جذع %~% أخب فيها وأضع # يقال : وضع البعير. إذا أسرع في السير ، وأوضعته. حملته على العدو (2). # والخلل الفرجة بين الشيئين. والجمع الخلال ، أى ms2608 : الفرج التي تكون بين ~~الصفوف وهو هنا ظرف مكان بمعنى بين ، ومفعول الإيضاع محذوف ، أى. ولأسرعوا ~~بينكم ركائبهم بالوشايات والنمائم والإفساد. # ففي الكلام استعارة تبعية ، حيث شبه سرعة إفسادهم لذات البين بسرعة سير ~~الراكب ، ثم استعير لها الإيضاع وهو الإبل وأصل الكلام ولأوضعوا ركائبهم ، ~~ثم حذفت الركائب. # وجملة ( @QUR@02 يبغونكم الفتنة ) في محل نصب على الحال من فاعل ~~(أوضعوا). # أى : لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا شرا وفسادا ، ولأسرعوا بينكم بالإشاعات ~~الكاذبة ، والأقوال الخبيثة ، حال كونهم باغين وطالبين لكم الافتتان في ~~دينكم ، والتشكيك في صحة عقائدكم ، والتثبيط عن القتال ، والتخويف من قوة ~~أعدائكم ، ونشر الفرقة في صفوفكم. # فالمراد بالفتنة هنا : كل ما يؤدى إلى ضعف المسلمين في دينهم أو في ~~دنياهم. # وقوله : ( @QUR@03 وفيكم سماعون لهم ) بيان لأحوال المؤمنين في ذلك الوقت. # أى. وفيكم. في ذلك الوقت. يا معشر المؤمنين ، أناس كثير والسماع لهؤلاء ~~المنافقين ، سريعو الطاعة لما يلقون إليهم من أباطيل. # قال ابن كثير. قوله : ( @QUR@03 وفيكم سماعون لهم ) أى : مطيعون لهم ، ~~ومستحسنون PageV06P309 # لحديثهم وكلامهم ، يستنصحونهم وإن كانوا لا يعلمون حالهم ، فيؤدى إلى ~~وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير. # وقال مجاهد وزيد بن أسلم وابن جرير ، (وفيكم سماعون لهم) أى : عيون ~~يسمعون لهم الأخبار وينقلونها إليهم. # وهذا لا يبقى له اختصاص بخروجهم معهم ، بل هذا عام في جمع الأحوال. # والمعنى الأول أظهر في المناسبة بالسياق. وإليه ذهب قتادة وغيره من ~~المفسرين. # وقال محمد بن إسحاق : كان الذين استأذنوا ، فيما بلغني ، من ذوى الشرف ، ~~منهم عبد الله بن أبى بن سلول ، والجد بن قيس ، وكانوا أشرافا في قومهم ، ~~فثبطهم الله لعلمه بهم أن يخرجوا فيفسدوا عليه جنده. وكان في جنده قوم أهل ~~محبة لهم ، وطاعة فيما يدعونهم إليه لشرفهم فقال : ( @QUR@03 وفيكم سماعون ~~لهم ) (1). # وقوله : ( @QUR@03 والله عليم بالظالمين ) تذييل المقصود منه وعيد هؤلاء ~~المنافقين وتهديدهم بسبب ما قدمت أيديهم من مفاسد. # أى : والله تعالى لا تخفى عليه خافية من أحوال هؤلاء الظالمين ، ~~وسيعاقبهم بالعقاب المناسب لجرائمهم ورذائلهم. # وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد وضحت ms2609 أن هناك ثلاث مفاسد كانت ستترتب على ~~خروج هؤلاء المنافقين مع المؤمنين إلى تبوك. # أما المفسدة الأولى : فهي زيادة الاضطراب والفوضى في صفوف المجاهدين. # وأما المفسدة الثانية : فهي الإسراع بينهم بالوشايات والنمائم والإشاعات ~~الكاذبة. # وأما المفسدة الثالثة : فهي الحرص على تفريق كلمتهم ، وتشكيكهم في ~~عقيدتهم. # وهذه المفاسد الثلاث ما وجدت في جيش إلا وأدت إلى انهزامه وفشله. # ومن هنا كان تثبيط الله تعالى لهؤلاء المنافقين ، نعمة كبرى للمؤمنين. # ومن هنا أيضا كانت الكثرة العددية في الجيوش لا تؤتى ثمارها المرجوة منها ~~، إلا إذا كانت متحدة في عقيدتها ، وأهدافها ، واتجاهاتها .. أما إذا كانت ~~هذه الكثرة مشتملة على عدد كبير من ضعاف الإيمان ، فإنها في هذه الحالة ~~يكون ضررها أكبر من نفعها. # ثم ذكر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بطرف من الماضي المظلم لهؤلاء ~~المنافقين فقال : ( @QUR@01 لقد PageV06P310 # @QUR@015 ابتغوا الفتنة من قبل ، وقلبوا لك الأمور ، حتى جاء الحق ، وظهر ~~أمر الله وهم كارهون ). # أى : لقد ابتغى هؤلاء المنافقون إيقاع الشرور والمفاسد في صفوف المسلمين ~~، من قبل ما حدث منهم في غزوة تبوك. # ومن مظاهر ذلك أنهم ساءهم انتصاركم في غزوة بدر ، وامتنعوا عن مناصرتكم ~~في غزوة أحد ، متبعين في ذلك زعيمهم عبد الله بن أبى بن سلول ، ثم واصلوا ~~حربهم لكم سرا وجهرا حتى كانت غزوة تبوك التي فضح الله فيها أحوالهم. # فالمراد بقوله : ( @QUR@02 من قبل ) أى : من قبل هذه الغزوة التي كانت ~~آخر غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم . # أى أن ما صدر عن هؤلاء المنافقين من مسالك خبيثة خلال غزوة تبوك ليس هو ~~الأول من نوعه ، بل هم لهم في هذا المضمار تاريخ مظلم بدأ منذ أوائل عهد ~~الدعوة الإسلامية بالمدينة. # وقوله : ( @QUR@03 وقلبوا لك الأمور ) بيان لتفننهم في وجوه الأذى للنبي ~~صلى الله عليه وسلم وتقليب الأمر : تصريفه ، وترديده ، وإجالة الرأى فيه ، ~~والنظر إليه من كل نواحيه : لمعرفة أى ناحية منه توصل إلى الهدف المنشود. # والمراد أن هؤلاء المنافقين قد ابتغوا الأذى للدعوة الإسلامية من قبل هذه ms2610 ~~الغزوة ، ودبروا لصاحبها صلى الله عليه وسلم المكايد ، واستعملوا قصارى جهدهم ~~، ومنتهى اجتهادهم ، وخلاصة مكرهم ، من أجل صد الناس عن الحق الذي جاء به ~~محمد صلى الله عليه وسلم . # وقوله : ( @QUR@06 حتى جاء الحق وظهر أمر الله .. ) غاية لمحذوف ، ~~والتقدير : أن هؤلاء المنافقين استمروا على حربهم للدعوة الإسلامية «حتى ~~جاء الحق» أى : النصر الذي وعد الله عباده به «وظهر أمر الله» أى : دينه ~~وشرعه «وهم» أى المنافقون وأشباههم «كارهون» لذلك ؛ لأنهم يكرهون انتصار ~~دين الإسلام ، ويحبون هزيمته وخذلانه ، ولكن الله تعالى خيب آمالهم ، وأحبط مكرهم. # قال الإمام ابن كثير : عند ما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، رمته ~~العرب عن قوس واحدة ، وحاربته يهود المدينة ومنافقوها ، فلما نصره الله يوم ~~بدر وأعلى كلمته ، قال عبد الله بن أبى ، وأصحابه : هذا أمر قد توجه ، ~~فدخلوا في الإسلام ظاهرا ، ثم كلما أعز الله الإسلام وأهله غاظهم وساءهم ، ~~ولهذا قال تعالى : ( @QUR@08 حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون ) (1). PageV06P311 # ثم واصلت السورة الكريمة حديثها عن هؤلاء المنافقين ، فحكت جانبا من ~~أعذارهم الكاذبة ، ومن أقوالهم الخبيثة .. فقال تعالى : # ( @QUR@015 ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن ~~جهنم لمحيطة بالكافرين (49) @QUR@016 إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة ~~يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون (50) @QUR@014 قل لن ~~يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون (51) ~~@QUR@022 قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم ~~الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون ) (52) # روى محمد بن إسحاق ويزيد بن رومان ، وعبد الله بن أبى بكر ، وعاصم بن ~~قتادة وغيرهم قالوا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو في جهازه ~~أى لغزوة تبوك للجد بن قيس أخى بنى سلمة : «هل لك يا جد في جلاد بنى ~~الأصفر»؟ يعنى الروم فقال الجد : يا رسول الله أو تأذن لي ولا تفتني؟ فو ~~الله لقد عرف قومي ما رجل أشد عجبا بالنساء منى ms2611 ، وإنى أخشى إن رأيت نساء ~~بنى الأصفر ألا أصبر عنهن ، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال قد ~~أذنت لك». # ففي الجد بن قيس نزلت هذه الآية ( @QUR@07 ومنهم من يقول ائذن لي ولا ~~تفتني ) (1). # أى : ومن هؤلاء المنافقين الذين لم ينته الحديث عنهم بعد «من يقول» لك يا محمد PageV06P312 # «ائذن لي» في القعود بالمدينة ، «ولا تفتني» أى ولا توقعني في المعصية ~~والإثم بسبب خروجي معك إلى تبوك ، ومشاهدتى لنساء بنى الأصفر. # وعبر سبحانه عن قول هذا المنافق بالفعل المضارع ، لاستحضار تلك الحال ~~لغرابتها ، فإن مثله في نفاقه وفجوره لا يخشى إثم الافتتان بالنساء إذ لا ~~يجد من دينه مانعا من غشيان الشهوات الحرام. # وقوله : ( @QUR@04 ألا في الفتنة سقطوا ) رد عليه فيما قال ، وذم له على ~~ما تفوه به. # أى : ألا إن هذا وأمثاله في ذات الفتنة قد سقطوا ، لا في أى شيء آخر ~~مغاير لها. # وبدأ سبحانه الجملة الكريمة بأداة التنبيه «ألا» ، لتأكيد الخبر ، وتوجيه ~~الأسماع إلى ما اشتمل عليه من توبيخ لهؤلاء المنافقين. # وقدم الجار والمجرور على عامله ؛ للدلالة على الحصر. أى فيها لا في غيرها ~~قد سقطوا وهووا إلى قاع سحيق. # قال الآلوسى : وفي التعبير عن الافتتان بالسقوط في الفتنة ، تنزيل لها ~~منزلة المهواة المهلكة المفصحة عن ترديهم في دركات الردى أسفل سافلين (1). # وقال الفخرى الرازي ما ملخصه : «وفيه تنبيه على أن القوم إنما اختاروا ~~القعود لئلا يقعوا في الفتنة ، فالله تعالى بين أنهم في عين الفتنة واقعون ~~، لأن أعظم أنواع الفتنة الكفر بالله وبرسوله ، والتمرد على قبول التكاليف ~~التي كلفنا الله بها ..» (2). # وقوله : ( @QUR@04 وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ) وعيد وتهديد لهم على ~~أقوالهم وأفعالهم. # أى : وإن جهنم لمحيطة بهؤلاء الكافرين بما جاء من عند الله ، دون أن يكون ~~لهم منها مهرب أو مفر. # وعبر عن إحاطتها بهم باسم الفاعل الدال على الحال ، لإفادة تحقيق ذلك حتى ~~لكأنه واقع مشاهد. # قالوا : ويحتمل أنها محيطة بهم الآن ، بأن يراد بجهنم الأسباب الموصلة ~~إليها من الكفر والنفاق وغير ذلك ms2612 من الرذائل التي سقطوا فيها. # وقوله : ( @QUR@04 إن تصبك حسنة تسؤهم .. ) بيان لنوع آخر من خبث نواياهم ~~، وسوء بواطنهم. PageV06P313 # أى : «إن تصبك» يا محمد حسنة من نصر أو نعمة أو غنيمة كما حدث يوم بدر ~~«تسؤهم» تلك الحسنة ، وتورثهم حزنا وغما ، بسبب شدة عداوتهم لك ولأصحابك. # «وإن تصبك مصيبة» من هزيمة أو شدة كما حدث يوم أحد «يقولوا» باختيال وعجب ~~وشماتة «قد أخذنا أمرنا من قبل». # أى : قد تلافينا ما يهمنا من الأمر بالحزم والتيقظ ، من قبل وقوع المصيبة ~~التي حلت بالمسلمين ، ولم نلق بأيدينا إلى التهلكة كما فعل هؤلاء المسلمون. # وقوله : ( @QUR@03 ويتولوا وهم فرحون ) تصوير لحالهم ، ولما جبلوا عليه ~~من شماتة بالمسلمين. # أى : عند ما تصيب المسلمين مصيبة أو مكروه ، ينصرف هؤلاء المنافقون إلى ~~أهليهم وشيعتهم والفرح يملأ جوانحهم ليبشروهم بما نزل بالمسلمين من مكروه. # قال الجمل : فإن قلت : فلم قابل الله الحسنة بالمصيبة ، ولم يقابلها ~~بالسيئة كما قال في سورة آل عمران : «وإن تصيبكم سيئة يفرحوا بها»؟. # قلت : لأن الخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وسلم وهي في حقه مصيبة يثاب عليها ~~، لا سيئة يعاتب عليها ، والتي في آل عمران خطاب للمؤمنين» (1). # وقوله : ( @QUR@010 قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا .. ) ~~إرشاد للرسول صلى الله عليه وسلم إلى الجواب الذي يكبتهم ويزيل فرحتهم. # أى : «قل» يا محمد لهؤلاء المنافقين الذين يسرهم ما يصيبك من شر ، ~~ويحزنهم ما يصيبك من خير ، والذين خلت قلوبهم من الإيمان بقضاء الله وقدره ~~، قل لهم على سبيل التقريع والتبكيت. لن يصيبنا إلا ما كتبه الله لنا وقدره ~~علينا «هو مولانا» الذي يتولانا في كل أمورنا ، ونلجأ إليه في كل أحوالنا. ~~وعليه وحده سبحانه نكل أمورنا وليس على أحد سواه. # وقوله : ( @QUR@07 قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين .. ) إرشاد آخر ~~للرسول صلى الله عليه وسلم إلى الجواب الذي يخرس ألسنة هؤلاء المنافقين ويزيل ~~فرحتهم. # وقوله : ( @QUR@01 تربصون ) التربص بمعنى الانتظار في تمهل. يقال : فلان ~~يتربص بفلان الدوائر ، إذا كان ينتظر وقوع مكروه به. # والحسنيان ms2613 : مثنى الحسنى. والمراد بهما : النصر أو الشهادة. PageV06P314 # أى : قل يا محمد لهؤلاء المنافقين أيضا إنكم ما تنتظرون بنا إلا إحدى ~~العاقبتين اللتين كل واحدة منهما أحسن من جميع العواقب ، وهما إما النصر ~~على الأعداء ، وفي ذلك الأجر والمغنم والسلامة ، وإما أن نقتل بأيديهم وفي ~~ذلك الشهادة والفوز بالجنة والنجاة من النار. # قال الآلوسى : والحاصل أن ما تنتظرونه بنا أيها المنافقون لا يخلو من أحد ~~هذين الأمرين ، كل منهما عاقبته حسنى لا كما تزعمون من أن ما يصيبنا من ~~القتل في الغزو سوء ، ولذلك سررتم به. # وصح من حديث أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «تكفل الله تعالى ~~لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله ، وتصديق كلمته أن ~~يدخله الجنة. أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر وغنيمة» (1). # وقوله : ( @QUR@011 ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو ~~بأيدينا ) بيان لما ينتظر المؤمنون وقوعه بالمنافقين. # أى : ونحن معشر المؤمنين نتربص بكم أيها المنافقون إحدى السوءيين من ~~العواقب : إما أن يصيبكم الله بعذاب» كائن «من عنده» فيهلككم كما أهلك ~~الذين من قبلكم ، وإما أن يصيبكم بعذاب كائن «بأيدينا» بأن يأذن لنا في ~~قتالكم وقتلكم. # والفاء في قوله : ( @QUR@04 فتربصوا إنا معكم متربصون ) للإفصاح. # أى إذا كان الأمر كذلك فتربصوا بنا ما هو عاقبتنا ، فإنا معكم متربصون ما ~~هو عاقبتكم ، وسترون أن عاقبتنا على كل حال هي الخير ، وأن عاقبتكم هي الشر. # وبذلك ترى أن هذه الآيات الكريمة ، قد حكت طرفا من رذائل المنافقين ومن ~~مسالكهم الخبيثة لكيد الدعوة الإسلامية ، وردت عليهم بما يكبتهم ، ويفضحهم ~~على رءوس الأشهاد. # ثم بين سبحانه أن هؤلاء المنافقين نفقاتهم غير مقبولة ، لأن قلوبهم خالية ~~من الإيمان. # ولأن عباداتهم ليست خالصة لوجه الله ، وأن ما ينفقونه سيكون عليهم حسرة ~~فقال تعالى : PageV06P315 # ( @QUR@012 قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين ~~(53) @QUR@022 وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ~~وبرسوله ولا ms2614 يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون (54) ~~@QUR@017 فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في ~~الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون ) (55) # روى أن بعض المنافقين قال للنبي صلى الله عليه وسلم عند ما دعاهم إلى الخروج ~~معه إلى تبوك : ائذن لي في القعود وهذا مالي أعينك به ، فنزل قوله تعالى : ~~( @QUR@08 قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم .. ). # والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء ؛ أنفقوا ما شئتم من أموالكم في وجوه الخير ~~حالة كونكم طائعين ، أى : من غير إجبار أحد لكم ، أو كارهين ، أى بأن ~~تجبروا على هذا الإنفاق إجبارا ، فلن يقبل منكم ذلك الإنفاق. # والكلام وإن كان قد جاء في صورة الأمر ، إلا أن المراد به الخبر وقد أشار ~~إلى ذلك صاحب الكشاف بقوله. # فإن قلت : كيف أمرهم بالإنفاق ثم قال : ( @QUR@03 لن يتقبل منكم )؟ # قلت : هو أمر في معنى الخبر ، كقوله تعالى ( @QUR@09 قل من كان في ~~الضلالة فليمدد له الرحمن مدا ) ومعناه : لن يتقبل منكم أنفقتم طوعا أو ~~كرها ، ونحوه قوله تعالى : ( @QUR@06 استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ) وقول ~~الشاعر. # أسيئى بنا أو أحسني لا ملومة %~% لدينا ولا مقلية إن تقلت # أى : لن يغفر الله لهم ، استغفرت لهم .. أم لم تستغفر لهم. ولا نلومك ~~سواء أسأت إلينا أم أحسنت ... (1). PageV06P316 # وجاء الكلام في صورة الأمر ، للمبالغة في تساوى الأمرين ، وعدم الاعتداد ~~بنفقتهم سواء أقدموها عن طواعية أم عن كراهية. # وقوله : ( @QUR@03 لن يتقبل منكم ) بيان لثمرة إنفاقهم. أى : لن يتقبل ~~منكم ما أنفقتموه ، ولن تنالوا عليه ثوابا. # وقوله : ( @QUR@04 إنكم كنتم قوما فاسقين ) تعليل لعدم قبول نفقاتهم. # أى : لن تقبل منكم نفقاتكم بسبب عتوكم في الكفر ، وتمردكم على تعاليم ~~الإسلام وخروجكم عن الطاعة والاستقامة. # قال القرطبي ما ملخصه. وفي الآية دليل على أن أفعال الكافر إذا كانت برا ~~كصلة القرابة ، وجبر الكسير ، وإغاثة الملهوف ، لا يثاب عليها ، ولا ينتفع ~~بها في الآخرة ، بيد أنه يطعم بها في الدنيا. # دليله ما رواه مسلم عن عائشة رضى الله عنها ms2615 قالت : قلت يا رسول الله ، ~~ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ، ويطعم المسكين ، فهل ذلك نافعه؟ # قال : لا ينفعه ، إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين. # وروى عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الله لا يظلم ~~مؤمنا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة ، وأما الكافر فيطعم ~~بحسنات ما عمل لله بها في الدنيا ، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة ~~يجزى بها» (1). # وقال الجمل : وهذه الآية وإن كانت خاصة في إنفاق المنافقين ، فهي عامة في ~~حق كل من أنفق ماله لغير وجه الله ، بل أنفقه رياء وسمعة فإنه لا يقبل منه (2). # ثم بين سبحانه على سبيل التفصيل لمظاهر فسقهم أن هناك ثلاثة أسباب أدت ~~إلى عدم قبول نفقاتهم. # أما السبب الأول فقد عبر عنه سبحانه بقوله : ( @QUR@011 وما منعهم أن ~~تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله .. ). # أى : وما منعهم قبول نفقاتهم شيء من الأشياء إلا كفرهم بالله تعالى ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم . # فالاستثناء من أهم الأشياء. والضمير في «منعهم» هو المفعول الأول للفعل ، ~~وقوله : PageV06P317 # ( @QUR@02 أن تقبل ) هو المفعول الثاني ، لأن الفعل «منع» يتعدى لمفعولين ~~تارة بنفسه كما هنا ، وتارة يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف الجر وهو حرف ~~«من» أو «عن». # والفاعل ما في حيز الاستثناء وهو قوله : ( @QUR@03 إلا أنهم كفروا .. ). # وأما السبب الثاني فقد عبر عنه سبحانه بقوله : ( @QUR@06 ولا يأتون ~~الصلاة إلا وهم كسالى ). # ولفظ «كسالى». جمع كسلان ، مأخوذ من الكسل بمعنى التثاقل عن الشيء ، ~~والفتور عن أدائه. وفعله بزنة فرح. # أى : ولا يأتون الصلاة التي كتبها الله عليهم في حال من الأحوال ، إلا في ~~حال كونهم قوم خلت قلوبهم من الإيمان ، فصاروا لا يرجون من وراء أدائها ~~ثوابا ولا يخشون من وراء تركها عقابا ، وإنما يؤدونها رياء أو تقية ~~للمسلمين. # وشبيه بهذه الجملة الكريمة قوله تعالى في سورة النساء : ( @QUR@019 إن ~~المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ، ~~يراؤن الناس ms2616 ولا يذكرون الله إلا قليلا ). # وأما ، السبب الثالث فقد عبر عنه سبحانه بقوله : ( @QUR@05 ولا ينفقون ~~إلا وهم كارهون ). # أى. ولا ينفقون نفقة في سبيل الله إلا وهم كارهون لها لأنهم يعدونها ~~مغرما ، ويعتبرون تركها مغنما ، وما حملهم على الإنفاق إلا الرياء أو ~~المخادعة أو الخوف من انكشاف أمرهم ، وافتضاح حالهم. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : الكراهية خلاف الطواعية ، وقد جعلهم الله ~~تعالى طائعين في قوله «طوعا» ثم وصفهم هنا بأنهم لا ينفقون إلا وهم كارهون ~~فكيف ذلك؟ # قلت : المراد بطوعهم أنهم يبذلون نفقتهم من غير إلزام من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أو من رؤسائهم ، وما طوعهم ذاك إلا عن كراهية واضطرار ، لا ~~عن رغبة واختيار (1). # أى : أن نفقتهم في جميع الأحوال لا يقصد بها الاستجابة لشرع الله ، وإنما ~~يقصد بها الرياء أو المخادعة ، أو خدمة مصالحهم الخاصة. # ثم نهى الله تعالى المؤمنين في شخص نبيهم صلى الله عليه وسلم عن التطلع إلى ~~ما في أيدى هؤلاء المنافقين فقال. ( @QUR@05 فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم .. ). PageV06P318 # والإعجاب بالشيء معناه : أن تسر به سرورا يجعلك راضيا به ومتمنيا له ، ~~والفاء في قوله : ( @QUR@02 فلا تعجبك ) للإفصاح. # أى إذا كان هذا هو شأن المنافقين ، فلا تستحسن. أيها العاقل. ما أعطيناهم ~~إياه من أموال وأولاد ، فإنه نوع من الاستدراج. # وقوله : ( @QUR@08 إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا ) تعليل ~~للنهى عن الإعجاب بما أعطاهم الله من أموال وأولاد. # أى : إنما يريد الله بعطائهم تلك الأموال والأولاد أن يعذبهم بها في ~~الحياة الدنيا ، وقد بسط الإمام الرازي مظاهر تعذيب المنافقين في الدنيا ~~بالأموال والأولاد فقال ما ملخصه : # المنافقون يعذبهم الله بأموالهم وأولادهم في الحياة الدنيا من وجوه : # أحدها : أن الرجل إذا آمن بالله واليوم الآخر ، علم أنه خلق للآخرة لا ~~للدنيا ، وبهذا العلم يفتر حبه للدنيا ، وأما المنافق فإنه لما اعتقد أنه ~~لا سعادة له إلا في هذه الخيرات العاجلة ، عظمت رغبته فيها ، واشتد حبه لها ~~، وكانت الآلام الحاصلة بسبب فواتها أكثر في حقه .. فهذا النوع ms2617 من العذاب ~~حاصل لهم في الدنيا بسبب الأموال والأولاد. # وثانيا : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكلفهم إنفاق تلك الأموال في وجوه ~~الخيرات ، ويكلفهم. إرسال أولادهم إلى الجهاد والغزو ، وذلك يوجب تعريض ~~أولادهم للقتل ، وهم كانوا يعتقدون أن محمدا ليس صادقا في كونه رسول ، ~~وكانوا يعتقدون أن إنفاق تلك الأموال تضييع لها من غير فائدة وأن تعريض ~~أولادهم للقتل التزام لهذا المكروه الشديد من غير فائدة ، ولا شك أن هذا ~~كله تعذيب لهم. # وثالثا : أنهم كانوا يبغضون محمدا صلى الله عليه وسلم بقلوبهم ، ثم إنهم ~~كانوا يحتاجون إلى بذل أموالهم وأولادهم في خدمته. ولا شك أن هذه الحالة ~~شاقة شديدة عليهم. # ورابعا : أنهم كانوا خائفين من أن يفتضحوا ويظهر نفاقهم وكفرهم ظهورا ~~تاما ، فيصيرون أمثال سائر أهل الحرب من الكفار. وحينئذ يتعرض الرسول ~~صلى الله عليه وسلم لهم بالقتل وسبى الأولاد .. وكل ذلك يوجب ألمهم وقلقهم. # وخامسا : أن كثيرا من المنافقين كان لهم أولاد أتقياء كحنظلة بن أبى عامر ~~وعبد الله بن عبد الله بن أبى .. وكانوا لا يرتضون طريقة آبائهم في النفاق ~~، ويقدحون فيهم. # والابن إذا صار هكذا عظم تأذى الأب به ، واستيحاشه منه ، فصار حصول تلك ~~الأولاد سببا لعذابهم .. (1). PageV06P319 # وقوله : ( @QUR@04 وتزهق أنفسهم وهم كافرون ) بيان لسوء مصيرهم في الآخرة ~~بعد بيان عذابهم في الدنيا. # وزهوق النفس : خروجها من الجسد بصعوبة ومشقة. يقال : زهقت نفسه تزهق إذا ~~خرجت ، وزهق الشيء إذا هلك واضمحل ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@05 وقل جاء ~~الحق وزهق الباطل ... ). # والمعنى : لا تعجبك أيها العاقل أموال هؤلاء المنافقين ولا أولادهم إنما ~~يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا ، ويريد كذلك أن تخرج أرواحهم من ~~أجسادهم وهم كافرون ، فيعذبهم بسبب كفرهم عذابا أليما. # فأنت ترى أن الآية الكريمة قد توعدت المنافقين بسوء المصير في الآخرة ولن ~~يحسد إنسان مصيره كهذا المصير. # قال الإمام الرازي : ومن تأمل في هذه الآيات عرف أنها مرتبة على أحسن ~~الوجوه ، فإنه سبحانه لما بين قبائح أفعالهم ، وفضائح أعمالهم ، بين ما لهم ~~في الآخرة ms2618 من العذاب الشديد ، وما لهم في الدنيا من وجوه المحنة والبلية ، ~~ثم بين بعد ذلك أن ما يفعلونه من أعمال البر لا ينتفعون به يوم القيامة ~~ألبتة ثم بين في هذه الآية أن ما يظنونه من منافع الدنيا ، فهو في حقيقته ~~سبب لعذابهم وبلائهم وتشديد المحنة عليهم ، وعند ذلك يظهر أن النفاق جالب ~~لجميع الآفات في الدنيا والدين ، ومبطل لجميع الخيرات في الدين والدنيا ~~...» (1). # وبعد أن بينت السورة الكريمة أن هؤلاء المنافقين قد خسروا الدنيا والآخرة ~~، أتبعت ذلك بالحديث عن رذائلهم وقبائحهم التي على رأسها الجبن والكذب فقال ~~تعالى : # ( @QUR@010 ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون (56) ~~@QUR@011 لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون ) (57) # أى : أن هؤلاء المنافقين يحلفون بالله لكم أيها المؤمنون «إنهم لمنكم» أى ~~: في الدين والملة ، والحق أنهم ما هم منكم ، لأنهم يظهرون الإسلام ويخفون ~~الكفر ، فهم كما وصفهم سبحانه في قوله : ( @QUR@011 إذا جاءك المنافقون ~~قالوا نشهد إنك لرسول الله ، والله يعلم إنك PageV06P320 # @QUR@018 لرسوله ، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون. اتخذوا أيمانهم جنة ~~فصدوا عن سبيل الله ، إنهم ساء ما كانوا يعملون ). # وقوله : ( @QUR@03 ولكنهم قوم يفرقون ) استدراك للرد عليهم فيما قالوه ~~وأقسموا عليه كذبا وزورا. # وقوله : ( @QUR@01 يفرقون ) من الفرق ، بمعنى الفزع الشديد من أمر يتوقع حصوله. # يقال : فرق فرقا إذا اشتد خوفه وهلعه. # أى : أن هؤلاء المنافقين لشدة خوفهم وهلعهم أيها المؤمنون يحلفون لكم ~~كذبا وزورا بأنهم منكم ، والحق أنهم ما هم منكم ، ولكنهم قوم جبناء. لا ~~يستطيعون مصارحتكم بالعداوة ، ولا يجرؤون على مجابهتكم بما تخفيه قلوبهم ~~لكم من بغضاء. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 لو يجدون ملجأ أو مغارات ... ) تأكيد لما كان ~~عليه أولئك المنافقون من جبن خالع. # والملجأ : اسم للمكان الذي يلجأ إليه الخائف ليحتمى به سواء أكان حصنا أو ~~قلعة أو غيرهما. # والمغارات : جمع مغارة وهي المكان المنخفض في الأرض أو في الجبل. قال ~~بعضهم : والغور بفتح الغين من كل شيء قعره. يقال : غار الرجل غورا إذا أتى ~~الغور وهو المنخفض من ms2619 الأرض (1). # والمدخل بتشديد الدال اسم للموضع الذي يدخلون فيه ، بصعوبة ومشقة لضيقه ، ~~كالنفق في الأرض. # وقوله : ( @QUR@01 يجمحون ) أى : يسرعون أشد الإسراع مأخوذ من الجموح وهو ~~أن يغلب الفرس صاحبه في سيره وجريه. يقال : جمح الفرس براكبه جموحا ، إذا ~~استعصى عليه حتى غلبه. # والمعنى : أن هؤلاء المنافقين لو يجدون حصنا يلتجئون إليه أو مغارات ~~يستخفون فيها. أو سردابا في الأرض ينجحرون فيه ، لأقبلوا نحوه مسرعين أشد ~~الإسراع دون أن يردهم شيء ، كالفرس الجموح الذي عجز صاحبه عن منعه من ~~النفور والعدو. # فالآية الكريمة تصوير معجز لما كان عليه أولئك المنافقون من خوف شديد من ~~المؤمنين ، PageV06P321 # ومن بغض دفين لهم ، حتى إنهم لو وجدوا شيئا من هذه الأمكنة التي هي منفور ~~منها لأسرعوا نحوها إسراعا شديدا. # ثم تمضى السورة بعد ذلك في الكشف عن الأقوال المنكرة ، والأفعال القبيحة ~~التي كانت تصدر عن المنافقين فتقول. # ( @QUR@016 ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا ~~منها إذا هم يسخطون (58) @QUR@019 ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله ~~وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون ) (59) # قال الإمام الرازي : اعلم أن المقصود من هذا ، شرح نوع آخر من قبائحهم ~~وفضائحهم ، وهو طعنهم في الرسول صلى الله عليه وسلم بسبب أخذ الصدقات من ~~الأغنياء ، ويقولون إنه يؤثر بها من يشاء من أقاربه وأهل مودته ، وينسبونه ~~إلى أنه لا يراعى العدل ، (1). # هذا ، وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هاتين الآيتين روايات منها : # ما أخرجه البخاري والنسائي عن أبى سعيد الخدري رضى الله عنه قال : بينما ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقسم قسما إذ جاءه ذو الخويصرة التميمي فقال : اعدل ~~يا رسول الله ، فقال : «ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل»؟ ، فقال عمر بن الخطاب ~~رضى الله عنه : ائذن لي فأضرب عنقه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~«دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم ، ~~يمرقون من الدين كما يمرق السهم في الرمية ...». # قال أبو سعيد ، فنزلت ms2620 فيهم : ( @QUR@05 ومنهم من يلمزك في الصدقات .. ). # وروى ابن مردويه عن ابن مسعود رضى الله عنه قال : «لما قسم النبي ~~صلى الله عليه وسلم غنائم حنين سمعت رجلا يقول : إن هذه قسمة ما أريد بها وجه ~~الله. فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم PageV06P322 # فذكرت له ذلك فقال : «رحمة الله على موسى ، لقد أوذى بأكثر من هذا فصبر». ~~ونزل ( @QUR@05 ومنهم من يلمزك في الصدقات ) (1). # وقوله : ( @QUR@01 يلمزك ) أى : يعيبك ويطعن عليك في قسمة الصدقات وغيرها ~~من الأموال ، مأخوذ من اللمز وهو العيب. يقال لمزة وهمزة يلمزه ويهمزه إذا ~~عابه وطعن عليه ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@04 ويل لكل همزة لمزة ). # وقيل : اللمز ما كان يحضره الملموز ، والهمز ما كان في غيابه. # والمعنى : ومن هؤلاء المنافقين يا محمد من يعيبك ويطعن عليك في قسمة ~~الصدقات والغنائم ، زاعمين أنك لست عادلا في قسمتك. # وقوله : ( @QUR@04 فإن أعطوا منها رضوا ... ) بيان لفساد لمزهم وطعنهم ، ~~وأن الدافع إليه إنما هو الطمع والشره في حطام الدنيا ، وليس الغضب من أجل ~~إحقاق الحق : أو من أجل نشر العدالة بين الناس. # أى : أن هؤلاء المنافقين إن أعطيتهم. يا محمد. من تلك الصدقات ، رضوا عنك ~~، وحكموا على هذا العطاء بأنه عدل حتى ولو كان ظلما ، وإن لم تعطهم منها ~~سخطوا عليك ، واتهموك بأنك غير عادل ، حتى ولو كان عدم عطائهم هو الحق ~~بعينه ، فهم لا يقولون ما يقولونه فيك غضبا للعدل ، ولا حماسة للحق ، ولا ~~غيرة على الدين .. وإنما يقولون ما يقولون من أجل مطامعهم الشخصية ، ~~ومنافعهم الذاتية. # قال الجمل. وقوله ( @QUR@03 إذا هم يسخطون ) إذا هنا فجائية ، قائمة مقام ~~فاء الجزاء في الربط على حد قوله : «وتخلف الفاء إذا المفاجأة». والأصل. ~~فهم يسخطون ، وغاير. سبحانه. بين جوابي الجملتين ، للاشارة إلى أن سخطهم ~~ثابت لا يزول ولا يفنى بخلاف رضاهم (2). # وقال صاحب المنار. وقد عبر سبحانه عن رضاهم بصيغة الماضي : للدلالة على ~~أنه كان يكون لأجل العطاء في وقته وينقضي ، فلا يعدونه نعمة يتمنون دوام ~~الإسلام لدوامها ، وعبر عن سخطهم بإذا الفجائية وبالفعل المضارع ، للدلالة ms2621 ~~على سرعته واستمراره. وهذا دأب المنافقين وخلقهم في كل زمان ومكان ، كما ~~نراه بالعيان حتى من مدعى كمال الإيمان ، والعلم والعرفان (3). PageV06P323 # ثم وضح سبحانه : المنهج الذي يليق بأصحاب العقيدة السليمة فقال : ( ~~@QUR@07 ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله .. ). # أى. ولو أن هؤلاء المنافقين الذين يلمزونك. يا محمد. في الصدقات ، رضوا ~~ما أعطاهم الله ورسوله من عطاء ، وقالوا على سبيل الشكر والقناعة «حسبنا ~~الله» أى : كفانا فضله وما قسمه لنا ، «سيؤتينا الله من فضله ورسوله» أى : ~~سيعطينا الله في المستقبل الكثير من فضله وإحسانه ، وسيعطينا رسوله من ~~الصدقات وغيرها «إنا إلى الله راغبون» أى : إنا إلى الله راغبون في أن يوسع ~~علينا من فضله ، فيغنينا عن الصدقات وغيرها من أموال الناس ومن صلاتهم ، ~~لأنه سبحانه له خزائن السموات والأرض. # وجواب «لو» محذوف. والتقدير : ولو أنهم فعلوا ذلك لكان خيرا لهم. # قال الإمام الرازي ما ملخصه : والآية تدل على أن من طلب الدنيا بطمع ~~وشراهة آل أمره في الدين إلى النفاق ، وأما من طلب الدنيا بتوسط وبغرض ~~التوسل إلى مصالح الدين ، فهذا هو الطريق الحق ، والأصل في هذا الباب أن ~~يكون راضيا بقضاء الله. # ألا ترى أنه سبحانه ذكر هنا في هذه الآية مراتب أربعة : # أولها : الرضا بما آتاهم الله ورسوله ، لعلمه بأنه تعالى حكم منزه عن ~~العبث ، وكل ما كان حكما له وقضاء كان حقا وصوابا ولا اعتراض عليه. # وثانيها : أن يظهر أثر ذلك الرضا على لسانهم وهو قولهم : «حسبنا الله» ~~يعنى : أن غيرنا أخذ المال ، ونحن قد رضينا بحكم الله وقضائه. وفزنا بهذه ~~المرتبة العظيمة في العبودية. # وثالثها : وهي أن الإنسان إذا لم يبلغ تلك الدرجة العالية التي عندها ~~يقول : «حسبنا الله» ، نزل منها إلى مرتبة أخرى وهي أن يقول : «سيؤتينا ~~الله من فضله ورسوله». # ورابعها : أن يقول : «إنا إلى الله راغبون» فنحن لا نطلب من الإيمان ~~والطاعة أخذ الأموال ، وإنما نطلب اكتساب سعادات الآخرة .. (1). # وبعد أن بين سبحانه المنهج اللائق بأصحاب العقيدة السليمة في طلب الدنيا ~~عقب ذلك ببيان ms2622 المستحقين للصدقات فقال تعالى . PageV06P324 # ( @QUR@022 إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة ~~قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله ~~والله عليم حكيم ) (60) # قال الإمام ابن كثير. لما ذكر الله تعالى اعتراض المنافقين الجهلة على ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولمزهم إياه في قسم الصدقات. بين سبحانه أنه هو الذي ~~قسمها ، وبين حكمها ، وتولى أمرها بنفسه ، ولم يكل قسمها إلى أحد غيره ~~فجزأها لهؤلاء المذكورين ، كما رواه أبو داود في سنته عن زياد بن الحارث ~~الصدائى قال. أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فبايعته ، فأتى رجل فقال. أعطنى ~~من الصدقة فقال له. «إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره. في الصدقات حتى حكم ~~فيها هو ، فجزأها ثمانية أصناف ، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك» (1). # والمراد بالصدقات هنا عند كثير من العلماء الزكاة المفروضة. # ولفظ الصدقات. مبتدأ ، والخبر محذوف ، والتقدير : إنما الصدقات مصروفة ~~للفقراء والمساكين ... إلخ. # والفقراء. جمع فقير ، وهو من له أدنى شيء من المال. أو هو من لا يملك ~~المال الذي يقوم بحاجاته الضرورية من مأكل ومشرب وملبس ومسكن. # يقال فقر الرجل يفقر من باب تعب إذا قل ماله. # قالوا : وأصل الفقير في اللغة : الشخص الذي كسر فقار ظهره ، ثم استعمل ~~فيمن قل ماله لانكساره بسبب احتياجه إلى غيره. # أو هو من الفقرة بمعنى الحفرة ، ثم استعمل فيما ذكر لكونه أدنى حالا من ~~أكثر الناس ، كما أن الحفرة أدنى من مستوى سطح الأرض المستوية. # والمساكين : جمع مسكين ، وهو من لا شيء له ، فيحتاج إلى سؤال الناس لسد ~~حاجاته ومطالب حياته. PageV06P325 # وهو مأخوذ من السكون الذي هو ضد الحركة ، لأن احتياجه إلى غيره أسكنه وأذله. # وقيل. المسكين هو الذي له مال أو كسب ولكنه لا يكفيه ، وعلى هذا يكون ~~قريب الشبه بالفقير. # وقوله : ( @QUR@02 والعاملين عليها ) بيان للصنف الثالث من الأصناف الذين ~~تجب لهم الزكاة. # والمراد بهم. من كلفهم الإمام بجمع الزكاة وتحصيلها ممن يملكون نصابها. # ويدخل فيهم العريف ، والحاسب ، والكاتب ، وحافظ المال ، وكل من كلفه ~~الإمام ms2623 أو نائبه بعمل يتعلق بجمع الزكاة أو حفظها ، أو توزيعها. # وقوله. ( @QUR@02 والمؤلفة قلوبهم ) بيان للصنف الرابع. # والمراد بهم الأشخاص الذين يرى الإمام دفع شيء من الزكاة إليهم تأليفا ~~لقلوبهم ، واستمالة لنفوسهم نحو الإسلام ، لكف شرهم ، أو لرجاء نفعهم ، وهم ~~أنواع : # منهم قوم من الكفار ، كصفوان بن أمية ، فقد أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم ~~من غنائم حنين ، وكان صفوان يومئذ كافرا ، ثم أسلم وقال : والله لقد أعطانى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وكان أبغض الناس إلى ، فما زال يعطيني. حتى أسلمت ~~وإنه لأحب الناس إلى. # ومنهم قوم كانوا حديثي عهد بالإسلام وكانوا من ذوى الشرف في أقوامهم فكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم ، ليثبت إيمانهم ، وليدخل معهم في الإسلام ~~أتباعهم. # ومن أمثلة ذلك ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم مع الأقرع بن حابس وعيينة ~~بن حصن ، والزبرقان بن بدر ، فقد أعطاهم صلى الله عليه وسلم لمكانتهم في ~~عشيرتهم ، ولشرفهم في أقوامهم. وليدخل معهم في الإسلام غيرهم. # ومنهم قوم كانوا ضعاف الإيمان ، فكان صلى الله عليه وسلم يعطيهم تأليفا ~~لقلوبهم ، وتقوية لإيمانهم. لكي لا يسرى ضعف إيمانهم إلى غيرهم. # ومن أمثلة هذا الصنف العباس بن مرداس السلمى ، فقد أعطاه النبي ~~صلى الله عليه وسلم تأليفا لقلبه ، وتثبيتا لإيمانه. # والخلاصة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتألف قلوب بعض الناس بالعطاء ، ~~دفعا لشرهم ، أو أملا في نفعهم ، أو رجاء هدايتهم. # وقوله : ( @QUR@02 وفي الرقاب ) بيان لنوع خامس من مصارف الزكاة. وفي ~~الكلام مجاز بالحذف ، والتقدير : وتصرف الصدقات أيضا في فك الرقاب بأن يعان ~~المكاتبون بشيء منها PageV06P326 # على أداء بدل الكتابة ؛ لكن يصيروا أحرارا. أو بأن يشترى بجزء منها عددا ~~من العبيد لكي يعتقوا من الرق. # وذلك لأن الإسلام يحبب أتباعه في عتق الرقاب ، وفي مساعدة الأرقاء على أن ~~يصيروا أحرارا. # وقوله : «والغارمين» من الغرم بمعنى الملازمة للشيء ومنه قوله. تعالى : ( ~~@QUR@04 إن عذابها كان غراما ) أى : عذاب جهنم كان ملازما لأهلها من ~~الكافرين. # والمراد بالغارمين : من لزمتهم الديون في غير معصية ms2624 لله ، ولا يجدون ~~المال الذي يدفعونه لدائنيهم ، فيعطون من الزكاة ما يعينهم على سداد ~~ديونهم. # وقوله : ( @QUR@03 وفي سبيل الله ) بيان لنوع سابع من مصارف الزكاة. # والسبيل : الطريق الذي فيه سهولة ، وجمعه سبل. وأضيف إلى الله تعالى ~~للإشارة إلى أنه هو السبيل الحق الذي لا يحوم حوله باطل ، وهو الذي يوصل ~~السائر فيه إلى مرضاة الله ومثوبته. # أى : وتصرف الصدقات في سبيل الله ، يدفع جزء منها لمساعدة المجاهدين ~~والغزاة والفقراء الذين خرجوا لإعلاء كلمة الله. # قال بعض العلماء ما ملخصه : قال أبو حنيفة ومالك والشافعى. يصرف سهم سبيل ~~الله المذكور في الآية الكريمة إلى الغزاة .. ، لأن المفهوم في الاستعمال ~~المتبادر إلى الأفهام أن سبيل الله هو الغزو ، وأكثر ما جاء في القرآن ~~الكريم كذلك. # وقال الإمام أحمد : يجوز صرف سبيل الله إلى مريد الحج. # وقال بعضهم. يجوز صرف سبيل الله إلى طلبة العلم. # وفسره بعضهم بجميع القربات. فيدخل فيه جميع وجوه الخير ، مثل تكفين ~~الموتى ، وبناء القناطر ، والحصون ، وعمارة المساجد «وفي سبيل الله» عام في ~~الكل .. (1). # وقوله : ( @QUR@02 وابن السبيل ) بيان للصنف الثامن والأخير من الأصناف ~~الذين هم مصارف الزكاة. # والمراد بابن السبيل : المسافر المنقطع عن ماله في سفره. ولو كان غنيا في ~~بلده ، فيعطى من الزكاة ما يساعده على بلوغ موطنه. # وقد اشترط العلماء لابن السبيل الذي يعطى من الصدقة ، أن يكون سفره في ~~غير معصية PageV06P327 # الله. فإن كان في معصية لم يعط : لأن إعطاءه يعتبر إعانة له على المعصية ~~، وهذا لا يجوز. # وقد ألحقوا بابن السبيل ، كل من غاب عن ماله ، ولو كان في بلده. # وقوله. فريضة من الله ، منصوب بفعل مقدر أى : فرض الله لهم هذه الصدقات ~~فريضة ، فلا يصح لكم أن تبخلوا بها عنهم ، أو تتكاسلوا في إعطائها ~~لمستحقيها. # فالجملة الكريمة زجر للمخاطبين عن مخالفة أحكامه. سبحانه. # وقوله : ( @QUR@03 والله عليم حكيم ) تذييل قصد به بيان الحكمة من فرضية ~~الزكاة. # أى : والله تعالى عليم بأحوال عباده ، ولا تخفى عليه خافية من تصرفاتهم ، ~~حكيم في كل أوامره ونواهيه ، فعليكم. أيها ms2625 المؤمنون. أن تأتمروا بأوامره ، ~~وأن تنتهوا عن نواهيه لتنالوا رضاه. # هذا ، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى : # 1 أن المراد بالصدقات هنا ما يتناول الزكاة المفروضة وغيرها من الصدقات ~~المندوبة ، وذلك لأن اللفظ عام فيشمل كل صدقة سواء أكانت واجبة أم مندوبة ، ~~ولأن لفظ الصدقة في عرف الشرع وفي صدر الإسلام ، كان يشمل الزكاة المفروضة ~~، والصدقة المندوبة ، ويؤيده قوله تعالى : ( @QUR@07 خذ من أموالهم صدقة ~~تطهرهم وتزكيهم بها ). # ومن العلماء من يرى أن المراد بالصدقات في الآية : الزكاة المفروضة ، لأن ~~(أل) في الصدقات للعهد الذكرى والمعهود هو الصدقات الواجبة التي أشار إليها ~~القرآن. بقوله قبيل هذه الآية. ( @QUR@05 ومنهم من يلمزك في الصدقات ) ولأن ~~الصدقات المندوبة يجوز صرفها في غير الأصناف الثمانية كبناء المساجد ~~والمدارس. # ويبدو لنا أن لفظ الصدقات في الآية عام بحيث يتناول كل صدقة ، إلا أن ~~الزكاة المفروضة تدخل فيه دخولا أوليا. # 2 قال بعض العلماء : ظاهر الآية يقضى بالقسمة بين الثمانية الأصناف ، ~~ويؤيد هذا وجهان. # الأول. ما يقتضيه اللفظ اللغوي ، إن قلنا. الواو للجمع والتشريك. # والثاني. ما رواه أبو داود في سنته من قوله صلى الله عليه وسلم «إن الله لم ~~يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات ، حتى حكم فيها ، فجزأها ثمانية أجزاء». # وقد ذهب إلى هذا الشافعى وعكرمة والزهري ، إلا إن استغنى أحدهما فتدفع ~~إلى الآخرين بلا خلاف. PageV06P328 # وذهبت طوائف إلى جواز الصرف في صنف واحد. منهم عمر وابن عباس وعطاء وابن ~~جبير ومالك وأبو حنيفه. # قال في التهذيب : وخرجوا عن الظاهر في دلالة الآية المذكورة والخبر بوجوه : # الأول : أن الله تعالى قال في سورة البقرة : ( @QUR@07 وإن تخفوها ~~وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ) (1) فدل على أن ذكر العدد هنا لبيان جنس من ~~يستحقها. # الثاني : الخبر ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ : «أعلمهم أن الله ~~افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم. # الثالث : حديث سلمة بن صخر. فإنه صلى الله عليه وسلم جعل له صدقة بنى زريق. ms2626 # الرابع : أنه لم يظهر في ذلك خلاف من جهة الصحابة فجرى كالمجمع عليه (2). # 3 يرى جمهور العلماء أن الفقراء والمساكين صنفان من مصارف الزكاة لأن الله. # تعالى قد ذكر كل صنف منهما على حدة ، إلا أنهم اختلفوا في أيهما أسوأ ~~حالا من الآخر. # فالشافعية يرون أن الفقير أسوأ حالا من المسكين. # ومن أدلتهم على ذلك ، أن الله. تعالى. بدأ في الآية بالفقراء ، وهذا ~~البدء. يشير إلى أنهم أشد حاجة من غيرهم ، لأن الظاهر تقديم الأهم على المهم. # ولأن لفظ الفقير أصله في اللغة المفقور الذي نزعت فقرة من فقار ظهره ؛ ~~فلا يستطيع التكسب ، ومعلوم أنه لا حال في الإقلال والبؤس آكد من هذه الحال. # ولأن الله. تعالى. وصف بالمسكنة من كانت له سفينة من سفن البحر فقال : ( ~~@QUR@07 أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر .. ) (3). # أما الأحناف والمالكية فيرون أن المسكين أسوأ حالا من الفقير. # ومن أدلتهم على ذلك : أن علماء اللغة عرفوا المسكين بأنه أسوأ حالا من ~~الفقير ، وإلى هذا ذهب يعقوب بن السكيت ، والقتبى ، ويونس بن حبيب. # ولأن الله تعالى وصف المسكين وصفا يدل على البؤس والفاقة فقال : ( ~~@QUR@04 أو مسكينا ذا متربة ) أى : مسكينا ذا حاجة شديدة ، حتى لكأنه قد ~~لصق بالتراب من شدة الفاقة ، ولم يصف الفقير بذلك .. (4). PageV06P329 # قال بعض العلماء : وأنت إذا تأملت أدلة الطرفين وجدت أنها متعارضة ومحل ~~نظر ، وأياما كان فقد اتفق الرأيان على أن الفقراء والمساكين صنفان. # وروى عن أبى يوسف ومحمد أنهما صنف واحد واختاره الجبائي ، ويكون العطف ~~بينهما لاختلاف المفهوم. وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا أوصى لفلان وللفقراء ~~والمساكين ؛ فمن قال إنهما صنف واحد جعل لفلان نصف الموصى به ، ومن قال ~~إنهما صنفان جعل له الثلث من ذلك (1). # 4 ظاهر الآية يدل على أن الزكاة يجوز دفعها لكل من يشمله اسم الفقير ~~والمسكين ، إلا أن هذا الظاهر غير مراد ؛ لأن الأحاديث الصحيحة قد قيدت هذا ~~الإطلاق. # قال القرطبي : اعلم أن قوله تعالى : ( @QUR@01 للفقراء ) مطلق ليس فيه ~~شرط وتقييد ، بل فيه دلالة على ms2627 جواز الصرف إلى جملة الفقراء ، سواء أكانوا ~~من بنى هاشم أم من غيرهم ، إلا أن السنة وردت باعتبار شروط ، منها : ألا ~~يكونوا من بنى هاشم ، وألا يكونوا ممن تلزم المتصدق نفقته ، وهذا لا خلاف فيه. # وشرط ثالث ألا يكون قويا على الاكتساب ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال : «لا ~~تحل الصدقة لغنى ، ولا لذي مرة سوى». # ولا خلاف بين علماء المسلمين في أن الصدقة المفروضة لا تحل للنبي ~~صلى الله عليه وسلم ولا لبنى هاشم ولا لمواليهم .. (2). # وكذلك لا يصح أن تعطى لغير المسلمين ، ففي الصحيحين عن ابن عباس رضى الله ~~عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن : «أعلمهم أن ~~عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» فاقتضى ذلك ان الصدقة ~~مقصورة على فقراء المسلمين. # إلا أنه نقل عن أبى حنيفة جواز دفع صدقة الفطر إلى الذمي. # 5 أخذ بعض العلماء من قوله تعالى ( @QUR@02 والعاملين عليها ) أنه يجب ~~على الإمام أن يرسل من يراه أهلا لجمع الزكاة ممن تجب عليهم. # وقد تأكد هذا الوجوب بفعل النبي صلى الله عليه وسلم فقد ثبت في أحاديث ~~متعددة أنه أرسل بعض الصحابة لجمع الزكاة. PageV06P330 # روى البخاري عن أبى حميد الساعدي قال : استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رجلا على صدقات بنى سليم يدعى ابن اللتبية ، فلما جاء حاسبه (1). # 6 أخذ بعض العلماء أيضا من قوله تعالى ( @QUR@02 والمؤلفة قلوبهم ) أن ~~حكمهم باق ، لأنهم قد ذكروا من بين مصارف الزكاة ، ولأن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم قد أعطاهم ، فيعطون عند الحاجة. # قال الإمام القرطبي ما ملخصه : واختلف العلماء في بقاء المؤلفة قلوبهم. # فقال عمر والحسن والشعبي وغيرهم : انقطع هذا الصنف بعز الإسلام وظهوره. # وهذا مشهور من مذهب مالك وأصحاب الرأى. # قال بعض علماء الحنفية. لما أعز الله الإسلام وأهله ، أجمع الصحابة في ~~خلافة أبى بكر على سقوط سهمهم. # وقال جماعة من العلماء : هم باقون لأن الإمام ربما احتاج أن يستألف على ~~الإسلام وإنما قطعهم عمر لما رأى ms2628 من إعزاز الدين. # وقال ابن العربي. الذي عندي أنه إن قوى الإسلام زالوا ، وإن احتيج إليهم ~~أعطوا سهمهم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم ، فإن في الصحيح ~~«بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ» (2). # والذي يبدو لنا أن ما قاله ابن العربي أقرب الأقوال إلى الصواب لأن مسألة ~~إعطاء المؤلفة قلوبهم تختلف باختلاف الأحوال ؛ فإن كان الإمام يرى أن من ~~مصلحة الإسلام إعطاءهم أعطاهم ، وإن كانت المصلحة في غير ذلك لم يعطهم. # 7 دلت الآية الكريمة على أن الزكاة ركن من أركان الإسلام ، لقوله تعالى ~~«فريضة من الله». # قال بعض العلماء ما ملخصه ، تلك هي فريضة الزكاة. ليست أمر الرسول وإنما ~~هي أمر الله وفريضته وقسمته وما الرسول فيها إلا منفذ للفريضة المقسومة من ~~رب العالمين. # وهذه الزكاة تؤخذ من الأغنياء على أنها فريضة من الله ، وترد على الفقراء ~~على أنها فريضة من الله ، وهي محصورة في طوائف من الناس عينهم القرآن وليست ~~متروكة لاختيار أحد حتى ولا اختيار الرسول نفسه. PageV06P331 # وبذلك تأخذ الزكاة مكانها في شريعة الله ، ومكانها في النظام الإسلامى ، ~~لا تطوعا ولا تفضلا ممن فرضت عليهم ، فهي فريضة محتمة ، ولا منحة ولا جزافا ~~من القاسم الموزع فهي فريضة معلومة. إنها إحدى فرائض الإسلام تجمعها الدولة ~~المسلمة بنظام معين لتؤدى بها خدمة اجتماعية محدودة. وهي. ليست إحسانا من ~~المعطى ، وليست شحاذة من الآخذ ، كلا فما قام النظام الاجتماعى في الإسلام ~~على التسول ولن يقوم. # إن قوام الحياة في النظام الإسلامى هو العمل بكل صنوفه وألوانه على ~~الدولة المسلمة أن توفر العمل لكل قادر عليه. # والزكاة ضريبة تكافل اجتماعي بين القادرين والعاجزين ، تنظمها الدولة ~~وتتولاها في الجمع والتوزيع ، متى قام المجتمع على أساس الإسلام الصحيح ، ~~منفذا شريعة الله لا يبتغى له شرعا ولا منهجا سواه. # إن فريضة الزكاة تؤدى في صورة عبادة إسلامية ، ليطهر الله بها القلوب من ~~الشح ، وليجعلها شرعة تراحم وتضامن بين أفراد الأمة المسلمة. # إنها فريضة من الله ، الذي يعلم ما يصلح لهذه البشرية ms2629 ، ويدير أمرها ~~بالحكمة ( @QUR@03 والله عليم حكيم ) (1). # وبعد هذا الحديث عن الصدقات التي كان المنافقون يلمزون الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فيها ، أخذت السورة في مواصلة حديثها عن رذائل المنافقين ، ~~وعن سوء أدبهم .. فقال تعالى : # ( @QUR@026 ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن ~~بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم ~~عذاب أليم ) (61) # روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه ابن أبى حاتم ~~عن السدى أنها نزلت في جماعة من المنافقين منهم الجلاس بن سويد بن صامت ~~ورفاعة ابن عبد المنذر ، PageV06P332 # ووديعة بن ثابت وغيرهم ، قالوا مالا ينبغي في حقه صلى الله عليه وسلم . # فقال رجل منهم لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغ محمدا ما تقولونه فيقع فينا. ~~فقال الجلاس : بل نقول ما شئنا ، ثم نأتيه فيصدقنا بما نقول فإن محمدا أذن (1). # فمرادهم بقولهم «هو أذن» أى : كثير الاستماع والتصديق لكل ما يقال له. # قال صاحب الكشاف : الأذن : الرجل الذي يصدق كل ما يسمع ، ويقبل قول كل ~~أحد ، سمى بالجارحة التي هي آلة السماع كأن جملته أذن سامعة ونظيره قولهم ~~للربيئة أى الطليعة عين» (2). # وقال بعضهم : «الأذن» الرجل المستمع القابل لما يقال له. وصفوا به الذكر ~~والأنثى والواحد والجمع. فيقال : رجل أذن ، وامرأة أذن ورجال ونساء أذن ، ~~فلا يثنى ولا يجمع. إنما سموه باسم العضو تهويلا وتشنيعا فهو مجاز مرسل ~~أطلق فيه الجزء على الكل مبالغة بجعل جملته لفرط استماعه آلة السماع ، كما ~~سمى الجاسوس عينا لذلك» (3). # والمعنى : ومن هؤلاء المنافقين قوم يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم فيقولون ~~عنه أنه كثير السماع والتصديق لكل ما يقال له بدون تمييز بين الحق والباطل. # وقوله : ( @QUR@04 قل أذن خير لكم ) رد عليهم بما يخرس ألسنتهم ويكبت ~~أنفسهم وهو من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة على سبيل المبالغة في المدح ~~كقولهم رجل صدق أى قد بلغ النهاية في الصدق والاستقامة. # والمعنى : قل لهم يا محمد على سبيل التوبيخ والتبكيت : سلمنا. كما ~~تزعمون. ms2630 أنى كثير السماع والتصديق لما يقال ، لكن هذه الكثرة ليست للشر ~~والخير بدون تمييز وإنما هي للخير ولما وافق الشرع فحسب. # ويجوز أن تكون الإضافة فيه على معنى «في» ، أى هو أذن في الخير والحق ، ~~وليس بأذن في غير ذلك من وجوه الباطل والشر. # وهذه الجملة الكريمة من أسمى الأساليب وأحكمها في الرد على المرجفين ~~والفاسقين ، لأنه سبحانه صدقهم في كونه صلى الله عليه وسلم أذنا ، وذلك بما هو ~~مدح له ، حيث وصفه بأنه أذن خير لا شر. PageV06P333 # قال صاحب الإنصاف : لا شيء أبلغ من الرد عليهم بهذا الوجه ، لأنه في ~~الأول إطماع لهم بالموافقة ثم كر على طمعهم بالحسم ، وأعقبهم في تنقصه ~~باليأس ، منه ، ولا شيء أقطع من الإطماع ثم اليأس يتلوه ويعقبه (1). # وقوله : ( @QUR@08 يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ، ورحمة للذين آمنوا منكم ) ~~تفسير وتوضيح لكونه صلى الله عليه وسلم أذن خير لهم لا أذن شر عليهم. # أى : أن من مظاهر كونه صلى الله عليه وسلم أذن خير ، أنه «يؤمن بالله» ~~إيمانا حقا لا يحوم حوله شيء من الرياء ، أو الخداع أو غيرهما من ألوان ~~السوء «ويؤمن للمؤمنين» أى : يصدقهم فيما يقولونه من أقوال توافق الشرع ~~لأنهم أصحابه الذين أطاعوه ، واتبعوا النور الذي أنزل معه ، فهم أهل ~~للتصديق والقبول. دون غيرهم من المنافقين والفاسقين. # قال الفخر الرازي : فإن قيل لما ذا عدى الإيمان إلى الله بالباء ، وإلى ~~المؤمنين باللام؟ # قلنا : لأن الإيمان المعدى إلى الله المراد منه التصديق الذي هو نقيض ~~الكفر فعدى بالباء. والإيمان المعدى إلى المؤمنين المراد منه الاستماع منهم ~~، والتسليم لقولهم فعدى باللام ، كما في قوله ( @QUR@04 وما أنت بمؤمن لنا ~~). أى بمصدق لنا. وقوله : ( @QUR@04 أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ) وقوله : ( ~~@QUR@07 قال آمنتم له قبل أن آذن لكم ) (2). # وقوله : ( @QUR@04 ورحمة للذين آمنوا منكم ) معطوف على قوله : ( @QUR@03 ~~أذن خير لكم ). # أى : أن هذا الرسول الكريم بجانب أنه أذن خير لكم هو رحمة للذين آمنوا ~~منكم أيها المنافقون إيمانا صحيحا ، لأنه عن طريق إرشاده لهم إلى الخير ، ~~واتباعهم لهذا الإرشاد يصلون ms2631 إلى ما يسعدهم في دنياهم وآخرتهم. # وعلى هذا يكون المراد بالذين آمنوا من المنافقين : أولئك الذين صدقوا في ~~إيمانهم ، وأخلصوا لله قلوبهم ، وتركوا النفاق والرياء. # أو أن المراد بالذين آمنوا منهم : أولئك الذين أظهروا الإيمان ، فيكون ~~المعنى : # أن هذا الرسول الكريم رحمة للذين أظهروا الإيمان منكم أيها المنافقون حيث ~~إنه صلى الله عليه وسلم عاملهم بحسب الظاهر ، دون أن يكشف أسرارهم ، أو يهتك ~~أستارهم ؛ لأن الحكمة تقتضي ذلك. # وعلى هذا المعنى سار صاحب الكشاف فقد قال : وهو رحمة لمن آمن منكم ، أى : أظهر PageV06P334 # الإيمان أيها المنافقون ، حيث يسمع منكم ، ويقبل إيمانكم الظاهر ، ولا ~~يكشف أسراركم ، ولا يفضحكم ، ولا يفعل بكم ما يفعل بالمشركين ، مراعاة لما ~~رأى الله من المصلحة في الإبقاء عليكم ... (1). # وقوله : ( @QUR@07 والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ) تذييل قصد به ~~تهديدهم وزجرهم عن التعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأية إساءة. # أى : والذين يؤذون رسول الله بأى لون من ألوان الأذى ، لهم عذاب أليم في ~~دنياهم وآخرتهم ؛ لأنهم بإيذائهم له يكونون قد استهانوا بمن أرسله الله ~~رحمة للعالمين. # ثم حكى القرآن بعد ذلك لونا من جبنهم وعجزهم عن مصارحة المؤمنين بالحقائق ~~، فقال سبحانه : # ( @QUR@012 يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا ~~مؤمنين (62) @QUR@016 ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم ~~خالدا فيها ذلك الخزي العظيم ) (63) # قال القرطبي : روى أن قوما من المنافقين اجتمعوا ، وفيهم غلام من الأنصار ~~يدعى عامر بن قيس ، فحقروه وتكلموا فقالوا : إن كان ما يقوله محمد حقا لنحن ~~شر من الحمير. فغضب الغلام وقال : والله إن ما يقوله محمد صلى الله عليه وسلم ~~لحق ، ولأنتم شر من الحمير. ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقولهم فحلفوا ~~إن عامرا كاذب. # فقال عامر : هم الكذبة ، وحلف على ذلك وقال : اللهم لا تفرق بيننا حتى ~~يتبين صدق الصادق وكذب الكاذب. فأنزل الله هذه الآية (2). # فقوله سبحانه : ( @QUR@04 يحلفون بالله لكم ليرضوكم ) خطاب للمؤمنين ~~الذين كان المنافقون يذكرونهم بالسوء ، ثم يأتون ms2632 إليهم بعد ذلك معتذرين. PageV06P335 # أى : إن هؤلاء المنافقين يحلفون بالله لكم أيها المؤمنون ليرضوكم ، ~~فتطمئنوا إليهم ، وتقبلوا معاذيرهم. # قال أبو السعود : وإفراد إرضائهم بالتعليل مع أن عمدة أغراضهم إرضاء ~~الرسول صلى الله عليه وسلم للإيذان بأن ذلك بمعزل عن أن يكون وسيلة لإرضائه ، ~~وأنه عليه الصلاة والسلام إنما لم يكذبهم رفقا بهم ، وسترا لعيوبهم ، لا عن ~~رضا بما فعلوا ، وقبول قلبي لما قالوا .. (1). # وقوله : ( @QUR@05 والله ورسوله أحق أن يرضوه ) جملة حالية في محل نصب من ~~ضمير «يحلفون» جيء بها لتوبيخهم على إيثارهم رضا الناس على رضا الله ~~ورسوله. # أى : هم يحلفون لكم. والحال أن الله ورسوله أحق بالإرضاء منكم لأن الله ~~تعالى هو خالقهم ورازقهم ومالك أمرهم ، وهو العليم بما ظهر وبطن من ~~أحوالهم. ولأن رسوله صلى الله عليه وسلم هو المبلغ لوحيه عز وجل قال صاحب ~~المنار ما ملخصه : وكان الظاهر أن يقال : «يرضوهما» ونكتة العدول عنه إلى ~~«يرضوه» : الإعلام بأن إرضاء رسوله عين إرضائه سبحانه ... وهذا من بلاغة ~~القرآن في نفس الإيجاز. ولو قال «يرضوهما» لما أفاد هذا المعنى ؛ إذ يجوز ~~في نفس العبارة أن يكون إرضاء كل منهما في غير ما يكون به إرضاء الآخر ، ~~وهو خلاف المراد هنا ، وكذلك لو قيل : «والله أحق أن يرضوه ، ورسوله أحق أن ~~يرضوه» لا يفيد هذا المعنى أيضا وفيه ما فيه من الركاكة والتطويل ... # وقد خرجه علماء النحو على قواعدهم ... وأقرب الأقوال إلى قواعدهم قول ~~سيبويه : إن الكلام جملتان حذف خبر إحداهما لدلالة خبر الأخرى عليه ، كقول ~~الشاعر : # نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأى مختلف. # فهذا لا تكلف فيه من ناحية التركيب العربي ، ولكن تفوت به النكتة التي ~~ذكرناها ... (2). # وقوله : ( @QUR@03 إن كانوا مؤمنين ) تذييل قصد به بيان أن الإيمان الحق ~~لا يتم إلا بإرضاء الله ورسوله عن طريق طاعتهما والانقياد لأوامرهما. # أى : إن كانوا مؤمنين حقا ، فليعملوا على إرضاء الله ورسوله ، بأن يطيعوا ~~أوامرهما ، PageV06P336 # ويجتنبوا نواهيهما ، وإلا كانوا كاذبين في دعواهم الإيمان ثم توعدهم ~~سبحانه بسوء المصير بسبب ms2633 مخالفتهم لله ورسوله فقال : # ( @QUR@013 ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا ~~فيها ... ) # وقوله : ( @QUR@01 يحادد ) من المحادة بمعنى المخالفة والمجانبة ~~والمعاداة ، مأخوذة من الحد بمعنى الجانب ، كأن كل واحد من المتخاصمين في ~~جانب غير جانب صاحبه. ويقال : حاد فلان فلانا ، إذا صار في غير حده وجهته ~~بأن خالفه وعاداه. # والاستفهام في الآية الكريمة للتوبيخ والتأنيب وإقامة الحجة. # والمعنى : ألم يعلم هؤلاء المنافقون الذين مردوا على الفسوق والعصيان أنه ~~من يخالف تعاليم الله ورسوله ، فجزاؤه نار جهنم يصلاها يوم القيامة خالدا ~~فيها؟! إن كانوا لا يعلمون ذلك على سبيل الفرض فأعلمهم يا محمد بسوء مصيرهم ~~إذا ما استمروا على نفاقهم ومعاداتهم لله ولرسوله. # قال الجمل ما ملخصه : «من» شرطية مبتدأ. وقوله : ( @QUR@04 فأن له نار ~~جهنم ) في موضع المبتدأ المحذوف الخبر ، والتقدير. فحق أن له نار جهنم ، أى ~~: فكون نار جهنم له أمر حق ثابت. وهذه الجملة جواب من الشرطية ، والجملة ~~الشرطية ، أى مجموع اسم الشرط وفعله والجزاء خبر أن الأولى ، وهي ( @QUR@05 ~~أنه من يحادد الله ورسوله ) وجملة أن الثانية واسمها وخبرها سدت مسد مفعولي ~~يعلم إن لم يكن بمعنى العرفان ، ومسد مفعوله أى الواحد إن كان بمعنى ~~العرفان (1). # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@03 ذلك الخزي العظيم ) يعود على ما ذكر من ~~العذاب أى : ذلك الذي ذكرناه من خلودهم في النار يوم القيامة هو الذل ~~العظيم ، الذي يتضاءل أمامه كل خزي وذل في الدنيا. # فأنت ترى أن هاتين الآيتين قد ذكرتا جانبا من رذائل المنافقين وأكاذيبهم ~~، وتوعدتا كل مخالف لأوامر الله ورسوله بسوء المصير. # ثم واصلت السورة حملتها على المنافقين ، فكشفت عن خباياهم ، وهتكت ~~أستارهم ، وأبطلت معاذيرهم ، وتوعدتهم بسوء المصير فقال تعالى : PageV06P337 # ( @QUR@017 يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل ~~استهزؤا إن الله مخرج ما تحذرون (64) @QUR@013 ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا ~~نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن (65) @QUR@016 لا تعتذروا ~~قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين ) (66) # قال ms2634 صاحب المنار : هذه الآيات في بيان شأن آخر من شئون المنافقين التي ~~كشفت سوأتهم فيها غزوة تبوك. أخرج ابن أبى شيبة وابن أبى حاتم وأبو الشيخ ~~عن مجاهد في قوله تعالى : ( @QUR@06 يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة )... # قال : كانوا يقولون القول فيما بينهم ثم يقولون : عسى أن لا يفشى علينا هذا. # وعن قتادة قال : كانت هذه السورة تسمى الفاضحة. فاضحة المنافقين ، وكان ~~يقال لها المنبئة. أنبأت بمثالبهم وعوراتهم (1). # والضمير في قوله : ( @QUR@01 عليهم ) وفي قوله : ( @QUR@01 تنبئهم ) يعود ~~على المنافقين. فيكون المعنى : ( @QUR@02 يحذر المنافقون ) ويخافون من ( ~~@QUR@03 أن تنزل عليهم ) أى : في شأنهم وحالهم «سورة من سور القرآن الكريم» ~~، تنبئهم بما في قلوبهم. أى : تخبرهم بما انطوت عليه قلوبهم من أسرار خفية ~~، ومن أقوال كانوا يتناقلونها فيما بينهم ، ويحرصون على إخفائها عن ~~المؤمنين. # وفي التعبير بقوله : ( @QUR@01 تنبئهم ) مبالغة في كون السورة مشتملة على ~~أسرارهم ، حتى أنها تعلم من أحوالهم الباطنة مالا يعلمونه هم عن أنفسهم ، ~~فتنبئهم بهذا الذي لا يعلمونه ، وتنعى عليهم قبائحهم ورذائلهم. وتذيع على ~~الناس ما كانوا يخشون ظهوره من أقوال ذميمة ، وأفعال أثيمة. PageV06P338 # ومنهم من يرى أن الضمير في قوله ( @QUR@01 عليهم ) وقوله : ( @QUR@01 ~~تنبئهم ) يعود على المؤمنين ، فيكون المعنى : يحذر المنافقون ويخشون من أن ~~تنزل على المؤمنين سورة تخبرهم بما في قلوب المنافقين من أضغان وأحقاد ~~وفسوق عن أمر الله. # وقد ذكر هذين الوجهين صاحب الكشاف فقال : والضمير في «عليهم» و «تنبئهم» ~~للمؤمنين ، و «في قلوبهم» للمنافقين. وصح ذلك لأن المعنى يقود إليه. # ويجوز أن تكون الضمائر للمنافقين : لأن السورة إذا نزلت في معناهم أى في ~~شأنهم وأحوالهم فهي نازلة عليهم. ومعنى «تنبئهم بما في قلوبهم» كأنها تقول ~~لهم : في قلوبكم كيت وكيت : يعنى أنها تذيع أسرارهم عليهم حتى يسمعوها ~~مذاعة منتشرة فكأنها تخبرهم بها» (1). # وقال الإمام الرازي. فإن قيل : المنافق كافر فكيف يحذر نزول الوحى على ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ قلنا فيه وجوه؟ # قال أبو مسلم : هذا حذر أظهره المنافقون على وجه الاستهزاء حين رأوا ~~الرسول صلى الله عليه ms2635 وسلم يذكر كل شيء ، ويدعى أنه عن الوحى ، وكان المنافقون ~~يكذبون بذلك فيما بينهم ، فأخبر الله رسوله بذلك ، وأمره أن يعلمهم أنه ~~يظهر سرهم الذي حذروا ظهوره ، وفي قوله : ( @QUR@02 قل استهزؤا ) دلالة على ~~ما قلناه. # 2 أن القوم وإن كانوا كافرين بدين الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أنهم ~~شاهدوا أنه صلى الله عليه وسلم كان يخبرهم بما يضمرونه ويكتمونه ، فلهذه ~~التجربة وقع الحذر والخوف في قلوبهم. # 3 قال الأصم. إنهم كانوا يعرفون كون الرسول صلى الله عليه وسلم صادقا ، إلا ~~أنهم كفروا به حسدا وعنادا ... # 4 معنى الحذر : الأمر بالحذر. أى : ليحذر المنافقون ذلك. # 5 أنهم كانوا شاكين في صحة نبوته ، وما كانوا قاطعين بفسادها ، والشاك ~~خائف ، فلهذا السبب خافوا أن ينزل عليه في أمرهم ما يفضحهم (2). والذي ~~نراه أن الرأى الخامس أقرب الآراء إلى الصواب ، لأن المنافقين كانوا ~~مترددين بين الإيمان والكفر : فهم كما وصفهم الله تعالى ( @QUR@09 مذبذبين ~~بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ... ). # ومن شأن هذا التذبذب أن يغرس الخوف والحذر في القلوب. PageV06P339 # أى أن هذا الحذر والإشفاق. كما يقول بعض العلماء. أثر طبيعي للشك ~~والارتياب ، لأنهم لو كانوا موقنين بتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم لما خطر ~~لهم هذا الخوف على بال ، ولو كانوا موقنين بتصديقه ، لما كان هناك محل لهذا ~~الحذر «لأن قلوبهم مطمئنة بالإيمان» (1). # وقوله : ( @QUR@07 قل استهزؤا إن الله مخرج ما تحذرون ) تهديد ووعيد لهم ~~على نفاقهم وسوء أدبهم. # أى : قل يا محمد لهؤلاء المنافقين المذبذبين بين الحق والباطل ، قل لهم ، ~~على سبيل التهديد والتبكيت : افعلوا ما شئتم من الاستخفاف بتعاليم الإسلام ~~إن الله تعالى مظهر ما تحذرونه من إنزال الآيات القرآنية التي تفضحكم على ~~رءوس الأشهاد ، والتي تكشف عن أسراركم ، وتهتك أستاركم ، وتظهر للمؤمنين ما ~~أردتم إخفاءه عنهم. # وأسند الإخراج إلى الله تعالى للإشارة إلى أنه سبحانه يخرج ما يحذرونه ~~إخراجا لا مزيد عليه من الكشف والوضوح ، حتى يحترس منهم المؤمنون ولا ~~يغتروا بأقوالهم المعسولة. # وقوله : ( @QUR@07 ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا ms2636 نخوض ونلعب .. ) بيان ~~للون آخر من معاذيرهم الكاذبة ، وجبنهم عن مواجهة الحقائق. # وأصل الخوض كما يقول الآلوسى الدخول في مائع مثل الماء والطين ، ثم كثر ~~حتى صار اسما لكل دخول فيه تلويث وأذى (2). # أى : ولئن سألت يا محمد هؤلاء المنافقين عن سبب استهزائهم بتعاليم ~~الإسلام ليقولن لك على سبيل الاعتذار ، إنما كنا نفعل ذلك على سبيل ~~الممازحة والمداعبة لا على سبيل الجد. # وقوله : ( @QUR@06 قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن ) إبطال لحجتهم ~~، وقطع لمعاذيرهم ، وتبكيت لهم على جهلهم وسوء أخلاقهم. # أى : قل لهم يا محمد على سبيل التوبيخ والتجهيل ألم تجدوا ما تستهزءون به ~~في مزاحكم ولعبكم كما تزعمون سوى فرائض الله وأحكامه وآياته ورسوله الذي ~~جاء لهدايتكم وإخراجكم من الظلمات إلى النور؟ # فالاستفهام للإنكار والتوبيخ ، ودفع ما تذرعوا به من معاذير واهية. # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ... ) تأكيد ~~لإبطال ما أظهروه من معاذير. PageV06P340 # والاعتذار معناه محاولة محو أثر الذنب ، مأخوذ من قولهم : اعتذرت المنازل ~~إذا اندثرت وزالت ، لأن المعتذر يحاول إزالة أثر ذنبه. # والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء المنافقين المستهزئين بما يجب إجلاله ~~واحترامه وتوقيره : قل لهم على سبيل التوبيخ والتجهيل أيضا لا تشتغلوا بتلك ~~المعاذير الكاذبة فإنها غير مقبولة ، لأنكم بهذا الاستهزاء بالله وآياته ~~ورسوله ( @QUR@04 قد كفرتم بعد إيمانكم ) أى : قد ظهر كفركم وثبت ، بعد ~~إظهاركم الإيمان على سبيل المخادعة ، فإذا كنا قبل ذلك نعاملكم معاملة ~~المسلمين بمقتضى نطقكم بالشهادتين فنحن الآن نعاملكم معاملة الكافرين بسبب ~~استهزائكم بالله وآياته ورسوله صلى الله عليه وسلم لأن الاستهزاء بالدين. كما ~~يقول الإمام الرازي. يعد من باب الكفر ، إذ أنه يدل على الاستخفاف ، ~~والأساس الأول في الإيمان تعظيم الله تعالى بأقصى الإمكان ، والجمع بينهما ~~محال (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@010 إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا ~~مجرمين ) بيان لمظهر من مظاهر عدله سبحانه ورحمته. # أى : ( @QUR@05 إن نعف عن طائفة منكم ) أيها المنافقون بسبب توبتهم ~~وإقلاعهم عن النفاق ، ( @QUR@02 نعذب طائفة ) أخرى منكم بسبب إصرارهم على ~~النفاق ، واستمرارهم في طريق الفسوق ms2637 والعصيان. # هذا ، وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات منها : # ما جاء عن زيد بن أسلم : أن رجلا من المنافقين قال لعوف بن مالك في غزوة ~~تبوك : ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا ، وأكذبنا ألسنة وأجبننا عند ~~اللقاء!! فقال له عوف : كذبت ، ولكنك منافق ، لأخبرن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فذهب عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره ، فوجد ~~القرآن قد سبقه. # قال زيد : قال عبد الله بن عمر : فنظرت إليه أى إلى المنافق متعلقا بحقب ~~(2) ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم تنكبه (3) الحجارة يقول : إنما كنا ~~نخوض ونلعب ، فيقول له الرسول صلى الله عليه وسلم «أبا لله وآياته ورسوله كنتم ~~تستهزءون» (4). PageV06P341 # وعن قتادة قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في غزوته إلى تبوك ~~، وبين يديه ناس من المنافقين فقالوا : يرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام ~~وحصونها!! هيهات هيهات!. # فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك ، فقال نبي الله ~~صلى الله عليه وسلم : «احبسوا على الركب» فأتاهم فقال لهم. قلتم كذا ، قلتم ~~كذا. فقالوا : «يا نبي الله إنما كنا نخوض ونلعب» فأنزل الله تبارك وتعالى ~~فيهم ما تسمعون (1). # وقال ابن إسحاق : كان جماعة من المنافقين منهم وديعة بن ثابت .. ومنهم ~~رجل من أشجع حليف لبنى سلمة يقال له «مخشى بن حمير» يسيرون مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو منطلق إلى تبوك فقال بعضهم أتحسبون جلاد بنى الأصفر أى ~~الروم كقتال العرب بعضهم؟ والله لكأنا بكم غدا مقرنين في الحبال ، إرجافا ~~وترهيبا للمؤمنين. # فقال مخشى بن حمير : والله لوددت أن أقاضى على أن يضرب كل منا مائة جلدة ~~، وأننا ننجو أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني لعمار بن ياسر أدرك القوم ~~فإنهم قد احترقوا ، فسلهم عما قالوا ، فإن أنكروا فقل : بلى ، قلتم كذا ~~وكذا. فانطلق إليهم عمار ؛ فقال ذلك لهم ، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ms2638 ~~يعتذرون إليه. # فقال وديعة بن ثابت ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف على راحلته يا رسول ~~الله ، إنما كنا نخوض ونلعب. # فقال مخشى بن حمير : يا رسول الله ، قعد بن اسمى واسم أبى ، فكان الذي ~~عفى عنه في هذه الآية مخشى بن حمير ، فتسمى عبد الرحمن ، وسأل الله أن يقتل ~~شهيدا ، لا يعلم مكانه. فقتل يوم اليمامة ولم يوجد له أثر (2). # هذه بعض الآثار التي وردت في سبب نزول هذه الآيات ، وهي توضح ما كان عليه ~~المنافقون من كذب في المقال ، وجبن عن مواجهة الحقائق. # ثم مضت السورة الكريمة بعد ذلك في تقرير حقيقة المنافقين ، وفي بيان جانب ~~من صفاتهم ، والمصير السيئ الذي ينتظرهم فقال سبحانه وتعالى : PageV06P342 # ( @QUR@019 المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن ~~المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون (67) ~~@QUR@016 وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي ~~حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم ) (68) # قال الإمام الرازي : اعلم أن هذا شرح لنوع آخر من أنواع فضائحهم وقبائحهم ~~، والمقصود بيان أن إناثهم كذكورهم في تلك الأعمال المنكرة ، والأفعال ~~الخبيثة فقال : ( @QUR@05 المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ) أى : في صفة ~~النفاق ، وذلك كما يقول إنسان لآخر : أنت منى وأنا منك. أى : أمرنا واحد لا ~~مباينة فيه ولا مخالفة ... (1). # وقوله : ( @QUR@05 يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ) تفصيل لجانب من ~~رذائلهم ، ومن مسالكهم الخبيثة. # أى : يأمرون غيرهم بكل ما تستنكره الشرائع ، وتستقبحه العقول ، وينهونه ~~عن كل أمر دعت إليه الأديان ، وأحبته القلوب السليمة. # وقوله : ( @QUR@02 ويقبضون أيديهم ) كناية عن بخلهم وشحهم ، لأن الإنسان ~~السخي يبسط يده بالعطاء ، بخلاف الممسك القتور فإنه يقبض يده عن ذلك. # أى : أن من صفات هؤلاء المنافقين أنهم بخلاء أشحاء عن بذل المال في وجوهه ~~المشروعة. # وقوله : ( @QUR@03 نسوا الله فنسيهم ) كناية عن رسوخهم في الكفر ، ~~وانغماسهم في كل ما يبعدهم عن الله تعالى . # والمقصود بالنسيان هنا لازمه ، وهو الترك والإهمال ؛ لأن حقيقة النسيان ~~محالة على الله تعالى ، كما أن النسيان الحقيقي لا يذم صاحبه ms2639 عليه لعدم ~~التكليف به. PageV06P343 # أى : تركوا طاعة الله وخشيته ومراقبته ، فتركهم سبحانه وحرمهم من هدايته ~~ورحمته وفضله. # وقوله : ( @QUR@04 إن المنافقين هم الفاسقون ) تذييل قصد به المبالغة في ذمهم. # أى : إن المنافقين هم الكاملون في الخروج عن طاعة الله ، وفي الانسلاخ عن ~~فضائل الإيمان ، ومكارم الأخلاق. # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار ~~جهنم ... ) بيان لسوء مصيرهم ، بعد بيان جانب من صفاتهم الذميمة. # أى : وعد الله تعالى المنافقين والمنافقات والكفار المجاهرين بكفرهم «نار ~~جهنم خالدين فيها» خلودا أبديا. # وقوله : ( @QUR@02 هي حسبهم ) أى : إن تلك العقوبة الشديدة كافية ~~لإهانتهم وإذلالهم بسبب فسوقهم عن أمر ربهم. # وقوله : ( @QUR@02 ولعنهم الله ) أى : طردهم وأبعدهم من رحمته ولطفه. # وقوله : ( @QUR@03 ولهم عذاب مقيم ) أى : ولهم عذاب دائم لا ينقطع ؛ فهم ~~في الدنيا يعيشون في عذاب القلق والحذر من أن يطلع المسلمون على نفاقهم ، ~~وفي الآخرة يذوقون العذاب الذي هو أشد وأبقى ، بسبب إصرارهم على الكفر ~~والفسوق والعصيان. # وبذلك نرى الآيتين الكريمتين قد بينتا جانبا من قبائح المنافقين ، ومن ~~سوء مصيرهم في عاجلتهم وآجلتهم. # ثم ساقت السورة الكريمة لهؤلاء المنافقين نماذج لمن حبطت أعمالهم بسبب ~~غرورهم ، وضربت لهم الأمثال بمن هلك من الطغاة السابقين بسبب تكذيبهم ~~لأنبيائهم ، فقال تعالى : # ( @QUR@028 كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا ~~فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ~~وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا PageV06P344 # @QUR@04 والآخرة وأولئك هم الخاسرون (69) @QUR@026 ألم يأتهم نبأ الذين ~~من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم ~~رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) (70) # وقوله تعالى : ( @QUR@07 كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة ... ) جاء ~~على أسلوب الالتفات من الغيبة إلى الخطاب لزجر المنافقين ، وتحريك نفوسهم ~~إلى الاعتبار والاتعاظ. # والكاف في قوله : ( @QUR@01 كالذين ) للتشبيه ، وهي في محل رفع خبر ~~لمبتدأ محذوف. # والتقدير : أنتم أيها المنافقون حالكم كحال الذين خلوا من قبلكم من ~~الطغاة في الانحراف عن الحق ، والاغترار بشهوات الدنيا وزينتها ، ولكن ~~هؤلاء الطغاة المهلكين ms2640 ، يمتازون عنكم بأنهم «كانوا أشد منكم قوة» في ~~أبدانهم ، وكانوا «أكثر» منكم «أموالا وأولادا». # وقوله : ( @QUR@02 فاستمتعوا بخلاقهم ) بيان لموقف هؤلاء المهلكين من نعم ~~الله تعالى والخلاق : مشتق من الخلق بمعنى التقدير. وأطلق على الحظ والنصيب ~~لأنه مقدر لصاحبه. # أى : كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا ، ولكنهم لم يشكروا الله ~~على إحسانه ، بل فتنوا بما بين أيديهم من نعم ، واستمتعوا بنصيبهم المقدر ~~لهم في هذه الحياة الدنيا ، استمتاع الجاحدين الفاسقين. # والتعبير بالفاء المفيدة للتعقيب في قوله : ( @QUR@01 فاستمتعوا )؛ ~~للإشعار بأن هؤلاء المهلكين بمجرد أن امتلأت أيديهم بالنعم ، قد استعملوها ~~في غير ما خلقت له ، وسخروها لإرضاء شهواتهم الخسيسة ، وملذاتهم الدنيئة. # وقوله : ( @QUR@08 فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ~~) ذم للمخاطبين وللذين سبقوهم ؛ لانتهاجهم جميعا طريق الشر والبطر. # أى : فأنتم أيها المنافقون قد استمتعتم بنصيبكم المقدر لكم من ملاذ ~~الدنيا ، وشهواتها الباطلة ، كما استمتع الذين من قبلكم بنصيبهم في ذلك. PageV06P345 # وقوله : ( @QUR@03 وخضتم كالذي خاضوا ) معطوف على ما قبله. # أى : وخضتم أيها المنافقون في حمأة الباطل وفي طريق الغرور والهوى ، ~~كالخوض الذي خاضه السابقون من الأمم المهلكة. # قال الآلوسى قوله : «وخضتم» أى : دخلتم في الباطل «كالذي خاضوا». # أى : كالذين فحذفت نونه تخفيفا ، كما في قول الشاعر : # إن الذي حانت بفلج دماؤهم %~% هم القوم كل القوم يا أم خالد # ويجوز أن يكون «الذي» صفة لمفرد اللفظ ، مجموع المعنى ، كالفوج والفريق ، ~~فلوحظ في الصفة اللفظ. وفي الضمير المعنى ، أو هو صفة لمصدر محذوف ، أى : ~~كالخوض الذي خاضوه ، ورجح بعدم التكلف فيه (1). # وقال صاحب الكشاف : فإن قلت : أى فائدة في قوله : ( @QUR@02 فاستمتعوا ~~بخلاقهم ) وقوله : ( @QUR@06 كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ) مغن عنه ~~كما أغنى قوله : ( @QUR@02 كالذي خاضوا ) عن أن يقال : وخاضوا فخضتم كالذي خاضوا؟ # قلت : فائدته أن يذم الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا ورضاهم ~~بها ، والتهائهم بشهواتهم الفانية عن النظر في العاقبة ، وطلب الفلاح في ~~الآخرة ، وأن يخسس أمر الاستمتاع ، ويهجن أمر الرضا به ، ثم يشبه بعد ذلك ~~حال المخاطبين بحالهم ، كما تريد ms2641 أن تنبه بعض الظلمة على سماجة فعله فتقول ~~: أنت مثل فرعون : كان يقتل بغير جرم ، ويعذب ويعسف وأنت تفعل مثل ما فعله. # وأما «وخضتم كالذي خاضوا» فمعطوف على ما قبله مستند إليه ، مستغن ~~باستناده إليه عن تلك التقدمة» (2). # وقوله : ( @QUR@09 أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم ~~الخاسرون ) بيان لسوء مصيرهم في الدارين. # واسما الإشارة يعودان على المتصفين بتلك الصفات القبيحة من السابقين ~~واللاحقين. # أى : أولئك المستمتعون بنصيبهم المقدر لهم في الشهوات الخسيسة ، ~~والخائضون في الشرور والآثام «حبطت أعمالهم» أى : فسدت وبطلت أعمالهم التي ~~كانوا يرجون منفعتها «في الدنيا والآخرة» لأن هذه الأعمال لم يكن معها ~~إيمان أو إخلاص ، وإنما كان معها الرياء PageV06P346 # والنفاق ، والفسوق والعصيان ، والله تعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما كان ~~خالصا لوجهه الكريم. # وقوله : ( @QUR@03 وأولئك هم الخاسرون ) أى : الكاملون في الخسران ، ~~الجامعون لكل ما من شأنه أن يؤدى إلى البوار والهلاك. # ثم ساق لهم سبحانه من أخبار السابقين ما فيه الكفاية للعظة والاعتبار لو ~~كانوا يعقلون ، فقال تعالى : ( @QUR@010 ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم ، ~~قوم نوح وعاد وثمود ... ). # والاستفهام للتقرير والتحذير. والمراد بنبإ الذين من قبلهم : أخبارهم ~~التي تتناول أقوالهم وأعمالهم ، كما تتناول ما حل بهم من عقوبات ، بسبب ~~تكذيبهم لأنبيائهم. # والمعنى : ألم يصل إلى أسماع هؤلاء المنافقين ، خبر أولئك المهلكين من ~~الأقوام السابقين بسبب عصيانهم لرسلهم ، ومن هؤلاء الأقوام «قوم نوح» الذين ~~أغرقوا بالطوفان ، وقوم «عاد» الذين أهلكوا بريح صرصر عاتية ، وقوم «ثمود» ~~الذين أخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين ، «وقوم إبراهيم» الذين سلب ~~الله نعمه عنهم ، وأذل غرور زعيمهم الذي حاج إبراهيم في ربه ، «وأصحاب ~~مدين» وهم قوم شعيب الذين أخذتهم الصيحة ، «والمؤتفكات» وهم أصحاب قرى قوم ~~لوط ، التي جعل الله عاليها سافلها ... # والائتفاك : معناه الانقلاب بجعل أعلى الشيء أسفله. يقال : أفكه يأفكه ~~إذا قلبه رأسا على عقب. # وذكر سبحانه هنا هذه الطوائف الست ، لأن آثارهم باقية ، ومواطنهم هي ~~الشام والعراق واليمن ، وهي مواطن قريبة من أرض العرب ، فكانوا يمرون عليها ~~في أسفارهم ms2642 ، كما كانوا يعرفون الكثير من أخبارهم. # قال تعالى : ( @QUR@07 وإنكم لتمرون عليهم مصبحين ، وبالليل أفلا تعقلون ~~) (1). # وقوله : ( @QUR@03 أتتهم رسلهم بالبينات ) كلام مستأنف لبيان أنبائهم ~~وأخبارهم. # أى : أن هؤلاء الأقوام المهلكين السابقين ، قد أتتهم رسلهم بالحجج ~~الواضحات الدالة على وحدانية الله وعلى وجوب إخلاص العبادة له .. # والفاء في قوله : ( @QUR@04 فما كان الله ليظلمهم ) للعطف على كلام مقدر ~~يدل عليه المقام. # أى : أتتهم رسلهم بالبينات ، فكذبوا هؤلاء الرسل ، فعاقبهم الله تعالى ~~على هذا التكذيب. وما كان من سنته سبحانه ليظلمهم ، لأنه لا يظلم الناس ~~شيئا «ولكن كانوا PageV06P347 # أنفسهم يظلمون» بسبب كفرهم وجحودهم ، واستحبابهم العمى على الهدى ، ~~وإيثارهم الغي على الرشد. # هذا ، ومن هاتين الآيتين الكريمتين نرى بوضوح ، أن الغرور بالقوة ، ~~والافتتان بالأموال والأولاد ، والانغماس في الشهوات والملذات الخسيسة. ~~والخوض في طريق الباطل ، وعدم الاعتبار بما حل بالطغاة والعصاة .. # كل ذلك يؤدى إلى الخسران في الدنيا والآخرة ، وإلى التعرض لسخط الله ~~وعقابه. # كما نرى منهما أن من سنة الله في خلقه ، أنه سبحانه لا يعاقب إلا بذنب ، ~~ولا يأخذ العصاة والطغاة أخذ عزيز مقتدر ، إلا بعد استمرارهم في طريق ~~الغواية ، وإعراضهم عن نصح الناصحين ، وإرشاد المرشدين. وصدق الله إذ يقول ~~: ( @QUR@010 إن الله لا يظلم الناس شيئا ، ولكن الناس أنفسهم يظلمون ). # وبعد أن تحدثت السورة الكريمة عن أحوال المنافقين ، وصفاتهم ، وسوء ~~عاقبتهم .. # أتبعت ذلك بالحديث عن المؤمنين الصادقين ، وعما أعده الله لهم من نعيم ~~مقيم ، فقال سبحانه : # ( @QUR@024 والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون ~~عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم ~~الله إن الله عزيز حكيم (71) @QUR@024 وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله ~~أكبر ذلك هو الفوز العظيم ) (72) # قال الإمام ابن كثير : لما ذكر سبحانه صفات المنافقين الذميمة ، عطف بذكر ~~صفات المؤمنين المحمودة فقال : ( @QUR@05 والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء ~~بعض ). PageV06P348 # أى : يتناصرون ويتعاضدون كما جاء في الحديث الصحيح : «المؤمن للمؤمن ~~كالبنيان يشد بعضه بعضا». وفي الصحيح أيضا : «مثل المؤمنين ms2643 في توادهم ~~وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى ~~والسهر» (1). # وقال سبحانه هنا ( @QUR@03 بعضهم أولياء بعض ) بينما قال في المنافقين ( ~~@QUR@03 بعضهم من بعض ) للإشعار بأن المؤمنين في تناصرهم وتعاضدهم وتراحمهم ~~مدفوعون بدافع العقيدة الدينية التي ألفت بين قلوبهم ، وجعلتهم أشبه ما ~~يكونون بالجسد الواحد ، أما المنافقون فلا توجد بينهم هذه الروابط السامية ~~، وإنما الذي يوجد بينهم هو التقليد واتباع الهوى ، والسير وراء العصبية ~~الممقوتة ، فهم لا ولاية بينهم ، وإنما الذي بينهم هو التقليد وكراهية ما ~~أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم . # وقوله ( @QUR@05 يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ... ) بيان للآثار ~~التي تترتب على تلك الولاية الخالصة ، وتفصيل للصفات الحسنة التي تحلى بها ~~المؤمنون والمؤمنات. # أى : أن من صفات هؤلاء المؤمنين والمؤمنات الذين جمعتهم العقيدة الدينية ~~على التناصر والتراحم .. من صفاتهم أنهم ( @QUR@05 يأمرون بالمعروف وينهون ~~عن المنكر ) أى يأمرون بكل خير دعا إليه الشرع ، وينهون عن كل شر تأباه ~~تعاليم الإسلام الحنيف. # وقوله : ( @QUR@02 ويقيمون الصلاة ) أى : يؤدونها في أوقاتها بإخلاص ~~وخشوع .. # وقوله : ( @QUR@02 ويؤتون الزكاة ) أى : يعطونها لمستحقيها بدون من أو أذى .. # وقوله : ( @QUR@03 ويطيعون الله ورسوله ) أى : في سائر الأحوال بدون ملل ~~أو انقطاع أو تكاسل .. # وقوله : ( @QUR@07 أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ) بيان للجزاء ~~الطيب الذي ادخره الله تعالى لهم. # أى : أولئك المؤمنون والمؤمنات المتصفون بتلك الصفات السامية ، سي ~~رحمهم الله تعالى برحمته الواسعة ، إنه سبحانه «عزيز» لا يعجزه شيء «حكيم» ~~في كل أفعاله وتصرفاته. # قال صاحب الكشاف : «والسين هنا مفيدة لوجود الرحمة ، فهي تؤكد الوعد ، ~~كما تؤكد الوعيد كما في قولك : سأنتقم منك يوما ، تعنى أنك لا تفوتني وإن ~~تباطأ ذلك ، ونحوه : ( @QUR@09 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم ~~الرحمن ودا ) (2) PageV06P349 # ثم فصل سبحانه مظاهر رحمته للمؤمنين والمؤمنات أصحاب تلك الصفات السابقة ~~فقال : ( @QUR@09 وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار ). # أى : ( @QUR@02 وعد الله ) بفضله وكرمه ( @QUR@07 المؤمنين والمؤمنات ~~جنات تجري من تحتها الأنهار ) أى : من تحت بساتينها وأشجارها وقصورها ( ~~@QUR@02 خالدين فيها ms2644 ) في تلك الجنات خلودا أبديا. # ووعدهم كذلك «مساكن طيبة» أى : منازل حسنة ، تنشرح لها الصدور وتستطيبها ~~النفوس. # وقوله : «في جنات عدن» أى في جنات ثابتة مستقرة. يقال : فلان عدن بمكان ~~كذا ، إذا استقر به وثبت فيه ، ومنه سمى المعدن معدنا لاستقراره في باطن الأرض. # وقيل : إن كلمه «عدن» علم على مكان مخصوص في الجنة ، أى في جنات المكان ~~المسمى بهذا الاسم وهو «عدن». # ثم بشرهم سبحانه بما هو أعظم من كل ذلك فقال : ( @QUR@04 ورضوان من الله ~~أكبر ). # أى أن المؤمنين والمؤمنات ليس لهم هذه الجنات والمساكن الطيبة فحسب وإنما ~~لهم ما هو أكبر من ذلك وأعظم وهو رضا الله تعالى عنهم ، وتجليه عليهم ، ~~وتشرفهم بمشاهدة ذاته الكريمة ، وشعورهم بأنهم محل رعاية الله وكرمه. # والتنكير في قوله : ( @QUR@01 ورضوان ) للتعظيم والتهويل ، وللإشارة إلى ~~أن الشيء اليسير من هذا الرضا الإلهى على العبد ، أكبر من الجنات ومن ~~المساكن الطيبة ، ومن كل حطام الدنيا. # روى الشيخان عن أبى سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «إن ~~الله عز وجل يقول لأهل الجنة : يا أهل الجنة ، فيقولون : لبيك ربنا وسعديك ~~والخير في يديك. فيقول : هل رضيتم؟ فيقولون : وما لنا لا نرضى يا رب ، وقد ~~أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول : ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون ~~: يا ربنا وأى شيء أفضل من ذلك؟ فيقول : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم ~~بعده أبدا». # وروى البزار في مسنده عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «إذا دخل أهل الجنة الجنة ، قال الله تعالى : هل تشتهون ~~شيئا فأزيدكم؟ # قالوا : يا ربنا وما خير مما أعطيتنا؟ قال : رضواني أكبر» (1). # وقوله : ( @QUR@04 ذلك هو الفوز العظيم ) أى : ذلك الذي وعد الله به ~~المؤمنين والمؤمنات في جنات ومساكن طيبة ، ومن رضا من الله عنهم ، هو الفوز ~~العظيم الذي لا يقاربه فوز ، ولا يدانيه PageV06P350 # نعيم ، ولا يسامى شرفه شرف .. # وبهذا نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد بشرتا المؤمنين والمؤمنات بأعظم ~~البشارات ، ووصفتهم ms2645 بأشرف الصفات ، وقابلت بين جزائهم وبين جزاء الكفار ~~والمنافقين ، بما يحمل العاقل على أن يسلك طريق المؤمنين ، وعلى أن ينهج ~~نهجهم ، ويتحلى بأوصافهم ... وبذلك يفوز بنعيم الله ورضاه كما فازوا ، ~~ويسعد كما سعدوا ، وينجو من العذاب الذي توعد الله به المنافقين والكافرين ~~، بسبب إصرارهم على الكفر والنفاق ، وإيثارهم الغى على الرشد. # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بمجاهدة الكفار والمنافقين بكل ~~وسيلة ، لأنهم جميعا لا يريدون الانتهاء عن المكر السيئ بالدعوة الإسلامية ~~فقال تعالى : # ( @QUR@012 يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم ~~جهنم وبئس المصير ) (73) # وقوله سبحانه ( @QUR@01 جاهد ) من المجاهدة ، بمعنى بذل الجهد في دفع ما ~~لا يرضى ، سواء أكان ذلك بالقتال أم بغيره. # وقوله : ( @QUR@02 واغلظ عليهم ) من الغلظة التي هي نقيض الرقة والرأفة. ~~يقال أغلظ فلان في الأمر إذا اشتد فيه ولم يترفق. # ونحن عند ما نقرأ السيرة النبوية ، نجد أنه صلى الله عليه وسلم بعد هجرته ~~إلى المدينة ، ظل فترة طويلة يلاين المنافقين ، ويغض الطرف عن رذائلهم. ~~ويصفح عن مسيئهم .. إلا أن هذه المعاملة الحسنة لهم زادتهم رجسا إلى رجسهم ~~.. لذا جاءت هذه السورة وهي من أواخر ما نزل من القرآن لتقول للنبي ~~صلى الله عليه وسلم لقد آن الأوان لإحلال الشدة والحزم ، محل اللين والرفق ، ~~فإن للشدة مواضعها وللين مواضعه .. # والمعنى : عليك أيها النبي الكريم أن تجاهد الكفار بالسيف إذا كان لا ~~يصلحهم سواه ، وأن تجاهد المنافقين الذين يظهرون الإسلام ويخفون الكفر بما ~~تراه مناسبا لردهم وزجرهم وإرهابهم ، سواء أكان ذلك باليد أم باللسان أم ~~بغيرهما ، حتى تأمن شرهم. # قال الإمام ابن كثير ، أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بجهاد الكفار ~~والمنافقين ، كما أمره أن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين .. وقد تقدم عن ~~أمير المؤمنين على بن أبى طالب أنه قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بأربعة أسياف. سيف للمشركين ( @QUR@08 فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم ... ) وسيف للكفار أهل الكتاب ( @QUR@02 قاتلوا الذين PageV06P351 # @QUR@020 لا يؤمنون بالله ولا باليوم ms2646 الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ~~ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب ... ) وسيف للمنافقين ( ~~@QUR@03 جاهد الكفار والمنافقين ) وسيف للبغاة ( @QUR@08 فقاتلوا التي تبغي ~~حتى تفيء إلى أمر الله ) وهذا يقتضى أنهم يجاهدون بالسيوف إذا أظهروا ~~النفاق ، وهو اختيار ابن جرير. # وقال ابن مسعود في قوله : ( @QUR@03 جاهد الكفار والمنافقين ) قال : بيده ~~، فإن لم يستطع فليكشر في وجهه أى فليلق المنافق بوجه عابس لا طلاقة فيه ~~ولا انبساط. # وقال ابن عباس : أمره الله تعالى بجهاد المنافقين باللسان وأذهب الرفق عنهم. # وقد يقال أنه لا منافاة بين هذه الأقوال ، لأنه تارة يؤاخذهم بهذا ، ~~وتارة بهذا على حسب الأحوال ... (1). # والضمير المجرور في قوله : ( @QUR@02 واغلظ عليهم ) يعود على الفريقين : ~~الكفار والمنافقين أى : جاهدهم بكل ما تستطيع مجاهدتهم به ، مما يقتضيه ~~الحال ، واشدد عليهم في هذه المجاهدة بحيث لا تدع مجالا معهم للترفق واللين ~~، فإنهم ليسوا أهلا لذلك ، بعد أن عموا وصموا عن النصيحة ، وبعد أن لجوا في ~~طغيانهم. # وقوله : ( @QUR@04 ومأواهم جهنم وبئس المصير ) تذييل قصد به بيان سوء ~~مصيرهم في الآخرة بعد بيان ما يجب على المؤمنين نحوهم في الدنيا. # أى : عليك أيها النبي أن تجاهدهم وأن تغلظ عليهم في الدنيا ، أما في ~~الآخرة فإن جهنم هي دارهم وقرارهم. # والمخصوص بالذم محذوف والتقدير : وبئس المصير مصيرهم ، فانه لا مصير أسوأ ~~من الخلود في جهنم. # ومن هذه الآية الكريمة نرى أن على المؤمنين في كل زمان ومكان أن يجاهدوا ~~أعداءهم من الكفار والمنافقين بالسلاح الذي يرونه كفيلا بأن يجعل كلمة الله ~~هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى. # ثم بين سبحانه ما كان عليه المنافقون من كذب وفجور ، ومن خيانة وغدر ، ~~وفتح أمامهم باب التوبة ، وأنذرهم بالعذاب الأليم إذا ما استمروا في نفاقهم ~~فقال سبحانه : PageV06P352 # ( @QUR@046 يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد ~~إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ~~فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا ~~والآخرة وما لهم ms2647 في الأرض من ولي ولا نصير ) (74) # ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها : ما رواه ابن جرير عن ~~هشام بن عروة عن أبيه قال : نزلت هذه الآية : ( @QUR@04 يحلفون بالله ما ~~قالوا ). الآية في الجلاس بن سويد بن الصامت. أقبل هو وابن امرأته مصعب من ~~قباء. فقال الجلاس : إن كان ما يقول محمد حقا لنحن أشر من حمرنا هذه التي ~~نحن عليها!! # فقال مصعب : أما والله يا عدو الله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ~~قلت : قال مصعب : فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم . وخشيت أن ينزل في القرآن ~~أو تصيبني قارعة .. فقلت يا رسول الله : أقبلت أنا والجلاس من قباء. فقال ~~كذا وكذا ، ولو لا مخافة أن أخلط بخطيئة أو تصيبني قارعة ما أخبرتك. # قال مصعب : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الجلاس فقال له : أقلت الذي ~~قال مصعب؟ فحلف الجلاس بأنه ما قال ذلك. فأنزل الله الآية» (1). # وأخرج ابن إسحاق وابن أبى حاتم عن كعب بن مالك قال : لما نزل القرآن وفيه ~~ذكر المنافقين قال الجلاس بن سويد : والله لئن كان هذا الرجل صادقا لنحن شر ~~من الحمير. فسمعه عمير بن سعد فقال : والله يا جلاس إنك لأحب الناس إلى. ~~وأحسنهم عندي أثرا. ولقد قلت مقالة لئن ذكرتها لتفضحنك ، ولئن سكت عنها ~~هلكت ، ولإحداهما أشد على من الأخرى. PageV06P353 # فمشى عمير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ما قال الجلاس. فسأل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الجلاس عما قاله عمير ، فحلف بالله ما قال ذلك ، وزعم ~~أن عميرا كذب عليه فنزلت هذه الآية (1). # وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جميع عن أبى ~~الطفيل. # قال : لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أمر مناديه فنادى ~~إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ طريق العقبة وهو مكان مرتفع ضيق فلا ~~يأخذها أحد. # قال : فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقود ركابه حذيفة ويسوقه ms2648 عمار ، ~~إذا أقبل رهط ملثمون على الرواحل ، فغشوا عمارا وهو يسوق برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، فأقبل عمار يضرب وجوه الرواحل. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لحذيفة : «قد ، قد». أى حسبك حسبك. حتى هبط رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ورجع عمار. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عمار : «هل عرفت القوم»؟ فقال : لقد ~~عرفت عامة الرواحل والقوم متلثمون. قال : «هل تدرى ما أرادوا»؟ قال : الله ~~ورسوله أعلم. قال : «أرادوا أن ينفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته ~~فيطرحوه» .. (2). # هذه بعض الروايات التي وردت في سبب نزول هذه الآية وهي تكشف عن كذب ~~المنافقين وغدرهم. # وقوله. سبحانه : ( @QUR@04 يحلفون بالله ما قالوا ... ) استئناف مسوق ~~لبيان جانب مما صدر عنهم من جرائم تستدعى جهادهم والإغلاظ عليهم. # أى : يحلف هؤلاء المنافقون بالله كذبا وزورا أنهم ما قالوا هذا القول ~~القبيح الذي بلغك عنهم يا محمد. # والحق أنهم قد قالوا «كلمة الكفر» وهي تشمل كل ما نطقوا به من أقوال ~~يقصدون بها إيذاءه. صلى الله عليه وسلم ، كقولهم : «هو أذن» وقولهم. «لئن كان ~~ما جاء به حقا فنحن أشر من حمرنا ...» وغير ذلك من الكلمات القبيحة التي ~~نطقوا بها. # وأنهم قد «كفروا بعد إسلامهم» أى : أظهروا الكفر بعد إظهارهم الإسلام. # وأنهم قد «هموا بما لم ينالوا» أى : حاولوا إلحاق الأذى برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولكنهم لم يستطيعوا ذلك ، لأن الله تعالى. عصمه من شرورهم. PageV06P354 # وقوله : ( @QUR@09 وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ) توبيخ ~~لهم على جحودهم وكنودهم ومقابلتهم الحسنة بالسيئة. # ومعنى : نقموا : كرهوا وعابوا وأنكروا ، يقال نقم منه الشيء إذا أنكره ، ~~وكرهه وعابه ، وكذا إذا عاقبه عليه. # أى : وما أنكر هؤلاء المنافقون من أمر الإسلام شيئا ، إلا أنهم بسببه ~~أغناهم الله ورسوله من فضله بالغنائم وغيرها من وجوه الخيرات التي كانوا لا ~~يجدونها قبل حلول الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بينهم. # وهذه الجملة الكريمة جاءت على الأسلوب الذي يسميه علماء البلاغة : تأكيد ~~المدح ms2649 بما يشبه الذم. # قال الجمل : كأنه قال سبحانه ليس له صلى الله عليه وسلم صفة تكره وتعاب ، ~~سوى أنه ترتب على قدومه إليهم وهجرته عندهم ، إغناء الله إياهم بعد شدة ~~الحاجة ، وهذه ليست صفة ذم بل هي صفة مدح فحينئذ ليس له صفة تذم أصلا» (1). # وشبيه بهذا الأسلوب قول الشاعر يمدح قوما بالشجاعة والإقدام. # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم %~% بهن فلول من قراع الكتائب # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بترغيبهم وترهيبهم فقال : ( @QUR@014 فإن ~~يتوبوا يك خيرا لهم. وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة .. ) # أى : فإن يتب هؤلاء المنافقون عن نفاقهم وشقاقهم وقبائح أقوالهم وأفعالهم ~~، يكن المتاب خيرا لهم في دنياهم وآخرتهم. «وإن يتولوا» ويعرضوا عن الحق : ~~ويستمروا في ضلالهم «يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة». # أما عذاب الدنيا فمن مظاهره : حذرهم وخوفهم من أن يطلع المؤمنون على ~~أسرارهم وجبنهم عن مجابهة الحقائق ، وشعورهم بالضعف أمام قوة المسلمين ، ~~وإحساسهم بالعزلة والمقاطعة من جانب المؤمنين ومعاقبة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم إياهم بالعقوبة المناسبة لجرمهم .. # وأما عذاب الآخرة ، فهو أشد وأبقى ، بسبب إصرارهم على النفاق ، وإعراضهم ~~عن دعوة الحق. PageV06P355 # وقوله : ( @QUR@08 وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير ) تذييل قصد به ~~تيئيسهم من كل معين أو ناصر. # أى : أن هؤلاء المنافقين ليس لهم أحد في الأرض يدفع عنهم عذاب الله ، أو ~~يحميهم من عقابه ، لأن عقاب الله لن يدفعه دافع إلا هو ، فعليهم أن يثوبوا ~~إلى رشدهم ، وأن يتوبوا إلى ربهم قبل أن يحل بهم عذابه. # ثم حكى سبحانه بعد ذلك نماذج أخرى من جحودهم ، ونقضهم لعهودهم ، وبخلهم ~~بما آتاهم الله من فضله فقال سبحانه . # ( @QUR@012 ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من ~~الصالحين (75) @QUR@09 فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون (76) ~~@QUR@015 فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه ~~وبما كانوا يكذبون (77) @QUR@011 ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن ~~الله علام الغيوب ) (78) # قال الإمام ابن كثير ما ms2650 ملخصه : وقد ذكر كثير من المفسرين منهم ابن عباس ~~والحسن البصري ، أن سبب نزول هذه الآيات أن ثعلبة بن حاطب الأنصارى قال ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ، ادع الله أن يرزقني مالا. فقال ~~له الرسول صلى الله عليه وسلم : «ويحك يا ثعلبة ، قليل تؤدى شكره خير من كثير ~~لا تطيقه. ثم قال له مرة أخرى : «أما ترضى أن تكون مثل نبي الله؟ فو الذي ~~نفسي بيده لو شئت أن تصير الجبال معى ذهبا وفضة لصارت». # فقال ثعلبة ، والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله فرزقني مالا لأعطين كل ذي ~~حق حقه. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اللهم ارزق ثعلبة مالا». PageV06P356 # فاتخذ ثعلبة غنما فنمت ، ثم ضاقت عليه المدينة فتنحى عنها ونزل واديا من ~~أوديتها حتى جعل يصلى الظهر والعصر في جماعة ويترك ما سواهما. ثم نمت وكثرت ~~فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة ، ثم ترك الجمعة .. # وأنزل الله تعالى قوله : ( @QUR@07 خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم ~~بها ) فبعث الرسول صلى الله عليه وسلم رجلين على الصدقة من المسلمين .. وقال ~~لهما : «مرا على ثعلبة وعلى فلان. رجل من بنى سليم. فخذا صدقاتهما». # فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة ، وأقرآه كتاب رسول الله. فقال : ما ~~هذه إلا جزية ، ما هذه إلا أخت الجزية ، ما أدرى ما هذا؟ انطلقا حتى تفرغا ~~ثم عودا إلى. # فانطلقا وسمع بهما السلمى «فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة. ثم ~~استقبلهم بها. فلما رأوها قالوا له : ما يجب عليك هذا ، وما نريد أن نأخذ ~~هذا منك. فقال : بل خذوها فإن نفسي بذلك طيبة ، فأخذاها منه ومرا على ثعلبة ~~فقال لهما : أرونى كتابكما فقرأه فقال : ما هذه إلا جزية ... انطلقا حتى ~~أرى رأيى. # فانطلقا حتى أتيا النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما رآهما قال : «يا ويح ~~ثعلبة» قبل أن يكلمهما ، ودعا للسلمى بالبركة. فأخبراه بالذي صنعه ثعلبة ~~معهما .. # فأنزل الله تعالى : ( @QUR@012 ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله ~~لنصدقن ولنكونن من الصالحين ms2651 .. ) الآيات. # فسمع رجل من أقارب ثعلبة هذه الآيات فذهب إليه وأخبره بما أنزل فيه من قرآن. # فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله أن يقبل منه صدقته فقال ~~له : إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك .. # ثم لم يقبلها منه بعد ذلك أبو بكر أو عمر أو عثمان ، وهلك ثعلبة في خلافة ~~عثمان (1). # هذا ، وقد ضعف بعض العلماء هذا الحديث ، لأسباب تتعلق بسنده ، وبصاحب ~~القصة وهو ثعلبة بن حاطب. # والذي نراه أن هذه الآيات الكريمة تحكى صورة حقيقية وواقعية لبعض ~~المنافقين المعاصرين للعهد النبوي. والذين عاهدوا الله فنقضوا عهودهم معه ، ~~وقابلوا ما أعطاهم من نعم بالبخل والجحود .. PageV06P357 # وتلك الصورة قد تكون لثعلبة بن حاطب وقد تكون لغيره ، لأن المهم هو ~~حصولها فعلا من بعض المنافقين. # وهذه الآيات أيضا تنطبق في كل زمان ومكان على من يقابل نعم الله بالكفران ~~، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. # وإلى هذا المعنى أشار صاحب المنار بقوله : هذا بيان لحال طائفة من أولئك ~~المنافقين الذين أغناهم الله ورسوله من فضله بعد الفقر والإملاق ، ويوجد ~~مثلهم في كل زمان ، وهم الذين يلجئون إلى الله تعالى في وقت العسرة والفقر ~~، أو الشدة والضر ، فيدعونه ويعاهدونه على الشكر له ، والطاعة لشرعه ، إذا ~~هو كشف ضرهم ، وأغنى فقرهم. فإذا استجاب لهم نكسوا على رءوسهم ، ونكصوا على ~~أعقابهم ، وكفروا النعمة ، وبطروا الحق ، وهضموا حقوق الخلق وهذا مثل من شر ~~أمثالهم» (1). # ومعنى الآيات الكريمة : ومن المنافقين قوم «عاهدوا الله» وأكدوا عهودهم ~~بالأيمان المغلظة فقالوا : «لئن آتانا» الله تعالى من فضله مالا وفيرا ، ~~لنصدقن منه على المحتاجين ، ولنعطين كل ذي حق حقه ولنكونن من عباده ~~«الصالحين» الذين يؤدون واجبهم نحو الله والناس ، والذين يصلحون في الأرض ~~ولا يفسدون. # قال الجمل وقوله : ( @QUR@03 من عاهد الله ) فيه معنى القسم ، وقوله : ( ~~@QUR@04 لئن آتانا من فضله ) تفسير لقوله : عاهد الله. واللام موطئة لقسم ~~مقدر. وقد اجتمع هنا قسم وشرط ، فالمذكور وهو قوله : «لنصدقن» .. جواب ~~القسم ، وجواب الشرط محذوف ... واللام في قوله «لنصدقن» ms2652 ... واقعة في جواب ~~القسم (2). # وقوله : ( @QUR@06 فلما آتاهم من فضله بخلوا به )... بيان لموقفهم ~~الجحودى من عطاء الله وكرمه. # أى : فلما أعطى الله تعالى من فضله هؤلاء المنافقين ما تمنوه من مال وفير ~~«بخلوا به» أى : بخلوا بهذا المال ، فلم ينفقوا منه شيئا في وجوهه المشروعة ~~، ولم يعترفوا فيه بحقوق الله أو حقوق الناس ، ولم يكتفوا بذلك بل «تولوا ~~وهم معرضون». # أى : أدبروا عن طاعة الله وعن فعل الخير ، وهم قوم دأبهم التولي عن سماع ~~الحق ، وشأنهم الانقياد للهوى والشيطان. PageV06P358 # وقوله : ( @QUR@07 فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه ... ) تصوير ~~للآثار الذميمة التي ترتبت على بخلهم وإعراضهم عن الحق والخير. # أى : فجعل الله تعالى عاقبة فعلهم نفاقا وسوء اعتقاد في قلوبهم إلى يوم ~~يلقونه للحساب ، فيجازيهم بما يستحقون على بخلهم وإعراضهم عن الحق. # فالضمير المستتر في «أعقب» لله تعالى وكذا الضمير المنصوب في قوله : ~~«يلقونه». # ويصح أن يكون الضمير في «أعقب» يعود على البخل والتولي والإعراض ، فيكون ~~المعنى : فأعقبهم وأورثهم ذلك البخل والتولي والإعراض عن الحق والخير ، ~~نفاقا راسخا في قلوبهم ، وممتدا في نفوسهم إلى اليوم الذي يلقون فيه ربهم ، ~~فيعاقبهم عقابا أليما على سوء أعمالهم. # والباء في قوله : ( @QUR@08 بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ~~) للسببية. # أى : أن النفاق قد باض وفرخ في قلوبهم إلى يوم يلقون الله تعالى ، بسبب ~~إخلافهم لوعودهم مع خالقهم ، وبسبب استمرارهم على الكذب ، ومداومتهم عليه. # ثم ختم سبحانه هذه الآيات الكريمة ، بتوبيخهم على إصرارهم على المعاصي ، ~~مع علمهم بأنه عز وجل عليم رقيب عليهم ، ومطلع على أحوالهم فقال : ( ~~@QUR@011 ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم ، وأن الله علام الغيوب ). # أى : ألم يعلم هؤلاء المنافقون أن الله تعالى يعلم ما يسرونه في أنفسهم ~~من نفاق ، وما يتناجون به فيما بينهم من أقوال فاسدة ، وأنه سبحانه لا يخفى ~~عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟ بلى إنهم ليعلمون ذلك علم اليقين ، ~~ولكنهم لاستيلاء الهوى والشيطان عليهم ، لم ينتفعوا بعلمهم. # فالاستفهام في قوله : ( @QUR@02 ألم يعلموا .. ) للتوبيخ والتهديد ~~والتقرير ms2653 ، وتنبيهم إلى أن الله عليم بأحوالهم ، وسيجازيهم عليها. # هذا ، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى : # 1 وجوب الوفاء بالعهود ، فإن نقض العهود ، وخلف الوعد ، والكذب كل ذلك ~~يورث النفاق ، فيجب على المسلم أن يبالغ في الاحتراز عنه ، فإذا عاهد الله ~~في أمر فليجتهد في الوفاء به. # ومذهب الحسن البصري رحمه الله أنه يوجب النفاق لا محالة ، وتمسك فيه بهذه الآية PageV06P359 # وبقوله صلى الله عليه وسلم : «ثلاث من كن فيه فهو منافق ، وإن صلى وصام وزعم ~~أنه مؤمن : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان» (1). # 2 أن للإمام أن يمتنع عن قبول الصدقة من صاحبها إذا رأى المصلحة في ذلك ، ~~اقتداء بما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم مع ثعلبة ، فإنه لم يقبل منه ~~الصدقة بعد أن جاء بها. # قال الإمام الرازي : فإن قيل إن الله تعالى أمره أى ثعلبة بإخراج الصدقة ~~فكيف يجوز من الرسول صلى الله عليه وسلم أن لا يقبلها منه؟ # قلنا : لا يبعد أن يقال أنه تعالى منع رسوله عن قبول الصدقة منه على سبيل ~~الإهانة له ، ليعتبر غيره به ، فلا يمتنع عن أداء الصدقات. # ولا يبعد أيضا أنه إنما أتى بها على وجه الرياء لا على وجه الإخلاص وأعلم ~~الله رسوله بذلك ، فلم يقبل تلك الصدقة لهذا السبب. # ويحتمل أيضا أنه تعالى لما قال : ( @QUR@07 خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ~~وتزكيهم بها ) وكان هذا المقصود غير حاصل في ثعلبة مع نفاقة ، فلهذا السبب ~~امتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أخذ تلك الصدقة (2). # 3 أن النفس البشرية ضعيفة شحيحة إلا من عصم الله. # وأن مما يعين الإنسان على التغلب على هذا الضعف والشح ، أن يوطن نفسه على ~~طاعة الله ، وأن يجبرها إجبارا على مخالفة الهوى والشيطان ، وأن يؤثر ما ~~عند الله على كل شيء من حطام الدنيا ... # أما إذا ترك لنفسه أن تسير على هواها ، فإنها ستورده المهالك ، التي لن ~~ينفع معها الندم ، وستجعله أسير شهواته وأطماعه ونفاقه إلى ms2654 أن يلقى الله ، ~~وصدق سبحانه حيث يقول : ( @QUR@015 فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه ~~، بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ). # ثم حكى سبحانه موقف هؤلاء المنافقين من المؤمنين الصادقين الذين كانوا ~~يبذلون أموالهم في سبيل الله ، فقال سبحانه : PageV06P360 # ( @QUR@020 الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا ~~يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم ) (79) # قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : وهذا أيضا من صفات ~~المنافقين لا يسلم أحد من عيبهم ولمزهم في جميع الأحوال ، حتى ولا ~~المتصدقون يسلمون منهم. إن جاء أحد منهم بمال جزيل ، قالوا : هذا مراء ، ~~وإن جاء بشيء يسير قالوا : إن الله لغنى عن صدقة هذا ، كما روى البخاري عن ~~أبى مسعود رضى الله عنه قال : لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل على ظهورنا أى ~~: نؤاجر أنفسنا في الحمل فجاء رجل فتصدق بشيء كثير ، فقالوا هذا يقصد ~~الرياء ، وجاء رجل فتصدق بصاع فقالوا : إن الله لغنى عن صدقة هذا ، فنزلت ~~هذه الآية (1). # وأخرج ابن جرير عن عمر بن أبى سلمة عن أبيه : أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : «تصدقوا فإنى أريد أن أبعث بعثا ، أى إلى تبوك قال : ~~فقال عبد الرحمن بن عوف : يا رسول الله .. إن عندي أربعة آلاف : ألفين ~~أقرضهما الله ، وألفين لعيالي. # قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «بارك الله لك فيما أعطيت وبارك ~~لك فيما أمسكت»؟! فقال رجل من الأنصار : وإن عندي صاعين من تمر ، صاعا لربي ~~، وصاعا لعيالي ، قال : فلمز المنافقون وقالوا : ما أعطى أبو عوف هذا إلا رياء!! # وقالوا : أو لم يكن الله غنيا عن صاع هذا!! فأنزل الله تعالى ( @QUR@07 ~~الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات ... ) (2). # وقال ابن إسحاق : كان المطوعون من المؤمنين في الصدقات : عبد الرحمن بن ~~عوف وعاصم بن عدى أخا بني عجلان وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رغب في ~~الصدقة وحض عليها. فقام عبد الرحمن بن عوف فتصدق بأربعة آلاف ، وقام عاصم ms2655 ~~بن عدى وتصدق بمائة وسق من تمر ، فلمزوهما ، وقالوا : ما هذا إلا رياء. ~~وكان الذي تصدق بجهده أبا عقيل أخا بني أنيف أتى بصاع من تمر ، فأفرغها في ~~الصدقة ، فتضاحكوا به ، وقالوا : إن الله لغنى عن صاع أبى عقيل» (3). PageV06P361 # هذه بعض الروايات التي وردت في سبب نزول هذه الآية ، وهناك روايات أخرى ، ~~قريبة في معناها بما ذكرناها. # وقوله : «يلمزون» من اللمز ، يقال : لمز فلان فلانا إذا عابه وتنقصه. # والمراد بالمطوعين : أغنياء المؤمنين الذين قدموا أموالهم عن طواعية ~~واختيار ، من أجل إعلاء كلمة الله. # والمراد بالصدقات : صدقات التطوع التي يقدمها المسلم زيادة على الفريضة. # والمراد بالذين لا يجدون إلا جهدهم : فقراء المسلمين. الذين كانوا يقدمون ~~أقصى ما يستطيعونه من مال مع قلته ، إذ الجهد : الطاقة ، وهي أقصى ما ~~يستطيعه الإنسان. # والمعنى : إن من الصفات القبيحة أيضا للمنافقين ، أنهم كانوا يعيبون على ~~المؤمنين ، إذا ما بذلوا أموالهم لله ورسوله عن طواعية نفس ، ورضا قلب ، ~~وسماحة ضمير .... # وذلك لأن هؤلاء المنافقين لخلو قلوبهم من الإيمان كانوا لا يدركون ~~الدوافع السامية ، والمقاصد العالية من وراء هذا البذل .. # ومن أجل هذا كانوا يقولون عن المكثر : إنه يبذل رياء ، وكانوا يقولون عن ~~المقل : إن الله غنى عن صدقته ، فهم لسوء نواياهم وبخل نفوسهم ، وخبث ~~قلوبهم لا يرضيهم أن يروا المؤمنين يتنافسون في إرضاء الله ورسوله. # وقوله : ( @QUR@05 والذين لا يجدون إلا جهدهم ) معطوف على قوله : ( ~~@QUR@01 المطوعين ). # أى : أن هؤلاء المنافقين يلمزون الأغنياء المطوعين بالمال الكثير ، ~~ويلمزون الفقراء الباذلين للمال القليل ؛ لأنه هو مبلغ جهدهم ، وآخر ~~طاقتهم. # وقوله : ( @QUR@02 فيسخرون منهم ) بيان لموقفهم الذميم من المؤمنين. # أى : إن هؤلاء المنافقين يستهزئون بالمؤمنين عند ما يلبون دعوة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى الإنفاق في سبيل الله. # وجاء عطف ( @QUR@01 فيسخرون ) على ( @QUR@01 يلمزون ) بالفاء ، للإشعار ~~بأنهم قوم يسارعون إلى الاستهزاء بالمؤمنين ، بمجرد أن يصدر عن المؤمنين أى ~~عمل من الأعمال الصالحة التي ترضى الله ورسوله. # وقوله : ( @QUR@06 سخر الله منهم ولهم عذاب أليم ) بيان لجزائهم وسوء ~~عاقبتهم. # أى : إن هؤلاء الساخرين ms2656 من المؤمنين جازاهم الله على سخريتهم في الدنيا ، ~~بأن فضحهم وأخزاهم ، وجعلهم محل الاحتقار والازدراء ... PageV06P362 # أما جزاؤهم في الآخرة فهو العذاب الأليم الذي لا يخف ولا ينقطع. # وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت جانبا من طبائع المنافقين وردت عليهم ~~بما يفضحهم ويخزيهم ويبشرهم بالعذاب الأليم. # ثم عقب الله تعالى هذا الحكم عليهم بالعذاب الأليم ، بحكم آخر وهو عدم ~~المغفرة لهم بسبب إصرارهم على الكفر والفسوق ، فقال تعالى : # ( @QUR@025 استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن ~~يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين ) (80) # قال الجمل : قال المفسرون : لما نزلت الآيات المتقدمة في المنافقين ، وفي ~~بيان نفاقهم ، وظهر أمرهم للمؤمنين ، جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يعتذرون إليه ، ويقولون : استغفر لنا فنزلت هذه الآية. # وهذا كلام خرج مخرج الأمر ومعناه الخبر ، والتقدير : استغفارك وعدمه لهم ~~سواء (1). # وإنما جاء هذا الخبر هنا في صورة الأمر للمبالغة في بيان استوائهما. # وقد جاء هذا الحكم في صورة الخبر في موضع آخر هو قوله تعالى ( @QUR@018 ~~سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ، لن يغفر الله لهم إن الله لا ~~يهدي القوم الفاسقين ) (2). # والمقصود بذكر السبعين في قوله : ( @QUR@05 إن تستغفر لهم سبعين مرة ) ~~إرادة التكثير ، والمبالغة في كثرة الاستغفار ، فقد جرت عادة العرب في ~~أساليبهم على استعمال هذا العدد للتكثير لا للتحديد ، فهو لا مفهوم له. # ونظيره قوله تعالى ( @QUR@03 ذرعها سبعون ذراعا .. ) (3). # أى : مهما استغفرت لهم يا محمد فلن يغفر الله لهم. # وقوله : ( @QUR@010 ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم ~~الفاسقين ) بيان للأسباب التي أدت إلى عدم مغفرة الله لهم. PageV06P363 # واسم الإشارة «ذلك» يعود إلى امتناع المغفرة لهم ، المفهوم من قوله : ( ~~@QUR@04 فلن يغفر الله لهم ). # أى : ذلك الحكم الذي أصدرناه عليهم بعدم مغفرة ذنوبهم مهما كثر استغفارك ~~لهم ، سببه : أنهم قوم «كفروا بالله ورسوله» ومن كفر بالله ورسوله ، فلن ~~يغفر الله له ، مهما استغفر له المستغفرون ، وشفع له الشافعون. # وقوله : ( @QUR@05 والله لا ms2657 يهدي القوم الفاسقين ) تذييل مؤكد لما قبله ، ~~أى والله تعالى لا يهدى إلى طريق الخير أولئك الذين فسقوا عن أمره ، وخرجوا ~~عن طاعته ، ولم يستمعوا إلى نصح الناصحين ، وإرشاد المرشدين ، وإنما آثروا ~~الغواية على الهداية. # هذا ، ويؤخذ من هذه الآية الكريمة ، شدة شفقته صلى الله عليه وسلم بأمته ، ~~وحرصه على هدايتها ، وكثرة دعائه لها بالرحمة والمغفرة ، وأنه مع إيذاء ~~المنافقين له كان يستغفر لهم أملا في توبتهم إلى أن نهاه الله عن ذلك. # روى ابن جرير عن ابن عباس أنه لما نزلت هذه الآية ، قال الرسول ~~صلى الله عليه وسلم أسمع ربي قد رخص لي فيهم ، فو الله لأستغفرن أكثر من سبعين ~~مرة ، فلعل الله أن يغفر لهم ، فقال الله تعالى من شدة غضبه عليهم ( ~~@QUR@012 سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ، لن يغفر الله لهم ... ~~) (1). # وعن قتادة لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم : «وقد خيرنى ~~ربي فلأزيدنهم على السبعين» فقال الله تعالى : ( @QUR@012 سواء عليهم ~~أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ، لن يغفر الله لهم ... ) (2). # وهكذا أصدر الله حكمه العادل في هؤلاء المنافقين ، بعدم المغفرة لهم ، ~~بسبب كفرهم به وبرسوله ... # وبعد هذا الحديث الطويل المتنوع عن أحوال المنافقين ومسالكهم الخبيثة ، ~~أخذت السورة الكريمة في الحديث عن حال المنافقين الذين تخلفوا في المدينة ، ~~وأبوا أن يخرجوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تبوك ، فقال تعالى : # ( @QUR@010 فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا ~~بأموالهم PageV06P364 # @QUR@017 وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد ~~حرا لو كانوا يفقهون (81) @QUR@08 فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما ~~كانوا يكسبون (82) @QUR@025 فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج ~~فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة ~~فاقعدوا مع الخالفين ) (83) # وقوله : «المخلفون» اسم مفعول مأخوذ من قولهم خلف فلان فلانا وراءه إذا ~~تركه خلفه. # والمراد بهم : أولئك المنافقون الذين تخلفوا عن الخروج إلى غزوة تبوك ~~بسبب ضعف إيمانهم ، وسقوط همتهم ms2658 ، وسوء نيتهم .. # قال الجمل : وقوله ( @QUR@03 خلاف رسول الله ) فيه ثلاثة أوجه : أحدها : ~~أنه منصوب على المصدر بفعل مقدر مدلول عليه بقوله «مقعدهم» لأنه في معنى ~~تخلفوا أى : تخلفوا خلاف رسول الله. الثاني : أن خلاف مفعول لأجله والعامل ~~فيه إما فرح وإما مقعد. أى : فرحوا لأجل مخالفتهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حيث مضى هو للجهاد وتخلفوا هم عنه. أو بقعودهم لمخالفتهم ~~له ، وإليه ذهب الطبري والزجاج ، ويؤيد ذلك قراءة من قرأ : «خلف رسول الله» ~~بضم الخاء واللام ، الثالث : أن ينتصب على الظرف. أى بعد رسول الله ، يقال ~~: أقام زيد خلاف القوم ، أى : تخلف بعد ذهابهم ، وخلاف يكون ظرفا ، وإليه ~~ذهب أبو عبيدة وغيره ، ويؤيد هذا قراءة ابن عباس ، وأبى حيوه ، وعمرو بن ~~ميمون ، «خلف رسول الله» بفتح الخاء وسكون اللام (1). # والمعنى : فرح المخلفون : من هؤلاء المنافقين ، بسبب قعودهم في المدينة ، ~~وعدم خروجهم إلى تبوك للجهاد مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، وكرهوا ~~أن يبذلوا شيئا من أموالهم وأنفسهم من أجل إعلاء كلمة الله. PageV06P365 # وإنما فرحوا بهذا القعود ، وكرهوا الجهاد ؛ لأنهم قوم خلت قلوبهم من ~~الإيمان بالله واليوم الآخر ، وهبطت نفوسهم عن الارتفاع إلى معالى الأمور ، ~~وآثروا الدنيا وشهواتها الزائلة على الآخرة ونعيمها الباقي. # وفي التعبير بقوله : ( @QUR@01 المخلفون ) تحقير لهم ، وإهمال لشأنهم ، ~~حتى لكأنهم شيء من سقط المتاع الذي يخلف ويترك ويهمل ؛ لأنه لا قيمة له ، ~~أو لأن ضرره أكبر من نفعه. # قال الآلوسى : وإيثار ما في النظم الكريم على أن يقال ، وكرهوا أن يخرجوا ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إيذان بأن الجهاد في سبيل الله مع كونه من ~~أجل الرغائب التي ينبغي أن يتنافس فيها المتنافسون ، قد كرهوه ، كما فرحوا ~~بأقبح القبائح وهو القعود خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي الكلام ~~تعريض بالمؤمنين الذين آثروا ذلك وأحبوه» (1). # وقوله : ( @QUR@05 وقالوا لا تنفروا في الحر ) حكاية لأقوالهم التي تدل ~~على ضعفهم وجبنهم ، وعلى أنهم قوم لا يصلحون للأعمال التي يصلح لها الرجال. # أى. وقال هؤلاء المنافقون ms2659 المخلفون لغيرهم ، اقعدوا معنا في المدينة ، ~~ولا تخرجوا للجهاد مع المؤمنين ، فإن الحر شديد ، والسفر طويل ، وقعودكم ~~يريحكم من هذه المتاعب ، ويحمل غيرنا وغيركم على القعود معنا ومعكم ، وبذلك ~~ننال بغيتنا من تثبيط همة المجاهدين عن الجهاد في سبيل الله. # وقوله : ( @QUR@05 قل نار جهنم أشد حرا ) رد على أقولهم القبيحة ، ~~وأفعالهم الخبيثة ، أى ، قل يا محمد لهؤلاء المنافقين على سبيل التهكم بهم ~~، والتحقير من شأنهم : نار جهنم أشد حرا من هذا الحر الذي تخشونه وترونه ~~مانعا من النفير بل هي أشد حرا من نار الدنيا ... # روى الإمام مالك عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم . قال : «نار بنى آدم التي توقدونها. جزء من سبعين جزءا من ~~نار جهنم .. (2). # ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال : وقوله : ( @QUR@05 قل نار جهنم أشد حرا ~~) استجهال لهم ، لأن من تصون مشقة ساعة ، فوقع بسبب ذلك التصون في مشقة ~~الأبد ، كان أجهل من كل جاهل ، ولبعضهم : # مسرة أحقاب تلقيت بعدها %~% مساءة يوم أريها شبه الصاب فكيف بأن تلقى مسرة ساعة %~% وراء تقضيها مساءة أحقاب (3) PageV06P366 # أى : أن حزن يوم واحد يجعل المسرات الطويلة قبله تتحول إلى ما يشبه الصاب ~~مرارة ، فكيف يكون الحال إذا كانت المسرات ساعة واحدة تعقبها أحقاب طويلة ~~من المساءات؟!!. # وقوله : ( @QUR@03 لو كانوا يفقهون ) تذييل قصد به الزيادة في توبيخهم ~~وتحقيرهم. # أى : لو كانوا يفقهون أن نار جهنم أشد حرا ويعتبرون بذلك ، لما فرحوا ~~بمقعدهم خلاف رسول الله ، ولما كرهوا الجهاد ، ولما قالوا ما قالوا ، بل ~~لحزنوا واكتأبوا على ما صدر منهم ، ولبادروا بالتوبة والاستغفار ، كما فعل ~~أصحاب القلوب والنفوس النقية من النفاق والشقاق. # وقوله : ( @QUR@04 فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا .. ) وعيد لهم بسوء ~~مصيرهم ، وإخبار عن عاجل أمرهم وآجله ، من الضحك القليل في الدنيا والبكاء ~~الكثير في الآخرة. # والمعنى : إنهم وإن فرحوا وضحكوا طوال أعمارهم في الدنيا ، فهو قليل ~~بالنسبة إلى بكائهم في الآخرة ، لأن الدنيا فانية والآخرة باقية ، والمنقطع ~~الفاني قليل بالنسبة إلى الدائم الباقي. # قال ms2660 صاحب المنار : وفي معنى الآية قوله صلى الله عليه وسلم «لو تعلمون ما ~~أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» متفق عليه ، بل رواه الجماعة إلا أبا ~~داود من حديث أنس ، ورواه الحاكم من حديث أبى هريرة بلفظ «لبكيتم كثيرا ~~ولضحكتم قليلا». # ثم قال : وإنما كان الأمر في الآية بمعنى الخبر ، لأنه إنذار بالجزاء لا ~~تكليف وقد قيل في فائدة هذا التعبير عن الخبر بالإنشاء ، إنه يدل على أنه ~~حتم لا يحتمل الصدق والكذب كما هو شأن الخبر لذاته في احتمالها ، لأن الأصل ~~في الأمر أن يكون للإيجاب وهو حتم ..» (1). # وقوله : ( @QUR@04 جزاء بما كانوا يكسبون ) تذييل قصد به بيان عدالته ، ~~سبحانه ، في معاملة عباده. # أى : أننا ما ظلمناهم بتوعدنا لهم بالضحك القليل وبالبكاء الكثير ، وإنما ~~هذا الوعيد جزاء لهم على ما اكتسبوه من فنون المعاصي ، وما اجترحوه من ~~محاربة دائمة لدعوة الحق. # وقوله : ( @QUR@01 جزاء ) مفعول للفعل الثاني. أى : ليبكوا جزاء ، ويجوز ~~أن يكون مصدرا حذف ناصبه. أى : يجزون بما ذكر من البكاء الكثير جزاء. # وجمع سبحانه في قوله ( @QUR@03 بما كانوا يكسبون ) بين صيغتي الماضي ~~والمستقبل ، للدلالة على الاستمرار التجددي ماداموا في الدنيا. # ثم بين سبحانه ما يجب على الرسول نحو هؤلاء المخلفين الكارهين للجهاد ، فقال : PageV06P367 # ( @QUR@017 فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا ~~معي أبدا ، ولن تقاتلوا معي عدوا .. ). # قوله : ( @QUR@01 رجعك ) من الرجع بمعنى تصيير الشيء إلى المكان الذي كان ~~فيه أولا. والفعل رجع أحيانا يستعمل لازما كقوله تعالى : ( @QUR@06 فرجع ~~موسى إلى قومه غضبان أسفا .. ). # وفي هذه الحالة يكون مصدره الرجوع ، وأحيانا يستعمل متعديا كالآية التي ~~معنا ، وكقوله تعالى : ( @QUR@08 فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن .. ~~) وفي هذه الحالة يكون مصدره الرجع لا الرجوع. # قال الآلوسى : و «رجع» هنا متعد بمعنى رد ومصدره الرجع ، وقد يكون لازما ~~ومصدره الرجوع ، وأوثر هنا استعمال المتعدى وإن كان استعمال اللازم كثيرا ~~إشارة إلى أن ذلك السفر لما فيه من الخطر يحتاج الرجوع منه إلى تأييد إلهى ~~، ولذا أوثرت كلمة «إن» على ms2661 «إذا» (1). # والمعنى : فإن ردك الله تعالى من سفرك هذا أيها الرسول الكريم إلى طائفة ~~من هؤلاء المنافقين الذين تخلفوا عن الخروج معك إلى تبوك «فاستأذنوك ~~للخروج» معك في غزوة أخرى بعد هذه الغزوة «فقل» لهم على سبيل الإهانة ~~والتحقير «لن تخرجوا معى أبدا» مادمت على قيد الحياة «ولن تقاتلوا معى ~~عدوا» من الأعداء الذين أمرنى الله بقتالهم ، والسبب في ذلك «إنكم» أيها ~~المنافقون «رضيتم بالقعود» عن الخروج معى وفرحتم به في «أول مرة» دعيتم ~~فيها إلى الجهاد ، فجزاؤكم وعقابكم أن تقعدوا «مع الخالفين» أى : مع الذين ~~تخلفوا عن الغزو لعدم قدرتهم على تكاليفه كالمرضى والنساء والصبيان. أو مع ~~الأشرار الفاسدين الذين يتشابهون معكم في الجبن والنفاق وسوء الأخلاق. # قال الإمام الرازي ما ملخصه ، ذكروا في تفسير الخالف وجوها : # الأول : قال أبو عبيدة الخالفون جمع ، واحدهم خالف ، وهو من يخلف الرجل ~~في قومه ، ومعناه : فاقعدوا مع الخالفين من الرجال الذين يخلفون في البيت ~~فلا يبرحونه. # الثاني : أن الخالفين فسر بالمخالفين ، يقال : فلان خالفة أهل بيته إذا ~~كان مخالفا لهم ، وقوم خالفون أى : كثير والخلاف لغيرهم. # الثالث : أن الخالف هو الفاسد. قال الأصمعى : يقال : خلف عن كل خير يخلف ~~خلوفا إذا فسد ، وخلف اللبن إذا فسد. PageV06P368 # إذا عرفت هذه الوجوه الثلاثة فلا شك أن اللفظ يصلح حمله على كل واحد منها ~~، لأن أولئك المنافقين كانوا موصوفين بجميع هذه الصفات السيئة ...» (1). # وقال سبحانه ( @QUR@06 فإن رجعك الله إلى طائفة منهم ... ) ولم يقل فإن ~~رجعك الله إليهم ، لأن جميع الذين تخلفوا عن الخروج مع الرسول ~~صلى الله عليه وسلم إلى تبوك ، لم يكونوا من المنافقين ، بل كان هناك من تخلف ~~بأعذار مقبولة ، كالذين أتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليحملهم معه ، ~~فقال لهم : «لا أجد ما أحملكم عليه» فتولوا «وأعينهم تفيض من الدمع حزنا». # وسيأتى الحديث عنهم بعد قليل. # وقوله : ( @QUR@08 لن تخرجوا معي أبدا ، ولن تقاتلوا معي عدوا ) إخبار في ~~معنى النهى للمبالغة وجمع سبحانه بين الجملتين زيادة في تبكيتهم ، وفي ~~إهمال شأنهم ، وفي ms2662 كراهة مصاحبتهم ... # وذلك ، لأنهم لو خرجوا مع المؤمنين ما زادوهم إلا خبالا ، ولو قاتلوا ~~معهم ، لكان قتالهم خاليا من الغاية السامية التي من أجلها قاتل المؤمنون ~~وهي إعلاء كلمة الله ، وكل قتال خلا من تلك الغاية كان مآله إلى الهزيمة .. # هذا ، وقد اشتملت هذه الآيات الكريمة على أسوأ صفات المنافقين ، كما ~~اشتملت على أشد ألوان الوعيد لهم في الدنيا والآخرة «جزاء بما كانوا ~~يكسبون». # قال الجمل : وفي قوله تعالى ( @QUR@06 فإن رجعك الله إلى طائفة منهم ... ~~) الآية دليل على أن الشخص إذا ظهر منه مكر وخداع وبدعة ، يجب الانقطاع عنه ~~، وترك مصاحبته ، لأنه سبحانه منع المنافقين من الخروج مع الرسول ~~صلى الله عليه وسلم إلى الجهاد ، وهو مشعر بإظهار نفاقهم وذمهم وطردهم ~~وإبعادهم لما علم من مكرهم وخداعهم إذا خرجوا إلى الغزوات (2). # وبعد أن بين سبحانه ما يجب أن يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم معهم في ~~حياتهم ، أتبع ذلك ببيان ما يجب أن يفعله معهم بعد مماتهم فقال تعالى : # ( @QUR@018 ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا ~~بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون ) (84) PageV06P369 # قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : «أمر الله تعالى ~~رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبرأ من المنافقين ، وأن لا يصلى على أحد منهم ~~إذا مات ، وأن لا يقوم على قبره ليستغفر له ، أو يدعو له ؛ لأنهم كفروا ~~بالله ورسوله ، وهذا حكم عام في كل من عرف نفاقه ، وإن كان سبب نزول الآية ~~في عبد الله بن أبى بن سلول رأس المنافقين. # فقد روى البخاري عن ابن عمر قال : لما توفى عبد الله بن أبى جاء ابنه عبد ~~الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه ليكفن فيه أباه ، ~~فأعطاه إياه ، ثم سأله أن يصلى عليه ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليصلى عليه ، فقام عمر ، فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : يا ~~رسول الله ، تصلى عليه ، وقد نهاك ربك أن ms2663 تصلى عليه؟ فقال الرسول ~~صلى الله عليه وسلم «وإنما خيرنى الله» فقال : ( @QUR@015 استغفر لهم أو لا ~~تستغفر لهم ، إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ) وسأزيده على ~~السبعين. قال : إنه منافق قال : فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل ~~الله تعالى قوله : ( @QUR@07 ولا تصل على أحد منهم مات أبدا .. ) الآية : # وروى الإمام أحمد عن ابن عباس قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول : لما توفى ~~عبد الله ابن أبى دعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه ، فقام عليه ~~«فلما وقف عليه يريد الصلاة تحولت حتى قمت في صدره فقلت : يا رسول الله ، ~~أعلى عدو الله : عبد الله بن أبى القائل يوم كذا ، كذا وكذا ، وأخذ يعدد ~~أيامه. قال : ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم حتى إذا أكثرت عليه قال : ~~تأخر عنى يا عمر. إنى خيرت فاخترت ، قد قيل لي : ( @QUR@02 استغفر لهم ... ~~) الآية. لو أعلم أنى لو زدت على السبعين غفر له لزدت ، قال : ثم صلى عليه ~~ومشى معه وقام على قبره حتى فرغ منه. قال : فعجبت من جرأتى صلى الله عليه وسلم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ورسوله أعلم. قال : فو الله ما كان إلا ~~يسيرا حتى نزلت ( @QUR@07 ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ) الآية. قال : ~~فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك على منافق ولا قام على قبره حتى ~~قبضه الله عز وجل » (1). # والمعنى : «لا تصل» أيها الرسول الكريم «على أحد» من هؤلاء المنافقين ~~«مات أبدا ولا تقم على قبره» أى : ولا تقف على قبره عند الدفن أو بعده بقصد ~~الزيارة أو الدعاء له ، وذلك لأن صلاتك عليهم ، ووقوفك على قبورهم شفاعة ~~لهم ، ورحمة بهم ، وتكريم لشأنهم. وهم ليسوا أهلا لذلك. PageV06P370 # وقوله : ( @QUR@07 إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون ) تعليل ~~للنهى عن الصلاة عليهم ، والوقوف على قبورهم. # أى : نهيناك يا محمد عن ذلك ، لأن هؤلاء المنافقين قد عاشوا حياتهم ~~كافرين بالله ورسوله ، ومحاربين لدعوة الحق ، وماتوا وهم ms2664 خارجون عن حظيرة ~~الإيمان. # وجمع سبحانه بين وصفهم بالكفر ووصفهم بالفسق زيادة في تقبيح أمرهم ، ~~وتحقير شأنهم ؛ فهم لم يكتفوا بالكفر وحده ، وإنما أضافوا إليه الفسق ، وهو ~~الخروج عن كل قول طيب ، وخلق حسن ، وفعل كريم. # قال بعضهم : فإن قلت : الفسق أدنى حالا من الكفر ، فما الفائدة في وصفهم ~~بالفسق بعد وصفهم بالكفر؟ قلت إن الكافر قد يكون عدلا بأن يؤدى الأمانة ، ~~ولا يضمر لأحد سوءا ، وقد يكون خبيثا كثير الكذب والمكر والخداع وإضمار ~~السوء للغير ، وهذا أمر مستقبح عند كل أحد ، ولما كان المنافقون بهذه الصفة ~~الخبيثة ، وصفهم الله تعالى بكونهم فاسقين بعد أن وصفهم بالكفر» (1). # هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى : # 1 تحريم الصلاة على الكافر ، والوقوف على قبره ، ومفهومه وجوب الصلاة على ~~المسلم ودفنه ومشروعية الوقوف على قبره ، والدعاء له. # قال الإمام ابن كثير : ولما نهى الله تعالى عن الصلاة على المنافقين ~~والقيام على قبورهم للاستغفار لهم ، كان هذا الصنيع من أكبر القربات في حق ~~المؤمنين ، فشرع ذلك وفي فعله الأجر الجزيل ، كما ثبت في الصحاح وغيرها من ~~حديث أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «من شهد الجنازة حتى ~~يصلى عليها فله قيراط ، من شهدها حتى تدفن فله قيراطان ، قيل : وما ~~القيراطان ، قال : «أصغرهما مثل أحد». وأما القيام عند قبر المؤمن إذا مات ~~، فروى أبو داود عن عثمان بن عفان قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~فرغ من الميت وقف عليه وقال : «استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه ~~الآن يسأل». # 2 وجوب منع كل مظهر من مظاهر التكريم في الحياة وبعد الممات عن الذين ~~يحاربون دعوة الحق ، ويقفون في وجه انتشارها وظهورها : PageV06P371 # أما منع تكريمهم في حياتهم فتراه في قوله تعالى في الآية السابقة : # ( @QUR@017 فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا ~~معي أبدا ، ولن تقاتلوا معي عدوا ). # وأما منع تكريمهم بعد مماتهم فتراه في هذه الآية : ( @QUR@011 ولا تصل ~~على أحد منهم ms2665 مات أبدا ، ولا تقم على قبره ). # ولا شك أن حجب كل تكريم عن أولئك المنافقين في العهد النبوي ، كان له ~~أثره القوى في انهيار دولتهم ، وافتضاح أمرهم ، وذهاب ريحهم ، وتهوين شأنهم .. # هذا ، وما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم مع عبد الله بن أبى من الصلاة ~~عليه ، والقيام على قبره إنما كان قبل نزول هذه الآية .. # أو أنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك تطييبا لقلب ابنه الذي كان من فضلاء ~~الصحابة وأصدقهم إسلاما. # فقد سبق أن ذكرنا ما رواه البخاري عن ابن عمر أنه قال : لما توفى عبد ~~الله بن أبى جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن ~~يعطيه قميصه ليكفن فيه أباه ، فأعطاه إياه ثم سأله أن يصلى عليه .. الحديث. # ثم نهى الله تعالى كل من يصلح للخطاب عن الاغترار بما عند هؤلاء ~~المنافقين من مال وولد ، فقال تعالى : # ( @QUR@016 ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في ~~الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون ) (85) # أى : عليك أيها العاقل أن لا تغتر بما عند هؤلاء المنافقين من أموال ~~وأولاد ، وأن لا يداخل قلبك شيء من الإعجاب بما بين أيديهم من نعم ، فإن ~~هذه النعم التي من أعظمها الأموال والأولاد إنما أعطاهم الله إياها ، ~~ليعذبهم بسببها في الدنيا عن طريق التعب في تحصيلها ، والحزن عند فقدها ~~وهلاكها. # وقوله : ( @QUR@04 وتزهق أنفسهم وهم كافرون ) بيان لسوء مصيرهم في الآخرة ~~، بعد بيان عذابهم في الدنيا ، وزهوق النفس : خروجها من الجسد بمشقة وتعب. # أى : أنهم في الدنيا تكون النعم التي بين أيديهم ، مصدر عذاب لهم ، وأما ~~في الآخرة PageV06P372 # فعذابهم أشد وأبقى ، لأن أرواحهم قد خرجت من أبدانهم وهم مصرون على الكفر ~~والضلال. # فأنت ترى أن الآية الكريمة قد توعدت هؤلاء المنافقين بسوء العاقبة في ~~الدنيا والآخرة ، ومن كان مصيره كهذا المصير ، لا يستحق الإعجاب أو التكريم ~~وإنما يستحق الاحتقار والإهمال. # وهذه الآية الكريمة ، قد سبقتها في السورة نفسها آية أخرى شبيهة بها. وهي ~~قوله تعالى : ( @QUR@017 فلا تعجبك ms2666 أموالهم ولا أولادهم ، إنما يريد الله ~~ليعذبهم بها في الحياة الدنيا ، وتزهق أنفسهم وهم كافرون ) (1). # وقد أشار صاحب الكشاف إلى سر هذا التكرار فقال : «وقد أعيد قوله ( ~~@QUR@02 ولا تعجبك ... )؛ لأن تجدد النزول له شأنه في تقرير ما نزل له ~~وتأكيده ، وإرادة أن يكون على بال من المخاطب لا ينساه ولا يسهو عنه ، وأن ~~يعتقد أن العمل به مهم يفتقر إلى فضل عناية به ، لا سيما إذا تراخى ما بين ~~النزولين ، فأشبه الشيء الذي أهم صاحبه ، فهو يرجع إليه في أثناء حديثه ، ~~ويتخلص إليه ، وإنما أعيد هذا المعنى لقوته فيما يجب أن يحذر منه» (2). # ثم بين سبحانه موقف المنافقين وموقف المؤمنين بالنسبة للجهاد ، كما بين ~~عاقبة كل فريق فقال تعالى : # ( @QUR@018 وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك ~~أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين (86) @QUR@011 رضوا بأن ~~يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون (87) @QUR@014 لكن الرسول ~~والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم ~~المفلحون (88) @QUR@013 أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها ذلك الفوز العظيم ) (89) PageV06P373 # والمراد بالسورة في قوله سبحانه ( @QUR@03 وإذا أنزلت سورة ): كل سورة ~~ذكر الله تعالى فيها وجوب الإيمان به والجهاد في سبيله. # أى : أن من الصفات الذميمة لهؤلاء المنافقين ، أنهم كلما نزلت سورة ~~قرآنية ، تدعو في بعض آياتها الناس إلى الإيمان بالله والجهاد في سبيله ، ~~ما كان منهم عند ذلك إلا الجبن والاستخذاء والتهرب من تكاليف الجهاد ... # وقوله : ( @QUR@04 استأذنك أولوا الطول منهم ... ) بيان لحال هؤلاء ~~المنافقين عند نزول هذه السورة. # والطول بفتح الطاء يطلق على الغنى والثروة ، مأخوذ من مادة الطول بالضم ~~التي هي ضد القصر. # والمراد بأولى الطول : رؤساء المنافقين وأغنياؤهم والقادرون على تكاليف ~~الجهاد. # أى : عند نزول السورة الداعية إلى الجهاد ، يجيء هؤلاء المنافقون أصحاب ~~الغنى والثروة ، إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليستأذنوا في القعود وعدم ~~الخروج ... وليقولوا له بجبن واستخذاء ( @QUR@04 ذرنا نكن مع القاعدين ). # أى : اتركنا يا محمد مع القاعدين في المدينة من ms2667 العجزة والنساء والصبيان ~~، واذهب أنت وأصحابك إلى القتال. # وإنما خص ذوى الطول بالذكر ، تخليدا لمذمتهم واحتقارهم ؛ لأنه كان ~~المتوقع منهم أن يتقدموا صفوف المجاهدين ، لأنهم يملكون وسائل الجهاد ~~والبذل ، لا ليتخاذلوا ويعتذروا ، ويقولوا ما قالوا مما يدل على جبنهم ~~والتوائهم. # وقوله : ( @QUR@05 رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ) زيادة في تحقيرهم وذمهم. # والخوالف : جمع خالفة ، ويطلق على المرأة المتخلفة عن أعمال الرجال ~~لضعفها ، كما يطلق لفظ الخالفة أيضا على كل من لا خير فيه. # والمعنى : رضى هؤلاء المنافقون لأنفسهم ، أن يبقوا في المدينة مع النساء ~~، ومع كل من لا خير فيه من الناس ، ولا يرضى بذلك إلا من هانت كرامته ، ~~وسقطت مروءته ، وألف الذل والصغار. # وقوله ( @QUR@06 وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون ) بيان لما ترتب على ~~استمرارهم في النفاق ، وعدم رجوعهم إلى طريق الحق. # أى : أنه ترتب على رسوخهم في النفاق ، وإصرارهم على الفسوق والعصيان أن ~~ختم الله PageV06P374 # على قلوبهم ، فصارت لا تفقه ما في الإيمان والجهاد من الخير والسعادة ، ~~وما في النفاق والشقاق من الشقاء والهلاك. # وقوله سبحانه ( @QUR@08 لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم ) استدراك لبيان حال الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، بعد بيان ~~حال المنافقين. # أى : إذا كان حال المنافقين كما وصفنا من جبن وتخاذل وهوان ... فإن حال ~~المؤمنين ليس كذلك ، فإنهم قد وقفوا إلى جانب رسولهم صلى الله عليه وسلم ~~فجاهدوا معه بأموالهم وأنفسهم من أجل إعلاء كلمة الله ، وأطاعوه في السر ~~والعلن ، وآثروا ما عند الله على كل شيء في هذه الحياة ... # وقد بين سبحانه جزاءهم الكريم فقال : ( @QUR@03 وأولئك لهم الخيرات ) أى ~~: أولئك المؤمنون الصادقون لهم الخيرات التي تسر النفس ، وتشرح الصدر في ~~الدنيا والآخرة ( @QUR@03 وأولئك هم المفلحون ) الفائزون بسعادة الدارين. # «أعد الله» تعالى لهؤلاء المؤمنين الصادقين «جنات تجرى من» تحت ثمارها ~~وأشجارها ومساكنها «الأنهار خالدين» في تلك الجنات خلودا أبديا ، و «ذلك» ~~العطاء الجزيل ، هو «الفوز العظيم» الذي لا يدانيه فوز ، ولا تقاربه سعادة. # وبذلك ترى أن هذه الآيات الكريمة قد ذمت المنافقين لجبنهم ms2668 ، وسوء نيتهم ، ~~وتخلفهم عن كل خير ... ومدحت الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، الذين ~~نهضوا بتكاليف العقيدة ، وأدوا ما يجب عليهم نحو خالقهم وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم من أجل إعلاء كلمته سبحانه. # وبعد أن بين سبحانه أحوال المنافقين من سكان المدينة ، أتبع ذلك بالحديث ~~عن المنافقين من الأعراب سكان البادية فقال تعالى : # ( @QUR@017 وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ~~ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم ) (90) # قال القرطبي ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@04 وجاء المعذرون من الأعراب ~~) قرأ الأعرج والضحاك المعذرون مخففا ، ورواها أبو كريب عن أبى بكر عن عاصم ~~... وهي من PageV06P375 # أعذر ، ومنه قد أعذر من أنذر ، أى : قد بالغ في العذر من تقدم إليك ~~فأنذرك ، وأما ، «المعذرون» بالتشديد وهي قراءة الجمهور ففيها قولان : # أحدهما : أنه يكون المحق ، فهو في المعنى المعتذر ، لأن له عذرا ، فيكون ~~«المعذرون» على هذه أصله المعتذرون ، ثم أدغمت التاء في الذال ... # وثانيهما : أن المعذر قد يكون غير محق ، وهو الذي يعتذر ولا عذر له. # والمعنى ، أنهم اعتذروا بالكذب ... # قال الجوهري : وكان ابن عباس يقول : لعن الله المعذرين ، كان الأمر عنده ~~أن المعذر بالتشديد هو المظهر للعذر ، اعتلالا من غير حقيقة له في العذر ~~...» (1). # ومن هذه الأقوال التي نقلناها عن القرطبي يتبين لنا أن من المفسرين من ~~يرى أن المقصود من المعذرين : أصحاب الأعذار المقبولة. # وقد رجح الإمام ابن كثير هذا الرأى فقال : بين الله تعالى حال ذوى ~~الأعذار في ترك الجهاد ، وهم الذين جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يعتذرون إليه ، ويبينون له ما هم فيه من الضعف وعدم القدرة على الخروج وهم ~~من أحياء العرب ممن حول المدينة. # قال الضحاك عن ابن عباس : إنه كان يقرأ «وجاء المعذرون» بالتخفيف ، ويقول ~~: هم أهل العذر ... وهذا القول أظهر في معنى الآية ؛ لأنه سبحانه قال بعد ~~هذا : ( @QUR@05 وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ). # أى : لم يأتوا فيعتذروا ...» (2). # وعلى هذا الرأى تكون الآية قد ذكرت قسمين من الأعراب : قسما جاء معتذرا ~~إلى رسول الله صلى الله ms2669 عليه وسلم وقسما لم يجئ ولم يعتذر ، وهذا القسم هو ~~الذي توعده الله بسوء المصير. # ومنهم من يرى أن المقصود بالمعذرين : أصحاب الأعذار الباطلة ، وقد سار ~~على هذا الرأى صاحب الكشاف فقال : «المعذرون» من عذر في الأمر ، إذا قصر ~~فيه وتوانى ولم يجد فيه ، وحقيقته أنه يوهم أن له عذرا فيما يفعل ولا عذر له. # أو المعتذرون بإدغام التاء في الذال ، وهم الذين يعتذرون بالباطل ، كقوله ~~، يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم ... # وقرئ «المعذرون» بالتخفيف : وهو الذي يجتهد في العذر ويحتشد فيه. قيل هم أسد PageV06P376 # وغطفان. قالوا : إن لنا عيالا ، وإن بنا جهدا فائذن لنا في التخلف. # وقيل : هم رهط عامر بن الطفيل ، قالوا : إن غزونا معك أغارت أعراب طيئ ~~على أهالينا ومواشينا ، فقال صلى الله عليه وسلم «سيغنيني الله عنكم» وعن ~~مجاهد : نفر من غفار اعتذروا فلم يعذرهم الله تعالى وعن قتادة : اعتذروا ~~بالكذب ... (1). # وعلى هذا الرأى تكون الآية الكريمة قد ذكرت قسمين أيضا من الأعراب ، إلا ~~أن أولهما قد اعتذر بأعذار غير مقبولة ، وثانيهما لم يعتذر ، بل قعد في ~~داره مصرا على كفره ، ولذا قال أبو عمرو بن العلاء : كلا الفريقين كان سيئا ~~: قوم تكلفوا عذرا بالباطل وهم الذين عناهم الله تعالى. بقوله ( @QUR@02 ~~وجاء المعذرون )، وقوم تخلفوا من غير عذر فقعدوا جرأة على الله وهم ~~المنافقون ، فتوعدهم الله بقوله : ( @QUR@06 سيصيب الذين كفروا منهم عذاب ~~أليم ). # والذي يبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب ؛ لتناسقه مع ما يفيده ~~ظاهر الآية ، لأن الآية الكريمة ذكرت نوعين من الأعراب ، أحدهما : ~~المعذرون. # أى أصحاب الأعذار ، وثانيهما : الذين قعدوا في بيوتهم مكذبين لله ولرسوله ~~، فتوعدهم سبحانه بالعذاب الأليم ، ولأنه لا توجد قرينة قوية تجعلنا نرجح ~~أن المراد بالمعذرين هنا ، أصحاب الأعذار الباطلة ، لأن التفسير اللغوي ~~للكلمة كما نقلنا عن القرطبي يجعلها صالحة للأعذار المقبولة ، فكان الحمل ~~على حسن الظن أولى ، والله ، تعالى ، بعد ذلك هو العليم بأحوال العباد ، ما ~~ظهر منها وما بطن. # وعلى هذا يكون معنى الآية الكريمة : وعند ما استنفر النبي ms2670 ~~صلى الله عليه وسلم الناس إلى غزوة تبوك ، جاءه أصحاب الأعذار من الأعراب ~~ليستأذنوه في عدم الخروج معه ، فقبل صلى الله عليه وسلم ما هو حق منها. # وقوله : ( @QUR@05 وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ) بيان للفريق الثاني من ~~الأعراب وهو الذي لم يجئ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم معتذرا. # أى : وقعد عن الخروج إلى تبوك ، وعن المجيء إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم للاعتذار ، أولئك الذين كذبوا الله ورسوله في دعوى الإيمان ~~، وهم الراسخون في النفاق والعصيان من الأعراب سكان البادية. # وقوله : ( @QUR@06 سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم ) وعيد لهم بسوء ~~العاقبة في الدارين. PageV06P377 # أى : سيصيب الذين أصروا على كفرهم ونفاقهم من هؤلاء الأعراب ، عذاب أليم ~~في الدنيا والآخرة ، أما الذين رجعوا عن كفرهم ونفاقهم منهم ، وتابوا إلى ~~الله تعالى توبة صادقة ، فهؤلاء عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا. # ثم ذكر سبحانه الأعذار الشرعية المقبولة عنده وعند رسوله ، والتي تجعل ~~صاحبها لا حرج عليه إذا ما قعد معها عن القتال ، فقال ، تعالى : # ( @QUR@026 ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ~~ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ~~(91) @QUR@023 ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم ~~عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون ) (92) # ذكر المفسرون في سبب نزول هاتين الآيتين روايات ، منها ما جاء عن زيد بن ~~ثابت أنه قال كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكنت أكتب «براءة» ، ~~فإنى لواضع القلم على أذنى ، إذ أمرنا بالقتال ، فجعل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ينظر ما ينزل عليه ، إذ جاء أعمى فقال : كيف بي يا رسول ~~الله وأنا أعمى؟ فنزلت ( @QUR@06 ليس على الضعفاء ولا على المرضى ... ) الآية. # وروى العوفى عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن ~~ينبعثوا غازين معه. فجاءته عصابة من أصحابه فيهم عبد الله بن مقرن المزني ، ~~فقالوا ms2671 : يا رسول الله ، احملنا. فقال لهم : «والله لا أجد ما أحملكم عليه» ~~، فتولوا وهم يبكون وعز عليهم أن يجلسوا عن الجهاد ، ولا يجدون نفقة ولا ~~محملا ، فلما رأى الله حرصهم على محبته ومحبة رسوله ، أنزل عذرهم في كتابه ~~فقال : @QUR@06 ليس على الضعفاء ولا على المرضى )... الآية. # وقال محمد بن إسحاق في سياق غزوة تبوك : ثم إن رجالا من المسلمين أتوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم البكاءون وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم ~~... فاستحملوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانوا أهل حاجة فقال : «لا أجد ~~ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون.» PageV06P378 # والضعفاء : جمع ضعيف ، وهو من ليس عنده القوة على القيام بتكاليف الجهاد ~~، كالشيوخ والنساء والصبيان ... # والمرضى : جمع مريض ، وهم الذين عرضت لهم أمراض حالت بينهم وبين الاشتراك ~~في القتال ، وهؤلاء عذرهم ينتهى بزوال أمراضهم. # والمعنى : ( @QUR@03 ليس على الضعفاء ) العاجزين عن القتال لعلة في ~~تكوينهم ، أو لشيخوخة أقعدتهم ، ( @QUR@03 ولا على المرضى ) الذين حالت ~~أمراضهم بينهم وبين الجهاد ( @QUR@07 ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون ) ~~وهم الفقراء القادرون على الحرب ، ولكنهم لا يجدون المال الذين ينفقونه في ~~مطالب الجهاد ، ولا يجدون الرواحل التي يسافرون عليها إلى أرض المعركة ، ~~ليس على هؤلاء جميعا ( @QUR@01 حرج ) أى : إثم أو ذنب بسبب عدم خروجهم مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك لقتال الكافرين ... # وقوله : ( @QUR@04 إذا نصحوا لله ورسوله ): بيان لما يجب عليهم في حال ~~قعودهم. # قال الجمل : ومعنى النصح هنا أن يقيموا في البلد ، ويحترزوا عن إنشاء ~~الأراجيف ، وإثارة الفتن ، ويسعوا في إيصال الخير إلى أهل المجاهدين الذين ~~خرجوا إلى الغزو ، ويقوموا بمصالح بيوتهم ، ويخلصوا الإيمان والعمل لله ؛ ~~ويتابعوا الرسول صلى الله عليه وسلم ، فجملة هذه الأمور تجرى مجرى النصح لله ~~ورسوله ، (1). # وقوله : ( @QUR@05 ما على المحسنين من سبيل ) استئناف مقرر لمضمون ما قبله. # والمحسنون. جمع محسن ، وهو الذي يؤدى ما كلفه الله به على وجه حسن. # والسبيل : الطريق السهل الممهد الموصل إلى البغية. ومن ، زائدة ms2672 لتأكيد النفي. # أى : ليس لأحد أى طريق يسلكها لمؤاخذة هؤلاء المحسنين ، بسبب تخلفهم عن ~~الجهاد ، بعد أن نصحوا لله ولرسوله ، وبعد أن حالت الموانع الحقيقية بينهم ~~وبين الخروج للجهاد. # قال الآلوسى : والجملة استئناف مقرر لمضمون ما سبق على أبلغ وجه : وألطف ~~سبك ، وهو من بليغ الكلام ، لأن معناه : لا سبيل لعاتب عليهم ، أى : لا يمر ~~بهم العاتب ، ولا يجوز في أرضهم ، فما أبعد العتاب عنهم ، وهو جار مجرى المثل. # ويحتمل أن يكون تعليلا لنفى الحرج عنهم و ( @QUR@01 المحسنين ) على ~~عمومه. أى : ليس عليهم حرج ، لأنه ما على جنس المحسنين سبيل ، وهم من ~~جملتهم (2). PageV06P379 # وقال صاحب المنار : «والشرع الإلهى يجازى المحسن بأضعاف إحسانه ، ولا ~~يؤاخذ المسيء إلا بقدر إساءته ، فإذا كان أولئك المعذورون في القعود عن ~~الجهاد محسنين في سائر أعمالهم بالنصح المذكور. انقطعت طرق المؤاخذة دونهم ~~والإحسان أعم من النصح المذكور فالجملة الكريمة تتضمن تعليل رفع الحرج عنهم ~~مقرونا بالدليل ، فكل ناصح لله ورسوله محسن ، ولا سبيل إلى مؤاخذة المحسن ~~وإيقاعه في الحرج ، وهذه المبالغة في أعلى مكانة من أساليب البلاغة (1). # وقوله : ( @QUR@03 والله غفور رحيم ) أى : والله تعالى واسع المغفرة ، ~~كثير الرحمة ، يستر على عباده المخلصين ما يصدر عنهم من تقصير تقتضيه ~~طبيعتهم البشرية. # وقوله : ( @QUR@013 ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما ~~أحملكم عليه ... ) معطوف على ما قبله ، من عطف الخاص على العام ، اعتناء ~~بشأنهم ، وجعلهم كأنهم لتميزهم جنس آخر ، مع أنهم مندرجون مع الذين وصفهم ~~الله قبل ذلك «لا يجدون ما ينفقون». # أى : لا حرج ولا إثم على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ~~ما ينفقون ، إذا ما تخلفوا عن الجهاد ، وكذلك لا حرج ولا إثم أيضا على ~~فقراء المؤمنين ، الذين إذا ما أتوك لتحملهم على الرواحل التي يركبونها لكي ~~يخرجوا معك إلى هذا السفر الطويل قلت لهم يا محمد «لا أجد ما أحملكم عليه». # وفي هذا التعبير ما فيه من تطييب قلوب هؤلاء السائلين فكأنه ~~صلى الله عليه وسلم يقول لهم ms2673 إن ما تطلبونه أنا أسأل عنه ، وأفتش عليه فلا ~~أجده ، ولو وجدته لقدمته إليكم. # وقوله : ( @QUR@010 تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ~~ينفقون ) بيان للآثار التي ترتبت على عدم وجود ما يحملهم من رواحل : لكي ~~يخرجوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تبوك. # أى : أن هؤلاء المؤمنين الفقراء ، عند ما اعتذرت لهم بقولك : «لا أجد ما ~~أحملكم عليه» انصرفوا من مجلسك ، وأعينهم تسيل بالدموع من شدة الحزن لأنهم ~~لا يجدون المال الذي ينفقونه في مطالب الجهاد ، ولا الرواحل التي يركبونها ~~في حال سفرهم إلى تبوك. # فالجملة الكريمة تعطى صورة صادقة مؤثرة للرغبة الصادقة في الجهاد ، ~~وللألم الشديد للحرمان من نعمة أدائه. # وبمثل هذه الروح ارتفعت راية الإسلام ، وعزت كلمته ، وانتشرت دعوته. # هذا ، ومن الأحكام والآداب التي نستطيع أن نأخذها من هاتين الآيتين ما يأتى : PageV06P380 # 1 أن التكاليف الإسلامية تقوم على اليسر ورفع الحرج ، ومن مظاهر ذلك : أن ~~الجهاد. وهو ذروة سنام الإسلام ، قد أعفى الله تعالى منه الضعفاء والمرضى ~~والذين لا يجدون وسائله ومتطلباته. # قال الإمام القرطبي (1): قوله تعالى : ( @QUR@06 ليس على الضعفاء ولا ~~على المرضى .. ) هذه الآية أصل في سقوط التكليف عن العاجز ، فكل من عجز عن ~~شيء مسقط عنه ، ولا فرق بين العجز من جهة القوة أو العجز من جهة المال. ~~ونظير هذه الآية قوله. تعالى : ( @QUR@06 لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) ~~(2) وقوله : ( @QUR@012 ليس على الأعمى حرج ، ولا على الأعرج حرج ، ولا على ~~المريض حرج ) (3). # 2 أنه متى وجدت النية الصادقة في فعل الخير. حصل الثواب وإن لم يكن هناك ~~عمل ، بدليل أن المؤمنين الذين لم يخرجوا للجهاد لعذر شرعي ، بشرهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم بأنهم مشاركون لمن خرج في الأجر. # قال الإمام ابن كثير : في الصحيحين من حديث أنس أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال. «إن بالمدينة أقواما ما قطعتم واديا ، ولا سرتم سيرا ~~إلا وهم معكم قالوا : وهم بالمدينة قال نعم حبسهم العذر». # وروى الإمام أحمد عن جابر قال : قال رسول ms2674 الله صلى الله عليه وسلم : «لقد ~~خلفتم بالمدينة رجالا ، ما قطعتم واديا ، ولا سلكتم طريقا ، إلا شاركوكم في ~~الأجر ، حبسهم المرض» (4). # 3 أن الصحابة رضى الله عنهم ضربوا أروع الأمثال في الحرص على الجهاد ~~والاستشهاد وأن أعذارهم الشرعية لم تمنع بعضهم من المشاركة في القتال ... # فهذا عبد الله بن أم مكتوم وكان يخرج إلى غزوة أحد ويطلب أن يحمل اللواء. ~~وهذا عمرو ابن الجموح وكان أعرج يخرج في مقدمة الجيوش فيقول له الرسول ~~صلى الله عليه وسلم : «إن الله قد عذرك» فيقول : «والله لأحفرن بعرجتي هذه ~~الجنة» أى لأتركن آثار أقدامى فيها. # ومن كان يؤتى به وهو يمشى بين الرجلين معتمدا عليهما من شدة ضعفه» ومع ~~ذلك يقف في صفوف المجاهدين. # وبهذه القلوب السليمة ، والعزائم القوية والنفوس النقية التي خالط ~~الإيمان شغافها .. PageV06P381 # ارتفعت كلمة الحق ، وعزت كلمة الإسلام. # وبعد أن بين سبحانه أحكام أصحاب الأعذار المقبولة ، أتبع ذلك ببيان أحكام ~~الأعذار الكاذبة ، والصفات القبيحة ، فقال تعالى. # ( @QUR@019 إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا ~~مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون (93) @QUR@030 يعتذرون ~~إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم ~~وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما ~~كنتم تعملون (94) @QUR@018 سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا ~~عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون (95) ~~@QUR@014 يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم ~~الفاسقين ) (96) # فهذه الآيات الكريمة بيان لما سيكون من أمر المنافقين الذين قعدوا في ~~المدينة بدون عذر ، بعد أن يرجع الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم والمؤمنون من تبوك. # والمعنى : إذا كان الضعفاء والمرضى ومن في حكمهم ، لا إثم ولا عقوبة ~~عليهم بسبب تخلفهم عن الجهاد ، فإن «السبيل» أى الإثم والعقوبة «على الذين ~~يستأذونك» في التخلف «وهم أغنياء» أى يملكون كل وسائل الجهاد من مال وقوة وعدة. # وقوله : ( @QUR@05 رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ) استئناف تعليلى ms2675 مسبوق ~~لمزيد مذمتهم. PageV06P382 # أى : استأذنوك في القعود مع غناهم وقدرتهم على القتال ، لأنهم لخلو ~~قلوبهم من الإيمان ، ولسقوط همتهم وجبنهم ، رضوا لأنفسهم أن يقبعوا في ~~المدينة مع الخوالف من النساء والصبيان والعجزة. # وقوله : ( @QUR@07 وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون ) بيان لسوء ~~مصيرهم. # أى : وبسبب هذا الإصرار على النفاق ، والتمادي في الفسوق والعصيان ، ختم ~~الله تعالى على قلوبهم ، فصارت لا تعلم ما يترتب على ذلك من مصائب دينية ~~ودنيوية وأخروية. # وقوله : ( @QUR@05 يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم )، إخبار عما سيقولونه ~~للمؤمنين عند لقائهم بهم. # أى : أن هؤلاء المنافقين المتخلفين عن الجهاد مع قدرتهم عليه ، سيعتذرون ~~إليكم أيها المؤمنون إذا رجعتم إليهم من تبوك ، بأن يقولوا لكم مثلا : إن ~~قعودنا في المدينة وعدم خروجنا معكم كانت له مبرراته القوية. فلا تؤاخذنا. # وهذه الجملة الكريمة من الأنباء التي أنبأ الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم ~~عن أحوال المنافقين وعما سيقولونه له وللمؤمنين بعد عودتهم إليهم ، وهذا ~~يدل على أن هذه الآيات نزلت في أثناء العودة ، وقبل وصول الرسول وأصحابه ~~إلى المدينة من تبوك. # وقوله : ( @QUR@011 قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم ~~)، إبطال لمعاذيرهم ، وتلقين من الله تعالى لرسوله بالرد الذي يخرس ~~ألسنتهم. # أى : قل لهم أيها الرسول الكريم عند ما يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم ، ~~قل لهم : دعوكم من هذه المعاذير الكاذبة ، ولا تتفوهوا بها أمامنا ، فإننا ~~«لن نؤمن لكم» ولن نصدق أقوالكم ، فإن الله ، تعالى. قد كشف لنا عن حقيقتكم ~~ووضح لنا أحوالكم ، وبين لنا ما أنتم عليه من نفاق وفسوق وعصيان ، وما دام ~~الأمر كذلك ، فوفروا على أنفسكم هذه المعاذير الكاذبة. # وقال ، سبحانه. ( @QUR@05 قد نبأنا الله من أخباركم ) ولم يقل قد نبأنى ، ~~للإشعار بأن الله تعالى قد أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ المؤمنين ~~بأحوال هؤلاء المنافقين حتى يكونوا على بينة من أمرهم. # وقوله : ( @QUR@04 وسيرى الله عملكم ورسوله ) تهديد لهم على نفاقهم ~~وكذبهم. # أى : دعوا عنكم هذه الأعذار الباطلة ، فإن الله تعالى مطلع على ms2676 أحوالكم ، ~~وسيعلم سركم وجهركم علما يترتب عليه الجزاء العادل لكم ، ويبلغ رسوله ~~صلى الله عليه وسلم بأخباركم ، هذا PageV06P383 # في الدنيا ، أما في الآخرة ، فأنتم «ستردون» يوم القيامة «إلى عالم الغيب ~~والشهادة» الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء «فينبئكم بما كنتم ~~تعملون» أى : فيخبركم بما كنتم تعملونه في الدنيا من أعمال قبيحة ، ~~وسيجازيكم عليها بما تستحقونه من عقاب. # ثم أخبر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن هؤلاء المنافقين ، سيؤكدون ~~أعذارهم الكاذبة بالأيمان الفاجرة فقال : ( @QUR@08 سيحلفون بالله لكم إذا ~~انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم ... ). # أى : أنهم سيحلفون بالله لكم أيها المؤمنون إذا ما رجعتم إليهم من تبوك ~~وذلك لكي تعرضوا عنهم فلا توبخوهم على قعودهم ، ولا تعنفوهم على تخلفهم. # وقوله ( @QUR@04 فأعرضوا عنهم إنهم رجس ) تعليل لوجوب الإعراض عنهم ، لا ~~على سبيل الصفح والعفو ، بل على سبيل الإهمال والترك والاحتقار. # أى : فأعرضوا أيها المؤمنون عن هؤلاء المنافقين المتخلفين ، لأنهم «رجس». # أى : قذر ونجس لسوء نواياهم ، وخبث طواياهم. # وقد جعلهم سبحانه نفس الرجس ، مبالغة في نجاسة أعمالهم ، وقبح بواطنهم. # وقوله : ( @QUR@06 ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون ) بيان لسوء ~~مصيرهم في الآخرة. # أى : أنهم في الدنيا محل الاحتقار والازدراء لنجاسة بواطنهم ، أما في ~~الآخرة فمستقرهم وموطنهم جهنم بسبب ما اكتسبوه من أعمال قبيحة ، وما ~~اجترحوه من أفعال سيئة. # وقوله : ( @QUR@04 يحلفون لكم لترضوا عنهم ) بدل مما قبله. # ولم يذكر سبحانه المحلوف به لظهوره أى : يحلفون بالله لترضوا عنهم ، ~~ولتصفحوا عن سيئاتهم ... # وقوله : ( @QUR@010 فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ) ~~بيان لحكم الله تعالى فيهم ، حتى يكون المؤمنون على حذر منهم. # أى : إن هؤلاء المنافقين المتخلفين عن الجهاد يحلفون بالله لكم بأنهم ما ~~تخلفوا إلا لعذر ، لكي تصفحوا عنهم ، أيها المؤمنون ، فإن صفحتم عنهم على ~~سبيل الفرض فإن الله تعالى لا يصفح ولا يرضى عن القوم الذين فسقوا عن أمره ~~، وخرجوا عن طاعته. # وقال الآلوسى ، «والمراد من الآية الكريمة ، نهى المخاطبين عن الرضا عنهم ~~، وعن الاغترار بمعاذيرهم الكاذبة على أبلغ ms2677 وجه وآكده ، فإن الرضا عمن لا ~~يرضى عنه الله تعالى مما لا يكاد يصدر عن المؤمنين ، والآية نزلت على ما ~~روى عن ابن عباس في جد بن قيس ، PageV06P384 # ومعتب بن قشير ، وأصحابهما من المنافقين ، وكانوا ثمانين رجلا ، أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين لما رجعوا إلى المدينة ؛ ألا يجالسوهم ولا ~~يكلموهم فامتثلوا» (1). # وقال سبحانه ( @QUR@07 فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ) ولم يقل فإن ~~الله لا يرضى عنهم ، لتسجيل الفسق عليهم ، وللإيذان بشمول هذا الحكم لكل من ~~كان مثلهم في الفسوق وفي الخروج عن طاعة الله ، تعالى. # وجواب الشرط في قوله : ( @QUR@03 فإن ترضوا عنهم ) محذوف ، والتقدير : ~~فإن ترضوا عنهم على سبيل الفرض ، فإن رضاكم عنهم لن ينفعهم ، لأن الله ~~تعالى. لا يرضى عن القوم الذين خرجوا عن طاعته. # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ذكرت جانبا آخر من الأحوال القبيحة ~~للمنافقين ، وردت على معاذيرهم الكاذبة ، وأيمانهم الفاجرة بما يفضحهم ~~ويخزيهم ، وتوعدتهم بسوء العاقبة في الدنيا والآخرة. # ثم بعد الحديث الطويل عن النفاق والمنافقين ، أخذت السورة الكريمة. في ~~الحديث عن طوائف أخرى منها الصالح ، ومنها غير الصالح ، وقد بدأت بالحديث ~~عن الأعراب سكان البادية ، فقال تعالى : # ( @QUR@016 الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله ~~على رسوله والله عليم حكيم (97) @QUR@016 ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق ~~مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم (98) @QUR@027 ~~ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله ~~وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم ) (99) PageV06P385 # قال صاحب المنار : قوله ، سبحانه : ( @QUR@04 الأعراب أشد كفرا ونفاقا ) ~~. بيان مستأنف لحال سكان البادية من المنافقين ، لأنه مما يسأل عنه بعد ما ~~تقدم في منافقي الحضر من سكان المدينة وغيرها من القرى. # والأعراب : اسم جنس لبدو العرب ، واحده : أعرابى ، والأنثى أعرابية ، ~~والجمع أعاريب ، والعرب : اسم جنس لهذا الجيل الذي ينطق بهذه اللغة ، بدوه ~~وحضره ، واحده : عربي ..» (1). # والمراد بالأعراب هنا : جنسهم لا كل واحد منهم ms2678 ، بدليل أن الله. تعالى. ~~قد ذم من يستحق الذم منهم ، ومدح من يستحق المدح منهم ، فالآية الكريمة من ~~باب وصف الجنس بوصف بعض أفراده. # وقد بدأ ، سبحانه ، بذكر المنافقين من الأعراب قبل المؤمنين منهم ، ~~إلحاقا لهم بمنافقى المدينة الذين تحدثت السورة عنهم قبل ذلك مباشرة حديثا ~~مستفيضا ، وبهذا الترتيب الحكيم تكون السورة الكريمة قد واصلت الحديث عن ~~منافقي الحضر والبدو. # والمعنى : «الأعراب» سكان البادية «أشد كفرا ونفاقا» من الكفار ~~والمنافقين الذين يسكنون الحضر والقرى. # وذلك ، لأن ظروف حياتهم البدوية ، وما يصاحبها من عزلة وكر وفر في ~~الصحراء ، وخشونة في الحياة ... كل ذلك جعلهم أقسى قلوبا ، وأجفى قولا ، ~~وأغلظ طبعا ، وأبعد عن سماع ما يهدى نفوسهم إلى الخير من غيرهم سكان المدن. # وقوله : ( @QUR@09 وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ) معطوف ~~على ما قبله لتعديد صفاتهم الذميمة. # قال القرطبي : قوله : «وأجدر» عطف على «أشد» ومعناه : أخلق ، وأحق ، يقال ~~: فلان جدير بكذا ، أى : خليق به. وأنت جدير أن تفعل كذا ، والجمع جدراء ~~وجديرون ، وأصله من جدر الحائط وهو رفعه بالبناء فقوله : هو أجدر بكذا ، أى ~~: أقرب إليه وأحق به (2). # والمعنى : الأعراب أشد كفرا ونفاقا من أهل الحضر الكفار والمنافقين ، وهم ~~كذلك أحق وأخلق من أهل الحضر بأن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ، ~~بسبب ابتعادهم عن مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدم مشاهدتهم لما ينزل ~~عليه صلى الله عليه وسلم من شرائع وآداب وأحكام. PageV06P386 # وقوله : ( @QUR@03 والله عليم حكيم ) أى : «عليم» بأحوال عباده الظاهرة ~~والباطنة لا يخفى عليه شيء من صفاتهم وطباعهم «وحكيم» في صنعه بهم ، وفي ~~حكمه عليهم ، وفيما يشرعه لهم من أحكام ، وفيما يجازيهم به من ثواب أو عقاب. # هذا ، وقد ذكر المفسرون هنا أمثلة متعددة لجفاء الأعراب وجهلهم ، ومن ذلك ~~قول الإمام ابن كثير : # قال الأعمش عن إبراهيم قال : جلس أعرابى إلى زيد بن صوهان ، وهو يحدث ~~أصحابه ، وكانت يده قد أصيبت يوم «نهاوند» فقال الأعرابى : والله إن حديثك ~~ليعجبني وإن يدك لتريبنى!! فقال ms2679 زيد : وما يريبك من يدي؟ إنها الشمال!! ~~فقال الأعرابى : والله ما أدرى اليمين يقطعون أو الشمال!! فقال زيد : صدق ~~الله إذ يقول : ( @QUR@013 الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ~~ما أنزل الله على رسوله .. ). # وروى الإمام أحمد عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «من ~~سكن البادية جفا ، ومن اتبع الصيد غفل ، ومن أتى السلطان افتتن». # وروى الإمام مسلم عن عائشة قال : قدم ناس من الأعراب على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقالوا : أتقبلون صبيانكم؟ فقال صلى الله عليه وسلم نعم. ~~فقالوا : لكنا والله ما نقبل!! فقال صلى الله عليه وسلم «وما أملك إن كان الله ~~نزع منكم الرحمة» (1). # ثم بين سبحانه حال فريق آخر من منافقي الأعراب فقال : ( @QUR@07 ومن ~~الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ). # أى : ومن الأعراب قوم آخرون يعتبرون ما ينفقونه في سبيل الله غرامة ~~وخسارة عليهم لأنهم لا ينفقون ما ينفقونه طمعا في ثواب ، أو خوفا من عقاب ~~وإنما ينفقونه تقية ورياء ومداراة للمسلمين ، لا مساعدة للغزاة والمجاهدين ~~، ولا حبا في انتصار المؤمنين. # قال الجمل : وقوله : «من يتخذ ما ينفق مغرما» «من» مبتدأ ، وهي موصولة أو ~~موصوفة ، و «مغرما». مفعول ثان ، لأن «اتخذ» هنا بمعنى صير ، والمفعول الأول ~~قوله : «ما ينفق». # والمغرم : الخسران ، مشتق من الغرم وهو الهلاك لأنه سببه ، وقيل أصله ~~الملازمة ، ومنه الغريم للزومه من يطالبه» (2). PageV06P387 # وقوله : ( @QUR@03 ويتربص بكم الدوائر ) معطوف على ما قبله ، والتربص : ~~الانتظار والترقب والدوائر : جمع دائرة. وهو ما يحيط بالإنسان من مصائب ~~ونكبات ، كما تحيط الدائرة بالشيء الذي بداخلها. # أى : أنهم بجانب اعتبارهم ما ينفقونه غرامة وخسارة ، ينتظرون بكم أيها ~~المؤمنون صروف الدهر ونوائبه التي تبدل حالكم من الخير إلى الشر ومن النصر ~~إلى الهزيمة ، ومن الصحة إلى المرض والأسقام ، ومن الأمان والاطمئنان إلى ~~القلق والاضطراب .. # وقوله : ( @QUR@03 عليهم دائرة السوء ) جملة معترضة ، جيء بها للدعاء عليهم. # أى : عليهم لا عليكم أيها المؤمنون تدور دائرة السوء ، التي يتبدل بها ~~حالهم إلى الهلاك والفساد. # والسوء بفتح ms2680 السين مصدر ساءه يسوءه سوءا ، إذا فعل به ما يكره ، والسوء ~~بالضم اسم منه. وقيل المفتوح بمعنى الذم ، والمضموم بمعنى العذاب والضرر. # وإضافة الدائرة إلى السوء من إضافة الموصوف إلى صفته للمبالغة ، كما في ~~قولهم : رجل صدق. # وفي هذا التعبير ما فيه من الذم لهؤلاء المنافقين ، لأنه سبحانه جعل ~~السوء كأنه دائرة تطبق عليهم فلا تفلتهم ، وتدور بهم فلا تدع لهم مهربا أو ~~منجاة من عذابها وضررها. # وقوله : ( @QUR@03 والله سميع عليم ) تذييل قصد به تهديدهم وتحذيرهم بما ~~ارتكسوا فيه من نفاق وكفر وشقاق. # والله تعالى «سميع» لكل ما يتفوهون به من أقوال ، «عليم» بكل ما يظهرونه ~~وما يبطنونه من أحوال ، وسيحاسبهم على ما صدر منهم حسابا عسيرا يوم القيامة ~~: وينزل بهم العقاب الذي يناسب جرائمهم .. # وبعد أن ذكر سبحانه حال هؤلاء الأعراب المنافقين ، أتبعه ببيان حال ~~المؤمنين الصادقين منهم فقال : ( @QUR@07 ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم ~~الآخر ). # أى : ومن الأعراب قوم آخرون من صفاتهم أنهم يؤمنون بالله إيمانا صادقا ، ~~ويؤمنون باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب. # وقوله : ( @QUR@08 ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ) مدح لهم ~~على إخلاصهم وسخائهم وطاعتهم ... # والقربات : جمع قربة وهي ما يتقرب به الإنسان إلى خالقه من أعمال الخير ، ~~والمراد PageV06P388 # بصلوات الرسول : دعواته للمتقربين إلى الله بالطاعة. # أى : ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر إيمانا حقا ، ويعتبر كل ما ~~ينفقه في سبيل الله وسيلة للتقرب إليه سبحانه وتعالى بالطاعة ، ووسيلة ~~للحصول على دعوات الرسول صلى الله عليه وسلم له بالرحمة والمغفرة ، وبحسنات ~~الدنيا والآخرة. # ولقد كان من عادة النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو للمتصدقين بالخير ~~والبركة ، فقد ورد في الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لآل ~~أبى أوفى عند ما تقدموا إليه بصدقاتهم فقال : «اللهم صل على آل أبى أوفى» ~~أى : ارحمهم وبارك لهم في أموالهم .. # وقوله : ( @QUR@04 ألا إنها قربة لهم ) شهادة لهم منه سبحانه بصدق ~~إيمانهم ، وخلوص نياتهم ، وقبول صدقاتهم. # والضمير في قوله ( @QUR@01 إنها ) يعود على ms2681 النفقة التي أنفقوها في سبيل ~~الله و ( @QUR@01 ألا ) أداة استفتاح جيء بها لتأكيد الخبر والاهتمام به. ~~أى : ألا إن هذه النفقات التي تقربوا بها إلى الله ، مقبولة عنده سبحانه ~~قبولا مؤكدا ، وسيجازيهم عليها بما يستحقون من أجر جزيل ... # وقوله ( @QUR@04 سيدخلهم الله في رحمته ) وعد لهم بإحاطة رحمته بهم. ~~والسين للتحقيق والتأكيد. # أى : أن هؤلاء المؤمنين بالله واليوم الآخر ، والمتقربين إليه سبحانه ~~بالطاعات ، سيغمرهم الله تعالى برحمته التي لا شقاء معها. # قال صاحب الكشاف : وقوله : ( @QUR@08 ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في ~~رحمته ) شهادة من الله للمتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته قربات وصلوات ، ~~وتصديق لرجائه على طريق الاستئناف مع حرفى التنبيه والتحقيق المؤذنتين ~~بثبات الأمر وتمكنه ، وكذلك قوله : ( @QUR@01 سيدخلهم ) وما في السين من ~~تحقيق الوعد. وما أدل هذا الكلام على رضا الله تعالى عن المتصدقين ، وأن ~~الصدقة منه بمكان ، إذا خلصت النية من صاحبها (1). # وقوله : «إن الله غفور رحيم» تذييل مقرر لما قبله على سبيل التعليل. # أى : إن الله تعالى واسع المغفرة ، كثير الرحمة للمخلصين الذين يجتنبون ~~كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم. # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ذمت من يستحق الذم من الأعراب ومدحت ~~من يستحق المدح منهم ، وبينت مصير كل فريق ليكون عبرة للمعتبرين وذكرى ~~للمتذكرين. PageV06P389 # وبعد هذا التقسيم للأعراب ، انتقلت السورة للحديث عن المؤمنين الصادقين ~~الذين وقفوا إلى جانب الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأطاعوه في السر والعلن ~~، فقال تعالى : # ( @QUR@025 والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا ذلك الفوز العظيم ) (100) # فهذه الآية الكريمة قد مدحت ثلاث طوائف من المسلمين المعاصرين للعهد ~~النبوي. # الطائفة الأولى «السابقون الأولون من المهاجرين» وهم الذين تركوا ديارهم ~~وأموالهم بمكة ، وهاجروا إلى الحبشة ، ثم إلى المدينة من أجل إعلاء كلمة ~~الله واستمروا في المدينة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن تم الفتح ~~ودخل الناس في دين الله أفواجا. # وقيل المراد بهم : الذين صلوا ms2682 إلى القبلتين ، وقيل : الذين شهدوا غزوة بدر. # والطائفة الثانية : السابقون الأولون من الأنصار ، وهم الذين بايعوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يهاجر إليهم إلى المدينة بيعة العقبة الأولى ~~والثانية. # وكانت بيعة العقبة الأولى في السنة الحادية عشرة من البعثة ، وكان عدد ~~المشتركين فيها سبعة أفراد. # أما بيعة العقبة الثانية فكانت في السنة الثانية عشرة من البعثة ، وكان ~~عدد المشركين فيها سبعين رجلا وامرأتين. # ثم يلي هؤلاء أولئك المؤمنون من أهل المدينة الذين دخلوا في الإسلام على ~~يد مصعب بن عمير ، قبل وصول الرسول صلى الله عليه وسلم إليها. # ثم يلي هؤلاء جميعا أولئك الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد مقدمه ~~إلى المدينة. # والطائفة الثالثة : «الذين اتبعوهم بإحسان» أى : الذين اتبعوا السابقين ~~في الإسلام من المهاجرين والأنصار ، اتباعا حسنا في أقوالهم وأعمالهم ~~وجهادهم ونصرتهم لدعوة الحق. # قال الآلوسى ما ملخصه : وكثير من الناس ذهب إلى أن المراد بالسابقين ~~الأولين ، جميع المهاجرين والأنصار. ومعنى كونهم سابقين : أنهم أولون ~~بالنسبة إلى سائر المسلمين. PageV06P390 # روى عن حميد بن زياد قال : قلت يوما لمحمد بن كعب القرظي ، ألا تخبرني عن ~~الصحابة فيما كان بينهم من الفتن؟ فقال لي : إن الله تعالى قد غفر لجميعهم ~~، وأوجب لهم الجنة في كتابه ، محسنهم ومسيئهم ، فقلت له : وفي أى موضع أوجب ~~لهم الجنة ، فقال : سبحان الله!! ألم تقرأ قوله. تعالى : ( @QUR@02 ~~والسابقون الأولون .. ) الآية فقد أوجب. سبحانه لجميع الصحابة الجنة وشرط ~~على تابعيهم أن يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة وألا يقولوا فيهم إلا حسنا لا ~~سوءا .. (1). # وقوله : ( @QUR@05 رضي الله عنهم ورضوا عنه ) بيان لسمو منزلتهم ، ~~وارتفاع مكانتهم. # أى : رضى الله عنهم في إيمانهم وإخلاصهم ، فتقبل أعمالهم ، ورفع درجاتهم ~~وتجاوز عن زلاتهم ، ورضوا عنه ، بما أسبغه عليهم من نعم جليلة ، وبما نالوه ~~منه. سبحانه. من هداية وثواب. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة ببيان ما هيأه لهم في الآخرة من إكرام فقال ~~: ( @QUR@012 وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا. ذلك ~~الفوز العظيم ). # أى : أنه سبحانه بجانب ms2683 رضاه عنهم ورضاهم عنه في الدنيا ، قد أعد لهم ~~سبحانه في الآخرة جنات تجرى من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها خلودا ~~أبديا وذلك الرضا والخلود في الجنات من الفوز العظيم الذي لا يقاربه فوز ، ~~ولا تدانيه سعادة. # قال الإمام ابن كثير : أخبر الله تعالى في هذه الآية «أنه قد رضى عن ~~السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان. فيا ويل من ~~أبغضهم ، أو سبهم ، أو أبغض أو سب بعضهم ، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول ~~، وخيرهم وأفضلهم أعنى الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبى قحافة ~~، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ، ويبغضونهم ~~ويسبونهم ، عياذا بالله من ذلك ، وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة وقلوبهم ~~منكوسة ، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ يسبون من رضى الله عنهم؟ # وأما أهل السنة فإنهم يترضون عمن رضى الله عنه ، ويسبون من سبه الله ~~ورسوله ، ويوالون من يوالى الله ، ويعادون من يعادى الله ، وهم متبعون لا ~~مبتدعون ، وهؤلاء هم حزب الله المفلحون ، وعباده المؤمنون (2). # وبهذا نرى أن هذه الآية الكريمة قد مدحت السابقين الأولين من المهاجرين ~~والأنصار ومن PageV06P391 # تبعهم بإحسان ، وذلك لقوة إيمانهم ، وصفاء نفوسهم وإيثارهم ما عند الله ~~على هذه الدنيا وما فيها .. # ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن أصناف أخرى من الناس ، منهم قوم. أجادوا ~~النفاق ، ومرنوا عليه ، ولجوا فيه. ومنهم قوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ، ~~ومنهم قوم موقوف أمرهم إلى أن يظهر الله حكمه فيهم فقال تعالى : # ( @QUR@022 وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على ~~النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم (101) ~~@QUR@017 وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن ~~يتوب عليهم إن الله غفور رحيم (102) @QUR@016 خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ~~وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم (103) @QUR@016 ~~ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو ~~التواب الرحيم (104) @QUR@016 وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ~~والمؤمنون وستردون ms2684 إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (105) ~~@QUR@012 وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم ~~حكيم ) (106) # قال القرطبي : ومعنى : «مردوا على النفاق» أقاموا عليه ولم يتوبوا منه ، ~~أو لجوا فيه وأبوا غيره وأصل الكلمة من اللين والملاسة والتجرد ، فكأنهم ~~تجردوا للنفاق ، ومنه رملة مرداء PageV06P392 # أى لا نبت فيها ، وغصن أمرد. أى : لا ورق له ... ويقال : مرد يمرد مرودا ~~ومرادة» (1). # والمعنى : اذكروا أيها المؤمنون أنه يسكن من حول مدينتكم قوم من الأعراب ~~منافقون ، فاحترسوا منهم ، واحترسوا أيضا من قوم آخرين يسكنون معكم داخل ~~المدينة ، مردوا على النفاق ، أى : مرنوا عليه ، وأجادوا فنونه ، حتى بلغوا ~~فيه الغاية. # قال الآلوسى ما ملخصه : والمراد بالموصول. في قوله «وممن حولكم». قبائل : ~~جهينة ، ومزينة وأشجع ، وأسلم ... وكانت منازلهم حول المدينة وإلى هذا ذهب ~~جماعة من المفسرين. # واستشكل ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم مدح بعض هذه القبائل ودعا لبعضها ~~فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة أنه قال : «قريش ، والأنصار ، ~~وجهينة ، ومزينة ، وأشجع وأسلم ، وغفار ، موالي الله تعالى ورسوله لا والى ~~لهم غيره». # وأجيب ذلك باعتبار الأغلب منهم (2). # وقوله : ( @QUR@04 لا تعلمهم نحن نعلمهم ) بيان لتمردهم في النفاق ~~وتمهرهم فيه. # أى : أنت أيها الرسول الكريم. لا تعرف هؤلاء المنافقين. مع كمال فطنتك ، ~~وصدق فراستك لأنك تعامل الناس بظواهرهم ، وهم قد أجادوا النفاق وحذقوه ، ~~واجتهدوا في الظهور بمظهر المؤمنين ، أما نحن فإننا نعلمهم لأننا لا يخفى ~~علينا شيء من ظواهرهم أو بواطنهم ..». # قال الإمام ابن كثير : وقوله تعالى ( @QUR@04 لا تعلمهم نحن نعلمهم ) لا ~~ينافي قوله تعالى ( @QUR@09 ولو نشاء لأريناكهم ، فلعرفتهم بسيماهم ، ~~ولتعرفنهم في لحن القول ... ) لأن هذا من باب التوسم فيهم بصفات يعرفون بها ~~لا أنه يعرف جميع من عنده من أهل النفاق والريب على التعيين ، وقد كان ~~صلى الله عليه وسلم يعلم أن في بعض من يخالطه من أهل المدينة نفاقا ، وإن كان ~~يراه صباحا ومساء. # وشاهد هذا بالصحة ما رواه الإمام أحمد عن جبير بن مطعم قال : قلت : يا ~~رسول الله ms2685 ، إنهم يزعمون أنه ليس لنا أجر بمكة ، فقال : «لتأتينكم أجوركم ~~ولو كنتم في جحر ثعلب» وأصغى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم برأسه فقال : ~~«إن في أصحابى منافقين» : ومعناه أنه قد يبوح بعض المنافقين والمرجفين بما ~~لا صحة له من الكلام ، ومن مثلهم صدر هذا الكلام الذي سمعه جبير بن مطعم. PageV06P393 # ثم قال : وقد تقدم في تفسير قوله تعالى ( @QUR@04 وهموا بما لم ينالوا ) ~~أنه صلى الله عليه وسلم أعلم حذيفة بأعيان أربعة عشر أو خمسة عشر منافقا. وهذا ~~تخصيص لا يقتضى أنه اطلع على أسمائهم وأعيانهم كلهم. # وروى الحافظ بن عساكر عن أبى الدرداء ، أن رجلا يقال له حرملة أتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال : الإيمان ها هنا وأشار بيده إلى لسانه ، والنفاق ها ~~هنا وأشار بيده إلى قلبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اللهم اجعل له ~~لسانا ذاكرا ، وقلبا شاكرا ، وارزقه حبى ، وحب من يحبني ، وصير أمره إلى خير». # فقال الرجل يا رسول الله : إنه كان لي أصحاب من المنافقين وكنت رأسا فيهم ~~، أفلا آتيك بهم؟ فقال : صلى الله عليه وسلم : «ومن أتانا استغفرنا له ، ومن ~~أصر فالله أولى به ، ولا تخرقن على أحد سترا» (1). # وقال الآلوسى. واستدل بالآية على أنه لا ينبغي الإقدام على دعوى معرفة ~~الأمور الخفية من أعمال القلب ونحوها ، فقد أخرج عبد الرازق وابن المنذر ~~وغيرهما عن قتادة : أنه قال : ما بال أقوام يتكلفون على الناس يقولون : ~~فلان في الجنة وفلان في النار ، فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال : لا أدرى. ~~لعمري لأنت بنفسك أعلم منك بأعمال الناس ، ولقد تكلفت شيئا ما تكلفه نبي. ~~فقد قال نوح عليه السلام «وما علمي بما كانوا يعملون» وقال شعيب عليه السلام ~~«وما أنا عليكم بحفيظ» ، وقال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ( ~~@QUR@04 لا تعلمهم نحن نعلمهم ). # وهذه الآيات ونحوها أقوى دليل في الرد على من يزعم الكشف والاطلاع على ~~المغيبات بمجرد صفاء القلب ، وتجرد النفس عن الشواغل. # ثم قال : والجملة الكريمة «لا ms2686 تعلمهم نحن نعلمهم» تقرير لما سبق من ~~مهارتهم في النفاق ، أى : لا يقف على سرائرهم المذكورة فيهم ، إلا من لا ~~تخفى عليه خافية ، لما هم عليه من شدة الاهتمام بإبطان الكفر وإظهار ~~الإخلاص (2). # وقوله : ( @QUR@07 سنعذبهم مرتين ، ثم يردون إلى عذاب عظيم ) وعيد لهم ~~بسوء المصير في الدنيا والآخرة. # أى : هؤلاء المنافقون الذين مردوا على النفاق ، سنعذبهم في الدنيا مرتين ~~، مرة عن طريق فضحيتهم وهتك أستارهم وجعلهم يعيشون في قلق وهم دائم ، ~~والأخرى عن طريق ضرب PageV06P394 # الملائكة لوجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم وما يتبع ذلك من عذابهم في ~~قبورهم إلى أن تقوم الساعة ، فيجدون العذاب الأكبر الذي عبر عنه سبحانه ~~بقوله ( @QUR@05 ثم يردون إلى عذاب عظيم ). # أى : ثم يعودون ويرجعون إلى خالقهم سبحانه يوم القيامة فيعذبهم عذابا ~~عظيما بسبب إصرارهم على النفاق ، ورسوخهم في المكر والخداع. # قال أبو السعود : ولعل تكرير عذابهم ، لما فيهم من الكفر المشفوع بالنفاق ~~، أو النفاق المؤكد بالتمرد فيه. ويجوز أن يكون المراد بالمرتين مجرد ~~التكثير ، كما في قوله تعالى ( @QUR@06 فارجع البصر هل ترى من فطور ) (1) ~~أى : كرة بعد أخرى (2). # ثم بين سبحانه حال طائفة أخرى من المسلمين فقال : ( @QUR@08 وآخرون ~~اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ).. # قال الآلوسى : قوله : وآخرون اعترفوا بذنوبهم ... بيان لحال طائفة من ~~المسلمين ضعيفة الهمم في أمر الدين ، ولم يكونوا منافقين على الصحيح. وقيل ~~هم طائفة من المنافقين إلا أنهم وفقوا للتوبة فتاب الله عليهم (3). # والمعنى : ويوجد معكم أيها المؤمنون قوم آخرون من صفاتهم أنهم اعترفوا ~~بذنوبهم أى أقروا بها ولم ينكروها. # وقوله : ( @QUR@05 خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ) أى خلطوا عملهم الصالح ~~وهو جهادهم في سبيل الله قبل غزوة تبوك ، بعمل سيئ وهو تخلفهم عن الخروج ~~إلى هذه الغزوة. # وقوله : ( @QUR@05 عسى الله أن يتوب عليهم ) أى عسى الله تعالى : أن يقبل ~~توبتهم ، ويغسل ، حوبتهم ، ويتجاوز عن خطاياهم. # وعبر سبحانه بعسى للإشعار بأن ما يفعله تعالى ليس إلا على سبيل التفضل ~~منه ، حتى لا يتكل الشخص ، بل يكون على خوف وحذر. # وقد قالوا ms2687 إن كلمة عسى متى صدرت عن الله تعالى فهي متحققة الوقوع ، لأنها ~~صادرة من كريم ، والله تعالى أكرم من أن يطمع أحدا في شيء لا يعطيه إياه. # وقوله : إن الله غفور رحيم ، تعليل لرجاء قبول توبتهم ، إذ معناه ، إن ~~الله تعالى كثير المغفرة للتائبين ، واسع الرحمة للمحسنين. PageV06P395 # هذا ، وقد ذكر المفسرون هنا روايات متعددة في سبب نزول هذه الآية ولعل ~~أرجح هذه الروايات ما رواه ابن جرير من أن هذه الآية نزلت في أبى لبابة ~~وأصحابه ، وكانوا تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، فلما قفل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته ، وكان قريبا من المدينة ندموا على ~~تخلفهم عن رسول الله وقالوا : نكون في الظلال والأطعمة والنساء ونبي الله ~~في الجهاد واللأواء. والله لنوثقن أنفسنا بالسوارى ، ثم لا نطلقها حتى يكون ~~نبي الله هو الذي يطلقنا. # وأوثقوا أنفسهم. وبقي ثلاثة لم يوثقوا أنفسهم بالسوارى فقدم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من غزوته فمر بالمسجد فأبصرهم فسأل عنهم ، فقيل له : إنه ~~أبو لبابة وأصحابه تخلفوا عنك يا نبي الله ، فصنعوا بأنفسهم ما ترى ، ~~وعاهدوا الله ألا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم. # فقال صلى الله عليه وسلم : «لا أطلقهم حتى أؤمر بإطلاقهم ، ولا أعذرهم حتى ~~يعذرهم الله ، قد رغبوا بأنفسهم عن غزوة المسلمين» ، فأنزل الله تعالى : ( ~~@QUR@08 وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ... ) الآية ، ~~فأطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعذرهم (1). # ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأخذ الصدقات من هؤلاء الذين ~~اعترفوا بذنوبهم ومن غيرهم ، فقال : ( @QUR@07 خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ~~وتزكيهم بها ). # أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : لما أطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ~~لبابة وأصحابه جاءوا بأموالهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له يا ~~رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا ، واستغفر لنا ، فقال : «ما أمرت أن ~~آخذ من أموالكم شيئا». # فأنزل الله تعالى ( @QUR@04 خذ من أموالهم ms2688 صدقة .... ) الآية (2). # وقال الإمام ابن كثير : أمر الله تعالى رسوله أن يأخذ من أموالهم صدقة ~~يطهرهم ويزكيهم بها. وهذا عام وإن أعاد بعضهم الضمير في أموالهم إلى الذين ~~اعترفوا بذنوبهم. # ولهذا اعتقد بعض مانعي الزكاة من أحياء العرب أن دفع الزكاة إلى الإمام ~~لا يكون ، وإنما كان هذا خاصا بالرسول صلى الله عليه وسلم ولهذا احتجوا بقوله ~~: تعالى : ( @QUR@04 خذ من أموالهم صدقة .... ) الآية. # وقد رد عليهم هذا التأويل والفهم الفاسد أبو بكر الصديق وسائر الصحابة ، ~~وقاتلوهم حتى PageV06P396 # أدوا الزكاة الى الخليفة كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى قال الصديق : «والله لو منعونى عناقا كانوا يؤدونه ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه (1)». # والمعنى : خذ أيها الرسول الكريم من أموال هؤلاء المعترفين بذنوبهم ، ومن ~~غيرهم من أصحابك «صدقة» معينة ، كالزكاة المفروضة ، أو غير معينة كصدقة ~~التطوع. # وقوله : ( @QUR@03 تطهرهم وتزكيهم بها ) بيان للفوائد المترتبة على هذه ~~الصدقة. # أى : من فوائد هذه الصدقة أنها تطهر النفوس من رذائل الشح والبخل والطمع ~~.. وتزكى القلوب من الأخلاق الذميمة ، وتنمى الأموال والحسنات قال بعضهم : ~~قوله : «تطهرهم» قرئ مجزوما على أنه جواب للأمر. وقرئ. مرفوعا على أنه حال ~~من ضمير المخاطب في قوله : «خذ» أو صفة لقوله «صدقة» والعائد على الأول ~~محذوف ثقة بما بعده أى : تطهرهم بها ... # وقوله : «وتزكيهم» لم يقرأ إلا بإثبات الياء ، على أنه خبر لمبتدأ محذوف ~~، والجملة حال من الضمير في الأمر أو في جوابه. أى : وأنت تزكيهم بها. # هذا على قراءة الجزم في «تطهرهم» ، وأما على قراءة الرفع فيكون قوله ~~«وتزكيهم بها» معطوف على قوله «تطهرهم» حالا أو صفة (2). # وقوله : وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم أى : وادع لهم بالرحمة والمغفرة ، ~~وقبول التوبة ، فإن دعاءك لهم تسكن معه نفوسهم ، وتطمئن به قلوبهم ، ~~ويجعلهم في ثقة من أن الله تعالى قد قبل توبتهم ، فأنت رسوله الأمين ، ~~ونبيه الكريم. # فالمراد بالصلاة هنا : الدعاء لهم بالرحمة والمغفرة. # قال بعضهم : «وظاهر» قوله : «وصل عليهم» أنه يجب على الإمام أو ms2689 نائبه إذا ~~أخذ الزكاة أن يدعو للمتصدق. وبهذا أخذ داود وأهل الظاهر. # وأما سائر الفقهاء فقد حملوا الأمر هنا على الندب والاستحباب ، لأن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ : «أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من ~~أغنيائهم فترد على فقرائهم» ولم يأمره بالدعاء .. # أما صيغة الدعاء فلم يرد فيها تعيين إلا ما رواه الستة غير الترمذي من ~~قوله صلى الله عليه وسلم «اللهم صل على آل أبى أوفى» عند ما أخذ منهم الزكاة . PageV06P397 # ومن هنا قال الحنابلة وداود وأهل الظاهر لا مانع من أن يقول آخذ الزكاة : ~~اللهم صل على آل فلان. # وقال باقى الأئمة لا يجوز أن يقال : اللهم صل على آل فلان ، وإن ورد في ~~الحديث ، لأن الصلاة صارت مخصوصة في لسان السلف بالأنبياء صلوات الله عليهم ~~، كما أن قولنا : عز وجل صار مخصوصا بالله تعالى . # قالوا : وإنما أحدث الصلاة على غير الأنبياء مبتدعو الرافضة في بعض ~~الأئمة ، والتشبه بأهل البدع منهى عنه. # ولا خلاف في أنه يجوز أن يجعل غير الأنبياء تبعا لهم فيقال : اللهم صل ~~على محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته .. لأن السلف استعملوا ذلك ، ~~وأمرنا به في التشهد ، ولأن الصلاة على التابع تعظيم للمتبوع ..» (1). # وقوله : ( @QUR@03 والله سميع عليم ) أى : سميع لاعترافهم بذنوبهم وسميع ~~لدعائك سماع قبول وإجابة ، وعليم بندمهم وتوبتهم ، وبكل شيء في هذا الكون ، ~~وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب. # ثم حرضهم سبحانه على التوبة النصوح ، وحثهم على بذل الصدقات فقال : ( ~~@QUR@011 ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ... ). # أى : ألم يعلم هؤلاء التائبون من ذنوبهم ، أن الله تعالى وحده ، هو الذي ~~يقبل التوبة الصادقة من عباده المخلصين ، وأنه سبحانه هو الذي «يأخذ ~~الصدقات». # أى : يتقبلها من أصحابها قبول من يأخذ شيئا ليؤدى بدله : فالتعبير بالأخذ ~~للترغيب في بذل الصدقات ، ودفعها للفقراء. والاستفهام للتقرير والتحضيض على ~~تجديد التوبة وبذل الصدقة. # وقوله : ( @QUR@05 وأن الله هو التواب الرحيم ) تذييل قصد به تقرير ما ~~قبله وتأكيده. # أى : وأن الله وحده ms2690 هو الذي يقبل توبة عباده المرة بعد الأخرى ، وأنه هو ~~الواسع الرحمة بهم ، الكثير المغفرة لهم : # قال ابن كثير : قوله : ( @QUR@011 ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن ~~عباده ويأخذ الصدقات .. ) هذا تهييج إلى التوبة والصدقة اللتين كل منهما ~~يحط الذنوب ويمحقها ، وأخبر تعالى أن كل من تاب إليه تاب عليه ، ومن تصدق ~~بصدقة من كسب حلال فإن الله PageV06P398 # يتقبلها بيمينه ، فيربيها لصاحبها حتى تصير الثمرة مثل أحد ، كما جاء ~~بذلك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . فعن أبى هريرة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : «إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم ~~كما يربى أحدكم مهره ، حتى إن اللقمة لتكون مثل أحد» وتصديق ذلك في كتاب ~~الله قوله : ( @QUR@011 ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ ~~الصدقات ). وقوله : ( @QUR@05 يمحق الله الربا ويربي الصدقات ). # وعن عبد الله بن مسعود قال : إن الصدقة تقع في يد الله تعالى قبل أن تقع ~~في يد السائل ، ثم قرأ هذه الآية. ( @QUR@011 ألم يعلموا أن الله هو يقبل ~~التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ... ) (1). # ثم أمر سبحانه بالتزود من العمل الصالح ، وحذر من الوقوع في العمل السيئ ~~، فقال تعالى : ( @QUR@07 وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ). # أى : وقل أيها الرسول الكريم لهؤلاء التائبين وغيرهم ، قل لهم : اعملوا ~~ما تشاءون من الأعمال ، فإن الله مطلع عليها ، وسيطلع رسوله والمؤمنون ~~عليها كذلك. # وخص سبحانه رسوله والمؤمنين بالذكر ، لأنهم هم الذين يهتم المخاطبون ~~باطلاعهم. # قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله : ( @QUR@03 فسيرى الله عملكم ... ) تعليل ~~لما قبله ، أو تأكيد لما يستفاد منه من الترغيب والترهيب ، والسين للتأكيد ~~.. والمراد من رؤية الله العمل عند جمع الاطلاع عليه ، وعلمه علما جليا ، ~~ونسبة ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، باعتبار أن الله تعالى لا ~~يخفى ذلك عنهم ، بل يطلعهم عليه ...» (2). # وقوله : ( @QUR@09 وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم ~~تعملون ) بيان لما سيكون عليه حالهم في الآخرة. # أى : وسترجعون بعد موتكم إلى الله تعالى الذي لا ms2691 يخفى عليه شيء ، فينبئكم ~~بما كنتم تعملونه في الدنيا من خير أو شر ، وسيجازيكم بما تستحقونه من ثواب ~~أو عقاب. # ثم بين سبحانه حال قسم آخر من أقسام المتخلفين عن غزوة تبوك ، فقال تعالى ~~: ( @QUR@09 وآخرون مرجون لأمر الله ، إما يعذبهم وإما يتوب عليهم .. ). # قال الجمل : قوله : «وآخرون مرجون ...» قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عمر ~~وأبو بكر عن عاصم «مرجؤون» بهمزة مضمومة بعدها واو ساكنة. وقرأ الباقون ~~«مرجون» دون PageV06P399 # تلك الهمزة .. وهما لغتان ، يقال أرجأته وأرجيته ..» (1). # وهذه الآية الكريمة معطوفة على قوله تعالى قبل ذلك : ( @QUR@08 وآخرون ~~اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا .. ). # والمعنى : ومن المتخلفين عن الخروج معك إلى تبوك يا محمد قوم آخرون موقوف ~~أمرهم إلى أن يحكم الله فيهم بحكمه العادل ، فهو سبحانه «إما يعذبهم» بأن ~~يميتهم بلا توبة «وإما يتوب عليهم» أى : يقبل توبتهم. # وهذا الترديد الذي يدل عليه لفظ «إما» ، إنما هو بالنسبة للناس ، وإلا ~~فالله تعالى عليم بما هو فاعله بهم. # والحكمة من إيهام أمرهم ، إثارة الهم والخوف في قلوبهم لتصح توبتهم ؛ لأن ~~التوبة عند ما تجيء بعد ندم شديد ، وتأديب نفسي .. تكون مرجوة القبول منه ~~سبحانه . # وقوله ( @QUR@02 والله عليم ) أى : والله تعالى عليم بأحوال خلقه وبما ~~يصلحهم في أمورهم ، حكيم فيما يشرعه لهم من أحكام. # قال الآلوسى : والمراد بهؤلاء «المرجون لأمر الله ..» كما جاء في ~~الصحيحين : هلال بن أمية ، وكعب بن مالك ، ومرارة بن الربيع ، كانوا قد ~~تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، وهموا باللحاق به فلم ~~يتيسر لهم ذلك فقعدوا في المدينة كسلا وميلا إلى الدعة ولم يكن تخلفهم عن ~~نفاق ، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم وكان ما كان من أمر المتخلفين قالوا ~~: لا عذر لنا إلا الخطيئة ، ولم يعتذروا كما اعتذر غيرهم ، فأمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم باجتنابهم .. إلى أن نزل قوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@07 ~~لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار )... ( @QUR@04 وعلى الثلاثة ~~الذين خلفوا .. ) فأمر صلى الله عليه وسلم بمخالطتهم ms2692 ، وكانت مدة وقفهم خمسين ~~ليلة بقدر مدة التخلف ، إذ كانت مدة غيبته صلى الله عليه وسلم عن المدينة ~~خمسين ليلة ، فلما تمتعوا بالراحة في تلك المدة مع تعب إخوانهم في السفر ، ~~عوقبوا بهجرهم ووقفهم تلك المدة ..» (2). # وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة قد ذكرت ثلاث طوائف من المتخلفين عن غزوة تبوك. # أما الطائفة الأولى فهي التي مردت على النفاق ، وقد عبر عنها سبحانه ~~بقوله : ( @QUR@011 وممن حولكم من الأعراب منافقون ، ومن أهل المدينة مردوا ~~على النفاق .. ). PageV06P400 # وأما الطائفة الثانية فهي التي سارعت إلى الاعتذار والاعتراف بالذنب ، ~~فقبل الله توبتهم ، وقد عبر عنها سبحانه بقوله : ( @QUR@08 وآخرون اعترفوا ~~بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ). # وأما الطائفة الثالثة فهي التي لم تجد عذرا تعتذر به ، فأوقف الله أمرهم ~~إلى أن حكم بقبول توبتهم بعد خمسين ليلة ، وقد عبر عنها سبحانه بقوله : ( ~~@QUR@09 وآخرون مرجون لأمر الله ، إما يعذبهم وإما يتوب عليهم .. ). # ثم ختمت السورة الكريمة حديثها الطويل المتنوع عن النفاق والمنافقين ، ~~بالحديث عن مسجد الضرار الذي بناه المنافقون ليكون مكانا للإضرار بالإسلام ~~والمسلمين ، فقال تعالى . # ( @QUR@024 والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين ~~وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله ~~يشهد إنهم لكاذبون (107) @QUR@023 لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من ~~أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ~~(108) @QUR@027 أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس ~~بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم ~~الظالمين (109) @QUR@015 لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن ~~تقطع قلوبهم والله عليم حكيم ) (110) # قال الإمام ابن كثير : سبب نزول هذه الآيات الكريمات ، أنه كان بالمدينة ~~قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها ، رجل من الخزرج يقال له أبو ~~عامر الراهب ، وكان قد تنصر في PageV06P401 # الجاهلية ، وقرأ علم أهل الكتاب ، وكان فيه عبادة في الجاهلية ، وله شرف ~~في الخزرج كبير ، فلما قدم رسول الله ms2693 صلى الله عليه وسلم مهاجرا إلى المدينة ، ~~واجتمع المسلمون عليه وصار للإسلام كلمة عالية ، وأظهرهم الله يوم بدر ، ~~شرق اللعين أبو عامر بريقه وبارز العداوة ، وظاهر بها ، وخرج فارا إلى كفار ~~مكة ليمالئهم على حرب المسلمين فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب ، ~~وقدموا عام «أحد» فكان من أمر المسلمين ما كان ، وامتحنهم الله تعالى وكانت ~~العاقبة للمتقين. # وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين ، فوقع في إحداهن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأصيب في ذلك اليوم ، فجرح وجهه وكسرت رباعيته اليمنى ~~والسفلى وشج رأسه. وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار ، ~~فخاطبهم ، واستمالهم إلى نصره وموافقته. فلما عرفوا كلامه قالوا : لا أنعم ~~الله لك عينا يا فاسق يا عدو الله ، ونالوا منه وسبوه. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعاه إلى الله قبل فراره إلى مكة وقرأ ~~عليه القرآن ، فأبى أن يسلم وتمرد. فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يموت بعيدا طريدا فنالته هذه الدعوة. # وذلك أنه لما فرغ الناس من «أحد» ورأى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم في ~~ارتفاع وظهور ، ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي صلى الله عليه وسلم ~~، فوعده ومناه ، وأقام عنده ، وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل ~~النفاق والريب يعدهم ويمنيهم ، أنه سيقدم بجيش ليقاتل به النبي ~~صلى الله عليه وسلم ويغلبه ، ويرده عما هو فيه. وأمرهم أن يتخذوا له معقلا ~~يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه ، ويكون مرصدا له إذا قدم عليه ~~بعد ذلك. # فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء ، فبنوه وأحكموه ، وفرغوا منه قبل ~~خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك ، وجاءوا فسألوه أن يأتى إليهم ~~فيصلى في مسجدهم ، ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته وذكروا أنهم إنما ~~بنوه للضعفاء منهم ، وأهل العلة في الليلة الشاتية!! فعصمه الله من الصلاة ~~فيه فقال : «إنا على سفر ولكنا إذا رجعنا إن شاء الله ms2694 أتيناكم فصلينا لكم فيه». # فلما قفل راجعا إلى المدينة من تبوك ، ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو ~~بعض يوم ، نزل عليه جبريل بخبر مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر ، ~~والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم. مسجد قباء. الذي أسس من أول يوم ~~على التقوى فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مسجد الضرار من هدمه قبل ~~مقدمه إلى المدينة (1). PageV06P402 # وقوله : ( @QUR@08 والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين ~~) منصوب على الذم. # أى : وأذم الذين اتخذوا مسجدا ضرارا .. أو معطوف على ما سبق من أحوال ~~المنافقين ، والتقدير : ومنهم الذين اتخذوا مسجدا ضرارا. # وقوله «ضرارا» مفعول لأجله أى : اتخذوا هذا المسجد لا من أجل العبادة ~~والطاعة لله تعالى. وإنما اتخذوه من أجل الإضرار بالمؤمنين. وإيقاع الأذى بهم. # وقوله «وكفرا» معطوف على «ضرارا» ؛ وهو علة ثانية لاتخاذ هذا المسجد. # أى : اتخذوه للإضرار بالمؤمنين ، وللازدياد من الكفر الذي يضمرونه ومن ~~الغل الذي يخفونه. # وقوله : ( @QUR@03 وتفريقا بين المؤمنين ) علة ثالثة. # أى : واتخذوه أيضا للتفريق بين جماعة المؤمنين الذين كانوا يصلون في مسجد ~~واحد هو مسجد قباء ، فأراد هؤلاء المنافقون من بناء مسجد الضرار إلى جوار ~~مسجد قباء ، أن يفرقوا وحدة المؤمنين ، بأن يجعلوهم يصلون في أماكن متفرقة. ~~حسدا لهم على نعمة الإخاء والتآلف والاتحاد التي غرسها الإسلام في قلوب ~~أتباعه. # وقوله : ( @QUR@05 وإرصادا لمن حارب الله ورسوله ) علة رابعة لاتخاذ هذا ~~المسجد. # أى : واتخذوه ليكون مكانا يرقبون فيه قدوم «من حارب الله ورسوله» وهو أبو ~~عامر الراهب ، الذي أعلن عداوته لدعوة الإسلام «من قبل» بناء مسجد الضرار. # فقد سبق أن ذكرنا في أسباب نزول هذه الآيات ، أن أبا عامر هذا ، كتب إلى ~~جماعة من قومه. وهو عند هرقل. يعدهم ويمنيهم ، ويطلب منهم أن يتخذوا له ~~معقلا يقدم عليهم فيه فشرعوا في بناء هذا المسجد. # فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة ، قد ذكرت أربعة من الأغراض الخبيثة التي ~~حملت المنافقين على بناء هذا المسجد ، وهي : مضارة المؤمنين ، وتقوية الكفر ~~، وتفريق كلمة أهل الحق وجعله ms2695 معقلا لالتقاء المحاربين لله ولرسوله. # وقد خيب الله تعالى مسعاهم ؛ وأبطل كيدهم ، بأن أمر نبيه صلى الله عليه وسلم ~~بهدمه وإزالته. # وقوله : ( @QUR@05 وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى ) ذم لهم على أيمانهم ~~الفاجرة ، وأقوالهم الكاذبة. # أى : أن هؤلاء المنافقين قد بنوا مسجد الضرار لتلك المقاصد الخبيثة. ومع ~~ذلك فهم يقسمون بأغلظ الأيمان بأنهم ما أرادوا ببنائه إلا الخصلة الحسنى ~~التي عبروا عنها قبل ذلك. PageV06P403 # كذبا. بقولهم : «إننا بنيناه للضعفاء ، وأهل العلة في الليلة الشاتية». # وقوله : ( @QUR@04 والله يشهد إنهم لكاذبون ) زيادة في مذمتهم وتحقيرهم. # أى : والله تعالى يعلم ويشهد أن هؤلاء المنافقين لكاذبون في أيمانهم ~~بأنهم ما أرادوا من بناء مسجدهم إلا الحسنى ، فإنهم في الحقيقة لم يريدوا ~~ذلك ، وإنما أرادوا تلك الأغراض القبيحة السابقة ، وهي مضارة المؤمنين ، ~~وتفريق كلمتهم. # ثم نهى الله تعالى رسوله والمؤمنين عن الصلاة في هذا المسجد نهيا مؤكدا ~~فقال سبحانه : ( @QUR@04 لا تقم فيه ، أبدا ). # أى : لا تصل. أيها الرسول الكريم. في هذا المسجد في أى وقت من الأوقات ~~لأنه لمن يبن لعبادة الله ، وإنما بنى للشقاق والنفاق. # قال القرطبي : قوله تعالى ( @QUR@04 لا تقم فيه أبدا ) يعنى مسجد الضرار. ~~لا تقم فيه للصلاة ، وقد يعبر عن الصلاة بالقيام. يقال : فلان يقوم الليل ~~أى : يصلى ، ومنه الحديث الصحيح : «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما ~~تقدم من ذنبه». # وقد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية كان لا يمر ~~بالطريق التي فيها هذا المسجد ، وأمر بموضعه أن يتخذ كناسة تلقى فيها الجيف ~~والأقذار ...» (1). # وقوله : ( @QUR@011 لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه ) ~~جملة مسوقة لمدح مسجد قباء وتشريفه. # أى : لمسجد بنى أساسه ، ووضعت قواعده على تقوى الله وإخلاص العبادة له ~~منذ أول يوم بدئ في بنائه. أحق أن تقوم للصلاة فيه من غيره. # قال الآلوسى ما ملخصه : واللام في قوله «لمسجد» إما للابتداء أو للقسم ، ~~أى : والله لمسجد ، وعلى التقديرين فمسجد مبتدأ ، والجملة بعده صفته ، ~~وقوله «أحق أن تقوم فيه» ms2696 خبر المبتدأ : «وأحق» أفعل تفضيل ، والمفضل عليه ~~كل مسجد. أو مسجد الضرار على الفرض والتقدير ، أو على زعمهم ، وقيل إنه ~~بمعنى حقيق ، أى : ذلك المسجد بأن تصلى فيه ..» (2). # وقوله : ( @QUR@08 فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ) جملة ~~مسوقة لتكريم رواد هذا المسجد ومديحهم. # أى : في هذا المسجد رجال أتقياء الظاهر والباطن ، إذ هم يحبون الطهارة من كل رجس PageV06P404 # حسى ومعنوي ، ومن كان كذلك أحبه الله ورضى عنه. # ثم بين سبحانه أنه لا يستوي من أسس بنيانه على الحق ، ومن أسس بنيانه على ~~الباطل فقال : ( @QUR@022 أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير ، ~~أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار ، فانهار به في نار جهنم .. ). # قال صاحب الكشاف : قرئ أسس بنيانه ، وأسس بنيانه على البناء للفاعل ~~والمفعول. والشفا : الحرف والشفير. وحرف الوادي : جانبه الذي يتحفر أصله ~~بالماء وتجرفه السيول ، فيبقى واهيا ، والهار وهو المتصدع الذي أوشك على ~~التهدم وهار صفة لجرف ، أى جرف موصوف بأنه هائر أى متساقط. # والمعنى : أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة قوية محكمة ، وهي الحق الذي هو ~~تقوى الله ورضوانه «خير أم من» أسسه على قاعدة هي أضعف القواعد وأرخاها ~~وأقلها بقاء ، وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل «شفا جرف هار» في قلة ~~الثبات والاستمساك. وضع شفا الجرف في مقابلة التقوى ، لأنه جعل مجازا عما ~~ينافي التقوى. # فإن قلت : فما معنى قوله : «فانهار به في نار جهنم». # قلت : لما جعل الجرف الهائر مجازا عن الباطل ، قيل : فانهار به في نار ~~جهنم ، على معنى : فطاح به الباطل في نار جهنم ، إلا أنه رشح المجاز فجيء ~~بلفظ الانهيار الذي هو للجرف ، وليتصور أن المبطل كأنه أسس بنيانه على شفا ~~جرف من أودية جهنم. فانهار به ذلك الجرف فهوى في قعرها ، ولا ترى أبلغ من ~~هذا الكلام ، ولا أدل منه على حقيقة الباطل وكنه أمره» (1). # وقال صاحب المنار ما ملخصه : والمراد بالمثل هنا بيان ثبات الحق الذي هو ~~دين الإسلام وقوته ، ودوامه ، وسعادة أهله به ، وذكره بأثره ms2697 وثمرته في عمل ~~أهله وجماعها التقوى ، وبيان ضعف الباطل واضمحلاله وقرب زواله ، وخيبة ~~صاحبه ، وسرعة انقطاع آماله. # وقد ذكر في وصف بنيان الفريق الأول وهم المؤمنون المشبه دون المشبه به ~~لأنه هو المقصود بالذات ؛ وذكر من وصف الفريق الثاني وهم المنافقون الهيئة ~~المشبه بها دون المشبه ، لأنه ذكر قبل ذلك مقاصدهم الخبيثة من بناء مسجد ~~الضرار. وهذا من دقائق إيجاز القرآن» (2). # وقوله : ( @QUR@05 والله لا يهدي القوم الظالمين ) أى مضت سنة الله تعالى ~~في خلقه أنه سبحانه لا يهدى إلى طريق الخير أولئك الذين استحبوا العمى على ~~الهدى وظلموا PageV06P405 # أنفسهم بوضعهم الأمور في غير مواضعها. # ثم بين سبحانه الآثار التي ترتبت على هدم مسجد الضرار ، في نفوس هؤلاء ~~المنافقين الأشرار فقال تعالى ؛ ( @QUR@015 لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة ~~في قلوبهم ، إلا أن تقطع قلوبهم ، والله عليم حكيم ). # الريبة : اسم من الريب بمعنى الشك والقلق والحيرة ، وتقطع بفتح التاء ~~أصلها تتقطع فحذفت إحدى التاءين ، من التقطع بمعنى التمزق. وقرأ بعضهم. ~~«تقطع» بضم التاء من التقطيع بمعنى التفريق والتمزيق. # والاستثناء مفرغ من أعم الأوقات والأحوال ، والمستثنى منه محذوف ، ~~والتقدير : لا يزال ما بناه هؤلاء المنافقون موضع ريبة وقلق في نفوسهم في ~~كل وقت وحال إلا في وقت واحد وهو وقت أن تتمزق قلوبهم بالموت والهلاك أى : ~~أنهم لا يزالون في قلق وحيرة ما داموا أحياء ، أما بعد موتهم فستتكشف لهم ~~الحقائق ، ويجدون مصيرهم الأليم. # والسبب في أن هذا البناء كان مثار ريبتهم وقلقهم حتى بعد هدمه ، أنهم ~~بنوه بنية سيئة ، ولتلك المقاصد الأربعة الخبيثة التي بينتها الآية الأولى ~~... فكانوا يخشون أن يطلع الله نبيهم على مقاصدهم الذميمة ، فهذه الخشية ~~أورثتهم القلق والريبة ، فلما أطلع الله تعالى نبيه على أغراضهم ، وتم هدم ~~مسجد الضرار ، وانهار الجرف المتداعي المتساقط ، استمر قلقهم وريبهم ؛ ~~لأنهم لا يدرون بعد ذلك ما ذا سيفعل المؤمنون بهم. # وهكذا شأن الماكرين في كل زمان ومكان ، إنهم يعيشون طول حياتهم في فزع ~~وقلق وخوف من أن ينكشف مكرهم ، ويظهر خداعهم. # وقوله : ( @QUR@03 والله ms2698 عليم حكيم ) تذييل قصد به تهديدهم وزجرهم. # أى : والله تعالى عليم بكل شيء في هذا الكون ، وبكل ما يقوله ويفعله ~~هؤلاء المنافقون سرا وجهرا : حكيم في كل تصرفاته وأفعاله وفي صنعه بهم ، ~~وسيجازيهم يوم القيام بما يستحقونه من عقاب. # هذا ، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى : # 1 وجوب بناء المساجد على تقوى من الله ورضوان ، لأنها إذا بنيت على هذا ~~الأساس ، كانت محل القبول والثواب من الله ، أما إذا بنيت لأى مقصد يتنافى ~~مع آداب الإسلام وأحكامه وتشريعاته ، فإنها تكون بعيدة عن رضا الله تعالى ~~وقبوله. # قال بعض العلماء ، دلت الآيات على أن كل مسجد بنى على ما بنى عليه مسجد ~~الضرار ، أنه لا حكم له ولا حركة ، ولا يصح الوقف عليه. وقد حرق الراضي ~~بالله الخليفة PageV06P406 # العباسي كثيرا من مساجد الباطنية والمشبهة والمجبرة (1). # وقال الزمخشري : قيل كل مسجد بنى مباهاة أو رياء وسمعة ، أو لغرض سوى ~~ابتغاء وجه الله ، أو بمال غير طيب ، فهو لاحق بمسجد الضرار. # وعن عطاء : لما فتح الله. تعالى. الأمصار على عمر بن الخطاب رضى الله عنه ~~أمر المسلمين أن يبنوا المساجد ، وألا يتخذوا في مدينة مسجدين ، يضار ~~أحدهما صاحبه (2). # 2 أن مسجد قباء هو المقصود بقوله تعالى : ( @QUR@011 لمسجد أسس على ~~التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه ... ) وذلك لأن سياق الآيات في الحديث ~~عنه ، وفي بيان أحقية الصلاة فيه ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يزوره راكبا وماشيا ويصلى فيه ركعتين. # ولا منافاة بين كون مسجد قباء هو المقصود هنا ، وبين الأحاديث التي وردت ~~في أن المسجد الذي أسس من أول يوم على تقوى من الله ورضوان ، هو المسجد ~~النبوي ، لأن كليهما قد أسس على ذلك. # قال الإمام ابن كثير : وقد صرح بأنه مسجد قباء جماعة من السلف منهم ابن ~~عباس ، وعروة بن الزبير ، والحسن البصري ، وسعيد بن جبير ، وقتادة. # وقد ورد في الحديث الصحيح أن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي في جوف ms2699 ~~المدينة هو المسجد الذي أسس على التقوى ، وهذا صحيح. # ولا منافاة بين الآية وبين هذا ، أنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على ~~التقوى من أول يوم ، فمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق الأولى ~~والأحرى» (3). # 3 أن المحافظة على الطهارة من الصفات التي يحبها الله تعالى فقد قال ~~تعالى : ( @QUR@08 فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ). # وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث منها : ~~ما جاء عن ابن عباس أنه قال : لما نزلت هذه الآية ، بعث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى عويم بن مساعدة فقال له : «ما هذا الطهور الذي أثنى ~~الله عليكم به»؟. # فقال : يا رسول الله ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل فرجه. ~~فقال صلى الله عليه وسلم : «هو هذا» (4)». PageV06P407 # 4 كذلك يؤخذ من الآيات الكريمة ، استحباب الصلاة في المساجد القديمة ~~المؤسسة من أول بنائها على عبادة الله وحده لا شريك له ، وعلى استحباب ~~الصلاة مع الجماعة الصالحة ، والعباد العاملين المحافظين على إسباغ الوضوء ~~، والتنزه عن ملابسة القاذورات (1). # وبعد أن بين سبحانه أنواع المتخلفين عن غزوة تبوك ، أتبع ذلك بالترغيب في ~~الجهاد وفي بيان فضله فقال تعالى : # ( @QUR@037 إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ~~يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل ~~والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو ~~الفوز العظيم ) (111) # قال الفخر الرازي : اعلم أن الله تعالى لما شرع في شرح فضائح المنافقين ~~وقبائحهم لسبب تخلفهم عن غزوة تبوك ، فلما تمم ذلك الشرح والبيان وذكر ~~أقسامهم وفرع كل قسم ما كان لائقا به ، عاد إلى بيان فضيلة الجهاد وحقيقته ~~فقال تعالى : ( @QUR@05 إن الله اشترى من المؤمنين ... ) الآية (2). # وقال القرطبي : نزلت هذه الآية في البيعة الثانية ، وهي بيعة العقبة ~~الكبرى وهي التي أناف فيها رجال الأنصار على السبعين ، وذلك أنهم اجتمعوا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة ، فقال ms2700 عبد الله بن رواحة للنبي ~~صلى الله عليه وسلم : اشترط لربك ولنفسك ما شئت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما ~~تمنعون منه أنفسكم وأموالكم قالوا : فإذا فعلنا فما لنا؟ قال : # «لكم الجنة» قالوا : ربح البيع ، لا نقيل ولا نستقيل فنزلت هذه الآية (3). # ثم هي بعد ذلك عامة في كل مجاهد في سبيل الله من أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة. # وقوله سبحانه : ( @QUR@010 إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ~~بأن لهم الجنة ) تمثيل للثواب الذي منحه الله تعالى للمجاهدين في سبيله. PageV06P408 # فقد صور سبحانه جهاد المؤمنين ، وبذل أموالهم وأنفسهم فيه ، وإثابته ~~سبحانه لهم على ذلك بالجنة ، صور كل ذلك بالبيع والشراء. # أى : أن الله تعالى وهو المالك لكل شيء ، قد اشترى من المجاهدين أنفسهم ~~وأموالهم التي بذلوها في سبيله ، وأعطاهم في مقابل ذلك الجنة. # قال أبو السعود : الآية الكريمة ترغيب للمؤمنين في الجهاد ... وقد بولغ ~~في ذلك على وجه لا مزيد عليه ، حيث عبر عن قبول الله تعالى من المؤمنين ~~أنفسهم وأموالهم التي بذلوها في سبيله تعالى وإثابته إياهم بمقابلتها الجنة ~~بالشراء على طريقة الاستعارة التبعية. ثم جعل المبيع الذي هو العمدة ~~والمقصد في العقد : أنفس المؤمنين وأموالهم ، والثمن الذي هو الوسيلة في ~~الصفقة : الجنة. # ولم يجعل الأمر على العكس بأن يقال : إن الله باع الجنة من المؤمنين ~~بأنفسهم وأموالهم ؛ ليدل على أن المقصد في العقد هو الجنة ، وما بذله ~~المؤمنون في مقابلتها من الأنفس والأموال وسيلة إليها ، إيذانا بتعليق كمال ~~العناية بهم وبأموالهم. # ثم إنه لم يقل «بالجنة» بل قال : «بأن لهم الجنة» مبالغة في تقرر وصول ~~الثمن إليهم «واختصاصه بهم» فكأنه قيل : بالجنة الثابتة لهم ، المختصة بهم (1). # وقوله : ( @QUR@06 يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون ) جملة مستأنفة ~~جيء بها لبيان الوسيلة التي توصلهم إلى الجنة وهي القتال في سبيل الله. # أى : أنهم يقاتلون في سبيل الله ، فمنهم من يقتل أعداء الله ، ومنهم من ms2701 ~~يقتل على أيدى هؤلاء الأعداء ، وكلا الفريقين القاتل والمقتول جزاؤه الجنة. # وقرأ حمزة والكسائي «فيقتلون ويقتلون» بتقديم الفعل المبنى للمفعول على ~~الفعل المبنى للفاعل. # وهذه القراءة فيها إشارة إلى أن حرص هؤلاء المؤمنين الصادقين على ~~الاستشهاد أشد من حرصهم على النجاة من القتل ؛ لأن هذا الاستشهاد يوصلهم ~~إلى جنة عرضها السموات والأرض ، وإلى الحياة الباقية الدائمة .. # وقوله : ( @QUR@07 وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ) تأكيد ~~للثمن الذي وعدهم الله به. # أى : أن هذه الجنة التي هي جزاء المجاهدين ، قد جعلها سبحانه تفضلا منه ~~وكرما ، PageV06P409 # حقا لهم عليه ، وأثبت لهم ذلك في الكتب السماوية التي أنزلها على رسله. # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : «وعدا عليه» مصدر مؤكد لمضمون الجملة ~~وقوله «حقا» نعت له ، وقوله «عليه» في موضع الحال من قوله «حقا» لتقدمه ~~عليه ، وقوله : «في التوراة والإنجيل والقرآن» متعلق بمحذوف وقع نعتا لقوله ~~«وعدا» أيضا. # أى : وعدا مثبتا في التوراة والإنجيل كما هو مثبت في القرآن ، فالمراد ~~إلحاق مالا يعرف بما يعرف. إذ من المعلوم ثبوت هذا الحكم في القرآن. ثم إن ~~ما في الكتابين إما أن يكون أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم اشترى الله منهم ~~أنفسهم وأموالهم بذلك ، أو أن من جاهد بنفسه وماله. من حقه ذلك ، وفي كلا ~~الأمرين ثبوت موافق لما في القرآن ...» (1). # وقوله : ( @QUR@05 ومن أوفى بعهده من الله ) جملة معترضة مسوقة لتأكيد ~~مضمون ما قبلها من حقية الوعد وتقريره : والاستفهام للنفي. # أى : لا أحد أوفى بعهده من الله تعالى لأنه إذا كان خلف الوعد لا يكاد ~~يصدر من كرام الخلق مع إمكان صدوره منهم ، فكيف يكون الحال من جانب الخالق ~~عز وجل المنزه عن كل نقص ، المتصف بكل كمال. # وقوله : ( @QUR@09 فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ~~) تحريض على القتال ، وإعلام لهم بأنهم رابحون في هذه الصفقة. # والاستبشار : الشعور بفرح البشرى ، شعورا تنبسط له أسارير الوجه. # أى : إذا كان الأمر كذلك فافرحوا ببيعكم الذي بايعتم به غاية الفرح ، ~~وارضوا به نهاية الرضى ، فإن ms2702 ذلك البيع هو الفوز العظيم الذي لا فوز أعظم منه. # قال بعض العلماء : ولا ترى ترغيبا في الجهاد أحسن ولا أبلغ من هذه الآية ~~لأنه أبرزه في صورة عقد عقده رب العزة ، وثمنه مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت ~~، ولا خطر على قلب بشر ، ولم يجعل المعقود عليه كونهم مقتولين فقط بل إذا ~~كانوا قاتلين أيضا لإعلاء كلمته ، ونصر دينه ، وجعله مسجلا في الكتب ~~السماوية ، وناهيك به من صك. وجعل وعده حقا ، ولا أحد أوفى من وعده فنسيئته ~~أقوى من نقد غيره ، وأشار إلى ما فيه من الربح والفوز العظيم. وهو استعارة ~~تمثيلية ، حيث صور جهاد المؤمنين ، وبذل أموالهم وأنفسهم فيه وإثابة الله ~~لهم على ذلك الجنة ، بالبيع والشراء وأتى بقوله : «يقاتلون» .. بيانا لمكان ~~التسليم وهو المعركة ، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم «الجنة تحت ~~ظلال السيوف» ، ثم أمضاه بقوله «وذلك هو الفوز العظيم» (2). PageV06P410 # ويروى عن الحسن البصري أنه قرأ هذه الآية فقال : انظروا إلى كرم الله. ~~تعالى. أنفس هو خالقها ، وأموال هو رازقها ، ثم يكافئنا عليها متى بذلناها ~~في سبيله بالجنة. # ثم وصف الله تعالى هؤلاء المؤمنين الصادقين بجملة من الأوصاف الكريمة ، فقال : # ( @QUR@016 التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون ~~الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين ) (112) # قال الجمل ما ملخصه : ذكر الله تعالى في هذه الآية تسعة أوصاف للمؤمنين ، ~~الستة الأولى منها تتعلق بمعاملة الخالق ، والوصفان السابع والثامن يتعلقان ~~بمعاملة المخلوق ، والوصف التاسع يعم القبيلين. # وقوله : ( @QUR@01 التائبون ) فيه وجوه من الإعراب منها : أنه مرفوع على ~~المدح. فهو خبر لمبتدأ محذوف وجوبا للمبالغة في المدح أى : المؤمنون ~~المذكورون التائبون ، ومنها أن الخبر هنا محذوف ، أى : التائبون الموصوفون ~~بهذه الأوصاف من أهل الجنة ....» (1). # والمعنى : «التائبون» عن المعاصي وعن كل ما نهت عنه شريعة الله ، ~~«العابدون» لخالقهم عبادة خالصة لوجهه ، «الحامدون» له سبحانه في السراء ~~والضراء ، وفي المنشط والمكره ، وفي العسر واليسر ، «السائحون» في الأرض ~~للتدبر والاعتبار وطاعة الله. والعمل على مرضاته «الراكعون الساجدون» لله ~~تعالى عن طريق ms2703 الصلاة التي هي عماد الدين وركنه الركين «الآمرون» غيرهم ~~«بالمعروف» أى : بكل ما حسنه الشرع «والناهون» له «عن المنكر» الذي تأباه ~~الشرائع والعقول السليمة ، «والحافظون لحدود الله» أى : لشرائعه وفرائضه ~~وأحكامه وآدابه .. هؤلاء المتصفون بتلك الصفات الحميدة ، بشرهم. يا محمد. ~~بكل ما يسعدهم ويشرح صدورهم ، فهم المؤمنون حقا ، وهم الذين أعد الله تعالى ~~لهم الأجر الجزيل ، والرزق الكريم. PageV06P411 # ولم يذكر سبحانه المبشر به في قوله : «وبشر المؤمنين» ، للإشارة إلى أنه ~~أمر جليل لا يحيط به الوصف ، ولا تحده العبارة. # ولم يذكر سبحانه في الآية لهذه الأوصاف متعلقا ، فلم يقل «التائبون» من ~~كذا ، لفهم ذلك من المقام ، لأن المقام في مدح المؤمنين الصادقين الذين ~~أخلصوا نفوسهم لله ، تعالى. فصاروا ملتزمين طاعته في كل أقوالهم وأعمالهم. # وعبر عن كثرة صلاتهم وخشوعهم فيها بقوله. «الراكعون الساجدون» للإشارة ~~إلى أن الصلاة كأنها صفة ثابتة من صفاتهم ، وكأن الركوع والسجود طابع مميز ~~لهم بين الناس. وإنما عطف النهى عن المنكر على الأمر بالمعروف للإيذان ~~بأنهما فريضة واحدة لتلازمهما في الغالب ، أو لما بينهما من تباين إذ الأمر ~~بالمعروف طلب فعل ، والنهى عن المنكر طلب ترك أو كف. # وكذلك جاء قوله. «والحافظون لحدود الله» بحرف العطف ومما قالوه في تعليل ~~ذلك. أن سر العطف هنا التنبيه على أن ما قبله مفصل للفضائل وهذا مجمل لها ، ~~لأنه شامل لما قبله وغيره ، ومثله يؤتى به معطوفا ، نحو زيد وعمرو وسائر ~~قبيلتهما كرماء ، فلمغايرته لما قبله بالإجمال والتفصيل والعموم والخصوص ~~عطف عليه (1). # هذا ، وما ذكرناه من أن المراد بقوله : «السائحون» أى : السائرون في ~~الأرض للتدير والاعتبار والتفكر في خلق الله ، والعمل على مرضاته .. هذا ~~الذي ذكرناه رأى لبعض العلماء. ومنهم من يرى أن المراد بهم الصائمون ومنهم ~~من يرى أن المراد بهم : المجاهدون. # قال الآلوسى : وقوله : «السائحون» أى الصائمون. فقد أخرج ابن مردويه عن ~~أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك فأجاب بما ذكر ، وإليه ذهب ~~جماعة من الصحابة والتابعين. وجاء عن عائشة : «سياحة هذه ms2704 الأمة الصيام». # وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن زيد أن السائحين هم المهاجرون ، وليس في أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم سياحة إلا الهجرة. # وعن عكرمة أنهم طلبة العلم ، لأنهم يسيحون في الأرض لطلبه. # وقيل : هم المجاهدون في سبيل الله ، لما أخرج الحاكم وصححه والطبراني ~~وغيرهما ، عن أبى أمامة أن رجلا استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~السياحة فقال : إن سياحة أمتى الجهاد في سبيل الله (2). PageV06P412 # والذي نراه أقرب إلى الصواب أن المراد بالسائحين هنا : السائرون في الأرض ~~لمقصد شريف ، وغرض كريم. كتحصيل العلم ، والجهاد في سبيل الله ، والتدبر في ~~ملكوته سبحانه والتفكر في سنته في كونه ، والاعتبار بما اشتمل عليه هذا ~~الكون من عجائب. # ولعل مما يؤيد ذلك أن لفظ «السائحون» معناه السائرون ، لأنه مأخوذ من ~~السيح وهو الجري على وجه الأرض ، والذهاب فيها. وهذه المادة تشعر بالانتشار ~~، يقال : ساح الماء أى جرى وانتشر. # وما دام الأمر كذلك فمن الأولى حمل اللفظ على ظاهره ، مادام لم يمنع مانع ~~من ذلك ، وهنا لا مانع من حمل اللفظ على حقيقته وظاهره. # أما الأحاديث والآثار التي استشهد بها من قال بأن المراد بالسائحين ~~الصائمون فقد ضعفها علماء الحديث. # قال صاحب المنار : وأقول : وروى ابن جرير من حديث أبى هريرة مرفوعا ~~وموقوفا حديث : «السائحون هم الصائمون» لا يصح رفعه .. (1). # وفضلا عن كل هذا ، فإن تفسير السائحين بأنهم السائرون في الأرض لكل مقصد ~~شريف ، وغرض كريم .. يتناول الجهاد في سبيل ، كما يتناول الرحلة في طلب ~~العلم ، وغير ذلك من وجوه الخير. # وما أكثر الآيات القرآنية التي حضت على السير في الأرض ، وعلى التفكر في ~~خلق الله ، ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@010 قل سيروا في الأرض ثم انظروا ~~كيف كان عاقبة المكذبين ) (2). # وقوله تعالى. ( @QUR@023 أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها ~~، أو آذان يسمعون بها ، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في ~~الصدور ) (3). # قال الإمام الرازي : للسياحة أثر عظيم في تكميل النفس لأن الإنسان يلقى ~~الأكابر من الناس ، فيحتقر نفسه ms2705 في مقابلتهم ، وقد يصل إلى المرادات ~~الكثيرة فينتفع بها ، وقد يشاهد اختلاف أحوال الدنيا بسبب ما خلق الله. ~~تعالى. في كل طرف من الأحوال الخاصة بهم فتقوى معرفته. وبالجملة فالسياحة ~~لها آثار قوية في الدين (4). # ثم بين سبحانه أنه لا يصح للنبي صلى الله عليه وسلم ولا للمؤمنين أن ~~يستغفروا للمشركين مهما بلغت درجة قرابتهم ، لأن رابطة العقيدة هي الوشيجة ~~الأساسية فيما بينهم فقال تعالى : PageV06P413 # ( @QUR@020 ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا ~~أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم (113) @QUR@022 وما كان ~~استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله ~~تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم (114) @QUR@018 وما كان الله ليضل قوما بعد ~~إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم (115) @QUR@017 إن ~~الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ولا ~~نصير ) (116) # قال الفخر الرازي : اعلم أنه تعالى لما بين من أول هذه السورة إلى هذا ~~الموضوع وجوب إظهار البراءة عن الكفار والمنافقين من جميع الوجوه ، بين في ~~هذه الآية أنه تجب البراءة عن أمواتهم وإن كانوا في غاية القرب من الإنسان ~~، كما أوجبت البراءة عن أحيائهم ، والمقصود منه بيان وجوب مقاطعتهم على ~~أقصى الغايات ، والمنع من مواصلتهم بسبب من الأسباب (1). # والمعنى : ما كان من شأن النبي صلى الله عليه وسلم ولا من شأن أصحابه ~~المؤمنين ، أن يدعوا الله تعالى بأن يغفر للمشركين في حال من الأحوال. ولو ~~كان هؤلاء المشركون من أقرب أقربائهم «من بعد ما تبين لهم» أى : للرسول ~~صلى الله عليه وسلم ولأصحابه ، أن هؤلاء المشركين من أصحاب الجحيم ، بسبب ~~موتهم على الكفر ، وإصرارهم عليه ، وعدم اعترافهم بدين الإسلام. # قال الآلوسى ما ملخصه : والآية على الصحيح نزلت في أبى طالب ، فقد أخرج ~~الشيخان PageV06P414 # وغيرهما عن المسيب بن حزن قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة ، دخل عليه ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن ms2706 أبى أمية فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم أى عم ، قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله. فقال ~~أبو جهل يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فجعل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه. وأبو جهل وعبد الله بن أمية يعاودانه بتلك ~~المقالة. فقال أبو طالب آخر ما كلمهم : هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول ~~: لا إله إلا الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأستغفرن لك ما لم أنه ~~عن ذلك فنزلت : ( @QUR@08 ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ~~.. ) الآية. # ثم قال. واستبعد بعضهم ذلك ، لأن موت أبى طالب كان قبل الهجرة بثلاث سنين ~~، وهذه السورة من أواخر ما نزل بالمدينة. # وهذا الاستبعاد مستبعد ، لأنه لا بأس من أن يقال : كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يستغفر لأبى طالب من ذلك الوقت إلى وقت نزول هذه الآية ~~وعليه فلا يراد من قوله «فنزلت» في الخبر أن النزول كان عقيب القول بل يراد ~~أن ذلك سبب النزول فحسب. فتكون الفاء للسببية لا للتعقيب (1). # وقال القرطبي : هذه الآية تضمنت قطع موالاة الكفار حيهم وميتهم ، فإن ~~الله لم يجعل للمؤمنين أن يستغفروا للمشركين. فطلب الغفران للمشرك مما لا ~~يجوز. ، وقال كثير من العلماء. بأنه لا بأس أن يدعو الرجل لأبويه الكافرين ~~ما داما حيين ، فأما من مات على الكفر فقد انقطع عنه الرجاء فلا يدعى له (2). # ثم بين سبحانه السبب الذي حمل إبراهيم على الاستغفار لأبيه ، ثم على ترك ~~هذا الاستغفار فقال : ( @QUR@018 وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن ~~موعدة وعدها إياه ، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ).. # قال القرطبي : روى النسائي عن على بن أبى طالب قال : سمعت رجلا يستغفر ~~لأبويه وهما مشركان. فقلت : أتستغفر لهما وهما مشركان؟ فقال : أو لم يستغفر ~~إبراهيم لأبيه. فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فنزلت ( @QUR@010 ~~وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ) الآية. # والمعنى : لا حجة لكم ms2707 أيها المؤمنون في استغفار إبراهيم ، لأبيه ، لأن ~~استغفاره له إنما كان بسبب وعد صدر له بذلك. فلما أصر «آزر» أبو إبراهيم ~~على كفره ، ومات مشركا بالله ، PageV06P415 # تبرأ إبراهيم منه ومن عمله. # والمراد بهذا الوعد ما جاء في القرآن من قوله له : ( @QUR@09 سلام عليك ~~سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا ) (1). # وقوله : ( @QUR@09 لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ) (2). # وقوله : «إن إبراهيم لأواه حليم» جملة مستأنفة مسوقة لبيان الداعي الذي ~~دعا إبراهيم إلى الاستغفار لأبيه قبل التبين. # أى : إن إبراهيم لكثير التأوه والتوجع من خشية الله ، وكثير الحلم والصفح ~~عمن آذاه. # قال الآلوسى : قوله «إن إبراهيم لأواه حليم» أى لكثير التأوه ، وأصل ~~التأوه قوله آه ونحوه مما يقوله الحزين .. وهو عند جماعة كناية عن كمال ~~الرأفة. ورقة القلب. وأخرج ابن جرير وابن أبى حاتم وغيرهما عن عبد الله بن ~~شداد. قال رجل : يا رسول الله ما الأواه؟ قال : «الخاشع المتضرع الكثير ~~الدعاء» (3). # ويؤخذ من هاتين الآيتين ، أنه لا يجوز لمسلم أن يستغفر لمشرك بعد موته ~~على الشرك مهما بلغت درجة قرابته له. # ثم بين سبحانه سنة من سننه العامة في خلقه ، وهي تدل على سعة رحمته ، ~~ووافر عدله فقال : ( @QUR@013 وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى ~~يبين لهم ما يتقون .. ). # أى : وما كان من شأن الله تعالى في لطفه وعدله .. أن يصف قوما بالضلال عن ~~طريق الحق «بعد إذ هداهم» إلى الإسلام ، لمجرد قول أو عمل صدر عنهم عن طريق ~~الخطأ في الاجتهاد. # وإنما يصفهم بذلك بعد أن يبين لهم ما يجب اتقاؤه من الأقوال والأفعال ، ~~فلا يطيعون أمره ، ولا يستجيبون لتوجيهه سبحانه قال صاحب الكشاف : يعنى ~~سبحانه أن ما أمر باتقائه واجتنابه كالاستغفار للمشركين وغيرها مما نهى عنه ~~وبين أنه محظور ، لا يؤاخذ به عباده الذين هداهم للإسلام ، ولا يسميهم ~~ضلالا ، إلا إذا أقدموا عليه بعد بيان حظره عليهم ، وعلمهم أنه واجب ~~الاتقاء والاجتناب. وأما قبل العلم والبيان فلا سبيل عليهم ، كما لا ~~يؤاخذون بشرب الخمر ms2708 ، ولا ببيع الصاع بصاعين قبل التحريم. PageV06P416 # وهذا بيان لعذر من خاف المؤاخذة بالاستغفار للمشركين قبل ورود النهى عنه. ~~وفي هذه الآية شديدة ما ينبغي أن يغفل عنها : وهي أن المهدى للإسلام إذا ~~أقدم على بعض محظورات الله صار داخلا في حكم الإضلال» (1). # وقال صاحب المنار : أخرج ابن المنذر أن عبد الله بن مسعود كان يخطب ~~أصحابه كل عشية خميس ثم يقول : فمن استطاع منكم أن يغدو عالما أو متعلما ~~فليفعل ، ولا يغدو لسوى ذلك ، فإن العالم والمتعلم شريكان في الخير. أيها ~~الناس : إنى والله لا أخاف عليكم أن تؤخذوا بما لم يبين لكم ، وقد قال ~~تعالى ( @QUR@013 وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما ~~يتقون .. ) (2). # وقوله : ( @QUR@05 إن الله بكل شيء عليم ) تعليل لما قبله ، أى إن الله ~~تعالى عليم بكل شيء ، ولا يخفى عليه شيء من أقوال الناس وأفعالهم ، ~~وسيحاسبهم يوم القيامة على ذلك ، وسيجازى الذين أساؤوا بما عملوا ، ويجازى ~~الذين أحسنوا بالحسنى. # ثم ختم سبحانه هذه الآيات ببيان أنه سبحانه هو المالك لكل شيء ، والخالق ~~لكل شيء ، فقال : ( @QUR@08 إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت ). # أى : إن الله تعالى هو المالك للسموات والأرض وما بينهما ، ولا شريك له ~~في خلقهما ، ولا في تدبير شئونهما ، وهو سبحانه الذي يحيى من يريد إحياءه ، ~~ويميت من يريد إماتته ، لا راد لقضائه ، ولا معقب لحكمه. # ( @QUR@09 وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ) أى : وليس لكم أيها ~~الناس أحد سوى الله يتولى أمركم وينصركم على أعدائكم. # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد نهت المؤمنين عن الاستغفار للمشركين ~~المصرين على شركهم ، كما بشرتهم بأنه سبحانه لا يؤاخذهم على استغفارهم لهم ~~قبل نهيهم عن ذلك. كما أخبرتهم بأن ملك هذا الكون إنما هو لله وحده ، ~~فعليهم أن يستجيبوا لأمره ، لكي ينالوا رحمته ورضاه. # ثم ذكر سبحانه جانبا من مظاهر فضله على عباده المؤمنين ، حيث تقبل توبتهم ~~، وتجاوز عن زلاتهم ، فقال تعالى : PageV06P417 # ( @QUR@027 لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ms2709 الذين اتبعوه في ~~ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤف ~~رحيم ) (117) # قال الإمام الرازي : اعلم أنه تعالى لما استقصى في شرح أحوال غزوة تبوك ، ~~وبين أحوال المتخلفين عنها ، وأطال القول في ذلك على الترتيب الذي لخصناه ~~فيما سبق ، عاد في هذه الآية إلى شرح ما بقي من أحكامها ، ومن بقية تلك ~~الأحكام أنه قد صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يجرى مجرى ترك الأولى ~~، وصدر عن المؤمنين كذلك نوع زلة ، فذكر سبحانه أنه تفضل عليهم ، وتاب ~~عليهم ، في تلك الزلات ، فقال تعالى : ( @QUR@07 لقد تاب الله على النبي ~~والمهاجرين والأنصار .. ) (1). # وللعلماء أقوال في المراد بالتوبة التي تابها الله على النبي ~~صلى الله عليه وسلم وعلى المهاجرين والأنصار : فمنهم من يرى أن المراد بها ~~قبول توبتهم ، وغفران ذنوبهم ، والتجاوز عن زلاتهم التي حدثت منهم في تلك ~~الغزوة أو في غيرها ، وإلى هذا المعنى أشار القرطبي بقوله : قال ابن عباس : ~~كانت التوبة على النبي صلى الله عليه وسلم لأجل أنه أذن للمنافقين في القعود ، ~~بدليل قوله سبحانه قبل ذلك : ( @QUR@06 عفا الله عنك لم أذنت لهم .. ). # وكانت توبته على المؤمنين من ميل قلوب بعضهم إلى التخلف عنه أى : إلى ~~التخلف عن الخروج معه إلى غزوة تبوك (2). # ومنهم من يرى أن المقصود بذكر التوبة هنا التنويه بفضلها ، والحض على ~~تجديدها ، وإلى هذا المعنى اتجه صاحب الكشاف فقال : «تاب الله على النبي» ~~كقوله : «ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر» وكقوله : «واستغفر ~~لذنبك». وهو بعث للمؤمنين على التوبة ، وأنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى ~~التوبة والاستغفار ، حتى النبي والمهاجرين والأنصار ، وإبانة لفضل التوبة ~~ومقدارها عند الله ، وأن صفة التوابين الأوابين صفة الأنبياء كما وصفهم ~~بالصالحين ليظهر فضيلة الصلاح .. (3). PageV06P418 # ومنهم من يرى أن المراد بالتوبة هنا : دوامها لا أصلها ، وإلى هذا المعنى ~~أشار بعضهم بقوله : لقد تاب الله على النبي ..» أى : أدام توبته على النبي ~~والمهاجرين والأنصار. وهذا جواب عما يقال ms2710 : من أن النبي معصوم من الذنب ، ~~وأن المهاجرين والأنصار لم يفعلوا ذنبا في هذه القضية ، بل اتبعوه من غير ~~تلعثم ، قلنا : المراد بالتوبة في حق الجميع دوامها لا أصلها ..» (1). # ومنهم من يرى أن ذكر النبي هنا إنما هو من باب التشريف ، والمراد قبول ~~توبة المهاجرين والأنصار فيما صدر عن بعضهم من زلات. وقد وضح هذا المعنى ~~الإمام الآلوسى فقال : قال أصحاب المعاني : المراد ذكر التوبة على ~~المهاجرين والأنصار ، إلا أنه جيء في ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم تشريفا ~~لهم ، وتعظيما لقدرهم ، وهذا كما قالوا في ذكره تعالى في قوله : ( @QUR@04 ~~فأن لله خمسه وللرسول .. ) الآية أى : عفا سبحانه عن زلات صدرت منهم يوم ~~أحد ويوم حنين ...» (2). # ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب الآراء إلى الصواب ، لأن الآية الكريمة ~~مسوقة لبيان فضل الله تعالى على رسوله وعلى المؤمنين ، حيث غفر لهم ما فرط ~~منهم من هفوات وقعت في هذه الغزوة وهذه الهفوات صدرت منهم بمقتضى الطبيعة ~~البشرية ، وبمقتضى الاجتهاد في أمور لم يبين الله تعالى حكمه فيها ، فهي لا ~~تنقص من منزلة الرسول صلى الله عليه وسلم ولا من منزلة أصحابه الصادقين في ~~إيمانهم. # والمعنى ، لقد تقبل الله تعالى توبة النبي صلى الله عليه وسلم كما تقبل توبة ~~أصحابه المهاجرين والأنصار ، الذين اتبعوه عن طواعية واختيار وإخلاص في ~~ساعة العسرة. أى في وقت الشدة والضيق ، وهو وقت غزوة تبوك ، فالمراد ~~بالساعة هنا مطلق الوقت. # وقد كانت غزوة تبوك تسمى غزوة العسرة ، كما كان الجيش الذي اشترك فيها ~~يسمى بجيش العسرة ، وذلك لأن المؤمنين خرجوا إليها في سنة مجدبة ، وحر شديد ~~، وفقر في الزاد والماء والراحلة. # قال ابن كثير : قال مجاهد وغير واحد : نزلت هذه الآية في غزوة تبوك ، ~~وذلك أنهم خرجوا إليها في شدة من الأمر ، في سنة مجدبة ، وحر شديد ، وعسر ~~في الزاد والماء. # وقال قتادة : خرجوا إلى الشام عام تبوك في لهبان الحر أى شدته على ما ~~يعلم الله من PageV06P419 # الجهد ، أصابهم فيها تعب شديد ، حتى لقد ذكر لنا ms2711 أن الرجلين كانا يشقان ~~التمرة بينهما (1). # وقال الحسن : كان العشرة منهم يعتقبون بعيرا واحدا ، يركب الرجل منهم ~~ساعة ثم ينزل فيركب صاحبه كذلك ، وكان النفر منهم يخرجون وليس معهم إلا ~~التمرات اليسيرة فإذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمرة فلاكها حتى يجد طعمها ~~، ثم يشرب عليها جرعة من الماء .. ومضوا مع النبي صلى الله عليه وسلم على ~~صدقهم ويقينهم رضى الله عنهم (2). # وقوله : ( @QUR@08 من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ) بيان لتناهى ~~الشدة ، وبلوغها الغاية القصوى. # أى : تاب سبحانه على الذين اتبعوا رسوله من المهاجرين والأنصار ، من بعد ~~أن أشرف فريق منهم على الميل عن التخلف عن الخروج إلى غزوة تبوك ، لما ~~لابسها وصاحبها من عسر وشدة وتعب. # وفي ذكر «فريق منهم» إشارة إلى أن معظم المهاجرين والأنصار ، مضوا معه ~~صلى الله عليه وسلم إلى تبوك دون أن تؤثر هذه الشدائد في قوة إيمانهم وصدق ~~يقينهم ، ومضاء عزيمتهم ، وشدة إخلاصهم. # قال الآلوسى ما ملخصه : وفي «كاد» ضمير الشأن و «قلوب» فاعل «يزيغ» ~~والجملة في موضع الخبر لكاد .. وهذا على قراءة «يزيع» بالياء ، وهي قراءة ~~حمزة ، وحفص ، والأعمش. وأما على قراءة «تزيغ» بالتاء ، وهي قراءة الباقين. ~~فيحتمل أن يكون «قلوب» اسم كاد «وتزيغ» خبرها ، وفيه ضمير يعود على اسمها» (3). # وقوله : ( @QUR@07 ثم تاب عليهم إنه بهم رؤف رحيم ) تذييل مؤكد لقبول ~~التوبة ولعظيم فضل الله عليهم. ولطفه بهم. # أى : ثم تاب عليهم سبحانه بعد أن كابدوا ما كابدوا من العسر والمشقة ~~ومجاهدة النفس. إنه بهم رءوف رحيم. # قال بعضهم : فإن قلت : قد ذكر التوبة أولا ثم ذكرها ثانيا فما فائدة ~~التكرار؟ # قلت : إنه سبحانه ذكر التوبة أولا قبل ذكر الذنب تفضلا منه وتطييبا ~~لقلوبهم ، ثم ذكر الذنب بعد ذلك وأردفه بذكر التوبة مرة أخرى ، تعظيما ~~لشأنهم ، وليعلموا أنه تعالى قد قبل توبتهم ، وعفا عنهم ، ثم أتبعه بقوله ~~سبحانه ( @QUR@04 إنه بهم رؤف رحيم ) تأكيدا PageV06P420 # لذلك. والرأفة عبارة عن السعى في إزالة الضرر ، والرحمة عبارة عن السعى ~~في إيصال النفع ، (1). # وقال القرطبي : قوله ms2712 «ثم تاب عليهم» قيل : توبته عليهم أن تدارك قلوبهم ~~حتى لم تزغ ؛ وتلك سنة الحق سبحانه مع أوليائه إذا أشرفوا على العطب ووطنوا ~~أنفسهم على الهلاك ، أمطر عليهم سحائب الجود فأحيا قلوبهم. # قال الشاعر : # منك أرجو ولست أعرف ربا %~% يرتجى منه بعض ما منك أرجو وإذا اشتدت الشدائد في الأر %~% ض على الخلق فاستغاثوا وعجوا وابتليت العباد بالخوف والجو %~% ع ، وصروا على الذنوب ولجوا لم يكن لي سواك ربي ملاذ %~% فتيقنت أننى بك أنجو # وكما تقبل الله تعالى توبة المهاجرين والأنصار الذين اتبعوا رسولهم ~~صلى الله عليه وسلم في ساعة العسرة .. فقد تقبل توبة الثلاثة الذين تخلفوا عن ~~الاشتراك في غزوة تبوك ، فقال تعالى : # ( @QUR@031 وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ~~وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ~~ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم ) (118) # هذه الآية الكريمة معطوفة على الآية السابقة لها. والمعنى : لقد تقبل ~~الله تعالى بفضله وإحسانه توبة النبي والمهاجرين والأنصار ، وتقبل كذلك ~~توبة الثلاثة الذين تخلفوا عن هذه الغزوة كسلا وحبا للراحة ، والذين سبق أن ~~أرجأ الله حكمه فيهم بقوله ( @QUR@09 وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم ~~وإما يتوب عليهم .. ) (2). # وقوله : ( @QUR@012 حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، وضاقت عليهم ~~أنفسهم وظنوا أن PageV06P421 # @QUR@06 لا ملجأ من الله إلا إليه ) كناية عن شدة تحيرهم ، وكثرة حزنهم ، ~~واستسلامهم لحكم الله فيهم. # أى : حتى إذا ضاقت عليهم الأرض على سعتها ، بسبب إعراض الناس عنهم ، ~~ومقاطعتهم لهم ، وضاقت عليهم أنفسهم ، بسبب الهم والغم الذي ملأها واعتقدوا ~~أنهم لا ملجأ ولا مهرب لهم من حكم الله وقضائه إلا إليه. # حتى إذا كان أمرهم كذلك ، جاءهم فرج الله ، حيث قبل توبتهم ، وغفر خطأهم ~~وعفا عنهم. # وقوله : ( @QUR@09 ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم ) أى : ~~بعد هذا التأديب الشديد لهم ، تقبل سبحانه توبتهم ، ليتوبوا إليه توبة ~~صادقة نصوحا ، لا تكاسل معها بعد ذلك عن طاعة الله وطاعة رسوله ، إن الله ~~تعالى هو ms2713 الكثير القبول لتوبة التائبين ، وهو الواسع الرحمة بعباده ~~المحسنين. # هذا ، والمقصود بهؤلاء الثلاثة الذين خلفوا : كعب بن مالك ، وهلال بن ~~أمية ، ومرارة بن الربيع ؛ وكلهم من الأنصار. # وقد ذكرت قصتهم في الصحيحين وفي غيرهما من كتب السنة والسيرة ، وهاك ~~خلاصة لها : قال الإمام ابن كثير : روى الإمام أحمد أن كعب بن مالك قال ، ~~لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في تبوك. # وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك. أنى ~~لم أكن قط أقوى ولا أيسر منى حين تخلفت عنه في تلك الغزوة. # وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال ، ~~وتجهز لها المؤمنون معه ، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم. فأرجع ولم أقض من ~~جهازي شيئا .. فأقول لنفسي أنا قادر على ذلك إذا أردت .. ولم يزل ذلك شأنى ~~حتى أسرعوا وتفارط الغزو ، فهممت أن أرتحل فألحقهم وليتني فعلت ولكن لم ~~يقدر لي ذلك. # ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال : ما فعل كعب بن ~~مالك؟ فقال رجل من بنى سلمة : حبسه برداه والنظر في عطفيه. # فقال معاذ بن جبل : بئسما قلت. والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا ~~خيرا فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال كعب : فلما بلغني أن رسول الله ~~قد توجه قافلا من تبوك ، حضرني بثي ، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بما ذا ~~أخرج من سخطه غدا؟. PageV06P422 # وعند ما عاد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة جاءه المتخلفون ، فطفقوا ~~يعتذرون إليه .. وجئت إليه فقال : تعال .. ما خلفك؟! ألم تكن قد اشتريت ظهرا؟ # فقلت يا رسول الله ؛ إنى لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج ~~من سخطه بعذر. والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم بحديث كاذب ترضى به عنى ، ~~ليوشكن الله أن يسخطك على. ولئن حدثتك بصدق تغضب على فيه ، إنى لأرجو عقبى ~~ذلك من الله تعالى والله ms2714 ما كان لي من عذر. # قال صلى الله عليه وسلم أما هذا فقد صدق. فقم حتى يقضى الله فيك. وكان هناك ~~رجلان قد قالا مثل ما قلت هما مرارة بن الربيع ، وهلال بن أمية. # قال : ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامنا ، فاعتزلنا الناس وتغيروا ~~لنا .. ولبثنا على ذلك خمسين ليلة .. ثم أمرنا أن نعتزل نساءنا ففعلنا. # قال : ثم صليت صلاة الصبح صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتها فبينا ~~أنا على الحال التي ذكرها الله عنا ، قد ضاقت على نفسي .. سمعت صارخا يقول ~~بأعلى صوته : أبشر يا كعب بن مالك. # وذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أبشر بخير يوم مر عليك منذ ~~ولدتك أمك. قال : وأنزل الله تعالى ( @QUR@04 وعلى الثلاثة الذين خلفوا .. ~~) الآية. # قال الإمام ابن كثير بعد أن ساق هذا الحديث بتمامه : هذا حديث صحيح ثابت ~~متفق على صحته ، وقد تضمن تفسير الآية بأحسن الوجوه وأبسطها» (1). # وبذلك نرى أن هاتين الآيتين قد ذكرتا جانبا من فضل الله على عباده ، حيث ~~قبل توبتهم ، وغسل حوبتهم. إنه بهم رءوف رحيم. # ثم وجه سبحانه نداء إلى المؤمنين أمرهم فيه بأن يتقوا الله حق تقاته وأن ~~يكونوا مع الصادقين ، وأوجب عليهم الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ووعدهم عليه بجزيل الثواب ، وتوعد المتخلفين عنه بشديد العقاب فقال تعالى : # ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (119) ~~@QUR@06 ما كان لأهل المدينة ومن حولهم PageV06P423 # @QUR@046 من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ~~ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤن موطئا ~~يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا ~~يضيع أجر المحسنين (120) @QUR@018 ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا ~~يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون ) (121) # والمعنى : يا من آمنتم بالله واليوم الآخر .. اتقوا الله حق تقاته ، بأن ~~تفعلوا ما كلفكم به. وتتركوا ما ms2715 نهاكم عنه ، «وكونوا مع الصادقين» في دين ~~الله نية وقولا وعملا وإخلاصا ؛ فإن الصدق ما وجد في شيء إلا زانه ، وما ~~وجد الكذب في شيء إلا شانه. # قال القرطبي : حق من فهم عن الله وعقل عنه ؛ أن يلازم الصدق في الأقوال ~~والإخلاص في الأعمال ، والصفاء في الأحوال ، فمن كان كذلك لحق بالأبرار ~~ووصل إلى ربنا الغفار. # قال صلى الله عليه وسلم «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدى إلى البر وإن البر ~~يهدى إلى الجنة ، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله ~~صديقا». # والكذب على الضد من ذلك. قال صلى الله عليه وسلم «إياكم والكذب ؛ فإن الكذب ~~يهدى إلى الفجور ، وإن الفجور يهدى إلى النار. وما يزال الرجل يكذب ويتحرى ~~الكذب حتى يكتب عند الله كذابا». # فالكذب عار ، وأهله مسلوبو الشهادة ، وقد رد صلى الله عليه وسلم شهادة رجل ~~في كذبة كذبها. # وسئل شريك بن عبد الله فقيل له : يا أبا عبد الله ، رجل سمعته يكذب ~~متعمدا ، أصلى خلفه؟ قال : لا (1). PageV06P424 # ثم أوجب سبحانه على المؤمنين مصاحبة رسولهم صلى الله عليه وسلم في غزواته ~~فقال : ( @QUR@013 ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن ~~رسول الله ... ). # والمراد بالنفي هنا النهى. أى : ليس لأهل المدينة أو لغيرهم من الأعراب ~~سكان البادية الذين يسكنون في ضواحي المدينة ، كقبائل مزينة وجهينة وأشجع وغفار. # ليس لهؤلاء جميعا أن يتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ما خرج ~~للجهاد ، كما فعل بعضهم في غزوة تبوك ، لأن هذا التخلف يتنافى مع الإيمان ~~بالله ورسوله. # وليس لهم كذلك «أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه» أى ليس لهم أن يؤثروا أنفسهم ~~بالراحة على نفسه ، بأن يتركوه يتعرض للآلام والأخطار. دون أن يشاركوه في ~~ذلك ، بل من الواجب عليهم أن يكونوا من حوله في البأساء والضراء ، والعسر ~~واليسر ؛ والمنشط والمكره. # ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الجملة الكريمة : أمروا ~~بأن يصحبوه على البأساء والضراء ، وأن يكابدوا معه الأهوال برغبة ونشاط ~~واغتباط ، وأن ms2716 يلقوا أنفسهم من الشدائد ما تلقاه نفسه ، علما بأنها أعز نفس ~~على الله وأكرمها ، فإذا تعرضت مع كرامتها وعزتها للخوض في شدة وهول ، وجب ~~على سائر الأنفس أن تتهافت أى تتساقط فيما تعرضت له ، ولا يكترث لها ~~أصحابها ، ولا يقيمون لها وزنا ، وتكون أخف شيء عليهم وأهونه ، فضلا عن أن ~~يربئوا بأنفسهم عن متابعتها ومصاحبتها ، ويضنوا بها على ما سمح بنفسه عليه. ~~وهذا نهى بليغ ، مع تقبيح لأمرهم ، وتوبيخ لهم عليه ، وتهييج لمتابعته ~~بأنفة وحمية» (1). # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@012 ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا ~~مخمصة في سبيل الله .. ) يعود على ما دل عليه الكلام من وجوب مصاحبته وعدم ~~التخلف عنه. # أى : ذلك الذي كلفناهم به من وجوب مصاحبته صلى الله عليه وسلم والنهى عن ~~التخلف عنه ، سببه أنهم ( @QUR@03 لا يصيبهم ظمأ ) أى عطش ( @QUR@02 ولا ~~نصب ) أى : تعب ومشقة ( @QUR@02 ولا مخمصة ) أى : مجاعة شديدة تجعل البطون ~~خامصة ضامرة ( @QUR@03 في سبيل الله ) أى : في جهاد أعدائه وإعلاء كلمة ~~الحق ( @QUR@05 ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار ) أى : ولا يدوسون مكانا من ~~أمكنة الكفار بأرجلهم أو بحوافر خيولهم من أجل إغاظتهم وإزعاجهم .. ( ~~@QUR@05 ولا ينالون من عدو نيلا ) أى : ولا يصيبون من عدو من أعدائهم إصابة ~~كقتل أو أسر أو غنيمة. PageV06P425 # إنهم لا يفعلون شيئا ( @QUR@06 إلا كتب لهم به عمل صالح ) أى : إلا كتب ~~لهم بكل واحد مما ذكر عمل صالح ، ينالون بسببه الثواب الجزيل من الله ، ~~لأنه سبحانه ( @QUR@04 لا يضيع أجر المحسنين ) وإنما يكافئهم على إحسانهم ~~بالأجر العظيم. # وقوله : ( @QUR@06 ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة .. ) معطوف على ما قبله. # أى : وكذلك لا يتصدقون بصدقة صغيرة ، كالتمرة ونحوها ، ولا كبيرة كما فعل ~~عثمان رضى الله عنه في هذه الغزوة ، فقد تصدق بالكثير. # ( @QUR@03 ولا يقطعون واديا ) من الوديان في مسيرهم إلى عدوهم ، أو في ~~رجوعهم عنه. # لا يفعلون شيئا من ذلك أيضا ( @QUR@03 إلا كتب لهم ) أى : إلا كتب لهم ~~ثوابه في سجل حسناتهم. # ( @QUR@06 ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون ) أى : أمرهم بمصاحبة نبيهم ~~في ms2717 كل غزواته ، وكلفهم بتحمل مشاق الجهاد ومتاعبه. ليجزيهم على ذلك أحسن ~~الجزاء وأعظمه ، فأنت ترى أن الله تعالى قد حرض المؤمنين على الجهاد في ~~هاتين الآيتين ، وبين لهم أن كل ما يلاقونه في جهادهم من متاعب له ثوابه ~~العظيم ، وما دام الأمر كذلك فعليهم أن يصاحبوا رسولهم صلى الله عليه وسلم في ~~جميع غزواته ، لأن التخلف عنه لا يليق بالمؤمنين الصادقين ، فضلا عن أن هذا ~~التخلف بدون عذر شرعي سيؤدي إلى الخسران في الدنيا والآخرة. # وبعد أن حرض الله تعالى المؤمنين على الجهاد في سبيله ، وحذرهم من التخلف ~~عن الخروج مع رسوله صلى الله عليه وسلم أتبع ذلك بالحديث عما يجب عليهم إذا لم ~~تكن المصلحة تقتضي النفير العام ، فقال تعالى : # ( @QUR@023 وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلو لا نفر من كل فرقة منهم ~~طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) (122) # قال الجمل : وسبب نزول هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بالغ في ~~الكشف عن عيوب المنافقين ، وفضحهم في تخلفهم عن غزوة تبوك. قال المسلمون : ~~والله لا نتخلف عن رسول PageV06P426 # الله صلى الله عليه وسلم ، ولا عن سرية بعثها ، فلما قدم صلى الله عليه وسلم ~~المدينة من تبوك ، وبعث السرايا ، أراد المسلمون أن ينفروا جميعا للغزو وأن ~~يتركوا النبي صلى الله عليه وسلم وحده فنزلت هذه الآية (1). # والمعنى ، وما كان من شأن المؤمنين ، أن ينفروا جميعا في كل سرية تخرج ~~للجهاد ، ويتركوا الرسول صلى الله عليه وسلم وحده بالمدينة ، وإنما يجب عليهم ~~النفير العام إذا ما دعاهم صلى الله عليه وسلم إلى ذلك. # وقوله : ( @QUR@08 فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ... ) معطوف على ~~كلام محذوف ، ولو لا حرف تحضيض بمعنى هلا. # أى : فحين لم يكن هناك موجب لنفير الكافة ، فهلا نفر من كل فرقة من ~~المؤمنين طائفة للجهاد ، وتبقى طائفة أخرى منهم «ليتفقهوا في الدين» أى : ~~ليتعلموا أحكامه من رسولهم صلى الله عليه وسلم «ولينذروا قومهم» أى : ~~وليعلموهم ويخبروهم بما أمروا به أو ms2718 نهوا عنه «إذا رجعوا إليهم» من الغزو ~~«لعلهم يحذرون» أى : لعل هؤلاء الراجعين إليهم من الغزو يحذرون ما نهوا عنه. # أى : أن على المسلمين في حالة عدم النفير العام ، أن يقسموا أنفسهم إلى قسمين. # قسم يبقى مع الرسول صلى الله عليه وسلم ليتفقه في دينه ، وقسم آخر يخرج ~~للجهاد في سبيل الله ، فإذا ما عاد المجاهدون ، فعلى الباقين مع الرسول ~~صلى الله عليه وسلم أن يبلغوا العائدين ما حفظوه عن الرسول صلى الله عليه وسلم من أحكام. # وبذلك يجمع المسلمون بين المصلحتين : مصلحة الدفاع عن الدين بالحجة ~~والبرهان ، ومصلحة الدفاع عنه بالسيف والسنان. # وعلى هذا التفسير الذي سار عليه جمهور العلماء يكون الضمير في قوله ~~«ليتفقهوا ولينذروا» يعود إلى الطائفة الباقية مع الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أما الضمير في قوله «لعلهم يحذرون» فيعود على الطائفة التي خرجت للجهاد ثم عادت. # ومنهم من يرى أن الضمير في قوله «ليتفقهوا ، ولينذروا» يعود على الطائفة ~~التي خرجت للجهاد. # وقد رجح هذا الاتجاه الإمام ابن جرير فقال : وأما قوله «ليتفقهوا في ~~الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم» فإن أولى الأقوال في ذلك بالصواب ~~قول من قال : لتتفقه الطائفة PageV06P427 # النافرة بما تعاين من نصر الله لأهل دينه ولأصحاب رسوله على أهل عداوته ~~والكفر به ، فيفقه بذلك من معاينته حقيقة علم أمر الإسلام ، وظهوره على ~~الأديان ، من لم يكن فقهه ، «ولينذروا قومهم» فيحذروهم أن ينزل بهم من بأس ~~الله ، مثل الذي نزل بمن شاهدوا ، ممن ظفر بهم المسلمون من أهل الشرك ، إذا ~~هم رجعوا إليهم من غزوهم «لعلهم يحذرون» أى : لعل قومهم إذا هم حذروهم ما ~~عاينوا من ذلك ، يحذرون فيؤمنون بالله ورسوله ، حذرا من أن ينزل بهم ما نزل ~~بالذين أخبروا خبرهم ...» (1). # وقد علق صاحب المنار على رأى ابن جرير هذا بقوله : وهذا تأويل متكلف ينبو ~~عنه النظم الكريم ، فإن اعتبار طائفة السرية بما قد يحصل لها من النصر وهو ~~غير مضمون ولا مطرد لا يسمى تفقها في الدين ، وإن كان يدخل في عموم ms2719 معنى ~~الفقه ، فإن التفقه هو التعلم الذي يكون بالتكلف والتدرج ، والمتبادر من ~~الدين علمه ، ولا يصح هذا المعنى في ذلك العهد إلا في الذين يبقون مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيزدادون في كل يوم علما وفقها بنزول القرآن ...» (2). # هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية : وجوب طلب العلم ، ~~والتفقه في دين الله وتعليم الناس إياه. # قال القرطبي : هذه الآية أصل في وجوب طلب العلم ؛ لأن المعنى : وما كان ~~المؤمنون لينفروا كافة والنبي صلى الله عليه وسلم مقيم لا ينفر فيتركوه وحده ~~«فلو لا نفر» بعد ما علموا أن النفير لا يسع جميعهم «من كل فرقة منهم ~~طائفة» وتبقى بقيتها مع النبي صلى الله عليه وسلم ليتحملوا عنه الدين ويتفقهوا ~~، فإذا رجع النافرون إليهم أخبروهم بما سمعوه وعلموه ، وفي هذا إيجاب ~~التفقه ، في الكتاب والسنة ، وأنه على الكفاية دون الأعيان ..» (3). # ثم ختمت السورة الكريمة حديثها عن الجهاد في سبيل الله ، بدعوة المؤمنين ~~إلى قتال أعدائهم بشدة وغلظة فقال تعالى : # ( @QUR@017 يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا ~~فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين ) (123) PageV06P428 # وقوله : ( @QUR@01 يلونكم ) من الولي بمعنى القرب ، تقول جلست مما يلي ~~فلان أى : يقاربه. # قال ابن كثير : أمر الله المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولا فأولا ، الأقرب ~~فالأقرب ، إلى حوزة الإسلام ، ولهذا بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم بقتال ~~المشركين في جزيرة العرب ، فلما فرغ منهم وفتح الله عليه مكة والمدينة ~~واليمن .. وغير ذلك من أقاليم العرب ، دخل الناس من سائر أحياء العرب في ~~دين الله أفواجا ، شرع في قتال أهل الكتاب ، فتجهز لغزو الروم الذين هم ~~أقرب الناس إلى جزيرة العرب ، وأولى الناس بالدعوة إلى الإسلام لأنهم أهل ~~كتاب ، فبلغ تبوك ثم رجع لأجل جهد الناس ، وجدب البلاد ، وضيق الحال ، ذلك ~~سنة تسع من الهجرة ، ثم اشتغل في السنة العاشرة بحجة الوداع ، ثم عاجلته ~~المنية صلوات الله وسلامه عليه بعد حجة الوداع بأحد وثمانين يوما وسار ~~خلفاؤه الراشدون من بعده على نهجه. # وقوله ms2720 ( @QUR@03 وليجدوا فيكم غلظة ) أى : وليجد الكفار منكم غلظة عليهم ~~في قتالكم ، فإن المؤمن الكامل هو الذي يكون رفيقا بأخيه المؤمن ، غليظا ~~على عدوه الكافر. قال تعالى : ( @QUR@010 محمد رسول الله والذين معه أشداء ~~على الكفار رحماء بينهم ). # وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «أنا الضحوك القتال» يعنى ~~: أنه ضحوك في وجه وليه المؤمن ، قتال لهامة عدوه الكافر» (1). # وقوله : ( @QUR@05 واعلموا أن الله مع المتقين ) تذييل قصد به حض ~~المؤمنين على التسلح بسلاح الإيمان والتقوى حتى ينالوا نصر الله وعونه. # أى : واعلموا أن الله تعالى مع المتقين بنصره ومعونته ، فاحرصوا على هذه ~~الصفة ليستمر معكم نصره سبحانه وعونه. # وإنما أمر الله تعالى المؤمنين أن يبدءوا قتالهم مع الأقرب فالأقرب من ~~ديارهم ، لأن القتال شرع لتأمين الدعوة الإسلامية ، وقد كانت دعوة الإسلام ~~موجهة إلى الأقرب فالأقرب ، فكان من الحكمة أن يبدءوا قتالهم مع المجاورين ~~لهم حتى يأمنوا شرهم ، ولأنه من المعلوم أنه ليس في طاقة المسلمين قتال ~~جميع الكفار ، وغزو جميع البلاد في زمان واحد ، فكان من قرب أولى ممن بعد. # ثم ختمت السورة أيضا حديثها الطويل المتنوع عن المنافقين ببيان موقفهم من ~~نزول الآيات القرآنية على الرسول صلى الله عليه وسلم PageV06P429 # فقال تعالى : # ( @QUR@018 وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما ~~الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (124) @QUR@012 وأما الذين في ~~قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون (125) @QUR@016 أولا ~~يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون (126) ~~@QUR@021 وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا ~~صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون ) (127) # والمعنى : وإذا ما أنزلت سورة من سور القرآن عليك يا محمد : تساءل ~~المنافقون عنها في حذر وريبة «فمنهم من يقول» لأشباهه في الكفر والنفاق على ~~سبيل الاستهزاء والتهوين من شأن القرآن الكريم «أيكم زادته هذه إيمانا» أى ~~: أى واحد منكم زادته هذه السورة النازلة إيمانا؟ # وهنا يجيء الرد الحاسم ms2721 الذي يخرس ألسنتهم ، من جهته تعالى فيقول : ( ~~@QUR@07 فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون ). # أى : فأما الذين آمنوا فزادهم نزول السورة القرآنية ، إيمانا على إيمانهم ~~، وثباتا على ثباتهم ، ويقينا على يقينهم ، «وهم» فوق ذلك «يستبشرون» ~~ويفرحون بنزولها لما فيها من المنافع الدينية والدنيوية. # هذا شأن المؤمنين بالنسبة لنزول السورة القرآنية ، وأما المنافقون ، فقد ~~صور القرآن حالهم بقوله ( @QUR@09 وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا ~~إلى رجسهم ). # أى : وأما الذين في قلوبهم شك ونفاق وارتياب ، فزادهم نزول السورة كفرا ~~على كفرهم السابق. PageV06P430 # وسمى سبحانه الكفر رجسا ، لأنه أقبح الأشياء وأسوؤها. # وقوله : ( @QUR@03 وماتوا وهم كافرون ) تذييل قصد به بيان سوء عاقبتهم في ~~الآخرة بعد بيان سوء أعمالهم في الدنيا. # أى : لقد قضى هؤلاء المنافقون حياتهم في الكفر والفسوق والعصيان ، ثم لم ~~يتوبوا عن ذلك ولم يرجعوا عنه ، بل ماتوا على الكفر والنفاق. # وقوله : ( @QUR@010 أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين .. ) ~~توبيخ لهم على قسوة قلوبهم ، وانطماس بصيرتهم ، وغفلتهم عما يدعو إلى ~~الاعتبار والاتعاظ. # أى : أبلغ الجهل والسفه وعمى البصيرة بهؤلاء ، أنهم صاروا لا يعتبرون ولا ~~يتعظون بما حاق من فتن واختبارات وابتلاءات ، تنزل بهم في كل عام مرة أو مرتين؟ # ومن هذه الفتن والامتحانات : كشف مكرهم عن طريق اطلاع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على ما يضمرونه من سوء ، وما يقولونه من منكر ، وما ~~يفعلونه من أفعال خبيثة ، وحلول المصائب والأمراض بهم ، ومشاهدتهم لانتصار ~~المؤمنين وخذلان الكافرين. # قال الآلوسى : والمراد من المرة والمرتين على ما صرح به بعضهم مجرد ~~التكثير ، لا بيان الوقوع على حسب العدد المذكور. # وقوله : ( @QUR@06 ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون ) بيان لرسوخهم في الجهل ~~والجحود. # أى : ثم بعد كل هذه الفتن النازلة بهم ، لا يتوبون من نفاقهم «ولا هم ~~يذكرون» ويتعظون ، بل يصرون على مسالكهم الخبيثة ، وأعمالهم القبيحة ، مع ~~أن من شأن الفتن والمصائب والمحن ، أنها تحمل على الاعتبار والاتعاظ ، ~~والرجوع عن طريق الشر إلى طريق الخير. # ثم تصور السورة الكريمة تصويرا معجزا ، مشهدهم ms2722 عند ما تنزل السورة ~~القرآنية على الرسول صلى الله عليه وسلم وهم حاضرون في مجلسه فتقول : ( ~~@QUR@04 وإذا ما أنزلت سورة ) أو آيات منها ، على الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وهم موجودون في مجلسه ( @QUR@04 نظر بعضهم إلى بعض ) في ريبة ومكر ، ~~وتغامزوا بعيونهم وجوارحهم في لؤم وخسة ثم تساءلوا : ( @QUR@04 هل يراكم من ~~أحد ) أى : هل يراكم من أحد من المسلمين إذا ما قمتم من هذا المجلس ، قبل ~~أن يتلو الرسول صلى الله عليه وسلم هذه السورة أو الآيات التي قد تفضحكم وتكشف ~~عما أسررتموه فيما بينكم. # ( @QUR@02 ثم انصرفوا ) من مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم متسللين في حذر ~~حتى لا يراهم أحد من المسلمين. PageV06P431 # وقوله : ( @QUR@07 صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون ) ذم لهم ~~لإيثارهم الغي على الرشد ، والضلالة على الهداية. # أى : صرف الله قلوبهم عن الهداية والرشاد ، بسبب أنهم قوم لا يفقهون ما ~~فيه خيرهم ونفعهم. وإنما يفقهون ما فيه شقاؤهم وتعاستهم. # هذا ، وإن الناظر في هذه الآيات الكريمة بتدبر وإمعان ، ليراها قد صورت ~~أحوال المنافقين وأخلاقهم وحركاتهم تصويرا دقيقا معجزا ، حتى إنه ليخيل إلى ~~القارئ لهذه الآيات الكريمة أو السامع لها ، أنه يشاهد المنافقين مشاهدة ~~حسية وهم على تلك الحالة من التحرك المريب والنظرات الخبيثة ، والخروج من ~~مجلس النبي صلى الله عليه وسلم في حذر وريبة .. # وهذا كله مما يشهد بأن هذا القرآن إنما هو من عند الله العليم بخفايا ~~الصدور ، وبطوايا النفوس. # ثم ختم سبحانه سورة التوبة ، بآيتين كريمتين ، اشتملتا على أسمى النعوت ، ~~وأكرم الصفات للرسول صلى الله عليه وسلم فقال تعالى : # ( @QUR@014 لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم ~~بالمؤمنين رؤف رحيم (128) @QUR@015 فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو ~~عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ) (129) # وجمهور المفسرين على أن الخطاب في قوله سبحانه : ( @QUR@05 لقد جاءكم ~~رسول من أنفسكم ) للعرب : فهو كقوله : ( @QUR@07 هو الذي بعث في الأميين ~~رسولا منهم ). # أى : لقد جاءكم يا معشر العرب رسول كريم «من أنفسكم» أى : جنسكم ، ومن ~~نسبكم ms2723 ، فهو عربي مثلكم ، فمن الواجب عليكم أن تؤمنوا به وتطيعوه. # فالمقصود من هذه الجملة الكريمة ترغيب العرب في الإيمان بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم وفي طاعته وتأييده ، فإن شرفهم قد تم بشرفه ، وعزهم بعزه ، ~~وفخرهم بفخره ، وهم في الوقت نفسه قد شهدوا له في صباه بالصدق والأمانة ~~والعفاف وطهارة النسب ، والأخلاق الحميدة. PageV06P432 # قال القرطبي : قوله «من أنفسكم» يقتضى مدحا لنسب النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأنه من صميم العرب وخالصها ، وفي صحيح مسلم عن وائلة بن الأسقع قال : سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، ~~واصطفى قريشا من كنانة ، واصطفى من قرش بنى هاشم ، واصطفاني من بنى هاشم» ~~وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : «إنى من نكاح ولست من سفاح» (1). # وقال الزجاج إن الخطاب في الآية الكريمة لجميع البشر ، لعموم بعثته ~~صلى الله عليه وسلم ، ومعنى كونه صلى الله عليه وسلم «من أنفسكم» أنه من جنس البشر. # ويبدو لنا أن الرأى الأول أرجح ؛ لأن الآية الكريمة ليست مسوقة لإثبات ~~رسالته صلى الله عليه وسلم وعمومها ، وإنما هي مسوقة لبيان منته وفضله سبحانه ~~على العرب ، حيث أرسل خاتم أنبيائه منهم ، فمن الواجب عليهم أن يؤمنوا به ، ~~لأنه ليس غريبا عنهم ، وإذا لم يؤمنوا به تكون الحجة عليهم ألزم ، والعقوبة ~~لهم أعظم. # وقوله : ( @QUR@04 عزيز عليه ما عنتم ) أى : شديد وشاق عليه عنتكم ~~ومشقتكم ، لكونه بعضا منكم ؛ فهو يخاف عليكم سوء العاقبة ، والوقوع في ~~العذاب. # يقال : عز عليه الأمر أى صعب وشق عليه ، والعنت المشقة والتعب ومنه قولهم ~~: أكمة عنوت ، إذا كانت شاقة مهلكة ، والفعل عنت بوزن فرح. # وقوله : ( @QUR@02 حريص عليكم ) أى : حريص على إيمانكم وهدايتكم وعزتكم ~~وسعادتكم في الدنيا والآخرة. # والحرص على الشيء معناه : شدة الرغبة في الحصول عليه وحفظه. # وقوله : «بالمؤمنين رءوف رحيم» أى : شديد الرأفة والرحمة بكم أيها ~~المؤمنون والرأفة عبارة عن السعى في إزالة الضرر ، والرحمة عبارة عن السعى ~~في إيصال النفع ، فهو صلى الله عليه وسلم يسعى بشدة في ms2724 إيصال الخير والنفع ~~للمؤمنين ، وفي إزالة كل مكروه عنهم. # قال بعضهم : لم يجمع الله تعالى لأحد من الأنبياء اسمين من أسمائه إلا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم فإنه قال ( @QUR@03 بالمؤمنين رؤف رحيم ) وقال عن ~~ذاته سبحانه ( @QUR@05 إن الله بالناس لرؤف رحيم ) (2). # ثم انتقل سبحانه من خطاب المؤمنين إلى خطابه صلى الله عليه وسلم فقال : ( ~~@QUR@09 فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو .. ). PageV06P433 # أى : فإن أعرضوا عن الإيمان بك ، وتركوا طاعتك ، فلا تبتئس ولا تيأس ، بل ~~قل «حسبي الله» أى : هو كافينى ونصيرى «لا إله إلا هو» سبحانه «رب العرش ~~العظيم» الذي لا يعلم مقدار عظمته إلا الله عز وجل . # ففي هاتين الآيتين الكريمتين بيان للصفات التي منحها سبحانه لرسوله محمد ~~صلى الله عليه وسلم ، ودعوة له صلى الله عليه وسلم إلى أن يفوض أمره إلى خالقه ~~فهو سبحانه كافيه وناصره. # وبعد فهذه سورة التوبة. # السورة التي احتوت على بيان الأحكام النهائية في العلاقات الدائمة بين ~~المجتمع الإسلامى ، والمجتمعات الأخرى. # السورة التي حرضت المؤمنين على الجهاد في سبيل الله ، وساقت لهم من وسائل ~~الترغيب في ذلك ، ما يجعلهم يقدمون على قتال أعدائهم بصبر وثبات واستبشار. # السورة التي أوجبت على المؤمنين أن تكون محبتهم لله ولرسوله ، ولإعلاء ~~كلمة الحق ، فوق محبة الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة ~~والأموال. # السورة التي ذكرت المؤمنين بنصر الله لهم في مواطن كثيرة ، وحذرتهم من ~~الغرور بأنفسهم. والعجب بقوتهم ، وأمرتهم بنصرة رسوله في السراء والضراء ~~والعسر واليسر ، والمنشط والمكره. # السورة التي أمرت المؤمنين بأن يخلصوا في دفاعهم عن دين الله وعن حرماته ~~وعن مقدساته. وبشرتهم بأنهم إذا فعلوا ذلك ، فسوف يغنيهم الله من فضله. # السورة التي فضحت المنافقين ، وكشفت عن أساليبهم الخبيثة ، ومسالكهم ~~القبيحة ، وأقوالهم المنكرة ، وأفعالهم الأثيمة ، وسجلت عليهم الخزي والعار ~~وحذرت المؤمنين من شرورهم ... # السورة التي رسمت أسس التكافل الاجتماعى بين أفراد الأمة الإسلامية ، عن ~~طريق مشروعية الزكاة ، ووجوب أدائها لمستحقيها. # السورة التي ساقت ألوانا من فضل الله على عباده المؤمنين ، حيث تقبل ~~سبحانه توبتهم ms2725 ، وغسل حوبتهم ، وتجاوز عن خطئهم. # السورة التي صنفت المجتمع الإسلامى في أواخر العهد النبوي تصنيفا دقيقا. PageV06P434 # فهناك السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ~~وهناك الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا. # وهناك المرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم. # وهناك الأعراب المنافقون ، وهناك الذين مردوا على النفاق من أهل المدينة. # وقد بينت السورة الكريمة ما يستحقه كل قسم من الأقسام من ثواب أو عقاب. # السورة التي أوجبت على المؤمنين أن يقيموا علاقاتهم على أساس العقيدة ~~الدينية لا على أساس القرابة الجسدية ، فنهتهم أن يستغفروا للمشركين ولو ~~كانوا أولى قربى. # هذا جانب من المقاصد الإجمالية التي اشتملت عليها هذه السورة الكريمة ~~ونسأل الله تعالى أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا ، وأنس نفوسنا ؛ وأن يرزقنا ~~الإخلاص والتوفيق في القول والعمل. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ||د. محمد السيد طنطاوى| PageV06P435 ### ||| * فهرس إجمالى لتفسير سورة الأنفال # المقدمة............................................................... ~~........... 5 # تمهيد بين يدي ~~السورة............................................................ 7 # 1 ( @QUR@03 يسئلونك عن الأنفال ) ~~................................................... 23 # 2 ( @QUR@06 إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله ) ~~.......................................... 29 # 3 ( @QUR@03 الذين يقيمون الصلاة ) ~~................................................... 31 # 4 ( @QUR@04 أولئك هم المؤمنون حقا ) ~~................................................. 32 # 5 ( @QUR@03 كما أخرجك ربك ) ~~...................................................... 37 # 6 ( @QUR@03 يجادلونك في الحق ) ~~.................................................... 39 # 7 ( @QUR@05 وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين ) ~~.......................................... 40 # 8 ( @QUR@04 ليحق الحق ويبطل الباطل ) ~~............................................... 42 # 9 ( @QUR@03 إذ تستغيثون ربكم ) ~~...................................................... 43 # 10 ( @QUR@05 وما جعله الله إلا بشرى ) ~~................................................ 48 # 11 ( @QUR@03 إذ يغشيكم النعاس ) ~~.................................................... 48 # 12 ( @QUR@05 إذ يوحي ربك إلى الملائكة ) ~~............................................ 52 # 13 ( @QUR@04 ذلك بأنهم شاقوا الله ) ~~.................................................. 53 # 14 ( @QUR@02 ذلكم فذوقوه ) ~~......................................................... 54 # 15 ( @QUR@08 يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا ) ~~................................. 60 # 16 ( @QUR@04 ومن يولهم يومئذ دبره ) ~~................................................. 61 # 17 ( @QUR@05 فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ) ~~.......................................... 64 # 18 ( @QUR@06 ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين ) ~~....................................... 66 # 19 ( @QUR@05 إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) ~~......................................... 67 # 20 ( @QUR@06 يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ) ~~........................................... 69 # 21 ( @QUR@05 ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا ) ~~.......................................... 70 # 22 ( @QUR@03 إن شر الدواب ) ~~....................................................... 70 # 23 ( @QUR@05 ولو علم الله فيهم خيرا ) ~~................................................ 71 # 24 ( @QUR@06 يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله ) ~~........................................ 72 # 25 ( @QUR@02 واتقوا ms2726 فتنة ) ~~........................................................... 75 # 26 ( @QUR@04 واذكروا إذ أنتم قليل ) ~~.................................................. 78 PageV06P437 # 27 ( @QUR@07 يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله ) ~~........................................ 80 # 28 ( @QUR@03 واعلموا أنما أموالكم ) ~~.................................................. 82 # 29 ( @QUR@06 يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا ) ~~............................................ 83 # 30 ( @QUR@05 وإذ يمكر بك الذين كفروا ) ~~............................................. 85 # 31 ( @QUR@04 وإذا تتلى عليهم آياتنا ) ~~................................................. 88 # 32 ( @QUR@03 وإذ قالوا اللهم ) ~~....................................................... 89 # 33 ( @QUR@04 وما كان الله ليعذبهم ) ~~................................................... 91 # 34 ( @QUR@05 وما لهم ألا يعذبهم الله ) ~~................................................ 92 # 35 ( @QUR@05 وما كان صلاتهم عند البيت ) ~~............................................ 93 # 36 ( @QUR@04 إن الذين كفروا ينفقون ) ~~................................................. 94 # 37 ( @QUR@05 ليميز الله الخبيث من الطيب ) ~~........................................... 96 # 38 ( @QUR@04 قل للذين كفروا إن ) ~~.................................................... 96 # 39 ( @QUR@05 وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) ~~............................................ 97 # 40 ( @QUR@03 وإن تولوا فاعلموا ) ~~..................................................... 98 # 41 ( @QUR@03 واعلموا أنما غنمتم ) ~~................................................... 99 # 42 ( @QUR@04 إذ أنتم بالعدوة الدنيا ) ~~................................................ 105 # 43 ( @QUR@05 إذ يريكهم الله في منامك ) ~~............................................. 108 # 44 ( @QUR@04 وإذ يريكموهم إذ التقيتم ) ~~............................................. 110 # 45 ( @QUR@07 يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة ) ~~....................................... 112 # 46 ( @QUR@03 وأطيعوا الله ورسوله ) ~~.................................................. 112 # 47 ( @QUR@04 ولا تكونوا كالذين خرجوا ) ~~............................................ 114 # 48 ( @QUR@04 وإذ زين لهم الشيطان ) ~~................................................ 116 # 49 ( @QUR@03 إذ يقول المنافقون ) ~~................................................... 122 # 50 ( @QUR@06 ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا ) ~~........................................ 124 # 51 ( @QUR@04 ذلك بما قدمت أيديكم ) ~~.............................................. 125 # 52 ( @QUR@03 كدأب آل فرعون ) ~~................................................... 127 # 53 ( @QUR@06 ذلك بأن الله لم يك مغيرا ) ~~............................................ 130 # 54 ( @QUR@03 كدأب آل فرعون ) ~~................................................... 131 # 55 ( @QUR@05 إن شر الدواب عند الله ) ~~.............................................. 132 # 56 ( @QUR@03 الذين عاهدت منهم ) ~~................................................. 134 # 57 ( @QUR@04 فإما تثقفنهم في الحرب ) ~~............................................. 135 PageV06P438 # 58 ( @QUR@05 وإما تخافن من قوم خيانة ) ~~............................................ 136 # 59 ( @QUR@04 ولا يحسبن الذين كفروا ) ~~.............................................. 137 # 60 ( @QUR@04 وأعدوا لهم ما استطعتم ) ~~.............................................. 138 # 61 ( @QUR@03 وإن جنحوا للسلم ) ~~................................................... 144 # 62 ( @QUR@04 وإن يريدوا أن يخدعوك ) ~~.............................................. 147 # 63 ( @QUR@03 وألف بين قلوبهم ) ~~................................................... 148 # 64 ( @QUR@05 يا أيها النبي حسبك الله ) ~~.............................................. 149 # 65 ( @QUR@05 يا أيها النبي حرض المؤمنين ) ~~.......................................... 151 # 66 ( @QUR@04 الآن خفف الله عنكم ) ~~................................................ 152 # 67 ( @QUR@05 ما كان لنبي أن يكون ) ~~................................................ 154 # 68 ( @QUR@06 لو لا كتاب من الله سبق ) ~~.............................................. 158 # 69 ( @QUR@03 فكلوا مما غنمتم ) ~~.................................................... 160 # 70 ( @QUR@05 يا أيها النبي قل لمن ) ~~................................................. 161 # 71 ( @QUR@03 وإن يريدوا خيانتك ) ~~.................................................. 162 # 72 ( @QUR@04 إن الذين آمنوا وهاجروا ) ~~.............................................. 165 # 73 ( @QUR@03 والذين كفروا ms2727 بعضهم ) ~~................................................ 168 # 74 ( @QUR@03 والذين آمنوا وهاجروا ) ~~................................................ 169 # 75 ( @QUR@04 والذين آمنوا من بعد ) ~~................................................. 169 PageV06P439 ### ||| * فهرس إجمالى لتفسير آيات سورة التوبة # مقدمة................................................................. ~~...... 176 # تمهيد بين يدي ~~السورة......................................................... 177 # 1 ( @QUR@07 براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم ) ~~.................................. 194 # 2 ( @QUR@05 فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) ~~......................................... 197 # 3 ( @QUR@04 وأذان من الله ورسوله ) ~~.................................................. 201 # 4 ( @QUR@05 إلا الذين عاهدتم من المشركين ) ~~......................................... 203 # 5 ( @QUR@04 فإذا انسلخ الأشهر الحرم ) ~~.............................................. 205 # 6 ( @QUR@05 وإن أحد من المشركين استجارك ) ~~....................................... 208 # 7 ( @QUR@04 كيف يكون للمشركين عهد ) ~~............................................ 212 # 8 ( @QUR@04 كيف وإن يظهروا عليكم ) ~~.............................................. 214 # 9 ( @QUR@05 اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا ) ~~............................................ 217 # 10 ( @QUR@04 لا يرقبون في مؤمن ) ~~.................................................. 217 # 11 ( @QUR@04 فإن تابوا وأقاموا الصلاة ) ~~.............................................. 218 # 13 ( @QUR@04 ألا تقاتلون قوما نكثوا ) ~~............................................... 221 # 14 ( @QUR@04 قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ) ~~.......................................... 223 # 15 ( @QUR@03 ويذهب غيظ قلوبهم ) ~~................................................. 224 # 16 ( @QUR@04 أم حسبتم أن تتركوا ) ~~................................................. 225 # 17 ( @QUR@07 ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ) ~~................................ 226 # 18 ( @QUR@04 إنما يعمر مساجد الله ) ~~................................................ 228 # 19 ( @QUR@03 أجعلتم سقاية الحاج ) ~~................................................. 231 # 20 ( @QUR@03 الذين آمنوا وهاجروا ) ~~................................................. 233 # 21 ( @QUR@04 يبشرهم ربهم برحمة منه ) ~~............................................. 234 # 22 ( @QUR@03 خالدين فيها أبدا ) ~~.................................................... 234 # 23 ( @QUR@07 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم ) ~~.................................. 235 # 24 ( @QUR@04 قل إن كان آباؤكم ) ~~................................................... 236 # 25 ( @QUR@06 لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ) ~~....................................... 239 # 26 ( @QUR@06 ثم أنزل الله سكينته على رسوله ) ~~....................................... 242 # 27 ( @QUR@06 ثم يتوب الله من بعد ذلك ) ~~............................................ 242 PageV06P440 # 28 ( @QUR@07 يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس ) ~~............................... 244 # 29 ( @QUR@05 قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ) ~~........................................... 249 # 30 ( @QUR@05 وقالت اليهود عزير ابن الله ) ~~........................................... 256 # 31 ( @QUR@03 اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ) ~~............................................ 261 # 32 ( @QUR@03 يريدون أن يطفؤا ) ~~.................................................... 263 # 33 ( @QUR@04 هو الذي أرسل رسوله ) ~~................................................ 265 # 34 ( @QUR@06 يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا ) ~~........................................... 267 # 35 ( @QUR@06 يوم يحمى عليها في نار جهنم ) ~~........................................ 270 # 36 ( @QUR@05 إن عدة الشهور عند الله ) ~~............................................. 276 # 37 ( @QUR@05 إنما النسيء زيادة في الكفر ) ~~.......................................... 281 # 38 ( @QUR@07 يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا ) ~~........................................ 286 # 39 ( @QUR@04 إلا تنفروا يعذبكم عذابا ) ~~.............................................. 290 # 40 ( @QUR@05 إلا تنصروه فقد نصره الله ) ~~............................................ 291 # 41 ( @QUR@03 انفروا خفافا وثقالا ) ~~................................................... 295 # 42 ( @QUR@04 لو كان عرضا قريبا ) ~~................................................... 299 # 43 ms2728 ( @QUR@06 عفا الله عنك لم أذنت لهم ) ~~........................................... 301 # 44 ( @QUR@04 لا يستأذنك الذين يؤمنون ) ~~............................................ 304 # 45 ( @QUR@05 إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون ) ~~........................................ 305 # 46 ( @QUR@04 ولو أرادوا الخروج لأعدوا ) ~~............................................ 306 # 47 ( @QUR@05 لو خرجوا فيكم ما زادوكم ) ~~............................................ 308 # 48 ( @QUR@05 لقد ابتغوا الفتنة من قبل ) ~~............................................. 311 # 49 ( @QUR@05 ومنهم من يقول ائذن لي ) ~~............................................. 312 # 50 ( @QUR@04 إن تصبك حسنة تسؤهم ) ~~............................................. 313 # 51 ( @QUR@08 قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ) ~~....................................... 314 # 52 ( @QUR@05 قل هل تربصون بنا إلا ) ~~............................................... 314 # 53 ( @QUR@05 قل أنفقوا طوعا أو كرها ) ~~.............................................. 316 # 54 ( @QUR@05 وما منعهم أن تقبل منهم ) ~~............................................. 317 # 55 ( @QUR@03 فلا تعجبك أموالهم ) ~~................................................. 318 # 56 ( @QUR@04 ويحلفون بالله إنهم لمنكم ) ~~............................................ 320 # 57 ( @QUR@05 لو يجدون ملجأ أو مغارات ) ~~.......................................... 321 # 58 ( @QUR@05 ومنهم من يلمزك في الصدقات ) ~~....................................... 322 PageV06P441 # 59 ( @QUR@06 ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ) ~~.......................................... 324 # 60 ( @QUR@04 إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) ~~..................................... 325 # 61 ومنهم الذين يؤذون ~~النبي.................................................. 332 # 62 يحلفون بالله لكم ~~ليرضوكم................................................ 335 # 63 ( @QUR@06 ألم يعلموا أنه من يحادد الله ) ~~.......................................... 337 # 64 ( @QUR@04 يحذر المنافقون أن تنزل ) ~~............................................. 338 # 65 ( @QUR@03 ولئن سألتهم ليقولن ) ~~................................................. 340 # 66 ( @QUR@05 لا تعتذروا قد كفرتم بعد ) ~~............................................. 340 # 67 ( @QUR@02 المنافقون والمنافقات ) ~~................................................ 343 # 68 ( @QUR@04 وعد الله المنافقين والمنافقات ) ~~........................................ 344 # 69 ( @QUR@04 كالذين من قبلكم كانوا ) ~~.............................................. 344 # 70 ( @QUR@06 ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم ) ~~......................................... 347 # 71 ( @QUR@03 والمؤمنون والمؤمنات بعضهم ) ~~......................................... 348 # 72 ( @QUR@04 وعد الله المؤمنين والمؤمنات ) ~~......................................... 350 # 73 ( @QUR@06 يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين ) ~~.................................. 351 # 74 ( @QUR@04 يحلفون بالله ما قالوا ) ~~................................................. 353 # 75 ( @QUR@05 ومنهم من عاهد الله لئن ) ~~.............................................. 356 # 76 ( @QUR@06 فلما آتاهم من فضله بخلوا به ) ~~........................................ 358 # 77 ( @QUR@04 فأعقبهم نفاقا في قلوبهم ) ~~............................................. 359 # 78 ( @QUR@06 ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ) ~~......................................... 359 # 79 ( @QUR@05 الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين ) ~~.................................. 361 # 80 ( @QUR@06 استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ) ~~........................................ 363 # 81 ( @QUR@04 فرح المخلفون بمقعدهم خلاف ) ~~...................................... 364 # 82 ( @QUR@04 فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا ) ~~........................................ 367 # 83 ( @QUR@05 فإن رجعك الله إلى طائفة ) ~~............................................. 368 # 84 ( @QUR@07 ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ) ~~.................................... 369 # 85 ( @QUR@04 ولا تعجبك أموالهم وأولادهم ) ~~......................................... 372 # 86 ( @QUR@05 وإذا أنزلت سورة أن آمنوا ) ~~............................................ 373 # 87 ( @QUR@05 رضوا بأن يكونوا مع ms2729 الخوالف ) ~~........................................ 374 # 88 ( @QUR@05 لكن الرسول والذين آمنوا معه ) ~~........................................ 375 PageV06P442 # 89 ( @QUR@07 أعد الله لهم جنات تجري من تحتها ) ~~................................... 375 # 90 ( @QUR@04 وجاء المعذرون من الأعراب ) ~~.......................................... 375 # 91 ( @QUR@06 ليس على الضعفاء ولا على المرضى ) ~~.................................. 378 # 92 ( @QUR@07 ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ) ~~.................................. 380 # 93 ( @QUR@05 إنما السبيل على الذين يستأذنونك ) ~~.................................... 382 # 94 ( @QUR@05 يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم ) ~~....................................... 383 # 95 ( @QUR@05 سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم ) ~~........................................ 384 # 96 ( @QUR@04 يحلفون لكم لترضوا عنهم ) ~~........................................... 384 # 97 ( @QUR@04 الأعراب أشد كفرا ونفاقا ) ~~............................................. 385 # 98 ( @QUR@07 ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ) ~~.................................. 387 # 99 ( @QUR@05 ومن الأعراب من يؤمن بالله ) ~~........................................... 388 # 100 ( @QUR@04 والسابقون الأولون من المهاجرين ) ~~.................................... 390 # 101 ( @QUR@05 وممن حولكم من الأعراب منافقون ) ~~.................................. 392 # 102 ( @QUR@03 وآخرون اعترفوا بذنوبهم ) ~~............................................ 395 # 103 ( @QUR@04 خذ من أموالهم صدقة ) ~~.............................................. 396 # 104 ( @QUR@06 ألم يعلموا أن الله هو يقبل ) ~~.......................................... 398 # 105 ( @QUR@05 وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ) ~~...................................... 399 # 106 ( @QUR@04 وآخرون مرجون لأمر الله ) ~~........................................... 399 # 107 ( @QUR@04 والذين اتخذوا مسجدا ضرارا ) ~~....................................... 401 # 108 ( @QUR@06 لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس ) ~~....................................... 404 # 109 ( @QUR@05 أفمن أسس بنيانه على تقوى ) ~~........................................ 405 # 110 ( @QUR@05 لا يزال بنيانهم الذي بنوا ) ~~.......................................... 406 # 111 ( @QUR@05 إن الله اشترى من المؤمنين ) ~~.......................................... 408 # 112 ( @QUR@03 التائبون العابدون الحامدون ) ~~......................................... 411 # 113 ( @QUR@05 ما كان للنبي والذين آمنوا ) ~~.......................................... 414 # 114 ( @QUR@05 وما كان استغفار إبراهيم لأبيه ) ~~....................................... 415 # 115 ( @QUR@08 وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم ) ~~................................ 416 # 116 ( @QUR@06 إن الله له ملك السماوات والأرض ) ~~.................................. 417 # 117 ( @QUR@06 لقد تاب الله على النبي والمهاجرين ) ~~.................................. 418 # 118 ( @QUR@04 وعلى الثلاثة الذين خلفوا ) ~~.......................................... 421 PageV06P443 # 119 ( @QUR@07 يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا ) ~~.................................. 423 # 120 ( @QUR@06 ما كان لأهل المدينة ومن حولهم ) ~~.................................... 425 # 121 ( @QUR@04 ولا ينفقون نفقة صغيرة ) ~~............................................. 426 # 122 ( @QUR@05 وما كان المؤمنون لينفروا كافة ) ~~....................................... 426 # 123 ( @QUR@06 يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين ) ~~...................................... 428 # 124 ( @QUR@07 وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول ) ~~................................. 430 # 125 ( @QUR@05 وأما الذين في قلوبهم مرض ) ~~........................................ 430 # 126 ( @QUR@05 أولا يرون أنهم يفتنون في ) ~~.......................................... 431 # 127 ( @QUR@05 وإذا ما أنزلت سورة نظر ) ~~............................................ 431 # 128 ( @QUR@05 لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) ~~...................................... 432 # 129 ( @QUR@05 فإن تولوا فقل ms2730 حسبي الله ) ~~........................................... 433 # تم بحمد الله PageV06P444 ![](https://books.rafed.net/Books/3945_altafsir-alwasit-07/images/image001.gif) PageV07P001 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * ( @QUR@07 ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ) (127) PageV07P003 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة # الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد ~~وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته الى يوم الدين. # وبعد : فهذا تفسير وسيط لسورة «يونس» عليه السلام حاولت فيه أن أكشف عن ~~بعض ما اشتملت عليه السورة الكريمة من توجيهات سامية وآداب عالية ، وهدايات ~~جامعة ، وإرشادات حكيمة ، وحجج باهرة ، تقذف حقها على باطل الضالين فتدمغه ~~فإذا هو زاهق .. # وقد رأيت من الخير قبل أن أبدأ في تفسيرها أن أسوق كلمة بين يديها ، تكون ~~بمثابة التعريف بها ، وبمقاصدها الإجمالية. # وأحمد الله تعالى أجزل الحمد وأوفاه ، أن وفقني قبل ذلك لتفسير سور : ~~الفاتحة ، البقرة ، آل عمران ، النساء ، المائدة ، الأنعام ، الأعراف ، ~~الأنفال ، التوبة» ... # والله أسأل أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا ، وأنس نفوسنا ، إنه أكرم مسئول ، ~~وأعظم مأمول. # وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ||المؤلف د. محمد سيد طنطاوى| PageV07P005 ### ||| * تمهيد بين يدي السورة # 1 سورة يونس عليه السلام هي السورة العاشرة في ترتيب المصحف ، فقد سبقتها ~~سور : «الفاتحة ، البقرة ، آل عمران ، النساء ، المائدة ، الأنعام ، ~~الأعراف ، الأنفال ، التوبة». # 2 وكان نزولها بعد سورة «الإسراء». # 3 وعدد آياتها : تسع ومائة آية عند الجمهور. وفي المصحف الشامي مائة وعشر آيات. # 4 وسميت بهذا الاسم تكريما ليونس عليه السلام ولقومه الذين آمنوا به ~~واتبعوه قبل أن ينزل بهم العذاب ، وفي ذلك تقول السورة الكريمة : ( ~~@QUR@022 فلو لا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا ~~كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين ) (1). # 5 وسورة يونس من السور المكية ، وعلى هذا سار المحققون من العلماء. # وقيل إنها مكية سوى الآية الأربعين منها وهي قوله تعالى ( @QUR@012 ومنهم ~~من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين ) والآيتين الرابعة ~~والتسعين ، والخامسة والتسعين وهما قوله تعالى : ( @QUR@032 فإن كنت في شك ~~مما ms2731 أنزلنا إليك ، فسئل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك ، لقد جاءك الحق من ربك ~~فلا تكونن من الممترين ، ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من ~~الخاسرين ). # قال صاحب المنار : وقال السيوطي في الإتقان : استثنى منها الآيات 40 ، 94 ~~، 95 ، فقيل إنها مدنية نزلت في اليهود. وقيل : من أولها إلى رأس أربعين ~~آية مكي ، والباقي مدني ، حكاه ابن الفرس والسخاوي في جمال القراء. # ثم قال صاحب المنار : وأقول إن موضوع السورة لا يقبل هذا من جهة الدراية ~~، وهو مما لم نثبت به رواية ، وكون المراد بالذين يقرءون الكتاب في الآية ~~(94) اليهود لا يقتضى أن تكون نزلت بالمدينة ، وبيان ذلك من وجهين : # أحدهما : أن المراد بالشك فيها الفرض لا وقوع الشك حقيقة ، ولذلك قال الرسول PageV07P007 # صلى الله عليه وسلم : «لا أشك ولا أسأل» ، وهو مرسل يؤيده قول ابن عباس ، ~~وسعيد بن جبير ، والحسن البصري. # وثانيهما : أن هذا المعنى نزل في سورة مكية أخرى ، كقوله تعالى في سورة ~~الإسراء : ( @QUR@011 ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فسئل بني إسرائيل إذ ~~جاءهم ) (1). # وقوله سبحانه في سورة الأنبياء : ( @QUR@07 فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون ) (2). # والذي تطمئن إليه النفس ، أن سورة يونس جميعها مكية ، كما قال المحققون ~~من العلماء ، لأن الذين قالوا بوجود آية أو آيات مدنية فيها لم يأتوا ~~برواية صحيحة تصلح مستندا لهم ، ولأن السورة الكريمة من مطلعها إلى نهايتها ~~تشاهد فيها سمات القرآن المكي واضحة جلية ، فهي تهتم بإثبات وحدانية الله ، ~~وبإثبات صدق النبي صلى الله عليه وسلم وبإثبات أن هذا القرآن من عند الله ، ~~وأن البعث حق ، وأن ما أورده المشركون من شبهات حول الدعوة الإسلامية ، قد ~~تولت السورة الكريمة دحضه بأسلوب منطقي رصين .. # والذي يطالع هذه السورة الكريمة بتدبر وخشوع ، يراها في مطلعها تتحدث عن ~~سمو القرآن الكريم في هدايته وإحكامه ، وعن موقف المشركين من النبي ~~صلى الله عليه وسلم ودعوته ، وعن الأدلة على وحدانية الله وقدرته. # قال تعالى : ( @QUR@031 الر. تلك آيات الكتاب الحكيم. أكان للناس عجبا أن ~~أوحينا إلى ms2732 رجل منهم ، أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ~~ربهم ، قال الكافرون إن هذا لساحر مبين ). # ثم نراها في الربع الثاني منها تصور بأسلوب حكيم طبيعة الإنسان فتقول ( ~~@QUR@027 وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما ، فلما كشفنا ~~عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه ، كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون ) ~~الآية 12. # ثم تحكى مصارع الظالمين ، وأقوالهم الفاسدة ، ورد القرآن عليهم فتقول : ( ~~@QUR@027 ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا ، وجاءتهم رسلهم بالبينات ~~، وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين. ثم جعلناكم خلائف في الأرض ~~من بعدهم لننظر كيف تعملون ). # وبعد أن تمضى السورة الكريمة في دحض أقوال المشركين ، وفي بيان الطبائع ~~البشرية ، نراها في مطلع الربع الثالث. تصور لنا حسن عاقبة المتقين ، وسوء ~~عاقبة الضالين ، فتقول : PageV07P008 # ( @QUR@054 والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. ~~للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ، ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة ، أولئك أصحاب ~~الجنة هم فيها خالدون. والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ~~ما لهم من الله من عاصم ، كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون ). # ثم تأمر السورة الكريمة النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأل المشركين بأسلوب ~~توبيخي عمن يرزقهم من السموات والأرض ، وعمن يبدأ الخلق ثم يعيده ، وعمن ~~يهدى إلى الحق ، فتقول : ( @QUR@039 قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن ~~يملك السمع والأبصار ، ومن يخرج الحي من الميت ، ويخرج الميت من الحي ، ومن ~~يدبر الأمر ، فسيقولون الله ، فقل أفلا تتقون. فذلكم الله ربكم الحق فما ذا ~~بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون ). # وبعد أن تتحدى السورة الكريمة المشركين أن يأتوا بسورة من مثل القرآن ~~الكريم. وتعلن عن عجزهم على رءوس الأشهاد ، تأخذ في تسلية الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وفي تصوير جانب من أحوالهم في حياتهم وبعد مماتهم فتقول : # ( @QUR@046 بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ، كذلك كذب ~~الذين من قبلهم فانظر كيف كان ms2733 عاقبة الظالمين. ومنهم من يؤمن به ومنهم من ~~لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين. وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم ~~بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون .. ). # ثم نراها في الربع الرابع توجه نداء إلى الناس كافة تدعوهم فيه إلى ~~الإقبال على ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من مواعظ فيها الشفاء لما في ~~الصدور ، وفيها الهداية لما في النفوس فتقول : # ( @QUR@025 يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور ~~وهدى ورحمة للمؤمنين. قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما ~~يجمعون ). # ثم تسوق جانبا من مظاهر قدرة الله النافذة ، وعلمه المحيط بكل شيء ، ~~فتقول : ( @QUR@042 وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ، ولا تعملون من ~~عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه ، وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في ~~الأرض ولا في السماء ، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ). # وفي مطلع الربع الخامس منها تحكى لنا جانبا من قصة نوح عليه السلام مع ~~قومه ، وكيف أنه نصحهم ، وذكرهم بآيات الله ، ولكنهم لم يستمعوا إليه ، ~~فكانت عاقبتهم الإغراق بالطوفان قال تعالى : PageV07P009 # ( @QUR@017 فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف ، وأغرقنا ~~الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ). # ثم تحكى لنا جانبا من قصة موسى عليه السلام مع فرعون ، ومن المحاورات ، ~~والمجادلات التي دارت بينهما ، ومن الدعوات المستجابة التي توجه بها موسى ~~إلى خالقه ، فتقول : ( @QUR@040 وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة ~~وأموالا في الحياة الدنيا ، ربنا ليضلوا عن سبيلك ، ربنا اطمس على أموالهم ~~واشدد على قلوبهم ، فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم. قال قد أجيبت ~~دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون ). # ثم نراها في الربع السادس والأخير منها ، تحكى لنا ما قاله فرعون عند ما ~~أدركه الغرق ، كما تخبرنا عن النهاية الطيبة التي لقوم يونس عليه السلام ~~بسبب إيمانهم ، ثم تسوق ألوانا من مظاهر قدرة الله ، ومن حكمه العادل بين ~~عباده ms2734 ، ومن رعايته لأوليائه ورسله فتقول : ( @QUR@010 ثم ننجي رسلنا ~~والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين ). # ثم تختم السورة الكريمة بتوجيه نداء إلى الناس تبين لهم فيه أن من اهتدى ~~فإنما يهتدى لنفسه ، وأن من ضل فإنما يضل عليها فتقول : ( @QUR@034 قل يا ~~أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم ، فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل ~~فإنما يضل عليها ، وما أنا عليكم بوكيل. واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم ~~الله وهو خير الحاكمين ). # * * * # تلك أهم المقاصد الإجمالية التي اشتملت عليها السورة الكريمة ، ومنها نرى ~~بوضوح أن السورة الكريمة قد عنيت عناية بارزة بإثبات وحدانية الله وقدرته ~~النافذة ، وعلمه المحيط بكل شيء ، تارة عن طريق مخلوقاته التي يشاهدونها ~~كما في قوله تعالى : ( @QUR@013 هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره ~~منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ... ). # وتارة عن طريق اعترافهم بأن الله وحده هو خالقهم ورازقهم ومدبر أمرهم كما ~~في قوله تعالى : ( @QUR@027 قل من يرزقكم من السماء والأرض ، أمن يملك ~~السمع والأبصار ، ومن يخرج الحي من الميت ، ويخرج الميت من الحي ، ومن يدبر ~~الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون ). # وتارة عن طريق لجوئهم إليه وحده لا سيما عند الشدائد والمحن ، كما حدث من ~~فرعون عند ما أدركه الغرق. # كذلك نرى السورة الكريمة قد عنيت بدعوة الناس إلى التدبر والتفكر وإلى ~~الاعتبار بمصارع الظالمين ، وإلى عدم التعلق بزخرف الحياة الدنيا .. PageV07P010 # ( @QUR@035 إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض ~~لآيات لقوم يتقون. إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا ~~بها ، والذين هم عن آياتنا غافلون ، أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون ). # كذلك نرى السورة الكريمة قد اهتمت بالرد على الشبهات التي أثارها ~~المشركون حول القرآن الكريم ، وحول البعث وما فيه من ثواب وعقاب ... # فأثبتت أن هذا القرآن من عند الله ، وتحدتهم أن يأتوا بسورة من مثله ~~فقالت : ( @QUR@016 أم يقولون افتراه ، قل فأتوا بسورة مثله ، وادعوا من ~~استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ). # كما أثبتت أن يوم القيامة حق ms2735 ، وأنهم لن ينجيهم من عذاب الله في ذلك ~~اليوم ندمهم أو ما يقدمونه من فداء فقالت : ( @QUR@021 ولو أن لكل نفس ظلمت ~~ما في الأرض لافتدت به ، وأسروا الندامة لما رأوا العذاب ، وقضي بينهم ~~بالقسط وهم لا يظلمون ). # هذا ، والسورة الكريمة بعد كل ذلك تمتاز بأنها قد عرضت ما عرضت من هدايات ~~وتوجيهات بأسلوب بليغ مؤثر ، تقشعر منه الجلود ، وتلين منه القلوب ، وتخشع ~~له النفوس .. مما يدل على أن هذا القرآن من عند الله. ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. # وصلى الله عليه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ||د. محمد سيد طنطاوى| PageV07P011 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@05 الر تلك آيات الكتاب الحكيم (1) @QUR@026 أكان للناس عجبا أن ~~أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ~~ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين ) (2) # سورة يونس من السور التي افتتحت ببعض حروف التهجي. # وقد وردت هذه الفواتح تارة مفردة بحرف واحد ، وتارة مركبة من حرفين ، أو ~~ثلاثة أو أربعة أو خمسة. # فالسور التي افتتحت بحرف واحد ثلاثة ، وهي سورة : ص ، ق ، ن. # والسور التي افتتحت بحرفين تسعة ، وهي : طه ، طس ، يس ، وحم في ست سور ، ~~هي : غافر ، فصلت ، الزخرف. الدخان ، الجاثية ، الأحقاف. # والسور التي بدئت بثلاثة أحرف ، ثلاث عشرة سورة ، وهي : ألم في ست سور هي ~~: البقرة ، آل عمران ، العنكبوت ، الروم ، لقمان ، السجدة ، والر في خمس ~~سور هي : يونس ، هود ، يوسف ، إبراهيم ، الحجر ، وطسم في سورتين هما : ~~الشعراء ، القصص. # وهناك سورتان بدئتا بأربعة أحرف وهما : الأعراف ، الرعد. وسورتان بدئتا ~~بخمسة أحرف وهما : مريم ، والشورى. PageV07P012 # فيكون مجموع السور التي افتتحت بالحروف المقطعة تسعا وعشرين سورة. # هذا ، وقد وقع خلاف بين العلماء في المعنى المقصود بتلك الحروف المقطعة ~~التي افتتحت بها بعض السور القرآنية ، ويمكن إجمال خلافهم في رأيين رئيسين : # الرأى الأول يرى أصحابه : أن المعنى المقصود منها غير معروف ، فهي من ~~المتشابه الذي استأثر الله بعلمه. # وإلى هذا الرأى ذهب ms2736 ابن عباس في إحدى الروايات عنه كما ذهب إليه الشعبي ، ~~وسفيان الثوري ، وغيرهم من العلماء. فقد أخرج ابن المنذر وغيره عن الشعبي ~~أنه سئل عن فواتح السور فقال : إن لكل كتاب سرا ، وإن سر هذا القرآن في ~~فواتح السور. # ويروى عن ابن عباس انه قال : عجزت العلماء عن إدراكها. وعن على رضى الله ~~عنه قال : «إن لكل كتاب صفوة ، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي» وفي رواية ~~أخرى عن الشعبي أنه قال : «سر الله فلا تطلبوه». # ومن الاعتراضات التي وجهت إلى هذا الرأى ، أنه إذا كان الخطاب بهذه ~~الفواتح غير مفهوم للناس ، لأنه من المتشابه ، فإنه يترتب على ذلك أنه ~~كالخطاب بالمهمل ، أو مثل ذلك كمثل المتكلم بلغة أعجمية مع أناس عرب لا ~~يفهمونها. # وقد أجيب عن ذلك ، بأن هذه الألفاظ لم ينتف الإفهام عنها عند كل الناس ، ~~فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يفهم المراد منها ، وكذلك بعض أصحابه المقربين ~~، ولكن الذي ننفيه أن يكون الناس جميعا فاهمين لمعنى هذه الحروف المقطعة في ~~أوائل السور. # أما الرأى الثاني فيرى أصحابه : أن المعنى المقصود منها معلوم ، وأنها ~~ليست من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه. # وأصحاب هذا الرأى قد اختلفوا فيما بينهم في تعيين هذا المعنى المقصود على ~~أقوال كثيرة من أهمها ما يأتى : # 1 أن هذه الحروف أسماء للسور ، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم «من قرأ ~~حم السجدة حفظ إلى أن يصبح». وبدليل اشتهار بعض السور بالتسمية بها ، كسورة ~~«ص» وسورة «يس». # ولا يخلو هذا القول من الضعف ، لأن كثيرا من السور قد افتتحت بلفظ واحد ~~من هذه الفواتح ، والغرض من التسمية رفع الاشتباه. PageV07P013 # 2 وقيل : إن هذه الحروف قد جاءت هكذا فاصلة للدلالة على انقضاء سورة ، ~~وابتداء أخرى. # 3 وقيل : إنها حروف مقطعة ، بعضها من أسماء الله تعالى وبعضها من صفاته ~~فمثلا «ألم» أصلها أنا الله أعلم. # 4 وقيل : إنها اسم الله الأعظم ، الى غير ذلك من الأقوال التي لا تخلو من ~~مقال. والتي أوصلها السيوطي في كتابه ms2737 «الإتقان» إلى أكثر من عشرين قولا. # 5 ولعل أقرب الأقوال إلى الصواب أن يقال : إن هذه الحروف المقطعة قد وردت ~~في افتتاح بعض السور ، للإشعار بأن هذا القرآن الذي تحدى الله به المشركين ~~هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التي يعرفونها ، ويقدرون على تأليف ~~الكلام منها. فإذا عجزوا عن الإتيان بسورة من مثله ، فذلك لبلوغه في ~~الفصاحة والحكمة مرتبة يقف فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها بمراحل شاسعة. # وفضلا عن ذلك فإن تصدير بعض السور بمثل هذه الحروف المقطعة يجذب أنظار ~~المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم إلى الإنصات والتدبر لأنه يطرق ~~أسماعهم في أول التلاوة ألفاظ غير مألوفة في مجاري كلامهم ، وذلك مما يلفت ~~أنظارهم ليتبينوا ما يراد منها ، فيترتب على ذلك أن يسمعوا حكما ، وهدايات ~~قد تكون سببا في إيمانهم. ولعل مما يشهد بصحة هذا الرأى : أن الآيات التي ~~تلى هذه الحروف المقطعة ، تتحدث عن القرآن وعن كونه معجزة للرسول ~~صلى الله عليه وسلم في أغلب المواضع. # ومن ذلك قوله تعالى : في أول سورة البقرة ( @QUR@08 الم ، ذلك الكتاب لا ~~ريب فيه هدى للمتقين ). وقوله سبحانه في أول سورة هود : ( @QUR@010 الر. ~~كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ) وقوله سبحانه في أول سورة ~~إبراهيم : ( @QUR@016 الر. كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى ~~النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ). # وهكذا نرى أن كثيرا من السور التي افتتحت بالحروف المقطعة ، قد أعقبت هذا ~~الافتتاح بالحديث الصريح أو الضمنى عن القرآن الكريم ، وأن هذه السور إذا ~~تأملتها من أولها إلى آخرها ترى من أهدافها الاساسية إثبات وحدانية الله ، ~~وإثبات صحة الرسالة المحمدية ، وإثبات أن هذا القرآن الذي هو معجزة الرسول ~~الخالدة منزل من عند الله تعالى . # هذه خلاصة لآراء العلماء في المراد بالحروف المقطعة التي افتتحت بها بعض ~~السور القرآنية ، ومن أراد مزيدا لذلك فليرجع مثلا إلى كتاب «الإتقان» ~~للسيوطي ، وإلى كتاب «البرهان». للزركشى ، وإلى تفسير الآلوسى. PageV07P014 # ثم قال تعالى : ( @QUR@04 تلك آيات الكتاب الحكيم ). # ( @QUR@01 تلك ) اسم إشارة والمشار ms2738 إليه الآيات. والمراد بها آيات القرآن ~~الكريم. ويندرج فيها آيات السورة التي معنا. # والكتاب : مصدر كتب كالكتب ، وأصل الكتب : ضم أديم إلى أديم بالخياطة ، ~~واستعمل عرفا في ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط والمراد به القرآن الكريم ~~على الصحيح. # قال الآلوسى : «وأما حمل الكتاب على الكتب التي خلت قبل القرآن من ~~التوراة والإنجيل وغيرهما ، كما أخرجه ابن أبى حاتم عن قتادة فهو في غاية ~~البعد (1)». # والحكيم بزنة فعيل مأخوذ من الفعل حكم بمعنى منع. تقول حكمت الفرس أى ~~وضعت الحكمة في فمها لمنعها من الجموح والنفور. # والمقصود أن هذا الكتاب ممتنع عن الفساد ، ومبرأ من الخلل والتناقض ~~والاختلاف. # قال الإمام الرازي ما ملخصه : «وفي وصف الكتاب بكونه حكيما وجوه منها : ~~أن الحكيم هو ذو الحكمة ، بمعنى اشتماله على الحكمة فيكون الوصف للنسبة ~~كلابن وتامر ومنها أن الحكيم بمعنى الحاكم ، بدليل قوله تعالى : ( @QUR@010 ~~وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ) ومنها أن ~~الحكيم بمعنى المحكم والإحكام معناه المنع من الفساد ، فيكون المراد منه ~~أنه لا تغيره الدهور أو المراد منه براءته من الكذب والتناقض (2)». # والمعنى : تلك الآيات السامية ، والمنزلة عليك يا محمد ، هي آيات الكتاب ~~، المشتمل على الحكمة والصواب المحفوظ من كل تحريف أو تبديل الناطق بكل ما ~~يوصل إلى السعادة الدنيوية والأخروية. # وصحت الإشارة إلى آيات الكتاب مع أنها لم تكن قد نزلت جميعها ، لأن ~~الإشارة إلى جميعها ، حيث كانت بصدد الإنزال ، ولأن الله تعالى قد وعد ~~رسوله صلى الله عليه وسلم بنزول القرآن عليه ، كما في قوله : تعالى : ( ~~@QUR@05 إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ) ووعد الله تعالى لا يتخلف. # ثم بين سبحانه موقف المشركين من دعوته فقال : ( @QUR@020 أكان للناس عجبا ~~أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ~~ربهم ).. # روى الضحاك عن ابن عباس قال : لما بعث الله تعالى رسوله محمدا ~~صلى الله عليه وسلم PageV07P015 # أنكرت العرب ذلك ، أو من أنكر منهم ، وقالوا الله أعظم من أن يكون رسوله ms2739 ~~بشرا مثل محمد ، فأنزل الله تعالى : ( @QUR@03 أكان للناس عجبا ... ) الآية (1). # والهمزة في قوله «أكان» لإنكار تعجبهم ، ولتعجب السامعين منه لوقوعه في ~~غير موضعه. # وقوله ( @QUR@01 للناس ) جار ومجرور حال من قوله ( @QUR@01 عجبا ) ~~والمراد بهم مشركو مكة ومن لف لفهم في إنكار ما جاء به النبي ~~صلى الله عليه وسلم . # وقوله : ( @QUR@01 عجبا ) خبر كان ، والعجب والتعجيب استعظام أمر خفى سببه. # وقوله : ( @QUR@02 أن أوحينا ) في تأويل مصدر أى : إيحاؤنا ، وهو اسم ~~كان. والوحى : الإعلام في خفاء ، والمقصود به ما أوحاه الله تعالى إلى نبيه ~~صلى الله عليه وسلم من قرآن وغيره. # وقوله : ( @QUR@03 إلى رجل منهم ) أى إلى بشر من جنسهم يعرفهم ويعرفونه. # وقوله : ( @QUR@03 أن أنذر الناس ) الإنذار إخبار معه تخويف في مدة تتسع ~~التحفظ من المخوف منه ، فإن لم تتسع له فهو إعلام وإشعار لا إنذار ، وأكثر ~~ما يستعمل في القرآن في التخويف من عذاب الله تعالى : # والمراد بالناس هنا : جميع الذين يمكنه صلى الله عليه وسلم أن يبلغهم دعوته. # وقوله : ( @QUR@03 وبشر الذين آمنوا ) البشارة : إخبار معه ما يسر فهو ~~أخص من الخبر ، سمى بذلك لأن أثره يظهر على البشرة التي هي ظاهر الجلد. # وقوله : ( @QUR@06 أن لهم قدم صدق عند ربهم ) أى أن لهم سابقة ومنزلة ~~رفيعة عند ربهم. # وأصل القدم العضو المخصوص. وأطلقت على السبق ، لكونها سببه وآلته ، فسمى ~~المسبب باسم السبب من باب المجاز المرسل ، كما سميت النعمة يدا لأنها تعطى باليد. # وأصل الصدق أن يكون في الأقوال ، ويستعمل أحيانا في الأفعال فيقال : فلان ~~صدق في القتال ، إذا وفاه حقه ، فيعبر بصفة الصدق عن كل فعل فاضل. # وإضافة القدم إلى الصدق من إضافة الموصوف إلى الصفة كقولهم : مسجد الجامع ~~، والأصل قدم صدق. أى محققة مقررة. وفيه مبالغة لجعلها عين الصدق. ثم جعل ~~الصدق كأنه صاحبها. # ويجوز أن تكون إضافة القدم إلى الصدق من باب إضافة المسبب إلى السبب ، ~~وفي ذلك PageV07P016 # تنبيه إلى أن ما نالوه من منازل رفيعة عند ربهم. إنما هو بسبب صدقهم في ~~أقوالهم وأفعالهم ونياتهم. # قال الإمام ابن ms2740 جرير ما ملخصه : واختلف أهل التأويل في معنى قوله : ( ~~@QUR@02 قدم صدق ) فقال بعضهم معناه : أن لهم أجرا حسنا بسبب ما قدموه من ~~عمل صالح .. # وقال آخرون معناه : أن لهم سابق صدق في اللوح المحفوظ من السعادة. # وقال آخرون : معنى ذلك أن محمدا صلى الله عليه وسلم شفيع لهم. # ثم قال : وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال معناه : أن لهم ~~أعمالا صالحة عند الله يستحقون بها منه الثواب ، وذلك أنه محكي عن العرب ~~قولهم : هؤلاء أهل القدم في الإسلام. أى هؤلاء الذين قدموا فيه خيرا ، فكان ~~لهم فيه تقديم. # ويقال : لفلان عندي قدم صدق وقدم سوء ، وذلك بسبب ما قدم إليه من خير أو ~~شر ، ومنه قول حسان بن ثابت رضى الله عنه : # لنا القدم العليا إليك وخلفنا %~% لأولنا في طاعة الله تابع (1) # ومعنى الآية الكريمة : أبلغ الجهل وسوء التفكير بمشركي مكة ومن على ~~شاكلتهم ، أن كان إيحاؤنا إلى رجل منهم يعرفهم ويعرفونه لكي يبلغهم الدين ~~الحق ، أمرا عجبا ، يدعوهم إلى الدهشة والاستهزاء بالموحى إليه ~~صلى الله عليه وسلم حتى لكأن النبوة في زعمهم تتنافى مع البشرية. # إن الذي يدعو الى العجب حقا هو ما تعجبوا منه ، لأن الله تعالى اقتضت ~~حكمته أن يجعل رسله الى الناس من البشر ، لأن كل جنس يأنس لجنسه ، وينفر من ~~غيره ، هو سبحانه أعلم حيث يجعل رسالته. # قال صاحب الكشاف : «فإن قلت : فما معنى اللام في قوله ( @QUR@03 أكان ~~للناس عجبا ) وما الفرق بينه وبين قولك : كان عند الناس عجبا؟ # قلت : معناه أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتعجبون منها. ونصبوه علما لهم يوجهون ~~نحوه استهزاءهم وإنكارهم. وليس في «عند الناس» هذا المعنى. # والذي تعجبوا منه أن يوحى إلى بشر. وأن يكون رجلا من أفناء رجالهم دون ~~عظيم من عظمائهم. فقد كانوا يقولون : العجب أن الله لم يجد رسولا يرسله إلى ~~الناس إلا يتيم أبى طالب. وأن يذكر لهم البعث. وينذر بالنار ويبشر بالجنة. ~~وكل واحد من هذه الأمور ليس PageV07P017 # بعجب ، لأن الرسل المبعوثين إلى الأمم ms2741 لم يكونوا إلا بشرا مثلهم. # وقال الله تعالى : ( @QUR@014 قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ~~لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ) (1). # وإرسال الفقير أو اليتيم ليس بعجب أيضا لأن الله تعالى إنما يختار من ~~استحق الاختيار لجمعه أسباب الاستقلال لما اختير له من النبوة. والغنى ~~والتقدم في الدنيا ليس من تلك الأسباب في شيء قال تعالى : ( @QUR@08 وما ~~أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ) (2). # والبعث للجزاء على الخير والشر. هو الحكمة العظمى فكيف يكون عجبا إنما ~~العجب والمنكر في العقول ، تعطيل الجزاء (3). # وقدم سبحانه خبر كان وهو ( @QUR@01 عجبا ) على اسمها وهو ( @QUR@02 أن ~~أوحينا ). لأن المقصود بالإنكار في الآية إنما هو تعجبهم ودهشتهم من أن ~~يكون الرسول بشرا. # وقدم سبحانه الإنذار على التبشير ، لأن التخلية مقدمة على التحلية ، ~~وإزالة ما لا ينبغي مقدم في الرتبة على فعل ما ينبغي. # ولم يذكر المنذر به ، لتهويله وتعميمه حتى يزداد خوفهم وإقبالهم على ~~الدين الحق ، الذي يؤدى اتباعه إلى النجاة من العذاب. # وخص التبشير بالمؤمنين لأنهم وحدهم المستحقون له ، بخلاف الإنذار فإنه ~~يشمل المؤمن والكافر. ولذا قال سبحانه ( @QUR@03 أن أنذر الناس ) أى جميع الناس. # وذكر سبحانه في جانب التبشير المبشر به وهو حصولهم على المنزلة الرفيعة ~~عند ربهم لكي تقوى رغبتهم في طاعته. ومحبتهم لعبادته ، وبذلك ينالون ما ~~بشرهم به. # ثم وضح سبحانه ما قاله الكافرون عند مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم بدعوته ~~فقال : ( @QUR@06 قال الكافرون إن هذا لساحر مبين ). # أى : قال الكافرون المتعجبون من أن يكون صلى الله عليه وسلم رسولا إليهم ، ~~إن هذا الإنسان الذي يدعى النبوة لساحر بين السحر واضحه. حيث إنه استطاع ~~بقوة تأثيره في النفوس أن يفرق بين الابن وأبيه ، والأخ وأخيه. PageV07P018 # وعلى هذه القراءة التي وردت عن ابن كثير والكوفيين تكون الإشارة إلى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم . # وقرأ الباقون : إن هذا لسحر مبين أى : إن هذا القرآن لسحر واضح ، لأنه ~~خارق للعادة في جذبه النفوس إلى الايمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ms2742 . # قال ابو حيان ما ملخصه : «ولما كان قولهم فيما لا يمكن أن يكون سحرا ظاهر ~~الفساد ، لم يحتج إلى جواب ، لأنهم يعلمون نشأته معهم بمكة ، وخلطتهم له ، ~~وأنه لا علم له بالسحر وقد أتاهم بعد بعثته بكتاب إلهى مشتمل على مصالح ~~الدنيا والآخرة مع الفصاحة والبلاغة التي أعجزتهم ... # وقولهم هذا ؛ هو دين الكفرة مع أنبيائهم. فقد قال فرعون وقومه في موسى ~~عليه السلام ( @QUR@04 إن هذا لساحر عليم ) وقال قوم عيسى فيه عند ما جاءهم ~~بالبينات ( @QUR@03 هذا لساحر مبين ) ودعوى السحر إنما هي على سبيل العناد ~~والجحد» (1). # وقال الآلوسى «وفي قولهم هذا اعتراف منهم بأن ما عاينوه خارج عن طوق ~~البشر ، نازل من حضرة خلاق القوى والقدر ، ولكنهم يسمونه سحرا تماديا في ~~العناد ، كما هو شنشنة المكابر اللجوج ، وشنشنة المفحم المحجوج» (2). # وجاءت الجملة الكريمة بدون حرف عطف ، لكونها استئنافا مبنيا على سؤال ~~مقدر ، فكأنه قيل : فماذا قالوا بعد هذا التعجب؟ فكان الجواب : ( @QUR@06 ~~قال الكافرون إن هذا لساحر مبين ). # ويرى الامام ابن جرير أن الآية فيها كلام محذوف ، فقد قال : رحمه الله : ~~«وفي الكلام حذف استغنى بدلالة ما ذكر عما ترك ذكره ، وتأويل الكلام : أكان ~~للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم ~~قدم صدق عند ربهم ، فلما أتاهم بوحي الله وتلاه عليهم وبشرهم وأنذرهم قال ~~المنكرون لتوحيد الله ورسالة رسوله إن هذا الذي جاءنا به محمد ~~صلى الله عليه وسلم لسحر مبين» (3). # وقد اشتملت جملة ( @QUR@04 إن هذا لساحر مبين ) على جملة من المؤكدات ، ~~للإشارة إلى رسوخهم في الكفر ، وإلى أنهم مع وضوح الأدلة على صدق الرسول ~~صلى الله عليه وسلم لم يزدادوا إلا جحودا وعنادا ، وصدق الله إذ يقول : ( ~~@QUR@08 فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ). PageV07P019 # ثم ساق سبحانه من مظاهر قدرته ، ما يبطل تعجبهم فقال تعالى : # ( @QUR@029 إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى ~~على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم ms2743 فاعبدوه ~~أفلا تذكرون (3) @QUR@028 إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدؤا الخلق ~~ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب ~~من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ) (4) # قال الإمام الرازي ما ملخصه : «اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم ~~تعجبوا من الوحى والبعثة والرسالة ثم إنه تعالى أزال ذلك التعجب بأنه لا ~~يبعد ألبتة في أن يبعث خالق الخلق إليهم رسولا يبشرهم وينذرهم .. كان هذا ~~الجواب إنما يتم بإثبات أمرين : # أحدهما : إثبات أن لهذا العالم إلها قاهرا قادرا ، نافذ الحكم بالأمر ~~والنهى. # والثاني : إثبات الحشر والنشر والبعث والقيامة ، حتى يحصل الثواب والعقاب ~~اللذان أخبر الأنبياء عن حصولهما. # فلا جرم أنه سبحانه ذكر في هذا الموضع ما يدل على تحقيق هذين المطلوبين. # أما الأول : وهو إثبات الألوهية فبقوله تعالى : ( @QUR@07 إن ربكم الله ~~الذي خلق السماوات والأرض ... ). # وأما الثاني : فهو إثبات المعاد والحشر والنشر بقوله : ( @QUR@03 إليه ~~مرجعكم جميعا ... ). # فثبت أن هذا الترتيب في غاية الحسن ، ونهاية الكمال» (1). # والمعنى : إن ربكم ومالك أمركم الذي عجبتم من أن يرسل إليكم رسولا منكم ~~هو الله الذي خلق السموات والأرض في مقدار ستة أيام أى أوقات. PageV07P020 # فالمراد من اليوم معناه اللغوي وهو مطلق الوقت. # وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن تلك الأيام من أيام الآخرة التي يوم منها ~~كألف سنة مما تعدون. # قال الآلوسى : «وقيل هي مقدار ستة أيام من أيام الدنيا وهو الأنسب ~~بالمقام ، لما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة بخلق هذه الأجرام العظيمة ~~في مثل تلك المدة اليسيرة ، ولأنه تعريف لنا بما نعرفه» (1). # وقال بعض العلماء : «ولا ندخل في تحديد هذه الأيام الستة ، فهي لم تذكر ~~هنا لنتجه إلى تحديد مداها ونوعها ، وإنما ذكرت لبيان حكمة التدبير ~~والتقدير في الخلق حسب مقتضيات الغاية من هذا الخلق ، وتهيئته لبلوغ هذه ~~الغاية. # وعلى أية حال فالأيام الستة غيب من غيب الله ، الذي لا مصدر لإدراكه إلا ~~هذا المصدر ، فعلينا أن نقف عنده ولا نتعداه ، والمقصود بذكرها هو الإشارة ~~الى ms2744 حكمة التقدير والتدبير والنظام الذي يسير مع الكون من بدئه إلى منتهاه» (2). # وقال سعيد بن جبير : كان الله قادرا على أن يخلق السموات والأرض في لمحة ~~ولحظة. ولكنه سبحانه خلقهن في ستة أيام ، لكي يعلم عباده التثبت والتأنى في ~~الأمور. # وقوله : ( @QUR@04 ثم استوى على العرش ) معطوف على ما قبله ، لتأكيد مزيد ~~قدرته وعظمته سبحانه . # والاستواء من معانيه اللغوية الاستقرار ، ومنه قوله تعالى ( @QUR@03 ~~واستوت على الجودي ). # أى : استقرت ، ومن معانيه أيضا الاستيلاء والقهر والسلطان ، ومنه قول ~~الشاعر : # قد استوى بشر على العراق أى : استولى عليه وعرش الله كما قال الراغب مما ~~لا يعلمه البشر على الحقيقة إلا بالاسم وليس كما تذهب إليه أوهام العامة ، ~~فإنه لو كان كذلك لكان حاملا له تعالى الله عن ذلك لا محمولا» (3). PageV07P021 # وقد ذكر العرش في القرآن الكريم في إحدى وعشرين آية ، وذكر الاستواء على ~~العرش في سبع آيات. # أما الاستواء على العرش فذهب سلف الأمة الى أنه صفة الله تعالى بلا كيف ~~ولا انحصار ولا تشبيه ولا تمثيل لاستحالة اتصافه سبحانه بصفات المحدثين ، ~~ولوجوب تنزيهه عما لا يليق به فيجب الإيمان بها كما وردت وتفويض العلم ~~بحقيقتها إلى الله تعالى . # فعن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت في تفسير قوله تعالى ( @QUR@04 ~~الرحمن على العرش استوى ): الكيف غير معقول ، والاستواء مجهول ، والإقرار ~~به من الإيمان ، والجحود به كفر. # وقال الإمام مالك : الكيف غير معقول ، والاستواء غير مجهول ، والإيمان به ~~واجب ، والسؤال عنه بدعة. # وقال محمد بن الحسن : اتفق الفقهاء جميعا على الإيمان بالصفات من غير ~~تفسير ولا تشبيه. # وقال الإمام الرازي : «إن هذا المذهب هو الذي نقول به ونختاره ونعتمد عليه». # وذهب بعض علماء الخلف إلى وجوب صرف هذه الصفة وأمثالها عن الظاهر ~~لاستحالة حملها على ما يفيده ظاهر اللفظ ، لأنه سبحانه مخالف للحوادث ، ~~ووجوب حملها على ما يليق به سبحانه . # وعليه فإن الاستواء هنا : كناية عن القهر والعظمة والغلبة والسلطان وقوله ~~: ( @QUR@02 يدبر الأمر ) استئناف مسوق لتقرير عظمته سبحانه ولبيان حكمة ~~استوائه على العرش. # والتدبير ms2745 معناه : النظر في أدبار الأمور وعواقبها لتقع على الوجه ~~المحمود. # والمراد به هنا : التقدير الجاري على وفق الحكمة التي اقتضتها إرادة الله ~~ومشيئته. # والمراد بالأمر : ما يتعلق بأمور المخلوقات كلها من إنس وجن وغير ذلك من ~~مخلوقاته التي لا تعد ولا تحصى. # أى أنه سبحانه يدبر أمر مخلوقاته تدبيرا حكيما ، حسبما تقتضيه إرادته ~~وعبر بالمضارع في قوله : ( @QUR@01 يدبر ) للإشارة الى تجدد التدبير ~~واستمراره ، إذ أنه سبحانه لا يهمل شئون خلقه. # وقوله : ( @QUR@07 ما من شفيع إلا من بعد إذنه ) استئناف آخر مسوق لبيان ~~تفرده في تدبيره وأحكامه. # والشفيع مأخوذ من الشفع وهو ضم الشيء إلى مثله ، وأكثر ما يستعمل في ~~انضمام من هو PageV07P022 # أعلى منزلة إلى من هو أدنى منه لإعانته على ما يريده. # والاستثناء هنا مفرغ من أعم الأوقات والأحوال. أى : ما من شفيع يستطيع أن ~~يشفع لغيره في جميع الأوقات والأحوال إلا بعد إذنه سبحانه . # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@07 من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ~~) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@018 وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا ~~إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ) (2). # واسم الإشارة في قوله سبحانه ( @QUR@04 ذلكم الله ربكم فاعبدوه ) يعود ~~إلى ذات الله تعالى الموصوفة بتلك الصفات الجليلة. # أى : ذلكم الموصوف بالخلق والتدبير والتصرف في شئون خلقه وفق مشيئته ، هو ~~الله ربكم فأخلصوا له العبادة والطاعة ولا تشركوا معه أحدا في ذلك. # ثم ختم سبحانه الآية بالأمر بالتذكر فقال : ( @QUR@02 أفلا تذكرون ) أى : ~~أتعلمون أن الله تعالى هو خالقكم وهو القادر على كل شيء ، ومع ذلك تستبعدون ~~أن يكون الرسول بشرا ، فهلا تذكرتم قدرة الله وحكمته حتى تثوبوا إلى رشدكم ~~، وتتبعوا الحق الذي جاءكم به نبيكم صلى الله عليه وسلم : وإيثار ( @QUR@01 ~~تذكرون ) على تفكرون للإيذان بظهور الأمر وأنه كالمعلوم الذي لا يفتقر الى ~~عمق في التفكير والبحث والتأمل. إذا أن مظاهر قدرة الله وعظمته نراها واضحة ~~جلية في الأنفس والآفاق. # وبذلك نرى الآية الكريمة قد ساقت ألوانا من مظاهر قدرة الله تعالى وبالغ ms2746 ~~حكمته ، ونفاذ أحكامه حتى يخلص له الناس العبادة والطاعة. # ثم بين سبحانه أن مرجع العباد جميعا إليه ، وأنه سيجازى كل إنسان بما ~~يستحق. فقال تعالى ( @QUR@06 إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا ). # أى : إلى الله تعالى وحده مرجعكم جميعا بعد الموت ليحاسبكم على أعمالكم ، ~~وقد وعد الله بذلك وعدا صدقا ، ولن يخلف الله وعده. # قال أبو حيان : وانتصب ( @QUR@02 وعد الله ) و ( @QUR@01 حقا ) على أنهما ~~مصدران مؤكدان لمضمون الجملة ، والتقدير وعد الله وعدا ، فلما حذف الناصب ~~أضاف المصدر الى الفاعل ، وذلك كقوله PageV07P023 # «صبغة الله» و «صنع الله» والتقدير في ( @QUR@01 حقا ): حق ذلك حقا» (1). # وقوله : ( @QUR@05 إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده ) كالتعليل لما أفاده قوله ~~سبحانه ( @QUR@02 إليه مرجعكم ) فإن غاية البدء والإعادة هو الجزاء المناسب ~~على الأعمال الدنيوية. # أى : إن شأنه سبحانه أن يبدأ الخلق عند تكوينه ثم يعيده الى الحياة مرة ~~أخرى بعد موته وفنائه. # ثم بين سبحانه الحكمة من الإعادة بعد الموت فقال : ( @QUR@017 ليجزي ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط ، والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب ~~أليم بما كانوا يكفرون ). # والقسط كما يقول الراغب النصيب بالعدل. يقال : قسط الرجل إذا جار وظلم. ~~ومنه قوله تعالى ( @QUR@05 وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ) ويقال أقسط ~~فلان إذا عدل ، ومنه قوله تعالى ( @QUR@05 وأقسطوا إن الله يحب المقسطين ). # والحميم : الماء الذي بلغ أقصى درجات الحرارة ، قال تعالى ( @QUR@05 ~~وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم ) أى : فعل ما فعل سبحانه من بدء الخلق ~~وإعادتهم ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بعدله الجزاء الطيب الذي أعده ~~لهم ، وأما الذين كفروا فيجزيهم أيضا بعد له ما يستحقونه من شراب حميم يقطع ~~أمعاءهم ، ومن عذاب مؤلم لأبدانهم ، وذلك بسبب كفرهم واستحبابهم العمى على الهدى. # وقوله : ( @QUR@01 بالقسط ) حال من فاعل ( @QUR@01 ليجزي ) ليجزيهم ~~ملتبسا بالقسط. # ويصح أن يكون المعنى : فعل ما فعل ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~الجزاء الحسن بسبب عدلهم وتمسكهم بتكاليف دينهم ، وأما الذين كفروا فلهم ~~شراب من حميم وعذاب أليم بسبب كفرهم. # قال الجمل ما ملخصه : وقال سبحانه ( @QUR@04 والذين كفروا لهم شراب ... ) ~~بتغيير ms2747 في الأسلوب للمبالغة في استحقاقهم للعقاب. وللتنبيه على أن المقصود ~~بالذات من الإبداء والإعادة هو الإثابة ، والعذاب وقع بالعرض. وأنه تعالى ~~يتولى إثابة المؤمنين بما يليق بلطفه وكرمه ، ولذلك لم يعينه ، وأما عقاب ~~الكفرة فكأنه داء ساقه إليهم سوء اعتقادهم وسوء أفعالهم (2). # وبعد أن بين سبحانه جانبا من مظاهر قدرته في خلق السموات والأرض ، أتبع ذلك PageV07P024 # بذكر مظاهر أخرى لقدرته ، تتمثل في خلق الشمس والقمر والليل والنهار فقال ~~تعالى : # ( @QUR@023 هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد ~~السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون (5) ~~@QUR@014 إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض ~~لآيات لقوم يتقون ) (6) # ففي هاتين الآيتين كما يقول الآلوسى تنبيه على الاستدلال على وجوده تعالى ~~ووحدته وعلمه وقدرته وحكمته. بآثار صنيعه في النيرين بعد التنبيه على ~~الاستدلال بما مر ، وبيان لبعض أفراد التدبير الذي أشير إليه إشارة إجمالية ~~، وإرشاد إلى أنه سبحانه حين دبر أمورهم المتعلقة بمعاشهم هذا التدبير ~~البديع ، فلأن يدبر مصالحهم المتعلقة بمعادهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب ~~أولى وأحرى (1)». # وقوله ( @QUR@01 جعل ) يجوز أن يكون بمعنى أنشأ وأبدع ، فيكون لفظ ( ~~@QUR@01 ضياء ) حال من المفعول ، ويجوز أن يكون بمعنى صير فيكون اللفظ ~~المذكور مفعولا ثانيا. # وقوله ( @QUR@01 ضياء ) جمع ضوء كسوط وسياط ، وحوض وحياض ، وقيل هو مصدر ~~ضاء يضوء ضياء كقام يقوم قياما ، وصام يصوم صياما ، وعلى كلا الوجهين ~~فالكلام على حذف مضاف. # والمعنى : الله تعالى وحده هو الذي جعل لكم الشمس ذات ضياء ، وجعل لكم ~~القمر ذا نور ، لكي تنتفعوا بهما في مختلف شئونكم. # قال الجمل : «وخص الشمس بالضياء لأنه أقوى وأكمل من النور ، وخص القمر ~~بالنور لأنه أضعف من الضياء ولأنهما إذا تساويا لم يعرف الليل من النهار ، ~~فدل ذلك على أن الضياء المختص بالشمس أكمل وأقوى من النور المختص بالقمر» (2). PageV07P025 # هذا دليل. ومما يدل على التفرقة بين الشمس والقمر في نورهما قوله تعالى : ~~( @QUR@07 وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا ) (1) وقوله سبحانه : ( ~~@QUR@011 تبارك الذي جعل ms2748 في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا ) (2). # وقوله : ( @QUR@02 وقدره منازل ) معطوف على ما قبله. # والتقدير : جعل الشيء أو الأشياء على مقادير مخصوصة في الزمان أو المكان ~~أو غيرهما قال تعالى : ( @QUR@04 والله يقدر الليل والنهار ). # المنازل : جمع منزل ، وهي أماكن النزول ، وهي كما يقول بعضهم ثمانية ~~وعشرون منزلا ، وتنقسم إلى اثنى عشر برجا وهي : الحمل ، والثور ، والجوزاء ~~، والسرطان ، والأسد ، والسنبلة ، والميزان ، والعقرب ، والقوس ، والجدى ، ~~والدلو ، والحوت ، لكل برج منها منزلان وثلث منزل ، وينزل القمر في كل ليلة ~~منزلا منها إلى انقضاء ثمانية وعشرين. # ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين يوما ، ويستتر ليلة واحدة إن كان ~~الشهر تسعة وعشرين يوما (3). # والضمير في قوله : ( @QUR@01 قدرناه ) يعود الى القمر ، كما في قوله ~~تعالى : ( @QUR@07 والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم ). # أى : الله تعالى هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا ، وقدر للقمر منازل ~~ينزل فيها في كل ليلة على هيئة خاصة ، وطريقة بديعة تدل على قدرة الله ~~وحكمته. # قالوا : وكانت عودة الضمير إلى القمر وحده ، لسرعة سيره بالنسبة إلى ~~الشمس : ولأن منازله معلومة محسوسة ، ولأنه العمدة في تواريخ العرب ، ولأن ~~أحكام الشرع منوطة به في الأغلب (4). # وجوز بعضهم أن يكون الضمير للشمس والقمر معا ، أى : وقدر لهما منازل ، أو ~~قدر لسيرهما منازل لا يجاوزانها في السير ، ولا يتعدى أحدهما على الآخر كما ~~قال تعالى : ( @QUR@015 لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق ~~النهار وكل في فلك يسبحون ) (5). # وإنما وحد الضمير للإيجاز كما في قوله تعالى : ( @QUR@05 والله ورسوله ~~أحق أن يرضوه ) (6). # وقوله : ( @QUR@04 لتعلموا عدد السنين والحساب ) بيان للحكمة من الخلق ~~والتقدير. PageV07P026 # أى : جعل سبحانه الشمس ضياء ، والقمر نورا ، وقدره منازل ، لتعلموا عدد ~~السنين التي يفيدكم علمها في مصالحكم الدينية والدنيوية ولتعلموا الحساب ~~بالأوقات من الأشهر والأيام لضبط عباداتكم ومعاملاتكم. # قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : يخبر الله تعالى عما خلق من ~~الآيات الدالة على كمال قدرته ، وعظيم سلطانه ، أنه جعل الشعاع الصادر عن ~~جرم الشمس ضياء ، وجعل شعاع القمر نورا ms2749 ، هذا فن وهذا فن آخر ، ففاوت ~~بينهما لئلا يشتبها ، وجعل سلطان الشمس بالنهار وسلطان القمر بالليل ، وقدر ~~القمر منازل ، فأول ما يبدو القمر يكون صغيرا ، ثم يتزايد نوره وجرمه حتى ~~يستوسق ويكمل إبداره ، ثم يشرع في النقص حتى يرجع إلى حالته الأولى. ~~فبالشمس تعرف الأيام ، وبسير القمر تعرف الشهور والأعوام». (1) # واسم الإشارة في قوله ( @QUR@06 ما خلق الله ذلك إلا بالحق ) يعود إلى ~~المذكور من جعل الشمس ضياء والقمر نورا وتقديره منازل. # أى : ما خلق الله ذلك الذي ذكره لكم إلا خلقا ملتبسا بالحق ، ومقترنا ~~بالحكمة البالغة التي تقتضيها مصالحكم. # وقوله : ( @QUR@04 يفصل الآيات لقوم يعلمون ) استئناف مسوق لبيان ~~المنتفعين بهذه الدلائل الدالة على قدرة الله ووحدانيته ورحمته بعباده. # أى : يفصل سبحانه ويوضح البراهين الدالة على قدرته لقوم يعلمون الحق ، ~~فيستجيبون له ، ويكثرون من طاعة الله وشكره على ما خلق وأنعم. # ثم بين سبحانه لونا آخر من ألوان قدرته ورحمته فقال : ( @QUR@05 إن في ~~اختلاف الليل والنهار ) طولا وقصرا ، وحرا وبردا ، وتعاقبا دقيقا لا يسبق ~~أحدهما معه الآخر ( @QUR@06 وما خلق الله في السماوات والأرض ) من أنواع ~~الانس والجن والحيوان والنبات والنجوم وغير ذلك من المخلوقات التي لا تعد ~~ولا تحصى .. # إن في كل ذلك الذي خلقه ( @QUR@03 لآيات لقوم يتقون ) أى : لدلائل عظيمة ~~كثيرة دالة على قدرة الله ورحمته ووحدانيته ، لقوم يتقون الله تعالى ~~فيحذرون عقابه ، ويرجون رحمته. # وخص سبحانه المتقين بالذكر ، لأنهم هم المنتفعون بنتائج التدبر في هذه ~~الدلائل. # وبذلك نرى أن القرآن الكريم قد سلك أنجع الوسائل في مخاطبة الفطرة ~~البشرية ، حيث PageV07P027 # لفت الأنظار إلى ما اشتمل عليه هذا الكون من مخلوقات شاهدة محسوسة ، تدل ~~على وحدانية الله ، وقدرته النافذة ، ورحمته السابغة بعباده. # * * * # ثم بينت السورة الكريمة ما أعده الله من عذاب للكافرين ، وما أعده من ~~ثواب للطائعين ، فقال تعالى : # ( @QUR@015 إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ~~والذين هم عن آياتنا غافلون (7) @QUR@06 أولئك مأواهم النار بما كانوا ~~يكسبون (8) @QUR@015 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم ~~تجري من تحتهم ms2750 الأنهار في جنات النعيم (9) @QUR@014 دعواهم فيها سبحانك ~~اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) (10) # قال الإمام الرازي : «اعلم أنه تعالى لما أقام الدلائل على صحة القول ~~بإثبات الإله القادر الرحيم الحكيم ، وعلى صحة القول بالمعاد والحشر والنشر ~~، شرع بعده في شرح أحوال من يكفر بها وفي شرح أحوال من يؤمن بها» (1). # والمراد بلقائه سبحانه الرجوع إليه يوم القيامة للحساب والجزاء. والمعنى ~~: إن الذين لا يرجون ولا يتوقعون لقاءنا يوم القيامة لحسابهم على أعمالهم ~~في الدنيا ( @QUR@03 ورضوا بالحياة الدنيا ) رضاء جعلهم لا يفكرون إلا في ~~التشبع من زينتها ومتعها ، واطمأنوا بها ، اطمئنانا صيرهم يفرحون بها ~~ويسكنون إليها ( @QUR@04 والذين هم عن آياتنا ) التنزيلية والكونية الدالة ~~على وحدانيتنا وقدرتنا ( @QUR@01 غافلون ) بحيث لا يخطر على بالهم شيء مما ~~يدل عليه هذه الآيات من عبر وعظات. PageV07P028 # فأنت ترى أن الله تعالى قد وصف هؤلاء الأشقياء بأربع صفات ذميمة. # وصفهم أولا بعدم الرجاء في لقاء الله تعالى بأن صاروا لا يطمعون في ثواب ~~، ولا يخافون من عقاب ، لإنكار الدار الآخرة. # ووصفهم ثانيا بأنهم رضوا بالحياة الدنيا ، بأن أصبح همهم محصورا فيها ، ~~وفي لذائذها وشهواتها. # قال الإمام الرازي : واعلم أن الصفة الأولى إشارة إلى خلو قلبه عن اللذات ~~الروحانية ، وفراغه عن طلب السعادات الحاصلة بالمعارف الربانية ، وأما هذه ~~الصفة الثانية فهي إشارة إلى من استغرقه الله في طلب اللذات الجسمانية ~~واكتفائه بها ، واستغراقه في طلبها» (1). # ووصفهم ثالثا بأنهم اطمأنوا بهذه الحياة ، اطمئنان الشخص إلى الشيء الذي ~~لا ملاذ له سواه ، فإذا كان السعداء يطمئنون إلى ذكر الله ، فإن هؤلاء ~~الأشقياء ماتت قلوبهم عن كل خير ، وصارت لا تطمئن إلا إلى زينة الحياة ~~الدنيا. # ووصفهم رابعا بالغفلة عن آيات الله التي توقظ القلب ، وتهدى العقل ، ~~ونحفز النفس إلى التفكير والتدبير. # وبالجملة فهذه الصفات الأربع تدل دلالة واضحة على أن هؤلاء الأشقياء قد ~~آثروا دنياهم على أخراهم ، واستحبوا الضلالة على الهدى ، واستبدلوا الذي هو ~~أدنى بالذي هو خير. # فماذا كان مصيرهم كما بينه سبحانه في ms2751 قوله : ( @QUR@06 أولئك مأواهم ~~النار بما كانوا يكسبون ). # أى : أولئك المتصفون بتلك الصفات الخسيسة ، مقرهم وملجؤهم الذي يلجئون ~~إليه النار وبئس القرار ، بسبب ما اجترحوه من سيئات وما اقترفوه من منكرات. # هذه هي صفات هؤلاء الأشقياء ، وذلك هو جزاؤهم العادل ، أما السعداء فقد ~~بين الله تعالى بعد ذلك صفاتهم وثوابهم فقال تعالى : ( @QUR@05 إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات ). # أى : آمنوا بما يجب الإيمان به ، وعملوا في دنياهم الأعمال الصالحة التي ~~ترفع درجاتهم عند ربهم. # ( @QUR@03 يهديهم ربهم بإيمانهم ) أى يرشدهم ربهم ويوصلهم بسبب إيمانهم ~~وعملهم الصالح إلى غايتهم وهي الجنة. PageV07P029 # وإنما لم تذكر تعويلا على ظهورها وانسياق النفس إليها ، بعد أن عرف أن ~~مأوى الكافرين النار وبئس القرار .. # قال الإمام ابن كثير : يحتمل أن تكون الباء في قوله ( @QUR@01 بإيمانهم ) ~~للسببية ، فيكون التقدير بسبب إيمانهم في الدنيا يهديهم الله يوم القيامة ~~إلى الصراط المستقيم حتى يجوزوه ويخلصوا إلى الجنة ، ويحتمل أن تكون ~~للاستعانة كما قال مجاهد : ( @QUR@03 يهديهم ربهم بإيمانهم ): أى : يكون ~~إيمانهم لهم نورا يمشون به وقال ابن جريج في الآية : يمثل له عمله في صورة ~~حسنة وريح طيبة إذا قام من قبره يعارض صاحبه ويبشره بكل خير فيقول له من ~~أنت؟ فيقول أنا عملك ، فيجعل له نوره من بين يديه حتى يدخله الجنة ، فذلك ~~قوله تعالى ( @QUR@03 يهديهم ربهم بإيمانهم ). والكافر يمثل له عمله في ~~صورة سيئة. وريح منتنة فيلزم صاحبه حتى يقذفه في النار ..» (1). # وقوله : ( @QUR@07 تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم ) أى : تجرى من ~~تحت منازلهم أو مقاعدهم الأنهار ، وهم آمنون مطمئنون في الجنات ، يتنعمون ~~فيها بما لا عين رأت ولا أذن سمعت. ولا خطر على قلب بشر. # وقوله : ( @QUR@04 دعواهم فيها سبحانك اللهم ) أى : دعاؤهم في هذه الجنات ~~يكون بقولهم : سبحانك اللهم. فالدعوى هاهنا بمعنى الدعاء. يقال : دعا يدعو ~~دعاء ودعوى. كما يقال : شكا يشكو شكاية وشكوى. # ولفظ سبحان : اسم مصدر بمعنى التسبيح وهو منصوب بفعل مضمر لا يكاد يذكر معه. # ولفظ اللهم أصله يا الله ، فلما استعمل دون حرف النداء الذي ms2752 هو «يا» جعلت ~~هذه الميم المشددة في آخره عوضا عن حرف النداء. # قال الإمام الرازي : «ومما يقوى أن المراد من الدعوى هنا الدعاء ، أنهم ~~قالوا : اللهم. وهذا نداء الله تعالى ومعنى قولهم : سبحانك اللهم. إنا ~~نسبحك. كقول القانت في دعاء القنوت «اللهم إياك نعبد». # ثم قال : ويجوز أن يراد بالدعاء العبادة ، ونظيره قوله تعالى : ( @QUR@06 ~~وأعتزلكم وما تدعون من دون الله ) أى : وما تعبدون ، فيكون معنى الآية : ~~أنه لا عبادة لأهل الجنة إلا أن يسبحوا الله ويحمدوه ، ويكون اشتغالهم بذلك ~~الذكر لا على سبيل التكليف ، بل على سبيل PageV07P030 # الابتهاج بذكر الله تعالى » (1). # وقوله ( @QUR@03 وتحيتهم فيها سلام ) معطوف على ما قبله. والتحية : ~~التكرمة بالحال الجليلة ، وأصلها أحياك الله حياة طيبة. والسلام : بمعنى ~~السلامة من كل مكروه. # أى : دعاؤهم في الجنة أن يقولوا سبحانك اللهم. وتحيتهم التي يحيون بها هي ~~السلامة من كل مكروه. # وهذه التحية تكون من الله تعالى لهم كما في قوله سبحانه ( @QUR@04 تحيتهم ~~يوم يلقونه سلام ) (2). # وتكون من الملائكة كما في قوله تعالى : ( @QUR@013 والملائكة يدخلون ~~عليهم من كل باب. سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ) (3). # وتكون منهم فيما بينهم كما يتبادر من قوله تعالى ( @QUR@06 لا يسمعون ~~فيها لغوا إلا سلاما .. ) (4). # وقوله : ( @QUR@07 وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) أى : وختام ~~دعائهم يكون بقولهم: الحمد لله رب العالمين. # قال الإمام القرطبي ما ملخصه : «ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن التهليل ~~والتسبيح والحمد قد يسمى دعاء». # روى الشيخان عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند ~~الكرب : «لا إله إلا الله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ~~، لا إله إلا الله رب السموات والأرض ، ورب العرش الكريم». قال الطبري : ~~كان السلف يدعون بهذا الدعاء ويسمونه دعاء الكرب. # والذي يقطع النزاع ويثبت أن هذا يسمى دعاء ، وإن لم يكن فيه من معنى ~~الدعاء شيء ، وإنما هو تعظيم لله تعالى وثناء عليه ، ما رواه النسائي عن ~~سعد بن أبى وقاص قال : قال رسول الله صلى ms2753 الله عليه وسلم : «دعوة ذي النون إذ ~~دعا بها في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين ، فإنه لن ~~يدعو بها مسلم في شيء إلا استجيب له». PageV07P031 # ويستحب للداعي أن يقول في آخر دعائه كما قال الله تعالى حكاية عن أهل ~~الجنة : ( @QUR@07 وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) (1). # * * * # ثم بين سبحانه بعض مظاهر لطفه ورحمته بالناس ، وما جبلوا عليه من صفات ~~وطبائع فقال تعالى : # ( @QUR@018 ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم ~~فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون (11) @QUR@027 وإذا مس ~~الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم ~~يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون ) (12) # قال صاحب المنار : «هاتان الآيتان في بيان شأن من شئون البشر وغرائزهم ~~فيما يعرض لهم في حياتهم الدنيا من خير وشر ، ونفع وضر ، وشعورهم بالحاجة ~~إلى الله تعالى واللجوء إلى دعائه لأنفسهم وعليها ، واستعجالهم الأمور قبل ~~أوانها وهو تعريض بالمشركين ، وحجة على ما يأتون من شرك وما ينكرون من أمر ~~البعث ، متمم لما قبله ، ولذلك عطف عليه (2). # وقوله : ( @QUR@01 يعجل ) من التعجيل بمعنى طلب الشيء قبل وقته المحدد له ~~والاستعجال : طلب التعجيل بالشيء. # والأجل : الوقت المحدد لانقضاء المدة. وأجل الإنسان هو الوقت المضروب ~~لانتهاء عمره. PageV07P032 # والمراد بالناس هنا عند عدد من المفسرين : المشركون الذي وصفهم الله ~~تعالى قبل ذلك بأنهم لا يرجون لقاءه ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها. # ولقد حكى القرآن في كثير من آياته ، أن المشركين قد استعجلوا الرسول ~~صلى الله عليه وسلم في نزول العذاب ، ومن ذلك قوله تعالى ( @QUR@019 ~~ويستعجلونك بالعذاب ، ولو لا أجل مسمى لجاءهم العذاب ، وليأتينهم بغتة وهم ~~لا يشعرون. يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ) (1)، وقوله ~~تعالى : ( @QUR@019 وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) (2). # والمعنى : ولو يعجل الله تعالى لهؤلاء المشركين العقوبة التي طلبوها ، ~~تعجيلا مثل استعجالهم الحصول على الخير ms2754 ( @QUR@03 لقضي إليهم أجلهم ) أى : ~~لأميتوا وأهلكوا جميعا ، ولكن الله تعالى الرحيم بخلقه ، الحكيم في أفعاله ~~، لا يعجل لهم العقوبة التي طلبوها كما يعجل لهم طلب الخير لحكمة هو يعلمها ~~؛ فقد يكون من بين هؤلاء المتعجلين للعقوبة من يدخل في الإسلام ، ويتبع ~~الرسول صلى الله عليه وسلم . # قال الإمام الرازي : «فقد بين سبحانه في هذه الآية : أنهم لا مصلحة لهم ~~في تعجيل إيصال الشر إليهم ، لأنه تعالى لو أوصل ذلك العقاب إليهم لماتوا ~~وهلكوا ، ولا صلاح في إماتتهم ، فربما آمنوا بعد ذلك ، وربما خرج من ~~أصلابهم من كان مؤمنا ، وذلك يقتضى أن لا يعاجلهم بإيصال ذلك الشر» (3). # ومن العلماء من يرى أن المراد بالناس هنا ما يشمل المشركين وغيرهم ، وأن ~~الآية الكريمة تحكى لونا من ألوان لطف الله بعباده ورحمته بهم. # ومن المفسرين الذين اقتصروا على هذا الاتجاه في تفسيرهم الإمام ابن كثير ~~، فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : يخبر تعالى عن حلمه ولطفه بعباده أنه لا ~~يستجيب لهم إذا دعوا على أنفسهم ، أو أموالهم أو أولادهم بالشر في حال ~~ضجرهم وغضبهم ، وأنه يعلم منهم عدم القصد إلى إرادة ذلك ، فلهذا لا يستجيب ~~لهم والحالة هذه لطفا ورحمة ، كما يستجيب لهم إذا دعوا لأنفسهم أو لأموالهم ~~أو لأولادهم بالخير والبركة والسخاء ، ولهذا قال : ( @QUR@010 ولو يعجل ~~الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم .. ) أى لو استجاب لهم ~~جميع ما دعوه به في ذلك لأهلكهم. PageV07P033 # ثم قال : ولكن لا ينبغي الإكثار من ذلك ، كما جاء في الحديث الذي رواه ~~الحافظ أبو بكر البزار في مسنده عن جابر قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «لا تدعوا على أنفسكم ، لا تدعوا على أولادكم ، لا تدعوا ~~على أموالكم ، لا توافقوا من الله ساعة فيها إجابة فيستجيب لكم». # وقال مجاهد في تفسير هذه الآية : هو قول الإنسان لولده أو ماله إذا غضب ~~عليه : اللهم لا تبارك فيه والعنه ، فلو يعجل لهم الاستجابة في ذلك كما ~~يستجاب لهم في الخير لأهلكهم (1). # أما الإمام الآلوسى فقد ms2755 حكى هذين الوجهين ، ورجح الأول منهما فقال : ~~«قوله : ( @QUR@05 ولو يعجل الله للناس الشر ... ) وهم الذين لا يرجون لقاء ~~الله تعالى المذكورون في قوله : ( @QUR@05 إن الذين لا يرجون لقاءنا ... ) ~~والمراد لو يعجل الله لهم الشر الذي كانوا يستعجلون به تكذيبا واستهزاء ~~...» ، وأخرج ابن جرير عن قتادة : أنه قال : «هو دعاء الرجل على نفسه وماله ~~بما يكره أن يستجاب له ، وفيه حمل الناس على العموم ، والمختار الأول ، ~~ويؤيده ما قيل : من أن الآية نزلت في النضر بن الحارث حين قال : «اللهم إن ~~كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم» (2). # والذي يبدو لنا أن كون لفظ الناس للجنس أولى ، ويدخل فيه المشركون دخولا ~~أوليا ، لأنه لا توجد قرينة تمنع من إرادة ذلك ، وحتى لو صح ما قيل من أن ~~الآية نزلت في النضر بن الحارث ، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. # وقوله ( @QUR@02 استعجالهم بالخير ) منصوب على المصدرية ، والأصل : ولو ~~يعجل الله للناس الشر تعجيلا مثل استعجالهم بالخير ، فحذف تعجيلا وصفته ~~المضافة ، وأقيم المضاف إليه مقامها. # ثم بين سبحانه ما يشير إلى الحكمة في عدم تعجيل العقوبة فقال : ( @QUR@08 ~~فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون ). # والطغيان : مجاوزة الحد في كل شيء ، ومنه طغى الماء إذا ارتفع وتجاوز حده. # ويعمهون : من العمه ، يقال : عمه كفرح ومنع عمها ، إذا تحير وتردد فهو ~~عمه وعامه. # أى : لا نعجل للناس ما طلبوه من عقوبات ، وإنما نترك الذين لا يرجون ~~لقاءنا إلى يوم PageV07P034 # القيامة ، على سبيل الإمهال والاستدراج في الدنيا في طغيانهم يتحيرون ~~ويترددون ، بحيث تلتبس عليهم الأمور فلا يعرفون الخير من الشر. # ثم صور سبحانه طبيعة الإنسان في حالتي العسر واليسر فقال : ( @QUR@021 ~~وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما ، فلما كشفنا عنه ضره ~~مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه .. ). # والمس : اتصال أحد الشيئين بآخر على وجه الإحساس والإصابة. # والضر : ما يصيب الإنسان من سوء الحال في نفسه أو بدنه أو غيرهما مما ~~يحبه ويشتهيه. ms2756 # والمعنى : ( @QUR@04 وإذا مس الإنسان الضر ) عن طريق المرض أو الفقر أو ~~غيرهما ( @QUR@01 دعانا ) بإلحاح وتضرع لكي نكشفه عنه ، فهو تارة يدعونا ~~وهو مضطجع على جنبه ، وتارة يدعونا وهو قاعد ، وتارة يدعونا وهو قائم على قدميه. # ( @QUR@04 فلما كشفنا عنه ضره ) وما أصابه من سوء ( @QUR@07 مر كأن لم ~~يدعنا إلى ضر مسه ) أى : مضى واستمر في غفلته الأولى حتى لكأنه لم تنزل به ~~كروب ، ولم يسبق له أن دعانا بإلحاح لكشفها. # وخص سبحانه هذه الأحوال بالذكر ، لعدم خلو الإنسان عنها في العادة. # وقيل : يصح أن يراد بهذه الأحوال تعميم أصناف المضار ، لأنها قد تكون ~~خفيفة فيدعو الله وهو قائم ، وقد تكون متوسطة فيدعوه وهو قاعد ، وقد تكون ~~ثقيلة فيدعوه وهو نائم. # ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : «فإن قلت : فما ~~فائدة ذكر هذه الأحوال؟ # قلت : معناه أن المضرور لا يزال داعيا لا يفتر عن الدعاء حتى يزول عنه ~~الضر ، فهو يدعونا في حالاته كلها ، سواء أكان منبطحا عاجزا عن النهوض ، أم ~~كان قاعدا لا يقدر على القيام ، أم كان قائما لا يطيق المشي. # ويجوز أن يراد أن من المضرورين من هو أشد حالا وهو صاحب الفراش ، ومنهم ~~من هو أخف ، وهو القادر على القعود ، ومنهم المستطيع للقيام ، وكلهم لا ~~يستغنون عن الدعاء واستدفاع البلاء ، لأن الإنسان للجنس ..» (1). # وفي التعبير بالمس إشارة إلى أن ما أصابه من ضر حتى ولو كان يسيرا فإنه ~~لا يترك الدعاء والابتهال إلى الله بأن يكشفه عنه. PageV07P035 # وقوله ( @QUR@01 لجنبه ) في موضع الحال من فاعل ( @QUR@01 دعانا ) و ( ~~@QUR@01 أو ) لتنويع الأحوال ، أو لأصناف المضار. # والتعبير بقوله سبحانه ( @QUR@01 مر ) يمثل أدق تصوير لطبيعة الإنسان ~~الذي يدعو الله عند البلاء ، وينساه عند الرخاء ، فهو في حالة البلاء يدعو ~~الله في كل الأحوال ، فإذا ما انكشف عنه البلاء مر واندفع في تيار الحياة. ~~بدون كابح ، ولا زاجر ، ولا مبالاة ، وبدون توقف ليتدبر أو ليعتبر ... # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@06 كذلك زين للمسرفين ما كانوا ~~يعملون ) أى : كما زين لهذا ms2757 الإنسان الدعاء عند البلاء والإعراض عند الرخاء ~~، زين لهؤلاء المسرفين المتجاوزين لحدود الله ، ما كانوا يعملونه من إعراض ~~عن ذكره ، ومن غفلة عن حكمته وعن سننه في كونه. # قال الآلوسى : «وفي الآية ذم لمن يترك الدعاء في الرخاء ، ويهرع إليه في ~~الشدة ، واللائق بحال العاقل التضرع إلى مولاه في السراء والضراء ، فإن ذلك ~~أرجى للإجابة. ففي الحديث الشريف : «تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في ~~الشدة». # وأخرج أبو الشيخ عن أبى الدرداء قال : ادع الله يوم سرائك يستجب لك يوم ضرائك. # وفي حديث للترمذي عن أبى هريرة ورواه الحاكم عن سلمان وقال صحيح الإسناد ~~«من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكروب ، فليكثر من الدعاء عند ~~الرخاء» (1). # وقال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : «وقد ذم الله تعالى من هذه ~~طريقته وصفته في الدعاء. أما من رزقه الله الهداية والسداد والتوفيق ~~والرشاد فإنه مستثنى من ذلك ، لأنه يدعو الله في الشدة والرخاء ، وفي ~~الحديث الشريف : «عجبا لأمر المؤمن لا يقضى الله له قضاء إلا كان خيرا له : ~~إن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له ، وإن أصابته سراء فشكر كان خيرا له ، ~~وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن» (2). # وبعد أن بين سبحانه جانبا من شأنه مع الناس ومن شأنهم معه. أتبع ذلك ~~ببيان مصير الأمم الظالمة ليكون في ذلك عبرة وعظة فقال تعالى : PageV07P036 # ( @QUR@017 ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم ~~بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين (13) @QUR@010 ثم ~~جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون ) (14) # والخطاب في قوله : ( @QUR@02 ولقد أهلكنا .. ) لأهل مكة الذين كانوا ~~معاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم ومناوئين لدعوته ، ويدخل فيه غيرهم ممن يصلح ~~للخطاب على سبيل التبع. # والقرون جمع قرن. والقرن كما يقول القرطبي الأمة من الناس ، قال الشاعر : # إذا ذهب القرن الذي كنت فيهم %~% وخلفت في قرن فأنت غريب # فالقرن كل عالم في عصره ، مأخوذ من الاقتران ، أى : عالم مقترن بعضهم إلى بعض. # وفي الحديث الشريف : «خير القرون قرني يعنى ms2758 أصحابى ثم الذين يلونهم ، ثم ~~الذين يلونهم». # فالقرن على هذا مدة من الزمان. قيل : ستون عاما ، وقيل سبعون ، وقيل ~~ثمانون ، وقيل : مائة سنة ، وعليه أكثر أصحاب الحديث ، أن القرن مائة سنة ، ~~واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن بسر : «تعيش قرنا» ~~فعاش مائة سنة (1). # و ( @QUR@01 لما ) ظرف بمعنى حين ، وهو متعلق بقوله ( @QUR@01 أهلكنا ). # والمعنى : ولقد أهلكنا أهل القرون السابقة عليكم يا أهل مكة. حين استمروا ~~في ظلمهم وعنادهم ، وحين أصروا على كفرهم بعد أن جاءتهم رسلهم بالدلائل ~~الدالة على وحدانية الله ، وعلى صدقهم فيها يبلغونه عن ربهم ، فعليكم أيها ~~الغافلون أن تثوبوا إلى رشدكم ، وأن تتبعوا الحق الذي جاءكم به نبيكم كي لا ~~يصيبكم ما أصاب الظالمين من قبلكم. # وقوله : ( @QUR@03 وجاءتهم رسلهم بالبينات ) يدل على إفراط أولئك ~~المهلكين في الظلم ، PageV07P037 # وبلوغهم فيه أقصى الغايات ، لأنهم مع وضوح الشواهد على صدق الرسل ، ~~استمروا في جحودهم وظلمهم. # وقوله : ( @QUR@03 وما كانوا ليؤمنوا ) معطوف على ( @QUR@01 ظلموا ). أى ~~: أهلكنا أهل القرون السابقين عليكم حين استمروا على ظلمهم ، وحين علم الله ~~تعالى منهم الإصرار على الكفر ، فإهلاكهم كان بسبب مجموع هذين الأمرين. # وقوله : ( @QUR@04 كذلك نجزي القوم المجرمين ) تذييل قصد به التهديد ~~والوعيد. # أى : مثل ذلك الجزاء الأليم وهو إهلاك الظالمين ، نجزى القوم المجرمين في ~~كل زمان ومكان. # وقوله سبحانه : ( @QUR@010 ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف ~~تعملون ) معطوف على قوله ( @QUR@01 أهلكنا ). # والخلائف جمع خليفة. وهو كل من يخلف غيره ويأتى من بعده. # أى : ثم جعلناكم أيها المكلفون باتباع النبي صلى الله عليه وسلم خلفاء في ~~الأرض من بعد أولئك الأقوام المهلكين لنرى ونشاهد ونعلم أى عمل تعملون في ~~خلافتكم فنجازيكم على ذلك بالجزاء المناسب الذي تقتضيه حكمتنا وإرادتنا ، و ~~( @QUR@01 كيف ) مفعول مطلق ل ( @QUR@01 تعملون ) لا ( @QUR@01 لننظر ) لأن ~~الاستفهام له الصدارة ، فلا يعمل فيه ما قبله. # قال الآلوسى : واستعمال النظر بمعنى العلم مجاز ، حيث شبه بنظر الناظر. ~~وعيان المعاين في تحققه. والمراد نعاملكم معاملة من يطلب العلم بأعمالكم ~~ليجازيكم بحسبها ، كقوله ms2759 تعالى ( @QUR@04 ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) (1). # قال قتادة : صدق الله ربنا ، ما جعلنا خلفاء إلا لينظر إلى أعمالنا ، ~~فأروا الله من أعمالكم خيرا ، بالليل والنهار. # ثم حكى سبحانه بعض المقترحات الفاسدة التي اقترحها المشركون على النبي ~~صلى الله عليه وسلم ورد عليها بما يبطلها فقال تعالى : PageV07P038 # ( @QUR@039 وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت ~~بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ~~ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) @QUR@018 قل لو شاء ~~الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون ~~(16) @QUR@014 فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح ~~المجرمون ) (17) # قال الآلوسى ما ملخصه : «عن مقاتل قال : إن الآية ( @QUR@04 وإذا تتلى ~~عليهم آياتنا .. ) نزلت في جماعة من قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إن ~~كنت تريد أن نؤمن لك ، فأت بقرآن ليس فيه ترك عبادة اللات والعزى وليس فيه ~~ما يعيبها. وإن لم ينزل الله تعالى عليك ذلك فقل أنت هذا من نفسك ، أو بدله ~~فاجعل مكان آية عذاب آية رحمة ، ومكان حرام حلالا ، ومكان حلال حراما ، (1). # والمعنى : وإذا تتلى على أولئك المشركين آياتنا الواضحة المنزلة عليك يا ~~محمد قالوا على سبيل العناد والحسد : ائت بقرآن آخر سوى هذا القرآن الذي ~~تتلوه علينا ، أو بدله بأن تجعل مكان الآية التي فيها سب لآلهتنا ، آية ~~أخرى فيها مدح لها. # وفي الآية الكريمة التفات من الخطاب إلى الغيبة ، إظهارا للإعراض عنهم ، ~~حتى لكأنهم غير حاضرين ، وغير أهل لتوجيه الخطاب إليهم. # والمراد بالآيات : الآيات القرآنية الدالة على وحدانية الله تعالى وعلى ~~صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه ، وأضافها سبحانه إليه على ~~سبيل التشريف PageV07P039 # والتعظيم ، وأسند التلاوة إلى الآيات بصيغة المبنى للمفعول ، للإشارة إلى ~~أن هذه الآيات لوضوحها ، ولمعرفتهم التامة لتاليها ، صارت بغير حاجة إلى ~~تعيين تاليها صلى الله عليه وسلم . # قال صاحب ms2760 الكشاف : «فإن قلت : فماذا كان غرضهم وهم أدهى الناس وأمكرهم في ~~هذا الاقتراح؟ # قلت : الكيد والمكر. أما اقتراح إبدال قرآن بقرآن ففيه أنه من عندك وأنك ~~قادر على مثله ، فأبدل مكانه آخر ، وأما اقتراح التبديل والتغيير فللطمع ~~ولاختبار الحال ، وأنه إذا وجد منه تبديل ، فإما أن يهلكه الله فينجوا هم ~~منه أو لا يهلكه فيسخروا منه ، ويجعلوا التبديل حجة عليه ، وتصحيحا ~~لافترائه على الله» (1). # وقوله : ( @QUR@023 قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما ~~يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ) هذا القول أمر من الله ~~تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يرد عليهم بما يزهق باطلهم. # وكلمة ( @QUR@01 تلقاء ) مصدر من اللقاء كتبيان من البيان ، وكسر التاء ~~فيهما سماعي ، والقياس في هذا المصدر فتحها كالتكرار والتطواف والتجوال. # والمعنى : قل لهم أيها الرسول الكريم على سبيل التوبيخ : لا يصح لي بحال ~~من الأحوال ، أن أبدل هذا القرآن من عند نفسي ومن جهتها ؛ وإنما أنا أبلغكم ~~ما أنزل الله على منه ، بدون زيادة أو نقصان ، أو تغيير أو تبديل. # وقوله : ( @QUR@08 إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ) تعليل لمضمون ما ~~قبله من امتناع الإتيان بغيره أو تبديله ، والاقتصار على اتباع الوحى. # أى : إنى أخاف إن عصيت ربي أية معصية ، عذاب يوم عظيم الهول ، وإذا كان ~~شأنى أن أخشاه سبحانه من أية معصية ولو كانت صغيرة ، فكيف لا أخشاه إن عصيت ~~بتبديل كلامه استجابة لأهوائكم؟ # ثم لقن الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم ردا آخر عليهم ، زيادة في تسفيه ~~أفكارهم فقال تعالى : ( @QUR@018 قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ، ولا ~~أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون ) وقوله : ( @QUR@03 ولا ~~أدراكم به ) بمعنى ولا أعلمكم وأخبركم به ، أى : بهذا القرآن. يقال : دريت ~~الشيء وأدرانى الله به ، أى أعلمنى وأخبرنى به. # وأدرى فعل ماض ، وفاعله مستتر يعود على الله عز وجل والكاف والميم مفعول به. PageV07P040 # والمعنى : قل لهم أيضا أيها الرسول الكريم ms2761 لو شاء الله تعالى أن لا أتلوا ~~عليكم هذا القرآن لفعل ، ولو شاء أن يجعلكم لا تدرون منه شيئا ، لفعل أيضا ~~، فإن مرد الأمور كلها إليه ، ولكنه سبحانه شاء وأراد أن أتلوه عليكم ، وأن ~~يعلمكم به بواسطتى ، فأنا رسول مبلغ ما أمرنى الله بتبليغه. # قال القرطبي : «وقرأ ابن كثير : ولأدراكم به بغير ألف بين للام والهمزة. ~~والمعنى : لو شاء الله لأعلمكم به من غير أن أتلوه عليكم فهي لام التأكيد ~~دخلت على ألف أفعل» (1). # وجاءت الآية الكريمة بدون عطف على ما قبلها ، إظهارا لكمال شأن المأمور ~~به. وإيذانا باستقلاله ، فإن ما سبق كان للرد على اقتراحهم تبديل القرآن. ~~وهذه الآية للرد على اقتراحهم الإتيان بغيره. # ومفعول المشيئة محذوف. لأن جزاء الشرط ينبئ عنه ، أى : لو شاء الله عدم ~~تلاوته ما تلوته عليكم : # وقوله : ( @QUR@06 فقد لبثت فيكم عمرا من قبله ) تعليل للملازمة ~~المستلزمة لكون عدم التلاوة وعدم العلم منوط بمشيئة الله تعالى وقوله : ( ~~@QUR@01 عمرا ) منصوب على الظرفية وهو كناية عن المدة الطويلة. أى : فأنتم ~~تعلمون أنى قد مكثت فيما بينكم ، مدة طويلة من الزمان ، قبل أن أبلغكم هذا ~~القرآن ، حفظتم خلالها أحوالى ، وأحطتم خبرا بأقوالى وأفعالى ، وعرفتم أنى ~~لم أقرأ عليكم من آية أو سورة مما يشهد أن هذا القرآن إنما هو من عند الله ~~تعالى . # والهمزة في قوله ( @QUR@02 أفلا تعقلون ) داخلة على محذوف. وهي للاستفهام ~~التوبيخي. والتقدير : أجهلتم هذا الأمر الجلى الواضح ، فصرتم لا تعقلون أن ~~أمثال هذه الاقتراحات المتعنتة التي اقترحتموها لا يملك تنفيذها أحد إلا ~~الله تعالى . # قال الإمام الرازي ما ملخصه : «أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن ~~يرد عليهم بما جاء في هذه الآية وتقريره : أن أولئك الكفار كانوا قد شاهدوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول عمره إلى ذلك الوقت ، وكانوا عالمين ~~بأحواله. وأنه ما طالع كتابا ولا تتلمذ على أستاذ ولا تعلم من أحد ، ثم بعد ~~انقراض أربعين سنة على هذا الوجه ، جاءهم بهذا الكتاب العظيم المشتمل على ~~نفائس علم ms2762 الأصول ودقائق علم الأحكام ، ولطائف علم الأخلاق ، وأسرار قصص ~~الأولين ، وعجز عن معارضته العلماء والفصحاء والبلغاء ، وكل من له عقل سليم ~~فإنه يعرف أن مثل هذا PageV07P041 # لا يحصل إلا بالوحي والإلهام من الله تعالى (1). # ثم ختم سبحانه الرد على هؤلاء الذين لا يرجون لقاءه ، بالحكم عليهم بعدم ~~الفلاح فقال تعالى ( @QUR@014 فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب ~~بآياته ، إنه لا يفلح المجرمون ) والاستفهام في قوله : ( @QUR@02 فمن أظلم ~~) للإنكار والنفي. # أى : لا أحد أشد ظلما عند الله ، وأجدر بعقابه وغضبه ، ممن افترى عليه ~~الكذب ، بأن نسب إليه سبحانه ما هو برىء منه ، أو كذب بآياته وحججه التي ~~أنزلها لتأييد رسله. # وقوله : ( @QUR@04 إنه لا يفلح المجرمون ) تذييل قصد به التهديد والوعيد. # أى : إن حال وشأن هؤلاء المجرمين ، أنهم لا يفلحون. ولا يصلون إلى ما ~~يبغون ويريدون. # هذا ، وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات بعض الشواهد ~~الدالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغه عن ربه فقال عند تفسيره ~~لهذه الآية : «لا أحد أشد ظلما ممن افترى على الله كذبا ، وتقول على الله ، ~~وزعم أن الله أرسله ولم يكن كذلك .. ومثل هذا لا يخفى أمره على الأغبياء ~~فكيف يشتبه حال هذا بالأنبياء. فإن من قال هذه المقالة صادقا أو كاذبا. فلا ~~بد أن الله ينصب من الأدلة على بره أو فجوره ما هو أظهر من الشمس. فإن ~~الفرق بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين مسيلمة الكذاب لمن شاهدهما أظهر من ~~الفرق بين وقت الضحى وبين نصف الليل في حندس الظلماء. فمن شيم كل منهما ~~وأفعاله وكلامه يستدل من له بصيرة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم وكذب ~~مسيلمة ..» (2). # ثم حكى سبحانه أقبح رذائلهم ، وهي عبادتهم لغير الله ، ودعواهم أن ~~أصنامهم ستشفع لهم فقال تعالى : # ( @QUR@029 ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ~~سبحانه وتعالى عما يشركون ) (18) PageV07P042 # وهذه ms2763 الآية الكريمة معطوفة على قوله تعالى قبل ذلك ( @QUR@04 وإذا تتلى ~~عليهم آياتنا .. ) عطف القصة على القصة. # والعبادة : الطاعة البالغة حد النهاية في الخضوع والتعظيم. # أى : وهؤلاء الذين لا يرجون لقاءنا ، ويطلبون قرآنا غير هذا القرآن أو ~~تبديله ، بلغ من جهلهم وسفههم أنهم يعبدون من دون الله أصناما لا تضرهم ولا ~~تنفعهم ، لأنها جمادات لا قدرة لها على ذلك. # والمقصود بوصفها بأنها لا تضر ولا تنفع : بطلان عبادتها ، لأن من شأن ~~المعبود أن يملك الضر والنفع ، وأن يكون مثيبا على الطاعة ومعاقبا على ~~المعصية. # وقوله : ( @QUR@03 من دون الله ) جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من فاعل ( ~~@QUR@01 يعبدون ) أى : يعبدونها متجاوزين الله وتاركين طاعته. # و ( @QUR@01 ما ) موصولة أو نكرة موصوفة. والمراد بها الأصنام التي ~~عبدوها من دون الله. # قال الجمل : «ونفى الضر والنفع هنا عن الأصنام باعتبار الذات ، وإثباتهما ~~لها في سورة الحج في قوله ( @QUR@06 يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه ) باعتبار ~~السبب ، فلا يرد كيف نفى عن الأصنام الضر والنفع ، وأثبتهما لها في سورة ~~الحج» (1). # وقوله : ( @QUR@05 ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ) حكاية لأقوالهم ~~السخيفة عند ما يدعون إلى عبادة الله وحده. # والشفعاء : جمع شفيع ، وهو من يشفع لغيره في دفع ضرر أو جلب نفع. # أى : أنهم يدينون بالعبادة لأصنام لا تضرهم إن تركوا عبادتها ، ولا ~~تنفعهم إن عبدوها ، فإذا ما طلب منهم أن يجعلوا عبادتهم لله وحده قالوا : ~~إننا نعبد هذه الأصنام لتكون شفيعة لنا عند الله في دنيانا ، بأن نتوسل ~~إليه بها في إصلاح معاشنا ، وفي آخرتنا إن كان هناك ثواب وعقاب يوم ~~القيامة. # وهنا يأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم بما يخرس ~~ألسنتهم فيقول : ( @QUR@011 قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا ~~في الأرض ). # أى : قل يا محمد لهؤلاء الجاهلين : إن الله تعالى لا يخفى عليه شيء في ~~هذا الكون ولا يعلم أن هناك من يشفع عنده مما تزعمون شفاعته. فهل تعلمون ~~أنتم ما لا يعلمه ، وهل PageV07P043 # تخبرونه بما لا يعلم له وجودا في ms2764 السموات ولا في الأرض؟!! # فالمقصود بهذه الجملة الكريمة التهكم بهم ، والسخرية بعقولهم وأفكارهم ، ~~ونفى أن تكون الأوثان شفعاء عند الله بأبلغ وجه. # والعائد في قوله ( @QUR@03 بما لا يعلم ) محذوف. والتقدير بما لا يعلمه. # وقوله ( @QUR@05 في السماوات ولا في الأرض ) حال من العائد المحذوف ، وهو ~~مؤكد للنفي ، لأن مالا يوجد فيهما فهو منتف عادة. # قال صاحب الكشاف : «فإن قلت كيف : أنبأوا الله بذلك؟ قلت : هو تهكم بهم ، ~~وبما ادعوه من المحال الذي هو شفاعة الأصنام ، وإعلام بأن الذي أنبأوا به ~~باطل. فكأنهم يخبرونه بشيء لا يتعلق علمه به ، كما يخبر الرجل بما لا يعلمه. # وقوله ( @QUR@05 في السماوات ولا في الأرض ) تأكيد لنفيه ، لأن ما لم ~~يوجد فيهما فهو منتف معدوم» (1). # وقوله : ( @QUR@02 سبحانه وتعالى ) عن كل شريك ، وعما قاله هؤلاء ~~الجاهلون من أن الأصنام شفعاء عنده. # وبذلك تكون الآية الكريمة قد وبخت المشركين على عبادتهم لغير الله وعلى ~~جهالاتهم وتقولهم على الله بغير علم. # ثم بين سبحانه أن عبادة الناس لغيره تعالى إنما حدثت بعد أن اختلفوا ~~واتبعوا الهوى. فقال : # ( @QUR@018 وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولو لا كلمة سبقت من ~~ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون ) (19) # والمراد بالناس : الجنس البشرى كله في جملته ، فإنهم كانوا أمة واحدة. ثم ~~كثروا وتفرقوا وصاروا شعوبا وقبائل. PageV07P044 # ويرى بعض المفسرين أن المراد بالناس هنا : العرب خاصة ، فإنهم كانوا ~~حنفاء على ملة إبراهيم ، إلى أن ظهر فيهم عمرو بن لحى الذي ابتدع لهم عبادة ~~الأصنام. # قال الآلوسى : «قوله ( @QUR@07 وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ) ~~أى : وما كان الناس كافة من أول الأمر إلا متفقين على الحق والتوحيد من غير ~~اختلاف ، وروى هذا عن ابن عباس والسدى ومجاهد .. وذلك من عهد آدم ~~عليه السلام إلى أن قتل قابيل هابيل. وقيل إلى زمن إدريس عليه السلام وقيل ~~إلى زمن نوح. وقيل كانوا كذلك في زمنه عليه السلام بعد أن لم يبق على الأرض ~~من الكافرين ديار إلى أن ظهر بينهم الكفر. # وقيل : من لدن إبراهيم عليه ms2765 السلام إلى أن أظهر عمرو بن لحي عبادة الأصنام ~~، وهو المروي عن عطاء. وعليه فالمراد من الناس العرب خاصة. وهو الأنسب ~~بإيراد الآية الكريمة إثر حكاية ما حكى عنهم من رذائل ، وتنزيه ساحة ~~الكبرياء عن ذلك» (1). # وقوله : ( @QUR@01 فاختلفوا ) أى ما بين ضال ومهتد ، فبعث الله إليهم ~~رسله ، ليبشروا المهتدين بجزيل الثواب ، ولينذروا الضالين بسوء العقاب. # والفاء للتعقيب ، وهي لا تنافى امتداد زمان اتفاقهم على الحق ، لأن ~~المراد بيان أن وقوع الاختلاف بينهم إنما حدث عقيب انتهاء مدة الاتفاق ، لا ~~عقيب حدوثه. # والمراد بالكلمة في قوله : ( @QUR@08 ولو لا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم ~~... ) ما قضاه الله تعالى وأراده من تأخير الحكم بين المؤمنين وغيرهم إلى ~~يوم القيامة. # أى : ولولا كلمة سبقت من ربك بتأخير القضاء بين الطائعين والعاصين إلى ~~يوم القيامة ، لقضى بينهم سبحانه في هذه الدنيا. فيما كانوا يختلفون فيه ~~وذلك بأن يعجل للكافرين والعصاة العقوبة في الدنيا قبل الآخرة ، ولكنه ~~سبحانه اقتضت حكمته عدم تعجيل العقوبة في الدنيا ، وأن يجعل الدار الآخرة ~~هي دار الجزاء والثواب والعقاب. # وقد تضمنت هذه الآية الكريمة الوعيد الشديد على الاختلاف المؤدى إلى ~~التفرقة في الدين ، وإلى الشقاق والنزاع ، كما تضمنت تسلية الرسول ~~صلى الله عليه وسلم عما أصابه من قومه : فكأنه سبحانه يقول إن الاختلاف من ~~طبيعة البشر ، فلا تنتظر من الناس جميعا أن يكونوا مؤمنين. ثم حكى سبحانه ~~لونا آخر من ألوان تعنت المشركين وجهالاتهم فقال تعالى : PageV07P045 # ( @QUR@017 ويقولون لو لا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله ~~فانتظروا إني معكم من المنتظرين ) (20) # ومرادهم بالآية التي طلبوها : آية كونية سوى القرآن الكريم ، بأن تكون ~~معه صلى الله عليه وسلم ناقة كناقة صالح عليه السلام أو تكون معه عصا كعصا موسى ~~عليه السلام وكأنهم لا يعتبرون القرآن آية كبرى ، ومعجزة عظمى على صدقه ~~صلى الله عليه وسلم . # ومرادهم بإنزالها عليه : ظهورها على يديه صلى الله عليه وسلم حتى يروا ذلك ~~بأعينهم. # أى : ويقول هؤلاء المشركون لنبيهم صلى الله عليه وسلم هلا ms2766 أنزل الله عليك ~~آية أخرى سوى القرآن الكريم تكون شاهدة لك بالنبوة ، كأن تعيد إلى الحياة ~~آباءنا ، وكأن تحول جبال مكة إلى بساتين». # ومطالبهم هذه إنما طلبوها على سبيل العناد والتعنت لا على سبيل الاسترشاد ~~والثبت ، قال تعالى : ( @QUR@019 ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم ~~الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله .. ) (1). # وقوله : ( @QUR@09 فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين ) ~~أمر من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يرد عليهم بما يفحمهم. # أى : قل لهم في الجواب على هذه المطالب المتعنتة : إن هذه المطالب التي ~~طلبتموها هي من علم الغيب الذي استأثر الله به ، فقد يجيبكم إليها سبحانه ~~وقد لا يجيبكم ، فانتظروا فيما يقضيه الله في أمر تعنتكم في مطالبكم ، إنى ~~معكم من المنتظرين لقضائه وقدره ، ولما يفعله بي وبكم. # فالجملة الكريمة تهديد لهم على تعنتهم وجهلهم ، وتهوينهم من شأن القرآن ~~الكريم ، مع أنه أصدق معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم وأعظمها. # ولقد حكى القرآن في آيات أخرى كثيرة المطالب المتعنتة التي طلبها ~~المشركون من النبي صلى الله عليه وسلم والتي تدل على عنادهم وجحودهم ، ومن ذلك ~~قوله تعالى : ( @QUR@034 وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا. ~~أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا. أو تسقط السماء ~~كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا ، أو PageV07P046 # @QUR@025 يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل ~~علينا كتابا نقرؤه. قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ) (1). # كما حكى أيضا سبحانه أنه لو أجابهم إلى مطالبهم لما آمنوا ، لأنهم ~~معاندون جاحدون فقال تعالى ( @QUR@016 إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا ~~يؤمنون. ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ) (2). # وقال سبحانه : ( @QUR@016 ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم ~~لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين ) (3). # وبعد أن ساقت السورة الكريمة جانبا من أقوال الذين لا يرجون لقاء الله ms2767 ~~ومن مقترحاتهم الباطلة ومن معتقداتهم الفاسدة ، أتبعت ذلك بتصوير بعض ~~الطبائع البشرية تصويرا صادقا يكشف عن أحوال النفوس في حالتي السراء ~~والضراء فقال تعالى : # ( @QUR@022 وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في ~~آياتنا قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون (21) @QUR@041 هو الذي ~~يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا ~~بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا ~~الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين (22) @QUR@026 ~~فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على ~~أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون ) (23) PageV07P047 # وقوله ( @QUR@01 أذقنا ) من الذوق وحقيقته إدراك الطعام ونحوه بالذوق ~~باللسان واستعمل هنا على سبيل المجاز في إدراك ما يسر وما يؤلم من ~~المعنويات كالرحمة والضراء. # قال الآلوسى «والمراد بالناس كفار مكة على ما قيل ، لما روى من أن الله ~~تعالى سلط عليهم القحط سبع سنين ، حتى كادوا يهلكون فطلبوا منه أن يدعو لهم ~~بالخصب ، ووعدوه بالإيمان ، فلما دعا لهم و رحمهم الله تعالى بالمطر ، طفقوا ~~يطعنون في آياته تعالى ويعاندون نبيه صلى الله عليه وسلم . # وقيل : إن الناس عام لجميع الكفار» (1). # والضراء من الضر ، وهو ما يصيب الإنسان في نفسه من أمراض وأسقام. # والمكر : هو التدبير الخفى الذي يفضى بالممكور به إلى ما لا يتوقعه من ~~مضرة وكيد. # والمعنى : وإذا أذقنا الناس منا رحمة كأن منحناهم الصحة والسعادة والغنى ~~من بعد ضراء أصابتهم في أنفسهم أو فيمن يحبون ، ما كان منهم إلا المبادرة ~~إلى الطعن في آياتنا الدالة على قدرتنا ، والاستهزاء بها والتهوين من شأنها. # وأسند إذاقته الرحمة إلى ضمير الجلالة ، وأسند المساس إلى الضراء ، رعاية ~~للأدب مع الله تعالى ، لأنه وإن كان كل شيء من عنده ، إلا أن الأدب معه ~~سبحانه يقتضى إسناد الخير إليه والشر إلى غيره كما في قوله تعالى : ( ~~@QUR@04 وإذا مرضت فهو يشفين ms2768 ) وفي الحديث : «اللهم إن الخير بيديك والشر ~~ليس إليك». # وإذا الأولى شرطية ، والثانية فجائية والجملة بعدها جواب الشرط. # وجاء التعبير بإذا الفجائية في الجواب ، للإشارة إلى توغلهم في الجحود ~~والكنود فهم بمجرد أن حلت النعمة بهم محل النقمة ، عادوا إلى عنادهم وجهلهم ~~، ونسبوا كل خير إلى غيره تعالى . # قال الرازي : «واعلم أنه تعالى ذكر هذا المعنى بعينه فيما تقدم من هذه ~~السورة في قوله تعالى ( @QUR@021 وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو ~~قاعدا أو قائما ، فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه .. ) إلا ~~أنه تعالى زاد في هذه الآية التي نحن بصدد تفسيرها دقيقة أخرى ما ذكرها في ~~تلك الآية ، وتلك الدقيقة هي أنهم يمكرون عند وجدان الرحمة. PageV07P048 # وفي الآية المتقدمة ما كانت هذه الدقيقة مذكورة فثبت بما ذكرنا أن عادة ~~هؤلاء الأقوام اللجاج والعناد والمكر (1). # وقوله : ( @QUR@09 قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون ) أمر من ~~الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يرد عليهم بما يبطل مكرهم. # أى : قل يا محمد لهؤلاء الجاحدين الذين يسرعون بالمكر في مقام الشكر ، إن ~~الله تعالى أسرع مكرا منكم ؛ لأنه لا يخفى عليه شيء من مكركم ، ولأن الحفظة ~~من الملائكة يسجلون عليكم أقوالكم وأفعالكم ، التي تحاسبون عليها في يوم ~~القيامة حسابا عسيرا ، وسترون أن مكركم السيئ لا يحيق إلا بكم. # وقوله : ( @QUR@01 أسرع ) أفعل تفضيل من الفعل الثلاثي سرع كضخم وحسن ، ~~أو من الفعل الرباعي «أسرع» عند من يرى ذلك. # والجملة الكريمة تحقيق للانتقام منهم. وتنبيه على أن مكرهم الخفى غير خاف ~~على الحفظة من الملائكة فضلا عن الخالق عز وجل الذي لا تخفى عليه خافية في ~~الأرض ولا في السماء. # وسمى سبحانه إنكارهم لآياته واستهزاءهم بها مكرا ، لأنهم كانوا كثيرا ما ~~يتجمعون سرا ، ليتشاوروا في المؤامرات التي يعرقلون بها سير الدعوة ~~الإسلامية ، وفي الشبهات التي يوجهونها إلى النبي صلى الله عليه وسلم . # ثم ساق سبحانه مشهدا حيا. تراه العيون ، وتهتز له القلوب ، ويجعل المشاعر ~~تتجه إلى ms2769 الله وحده بالدعاء فقال تعالى ( @QUR@06 هو الذي يسيركم في البر ~~والبحر .. ). # والسير معناه : الانتقال من مكان إلى آخر. والتسيير معناه : جعل الإنسان ~~أو الحيوان أو غيرهما يسير بذاته ، أو بواسطة دابة أو سفينة أو غيرهما ، ~~مما سخره الله تعالى له بقدرته ورحمته. # أى : هو سبحانه الذي يسيركم بقدرته ورحمته في البر والبحر ، بواسطة ما ~~وهبكم من قدرة على السير ، أو ما سخر لكم من دواب وسفن وغيرهما مما ~~تستعملونه في سفركم ، وكل ذلك من أجل مصلحتكم ومنفعتكم. # ثم قال تعالى ( @QUR@011 حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة ~~وفرحوا بها ... ). PageV07P049 # والفلك : ما عظم من السفن. ويستعمل هذا اللفظ عند كثير من العلماء للواحد ~~والجمع. والظاهر أن المراد به هنا الجمع ، بدليل قوله ( @QUR@01 وجرين ) أى ~~: السفن. # والمراد بالريح الطيبة : الريح المناسبة لسير السفن ، والموافقة لا ~~تجاهها. # أى : هو سبحانه وحده الذي ينقلكم من مكان إلى آخر في البر والبحر ، حتى ~~إذا كنتم في إحدى مرات تسييركم راكبين في السفن التي سخرها لكم ، وجرت هذه ~~السفن بمن فيها بسبب الريح الطيبة إلى المكان الذي تقصدونه ، وأنتم في حالة ~~فرح غامر ، وسرور شامل .. ( @QUR@012 جاءتها ريح عاصف ، وجاءهم الموج من كل ~~مكان وظنوا أنهم أحيط بهم ... ). # والريح العاصف : هي الريح الشديدة القوية. يقال : عصفت الريح وأعصفت فهي ~~عاصف إذا اشتدت في سرعتها وهيجانها. # والموج : ما ارتفع من مياه البحار ، والظن هنا بمعنى اليقين أو الاعتقاد ~~الراجح ، وقوله : ( @QUR@02 أحيط بهم )، أى : أحاط بهم البلاء من كل ~~ناحية. يقال لمن وقع في بلية : قد أحيط به. وأصل هذا أن العدو إذا أحاط ~~بعدوه جعله على حافة الهلاك. # أى بعد أن جرت السفن بهؤلاء القوم في البحر وهم في فرح وحبور ، جاءت ~~إليهم ريح عاصفة شديدة السرعة والتقلب ، وارتفع إليها الموج من كل مكان ، ~~واعتقد ركابها الذين كانوا منذ قليل فرحين مبتهجين أنهم قد أحاط بهم الهلاك ~~كما يحيط العدو بعدوه. # وقوله : ( @QUR@01 بهم ) فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة ، لأنه كان ~~الظاهر أن يقال : حتى إذا ms2770 كنتم في الفلك وجرين بكم لكن جاء الكلام على ~~أسلوب الالتفات للمبالغة في تقبيح أحوالهم ، وسوء صنيعهم. # قال صاحب الكشاف «فإن قلت : ما فائدة صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة؟ ~~قلت : المبالغة ، كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها ، ويستدعى منهم ~~الإنكار والتقبيح» (1). # وقوله : ( @QUR@012 دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن ~~من الشاكرين ) بيان لما قالوه بعد أن داهمتهم الرياح العاصفة ، والأمواج ~~العالية وبعد أن أيقنوا أنهم على حافة الموت. # أى في تلك الساعات العصيبة ، واللحظات الحرجة ، توجهوا إلى الله وحده ~~قائلين : نقسم لك يا ربنا ، ويا من لا يعجزك شيء ، لئن أنجيتنا من تلك ~~الأهوال التي نحن فيها ، لنكونن PageV07P050 # من الشاكرين لك ، المطيعين لأمرك ، المتبعين لشرعك. # وهنا ، وبعد هذا الدعاء العريض ، هدأت العاصفة. وانخفضت الأمواج ، وسكنت ~~النفوس بعض السكون ، ووصلت السفن إلى شاطئ الأمان فماذا كانت النتيجة؟ # كانت النتيجة كما صورها القرآن الكريم : ( @QUR@09 فلما أنجاهم إذا هم ~~يبغون في الأرض بغير الحق .. ). # أى : فحين أنجاهم الله تعالى بفضله ورحمته من هذا الكرب العظيم الذي ~~كانوا فيه ، إذا هم يسعون في الأرض فسادا. ويرتكبون البغي الفاضح الذي لا ~~يخفى قبحه على أحد. # وقيد البغي بكونه بغير الحق ، لأنه لا يكون إلا كذلك ، إذا البغي معناه : ~~تجاوز الحق ، يقال : بغى الجرح إذا تجاوز حده في الفساد. # فقوله : ( @QUR@02 بغير الحق ) تأكيد لما يفيده البغي من التعدي والظلم ، ~~فهو بغى ظاهر سافر لا يخفى قبحه على أحد. # وقيل قيده بذلك ليخرج البغي على الغير في مقابلة بغيه. فإنه يسمى بغيا في ~~الجملة ، لكنه بحق. وهو قول ضعيف ، لأن دفع البغي لا يسمى بغيا وإنما يسمى ~~إنصافا من الظالم ، ولذا قال القرآن الكريم : ( @QUR@09 ولمن انتصر بعد ~~ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ) (1). # وجاء التعبير بالفاء وإذا الفجائية ، للإشعار بأنهم قوم بلغ بهم اللؤم ~~والجحود ، أنهم بمجرد أن وطئت أقدامهم بر الأمان ، نسوا ما كانوا فيه من ~~أهوال ، وسارعوا إلى الفساد في الأرض ، دون أن يردعهم رادع ، أو يصدهم ~~ترغيب أو ترهيب. # والتعبير ms2771 بقوله ( @QUR@02 في الأرض ) للإشارة إلى أن بغيهم قد شمل ~~أقطارها ، ولم يقتصر على جانب من جوانبها. # وقوله سبحانه ( @QUR@017 يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع ~~الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون ) خطاب منه سبحانه ~~لأولئك البغاة في كل زمان ومكان ، قصد به التهديد والوعيد. # أى : يا أيها الناس الذين تضرعوا إلينا في ساعات الشدة ، وهرولوا إلى ~~البغي بعد زوال تلك الشدة ، اعلموا أن بغيكم هذا مرجعه إليكم لا إلى غيركم ~~فأنتم وحدكم الذين تتحملون سوء عاقبته في الدنيا والآخرة. PageV07P051 # واعلموا أن هذا البغي إنما تتمتعون به متاع الحياة الدنيا التي لا بقاء ~~لها ، وإنما هي إلى زوال وفناء. # واعلموا كذلك أن مردكم إلينا بعد هذا التمتع الفاني. فنخبركم يوم الدين ~~بكل أعمالكم ، وسنجازيكم عليها بالجزاء الذي تستحقونه. # وقوله : ( @QUR@02 إنما بغيكم ) مبتدأ وخبره ( @QUR@02 على أنفسكم ) أى ~~هو عليكم في الحقيقة لا على الذين تبغون عليهم. # وقوله : ( @QUR@03 متاع الحياة الدنيا ): قرأ حفص عن عاصم ( @QUR@01 ~~متاع ) بفتح العين على أنه مصدر مؤكد لفعل مقدر. أى : تتمتعون به متاع ~~الحياة الدنيا الزائلة الفانية. # وقرأ الجمهور بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف والتقدير : هو متاع الحياة ~~الدنيا. وقوله : ( @QUR@07 ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون ) ~~تذييل قصد به تهديدهم على بغيهم ، ووعيدهم عليه بسوء المصير حتى يرتدعوا ~~وينزجروا. # هذا ، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى : # 1 أن من الواجب على العاقل أن يكثر من ذكر الله في حالتي الشدة والرخاء ، ~~وأن لا يكون ممن يدعون الله عند الضر وينسونه عند العافية ، ففي الحديث ~~الشريف : «تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة». # 2 ان الناس جبلوا على الرجوع إل الله وحده عند المصائب والمحن ، وفي ذلك ~~يقول الآلوسى : «روى أبو داود والنسائي وغيرهما عن سعد بن أبى وقاص قال : ~~لما كان يوم الفتح فر عكرمة بن أبى جهل فركب البحر فأصابتهم ريح عاصف ، ~~فقال أصحاب السفينة لركابها : أخلصوا فإن آلهتكم لا تغنى عنكم شيئا. فقال ~~عكرمة ms2772 : لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص ، ما ينجيني في البر غيره. ~~اللهم إن لك عهدا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتى محمدا حتى أضع يدي في ~~يده ، فلأجدنه عفوا كريما. قال : فجاء فأسلم. # وفي رواية ابن سعد عن أبى مليكه : أن عكرمة لما ركب السفينة وأخذتهم ~~الريح فجعلوا يدعون الله تعالى ويوحدونه فقال : ما هذا؟ فقالوا : هذا مكان ~~لا ينفع فيه إلا الله تعالى . قال : «فهذا ما يدعونا إليه محمد ~~صلى الله عليه وسلم فارجعوا بنا». فرجع وأسلم ...» (1). # وقال الفخر الرازي : «يحكى أن واحدا قال لجعفر الصادق : اذكر لي دليلا ~~على إثبات PageV07P052 # الصانع؟ فقال له : أخبرنى عن حرفتك : فقال : أنا رجل أتجر في البحر. فقال ~~له : صف لي كيفية حالك. فقال : ركبت البحر فانكسرت السفينة وبقيت على لوح ~~واحد من ألواحها ، وجاءت الرياح العاصفة. فقال جعفر : هل وجدت في قلبك ~~تضرعا ودعاء. فقال : نعم. فقال جعفر : فإلهك هو الذي تضرعت إليه في ذلك ~~الوقت» (1). # وقد ساق صاحب المنار قصة ملخصها «أن رجلا إنجليزيا قرأ ترجمة قوله تعالى ~~( @QUR@06 هو الذي يسيركم في البر والبحر. ) فراعته بلاغة وصفها لطغيان ~~البحر .. وكان يعمل قائدا لإحدى السفن .. فسأل بعض المسلمين : أتعلمون أن ~~نبيكم صلى الله عليه وسلم قد سافر في البحار؟ فقالوا له : لا .. فأسلم الرجل ~~لأنه اعتقد أن القرآن ليس من كلام البشر وإنما هو كلام الله تعالى ...» (2). # 3 دل قوله تعالى ( @QUR@07 يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم ... ) ~~على أن البغي يجازى أصحابه عليه في الدنيا والآخرة. # فأما في الآخرة فهو ما دل عليه إنذار أهله بأنه سبحانه سيجازيهم عليه ~~أسوأ الجزاء. # وأما في الدنيا فبدليل قوله تعالى ( @QUR@07 يا أيها الناس إنما بغيكم ~~على أنفسكم ) ويؤيده ما رواه البخاري في الأدب المفرد والترمذي وابن ماجة ~~والحاكم من حديث أبى بكر الصديق رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال : ما من ذنب يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في ~~الآخرة سوى البغي ms2773 وقطيعة الرحم» (3). # قال الآلوسى. وفي الآية من الزجر عن البغي ما لا يخفى «فقد أخرج أبو نعيم ~~والخطيب والديلمي وغيرهم عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ثلاث هن ~~رواجع على أهلها : المكر والنكث والبغي» ثم تلا صلى الله عليه وسلم قوله تعالى ~~( @QUR@07 يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم ). وقوله تعالى ( @QUR@06 ~~فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ) وقوله تعالى ( @QUR@06 ولا يحيق المكر السيئ ~~إلا بأهله ). # وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن عمر قالا : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «لو بغى جبل على جبل لدك الباغي منهما». PageV07P053 # وكان المأمون يتمثل بهذين البيتين لأخيه : # يا صاحب البغي إن البغي مصرعه %~% فارجع فخير فعال المرء أعدله فلو بغى جبل يوما على جبل %~% لاندك منه أعاليه وأسفله (1) # ثم ساق سبحانه مثلا لمتاع الحياة الدنيا الزائل ، ولزخرفها الفاني ، فقال ~~تعالى : # ( @QUR@043 إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به ~~نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن ~~أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم ~~تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون ) (24) # وقوله سبحانه ( @QUR@02 إنما مثل ... ) المثل بمعنى المثل ، والمثل : ~~النظير والشبيه ، ثم اطلق على القول السائر المعروف لمماثلة مضربه وهو الذي ~~يضرب فيه لمورده الذي ورد فيه أولا ، ولا يكون إلا فيما فيه غرابة. ثم ~~استعير للصفة أو الحال أو القصة إذا كان لها شأن عجيب وفيها غرابة ، وعلى ~~هذا المعنى يحمل المثل في هذه الآية وأشباهها. # والأمثال إنما تضرب لتوضيح المعنى الخفى ، وتقريب الشيء المعقول من الشيء ~~المحسوس ، وعرض الأمر الغائب في صورة المشاهد ، فيكون المعنى الذي ضرب له ~~المثل أوقع في القلوب ، وأثبت في النفوس. # والمعنى : إنما صفة الحياة الدنيا وحالها في سرعة زوالها ، وانصرام ~~نعيمها بعد إقباله. كحال ماء ( @QUR@07 أنزلناه من السماء فاختلط به نبات ~~الأرض ) أى : فكثر بسببه نبات الأرض حتى التف وتشابك بعضه ببعض لازدهاره ~~وتجاوزه ونمائه. PageV07P054 # وشبه سبحانه الحياة الدنيا بماء ms2774 السماء دون ماء الأرض ، لأن ماء السماء ~~وهو المطر لا تأثير لكسب العبد فيه بزيادة أو نقص بخلاف ماء الأرض فكان ~~تشبيه الحياة به أنسب. # وقوله : ( @QUR@04 مما يأكل الناس والأنعام ) معناه : وهذا النبات الذي ~~نما وازدهر بسبب نزول المطر من السماء ، بعضه مما يأكله الناس كالبقول ~~والفواكه. وبعضه مما تأكله الأنعام كالحشائش والأعشاب المختلفة. # وجملة ( @QUR@04 مما يأكل الناس والأنعام ) حال من النبات. # وقوله : ( @QUR@06 حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت .. ) تصوير بديع لما ~~صارت عليه الأرض بعد نزول الماء عليها ، وبعد أن أنبتت من كل زوج بهيج. # ولفظ ( @QUR@01 حتى ) غاية لمحذوف : أى نزل المطر من السماء فاهتزت الأرض ~~وربت وأنبتت النبات الذي ما زال ينمو ويزدهر حتى أخذت الأرض زخرفها. # والزخرف : الذهب وكمال حسن الشيء. ومن القول أحسنه ، ومن الأرض ألوان ~~نباتها. # أى : حتى إذا استوفت الأرض حسنها وبهاءها وجمالها ، وازينت بمختلف أنواع ~~النباتات ذات المناظر البديعة ، والألوان المتعددة. # قال صاحب الكشاف : «وهو كلام فصيح. جعلت الأرض آخذة زخرفها وزينتها على ~~التمثيل بالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة من كل لون فاكتستها ، وتزينت ~~بغيرها من ألوان الزينة ، أصل ازينت تزينت» (1). # وقوله : ( @QUR@05 وظن أهلها أنهم قادرون عليها ) أى : وظن أهل تلك الأرض ~~الزاخرة بالنباتات النافعة. أنهم قادرون على قطف ثمارها ، ومتمكنون من ~~التمتع بخيراتها ، ومن الانتفاع بغلاتها. # وقوله : ( @QUR@07 أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا .. ) تصوير ~~معجز لما أصاب زرعها من هلاك بعد نضرته واستوائه و ( @QUR@01 أو ) للتنويع ~~أى : تارة يأتى ليلا وتارة يأتى نهارا. # والجملة الكريمة جواب إذا في قوله ( @QUR@05 حتى إذا أخذت الأرض زخرفها .. ). # أى : بعد أن بلغت الأرض الذروة في الجمال وفي تعلق الآمال بمنافع زروعها ~~، أتاها قضاؤنا PageV07P055 # النافذ ، وأمرنا المقدر لإهلاكها بالليل وأصحابها نائمون ، أو بالنهار ~~وهم لا هون ، فجعلناها بما عليها كالأرض المحصودة ، التي استؤصل زرعها. # وقوله : ( @QUR@04 كأن لم تغن بالأمس ) تأكيد لهلاكها واستئصال ما عليها ~~من نبات بصورة سريعة حاسمة. # أى : جعلناها كالأرض المحصودة التي قطع زرعها ، حتى لكأنها لم يكن بها ~~منذ وقت قريب : الزرع النضير ms2775 ، والنبات البهيج ، والنخل الباسق ، والطلع ~~النضيد. # قال القرطبي قوله : ( @QUR@04 كأن لم تغن بالأمس ) أى : لم تكن عامرة. من ~~غنى بالمكان إذا أقام فيه وعمره ، والمغانى في اللغة : المنازل التي يعمرها ~~الناس» (1). # وقال ابن كثير : قوله : ( @QUR@04 كأن لم تغن بالأمس ) أى كأنها ما كانت ~~حينا قبل ذلك ، وهكذا الأمور بعد زوالها كأنها لم تكن ، ولهذا جاء في ~~الحديث الشريف : «يؤتى بأنعم أهل الدنيا فيغمس في النار غمسة فيقال له : هل ~~رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول لا. ويؤتى بأشد الناس عذابا في ~~الدنيا فيغمس في النعيم غمسة ثم يقال له : هل رأيت بؤسا قط فيقول لا» (2). # والمراد بالأمس هنا : الوقت الماضي القريب : لا خصوص اليوم الذي قبل يومك. # وقوله : ( @QUR@05 كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون ) تذييل قصد به الحض ~~على التفكير والاعتبار. # أى : كهذا المثل في وضوحه وبيانه لحال الحياة الدنيا ، وقصر مدة التمتع ~~بها نفصل الآيات ونضرب الأمثال الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا لقوم يحسنون ~~التفكير والتدبر في ملكوت السموات والأرض. # قال الجمل ما ملخصه : «وهذه الآية مثل ضربه الله تعالى للمتشبث في الدنيا ~~الراغب في زهرتها وحسنها .. ووجه التمثيل أن غاية هذه الدنيا التي ينتفع ~~بها المرء ، كناية عن هذا النبات الذي لما عظم الرجاء في الانتفاع به ، وقع ~~اليأس منه ، ولأن المتمسك بالدنيا إذا نال منها بغيته أتاه الموت بغتة ~~فسلبه ما هو فيه من نعيم الدنيا ولذتها» (3). PageV07P056 # وبعد أن بين سبحانه حال الحياة الدنيا ، وقصر مدة التمتع بها ، أتبع ذلك ~~بدعوة الناس جميعا إلى العمل الصالح الذي يوصلهم إلى الجنة فقال تعالى : # ( @QUR@011 والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ~~(25) @QUR@016 للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة ~~أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (26) @QUR@027 والذين كسبوا السيئات جزاء ~~سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا ~~من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) (27) # والمقصود بدار السلام : الجنة التي أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين ms2776 ، ~~وسميت بذلك ، لأنها الدار التي سلم أهلها من كل ألم وآفة. أو لأن تحيتهم ~~فيها سلام ، أو لأن السلام من أسماء الله تعالى فأضيفت إليه تعظيما لشأنها ~~، وتشريفا لقدرها ، كما يقال للكعبة : بيت الله. # وقوله : ( @QUR@05 والله يدعوا إلى دار السلام ... ) معطوف على محذوف يدل ~~عليه السياق. # والتقدير : الشيطان يدعوكم إلى إيثار متاع الحياة الدنيا وزخرفها ، والله ~~تعالى يدعو الناس جميعا إلى الإيمان الحق الذي يوصلهم إلى دار كرامته. # وقوله : ( @QUR@06 ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) وهو المؤدى بصاحبه ~~إلى رضوان الله ومغفرته. # والمراد بالصراط المستقيم : الدين الحق الذي شرعه الله لعباده. وبلغه لهم ~~عن طريق نبيه محمد صلى الله عليه وسلم . # وقوله : ( @QUR@04 للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ... ) بيان لحسن عاقبة ~~الذين استجابوا لدعوته ، واتبعوا صراطه المستقيم. PageV07P057 # أى : للمؤمنين الصادقين الذين قدموا في دنياهم الأعمال الصالحة ، المنزلة ~~الحسنى ، والمئوية الحسنى وهي الجنة ، ولهم زيادة على ذلك التفضل من الله ~~تعالى عليهم بالنظر إلى وجهه الكريم. # وتفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم ، مأثور عن جمع من الصحابة منهم ~~أبو بكر ، وعلى بن أبى طالب ، وابن مسعود ، وأبو موسى الأشعرى وغيرهم رضى ~~الله عنهم. # ومستندهم في ذلك الأحاديث النبوية التي وردت في هذا الشأن والتي منها ما ~~أخرجه مسلم في صحيحه عن صهيب رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~تلا هذه الآية ( @QUR@04 للذين أحسنوا الحسنى وزيادة .. ). # وقال : «إذا دخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار ، نادى مناد : يا ~~أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا. يريد أن ينجزكموه فيقولون : ما هو؟ ألم ~~يثقل موازيننا؟ ألم ببيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويزحزحنا عن النار؟ قال : ~~فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه ، فو الله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من ~~النظر إليه ، ولا أقر لأعينهم» (1). # وذكر بعضهم أن المراد بالزيادة هنا : «مضاعفة الحسنات بعشر أمثالها أو ~~أكثر أو مغفرته سبحانه ما فرط منهم في الدنيا ، ورضوانه عليهم في الآخرة». # والحق ان التفسير الوارد عن الصحابة. والمؤيد بما جاء في الأحاديث ~~النبوية هو الواجب ms2777 الاتباع ، ولا يصح العدول عنه. ولا مانع من أن يمن الله ~~عليهم بما يمن من مضاعفة الحسنات ومن المغفرة والرضوان ، بعد نظرهم إلى ~~وجهه الكريم ، أو قبل ذلك. # ولذا قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : قوله : ( @QUR@01 وزيادة ) هي تضعيف ~~ثواب الأعمال .. وأفضل من ذلك النظر إلى وجهه الكريم. فإنه زيادة أعظم من ~~جميع ما يعطوه .. وقد روى تفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم عن جمع من ~~السلف والخلف ، وقد وردت أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ، ~~ومنها ما رواه ابن جرير عن أبى موسى الأشعرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال : «إن الله يبعث يوم القيامة مناديا ينادى يا أهل الجنة بصوت يسمعه ~~أولهم وآخرهم إن الله وعدكم الحسنى وزيادة. فالحسنى الجنة ، والزيادة النظر ~~إلى وجه الرحمن». عز وجل . # وعن أبى بن كعب أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى ( ~~@QUR@01 للذين PageV07P058 # @QUR@03 أحسنوا الحسنى وزيادة ) قال : «الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى ~~وجه الله تعالى » (1). # والمقصود بقوله : ( @QUR@06 ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة ) الإخبار عن ~~خلوص نعيمهم من كل ما يكدر الصفو ، إثر بيان ما أعطاهم من رضوان. # وقوله : ( @QUR@01 يرهق ) من الرهق بمعنى الغشيان والتغطية. يقال : رهقه ~~يرهقه رهقا من باب طرب أى غشيه وغطاه بسرعة. # والقتر والقترة : الغبار والدخان الذي فيه سواد والذلة : الهوان والصغار. ~~يقال : ذل فلان يذل ذلة وذلا ، إذا أصابه الصغار والحقارة. # أى : ولا يغطى وجوههم يوم القيامة شيء مما يغطى وجوه الكفار ، من السواد ~~والهوان والصغار. # وهذه الجملة بما اشتملت عليه من المعاني ، توحى بأن في يوم القيامة من ~~الزحام والأهوال والكروب. ما يجعل آثار الحزن أو الفرح ظاهرة على الوجوه ~~والمشاعر ، فهناك وجوه ( @QUR@04 عليها غبرة. ترهقها قترة ) وهناك وجوه ( ~~@QUR@04 ناضرة. إلى ربها ناظرة ). # وقوله : ( @QUR@06 أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ) تذييل قصد به ~~تأكيد مدحهم ومسرتهم. # أى : أولئك المتصفون بتلك الصفات الكريمة هم أصحاب دار السلام ، وهم ~~خالدون فيها خلودا أبديا ، لا خوف معه ولا ms2778 زوال. # ثم بين سبحانه مصير الظالمين ، بعد أن بين حسن عاقبة المحسنين ، ليهلك من ~~هلك عن بينة ، ويحيى من حي عن بينة فقال تعالى : ( @QUR@021 والذين كسبوا ~~السيئات جزاء سيئة بمثلها ، وترهقهم ذلة ، ما لهم من الله من عاصم ، كأنما ~~أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما ). # أى : إذا كان جزاء الذين أحسنوا الحسنى وزيادة ، فإن جزاء الذين اجترحوا ~~السيئات ، واقترفوا الموبقات ، سيئات مثل السيئات التي ارتكبوها كما قال ~~تعالى ( @QUR@04 وجزاء سيئة سيئة مثلها ). # والمقصود أنهم كما كسبوا السيئات في الدنيا ، فإن الله تعالى يجازيهم ~~عليها في الآخرة بما يستحقون من عذاب ومصير سيئ. PageV07P059 # وقوله : ( @QUR@02 وترهقهم ذلة ) أى : وتغشاهم وتغطيهم ذلة عظيمة ومهانة ~~شديدة ، وفي إسناد الرهق إلى أنفسهم دون وجوههم ، إيذان بأنها محيطة بهم من ~~كل جانب. # وقوله : ( @QUR@06 ما لهم من الله من عاصم ) أى : ليس لهم أحد يعصمهم أو ~~يجيرهم أو يشفع لهم ، بحيث ينجون من عذاب الله تعالى . # وقوله : ( @QUR@07 كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما ) تصوير بديع ~~للظلام الحسى والمعنوي الذي يبدو على وجوه هؤلاء الظالمين. # أى : كأنما ألبست وجوههم قطعا من الليل المظلم ، والسواد الحالك ، حتى ~~صارت شديدة السواد واضحة الكدرة والظلمة. # وقوله : ( @QUR@06 أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) بيان لسوء عاقبتهم ~~، وتعاسة أحوالهم. # أى : أولئك المتصفون بتلك الصفات الذميمة ، أصحاب النار هم فيها خالدون ~~خلودا أبديا لا نهاية له. # وهكذا نرى في هذه الآيات الكريمة تصويرا بديعا لما عليه المؤمنون ~~الصادقون من صفات حسنة ، ومن جزاء كريم ، يتجلى في رفع درجاتهم ، وفي رضا ~~الله تعالى عنهم : كما نرى فيها أيضا وصفا معجزا لأحوال الخارجين عن طاعته ~~؛ ووصفا للمصير المؤلم ، الذي ينتظرهم يوم القيامة ، ( @QUR@09 يوم لا تملك ~~نفس لنفس شيئا ، والأمر يومئذ لله ). # ثم حكى سبحانه جانبا من الأقوال التي تدور بين المشركين وبين شركائهم يوم ~~القيامة ، فقال تعالى : # ( @QUR@018 ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم ~~فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون (28) @QUR@010 فكفى بالله ~~شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين ms2779 (29) @QUR@016 هنالك تبلوا ~~كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون ) (30) PageV07P060 # وقوله : ( @QUR@01 نحشرهم ) أى نجمعهم يوم القيامة للحساب ، يقال : حشر ~~القائد جنده ، إذا جمعهم للحرب أو لأمر من الأمور. # ويوم ظرف زمان منصوب بفعل مقدر. # والمعنى : واذكر أيها الرسول الكريم أو أيها الإنسان العاقل ، يوم نجمع ~~الناس كافة ، لنحاسبهم على أعمالهم في الدنيا. # ( @QUR@07 ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم ) أى : ثم نقول ~~للمشركين منهم في هذا اليوم العصيب ، الزموا مكانكم أنتم وشركاؤكم فلا ~~تبرحوه حتى يقضى الله قضاءه فيكم ، فقوله : ( @QUR@01 مكانكم ) ظرف مكان ~~منصوب بفعل مقدر ، وقوله ( @QUR@01 وشركاؤكم ) معطوف على ضمير الفعل المقدر ~~، وقوله ( @QUR@01 أنتم ) تأكيد له. أى قفوا مكانكم أنتم وشركاؤكم. # وجاء العطف بثم ، للإشارة إلى أن بين حشرهم وبين ما يقال لهم ، مواقف ~~أخرى فيها من الأهوال ما فيها ، فثم هنا للتراخي النسبي. # وقال سبحانه ( @QUR@03 مكانكم أنتم وشركاؤكم ) مع أن المشركين كانوا ~~يعتبرون معبوداتهم شركاء الله من باب التهكم بهم. وللإشارة إلى أن ما ~~عبدوهم لم يكونوا في يوم من الأيام شركاء لله ، وإنما المشركون هم الذين ~~وصفوهم بذلك افتراء وكذبا. # وجاء وصفهم بالشرك في حيز الصلة ، للإيذان بأنه أكبر جناياتهم ؛ وأن ~~شركهم بالله تعالى هو الذي أدى بهم إلى هذا المصير المؤلم. # وقوله : ( @QUR@02 فزيلنا بينهم ) أى : ففرقنا بينهم ، وقطعنا ما بينهم ~~من صلات ، وميزنا بعضهم عن بعض كما يميز بين الخصوم عند التقاضي والمساءلة. # وزيلنا : من التزييل بمعنى التمييز والتفريق ، يقال : زيلت الشيء أزيله ~~إذا نحيته وأبعدته ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@08 لو تزيلوا لعذبنا الذين ~~كفروا منهم عذابا أليما ) (1) أى : لو تميزوا وتفرقوا. # وعبر بالفاء للدلالة على أن هذا التفريق والتمييز ؛ قد حدث عقب الخطاب من ~~غير مهلة وجاء الأسلوب بصيغة الماضي مع أن هذا التذييل سيكون في الآخرة ، ~~للإيذان بتحقيق الوقوع ، وإلى زيادة التوبيخ والتحسير لهم. # وقوله : ( @QUR@06 وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون ) معطوف على ما قبله. PageV07P061 # والمراد بالشركاء ؛ كل ما عبد من دون الله من إنس وجن وأوثان وغير ذلك. ms2780 # أى : وقال شركاؤهم الذين أشركوهم في العبادة مع الله تعالى : إنكم أيها ~~المشركون لم تكونوا لنا عابدين في الدنيا ، وإنما كنتم تعبدون أشياء أخرى ~~زينها الشيطان لكم ؛ فانقدتم له بدون تدبر أو تعقل. # والمقصود بقولهم هذا التبري من المشركين ، وتوبيخهم على أفكارهم الفاسدة. # وقوله : ( @QUR@010 فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم ~~لغافلين ) تأكيد لهذا التبري والإنكار ، ورجوع إلى الشهادة الحق في ذلك. # و ( @QUR@01 إن ) في قوله ( @QUR@02 إن كنا ) مخففة من الثقيلة .. أى : ~~فكفى أن يكون الله تعالى شهيدا وحكما بيننا وبينكم ، فهو سبحانه يعلم حالنا ~~وحالكم ، ويعلم أننا كنا في غفلة عن عبادتكم لنا ، بحيث إننا ما فكرنا فيها ~~ولا رضينا بها. # ثم ختم سبحانه هذه الآيات الكريمة ببيان أحوال الناس في هذا اليوم العظيم ~~فقال : ( @QUR@016 هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت ، وردوا إلى الله مولاهم ~~الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون ). # أى : هنالك في ذلك الموقف الهائل الشديد ، تختبر كل نفس مؤمنة أو كافرة : ~~ما سلف منها من أعمال ، فترى ما كان نافعا أو ضارا من هذه الأعمال ، وترى ~~الجزاء المناسب عن كل عمل بعد أن عاد الجميع إلى الله مولاهم الحق ، ليقضى ~~بينهم بقضائه العادل ، وقد غاب عن المشركين في هذا الموقف ما كانوا يفترونه ~~من أن هناك آلهة أخرى ستشفع لهم يوم القيامة. # وهكذا ترى الآيات الكريمة تصور أحوال الناس يوم الدين تصويرا بليغا مؤثرا ~~، يتجلى فيه موقف الشركاء من عابديهم ، وموقف كل إنسان من عمله الذي أسلفه ~~في الدنيا. # وبعد هذا الحديث المعجز عن يوم الحشر وأهواله ، ساقت السورة الكريمة بضع ~~آيات فيها الأدلة المقنعة على وحدانية الله وقدرته ، ولكن بأسلوب السؤال ~~والجواب ، فقال تعالى : # ( @QUR@022 قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن ~~يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر PageV07P062 # @QUR@05 فسيقولون الله فقل أفلا تتقون (31) @QUR@012 فذلكم الله ربكم ~~الحق فما ذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون (32) @QUR@010 كذلك حقت كلمة ~~ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون ms2781 ) (33) # والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين : من الذي يرزقكم من السماء ~~بالأمطار وما يتولد عنها ، ومن الأرض وما يخرج منها من نباتات وأشجار ، ~~وغير ذلك مما تخرجه الأرض. # وقوله : ( @QUR@04 أمن يملك السمع والأبصار ) أى : بل قل لهم أيضا من ~~الذي يملك ما تتمتعون به من سمع وبصر ، ومن الذي يستطيع خلقهما وتسويتهما ~~بالطريقة التي أوجدها سبحانه. # وخص هاتين الحاستين بالذكر ، لأن لهما أعظم الأثر في حياة الإنسان ، ~~ولأنهما قد اشتملتا في تركيبهما على ما بهر العقول ، ويشهد بقدرته تعالى ~~وعجيب صنعه في خلقه. # وأم هنا منقطعة بمعنى بل ، وهي هنا للإضراب الانتقالى لا الإبطالى ، وفيه ~~تنبيه على كفاية هذا الاستفهام في الدلالة على المقصود ، وهو إثبات قدرة ~~الله تعالى ووجوب إخلاص العبادة له. # وقوله : ( @QUR@09 ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ) دليل ~~ثالث على قدرة الله ووحدانيته. # أى : وقل لهم كذلك من سوى الله تعالى يملك إخراج النبات وهو كائن حي من ~~الأرض الميتة ، وإخراج الإنسان وهو كائن حي من النطفة وبالعكس ، وإخراج ~~الطير من البيضة وبالعكس. # وقوله : ( @QUR@03 ومن يدبر الأمر ) دليل رابع على قدرة الله ووحدانيته ~~أى : وقل لهم أيضا من الذي يتولى تدبير أمر هذا الكون من إحياء وإماتة ، ~~وصحة ومرض ، وغنى وفقر ، وليل ونهار ، وشمس وقمر ونجوم ... # هذه الجملة الكريمة من باب التعميم بعد التخصيص ، لأن كل ما سبق من نعم ~~يندرج فيها. # وقوله : ( @QUR@02 فسيقولون الله ) حكاية للجواب الذي لا يستطيعون إنكاره ~~، لأنهم مقرون معترفون بأن الله تعالى هو الذي خلقهم ، وهو الذي يدبر أمرهم ~~، وإنما كانوا يتخذون PageV07P063 # الشركاء للزلفى ، كما حكى القرآن عنهم في قوله : ( @QUR@06 ولئن سألتهم ~~من خلقهم ليقولن الله .. ) وفي قوله سبحانه حكاية عنهم ( @QUR@07 ما نعبدهم ~~إلا ليقربونا إلى الله زلفى .. ). # ولفظ الجلالة مبتدأ ، والخبر محذوف والتقدير : فسيقولون الله وحده هو ~~الذي فعل كل ذلك. # وقوله : ( @QUR@03 فقل أفلا تتقون ) أمر من الله تعالى لرسوله ~~صلى الله عليه وسلم بأن يرد عليهم بهذا الرد. # والهمزة لإنكار واقعهم الذميم ، وهي داخلة على كلام مقدر ms2782 ، ومفعول تتقون محذوف. # أى : أتعلمون وتعترفون بأن الله تعالى هو الخالق لكل ما سبق ، ومع ذلك ~~تشركون معه آلهة في العبادة ، دون أن تتقوا عذابه يوم القيامة؟. # إن مسلكك هذا إنما يدل على ضعف في التفكير ، وانطماس في العقول ، وجهالة ~~ليس بعدها جهالة. # ثم أرشدهم سبحانه إلى الطريق القويم لو كانوا يعقلون فقال : ( @QUR@04 ~~فذلكم الله ربكم الحق ... ). # أى : فذلكم الذي فعل ما فعل من رزقكم ومن تدبير أمركم ، هو الله المربى ~~لكم بنعمه ، وهو الذي لا تحق العبودية والألوهية إلا له وحده. # إذا كان الأمر كذلك ( @QUR@06 فما ذا بعد الحق إلا الضلال ) أى لا يوجد ~~غير الحق شيء يتبع سوى الضلال ، فمن ترك الحق وهو عبادة الله وحده ، فقد ~~وقع في الباطل والضلال وهو عبادة غيره من الآلهة الأخرى. # قال القرطبي : «ثبت عن عائشة رضى الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل قال : «اللهم لك الحمد» الحديث ، وفيه : ~~أنت الحق ، ووعدك الحق ، وقولك الحق ، ولقاؤك الحق ، والجنة حق والنار حق ، ~~والنبيون حق ، ومحمد حق ...». # فقوله : أنت الحق ، أى الواجب الوجود ، وأصله من حق الشيء إذا ثبت ووجب ~~وهذا الوصف لله تعالى بالحقيقة ، إذ وجوده بنفسه لم يسبقه عدم ولا يلحقه ~~عدم ، وما عداه مما يقال عليه هذا الاسم مسبوق بعدم ، ويجوز عليه لحاق ~~العدم ، ووجوده من موجده لا من نفسه. # ومقابلة الحق بالضلال عرف لغة وشرعا كما في هذه الآية .. والضلال حقيقته ~~الذهاب عن PageV07P064 # الحق مأخوذ من ضلال الطريق ، وهو العدول عن سمته ، يقال : ضل الطريق وأضل ~~الشيء إذا أضاعه ..» (1). # وقوله : ( @QUR@02 فأنى تصرفون ) أى : فكيف تصرفون وتتحولون عن الحق إلى ~~الضلال ، بعد اعترافكم وإقراركم بأن خالقكم ورازقكم ومدبر أمركم هو الله ~~تعالى وحده. # فأنى هنا بمعنى كيف ، والاستفهام لإنكار واقعهم المخزى واستبعاده والتعجب منه. # ومن الأحكام التي تؤخذ من هذه الآية الكريمة : أن الحق والباطل ، والهدى ~~والضلال ، نقيضان لا يجتمعان ، لأن النقيضين يمتنع أن يكونا حقين وأن يكونا ~~باطلين في وقت ms2783 واحد بل متى ثبت أن أحدهما هو الحق ، وجب أن يكون الآخر هو ~~الباطل. # ثم بين سبحانه سنة من سننه التي لا تتخلف ولا تتبدل ، فقال تعالى : # ( @QUR@010 كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون ). # والكاف للتشبيه بمعنى مثل. وحقت بمعنى وجبت وثبتت. # والمراد بالكلمة هنا : حكمه وقضاؤه سبحانه . # والمعنى : مثل ما ثبت أن الله تعالى هو الرب الحق ، وأنه ليس بعد الحق ~~إلا الضلال ، ثبت أيضا الحكم والقضاء منه سبحانه على الذين فسقوا عن أمره ، ~~وعموا وصموا عن الحق ، أنهم لا يؤمنون به ، لأنهم إن يروا سبيل الرشد لا ~~يتخذوه سبيلا ، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا. # فالمراد بالفسق هنا : التمرد في الكفر ، والسير فيه إلى أقصى حدوده. # ثم ساق سبحانه أنواعا أخرى من الأدلة على وحدانية الله تعالى وقدرته. # فقال : # ( @QUR@017 قل هل من شركائكم من يبدؤا الخلق ثم يعيده قل الله يبدؤا ~~الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون (34) @QUR@018 قل هل من شركائكم من يهدي إلى ~~الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن PageV07P065 # @QUR@011 يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون (35) @QUR@017 ~~وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم بما ~~يفعلون ) (36) # أى : قل يا محمد لهؤلاء الغافلين عن الحق : هل من شركائكم الذين عبدتموهم ~~من دون الله ، أو أشركتموهم مع الله ، من له القدرة على أن يبدأ خلق ~~الإنسان من نطفة ، ثم من علقة ، ثم من مضغة ... ثم ينشئه خلقا آخر ، ثم ~~يعيده إلى الحياة مرة أخرى بعد موته؟ # قل لهم يا محمد : الله وحده هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده ، أما شركاؤكم ~~فهم أعجز من أن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ... # وإذا كان الأمر كذلك من الوضوح والظهور ( @QUR@02 فأنى تؤفكون ) والإفك ~~الصرف والقلب عن الشيء. يقال : أفكه عن الشيء يأفكه أفكا ، إذا قلبه عنه وصرفه. # أى فكيف ساغ لكم أن تصرفوا عقولكم عن عبادة الإله الحق ، إلى عبادة أصنام ~~لا تنفع ولا تضر؟!. ms2784 # وجاءت جملة ( @QUR@04 قل هل من شركائكم .. ) بدون حرف العطف على ما قبلها ~~للإيذان باستقلالها في حصول المطلوب ، وإثبات المقصود. # وساق سبحانه الأدلة بأسلوب السؤال والاستفهام ، لأن الكلام إذا كان واضحا ~~جليا ثم ذكر على سبيل الاستفهام ، وتفويض الجواب إلى المسئول كان ذلك أبلغ ~~وأوقع في القلب. # وجعل سبحانه إعادة المخلوقات بعد موتها حجة عليهم في التدليل على قدرته ~~مع عدم اعترافهم بها ، للإيذان بسطوع أدلتها ، لأن القادر على البدء يكون ~~أقدر على الإعادة كما قال تعالى ( @QUR@09 وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده ~~وهو أهون عليه .. ) (1). # فلما كان إنكارهم لهذه الحقيقة الواضحة من باب العناد أو المكابرة ، نزل ~~إنكارهم لها منزلة العدم. # وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : «فإن قلت : كيف قيل لهم هل من PageV07P066 # شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده ، وهم غير معترفين بالإعادة؟. # قلت : قد وضعت إعادة الخلق لظهور برهانها موضع ما إن دفعه دافع كان ~~مكابرا رادا الظاهر البين الذي لا مدخل للشبهة فيه ، ودلالة على أنهم في ~~إنكارهم لها منكرون أمرا مسلما معترفا بصحته عند العقلاء. وقال لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم : ( @QUR@06 قل الله يبدؤا الخلق ثم يعيده ) فأمره بأن ~~ينوب عنهم في الجواب. يعنى أنه لا يدعهم لجاجهم ومكابرتهم أن ينطقوا بكلمة ~~الحق فتكلم أنت عنهم ..» (1). # وقوله : ( @QUR@012 قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق ~~). حجة أخرى تدمغ جهلهم ، جيء بها لتكون دليلا على قدرة الله على الهداية ~~والإضلال ، عقب إقامة الأدلة على قدرته سبحانه على بدء الخلق وإعادتهم. # أى : قل لهم يا محمد أيضا على سبيل التهكم من أفكارهم : هل من شركائكم من ~~يستطيع أن يهدى غيره إلى الدين الحق ، فينزل كتابا ، أو يرسل رسولا ، أو ~~يشرع شريعة ، أو يضع نظاما دقيقا لهذا الكون. أو يحث العقول على التدبر ~~والتفكر في ملكوت السموات والأرض ...؟ # قل لهم يا محمد : الله وحده هو الذي يفعل كل ذلك ، أما شركاؤكم فلا ~~يستطيعون أن يفعلوا شيئا من ذلك أو من غيره. # وقوله : ( @QUR@013 أفمن يهدي ms2785 إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن ~~يهدى .. ) توبيخ آخر لهم على جهالاتهم وغفلتهم عن إدراك الأمور الواضحة. # أى : قل لهم يا محمد : أفمن يهدى غيره إلى الحق وهو الله تعالى . أحق أن ~~يتبع فيما يأمر به وينهى عنه ، أم من لا يستطيع أن يهتدى بنفسه إلا أن ~~يهديه غيره أحق بالاتباع؟ لا شك أن الذي يهدى غيره إلى الحق أحق بالاتباع ~~من الذي هو في حاجة إلى أن يهديه غيره. # وقوله : ( @QUR@04 فما لكم كيف تحكمون ) استفهام قصد به التعجيب من ~~أحوالهم التي تدعو إلى الدهشة والغرابة. # أى : ما الذي وقع لكم ، وما الذي أصابكم في عقولكم حتى صرتم تشركون في ~~العبادة مع الله الخالق الهادي ، مخلوقات لا تهدى بنفسها وإنما هي في حاجة ~~إلى من يخلقها ويهديها. # قال الإمام الرازي : «واعلم أن الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أولا ثم ~~بالهداية PageV07P067 # ثانيا ، عادة مطردة في القرآن ، فقد حكى سبحانه عن إبراهيم أنه ذكر ذلك ~~فقال : ( @QUR@04 الذي خلقني فهو يهدين ) وعن موسى أنه قال : ( @QUR@08 ~~ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ) وأمر محمدا صلى الله عليه وسلم بذلك فقال ~~: ( @QUR@010 سبح اسم ربك الأعلى. الذي خلق فسوى ، والذي قدر فهدى ). وهو ~~في الحقيقة دليل شريف ، لأن الإنسان له جسد وله روح ، فالاستدلال على وجود ~~الصانع بأحوال الجسد هو الخلق ، والاستدلال بأحوال الروح هو الهداية ، ~~فهاهنا أيضا لما ذكر دليل الخلق في الآية الأولى وهو قوله : ( @QUR@05 من ~~يبدؤا الخلق ثم يعيده ) أتبعه بدليل الهداية في هذه الآية (1). # وقوله : ( @QUR@03 أمن لا يهدي ) ورد فيه ست قراءات ، منها قراءة يعقوب ~~وحفص بكسر الهاء وتشديد الدال ، ومنها قراءة حمزة والكسائي بالتخفيف كيرمى ~~، ومنها قراءة ابن كثير وابن عامر وورش عن نافع «يهدى» فتح الياء والهاء ~~وتشديد الدال .. (2). # والاستثناء في قوله : ( @QUR@06 أمن لا يهدي إلا أن يهدى ) مفرغ من أعم ~~الأحوال. # والتقدير : أفمن يهدى إلى الحق أحق بالاتباع ، أم من لا يستطيع الهداية ~~إلا أن يهديه إليها غيره أحق بالاتباع؟ # وجاء قوله سبحانه ms2786 ( @QUR@04 فما لكم كيف تحكمون ) باستفهامين متواليين ، ~~زيادة في توبيخهم وتقريعهم ، ولفت أنظارهم إلى الحق الواضح الذي لا يخفى ~~على كل ذي عقل سليم. # وقوله : ( @QUR@05 وما يتبع أكثرهم إلا ظنا ... ) توبيخ آخر لهم على ~~انقيادهم للأوهام والظنون ، وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم ~~من إساءات. # أى : إن هؤلاء الذين أعرضوا عن دعوتك يا محمد ، لا يتبعون في عقائدهم ~~وعبادتهم لغير خالقهم سوى الظنون والأوهام التي ورثها الأبناء عن الآباء. # وخص أكثرهم بالذكر ، لأن هناك قلة منهم يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم ، ~~ولكنهم لا يتبعونه عنادا وجحودا وحسدا ، كما قال تعالى ( @QUR@08 فإنهم لا ~~يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ) (3). # ويجوز أن يكون سبحانه خص أكثرهم بالذكر ، للإشارة إلى أن هناك قلة منهم ~~تعرف الحق ، وستتبعه في الوقت الذي يريده الله تعالى. PageV07P068 # والتنكير في قوله ( @QUR@01 ظنا ) للتنويع. أى لا يتبع أكثرهم إلا نوعا ~~من الظن الواهي الذي لا يستند إلى دليل أو برهان. # وقوله : ( @QUR@07 إن الظن لا يغني من الحق شيئا ) استئناف مسوق لبيان ~~شأن الظن وبطلانه. # والمراد بالظن هنا : ما يخالف العلم واليقين ، والمراد بالحق : العلم ~~والاعتقاد الصحيح المطابق للواقع. # أى : إن الظن الفاسد المبنى على الأوهام لا يغنى صاحبه شيئا من الإغناء ، ~~عن الحق الثابت الذي لا ريب في ثبوته وصحته. # وقوله ( @QUR@01 شيئا ) مفعول مطلق أى : لا يغنى شيئا من الإغناء ، ويجوز ~~أن يكون مفعولا به على جعل يغنى بمعنى يدفع. # وقوله : ( @QUR@05 إن الله عليم بما يفعلون ) تذييل قصد به التهديد ~~والوعيد. # أى : إن الله تعالى عليم بأقوالهم وأفعالهم ، وسيحاسبهم عليها يوم ~~القيامة ، وسينالون ما يستحقونه من عقاب بسبب أقوالهم الباطلة. وأفعالهم ~~الفاسدة. # قال صاحب المنار ما ملخصه : «استدل العلماء بهذه الآية على أن العلم ~~اليقيني واجب في الاعتقاديات ، ويدخل في الاعتقاديات الإيمان بأركان ~~الإسلام وغيرها من الفرائض والواجبات القطعية ، والإيمان بتحريم المحظورات ~~القطعية كذلك ... # أما ما دون العلم اليقيني مما لا يفيد إلا الظن فلا يؤخذ به في الاعتقاد ~~وهو متروك للاجتهاد في الأعمال ، كاجتهاد الأفراد في ms2787 الأعمال الشخصية ، ~~واجتهاد أولى الأمر في الإدارة والسياسة ، مع التقيد بالشورى وتحرى العدل ~~..» (1). # وبعد أن ساقت السورة الكريمة ألوانا من البراهين الدالة على وحدانية الله ~~تعالى ، وعلى صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه ، وعلى أن هذا ~~القرآن من عند الله تعالى ، عادت السورة الكريمة إلى الحديث عن القرآن ~~الكريم ، فتحدت أعداءه أن يأتوا بسورة مثله ، ووصفتهم بالجهالة وسفاهة ~~الرأى ، وصورت أحوالهم ومواقفهم من دعوة الحق تصويرا بليغا. استمع إلى ~~السورة الكريمة وهي تتحدث عن كل ذلك فتقول : PageV07P069 # ( @QUR@022 وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين ~~يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (37) @QUR@016 أم يقولون ~~افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ~~(38) @QUR@019 بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب ~~الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين (39) @QUR@012 ومنهم من يؤمن ~~به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين (40) @QUR@015 وإن كذبوك فقل ~~لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون (41) ~~@QUR@011 ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون (42) ~~@QUR@011 ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون (43) ~~@QUR@010 إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ) (44) # قال الإمام ابن كثير «هذا بيان لإعجاز القرآن ، وأنه لا يستطيع البشر أن ~~يأتوا بمثله ، ولا بعشر سور ولا بسورة من مثله ؛ لأنه بفصاحته وبلاغته ~~ووجازته وحلاوته واشتماله على المعاني الغزيرة النافعة في الدنيا والآخرة ، ~~لا يكون إلا من عند الله تعالى الذي لا يشبهه شيء في ذاته ولا في صفاته ، ~~ولا في أفعاله ولا في أقواله ، فكلامه لا يشبه كلام المخلوقين ، ولهذا قال ~~تعالى : ( @QUR@09 وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ) (1). PageV07P070 # والنفي هنا للشأن الذي هو أبلغ في النفي ، وأعمق في الدلالة على أن هذا ~~القرآن من عند الله ، من نفى الشيء في ذاته مباشرة. # أى : وليس من شأن هذا ms2788 القرآن المعجز ، أن يخترعه أو يختلقه أحد من الإنس ~~أو الجن أو غيرهما ؛ لأن ما اشتمل عليه من إعجاز وبلاغة وتشريعات حكيمة ، ~~وآداب قويمة ، وهدايات جامعة ... يشهد بأنه من كلام خالق القوى والقدر. # وقوله : ( @QUR@07 ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب ) بيان لكمال ~~هداية القرآن الكريم ، وهيمنته على الكتب السماوية السابقة. # والمراد بالذي بين يديه : الكتب السابقة على القرآن كالتوراة والإنجيل ~~والزبور. # وقوله ( @QUR@02 بين يديه ) فيه نوع مجاز ؛ لأن ما بين يدي الشيء يكون ~~أمامه ، فوصف سبحانه ما مضى من الكتب بأنها بين يدي القرآن لشدة ظهورها ~~واشتهارها ، ومعنى تصديق القرآن للكتب السابقة : تأييده لما اشتملت عليه من ~~دعوة إلى وحدانية الله تعالى ، ومن أمر باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم عند ظهوره. # وأل في ( @QUR@01 الكتاب ) للجنس ، فالمراد به جنس الكتب السماوية التي ~~أنزلها سبحانه على بعض أنبيائه. # والمعنى : ليس من شأن هذا الكتاب في إعجازه وهدايته أن يكون من عند غير ~~الله ، لأن غيره سبحانه لا يقدر على ذلك ، ولكن من شأنه أن يكون مؤيدا ~~للكتب السماوية السابقة فيما دعت إليه من إخلاص العبودية لله تعالى ومن ~~اتباع لرسله ، وأن يكون مفصلا وموضحا لما اشتملت عليه هذه الكتب من تشريعات ~~وآداب وأحكام. # وقوله ( @QUR@01 تصديق ) منصوب على أنه معطوف على خبر كان ، أو على أنه ~~خبر لكان المقدرة أى : ولكن كان تصديق. # وقوله ( @QUR@06 لا ريب فيه من رب العالمين ) بيان لمصدره. # أى : هذا الكتاب لا ريب ولا شك في كونه منزلا على رسوله محمد ~~صلى الله عليه وسلم من الله تعالى رب العالمين. # وفصلت جملة ( @QUR@03 لا ريب فيه ) عما قبلها لأنها مؤكدة له ، ومقررة ~~لمضمونه. # ونفى سبحانه عن القرآن الريب على سبيل الاستغراق : مع وقوع الريب فيه من ~~المشركين ، حيث وصفوه بأنه أساطير الأولين ، لأنه لروعة بيانه ، وسطوع حجته ~~، ووضوح دلائله ، لا يرتاب ذو عقل متدبر في كونه وحيا سماويا ، ومصدر هداية ~~وإصلاح. PageV07P071 # فجملة ( @QUR@03 لا ريب فيه ) تنفى الريب في القرآن عمن شأنهم أن يتدبروه ~~، ويقبلوا على النظر فيه بروية ms2789 ومن ارتاب فيه فلأنه لم يقبل عليه بأذن ~~واعية ، أو بصيرة نافذة أو قلب سليم. # وقوله سبحانه ( @QUR@03 أم يقولون افتراه ) انتقال من بيان كون القرآن من ~~عند الله ، إلى بيان مزاعمهم فيه. # وأم هنا منقطعة بمعنى بل والهمزة للاستفهام ، أى : بل أيقولون إن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم هو الذي أتى بهذا القرآن من عند نفسه لا من عند الله. # وقوله ( @QUR@010 قل فأتوا بسورة مثله ، وادعوا من استطعتم من دون الله ) ~~. أمر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يرد عليهم بما يكبتهم ويخرس ~~ألسنتهم. # أى : قل لهم : يا محمد على سبيل التبكيت والتحدي : إن كان الأمر كما ~~زعمتم من أنى أنا الذي اختلقت هذا القرآن ، فأتوا أنتم يا فصحاء العرب ~~بسورة مثل سوره في البلاغة والهداية وقوة التأثير ، وقد أبحت لكم مع ذلك أن ~~تدعوا لمعاونتكم ومساعدتكم في بلوغ غايتكم كل من تستطيعون دعوته سوى الله ~~تعالى وجاءت كلمة «سورة» منكرة ، للإشارة إلى أنه لا يطالبهم بسورة معينة ، ~~وإنما أباح لهم أن يأتوا بأية سورة من مثل سور القرآن ، حتى ولو كانت كأصغر ~~سورة منه. # والضمير في ( @QUR@01 مثله ) يعود إلى القرآن الكريم ، والمراد بمثله هنا ~~: ما يشابهه في حسن النظم ، وجمال الأسلوب ، وسداد المعنى ، وقوة التأثير. # وقوله : ( @QUR@01 وادعوا ) من الدعاء ، والمراد به هنا : طلب حضور ~~المدعو أى نادوهم. # وكلمة ( @QUR@01 من ) في قوله : ( @QUR@02 من استطعتم ) تشمل آلهتهم ~~وبلغاءهم وشعراءهم وكل من يتوسمون فيه العون والمساعدة. # وكلمة ( @QUR@01 دون ) هنا بمعنى غير أى : ادعوا لمساعدتكم كل من ~~تستطيعون دعوته غير الله تعالى فإنه وحده القادر على أن يأتى بمثله. # وقوله : ( @QUR@03 إن كنتم صادقين ) جملة شرطية ، وجوابها محذوف لدلالة ~~الكلام السابق عليه ، أى : إن كنتم صادقين في دعواكم أنى افتريت هذا القرآن ~~، فهاتوا سورة مثله مفتراة ، فإنكم مثلي في العربية والفصاحة. # فأنت ترى أن الآية الكريمة قد تحدتهم وأثارت حماستهم ، وأرخت لهم الحبل ، ~~وعرضت بعدم صدقهم ، حتى تتوافر دواعيهم على المعارضة التي زعموا أنهم أهل لها. PageV07P072 # قال الآلوسى : «هذه الآية دلالة ms2790 على إعجاز القرآن ، لأنه صلى الله عليه وسلم ~~تحدى مصاقع العرب بسورة ما منه ، فلم يأتوا بذلك ، وإلا فلو أتوا بذلك لنقل ~~إلينا ، لتوفر الدواعي على نقله» (1). # هذا وقد عقد صاحب الظلال فصلا طويلا للحديث عن إعجاز القرآن فقال : «وقد ~~ثبت هذا التحدي ، وثبت العجز عنه ، وما يزال ثابتا ولن يزال ، والذين ~~يدركون بلاغة هذه اللغة ، ويتذوقون الجمال الفنى والتناسق فيها ، يدركون أن ~~هذا النسق من القول لا يستطيعه إنسان ، وكذلك الذين يدرسون النظم ~~الاجتماعية ، والأصول التشريعية ، ويدرسون النظام الذي جاء به هذا القرآن ، ~~يدركون أن النظرة فيه إلى تنظيم الحاجة الإنسانية ومقتضيات حياتها من جميع ~~جوانبها ، والفرص المدخرة فيه لمواجهة الأطوار والتقلبات في يسر ومرونة كل ~~أولئك أكبر من أن يحيط به عقل بشرى واحد ، أو مجموعة من العقول في جيل واحد ~~أو في جميع الأجيال ، ومثلهم الذين يدرسون النفس الإنسانية ووسائل الوصول ~~إلى التأثير فيها وتوجيهها ، ثم يدرسون وسائل القرآن وأساليبه. # فليس هو إعجاز اللفظ والتعبير وأسلوب الأداء وحده ، ولكنه الإعجاز المطلق ~~الذي يلمسه الخبراء في هذا وفي النظم والتشريعات والتقسيمات وما إليها ...» (2). # ثم انتقلت السورة الكريمة من توبيخهم على كذبهم وجحودهم ، إلى توبيخهم ~~على جهلهم وغباوتهم فقال تعالى : ( @QUR@09 بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ~~ولما يأتهم تأويله ... ). # أى : أن هؤلاء الأشقياء لم يكتفوا بما قالوه في شأن القرآن الكريم من ~~أقاويل فاسدة ، بل هرولوا إلى تكذيب ما فيه من هدايات سامية ، وآداب عالية ~~، وأخبار صادقة ، بدون فهم أو تدبر ، وبدون انتظار لتفسير معانيه وأخباره ~~التي لم يهتدوا إلى معرفتها بعد. # قال صاحب الكشاف قوله ( @QUR@09 بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم ~~تأويله ) أى : بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن قبل أن يفقهوه ويعلموا كنه ~~أمره ، وقبل أن يتدبروه ويقفوا على تأويله ومعانيه ، وذلك لفرط نفورهم عما ~~يخالف دينهم ، وشرادهم عن مفارقة دين آبائهم كالناشئ على التقليد من ~~الحشوية ، إذا أحس بكلمة لا توافق ما نشأ عليه وألفه ، وإن كانت أضوأ من ~~الشمس في ظهور الصحة وبيان الاستقامة ms2791 أنكرها في أول وهلة ، واشمأز منها قبل ~~أن يحسن إدراكها بحاسة سمعه من غير فكر في صحة أو فساد ، لأنه لم يشعر قلبه ~~إلا صحة مذهبه ، وفساد ما عداه من المذاهب .. PageV07P073 # فإن قلت : فما معنى التوقع في قوله : ( @QUR@03 ولما يأتهم تأويله )؟ ~~قلت : معناه أنهم كذبوا به على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل ، تقليدا ~~للآباء ، وكذبوه بعد التدبر تمردا ، وعنادا فذمهم بالتسرع إلى التكذيب قبل العلم. # ويجوز أن يكون معنى ( @QUR@03 ولما يأتهم تأويله ) ولم يأتهم بعد تأويل ~~ما فيه من الإخبار بالغيوب ، يعنى أنه كتاب معجز من جهتين : من جهة إعجاز ~~نظمه ، ومن جهة ما فيه من الإخبار بالغيوب ، فتسرعوا إلى التكذيب به قبل أن ~~ينظروا في نظمه وبلوغه حد الإعجاز ، وقبل أن يخبروا إخباره بالمغيبات وصدقه ~~وكذبه» (1). # وقال الآلوسى : وعبر سبحانه بقوله : ( @QUR@06 بل كذبوا بما لم يحيطوا ~~بعلمه ) دون أن يقال. بل كذبوا به من غير أن يحيطوا بعلمه أو نحوه للإيذان ~~بكمال جهلهم به ، وأنهم لم يعلموه إلا بعنوان عدم العلم به ، وبأن تكذيبهم ~~به إنما هو بسبب عدم إحاطتهم بعلمه ، لما أن تعليق الحكم بالموصول مشعر ~~بعلية ما في حيز الصلة له ، وأصل الكلام بما لم يحيطوا به علما ، إلا أنه ~~عدل منه إلى ما في النظم الكريم لأنه أبلغ. # ونفى إتيان التأويل بكلمة ( @QUR@01 لما ) الدالة على توقع منفيها بعد ~~نفى الإحاطة بعلمه بكلمة «لم» ؛ لتأكيد الذم ، وتشديد التشنيع ، فإن ~~الشناعة في تكذيب الشيء ، قبل علمه المتوقع إتيانه أفحش منها في تكذيبه قبل ~~علمه مطلقا» (2). # وقوله ( @QUR@010 كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ~~) تهديد لهم ووعيد على التمادي في العناد. # أى : كما كذب المشركون نبيهم محمدا صلى الله عليه وسلم عن جهل وجحود : كذب ~~الذين من قبلهم أنبياءهم ، كقوم نوح وعاد وثمود ، فكانت نتيجة هذا التكذيب ~~أن أخذهم الله تعالى أخذ عزيز مقتدر. # قال تعالى : ( @QUR@028 فكلا أخذنا بذنبه ، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ، ~~ومنهم من أخذته الصيحة ، ومنهم من خسفنا به الأرض ، ومنهم من أغرقنا ms2792 وما ~~كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) (3). # ثم فصل سبحانه أحوالهم ومواقفهم من القرآن الكريم فقال : ( @QUR@012 ~~ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به ، وربك أعلم بالمفسدين ). PageV07P074 # أى : ومن هؤلاء الذين بعثت إليهم يا محمد من يؤمن بهذا القرآن ، ويتبعك ~~وينتفع بما أرسلت به ، ومنهم من لا يؤمن به أبدا لاستحبابه العمى على الهدى. # وعليه يكون المراد بمن يؤمن به ، أولئك الذين وفقهم الله لا تباع الحق عن ~~يقين وإذعان. # وقيل إن المعنى : ومن قومك يا محمد أناس يؤمنون في قرارة نفوسهم بأن هذا ~~القرآن من عند الله ، ولكنهم يكذبونك جحودا وعنادا ومنهم من لا يؤمن به ~~أصلا لانطماس بصيرته ، وإيثاره الغي على الرشد. # وعلى هذا التفسير يكون المراد بمن يؤمن به : أولئك الذين يعرفون الحق كما ~~يعرفون أبناءهم ، ولكن الغرور والجهل والحسد حال بينهم وبين اتباعه. # وقوله : ( @QUR@03 وربك أعلم بالمفسدين ) أى : وربك أعلم بالمفسدين في ~~الأرض بالشرك والظلم والفجور ، وسيحاسبهم على ذلك يوم الدين حسابا عسيرا ، ~~ويذيقهم العذاب الذي يستحقونه ، فالمراد بالعلم هنا لازمه وهو الحساب ~~والعقاب. # وقوله : ( @QUR@015 وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم ، أنتم بريئون مما ~~أعمل وأنا بريء مما تعملون ) إرشاد من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~إذا ما لج أعداؤه في طغيانهم. أى : وإن تمادى هؤلاء الأشرار في طغيانهم وفي ~~تكذيبهم لك يا محمد ، فقل لهم : أنا مسئول عن عملي أمام الله ، وأنتم ~~مسئولون عن أعمالكم أمامه سبحانه وأنتم بريئون مما أعمله فلا تؤاخذونى عليه ~~، وأنا برىء كذلك من أعمالكم فلا يؤاخذنى الله عليها. # فالآية الكريمة تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من قومه. وإعلام ~~له بأن وظيفته البلاغ ، أما حسابهم على أعمالهم فعلى الله تعالى . # ثم صور سبحانه ما عليه أولئك الجاحدون من جهالات مطبقة ، وغباء مستحكم ~~فقال تعالى : ( @QUR@022 ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا ~~لا يعقلون ، ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون ). # أى : ومن هؤلاء المشركين يا محمد من ms2793 يستمعون إليك وأنت تقرأ عليهم القرآن ~~وترشدهم إلى ما ينفعهم ، ولكنهم يستمعون بلا تدبر أو فهم ، فهل أنت يا محمد ~~في إمكانك أن تسمع الصم ، ولو انضم إلى صممهم عدم تعقلهم ، لأن الأصم ~~العاقل كما يقول صاحب الكشاف ربما تفرس واستدل إذا وقع في صماخه دوى الصوت ~~، فإذا اجتمع سلب السمع والعقل جميعا فقد تم الأمر. # ومنهم أيضا من ينظر إليك ، ويشاهد البراهين الدالة على صدقك ، فإن وجهك ~~ليس بوجه كذاب ، ولكنه لا يتبع دعوتك جحودا وعنادا ، فهل أنت في إمكانك أن ~~تهدى العمى ولو PageV07P075 # انضم إلى فقدان بصرهم فقدان بصيرتهم فأنت ترى أن هاتين الآيتين الكريمتين ~~قد نعتا على المشركين جهالاتهم ، وانطماس بصيرتهم ، بحيث صاروا لا ينتفعون ~~بنعم الله التي أنعم بها عليهم. # فقد وصمهم سبحانه يفقدان السمع والبصر والعقل ، مع أنهم يسمعون ويبصرون ~~ويعقلون ، لأنهم لما لم يستعملوا نعم الله فيما خلقت له ، صارت هي والعدم سواء. # والاستفهام في الآيتين للإنكار والاستبعاد. # وجواب لو في الآيتين محذوف لدلالة ما قبله عليه ، والجملة معطوفة على ~~جملة مقدرة مقابلة لها. أى : أفأنت تسمع الصم لو كانوا يعقلون ولو كانوا لا ~~يعقلون ، على معنى أفأنت تستطيع إسماعهم في الحالتين؟ كلا لا تستطيع ذلك ~~وإنما القادر على ذلك هو الله وحده. # ثم بين سبحانه سنة من سننه التي لا تتخلف فقال : ( @QUR@010 إن الله لا ~~يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ). # أى : إن الله تعالى قد اقتضت سننه في خلقه ، أن لا يظلمهم شيئا ، كأن ~~يعذبهم مثلا مع إيمانهم وطاعتهم له ، أو كأن ينقصهم شيئا من الأسباب التي ~~يهتدون باستعمالها إلى ما فيه خيرهم .. ولكن الناس هم الذين يظلمون أنفسهم ~~، بإيرادها موارد المهالك عن طريق اجتراح السيئات ، واقتراف الموبقات ، ~~الموجبة للعقوبات في الدنيا والآخرة. # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة ، قد نفت تصور أن يكون هذا القرآن من ~~عند غير الله ، وتحدت المشركين أن يأتوا بسورة مثله ، ووصمتهم بالتسرع في ~~الحكم على شيء لم يحيطوا بعلمه ، وأمرت النبي صلى الله عليه وسلم ms2794 أن يثبت على ~~دعوة الحق ، سواء استجاب له الناس أم لم يستجيبوا ، وأن الله تعالى قد ~~اقتضت حكمته ألا يعذب الناس إلا إذا فعلوا ما يوجب العقوبة ، وصدق الله إذ ~~يقول : ( @QUR@011 ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا ~~عليما ). # وبعد أن بينت السورة الكريمة أحوال أولئك المشركين في الدنيا ، ومواقفهم ~~من الدعوة الإسلامية ، أتبعت ذلك بالحديث عن أحوالهم يوم الحشر ، ومن ~~استعجالهم للعذاب ، وعن رد الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم ، فقال تعالى : # ( @QUR@017 ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم ~~قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله PageV07P076 # @QUR@03 وما كانوا مهتدين (45) @QUR@015 وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو ~~نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون (46) @QUR@012 ولكل أمة ~~رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون (47) @QUR@07 ويقولون ~~متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (48) @QUR@022 قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا ~~إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) (49) # وقوله سبحانه : ( @QUR@011 ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار ~~يتعارفون بينهم ) بيان لأحوالهم السيئة عند جمعهم لحساب يوم القيامة. # إذ الحشر كما يقول الراغب إخراج الجماعة عن مقرهم وإزعاجهم عنه إلى الحرب ~~ونحوها» (1). # والمراد به هنا : إخراج الناس من قبورهم وجمعهم في الموقف لحسابهم على ~~أعمالهم الدنيوية. # والمقصود بالساعة هنا : المدة القليلة من الزمان ، فقد جرت العادة أن ~~يضرب بها المثل في الوقت القصير. # والمعنى : واذكر أيها الرسول الكريم ، وذكر هؤلاء المشركين الذين عموا ~~وصموا عن الحق ، يوم يجمعهم الله في الآخرة للحساب والعقاب ، فيشتد كربهم ، ~~وينسون تلك الملذات والشهوات .. التي استمتعوا بها في الدنيا ، حتى لكأنهم ~~لم يلبثوا فيها وفي قبورهم ، إلا ساعة من النهار أى : إلا مدة قصيرة من ~~النهار ، يتعارفون بينهم ، أى : لا تتسع تلك المدة إلا للتعارف فيما بينهم. # وقوله : ( @QUR@03 كأن لم يلبثوا ) جملة حالية من ضمير الجمع في يحشرهم. # وخصت الساعة بكونها من النهار ، لأنها أعرف لهم من ساعات الليل. PageV07P077 # والمقصود ms2795 بالتشبيه : بيان أن هذه السنوات الطويلة التي قضاها هؤلاء ~~المشركون في الدنيا يتمتعون بلهوها ولعبها ، ويستبعدون معها أن هناك بعثا ~~وحسابا .. قد زالت عن ذاكرتهم في يوم القيامة ، حتى لكأنهم لم يمكثوا فيها ~~سوى وقت قصير لا يتسع لأكثر من التعارف القليل مع الأقارب والجيران ~~والأصدقاء ، حتى لكأن ذلك النعيم الذي تقلبوا فيه دهرا طويلا لم يروه من ~~قبل ... # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى في سورة الأحقاف : ( @QUR@011 كأنهم يوم ~~يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ) (1) وقوله سبحانه ، في سورة ~~الروم ( @QUR@09 ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة ) (2). # فإن قيل : إن هناك بعض الآيات ذكرت أنهم عند ما يسألون يحسبون بأنهم ~~لبثوا في الدنيا يوما أو بعض يوم ، أو عشية أو ضحاها كما في قوله تعالى : ( ~~@QUR@013 قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين ، قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم ) ~~(3). وكما في قوله تعالى ( @QUR@09 كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية ~~أو ضحاها ) (4) فكيف نجمع بين هذه الآيات التي اختلفت إجابتهم فيها؟. # فالجواب : أن أهل الموقف يختلفون في تقدير الزمن الذي لبثوه في الدنيا ~~على حسب اختلاف أحوالهم ، وعلى حسب أهوال كل موقف ، فإن في يوم القيامة ~~مواقف متعددة بعضها أشد من بعض. # وقوله ( @QUR@02 يتعارفون بينهم ) جملة حالية أيضا من ضمير الجمع في ~~يحشرهم. # قال القرطبي : «وهذا التعارف توبيخ وافتضاح ، يقول بعضهم لبعض : أنت ~~أضللتنى وأغويتنى وحملتني على الكفر ، وليس تعارف شفقة ورحمة وعطف ... ~~والصحيح أنه لا ينقطع هذا التعارف التوبيخي عند مشاهدة أهوال القيامة ، ~~لقوله تعالى ( @QUR@012 ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم ~~إلى بعض القول )... # فأما قوله : ( @QUR@04 ولا يسئل حميم حميما ) وأشباهه فمعناه : لا يسأله ~~سؤال رحمة وشفقة ..» (5). # وقوله : ( @QUR@09 قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين ) ~~جملة مستأنفة مسوقة لبيان PageV07P078 # حكم الله عليهم في آخرتهم بعد أن ضيعوا دنياهم. # والمراد بلقاء الله : مطلق الحساب والجزاء الكائن في يوم القيامة. # أى : أن هؤلاء الأشقياء الذين أعرضوا عن الحق وأنكروا الحشر ، قد خسروا ms2796 ~~سعادتهم الأبدية ، وحق عليهم العذاب المهين ، بسبب كفرهم وطغيانهم ، وعدم ~~اهتدائهم إلى طريق النجاة. # وقوله : ( @QUR@09 وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ) ~~تأكيد لخسرانهم ، ولوقوع العذاب بهم ، وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما ~~أصابه منهم و «إن» شرطية. و «ما» مزيدة لتأكيد معنى الشرط ، وجملة ( @QUR@02 ~~فإلينا مرجعهم ) جواب للشرط وما عطف عليه. # والمعنى : إن هؤلاء المشركين الذين ناصبوك العداوة أيها الرسول الكريم لا ~~يخفى علينا أمرهم ونحن إما نرينك ببصرك بعض الذي نعدهم به من العذاب ~~الدنيوي ، وإما نتوفينك ، قبل ذلك ، وفي كلتا الحالتين فإن مرجعهم إلينا ~~وحدنا في الآخرة ، فنعاقبهم العقوبة التي يستحقونها. # وقال سبحانه ( @QUR@03 بعض الذي نعدهم ) للإشارة إلى أن ما ينزل بهم من ~~عذاب دنيوى ، هو جزء من العذاب المدخر لهم في الآخرة. # وقد أنجز الله تعالى وعده لنبيه صلى الله عليه وسلم فسلط عليهم القحط ~~والمجاعة ، حتى كانوا لشدة جوعهم يرون كأن بينهم وبين السماء دخانا. ونصر ~~المسلمين عليهم في غزوتى بدر والفتح ، وكل ذلك حدث في حياة النبي ~~صلى الله عليه وسلم . # وقال سبحانه ( @QUR@03 بعض الذي نعدهم ) ولم يقل بعض الذي وعدناهم ، ~~لاستحضار صورة العذاب ، والدلالة على تجدده واستمراره. # أى : نعدهم وعدا متجددا على حسب ما تقتضيه حكمتنا ومشيئتنا ، من إنذار ~~عقب إنذار ، ومن وعيد بعد وعيد. # والمراد من الشهادة في قول ( @QUR@06 ثم الله شهيد على ما يفعلون ) ~~لازمها وهو المعاقبة والمجازاة ، فكأنه سبحانه يقول : ثم الله تعالى بعد ~~ذلك معاقب لهم على ما فعلوه من سيئات ، وما يرتكبونه من منكرات. # قال صاحب الكشاف : «فإن قلت : الله شهيد على ما يفعلون في الدارين فما ~~معنى ثم؟ # قلت : ذكرت الشهادة والمراد مقتضاها ونتيجتها وهو العقاب ، فكأنه قال : ~~ثم الله معاقبهم على ما يفعلون. ويجوز أن يراد أن الله مؤد شهادته على ~~أفعالهم يوم القيامة حين ينطق PageV07P079 # جلودهم وألسنتهم وأيديهم فتكون شاهدة عليهم» (1). # هذا ، وفي معنى هذه الآية وردت آيات أخرى منها قوله تعالى : ( @QUR@013 ~~وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ، فإنما عليك ms2797 البلاغ وعلينا الحساب ~~) (2) وقوله تعالى ( @QUR@014 فاصبر إن وعد الله حق ، فإما نرينك بعض الذي ~~نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون ) (3) ثم بين سبحانه أن من مظاهر رحمته ~~بعباده ، أن جعل لكل أمة رسولا يهديها إلى الحق وإلى الطريق المستقيم فقال ~~تعالى : ( @QUR@012 ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا ~~يظلمون ). # أى : أنه سبحانه اقتضت حكمته ورحمته أن يجعل لكل جماعة من الناس ، رسولا ~~يبلغهم ما أمره الله بتبليغه ، ويشهد عليهم بذلك يوم القيامة ، فإذا جاء ~~رسولهم وشهد بأنه قد بلغهم ما أمره الله به ، قضى سبحانه بينه وبينهم ~~بالعدل ، فحكم بنجاة المؤمن وبعقوبة الكافر ، ولا يظلم ربك أحدا. # قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية «فكل أمة تعرض على الله تعالى ~~بحضرة رسولها ، وكتاب أعمالها من خير أو شر شاهد عليهم ، وحفظتهم من ~~الملائكة شهود أيضا أمة بعد أمة ، وهذه الأمة الشريفة وإن كانت آخر الأمم ~~في الخلق ، إلا أنها أول الأمم يوم القيامة ، يفصل بينهم ويقضى لهم كما جاء ~~في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «نحن الآخرون السابقون ~~يوم القيامة ، المقضى لهم قبل الخلائق ، فأمته إنما حازت قصب السبق بشرف ~~رسولها صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين» (4). # وقوله : ( @QUR@07 ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ) حكاية ~~لأقوالهم الدالة على طغيانهم وفجورهم. # أى : أن هؤلاء لم يكتفوا بالإعراض عن دعوة الحق ، بل قالوا لرسولهم ~~صلى الله عليه وسلم الذي حذرهم من عذاب الله إذا ما استمروا في كفرهم : متى ~~يقع علينا هذا العذاب الأليم الذي تهددنا؟ إننا نتعجله فأت به إن كنت أنت ~~وأصحابك من الصادقين في دعواكم أن هناك عذابا ينتظرنا. # وهذا القول منهم يدل على توغلهم في الكفر والجحود ، وعدم اكتراثهم بما ~~يخبرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم . PageV07P080 # ولذا أمر الله تعالى : رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم فقال : ( ~~@QUR@011 قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله ... ). # أى : قل يا محمد لهؤلاء ms2798 الجاهلين المتعجلين للعذاب : إننى لا أملك لنفسي ~~فضلا عن غيرها شيئا من الضر فأدفعه عنها ، ولا شيئا من النفع فأجلبه لها ، ~~لكن الذي يملك ذلك هو الله وحده ، فهو سبحانه الذي يملك أن ينزل العذاب بكم ~~في أى وقت يشاء ، فلما ذا تطلبون منى ما ليس في قدرتي. وعلى هذا التفسير ~~يكون الاستثناء منقطعا. # ويجوز أن يكون متصلا فيكون المعنى : قل لهم يا محمد إننى لا أملك لنفسي ~~شيئا من الضر أو النفع ، إلا ما شاء الله تعالى أن يجعلني قادرا عليه منهما ~~، فإننى أملكه بمشيئته وإرادته. # وقدم سبحانه الضر على النفع هنا ، لأن الآية مسوقة للرد على المشركين ، ~~الذين تعجلوا نزول العذاب الذي هو نوع من الضر. # أما الآية التي في سورة الأعراف ، وهي قوله تعالى ( @QUR@011 قل لا أملك ~~لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله .. ) فقد قدم فيها النفع على الضر ، ~~لأنها مسوقة لبيان الحقيقة في ذاتها. وهي أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا ~~يملك لنفسه شيئا من التصرف في هذا الكون ، وللإشعار بأن النفع هو المقصود ~~بالذات من تصرفات الإنسان. # وقوله : ( @QUR@011 لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون ) تأكيد لما قبله ، وتقرير لقدرة الله تعالى النافذة. # أى : لكل أمة من الأمم أجل قدره الله تعالى لانتهاء حياتها ، فإذا حان ~~وقت هذا الأجل هلكت في الحال دون أن تتقدم على الوقت المحدد لموتها ساعة أو ~~تتأخر أخرى. # * * * # ثم ساقت السورة الكريمة ألوانا أخرى من الأجوبة التي لقنها الله تعالى ~~لرسوله صلى الله عليه وسلم لكي يرد بها على المشركين الذين تعجلوا العذاب كما ~~صورت أحوالهم عند ما يرون العذاب ، فقال تعالى : # ( @QUR@013 قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ما ذا يستعجل منه ~~المجرمون (50) @QUR@010 أثم إذا ما وقع آمنتم به آلآن وقد كنتم به PageV07P081 # @QUR@01 تستعجلون (51) @QUR@013 ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل ~~تجزون إلا بما كنتم تكسبون (52) @QUR@011 ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه ~~لحق وما أنتم بمعجزين (53) @QUR@021 ولو أن لكل ms2799 نفس ظلمت ما في الأرض ~~لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ) (54) # وقوله «أرأيتم» بمعنى أخبرونى. وكلمة أرأيت تستعمل في القرآن للتنبيه ~~والحث على الرؤية والتأمل ، فهو استفهام للتنبيه مؤداه : أرأيت كذا أو ~~عرفته؟ إن لم تكن أبصرته أو عرفته فانظره وتأمله وأخبرنى عنه. # ولما كانت الرؤية للشيء سببا لمعرفته وللإخبار عنه ، أطلق السبب وأريد ~~المسبب فهو مجاز مرسل علاقته السببية والمسببية. # وقوله : بياتا أى : ليلا ، ومنه البيت لأنه يبات فيه. يقال : بات يبيت ~~بيتا وبياتا. # والمعنى : أخبرونى أيها الجاهلون الحمقى : أى دافع جعلكم تستعجلون نزول ~~العذاب؟ إن وقوع العذاب سواء أكان بالليل أم بالنهار لا يمكن دفعه ، ولا ~~يمكن أن يتعجله عاقل ، لأنه كما يقول صاحب الكشاف : كل مكروه ، مر المذاق ، ~~موجب للنفار منه ، فكيف ساغ لكم أن تستعجلوا نزول شيء فيه هلاككم ~~ومضرتكم؟!! # وقال سبحانه ( @QUR@01 بياتا ) ولم يقل ليلا ، للإشعار بمجيء العذاب في ~~وقت غفلتهم ونومهم بحيث لا يشعرون به ، فهم قد يقضون جانبا من الليل في ~~اللهو واللعب ، ثم ينامون فيأتيهم العذاب في هذا الوقت الذي هجعوا فيه. # فالآية الكريمة توبيخ لهم على استعجالهم وقوع شيء من شأن العقلاء أنهم ~~يرجون عدم وقوعه. # ولذا قال القرطبي : «قوله : ( @QUR@05 ما ذا يستعجل منه المجرمون ) ~~استفهام معناه التهويل PageV07P082 # والتعظيم. أى : ما أعظم ما يستعجلون به. كما يقال لمن يطلب أمرا تستوخم ~~عاقبته : ماذا تجنى على نفسك» (1). # وجواب الشرط لقوله : ( @QUR@02 إن أتاكم ... ) محذوف والتقدير : إن أتاكم ~~عذابه في أحد هذين الوقتين أفزعكم وأهلككم فلما ذا تستعجلون وقوع شيء هذه ~~نتائجه؟ # وقد ذكر صاحب الكشاف وجها آخر بعد أن ذكر هذا الوجه فقال : فإن قلت : ~~فهلا قيل ماذا يستعجلون منه؟ قلت : أريدت الدلالة على موجب ترك الاستعجال ~~وهو الإجرام ، لأن من شأن المجرم أن يخاف التعذيب على إجرامه ، ويهلك فزعا ~~من مجيئه وإن أبطأ فضلا عن أن يستعجله ويجوز أن يكون ( @QUR@05 ما ذا ~~يستعجل منه المجرمون ) جوابا للشرط كقولك إن أتيتك ماذا تطعمني (2). # وقوله سبحانه ( @QUR@06 أثم ms2800 إذا ما وقع آمنتم به ... ) زيادة في تجهيلهم ~~وتأنيبهم والهمزة داخلة على محذوف ، و ( @QUR@01 ثم ) حرف عطف يدل على ~~الترتيب والتراخي وجيء به هنا للدلالة على زيادة الاستبعاد. # والمعنى : إنكم أيها الجاهلون لستم بصادقين فيما تطلبون ، لأنكم قبل وقوع ~~العذاب تتعجلون وقوعه ، فإذا ما وقع وشاهدتم أهواله. وذقتم مرارته .. آمنتم ~~بأنه حق ، وتحول استهزاؤكم به إلى تصديق وإذعان وتحسر. # وقوله : ( @QUR@05 آلآن وقد كنتم به تستعجلون ) قصد به زيادة إيلامهم ~~وحسرتهم ولفظ ( @QUR@01 آلآن ) ظرف زمان يدل على الحال الحاضرة ، وهو في ~~محل نصب على أنه ظرف لفعل مقدر. # أى : قيل لهم عند إيمانهم بعد وقوع العذاب : آلآن آمنتم بأنه حق؟ مع أنكم ~~قبل ذلك كنتم به تستهزءون ، وتقولون للرسول صلى الله عليه وسلم ولأتباعه : ( ~~@QUR@06 متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ) ألا فلتعلموا : أن إيمانكم في هذا ~~الوقت غير مقبول ، لأنه جاء في غير أوانه ، وصدق الله إذ يقول : ( @QUR@029 ~~فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين. فلم يك ~~ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ، سنت الله التي قد خلت في عباده ، وخسر ~~هنالك الكافرون ) (3). # وقوله : ( @QUR@013 ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا ~~بما كنتم تكسبون ) PageV07P083 # تأكيد لتوبيخهم وتأنيبهم بعد أن نزل بهم العذاب ، وهو معطوف على لفظ ~~«قيل» المقدر قبل لفظ ( @QUR@01 آلآن ). # أى : قيل لهم : آلآن آمنتم بأن العذاب حقيقة بعد أن كنتم به تستعجلون؟ ثم ~~قيل لهؤلاء الظالمين الذين أصروا على الكفر واقتراف المنكرات : ذوقوا عذاب ~~الخلد أى العذاب الباقي الدائم ، إذ الخلد والخلود مصدر خلد الشيء إذا بقي ~~على حالة واحدة لا يتغير. # والاستفهام في قوله : ( @QUR@06 هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون ) للنفي ~~والإنكار. أى لا تجزون إلا بالجزاء المناسب لما كنتم تكسبونه في الدنيا من ~~كفر بالحق ، وإيذاء للدعاة إليه ، وتكذيب بوحي الله تعالى . # ثم قال سبحانه ( @QUR@03 ويستنبئونك أحق هو ) النبأ : كما يقول الراغب. ~~خبر ذو فائدة عظيمة ، يحصل به علم أو غلبة ظن (1). # والاستنباء : طلب الأخبار الهامة. # أى : إن هؤلاء الضالين ms2801 يطلبون منك أيها الرسول الكريم على سبيل التهكم ~~والاستهزاء ، أن تخبرهم عن هذا العذاب الذي توعدتهم به ، أهو واقع بهم على ~~سبيل الحقيقة ، أم هو غير واقع ولكنك تحدثهم عنه على سبيل الإرهاب ~~والتهديد؟ # وقوله : ( @QUR@08 قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين ) إرشاد من الله ~~تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم إلى الجواب الذي يرد به عليهم. # ولفظ ( @QUR@01 إي ) بكسر الهمزة وسكون الياء حرف جواب وتصديق بمعنى نعم ~~، إلا أنه لا يستعمل إلا مع القسم. # أى : قل لهم يا محمد : نعم وحق ربي إن العذاب الذي أخبرتكم به لا محيص ~~لكم عنه وما أنتم بمعجزى الله تعالى إذا أراد أن ينزله بكم في أى وقت يريده ~~، بل أنتم في قبضته وتحت سلطانه وملكه ، فاتقوا الله ، بأن تخلصوا له ~~العبادة ، وتتبعوا رسوله صلى الله عليه وسلم فيما جاءكم به من عنده سبحانه . # وقد أكد سبحانه الجواب عليهم بأتم وجوه التأكيد ، لأنهم كانوا قوما ~~ينكرون أشد الإنكار أن يكون هناك عذاب وحساب وبعث وجنة ونار. # قال ابن كثير : «وهذه الآية ليس لها نظير في القرآن إلا آيتان أخريان ، ~~يأمر الله تعالى رسوله فيهما أن يقسم به على من أنكر المعاد ، أما الآية ~~الأولى فهي قوله PageV07P084 # تعالى : ( @QUR@010 وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي ~~لتأتينكم .. ) (1) وأما الآية الثانية فهي قوله تعالى : ( @QUR@010 زعم ~~الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن .. ) (2). # وجملة ( @QUR@03 وما أنتم بمعجزين ) إما معطوفة على جواب القسم ، أو ~~مستأنفة سبقت لبيان عجزهم عن الخلاص ، وتأكيد وقوع العذاب عليهم. # ثم بين سبحانه أنهم لن يستطيعوا افتداء أنفسهم من العذاب عند وقوعه فقال ~~تعالى : ( @QUR@010 ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به ). # أى : ولو أن لكل نفس تلبست بالظلم بسبب شركها وفسوقها ، جميع ما في الأرض ~~من مال ومتاع ، وأمكنها أن تقدمه كفداء لها من العذاب يوم القيامة ، لقدمته ~~سريعا دون أن تبقى منه شيئا حتى تفتدى ذاتها من العذاب المهين. # ومفعول ( @QUR@01 لافتدت ) محذوف. أى لافتدت نفسها ms2802 به. # ولو هنا امتناعية ، أى : امتنع افتداء كل نفس ظالمة ، لامتناع ملكها لما ~~تفدى به ذاتها وهو جميع ما في الأرض من أموال ، ولامتناع قبول ذلك منها ~~فيما لو ملكته على سبيل الفرض. # وقوله ( @QUR@05 وأسروا الندامة لما رأوا العذاب ) بيان لما انتابهم من ~~حسرات عند مشاهدتهم لأهوال العذاب المعد لهم. # و ( @QUR@01 أسروا ) من الإسرار بمعنى الإخفاء والكتمان. يقال : أسر فلان ~~الحديث. أى : خفض صوته به ، ويقابله الإعلان والجهر ، ومنه قوله تعالى ( ~~@QUR@09 وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ). # والندامة والندم : ما يجده الإنسان في نفسه من آلام وحسرات على أقوال أو ~~أفعال سيئة ، فات أوان تداركها. # أى : وأخفى هؤلاء الظالمون الندامة حين رأوا بأبصارهم مقدمات العذاب ، ~~وحين أيقنوا أنهم لا نجاة لهم منه ، ولا مصرف لهم عنه. # قال صاحب الكشاف : «قوله سبحانه ( @QUR@05 وأسروا الندامة لما رأوا ~~العذاب ) لأنهم بهتوا لرؤيتهم ما لم يحتسبوه ، ولم يخطر ببالهم ، وعاينوا ~~من شدة الأمر وتفاقمه ، ما سلبهم قواهم ، وبهرهم ، فلم يطيقوا عنده بكاء ~~ولا صراخا ولا ما يفعله الجازع ، سوى إسرار الندم PageV07P085 # والحسرة في القلوب ، كما ترى المقدم للصلب يثخنه ما دهمه من فظاعة الخطب ~~ويغلب ، حتى لا ينبس بكلمة ويبقى جامدا مبهوتا. # وقيل : أسر رؤساؤهم الندامة من سفلتهم الذين أضلوهم ، حياء منهم وخوفا من ~~توبيخهم .. # وقيل أسروا الندامة : أظهروها من قولهم أسر الشيء إذا أظهره وليس هناك ~~تجلد» (1). # وقوله : ( @QUR@06 وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ) بيان لعدالة الله ~~في أحكامه بين عباده. # أى : وقضى الله تعالى بين هؤلاء الظالمين وبين غيرهم بالعدل دون أن يظلم أحدا. # ثم ساق سبحانه بعد ذلك ما يدل على كمال قدرته ، وسعة رحمته ، وعلى أنه ~~وحده الذي يملك التحليل والتحريم ، ويعلم السر وأخفى فقال تعالى : # ( @QUR@016 ألا إن لله ما في السماوات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون (55) @QUR@05 هو يحيي ويميت وإليه ترجعون (56) @QUR@015 ~~يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة ~~للمؤمنين (57) @QUR@010 قل بفضل الله وبرحمته فبذلك ms2803 فليفرحوا هو خير مما ~~يجمعون (58) @QUR@020 قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما ~~وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون (59) @QUR@019 وما ظن الذين ~~يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم ~~لا يشكرون (60) @QUR@09 وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن PageV07P086 # @QUR@033 ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب ~~عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا ~~في كتاب مبين ) (61) # أى : ألا إن لله وحده لا لغيره ، ملك ما في السموات وما في الأرض من ~~مخلوقات ، وهو سبحانه يتصرف فيها وفق إرادته ومشيئته كما يتصرف المالك فيما ~~يملكه ، فهو يعطى من يشاء ويغفر لمن يشاء ، ويتوب على من يشاء ( @QUR@06 لا ~~يسئل عما يفعل وهم يسئلون ). # وقوله : ( @QUR@05 ألا إن وعد الله حق ) أى : ألا إن كل ما وعد الله به ~~الناس من ثواب وعقاب وغيرهما ، ثابت ثبوتا لا ريب فيه ، وواقع وقوعا لا ~~محيص عنه. # وصدرت الآية الكريمة بأداة الاستفتاح ( @QUR@01 ألا ) الدالة على التنبيه ~~، لحض الغافلين عن هذه الحقيقة على التذكر والاعتبار والعودة إلى طريق الحق. # وأعيد حرف التنبيه في جملة ( @QUR@05 ألا إن وعد الله حق ) لتمييزها بهذا ~~التنبيه عن سابقتها ، لأنها مقصودة بذاتها : إذ أن المشركين كانوا يظنون أن ~~ما وعدهم به الرسول صلى الله عليه وسلم هو من باب الترغيب والترهيب وليس من ~~باب الحقائق الثابتة. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@04 ولكن أكثرهم لا يعلمون ) أى ولكن ~~أكثر هؤلاء الناس الذين بعثت إليهم يا محمد ، لا يعلمون ما جئت به علما ~~نافعا لسوء استعدادهم ، وضعف عقولهم ، وخبث نفوسهم. # وقال ( @QUR@01 أكثرهم ): إنصافا للقلة المؤمنة التي علمت الحق فاتبعته ~~وصدقته ، ووقفت إلى جانب الرسول صلى الله عليه وسلم تؤيده وتفتدى دعوته بالنفس ~~والمال. # وقوله : ( @QUR@05 هو يحيي ويميت وإليه ترجعون ) بيان لكمال قدرته ، إثر ~~بيان عظم ملكوته ، ونفاذ وعده. # أى : هو سبحانه الذي يحيى من يريد ms2804 إحياءه ويميت من يريد إماتته وإليه ~~وحده ترجعون جميعا ، فيحاسبكم على أعمالكم ، ويجازى الذين أساءوا بما عملوا ~~، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. # ثم وجه سبحانه نداء إلى الناس ، أمرهم فيه بالانتفاع بما اشتمل عليه ~~القرآن الكريم ، من خيرات وبركات فقال تعالى : ( @QUR@07 يا أيها الناس قد ~~جاءتكم موعظة من PageV07P087 # @QUR@08 ربكم ، وشفاء لما في الصدور ، وهدى ورحمة للمؤمنين ). # والموعظة معناها : التذكير بالتزام الحق والخير ، واجتناب الباطل والشر ، ~~بأسلوب يلين القلوب ، ويرقق النفوس. # والشفاء : هو الدواء الشافي من كل ما يؤذى ، ويجمع على أشفيه. # والهدى : هو الإرشاد والدلالة بلطف إلى ما يوصل إلى المقصد والبغية ، ~~والرحمة معناها الإحسان ، أو إرادة الإحسان. # والمعنى : يا أيها الناس قد جاءكم من الله تعالى كتاب جامع لكل ما ~~تحتاجون اليه من موعظة حسنة ترق لها القلوب ، وتخشع لها النفوس. وتصلح بها ~~الأخلاق ومن شفاء لأمراض صدوركم. ومن هداية لكم إلى طريق الحق والخير ، ومن ~~رحمة للمؤمنين ترفعهم الى أعلى الدرجات وتكفر ما حدث منهم من سيئات. # وجاء هذا الإرشاد والتوجيه عن طريق النداء ، استمالة لهم إلى الحق بألطف ~~أسلوب ، وأكمل بيان ، حتى يثوبوا إلى رشدهم ، ويتنبهوا من غفلتهم. # ووصفت الموعظة بأنها من ربكم. لتذكيرهم بما يزيدها تعظيما وقبولا ، لأنها ~~لم تصدر عن مخلوق تحتمل توجيهاته الخطأ والصواب ، وإنما هي صادرة من خالق ~~النفوس ومربيها ، العليم بما يصلحها ويشفيها. # وقيد الرحمة بأنها للمؤمنين ، لأنهم هم المستحقون لها ، بسبب إيمانهم ~~وتقواهم. # قال الآلوسى ما ملخصه : «واستدل بالآية على أن القرآن يشفى من الأمراض ~~البدنية كما يشفى من الأمراض القلبية ، فقد أخرج ابن مردويه عن أبى سعيد ~~الخدري قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إنى اشتكى صدري ، ~~فقال عليه الصلاة والسلام : «اقرأ القرآن ، يقول الله تعالى شفاء لما في ~~الصدور». # وأخرج البيهقي في الشعب عن وائلة بن الأسفع أن رجلا شكا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وجع حلقه ، فقال له : «عليك بقراءة القرآن». # وأنت تعلم أن الاستدلال بهذه الآية على ذلك مما لا يكاد يسلم ، والخبر ms2805 ~~الثاني لا يدل عليه ، إذ ليس فيه أكثر من أمره صلى الله عليه وسلم الشاكي ~~بقراءة القرآن إرشادا له إلى ما ينفعه ويزول به وجعه. # ونحن لا ننكر أن لقراءة القرآن بركة ، قد يذهب الله بسببها الأمراض ~~والأوجاع ، وإنما ننكر الاستدلال بالآية على ذلك. PageV07P088 # والخبر الأول وإن كان ظاهرا في المقصود ، لكن ينبغي تأويله ، كأن يقال : ~~لعله صلى الله عليه وسلم اطلع على أن في صدر الرجل مرضا معنويا قلبيا ، قد صار ~~سببا للمرض الحسى البدني ، فأمره صلى الله عليه وسلم بقراءة القرآن ليزول عنه ~~الأول فيزول الثاني. # والحسن البصري ينكر كون القرآن شفاء للأمراض ، فقد أخرج أبو الشيخ عنه ~~أنه قال : إن الله تعالى جعل القرآن شفاء لما في الصدور ، ولم يجعله شفاء ~~لأمراضكم ، والحق ما ذكرنا» (1). # وقوله : ( @QUR@010 قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ، هو خير مما ~~يجمعون ) حض للناس على اغتنام ما في تعاليم الإسلام من خيرات ، وإيثارها ~~على ما في الدنيا من شهوات. # أى : قل يا محمد لمن يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة : اجعلوا فرحكم ~~الأكبر ، وسروركم الأعظم ، بفضل الله الذي شرع لكم هذا الدين على لسان ~~رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، وبرحمته التي وسعت كل شيء وهي بالمؤمنين أوسع ~~، لا بما تجمعون في هذه الدنيا من أموال زائلة ومتع فانية. # وقد فسر بعضهم فضل الله ورحمته بالقرآن ، ومنهم من فسر فضل الله بالقرآن ~~، ورحمته بالإسلام. ومنهم من فسرهما بالجنة والنجاة من النار. # ولعل تفسير هما بما يشمل كل ذلك أولى : لأنه لم يرد نص صحيح عن الصادق ~~المصدوق صلى الله عليه وسلم يحدد المراد منهما ، وما دام الأمر كذلك فحملهما ~~على ما يشمل الإسلام والقرآن والجنة أولى. # قال ابن كثير : قوله تعالى ( @QUR@06 قل بفضل الله وبرحمته فبذلك ~~فليفرحوا ) أى : بهذا الذي جاءهم من الله من الهدى ودين الحق فليفرحوا فإنه ~~أولى مما يفرحون به من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية والذاهبة لا محالة. # فعن أيفع بن عبد الكلاعى قال : لما قدم خراج العراق ms2806 إلى عمر رضى الله عنه ~~خرج عمر ومولى له ، فجعل يعد الإبل ، فإذا هي أكثر من ذلك ، فجعل عمر يقول ~~: الحمد لله تعالى ويقول مولاه : هذا والله من فضل الله ورحمته. فقال عمر : ~~كذبت ليس هذا هو الذي يقول الله تعالى ( @QUR@010 قل بفضل الله وبرحمته ~~فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ) (2). PageV07P089 # أى : ليس هذا المال هو المعنى بهذه الآية ، وإنما فضل الله ورحمته يتمثل ~~فيما جاءهم من الله تعالى من دين قويم ، ورسول كريم ، وقرآن مبين. # ودخلت الباء على كل من الفضل والرحمة ، للإشعار باستقلال كل منهما بالفرح به. # والجار والمجرور في كل منهما متعلق بمحذوف ، وأصل الكلام : قل لهم يا ~~محمد ليفرحوا بفضل الله وبرحمته ، ثم قدم الجار والمجرور على الفعل لإفادة ~~الاختصاص ، وأدخلت الفاء لإفادة السببية ، فكأنه قيل : إن فرحوا بشيء فليكن ~~بسبب ما أعطاهم الله تعالى من فضل ورحمة ، لا بسبب ما يجمعون من زينة ~~الحياة الدنيا. # قال القرطبي : «والفرح لذة في القلب بإدراك المحبوب. وقد ذم الله الفرح ~~في مواضع ، كقوله سبحانه ( @QUR@05 إن الله لا يحب الفرحين ) وكقوله ( ~~@QUR@03 إنه لفرح فخور ) ولكنه مطلق. فإذا قيد الفرح لم يكن ذما ، لقوله ~~تعالى ( @QUR@06 فرحين بما آتاهم الله من فضله ) وكقوله سبحانه هنا ( ~~@QUR@02 فبذلك فليفرحوا ) أى بالقرآن والإسلام فليفرحوا ...» (1). # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرد أيضا على أولئك الذين ~~أحلوا وحرموا على حسب أهوائهم دون أن يأذن الله لهم بذلك فقال : ( @QUR@020 ~~قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا ، قل آلله أذن ~~لكم أم على الله تفترون ) أى : قل لهم يا محمد أيضا أخبرونى أيها المبدلون ~~لشرع الله على حسب أهوائكم : إن الله تعالى قد أفاض عليكم ألوانا من الرزق ~~الحلال فجئتم أنتم ، وقسمتم هذا الرزق الحلال ، فجعلتم منه حلالا وجعلتم ~~منه حراما. # وقد حكى الله تعالى فعلهم هذا في آيات متعددة ، منها قوله تعالى : ( ~~@QUR@011 وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا ) (2). # قال الإمام ابن كثير ms2807 : «قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعبد الرحمن ~~بن زيد بن أسلم وغيرهم ، نزلت إنكارا على المشركين فيما كانوا يحلون ~~ويحرمون من البحائر والسوائب والوصائل كقوله تعالى : ( @QUR@08 وجعلوا لله ~~مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ... ) الآيات. # وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة عن أبى إسحاق ، سمعت ~~أبا الأحوص وهو عوف بن مالك بن نضلة يحدث عن أبيه قال : أتيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأنا رث الهيئة فقال : هل لك مال؟ قلت : نعم. قال : من أى ~~المال؟ قال : قلت : من كل PageV07P090 # المال. من الإبل والرقيق والخيل والغنم. فقال : إذا آتاك الله مالا فلير ~~عليك ثم قال : هل تنتج إبلك صحاحا آذانها ، فتعمد إلى موسى فتقطع آذانها ~~فتقول : هذه بحر. وتشق جلودها وتقول ؛ هذه صرم وتحرمها عليك وعلى أهلك. قال ~~: نعم. قال : فإن ما آتاك الله لك حل. ساعد الله أشد من ساعدك. وموسى الله ~~أحد من موساك» (1). # وقوله : ( @QUR@08 قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون ) استفهام قصد به ~~التوبيخ والزجر أى : قل لهم يا محمد على سبيل التوبيخ والزجر : إن الله ~~وحده هو الذي يملك التحليل والتحريم ، فهل هو سبحانه أذن لكم في ذلك ، أو ~~إنما أنتم الذين حللتم وحرمتم على حسب أهوائكم. لأنه لو أذن لكم في ذلك ~~لبينه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم . # قال صاحب الكشاف : «وقوله : ( @QUR@03 آلله أذن لكم ) متعلق بأرأيتم ، ~~وقل تكرير للتوكيد. والمعنى أخبرونى آلله أذن لكم في التحليل والتحريم ، ~~فأنتم تفعلون ذلك بإذنه ، أم تكذبون على الله في نسبة ذلك إليه. ويجوز أن ~~تكون الهمزة للإنكار وأم منقطعة ، بمعنى : بل أتفترون على الله ، تقريرا ~~للافتراء. # ثم قال : وكفى بهذه الآية زاجرا بليغا عن التجوز فيما يسأل عنه من ~~الأحكام ، وباعثة على وجوب الاحتياط فيه ، وأن لا يقول أحد في شيء جائز أو ~~غير جائز إلا بعد إيقان وإتقان ، ومن لم يوقن فليتق الله وليصمت وإلا فهو ~~مفتر على الله» (2). # ثم توعدهم سبحانه بسوء المصير على جرأتهم وكذبهم ms2808 فقال ( @QUR@09 وما ظن ~~الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة ... ). # أى : هؤلاء الذين أحلوا وحرموا افتراء على الله ماذا يظنون أن الله سيفعل ~~بهم يوم القيامة؟ أيظنون أن الله سيتركهم بدون عقاب؟ كلا إن عقابهم لشديد ~~بسبب افترائهم عليه الكذب. # وأبهم سبحانه هذا العقاب للتهويل والتعظيم ، حيث أباحوا لأنفسهم ما لم ~~يأذن به الله تعالى : # وقال سبحانه ( @QUR@02 وما ظن ... ) بصيغة الماضي لتحقيق الوقوع ، وأكثر ~~أحوال القيامة يعبر عنها بهذه الصيغة لهذا الغرض. # وقوله : ( @QUR@010 إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون ) ~~تذييل قصد به حض الناس على شكر خالقهم ، واتباع شريعته فيما أحل وحرم. PageV07P091 # أى : إن الله لذو فضل عظيم على عباده ، حيث خلقهم ورزقهم ، وشرع لهم ما ~~فيه مصلحتهم ومنفعتهم ، ولكن أكثرهم لا يشكرونه على هذه النعم ، لأنهم ~~يستعملونها في غير ما خلقت له. # وبعد أن ذكر سبحانه عباده بفضله ، وما يجب عليهم من شكره ، عطف على ذلك ~~تذكيره إياهم بإحاطة علمه بكل صغير وكبير في هذا الكون فقال : ( @QUR@017 ~~وما تكون في شأن. وما تتلوا منه من قرآن ، ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم ~~شهودا ... ). # أى : وما تكون أيها الرسول الكريم في شأن من الشئون أو في حال من ~~الأحوال. # وما تتلو من أجل ذلك الشأن من قرآن يهدى الى الرشد. # ولا تعملون أيها الناس عملا ما صغيرا أو كبيرا ، إلا كنا عليكم مطلعين. # ومن في قوله ( @QUR@01 منه ) للتعليل ، والضمير يعود إلى الشأن ، إذ ~~التلاوة أعظم شئونه صلى الله عليه وسلم ولذا خصت بالذكر. ويجوز أن يعود للقرآن ~~الكريم ، ويكون الإضمار قبل الذكر لتفخيم شأنه ، وتعظيم أمره. # ومن في قوله ( @QUR@02 من قرآن ) مزيدة لتأكيد النفي. # وقال الآلوسى : «والخطاب الأول خاص برأس النوع الإنسانى ، وسيد المخاطبين ~~صلى الله عليه وسلم هذا. وقوله ( @QUR@02 ولا تعملون ... ) عام يشمل سائر ~~العباد برهم وفاجرهم وقد روعي في كل من المقامين ما يليق به ، فعبر في مقام ~~الخصوص في الأول بالشأن ، لأن عمل العظيم عظيم ، وفي الثاني بالعمل العام ~~للجليل والحقير. وقيل ms2809 : الخطاب الأول عام للأمة أيضا كما في قوله تعالى : ( ~~@QUR@05 يا أيها النبي إذا طلقتم ). # وقوله : ( @QUR@04 إلا كنا عليكم شهودا ) استثناء مفرغ من أعم أحوال ~~المخاطبين بالأفعال الثلاثة. أى : وما تلابسون بشيء منها في حال من الأحوال ~~إلا حال كوننا رقباء مطلعين عليه ، حافظين له» (1). # وقوله : ( @QUR@03 إذ تفيضون فيه ) أى : تخوضون وتندفعون في ذلك العمل ، ~~لأن الإفاضة في الشيء معناها الاندفاع فيه بكثرة وقوة. # وقوله : ( @QUR@012 وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ~~) بيان لشمول علمه سبحانه لكل شيء. PageV07P092 # ويعزب : أى يبعد ويغيب ، وأصله من قولهم : عزب الرجل يعزب بإبله إذا أبعد ~~بها وغاب في طلب الكلأ والعشب. والكلام على حذف مضاف. # أى : وما يغيب ويخفى عن علم ربك مثقال ذرة في الوجود علويه وسفليه ولا ~~أصغر من ذلك ولا أكبر ، إلا وهو معلوم ومسجل عنده في كتاب عظيم الشأن ، تام ~~البيان. # وقوله : ( @QUR@03 من مثقال ذرة ) تمثيل لقلة الشيء ودقته ، ومن فيه ~~لتأكيد النفي وقدمت الأرض على السماء هنا ، لأن الكلام في حال أهلها ، ~~والمقصود إقامة البرهان على إحاطة علمه سبحانه بتفاصيلها. فكأنه سبحانه ~~يقول : إن من يكون هذا شأنه لا يخفى عليه شيء من أحوال أهل الأرض مع نبيهم ~~صلى الله عليه وسلم . # وقوله : ( @QUR@010 ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ) جملة ~~مستقلة ليست معطوفة على ما قبلها. # و ( @QUR@01 لا ) نافية للجنس و ( @QUR@01 أصغر ) اسمها منصوب لشبهه ~~بالمضاف ، و ( @QUR@01 أكبر ) معطوف عليه. و ( @QUR@03 في كتاب مبين ) ~~متعلق بمحذوف خبرها. # وقدم ذكر الأصغر على الأكبر ، لأنه هو الأهم في سياق العلم بما خفى من ~~الأمور. # وقرأ حمزة ويعقوب وخلف ( @QUR@02 ولا أصغر ) بالرفع على أنه خبر لمبتدأ ~~محذوف. أى : ولا ما هو أصغر من ذلك. # والمراد بالكتاب المبين : علم الله الذي وسع كل شيء ، أو اللوح المحفوظ ~~الذي حفظ الله فيه كل شيء. # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد أقامت الأدلة على شمول قدرة الله ~~تعالى لكل شيء ، وعلى دعوة الناس إلى الانتفاع بما ms2810 جاء به القرآن من خيرات ~~وبركات ، وعلى وجوب التزامهم بما شرعه سبحانه وعلى إحاطة علمه بما ظهر وبطن ~~من الأمور. # وبعد أن وجه سبحانه نداء إلى الناس دعاهم فيه إلى الانتفاع بما جاء في ~~القرآن من خيرات ، وتوعد الذين شرعوا شرائع لم يأذن بها الله ، وأقام ~~الأدلة على نفاذ قدرته ، وشمول علمه. # بعد كل ذلك ، بشر أولياءه بحسن العاقبة ، وأنذر أعداءه بسوء المصير ، ورد ~~على الذين قالوا اتخذ الله ولدا بما يكبتهم ويخرس ألسنتهم فقال تعالى : PageV07P093 # ( @QUR@010 ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) @QUR@04 ~~الذين آمنوا وكانوا يتقون (63) @QUR@015 لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي ~~الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم (64) @QUR@010 ولا يحزنك ~~قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم (65) @QUR@025 ألا إن لله من في ~~السماوات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون ~~إلا الظن وإن هم إلا يخرصون (66) @QUR@015 هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا ~~فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون (67) @QUR@025 قالوا اتخذ ~~الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض إن عندكم من ~~سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون (68) @QUR@09 قل إن الذين يفترون ~~على الله الكذب لا يفلحون (69) @QUR@013 متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم ~~نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون ) (70) # والأولياء : جمع ولى مأخوذ من الولي بمعنى القرب والدنو ، يقال : تباعد ~~فلان من بعد ولى أى : بعد قرب. PageV07P094 # والمراد بهم : أولئك المؤمنون الصادقون الذي صلحت أعمالهم ، وحسنت بالله ~~تعالى صلتهم ، فصاروا يقولون ويفعلون كل ما يحبه ، ويجتنبون كل ما يكرهه. # قال الفخر الرازي : «ظهر في علم الاشتقاق أن تركيب الواو واللام والياء ~~يدل على معنى القرب ، فولى كل شيء هو الذي يكون قريبا منه. (1) # والقرب من الله إنما يتم إذا كان القلب مستغرقا في نور معرفته ، فإن رأى ~~رأى دلائل قدرته ، وإن سمع سمع آيات وحدانيته ، وإن نطق نطق بالثناء عليه ، ~~وإن تحرك تحرك في خدمته ، وإن اجتهد ms2811 اجتهد في طاعته ، فهنالك يكون في غاية ~~القرب من الله تعالى ويكون وليا له سبحانه . # وإذا كان كذلك كان الله وليا له أيضا كما قال : ( @QUR@09 الله ولي الذين ~~آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ). # وقد افتتحت الآية الكريمة بأداة الاستفتاح ( @QUR@01 ألا ) وبحرف التوكيد ~~( @QUR@01 إن ) لتنبيه الناس إلى وجوب الاقتداء بهم ، حتى ينالوا ما ناله ~~أولئك الأولياء الصالحون من سعادة دنيوية وأخروية. # وقوله : ( @QUR@06 لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) تمييز لهم عن غيرهم ممن ~~لم يبلغوا درجتهم. # والخوف : حالة نفسية تجعل الإنسان مضطرب المشاعر لتوقعه حصول ما يكرهه. # والحزن اكتئاب نفسي يحدث للإنسان من أجل وقوع ما يكرهه. # أى : أن الخوف يكون من أجل مكروه يتوقع حصوله ، بينما الحزن يكون من أجل ~~مكروه قد وقع فعلا. # والمعنى : ألا إن أولياء الله الذين صدق إيمانهم ، وحسن عملهم ، لا خوف ~~عليهم من أهوال الموقف وعذاب الآخرة ، ولا هم يحزنون على ما تركوا وراءهم ~~من الدنيا ، لأن مقصدهم الأسمى رضا الله سبحانه ، فمتى فعلوا ما يؤدى إلى ~~ذلك هان كل ما سواه. # وقوله : ( @QUR@04 الذين آمنوا وكانوا يتقون ) استئناف مسوق لتوضيح ~~حقيقتهم فكأن سائلا قال : ومن هم أولياء الله؟ فكان الجواب هم الذين توفر ~~فيهم الإيمان الصادق ، والبعد التام عن كل ما نهى الله تعالى عنه. # وعبر عن إيمانهم بالفعل الماضي ، للإشارة إلى أنه إيمان ثابت راسخ. لا ~~تزلزله الشكوك ، ولا تؤثر فيه الشبهات. PageV07P095 # وعبر عن تقواهم بالفعل الدال على الحال والاستقبال للإيذان بأن اتقاءهم ~~وابتعادهم عن كل ما يغضب الله من الأقوال والأفعال ، يتجدد ويستمر دون أن ~~يصرفهم عن تقواهم وخوفهم منه سبحانه ترغيب أو ترهيب. # وقوله سبحانه ( @QUR@07 لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) زيادة ~~تكريم وتشريف لهم. # والبشرى والبشارة : الخبر السار ، فهو أخص من الخبر ، وسمى بذلك لأن أثره ~~يظهر على البشرة وهي ظاهر جلد الإنسان ، فيجعله متهلل الوجه ، منبسط ~~الأسارير ، مبتهج النفس. # أى : لهم ما يسرهم ويسعدهم في الدنيا من حياة آمنة طيبة ، ولهم أيضا في ~~الآخرة ما يسرهم من فوز ms2812 برضوان الله ، ومن دخول جنته. # قال الآلوسى ما ملخصه : «والثابت في أكثر الروايات ، أن البشرى في الحياة ~~الدنيا ، هي الرؤيا الصالحة .. فقد أخرج الطيالسي وأحمد والدارمي والترمذي ~~.. وغيرهم عن عبادة بن الصامت قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~قوله تعالى ( @QUR@05 لهم البشرى في الحياة الدنيا ) فقال : «هي الرؤيا ~~الصالحة يراها المؤمن أو ترى له». # وقيل المراد بالبشرى : البشرى العاجلة نحو النصر والغنيمة والثناء الحسن ~~، والذكر الجميل ، ومحبة الناس ، وغير ذلك. # ثم قال : وأنت تعلم أنه لا ينبغي العدول عما ورد عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في تفسير ذلك إذا صح. وحيث عدل من عدل لعدم وقوفه على ذلك ~~فيما أظن ، فالأولى أن تحمل البشرى في الدارين على البشارة بما يحقق نفى ~~الخوف والحزن كائنا ما كان ...» (1). # وقوله : ( @QUR@04 لا تبديل لكلمات الله ) أى : لا تغيير ولا خلف لأقوال ~~الله تعالى ولا لما وعد به عباده الصالحين من وعود حسنة ، على رأسها هذه ~~البشرى التي تسعدهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة. # واسم الإشارة في قوله تعالى ( @QUR@04 ذلك هو الفوز العظيم ) يعود إلى ما ~~ذكر من البشرى في الدارين. # أى : ذلك المذكور من أن لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، هو ~~الفوز العظيم الذي لا فوز وراءه ، والذي لا يفوقه نجاح أو فضل. PageV07P096 # هذا ، وقد نقل الشيخ القاسمى رحمه الله كلاما حسنا من كتاب «الفرقان بين ~~أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» فقال ما ملخصه : # هذه الآيات أصل في بيان أولياء الله ، وقد بين سبحانه في كتابه ، وبين ~~رسوله في سنته أن لله أولياء من الناس ، كما أن للشيطان أولياء. # وإذا عرف أن الناس فيهم أولياء الرحمن ، وأولياء الشيطان ، فيجب أن يفرق ~~بين هؤلاء وهؤلاء ، كما فرق الله ورسوله بينهما ، فأولياء الله هم المؤمنون ~~المتقون. كما في هذه الآية ، وفي الحديث الصحيح : «من عادى لي وليا فقد ~~بارزني بالمحاربة ، أو فقد آذنته بالحرب ..» والولاية ضد العداوة ، وأصل ~~الولاية المحبة والقرب ، وأصل العداوة البغض والبعد ، وأفضل أولياء الله هم ~~أنبياؤه ms2813 ، وأفضل أنبيائه هم المرسلون منهم ، وأفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم ~~خاتم النبيين .. فلا يكون وليا إلا من آمن به واتبعه ، ومن خالفه كان من ~~أولياء الشيطان ... # وإذا كان أولياءه الله هم المؤمنون المتقون ، فبحسب إيمان العبد وتقواه ~~تكون ولايته لله تعالى فمن كان أكمل إيمانا وتقوى ، كان أكمل ولاية لله. ~~فالناس متفاضلون في ولاية الله عز وجل بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى. # ومن أظهر الولاية وهو لا يؤدى الفرائض ، ولا يجتنب المحارم ، كان كاذبا ~~في دعواه ، أو كان مجنونا. # وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات ~~، فلا يتميزون بلباس دون لباس ، ولا بحلق شعر أو تقصير .. بل يوجدون في ~~جميع طبقات الأمة. فيوجدون في أهل القرآن ، وأهل العلم ، وفي أهل الجهاد ~~والسيف ، وفي التجار والزراع والصناع ... # وليس من شرط الولي أن يكون معصوما لا يغلط ولا يخطئ ، بل يجوز أن يخفى ~~عليه بعض علم الشريعة ، ويجوز أن يشتبه عليه بعض أمور الدين ..» (1). # وبعد أن بين سبحانه ما عليه أولياؤه من سعادة دنيوية وأخروية ، أتبع ذلك ~~بتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما لقيه من أعدائه من أذى فقال : ، ( ~~@QUR@010 ولا يحزنك قولهم ، إن العزة لله جميعا ، هو السميع العليم ). # أى : ولا يحزنك يا محمد ما قاله أعداؤك في شأنك ، من أنك ساحر أو مجنون ، ~~لأن قولهم هذا إنما هو من باب حسدهم لك ، وجحودهم لدعوتك. PageV07P097 # والنهى عن الحزن وهو أمر نفسي لا اختيار للإنسان فيه المراد به هنا النهى ~~عن لوازمه ، كالإكثار من محاولة تجديد شأن المصائب ، وتعظيم أمرها ، وبذلك ~~تتجدد الآلام ، ويصعب نسيانها. # وفي هذه الجملة الكريمة تسلية له صلى الله عليه وسلم وتأنيس لقلبه ، وإرشاد ~~له إلى ما سيقع له من أعدائه من شرور ، حتى لا يتأثر بها عند وقوعها. # وقوله : ( @QUR@07 إن العزة لله جميعا هو السميع العليم ) تعليل للنهى ~~على طريقة الاستئناف ، فكأنه صلى الله عليه وسلم قد قال : وما لي لا أحزن وهم ~~قد كذبوا دعوتي؟ فكان الجواب : إن الغلبة ms2814 كلها ، والقوة كلها لله وحده لا ~~لغيره ، فهو سبحانه القدير على أن يغلبهم ويقهرهم ويعصمك منهم ، وهو ( ~~@QUR@01 السميع )، لأقوالهم الباطلة ، ( @QUR@01 العليم ) بأفعالهم ~~القبيحة ، وسيعاقبهم على ذلك يوم القيامة عقابا أليما. # ولا تعارض بين قوله سبحانه ( @QUR@04 إن العزة لله جميعا ) وبين قوله في ~~آية أخرى ( @QUR@04 ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) (1)، لأن كل عزة لغيره ~~سبحانه فهي مستمدة من عزته ، وكل قوة من تأييده وعونه ، والرسول ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنون ، إنما صاروا أعزاء بفضل ركونهم إلى عزة الله ~~تعالى وإلى الاعتماد عليه ، وقد أظهرها سبحانه على أيديهم تكريما لهم. # ولذا قال القرطبي (2) رحمه الله قوله : ( @QUR@04 إن العزة لله جميعا ) أى ~~: القوة الكاملة ، والغلبة الشاملة ، والقدرة التامة لله وحده ، فهو ناصرك ~~ومعينك ومانعك. و ( @QUR@01 جميعا ) نصب على الحال ، ولا يعارض هذا قوله : ~~( @QUR@04 ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) فإن كل عزة بالله فهي كلها لله ، ~~قال سبحانه ( @QUR@06 سبحان ربك رب العزة عما يصفون ) (3). # ثم قال تعالى ( @QUR@09 ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض ) أى : ~~ألا إن لله وحده ملك جميع من في السموات ومن في الأرض من إنس وجن وملائكة. # وجاء التعبير القرآنى هنا بلفظ ( @QUR@01 من ) الشائع في العقلاء ، ~~للإيذان بعدم الحاجة إلى التصريح بغيرهم ، لأنهم إذا كانوا مع شرفهم وعلو ~~منزلتهم مملوكين لله تعالى كان غيرهم ممن لا يعقل أولى بذلك. # قال صاحب الكشاف قوله : ( @QUR@09 ألا إن لله من في السماوات ومن في ~~الأرض ) يعنى العقلاء PageV07P098 # المميزين وهم الملائكة والثقلان ، وإنما خصهم بالذكر ليؤذن أن هؤلاء إذا ~~كانوا له وفي ملكه ، فهم عبيد كلهم ، وهو سبحانه ربهم ، ولا يصلح أحد منهم ~~للربوبية ، ولا أن يكون شريكا له فيها ، فما وراءهم مما لا يعقل أحق أن لا ~~يكون له ندا وشريكا ، وليدل على أن من اتخذ غيره ربا من ملك أو إنس ، فضلا ~~عن صنم أو غير ذلك ، فهو مبطل تابع لما أدى إليه التقليد وترك النظر» (1). # وقوله : ( @QUR@08 وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء ). # أى : وما يتبع هؤلاء المشركون في عبادتهم ms2815 لغير الله شركاء في الحقيقة ، ~~وإنما يتبعون أشياء أخرى سموها من عند أنفسهم شركاء جهلا منهم ، لأن الله ~~تعالى تنزه وتقدس عن أن يكون له شريك أو شركاء في ملكه أو في عبادته. # وعلى هذا التفسير تكون ( @QUR@01 ما ) في قوله ( @QUR@02 وما يتبع ) ~~نافية ، وقوله ( @QUR@01 شركاء ) مفعول يتبع ، ومفعول يدعون محذوف لدلالة ~~ما قبله عليه ، أى : وما يتبع الذين يدعون من دون الله آلهة شركاء. # ويجوز أن تكون ( @QUR@01 ما ) استفهامية منصوبة بقوله ( @QUR@01 يتبع )، ~~ويكون قوله ( @QUR@01 شركاء ) منصوب بقوله ( @QUR@01 يدعون ) وعليه يكون ~~المعنى. # أى شيء يتبع هؤلاء المشركون في عبادتهم؟ إنهم يعبدون شركاء سموهم بهذا ~~الاسم من عند أنفسهم ، أما هم في الحقيقة فلا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا. # وقوله : ( @QUR@08 إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ) أى : ما ~~يتبعون في عبادتهم لغير الله إلا الظن الذي لا يغنى عن الحق شيئا ، وإلا ~~الخرص المبنى على الوهم الكاذب ، والتقدير الباطل. # وأصل الخرص : الحزر والتقدير للشيء على سبيل الظن لا على سبيل الحقيقة. # قال الراغب : وحقيقة ذلك أن كل قول مقول عن ظن وتخمين يقال له خرص ، سواء ~~أكان مطابقا للشيء أم مخالفا له ، من حيث إن صاحبه لم يقله عن علم ولا غلبة ~~ظن ولا سماع ، بل اعتمد فيه على الظن والتخمين كفعل الخارص في خرصه أى : ~~كفعل من يخرص الثمر على الشجر وكل من قال قولا على هذا النحو قد يسمى كاذبا ~~وإن كان قوله مطابقا للمقول المخبر عنه. PageV07P099 # وقيل : الخرص : الكذب كما في قوله تعالى ( @QUR@04 وإن هم إلا يخرصون ) ~~أى يكذبون (1). # ثم بين سبحانه جانبا من مظاهر نعمه على عباده فقال تعالى ( @QUR@09 هو ~~الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا ... ). # أى : الله وحده سبحانه هو الذي جعل لكم الليل مظلما ، لكي تستقروا فيه ~~بعد طول الحركة في نهاركم من أجل معاشكم ، وهو الذي جعل لكم النهار مضيئا ~~لكي تبصروا فيه مطالب حياتكم. # والجملة الكريمة بيان لمظاهر رحمة الله تعالى بعباده ، بعد بيان سعة علمه ~~، ونفاذ قدرته ، وشمولها لكل ms2816 شيء في هذا الكون. # وقوله ( @QUR@06 إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ) أى : إن في ذلك الجعل ~~المذكور لدلائل واضحات لقوم يسمعون ما يتلى عليهم سماع تدبر وتعقل ، يدل ~~على سعة رحمة الله تعالى بعباده ، وتفضله عليهم بالنعم التي لا تحصى. # ثم شرع سبحانه في بيان أقبح الرذائل التي تفوه بها المشركون فقال : ( ~~@QUR@04 قالوا اتخذ الله ولدا .... ). # والمراد بهؤلاء القائلين : اليهود الذين قالوا : عزير ابن الله والنصارى ~~الذين قالوا : المسيح ابن الله ، وكفار العرب الذين قالوا : الملائكة بنات ~~الله ، وغيرهم ممن نحا نحوهم في تلك الأقوال الشائنة. # وقوله : ( @QUR@010 سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض ) ~~تنزيه له عز وجل عما قالوا ، في حقه من أقاويل باطلة. # أى : تنزه وتقدس عن أن يكون له ولد ، لأنه هو الغنى بذاته عن الولد وعن ~~كل شيء ، وهو المالك لجميع الكائنات علويها وسفليها ، وهو الذي لا يحتاج ~~إلى غيره ، وغيره محتاج إليه ، وخاضع لسلطان قدراته. # قال تعالى : ( @QUR@040 وقالوا اتخذ الرحمن ولدا. لقد جئتم شيئا إدا. ~~تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض ، وتخر الجبال هدا. أن دعوا للرحمن ~~ولدا. وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا. إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي ~~الرحمن عبدا. لقد أحصاهم وعدهم PageV07P100 # @QUR@06 عدا. وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ) (1). # وقوله : ( @QUR@05 إن عندكم من سلطان بهذا ) تجهيل لهم ورد عليهم. و ( ~~@QUR@01 إن ) هنا نافية ، و ( @QUR@01 من ) مؤكدة لهذا النفي ، ومفيدة ~~للعموم. والسلطان : الحجة والبرهان. # أى : ما عندكم دليل ولا شبهة دليل على ما زعمتموه من أن لله ولدا ، وإنما ~~قلتم ما قلتم لانطماس بصيرتكم ، واستحواذ الشيطان على نفوسكم. # وقوله سبحانه ( @QUR@06 أتقولون على الله ما لا تعلمون ) توبيخ آخر لهم ~~على جهلهم وكذبهم. # أى : أتقولون على الله تعالى قولا ، لا علم لكم به ، ولا معرفة لكم ~~بحقيقته؟ إن قولكم هذا لهو دليل على جهلكم وعلى تعمدكم الكذب والبهتان. # قال الآلوسى : «وفي الآية دليل على أن كل قول لا دليل عليه فهو جهالة. ~~وأن العقائد لا بد لها من قاطع ، وأن ms2817 التقليد بمعزل من الاهتداء» (2). # وقوله : ( @QUR@09 قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ) إنذار ~~لهم بسوء العاقبة إذا ما استمروا على شركهم. # أى : قل لهؤلاء المشركين على سبيل الإنذار والتهديد : إن الذين يفترون ~~على الله الكذب بنسبة الولد إليه ، والشريك له ، لا يفلحون ولا يفوزون ~~بمطلوب أصلا. # وقوله سبحانه ( @QUR@03 متاع في الدنيا ) بيان لتفاهة ما يحرصون عليه من ~~شهوات الحياة الدنيا. وهو خبر لمبتدأ محذوف. # أى : أن ما يتمتعون به في الدنيا من شهوات وملذات ، هو متاع قليل مهما ~~كثر ، لأنه إلى فناء واندثار. # ثم بين سبحانه سوء مصيرهم بعد أن غرتهم الدنيا بشهواتها فقال : ( ~~@QUR@010 ثم إلينا مرجعهم ، ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون ). # أى : ثم إلينا لا إلى غيرنا مرجعهم يوم القيامة ، ثم نحاسبهم حسابا عسيرا ~~على أقوالهم الذميمة ، وأفعالهم القبيحة ، ثم نذيقهم العذاب الشديد بسبب ~~كفرهم بآياتنا ، وتكذيبهم لنبينا صلى الله عليه وسلم . PageV07P101 # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة ، قد مدحت أولياء الله الصالحين ، ~~وبشرتهم بالسعادة الدنيوية والأخروية ، وأقامت الأدلة على قدرة الله ~~النافذة ورحمته الواسعة ، وردت على افتراءات المشركين بما يبطل أقوالهم ، ~~ويفضح مزاعمهم. # وبعد أن ساقت السورة الكريمة ما ساقت من الأدلة على وحدانية الله وعلى ~~صدق رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى حسن عاقبة المؤمنين وسوء عاقبة المكذبين .. ~~بعد كل ذلك تحدثت عن بعض قصص الأنبياء مع أقوامهم ، فبدأت بجانب من قصة نوح ~~عليه السلام مع قومه ، وكيف أن الله تعالى أغرقهم بعد أن تمادوا في ضلالهم ، ~~فقال سبحانه : # ( @QUR@034 واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم ~~مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا ~~يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون (71) @QUR@016 فإن توليتم فما ~~سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين (72) ~~@QUR@017 فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين ~~كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ) (73) # قال الإمام الرازي : «اعلم أنه سبحانه لما ms2818 بالغ في تقرير الدلائل ~~والبينات وفي الجواب عن الشبه والسؤالات ، شرع بعد ذلك في بيان بعض قصص ~~الأنبياء عليهم السلام لوجوه : # أحدها : أن الكلام إذا طال في تقرير نوع من أنواع العلوم ، فربما حصل نوع ~~من أنواع الملالة ، فإذا انتقل الإنسان من ذلك الفن من العلم إلى فن آخر ، ~~انشرح صدره. ووجد في نفسه رغبة جديدة. # وثانيها : ليكون للرسول صلى الله عليه وسلم ولأصحابه ، أسوة بمن سلف من ~~الأنبياء ، فإن PageV07P102 # الرسول صلى الله عليه وسلم إذا سمع أن معاملة الكفار لأنبيائهم سيئة .. خف ~~ذلك على قلبه ، لأن المصيبة إذا عمت خفت. # وثالثها : أن الكفار إذا سمعوا هذه القصص ، وعلموا أن العاقبة للمتقين ~~كان ذلك سببا في انكسار قلوبهم ، ووقوع الخوف والوجل في نفوسهم. وحينئذ ~~يقلعون عن أنواع الإيذاء والسفاهة ...» (1). # ونوح عليه السلام : واحد من أولى العزم من الرسل ، وينتهى نسبه إلى شيث بن ~~آدم عليه السلام وقد ذكر في القرآن في ثلاثة وأربعين موضعا. # وكان قومه يعبدون الأصنام ، فأرسل الله إليهم نوحا ليدلهم على طريق ~~الرشاد. # وقد تكررت قصته مع قومه في سورة الأعراف ، وهود ، والمؤمنون ، ونوح ... ~~بصورة أكثر تفصيلا. # أما هنا في سورة يونس فقد جاءت بصورة مجملة ، لأن الغرض منها هنا ، إبراز ~~جانب التحدي من نوح لقومه ، بعد أن مكث فيهم زمانا طويلا ، يدعوهم إلى ~~عبادة الله وحده ، وترك عبادة غيره. # والمعنى : واتل يا محمد على مسامع هؤلاء المشركين الذين مردوا على افتراء ~~الكذب ، نبأ نوح عليه السلام مع قومه المغترين بأموالهم وكثرتهم ليتدبروا ما ~~في هذا النبأ من عظات وعبر. وليعلموا أن سنة الله تعالى قد اقتضت أن يجعل ~~العاقبة للمتقين. # والمقصود من هذه التلاوة ، دعوة مشركي مكة وأمثالهم ، إلى التدبر فيما ~~جرى للظالمين من قبلهم ، لعلهم بسبب هذا التدبر والتأمل يثوبون إلى رشدهم ~~ويتبعون الدين الحق الذي جاءهم به نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم . # وقوله : ( @QUR@013 يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله ~~فعلى الله توكلت .. ) بيان لما قاله لهم بعد أن مكث ms2819 فيهم زمنا طويلا ، ، ~~وسمع منهم ما سمع من استهزاء بدعوته ، ، وتطاول على أتباعه. # أى : قال نوح لقومه بعد أن دعاهم ليلا ونهارا : يا قوم إن كان ( @QUR@02 ~~كبر عليكم ). # أى : شق وعظم عليكم ( @QUR@01 مقامي ) فيكم ووجودى بين أظهركم عمرا طويلا ~~( @QUR@01 وتذكيري ) إياكم بآيات الله الدالة على وحدانيته وقدرته ، ، ~~والتي تستلزم منكم إخلاص العبادة له والشكر لنعمه. PageV07P103 # إن كان كبر عليكم ذلك فعلى الله وحده توكلت ، وإليه وحده فوضت أمرى ولن ~~يصرفني عن الاستمرار في تبليغ ما أمرنى بتبليغه وعد أو وعيد منكم. # وخاطبهم عليه السلام بقوله : ( @QUR@02 يا قوم ) استمالة لقلوبهم وإشعارا ~~لهم بأنهم أهله وأقرباؤه الذين يحب لهم الخير ، ويكره لهم الشر. # وجملة ( @QUR@03 فعلى الله توكلت ) جواب الشرط. وقيل جواب الشرط محذوف ~~والتقدير : إن كان كبر عليكم ذلك فافعلوا ما شئتم فإنى على الله وحده توكلت ~~في تبليغ دعوته لكم. # وقوله : ( @QUR@03 فأجمعوا أمركم وشركاءكم ) معطوف على ما قبله. # والفعل ( @QUR@01 فأجمعوا ) بقطع الهمزة مأخوذ من أجمعت على الأمر إذا ~~عزمت عليه عزما مؤكدا ووطنت نفسك على المضي فيه بدون تردد أو تقاعس. # والمراد بالأمر هنا : المكر والكيد والعداوة وما يشبه ذلك. # والمراد بشركائهم : أصنامهم التي عبدوها من دون الله وظنوا فيها النفع ~~والضرر والتمسوا فيها العون والنصرة. # والمعنى : أن نوحا عليه السلام قد قال لقومه بصراحة ووضوح : يا قوم إن كان ~~قد شق عليكم مقامي فيكم ، وتذكيري بآيات الله الدالة على وحدانيته فاجمعوا ~~ما تريدون جمعه من مكر وكيد بي ، ثم ادعوا شركاءكم ليساعدوكم في ذلك فإنى ~~ماض في طريقي الذي أمرنى الله به ، بدون مبالاة بمكركم وبدون اهتمام ~~بكيدكم. # قال الآلوسى : «وقوله ( @QUR@01 وشركاءكم ) منصوب على أنه مفعول معه لأن ~~الشركاء عازمون لا معزوم عليهم. وقيل إنه منصوب العطف على قوله ( @QUR@01 ~~أمركم ) بحذف المضاف. أى فأجمعوا أمركم وأمر شركائكم. # وقرأ نافع : فاجمعوا بوصل الهمزة وفتح الميم من جمع وعطف الشركاء على ~~الأمر في هذه القراءة ظاهر بناء على أنه يقال : جمعت شركائى ، كما يقال ~~جمعت أمرى ...» (1). # وقوله : ( @QUR@06 ثم لا يكن أمركم عليكم ms2820 غمة ) معطوف على ما قبله ، ~~ومؤكد لمضمونه. # وكلمة ( @QUR@01 غمة ) بمعنى الستر والخفاء. يقال : غم على فلان الأمر أى ~~: خفى عليه واستتر. # ومنه الحديث الشريف : «صوموا لرؤيته أى الهلال وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم PageV07P104 # فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما» أى فإن استتر وخفى عليكم الهلال وحال دون ~~رؤيتكم له حائل من عغيم أو ضباب فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما. # أى : اجمعوا ما تريدون جمعه لي من مكر وكيد واستعينوا على ذلك بشركائكم ~~ثم لا يكن أمركم ، الذي أجمعتم على تنفيذه فيه شيء من الستر أو الخفاء أو ~~الالتباس الذي يجعلكم مترددين في المضي فيه أو متقاعسين عن مجاهرتى بما ~~تريدون فعله معى. # ومنهم من يرى أن كلمة ( @QUR@01 غمة ) هنا بمعنى الغم كالكربة بمعنى ~~الكرب أى : ثم لا يكن حالكم غما كائنا عليكم بسبب مقامي فيكم وتذكيري إياكم ~~بآيات الله. # وقد أشار صاحب الكشاف الى هذين الوجهين فقال : «فإن قلت : ما معنى ~~الأمرين : أمرهم الذي يجمعونه وأمرهم الذي لا يكون عليهم غمة؟ # قلت : أما الأمر الأول فالقصد إلى إهلاكه يعنى : فأجمعوا ما تريدون من ~~إهلاكى واحتشدوا فيه ، وابذلوا وسعكم في كيدي. وإنما قال ذلك إظهارا لقلة ~~مبالاته بهم وثقته بما وعده به ربه من كلاءته وعصمته إياه ، وأنهم لن يجدوا ~~إليه سبيلا. # وأما الثاني ففيه وجهان : أحدهما أن يراد مصاحبتهم له وما كانوا فيه معه ~~من الحال الشديدة عليهم ، المكروهة عندهم. يعنى : ثم أهلكونى لئلا يكون ~~عيشكم بسببي غصة عليكم. وحالكم عليكم غمة. أى : غما وهما. والغم والغمة ~~كالكرب والكربة. # وثانيهما : أن يراد به ما أريد بالأمر الأول. والغمة السترة من غمه إذا ~~ستره ، وفي الحديث «لا غمة في فرائض الله» أى لا تستر ولكن يجاهر بها. # يعنى : ولا يكن قصدكم إلى إهلاكى مستورا عليكم. ولكن مكشوفا مشهورا ~~تجاهروننى به» (1). # وقوله : ( @QUR@05 ثم اقضوا إلي ولا تنظرون ) زيادة في تحديهم وإثارتهم. # والقضاء هنا بمعنى الأداء ، من قولهم : قضى المدين للدائن دينه ، إذا ~~أداه إليه ، وقضى فلان الصلاة. أى أداها بعد مضى وقتها. # أى ms2821 : ثم أدوا إلى ذلك الأمر الذي تريدون أداءه من إيذائى أو إهلاكى بدون ~~إنظار أو إمهال. # ويصح أن يكون القضاء هنا بمعنى الحكم ، أى : ثم احكموا على بما تريدون من ~~أحكام ، PageV07P105 # ولا تتركوا لي مهلة في تنفيذها ، بل نفذوها على في الحال. # فأنت ترى في هذه الآية الكريمة كيف أن نوحا عليه السلام كان في نهاية ~~الشجاعة في مخاطبته لقومه ، بعد أن مكث فيهم ما مكث وهو يدعوهم إلى عبادة ~~الله تعالى وحده. # فهو أولا يصارحهم بأنه ماض في طريقه الذي أمره الله بالمضي فيه ، وهو ~~تذكيرهم بالدلائل الدالة على وحدانية الله ، وعلى وجوب إخلاص العبادة له ~~سواء أشق عليهم هذا التذكير أم لم يشق ، وأنه لا اعتماد له على أحد إلا على ~~الله وحده. # وهو ثانيا يتحداهم بأن يجمعوا أمرهم وأمر شركائهم وأن يأخذوا أهبتهم ~~لكيده وحربه. # وهو ثالثا يطالبهم بأن يتخذوا قراراتهم بدون تستر أو خفاء ، فإن الأمر لا ~~يحتاج إلى غموض أو تردد ، لأن حاله معهم قد أصبح واضحا وصريحا. # وهو رابعا يأمرهم بأن يبلغوه ما توصلوا إليه من قرارات وأحكام وأن ~~ينفذوها عليه بدون تريث أو انتظار ، حتى لا يتركوا له فرصة للاستعداد ~~للنجاة من مكرهم. # وهكذا نرى نوحا عليه السلام يتحدى قومه تحديا صريحا مثيرا. حتى إنه ~~ليغريهم بنفسه ، ويفتح لهم الطريق لإيذائه وإهلاكه إن استطاعوا ذلك . # وما لجأ عليه السلام إلى هذا التحدي الواضح المثير إلا لأنه كان معتمدا ~~على الله تعالى الذي تتضاءل أمام قوته كل قوة وتتهاوى إزاء سطوته كل سطوة ~~ويتصاغر كل تدبير وتقدير أمام تدبيره وتقديره. # وهكذا نرى القرآن الكريم يسوق للدعاة في كل زمان ومكان تلك المواقف ~~المشرفة لرسل الله عليهم الصلاة والسلام لكي يقتدوا بهم في شجاعتهم ، وفي ~~اعتمادهم على الله وحده ، وفي ثباتهم أمام الباطل مهما بلغت قوته ، واشتد ~~جبروته. # ومتى فعلوا ذلك ، كانت العاقبة لهم لأنه سبحانه تعهد أن ينصر من ينصره. # ولنمض مع القصة حتى النهاية لنرى الدليل على ذلك فقد حكى سبحانه ما دار ms2822 ~~بين نوح وبين قومه بعد هذا التحدي السافر لهم فقال : # ( @QUR@02 فإن توليتم ) أى : فإن أعرضتم أيها الناس عن قولي ، وعن تذكيري ~~إياكم بآيات الله بعد وقوفكم على أمرى وعلى حقيقة حالي. فما سألتكم من أجر ~~، أى : فإنى ما سألتكم في مقابل تذكيري لكم ، أو دعوتي إياكم الى الحق ، من ~~أجر تؤدونه لي ( @QUR@05 إن أجري إلا على الله ) وحده ، فهو الذي يثيبني ~~على قولي وعملي وهو الذي يعطيني من الخير PageV07P106 # ما يغنيني عن أجركم وعطائكم وهو سبحانه الذي أمرنى ( @QUR@04 أن أكون من ~~المسلمين ) أى : المنقادين لأمره. المتبعين لهديه ، المستسلمين لقضائه وقدره. # ثم بين سبحانه العاقبة الطيبة التي آل إليها أمر نوح عليه السلام والعاقبة ~~السيئة التي انتهى إليها حال قومه فقال : ( @QUR@01 فكذبوه ) أى : فكذب قوم ~~نوح نبيهم نوحا بعد أن دعاهم إلى الحق ليلا ونهارا وسرا وعلانية. # فماذا كانت نتيجة هذا التكذيب؟ كانت نتيجته كما حكته السورة الكريمة ( ~~@QUR@05 فنجيناه ومن معه في الفلك ) أى : فنجينا نوحا ومن معه من المؤمنين ~~، بأن أمرناهم أن يركبوا في السفينة التي صنعوها بأمر الله ، حتى لا يغرقهم ~~الطوفان الذي أغرق المكذبين. # وقوله : ( @QUR@02 وجعلناهم خلائف ) أى : وجعلنا هؤلاء الناجين خلفاء في ~~الأرض لأولئك المغرقين الذين كذبوا نبيهم نوحا عليه السلام وعموا وصموا عن ~~الحق الذي جاءهم به ودعاهم اليه. # هذه هي عاقبة نوح والمؤمنين معه أما عاقبة من كذبوه فقد بينها سبحانه في ~~قوله : ( @QUR@04 وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا ) أى : وأغرقنا بالطوفان ~~الذين كذبوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا. # ( @QUR@05 فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ) أى : فانظر وتأمل أيها العاقل ~~كيف كانت نتيجة تكذيب هؤلاء المنذرين الذين لم تنفع معهم النذر والآيات ~~التي جاءهم بها نبيهم نوح عليه السلام . # فالمراد بالأمر بالنظر هنا : التأمل والاتعاظ والاعتبار لا مجرد النظر ~~الخالي عن ذلك. # وهكذا نجد أن من العبر والعظات التي من أجلها ساق الله تعالى قصة نوح ~~عليه السلام بهذه الصورة الموجزة هنا : إبراز ما كان عليه نوح عليه السلام من ~~شجاعة وقوة وهو يبلغ رسالة الله إلى الناس ms2823 واعتماده التام على خالقه وتوكله ~~عليه وحده وتحديه السافر للمكذبين الذين وضعوا العراقيل والعقبات في طريق ~~دعوته ، وتحريضه لهم بمثيرات القول على مهاجمته إن كان في إمكانهم ذلك ~~ومصارحته لهم بأنه في غنى عن أموالهم لأن خالقه سبحانه قد أغناه عنهم ، ~~وبيان أن سنة الله لا تتخلف ولا تتبدل وهذه السنة تتمثل في أنه سبحانه قد ~~جعل حسن العاقبة للمؤمنين وسوء العاقبة للمكذبين. # ثم حكت السورة الكريمة أن الله تعالى قد أرسل رسلا كثيرين بعد نوح ~~عليه السلام فكان موقف أقوامهم منهم مشابها لموقف قوم نوح منه ، فقال تعالى : PageV07P107 # ( @QUR@022 ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاؤهم بالبينات فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين ) (74) # أى : ثم بعثنا من بعد نوح عليه السلام رسلا كثيرين ذوى قدر عظيم إلى ~~أقوامهم ، ليخرجوهم من ظلمات الكفر إلى نور الايمان فهود عليه السلام ~~أرسلناه إلى قوم عاد ، وصالح عليه السلام أرسلناه إلى ثمود ، وهكذا أرسلنا ~~رسلا كثيرين إلى أقوامهم. # وقوله : ( @QUR@02 فجاؤهم بالبينات ) أى : فأتى كل رسول قومه بالمعجزات ~~الواضحات ، وبالحجج الساطعات الدالة على صدقه فيما يبلغه عن ربه. # وقوله ( @QUR@08 فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ) بيان لموقف ~~هؤلاء الأقوام الجاحدين من رسلهم الذين جاءوا لهدايتهم وسعادتهم. # وللمفسرين في معنى هذه الجملة الكريمة أقوال : # فمنهم من يرى أن الضمائر في «كانوا ، ويؤمنوا ، وكذبوا» تعود على أقوام ~~الرسل الذين جاءوا من بعد نوح عليه السلام وأن المراد بقوله : ( @QUR@02 من ~~قبل ) أى : من قبل مجيء الرسل إليهم. # والمعنى على هذا الرأى : ثم بعثنا من بعد نوح عليه السلام رسلا كثيرين إلى ~~أقوامهم فجاءوهم بالمعجزات الدالة على صدقهم ، إلا أن هؤلاء الأقوام ~~الأشقياء. استمروا على كفرهم وعنادهم ، وامتنعوا عن الإيمان بما كذبوا به ~~من قبل مجيء الرسل إليهم وهو إفراد الله تعالى بالعبادة والطاعة فكان حالهم ~~في الإصرار على الكفر والجحود قبل مجيء الرسل إليهم ، كحالهم بعد أن جاءوهم ~~بالهدى ودين الحق ، حتى لكأنهم لم يأتهم من بشير ولا ms2824 نذير. # ومن المفسرين الذين قالوا بهذا الرأى الإمام البيضاوي فقد قال : «قوله : ~~( @QUR@03 فما كانوا ليؤمنوا ) أى : فما استقام لهم أن يؤمنوا لشدة شكيمتهم ~~في الكفر ، وخذلان الله إياهم .. بما كذبوا به من قبل ، أى بسبب تعودهم ~~تكذيب الحق ، وتمرنهم عليه قبل بعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام » (1). PageV07P108 # ومنهم من يرى أيضا أن الضمائر تعود على أقوام الرسل الذين جاءوا من بعد ~~نوح عليه السلام إلا أن المراد بقوله ( @QUR@02 من قبل ): أى : من قبل ~~ابتداء دعوة الرسل لهؤلاء الأقوام. # وعليه يكون المعنى : ثم بعثنا من بعد نوح عليه السلام رسلا كثيرين إلى ~~أقوامهم ، فجاءوهم بالأدلة الواضحة الدالة على صدقهم ، إلا أن هؤلاء ~~الأقوام قابلوا رسلهم بالتكذيب من أول يوم ، واستمروا على ذلك حتى آخر ~~أحوالهم معهم ، فكان تكذيبهم لهم في آخر أحوالهم معهم ، يشبه تكذيبهم لهم ~~من قبل. أى : في أول مجيئهم إليهم. # ومن المفسرين الذين قالوا بهذا الرأى : الإمام ابن كثير فقد قال : «قوله ~~: ( @QUR@08 فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ) أى : فما كانت الأمم ~~لتؤمن بما جاءتهم به رسلهم ، بسبب تكذيبهم إياهم أول من أرسلوا إليهم ، كما ~~قال تعالى ( @QUR@09 ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ) (1). # ومنهم من يرى أن الضمير في قوله «كانوا ويؤمنوا» يعود على أقوام الرسل ~~الذين جاءوا من بعد نوح عليه السلام وأن الضمير في قوله «كذبوا» يعود إلى ~~قوم نوح ، وعلى هذا الرأى يكون المعنى : # ثم بعثنا من بعد نوح عليه السلام رسلا إلى أقوامهم. فجاءوهم بالآيات ~~البينات الدالة على صدقهم ، ولكن هؤلاء الأقوام استمروا في كفرهم وعنادهم ، ~~وأبوا أن يؤمنوا بوحدانية الله التي كذب بها قوم نوح من قبل. # ومن المفسرين الذين قالوا بهذا الرأى الإمام ابن جرير فقد قال «قوله : ( ~~@QUR@08 فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ) يقول : «فما كانوا ~~ليصدقوا بما جاءتهم به رسلهم وبما كذب به قوم نوح ومن قبلهم من الأمم ~~الخالية ..» (2). # وعلى أية حال فهذه الأقوال الثلاثة ، تدل على أن هؤلاء الأقوام عموا ~~وصموا عن ms2825 الحق ، واستمروا على ذلك دون أن تحولهم الآيات البينات التي جاءهم ~~بها الرسل عن عنادهم وضلالهم. # وقوله : ( @QUR@05 كذلك نطبع على قلوب المعتدين ) بيان لسنة الله تعالى ~~في خلقه التي لا تتخلف ولا تتبدل. والطبع : الختم والاستيثاق بحيث لا يخرج ~~من الشيء ما دخل فيه ، ولا يدخل فيه ما خرج منه. PageV07P109 # أى : مثل ذلك الطبع المحكم نطبع على قلوب المعتدين المتجاوزين للحدود في ~~الكفر والجحود ، وذلك بخذلانهم ، وتخليتهم وشأنهم ، لانهماكهم في الغواية ~~والضلال. # ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك ، جانبا من قصة موسى عليه السلام مع فرعون ~~وملئه ، فبدأت بحكاية بعض المحاورات التي دارت بينه وبينهم ، فقال تعالى : # ( @QUR@014 ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملائه بآياتنا ~~فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين (75) @QUR@010 فلما جاءهم الحق من عندنا ~~قالوا إن هذا لسحر مبين (76) @QUR@011 قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم ~~أسحر هذا ولا يفلح الساحرون (77) @QUR@016 قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا ~~عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين ) (78) # وقوله سبحانه ( @QUR@02 ثم بعثنا .. ) معطوف على ما قبله وهو قوله : ( ~~@QUR@07 ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم ... ) من باب عطف القصة على القصة ~~، وهو من قبيل عطف الخاص على العام ، لما في هذا الخاص من عبر وعظات. # والمعنى : ثم بعثنا من بعد هؤلاء الرسل الكرام الذين جاءوا لأقوامهم ~~بالأدلة والبينات. ( @QUR@02 موسى وهارون ) عليهما السلام .. ( @QUR@02 إلى ~~فرعون ) الذي قال لقومه «أنا ربكم الأعلى» وإلى ( @QUR@01 ملأه ) أى : ~~خاصته وأشراف مملكته وأركان دولته ، ولذلك اقتصر عليهم ، لأن غيرهم كالتابع لهم. # ( @QUR@01 بآياتنا ) أى : بعثناهما إليهم مؤيدين بآياتنا ، الدالة على ~~قدرتنا ووحدانيتنا وعلى صدقهما فيما يبلغانه عنا من هدايات وتوجيهات. # ويرى كثير من المفسرين أن المراد بقوله ( @QUR@01 بآياتنا ) الآيات التسع ~~التي جاء ذكرها في قوله تعالى في سورة الإسراء ( @QUR@06 ولقد آتينا موسى ~~تسع آيات بينات .. ) (1). PageV07P110 # قال الجمل : «وتقدم في الأعراف منها ثمانية ، ثنتان في قوله تعالى ( ~~@QUR@06 فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ) (1) وقوله : ( @QUR@06 ونزع يده ~~فإذا هي بيضاء للناظرين ) (2). # وواحدة في قوله تعالى : ( @QUR@010 ولقد أخذنا آل فرعون ms2826 بالسنين ونقص من ~~الثمرات لعلهم يذكرون ) (3) وخمسة في قوله تعالى : ( @QUR@07 فأرسلنا عليهم ~~الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم .... ) (4). والتاسعة في هذه ~~السورة سورة يونس في قوله تعالى : ( @QUR@04 ربنا اطمس على أموالهم ) (5). # ثم بين سبحانه موقف فرعون وملئه من دعوة موسى لهم فقال : ( @QUR@04 ~~فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين ). # والاستكبار : ادعاء الكبر من غير استحقاق ، والفاء فصيحة ، والتقدير : ثم ~~بعثنا من بعد أولئك الرسل موسى وهارون إلى فرعون وملئه ، فأتياهم ليبلغاهم ~~دعوة الله ، ويأمراهم بإخلاص العبادة له ، فاستكبروا عن طاعتهما ، وأعجبوا ~~بأنفسهم ، وكانوا قوما شأنهم وديدنهم الإجرام ، وهو ارتكاب ما عظم من ~~الذنوب ، وقبح من الأفعال. # ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الجملة : فاستكبروا عن ~~قبولها ، وهو أعظم الكبر أن يتهاون العبيد برسالة ربهم بعد تبينها ، ~~ويتعظموا عن تقبلها» (6). # ثم بين سبحانه ما تفوهوا به من أباطيل عند ما جاءهم موسى بدعوته فقال : ( ~~@QUR@010 فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين ). # أى : فلما وصل إليهم الحق الذي جاءهم به موسى عليه السلام من عندنا لا من ~~غيرنا ( @QUR@01 قالوا ) على سبيل العناد والحقد والغرور ( @QUR@02 إن هذا ~~) الذي جئت به يا موسى ( @QUR@02 لسحر مبين ) أى : لسحر واضح ظاهر لا يحتاج ~~إلى تأمل أو تفكير. # والتعبير بقوله ( @QUR@01 جاءهم ) يفيد أن الحق قد وصل إليهم بدون تعب ~~منهم ، فكان من الواجب عليهم لو كانوا يعقلون أن يتقبلوه بسرور واقتناع. # وفي قوله ( @QUR@02 من عندنا ) تصوير لشناعة الجريمة التي ارتكبوها في ~~جانب الحق ، الذي جاءهم من عند الله تعالى لا من عند غيره. PageV07P111 # والمراد بالحق هنا : الآيات والمعجزات التي جاءهم بها موسى عليه السلام ~~لتكون دليلا على صدقه فيما يبلغه عن ربه. # وقولهم كما حكى القرآن عنهم ( @QUR@04 إن هذا لسحر مبين ) بالقسم المؤكد ~~: يدل على تبجحهم الذميم ، وكذبهم الأثيم ، حيث وصفوا الحق الذي لا باطل ~~معه بأنه سحر واضح ، وهكذا عند ما تقسو القلوب وتفسق النفوس ، تتحول ~~الحقائق في زعمها إلى أكاذيب وأباطيل. # ثم حكى القرآن الكريم رد موسى عليه السلام على مفترياتهم فقال : ( ~~@QUR@011 قال ms2827 موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون ). # وفي الآية الكريمة كلام محذوف دل عليه المقام ، والتقدير : # قال موسى لفرعون وملئه منكرا عليهم غرورهم وكذبهم ، ( @QUR@02 أتقولون ~~للحق ) الذي هو أبعد ما يكون عن السحر ، حين مشاهدتكم له. # أتقولون عنه ( @QUR@04 إن هذا لسحر مبين ). # يا سبحان الله!! أفلا عقل لكم يحجزكم عن هذا القول الذي يدل على الجهالة ~~والغباء ، انظروا وتأملوا ( @QUR@02 أسحر هذا ) الذي ترون حقيقته بأعينكم ، ~~وترتجف من عظمته قلوبكم ، والحال أنه ( @QUR@03 لا يفلح الساحرون ) في أى ~~عمل من شأنه أن يهدى إلى الخير والحق. # فقد حذفت جملة ( @QUR@04 إن هذا لسحر مبين ) لدلالة قوله ( @QUR@02 أسحر ~~هذا ) عليه. # قال صاحب الكشاف : «فإن قلت : هم قطعوا بقولهم : إن هذا لسحر مبين ، على ~~أنه سحر فكيف قيل لهم أتقولون : أسحر هذا؟ # قلت : فيه أوجه : أن يكون معنى قوله : ( @QUR@02 أتقولون للحق ): ~~أتعيبونه وتطعنون فيه ، وكان عليكم أن تذعنوا له وتعظموه ، من قولهم : فلان ~~يخاف القالة ، وبين الناس تقاول ، إذا قال بعضهم لبعض ما يسوءه. # وأن يحذف مفعول أتقولون وهو ما دل عليه قولهم : ( @QUR@04 إن هذا لسحر ~~مبين ) كأنه قيل : أتقولون ما تقولون : يعنى قولهم : إن هذا لسحر مبين ، ثم ~~قيل : أسحر هذا؟ # وأن يكون جملة قوله «أسحر هذا ولا يفلح الساحرون» حكاية لكلامهم ، كأنهم ~~قالوا أجئتما إلينا بالسحر تطلبان به الفلاح ( @QUR@03 ولا يفلح الساحرون ~~.. ) (1). PageV07P112 # وقال الجمل : «قوله تعالى ( @QUR@03 قال موسى أتقولون .. ) أى : قال جملا ~~ثلاثة : الأولى : ( @QUR@04 أتقولون للحق لما جاءكم ) والثانية ( @QUR@02 ~~أسحر هذا ) والثالثة ( @QUR@03 ولا يفلح الساحرون ). # وقوله ( @QUR@01 للحق ) أى في شأنه ولأجله ، وقوله ( @QUR@02 لما جاءكم ) ~~أى : حين مجيئه إياكم من أول الأمر من غير تأمل وتدبر ، وهذا مما ينافي ~~القول المذكور. # وقوله : ( @QUR@06 قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم ) هنا مقول القول ~~محذوف لدلالة ما قبله عليه ، وإشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتفوه به. # وقوله سبحانه حكاية عن موسى ( @QUR@02 أسحر هذا ) مبتدأ وخبر ، وهو ~~استفهام إنكارى مستأنف من جهته عليه السلام تكذيبا لقولهم ، وتوبيخا إثر ~~توبيخ ، وتجهيلا بعد تجهيل» (1). # وقوله : ( @QUR@03 ولا ms2828 يفلح الساحرون ) جملة حالية من ضمير المخاطبين ، ~~وقد جيء بها تأكيدا للإنكار السابق ، وما فيه من معنى التوبيخ والتجهيل. # أى : أتقولون للحق إنه سحر ، والحال أنه لا يفلح فاعله ، أى : لا يظفر ~~بمطلوب ، ولا ينجو من مكروه ، وأنا قد أفلحت ، وفزت بالحجة ، ونجوت من ~~الهلكة. # ثم كشف القرآن الكريم عن حقيقة الدوافع التي جعلتهم يصفون الحق بأنه سحر ~~مبين فقال تعالى : ( @QUR@016 قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا ~~وتكون لكما الكبرياء في الأرض ، وما نحن لكما بمؤمنين ). # واللفت : الصرف واللى يقال : لفته يلفته لفتا ، أى : صرفه عن وجهته إلى ~~ذات اليمين أو الشمال. # أى : قال فرعون وملؤه لموسى عليه السلام بعد أن جاءهم بالحق المبين : ~~أجئتنا يا موسى بما جئتنا به ( @QUR@05 لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا ) أى ~~: لتصرفنا عن الدين الذي وجدنا عليه آباءنا ، وتكون لك ولأخيك هارون ( ~~@QUR@03 الكبرياء في الأرض ) أى السيادة والرياسة والزعامة الدينية ~~والدنيوية في الأرض بصفة عامة ، وفي أرض مصر بصفة خاصة. # ثم أكدوا إنكارهم لما جاءهم به موسى عليه السلام من الدين الحق فقالوا كما ~~حكى القرآن عنهم ( @QUR@04 وما نحن لكما بمؤمنين ) أى وما نحن لكما بمصدقين ~~فيما جئتما به ، PageV07P113 # لأن تصديقنا لكما يخرجنا عن الدين الذي وجدنا عليه آباءنا ، وينزع منا ~~ملكنا الذي تتمتع بكبريائه خاصتنا ، وتعيش تحت سلطانه وقهره عامتنا. # وأفردوا موسى عليه السلام بالخطاب في قولهم ( @QUR@02 أجئتنا لتلفتنا .. ) ~~لأنه هو الذي كان يجابههم بالحجج التي تقطع دابر باطلهم ، ويرد على ~~أكاذيبهم بما يفضحهم ويكشف عن غرورهم وغبائهم. # وجمعوا بين موسى وهارون عليهما السلام في قولهم ( @QUR@09 وتكون لكما ~~الكبرياء في الأرض ، وما نحن لكما بمؤمنين ) باعتبار شمول الكبرياء ~~والرياسة والملك لهما ، وباعتبار أن الإيمان بأحدهما يستلزم الإيمان ~~بالآخر. # هذا ، والذي يتدبر هذه الآية الكريمة ، يرى أن التهمة التي وجهها فرعون ~~وملؤه إلى موسى وهارون عليهما السلام ، هي تهمة قديمة جديدة فقوم نوح مثلا ~~يمتنعون عن قبول دعوته ، لأنه في نظرهم جاء بما جاء به بقصد التفضل عليهم ، ~~وفي هذا يقول القرآن الكريم : ( @QUR@032 ولقد ms2829 أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ~~يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ، أفلا تتقون. فقال الملأ الذين ~~كفروا من قومه ، ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ) (1). أى : ~~يريد أن تكون له السيادة والفضل عليكم ، فيكون زعيما وأنتم له تابعون. # ولقد أفاض في شرح هذا المعنى صاحب الظلال رحمه الله عند تفسيره لهذه الآية ~~الكريمة فقال ما ملخصه : # وإذن فهو الخوف من تحطيم معتقداتهم الموروثة ، التي يقوم عليها نظامهم ~~السياسى والاقتصادى ، وهو الخوف على السلطان في الأرض ، هذا السلطان الذي ~~يستمدونه من خرافات عقائدهم الموروثة. # إنها العلة القديمة الجديدة التي تدفع بالطغاة إلى مقاومة دعوات الإصلاح ~~ورمى الدعاة بأشنع التهم ؛ والفجور في مقاومة الدعوات والدعاة .. إنها هي ~~«الكبرياء في الأرض» وما تقوم عليه من معتقدات باطلة ، يحرص المتجبرون على ~~بقائها متحجرة في قلوب الجماهير ، بكل ما فيها من زيف وفساد ، وأوهام ~~وخرافات ، لأن تفتح القلوب على العقيدة الصحيحة ، خطر على القيم الجاهلية ~~الموروثة. # وما كان رجال من أذكياء قريش مثلا ليخطئوا إدراك ما في رسالة محمد ~~صلى الله عليه وسلم من صدق وسمو ، وما في عقيدة الشرك من تهافت وفساد ، ولكنهم ~~كانوا يخشون على مكانتهم PageV07P114 # الموروثة ، القائمة على ما في تلك العقيدة من خرافات وتقاليد ، كما خشي ~~الملأ من قوم فرعون على سلطانهم في الأرض ، فقالوا متبجحين ( @QUR@04 وما ~~نحن لكما بمؤمنين ) (1). # ثم حكت الآيات الكريمة بعد ذلك ما طلبه فرعون من ملئه ، وما دار بين موسى ~~عليه السلام وبين السحرة من محاورات فقال تعالى : # ( @QUR@06 وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم (79) @QUR@010 فلما جاء ~~السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون (80) @QUR@017 فلما ألقوا قال ~~موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين (81) ~~@QUR@07 ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون ) (82) # أى : وقال فرعون لخاصته بعد أن رأى من موسى الإصرار على دعوته ودعوة قومه ~~إلى عبادة الله وحده ، وبعد أن شاهد عصاه وقد تحولت إلى ثعبان مبين. # قال فرعون لخاصته بعد أن ms2830 رأى كل ذلك من موسى عليه السلام ( @QUR@01 ائتوني ~~) أيها الملأ ( @QUR@03 بكل ساحر عليم ) أى : بكل ساحر من أفراد مملكتي ~~تكون عنده المهارة التامة في فن السحر ، والخبرة الواسعة بطرقه وأساليبه. # وقوله : ( @QUR@03 فلما جاء السحرة ... ) معطوف على كلام محذوف يستدعيه ~~المقام والتقدير ، فامتثل القوم أمر فرعون وأسرعوا في إحضار السحرة ، فلما ~~جاءوا والتقوا بموسى عليه السلام وخيروه بقوله ( @QUR@09 إما أن تلقي وإما ~~أن نكون أول من ألقى ). # ( @QUR@03 قال لهم موسى ) على سبيل التحدي ( @QUR@04 ألقوا ما أنتم ملقون ~~) من ألوان سحركم ، ليرى الناس حقيقة فعلكم ، وليميزوا بين حقي وباطلكم. # ( @QUR@02 فلما ألقوا ) أى : فلما ألقى السحرة حبالهم وعصيهم. # ( @QUR@01 قال ) لهم ( @QUR@01 موسى ) على سبيل السخرية مما صنعوه. PageV07P115 # ( @QUR@013 ما جئتم به السحر إن الله سيبطله ، إن الله لا يصلح عمل ~~المفسدين ) أى : قال لهم موسى : أيها السحرة ، إن الذي جئتم به هو السحر ~~بعينه ، وليس الذي جئت به أنا مما وصفه فرعون وملؤه بأنه سحر مبين. # وإن الذي جئتم به سيمحقه الله ويزيل أثره من النفوس ، عن طريق ما أمرنى ~~الله به سبحانه من إلقاء عصاي ، فقد جرت سنته سبحانه أنه لا يصلح عمل الذين ~~يفسدون في الأرض ولا يصلحون وصنيعكم هذا هو من نوع الإفساد وليس من نوع ~~الإصلاح. # وقوله : ( @QUR@07 ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون ) تأكيد لسنة ~~الله تعالى في تنازع الحق والباطل ، والصلاح والفساد. # أى : أنه جرت سنة الله تعالى أن لا يصلح عمل المفسدين ، بل يمحقه ويبطله ~~، وأنه سبحانه يحق الحق أى يثبته ويقويه ويؤيده ( @QUR@01 بكلماته ) ~~النافذة ، وقضائه الذي لا يرد ، ووعده الذي لا يتخلف ( @QUR@03 ولو كره ~~المجرمون ) ذلك لأن كراهيتهم لإحقاق الحق وإبطال الباطل ، لا تعطل مشيئة ~~الله ، ولا تحول بين تنفيذ آياته وكلماته وقد كان الأمر كذلك فقد أوحى الله ~~إلى موسى ( @QUR@014 أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون. فوقع الحق وبطل ~~ما كانوا يعملون ) (1). # ثم انتقلت السورة الكريمة للحديث عن جانب مما دار بين موسى عليه السلام ~~وبين قومه بنى إسرائيل ، إثر الحديث عن جانب مما ms2831 دار بينه وبين فرعون وملئه ~~وسحرته فقال تعالى : # ( @QUR@022 فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملائهم أن ~~يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين (83) @QUR@013 وقال موسى ~~يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين (84) @QUR@010 ~~فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين (85) @QUR@01 ونجنا PageV07P116 # @QUR@04 برحمتك من القوم الكافرين (86) @QUR@016 وأوحينا إلى موسى وأخيه ~~أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر ~~المؤمنين ) (87) # قال الجمل : «قوله سبحانه ( @QUR@07 فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه .. ) ~~. لما ذكر الله تعالى ما أتى به موسى عليه السلام من المعجزات العظيمة ~~الباهرة ، أخبر سبحانه أنه مع مشاهدة هذه المعجزات ، ما آمن لموسى إلا ذرية ~~من قومه. وإنما ذكر الله هذا تسلية لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم لأنه كان ~~كثير الاهتمام بإيمان قومه ، وكان يغتم بسبب إعراضهم عن الإيمان به ، ~~واستمرارهم على الكفر والتكذيب ، فبين الله له أن له أسوة بالأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام . لأن ما جاء به موسى من المعجزات ، كان أمرا عظيما. ومع ~~ذلك فما آمن له إلا ذرية من قومه» (1). # والآية الكريمة معطوفة على كلام محذوف يدل عليه السياق ، والتقدير : لقد ~~أتى موسى عليه السلام بالمعجزات التي تشهد بصدقه ، والتي على رأسها ، أن ~~ألقى عصاه فإذا هي تبتلع ما فعله السحرة ، ومع كل تلك البراهين الدالة على ~~صدقه ، فما آمن به إلا ذرية من قومه. # والمراد بالذرية هنا : العدد القليل من الشباب ، الذين آمنوا بموسى ، بعد ~~أن تخلف عن الإيمان آباؤهم وأغنياؤهم. # قال الآلوسى : قوله ( @QUR@04 إلا ذرية من قومه ) أى : إلا أولاد بعض بنى ~~إسرائيل حيث دعا عليه السلام الآباء فلم يجيبوه خوفا من فرعون ، وأجابته ~~طائفة من شبابهم فالمراد من الذرية : الشبان لا الأطفال (2). # والضمير في قوله ( @QUR@02 من قومه ) يعود لموسى عليه السلام ، وعليه يكون ~~المعنى : فما آمن لموسى عليه السلام في دعوته إلى وحدانية الله ، إلا عدد ~~قليل من شباب قومه بنى إسرائيل ، الذين كانوا يعيشون في مصر ms2832 ، والذين كان ~~فرعون يسومهم سوء PageV07P117 # العذاب ، أما آباؤهم وأصحاب الجاه فيهم ، فقد انحازوا إلى فرعون طمعا في ~~عطائه ، وخوفا من بطشه بهم. # ويرى بعض المفسرين أن الضمير في قوله ( @QUR@02 من قومه ) يعود إلى فرعون ~~لا إلى موسى. # فيكون المعنى : فما آمن لموسى إلا عدد قليل من شباب قوم فرعون. # قال ابن كثير ما ملخصه مرجحا هذا الرأى : «يخبر الله تعالى أنه لم يؤمن ~~بموسى عليه السلام مع ما جاء به من الآيات والحجج ، إلا قليل من قوم فرعون ، ~~من الذرية وهم الشباب ، على وجل وخوف منه ومن ملئه. # قال العوفى عن ابن عباس : «إن الذرية التي آمنت لموسى من قوم فرعون منهم ~~: امرأته ، ومؤمن آل فرعون ، وخازنه ، وامرأة خازنه». # ثم قال : واختار ابن جرير قول مجاهد في الذرية ، أنها من بنى إسرائيل ، ~~لا من قوم فرعون. لعود الضمير على أقرب مذكور. # وفي هذا نظر ، لأن من المعروف أن بنى إسرائيل كلهم آمنوا بموسى. ~~واستبشروا به ، فقد كانوا يعرفون نعته وصفته والبشارة به. # وإذا تقرر هذا فكيف يكون المراد إلا ذرية من قوم موسى وهم بنو إسرائيل؟» (1). # والذي نراه أن ما اختاره ابن جرير من عودة الضمير إلى موسى عليه السلام ~~أرجح ، لأن هناك نوع خفاء في إطلاق كلمة الذرية على من آمن من قوم فرعون ، ~~ومنهم زوجته ، وامرأة خازنه. # ولأنه لا دليل على أن بنى إسرائيل كلهم قد آمنوا بموسى ، بل الحق أن منهم ~~من آمن به ومنهم من كفر به ، كقارون والسامري وغيرهما. # ولأن رجوع الضمير إلى موسى عليه السلام هو الظاهر المتبادر من الآية ، ~~لأنه أقرب مذكور ، وليس هناك ما يدعو إلى صرف الآية الكريمة عن هذا الظاهر. # ورحم الله ابن جرير فقد قال في ترجيحه لما ذهب إليه من عودة الضمير إلى ~~موسى عليه السلام ما ملخصه : # وأولى هذه الأقوال عندي بتأويل الآية ، القول الذي ذكرته عن مجاهد وهو أن ~~الذرية في PageV07P118 # هذا الموضع ، أريد بها ذرية من أرسل إليه موسى من بنى إسرائيل ، وإنما ~~قلت هذا ms2833 القول أولى بالصواب ، لأنه لم يجر في هذه الآية ذكر لغير موسى ، ~~فلأن تكون الهاء في قوله ( @QUR@02 من قومه ) من ذكر موسى لقربها من ذكره ~~أولى من أن تكون من ذكر فرعون ، لبعد ذكره منها. # ولأن في قوله ( @QUR@05 على خوف من فرعون وملائهم ) الدليل الواضح على أن ~~الهاء في قوله ( @QUR@04 إلا ذرية من قومه ) من ذكر موسى لا من ذكر فرعون ، ~~لأنها لو كانت من ذكر فرعون لكان الكلام على خوف منه ، ولم يكن على خوف من ~~فرعون ..» (1). # وقوله : ( @QUR@07 على خوف من فرعون وملائهم أن يفتنهم ... ) حال من كلمة ~~( @QUR@01 ذرية )، و ( @QUR@01 على ) هنا بمعنى مع. والضمير في قوله ( ~~@QUR@01 ملائهم ) يعود إلى ملأ الذرية ، وهم كبار بنى إسرائيل الذين لاذوا ~~بفرعون طمعا في عطائه أو خوفا من عقابه ولم يتبعوا موسى عليه السلام . # والمعنى : فما آمن لموسى الا عدد قليل من شباب قومه ، والحال أن إيمانهم ~~كان مع خوف من فرعون ومن أشراف قومهم أن يفتنوهم عن دينهم ، أى : أن ~~يعذبوهم ليحملوهم على ترك اتباع موسى عليه السلام . # والضمير في ( @QUR@01 يفتنهم ) يعود إلى فرعون خاصة ، لأنه هو الآمر ~~بالتعذيب ولأن الملأ إنما كانوا يأتمرون بأمره ، وينتهون عن نهيه ، فهم ~~كالآلة في يده يصرفها كيف يشاء. # وجملة ( @QUR@02 أن يفتنهم ) في تأويل مصدر ، بدل اشتمال من فرعون ، أى : ~~على خوف من فرعون فتنته. # وقوله : ( @QUR@08 وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين ) اعتراض ~~تذييلى مؤكد لمضمون ما قبله ، ومقرر لطغيان فرعون وعتوه. # أى : وإن فرعون المتكبر متجبر في أرض مصر كلها ، وإنه لمن المسرفين ~~المتجاوزين لكل حد في الظلم والبغي وادعاء ما ليس له. # والمتجبرون والمسرفون يحتاجون في مقاومتهم إلى إيمان عميق ، واعتماد على ~~الله وثيق ، وثبات يزيل المخاوف ويطمئن القلوب إلى حسن العاقبة ، ولذا قال ~~موسى لأتباعه المؤمنين : ( @QUR@011 يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه ~~توكلوا إن كنتم مسلمين ). # أى : قال موسى لقومه تطمينا لقلوبهم ، وقد رأى الخوف من فرعون يعلو وجوه ~~بعضهم : يا قوم ( @QUR@04 إن كنتم آمنتم بالله ) حق الإيمان ، وأسلمتم ms2834 ~~وجوهكم له حق الإسلام فعليه وحده PageV07P119 # اعتمدوا ، وبجنابه وحده تمسكوا ، فإن من توكل على الله واتجه إليه ، كان ~~الله معه بنصره وتأييده. # ثم حكى القرآن جوابهم الذي يدل على صدق يقينهم فقال : ( @QUR@01 فقالوا ) ~~أى مجيبين لنصيحة نبيهم ( @QUR@02 على الله ) وحده لا على غيره ( @QUR@01 ~~توكلنا ) واعتمدنا وفوضنا أمورنا إليه. # ( @QUR@06 ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ) أى يا ربنا لا تجعلنا ~~موضوع فتنة وعذاب للقوم الظالمين. بأن تمكنهم منا فيسوموننا سوء العذاب ، ~~وعندئذ يعتقدون أنهم على الحق ونحن على الباطل ، لأننا لو كنا على الحق في ~~زعمهم لما تمكنوا منا ، ولما انتصروا علينا. # ثم أضافوا إلى هذا الدعاء دعاء آخر ، أكثر صراحة من سابقه في المباعدة ~~بينهم وبين الظالمين فقالوا ( @QUR@05 ونجنا برحمتك من القوم الكافرين ). # أى : نحن لا نلتمس منك يا مولانا ألا تجعلنا فتنة لهم فقط ، بل نلتمس منك ~~أيضا أن تنجينا من شرور القوم الكافرين ، وأن تخلصنا من سوء جوارهم ، وأن ~~تفرق بيننا وبينهم كما فرقت بين أهل المشرق وأهل المغرب. # قال الإمام الشوكانى : «وفي هذا الدعاء الذي تضرعوا به إلى الله دليل على ~~أنه كان لهم اهتمام بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم» (1). # وبعد هذا الدعاء المخلص ، وجه الله تعالى نبيه موسى وأخاه هارون ~~عليهما السلام إلى ما يوصل إلى نصرهما ونصر أتباعهما فقال تعالى ( @QUR@012 ~~وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة .. ). # وقوله ( @QUR@01 تبوءا ) من التبوء وهو اتخاذ المباءة أى المنزل ، ~~كالتوطن بمعنى اتخاذ الوطن. # يقال بوأته وبوأت له منزلا إذا أنزلته فيه ، وهيأته له. # والمعنى : وأوحينا إلى موسى وأخيه هارون بعد أن لج فرعون في طغيانه وفي ~~إنزال العذاب بالمؤمنين أن اتخذا لقومكما المؤمنين بيوتا خاصة بهم في مصر ، ~~ينزلون بها ، ويستقرون فيها ، ويعتزلون فرعون وجنده ، إلى أن يقضى الله ~~أمرا كان مفعولا. # وقوله ( @QUR@03 واجعلوا بيوتكم قبلة ) أى : واجعلوا هذه البيوت التي ~~حللتم بها مكانا لصلاتكم وعبادتكم ، بعد أن حال فرعون وجنده بينكم وبين ~~أداء عباداتكم في الأماكن المخصصة لذلك. PageV07P120 # قال القرطبي : «المراد ms2835 صلوا في بيوتكم سرا لتأمنوا ، وذلك حين أخافهم ~~فرعون ، فأمروا بالصبر واتخاذ المساجد في البيوت ، والإقدام على الصلاة ، ~~والدعاء ، إلى أن ينجز الله وعده ، وهو المراد بقوله ( @QUR@06 قال موسى ~~لقومه استعينوا بالله واصبروا ) وكان من دينهم أنهم لا يصلون إلا في البيع ~~والكنائس ماداموا على أمن ، فإذا خافوا فقد أذن لهم أن يصلوا في بيوتهم ~~...» (1). # وقوله : ( @QUR@02 وأقيموا الصلاة ) أى : داوموا عليها ، وأدوها في ~~أوقاتها بخشوع وإخلاص ، فإن في أدائها بهذه الصورة. وسيلة إلى تفريج الكروب ~~، وفي الحديث الشريف : «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى». # وقوله ( @QUR@02 وبشر المؤمنين ) تذييل قصد به بعث الأمل في نفوسهم متى ~~أدوا ما كلفوا به. # أى : وبشر المؤمنين بالنصر والفلاح في الدنيا ، وبالثواب الجزيل في ~~الآخرة. # قال صاحب الكشاف : «فإن قلت : كيف نوع الخطاب فثنى أولا ، ثم جمع ، ثم ~~وحد آخرا؟ # قلت : خوطب موسى وهارون عليه السلام أن يتبوآ لقومهما بيوتا ويختاراها ~~للعبادة ، وذلك مما يفوض إلى الأنبياء. ثم سيق الخطاب عاما لهما ولقومهما ~~باتخاذ المساجد والصلاة فيها ، لأن ذلك واجب على الجمهور. ثم خص موسى ~~عليه السلام بالبشارة التي هي الغرض تعظيما لها ، وللمبشر بها» (2). # ولأن بشارة الأمة كما يقول الآلوسى وظيفة صاحب الشريعة ، وهي من الأعظم ~~أسر وأوقع في النفس (3). # هذا ، ومن التوجيهات الحكيمة التي نأخذها من هذه الآية الكريمة ، أن مما ~~يعين المؤمنين على النصر والفلاح ، أن يعتزلوا أهل الكفر والفسوق والعصيان ~~، إذا لم تنفع معهم النصيحة ، وأن يستعينوا على بلوغ غايتهم بالصبر والصلاة ~~، وأن يقيموا حياتهم فيما بينهم على المحبة الصادقة ، وعلى الأخوة الخالصة ~~، وأن يجعلوا توكلهم على الله وحده ( @QUR@016 ومن يتوكل على الله فهو حسبه ~~، إن الله بالغ أمره ، قد جعل الله لكل شيء قدرا ). # ثم حكى القرآن الكريم بعد ذلك ، ما تضرع به موسى عليه السلام إلى الله ~~تعالى من دعوات خاشعات ، بعد أن يئس من إيمان فرعون وملئه فقال سبحانه : PageV07P121 # ( @QUR@029 وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة ~~الدنيا ربنا ليضلوا ms2836 عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا ~~يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم (88) @QUR@011 قال قد أجيبت دعوتكما ~~فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون ) (89) # والزينة : اسم لما يتزين به الإنسان من ألوان اللباس وأوانى الطعام ~~والشراب ، ووسائل الركوب .. وغير ذلك مما يستعمله الإنسان في زينته ~~ورفاهيته. # والمال : يشمل أصناف الزينة ، ويشمل غير ذلك مما يتملكه الإنسان. # والمعنى : وقال موسى عليه السلام مخاطبا ربه ، بعد أن فقد الأمل في إصلاح ~~فرعون وملئه : يا ربنا إنك أعطيت فرعون وأشراف قومه وأصحاب الرياسات منهم ، ~~الكثير من مظاهر الزينة والرفاهية والتنعم ، كما أعطيتهم الكثير من الأموال ~~في هذه الحياة الدنيا. # وهذا العطاء الجزيل لهم ؛ قد يضعف الإيمان في بعض النفوس ، إما بالإغراء ~~الذي يحدثه مظهر النعمة في نفوس الناظرين إليها ، وإما بالترهيب الذي يملكه ~~هؤلاء المنعمون ، بحيث يصيرون قادرين على إذلال غيرهم. # واللام في قوله ( @QUR@04 ربنا ليضلوا عن سبيلك ) لام العاقبة والصيرورة ~~أى : أعطيتهم ما أعطيتهم من الزينة والمال ، ليخلصوا لك العبادة والطاعة ، ~~وليقابلوا هذا العطاء بالشكر ، ولكنهم لم يفعلوا بل قابلوا هذه النعم ~~بالجحود والبطر ، فكانت عاقبة أمرهم الخسران والضلال ، فأزل يا مولانا هذه ~~النعم من بين أيديهم. # قال القرطبي : «اختلف في هذه اللام ، وأصح ما قبل فيها وهو قول الخليل ~~وسيبويه أنها لام العاقبة والصيرورة ، وفي الخبر : «إن لله تعالى ملكا ~~ينادى كل يوم : PageV07P122 # لدوا للموت وابنوا للخراب» أى : لما كان عاقبة أمرهم إلى الضلال ، صار ~~كأنه أعطاهم ليضلوا» (1). # وقال صاحب المنار : «قوله : ( @QUR@04 ربنا ليضلوا عن سبيلك ) أى : لتكون ~~عاقبة هذا العطاء إضلال عبادك عن سبيلك الموصلة إلى مرضاتك باتباع الحق ~~والعدل والعمل الصالح ، ذلك لأن الزينة سبب الكبر والخيلاء والطغيان على ~~الناس ، وكثرة الأموال تمكنهم من ذلك ، وتخضع رقاب الناس لهم ، كما قال ~~تعالى ( @QUR@06 إن الإنسان ليطغى ، أن رآه استغنى ). # فاللام في قوله ( @QUR@01 ليضلوا ) تسمى لام العاقبة والصيرورة ، وهي ~~الدالة على أن ما بعدها أثر وغاية فعلية لمتعلقها ، يترتب عليه بالفعل لا ~~بالسببية ، ولا بقصد فاعل الفعل الذي تتعلق ms2837 به كقوله تعالى ( @QUR@07 ~~فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ... ) (2). # ومنهم من يرى أن هذه اللام للتعليل ، والفعل منصوب بها ، فيكون المعنى : # وقال موسى مخاطبا ربه : يا ربنا إنك قد أعطيت فرعون وملأه زينة وأموالا ~~في الحياة الدنيا ، وإنك يا ربنا قد أعطيتهم ذلك على سبيل الاستدراج ~~ليزدادوا طغيانا على طغيانهم ، ثم تأخذهم أخذ عزيز مقتدر. # وشبيه بهذه الجملة في هذا المعنى قوله تعالى : ( @QUR@017 ولا يحسبن ~~الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم ، إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم ~~عذاب مهين ) (3). # وقد رجح هذا المعنى الإمام ابن جرير فقال : «والصواب من القول في ذلك ~~عندي أنها لام كي ، ومعنى الكلام : ربنا أعطيتهم ما أعطيتهم من زينة الحياة ~~الدنيا والأموال لتفتنهم فيه ، ويضلوا عن سبيلك عبادك عقوبة منك لهم ، وهذا ~~كما قال جل ثناؤه ( @QUR@05 لأسقيناهم ماء غدقا. لنفتنهم فيه. ) (4). # ومنهم من يرى أن هذه اللام هي لام الدعاء ، وأنها للدعاء عليهم بالزيادة ~~من الإضلال والغواية فيكون المعنى : # وقال موسى يا ربنا إنك أعطيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ~~؛ اللهم يا ربنا زدهم ضلالا على ضلالهم. PageV07P123 # وقد سار على هذا الرأى صاحب الكشاف. فقد قال ما ملخصه : «فإن قلت : ما ~~معنى قوله : ( @QUR@03 ليضلوا عن سبيلك )؟ # قلت : هو دعاء بلفظ الأمر كقوله : ربنا اطمس واشدد. وذلك أنه لما عرض ~~عليهم آيات الله وبيناته عرضا مكررا ، وردد عليهم النصائح والمواعظ زمانا ~~طويلا. وحذرهم من عذاب الله ومن انتقامه ، وأنذرهم سوء عاقبة ما كانوا عليه ~~من الكفر والضلال ، ورآهم لا يزيدون على عرض الآيات إلا كفرا وعلى الإنذار ~~إلا استكبارا ، وعن النصيحة إلا نبوا ، ولم يبق له مطمع فيهم. وعلم ~~بالتجربة وطول الصحبة أو بوحي من الله ، أنه لا يجيء منهم إلا الغي ~~والضلال. # لما رأى منهم كل ذلك : اشتد غضبه عليهم ، وكره حالهم ، فدعا الله عليهم ~~بما علم أنه لا يكون غيره وهو ضلالهم. # فكأنه قال : ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال ..» (1). # وعلى أية حال فهذه الأقوال الثلاثة ، لكل واحد منها ms2838 اتجاهه في التعبير عن ~~ضيق موسى عليه السلام لإصرار فرعون وشيعته على الكفر ، ولما هم فيه من نعم ~~لم يقابلوها بالشكر ، بل قابلوها بالجحود والبطر. # وإن كان الرأى الأول هو أظهرها في الدلالة على ذلك ، وأقربها إلى سياق ~~الآية الكريمة. # قال الشوكانى : «وقرأ الكوفيون ( @QUR@01 ليضلوا ) بضم الياء. أى : ~~ليوقعوا الإضلال على غيرهم. وقرأ الباقون بالفتح أى يضلون في أنفسهم» (2). # وقوله : ( @QUR@013 ربنا اطمس على أموالهم ، واشدد على قلوبهم. فلا ~~يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ) دعا عليهم بما يستحقونه من عقوبات بسبب ~~إصرارهم على الكفر والضلال. # والطمس : الإهلاك والإتلاف ومحو أثر الشيء يقال : طمس الشيء ويطمس طموسا ~~إذا زال بحيث لا يرى ولا يعرف لذهاب صورته. # والشد : الربط والطبع على الشيء ، بحيث لا يخرج منه ما هو بداخله ، ولا ~~يدخل فيه ما هو خارج منه. # والمعنى : وقال موسى مخاطبا ربه : يا ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة ~~وأموالا في الحياة الدنيا ، وقد أعطيتهم ذلك ليشكروك ، ولكنهم لم يفعلوا ، ~~بل قابلوا عطاءك بالجحود ، اللهم PageV07P124 # يا ربنا اطمس على أموالهم بأن تهلكها وتزيلها وتمحقها من بين أيديهم ، ~~حتى ترحم عبادك المؤمنين ، من سوء استعمال الكافرين لنعمك في الإفساد ~~والأذى. # ( @QUR@03 واشدد على قلوبهم ) بأن تزيدها قسوة على قسوتها ، وعنادا على ~~عنادها مع استمرارها على ذلك ، حتى يأتيهم العذاب الأليم الذي لا ينفع عند ~~إتيانه إيمان ، ولا تقبل معه توبة ، لأنهما حدثا في غير وقتهما. # قال الجمل : «وهذا الطمس هو أحد الآيات التسع التي أوتيها موسى ~~عليه السلام (1). # وقال الإمام ابن كثير : «وهذه الدعوة كانت من موسى عليه السلام غضبا لله ~~تعالى ولدينه على فرعون وملئه. الذين تبين له أنه لا خير فيهم ، كما دعا ~~نوح عليه السلام على قومه فقال : ( @QUR@08 رب لا تذر على الأرض من الكافرين ~~ديارا .. ) ولهذا استجاب الله تعالى لموسى عليه السلام هذه الدعوة فيهم ..» (2). # فقال : ( @QUR@011 قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ، ولا تتبعان سبيل ~~الذين لا يعلمون ). # أى : قال الله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام : أبشرا فقد أجبت دعوتكما ~~في شأن فرعون ms2839 وملئه ( @QUR@01 فاستقيما ) على أمرى ، وامضيا في دعوتكما ~~الناس إلى الحق ، وأثبتا على ما أنتما عليه من الإيمان بي والطاعة لأمري. # ( @QUR@06 ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون ) ما جرت به سنتي في خلقي ، ~~ولا يدركون طريق الخير من طريق الشر. # وكان الجواب من الله تعالى لموسى وهارون ، مع أن الداعي موسى فقط كما ~~صرحت الآيات السابقة ، لأن هارون كان يؤمن على دعاء أخيه موسى والتأمين لون ~~من الدعاء. # هذا ، ومن الحكم والعظات التي نأخذها من هاتين الآيتين الكريمتين : أن من ~~علامات الإيمان الصادق. أن يكون الإنسان غيورا على دين الله ، ومن مظاهر ~~هذه الغيرة أن يتمنى زوال النعمة من بين أيدى المصرين على جحودهم وفسوقهم ~~وبطرهم لأن وجود النعم بين أيديهم كثيرا ما يكون سببا في إيذاء المؤمنين ، ~~وإدخال القلق والحيرة على نفوس بعضهم. # وأن الداعي متى توجه إلى الله تعالى بقلب سليم ، ولسان صادق ، كان دعاؤه ~~مرجو القبول عنده سبحانه . PageV07P125 # ثم ختم سبحانه قصة موسى عليه السلام مع فرعون في هذه السورة الكريمة ببيان ~~سنة من سننه التي لا تتخلف ، وهي حسن عاقبة المؤمنين وسوء عاقبة المكذبين ~~فقال تعالى : # ( @QUR@027 وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا ~~حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل ~~وأنا من المسلمين (90) @QUR@07 آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين (91) ~~@QUR@014 فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن ~~آياتنا لغافلون (92) @QUR@024 ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من ~~الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما ~~كانوا فيه يختلفون ) (93) # قوله سبحانه ( @QUR@01 وجاوزنا ) هو من جاوز المكان ، إذا قطعه وتخطاه ~~وخلفه وراء ظهره وهو متعد بالباء إلى المفعول الأول الذي كان فاعلا في ~~الأصل ، وإلى الثاني بنفسه. # والمراد بالبحر هنا : بحر القلزم ، وهو المسمى الآن بالبحر الأحمر. وقوله ~~( @QUR@02 بغيا وعدوا ) أى ظلما واعتداء. يقال : بغى فلان على فلان بغيا ، ~~إذا تطاول عليه وظلمه. ويقال : عدا عليه عدوا وعدوانا إذا ms2840 سلبه حقه. # وهما مصدران منصوبان على الحالية بتأويل اسم الفاعل. أى : باغين وعادين. ~~أو على المفعولية لأجله أى : من أجل البغي والعدوان. # والمعنى : وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ، وهم تحت رعايتنا وقدرتنا ، حيث ~~جعلناه لهم طريقا PageV07P126 # يبسا ، فساروا فيه حتى بلغوا نهايته ، فأتبعهم فرعون وجنوده لا لطلب ~~الهداية والإيمان ، ولكن لطلب البغي والعدوان. # قال الآلوسى : «وذلك أن الله تعالى لما أخبر موسى وهارون عليهما السلام ~~بإجابته دعوتهما ، أمرهما بإخراج بنى إسرائيل من مصر ليلا ، فخرجا بهم على ~~حين غفلة من فرعون وملئه ، فلما أحسن بذلك ، خرج هو وجنوده على أثرهم ~~مسرعين ، فالتفت القوم فإذا الطامة الكبرى وراءهم ، فقالوا يا موسى ، هذا ~~فرعون وجنوده وراءنا. وهذا البحر أمامنا فكيف الخلاص ، فأوحى الله تعالى ~~إلى موسى ، أن اضرب بعصاك البحر ، فضربه فانفلق اثنى عشر فرقا كل فرق ~~كالطود العظيم ، وصار لكل سبط طريق فسلكوا ، ووصل فرعون ومن معه إلى الساحل ~~وبنو إسرائيل قد خرجوا من البحر ومسلكهم باق على حاله ، فسلكه فرعون وجنوده ~~، فلما دخل آخرهم وهم أولهم بالخروج من البحر ، انطبق عليهم وغشيهم من اليم ~~ما غشيهم» (1). # ثم حكى سبحانه ما قاله فرعون عند ما نزل به قضاء الله الذي لا يرد فقال ~~تعالى : ( @QUR@018 حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت ~~به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين ). # أى : لقد اتبع فرعون وجنوده بنى إسرائيل بغيا وعدوا ، فانطبق عليه البحر ~~، ولفه تحت أمواجه ولججه ، حتى إذا أدركه الغرق وعاين الموت وأيقن أنه لا ~~نجاة له منه ، قال آمنت وصدقت. بأنه لا معبود بحق سوى الإله الذي آمنت به ~~بنو إسرائيل ، وأنا من القوم الذين أسلموا نفوسهم لله وحده وأخلصوها ~~لطاعته. # ولما كان هذا القول قد جاء في غير أوانه ، وأن هذا الإيمان لا ينفع لأنه ~~جاء عند معاينة الموت ، فقد رد الله تعالى على فرعون بقوله سبحانه ( ~~@QUR@07 آلآن وقد عصيت قبل ، وكنت من المفسدين ). # أى : آلآن تدعى الإيمان حين يئست من الحياة ، وأيقنت بالموت ، والحال أنك ~~كنت قبل ms2841 ذلك من العصاة المفسدين في الأرض ، المصرين على تكذيب الحق الذي ~~جاءك به رسولنا موسى عليه السلام والظرف «آلآن» متعلق بمحذوف متأخر ، ~~والاستفهام للتقريع والتوبيخ والإنكار. # وقوله : ( @QUR@03 وقد عصيت قبل ) جملة حالية من فاعل الفعل المقدر ، أى ~~: آلآن تدعى PageV07P127 # الإيمان والحال أنك عصيت قبل وكنت من المفسدين. # قال الإمام ابن كثير : «وهذا الذي حكاه الله تعالى عن فرعون من قوله هذا ~~في حاله ذاك. من أسرار الغيب التي أعلم الله تعالى بها رسوله ~~صلى الله عليه وسلم ، ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله . # حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن على بن زيد ، عن يوسف بن ~~مهران ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لما قال فرعون : ~~آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ، قال جبريل لي يا محمد لو ~~رأيتنى وقد أخذت حالا من حال البحر أى طينا أسود من طين البحر فدسسته في ~~فمه مخافة أن تناله الرحمة». # ورواه الترمذي ، وابن جرير ، وابن أبى حاتم في تفاسيرهم ، من حديث ، حماد ~~بن سلمة وقال الترمذي : حديث حسن. # ثم ساق ابن كثير بعد ذلك جملة من الأحاديث في هذا المعنى» (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية .. ) ~~تهكم به ، وتخييب لآماله ، وقطع لدابر أطماعه ، والمعنى إن دعواك الإيمان ~~الآن مرفوضة ، لأنها جاءت في غير وقتها ، وإننا اليوم بعد أن حل بك الموت ، ~~نلقى بجسمك الذي خلا من الروح على مكان مرتفع من الأرض لتكون عبرة وعظة ~~للأحياء الذين يعيشون من بعدك سواء أكانوا من بنى إسرائيل أم من غيرهم ، ~~حتى يعرف الجميع بالمشاهدة أو الإخبار ، سوء عاقبة المكذبين ، وأن الألوهية ~~لا تكون إلا لله الواحد الأحد ، الفرد الصمد. # قال الإمام الشوكانى : «قوله ( @QUR@03 فاليوم ننجيك ببدنك .. ) قرئ ~~ننجيك بالتخفيف ، والجمهور على التثقيل. # أى : نلقيك على نجوة من الأرض. وذلك أن بنى إسرائيل لم يصدقوا أن فرعون ~~قد غرق ، وقالوا : هو أعظم شأنا من ذلك ، فألقاه الله على نجوة ms2842 من الأرض أى ~~مكان مرتفع من الأرض حتى شاهدوه. # ومعنى ( @QUR@01 ببدنك ) بجسدك بعد سلب الروح منه. وقيل معناه بدرعك ~~والدرع يسمى بدنا ، ومنه قول كعب بن مالك : # ترى الأبدان فيها مسبغات %~% على الأبطال واليلب الحصينا PageV07P128 # أراد بالأبدان الدروع (1) وباليلب بفتح الياء واللام الدروع اليمانية ~~كانت تتخذ من الجلود. # وقوله : ( @QUR@07 وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون ) تذييل قصد به ~~دعوة الناس جميعا إلى التأمل والتدبر ، والاعتبار بآيات الله ، وبمظاهر قدرته. # أى : وإن كثيرا من الناس لغافلون عن آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ~~على إهلاك كل ظالم جبار. # قال ابن كثير : وكان هلاك فرعون يوم عاشوراء. كما قال البخاري : حدثنا ~~محمد بن بشار ، حدثنا غندر ، حدثنا شعبة ، عن أبى بشر ، عن سعيد بن جبير ، ~~عن ابن عباس قال : قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود تصوم يوم ~~عاشوراء فقالوا : هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون. فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لأصحابه : أنتم أحق بموسى منهم فصوموه» (2). # ثم بين سبحانه بعد ذلك بعض مظاهر نعمه على بنى إسرائيل بعد أن أهلك عدوهم ~~فرعون فقال تعالى : ( @QUR@09 ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من ~~الطيبات ). # وقوله : ( @QUR@01 بوأنا ) أى : أنزلنا وأسكنا ، من التبوء ، وهو اتخاذ ~~المباءة أى : المنزل والمسكن. # وفي إضافة المبوأ إلى الصدق مدح له ، فقد جرت عادة العرب على أنهم إذا ~~مدحوا شيئا أضافوه إلى الصدق فقالوا : رجل صدق إذا كان متحليا بمكارم ~~الأخلاق. # قال الآلوسى : «والمراد بهذا المبوأ ، كما رواه ابن المنذر وغيره عن ~~الضحاك : الشام ومصر ، فإن بنى إسرائيل الذين كانوا في زمان موسى ~~عليه السلام وهم المرادون هنا ، ملكوا ذلك حسبما ذهب إليه جمع من الفضلاء (3). # وأخرج أبو الشيخ وغيره عن قتادة أن المراد به الشام وبيت المقدس ، ~~واختاره بعضهم ، بناء على أن أولئك لم يعودوا إلى مصر بعد ذلك. # وينبغي أن يراد ببني إسرائيل على القولين ، ما يشمل ذريتهم بناء على أنهم ~~ما دخلوا الشام في حياة موسى عليه السلام إنما دخلها أبناؤهم بقيادة يوشع ms2843 بن نون. # وقيل المراد به أطراف المدينة إلى جهة الشام ، وببني إسرائيل ؛ الذين ~~كانوا على عهد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم . PageV07P129 # والمعنى : ولقد أنزلنا بنى إسرائيل بعد هلاك عدوهم فرعون منزلا صالحا ~~مرضيا ، فيه الأمان ، والاطمئنان لهم ، وأعطيناهم فوق ذلك الكثير من ألوان ~~المأكولات والمشروبات الطيبات التي أحللناها لهم. # وقوله : ( @QUR@05 فما اختلفوا حتى جاءهم العلم .... ) توبيخ لهم على ~~موقفهم الجحودى من هذه النعم التي أنعم الله بها عليهم. # أى : أنهم ما تفرقوا في أمور دينهم ودنياهم على مذاهب شتى ، إلا من بعد ~~ما جاءهم العلم الحاسم لكل شبهة ، وهو ما بين أيديهم من الوحى الذي أمرهم ~~الله تعالى أن يتلوه حق تلاوته ، وان لا يستخدموه في التأويلات الباطلة. # فالجملة الكريمة توبخهم على جعلهم العلم الذي كان من الواجب عليهم أن ~~يستعملوه في الحق والخير وسيلة للاختلاف والابتعاد عن الطريق المستقيم. # وقوله : ( @QUR@010 إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون ) تذييل قصد به الزجر عن الاختلاف واتباع الباطل. # أى : إن ربك يفصل بين هؤلاء المختلفين ، فيجازى أهل الحق بما يستحقونه من ~~ثواب ، ويجازى أهل الباطل بما يستحقونه من عقاب. # وبعد هذا الحديث المتنوع عن قصة موسى عليه السلام مع فرعون وملئه ، ومع ~~قومه بنى إسرائيل ، وجه القرآن خطابا إلى النبي صلى الله عليه وسلم تثبيتا ~~لقلبه ، وتسلية له عما أصابه من أذى ، فقال تعالى : # ( @QUR@022 فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرؤن الكتاب من ~~قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (94) @QUR@010 ولا تكونن ~~من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين (95) @QUR@08 إن الذين حقت ~~عليهم كلمت ربك لا يؤمنون (96) @QUR@08 ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب ~~الأليم ) (97) PageV07P130 # والمراد ( @QUR@03 مما أنزلنا إليك ) هنا : ما أوحاه الله تعالى إلى نبيه ~~صلى الله عليه وسلم من قصص حكيم يتعلق بأنبياء الله تعالى ورسله. # قال الآلوسى : «وخصت القصص بالذكر ، لأن الأحكام المنزلة عليه ~~صلى الله عليه وسلم ناسخة لأحكامهم ، ومخالفة لها فلا يتصور سؤالهم عنها» (1). # والمراد بالكتاب ms2844 : جنسه فيشمل التوراة والإنجيل. # والمعنى : فإن كنت أيها الرسول الكريم على سبيل الفرض والتقدير في شك مما ~~أنزلنا إليك من قصص حكيم كقصة موسى ونوح وغيرهما ( @QUR@06 فسئل الذين ~~يقرؤن الكتاب من قبلك ) وهم علماء أهل الكتاب ، فإن ما قصصناه عليك ثابت في كتبهم. # فليس المراد من هذه الآية ثبوت الشك للرسول صلى الله عليه وسلم وإنما المراد ~~على سبيل الفرض والتقدير ، لا على سبيل الثبوت. # قال ابن كثير : «قال قتادة بن دعامة : بلغنا أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : «لا أشك ولا أسأل». # وكذا قال ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن البصري ، وهذا فيه تثبيت للأمة ، ~~وإعلام لهم بأن صفة نبيهم صلى الله عليه وسلم موجودة في الكتب المتقدمة التي ~~بأيدى أهل الكتاب ، كما قال تعالى ( @QUR@012 الذين يتبعون الرسول النبي ~~الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل .. ) (2). # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى في شأن عيسى عليه السلام : ( @QUR@025 أأنت ~~قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ~~ما ليس لي بحق. إن كنت قلته فقد علمته .. ). # فعيسى عليه السلام يعلم علم اليقين أنه لم يقل ذلك ، وإنما يفرض قوله ~~فرضا. ليستدل عليه بأنه لو قاله لعلمه الله تعالى منه. # أى : إن كنت قلته على سبيل الفرض والتقدير فقولي هذا لا يخفى عليك. # قال صاحب الكشاف ما ملخصه : فإن قلت : كيف قال الله تعالى لرسوله ~~صلى الله عليه وسلم : ( @QUR@07 فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك .. )؟ # قلت : هو على سبيل الفرض والتمثيل. كأنه قيل : فإن وقع لك شك مثلا وخيل PageV07P131 # لك الشيطان خيالا منه تقديرا ( @QUR@04 فسئل الذين يقرؤن الكتاب ). # والمعنى : أن الله عز وجل قدم ذكر بنى إسرائيل ، وهم قراء الكتاب ووصفهم ~~بأن العلم قد جاءهم ، لأن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مكتوب عندهم في ~~التوراة والإنجيل ، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم فأراد أن يؤكد علمهم ~~بصحة القرآن ، وصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ويبالغ في ذلك فقال : فإن ms2845 ~~وقع لك شك فرضا وتقديرا. فسل علماء أهل الكتاب يعنى أنهم من الإحاطة بصحة ~~ما أنزل إليك ، بحيث يصلحون لمراجعة مثلك ، فضلا عن غيرك. # فالغرض وصف الأحبار بالرسوخ في العلم بصحة ما أنزل إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لا وصفه بالشك فيه. # ويجوز أن يكون على طريق التهييج والإلهاب كقوله ( @QUR@04 فلا تكونن ~~ظهيرا للكافرين .. ) ولذلك قال صلى الله عليه وسلم عند نزوله : «لا أشك ولا ~~أسأل بل أشهد أنه الحق». # وقيل : خوطب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد خطاب أمته. # ومعناه : «فإن كنتم في شك مما أنزلنا إليكم ..» (1). # وقوله ( @QUR@09 لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ) كلام ~~مستأنف مؤكد لاجتثاث إرادة الشك. # والتقدير : أقسم لقد جاءك الحق الذي لا لبس فيه من ربك لا من غيره ، فلا ~~تكونن من الشاكين المترددين في صحة ذلك. # وقوله : ( @QUR@010 ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من ~~الخاسرين ) تعريض بأولئك الشاكين والمكذبين له صلى الله عليه وسلم من قومه. أى ~~: ولا تكونن من القوم الذين كذبوا بآيات الله الدالة على صدقك فيما تبلغه ~~عنا ، فتكون بذلك من الخاسرين الذين أضاعوا دنياهم وأخراهم. # قال الآلوسى : «وفائدة النهى في الموضعين التهييج والإلهاب نظير ما مر. ~~والمراد بذلك الإعلام بأن الامتراء والتكذيب قد بلغا في القبح والمحذورية ~~إلى حيث ينبغي أن ينهى عنهما من لا يمكن أن يتصف بهما ، فكيف بمن يمكن ~~اتصافه بذلك ..» (2). # وقوله : ( @QUR@014 إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ، ولو جاءتهم ~~كل آية حتى يروا PageV07P132 # @QUR@02 العذاب الأليم ) توبيخ للكافرين على إصرارهم على الكفر ، وجحودهم للحق. # والمراد بكلمة ربك : حكمه النافذ ، وقضاؤه الذي لا يرد ، وسنته التي لا ~~تتغير ولا تتبدل في الهداية والإضلال. # والمراد بالآية : المعجزات والبراهين الدالة على صدق الرسول ~~صلى الله عليه وسلم . # أى : إن الذين حكم الله تعالى عليهم بعدم الإيمان لأنهم استحبوا العمى ~~على الهدى لا يؤمنون بالحق الذي جئت به أيها الرسول الكريم .. مهما سفت لهم ~~من معجزات وبراهين دالة على صدقك ms2846 .. # ولكنهم سيؤمنون بأن ما جئت به هو الحق ، حين يرون العذاب الأليم وقد نزل ~~بهم من كل جانب. # وهنا سيكون إيمانهم كلا إيمان ، لأنه جاء في غير وقته ، وصدق الله إذ ~~يقول : ( @QUR@07 فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا .. ) (1). # وسيكون حالهم كحال فرعون ، الذي عند ما أدركه الغرق قال آمنت. # وبذلك ترى الآيات الكريمة قد نهت عن الشك والافتراء في شأن الحق الذي جاء ~~به الرسول صلى الله عليه وسلم بأبلغ أسلوب ، وأقوى بيان ، كما بينت سنة من سنن ~~الله في خلقه ، وهي أن من لا يأخذ بأسباب الهدى لا يهتدى ، ومن لا يفتح ~~بصيرته للنور لا يراه ، فتكون نهايته إلى الضلال ، مهما تكن الآيات ~~والبينات الدالة على طريق الحق. # ثم فتحت السورة الكريمة للمكذبين باب الأمل والنجاة ، فذكرتهم بقوم يونس ~~عليه السلام الذين نجوا من العذاب بسبب إيمانهم ، كما ذكرتهم بإرادة الله ~~التامة ، وقدرته النافذة ، ودعتهم إلى الاعتبار والاتعاظ بما اشتمل عليه ~~هذا الكون. # استمع إلى السورة الكريمة وهي تسوق كل ذلك وغيره بأسلوبها البليغ المؤثر ~~فتقول : # ( @QUR@022 فلو لا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا ~~كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين (98) @QUR@08 ولو ~~شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم PageV07P133 # @QUR@07 جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين (99) @QUR@014 وما كان ~~لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون (100) ~~@QUR@015 قل انظروا ما ذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن ~~قوم لا يؤمنون (101) @QUR@015 فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من ~~قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين (102) @QUR@010 ثم ننجي رسلنا ~~والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين ) (103) # قال القرطبي ما ملخصه : «روى في قصة يونس عليه السلام عن جماعة من ~~المفسرين ، أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل بالعراق وكانوا يعبدون ~~الأصنام ، فأرسل الله إليهم يونس يدعوهم إلى الإسلام ، وترك ما هم عليه ~~فأبوا ، فقيل : إنه أقام يدعوهم تسع سنين فيئس من إيمانهم. فقيل له : ~~أخبرهم أن ms2847 العذاب مصبحهم إلى ثلاث ففعل. وقالوا : هو رجل لا يكذب فارقبوه ، ~~فإن أقام معكم وبين أظهركم فلا عليكم ، وإن ارتحل عنكم ، فهو نزول العذاب ~~لا شك ... # فلما كان الليل تزود يونس وخرج عنهم ، فأصبحوا فلم يجدوه ، فآمنوا وتابوا ~~، ودعوا الله ولبسوا المسوح ، وفرقوا بين الأمهات والأولاد من الناس ~~والبهائم ، وردوا المظالم .. # قال الزجاج : إنهم لم يقع بهم العذاب ، وإنما رأوا العلامة التي تدل على ~~العذاب ، ولو رأوا العذاب لما نفعهم الإيمان» (1). # وكلمة ( @QUR@02 فلو لا ) في قوله سبحانه ( @QUR@05 فلو لا كانت قرية ~~آمنت ... ) للحث والتحضيض ، فهي بمعنى هلا. PageV07P134 # والمقصود بالقرية أهلها وهم أقوام الأنبياء السابقين ، وهي اسم كان. ~~وقوله ( @QUR@01 آمنت ) خبرها. وقوله ( @QUR@02 فنفعها إيمانها ) معطوف على ~~( @QUR@01 آمنت ). # والمعنى : فهلا عاد المكذبون إلى رشدهم وصوابهم ، فآمنوا بالحق الذي ~~جاءتهم به رسلهم ، فنجوا بذلك من عذاب الاستئصال الذي حل بهم فقطع دابرهم ، ~~كما نجا منه قوم يونس عليه السلام فإنهم عند ما رأوا أمارات العذاب الذي ~~أنذرهم به نبيهم آمنوا وصدقوا ، فكشف الله عنهم هذا العذاب الذي كاد ينزل ~~بهم ، ومتعهم بالحياة المقدرة لهم ، إلى حين انقضاء آجالهم في هذه الدنيا. # قال الإمام الشوكانى : والاستثناء بقوله : ( @QUR@03 إلا قوم يونس .. ) ~~منقطع ، وهو استثناء من القرية لأن المراد أهلها. # والمعنى : فهلا قرية واحدة من القرى التي أهلكناها آمنت إيمانا معتدا به ~~وذلك بأن يكون خالصا لله قبل معاينة العذاب ، ولم تؤخره كما أخره فرعون ، ~~لكن قوم يونس «لما آمنوا» إيمانا معتدا به قبل معاينة العذاب ، أو عند أول ~~المعاينة قبل حلوله بهم «كشفنا عنهم عذاب الخزي» أى : الذل والهوان. # وقيل يجوز أن يكون متصلا ، والجملة في معنى النفي ، كأنه قيل : ما آمنت ~~قرية من القرى الهالكة إلا قوم يونس ..» (1). # وقال الشيخ القاسمى ما ملخصه : «وما يرويه بعض المفسرين هنا من أن العذاب ~~نزل عليهم ، وجعل يدور على رءوسهم .. ونحو هذا ، ليس له أصل لا في القرآن ~~ولا في السنة ... # وفي الآية إشارة إلى أنه لم توجد قرية آمنت بأجمعها بنبيها المرسل إليها ~~من سائر القرى ms2848 ، سوى قوم يونس. # والبقية دأبهم التكذيب ، كلهم أو أكثرهم ، كما قال تعالى ( @QUR@021 ~~وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا ~~على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ). # وفي الحديث الصحيح : «عرض على الأنبياء ، فجعل النبي يمر ومعه الفئام من ~~الناس أى العدد القليل والنبي معه الرجل ، والنبي معه الرجلان ، والنبي ليس ~~معه أحد» (2). # وفي الآية الكريمة أيضا تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من حزن ~~بسبب إعراض PageV07P135 # قومه عن دعوته ، وفيها كذلك تعريض بأهل مكة ، وإنذارهم من سوء عاقبة ~~الإصرار على الكفر والجحود ، وحض لهم على أن يكونوا كقوم يونس عليه السلام ~~الذين آمنوا قبل نزول العذاب فنفعهم إيمانهم. # ثم أضاف سبحانه إلى هذه التسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم تسلية أخرى فقال ~~: ( @QUR@09 ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ... ) ومفعول المشيئة ~~محذوف والتقدير : # ولو شاء ربك يا محمد إيمان أهل الأرض كلهم جميعا لآمنوا دون أن يتخلف ~~منهم أحد ، ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك ، لأنه مخالف للحكمة التي عليها أساس ~~التكوين والتشريع ، والإثابة والمعاقبة ، فقد اقتضت حكمته سبحانه أن يخلق ~~الكفر والإيمان ، وأن يحذر من الكفر ويحض على الإيمان ، ثم بعد ذلك من كفر ~~فعليه تقع عقوبة كفره ، ومن آمن فله ثواب إيمانه. # والهمزة في قوله سبحانه ( @QUR@06 أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) ~~للاستفهام الإنكارى ، والفاء للتفريع. # والمراد بالناس : المصرين على كفرهم وعنادهم. # والمعنى : تلك هي مشيئتنا لو أردنا إنفاذها لنفذناها ، ولكننا لم نشأ ذلك ~~فهل أنت يا محمد في وسعك أن تكره الناس الذين لم يرد الله هدايتهم على ~~الإيمان؟. # لا ، ليس ذلك في وسعك ولا في وسع الخلق جميعا ، بل الذي في وسعك هو ~~التبليغ لما أمرناك بتبليغه. # وفي هذه الجملة الكريمة تسلية أخرى للرسول صلى الله عليه وسلم ودفع لما يضيق ~~به صدره ، من إعراض بعض الناس عن دعوته. # وقوله سبحانه ( @QUR@08 وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ... ) تأكيد ~~لما اشتملت عليه الآية السابقة من ms2849 قدرة نافذة لله تعالى أى : وما صح وما ~~استقام لنفس من الأنفس ، أن تؤمن في حال من الأحوال ، إلا بإذن الله» أى : ~~إلا بإرادته ومشيئته وتوفيقه وهدايته. # وقوله : ( @QUR@06 ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون ). معطوف على محذوف ~~يدل عليه الكلام السابق دلالة الضد على الضد ، والرجس : يطلق على الشيء ~~القبيح المستقذر. # والمعنى : وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ، فيأذن لمن يشاء من تلك ~~الأنفس بالإيمان ، ويجعل الرجس أى الكفر وما يترتب عليه من عذاب على القوم ~~الذين لم يستعملوا عقولهم فيما يهدى إلى الحق والخير ، بل استعملوها فيما ~~يوصل إلى الأباطيل والشرور. PageV07P136 # ولما كان التأمل في ملكوت السموات والأرض ، يعين على التفكير السليم ، ~~وعلى استعمال العقل فيما يهدى إلى الحق والخير ، أمر الله تعالى الناس ~~بالنظر والاعتبار فقال سبحانه : ( @QUR@07 قل انظروا ما ذا في السماوات ~~والأرض ... ). # أى : قل أيها الرسول الكريم لقومك : انظروا وتأملوا وتفكروا فيما اشتملت ~~عليه السموات من شموس وأقمار ، وكواكب ونجوم ، وسحاب وأمطار ... # وفيما اشتملت عليه الأرض من زروع وأنهار ، ومن جبال وأشجار ، ومن حيوانات ~~ودواب متنوعة. # انظروا إلى كل ذلك وتفكروا ، فإن هذا التفكر يهدى أصحاب العقول السليمة ~~إلى أن لهذا الكون إلها واحدا عليما قديرا ، هو وحده المستحق للعبادة ~~والطاعة. # وقوله : ( @QUR@08 وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ) توبيخ ~~للغافلين عن النظر السليم الذي يؤدى إلى الهداية. # و ( @QUR@01 ما ) نافية ، والمراد بالآيات : ما أشار إليه سبحانه قبل ذلك ~~بقوله : ( @QUR@05 ما ذا في السماوات والأرض ) والنذر : جمع نذير ، وهو من ~~يخبر غيره بأمر مخوف حتى يحذره. # والمعنى : انظروا وتفكروا واعتبروا بما في السموات والأرض من آيات بينات ~~دالة على وحدانية الخالق وقدرته .. # ومع ذلك فإن الآيات مهما اتضحت ، والنذر مهما تعددت ، لا تجدى شيئا ، ~~بالنسبة لمن تركوا الإيمان ، وأصروا على الجحود والعناد. # ويجوز أن تكون ( @QUR@01 ما ) للاستفهام الإنكارى ، فيكون المعنى وأى شيء ~~تجدى الآيات السماوية والأرضية ، والنذر بحججها وبراهينها ، أمام قوم ~~جاحدين معاندين ، قد استحبوا الكفر على الإيمان؟. # ثم ساق سبحانه للمكذبين برسوله ms2850 صلى الله عليه وسلم تهديدا يخلع قلوبهم فقال ~~: ( @QUR@015 فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم ، قل فانتظروا ~~إني معكم من المنتظرين ). # قال القرطبي : «الأيام هنا بمعنى الوقائع ، يقال فلان عالم بأيام العرب ~~أى بوقائعهم قال قتادة : يعنى وقائع الله في قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم ، ~~والعرب تسمى العذاب أياما والنعم أياما ، كقوله تعالى ( @QUR@03 وذكرهم ~~بأيام الله )، وكل ما مضى لك من خير أو شر فهو أيام» (1). PageV07P137 # والمعنى : إذا كان الأمر كما قصصنا عليك من إثابتنا للمؤمنين ، وجعل ~~الرجس على الذين لا يعقلون ، فهل ينتظر هؤلاء المكذبون لدعوتك ، إلا العذاب ~~الذي نزل بالمكذبين لدعوة الرسل من قبلك؟ فالاستفهام للتهكم والتقريع. # وقوله : ( @QUR@06 قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين ) أمر من الله ~~تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يستمر في تهديدهم ووعيدهم. # أى : قل يا محمد لهؤلاء الجاحدين للحق الذي جئت به : إذا فانتظروا العذاب ~~الذي نزل بالسابقين من أمثالكم ، إنى معكم من المنتظرين لوعد ربي لي ، ~~ولوعيده لكم. # ثم ختم سبحانه هذه الآيات الكريمة ببيان سنة من سننه التي لا تتخلف ولا ~~تتبدل فقال : ( @QUR@010 ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا ، كذلك حقا علينا ننج ~~المؤمنين ). # والجملة الكريمة عطف على محذوف ، والتقدير : تلك سنتنا في خلقنا نهلك ~~الأمم المكذبة ( @QUR@03 ثم ننجي رسلنا ) الذين أرسلناهم لإخراج الناس من ~~ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، وننجي أيضا الذين آمنوا برسلنا وصدقوهم ~~وقوله ( @QUR@05 كذلك حقا علينا ننج المؤمنين ) الكاف في ( @QUR@01 كذلك ) ~~بمعنى : مثل ، وهي صفة لمصدر محذوف ، واسم الإشارة يعود على الإنجاء الذي ~~تكفل الله به للرسل السابقين ولمن آمن بهم ولفظ ( @QUR@01 حقا ) منصوب بفعل ~~مقدر أى : حق ذلك علينا حقا أى : مثل ذلك الإنجاء الذي تكفلنا به لرسلنا ~~ولمن آمن بهم ، ننج المؤمنين بك أيها الرسول الكريم ، ونعذب المصرين على ~~تكذيبك ، وهذا وعد أخذناه على ذاتنا فضلا منا وكرما. # ( @QUR@011 سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا ) (1) ~~وبذلك ترى الآيات الكريمة قد حضت الضالين على الاقتداء بقوم يونس ~~عليه السلام لكي ms2851 ينجوا من العذاب ، وذكرتهم بنفاذ إرادة الله وقدرته ، ~~ودعتهم إلى التفكر في ملكوت السموات والأرض ، وأخبرتهم بأن سنة الله ماضية ~~في إنجاء المؤمنين ، وفي إهلاك المكذبين. # وبعد هذا الحديث المتنوع الذي زخرت به سورة يونس عليه السلام عن وحدانية ~~الله وقدرته ، وعن صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ، وعن النفس الإنسانية ~~وأحوالها ، وعن يوم القيامة وأهوالها ... # بعد كل ذلك وجهت في ختامها نداءين إلى الناس أمرتهم فيهما بإخلاص العبادة ~~لله تعالى وبالاعتماد عليه وحده ، وبتزكية نفوسهم ... PageV07P138 # استمع إلى السورة الكريمة في ختامها وهي تقول : # ( @QUR@027 قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين ~~تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين ~~(104) @QUR@09 وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين (105) ~~@QUR@016 ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من ~~الظالمين (106) @QUR@024 وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك ~~بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم (107) ~~@QUR@023 قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي ~~لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل (108) @QUR@011 واتبع ما ~~يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ) (109) # والمعنى : ( @QUR@01 قل ) أيها الرسول الكريم ، لجميع من ارتاب في دينك. # ( @QUR@09 يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني ) الذي جئتكم به من عند ~~الله تعالى ، وترغبون في تحويلي عنه ، فاعلموا أنى برىء من شككم ومن ~~أديانكم التي أنتم عليها. # ومادام الأمر كذلك ، فأنا «لا أعبد الذين تعبدون من دون الله» من آلهة ~~باطلة في حال من الأحوال. # ( @QUR@03 ولكن أعبد الله ) تعالى الذي خلقكم و ( @QUR@02 الذي يتوفاكم ) ~~عند انقضاء آجالكم ، ويعاقبكم على كفركم. # وقوله ( @QUR@05 وأمرت أن أكون من المؤمنين ) تأكيد لإخلاص عبادته ~~صلى الله عليه وسلم لله وحده. PageV07P139 # أى : وأمرت من قبل خالقي عز وجل بأن أكون من المؤمنين بأنه لا معبود بحق سواه. # وأوثر الخطاب ms2852 باسم الجنس «الناس» مع تصديره بحرف التنبيه ، تعميما للخطاب ~~، وإظهارا لكمال العناية بشأن المبلغ إليهم. # وعبر عن شكهم «بإن» المفيدة ؛ لعدم اليقين ، مع أنهم قد شكوا فعلا في صحة ~~هذا الدين بدليل عدم إيمانهم به ، تنزيلا للمحقق منزلة المشكوك فيه ، ~~وتنزيها لساحة هذا الدين عن أن يتحقق الشك فيه من أى أحد ، وتوبيخا لهم على ~~وضعهم الأمور في غير مواضعها. # وقدم سبحانه ترك عبادة الغير على عبادته عز وجل ، إيذانا بمخالفتهم من أول ~~الأمر ، ولتقديم التخلية على التحلية. # وتخصيص التوفي بالذكر ، للتهديد والترهيب ، أى : ولكن أعبد الله الذي ~~يتوفاكم فيفعل بكم ما يفعل من العذاب الشديد ، ولأنه أشد الأحوال مهابة في ~~القلوب. # وقوله : ( @QUR@05 وأن أقم وجهك للدين حنيفا ... ) معطوف على قوله : ( ~~@QUR@04 أن أكون من المؤمنين ). # و ( @QUR@01 حنيفا ) حال من الدين أو من الوجه ، والحنيف : هو المائل عن ~~كل دين من الأديان إلى دين الإسلام. # وخص الوجه بالذكر ، لأنه أشرف الأعضاء. # والمعنى : أن الله سبحانه أمره بالاستقامة في الدين. والثبات عليه ، وعدم ~~التزلزل عنه بحال من الأحوال. # قال الآلوسى : «إقامة الوجه للدين ، كناية عن توجيه النفس بالكلية إلى ~~عبادته تعالى ، والإعراض عما سواه ، فإن من أراد أن ينظر إلى شيء نظر ~~استقصاء ، يقيم وجهه في مقابلته ، بحيث لا يلتفت يمينا ولا شمالا ، إذ لو ~~التفت بطلت المقابلة ، فلذا كنى به عن صرف العمل بالكلية إلى الدين ، ~~فالمراد بالوجه الذات. # أى : اصرف ذاتك وكليتك للدين ..» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@04 ولا تكونن من المشركين ) تأكيد للأمر بإخلاص ~~العبادة لله تعالى وحده. وهو معطوف على ( @QUR@01 أقم ). PageV07P140 # أى : استقم على ما أنت عليه من إخلاص العبادة لله تعالى وحده واثبت على ~~ذلك ، ولا تكونن من الذين أشركوا مع الله آلهة أخرى. # ثم أضاف سبحانه إلى ذلك تأكيدا آخر فقال : ( @QUR@010 ولا تدع من دون ~~الله ما لا ينفعك ولا يضرك ). # أى : ولا تدع من دون الله في أى وقت من الأوقات ( @QUR@03 ما لا ينفعك ) ~~إذا دعوته لدفع مكروه أو جلب محبوب ( @QUR@02 ولا يضرك ) إذا تركته ~~وأهملته. # ( @QUR@02 فإن فعلت ms2853 ) شيئا مما نهيناك عنه ( @QUR@02 فإنك إذا ) تكون ( ~~@QUR@02 من الظالمين ) الذين ظلموا أنفسهم بإيرادها مورد المهالك ، ~~لإشراكها مع الله تعالى آلهة أخرى. # ثم بين سبحانه أنه وحده هو الضار والنافع فقال : ( @QUR@024 وإن يمسسك ~~الله بضر فلا كاشف له إلا هو ، وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من ~~يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم ). # «المس» : أعم من اللمس في الاستعمال ، يقال : مسه السوء والكبر والعذاب ~~والتعب ، أى : أصابه ذلك ونزل به. # والضر : اسم للألم والحزن وما يفضى إليهما أو إلى أحدهما ، كما أن النفع ~~اسم للذة والسرور وما يفضى إليهما أو إلى أحدهما. # والخير : اسم لكل ما كان فيه منفعة أو مصلحة حاضرة أو مستقبلة. # والمعنى : ( @QUR@04 وإن يمسسك الله بضر ) كمرض وتعب وحزن ، فلا كاشف له ~~، أى : لهذا الضر ( @QUR@02 إلا هو ) سبحانه . # ( @QUR@03 وإن يردك بخير ) كمنحة وغنى وقوة ( @QUR@03 فلا راد لفضله ) أى ~~: فلا يستطيع أحد أن يرد هذا الخير عنك. # وعبر سبحانه بالفضل مكان الخير للإرشاد إلى تفضله على عباده بأكثر مما ~~يستحقون من خيرات. # وقوله ( @QUR@06 يصيب به من يشاء من عباده ) أى : يصيب بذلك الفضل والخير ~~( @QUR@02 من يشاء ) إصابته ( @QUR@02 من عباده ). # ( @QUR@03 وهو الغفور الرحيم ) أى : وهو الكثير المغفرة والرحمة لمن تاب ~~إليه ، وتوكل عليه ، وأخلص له العبادة. # وفي معنى هذه الآية جاء قوله تعالى : ( @QUR@09 ما يفتح الله للناس من ~~رحمة فلا ممسك لها ، PageV07P141 # @QUR@010 وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم ) (1). # وقال ابن كثير : «وروى ابن عساكر عن أنس قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : # «اطلبوا الخير دهركم كله ، وتعرضوا لنفحات ربكم ، فإن لله نفحات من رحمته ~~، يصيب بها من يشاء من عباده ، واسألوه أن يستر عوراتكم ، ويؤمن روعاتكم» (2). # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بنداء آخر أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن ~~يوجهه للناس فقال : ( @QUR@09 قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم ... ) # أى : قل أيها الرسول الكريم مخاطبا جميع الناس ، سواء منهم من سمع نداءك ~~أم من سيبلغه هذا النداء من بعدك ms2854 قل لهم جميعا : ( @QUR@03 قد جاءكم الحق ) ~~المتمثل في كتاب الله وفي سنتي ( @QUR@02 من ربكم ) وليس من أحد سواه. # ( @QUR@02 فمن اهتدى ) إلى هذا الحق ، وعمل بمقتضاه ( @QUR@03 فإنما ~~يهتدي لنفسه ) أى : فإنما تكون منفعة هدايته لنفسه لا لغيره. # ( @QUR@02 ومن ضل ) عن هذا الحق وأعرض عنه ( @QUR@03 فإنما يضل عليها ) ~~أى : فإنما يكون وبال ضلاله على نفسه. # ( @QUR@04 وما أنا عليكم بوكيل ) أى بحفيظ يحفظ أموركم ، وإنما أنا بشير ~~ونذير والله وحده هو الذي يتولى محاسبتكم على أعمالكم. # ثم أمره سبحانه باتباع ما أوحاه إليه فقال : ( @QUR@011 واتبع ما يوحى ~~إليك واصبر حتى يحكم الله ، وهو خير الحاكمين ). # أى : ( @QUR@01 واتبع ) أيها الرسول الكريم في جميع شئونك ( @QUR@03 ما ~~يوحى إليك ) من ربك من تشريعات حكيمة ، وآداب قويمة .. # ( @QUR@01 واصبر ) على مشاق الدعوة وتكاليفها .. # ( @QUR@03 حتى يحكم الله ) بينك وبين قومك ، ( @QUR@03 وهو خير الحاكمين ~~). لأنه هو العليم بالظواهر والبواطن ، وهو الذي لا معقب لحكمه. # وبعد : فهذه هي سورة يونس عليه السلام رأينا ونحن نفسرها كيف أقامت الأدلة ~~على وحدانية الله عز وجل وعلى كمال قدرته ، وشمول علمه ، ونفاذ إرادته ، ~~وسعة رحمته ، وسمو عزته .. PageV07P142 # وكيف أنها أقامت الأدلة أيضا على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه ~~عن ربه ، وعلى أن هذا القرآن من عنده سبحانه. # وكيف أنها ساقت الأدلة على أن يوم القيامة حق ، وعلى أحوال الناس فيه ، ~~مما يرقق القلوب القاسية ، ويبعث في النفوس الخشية وحسن الاستعداد لهذا ~~اليوم الهائل الشديد ، وكيف أنها ساقت جانبا من أحوال بعض الأنبياء مع ~~أممهم ، وقررت سنة من سنن الله التي لا تتخلف ، وهي نجاة رسل الله ~~والمؤمنين بهم ، وجعل الرجس على الذين لا يعقلون. # وكيف أنها بينت أحوال الناس في السراء والضراء ... بيانا صادقا قويا ~~مؤثرا ، من شأنه أن يحملهم على التحلي بالأخلاق الكريمة والتخلي عن الأخلاق ~~الذميمة. # نسأل الله تعالى أن يجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا ، وأنس نفوسنا. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه أجمعين. # المدينة المنورة السبت 7 من المحرم سنة 1401 # الموافق 15 / 11 / 1980 ms2855 م PageV07P143 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة هود عليه السلام PageV07P145 ### ||| * تعريف بسورة هود عليه السلام # 1 سورة هود عليه السلام هي السورة الحادية عشرة في ترتيب المصحف فقد ~~سبقتها في هذا الترتيب سورة الفاتحة ، والبقرة ، وآل عمران ، والنساء ، ~~والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، والأنفال ، والتوبة ، ويونس. # أما ترتيبها في النزول ، فهي السورة الثانية والخمسون ، وكان نزولها بعد ~~سورة يونس. # 2 وعدد آياتها : ثلاث وعشرون ومائة آية. # 3 وقد سماها النبي صلى الله عليه وسلم بسورة هود ، فقد روى الترمذي عن ابن ~~عباس قال : قال أبو بكر : يا رسول الله قد شبت! قال : «شيبتني» «هود» ~~و «الواقعة» ، و «المرسلات» و «عم يتساءلون» و «إذا الشمس كورت». # وفي رواية : شيبتني هود وأخواتها. # قال القرطبي بعد أن ساق بعض الأحاديث في فضل هذه السورة. ففي تلاوة هذه ~~السور ما يكشف لقلوب العارفين سلطانه وبطشه فتذهل منه النفوس. وتشيب منه ~~الرءوس» (1). # 4 متى نزلت سورة هود؟ # جمهور العلماء على أن سورة هود جميعها مكية ، وقيل هي مكية إلا ثلاث آيات ~~منها : وهي قوله تعالى ( @QUR@09 فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك ، وضائق به ~~صدرك ... ) الآية 12. # وقوله تعالى ( @QUR@09 أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ) الآية 17. # وقوله تعالى : ( @QUR@07 وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ) الآية 114. # والذي نرجحه أن السورة كلها مكية ، وسنرى عند تفسيرنا لهذه الآيات التي ~~قيل بأنها مدنية ، ما يشهد لصحة ما ذهبنا إليه. # كذلك نرجح أن هذه السورة الكريمة ، كان نزولها في الفترة التي أعقبت حادث ~~الإسراء والمعراج ، وذلك لأن نزولها كما سبق أن أشرنا كان بعد سورة يونس ، ~~وسورة يونس كان نزولها بعد سورة الإسراء ، التي افتتحت بالحديث عنه. PageV07P147 # وهذه الفترة التي كانت قبيل حادث الإسراء والمعراج والتي أعقبته ، تعتبر ~~من أشق الفترات وأحرجها وأصعبها في تاريخ الدعوة الإسلامية. # ففي هذه الفترة مات أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم والمدافع عنه ، ~~وماتت كذلك السيدة خديجة رضى الله عنها التي كانت نعم المواسى له عما يصيبه ~~من أذى ... ففقد الرسول صلى الله عليه وسلم ms2856 بموتهما نصيرين عزيزين ، كانت لهما ~~مكانتهما العظيمة في نفسه ، وتعرض صلى الله عليه وسلم في هذه الفترة لألوان من ~~الأذى والاضطهاد فاقت كل ما سبقها وبلغت الحرب المعلنة من المشركين عليه ~~وعلى دعوته ، أقسى وأقصى مداها .. # قال ابن إسحاق خلال حديثه عن هذه الفترة : ثم إن خديجة بنت خويلد وأبا ~~طالب هلكا في عام واحد ، فتتابعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المصائب ~~بهلك خديجة وكانت له وزير صدق على الإسلام يشكو إليها ويهلك عمه أبى طالب ~~وكان له عضدا وحرزا في أمره ، ومنعة وناصرا على قومه ، وذلك قبل مهاجره إلى ~~المدينة بثلاث سنين. # فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ، ما ~~لم تكن تطمع فيه في حياة أبى طالب ، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش ، فنثر ~~على رأسه ترابا. # ثم قال ابن إسحاق : فحدثني هشام بن عروة ، عن أبيه عروة بن الزبير قال ~~لما نثر ذلك السفيه على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك التراب دخل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بيته ، والتراب على رأسه ، فقامت إليه إحدى بناته ، ~~فجعلت تغسل عنه التراب ، وهي تبكى ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها : ~~«لا تبكى يا بنية ، فإن الله مانع أباك» .. # قال : ويقول بين ذلك : «ما نالت منى قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب» (1). # وسنرى عند استعراضنا للسورة الكريمة ، أنها صورت هذه الفترة أكمل تصوير. # 5 مناسبتها لسورة يونس عليه السلام : # قال الآلوسى رحمه الله : ووجه اتصالها بسورة يونس ، أنه ذكر في سورة يونس ~~قصة نوح عليه السلام مختصرة جدا ومجملة ، فشرحت في هذه السورة وبسطت فيها ما ~~لم تبسط في غيرها من السور .. ثم إن مطلعها شديد الارتباط بمطلع تلك ، فإن ~~قوله تعالى هنا ( @QUR@04 الر. كتاب أحكمت آياته ... ) نظير قوله سبحانه ~~هناك ( @QUR@05 الر. تلك آيات الكتاب الحكيم ... ) بل بين مطلع هذه وختام ~~تلك شدة ارتباط أيضا ، حيث ختمت بنفي الشرك ، واتباع الوحى ، وافتتحت هذه ~~ببيان ms2857 الوحى والتحذير من الشرك (2). PageV07P148 # 6 عرض إجمالى للسورة الكريمة : # عند ما نطالع سورة هود بتدبر وتأمل ، نراها في الربع الأول (1) منها قد ~~افتتحت بالتنويه بشأن القرآن الكريم. وبدعوة الناس إلى إخلاص العبادة لله ~~تعالى وحده ، وإلى التوجه إليه بالاستغفار والتوبة الصادقة ، حتى ينالوا ~~السعادة في دنياهم وآخرتهم. # قال تعالى : ( @QUR@052 الر. كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير. ~~ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير. وأن استغفروا ربكم ثم توبوا ~~إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ، ويؤت كل ذي فضل فضله ، وإن تولوا ~~فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير. إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير ). # ثم وضحت السورة جانبا من مسالك الكافرين ، تلك المسالك التي تدل على ~~جهالاتهم بعلم الله التام ، وبقدرته النافذة ، وفصلت مظاهر هذه القدرة ، ~~وشمول هذا العلم .. # قال تعالى : ( @QUR@019 ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ، ألا حين ~~يستغشون ثيابهم ، يعلم ما يسرون وما يعلنون ، إنه عليم بذات الصدور ). # ثم بينت أحوال الإنسان في حالة منحه النعمة ، وفي حالة سلبها عنه ، وساقت ~~للرسول صلى الله عليه وسلم من الآيات ما يسليه عما أصابه من كفار مكة ، ~~وتحدتهم أن يأتوا بعشر سور من مثل القرآن الكريم ، وأنذرتهم بسوء عاقبة ~~المعرضين عن دعوة الله ، الصادين عن سبيله ، الكافرين بالآخرة وما فيها من ~~ثواب وعقاب ، وبشرت المؤمنين بحسن العاقبة ، وضربت المثل المناسب لكل من ~~فريقى الكافرين والمؤمنين. # استمع إلى السورة الكريمة وهي تصور كل ذلك بأسلوبها البليغ المؤثر فتقول : # ( @QUR@034 ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤس كفور. ~~ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ، ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور. ~~إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير ... ). # إلى أن تقول بعد حديث مفصل عن الكافرين وسوء عاقبتهم : ( @QUR@025 إن ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم ، أولئك أصحاب الجنة هم فيها ~~خالدون. مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا ، ~~أفلا تذكرون ). # فإذا ما وصلنا إلى الربع (2) الثاني من ms2858 سورة هود ، وجدناها تسوق لنا ~~بأسلوب مفصل ، PageV07P149 # قصة نوح عليه السلام مع قومه ، فتحكى أمره لهم بعبادة الله وحده ، كما ~~تحكى الرد القبيح الذي رد به عليه زعماؤهم ، وكيف أنه عليه السلام لم يقابل ~~سفاهتهم بمثلها ، بل خاطبهم بلفظ «يا قوم» الدال على أنه واحد منهم ، يسره ~~ما يسرهم ، ويؤلمه ما يؤلمهم ، ومع هذا فقد لجوا في طغيانهم وقالوا له كما ~~حكى القرآن عنهم ( @QUR@013 يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ، فأتنا بما ~~تعدنا إن كنت من الصادقين ... ). # فكان رده عليهم ( @QUR@09 إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين ~~... ). # وقد أتاهم الله تعالى بالعذاب الذي استعجلوه فأغرقهم بالطوفان الذي غشيهم ~~من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، والذي قطع دابرهم. # ثم نراها بعد ذلك في الربع (1) الثالث ، تقص علينا مشهدا مؤثرا ، مشهد ~~نوح عليه السلام وهو ينادى ابنه الذي استحب الكفر على الإيمان فيقول له ~~بشفقة وحرص : ( @QUR@08 يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين ). # ولكن الابن العاق لا يستمع إلى نصيحة أبيه العطوف بل يقول له : ( @QUR@06 ~~سآوي إلى جبل يعصمني من الماء ). # ويجيبه الأب بحزن وحسم ( @QUR@015 لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ~~، وحال بينهما الموج فكان من المغرقين ). # ويتضرع الأب الحزين إلى ربه فيقول : ( @QUR@011 رب إن ابني من أهلي وإن ~~وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين ). # ويأتيه الجواب من الله تعالى : ( @QUR@023 يا نوح إنه ليس من أهلك إنه ~~عمل غير صالح ، فلا تسئلن ما ليس لك به علم ، إني أعظك أن تكون من الجاهلين ). # ويلجأ نوح عليه السلام إلى خالقه ، مستعيذا به من غضبه فيقول : ( @QUR@018 ~~رب إني أعوذ بك أن أسئلك ما ليس لي به علم ، وإلا تغفر لي وترحمني أكن من ~~الخاسرين ). # فيقبل الله تعالى ضراعته فيقول : ( @QUR@018 يا نوح اهبط بسلام منا ~~وبركات عليك ، وعلى أمم ممن معك ، وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم ). # ثم يختم الله تعالى قصة نوح ، بتسلية النبي صلى الله عليه وسلم ، وبما يدل ~~على أن هذا القرآن من عند الله ، فيقول : ( @QUR@019 تلك ms2859 من أنباء الغيب ~~نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر ، إن العاقبة ~~للمتقين ). PageV07P150 # ثم تسوق السورة بعد ذلك قصة هود عليه السلام مع قومه ، فتحكى دعوته لهم ~~إلى عبادة الله تعالى ، ومصارحته إياهم بأنه لا يريد منهم أجرا على دعوته ؛ ~~وإرشادهم إلى ما يزيدهم غنى على غناهم ؛ وقوة على قوتهم ، ولكنهم قابلوا ~~تلك النصائح الغالية بالتكذيب والسفاهة ، فقالوا له كما حكت السورة عنهم ( ~~@QUR@022 يا هود ما جئتنا ببينة ، وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك ، وما نحن ~~لك بمؤمنين. إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء .... ). # فيرد عليهم هود بقوله : ( @QUR@028 إني أشهد الله ، واشهدوا أني بريء مما ~~تشركون. من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون. إني توكلت على الله ربي وربكم ~~ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ... ). # ثم كانت النتيجة بعد هذه المحاورات والمجادلات أن نجى الله هودا ، والذين ~~آمنوا معه ، أما الكافرون بدعوته ، فقد نزل بهم العذاب الغليظ ، الذي تركهم ~~صرعى ، كأنهم أعجاز نخل خاوية ... # وفي الربع (1) الرابع منها تسوق لنا السورة الكريمة ، ما دار بين صالح ~~وقومه ، حيث أمرهم بعبادة الله ، وذكرهم بنعمه عليهم ، وحذرهم من الاعتداء ~~على الناقة التي هي لهم آية .. ولكنهم استخفوا بتذكيره وبتحذيره فكانت ~~النتيجة إهلاكهم ... # قال تعالى ( @QUR@038 فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة ~~منا ، ومن خزي يومئذ ، إن ربك هو القوي العزيز. وأخذ الذين ظلموا الصيحة ~~فأصبحوا في ديارهم جاثمين. كأن لم يغنوا فيها ، ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا ~~بعدا لثمود ). # ثم قصت علينا السورة الكريمة ، ما فعله إبراهيم عليه السلام عند ما جاءه ~~رسل الله بالبشرى ، وكيف أنهم قالوا له عند ما أنكرهم وأوجس منهم خيفة : ( ~~@QUR@07 لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط ... ). # ثم وضحت حال لوط عليه السلام عند ما جاءه هؤلاء الرسل ؛ وحكت ما دار بينه ~~وبين قومه الذين جاءوه يهرعون إليه عند ما رأوا الرسل ، فقال لهم : ( ~~@QUR@017 يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم ، فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي ms2860 ~~، أليس منكم رجل رشيد .... ). # فيقولون له في صفاقة وانحراف عن الفطرة السليمة : ( @QUR@012 لقد علمت ما ~~لنا في بناتك من حق ، وإنك لتعلم ما نريد ). # وأسقط في يد لوط عليه السلام ، وأحس بضعفه أمام هؤلاء المنحرفين المندفعين إلى PageV07P151 # ارتكاب الفاحشة ، اندفاع المجنون إلى حتفه ، فقال بأسى وحزن : ( @QUR@010 ~~لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ). # وهنا كشف له الرسل عن طبيعتهم ، وأخبروه بمهمتهم ؛ وطلبوا منه أن يغادر ~~هو ومن آمن معه مكان إقامتهم ، فإن العذاب نازل بهؤلاء المجرمين بعد وقت قصير. # ( @QUR@050 قالوا يا لوط إنا رسل ربك ، لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من ~~الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك ، إنه مصيبها ما أصابهم ، إن موعدهم ~~الصبح ، أليس الصبح بقريب. فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا ~~عليها حجارة من سجيل منضود ، مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد ). # ثم تتابع السورة الكريمة في الربع الخامس (1)، حديثها عن جانب من قصص ~~بعض الأنبياء مع أقوامهم ، فتحدثنا عن قصة شعيب عليه السلام مع قومه ، وكيف ~~أنه قال لهم مقالة كل رسول لقومه ( @QUR@09 يا قوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره ). # ثم نهاهم بأسلوب رصين حكيم ، عن ارتكاب الفواحش التي كانت منتشرة فيهم ، ~~وهي إنقاص الكيل والميزان ، وبخس الناس أشياءهم ... # ولكنهم كعادة السفهاء الطغاة قابلوا نصائحه بالتهكم والاستخفاف والوعيد ~~... فكانت النتيجة أن حل بهم عذاب الله الذي أهلكهم ، كما أهلك أمثالهم. # قال تعالى ( @QUR@028 ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة ~~منا ، وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين. كأن لم يغنوا ~~فيها ، ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود ). # ثم تسوق السورة بعد ذلك بإيجاز ، جانبا من قصة موسى مع فرعون وملئه ، ~~الذين اتبعوا أمر فرعون ، وما أمر فرعون برشيد. # ثم تعقب على كل تلك القصص السابقة ، بتعقيب يدل على أن هذا القرآن من عند ~~الله ، وأنه سبحانه لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ... قال ~~تعالى : ( @QUR@033 ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم ms2861 وحصيد. وما ~~ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم ، فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله ~~من شيء لما جاء أمر ربك ، وما زادوهم غير تتبيب ... ). # أما في الربع السادس (2) والأخير منها ، فنراها تبين بأسلوب قوى منذر ، ~~أن الناس سيأتون PageV07P152 # يوم القيامة ، منهم الشقي ومنهم السعيد ، وأنه سبحانه سيوفى كل فريق منهم ~~جزاءه غير منقوص. # ثم ترشد إلى ما يوصل إلى السعادة ، فتدعو إلى الاستقامة على أمر الله ، ~~وإلى عدم الركون إلى الظالمين ، وإلى إقامة الصلاة طرفي النهار وزلفا من ~~الليل ، وإلى الصبر الجميل. # قال تعالى : ( @QUR@050 فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا ، إنه بما ~~تعملون بصير. ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ، وما لكم من دون ~~الله من أولياء ثم لا تنصرون. وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ، إن ~~الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين. واصبر فإن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين ). # ثم ختمت السورة الكريمة ببيان أن من أهم مقاصد ذكر قصص الأنبياء في ~~القرآن الكريم ، تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم وتقوية قلبه ، وتسليته ~~عما أصابه ، وتبشيره بأن العاقبة له ولأتباعه. # قال تعالى : ( @QUR@045 وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ، ~~وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين. وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على ~~مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون. ولله غيب السماوات والأرض وإليه ~~يرجع الأمر كله ، فاعبده وتوكل عليه ، وما ربك بغافل عما تعملون ). # 7 أهم الموضوعات التي عنيت السورة الكريمة بالحديث عنها : # من استعراضنا لسورة هود ، ومن معرفة الفترة التي نزلت فيها ، نستطيع أن ~~نقول : إن السورة الكريمة قد عنيت بالحديث عن موضوعات متنوعة من أهمها ما يأتى : # (ا) ترغيب الناس في طاعة الله ، وتحذيرهم من معصيته ، وهذا المعنى نراه ~~في كثير من آيات سورة هود ، ومن ذلك : # قوله تعالى : ( @QUR@09 ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير ... ). # وقوله تعالى حكاية عن هود عليه السلام : ( @QUR@018 ويا قوم استغفروا ربكم ~~ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ، ويزدكم قوة ms2862 إلى قوتكم ولا تتولوا ~~مجرمين ... ). # وقوله تعالى حكاية عن شعيب عليه السلام : ( @QUR@026 ويا قوم أوفوا ~~المكيال والميزان بالقسط ، ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين. بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين ، وما أنا عليكم بحفيظ ... ). # (ب) تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من قومه ، ومن مظاهر هذه ~~التسلية ، أن PageV07P153 # السورة الكريمة قد اشتملت في معظم آياتها على قصص بعض الأنبياء مع ~~أقوامهم. فقد ذكرت نواحي متنوعة من قصة نوح مع قومه ، ومن قصة هود مع قومه ~~، ومن قصة صالح مع قومه ، ومن قصة شعيب مع قومه ، ومن قصة لوط مع قومه ... # وقد تحدثت خلال كل قصة عن المسالك الخبيثة ، والمجادلات الباطلة ، التي ~~اتبعها الطغاة مع أنبيائهم الذين جاءوا لسعادتهم وهدايتهم. # كما ختمت كل قصة من هذه القصص ، ببيان حسن عاقبة المؤمنين ، وسوء عاقبة ~~المكذبين .. # وفي ذلك ما فيه من التسلية للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عما لحقه من ~~أذى ، وما أصابه من اضطهاد ، وما تعرض له من اعتداء عليه وعلى أصحابه. # وكأن ما ورد في هذه السورة من قصص طويل متنوع ، يقول للرسول ~~صلى الله عليه وسلم : إن ما أصابك من قومك يا محمد ، قد أصاب الأنبياء ~~السابقين من أقوامهم ، فاصبر كما صبروا ، فإنه ما يقال لك إلا ما قد قيل ~~للرسول من قبلك. # (ج) إقامة الأدلة على أن هذا القرآن من عند الله ، وليس من كلام البشر .. # فقد تحداهم هنا أن يأتوا بعشر سور من مثله فعجزوا ، ثم تحداهم في موطن ~~آخر أن يأتوا بسورة من مثله فما استطاعوا ، وساق لهم على لسان الرسول ~~صلى الله عليه وسلم الكثير من أخبار الأولين ، ومن قصص الأنبياء مع أقوامهم مع ~~أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن معاصرا لهؤلاء السابقين ، ولم يكن قارئا ~~لأخبارهم فدل ذلك على أن هذا القرآن من عند الله ، وعلى أن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم صادق فيما يبلغه عن ربه. # قال تعالى : ( @QUR@034 أم يقولون افتراه ، قل فأتوا بعشر سور ms2863 مثله ~~مفتريات ، وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين. فإلم يستجيبوا ~~لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون ). # وقال تعالى : ( @QUR@019 تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها ~~أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر ، إن العاقبة للمتقين ). # (د) بيان سنة من سنن الله التي لا تتخلف ، وهي أنه سبحانه لا يظلم الناس ~~شيئا ؛ ولكن الناس هم الذين يظلمون أنفسهم ؛ بإعراضهم عن الحق ، واتباعهم ~~للهوى ، واستحقاقهم للعقوبة التي هي جزاء عادل لكل ظالم. PageV07P154 # وهذا البيان نراه في مواضع متعددة من السورة ، ومن ذلك قوله تعالى في ~~ختام الحديث عن قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم. # ( @QUR@076 ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد. وما ظلمناهم ~~ولكن ظلموا أنفسهم ، فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء ، ~~لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب. وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ~~ظالمة ، إن أخذه أليم شديد. إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ، ذلك يوم ~~مجموع له الناس ، وذلك يوم مشهود. وما نؤخره إلا لأجل معدود. يوم يأت لا ~~تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد .... ). # وبعد : فهذه تعريفات عن سورة هود ، رأينا أن نذكرها قبل البدء في تفسيرها ~~، وأرجو أن يكون في ذكرها ما يعطى القارئ صورة واضحة عن هذه السورة ~~الكريمة. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ||محمد سيد طنطاوى| PageV07P155 ### ||| * التفسير ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@010 الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير (1) @QUR@09 ~~ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير (2) @QUR@025 وأن استغفروا ~~ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله ~~وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير (3) @QUR@08 إلى الله مرجعكم وهو ~~على كل شيء قدير (4) @QUR@019 ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين ~~يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور ) (5) # سورة هود عليه السلام من ms2864 السور التي افتتحت ببعض حروف التهجي ، وقد سبق أن ~~تكلمنا بشيء من التفصيل عند تفسيرنا لسور : البقرة ، وآل عمران ، والأعراف ~~، ويونس ، عن آراء العلماء في المراد بهذه الحروف المقطعة التي افتتحت بها ~~بعض السور. # ورجحنا أن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت في افتتاح بعض سور القرآن ، على ~~سبيل الإيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن. # فكأن الله تعالى يقول لأولئك المعارضين في أن القرآن من عند الله تعالى : ~~هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون به كلامكم ، ومنظوما ~~من حروف هي من جنس الحروف الهجائية التي تنظمون منها حروفكم ، فإن كنتم في ~~شك من كونه منزلا من عند PageV07P156 # الله فهاتوا مثله ، وادعوا من شئتم من الخلق لكي يعاونكم في ذلك ، أو ~~هاتوا عشر سور من مثله ، أو هاتوا سورة واحدة. # فلما عجزوا وهم أهل الفصاحة والبيان ثبت أن غيرهم أعجز ، وأن هذا القرآن ~~من عند الله ، ( @QUR@010 ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا ). # وقوله : ( @QUR@02 أحكمت آياته ) من الإحكام بكسر الهمزة وهذه المادة ~~تستعمل في اللغة لمعان متعددة ، ترجع إلى شيء واحد هو المنع. يقال : أحكم ~~الأمر. أى : أتقنه ومنعه من الفساد. أى : منع نفسه ومنع الناس عما لا يليق ~~: ويقال أحكم الفرس ، إذا جعل له حكمة تمنعه من الجموح والاضطراب. # وقوله : ( @QUR@02 ثم فصلت ) من التفصيل ، بمعنى التوضيح والشرح للحقائق ~~والمسائل المراد بيانها ، بحيث لا يبقى فيها اشتباه أو لبس. # والمعنى : هذا الكتاب الذي أنزلناه إليك يا محمد ، هو كتاب عظيم الشأن ، ~~جليل القدر ، فقد أحكم الله آياته إحكاما بديعا ، وأتقنها إتقانا معجزا ، ~~بحيث لا يتطرق إليها خلل أو فساد. ثم فصل سبحانه هذه الآيات تفصيلا حكيما ، ~~بأن أنزلها نجوما ، وجعلها سورا سورا ، مشتملة على ما يسعد الناس في دنياهم ~~وآخرتهم ، من شئون العقائد ، والعبادات ، والمعاملات ، والآداب ، والأحكام. # قال صاحب الكشاف ما ملخصه : ( @QUR@02 أحكمت آياته ) أى : نظمت نظما ~~رصينا محكما ، بحيث لا يقع فيه نقض ولا خلل ، كالبناء المحكم المرصف .. ~~وقيل : منعت من الفساد ، من قولهم ms2865 : أحكمت الدابة ، إذا وضعت عليها الحكمة ~~لتمنعها من الجماح ، قال جرير : # أبنى حنيفة أحكموا سفهاءكم %~% إنى أخاف عليكمو أن أغضبا # ( @QUR@02 ثم فصلت ) كما تفصل القلائد بالفرائد ، ومن دلائل التوحيد ~~والأحكام والمواعظ والقصص ، أو جعلت فصولا سورة سورة ، وآية آية ، أو فرقت ~~في التنزيل ولم تنزل جملة واحدة» (1). # و ( @QUR@01 ثم ) في قوله سبحانه «ثم فصلت» للتراخي في الرتبة كما هو ~~شأنها في عطف الجمل ، لما في التفصيل من الاهتمام لدى النفوس ، لأن العقول ~~ترتاح إلى التفصيل بعد الإجمال ، والتوضيح بعد الإيجاز. # وجملة ( @QUR@04 من لدن حكيم خبير ) صفة أخرى للكتاب ، وصف بها ، لإظهار ~~شرفه من PageV07P157 # حيث مصدره ، بعد أن وصف بإحكام آياته وتفصيلها الدالين على علو مرتبته من ~~حيث الذات أى : هذا الكتاب الذي أتقنت آياته إتقانا بديعا ، وفصلت تفصيلا ~~رصينا ، ليس هو من عند أحد من الخلق ، وإنما هو من عند الخالق الحكيم في كل ~~أقواله وأفعاله ، الخبير بظواهر الأمور وبواطنها. # قال الشوكانى : وفي قوله ( @QUR@04 من لدن حكيم خبير ) لف ونشر ، لأن ~~المعنى : أحكمها حكيم ، وفصلها خبير ، عالم بمواقع الأمور (1). # وقوله : ( @QUR@04 ألا تعبدوا إلا الله ) جملة تعليلية ، أى : أنه سبحانه ~~فعل ما فعل من إحكام الكتاب وتفصيله وتنزيله من لدن حكيم خبير ، لكي تخلصوا ~~له العبادة والطاعة ، وتتركوا عبادة غيره ؛ لأن من أنزل هذا الكتاب المعجز ~~، من حقه أن يفرد بالخضوع والاستعانة. # وقوله : ( @QUR@05 إنني لكم منه نذير وبشير ) بيان لوظيفة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم . # والضمير المجرور في «منه» يعود على الله تعالى . # أى : عليكم أيها الناس أن تخلصوا لله تعالى العبادة والطاعة ، فإنه ~~سبحانه قد أرسلنى إليكم لكي أنذر الذين فسقوا عن أمره بسوء العاقبة ، وأبشر ~~الذين استجابوا لدعوته بحسن المثوبة. # وقدم سبحانه الإنذار على التبشير ؛ لأن الخطاب موجه إلى الكافرين ، الذين ~~أشركوا مع الله آلهة أخرى. # قال بعضهم : «والجمع بين النذارة والبشارة ، لمقابلة ما تضمنته الجملة ~~الأولى من طلب ترك عبادة غير الله. بطريق النهى ، وطلب عبادة الله بطريق ~~الاستثناء ، فالنذارة ترجع إلى الجزء الأول ، والبشارة ترجع إلى الجزء ms2866 ~~الثاني» (2). # ثم بين سبحانه ما يترتب على طاعته من خيرات فقال : ( @QUR@017 وأن ~~استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي ~~فضل فضله .. ). # والاستغفار طلب المغفرة والرحمة من الله تعالى . # والتوبة : الإقلاع عن كل ما نهى الله ، مع التصميم على عدم العودة إلى ~~ذلك في المستقبل. PageV07P158 # ويمتعكم : من الإمتاع ، وأصل الإمتاع الإطالة ، ومنه : أمتعنا الله بك أى ~~: أطال لنا بقاءك. # والآية الكريمة معطوفة على قوله سبحانه قبل ذلك : ( @QUR@04 ألا تعبدوا ~~إلا الله .. ). # والمعنى : وعليكم أيها الناس بعد أن نبذتم كل عبادة لغير الله ، أن ~~تديموا طلب مغفرته ورحمته ، وأن تتوبوا إليه توبة نصوحا ، فإنكم إن فعلتم ~~ذلك ( @QUR@01 يمتعكم ) الله تعالى ( @QUR@02 متاعا حسنا ) بأن يبدل خوفكم ~~أمنا ، وفقركم غنى ، وشقاءكم سعادة. # قوله : ( @QUR@03 إلى أجل مسمى ) أى : إلى نهاية حياتكم التي قدرها الله ~~لكم في هذه الدنيا. # وقوله : ( @QUR@05 ويؤت كل ذي فضل فضله ) أى : ويعط كل صاحب عمل صالح ~~جزاء عمله. # فالمراد بالفضل الأول : العمل الصالح. والمراد بالفضل الثاني الثواب ~~الجزيل من الله تعالى . # فالجملة الكريمة ، وعد كريم عن الله تعالى لكل من آمن وعمل صالحا. # وجملة ( @QUR@03 ثم توبوا إليه ) معطوفة على استغفروا. و ( @QUR@01 ثم ) ~~هنا على بابها من التراخي ، لأن الإنسان يستغفر أولا ربه من الذنوب ، ثم ~~يتوب إليه التوبة الصادقة النصوح التي لا رجعة معها إلى ارتكاب الذنوب مرة أخرى. # ووصف المتاع بالحسن ، ليدل على أنه عطاء ليس مشوبا بالمكدرات والمنغصات ~~التي تقلق الإنسان في دنياه ، وإنما هو عطاء يجعل المؤمن يتمتع بنعم الله ~~التي أسبغها عليه ، مع المداومة على شكره سبحانه على هذه النعم. # قال تعالى ( @QUR@018 من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه ~~حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ). # ثم حذر سبحانه من الإعراض عن طاعته فقال : ( @QUR@08 وإن تولوا فإني أخاف ~~عليكم عذاب يوم كبير ). # أى : ذكرهم أيها الرسول الكريم بأن في إخلاصهم العبادة لله ، وفي طاعتهم ~~له ، سعادتهم الدنيوية والأخروية ، وفي إعراضهم عن ذلك شقاؤهم وحلول العذاب بهم. ms2867 # أى : إن تتولوا أيها الناس عن الحق الذي جئتكم به ، فإنى أخاف عليكم عذاب ~~يوم القيامة ، الذي هو عذاب كبير هوله ، عظيم وقعه ، كما أخاف عليكم عذاب ~~الدنيا. # فتنكير ( @QUR@01 يوم ) للتهويل والتعميم ، حتى يشمل عذاب الدنيا وعذاب ~~الآخرة ، حيث PageV07P159 # إنهم كانوا ينكرون البعث والحساب ، فتخويفهم بالعذابين أزجر لنفوسهم ~~القاسية ، وقلوبهم العاتية. # وفي وصفه بالكبر ، زيادة أيضا في تهويله وشدته ، حتى يثوبوا إلى رشدهم ، ~~ويقلعوا عن غيهم وعنادهم. # وقوله سبحانه ( @QUR@08 إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير ) تحذير آخر ~~لهم ، إثر التحذير من الإعراض عما جاءهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم . # والمرجع : مصدر ميمى بمعنى الرجوع الذي لا انفكاك لهم منه ، ولا محيد لهم عنه. # أى : إلى الله تعالى وحده رجوعكم مهما طالت حياتكم ، ليحاسبكم على ~~أعمالكم ، ويجازيكم عليها بما تستحقونه من جزاء ، وهو سبحانه على كل شيء ~~قدير ، لا يعجزه أمر ، ولا يحول بينه وبين نفاذ إرادته حائل. # وما دام الأمر كذلك ، فأخلصوا لله العبادة ، واستغفروه ثم توبوا إليه ~~لتظفروا بالسعادة العاجلة والآجلة. # ثم حكى سبحانه جانبا من جهالات المنحرفين عن الحق ، ومن أوهامهم الباطلة ~~، فقال تعالى : # ( @QUR@019 ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ، ألا حين يستغشون ثيابهم ~~يعلم ما يسرون وما يعلنون ، إنه عليم بذات الصدور ). # وقوله : ( @QUR@01 يثنون ) من الثنى بمعنى الطى والستر. يقال : ثنيت ~~الثوب إذا طويته على ما فيه من الأشياء المستورة. # وثنى الصدور : إمالتها وطأطأتها وحنيها بحيث تكون القامة غير مستقيمة. ~~والاستخفاء : محاولة الاختفاء عن الأعين ، ومنه قوله تعالى ( @QUR@09 ~~يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم .. ) (1). # وقوله : ( @QUR@02 يستغشون ثيابهم .. ) أى : يتدثرون ويتغطون بها ، ~~مبالغة في الاستخفاء عن الأعين. فالسين والتاء فيه للتأكيد ، كما في قوله ~~تعالى ( @QUR@02 واستغشوا ثيابهم ... ) أى : جعلوها كالغشاء عليهم. # وقد ذكر بعض المفسرين في سبب نزول هذه الآية روايات منها : أنه كان الرجل ~~من الكفار PageV07P160 # يدخل بيته ، ويرخى ستره ، ويحنى ظهره ، ويتغشى بثوبه ثم يقول : هل يعلم ~~الله ما في قلبي فنزلت هذه الآية. # وقيل : نزلت في المنافقين ، كان أحدهم ms2868 إذا مر بالنبي صلى الله عليه وسلم ثنى ~~صدره. وتغشى بثوبه لئلا يراه. # وقيل : نزلت في الأخنس بن شريق ، وكان رجلا حلو المنطق ، حسن السياق ~~للحديث ، يظهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم المحبة ، ويضمر في قلبه ما ~~يضادها ..» (1). # وعلى أية حال فإن الآية الكريمة تصور تصويرا بديعا جهالات بعض الضالين ~~بعلم الله تعالى المحيط بكل شيء ، كما تصور تصويرا دقيقا أوضاعهم الحسية ~~حين يأوون إلى فراشهم ، وحين يلتقون بالنبي صلى الله عليه وسلم . # والضمير المجرور في قوله ( @QUR@01 منه ) يعود إلى الله تعالى وعليه يكون ~~المعنى ألا إن هؤلاء المشركين يلوون صدورهم عن الحق الذي جاءهم به نبيهم ~~صلى الله عليه وسلم توهما منهم أن فعلهم هذا يخفى على الله تعالى . # ومنهم من يرى أن الضمير في قوله ( @QUR@01 منه ) يعود إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وعليه يكون المعنى : # ألا إن هؤلاء المشركين يعرضون عن لقاء النبي صلى الله عليه وسلم ويطأطئون ~~رءوسهم عند رؤيته ، ليستخفوا منه ، حتى لا يؤثر فيهم بسحر بيانه. # ومع أن كلا القولين له وجاهته وله من سبب النزول ما يؤيده ، إلا أننا ~~نميل إلى كون الضمير يعود على الله تعالى لأن قوله تعالى بعد ذلك ( @QUR@05 ~~يعلم ما يسرون وما يعلنون ) يؤيد عودة الضمير إليه سبحانه إذ علم السر ~~والعلن مرده إليه وحده. # وافتتحت الآية الكريمة بحرف التنبيه ( @QUR@01 ألا ) وجيء به مرة أخرى في ~~قوله ( @QUR@04 ألا حين يستغشون ثيابهم .. ) للاهتمام بمضمون الكلام ، ~~وللفت أنظار السامعين إلى ما بلغه هؤلاء الضالون من جهل وانطماس بصيرة. # ثم بين سبحانه أنه لا يخفى عليه شيء من أحوالهم فقال : ( @QUR@013 ألا ~~حين يستغشون ثيابهم ، يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور ). # أى : ألا يعلم هؤلاء الجاهلون أنهم حين يأوون إلى فراشهم ، ويتدثرون ~~بثيابهم ، يعلم PageV07P161 # الله تعالى ما يسرونه في قلوبهم من أفكار ، وما يعلنونه بأفواههم من ~~أقوال ، لأنه سبحانه محيط بما تضمره النفوس من خفايا ، وما يدور بها من أسرار. # وجملة ( @QUR@04 إنه عليم بذات الصدور ) تعليلية لتأكيد ما قبلها ms2869 من علمه ~~سبحانه بالسر والعلن. والمراد بذات الصدور : الأسرار المستكنة فيها. # هذا ، وقد ذكر ابن كثير رواية أخرى في سبب نزول هذه الآية فقال : قال ابن ~~عباس : كانوا يكرهون أن يستقبلوا السماء بفروجهم وحال وقاعهم ، فأنزل الله ~~هذه الآية رواه البخاري من حديث ابن جريج. # وفي لفظ آخر له قال ابن عباس : أناس كانوا يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى ~~السماء ، وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء ، فنزل ذلك فيهم ..» (1). # وظاهر من هذا الكلام المنقول عن ابن عباس أنها نزلت في شأن جماعة من ~~المسلمين هذا شأنهم ، ولعل مراده أن الآية تنطبق على صنيعهم وليس فعلهم هو ~~سبب نزولها ، لأن الآية مسوقة للتوبيخ والذم ، والذين يستحقون ذلك هم أولئك ~~المشركون وأشباههم الذين أعرضوا عن الحق ، وجهلوا صفات الله تعالى . # قال الجمل بعد أن ذكر قول ابن عباس : وتنزيل الآية على هذا القول بعيد ~~جدا ، لأن الاستحياء من الجماع وقضاء الحاجة في حال كشف العورة إلى جهة ~~السماء ، أمر مستحسن شرعا ، فكيف يلام عليه فاعله ويذم بمقتضى سياق الآية» (2). # وإذا فالذي يستدعيه السياق ويقتضيه ربط الآيات ، كون الآية في ذم ~~المشركين ومن على شاكلتهم من المنحرفين عن الطريق المستقيم. # ثم ساق سبحانه ما يدل على كمال قدرته ، وسابغ فضله ، وشمول علمه فقال ~~تعالى : # ( @QUR@016 وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ~~ومستودعها كل في كتاب مبين (6) @QUR@010 وهو الذي خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام وكان عرشه PageV07P162 # @QUR@021 على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد ~~الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين ) (7) # قال الآلوسى ما ملخصه : الدابة اسم لكل حيوان ذي روح ، ذكرا كان أو أنثى. ~~عاقلا أو غيره ، مأخوذ من الدبيب وهو في الأصل المشي الخفيف .. واختصت في ~~العرف بذوات القوائم الأربع. # والمراد بها هنا المعنى اللغوي باتفاق المفسرين ...» (1). # قال تعالى ( @QUR@031 والله خلق كل دابة من ماء ، فمنهم من يمشي على بطنه ~~، ومنهم من يمشي على رجلين ، ومنهم من يمشي على أربع ، يخلق ms2870 الله ما يشاء ، ~~إن الله على كل شيء قدير ) (2). # والمراد برزقها : طعامها وغذاؤها الذي به قوام حياتها. # والمعنى : وما من حيوان يدب على الأرض ، إلا على الله تعالى غذاؤه ومعاشه ~~، فضلا منه سبحانه وكرما على مخلوقاته. # وقدم سبحانه الجار والمجرور ( @QUR@02 على الله ) على متعلقه وهو ( ~~@QUR@01 رزقها ) لإفادة القصر. أى على الله وحده لا على غيره رزقها ~~ومعاشها. # وكون رزقها ومعاشها على الله تعالى لا ينافي الأخذ بالأسباب ، والسعى في ~~سبيل الحصول على وسائل العيش ، لأنه سبحانه وإن كان قد تكفل بأرزاق خلقه ، ~~إلا أنه أمرهم بالاجتهاد في استعمال كافة الوسائل المشروعة من أجل الحصول ~~على ما يغنيهم ويسد حاجتهم. # قال تعالى : ( @QUR@014 هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا ، فامشوا في مناكبها ~~، وكلوا من رزقه وإليه النشور ) (3). # وجملة ( @QUR@03 ويعلم مستقرها ومستودعها ) بيان لشمول علمه سبحانه لكل ~~شيء في هذا الكون. PageV07P163 # والمستقر والمستودع : اسما مكان لمحل الاستقرار والإيداع للدابة في هذا ~~الكون ، سواء أكان ذلك في الأصلاب أم في الأرحام أم في القبور أم في غيرها. # قال الشوكانى : أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم ~~وأبو الشيخ ، عن ابن عباس في قوله ( @QUR@02 ويعلم مستقرها ) قال : حيث ~~تأوى. ومستودعها قال : حيث تموت. # وأخرج ابن أبى شيبة وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن مسعود ~~قال : مستقرها في الأرحام ومستودعها حيث تموت. # قال : ويؤيد هذا التفسير الذي ذهب اليه ابن مسعود ما أخرجه الترمذي ~~الحكيم في نوادر الأصول والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ~~ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا كان أجل أحدكم بأرض ، أتيحت ~~له إليها حاجة ، حتى إذا بلغ أقصى أثره منها فيقبض ، فتقول الأرض يوم ~~القيامة : هذا ما استودعتني» (1). # وقوله : ( @QUR@04 كل في كتاب مبين ) تذييل قصد به بيان دقة علمه سبحانه ~~بعد بيان شمول هذا العلم وإحاطته بكل شيء. # والتنوين في ( @QUR@01 كل ) هو تنوين العوض ، أى : كل ما يتعلق برزق هذه ~~الدواب ومستقرها ومستودعها مسجل في كتاب مبين ، أى : في كتاب واضح ms2871 جلى ظاهر ~~في علم الله سبحانه ، بحيث لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، وهذا ~~الكتاب هو اللوح المحفوظ. # ثم ساق سبحانه ما يشهد بعظيم قدرته فقال تعالى : ( @QUR@08 وهو الذي خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام ... ). # والأيام جمع يوم ، والمراد به هنا مطلق الوقت الذي لا يعلم مقداره إلا ~~الله تعالى . # أى : وهو سبحانه الذي أنشأ السموات والأرض وما بينهما ، على غير مثال ~~سابق ، في ستة أيام من أيامه تعالى ، التي لا يعلم مقدار زمانها إلا هو. # وقيل : أنشأهن في مقدار ستة أيام من أيام الدنيا. # قال سعيد بن جبير رضى الله عنه : كان الله قادرا على خلق السموات والأرض ~~وما بينهما في لمحة ولحظة ، فخلقهن في ستة أيام ، تعليما لعباده التثبت ~~والتأنى في الأمور. PageV07P164 # وقد جاءت آيات تدل على أنه سبحانه خلق الأرض في يومين ، وخلق السموات في ~~يومين وخلق ما بينهما في يومين ، وهذه الآيات هي قوله تعالى : ( @QUR@055 ~~قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ، ذلك رب ~~العالمين ، وجعل فيها رواسي من فوقها ، وبارك فيها ، وقدر فيها أقواتها في ~~أربعة أيام سواء للسائلين. ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ~~ائتيا طوعا أو كرها ، قالتا أتينا طائعين. فقضاهن سبع سماوات في يومين ، ~~وأوحى في كل سماء أمرها ... ) (1). # وجملة ( @QUR@04 وكان عرشه على الماء ) اعتراضية بين قوله ( @QUR@03 خلق ~~السماوات والأرض ) وبين ( @QUR@04 ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) ويجوز أن تكون ~~حالية من فاعل خلق وهو الله تعالى وعرش الله تعالى من الألفاظ التي لا ~~يعلمها البشر إلا بالاسم. وقد جاء ذكر العرش في القرآن الكريم إحدى وعشرين مرة. # ونحن مكلفون بأن نؤمن بأن له سبحانه عرشا ، أما كيفيته فنفوض علمها إليه ~~تعالى . # والمعنى : أن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام ، وكان عرشه قبل ~~خلقهما ليس تحته شيء سوى الماء. # قالوا : وفي ذلك دليل على أن العرش والماء كانا موجودين قبل وجود السموات ~~والأرض. # قال القرطبي : قوله : ( @QUR@04 وكان عرشه على الماء ) بين سبحانه أن خلق ms2872 ~~العرش والماء ، كان قبل خلق الأرض والسماء ... # ثم قال : وروى البخاري عن عمران بين حصين قال كنت عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذ جاءه قوم من بنى تميم فقال : «اقبلوا البشرى يا بنى ~~تميم» قالوا : بشرتنا فأعطنا. فدخل ناس من أهل اليمن فقالوا : جئنا لنتفقه ~~في الدين ، ولنسألك عن هذا الدين ونسألك عن أول هذا الأمر. # قال : «إن الله ولم يكن شيء غيره ، وكان عرشه على الماء. ثم خلق السموات ~~والأرض ، وكتب في الذكر كل شيء» (2). # وقال ابن كثير بعد أن ذكر هذا الحديث وغيره : وفي صحيح مسلم عن عبد الله ~~بن عمرو ابن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله قدر مقادير ~~الخلائق قبل أن يخلق PageV07P165 # السموات والأرض بخمسين ألف سنة ، وكان عرشه على الماء. # وروى الإمام أحمد عن لقيط بن عامر العقيلي قال : قلت يا رسول الله ، أين ~~كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال : كان في عماء ، ما تحته هواء ، وما فوقه ~~هواء ، ثم خلق العرش بعد ذلك (1). # والعماء : السحاب الرقيق ، أى فوق سحاب مدبرا له ، وعاليا عليه. والسحاب ~~ليس تحته سوى الهواء ، وليس فوقه سوى الهواء. والمراد أنه ليس مع الله ~~تعالى شيء آخر. # وقوله سبحانه ( @QUR@04 ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) جملة تعليلية. ويبلوكم ~~من الابتلاء بمعنى الاختبار والامتحان. # أى : خلق ما خلق من السموات والأرض وما فيهما من كائنات ، ورتب فيهما ~~جميع ما تحتاجون إليه من أسباب معاشكم ، ليعاملكم معاملة من يختبر غيره ، ~~ليتميز المحسن من المسيء ، والمطيع من العاصي ، فيجازى المحسنين والطائعين ~~بما يستحقون من ثواب ، ويعاقب المسيئين والعاصين بما هم أهله من عقاب. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف قيل : ( @QUR@03 أيكم أحسن عملا ) ~~وأعمال المؤمنين هي التي تتفاوت الى حسن وأحسن ، فأما أعمال المؤمنين ~~والكافرين فتفاوتها إلى حسن وقبيح؟ قلت : الذين هم أحسن عملا هم المتقون ~~وهم الذين استبقوا إلى تحصيل ما هو مقصود الله تعالى من عباده ، فخصهم ~~بالذكر ، واطرح ذكر من وراءهم ، تشريفا لهم ، وتنبيها على مكانهم ms2873 منه ، ~~وليكون ذلك لطفا للسامعين ، وترغيبا في حيازة فضلهم (2). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة ببيان موقف الكافرين من البعث والحساب فقال ~~: ( @QUR@015 ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن ~~هذا إلا سحر مبين ). # أى ، ولئن قلت يا محمد لهؤلاء الكافرين الذين أرسلك الله لإخراجهم من ~~ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، لئن قلت لهم ( @QUR@02 إنكم مبعوثون ) يوم ~~القيامة ( @QUR@03 من بعد الموت ) الذي سيدرككم في هذه الدنيا عند نهاية ~~آجالكم ( @QUR@01 ليقولن ) لك هؤلاء الكافرون على سبيل الإنكار والتهكم ما ~~هذا الذي تقوله يا محمد ( @QUR@03 إلا سحر مبين ) أى : إلا سحر واضح جلى ~~ظاهر لا لبس فيه ولا غموض. # وقرأ حمزة والكسائي وخلف إلا ساحر مبين فتكون الإشارة بقوله ( @QUR@01 ~~هذا ) إلى PageV07P166 # الرسول صلى الله عليه وسلم أى : أنه في زعمهم يقول كلاما ليسحرهم به ، ~~وليصرفهم عما كان عليه آباؤهم وأجدادهم. # ثم بين سبحانه بعد ذلك لونا من ألوان غرور المشركين ، كما بين أحوال بعض ~~الناس في حالتي السراء والضراء فقال تعالى : # ( @QUR@022 ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا ~~يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (8) @QUR@011 ~~ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤس كفور (9) @QUR@013 ~~ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور ~~(10) @QUR@010 إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير ) (11) # قال القرطبي ما ملخصه : الأمة : اسم مشترك يقال على ثمانية أوجه : فالأمة ~~تكون الجماعة ، كقوله تعالى : ( @QUR@05 وجد عليه أمة من الناس ... ) ~~والأمة : أيضا أتباع الأنبياء عليهم السلام ، والأمة : الرجل الجامع للخير ~~الذي يقتدى به ، كقوله تعالى ( @QUR@07 إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ~~) والأمة : الدين والملة ، كقوله تعالى : ( @QUR@05 إنا وجدنا آباءنا على ~~أمة ) والأمة : الحين والزمان كقوله تعالى : ( @QUR@03 وادكر بعد أمة ) ~~والأمة : القامة وهو طول الإنسان وارتفاعه ، يقال من ذلك : فلان حسن الأمة ~~، أى القامة ، والأمة : الرجل المنفرد بدينه وحده ، لا يشركه فيه أحد. قال ~~صلى الله عليه وسلم يبعث زيد بن عمرو ms2874 بن نفيل أمة وحده» والأمة : الأم. يقال : ~~«هذه أمة زيد ، أى أم زيد ...» (1) والمراد بالأمة هنا : الحين والزمان ~~والمدة. # والمعنى : ولئن أخرنا بفضلنا وكرمنا عن هؤلاء المشركين «العذاب» المقتضى PageV07P167 # لجحودهم لآياتنا ، وتكذيبهم لرسلنا «إلى أمة معدودة» أى : إلى وقت معين ~~من الزمان على حساب إرادتنا وحكمتنا : «ليقولن» على سبيل التهكم والاستهزاء ~~، واستعجال العذاب ، «ما يحبسه» أى : ما الذي جعل هذا العذاب الذي حذرنا ~~منه محمد صلى الله عليه وسلم محبوسا عنا ، وغير نازل بنا ... # ولا شك أن قولهم هذا ، يدل على بلوغهم أقصى درجات الجهالة والطغيان ، حيث ~~قابلوا رحمة الله تعالى المتمثلة هنا في تأخير العذاب عنهم ، بالاستهزاء ~~والاستعجال ، ولذا رد الله تعالى عليهم بقوله : ( @QUR@012 ألا يوم يأتيهم ~~ليس مصروفا عنهم ، وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن ) أى : ألا إن ذلك العذاب ~~الذي استعجلوه واستخفوا به ، يوم ينزل بهم ، لن يصرفه عنهم صارف ، ولن ~~يدفعه عنهم دافع ، بل سيحيط بهم من كل جانب ، بسبب استهزائهم به وإعراضهم ~~عمن حذرهم منه. # واللام في قوله ( @QUR@04 ولئن أخرنا عنهم العذاب ) موطئة للقسم ، وجواب ~~القسم قوله «ليقولن ما يحبسه». # والأقرب إلى سياق الآية أن يكون المراد بالعذاب هنا : عذاب الاستئصال ~~الدنيوي ، إذ هو الذي استعجلوا نزوله ، أما عذاب الآخرة فقد كانوا منكرين ~~له أصلا ، كما حكى عنهم سبحانه في الآية السابقة في قوله : ( @QUR@015 ولئن ~~قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين ). # قال الآلوسى : والظاهر بأن المراد العذاب الشامل للكفرة ، ويؤيد ذلك ما ~~أخرجه ابن المنذر وابن ابى حاتم عن قتادة قال : لما نزل ( @QUR@03 اقترب ~~للناس حسابهم ) قال ناس : إن الساعة قد اقتربت فتناهوا ، فتناهى القوم ~~قليلا ، ثم عادوا إلى أعمالهم السوء : فأنزل الله تعالى ( @QUR@05 أتى أمر ~~الله فلا تستعجلوه ) فقال أناس من أهل الضلالة : هذا أمر الله تعالى قد أتى ~~، فتناهى القوم ثم عادوا إلى مكرهم مكر السوء ، فأنزل الله هذه الآية» (1). # وفي قوله سبحانه ( @QUR@03 إلى أمة معدودة ) إيماء إلى أن تأخير العذاب ~~عنهم ليس لمدة طويلة ms2875 ، لأن ما يحصره العد : جرت العادة في أساليب العرب أن ~~يكون قليلا ، ويؤيد ذلك أنه بعد فترة قليلة من الزمان نزل بهم في غزوة بدر ~~القتل الذي أهلك صناديدهم ، والأسر الذي أذل كبرياءهم. # وافتتحت جملة ( @QUR@06 ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم ) بأداة ~~الاستفتاح ( @QUR@01 ألا ) للاهتمام PageV07P168 # بمضمون الخبر ، وللإشارة الى تحقيقه ، وإدخال الروع في قلوبهم. # وعبر بالماضي ( @QUR@01 حاق ) مع أنه لم ينزل بهم بعد ، للإشارة ، إلى ~~أنه آت لا ريب فيه ، عند ما يأذن الله تعالى بذلك. # ثم بين سبحانه جانبا من طبيعة بنى آدم إلا من عصم الله فقال تعالى ( ~~@QUR@011 ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤس كفور ... ). # والمراد بالإنسان هنا الجنس على أرجح الأقوال ، فيشمل المسلم وغيره ، ~~بدليل الاستثناء الآتي بعد ذلك في قوله ( @QUR@05 إلا الذين صبروا وعملوا ~~الصالحات ). # قال الفخر الرازي ما ملخصه : المراد بالإنسان هنا مطلق الإنسان ويدل عليه وجوه : # الأول : أنه تعالى استثنى منه قوله ( @QUR@05 إلا الذين صبروا وعملوا ~~الصالحات ) والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل ، فثبت أن الإنسان ~~المذكور في هذه الآية داخل فيه المؤمن والكافر. # الثاني : أن هذه الآية موافقة على هذا التقرير لقوله سبحانه : ( @QUR@010 ~~والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ... ). # الثالث : أن مزاج الإنسان مجبول على الضعف والعجز. قال ابن جريج في تفسير ~~هذه الآية : «يا ابن آدم إذا نزلت بك نعمة من الله فأنت كفور ، فإذا نزعت ~~منك فيؤوس قنوط» (1). # وقيل المراد بالإنسان هنا جنس الكفار فقط ، لأن هذه الأوصاف تناسبهم وحدهم. # والمراد بالرحمة هنا : رحمة الدنيا ، وأطلقت على أثرها وهو النعمة كالصحة ~~والغنى والأمان وما يشبه ذلك من ألوان النعم. # واليؤوس والكفور : صيغتا مبالغة للشخص الكثير اليأس ، والكفر ، والقنوط : ~~الشديد الجحود لنعم الله تعالى يقال : يئس من الشيء ييأس ، إذا قنط منه. # والمعنى : ولئن منحنا الإنسان بفضلنا وكرمنا بعض نعمنا ، كالصحة والغنى ~~والسلطان والأمان ( @QUR@03 ثم نزعناها منه ) أى : ثم سلبناها منه ، لأن ~~حكمتنا تقتضي ذلك. # ( @QUR@01 إنه ) في هذه الحالة ( @QUR@02 ليؤس كفور ) أى : لشديد ms2876 اليأس ~~والقنوط من أن يرجع اليه ما سلب منه أو مثله ، ولكثير الكفران والجحود لما ~~سبق أن تقلب فيه من نعم ومنن. # قال الشوكانى : وفي التعبير بالذوق ما يدل على أنه يكون منه ذلك عند سلب ~~أدنى نعمة PageV07P169 # ينعم الله بها عليه : لأن الإذاقة والذوق أقل ما يوجد به الطعم» (1). # وفي قوله «ثم نزعناها منه» إشارة إلى شدة تعلقه بهذه النعم ، وحرصه على ~~بقائها معه. # وجملة ( @QUR@03 إنه ليؤس كفور ) جواب القسم ، وأكدت بإن وباللام ، لقصد ~~تحقيق مضمونها ، وأنه حقيقة ثابتة. # وهي تصوير بليغ صادق لما يعترى نفس هذا الإنسان عند ما تسلب منه النعمة ~~بعد أن ذاقها ، فهو لقلة إيمانه وضعف ثقته بربه قد فقد كل أمل في عودة هذه ~~النعمة إليه ، ولكأن هذه النعمة التي سلبت منه لم يرها قبل ذلك. # ثم بين سبحانه حالة هذا الإنسان اليؤوس الكفور ، عند ما تأتيه السراء بعد ~~الضراء فقال : ( @QUR@013 ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ، ليقولن ذهب ~~السيئات عني ، إنه لفرح فخور ). # والنعماء : النعمة التي يظهر أثرها على صاحبها ، واختير لفظ النعماء ~~لمقابلته للضراء. # والضراء : ما يصيب الإنسان من مصائب يظهر أثرها السيئ عليه. # والمراد بالسيئات : الاضرار التي لحقته كالفقر والمرض. # والمعنى : ولئن أذقنا هذا الإنسان اليؤوس الكفور ( @QUR@01 نعماء ) بعد ~~ضراء مسته كصحة بعد مرض ، وغنى بعد فقر ، وأمن بعد خوف ، ونجاح بعد فشل .. # ( @QUR@04 ليقولن ذهب السيئات عني ) أى : ليقولن في هذه الحالة الجديدة ~~ببطر وأشر ، وغرور وتكبر ، لقد ولت المصائب عنى الأدبار ، ولن تعود إلى. # وعبر سبحانه في جانب الضراء بالمس ، للإشارة إلى أن الإصابة بها أخف مما ~~تذوقه من نعماء ، وأن لطف الله شامل لعباده في كل الأحوال. # وجملة ( @QUR@03 إنه لفرح فخور ) جواب القسم. # أى : إنه لشديد الفرح والبطر بالنعمة : كثير التباهي والتفاخر بما أعطى ~~منها ، مشغول بذلك عن القيام بما يجب عليه نحو خالقه من شكر وثناء عليه ~~سبحانه . # وإنها أيضا لصورة صادقة لهذا الإنسان العجول القاصر ، الذي يعيش في لحظته ~~الحاضرة ، فلا يتذكر فيما مضى ، ولا يتفكر فيما ms2877 سيكون عليه حاله بعد الموت ~~، ولا يعتبر بتقلبات الأيام ، فهو يؤوس كفور إذا نزعت منه النعمة ، وهو بطر ~~فخور إذا عادت إليه ، وهذا من أسوأ ما تصاب به النفس الإنسانية من أخلاق ~~مرذولة. PageV07P170 # وقوله : ( @QUR@05 إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات .. ) استثناء من ~~هؤلاء الناس الذين لا يصبرون عند الشدة ، ولا يشكرون عند الرخاء. # أى : إلا الذين صبروا على النعمة كما صبروا على الشدة ، وعملوا في ~~الحالتين الأعمال الصالحات التي ترضى الله تعالى . # ( @QUR@01 أولئك ) الموصوفون بذلك ( @QUR@01 لهم ) من الله تعالى ( ~~@QUR@01 مغفرة ) عظيمة تمسح ذنوبهم ( @QUR@02 وأجر كبير ) منه سبحانه لهم. ~~جزاء صبرهم الجميل ، وعملهم الصالح. # وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «والذي نفسي بيده ، لا ~~يقضى الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له ، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ~~، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ، وليس ذلك لأحد غير المؤمن». # ثم بين سبحانه بعض أقوال المشركين ، التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يضيق ~~بها صدره ، ويحزن منها نفسه ، فقال تعالى : # ( @QUR@028 فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لو لا ~~أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل ) (12) # قال الفخر الرازي رحمه الله : روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رؤساء ~~مكة قالوا يا محمد ، اجعل لنا جبال مكة ذهبا إن كنت رسولا. وقال آخرون : ~~ائتنا بالملائكة يشهدون بنبوتك. فقال : لا أقدر على ذلك فنزلت هذه الآية» (1). # ولفظ لعل كما يقول الآلوسى للترجى ، وهو يقتضى التوقع ، ولا يلزم من توقع ~~الشيء وقوعه ولا ترجح وقوعه ، لجواز أن يوجد ما يمنع منه ، فلا يشكل بأن ~~توقع ترك التبليغ منه صلى الله عليه وسلم مما لا يليق بمقام النبوة ، لأن ~~المانع منه هنا ثبوت عصمته صلى الله عليه وسلم عن كتم شيء أمر بتبليغه ... ~~والمقصود بهذا الأسلوب هنا تحريضه صلى الله عليه وسلم وتهييج داعيته لأداء ~~الرسالة ، ويقال نحو ذلك في كل توقع نظير هذا التوقع». # و ms2878 ( @QUR@01 تارك ) اسم فاعل من الفعل ترك. و ( @QUR@01 ضائق ) اسم فاعل ~~من الفعل ضاق ، وهو معطوف على ( @QUR@01 تارك ). PageV07P171 # والمراد ببعض ما يوحى إليه صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه ( @QUR@06 ~~فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك ): ما نزل عليه : من قرآن فيه استهزاء ~~بآلهتهم ، وتسفيه لعقولهم التي استساغت أن تشرك مع الله تعالى في عبادتها ~~آلهة أخرى». # والضمير المجرور في قوله سبحانه ( @QUR@03 وضائق به صدرك ) يعود الى ~~البعض الموحى به ، وقيل يعود للتبليغ ، وقيل للتكذيب. # وجملة ( @QUR@02 أن يقولوا ) في محل نصب على أنها مفعول لأجله ، أى : ~~كراهة أو خشية أن يقولوا. # والكنز : يطلق على المال الكثير المجموع بعضه إلى بعض سواء أكان في بطن ~~الأرض أم في ظهرها ، ومرادهم بإنزاله هنا : أن ينزل على الرسول ~~صلى الله عليه وسلم من السماء مال كثير يغنيه هو وأصحابه ، ويجعلهم في رغد من ~~العيش ، بدل ما يبدو على بعضهم من فقر وفاقة .. # والمعنى : ليس خافيا علينا أيها الرسول الكريم ما يفعله المشركون معك ، ~~من تكذيب لدعوتك ، ومن جحود لرسالتك ، ومن مطالب متعنتة يطلبونها منك ... # ليس خافيا علينا شيئا من ذلك ، ولعلك إزاء مسالكهم القبيحة هذه ، تارك ~~تبليغ بعض ما يوحى إليك ، وهو ما يثير غضبهم ، وضائق صدرك بهذا التبليغ ، ~~كراهة تكذيبهم لوحى الله ، واستهزائهم بدعوتك ، وقولهم لك على سبيل التعنت ~~: هلا أنزل إليك من السماء مال كثير تستغني به وتغنى أتباعك ، وهلا كان معك ~~ملك يصاحبك في دعوتك ، ويشهد أمامنا بصدقك. ويؤيدك في تحصيل مقصودك .. # لا أيها الرسول الكريم لا تترك شيئا من تبليغ ما أمرك الله بتبليغه ~~لهؤلاء المشركين ، ولا يضيق صدرك بأفعالهم الذميمة ، وبأقوالهم الباطلة ، ~~بل واصل دعوتك لهم إلى طريق الحق ، فما عليك إلا الإنذار ، أما نحن فإلينا ~~إيابهم ، وعلينا حسابهم. # وعبر سبحانه عن تأثر الرسول صلى الله عليه وسلم من مواقفهم المتعنتة باسم ~~الفاعل ( @QUR@01 ضائق ) لا بالصفة المشبهة «ضيق» لمراعاة المقابل وهو قوله ~~( @QUR@01 تارك )، وللإشارة إلى أن هذا الضيق مما يعرض له صلى الله عليه وسلم ~~أحيانا ، وليس صفة ملازمة ms2879 له ، لأن اسم الفاعل يقتضى الحدوث والانقطاع ، ~~بخلاف الصفة المشبهة فتقتضى الثبات والدوام. # وأبرز سبحانه هنا صفة الإنذار للرسول صلى الله عليه وسلم مع أن وظيفته ~~الإنذار والتبشير ، لأن المقام هنا يستوجب ذلك ، إذ أن هؤلاء المشركين قد ~~تجاوزوا كل حد في الإساءة إليه صلى الله عليه وسلم . # وقوله سبحانه ( @QUR@05 والله على كل شيء وكيل ) تذييل قصد به زيادة ~~تثبيته وتحريضه PageV07P172 # على المضي في تبليغ دعوته. # أى : سر في طريقك أيها الرسول الكريم غير مبال بما يصدر عنهم من مضايقات ~~لك ، والله تعالى حافظ لأحوالك وأحوالهم ، وسيجازيهم بالجزاء الذي يتناسب ~~مع جرائمهم وكفرهم. # والمتأمل في هذه الآية الكريمة يراها تعبر أكمل تعبير عن الفترة الحرجة ~~التي نزلت فيها هذه السورة الكريمة ، فقد سبق أن قلنا عند التعريف بها ، ~~إنها نزلت في الفترة التي أعقبت وفاة النصيرين الكبيرين للرسول ~~صلى الله عليه وسلم وهما أبو طالب وخديجة رضى الله عنها وكانت هذه الفترة من ~~أشق الفترات على الرسول صلى الله عليه وسلم حيث تكاثر فيها إيذاء المشركين له ~~ولأصحابه .. # فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة تحث النبي صلى الله عليه وسلم على الثبات ~~والصبر ، وعلى تبليغ ما يوحى اليه ، مع عدم المبالاة بما يضعه المشركون في ~~طرقه من عقبات .. # هذا ، وقد سبق أن بينا عند التعريف بهذه السورة أيضا أن من العلماء من ~~يرى أن هذه الآية مدنية ، ولعلك معى أيها القارئ الكريم في أنه لا يوجد أى ~~دليل نقلي أو عقلي يؤيد ذلك ، بل الذي تؤيده الأدلة ويؤيده سبب النزول أن ~~الآية مكية كبقية السورة. # وهناك آيات أخرى مكية تشبه هذه الآية في أسلوبها وموضوعها ، ومن هذه ~~الآيات قوله تعالى : ( @QUR@027 وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي ~~في الأسواق ، لو لا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا. أو يلقى إليه كنز أو ~~تكون له جنة يأكل منها ... ) (1). # ثم حكى سبحانه بعد ذلك زعما آخر من مزاعمهم الكثيرة ، وهو دعواهم أن ~~القرآن مفترى ، وتحداهم أن يأتوا بعشر سور من أمثال هذا ms2880 القرآن المفترى في ~~زعمهم ، فقال تعالى : # ( @QUR@018 أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من ~~استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين (13) @QUR@016 فإلم يستجيبوا لكم ~~فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون ) (14) PageV07P173 # و ( @QUR@01 أم ) هنا منقطعة بمعنى بل التي للإضراب وهو انتقال المتكلم ~~من غرض إلى آخر والافتراء : الكذب المتعمد الذي لا توجد أدنى شبهة لقائله. # والمعنى : إن هؤلاء المشركين لم يكتفوا بما طلبوه منك يا محمد ، بل ~~تجاوزوا ذلك إلى ما هو أشد جرما ، وهو قولهم إنك افتريت القرآن الكريم ، ~~واخترعته من عند نفسك. # وقوله : ( @QUR@012 قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ، وادعوا من استطعتم ~~من دون الله ... ) أمر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يرد عليهم ~~بما يخرس ألسنتهم ، ويكبت نفوسهم. # أى : قل لهم يا محمد على سبيل التحدي : إن كان الأمر كما تزعمون من أنى ~~قد افتريت هذا القرآن ، فأنا واحد منكم وبشر مثلكم فهاتوا أنتم عشر سور ~~مختلقات من عند أنفسكم ، تشبه ما جئت به في حسن النظم ، وبراعة الأسلوب ، ~~وحكمة المعنى ، وادعوا لمعاونتكم في بلوغ هذا الأمر كل من تتوسمون فيه ~~المعاونة غير الله تعالى لأنه هو سبحانه القادر على أن يأتى بمثله. # وجواب الشرط في قوله سبحانه ( @QUR@03 إن كنتم صادقين ) محذوف دل عليه ما ~~تقدم. أى : إن كنتم صادقين في زعمكم أنى افتريت هذا القرآن ، فهاتوا أنتم ~~عشر سور مثله مفتريات من عند أنفسكم. # والمتأمل لآيات القرآن الكريم ، يرى أن الله تعالى قد تحدى المشركين تارة ~~بأن يأتوا بمثله كما في سورتي الإسراء والطور. ففي سورة الإسراء يقول ~~سبحانه ( @QUR@019 قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ~~لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) (1) وفي سورة الطور يقول سبحانه ~~( @QUR@06 فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين ) (2). # وتارة تحداهم بأن يأتوا بعشر سور من مثله كما في هذه السورة ، وتارة ~~تحداهم بأن يأتوا بسورة واحدة من مثله كما في سورتي البقرة ويونس ms2881 ، ففي ~~سورة البقرة ( @QUR@012 وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة ~~من مثله ... ) (3) وفي سورة يونس يقول سبحانه : ( @QUR@016 أم يقولون ~~افتراه قل فأتوا بسورة مثله ، وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم ~~صادقين ) (4). وقد عجزوا عن الإتيان بمثل أقصر سورة ، وهم من هم في ~~فصاحتهم ، فثبت أن هذا القرآن من عند الله تعالى . # وقوله سبحانه ( @QUR@013 فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله ~~، وأن لا إله إلا هو PageV07P174 # @QUR@03 فهل أنتم مسلمون ) إرشاد لهؤلاء المشركين إلى طريق الحق والسعادة ~~لو كانوا يعقلون ، إذ الخطاب موجه إليهم لعلهم يثوبون إلى الرشد. # والمعنى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الذين تحديتهم أن يأتوا بعشر سور ~~من مثل القرآن ، وأبحت لهم أن يستعينوا في ذلك بمن شاءوا من البشر ، قل لهم ~~: فإن لم يستجب لدعوتكم من استعنتم بهم في الإتيان بعشر سور من مثل القرآن ~~.. وهم لن يستجيبوا لكم قطعا ( @QUR@01 فاعلموا ) أيها الناس أن هذا القرآن ~~( @QUR@03 أنزل بعلم الله ) وحده ، وبقدرته وحدها. ولا يقدر على إنزاله ~~بتلك الصورة أحد سواه. # واعلموا أيضا أنه ( @QUR@04 لا إله إلا هو ) سبحانه فهو الإله الحق ، ~~الذي تعنو له الوجوه ، وتخضع له القلوب ، وتتجه إليه النفوس بالعبادة ~~والطاعة. # ( @QUR@02 فهل أنتم ) أيها المشركون بعد كل تلك الأدلة الواضحة الدالة ~~على وحدانية الله ، وعلى أن هذا القرآن من عنده ( @QUR@01 مسلمون ) أى : ~~داخلون في الإسلام ، متبعون لما جاءكم به الرسول صلى الله عليه وسلم . # والمراد بالعلم في قوله ( @QUR@03 فاعلموا أنما أنزل ... ): الاعتقاد ~~الجازم البالغ نهاية اليقين ، أى فأيقنوا أن هذا القرآن ما أنزل إلا ملابسا ~~لعلم الله تعالى المحيط بكل شيء. # والفاء في قوله ( @QUR@03 فهل أنتم مسلمون ) للتفريع ، والاستفهام هنا ~~المقصود به الحض على الفعل وعدم تأخيره. # أى : فهل أنتم بعد كل هذه الأدلة على صدق ما جاءكم به نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم تشكون في أن الإسلام هو الدين الحق؟ إن الشك في ذلك لا ~~يكون من عاقل ، فبادروا إلى الدخول في الإسلام إن كنتم من ذوى العقول ms2882 التي ~~تعقل ما يقال لها. # ويرى بعض العلماء أن الخطاب في هذه الآية موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمين ، أو إليه وحده صلى الله عليه وسلم وعلى سبيل التعظيم وعليه يكون ~~المعنى : # «فإن لم يستجب لكم أيها المؤمنون هؤلاء الذين أعرضوا عن دعوة الحق ، بعد ~~أن ثبت عجزهم عن الإتيان بما تحديتموهم به ( @QUR@01 فاعلموا ) أى فازدادوا ~~علما ويقينا وثباتا ، بأن هذا القرآن «إنما أنزل بعلم الله» الذي لا يعزب ~~عنه شيء ، وازدادوا علما بأنه لا إله إلا هو سبحانه مستحق للعبادة والطاعة ~~، فهل أنتم بعد كل ذلك ( @QUR@01 مسلمون ) أى ثابتون على الإسلام ، ~~وملتزمون بكل أوامره ونواهيه. # ومع أننا نرى أن القولين صحيحان من حيث المعنى ، إلا أننا نفضل الرأى ~~الأول القائل PageV07P175 # بأن الخطاب للمشركين ، لأن سياق الآيات السابقة في شأنهم فلأن يكون ~~الخطاب لهم هنا أولى. # ثم بين سبحانه سوء مصير الذين لا يريدون بأقوالهم وأعمالهم وجه الله ~~تعالى فقال : # ( @QUR@014 من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها ~~وهم فيها لا يبخسون (15) @QUR@016 أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار ~~وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون ) (16) # أى : من كان يريد بأقواله الحسنة وبأعماله الطيبة على حسب الظاهر ، ~~الحصول على (الحياة الدنيا وزينتها) من مال وجاه ومنصب وغير ذلك من المتع ~~الدنيوية ، بدون التفات إلى ما يقربه من ثواب الآخرة. # من كانوا يريدون ذلك ( @QUR@04 نوف إليهم أعمالهم فيها ) أى : نوصل إليهم ~~بإرادتنا ومشيئتنا ثمار جهودهم وأعمالهم في هذه الدنيا. # والتعبير بكان في قوله ( @QUR@03 من كان يريد ... ) يفيد أنهم مستمرون ~~على إرادة الدنيا بأعمالهم ، بدون تطلع إلى خير الآخرة. # وعدى الفعل ( @QUR@01 نوف ) بإلى ، مع أنه يتعدى بنفسه ، لتضمينه معنى نوصل. # وقوله سبحانه ( @QUR@04 وهم فيها لا يبخسون ) تذييل قصد به تأكيد ما سبقه ~~، وتبيين مظهر من مظاهر عدل الله تعالى مع عباده في دنياهم. # والبخس : نقص الحق ظلما. يقال : بخس فلان فلانا حقه إذا ظلمه ونقصه. # أى : وهم في هذه الدنيا لا ينقصون شيئا من نتائج جهودهم ms2883 وأعمالهم ، حتى ~~ولو كانت جهودا لا إخلاص معها ولا إيمان. # ثم بين سبحانه سوء مصيرهم في الآخرة فقال : ( @QUR@016 أولئك الذين ليس ~~لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون ). # أى : أولئك الذين أرادوا بأقوالهم وأعمالهم الحياة الدنيا وزينتها ، ليس ~~لهم في الآخرة إلا النار ، لأنهم استوفوا ما تقتضيه صور أعمالهم الحسنة في ~~الدنيا وبقيت عليهم أوزار نياتهم السيئة في الآخرة. PageV07P176 # ( @QUR@04 وحبط ما صنعوا فيها ) أى : وفسد ما صنعوه في الدنيا من أعمال ~~الخير ، لأنهم لم يقصدوا بها وجه الله تعالى وإنما قصدوا بها الرياء ورضى ~~الناس ... # وقوله ( @QUR@04 وباطل ما كانوا يعملون ) أى : وباطل في نفسه ما كانوا ~~يعملونه في الدنيا من أعمال ظاهرها البر والصلاح ، لأنه لا ثمرة له ولا ~~ثواب في الآخرة لأن الأعمال بالنيات ، ونيات هؤلاء المرائين ، لم تكن تلتفت ~~إلى ثواب الله ، وإنما كانت متجهة اتجاها كليا إلى الحياة الدنيا وزينتها ، ~~إلى إرضاء المخلوق لا الخالق. # وشبيه بهاتين الآيتين قوله تعالى : ( @QUR@022 من كان يريد حرث الآخرة ~~نزد له في حرثه ، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من ~~نصيب ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@053 من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن ~~نريد ، ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا. ومن أراد الآخرة وسعى لها ~~سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا. كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك ~~وما كان عطاء ربك محظورا. انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ، وللآخرة أكبر ~~درجات وأكبر تفضيلا ) (2). # هذا ومن العلماء من يرى أن هاتين الآيتين مسوقتان في شأن الكفار ومن على ~~شاكلتهم من الضالة كاليهود والنصارى والمنافقين ... لأن قوله تعالى ( ~~@QUR@08 أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار ... ) لا يليق إلا بهم. # والذي نراه أن هاتين الآيتين تتناولان الكفار ومن على شاكلتهم تناولا ~~أوليا ، ولكن هذا لا يمنع من أنهما يندرج تحت وعيدهما كل من قصد بأقواله ~~وأعماله الحياة الدنيا وزينتها ، ونبذ كل معاني الإخلاص والطاعة لله رب ~~العالمين. # ومما يشهد ms2884 لذلك أن هناك أحاديث كثيرة ، حذرت من الرياء ، وتوعدت مقترفه ~~بأشد أنواع العقوبات ومن هذه الأحاديث ما رواه أبو داود عن أبى هريرة قال : ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله ، لا ~~يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة» أى ~~رائحتها (3). # وصفوة القول : أن الآيتين الكريمتين تسوقان سنة من سنن الله مع عباده في ~~هذه الدنيا ، هي أن الله تعالى لا ينقص الناس شيئا من ثمار جهودهم وأعمالهم ~~في هذه الدنيا ، إلا أن هذه الجهود وتلك الأعمال التي ظاهرها الصلاح ، إن ~~كان المقصود بها الحياة الدنيا وزينتها PageV07P177 # وجدوا نتائجها وثمارها في الدنيا فحسب. # وإن كان المقصود بها رضا الله تعالى وثواب الآخرة ، وجدوا ثمارها ~~ونتائجها الحسنة يوم القيامة ، بجانب تمتعهم بما أحله الله لهم في الدنيا ~~من طيبات. # وذلك لأن العمل للحياة الأخرى في شريعة الإسلام لا يحول بين العمل النافع ~~في الحياة الدنيا ، ولا ينقص شيئا من آثاره وثماره ، بل إنه يزكيه وينميه ~~ويباركه .. ورحم الله القائل : ليس أحد يعمل حسنة إلا وفى ثوابها فإن كان ~~مسلما مخلصا وفى ثوابها في الدنيا والآخرة ، وإن كان كافرا وفي ثوابها في ~~الدنيا. # وبعد أن بين سبحانه حال الذين يريدون الحياة الدنيا وزينتها ، أتبع ذلك ~~بيان حال الذين يريدون الحق والصواب فيما يفعلون ويتركون فقال تعالى : # ( @QUR@039 أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى ~~إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك ~~في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ) (17) # قال صاحب المنار ما ملخصه : البينة ما تبين به الحق من كل شيء بحسبه ~~كالبرهان في العقليات والنصوص في النقليات ، والخوارق في الإلهيات ، ~~والتجارب في الحسيات ، والشهادات في القضائيات ، والاستقراء في إثبات ~~الكليات ، وقد نطق القرآن بأن الرسل قد جاءوا أقوامهم بالبينات وأن كل نبي ~~منهم كان يحتج على قومه بأنه على بينة ms2885 من ربه وأنه جاءهم ببينة من ربهم ، ~~كما ترى في قصصهم في هذه السورة وفي غيرها ...» (1). # وقوله : ( @QUR@01 ويتلوه ... ) من التلو بمعنى الاقتفاء والاتباع. يقال ~~: تلا فلان فلانا إذا كان تابعا له ومقتفيا أثره. والمراد به هنا : التأييد ~~والتقوية. # وللمفسرين أقوال متعددة في المقصود بقوله تعالى ( @QUR@06 أفمن كان على ~~بينة من ربه ) وبقوله سبحانه ( @QUR@03 ويتلوه شاهد منه ). PageV07P178 # وفي مرجع الضمائر في قوله «ربه ويتلوه ومنه» ... # وأقرب هذه الأقوال إلى الصواب أن يكون المقصود بقوله تعالى ( @QUR@06 ~~أفمن كان على بينة من ربه ) الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه المؤمنون. # وبقوله تعالى ( @QUR@03 ويتلوه شاهد منه ) القرآن الكريم الذي أنزله الله ~~تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم ليكون معجزة له شاهدة بصدقه. # والضمير في قوله من ربه يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفي قوله ( ~~@QUR@01 ويتلوه ) يعود إلى القرآن الكريم ، وفي قوله ( @QUR@01 منه ) يعود ~~إلى الله تعالى . # وعلى هذا القول يكون المعنى : أفمن كان على حجة واضحة من عند ربه تهديه ~~إلى الحق والصواب في كل أقواله وأفعاله ، وهو هذا الرسول الكريم وأتباعه ~~ويؤيده ويقويه في دعوته شاهد من ربه هو هذا القرآن الكريم المعجز لسائر ~~البشر .. # أفمن كان هذا شأنه كمن ليس كذلك؟ # أو أفمن كان هذا شأنه كمن استحوذ عليه الشيطان فجعله لا يريد إلا الحياة ~~الدنيا وزينتها؟ كلا إنهما لا يستويان. # وشهادة القرآن الكريم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته ، تتجلى في ~~إعجازه ، فقد تحدى النبي صلى الله عليه وسلم أعداءه أن يأتوا بسورة من مثله ~~فعجزوا مع فصاحتهم وبلاغتهم ، فثبت بذلك أن هذا القرآن من عند الله تعالى . # وإنما جعلنا هذا القول أقرب الأقوال إلى الصواب ، لأنه هو الذي يتسق مع ~~ما يفيده ظاهر الآية الكريمة ، ولأننا عند ما نقرأ هذه السورة الكريمة ~~وغيرها ، نجد الرسل الكرام كثيرا ما يؤكدون لأقوامهم أنهم أى الرسل على ~~بينة من ربهم. # فهذا نوح عليه السلام يقول لقومه : ( @QUR@019 يا قوم أرأيتم إن كنت على ~~بينة من ربي وآتاني رحمة من ms2886 عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ). # وهذا صالح عليه السلام يقول لقومه : ( @QUR@018 يا قوم أرأيتم إن كنت على ~~بينة من ربي وآتاني منه رحمة ، فمن ينصرني من الله إن عصيته ... ). # وهذا شعيب عليه السلام يقول لقومه : ( @QUR@013 يا قوم أرأيتم إن كنت على ~~بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا .. ) # وهكذا نجد كل نبي يؤكد لقومه أنه جاءهم على بينة من ربه وما دام الأمر ~~كذلك فسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أفضل من جاء قومه على بينة من ~~ربه ، والمؤمنون به صلى الله عليه وسلم يقتدون به في ذلك. PageV07P179 # ويرى بعضهم أن المراد بالبينة القرآن الكريم. وبالشاهد إعجازه وبالموصول ~~مؤمنو أهل الكتاب وأن الضميرين في قوله «ويتلوه ومنه» يعودان إلى القرآن ~~الكريم وإعجازه. # وعلى هذا الرأى يكون المعنى : أفمن كان على برهان جلى من ربه يدل على ~~حقية الإسلام وهو القرآن ويؤيده ويقويه أى القرآن شاهد منه على كونه من عند ~~الله وهذا الشاهد هو إعجازه للبشر عن أن يأتوا بسورة من مثله. # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( @QUR@06 أفمن كان على بينة من ربه ): ~~أصل البينة الدلالة الواضحة عقلية كانت أو محسوسة ، وتطلق على الدليل مطلقا ~~.. والتنوين فيها للتعظيم ، أى : بينة عظيمة الشأن والمراد بها القرآن ، ~~وباعتبار ذلك أو البرهان جاء الضمير الراجع إليها في قوله ( @QUR@01 ويتلوه ~~) مذكرا وقوله ( @QUR@01 ويتلوه ) أى يتبعه ( @QUR@01 شاهد ) عظيم يشهد ~~بكونه من عند الله وهو إعجازه ..». # ومعنى كون ذلك الشاهد تابعا له ، أنه وصف له لا ينفك عنه .. وكذا الضمير ~~في «منه» يعود إلى القرآن وهو متعلق بمحذوف وقع صفة لشاهد ومعنى كونه منه ~~أنه غير خارج عنه ..» (1). # ومن المفسرين من يرى أن المراد بالبينة القرآن الكريم أيضا ويرى أن ~~المراد بالشاهد جبريل عليه السلام وأن قوله سبحانه ( @QUR@01 ويتلوه ) من ~~التلاوة بمعنى القراءة لا من التلو بمعنى الاتباع. # وعلى هذا الرأى يكون المعنى : أفمن كان على برهان جلى من ربه يدل على ~~حقية الإسلام وهو القرآن ويتلو هذا القرآن على الرسول صلى ms2887 الله عليه وسلم شاهد ~~من الله تعالى هو جبريل عليه السلام . # فالضمير في ( @QUR@01 ويتلوه ) على هذا الرأى يعود الى جبريل عليه السلام ~~وفي «منه» يعود على الله تعالى . # وهناك أقوال أخرى في تفسير الآية الكريمة رأينا من الخير أن نضرب عنها ~~صفحا لضعفها (2). # وقوله ( @QUR@06 ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة ) دليل آخر على صدق ~~النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته. وهو معطوف على شاهد والضمير في قوله ( ~~@QUR@02 ومن قبله ... ) يعود على شاهد أيضا . PageV07P180 # وقوله ( @QUR@02 إماما ورحمة ) منصوبان على الحالية من قوله ( @QUR@01 ~~كتاب ). # والمعنى ومن قبل هذا الشاهد على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وهو القرآن ~~الكريم أنزل الله تعالى على موسى كتابه التوراة مشتملا على صفات الرسول ~~صلى الله عليه وسلم و ( @QUR@01 إماما ) يؤتم به في أمور الدين والدنيا ورحمة ~~لبنى إسرائيل من العذاب إذا ما آمنوا به واتبعوا تعاليمه. # قال الشوكانى : وإنما قدم الشاهد على كتاب موسى مع كونه متأخرا في الوجود ~~لكونه أى الشاهد بمعنى المعجز وصفا لازما غير مفارق فكان أغرق في الوصفية ~~من كتاب موسى. # وهي شهادة كتاب موسى وهو التوراة أنه بشر بمحمد صلى الله عليه وسلم وأخبر ~~بأنه رسول من الله تعالى (1). # واسم الإشاره في قوله ( @QUR@03 أولئك يؤمنون به ) يعود الى الموصوفين ~~بأنهم على بينة من ربهم وهم النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه المؤمنون ~~الصادقون. # أى : أولئك الموصوفون بأنهم على بينة من ربهم يؤمنون بأن الإسلام هو ~~الدين الحق وبأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول صدق وبأن القرآن من عند ~~الله تعالى وحده. # فالضمير في قوله ( @QUR@01 به ) يعود على كل ما جاء به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم من عند ربه ويدخل في ذلك دخولا أوليا القرآن الكريم. # وقوله : ( @QUR@07 ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده ) بيان لسوء ~~عاقبة الكافرين بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم بعد بيان حسن عاقبة ~~المؤمنين به. # والأحزاب جمع حزب وهم الذين تحزبوا وتجمعوا من أهل مكة وغيرهم لمحاربة ~~الرسول صلى الله ms2888 عليه وسلم ودعوته. # أى : ومن يكفر بهذا القرآن وبما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من هدايات ~~فإن نار جهنم هي المكان الذي ينتظره وينتظر كل متحزب ضد دعوته ~~صلى الله عليه وسلم . # وفي جعل النار موعدا لهذا الكافر بالقرآن إشعار بأن فيها ما لا يحيط به ~~الوصف من ألوان العذاب الذي يجعله لا يموت فيها ولا يحيا. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بالحض على النظر الصحيح الذي يؤدى إلى ~~اليقين بأن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق الذي لا يشوبه باطل ~~فقال تعالى : ( @QUR@014 فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر ~~الناس لا يؤمنون ). PageV07P181 # أى : فلا تك أيها العاقل في شك من أن هذا القرآن من عند الله ومن أن ما ~~جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الصدق ، بل عليك أن تعتقد اعتقادا جازما ~~في صحة ذلك ، لأن ما جاء به صلى الله عليه وسلم هو الحق الثابت من عند ربك ~~ولكن أكثر الناس لا يؤمنون بذلك لانطماس بصائرهم ، ولتقليدهم لآبائهم ، ~~ولإيثارهم الغي على الرشد. # وبذلك نرى الآية الكريمة قد ميزت بين من كان على الحق ومن كان على الباطل ~~وساقت حشودا من الأدلة الدالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته ، ~~وعلى صحة ما عليه أتباعه ، وأمرتهم بالثبات على الحق الذي آمنوا به ، ~~وتوعدت المتحزبين ضد دعوة الإسلام بنار جهنم التي هي بئس القرار. # هذا ، وهذه الآية الكريمة هي من الآيات التي قيل بأنها مدنية ، ~~وبمراجعتنا لتفسيرها لم نجد ما يؤيد ذلك ، بل الذي نراه أن السورة كلها ~~مكية كما سبق أن أشرنا إلى ذلك في المقدمة. # ثم وصف سبحانه الكافرين بالإسلام ببضعة عشر وصفا. وبين سوء مصيرهم كما ~~بين حسن عاقبة المؤمنين وضرب مثلا لحال الفريقين فقال تعالى : # ( @QUR@023 ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ~~ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين (18) ~~@QUR@011 الذين يصدون عن سبيل ms2889 الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون ~~(19) @QUR@024 أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من ~~أولياء يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون (20) ~~@QUR@09 أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (21) @QUR@07 ~~لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون (22) @QUR@04 إن الذين آمنوا وعملوا PageV07P182 # @QUR@010 الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ~~(23) @QUR@011 مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان ~~مثلا أفلا تذكرون ) (24) # قال الإمام الرازي : اعلم أن الكفار كانت لهم عادات كثيرة وطرق مختلفة ~~فمنها شدة حرصهم على الدنيا ، ورغبتهم في تحصيلها ، وقد أبطل الله تعالى ~~هذه الطريقة بقوله : ( @QUR@06 من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ... ) ~~إلى آخر الآية. ومنها أنهم كانوا ينكرون نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ويقدحون في معجزاته وقد أبطل الله تعالى ذلك بقوله ( @QUR@06 أفمن كان على ~~بينة من ربه ... ). # ومنها أنهم كانوا يزعمون في الأصنام أنها شفعاؤهم عند الله ، وقد أبطل ~~الله تعالى ذلك بهذه الآيات وذلك لأن هذا الكلام افتراء على الله ...» (1). # وجمله ( @QUR@07 ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا .... ) معطوفة على ~~قوله تعالى قبل ذلك ( @QUR@07 ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده ). # والاستفهام للإنكار والنفي ، والتقدير : لا أحد أشد ظلما ممن تعمد الكذب ~~على الله تعالى بأن زعم بأن الأصنام تشفع لعابديها عنده ، أو زعم بأن ~~الملائكة بنات الله ، أو أن هذا القرآن ليس من عنده سبحانه . # وقوله : ( @QUR@016 أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين ~~كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين ) بيان لما يقال لهؤلاء ~~الظالمين على سبيل التشهير والتوبيخ يوم القيامة والأشهاد : جمع شهيد كشريف ~~وأشراف. أو جمع شاهد بمعنى حاضر كصاحب وأصحاب والمراد بهم على الراجح جميع ~~أهل الموقف من الملائكة الذين كانوا يسجلون عليهم أقوالهم وأعمالهم ، ومن ~~الأنبياء والمؤمنين. # والمعنى : أولئك الموصوفون بافتراء الكذب على الله تعالى يعرضون يوم ~~الحساب ، على ربهم ومالك أمرهم ، كما يعرض المجرم للقصاص منه ، ولفضيحته ~~أمام الناس. # ( @QUR@02 ويقول الأشهاد ) الذين يشهدون عليهم بأنهم ms2890 قد افتروا الكذب على ~~الله ( @QUR@01 هؤلاء ) المجرمون هم ( @QUR@04 الذين كذبوا على ربهم ) بأن ~~نسبوا إليه ما هو منزه عنه. PageV07P183 # ( @QUR@05 ألا لعنة الله على الظالمين ) الذين وضعوا الأمور في غير ~~مواضعها ، فأوردوا أنفسهم المهالك». # وجيء باسم الإشارة ( @QUR@01 هؤلاء ) زيادة في التشنيع عليهم ، وفي ~~تمييزهم عن غيرهم وصدرت جملة ( @QUR@05 ألا لعنة الله على الظالمين ) بأداة ~~الاستفتاح ( @QUR@01 ألا ) لتأكيد الدعاء عليهم بالطرد والإبعاد عن رحمة ~~الله تعالى بسبب افترائهم الكذب. # والظاهر أن هذه الجملة من كلام الأشهاد ويؤيد ذلك ما أخرجه الشيخان عن ~~صفوان بن محرز قال : كنت آخذا بيد ابن عمر إذ عرض له رجل فقال : كيف سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول : «إن الله عز وجل يدنى المؤمن فيضع عليه كنفه أى ستره ~~وعفوه ويستره من الناس ويقرره بذنوبه ويقول له : أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب ~~كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك قال : فإنى قد سترتها ~~عليك في الدنيا وإنى أغفرها لك اليوم ثم يعطى كتاب حسناته ، وأما الكفار ~~والمنافقون فيقول الأشهاد ( @QUR@010 هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة ~~الله على الظالمين ) (1). # ويجوز أن تكون هذه الجملة من كلام الله تعالى على سبيل الاستئناف بعد أن ~~قال الأشهاد ( @QUR@05 هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ). # ثم بين سبحانه جانبا آخر من أفعالهم الشنيعة فقال : ( @QUR@07 الذين ~~يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا ... ) # و ( @QUR@01 يصدون ) من صد بمعنى صرف الغير عن الشيء ومنعه منه. يقال صد ~~يصد صدودا وصدا. # و ( @QUR@02 سبيل الله ) طريقه الموصلة إلى رضائه. والمراد بها ملة ~~الإسلام. # ( @QUR@02 ويبغونها عوجا ) أى يطلبون لها العوج ، يقال : بغيت لفلان كذا ~~إذا طلبته له. # والعوج بكسر العين الميل والزيغ في الدين والقول والعمل. وكل ما خرج عن ~~طريق الهدى إلى طريق الضلال فهو عوج. # والعوج بفتح العين يكون في المحسوسات كالميل في الحائط والرمح وما ~~يشبههما. أى أن مكسور العين يكون في المعاني ومفتوحها يكون في ms2891 المحس. # والمعنى : ألا لعنة الله وخزيه على الظالمين الذين من صفاتهم أنهم لا ~~يكتفون بانصرافهم PageV07P184 # عن الحق بل يحاولون صرف غيرهم عنه ويطلبون لملة الإسلام العوج ويصفونها ~~بذلك تنفيرا للناس منها ، وقوله عوجا مفعول ثان ليبغون ، أو حال من سبيل الله. # وقوله ( @QUR@04 وهم بالآخرة هم كافرون ) بيان لعقيدتهم الباطلة في شأن ~~البعث والحساب. # أى : وهم بالآخرة وما فيها من حساب وثواب وعقاب كافرون. # وكرر الضمير ( @QUR@01 هم ) لتأكيد كفرهم وللإشارة إلى أنهم بلغوا فيه ~~مبلغا لم يبلغه أحد سواهم حتى لكأن كفر غيرهم يسير بالنسبة لكفرهم. # ثم بين سبحانه أنه كان قادرا على تعذيبهم في الدنيا قبل الآخرة ولكنه أخر ~~عذابهم إملاء لهم فقال : ( @QUR@017 أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما ~~كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف لهم العذاب ... ). # وقوله : معجزين من الإعجاز بمعنى عدم المقدرة على الشيء. # أى : أولئك الذين افتروا على الله الكذب لم يكن سبحانه عاجزا عن إنزال ~~العذاب الشديد بهم في الدنيا. وما كان لهم من غيره من نصراء ينصرونهم من ~~بأسه لو أراد إهلاكهم. # قال الإمام الرازي : قال الواحدي : معنى الإعجاز المنع من تحصيل المراد ، ~~يقال أعجزنى فلان أى : منعني عن مرادى ... # والمقصود أن قوله ( @QUR@06 أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض ) دل على ~~أنه لا قدرة لهم على الفرار. # وقوله : ( @QUR@08 وما كان لهم من دون الله من أولياء ) دل على أن أحدا ~~لا يقدر على تخليصهم من عذابه. فجمع سبحانه بين ما يرجع إليهم وبين ما يرجع ~~إلى غيرهم ، ووضح بذلك انقطاع حيلهم في الخلاص من عذاب الدنيا والآخرة» (1). # وقوله : ( @QUR@03 يضاعف لهم العذاب ) جملة مستأنفة لبيان أن من حكمة ~~تأخير العذاب عنهم في الدنيا مضاعفة العذاب لهم في الآخرة. # وقوله : ( @QUR@07 ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون ) تصوير ~~بليغ لاستحواذ الشيطان عليهم. # أى أن هؤلاء المجرمين بلغ بهم الجهل والعناد والجحود أنهم ما كانوا ~~يستطيعون السماع للحق الذي جاءهم من ربهم لثقله على نفوسهم الفاسدة ، وما ~~كانوا يبصرون المعجزات الدالة على صدق نبيهم صلى ms2892 الله عليه وسلم . PageV07P185 # فليس المراد نفى السماع والإبصار الحسيين عنهم وإنما المراد أنهم لانطماس ~~بصائرهم صاروا كمن لا يسمع ولا يرى. # ثم أكد سبحانه سوء مصيرهم فقال : ( @QUR@09 أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل ~~عنهم ما كانوا يفترون ). # أى : أولئك الذين استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله ، هم الذين ~~خسروا أنفسهم وأوردوها المهالك بسبب تعمدهم الكذب على الله ، ( @QUR@02 وضل ~~عنهم ) أى : وغاب عنهم ما كانوا يفترونه في الدنيا من اعتقادات باطلة ~~وادعاءات فاسدة. # وقوله ( @QUR@07 لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون ) زيادة في تأكيد ~~خسرانهم. # وكلمة ( @QUR@02 لا جرم ) وردت في القرآن الكريم في خمسة مواضع. وفي كل ~~موضع جاءت متلوة بأن واسمها. # وجمهور النحاة على أن هذه الكلمة مركبة من «لا» و «جرم» تركيب خمسة عشر ~~ومعناها بعد هذا التركيب معنى الفعل : حق أو ثبت ، والجملة بعدها هي الفاعل ~~لهذا الفعل. # أى : وثبت كونهم في الآخرة هم الأخسرون. # ومن النحاة من يرى أن «لا» نافية للجنس و «جرم» اسمها وما بعدها خبرها. # والمعنى. لا محالة ولا شك في أنهم في الآخرة هم الأخسرون. # ثم بين سبحانه حسن عاقبة المؤمنين بعد بيان سوء عاقبة الكافرين فقال ~~تعالى : ( @QUR@014 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك ~~أصحاب الجنة هم فيها خالدون ). # قال الجمل : والإخبات في اللغة هو الخشوع والخضوع وطمأنينة القلب. ولفظ ~~الإخبات يتعدى بإلى وباللام. فإذا قلت أخبت فلان إلى كذا فمعناه اطمأن ~~إليه. وإذا قلت أخبت له فمعناه : خشع وخضع له. فقوله : ( @QUR@05 إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات ) إشارة الى جميع أعمال الجوارح. وقوله : ( @QUR@03 ~~وأخبتوا إلى ربهم ) إشارة إلى أعمال القلوب وهي الخشوع والخضوع لله تعالى » (1). # والمعنى : إن الذين آمنوا بالله تعالى إيمانا حقا وعملوا الأعمال ~~الصالحات التي ترضيه سبحانه واطمأنوا إلى قضاء ربهم وخشعوا له أولئك ~~الموصوفون بذلك هم أصحاب الجنة وهم الخالدون فيها خلودا أبديا وهم الذين ~~رضى الله عنهم ورضوا عنه. PageV07P186 # ثم ضرب سبحانه مثلا لفريق الكافرين ولفريق المؤمنين فقال : ( @QUR@011 ~~مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا ms2893 أفلا تذكرون ). # وقوله : ( @QUR@02 مثل الفريقين ... ) أى : حالهم وصفتهم. # وأصل المثل بمعنى المثل. والمثل : النظير والشبيه ثم أطلق على القول ~~السائر المعروف لمماثلة مضربه وهو الذي يضرب فيه لمورده أى الذي ورد فيه أولا. # ولا يكون إلا فيما فيه غرابة. ثم استعير للصفة أو الحال أو القصة إذا كان ~~لها شأن عجيب وفيها غرابة. # وإنما تضرب الأمثال لإيضاح المعنى الخفى ، وتقريب المعقول من المحسوس ~~وعرض الغائب في صورة الشاهد. فيكون المعنى الذي ضرب له المثل أوقع في ~~القلوب وأثبت في النفوس. # والمعنى : حال الفريقين المذكورين قبل ذلك وهما الكافرون والمؤمنون كحال ~~الضدين المختلفين كل الاختلاف. # أما الكافرون فحالهم وصفتهم كحال وصفة من جمع بين العمى والصمم. لأنهم مع ~~كونهم يرون ويسمعون لكنهم لم ينتفعوا بذلك فصاروا كالفاقد لهما. # وأما المؤمنون فحالهم وصفتهم كحال وصفة من جمع بين البصر السليم والسمع ~~الواعي لأنهم انتفعوا بما رأوا من دلائل تدل على وحدانية الله وقدرته وبما ~~سمعوا من توجيهات تدل على صحة تعاليم الإسلام. # والمقصود من هذا التمثيل. تنبيه الكافرين إلى ما هم عليه من ضلال وجهالة ~~لعلهم بهذا التنبيه يتداركون أمرهم ، فيدخلوا في دين الإسلام وتثبيت ~~المؤمنين على ما هم عليه من حق ، وبذلك يزدادون إيمانا على إيمانهم. # والاستفهام في قوله ( @QUR@03 هل يستويان مثلا ) للإنكار والنفي ، أى : ~~هل يستوي في الصفة والحال من كان ذا سمع وبصر بمن فقدهما؟ كلا إنهما لا ~~يستويان حتى عند أقل العقلاء عقلا وقوله : ( @QUR@02 أفلا تذكرون ) حض على ~~التذكر والتدبر والتفكر. # أى : أتشكون في عدم استواء الفريقين؟ لا إن الشك في عدم استوائهما لا ~~يليق بعاقل وإنما اللائق به هو اعتقاد تباين صفتيهما والدخول في صفوف ~~المؤمنين الذين عملوا الأعمال الصالحات وأخبتوا إلى ربهم. # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد بينت حال الكافرين وذكرت من أوصافهم أربعة PageV07P187 # عشر وصفا أولها : افتراء الكذب ... وآخرها : الخسران في الآخرة. كما بينت ~~حال المؤمنين وبشرتهم بالخلود في الجنة : ثم ضربت مثلا لكل فريق وشبهت حاله ~~بما يناسبه من صفات .. # وفي ذلك ms2894 ما فيه من الهداية إلى الطريق المستقيم ، لمن كان له قلب ، أو ~~ألقى السمع وهو شهيد. # وبعد هذا الحديث المتنوع عن مظاهر قدرة الله ووحدانيته وعن إعجاز القرآن ~~الكريم وعن حسن عاقبة المؤمنين وسوء عاقبة المكذبين ساقت السورة الكريمة ~~بترتيب حكيم قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم وقد استغرق هذا القصص معظم الآيات ~~الباقية فيها فقد حدثتنا عن قصة نوح مع قومه وعن قصة هود مع قومه ، وعن قصة ~~صالح مع قومه ، وعن قصة لوط مع قومه ، وعن قصة شعيب مع قومه ، كما تحدثت عن ~~قصة إبراهيم مع رسل الله الذين جاءوه بالبشرى ، وعن جانب من قصة موسى مع فرعون. # قال الإمام الرازي : اعلم أنه تعالى لما ذكر في تقرير المبدأ والمعاد ~~دلائل ظاهرة ، وبينات قاهرة ، وبراهين باهرة ، أتبعها بذكر قصص الأنبياء ~~وفيه فوائد : # أحدها : التنبيه على أن إعراض الناس عن قبول هذه الدلائل والبينات ليس من ~~خواص قوم النبي صلى الله عليه وسلم ، بل هذه العادة المذمومة كانت حاصلة في ~~جميع الأمم السالفة ، والمصيبة إذا عمت خفت. فكان ذكر قصصهم وحكاية إصرارهم ~~وعنادهم يفيد تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتخفيف ذلك على قلبه. # وثانيها : أنه تعالى يحكى في هذه القصص أن عاقبة أمر أولئك المنكرين كان ~~إلى اللعن في الدنيا والخسارة في الآخرة. وعاقبة أمر المحقين الى الدولة في ~~الدنيا والسعادة في الآخرة ، وذلك يقوى قلوب المحقين ، ويكسر قلوب ~~المبطلين. # وثالثها : التنبيه على أنه تعالى وإن كان يمهل هؤلاء المبطلين ، ولكنه لا ~~يهملهم ، بل ينتقم منهم على أكمل الوجوه. # ورابعها : بيان أن هذه القصص دالة على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه ~~كان أميا ، وما طالع كتابا ولا تتلمذ على أستاذ ، فإذا ذكر هذه القصص على ~~هذا الوجه من غير تحريف ولا خطأ ، دل ذلك على أنه إنما عرفه بالوحي من الله ~~تعالى (1). # وقد بدأت السورة الكريمة قصصها بقصة نوح مع قومه ، وقد وردت هذه القصة في ~~سور متعددة منها سورة الأعراف ، وسورة المؤمنون ، وسورة نوح ... إلا أنها ms2895 ~~وردت هنا بصورة أكثر تفصيلا من غيرها. PageV07P188 # ( @QUR@09 ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين (25) @QUR@011 أن ~~لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم (26) @QUR@029 فقال الملأ ~~الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم ~~أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين ) (27) # وقوله : ( @QUR@05 ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه ... ) جواب لقسم محذوف. أى ~~والله لقد أرسلنا نوحا إلى قومه. والدليل على هذا القسم وجود لامه في بدء ~~الجملة. # وافتتحت القصة بصيغة القسم لأن المخاطبين بها لما لم يحذروا ما نزل بقوم ~~نوح بسبب كفرهم نزلوا منزلة المنكر لرسالته. # وينتهى نسب نوح عليه السلام إلى شيث بن آدم عليه السلام وقد ذكر نوح في ~~القرآن في ثلاثة وأربعين موضعا. # وقوم الرجل : هم أقرباؤه الذين يجتمعون معه في جد واحد وقد يقيم الرجل ~~بين الأجانب فيسميهم قومه مجازا للمجاورة. # وكان قوم نوح يعبدون الأصنام : فأرسل الله إليهم نوحا ليدلهم على طريق ~~الرشاد. # قال ابن كثير : قال ابن عباس وغير واحد من علماء التفسير : كان أول ما ~~عبدت الأصنام أن قوما صالحين ماتوا. فبنى قومهم عليهم مساجد ، وصوروا صور ~~أولئك الصالحين فيها ليتذكروا حالهم وعبادتهم فيتشبهوا بهم. فلما طال ~~الزمان جعلوا أجسادا على تلك الصور فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام ~~وسموها بأسماء أولئك الصالحين : ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا فلما تفاقم ~~الأمر بعث الله تعالى رسوله نوحا فأمرهم بعبادة الله وحده» (1). # وقوله : ( @QUR@09 إني لكم نذير مبين ، أن لا تعبدوا إلا الله ... ) بيان ~~للوظيفة التي من أجلها أرسل الله تعالى نوحا إلى قومه. # قال الشوكانى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بفتح الهمزة في ( ~~@QUR@01 إني ) على تقدير PageV07P189 # حرف الجر أى : أرسلناه بأنى. أى : أرسلناه متلبسا بذلك الكلام وهو أنى ~~لكم نذير مبين. وقرأ الباقون بالكسر على إرادة القول. أى : أرسلناه قائلا ~~لهم ( @QUR@04 إني لكم نذير مبين ) (1). # ونذير من الإنذار وهو إخبار معه تخويف .. # ومبين : من الإبانة بمعنى التوضيح والإظهار .. # أى ms2896 : أرسلناه إلى قومه فقال لهم يا قوم : إنى لكم محذر تحذيرا واضحا من ~~موجبات العذاب التي تتمثل في عبادتكم لغير الله تعالى . # واقتصر على الإنذار لأنهم لم يعملوا بما بشرهم به وهو الفوز برضا الله ~~تعالى إذا ما أخلصوا له العبادة والطاعة. # وجملة ( @QUR@05 أن لا تعبدوا إلا الله ) بدل من قوله ( @QUR@04 إني لكم ~~نذير مبين ) أى أرسلناه بأن لا تعبدوا إلا الله. # وقوله : ( @QUR@06 إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم ) جملة تعليلية ، تبين ~~حرص نوح الشديد على مصلحة قومه ومنفعتهم. # أى إنى أحذركم من عبادة غير الله ، لأن هذه العبادة ستؤدى بكم الى وقوع ~~العذاب الأليم عليكم ، وما حملني على هذا التحذير الواضح إلا خوفي عليكم ، ~~وشفقتي بكم ، فأنا منكم وأنتم منى بمقتضى القرابة والنسب. # ووصف اليوم بالأليم على سبيل المجاز العقلي ، وهو أبلغ من أن يوصف العذاب ~~بالأليم ، لأن شدة العذاب لما بلغت الغاية والنهاية في ذلك ، جعل الوقت ~~الذي تقع فيه وقتا أليما أى مؤلما. # ثم حكى سبحانه ما رد به قوم نوح عليه فقال : ( @QUR@029 فقال الملأ الذين ~~كفروا من قومه ، ما نراك إلا بشرا مثلنا ، وما نراك اتبعك إلا الذين هم ~~أراذلنا بادي الرأي ، وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين ). # والمراد بالملإ : أصحاب الجاه والغنى من قوم نوح. وهذا اللفظ اسم جمع لا ~~واحد له من لفظه كرهط وهو كما يقول الآلوسى : مأخوذ من قولهم فلان ملئ بكذا ~~: إذا كان قادرا عليه ... أو لأنهم متمالئون أى متظاهرون متعاونون ، أو ~~لأنهم يملؤون القلوب والعيون ... # ووصفهم بالكفر ، لتسجيل ذلك عليهم من أول الأمر زيادة في ذمهم. PageV07P190 # أى : بعد هذا النصح الحكيم الذي وجهه نوح عليه السلام لقومه ، رد عليه ~~أغنياؤهم وسادتهم بقولهم ( @QUR@02 ما نراك ) يا نوح إلا بشرا مثلنا ، أى : ~~إلا إنسانا مثلنا ، ليست فيك مزية تجعلك مختصا بالنبوة دوننا ... # فهم لجهلهم وغبائهم توهموا أن النبوة لا تجامع البشرية ، مع أن الحكمة ~~تقتضي أن يكون الرسول بشرا من جنس المرسل إليهم ، حتى تتم فائدة التفاهم ~~معه ، والاقتداء ms2897 به في أخلاقه وسلوكه. # وقد حكى القرآن قولهم هذا في أكثر من موضع ، ومن ذلك قوله تعالى ( ~~@QUR@032 وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في ~~الحياة الدنيا ، ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ، ويشرب مما ~~تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون ... ) (1). # ثم إنهم في التعليل لعدم اتباع نبيهم لم يكتفوا بقولهم ما نراك إلا بشر ~~مثلنا : بل أضافوا إلى ذلك قولهم : ( @QUR@09 وما نراك اتبعك إلا الذين هم ~~أراذلنا بادي الرأي ) ومرادهم بقولهم : ( @QUR@01 أراذلنا ) أى فقراؤنا ومن ~~لا وزن لهم فينا. # قال الجمل : ولفظ ( @QUR@01 أراذلنا ) فيه وجهان : أحدهما أنه جمع الجمع ~~فهو جمع أرذل بضم الذال جمع رذل بسكونها نحو كلب وأكلب وأكالب ... # ثانيهما : انه جمع مفرد وهو أرذل كأكبر وأكابر .. والأرذل هو المرغوب عنه ~~لرداءته» (2). # ومرادهم بقولهم : ( @QUR@02 بادي الرأي ) أى : أوله من البدء. يقال : بدأ ~~يبدأ إذا فعل الشيء أولا وعليه تكون الياء مبدلة من الهمزة لانكسار ما ~~قبلها ويؤيده قراءة أبى عمرو «بادئ الرأى». # أى : وما نراك اتبعك يا نوح إلا الذين هم أقلنا شأنا وأحقرنا حالا من غير ~~أن يتثبتوا من حقيقة أمرك ، ولو تثبتوا وتفكروا ما اتبعوك ويصح أن يكون ~~مرادهم بقولهم ( @QUR@02 بادي الرأي ) أى اتبعوك ظاهرا لا باطنا ، ويكون ~~لفظ ( @QUR@01 بادي ) من البدو بمعنى الظهور. يقال : بدا الشيء يبدو بدوا ~~وبدوءا وبداء أى ظهر وعليه يكون المعنى : وما نراك اتبعك يا نوح إلا الذين ~~هم أهوننا أمرا ، ومع ذلك فإن اتباعهم لك إنما هو في ظاهر أمرهم ، أما ~~بواطنهم فهي تدين بعقيدتنا. PageV07P191 # وشبيه بهذه الجملة قوله تعالى ( @QUR@05 قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ~~) (1). # قال صاحب الكشاف : وإنما استرذلوا المؤمنين لفقرهم وتأخرهم في الأسباب ~~الدنيوية لأنهم أى الملأ من قوم نوح كانوا جهالا ما كانوا يعلمون إلا ظاهرا ~~من الحياة الدنيا فكان الأشرف عندهم من له جاه ومال كما ترى أكثر المتسمين ~~بالإسلام ، يعتقدون ذلك ، ويبنون عليه إكرامهم وإهانتهم ، ولقد زال عنهم أن ~~التقدم في الدنيا مع ترك الآخرة لا ms2898 يقرب أحدا من الله وإنما يبعده ، ولا ~~يرفعه بل يضعه ، فضلا عن أن يجعله سببا في الاختيار للنبوة والتأهيل لها ~~...» (2). # ثم أضافوا إلى مزاعمهم السابقة زعما جديدا فقالوا : ( @QUR@09 وما نرى ~~لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين ). # والفضل : الزيادة في الشرف والغنى وغيرهما مما يتميز به الإنسان عن غيره. # والمراد هنا : آثاره التي تدل عليه. # أى : أنت يا نوح لست إلا بشرا مثلنا ، وأتباعك هم أحقرنا شأنا ، وما نرى ~~لك ولمتبعيك شيئا من الزيادة علينا لا في العقل ولا في غيره ، بل إننا ~~لنعتقد أنكم كاذبون في دعواكم أنكم على الحق ، لأن الحق في نظرنا هو في ~~عبادة هذه الأصنام التي عبدها من قبلنا آباؤنا. # وهكذا نرى أن الملأ من قوم نوح عليه السلام قد عللوا كفرهم بما جاءهم به ~~بثلاث علل ، أولها : أنه بشر مثلهم وثانيها : أن أتباعه من فقرائهم وثالثها ~~: أنه لا مزية له ولأتباعه عليهم .. # وهي كلها علل باطلة ، تدل على جهلهم ، وانطماس بصيرتهم ، ويدل على ذلك ، ~~رد نوح عليه السلام الذي حكاه القرآن في قوله تعالى : # ( @QUR@020 قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من ~~عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون (28) @QUR@021 ويا قوم لا ~~أسئلكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ~~ملاقوا ربهم ولكني أراكم PageV07P192 # @QUR@02 قوما تجهلون (29) @QUR@010 ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم ~~أفلا تذكرون (30) @QUR@031 ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ~~ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله ~~أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين ) (31) # ( @QUR@010 قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي .... ). # أى : قال نوح عليه السلام في رده على الملأ الذين كفروا من قومه : ( ~~@QUR@02 يا قوم ) أى : يا أهلى وعشيرتي الذين يسرني ما يسرهم ويؤلمنى ما ~~يؤلمهم. # ( @QUR@07 أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ) أى : أخبروني إن كنت على ~~بصيرة من أمرى ، وحجة واضحة من ربي ، بها ms2899 يتبين الحق من الباطل. # ( @QUR@04 وآتاني رحمة من عنده ) أى : ومنحني بفضله وإحسانه النبوة التي ~~هي طريق الرحمة لمن آمن بها ، واتبع من اختاره الله لها. فالمراد بالرحمة ~~هنا النبوة ( @QUR@02 فعميت عليكم ) أى : فأخفيت عليكم هذه الرحمة ، وغاب ~~عنكم الانتفاع بهداياتها ، لأنكم ممن استحب العمى على الهدى. # يقال : عمى على فلان الأمر : أى أخفى عليه حتى صار بالنسبة اليه كالأعمى ~~قال صاحب المنار : قرأ الجمهور فعميت بالتخفيف كخفيت وزنا ومعنى. قال تعالى ~~( @QUR@07 فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون ). # وقرأ حمزة والكسائي وحفص بالتشديد والبناء للمفعول ( @QUR@01 فعميت ) أى ~~: فحجبها عنكم جهلكم وغروركم .. # والتعبير بعميت مخففة ومشددة أبلغ من التعبير بخفيت وأخفيت ، لأنه مأخوذ ~~من العمى المقتضى لأشد أنواع الخفاء (1). # والاستفهام في قوله : ( @QUR@04 أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ) للإنكار ~~والنفي. # أى : إذا كانت الهداية إلى الخير التي جئتكم بها قد خفيت عليكم مع وضوحها ~~وجلائها ، PageV07P193 # فهل أستطيع أنا وأتباعى أن نجبركم إجبارا ، ونقسركم قسرا على الإيمان بي ~~، وعلى التصديق بنبوتي ، والحال أنكم كارهون لها نافرون منها. # كلا إننا لا نستطيع ذلك لأن الإيمان الصادق يكون عن اقتناع واختيار لا عن ~~إكراه وإجبار. # قال صاحب الظلال ما ملخصه : واللفظ في القرآن قد يرسم بجرسه صورة كاملة ~~للتناسق الفنى بين الألفاظ ، ومن أمثله ذلك قوله تعالى في قصة نوح مع قومه ~~( @QUR@01 أنلزمكموها ... ) فأنت تحس أن كلمة أنلزمكموها تصور جو الإكراه ، ~~بإدماج كل هذه الضمائر في النطق ، وشد بعضها الى بعض كما يدمج الكارهون مع ~~ما يكرهون ، ويشدون إليه وهم نافرون ، وهكذا يبدو لون من التناسق في ~~التعبير أعلى من البلاغة الظاهرية ، وأرفع من الفصاحة اللفظية (1). # ثم وجه نوح عليه السلام نداء ثانيا إلى قومه زيادة في التلطف معهم ، وطمعا ~~في إثارة وجدانهم نحو الحق فقال : ( @QUR@06 ويا قوم لا أسئلكم عليه مالا ). # أى : لا أطلب منكم شيئا من المال في مقابل تبليغ ما أمرنى ربي بتبليغه ~~إليكم : لأن طلبى هذا قد يجعلكم تتوهمون أنى محب للمال .. # ( @QUR@05 إن أجري إلا على الله ) تعالى وحده ، فهو الذي يثيبني ms2900 على ~~دعوتي إلى عبادتكم له ، وفي هذه الجملة إشارة إلى أنه لا يسأل الله تعالى ~~مالا ، وإنما يسأله ثوابا ، إذ ثواب الله يسمى أجرا ، لأنه جزاء على العمل ~~الصالح. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى في سورة الشعراء : ( @QUR@011 وما أسئلكم ~~عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ) وجملة ( @QUR@05 وما أنا بطارد ~~الذين آمنوا ) معطوفة على جملة ( @QUR@04 لا أسئلكم عليه مالا ) لأن ~~مضمونها كالنتيجة لمضمون المعطوف عليها ، إذ أن زهده في مالهم يقتضى تمسكه ~~بأتباعه المؤمنين. # الطرد : الأمر بالبعد عن مكان الحضور تحقيرا أو زجرا. # أى : وما أنا بطارد الذين آمنوا بدعوتي ، سواء أكانوا من الفقراء أم من ~~الأغنياء ، لأن من استغنى عن مال الناس وعطائهم لا يقيسهم بمقياس الغنى ~~والجاه والقوة ... وإنما يقيسهم بمقياس الإيمان والتقوى. # قال الآلوسى : والمروي عن ابن جريح أنهم قالوا له : يا نوح إن أحببت أن ~~نتبعك فاطرد هؤلاء الأراذل وإلا فلن نرضى أن نكون نحن وهم في الأمر سواء. PageV07P194 # وذلك كما قال زعماء قريش للنبي صلى الله عليه وسلم في شأن فقراء الصحابة : ~~اطرد هؤلاء عن مجلسك ونحن نتبعك فإنا نستحي أن نجلس معهم في مجلسك ...» (1). # وجملة ( @QUR@03 إنهم ملاقوا ربهم ) تعليل لنفى طردهم. # أى : لن أطردهم عن مجلسي أبدا ، لأنهم قد آمنوا بي ، ولأن مصيرهم إلى ~~الله تعالى ، فيحاسبهم على سرهم وعلنهم ، أما أنا فأكتفى منهم بظواهرهم ~~التي تدل على صدق إيمانهم ، وشدة إخلاصهم. # وجاءت هذه الجملة بصيغة التأكيد ، لأن الملأ الذين كفروا من قومه كانوا ~~ينكرون البعث والحساب. # وقوله : ( @QUR@04 ولكني أراكم قوما تجهلون ) استدراك مؤكد لمضمون ما قبله. # أى : لن اطردهم ، لأن ذلك ليس من حقي بعد أن آمنوا ، وبعد أن تكفل الله ~~بمحاسبتهم ، ولكني مع هذا البيان المنطقي الواضح ، أراكم قوما تجهلون القيم ~~الحقيقية التي يقدر بها الناس عند الله ، وتجهلون أن مرد الناس جميعا إليه ~~وحده سبحانه ليحاسبهم على أعمالهم ، وتتطاولون على المؤمنين تطاولا يدل على ~~طغيانكم وسفاهتكم. # وحذف مفعول ( @QUR@01 تجهلون ) للعلم به ، وللإشارة الى شدة جهلهم. # أى : تجهلون كل ما ms2901 ينبغي ألا يجهله عاقل. # ثم وجه إليهم نداء ثالثا لعلهم يفيئون إلى رشدهم فقال : ( @QUR@010 ويا ~~قوم من ينصرني من الله إن طردتهم ، أفلا تذكرون ). # أى : افترضوا يا قوم أنى طردت هؤلاء المؤمنين الفقراء من مجلسي ، فمن ذا ~~الذي يحمينى ويجيرني من عذاب الله ، لأنه سبحانه ميزانه في تقييم الناس ليس ~~كميزانكم ، إن أكرم الناس عنده هو أتقاهم وليس أغناهم ، وهؤلاء المؤمنون ~~الفقراء هم أكرم عنده سبحانه منكم ، فكيف أطردهم؟ # والاستفهام في قوله : ( @QUR@02 أفلا تذكرون ) لتوبيخهم وزجرهم. والجملة ~~معطوفة على مقدر. # أى : أتصرون على جهلكم ؛ فلا تتذكرون أن لهم ربا ينصرهم إن طردتهم؟ إنكم ~~إن بقيتم على هذا الإصرار سيكون أمركم فرطا ، وستتعرضون للعذاب الأليم الذي ~~يهلككم. # ثم أخذ نوح عليه السلام في تفنيد شبهاتهم ، وفي دحض مفترياتهم ، وفي ~~تعريفهم PageV07P195 # بحقيقة أمره فقال : ( @QUR@013 ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم ~~الغيب ولا أقول إني ملك .. ). # والخزائن : جمع خزانة بكسر الخاء وهو المكان الذي يخزن فيه المال أو ~~الطعام أو غيرهما خشية الضياع ، والمراد منها هنا : أنواع رزقه سبحانه التي ~~يحتاج إليها عباده ، وأضيفت إليه سبحانه لاختصاصه بها. وملكيته لها. # أى : إنى لا أقول لكم إن النبوة التي وهبنى الله إياها ، تجعلني أملك ~~خزائن أرزاقه سبحانه فأصير بذلك من الأثرياء ، وأعطى من أشاء بغير حساب ... # كلا. إنى لا أملك شيئا من ذلك ، وإنما أنا عبد الله ورسوله ، أرسلنى ~~لأخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. # وهذه الجملة الكريمة رد على قولهم السابق! ( @QUR@06 وما نرى لكم علينا ~~من فضل ). # وأيضا لا أقول لكم إنى أعلم الغيوب التي اختص الله بعلمها ، فأدعى قدرة ~~ليست للبشر ، أو أزعم أن لي صلة بالله تعالى غير صلة النبوة أو أدعى الحكم ~~على قلوب الناس وعلى منزلتهم عند الله ، كما ادعيتم أنتم فقلتم ( @QUR@09 ~~وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ... ). # وأيضا فإنى لا أقول لكم إنى ملك ، بل أنا بشر مثلكم آكل مما تأكلون منه ، ~~وأشرب مما تشربون منه ، إلا أن الله تعالى اختصني من ms2902 بينكم بالنبوة ، ~~والبشرية مقتض للنبوة وليست مانعا منها كما تزعمون حيث قلتم ( @QUR@05 ما ~~نراك إلا بشرا مثلنا ). # ولم يكتف نوح عليه السلام بهذا الرد المبطل لدعاواهم الفاسدة ، بل أضاف ~~إلى ذلك كما حكى القرآن عنه ( @QUR@018 ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن ~~يؤتيهم الله خيرا ، الله أعلم بما في أنفسهم ، إني إذا لمن الظالمين ). # وقوله : ( @QUR@01 تزدري ) من الازدراء بمعنى التحقير والانتقاص ، يقال : ~~ازدرى فلان فلانا إذا احتقره وعابه. # أى : أنا لا أقول لكم بأنى أملك خزائن الله ، أو بأنى أعلم الغيب ، أو ~~بأنى ملك من الملائكة ، ولا أقول لكم أيضا في شأن الذين تنظرون إليهم نظر ~~احتقار واستصغار : إنهم كما تزعمون ( @QUR@04 لن يؤتيهم الله خيرا ) يسعدهم ~~في دينهم ودنياهم وآخرتهم ، بل أقول لكم إنه سبحانه سيؤتيهم ذلك إذا شاء ~~لأنه سبحانه هو الأعلم بما في نفوسهم من خير أو شر أما أنا فلا علم لي إلا ~~بظواهرهم التي تدل على إيمانهم وإخلاصهم ؛ و ( @QUR@04 إني إذا لمن ~~الظالمين ) لنفسي ولغيري إذا ادعيت أية دعوى من هذه الدعاوى. PageV07P196 # قال البيضاوي ما ملخصه ، وأسند سبحانه الازدراء إلى الأعين في قوله ( ~~@QUR@02 تزدري أعينكم ) للمبالغة والتنبيه على أنهم استرذلوهم بادى الرؤية ~~أى بمجرد نظرهم إليهم من غير روية بسبب ما عاينوه من رثاثة حالهم وقلة ~~منالهم ، دون تأمل في معانيهم وكمالاتهم» (1) وهذا الإسناد من باب المجاز ~~العقلي ، لأن الازدراء ينشأ عن مشاهدة الصفات الحقيرة «في نظر الناظر» ~~فتكون الأعين سببا في هذا الازدراء. # وأكد جملة ( @QUR@04 إني إذا لمن الظالمين ) بعدة مؤكدات ، تحقيقا لظلم ~~كل من يدعى شيئا من هذه الدعاوى ، وتكذيبا لأولئك الكافرين الذين احتقروا ~~المؤمنين ، وزعموا أن الله تعالى لن يؤتيهم خيرا. # وهكذا نجد نوحا عليه السلام يشرح لقومه بأسلوب مهذب حكيم حقيقة أمره ، ~~ويرد على شبهاتهم بما يزهقها ... # وعند ما وجدوا أنفسهم عاجزين عن الرد على نبيهم بأسلوب مقارعة الحجة ~~بالحجة ، لجئوا على عادة طبقتهم إلى أسلوب التحدي وقد أخذتهم العزة بالإثم ~~فقالوا كما حكى القرآن عنهم : # ( @QUR@014 قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ms2903 فأتنا بما تعدنا إن ~~كنت من الصادقين (32) @QUR@010 قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم ~~بمعجزين (33) @QUR@018 ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله ~~يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون ) (34) # أى : قال قوم نوح عليه السلام له بعد أن غلبهم بحجته ، وعجزوا عن الدفاع ~~عن أنفسهم : ( @QUR@06 يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ... ) # أى : خاصمتنا ونازعتنا فأكثرت في ذلك حتى لم تترك لنا منفذا للرد عليك ، ~~والجدال : هو المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة. وأصله كما يقول ~~الآلوسى من جدلت الحبل إذا أحكمت فتله ، ومنه الجديل أى الحبل المفتول ، ~~وجدلت البناء : أحكمته ، والأجدل : PageV07P197 # الصقر المحكم البنية ، والمجدل كمنبر القصر المحكم البناء ... # وسميت المنازعة في الرأى جدالا ، لأن كل واحد من المتجادلين كأنما ، يفتل ~~الآخر عن رأيه أى بصرفه عنه ... # وقيل : الأصل في الجدال الصراع ، وإسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة بفتح ~~الجيم أى : الأرض الصلبة» (1). # ثم أضافوا إلى هذا العجز عن مجابهة الحجة سفاهة في القول فقالوا : ( ~~@QUR@07 فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ). # أى : لقد سئمنا مجادلتك لنا ومللناها ، فأتنا بالعذاب الذي تتوعدنا به ، ~~إن كنت من الصادقين في دعواك النبوة ، وفي وعيدك لنا بعقاب الله ، فإننا ~~مصرون على عبادة آلهتنا ، وكارهون لما تدعونا إليه. # وهذا شأن الجاهل المعاند ، إنه يشهر السيف إذا أعجزته الحجة ، ويعلن ~~التحدي إذا يئس عن مواجهة الحق ... # ولكن نوحا عليه السلام لم يخرجه هذا التحدي عن سمته الكريم ، ولم يقعده ~~عناد قومه عن مداومة النصح لهم ، وإرشادهم إلى الحقيقة التي ضلوا عنها ، ~~فقد رد عليهم بقوله ( @QUR@09 إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين ). # أى : إنما يأتيكم بهذا العذاب الذي تستعجلونه الله تعالى وحده ، إن شاء ~~ذلك ، لأنه هو الذي يملكه ( @QUR@03 وما أنتم بمعجزين ) أى : وما أنتم ~~بمستطيعين الهروب من عذابه متى اقتضت مشيئته سبحانه إنزاله لكم ، لأنه ~~تعالى لا يعجزه شيء. # ثم أضاف إلى هذا الاعتراف بقدرة الله تعالى اعترافا آخر بشمول إرادته ~~فقال : ( @QUR@08 ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن ms2904 أنصح لكم ). # والنصح معناه : تحرى الصلاح والخير للمنصوح مع إخلاص النية من شوائب ~~الرياء. # يقال : نصحته ونصحت له ... أى : أرشدته إلى ما فيه صلاحه. # ويقال : رجل ناصح الجيب إذا كان نقى القلب طاهر السريرة. والناصح الخالص ~~من كل شيء. # أى : إنى قد دعوتكم إلى طاعة الله ليلا ونهارا ، ولم أقصر معكم في ~~النصيحة ومع ذلك فإن PageV07P198 # نصحى الدائم لن يفيدكم شيئا ، ما دامت قلوبكم في عمى عنه ، وأسماعكم في ~~صمم منه ، ونفوسكم على غير استعداد له. # وجواب الشرط في قوله ( @QUR@05 إن أردت أن أنصح لكم ) محذوف لدلالة ما ~~قبله عليه. # وقوله ( @QUR@010 إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون ): ~~زيادة تأكيد منه عليه السلام لعموم قدرة الله وإرادته. # أى : إن كان الله تعالى يريد أن يضلكم عن طريق الحق ، ويصرفكم عن الدخول ~~فيه ، بسبب إصراركم على الجحود والعناد ، فعل ذلك ، لأنه هو ربكم ومالك ~~أمركم ، وإليه وحده ترجعون يوم القيامة ، ليجازيكم الجزاء الذي تستحقونه. # وهكذا نجد نوحا عليه السلام قد سلك في دعوته إلى الله ، أحكم السبل ، ~~واستعمل أبلغ الأساليب ، وصبر على سفاهة قومه صبرا جميلا. # وعند هذا الحد من قصة نوح مع قومه ، تنتقل السورة الكريمة انتقالا سريعا ~~بقارئها إلى الحديث عن مشركي مكة ، الذين أنكروا أن يكون القرآن من عند ~~الله ، ووقفوا من نبيهم صلى الله عليه وسلم موقفا يشبه موقف قوم نوح منه ~~عليه السلام فترد عليهم بقوله تعالى : # ( @QUR@012 أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما ~~تجرمون ) (35) # وأم هنا منقطعة بمعنى بل التي للإضراب ، وهو انتقال المتكلم من غرض إلى آخر. # والافتراء : الكذب المتعمد الذي لا توجد أدنى شبهة لقائله. # والإجرام : اكتساب الجرم وهو الشيء القبيح الذي يستحق فاعله العقاب. # يقال : أجرم فلان وجرم واجترم ، بمعنى اقترف الذنب الموجب للعقوبة ~~وللمفسرين في معنى هذه الآية اتجاهان : # الاتجاه الأول يرى أصحابه : أنها معترضة بين أجزاء قصة نوح مع قومه ، ~~وأنها في شأن مشركي مكة الذين أنكروا أن يكون القرآن من عند الله. ms2905 # وعليه يكون المعنى. لقد سقنا لك يا محمد من أخبار السابقين ما هو الحق ~~الذي لا يحوم حوله باطل ، ولكن المشركين من قومك لم يعتبروا بذلك ، بل ~~يقولون إنك قد افتريت هذا PageV07P199 # القرآن ، قل لهم : إن كنت قد افتريته على سبيل الفرض فعلى وحدي تقع عقوبة ~~إجرامى وافترائى الكذب ، وأنا برىء من عقوبة إجرامكم وافترائكم الكذب. # أما الاتجاه الثاني فيرى أصحابه أن الآية الكريمة ليست معترضة ، وإنما هي ~~من قصة نوح عليه السلام وعليه يكون المعنى : بل أيقول قوم نوح إن نوحا ~~عليه السلام قد افترى واختلق ما جاء به من عند نفسه ثم نسبه إلى الله تعالى ~~قل لهم إن كنت قد افتريته فعلى سوء عاقبة إجرامى وكذبى ، وأنا برىء مما ~~تقترفونه من منكرات ، وما تكتسبونه من ذنوب. # ويبدو لنا أن الاتجاه الأول أرجح ، لأن التعبير عن أفكارهم بيقولون ، وعن ~~الرد عليهم بقل ، الدالين على الحال والاستقبال ، يقوى أن الآية الكريمة في ~~شأن مشركي مكة. # وقد اقتصر الإمام ابن جرير على الاتجاه الأول ، ولم يذكر شيئا عن الاتجاه ~~الثاني مما يدل على ترجيحه للاتجاه الأول فقال ما ملخصه : يقول تعالى ذكره ~~: أيقول يا محمد هؤلاء المشركون من قومك : افترى محمد هذا القرآن وهذا ~~الخبر عن نوح ، قل لهم : إن افتريته فتخرصته واختلقته فعلى إثمى في افترائى ~~ما افتريت على ربي دونكم .. وأنا برىء مما تذنبون وتأثمون في حقي وحق ربكم ~~...» (1). # وإلى هنا نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا جانبا من مجادلة قوم نوح له ، ~~ومن تطاولهم عليه ، ومن تحديهم لدعوته ، كما حكت لنا رده عليهم بأسلوب حكيم ~~، جعلهم يعجزون عن مجابهته فماذا كان من شأنه وشأنهم بعد ذلك؟ # * * * # لقد تابعت السورة الكريمة حديثها عن هذه القصة ، فبينت بعد ذلك قضاء الله ~~العادل في هؤلاء الظالمين ، حيث حكت لنا ما أوحاه الله إلى نوح عليه السلام ~~في شأنهم ، وما أمره بصنعه ... فقال تعالى : # ( @QUR@017 وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس ~~بما كانوا يفعلون ms2906 (36) @QUR@011 واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في ~~الذين ظلموا إنهم مغرقون (37) PageV07P200 # @QUR@019 ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا ~~منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون (38) @QUR@010 فسوف تعلمون من يأتيه عذاب ~~يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم ) (39) # وقوله سبحانه : ( @QUR@012 وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد ~~آمن ) معطوف على قوله ( @QUR@07 قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا .. ). # أى : بعد أن لج قوم نوح في طغيانهم ، وصموا آذانهم عن سماع دعوته .. أوحى ~~الله تعالى إلى نوح بأن يكتفى بمن معه من المؤمنين ، فإنه لم يبق في قومه ~~من يتوقع إيمانه بعد الآن ، وبعد أن مكث فيهم زمنا طويلا يدعوهم إلى الدخول ~~في الدين الحق ، فلم يزدهم دعاؤه إلا فرارا .. # وقوله : ( @QUR@05 فلا تبتئس بما كانوا يفعلون ) تسلية له عليه السلام عما ~~أصابه منهم من أذى. # والابتئاس : الحزن. يقال : ابتأس فلان بالأمر ، إذا بلغه ما يكرهه ويغمه ~~، والمبتئس : الكاره الحزين في استكانة. # أى : فلا تحزن بسبب إصرارهم على كفرهم ، وتماديهم في سفاهاتهم وطغيانهم ، ~~فقد آن الأوان للانتقام منهم. # قال الإمام ابن كثير : يخبر الله تعالى في هذه الآية ، أنه أوحى إلى نوح ~~لما استعجل قومه نقمة الله بهم ، وعذابه لهم ، فدعا عليهم نوح دعوته وهي ( ~~@QUR@08 رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ) فمنذ ذلك أوحى الله تعالى ~~إليه ( @QUR@09 أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ) فلا تحزن عليهم ، ولا ~~يهمنك أمرهم» (1). # وقوله : ( @QUR@04 واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ... ) معطوف على قوله .. ( ~~@QUR@02 فلا تبتئس ... ). # والفلك : ما عظم من السفن ، ويستعمل هذا اللفظ للواحد والجمع ، والمراد ~~به هنا سفينة واحدة عظيمة قام بصنعها نوح عليه السلام . PageV07P201 # والباء في قوله ( @QUR@01 بأعيننا ) للملابسة ، والجار والمجرور في موضع ~~الحال من ضمير اصنع. # أى : واصنع الفلك يا نوح ، حالة كونك بمرأى منا ، وتحت رعايتنا وتوجيهنا ~~وإرشادنا عن طريق وحينا. # وقوله سبحانه ( @QUR@07 ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ) نهى له ~~عن المراجعة بشأنهم. # أى : ولا تخاطبني يا نوح في شأن هؤلاء ms2907 الظالمين ، بأن ترجوني في رحمتهم ~~أو في دفع العذاب عنهم ، فقد صدر قضائي بإغراقهم ولا راد لقضائي. # وقوله تعالى ( @QUR@02 ويصنع الفلك ) بيان لامتثال نوح لأمر ربه. # وجاء التعبير بالفعل المضارع مع أن الصنع كان في الماضي : استحضارا لصورة ~~الصنع ، حتى لكأن نوحا عليه السلام يشاهد الآن وهو يصنعها. # ثم بين سبحانه موقف قومه منه وهو يصنعها وقال : ( @QUR@08 وكلما مر عليه ~~ملأ من قومه سخروا منه ... ). # والسخرية : الاستهزاء. يقال : سخر فلان من فلان وسخر به ، إذا استخف به ~~وضحك منه. # أى : امتثل نوح لأمر ربه ، فطفق يصنع الفلك ، فكان الكافرون من قومه كلما ~~مروا به وهو يصنعها استهزءوا به ، وتعجبوا من حاله ، وقالوا له على سبيل ~~التهكم به ، يا نوح صرت نجارا بعد أن كنت نبيا ، كما جاء في بعض الآثار. # وهنا يرد عليهم نوح بقوله : ( @QUR@08 إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما ~~تسخرون ). # أى قال نوح لهم : إن تسخروا منى ومن أتباعى اليوم لصنعنا السفينة ، ~~وتستجهلوا منا هذا العمل ، فإنا سنسخر منكم في الوقت القريب سخرية محققة في ~~مقابل سخريتكم الباطلة. # قال الإمام الرازي : وقوله ( @QUR@08 إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما ~~تسخرون ) فيه وجوه : # الأول : التقدير : إن تسخروا منا في هذه الساعة فإنا نسخر منكم سخرية مثل ~~سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والخزي في الآخرة. # الثاني : إن حكمتم علينا بالجهل فيما نصنع فإنا نحكم عليكم بالجهل فيما ~~أنتم عليه من الكفر والتعرض لسخط الله وعذابه ، فأنتم أولى بالسخرية منا. # الثالث : إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم ، واستجهالكم أقبح وأشد ، لأنكم لا ~~تستجهلون PageV07P202 # إلا لأجل الجهل بحقيقة الأمر ، والاغترار بظاهر الحال ، كما هو عادة ~~الأطفال (1). # ثم أضاف نوح عليه السلام إلى تهديدهم تهديدا آخر فقال : ( @QUR@010 فسوف ~~تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم ). # أى : فسوف تعلمون عما قريب ، من منا الذي سينزل عليه العذاب المخزى ~~المهين في الدنيا ، ومن منا الذي سيحل عليه العذاب الدائم الخالد في ~~الآخرة. # وبهذا نرى أن هذه الآيات الكريمة قد قررت حكم الله ms2908 الفاصل في شأن قوم نوح ~~عليه السلام بعد أن لبث فيهم زمنا طويلا يدعوهم إلى الحق ، ولكنهم صموا ~~آذانهم عنه فماذا كان من أمره وأمرهم بعد ذلك. # كان من أمره وأمرهم بعد ذلك أن أمر الله تعالى نوحا عليه السلام أن يحمل ~~في السفينة بعد أن أتم صنعها من كل نوع من أنواع الحيوانات ذكرا وأنثى ، ثم ~~نزل الطوفان ، وسارت السفينة بمن فيها ، وأغرق الله تعالى الظالمين ، وقد ~~حكى سبحانه كل ذلك فقال تعالى. # ( @QUR@026 حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين ~~اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل (40) ~~@QUR@011 وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم (41) ~~@QUR@020 وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني ~~اركب معنا ولا تكن مع الكافرين (42) @QUR@021 قال سآوي إلى جبل يعصمني من ~~الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان PageV07P203 # @QUR@02 من المغرقين (43) @QUR@019 وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء ~~أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين ) (44) # فقوله سبحانه ( @QUR@013 حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها ~~من كل زوجين اثنين ... ) بيان لمرحلة جديدة من مراحل قصة نوح عليه السلام مع قومه. # و ( @QUR@01 حتى ) هنا حرف غاية لقوله تعالى قبل ذلك ( @QUR@02 ويصنع ~~الفلك .. ) إلخ. # والمراد بالأمر في قوله سبحانه ( @QUR@04 حتى إذا جاء أمرنا ... ) حلول ~~وقت نزول العذاب بهم ، فهو مفرد الأمور ، أى : حتى إذا حل بهم وقت عذابنا ~~.. قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين. # ويصح أن يكون المراد به الأمر بالشيء على أنه مفرد الأوامر ، فيكون ~~المعنى : حتى إذا جاء أمرنا لنوح بركوب السفينة ، وللأرض بتفجير عيونها ، ~~وللسماء بإنزال أمطارها ... قلنا احمل فيها ... # وجملة ، وفار التنور ، معطوفة على ( @QUR@02 جاء أمرنا )، وكلمة ( ~~@QUR@01 فار ) من الفور والفوران ، وهو شدة الغليان للماء وغيره. # قال صاحب المنار ما ملخصه : «والفور والفوران ضرب من الحركة والارتفاع ~~القوى ms2909 ، يقال في الماء إذا غلا وارتفع ... ويقال في النار إذا هاجت قال ~~تعالى ( @QUR@08 إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور )... # ومن المجاز : فار الغضب ، إذا اشتد ...» (1). # وللمفسرين في المراد بلفظ ( @QUR@01 التنور ) أقوال منها : أن المراد به ~~الشيء الذي يخبز فيه الخبز ، وهو ما يسمى بالموقد أو الكانون ... # ومنها أن المراد به وجه الأرض ... # ومنها : أن المراد به موضع اجتماع الماء في السفينة ... # ومنها : أن المراد به طلوع الفجر من قولهم : تنور الفجر ... PageV07P204 # ومنها : أن المراد به أعالى الأرض والمواضع المرتفعة فيها .. # وقيل : إن الكلام على سبيل المجاز ، والمراد بقوله سبحانه ( @QUR@02 فار ~~التنور ) التمثيل بحضور العذاب ، كقولهم ، حمى الوطيس ، إذا اشتد القتال (1). # وأرجح هذه الأقوال أولها ، لأن التنور في اللغة يطلق على الشيء الذي يخبز ~~فيه ، وفورانه معناه : نبع الماء منه بشدة مع الارتفاع والغليان ، كما يفور ~~الماء في القدر عند الغليان ، ولعل ذلك كان علامة لنوح عليه السلام على ~~اقتراب وقت الطوفان. # وقد رجح هذا القول المحققون من المفسرين ، فقد قال الإمام ابن جرير بعد ~~أن ذكر جملة من الأقوال في معنى التنور : «وأولى الأقوال عندنا بتأويل قوله ~~( @QUR@01 التنور ) قول من قال : هو التنور الذي يخبز فيه ، لأن هذا هو ~~المعروف من كلام العرب ، وكلام الله لا يوجه إلا إلى الأغلب الأشهر من ~~معانيه عند العرب ، إلا أن تقوم حجة على شيء منه بخلاف ذلك ، فيسلم لها. # وذلك لأنه جل ثناؤه إنما خاطبهم بما خاطبهم به لإفهامهم معنى ما خاطبهم به. # أى : قلنا لنوح حين جاء عذابنا قومه ... وفار التنور الذي جعلنا فورانه ~~بالماء آية مجيء عذابنا .. احمل فيها أى السفينة من كل زوجين اثنين ..» (2). # وقال الإمام الرازي ما ملخصه : فإن قيل : فما الأصح من هذه الأقوال في ~~معنى التنور ..؟. # قلنا : الأصل حمل الكلام على حقيقته ، ولفظ التنور حقيقة في الموضع الذي ~~يخبز فيه ، فوجب حمل اللفظ عليه ... # ثم قال : والذي روى من أن فور التنور كان علامة لهلاك القوم لا يمتنع لأن ~~هذه واقعة عظيمة ، وقد وعد الله ms2910 تعالى المؤمنين النجاة فلا بد أن يجعل لهم ~~علامة بها يعرفون الوقت المعين «فلا يبعد جعل هذه الحالة علامة لحدوث هذه ~~الواقعة» (3). # وجملة ( @QUR@08 قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك ) جواب إذا ولفظ ~~( @QUR@01 زوجين ) تثنية زوج ، والمراد به هنا الذكر والأنثى من كل نوع. # قراءة الجمهور : ( @QUR@04 من كل زوجين اثنين ) بدون تنوين للفظ كل ، ~~وإضافته إلى زوجين. PageV07P205 # وقرأ حفص : ( @QUR@04 من كل زوجين اثنين ) بتنوين لفظ كل وهو تنوين عوض ~~عن مضاف إليه ، والتقدير : احمل فيها من كل نوع من أنواع المخلوقات التي ~~أنت في حاجة إليها ذكرا وأنثى. # ويكون لفظ ( @QUR@01 زوجين ) مفعولا لقوله ( @QUR@01 احمل ) واثنين صفة له. # والمراد بأهله : أهل بيته كزوجته وأولاده ، وأكثر ما يطلق لفظ الأهل على ~~الزوجة ، كما في قوله ( @QUR@017 فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من ~~جانب الطور نارا ، قال لأهله امكثوا إني آنست نارا ... ) (1). # والمراد بأهله : من كان مؤمنا منهم. # وجملة ( @QUR@05 إلا من سبق عليه القول ) استثناء من الأهل. # أى : احمل فيها أهلك إلا من سبق عليه قضاؤنا بكفره منهم فلا تحمله. # والمراد بمن سبق عليه القول : زوجته التي جاء ذكرها في سورة التحريم في ~~قوله تعالى ( @QUR@016 ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط ~~كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما .. ) وابنه الذي أبى أن يركب ~~معه السفينة. # قال الآلوسى عند تفسيره لهذه الجملة : والمراد زوجة له أخرى تسمى (واعلة) ~~بالعين المهملة ، وفي رواية (والقه) وابنه منها واسمه (كنعان).. وكانا ~~كافرين» (2). # وجملة ( @QUR@02 ومن آمن ) معطوفة على قوله ( @QUR@01 وأهلك ) أى : واحمل ~~معك من آمن بك من قومك. # والمعنى للآية الكريمة : لقد امتثل نوح أمر ربه له بصنع السفينة ، حتى ~~إذا ما تم صنعها ، وحان وقت نزول العذاب بالكافرين من قومه ، وتحققت ~~العلامات الدالة على ذلك ، قال الله تعالى لنوح : احمل فيها من كل نوع من ~~أنواع المخلوقات التي أنت في حاجة إليها ذكرا وأنثى ، واحمل فيها أيضا من ~~آمن بك من أهل بيتك دون من لم يؤمن ، واحمل فيها كذلك جميع المؤمنين ms2911 الذين ~~اتبعوا دعوتك من غير أهل بيتك. # وقد ختم سبحانه الآية الكريمة بما يدل على قلة عدد من آمن به فقال : ( ~~@QUR@05 وما آمن معه إلا قليل ). PageV07P206 # أى : وما آمن معه إلا عدد قليل من قومه بعد أن لبث فيهم قرونا متطاولة ~~يدعوهم إلى الدين الحق ليلا ونهارا ، وسرا وعلانية. # قال الآلوسى بعد أن ساق أقوالا في عدد من آمن بنوح عليه السلام من قومه : ~~... والرواية الصحيحة أنهم كانوا تسعة وسبعين : زوجته ، وبنوه الثلاثة ~~ونساؤهم ، واثنان وسبعون رجلا وامرأة من غيرهم ...» (1). # ثم حكى سبحانه ما قاله نوح للمؤمنين عند ركوبهم السفينة فقال : ( ~~@QUR@011 وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم ). # ومجريها ومرساها ، قرأهما الجمهور بضم الميمين فيهما ، وهما مصدران من ~~جرى وأرسى. والباء في باسم الله للملابسة ، والآية الكريمة معطوفة على جملة ~~، قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين. # أى : قلنا له ذلك فامتثل أمرنا ، وقال لمن معه من المؤمنين : سلموا أمركم ~~لمشيئة الله تعالى وقولوا عند ركوب السفينة : باسم الله جريها في هذا ~~الطوفان العظيم ، وباسم الله إرساءها في المكان الذي يريد الله تعالى ~~إرساءها فيه. # قال الشيخ الفاضل ابن عاشور : وعدى فعل ( @QUR@01 اركبوا ) بفي ، جريا ~~على الأسلوب الفصيح ، فإنه يقال : ركب الدابة إذا علاها. وأما ركوب الفلك ~~فيعدى بفي ، لأن إطلاق الركوب عليه مجاز ، وإنما هو جلوس واستقرار ، فلا ~~يقال : ركب السفينة ؛ فأرادوا التفرقة بين الركوب الحقيقي والركوب المشابه ~~له ، وهي تفرقة حسنة» (2). # وجملة ( @QUR@04 إن ربي لغفور رحيم ) تعليل للأمر بالركوب المصاحب لذكر ~~الله تعالى : # أى : إن ربي لعظيم المغفرة ولعظيم الرحمة لمن كان مطيعا له مخلصا في ~~عبادته. # قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : يقول الله تعالى ~~إخبارا عن نوح أنه قال للذين أمر بحملهم معه في السفينة ( @QUR@06 اركبوا ~~فيها بسم الله مجراها ومرساها .. ). # وقال سبحانه في موضع آخر : ( @QUR@023 فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك ~~فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين. وقل رب أنزلني منزلا مباركا ~~وأنت خير ms2912 المنزلين ). # ولهذا تستحب التسمية في ابتداء الأمور : عند الركوب في السفينة وعلى ~~الدابة. # فقد روى الطبراني عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «أمان أمتى ~~من الغرق إذا PageV07P207 # ركبوا في السفن أن يقولوا : بسم الله الملك .. بسم الله مجريها ومرساها ~~إن ربي لغفور رحيم» (1). # ثم بين سبحانه حال السفينة وهي تمخر بهم عباب الماء فقال : # ( @QUR@06 وهي تجري بهم في موج كالجبال ). # والموج : ما ارتفع من ماء البحر عند اضطرابه. وأصله من ماج الشيء يموج ~~إذا اضطرب ومنه قوله تعالى ( @QUR@06 وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ). # قال صاحب الكشاف : فإن قلت. بم اتصل قوله تعالى ( @QUR@03 وهي تجري بهم )؟ # قلت : اتصل بمحذوف دل عليه اركبوا فيها باسم الله ، كأنه قيل : فركبوا ~~فيها وهم يقولون : باسم الله ، وهي تجرى بهم. أى تجرى بهم وهم فيها في موج ~~كالجبال ، يريد موج الطوفان ، شبه كل موجة بالجبل في تراكمها وارتفاعها .. (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@014 ونادى نوح ابنه وكان في معزل : يا بني اركب ~~معنا ولا تكن مع الكافرين ) تصوير لتلك اللحظة الرهيبة الحاسمة التي أبصر ~~فيها نوح عليه السلام ابنه الكافر وهو منعزل عنه وعن جماعة المؤمنين. # والمعزل : مكان العزلة ، أى : الانفراد. # أى : وقبل أن يشتد الطوفان وترتفع أمواجه ، رأى نوح ابنه كنعان ، وكان ~~هذا الابن في مكان منعزل ، فقال له نوح بعاطفة الأبوة الناصحة الملهوفة يا ~~بنى اركب معنا في السفينة ، ولا تكن مع القوم الكافرين الذين سيلفهم ~~الطوفان بين أمواجه عما قريب. ولكن هذه النصيحة الغالية من الأب الحزين على ~~مصير ابنه ، لم تجد أذنا واعية من هذا الابن العاق المغرور ، بل رد على ~~أبيه : ( @QUR@07 قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء .. ). # أى : قال : سألتجئ إلى جبل من الجبال الشاهقة ، لكي أتحصن به من وصول ~~الماء إلى. # وهنا يرد عليه أبوه الرد الأخير فيقول كما حكى القرآن عنه : ( @QUR@010 ~~قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم .. ). # أى : قال نوح لابنه : لا معصوم اليوم من عذاب الله إلا من رحمه سبحانه ms2913 ~~بلطفه وإحسانه ، وأما الجبال وأما الحصون .. وأما غيرهما من وسائل النجاة ، ~~فسيعلوها الطوفان ، ولن تغنى عن المحتمى بها شيئا. PageV07P208 # وعبر عن العذاب بأمر الله ، تهويلا لشأنه. # وقوله : ( @QUR@06 وحال بينهما الموج فكان من المغرقين ) بيان للعاقبة ~~السيئة التي آل إليها أمر الابن الكافر. # أى : وحال وفصل الموج بهديره وسرعته بين الابن وأبيه ، فكانت النتيجة أن ~~صار الابن الكافر من بين الكافرين المغرقين. # والتعبير بقوله : ( @QUR@01 وحال ... ) يشعر بسرعة فيضان الماء واشتداده ~~، حتى لكأن هذه السرعة لم تمهلهما ليكملا حديثهما. # والتعبير بقوله : ( @QUR@03 فكان من المغرقين ) يشير إلى أنه لم يغرق ~~وحده ، وإنما غرق هو وغرق معه كل من كان على شاكلته في الكفر. # وهكذا تصور لنا هذه الآية الكريمة ما دار بين نوح وابنه من محاورات في ~~تلك اللحظات الحاسمة المؤثرة ، التي يبذل فيها كل أب ما يستطيع بذله من ~~جهود لنجاة ابنه من هذا المصير المؤلم. # وبعد أن غرق الكافرون ، ونجا نوح ومن معه من المؤمنين ، وجه الله تعالى ~~أمره إلى الأرض وإلى السماء .. فقال : ( @QUR@019 وقيل يا أرض ابلعي ماءك ، ~~ويا سماء أقلعي وغيض الماء ، وقضي الأمر ، واستوت على الجودي ، وقيل بعدا ~~للقوم الظالمين ). # أى : وبعد أن أدى الطوفان وظيفته فأغرق بأمر الله تعالى الكافرين ، قال ~~الله تعالى للأرض : ( @QUR@04 يا أرض ابلعي ماءك ). # أى : اشربى أيتها الأرض ما على وجهك من ماء ، وابتلعيه بسرعة في باطنك ~~كما يبتلع الإنسان طعامه في بطنه بدون استقرار في الفم. # وقال سبحانه للسماء ( @QUR@03 ويا سماء أقلعي ) أى : أمسكى عن إرسال ~~المطر يقال : # أقلع فلان عن فعله إقلاعا ، إذا كف عنه وترك فعله. ويقال : أقلعت الحمى ~~عن فلان ، إذا تركته. # فامتثلتا أى الأرض والسماء لأمر الله تعالى في الحال ، فهو القائل وقوله ~~الحق : ( @QUR@010 إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) (1). # وقوله ( @QUR@02 وغيض الماء ) أى : نقص ونضب. يقال : غاض الماء يغيض ، ~~إذا قل ونقص. PageV07P209 # والمراد به هنا : الماء الذي نشأ عن الطرفان. # وقوله : ( @QUR@02 وقضي الأمر ) أى : تم ونفذ ما وعد الله تعالى به نبيه ~~نوحا ms2914 عليه السلام من إهلاكه للقوم الظالمين. # والضمير في قوله : ( @QUR@03 واستوت على الجودي ) للسفينة ، والجودي ، ~~جيل بشمال العراق بالقرب من مدينة الموصل. وقيل هو جبل بالشام. # أى : واستقرت السفينة التي تحمل نوحا والمؤمنين بدعوته ، على الجبل ~~المعروف بهذا الاسم ، بعد أن أهلك الله أعداءهم. # قال ابن كثير ما ملخصه : وكان خروجهم من السفينة في يوم عاشوراء من ~~المحرم ، فقد روى الإمام أحمد عن أبى هريرة قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بأناس من اليهود ، وقد صاموا يوم عاشوراء ، فقال لهم : ما هذا الصوم؟ قالوا ~~، هذا اليوم الذي نجى الله موسى وبنى إسرائيل من الغرق ، وغرق فيه فرعون. ~~وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي. فصامه نوح وموسى عليه السلام شكرا لله. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم «أنا أحق بموسى ، وأحق بصوم هذا اليوم». ~~فصامه ، وقال لأصحابه : من كان أصبح منكم صائما فليتم صومه ، ومن كان قد ~~أصاب من غذاء أهله ، فليتم بقية يومه» (1). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : وقيل بعدا للقوم الظالمين. # أى : هلاكا وسحقا وطردا من رحمة الله تعالى للقوم الذين ظلموا أنفسهم ~~بإيثارهم الكفر على الإيمان ، والضلالة على الهداية. # قال الجمل : و ( @QUR@01 بعدا ) مصدر بعد بكسر العين ، يقال بعد بعدا بضم ~~فسكون وبعدا بفتحتين إذا بعد بعدا بعيدا بحيث لا يرجى عوده ، ثم استعير ~~للهلاك ، وخص بدعاء السوء ، وهو منصوب على المصدر بفعل مقدر. أى : وقيل ~~بعدا بعدا ...» (2). # هذا وقد تكلم بعض العلماء عن أوجه البلاغة والفصاحة في هذه الآية كلاما ~~طويلا ، نكتفي بذكر جانب مما قاله في ذلك الشيخ القاسمى في تفسيره. # قال رحمه الله ما ملخصه : «هذه الآية بلغت من أسرار الإعجاز غايتها ، وحوت ~~من بدائع الفوائد نهايتها. وقد اهتم علماء البيان بإبراز ذلك ، ومن أوسعهم ~~مجالا في مضمار معارفها PageV07P210 # الإمام «السكاكي» فقد أطال وأطنب في كتابه «المفتاح» في الحديث عنها. # فقد قال عليه الرحمة في بحث البلاغة والفصاحة : # وإذ قد وقفت على البلاغة ، وعثرت على الفصاحة ، فأذكر لك على سبيل ~~الأنموذج ، آية أكشف ms2915 لك فيها من وجوههما ما عسى أن يكون مستورا عنك ، وهذه ~~الآية هي قوله تعالى ( @QUR@012 وقيل يا أرض ابلعي ماءك ، ويا سماء أقلعي ، ~~وغيض الماء ، وقضي الأمر ... ). # والنظر في هذه الآية من أربع جهات : من جهة علم البيان ، ومن جهة علم ~~المعاني ، ومن جهة الفصاحة المعنوية ، ومن جهة الفصاحة اللفظية. # أما النظر فيها من جهة علم البيان .. فتقول : إنه عز سلطانه لما أراد أن ~~يبين معنى هو : أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد ، وأن نقطع ~~طوفان السماء فانقطع ، وأن نغيض الماء النازل من السماء فغاض لما أراد ذلك ~~: بنى الكلام على التشبيه ، بأن شبه الأرض والسماء بالمأمور الذي لا يتأتى ~~منه أن يعصى أمره .. وكأنهما عقلاء مميزون فقال : ( @QUR@07 يا أرض ابلعي ~~ماءك ، ويا سماء أقلعي ... ) # ثم قال : ( @QUR@01 ماءك ) بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز ، ~~تشبيها لاتصال الماء بالأرض ، باتصال الملك بالمالك. # ثم اختار لاحتباس المطر لفظ الإقلاع الذي هو ترك الفاعل للفعل. # وأما النظر فيها من حيث علم المعاني ... فذلك أنه اختير ( @QUR@01 يا ) ~~دون سائر أخواتها ، لكونها أكثر في الاستعمال ... واختير لفظ «ابلعي» على ~~«ابتلعى» لكونه أخصر. ثم أطلق الظلم ليتناول كل نوع منه ، حتى يدخل فيه ~~ظلمهم لأنفسهم. # وأما النظر فيها من جانب الفصاحة المعنوية فهي كما ترى. نظم للمعاني لطيف ~~، وتأدية لها ملخصة مبينة ، لا تعقيد يعثر الفكر في طلب المراد ، ولا ~~التواء يشيك الطريق إلى المرتاد ، بل إذا جربت نفسك عند استماعها ، وجدت ~~ألفاظها تسابق معانيها ، ومعانيها تسابق ألفاظها ، فما من لفظة في تركيب ~~الآية ونظمها تسبق إلى أذنك ، إلا ومعناها أسبق إلى قلبك. # وأما النظر فيها من جانب الفصاحة اللفظية : فألفاظها على ما ترى عربية ، ~~مستعملة جارية على قوانين اللغة ، سليمة من التنافر ، بعيدة عن البشاعة. # ولا تظن الآية مقصورة على ما ذكرت ، فلعل ما تركت أكثر مما ذكرت (1). PageV07P211 # ثم ختم سبحانه قصة نوح مع قومه في هذه السورة ، بتلك الضراعة التي تضرع ~~بها نوح عليه السلام بشأن ولده ، وبذلك الرد ms2916 الحكيم الذي رد به الخالق عز وجل ~~على نوح عليه السلام ، وبتعقيب على القصة يدل على وحدانية الله تعالى ، وعلى ~~صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه قال تعالى : # ( @QUR@015 ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت ~~أحكم الحاكمين (45) @QUR@024 قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح ~~فلا تسئلن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين (46) @QUR@019 ~~قال رب إني أعوذ بك أن أسئلك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من ~~الخاسرين (47) @QUR@019 قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ~~ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم (48) @QUR@019 تلك من أنباء ~~الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة ~~للمتقين ) (49) # والمراد بالنداء في قوله سبحانه : ( @QUR@03 ونادى نوح ربه ).. الدعاء ~~والضراعة إلى الله تعالى والجملة الكريمة معطوفة على ما قبلها. # أى : وبعد أن تخلف ابن نوح عليه السلام عن الركوب معه في السفينة ، وقضى ~~الأمر بهلاك الكافرين ونجاة المؤمنين .. تضرع نوح عليه السلام إلى ربه فقال ~~في استعطاف ورجاء : PageV07P212 # يا رب! ان ابني «كنعان» ( @QUR@02 من أهلي ) فهو قطعة منى ، فأسألك أن ~~ترحمه برحمتك ( @QUR@03 إن وعدك الحق ) أى : وإن كل وعد تعده لعبادك هو ~~الوعد الحق وأنت يا ربي قد وعدتني بنجاة أهلى إلا من سبق عليه القول منهم ، ~~لكني في هذا الموقف العصيب أطمع في عفوك عن ابني وفي رحمتك له. # وقوله : ( @QUR@03 وأنت أحكم الحاكمين ) أى : وأنت يا إلهى لا راد لما ~~تحكم به ، ولا معقب لحكمك ، وحكمك هو الحق والعدل ، وهو المنزه عن الخطأ ~~والمحاباة ، لأنه صادر عن كمال العلم والحكمة. # واكتفى نوح عليه السلام بأن يقول : ( @QUR@011 رب إن ابني من أهلي. وإن ~~وعدك الحق ، وأنت أحكم الحاكمين ) دون أن يصرح بمطلوبه وهو نجاة ابنه تأدبا ~~مع الله تعالى وحياء منه سبحانه واعتقادا منه بأنه سبحانه عليم بما يريده ، ~~وخبير بما يجول ms2917 في نفسه. # وهذا لون من الأدب السامي ، سلكه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في ~~مخاطبتهم لربهم عز وجل ومن أولى منهم بذلك؟!! # ولعل نوحا عليه السلام عند ما تضرع إلى ربه سبحانه بهذا الدعاء لم يكن ~~يعلم أن طلب الرحمة أو النجاة لابنه الكافر ممنوع ، فكان حاله في ذلك كحال ~~النبي صلى الله عليه وسلم عند ما قال لعمه أبى طالب : «لأستغفرن لك ما لم أنه ~~عن ذلك» واستمر يستغفر له إلى أن نزل قوله تعالى ( @QUR@012 ما كان للنبي ~~والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى .. ) (1). # وقال الشيخ القاسمى : وإنما قال نوح ذلك أى : رب إن ابني من أهلى .. ألخ ~~لفهمه من الأهل ذوى القرابة الصورية ، والرحمة النسبية ، وغفل لفرط التأسف ~~على ابنه عن استثنائه تعالى بقوله : ( @QUR@05 إلا من سبق عليه القول ) ولم ~~يتحقق أن ابنه هو الذي سبق عليه القول ، فاستعطف ربه بالاسترحام ، وعرض ~~بقوله ( @QUR@03 وأنت أحكم الحاكمين ) إلى أن العالم العادل الحكيم لا يخلف ~~وعده (2). # وقوله سبحانه ( @QUR@07 قال يا نوح إنه ليس من أهلك .. ) رد من الله ~~تعالى على نوح فيما طلبه منه. # أى : قال الله تعالى مجيبا لنوح عليه السلام فيما سأله إياه : يا نوح إن ابنك PageV07P213 # هذا ( @QUR@03 ليس من أهلك ) لأن مدار الأهلية مبنى على القرابة الدينية ~~، وقد انقطعت بالكفر ، فلا علاقة بين مسلم وكافر. # أو ليس من أهلك الذين وعدتك بنجاتهم ، بل هو ممن سبق عليه القول بسبب كفره. # فالمراد نفى أن يكون من أهل دينه واعتقاده ، وليس المراد نفى أن يكون من ~~صلبه ، لأن ظاهر الآية يدل على أنه ابنه من صلبه ، ومن قال بغير ذلك فقوله ~~ساقط ولا يلتفت إليه ، لخلوه عن الدليل. # قال ابن كثير : وقد نص غير واحد من الأئمة على تخطئة من ذهب في تفسير هذا ~~إلا أنه ليس بابنه ، وإنما كان ابن زنية. # وقال ابن عباس وغير واحد من السلف : ما زنت امرأة نبي قط ، ثم قال : ~~وقوله : ( @QUR@04 إنه ليس من أهلك ) أى : الذين وعدتك بنجاتهم. # وقول ابن ms2918 عباس في هذا هو الحق الذي لا محيد عنه ؛ فإن الله تعالى أغير من ~~أن يمكن امرأة نبي من الفاحشة (1). # وجملة ( @QUR@04 إنه عمل غير صالح ) تعليل لنفى الأهلية. # وقد قرأ الجمهور (عمل) بفتح الميم وتنوين اللام على أنه مصدر مبالغة في ~~ذمه حتى لكأنه هو نفس العمل غير الصالح وأصل الكلام إنه ذو عمل غير صالح ، ~~فحذف المضاف للمبالغة بجعله عين عمله الفاسد لمداومته عليه. # وقرأ الكسائي ويعقوب ( @QUR@01 عمل ) بوزن فرح بصيغة الفعل الماضي أى : ~~إنه عمل عملا غير صالح وهو الكفر والعصيان ، فحذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه. # قال صاحب الكشاف وقوله : ( @QUR@04 إنه عمل غير صالح ) تعليل لانتفاء ~~كونه من أهله. # وفيه إيذان بأن قرابة الدين غامرة لقرابة النسب ، وأن نسيبك في دينك ~~ومعتقدك من الأباعد في المنصب وإن كان حبشيا وكنت قرشيا لصيقك وخصيصك ، ومن ~~لم يكن على دينك وإن كان أمس أقاربك رحما فهو أبعد بعيد منك (2). # وقال الفخر الرازي : هذه الآية تدل على أن العبرة بقرابة الدين لا بقرابة ~~النسب ، فإن في هذه الصورة كانت قرابة النسب حاصلة من أقوى الوجوه ، ولكن ~~لما انتفت قرابة الدين ، لا جرم نفاه الله تعالى بأبلغ الألفاظ وهو : قوله ~~: ( @QUR@04 إنه ليس من أهلك ) (3). PageV07P214 # والفاء في قوله : ( @QUR@07 فلا تسئلن ما ليس لك به علم .. ) للتفريع. # أى : ما دمت قد وقفت على حقيقة الحال ، فلا تلتمس منى ملتمسا لا تعلم على ~~وجه اليقين ، أصواب هو أم غير صواب ، بل عليك أن تتثبت من صحة ما تطلبه ، ~~قبل أن تقدم على طلبه. # وجملة ( @QUR@06 إني أعظك أن تكون من الجاهلين ) تأكيد لما قبلها ، ونهى ~~له عن مثل هذا السؤال في المستقبل ، بعد أن أعلمه بحقيقة حال ابنه. # أى : إنى أنهاك يا نوح عن أن تكون من القوم الجاهلين ، الذين يسألون عن ~~أشياء لا يتحققون وجه الصواب فيها. # وهنا بين الله تعالى أن نوحا عليه السلام قد تنبه إلى ما أرشده إليه ربه ، ~~فبادر بطلب العفو والصفح منه سبحانه فقال : ( @QUR@012 قال رب إني أعوذ بك ~~أن ms2919 أسئلك ما ليس لي به علم .. ). # أى : قال نوح عليه السلام ملتمسا الصفح من ربه : رب إنى أستجير بك ، ~~وأحتمى بجنابك من أن أسألك شيئا بعد الآن ، ليس عندي علم صحيح بأنه جائز ~~ولائق ( @QUR@03 وإلا تغفر لي ) ما فرط منى من قول ، وما صدر عنى من فعل. # ( @QUR@01 وترحمني ) برحمتك الواسعة التي وسعت كل شيء. # ( @QUR@03 أكن من الخاسرين ) الذين خسروا أنفسهم بالاحتجاب عن علمك ~~وحكمتك. ثم بشر سبحانه نبيه نوحا عليه السلام بقبول توبته فقال : ( @QUR@012 ~~قيل يا نوح اهبط بسلام منا ، وبركات عليك وعلى أمم ممن معك .. ). # والسلام : التحية المقرونة بالأمان والاطمئنان ، وأصله السلامة ، والباء ~~فيه للمصاحبة والبركات. جمع بركة وهي ثبوت الخير ونماؤه وزيادته ، ~~واشتقاقها من البرك ، وهو صدر البعير. يقال : برك البعير إذا ألقى بركه أى ~~صدره على الأرض وثبت. ومنه البركة لثبوت الماء فيها. # والأمم : جمع أمة ، وهي الجماعة الكثيرة من الناس ، يجمعها نسب واحد أو ~~لغة واحدة ، أو موطن واحد. # أى : قال الله تعالى مبشرا نوحا عليه السلام بقبول توبته : يا نوح اهبط من ~~السفينة مصحوبا منا بالأمان مما تكره ، وبالخيرات النامية والنعم الثابتة ~~عليك ، وعلى أمم متشعبة ومتفرعة وناشئة من الأمم المؤمنة التي ستهبط معك ، ~~بعد أن أنجاكم الله تعالى PageV07P215 # بفضله ورحمته من العذاب ، الذي حل بالكافرين من قومك. # وكان مقتضى الظاهر أن يقال : قال يا نوح اهبط بسلام .. ولكن جاء التعبير ~~بقيل ، مسايرة للتعبيرات السابقة في أجزاء القصة ، مثل قوله سبحانه ( ~~@QUR@05 وقيل يا أرض ابلعي ماءك .. ) وقوله : ( @QUR@04 وقيل بعدا للقوم ~~الظالمين ). # وقوله ( @QUR@02 اهبط بسلام .. ) فيه إشارة إلى أنه كان قبل الهبوط في ~~ضيافة الله ورعايته ، وأنه لولا عناية الله به وبمن معه من المؤمنين ، لما ~~نجت السفينة من ذلك الطوفان العظيم. # والتعبير بقوله ( @QUR@01 منا ) لزيادة التكريم ، وتأكيد السلام. أى : ~~انزل بسلام ناشئ من عندنا ، وليس من عند غيرنا ؛ لأن كل سلام من غيرنا لا ~~قيمة له بجانب سلامنا. # وقوله ( @QUR@05 عليك وعلى أمم ممن معك ) متعلق بسلام وبركات. # وفي هذا إشارة إلى أنه سبحانه سيجعل من ms2920 ذرية نوح ومن ذرية من معه من ~~المؤمنين ، أمما كثيرة تكون محل كرامة الله وأمانه وبركاته. # وقوله سبحانه ( @QUR@07 وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم ) كلام ~~مستأنف مسوق للاحتراز والتحذير من سوء عاقبة المخالفة لأمر الله. # أى : أن الأمم التي تكون من نسلك ومن نسل أتباعك يا نوح على قسمين : قسم ~~منهم له منا السلام ، وعليه البركات بسبب إيمانه وعمله الصالح. # وقسم آخر سنمتعه في الدنيا وبالكثير من زينتها وخيراتها ، ثم يصيبه يوم ~~القيامة عذاب أليم بسبب جحوده لنعمنا ، وعصيانه لرسلنا. # فعلى كل عاقل أن يجتهد في أن يكون من القسم الأول ، وأن يتجنب القسم ~~الثاني. # ثم اختتم الله تعالى قصة نوح عليه السلام مع قومه في هذه السورة ، بقوله : ~~( @QUR@019 تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ، ما كنت تعلمها أنت ولا قومك ~~من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين ). # واسم الإشارة ( @QUR@01 تلك ) يعود إلى ما قصة الله تعالى من قصة نوح مع ~~قومه في هذه السورة. # والأنباء : جمع نبأ وهو الخبر الهام. والغيب : مصدر غاب ، وهو مالا تدركه ~~الحواس ولا يعلم ببداهة العقل. # أى : تلك القصة التي قصصناها عليك يا محمد بهذا الأسلوب الحكيم ، من ~~أخبار الغيب الماضية ، التي لا يعلم دقائقها وتفاصيلها أحد سوانا. PageV07P216 # ونحن ( @QUR@02 نوحيها إليك ) ونعرفك بها عن طريق وحينا الصادق الأمين. # وهذه القصة وأمثالها ( @QUR@03 ما كنت تعلمها ) أنت يا محمد ، وما كان ~~يعلمها ( @QUR@01 قومك ) أيضا ، بهذه الصورة الصادقة الحكيمة ، الخالية من ~~الأساطير والأكاذيب. # ( @QUR@02 من قبل ) هذا الوقت الذي أوحيناها إليك فيه. # وما دام الأمر كذلك ( @QUR@01 فاصبر ) صبرا جميلا على تبليغ رسالتك ، ~~وعلى أذى قومك كما صبر أخوك نوح من قبل. # وجملة ( @QUR@03 إن العاقبة للمتقين ) تعليل للأمر بالصبر. # والعاقبة : الحالة التي تعقب حالة قبلها ، وقد شاعت عند الإطلاق في حالة ~~الخير كما في قوله تعالى ( @QUR@02 والعاقبة للتقوى ). وأل فيها للجنس ، ~~واللام في قوله ( @QUR@01 للمتقين ) للاختصاص. # أى : إن العاقبة الحسنة الطيبة في الدنيا والآخرة ، للمتقين الذين صانوا ~~أنفسهم عن كل ما لا يرضى الله تعالى ، وليست لغيرهم ممن ms2921 استحبوا العمى على الهدى. # والآية الكريمة تعقيب حكيم على قصة نوح عليه السلام قصد به الامتنان على ~~النبي صلى الله عليه وسلم والموعظة ، والتسلية. # فالامتنان نراه في قوله تعالى ( @QUR@09 ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من ~~قبل هذا ). # والموعظة نراها في قوله سبحانه ( @QUR@01 فاصبر ). # والتسلية نراها في قوله عز وجل ( @QUR@03 إن العاقبة للمتقين ). # وبعد ، فهذه قصة نوح عليه السلام كما وردت في هذه السورة الكريمة ، ومن ~~العبر والعظات والهدايات والحقائق التي نأخذها منها ما يأتى : # 1 الدلالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه ، وعلى أن ~~هذا القرآن من عند الله تعالى ، فقد أخبرنا عن قصة نوح عليه السلام مع قومه ~~، وعن غيرها من القصص ، التي هي من أنباء الغيب ، والتي لا يعلم حقيقتها ~~وتفاصيلها أحد سوى الله عز وجل . # 2 أن نوحا عليه السلام قد سلك في دعوته إلى الله تعالى أحسن الأساليب ~~وأحكمها ، فقد دعا قومه إلى عبادة الله تعالى وحده في الليل وفي النهار. ~~وفي السر وفي العلانية ، وأقام لهم ألوانا من الأدلة على صدقه ، ورغبهم في ~~الإيمان بشتى ألوان الترغيب ، وحذرهم من الكفر بشتى أنواع التحذير ، وصبر ~~على أذاهم صبرا جميلا ، ورد على سفاهاتهم PageV07P217 # وأقوالهم بمنطق سليم ، أبطل به حججهم .. مما جعلهم يكفون عن مناقشته ، ~~ويلجئون إلى التحدي والتعنت. # وما أحوج الدعاة إلى الله عز وجل إلى التماس العبرة والعظة من قصة نوح مع قومه. # 3 أن النسب مهما شرف وعظم لن ينفع صاحبه عند الله ، إلا إذا كان معه ~~الإيمان والعمل الصالح ، وأن الإيمان والصلاح ليسا مرتبطين بالوراثة ~~والأنساب لأنه لو كان الأمر كذلك لكانت ذرية نوح ومن معه من المؤمنين الذين ~~نجوا معه في السفينة. كلها من المؤمنين الصالحين ، مع أن المشاهد غير ذلك. # ورحم الله الإمام القرطبي فقد قال ما ملخصه عند تفسيره لقوله تعالى ( ~~@QUR@07 قال يا نوح إنه ليس من أهلك .. ): «وفي هذه الآية تسلية للآباء في ~~فساد أبنائهم وإن كان الآباء صالحين» ، فقد روى أن ابنا لمالك ms2922 بن أنس ارتكب ~~أمرا لا يليق بمسلم ، فعلم بذلك مالك فقال : «الأدب أدب الله ، لا أدب ~~الآباء والأمهات ، والخير خير الله ، لا خير الآباء والأمهات ..» (1). # 4 أن سؤال نوح عليه السلام ما سأله لابنه لم يكن كما قال صاحب المنار ~~معصية لله تعالى خالف فيها أمره أو نهيه ، وإنما كان خطأ في اجتهاد رأى ~~بنية صالحة. # وإنما عدها الله تعالى ذنبا له لأنها كانت دون مقام العلم الصحيح اللائق ~~بمنزلته من ربه ، هبطت بضعفه البشرى ، وما غرس في الفطرة من الرحمة والرأفة ~~بالأولاد إلى اتباع الظن ، ومثل هذا الاجتهاد لم يعصم منه الأنبياء ، ~~فيقعون فيه أحيانا ليشعروا بحاجتهم إلى تأديب ربهم وتكميله إياهم آنا بعد ~~آن ، بما يصعدون به في معارج العرفان» (2). # 5 إن القرآن في إيراده للقصص والأخبار ، لا يهتم إلا بإبراز النافع ~~المفيد منها ، أما ما عدا ذلك مما لا فائدة من ذكره ، فيهمل القرآن الحديث عنه. # فمثلا في قصة نوح عليه السلام هنا ، لم يتعرض القرآن لبيان المدة التي ~~قضاها نوح في صنع السفينة. ولا لبيان طول السفينة وعرضها وارتفاعها ، ولا ~~لتفاصيل الأنواع التي حملها معه في السفينة ، ولا لبيان الفترة التي عاشها ~~نوح ومن معه فيها. # ولا لبيان المكان الذي هبط فيه نوح بعد أن استوت السفينة على الجودي .. ~~ولا لبيان PageV07P218 # الزمان الذي استغرقه الطوفان فوق الأرض. # وما ورد في ذلك من أقوال وأخبار ، أكثرها من الإسرائيليات التي لا يؤيدها ~~دليل من الشرع أو العقل. # ومن المسائل التي تكلم عنها كثير من العلماء ، وذهبوا بشأنها مذاهب شتى ~~مسألة الطوفان. # وقد أصدر الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده رحمه الله فتوى في هذا الشأن ، ~~ملخصها كما يقول صاحب المنار : أن ظواهر القرآن والأحاديث أن الطوفان كان ~~عاما شاملا لقوم نوح الذين لم يكن في الأرض غيرهم فيجب اعتقاده ، ولكنه لا ~~يقتضى أن يكون عاما للأرض ، إذ لا دليل على أنهم كانوا يملؤون الأرض. # وهذه المسائل التاريخية ليست من مقاصد القرآن ، ولذلك لم يبينها بنص قطعى ~~، فنحن نقول بما ms2923 تقدم إنه ظاهر النصوص ، ولا نتخذه عقيدة دينية قطعية ، فإن ~~أثبت العلم خلافه لا يضرنا ، لأنه لا ينقض نصا قطعيا عندنا) (1). # 6 أن سنة الله تعالى في خلقه لا تتخلف ولا تتبدل وهي أن العاقبة للمتقين ~~، مهما طال الصراع بين الحق والباطل ، وبين الأخيار والأشرار. # فلقد لبث نوح عليه السلام في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى ~~عبادة الله وحده ، وقد لقى خلال تلك المدة الطويلة ما لقى من الأذى ... ~~ولكن كانت النتيجة في النهاية نجاته ومن معه من المؤمنين ، وإغراق أعدائه ~~بالطوفان العظيم. # ولقد أفاض صاحب الظلال رحمه الله وهو يتحدث عن هذا المعنى فقال ما ملخصه : ~~«ثم نقف الوقفة الأخيرة مع قصة نوح ، لنرى قيمة الحفنة المسلمة في ميزان ~~الله سبحانه . # إن حفنة من المسلمين من أتباع نوح عليه السلام تذكر بعض الروايات ، أنهم ~~اثنا عشر ، هم كانوا حصيلة دعوة نوح في ألف سنة إلا خمسين عاما. # إن هذه الحفنة وهي ثمرة ذلك العمر الطويل والجهد الطويل ، قد استحقت أن ~~يغير الله لها المألوف من ظواهر هذا الكون ، وأن يجرى لها ذلك الطوفان الذي ~~يغمر كل شيء ... وأن يجعل هذه الحفنة وحدها هي وارثة الأرض بعد ذلك ، وبذرة ~~العمران فيها. # وهذه هي عبرة الحادث الكونى العظيم. # إنه لا ينبغي لأحد يواجه الجاهلية بالإسلام ، أن يظن أن الله تاركه ~~للجاهلية وهو يدعو إلى PageV07P219 # إفراد الله سبحانه بالربوبية. كما أنه لا ينبغي له أن يقيس قوته الذاتية ~~إلى قوى الجاهلية فيظن أن الله تاركه لهذه القوى ، وهو عبده الذي يستنصر به ~~حين يغلب فيدعوه : (أنى مغلوب فانتصر). # إن القوى في حقيقتها ليست متكافئة ولا متقاربة .. إن الجاهلية تملك قواها ~~.. ولكن الداعي إلى الله يستند إلى قوة الله. والله يملك أن يسخر له بعض ~~القوى الكونية حينما يشاء وكيفما يشاء ، وأيسر هذه القوى يدمر قوى الجاهلية ~~من حيث لا تحتسب!!. # والذين يسلكون السبيل إلى الله ليس عليهم إلا أن يؤدوا واجبهم كاملا ، ثم ~~يتركوا الأمور لله في طمأنينة وثقة. ms2924 وعند ما يغلبون عليهم أن يلجئوا إلى ~~الناصر المعين ، وأن يجأروا إليه وحده كما جأر عبده الصالح نوح : ( @QUR@05 ~~فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ). # ثم عليهم أن ينتظروا فرج الله القريب ، وانتظار الفرج من الله عبادة ، ~~فهم على هذا الانتظار مأجورون .. والعاقبة للمتقين» (1). # ثم تابعت السورة الكريمة حديثها عن قصة هود عليه السلام مع قومه ، بعد ~~حديثها عن قصة نوح عليه السلام مع قومه ، فقال تعالى : # ( @QUR@018 وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره إن أنتم إلا مفترون (50) @QUR@014 يا قوم لا أسئلكم عليه أجرا إن أجري ~~إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون (51) @QUR@018 ويا قوم استغفروا ربكم ثم ~~توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا ~~مجرمين (52) @QUR@016 قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا ~~عن قولك وما نحن لك بمؤمنين (53) PageV07P220 # @QUR@016 إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا ~~أني بريء مما تشركون (54) @QUR@07 من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون (55) ~~@QUR@018 إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ~~ربي على صراط مستقيم (56) @QUR@021 فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به ~~إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ (57) ~~@QUR@014 ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم ~~من عذاب غليظ (58) @QUR@012 وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا ~~أمر كل جبار عنيد (59) @QUR@017 وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ~~ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود ) (60) # تلك هي قصة هود عليه السلام مع قومه كما حكتها هذه السورة ، وقد وردت قصته ~~معهم في سور أخرى منها : سورة الأعراف ، والشعراء ، والأحقاف. # وينتهى نسب هود إلى نوح عليهما السلام فهو كما قال بعض المؤرخين : هود بن ~~عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوض بن إرم بن سام بن نوح) (1). # وقومه هم قبيلة عاد نسبة إلى أبيهم الذي كان يسمى ms2925 بهذا الاسم ، وكانت ~~مساكنهم بالأحقاف جمع حقف وهو الرمل الكثير المائل ، وهذا المكان يسمى الآن ~~بالربع الخالي جنوب الجزيرة العربية. # وكان قوم هود عليه السلام يعبدون الأصنام ، فأرسله الله إليهم لهدايتهم. PageV07P221 # ويقال إن هودا عليه السلام قد أرسله الله إلى عاد الأولى ، أما عاد ~~الثانية فهم قوم صالح ، وبينهما زهاء مائة سنة. # وقوله سبحانه : ( @QUR@014 وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ~~ما لكم من إله غيره ... ) معطوف على قصة نوح التي سبق الحديث عنها. # أى : وكما أرسلنا نوحا إلى قومه ليأمرهم بعبادة الله وحده ، أرسلنا إلى ~~قبيلة عاد أخاهم هودا ، فقال لهم ما قاله كل نبي لقومه : ( @QUR@09 يا قوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ). # ووصفه سبحانه بأنه ( @QUR@01 أخاهم ) لأنه من قبيلتهم في النسب ، أو لأنه ~~أخوهم في الإنسانية وناداهم بقوله : ( @QUR@02 يا قوم ) زيادة في التلطف ~~معهم ، استجلابا لقلوبهم ، وترضية لنفوسهم ، وجملة ( @QUR@05 ما لكم من إله ~~غيره ) في معنى العلة لما قبله. # أى : أنا آمركم بعبادة الله وحده ، لأنه ليس هناك إله آخر يستحق العبادة ~~سواه ، فهو الذي خلقكم ورزقكم ، وهو الذي يحييكم ويميتكم. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@04 إن أنتم إلا مفترون ). # والافتراء : الكذب المتعمد الذي لا شبهة لصاحبه في النطق به. # أى : ما أنتم إلا متعمدون للكذب في جعلكم الألوهية لغير الله تعالى . # ثم بين لهم بعد ذلك أنه لا يريد منهم جزاء ولا شكورا في مقابل دعوته ~~إياهم إلى الحق فقال : ( @QUR@012 يا قوم لا أسئلكم عليه أجرا إن أجري إلا ~~على الذي فطرني ... ). # وفطرني : أى خلقني وأبدعنى على غير مثال سابق ، يقال : فطر الأمر. أى : ~~ابتدأه وأنشأه. وفطر الله الخلق : أى خلقهم وأوجدهم. وأصل الفطر : الشق ، ~~ثم استعمل في الخلق والإنشاء مجازا. # والمعنى : ويا قوم لا أريد منكم على ما أدعوكم إليه أجرا منكم ، وإنما ~~أجرى تكفل به الله الذي خلقني بقدرته ، فهو وحده الذي أطلب منه الأجر ~~والعطاء. # ومقصده من هذا القول ، إزالته ما عسى أن يكون قد حاك في نفوسهم ، من أنه ms2926 ~~ما دعاهم إلى ما دعاهم إليه ، إلا لأنه رجل يبتغى منهم الأجر الذي يجعله ~~موسرا فيهم .. # والهمزة في قوله ( @QUR@02 أفلا تعقلون ) للاستفهام الإنكارى ، وهي داخلة ~~على محذوف. # أى : أتجهلون ما هو واضح من الأمور ، فلا تعقلون أن أجر الناصحين ~~المخلصين ، إنما هو من الله تعالى رب العالمين ورازقهم. # ثم أرشدهم إلى ما يؤدى إلى زيادة غناهم وقوتهم ، وحذرهم من سوء عاقبة ~~البطر والأشر PageV07P222 # فقال : ( @QUR@018 ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء ~~عليكم مدرارا ، ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين ). # والاستغفار : طلب المغفرة من الله تعالى وعدم المؤاخذة على الخطايا : # والتوبة : العزم على الإقلاع عن الذنب ، مع الندم على ما حصل منه في ~~الماضي. # أى : ويا قوم استغفروا ربكم مما فرط منكم من شرك وعصيان ، ثم عودوا إليه ~~بالتوبة الصادقة النصوح. # وثم هنا للترتيب الرتبى ، لأن الإقلاع عن الذنب مع المداومة على ذلك : ~~مقدم على طلب المغفرة. # وجملة ( @QUR@04 يرسل السماء عليكم مدرارا ) جواب الأمر في قوله ( ~~@QUR@01 استغفروا ). # والمراد بالسماء هنا السحاب أو المطر ، تسمية للشيء باسم مصدره. # ومدرارا : مأخوذ من الدر أى : سيلان اللبن وكثرته. ثم استعير للمطر ~~الغزير يقال : درت السماء بالمطر تدر وتدر درا .. إذا كثر نزول المطر منها. # وهو حال من السماء ، ولم يؤنث مع أنه حال من مؤنث ، باعتبار أن المراد ~~بالسماء هنا المطر أو السحاب. # والمعنى : أن هودا عليه السلام قال لقومه يا قوم اعبدوا الله واستغفروه ~~وتوبوا إليه .. فإنكم إن فعلتم ذلك أرسل الله تعالى عليكم المطر غزيرا ~~متتابعا في أوقات حاجتكم إليه ؛ لتشربوا منه وتسقوا به دوابكم وزروعكم. # وجملة ( @QUR@04 ويزدكم قوة إلى قوتكم ) معطوفة على ما قبلها. # أى : وأيضا إن فعلتم ذلك زادكم الله تعالى عزا إلى عزكم ، وشدة إلى شدتكم ~~التي عرفتم بها ، ووهبكم الأموال الطائلة ، والذرية الكثيرة. # قال الآلوسى : «رغبهم عليه السلام بكثرة المطر ، وزيادة القوة ، لأنهم ~~كانوا أصحاب زروع وبساتين وعمارات. وقيل : حبس الله عنهم المطر وأعقم أرحام ~~نسائهم ثلاث سنين ، فوعدهم هود على الاستغفار والتوبة كثرة الأمطار ms2927 ، ~~ومضاعفة القوة بالتناسل ...» (1). PageV07P223 # ثم حذرهم من مقابلة نعم الله بالكفر والجحود فقال : ( @QUR@03 ولا تتولوا ~~مجرمين. ) والتولي : هو الإعراض عن الشيء بإصرار وعناد. # أى : ولا تتولوا عما دعوتكم إليه وأنتم مصرون على ما أنتم عليه من إجرام ~~وجحود وعناد. # وإلى هنا يكون هود عليه السلام قد وضح لقومه دعوته ، ورغبهم في الاستجابة ~~لها ، وحذرهم من الإعراض عنها ، وناداهم بلفظ يا قوم ثلاث مرات ، توددا ~~إليهم ، وتذكيرا لهم بآصرة القرابة التي تجمعهم وإياه. لعل ذلك يستثير ~~مشاعرهم ، ويحقق اطمئنانهم إليه ، فإن الرائد لا يكذب أهله. # ولكن قوم هود عليه السلام قابلوا كل ذلك بالتطاول عليه ، والسخرية منه ~~فقالوا : ( @QUR@06 قالوا يا هود ما جئتنا ببينة .. ). # والبينة : ما يتبين به الحق من الباطل. أى : قالوا له يا هود إنك لم ~~تجئنا بحجة تقنعنا بأنك على الحق فيما تدعو إليه ، وترضى نفوسنا وطباعنا ~~وعاداتنا. # ثم أضافوا إلى ذلك قولهم : ( @QUR@06 وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك ). # أى : وما نحن بتاركي آلهتنا بسبب قولك لنا الخالي عن الدليل : اتركوا ~~عبادتها واجعلوا عبادتكم لله وحده. # ثم أكدوا إصرارهم على كفرهم بقولهم ( @QUR@04 وما نحن لك بمؤمنين ) أى : ~~بمستجيبين لك ومصدقين. # ثم أضافوا إلى إصرارهم هذا استخفافا به وبما يدعو إليه فقالوا : «إن نقول ~~إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ...». # ومعنى اعتراك : أصابك ومسك. يقال عراه الأمر واعتراه أى أصابه ، وأصله من ~~قولهم : عراه يعروه ، أى : غشيه وأصابه. ومنه قول الشاعر : # وإنى لتعرونى لذكراك هزة ... أى : تصيبني. # أى : ما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك ، وما نحن لك بمتبعين ، بل عليك أن ~~تيأس يأسا تاما من استجابتنا لك ، وحالتك التي نراها بأعيننا تجعلنا نقول ~~لك : إن سبك لآلهتنا جعل بعضها لا كلها يتسلط عليك ، ويوجه قدرته نحوك ، ~~فيصيبك بالجنون والهذيان والأمراض. # ولم يقولوا : «اعتراك آلهتنا بسوء» بل قالوا : ( @QUR@02 بعض آلهتنا ) ~~تهديدا له وإشارة إلى PageV07P224 # أنه لو تصدت له جميع الآلهة لأهلكته إهلاكا. # وهكذا نراهم قد ردوا على نبيهم ومرشدهم بأربعة ردود ، تدرجوا فيها من ~~السيئ إلى الأسوأ ، ومن القبيح إلى الأقبح .. مما ms2928 يدل على توغلهم في ~~الطغيان ، وبلوغهم النهاية في العناد والكفر والجحود. # قال صاحب الكشاف ما ملخصه : «إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ..». # أى : مسك بجنون لسبك إياها ، وصدك عنها ، وعداوتك لها ، مكافأة لك منها ~~على سوء فعلك بسوء الجزاء ، فمن ثم صرت تتكلم بكلام المجانين وتهذى بهذيان ~~المبرسمين. # ثم قال. وقد دلت ردودهم المتقدمة على أن القوم كانوا جفاة غلاظ الأكباد ، ~~لا يبالون بالبهت ، ولا يلتفتون إلى النصح ، ولا تلين شكيمتهم للرشد. # وهذا الأخير دال على جهل مفرط ، وبله متناه ، حيث اعتقدوا في حجارة أنها ~~تنتصر وتنتقم ...» (1). # والآن وبعد أن استمع هود عليه السلام إلى ردودهم القبيحة ماذا كان موقفه منهم؟ # لقد كان موقفه منهم : موقف المتبرئ من شركهم ، والمتحدى لطغيانهم ~~والمعتمد على الله تعالى وحده في الانتصار عليهم ، ولقد حكى القرآن رده ~~عليهم فقال : # ( @QUR@055 قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون. من دونه ، ~~فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون. إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا ~~هو آخذ بناصيتها ، إن ربي على صراط مستقيم. فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت ~~به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا ، إن ربي على كل شيء حفيظ ). # أى : قال هود عليه السلام للطغاة من قومه بعزة وثقة ( @QUR@03 إني أشهد ~~الله ) الذي لا رب سواه على براءتي من عبادتكم لغيره. # ( @QUR@01 واشهدوا ) أنتم أيضا على ( @QUR@06 أني بريء مما تشركون من ~~دونه ). # أى : على براءتي من كل عبادة تعبدونها لغير الله تعالى لأنها عبادة ~~باطلة. يحتقرها العقلاء ، ويتنزه عنها كل إنسان يحترم نفسه. # فأنت تراه في هذه الآية الكريمة يعلن احتقاره لآلهتهم ، وبراءته من شركهم ~~، واستخفافه PageV07P225 # بأصنامهم التي زعموا أن بعضها قد أصابه بسوء ، ويوثق هذه البراءة بإشهاد ~~الله تعالى وإشهادهم. # وذلك كما يقول الرجل لخصمه إذا لم يبال به : أشهد الله وأشهدك على أنى ~~فعلت بك كذا وكذا ، وقلت في حقك كذا وكذا ... فافعل أنت ما بدا لك!! # ثم ينتقل من براءته من شركهم ، إلى تحديهم بثقة واطمئنان ms2929 فيقول : ( ~~@QUR@05 فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون ). # أى : لقد أعلنت أمامكم بكل قوة ووضوح أنى برىء من شرككم ، وها أنذا في ~~مواجهتكم ، فانضموا إلى آلهتكم ، وحاربونى بما شئتم من ألوان المحاربة ~~والأذى بدون تريث أو إمهال ، فإنى لن أكف عن الجهر بدعوتي ، ولن أتراجع عن ~~احتقار الباطل الذي أنتم عليه. # وهذا كما يقول صاحب الكشاف من أعظم الآيات ، أن يواجه بهذا الكلام رجل ~~واحد أمة عطاشا إلى إراقة دمه ، يرمونه عن قوس واحدة وذلك لثقته بربه ، ~~وأنه يعصمه منهم ، فلا تنشب فيه مخالبهم .. (1). # ثم ينتقل بعد ذلك إلى بيان السبب الذي دعاه إلى البراءة من شركهم ، وإلى ~~عدم المبالاة بهم فقال كما حكى القرآن عنه ( @QUR@06 إني توكلت على الله ~~ربي وربكم ... ). # أى : إنى فوضت أمرى إلى الله الذي هو ربي وربكم ، ومالك أمرى وأمركم ، ~~والذي لا يقع في هذا الكون شيء الا بإرادته ومشيئته. # وفي قوله : ( @QUR@02 ربي وربكم ) مواجهة لهم بالحقيقة التي ينكرونها ، ~~لإفهامهم أن إنكارهم لا قيمة له ، وأنه إنكار عن جحود وعناد .. فهو سبحانه ~~ربهم سواء أقبلوا ذلك أم رفضوه. وقوله ( @QUR@07 ما من دابة إلا هو آخذ ~~بناصيتها ) تصوير بديع لشمول قدرته سبحانه والأخذ : هو التناول للشيء عن ~~طريق الغلبة والقهر. # والناصية : منبت الشعر في مقدم الرأس ، ويطلق على الشعر النابت نفسه. # قال الإمام الرازي : واعلم أن العرب إذا وصفوا إنسانا بالذلة والخضوع ~~قالوا : ما ناصية فلان إلا بيد فلان. أى أنه مطيع له ، لأن كل من أخذت ~~بناصيته فقد قهرته. وكانوا إذا أسروا أسيرا وأرادوا إطلاقه جزوا ناصيته ~~ليكون ذلك علامة لقهره فخوطبوا في القرآن بما يعرفون ... (2). PageV07P226 # والمعنى : إنى اعتمدت على الله ربي وربكم : ما من دابة تدب على وجه الأرض ~~إلا والله تعالى مالكها وقاهر لها ، وقادر عليها ، ومتصرف فيها كما يتصرف ~~المالك في ملكه. # وفي هذا التعبير الحكيم صورة حسية بديعة تناسب المقام ، كما تناسب غلظة ~~قوم هود وشدتهم. وصلابة أجسامهم وبنيتهم ، وجفاف حسهم ومشاعرهم .. فكأنه ~~عليه السلام يقول لهم : إنكم مهما بلغتم من القوة والبطش ms2930 ، فما أنتم الا ~~دواب من تلك الدواب التي يأخذ ربي بناصيتها. ويقهرها بقوته قهرا يهلكها إذا ~~شاء ذلك فكيف أخشى دوابا مثلكم مع توكلي على الله ربي وربكم؟! # ثم يتبع هذا الوصف الدال على شمول قدرة الله تعالى بوصف آخر يدل على ~~عدالته وتنزهه عن الظلم فيقول : ( @QUR@05 إن ربي على صراط مستقيم ). # أى : إن ربي قد اقتضت سنته أن يسلك في أحكامه طريق الحق والعدل وما دام ~~الأمر كذلك فلن يسلطكم على لأنه حاشاه أن يسلط من كان متمسكا بالباطل ، على ~~من كان متمسكا بالحق. # واكتفى هنا بإضافة الرب إلى نفسه ، للإشارة إلى أن لطفه سبحانه يشمل هودا ~~وحده ولا يشملهم ، لأنهم أشركوا معه في العبادة آلهة أخرى. # ثم ختم هود عليه السلام رده على قومه ، بتحذيرهم من سوء عاقبة إصرارهم على ~~كفرهم فقال : ( @QUR@08 فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ... ). # أى : فإن تتولوا عن دعوتي ، وتعرضوا عن الحق الذي جئتكم به من عند ربي ، ~~فتكون عاقبتكم خسرا ، وأمركم فرطا. # أما أنا فقد أديت واجبى ، وأبلغتكم ما أرسلت به إليكم من عند ربي بدون ~~تكاسل أو تقصير. وقوله ( @QUR@07 ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا ) ~~وعيد لهم بإهلاكهم وإحلال غيرهم محلهم. # أى : وهو سبحانه سيهلككم بسبب إصراركم على كفركم في الوقت الذي يشاؤه ، ~~ويستخلف من بعدكم قوما آخرين سواكم ، يرثون دياركم وأموالكم ، ولن تضروا ~~الله شيئا من الضرر بسبب إصراركم على كفركم ، وإنما أنتم الذين تضرون ~~أنفسكم بتعريضها للدمار في الدنيا ، وللعذاب الدائم في الآخرة. # وقوله : ( @QUR@06 إن ربي على كل شيء حفيظ ) أى : إن ربي قائم على كل شيء ~~بالحفظ والرقابة والهيمنة ، وقد اقتضت سنته سبحانه أن يحفظ رسله وأولياءه ، ~~وأن يخذل أعداءه. PageV07P227 # وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد ساقت لنا بأسلوب بليغ حكيم ، جانبا من ~~الحوار الذي دار بين هود وقومه وهو يدعوهم إلى عبادة الله وحده ، فماذا ~~كانت نتيجة هذا الحوار والجدال؟ # لقد كانت نتيجته إنجاء هود والذين آمنوا معه ، وإهلاك أعدائهم. # قال تعالى ( @QUR@043 ولما جاء أمرنا ms2931 نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة ~~منا ، ونجيناهم من عذاب غليظ. وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله ~~واتبعوا أمر كل جبار عنيد. وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ، ألا ~~إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود ). # والمراد بالأمر في قوله سبحانه ( @QUR@03 ولما جاء أمرنا ) الأمر بنزول ~~العذاب بهم. # أى : وحين جاء أمرنا بتحقيق وعيدنا في قوم هود ، وبتنفيذ ما أردناه من ~~إهلاكهم وتدميرهم ( @QUR@05 نجينا هودا والذين آمنوا معه ) تنجية مصحوبة ( ~~@QUR@01 برحمة ) عظيمة كائنة ( @QUR@01 منا ) بسبب إيمانهم وعملهم الصالح. # ( @QUR@01 ونجيناهم ) كذلك ( @QUR@03 من عذاب غليظ ) أى : من عذاب ضخم ~~شديد مضاعف ترك هؤلاء الطغاة وراءه صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية. # ووصف العذاب بأنه غليظ ، بهذا التصوير المحسوس ، يتناسب كل التناسب مع جو ~~هذه القصة ، ومع ما عرف عن قوم هود من ضخامة في الأجسام ، ومن تفاخر ~~بالقوة. # قال تعالى ( @QUR@012 فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من ~~أشد منا قوة ... ) (1). # وكان عذابهم كما جاء في آيات أخرى بالريح العقيم ، ومن ذلك قوله تعالى ( ~~@QUR@021 وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية. سخرها عليهم سبع ليال وثمانية ~~أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية ... ). # واسم الإشارة في قوله سبحانه ( @QUR@02 وتلك عاد ... ) يعود إلى القبيلة ~~أو إلى آثارهم التي خلفوها من بعدهم. أى : وتلك هي قصة قبيلة عاد مع نبيها ~~هود عليه السلام وتلك هي عاقبتها وكانت الإشارة للبعيد تحقيرا لهم ، وتهوينا ~~من شأنهم بعد أن انتهوا ، وبعدوا عن الأنظار والأفكار ، وقد كانوا يقولون : ~~من أشد منا قوة. # وقوله : ( @QUR@010 جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله ، واتبعوا أمر كل جبار ~~عنيد ... ) بيان لجرائمهم التي استحقوا بسببها العذاب الغليظ. # والجحد : الإنكار الشديد للحق الواضح. PageV07P228 # وآيات ربهم : الحجج والبراهين التي جاء بها الأنبياء من ربهم للدلالة على صدقهم. # والجبار : هو الشخص المتعالي المتعاظم على الناس ، المترفع عن الاستجابة للحق. # والعنيد : المعاند الطاغي الذي يعرف الحق ولكنه لا يتبعه. # أى : وتلك هي قصة قبيلة عاد مع نبيها ، كفروا بآيات ربهم الدالة على صدق ms2932 ~~أنبيائه ، وعصوا رسله الذين جاءوا لهدايتهم ، واتبع سفلتهم وعوامهم أمر كل ~~رئيس متجبر متكبر معاند منهم ، بدون تفكر أو تدبر. # وقال سبحانه ( @QUR@02 وعصوا رسله ) مع أنهم قد عصوا رسولا واحدا هو هود ~~عليه السلام ، للإشارة إلى أى معصيتهم لهذا الرسول كأنها معصية للرسل جميعا ~~، لأنهم قد جاءوا برسالة واحدة في جوهرها وهي : عبادة الله تعالى وحده ، ~~والتقيد بأوامره ونواهيه. # والإشارة أيضا إلى ضخامة جرائمهم ، وإبراز شناعتها حيث عصوا رسلا لا رسولا. # وقد وصفهم سبحانه في هذه الآية بثلاث صفات هي أعظم الصفات في القبح ~~والشناعة : أولها : جحودهم لآيات ربهم. وثانيها : عصيانهم لرسله. وثالثها : ~~اتباعهم أمر رؤسائهم الطغاة. # ثم ختم سبحانه قصتهم مع نبيهم في هذه السورة بقوله : ( @QUR@07 وأتبعوا ~~في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ). # والإتباع : اقتفاء أثر الشيء بحيث لا يفوته. يقال : أتبع فلان فلانا إذا ~~اقتفى أثره لكي يدركه أو يسير على نهجه. # واللعنة : الطرد بإهانة وتحقير. # أى : أنهم هلكوا مشيعين ومتبوعين باللعن والطرد من رحمة الله في الدنيا ~~والآخرة. # وقوله : ( @QUR@010 ألا إن عادا كفروا ربهم ، ألا بعدا لعاد قوم هود ) ~~تسجيل لحقيقة حالهم ، ودعاء عليهم بدوام الهلاك ، وتأكيد لسخط الله عليهم. # أى : ألا إن قوم عاد كفروا بنعم ربهم عليهم ، ألا سحقا وبعدا لهم عن رحمة ~~الله ، جزاء جحودهم للحق ، وإصرارهم على الكفر ، واستحبابهم العمى على الهدى. # وتكرير حرف التنبيه «ألا» وإعادة لفظ «عاد» للمبالغة في تهويل حالهم ~~وللحض على الاعتبار والاتعاظ بمآلهم. # هذا ، ومن العبر البارزة في هذه القصة : PageV07P229 # 1 أن الداعي إلى الله ، عليه أن يذكر المدعوين بما يستثير مشاعرهم ، ~~ويحقق اطمئنانهم إليه ، ويرغبهم في اتباع الحق ، ببيان أن اتباعهم لهذا ~~الحق سيؤدي إلى زيادة غناهم وقوتهم وأمنهم وسعادتهم. # وأن الانحراف عنه سيؤدي إلى فقرهم وضعفهم وهلاكهم. # انظر إلى قول هود عليه السلام : ( @QUR@018 ويا قوم استغفروا ربكم ثم ~~توبوا إليه ، يرسل السماء عليكم مدرارا ، ويزدكم قوة إلى قوتكم ، ولا ~~تتولوا مجرمين ). # 2 وأن الداعي إلى الله تعالى عند ما يخلص لله دعوته ، ويعتمد عليه سبحانه ~~في ms2933 تبليغ رسالته ، ويغار عليها كما يغار على عرضه أو أشد. # فإنه في هذه الحالة سيقف في وجه الطغاة المناوئين للحق ، كالطود الأشم ، ~~دون مبالاة بتهديدهم ووعيدهم .. لأنه قد أوى إلى ركن شديد. # وهذه العبرة من أبرز العبر في قصة هود عليه السلام . # ألا تراه وهو رجل فرد يواجه قوما غلاظا شدادا طغاة ، إذا بطشوا بطشوا ~~جبارين ، يدلون بقوتهم ويقولون في زهو وغرور : من أشد منا قوة. # ومع كل ذلك عند ما يتطاولون على عقيدته ؛ ويراهم قد أصروا على عصيانه. # يواجههم بقوله : ( @QUR@015 إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون. ~~من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون .. ). # أرأيت كيف واجه هود عليه السلام هؤلاء الغلاظ الشداد بالحق الذي يؤمن به ~~دون مبالاة بوعيدهم أو تهديدهم ..؟ # وهكذا الإيمان بالحق عند ما يختلط بالقلب ... يجعل الإنسان يجهر به دون ~~أن يخشى أحدا إلا الله تعالى . # ثم واصلت السورة الكريمة حديثها عن قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم فتحدثت ~~عن قصة صالح عليه السلام مع قومه ، فقال تعالى # ( @QUR@028 وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي ~~قريب مجيب (61) PageV07P230 # @QUR@022 قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما ~~يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب (62) @QUR@023 قال يا قوم ~~أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن ~~عصيته فما تزيدونني غير تخسير (63) @QUR@018 ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية ~~فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب (64) @QUR@011 ~~فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب (65) @QUR@018 ~~فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ~~ربك هو القوي العزيز (66) @QUR@08 وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ~~ديارهم جاثمين (67) @QUR@012 كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا ~~بعدا لثمود ) (68) # هذه قصة صالح عليه السلام مع قومه ms2934 كما ذكرتها هذه السورة ، وقد وردت هذه ~~القصة في سور أخرى منها سورة الأعراف ، والشعراء ، والنمل ، والقمر. # وصالح عليه السلام ينتهى نسبه إلى نوح عليه السلام فهو صالح بن عبيد بن آصف ~~بن ماسح بن عبيد بن حاذر بن ثمود ... بن نوح. # وثمود : اسم للقبيلة التي منها صالح ، سميت باسم جدها ثمود ، وقيل سميت ~~بذلك لقلة مائها ، لأن الثمد هو الماء القليل. PageV07P231 # وكانت مساكنهم بالحجر بكسر الحاء وسكون الجيم وهو مكان يقع بين الحجاز ~~والشام إلى وادي القرى ، وموقعه الآن تقريبا المنطقة التي بين الحجاز وشرق ~~الأردن ، وما يزال المكان الذي كانوا يسكنونه يسمى بمدائن صالح حتى اليوم. # وقبيلة صالح من القبائل العربية ، وكانوا خلفاء لقوم هود عليه السلام فقد ~~قال سبحانه : ( @QUR@017 واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في ~~الأرض تتخذون من سهولها قصورا ، وتنحتون الجبال بيوتا .. ) (1). # وكانوا يعبدون الأصنام ، فأرسل الله تعالى إليهم صالحا ليأمرهم بعبادة ~~الله وحده. # وقوله : ( @QUR@014 وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم ~~من إله غيره .. ) معطوف على ما قبله من قصتي نوح وهود عليهما السلام أى : ~~وأرسلنا إلى قبيلة ثمود أخاهم في النسب والموطن صالحا عليه السلام فقال لهم ~~تلك الكلمة التي قالها كل نبي لقومه : يا قوم اعبدوا الله وحده ، فهو الإله ~~الذي خلقكم ورزقكم ، وليس هناك من إله سواه يفعل ذلك. # ثم ذكرهم بقدرة الله تعالى وبنعمه عليهم فقال : ( @QUR@06 هو أنشأكم من ~~الأرض واستعمركم فيها ). # والإنشاء : الإيجاد والإحداث للشيء على غير مثال سابق. # واستعمركم من الإعمار ضد الخراب فالسين والتاء للمبالغة. يقال : أعمر ~~فلان فلانا في المكان واستعمره ، أى جعله يعمره بأنواع البناء والغرس ~~والزرع. # أى : اعبدوا الله تعالى وحده ، لأنه سبحانه هو الذي ابتدأ خلقكم من هذه ~~الأرض ، وأبوكم آدم ما خلق إلا منها وهو الذي جعلكم المعمرين لها ، ~~والساكنين فيها ( @QUR@07 تتخذون من سهولها قصورا ، وتنحتون الجبال بيوتا ~~... ). # قال تعالى في شأنهم .. ( @QUR@020 أتتركون في ما هاهنا آمنين. في جنات ~~وعيون. وزروع ونخل طلعها هضيم. وتنحتون من ms2935 الجبال بيوتا فارهين. فاتقوا ~~الله وأطيعون. ) (2). # فأنت ترى أن صالحا عليه السلام قد ذكرهم بجانب من مظاهر قدرة الله ومن ~~أفضاله عليهم ، لكي يستميلهم إلى التفكر والتدبر ، وإلى تصديقه فيما يدعوهم إليه. # والفاء في قوله ( @QUR@04 فاستغفروه ثم توبوا إليه ) للتفريع على ما تقدم. PageV07P232 # أى : إذا كان الله تعالى هو الذي أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فعليكم ~~أن تخلصوا له العبادة ، وأن تطلبوا مغفرته عما سلف منكم من ذنوب. # ثم تتوبوا إليه توبة صادقة : تجعلكم تندمون على ما كان منكم في الماضي من ~~شرك وكفر ، وتعزمون على التمسك بكل ما يرضى الله تعالى في المستقبل. # ثم فتح أمامهم باب الأمل في رحمة الله تعالى فقال : ( @QUR@04 إن ربي ~~قريب مجيب ). # أى : إن ربي قريب الرحمة من المحسنين ، مجيب لدعاء الداعين المخلصين ، ~~فاقبلوا على عبادته وطاعته ، ولا تقنطوا من رحمة الله. # ثم حكى القرآن ما رد به قوم صالح عليه فقال : ( @QUR@09 قالوا يا صالح قد ~~كنت فينا مرجوا قبل هذا ... ). # أى : قال قوم صالح له بعد أن دعاهم لما يسعدهم : يا صالح لقد كنت فينا ~~رجلا فاضلا نرجوك لمهمات الأمور فينا لعلمك وعقلك وصدقك .. قبل أن تقول ما ~~قلته ، أما الآن وبعد أن جئتنا بهذا الدين الجديد فقد خاب رجاؤنا فيك ، ~~وصرت في رأينا رجلا مختل التفكير. # فالإشارة في قوله ( @QUR@02 قبل هذا ) إلى الكلام الذي خاطبهم به حين ~~بعثه الله إليهم. # والاستفهام في قولهم ( @QUR@06 أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا ) للتعجيب ~~والإنكار. # أى : أجئتنا بدعوتك الجديدة لتنهانا عن عبادة الآلهة التي كان يعبدها ~~آباؤنا من قبلنا؟ # لا ، إننا لن نستجيب لك ، وإنما نحن قد وجدنا آباءنا على دين وإننا على ~~آثارهم نسير. # ثم ختموا ردهم عليه بقولهم : ( @QUR@07 وإننا لفي شك مما تدعونا إليه ~~مريب ). # ومريب : اسم فاعل من أراب. تقول : أربت فلانا فأنا أريبه ، إذا فعلت به ~~فعلا يوجب لديه الريبة أى : القلق والاضطراب. # أى : لن نترك عبادة الأصنام التي كان يعبدها آباؤنا ، وإننا لفي شك كبير ~~، وريب عظيم من صحة ما تدعونا ms2936 إليه. # فانظر كيف قابل هؤلاء السفهاء الدعوة إلى الحق بالتصميم على الباطل ، ~~ولكن صالحا عليه السلام لم ييأس بل يرد عليهم بأسلوب حكيم فيقول : # ( @QUR@023 قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ، وآتاني منه رحمة ~~، فمن ينصرني من الله إن عصيته ، فما تزيدونني غير تخسير ). # أى قال صالح عليه السلام لقومه : يا قوم أخبرونى إن كنت على حجة واضحة من ~~ربي ومالك أمرى. PageV07P233 # ( @QUR@03 وآتاني منه رحمة ) أى : وأعطانى من عنده لا من عند غيره رحمة ~~عظيمة حيث اختارني لحمل رسالته. وتبليغ دعوته. # وجملة ( @QUR@06 فمن ينصرني من الله إن عصيته ) جواب الشرط وهو قوله ( ~~@QUR@04 إن كنت على بينة ). # أى : إذا كان الله تعالى قد منحني كل هذه النعم ، وأمرنى بأن أبلغكم ~~دعوته فمن ذا الذي يجيرني ويعصمني من غضبه ، إذا أنا خالفت أمره أو قصرت في ~~تبليغ دعوته ، احتفاظا برجائكم في ، ومسايرة لكم في باطلكم؟ # لا ، إننى سأستمر في تبليغ ما أرسلت به إليكم ، ولن يمنعني عن ذلك ~~ترغيبكم أو ترهيبكم. # وقوله ( @QUR@04 فما تزيدونني غير تخسير ) تصريح منه بأن ما عليه هو الحق ~~الذي لا يقبل الشك أو الريب ، وأن مخالفته توصل إلى الهلاك والخسران. # والتخسير : مصدر خسر ، يقال خسر فلان فلانا إذا نسبه إلى الخسران. أى : ~~فما تزيدونني بطاعتكم ومعصية ربي غير الوقوع في الخسران ، وغير التعرض ~~لعذاب الله وسخطه وحاشاى أن أخالف أمر ربي إرضاء لكم. # فالآية الكريمة تصور تصويرا بليغا ما كان عليه صالح عليه السلام من إيمان ~~عميق بالله تعالى ، ومن ثبات على دعوته ومن حرص على طاعته سبحانه ثم أرشد ~~صالح عليه السلام إلى المعجزة الدالة على صدقه فيما يبلغه عن ربه فقال : ( ~~@QUR@07 ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية .. ) أى : معجزة ، واضحة دالة على ~~صدقى وفي إضافة الناقة إلى الله تعالى تعظيم لها وتشريف لحالها ، وتنبيه ~~على أنها ناقة مخصوصة ليست كغيرها من النوق التي تستعمل في الركوب والنحر ~~وغيرهما. لأن الله تعالى قد جعلها معجزة لنبيه صالح عليه السلام ولم يجعلها ~~كغيرها. ms2937 # وقد ذكر بعض المفسرين من صفات هذه الناقة وخصائصها. ما لا يؤيده نقل صحيح ~~، لذا أضربنا عن كل ذلك صفحا ، ونكتفي بأن نقول : بأنها كانت ناقة ذات صفات ~~خاصة مميزة ، تجعل قوم صالح يعلمون عن طريق هذا التمييز لها عن غيرها أنها ~~معجزة دالة على صدق نبيهم عليه السلام فيما يدعوهم إليه. # وقوله : ( @QUR@011 فذروها تأكل في أرض الله ، ولا تمسوها بسوء فيأخذكم ~~عذاب قريب ) أمر لهم بعدم التعرض لها بسوء وتحذير لهم من نتائج مخالفة أمره. PageV07P234 # أى : اتركوا الناقة حرة طليقة تأكل في أرض الله الواسعة ؛ ومن رزقه الذي ~~تكفل به لكل دابة ، واحذروا أن تمسوها بشيء من السوء مهما كان قليلا ، ~~فإنكم لو فعلتم ذلك عرضتم أنفسكم لعذاب الله العاجل القريب. # والتعبير بقوله ( @QUR@01 فيأخذكم ) بفاء التعقيب وبلفظ الأخذ ، يفيد ~~سرعة الأخذ وشدته ، لأن أخذه سبحانه أليم شديد. # ولكن قوم صالح عليه السلام لم يستمعوا إلى تحذيره ، بل قابلوه بالطغيان ~~والعصيان ، ( @QUR@01 فعقروها ) أى : فعقروا الناقة ( @QUR@014 وعتوا عن ~~أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين ) (1). # والفاء معطوفة على محذوف : أى فخالفوا ما نهاهم عنه نبيهم فعقروها أى ~~نحروها وأصل العقر : قطع عرقوب البعير ، ثم استعمل في النحر لأن ناحر ~~البعير يعقله ثم ينحره فقال لهم صالح عليه السلام بعد عقرها ( @QUR@09 ~~تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب ). # والتمتع : الانتفاع بالمتاع ، وهو اسم لما يحتاج إليه الإنسان في هذه ~~الحياة من مأكل ومشرب وغيرهما. # والمراد بدارهم : أماكن سكناهم التي يعيشون فيها. # أى : قال لهم نبيهم بعد نحرهم للناقة : عيشوا في بلدكم هذا ، متمتعين بما ~~فيه من نعم لمدة ثلاثة أيام : فقط ، فهي آخر ما بقي لكم من متاع هذه الدنيا ~~، ومن أيام حياتكم. # ( @QUR@01 ذلك ) الوعد بنزول العذاب بكم بعد هذه المدة القصيرة. # ( @QUR@03 وعد غير مكذوب ) فيه لأنه صادر من الله تعالى الذي لا يخلف وعده. # وعبر عن قرب نزول العذاب بهم بالوعد على سبيل التهكم بهم. # قال الجمل : «مكذوب» يجوز أن يكون مصدرا على وزن ms2938 مفعول ، وقد جاء منه ~~ألفاظ نحو : المجلود والمعقول والمنشور والمغبون ، ويجوز أن يكون اسم مفعول ~~على بابه وفيه تأويلان : أحدهما : غير مكذوب فيه ، ثم حذف حرف الجر فاتصل ~~الضمير مرفوعا مستترا في الصفة ومثله : يوم مشهود. والثاني : أنه جعل هو ~~نفسه غير مكذوب ، لأنه قد وفى به ، وإذا وفي به فقد صدق» (2). # ولقد تحقق ما توعدهم به نبيهم ، فقد حل بهم العذاب في الوقت الذي حدده ~~لهم ، قال PageV07P235 # تعالى ( @QUR@03 فلما جاء أمرنا ) أى : فلما جاء أمرنا بإنزال العذاب بهم ~~في الوقت المحدد. # ( @QUR@07 نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ) أى برحمة عظيمة ~~كائنة منا. # ونجيناهم أيضا ( @QUR@03 من خزي يومئذ ) أى : من خزي وذل ذلك اليوم ~~الهائل الشديد الذي نزل فيه العذاب بالظالمين من قوم صالح عليه السلام ~~فأبادهم. # فالتنوين في قوله ( @QUR@01 يومئذ ) عوض عن المضاف إليه المحذوف. # وقوله سبحانه ( @QUR@05 إن ربك هو القوي العزيز ) تسلية للرسول ~~صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين عما أصابهم من أذى. # أى : إن ربك أيها الرسول الكريم هو القوى الذي لا يعجزه شيء ، العزيز ~~الذي لا يهون من يتولاه ويرعاه ، فلا تبتئس عما أصابك من قومك ، فربك قادر ~~على أن يفعل بهم ، ما فعله بالظالمين السابقين من أمثالهم. # ثم صور القرآن الكريم حال هؤلاء الظالمين تصويرا يدعو إلى الاعتبار ~~والاتعاظ فقال : ( @QUR@020 وأخذ الذين ظلموا الصيحة ، فأصبحوا في ديارهم ~~جاثمين. كأن لم يغنوا فيها ، ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود ). # والصيحة : الصوت المرتفع الشديد. يقال : صاح فلان إذا رفع صوته بقوة. ~~وأصل ذلك تشقيق الصوت ، من قولهم : انصاح الخشب والثوب ، إذا انشق فسمع له صوت. # و ( @QUR@01 جاثمين ): من الجثوم وهو للناس وللطير بمنزلة البروك للإبل. ~~يقال : جثم الطائر يجثم جثما وجثوما فهو جاثم ... إذا وقع على صدره ، ولزم ~~مكانه فلم يبرحه. # ويغنوا فيها : أى يقيموا فيها. يقال : غنى فلان بالمكان يغنى إذا أقام به ~~وعاش فيه في نعمة ورغد. # أى : وأخذ الذين ظلموا من قوم صالح عليه السلام عن طريق الصيحة الشديدة ~~التي صيحت بهم ms2939 بأمر الله تعالى ( @QUR@01 فأصبحوا ) بسببها ( @QUR@03 في ~~ديارهم جاثمين ) أى : هلكى صرعى ، ساقطين على وجوههم ، بدون حركة ... # ( @QUR@04 كأن لم يغنوا فيها ) أى : كأن هؤلاء القوم الظالمين لم يقيموا ~~في ديارهم عمرا طويلا وهم في رخاء من عيشهم. # ( @QUR@08 ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود ) أى : ألا إن هؤلاء ~~الظالمين من قبيلة ثمود ، كفروا نعمة ربهم وجحودها ؛ ألا بعدا وسحقا وهلاكا ~~لهؤلاء المجرمين من قبيلة ثمود. # وفي تكرار حرف التنبيه ( @QUR@01 ألا ) وتكرار لفظ ( @QUR@01 ثمود ) ~~تأكيد لطردهم من رحمة الله ، PageV07P236 # وتسجيل لما ارتكبوه من منكرات. # وبذلك انطوت صفحة أولئك الظالمين من قوم صالح عليه السلام كما انطوت من ~~قبلهم صحائف قوم نوح وهود عليهما السلام . # ومن أبرز العبر والعظات التي نأخذها من قصة صالح مع قومه كما وردت في هذه ~~السورة الكريمة : أن النفوس إذا انطمست ، والعقول إذا انتكست ، تعجب مما لا ~~عجب فيه ؛ وتستنكر ما هو حق وصدق ، وتسيء ظنها بالشخص الذي كان بالأمس ~~القريب موضع رجائها وثقتها ، لأنه أتاهم بما لم يألفوه ... حتى ولو كان ما ~~أتاهم به فيه سعادتهم وهدايتهم ... # فصالح عليه السلام كان مرجوا في قومه قبل أن يكون نبيا ، فلما صار نبيا ~~وبلغهم ما أرسله الله به ، خاب أملهم فيه ، وساء ظنهم به ، وجاهروه ~~بالعداوة والعصيان ... مع أنه أتاهم بما يسعدهم ... # وصدق الله إذ يقول : ( @QUR@036 سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض ~~بغير الحق ، وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ، وإن يروا سبيل الرشد لا ~~يتخذوه سبيلا ، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ، ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا ~~وكانوا عنها غافلين ) (1). # هذا ، وقد وردت أحاديث تصرح بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد مر على ديار ~~ثمود وهو في طريقه إلى غزوة تبوك. # ومن هذه الأحاديث ما رواه الشيخان عن ابن عمر قال : لما مر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالحجر قال : لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا ~~باكين ، فإن لم تكونوا باكين ، فلا تدخلوا عليهم ، لئلا يصيبكم ما أصابهم. ~~ثم قنع رأسه وأسرع ms2940 السير حتى جاوز الوادي. # ثم ساقت السورة الكريمة جانبا من قصة إبراهيم عليه السلام مع الملائكة ، ~~الذين جاءوه بالبشارة ، فقال تعالى : # ( @QUR@015 ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما ~~لبث أن جاء بعجل حنيذ (69) @QUR@010 فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم ~~وأوجس منهم خيفة PageV07P237 # @QUR@08 قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط (70) @QUR@09 وامرأته قائمة ~~فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب (71) @QUR@013 قالت يا ويلتى ~~أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب (72) @QUR@014 قالوا ~~أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد (73) ~~@QUR@011 فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط (74) ~~@QUR@05 إن إبراهيم لحليم أواه منيب (75) @QUR@015 يا إبراهيم أعرض عن هذا ~~إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود ) (76) # هذه قصة إبراهيم عليه السلام مع الملائكة الذين جاءوا لبشارته بابنه إسحاق ~~، وبإخباره بإهلاك قوم لوط عليه السلام . # وقد وردت هذه القصة في سور أخرى منها سورة الحجر في قوله تعالى : ( ~~@QUR@013 ونبئهم عن ضيف إبراهيم. إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما ، قال إنا ~~منكم وجلون ... ) (1). # ومنها سورة الذاريات في قوله تعالى ( @QUR@015 هل أتاك حديث ضيف إبراهيم ~~المكرمين. إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما ، قال سلام قوم منكرون ... ) (2). # والمراد بالرسل في قوله سبحانه ( @QUR@05 ولقد جاءت رسلنا إبراهيم ~~بالبشرى ) جماعة من الملائكة الذين أرسلهم الله تعالى لتبشير إبراهيم بابنه إسحاق. # وقد اختلفت الروايات في عددهم فعن ابن عباس أنهم ثلاثة وهم : جبريل ~~وميكائيل وإسرافيل. وعن الضحاك أنهم كانوا تسعة ، وعن السدى أنهم كانوا أحد ~~عشر ملكا .. # والحق أنه لم يرد في عددهم نقل صحيح يعتمد عليه ، فلنفوض معرفة عددهم إلى ~~الله تعالى . PageV07P238 # والبشرى : اسم للتبشير والبشارة وهي الخبر السار ، فهي أخص من الخبر ، ~~وسميت بذلك لأن آثارها تظهر على بشرة الوجه أى : جلده. # وجاءت هذه الجملة الكريمة بصيغة التأكيد للاهتمام بمضمونها ، وللرد على ~~مشركي قريش وغيرهم ممن كان ينكر هذه القصة وأمثالها. # والباء في قوله سبحانه ( @QUR@01 بالبشرى ) للمصاحبة والملابسة ، أى : ~~جاءوه مصاحبين وملتبسين ms2941 بالبشرى. # وقوله : ( @QUR@04 قالوا سلاما قال سلام ) حكاية لتحيتهم له ولرده عليهم. # و ( @QUR@01 سلاما ) منصوب بفعل محذوف. أى قالوا نسلم عليك سلاما. # و ( @QUR@01 سلام ) مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. أى قال أمرى سلام. # وقرأ حمزة والكسائي : قال سلم وهو اسم للمسالمة. # ثم بين سبحانه ما فعل إبراهيم مع هؤلاء الرسل من مظاهر الحفاوة والتكريم ~~فقال : ( @QUR@06 فما لبث أن جاء بعجل حنيذ ). # و «ما» في قوله ( @QUR@02 فما لبث ) نافية ، والفاء للتعقيب ، واللبث في ~~المكان معناه : عدم الانتقال عنه. والعجل : الصغير من البقر. # والحنيذ : السمين المشوى على الحجارة المحماة في حفرة من الأرض. يقال : ~~حنذ الشاة يحنذها حنذا أى : شواها بهذه الطريقة. # أى : فما أبطأ وما تأخر إبراهيم عليه السلام عن إكرامهم ، بل بمجرد أن ~~انتهى من رد التحية عليهم ، أسرع إلى أهله فجاءهم بعجل حنيذ ... # وهذا الفعل منه عليه السلام يدل على سعة جوده ، وعظيم سخائه ، فإن من آداب ~~الضيافة ، تعجيل القرى للضيف .. # قال أبو حيان : والأقرب في إعراب ( @QUR@04 فما لبث أن جاء ... ) أن تكون ~~ما نافية ، ولبث معناه تأخر وأبطأ و ( @QUR@02 أن جاء ) فاعل لبث والتقدير ~~؛ فما تأخر مجيئه ... # ويجوز أن يكون فاعل لبث ضمير إبراهيم ، وأن جاء على إسقاط حرف الجر ، أى ~~فما تأخر في أن جاء بعجل حنيذ ...» (1). # ثم بين سبحانه حال إبراهيم عند ما رأى ضيوفه لا يأكلون من طعامه فقال : ( ~~@QUR@01 فلما PageV07P239 # @QUR@09 رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة ... ). # ومعنى ( @QUR@01 نكرهم ): نفر منهم ، وكره تصرفهم. نقول : فلان نكر حال ~~فلان كعلم وأنكره نكرا ونكورا ... إذا وجده على غير ما يعهده فيه ، ويتوقعه منه. # ( @QUR@01 وأوجس ) من الوجس وهو الصوت الخفى ، والمراد به هنا : الإحساس ~~الخفى بالخوف والفزع الذي يقع في النفس عند رؤية ما يقلقها ويخيفها. # أى : فلما رأى إبراهيم عليه السلام ضيوفه لا تمتد أيديهم إلى الطعام الذي ~~قدمه لهم ، نفر منهم ، وأحس في نفسه من جهتهم خوفا ورعبا ؛ لأن امتناع ~~الضيف عن الأكل من طعام مضيفه بدون سبب مقنع يشعر بأن هذا الضيف ينوى ms2942 شرا ~~به ... والتقاليد في كثير من البلاد إلى الآن تؤيد ذلك. # ولذا قالت الملائكة لإبراهيم عند ما لاحظوا ما يساور نفسه من الخوف : ( ~~@QUR@07 لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط ). # أى : لا تخف يا إبراهيم فإنا لسنا ضيوفا من البشر ، وإنما نحن رسل من ~~الله تعالى أرسلنا إلى قوم لوط لإهلاكهم. # وقد جاء في بعض الآيات أنه صارحهم بالخوف منهم ، ففي سورة الحجر قال ~~تعالى : # ( @QUR@020 ونبئهم عن ضيف إبراهيم. إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما ، قال إنا ~~منكم وجلون. قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم ... ). # ثم حكى سبحانه ما حدث بعد ذلك فقال : ( @QUR@09 وامرأته قائمة فضحكت ~~فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ). # والمراد بامرأته كما يقول القرطبي «سارة بنت هاران بن ناحور ، بن شاروع ، ~~بن أرغو ، بن فالغ ، وهي بنت عم إبراهيم» (1). # وقيامها كان لأجل قضاء مصالحها ، أو لأجل خدمة الضيوف ... أو لغير ذلك من ~~الأمور التي تحتاجها المرأة في بيتها. # والمراد بالضحك هنا حقيقته. أى : فضحكت سرورا وابتهاجا بسبب زوال الخوف ~~عن إبراهيم ، أو بسبب علمها بأن الضيوف قد أرسلهم الله لإهلاك قوم لوط ، أو ~~بهما معا ... # قال الشوكانى : والضحك هنا هو الضحك المعروف الذي يكون للتعجب والسرور ~~كما قاله الجمهور. PageV07P240 # وقال مجاهد وعكرمة : إنه الحيض ، ومنه قول الشاعر : # إنى لآتى العرس عند طهورها %~% وأهجرها يوما إذا تك ضاحكا # وقد أنكر بعض اللغويين أن يكون في كلام العرب ضحكت بمعنى حاضت (1). # أى : وفي أعقاب قول الملائكة لإبراهيم لا تخف ... كانت امرأته قائمة ~~لقضاء بعض حاجاتها ، فلما سمعت ذلك «ضحكت» سرورا وفرحا لزوال خوفه ( ~~@QUR@01 فبشرناها ) عقب ذلك بمولودها ( @QUR@01 بإسحاق ) كما بشرناها بأن ~~إسحاق سيكون من نسله ( @QUR@01 يعقوب )، فهي بشارة مضاعفة. إذ أنها تحمل ~~في طياتها أنها ستعيش حتى ترى ابن ابنها ... # ولا شك أن المرأة عند ما تكون قد بلغت سن اليأس. ولم يكن لها ولد ، ثم ~~تأتيها مثل هذه البشارة يهتز كيانها ، ويزداد عجبها ، ولذا قالت على سبيل ~~الدهشة والاستغراب : ( @QUR@012 يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن ms2943 ~~هذا لشيء عجيب ). # وكلمة ( @QUR@02 يا ويلتى ) تستعمل في التحسر والتألم والتفجع عند نزول مكروه. # والمراد بها هنا : التعجب لا الدعاء على نفسها بالويل والهلاك ، وهي كلمة ~~كثيرة الدوران على أفواه النساء إذا طرأ عليهن ما يدهشن له ، ويتعجبن منه. # أى : قالت بدهشة وعجب عند ما سمعت بشارة الملائكة لها بالولد وبولد الولد ~~: يا للعجب أألد وأنا امرأة عجوز ، قد بلغت سن اليأس من الحمل منذ زمن طويل ~~، ( @QUR@02 وهذا بعلي ) أى : زوجي إبراهيم «شيخا» كبيرا متقدما في السن. # قال الجمل : وهاتان الجملتان ( @QUR@05 وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا ) في ~~محل النصب على الحال من الضمير المستتر في ( @QUR@01 أألد )، وشيخا حال من ~~بعلى ، والعامل فيه اسم الإشارة لما فيه من معنى الفعل» (2). # وقوله كما حكى القرآن عنها ( @QUR@04 إن هذا لشيء عجيب ) أى : إن هذا ~~الذي بشرتموني به من حصول الولد لي في تلك السن المتقدمة ( @QUR@02 لشيء ~~عجيب ) في مجرى العادة عند النساء وقد رد عليها الملائكة بقولهم : ( ~~@QUR@05 قالوا أتعجبين من أمر الله )؟!! # أى : أتستبعدين على قدرة الله تعالى أن يرزقك الولد وأنت وزوجك في هذه ~~السن المتقدمة؟ لا إنه لا ينبغي لك أن تستبعدى ذلك ، لأن قدرة الله لا ~~يعجزها شيء. فالاستفهام هنا المراد به إنكار تعجبها واستبعادها البشارة ، ~~وإزالة أثر ذلك من نفسها إزالة تامة. PageV07P241 # وقوله : ( @QUR@06 رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت ) حكاية لما قالته ~~الملائكة لها ، زيادة في سرورها وفي إدخال الطمأنينة على قلبها. # أى رحمة الله الواسعة ، وبركاته وخيراته النامية عليكم أهل البيت الكريم ~~وهو بيت إبراهيم عليه السلام . # قال صاحب الكشاف : وإنما أنكرت عليها الملائكة تعجبها ، لأنها كانت في ~~بيت الآيات ، ومهبط المعجزات ، والأمور الخارقة للعادات ، فكان عليها أن ~~تتوقر ، ولا يزدهيها ما يزدهى سائر النساء الناشئات في غير بيت النبوة وأن ~~تسبح الله وتمجده ، مكان التعجب. # وإلى ذلك أشارت الملائكة في قولهم ( @QUR@06 رحمت الله وبركاته عليكم أهل ~~البيت ). أرادوا أن هذه وأمثالها مما يكرمكم به رب العزة ، ويخصكم ~~بالإنعام به يا أهل بيت النبوة ، فليس بمكان عجب. والكلام ms2944 مستأنف علل به ~~إنكار التعجب. كأنه قيل : «إياك والتعجب ، فإن أمثال هذه الرحمة والبركة ~~متكاثرة من الله عليكم» (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@03 إنه حميد مجيد ) تذييل بديع قصد به وجوب مداومتها ~~على حمد الله وتمجيده على أن وهبها الولد بعد أن بلغت سن اليأس من الحمل. # أى إنه سبحانه ( @QUR@01 حميد ) أى : مستحق للحمد لكثرة نعمه على عباده ( ~~@QUR@01 مجيد ) أى : كريم واسع الإحسان ، فليس بعيدا منه أن يعطى الولد ~~للآباء بعد الكبر. # قال صاحب المنار ما ملخصه : وأصل المجد في اللغة أن تقع الإبل في أرض ~~واسعة المرعى ، كثيرة الخصب ، يقال : مجدت الإبل تمجد من باب نصر مجدا ~~ومجادة ، وأمجدها الراعي. # والمجد في البيوت والأنساب ما يعده الرجل من سعة كرم آبائه وكثرة نوالهم. # ووصف الله كتابه بالمجيد ، كما وصف نفسه بذلك ، لسعة هداية كتابه ، وسعة ~~كرمه وفضله على عباده ...» (2). # ثم حكى سبحانه ما كان من إبراهيم بعد أن سكن خوفه ، واطمأن إلى ضيوفه ~~فقال : ( @QUR@05 فلما ذهب عن إبراهيم الروع ) أى : الخوف والفزع ، بسبب ~~اطمئنانه إلى ضيوفه ، وعلمه أنهم ليسوا من البشر. # ( @QUR@02 وجاءته البشرى ) منهم بالولد ، واتصال النسل ، فازداد سرورا بهم. PageV07P242 # بعد كل ذلك ، أخذ إبراهيم ( @QUR@04 يجادلنا في قوم لوط ) أى : يجادل ~~رسلنا ويحاورهم في شأن قوم لوط ، وفي كيفية عقابهم ، بعد أن أخبروه بأنهم ~~ذاهبون لإهلاكهم. # وأضاف سبحانه المجادلة إلى نفسه مع أنها كانت مع الملائكة ، لأن نزولهم ~~لإهلاك قوم لوط إنما كان بأمره تعالى ، فمجادلة إبراهيم لهم هي مجادلة في ~~تنفيذ أمره تعالى . # وقال سبحانه ( @QUR@01 يجادلنا ) مع أنها كانت في الماضي ، لتصوير هذه ~~الحالة في الذهن تصويرا حاضرا ، حتى تزداد منه العبرة والعظة. # وهذه المجادلة التي كانت بين إبراهيم وبين الملائكة الذين أرسلوا لإهلاك ~~قوم لوط ، قد حكاها سبحانه في سورة العنكبوت في قوله : ( @QUR@011 ولما ~~جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية ) أى القرية ~~التي يسكنها قوم لوط ( @QUR@020 إن أهلها كانوا ظالمين. قال إن فيها لوطا ، ~~قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين ms2945 ) ~~الآيتان 31 32. # وهذا التفسير للمجادلة التي دارت بين إبراهيم والملائكة في عقاب قوم لوط ~~هو الصحيح لأن خير تفسير للقرآن هو ما كان بالقرآن. # وما ورد من أقوال تخالف ذلك فلا يلتفت إليها ، لعدم استنادها إلى النقل ~~الصحيح. # وقوله سبحانه ( @QUR@05 إن إبراهيم لحليم أواه منيب ) بيان للدواعي التي ~~حملت إبراهيم عليه السلام على مجادلة الملائكة في شأن إهلاك قوم لوط. # والحليم : هو الصبور على الأذى ، الصفوح عن الجناية ، المقابل لها ~~بالإحسان. # والأواه : هو الذي يكثر التأوه من خشية الله. # قال الآلوسى : وأصل التأوه قوله : آه ونحوه مما يقوله المتوجع الحزين. ~~وهو عند جماعة كناية عن كمال الرأفة ورقة القلب. وأخرج ابن جرير وابن أبى ~~حاتم وغيرهما عن عبد الله بن شداد قال رجل : يا رسول الله ما الأواه؟ قال : ~~«الخاشع المتضرع الكثير الدعاء» (1). # والمنيب : السريع الرجوع إلى الله تعالى بالتوبة والاستغفار. # أى أن إبراهيم لصبور على الأذى ، صفوح عن الجناية ، كثير التضرع إلى الله ~~، سريع الرجوع إليه في كل ما يحبه ويرضاه. # ولكن حلم إبراهيم وإنابته ... لم يرد قضاء الله العادل في شأن قوم لوط ~~ولذا قالت الملائكة PageV07P243 # له كما حكى القرآن عنهم : ( @QUR@015 يا إبراهيم أعرض عن هذا ، إنه قد ~~جاء أمر ربك ، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود ). # أى : قالت الملائكة لإبراهيم : ( @QUR@05 يا إبراهيم أعرض عن هذا ) ~~الجدال في أمر قوم لوط ، وفي طلب إمهال عقوبتهم ( @QUR@05 إنه قد جاء أمر ~~ربك ) بإهلاكهم ( @QUR@01 وإنهم ) بسبب إصرارهم على ارتكاب الفواحش ( ~~@QUR@01 آتيهم ) من ربهم ( @QUR@01 عذاب ) شديد ( @QUR@02 غير مردود ) عنهم ~~لا بسبب الجدال ولا بأى سبب سواه ، فإن قضاء الله لا يرد عن القوم ~~المجرمين. هذا ، وقد ذكر الشيخ القاسمى بعض الفوائد والأحكام التي أخذها ~~العلماء من هذه الآيات فقال : قال بعض المفسرين : لهذه الآيات ثمرات ~~وفوائد. # منها : أن حصول الولد المخصص بالفضل نعمة ، وأن هلاك العاصي نعمة أيضا ~~لأن البشرى قد فسرت بولادة إسحاق لقوله ( @QUR@02 فبشرناها بإسحاق ) وفسرت ~~بهلاك قوم لوط ، لقوله : ( @QUR@08 قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط ). # ومنها : استحباب نزول ms2946 المبشر بالكسر على المبشر بالفتح لأن الملائكة ~~أرسلهم الله تعالى لذلك. # ومنها : أنه يستحب للمبشر أن يتلقى البشارة بالشكر لله تعالى على ما بشر ~~به. فقد حكى عن الأصم أنه قال : جاءوه في أرض يعمل فيها ، فلما فرغ غرز ~~مسحاته ، وصلى ركعتين. # ومنها : أن السلام مشروع ، وأنه ينبغي أن يكون الرد أفضل لقول إبراهيم ( ~~@QUR@01 سلام ) بالرفع وهو أدل على الثبات والدوام. # ومنها : مشروعية الضيافة ، والمبادرة إليها ، واستحباب مبادرة الضيف ~~بالأكل منها. # ومنها : استحباب خدمة الضيف ولو للمرأة ، لقول مجاهد : وامرأته قائمة ؛ ~~أى في خدمة أضياف إبراهيم ... وخدمة الضيفان من مكارم الأخلاق. # ومنها : جواز مراجعة الأجانب في القول ، وأن صوتها ليس بعورة. # ومنها : أن امرأة الرجل من أهل بيته ، فيكون أزواجه صلى الله عليه وسلم من ~~أهل بيته (1): # ومنها : كما يقول الإمام ابن كثير استدل على أن الذبيح هو إسماعيل لا ~~إسحاق ، وأنه يمتنع أن يكون هو إسحاق ، لأنه وقعت البشارة به ، وأنه سيولد ~~له يعقوب ، فكيف يؤمر PageV07P244 # إبراهيم بذبحه وهو طفل صغير ، ولم يولد له بعد يعقوب الموعود بوجوده ، ~~ووعد الله حق لا خلف فيه ، فيمتنع أن يؤمر بذبح إسحاق والحالة هذه ، فتعين ~~أن يكون الذبيح إسماعيل ، وهذا من أحسن الاستدلال وأصحه : (1) ثم انتقلت ~~السورة الكريمة إلى الحديث عما دار بين لوط وبين الملائكة وبينه وبين قومه ~~من حوار وجدال فقال تعالى : # ( @QUR@013 ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم ~~عصيب (77) @QUR@027 وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات ~~قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس ~~منكم رجل رشيد (78) @QUR@013 قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك ~~لتعلم ما نريد (79) @QUR@011 قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ~~(80) @QUR@030 قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من ~~الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح ~~أليس الصبح بقريب (81) @QUR@012 فلما جاء أمرنا جعلنا ms2947 عاليها سافلها ~~وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود (82) @QUR@08 مسومة عند ربك وما هي من ~~الظالمين ببعيد ) (83) PageV07P245 # تلك هي قصة لوط مع الرسل الذين جاءوا لإهلاك قومه ومع قومه المجرمين ، ~~كما حكتها سورة هود. # وقد وردت هذه القصة في سور أخرى وبأساليب متنوعة ، ومنها سورة الأعراف ، ~~والحجر ، والشعراء ، والنمل ، والعنكبوت ، والصافات ، والذاريات ، والقمر .. # قال الإمام ابن كثير : ولوط هو ابن هاران بن آزر ، فهو ابن أخى إبراهيم ، ~~وكان قد آمن مع عمه إبراهيم وهاجر معه إلى أرض الشام ، فبعثه الله إلى أهل ~~بلدة سدوم وما حولها يدعوهم إلى وحدانية الله تعالى ، ويأمرهم بالمعروف ~~وينهاهم عما كانوا يرتكبونه من المآثم والمحارم والفواحش التي اخترعوها دون ~~أن يسبقهم بها أحد من بنى آدم ولا من غيرهم ، وهو إتيان الذكور دون الإناث ~~، وهذا شيء لم يكن أحد من بنى آدم يعهده ولا يألفه ولا يخطر بباله ، حتى ~~صنع ذلك أهل سدوم وهم قرية بوادي الأردن عليهم لعائن الله» (1). # وقد بدأ سبحانه القصة هنا بتصوير ما اعترى لوطا عليه السلام من ضيق وغم ~~عند ما جاءته الرسل فقال : ( @QUR@06 ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم ... ). # أى : وحين جاء الملائكة إلى لوط عليه السلام بعد مفارقتهم لإبراهيم ، ساءه ~~وأحزنه مجيئهم ، لأنه كان لا يعرفهم ، ويعرف أن قومه قوم سوء ، فخشي أن ~~يعتدى قومه عليهم ، بعادتهم الشنيعة ، وهو عاجز عن الدفاع عنهم ... # قال ابن كثير ما ملخصه : «يخبر الله تعالى عن قدوم رسله من الملائكة إلى ~~لوط عليه السلام بعد مفارقتهم لإبراهيم ... فأتوا لوطا عليه السلام وهو على ~~ما قيل في أرض له. وقيل في منزله ، ووردوا عليه وهم في أجمل صورة تكون ، ~~على هيئة شبان حسان الوجوه ، ابتلاء من الله ، وله الحكمة والحجة البالغة ، ~~فساءه شأنهم ...» (2). # وقوله : ( @QUR@03 وضاق بهم ذرعا ) تصوير بديع لنفاد حيلته ، واغتمام ~~نفسه وعجزه عن وجود حيلة للخروج من المكروه الذي حل بهم. # قال القرطبي : والذرع مصدر ذرع. وأصله : أن يذرع البعير بيديه في سيره ~~ذرعا على قدر سعة خطوه فإذا حمل عليه أكثر ms2948 من طاقته ضاق عن ذلك وضعف ومد ~~عنقه. فضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع. وقيل هو من ذرعه القيء أى غلبه. # أى : ضاق عن حبسه المكروه في نفسه. PageV07P246 # وإنما ضاق ذرعه بهم لما رأى من جمالهم ، وما يعلمه من فسوق قومه ...» (1). # و ( @QUR@01 ذرعا ) تمييز محول عن الفاعل. أى : ضاق بأمرهم ذرعه. # ( @QUR@04 وقال هذا يوم عصيب ): أى وقال لوط عليه السلام في ضجر وألم : ~~هذا اليوم الذي جاءني فيه هؤلاء الضيوف ، يوم «عصيب» أى : شديد هوله وكربه. # وأصل العصب : الشد والضغط ، فكأن هذا اليوم لشدة وقعه على نفسه قد عصب به ~~الشر والبلاء ، أى : شد به. # قال صاحب تفسير التحرير والتنوير : ومن بديع ترتيب هذه الجمل أنها جاءت ~~على ترتيب حصولها في الوجود ، فإن أول ما يسبق إلى نفس الكاره للأمر أن ~~يساء به ويتطلب المخلص منه ، فإذا علم أنه لا مخلص له منه ضاق به ذرعا. ثم ~~يصدر تعبيرا عن المعاني يريح به نفسه» (2). # ثم بين سبحانه ما كان من قوم لوط عليه السلام عند ما علموا بوجود هؤلاء ~~الضيوف عنده فقال : ( @QUR@09 وجاءه قومه يهرعون إليه. ومن قبل كانوا ~~يعملون السيئات ... ). # ويهرعون بضم الياء وفتح الراء على صيغة المبنى للمفعول أى : يدفع بعضهم ~~بعضا بشدة ، كأن سائقا يسوقهم إلى المكان الذي فيه لوط وضيوفه. # يقال : هرع الرجل وأهرع بالبناء للمفعول فيهما إذا أعجل وأسرع لدافع ~~يدفعه إلى ذلك. # قال الآلوسى : والعامة على قراءته مبنيا للمفعول ، وقرأ جماعة يهرعون ~~بفتح الياء مع البناء للفاعل من هرع بفتح الهاء والراء وأصله من الهرع وهو ~~الدم الشديد السيلان ، كأن بعضه يدفع بعضا (3). # أى : وبعد أن علم قوم لوط بوجود هؤلاء الضيوف عند نبيهم ، جاءوا إليه ~~مسرعين يسوق بعضهم بعضا إلى بيته من شدة الفرح ، ومن قبل هذا المجيء ، كان ~~هؤلاء القوم الفجرة ، يرتكبون السيئات الكثيرة ، التي من أقبحها إتيانهم ~~الرجال شهوة من دون النساء. # وقد طوى القرآن الكريم ذكر الغرض الذي جاءوا من أجله ، وأشار إليه بقوله ~~: ( @QUR@01 ومن PageV07P247 # @QUR@04 قبل كانوا يعملون السيئات ) للإشعار ms2949 بأن تلك الفاحشة صارت عادة ~~من العادات المتأصلة في نفوسهم الشاذة ، فلا يسعون إلا من أجل قضائها. # ثم حكى القرآن بعد ذلك ما بادرهم به نبيهم بعد أن رأى هياجهم وتدافعهم ~~نحو داره فقال : ( @QUR@08 قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم )... # والمراد ببناته هنا : زوجاتهم ونساؤهم اللائي يصلحن للزواج ، وأضافهن إلى ~~نفسه ؛ لأن كل نبي أب لأمته من حيث الشفقة وحسن التربية والتوجيه. # قال ابن كثير : قوله تعالى ( @QUR@08 قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم ~~... ) يرشدهم إلى نسائهم ، فإن النبي للأمة بمنزلة الوالد ، فأرشدهم إلى ما ~~هو أنفع لهم ، كما قال لهم في آية أخرى : ( @QUR@015 أتأتون الذكران من ~~العالمين. وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون )... # قال مجاهد : لم يكن بناته ، ولكن كن من أمته ، وكل نبي أبو أمته ... # وقال سعيد بن جبير : يعنى نساؤهم ، هن بناته وهو أب لهم ... (1). # ومنهم من يرى أن المراد ببناته هنا : بناته من صلبه ، وأنه عرض عليهم ~~الزواج بهن ... # ويضعف هذا الرأى أن لوطا عليه السلام كان له بنتان أو ثلاثة كما جاء في ~~بعض الروايات وعدد المتدافعين من قومه إلى بيته كان كثيرا ، فكيف تكفيهم ~~بنتان أو ثلاثة للزواج ...؟ # ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب ، وقد رجحه الإمام الرازي بأن ~~قال ما ملخصه : «وهذا القول عندي هو المختار ، ويدل عليه وجوه. منها : أنه ~~قال ( @QUR@05 هؤلاء بناتي هن أطهر لكم ) وبناته اللاتي من صلبه لا تكفى ~~للجمع العظيم ، أما نساء أمته ففيهن كفاية للكل .. # ومنها : أنه صحت الرواية أنه كان له بنتان وهما : زنتا وزعورا ، وإطلاق ~~لفظ البنات على البنتين لا يجوز ، لما ثبت أن أقل الجمع ثلاثة ...» (2). # والمعنى : أن لوطا عليه السلام عند ما رأى تدافعهم نحو بيته لارتكاب ~~الفاحشة التي ما سبقهم بها من أحد من العالمين ، قال لهم : برجاء ورفق ( ~~@QUR@02 يا قوم ) هؤلاء نساؤكم اللائي بمنزلة بناتي ارجعوا إليهن فاقضوا ~~شهوتكم معهن فهن أطهر لكم نفسيا وحسيا من التلوث PageV07P248 # برجس اللواط ، وأفعل التفضيل ms2950 هنا وهو ( @QUR@01 أطهر ) ليس على بابه ، بل ~~هو للمبالغة في الطهر. # قال القرطبي : وليس ألف أطهر للتفضيل ، حتى يتوهم أن في نكاح الرجال ~~طهارة ، بل هو كقولك الله أكبر أى كبير ... ولم يكابر الله تعالى أحد حتى ~~يكون الله تعالى أكبر منه ...» (1). # ثم أضاف إلى هذا الإرشاد لهم إرشادا آخر فقال : ( @QUR@06 فاتقوا الله ~~ولا تخزون في ضيفي ... ). # قال الجمل : ولفظ الضيف في الأصل مصدر ، ثم أطلق على الطارق ليلا إلى ~~المضيف ، ولذا يقع على المفرد والمذكر وضديهما بلفظ واحد ، وقد يثنى فيقال ~~: ضيفان ، ويجمع فيقال : «أضياف وضيوف ...» (2). # وتخزون : من الخزي وهو الإهانة والمذلة. يقال : خزي الرجل يخزى خزيا ... ~~إذا وقع في بلية فذل بذلك. # أى : بعد أن أرشدهم إلى نسائهم ، أمرهم بتقوى الله ومراقبته ، فقال لهم : ~~فاتقوا الله. ولا تجعلوني مخزيا مفضوحا أمام ضيوفى بسبب اعتدائكم عليهم ، ~~فإن الاعتداء على الضيف كأنه اعتداء على المضيف. # ويبدو أن لوطا عليه السلام قد قال هذه الجملة ليلمس بها نخوتهم إن كان قد ~~بقي فيهم بقية من نخوة ، ولكنه لما رأى إصرارهم على فجورهم وبخهم بقوله : # ( @QUR@04 أليس منكم رجل رشيد ) يهدى إلى الرشد والفضيلة. وينهى عن ~~الباطل والرذيلة. فيقف إلى جانبي ، ويصرفكم عن ضيوفى؟ # ولكن هذا النصح الحكيم من لوط لهم لم يحرك قلوبهم الميتة الآسنة. ولا ~~فطرتهم الشاذة المنكوسة. بل ردوا عليه بقولهم : # ( @QUR@013 قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد ). # أى : قال قوم لوط له بسفاهة ووقاحة : لقد علمت يا لوط علما لا شك معه ، ~~أننا لا رغبة لنا في النساء ، لا عن طريق الزواج ولا عن أى طريق آخر ، ~~فالمراد بالحق هنا : الرغبة والشهوة. PageV07P249 # قال الشوكانى : قوله ( @QUR@06 ما لنا في بناتك من حق ) أى : ما لنا فيهن ~~من شهوة ولا حاجة ، لأن من احتاج إلى شيء فكأنه حصل له فيه نوع حق ، ومعنى ~~ما نسبوه إليه من العلم أنه قد علم منهم المكالبة على إتيان الذكور وشدة ~~الشهوة إليهم ، فهم من هذه الحيثية كأنهم لا ms2951 حاجة لهم إلى النساء. ويمكن أن ~~يريدوا : أنه لا حق لنا في نكاحهن ...» (1). # وقولهم : ( @QUR@04 وإنك لتعلم ما نريد ) إشارة خبيثة منهم إلى العمل ~~الخبيث الذي ألفوه ، وهو إتيان الذكور دون النساء أى : وإنك لتعلم علما ~~يقينيا الشيء الذي نريده فلما ذا ترجعنا؟! وقولهم هذا الذي حكته الآية ~~الكريمة عنهم ، يدل دلالة واضحة على أنهم قد بلغوا النهاية في الخبث ~~والوقاحة وتبلد الشعور .. # لذا رد عليهم لوط عليه السلام رد اليائس من ارعوائهم عن غيهم ، المتمنى ~~لوجود قوة إلى جانبه تردعهم وتكف فجورهم ... ( @QUR@011 قال لو أن لي بكم ~~قوة أو آوي إلى ركن شديد ). # والقوة : ما يتقوى به الإنسان على غيره. # وآوى : أى ألجأ وأنضوى تقول : أويت إلى فلان فأنا آوى إليه أويا أى : ~~انضممت إليه. # والركن في الأصل : القطعة من البيت أو الجبل ، والمراد به هنا الشخص ~~القوى الذي يلجأ إليه غيره لينتصر به ... # ولو شرطية وجوابها محذوف ، والتقدير : قال لوط عليه السلام بعد أن رأى من ~~قومه الاستمرار في غيهم ، ولم يقدر على دفعهم على سبيل التفجع والتحسر : لو ~~أن معى قوة أدفعكم بها لبطشت بكم. # ويجوز أن تكون لو للتمني فلا تحتاج إلى جواب أى : ليت معى قوة أستطيع ~~بمناصرتها لي دفع شركم. # وقوله ( @QUR@05 أو آوي إلى ركن شديد ) معطوف على ما قبله ، أو ليتني ~~أستطيع أن أجد شخصا قويا من ذوى المنعة والسلطان أحتمى به منكم ومن تهديدكم لي ... # قالوا : وإنما قال لوط عليه السلام ذلك ؛ لأنه كان غريبا عنهم ، ولم يكن ~~له نسب أو عشيرة فيهم. # وهنا وبعد أن بلغ الضيق بلوط ما بلغ كشف له الملائكة عن حقيقتهم ، وبشروه ~~بما يدخل الطمأنينة على قلبه ( @QUR@09 قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا ~~إليك ) أى : إنا رسل PageV07P250 # ربك أرسلنا إليك لنخبرك بهلاكهم ، فاطمئن فإنهم لن يصلوا إليك بسوء في ~~نفسك أو فينا. # روى أن الملائكة لما رأوا ما لقيه لوط عليه السلام من الهم والكرب بسببهم ~~قالوا له : يا لوط إن ركنك لشديد ... ثم ضربهم جبريل ms2952 بجناحه فطمس أعينهم ، ~~فارتدوا على أدبارهم يقولون النجاء ، وإليه الإشارة بقوله تعالى في سورة ~~القمر : ( @QUR@09 ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم ، فذوقوا عذابي ونذر ). # وقوله : ( @QUR@05 فأسر بأهلك بقطع من الليل ) أى : فاخرج من هذه القرية ~~مصحوبا بالمؤمنين من أهلك في جزء من الليل يكفى لابتعادك عن هؤلاء ~~المجرمين. # قال القرطبي : قرئ «فاسر وفأسر بوصل الهمزة وقطعها لغتان فصيحتان. قال ~~تعالى ( @QUR@03 والليل إذا يسر ) وقال ( @QUR@04 سبحان الذي أسرى بعبده ~~... ) وقيل «فأسر» بالقطع تقال لمن سار من أول الليل .. وسرى لمن سار في ~~آخره ، ولا يقال في النهار إلا سار ...» (1). # وقوله : ( @QUR@010 ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم ~~... ) معطوف على ما قبله وهو قوله : ( @QUR@02 فأسر بأهلك ... ). # أى : فأسر بأهلك في جزء من الليل ، ولا يلتفت منكم أحد إلى ما وراءه ، ~~اتقاء لرؤية العذاب ، ( @QUR@02 إلا امرأتك ) يا لوط فاتركها ولا تأخذها ~~معك لأنها كافرة خائنة ، ولأنها سيصيبها العذاب الذي سينزل بهؤلاء ~~المجرمين. فيهلكها معهم. # قال الإمام الرازي ما ملخصه : قوله ( @QUR@02 إلا امرأتك ) قرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو ( @QUR@02 إلا امرأتك ) بالرفع ، وقرأ الباقون بالنصب. # قال الواحدي : من نصب فقد جعلها مستثناة من الأهل ، على معنى : فأسر ~~بأهلك إلا امرأتك أى فلا تأخذها معك ... # وأما الذين رفعوا فالتقدير : ولا يلتفت منكم أحد لكن امرأتك تلتفت ~~فيصيبها ما أصابهم. # روى عن قتادة أنه قال : إنها كانت مع لوط حين خرج من القرية ، فلما سمعت ~~العذاب التفتت وقالت وا قوماه فأصابها حجر فأهلكها» (2). PageV07P251 # وقوله سبحانه ( @QUR@06 إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب ) بشارة أخرى ~~للوط عليه السلام الذي تمنى النصرة على قومه. # أى : إن موعد هلاك هؤلاء المجرمين يبتدئ من طلوع الفجر وينتهى مع طلوع ~~الشمس ، أليس الصبح بقريب من هذا الوقت الذي نحدثك فيه؟ # قال تعالى في سورة الحجر : ( @QUR@03 فأخذتهم الصيحة مشرقين ) أى : وهم ~~داخلون في وقت الشروق. فكان ابتداء العذاب عند طلوع الصبح وانتهاؤه وقت ~~الشروق. # والجملة الكريمة ( @QUR@03 إن موعدهم الصبح ... ) كالتعليل للأمر ~~بالإسراء بأهله بسرعة ، أو جواب عما جاش بصدره من استعجاله ms2953 العذاب لهؤلاء ~~المجرمين. # والاستفهام في قوله سبحانه ( @QUR@03 أليس الصبح بقريب ) للتقرير أى : ~~بلى إنه لقريب. # قال الآلوسى : روى أنه عليه السلام سأل الملائكة عن موعد هلاك قومه فقالوا ~~له ؛ موعدهم الصبح. فقال : أريد أسرع من ذلك. فقالوا له ؛ أليس الصبح ~~بقريب. ولعله إنما جعل ميقات هلاكهم الصبح لأنه وقت الدعة والراحة فيكون ~~حلول العذاب حينئذ أفظع ، ولأنه أنسب بكون ذلك عبرة للناظرين (1). # ثم حكى سبحانه في نهاية القصة ما حل بهؤلاء المجرمين من عذاب فقال : ( ~~@QUR@020 فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل ~~منضود. مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد ). # أى : «فلما أمرنا» بإهلاك هؤلاء القوم المفسدين ( @QUR@03 جعلنا عاليها ~~سافلها ) أى : جعلنا أعلى بيوتهم أسفلها ، بأن قلبناها عليهم ، وهي عقوبة ~~مناسبة لجريمتهم حيث قلبوا فطرتهم ، فأتوا الذكران من العالمين ؛ وتركوا ما ~~خلق لهم ربهم من أزواجهم ... # وقوله : ( @QUR@06 وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود ) زيادة في عقوبتهم ~~ولعنهم. # أى : جعلنا أعلى قراهم أسفلها ، وأمطرنا عليها حجارة ( @QUR@02 من سجيل ) ~~أى : من حجر وطين مختلط ، قد تجحر وتصلب ( @QUR@01 منضود ) أى : متتابع في ~~النزول بدون انقطاع موضوع بعض على بعض ، من النضد وهو وضع الأشياء بعضها ~~إلى بعض. # ( @QUR@03 مسومة عند ربك ) أى : معلمة بعلامات من عند ربك لا يعلمها إلا ~~هو ، ومعدة إعدادا خاصا لإهلاك هؤلاء القوم. PageV07P252 # ( @QUR@02 وما هي ) أى تلك القرى المهلكة ( @QUR@02 من الظالمين ) وهم ~~مشركو مكة ( @QUR@01 ببعيد ) أى : ببعيدة عنهم ، بل هي قريبة منهم ، ويمرون ~~عليها في أسفارهم إلى الشام. # قال تعالى ( @QUR@07 وإنكم لتمرون عليهم مصبحين ، وبالليل أفلا تعقلون ) (1). # أى : وإنكم يا أهل مكة لتمرون على هؤلاء القوم المهلكين من قوم لوط في ~~وقت الصباح أى النهار ، وتمرون عليهم بالليل أفلا تعقلون ذلك فتعتبروا ~~وتتعظوا؟؟ # ويجوز أن يكون الضمير في قوله ( @QUR@02 وما هي ) يعود إلى الحجارة التي ~~أهلك الله بها هؤلاء القوم. # أى : وما هي تلك الحجارة الموصوفة بما ذكر من الظالمين ببعيد ، بل هي ~~حاضرة مهيئة بقدرة الله تعالى لإهلاك الظالمين بها. # والمراد بالظالمين ما يشمل ms2954 قوم لوط ، ويشمل كل من عصى الله وتجاوز حدوده ~~، ولم يتبع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم . # وهكذا كانت نهاية قوم لوط ، فقد انطوت صفحتهم كما انطوت من قبلهم صفحات ~~قوم نوح وهود وصالح عليهم الصلاة والسلام هذا ومن العبر والأحكام التي ~~نأخذها من هذه الآيات الكريمة ، أنه لا بأس على المسلم من أن يستعين بغيره ~~لنصرة الحق الذي يدعو إليه ، ولخذلان الباطل الذي ينهى عنه. # فلوط عليه السلام عند ما رأى من قومه الإصرار على غوايتهم ومفاسدهم تمنى ~~لو كانت معه قوة تزجرهم وتردعهم وتمنعهم عن فسادهم. # وقد علق الإمام ابن حزم على ما جاء في الحديث الشريف بشأن لوط عليه السلام ~~فقال ما ملخصه : # وظن بعض الفرق أن ما جاء في الحديث الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم «رحم ~~الله لوطا لقد كان يأوى إلى ركن شديد» إنما هو من باب الإنكار على لوط ~~عليه السلام في قوله ( @QUR@010 لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ). # والحق أنه لا تخالف بين القولين ، بل كلاهما حق ، لأن لوطا عليه السلام ~~إنما أراد منعة عاجلة يمنع بها قومه مما هم عليه من الفواحش. من قرابة أو ~~عشيرة أو أتباع مؤمنين ، وما جهل قط لوط عليه السلام أنه يأوى من ربه تعالى ~~إلى أمنع قوة ، وأشد ركن. PageV07P253 # ولا جناح على لوط عليه السلام في طلب قوة من الناس فقد قال الله تعالى ( ~~@QUR@09 ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ). # وقد طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار نصرته حتى يبلغ كلام ربه ، ~~فكيف ينكر على لوط أمرا هو فعله؟!! # تالله ما أنكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما أخبر أن لوطا كان ~~يأوى إلى ركن شديد ، يعنى من نصر الله له بالملائكة ، ولم يكن لوط علم ~~بأنهم ملائكة ... (1). # ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك فقصت علينا ما كان بين شعيب عليه السلام ~~وقومه وكيف أنه دعاهم إلى عبادة الله تعالى ms2955 وحده بأسلوب بليغ حكيم ، ولكنهم ~~لم يستجيبوا له ، فكانت عاقبتهم الهلاك كالذين من قبلهم قال تعالى : # ( @QUR@027 وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم ~~محيط (84) @QUR@015 ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا ~~الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين (85) @QUR@011 بقيت الله خير لكم ~~إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ (86) @QUR@021 قالوا يا شعيب أصلاتك ~~تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشؤا إنك لأنت ~~الحليم الرشيد (87) @QUR@05 قال يا قوم أرأيتم إن PageV07P254 # @QUR@031 كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم ~~إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله ~~عليه توكلت وإليه أنيب (88) @QUR@023 ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم ~~مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد (89) ~~@QUR@09 واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود (90) @QUR@020 ~~قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولو لا رهطك ~~لرجمناك وما أنت علينا بعزيز (91) @QUR@016 قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من ~~الله واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربي بما تعملون محيط (92) @QUR@020 ويا قوم ~~اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب ~~وارتقبوا إني معكم رقيب (93) @QUR@018 ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين ~~آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين ~~(94) @QUR@010 كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود ) (95) # تلك هي قصة شعيب عليه السلام كما حكتها هذه السورة الكريمة ، وقد وردت هذه ~~القصة في سور أخرى منها : سورتي الأعراف والشعراء .. PageV07P255 # ومدين اسم للقبيلة التي تنتسب إلى مدين بن إبراهيم عليه السلام . # وكانوا يسكنون في المنطقة التي تسمى (معان) وتقع بين حدود الحجاز والشام. # وأهل مدين يسمون أيضا بأصحاب الأيكة. # والأيكة : منطقة مليئة بالشجر كانت مجاورة لقرية ms2956 (معان)، وكان يسكنها ~~بعض الناس فأرسل الله شعيبا إليهم جميعا. # وشعيب هو ابن ميكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم ، فهو أخوهم في النسب. # وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شعيب قال : (ذلك خطيب الأنبياء) لحسن ~~مراجعته لقومه ، وقوة حجته. # وكان قومه يعبدون الأصنام. ويطففون في الكيل والميزان ... فدعاهم إلى ~~عبادة الله وحده ، ونهاهم عن الخيانة وسوء الأخلاق. # ويرى بعض العلماء : أن شعيبا أرسل إلى أمتين : أهل مدين الذين أهلكوا ~~بالصيحة ؛ وأصحاب الأيكة الذين أخذهم الله بعذاب يوم الظلة ، وأن الله ~~تعالى لم يبعث نبيا مرتين سوى شعيب عليه السلام . # ولكن المحققين من العلماء اختاروا أنهما أمة واحدة ، فأهل مدين هم أصحاب ~~الأيكة ، أخذتهم الرجفة والصيحة وعذاب يوم الظلة أى السحابة وأن كل عذاب ~~كان كالمقدمة للآخر. # هذا ، وقوله سبحانه ( @QUR@04 وإلى مدين أخاهم شعيبا ... ) معطوف على ما ~~سبقه من قصة صالح عليه السلام عطف القصة على القصة. # أى : وكما أرسلنا صالحا عليه السلام إلى ثمود ، فقد أرسلنا إلى أهل مدين ~~أخاهم شعيبا عليه السلام فقال لهم مقالة كل نبي لقومه : يا قوم اعبدوا الله ~~وحده ، فإنكم لا إله لكم على الحقيقة سواه ، فهو الذي خلقكم ، وهو الذي ~~رزقكم ، وهو الذي إليه مرجعكم ... # ثم بعد أن أمرهم بإخلاص العبادة لله ، نهاهم عن التطفيف في الكيل ~~والميزان فقال : ( @QUR@04 ولا تنقصوا المكيال والميزان ). # والمكيال والميزان : اسمان للآلة التي يكال بها ويوزن. # ونقص الكيل والميزان يكون من وجهين : أحدهما أن يكون الاستنقاص من جهتهم ~~إذا باعوا لغيرهم. PageV07P256 # وثانيهما : أن يكون الاستنقاص من جهة غيرهم إذا اشتروا منه ، بأن يأخذوا ~~منه أكثر من حقهم. # فكأنه عليه السلام يقول لهم : لا تنقصوا المكيال والميزان لا عند الأخذ ~~ولا عند الإعطاء ، فلا تعطوا غيركم أقل من حقه إذا بعتم ، ولا تأخذوا منه ~~أكثر من حقكم إذا اشتريتم. # وإلى هذين الأمرين أشار قوله تعالى ( @QUR@013 ويل للمطففين ، الذين إذا ~~اكتالوا على الناس يستوفون ، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ... ). # ثم بين لهم الأسباب التي دعته إلى أمرهم ونهيهم ms2957 فقال : ( @QUR@09 إني ~~أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ). # والخير : كلمة جامعة لكل ما يرضى الإنسان ويغنيه ويسره. # ومحيط : أى شامل بحيث لا يستطيع أحد الإفلات منه. كما يحيط الظرف ~~بالمظروف ... # أى : أخلصوا لله عبادتكم ، والتزموا العدل في معاملاتكم ، فإنى أراكم ~~تملكون الوفير من المال ، وتعيشون في رغد من العيش ، وفي بسطة من الرزق ، ~~ومن كان كذلك فمن الواجب عليه أن يقابل هذه النعم بالشكر لواهبها وهو الله ~~تعالى وأن يستعملها استعمالا يرضيه ، وأن يعطى كل ذي حق حقه. # وإنى أيضا أخاف عليكم إذا ما تماديتم في مخالفة ما آمركم به وما أنهاكم ~~عنه ، عذاب يوم أهواله وآلامه شاملة لكل ظالم ، بحيث لا يستطيع أن يهرب ~~منها ... # قال الشوكانى : وصف سبحانه اليوم بالإحاطة ، والمراد العذاب لأن العذاب ~~واقع في اليوم ، ومعنى إحاطة عذاب اليوم بهم ، أنهم لا يشذ منهم أحد عنه ، ~~ولا يجدون منه ملجأ ولا مهربا» (1). # فأنت ترى أن شعيبا عليه السلام بعد أن أمرهم بما يصلح عقيدتهم ونهاهم عما ~~يفسد معاملاتهم وأخلاقهم ... ذكرهم بما هم فيه من نعمة وغنى قطعا لعذرهم ~~حتى لا يقولوا له نحن في حاجة إلى تطفيف المكيال والميزان لفقرنا ، ثم ~~أخبرهم بأنه ما حمله على هذا النصح لهم إلا خوفه عليهم. # ثم واصل شعيب عليه السلام نصحه لقومه ، فأمرهم بالوفاء بعد أن نهاهم عن PageV07P257 # النقص على سبيل التأكيد ، وزيادة الترغيب في دعوته فقال : ( @QUR@06 ويا ~~قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط )... # أى : ويا قوم أوفوا عند معاملاتكم أدوات كيلكم وأدوات وزنكم ، ملتزمين في ~~كل أحوالكم العدل والقسط. # ( @QUR@04 ولا تبخسوا الناس أشياءهم ... ) أى : ولا تنقصوهم شيئا من ~~حقوقهم. يقال : بخس فلان فلانا حقه إذا ظلمه وانتقصه. وهو يشمل النقص ~~والعيب في كل شيء .. # والجملة الكريمة تعميم بعد تخصيص ، لكي تشمل غير المكيل والموزون ~~كالمزروع والمعدود ، والجيد والرديء ... # قال الجمل ما ملخصه : وقد كرر سبحانه نهيهم عن النقص والبخس وأمرهم ~~بالوفاء ... لأن القوم لما كانوا مصرين على ذلك العمل القبيح ، وهو تطفيف ~~الكيل والميزان ومنع الناس حقوقهم ms2958 ، احتيج في المنع منه إلى المبالغة في ~~التأكيد ، ولا شك أن التكرير يفيد شدة الاهتمام والعناية بالمأمور به ~~والمنهي عنه ، فلهذا كرر ذلك ليقوى الزجر والمنع من ذلك الفعل ...» (1). # وقوله : ( @QUR@05 ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) تحذير لهم من البطر ~~والغرور واستعمال نعم الله في غير ما خلقت له. # قال ابن جرير : «وأصل العثى شدة الإفساد ، بل هو أشد الإفساد. يقال عثى ~~فلان في الأرض يعنى كرضى يرضى إذا تجاوز الحد في الإفساد ...» (2). # أى : ولا تسعوا في أرض الله بالفساد ، وتقابلوا نعمه بالمعاصي ، فتسلب ~~عنكم ثم أرشدهم إلى أن ما عند الله خير وأبقى مما يجمعونه عن الطريق الحرام ~~فقال : ( @QUR@011 بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ ). # ولفظ ( @QUR@01 بقيت ) اسم مصدر من الفعل : بقي ، ضد : فنى. وإضافتها إلى ~~الله تعالى إضافة تشريف وتيمن. # أى : ما يبقيه الله لكم من رزق حلال ، ومن حال صالح ، ومن ذكر حسن ، ومن ~~أمن وبركة في حياتكم ... بسبب التزامكم بالقسط في معاملاتكم ، هو خير لكم ~~من المال الكثير الذي تجمعونه عن طريق بخس الناس أشياءهم. PageV07P258 # وجملة «إن كنتم مؤمنين» معترضة لبيان أن هذه الخيرية لا تتم إلا مع ~~الإيمان. # أى : ما يبقيه الله لكم من الحلال ... هو خير لكم ، إن كنتم مصدقين بما ~~أرسلت به إليكم ، أما إذا لم تكونوا كذلك فلن تكون بقية الله خيرا لكم ، ~~لأنها لا تكون إلا للمؤمنين ، فاستجيبوا لنصيحتى لتسعدوا في دنياكم ~~وآخرتكم. # وجملة «وما أنا عليكم بحفيظ» تحذير لهم من مخالفته بعد أن أدى ما عليه من بلاغ. # أى : وما أنا عليكم بحفيظ أحفظ لكم أعمالكم وأحاسبكم عليها ، وأجازيكم ~~بها الجزاء الذي تستحقونه. وإنما أنا ناصح ومبلغ ما أمرنى ربي بتبليغه ، ~~وهو وحده سبحانه الذي سيتولى مجازاتكم. # وإلى هنا نجد شعيبا عليه السلام قد أرشد قومه إلى ما يصلحهم في عقائدهم ، ~~وفي معاملاتهم ، وفي صلاتهم بعضهم ببعض ، وفي سلوكهم الشخصي ، بأسلوب حكيم ~~جامع لكل ما يسعد ويهدى للتي هي أقوم .. # فماذا كان رد قومه عليه؟ # لقد ms2959 كان ردهم عليه كما حكاه القرآن الكريم طافحا بالاستهزاء به ، ~~والسخرية منه ، فقد قالوا له : ( @QUR@020 يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما ~~يعبد آباؤنا ، أو أن نفعل في أموالنا ما نشؤا ، إنك لأنت الحليم الرشيد ). # أى : قال قوم شعيب له على سبيل التهكم والاستهزاء : يا شعيب أصلاتك التي ~~تزعم أن ربك كلفك بها والتي أنت تكثر منها تأمرك أن نترك عبادة الأصنام ~~التي وجدنا عليها آباءنا؟ والاستفهام للإنكار والتعجب من شأنه ... # وأسندوا الأمر إلى الصلاة من بين سائر العبادات التي كان يفعلها ، لأنه ~~عليه السلام كان كثير الصلاة ، وكانوا إذا رأوه يصلى سخروا منه. # وجملة «أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء» إنكار منهم لترك ما تعودوه من نقص ~~الكيل والميزان بعد إنكارهم لترك عبادة الأصنام. # أى : أصلاتك تأمرك أن نترك عبادة الأصنام ، وتأمرك أن نترك ما تعودنا ~~فعله في أموالنا من التطفيف في الكيل والميزان ... # إن كانت صلاتك تأمرك بذلك ، فهي في نظرنا صلاة باطلة ، لا وزن لها عندنا ~~، بل نحن نراها لونا من ألوان جنونك وهذيانك .. # وجملة «إنك لأنت الحليم الرشيد» زيادة منهم في السخرية منه عليه السلام وفي PageV07P259 # التهكم عليه ، فكأنهم قبحهم الله يقولون له : كيف تأمرنا بترك عبادة ~~الأصنام ، وبترك النقص في الكيل والميزان ، مع علمك اليقيني بأن هذين ~~الأمرين قد بنينا عليهما حياتنا ، ومع زعمك لنا بأنك أنت الحليم الذي يتأنى ~~ويتروى في أحكامه ، الرشيد الذي يرشد غيره إلى ما ينفعه؟ # إن هذين الوصفين لا يليقان بك ، مادمت تأمرنا بذلك ، وإنما اللائق بك ~~أضدادهما ، أى الجهالة والسفه والعجلة في الأحكام. # قال صاحب الكشاف : وأرادوا بقولهم : ( @QUR@04 إنك لأنت الحليم الرشيد ) ~~نسبته إلى غاية السفه والغي ، فعكسوا ليتهكموا به ، كما يتهكم بالشحيح الذي ~~لا يبض حجره ، فيقال له : لو أبصرك حاتم لسجد لك. وقيل معناه : إنك ~~للمتواصف بالحلم والرشد في قومك. يعنون أن ما تأمر به لا يطابق حالك وما ~~اشتهرت به ...» (1). # هكذا رد قوم شعيب عليه ، وهو رد يحمل السخرية في كل مقطع من مقاطعه ، ~~ولكنها ms2960 سخرية الشخص الذي انطمست بصيرته ، وقبحت سريرته!! # ومع كل هذه السفاهة ؛ ترى شعيبا عليه السلام وهو خطيب الأنبياء يتغاضى عن ~~سفاهاتهم ، لأنه يحس بقصورهم وجهلهم ، كما يحس بقوة الحق الذي أتاهم به من ~~عند ربه ، فيرد عليهم بقوله : ( @QUR@010 قال يا قوم أرأيتم إن كنت على ~~بينة من ربي ... ) والبينة : ما يتبين به الحق من الباطل ، ويتميز به الهدى ~~من الضلال. # أى : قال شعيب لقومه بأسلوب مهذب حكيم : يا قوم أخبرونى إن كنت على حجة ~~واضحة ، وبصيرة مستنيرة منحني إياها ربي ومالك أمرى. # ( @QUR@02 ورزقني منه ) سبحانه ، ( @QUR@02 رزقا حسنا ) يتمثل في النبوة ~~التي كرمني بها ، وفي المال الحلال الذي بين يدي ، وفي الحياة الطيبة التي ~~أحياها. # وجواب الشرط محذوف والتقدير : أخبرونى إن كنت كذلك ، هل يليق بي بعد ذلك ~~أن أخالف أمره مسايرة لأهوائكم؟ كلا إنه لا يليق بي ذلك ، وإنما اللائق بي ~~أن أبلغ جميع ما أمرنى بتبليغه دون خوف أو تقصير. # ثم يكشف لهم عن أخلاقه وسلوكه معهم فيقول : ( @QUR@08 وما أريد أن ~~أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ... ). # أى : ما أريد بأمرى لكم بعبادة الله وحده ، وبنهيى إياكم عن التطفيف ~~والبخس ، مجرد PageV07P260 # مخالفتكم ومنازعتكم ومعاكستكم ، أو أن آمركم بشيء ثم لا أفعله ، أو ~~أنهاكم عنه ثم أفعله ، من أجل تحقيق منفعة دنيوية .. # كلا ، كلا إنى لا أريد شيئا من ذلك وإنما أنا إنسان يطابق قولي فعلى ، ~~وأختار لكم ما أختاره لنفسي. # قال صاحب الكشاف ما ملخصه : قوله ( @QUR@08 وما أريد أن أخالفكم إلى ما ~~أنهاكم عنه ) يقال : خالفني فلان إلى كذا : إذا قصده وأنت مول عنه. وخالفني ~~عنه : إذا ولى عنه وأنت تقصده. # ويلقاك الرجل صادرا عن الماء فتسأله عن صاحبه فيقول : خالفني إلى الماء ، ~~يريد أنه ذهب إليه واردا ، وهو ذهب عنه صادرا ، ومنه قوله سبحانه : ( ~~@QUR@08 وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ) يعنى : ما أريد أن أسبقكم ~~إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستبد بها دونكم» (1). # وقال الإمام ابن كثير ، وعن مسروق أن امرأة جاءت إلى ابن مسعود رضى الله ms2961 ~~عنه فقالت له : أأنت الذي تنهى عن الواصلة أى التي تصل شعرها بشعر آخر ؟ ~~قال : نعم. فقالت : فلعله في بعض نسائك ، فقال : ما حفظت إذا وصية العبد ~~الصالح ( @QUR@08 وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ) (2). # ثم بين لهم أنه ما يريد لهم إلا الإصلاح فيقول : ( @QUR@06 إن أريد إلا ~~الإصلاح ما استطعت ... ). # أى : ما أريد بما أنصحكم به إلا إصلاحكم وسعادتكم ، ومادمت أستطيع ذلك ، ~~وأقدر عليه ، فلن أقصر في إسداء الهداية لكم. # ثم يفوض الأمور إلى الله تعالى فيقول : ( @QUR@08 وما توفيقي إلا بالله ، ~~عليه توكلت وإليه أنيب ). # أى : وما توفيقي فيما أدعوكم إليه من خير أو أنهاكم عنه من شر إلا بتأييد ~~الله وعونه ، فهو وحده الذي عليه أتوكل وأعتمد في كل شئونى ، وهو وحده الذي ~~إليه أرجع في كل أمورى. # ثم يواصل شعيب عليه السلام نصحه لقومه ، فينتقل بهم إلى تذكيرهم بمصارع ~~السابقين ، محذرا إياهم من أن يكون مصيرهم كمصير الظالمين من قبلهم فيقول : ~~و ( @QUR@02 يا قوم PageV07P261 # @QUR@016 لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح ، أو قوم هود ، ~~أو قوم صالح ... ). # ومعنى ( @QUR@02 لا يجرمنكم ) لا يحملنكم ، مأخوذ من جرمه على كذا ، إذا ~~حمله عليه. # أو بمعنى لا يكسبنكم من جرم بمعنى كسب ، غير أنه لا يكون إلا في كسب ما ~~لا خير فيه ، ومنه الجريمة ، وهي اقتراف الجرم والذنب. # وأصل الجرم : قطع الثمرة من الشجرة ، وأطلق على الكسب ، لأن الكاسب لشيء ~~ينقطع له. # وقوله ( @QUR@01 شقاقي ) من الشقاق بمعنى الخلاف والعداوة ، كأن كل واحد ~~من المتعاديين في شق غير الشق الذي يكون فيه الآخر ، والشق : الجانب. # والمعنى ، ويا قوم لا تحملنكم عداوتكم لي ، على افتراء الكذب على ، وعلى ~~التمادي في عصياني ومحاربتى. فإن ذلك سيؤدي بكم إلى أن يصيبكم العذاب الذي ~~أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح. # وقوله : ( @QUR@05 وما قوم لوط منكم ببعيد ): تذكير لهم بأقرب المهلكين إليهم. # أى : إذا كنتم لم تتعظوا بما أصاب قوم نوح من غرق ، وبما أصاب قوم هود من ~~ريح ms2962 دمرتهم ، وبما أصاب قوم صالح من صيحة أهلكتهم ، فاتعظوا بما أصاب قوم ~~لوط من عذاب جعل أعلى مساكنهم أسفلها ، وهم ليسوا بعيدين عنكم لا في الزمان ~~ولا في المكان. # والمراد بالبعد في قوله : ( @QUR@05 وما قوم لوط منكم ببعيد ) بعد الزمن ~~والمكان والنسب. # فزمن لوط عليه السلام غير بعيد من زمن شعيب عليه السلام . # وديار قوم لوط قريبة من ديار قوم شعيب ، إذ منازل مدين عند عقبة أيلة ~~بجوار معان مما يلي الحجاز ، وديار قوم لوط بناحية الأردن إلى البحر الميت. # وكان مدين بن إبراهيم عليهما السلام وهو جد قبيلة شعيب ، المسماة باسمه ، ~~متزوجا بابنة لوط». # ثم فتح لهم بعد ذلك باب الأمل في رحمة الله ، إن هم تابوا إليه سبحانه ~~وأنابوا فقال : ( @QUR@09 واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود ). # أى : واستغفروا ربكم من كل ما فرط منكم من ذنوب ثم توبوا إليه توبة صادقة ~~نصوحا : ( @QUR@02 إن ربي ) ومالك أمرى ( @QUR@01 رحيم ) أى : واسع الرحمة ~~لمن تاب إليه ، ( @QUR@01 ودود ) أى : كثير الود والمحبة لمن أطاعه. # وهكذا نجد شعيبا عليه السلام وهو خطيب الأنبياء يلون لقومه النصح ، وينوع PageV07P262 # لهم المواعظ ، ويطوف بهم في مجالات الترغيب والترهيب .. # ولكن القوم كانوا قد بلغوا من الفساد نهايته ، ومن الجهل أقصاه ... فقد ~~ردوا على هذه النصائح الغالية بقولهم : ( @QUR@08 قالوا يا شعيب ما نفقه ~~كثيرا مما تقول ... ). # أى : قال قوم شعيب له على سبيل التحدي والتكذيب : يا شعيب إننا لا نفهم ~~الكثير من قولك ، لأنه قول لم نألفه ولم تتقبله نفوسنا ، ولقد أطلت في ~~دعوتنا إلى عبادة الله وترك النقص في الكيل والميزان حتى مللنا دعوتك ~~وسئمناها ، وصارت ثقيلة على مسامعنا ، وخافية على عقولنا ... # فمرادهم بهذه الجملة الاستهانة به ، والصدود عنه ، كما يقول الرجل لمن لا ~~يعبأ بحديثه : لا أدرى ما تقوله ، ولا أفهم ما تتفوه به من ألفاظ. # قال أبو السعود ما ملخصه : والفقه : معرفة غرض المتكلم من كلامه ، أى : ~~ما نفهم مرادك وإنما قالوا ذلك بعد أن سمعوا منه دلائل الحق البين على أحسن ms2963 ~~وجه وأبلغه ، وضاقت عليهم الحيل ، فلم يجدوا إلى محاورته سبيلا ... كما هو ~~ديدن المفحم المحجوج ، يقابل النصائح البينات بالسب والإبراق والإرعاد ... ~~إذ جعلوا كلامه المشتمل على الحكم من قبيل ما لا يفهم معناه ....» (1). # ثم قالوا له ثانيا ( @QUR@04 وإنا لنراك فينا ضعيفا ) أى : لا قوة لك إلى ~~جانب قوتنا ، ولا قدرة عندك على مقاومتنا إن أردنا قتلك أو طردك من قريتنا. # ثم قالوا له .. ثالثا ( @QUR@04 ولو لا رهطك لرجمناك ) ورهط الرجل : قومه ~~وعشيرته الأقربون. ومنه الراهط لجحر اليربوع ، لأنه يحتمي فيه ... # ولفظ (الرهط) اسم جمع يطلق غالبا على العصابة دون العشرة من الرجال ليس ~~فيهم امرأة. # أى : ولو لا عشيرتك التي هي على ملتنا وشريعتنا لرجمناك بالحجارة حتى ~~تموت ، ولكن مجاملتنا لعشيرتك التي كفرت بك هي التي جعلتنا نبقى عليك. # ثم قالوا له رابعا ( @QUR@04 وما أنت علينا بعزيز ) أى : وما أنت علينا ~~بمكرم أو محبوب أو قوى حتى نمتنع عن رجمك ، بل أنت فينا الضعيف المكروه ... # وهنا نجد شعيبا عليه السلام ينتقل في أسلوب مخاطبته لهم من اللين إلى ~~الشدة ، ومن PageV07P263 # التلطف إلى الإنكار ، دفاعا عن جلال ربه سبحانه فيقول لهم : ( @QUR@08 ~~قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله ... ). # أى : أرهطي وعشيرتي الأقربون ، الذين من أجلهم لم ترجمونى ، أعز وأكرم ~~عندكم من الله تعالى الذي هو خالقكم ورازقكم ومميتكم ومحييكم ... # ( @QUR@03 واتخذتموه وراءكم ظهريا ) أى : وجعلتم أوامره ونواهيه التي ~~جئتكم بها من لدنه سبحانه كالشىء المنبوذ المهمل الملقى من وراء الظهر بسبب ~~كفركم وطغيانكم ( @QUR@05 إن ربي بما تعملون محيط ) أى : إن ربي قد أحاط ~~علمه بأقوالكم وأعمالكم السيئة ، وسيجازيكم عليها بما تستحقون من عذاب مهين. # ثم زاد في توبيخهم وتهديدهم فقال ( @QUR@020 ويا قوم اعملوا على مكانتكم ~~إني عامل سوف تعلمون ، من يأتيه عذاب يخزيه ، ومن هو كاذب وارتقبوا إني ~~معكم رقيب ) والمكانة مصدر مكن ككرم ، يقال مكن فلان من الشيء مكانه ، إذا ~~تمكن منه أبلغ تمكن ، والأمر في قوله ( @QUR@01 اعملوا ) للتهديد والوعيد. # أى : اعملوا كل ما في إمكانكم عمله معى ، وابذلوا في ms2964 تهديدى ووعيدي ما ~~شئتم ، فإن ذلك لن يضيرنى ، وكيف يضيرنى وأنا المتوكل على الله المعتمد على ~~عونه ورعايته ...؟. # وإنى سأقابل عملكم السيئ هذا بعمل آخر حسن من جانبي ، وهو الدعوة إلى ~~وحدانية الله تعالى وإلى مكارم الأخلاق. # وقوله ( @QUR@09 سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب ... ) ~~استئناف مؤكد لتهديده لهم. # أى : اعملوا ما شئتم وأنا سأعمل ما شئت فإنكم بعد ذلك سوف تعلمون من منا ~~الذي ينزل به عذاب يخزيه ويفضحه ويهينه ، ومن منا الذي هو كاذب في قوله وعمله. # ( @QUR@01 وارتقبوا ) عاقبة تكذيبكم للحق ( @QUR@03 إني معكم رقيب ) أى : ~~إنى معكم منتظر ومراقب لما يفعله الله تعالى بكم. # وبذلك نرى شعيبا عليه السلام في هاتين الآيتين ، قد استعمل مع قومه أسلوبا ~~آخر في المخاطبة ، يمتاز بالشدة عليهم والتهديد لهم ، لا غضبا لنفسه ، ~~وإنما لأجل حرمات الله تعالى ، والدفاع عن دينه. # ولم يطل انتظار شعيب عليه السلام ومراقبته لما يحدث لقومه ، بل جاء عقاب ~~الله تعالى لهم بسرعة وحسم ، بعد أن لجوا في طغيانهم ، وقد حكى سبحانه ذلك فقال : PageV07P264 # ( @QUR@010 ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا .. ). # أى : وحين جاء أمرنا بعذابهم ، وحل أوان هذا العذاب ، نجينا نبينا شعيبا ~~ونجينا الذين آمنوا به وصدقوه ، حالة كونهم مصحوبين برحمة عظيمة كائنة منا ~~لا من غيرنا. # ( @QUR@03 وأخذت الذين ظلموا ) من قومه ( @QUR@01 الصيحة ) التي زلزلتهم ~~وأهلكتهم ( @QUR@03 فأصبحوا في ديارهم ) التي كانوا يسكنونها. # ( @QUR@01 جاثمين ) أى : هامدين ميتين لا تحس لهم حركة ، ولا تسمع لهم ~~ركزا ... # من الجثوم وهو للناس والطير بمنزلة البروك للإبل ، يقال ، جثم الطائر ~~يجثم جثما وجثوما فهو جاثم إذا وقع على صدره ولزم مكانه فلم يبرحه. # ( @QUR@04 كأن لم يغنوا فيها ) أى : كأن هؤلاء الهلكى من قوم شعيب ، لم ~~يعيشوا في ديارهم قبل ذلك عيشة ملؤها الرغد والرخاء والأمان ... # يقال : غنى فلان بالمكان ، إذا أقام به وعاش فيه في نعمة ورغد ... # ( @QUR@06 ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود ) أى : ألا هلاكا مصحوبا بالخزي ~~واللعنة والطرد من رحمة الله لقبيلة مدين ، كما هلكت ms2965 من قبلهم قبيلة ثمود. # وهكذا طويت صفحة أخرى من صفحات الظالمين وهم قوم شعيب ... عليه السلام كما ~~طويت من قبلهم صفحات قوم نوح وهود وصالح ولوط عليهم السلام . # هذا ، ومن أهم العبر والعظات التي تتجلى واضحة في قصة شعيب مع قومه كما ~~جاءت في هذه السورة الكريمة : # أن الداعي إلى الله لكي ينجح في دعوته ، عليه أن ينوع خطابه للمدعوين ، ~~بحيث يشتمل توجيهه على الترغيب والترهيب ، وعلى الأسباب وما تؤدى إليه من ~~نتائج ، وعلى ما يقنع العقل ويقنع العاطفة ... # ففي هذه القصة نجد شعيبا عليه السلام يبدأ دعوته بأمر قومه بعبادة الله ~~تعالى ، ثم ينهاهم عن أبرز الرذائل التي كانت منتشرة وهي نقص المكيال ~~والميزان ، ثم يبين لهم الأسباب التي حملته على ذلك : ( @QUR@09 إني أراكم ~~بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ). # ثم ينهاهم نهيا عاما عن الإفساد في الأرض ( @QUR@05 ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين ). # ثم يرشدهم إلى أن الرزق الحلال مع الإيمان والاستقامة ، خير لهم من ~~التشبع بزينة الحياة الدنيا بدون تمييز بين ما هو صالح وما هو طالح : وبقية ~~الله خير لكم إن كنتم مؤمنين ..». PageV07P265 # ثم يذكرهم بأنه لا يأمرهم إلا بما يأمر به نفسه ، ولا ينهاهم إلا عما ~~ينهاهم عنه وأنه ليس ممن يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ، ( @QUR@014 ~~وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ... ) # ثم يذكرهم بمصارع السابقين ، ويحذرهم من أن يسلكوا مسلكهم ، لأنهم لو ~~فعلوا ذلك لهلكوا كما هلك الذين من قبلهم : ( @QUR@018 ويا قوم لا يجرمنكم ~~شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح ... ). # ثم يفتح لهم باب الأمل في عفو الله عنهم متى استغفروه وتابوا إليه : ( ~~@QUR@09 واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود ). # ثم تراه يثور عليهم عند ما يراهم يتجاوزون حدودهم بالنسبة لله تعالى ~~وللحق الذي جاءهم به من عنده سبحانه : ( @QUR@022 أرهطي أعز عليكم من الله ~~، واتخذتموه وراءكم ظهريا ، إن ربي بما تعملون محيط. ويا قوم اعملوا ms2966 على ~~مكانتكم إني عامل سوف تعلمون ... ) # وهكذا نجد شعيبا عليه السلام وهو خطيب الأنبياء كما وصفه الرسول ~~صلى الله عليه وسلم يرشد قومه إلى ما يصلحهم ويسعدهم بأسلوب حكيم ، جامع لكل ~~ألوان التأثير ، والتوجيه السديد. # وليت الدعاة إلى الله في كل زمان ومكان يتعلمون من قصة شعيب .. ~~عليه السلام مع قومه أسلوب الدعوة إلى الله تعالى. # * * * # ثم ختمت السورة الكريمة حديثها عن قصص الأنبياء مع أقوامهم ، بالإشارة ~~إلى قصة موسى عليه السلام مع فرعون وملئه ، فقال تعالى : # ( @QUR@06 ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين (96) @QUR@010 إلى فرعون ~~وملائه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد (97) PageV07P266 # @QUR@09 يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود (98) ~~@QUR@09 وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود ) (99) # وموسى عليه السلام هو ابن عمران ، من نسل «لاوى» بن يعقوب. # ويرى بعض المؤرخين أن ولادة موسى كانت في حوالى القرن الثالث عشر قبل ~~الميلاد ، وأن بعثته كانت في عهد منفتاح بن رمسيس الثاني. # والمراد بالآيات : الآيات التسع المشار إليها في قوله تعالى «ولقد آتينا ~~موسى تسع آيات بينات ...» (1). # وهي : العصا ، واليد البيضاء ، والسنون العجاف ، ونقص الثمرات ، والطوفان ~~، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم. # والسلطان المبين : الحجة الواضحة ، والبرهان الظاهر على صدقه ، وسمى ذلك ~~سلطانا لأن صاحب الحجة والبرهان على ما يدعى ، يقهر ويغلب من لا حجة ولا ~~برهان معه ، كما يقهر السلطان غيره. # والمعنى : ولقد أرسلنا نبينا موسى عليه السلام بمعجزاتنا الدالة على صدقه ~~، وبحجته القوية الواضحة ، الشاهدة على أنه رسول من عندنا ، إلى فرعون ~~وملئه الذين هم خاصته ، وسادات قومه وكبراؤهم ... # وخصهم بالذكر مع فرعون ، لأنهم هم الذين كانوا ينفذون أوامره ، ويعاونونه ~~على فساده والضمير في قوله ( @QUR@03 فاتبعوا أمر فرعون ) يعود إلى الملأ. # أى : فاتبعوا أمره في كل ما قرره من كفر ، وفي كل ما أشار به من فساد. # وفي هذه الجملة الكريمة كما يقول الزمخشري تجهيل لهم ، حيث شايعوه على ~~أمره ، وهو ضلال مبين لا يخفى على من فيه أدنى مسكة من العقل ، وذلك أنه ~~ادعى الألوهية وهو ms2967 بشر مثلهم ، وجاهر بالعسف والظلم والشر الذي لا يأتى إلا ~~من شيطان مارد ، فاتبعوه وسلموا له دعواه ، وتتابعوا على طاعته. PageV07P267 # وقال سبحانه ( @QUR@03 فاتبعوا أمر فرعون ) ولم يقل فاتبعوا أمره ، ~~للتشهير به ، والإعلان عن ذمه الذي صرح به في قوله سبحانه ( @QUR@04 وما ~~أمر فرعون برشيد ). # والرشيد بزنة فعيل من الفعل رشد من باب نصر وفتح : هو الشخص المتصف ~~بإصابة الرأى ، وجودة التفكير ، وأضيف الرشد إلى الأمر على سبيل المجاز ، ~~مبالغة في اشتمال أمر فرعون على ما يناقض الرشد والسداد ، ويطابق الغي ~~والفساد. # أى : ما شأن فرعون وأمره بذي رشد وهدى ، بل هو محض الغي والضلال ، فكان ~~من الواجب على ملئه أن ينبذوه ويهملوه ، بدل أن يطيعوه ويتبعوه ... # ثم بين سبحانه سوء مصيره ومصير أتباعه فقال : ( @QUR@09 يقدم قومه يوم ~~القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود ). # ويقدم كينصر بمعنى يتقدم مأخوذ من الفعل قدم بفتح الدال تقول : قدم الرجل ~~يقدم قدما وقدوما بمعنى : تقدم ، ومنه قادمة الرحل بمعنى مقدمته. # وقوله ( @QUR@01 فأوردهم ) من الإيراد وهو جعل الشيء واردا إلى المكان ~~وداخلا فيه. # والورد بكسر الواو يطلق على الماء الذي يرد إليه الإنسان والحيوان للشرب. # والمعنى : يتقدم فرعون قومه يوم القيامة إلى جهنم ، كما كان يتقدمهم في ~~الكفر في الدنيا ، فأوردهم النار ، أى : فدخلها وأدخلهم معه فيها. # وعبر بالماضي مع أن ذلك سيكون يوم القيامة لتحقيق الوقوع وتأكده ، وقد ~~صرح القرآن بأنهم سيدخلون النار بمجرد موتهم فقال تعالى : ( @QUR@013 النار ~~يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) (1). # وقوله وبئس الورد المورود ، أى : وبئس الورد الذي يردونه النار ، لان ~~الورد الذي هو النصيب المقدر للإنسان من الماء إنما يذهب إليه قاصده لتسكين ~~عطشه ، وإرواء ظمئه ، وهؤلاء إنما يذهبون إلى النار التي هي الضد من ذلك. # ثم صرح سبحانه بلعتهم في الدارين فقال : ( @QUR@06 وأتبعوا في هذه لعنة ~~ويوم القيامة )... # أى : إن اللعنة والفضيحة لحقت بهم واتبعتهم في الدنيا وفي الأخرى ، كما ~~قال تعالى في آية أخرى : ( @QUR@010 وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم ~~القيامة ms2968 هم من المقبوحين ) (2). PageV07P268 # وجملة ( @QUR@03 بئس الرفد المرفود ) مستأنفة لإنشاء ذم اللعنة ، ~~والمخصوص بالذم محذوف دل عليه ذكر اللعنة ، أى بئس الرفد هي. # الرفد العطاء والعون يقال رفد فلان فلانا يرفده رفدا أى أعطاه وأعانه على ~~قضاء مصالحه ، أى : بئس العطاء المعطى لهم تلك اللعنة المضاعفة التي لا ~~بستهم في الدنيا والآخرة. # وسميت اللعنة رفدا على سبيل التهكم بهم ، كما في قول القائل : تحية بينهم ~~ضرب وجيع. فكأنه سبحانه يقول : هذه اللعنة هي العطاء المعطى من فرعون ~~لأتباعه الذين كانوا من خلفه كقطيع الأغنام الذي يسير خلف قائده بدون تفكر ~~أو تدبر ... # وبئس العطاء عطاؤه لهم ... # وإلى هنا تكون هذه السورة الكريمة قد حدثتنا عن قصة نوح مع قومه ، وعن ~~قصة هود مع قومه ، وعن قصة صالح مع قومه ، وعن قصة إبراهيم مع الملائكة ، ~~وعن قصة لوط مع قومه ومع الملائكة ، وعن قصة شعيب مع قومه ، وعن قصة موسى ~~مع فرعون وملئه. # ويلاحظ أن السورة الكريمة قد ساقت لنا تلك القصص حسب ترتيبها التاريخى ~~والزمنى ، لأهداف من أهمها : # 1 إبراز وحدة العقيدة في دعوة الأنبياء جميعا ، فكل نبي قد قال لقومه : ~~اعبدوا الله مالكم من إله غيره ... ثم يسوق لهم الأدلة على صدقه فيما بلغه ~~عن ربه. # 2 إبراز أن الناس في كل زمان ومكان فيهم الأخيار الذين يتبعون الرسل ، ~~وفيهم الأشرار الذين يحاربون الحق ... # 3 بيان العاقبة الحسنة التي انتهى إليها المؤمنون بسبب إيمانهم وصدقهم ~~وعملهم الصالح ... والعاقبة السيئة التي انتهى إليها الكافرون بسبب كفرهم ~~وإعراضهم عن الحق ... # قال تعالى ( @QUR@028 فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ، ~~ومنهم من أخذته الصيحة ، ومنهم من خسفنا به الأرض ، ومنهم من أغرقنا ، وما ~~كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) (1). # * * * # ثم ساقت السورة بعد ذلك حتى نهايتها آيات كريمة اشتملت على تعليقات ~~وتعقيبات PageV07P269 # متنوعة ، وهذه التعليقات والتعقيبات قوية الصلة بما سبقها من آيات ... # وكان التعقيب الأول يهدف إلى بيان أن هذه القرى المهلكة التي منها ما هو ~~قائم ومنها ما هو حصيد ms2969 ، ما ظلم الله تعالى أهلها ، ولكن هم الذين ظلموا ~~أنفسهم بعصيانهم الرسل ، وإصرارهم على الكفر والعناد ، قال تعالى : # ( @QUR@09 ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد (100) @QUR@024 ~~وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون ~~الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب (101) @QUR@012 وكذلك ~~أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد ) (102) # أى : ذلك الذي قصصناه عليك أيها الرسول الكريم في هذه السورة الكريمة ، ~~وهو جزء ( @QUR@03 من أنباء القرى ) المهلكة. # ونحن نقصه عليك ، في هذا القرآن عن طريق وحينا الصادق ، ليعتبر به الناس ~~، وليعلموا أن هذا القرآن المشتمل على هذا القصص الذي لا علم لهم به من عند الله. # وافتتح سبحانه الكلام باسم الإشارة المفيد للبعد ، للتنويه بشأن هذه ~~الأنباء التي سبق الحديث عنها ، وللإشعار بأنها أنباء هامة فيها الكثير من ~~العظات والعبر لقوم يعقلون. # والضمير في قوله : منها قائم وحصيد ، يعود إلى تلك القرى المهلكة ، ~~والجملة مستأنفة للتحريض على النظر والاعتبار ، فكأن سائلا سأل ما حال هذه ~~القرى المهلكة أباقية آثارها أم عفى عليها الزمن؟ فكان الجواب : منها قائم وحصيد. # أى : من هذه القرى المهلكة ما آثارها قائمة يراها الناظر إليها ، كآثار ~~قوم ثمود. # ومنها ما أثارها عفت وزالت وانطمست وصارت كالزرع المحصود الذي استؤصل ~~بقطعه ، فلم تبق منه باقية ، كديار قوم نوح. PageV07P270 # ففي هذه الجملة الكريمة تشبيه بليغ ، حيث شبه سبحانه القرى التي بعض ~~آثارها ما يزال باقيا بالزرع القائم على ساقه ، وشبه ما زال منها واندثر ~~بالزرع المحصود. # وحصيد مبتدأ محذوف الخبر لدلالة ما قبله عليه ، أى منها قائم ومنها حصيد. # وقوله سبحانه ( @QUR@05 وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم : .. ) بيان ~~لمظاهر عدله في قضائه وأحكامه. # والضمير المنصوب في ( @QUR@01 ظلمناهم ) يعود إلى أهل هذه القرى ، لأنهم ~~هم المقصودون بالحديث. # أى : وما ظلمنا أهل هذه القرى بإهلاكنا إياهم ، ولكنهم هم الذين ظلموا ~~أنفسهم ، بسبب إصرارهم على الكفر ، وجحودهم للحق ، واستهزائهم بالرسل الذين ~~جاءوا لهدايتهم ... # ثم بين سبحانه موقف آلهتهم ms2970 المخزى منهم فقال : ( @QUR@015 فما أغنت عنهم ~~آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك .. ). # أى : أن هؤلاء المهلكين عند ما نزل بهم العذاب ، لم تنفعهم أصنامهم التي ~~كانوا يعبدونها من دون الله شيئا من النفع ... بل هي لم تنفع نفسها فقد ~~اندثرت معهم كما اندثروا. # والفاء في قوله سبحانه ( @QUR@02 فما أغنت ) للتفريع على ظلمهم لأنفسهم ، ~~لأن اعتمادهم على شفاعة الأصنام ، وعلى دفاعها عنهم ... من مظاهر جهلهم ~~وغبائهم وظلمهم لأنفسهم. # و ( @QUR@01 من ) في قوله : ( @QUR@02 من شيء ) لتأكيد انتفاء النفع ~~والإغناء : أى : لم تغن عنهم شيئا ولو قليلا من الإغناء ؛ ولم تنفعهم لا في ~~قليل ولا كثير ... # وجملة ( @QUR@04 وما زادوهم غير تتبيب ) تأكيد لنفى النفع ، وإثبات للضر ~~والخسران. # والتتبيب : مصدر تب بمعنى خسر ، وتبب فلان فلانا إذا أوقعه في الخسران. # ومنه قوله تعالى ( @QUR@05 تبت يدا أبي لهب وتب ) أى : هلكتا وخسرتا كما ~~قد هلك وخسر هو. # أى : وما زادتهم أصنامهم التي كانوا يعتمدون عليها في دفع الضر سوى ~~الخسران والهلاك. # قال الإمام الرازي : والمعنى : أن الكفار كانوا يعتقدون في الأصنام أنها ~~تعين على تحصيل المنافع ودفع المضار ، ثم إنه تعالى أخبر أنهم عند مساس ~~الحاجة إلى المعين ، ما وجدوا منها شيئا لا جلب نفع ولا دفع ضر ، ثم كما لم ~~يجدوا ذلك فقد وجدوا ضده ، وهو أن ذلك الاعتقاد PageV07P271 # زالت عنهم به منافع الدنيا والآخرة ، وجلب لهم مضارهما ، فكان ذلك من ~~أعظم موجبات الخسران» (1). # ثم بين سبحانه سنته في عقاب الظالمين في كل زمان ومكان فقال : ( @QUR@08 ~~وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ... ). # والكاف في ( @QUR@01 وكذلك ) بمعنى مثل ، والمراد بالقرى : أهلها ~~الظالمون. # والأخذ : هو العقاب المباغت السريع : يقال أخذ فلان الموت ، إذا نزل به ~~بسرعة وقوة. # أى : ومثل ذلك الأخذ والإهلاك للظالمين السابقين ، يكون أخذ ربك وعقابه ~~لكل ظالم يأتى بعدهم وينهج نهجهم. # وجملة ، وهي ظالمة ، في موضع الحال من القرى ، وفائدة هذه الحال الإشعار ~~بأن عقابهم كان بسبب ظلمهم ، وفي ذلك ما فيه من التحذير لكل ms2971 ظالم لا يبادر ~~بالإقلاع عن ظلمه قبل فوات الأوان. # والمراد بالظلم ما يشمل الكفر وغيره من الجرائم والمعاصي التي نهى الله ~~عنها ، كالكذب وشهادة الزور ، وأكل أموال الناس بالباطل. # وقوله : ( @QUR@04 إن أخذه أليم شديد ) زيادة في التحذير من الوقوع في الظلم. # أى : إن أخذه سبحانه للظالمين عظيم إيلامه ، شديد وقعه ، لا هوادة فيه ، ~~ولا مخلص منه. # روى الشيخان عن أبى موسى الأشعرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن ~~الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ، ثم قرأ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ( @QUR@012 وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه ~~أليم شديد ) (2). # ثم بين سبحانه أن ما ساقه في هذا القرآن عن أحوال السابقين فيه العبرة ~~لمن اعتبر ، وفيه العظة لمن خاف عذاب الآخرة الذي ينقسم الناس فيه إلى شقي ~~وسعيد ، فقال تعالى : PageV07P272 # ( @QUR@016 إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس ~~وذلك يوم مشهود (103) @QUR@05 وما نؤخره إلا لأجل معدود (104) @QUR@010 يوم ~~يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد (105) @QUR@09 فأما الذين شقوا ~~ففي النار لهم فيها زفير وشهيق (106) @QUR@015 خالدين فيها ما دامت ~~السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد ) (107) # أى ( @QUR@03 إن في ذلك ) القصص الذي قصصناه عليك يا محمد والمشتمل على ~~بيان سنة الله التي لا تتخلف في إهلاك الظالمين. # ( @QUR@01 لآية ) أى : لعبرة عظيمة ، وعظة بليغة ، وحجة واضحة. # ( @QUR@04 لمن خاف عذاب الآخرة ) لأنه هو المنتفع بالعبر والعظات لصدق ~~إيمانه ، وصفاء نفسه ، وإيقانه بأن هناك في الآخرة ثوابا وعقابا ، وحسابا ~~على الأعمال الدنيوية .. # أما الذي ينكر الآخرة وما فيها من ثواب وعقاب ، فإنه لا يعتبر بما أصاب ~~الظالمين من عذاب دنيوى دمرهم تدميرا ، بل ينسب ذلك إلى أسباب طبيعة أو ~~فلكية أو غيرهما ، لا علاقة لها بكفرهم وظلمهم وطغيانهم ... # «لأن الخائف من عذاب الآخرة ، عند ما يرى ما حل بالمجرمين في الدنيا من ~~عقاب ، يزداد إيمانا على إيمانه ، وتصديقا على تصديقه ، بأن الله تعالى ~~قادر ms2972 على أن يعذبهم في الآخرة عذابا أشد وأبقى من عذاب الدنيا ... # ثم بين سبحانه أن يوم القيامة آت لا ريب فيه فقال : ( @QUR@08 ذلك يوم ~~مجموع له الناس وذلك يوم مشهود ). # واسم الإشارة في الموضعين ، يعود إلى يوم القيامة المدلول عليه بذكر عذاب ~~الآخرة قبل ذلك ، واللام في قوله سبحانه ( @QUR@02 مجموع له ) لام العلة. # أى : ذلك اليوم وهو يوم القيامة ، يوم يجمع الناس فيه لأجل محاسبتهم ~~ومجازاتهم على PageV07P273 # أعمالهم ، ويشهده جميع الخلائق الذين يؤمرون بشهوده ، دون أن يغيب منهم ~~أحد قال صاحب الكشاف : و ( @QUR@01 الناس ) رفع باسم المفعول الذي هو ( ~~@QUR@01 مجموع ) كما يرفع بفعله إذا قلت يجمع له الناس. # فإن قلت : لأى فائدة أوثر اسم المفعول على فعله؟ # قلت : لما في اسم المفعول من دلالة على ثبات معنى الجمع لليوم ، وأنه يوم ~~لا بد من أن يكون ميعادا مضروبا لجمع الناس له ، وأنه الموصوف بذلك صفة ~~لازمة ، وهو أثبت أيضا لإسناد الجمع إلى الناس وأنهم لا ينفكون منه. # ونظيره قول المهدد : إنك لمنهوب مالك ، محروب قومك ، فيه من تمكن الوصف ~~وثباته ما ليس في الفعل ... # والمراد بالمشهود : الذي كثر شاهدوه ، ومنه قولهم : لفلان مجلس مشهود ، ~~وطعام محضور ... والغرض من ذلك ، وصف هذا اليوم بالهول والعظم وتميزه من ~~بين الأيام ، بأنه اليوم الذي يشهد فيه الخلائق الموقف لا يغيب عنه أحد ~~...» (1). # ثم قال تعالى ( @QUR@05 وما نؤخره إلا لأجل معدود ). # والأجل في اللغة : الوقت المضروب لانتهاء مدة معينة ، فأجل الإنسان : هو ~~الوقت المحدد لانقضاء عمره. # والمعدود : أصله المحسوب ، والمراد به هنا : المحدد بمدة معينة لا يزيد ~~عليها ولا يتأخر عنها. # أى : أننا لا نؤخر هذا اليوم إلا لوقت محدد معلوم لنا ، فإذا ما جاء موعد ~~هذا الوقت ، حل هذا اليوم الهائل الشديد وهو يوم القيامة ، الذي اقتضت ~~حكمتنا عدم إطلاع أحد على موعده. # ثم ذكر سبحانه جانبا من أهوال هذا اليوم ، ومن أحوال الناس فيه فقال : ( ~~@QUR@010 يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد ). # والشقي : صفة مشبهة من الفعل شقي ، وهو ms2973 الشخص المتلبس بالشقاوة. والشقاء : # أى سوء الحال بسبب إيثاره الضلالة على الهداية ، والباطل على الحق ... PageV07P274 # والسعيد : هو الشخص المتلبس بالسعادة ، وبالأحوال الحسنة بسبب إيمانه ~~وعمله الصالح. # والمعنى : حين يأتى هذا اليوم ؛ وهو يوم القيامة ، لا تتكلم فيه نفس بأى ~~كلام إلا بإذن الله تعالى ويكون الناس فيه منقسمين إلى قسمين : قسم شقي ~~معذب بسبب كفره ، وسوء عمله ، وتفريطه في حقوق الله ... # وقسم سعيد منعم بسبب إيمانه : وعمله الصالح ... # فإن قيل : كيف نجمع بين هذه الآية التي تنفى الكلام عن كل نفس إلا بإذن ~~الله وبين قوله تعالى ( @QUR@07 يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ... ). # فالجواب : أن في يوم القيامة مواقف متعددة ، ففي بعضها يجادل الناس عن ~~أنفسهم ، وفي بعضها يكفون عن الكلام إلا بإذن الله ، وفي بعضها يختم على ~~أفواههم ، وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ... # وفي هذه الآية الكريمة إبطال لما زعمه المشركون من أن أصنامهم ستدافع ~~عنهم ، وستشفع لهم يوم القيامة. # قال الإمام ابن كثير : قوله تعالى ( @QUR@07 يوم يأت لا تكلم نفس إلا ~~بإذنه ... ) أى : يوم يأتى هذا اليوم وهو يوم القيامة ، لا يتكلم أحد إلا ~~بإذن الله تعالى كما قال سبحانه ( @QUR@014 يوم يقوم الروح والملائكة صفا ~~لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا ) (1). # وقال سبحانه ( @QUR@07 وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا ) (2). # في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة الطويل : «ولا ~~يتكلم يومئذ إلا الرسل ، ودعوة الرسل يومئذ : اللهم سلم سلم» (3). # ثم فصل سبحانه أحوال الأشقياء والسعداء فقال : ( @QUR@09 فأما الذين شقوا ~~ففي النار لهم فيها زفير وشهيق ). # قال الآلوسي : قال الراغب : الزفير ترديد النفس حتى تنتفخ الضلوع منه ~~مأخوذ من زفر فلان إذا حمل حملا بمشقة فتردد فيه نفسه ، ومنه قيل للإماء ~~الحاملات الماء : زوافر. PageV07P275 # والشهيق. رد النفس إلى الصدر بصعوبة وعناء. # والمراد بهما : الدلالة على شدة كربهم وغمهم ، وتشبيه حالهم بحال من ~~استولت على قلبه الحرارة ، واستبد به الضيق حتى صار في كرب شديد (1). # والمعنى : فأما الذين كان ms2974 نصيبهم الشقاء في الآخرة ، بسبب كفرهم ~~واقترافهم للمعاصي في الدنيا ، فمصيرهم إلى الاستقرار في النار ، لهم فيها ~~من ضيق الأنفاس. وحرج الصدور ، وشدة الكروب ما يجعلهم يفضلون الموت على ما ~~هم فيه من هم وغم. وخص سبحانه من بين أحوالهم الأليمة حالة الزفير والشهيق ~~؛ تنفيرا من الأسباب التي توصل إلى النار ، وتبشيعا لتلك الحالة التي فيها ~~ما فيها من سوء المنظر ، وتعاسة الحال ... # ثم أكد سبحانه خلودهم في النار فقال : ( @QUR@06 خالدين فيها ما دامت ~~السماوات والأرض ... ). # أى أن الأشقياء لهم في النار العذاب الأليم ، وهم ماكثون فيها مكث بقاء ~~وخلود لا يبرحونها مدة دوام السموات التي تظلهم ، والأرض التي تقلهم فهو في ~~معنى قوله تعالى ( @QUR@03 خالدين فيها أبدا ). # قال الآلوسى ما ملخصه : والمقصود من هذا التعبير : التأبيد ونفى الانقطاع ~~على منهاج قول العرب لا أفعل كذا ، ما لاح كوكب ، وما أضاء الفجر ، وما ~~اختلف الليل والنهار ... إلى غير ذلك من كلمات التأبيد عندهم ... # وليس المقصود منه تعليق قرارهم فيها بدوام هذه السموات والأرض ، فإن ~~النصوص القاطعة دالة على تأبيد قرارهم فيها. # وجوز أن يحمل ذلك على التعليق ، ويراد بالسموات والأرض ، سماوات الآخرة ~~وأرضها ، وهما دائمتان أبدا ...) (2). # أما قوله سبحانه ( @QUR@04 إلا ما شاء ربك ) فقد ذكر العلماء في المقصود ~~به أقوالا متعددة أوصلها بعضهم إلى ثلاثة عشر قولا من أشهرها : # أن هذا الاستثناء في معنى الشرط فكأنه سبحانه يقول : # 1 خالدين فيها خلودا أبديا إن شاء ربك ذلك إذ كل شيء خاضع لمشيئة ربك ~~وإرادته ... وعليه يكون المقصود من هذا الاستثناء وأمثاله إرشاد العباد إلى ~~وجوب تفويض الأمور PageV07P276 # إليه سبحانه وإعلامهم بأن كل شيء خاضع لإرادته ومشيئته فهو الفاعل ~~المختار الذي لا يجب عليه شيء ولا حق لأحد عليه ( @QUR@05 إن ربك فعال لما ~~يريد ). # وليس المقصود من هذا الاستثناء وأمثاله نفى خلودهم في النار لأنه لا يلزم ~~من الاستثناء المعلق على المشيئة وقوع المشيئة ولأنه قد أخبرنا سبحانه في ~~كتابه بخلود الكافرين خلودا أبديا في النار. # قال تعالى ( @QUR@023 إن الذين كفروا ms2975 وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ~~ليهديهم طريقا. إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا ) (1). # وشبيه بهذا الاستثناء ما حكاه سبحانه عن نبيه شعيب عليه السلام في قوله : # ( @QUR@052 قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين ~~آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين. قد افترينا ~~على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها ، وما يكون لنا أن ~~نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا ، وسع ربنا كل شيء علما ... ) (2). # فشعيب عليه السلام مع ثقته المطلقة في أنه لن يعود هو وأتباعه إلى ملة ~~الكفر ، نراه يفوض الأمر إلى مشيئة الله تأدبا معه سبحانه .. # فيقول : وما يكون لنا أن نعود فيها أى ملة الكفر إلا أن يشاء ربنا شيئا ~~غير ذلك وهذا من الأدب العالي في مخاطبة الأنبياء لخالقهم عز وجل . # وقد ذكر كثير من المفسرين هذا القول ضمن الأقوال في معنى الآية ، وبعضهم ~~اقتصر عليه ولم يذكر سواه ، ومن هذا البعض صاحب المنار ، وصاحب محاسن ~~التأويل ... # أما صاحب المنار فقد قال : قوله ( @QUR@04 إلا ما شاء ربك ) أى : أن هذا ~~الخلود الدائم هو المعد لهم في الآخرة ... إلا ما شاء ربك من تغيير في هذا ~~النظام في طور آخر ، فهو إنما وضع بمشيئته ، وسيبقى في قبضة مشيئته ، وقد ~~عهد مثل هذا الاستثناء في سياق الأحكام القطعية للدلالة على تقييد تأبيدها ~~بمشيئة الله تعالى ... فقط ، لا لإفادة عدم عمومها ...» (3). # وأما صاحب محاسن التأويل فقد قال : فإن قلت : ما معنى الاستثناء بالمشيئة ~~، وقد ثبت خلود أهل الدارين فيهما من غير استثناء؟. # فالجواب : أن الاستثناء بالمشيئة قد استعمل في أسلوب القرآن ، للدلالة ~~على الثبوت والاستمرار. PageV07P277 # والنكتة في الاستثناء بيان أن هذه الأمور الثابتة الدائمة ، إنما كانت ~~كذلك بمشيئة الله تعالى لا بطبيعتها في نفسها ، ولو شاء تعالى أن يغيرها لفعل. # وابن كثير قد أشار إلى ذلك بقوله : يعنى أن دوامهم فيها ليس أمرا واجبا ~~بذاته ، بل هو موكول ms2976 إلى مشيئته تعالى » (1). # 2 أن الاستثناء هنا خاص بالعصاة من المؤمنين. # ومن العلماء الذين رجحوا هذا القول الإمامان : ابن جرير وابن كثير. # أما ابن جرير فقد قال ما ملخصه بعد أن سرد الأقوال في ذلك : # «وأولى الأقوال في تأويل هذه الآية بالصواب ، القول الذي ذكرناه عن ~~الضحاك وقتادة من أن ذلك استثناء في أهل التوحيد من أهل الكبائر ، أنه ~~يدخلهم النار خالدين فيها أبدا ، إلا ما شاء تركهم فيها أقل من ذلك ، ثم ~~يخرجهم فيدخلهم الجنة أى العصاة من المؤمنين ...» (2). # وأما ابن كثير فقد وضح ما اختاره ابن جرير ورجحه فقال ما ملخصه : # وقد اختلف المفسرون في المراد من هذا الاستثناء على أقوال كثيرة ... نقل ~~كثيرا منها الإمام ابن جرير ، واختار : أن الاستثناء عائد على العصاة من ~~أهل التوحيد ، ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين ، من الملائكة ~~والنبيين والمؤمنين ، حين يشفعون في أصحاب الكبائر ، ثم تأتى رحمة أرحم ~~الراحمين ، فتخرج من النار من لم يعمل خيرا قط ، وقال يوما من الدهر : لا ~~إله إلا الله ، كما وردت بذلك الأخبار الصحيحة المستفيضة عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، ولا يبقى بعد ذلك في النار إلا من وجب عليه الخلود فيها ~~، ولا محيد له عنها ، وهذا الذي عليه كثير من العلماء قديما وحديثا في ~~تفسير هذه الآية الكريمة» (3). # وقد ذكر الشيخ الشوكانى هذا القول ضمن أحد عشر قولا فقال ما ملخصه : # وقوله ( @QUR@04 إلا ما شاء ربك ): قد اختلف أهل العلم في هذا الاستثناء ~~على أقوال منها : # (أ) أنه من قوله ( @QUR@02 ففي النار ) كأنه قال : إلا ما شاء ربك من ~~تأخير قوم عن ذلك ... # (ب) أن الاستثناء إنما هو للعصاة من الموحدين وإنهم يخرجون بعد مدة من ~~النار ، وعلى هذا يكون قوله ( @QUR@03 فأما الذين شقوا ) عاما في الكفرة ~~والعصاة ، ويكون الاستثناء من PageV07P278 # خالدين ، وتكون ما بمعنى من ، وقد ثبت بالأحاديث المتواترة تواترا يفيد ~~العلم الضروري بأنه يخرج من النار أهل التوحيد ، فكان ذلك مخصصا لكل عموم. # (ج) أن الاستثناء من الزفير ms2977 والشهيق ، أى لهم فيها زفير وشهيق ( @QUR@04 ~~إلا ما شاء ربك ) من أنواع العذاب غير الزفير والشهيق ...» (1). # ويبدو لنا أن الرأى الأول أرجح الآراء ، ويشهد لهذا قوله تعالى بعد ذلك : # ( @QUR@05 إن ربك فعال لما يريد ) أى فهو إن شاء غير ذلك فعله ، وإن شاء ~~ذلك فعله ، ما شاء من الأفعال كان وما لم يشاء لم يكن. # وجاء سبحانه بصيغة المبالغة ( @QUR@01 فعال ) للإشارة إلى أنه سبحانه لا ~~يتعاصى عليه فعل من الأفعال بأى وجه من الوجوه. # ثم بين سبحانه حسن عاقبة السعداء فقال : ( @QUR@03 وأما الذين سعدوا ) أى ~~في الآخرة بسبب إيمانهم وتقواهم في الدنيا ، ( @QUR@015 ففي الجنة خالدين ~~فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ ). # أى : عطاء منه سبحانه لهم غير مقطوع عنهم ، يقال : جذ الشيء يجذه جذا ، ~~أى : كسره وقطعه ، ومنه الجذاذ بضم الجيم لما تكسر من الشيء كما في قوله ~~تعالى حكاية عما فعله إبراهيم عليه السلام بالأصنام ( @QUR@05 فجعلهم جذاذا ~~إلا كبيرا لهم )... # وبذلك نرى أن هذه الآيات قد فصلت أحوال السعداء والأشقياء ، تفصيلا يدعو ~~العقلاء إلى أن يسلكوا طريق السعداء ، وأن يتجنبوا طريق الأشقياء. # * * * # ثم ساق سبحانه بعد ذلك من الآيات ما فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عما ~~أصابه من قومه من أذى ، وما فيه تثبيت لقلوب المؤمنين ، وما فيه إرشاد لهم ~~إلى ما يقربهم من الخير ، ويبعدهم عن الشر فقال تعالى : # ( @QUR@018 وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات ~~والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ (108) PageV07P279 # @QUR@020 فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم ~~من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص (109) @QUR@019 ولقد آتينا موسى ~~الكتاب فاختلف فيه ولو لا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه ~~مريب (110) @QUR@010 وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير ~~(111) @QUR@012 فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير ~~(112) @QUR@017 ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون ~~الله ms2978 من أولياء ثم لا تنصرون (113) @QUR@014 وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا ~~من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين (114) @QUR@07 واصبر ~~فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ) (115) # قال الفخر الرازي : اعلم أنه تعالى لما شرح أقاصيص عبدة الأوثان ثم أتبعه ~~بأحوال الأشقياء وأحوال السعداء شرح للرسول صلى الله عليه وسلم أحوال الكفار ~~من قومه فقال : ( @QUR@04 فلا تك في مرية ... ) والمعنى : فلا تكن ، إلا ~~أنه حذف النون لكثرة الاستعمال ، ولأن حرف النون إذا وقع على طرف الكلام ، ~~لم يبق عند التلفظ به إلا مجرد الغنة ، فلا جرم أسقطوه ..» (1). # والمرية بكسر الميم الشك المتفرع عن محاجة ومجادلة بين المتخاصمين. # والمعنى : لقد قصصنا عليك أيها الرسول الكريم الكثير من أخبار السابقين ~~وبينا لك مصير السعداء والأشقياء ... ومادام الأمر كذلك ، فلا تك في شك من ~~أن عبادة هؤلاء المشركين PageV07P280 # لأصنامهم إنما هي تقليد لما كان يعبده آباؤهم من قبل ، وهذه العبادة لغير ~~الله تعالى ستؤدى بالجميع إلى سوء العاقبة وإلى العذاب الأليم. # والخطاب وإن كان للرسول صلى الله عليه وسلم على سبيل التسلية والتثبيت ، إلا ~~أن التحذير فيه يندرج تحته كل من يصلح للخطاب. # وهذا الأسلوب كثيرا ما يكون أوقع في النفس ، وأشد تأثيرا في القلب ، لأنه ~~يشعر المخاطب بأن ما بينه الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم إنما هو من ~~قبيل القضايا الموضوعية التي لا تحتاج إلى جدال مع أحد ، ومن جادل فيها ~~فإنما يجادل في الحق الواضح بدافع الحسد والعناد ، لأن الواقع يشهد بصحة ما ~~بينه الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم . # وجملة ( @QUR@08 ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل ) مستأنفة ، لبيان ~~أن الخلف قد ساروا في الجهالة والجحود على طريقة السلف. # وعبر عن عبادة الآباء بالمضارع ، مع أنها كانت في الماضي بقرينة ( ~~@QUR@02 من قبل ). للدلالة على استمرارهم على هذه العبادة الباطلة حتى ~~موتهم ، وأن أبناءهم لم ينقطعوا عنها ، بل واصلوا السير على طريق آبائهم ~~الضالين بدون تفكر أو تدبر. # والمضاف إليه في قوله ( @QUR@02 من قبل ) محذوف ، والتقدير : من قبلهم. ms2979 # وقوله ( @QUR@05 وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص ) تذييل قصد به تأكيد ~~العقاب الذي ينزل بهم في الآخرة بسبب عبادتهم لغير الله. # وموفوهم من التوفية ، وهي إعطاء الشيء كاملا بدون نقص. # والمراد بالنصيب هنا : المقدار المعد لهم من العذاب ، وسماه نصيبا على ~~سبيل التهكم بهم. # أى : وإنا لمعطو هؤلاء الذين نهجوا منهج آبائهم في عبادة غير الله ، ~~نصيبهم وحظهم من عذاب الآخرة كاملا بدون إنقاص شيء منه ، كما ساروا هم على ~~طريقة سلفهم في الضلال دون أن يغيروا شيئا منها ... # ومنهم من جعل المراد بالنصيب هنا : ما يشمل الجزاء على الأعمال الدنيوية ~~والأخروية. # قال صاحب المنار : أى ، وإنا لمعطوهم نصيبهم من جزاء أعمالهم في الدنيا ~~والآخرة وافيا تاما لا ينقص منه شيء ، كما وفينا آباءهم الأولين من قبل ، ~~فإنه ما من خير يعمله أحد منهم كبر الوالدين وصلة الأرحام ... إلا ويوفيهم ~~الله جزاءهم عليه في الدنيا بسعة الرزق ، وكشف الضر جزاء تاما ، لا ينقصه ~~شيء يجزون عليه في الآخرة ...» (1). PageV07P281 # ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب ، لأن سياق الآية الكريمة ~~يؤيده إذ الكلام فيها في شأن جزاء الذين ساروا على نهج آبائهم في الضلال ، ~~وليس في بيان الجزاء العام في الدنيا والآخرة. # ثم بين سبحانه أن اختلاف الناس في الحق موجود قبل بعثة النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال : ( @QUR@06 ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه .. ). # أى : كما اختلف قومك أيها الرسول الكريم في شأن القرآن الكريم فمنهم من ~~وصفه بأنه أساطير الأولين ، فقد اختلف قوم موسى من قبلك في شأن التوراة ~~التي أنزلها الله على نبيهم موسى لهدايتهم ، إذ منهم من آمن بها ومنهم من ~~كفر ... # ومادام الأمر كذلك ، فلا تحزن أيها الرسول الكريم لاختلاف قومك في شأن ~~القرآن الكريم ، فإن هذا الاختلاف شأن الناس في كل زمان ومكان والمصيبة إذا ~~عمت خفت. # فالجملة الكريمة تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من مشركي قومه. # وجاء الفعل ( @QUR@01 فاختلف ) بصيغة المبنى للمجهول ، لأن ذكر فاعل ~~الاختلاف لا يتعلق به غرض ، وإنما ms2980 الذي يتعلق به الغرض هو ما نجم عن هذا ~~الاختلاف من كفر وضلال. # ثم بين سبحانه جانبا من مظاهر فضله ورحمته بخلقه فقال : ( @QUR@08 ولو لا ~~كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم ... ). # والمراد بالكلمة التي سبقت : تأخير العذاب عنهم إلى يوم القيامة ، وعدم ~~إهلاكهم بعذاب الاستئصال في الدنيا. # قال الشوكانى : قوله سبحانه ( @QUR@08 ولو لا كلمة سبقت من ربك لقضي ~~بينهم ... ) أى : لولا أن الله تعالى قد حكم بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة ~~لما علم في ذلك من الصلاح ، لقضى بينهم ، أى : بين قومك ، أو بين قوم موسى ~~، فيما كانوا فيه مختلفين ، فأثيب المحق وعذب المبطل ، أو الكلمة ؛ هي أن ~~رحمته سبحانه سبقت غضبه ، فأمهلهم ولم يعاجلهم لذلك. # وقيل إن الكلمة هي أنهم لا يعذبون بعذاب الاستئصال ، وهذا من جملة ~~التسلية له صلى الله عليه وسلم » (1). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@05 وإنهم لفي شك منه مريب ). # والمريب اسم فاعل من أراب. يقال أربته فأنا أريبه إذا فعلت به فعلا يوجب ~~لديه الريبة والحيرة. PageV07P282 # أى : وإن هؤلاء المختلفين في شأن الكتاب لفي شك منه ، وهذا الشك قد ~~أوقعهم في الريبة والتخبط والاضطراب. # وهذا شأن المعرضين عن الحق ، لا يجدون مجالا لنقده وإنكاره ، فيحملهم ~~عنادهم وجحودهم على التشكيك فيه ، وتأويله تأويلا سقيما يدعو إلى الريبة ~~والقلق. # وبعض المفسرين يرى عودة الضمير في قوله ( @QUR@01 وإنهم ) إلى قوم موسى ، ~~وفي قوله ( @QUR@01 منه ) إلى كتابهم التوراة. # وبعضهم يرى عودة الضمير الأول إلى قوم النبي صلى الله عليه وسلم والثاني إلى ~~القرآن الكريم. # والذي يبدو لنا أن الرأى الأول أظهر في معنى الآية ، لأن الكلام في موسى ~~عليه السلام وقومه الذين اختلفوا في شأن كتابهم التوراة اختلافا كبيرا ، ~~وعود الضمير إلى المتكلم عنه أولى بالقبول. # وهذا لا يمنع أن بعض المكذبين للرسول صلى الله عليه وسلم كانوا في شك من ~~القرآن ، أوقعهم هذا الشك في الريبة والحيرة. # فتكون الجملة الكريمة من باب التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما قاله ~~بعض المشركين في شأن القرآن الكريم. # ثم ms2981 بين سبحانه أن هؤلاء المختلفين في شأن الكتاب ، الشاكين في صدقه ، سوف ~~يجمعهم الله تعالى مع غيرهم يوم القيامة للجزاء والحساب على أعمالهم فقال ~~تعالى ( @QUR@010 وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير ). # وقد وردت في هذه الآية الكريمة عدة قراءات متواترة (1) منها : قراءة ابن ~~عامر وحمزة وحفص عن عاصم بتشديد ، إن ولما ، وقد قيل في تخريجها : # إن لفظ ، ( @QUR@01 كلا )، اسم ( @QUR@01 إن )، والتنوين فيه عوض عن ~~المضاف إليه ، واللام في ، ( @QUR@01 لما )، هي الداخلة في خبر ( @QUR@01 ~~إن ) وما بعد اللام هو حرف «من» الذي هو من حروف الجر ، و «ما» موصولة أو ~~نكره موصوفة والمراد بها من يعقل ، فيكون تقدير الكلام : وإن كلا «لمن ما» ~~، فقلبت النون ميما للإدعام فاجتمع ثلاث ميمات ، فحذفت واحدة منها للتخفيف ~~، فصارت «لما» والجار والمجرور خبر ( @QUR@01 إن )، واللام في ( @QUR@01 ~~ليوفينهم )، جواب قسم مضمر ، والجملة صلة أو صفة ( @QUR@01 لما ). # والتقدير : وإن كلا من أولئك المختلفين وغيرهم لمن خلق الله الذين هم بحق ربك PageV07P283 # ليوفينهم سبحانه جزاء أعمالهم دون أن يفلت منهم أحد ، إنه سبحانه لا يخفى ~~عليه شيء منها. # وفي الآية الكريمة توكيدات متنوعة ، حتى لا يشك في نزول العذاب بالظالمين ~~مهما تأجل ، وحتى لا يشك أحد أيضا في أن ما عليه المشركون هو الباطل الذي ~~لا يعرفه الحق ، وأنه الكفر الذي تلقاه الخلف عن السلف. # وكان مقتضى حال الدعوة الإسلامية في تلك الفترة التي نزلت فيها هذه ~~السورة وهي فترة ما بعد حادث الإسراء والمعراج وقبل الهجرة يستلزم هذه ~~التأكيدات تثبيتا لقلوب المؤمنين ، وتوهينا للشرك والمشركين. # قال الإمام الفخر الرازي عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : سمعت بعض ~~الأفاضل قال : إنه تعالى لما أخبر عن توفية الأجزية على المستحقين في هذه ~~الآية ، ذكر فيها سبعة أنواع من التأكيدات : # أولها : كلمة «إن» وهي للتأكيد ، وثانيها كلمة «كل» وهي أيضا للتأكيد ، ~~وثالثها : اللام الداخلة على خبر «إن» وهي تفيد التأكيد أيضا ، ورابعها حرف ~~«ما» إذا جعلناه على قول الفراء موصولا ، وخامسها : القسم المضمر فإن تقدير ~~الكلام ms2982 : وإن جميعهم والله ليوفينهم : وسادسها : اللام الثانية الداخلة على ~~جواب القسم ، وسابعها : النون المؤكدة في قوله «ليوفينهم». # فجميع هذه المؤكدات السبعة تدل على أن أمر القيامة والحساب والجزاء حق ~~...» (1). # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم وأتباعه بالتزام الصراط ~~المستقيم فقال سبحانه : ( @QUR@012 فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا ~~إنه بما تعملون بصير ). # والفاء للتفريع على ما تقدم من الأوامر والنواهي. # والاستقامة كما يقول القرطبي هي الاستمرار في جهة واحدة من غير أخذ في ~~جهة اليمين والشمال ...» (2). # والطغيان : مجاوزة الحد. ومنه طغى الماء ، أى ارتفع وتجاوز الحدود ~~المناسبة. # والمعنى : لقد علمت أيها الرسول الكريم حال السعداء وحال الأشقياء ، ~~وعرفت أن كل مكلف سيوفى جزاء أعماله. PageV07P284 # وما دام الأمر كذلك فالزم أنت ومن معك من المؤمنين طريق الاستقامة على ~~الحق ، وداوموا على ذلك كما أمركم الله ، بدون إفراط أو تفريط ، واحذروا ان ~~تتجاوزوا حدود الاعتدال في كل أقوالكم وأعمالكم. # ووجه سبحانه الأمر بالاستقامة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تنويها بشأنه ، ~~وليبنى عليه قوله ( @QUR@02 كما أمرت )، فيشير بذلك إلى أنه عليه الصلاة ~~والسلام هو وحده المتلقى للأوامر الشرعية من الله تعالى . # وقد جمع قوله تعالى ( @QUR@03 فاستقم كما أمرت ) أصول الإصلاح الديني ~~وفروعه ، كما جمع قوله تعالى «ولا تطغوا» أصول النهى عن المفاسد وفروعه ، ~~فكانت الآية الكريمة بذلك جامعة لإقامة المصالح ولدرء المفاسد. # قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : يأمر الله تعالى رسوله وعباده المؤمنين ~~في هذه الآية بالثبات والدوام على الاستقامة ، لأن ذلك من أكبر العون على ~~النصر على الأعداء ، وينهاهم عن الطغيان وهو البغي ، لأنه مصرعة حتى ولو ~~كان على مشرك». # وقال الآلوسى : والاستقامة كلمة جامعة لكل ما يتعلق بالعلم والعمل وسائر ~~الأخلاق. # أخرج ابن أبى حاتم وأبو الشيخ عن الحسن أنه قال ، لما نزلت هذه الآية قال ~~صلى الله عليه وسلم شمروا شمروا ، وما رؤي بعد ضاحكا». # وعن ابن عباس قال : ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية أشد من ~~هذه الآية ولا ms2983 أشق» (1). # وفي صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال : قلت يا رسول الله ، قل ~~لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك. قال : «قل آمنت بالله ثم استقم» (2). # وجملة ( @QUR@04 إنه بما تعملون بصير ) تعليل للأمر بالاستقامة وللنهى عن ~~الطغيان. # أى : الزموا المنهج القويم ، وابتعدوا عن الطغيان ، لأنه سبحانه مطلع على ~~أعمالكم اطلاع المبصر ، العليم بظواهرها وبواطنها ، وسيجازيكم يوم القيامة ~~عليها بما تستحقون من ثواب أو عقاب. # ثم نهى سبحانه بعد ذلك عن الميل إلى الظالمين فقال : ( @QUR@017 ولا ~~تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا ~~تنصرون ). PageV07P285 # والركون إلى الشيء : الميل إليه. يقال ركن فلان إلى فلان ، إذا مال إليه ~~بقلبه ، واعتمد عليه في قضاء مصالحه. # والمراد بالذين ظلموا هنا : ما يتناول المشركين وغيرهم من الظالمين الذين ~~يعتدون على حقوق الغير ، ويستحلون من محارم الله. # والمعنى : واحذروا أيها المؤمنون أن تميلوا إلى الظالمين ، أو تسكنوا ~~إليهم ؛ لأن ذلك يؤدى إلى تقوية جانبهم. وإضعاف جانب الحق والعدل. # قال بعض العلماء : ويستثنى من ذلك للضرورة صحبة الظالم على التقية مع ~~حرمة الميل القلبي إليه. # وقوله ( @QUR@02 فتمسكم النار ) أى فتصيبكم النار بسبب ميلكم إليهم ، ~~والاعتماد عليهم ، والرضا بأفعالهم. # وقوله ( @QUR@07 وما لكم من دون الله من أولياء ) في موضع الحال من ضمير ~~( @QUR@01 فتمسكم ). # أى : والحال أنه ليس لكم من غير الله من نصراء ينصرونكم من العذاب النازل ~~بكم ، بسبب ركونكم إلى الذين ظلموا ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم. # وثم في قوله ( @QUR@03 ثم لا تنصرون ) للتراخي الرتبى. أى ثم لا تجدون ~~بعد ذلك من ينصركم بأى حال من الأحوال ، لأن الظالمين ما لهم من أنصار. # قال بعض العلماء : الآية أبلغ ما يتصور في النهى عن الظلم ، والتهديد ~~عليه ، لأن هذا الوعيد الشديد إذا كان فيمن يركن إلى الذين ظلموا فكيف يكون ~~حال من ينغمس في حمأته؟!! # ثم قال : وقد وسع العلماء في ذلك وشددوا ، والحق أن الحالات تختلف ، ~~والأعمال بالنيات. والتفصيل أولى. # فإن كانت المخالطة لدفع منكر ، أو ms2984 للاستعانة على إحقاق الحق ، أو الخير. ~~فلا حرج في ذلك. وإن كانت لإيناسهم وإقرارهم على ظلمهم فلا ..» (1). # ثم أرشد سبحانه عباده المؤمنين إلى ما يعينهم على الاستقامة وعلى عدم ~~الركون إلى الظالمين ، فقال : ( @QUR@014 وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من ~~الليل ، إن الحسنات يذهبن السيئات ، ذلك ذكرى للذاكرين ). PageV07P286 # والمراد بإقامتها الإتيان بها في أوقاتها كاملة الأركان والخشوع والإخلاص ~~لله رب العالمين. # والمراد بالصلاة هنا : الصلاة المفروضة. # قال القرطبي : لم يختلف أحد من أهل التأويل في أن الصلاة في هذه الآية ، ~~المراد بها الصلوات المفروضة. وخصها بالذكر لأنها ثانية أركان الإسلام ، ~~وإليها يفزع في النوائب ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى ~~الصلاة» (1). # وطرفي النهار : أى أول النهار وآخره ، لأن طرف الشيء منتهاه من أوله أو ~~من آخره. # والنهار : يتناول ما بين مطلع الفجر إلى غروب الشمس. سمى بذلك لأن الضياء ~~ينهر فيه أى يبرز كما يبرز النهر. # والصلاة التي تكون في هذين الوقتين ، تشمل صلاة الغداة وهي صلاة الصبح ، ~~وصلاة العشى وهي صلاة الظهر والعصر ، لأن لفظ العشى يكون من الزوال إلى ~~الغروب. # وقيل الصلاة التي تكون في هذين الوقتين هي صلاة الصبح والمغرب. # وقوله ( @QUR@03 وزلفا من الليل ) معطوف على طرفي النهار. # والزلف جمع زلفة كغرف وغرفة والمراد بها الساعات القريبة من آخر النهار ، ~~إذ الإزلاف معناه القرب ومنه قوله تعالى ( @QUR@03 وأزلفت الجنة للمتقين ~~... ) أى : قربت منهم. وتقول أزلفنى فلان منه : أى قربني. # فمعنى ( @QUR@03 وزلفا من الليل ) طائفة من أوله. وصلاة الزلف تطلق على ~~صلاتي المغرب والعشاء قال ابن كثير ما ملخصه : وقوله ( @QUR@03 وزلفا من ~~الليل ) يعنى صلاة المغرب والعشاء. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «هما ~~زلفتا الليل : المغرب والعشاء». # ويحتمل أن تكون هذه الآية نزلت قبل فرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء ، ~~فإنه إنما كان يجب من الصلاة صلاتان : صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل ~~غروبها ، وفي أثناء الليل قيام عليه وعلى الأمة ، ثم نسخ في حق الأمة ، ~~وثبت وجوبه عليه ، ثم نسخ عنه أيضا ms2985 في قول» (2). # وجملة ( @QUR@04 إن الحسنات يذهبن السيئات ) مسوقة مساق التعليل للأمر ~~بإقامة الصلاة ، PageV07P287 # وأكدت بحرف ( @QUR@01 إن ) للاهتمام وتحقيق الخبر ، والحسنات صفة لموصوف ~~محذوف ، وكذلك السيئات. # والمعنى : إن الأعمال الحسنة كالصلاة والزكاة والصيام والحج ، والاستغفار ~~... يذهبن الأعمال السيئات ، أى يذهبن المؤاخذة عليها ، ويذهبن الاتجاه ~~إليها ببركة المواظبة على الأعمال الحسنة. # والمراد بالسيئات هنا صغار الذنوب ، لقوله تعالى ( @QUR@012 إن تجتنبوا ~~كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ) (1). ولقوله ~~تعالى ( @QUR@011 الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك ~~واسع المغفرة ... ) (2)، ولأن كبائر الذنوب لا تكفرها إلا التوبة الصادقة. # وقوله ( @QUR@03 ذلك ذكرى للذاكرين ) أى : ذلك الذي أمرناك به من وجوب ~~إقامة الصلاة ، ومن الاستقامة على أمر الله ... فيه التذكرة النافعة ، لمن ~~كان شأنه التذكر والاعتبار ، لا الإعراض والعناد. # وهذه الآية الكريمة من الآيات التي قال عنها بعض المفسرين بأنها مدنية ، ~~وقد ذكرنا في التمهيد بين بدى السورة ، أن سورة هود ترجح أنها كلها مكية ، ~~وليس فيها آيات مدنية. # ومما يؤيد أن هذه الآية مكية أنها مسوقة مع ما سبقها من آيات لتسلية ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولإرشاده وأتباعه إلى ما يعينهم على الاستقامة ، ~~وعدم الركون إلى الظالمين. # ولأن بعض الروايات التي وردت في شأنها لم تذكر أنها نزلت في المدينة ، بل ~~ذكرت أن الرسول صلى الله عليه وسلم تلاها على السائل ، ومن هذه الروايات ما ~~رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير وهذا لفظه ~~عن ابن مسعود قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ~~إنى وجدت امرأة في بستان ، ففعلت بها كل شيء ، غير أنى لم أجامعها ، فافعل ~~بي ما شئت ، فلم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ، فذهب الرجل ، فقال ~~عمر : لقد ستر الله عليه لو ستر على نفسه ، فأتبعه الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بصره ثم قال : ردوه على فردوه عليه فقرأ عليه : ( @QUR@07 وأقم الصلاة طرفي ~~النهار وزلفا من الليل ... ) الآية ، فقال معاذ وفي رواية عمر ms2986 يا رسول الله ~~، أله وحده أم للناس كافة؟ فقال : بل للناس كافة» (3). PageV07P288 # والروايات التي ورد فيها فأنزل عليه هذه الآية ، في الإمكان أن تؤول أن ~~المراد أنزل عليه شمول عموم الحسنات والسيئات لقضية السائل ، ولجميع ما ~~يماثلها من إصابة الذنوب سوى الكبائر. # هذا ، ثم ختم سبحانه هذه التوجيهات الحكيمة بقوله ( @QUR@07 واصبر فإن ~~الله لا يضيع أجر المحسنين ). # أى : واصبر أيها الرسول الكريم أنت ومن معك من المؤمنين على مشاق ~~التكاليف التي كلفكم الله تعالى بها ، فإنه سبحانه لا يضيع أجر من أحسن ~~عملا ، بل موفى الصابرين أجرهم بغير حساب. # قال الآلوسى : ومن البلاغة القرآنية أن الأوامر بأفعال الخير أفردت للنبي ~~صلى الله عليه وسلم وإن كانت عامة في المعنى ، والمناهي جمعت للأمة ، للدلالة ~~على عظم منزلة الرسول صلى الله عليه وسلم عند ربه (1). # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بهذه الآيات الدالة على سنن الله تعالى في ~~خلقه ، وعلى الحكم التي من أجلها ساق الله تعالى تلك القصص في كتابه فقال ~~تعالى : # ( @QUR@027 فلو لا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في ~~الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا ~~مجرمين (116) @QUR@08 وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون (117) ~~@QUR@010 ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين (118) ~~@QUR@09 إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك PageV07P289 # @QUR@06 لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين (119) @QUR@017 وكلا نقص ~~عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى ~~للمؤمنين (120) @QUR@09 وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون ~~(121) @QUR@03 وانتظروا إنا منتظرون (122) @QUR@016 ولله غيب السماوات ~~والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون ) (123) # وقوله تعالى ( @QUR@019 فلو لا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون ~~عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم ... ) إرشاد إلى أن الأمم ~~إذا خلت من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، حلت بها المصائب ~~والنكبات .. # ولو لا : حرف تحضيض بمعنى هلا. والمقصود ms2987 بالتحضيض هنا تحذير المعاصرين ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ومن يأتى بعدهم من الوقوع فيما وقع فيه أهل القرون ~~الماضية من ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، حتى لا يصيب اللاحقين ما ~~أصاب السابقين. # والقرون : جمع قرن ، والمراد به الأمة من الناس الذين يجمعهم زمان واحد ، ~~والراجح أن القرن مائة عام. # و ( @QUR@02 أولوا بقية ) أى : أصحاب مناقب حميدة ، وخصال كريمة ، وعقول ~~راجحة ... # وأصل البقية : ما يصطفيه الإنسان لنفسه من أشياء نفيسة يدخرها لينتفع بها ~~، ومنه قولهم : فلان من بقية القوم ، أى : من خيارهم وأهل الفضل فيهم ، قال ~~الشاعر : # إن تذنبوا ثم تأتينى بقيتكم %~% فما على بذنب منكم فوت # وفي الأمثال : في الزوايا خبايا ، وفي الرجال بقايا. # والفساد في الأرض : يشمل ما يكون فيها من المعاصي واختلال الأحوال ~~وارتكاب المنكرات والبعد عن الصراط المستقيم. # والمعنى : فهلا وجد من أولئك الأقوام الذين كانوا من قبلكم ، رجال أصحاب ~~خصال كريمة ، وعقول سليمة ، تجعلهم هذه الخصال وتلك العقول ينهون أنفسهم ~~وغيرهم عن الإفساد PageV07P290 # في الأرض ، وعن انتهاك الحرمات؟. # كلا إنهم لم يكن فيهم هؤلاء الرجال الذين ينهون عن الفساد في الأرض ، إلا ~~عددا قليلا منهم أنجيناهم بسبب إيمانهم ونهيهم عن الفساد في الأرض. # وفي هذا من التوبيخ لأهل مكة ولكل من تقاعس عن الأمر بالمعروف والنهى عن ~~المنكر ما فيه ، لأن الله تعالى بين أن عذاب الاستئصال الذي حل بالظالمين ~~السابقين ، كان من أسبابه عدم نهيهم عن الفساد في الأرض. # قال الشوكانى : والاستثناء في قوله ( @QUR@02 إلا قليلا ... ) منقطع ، أى ~~: لكن قليلا ممن أنجينا منهم كانوا ينهون عن الفساد في الأرض ، وقيل : هو ~~متصل ، لأن في حرف التحضيض معنى النفي ، فكأنه قال : ما كان في القرون أولو ~~بقية ينهون عن الفساد في الأرض ، إلا قليلا ممن أنجينا منهم ، ومن في قوله ~~( @QUR@03 ممن أنجينا منهم ) بيانية ، لأنه لم ينج إلا الناهون» (1). # وقال ابن كثير : ولهذا أمر الله تعالى هذه الأمة الشريفة أن يكون فيها من ~~يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وأولئك هم المفلحون ، وفي الحديث : «إن ms2988 ~~الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه ، أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده» ~~ولهذا قال : ( @QUR@014 فلو لا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن ~~الفساد في الأرض ... ) (2). # وقوله : ( @QUR@06 واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه ... ) إشارة إلى أن ~~هؤلاء القاعدين عن النهى عن الإفساد في الأرض ، قد استمروا على فجورهم ~~وفسقهم دون أن يلتفتوا إلى خصال الخير ، وإلى سبيل الصلاح. # وأترفوا من الترف ومعناه التقلب في نعم الله تعالى مع ترك شكره سبحانه عليها. # والمترف : هو الشخص الذي أبطرته النعمة ، فانغمس في الشهوات والمعاصي ، ~~وأعرض عن الأعمال الصالحة ... # والجملة الكريمة معطوفة على كلام مقدر يقتضيه الكلام ، والمعنى : أن ~~هؤلاء الذين لم يكن فيهم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا من استثنى ~~، قد استمروا في طغيانهم ، واتبعوا ما أنعموا فيه من الثروة والعيش الهنيء ~~والشهوات العاجلة ، فكفروا النعمة ، واستكبروا وفسقوا عن أمر ربهم ، وكانوا ~~قوما مجرمين ، أى مصرين على ارتكاب الجرائم PageV07P291 # والمنكرات ، فحق عليهم العقاب الذي يستحقونه بسبب هذه السيئات. # ثم بين سبحانه أن رحمته بعباده تقتضي عدم ظلمه لهم فقال : ( @QUR@08 وما ~~كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ). # والمراد بالظلم هنا ما يشمل الإشراك بالله تعالى وغيره من الوقوع في ~~المعاصي والمنكرات. # والباء في ( @QUR@01 بظلم ) للملابسة ، والتنوين فيه للإشعار بأن إهلاك ~~المصلحين ظلم عظيم يتنزه الله تعالى عنه على أبلغ وجه ، وإن كانت أفعاله ~~عز وجل لا ظلم فيها أيا كانت هذه الأفعال. # والمعنى : وما كان من شأن ربك أيها الرسول الكريم أن يهلك أهل قرية من ~~القرى إهلاكا متلبسا بظلم منه لها ، والحال أن أهلها قوم مصلحون ، لأن ذلك ~~الإهلاك مع تلك الحال يتنافى مع ما كتبه على نفسه من الرحمة والعدل. # قال تعالى ( @QUR@05 كتب ربكم على نفسه الرحمة ... ) وقال تعالى ( ~~@QUR@04 ولا يظلم ربك أحدا ). # وقال تعالى ( @QUR@07 وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ). # ومنهم من فسر الظلم هنا بالشرك ، وجعل الباء للسببية ، فيكون المعنى : ~~ليس من شأن ربك أن يهلك أهل قرية من القرى بسبب ms2989 كفرهم وحده ، مع صلاحهم في ~~تعاطى الحقوق فيما بينهم ، وإنما يهلكهم عند ما يضمون إلى الكفر الإفساد في ~~الأرض كما أهلك قوم شعيب لشركهم وإنقاصهم المكيال والميزان. # وقد ساق ابن جرير رحمه الله القولين دون أن يرجح بينهما فقال : القول في ~~تأويل قوله تعالى ( @QUR@08 وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ). # يقول تعالى ذكره : وما كان ربك يا محمد ليهلك القرى التي أهلكها والتي قص ~~عليك نبأها ظلما وأهلها مصلحون في أعمالهم غير مسيئين ، فيكون إهلاكه إياهم ~~مع إصلاحهم في أعمالهم وطاعتهم ربهم ظلما ، ولكنه أهلكها بكفر أهلها بالله ~~؛ وتماديهم في غيهم .. # وقد قيل معنى ذلك : لم يكن ليهلكهم بشركهم بالله : وذلك قوله بظلم يعنى ~~بشرك ، وأهلها مصلحون فيما بينهم لا يتظالمون ، ولكنهم يتعاطون الحق بينهم ~~وإن كانوا مشركين ، وإنما يهلكهم إذا تظالموا» (1). PageV07P292 # والذي نراه أن القول الأول أقرب إلى الصواب ، لأن حمل الظلم هنا على ~~الشرك تخصيص بدون مخصص ، حيث لم يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث ~~صحيح يخصصه بذلك ، فوجب حمل الظلم على معناه الحقيقي الذي يتناول الشرك وغيره. # ثم أخبر سبحانه بأن قدرته لا يعجزها شيء فقال : ( @QUR@07 ولو شاء ربك ~~لجعل الناس أمة واحدة ). # والأمة : القوم المجتمعون على أمر واحد ؛ يقتدى فيه بعضهم ببعض ، وهذا ~~اللفظ مأخوذ من «أم» بمعنى قصد ، لأن كل واحد من أفراد القوم يؤم المجموع ~~ويقصده في مختلف شئونه. # ولو شرطية امتناعية ، ومفعول فعل المشيئة محذوف والتقدير : # ولو شاء ربك أيها الرسول الكريم الحريص على إيمان قومه أن يجعل الناس ~~جميعا أمة واحدة مجتمعة على الدين الحق لجعلهم ، ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك ، ~~ليتميز الخبيث من الطيب ، وشبيه بهذه الآية قوله تعالى ( @QUR@09 ولو شاء ~~ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ... ). # وقوله سبحانه ( @QUR@06 ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ... ). # وقوله ( @QUR@07 ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ) تأكيد لما اقتضته ~~سنته من اختلاف الناس. # أى : ولا يزالون ما بقيت الدنيا مختلفين في شأن الدين الحق ، فمنهم من ~~دخل فيه ms2990 وآمن به ، ومنهم من أعرض عنه ، إلا الذين رحمهم ربك منهم بهدايتهم ~~إلى الصراط المستقيم من أول الأمر ، فإنهم لم يختلفوا ، بل اتفقوا على ~~الإيمان بالدين الحق فعصمهم الله تعالى من الاختلاف المذموم. # قال الإمام ابن كثير : وقوله ( @QUR@04 إلا من رحم ربك ) أى : إلا ~~المرحومين من أتباع الرسل ، الذين تمسكوا بما أمروا به من الدين الذي ~~أخبرتهم به رسل الله إليهم ، ولم يزل ذلك دأبهم ، حتى كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم الأمى خاتم الرسل والأنبياء ، فاتبعوه وصدقوه ونصروه ، ~~ففازوا بسعادة الدنيا والآخرة ؛ لأنهم الفرقة الناجية ، كما جاء في الحديث ~~المروي في المسانيد والسنن ، من طرق يشد بعضها بعضا : إن اليهود افترقت على ~~إحدى وسبعين فرقة ، وإن النصارى افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة. وستفترق ~~أمتى على ثلاث وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا فرقة واحدة. قالوا : ومن هم ~~يا رسول الله ، قال : ما أنا عليه وأصحابى» (1). PageV07P293 # واسم الإشارة في قوله ( @QUR@02 ولذلك خلقهم ) يعود على المصدر المفهوم ~~من مختلفين قال الآلوسى : فكأنه قيل : وللاختلاف خلق الناس ، على معنى ~~لثمرة الاختلاف من كون فريق في الجنة وفريق في السعير خلقهم. # واللام لام العاقبة والصيرورة ، لأن حكمة خلقهم ليس هذا ، لقوله سبحانه ( ~~@QUR@06 وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ولأنهم لو خلقهم له أى ~~للاختلاف لم يعذبهم على ارتكاب الباطل ...» (1). # ومنهم من جعل الإشارة إلى الرحمة لأنها أقرب مذكور ، فيكون التقدير : إلا ~~من رحم ربك ولرحمته سبحانه خلق الناس. # وصح تذكير اسم الإشارة مع عودته إلى الرحمة لكون تأنيثها غير حقيقى. # ومنهم من جعل الإشارة إلى مجموع الاختلاف والرحمة ، لأنه لا مانع من ~~الإشارة بها إلى شيئين كما في قوله ( @QUR@03 عوان بين ذلك ) أى بين الفارض ~~والبكر. # فيكون المعنى : «وللاختلاف والرحمة خلقهم» أى أنه سبحانه خلق أهل الرحمة ~~للرحمة وأهل الاختلاف للاختلاف. # وقد رجح الإمام القرطبي هذا الوجه فقال : قوله «ولذلك خلقهم» قال الحسن ~~ومقاتل وعطاء : # الإشارة إلى الاختلاف ، أى : وللاختلاف خلقهم. وقال ابن عباس ومجاهد ~~وقتادة والضحاك : # الإشارة إلى الرحمة : أى : ولرحمته خلقهم. ms2991 # وقيل : الإشارة إلى الاختلاف والرحمة ، وقد يشار بذلك إلى شيئين متضادين ~~، كما في قوله تعالى ( @QUR@011 والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ~~وكان بين ذلك قواما ). # وهذا أحسن الأقوال إن شاء الله لأنه يعم. أى : ولما ذكر خلقهم .. أى : ~~خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير. أى خلق أهل الاختلاف للاختلاف ~~وأهل الرحمة للرحمة ...» (2). # والمراد بكلمة ربك في قوله سبحانه ( @QUR@09 وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم ~~من الجنة والناس أجمعين ) قضاؤه النافذ ، وإرادته التي لا تتخلف ، وحكمه ~~الأزلى. PageV07P294 # أى : وتمت كلمة ربك ، ونفذ قضاؤه ، وثبت حكمه الذي أكده وأقسم عليه بقوله ~~: لأملأن جهنم من عصاة الجن ، ومن عصاة الإنس أجمعين ، لأنه من المعروف أن ~~الوعيد إنما هو للعصاة والمذنبين وليس للمؤمنين الصادقين. # قال الآلوسى : وفي معنى ذلك ما قيل من أن المراد بالجنة والناس أتباع ~~إبليس لقوله تعالى في سورة الأعراف وفي سورة ص ( @QUR@07 لأملأن جهنم منك ~~وممن تبعك منهم أجمعين ) فاللازم دخول جميع تابعيه في جهنم ، والقرآن يفسر ~~بعضه بعضا ...» (1). # ثم بين سبحانه أهم الفوائد التي تعود على الرسول صلى الله عليه وسلم من وراء ~~إخباره بأحوال الأنبياء السابقين مع أقوامهم فقال : ( @QUR@010 وكلا نقص ~~عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ... ). # والتنوين في قوله ( @QUR@01 وكلا ) للعوض عن المضاف إليه. والأنباء جمع ~~نبأ وهو الخبر الهام : # أى : وكل نبأ من أنباء الرسل الكرام السابقين نقصه عليك أيها الرسول ~~الكريم ونخبرك عنه. فالمقصود به تثبيت قلبك ، وتقوية يقينك ، وتسلية نفسك ~~ونفوس أصحابك عما لحقكم من أذى في سبيل تبليغ دعوة الحق إلى الناس. # وقوله سبحانه ( @QUR@07 وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين ) بيان ~~لما اشتملت هذه السورة الكريمة من أخبار صادقة ، وعظات بليغة. # أى وجاءك أيها الرسول الكريم في هذه السورة الكريمة وغيرها من سور القرآن ~~الكريم : الحق الثابت المطابق للواقع ، والعظات الحكيمة ، والذكرى النافعة ~~للمؤمنين بما جئت به. # وأما الذين في قلوبهم مرض فقد زادتهم هذه السورة وأمثالها رجسا إلى رجسهم ~~، وماتوا وهم كافرون. # ثم أمر الله تعالى رسوله ms2992 صلى الله عليه وسلم بالسير في طريق الحق بدون ~~مبالاة بتهديد أعدائه فقال : ( @QUR@012 وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على ~~مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون ) والأمر في هذه الآية الكريمة ~~للتهديد. # ومكانتكم : مصدر مكن بزنة كرم مكانة ، إذا تمكن من الأمر أبلغ التمكن. # أى : وقل أيها الرسول الكريم لهؤلاء المشركين الذين يضعون العقبات في طريق PageV07P295 # دعوتك ، قل لهم اعملوا ما تستطيعون عمله من الكيد لي ولدعوتى ، فإنى ~~وأصحابى مستمرون على السير في طريق الحق الذي هدانا الله إليه ، بدون ~~التفات إلى كيدكم وقل لهم أيضا : انتظروا ما يأتى به الله من عقاب ، فإنا ~~منتظرون معكم ذلك. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بهذه الآية الجامعة فقال : ( @QUR@016 ولله ~~غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل ~~عما تعملون ). # أى : ولله تعالى وحده علم جميع ما غاب عن الحواس في السموات والأرض ، ~~وإليه وحده يرجع الأمر كله من إحياء وإماتة ، وهداية وضلال ، وصحة ومرض ، ~~ونصر وهزيمة. # وما دام الأمر كذلك ( @QUR@03 فاعبده وتوكل عليه ) أى : فأخلص له العبادة ~~، واجعل توكلك عليه وحده. # ( @QUR@05 وما ربك بغافل عما تعملون ) بل هو مطلع وبصير بأعمال عباده ~~جميعا ، لا يعزب عنه مثقال ذرة منها ، وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا ، ~~ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. # أما بعد : فهذا تفسير لسورة هود عليه السلام أسأل الله تعالى أن يجعله ~~خالصا لوجهه ونافعا لعباده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ~~أجمعين. # المدينة المنورة صباح الخميس 5 من جمادى الآخرة سنة 1401 ه الموافق 9 من ~~أبريل سنة 1981 م. # محمد سيد طنطاوى PageV07P296 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة يوسف PageV07P297 ### ||| * تعريف بسورة يوسف عليه السلام # 1 سورة يوسف عليه السلام هي السورة الثانية عشرة في ترتيب المصحف ، فقد ~~سبقها في الترتيب سور : الفاتحة ، والبقرة ، وآل عمران ، والنساء ، ~~والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، والأنفال ، والتوبة ، ويونس وهود .. # أما ترتيبها في النزول ، فكانت السورة الثالثة والخمسين ، وكان نزولها ~~بعد سورة هود عليه السلام . # وعدد آياتها إحدى عشرة ومائة آية. # وجه تسميتها بهذا الاسم ظاهر ms2993 ، لأنها مشتملة على قصته عليه السلام مع ~~إخوته ، ومع امرأة العزيز ، ومع ملك مصر في ذلك الوقت .. # ولم يذكر اسم يوسف عليه السلام في غير هذه السورة سوى مرتين : إحداهما في ~~سورة الأنعام في قوله تعالى ( @QUR@018 ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ، ~~ونوحا هدينا من قبل ، ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون ... ~~) الآية 84. # والثانية في سورة غافر في قوله تعالى ( @QUR@06 ولقد جاءكم يوسف من قبل ~~بالبينات ... ) الآية 34. # والقول الصحيح أن سورة يوسف جميعها مكية ، ولا التفات إلى قول من قال بأن ~~فيها آيات مدنية ، لأن هذا القول لا دليل عليه. # قال الآلوسى : سورة يوسف مكية كلها على المعتمد ، وروى عن ابن عباس ~~وقتادة أنهما قالا : هي مكية إلا ثلاث آيات من أولها. واستثنى بعضهم رابعة ~~وهي قوله تعالى : ( @QUR@07 لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين ). # 2 وكل ذلك واه جدا لا يلتفت إليه ، وما اعتمدناه كغيرنا من أنها كلها ~~مكية هو الثابت عن الحبر أى عن ابن عباس» (1). PageV07P299 # 3 وقد ورد في سبب نزولها روايات متعددة ، منها ما روى عن سعد بن أبى وقاص ~~أنه قال : أنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاه على أصحابه ~~زمانا ، فقالوا : يا رسول الله ، لو قصصت علينا فنزلت سورة يوسف ...» (1). # 4 طبيعة الفترة التي نزلت فيها هذه السورة : قلنا إن سورة يوسف كان ~~نزولها بعد سورة هود ، وسبق أن بينا عند تفسيرنا لسورة هود ، أن هذه السورة ~~الكريمة كان نزولها على الراجح في الفترة التي أعقبت حادث الإسراء والمعراج .. # ويبدو أن سورة يوسف أيضا كان نزولها في هذه الفترة ، التي تعتبر من أشق ~~الفترات في حياة النبي صلى الله عليه وسلم إذ تعرض خلالها للكثير من أذى ~~المشركين ، بعد أن فقد صلى الله عليه وسلم في هذه الفترة عمه أبا طالب ، وزوجه ~~السيدة خديجة رضى الله عنها. # ونزول سورة يوسف في هذه الفترة ، كان من أعظم المسليات التي واسى الله ~~تعالى بها نبيه صلى الله عليه وسلم فقد أخبره ms2994 عما دار بين يوسف وإخوته ، وعما ~~تعرض له هذا النبي الكريم من مصائب وأذى ... # ولا شك أن في قصة يوسف وما يشبهها ، تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما ~~أصابه من قومه. # 5 والذي يطالع هذه السورة الكريمة بتدبر وتأمل ، يراها قد اشتملت على ~~أوضح الدلائل ، وأنصع البراهين ، التي تشهد بأن هذا القرآن من عند الله ... # فقد قصت علينا قصة يوسف عليه السلام مع إخوته ومع غيرهم بأسلوب مشوق حكيم ~~، يهدى النفوس ، ويشرح الصدور ، ويكشف عن الخفايا التي لا يعلمها أحد إلا ~~الله تعالى ، ويصور أحوال النفس الإنسانية تصويرا بديعا معجزا ... # كما يراها قد ساقت ما ساقت من حكم وأحكام ، وعبر وعظات ، بأسلوب يمتاز ~~بحسن التقسيم ، وجمال العرض ، حتى إننا لنستطيع أن نقسم أهم الموضوعات التي ~~تحدثت عنها إلى عشرة أقسام. # (أ) أما القسم الأول (2) منها ، فنراها تتحدث فيه عن جانب من فضائل ~~القرآن الكريم ، وعن رؤيا يوسف عليه السلام وعن نصيحة أبيه له بعد أن قصها ~~عليه ... PageV07P300 # قال تعالى ( @QUR@059 الر. تلك آيات الكتاب المبين* إنا أنزلناه قرآنا ~~عربيا لعلكم تعقلون* نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن ~~وإن كنت من قبله لمن الغافلين* إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر ~~كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين* قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك ~~فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين ). # (ب) وفي القسم الثاني (1) منها نراها تحدثنا عن مكر إخوة يوسف به ، ~~وحسدهم له ، وتآمرهم على الانتقام منه وإجماعهم على أن يلقوا به في الجب ، ~~وتنفيذهم لذلك بعد خداعهم لأبيهم ، وزعمهم له بأنهم سيحافظون على أخيهم ~~يوسف ... # استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى كل ذلك بأسلوبه البديع المعجز فيقول : ~~( @QUR@052 لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين* إذ قالوا ليوسف وأخوه ~~أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة ، إن أبانا لفي ضلال مبين* اقتلوا يوسف أو ~~اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين* قال قائل منهم ~~لا تقتلوا يوسف ms2995 وألقوه في غيابت الجب. يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين ). # إلى أن يقول سبحانه : ( @QUR@018 وجاؤ على قميصه بدم كذب ، قال بل سولت ~~لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل ، والله المستعان على ما تصفون ). # (ج) ثم نراها في القسم الثالث (2) منها تحدثنا عن انتشال السيارة ليوسف ~~من الجب ، وعن بيعهم له بثمن بخس دراهم معدودة ، وعن وصية من اشتراه ~~لامرأته بإكرام مثواه ، وعن محنته مع تلك المرأة التي راودته عن نفسه ( ~~@QUR@05 وغلقت الأبواب وقالت هيت لك ) وعن خروجه من هذه المحنة بريئا ، نقى ~~العرض ، طاهر الذيل ... بعد أن شهد ببراءته شاهد من أهلها. # قال تعالى : ( @QUR@040 وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه ، قال يا ~~بشرى هذا غلام ، وأسروه بضاعة ، والله عليم بما يعملون* وشروه بثمن بخس ~~دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين* وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته ~~أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ... ). # إلى أن يقول سبحانه : ( @QUR@023 وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت ~~الأبواب وقالت هيت لك ، قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح ~~الظالمون ... ). PageV07P301 # ثم يختم سبحانه هذا القسم من السورة بحكاية ما قاله الزوج لامرأته وليوسف ~~، بعد أن تبين له صدق يوسف وكذب امرأته فيقول : ( @QUR@023 فلما رأى قميصه ~~قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم* يوسف أعرض عن هذا واستغفري ~~لذنبك إنك كنت من الخاطئين ). # (د) ثم تحدثنا السورة بعد ذلك في القسم الرابع (1) منها عن شيوع خبر ~~امرأة العزيز مع فتاها ، وعما فعلته تلك المرأة مع من أشاع هذا الخبر ، وعن ~~لجوء يوسف عليه السلام الى ربه يستجير به من كيد هؤلاء النسوة ... # قال تعالى حاكيا هذا المشهد بأسلوب معجز : ( @QUR@0107 وقال نسوة في ~~المدينة امرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه ، قد شغفها حبا ، إنا لنراها في ~~ضلال مبين* فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة ~~منهن سكينا وقالت اخرج عليهن. فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن ، وقلن حاش ~~لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك ms2996 كريم* قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ، ولقد ~~راودته عن نفسه فاستعصم ، ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من ~~الصاغرين* قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ، وإلا تصرف عني كيدهن ~~أصب إليهن وأكن من الجاهلين* فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع ~~العليم* ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين ). # (ه) ثم تحدثنا السورة الكريمة بعد ذلك في القسم (2) الخامس منها ، عن ~~يوسف السجين المظلوم ، وكيف أنه لم يمنعه السجن من دعوة رفاقه فيه إلى ~~وحدانية الله ، وإلى إخلاص العبادة له سبحانه ... # ( @QUR@042 يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار* ما ~~تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ~~، إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ، ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون ). # (و) ثم تحدثنا السورة الكريمة في القسم (3) السادس منها عن الرؤيا ~~المفزعة التي رآها ملك مصر في ذلك الوقت ، وكيف أن حاشيته عجزت عن تفسيرها ~~، ولكن يوسف الصديق فسرها تفسيرا صحيحا أعجب الملك ، وحمله على دعوته ~~للالتقاء به ، إلا أن يوسف عليه السلام PageV07P302 # أبى الالتقاء به إلا بعد أن يحقق الملك في قضيته بنفسه ، ويعلن براءته ~~على رءوس الأشهاد ... # وبعد أن استجاب الملك لطلب يوسف ، وثبتت براءته عليه السلام حضر معززا ~~مكرما وقال للملك بعزة وإباء : ( @QUR@07 اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ ~~عليم ). # استمع إلى السورة الكريمة وهي تحكى هذا المشهد بأسلوبها الزاخر ~~بالمحاورات والمفاجآت ، فتقول : ( @QUR@080 وقال الملك إني أرى سبع بقرات ~~سمان يأكلهن سبع عجاف ، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات ، يا أيها الملأ ~~أفتوني في رءياي إن كنتم للرءيا تعبرون* قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل ~~الأحلام بعالمين* وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله ~~فأرسلون* يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع ~~سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون* قال تزرعون سبع ~~سنين دأبا فما ms2997 حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون ... ). # وينتهى هذا المشهد ببيان سنة من سنن الله تعالى التي لا تتخلف ، والتي ~~تتمثل في حسن عاقبة المؤمنين حيث يقول سبحانه : ( @QUR@024 وكذلك مكنا ~~ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء ، نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر ~~المحسنين* ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون ). # (ز) ثم تنتقل السورة الكريمة في القسم السابع (1) منها إلى الحديث عن ~~اللقاء الأول الذي تم بين يوسف وإخوته ، بعد أن حضروا من بلادهم بفلسطين ~~إلى مصر يلتمسون الزاد والطعام ... وكيف أنه عرفهم دون أن يعرفوه .. وكيف ~~أنه عليه السلام طلب منهم بعد أن أكرمهم أن يحضروا إليه من بلادهم ومعهم ~~أخوهم من أبيهم وهو شقيقه «بنيامين». # وكيف أن أباهم وافق على إرسال «بنيامين» معهم بعد أن أخذ عليهم العهود ~~والمواثيق لكي يحافظوا عليه .. # استمع إلى السورة الكريمة وهي تحكى كل ذلك فتقول : ( @QUR@048 وجاء إخوة ~~يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون* ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ ~~لكم من أبيكم ، ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين* فإن لم تأتوني ~~به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون* قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون* وقال ~~لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم PageV07P303 # @QUR@042 لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون* فلما رجعوا ~~إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له ~~لحافظون* قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل ، فالله خير ~~حافظا وهو أرحم الراحمين ... ). # (ح) ثم حدثتنا السورة الكريمة في القسم الثامن (1) منها عن اللقاء الثاني ~~الذي تم بين يوسف وإخوته ، بعد أن حضروا إليه في هذه المرة ومعهم «بنيامين» ~~شقيق يوسف ، وكيف قام يوسف بالتعرف عليه ، ثم كيف احتجزه عنده بحيلة دبرها ~~بإلهام من الله تعالى وكيف رد على إخوته الذين طلبوا منه أن يأخذ أحدهم ~~مكان «بنيامين» ... # وماذا قال «يعقوب» عليه السلام بعد أن عاد إليه أبناؤه ، وليس معهم ~~«بنيامين». # استمع الى السورة الكريمة وهي تحكى ms2998 كل هذه المشاهد والأحداث فتقول : # ( @QUR@0111 ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا ~~تبتئس بما كانوا يعملون* فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ، ثم ~~أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون* قالوا وأقبلوا عليهم ما ذا تفقدون* ~~قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم* قالوا تالله لقد ~~علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين* قالوا فما جزاؤه إن كنتم ~~كاذبين* قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين* فبدأ ~~بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه ، كذلك كدنا ليوسف ، ما ~~كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله ، نرفع درجات من نشاء وفوق ~~كل ذي علم عليم ... ). # وينتهى هذا القسم بقول يعقوب عليه السلام لأبنائه بعد أن عادوا إليه وليس ~~معهم أخوهم بنيامين : ( @QUR@077 قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل ~~عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم* وتولى عنهم وقال يا ~~أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم* قالوا تالله تفتؤا تذكر ~~يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين. قال إنما أشكوا بثي وحزني إلى ~~الله وأعلم من الله ما لا تعلمون. يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا ~~تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ). # (ط) ثم حدثتنا السورة الكريمة بعد ذلك في القسم التاسع (2) منها عن ~~اللقاء الثالث والأخير بين يوسف وإخوته ، فحكت لنا أن يوسف عليه السلام كشف ~~لإخوته عن نفسه في هذا اللقاء. وأمرهم بأن يذهبوا بقميصه ليلقوا به على وجه ~~أبيه ... كما أمرهم أن يعودوا إليه ومعهم جميع أهلهم. PageV07P304 # كما حكت لنا لقاء يوسف بأبويه ، وإكرامه لهما ، وشكره لله تعالى على ما ~~وهبه من نعم .. # قال تعالى حاكيا ما دار بين يوسف وإخوته ، وبين يوسف وأبيه في هذا اللقاء ~~: ( @QUR@055 فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ~~ببضاعة مزجاة ms2999 ، فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين* قال هل ~~علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون* قالوا أإنك لأنت يوسف قال أنا ~~يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين ). # ( @QUR@012 اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا. وأتوني ~~بأهلكم أجمعين .. ). # ( @QUR@014 فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء ~~الله آمنين ). # ثم ختم سبحانه قصة يوسف بهذا الدعاء الذي حكاه سبحانه عنه في قوله : ( ~~@QUR@021 رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث ، فاطر السماوات ~~والأرض ، أنت وليي في الدنيا والآخرة ، توفني مسلما وألحقني بالصالحين ). # (ى) أما القسم العاشر (1) والأخير من السورة الكريمة ، فقد كان تعقيبا ~~على ما جاء في تلك القصة من حكم وأحكام ، ومن عبر وعظات ، ومن آداب وهدايات ... # وقد بين سبحانه في هذا القسم ما يدل على أن القرآن من عند الله ، وما ~~يشهد بصدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه .. # كما بين سبحانه وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم وموقف المشركين من دعوته ~~وأنه صلى الله عليه وسلم ليس بدعا من الرسل وأن العاقبة ستكون له ولأتباعه ~~المؤمنين. # قال تعالى : ( @QUR@048 ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ، وما كنت لديهم ~~إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون* وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين* وما تسئلهم ~~عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين* وكأين من آية في السماوات والأرض ~~يمرون عليها وهم عنها معرضون* وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ... ). # ثم يختتم سبحانه هذه السورة الكريمة بقوله : ( @QUR@023 لقد كان في قصصهم ~~عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل ~~شيء ، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ). PageV07P305 # 6 هذا عرض مجمل لأهم الموضوعات التي اشتملت عليها سورة يوسف عليه السلام ~~ومن هذا العرض نرى أن السورة الكريمة قد اهتمت بأمور من أهمها ما يأتى : # (أ) إبراز الحقائق والهدايات ، بأسلوب المحاورات والمجادلات والمناقشات ~~... ومن مظاهر ذلك ms3000 : # المحاورات التي دارت حول إخوة يوسف في شأن الانتقام منه ، والتي منها ~~قوله تعالى : ( @QUR@052 لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين* إذ قالوا ~~ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين* اقتلوا ~~يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم ، وتكونوا من بعده قوما صالحين* قال ~~قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم ~~فاعلين ). # والمحاورات التي دارت بينهم وبين أبيهم في شأن اصطحابهم ليوسف ، والتي ~~منها قوله تعالى : ( @QUR@042 قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا ~~له لناصحون* أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون* قال إني ليحزنني ~~أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون* قالوا لئن أكله الذئب ~~ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون ). # والمحاورات التي دارت بين يوسف وإخوته ، بعد أن عرفهم وهم له منكرون ، ~~وبعد أن ترددوا عليه ثلاث مرات للحصول على حاجتهم من الزاد ... والتي منها ~~قوله تعالى : ( @QUR@075 فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا ~~الضر وجئنا ببضاعة مزجاة ، فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي ~~المتصدقين. قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون* قالوا أإنك ~~لأنت يوسف ، قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا ، إنه من يتق ويصبر ~~فإن الله لا يضيع أجر المحسنين* قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا ~~لخاطئين* قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ). # وهكذا نجد السورة الكريمة زاخرة بأسلوب المحاورات والمناقشات والمجادلات. ~~تارة بين يوسف وإخوته ، وتارة بين إخوته فيما بينهم ، وتارة بينهم وبين ~~أبيهم ، وتارة بين يوسف وامرأة العزيز ، وتارة بينه وبين ملك مصر في ذلك الوقت. # وهذه المحاورات التي حفلت بها السورة الكريمة ، قد أكسبتها لونا من العرض ~~المشوق ، الذي يجعل القارئ لها يتعجل حفظ كل موضوع من موضوعاتها ، ليصل الى ~~الموضوع الذي يليه. # وهذا الأسلوب في عرض الحقائق من أسمى الأساليب التي تعين القارئ على حفظ ms3001 ~~القرآن الكريم ، وعلى تدبر معانيه ، وعلى الانتفاع بهداياته .. PageV07P306 # (ب) إبرازها لجوهر الأحداث ولبابها .. أما تفاصيل هذه الأحداث. فتركت ~~معرفتها لفهم القارئ وفطنته ، وسلامة تفكيره ، وحسن تدبره لكلام الله تعالى .. # وهذا اللون من العرض للأحداث ، يسمى في عرف البلغاء ، بأسلوب الإيجاز ~~بالحذف والقارئ لهذه السورة الكريمة بتدبر وتأمل ، يراها على رأس السور ~~القرآنية التي كثر فيها هذا الأسلوب البليغ. # فمثلا قوله تعالى : ( @QUR@013 وجاؤ على قميصه بدم كذب ، قال بل سولت لكم ~~أنفسكم أمرا فصبر جميل ... ) معطوف على كلام محذوف يفهم من السياق. # والتقدير : وبعد أن ألقى إخوة يوسف به في الجب وانصرفوا لشئونهم «جاءوا ~~على قميصه بدم كذب» لكي يخدعوا أباهم ، فلما أخبروه بأن الذئب قد أكله قال ~~: ( @QUR@07 بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل ... ). # وكذلك قوله تعالى : ( @QUR@08 قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ... ~~) مترتب على كلام محذوف يفهم من سياق الآيات. # والتقدير : وبعد أن سمع ما قالته النسوة بشأنه عند ما دخل عليهن بأمر من ~~امرأة العزيز ، وسمع تهديد هذه المرأة له بقولها : ( @QUR@019 قالت فذلكن ~~الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن ~~وليكونا من الصاغرين ). # بعد أن سمع يوسف كل ذلك ، وتيقن من مكرهن به ، لجأ إلى ربه مستجيرا به من ~~كيدهن فقال : ( @QUR@07 رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ... ). # وأيضا قوله تعالى : ( @QUR@019 وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا ~~أنبئكم بتأويله فأرسلون* يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان ... ). ~~يعتبر من بديع أسلوب الإيجاز بالحذف ، إذ تقدير الكلام : # وبعد أن عجز الملأ عن تفسير رؤيا الملك ، وقالوا له : إن رؤياك أضغاث ~~أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ، قال الذي نجا منهما ، أى : من ~~صاحبي يوسف في السجن وهو الساقي ( @QUR@03 وادكر بعد أمة ) أى وتذكر بعد ~~نسيان طويل ( @QUR@04 أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون ) إلى من عنده تفسير هذه ~~الرؤيا تفسيرا صحيحا وهو يوسف فاستجابوا له وأرسلوه إلى يوسف ، فذهب إليه ~~في السجن ، فلما دخل عليه قال له : يا يوسف يا ms3002 أيها الصديق ، أفتنا في سبع ~~بقرات سمان ... إلخ. # وهذا الأسلوب الذي زخرت به السورة الكريمة ، وهو أسلوب الإيجاز بالحذف ، ~~من شأنه PageV07P307 # أنه ينشط العقول ، ويبعثها على التأمل والتدبر فيما تقرؤه ، ويعينها على ~~الاتعاظ والاعتبار .. # وهو أسلوب أيضا تقتضيه هذه السورة الكريمة ، لأنها تتحدث عن قصة نبي من ~~أنبياء الله تعالى . والحديث عن ذلك يستلزم إبراز جوهر الأحداث ولبابها ، ~~لا إبراز تفاصيلها وما لا فائدة من ذكره. # فاشتمال السورة الكريمة على هذا الأسلوب البليغ ، هو من باب رعاية الكلام ~~لمقتضى الحال ، وهو أصل البلاغة وركنها الركين. # (ج) السورة الكريمة اهتمت اهتماما واضحا بشرح أحوال النفس البشرية وتحليل ~~ما يصدر عنها في حال رضاها وغضبها ، وفي حال صلاحها وانحرافها ، وفي حال ~~غناها وفقرها ، وفي حال عسرها ويسرها ، وفي حال صفائها وحقدها .. # وقد حدثتنا عن الشخصيات التي وردت فيها حديثا صادقا أمينا ، كشفت لنا فيه ~~عن جوانب متعددة من أخلاقهم ، وسلوكهم ، وميولهم ، وأفكارهم ... وأعطت كل ~~واحد منهم حقه في الحديث عنه. # (ا) فيوسف عليه السلام وهو الشخصية الرئيسية في القصة حدثتنا عنه حديثا ~~مستفيضا نستطيع من خلاله ، أن نرى له عليه السلام مناقب ومزايا متنوعة من ~~أهمها ما يأتى : # 1 امتلاكه لنفسه ولشهوته مهما كانت المغريات ، بسبب خوفه لمقام ربه ، ~~ونهيه لنفسه عن الهوى ... # ولا أدل على ذلك من قوله تعالى : ( @QUR@023 وراودته التي هو في بيتها عن ~~نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك ، قال معاذ الله ، إنه ربي أحسن مثواي ، ~~إنه لا يفلح الظالمون .. ). # قال الشيخ القاسمى : قال الإمام ابن القيم ما ملخصه : «لقد كانت دواعي ~~متعددة تدعو يوسف إلى الاستجابة لطلب امرأة العزيز منها : ما ركبه الله في ~~طبع الرجل من ميله إلى المرأة ... # ومنها : أنه كان شابا غير متزوج .. ومنها : أنها كانت ذات منصب وجمال .. ~~وأنها كانت غير آبية ولا ممتنعة ... بل هي التي طلبت وأرادت وبذلت الجهد .. # ومنها : أنه كان في دارها وتحت سلطانها .. فلا يخشى أن تنم عليه .. # ومنها : أنها استعانت عليه بأئمة المكر والاحتيال فأرته إياهن ، وشكت ~~حالها ms3003 إليهن ... # ومنها : أنها توعدته بالسجن والصغار إن لم يفعل ما تأمره به .. # ومنها : أن الزوج لم يظهر من الغيرة والقوة ما يجعله يفرق بينه وبينها ... PageV07P308 # ومع كل هذه الدواعي ، فقد آثر يوسف مرضاة الله ومراقبته ، وحمله خوفه من ~~خالقه على أن يختار السجن على ارتكاب ما يغضبه ...» (1). # 2 صبره الجميل على المحن والبلايا ، ولجوؤه إلى ربه ليستجير به من كيد ~~امرأة العزيز وصواحبها : ( @QUR@017 قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ~~وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين .. ). # 3 نشره للدين الحق ، ودعوته لعبادة الله وحده ، حتى وهو بين جدران السجن ~~، فهو القائل لمن معه في السجن : ( @QUR@025 يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون ~~خير ، أم الله الواحد القهار* ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم ~~وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ... ). # 4 حسن تدبيره للأمور ، وتوصله إلى ما يريده بأحكم الأساليب ، وحرصه ~~الشديد على إنقاذ الأمة مما يضرها ويعرضها للهلاك ، ( @QUR@014 قال تزرعون ~~سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون .. ). # 5 عزة نفسه ، وسمو خلقه ، فقد أبى أن يذهب لمقابلة الملك إلا بعد إعلان ~~براءته ( @QUR@022 وقال الملك ائتوني به ، فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ~~ربك فسئله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم .. ). # 6 تحدثه بنعمة الله ، ومعرفته لنفسه قدرها ، وطلبه المنصب الذي يناسبه ، ~~ويثق بقدرته على القيام بحقوقه ( @QUR@08 قال اجعلني على خزائن الأرض إني ~~حفيظ عليم ). # 7 ذكاؤه وفطنته ، فقد تعرف على إخوته مع طول فراقه لهم : ( @QUR@09 وجاء ~~إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون ... ). # 8 عفوه وصفحه عمن أساء إليه ( @QUR@011 قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر ~~الله لكم وهو أرحم الراحمين .. ). # 9 وفاؤه لأسرته ولعشيرته ( @QUR@012 اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه ~~أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين ). # 10 شكر الله تعالى على نعمه ومننه ( @QUR@021 رب قد آتيتني من الملك ~~وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا ~~والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين ). PageV07P309 # هذا ms3004 جانب من حديث السورة الكريمة عن يوسف عليه السلام ، وهو حديث يدل على ~~أنه كان في الذروة العليا من مكارم الأخلاق ، ومحاسن الشيم .. # (د) وتحدثت السورة الكريمة عن يعقوب عليه السلام فذكرت من بين ما ذكرت عنه ~~، صفات الصبر الجميل ، والأمل في رحمة الله مهما اشتدت الخطوب ، والحرص على ~~سلامة أبنائه من كل ما يؤذيهم حتى ولو أساءوا إليه ، والنظر إلى الأمور ~~بعين تختلف عن عيون أبنائه ، والحكم عليها بحكم يختلف عن أحكامهم ... # يدل على ذلك قوله تعالى ( @QUR@013 وجاؤ على قميصه بدم كذب قال بل سولت ~~لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل ). # وقوله تعالى : ( @QUR@014 قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى ~~الله أن يأتيني بهم جميعا ... ). # وقوله تعالى : ( @QUR@012 وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من ~~أبواب متفرقة ... ). # وقوله تعالى : ( @QUR@039 ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف ~~لو لا أن تفندون. قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم. فلما أن جاء البشير ~~ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون ). # (ه) وتحدثت عن إخوة يوسف حديثا مستفيضا ، تبدو فيه غيرتهم من يوسف ، ~~وحسدهم له ، وتآمرهم على حياته ، وحقدهم عليه حتى وهو بعيد عنهم ... ثم ~~ندمهم في النهاية على ما فرط منهم في حقه بعد أن مكن الله له في الأرض ... # نرى ذلك في مثل قوله تعالى : ( @QUR@09 اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل ~~لكم وجه أبيكم .. ). # وفي قوله : ( @QUR@012 قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو ~~تكون من الهالكين ). # وفي قوله سبحانه : ( @QUR@09 قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ... ). # وفي قوله تعالى : ( @QUR@09 قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا ~~لخاطئين ). # (و) وتحدثت عن امرأة العزيز حديثا يكشف عن حال المرأة عند ما تحب .. وكيف ~~أنها في سبيل الحصول على رغبتها تحطم كل الموانع النفسية والاجتماعية ... ~~وتستخدم كل الوسائل التي تظن أنها ستوصلها إلى مرادها. حتى ولو كانت هذه ~~الوسائل تخالف ما عرف عن المرأة من ms3005 أنها حريصة على أن تكون مطلوبة من الرجل ~~لا طالبة له .. PageV07P310 # (ز) وتحدثت عن العزيز حديثا قصيرا يناسب حجمه وسلوكه وتبلد شعوره ، فهو ~~مع إيقانه بخطإ امرأته لم يزد على أن قال ليوسف ولها ( @QUR@010 يوسف أعرض ~~عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين ). # (ح) وتحدثت عن ملك مصر في ذلك الوقت ... وعن البيئة التي وصل الحال بها ~~أن تزج بيوسف البريء في السجن ، إرضاء لشهوات النفوس الجامحة ... # قال تعالى : ( @QUR@011 ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى ~~حين ). # وهكذا نجد السورة الكريمة تحدثنا عن نماذج من البشر ، فتصف كل نموذج بما ~~يناسبه من صفات ، بصدق وأمانة ، وتحكم عليه بالحكم الذي يناسبه. # قال صاحب الظلال ما ملخصه : والسورة كلها لحمة واحدة عليها الطابع المكي ~~واضحا في موضوعها وفي جوها وفي ظلالها وإيحاءاتها ، بل إن عليها طابع هذه ~~الفترة الحرجة الموحشة بصفة خاصة ... # ففي الوقت الذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعانى من الوحشة والغربة ~~والانقطاع في جاهلية قريش منذ عام الحزن كان الله تعالى يقص عليه قصة أخ له ~~كريم هو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، وهو يعانى صنوفا من المحن ~~والابتلاءات .. # محنة كيد الإخوة ، ومحنة الجب ، ومحنة الرق ، ومحنة كيد امرأة العزيز ، ~~ومحنة السجن ، ثم محنة الرخاء والجاه والسلطان .. # فلا عجب أن تكون هذه السورة بما احتوته من قصة ذلك النبي الكريم ، ومن ~~التعقيبات عليها بعد ذلك ... تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ولأصحابه عما ~~أصابهم من أعدائهم ، وتسرية لقلوبهم وتطمينا لنفوسهم. # ولكأن الله تعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم : كما أخرج يوسف من حضن ~~أبيه ليواجه هذه الابتلاءات كلها ، ثم لينتهى بعد ذلك إلى النصر والتمكين .. # كذلك أنت يا محمد ستخرج من بلدك مكة مهاجرا ... ثم تعود إليها في الوقت ~~الذي يشاؤه الله ظافرا منتصرا (1). PageV07P311 # وبعد : فهذا تعريف لسورة يوسف ، رأينا أن نسوقه قبل البدء في تفسيرها ، ~~لعله يعين على فهم ما اشتملت عليه من حكم وأحكام. ومن عبر وعظات .. # وصلى الله ms3006 على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ||د. محمد سيد طنطاوى| PageV07P312 ### ||| * «التفسير» ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@05 الر تلك آيات الكتاب المبين (1) @QUR@06 إنا أنزلناه قرآنا ~~عربيا لعلكم تعقلون (2) @QUR@016 نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك ~~هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين (3) @QUR@016 إذ قال يوسف لأبيه ~~يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين (4) ~~@QUR@016 قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان ~~للإنسان عدو مبين (5) @QUR@025 وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ~~ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق ~~إن ربك عليم حكيم ) (6) # افتتحت سورة يوسف عليه السلام ببعض الحروف المقطعة. وقد سبق أن تكلمنا عن ~~آراء العلماء في هذه الحروف في سورة البقرة ، وآل عمران ، والأعراف ، ويونس ~~، وهود. # وقلنا ما ملخصه : لعل أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف المقطعة ، ~~قد وردت في افتتاح بعض السور على سبيل الإيقاظ والتنبيه إلى إعجاز القرآن ~~الكريم. # فكأن الله تعالى يقول لأولئك المعارضين في أن القرآن من عند الله تعالى : هاكم PageV07P313 # القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم ، ومنظوما من ~~حروف هي من جنس الحروف الهجائية التي تنظمون منها حروفكم .. فإن كنتم في شك ~~من كونه منزلا من عند الله فهاتوا مثله ، وادعوا من شئتم من الخلق لكي ~~يعاونكم في ذلك. # ومما يشهد لصحة هذا الرأى : أن الآيات التي تلى هذه الحروف المقطعة تراها ~~تتحدث صراحة أو ضمنا عن القرآن الكريم وعن كونه من عند الله تعالى وعن كونه ~~معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم ففي مطلع سورة البقرة : ( @QUR@08 الم ، ذلك ~~الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ... ). # وفي مطلع سورة آل عمران : ( @QUR@019 الم ، الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم ، نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه ، وأنزل التوراة ~~والإنجيل .. ). # وفي أول سورة الأعراف : ( @QUR@010 المص. كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك ~~حرج منه .. ). # وفي أول ms3007 سورة يونس : ( @QUR@025 الر. تلك آيات الكتاب الحكيم. أكان للناس ~~عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم ~~صدق عند ربهم ... ). # وفي أول سورة هود : ( @QUR@010 الر. كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن ~~حكيم خبير ... ). # وهكذا نجد أن معظم الآيات التي تلى الحروف المقطعة ، منها ما يتحدث عن أن ~~هذا الكتاب من عند الله سبحانه ومنها ما يتحدث عن وحدانية الله تعالى ، ~~ومنها ما يتحدث عن صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته .. # وهذا كله لتنبيه الغافلين إلى أن هذا القرآن من عند الله ، وأنه المعجزة ~~الخالدة للرسول صلى الله عليه وسلم . # ثم قال تعالى : ( @QUR@04 تلك آيات الكتاب المبين ). # و «تلك» اسم إشارة ، المشار إليه الآيات ، والمراد بها آيات القرآن الكريم ~~ويندرج فيها آيات السورة التي معنا. # والكتاب : مصدر كتب كالكتب. وأصل الكتب ضم أديم الى آخر بالخياطة. ~~واستعمل عرفا في ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط ، والمراد به القرآن ~~الكريم. # والمبين : أى الواضح الظاهر من أبان بمعنى بان أى ظهر. PageV07P314 # والمعنى : تلك الآيات التي نتلوها عليك أيها الرسول الكريم في هذه السورة ~~وفي غيرها ، هي آيات الكتاب الظاهر أمره ، الواضح إعجازه ، بحيث لا تشتبه ~~على العقلاء حقائقه ، ولا تلتبس عليهم هداياته. # وصحت الإشارة إلى آيات الكتاب الكريم ، مع أنها لم تكن قد نزلت جميعها ، ~~لأن الإشارة إلى بعضها كالإشارة إلى جميعها ، حيث كانت بصدد الإنزال ، ولأن ~~الله تعالى قد وعد رسوله صلى الله عليه وسلم بنزول القرآن عليه ، كما في قوله ~~( @QUR@05 إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ) ووعد الله تعالى لا يتخلف. # ثم بين سبحانه الحكمة من إنزاله بلسان عربي مبين فقال : ( @QUR@06 إنا ~~أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ). # أى : إنا أنزلنا هذا الكتاب الكريم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بلسان ~~عربي مبين ، لعلكم أيها المكلفون بالإيمان به ، تعقلون معانيه ، وتفهمون ~~ألفاظه ، وتنتفعون بهداياته ، وتدركون أنه ليس من كلام البشر ، وإنما هو ~~كلام خالق القوى والقدر وهو الله عز وجل . # فالضمير في ms3008 «أنزلناه» يعود إلى الكتاب ، وقرآنا حال من هذا الضمير أو ~~بدلا منه. # والتأكيد بحرف إن متوجه إلى خبرها وهو أنزلناه ، للرد على أولئك المشركين ~~الذين أنكروا أن يكون هذا القرآن من عند الله. # وجملة ( @QUR@02 لعلكم تعقلون ) بيان لحكمة إنزاله بلغة العرب وحذف مفعول ~~«تعقلون» للإشارة إلى أن نزوله بهذه الطريقة ، يترتب عليه حصول تعقل أشياء ~~كثيرة لا يحصيها العد. # قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : قوله : ( @QUR@06 إنا أنزلناه قرآنا ~~عربيا لعلكم تعقلون ) وذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات ، وأبينها وأوسعها ، ~~وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس ، فلهذا أنزل أشرف الكتب ، بأشرف ~~اللغات ، على أشرف الرسل ، بسفارة أشرف الملائكة ، وكان ذلك في أشرف بقاع ~~الأرض ، وفي أشرف شهور السنة ، فكمل له الشرف من كل الوجوه» (1). # وقال الجمل : «واختلف العلماء هل يمكن أن يقال : في القرآن شيء غير عربي. # قال أبو عبيدة : من قال بأن في القرآن شيء غير عربي فقد أعظم على الله ~~القول. واحتج بهذه الآية. PageV07P315 # وروى عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة بأن فيه من غير العربي مثل : سجيل ، ~~والمشكاة ، واليم ، وإستبرق ونحو ذلك. # وهذا هو الصحيح المختار ، لأن هؤلاء أعلم من أبى عبيدة بلسان العرب ، ~~وكلا القولين صواب إن شاء الله . # ووجه الجمع بينهما أن هذه الألفاظ لما تكلمت بها العرب ، ودارت على ~~ألسنتهم صارت عربية فصيحة ، وإن كانت غير عربية في الأصل ، لكنهم لما ~~تكلموا بها نسبت إليهم ، وصارت لهم لغة ، فظهر بهذا البيان صحة القولين ، ~~وأمكن الجمع بينهما» (1). # ثم بين سبحانه أن هذا القرآن مشتمل على أحسن القصص وأحكمها وأصدقها فقال ~~تعالى : ( @QUR@016 نحن نقص عليك أحسن القصص ، بما أوحينا إليك هذا القرآن ~~، وإن كنت من قبله لمن الغافلين ). # قال الفخر الرازي ما ملخصه : «القصص : اتباع الخبر بعضه بعضا ، وأصله في ~~اللغة المتابعة قال تعالى ( @QUR@03 وقالت لأخته قصيه .. ) أى اتبعى أثره. ~~وقال تعالى : ( @QUR@04 فارتدا على آثارهما قصصا ) أى : اتباعا. وإنما سميت ~~الحكاية قصصا ، لأن الذي يقص الحديث يذكر تلك القصة شيئا فشيئا ، كما يقال ~~: «تلا فلان القرآن ، أى ms3009 قرأه آية فآية» (2). # والمعنى : نحن نقص عليك أيها الرسول الكريم «أحسن القصص» أى : أحسن أنواع ~~البيان ، وأوفاه بالغرض الذي سيق من أجله. # وإنما كان قصص القرآن أحسن القصص ، لاشتماله على أصدق الأخبار ، وأبلغ ~~الأساليب ، وأجمعها للحكم والعبر والعظات. # والباء في قوله ( @QUR@05 بما أوحينا إليك هذا القرآن ) للسببية متعلقة ~~بنقص ، وما مصدرية. # أى : نقص عليك أحسن القصص ، بسبب إيحائنا إليك هذا القرآن الذي لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، والذي هو في الذروة العليا في بلاغته ~~وتأثيره في النفوس. # وجملة ( @QUR@06 وإن كنت من قبله لمن الغافلين ) في موضع الحال من كاف ~~الخطاب في ( @QUR@01 إليك ) و «وإن» مخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير الشأن محذوف. PageV07P316 # والضمير في قوله ( @QUR@02 من قبله ) يعود إلى الإيحاء المفهوم من قوله ( ~~@QUR@01 أوحينا ). # والمعنى : نحن نقص عليك أحسن القصص بسبب ما أوحيناه إليك من هذا القرآن. ~~والحال أنك كنت قبل إيحائنا إليك بهذا القرآن ، من الغافلين عن تفاصيل هذا ~~القصص ، وعن دقائق أخباره وأحداثه ، شأنك في ذلك شأن قومك الأميين. # قال تعالى : ( @QUR@019 تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها ~~أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين ). # ثم حكى سبحانه قصة يوسف عليه السلام كمثال لأحسن القصص فقال تعالى ( ~~@QUR@016 إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا ، والشمس والقمر ~~رأيتهم لي ساجدين ). # و ( @QUR@01 إذ ) ظرف متعلق بمحذوف تقديره اذكر. # ويوسف : اسم أعجمى ، مشتق كما يقول الآلوسى من الأسف ، وسمى به لأسف أبيه ~~عليه. وأبوه : هو يعقب بن إسحاق بن إبراهيم. وفي الحديث الصحيح عن ابن عمر ~~رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الكريم ابن الكريم ابن ~~الكريم ابن الكريم ، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. # وقوله : ( @QUR@02 يا أبت ) أصله يا أبى ، فحذفت الياء وعوض عنها تاء ~~التأنيث ، ونقلت إليها كسرة الباء ، ثم فتحت الباء لمناسبة تاء التأنيث. # والمعنى : اذكر أيها الرسول الكريم أو أيها المخاطب وقت أن قال يوسف ~~لأبيه ، يا أبت إنى ms3010 رأيت في منامي ( @QUR@03 أحد عشر كوكبا ) تسجد لي ، ~~ورأيت كذلك ( @QUR@02 الشمس والقمر ) لي ( @QUR@01 ساجدين ). # ولم يدرج الشمس والقمر في الكواكب مع أنهما منها ، لإظهار مزيتهما ورفعا ~~لشأنهما ، وجملة ( @QUR@03 رأيتهم لي ساجدين ) مستأنفة لبيان الحالة التي ~~رآهم عليها. # وأجريت هذه الكواكب مجرى العقلاء في الضمير المختص بها ، لوصفها بوصفهم ~~حيث إن السجود من صفات العقلاء ، والعرب تجمع مالا يعقل جمع من يعقل إذا ~~أنزلوه منزلته. # قال ابن كثير : «وقد تكلم المفسرون على تعبير هذا المنام : أن الأحد عشر ~~كوكبا عبارة عن إخوته ، وكانوا أحد عشر رجلا ، والشمس والقمر عبارة عن أبيه وأمه. # روى هذا عن ابن عباس ، والضحاك ، وقتادة وسفيان الثوري ، وعبد الرحمن بن ~~زيد ، وقد وقع تفسيرها بعد أربعين سنة ، وقيل بعد ثمانين سنة ، وذلك حين ~~رفع أبويه على العرش ، PageV07P317 # وهو سريره. وإخوته بين يديه ... وخروا له سجدا وقال : يا أبت هذا تأويل ~~رؤياي من قبل ، قد جعلها ربي حقا ...» (1). # ثم حكى سبحانه بعد ذلك ما قاله يعقوب لابنه يوسف بعد أن قص عليه رؤياه ~~فقال : ( @QUR@016 قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا ، ~~إن الشيطان للإنسان عدو مبين ). # وقوله ( @QUR@02 يا بني ) تصغير ابن. والتصغير هنا سببه صغر سنه مع ~~الشفقة عليه ، والتلطيف معه. # وقوله ( @QUR@01 رؤياك ) من الرؤيا التي هي مصدر رأى العلمية الدالة على ~~ما وقع للإنسان في نومه ، أما رأى البصرية فيقال في مصدرها الرؤية. # وقوله «فيكيدوا لك ..» من الكيد وهو الاحتيال الخفى بقصد الإضرار والفعل ~~كاد يتعدى بنفسه ، فيقال : كاده يكيده كيدا ، إذا احتال لإهلاكه. ولتضمنه ~~معنى احتال عدى باللام. # والمعنى : قال يعقوب لابنه يوسف عليهما السلام بشفقة ورحمة ، بعد أن سمع ~~منه ما رآه في منامه : «يا بنى» لا تخبر إخوتك بما رأيته في منامك فإنك إن ~~أخبرتهم بذلك احتالوا لإهلاكك احتيالا خفيا ، لا قدرة لك على مقاومته أو ~~دفعه .. # وإنما قال له ذلك ، لأن هذه الرؤيا تدل على أن الله تعالى سيعطى يوسف من ~~فضله عطاء عظيما. ويهبه منصبا جليلا ، ومن شأن ms3011 صاحب النعمة أن يكون محسودا ~~من كثير من الناس ، فخاف يعقوب من حسد إخوة يوسف له ، إذا ما قص عليهم ~~رؤياه ، ومن عدوانهم عليه. # والتنوين في قوله «كيدا» للتعظيم والتهويل ، زيادة في تحذيره من قص ~~الرؤيا عليهم. # وجملة «إن الشيطان للإنسان عدو مبين» واقعة موقع التعليل للنهى عن قص ~~الرؤيا على إخوته ، وفيها إشارة إلى أن الشيطان هو الذي يغريهم بالكيد له ~~إذا ما قص عليهم ما رآه ، وهو بذلك لا يثير في نفسه الكراهة لإخوته. # أى : لا تخبر إخوتك بما رأيته في منامك ، فيحتالوا للإضرار بك حسدا منهم ~~لك ، وهذا الحسد يغرسه الشيطان في نفوس الناس ، لتتولد بينهم العداوة ~~والبغضاء ، فيفرح هو بذلك ، إذ كل قبيح يقوله أو يفعله الناس يفرح له ~~الشيطان. # هذا ، وقد أخذ العلماء من هذه الآية أحكاما منها : PageV07P318 # أنه يجوز للإنسان في بعض الأوقات أن يخفى بعض النعم التي أنعم الله بها ~~عليه ، خشية حسد الحاسدين ، أو عدوان المعتدين. # وأن الرؤيا الصادقة حالة يكرم الله بها بعض عباده الذين زكت نفوسهم فيكشف ~~لهم عما يريد أن يطلعهم عليه قبل وقوعه. ومن الأحاديث التي وردت في فضل ~~الرؤيا الصالحة ما رواه البخاري عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت : «أول ~~ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحى الرؤيا الصادقة ، فكان لا ~~يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ..». # وفي حديث آخر : «الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح ، جزء من ستة وأربعين ~~جزءا من النبوة». # وفي حديث ثالث : «لم يبق من النبوة إلا المبشرات ، وهي الرؤيا الصالحة ~~للرجل الصالح ، يراها أو ترى له» (1). # كذلك أخذ جمهور العلماء من هذه الآية أن إخوة يوسف لم يكونوا أنبياء. # قال الآلوسى عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : «والظاهر أن القوم أى إخوة ~~يوسف كانوا بحيث يمكن أن يكون للشيطان عليهم سبيل ، ويؤيد هذا أنهم لم ~~يكونوا أنبياء (2). # وهذا ما عليه الأكثرون سلفا وخلفا. أما السلف فإنه لم ينقل عن أحد من ~~الصحابة أو التابعين أنه قال بنبوتهم. ms3012 # وأما الخلف فكثير منهم نفى عنهم أن يكونوا أنبياء ، وعلى رأى من قال بذلك ~~الإمام ابن تيمية ، في مؤلف له خاص بهذه المسألة ، وقد قال فيه : # الذي يدل عليه القرآن واللغة والاعتبار ، أن إخوة يوسف ليسوا بأنبياء ، ~~وليس في القرآن ولا في السنة ما يشير إلى أنهم كانوا أنبياء ...». # ثم حكى سبحانه ما توقعه يعقوب لابنه يوسف من خير وبركة فقال : # ( @QUR@025 وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ، ويتم نعمته عليك ~~وعلى آل يعقوب ، كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق ، إن ربك عليم ~~حكيم ). # والكاف في قوله ( @QUR@01 وكذلك ) حرف تشبيه بمعنى مثل ، وهي داخلة على ~~كلام محذوف. PageV07P319 # وقوله ( @QUR@01 يجتبيك ) من الاجتباء بمعنى الاصطفاء والاختيار ، مأخوذ ~~من جبيت الشيء إذا اخترته لما فيه من النفع والخير. # و ( @QUR@02 تأويل الأحاديث ) معناه تفسيرها تفسيرا صحيحا ، إذ التأويل ~~مأخوذ من الأول بمعنى الرجوع ، وهو رد الشيء إلى الغاية المرادة منه. # والأحاديث جمع تكسير مفردة حديث ، وسميت الرؤى أحاديث باعتبار حكايتها ~~والتحدث بها. # والمعنى : وكما اجتباك ربك واختارك لهذه الرؤيا الحسنة ، فإنه سبحانه ~~يجتبيك ويختارك لأمور عظام في مستقبل الأيام ، حيث يهبك من صدق الحس ، ~~ونفاذ البصيرة ، ما يجعلك تدرك الأحاديث إدراكا سليما ، وتعبر الرؤى تعبيرا ~~صحيحا صادقا. # «ويتم نعمته عليك» بالنبوة والرسالة والملك والرياسة «وعلى آل يعقوب» وهم ~~إخوته وذريتهم ، بأن يسبغ عليهم الكثير من نعمه. # ( @QUR@06 كما أتمها على أبويك من قبل ) أى : من قبل هذه الرؤيا أو من ~~قبل هذا الوقت. # وقوله «إبراهيم وإسحاق» بيان لأبويه. # أى : يتم نعمته عليك إتماما كائنا كإتمام نعمته على أبويك من قبل ، وهما ~~إبراهيم وإسحاق بأن وهبهما سبحانه النبوة والرسالة. # وعبر عنهما بأنهما أبوان ليوسف ، مع أن إبراهيم جد أبيه ، وإسحاق جده ، ~~للإشعار بكمال ارتباطه بالأنبياء عليهم السلام ، وللمبالغة في إدخال السرور ~~على قلبه ، ولأن هذا الاستعمال مألوف في لغة العرب ، فقد كان أهل مكة ~~يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم يا ابن عبد المطلب ، وأثر عنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : أنا النبي ms3013 لا كذب أنا ابن عبد المطلب. وجملة «إن ~~ربك عليم حكيم» مستأنفة لتأكيد ما سبقها من كلام. # أى : إن ربك عليم بمن يصطفيه لحمل رسالته ، وبمن هو أهل لنعمه وكرامته ، ~~حكيم في صنعه وتصرفاته. # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد نوهت بشأن القرآن الكريم ، وساقت بأسلوب ~~حكيم ما قاله يعقوب لابنه يوسف عليهما السلام بعد أن قص ما رآه في المنام. # * * * # ثم حكى سبحانه بعد ذلك حالة إخوة يوسف وهم يتآمرون عليه ، وحالتهم وهم ~~يجادلون أباهم في شأنه. وحالتهم وهم ينفذون مؤامراتهم المنكرة وحالتهم بعد ~~أن نفذوها وعادوا PageV07P320 # إلى أبيهم ليلا يتباكون فقال تعالى : # ( @QUR@07 لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين (7) @QUR@015 إذ قالوا ~~ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين (8) ~~@QUR@014 اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده ~~قوما صالحين (9) @QUR@016 قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت ~~الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين (10) @QUR@012 قالوا يا أبانا ما ~~لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون (11) @QUR@08 أرسله معنا غدا يرتع ~~ويلعب وإنا له لحافظون (12) @QUR@013 قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف ~~أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون (13) @QUR@09 قالوا لئن أكله الذئب ونحن ~~عصبة إنا إذا لخاسرون (14) @QUR@017 فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في ~~غيابت الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ) (15) # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين ) شروع ~~في حكاية قصة يوسف مع إخوته ، بعد أن بين سبحانه صفة القرآن الكريم ، وبعد ~~أن أخبر عما رآه يوسف في منامه ، وما قاله أبوه له. # وإخوة يوسف هم : رأوبين ، وشمعون ، ولاوى ، ويهوذا ، ويساكر ، وزبولون ، ~~ودان ، ونفتالى ، وجاد ، وأشير ، وبنيامين. PageV07P321 # والآيات : جمع آية والمراد بها هنا العبر والعظات والدلائل الدالة على ~~قدرة الله تعالى ووجوب إخلاص العبادة له. # والمعنى : لقد كان في قصة يوسف مع إخوته عبر وعظات عظيمة ، ودلائل تدل ~~على قدرة الله القاهرة ، وحكمته الباهرة ، وعلى ما للصبر وحسن الطوية من ~~عواقب الخير والنصر ، وعلى ms3014 ما للحسد والبغي من شرور وخذلان. # وقوله : «للسائلين» أى : لمن يتوقع منهم السؤال ، بقصد الانتفاع بما ساقه ~~القرآن الكريم من مواعظ وأحكام. # أى : لقد كان فيما حدث بين يوسف وإخوته ، آيات عظيمة ، لكل من سأل عن ~~قصتهم ، وفتح قلبه للانتفاع بما فيها من حكم وأحكام ، تشهد بصدق النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه. # وهذا الافتتاح لتلك القصة ، كفيل بتحريك الانتباه لما يلقى بعد ذلك منها ~~، ومن تفصيل لأحداثها ، وبيان لما جرى فيها. # وقوله سبحانه : ( @QUR@010 إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن ~~عصبة .. ). # بيان لما قاله إخوة يوسف فيما بينهم ، قبل أن ينفذوا جريمتهم. # و «إذ» ظرف متعلق بالفعل «كان» في قوله سبحانه قبل ذلك : ( @QUR@05 لقد ~~كان في يوسف وإخوته .. ). # واللام في قوله ( @QUR@01 ليوسف ) لتأكيد أن زيادة محبة أبيهم ليوسف ~~وأخيه ، أمر ثابت ، لا يقبل التردد أو التشكك. # والمراد بأخيه : أخوه من أبيه وأمه وهو «بنيامين» وكان أصغر من يوسف ~~عليه السلام أما بقيتهم فكانوا إخوة له من أبيه فقط. # ولم يذكروه باسمه ، للإشعار بأن محبة يعقوب له ، من أسبابها كونه شقيقا ~~ليوسف ، ولذا كان حسدهم ليوسف أشد. # وجملة «ونحن عصبة» حالية. والعصبة كلمة تطلق على ما بين العشرة إلى ~~الأربعين من الرجال ، وهي مأخوذة من العصب بمعنى الشد ، لأن كلا من أفرادها ~~يشد الآخر ويقويه ويعضده ، أو لأن الأمور تعصب بهم. أى تشتد وتقوى. # أى : قال إخوة يوسف وهم يتشاورون في المكر به : ليوسف وأخوه «بنيامين» ~~أحب إلى قلب PageV07P322 # أبينا منا ، مع أننا نحن جماعة من الرجال الأقوياء الذين عندهم القدرة ~~على خدمته ومنفعته والدفاع عنه دون يوسف وأخيه. # وقولهم كما حكى القرآن عنهم : ( @QUR@05 إن أبانا لفي ضلال مبين ) تذييل ~~قصدوا به درء الخطأ عن أنفسهم فيما يفعلونه بيوسف وإلقائه على أبيه الذي ~~فرق بينهم في زعمهم في المعاملة. # والمراد بالضلال هنا : عدم وضع الأمور المتعلقة بالأبناء في موضعها ~~الصحيح ، وليس المراد به الضلال في العقيدة والدين. # أى : إن أبانا لفي خطأ ظاهر ، حيث فضل ms3015 في المحبة صبيين صغيرين على مجموعة ~~من الرجال الأشداء النافعين له القادرين على خدمته. # قال القرطبي : لم يريدوا بقولهم ( @QUR@05 إن أبانا لفي ضلال مبين ) ~~الضلال في الدين إذ لو أرادوه لكانوا كفارا ، بل أرادوا : إن أبانا لفي ~~ذهاب عن وجه التدبير في إيثاره اثنين على عشرة ، مع استوائهم في الانتساب ~~إليه» (1). # وهذا الحكم منهم على أبيهم ليس في محله ، لأن يعقوب عليه السلام كان عنده ~~من أسباب التفضيل ليوسف عليهم ما ليس عندهم. # قال الآلوسى ما ملخصه : يروى أن يعقوب عليه السلام كان يوسف أحب إليه لما ~~يرى فيه من المناقب الحميدة ، فلما رأى الرؤيا تضاعفت له المحبة. # وقال بعضهم : إن زيادة حبه ليوسف وأخيه ، صغرهما ، وموت أمهما ، وقد قيل ~~لإحدى الأمهات : أى بنيك أحب إليك؟ قالت : الصغير حتى يكبر ، والغائب حتى ~~يقدم ، والمريض حتى يشفى. # ولا لوم على الوالد في تفضيله بعض ولده على بعض في المحبة لمثل ذلك وقد ~~صرح غير واحد أن المحبة ليست مما يدخل تحت وسع البشر ...» (2). # ثم أخبر سبحانه عما اقترحوه للقضاء على يوسف فقال تعالى : ( @QUR@014 ~~اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم ، وتكونوا من بعده قوما ~~صالحين ). # ولفظ «اطرحوه» مأخوذ من الطرح ، ومعناه رمى الشيء وإلقاؤه بعيدا ، ولفظ ~~«أرضا» منصوب على نزع الخافض ، والتنوين فيه للإبهام. أى : أرضا مجهولة. PageV07P323 # والمعنى : لقد بالغ أبونا في تفضيل يوسف وأخيه علينا ، مع أننا أولى بذلك ~~منهما ؛ وما دام هو مصرا على ذلك ، فالحل أن تقتلوا يوسف ، أو أن تلقوا به ~~في أرض بعيدة مجهولة حتى يموت فيها غريبا. # قال الآلوسى : «وحاصل المعنى : اقتلوه أو غربوه ، فإن التغريب كالقتل في ~~حصول المقصود ، ولعمري لقد ذكروا أمرين مرين ، فإن الغربة كربة أية كربة ، ~~ولله تعالى در القائل : # حسنوا القول وقالوا غربة %~% إنما الغربة للأحرار ذبح # وجملة «يخل لكم وجه أبيكم» جواب الأمر. # والخلو : معناه الفراغ. يقال خلا المكان يخلو خلوا وخلاء ، إذا لم يكن به أحد. # والمعنى : اقتلوا يوسف أو اقذفوا به في أرض بعيدة مجهولة ms3016 حتى يموت ، ~~فإنكم إن فعلتم ذلك ، خلصت لكم محبة أبيكم دون أن يشارككم فيها أحد ، فيقبل ~~عليكم بكليته ، ويكون كل توجهه إليكم وحدكم ، بعد أن كان كل توجهه إلى يوسف. # قال صاحب الكشاف : «يخل لكم وجه أبيكم» أى : يقبل عليكم إقبالة واحدة ، ~~لا يلتفت عنكم إلى غيركم والمراد سلامة محبته لهم ممن يشاركهم فيها ، ~~وينازعهم إياها ، فكان ذكر الوجه لتصوير معنى إقباله عليهم ، لأن الرجل إذا ~~أقبل على الشيء أقبل عليه بوجهه ...» (1). # وقوله : ( @QUR@05 وتكونوا من بعده قوما صالحين ) معطوف على جواب الأمر. # أى : وتكونوا من بعد الفراغ من أمر يوسف بسبب قتله أو طرحه في أرض بعيدة ~~، قوما صالحين في دينكم ، بأن تتوبوا إلى الله بعد ذلك فيقبل الله توبتكم ، ~~وصالحين في دنياكم بعد أن خلت من المنغصات التي كان يثيرها وجود يوسف بينكم. # وهكذا النفوس عند ما تسيطر عليها الأحقاد ، وتقوى فيها رذيلة الحسد ، ~~تفقد تقديرها الصحيح للأمور ، وتحاول التخلص ممن يزاحمها بالقضاء عليه ، ~~وتصور الصغائر في صورة الكبائر ، والكبائر في صورة الصغائر. # فإخوة يوسف هنا ، يرون أن محبة أبيهم لأخيهم جرم عظيم ، يستحق إزهاق روح ~~الأخ. وفي الوقت نفسه يرون أن هذا الإزهاق للروح البريئة شيء هين ، في ~~الإمكان أن يعودوا بعده قوما صالحين أمام خالقهم ، وأمام أبيهم ، وأمام ~~أنفسهم. PageV07P324 # وقوله سبحانه ( @QUR@016 قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف ، وألقوه في غيابت ~~الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين ) بيان للرأى الذي اقترحه أحدهم ، ~~واستقر عليه أمرهم. # قال القرطبي ما ملخصه : قوله ( @QUR@04 وألقوه في غيابت الجب ) قرأ أهل ~~مكة وأهل البصرة وأهل الكوفة «في غيابة الجب» بالإفراد وقرأ أهل المدينة ~~«في غيابات الجب» بالجمع . # وكل شيء غيب عنك شيئا فهو غيابة ، ومنه قيل للقبر غيابة قال الشاعر : # فإن أنا يوما غيبتني غيابتى %~% فسيروا بسيرى في العشيرة والأهل # والجب : الركية أى الحفرة التي لم تطو أى لم تبن بالحجارة فإذا طويت فهي ~~بئر. وسميت جبا لأنها قطعت في الأرض قطعا. وجمع الجب جببة وجباب وأجباب. # وجمع بين الغيابة والجب ، لأنه ms3017 أراد ألقوه في موضع مظلم من الجب حتى لا ~~يلحقه نظر الناظرين ...» (1). # والسيارة : جمع سيار ، والمراد بهم جماعة المسافرين الذين يبالغون في ~~السير ليصلوا إلى مقصودهم. # والمعنى : قال قائل من إخوة يوسف أفزعه ما هم مقدمون عليه بشأن أخيهم ~~الصغير : لا تقتلوا يوسف ، لأن قتله جرم عظيم ، وبدلا من ذلك ، ألقوه في ~~قعر الجب حيث يغيب خبره ، إلى أن يلتقطه من الجب بعض المسافرين ، فيذهب به ~~إلى ناحية بعيدة عنكم ، وبذلك تستريحون منه ويخل لكم وجه أبيكم. # ولم يذكر القرآن اسم هذا القائل أو وصفه ، لأنه لا يتعلق بذكر ذلك غرض ، ~~وقد رجح بعض المفسرين أن المراد بهذا القائل «يهوذا». # والفائدة في وصفه بأنه منهم ، الإخبار بأنهم لم يجمعوا على قتله أو طرحه ~~في أرض بعيدة حتى يدركه الموت. # وأتى باسم يوسف دون ضميره. لاستدرار عطفهم عليه ، وشفقتهم به ، واستعظام ~~أمر قتله. # وجواب الشرط في قوله «إن كنتم فاعلين» محذوف لدلالة «وألقوه» عليه. PageV07P325 # والمعنى : إن كنتم فاعلين ما هو خير وصواب ، فألقوه في غيابة الجب ، ولا ~~تقتلوه ولا تطرحوه أرضا. # وفي هذه الجملة من هذا القائل ، محاولة منه لتثبيطهم عما اقترحوه من ~~القتل أو التغريب بأسلوب بليغ ، حيث فوض الأمر إليهم ، تعظيما لهم ، وحذرا ~~من سوء ظنهم به ، فكان أمثلهم رأيا ، وأقربهم إلى التقوى. # قالوا : وفي هذا الرأى عبرة في الاقتصاد عند الانتقام ، والاكتفاء بما ~~حصل به الغرض دون إفراط ، لأن غرضهم إنما هو إبعاد يوسف عن أبيهم. وهذا ~~الإبعاد يتم عن طريق إلقائه في غيابة الجب. # ثم حكى سبحانه محاولاتهم مع أبيهم ، ليأذن لهم بخروج يوسف معهم فقال : ( ~~@QUR@020 قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون ، أرسله ~~معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون ). # أى : قال إخوة يوسف لأبيهم محاولين استرضاءه لاستصحاب يوسف معهم : يا ~~أبانا «مالك لا تأمنا على يوسف» أى : أى شيء جعلك لا تأمنا على أخينا يوسف ~~في خروجه معنا ، والحال أننا له ناصحون ، فهو أخونا ونحن لا نريد له إلا ~~الخير ms3018 الخالص ، والود الصادق. # وفي ندائهم له بلفظ «يا أبانا» استمالة لقلبه ، وتحريك لعطفه ، حتى يعدل ~~عن تصميمه على عدم خروج يوسف معهم. # والاستفهام في قولهم «مالك لا تأمنا ..» للتعجيب من عدم ائتمانهم عليه مع ~~أنهم إخوته ، وهو يوحى بأنهم بذلوا محاولات قبل ذلك في اصطحابه معهم ولكنها ~~جميعا باءت بالفشل. # ثم أضافوا إلى ذلك قولهم ( @QUR@05 أرسله معنا غدا يرتع ويلعب .. ). # والرتع والرتوع هو الاتساع في الملاذ والتنعم في العيش ، يقال : رتع ~~الإنسان في النعمة إذا أكل ما يطيب له ورتعت الدابة إذا أكلت حتى شبعت ، ~~وفعله كمنع والمراد باللعب هنا الاستجمام ورفع السآمة ، كالتسابق عن طريق ~~العدو ، وما يشبه ذلك من ألوان الرياضة المباحة. # أى : أرسله معنا غدا ليتسع في أكل الفواكه ونحوها ، وليدفع السآمة عن ~~نفسه عن طريق القفز والجري والتسابق معنا. # ( @QUR@03 وإنا له لحافظون ). كل الحفظ من أن يصيبه مكروه ، أو يمسه سوء. PageV07P326 # وقد أكدوا هذه الجملة والتي قبلها وهي قوله «وإنا له لناصحون» بألوان من ~~المؤكدات ، لكي يستطيعوا الحصول على مقصودهم في اصطحاب يوسف معهم. # وهو أسلوب يبدو فيه التحايل الشديد على أبيهم ، لإقناعه بما يريدون ~~تنفيذه وتحقيقه من مآرب سيئة. # ثم أخبر سبحانه عما رد به عليهم أبوهم فقال : ( @QUR@013 قال إني ليحزنني ~~أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون ). # والحزن : الغم الحاصل لوقوع مكروه أو فقد محبوب. # والخوف : فزع النفس من مكروه يتوقع حصوله. # والذئب : حيوان معروف بعدوانه على الضعاف من الإنسان ومن الحيوان ، وأل ~~فيه للجنس ، والمراد به أى فرد من أفراد الذئاب. # أى : قال يعقوب لأبنائه ردا على إلحاحهم في طلب يوسف للذهاب معهم يا ~~أبنائى إننى ليحزنني حزنا شديدا فراق يوسف لي ، وفضلا عن ذلك فإننى أخشى ~~إذا أخذتموه معكم في رحلتكم أن يأكله الذئب ، وأنتم عنه غافلون ، بسبب ~~اشتغالكم بشئون أنفسكم ، وقلة اهتمامكم برعايته وحفظه. # قالوا : وخص الذئب بالذكر من بين سائر الحيوانات ، ليشعرهم بأن خوفه عليه ~~مما هو أعظم من الذئب توحشا وافتراسا أشد وأولى. # أو خصه بالذكر ms3019 لأن الأرض التي عرفوا بالنزول فيها كانت كثيرة الذئاب. # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا ~~لخاسرون ) رد مؤكد من إخوة يوسف على تخوف أبيهم وتردده في إرساله معهم. إذ ~~اللام في قوله : «لئن» موطئة للقسم ، وجواب القسم قوله : «إنا إذا ~~لخاسرون». # أى : قال إخوة يوسف لأبيهم محاولين إدخال الطمأنينة على قلبه ، وإزالة ~~الحزن والخوف عن نفسه : يا أبانا والله لئن أكل الذئب يوسف وهو معنا ، ونحن ~~عصابة من الرجال الأقوياء الحريصين على سلامته ، إنا إذا في هذه الحالة ~~لخاسرون خسارة عظيمة ، نستحق بسببها عدم الصلاح لأى شيء نافع. # وأخيرا استسلم الأب ، لإلحاح أبنائه الكبار ، ليتحقق قدر الله الذي قدره ~~على يوسف. ولتسير قصة حياته في الطريق الذي شاء الله تعالى له أن تسير فيه. # وقد حكى القرآن ذلك بأسلوبه البليغ فقال : ( @QUR@08 فلما ذهبوا به ~~وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة PageV07P327 # @QUR@09 الجب. وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ). # أى : فلما أقنعوا أباهم بإرسال يوسف معهم ، وذهبوا به في الغد إلى حيث ~~يريدون ، وأجمعوا أمرهم على أن يلقوا به في قعر الجب ، فعلوا به ما فعلوا ~~من الأذى ، ونفذوا ما يريدون تنفيذه بدون رحمة أو شفقة. # فالفاء في قوله فلما : للتفريع على كلام مقدر ، وجواب «لما» محذوف ، دل ~~عليه السياق. وفعل «أجمع» يتعدى إلى المفعول بنفسه ، ومعناه العزم والتصميم ~~على الشيء ، تقول : أجمعت المسير أى : عزمت عزما قويا عليه. # وقوله «أن يجعلوه» مفعول أجمعوا. # قال الآلوسى : «والروايات في كيفية إلقائه في الجب ، وما قاله لإخوته عند ~~إلقائه وما قالوه له كثيرة ، وقد تضمنت ما يلين له الصخر ، لكن ليس فيها ما ~~له سند يعول عليه» (1). # والضمير في قوله ، وأوحينا إليه يعود على يوسف عليه السلام . # أى : وأوحينا إليه عند إلقائه في الجب عن طريق الإلهام القلبي ، أو عن ~~طريق جبريل عليه السلام أو عن طريق الرؤيا الصالحة. ( @QUR@03 لتنبئنهم ~~بأمرهم هذا ) أى : لتخبرنهم في الوقت الذي يشاؤه الله تعالى في مستقبل ~~الأيام ، بما فعلوه معك في صغرك من ms3020 إلقائك في الجب ، ومن إنجاء الله تعالى ~~لك ، فالمراد بأمرهم هذا : إيذاؤهم له وإلقاؤهم إياه في قعر الجب ، ولم ~~يصرح سبحانه به ، لشدة شناعته. # وجملة «وهم لا يشعرون» حالية ، أى : والحال أنهم لا يحسون ولا يشعرون في ~~ذلك الوقت الذي تخبرهم فيه بأمرهم هذا ، بأنك أنت يوسف. لاعتقادهم أنك قد ~~هلكت ولطول المدة التي حصل فيها الفراق بينك وبينهم ، ولتباين حالك وحالهم ~~في ذلك الوقت ، فأنت ستكون الأمين على خزائن الأرض ، وهم سيقدمون عليك ~~فقراء يطلبون عونك ورفدك. # وقد تحقق كل ذلك كما يأتى عند تفسير قوله تعالى : ( @QUR@010 فلما دخلوا ~~عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر .. ). # وكان هذا الإيحاء على الراجح قبل أن يبلغ سن الحلم ، وقبل أن يكون نبيا. # وكان المقصود منه ، إدخال الطمأنينة على قلبه ، وتبشيره بما يصير إليه ~~أمره من عز وغنى وسلطان. PageV07P328 # قالوا : وكان هذا الجب الذي ألقى فيه يوسف على بعد ثلاثة فراسخ من منزل ~~يعقوب عليه السلام بفلسطين. # ثم حكى سبحانه أقوالهم لأبيهم بعد أن فعلوا فعلتهم وعادوا إليه ليلا ~~يبكون فقال : # ( @QUR@04 وجاؤ أباهم عشاء يبكون (16) @QUR@019 قالوا يا أبانا إنا ذهبنا ~~نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا ~~صادقين (17) @QUR@018 وجاؤ على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا ~~فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ) (18) # فقوله : ( @QUR@04 وجاؤ أباهم عشاء يبكون ). # والعشاء : وقت غيبوبة الشفق الباقي من بقايا شعاع الشمس ، وبدء حلول ~~الظلام والمراد بالبكاء هنا : البكاء المصطنع للتمويه والخداع لأبيهم ، حتى ~~يقنعوه في زعمهم أنهم لم يقصروا في حق أخيهم. # أى : وجاءوا أباهم بعد أن أقبل الليل بظلامه يتباكون ، متظاهرين بالحزن ~~والأسى لما حدث ليوسف ، وفي الأمثال : «دموع الفاجر بيديه». # ( @QUR@06 قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق ) أى : نتسابق عن طريق الرمي ~~بالسهام ، أو على الخيل ، أو على الأقدام. يقال : فلان وفلان استبقا أى : ~~تسابقا حتى ينظر أيهما يسبق الآخر. # ( @QUR@04 وتركنا يوسف عند متاعنا ) أى : عند الأشياء التي نتمتع بها ~~وننتفع في رحلتنا ، كالثياب والأطعمة ms3021 وما يشبه ذلك. # ( @QUR@02 فأكله الذئب ) في تلك الفترة التي تركناه فيها عند متاعنا. # والمراد : قتله الذئب ، ثم أكله دون أن يبقى منه شيئا ندفنه. # ( @QUR@07 وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين ) أى : وما أنت بمصدق لنا ~~فيما أخبرناك به من أن PageV07P329 # يوسف قد أكله الذئب ، حتى ولو كنا صادقين في ذلك ، لسوء ظنك بنا ، وشدة ~~محبتك له. # وهذه الجملة الكريمة توحى بكذبهم على أبيهم ، وبمخادعتهم له ، ويكاد ~~المريب أن يقول خذوني كما يقولون . # ولكنهم لم يكتفوا بهذا التباكي وبهذا القول ، بل أضافوا إلى ذلك تمويها ~~آخر حكاه القرآن في قوله : ( @QUR@05 وجاؤ على قميصه بدم كذب ... ) أى : ~~بدم ذي كذب ، فهو مصدر بتقدير مضافه ، أو وصف الدم بالمصدر مبالغة ، حتى ~~لكأنه الكذب بعينه ، والمصدر هنا بمعنى المفعول ، كالخلق بمعنى المخلوق ، ~~أى : بدم مكذوب. # والمعنى : وبعد أن ألقوا بيوسف في الجب ، واحتفظوا بقميصه معهم ، ووضعوا ~~على هذا القميص دما مصطنعا ليس من جسم يوسف ، وإنما من جسم شيء آخر قد يكون ~~ظبيا وقد يكون خلافه. # وقال سبحانه ( @QUR@02 على قميصه ) للإشعار بأنه دم موضوع على ظاهر ~~القميص وضعا متكلفا مصطنعا ، ولو كان من أثر افتراس الذئب لصاحبه ، لظهر ~~التمزق والتخريق في القميص ، ولتغلغل الدم في قطعة منه. # ولقد أدرك يعقوب عليه السلام من قسمات وجوههم ، ومن دلائل حالهم ، ومن ~~نداء قلبه المفجوع أن يوسف لم يأكله الذئب ، وأن هؤلاء المتباكين هم الذين ~~دبروا له مكيدة ما ، وأنهم قد اصطنعوا هذه الحيلة المكشوفة مخادعة له ، ~~ولذا جابههم بقوله : ( @QUR@06 قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا ... ). # والتسويل : التسهيل والتزيين. يقال : سولت لفلان نفسه هذا الفعل أى زينته ~~وحسنته له ، وصورته له في صورة الشيء الحسن مع أنه قبيح. # أى : قال يعقوب لأبنائه بأسى ولوعة بعد أن فعلوا ما فعلوا وقالوا ما ~~قالوا : قال لهم ليس الأمر كما زعمتم من أن يوسف قد أكله الذئب ، وإنما ~~الحق أن نفوسكم الحاقدة عليه هي التي زينت لكم أن تفعلوا معه فعلا سيئا ~~قبيحا ، ستكشف الأيام عنه بإذن ربي ومشيئته. ms3022 # ونكر الأمر في قوله : ( @QUR@05 بل سولت لكم أنفسكم أمرا ) لاحتماله عدة ~~أشياء مما يمكن أن يؤذوا به يوسف ، كالقتل ، أو التغريب ، أو البيع في ~~الأسواق لأنه لم يكن يعلم على سبيل اليقين ما فعلوه به. # وفي هذا التنكير والإبهام أيضا ما فيه من التهويل والتشنيع لما اقترفوه ~~في حق أخيهم. PageV07P330 # وقوله ( @QUR@02 فصبر جميل ) أى : فصبرى صبر جميل ، وهو الذي لا شكوى فيه ~~لأحد سوى الله تعالى ولا رجاء معه إلا منه سبحانه . # ثم أضاف إلى ذلك قوله : ( @QUR@05 والله المستعان على ما تصفون ) أى : ~~والله تعالى هو الذي أستعين به على احتمال ما تصفون من أن ابني يوسف قد ~~أكله الذئب. # أو المعنى : والله تعالى وحده هو المطلوب عونه على إظهار حقيقة ما تصفون ~~، وإثبات كونه كذبا ، وأن يوسف ما زال حيا ، وأنه سبحانه سيجمعنى به في ~~الوقت الذي يشاؤه. # قال الآلوسى : «أخرج ابن ابى حاتم وأبو الشيخ عن قتادة : أن إخوة يوسف ~~بعد أن ألقوا به في الجب أخذوا ظبيا فذبحوه ، ولطخوا بدمه قميصه ، ولما ~~جاءوا به إلى أبيهم جعل يقلبه ويقول : تالله ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من ~~هذا الذئب!! أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه ...» (1). # وقال القرطبي : «استدل الفقهاء بهذه الآية في إعمال الأمارات في مسائل ~~الفقه كالقسامة وغيرها ، وأجمعوا على أن يعقوب عليه السلام قد استدل على كذب ~~أبنائه بصحة القميص ، وهكذا يجب على الحاكم أن يلحظ الأمارات والعلامات ~~...» (2). # وقال الشيخ القاسمى ما ملخصه : «وفي الآية من الفوائد : أن الحسد يدعو ~~إلى المكر بالمحسود وبمن يراعيه ... وأن الحاسد إذا ادعى النصح والحفظ ~~والمحبة ، لم يصدق ، وأن من طلب مراده بمعصية الله تعالى فضحه الله عز وجل ، ~~وأن القدر كائن ، وأن الحذر لا ينجى منه ...» (3). # وإلى هنا نجد الآيات الكريمة قد حكت لنا بأسلوبها البليغ ، وتصويرها ~~المؤثر ، ما تآمر به إخوة يوسف عليه ، وما اقترحوه لتنفيذ مكرهم ، وما قاله ~~لهم أوسطهم عقلا ورأيا ، وما تحايلوا به على أبيهم لكي يصلوا إلى مآربهم ، ~~وما رد به عليهم أبوهم ، وما ms3023 قالوه له بعد أن نفذوا جريمتهم في أخيهم. بأن ~~ألقوا به في الجب ... # ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك ، لتقص علينا مرحلة أخرى من مراحل حياة ~~يوسف عليه السلام حيث حدثتنا عن انتشاله من الجب ، وعن بيعه بثمن بخس وعن ~~وصية الذي اشتراه لامرأته ، وعن مظاهر رعاية الله تعالى له فقال سبحانه : PageV07P331 # ( @QUR@017 وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام ~~وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون (19) @QUR@09 وشروه بثمن بخس دراهم ~~معدودة وكانوا فيه من الزاهدين (20) @QUR@032 وقال الذي اشتراه من مصر ~~لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في ~~الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون (21) @QUR@09 ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين ) (22) # فقوله سبحانه : ( @QUR@06 وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم ، فأدلى دلوه ... ) ~~شروع في الحديث عما جرى ليوسف من أحداث بعد أن ألقى به إخوته في الجب. # والسيارة : جماعة المسافرين ، وكانوا كما قيل متجهين من بلاد الشام إلى مصر. # والوارد : هو الذي يرد الماء ليستقى للناس الذين معه. ويقع هذا اللفظ على ~~الفرد والجماعة. فيقال لكل من يرد الماء وارد ، كما يقال للماء مورود. # وقوله ( @QUR@01 فأدلى ) من الإدلاء بمعنى إرسال الدلو في البئر لأخذ الماء. # والدلو : إناء معروف يوضع فيه الماء. # وفي الآية الكريمة كلام محذوف دل عليه المقام ، والتقدير : # وبعد أن ألقى إخوة يوسف به في الجب وتركوه وانصرفوا لشأنهم ، جاءت إلى ~~ذلك المكان قافلة من المسافرين ، فأرسلوا واردهم ليبحث لهم عن ماء ليستقوا ~~، فوجد جبا ، فأدلى دلوه فيه ، فتعلق به يوسف ، فلما خرج ورآه فرح به وقال ~~: يا بشرى هذا غلام. PageV07P332 # وأوقع النداء على البشرى ، للتعبير عن ابتهاجه وسروره ، حتى لكأنها شخص ~~عاقل يستحق النداء ، أى : يا بشارتي أقبلى فهذا أوان إقبالك. # وقيل المنادى محذوف والتقدير : يا رفاقى في السفر أبشروا فهذا غلام ، وقد ~~خرج من الجب. # وقرأ أهل المدينة ومكة : يا بشر اى هذا غلام. بإضافة البشرى إلى ياء ~~المتكلم. والضمير المنصوب ms3024 وهو الهاء في قوله : ( @QUR@02 وأسروه بضاعة ) ~~يعود إلى يوسف. # أما الضمير المرفوع فيعود إلى السيارة. وأسر من الإسرار الذي هو ضد ~~الإعلان. # والبضاعة : عروض التجارة ومتاعها. وهذا اللفظ مأخوذ من البضع بمعنى القطع ~~، وأصله جملة من اللحم تبضع أى : تقطع. وهو حال من الضمير المنصوب في ( ~~@QUR@01 وأسروه ). # والمعنى : وأخفى جماعة المسافرين خبر التقاط يوسف من الجب مخافة أن يطلبه ~~أحد من السكان المجاورين للجب ، واعتبره بضاعة سرية لهم ، وعزموا على بيعه ~~على أنه من العبيد الأرقاء. # ولعل يوسف عليه السلام قد أخبرهم بقصته بعد إخراجه من الجب. # ولكنهم لم يلتفتوا إلى ما أخبرهم به طمعا في بيعه والانتفاع بثمنه. # ومن المفسرين من يرى أن الضمير المرفوع في قوله ( @QUR@01 وأسروه ) يعود ~~على الوارد ورفاقه ، فيكون المعنى : # وأسر الوارد ومن معه أمر يوسف عن بقية أفراد القافلة ، مخافة أن يشاركوهم ~~في ثمنه إذا علموا خبره ، وزعموا أن أهل هذا المكان الذي به الجب دفعوه ~~إليهم ليبيعوه لهم في مصر على أنه بضاعة لهم. # ومنهم من يرى أن الضمير السابق يعود إلى إخوة يوسف. # قال الشوكانى ما ملخصه : وذلك أن يهوذا كان يأتى إلى يوسف كل يوم ~~بالطعام. فأتاه يوم خروجه من الجب فلم يجده ، فأخبر إخوته بذلك ، فأتوا إلى ~~السيارة وقالوا لهم : إن الغلام الذي معكم عبد لنا قد أبق ، فاشتروه منهم ~~بثمن بخس ، وسكت يوسف مخافة أن يأخذه إخوته فيقتلوه» (1). # وعلى هذا الرأى يكون معنى ( @QUR@02 وأسروه بضاعة ): أخفى إخوة يوسف ~~كونه أخا لهم ، PageV07P333 # واعتبروه عرضا من عروض التجارة القابلة للبيع والشراء. # ويكون المراد بقوله تعالى بعد ذلك ( @QUR@03 وشروه بثمن بخس ) الشراء ~~الحقيقي ، بمعنى أن السيارة اشتروا يوسف من إخوته بثمن بخس. # والحق أن الرأى الأول هو الذي تطمئن إليه النفس ، لأنه هو الظاهر من معنى ~~الآية ، ولأنه بعيد عن التكلف الذي يرى واضحا في القولين الثاني والثالث. # وقوله : ( @QUR@04 والله عليم بما يعملون ) أى : لا يخفى عليه شيء من ~~أسرارهم. ومن عملهم السيئ في حق يوسف. حيث إنهم استرقوه وباعوه بثمن بخس ms3025 ، ~~وهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم. كما جاء في الحديث الشريف. # وقوله : سبحانه ( @QUR@09 وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من ~~الزاهدين ) بيان لما فعله السيارة بيوسف بعد أن أسروه بضاعة. # وقوله ( @QUR@01 شروه ) هنا بمعنى باعوه. # والبخس : النقص ، يقال بخس فلان فلانا حقه ، إذا نقصه وعابه. وهو هنا ~~بمعنى المبخوس. # و ( @QUR@01 دراهم ) جمع درهم ، وهي بدل من ( @QUR@01 بثمن ). # و ( @QUR@01 معدودة ) صفة لدراهم ، وهي كناية عن كونها قليلة ، لأن الشيء ~~القليل يسهل عده ، بخلاف الشيء الكثير ، فإنه في الغالب يوزن وزنا. # والمعنى : أن هؤلاء المسافرين بعد أن أخذوا يوسف ليجعلوه عرضا من عروض ~~تجارتهم ، باعوه في الأسواق بثمن قليل تافه ، وهو عبارة عن دراهم معدودة ، ~~ذكر بعضهم أنها لا تزيد على عشرين درهما. # وقوله : ( @QUR@04 وكانوا فيه من الزاهدين ) بيان لعدم حرصهم على بقائه ~~معهم ، إذ أصل الزهد قلة الرغبة في الشيء ، تقول زهدت في هذا الشيء ، إذا ~~كنت كارها له غير مقبل عليه. # أى : وكان هؤلاء الذين باعوه من الزاهدين في بقائه معهم ، الراغبين في ~~التخلص منه بأقل ثمن قبل أن يظهر من يطالبهم به. # قال الآلوسى ما ملخصه : «وزهدهم فيه سببه أنهم التقطوه من الجب ، ~~والملتقط للشيء متهاون به لا يبالى أن يبيعه بأى ثمن خوفا من أن يعرض له ~~مستحق ينزعه منه ...» (1). PageV07P334 # وقوله سبحانه : ( @QUR@014 وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه ~~عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ... ) بيان لبعض مظاهر رعاية الله تعالى ليوسف ~~عليه السلام . # والذي اشتراه ، قالوا إنه كان رئيس الشرطة لملك مصر في ذلك الوقت ولقبه ~~القرآن بالعزيز كما سيأتى في قوله تعالى : ( @QUR@06 قالت امرأة العزيز ~~الآن حصحص الحق ... ). # و ( @QUR@02 من مصر ) صفة لقوله ( @QUR@02 الذي اشتراه ). # وامرأته : المراد بها زوجته ، واسمها كما قيل زليخا أو راعيل. # ومثواه من المثوى وهو مكان الإقامة والاستقرار. يقال : ثوى فلان بمكان ~~كذا ، إذا أطال الإقامة به. ومنه قوله تعالى ( @QUR@06 وما كنت ثاويا في ~~أهل مدين ... ) أى مقيما معهم. # أى : وقال الرجل المصرى الذي اشترى يوسف لامرأته : اجعلي محل إقامته ms3026 ~~كريما ، وأنزليه منزلا حسنا مرضيا. # وهذا كناية عن وصيته لها بإكرامه على أبلغ وجه ، لأن من أكرم المحل ~~بتنظيفه وتهيئته تهيئة حسنة فقد أكرم صاحبه. # قال صاحب الكشاف : قوله ( @QUR@02 أكرمي مثواه ) أى : اجعلي منزله ومقامه ~~عندنا كريما : أى حسنا مرضيا بدليل قوله بعد ذلك ( @QUR@04 إنه ربي أحسن ~~مثواي ). # والمراد : تفقديه بالإحسان ، وتعهديه بحسن الملكة ، حتى تكون نفسه طيبة ~~في صحبتنا ، ساكنة في كنفنا. ويقال للرجل : كيف أبو مثواك وأم مثواك؟ لمن ~~ينزل به من رجل أو امرأة ، يراد هل تطيب نفسك بثوائك عنده وهل يراعى حق ~~نزولك به؟ واللام في ( @QUR@01 لامرأته ) متعلق بقال ...» (1). # وقوله : ( @QUR@06 عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ... ) بيان لسبب أمره لها ~~بإكرام مثواه. # أى : عسى هذا الغلام أن ينفعنا في قضاء مصالحنا ، وفي مختلف شئوننا ، أو ~~نتبناه فيكون منا بمنزلة لولد ، فإنى أرى فيه علامات الرشد والنجابة ، ~~وأمارات الأدب وحسن الخلق. # قالوا وهذه الجملة ( @QUR@03 أو نتخذه ولدا ) توحى بأنهما لم يكن عندهما ~~أولاد. والكاف في قوله سبحانه ( @QUR@05 وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ) في ~~محل نصب ، على أنه نعت لمصدر محذوف والإشارة الى ما تقدم من إنجائه من ~~إخوته ، وانتشاله من الجب ، ومحبة العزيز له .. PageV07P335 # و «مكنا» من التمكين بمعنى التثبيت ، والمراد بالأرض : أرض مصر التي نزل فيها. # أى : ومثل ذلك التمكين البديع الدال على رعايتنا له ، مكنا ليوسف في أرض ~~مصر ، حتى صار أهلا للأمر والنهى فيها. # وقوله سبحانه ( @QUR@04 ولنعلمه من تأويل الأحاديث ) علة لمعلل محذوف ، ~~فكأنه قيل : وفعلنا ذلك التمكين له ، لنعلمه من تأويل الأحاديث ، بأن نهبه ~~من صدق اليقين ، واستنارة العقل ، ما يجعله يدرك معنى الكلام إدراكا سليما ~~، ويفسر الرؤى تفسيرا صحيحا صادقا. # وقوله : ( @QUR@09 والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ~~تذييل قصد به بيان قدرة الله تعالى ونفاذ مشيئته. # فأمر الله هنا : هو ما قدره وأراده. # أى : والله تعالى متمم ما قدره وأراده ، لا يمنعه من ذلك مانع ، ولا ~~ينازعه منازع ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك حق العلم ، فيما يأتون ~~ويذرون ms3027 من أقوال وأفعال. # والتعبير بقوله : ( @QUR@05 ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) احتراس لإنصاف ~~ومدح القلة من الناس الذين يعطيهم الله تعالى من فضله ما يجعلهم لا يندرجون ~~في الكثرة التي لا تعلم ، بل هو سبحانه يعطيهم من فضله ما يجعلهم يعلمون ما ~~لا يعلمه غيرهم. # ثم بين سبحانه مظهرا آخر من مظاهر إنعامه على يوسف فقال : ( @QUR@09 ولما ~~بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين ). # والأشد : قوة الإنسان ، وبلوغه النهاية في ذلك ، مأخوذ من الشدة بمعنى ~~القوة والارتفاع ، يقال : شد النهار إذا ارتفع. # ويرى بعضهم أنه مفرد جاء بصيغة الجمع ويرى آخرون أنه جمع لا واحد له من ~~لفظه وقيل هو جمع شدة كأنعم ونعمة. # والمعنى : وحين بلغ يوسف عليه السلام منتهى شدته وقوته ، وهي السن التي ~~كان فيها على ما قيل ما بين الثلاثين والأربعين. # ( @QUR@01 آتيناه ) أى : أعطيناه بفضلنا وإحساننا. # ( @QUR@01 حكما ) أى : حكمة ، وهي الإصابة في القول والعمل أو هي النبوة. # و ( @QUR@01 علما ) أى فقها في الدين. وفهما سليما لتفسير الرؤى ، ~~وإدراكا واسعا لشئون الدين والدنيا. # وقوله : ( @QUR@03 وكذلك نجزي المحسنين ) أى : ومثل هذا الجزاء الحسن ~~والعطاء الكريم ، PageV07P336 # نعطى ونجازي الذين يحسنون أداء ما كلفهم الله تعالى به ، فكل من أحسن في ~~أقواله وأعماله أحسن الله تعالى جزاءه. # ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك ، لتحدثنا عن مرحلة من أدق المراحل ~~وأخطرها ، في حياة يوسف عليه السلام وهي مرحلة التعرض للفتن والمؤامرات بعد ~~أن بلغ أشده ، وآتاه الله تعالى حكما وعلما ، وقد واجه يوسف عليه السلام هذه ~~الفتن بقلب سليم ، وخلق قويم ، فنجاه الله تعالى منها. # استمع إلى السورة الكريمة وهي تحكى بأسلوبها البليغ ما فعلته معه امرأة ~~العزيز من ترغيب وترهيب ، وإغراء وتهديد ... فتقول : # ( @QUR@023 وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك ~~قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون (23) @QUR@020 ولقد ~~همت به وهم بها لو لا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه ~~من عبادنا المخلصين (24) @QUR@023 واستبقا الباب وقدت قميصه ms3028 من دبر وألفيا ~~سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم ~~(25) @QUR@019 قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد ~~من قبل فصدقت وهو من الكاذبين (26) @QUR@010 وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت ~~وهو من الصادقين (27) @QUR@013 فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن ~~إن كيدكن عظيم (28) @QUR@010 يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من ~~الخاطئين ) (29) PageV07P337 # وقوله سبحانه ( @QUR@07 وراودته التي هو في بيتها عن نفسه ... ) رجوع إلى ~~شرح ما جرى ليوسف في منزل العزيز بعد أن أمر امرأته بإكرام مثواه ، وما كان ~~من حال تلك المرأة مع يوسف ، وكيف أنها نظرت إليه بعين ، تخالف العين التي ~~نظر بها إليه زوجها. # والمراودة كما يقول صاحب الكشاف مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب ، كأن ~~المعنى : خادعته عن نفسه ، أى : فعلت معه ما يفعله المخادع لصاحبه عن الشيء ~~الذي لا يريد أن يخرجه من يده ، يحتال أن يغلبه عليه ويأخذه منه ، وهو ~~عبارة عن التحايل لمواقعته إياها (1). # والتعبير عن حالها معه بالمراودة المقتضية لتكرار المحاولة ، للإشعار ~~بأنها كان منها الطلب المستمر ، المصحوب بالإغراء والترفق والتحايل على ما ~~تشتهيه منه بشتى الوسائل والحيل. وكان منه عليه السلام الإباء والامتناع عما ~~تريده خوفا من الله تعالى .. # وقال سبحانه ( @QUR@04 التي هو في بيتها ) دون ذكر لاسمها ، سترا لها ، ~~وابتعادا عن التشهير بها ، وهذا من الأدب السامي الذي التزمه القرآن في ~~تعبيراته وأساليبه ، حتى يتأسى أتباعه بهذا اللون من الأدب في التعبير. # والمراد ببيتها : بيت سكناها ، والإخبار عن المراودة بأنها كانت في ~~بيتها. أدعى لإظهار كمال نزاهته عليه السلام فإن كونه في بيتها يغرى ~~بالاستجابة لها ، ومع ذلك فقد أعرض عنها ، ولم يطاوعها في مرادها. # وعدى فعل المراودة بعن ، لتضمنه معنى المخادعة. # قال بعض العلماء : و «عن» هنا للمجاوزة ، أى : راودته مباعدة له عن نفسه ، ~~أى : بأن يجعل نفسه لها ، والظاهر أن هذا التركيب من مبتكرات القرآن الكريم ~~، فالنفس هنا كناية ms3029 عن غرض المواقعة ، قاله ابن عطية ، أى : فالنفس أريد ~~بها عفافه وتمكينها منه لما تريد ، فكأنها تراوده عن أن يسلم إليها إرادته ~~وحكمه في نفسه» (2). # وقوله ( @QUR@02 وغلقت الأبواب ) أى : أبواب بيت سكناها الذي تبيت فيه ~~بابا فبابا ، قيل : كانت الأبواب سبعة. # والمراد أنها أغلقت جميع الأبواب الموصلة إلى المكان الذي راودته فيه ~~إغلاقا شديدا محكما ، كما يشعر بذلك التضعيف في «غلقت» زيادة في حمله على ~~الاستجابة لها. PageV07P338 # ثم أضافت إلى كل تلك المغريات أنها قالت له : هيت لك ، أى : ها أنا ذا ~~مهيئة لك فأسرع في الإقبال على ... # وهذه الدعوة السافرة منها له ، تدل على أن تلك المرأة كانت قد بلغت ~~النهاية في الكشف عن رغبتها ، وأنها قد خرجت عن المألوف من بنات جنسها ، ~~فقد جرت العادة أن تكون المرأة مطلوبة لا طالبة ... # و «هيت» اسم فعل أمر بمعنى أقبل وأسرع ، فهي كلمة حض وحث على الفعل ، ~~واللام في «لك» لزيادة بيان المقصود بالخطاب ، كما في قولهم : سقيا لك ~~وشكرا لك. وهي متعلقة بمحذوف فكأنما تقول : إرادتى كائنة لك. # قال الجمل ما ملخصه : «ورد في هذه الكلمة قراءات : «هيت» كليت ، و «هيت» ~~كفيل و «هيت» كحيث ، و «هئت» بكسر الهاء وضم التاء ، و «هئت» بكسر الهاء وفتح التاء. # ثم قال : فالقراءات السبعية خمسة ، وهذه كلها لغات في هذه الكلمة ، وهي ~~في كلها اسم فعل بمعنى هلم أى أقبل وتعال (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@011 قال معاذ الله ، إنه ربي أحسن مثواي ، إنه لا ~~يفلح الظالمون ) بيان لما رد به يوسف عليها ، بعد أن تجاوزت في إثارته كل حد. # و «معاذ» مصدر أضيف إلى لفظ الجلالة ، وهو منصوب بفعل محذوف أى : قال يوسف ~~في الرد عليها : أعوذ بالله معاذا مما تطلبينه منى ، وأعتصم به اعتصاما مما ~~تحاولينه معى ، فإن ما تطلبينه وتلحين في طلبه يتنافى مع الدين والمروءة ~~والشرف .. ولا يفعله إلا من خبث منبته ، وساء طبعه ، وأظلم قلبه. # وقوله ( @QUR@04 إنه ربي أحسن مثواي ) تعليل لنفوره مما دعته إليه ، ~~واستعاذ بالله منه. # والضمير في ms3030 «إنه» يصح أن يعود إلى الله تعالى فيكون لفظ ربي بمعنى خالقي. ~~والتقدير : قال يوسف في الرد عليها : معاذ الله أن أفعل الفحشاء والمنكر ، ~~بعد أن أكرمنى الله تعالى بما أكرمنى به من النجاة من الجب ، ومن تهيئة ~~الأسباب التي جعلتني أعيش معززا مكرما ، وإذا كان سبحانه قد حباني كل هذه ~~النعم فكيف أرتكب ما يغضبه؟. # وجوز بعضهم عودة الضمير في «إنه» إلى زوجها ، فيكون لفظ ربي بمعنى سيدي PageV07P339 # ومالكى ، والتقدير : معاذ الله أن أقابل من اشترانى بماله ، وأحسن منزلي ~~، وأمرك بإكرامى بالخيانة له في عرضه. # وفي هذه الجملة الكريمة تذكير لها بألطف أسلوب بحقوق الله تعالى وبحقوق ~~زوجها ، وتنبيه لها إلى وجوب الإقلاع عما تريده منه من مواقعتها ، لأنه ~~يؤدى إلى غضب الله وغضب زوجها عليها. # وجملة ( @QUR@04 إنه لا يفلح الظالمون ) تعليل آخر لصدها عما تريده منه. # والفلاح : الظفر وإدراك المأمول. # أى : إن كل من ارتكب ما نهى الله تعالى عنه ، تكون عاقبته الخيبة ~~والخسران وعدم الفلاح في الدنيا والآخرة فكيف تريدين منى أن أكون كذلك؟. # هذا ، والمتأمل في هذه الآية الكريمة يرى أن القرآن الكريم قد قابل دواعي ~~الغواية الثلاث التي جاهرت بها امرأة العزيز والمتمثلة في المراودة ، ~~وتغليق الأبواب ، وقولها ، هيت لك : بدواعى العفاف الثلاث التي رد بها ~~عليها يوسف ، والمتمثلة في قوله كما حكى القرآن عنه ( @QUR@010 معاذ الله ، ~~إنه ربي أحسن مثواي ، إنه لا يفلح الظالمون ). # وذلك ليثبت أن الاعتصام بالعفاف والشرف والأمانة ، كان سلاح يوسف ~~عليه السلام في تلك المعركة العنيفة بين نداء العقل ونداء الشهوة ... # ولكن نداء العقل ونداء الشهوة الجامحة لم ينته عند هذا الحد ، بل نرى ~~القرآن الكريم يحكي لنا بعد ذلك صداما آخر بينهما فيقول : ( @QUR@011 ولقد ~~همت به وهم بها لو لا أن رأى برهان ربه ... ). # وهذه الآية الكريمة من الآيات التي خلط المفسرون فيها بين الأقوال ~~الصحيحة والأقوال السقيمة. # وسنبين أولا الرأى الذي نختاره في تفسيرها ، ثم نتبعه بعد ذلك بغيره ~~فنقول : الهم : المقاربة من الفعل من غير دخول فيه ms3031 ، تقول هممت على فعل هذا ~~الشيء ، إذا أقبلت نفسك عليه دون أن تفعله. # وقال : بعض العلماء : الهم نوعان : هم ثابت معه عزم وعقد ورضا ، وهو ~~مذموم مؤاخذ به صاحبه ، وهم بمعنى خاطر وحديث نفس ، من غير تصميم وهو غير ~~مؤاخذ به صاحبه ، لأن خطور المناهي في الصدور ، وتصورها في الأذهان ، لا ~~مؤاخذة بها ما لم توجد في الأعيان. # روى الشيخان وأهل السنن عن أبى هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~: «إن الله PageV07P340 # تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ، ما لم تتكلم به ، أو تعمل به» (1). # وقد أجمع العلماء على أن هم امرأة العزيز بيوسف كان هما بمعصية ، وكان ~~مقرونا بالعزم والجزم والقصد ، بدليل المراودة وتغليق الأبواب ، وقولها ~~«هيت لك». # كما أجمعوا على أن يوسف عليه السلام لم يأت بفاحشة ، وأن همه كان مجرد ~~خاطرة قلب بمقتضى الطبيعة البشرية : من غير جزم وعزم ... # وهذا اللون من الهم لا يدخل تحت التكليف ، ولا يخل بمقام النبوة ، ~~كالصائم يرى الماء البارد في اليوم الشديد الحرارة ، فتميل نفسه إليه ، ~~ولكن دينه يمنعه من الشرب منه ، فلا يؤاخذ بهذا الميل. # والمراد ببرهان ربه هو : ما غرسه الله تعالى في قلبه من العلم المصحوب ~~بالعمل ، بأن هذا الفعل الذي دعته إليه امرأة العزيز قبيح ، ولا يليق به. # أو هو كما يقول ابن جرير رؤيته من آيات الله ما زجره عما كان هم به .. # والمعنى : ولقد همت به ، أى : ولقد قصدت امرأة العزيز مواقعة يوسف ~~عليه السلام قصدا جازما ، بعد أن أغرته بشتى الوسائل فلم يستجب لها ... # ( @QUR@08 وهم بها لو لا أن رأى برهان ربه ) أى : ومال إلى مطاوعتها ~~بمقتضى طبيعته البشرية وبمقتضى توفر كل الدواعي لهذا الميل ... # ولكن مشاهدته للأدلة على شناعة المعصية ، وخوفه لمقام ربه ، وعون الله ~~تعالى له على مقاومة شهوته ... كل ذلك حال بينه وبين تنفيذ هذا الميل ، ~~وصرفه عنه صرفا كليا ، وجعله يفر هاربا طالبا النجاة مما تريده منه تلك ~~المرأة. # هذا هو الرأى الذي نختاره في تفسير هذه ms3032 الآية الكريمة ، وقد استخلصناه من ~~أقوال المفسرين القدامى والمحدثين. # فمن المفسرين القدامى الذين ذكروا هذا الرأى صاحب الكشاف ، فقد قال ما ملخصه. # وقوله تعالى ( @QUR@03 ولقد همت به ) معناه : ولقد همت بمخالطته ؛ «وهم ~~بها» أى : وهم بمخالطتها «لولا أن رأى برهان ربه» جوابه محذوف تقديره ؛ ~~لولا أن رأى برهان ربه لخالطها ، فحذف لأن قوله وهم بها يدل عليه ، كقولك : ~~هممت بقتله لولا أنى خفت الله معناه : لو لا أنى خفت الله لقتلته. PageV07P341 # فإن قلت : كيف جاز على نبي الله أن يكون منه هم بالمعصية؟. # قلت : المراد أن نفسه مالت إلى المخالطة ، ونازعت إليها عن شهوة الشباب ، ~~ميلا يشبه الهم به ، وكما تقتضيه تلك الحال التي تكاد تذهب بالعقول ~~والعزائم ، وهو يكسر ما به ، ويرده بالنظر في برهان الله المأخوذ على ~~المكلفين بوجوب اجتناب المحارم ، ولو لم يكن ذلك الميل الشديد المسمى هما ~~لشدته ، لما كان صاحبه ممدوحا عند الله بالامتناع ، لأن استعظام الصبر على ~~الابتلاء ، على حسب عظم الابتلاء وشدته ، ولو كان همه كهمها عن عزيمة لما ~~مدحه بأنه من عباده المخلصين» (1). # ومن المفسرين المحدثين الذين ذكروا هذا الرأى الإمام الآلوسى ، فقد قال ~~ما ملخصه : # قوله : «ولقد همت به» أى : بمخالطته ... والمعنى : أنها قصدت المخالطة ~~وعزمت عليها عزما جازما ، لا يلويها عنها صارف بعد ما باشرت مباديها ... # والتأكيد باللام وقد لدفع ما يتوهم من احتمال إقلاعها عما كانت عليه. # ( @QUR@02 وهم بها ) أى : مال إلى مخالطتها بمقتضى الطبيعة البشرية ... ~~ومثل ذلك لا يكاد يدخل تحت التكليف ، وليس المراد أنه قصدها قصدا اختياريا ~~، لأن ذلك أمر مذموم تنادى الآيات بعدم اتصافه به ، وإنما عبر عنه بالهم ~~لمجرد وقوعه في صحبة همها في الذكر على سبيل المشاكلة لا لشبهه به ... ~~«لولا أن رأى برهان ربه» أى محبته الباهرة الدالة على كمال قبح الزنا ، ~~وسوء سبيله. # والمراد برؤيته له : كمال إيقانه به ، ومشاهدته له مشاهدة وصلت إلى مرتبة ~~عين اليقين ...» (2). # ومن المفسرين من يرى أن المراد بهمها به : الهم بضربه نتيجة عصيانه ~~لأمرها. # وأن المراد ms3033 بهمه بها : الدفاع عن نفسه برد الاعتداء ، ولكنه آثر الهرب. # وقد قرر هذا الرأى ودافع عنه وأنكر سواه صاحب المنار ، فقد قال ما ملخصه : # «ولقد همت به» أى : وتالله لقد همت المرأة بالبطش به لعصيانه لأمرها ، ~~وهي في نظرها سيدته وهو عبدها ، وقد أذلت نفسها له بدعوته الصريحة إلى ~~نفسها ، بعد الاحتيال عليه بمراودته عن نفسه ... فخرجت بذلك عن طبع أنوثتها ~~في التمنع ... مما جعلها تحاول البطش به PageV07P342 # بعد أن أذل كرامتها ، وهو انتقام معهود من مثلها ، وممن دونها في كل زمان ~~ومكان ... # وكاد يرد صيالها ويدفعه بمثله ، وهو قوله تعالى ( @QUR@08 وهم بها لو لا ~~أن رأى برهان ربه ) ولكنه رأى من برهان ربه في سريرة نفسه ، ما هو مصداق ~~قوله تعالى ( @QUR@04 والله غالب على أمره ) وهو إما النبوة ... وإما ~~معجزتها ... وإما مقدمتها من مقام الصديقية العليا ، وهي مراقبته لله تعالى ~~ورؤيته ربه متجليا له ، ناظرا إليه» (1). # وما ذهب إليه صاحب المنار من تفسير الهم منها بالبطش بيوسف ، وتفسير الهم ~~منه برد الاعتداء الذي وقع عليه منها ... أقول : ما ذهب إليه صاحب المنار ~~من تفسير الهم بذلك ، لا أرى دليلا عليه من الآية ، لا عن طريق الإشارة ، ~~ولا عن طريق العبارة ... # ولعل صاحب المنار رحمه الله أراد بهذا التفسير أن يبعد يوسف عليه السلام عن ~~أن يكون قد هم بها هم ميل بمقتضى الطبيعة البشرية ، ونحن لا نرى مقتضيا ~~لهذا الإبعاد ، لأن خطور المناهي في الأذهان ، لا مؤاخذة عليه ، ما دامت لم ~~يصاحبها عزم أو قصد كما سبق أن أشرنا إلى ذلك من قبل. # هذا وهناك أقوال أخرى لبعض المفسرين في معنى الآية الكريمة ، رأينا أن ~~نضرب عنها صفحا ؛ لأنه لا دليل عليها لا من العقل ولا من النقل ولا من ~~اللغة ... وإنما هي من الأوهام الإسرائيلية التي تتنافى كل التنافي مع ~~أخلاق عباد الله المخلصين ، الذين على رأسهم يوسف عليه السلام . # قوله سبحانه ( @QUR@09 كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا ~~المخلصين ) بيان لمظهر من مظاهر رحمة الله تعالى ms3034 به ، ورعايته له. # والكاف : نعت لمصدر محذوف والإشارة بذلك إلى الإراءة المدلول عليها بقوله ~~«لولا أن رأى برهان ربه» أو إلى التثبيت المفهوم من ذلك. # والصرف : نقل الشيء من مكان إلى مكان والمراد به هنا : الحفظ من الوقوع ~~فيما نهى الله عنه ، أى : أريناه مثل هذه الإراءة أو ثبتناه تثبيتا مثل هذا ~~التثبيت لنعصمه ونحفظه ونصونه عن الوقوع في السوء أى في المنكر والفجور ~~والمكروه والفحشاء أى كل ما فحش وقبح من الأفعال كالزنا ونحوه. # «إنه من عبادنا المخلصين» بفتح اللام أى : إنه من عبادنا الذين أخلصناهم ~~لطاعتنا وعصمناهم من كل ما يغضبنا. PageV07P343 # وقرأ ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو «المخلصين» بكسر اللام أى : إنه من ~~عبادنا الذين أخلصوا دينهم لنا. # والجملة الكريمة على القراءتين تعليل لحكمة صرفه عليه السلام عن السوء ~~والفحشاء. # وقوله سبحانه ( @QUR@02 واستبقا الباب ... ) متصل بقوله سبحانه قبل ذلك ( ~~@QUR@03 ولقد همت به ... ) وقوله ( @QUR@05 كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ~~... ) اعتراض جيء به بين المتعاطفين تقريرا لنزاهته. # وقوله ( @QUR@01 واستبقا .. ) من الاستباق وهو افتعال من السبق بمعنى أن ~~كل واحد منهما يحاول أن يكون هو السابق إلى الباب. # ووجه تسابقهما : أن يوسف عليه السلام أسرع بالفرار من أمامها إلى الباب ~~هروبا من الفاحشة التي طلبتها منه. وهي أسرعت خلفه لتمنعه من الوصول إلى ~~الباب ومن الخروج منه. # وأفرد سبحانه الباب هنا ، وجمعه فيما تقدم ، لأن المراد به هنا الباب ~~الخارجي ، الذي يخلص منه يوسف إلى خارج الدار ، وهو منصوب هنا على نزع ~~الخافض أى : واستبقا إلى الباب. # وجملة «وقدت قميصه من دبر» حالية ، والقد : القطع والشق ، وأكثر استعماله ~~في الشق والقطع الذي يكون طولا ، وهو المراد هنا ، لأن الغالب أنها جذبته ~~من الخلف وهو يجرى أمامها فانخرق القميص إلى أسفله. # وقوله : ( @QUR@04 وألفيا سيدها لدى الباب ) أى : وصادفا ووجدا زوجها عند ~~الباب الذي تسابقا للوصول إليه. # قالوا : والتعبير عن الزوج بالسيد ، كان عادة من عادات القوم في ذلك ~~الوقت ، فعبر عنه القرآن بذلك حكاية لدقائق ما كان متبعا في التاريخ ~~القديم. ms3035 # وقال سبحانه ( @QUR@02 وألفيا سيدها ) لأن ملك العزيز ليوسف عليه السلام ~~لم يكن ملكا صحيحا ، فيوسف ليس رقيقا يباع ويشترى ، وإنما هو الكريم ابن ~~الكريم ابن الكريم ، وبيع السيارة له ، إنما كان على سبيل التخلص منه بعد ~~أن التقطوه من الجب. # وقوله سبحانه ( @QUR@013 قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو ~~عذاب أليم ) حكاية لما قالته لزوجها عند ما فوجئت به عند الباب وهي تسرع ~~وراء يوسف. # أى قالت تلك المرأة لزوجها عند ما فوجئت به لدى الباب : ليس من جزاء لمن أراد PageV07P344 # بأهلك تعنى نفسها سوءا ، أى ما يسوؤك ويؤلمك ، إلا أن يسجن ، عقوبة له ، ~~أو أن يعذب عذابا أليما عن طريق الضرب او الجلد ، لتجاوزه الحدود ، ~~واعتدائه على أهلك. # وهذه الجملة الكريمة التي حكاها القرآن الكريم عنها ، تدل على أن تلك ~~المرأة كانت في نهاية المكر والدهاء والتحكم في إرادة زوجها ... # ورحم الله الآلوسى فقد علق على قولها هذا الذي حكاه القرآن عنها بقوله ما ~~ملخصه : «ولقد آتت تلك المرأة في هذه الحالة التي يدهش فيها الفطن اللوذعي ~~حيث شاهدها زوجها على تلك الحالة المريبة بحيلة جمعت فيها غرضيها ، وهما ~~تبرئة ساحتها مما يلوح من ظاهر حالها ، واستنزال يوسف عن رأيه في استعصائه ~~عليها ، وعدم طاعته لها ، بإلقاء الرعب في قلبه ... # ولم تصرح بالاسم ، بل أتت بلفظ عام «من أراد بأهلك سوءا ..» تهويلا للأمر ~~، ومبالغة في التخويف ، كأن ذلك قانون مطرد في حق كل من أراد بأهله سوءا. # وذكرت نفسها بعنوان أهلية العزيز ، إعظاما للخطب ... # ثم إن حبها الشديد ليوسف عليه السلام حملها على أن تبدأ بذكر السجن ، ~~وتؤخر ذكر العذاب لأن المحب لا يسعى في إيلام المحبوب ، لا سيما أن قولها : ~~«إلا أن يسجن ...» قد يكون المراد منه السجن لمدة يوم أو يومين ...» (1). # والحق أن هذه الجملة التي حكاها القرآن عنها ، تدل على اكتمال قدرتها على ~~المكر والدهاء كما سبق أن أشرنا ومن مظاهر ذلك ، محاولتها إيهام زوجها بأن ~~يوسف قد اعتدى عليها بما يسوؤها ms3036 ويسوؤه ، ولكن بدون تصريح بهذا العدوان شأن ~~العاشق مع معشوقه حتى لا يسعى زوجها في التخلص منه ببيعه مثلا . # وفي الوقت نفسه إفهام يوسف عن طريق مباشر ، بأن أمره بيدها لا بيد زوجها ~~، وأنها هي الآمرة الناهية ، فعليه أن يخضع لما تريده منه ، وإلا فالسجن أو ~~العذاب الأليم هو مصيره المحتوم. # وهنا نجد يوسف عليه السلام لا يجد مفرا من الرد على هذا الاتهام الباطل ، ~~فيقول كما حكى القرآن عنه : ( @QUR@05 قال هي راودتني عن نفسي ... ). PageV07P345 # أى : قال يوسف مدافعا عن نفسه : إنى ما أردت بها سوءا كما تزعم وإنما هي ~~التي بالغت في ترغيبى وإغرائى بارتكاب ما لا يليق معها .. # ثم قال تعالى : ( @QUR@024 وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل ~~فصدقت وهو من الكاذبين* وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين ). # وهذا الشاهد ذهب بعضهم إلى أنه كان ابن خال لها ، وقيل ابن عم لها ... # قال صاحب المنار : «ولكن الرواية عن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك ، ~~أنه كان صبيا في المهد ، ويؤيدها ما رواه أحمد وابن جرير والبيهقي في ~~الدلائل عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «تكلم في المهد أربعة ~~وهم : صغار ابن ماشطة ابنة فرعون. وشاهد يوسف وصاحب جريج وعيسى ابن مريم». # وروى ابن جرير عن أبى هريرة قال : «عيسى بن مريم وصاحب يوسف وصاحب جريج ~~تكلموا في المهد» وهذا موقوف ، والمرفوع ضعيف ، وقد اختاره ابن جرير ، ~~وحكاه ابن كثير بدون تأييد ولا تضعيف ...» (1). # وعلى أية حال فالذي يهمنا أن الله تعالى قد سخر في تلك اللحظة الحرجة ، ~~من يدلى بشهادته لتثبت براءة يوسف أمام العزيز. # وألقى الله تعالى هذه الشهادة على لسان من هو من أهلها ، لتكون أوجب ~~للحجة عليها ، وأوثق لبراءة يوسف ، وأنفى للتهمة عنه. # وقد قال هذا الشاهد في شهادته كما حكى القرآن عنه ( @QUR@06 إن كان قميصه ~~قد من قبل ) أى : من أمام «فصدقت» في أنه أراد بها سوءا ، لأن ذلك يدل على ~~أنها دافعته ms3037 من الأمام وهو يريد الاعتداء عليها. «وهو من الكاذبين» في قوله ~~«هي راودتني عن نفسي». # ( @QUR@06 وإن كان قميصه قد من دبر ) أى من خلف ( @QUR@01 فكذبت ) في ~~دعواها على أنه أراد بها سوءا ، لأن ذلك يدل على أنه حاول الهرب منها ، ~~فتعقبته حتى الباب ، وأمسكت به من الخلف ( @QUR@03 وهو من الصادقين ) في ~~دعواه أنها راودته عن نفسه. # وسمى القرآن الكريم ذلك الحكم بينهما شهادة ، لأن قوله هذا يساعد على ~~الوصول إلى الحق في قضية التبس فيها الأمر على العزيز. # وقدم الشاهد في شهادته الغرض الأول وهو إن كان قميصه قد من قبل لأنه إن صح PageV07P346 # يقتضى صدقها ، وقد يكون هو حريصا على ذلك بمقتضى قرابته لها ، إلا أن ~~الله تعالى أظهر ما هو الحق ، تكريما ليوسف عليه السلام أو يكون قد قدم ذلك ~~باعتبارها سيدة ، ويوسف فتى ، فمن باب اللياقة أن يذكر الفرض الأول رحمة بها. # وزيادة جملة «وهو من الكاذبين» بعد «فصدقت» وزيادة جملة «وهو من ~~الصادقين» بعد «فكذبت» تأكيد لزيادة تقرير الحق كما هو الشأن في إصدار ~~الأحكام. # وقوله سبحانه ( @QUR@013 فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن ~~كيدكن عظيم ... ) بيان لما قاله زوجها بعد أن انكشفت له الحقيقة انكشافا تاما. # أى : فلما رأى العزيز قميص يوسف قد قطع من الخلف. وجه كلامه إلى زوجته ~~معاتبا إياها بقوله : إن محاولتك اتهام يوسف بما هو برىء منه ، هو نوع من ~~«كيدكن» ومكركن وحيلكن «إن كيدكن عظيم» في بابه ، لأن كثيرا من الرجال لا ~~يفطنون إلى مراميه. # وهكذا واجه ذلك الرجل خيانة زوجه له بهذا الأسلوب الناعم الهادئ ، بأن ~~نسب كيدها ومكرها لا إليها وحدها بل الجنس كله «إنه من كيدكن». # ثم وجه كلامه إلى يوسف فقال له «يوسف أعرض عن هذا» أى : يا يوسف أعرض عن ~~هذا الأمر الذي دار بينك وبينها فاكتمه. ولا تتحدث به خوفا من الفضيحة ، ~~وحفاظا على كرامتي وكرامتها. # وقوله : ( @QUR@06 واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين ) خطاب منه لزوجته ~~التي ثبتت عليها الجريمة ms3038 ثبوتا تاما. # أى : واستغفري الله من ذنبك الذي وقع منك ، بإساءتك فعل السوء مع يوسف ، ~~ثم اتهامك له بما هو برىء منه. # وجملة : «إنك كنت من الخاطئين» تعليل لطلب الاستغفار. أى توبي إلى الله ~~مما حدث منك ، لأن ما حدث منك مع يوسف جعلك من جملة القوم المتعمدين ~~لارتكاب الذنوب ، وجعلها من جملة الخاطئين للتخفيف عليها في المؤاخذة. # وهكذا نجد هذا الرجل صاحب المنصب الكبير يعالج الجريمة التي تثور لها ~~الدماء في العروق ، وتستلزم حسما وحزما في الأحكام ، بهذا الأسلوب الهادئ ~~البارد ، شأن المترفين في كل زمان ومكان ، الذين يهمهم ظواهر الأمور دون ~~حقائقها وأشكالها دون جواهرها ، فهو يلوم امرأته لوما خفيفا يشبه المدح ، ~~ثم يطلب من يوسف كتمان الأمر ، ثم يطلب منها التوبة من ذنوبها المتعمدة .. ~~ثم تستمر الأمور بعد ذلك على ما هي عليه من بقاء يوسف معها في PageV07P347 # بيتها ، بعد أن كان منها معه ما يستلزم عدم اجتماعهما. # هذا ومن العبر والعظات والأحكام التي نأخذها من هذه الآيات الكريمة : # 1 أن اختلاط الرجال بالنساء. كثيرا ما يؤدى إلى الوقوع في الفاحشة وذلك ~~لأن ميل الرجل إلى المرأة وميل المرأة إلى الرجل أمر طبيعي ، وما بالذات لا يتغير. # ووجود يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز تحت سقف واحد في سن كانت هي فيه ~~مكتملة الأنوثة ، وكان هو فيها فتى شابا جميلا ... أدى إلى فتنتها به ، ~~وإلى أن تقول له في نهاية الأمر بعد إغراءات شتى له منها : «هيت لك». # ولا شك أن من الأسباب الأساسية التي جعلتها تقول هذا القول العجيب ~~وجودهما لفترة طويلة تحت سقف واحد. # لذا حرم الإسلام تحريما قاطعا الخلوة بالأجنبية ، سدا لباب الوقوع في ~~الفتن ، ومنعا من تهيئة الوسائل للوقوع في الفاحشة. # ومن الأحاديث التي وردت في ذلك ما رواه الشيخان عن عقبة بن عامر ، أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «إياكم والدخول على النساء ، فقال رجل من ~~الأنصار ، أفرأيت الحمو يا رسول الله؟ قال : الحمو الموت (1)». والحمو هو ~~قريب الزوج كأخيه ms3039 وابن عمه. # وسئلت امرأة انحرفت عن طريق العفاف ، لما ذا كان منك ذلك فقالت : قرب ~~الوساد ، وطول السواد (2). # أى : حملني على ذلك قربى ممن أحبه وكثرة محادثتى له! # 2 أن هم الإنسان بالفعل ، ثم رجوعه عنه قبل الدخول في مرحلة التصميم ~~والتنفيذ ، لا مؤاخذة فيه. # قال القرطبي ما ملخصه : «الهم الذي هم به يوسف ، من نوع ما يخطر في النفس ~~، ولا يثبت في الصدر ، وهو الذي رفع الله فيه المؤاخذة عن الخلق ، إذ لا ~~قدرة للمكلف على دفعه. # وفي صحيح مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «قالت الملائكة يا ربنا ذلك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو ~~أبصر به فقال : ارقبوه فإن PageV07P348 # عملها فاكتبوها له بمثلها وإن تركها فاكتبوها له حسنة إنما تركها من أجلى». # وفي الصحيح : «إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو ~~تتكلم به (1)». # 3 أن من الواجب على المؤمن إذا ما دعى إلى معصية أن يستعيذ بالله من ذلك ~~، وأن يذكر الداعي له بضررها ، وبسوء عاقبة المرتكب لها ... كما قال يوسف ~~عليه السلام ( @QUR@010 معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون ). # 4 أن يوسف عليه السلام قد خرج من هذه المحنة مشهودا له بالبراءة ونقاء ~~العرض ، من الله تعالى ومن خلقه الذين سخرهم لهذه الشهادة. # قال الإمام الرازي ما ملخصه : واعلم أن الذين لهم تعلق بهذه الواقعة ، ~~يوسف عليه السلام وتلك المرأة وزوجها ، ورب العالمين .. والكل شهد ببراءة ~~يوسف عن المعصية ، أما يوسف عليه السلام فقد قال «هي راودتني عن نفسي» وقال ~~: «رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه» .. # وأما امرأة العزيز فقد قالت : «أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين». # وأما زوجها فقد قال : «إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم ..». # أما شهادة رب العالمين ببراءته ففي قوله تعالى : ( @QUR@09 كذلك لنصرف ~~عنه السوء والفحشاء ، إنه من عبادنا المخلصين ). # فقد شهد الله تعالى على طهارته في هذه الآية أربع مرات ، أولها : لنصرف ms3040 ~~عنه السوء» وثانيها «الفحشاء» وثالثها «إنه من عبادنا» ورابعها «المخلصين» (2). # 5 أن موقف العزيز من امرأته كان موقفا ضعيفا متراخيا ... وهذا الموقف هو ~~الذي جعل تلك المرأة المتحكمة في زمام زوجها ، تقول بعد ذلك بكل تبجح وتكشف ~~واستهتار : «ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ، ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن ، ~~وليكونا من الصاغرين». # 6 أن القرآن الكريم صور تلك المحنة في حياة يوسف وامرأة العزيز ، تصويرا ~~واقعيا صادقا ، ولكن بأسلوب حكيم ، بعيد عما يخدش الحياء أو يجرح الشعور ~~قال بعض العلماء : «والذي خطر لي أن قوله تعالى : ( @QUR@011 ولقد همت به ~~وهم بها لو لا أن رأى برهان ربه ) هو نهاية موقف طويل من الإغراء ، بعد ما ~~أبى يوسف في أول الأمر PageV07P349 # واستعصم ، وهو تصوير واقعي صادق لحالة النفس البشرية الصالحة في المقاومة ~~والضعف ، ثم الاعتصام بالله في النهاية والنجاة ، ولكن السياق القرآنى لم ~~يفصل في تلك المشاعر البشرية المتداخلة المتعارضة المتغالبة ، لأنه المنهج ~~القرآنى لا يريد أن يجعل من هذه اللحظة معرضا يستغرق أكثر من مساحته ~~المناسبة في محيط القصة وفي محيط الحياة البشرية المكتملة كذلك فذكر طرفي ~~الموقف بين الاعتصام في أوله والاعتصام في نهايته ، مع الإلمام بلحظة الضعف ~~بينهما ، ليكتمل الصدق والواقعية والجو النظيف جميعا ..» (1). # ثم حكت السورة الكريمة بعد ذلك ما قالته بعض النساء ، بعد أن شاع خبر ~~امرأة العزيز مع فتاها ، وما فعلته معهن من أفعال تدل على شدة مكرها ~~ودهائها ، وما قاله يوسف عليه السلام بعد ان سمع ما سمع من تهديدهن وإغرائهن ~~.. قال تعالى : # ( @QUR@018 وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه قد ~~شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين (30) @QUR@032 فلما سمعت بمكرهن أرسلت ~~إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما ~~رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم ~~(31) @QUR@019 قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ~~ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين (32) @QUR@017 قال رب ms3041 ~~السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من ~~الجاهلين (33) @QUR@010 فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع ~~العليم ) (34) PageV07P350 # قوله سبحانه ( @QUR@010 وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز تراود فتاها ~~عن نفسه .. ) حكاية لما تناقلته الألسنة عن امرأة العزيز ، فقد جرت العادة ~~بين النساء ، أن يتحدثن عن أمثال هذه الأمور في مجالسهن ، ولا يكتمنها ~~خصوصا إذا كانت صاحبة الحادثة من نساء الطبقة المرموقة .. كامرأة العزيز. # والنسوة : اسم جمع لا واحد له من لفظه ، ومفردة من حيث المعنى : امرأة. # والمراد بالمدينة : مدينة مصر التي كان يعيش فيها العزيز وزوجته والجار ~~والمجرور متعلق بمحذوف صفة لنسوة. # أى : وقال نسوة من نساء مدينة مصر على سبيل النقد والتشهير والتعجب إن ~~امرأة العزيز ، صاحبة المكانة العالية ، والمنزلة الرفيعة ، بلغ بها الحال ~~في انقيادها لهواها ، وفي خروجها عن طريق العفة .. أنها تراود فتاها عن ~~نفسه ، أى : تطلب منه مواقعتها ، وتتخذ لبلوغ غرضها شتى الوسائل والحيل. # ولم يبين لنا القرآن الكريم عدد هؤلاء النسوة ولا صفاتهم ، لأنه لا يتعلق ~~بذلك غرض نافع ، ولأن الذي يهدف إليه القرآن الكريم هو بيان أن ما حدث بين ~~يوسف وامرأة العزيز ، قد شاع أمره بين عدد من النساء في مدينة كبيرة كمصر ~~وفي وصفها بأنها «امرأة العزيز» زيادة في التشهير بها. فقد جرت العادة بين ~~الناس ، بأن ما يتعلق بأصحاب المناصب الرفيعة من أحداث ، يكون أكثر انتشارا ~~بينهم ، وأشد في النقد والتجريح. # والتعبير بالمضارع في قوله سبحانه ( @QUR@01 تراود ) يشعر بأنها كانت ~~مستمرة على ذلك ، دون أن يمنعها منه افتضاح أمرها ، وقول زوجها لها ~~«واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين». # والمراد بفتاها يوسف عليه السلام ووصفنه بذلك لأنه كان في خدمتها ، ~~والمبالغة في رميها بسوء السلوك ، حيث بلغ بها الحال في احتقار نفسها ، أن ~~تكون مراودة لشخص هو خادم لها .. # وجملة «قد شغفها حبا» بيان لحالها معه ، وهي في محل نصب حال من فاعل ~~تراود أو من مفعوله والمقصود بها تكرير لومها ، وتأكيد انقيادها لشهواتها. # وشغف ms3042 مأخوذ من الشغاف بكسر الشين وهو غلاف القلب ، أو سويداؤه أو حجابه ، ~~يقال : شغف الهوى قلب فلان شغفا ، أى بلغ شغافه. # والمراد أن حبها إياه قد شق شغاف قلبها. وتمكن منه تمكنا لا مزيد عليه ~~و «حبا» تمييز PageV07P351 # محول عن الفاعل ، والأصل : شغفها حبها إياه. # وجملة ( @QUR@05 إنا لنراها في ضلال مبين ) مقررة لمضمون ما قبلها من لوم ~~امرأة العزيز ، وتحقير سلوكها ، والمراد بالضلال : مخالفة طريق الصواب. # أى : إنا لنرى هذه المرأة بعين بصيرتنا ، وصادق علمنا. في خطأ عظيم واضح ~~بحيث لا يخفى على أحد من العقلاء ، لأنها وهي المرأة المرموقة وزوجة الرجل ~~الكبير تراود خادمها عن نفسه. # والتعبير «بإنا لنراها ...» للإشعار بأن حكمهن عليها بالضلال ليس عن جهل ~~، وإنما هو عن علم وروية ، مع التلويح بأنهن يتنزهن عن مثل هذا الضلال ~~المبين الصادر عنها. # قال صاحب المنار : «وهن ما قلن هذا إنكارا للمنكر ، وكرها للرذيلة ، ولا ~~حبا في المعروف ، ونصرا للفضيلة. وإنما قلنه مكرا وحيلة ، ليصل إليها قولهن ~~فيحملها على دعوتهن ، وإراءتهن بأعين أبصارهن ، ما يبطل ما يدعين رؤيته ~~بأعين بصائرهن ، فيعذرنها فيما عذلنها عليه فهو مكر لا رأى» (1). # وهنا تحكى السورة الكريمة كيف قابلت تلك المرأة الداهية الجريئة ، مكر ~~بنات جنسها وطبقتها بمكر أشد من مكرهن بها فقال تعالى : # ( @QUR@03 فلما سمعت بمكرهن ) أى : باغتيابهن لها. وسوء مقالتهن فيها ، ~~وسمى ذلك مكرا لشبهه به في الإخفاء والخداع. # أو قصدن بما قلنه كما سبق أن أشرنا إثارتها ، لكي تطلعهن على فتاها الذي ~~راودته عن نفسه ، ليعرفن السر في هذه المراودة ، وعلى هذا يكون المكر على ~~حقيقته. ومثل هذا المكر ليس غريبا على النساء في مثل هذه الأحوال. # وقوله : ( @QUR@02 أرسلت إليهن .. ) إلخ بيان لما فعلته معهن. # أى : أرسلت إلى النسوة اللائي وصفنها بأنها في ضلال مبين ، ودعتهن إلى ~~الحضور إليها في دارها لتناول الطعام. # ( @QUR@03 وأعتدت لهن متكأ ) أى : وهيأت لهن في مجلس طعامها ، ما يتكئن ~~عليه من الوسائد والنمارق وما يشبه ذلك. # فالمتكأ : اسم مفعول من الاتكاء ، وهو الميل إلى أحد الجانبين ms3043 في الجلوس ~~كما جرت بذلك PageV07P352 # عادة المترفين عند تناول الطعام ، وعند ما يريدون إطالة المكث مع انتصاب ~~قليل في النصف الأعلى من الجسم والاستراحة بعد الأكل. # أخرج ابن شيبة عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يأكل الرجل ~~بشماله ، وأن يأكل متكئا (1). # ( @QUR@05 وآتت كل واحدة منهن سكينا ) أى : وأعطت كل واحدة من هؤلاء ~~النسوة سكينا ليقطعن به ما يأكلن من لحم وفاكهة. # ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن الحضارة المادية في مصر في ذلك الوقت كانت ~~قد بلغت شأوا بعيدا ، وأن الترف في القصور كان عظيما ، فإن استعمال ~~السكاكين في الأكل قبل هذه الآلاف من السنين له قيمته في تصوير الترف ~~والحضارة المادية» (2). # وهنا نجد المرأة الجريئة الماكرة ، تقول ليوسف عليه السلام كما حكى القرآن ~~عنها : «اخرج عليهن» أى ابرز لهن ، وادخل عليهن ، وهن على تلك الحالة من ~~الأكل والاتكاء وتقطيع ما يحتاج إلى تقطيع الطعام .. # وهي ترمى من وراء خروجه عليهن إلى اطلاعهن عليه حتى يعذرنها في حبها له ~~وقد كان لهذه المفاجأة من يوسف لهن وهن مشغولات بما يقطعنه ويأكلنه ، أثرها ~~الشديد في نفوسهن ، وهذا ما حكاه القرآن الكريم في قوله : ( @QUR@016 فلما ~~رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم ). # والجملة الكريمة معطوفة على كلام محذوف دل عليه السياق ، والتقدير : قالت ~~امرأة العزيز ليوسف اخرج عليهن ، فخرج عليهن وهن على تلك الحالة فلما رأينه ~~أكبرنه ، أى : أعظمنه ، ودهشن لهيئته ، وجمال طلعته وحسن شمائله. # ( @QUR@02 وقطعن أيديهن ) أى : جرحن أيديهن وخدشنها بالسكاكين التي في ~~أيديهن دون أن يشعرن بذلك ، لشدة دهشتهن المفاجئة بهيئة يوسف .. # ( @QUR@06 وقلن حاش لله ما هذا بشرا ) وحاش فعل ماض ، واللام في «لله» ~~للتعليل ، والمراد بهذه الجملة الكريمة التعبير عن عجيب صنع الله في خلقه ~~أى : وقلن عند ما فوجئن بخروج يوسف عليهن : ننزه الله تعالى تنزيها كبيرا ~~عن صفات العجز ، ونتعجب تعجبا شديدا من قدرته سبحانه على خلق هذا الجمال ~~البديع ، وما هذا الذي نراه ms3044 أمامنا بشرا كسائر PageV07P353 # البشر ، لتفوقه في الحسن عنهم ، وإنما هو ملك كريم من الملائكة المقربين ~~تمثل في هذه الصورة البديعة التي تخلب الألباب. # ووصفوه بذلك بناء على ما ركز في الطباع من تشبيه ما هو مفرط في الجمال ~~والعفة بالملك وتشبيه ما هو شديد القبح والسوء بالشيطان. # وهنا شعرت امرأة العزيز بانتصارها على بنات جنسها ، اللائي عذلنها في ~~حبها ليوسف ، فقالت لهن على سبيل التفاخر والتشفي ، وبدون استحياء أو تلميح ~~: ( @QUR@05 قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ). # والفاء هنا فصيحة ، والخطاب للنسوة اللائي قطعن أيديهن دهشا من جمال يوسف ~~، والإشارة إليه عليه السلام . # أى : قالت لهن على سبيل التشفي والتباهي والاعتذار عما صدر منها معه : إن ~~كان الأمر كما قلتن ، فذلك هو الملك الكريم الذي لمتنني في حبى له ، وقلتن ~~ما قلتن في شأنى لافتتاني به ، فالآن بعد رؤيتكن له ، وتقطيع أيديكم ذهولا ~~لطلعته ، قد علمتن أنى معذورة فيما حدث منى معه ... # ثم جاهرت أمامهن بأنها أغرته بمواقعتها فلم يستجب فقالت : # ( @QUR@05 ولقد راودته عن نفسه فاستعصم .. ). أى : والله لقد حاولت معه ~~بشتى المغريات أن يطوع نفسه لي ، فأبى وامتنع امتناعا بليغا ، وتحفظ تحفظا شديدا. # والتعبير بقوله «فاستعصم» للمبالغة في عصمته لنفسه من الزلل ، فالسين ~~والتاء للمبالغة ، وهو من العصمة بمعنى المنع. يقال : عصمه الطعام أى : ~~منعه من الجوع. وعصم القربة أى : شدها بالعصام ليمنع نزول الماء منها. # وفي الآية كما يقول الآلوسى دليل على أنه عليه السلام لم يصدر منه ما سود ~~به القصاص وجوه الطروس (1) أى الأوراق. # ثم قالت أمامهن بعد ذلك في تبجح واستهتار وتهديد : ( @QUR@09 ولئن لم ~~يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين ). # أى : والله لقد راودته عن نفسه فاستعصم ، والله لئن لم يفعل ما آمره به ، ~~وأنا سيدته الآمرة الناهية لا غيرى ليسجنن عقوبة له ، وليكونا من الصاغرين ~~، أى : من الأذلاء PageV07P354 # المهانين المقهورين ، من الصغار. يقال : صغر فلان كفرح يصغر صغارا ، إذا ~~ذل وهان. # قالوا : وأكدت السجن بالنون الثقيلة وبالقسم لتحققه في نظرها ، وأكدت ~~الصغار بالنون الخفيفة لأنه ms3045 غير متحقق فيه ، ولأنه من توابع السجن ولوازمه. # وفي هذا التهديد ما فيه من الدلالة على ثقتها من سلطانها على زوجها ، ~~وأنه لا يستطيع أن يعصى لها أمرا ، مع أنه عزيز مصر .. # ويترامى على مسامع يوسف عليه السلام هذا التهديد السافر ... فيلجأ إلى ربه ~~مستجيرا به. ومحتميا بحماه ويقول : «رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه ..». # أى : قال يوسف عليه السلام متضرعا إلى ربه تعالى يا رب السجن الذي هددتنى ~~به تلك المرأة ومن معها ، أحب إلى ، وآثر عندي مما يدعونني إليه من ارتكاب ~~الفواحش. # وقال أحب إلى مما يدعونني إليه ، ولم يقل مما تدعوني إليه امرأة العزيز ، ~~لأنهن جميعا كن مشتركات في دعوته إلى الفاحشة سواء بطريق مباشر أو غير ~~مباشر ، بعد أن شاهدن هيئته وحسنه ، وبعد أن سمعن ما قالته في شأنه ربة ~~الدار .. # قال الآلوسى : «وإسناد الدعوة إليهن ، لأنهن خوفنه من مخالفتها ، وزين له ~~مطاوعتها. # فقد روى أنهن قلن له أطع مولاتك ، واقض حاجتها ، لتأمن عقوبتها .. وروى ~~أن كل واحدة منهن طلبت الخلوة به لنصيحته ، فلما خلت به دعته إلى نفسها ... # وقوله : ( @QUR@09 وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين ) ~~واعتراف منه عليه السلام بضعفه البشرى الذي لا قدرة له على الصمود أمام ~~الإغراء ، إذا لم يكن معه عون الله تعالى وعنايته ورعايته. # و ( @QUR@01 أصب ) من الصبوة وهي الميل إلى الهوى ، يقال : صبا فلان يصبو ~~صبوا وصبوة ، إذا مال إلى شهوات نفسه واتبع طريق الشر ، ومنه ريح الصبا ، ~~وهي التي تميل إليها النفوس لطيب نسيمها واعتدال هوائها. # والمعنى : وإلا تدفع عنى يا إلهى كيد هؤلاء النسوة ، ومحاولاتهن إيقاعى ~~في حبائلهن ، أمل إليهن. وأطاوعهن على ما يردنه منى ، وأكن بذلك من ~~الجاهلين السفهاء الذين يخضعون لأهوائهم وشهواتهم ، فيقعون في القبائح ~~والمنكرات. # وقوله سبحانه ( @QUR@010 فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع ~~العليم ) بيان PageV07P355 # لتقبل الله تعالى لدعائه بفضله ورحمته. # أى : فاستجاب الله تعالى ليوسف دعاءه وضراعته ، فدفع عنه بلطفه وقدرته ~~كيد هؤلاء النسوة ومكرهن ، بأن أدخل ms3046 اليأس في نفوسهن من الطمع في استجابته ~~لهن ، وبأن زاده ثباتا على ثباته ، وقوة على قوته ، فلم ينخدع بمكرهن ، ولم ~~تلن له قناة أمام ترغيبهن أو ترهيبهن. # «إنه» سبحانه «هو السميع» لدعاء الداعين ، والمجيب لضراعة المخلصين ~~«العليم» بأحوال القلوب ، وبما تنطوى عليه من خير أو شر. # وقال سبحانه ( @QUR@01 فاستجاب ) بفاء التعقيب للإشارة إلى أنه سبحانه ~~بفضله وكرمه ، قد أجاب دعاء عبده يوسف عليه السلام بدون تأخير أو إبطاء. # قال الإمام ابن كثير : وقوله سبحانه ( @QUR@06 فاستجاب له ربه فصرف عنه ~~كيدهن ... ) # وذلك لأن يوسف عليه السلام عصمه الله عصمة عظيمة ، وحماه فامتنع منها أشد ~~الامتناع ، واختار السجن على ذلك ، وهذا في غاية مقامات الكمال ، أنه مع ~~شبابه وجماله وكماله ، تدعوه سيدته ، وهي امرأة عزيز مصر ، وهي مع هذا في ~~غاية الجمال والمال والرياسة ، فيمتنع من ذلك ويختار السجن خوفا من الله ، ~~ورجاء في ثوابه. # ولهذا ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «سبعة يظلمهم ~~الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل ، وشاب نشأ في عبادة الله ، ~~ورجل قلبه معلق بالمساجد ، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ، ~~ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه ، ورجل ذكر الله ~~خاليا ففاضت عيناه ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إنى أخاف الله» (1). # ثم ساقت لنا السورة الكريمة بعد ذلك قصة دخول يوسف عليه السلام السجن ، مع ~~ثبوت براءته ، مما نسب إليه ، وكيف أنه وهو في السجن لم ينس الدعوة إلى ~~عبادة الله تعالى وحده ، وترك عبادة ما سواه ، وكيف أنه أقام الأدلة على ~~صحة ما يدعو إليه ، وفسر لصاحبيه في السجن رؤياهما تفسيرا صادقا صحيحا .. # استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى كل ذلك بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول : PageV07P356 # ( @QUR@011 ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين (35) ~~@QUR@027 ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر ~~إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله ms3047 إنا نراك من ~~المحسنين (36) @QUR@026 قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله ~~قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم ~~بالآخرة هم كافرون (37) @QUR@026 واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ~~ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن ~~أكثر الناس لا يشكرون (38) @QUR@010 يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم ~~الله الواحد القهار (39) @QUR@032 ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها ~~أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا ~~إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (40) @QUR@020 يا ~~صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من ~~رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان (41) @QUR@02 وقال للذي PageV07P357 # @QUR@016 ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث ~~في السجن بضع سنين ) (42) # وقوله سبحانه ( @QUR@011 ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى ~~حين ) بيان لما فعله العزيز وحاشيته مع يوسف عليه السلام بعد أن ثبتت ~~براءته. # وبدا هنا من البداء بالفتح وهو كما يقول الإمام الرازي عبارة عن تغير ~~الرأى عما كان عليه في السابق. # والضمير في «لهم» يعود إلى العزيز وأهل مشورته. # والمراد بالآيات : الحجج والبراهين الدالة على براءة يوسف ونزاهته ، ~~كانشقاق قميصه من دبر ، وقول امرأة العزيز ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ، ~~وشهادة الشاهد بأن يوسف هو الصادق وهي الكاذبة ... والحين : الزمن غير ~~المحدد بمدة معينة. # والمعنى : ثم ظهر للعزيز وحاشيته ، من بعد ما رأوا وعاينوا البراهين ~~المتعددة الدالة على صدق يوسف عليه السلام وطهارة عرضه ... بدا لهم بعد كل ~~ذلك أن يغيروا رأيهم في شأنه ، وأن يسجنوه في المكان المعد لذلك ، إلى مدة ~~غير معلومة من الزمان. # واللام في قوله «ليسجننه» جواب لقسم محذوف على تقدير القول أى : ظهر لهم ~~من بعد ما رأوا الآيات قائلين ، والله ليسجننه حتى حين. # ولا شك أن الأمر بسجن يوسف عليه السلام كان بتأثير من ms3048 امرأة العزيز ، ~~تنفيذا لتهديدها بعد أن صمم يوسف عليه السلام على عصيانها فيما تدعوه إليه ، ~~فقد سبق أن حكى القرآن عنها قولها ( @QUR@09 ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن ~~وليكونا من الصاغرين ) (1). # ولا شك أيضا أن هذا القرار بسجن يوسف يدل على أن امرأة العزيز كانت مالكة ~~لقياد زوجها صاحب المنصب الكبير ، فهي تقوده حيث تريد كما يقود الرجل دابته. # ولقد عبر عن هذا المعنى صاحب الكشاف فقال ما ملخصه : قوله ( @QUR@08 ثم ~~بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ... ) PageV07P358 # وهي الشواهد على براءته ، وما كان ذلك إلا باستنزال المرأة لزوجها ، ~~وفتلها منه في الذروة والغارب ، وكان مطواعا لها ، وجملا ذلولا زمامه في ~~يدها ، حتى أنساه ذلك ما عاين من الآيات ، وعمل برأيها في سجنه ، لإلحاق ~~الصغار به كما أوعدته ، وذلك لما أيست من طاعته لها ، وطمعت في أن يذلله ~~السجن ويسخره لها (1). # ثم بين سبحانه جانبا من أحواله بعد أن دخل السجن فقال : ( @QUR@04 ودخل ~~معه السجن فتيان ... ). # والفتيان : تثنية فتى ، وهو من جاوز الحلم ودخل في سن الشباب. # قالوا : وهذان الفتيان كان أحدهما : خبازا للملك وصاحب طعامه وكان الثاني ~~: ساقيا للملك ، وصاحب شرابه. # وقد أدخلهما الملك السجن غضبا عليهما ، لأنهما اتهما بخيانته. # والجملة الكريمة عطف على كلام محذوف يفهم من السياق ، والتقدير بعد أن ~~بدا للعزيز وحاشيته سجن يوسف. نفذا ما بدا لهم فسجنوه ، ودخل معه في السجن ~~فتيان من خدم الملك «قال أحدهما» وهو ساقى الملك ليوسف عليه السلام : # «إنى أرانى أعصر خمرا» أى : إنى رأيت فيما يرى النائم. أنى أعصر عنبا ~~ليصير خمرا. سماه بما يؤول إليه. # «وقال الآخر إنى أرانى أحمل فوق رأسى خبزا تأكل الطير منه» أى : وقال ~~الثاني وهو خباز الملك ، إنى رأيت في المنام أنى أحمل فوق رأسى سلالا بها ~~خبز ، وهذا الخبز تأكل الطير منه وهو فوق رأسى. # والضمير المجرور في قوله : ( @QUR@06 نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين ~~) يعود إلى المرئي في المنام أى : أخبرنا بتفسير ما رأيناه في منامنا ، إذ ~~نراك ونعتقدك من ms3049 القوم الذين يحسنون تأويل الرؤى ، كما أننا نتوسم فيك ~~الخير والصلاح ، لإحسانك إلى غيرك ، من السجناء الذين أنت واحد منهم. # وقبل أن يبدأ يوسف عليه السلام في تأويل رؤياهما ، أخذ يمهد لذلك بأن ~~يعرفهما PageV07P359 # بنفسه ، وبعقيدته ، ويدعوهما إلى عبادة الله وحده ويقيم لهما الأدلة على ~~ذلك ... # وهذا شأن المصلحين العقلاء المخلصين لعقيدتهم الغيورين على نشرها بين ~~الناس ، إنهم يسوقون لغيرهم من الكلام الحكيم ما يجعل هذا الغير يثق بهم ، ~~ويقبل عليهم ، ويستجيب لهم .. # وهذا ما كان من يوسف عليه السلام فقد بدأ في رده عليهما بقوله : ( ~~@QUR@011 قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما .. ). # أى : قال يوسف لرفيقيه في السجن اللذين سألاه أن يفسر لهما رؤياهما : «لا ~~يأتيكما» أيها الرفيقان «طعام ترزقانه» في سجنكما ، في حال من الأحوال ، ~~إلا وأخبرتكما بماهيته وكيفيته وسائر أحواله قبل أن يصل إليكما. # وإنما قال لهما ذلك ليبرهن على صدقه فيما يقول ، فيستجيبا لدعوته لهما ~~إلى وحدانية الله بعد ذلك. # وقوله «ذلكما مما علمني ربي» نفى لما قد يتبادر إلى ذهنهما من أن علمه ~~مأخوذ عن الكهانة أو التنجيم أو غير ذلك مما لا يقره الدين. # أى : ذلك التفسير الصحيح للرؤيا ، والأخبار عن المغيبات ، كإخباركما عن ~~أحوال طعامكما قبل أن يصل إليكما .. # ذلك كله إنما هو العلم الذي علمني إياه ربي وخالقي ومالك أمرى ، وليس عن ~~طريق الكهانة أو التنجيم كما يفعل غيرى. # وقوله : «مما علمني ربي» فيه إشعار بأن ما أخبرهما به من مغيبات هو جزء ~~من علوم كثيرة علمها إياه ربه عز وجل فضلا منه سبحانه وكرما. # ثم أضاف إلى ذلك قوله : «إنى تركت ملة قوم» أى دين قوم «لا يؤمنون بالله» ~~أى لا يدينون بالعبودية لله تعالى وحده الذي خلقهم ورزقهم ، وإنما يدينون ~~بالعبودية لآلهة أخرى لا تنفع ولا تضر. # «وهم بالآخرة» وما فيها من ثواب وعقاب «هم كافرون» جاحدون لما يجب ~~الإيمان به. # وفي هذه الجملة الكريمة تعريض بما كان عليه العزيز وقومه ، من إشراك وكفر ~~، ولم يواجه ms3050 الفتيان بأنهما على دين قومهما ، وإنما ساق كلامه على سبيل ~~العموم ، لكي يزيد في استمالتهما إليه ، وإقبالهما عليه .. PageV07P360 # وهذا شأن الدعاة العقلاء ، يلتزمون في دعوتهم إلى الله الحكمة والموعظة ~~الحسنة ، بدون إحراج أو تنفير. # ولما كان تركه لملة هؤلاء القوم ، يقتضى دخوله في ملة قوم آخرين ، تراه ~~يصرح بالملة التي اتبعها فيقول : ( @QUR@03 واتبعت ملة آبائي ) الكرام ~~المؤمنين بوحدانية الله وبالآخرة وما فيها من حساب وجزاء. # ( @QUR@03 إبراهيم وإسحاق ويعقوب ). وسماهم آباء جميعا ، لأن الأجداد ~~آباء ، وقدم الجد الأعلى ثم الجد الأقرب ثم الأب ، لكون ابراهيم هو أصل تلك ~~الملة التي اتبعها ، ثم تلقاها عنه إسحاق ، ثم تلقاها عن إسحاق يعقوب ~~عليهم السلام . # وفي هذه الجملة الكريمة ، بيان منه عليه السلام لرفيقيه في السجن ، بأنه ~~من سلسلة كريمة ، كلها أنبياء ، فحصل له بذلك الشرف الذي ليس بعده شرف ، ~~وقوله ( @QUR@08 ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ) تنزه عن الشرك بأبلغ وجه. # أى : ما صح وما استقام لنا أن نشرك بالله تعالى أى شيء من الإشراك ، فنحن ~~أهل بيت النبوة الذين عصمهم الله تعالى عن ذلك. # و «من» في قوله «من شيء» لتأكيد النفي وتعميمه. أى : ما كان لنا أهل هذا ~~البيت الكريم أن نشرك بالله شيئا من الإشراك ، قليلا ذلك الشيء أو حقيرا. # وقوله ( @QUR@07 ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ... ) اعتراف منه ~~عليه السلام برعاية الله تعالى له ولآبائه. # واسم الإشارة. يعود إلى الإيمان بالله تعالى المدلول عليه بنفي الشرك. # أى : ذلك الإخلاص لله تعالى في العبادة ، كائن من فضله سبحانه علينا ~~معاشر هذا البيت ، وعلى غيرنا من الناس ، الذين هداهم إلى الإيمان الحق. # وقوله : ( @QUR@05 ولكن أكثر الناس لا يشكرون ) إنصاف للقلة الشاكرة لله ~~تعالى . # أى : ولكن أكثر الناس لا يشكرون الله تعالى على نعمه الجزيلة وآلائه التي ~~لا تحصى. # وبعد أن عرف يوسف صاحبيه في السجن بنفسه وبملته وبآبائه. شرع يقيم لهم ~~الأدلة على صحة عقيدته ، وعلى فساد عقيدتهما فقال كما حكى القرآن عنه : ( ~~@QUR@010 يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون ms3051 خير أم الله الواحد القهار ). # أى : يا صاحبي ورفيقي في السجن أخبرانى بربكما ، أعبادة عدد من الأرباب ~~المتفرقة في PageV07P361 # ذواتها وصفاتها «خير» لكما «أم» عبادة الله تعالى «الواحد» في ذاته ~~وصفاته «القهار» لكل من غالبه أو نازعه؟ # وكرر نداءهما بالصحبة ليتحبب إليهما بهذه الصفة التي فيها إيناس للقلوب ، ~~وليسترعى انتباههما إلى ما يقوله لهما. # قال صاحب المنار ما ملخصه : «وقوله : أأرباب متفرقون خير ...» هذا ~~استفهام تقرير بعد تخيير ، ومقدمة لأظهر برهان على التوحيد ، وكان المصريون ~~المخاطبون به ، يعبدون كغيرهم من الأمم أربابا متفرقين في ذواتهم وفي ~~صفاتهم وفي الأعمال التي يسندونها إليهم بزعمهم ، فهو يقول لصاحبيه أأرباب ~~متفرقون ، أى عديدون هذا شأنهم في التفرق والانقسام «خير» لكما ولغيركما ~~«أم الله الواحد القهار ..» (1). # ولا شك أن الجواب الذي لا يختلف فيه عاقلان ، أن عبادة الله تعالى الواحد ~~القهار ، هي العبادة الصحيحة التي توافق الفطرة السليمة والعقول القويمة. # ثم انتقل يوسف عليه السلام إلى تفنيد العقائد الباطلة والأوهام الكاذبة ~~فقال : «ما تعبدون من دونه» أى من دون الله تعالى المستحق للعبادة. # ( @QUR@02 إلا أسماء ) أى ألفاظا فارغة لا قيمة لها. # ( @QUR@01 سميتموها ) آلهة بزعمكم «أنتم وآباؤكم» أما هي فليس لها من هذا ~~الاسم المزعوم ظل من الحقيقة ، لأنها مخلوقة وليست خالقة ، ومرزوقة وليست ~~رازقة ، وزائلة وليست باقية ، وما كان كذلك لا يستحق أن يكون إلها. # ومفعول ( @QUR@01 سميتموها ) الثاني محذوف. والتقدير سميتموها آلهة. # وقوله «وآباؤكم» لقطع عذرهم ، حتى لا يقولوا : إنا وجدنا آباءنا كذلك ~~يفعلون ، فكأنه تعالى يقول لهم : إن آباءكم كانوا أشد منكم جهلا وضلالا ، ~~فلا يصح لكم أن تقتدوا بهم. # والمراد بالسلطان في قوله تعالى ( @QUR@06 ما أنزل الله بها من سلطان ) ~~الحجة والبرهان. # أى : ما أنزل الله تعالى بتسميتها أربابا كما سميتموها بزعمكم من برهان ~~أو دليل يشعر بتسميتها بذلك ، وإنما أنتم الذين خلعتم عليها هذه الأسماء. # وقوله : ( @QUR@04 إن الحكم إلا لله ) إبطال لجميع التصرفات المزعومة ~~لآلهتهم .. PageV07P362 # أى : ما الحكم في شأن العقائد والعبادات والمعاملات وفي صحتها أو عدم ~~صحتها إلا لله تعالى ms3052 وحده ، لأنه الخالق لكل شيء ، والعليم بكل شيء. # وقوله ( @QUR@05 أمر ألا تعبدوا إلا إياه ) انتقال من الأدلة الدالة على ~~وحدانيته سبحانه إلى الأمر بإخلاص العبادة له وحده. # أى : أمر سبحانه عباده أن لا يجعلوا عبادتهم إلا له وحده ، لأنه هو ~~خالقهم ورازقهم ، وهو يحييهم ويميتهم. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@08 ذلك الدين القيم ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون ). # أى : ذلك الذي أمرناكم به من وجوب إخلاص العبادة لله تعالى وحده ، هو ~~الدين القيم. # أى : الحق المستقيم الثابت ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك حق العلم ، ~~لاستيلاء الشهوات والمطامع على نفوسهم. # وبعد أن عرف يوسف صاحبيه في السجن بنفسه ، وأقام لهما الأدلة على أن ~~عبادة الله تعالى وحده هي الدين الحق ودعاهما إلى الدخول فيه .. # بعد كل ذلك شرع في تفسير رؤياهما ليزيدهما ثقة في قوله ، فقال : ( ~~@QUR@05 يا صاحبي السجن أما أحدكما ) وهو ساقى الملك ، فيخرج من السجن ~~بريئا ويسقى «ربه» أى : سيده الملك «خمرا». # ( @QUR@02 وأما الآخر ) وهو خباز الملك وصاحب طعامه «فيصلب» أى : فيقتل ~~ثم يصلب «فتأكل الطير من رأسه» بعد موته. # ولم يعين يوسف عليه السلام من هو الذي يسقى ربه خمرا ، ومن هو الذي يصلب ، ~~وإنما اكتفى بقوله «أما أحدكما ... وأما الآخر» تلطفا معهما ، وتحرجا من ~~مواجهة صاحب المصير السيئ بمصيره ، وإن كان في تعبيره ما يشير الى مصير كل ~~منهما بطريق غير مباشر. # ثم أكد لهما الأمر واثقا من صدق العلم الذي علمه الله إياه ، فقال : ( ~~@QUR@05 قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ). # والاستفتاء : مصدر استفتى إذا طلب الفتوى من غيره في أمر خفى عليه فهمه ~~أى : تم التفسير الصحيح لرؤييكما اللتين سألتمانى عن تأويلهما. PageV07P363 # ثم ختم يوسف عليه السلام حديثه مع صاحبيه في السجن ، بأن أوصى الذي ينجو ~~منهما بوصية حكاها القرآن في قوله : ( @QUR@018 وقال للذي ظن أنه ناج منهما ~~، اذكرني عند ربك ، فأنساه الشيطان ذكر ربه ، فلبث في السجن بضع سنين ). # أى : «وقال» يوسف عليه السلام للفتى الذي اعتقد أنه سينجو منهما وهو ساقى ~~الملك ، أيها ms3053 الساقي بعد أن تخرج من السجن وتعود إلى عملك عند سيدك الملك ، ~~اذكر حقيقة حالي عنده ، وأنى سجين مظلوم. # ولكن الساقي بعد أن عاد إلى عمله عند الملك ، لم ينفذ الوصية ، لأن ~~الشيطان أنساه ما قاله له يوسف ، فكانت النتيجة أن لبث يوسف عليه السلام في ~~السجن مظلوما بضع سنين. # والبضع بالكسر من ثلاث إلى تسع ، وهو مأخوذ من البضع بالفتح بمعنى القطع ~~والشق. يقال : بضعت الشيء أى : قطعته. # وقد اختلفوا في المدة التي قضاها يوسف في السجن على أقوال من أشهرها أنه ~~لبث فيه سبع سنين. # وعلى هذا التفسير يكون الضمير في «فأنساه» يعود إلى ساقى الملك ، ويكون ~~المراد بربه أى : سيده ملك مصر. # وهناك من يرى أن الضمير في قوله «فأنساه» يعود إلى يوسف عليه السلام وأن ~~المراد بالرب هنا : الخالق عز وجل ، وعليه يكون المعنى. # وقال يوسف عليه السلام للفتى الذي اعتقد نجاته وهو ساقى الملك : اذكر ~~مظلمتي عند سيدك الملك عند ما تعود إليه. واذكر له إحسانى لتفسير الرؤى ... # وقوله ( @QUR@04 فأنساه الشيطان ذكر ربه ) أى : فأنسى الشيطان يوسف أن ~~يذكر حاجته لله وحده ، ولا يذكرها للساقى ليبلغها إلى الملك. # فكانت النتيجة أن لبث يوسف في السجن بضع سنين بسبب هذا الاعتماد على ~~المخلوق. # والذي يبدو لنا أن التفسير الأول أقرب إلى الصواب ، لأنه هو الظاهر من ~~معنى الآية الكريمة ، ولأن قوله تعالى بعد ذلك ( @QUR@011 وقال الذي نجا ~~منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون ... ) يدل دلالة واضحة على ~~أن الضمير في قوله «فأنساه» يعود إلى ساقى الملك ، وأن المراد بربه أى سيده. # وقد علق الإمام الرازي على هذه الآية تعليقا يشعر بترجيحه للرأى الثاني ~~فقال ما PageV07P364 # ملخصه : «واعلم أن الاستعانة بالناس في دفع الظلم جائزة في الشريعة ، إلا ~~أن حسنات الأبرار سيئات المقربين ، فهذا وإن كان جائزا لعامة الخلق ، إلا ~~أن الأولى بالصديقين أن يقطعوا نظرهم عن الأسباب بالكلية ، وألا يشتغلوا ~~إلا بمسبب الأسباب .. # ثم قال : والذي جربته من أول عمرى إلى آخره أن الإنسان ms3054 كلما عول في أمر ~~من الأمور على غير الله ، صار ذلك سببا إلى البلاء وإلى المحنة ... وإذا ~~عول العبد على الله ولم يرجع إلى أحد من الخلق حصل ذلك المطلوب على أحسن ~~الوجوه ، فهذه التجربة قد استمرت لي من أول عمرى إلى هذا الوقت الذي بلغت ~~فيه السابعة والخمسين من عمرى. # ثم قال : واعلم أن الحق هو قول من قال إن الضمير في قوله : «فأنساه ~~الشيطان ذكر ربه» راجع إلى يوسف .. والمعنى : أن الشيطان أنسى يوسف أن يذكر ~~ربه وخالقه ..» (1). # ونحن مع احترامنا لرأى الفخر الرازي ، إلا أننا ما زلنا نرى أن عودة ~~الضمير في قوله «فأنساه» إلى الساقي الذي ظن يوسف أنه هو الناجي من العقوبة ~~، أولى لما سبق أن ذكرناه. # قال ابن كثير : وقوله ( @QUR@07 اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه ... ) # أى : «قال يوسف اذكر قصتي عند ربك وهو الملك ، فنسي ذلك الموصى أن يذكر ~~مولاه بذلك ، وكان نسيانه من جملة مكايد الشيطان .. هذا هو الصواب أن ~~الضمير في قوله : «فأنساه» .. عائد على الناجي كما قال مجاهد ومحمد بن ~~إسحاق وغير واحد ...» (2). # وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد قصت علينا بأسلوبها المشوق الحكيم جانبا ~~من حياة يوسف عليه السلام في السجن فماذا كان بعد ذلك؟ # لقد كان بعد ذلك أن أراد الله تعالى فتح باب الفرج ليوسف عليه السلام ، ~~وكان من أسباب ذلك أن رأى الملك في منامه رؤيا أفزعته ، ولم يستطع أحد ~~تأويلها تأويلا صحيحا سوى يوسف عليه السلام استمع إلى القرآن وهو يقص ذلك ~~فيقول : # ( @QUR@015 وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع ~~سنبلات خضر وأخر يابسات PageV07P365 # @QUR@010 يا أيها الملأ أفتوني في رءياي إن كنتم للرءيا تعبرون (43) ~~@QUR@08 قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين (44) @QUR@011 ~~وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون (45) ~~@QUR@022 يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع ~~سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون (46) @QUR@014 ~~قال تزرعون سبع سنين دأبا ms3055 فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون ~~(47) @QUR@015 ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا ~~مما تحصنون (48) @QUR@011 ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه ~~يعصرون ) (49) # فقوله سبحانه : ( @QUR@010 وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع ~~عجاف ) شروع في حكاية الرؤيا التي رآها ملك مصر في ذلك الوقت ... # قال ابن كثير : «هذه الرؤيا من ملك مصر ، مما قدر الله تعالى أنها كانت ~~سببا لخروج يوسف عليه السلام من السجن معززا مكرما ، وذلك أن الملك رأى هذه ~~الرؤيا ، فهالته وتعجب من أمرها ، وما يكون تفسيرها فجمع الكهنة وكبراء ~~دولته وأمراءها ، وقص عليهم ما رأى ، وسألهم عن تأويلها ، فلم يعرفوا ذلك ~~...» (1). # وقوله «عجاف» جمع عجفاء والعجف بفتح العين والجيم ذهاب السمن ، يقال : ~~هذا رجل أعجف وامرأة عجفاء ، إذا ظهر ضعفهما وهزالهما .. PageV07P366 # أى : وقال ملك مصر في ذلك الوقت لكبار رجال مملكته : إنى رأيت فيما يرى ~~النائم «سبع بقرات» قد امتلأن شحما ولحما ( @QUR@03 يأكلهن سبع عجاف ) أى : ~~يأكل هذه البقرات السبع السمان ، سبع بقرات أخرى عجاف أى : مهازيل ضعاف. # ورأيت أيضا فيما يرى النائم «سبع سنبلات خضر» قد امتلأت حبا ، ورأيت إلى ~~جانبها سبع سنبلات «أخر يابسات» قد ذهبت نضارتها وخضرتها ، ومع هذا فقد ~~التوت اليابسات على الخضر حتى غلبتها. # ( @QUR@03 يا أيها الملأ ) أى : الأشراف والعلماء من قومي «أفتونى في ~~رؤياي» أى : فسروا لي رؤياي هذه وبينوا لي ما تدل عليه. # ( @QUR@04 إن كنتم للرءيا تعبرون ) أى : إن كنتم تعرفون تفسيرها وتأويلها ~~معرفة سليمة ، وتعلمون تعبيرها علما مستمرا. # و «تعبرون» من العبر ، وهو اجتياز الطريق أو النهر من جهة إلى أخرى وسمى ~~المفسر للرؤيا عابرا ، لأنه يتأمل فيها وينتقل من كل طرف فيها إلى الطرف ~~الآخر ، كما ينتقل عابر النهر أو الطريق من جهة إلى أخرى. # قال بعض العلماء : والتعريف في «الملك» للعهد ، أى ملك مصر ، وسماه ~~القرآن هنا ملكا ولم يسمه فرعون ، لأن هذا الملك لم يكن من الفراعنة ملوك ~~مصر المصريين ، وإنما ms3056 كان ملكا لمصر أيام أن حكمها «الهكسوس» وهم العمالقة ~~الذين ملكوا مصر من 1900 قبل الميلاد إلى سنة 1525 ق. م. # فالتعبير عنه بالملك هنا ، دون التعبير عنه بفرعون مع أنه عبر عن ملك مصر ~~في زمن موسى بفرعون ، يعتبر من دقائق إعجاز القرآن العلمي .. (1). # وقال «إنى أرى» بصيغة المضارع مع أنه قد رأى بالفعل ، استحضارا لصورة ~~الرؤيا حتى لكأنها ماثلة أمامه. # وقال «وأخر يابسات» بدون إعادة لفظ سبع كما في البقرات ، للاكتفاء بدلالة ~~المقابل في البقرات عليه. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : هل في الآية دليل على أن السنبلات اليابسة ~~كانت سبعا كالخضر؟ PageV07P367 # قلت : الكلام مبنى على انصبابه إلى هذا العدد في البقرات السمان والعجاف ~~والسنابل الخضر ، فوجب أن يتناول معنى الأخر السبع ، ويكون قوله «وأخر ~~يابسات» بمعنى : وسبعا أخر يابسات» (1). # وفي نداء الملك لقومه قوله ( @QUR@04 يا أيها الملأ أفتوني ... ) تشريف ~~لهم ، وحض على استعمال عقولهم وعلومهم في تفسير هذه الرؤيا التي أزعجته. # واللام في قوله «للرؤيا» لتقوية الفعل «تعبرون» حيث تأخر عن معموله. # ويبدو أن القوم في ذلك الزمان ، كان بعضهم يشتغل بتفسير الرؤى ، وكان ~~لهذا التفسير مكانته الهامة فيهم ... # فقد مرت بنا رؤيا يوسف ، ورؤيا رفيقيه في السجن ، ثم جاءت رؤيا الملك هنا ~~، وهذا يشعر بأن انفراد يوسف عليه السلام بتأويل رؤيا الملك ، في زمن كثر ~~فيه البارعون في تأويل الرؤى ، كان بمثابة معجزة أو ما يشبه المعجزة من ~~الله تعالى ليوسف عليه السلام حتى تزداد مكانته عند الملك وحاشيته. # وقوله سبحانه ( @QUR@08 قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام ~~بعالمين ) حكاية لما رد به الكهان والأشراف على ما طلبه الملك منهم. # والأضغاث : جمع ضغث بكسر الضاد وهو ما جمع في حزمة واحدة من مختلف النيات ~~وأعواد الشجر ، فصار خليطا غير متجانس. # والأحلام : جمع حلم وحلم بإسكان اللام وضمها تبعا للحاء وهو ما يراه ~~النائم في منامه ، وتطلق كثيرا على ما ليس بحسن ، ففي الحديث الصحيح : ~~«الرؤيا من الله والحلم من الشيطان» (2). # أى : قال الملأ للملك : ما رأيته ms3057 أيها الملك في نومك ما هو إلا تخاليط ~~أحلام ومنامات باطلة ، فلا تهتم بها. # فهم قد شبهوا ما رآه بالأضغاث في اختلاطها ، وعدم التجانس بين أطرافها. # ثم أضافوا إلى ذلك قولهم : «وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين». # أى : إننا لسنا من أهل العلم بتفسير تخاليط الأحلام ، وإنما نحن من أهل ~~العلم بتفسير المنامات المعقولة المفهومة. PageV07P368 # وقولهم هذا إنما هو اعتذار عن جهلهم ، بمعرفة تفسير رؤيا الملك ، ويبدو ~~أن الملك كان يتوقع منهم هذا الجهل ، كما يشعر به قوله تعالى ( @QUR@04 إن ~~كنتم للرءيا تعبرون ) فقد أتى بإن المفيدة للشك. # قال صاحب الكشاف : «فإن قلت : ما هو إلا حلم واحد فلما ذا قالوا أضغاث ~~أحلام فجمعوا!؟. # قلت : هو كما تقول فلان يركب الخيل ، ويلبس عمائم الخز ، لمن لا يركب إلا ~~فرسا واحدا وماله إلا عمامة فردة ، تزيدا في الوصف ، فهؤلاء أيضا تزيدوا في ~~وصف الحلم بالبطلان فجعلوه أضغاث أحلام ويجوز أن يكون قد قص عليهم مع هذه ~~الرؤيا سواها» (1). # ثم بين سبحانه ما حدث بعد أن عجز الملأ من قوم الملك عن تأويل رؤياه فقال ~~: ( @QUR@04 وقال الذي نجا منهما ) أى : وقال أحد الرجلين اللذين كانا مع ~~يوسف في السجن ثم خرج منه بريئا وهو ساقى الملك. # ( @QUR@03 وادكر بعد أمة ): وتذكر بعد حين طويل من الزمان كيف فسر له ~~يوسف رؤياه تفسيرا صادقا أيام أن كان معه في السجن. # وأصل «ادكر» اذتكر بوزن افتعل ، مأخوذ من الذكر بتشديد الذال وضمها قلبت ~~تاء الافتعال دالا لثقلها ولتقارب مخرجيهما ، ثم قلبت الذال دالا ليتأتى ~~إدغامها في الدال ، لأنها أخف من الذال. # والأمة : الجماعة التي تؤم وتقصد لأمر ما ، والمراد بها هنا : المدة ~~المتطاولة من الزمان وكان هذا الساقي قد نسى ما أوصاه به يوسف من قوله ~~«اذكرني عند ربك» فلما قال الملك ما قاله بشأن رؤياه ، تذكر هذا الساقي حال يوسف. # قالوا : وكان ذلك بعد سنتين من خروجه من السجن. # وقوله ( @QUR@04 أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون ) أى : قال الساقي للملك ~~وحاشيته : أنا أخبركم بتأويله : بتفسير رؤيا الملك ms3058 التي خفى تفسيرها على ~~الملأ من قومه. فأرسلون ، أى : فابعثونى إلى من عنده العلم الصحيح الصادق ~~بتفسيرها. # ولم يذكر لهم اسم المرسل إليه ، وهو يوسف عليه السلام لأنه أراد أن ~~يفاجئهم بخبره بعد حصول تأويله للرؤيا ، فيكون ذلك أوقع في قلوبهم ، وأسمى ~~لشأن يوسف عليه السلام . PageV07P369 # وقال ( @QUR@01 فأرسلون ) ليشعرهم أن هذا التأويل ليس من عند نفسه ، ~~وإنما هو من عند من يرسلونه إليه وهو يوسف عليه السلام . # وقوله ( @QUR@04 يوسف أيها الصديق أفتنا ... ) من بديع الإيجاز بالحذف في ~~القرآن الكريم ، لأن المحذوف لا يتعلق بذكره غرض. # والتقدير : قال لهم أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون إلى من عنده العلم بذلك ، ~~فأرسلوه فجاء إلى يوسف في السجن فقال له : يا يوسف يا أيها الصديق. # والصديق : هو الإنسان الذي صار الصدق دأبه وشيمته في كل أحواله ، ووصفه ~~بذلك لأنه جرب منه الصدق التام أيام أن كان معه في السجن. # وقوله «أفتنا» أى فسر لنا تلك الرؤيا التي رآها الملك ، والتي عجز الناس ~~عن تفسيرها ، وهي أن الملك رأى في منامه «سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف ، ~~وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات». # وقوله «لعلى أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون» تعليل لطلب الفتوى ، وبيان ~~لأهميتها بالنسبة له وليوسف عليه السلام . # أى : فسر لنا هذه الرؤيا «لعلى أرجع إلى الناس» وهم الملك وأهل الحل ~~والعقد في مملكته ، «لعلهم يعلمون» تأويلها ، فينتفعون به ، وترتفع منزلتك عندهم. # وهنا تجد يوسف عليه السلام لا يكتفى بتأويل الرؤيا تأويلا مجردا بل يؤولها ~~تأويلا صادقا صحيحا ، ومعه النصح والإرشاد إلى ما يجب عمله في مثل هذه ~~الأحوال ، فقال : كما حكى القرآن عنه : ( @QUR@05 قال تزرعون سبع سنين دأبا ~~... ). # وتزرعون هاهنا : خبر في معنى الأمر ، بدليل قوله بعد ذلك «فذروه» ... # وعبر عن الأمر بالمضارع مبالغة في التعبير عن استجابتهم لنصيحته ، فكأنهم ~~قد امتثلوا أمره ، وهو يخبر عن هذا الامتثال. # و ( @QUR@01 دأبا ) مصدر دأب على الشيء إذا استمر عليه ولازمه يقال : دأب ~~فلان على فعل هذا الشيء يدأب دأبا ودأبا إذا داوم عليه ، وهو حال من ms3059 ضمير ~~«تزرعون» أى قال يوسف للساقى : فارجع إلى قومك فقل لهم إن يوسف يأمركم أن ~~تزرعوا أرضكم سبع سنين زراعة مستمرة على حسب عادتكم. # ( @QUR@02 فما حصدتم ) من زرعكم في كل سنة ، فذروه في سنبله ، أى : ~~فاتركوا الحب في سنبله ولا تخرجوه منها حتى لا يتعرض للتلف بسبب السوس أو ~~ما يشبهه : إلا قليلا مما تأكلون ، PageV07P370 # أى : اتركوا الحب في سنبله فلا تخرجوه منها ، إلا شيئا قليلا منه فأخرجوه ~~من السنابل لحاجتكم إليه في مأكلكم. # وفي هذه الجملة إرشاد لهم إلى أن من الواجب عليهم أن يقتصدوا في ~~مأكولاتهم إلى أقصى حد ممكن لأن المصلحة تقتضي ذلك. # قال القرطبي : هذه الآية أصل في القول بالمصالح الشرعية التي هي حفظ ~~الأديان والنفوس والعقول والأنساب والأموال ، فكل ما تضمن تحصيل شيء من هذه ~~الأمور فهو مصلحة ، وكل ما يفوت شيئا منها فهو مفسدة ودفعه مصلحة ولا خلاف ~~، فإن مقصود الشرائع إرشاد الناس إلى مصالحهم الدنيوية ليحصل لهم التمكن من ~~معرفة الله تعالى وعبادته الموصلتين إلى السعادة الأخروية ، ومراعاة ذلك ~~فضل من الله عز وجل ورحمة رحم بها عباده ...» (1). # وقوله ( @QUR@05 ثم يأتي من بعد ذلك ) أى : من بعد تلك السنين السبع ~~المذكورات التي تزرعونها على عادتكم المستمرة في الزراعة. # ( @QUR@02 سبع شداد ) أى : سبع سنين صعاب على الناس ، لما فيهن من الجدب ~~والقحط ، يأكلن ما قدمتم لهن ، أى : يأكل أهل تلك السنين الشداد ، كل ما ~~ادخروه في السنوات السبع المتقدمة من حبوب في سنابلها. # وأسند الأكل إلى السنين على سبيل المجاز العقلي ، من إسناد الشيء إلى زمانه. # وقوله ( @QUR@04 إلا قليلا مما تحصنون ) أى : أن تلك السنين المجدبة ~~ستأكلون فيها ما ادخرتموه في السنوات السابقة ، إلا شيئا قليلا منه يبقى ~~محرزا ، لتنتفعوا به في زراعتكم لأرضكم. # فقوله ( @QUR@01 تحصنون ) من الإحصان بمعنى الإحراز والادخار ، يقال أحصن ~~فلان الشيء ، إذا جعله في الحصن ، وهو الموضع الحصين الذي لا يوصل إليه إلا ~~بصعوبة. # وحاصل تفسير يوسف عليه السلام لتلك الرؤيا : أنه فسر البقرات السمان ~~والسنبلات الخضر ، بالسنين السبع المخصبة. ms3060 وفسر البقرات العجاف والسنبلات ~~اليابسات بالسنين السبع المجدبة التي تأتى في أعقاب السنين المخصبة وفسر ~~ابتلاع البقرات العجاف للبقرات السمان ، بأكلهم ما جمع في السنين المخصبة ، ~~في السنين المجدبة. # ولقد كان هذا التأويل لرؤيا الملك تأويلا صحيحا صادقا من يوسف عليه السلام ~~بسببه أنقذ الله تعالى مصر من مجاعة سبع سنين. PageV07P371 # وقوله ( @QUR@011 ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون ) ~~تبشير لهم بأن الخير سيأتيهم ، بعد تلك السنوات الشداد ، فقد جرت سنة الله ~~تعالى أن يعقب العسر باليسر. # ولفظ ( @QUR@01 يغاث ) من الغوث بمعنى إزالة الهم والكرب عن طريق الأمطار ~~التي يسوقها الله تعالى لهم بعد تلك السنوات الشداد التي قل فيها المطر. # يقال : غاث الله تعالى البلاد غيثا ، إذا ساق لها المطر بعد أن يئسوا من ~~نزوله ، ويعصرون من العصر وهو الضغط على ما من شأنه أن يعصر ، لإخراج ما ~~فيه من مائع سواء كان هذا المائع زيتا أم ماء أم غيرهما. # أى : ثم يأتى من بعد تلك السنين السبع الشداد ، عام فيه تزول الهموم ~~والكروب ونقص الأموال عن الناس ، بسبب إرسال الله تعالى المطر عليهم ، ~~فتخضر الأرض وتنبت من كل زوج بهيج ، وفيه يعصرون من ثمار مزروعاتهم ما من ~~شأنه أن يعصر كالزيتون وما يشبهه. # وهذا كناية عن بدء حلول الرخاء بهم ، بعد تلك السنوات الشداد ، وما قاله ~~يوسف عليه السلام عن هذا العام الذي يأتى في أعقاب السنوات السبع الشداد ، ~~لا مقابل له في رؤيا الملك ، بل هو خارج عنها ، وذلك لزيادة التبشير للملك ~~والناس ، ولإفهامهم أن هذا العلم إنما بوحي من الله تعالى الذي يجب أن يخلص ~~له الجميع العبادة والطاعة. # وإلى هنا نرى أن يوسف عليه السلام قد فسر رؤيا الملك تفسيرا سليما حكيما ، ~~من نتائجه الخير للملك وقومه ... # فماذا فعل الملك مع يوسف عليه السلام بعد ذلك؟ # لقد قص علينا القرآن الكريم ما طلبه الملك من حاشيته وما رد به يوسف ~~عليه السلام على رسول الملك ، وما قالته النسوة وامرأة العزيز في ms3061 شأن يوسف ~~وما طلبه عليه السلام من الملك ، استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى كل ذلك ~~بأسلوبه الخاص فيقول : # ( @QUR@022 وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك ~~فسئله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم (50) @QUR@011 ~~قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله PageV07P372 # @QUR@018 ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا ~~راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين (51) @QUR@012 ذلك ليعلم أني لم أخنه ~~بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين (52) @QUR@015 وما أبرئ نفسي إن ~~النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم (53) @QUR@014 وقال ~~الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين ~~(54) @QUR@08 قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم (55) @QUR@017 ~~وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا ~~نضيع أجر المحسنين (56) @QUR@07 ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون ) (57) # فقوله سبحانه ( @QUR@04 وقال الملك ائتوني به ... ) حكاية لما طلبه الملك ~~في ذلك الوقت من معاونيه في شأن يوسف عليه السلام ، وفي الكلام حذف يفهم من ~~المقام ، والتقدير : # وقال الملك بعد أن سمع من ساقيه ما قاله يوسف في تفسير الرؤيا أحضروا لي ~~يوسف هذا لأراه وأسمع منه ، وأستفيد من علمه. # وهذا يدل كما يقول الإمام الرازي على فضيلة العلم ، فإنه سبحانه جعل ما ~~علمه ليوسف سببا لخلاصه من المحنة الدنيوية ، فكيف لا يكون العلم سببا ~~للخلاص من المحن الأخروية؟ (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@012 فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فسئله ما بال ~~النسوة اللاتي PageV07P373 # @QUR@06 قطعن أيديهن ، إن ربي بكيدهن عليم ) بيان لما قاله يوسف ~~عليه السلام لرسول الملك ... # أى : فلما جاء رسول الملك إلى يوسف ليخبره بأن الملك يريد لقاءه ، قال له ~~يوسف بأناة وإباء : ارجع إلى ربك ، أى إلى سيدك الملك «فاسأله» قبل خروجي ~~من السجن وذهابي إليه «ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن» أى : ما حالهن ، ~~وما حقيقة أمرهن معى ، لأن الكشف عن حقيقة أمرهن معى ms3062 يهمني أن يكون واضحا ~~في الأذهان والعقول ، حتى يعرف الجميع أننى برئ ، وأننى نقى العرض طاهر الذيل. # والمراد بالسؤال في قوله «ارجع إلى ربك فاسأله» الحث والتحريض على معرفة ~~حقيقة أمر النسوة اللائي قطعن أيديهن ... # ولم يكشف له يوسف عن حقيقة أمرهن معه لزيادة تهييجه على البحث والتقصي إذ ~~من شأن الإنسان خصوصا إذا كان حاكما أن يأنف من أن يسأل عن شيء مهم ، ثم لا ~~يهتم بالإجابة عنه. # وقد آثر يوسف عليه السلام أن يكون هذا السؤال وهو في السجن لتظهر الحقيقة ~~خالصة ناصعة ، دون تدخل منه في شأنها. # وجعل السؤال عن النسوة اللائي قطعن أيديهن دون امرأة العزيز ، وفاء لحق ~~زوجها ، واحترازا من مكرها ، ولأنهن كن شواهد على إقرارها بأنها قد راودته ~~عن نفسه ، فقد قالت أمامهن بكل تبجح وتكشف ( @QUR@018 فذلكن الذي لمتنني ~~فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من ~~الصاغرين ). # واكتفى بالسؤال عن تقطيع أيديهن ، دون التعرض لكيدهن له ، سترا لهن ، ~~وتنزها منه عليه السلام عن ذكرهن بما يسوؤهن. # ولذا فقد اكتفى بالإشارة الإجمالية إلى كيدهن ، وفوض أمرهن إلى الله ~~تعالى فقال : ( @QUR@04 إن ربي بكيدهن عليم ). # أى إن ربي وحده هو العليم بمكرهن بي ، وكيدهن لي ، وهو سبحانه هو الذي ~~يتولى حسابهن على ذلك. # ولا شك في أن امتناع يوسف عليه السلام عن الذهاب إلى الملك إلا بعد ~~التحقيق في قضيته ، يدل دلالة واضحة على صبره ، وسمو نفسه ، وعلو همته ... # ولقد أجاد صاحب الكشاف في تعليله لامتناع يوسف عن الخروج من السجن للقاء ~~الملك إلا بعد أن تثبت براءته فقال : PageV07P374 # «إنما تأنى وتثبت يوسف في إجابة الملك ، وقدم سؤال النسوة ، ليظهر براءة ~~ساحته عما قذف به وسجن فيه ، لئلا يتسلق به الحاسدون إلى تقبيح أمره عنده. ~~ويجعلوه سلما إلى حط منزلته لديه ، ولئلا يقولوا : ما خلد في السجن إلا ~~لأمر عظيم ، وجرم كبير ، حق به أن يسجن ويعذب ، ويستكف شره. # وفيه دليل على أن الاجتهاد في نفى التهم ، واجب وجوب ms3063 اتقاء الوقوف في ~~مواقفها» (1). # وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية بعض الأحاديث في فضل يوسف ~~عليه السلام فقال ما ملخصه : # وقد وردت السنة بمدحه على ذلك أى على امتناعه من الخروج من السجن حتى ~~يتحقق الملك ورعيته من براءة ساحته ونزاهة عرضه ففي الصحيحين عن أبى هريرة ~~قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «نحن أحق بالشك من إبراهيم ، إذ قال ~~: رب أرنى كيف تحيى الموتى؟ قال : أو لم تؤمن؟ قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ، ~~ويرحم الله لوطا ، لقد كان يأوى إلى ركن شديد ، ولو لبثت في السجن ما لبث ~~يوسف لأجبت الداعي». # وروى الإمام أحمد عن أبى هريرة في قوله تعالى ( @QUR@07 فسئله ما بال ~~النسوة اللاتي قطعن أيديهن ... ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لو ~~كنت أنا لأسرعت الإجابة ، وما ابتغيت العذر». # وروى عبد الرزاق عن عكرمة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد ~~عجبت من يوسف وصبره وكرمه ؛ والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف ~~والسمان ، ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى أشترط أن يخرجونى. # ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه والله يغفر له ، حين أتاه الرسول ، ولو ~~كنت مكانه لبادرتهم إلى الباب ، ولكنه أراد أن يكون له العذر» (2). # هذا ، وقوله سبحانه ( @QUR@08 قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه ) ~~حكاية لما فعله الملك بعد أن بلغه الرسول بما طلبه يوسف منه. # وفي الكلام حذف يفهم من السياق ، والتقدير : وبعد أن رجع رسول الملك إليه ~~وأخبره بما قاله يوسف ، استجاب الملك لما طلبه يوسف منه ، فأخضر النسوة ~~وقال لهن : ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه. PageV07P375 # والخطب : مصدر خطب يخطب ، ويطلق غالبا على الأمر المهم الذي يجعل الناس ~~يتحدثون فيه كثيرا ، وجمعه خطوب. # والمعنى : بعد أن جمع الملك النسوة قال لهن : ما الأمر الهام الذي حملكن ~~في الماضي على أن تراودن يوسف عن نفسه؟ وهل وجدتن فيه ميلا إلى الاستجابة ~~لكن ..؟ # قال صاحب الظلال ما ملخصه : «والخطب الأمر الجلل ms3064 ... فكأن الملك كان قد ~~استقصى فعلم أمرهن قبل أن يواجههن ، وهو المعتاد في مثل هذه الأحوال ، ~~ليكون الملك على بينة من الأمر وظروفه قبل الخوض فيه ، فهو يواجههن مقررا ~~الاتهام ، ومشيرا إلى أمر لهن جلل .. # ومن هذا نعلم شيئا بما دار في حفل الاستقبال في بيت الوزير ، وما قالته ~~النسوة ليوسف ، وما لمحن به وأشرن إليه ، من الإغراء الذي بلغ حد المراودة. # ومن هذا نتخيل صورة لهذه الأوساط ونسائها حتى في ذلك العهد الموغل في ~~التاريخ ، فالجاهلية هي الجاهلية دائما ، وأنه حيثما كان الترف ، وكانت ~~القصور والحاشية ، كان التحلل والتميع والفجور الناعم الذي يرتدى ثياب ~~الأرستقراطية» (1). # وأمام هذه المواجهة التي واجههن بها الملك ، لم يملكن الإنكار ، بل قلن ~~بلسان واحد : ( @QUR@02 حاش لله ) أى : معاذ الله. # ( @QUR@05 ما علمنا عليه من سوء ) قط ، وإنما الذي علمناه منه هو ~~الاستعصام عن كل سوء. # وهنا ( @QUR@03 قالت امرأة العزيز ) ويبدو أنها كانت حاضرة ، معهن عند الملك. # ( @QUR@03 الآن حصحص الحق ) أى : الآن ظهر الحق وانكشف انكشافا تاما بعد ~~أن كان خافيا والفعل حصحص أصله حص ، كما قيل ، كبكب في كب ، وهو مأخوذ من ~~الحص بمعنى الاستئصال والإزالة ، تقول : فلان حص شعره إذا استأصله وأزاله ~~فظهر ما كان خافيا من تحته ... # ثم أضافت إلى ذلك قولها «أنا راودته عن نفسه» أى : أنا التي طلبت منه ما ~~طلبت «وإنه لمن الصادقين» في قوله «هي راودتني عن نفسي». # وهكذا يشاء الله تعالى أن تثبت براءة يوسف على رءوس الأشهاد ، بتلك ~~الطريقة التي يراها الملك ، وتنطق بها امرأة العزيز ، والنسوة اللائي قطعن ~~أيديهن. # قال صاحب الكشاف : «ولا مزيد على شهادتهن له بالبراءة والنزاهة ، ~~واعترافهن على PageV07P376 # أنفسهن بأنه لم يتعلق بشيء مما قذفنه به لأنهن خصومه ، وإذا اعترف الخصم ~~بأن صاحبه على الحق وهو على الباطل لم يبق لأحد مقال» (1) إذ الفضل ما شهدت ~~به الأعداء . # ثم واصلت امرأة العزيز حديثها فقالت : ( @QUR@012 ذلك ليعلم أني لم أخنه ~~بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ). # أى : ذلك الذي قلته واعترفت به على ms3065 نفسي من أنى راودته عن نفسه ، إنما ~~قلته ليعلم يوسف أنى لم أخنه في غيبته ، ولم أقل فيه شيئا يسوؤه بعد أن ~~فارقنى ، ولبث بعيدا عنى في السجن بضع سنين ، وإنما أنا أقرر أمام الملك ~~وحاشيته بأنه من الصادقين ... # وإنما قررت ذلك لأن الله تعالى لا يهدى كيد الخائنين ، أى : لا ينفذ ~~كيدهم ولا يسدده ، بل يفضحه ويزهقه ولو بعد حين من الزمان. # لذا فأنا التزمت الأمانة في الحديث عنه ، وابتعدت عن الخيانة ، لأن الله ~~تعالى لا يرضاها ولا يقبلها. # فأنت ترى أن هذه المرأة التي شهدت على نفسها شهادة لا تبالي بما يترتب ~~عليها بشأنها ، قد عللت شهادتها هذه بعلتين : # إحداهما : كراهتها أن تخونه في غيبته بعد أن فقد الدفاع عن نفسه وهو في ~~السجن .. # وثانيتهما : علمها بأن الله تعالى لا يهدى كيد الخائنين ولا يسدده ، ~~وإنما يبطله ويزهقه .. # ثم أضافت إلى كل ذلك قولها : ( @QUR@015 وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة ~~بالسوء ، إلا ما رحم ربي ، إن ربي غفور رحيم ). # أى : ومع أنى أعترف بأنه من الصادقين ، وأعترف بأنى لم أخنه بالغيب ، إلا ~~أنى مع كل ذلك لا أبرئ نفسي ولا أنزهها عن الميل إلى الهوى ، وعن محاولة ~~وصفه بما هو برىء منه ، فأنا التي قلت لزوجي في حالة دهشتى وانفعالى الشديد ~~، ( @QUR@012 ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم ) وما ~~حملني على هذا القول إلا هواى وشهواتى ، ونفسي ؛ إن النفس البشرية لكثيرة ~~الأمر لصاحبها بالسوء إلا نفسا رحمها الله وعصمها من الزلل والانحراف ، ~~كنفس يوسف عليه السلام وجملة ( @QUR@04 إن ربي غفور رحيم ) تعليل لما قبلها ~~، أى : إن ربي كثير الغفران وكثير الرحمة ، لمن يشاء أن يغفر له ويرحمه من عباده. PageV07P377 # والذي يتأمل هذا الكلام الذي حكاه القرآن عن امرأة العزيز ، يراه زاخرا ~~بالصراحة التي ليس بعدها صراحة ، وبالمشاعر والانفعالات الدالة على ~~احترامها ليوسف الذي خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ، رغم الإغراءات ~~المصحوبة بالترغيب والترهيب ، ويبدو لنا والله أعلم أن هذا الكلام ما ms3066 قالته ~~امرأة العزيز ، إلا بعد أن استقرت عقيدة الإيمان التي آمن بها يوسف في ~~قلبها ، وبعد أن رأت فيه إنسانا يختلف في استعصامه بالله وفي سمو نفسه ، عن ~~غيره من الناس الذين رأتهم. # هذا ، ويرى كثير من المفسرين أن كلام امرأة العزيز قد انتهى عند قوله ~~تعالى ( @QUR@03 وإنه لمن الصادقين ) وأن قوله تعالى بعد ذلك ( @QUR@06 ذلك ~~ليعلم أني لم أخنه بالغيب ... ) إلى قوله تعالى ( @QUR@04 إن ربي غفور رحيم ~~) هو من كلام يوسف عليه السلام ، فيكون المعنى : # وذلك ليعلم «أى العزيز» أنى لم أخنه ، في أهله ( @QUR@01 بالغيب ) أى في ~~غيبته ( @QUR@06 وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ) من النساء والرجال ، بل ~~يبطل هذا الكيد ويفضحه. # ( @QUR@03 وما أبرئ نفسي ) أى : ولا أنزهها عن السوء ، وهذا من باب ~~التواضع منه عليه السلام ( @QUR@04 إن النفس لأمارة بالسوء ) أى : إن هذا ~~الجنس من الأنفس البشرية ، شأنه الأمر بالسوء والميل إلى الشهوات. # ( @QUR@04 إلا ما رحم ربي ) من النفوس فعصمها عن أن تكون أمارة بالسوء. # ( @QUR@04 إن ربي غفور رحيم ) لمن شاء أن يغفر له ويرحمه من خلقه. # والذي نراه أن الرأى الأول الذي سرنا عليه هو الجدير بالقبول ، لأنه هو ~~المناسب لسياق الآيات من غير تكلف ، ولأنه لا يؤدى إلى تفكك الكلام وانقطاع ~~بعضه عن بعض ، بخلاف الرأى الثاني الذي يرى أصحابه أن كلام امرأة العزيز قد ~~انتهى عند قوله تعالى «وإنه لمن الصادقين» فإنه يؤدى إلى تفكك الكلام ، ~~وعدم ارتباط بعضه ببعض ، فضلا عن أن وقائع التاريخ لا تؤيده ، لأن يوسف ~~عليه السلام كان في السجن عند ما أحضر الملك النسوة وقال لهن : «ما خطبكن إذ ~~راودتن يوسف عن نفسه ...». وعند ما قالت امرأة العزيز أمام الملك وأمامهن : ~~«الآن حصحص الحق ..» إلى قوله تعالى ( @QUR@04 إن ربي غفور رحيم ). # ومن المفسرين الذين أيدوا الرأى الأول الإمام ابن كثير فقد قال ما ملخصه ~~: «ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب ...» تقول : إنما اعترفت بهذا على نفسي ، ~~بأنى راودت هذا الشاب PageV07P378 # فامتنع ، ( @QUR@03 وما أبرئ نفسي ... ) تقول المرأة : ولست أبرئ نفسي ، ~~فإن ms3067 النفس تتحدث وتتمنى ، ولهذا راودته لأنها أمارة بالسوء. # ( @QUR@04 إلا ما رحم ربي ) أى : من عصمه الله تعالى ... # ثم قال : «وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني ~~الكلام. لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك ، ولم يكن ~~يوسف عليه السلام عندهم ، بل بعد ذلك أحضره الملك» (1). # وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حدثتنا عن القسم الأول من حياة يوسف ~~عليه السلام القسم الذي تعرض خلاله لألوان من المحن والآلام ، بعضها من ~~إخوته ، وبعضها من امرأة العزيز ، وبعضها من السجن ومرارته ... # ثم بدأت بعد ذلك في الحديث عن الجانب الثاني من حياته عليه السلام . # وهو جانب الرخاء والعز والتمكين في حياته ، فقال تعالى : ( @QUR@06 وقال ~~الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي ... ). # وفي الكلام إيجاز بالحذف ، والتقدير : وبعد أن انكشفت للملك براءة يوسف ~~عليه السلام انكشافا تاما ، بسبب ما سمعه عنه من النسوة ومن امرأة العزيز ، ~~وبعد أن سمع تفسيره للرؤيا وأعجب به ، كما أعجب بسمو نفسه وإبائه ... # بعد كل ذلك قال الملك لخاصته : ائتوني بيوسف هذا ، ليكون خالصا لنفسي ، ~~وخاصا بي في تصريف أمورى ، وكتمان أسرارى ، وتسيير دفة الحكم في مملكتي. # والسين والتاء في قوله «أستخلصه» للمبالغة في الخلوص له ، فهما للطلب كما ~~في استجاب ، والاستخلاص طلب خلوص الشيء من شوائب الشركة. # فكأن الملك قد شبه يوسف عليه السلام بالشيء النفيس النادر ، الذي يجب أن ~~يستأثر به الملك دون أن يشاركه فيه أحد سواه. # والفاء في قوله «فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين» معطوفة على ~~محذوف يفهم من السياق. # والضمير المنصوب في «كلمه» يعود على الملك على الراجح . # والمراد باليوم : الزمان الذي حدث فيه التخاطب بين الملك ويوسف. PageV07P379 # و ( @QUR@01 مكين ) صفة مشبهة من الفعل مكن بضم الكاف ، بمعنى صاحب مكانة ~~ومرتبة عظيمة ، يقال : مكن فلان مكانة إذا ارتفعت منزلته ، ويقال : مكنت ~~فلانا من هذا الشيء إذا جعلت له عليه سلطانا وقدرة. # ( @QUR@01 أمين ) بزنة فعيل بمعنى مفعول ، أى : مأمون على ما نكلفك به ، ~~ومحل ثقتنا. # والمعنى : وقال الملك ms3068 لجنده ائتوني بيوسف هذا أستخلصه لنفسي فأتوه به إلى مجلسه. # فازداد حب الملك له وتقديره إياه وقال له : إنك منذ اليوم عندنا صاحب ~~الكلمة النافذة ، والمنزلة الرفيعة ، التي تجعلنا نأتمنك على كل شيء في هذه ~~المملكة ، وتلك المقالة من الملك ليوسف ، هي أولى بشائر عاقبة الصبر ؛ وعزة ~~النفس ، وطهارة القلب ، والاستعصام بحبل الله المتين ... # وهنا طلب يوسف عليه السلام من الملك بعزة وإباء أن يجعله في الوظيفة التي ~~يحسن القيام بأعبائها ( @QUR@08 قال : اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ ~~عليم ) والخزائن جمع خزانة بكسر الخاء وهي اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء ~~، والمراد بالأرض : أرض مصر. # أى : قال يوسف عليه السلام للملك : اجعلنى أيها الملك المتصرف الأول في ~~خزائن أرض مملكتك ، المشتملة على ما يحتاج إليه الناس من أموال وأطعمة ، ~~لأنى شديد الحفظ لما فيها ، عليم بوجوه تصريفها فيما يفيد وينفع ... # فأنت ترى أن يوسف عليه السلام لم يسأل الملك شيئا لنفسه من أعراض الدنيا ، ~~وإنما طلب منه أن يعينه في منصب يتمكن بواسطته من القيام برعاية مصالح ~~الأمة ، وتدبير شئونها ... لأنها مقبلة على سنوات عجاف ، تحتاج إلى خبرة ~~يوسف وأمانته وكفاءته ، وعلمه ... # قال صاحب الكشاف : «وصف يوسف نفسه بالأمانة والكفاية اللتين هما طلبة ~~الملوك ممن يولونه ، وإنما قال ذلك ليتوصل إلى إمضاء أحكام الله تعالى ~~وإقامة الحق ، وبسط العدل ، والتمكن مما لأجله تبعث الأنبياء إلى العباد ، ~~ولعلمه أن أحدا غيره لا يقومه مقامه في ذلك ، فطلب التولية ابتغاء وجه الله ~~لا لحب الملك والدنيا» (1). # وقال القرطبي ما ملخصه : «ودلت الآية أيضا على جواز أن يطلب الإنسان عملا ~~يكون له أهلا. PageV07P380 # فإن قيل : فإن ذلك يعارضه ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الأحاديث الصحيحة من نهيه عن طلب الإمارة ... # فالجواب : أولا : أن يوسف عليه السلام إنما طلب الولاية لأنه علم أنه لا ~~أحد يقوم مقامه في العدل والإصلاح وتوصيل الفقراء إلى حقوقهم ، فرأى أن ذلك ~~فرض متعين عليه ، فإنه لم يكن هناك غيره ... # الثاني : أنه لم يقل ms3069 اجعلنى على خزائن الأرض لأنى حسيب كريم ، وإن كان ~~كذلك ، ولم يقل إنى جميل مليح ... وإنما قال ( @QUR@03 إني حفيظ عليم ) ~~فسألها بالحفظ والعلم لا بالنسب والجمال. # الثالث : إنما قال ذلك عند من لا يعرفه فأراد تعريف نفسه ، وصار ذلك ~~مستثنى من قوله تعالى ( @QUR@03 فلا تزكوا أنفسكم ... ) (1). # والخلاصة أن يوسف عليه السلام إنما قال ما قال للملك ، وطلب ما طلب منه ، ~~لأنه علم أن هذا المنصب لا يصلح له أحد سواه في ذلك الوقت وفي تلك الظروف ، ~~فهو يريد من ورائه خدمة الأمة لأجر منفعة شخصية لنفسه ... # وما قاله إنما هو من باب التحدث بنعمة الله تعالى الذي أعطاه هذه الصفات ~~الكريمة ، والمناقب العالية ، وليس من باب تزكية النفس المحظورة. # هذا ، وقوله سبحانه ( @QUR@05 وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ... ) بيان لسنة ~~الله تعالى في خلقه ، من كونه سبحانه لا يضيع أجر الصابرين المحسنين أى : ~~ومثل هذا التمكين العظيم. مكنا ليوسف في أرض مصر ، بعد أن مكث في سجنها بضع ~~سنين ، لا لذنب اقترفه ، وإنما لاستعصامه بأمر الله. # وقوله ( @QUR@04 يتبوأ منها حيث يشاء ) تفصيل للتمكين الذي منحه الله ~~تعالى ليوسف في أرض مصر ، والتبوأ اتخاذ المكان للنزول به. يقال : بوأ فلان ~~فلانا منزلا. أى مكنه منه وأنزله به أى : ومثل هذا التمكين العظيم ، مكنا ~~ليوسف في أرض مصر ، حيث هيأنا له أن ينتقل في أماكنها ومنازلها حيث يشاء له ~~التنقل ، دون أن يمنعه مانع من الحلول في أى مكان فيها. # فالجملة الكريمة كناية عن قدرته على التصرف والتنقل في جميع أرض مصر ، ~~كما يتصرف ويتنقل الرجل في منزله الخاص. # وقوله : ( @QUR@04 نصيب برحمتنا من نشاء ... ) بيان لكمال قدرته ونفاذ ~~إرادته سبحانه PageV07P381 # أى : نصيب برحمتنا وفضلنا وعطائنا من نشاء عطاءه من عبادنا بمقتضى حكمتنا ~~ومشيئتنا. # ( @QUR@04 ولا نضيع أجر المحسنين ) الذين يتقنون أداء ما كلفهم الله ~~بأدائه ، بل نوفيهم أجورهم على إحسانهم في الدنيا قبل الآخرة إذا شئنا ذلك. # ( @QUR@03 ولأجر الآخرة خير ) وأبقى ( @QUR@02 للذين آمنوا ) بالله تعالى ~~إيمانا حقا ( @QUR@02 وكانوا يتقون ) خالقهم عز وجل في كل ms3070 ما يأتون وما ~~يذرون ، بأن يصونوا أنفسهم عن كل ما يغضبه. # وهكذا كافأ الله تعالى يوسف على صبره وتقواه وإحسانه ، بما يستحقه من خير ~~وسعادة في الدنيا والآخرة. # ثم تطوى السورة بعد ذلك أحداثا نكل معرفتها إلى فهم القارئ وفطنته ، فهي ~~لم تحدثنا مثلا عن الطريقة التي اتبعها يوسف في إدارته لخزائن أرض مصر ، ~~اكتفاء بقوله ( @QUR@03 إني حفيظ عليم ) للدلالة على كفايته وأمانته. # كذلك لم تحدثنا عن أحوال الناس في السنوات السبع العجاف ، وفي السنوات ~~الخضر لأن هذا مقرر ومعروف في دنيا الناس. # كذلك لم تحدثنا عن صلة الملك وحاشيته بيوسف ، بعد أن صار أمينا على خزائن ~~الأرض ، بل أفسحت المجال كله للحديث عن يوسف ، إنزالا للناس منازلهم ، إذ ~~هو صاحب التفسير الصحيح لرؤيا الملك ، وصاحب الأفكار الحكيمة التي أنقذت ~~الأمة من فقر سبع سنوات شداد ، وصاحب الدعوة إلى وحدانية الله تعالى وإخلاص ~~العبادة له ، بين قوم يشركون مع الله في العبادة آلهة أخرى. # لم تحدثنا السورة الكريمة عن كل ذلك ، في أعقاب حديثها عن تمكين الله ~~تعالى ليوسف في الأرض ، وإنما انتقلت بنا بعد ذلك مباشرة إلى الحديث عن ~~لقاء يوسف بإخوته ، وعما دار بينه وبينهم من محاورات ، وعن إكرامه لهم ... # قال تعالى : # ( @QUR@09 وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون (58) ~~@QUR@011 ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون PageV07P382 # @QUR@06 أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين (59) @QUR@010 فإن لم تأتوني ~~به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون (60) @QUR@06 قالوا سنراود عنه أباه وإنا ~~لفاعلون (61) @QUR@014 وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم ~~يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون ) (62) # قال الفخر الرازي رحمه الله اعلم أنه لما عم القحط في البلاد ، ووصل أيضا ~~إلى البلدة التي كان يسكنها يعقوب عليه السلام وصعب الزمان عليهم فقال لبنيه ~~: إن بمصر صالحا يمير الناس أى يعطيهم الطعام وما هم في حاجة إليه في ~~معاشهم فاذهبوا إليه بدراهمكم ، وخذوا منه الطعام ، فخرجوا إليه وهم عشرة ~~وبقي «بنيامين» مع أبيه ، ودخلوا على يوسف عليه ms3071 السلام وصارت هذه الواقعة ~~كالسبب في اجتماع يوسف مع إخوته ، وظهور صدق ما أخبره الله تعالى عنه في ~~قوله ليوسف حال ما ألقوه في الجب ( @QUR@06 لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا ~~يشعرون ) (1). # وقد جاءوا إليه جميعا ما عدا «بنيامين» وهو الشقيق الأصغر ليوسف ليحصلوا ~~منه على أكبر كمية من الطعام على حسب عددهم ، وليكون عندهم القدرة على صد ~~العدوان إذا ما تعرض لهم قطاع الطرق الذين يكثرون في أوقات الجدب والجوع. # وعبر عن معرفة يوسف لهم بالجملة الفعلية ، وعن جهلهم له بالجملة الاسمية ~~للإشعار بأن معرفته لهم حصلت بمجرد رؤيته لهم ، أما هم فعدم معرفتهم له كان ~~أمرا ثابتا متمكنا منهم. # قال صاحب الكشاف : «لم يعرفوه لطول العهد ، ومفارقته إياهم في سن الحداثة ~~ولاعتقادهم أنه قد هلك ، ولذهابه عن أوهامهم لقلة فكرهم فيه ، واهتمامهم ~~بشأنه ، ولبعد حاله التي بلغها من الملك والسلطان عن حاله التي فارقوه ~~عليها طريحا في البئر ، حتى لو تخيلوا أنه هو لكذبوا أنفسهم وظنونهم ، ولأن ~~الملك مما يبدل الزي ، ويلبس صاحبه من التهيب والاستعظام ما ينكر له ~~المعروف ...» (2). PageV07P383 # ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن المجاعة التي حدثت في السبع السنين الشداد ~~شملت مصر وما جاورها من البلاد كما سبق أن أشرنا . # كما يؤخذ منها أن مصر كانت محط أنظار المعسرين من مختلف البلاد بفضل حسن ~~تدبير يوسف عليه السلام وأخذه الأمور بالعدالة والرحمة وسهره على مصالح ~~الناس ، ومراقبته لشئون بيع الطعام ، وعدم الاعتماد على غيره حتى إن إخوته ~~قد دخلوا عليه وحده ، دون غيره من المسئولين في مصر. # وقوله سبحانه ( @QUR@09 ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ~~... ) بيان لما فعله يوسف معهم بعد أن عرفهم دون أن يعرفوه. # وأصل الجهاز بفتح الجيم وكسرها قليل : ما يحتاج إليه المسافر من زاد ~~ومتاع ، يقال : جهزت المسافر ، أى هيأت له جهازه الذي يحتاج إليه في سفره ، ~~ومنه جهاز العروس وهو ما تزف به إلى زوجها ، وجهاز الميت وهو ما يحتاج إليه ~~في دفنه ... # والمراد : أن يوسف بعد أن ms3072 دخل عليه إخوته وعرفهم ، أكرم وفادتهم. وعاملهم ~~معاملة طيبة جعلتهم يأنسون إليه ، وهيأ لهم ما هم في حاجة إليه من الطعام ~~وغيره ، ثم استدرجهم بعد ذلك في الكلام حتى عرف منهم على وجه التفصيل ~~أحوالهم. # وذلك لأن قوله لهم ( @QUR@05 ائتوني بأخ لكم من أبيكم ) يستلزم أن حديثا ~~متنوعا نشأ بينه وبينهم ، عرف منه يوسف ، أن لهم أخا من أبيهم لم يحضر معهم ~~وإلا فلو كان هذا الطلب منه لهم بعد معرفته لهم مباشرة ، لشعروا بأنه ~~يعرفهم وهو لا يريد ذلك. # ومن هنا قال المفسرون : إن قوله ( @QUR@05 ائتوني بأخ لكم من أبيكم ) ~~يقتضى كلاما دار بينه وبينهم نشأ عنه هذا الطلب ، ومما قالوه في توضيح هذا ~~الكلام : ما روى من أنهم بعد أن دخلوا عليه قال لهم : من أنتم وما شأنكم؟ ~~فقالوا : نحن قوم من أهل الشام ، جئنا نمتار ، ولنا أب شيخ صديق نبي من ~~الأنبياء اسمه يعقوب ، فقال لهم : كم عددكم قالوا عشرة ، وقد كنا اثنى عشر ~~، فذهب أخ لنا إلى البرية فهلك ، وكان أحبنا إلى أبينا ، وقد سكن بعده إلى ~~أخ له أصغر منه ، هو باق لديه يتسلى به ، فقال لهم حينئذ ؛ ائتوني بأخ لكم ~~من أبيكم» (1). # ويروى أنه قال لهم ذلك بعد أن طلبوا منه شيئا زائدا عن عددهم ، لأن لهم ~~أخا لم يحضر معهم ، فأعطاهم ما طلبوه ، واشترط عليهم إحضار أخيهم هذا معهم ~~، ليتأكد من صدقهم» (2). PageV07P384 # والمعنى : وبعد أن أعطى يوسف إخوته ما هم في حاجة إليه ، وعرف منهم أن ~~لهم أخا من أبيهم قد تركوه في منازلهم ولم يحضر معهم ، قال لهم : أنا ~~أريدكم في الزيارة القادمة لي ، أن تحضروه معكم لأراه ... # وقوله «من أبيكم» حال من قوله «أخ لكم» أى : أخ لكم حالة كونه من أبيكم ، ~~وليس شقيقا لكم ، فإن هذا هو الذي أريده ولا أريد غيره. # وهذا من باب المبالغة في عدم الكشف لهم عن نفسه ، حتى لكأنه لا معرفة له ~~بهم ولا به إلا من ذكرهم إياه له. # وقوله : ( @QUR@08 ألا ترون أني أوفي ms3073 الكيل وأنا خير المنزلين ) تحريض ~~لهم على الإتيان به ، وترغيب لهم في ذلك حتى ينشطوا في إحضاره معهم. # أى : ألا ترون أنى أكرمت وفادتكم ، وأعطيتكم فوق ما تريدون من الطعام ، ~~وأنزلتكم ببلدى منزلا كريما ... وما دام أمرى معكم كذلك ، فلا بد من أن ~~تأتونى معكم بأخيكم من أبيكم في المرة القادمة ، لكي أزيد في إكرامكم ~~وعطائكم. # والمراد بإيفاء الكيل : إتمامه بدون تطفيف أو تنقيص. # وعبر بصيغة الاستقبال «ألا ترون ...» مع كونه قد قال هذا القول بعد ~~تجهيزه لهم. للدلالة على أن إيفاءه هذا عادة مستمرة له معهم كلما أتوه. # وجملة ( @QUR@03 وأنا خير المنزلين ) حالية ، والمنزل : المضيف لغيره. أى ~~: والحال أنى خير المضيفين لمن نزل في ضيافتي ، وقد شاهدتم ذلك بأنفسكم. # ثم أتبع هذا الترغيب بالترهيب فقال : ( @QUR@010 فإن لم تأتوني به فلا ~~كيل لكم عندي ولا تقربون ). # أى : لقد رأيتم منى كل خير في لقائكم معى هذا ، وقد طلبت منكم أن تصحبوا ~~معكم أخاكم من أبيكم في لقائكم القادم معى ، فإن لم تأتونى به معكم عند ~~عودتكم إلى ، فإنى لن أبيعكم شيئا مما تريدونه من الأطعمة وغيرها ، وفضلا ~~عن ذلك فإنى أحذركم من أن تقربوا بلادي فضلا عن دخولها. # هذا التحذير منه عليه السلام لهم ، يشعر بأن إخوته قد ذكروا له بأنهم ~~سيعودون إليه مرة أخرى ، لأن ما معهم من طعام لا يكفيهم إلا لوقت محدود من ~~الزمان. # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون ) حكاية ~~لما رد به إخوة يوسف عليه. PageV07P385 # أى قال إخوة يوسف له بعد أن أكد لهم وجوب إحضار أخيهم لأبيهم معهم : ( ~~@QUR@03 سنراود عنه أباه ) أى : سنطلب حضوره معنا من أبيه برفق ولين ~~ومخادعة ومحايلة «وإنا لفاعلون» هذه المراودة باجتهاد لا كلل ولا ملل معه ~~وفاء لحقك علينا. # وقولهم هذا يدل دلالة واضحة على أنهم كانوا يشعرون بأن إحضار أخيهم ~~لأبيهم معهم وهو «بنيامين» الشقيق الأصغر ليوسف ، ليس أمرا سهلا أو ميسورا ~~، وإنما يحتاج إلى جهد كبير مع أبيهم حتى يقنعوه بإرساله معهم. # ثم بين سبحانه ms3074 ما فعله يوسف مع إخوته وهم على وشك الرحيل فقال : ( ~~@QUR@014 وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم ، لعلهم يعرفونها إذا ~~انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون ). # والفتيان : جمع فتى والمراد بهم هنا من يقومون بخدمته ومساعدته في عمله. # والبضاعة في الأصل : القطعة الوفيرة من الأموال التي تقتنى للتجارة ، ~~مأخوذة من البضع بمعنى القطع. # والمراد بها هنا : أثمان الطعام الذي أعطاه لهم يوسف عليه السلام . # والرحال : جمع رحل ، وهو ما يوضع على البعير من متاع الراكب. # والمعنى : وقال يوسف عليه السلام لفتيانه الذين يقومون بتلبية مطالبه : ~~أعيدوا إلى رحال هؤلاء القوم وهم إخوته الأثمان التي دفعوها لنا في مقابل ~~ما أخذوه منا من طعام ، وافعلوا ذلك دون أن يشعروا بكم ، لعل هؤلاء القوم ~~عند ما يعودون إلى بلادهم ، ويفتحون أمتعتهم ، فيجدون فيها الأثمان التي ~~دفعوها لنا في مقابل ما أخذوه من طعام وغيره. # لعلهم حينئذ يرجعون إلينا مرة أخرى ، ليدفعوها لنا في مقابل ما أخذوه. # وكأن يوسف عليه السلام أراد بفعله هذا حملهم على الرجوع إليه ومعهم ~~«بنيامين» لأن من شأن النفوس الكبيرة أن تقابل الإحسان بالإحسان وأن تأنف ~~من أخذ المبيع دون أن تدفع لصاحبه ثمنه. # وقوله ( @QUR@06 لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم ) تعليل لأمره ~~فتيانه بجعل البضاعة في رحال إخوته. إذ أن معرفتهم بأن بضاعتهم قد ردت ~~إليهم لا يتم إلا بعد انقلابهم أى رجوعهم إلى أهلهم ، وبعد تفريغها عندهم. # وقوله «لعلهم يرجعون» جواب للأمر. أى : اجعلوها كذلك ، لعلهم بعد ~~اكتشافهم أنهم ما دفعوا لنا ثمن ما أخذوه ، يرجعون إلينا ليدفعوا لنا حقنا. # وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حدثتنا عما دار بين يوسف وإخوته بعد أن ~~دخلوا عليه PageV07P386 # فعرفهم وهم له منكرون ، وبعد أن طلب منهم بقوة أن يعودوا إليه ومعهم ~~أخوهم لأبيهم ... فماذا كان بعد ذلك؟ # لقد حكت لنا السورة الكريمة ما دار بين إخوة يوسف وبين أبيهم من محاورات ~~طلبوا خلالها منه أن يأذن لهم في اصطحاب «بنيامين» معهم في رحلتهم القادمة ~~إلى مصر ، كما حكت ما رد ms3075 به أبوهم عليهم. قال تعالى : # ( @QUR@017 فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل ~~معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون (63) @QUR@017 قال هل آمنكم عليه إلا كما ~~أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين (64) @QUR@026 ~~ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي هذه ~~بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير ~~(65) @QUR@024 قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا ~~أن يحاط بكم فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل (66) @QUR@028 ~~وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم ~~من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون (67) ~~@QUR@021 ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء ~~إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه PageV07P387 # @QUR@09 لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) (68) # وقوله سبحانه : ( @QUR@014 فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا ~~الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل ... ) حكاية لما قاله إخوة يوسف لأبيهم فور ~~التقائهم به. # والمراد بالكيل : الطعام المكيل الذي هم في حاجة إليه. # والمراد بمنعه : الحيلولة بينهم وبينه في المستقبل ، لأن رجوعهم بالطعام ~~قرينة على ذلك. # والآية الكريمة معطوفة على كلام محذوف ، يدرك من السياق والتقدير : ترك ~~إخوة يوسف مصر ، وعادوا إلى بلادهم ، بعد أن وعدوه بتنفيذ ما طلبه منهم ، ~~فلما وصلوا إلى بلادهم ، ودخلوا على أبيهم قالوا له بدون تمهل. # ( @QUR@02 يا أبانا ) لقد حكم عزيز مصر بعدم بيع أى طعام لنا بعد هذه ~~المرة إذا لم نأخذ معنا أخانا «بنيامين» ليراه عند عودتنا إليه ؛ فقد قال ~~لنا مهددا عند مغادرتنا له : ( @QUR@010 فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ~~ولا تقربون ). # وأنت تعلم أننا لا بد من عودتنا إليه ، لجلب احتياجاتنا من الطعام وغيره ~~، فنرجوك أن توافقنا على اصطحاب «بنيامين» معنا «وإنا له لحافظون» حفظا ~~تاما من أن يصيبه مكروه. # والآية ms3076 الكريمة واضحة الدلالة على أن قولهم هذا لأبيهم ، كان بمجرد ~~رجوعهم إليه ، وكان قبل أن يفتحوا متاعهم ليعرفوا ما بداخله ... # وكأنهم فعلوا ذلك ليشعروه بأن إرسال بنيامين معهم عند سفرهم إلى مصر ، ~~أمر على أكبر جانب من الأهمية ، وأن عدم إرساله سيترتب عليه منع الطعام عنهم. # وقرأ حمزة والكسائي «فأرسل معنا أخانا يكتل» بالياء أى : فأرسله معنا ~~ليأخذ نصيبه من الطعام المكال ، لأن عزيز مصر لا يعطى طعاما لمن كان غائبا. # وعلى كلا القراءتين فالفعل مجزوم في جواب الطلب. # وقالوا له ( @QUR@03 وإنا له لحافظون ) بالجملة الاسمية ، لتأكيد حفظهم ~~له : وأن ذلك أمر ثابت عندهم ثبوتا لا مناص منه. # ولكن يبدو أن قولهم هذا قد حرك كوامن الأحزان والآلام في نفس يعقوب ، فهم ~~الذين سبق أن قالوا له في شأن يوسف أيضا ( @QUR@08 أرسله معنا غدا يرتع ~~ويلعب وإنا له لحافظون ). PageV07P388 # لذا نجده يرد عليهم في استنكار وألم بقوله : ( @QUR@011 قال هل آمنكم ~~عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل ... ). # أى : قال يعقوب لأولاده بعد أن طلبوا منه بإلحاح إرسال أخيهم معهم ، وبعد ~~أن تعهدوا بحفظه : أتريدون أن أأتمنكم على ابني «بنيامين» ، كما ائتمنتكم ~~على شقيقه يوسف من قبل هذا الوقت ، فكانت النتيجة التي تعرفونها جمعا ، وهي ~~فراق يوسف لي فراقا لا يعلم مداه إلا الله تعالى ؟!! لا ، إننى لا أثق ~~بوعودكم بعد الذي حدث منكم معى في شأن يوسف. فالاستفهام في قوله «هل آمنكم ~~...» للإنكار والنفي. # وقوله ( @QUR@06 فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين ) تفريع على استنكاره ~~لطلبهم إرسال «بنيامين» معهم ، وتصريح منه لهم بأن حفظ الله تعالى خير من حفظهم. # أى : إننى لا أثق بوعودكم لي بعد الذي حدث منكم بالنسبة ليوسف ، وإنما ~~أثق بحفظ الله ورعايته «فالله» تعالى «خير حافظا» لمن يشاء حفظه ، فمن حفظه ~~سلم ، ومن لم يحفظه لم يسلم ، كما لم يسلم أخوه يوسف من قبل حين ائتمنتكم ~~عليه «وهو» سبحانه ( @QUR@02 أرحم الراحمين ) لخلقه ، فأرجو أن يشملني ~~برحمته ، ولا يفجعنى في «بنيامين» ، كما فجعت في شقيقه يوسف من ms3077 قبل. # ويبدو أن الأبناء قد اقتنعوا برد أبيهم عليهم ، واشتموا من هذا الرد ~~إمكان إرساله معهم ، لذا لم يراجعوه مرة أخرى. # قال الآلوسى ما ملخصه : «وهذا أى رد يعقوب عليهم ميل منه عليه السلام إلى ~~الإذن والإرسال لما رأى فيه من المصلحة ، وفيه أيضا من التوكل على الله ~~تعالى ما لا يخفى ، ولذا روى أن الله تعالى قال : «وعزتي وجلالي لأردهما ~~عليك إذ توكلت على ...» وقرأ أكثر السبعة فالله خير حفظا ... وقرأ حمزة ~~والكسائي وحفص ( @QUR@01 حافظا ... ) وعلى القراءتين فهو منصوب على أنه ~~تمييز ...» (1). # ثم اتجه الأبناء بعد هذه المحاورة مع أبيهم إلى أمتعتهم ليفتحوها ويخرجوا ~~ما بها من زاد حضروا به من مصر ، فكانت المفاجأة التي حكاها القرآن في قوله : # ( @QUR@07 ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم ... ). # أى : وحين فتحوا أوعيتهم التي بداخلها الطعام الذي اشتروه من عزيز مصر. ~~فوجئوا بوجود أثمان هذا الطعام قد رد إليهم معه ، ولم يأخذها عزيز مصر ، بل ~~دسها داخل أوعيتهم PageV07P389 # دون أن يشعروا ، فدهشوا وقالوا لأبيهم متعجبين : # ( @QUR@08 يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ) أى : يا أبانا ماذا ~~نطلب من الإحسان والكرم أكثر من هذا الذي فعله معنا عزيز مصر؟ لقد أعطانا ~~الطعام الذي نريده ، ثم رد إلينا ثمنه الذي دفعناه له دون أن يخبرنا بذلك. # فما في قوله ( @QUR@02 ما نبغي ) استفهامية ، والاستفهام للتعجب من كرم ~~عزيز مصر ، وهي مفعول نبغى ، ونبغى من البغاء بضم الباء وهو الطلب. # والمراد ببضاعتهم : الثمن الذي دفعوه للعزيز في مقابل ما أخذوه منه من زاد. # وجملة ( @QUR@04 هذه بضاعتنا ردت إلينا ) مستأنفة لتوضيح ما دل عليه ~~الاستفهام من التعجب ، بسبب ما فعله معهم عزيز مصر من مروءة وسخاء. # فكأنهم قالوا لأبيهم : كيف لا نعجب وندهش ، وهذه بضاعتنا ردت إلينا من ~~حيث لا ندري ومعها الأحمال التي اشتريناها من عزيز مصر لم ينقص منها شيء؟ # وقوله ( @QUR@02 ونمير أهلنا ) معطوف على مقدر يفهم من الكلام ، أى : ~~«هذه بضاعتنا ردت إلينا» فننتفع بها في معاشنا ، ونمير أهلنا ، أى : نجلب ~~لهم الميرة ms3078 بكسر الميم وسكون الياء وهي الزاد الذي يؤتى به من مكان إلى آخر. # ( @QUR@02 ونحفظ أخانا ) عند سفره معنا من أى مكروه. # ( @QUR@01 ونزداد ) بوجوده معنا عند الدخول على عزيز مصر. # ( @QUR@02 كيل بعير ) أى : ويعطينا العزيز حمل بعير من الزاد ، زيادة على ~~هذه المرة نظرا لوجود أخينا معنا. # ولعل قولهم هذا كان سببه أن يوسف عليه السلام كان يعطى من الطعام على عدد ~~الرءوس ، حتى يستطيع أن يوفر القوت للجميع في تلك السنوات الشداد. # واسم الإشارة في قوله سبحانه ( @QUR@03 ذلك كيل يسير ) يعود إلى الزاد ~~الذي أحضروه من مصر أى : ذلك الطعام الذي أعطانا إياه عزيز مصر طعام يسير ، ~~لا يكفينا إلا لمدة قليلة من الزمان ، ويجب أن نعود إلى مصر لنأتى بطعام آخر. # وفي هذه الجمل المتعددة التي حكاها القرآن عنهم ، تحريض واضح منهم لأبيهم ~~على أن يسمح لهم باصطحاب «بنيامين» معهم في رحلتهم القادمة إلى مصر. PageV07P390 # ومن مظاهر هذا التحريض : مدحهم لعزيز مصر الذي رد لهم أثمان مشترياتهم ، ~~وحاجتهم الملحة إلى استجلاب طعام جديد ، وتعهدهم بحفظ أخيهم وازدياد ~~الأطعمة بسبب وجوده معهم. # ولكن يعقوب عليه السلام مع كل هذا التحريض والإلحاح ، لم يستجب لهم إلا ~~على كره منه ، واشترط لهذه الاستجابة ما حكاه القرآن في قوله : # ( @QUR@015 قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن ~~يحاط بكم ). # والموثق : العهد الموثق باليمين ، وجمعه مواثيق. # أى : قال يعقوب عليه السلام لهم : والله لن أرسل معكم «بنيامين» إلى مصر ، ~~حتى تحلفوا لي بالله ، بأن تقولوا : والله لنأتينك به عند عودتنا ، ولن ~~نتخلى عن ذلك ، «إلا أن يحاط بنا» أى : إلا أن نهلك جميعا ، أو أن نغلب ~~عليه بما هو فوق طاقتنا. # يقولون : أحيط بفلان إذا هلك أو قارب الهلاك ، وأصله من إحاطة العدو ~~بالشخص ، واستعمل في الهلاك ، لأن من أحاط به العدو يهلك غالبا. # وسمى الحلف بالله تعالى موثقا ، لأنه مما تؤكد به العهود وتقوى وقد أذن ~~الله تعالى بذلك عند وجود ما يقتضى الحلف به سبحانه . # وقوله : «لتأتننى ms3079 به» جواب لقسم محذوف والاستثناء في قوله «إلا أن يحاط ~~بكم» مفرغ من أعم الأحوال ، والتقدير : لن أرسله معكم حتى تحلفوا بالله ~~وتقولوا : والله لنأتينك به معنا عند عودتنا ، في جميع الأحوال والظروف إلا ~~في حال هلاككم أو في حال عجزكم التام عن مدافعة أمر حال بينكم وبين الإتيان ~~به معكم. # وقوله ( @QUR@03 فلما آتوه موثقهم ) أى : فلما أعطى الأبناء أباهم العهد ~~الموثق باليمين بأن أقسموا له بأن يأتوا بأخيهم معهم عند عودتهم من مصر. # «قال» لهم على سبيل التأكيد والحض على وجوب الوفاء : الله تعالى على ما ~~نقول أنا وأنتم وكيل ، أى : مطلع ورقيب ، وسيجازى الأوفياء خيرا ، وسيجازى ~~الناقضين لعهودهم بما يستحقون من عقاب. # قال ابن كثير : «وإنما فعل ذلك ، لأنه لم يجد بدا من بعثهم لأجل الميرة ~~التي لا غنى لهم عنها فبعثه معهم». # ثم حكى سبحانه بعد ذلك ما وصى به يعقوب أبناءه عند سفرهم فقال ( @QUR@012 ~~وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة ... ). PageV07P391 # أى : وقال يعقوب الأب العطوف لأبنائه وهو يودعهم : يا بنى إذا وصلتم إلى ~~مصر ، فلا تدخلوا كلكم من باب واحد ، وأنتم أحد عشر رجلا بل ادخلوا من ~~أبوابها المتفرقة ، بحيث يدخل كل اثنين أو ثلاثة من باب. # قالوا : وكانت أبواب مصر في ذلك الوقت أربعة أبواب. # وقد ذكر المفسرون أسبابا متعددة لوصية يعقوب هذه لأبنائه ، وأحسن هذه ~~الأسباب ما ذكره الآلوسى في قوله : نهاهم عن الدخول من باب واحد ، حذرا من ~~إصابة العين أى من الحسد ، فإنهم كانوا ذوى جمال وشارة حسنة ... فكانوا ~~مظنة لأن يعانوا أى لأن يحسدوا إذا ما دخلوا كوكبة واحدة ... # ثم قال : والعين حق ، كما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصح أيضا ~~بزيادة «ولو كان شيء يسبق القدر سبقته العين» ... # وقد ورد أيضا : «إن العين لتدخل الرجل القبر ، والجمل القدر» (1). # وقيل : إن السبب في وصية يعقوب لأبنائه بهذه الوصية ، خوفه عليهم من أن ~~يسترعى عددهم حراس مدينة مصر إذا ما دخلوا من باب ms3080 واحد ، فيترامى في ~~أذهانهم أنهم جواسيس أو ما شابه ذلك ، فربما سجنوهم ، أو حالوا بينهم وبين ~~الوصول إلى يوسف عليه السلام ... # وقوله ( @QUR@07 وما أغني عنكم من الله من شيء ) اعتراف منه عليه السلام ~~بأن دخولهم من الأبواب المتفرقة ، لن يحول بينهم وبين ما قدره تعالى وأراده ~~لهم ، وإنما هو أمرهم بذلك من باب الأخذ بالأسباب المشروعة. # أى : وإنى بقولي هذا لكم ، لا أدفع عنكم شيئا قدره الله عليكم ، ولو كان ~~هذا الشيء قليلا. # ( @QUR@04 إن الحكم إلا لله ) أى : ما الحكم في كل شيء إلا لله تعالى ~~وحده لا ينازعه في ذلك منازع. ولا يدافعه مدافع. # «وعليه» وحده «توكلت» في كل أمورى. # «وعليه» وحده «فليتوكل المتوكلون» أى المريدون للتوكل الحق ، والاعتماد ~~الصدق الذي لا يتعارض مع الأخذ بالأسباب التي شرعها الله وأمر بها. PageV07P392 # إذ أن كلا من التوكل والأخذ بالأسباب مطلوب من العبد ، إلا أن العاقل عند ~~ما يأخذ في الأسباب يجزم بأن الحكم لله وحده في كل الأمور ، وأن الأسباب ما ~~هي إلا أمور عادية ، يوجد الله تعالى معها ما يريد إيجاده ، ويمنع ما يريد ~~منعه ، فهو الفعال لما يريد. ويعقوب عليه السلام عند ما أوصى أبناءه بهذه ~~الوصية ، أراد بها تعليمهم الاعتماد على توفيق الله ولطفه ، مع الأخذ ~~بالأسباب المعتادة الظاهرة تأدبا مع الله تعالى واضع الأسباب ومشرعها ... # ثم بين سبحانه أن الأبناء قد امتثلوا أمر أبيهم لهم فقال : ( @QUR@020 ~~ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ، ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة ~~في نفس يعقوب قضاها ). # والمراد بالحاجة هنا : نصيحته لأبنائه بأن يدخلوا من أبواب متفرقة ، خوفا ~~عليهم من الحسد. ومعنى «قضاها» أظهرها ولم يستطع كتمانها يقال : قضى فلان ~~حاجة لنفسه إذا أظهر ما أضمره فيها. # أى : وحين دخل أبناء يعقوب من الأبواب المتفرقة التي أمرهم أبوهم بالدخول ~~منها. «ما كان» هذا الدخول «يغنى عنهم» أى يدفع عنهم من قدر «الله من شيء» ~~قدره عليهم ، ولكن الذي حمل يعقوب على أمرهم بذلك ، حاجة أى رغبة خطرت ms3081 في ~~نفسه «قضاها» أى : أظهرها ووصاهم بها ولم يستطع إخفاءها لشدة حبه لهم مع ~~اعتقاده بأن كل شيء بقضاء الله وقدره. # وقوله سبحانه ( @QUR@05 وإنه لذو علم لما علمناه ) ثناء من الله تعالى ~~على يعقوب بالعلم وحسن التدبير. # أى : وإن يعقوب عليه السلام لذو علم عظيم ، للشيء الذي علمناه إياه عن ~~طريق وحينا ، فهو لا ينسى منه شيئا إلا ما شاء الله. # وقوله ( @QUR@05 ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) أى : لا يعلمون ما يعلمه ~~يعقوب عليه السلام من أن الأخذ بالأسباب لا يتنافى مع التوكل على الله تعالى ~~أو : ولكن أكثر الناس لا يعلمون ما أعطاه الله تعالى لأنبيائه وأصفيائه من ~~العلم والمعرفة وحسن التأني للأمور. # وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد فصلت الحديث عما دار بين إخوة يوسف وبين ~~أبيهم في شأن سفر أخيهم معهم .. فماذا كان بعد ذلك؟ # لقد كان بعد ذلك أن سافر إخوة يوسف إلى مصر ، ومعهم «بنيامين» الشقيق ~~الأصغر ليوسف ، والتقوا هناك بيوسف ، وتكشف هذا اللقاء عن أحداث مثيرة ، ~~زاخرة بالانفعالات PageV07P393 # والمفاجآت والمحاورات ... التي حكاها القرآن في قوله تعالى : # ( @QUR@016 ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا ~~تبتئس بما كانوا يعملون (69) @QUR@015 فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في ~~رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون (70) @QUR@06 قالوا وأقبلوا ~~عليهم ما ذا تفقدون (71) @QUR@012 قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل ~~بعير وأنا به زعيم (72) @QUR@012 قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في ~~الأرض وما كنا سارقين (73) @QUR@06 قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين (74) ~~@QUR@011 قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين (75) ~~@QUR@033 فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ~~ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء ~~وفوق كل ذي علم عليم (76) @QUR@024 قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ~~فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون ~~(77) @QUR@016 قالوا يا أيها ms3082 العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه ~~إنا نراك من المحسنين (78) PageV07P394 # @QUR@013 قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا ~~لظالمون (79) @QUR@037 فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا ~~أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح ~~الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين (80) @QUR@018 ~~ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما ~~كنا للغيب حافظين (81) @QUR@011 وسئل القرية التي كنا فيها والعير التي ~~أقبلنا فيها وإنا لصادقون ) (82) # وقوله سبحانه ( @QUR@07 ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه ... ) شروع في ~~بيان ما دار بين يوسف عليه السلام وبين شقيقه «بنيامين» بعد أن حضر مع إخوته. # وقوله ( @QUR@01 آوى ) من الإيواء بمعنى الضم. يقال : آوى فلان فلانا إذا ~~ضمه إلى نفسه ، ويقال : تأوت الطير وتآوت ، إذا تضامت وتجمعت. # وقوله ( @QUR@02 فلا تبتئس ): افتعال من البؤس وهو الشدة والضر. يقال ~~بئس كسمع فلان بؤسا وبئوسا ، إذا اشتد حزنه وهمه. # والمعنى : وحين دخل إخوة يوسف عليه ، ما كان منه إلا أن ضم إليه شقيقه ~~وقال له مطمئنا ومواسيا : إنى أنا أخوك الشقيق. فلا تحزن بسبب ما فعله ~~إخوتنا معنا من الحسد والأذى ، فإن الله تعالى قد عوض صبرنا خيرا ، وأعطانا ~~الكثير من خيره وإحسانه. # قال الإمام ابن كثير : يخبر الله تعالى عن إخوة يوسف لما قدموا على يوسف ~~ومعهم أخوه «بنيامين» وأدخلهم دار كرامته ومنزل ضيافته وأفاض عليهم الصلة ~~والإحسان ، واختلى بأخيه فأطلعه على شأنه وما جرى له وقال : «لا تبتئس» أى ~~: لا تأسف على ما صنعوا PageV07P395 # بي ، وأمره بكتمان هذا عنهم ، وأن لا يطلعهم على ما أطلعه عليه من أنه ~~أخوه وتواطأ معه أنه سيحتال على أن يبقيه عنده معززا مكرما معظما (1). # ثم بين سبحانه ما فعله يوسف عليه السلام مع إخوته ، لكي يبقى أخاه معه فلا ~~يسافر معهم عند رحيلهم فقال : ( @QUR@08 فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في ~~رحل أخيه ... ) والجهاز ms3083 كما سبق أن بينا : ما يحتاج إليه المسافر من زاد ~~ومتاع .. # والسقاية : إناء كان الملك يشرب فيه ، وعادة ما يكون من معدن نفيس ولقد ~~كان يوسف عليه السلام يكتال به في ذلك الوقت نظرا لقلة الطعام وندرته. # وهذه السقاية هي التي أطلق عليها القرآن بعد ذلك لفظ الصواع أى : # وحين أعطى يوسف إخوته ما هم في حاجة إليه من زاد وطعام ، أو عز إلى بعض ~~فتيانه أن يدسوا الصواع في متاع أخيه «بنيامين» دون أن يشعر بهم أحد ... # وقوله ( @QUR@07 ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون ) بيان لما قاله ~~بعض أعوان يوسف لإخوته عند ما تهيئوا للسفر ، وأوشكوا على الرحيل. # والمراد بالمؤذن هنا : المنادى بصوت مرتفع ليعلم الناس ما يريد إعلامهم ~~به. والمراد بالعير هنا : أصحابها. والأصل فيها أنها اسم للإبل التي تحمل ~~الطعام وقيل العير تطلق في الأصل على قافلة الحمير ، ثم تجوز فيها فأطلقت ~~على كل قافلة تحمل الزاد وألوان التجارة. # أى : ثم نادى مناد على إخوة يوسف عليه السلام وهم يتجهزون للسفر ، أو وهم ~~منطلقون إلى بلادهم بقوله : يا أصحاب هذه القافلة توقفوا حتى يفصل في شأنكم ~~فأنتم متهمون بالسرقة. # قال الآلوسى ما ملخصه : «والذي يظهر أن ما فعله يوسف ، من جعله السقاية ~~في رحل أخيه. ومن اتهامه لإخوته بالسرقة .. إنما كان بوحي من الله تعالى ~~لما علم سبحانه في ذلك من الصلاح ، ولما أراد من امتحانهم بذلك. ويؤيده ~~قوله تعالى : ( @QUR@03 كذلك كدنا ليوسف ) (2). # ثم بين سبحانه ما قاله إخوة يوسف بعد أن سمعوا المؤذن يستوقفهم ويتهمهم ~~بالسرقة فقال تعالى ( @QUR@06 قالوا وأقبلوا عليهم ما ذا تفقدون ). PageV07P396 # وتفقدون : من الفقد ، وهو غيبة الشيء عن الحس بحيث لا يعرف مكانه. # أى : قال إخوة يوسف بدهشة وفزع لمن ناداهم وأخبرهم بأنهم سارقون ، قالوا ~~لهم : ماذا تفقدون أيها الناس من أشياء حتى اتهمتمونا بأننا سارقون؟!!! # وهنا رد عليهم المؤذن ومن معه من حراس : ( @QUR@04 قالوا نفقد صواع الملك ~~) أى : صاعه الذي يشرب فيه ، ويكتال به للممتارين. # ( @QUR@03 ولمن جاء به ) أى بهذا الصاع ms3084 ، أو دل على سارقه. # ( @QUR@02 حمل بعير ) من الطعام زيادة على حقه كمكافأة له. # ( @QUR@03 وأنا به زعيم ) أى : وأنا بهذا الحمل كفيل بأن أدفعه لمن جاءنا ~~بصواع الملك. # ويبدو أن القائل لهذا القول هو المؤذن السابق ، ولعله قد قال ذلك بتوجيه ~~من يوسف عليه السلام . # وهنا نجد إخوة يوسف يردون عليهم ردا يدل على استنكارهم لهذه التهمة وعلى ~~تأكدهم من براءتهم فيقولون : ( @QUR@012 قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا ~~لنفسد في الأرض وما كنا سارقين ). # أى : قال إخوة يوسف للمنادى ومن معه الذين اتهموهم بالسرقة : تالله يا ~~قوم ، لقد علمتم من حالنا وسلوكنا وأخلاقنا ، أننا ما جئنا إلى بلادكم ، ~~لكي نفسد فيها أو نرتكب ما لا يليق ، وما كنا في يوم من الأيام ونحن في ~~أرضكم لنرتكب هذه الجريمة ، لأنها تضرنا ولا تنفعنا ، حيث إننا في حاجة إلى ~~التردد على بلادكم لجلب الطعام ، والسرقة تحول بيننا وبين ذلك ، لأنكم ~~بسببها ستمنعوننا من دخول أرضكم ، وهذه خسارة عظيمة بالنسبة لنا. # وهنا يرد عليهم المنادى وأعوانه بقولهم : ( @QUR@06 قالوا فما جزاؤه إن ~~كنتم كاذبين ). # أى : قال المنادى وأعوانه لإخوة يوسف الذين نفوا عن أنفسهم تهمة السرقة ~~نفيا تاما. # إذا فما جزاء وعقاب هذا السارق لصواع الملك في شريعتكم ، إن وجدنا هذا ~~الصواع في حوزتكم ، وكنتم كاذبين في دعواكم أنكم ما كنتم سارقين. # فرد عليهم إخوة يوسف ببيان حكم هذا السارق في شريعتهم بقولهم : ( ~~@QUR@011 قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه ، كذلك نجزي الظالمين ). # والمراد بالجزاء : العقاب الذي يعاقب به السارق في شريعتهم ، والضمير في ~~قوله «جزاؤه» يعود إلى السارق. # أى : قال إخوة يوسف : جزاء هذا السارق الذي يوجد صواع الملك في رحله ~~ومتاعه أن يسترق لمدة سنة ، هذا هو جزاؤه في شريعتنا. PageV07P397 # قال الشوكانى ما ملخصه : وقوله «جزاؤه» مبتدأ ، وقوله «من وجد في رحله» ~~خبر المبتدأ. # والتقدير : جزاء السرقة للصواع أخذ من وجد في رحله أى استرقاقه لمدة سنة ~~، وتكون جملة «فهو جزاؤه» لتأكيد الجملة الأولى وتقريرها. قال الزجاج وقوله ~~«فهو جزاؤه» زيادة في ms3085 البيان. أى : جزاؤه أخذ السارق فهو جزاؤه لا غير» (1). # وقالوا «جزاؤه من وجد في رحله» ولم يقولوا جزاء السارق أو جزاء سرقته ، ~~للإشارة إلى كمال نزاهتهم ، وبراءة ساحتهم من السرقة ، حتى لكأن ألسنتهم لا ~~تطاوعهم بأن ينطقوا بها في هذا المقام. # وقوله : ( @QUR@03 كذلك نجزي الظالمين ) مؤكد لما قبله ، أى مثل هذا ~~الجزاء العادل ، وهو الاسترقاق لمدة سنة ، نجازي الظالمين الذين يعتدون على ~~أموال غيرهم. # وقوله سبحانه ( @QUR@010 فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من ~~وعاء أخيه ) معطوف على كلام محذوف يفهم من المقام. # والتقدير : وبعد هذه المحاورة التي دارت بين إخوة يوسف وبين الذين ~~اتهموهم بالسرقة أخبر الإخوة بتفتيش أمتعتهم للبحث عن الصواع بداخلها. # «فبدأ» المؤذن بتفتيش أوعيتهم ، قبل أن يفتش وعاء «بنيامين» فلم يجد شيئا ~~بداخل أوعيتهم. # فلما وصل إلى وعاء «بنيامين» وقام بتفتيشه وجد السقاية بداخله ، ~~فاستخرجها منه على مشهد منهم جميعا. # ويبدو أن هذا الحوار من أوله كان بمشهد ومرأى من يوسف عليه السلام وكان ~~أيضا بتدبير وتوجيه منه للمؤذن ومن معه ، فهو الذي أمر المؤذن بأن ينادى ~~«أيتها العير إنكم لسارقون» ، وهو الذي أشار عليه بأن يسألهم عن حكم السارق ~~في شريعتهم ، وهو الذي أمره بأن يبدأ بتفتيش أوعيتهم قبل أن يفتش وعاء ~~شقيقه «بنيامين» دفعا للتهمة ، ونفيا للشبهة ... # روى أنه لما بلغت النوبة إلى وعاء «بنيامين» لتفتيشه قال يوسف عليه السلام ~~: ما أظن هذا أخذ شيئا؟ فقالوا : والله لا تتركه حتى تنظر في رحله ، فإنه ~~أطيب لنفسك وأنفسنا» (2). PageV07P398 # ويطوى القرآن ما اعترى إخوة يوسف من دهشة وخزي ، بعد أن وجدت السقاية في ~~رحل «بنيامين» وبعد أن أقسموا بالله على براءتهم من تهمة السرقة ... يطوى ~~القرآن كل ذلك ، ليترك للعقول أن تتصوره ... # ثم يعقب على ما حدث ببيان الحكمة التي من أجلها ألهم الله تعالى يوسف أن ~~يفعل ما فعل من دس السقاية في رحل أخيه ، ومن سؤال إخوته عن جزاء السارق في ~~شريعتهم فيقول ( @QUR@014 كذلك كدنا ليوسف ، ما كان ليأخذ أخاه في دين ~~الملك إلا ms3086 أن يشاء الله ... ). # و «كدنا» من الكيد وأصله الاحتيال والمكر ، وهو صرف غيرك عما يريده بحيلة ~~، وهو مذموم إن تحرى به الفاعل الشر والقبيح ، ومحمود إن تحرى به الفاعل ~~الخير والجميل. # والمراد به هنا : النوع المحمود ، واللام في «ليوسف» للتعليل. # والمراد بدين الملك : شريعته التي يسير عليها في الحكم بين الناس. # والمعنى : مثل هذا التدبير الحكيم دبرنا من أجل يوسف ما يوصله إلى غرضه ~~ومقصده ، وهو احتجاز أخيه بنيامين معه ، بأن ألهمناه بأن يضع السقاية في ~~رحل أخيه ، وبأن يسأل إخوته عن حكم السارق في شريعتهم .. وما كان يوسف ~~ليستطيع أن يحتجز أخاه معه ، لو نفذ شريعة ملك مصر ، لأن شريعته لا تجيز ~~استرقاق السارق سنة كما هو الحال في شريعة يعقوب ، وإنما تعاقب السارق ~~بضربه وتغريمه قيمة ما سرقه. # وما كان يوسف ليفعل كل ذلك التدبير الحكيم في حال من الأحوال ، إلا في ~~حال مشيئة الله ومعونته وإذنه بذلك ، فهو سبحانه الذي ألهمه أن يدس السقاية ~~في رحل أخيه ، وهو سبحانه الذي ألهمه أن يسأل إخوته عن عقوبة السارق في ~~شريعتهم حتى يطبقها على من يوجد صواع الملك في رحله منهم. # والجملة الكريمة بيان لمظهر من مظاهر فضل الله تعالى على يوسف حيث ألهمه ~~ما يوصله إلى مقصوده بأحكم أسلوب. # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : «كذلك كدنا ليوسف» أى : مثل ذلك الكيد ~~العجيب وهو إرشاد الإخوة إلى الإفتاء المذكور ... دبرنا وصنفنا من أجل يوسف ~~ما يحصل به غرضه ... # وقوله «ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك» أى في حكمه وقضائه والكلام ~~استئناف وتعليل لذلك الكيد ، كأنه قيل : لما ذا فعل؟ فقيل : لأنه لم يكن ~~ليأخذ أخاه جزاء وجود الصواع عنده في دين الملك في أمر السارق إلا بذلك ~~الكيد ، لأن جزاء السارق في دينه أن يضاعف PageV07P399 # عليه الغرم ... دون أن يسترق كما هو الحال في شريعة يعقوب. # وقوله «إلا أن يشاء الله» أى : لم يكن يوسف ليتمكن من أخذ أخيه في حال من ~~الأحوال ، إلا في حال مشيئته تعالى ms3087 التي هي عبارة عن ذلك الكيد المذكور ~~...» (1). # قالوا : وفي الآية دليل على جواز التوصل إلى الأغراض الصحيحة بما صورته ~~صورة الحيلة والمكيدة إذا لم يخالف ذلك شرعا ثابتا» (2). # وقوله سبحانه ( @QUR@09 نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم ) ~~استئناف لبيان قدرة الله تعالى وسعة رحمته وعطائه. # أى : نرفع من نشاء رفعه من عبادنا إلى درجات عالية من العلوم والمعارف ~~والعطايا والمواهب ... كما رفعنا درجات يوسف عليه السلام . # ( @QUR@04 وفوق كل ذي علم ) من أولئك المرفوعين «عليم» يزيد عنهم في ~~علمهم وفي مكانتهم عند الله تعالى فهو سبحانه العليم بأحوال عباده ، ~~وبمنازلهم عنده ، وبأعلاهم درجة ومكانة. # وقال سبحانه «نرفع» بصيغة الاستقبال وللأشعار بأن ذلك سنة من سننه ~~الإلهية التي لا تتخلف ولا تتبدل ، وأن عطاءه سبحانه لا يناله إلا الذين ~~تشملهم إرادته ومشيئته كما تقتضيه حكمته. # وجاءت كلمة «درجات» بالتنكير ، للإشارة إلى عظمها وكثرتها. # ثم حكى سبحانه ما قاله إخوة يوسف في أعقاب ثبوت تهمة السرقة على أخيه ~~«بنيامين» فقال تعالى ( @QUR@09 قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ... ). # أى : قال إخوة يوسف عليه السلام بعد هذا الموقف المحرج لهم. إن يسرق ~~بنيامين هذا الصواع الخاص بالملك فقد سرق أخ له من قبل وهو يوسف ما يشبه ذلك. # وقولهم هذا يدل على أن صنيعهم بيوسف وأخيه ما زال متمكنا من نفوسهم. # وقد ذكر المفسرون هنا روايات متعددة في مرادهم بقولهم هذا ، ومن بين هذه ~~الروايات ما أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال في الآية : سرق يوسف عليه السلام صنما لجده وكان هذا الصنم من ذهب وفضة ~~، فكسره وألقاه على الطريق ، فعير إخوته بذلك» (3). PageV07P400 # وقوله ( @QUR@015 فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم ، قال أنتم شر مكانا ~~والله أعلم بما تصفون ) بيان لموقفه من مقالتهم ، والضمير في «فأسرها» يعود ~~إلى تلك المقالة التي قالوها. # أى : سمع يوسف عليه السلام ما قاله إخوته في حقه وفي حق شقيقه فساءه ذلك ، ~~ولكنه كظم غيظه ، ولم يظهر ms3088 لهم تأثره مما قالوه وإنما رد عليهم بقوله «بل ~~أنتم» أيها الإخوة «شر مكانا» أى : موضعا ومنزلا ممن نسبتموه إلى السرقة ~~وهو برىء ، لأنكم أنتم الذين كذبتم على أبيكم وخدعتموه ، وقلتم له بعد أن ~~ألقيتم أخاكم في الجب ، لقد أكله الذئب. # «والله» تعالى «أعلم» منى ومنكم «بما تصفون» به غيركم من الأوصاف التي ~~يخالفها الحق ، ولا يؤيدها الواقع. # ثم حكى سبحانه ما قالوا ليوسف على سبيل الرجاء والاستعطاف لكي يطلق لهم ~~أخاهم حتى يعود معهم إلى أبيهم فقال : ( @QUR@016 قالوا يا أيها العزيز إن ~~له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين ). # أى : قال إخوة يوسف له على سبيل الاستعطاف : ( @QUR@03 يا أيها العزيز ) ~~الذي أكرمنا وأحسن إلينا «إن» أخانا هذا الذي أخذته على سبيل الاسترقاق ~~لمدة سنة ، قد ترك من خلفه في بلادنا «أبا شيخا كبيرا» متقدما في السن ، ~~وهذا الأب يحب هذا الابن حبا جما فإذا كان ولا بد من أن تأخذ واحدا على ~~سبيل الاسترقاق بسبب هذه السرقة «فخذ أحدنا مكانه» حتى لا نفجع أبانا فيه. # وإننا ما طلبنا منك هذا الطلب ، إلا لأننا «نراك من المحسنين» إلينا ، ~~المكرمين لنا ، فسر على طريق هذا الإحسان والإكرام ، وأطلق سراح أخينا ~~«بنيامين» ليسافر معنا. # ولكن هذا الرجاء والتلطف والاستعطاف منهم ليوسف ، لم ينفعهم شيئا ، فقد ~~رد عليهم في حزم وحسم بقوله : ( @QUR@010 قال معاذ الله أن نأخذ إلا من ~~وجدنا متاعنا عنده ... ) و «معاذ» منصوب بفعل محذوف. # أى : قال يوسف لهم : نعوذ بالله تعالى معاذا ، من أن نأخذ في جريمة ~~السرقة إلا الشخص الذي وجدنا صواع الملك عنده وهو «بنيامين». # وأنتم الذين أفتيتم بأن السارق في شريعتكم عقوبته استرقاقه لمدة سنة ، ~~فنحن نسير في هذا الحكم تبعا لشريعتكم. # ( @QUR@03 إنا إذا لظالمون ) إذا أخذنا شخصا آخر سوى الذي وجدنا متاعنا ~~عنده. والظلم تأباه PageV07P401 # شريعتنا كما تأباه شريعتكم ، فاتركوا الجدال في هذا الأمر الذي لا ينفع ~~معه الجدال ، لأننا لا نريد أن نكون ظالمين. # وبهذا الرد الحاسم قطع يوسف حبال آمال ms3089 إخوته في العفو عن بنيامين أو في ~~أخذ أحدهم مكانه ، فانسحبوا من أمامه تعلوهم الكآبة ، وطفقوا يفكرون في ~~مصيرهم وفي موقفهم من أبيهم عند العودة إليه ... # وقد حكى القرآن ذلك بأسلوبه البليغ فقال : ( @QUR@023 فلما استيأسوا منه ~~خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن ~~قبل ما فرطتم في يوسف ... ). # وقوله «استيأسوا» يئسوا يأسا تاما فالسين والتاء للمبالغة. # و «خلصوا» من الخلوص بمعنى الانفراد. # و «نجيا» حال من فاعل خلصوا. وهو مصدر أطلق على المتناجين في السر على ~~سبيل المبالغة. # والفاء في قوله ( @QUR@03 فلما استيأسوا منه ... ) معطوفة على محذوف يفهم ~~من الكلام. # والتقدير : لقد بذل إخوة يوسف أقصى جهودهم معه ليطلق لهم سراح أخيهم ~~بنيامين ، فلما يئسوا يأسا تاما من الوصول إلى مطلوبهم ، انفردوا عن الناس ~~ليتشاوروا فيما يفعلونه ، وفيما يقولونه لأبيهم عند ما يعودون إليه ولا يجد ~~معهم «بنيامين» .. # هذه الجملة الكريمة وهي قوله تعالى ( @QUR@05 فلما استيأسوا منه خلصوا ~~نجيا ) من أبلغ الجمل التي اشتمل عليها القرآن الكريم ، ومن العلماء الذين ~~أشاروا إلى ذلك الإمام الثعالبي في كتاب «الإيجاز والإعجاز» فقد قال : من ~~أراد أن يعرف جوامع الكلم ، ويتنبه لفضل الاختصار ويحيط ببلاغة الإيجاز ، ~~ويفطن لكفاية الإيجاز ، فليتدبر القرآن وليتأمل علوه على سائر الكلام. # ثم قال : فمن ذلك قوله تعالى في إخوة يوسف ( @QUR@05 فلما استيأسوا منه ~~خلصوا نجيا ) وهذه صفة اعتزالهم جميع الناس ، وتقليبهم الآراء ظهرا لبطن ، ~~وأخذهم في تزوير ما يلقون به أباهم عند عودتهم إليه ، وما يوردون عليه من ~~ذكر الحادث. فتضمنت تلك الكلمات القصيرة ، معاني القصة الطويلة» (1). PageV07P402 # وقوله : ( @QUR@06 قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم ... ) إلخ بيان لما ~~قاله لهم أحدهم خلال تناجيهم مع بعضهم في عزلة عن الناس. # ولم يذكر القرآن اسم كبيرهم ، لأنه لا يتعلق بذكره غرض منهم ، وقد ذكر ~~بعض المفسرين أن المراد به «روبيل» لأنه أسنهم ، وذكر بعضهم أنه «يهوذا» ~~لأنه كبيرهم في العقل ... # أى : وحين اختلى إخوة يوسف بعضهم مع بعض لينظروا في أمرهم بعد أن ms3090 احتجز ~~عزيز مصر أخاهم بنيامين ، قال لهم كبيرهم : # «ألم تعلموا» وأنتم تريدون الرجوع إلى أبيكم وليس معكم «بنيامين». # «أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله» عند ما أرسله معكم ، بأن تحافظوا ~~عليه ، وأن لا تعودوا إليه بدونه إلا أن يحاط بكم. # وألم تعلموا كذلك أنكم في الماضي قد فرطتم وقصرتم في شأن يوسف ، حيث ~~عاهدتم أباكم على حفظه ، ثم ألقيتم به في الجب. # والاستفهام في قوله : «ألم تعلموا ...» للتقرير. أى : لقد علمتم علما ~~يقينا بعهد أبيكم عليكم بشأن بنيامين ، وعلمتم علما يقينا بخيانتكم لعهد ~~أبيكم في شأن يوسف ، فبأى وجه تعودون إلى أبيكم وليس معكم أخوكم بنيامين؟ # قال الشوكانى : قوله : ( @QUR@010 ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم ~~موثقا من الله ) أى عهدا من الله تعالى بحفظ ابنه ورده إليه. ومعنى كونه من ~~الله : أنه بإذنه. # وقوله ( @QUR@06 ومن قبل ما فرطتم في يوسف ) معطوف على ما قبله. والتقدير ~~: ألم تعلموا أن أباكم ... وتعلموا تفريطكم في يوسف ، فقوله «ومن قبل» ~~متعلق بتعلموا. # أى : تعلموا تفريطكم في يوسف من قبل. على أن ما مصدرية (1). # وقوله ( @QUR@011 فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي ... ) ~~حكاية للقرار الذي اتخذه كبيرهم بالنسبة لنفسه. # أى : قال كبير إخوة يوسف لهم : لقد علمتم ما سبق أن قلته لكم ، فانظروا ~~في أمركم ، أما أنا «فلن أبرح الأرض» أى : فلن أفارق أرض مصر «حتى يأذن لي ~~أبى» بمفارقتها ، لأنه قد أخذ علينا العهد الذي تعلمونه بشأن أخى بنيامين. ~~«أو يحكم الله لي» بالخروج منها PageV07P403 # وبمفارقتها على وجه لا يؤدى إلى نقض الميثاق مع أبى «وهو» سبحانه «خير ~~الحاكمين» لأنه لا يحكم إلا بالحق والعدل. # ثم واصل كبيرهم حديثه معهم فقال : «ارجعوا» يا إخوتى «إلى أبيكم» يعقوب ~~«فقولوا» له برفق وتلطف. «يا أبانا إن ابنك» بنيامين «سرق» صواع الملك ، ~~ووجد الصواع في رحله وقولوا له أيضا : إننا «ما شهدنا إلا بما علمنا» أى : ~~وما شهدنا على أخينا بهذه الشهادة إلا على حسب علمنا ويقيننا بأنه سرق. # «وما ms3091 كنا للغيب حافظين» أى : وما كنا نعلم الغيب بأنه سيسرق صواع الملك ، ~~عند ما أعطيناك عهودنا ومواثيقنا بأن نأتيك به معنا إلا أن يحاط بنا. # وقولوا كذلك على سبيل زيادة التأكيد ، إن كنت في شك من قولنا هذا فاسأل ~~«القرية التي كنا فيها» والمراد بالقرية أهلها. # أى : فأرسل من تريد إرساله إلى أهل القرية التي حصلت فيها حادثة السرقة ~~فإنهم سيذكرون لك تفاصيلها. # قالوا : ومرادهم بالقرية مدينة مصر التي حدث فيها ما حدث ، وعبروا عنها ~~بالقرية لأنهم يقصدون مكانا معينا منها ، وهو الذي حصل فيه التفتيش لرحالهم ~~، والمراجعة بينهم وبين عزيز مصر ومعاونيه. # وقوله : ( @QUR@04 والعير التي أقبلنا فيها ) معطوف على ما قبله. # أى : اسأل أهل القرية التي كنا فيها ، واسأل «العير» أى : قوافل التجارة ~~التي كنا فيها عند ذهابنا وإيابنا فإن أصحاب هذه القوافل يعلمون ما حدث من ~~ابنك «بنيامين». # وقوله ( @QUR@02 وإنا لصادقون ) أى : وإنا لصادقون في كل ما أخبرناك به. ~~فكن واثقا من صدقنا. # وقد ختم كبيرهم كلامه بهذه الجملة ، زيادة في تأكيد صدقهم ، لأن ماضيهم ~~معه يبعث على الريبة والشك ، فهم الذين قالوا له قبل ذلك في شأن يوسف : ~~«أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون» ثم ألقوا به في الجب ، ~~«وجاءوا أباهم عشاء يبكون ...». # وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد صورت بأسلوب حافل بالإثارة والمحاورة ، ~~والأخذ والرد ، والترغيب والترهيب .. ما دار بين يوسف وإخوته عند ما قدموا ~~إليه للمرة الثانية ومعهم شقيقه «بنيامين». # * * * PageV07P404 # فماذا كان بعد ذلك؟ لقد كان بعد ذلك أن عاد الإخوة إلى أبيهم وتركوا بمصر ~~كبيرهم وأخاهم بنيامين ، ويطوى القرآن الحكيم على عادته في هذه السورة ~~الكريمة أثر ذلك على قلب أبيهم المفجوع ، إلا أنه يسوق لنا رده عليهم ، ~~الذي يدل على كمال إيمانه ، وسعة آماله في رحمة الله تعالى فيقول : # ( @QUR@018 قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني ~~بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم (83) @QUR@013 وتولى عنهم وقال يا أسفى على ~~يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم (84) @QUR@012 قالوا ms3092 تالله تفتؤا تذكر ~~يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين (85) @QUR@013 قال إنما أشكوا بثي ~~وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون (86) @QUR@021 يا بني اذهبوا ~~فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا ~~القوم الكافرون ) (87) # أى : «قال» يعقوب لبنيه ، الذين حضروا إليه من رحلتهم ، فأخبروه بما هيج ~~أحزانه ... # قال لهم : ( @QUR@07 بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل ) أى : ليس الأمر ~~كما تدعون ، ولكن أنفسكم هي التي زينت لكم أمرا أنتم أردتموه ، فصبرى على ~~ما قلتم صبر جميل ، أى لا جزع معه ، ولا شكوى إلا لله تعالى . # قال ابن كثير : «قال لهم كما قال لهم حين جاءوا على قميص يوسف بدم كذب ~~«بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل». # قال محمد بن إسحاق : لما جاءوا يعقوب وأخبروه بما جرى ، اتهمهم ، وظن أن ~~ما فعلوه PageV07P405 # ببنيامين يشبه ما فعلوه بيوسف فقال : «بل سولت لكم أنفسكم أمرا ...». # وقال بعض الناس : لما كان صنيعهم هذا مرتبا على فعلهم الأول ، سحب حكم ~~الأول عليه ، وصح قوله «بل سولت لكم أنفسكم أمرا ...». # والخلاصة أن الذي حمل يعقوب عليه السلام على هذا القول لهم ، المفيد ~~لتشككه في صدق ما أثبتوه لأنفسهم من البراءة ، هو ماضيهم معه ، فإنهم قد ~~سبق لهم أن فجعوه في يوسف بعد أن عاهدوه على المحافظة عليه. # ولكن يعقوب هنا أضاف إلى هذه الجملة جملة أخرى تدل على قوة أمله في رحمة ~~الله ، وفي رجائه الذي لا يخيب في أن يجمع شمله بأبنائه جميعا فقال ~~عليه السلام ( @QUR@010 عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم ). # أى : عسى الله تعالى أن يجمعني بأولادى جميعا يوسف وبنيامين وروبيل الذي ~~تخلف عنهم في مصر إنه سبحانه هو العليم بحالي ، الحكيم في كل ما يفعله ~~ويقضى به. # وهذا القول من يعقوب عليه السلام يدل دلالة واضحة على كمال إيمانه ، وحسن ~~صلته بالله تعالى وقوة رجائه في كرمه وعطفه ولطفه سبحانه . # وكأنه بهذا القول يرى بنور الله ms3093 الذي غرسه في قلبه ، ما يراه غيره بحواسه ~~وجوارحه. # ثم يصور سبحانه ما اعترى يعقوب من أحزانه على يوسف ، جددها فراق بنيامين ~~له فقال تعالى ( @QUR@013 وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف ، وابيضت عيناه ~~من الحزن فهو كظيم ). # وقوله «يا أسفا» من الأسف وهو أشد الحزن والتحسر على ما فات من أحداث. ~~يقال : أسف فلان على كذا يأسف أسفا ، إذا حزن حزنا شديدا. # وألفه بدل من ياء المتكلم للتخفيف والأصل يا أسفى. # وكظيم بمعنى مكظوم ، وهو الممتلئ بالحزن ولكنه يخفيه من الناس ولا يبديه لهم. # ومنه قوله تعالى ( @QUR@02 والكاظمين الغيظ ) أى : المخفين له ، مأخوذ من ~~كظم فلان السقاء : إذا سده على ما بداخله. # والمعنى : وبعد أن استمع يعقوب إلى ما قاله له أبناؤه ، ورد عليهم ... ~~انتابته الأحزان والهموم ، وتجددت في قلبه الشجون ... فتركهم واعتزل مجلسهم وقال : # «يا أسفا على يوسف» أى : يا حزنى الشديد على يوسف أقبل فهذا أوان إقبالك. PageV07P406 # ( @QUR@01 وابيضت ) عينا يعقوب من شدة الحزن على يوسف وأخيه حتى ضعف بصره ~~، حيث انقلب سواد عينيه بياضا من كثرة البكاء. # ( @QUR@02 فهو كظيم ) أى : ممتلئ حزنا على فراق يوسف له ، إلا أنه كاتم ~~لهذا الحزن لا يبوح به لغيره من الناس. # قالوا : وإنما تأسف على يوسف دون أخويه بنيامين وروبيل مع أن الرزء ~~الأحدث أشد على النفس ... لأن الرزء في يوسف كان قاعدة مصيباته التي ترتبت ~~عليها الرزايا والخطوب ولأن حبه ليوسف كان حبا خاصا لا يؤثر فيه مرور ~~الأعوام ... ولأن من شأن المصيبة الجديدة أن تذكر بالمصيبة السابقة عليها ، ~~وتهيج أحزانها ، وقد عبر عن هذا المعنى متمم ابن نويرة في رثائه لأخيه مالك فقال : # لقد لامنى عند القبور على البكا %~% رفيقي لتذراف الدموع السوافك فقال أتبكي كل قبر رأيته %~% لقبر ثوى بين اللوى والدكادك فقلت له : إن الشجى يبعث الشجى %~% فدعني ، فهذا كله قبر مالك # وقال صاحب الكشاف : «فإن قلت : كيف جاز لنبي الله يعقوب أن يبلغ به الجزع ~~ذلك المبلغ؟ # قلت : الإنسان مجبول على أن لا يملك نفسه عند ms3094 الشدائد من الحزن. # ولقد بكى النبي صلى الله عليه وسلم على ولده إبراهيم وقال : إن العين تدمع ، ~~والقلب يحزن ، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا ، وإنا بفراقك يا إبراهيم ~~لمحزونون. # وإنما الجزع المذموم ما يقع من الجهلة من الصياح والنياحة ، ولطم الصدور ~~والوجوه وتمزيق الثياب. # وعن الحسن أنه بكى على ولد له ، فقيل له في ذلك؟ فقال : ما رأيت الله جعل ~~الحزن عارا على يعقوب» (1). # ثم يحكى القرآن ما قاله أبناء يعقوب له ، وقد رأوه على هذه الصورة من ~~الهم والحزن فيقول : ( @QUR@012 قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضا ~~أو تكون من الهالكين ). # قال الشوكانى : قوله «تفتأ» أى : لا تفتأ ، فحذف حرف النفي لأمن اللبس. ~~قال الكسائي : فتأت وفتئت أفعل كذا : أى ما زلت أفعل كذا. PageV07P407 # وقال الفراء : إن «لا» مضمرة. أى لا تفتأ ... ومنه قول الشاعر : # فقلت يمين الله أبرح قاعدا %~% ولو قطعوا رأسى لديك وأوصالى # أى : «لا أبرح قاعدا ...» (1). # و «حرضا» مصدر حرض. كتعب والحرض : الإشراف على الهلاك من شدة الحزن أو ~~المرض أو غيرهما. # والمعنى : قال أبناء يعقوب له بعد أن سمعوه وهو يتحسر على فراق يوسف له : ~~تالله يا أبانا ما تزال تذكر يوسف بهذا الحنين الجارف ، والحزن المضنى ، ~~«حتى تكون حرضا». أى : مشرفا على الموت لطول مرضك. # «أو تكون من الهالكين» المفارقين لهذه الدنيا. # وهنا يرد عليهم الأب الذي يشعر بغير ما يشعرون به من ألم وأمل ... ( ~~@QUR@013 قال إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون ). # و «البث» ما ينزل بالإنسان من مصائب يعظم حزن صاحبها بسببها. حتى أنه لا ~~يستطيع إخفاء هذا الحزن ، وأصله التفريق وإثارة الشيء ومنه قولهم : بثت ~~الريح التراب إذا فرقته. # قالوا : والإنسان إذا قدر على كتم ما نزل به من المصائب كان حزنا ، وإذا ~~لم يقدر على كتمه كان بثا ... # والمعنى : قال يعقوب لأولاده الذين لاموه على شدة حزنه على يوسف : إنما ~~أشكو ، «بثي» أى : همي الذي انطوى عليه صدري «إلى الله» تعالى وحده ، لا ms3095 ~~إلى غيره ، فهو العليم بحالي ، وهو القادر على تفريج كربى ، فاتركوني وشأنى ~~مع ربي وخالقي. فإنى «أعلم من الله» أى : من لطفه وإحسانه وثوابه على الصبر ~~على المصيبة «ما لا تعلمون» أنتم ، وإنى لأرجو أن يرحمني وأن يلطف بي ، وأن ~~يجمع شملي بمن فارقنى من أولادى ، فإن حسن ظني به سبحانه عظيم. # قال صاحب الظلال : «وفي هذه الكلمات التي حكاها القرآن عن يعقوب ~~عليه السلام ، يتجلى الشعور بحقيقة الألوهية في هذا القلب الموصول ، كما ~~تتجلى هذه الحقيقة ذاتها بجلالها الغامر ، ولألائها الباهر. PageV07P408 # إن هذا الواقع الظاهر الميئس من يوسف ، وهذا المدى الطويل الذي يقطع ~~الرجاء من حياته فضلا عن عودته إلى أبيه ... إن هذا كله لا يؤثر شيئا في ~~شعور الرجل الصالح بربه ، فهو يعلم من حقيقة ربه ومن شأنه ما لا يعلمه ~~هؤلاء المحجوبون عن تلك الحقيقة ... # وهذه قيمة الإيمان بالله ... # إن هذه الكلمات «أعلم من الله ما لا تعلمون» تجلو هذه الحقيقة بما لا ~~تملك كلماتنا نحن أن تجلوها. وتعرض مذاقا يعرفه من ذاق مثله ، فيدرك ماذا ~~تعنى هذه الكلمات في نفس العبد الصالح يعقوب ... والقلب الذي ذاق هذا ~~المذاق ، لا تبلغ الشدائد منه مهما بلغت إلا أن يتعمق اللمس والمشاهدة ~~والمذاق ...» (1). # ثم يمضى يعقوب عليه السلام في رده على أولاده فيأمرهم أن يواصلوا بحثهم عن ~~يوسف وأخيه ، وأن لا يقنطوا من رحمة الله فيقول : ( @QUR@021 يا بني اذهبوا ~~فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا ~~القوم الكافرون ). # والتحسس : هو طلب الشيء بطريق الحواس بدقة وحكمة وصبر على البحث. # أى : قال يعقوب لأبنائه : يا بنى «اذهبوا» إلى أرض مصر وإلى أى مكان ~~تتوقعون فيه وجود يوسف وأخيه «فتحسسوا» أمرهما. وتخبروا خبرهما ، وتعرفوا ~~نبأهما بدون كلل أو ملل. # وفي التعبير بقوله «فتحسسوا» إشارة إلى أمره لهم بالبحث الجاد الحكيم ~~المتأنى «ولا تيأسوا من روح الله» أى : ولا تقنطوا من فرج الله وسعة رحمته ~~، وأصل معنى الروح التنفس. يقال : أراح الإنسان إذا ms3096 تنفس ، ثم استعير لحلول الفرج. # وكلمة «روح» بفتح الراء أدل على هذا المعنى ، لما فيها من ظل الاسترواح ~~من الكرب الخانق بما تتنسمه الأرواح من رحمة الله. # وقوله ( @QUR@09 إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ) تعليل ~~لحضهم على التحسس أى : لا تقصروا في البحث عن يوسف وأخيه ، ولا تقنطوا من ~~رحمة الله ، فإنه لا يقنط من رحمة الله إلا القوم الكافرون ، لعدم علمهم ~~بالله تعالى وبصفاته وبعظيم قدرته ، وبواسع رحمته ... # أما المؤمنون فإنهم لا ييأسون من فرج الله أبدا ، حتى ولو أحاطت بهم ~~الكروب ، واشتدت عليهم المصائب ... PageV07P409 # واستجاب الأبناء لنصيحة أبيهم ، فأعدوا عدتهم للرحيل إلى مصر للمرة ~~الثالثة ، ثم ساروا في طريقهم حتى دخلوها ، والتقوا بعزيز مصر الذي احتجز ~~أخاهم بنيامين ، وتحكى السورة الكريمة ما دار بينهم وبينه فتقول : # ( @QUR@022 فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ~~ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين (88) ~~@QUR@010 قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون (89) @QUR@023 ~~قالوا أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ~~ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (90) @QUR@09 قالوا تالله لقد آثرك ~~الله علينا وإن كنا لخاطئين (91) @QUR@011 قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر ~~الله لكم وهو أرحم الراحمين (92) @QUR@012 اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على ~~وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين (93) @QUR@013 ولما فصلت العير قال ~~أبوهم إني لأجد ريح يوسف لو لا أن تفندون (94) @QUR@06 قالوا تالله إنك لفي ~~ضلالك القديم (95) @QUR@020 فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا ~~قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون (96) @QUR@01 قالوا PageV07P410 # @QUR@08 يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين (97) @QUR@09 قال سوف ~~أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم ) (98) # وقوله تعالى ( @QUR@018 فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا ~~وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا ... ) حكاية ~~لما قاله إخوة يوسف له ، بعد أن امتثلوا أمر أبيهم ، فخرجوا إلى مصر للمرة ms3097 ~~الثالثة ، ليتحسسوا من يوسف وأخيه ، وليشتروا من عزيزها ما هم في حاجة إليه ~~من طعام. # والبضاعة : هي القطعة من المال ، يقصد بها شراء شيء. # والمزجاة : هي القليلة الرديئة التي ينصرف عنها التجار إهمالا لها. # قالوا : وكانت بضاعتهم دراهم زيوفا لا تؤخذ إلا بوضيعة أى : بأقل قيمة ~~وقيل غير ذلك. # وأصل الإزجاء : السوق والدفع قليلا قليلا ، ومنه قوله تعالى ( @QUR@06 ~~ألم تر أن الله يزجي سحابا ... ). أى : يرسله رويدا رويدا ... # وسميت البضاعة الرديئة القليلة مزجاة ، لأنها ترد وتدفع ولا يقبلها ~~التجار إلا بأبخس الأثمان. # والمعنى : وقال إخوة يوسف له بأدب واستعطاف ، بعد أن دخلوا عليه للمرة ~~الثالثة «يا أيها العزيز» أى : الملك صاحب الجاه والسلطان والسعة في الرزق ~~، «مسنا وأهلنا الضر» أى : أصابنا وأصاب أهلنا معنا الفقر والجدب والهزل من ~~شدة الجوع. # ( @QUR@03 وجئنا ببضاعة مزجاة ) أى : وجئنا معنا من بلادنا ببضاعة قليلة ~~رديئة يردها وينصرف عنها كل من يراها من التجار ، إهمالا لها ، واحتقارا ~~لشأنها. # وإنما قالوا له ذلك : استدرارا لعطفه ، وتحريكا لمروءته وسخائه ، قبل أن ~~يخبروه بمطلبهم الذي حكاه القرآن في قوله : # ( @QUR@05 فأوف لنا الكيل وتصدق علينا ... ) أى : هذا هو حالنا شرحناه لك ~~، وهو يدعو إلى الشفقة والرحمة ، ما دام أمرنا كذلك ، فأتمم لنا كيلنا ولا ~~تنقص منه شيئا ، وتصدق علينا فوق حقنا بما أنت أهل له من كرم ورحمة ( ~~@QUR@04 إن الله يجزي المتصدقين ) على غيرهم جزاء كريما حسنا PageV07P411 # ويبدو أن يوسف عليه السلام قد تأثر بما أصابهم من ضر وضيق حال ، تأثرا ~~جعله لا يستطيع أن يخفى حقيقته عنهم أكثر من ذلك ، فبادرهم بقوله : ( ~~@QUR@010 قال : هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون ). # أى : قال لهم يوسف عليه السلام على سبيل التعريض بهم ، والتذكير بأخطائهم ~~: هل علمتم ما فعلتموه بيوسف وأخيه من أذى وعدوان عليهما ، وقت أن كنتم ~~تجهلون سوء عاقبة هذا الأذى والعدوان. # قالوا : وقوله هذا يدل على سمو أخلاقه حتى لكأنه يلتمس لهم العذر ، لأن ~~ما فعلوه معه ومع أخيه كان في وقت جهلهم وقصور عقولهم ، وعدم ms3098 علمهم بقبح ما ~~أقدموا عليه ... # وقيل : نفى عنهم العلم وأثبت لهم الجهل ، لأنهم لم يعملوا بمقتضى علمهم. # والأول أولى وأقرب إلى ما يدل عليه سياق الآيات بعد ذلك ، من عفوه عنهم ، ~~وطلب المغفرة لهم. # وهنا يعود إلى الإخوة صوابهم ، وتلوح لهم سمات أخيهم يوسف ، فيقولون له ~~في دهشة وتعجب ( @QUR@04 قالوا أإنك لأنت يوسف )؟. # أى : أإنك لأنت أخونا يوسف الذي أكرمنا ... والذي فارقناه وهو صغير فأصبح ~~الآن عزيز مصر ، والمتصرف في شئونها؟ .. # فرد عليهم بقوله ( @QUR@03 قال أنا يوسف ) الذي تتحدثون عنه. والذي فعلتم ~~معه ما فعلتم ... # «وهذا أخى» بنيامين الذي ألهمنى الله الفعل الذي عن طريقه احتجزته عندي ، ~~ولم أرسله معكم ... # «قد من الله» تعالى «علينا» حيث جمعنا بعد فراق طويل ، وبدل أحوالنا من ~~عسر إلى يسر ومن ضيق إلى فرج ... # ثم علل ذلك بما حكاه القرآن عنه في قوله ( @QUR@010 إنه من يتق ويصبر فإن ~~الله لا يضيع أجر المحسنين ). # أى : إن من شأن الإنسان الذي يتقى الله تعالى ويصون نفسه عن كل ما لا ~~يرضاه ، ويصبر على قضائه وقدره ، فإنه تعالى يرحمه برحمته ، ويكرمه بكرمه ، ~~لأنه سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملا ، وتلك سنته سبحانه التي لا تتخلف ... # وهنا يتجسد في أذهان إخوة يوسف ما فعلوه معه في الماضي ، فينتابهم الخزي ~~والخجل ، PageV07P412 # حيث قابل إساءتهم إليه بالإحسان عليهم ، فقالوا له في استعطاف وتذلل : ( ~~@QUR@09 قالوا تالله لقد آثرك الله علينا ، وإن كنا لخاطئين ) أى : نقسم ~~بالله تعالى لقد اختارك الله تعالى لرسالته ، وفضلك علينا بالتقوى وبالصبر ~~وبكل الصفات الكريمة. # أما نحن فقد كنا خاطئين فيما فعلناه معك ، ومتعمدين لما ارتكبناه في حقك ~~من جرائم ، ولذلك أعزك الله تعالى وأذلنا ، وأغناك وأفقرنا ، ونرجو منك ~~الصفح والعفو. # فرد عليهم يوسف عليه السلام بقوله : ( @QUR@011 قال لا تثريب عليكم اليوم ~~يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ). # والتثريب : التعيير والتوبيخ والتأنيب. وأصله كما يقول الآلوسى : من ~~الثرب ، وهو الشحم الرقيق في الجوف وعلى الكرش ... فاستعير للتأنيب الذي ~~يمزق الأعراض ويذهب بهاء الوجه ، لأنه بإزالة الشحم ms3099 يبدو الهزال ، كما أنه ~~بالتأنيب واللوم تظهر العيوب ، فالجامع بينهما طريان النقص بعد الكمال. # أى : قال يوسف لإخوته على سبيل الصفح والعفو يا إخوتى : لا لوم ولا تأنيب ~~ولا تعيير عليكم اليوم ، فقد عفوت عما صدر منكم في حقي وفي حق أخى من أخطاء ~~وآثام وأرجو الله تعالى أن يغفر لكم ما فرط منكم من ذنوب وهو سبحانه أرحم ~~الراحمين بعباده. # وقوله «لا تثريب» اسم لا النافية للجنس ، و «عليكم» متعلق بمحذوف خبر لا ، ~~و «اليوم» متعلق بذلك الخبر المحذوف. # أى : لا تقريع ولا تأنيب ثابت أو مستقر عليكم اليوم. # وليس التقييد باليوم لإفادة أن التقريع ثابت في غيره ، بل المراد نفيه ~~عنهم في كل ما مضى من الزمان ، لأن الإنسان إذا لم يوبخ صاحبه في أول لقاء ~~معه على أخطائه فلأن يترك ذلك بعد أول لقاء أولى. # ثم انتقل يوسف عليه السلام من الحديث عن الصفح عنهم إلى الحديث عن أبيه ~~الذي ابيضت عيناه عليه من الحزن فقال : # ( @QUR@012 اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني ~~بأهلكم أجمعين ). # أى. اذهبوا يا إخوتى بقميصي هذا «فألقوه على وجه أبى» الذي طال حزنه بسبب ~~فراقي له «يأت بصيرا» أى يرتد إليه كامل بصره ، بعد أن ضعف من شدة الحزن. # «وأتونى» معه إلى هنا ومعكم أهلكم جميعا من رجال ونساء وأطفال. # وقول يوسف هذا إنما هو بوحي من الله تعالى فهو سبحانه الذي ألهمه أن إلقاء PageV07P413 # قميصه على وجه أبيه يؤدى إلى ارتداد بصره إليه كاملا ، وهذا من باب خرق ~~العادة بالنسبة لهذين النبيين الكريمين. # واستجاب الإخوة لتوجيه يوسف ، فأخذوا قميصه وعادوا إلى أوطانهم ويصور ~~القرآن ما حدث فيقول : ( @QUR@013 ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح ~~يوسف لو لا أن تفندون ). # و «فصلت العير» أى خرجت من مكان إلى مكان آخر. يقال : فصل فلان من بلده ~~كذا فصولا ، إذا جاوز حدودها إلى حدود بلدة أخرى. # و «تفندون» من الفند وهو ضعف العقل بسبب المرض والتقدم في السن. # والمعنى : وحين ms3100 غادرت الإبل التي تحمل إخوة يوسف حدود مصر ، وأخذت طريقها ~~إلى الأرض التي يسكنها يعقوب وبنوه ، قال يعقوب عليه السلام لمن كان جالسا ~~معه من أهله وأقاربه ، استمعوا إلى «إنى لأجد ريح يوسف». # أى : رائحته التي تدل عليه ، وتشير إلى قرب لقائي به. # و «لولا» أن تنسبونى إلى الفند وضعف العقل لصدقتمونى فيما قلت ، أو لولا ~~أن تنسبونى إلى ذلك لقلت لكم إنى أشعر أن لقائي بيوسف قد اقترب وقته وحان زمانه. # فجواب لولا محذوف لدلالة الكلام عليه. # وقد أشم الله تعالى يعقوب عليه السلام ما عبق من القميص من رائحة يوسف من ~~مسيرة أيام ، وهي معجزة ظاهرة له عليه الصلاة والسلام . # وقال الإمام مالك رحمه الله أوصل الله تعالى ريح قميص يوسف ليعقوب ، كما ~~أوصل عرش بلقيس إلى سليمان قبل أن يرتد إلى سليمان طرفه. # ولكن المحيطين بيعقوب الذين قال لهم هذا القول ، لم يشموا ما شمه ، ولم ~~يجدوا ما وجده ، فردوا عليه بقولهم : ( @QUR@06 قالوا تالله إنك لفي ضلالك ~~القديم ). # قالوا له على سبيل التسلية : إنك يا يعقوب ما زلت غارقا في خطئك القديم ~~الذي لا تريد أن يفارقك. وهو حبك ليوسف وأملك في لقائه والإكثار من ذكره. # وتحقق ما وجده يعقوب من رائحة يوسف ... وحل أوان المفاجأة التي حكاها ~~القرآن في قوله ( @QUR@020 فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا ~~، قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون ). # أى : وحين اقترب أبناء يعقوب من دار أبيهم ، تقدم البشير الذي يحمل قميص ~~يوسف إلى PageV07P414 # يعقوب ، فألقى القميص على وجهه فعاد إلى يعقوب بصره كأن لم يكن به ضعف أو ~~مرض من قبل ذلك. # وهذه معجزة أكرم الله تعالى بها نبيه يعقوب عليه السلام حيث رد إليه بصره ~~بسبب إلقاء قميص يوسف على وجهه. # وهنا قال يعقوب لأبنائه ولمن أنكر عليه قوله ( @QUR@06 إني لأجد ريح يوسف ~~ألم أقل ) قبل ذلك ( @QUR@04 إني أعلم من الله ) أى : من رحمته وفضله ~~وإحسانه ( @QUR@03 ما لا تعلمون ) أنتم. # وهنا قال الأبناء ms3101 لأبيهم في تذلل واستعطاف : ( @QUR@05 يا أبانا استغفر ~~لنا ذنوبنا ). # أى : تضرع إلى الله تعالى أن يغفر لنا ما فرط منا من ذنوب في حقك وفي حق ~~أخوينا يوسف وبنيامين. # ( @QUR@03 إنا كنا خاطئين ) في حقك وفي حق أخوينا ، ومن شأن الكريم أن ~~يصفح ويعفو عمن اعترف له بالخطإ. # فكان رد أبيهم عليهم أن قال لهم ( @QUR@04 سوف أستغفر لكم ربي ) أى : سوف ~~أتضرع إلى ربي لكي يغفر لكم ذنوبكم. # ( @QUR@01 إنه ) سبحانه ( @QUR@02 هو الغفور ) أى الكثير المغفرة ( ~~@QUR@01 الرحيم ) أى : الكثير الرحمة لمن شاء أن يغفر له ويرحمه من عباده. # وهكذا صورت لنا السورة الكريمة ما دار بين يوسف وإخوته ، وبين يعقوب ~~وبنيه في هذا اللقاء المثير الحافل بالمفاجآت والبشارات. # ولكن الأمر لم ينته عند هذا الحد ، فقد كانت هناك مفاجآت وبشارات أخرى ~~تحققت معها رؤيا يوسف وهو صغير ، كما تحقق معها تأويل يعقوب لها فقد هاجر ~~يعقوب ببنيه وأهله إلى مصر للقاء ابنه يوسف ، وهناك اجتمع شملهم واستمع إلى ~~القرآن الكريم وهو يحكى ذلك في نهاية القصة فيقول : # ( @QUR@014 فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء ~~الله آمنين (99) @QUR@017 ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت ~~هذا تأويل رءياي من قبل قد جعلها PageV07P415 # @QUR@030 ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من ~~بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم ~~الحكيم (100) @QUR@021 رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث ~~فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني ~~بالصالحين ) (101) # وقوله سبحانه ( @QUR@07 فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه ... ) معطوف ~~على كلام محذوف والتقدير : # استجاب إخوة يوسف لقوله لهم : ( @QUR@012 اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على ~~وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين ) فأتوا بأهلهم أجمعين ، حيث رحلوا ~~جميعا من بلادهم إلى مصر ومعهم أبوهم ، فلما وصلوا إليها ودخلوا على يوسف ، ~~ضم إليه أبويه وعانقهما عناقا حارا. # وقال للجميع ( @QUR@01 ادخلوا ) بلاد ( @QUR@05 مصر إن شاء الله ms3102 آمنين ) ~~من الجوع والخوف. # وقد ذكر المفسرون هنا كلاما يدل على أن يوسف عليه السلام وحاشيته ووجهاء ~~مصر ، عند ما بلغهم قدوم يعقوب بأسرته إلى مصر ، خرجوا جميعا لاستقبالهم ~~كما ذكروا أن المراد بأبويه : أبوه وخالته ، لأن أمه ماتت وهو صغير. # إلا أن ابن كثير قال : «قال محمد بن إسحاق وابن جرير : كان أبوه وأمه ~~يعيشان ، وأنه لم يقم دليل على موت أمه ، وظاهر القرآن يدل على حياتها» ... # ثم قال : «وهذا الذي ذكره ابن جرير ، هو الذي يدل عليه السياق» (1). # والمراد بدخول مصر : الاستقرار بها ، والسكن في ربوعها. PageV07P416 # قالوا : وكان عدد أفراد أسرة يعقوب الذين حضروا معه ليقيموا في مصر ما ~~بين الثمانين والتسعين. # والمراد بالعرش في قوله ( @QUR@04 ورفع أبويه على العرش ) السرير الذي ~~يجلس عليه. # أى : وأجلس يوسف أبويه معه على السرير الذي يجلس عليه ، تكريما لهما ، ~~وإعلاء من شأنهما. # ( @QUR@03 وخروا له سجدا ) أى : وخر يعقوب وأسرته ساجدين من أجل يوسف ، ~~وكان ذلك جائزا في شريعتهم على أنه لون من التحية ، وليس المقصود به السجود ~~الشرعي لأنه لا يكون إلا لله تعالى . # «وقال» يوسف متحدثا بنعمة الله ( @QUR@011 يا أبت هذا تأويل رءياي من قبل ~~قد جعلها ربي حقا ... ). # أى : وقال يوسف لأبيه : هذا السجود الذي سجدتموه لي الآن ، هو تفسير ~~رؤياي التي رأيتها في صغرى. فقد جعل ربي هذه الرؤيا حقا ، وأرانى تأويلها ~~وتفسيرها بعد أن مضى عليها الزمن الطويل. # قالوا : وكان بين الرؤيا وبين ظهور تأويلها أربعون سنة. # والمراد بهذه الرؤيا ما أشار إليه القرآن في مطلع هذه السورة في قوله ( ~~@QUR@012 يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ). # ثم قال يوسف لأبيه أيضا : ( @QUR@03 وقد أحسن بي ) ربي عز وجل ( @QUR@04 ~~إذ أخرجني من السجن ) بعد أن مكثت بين جدرانه بضع سنين. # وعدى فعل الإحسان بالباء مع أن الأصل فيه أن يتعدى بإلى ، لتضمنه معنى ~~اللطف ولم يذكر نعمة إخراجه من الجب ، حتى لا يجرح شعور إخوته الذين سبق أن ~~قال لهم : ( @QUR@07 لا تثريب عليكم ms3103 اليوم يغفر الله لكم ). # وقوله ( @QUR@04 وجاء بكم من البدو ) معطوف على ما قبله تعدادا لنعم الله ~~تعالى أى : وقد أحسن بي ربي حيث أخرجنى من السجن ، وأحسن بي أيضا حيث يسر ~~لكم أموركم ، وجمعنى بكم في مصر ، بعد أن كنتم مقيمين في البادية في أرض ~~كنعان بفلسطين. # وقوله ( @QUR@08 من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي ) أى جمعنى بكم ~~من بعد أن أفسد الشيطان بيني وبين إخوتى ، حيث حملهم على أن يلقوا بي في الجب. PageV07P417 # وأصل ( @QUR@01 نزغ ) من النزغ بمعنى النخس والدفع. يقال : نزغ الراكب ~~دابته إذا نخسها ودفعها لتسرع في سيرها. # وأسند النزغ إلى الشيطان ، لأنه هو الموسوس به ، والدافع إليه ، ولأن في ~~ذلك سترا على إخوته وتأدبا معهم. # وقوله ( @QUR@09 إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم ) تذييل قصد ~~به الثناء على الله تعالى بما هو أهله. # أى : إن ربي وخالقي ، لطيف التدبير لما يشاء تدبيره من أمور عباده ، رفيق ~~بهم في جميع شئونهم من حيث لا يعلمون. # إنه سبحانه هو العليم بأحوال خلقه علما تاما ، الحكيم في جميع أقواله ~~وأفعاله. # ثم ختم يوسف عليه السلام ثناءه على الله تعالى بهذا الدعاء الذي حكاه ~~القرآن عنه في قوله : ( @QUR@05 رب قد آتيتني من الملك ) أى : يا رب قد ~~أعطيتنى شيئا عظيما من الملك والسلطان بفضلك وكرمك. # ( @QUR@01 وعلمتني ) أيضا شيئا كثيرا ( @QUR@03 من تأويل الأحاديث ) أى : ~~من تفسيرها وتعبيرها تعبيرا صادقا بتوفيقك وإحسانك. # ( @QUR@03 فاطر السماوات والأرض ) أى : خالقهما على غير مثال سابق ، وهو ~~منصوب على النداء بحرف مقدر أى : يا فاطر السموات والأرض. # ( @QUR@02 أنت وليي ) وناصري ومعينى ( @QUR@03 في الدنيا والآخرة ). # ( @QUR@01 توفني ) عند ما يدركني أجلى على الإسلام ، وأبقنى ( @QUR@01 ~~مسلما ) مدة حياتي. # ( @QUR@01 وألحقني ) في قبري ويوم الحساب ( @QUR@01 بالصالحين ) من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. # وبهذا الدعاء الجامع الذي توجه به يوسف إلى ربه تعالى يختتم القرآن ~~الكريم قصة يوسف مع أبيه ومع إخوته ومع غيرهم ممن عاشرهم والتقى بهم وهو ~~دعاء يدل على أن يوسف عليه السلام لم يشغله ms3104 الجاه والسلطان ولم يشغله لقاؤه ~~عن طاعة ربه ، وعن تذكر الآخرة وما فيها من حساب .. # وهذا هو شأن المصطفين الأخيار الذين نسأل الله تعالى أن يحشرنا معهم ، ~~ويلحقنا بهم ، ويوفقنا للسير على نهجهم ... # * * * PageV07P418 # ثم يختتم الله تعالى هذه السورة الكريمة بما يدل على أن هذا القرآن من ~~عند الله تعالى وبما يدخل التسلية على قلب الرسول صلى الله عليه وسلم وبما ~~يفتح له باب الأمل في النصر على أعدائه ... فيقول : # ( @QUR@014 ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم ~~وهم يمكرون (102) @QUR@06 وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين (103) @QUR@010 ~~وما تسئلهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين (104) @QUR@011 وكأين من ~~آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون (105) @QUR@07 وما ~~يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (106) @QUR@014 أفأمنوا أن تأتيهم غاشية ~~من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون (107) @QUR@017 قل هذه ~~سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من ~~المشركين (108) @QUR@029 وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل ~~القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار ~~الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون (109) @QUR@019 حتى إذا استيأس الرسل ~~وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم ~~المجرمين (110) PageV07P419 # @QUR@023 لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن ~~تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) (111) # واسم الإشارة في قوله سبحانه ( @QUR@06 ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ~~... ). يعود على ما ذكره الله تعالى في هذه السورة من قصص يتعلق بيوسف ~~وإخوته وأبيه وغيرهم ، أى : ذلك الذي قصصناه عليك أيها الرسول الكريم في ~~هذه السورة ، وما قصصناه عليك في غيرها ( @QUR@03 من أنباء الغيب ) أى : من ~~الأخبار الغيبية التي لا يعلمها علما تاما شاملا إلا الله تعالى وحده. # ونحن ( @QUR@02 نوحيه إليك ) ونعلمك به لما فيه من العبر والعظات. # وقوله : ( @QUR@08 وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون ) مسوق ms3105 ~~للتدليل على أن هذا القصص من أنباء الغيب الموحاة إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم . # أى : ومما يشهد بأن هذا الذي قصصناه عليك في هذه السورة من أنباء الغيب ، ~~أنك أيها الرسول الكريم ما كنت حاضرا مع إخوة يوسف ، وقت أن أجمعوا أمرهم ~~للمكر به ، ثم استقر رأيهم على إلقائه في الجب ، وما كنت حاضرا أيضا وقت أن ~~مكرت امرأة العزيز بيوسف ، وما كنت مشاهدا لتلك الأحداث المتنوعة التي ~~اشتملت عليها هذه السورة الكريمة ، ولكنا أخبرناك بكل ذلك لتقرأه على الناس ~~، ولينتفعوا بما فيه من حكم وأحكام ، وعبر وعظات. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى في خلال قصة نوح عليه السلام : ( @QUR@019 ~~تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ~~فاصبر إن العاقبة للمتقين ) (1). # وقوله تعالى في خلال قصة موسى عليه السلام ( @QUR@013 وما كنت بجانب ~~الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين ) (2). PageV07P420 # وقوله تعالى في خلال حديثه عن مريم ( @QUR@020 ذلك من أنباء الغيب نوحيه ~~إليك ، وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ، وما كنت لديهم إذ ~~يختصمون ) (1). # إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على أن هذا القرآن من عند الله تعالى لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن معاصرا لمن جاء القرآن بقصصهم ، ولم يطلع على ~~كتاب فيه خبرهم ، فلم يبق لعلمه صلى الله عليه وسلم بذلك طريق إلا طريق الوحى. # ثم ساق سبحانه ما يبعث التسلية والتعزية في قلب النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال : ( @QUR@06 وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ). # أى : لقد جئت أيها الرسول للناس بدين الفطرة ، الذي ترتاح له النفوس ~~وتتقبله القلوب بسرور وانشراح. ولكن أكثر الناس قد استحوذ عليهم الشيطان ، ~~فمسخ نفوسهم وقلوبهم ، فصاروا مع حرصك على إيمانهم ، ومع حرصك على دعوتهم ~~إلى الحق على بصيرة ، لا يؤمنون بك ، ولا يستجيبون لدعوتك ، لاستيلاء ~~المطامع والشهوات والأحقاد على نفوسهم. # وفي التعبير بقوله سبحانه ( @QUR@03 وما أكثر الناس ... ) إشعار بأن هناك ~~قلة من الناس قد استجابت ms3106 بدون تردد لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم ، فدخلت في ~~الدين الحق ، عن طواعية واختيار. # وقوله ( @QUR@02 ولو حرصت ) جملة معترضة لبيان أنه مهما بالغ النبي ~~صلى الله عليه وسلم في كشف الحق ، فإنهم سادرون في ضلالهم وكفرهم ، إذ الحرص ~~طلب الشيء باجتهاد. # قال الآلوسى ما ملخصه : «سألت قريش واليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~قصة يوسف ، فنزلت مشروحة شرحا وافيا ، فأمل النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون ~~ذلك سببا في إسلامهم ، فلما لم يفعلوا حزن صلى الله عليه وسلم فعزاه الله ~~تعالى بذلك» (2). # وقوله ( @QUR@010 وما تسئلهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين ) زيادة ~~في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وفي إعلاء شأنه. # أى أنك أيها الرسول الكريم ما تسألهم على هذا القرآن الذي تتلوه عليهم ~~لهدايتهم وسعادتهم من أجر ولو كان زهيدا ضئيلا. كما يفعل غيرك من الكهان ~~والأحبار والرهبان ... # وإنما تفعل ما تفعل ابتغاء رضا الله تعالى ونشر دينه. PageV07P421 # وقوله ( @QUR@05 إن هو إلا ذكر للعالمين ) أى : ما هذا القرآن الذي تقرؤه ~~عليهم إلا تذكير وعظة وهداية للعالمين كافة لا يختص به قوم دون قوم ، ولا ~~جنس دون جنس. # قالوا : وهذه الجملة كالتعليل لما قبلها ، لأن التذكير العام لكل الناس ، ~~يتنافى مع أخذ الأجرة من البعض دون البعض ، وإنما تتأتى الأجرة ، إذا كانت ~~الدعوة خاصة وليست عامة. # ثم بين سبحانه أن هؤلاء المشركين تطالعهم الدلائل والبراهين الدالة على ~~وحدانية الله تعالى وقدرته ، ولكنهم في عمى عنها فقال : ( @QUR@011 وكأين ~~من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ). # و ( @QUR@01 كأين ) كلمة مركبة من كاف التشبيه وأى الاستفهامية المنونة ، ~~ثم تنوسى معنى جزئيتها وصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية المفيدة للتكثير. # والمراد بالآية هنا : العبرة والعظمة الدالة على وحدانية الله وقدرته يمر ~~بها هؤلاء المشركون فلا يلتفتون إليها ، ولا يتفكرون فيها ، ولا يعتبرون ~~بها ، لأن بصائرهم قد انطمست بسبب استحواذ الأهواء والشهوات والعناد عليها. # قال ابن كثير ما ملخصه : يخبر تعالى في هذه الآية عن ms3107 غفلة أكثر الناس عن ~~التفكير في آيات الله ودلائل توحيده ، بما خلقه سبحانه في السموات من كواكب ~~زاهرات ، وسيارات وأفلاك ... وفي الأرض من حدائق وجنات ، وجبال راسيات ، ~~وبحار زاخرات ، وحيوانات ونبات ... فسبحان الواحد الأحد ، خالق أنواع ~~المخلوقات ، المنفرد بالدوام والبقاء والصمدية ...» (1). # ثم بين سبحانه أنهم بجانب غفلتهم وجهالتهم ، لا يؤمنون إيمانا صحيحا فقال ~~تعالى ( @QUR@07 وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ). # أى : وما يؤمن أكثر هؤلاء الضالين بالله في إقرارهم بوجوده ، وفي ~~اعترافهم بأنه هو الخالق ، إلا وهم مشركون به في عقيدتهم وفي عبادتهم وفي ~~تصرفاتهم ، فإنهم مع اعترافهم بأن خالقهم وخالق السموات والأرض هو الله ~~لكنهم مع ذلك كانوا يتقربون إلى أصنامهم بالعبادة ويقولون ( @QUR@07 ما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ). # والآية تشمل كل شرك سواء أكان ظاهرا أم خفيا ، كبيرا أم صغيرا. وقد ساق ~~ابن كثير هنا جملة من الأحاديث في هذا المعنى ، كلها تنهى عن الشرك أيا كان ~~لونه ، منها قوله صلى الله عليه وسلم : PageV07P422 # عند ما سئل أى الذنب أعظم؟ قال : «أن تجعل لله ندا وهو خلقك» ومنها قوله ~~؛ : «إن الرقى والتمائم والتولة شرك». # ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ، ~~قالوا : وما الشرك الأصغر؟ قال : الرياء». # ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : فيما يرويه عن ربه عز وجل : يقول الله تعالى ~~«أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معى غيرى ، تركته وشركه» (1). # فالآية الكريمة تنهى عن كل شرك ، وتدعو إلى إخلاص العبادة والطاعة لله رب ~~العالمين. # ثم هددهم سبحانه بحلول قارعة تدمرهم تدميرا فقال تعالى : ( @QUR@014 ~~أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون ). # والغاشية ؛ كل ما يغطى الشيء ويستره ، والمراد بها : ما يغشاهم ويغمرهم ~~من العذاب. والاستفهام للتوبيخ والتقريع. # والمعنى : أفأمن هؤلاء الضالون ، أن يأتيهم عذاب من الله تعالى يغشاهم ~~ويغمرهم ويشمل كل أجزائهم. وأمنوا أن تأتيهم الساعة فجأة دون أن يسبقها ما ~~يدل عليها ، بحيث لا يشعرون بإتيانها إلا ms3108 عند قيامها. # إن كانوا قد أمنوا كل ذلك ، فهم في غمرة ساهون ، وفي الكفر والطغيان ~~غارقون ، فإنه ( @QUR@07 فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ). # ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم : أن يسير في طريقه الذي رسمه له ~~، وأن يدعو الناس إليه فقال : ( @QUR@011 قل هذه سبيلي ، أدعوا إلى الله ~~على بصيرة أنا ومن اتبعني ... ) والبصيرة : المعرفة التي يتميز بها الحق من ~~الباطل. # أى : قل أيها الرسول الكريم للناس هذه طريقي وسبيلي واحدة مستقيمة لا عوج ~~فيها ولا شبهة ، وهي أنى أدعو إلى إخلاص العبادة لله تعالى وحده ، ببصيرة ~~مستنيرة ، وحجة واضحة ، وكذلك أتباعى يفعلون ذلك ... ولن نكف عن دعوتنا هذه ~~مهما اعترضتنا العقبات. # واسم الإشارة ( @QUR@01 هذه ) مبتدأ. و ( @QUR@01 سبيلي ) خبر ، وجملة ( ~~@QUR@05 أدعوا إلى الله على بصيرة ... ) حالية ، وقد جيء بها على سبيل ~~التفسير للطريقة التي انتهجها الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته. PageV07P423 # وقوله ( @QUR@06 وسبحان الله وما أنا من المشركين ) تنزيه لله تعالى عن ~~كل ما لا يليق به على أبلغ وجه. # أى : وأنزه الله تعالى تنزيها كاملا عن الشرك والشركاء ، وما أنا من ~~المشركين به في عبادته أو طاعته في أى وقت من الأوقات. # ثم بين سبحانه أن رسالته صلى الله عليه وسلم ليست بدعا من بين الرسالات ~~السماوية ، وإنما قد سبقه إلى ذلك رجال يشبهونه في الدعوة إلى الله ، فقال ~~تعالى ( @QUR@011 وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى ~~... ). # أى : وما أرسلنا من قبلك أيها الرسول الكريم لتبليغ أوامرنا ونواهينا إلى ~~الناس ، إلا رجالا مثلك ، وهؤلاء الرجال اختصصناهم بوحينا ليبلغوه إلى من ~~أرسلوا إليهم ، واصطفيناهم من بين أهل القرى والمدائن ، لكونهم أصفى عقولا. ~~وأكثر حلما. # وإنما جعلنا الرسل من الرجال ولم نجعلهم من الملائكة أو من الجن أو من ~~غيرهم ، لأن الجنس إلى جنسه أميل ، وأكثرهم تفهما وإدراكا لما يلقى عليه من ~~أبناء جنسه. # ثم نعى سبحانه على هؤلاء المشركين غفلتهم وجهالتهم فقال : ( @QUR@011 ~~أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ms3109 قبلهم ... ). # أى : أوصلت الجهالة والغفلة بهؤلاء المشركين ، أنهم لم يتعظوا بما أصاب ~~الجاحدين من قبلهم من عذاب دمرهم تدميرا ، وهؤلاء الجاحدون الذين دمروا ما ~~زالت آثار بعضهم باقية وظاهرة في الأرض. وقومك يا محمد يمرون عليهم في ~~الصباح وفي المساء وهم في طريقهم إلى بلاد الشام ، كقوم صالح وقوم لوط ~~عليهما السلام . # فالجملة توبيخ شديد لأهل مكة على عدم اعتبارهم بسوء مصير من كان على ~~شاكلتهم في الشرك والجحود. # وقوله ( @QUR@02 ولدار الآخرة ) وما فيها من نعيم دائم ( @QUR@03 خير ~~للذين اتقوا ) الله تعالى وصانوا أنفسهم عن كل ما لا يرضيه. # ( @QUR@02 أفلا تعقلون ) أيها المشركون ما خاطبناكم به فيحملكم هذا ~~التعقل والتدبر إلى الدخول في الإيمان ، ونبذ الكفر والطغيان. # ثم حكى سبحانه سنة من سننه التي لا تتخلف ولا تتبدل فقال : ( @QUR@010 ~~حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا ... ). PageV07P424 # وفي قوله ( @QUR@02 قد كذبوا ) وردت قراءتان سبعيتان إحداهما بتشديد ~~الذال والثانية بالتخفيف. # وعلى القراءتين فالغاية في قوله تعالى ( @QUR@04 حتى إذا استيأس الرسل ) ~~غاية لكلام محذوف دل عليه السياق. # والمعنى على القراءة التي بالتشديد. لقد أرسلنا رسلنا لهداية الناس ، ~~فأعرض الكثيرون منهم عن دعوتهم ، ووقفوا منهم موقف المنكر والمعاند ~~والمحارب لهدايتهم ، وضاق الرسل ذرعا بموقف هؤلاء الجاحدين ، حتى إذا ~~استيأس الرسل الكرام من إيمان هؤلاء الجاحدين ، وظنوا أى الرسل أن أقوامهم ~~الجاحدين قد كذبوهم في كل ما جاءوهم به لكثرة إعراضهم عنهم ، وإيذائهم لهم ~~... أى : حتى إذا ما وصل الرسل إلى هذا الحد من ضيقهم بأقوامهم الجاحدين ~~جاءهم نصرنا الذي لا يتخلف. # والمعنى على القراءة الثانية التي هي بالتخفيف : حتى إذا يئس الرسل من ~~إيمان أقوامهم يأسا شديدا ، وظن هؤلاء الأقوام أن الرسل قد كذبوا عليهم ~~فيما جاءوهم به ، وفيما هددوهم به من عذاب إذا ما استمروا على كفرهم .. # حتى إذا ما وصل الأمر بالرسل وبالأقوام إلى هذا الحد ، جاء نصرنا الذي لا ~~يتخلف إلى هؤلاء الرسل ، فضلا منا وكرما .. # فالضمير في قوله ( @QUR@01 كذبوا ) بالتشديد يعود على الرسل ، أما على ~~قراءة التخفيف ms3110 ( @QUR@01 كذبوا ) فيعود إلى الأقوام الجاحدين. # ومنهم من جعل الضمير أيضا على قراءة ( @QUR@01 كذبوا ) بالتخفيف يعود على ~~الرسل ، فيكون المعنى : حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم ، وظنوا أى ~~الرسل أن نفوسهم قد كذبت عليهم في تحديد موعد انتصارهم على أعدائهم لأن ~~البلاء قد طال. والنصر قد تأخر ... جاءهم أى الرسل نصرنا الذي لا يتخلف. # قال الشيخ القاسمى في بيان هذا المعنى : قال الحكيم الترمذي : ووجهه أى ~~هذا القول السابق أن الرسل كانت تخاف بعد أن وعدهم الله النصر ، أن يتخلف ~~النصر ، لا عن تهمة بوعد الله ، بل عن تهمة لنفوسهم أن تكون قد أحدثت حدثا ~~ينقض ذلك الشرط ، فكان النصر إذا طال انتظاره واشتد البلاء عليهم ، دخلهم ~~الظن من هذه الجهة» (1). PageV07P425 # وهذا يدل على شدة محاسبة الرسل عليهم الصلاة والسلام لنفوسهم ، وحسن ~~صلتهم بخالقهم عز وجل . # وقوله سبحانه ( @QUR@09 فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ) ~~معطوف على ما قبله ، ومتفرع عليه. # أى : جاءهم نصرنا الذي وعدناهم به ، بأن أنزلنا العذاب على أعدائهم ، ~~فنجا من نشاء إنجاءه وهم المؤمنون بالرسل ، ولا يرد بأسنا وعذابنا عن القوم ~~المجرمين عند نزوله بهم. # ثم ختم سبحانه هذه السورة الكريمة بقوله ( @QUR@07 لقد كان في قصصهم عبرة ~~لأولي الألباب ) أى : لقد كان في قصص أولئك الأنبياء الكرام وما جرى لهم من ~~أقوامهم ، عبرة وعظة لأصحاب العقول السليمة ، والأفكار القويمة ، بسبب ما ~~اشتمل عليه هذا القصص من حكم وأحكام ، وآداب وهدايات. # و ( @QUR@02 ما كان ) هذا المقصوص في كتاب الله تعالى ( @QUR@02 حديثا ~~يفترى ) أى يختلق. # ( @QUR@01 ولكن ) كان ( @QUR@04 تصديق الذي بين يديه ) من الكتب السابقة ~~عليه ، كالتوراة والإنجيل والزبور ، فهو المهيمن على هذه الكتب ، والمؤيد ~~لما فيها من أخبار صحيحة ، والمبين لما وقع فيها من تحريف وتغيير ، والحاكم ~~عليها بالنسخ أو بالتقرير. # ( @QUR@03 وتفصيل كل شيء ) أى : وكان في هذا الكتاب أيضا تفصيل وتوضيح كل ~~شيء من الشرائع المجملة التي تحتاج إلى ذلك. # ( @QUR@04 وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) أى : وكان هداية تامة ، ورحمة شاملة ~~، لقوم يؤمنون به ، ويعملون بما ms3111 فيه من أمر ونهى ، وينتفعون بما اشتمل عليه ~~من وجوه العبر والعظات. # وبعد : فهذا تفسير لسورة يوسف عليه السلام تلك السورة الزاخرة بالحكم ~~والأحكام ، وبالآداب والأخلاق ، وبالمحاورات والمجادلات ، وبأحوال النفوس ~~البشرية في حبها وبغضها ، وعسرها ويسرها ، وخيرها وشرها. وعطائها ومنعها ~~وسرها وعلانيتها ، ورضاها وغضبها ، وحزنها وسرورها .. # أسأل الله تعالى أن ينفعنا بهدى كتابه ، وأن يجعله شفيعا لنا يوم نلقاه ~~وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # د. محمد سيد طنطاوى PageV07P426 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الرعد PageV07P427 ### ||| * مقدمة # الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ومن والاه. # وبعد : فهذا تفسير تحليلي لسورة «الرعد» توخيت فيه أن أبرز ما اشتملت ~~عليه هذه السورة الكريمة من توجيهات سامية ، وآداب عالية ، وهدايات تامة ، ~~وأحكام حكيمة ، وتراكيب بليغة ... # والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده وشفيعا لنا ~~يوم نلقاه ، إنه سبحانه أكرم مسئول ، وأعظم مأمول. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ||المؤلف الدكتور محمد سيد طنطاوى| PageV07P429 ### ||| * تمهيد بين يدي سورة الرعد # نريد بهذا التمهيد كما سبق أن ذكرنا في تفسير السورة السابقة إعطاء ~~القارئ الكريم صورة واضحة عن سورة الرعد ، قبل أن نبدأ في تفسيرها آية فآية ~~فنقول وبالله التوفيق : # 1 سورة الرعد هي السورة الثالثة عشرة في ترتيب المصحف ، فقد سبقتها اثنتا ~~عشرة سورة ، هي سور : الفاتحة ، والبقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ~~، والأنعام ، والأعراف ، والأنفال ، والتوبة ، ويونس ، وهود ، ويوسف. # 2 وسميت بهذا الاسم منذ العهد النبوي ، ولم يعرف لها اسم سوى هذا الاسم ، ~~ولعل سبب تسميتها بذلك ، ورود ذكر الرعد فيها ، في قوله تعالى ( @QUR@06 ~~ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ... ) (1). # 3 وعدد آياتها ثلاث وأربعون آية في المصحف الكوفي ، وأربع وأربعون آية في ~~المدني ، وخمس وأربعون في البصري ، وسبع وأربعون في الشامي (2). # 4 والذي يقرأ أقوال المفسرين في بيان زمان نزولها ، يراها أقوالا ينقصها ~~الضبط والتحقيق. # فهناك روايات صرحت بأنها مكية ، وأخرى صرحت بأنها مدنية ، وثالثة بأنها ~~مكية إلا آيات منها فمدنية ، ورابعة بأنها مدنية ms3112 إلا آيات منها فمكية ... # قال الآلوسى : «جاء من طريق مجاهد عن ابن عباس وعلى بن أبى طلحة أنها مكية». # وروى ذلك عن سعيد بن جبير أيضا . # قال سعيد بن منصور في سننه ، حدثنا أبو عوانة عن أبى بشر قال : سألت ابن ~~جبير عن قوله تعالى ( @QUR@04 ومن عنده علم الكتاب ) هل هو عبد الله بن ~~سلام؟ فقال : كيف وهذه السورة مكية. PageV07P431 # وأخرج مجاهد عن ابن الزبير ، وابن مردويه من طريق العوفى عن ابن عباس ، ~~ومن طريق ابن جريج وعثمان بن عطاء عنه أنها مدنية. # وأخرج أبو الشيخ عن قتادة أنها مدنية إلا قوله تعالى ( @QUR@08 ولا يزال ~~الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة ... ) الآية فإنها مكية. # وروى أن من أولها إلى آخر قوله تعالى ( @QUR@06 ولو أن قرآنا سيرت به ~~الجبال ... ). # نزل بالمدينة ، أما باقيها فنزل في مكة ... (1). # هذه بعض الروايات في زمان نزولها ، وهي كما ترى التعارض فيها واضح. # والذي تطمئن إليه النفس ، أن السورة الكريمة يبدو بوضوح فيها طابع القرآن ~~المكي ، سواء أكان ذلك في موضوعاتها ، أم في أسلوبها ، أم في غير ذلك من ~~مقاصدها وتوجيهاتها. # وأن نزولها على الراجح كان في الفترة التي أعقبت موت أبى طالب ، والسيدة ~~خديجة رضى الله عنها. # وهي الفترة التي لقى فيها الرسول صلى الله عليه وسلم ما لقى من أذى المشركين ~~وعنتهم ، وطغيانهم ... # والذي جعلنا نرجح أن نزولها كان في هذه الفترة ، ما اشتملت عليه السورة ~~الكريمة ، من أدلة متنوعة على وحدانية الله تعالى وقدرته ، ومن تسلية له ~~صلى الله عليه وسلم عما أصابه من قومه كما سنرى ذلك عند تفسيرنا لآياتها ، ~~كذلك مما جعلنا نرجح أن نزولها كان في هذه الفترة ، قول السيوطي في كتابه ~~الإتقان : «ونزلت بمكة سورة الأعراف ، ويونس ، وهود ، ويوسف ، والرعد ...» (2). # وقد رجحنا عند تفسيرنا لسورة يونس ، وهود ، ويوسف عليهم السلام أن هذه ~~السور قد نزلت في تلك الفترة من حياة النبي صلى الله عليه وسلم ونرجح هنا أن ~~نزول سورة الرعد كان في تلك الفترة أيضا لمناسبة موضوعاتها لأحداث ms3113 هذه ~~الفترة. # 5 عرض إجمالى لسورة الرعد : # (ا) لقد افتتحت السورة الكريمة بالثناء على القرآن الكريم ، وبالإشارة ~~إلى إعجازه ، ثم ساقت ألوانا من الأدلة على قدرة الله تعالى ووحدانيته ~~وعظيم حكمته ... PageV07P432 # ( @QUR@026 الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ، ثم استوى على العرش ~~، وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ، يدبر الأمر ، يفصل الآيات لعلكم ~~بلقاء ربكم توقنون .. ). # (ب) ثم حكت السورة بعد ذلك جانبا من أقوال المشركين في شأن البعث ، وردت ~~عليهم بما يكبتهم فقال تعالى ( @QUR@025 وإن تعجب فعجب قولهم ، أإذا كنا ~~ترابا أإنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم ، وأولئك الأغلال في ~~أعناقهم ، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ... ). # (ج) ثم بينت السورة الكريمة ما يدل على كمال علمه تعالى وعلى عظم سلطانه ~~، وعلى حكمته في قضائه وقدره فقال تعالى : ( @QUR@020 الله يعلم ما تحمل كل ~~أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد. وكل شيء عنده بمقدار* عالم الغيب ~~والشهادة الكبير المتعال ... ). # (د) ثم أمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسأل المشركين سؤال تهكم ~~وتوبيخ عمن خلق السموات والأرض فقال تعالى : ( @QUR@045 قل من رب السماوات ~~والأرض قل الله. قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ~~ضرا ، قل هل يستوي الأعمى والبصير ، أم هل تستوي الظلمات والنور ، أم جعلوا ~~لله شركاء خلقوا كخلقه ، فتشابه الخلق عليهم ، قل الله خالق كل شيء وهو ~~الواحد القهار ). # (ه) ضربت السورة الكريمة مثلين للحق والباطل. وعقدت مقارنة بين مصير ~~أتباع الحق ، ومصير أتباع الباطل فقال تعالى : ( @QUR@022 أفمن يعلم أنما ~~أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى ، إنما يتذكر أولوا الألباب* الذين ~~يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق .. ). # (و) ثم حكت السورة الكريمة بعض المطالب المتعنتة التي طلبها المشركون من ~~النبي صلى الله عليه وسلم وردت عليهم بما يمحق باطلهم ، ويزيد المؤمنين إيمانا ~~على إيمانهم فقال تعالى : ( @QUR@039 ويقول الذين كفروا لو لا أنزل عليه ~~آية من ربه ، قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب* الذين آمنوا ~~وتطمئن ms3114 قلوبهم بذكر الله ، ألا بذكر الله تطمئن القلوب* الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات طوبى لهم وحسن مآب ... ). # (ز) ثم حكت السورة الكريمة لونا آخر من غلوهم في كفرهم ، ومن مقترحاتهم ~~الفاسدة ، حيث طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يسير لهم بالقرآن جبال ~~مكة ليتفسحوا في أرضها ، ويفجر لهم فيها الأنهار والعيون ليزرعوها ، ويحيى ~~لهم الموتى ليخبروهم بصدقه ... فقال تعالى : ( @QUR@013 ولو أن قرآنا سيرت ~~به الجبال ، أو قطعت به الأرض ، أو كلم به PageV07P433 # @QUR@016 الموتى بل لله الأمر جميعا ، أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء ~~الله لهدى الناس جميعا ... ). # (ح) ثم ختمت السورة الكريمة ببيان حسن عاقبة المتقين ، وسوء عاقبة ~~المكذبين ، وبالثناء على القرآن الكريم ، وبتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ~~عما أصابه من أعدائه وبالشهادة له بالرسالة ، وبتهديد المشركين بالعذاب ~~الأليم ، فقال تعالى ( @QUR@019 مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها ~~الأنهار أكلها دائم وظلها ، تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار )... # ( @QUR@056 وكذلك أنزلناه حكما عربيا ، ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك ~~من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق* ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا ~~لهم أزواجا وذرية ، وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب ~~ويقول الذين كفروا لست مرسلا ، قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ، ومن عنده ~~علم الكتاب ). # 6 ومن هذا العرض الإجمالى للسورة الكريمة ، نراها قد اهتمت بالحديث عن ~~موضوعات من أبرزها ما يأتى : # (ا) إقامة الأدلة المتنوعة على كمال قدرة الله تعالى وعظيم حكمته. تارة ~~عن طريق التأمل في هذا الكون وما فيه من سموات مرتفعة بغير عمد ، وأرض ~~صالحة للاستقرار عليها ، وشمس وقمر وكواكب مسخرة لمنافع الناس ، وجبال ~~لتثبيت الأرض ، وأنهار لسقى الزرع ... # ( @QUR@027 وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل ، صنوان ~~وغير صنوان يسقى بماء واحد ، ونفضل بعضها على بعض في الأكل ، إن في ذلك ~~لآيات لقوم يعقلون ). # وتارة عن طريق علمه المحيط بكل شيء ، فهو العليم بما تنقصه الأرحام وما ~~تزداده في الخلقة ms3115 وفي المدة وفي غير ذلك ، وهو العليم بأحوال عباده سواء ~~أكانوا ظاهرين بالنهار أم مستخفين بالليل. # ( @QUR@015 الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد. وكل ~~شيء عنده بمقدار ... ). # وتارة عن طريق الظواهر الكونية التي يرسلها سبحانه لعباده خوفا وطمعا ، ( ~~@QUR@015 هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال* ويسبح الرعد ~~بحمده والملائكة من خيفته ... ). # وتارة عن طريق العطاء والمنع لمن يشاء من عباده : ( @QUR@06 الله يبسط ~~الرزق لمن يشاء ويقدر ... ). # وتارة عن طريق المصائب والقوارع التي ينزلها سبحانه بالكافرين ( @QUR@03 ~~ولا يزال الذين PageV07P434 # @QUR@019 كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي ~~وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد ). # (ب) إثبات أن هذا القرآن من عند الله تعالى وأن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~صادق فيما يبلغه عن ربه ، والرد على المشركين فيما طلبوه من النبي ~~صلى الله عليه وسلم من مطالب متعنتة ، ومن الآيات التي وردت في ذلك قوله تعالى : # ( @QUR@014 تلك آيات الكتاب ، والذي أنزل إليك من ربك الحق ، ولكن أكثر ~~الناس لا يؤمنون ). # ( @QUR@016 ويقول الذين كفروا لو لا أنزل عليه آية من ربه ، إنما أنت ~~منذر ولكل قوم هاد ). # ( @QUR@015 أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر ~~أولوا الألباب ). # ( @QUR@028 كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذي ~~أوحينا إليك ، وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت ~~وإليه متاب ). # ( @QUR@025 والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ~~ينكر بعضه ، قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به ، إليه أدعوا وإليه مآب ). # (ج) تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم وتسليته عما لحقه من أذى ، وذلك ~~لأن السورة الكريمة كما سبق أن أشرنا مكية ، وأنها على الراجح قد نزلت في ~~فترة اشتد فيها إعراض المشركين عن دعوة الحق وتكذيبهم لها ، وتطاولهم على ~~صاحبها صلى الله عليه وسلم ومطالبتهم له بالخوارق التي لا يؤيدها عقل سليم. # فنزلت السورة الكريمة لتثبت ms3116 الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه ، ولتمزق ~~أباطيل المشركين عن طريق حشود من الأدلة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فيما يبلغه عن ربه. # ومن الآيات التي وردت في ذلك قوله تعالى : ( @QUR@045 وإن تعجب فعجب ~~قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد. أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك ~~الأغلال في أعناقهم ، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. ويستعجلونك ~~بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات ، وإن ربك لذو مغفرة للناس ~~على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب ). # وقوله تعالى ( @QUR@013 ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم ~~أخذتهم فكيف كان عقاب ). # وقوله تعالى ( @QUR@027 وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا ، يعلم ~~ما تكسب كل نفس ، وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار ، ويقول الذين كفروا لست ~~مرسلا قل كفى بالله شهيدا PageV07P435 # @QUR@06 بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ) هذه بعض الموضوعات التي نرى ~~السورة الكريمة قد اهتمت بتفصيل الحديث عنها. # وهناك موضوعات أخرى يراها كل من تأمل آياتها بفكر سليم ، وعقل قويم ، ~~وروح صافية ... # نسأل الله تعالى أن يرزقنا فهم كتابه ، والعمل بما فيه من آداب وأحكام ، ~~وهدايات ... # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV07P436 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@015 المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر ~~الناس لا يؤمنون (1) @QUR@026 الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم ~~استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل ~~الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون (2) @QUR@024 وهو الذي مد الأرض وجعل فيها ~~رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن ~~في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (3) @QUR@027 وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من ~~أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في ~~الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) (4) # لقد افتتحت سورة الرعد ببعض الحروف المقطعة ، وقد سبق أن تكلمنا عن آراء ~~العلماء في هذه الحروف في سور : البقرة ، وآل عمران ، والأعراف ، ويونس ms3117 ، ~~وهود ، ويوسف. PageV07P437 # وقلنا ما ملخصه : إن أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف المقطعة ، ~~قد وردت في افتتاح بعض السور على سبيل الإيقاظ والتنبيه إلى إعجاز القرآن. # فكأن الله تعالى يقول لأولئك المعارضين في أن القرآن من عند الله : هاكم ~~القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون من كلامكم ، ومنظوما من ~~حروف هي من جنس الحروف الهجائية التي تنظمون منها كلماتكم. # فإن كنتم في شك من كونه منزلا من عند الله فهاتوا مثله ، وادعوا من شئتم ~~من الخلق لكي يعاونكم في ذلك ، فإن لم تستطيعوا أن تأتوا بمثله فهاتوا عشر ~~سور من مثله ، فإن لم تستطيعوا فهاتوا سورة واحدة من مثله .. # ومع كل هذا التساهل معهم في التحدي ، فقد عجزوا وانقلبوا خاسرين ، فثبت ~~بذلك أن هذا القرآن من عند الله تعالى . # و ( @QUR@01 تلك ) اسم إشارة ، والمشار إليه الآيات. والمراد بها آيات ~~القرآن الكريم ، ويدخل فيها آيات السورة التي معنا. # والمراد بالكتاب : القرآن الكريم الذي أنزله سبحانه على نبيه ~~صلى الله عليه وسلم لإخراج الناس من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام. # وقوله ( @QUR@06 والذي أنزل إليك من ربك الحق ) تنويه بشأن القرآن الكريم ~~، ورد على المشركين الذين زعموا أنه أساطير الأولين. # أى : تلك الآيات التي نقرؤها عليك يا محمد في هذه السورة هي آيات الكتاب ~~الكريم ، وما أنزله الله تعالى عليك في هذا الكتاب ، هو الحق الخالص الذي ~~لا يلتبس به باطل ، ولا يحوم حول صحته شك أو التباس. # وفي قوله سبحانه ( @QUR@02 من ربك ) مزيد من التلطف في الخطاب معه ~~صلى الله عليه وسلم فكأنه سبحانه يقول له : إن ما نزل عليك من قرآن هو من عند ~~ربك الذي تعهدك بالرعاية والتربية حتى بلغت درجة الكمال. # واسم الموصول ( @QUR@01 الذي ) مبتدأ ، والجملة بعده صلة ، والحق هو ~~الخبر ... # وقوله ( @QUR@05 ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ) استدراك لبيان موقف أكثر ~~الناس من هذا القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. # أى : لقد أنزلنا عليك يا محمد هذا القرآن بالحق ms3118 ، ولكن أكثر الناس لا ~~يؤمنون به لانطماس بصائرهم ، واستيلاء العناد على نفوسهم ... PageV07P438 # وفي هذا الاستدراك ، مدح لتلك القلة المؤمنة من الناس ، وهم أولئك الذين ~~فتحوا قلوبهم للحق منذ أن وصل إليهم ، فآمنوا به ، واعتصموا بحبله ، ~~ودافعوا عنه بأموالهم وأنفسهم وعلى رأس هذه القلة التي آمنت بالحق منذ أن ~~بلغها : أبو بكر الصديق وغيره من السابقين إلى الإسلام. # ثم أقام سبحانه الأدلة المتنوعة عن طريق المشاهدة على كمال قدرته ، وعلى ~~وجوب إخلاص العبادة له فقال تعالى ( @QUR@07 الله الذي رفع السماوات بغير ~~عمد ترونها ). # والعمد : جمع عماد ، وهو ما تقام عليه القبة أو البيت. # وجملة ( @QUR@01 ترونها ) في محل نصب حال من السموات. # أى : الله سبحانه هو الذي رفع هذه السموات الهائلة في صنعها وفي ضخامتها ~~، بغير مستند يسندها ، وبغير أعمدة تعتمد عليها ، وأنتم ترون ذلك بأعينكم ~~بجلاء ووضوح. # والمراد بقوله ( @QUR@01 رفع ) أى خلقها مرتفعة منذ البداية ، وليس ~~المراد أنه سبحانه رفعها بعد أن كانت منخفضة. # ولا شك أن خلق السموات على هذه الصورة من أكبر الأدلة على أن لهذا الكون ~~خالقا قادرا حكيما ، هو المستحق للعبادة والطاعة. # وقوله سبحانه ( @QUR@04 ثم استوى على العرش ) معطوف على ما قبله ، وهو ~~دليل آخر على قدرة الله تعالى عن طريق الغائب الهائل الذي تتقاصر دونه ~~المدارك بعد أن أقام الأدلة على ذلك عن طريق الحاضر المشاهد. # الاستواء في اللغة يطلق على معان منها الاستقرار كما في قوله تعالى ( ~~@QUR@03 واستوت على الجودي ) أى : استقرت ، وبمعنى الاستيلاء والقهر. # وعرش الله تعالى مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم كما يقول الراغب . # وقد ذكر لفظ العرش في إحدى وعشرين آية ، كما ذكر الاستواء على العرش في ~~سبع آيات من القرآن الكريم. # والمعنى : ثم استوى على العرش استواء يليق بذاته تعالى بلا كيف ولا ~~انحصار ولا تشبيه ولا تمثيل ، لاستحالة اتصافه سبحانه بصفات المحدثين. # قال الإمام مالك رحمه الله : «الكيف غير معقول ، والاستواء غير مجهول ، ~~والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة». PageV07P439 # ثم بين سبحانه بعض مظاهر نعمه على عباده فقال : ( @QUR@07 وسخر ms3119 الشمس ~~والقمر كل يجري لأجل مسمى ). والتسخير : التذليل والخضوع. # أى : أن من مظاهر فضله أنه سبحانه سخر ذلك وأخضع لقدرته الشمس والقمر ، ~~بأن جعلهما طائعين لما أراده منهما من السير في منازل معينة ، ولأجل معين ~~محدد لا يتجاوزانه ولا يتعديانه. بل يقفان عند نهاية المدة التي حددها ~~سبحانه لوقوفهما وأفولهما. # قال تعالى ( @QUR@015 لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ، ولا الليل سابق ~~النهار ، وكل في فلك يسبحون ) (1). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@08 يدبر الأمر ، يفصل الآيات ~~، لعلكم بلقاء ربكم توقنون ). وتدبير الأمر : تصريفه على أحسن الوجوه ~~وأحكمها وأكملها. # والآيات : جمع آية. والمراد بها هنا : ما يشمل الآيات القرآنية ، ~~والبراهين الكونية الدالة على وحدانيته وقدرته سبحانه . # أى : أنه سبحانه يقضى ويقدر ويتصرف في أمر خلقه على أكمل الوجوه وأنه ~~سبحانه ينزل آياته القرآنية واضحة مفصلة ، ويسوق الأدلة الدالة على ~~وحدانيته وقدرته بطرق متعددة ، وبوجوه متنوعة. # وقد فعل سبحانه ما فعل من رفعه السماء بلا عمد ، ومن تسخيره للشمس والقمر ~~، ومن تدبيره لأمور خلقه ، ومن تفصيله للآيات لعلكم عن طريق التأمل ~~والتفكير فيما خلق ، توقنون بلقائه ، وتعتقدون أن من قدر على إيجاد هذه ~~المخلوقات العظيمة ، لا يعجزه أن يعيدكم إلى الحياة بعد موتكم ، لكي ~~يحاسبكم على أعمالكم. # وقال سبحانه ( @QUR@01 يدبر ) و ( @QUR@01 يفصل ) بصيغة المضارع. وقال ~~قبل ذلك ( @QUR@02 رفع السماوات ) و ( @QUR@03 سخر الشمس والقمر ) بصيغة ~~الماضي. لأن التدبير للأمور ، والتفصيل للآيات ، يتجددان بتجدد تعلق قدرته ~~سبحانه بالمقدورات. # وأما رفع السماوات ، وتسخير الشمس والقمر ، فهي أمور قد تمت واستقرت دفعة واحدة. # وبعد أن ذكر سبحانه بعض مظاهر قدرته في عالم السماوات ، أتبعه بذكر بعض ~~هذه المظاهر في عالم الأرض فقال تعالى : ( @QUR@015 وهو الذي مد الأرض وجعل ~~فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين ) والمد : البسسط ~~والسعة. ومنه ظل مديد أى متسع. PageV07P440 # والرواسي : الجبال مأخوذ من الرسو ، وهو ثبات الأجسام الثقيلة ، يقال : ~~رسا الشيء يرسو رسوا ورسوا ، إذا ثبت واستقر ، وأرسيت الوتد في الأرض إذا ~~أثبته فيها. # ولفظ رواسى : صفة لموصوف ms3120 محذوف. وهو من الصفات التي تغنى عن ذكر موصوفها. # والأنهار : جمع نهر ، وهو مجرى الماء الفائض ، ويطلق على الماء السائل ~~على الأرض. # والمراد بالثمرات : ما يشملها هي وأشجارها ، وإنما ذكرت الثمرات وحدها ، ~~لأنها هي موضع المنة والعبرة. # والمراد بالزوجين : الذكر والأنثى ، وقيل المراد بهما الصنفان في اللون ~~أو في الطعم أو في القدر وما أشبه ذلك. # والمعنى : وهو سبحانه الذي بسط الأرض طولا وعرضا إلى المدى الذي لا يدركه ~~البصر ، ليتيسر الاستقرار عليها. # ولا تنافى بين مدها وبسطها. وبين كونها كروية ، لأن مدها وبسطها على حسب ~~رؤية العين ، وكرويتها حسب الحقيقة. # وجعل في هذه الأرض جبالا ثوابت راسخات ، لتمسكها من الاضطراب ، وجعل فيها ~~أيضا أنهارا ، لينتفع الناس والحيوان وغيرهما بمياه هذه الأنهار. # وجعل فيها كذلك من كل نوع من أنواع الثمرات ذكرا وأنثى. # قال صاحب الكشاف : «أى خلق فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين زوجين حين ~~مدها ، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوعت. # وقيل : أراد بالزوجين : الأسود والأبيض ، والحلو والحامض ، والصغير ~~والكبير ، وما أشبه ذلك من الأوصاف المختلفة» (1). # وقال صاحب الظلال : «وهذه الجملة تتضمن حقيقة لم تعرف للبشر من طريق ~~علمهم وبحثهم إلا قريبا ، وهي أن كل الأحياء وأولها النبات تتألف من ذكر ~~وأنثى ، حتى النباتات التي كان مظنونا أنه ليس لها من جنسها ذكور ، تبين ~~أنها تحمل في ذاتها الزوج الآخر ، فتضم أعضاء التذكير وأعضاء التأنيث ~~مجتمعة في زهرة ، أو متفرقة في العود ...» (2). PageV07P441 # وقوله ( @QUR@03 يغشي الليل النهار ) بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته ~~سبحانه ورحمته بعباده. # ولفظ ( @QUR@01 يغشي ) من التغشية بمعنى التغطية والستر. # والمعنى : أن من مظاهر قدرته سبحانه أنه يجعل الليل غاشيا للنهار مغطيا ~~له فيذهب بنوره وضيائه. فيصير الكون مظلما بعد أن كان مضيئا. ويجعل النهار ~~غاشيا لليل ، فيصير الكون مضيئا بعد أن كان مظلما ، وفي ذلك من منافع الناس ~~ما فيه ، إذ بذلك يجمع الناس بين العمل والراحة ، وبين السعى والسكون. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@06 إن في ذلك لآيات لقوم ~~يتفكرون ). # أى : إن في ذلك ms3121 الذي فعله الله تعالى من بسط الأرض طولا وعرضا ومن ~~تثبيتها بالرواسى ، ومن شقها بالأنهار ... لآيات باهرة ، ودلائل ظاهرة على ~~قدرة الله تعالى ورحمته بعباده ، لقوم يحسنون التفكر ، ويطيلون التأمل في ~~ملكوت السموات والأرض. # ثم ساق سبحانه مظاهر أخرى لقدرته فقال تعالى : ( @QUR@04 وفي الأرض قطع ~~متجاورات ). # والقطع : جمع قطعة بكسر القاف وهي الجزء من الشيء ، تشبيها لها ، بما ~~يقتطع من الشيء. # ومتجاورات. أى : متلاقيات ومتقاربات. # وليس هذا الوصف مقصودا لذاته ، بل المقصود أنها مع تجاورها وتقاربها ~~مختلفة في أوصافها مما يشهد بقدرة الله تعالى العظيمة. # ولذا قال ابن كثير ما ملخصه : ( @QUR@04 وفي الأرض قطع متجاورات ) أى : ~~أراض يجاور بعضها بعضا ، مع أن هذه طيبة تنبت ما ينتفع به الناس ، وهذه ~~سبخة مالحة لا تنبت شيئا ، وهذه تربتها حمراء ، وتلك تربتها سوداء ... وهذه ~~محجرة وتلك سهلة ... والكل متجاورات ، فهذا كله مما يدل على الفاعل المختار ~~، لا إله إلا هو ولا رب سواه (1). # وقال سبحانه ( @QUR@04 وفي الأرض قطع متجاورات ) بإعادة اسم الأرض الظاهر ~~، ولم يقل وفيها قطع متجاورات كما قال : ( @QUR@04 جعل فيها زوجين اثنين ) ~~في الآية السابقة ، وذلك ليكون كلاما مستقلا ، وليتجدد الأسلوب فيزداد ~~حلاوة وبلاغة. وقوله ( @QUR@03 وجنات من أعناب PageV07P442 # @QUR@014 وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ، ونفضل بعضها على ~~بعض في الأكل ... ) بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته سبحانه ورحمته بعباده. # والجنات : جمع جنة ، والمراد بها البستان ذو الشجر المتكاثف ، الملتف ~~الأغصان الذي يظلل ما تحته ويستره. # والأعناب : جمع عنب وهو شجر الكرم. # والمراد بالزرع : أنواع الحبوب على اختلاف ألوانها وطعومها وصفاتها وقوله ~~( @QUR@01 صنوان ) صفة لنخيل ، وهو جمع صنو. # والصنو : الفرع الذي يجمعه مع غيره أصل واحد ، فإذا خرجت نخلتان أو أكثر ~~من أصل واحد ، فكل واحدة منهن يطلق عليها اسم صنو. # ويطلق على الاثنتين صنوان بكسر النون ويطلق على الجمع صنوان بضم النون . # والصنو : بمعنى المثل ومنه قيل لعم الرجل : صنو أبيه ، أى : مثله ، فأطلق ~~على كل غصن صنو لمماثلته للآخر في التفرع من أصل واحد «والأكل» اسم لما ms3122 ~~يؤكل من الثمار والحب. # والمعنى : أن من مظاهر قدرة الله أيضا ومن الأدلة على وحدانيته سبحانه ~~أنه جعل في الأرض بقاعا كثيرة متجاورة ومع ذلك فهي مختلفة في أوصافها وفي ~~طبيعتها ... وفيها أيضا بساتين كثيرة من أعناب ومن كل نوع من أنواع الحبوب. # وفيها كذلك نخيل يجمعها أصل واحد فهي صنوان ، ونخيل أخرى لا يجمعها أصل ~~واحد فهي غير صنوان. # والكل من الأعناب والزرع والنخيل وغيرها ( @QUR@03 يسقى بماء واحد ) لا ~~اختلاف في ذاته سواء أكان السقي من ماء الأمطار أم من ماء الأنهار ومع وجود ~~أسباب التشابه ، فإننا لعظيم قدرتنا وإحساننا ( @QUR@04 نفضل بعضها على بعض ~~) آخر منها ( @QUR@02 في الأكل ) أى : في اختلاف الطعوم. # قال الإمام الرازي : «قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم ( @QUR@05 ~~وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان ) كلها بالرفع عطفا على قوله ( @QUR@01 وجنات ~~) وقرأ الباقون بالجر عطفا على الأعناب ...» (1). PageV07P443 # وخص سبحانه النخيل بوصفه بصنوان ، لأن العبرة به أقوى ، إذ المشاهدة له ~~أكثر من غيره. # ووجه زيادة ( @QUR@02 غير صنوان ) تجديد العبرة باختلاف الأحوال ، واقتصر ~~سبحانه في التفاضل على الأكل ، لأنه أعظم المنافع. # وقوله سبحانه ( @QUR@06 إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) تذييل قصد به الحض ~~على التعقل والتدبر. # أى : إن في ذلك الذي فصل الله تعالى أحواله من اختلاف أجناس الثمرات ~~والزروع في أشكالها وألوانها وطعومها وأوراقها ... مع أنها تسقى بماء واحد. ~~وتنبت في أرض متجاورة ، إن في ذلك كله لدلائل باهرة ، على قدرة الله تعالى ~~واختصاصه بالعبادة ، لقوم يستعملون عقولهم في التفكير السليم ، والتأمل ~~النافع. # أما الذين يستعملون عقولهم فيما لا ينفع ، فإنهم يمرون بالعبر والعظات ~~وهم عنها معرضون. # وبذلك نرى أن الله تعالى قد ساق في هذه الآيات أدلة متعددة ومتنوعة من ~~العالم العلوي والسفلى ، وكلها تدل على عظيم قدرته ، وجليل حكمته. # وهذه الأدلة منها : # 1 خلقه السموات مرتفعة بغير عمد. # 2 تسخيره الشمس والقمر لمنافع الناس. # 3 خلقه الأرض بتلك الصورة الصالحة للاستقرار عليها. # 4 خلقه الجبال فيها لتثبيتها. # 5 خلقه الأنهار فيها لمنفعة الإنسان والحيوان والنبات. ms3123 # 6 خلقه زوجين اثنين من كل نوع من أنواع الثمار. # 7 معاقبته بين الليل والنهار. # 8 خلقه بقاعا في الأرض متجاورة مع اختلافها في الطبيعة والخواص. # 9 خلقه أنواعا من الزروع المختلفة في ثمارها وأشكالها. # 10 خلقه النخيل صنوانا وغير صنوان ، وجميعها تسقى بماء واحد. # ومع كل ذلك فضل سبحانه بعضها على بعض في الأكل. PageV07P444 # وهذه الأدلة يشاهدها الناس بأبصارهم ، ويحسونها بحواسهم ، تبصرة وذكرى ~~لكل عبد منيب. # وبعد هذا الحديث المتنوع عن مظاهر قدرة الله في خلقه ، ساق سبحانه بعض ~~أقوال المشركين الفاسدة ، ورد عليها بما يدحضها فقال تعالى : # ( @QUR@025 وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد أولئك ~~الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون (5) @QUR@020 ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم ~~المثلات وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب (6) ~~@QUR@016 ويقول الذين كفروا لو لا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل ~~قوم هاد ) (7) # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@04 وإن تعجب فعجب قولهم ) أى : إن ~~تعجب يا محمد من تكذيبهم لك بعد ما كنت عندهم الصادق الأمين. فأعجب منه ~~تكذيبهم بالبعث لأن من شاهد ما عدد سبحانه من الآيات الدالة على قدرته. ~~أيقن بأن من قدر على إنشائها ، كانت الإعادة أهون شيء عليه وأيسره ، والله ~~تعالى لا يتعجب ، ولا يجوز عليه التعجب ، لأنه أى التعجب تغير النفس بما ~~تخفى أسبابه ، وذلك في حقه تعالى محال ، وإنما ذكر ذلك ليتعجب منه نبيه ~~والمؤمنون» (1). # وجوز بعضهم أن يكون الخطاب لكل من يصلح له ، أى : وإن تعجب أيها العاقل ~~لشيء بعد أن شاهدت من مظاهر قدرة الله في هذا الكون ما شاهدت فازدد تعجبا ~~ممن ينكر بعد كل هذا قدرته سبحانه على إحياء الموتى. PageV07P445 # قال الجمل : وقوله ( @QUR@02 فعجب قولهم ) فيه وجهان : أحدهما أنه خبر ~~مقدم وقولهم مبتدأ مؤخر ، ولا بد من حذف صفة لتتم الفائدة ، أى : فعجب أى ~~عجب قولهم. أو فعجب غريب قولهم. والثاني أنه مبتدأ ، وسوغ ms3124 الابتداء ما ~~ذكرته من الوصف المقدر ، ولا يضر حينئذ كون خبره معرفة (1). # والتنكير في قوله ( @QUR@01 فعجب ) للتهويل والتعظيم. # وجملة ( @QUR@07 أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد ) في محل نصب مقول القول. # أى : وإن تعجب من شيء أيها الرسول الكريم فاعجب من قول أولئك المشركين : ~~أإذا صرنا ترابا وعظاما نخرة بعد موتنا أإنا بعد ذلك لنعاد إلى الحياة مرة ~~أخرى من جديد. # والاستفهام للإنكار ، لاستبعادهم الشديد إعادتهم إلى الحياة مرة أخرى ~~لمحاسبتهم على أعمالهم ، كما حكى القرآن عنهم قولهم في آية أخرى : ( ~~@QUR@07 أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد ) (2). # وكرر همزة الاستفهام في ( @QUR@01 أإذا )، و ( @QUR@01 أإنا .. ) لتأكيد ~~هذا الإنكار. # ثم بين سبحانه بعد ذلك جزاءهم على هذا القول الباطل فقال تعالى ( @QUR@04 ~~أولئك الذين كفروا بربهم ... ). # أى : أولئك المنكرون لقدرة الله تعالى على البعث ، هم الذين كفروا بربهم ~~( @QUR@04 وأولئك الأغلال في أعناقهم ) والأغلال : جمع غل. وهو قيد من حديد ~~تشد به اليد إلى العنق ، وهو أشد أنواع القيود. # أى : وأولئك هم الذين توضع الأغلال والقيود في أيديهم وأعناقهم يوم ~~القيامة ، عند ما يساقون إلى النار بذلة وقهر ، بسبب إنكارهم لقدرة الله ~~على إعادتهم إلى الحياة ، وبسبب جحودهم لنعم خالقهم ورازقهم. # قال تعالى : ( @QUR@012 إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون* في ~~الحميم ثم في النار يسجرون ) (3). # وقيل إن الجملة الكريمة تمثيل لحالهم في الدنيا ، حيث شبه سبحانه ~~امتناعهم عن PageV07P446 # الإيمان ، وعدم التفاتهم إلى الحق ، بحال قوم في أعناقهم قيود لا ~~يستطيعون معها التفاتا أو تحركا. # والأول أولى لأن حمل الكلام على الحقيقة واجب ، ما دام لا يوجد مانع يمنع ~~منه ، وهنا لا مانع ، بل صريح القرآن يشهد له. # وقوله : ( @QUR@06 وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) أى : وأولئك ~~الموصوفون بما ذكر ، هم أصحاب النار التي لا ينفكون عنها. ولا يخرجون منها. # وكرر سبحانه اسم الإشارة ، للتنبيه على أنهم أحرياء بما يرد بعده من ~~عقوبات. # وجاء به للبعيد ، للإشارة إلى بعد منزلتهم في الجحود والضلال. # ثم حكى سبحانه لونا آخر من طغيانهم واستهزائهم برسولهم صلى الله ms3125 عليه وسلم فقال : # ( @QUR@09 ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة ، وقد خلت من قبلهم المثلات ... ). # والمراد بالسيئة : الحالة السيئة كالعقوبات والمصائب التي تسوء من تنزل به. # والمراد بالحسنة : الحالة الحسنة كالعافية والسلامة. # والمثلات : جمع مثلة بفتح الميم وضم الثاء كسمرة ، وهي العقوبة الشديدة ~~الفاضحة التي تنزل بالإنسان فتجعله مثالا لغيره في الزجر والردع. # والاستعجال : طلب حصول الشيء قبل حلول وقته. # أى أن هؤلاء المشركين بلغ بهم الحال في الطغيان ، أنهم كانوا إذا هددهم ~~الرسول. # صلى الله عليه وسلم بعقاب الله إذا ما استمروا في كفرهم ، سخروا منه ، ~~وتهكموا به وقالوا له على سبيل الاستهزاء : ائتنا بما تعدنا به من عذاب إن ~~كنت من الصادقين. # وشبيه بهذا قوله تعالى : ( @QUR@019 ويستعجلونك بالعذاب ولو لا أجل مسمى ~~لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم ~~لمحيطة بالكافرين ) (1). # وقوله تعالى ( @QUR@019 وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ~~فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) (2). # والجملة الكريمة تحكى لونا عجيبا من ألوان توغلهم في الجحود والضلال ، ~~حيث طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم تعجيل العقوبة التي توعدهم بها ، بدل ~~أن يطلبوا منه الدعاء لهم بالسلامة والأمان والخير والعافية. PageV07P447 # وجملة ( @QUR@05 وقد خلت من قبلهم المثلات ) في موضع الحال ، لزيادة ~~التعجب من جهلهم وطغيانهم ، لأن آثار الأقوام المهلكين بسبب كفرهم ما زالت ~~ماثلة أمام أبصارهم ، وهم يمرون عليها في أسفارهم ، فكان من الواجب عليهم ~~لو كانوا يعقلون أن يعتبروا بها. # وقوله سبحانه ( @QUR@011 وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك ~~لشديد العقاب ) بيان لرحمة الله تعالى بعباده ، ولشدة عقابه للمصرين على ~~الكفر منهم أى : وإن ربك أيها الرسول الكريم لذو مغفرة عظيمة للناس مع ~~ظلمهم لأنفسهم ، حيث أطاعوها في ارتكاب الذنوب والمعاصي. # ومن مظاهر هذه المغفرة أنه سبحانه لم يعاجلهم بالعقوبة. بل صبر عليهم ، ~~وأمهلهم ، لعلهم يتوبون إليه ويستغفرونه ، ويقلعون عن ذنوبهم. # قال تعالى : ( @QUR@012 ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها ~~من دابة ... ) (1). # وإن ربك أيها الرسول ms3126 الكريم لشديد العقاب للمصرين على كفرهم وضلالهم ~~ومعاصيهم. # وقدم سبحانه مغفرته على عقوبته ، في مقابل تعجل هؤلاء الكافرين للعذاب ، ~~ليظهر الفارق الضخم بين الخير الذي يريده سبحانه لهم ، وبين الشر الذي ~~يريدونه لأنفسهم بسبب انطماس بصائرهم ... # قال ابن كثير ما ملخصه : قوله سبحانه ( @QUR@07 وإن ربك لذو مغفرة للناس ~~على ظلمهم ). # أى : إنه ذو عفو وصفح وستر للناس مع أنهم يظلمون ويخطئون بالليل والنهار. # ثم قرن هذا الحكم بأنه شديد العقاب ، ليعتدل الرجاء والخوف. كما قال ~~تعالى ( @QUR@013 فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم ~~المجرمين ). # وقال تعالى ( @QUR@011 نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو ~~العذاب الأليم ). # وعن سعيد بن المسيب قال : لما نزلت هذه الآية ( @QUR@07 وإن ربك لذو ~~مغفرة للناس على ظلمهم ... ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لولا عفو الله ~~وتجاوزه ما هنأ أحدا العيش. ولولا PageV07P448 # وعيده وعقابه لا تكل كل أحد» (1). # ثم حكى سبحانه لونا آخر من رذائلهم ، وهو عدم اعتدادهم بالقرآن الكريم ، ~~الذي هو أعظم الآيات والمعجزات فقال تعالى : ( @QUR@010 ويقول الذين كفروا ~~لو لا أنزل عليه آية من ربه ... ). # و ( @QUR@02 لو لا ) هنا حرف تحضيض بمعنى هلا. # ومرادهم بالآية : معجزة كونية كالتي جاء بها موسى من إلقائه العصى فإذا ~~هي حية تسعى ، أو كالتي جاء بها عيسى من إبرائه الأكمه والأبرص وإحيائه ~~الموتى بإذن الله ، أو كما يقترحون هم من جعل جبل الصفا ذهبا ... # لأن القرآن في زعمهم ليس كافيا لكونه معجزة دالة على صدقه ~~صلى الله عليه وسلم . # أى : ويقول هؤلاء الكافرون الذين عموا وصموا عن الحق واستعجلوا العذاب. ~~هلا أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم آية أخرى غير القرآن الكريم تدل على صدقه. # ولقد حكى القرآن مطالبهم المتعنتة في آيات كثيرة ، منها قوله تعالى : ( ~~@QUR@021 وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة ~~من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا ... ) (2). # وقد رد الله تعالى عليهم ببيان وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم ms3127 فقال ( ~~@QUR@03 إنما أنت منذر ... ). # أى : أن وظيفتك أيها الرسول الكريم هي إنذار هؤلاء الجاحدين بسوء المصير ~~، إذا ما لجوا في طغيانهم ، وأصروا على كفرهم وعنادهم وليس من وظيفتك ~~الإتيان بالخوارق التي طلبوها منك. # وإنما قصر سبحانه هنا وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم على الإنذار ، لأنه هو ~~المناسب لأحوال المشركين الذين أنكروا كون القرآن معجزة. # وقوله ( @QUR@03 ولكل قوم هاد ) أى : ولكل قوم نبي يهديهم إلى الحق ~~والرشاد بالوسيلة التي يراها مناسبة لأحوالهم ، وأنا أيها الرسول الكريم قد ~~جئتهم بهذا القرآن الهادي للتي هي أقوم. والذي هو خير وسيلة لإرشاد الناس ~~إلى ما يسعدهم في دينهم ودنياهم وآخرتهم. # قال الشيخ القاسمى : «أو المعنى : ولكل قوم هاد عظيم الشأن ، قادر على ~~هدايتهم. هو PageV07P449 # الله تعالى فما عليك إلا إنذارهم لا هدايتهم كما قال تعالى : ( @QUR@08 ~~ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء ... ). # أو المعنى : ( @QUR@03 ولكل قوم هاد ) أى : قائد يهديهم إلى الرشد ، وهو ~~الكتاب المنزل عليهم ، الداعي بعنوان الهداية إلى ما فيه صلاحهم. # يعنى : أن سر الإرسال وآيته الفريدة إنما هو الدعاء إلى الهدى ، وتبصير ~~سبله ، والإنذار من الاسترسال في مساقط الردى. وقد أنزل عليك من الهدى ~~أحسنه. فكفى بهدايته آية كبرى وخارقة عظمى. وأما الآيات المقترحة فأمرها ~~إلى الله وحده ...» (1). # * * * # ثم صور سبحانه سعة علمه تصويرا عميقا ، تقشعر منه الجلود ، وترتجف له ~~المشاعر ، وساق سنة من سننه التي لا تتغير ولا تتبدل ، فقال تعالى : # ( @QUR@015 الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل ~~شيء عنده بمقدار (8) @QUR@05 عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال (9) ~~@QUR@014 سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب ~~بالنهار (10) @QUR@035 له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ~~إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا ~~فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ) (11) # فقوله سبحانه ( @QUR@011 الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما ~~تزداد ) كلام مستأنف مسوق لبيان كمال ms3128 علمه وقدرته سبحانه . PageV07P450 # و ( @QUR@01 تغيض ) من الغيض بمعنى النقص. يقال : غاض الماء إذا نقص. # و ( @QUR@01 ما ) موصولة والعائد محذوف. أى : الله وحده هو الذي يعلم ما ~~تحمله كل أنثى في بطنها من علقة أو مضغة ومن ذكر أو أنثى ... وهو وحده ~~سبحانه الذي يعلم ما يكون في داخل الأرحام من نقص في الخلقة أو زيادة فيها ~~، ومن نقص في مدة الحمل أو زيادة فيها ، ومن نقص في العدد أو زيادة فيه ... # قال ابن كثير : «قوله : ( @QUR@05 وما تغيض الأرحام وما تزداد )، قال ~~البخاري : حدثنا إبراهيم بن المنذر. حدثنا معن ، حدثنا مالك عن عبد الله بن ~~دينار عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «مفاتيح الغيب خمس ~~لا يعلمها إلا الله : لا يعلم ما في غد إلا الله ، ولا يعلم ما تغيض ~~الأرحام إلا الله ، ولا يعلم متى يأتى المطر إلا الله ، ولا تدرى نفس بأى ~~أرض تموت ، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله». # وقال العوفى عن ابن عباس ( @QUR@03 وما تغيض الأرحام ) يعنى السقط ( ~~@QUR@02 وما تزداد ). # يقول : ما زادت الرحم في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تماما. وذلك أن من ~~النساء من تحمل عشرة أشهر ، ومنهن من تحمل تسعة أشهر ، ومنهن من تزيد في ~~الحمل ومنهن من تنقص. فذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله تعالى وكل ذلك ~~بعلمه سبحانه (1). # وقوله : ( @QUR@04 وكل شيء عنده بمقدار ) أى : وكل شيء عنده سبحانه بقدر ~~وحد لا يجاوزه ولا ينقص عنه ، كما قال تعالى ( @QUR@05 إنا كل شيء خلقناه ~~بقدر ) (2). وكما قال تعالى ( @QUR@011 وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ~~ننزله إلا بقدر معلوم ) (3). فهو سبحانه يعلم كمية كل شيء وكيفيته وزمانه ~~ومكانه وسائر أحواله. # وقوله ( @QUR@05 عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال ) تأكيد لعموم علمه ~~سبحانه ودقته. # والغيب : مصدر غاب يغيب ، وكثيرا ما يستعمل بمعنى الغائب ، وهو : ما لا ~~تدركه الحواس ولا يعلم ببداهة العقل. # والشهادة : مصدر شهد يشهد ، وهي هنا بمعنى الأشياء المشهودة. # والمتعال : المستعلى على كل شيء في ذاته وفي صفاته ms3129 وفي أفعاله سبحانه . # أى : أنه سبحانه هو وحده الذي يعلم أحوال الأشياء الغائبة عن الحواس كما يعلم PageV07P451 # أحوال المشاهدة منها ، وهو العظيم الشأن ، المستعلى على كل شيء. # وقوله سبحانه ( @QUR@014 سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف ~~بالليل وسارب بالنهار ) تأكيد آخر لشمول علمه سبحانه لأحوال عباده. # وسواء : اسم مصدر بمعنى الاستواء ، والمراد به هنا اسم الفاعل. أى : مستو. # قال الجمل : «وفيه وجهان : أحدهما أنه خبر مقدم ، ومن أسر ومن جهر هو ~~المبتدأ ، وإنما لم يثن الخبر لأنه في الأصل مصدر ، وهو هنا بمعنى مستو. # والثاني أنه مبتدأ ، وجاز الابتداء به لوصفه بقوله ( @QUR@01 منكم ) (1). # ( @QUR@02 وسارب بالنهار ) أى : ظاهر بالنهار. يقال : سرب في الأرض يسرب ~~سربا وسروبا. أى : ذهب في سربه بسكون الراء وكسر السين وفتحها أى طريقه. # والمعنى : أنه تعالى مستو في علمه من أسر منكم القول ، ومن جهر به بأن ~~أعلنه لغيره. # ومستو في علمه أيضا من هو مستتر في الظلمة الكائنة في الليل ، ومن هو ~~ذاهب في سربه وطريقه بالنهار بحيث يبصره غيره. # وذكر سبحانه الاستخفاء مع الليل لكونه أشد خفاء ، وذكر السروب مع النهار ~~لكونه أشد ظهورا. # ثم بين سبحانه بعض مظاهر رعايته لعباده فقال تعالى ( @QUR@011 له معقبات ~~من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ... ). # والضمير في ( @QUR@01 له ) يعود إلى ( @QUR@01 من ) في قوله ( @QUR@010 ~~من أسر القول ومن جهر به ، ومن هو مستخف بالليل ) باعتبار تأويله بالمذكور. # و «معقبات» صفة لموصوف محذوف أى : ملائكة معقبات. # قال الشوكانى : «والمعقبات المتناوبات التي يخلف كل واحد منها صاحبه ~~ويكون بدلا منه. وهم الحفظة من الملائكة في قول عامة المفسرين. قال الزجاج ~~: المعقبات ملائكة يأتى بعضهم بعقب بعض ، وإنما قال «معقبات» مع كون ~~الملائكة ذكورا ؛ لأن الجماعة من الملائكة يقال لها معقبة ، ثم جمع معقبة ~~على معقبات. # قال الجوهري : والتعقب العود بعد البدء قال الله تعالى ( @QUR@04 ولى ~~مدبرا ولم يعقب ) (2). PageV07P452 # يقال : عقب الفرس في عدوه ، أى : جرى بعد جريه. وعقبه تعقيبا. أى : جاء عقبه. # و «من» في ms3130 قوله ( @QUR@03 من أمر الله ) بمعنى باء السببية. # والمعنى : لكل واحد من هؤلاء المذكورين ممن يسرون القول أو يجهرون به ، ~~ملائكة يتعاقبون عليه بالليل والنهار ويحيطون به من جميع جوانبه لحفظه ~~ورعايته ، ولكتابة أقواله وأعماله ، وهذا التعقيب والحفظ ، إنما هو بسبب ~~أمر الله تعالى لهم بذلك. # قال ابن كثير : وفي الحديث الصحيح : «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل ~~وملائكة بالنهار ، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر ، فيصعد الذين باتوا ~~فيكم فيسألهم سبحانه وهو أعلم بهم : كيف تركتم عبادي؟. فيقولون : أتيناهم ~~وهم يصلون ، وتركناهم وهم يصلون». # وفي الحديث الآخر : «إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع ، ~~فاستحيوهم وأكرموهم». أى : فاستحيوا منهم وأكرموهم بالتستر وغيره. # وقال عكرمة عن ابن عباس «يحفظونه من أمر الله ، قال ملائكة يحفظونه من ~~بين يديه ومن خلفه ، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه» (1). # ثم ساق سبحانه سنة من سننه التي لا تتخلف فقال : ( @QUR@024 إن الله لا ~~يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ~~، وما لهم من دونه من وال ). # أى : إن الله تعالى قد اقتضت سنته ، أنه سبحانه لا يغير ما بقوم من نعمة ~~وعافية وخير بضده ، حتى يغيروا ما بأنفسهم من طاعة إلى معصية ؛ ومن جميل ~~إلى قبيح ، ومن صلاح إلى فساد. # وإذا أراد سبحانه بقوم سوءا من عذاب أو هلاك أو ما يشبههما بسبب إيثارهم ~~الغي على الرشد ، فلا راد لقضائه ، ولا دافع لعذابه. # وما لهم من دونه سبحانه من وال أى من ناصر ينصرهم منه سبحانه ويرفع عنهم ~~عقابه ، ويلي أمورهم ويلتجئون إليه عند الشدائد. # فالجملة الكريمة بيان لمظهر من مظاهر عدل الله في شئون عباده ، وتحذير ~~شديد لهم من الإصرار على الشرك والمعاصي وجحود النعمة ، فإنه سبحانه لا ~~يعصم الناس من عذابه عاصم. ولا يدفعه دافع. # قال الإمام ابن كثير : «قال ابن أبى حاتم : أوحى الله إلى نبي من أنبياء ~~بنى إسرائيل أن PageV07P453 # قل لقومك إنه ليس من أهل قرية ، ولا أهل بيت يكونون على ms3131 طاعة الله ، ~~فيتحولون منها إلى معصية الله ، إلا تحول الله لهم مما يحبون إلى ما ~~يكرهون. # ثم قال : إن مصداق ذلك في كتاب الله ( @QUR@010 إن الله لا يغير ما بقوم ~~حتى يغيروا ما بأنفسهم ). # وعن عمير بن عبد الملك قال : خطبنا على بن أبى طالب على منبر الكوفة فقال ~~: كنت إذا سكت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدأنى ، وإذا سألته عن الخبر ~~أنبأنى ، وإنه حدثني عن ربه عز وجل قال : «قال الرب : وعزتي وجلالي وارتفاعي ~~فوق عرشي ، ما من أهل قرية ولا أهل بيت كانوا على ما كرهت من معصيتي ، ثم ~~تحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتي ، إلا تحولت لهم عما يكرهون من عذابي ~~إلى ما يحبون من رحمتي» (1). # ثم لفت سبحانه أنظار عباده إلى أنواع متعددة من الظواهر الكونية الدالة ~~على قدرته ووحدانيته ، وبين أن هذه الظواهر قد تكون نعما ، وقد تكون نقما ، ~~وأنها وغيرها تسبح بحمد الله ، وتخضع لسلطانه فقال تعالى : # ( @QUR@09 هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال (12) ~~@QUR@019 ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من ~~يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال (13) @QUR@027 له دعوة الحق ~~والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ ~~فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال (14) @QUR@011 ولله يسجد ~~من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال ) (15) PageV07P454 # والبرق : ما يراه الرائي من نور لا مع يظهر من خلال السحاب ، وخوفا وطمعا ~~: حالان من الكاف في يريكم ، أو هما في محل المفعول لأجله. # والمعنى : هو الله تعالى وحده الذي يريكم بقدرته البرق ، فيترتب على ذلك ~~أن بعضكم يخاف ما ينجم عنه من صواعق. أو سيل مدمر ، وبعضكم يطمع في الخير ~~من ورائه ، فقد يعقبه المطر النافع ، والغيث المدرار. # فمن مظاهر حكمة الله تعالى في خلقه ، أنه جعل البرق علامة إنذار وتبشير ~~معا ، لأنه بالإنذار والتبشير تعود النفوس إلى الحق ، وتفيء إلى الرشد. # وجملة «وينشئ السحاب الثقال» ms3132 بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته سبحانه ~~وإنشاء السحاب : تكوينه من العدم. # والسحاب : الغيم المنسحب في الهواء ، وهو اسم جنس واحده سحابة ، فلذلك ~~وصف بالجمع وهو «الثقال» جمع ثقيلة. # أى : وهو سبحانه الذي ينشئ السحاب المثقل بالماء ، فيرسله من مكان إلى ~~مكان على حسب حكمته ومشيئته. # قال تعالى ( @QUR@029 وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته. حتى إذا ~~أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت ، فأنزلنا به الماء ، فأخرجنا به من كل ~~الثمرات ، كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون ) (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@03 ويسبح الرعد بحمده ) بيان لمظهر ثالث من مظاهر ~~قدرته. والرعد : اسم للصوت الهائل الذي يسمع إثر تفجير شحنة كهربية في ~~طبقات الجو. # وعطف سبحانه الرعد على البرق والسحاب ، لأنه مقارن لهما في كثير من ~~الأحوال. والتسبيح : مشتق من السبح وهو المرور السريع في الماء أو في ~~الهواء وسمى الذاكر لله تعالى مسبحا ، لأنه مسرع في تنزيهه سبحانه عن كل نقص. # وتسبيح الرعد وهو هذا الصوت الهائل بحمد الله ، يجب أن نؤمن به ، ونفوض ~~كيفيته إلى الله تعالى لأنه من الغيب الذي لا يعلمه إلا هو سبحانه وقد بين ~~لنا سبحانه في كتابه أن كل شيء يسبح بحمده فقال : ( @QUR@05 تسبح له ~~السماوات السبع والأرض PageV07P455 # @QUR@016 ومن فيهن ، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ~~إنه كان حليما غفورا ) (1). # وقد فصل القول في معنى هذه الجملة الكريمة الإمام الآلوسى فقال رحمه الله ~~ما ملخصه : # وقوله : «ويسبح الرعد» قيل هو اسم للصوت المعلوم ، والكلام على حذف مضاف ~~أى : ويسبح سامعو الرعد بحمده سبحانه رجاء للمطر. # ثم قال : والذي اختاره أكثر المحدثين كون الإسناد حقيقيا بناء على أن ~~الرعد اسم للملك الذي يسوق السحاب ، فقد أخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي ~~وآخرون عن ابن عباس أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : ~~أخبرنا ما هذا الرعد؟ فقال : «ملك من ملائكة الله تعالى موكل بالسحاب ، ~~بيديه مخراق من نار يزجر به السحاب يسوقه حيث أمره الله تعالى قالوا. فما ~~هذا الصوت الذي ms3133 نسمع؟ قال صوته قالوا : صدقت». # ثم قال : واستشكل بأنه لو كان علما للملك لما ساغ تنكيره ، وقد نكر في ~~سورة البقرة في قوله تعالى ( @QUR@08 أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد ~~وبرق ). # وأجيب بأن له إطلاقين : ثانيهما إطلاقه على نفس الصوت ، والتنكير على هذا ~~الإطلاق ...» (2). # والذي نراه أن تسبيح الرعد بحمد الله يجب الإيمان به ، سواء أكان الرعد ~~اسما لذلك الصوت المخصوص ؛ أم اسما لملك من الملائكة ، أما كيفية هذا ~~التسبيح فمردها إلى الله. # قال الإمام الشوكانى : «ويسبح الرعد بحمده» أى يسبح الرعد نفسه بحمد ~~الله. أى : متلبسا بحمده ، وليس هذا بمستبعد ، ولا مانع من أن ينطقه الله بذلك. # وأما على تفسير الرعد بملك من الملائكة فلا استبعاد في ذلك ، ويكون ذكره ~~على الإفراد مع ذكر الملائكة بعده لمزيد خصوصية له. وعناية به» (3). # وقال الإمام ابن كثير : قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ... عن سالم عن ~~أبيه قال : كان PageV07P456 # رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع الرعد والصواعق قال : «اللهم لا ~~تقتلنا بغضبك ، ولا تهلكنا بعذابك ، وعافنا قبل ذلك». # وقال أبو جعفر بن جرير : حدثنا أحمد بن إسحاق ... عن أبى هريرة : أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع صوت الرعد قال : «سبحان من يسبح الرعد ~~بحمده» (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@03 والملائكة من خيفته ) نوع رابع من الأدلة الدالة ~~على وحدانية الله وقدرته. أى ويسبح الرعد بحمد الله ، ويسبح الملائكة أيضا ~~بحمد الله ، خوفا منه تعالى وإجلالا لمقامه وذاته. # و ( @QUR@01 من ) في قوله تعالى ( @QUR@02 من خيفته ) للتعليل ، أى : ~~يسبحون لأجل الخوف منه. وقوله ( @QUR@06 ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء ) ~~نوع خامس من الظواهر الكونية الدالة على كمال قدرته سبحانه . # والصواعق جمع صاعقة ، وهي كما يقول ابن جرير كل أمر هائل رآه الرائي أو ~~أصابه ، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل ...» (2). # والمراد بها هنا : النار النازلة من السماء. # أى ويرسل سبحانه الصواعق المهلكة فيصيب بها من يشاء إصابته من خلقه. # وقد ذكر المفسرون في سبب نزول ms3134 هذه الآية روايات منها : أنها نزلت في رجل ~~من طواغيت العرب ، بعث النبي صلى الله عليه وسلم نفرا يدعونه إلى الإسلام ، ~~فقال لهم : أخبرونى عن رب محمد ما هو ، أمن فضة أم من حديد؟. # فبينا النفر ينازعونه ويدعونه إذا ارتفعت سحابة فكانت فوق رءوسهم فرعدت ~~وأبرقت ورمت بصاعقة فأهلكت الكافر وهم جلوس. # فرجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستقبلهم بعض الصحابة فقالوا لهم : ~~احترق صاحبكم؟ فقالوا : من أين علمتم؟ قالوا : أوحى الله إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم ( @QUR@06 ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء ) (3). # وضمير الجماعة في قوله ( @QUR@07 وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال ) ~~يعود إلى أولئك PageV07P457 # الكافرين الذين سبق أن ساق القرآن بعض أقوالهم الباطلة ، والتي منها ~~قولهم : ( @QUR@07 أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد ). # والمجادلة : المخاصمة والمراجعة بالقول. # والمراد بمجادلتهم في الله : تكذيبهم للنبي صلى الله عليه وسلم فيما أمرهم ~~به من وجوب إخلاص عبادتهم لله تعالى وإيمانهم بيوم القيامة وما فيه من ثواب وعقاب. # والمحال : الكيد والمكر ، والتدبير والقوة ، والعقاب ... يقال : محل فلان ~~بفلان بتثليث الحاء محلا ومحالا ، إذا كاده وعرضه للهلاك. # قال القرطبي : قال ابن الأعرابى : المحال المكر وهو من الله تعالى ~~التدبير بالحق أو إيصال المكروه إلى من يستحقه من حيث لا يشعر. # وقال الأزهرى : المحال : أى القوة والشدة. # وقال أبو عبيد : المحال : العقوبة والمكروه» (1). # أى : أن هؤلاء الكافرين يجادلونك أيها الرسول في ذات الله وفي صفاته ، ~~وفي وحدانيته ، وفي شأن البعث ، وينكرون ما جئتهم به من بينات والحال أن ~~الله تعالى شديد المماحلة والمكايدة والمعاقبة لأعدائه. # قال تعالى : ( @QUR@016 ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون فانظر كيف ~~كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين ) (2). # ثم بين سبحانه أن دعوته هي الدعوة الحق ، وما عداها فهو باطل ضائع فقال : ~~( @QUR@03 له دعوة الحق ) أى : له وحده سبحانه الدعوة الحق المطابقة للواقع ~~، لأنه هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه ، وهو الحقيق بالعبادة والالتجاء. # فإضافة الدعوة إلى الحق من إضافة الموصوف إلى صفته ، وفي هذه الإضافة ms3135 ~~إيذان بملابستها للحق ، واختصاصها به ، وأنها بمعزل عن الباطل. # ومعنى كونها له : أنه سبحانه شرعها وأمر بها. # قال الشوكانى : قوله : «له دعوة الحق» إضافة الدعوة إلى الحق للملابسة. ~~أى : الدعوة الملابسة للحق ، المختصة به التي لا مدخل للباطل فيها بوجه من ~~الوجوه. PageV07P458 # وقيل : الحق هو الله تعالى والمعنى : أنه لله تعالى دعوة المدعو الحق وهو ~~الذي يسمع فيجيب. # وقيل : المراد بدعوة الحق هاهنا كلمة التوحيد والإخلاص والمعنى : لله من ~~خلقه أن يوحدوه ويخلصوا له العبادة. # وقيل : دعوة الحق ، دعاؤه سبحانه عند الخوف ، فإنه لا يدعى فيه سواه ، ~~كما قال تعالى ( @QUR@010 وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه ). # وقيل : الدعوة الحق ، أى العبادة الحق فإن عبادة الله هي الحق والصدق» (1). # ثم بين سبحانه حال من يعبد غيره فقال : ( @QUR@018 والذين يدعون من دونه ~~لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه ). # والمراد بالموصول «والذين» الأصنام التي يعبدها المشركون من دون الله. # والضمير في يدعون ، للمشركين ، ورابط الصلة ضمير نصب محذوف أى : يدعونهم. # والمعنى : لله تعالى العبادة الحق ، والتضرع الحق النافع ، أما الأصنام ~~التي يعبدها هؤلاء المشركون من غير الله. فإنها لا تجيبهم إلى شيء يطلبونه ~~منها ، إلا كإجابة الماء لشخص بسط كفيه إليه من بعيد ، طالبا منه أن يبلغ ~~فمه وما الماء ببالغ فم هذا الشخص الأحمق ، لأن الماء لا يحس ولا يسمع نداء ~~من يناديه. # والمقصود من الجملة الكريمة نفى استجابة الأصنام لما يطلبه المشركون منها ~~نفيا قاطعا ، حيث شبه سبحانه حال هذه الآلهة الباطلة عند ما يطلب المشركون ~~منها ما هم في حاجة إليه ، بحال إنسان عطشان ولكنه غبى أحمق لأنه يمد يده ~~إلى الماء طالبا منه أن يصل إلى فمه دون أن يتحرك هو إليه. فلا يصل إليه ~~شيء من الماء لأن الماء لا يسمع نداء من يناديه. # ففي هذه الجملة الكريمة تصوير بليغ لخيبة وجهالة من يتوجه بالعبادة ~~والدعاء لغير الله تعالى . # وأجرى سبحانه على الأصنام ضمير العقلاء في ms3136 قوله ( @QUR@02 لا يستجيبون ) ~~مجاراة للاستعمال الشائع عند المشركين ، لأنهم يعاملون الأصنام معاملة ~~العقلاء. # ونكر شيئا في قوله ( @QUR@04 لا يستجيبون لهم بشيء ) للتحقير. والمراد ~~أنهم لا يستجيبون لهم أية استجابة حتى ولو كانت شيئا تافها. PageV07P459 # والاستثناء في قوله ( @QUR@05 إلا كباسط كفيه إلى الماء ... ) من أعم ~~الأحوال. # أى : لا تستجيب الأصنام لمن طلب منها شيئا ، إلا استجابة كاستجابة الماء ~~لملهوف بسط كفيه إليه يطلب منه أن يدخل فمه ، والماء لا يشعر ببسط كفيه ولا ~~بعطشه ولا يقدر أن يجيب طلبه ولو مكث على ذلك طوال حياته. # والضمير «هو» في قوله «وما هو ببالغه» للماء ، والهاء في «ببالغه» للفم : ~~أى : وما الماء ببالغ فم هذا الباسط لكفيه. # وقيل الضمير «هو» للباسط ، والهاء للماء ، أى : وما الباسط لكفيه ببالغ ~~الماء فمه. # قال القرطبي : «وفي معنى هذا المثل ثلاثة أوجه : # أحدها : أن الذي يدعو إلها من دون الله كالظمآن الذي يدعو الماء إلى فيه ~~من بعيد يريد تناوله ولا يقدر عليه بلسانه ، ويشير إليه بيده فلا يأتيه ~~أبدا لأن الماء لا يستجيب ، وما الماء ببالغ إليه ، قاله مجاهد. # الثاني : أنه كالظمآن الذي يرى خياله في الماء وقد بسط كفه فيه ليبلغ فاه ~~وما هو ببالغه ، لكذب ظنه وفساد توهمه. قاله ابن عباس. # الثالث : انه كباسط كفيه إلى الماء ليقبض عليه ، فلا يجد في كفه شيئا منه (1). # وقد ضربت العرب مثلا لمن سعى فيما لا يدركه ، بالقبض على الماء كما قال ~~الشاعر : # ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض %~% على الماء ، خانته فروج الأصابع (2) # وقوله سبحانه ( @QUR@06 وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ) أى : وما عبادة ~~الكافرين للأصنام ، والتجائوهم إليها في طلب الحاجات ، إلا في ضياع وخسران ~~لأن هذه الآلهة الباطلة لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا ، فضلا عن أن تملك ذلك ~~لغيرها. # ثم بين سبحانه أن هذا الكون كله خاضع له عز وجل فقال : ( @QUR@011 ولله ~~يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال ). # والمراد بالسجود له سبحانه : الانقياد والخضوع لعظمته. # وظلالهم : جمع ظل وهو صورة ms3137 الجسم المنعكس إليه نور. # والغدو : جمع غدوة وهو ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. PageV07P460 # والآصال : جمع أصيل وهو ما بين العصر وغروب الشمس. # والمعنى : ولله تعالى وحده يخضع وينقاد جميع من في السموات والأرض من ~~الملائكة والإنس والجن وغيرهم. # وقوله «طوعا وكرها» منصوبان على الحال من «من» ، أى : أن جميعهم يسجدون ~~لله ، وينقادون لعظمته ، حال كونهم طائعين وراضين بهذا السجود والانقياد ، ~~وحال كونهم كارهين وغير راضين به ، لأنهم لا يستطيعون الخروج على حكمه لا ~~في الإيجاد ولا في الإعدام ولا في الصحة ولا في المرض ، ولا في الغنى ولا ~~في الفقر ... فهم خاضعون لأمره شاءوا أم أبوا. # ويستوي في هذا الخضوع المؤمن والكافر ، إلا أن المؤمن خاضع عن طواعية ~~بذاته وبظاهره وبباطنه لله تعالى . # أما الكافر فهو خاضع لله تعالى بذاته ، ومتمرد وجاحد وفاسق عن أمر ربه ~~بظاهره ، والضمير في قوله سبحانه ( @QUR@01 وظلالهم ) يعود على ( @QUR@04 ~~من في السماوات والأرض ). # أى : لله تعالى يخضع من في السموات والأرض طوعا وكرها ويخضع له أيضا ~~بالغدو والآصال ظلال من له ظل منهم ، لأن هذه الظلال لازمة لأصحابها والكل ~~تحت قهره ومشيئته في الامتداد والتقلص والحركة والسكون. # قال تعالى ( @QUR@017 أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ظلاله عن ~~اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ) (1). # وقال تعالى : ( @QUR@014 أفغير دين الله يبغون ، وله أسلم من في السماوات ~~والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون ) (2). # ثم وجه سبحانه عن طريق نبيه صلى الله عليه وسلم أسئلة تهكمية إلى هؤلاء ~~المشركين المجادلين في ذات الله تعالى وفي صفاته ، وساق لهم أمثلة للحق ~~وللباطل ، وبين لهم حسن عاقبة المستجيبين لدعوة الحق ، وسوء عاقبة المعرضين ~~عنها فقال تعالى : PageV07P461 # ( @QUR@045 قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء ~~لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي ~~الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله ~~خالق كل شيء وهو الواحد القهار (16) @QUR@042 أنزل من السماء ماء فسالت ~~أودية بقدرها ms3138 فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء ~~حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء ~~وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال (17) @QUR@027 ~~للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض ~~جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد ) (18) # قال الفخر الرازي : «اعلم أنه تعالى لما بين أن كل من في السموات والأرض ~~ساجد له ، عاد إلى الرد على عبدة الأصنام فقال : ( @QUR@07 قل من رب ~~السماوات والأرض قل الله ). # ولما كان هذا الجواب جوابا يقر به المسئول ويعترف به ولا ينكره ، أمر ~~سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يكون هو الذاكر لهذا الجواب تنبيها على ~~أنهم لا ينكرونه ألبتة ...» (1). # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء المشركين ، من رب هذه الأجرام العظيمة ~~العلوية والسفلية؟ PageV07P462 # فإذا ما أبوا الرد عليك عنادا وصلفا ، فجابههم بالحقيقة التي لا يستطيعون ~~إنكارها ، وهي أن الله وحده هو رب هذه الأجرام ، لأنه هو خالقها وموجدها ~~على غير مثال سابق. # وقوله سبحانه ( @QUR@011 قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم ~~نفعا ولا ضرا ) أمر ثالث منه تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم لإفحامهم ~~وتبكيتهم. # فالهمزة للاستفهام التوبيخي ، والفاء للعطف على مقدر بعد الهمزة. # والمعنى : أعلمتم حق العلم أن الله تعالى هو الخالق للسموات والأرض ، ~~فتركتم عبادته سبحانه واتخذتم من دونه «أولياء» أى نصراء عاجزين ، لا ~~يملكون لأنفسهم فضلا عن أن يملكوا لغيرهم نفعا يجلبونه لها ، ولا ضرا ~~يدفعونه عنها. # وجملة «لا يملكون» صفة لأولياء ، والمقصود بها تنبيه السامعين للنظر في ~~تلك الصفة ، فإنهم إن أحسنوا التفكير في هؤلاء الأولياء ، أيقنوا أنهم أحقر ~~من أن يلتفت إليهم ، فضلا عن أن يطلبوا منهم شيئا. # ثم أمره سبحانه للمرة الرابعة أن يبرهن لهم على بطلان معتقداتهم عن طريق ~~ما هو مشاهد بالحواس فقال : ( @QUR@010 قل هل يستوي الأعمى والبصير ، أم هل ~~تستوي الظلمات والنور ). # أى : قل لهم أيضا ms3139 أيها الرسول الكريم : كما أنه لا يستوي في عرف كل عاقل ~~الأعمى والبصير ، والظلمات والنور ، فكذلك لا يستوي الكفر والإيمان ، فإن ~~الكفر انطماس في البصيرة ، وظلمات في القلب ، أما الإيمان فهو نور في القلب ~~وإشراق في النفس. # فالمراد بالأعمى الكافر وبالبصير المؤمن ، كما أن المراد بالظلمات الكفر ~~وبالنور الإيمان. # وعبر القرآن الكريم في جانب الظلمات بصيغة الجمع ، وفي جانب النور بصيغة ~~الإفراد ، لأن النور واحد ومن نتائجه الكشف والظهور. وتعدد أسبابه لا يغير ~~حقيقته. # أما الظلمة فإنها متنوعة بتنوع أسبابها ، فهناك ظلمة الليل ، وهناك ظلمة ~~السجون ، وهناك ظلمة القبور ، وهناك ظلمة العقول التي كان من نتائجها تعدد ~~أنواع الكفر والضلال ، كما هو الحال في شأن اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم ~~من الذين انحرفوا عن طريق الحق. # ثم انتقل سبحانه إلى التهكم بهم عن طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ~~إعراضا عنهم ، وإهمالا لشأنهم فقال تعالى : ( @QUR@09 أم جعلوا لله شركاء ~~خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم ... ). PageV07P463 # وأم هنا بمعنى بل ، والاستفهام للإنكار. # أى : إنهم ما اتخذوا لله تعالى شركاء يخلقون مثل خلق الله تعالى حتى نقول ~~إن ما خلقوه تشابه مع خلقه تعالى فنلتمس لهم شيئا من العذر ، ولكنهم اتخذوا ~~معه سبحانه آلهة أخرى «لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ، وإن يسلبهم الذباب ~~شيئا لا يستنقذوه منه ...». # فالجملة الكريمة تنعى عليهم جهلهم. حيث عبدوا من دون الله مخلوقا مثلهم ، ~~وتنفى أى عذر يعتذرون به يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم. # وقوله : «كخلقه» في معنى المفعول المطلق. أى : خلقوا خلقا شبيها بما خلقه ~~الله تعالى . وجملة «فتشابه» معطوفة على جملة «خلقوا». # ثم أمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم للمرة الخامسة بأن يقذفهم بالحق الذي ~~يدفع باطلهم فقال تعالى ( @QUR@08 قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار ). # أى : قل لهم أيها الرسول الكريم : الله تعالى هو الخالق لكل شيء في هذا ~~الكون ، وهو سبحانه الواحد الأحد الفرد الصمد ، القهار لكل ما سواه ، ~~والغالب لكل من غالبه. # ثم ضرب سبحانه مثلين للحق هما ms3140 الماء الصافي والجوهر النقي اللذان ينتفع ~~بهما ، ومثلين للباطل هما زبد الماء وزبد الجوهر اللذان لا نفع فيهما فقال ~~تعالى ( @QUR@011 أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ، فاحتمل السيل ~~زبدا رابيا ). # والأودية : جمع واد وهو الموضع المتسع الممتد من الأرض الذي يسيل فيه ~~الماء بكثرة. # والسيل : الماء الجاري في تلك الأودية. # والزبد : هو الغثاء الذي يعلو على وجه الماء عند اشتداد حركته واضطرابه ~~أو ما يعلو القدر عند الغليان ويسمى بالرغوة والوضر والخبث لعدم فائدته ، ~~ورابيا : من الربو بمعنى العلو والارتفاع. # والمعنى : أنزل الله تعالى من السماء ماء كثيرا ، ومطرا مدرارا ، فسالت ~~أودية بقدرها ، أى : فسالت المياه في الأودية بسبب هذا الإنزال ، بمقدارها ~~الذي حدده الله تعالى واقتضته حكمته في نفع الناس. # أو بمقدارها قلة وكثرة ، بحسب صغر الأودية وكبرها ، واتساعها وضيقها ~~«فاحتمل السيل زبدا رابيا» أى فحمل الماء السائل في الأودية بكثرة وقوة ، ~~غثاء عاليا مرتفعا فوق الماء طافيا PageV07P464 # عليه ، لا نفع فيه ولا فائدة منه. # وإلى هنا يكون قد انتهى المثل الأول ، حيث شبه سبحانه الحق وأهله في ~~الثبات والنفع بالماء الصافي الذي ينزل من السماء فتمتلئ به الأودية ويبقى ~~محل انتفاع الناس به إلى الوقت المحدد في علم الله تعالى . # وشبه الباطل وشيعته في الاضمحلال وعدم النفع ، بزبد السيل المنتفخ ~~المرتفع فوق سطح الماء ، فإنه مهما علا وارتفع فإنه سرعان ما يضمحل ويفنى ~~وينسلخ عن المنفعة والفائدة. # ثم ابتدأ سبحانه في ضرب المثل الثاني فقال : ( @QUR@011 ومما يوقدون عليه ~~في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله ). # و «من» في قوله «ومما يوقدون» لابتداء الغاية ، وما موصولة ، ويوقدون من ~~الإيقاد وهو جعل الحطب وما يشبهه في النار ليزيد اشتعالها. # والجملة في محل رفع خبر مقدم ، وقوله «زبد» مبتدأ مؤخر. # والحلية : ما يتحلى به الإنسان من الذهب والفضة وغيرهما. # والمتاع : ما يتمتع به في حياته من الأوانى والآلات المتخذة من الحديد ~~والرصاص وأشباههما. # والضمير في قوله «مثله» يعود إلى الزبد في قوله تعالى ( @QUR@02 زبدا ~~رابيا ). # وقد قرأ حمزة والكسائي ms3141 وحفص «يوقدون» وقرأ الباقون توقدون بالتاء. # والضمير للناس ، وأضمر مع عدم سبق ذكره لظهوره. # والمعنى : وشبيه بالمثل السابق في خروج الزبد والخبث وطرحه بعيدا عن ~~الأشياء النافعة ، ما توقدون عليه النار من المعادن والجواهر ، لكي ~~تستخرجوا منها ما ينفعكم من الحلي والأمتعة المتنوعة ، فإنكم في مثل هذه ~~الحالة ، تبقون على النقي النافع منها ، وتطرحون الزبد والخبث الذي يلفظه ~~الكير ، والذي هو مثل زبد السيل في عدم النفع. # فقد شبه سبحانه في هذا المثل الثاني الحق وأهله في البقاء والنفع ~~بالمعادن النافعة الباقية ، وشبه الباطل وحزبه في الفناء وعدم النفع بخبث ~~الحديد الذي يطرحه كير الحداد ، ويهمله الناس. # ثم بين سبحانه المقصود من ضرب هذه الأمثال فقال : ( @QUR@05 كذلك يضرب ~~الله الحق والباطل ). # أى : مثل ذلك البيان البديع ، يضرب الله الأمثلة للحق وللباطل إذا اجتمعا ~~بأن يبين بأنه PageV07P465 # لا ثبات للباطل مهما علا وانتفخ مع وجود الحق ، كما أنه لا ثبات للزبد مع ~~الماء الصافي ، ولا مع المعادن النقية. # والكلام على حذف مضاف والتقدير : يضرب الله مثل الحق ومثل الباطل. # وسر الحذف : الإنباء عن كمال التماثل بين الممثل والممثل به ، حتى لكأن ~~المثل المضروب هو عين الحق وعين الباطل. # ثم شرع سبحانه في تقسيم المثل فقال : ( @QUR@011 فأما الزبد فيذهب جفاء ~~وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ). # أى : فأما الزبد الذي لفظه السيل والحديد فيذهب «جفاء» مرميا به ، مطروحا ~~بعيدا ، لأنه لا نفع فيه. # يقال : جفأ الماء بالزبد ، إذا قذفه ورمى به ، وجفأت الريح الغيم ، إذا ~~مزقته وفرقته ، والجفاء بمعنى الغثاء. # وأما ما ينفع الناس من الماء الصافي ، والمعدن النقي الخالي من الخبث ~~«فيمكث في الأرض» أى فيبقى فيها لينتفع الناس به. # وبدأ سبحانه بالزبد في البيان فقال ( @QUR@03 فأما الزبد فيذهب ) مع أنه ~~متأخر في الكلام السابق لأن الزبد هو الظاهر المنظور أولا لأعين الناس ، ~~أما الجوهر فهو مستتر خلفه لأنه هو الباقي النافع. # أو لأنه جرت العادة في التقسيم أن يبدأ بالمتأخر كما في قوله تعالى ( ~~@QUR@09 يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ms3142 ، فأما الذين اسودت وجوههم ) (1). # وقوله ( @QUR@04 كذلك يضرب الله الأمثال ) تفخيم لشأن هذا التمثيل الذي ~~اشتملت عليه الآية الكريمة. # أى : مثل ذلك البيان البديع الذي اشتملت عليه الآية الكريمة يضرب الله ~~الأمثال للناس لعلهم يتفكرون ، فيحملهم هذا التفكير على الإيمان الحق ، ~~وحسن التمييز بين الخير والشر ، والمعروف والمنكر ، والحق والباطل. # قال الإمام الشوكانى : «هذان مثلان ضربهما الله تعالى في هذه الآية للحق ~~وللباطل PageV07P466 # يقول : إن الباطل وإن ظهر على الحق في بعض الأحوال وعلاه ، فإن الله ~~تعالى سيمحقه ويبطله ويجعل العاقبة للحق وأهله. # كالزبد الذي يعلو الماء فيلقيه الماء ، وكخبث هذه الأجسام ، فإنه وإن علا ~~عليها فإن الكير يقذفه ويدفعه ، فهذا مثل الباطل. # وأما الماء الذي ينفع الناس وينبت المراعى فيمكث في الأرض ، وكذلك الصافي ~~من هذه الأجسام فإنه يبقى خالصا لا شوب فيه ، وهو مثل الحق. # وقال الزجاج : فمثل المؤمن واعتقاده ونفع الإيمان كمثل هذا الماء المنتفع ~~به في نبات الأرض وحياة كل شيء ، وكمثل نفع الفضة والذهب وسائر الجواهر ~~لأنها كلها تبقى منتفعا بها. # ومثل الكافر وكفره كمثل الزبد الذي يذهب جفاء ، وكمثل خبث الحديد وما ~~تخرجه النار من وسخ الفضة والذهب الذي لا ينتفع به» (1). # ثم بين سبحانه بعد ذلك عاقبة أهل الحق ، وعاقبة أهل الباطل فقال تعالى : ~~( @QUR@019 للذين استجابوا لربهم الحسنى ، والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ~~ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به ... ). # أى : للمؤمنين الصادقين ، الذين أطاعوا ربهم في كل ما أمرهم به أو نهاهم ~~عنه ، المثوبة الحسنى ، وهي الجنة. # فالحسنى يصح أن تكون صفة لموصوف محذوف ، ويصح أن تكون مبتدأ مؤخرا ، ~~وخبره «للذين استجابوا لربهم». # «والذين لم يستجيبوا له» سبحانه ولم ينقادوا لأمره أو نهيه وهم الكفار ~~«لو أن لهم ما في الأرض جميعا» من أصناف الأموال ، ولهم أيضا «مثله معه ~~لافتدوا به» أى لهان عليهم مع نفاسته وكثرته أن يقدموه فداء لأنفسهم من ~~عذاب يوم القيامة. # فالضمير في قوله «ومثله معه» يعود إلى ما في الأرض جميعا من أصناف ~~الأموال وفي ms3143 ذلك ما فيه من تهويل ما يلقونه من عذاب أليم جزاء كفرهم ~~وجحودهم. # ثم بين سبحانه سوء مصيرهم فقال : «أولئك لهم سوء الحساب» أى : أولئك ~~الذين لم يستجيبوا لربهم لهم الحساب السيئ الذي لا رحمة معه ، ولا تساهل فيه. PageV07P467 # «ومأواهم جهنم» ، أى : ومرجعهم الذي يرجعون إليه جهنم. «وبئس المهاد» أى ~~: وبئس المستقر الذي يستقرون فيه. # والمخصوص بالذم محذوف أى : مهادهم أو جهنم. # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أقامت أوضح الأدلة وأحكمها على وحدانية الله ~~تعالى وقدرته ، وبينت حسن عاقبة المؤمنين ، وسوء عاقبة المكذبين ... # ثم بين سبحانه بعد ذلك أنه لا يستوي الأعمى والبصير ، ومدح أولى الألباب ~~بما هم أهله من مدح ، وذم أضدادهم بما يستحقون من ذم ، فقال تعالى : # ( @QUR@015 أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر ~~أولوا الألباب (19) @QUR@07 الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق (20) ~~@QUR@013 والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء ~~الحساب (21) @QUR@019 والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا ~~مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرؤن بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار (22) ~~@QUR@015 جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة ~~يدخلون عليهم من كل باب (23) @QUR@07 سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ~~(24) @QUR@023 والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله ~~به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار (25) ~~@QUR@016 الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة ~~الدنيا في الآخرة إلا متاع ) (26) PageV07P468 # قال الإمام الرازي : «قوله تعالى ( @QUR@011 أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ~~ربك الحق كمن هو أعمى ... ) إشارة إلى المثل المتقدم ذكره في قوله تعالى ( ~~@QUR@04 أنزل من السماء ماء )... وهو أن العالم بالشيء كالبصير ، والجاهل ~~به كالأعمى ، وليس أحدهما كالآخر ، لأن الأعمى إذا أخذ يمشى من غير قائد ، ~~فربما يقع في المهالك ... أما البصير فإنه يكون آمنا من الهلاك والإهلاك» (1). # والمراد بالأعمى هنا : الكافر الذي انطمست بصيرته ، فأصبح لا يفرق بين ~~الحق والباطل. # والاستفهام للإنكار والاستبعاد. # المعنى ms3144 : أفمن يعلم ان ما أنزل إليك أيها الرسول الكريم من وحى هو الحق ~~الذي يهدى للتي هي أقوم ، كمن هو أعمى القلب : مطموس البصيرة؟؟ # فالآية الكريمة تنفى بأبلغ أسلوب ، مساواة الذين علموا الحق فاتبعوه ، ~~بمن جهلوه وأعرضوا عنه ، وصموا آذانهم عن سماعه. # وقوله ( @QUR@04 إنما يتذكر أولوا الألباب ) مدح لأصحاب العقول السليمة ، ~~الذين ذكروا بالحق فتذكروه ، وآمنوا به ، وتعليل لإعراض الكافرين عنه ، ~~ببيان أن سبب إعراضهم ، أنهم ليسوا أهلا للتذكر ، لأن التذكر إنما هو من ~~شأن أولى الألباب. # والألباب : جمع لب وهو الخالص من كل شيء. # أى : إنما يتذكر وينتفع بالتذكير ، أصحاب العقول السليمة وهم المؤمنون ~~الصادقون. # ثم مدح سبحانه أصحاب هذه العقول السليمة ، بجملة من الخصال الكريمة فقال ~~: ( @QUR@07 الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ). # وعهد الله : فرائضه وأوامره ونواهيه. والوفاء بها : يتأتى باتباع ما أمر ~~به سبحانه وباجتناب ما نهى عنه. # وينقضون : من النقض ، بمعنى الفسخ والحل لما كان مركبا أو موصولا. # والميثاق : العهد الموثق باليمين ، للتقوية والتأكيد. # أى : إنما يتذكر أولوا الألباب ، الذين من صفاتهم أنهم يوقنون بعهد الله ~~تعالى ، بأن يؤدوا كل ما كلفهم بأدائه ، ويجتنبوا كل ما أمرهم باجتنابه ولا ~~ينقضون شيئا من العهود PageV07P469 # والمواثيق التي التزموا بها. وصدر سبحانه صفات أولى الألباب ، بصفة ~~الوفاء بعهد الله ، وعدم النقض للمواثيق ، لأن هذه الصفة تدل على كمال ~~الإيمان ، وصدق العزيمة ، وصفاء النفس. # وأضاف سبحانه العهد إلى ذاته ، للتشريف وللتحريض على الوفاء به. # وجملة «ولا ينقضون الميثاق» تعميم بعد تخصيص ، لتشمل عهودهم مع الله ~~تعالى ومع غيره من عباده. # ثم بين سبحانه صفات أخرى لهم فقال : ( @QUR@08 والذين يصلون ما أمر الله ~~به أن يوصل ). # أى : أن من صفات أولى الألباب أيضا أنهم يصلون كل ما أمر الله تعالى ~~بوصله كصلة الأرحام ، وإفشاء السلام ، وإعانة المحتاج ، والإحسان إلى الجار. # وقوله «ويخشون ربهم» خشية تحملهم على امتثال أمره واجتناب نهيه. # «ويخافون سوء الحساب» أى : ويخافون أهوال يوم القيامة ، وما فيه من حساب ~~دقيق ، فيحملهم ذلك على أن يحاسبوا أنفسهم قبل ms3145 أن يحاسبوا. # قال الآلوسى ما ملخصه : «وهذا من قبيل ذكر الخاص بعد العام للاهتمام ، ~~والخشية والخوف قيل : بمعنى. # وفرق الراغب بينهما فقال : الخشية خوف يشوبه تعظيم ، وأكثر ما يكون ذلك ~~عن علم. # وقال بعضهم : الخشية أشد الخوف ، لأنها مأخوذة من قولهم : شجرة خشية ، أى ~~: يابسة. # ثم قال الآلوسى : والحق أن مثل هذه الفروق أغلبى لا كلى ...» (1). # ثم أضاف سبحانه إلى الصفات السابقة لأولى الألباب صفات أخرى حميدة فقال : ~~( @QUR@05 والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم ) أى : أن من صفاتهم أنهم صبروا ~~على طاعة الله ، وصبروا عن معصيته ، وصبروا على المصائب وآلامها ، صبرا ~~غايته رضا ربهم وخالقهم ، لا رضا أحد سواه. # أى : أن صبرهم في كل مجال يحمد فيه الصبر لم يكن من أجل الرياء أو ~~المباهاة أو المجاملة أو غير ذلك ، وإنما كان صبرهم من أجل رضا الله تعالى ~~وطلب ثوابه. PageV07P470 # وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : «والذين صبروا» فيما يصبر عليه ~~من المصائب في النفوس والأموال ومشاق التكليف «ابتغاء وجه ربهم» لا ليقال ~~ما أصبره وأحمله للنوازل ، وأوقره عند الزلازل. ولا لئلا يعاب بالجزع ، ~~ولئلا يشمت به الأعداء ، كقوله : # وتجلدي للشامتين أريهم %~% أنى لريب الدهر لا أتزعزع # ولا لأنه لا طائل تحت الهلع ، ولا مرد فيه للفائت. # وكل عمل له وجوه يعمل عليها ، فعلى المؤمن أن ينوى منها ما به كان حسنا ~~عند الله تعالى وإلا لم يستحق به ثوابا ؛ وكان فعلا كلا فعل ، (1). # «وأقاموا الصلاة» أى : أدوها في أوقاتها كاملة الأركان والسنن والأذكار ، ~~بخشوع وإخلاص. «وأنفقوا» بسخاء وطيب نفس «مما رزقناهم» أى : مما أعطيناهم ~~من عطائنا الواسع العميم. «سرا وعلانية» أى : ينفقون مما رزقناهم سرا. حيث ~~يحسن السر ، كإعطاء من لم يتعود الأخذ من غيره ، وينفقون «علانية» حيث تحسن ~~العلانية ، كأن ينفقوا بسخاء في مجال التنافس في الخير ، ليقتدى بهم غيرهم ~~«ويدرءون بالحسنة السيئة» ، والدرء : الدفع والطرد. يقال : درأه درءا ، إذا دفعه. # أى : أن من صفات أولى الألباب أيضا أنهم يدفعون بالعمل الصالح العمل ~~السيئ ، كما في قوله صلى ms3146 الله عليه وسلم «وأتبع السيئة الحسنة تمحها» أو أنهم ~~يدفعون سيئة من أساء إليهم بالإحسان إليه ، أو بالعفو عنه ، متى كان هذا ~~الإحسان أو العفو لا يؤدى إلى مفسدة. # قال صاحب الظلال ما ملخصه : «وفي الآية إشارة خفية إلى مقابلة السيئة ~~بالحسنة ، عند ما يكون في هذا درء السيئة ودفعها لا إطماعها واستعلاؤها ، ~~فأما حين تحتاج السيئة إلى القمع ، ويحتاج الشر إلى الدفع ، فلا مكان ~~لمقابلتهما بالحسنة ، لئلا ينتفش الشر ويتجرأ ويستعلى. # ودرء السيئة بالحسنة يكون غالبا في المعاملة الشخصية بين المتماثلين فأما ~~في دين الله فلا. # إن المستعلى الغاشم لا يجدي معه إلا الدفع الصارم ، والمفسدون في الأرض ~~لا يجدي معهم إلا الأخذ الحاسم ، والتوجيهات القرآنية متروكة لتدبر المواقف ~~، واستشارة الألباب ، والتصرف بما يرجح أنه الخير والصواب» (2). PageV07P471 # وجملة ( @QUR@04 أولئك لهم عقبى الدار ) بيان الجزاء الحسن ، الذي أعده ~~الله تعالى لهؤلاء الأخيار. # والعقبى : مصدر كالعاقبة ، وهي الشيء الذي يقع عقب شيء آخر. # والمراد بالدار : الدنيا. وعقباها الجنة. وقيل المراد بالدار : الدار ~~الآخرة. وعقباها الجنة للطائعين ، والنار للعاصين. # أى : أولئك الموصوفون بتلك الصفات الكريمة ، لهم العاقبة الحسنة وهي ~~الجنة. والجملة الكريمة خبر عن «الذين يوفون بعهد الله ....» وما عطف عليها. # وقوله سبحانه ( @QUR@09 جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم ~~وذرياتهم ) تفصيل للمنزلة العالية التي أعدها سبحانه لهم. # أى : أولئك الذين قدموا ما قدموا في دنياهم من العمل الصالح ، لهم جنات ~~دائمة باقية ، يدخلونها هم ( @QUR@02 ومن صلح ) أى : ومن كان صالحا لدخولها ~~( @QUR@04 من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ). # أى ؛ من أصولهم وفروعهم وأزواجهم على سبيل التكريم والزيادة في فرحهم ~~ومسيرتهم. # وفي قوله سبحانه ( @QUR@04 ومن صلح من آبائهم .... ) دليل على أن هؤلاء ~~الأقارب لا يستحقون دخول الجنة ، إلا إذا كانت أعمالهم صالحة ، أما إذا ~~كانت غير ذلك فإن قرابتهم وحدها لا تنفعهم في هذا اليوم الذي لا ينفع فيه ~~مال ولا بنون ( @QUR@06 إلا من أتى الله بقلب سليم ) (1). # قال الإمام ابن كثير : وقوله ( @QUR@06 ومن صلح من آبائهم وأزواجهم ~~وذرياتهم ) أى : يجمع بينهم وبين أحبابهم ms3147 فيها من الآباء والأهلين والأبناء ~~، ممن هو صالح لدخول الجنة من المؤمنين ، لتقر أعينهم بهم ، حتى إنه ترفع ~~درجة الأدنى إلى درجة الأعلى ، من غير تنقيص لذلك الأعلى عن درجته ، بل ~~امتنانا من الله وإحسانا ، كما قال تعالى ( @QUR@019 والذين آمنوا واتبعتهم ~~ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم ، وما ألتناهم من عملهم من شيء ، كل امرئ ~~بما كسب رهين ) (2). # وقوله سبحانه ( @QUR@08 والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم ... ~~) زيادة في تكريمهم ، وحكاية لما تحييهم به الملائكة. PageV07P472 # أى : والملائكة يدخلون على هؤلاء الأوفياء الصابرين ... من كل باب من ~~أبواب منازلهم في الجنة ، قائلين لهم : «سلام عليكم» أى : أمان دائم عليكم ~~( @QUR@02 بما صبرتم ) أى : بسبب صبركم على كل ما يرضى الله تعالى . # ( @QUR@03 فنعم عقبى الدار ) أى : فنعم العاقبة عاقبة دنياكم ، والمخصوص ~~بالمدح محذوف لدلالة المقام عليه ، أى : الجنة. # وفي قوله سبحانه ( @QUR@05 يدخلون عليهم من كل باب ) إشارة إلى كثرة قدوم ~~الملائكة عليهم ، وإلى كثرة أبواب بيوتهم ، تكريما وتشريفا وتأنيسا لهم. # وجملة ( @QUR@02 سلام عليكم ) مقول لقول محذوف ، وهو حال من فاعل يدخلون ~~وهم الملائكة. وهي بشارة لهم بدوام السلامة. # وفي قوله ( @QUR@02 بما صبرتم ) إشارة إلى أن صبرهم على مشاق التكاليف ، ~~وعلى الأذى ، وعلى كل ما يحمد فيه الصبر ، كان على رأس الأسباب التي ~~أوصلتهم إلى تلك المنازل العالية. # هذا ومن الأحاديث التي ذكرها الإمام ابن كثير هنا ، ما رواه الإمام أحمد ~~بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال : «هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ~~: قال : أول من يدخل الجنة من خلق الله الفقراء المهاجرون ، الذين تسد بهم ~~الثغور ، وتتقى بهم المكاره ، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها ~~قضاء ، فيقول الله لمن يشاء من ملائكته : ائتوهم فحيوهم. فتقول الملائكة : ~~نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك ، أفتأمرنا أن نأتى هؤلاء فنسلم عليهم؟ # قال : إنهم كانوا عبادا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ، وتسد بهم الثغور. ~~وتتقى بهم المكاره ms3148 ، ويموت أحدهم وحاجته في صدره ، فلا يستطيع لها قضاء. ~~قال : فتأتيهم الملائكة عند ذلك ، فيدخلون عليهم من كل باب ( @QUR@04 سلام ~~عليكم بما صبرتم ) (1). # وبعد أن ذكر سبحانه صفات هؤلاء الأوفياء ، وما أعد لهم من ثواب جزيل ، ~~أتبع ذلك ببيان سوء عاقبة الناقضين لعهودهم ، القاطعين لما أمر الله بوصله. ~~المفسدين في الأرض فقال تعالى : ( @QUR@07 والذين ينقضون عهد الله من بعد ~~ميثاقه ). # ونقض العهد : إبطاله وعدم الوفاء به. # وقوله : ( @QUR@03 من بعد ميثاقه ) زيادة في تشنيع النقض. أى : ينقضون ~~عهد الله تعالى ولا يوفون به. من بعد أن أكدوا التزامهم به وقبولهم له. PageV07P473 # وقوله : ( @QUR@07 ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ) أى : ويقطعون كل ما ~~أوجب الله تعالى وصله ، ويدخل فيه وصل الرسول صلى الله عليه وسلم بالاتباع ~~والموالاة ، ووصل المؤمنين بالمعاونة ، والمحبة ، ووصل أولى الأرحام ~~بالمودة والتعاطف ، فالجملة الكريمة بيان لحال هؤلاء الأشقياء بأنهم كانوا ~~على الضد من أولئك الأوفياء الأخيار الذين كانوا يصلون ما أمر الله به أن يوصل. # وقوله : ( @QUR@03 ويفسدون في الأرض ) بيان لصفة ثالثة من صفاتهم ~~القبيحة. # أى : أنهم كانوا يفسدون في الأرض عن طريق حربهم لدعوة الحق ، واعتدائهم ~~على المؤمنين ، وغير ذلك من الأمور التي كانوا يقترفونها مع أن الله تعالى ~~قد حرمها ونهى عنها. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار ) إخبار عن ~~العذاب الشديد الذي يلقونه في آخرتهم. أى : أولئك الموصوفون بتلك الصفات ~~الذميمة ( @QUR@01 لهم ) من الله تعالى «اللعنة» والطرد من رحمته. # ( @QUR@01 ولهم ) فوق ذلك ، الدار السيئة وهي جهنم التي ليس فيها إلا ما ~~يسوء الصائر إليها. # ثم بين سبحانه بعد ذلك أن الغنى والفقر بيده ، وأن العطاء والمنع بأمره ~~فقال تعالى : ( @QUR@06 الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ... ). وبسط الرزق ~~كناية عن سعته ووفرته وكثرته. ومعنى : «يقدر» يضيق ويقلل. # قال الإمام الشوكانى : «لما ذكر سبحانه عاقبة المشركين بقوله ( @QUR@06 ~~أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار ) كان لقائل أن يقول : قد نرى كثيرا منهم ~~قد وفر الله له في الرزق وبسط له فيه. فأجاب سبحانه عن ذلك ms3149 : ( @QUR@06 ~~الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) فقد يبسط الرزق لمن كان كافرا ، ويقتره ~~على من كن مؤمنا ابتلاء وامتحانا ، ولا يدل البسط على الكرامة ، ولا القبض ~~على الإهانة ...» (1). # أى : الله تعالى وحده هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء من خلقه ، وهو وحده ~~أيضا الذي يضيقه على من يشاء منهم لحكم هو يعلمها ، ولا تعلق لذلك بالكفر ~~أو الإيمان ، فقد يوسع على الكافر استدراجا له ، وقد يضيق على المؤمن ~~امتحانا له ، أو زيادة في أجره. PageV07P474 # والضمير في قوله : ( @QUR@03 وفرحوا بالحياة الدنيا ) يعود إلى مشركي مكة ~~، وإلى كل من كان على شاكلتهم في الكفر والطغيان. والمراد بالفرح هنا : ~~الأشر والبطر وجحود النعم. # أى : وفرح هؤلاء الكافرون بربهم ، الناقضون لعهودهم ، بما أوتوا من بسطة ~~في الرزق في دنياهم ، فرح بطر وأشر ونسيان للآخرة لا فرح سرور بنعم الله ، ~~وشكر له سبحانه عليها ، وتذكر للآخرة وما فيها من ثواب وعقاب ... # وقوله سبحانه ( @QUR@07 وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ) بيان ~~لقلة نعيم الدنيا بالنسبة لنعيم الآخرة. # والمتاع : ما يتمتع به الإنسان في دنياه من مال وغيره لمدة محددة ثم ينقضي. # أى : إن هؤلاء الفرحين بنعم الله عليهم في الدنيا ، فرح بطر وأشر وجحود ، ~~لن يتمتعوا بها طويلا ، لأن نعيم الدنيا ليس إلا شيئا قليلا بالنسبة لنعيم ~~الآخرة. # وتنكير «متاع» للتقليل ، كقوله تعالى في آية أخرى : ( @QUR@014 لا يغرنك ~~تقلب الذين كفروا في البلاد ، متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد ) (1). # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله ( @QUR@05 وما الحياة الدنيا في الآخرة ) أى ~~: كائنة في جنب نعيم الآخرة ، فالجار والمجرور في موضع الحال ، و «في» هذه ~~معناها المقايسة وهي كثيرة في الكلام ، كما يقال : ذنوب العبد في رحمة الله ~~تعالى كقطرة في بحر ، وهي الداخلة بين مفضول سابق ، وفاضل لاحق ... # والمراد بقوله : ( @QUR@02 إلا متاع ) أى : إلا شيئا يسيرا يتمتع به كزاد ~~الراعي. # والمعنى : أنهم رضوا بحظ الدنيا معرضين عن نعيم الآخرة ، والحال أن ما ~~فرحوا به في جنب ما أعرضوا عنه قليل النفع ، سريع النفاد. # أخرج الترمذي ms3150 وصححه عن عبد الله بن مسعود قال : نام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على حصير ، فقام وقد أثر في جنبه ، فقلنا يا رسول الله : ~~لو اتخذنا لك؟ فقال صلى الله عليه وسلم : «مالي وللدنيا ، ما أنا في الدنيا ~~إلا كراكب استظل بشجرة ثم راح وتركها ...» (2). # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد بينت صفات المؤمنين وحسن عاقبتهم ، وصفات ~~الكافرين وسوء مصيرهم كما وضحت أن الأرزاق بيد الله تعالى يعطيها بسعة لمن ~~يشاء من عباده ، ويعطيها بقلة لغيرهم ... PageV07P475 # ثم حكى سبحانه بعد ذلك بعض المطالب المتعنتة التي طلبها الكافرون من ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، ورد عليها بما يبطلها ، ومدح المؤمنين لاطمئنان ~~قلوبهم إلى سلامة دينهم من كل نقص ، وأيأسهم من إيمان أعدائهم لاستيلاء ~~العناد والجحود على قلوبهم ، فقال تعالى : # ( @QUR@020 ويقول الذين كفروا لو لا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل ~~من يشاء ويهدي إليه من أناب (27) @QUR@011 الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر ~~الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب (28) @QUR@08 الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~طوبى لهم وحسن مآب (29) @QUR@028 كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم ~~لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو ~~عليه توكلت وإليه متاب (30) @QUR@051 ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت ~~به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو ~~يشاء الله لهدى الناس جميعا ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة ~~أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد ) (31) # وقوله سبحانه : ( @QUR@010 ويقول الذين كفروا لو لا أنزل عليه آية من ربه ~~) حكاية لما طلبه مشركو مكة من رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل التعنت ~~والطغيان. ومرادهم بالآية : آية كونية كإحياء الموتى ، وإزاحة الجبال من ~~أماكنها ، و «لولا» هنا : حرف تحضيض بمعنى هلا. PageV07P476 # أى : ويقول الكافرون على سبيل العناد والجحود ، هلا أنزل على هذا الرسول ~~آية كونية تدل على صدقه ، كأن يحيى ms3151 لنا موتانا ، أو أن يحول لنا جبل الصفا ~~ذهبا ... # وكأنهم يرون أن القرآن الذي نزل عليه صلى الله عليه وسلم لا يكفى في زعمهم ~~أن يكون آية ومعجزة شاهدة على صدقه. # وقد أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم بقوله : ( ~~@QUR@010 قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب ). # أى : قل لهم أيها الرسول الكريم على سبيل التعجيب من أحوالهم ومن شدة ~~ضلالهم : إن الله تعالى يضل عن طريق الحق من يريد إضلاله ، لاستحباب هذا ~~الضال العمى على الهدى ، ويهدى إلى صراطه المستقيم ، من أناب إليه سبحانه ~~ورجع إلى الحق الذي جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم بقلب سليم. وعقل متفتح ~~لمعرفة الصواب والرشاد. # فالجملة الكريمة تعجيب من أقوالهم الباطلة ، ومن غفلتهم عن الآيات ~~الباهرة التي أعطاها الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم وعلى رأسها القرآن ~~الكريم الذي هو آية الآيات ، وحض لهم على الإقلاع عما هم عليه من العتو ~~والعناد. # والإنابة : الرجوع إلى الشيء بعد تردد ، فقد جرت عادة كثير من النفوس ~~البشرية أن يعرض عليها الحق فتتردد في قبوله في أول الأمر ، ثم تعود إلى ~~قبوله واعتناقه بعد قيام الدلائل على صحته وسلامته من الفساد. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف طابق قولهم ( @QUR@07 لو لا أنزل عليه ~~آية من ربه ) قوله ( @QUR@06 قل إن الله يضل من يشاء ... )؟ # قلت : هو كلام يجرى مجرى التعجب من قولهم ، وذلك أن الآيات الباهرة ~~والمتكاثرة التي أوتيها رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤتها نبي قبله ، ~~وكفى بالقرآن وحده آية وراء كل آية. فإذا جحدوها ولم يهتدوا بها وجعلوه كأن ~~آية لم تنزل عليه قط ، كان موضعا للتعجب والاستنكار ، فكأنه قيل لهم : ما ~~أعظم عنادكم وما أشد تصميمكم على كفركم ، إن الله يضل من يشاء ممن كان على ~~صفتكم من التصميم وشدة الشكيمة في الكفر ، فلا سبيل إلى اهتدائهم وإن أنزلت ~~كل آية ( @QUR@03 ويهدي إليه من ) كان على خلاف صفتكم ( @QUR@01 أناب ) ~~أقبل إلى الحق وحقيقته ms3152 دخل في نوبة الخير» (1). PageV07P477 # ثم رسم القرآن صورة مشرقة للقلوب المؤمنة ، وللجزاء الحسن الذي أعده الله ~~لها فقال تعالى ( @QUR@02 الذين آمنوا ) حق الإيمان ، ( @QUR@04 وتطمئن ~~قلوبهم بذكر الله ) أى : تستقر قلوبهم وتسكن ، بسبب تدبرهم لكلامه المعجز ~~وهو القرآن الكريم وما فيه من هدايات. # وإطلاق الذكر على القرآن الكريم ورد في آيات منها قوله تعالى ( @QUR@07 ~~وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون ) (1) وقوله تعالى ( @QUR@07 إنا ~~نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) (2). # وقوله : ( @QUR@05 ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) أى : ألا بذكره وحده دون ~~غيره من شهوات الحياة تسكن القلوب أنسا به ، ومحبة له. # ويصح أن يراد بذكر الله هنا ما يشمل القرآن الكريم ، ويشمل ذكر الخالق ~~عز وجل باللسان ، فإن إجراءه على اللسان ينبه القلوب إلى مراقبته سبحانه كما ~~يصح أن يراد به خشيته سبحانه ومراقبته بالوقوف عند أمره ونهيه. # إلا أن الأظهر هنا أن يراد به القرآن الكريم ، لأنه الأنسب للرد على ~~المشركين الذين لم يكتفوا به كمعجزة دالة على صدقه صلى الله عليه وسلم وقالوا ~~لولا أنزل عليه آية من ربه. # واختير الفعل المضارع في قوله سبحانه ( @QUR@01 تطمئن ) مرتين في آية ~~واحدة ، للإشارة إلى تجدد الاطمئنان واستمراره ، وأنه لا يتخلله شك ولا تردد. # وافتتحت جملة ( @QUR@05 ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) بأداة الاستفتاح ~~المفيدة للتنبيه ، للاهتمام بمضمونها ، وللإغراء بالإكثار من ذكره عز وجل ، ~~ولإثارة الكافرين إلى الاتسام بسمة المؤمنين لتطمئن قلوبهم. # ولا تنافى بين قوله تعالى هنا ( @QUR@05 ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) ~~وبين قوله في سورة الأنفال ( @QUR@08 إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله ~~وجلت قلوبهم ... ) أى : خافت. # لأن وجلهم إنما هو عند ذكر الوعيد والعقاب والطمأنينة عند ذكر الوعد ~~والثواب. أو وجلت من هيبته وخشيته سبحانه وهو لا ينافي اطمئنان الاعتماد ~~والرجاء. # وقوله تعالى ( @QUR@08 الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب ) ~~بيان للثواب الجزيل الذي أعده سبحانه للمؤمنين الصادقين. PageV07P478 # وطوبى : مصدر كبشرى وزلفى من الطيب ، وأصله طيبي ، فقلبت الياء واوا ~~لوقوعها ساكنة إثر ضمة ، كما قلبت في موقن وموسر وهو من ms3153 اليقين واليسر. # وقيل : طوبى ، اسم شجرة في الجنة. # قال ابن كثير ما ملخصه : قوله ( @QUR@02 طوبى لهم ) قال ابن عباس : أى ~~فرح وقرة عين لهم. # وقال الضحاك : أى غبطة لهم. وقال إبراهيم النخعي : أى خير لهم. # وقال قتادة : طوبى : كلمة عربية. يقول الرجل لغيره : طوبى لك أى : أصبت خيرا. # وقال سعيد جبير عن ابن عباس «طوبى لهم» قال : هي أرض الجنة بالحبشية. # وقال سعيد بن مشجوج «طوبى» اسم الجنة بالهندية. # وروى ابن جرير عن شهر بن حوشب قال : «طوبى» : شجرة في الجنة ، كل شجر ~~الجنة منها ... # وهكذا روى عن ابن عباس وأبى هريرة وغير واحد من السلف ، أن طوبى شجرة في ~~الجنة ، في كل دار في الجنة غصن منها» (1). # والمآب : المرجع والمنقلب من الأوب وهو الرجوع. يقال : آب يئوب أوبا ~~وإيابا ومآبا إذا رجع. # والمعنى : الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات لهم في آخرتهم ، عيش طيب. ~~وخير كامل ، ومرجع حسن يرجعون به إلى ربهم وخالقهم. # ثم بين سبحانه أن إرسال محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس ليس بدعا ، فقد ~~سبقه رسل كثيرون إلى أقوامهم فقال تعالى : ( @QUR@014 كذلك أرسلناك في أمة ~~قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك ). # فالكاف في قوله ( @QUR@01 كذلك ) للتشبيه حيث شبه سبحانه إرساله ~~صلى الله عليه وسلم إلى الناس ، بإرسال الرسل السابقين إلى أقوامهم. # واسم الإشارة يعود إلى الإرسال المأخوذ من فعل «أرسلناك». # والمراد بالأمة هنا : أمة الدعوة التي أرسل إليها الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فآمن من آمن من أفرادها ، وكفر من كفر. PageV07P479 # أى : كما أرسلنا رسلا سابقين إلى أقوامهم ، أرسلناك يا محمد إلى قومك ~~الذين قد سبقهم أقوام ورسل كثيرون لكي تقرأ على مسامعهم هذا القرآن العظيم ~~الذي أوحيناه إليك من لدنا ، ولتبين لهم ما اشتمل عليه من هدايات وتشريعات ~~، كما بين الرسل الذين سبقوك لأقوامهم ما أمرهم الله تعالى ببيانه. # وفي قوله تعالى : ( @QUR@05 قد خلت من قبلها أمم ) تعريض بمشركي مكة ، ~~وأنهم إذا ما استمروا في طغيانهم ، فسيصيبهم ما أصاب الأمم الخالية. ms3154 # وقوله ( @QUR@05 لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك ) المقصود منه تفخيم شأن ~~القرآن الكريم ، وأنه هو المعجزة الكبرى للرسول صلى الله عليه وسلم وأن وظيفة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم قراءته عليهم قراءة تدبر واستجابة لما يدعوهم إليه. # وأن قول المشركين ( @QUR@07 لو لا أنزل عليه آية من ربه ) إنما هو قول ~~يدل على عنادهم وغبائهم وجحودهم للحق بعد أن تبين. # وجملة ( @QUR@03 وهم يكفرون بالرحمن ) حالية. # أى : أرسلناك أيها الرسول الكريم إلى هؤلاء الضالين ، لتتلو عليهم ما ~~ينقذهم من الضلال ، ولكنهم عموا وصموا عن سماعه ، والحال أنهم يكفرون ~~بالرحمن أى العظيم الرحمة ، الذي وسعت رحمته كل شيء. # وأوثر اختيار اسم الرحمن من بين أسمائه تعالى للإشارة إلى أن إرساله ~~صلى الله عليه وسلم مبعثه الرحمة كما قال تعالى : ( @QUR@05 وما أرسلناك إلا ~~رحمة للعالمين ) (1). # وللرد عليهم في إنكارهم أن يكون الله تعالى رحمانا ، فقد حكى القرآن عنهم ~~ذلك في قوله ( @QUR@08 وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن ) (2). # وقد ثبت في الحديث الصحيح أنهم لم يرضوا بكتابة هذا الاسم الكريم في صلح ~~الحديبية ، فعند ما قال صلى الله عليه وسلم لعلى : اكتب «بسم الله الرحمن ~~الرحيم» قال أحد زعمائهم. ما ندري ما الرحمن الرحيم ... # وقد أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم بما يبطل كفرهم ~~فقال : ( @QUR@011 قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب ). # أى : قل لهم أيها الرسول الكريم : الرحمن الذي تتجافون النطق باسمه ~~الكريم هو وحده PageV07P480 # ربي وخالقي ، لا إله مستحق للعبادة سواه ، عليه لا على أحد سواه توكلت في ~~جميع أمورى ، وإليه لا إلى غيره مرجعي وتوبتي وإنابتى. # فهذه الجملة الكريمة اشتملت على أبلغ رد على أولئك المشركين الذين أنكروا ~~أن يكون الإله جل وعلا رحمانا ، وأنه سبحانه هو المستحق للعبادة. # ثم أشار سبحانه إلى عظمة هذا القرآن الذي أوحاه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ~~فقال : ( @QUR@014 ولو أن قرآنا سيرت به الجبال ، أو قطعت به الأرض ، أو ~~كلم به الموتى ... ). # والمراد بالقرآن هنا ms3155 : معناه اللغوي ، أى الكلام المقروء. # وجواب لو محذوف لدلالة المقام عليه. # والمعنى : ولو أن كتابا مقروءا من الكتب السماوية ، ( @QUR@03 سيرت به ~~الجبال ) أى : تحركت من أماكنها ، ( @QUR@04 أو قطعت به الأرض ) أى شققت ~~وصارت قطعا ، ( @QUR@04 أو كلم به الموتى ) بأن يعودوا إلى الحياة بعد ~~قراءته عليهم. # ولو أن كتابا مقروءا كان من وظيفته أن يفعل ذلك لكان هذا القرآن ، لكونه ~~الغاية القصوى في الهداية والتذكير ، والنهاية العظمى في الترغيب والترهيب. # وعلى هذا المعنى يكون الغرض من الآية الكريمة بيان عظم شأن القرآن الكريم ~~، وإبطال رأى الكافرين الذين طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم آية كونية سواه. # ويصح أن يكون المعنى : ولو أن كتابا مقروءا من الكتب السماوية نزل عليك ~~يا محمد فسيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى ، لما آمن ~~هؤلاء المعاندون. # قال تعالى : ( @QUR@019 ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى ~~وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ... ) (1). # وعلى هذا المعنى يكون المقصود من الآية الكريمة ، بيان غلوهم في العناد ~~والطغيان ، وتماديهم في الكفر والضلال ، وأن سبب عدم إيمانهم ليس مرده إلى ~~عدم ظهور الدلائل الدالة على صدقه صلى الله عليه وسلم وإنما سببه الحسد ~~والعناد والمكابرة. # ووجه تخصيص هذه الأشياء الثلاثة من بين الخوارق التي طلبوها منه ~~صلى الله عليه وسلم ما ذكره الإمام ابن كثير من أن المشركين قالوا للنبي ~~صلى الله عليه وسلم : يا محمد ، لو سيرت لنا جبال مكة حتى تتسع فنحرث فيها ، ~~أو قطعت لنا الأرض كما كان سليمان يقطع لقومه بالريح ، أو أحييت PageV07P481 # لنا الموتى كما كان عيسى يحيى الموتى لقومه ، فأنزل الله تعالى هذه الآية (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@04 بل لله الأمر جميعا ) إضراب عن مطالبهم المتعنتة ~~إلى بيان أن الأمور كلها بيد الله ، وأن قدرته سبحانه لا يعجزها شيء. # أى : إن الله تعالى لا يعجزه أن يأتى بالمقترحات التي اقترحوها ، ولكن ~~إرادته سبحانه لم تتعلق بما اقترحوه ، لعلمه سبحانه بعتوهم ونفورهم عن الحق ~~مهما أوتوا ms3156 من آيات. # وقوله سبحانه : ( @QUR@011 أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى ~~الناس جميعا ) تيئيس للمؤمنين من استجابة أولئك الجاحدين للحق ، إلا أن ~~يشاء الله لهم الهداية ، والاستفهام للإنكار. وأصل اليأس : قطع الطمع في ~~الشيء والقنوط من حصوله. # وللعلماء في تفسير هذه الجملة الكريمة اتجاهان : # أحدهما يرى أصحابه أن الفعل ييأس على معناه الحقيقي وهو قطع الطمع في ~~الشيء ، وعليه يكون المعنى : أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان كفار قريش ، ~~ويعلموا أن الله تعالى لو يشاء هداية الناس جميعا لاهتدوا ، ولكنه لم يشأ ~~ذلك ، ليتميز الخبيث من الطيب. # وعلى هذا الاتجاه سار الإمام ابن كثير فقد قال رحمه الله : وقوله تعالى : ~~( @QUR@04 أفلم ييأس الذين آمنوا ) أى : من إيمان جميع الخلق ويعلموا أو ~~يتبينوا ( @QUR@07 أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ) فإنه ليس هناك حجة ~~ولا معجزة أبلغ ولا أنجع في النفوس والعقول من هذا القرآن ، الذي لو أنزله ~~الله على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله. # وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «ما من نبي إلا وقد ~~أوتى ما آمن على مثله البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلى ، ~~فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة (2). # ويؤيد هذا الاتجاه ما ذكره السيوطي في تفسيره من أن بعض الصحابة قالوا ~~للرسول صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ، اطلب لهم أى للمشركين ما اقترحوه ~~عسى أن يؤمنوا. # أما الاتجاه الثاني فيرى أصحابه أن الفعل ييأس بمعنى يعلم ، وعليه يكون ~~المعنى : أفلم يعلم المؤمنون أنه سبحانه لو شاء هداية الناس جميعا لآمنوا. # وهذا الاتجاه صدر به الآلوسى تفسيره فقال ما ملخصه : PageV07P482 # ومعنى قوله سبحانه : ( @QUR@04 أفلم ييأس الذين آمنوا ) أفلم يعلموا. وهي ~~كما قال القاسم بن معن لغة هوازن. وقال الكلبي هي لغة حي من النخع ، ~~وأنشدوا على ذلك قول سحيم بن وئيل الرباحي : # أقول لهم بالشعب إذ يأسروننى %~% ألم تيأسوا أنى ابن فارس زهدم # وقول رباح بن عدى : # ألم ييأس الأقوام أنى أنا ms3157 ابنه %~% وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا # والظاهر أن استعمال اليأس في ذلك حقيقة. # وقيل مجاز لأنه متضمن للعلم فان الآيس عن الشيء عالم بأنه لا يكون ... # والفاء للعطف على مقدر. أى : أغفلوا عن كون الأمر جميعه لله تعالى فلم ~~يعلموا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ... (1). # ثم حذر سبحانه الكافرين من التمادي في كفرهم ، وبشر المؤمنين بحسن ~~العاقبة فقال تعالى : ( @QUR@022 ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا ~~قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد ). # والقارعة : من القرع ، وهو ضرب الشيء بشيء آخر بقوة وجمعها قوارع. # والمراد بها : الرزية والمصيبة والكارثة. # أى : ولا يزال الذين كفروا من أهل مكة وغيرهم تصيبهم بسبب ما صنعوه من ~~الكفر والضلال «قارعة» أى مصيبة تفجؤهم وتزعجهم أو تحل تلك المصيبة في مكان ~~قريب من دارهم ، فيتطاير شرها إليهم ، حتى يأتى وعد الله بهلاكهم وهزيمتهم ~~ونصر المؤمنين عليهم ، إن الله تعالى لا يخلف الميعاد ، أى : موعوده لرسله ~~ولعباده المؤمنين. # وأبهم سبحانه ما يصيب الكافرين من قوارع ، لتهويله وبيان شدته. # والتعبير بقوله ( @QUR@02 ولا يزال ) يشير إلى أن ما أصابهم من قوارع كان ~~موجودا قبل نزول هذه الآية ، واستمرت إصابته لهم بعد نزولها ، لأن الفعل ( ~~@QUR@02 لا يزال ) يدل على الإخبار باستمرار شيء واقع. # ولعل هذه الآية الكريمة كان نزولها في خلال سنى الجدب التي حلت بقريش ~~والتي أشار PageV07P483 # إليها القرآن بقوله : ( @QUR@011 فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين* ~~يغشى الناس هذا عذاب أليم ... ) (1). # وعبر سبحانه عما أصابهم من بلاء بالقارعة ، للمبالغة في شدته وقوته. حتى ~~إنه ليقرع قلوبهم فجأة فيبهتهم ويزعجهم ، ولذلك سميت القيامة بالقارعة ، ~~لأنها تقرع القلوب بأهوالها. # وقال سبحانه : ( @QUR@05 أو تحل قريبا من دارهم ) لبيان أنهم بين أمرين ~~أحلاهما مر لأن القارعة إما أن تصيبهم بما يكرهونه ويتألمون له ، وإما أن ~~تنزل قريبا منهم فتفزعهم ، وتقلق أمنهم ، وهم مستمرون على ذلك حتى يقضى ~~الله أمرا كان مفعولا. # ولقد قضى الله تعالى أمره ، بهزيمتهم في بدر وفي غيرها. ms3158 وأتم نصره على ~~المؤمنين بفتح مكة. وبدخول الناس في دين الله أفواجا. # ثم أخذت السورة الكريمة بعد ذلك في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وفي ~~إقامة الأدلة على وحدانية الله تعالى وعلى بطلان الشرك ، وفي بيان ما أعده ~~للكافرين من عقاب ، وما أعده للمتقين من ثواب فقال تعالى : # ( @QUR@013 ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف ~~كان عقاب (32) @QUR@039 أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء ~~قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول بل زين للذين ~~كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد (33) @QUR@014 ~~لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق (34) PageV07P484 # @QUR@019 مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم ~~وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار ) (35) # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 ولقد استهزئ برسل من قبلك ... ) تسلية للرسول ~~صلى الله عليه وسلم عما أصابه من حزن بسبب تعنت المشركين معه. ومطالبتهم له ~~بالمطالب السخيفة التي لا صلة لها بدعوته ، كطلبهم منه تسيير الجبال وتقطيع ~~الأرض ، وتكليم الموتى. # والاستهزاء : المبالغة في السخرية والتهكم من المستهزأ به. والإملاء : ~~الإمهال والترك لمدة من الزمان. # والتنكير في قوله ( @QUR@01 برسل ) للتكثير ، فقد استهزأ قوم نوح به ، ~~وكانوا كلما مروا عليه وهو يصنع السفينة سخروا منه. # واستهزأ قوم شعيب به وقالوا له : ( @QUR@09 فأسقط علينا كسفا من السماء ~~إن كنت من الصادقين ) (1). # واستهزأ قوم هود به وقالوا له : ( @QUR@04 إنا لنراك في سفاهة ..... ) ~~(2) واستهزأ فرعون بموسى فقال : ( @QUR@011 أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ~~ولا يكاد يبين ) (3). # والمعنى : ولقد استهزأ الطغاة والجاحدون برسل كثيرين من قبلك أيها الرسول ~~الكريم ( @QUR@03 فأمليت للذين كفروا ) أى : فأمهلتهم وتركتهم مدة من ~~الزمان في أمن ودعة. # ( @QUR@02 ثم أخذتهم ) أخذ عزيز مقتدر ( @QUR@03 فكيف كان عقاب ) فانظر ~~كيف كان عقابي إياهم ، لقد كان عقابا رادعا دمرهم تدميرا. # فالاستفهام للتعجيب مما حل بهم ، والتهويل من شدته وفظاعته وشبيه بهذه ~~الآية ms3159 قوله تعالى ( @QUR@011 وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها ~~وإلي المصير ) (4). # قال ابن كثير : وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «وإن ~~الله ليملى للظالم حتى PageV07P485 # إذا أخذه لم يفلته ، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم ( @QUR@012 وكذلك أخذ ربك ~~إذا أخذ القرى وهي ظالمة ، إن أخذه أليم شديد ) (1). # ثم أقام سبحانه الأدلة الساطعة على وحدانيته وعلى وجوب إخلاص العبادة له ~~تعالى فقال : ( @QUR@08 أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ... ). # والمراد بالقيام هنا : الحفظ والهيمنة على جميع شئون الخلق والاستفهام ~~للإنكار ، والخبر محذوف والتقدير : ( @QUR@03 أفمن هو قائم ) أى : رقيب ~~ومهيمن ( @QUR@03 على كل نفس ) كائنة ما كانت ، عالم بما تعمله من خير أو ~~شر فمجازيها به كمن ليس كذلك؟ # وحذف الخبر هنا وهو قولنا كمن ليس كذلك لدلالة السياق عليه ، كما في قوله ~~تعالى : ( @QUR@05 أفمن شرح الله صدره للإسلام ) أى : كمن قسا قلبه. # وحسن حذف الخبر هنا لأنه مقابل للمبتدأ الذي هو من ولأن قوله تعالى : ( ~~@QUR@03 وجعلوا لله شركاء ) يدل عليه. # والمقصود من الآية الكريمة إنكار المماثلة بين الخالق العظيم ، العليم ~~بأحوال النفوس ... وبين تلك الأصنام التي أشركوها مع الله تعالى في العبادة ~~والتي هي لا تسمع ولا تبصر ، ولا تملك لنفسها فضلا عن غيرها نفعا ولا ضرا. # وجملة ( @QUR@03 وجعلوا لله شركاء ) حالية ، والتقدير : # أفمن هذه صفاته ، وهو الله تعالى كمن ليس كذلك ، والحال أن هؤلاء ~~الأغبياء قد جعلوا له شركاء في العبادة وغيرها. # فالمقصود من هذه الجملة الكريمة ، زيادة توبيخهم ، وتسفيه أفكارهم ~~وعقولهم. # وقوله سبحانه ( @QUR@02 قل سموهم ) تبكيت لهم إثر تبكيت. # أى : قل لهم أيها الرسول الكريم سموهم شركاء إن شئتم ، فإن هذه التسمية ~~لا وجود لها في الحقيقة والواقع ، ولا تخرجهم عن كونهم لا يملكون لأنفسهم ~~فضلا عن غيرهم نفعا ولا ضرا ، لأن الله تعالى واحد لا شريك له. # وهذه التسمية إنما هي من عند أنفسكم ما أنزل الله بها من سلطان ، كما قال ~~تعالى : ( @QUR@013 إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل ms3160 الله ~~بها من سلطان ) (2). PageV07P486 # فالأمر في قوله ( @QUR@01 سموهم ) مستعمل في الإباحة المصحوبة بالتهديد ، ~~للإشارة إلى عدم الاكتراث بهم وبآلهتهم التي سموها شركاء. وهذا كما يقول ~~العاقل للأحمق الذي لا يحسن الكلام : قل ما شئت فإن كلامك لا وزن له ، ولا ~~خير فيه. # قال الإمام الرازي عند تفسيره لهذه الآية : «واعلم أنه تعالى لما قرر هذه ~~الحجة وهي أن القائم على كل نفس ليس كمن لا يملك شيئا زاد في الحجاج فقال : ~~( @QUR@02 قل سموهم ) وإنما يقال ذلك في الأمر المستحقر الذي بلغ في ~~الحقارة إلى أن لا يذكر ولا يوضع له اسم فعند ذلك يقال : سمه إن شئت. # يعنى : إنه أخس من أن يسمى ويذكر ، ولكنك إن شئت أن تضع له اسما فافعل. # فكأنه تعالى قال : سموهم بالآلهة ، والمعنى : سواء أسميتموهم بهذا الاسم ~~أم لم تسموهم به ، فإنها في الحقارة بحيث لا تستحق أن يلتفت العاقل إليها» ~~(1)... # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@011 أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض ~~، أم بظاهر من القول ) للإنكار والتوبيخ. # أى : قل أيها الرسول لهؤلاء الذين جعلوا لله شركاء وسموهم بهذا الاسم : ~~قل لهم على سبيل الإنكار والتوبيخ : أتخبرون الله بشركاء لا وجود لهم في ~~الأرض ، لأنهم لو كان لهم وجود لعلمهم ، لأنه سبحانه لا يخفى عليه شيء في ~~الأرض ولا في السماء. # أم أنكم سميتموهم شركاء بظاهر من القول أى : بظن من القول لا حقيقة له في ~~الواقع ونفس الأمر. # قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله ( @QUR@02 أم تنبئونه ) أى : بل أتخبرون ~~الله تعالى ( @QUR@05 بما لا يعلم في الأرض ) أى بشركاء مستحقين للعبادة لا ~~يعلمهم سبحانه والمراد : نفيها بنفي لازمها على طريق الكناية ، لأنه سبحانه ~~إذا كان لا يعلمها وهو الذي لا يعزب عن علمه شيء فهي لا حقيقة لها أصلا. # وتخصيص الأرض بالذكر ، لأن المشركين زعموا أنه سبحانه له شركاء فيها. # وقوله ( @QUR@04 أم بظاهر من القول ) أى : بل أتسمونهم شركاء بظاهر من ~~القول من غير معنى متحقق في نفس الأمر ، كتسمية الزنجي كافورا. PageV07P487 # وروى عن الضحاك وقتادة ms3161 ، أن الظاهر من القول : الباطل منه ، كما في قول ~~القائل : # أعيرتنا ألبانها ولحومها %~% وذلك عار يا ابن ربطة ظاهر # أى : باطل زائد ... (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@015 بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ، ~~ومن يضلل الله فما له من هاد ) إضراب عن حجاجهم ، وإهمال لشأنهم ، و «زين» ~~من التزيين وهو تصيير الشيء زينا أى : حسنا. # والمكر : صرف الغير عما يريده بحيلة. والمراد به هنا : كفرهم ومسالكهم ~~الخبيثة ضد الإسلام والمسلمين. # والمعنى : دع عنك أيها الرسول الكريم مجادلتهم ، لأنه لا فائدة من ورائها ~~، فإن هؤلاء الكافرين قد زين لهم الشيطان ورؤساؤهم في الفكر مكرهم وكيدهم ~~للإسلام وأتباعه ، وصدوهم عن السبيل الحق ، وعن الصراط المستقيم ، ومن ~~يضلله الله تعالى بأن يخلق فيه الضلال لسوء استعداده ، فما له من هاد يهديه ~~ويرشده إلى ما فيه نجاته. # هذا ، وقد اشتملت هذه الآية على ألوان من الحجج الساطعة التي تثبت وجوب ~~إخلاص العبادة لله ، وتبطل الشركة والشركاء أشار إليها بعض المفسرين فقال : # قال الطيبي : في هذه الآية الكريمة احتجاج بليغ مبنى على فنون من علم ~~البيان : # أولها : ( @QUR@08 أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ) كمن ليس كذلك ، ~~احتجاج عليهم وتوبيخ لهم على القياس الفاسد لفقد الجهة الجامعة لهما. # ثانيها : ( @QUR@03 وجعلوا لله شركاء ) من وضع المظهر موضع المضمر ، ~~للتنبيه على أنهم جعلوا شركاء لمن هو فرد واحد لا يشاركه أحد في أسمائه. # ثالثها : ( @QUR@02 قل سموهم ) أى عينوا أسماءهم فقولوا فلان وفلان ، فهو ~~إنكار لوجودها على وجه برهاني ... # رابعها : ( @QUR@05 أم تنبئونه بما لا يعلم ) احتجاج من باب نفى الشيء ~~أعنى العلم بنفي لازمه وهو المعلوم وهو كناية. # خامسها : ( @QUR@04 أم بظاهر من القول ) احتجاج من باب الاستدراج لبعثهم ~~على التفكر. # أى : أتقولون بأفواهكم من غير روية ، وأنتم ألباء ، فتفكروا فيه لتقفوا ~~على بطلانه. PageV07P488 # سادسها : التدرج في كل من الإضرابات على ألطف وجه ، وحيث كانت الآية ~~مشتملة على هذه الأساليب البديعة مع اختصارها ، كان الاحتجاج المذكور ~~مناديا على نفسه بالإعجاز وأنه ليس كلام البشر» (1). # ثم بين سبحانه سوء مصير ms3162 هؤلاء الكافرين فقال : ( @QUR@05 لهم عذاب في ~~الحياة الدنيا ) أى : لهم عذاب شديد في الحياة الدنيا ، ينزله الله تعالى ~~بهم تارة عن طريق القوارع والمصائب التي يرسلها عليهم ، وتارة عن طريق ~~الهزائم التي يوقعها بهم المؤمنون ، هذا في الدنيا ( @QUR@03 ولعذاب الآخرة ~~أشق ) من عذاب الدنيا لشدته ودوامه ( @QUR@04 وما لهم من الله ) تعالى ومن ~~عذاب الآخرة ( @QUR@02 من واق ) أى : من حائل يحول بينهم وبين عذابه سبحانه . # ثم أعقب ذلك ببيان حسن عاقبة المؤمنين فقال : ( @QUR@012 مثل الجنة التي ~~وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها .... ). # والمراد بالمثل هنا : الصفة العجيبة. أى : صفة الجنة التي وعد الله إياها ~~من اتقاه وصان نفسه عن كل ما لا يرضيه ، أنها تجرى من تحت أشجارها ومساكنها ~~الأنهار ، وأنها أكلها دائم ، أى : ما يؤكل فيها لا انقطاع لأنواعه «وظلها» ~~كذلك دائم. # قال بعضهم : وجملة ( @QUR@04 تجري من تحتها الأنهار ) خبر عن «مثل» ~~باعتبار أنها من أحوال المضاف إليه ، فهي من أحوال المضاف لشدة الملابسة ~~بين المتضايفين ، كما يقال : صفة زيد أسمر. وجملة «أكلها دائم» خبر ثان (2). # واسم الإشارة في قوله : «تلك عقبى الذين اتقوا» يعود على الجنة التي ~~أعدها الله تعالى للمتقين. # أى : تلك الجنة المنعوتة بما ذكر هي مآل المتقين الذين استقاموا على ~~الطريق الحق ، وهي منتهى أمرهم. # أما مآل الكافرين ومنتهى أمرهم فهي النار ، وبئس القرار. # هذا ، وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ، جملة من الأحاديث ~~في صفة الجنة فقال : وفي الصحيحين من حديث ابن عباس في صلاة الكسوف ، وفيه ~~: قالوا يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا ، ثم رأيناك تكعكعت ~~أى توقفت وأحجمت؟ فقال : PageV07P489 # «إنى رأيت الجنة أو أريت الجنة فتناولت منها عنقودا ، ولو أخذته لأكلتم ~~منه ما بقيت الدنيا». # وروى الطبراني عن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الرجل ~~إذا نزع ثمرة من الجنة عادت مكانها أخرى». (1) # وبذلك ترى الآيات الكريمة قد ساقت من التوجيهات ما فيه التسلية للرسول ~~صلى الله عليه وسلم عما ms3163 أصابه من قومه ، وما فيه أوضح الدلائل والبراهين ~~وأبلغها عن وحدانية الله تعالى ووجوب إفراده بالعبادة ، وما فيه البشارة ~~للمؤمنين ، والتهديد للكافرين. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة ، ببيان موقف أهل الكتاب من القرآن الكريم ~~، وبأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعلن منهجه بصراحة وثبات ، دون التفات ~~إلى أهواء معارضيه ، وبالرد على الشبهات التي أثارها أعداؤه حوله وحول ~~دعوته ، وبتهديد هؤلاء الأعداء وبسوء العاقبة إذا ما استمروا في طغيانهم ~~فقال تعالى : # ( @QUR@025 والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ~~ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعوا وإليه مآب ~~(36) @QUR@020 وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من ~~العلم ما لك من الله من ولي ولا واق (37) @QUR@021 ولقد أرسلنا رسلا من ~~قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ~~لكل أجل كتاب (38) @QUR@08 يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب (39) ~~@QUR@010 وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك PageV07P490 # @QUR@03 البلاغ وعلينا الحساب (40) @QUR@016 أولم يروا أنا نأتي الأرض ~~ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب (41) @QUR@018 ~~وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم ~~الكفار لمن عقبى الدار (42) @QUR@015 ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى ~~بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ) (43) # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ) ~~ثناء منه سبحانه على الذين عرفوا الحق من أهل الكتاب فاتبعوه. # والمراد بالكتاب هنا : التوراة والإنجيل. # والمعنى : والذين أعطيناهم التوراة والإنجيل ، فآمنوا بما فيهما من ~~بشارات تتعلق بك أيها الرسول الكريم ، ثم آمنوا بك عند إرسالك رحمة ~~للعالمين. # هؤلاء الذين تلك صفاتهم ، يفرحون بما أنزل إليك من قرآن ، لأن ما فيه من ~~هدايات وبراهين على صدقك ، يزيدهم إيمانا على إيمانهم ، ويقينا على يقينهم. # وقيل : المراد بالكتاب القرآن الكريم ، وبالموصول أتباع النبي ~~صلى الله عليه وسلم من المسلمين. # فيكون المعنى : والذين آتيناهم الكتاب وهو القرآن ms3164 فآمنوا بك وصدقوك ~~يفرحون بكل ما ينزل عليك منه ، لأنه يزيدهم هداية على هدايتهم. # ويبدو لنا أن الرأى الأول أرجح ، لأن الآية الكريمة سيقت بعد الحديث عن ~~عاقبة الذين اتقوا وهم المؤمنون الصادقون ، وعاقبة الكافرين. ولأن فرح ~~المؤمنين بنزول القرآن أمر مسلم به فلا يحتاج إلى الحديث عنه. # ومن المفسرين الذين اقتصروا في تفسيرهم للآية على الرأى الأول الإمام ابن ~~كثير فقد قال : يقول الله تعالى : ( @QUR@03 والذين آتيناهم الكتاب ) وهم ~~قائمون بمقتضاه ( @QUR@04 يفرحون بما أنزل إليك ) أى : من القرآن ، لما في ~~كتبهم من الشواهد على صدقه صلى الله عليه وسلم والبشارة PageV07P491 # به ، كما قال تعالى : ( @QUR@015 الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته ~~أولئك يؤمنون به ، ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون ) (1). # وقوله : ( @QUR@05 ومن الأحزاب من ينكر بعضه ) بيان لمن بقي على كفره من ~~أهل الكتاب وغيرهم. والأحزاب : جمع حزب ويطلق على مجموعة من الناس اجتمعوا ~~من أجل غاية معينة أى : ومن أحزاب الكفر والضلال من ينكر بعض ما أنزل إليك ~~لأنه يخالف أهواءهم وأطماعهم وشهواتهم ... ولم يذكر القرآن هذا البعض الذي ~~ينكرونه ، إهمالا لشأنهم ، ولأنه لا يتعلق بذكره غرض. # وقوله سبحانه : ( @QUR@013 قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به ، إليه ~~أدعوا وإليه مآب ) أمر منه تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يصدع بما يأمره ~~دون تردد أو وجل. # أى : قل أيها الرسول الكريم لكل من خالفك فيما تدعو إليه «إنما أمرت أن ~~أعبد الله» وحده «ولا أشرك به» بوجه من الوجوه إليه وحده «أدعو» الناس لكي ~~يخلصوا له العبادة والطاعة «وإليه مآب» أى وإليه وحده إيابى ومرجعي لا إلى ~~أحد غيره. # فالآية تضمنت المدح لمن عرف الحق ففرح بوجوده. والذم لمن أنكره جحودا ~~وعنادا ، والأمر للنبي صلى الله عليه وسلم بالسير في طريقه بدون خشية من أحد. # ثم ساق سبحانه بعد ذلك بعض الفضائل التي امتاز بها القرآن الكريم فقال ~~تعالى : ( @QUR@04 وكذلك أنزلناه حكما عربيا ... ). # والكاف للتشبيه ، واسم الإشارة يعود إلى الإنزال المأخوذ من ( @QUR@01 ~~أنزلناه ) وضمير الغائب في أنزلناه ms3165 يعود الى ( @QUR@03 بما أنزل إليك ) في ~~قوله في الآية السابقة ( @QUR@04 يفرحون بما أنزل إليك ... ) # وقوله ( @QUR@02 حكما عربيا ) حالان من ضمير الغائب. # والمعنى : ومثل ذلك الإنزال البديع الجامع لألوان الهداية والإعجاز ، ~~أنزلنا عليك القرآن يا محمد ( @QUR@01 حكما ) أى : حاكما بين الناس ( ~~@QUR@01 عربيا ) أى : بلسان عربي مبين هو لسانك ولسان قومك. # ومنهم من يرى أن اسم الإشارة يعود إلى الكتب السماوية السابقة ، فيكون ~~المعنى : وكما أنزلنا الكتب السماوية على بعض رسلنا بلغاتهم وبلغات أقوامهم ~~أنزلنا عليك القرآن حاكما بين الناس بلغتك وبلغة قومك ، وهي اللغة العربية ~~ليسهل عليهم فهمه وحفظه. # وعلى كلا القولين فأنت ترى أن هذه الجملة الكريمة قد اشتملت على فضيلتين للقرآن PageV07P492 # الكريم : فضيلة من جهة معانيه ومقاصده وهداياته وحكمه وأحكامه وتشريعاته ~~، وهو المعبر عنها بكونه «حكما». # وفضيلة من جهة ألفاظه ومفرداته وتراكيبه ، وهي المعبر عنها بكونه ~~«عربيا». # أى : نزل بلغة العرب التي هي أفصح اللغات وأغناها وأجملها. # ثم في كونه «عربيا» امتنان على العرب المخاطبين به ابتداء ، حيث إنه نزل ~~بلغتهم ، فكان من الواجب عليهم أن يقابلوه بالفرح والتسليم لأوامره ونواهيه ~~، فهو الكتاب الذي فيه شرفهم وعزهم ، قال تعالى : ( @QUR@06 لقد أنزلنا ~~إليكم كتابا فيه ذكركم ) أى : فيه بقاء شرفكم ( @QUR@02 أفلا تعقلون ) (1). # وقال تعالى : ( @QUR@06 وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون ) (2). # وفي ذلك تعريض بغباء مشركي العرب ، حيث لم يشكروا الله تعالى على هذه ~~النعمة ، بل قابلوا من أنزل عليه هذا القرآن بالعناد والعصيان. # ثم ساق سبحانه تحذيرا للأمة كلها في شخص نبيها صلى الله عليه وسلم من اتباع ~~أهواء كل كافر أو فاسق : فقال تعالى : ( @QUR@016 ولئن اتبعت أهواءهم بعد ~~ما جاءك من العلم ، ما لك من الله من ولي ولا واق ). # واللام في قوله ( @QUR@01 ولئن ) موطئة للقسم لتأكيد ما تضمنته من عقاب ~~شديد لمتبع أهواء الكافرين. # والأهواء : جمع هوى ، والمراد بها آراؤهم المنحرفة عن الحق ، ومطالبهم ~~المتعنتة ، والمراد بما جاءه من العلم : ما بلغه وعلمه من الدين عن طريق ~~الوحى الصادق. # والولي : الناصر والمعين والقريب والحليف. والواقي : المدافع عن غيره. ms3166 # والمعنى : «ولئن اتبعت» يا محمد على سبيل الفرض والتقدير أهواء هؤلاء ~~الكافرين فيما يطلبونه منك ، «من بعد ما جاءك من العلم» اليقيني بأن ~~الإسلام هو الدين الحق ، «مالك من الله» أى من عقباه «من ولى» يلي أمرك ~~وينصرك «ولا واق» يقيك من حسابه. وسيق هذا التحذير في صورة الخطاب للرسول ~~صلى الله عليه وسلم للتأكيد من مضمونه. # فكأنه سبحانه يقول : لو اتبع أهواءهم على سبيل الفرض أكرم الناس عندي ~~لعاقبته ، وأحق بهذا العقاب من كان دونه في الفضل والمنزلة ، وشبيه بهذه ~~الآية قوله PageV07P493 # تعالى : ( @QUR@014 ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن ~~عملك ولتكونن من الخاسرين ) (1). # ثم بين سبحانه أن اعتراض المشركين على بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم ليس ~~إلا من قبيل التعنت والجحود ، لأن الرسل جميعا كانوا من البشر ، فقال تعالى ~~: ( @QUR@09 ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية ... ). # أى : «ولقد أرسلنا رسلا» كثيرين «من قبلك» يا محمد «وجعلنا لهم» أى ~~لهؤلاء الرسل «أزواجا» يسكنون إليهن «وذرية» أى : وأولادا تقر بهم أعينهم. # قال الشوكانى : «وفي هذا رد على من كان ينكر على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم تزوجه بالنساء. # أى : هذا شأن رسل الله المرسلين قبل هذا الرسول فما بالكم تنكرون عليه ما ~~كانوا عليه» (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ... ~~) رد على ما طلبوه منه صلى الله عليه وسلم من معجزات. # أى : وما صح وما استقام لرسول من الرسل أن يأتى لمن أرسل إليهم بمعجزة ~~كائنة ما كانت إلا بإذن الله وإرادته المبنية على الحكم والمصالح التي ~~عليها يدور أمر الكائنات. # وقوله سبحانه ( @QUR@03 لكل أجل كتاب ) تهديد للمشركين الذين كانوا ~~يتعجلون حصول المقترحات التي طلبوها منه صلى الله عليه وسلم . # أى : لكل وقت من الأوقات «كتاب» أى : حكم معين يكتب على الناس حسبما ~~تقتضيه مشيئته سبحانه . # ثم بين سبحانه بعد ذلك مظهرا من مظاهر شمول قدرته ، وسعة علمه ، وعظيم ~~حكمته فقال : ( @QUR@08 يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم ms3167 الكتاب ). # وقوله : ( @QUR@01 يمحوا ) من المحو وهو إذهاب أثر الشيء بعد وجوده. # وقوله : ( @QUR@01 ويثبت ) من الإثبات وهو جعل الشيء ثابتا قارا في مكان ما. # وأم الكتاب : أصل الكتاب والمراد بأم الكتاب : اللوح المحفوظ ، أو علمه ~~سبحانه المحيط بكل شيء. # قال الفخر الرازي : «والعرب تسمى كل ما يجرى مجرى الأصل للشيء أما له ~~ومنه أم PageV07P494 # الرأس للدماغ ، وأم القرى لمكة ، وكل مدينة فهي أم لما حولها من القرى ~~فكذلك أم الكتاب هو الذي يكون أصلا لجميع الكتب» (1). # والمعنى : يمحو الله تعالى ما يشاء محوه ، ويثبت ما يريد إثباته من الخير ~~أو الشر ومن السعادة أو الشقاوة ، ومن الصحة أو المرض ، ومن الغنى أو الفقر ~~، ومن غير ذلك مما يتعلق بأحوال خلقه. # وعنده سبحانه الأصل الجامع لكل ما يتعلق بأحوال هذا الكون. # قال تعالى : ( @QUR@021 ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في ~~كتاب من قبل أن نبرأها ، إن ذلك على الله يسير ... ) (2). # وقال تعالى : ( @QUR@018 ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ~~ذلك في كتاب ، إن ذلك على الله يسير ) (3). # وللمفسرين في معنى هذه الآية كلام طويل ، لخصه الإمام الشوكانى تلخيصا ~~حسنا فقال : # قوله سبحانه : ( @QUR@05 يمحوا الله ما يشاء ويثبت ) أى يمحو من ذلك ~~الكتاب ويثبت ما يشاء منه ، وظاهر النظم القرآنى العموم في كل شيء مما في ~~الكتاب ، فيمحو ما يشاء محوه من شقاوة أو سعادة أو رزق أو عمر ... ويبدل ~~هذا بهذا ، ويجعل هذا مكان هذا. لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. # وإلى هذا ذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس وقتادة وغيرهم. # وقيل الآية خاصة بالسعادة والشقاوة. وقيل يمحو ما يشاء من ديوان الحفظة ، ~~وهو ما ليس فيه ثواب ولا عقاب ، ويثبت ما فيه الثواب والعقاب. # وقيل «يمحو ما يشاء من الشرائع فينسخه ، ويثبت ما لا يشاء فلا ينسخه ... ~~والأول أولى كما تفيده «ما» في قوله «ما يشاء» من العموم مع تقدم ذكر ~~الكتاب في قوله «لكل أجل كتاب» ومع قوله «وعنده أم الكتاب» ms3168 أى أصله وهو ~~اللوح المحفوظ. # فالمراد من الآية أنه يمحو ما يشاء مما في اللوح المحفوظ فيكون كالعدم ، ~~ويثبت ما يشاء مما فيه فيجري فيه قضاؤه وقدره على حسب ما تقتضيه مشيئته. # وهذا لا ينافي ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من قوله «جف القلم» ، وذلك لأن ~~المحو والإثبات هو من جملة ما قضاه سبحانه . # وقيل : إن أم الكتاب هو علم الله تعالى : بما خلق وبما هو خالق (4). PageV07P495 # وقوله سبحانه ( @QUR@013 وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ، فإنما ~~عليك البلاغ وعلينا الحساب ) حض له صلى الله عليه وسلم على المضي في دعوته ~~بدون تسويف أو تأجيل. # و «ما» في قوله «وإما نرينك» مزيدة لتأكيد معنى الشرط ، والأصل : وإن نرك ~~، والإراءة هنا بصرية ، والكاف مفعول أول ، وبعض الذي نعدهم : مفعول ثان ، ~~وجواب الشرط ، محذوف. # والمعنى : وإما نرينك يا محمد بعض الذي توعدنا به أعداءك من العذاب ~~الدنيوي ، فذاك شفاء لصدرك وصدور أتباعك. # وقوله «أو نتوفينك» شرط آخر لعطفه على الشرط السابق ، وجوابه أيضا محذوف ~~والتقدير : أو نتوفينك قبل ذلك فلا تهتم ، واترك الأمر لنا. # وقوله : ( @QUR@03 فإنما عليك البلاغ ) تعليل لهذا الجواب المحذوف ، أى : ~~سواء أرأيت عذابهم أم لم تره ، فإنما عليك فقط تبليغ ما أمرناك بتبليغه للناس. # ( @QUR@01 وعلينا ) وحدنا ( @QUR@01 الحساب ) أى : محاسبتهم ومجازاتهم ~~على أعمالهم السيئة. # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 بعض الذي نعدهم ) للإشارة إلى أن ما يصيبهم من ~~عذاب دنيوى هو بعض العذاب المعد لهم ، أما البعض الآخر وهو عذاب الآخرة فهو ~~أشد وأبقى. # ولقد صدق الله تعالى وعده لنبيه صلى الله عليه وسلم فأراه قبل أن يفارق هذه ~~الدنيا ، جانبا من العذاب الذي أنزله بأعدائه ، فسلط على مشركي مكة الجدب ~~والقحط الذي جعلهم يأكلون العظام والميتة والجلود. # كما سلط عليهم المؤمنين فهزموهم في غزوة بدر وفي غزوة الفتح وفي غيرهما. ~~ثم وبخ سبحانه المشركين لعدم تفكرهم وتدبرهم واتعاظهم بآثار من قبلهم ، ~~فقال تعالى : ( @QUR@08 أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ... ). # والهمزة للاستفهام الإنكارى ، والواو للعطف على مقدر يقتضيه ms3169 المقام. # والخطاب لمشركي مكة ومن كان على شاكلتهم في الكفر والضلال. # والمراد بالأرض هنا : أرض الكفرة والظالمين. # والأطراف جمع طرف وهو جانب الشيء. # والمعنى : أعمى هؤلاء الكافرون عن التفكير والاعتبار ، ولم يروا كيف أن ~~قدرة الله القاهرة ، قد أتت على الأمم القوية الغنية حين كفرت بنعمه سبحانه ~~، فصيرت قوتها ضعفا وغناها فقرا ، وعزها ذلا ، وأمنها خوفا ... وحصرتها في ~~رقعة ضيقة من الأرض ، بعد أن PageV07P496 # كانت تملك الأراضي الفسيحة ، والأماكن المترامية الأطراف. # فالآية الكريمة بشارة للمؤمنين ، وإنذار للكافرين. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@010 أفلا يرون أنا نأتي الأرض ~~ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون ) (1). # قال الآلوسى ما ملخصه : «وروى عن ابن عباس أن المراد بانتقاص الأرض : موت ~~أشرافها وكبرائها وذهاب العلماء منها. وعليه يكون المراد بالأرض جنسها ~~وبالأطراف الأشراف والعلماء ، وشاهده قول الفرزدق : # واسأل بنا وبكم ، إذا وردت منى %~% أطراف كل قبيلة ، من يتبع؟ # يريد أشراف كل قبيلة. # وتقرير الآية عليه : أو لم يروا أنا نحدث في الدنيا من الاختلافات خرابا ~~بعد عمارة ، وموتا بعد حياة ، وذلا بعد عز ... فما الذي يؤمنهم أن يقلب ~~الله تعالى الأمر عليهم فيجعلهم أذلة بعد أن كانوا أعزة ... # ثم قال : وهو كما ترى : # والأول وهو أن يكون المراد بالأرض : أرض الكفر ، وبالأطراف الجوانب أوفق ~~بالمقام ، ولا يخفى ما في التعبير بالإتيان المؤذن بعظيم الاستيلاء من ~~الفخامة ، وجملة «ننقصها» في موضع الحال من فاعل نأتى ...» (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 والله يحكم لا معقب لحكمه ) بيان لعلو شأن حكمه ~~تعالى ونفاذ أمره. # والمعقب : هو الذي يتعقب فعل غيره أو قوله فيبطله أو يصححه. # أى : والله تعالى يحكم ما يشاء أن يحكم به في خلقه ، لا راد لحكمه ، ولا ~~دافع لقضائه ، ولا يتعقب أحد ما حكم به بتغيير أو تبديل ، وقد حكم سبحانه ~~بعزة الإسلام ، وعلو شأنه وشأن أتباعه على سائر الأمم والأديان ... # وقوله ( @QUR@03 وهو سريع الحساب ) أى : وهو سبحانه سريع المحاسبة ~~والمجازاة ، لأنه لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه غيره من الإحصاء والعد ، إذ ~~هو سبحانه محيط بكل شيء ، فلا ms3170 تستبطئ. عقابهم أيها الرسول الكريم فإن ما ~~وعدناك به واقع لا محالة. PageV07P497 # ثم زاد سبحانه في تسلية رسوله صلى الله عليه وسلم وفي تثبيت فؤاده فقال : ( ~~@QUR@08 وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا ... ). # والمكر : صرف الغير عما يريده بحيلة ، أو إيصال المكروه للممكور به خفية ~~، والمراد بمكر الذين من قبلهم : إضمارهم السوء لرسلهم. # والمراد بمكر الله تعالى هنا : علمه سبحانه بما بيتوه ، وإحباطه لمكرهم ، ~~وإنجاؤه لرسله عليهم الصلاة والسلام . # أى : وقد مكر الكفار الذين سبقوا قومك يا محمد برسلهم وحاولوا إيقاع ~~المكروه بهم ، ولكن ربك سبحانه نصر رسله لأنه عز وجل له المكر جميعا ، ولا ~~اعتداد بمكر غيره لأنه معلوم له. # وقال الجمل ما ملخصه : «وقوله ( @QUR@03 فلله المكر جميعا ) تعليل لمحذوف ~~تقديره فلا عبرة بمكرهم ، ولا تأثير له ، فحذف هذا اكتفاء بدلالة القصر ~~المستفاد من تعليله بقوله ( @QUR@03 فلله المكر جميعا ) أى : لا تأثير ~~لمكرهم أصلا لأنه معلوم لله تعالى وتحت قدرته ... # وأثبت لهم المكر باعتبار الكسب ، ونفاه عنهم باعتبار الخلق. (1) وجملة ~~«يعلم ما تكسب كل نفس» بمنزلة التعليل لجملة «فلله المكر جميعا». # أى : هو سبحانه له المكر جميعا ، لأنه لا تخفى عليه خافية من أحوال كل ~~نفس ، وسيجازيها بما تستحقه من خير أو شر. # وقوله : ( @QUR@05 وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار ) تهديد للكافرين بالحق ~~الذي جاءهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم . # أى : وسيعلم الكافرون عند ما ينزل بهم العذاب ، لمن تكون العاقبة الحميدة ~~أهي لهم كما يزعمون أم للمؤمنين؟ لا شك أنها للمؤمنين. # فالجملة الكريمة تحذير للكافرين من التمادي في كفرهم ، وتبشير للمؤمنين ~~بأن العاقبة لهم. # وفي قراءة سبعية «وسيعلم الكافر». فيكون المراد به جنس الكافر. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بالشهادة للرسول صلى الله عليه وسلم بأنه صادق ~~في رسالته فقال : ( @QUR@05 ويقول الذين كفروا لست مرسلا ). # أى : لست مرسلا من عند الله تعالى ، وقد حكى سبحانه قولهم الباطل هذا PageV07P498 # بصيغة الفعل المضارع ، للإشارة إلى تكرار هذا القول منهم ، ولاستحضار ~~أحوالهم العجيبة الدالة على إصرارهم على العناد والجحود. ms3171 # وقوله ( @QUR@010 قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ) ~~أمر من الله تعالى لرسوله بأن يرد عليهم بما يخرس ألسنتهم. # والباء الداخلة على اسم الجلالة الذي هو فاعل ( @QUR@01 كفى ) في المعنى ~~، مزيدة للتأكيد ، وقوله ( @QUR@04 ومن عنده علم الكتاب ) معطوف على اسم ~~الجلالة ، والمراد بالموصول وبالكتاب الجنس. # والمعنى : قل لهم أيها الرسول الكريم تكفى شهادة الله بيني وبينكم ، فهو ~~يعلم صدق دعوتي ، ويعلم كذبكم ، ويعلم ذلك أيضا كل من كان على علم بالكتب ~~السماوية السابقة فإنها قد بشرت برسالتي ، وجاءت أوصافى فيها ... # وممن شهد لي بالنبوة ورقة بن نوفل ، فأنتم تعلمون أنه قال لي عند ما ~~أخبرته بما حدث لي في غار حراء : «هذا هو الناموس أى الوحى الذي أنزله الله ~~على موسى» ... # وقيل المراد بمن عنده علم الكتاب : المسلمون. وبالكتاب : القرآن ، والأول ~~أرجح لشموله لكل من كان عنده علم بالكتب السماوية السابقة ، إذ هذا الشمول ~~أكثر دلالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه. # وبعد : فهذه هي سورة الرعد. وهذا تفسير وسيط لآياتها ... # نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا لعباده. # والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ~~آله وصحبه وسلم. |المدينة المنورة : 23 من المحرم سنة 1402 ه الموافق 19 من نوفمبر سنة 1981 ~~م|الدكتور محمد سيد طنطاوى| PageV07P499 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة إبراهيم PageV07P501 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة # الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ومن والاه. # وبعد : فهذا تفسير وسيط لسورة ابراهيم عليه السلام ، توخيت فيه أن يكون ~~تفسيرا تحليليا ، خاليا من الآراء السقيمة ، والأقوال الضعيفة. والله أسأل ~~أن يجعله خالصا لوجهه ، نافعا لعباده. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ||المؤلف د. محمد سيد طنطاوى| PageV07P503 ### ||| * تعريف بسورة إبراهيم عليه السلام # 1 سورة إبراهيم عليه السلام هي السورة الرابعة عشرة في ترتيب المصحف ، أما ~~ترتيبها في النزول ، فقد كان بعد سورة نوح عليه السلام . # وقد ذكر السيوطي قبلها سبعين سورة من السور ms3172 المكية (1). # 2 وعدد آياتها ثنتان وخمسون آية في المصحف الكوفي ، وإحدى وخمسون في ~~البصري ، وأربع وخمسون في المدني ، وخمس وخمسون في الشامي. # 3 وسميت بهذا الاسم ، لاشتمالها على الدعوات الطيبات التي تضرع بها ~~إبراهيم عليه السلام إلى ربه ، ولا يعرف لها اسم آخر سوى هذا الاسم. # 4 وجمهور العلماء على أنها مكية ، وليس فيها آية أو آيات غير مكية. # وقال الآلوسى : «أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير أنها نزلت بمكة. # والظاهر أنهما أرادا أنها كلها كذلك ، وهو الذي عليه الجمهور. # وأخرج النحاس في ناسخه عن الحبر أنها مكية إلا آيتين منها فإنهما نزلتا ~~بالمدينة وهما قوله تعالى : ( @QUR@016 ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله ~~كفرا وأحلوا قومهم دار البوار* جهنم يصلونها وبئس القرار ) فإنهما نزلتا في ~~قتلى بدر من المشركين .. (2). # وسنرى عند تفسيرنا لهاتين الآيتين ، أنه لم يقم دليل يعتمد عليه على ~~أنهما مدنيتان. وأن السورة كلها مكية كما قال جمهور العلماء. # 5 هذا ، وبمطالعتنا لهذه السورة الكريمة بتدبر وتأمل نراها في مطلعها ~~تحدثنا عن وظيفة القرآن الكريم ، وعن جانب من مظاهر قدرة الله تعالى ، وعن ~~سوء عاقبة الكافرين ، وعن الحكمة في إرسال كل رسول بلسان قومه قال تعالى : ~~( @QUR@030 الر. كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ~~ربهم إلى صراط العزيز الحميد* الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ~~وويل للكافرين من عذاب شديد )... PageV07P505 # ( @QUR@019 وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ، فيضل الله من ~~يشاء ، ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم ). # ثم نراها بعد ذلك تحدثنا عن طرف من رسالة موسى عليه السلام مع قومه ، وعن ~~أخبار بعض الأنبياء مع أقوامهم ، وعن نماذج من المحاورات التي دارت بين ~~الرسل وبين من أرسلوا إليهم. # قال تعالى : ( @QUR@021 ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من ~~الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله ، إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ... ). # ثم تضرب السورة الكريمة بعد ذلك مثلا لأعمال الكافرين ، وتصور أحوالهم ~~عند ما يخرجون من ms3173 قبورهم يوم القيامة ، وتحكى ما يقوله الشيطان لهم في ذلك ~~اليوم ... فتقول : # ( @QUR@022 مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم ~~عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد )... # ( @QUR@011 وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم ~~تبعا )... # ( @QUR@012 وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم ~~فأخلفتكم ). # ثم تسوق السورة مثلا آخر لكلمتى الإيمان والكفر فتقول : ( @QUR@015 ألم ~~تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء )... # ثم يحكى ألوانا متعددة من الأدلة على وحدانية الله تعالى وعلمه وقدرته ~~ونعمه على عباده فتقول : ( @QUR@025 الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل ~~من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ، وسخر لكم الفلك لتجري في ~~البحر بأمره ، وسخر لكم الأنهار ... ). # ثم تسوق بعد ذلك تلك الدعوات الصالحات الجامعات لأنواع الخير ، التي تضرع ~~بها إبراهيم إلى ربه فتقول : # ( @QUR@013 وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد ~~الأصنام ... ). # ( @QUR@017 رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء* ربنا اغفر ~~لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ). # ثم يختم سبحانه هذه السورة الكريمة بآيات فيها ما فيها من أنواع العذاب ~~الذي أعده للظالمين ، وفيها ما فيها من ألوان التحذير من السير في طريق ~~الكافرين والجاحدين فيقول : # ( @QUR@013 ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ، إنما يؤخرهم ليوم ~~تشخص فيه الأبصار PageV07P506 # @QUR@09 مهطعين مقنعي رؤسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء ... ). # ( @QUR@013 هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد ، ~~وليذكر أولوا الألباب ). # 6 ومن هذا العرض الإجمالى للسورة الكريمة ، نراها قد اهتمت بأمور من ~~أبرزها ما يلى : # (أ) تذكير الناس بنعم خالقهم عليهم ، وتحريضهم على شكر هذه النعم ~~وتحذيرهم من جحودها وكفرها ... # ومن الآيات التي وردت في هذه السورة في هذا المعنى قوله تعالى : ( ~~@QUR@011 وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ). # وقوله تعالى : ( @QUR@016 ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا ~~قومهم دار البوار* ms3174 جهنم يصلونها وبئس القرار ). # وقوله تعالى : ( @QUR@015 وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله ~~لا تحصوها ، إن الإنسان لظلوم كفار ). # (ب) تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما لقيه من مشركي قريش ، تارة عن طريق ~~ما لقيه الأنبياء السابقون من أقوامهم ، وتارة عن طريق بيان أن العاقبة ~~للمتقين. # ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله تعالى : ( @QUR@037 ألم يأتكم ~~نبؤا الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا ~~الله ، جاءتهم رسلهم بالبينات ، فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا ~~بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب ... ). # وقوله تعالى : ( @QUR@020 وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو ~~لتعودن في ملتنا ، فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين. ولنسكننكم الأرض من ~~بعدهم ... ). # (ج) اشتمال السورة الكريمة على أساليب متعددة للترغيب في الإيمان ، ~~وللتحذير من الكفر ، تارة عن طريق ضرب الأمثال ، وتارة عن طريق بيان حسن ~~عاقبة المؤمنين ، وسوء عاقبة المكذبين ، وتارة عن طريق حكاية ما يقوله ~~الشيطان لأتباعه يوم القيامة ، وما يقوله الضعفاء للذين استكبروا وما يقوله ~~الظالمون يوم يرون العذاب ... # ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله تعالى : ( @QUR@027 ألم تر كيف ~~ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة ، أصلها ثابت وفرعها في السماء. تؤتي ~~أكلها كل حين بإذن ربها ، ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ). # وقوله تعالى : ( @QUR@011 فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو ~~انتقام ). PageV07P507 # وقوله تعالى : ( @QUR@017 وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ~~ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل ... ). # هذه بعض الموضوعات التي اهتمت السورة بإبرازها وبتركيز الحديث عنها ، ~~وهناك موضوعات أخرى عنيت السورة بتفصيل الحديث عنها ، ويراها المتدبر ~~لآياتها ... # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم PageV07P508 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@016 الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ~~ربهم إلى صراط العزيز الحميد (1) @QUR@014 الله الذي له ما في السماوات وما ~~في الأرض وويل للكافرين من ms3175 عذاب شديد (2) @QUR@016 الذين يستحبون الحياة ~~الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد ~~(3) @QUR@019 وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من ~~يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم ) (4) # سورة إبراهيم عليه السلام من السور القرآنية التي افتتحت بحرف من الحروف ~~المقطعة وهو قوله تعالى : ( @QUR@01 الر ). # وقد سبق أن ذكرنا آراء العلماء في هذه الحروف عند تفسيرنا لسور : آل ~~عمران ، والأعراف ، ويونس ، وهود ، ويوسف ، والرعد. # وقلنا ما خلاصته : لعل أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف المقطعة ~~، قد وردت في افتتاح بعض سور القرآن ، على سبيل الإيقاظ والتنبيه للذين ~~تحداهم القرآن. PageV07P509 # فكأن الله تعالى يقول لأولئك المعاندين والمعارضين في أن القرآن من عند ~~الله. هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم ، ~~ومنظوما من حروف هي من جنس الحروف الهجائية التي تنظمون منها حروفكم ، فإن ~~كنتم في شك من كونه منزلا من عند الله فهاتوا مثله ، وادعوا من شئتم من ~~الخلق لكي يعاونكم في ذلك ، فإن لم تستطيعوا فهاتوا عشر سور من مثله ، فإن ~~عجزتم فهاتوا سورة واحدة من مثله. # قال تعالى : ( @QUR@020 وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة ~~من مثله ، وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ) (1). # وقوله ( @QUR@015 كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ~~بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ) تنويه بشأن القرآن الكريم ، وبيان ~~للغرض السامي الذي أنزله الله تعالى من أجله. # والظلمات : جمع ظلمة ، والمراد بها : الكفر والضلال ، والمراد بالنور : ~~الإيمان والهداية. # والباء في ( @QUR@02 بإذن ربهم ) للسببية ، والجار والمجرور متعلق بقوله ~~( @QUR@01 لتخرج ). # والصراط : الجادة والطريق ، من سرط الشيء إذا ابتلعه ، وسمى الطريق بذلك ~~، لأنه يبتلع المارين فيه ، وأبدلت سينه صادا على لغة قريش. # والمعنى : هذا كتاب جليل الشأن ، عظيم القدر ، أنزلناه إليك يا محمد ، ~~لكي تخرج الناس من ظلمات الكفر والجهالة والضلال ، إلى نور الإيمان والعلم ~~والهداية ، وهذا الإخراج إنما هو بإذن ربهم ومشيئته وإرادته وأمره. # وقوله ms3176 ( @QUR@04 إلى صراط العزيز الحميد ) بدل من قوله ( @QUR@02 إلى ~~النور ). # أى لتخرج الناس من ظلمات الكفر والضلال إلى طريق الله ( @QUR@01 العزيز ) ~~أى : الذي يغلب ولا يغلب ( @QUR@01 الحميد ) أى : المحمود بكل لسان. # وأسند سبحانه الإخراج إلى النبي صلى الله عليه وسلم باعتباره المبلغ لهذا ~~الكتاب المشتمل على الهداية التي تنقل الناس من الكفر إلى الإيمان ، ومن ~~الجهالة إلى الهداية وشبه الكفر بالظلمات كما يقول الإمام الرازي ، لأنه ~~نهاية ما يتحير الرجل فيه عن طريق الهداية ، وشبه الإيمان بالنور ، لأنه ~~نهاية ما ينجلي به طريق هدايته» (2). # وفي جمع «الظلمات» وإفراد «النور» إشارة إلى أن للكفر طرقا كثيرة ، وأما ~~الإيمان PageV07P510 # فطريق واحد. # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 بإذن ربهم ) احتراس لبيان أن نقل الناس من حال ~~إلى حال إنما هو بإرادة الله تعالى ومشيئته ، وأن الرسول ما هو إلا مبلغ ~~فقط ، أما الهداية فمن الله وحده. # ثم بين سبحانه بعض مظاهر قدرته فقال : ( @QUR@09 الله الذي له ما في ~~السماوات وما في الأرض ... ). # أى : الله تعالى وحده هو الذي له ما في السموات وما في الأرض ملكا وملكا ~~وخلقا لا يشاركه في ذلك مشارك ، ولا ينازعه منازع. # ولفظ الجلالة قرأه الجمهور بالجر على أنه بدل أو عطف بيان من العزيز ~~الحميد. # وقرأه نافع وابن عامر بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أى : هو الله الذي ~~له ما في السموات وما في الأرض. # وجملة «وويل للكافرين من عذاب شديد» تهديد ووعيد لمن كفر بالحق وأعرض عنه. # ولفظ «ويل» مصدر لا يعرف له فعل من لفظه مثل «ويح» وجاء مرفوعا للدلالة ~~على الثبات والدوام ، ومعناه الهلاك أو الفضيحة أو الحسرة ، أى : الله ~~تعالى هو الذي له ما في السموات وما في الأرض ، وويل للكافرين بما أنزلناه ~~إليك أيها الرسول الكريم من عذاب شديد سينزل بهم ، فيجعلهم يستغيثون دون أن ~~يجدوا من يغيثهم. # ثم وصف سبحانه هؤلاء الكافرين بجملة من الصفات الذميمة ، التي أردتهم ~~وأهلكتهم فقال تعالى : ( @QUR@012 الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ~~ويصدون عن سبيل الله ، ويبغونها عوجا ... ). # ويستحبون : بمعنى ms3177 يحبون ، فالسين والتاء للتأكيد ، أى : يختارون ويؤثرون ~~ولذا عداه بعلى. أى : يختارون شهوات الحياة الدنيا. ويؤثرون لذائذها ومتعها ~~على الدار الآخرة وما فيها من نعيم وخيرات ... # «ويصدون» من الصد ، وهو صرف الغير عن الشيء ومنعه منه يقال : صد فلان ~~فلانا عن فعل الشيء ، إذا منعه من فعله. # وسبيل الله : طريقه الموصلة إليه وهو ملة الإسلام. # ويبغون من البغاء بضم الباء بمعنى الطلب. يقال : بغيت لفلان كذا ، إذا ~~طلبته له ، وبغيت الشيء أبغيه بغاء وبغى وبغية إذا طلبته. PageV07P511 # والعوج بكسر العين وفتحها مصدر عوج كتعب. إلا أن بعضهم يرى أن مكسور ~~العين يكون فيما ليس بمرئى كالآراء والأقوال والعقائد ، وأن مفتوحها يكون ~~في المرئيات كالأجساد والمحسوسات. # أى : أن هؤلاء الكافرين يؤثرون شهوات الدنيا على الآخرة ونعيمها ، ولا ~~يكتفون بذلك بل يضعون العراقيل في طريق دعوة الحق حتى يبتعد الناس عنها ، ~~ويطلبون لها العوج والميل تبعا لزيغ نفوسهم ، مع أنها أقوم طريق ، وأعدل ~~سبيل. والضمير المنصوب في قوله «يبغونها» يعود إلى سبيل الله. أى يبغون لها ~~العوج ، فحذف الجار وأوصل الفعل إلى الضمير ، كما في قوله ( @QUR@02 وإذا ~~كالوهم ... ) أى : كالوا لهم. # وقوله ( @QUR@01 عوجا ) مفعول به ليبغون. # وبعضهم جعل الضمير المنصوب في «يبغونها» ، وهو الهاء هو المفعول ، وجعل ~~«عوجا» حال من سبيل الله أى : ويريدونها أن تكون في حال اعوجاج واضطراب. ~~وقوله : ( @QUR@04 أولئك في ضلال بعيد ) بيان الحكم العادل الذي أصدره ~~سبحانه عليهم. # أى : أولئك الموصوفون بما ذكر في ضلال بعيد عن الحق. # والإشارة بأولئك الدالة على البعد ، للتنبيه على أنهم أحرياء بما وصفوا ~~به بسبب تلبسهم بأقبح الخصال ، وأبشع الرذائل. # وعبر بفي الظرفية للدلالة على تمكن الضلال منهم ، وأنه محيط بهم كما يحيط ~~الظرف بالمظروف. # قال الآلوسى : وفي الآية من المبالغة في ضلالهم ما لا يخفى ، حيث أسند ~~فيها الى المصدر ما هو لصاحبه مجازا كجد جده ... # ويجوز أن يقال : إنه أسند فيها ما للشخص إلى سبب اتصافه بما وصف به ، ~~بناء على أن البعد في الحقيقة صفة له باعتبار بعد مكانه ms3178 عن مقصده ، وسبب ~~بعده ضلاله ، لأنه لو لم يضل لم يبعد عنه ، فيكون كقولك : قتل فلانا عصيانه ~~، والإسناد مجازى وفيه المبالغة المذكورة أيضا. (1). # ثم بين سبحانه منة أخرى من مننه على عباده فقال : ( @QUR@09 وما أرسلنا ~~من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ... ). # قال الإمام الرازي ما ملخصه : «اعلم أنه تعالى لما ذكر في أول السورة ( ~~@QUR@01 كتاب PageV07P512 # @QUR@08 أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ... ) كان هذا ~~إنعاما على الرسول ، من حيث إنه فوض إليه هذا المنصب العظيم ، وإنعاما على ~~الخلق من حيث إنه أرسل إليهم من خلصهم من ظلمات الكفر ... # ثم ذكر في هذه الآية ما يجرى مجرى تكميل النعمة والإحسان في الوجهين : # أما بالنسبة إلى الرسول ، فلأن بعثته كانت إلى الناس عامة ... # وأما بالنسبة لعامة الخلق ، فلأنه سبحانه ما بعث رسولا إلى قوم إلا ~~بلسانهم ...» (1) والباء في قوله «بلسان» للملابسة ، والمراد باللسان : ~~اللغة التي يتخاطب بها الرسول مع قومه ... # والمعنى : وما أرسلنا من قبلك أيها الرسول الكريم رسولا من الرسل إلى قوم ~~من الأقوام ، إلا وكانت لغته كلغتهم ، لكي يتيسر لهم أن يفهموا عند ما يريد ~~أن يبلغهم إياه من الأوامر والنواهي ... # قال ابن كثير : «هذا من لطفه تعالى بخلقه : أنه يرسل إليهم رسلا منهم ~~بلغتهم ليفهموا عنهم ما يريدون ، وما أرسلوا به إليهم كما قال الإمام أحمد. # حدثنا وكيع ، عن عمر بن أبى ذر قال : قال مجاهد : عن أبى ذر قال : قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لم يبعث الله عز وجل نبيا إلا بلغة قومه» (2). # وقال صاحب الكشاف : «فإن قلت : لم يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~العرب وحدهم ، وإنما بعث الى الناس جميعا ، وهم على ألسنة مختلفة. فإن لم ~~تكن للعرب حجة ، فلغيرهم الحجة. وإن لم تكن لغيرهم حجة ، فلو نزل بالعجمية ~~لم تكن للعرب حجة أيضا قلت : لا يخلو إما أن ينزل بجميع الألسنة أو بواحد ~~منها ، فلا حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفى ~~التطويل ، فبقى أن ms3179 ينزل بلسان واحد. فكان أول الألسنة لسان قوم الرسول ~~صلى الله عليه وسلم لأنهم أقرب إليه. # فإذا فهموا عنه وتبينوه وتنوقل عنهم وانتشر ، قامت التراجم ببيانه ~~وتفهيمه ، كما ترى الحال وتشاهدها من نيابة التراجم في كل أمة من أمم العجم ~~، مع ما في ذلك من اتفاق أهل البلاد المتباعدة ، والأجيال المتفاوتة على ~~كتاب واحد ، واجتهادهم في تعلم لفظه وتعلم معانيه ، وما يتشعب من ذلك من ~~جلائل الفوائد ، ولأنه أبعد من التحريف والتبديل ، وأسلم من PageV07P513 # التنازع والاختلاف ...» (1) وقال الشوكانى : ما ملخصه : «وقد قيل في هذه ~~الآية إشكال ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إلى الناس جميعا ، ولغاتهم ~~متباينة ... # وأجيب : بأنه صلى الله عليه وسلم وإن كان مرسلا إلى الثقلين ، لكن لما كان ~~قومه العرب ، وكانوا أخص به وأقرب إليه ، كان إرساله بلسانهم أولى من ~~إرساله بلسان غيرهم ، وهم يبينونه لمن كان على غير لسانهم. # ولو نزل القرآن بجميع لغات من أرسل إليهم ، وبينه الرسول لكل قوم بلسانهم ~~، لكان ذلك مظنة للاختلاف ، وفتحا لباب التنازع ، لأن كل أمة قد تدعى من ~~المعاني في لسانها مالا يعرفه غيرها. # وربما كان ذلك أيضا مفضيا إلى التحريف والتصحيف ، بسبب الدعاوى الباطلة ~~التي يقع فيها المتعصبون» (2). # وجملة «فيضل الله من يشاء ويهدى من يشاء» مستأنفة. # أى : فيضل الله من يشاء إضلاله ، أى يخلق فيه الضلال لوجود أسبابه ~~المؤدية إليه فيه. ويهدى من يشاء هدايته ، لا راد لمشيئته ، ولا معقب لحكمه. # «وهو» سبحانه «العزيز» الذي لا يغلبه غالب «الحكيم» في كل أفعاله ~~وتصرفاته. # قال صاحب تفسير التحرير والتنوير : وتفريع قوله «فيضل الله من يشاء ... ~~إلخ» على مجموع جملة «وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم» ، ~~ولذلك جاء فعل «يضل» مرفوعا غير منصوب ، إذ ليس عطفا على فعل «ليبين» لأن ~~الإضلال لا يكون معلولا للتبيين ولكنه مفرع على الإرسال المعلل بالتبيين. # والمعنى : أن الإرسال بلسان قومه لعلة التبيين. وقد يحصل أثر التبيين ~~بمعرفة الاهتداء ، وقد لا يحصل أثره بسبب ضلال المبين لهم» (3). # وبذلك نرى الآيات ms3180 الكريمة قد بينت وظيفة القرآن الكريم ، ووظيفة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم كما توعدت الكافرين بسوء المصير إذا ما استمروا في كفرهم ~~وغيهم ، كما وضحت بعض مظاهر قدرة الله تعالى ولطفه بعباده ، وفضله عليهم. # ثم بين سبحانه بعد ذلك ، أن رسالة موسى عليه السلام كانت أيضا لإخراج PageV07P514 # قومه من الظلمات إلى النور ، ولتذكيرهم بنعم خالقهم عليهم ، وبغناه عنهم ~~، فقال تعالى : # ( @QUR@021 ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور ~~وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (5) @QUR@026 وإذ قال ~~موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء ~~العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (6) ~~@QUR@011 وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد (7) ~~@QUR@013 وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد ) (8) # قال الإمام الرازي : «اعلم أنه تعالى لما بين أنه أرسل محمدا ~~صلى الله عليه وسلم إلى الناس ليخرجهم من الظلمات إلى النور وذكر كمال إنعامه ~~عليه وعلى قومه في ذلك الإرسال وفي تلك البعثة ، أتبع ذلك بشرح بعثة سائر ~~الأنبياء إلى أقوامهم ، وكيفية معاملة أقوامهم معهم. تصبيرا له ~~صلى الله عليه وسلم على أذى قومه ، وبدأ سبحانه بقصة موسى فقال : ( @QUR@011 ~~ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور ... ) (1). # وموسى عليه السلام هو ابن عمران ، بن يصهر ، بن ماهيث ... وينتهى نسبه إلى ~~لاوى بن يعقوب عليه السلام . PageV07P515 # وكانت ولادة موسى عليه السلام في حوالى القرن الرابع عشر قبل الميلاد. # والمراد بالآيات في قوله : ( @QUR@01 بآياتنا ) الآيات التسع التي أيده ~~الله تعالى بها قال تعالى : ( @QUR@06 ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ... ~~) (1). # وهي : العصا ، واليد ، والطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم ، ~~والجدب أى في بواديهم ، والنقص من الثمرات أى في مزارعهم. # قال تعالى : ( @QUR@012 فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين* ونزع يده فإذا هي ~~بيضاء للناظرين ) (2). # وقال تعالى : ( @QUR@08 ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات ) (3). # وقال تعالى : ( @QUR@013 فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد ms3181 والقمل والضفادع ~~والدم ، آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين ) (4). # ومنهم من يرى أنه يصح أن يراد بالآيات هنا آيات التوراة التي أعطاها الله ~~تعالى لموسى عليه السلام . # قال الآلوسى ما ملخصه : «قوله : ( @QUR@04 ولقد أرسلنا موسى بآياتنا ) أى ~~: ملتبسا بها. وهي كما أخرج ابن جرير وغيره ، عن مجاهد وعطاء وعبيد بن عمير ~~، الآيات التسع التي أجراها الله على يده عليه السلام وقيل : يجوز أن يراد ~~بها آيات التوراة» (5). # ويبدو لنا أنه لا مانع من حمل الآيات هنا على ما يشمل الآيات التسع ، ~~وآيات التوراة ، فالكل كان لتأييد موسى عليه السلام في دعوته. # و «أن» في قوله ( @QUR@03 أن أخرج قومك ) تفسيرية بمعنى أى : لأن في ~~الإرسال معنى القول دون حروفه. # والمراد بقومه : من أرسل لهدايتهم وإخراجهم من ظلمات الكفر إلى نور ~~الإيمان ، وهم : بنو إسرائيل وفرعون وأتباعه. # وقيل : المراد بقومه : بنو إسرائيل خاصة ، ولا نرى وجها لهذا التخصيص ، ~~لأن رسالة PageV07P516 # موسى عليه السلام كانت لهم ولفرعون وقومه. # والمعنى : وكما أرسلناك يا محمد لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ، ~~أرسلنا من قبلك أخاك موسى إلى قومه لكي يخرجهم أيضا من ظلمات الكفر إلى نور ~~الإيمان. فالغاية التي من أجلها أرسلت أيها الرسول الكريم هي الغاية التي ~~من أجلها أرسل كل نبي قبلك ، وهي دعوة الناس إلى إخلاص العبادة لله تعالى ~~وخص سبحانه موسى بالذكر من بين سائر الرسل. لأن أمته أكثر الأمم المتقدمة ~~على هذه الأمة الاسلامية. # وأكد سبحانه الإخبار عن إرسال موسى بلام القسم وحرف التحقيق قد ، لتنزيل ~~المنكرين لرسالة النبي صلى الله عليه وسلم منزلة من ينكر رسالة موسى ~~عليه السلام وقوله تعالى : ( @QUR@03 وذكرهم بأيام الله ) معطوف على قوله ( ~~@QUR@03 أن أخرج قومك ). # والتذكير : إزالة نسيان الشيء ، وعدى بالباء لتضمينه معنى الإنذار والوعظ ~~: أى ذكرهم تذكير عظة بأيام الله. # ومن المفسرين من يرى أن المراد بأيام الله : نعمه وآلاؤه. # قال ابن كثير : قوله : ( @QUR@03 وذكرهم بأيام الله ) أى : بأياديه ونعمه ~~عليهم ، في إخراجه إياهم من أسر فرعون وقهره وظلمه وغشمه ، وإنجائه إياهم ~~من ms3182 عدوهم ، وفلقه لهم البحر ، وتظليله إياهم بالغمام ، وإنزاله عليهم المن ~~والسلوى» (1). # ومنهم من يرى أن المراد بها ، نقمه وبأساؤه. # قال صاحب الكشاف : قوله : «وذكرهم بأيام الله» أى : وأنذرهم بوقائعه التي ~~وقعت على الأمم قبلهم ، كما وقع على قوم نوح وعاد وثمود ، ومنه أيام العرب ~~لحروبها وملاحمها ، كيوم ذي قار ، ويوم الفجار ، وهو الظاهر» (2). # ومنهم من يرى أن المراد بها ما يشمل أيام النعمة ، وأيام النقمة. # قال الإمام الرازي ما ملخصه : «أما قوله «وذكرهم بأيام الله» فاعلم أنه ~~تعالى أمر موسى في هذا المقام بشيئين ، أحدهما : أن يخرجهم من الظلمات إلى ~~النور. والثاني : أن يذكرهم بأيام الله. # ويعبر عن الأيام بالوقائع العظيمة التي وقعت فيها ... ( @QUR@05 وتلك ~~الأيام نداولها بين الناس ). PageV07P517 # فالمعنى : عظهم بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد ، فالترغيب والوعد ، أن ~~يذكرهم بنعم الله عليهم وعلى من قبلهم ممن آمن بالرسل ... والترهيب ~~والوعيد. أن يذكرهم بأس الله وعذابه وانتقامه ، ممن كذب الرسل من الأمم ~~السالفة ... # ثم قال : واعلم أن أيام الله في حق موسى عليه السلام منها ما كان أيام ~~المحنة والبلاء ، وهي الأيام التي كانت بنو إسرائيل فيها تحت قهر فرعون ، ~~ومنها ما كان أيام الراحة والنعماء مثل إنزال المن والسلوى عليهم ...» (1). # وقال الآلوسى : «قوله : ( @QUR@03 وذكرهم بأيام الله ) أى : بنعمائه ~~وبلائه ، كما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما واختاره الطبري ، لأنه الأنسب ~~بالمقام والأوفق بما سيأتى من الكلام» (2). # وما ذهب إليه الإمامان الرازي والآلوسي ، هو الذي تسكن إليه النفس ، لأن ~~الأيام كلها وإن كانت لله ، إلا أن المراد بها هنا أيام معينة ، وهي التي ~~برزت فيها السراء أو الضراء بروزا ظاهرا ، كانت له آثاره على الناس الذين ~~عاشوا في تلك الأيام. # وبنو إسرائيل على سبيل المثال مرت عليهم في تاريخهم الطويل ، أيام غمروا ~~فيها بالنعم ، وأيام أصيبوا فيها بالنقم. # فالمعنى : ذكر يا موسى قومك بنعم الله لمن آمن وشكر ، وبنقمه على من جحد ~~وكفر ، لعل هذا التذكير يجعلهم يثوبون إلى رشدهم ، ويتبعونك فيما تدعوهم إليه. # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@07 إن في ms3183 ذلك لآيات لكل صبار شكور ) يعود ~~على التذكير بأيام الله. # والصبار : الكثير الصبر على البلاء ، والصبر حبس النفس على ما يقتضيه ~~الشرع فعلا أو تركا. يقال : صبره عن كذا يصبره إذا حبسه. # والشكور : الكثير الشكر لله تعالى على نعمه ، والشكر : عرفان الإحسان ~~ونشره والتحدث به ، وأصله من شكرت الناقة كفرح إذا امتلأ ضرعها باللبن ، ~~ومنه أشكر الضرع إذا امتلأ باللبن. # أى : إن في ذلك التذكير بنعم الله ونقمه ، لآيات واضحات ، ودلائل بينات ~~على وحدانية PageV07P518 # الله تعالى وقدرته وعلمه ، وحكمته ، لكل إنسان كثير الصبر على البلاء ، ~~وكثير الشكر على النعماء. # وتخصيص الآيات بالصبار والشكور لأنهما هما المنتفعان بها وبما تدل عليه ~~من دلائل على وحدانية الله وقدرته ، لا لأنها خافية على غيرهما ، فإن ~~الدلائل على ذلك واضحة لجميع الناس. # وجمع سبحانه بينهما ، للإشارة إلى أن المؤمن الصادق لا يخلو حاله عن هذين ~~الأمرين ففي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «إن أمر ~~المؤمن كله عجب ، لا يقضى الله له قضاء إلا كان خيرا له ، إن أصابته ضراء ~~صبر فكان خيرا له. وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له» (1). # وقدم سبحانه صفة الصبر على صفة الشكر ، لما أن الصبر مفتاح الفرج المقتضى ~~للشكر ، أو لأن الصبر من قبيل الترك ، والتخلية مقدمة على التحلية. # ثم بين سبحانه بعد ذلك أن موسى عليه السلام قد امتثل أمر ربه فقال : ( ~~@QUR@020 وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم ، إذ أنجاكم من آل ~~فرعون يسومونكم سوء العذاب ، ويذبحون أبناءكم ، ويستحيون نساءكم ... ) # و «إذ» ظرف لما مضى من الزمان ، وهو متعلق بمحذوف تقديره اذكر. # والمراد بقوله : ( @QUR@04 اذكروا نعمة الله عليكم ): تنبهوا بعقولكم ~~وقلوبكم لتلك المنن التي امتن الله بها عليكم ، وقوموا بحقوقها ، وأكثروا ~~من الحديث عنها بألسنتكم. فإن التحدث بنعم الله فيه إغراء بشكرها. # «آل فرعون» حاشيته وخاصته من قومه. وفرعون : لقب لملك مصر في ذلك الوقت ، ~~كما يقال لملك الروم قيصر ... # ويسومونكم من السوم وهو مطلق الذهاب أو الذهاب في ابتغاء ms3184 الشيء ، يقال : ~~سامت الإبل فهي سائمة. أى : ذهبت في المرعى ، وسام السلعة : إذا طلبها ~~وابتغاها. # وسامه خسفا ، إذا أذله واحتقره وكلفه فوق طاقته. # و ( @QUR@02 سوء العذاب ) أشده. والسوء بالضم كل ما يدخل الحزن والغم على ~~نفس الإنسان. وهو في الأصل مصدر ، ويؤنث بالألف فيقال السوأى. PageV07P519 # وقوله ( @QUR@02 ويستحيون نساءكم ) من الاستحياء بمعنى الاستبقاء ، يقال ~~: استحيا فلان فلانا أى : استبقاه وأصله طلب له الحياة والبقاء. # والمعنى : واذكر أيها الرسول الكريم أو أيها المخاطب وقت أن قال موسى ~~عليه السلام لقومه على سبيل الإرشاد والتوجيه إلى الخير : يا قوم ( @QUR@04 ~~اذكروا نعمة الله عليكم ) أى : داوموا على شكر الله ، فقد أسبغ عليكم نعما ~~كثيرة من أبرزها أنه سبحانه أنجاكم من آل فرعون الذين كانوا يصبون عليكم ~~أشد العذاب وأفظعه ، وكانوا يذبحون أبناءكم الصغار ، ويستبقون نساءكم ... # وجعل سبحانه النجاة هنا من آل فرعون ولم تجعل منه ، مع أنه الآمر بتعذيب ~~بنى إسرائيل للتنبيه على أن حاشيته وبطانته كانت عونا في إذاقتهم سوء ~~العذاب. # وجعلت الآية الكريمة استحياء النساء عقوبة لبنى إسرائيل ، لأن هذا ~~الإبقاء عليهن كان المقصود منه الاعتداء عليهن ، واستعمالهن في الخدمة ~~بالاسترقاق ، فبقاؤهن بعد فقد الذكور بقاء ذليل ، وعذاب أليم ، تأباه ~~النفوس الكريمة. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@02 ويستحيون نساءكم ) أى : ويبقونهن في ~~الحياة مع الذل. ولذلك عد من جملة البلاء ، أو لأن إبقاءهن دون البنين رزية ~~في ذاته كما قيل : # ومن أعظم الرزء فيما أرى %~% بقاء البنات وموت البنينا (1) # وقد رجح كثير من المفسرين أن المراد بالأبناء هنا : الأطفال الصغار ، لأن ~~اللفظ من حيث وضعه يفيد ذلك ، ولأن قتل جميع الرجال لا يفيدهم حيث إن فرعون ~~وآله ، كانوا يستعملونهم في الأعمال الشاقة والحقيرة ، ولأنه لو كان ~~المقصود بالذبح الرجال ، لما قامت أم موسى بإلقائه في البحر وهو طفل صغير ~~لتنجيه من الذبح. # وقال سبحانه هنا ( @QUR@05 يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ) لأن ~~المقصود هنا تعداد المحن التي حلت ببني إسرائيل ، فكان المراد بجملة ( ~~@QUR@03 يسومونكم سوء العذاب ) نوعا منه ، وكان المراد بجملة ( @QUR@02 ~~ويذبحون أبناءكم ) نوعا آخر ms3185 منه ، لذا وجب العطف ، لأن الجملة الثانية ليست ~~مفسرة للأولى ، وإنما هي تمثل نوعا آخر من العذاب الذي حل ببني إسرائيل. # بخلاف قوله تعالى في سورة البقرة ( @QUR@05 يسومونكم سوء العذاب يذبحون ~~أبناءكم ) PageV07P520 # بدون واو العطف. لأن الجملة الثانية بيان وتفسير للجملة الأولى. فيكون ~~المراد من سوء العذاب في سورة البقرة تذبيح الأبناء واستحياء النساء. # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@06 وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ) يعود إلى ~~المذكور من النعم والنقم ، والبلاء : الامتحان والاختبار ، ويكون في الخير ~~والشر. قال تعالى ( @QUR@04 ونبلوكم بالشر والخير فتنة ). # أى : وفي ذلكم العذاب وفي النجاة منه امتحان عظيم لكم من ربكم بالسراء ~~لتشكروا وبالضراء لتصبروا ، ولتقلعوا عن السيئات التي تؤدى بكم إلى الشقاء ~~والهوان. # ثم حكى سبحانه أن موسى عليه السلام قد أرشد قومه إلى سنة من سنن الله التي ~~لا تتخلف فقال : ( @QUR@011 وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ، ولئن كفرتم ~~إن عذابي لشديد )... # وقوله : «تأذن» بمعنى آذن أى أعلم ، يقال : آذن الأمر وبالأمر أى : أعلمه ~~، إلا أن صيغة التفعل تفيد المبالغة في الإعلام ، فيكون معنى «تأذن» : أعلم ~~إعلاما واضحا بليغا لا التباس معه ولا شبهة. # واللام في قوله : ( @QUR@02 لئن شكرتم ) موطئة للقسم. وحقيقة الشكر : ~~الاعتراف بنعم الله تعالى واستعمالها في مواضعها التي أرشدت الشريعة إليها. # وقوله : «لأزيدنكم» ساد مسد جوابي القسم والشرط. # والمراد بالكفر في قوله : «ولئن كفرتم» كفر النعمة وجحودها ، وعدم نسبتها ~~إلى واهبها الحقيقي وهو الله تعالى كما قال قارون ( @QUR@05 إنما أوتيته ~~على علم عندي ) وعدم استعمالها فيما خلقت له ، إلى غير ذلك من وجوه ~~الانحراف بها عن الحق. # وجملة : ( @QUR@03 إن عذابي لشديد ) دليل على الجواب المحذوف لقوله ( ~~@QUR@02 ولئن كفرتم ) إذ التقدير : ولئن كفرتم لأعذبنكم ، إن عذابي لشديد. # قال الجمل : «وإنما حذف هنا وصرح به في جانب الوعد ، لأن عادة أكرم ~~الأكرمين أن يصرح بالوعد ويعرض بالوعيد» (1). # والمعنى : واذكر أيها المخاطب وقت أن قال موسى لقومه : يا قوم إن ربكم قد ~~أعلمكم إعلاما واضحا بليغا مؤكدا بأنكم إن شكرتموه على نعمه ، زادكم من ms3186 ~~عطائه وخيره ومننه ، وإن PageV07P521 # جحدتم نعمه وغمطتموها واستعملتموها في غير ما يرضيه ، محقها من بين ~~أيديكم ، فإنه سبحانه عذابه شديد ، وعقابه أليم. # هذا ، وقد ساق الإمام ابن كثير هنا جملة من الأحاديث الموجبة للشكر ، ~~والمحذرة من الجحود فقال : # وقد جاء في الحديث الشريف : «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه». # وروى الإمام أحمد عن أنس قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم سائل فأمر له ~~بتمرة فلم يأخذها أو وحش بها أى : رماها قال : وأتاه آخر فأمر له بتمرة ~~فقال السائل : سبحان الله!! تمرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~للجارية : اذهبي إلى أم سلمة فأعطيه الأربعين درهما التي عندها (1). # ثم بين سبحانه أن موسى قد أخبر قومه أن ضرر كفرهم إنما يعود عليهم ، لأن ~~الله تعالى غنى عن العالمين فقال تعالى : ( @QUR@013 وقال موسى إن تكفروا ~~أنتم ومن في الأرض جميعا ، فإن الله لغني حميد ). # أى : وقال موسى عليه السلام لقومه : إن تجحدوا نعم الله أنتم ومن في الأرض ~~جميعا من الخلائق ، فلن تضروا الله شيئا ، وإنما ضرر ذلك يعود على الجاحد ~~لنعمه ، والمنحرف عن طريقه ، فإن الله تعالى لغنى عن شكركم وشكرهم ، مستحق ~~للحمد من جميع المخلوقين طوعا وكرها. # ويبدو من سياق الآية الكريمة أن موسى عليه السلام إنما قال لقومه ذلك ، ~~بعد أن شاهد منهم علامات الإصرار على الكفر والفساد ، وترجح لديه أنهم قوم ~~لا ينفعهم الترغيب ولا التعريض بالترهيب ، ولمس منهم أنهم يمنون عليه أو ~~على الله تعالى بطاعاتهم فأراد بهذا القول أن يزجرهم عن الإدلال بإيمانهم ، ~~والمن بطاعتهم. # فالغرض الذي سيقت له الآية إنما هو بيان أن منفعة الطاعة والشكر والإيمان ~~إنما تعود على الطائعين الشاكرين المؤمنين ، وأن مضرة الجحود والكفران إنما ~~تعود على الجاحدين الكافرين. أما الله تعالى فلن تنفعه طاعة المطيع ، ولن ~~تضره معصية العاصي. # ففي الحديث القدسي الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبى ذر الغفاري ، ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال ms3187 : «يا عبادي ~~لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ~~ذلك في ملكي شيئا. PageV07P522 # يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ~~منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا. # يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا على صعيد واحد فسألونى ~~فأعطيت كل إنسان مسألته ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا ~~أدخل البحر» (1). # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد زخرت بالتوجيهات القرآنية الحكيمة ، التي ~~ساقها الله تعالى على لسان موسى عليه السلام وهو يعظ قومه ، ويذكرهم بأيام ~~الله ، وبسننه في خلقه ، وبغناه عنهم ... # ثم حكى سبحانه جانبا من أحوال بعض الرسل مع أقوامهم ، ومن المحاورات التي ~~دارت بين الرسل وبين من أرسلوا إليهم فقال تعالى : # ( @QUR@037 ألم يأتكم نبؤا الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من ~~بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم ~~وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب (9) ~~@QUR@026 قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ~~ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا PageV07P523 # @QUR@07 عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين (10) @QUR@029 قالت لهم ~~رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان ~~لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (11) ~~@QUR@017 وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما ~~آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون ) (12) # وقوله سبحانه : ( @QUR@010 ألم يأتكم نبؤا الذين من قبلكم قوم نوح وعاد ~~وثمود ... ). # يرى بعض المفسرين أنه من تتمة كلام موسى عليه السلام فيكون المعنى : أن ~~موسى عليه السلام بعد أن ذكر قومه بأيام الله تعالى ، وبنعمه عليهم ، وبسننه ~~سبحانه في خلقه ... # بعد كل ذلك شرع في تذكيرهم وتخويفهم عن طريق ما حل بالمكذبين من قبلهم ، ~~فقال لهم كما حكى القرآن عنه : ( @QUR@06 ألم ms3188 يأتكم نبؤا الذين من قبلكم ~~... ). # ومنهم من يرى أن الآية الكريمة كلام مستأنف ، والخطاب فيه لأمة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فيكون المعنى : أن الله تعالى بعد أن بين للناس أنه قد ~~أنزل كتابه على رسوله صلى الله عليه وسلم لإخراجهم من الظلمات إلى النور ، ~~وبين سبحانه أن له ما في السموات وما في الأرض ، وهدد الكافرين بالعذاب ~~الشديد ، وحكى ما قاله موسى لقومه ... # بعد كل ذلك وجه سبحانه الخطاب إلى مشركي مكة وإلى كل من كان على شاكلتهم ~~فقال : ( @QUR@06 ألم يأتكم نبؤا الذين من قبلكم ... ). # قال الفخر الرازي ما ملخصه : «يحتمل أن يكون هذا خطابا من موسى لقومه ، ~~والمقصود منه أنه عليه السلام كان يخوفهم بمثل هلاك من تقدم. # ويجوز أن يكون مخاطبة من الله تعالى على لسان موسى لقومه ، يذكرهم أمر ~~القرون الأولى. والمقصود إنما هو حصول العبرة بأحوال المتقدمين ، وهذا ~~المقصود حاصل على PageV07P524 # التقديرين ، إلا أن الأكثرين ذهبوا إلى أنه ابتداء مخاطبة لقوم الرسول ~~صلى الله عليه وسلم (1). # ومع أننا نؤيد الإمام الرازي في أن المقصود إنما حصول العبرة بأحوال ~~المتقدمين إلا أننا نميل مع الأكثرين إلى الرأى الثاني ، لأن قوم الرسول ~~صلى الله عليه وسلم هم المقصودون قصدا أوليا بالخطاب القرآنى ، ولأن الإمام ~~ابن كثير رحمه الله يرى أنه لم يرد ذكر في التوراة لقوم عاد وثمود ، فقد قال : # قال ابن جرير : «هذا من تمام قول موسى لقومه ... وفيما قال ابن جرير نظر ~~والظاهر أنه خبر مستأنف من الله تعالى لهذه الأمة ، فإنه قد قيل إن قصة عاد ~~وثمود ليست في التوراة ، فلو كان هذا من كلام موسى لقومه وقصه عليهم ، فلا ~~شك حينئذ أن تكون هاتان القصتان في التوراة (2). # والاستفهام في قوله ( @QUR@02 ألم يأتكم ... ) للتقرير لأنهم قد بلغتهم ~~أخبارهم ، فقوم نوح بلغتهم أخبارهم بسبب خبر الطوفان الذي كان مشهورا بينهم ~~، وقوم عاد وثمود بلغتهم أخبارهم لأنهم من العرب ، ومساكنهم في بلادهم ، ~~وهم يمرون على ديار قوم صالح في أسفارهم إلى بلاد الشام للتجارة. والمراد ~~بالذين ms3189 من بعدهم : أولئك الأقوام الذين جاءوا من بعد قوم نوح وعاد وثمود ، ~~كقوم إبراهيم وقم لوط وغيرهم. # وقوله : ( @QUR@04 لا يعلمهم إلا الله ) أى : لا يعلم عدد الأقوام الذين ~~جاءوا بعد قوم نوح وعاد وثمود ولا يعلم ذواتهم وأحوالهم إلا الله تعالى. # وقوله ( @QUR@03 والذين من بعدهم ) مبتدأ ، وقوله ( @QUR@04 لا يعلمهم ~~إلا الله ) خبره ، والجملة اعتراض بين المفسر بفتح السين وهو ( @QUR@04 نبأ ~~الذين من قبلهم ) وتفسيره وهو ( @QUR@03 جاءتهم رسلهم بالبينات ). # والمعنى : لقد علمتم يا أهل مكة ما حل بقوم نوح وعاد وثمود ، كما علمتم ~~ما حل بالمكذبين من بعدهم كقوم لوط وقوم شعيب ، وكغيرهم ممن لا يعلم ~~أحوالهم وعددهم إلا الله تعالى وما دام الأمر كذلك فاعتبروا واتعظوا ~~واتبعوا هذا الرسول الكريم الذي جاء لسعادتكم ، لكي تنجوا من العذاب الأليم ~~الذي حل بالظالمين من قبلكم. # وجملة ( @QUR@03 جاءتهم رسلهم بالبينات ) مستأنفة في جواب سؤال مقدر ، ~~كأنه قيل ما قصة هؤلاء الأقوام وما خبرهم؟ PageV07P525 # فكان الجواب : جاء كل رسول إلى قومه بالحجج الواضحات ، وبالمعجزات ~~الظاهرات ، الدالة على صدقه فيما يبلغه عن ربه. # وقوله ( @QUR@010 فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم ~~به ... ). # بيان لموقف الأقوام المكذبين من رسلهم الذين أرسلهم الله لهدايتهم. # والضمائر في «ردوا» و «أيديهم» و «أفواههم» تعود على الأقوام الذين جاءتهم ~~رسلهم بالبينات. وهذه الجملة الكريمة ذكر المفسرون في معناها وجوها متعددة ~~أوصلها بعضهم إلى عشرة أقوال : # منها : أن الكفار وضعوا أناملهم في أفواههم فعضوها غيظا وبغضا مما جاء به ~~الرسل ، وقالوا لهم بغضب وضجر : إنا كفرنا بما أرسلتم به وبما جئتمونا به ~~من معجزات ، فاغربوا عن وجوهنا ، واتركونا وشأننا. # ومن المفسرين الذين رجحوا هذا الوجه الإمام ابن جرير ، فقد قال : «وقوله ~~: ( @QUR@04 فردوا أيديهم في أفواههم ... ) اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ~~، فقال بعضهم : معنى ذلك ، فعضوا على أصابعهم تغيظا عليهم في دعائهم إياهم ~~إلى ما دعوهم إليه ... روى ذلك عن ابن مسعود وغيره. # ثم قال بعد أن ساق عددا من الأقوال الأخرى : وأشبه هذه الأقوال عندي ~~بالصواب في تأويل ms3190 هذه الآية ، القول الذي ذكرناه عن عبد الله بن مسعود أنهم ~~ردوا أيديهم في أفواههم ، فعضوا عليها غيظا على الرسل ، كما وصف الله عز وجل ~~به إخوانهم من المنافقين فقال : ( @QUR@07 وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من ~~الغيظ ) فهذا هو الكلام المعروف ، والمعنى المفهوم من رد الأيدى إلى ~~الأفواه (1). # ومنها : أن الكفار وضعوا أيديهم على أفواههم إشارة منهم إلى أنفسهم وإلى ~~ما يصدر عنها ، وقالوا للرسل على سبيل التحدي والتكذيب. «إنا كفرنا بما ~~أرسلتم به» أى : لا جواب لكم عندنا سوى ما قلناه لكم بألسنتنا هذه. # ومن المفسرين الذين رجحوا هذا القول الإمام الآلوسى ، فقد صدر الأقوال ~~التي ذكرها به ، فقال ما ملخصه : قوله ( @QUR@04 فردوا أيديهم في أفواههم ) ~~أى : أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقت به ، وقالوا لهم ( @QUR@05 إنا ~~كفرنا بما أرسلتم به ) أى : على زعمكم ، وهي البينات التي PageV07P526 # أظهروها حجة على صحة رسالتهم ، ومرادهم بالكفر بها : الكفر بدلالتها على ~~صحة رسالتهم ... # ثم قال بعد أن ساق عددا من الأقوال : والذي يطابق المقام ، وتشهد له ~~البلاغة : هو الوجه الأول ، ونص غير واحد على أنه الوجه القوى ، لأنهم ~~حاولوا الإنكار على الرسل كل الإنكار ، حيث جمعوا في الإنكارين : الفعل ~~والقول ، ولذا أتى بالفاء تنبيها على أنهم لم يتمهلوا ، بل عقدوا دعوتهم ~~بالتكذيب ...» (1). # ومنها : أن الكفار لما سمعوا أقوال الرسل لهم ، وضعوا أيديهم على أفواههم ~~استهزاء وتعجبا. # وقد رجح هذا الوجه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور فقال : «وهذا التركيب لا ~~أعهد مثله في كلام العرب فلعله من مبتكرات القرآن : ومعنى ( @QUR@04 فردوا ~~أيديهم في أفواههم ). # يحتمل عدة وجوه أنهاها في الكشاف إلى سبعة ، وفي بعضها بعد ، وأولاها ~~بالاستخلاص أن يكون المعنى : أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم إخفاء لشدة ~~الضحك من كلام الرسل ، كراهية أن تظهر دواخل أفواههم ، وذلك تمثيل لحالة ~~الاستهزاء بالرسل (2). # ومنها : أن الكفار لما سمعوا أقوال الرسل لهم ، لم يردوا عليهم ، بل ~~تركوهم إهمالا لشأنهم. # وقد رجح الشوكانى هذا الاتجاه فقال ما ملخصه : «وقال أبو عبيدة ونعم ما ~~قال هو ضرب مثل. ms3191 أى : لم يؤمنوا ولم يجيبوا. والعرب تقول الرجل إذا أمسك عن ~~الجواب وسكت : قد رد يده في فيه. وهكذا قال الأخفش ، واعترض على ذلك ~~القتيبي فقال : لم يسمع أحد من العرب يقول : رد يده في فيه ، إذا ترك ما ~~أمر به وإنما المعنى عضوا على الأيدى حنقا وغيظا ... # فإن صح ما ذكره أبو عبيدة والأخفش فتفسير الآية به أقرب ... (3). # وهذه الأقوال جميعها وإن كانت تتفق في أن الآية الكريمة ، قد أخبرت بأبلغ ~~عبارة عما قابل به الأقوام المكذبون رسلهم من سوء أدب ... # إلا أننا نميل إلى ما ذهب إليه الإمام ابن جرير ، لأنه أظهر الأقوال في ~~معناها ، وقد استشهد له بعضهم بأشعار العرب ، ومنها قول الشاعر : PageV07P527 ترون في فيه غش الحسو %~% د حتى يعض على الأكفا # يعنى أنهم يغيظون الحسود حتى يعض على أصابعه وكفيه (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@07 وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب ) معطوف على ~~قوله ( @QUR@05 إنا كفرنا بما أرسلتم به ). # ومريب : اسم فاعل من أراب. تقول : أربت فلانا فأنا أريبه ، إذا فعلت به ~~فعلا يوجب لديه الريبة ، فمعنى مريب : موقع في الريبة أى : في القلق ~~والاضطراب. # أى : قال المكذبون لرسلهم إنا كفرنا بما جئتم به من المعجزات والبينات. # وإنا لفي شك كبير موقع في الريبة مما تدعوننا إليه من الإيمان بوحدانية ~~الله ، وبإخلاص العبادة له ... # قال الجمل ما ملخصه : «فإن قيل : إنهم أكدوا كفرهم بما أرسل به الرسل. # ثم ذكروا بعد ذلك أنهم شاكون مرتابون في صحة قولهم فكيف ذلك؟ # فالجواب : كأنهم قالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به أيها الرسل فإن لم نكن ~~كذلك ، فلا أقل من أن نكون شاكين مرتابين في صحة نبوتكم. # أو يقال : المراد بقولهم «إنا كفرنا بما أرسلتم به» أى بالمعجزات ~~والبينات ، وبقولهم : ( @QUR@07 وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب ) وهو ~~الإيمان والتوحيد. # أو يقال : إنهم كانوا فرقتين إحداهما جزمت بالكفر ، والأخرى شكت ... (2). # ثم بين سبحانه ما رد به الرسل على المكذبين من أقوامهم فقال : ( @QUR@017 ~~قالت رسلهم أفي الله شك ، فاطر السماوات والأرض ، يدعوكم ms3192 ليغفر لكم من ~~ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى ... ). # والاستفهام في قوله ( @QUR@03 أفي الله شك ) للتوبيخ والإنكار ، ومحل ~~الإنكار هو وقوع الشك في وجود الله تعالى وفي وحدانيته. # وقوله ( @QUR@03 فاطر السماوات والأرض ) من الفطر بمعنى الخلق والإبداع ~~من غير سبق مثال وأصله : الشق وفصل شيء عن شيء ، ومنه فطر ناب البعير أى : ~~طلع وظهر ، واستعمل في PageV07P528 # الإيجاد والإبداع والخلق لاقتضائه التركيب الذي سبيله الشق والتأليف ، أو ~~لما فيه من الإخراج من العدم إلى الوجود. # والمعنى : قال الرسل لأقوامهم على سبيل الإنكار والتعجب من أقوالهم ~~الباطلة : أفي وجود الله تعالى وفي وجوب إخلاص العبادة له شك ، مع أنه ~~سبحانه هو ( @QUR@03 فاطر السماوات والأرض ) أى خالقهما ومبدعهما ومبدع ما ~~فيهما على أحكم نظام ، وعلى غير مثال سابق ... وهو سبحانه فضلا منه وكرما ~~«يدعوكم» إلى الإيمان بما جئناكم به من لدنه «ليغفر لكم» بسبب هذا الإيمان ~~«من ذنوبكم ويؤخركم» في هذه الدنيا «إلى أجل مسمى» أى : إلى وقت معلوم عنده ~~تنتهي بانتهائه أعماركم ، دون أن يعاجلكم خلال حياتكم بعذاب الاستئصال ~~«رحمة بكم» وأملا في هدايتكم. # فأنت ترى أن الرسل الكرام قد أنكروا على أقوامهم أن يصل بهم انطماس ~~البصيرة إلى الدرجة التي تجعلهم ينكرون وجود الله مع أن الفطر شاهدة بوجوده ~~، وينكرون وحدانيته مع أنه وحده الخالق لكل شيء ، ويشركون معه في العبادة ~~آلهة أخرى ، مع أن هذه الآلهة لا تضر ولا تنفع. # وجملة ( @QUR@03 فاطر السماوات والأرض ) جيء بها كدليل على نفى الشك في ~~وجوده سبحانه وفي وجوب إخلاص العبادة له ، لأن وجودهما على هذا النسق ~~البديع يدل دلالة قاطعة على أن لهما خالقا قادرا حكيما ، لاستحالة صدور تلك ~~المخلوقات من غير فاعل مختار. # وجملة «يدعوكم ...» حال من اسم الجلالة ، واللام في قوله «ليغفر لكم من ~~ذنوبكم» متعلقة بالدعاء. # أى : يدعوكم إلى الإيمان بنا لكي يغفر لكم. # قال الشوكانى ما ملخصه : «ومن» في قوله «من ذنوبكم» قال أبو عبيدة : إنها ~~زائدة ، ووجه ذلك قوله تعالى في موضع آخر : ( @QUR@05 إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا ) وقال ms3193 سيبويه : هي للتبعيض ، ويجوز أن يذكر البعض ويراد منه الجميع ~~، وقيل التبعيض على حقيقته ولا يلزم من غفران الذنوب لأمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم غفران جميعها لغيرهم ... # وقيل هي للبدل ، أى : لتكون المغفرة بدلا من الذنوب ... (1). # وقال الجمل : «ويحتمل أن يضمن «ويغفر» معنى يخلص أى : يخلصكم من ذنوبكم ، PageV07P529 # ويكون مقتضاه غفران جميع الذنوب ، وهو أولى من دعوى زيادتها» (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@016 قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا ~~عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين ) حكاية لرد آخر من الردود السيئة ~~التي قابل بها المكذبون رسلهم. # أى : قال الظالمون لرسلهم الذين جاءوا لهدايتهم ، ما أنتم إلا بشر مثلنا ~~في الهيئة والصورة والمأكل والمشرب ، تريدون بما جئتمونا به أن تصرفونا ~~وتمنعونا عن عبادة الآلهة التي ورثنا عبادتها عن آبائنا ... فإن كنتم ~~صادقين في دعواكم هذه ( @QUR@03 فأتونا بسلطان مبين ) أى بحجة ظاهرة تدل ~~على صدقكم وتتسلط هذه الحجة بقوتها على نفوسنا وتجذبها إلى اليقين ، من ~~السلاطة وهي التمكن من القهر. # وكأن هؤلاء الظالمين بقولهم هذا ، يرون أن الرسل لا يصح أن يكونوا من ~~البشر ، وإنما يكونون من الملائكة. # وكأن ما أتاهم به الرسل من حجج باهرة تدل على صدقهم ، ليس كافيا في زعم ~~هؤلاء المكذبين للإيمان بهم ، بل عليهم أن يأتوهم بحجج محسوسة أخرى ، وهكذا ~~الجحود العقلي ، والانطماس النفسي يحمل أصحابه على قلب الحقائق ، وإيثار ~~طريق الضلالة على طريق الهداية. # وهنا يحكى القرآن أن الرسل عليهم السلام قد قابلوا هذا السفه من أقوالهم ~~بالمنطق الحكيم ، وبالأسلوب المهذب فيقول : ( @QUR@016 قالت لهم رسلهم إن ~~نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده .. ). # أى : قال الرسل لمكذبيهم على سبيل الإرشاد والتنبيه : نحن نوافقكم كل ~~الموافقة على أننا بشر مثلكم كما قلتم ، ولكن هذه المماثلة بيننا وبينكم في ~~البشرية ، لا تمنع من أن يتفضل الله على من يشاء التفضل عليه من عباده ، ~~بأن يمنحه النبوة أو غيرها من نعمه التي لا تحصى. # فأنت ترى أن الرسل عليهم السلام قد سلموا ms3194 للمكذبين دعواهم المماثلة في ~~البشرية ، في أول الأمر ، ثم بعد ذلك بينوا لهم جهلهم وسوء تفكيرهم ، بأن ~~أفهموهم بطريق الاستدراك ، أن المشاركة في الجنس لا تمنع التفاضل ، فالبشر ~~كلهم عباد الله ، ولكنه سبحانه يمن على بعضهم بنعم لم يعطها لسواهم .. # فالمقصود بالاستدراك دفع ما توهمه المكذبون ، من كون المماثلة في البشرية ~~تمنع اختصاص بعض البشر بالنبوة. PageV07P530 # قال الآلوسى : قوله تعالى : ( @QUR@03 قالت لهم رسلهم ) مجاراة لأول ~~مقالتهم ( @QUR@05 إن نحن إلا بشر مثلكم ) كما تقولون ، وهذا كالقول ~~بالموجب ، لأن فيه إطماعا في الموافقة ، ثم كروا على قولهم بالإبطال فقالوا ~~: ( @QUR@08 ولكن الله يمن على من يشاء من عباده ). # أى : إنما اختصنا الله تعالى بالرسالة بفضل منه وامتنان ، والبشرية غير ~~مانعة لمشيئته جل وعلا . وفيه دليل على أن الرسالة عطائية ، وأن ترجيح بعض ~~الجائز على بعض بمشيئته تعالى ولا يخفى ما في العدول عن «ولكن الله من ~~علينا» ، إلى ما في النظم الجليل منهم عليهم السلام (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله ) ~~حكاية لرد الرسل على قول المكذبين لهم ( @QUR@03 فأتونا بسلطان مبين ). # أى : وقال الرسل للمكذبين من أقوامهم أيضا : وما صح وما استقام لنا نحن ~~الرسل أن نأتيكم أيها الضالون بحجة من الحجج ، أو بخارق من الخوارق التي ~~تقترحونها علينا ، إلا بإذن الله وإرادته وأمره لنا بالإتيان بما اقترحتم ، ~~فنحن عباده ولا نتصرف إلا بإذنه. # ثم أكد الرسل تمسكهم بالمضي في دعوتهم فقالوا كما حكى القرآن عنهم ( ~~@QUR@04 وعلى الله فليتوكل المؤمنون ). # والتوكل على الله معناه : الاعتماد عليه ، وتفويض الأمور إليه ، مع ~~مباشرة الأسباب التي أمر سبحانه بمباشرتها. # أى : وعلى الله وحده دون أحد سواه ، فليتوكل المؤمنون ، الصادقون ، دون ~~أن يعبئوا بعنادكم ولجاجكم ، ونحن الرسل على رأس هؤلاء المؤمنين الصادقين. # فالجملة الكريمة أمر من الرسل لمن آمن من قومهم بالتوكل على الله وحده ، ~~وقد قصدوا بهذا الأمر أنفسهم قصدا أوليا ، بدليل قولهم بعد ذلك كما حكى ~~القرآن عنهم ( @QUR@09 وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ). # أى : وما عذرنا ms3195 إن تركنا التوكل على الله تعالى والحال أنه عز وجل قد فعل ~~بنا ما يوجب توكلنا عليه ، فقد هدانا لأقوم الطرق وأوضحها وأبينها ، وهي ~~طريق إخلاص العبادة له والاعتماد عليه وحده في كل شئوننا. PageV07P531 # فالجملة الكريمة تدل على اطمئنانهم إلى سلامة مواقفهم في تفويض أمورهم ~~إلى الله ، وإلى رعاية الله تعالى حيث هداهم إلى طريق النجاة والسعادة. # ثم أضافوا إلى ذلك تيئيس أعدائهم من التأثر بأذاهم ، فقالوا ( @QUR@04 ~~ولنصبرن على ما آذيتمونا ). # أى : والله لنصبرن صبرا جميلا في حاضرنا ومستقبلنا كما صبرنا في ماضينا ~~على إيذائكم لنا. والذي من مظاهره : عصيانكم لأقوالنا ، ونفوركم من نصحنا ، ~~واستهزاؤكم بنا ، ومحاربتكم لنا .. # ثم ختموا أقوالهم بتأكيد تصميمهم على الثبات في وجه الباطل فقالوا ( ~~@QUR@04 وعلى الله فليتوكل المتوكلون ). # أى : وعلى الله وحده دون أحد سواه ، فليثبت المتوكلون على توكلهم. ~~وليفوضوا أمورهم إلى خالقهم ، فهو القاهر فوق عباده ، وهو الذي لا يعجزه شيء. # وتقديم الجار والمجرور في الجملة الكريمة وفيما يشبهها مؤذن بالحصر ، وأن ~~هؤلاء الرسل الكرام لا يرجون نصرا من غير الله تعالى . # وبهذا نرى أن الآيات الكريمة ، قد حكت لنا بأسلوب مؤثر حكيم ، جانبا من ~~المحاورات التي دارت بين الرسل وبين مكذبيهم ، وبينت لنا كيف دافع الرسل عن ~~عقيدتهم ، وكيف ردوا على الأقوال السيئة ، والأفعال القبيحة ، التي واجههم ~~بها المكذبون ، وكيف أعلنوا في قوة وعزم وإصرار ثباتهم في وجوه أعدائهم ، ~~ومقابلتهم الأذى بالصبر الذي لا جزع معه ، مهما صنع الأعداء في طريقهم من ~~عقبات ، ومهما أثاروا من أباطيل وشبهات ... # ثم حكت السورة بعد ذلك جانبا آخر من تلك المحاورات التي دارت بين الرسل ~~وبين أعدائهم ، وجانبا مما وعد الله به رسله عليهم السلام وجانبا من العذاب ~~الذي أعده للظالمين فقال تعالى : # ( @QUR@016 وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ~~ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين (13) @QUR@010 ولنسكننكم الأرض من ~~بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد (14) @QUR@01 واستفتحوا PageV07P532 # @QUR@04 وخاب كل جبار عنيد (15) @QUR@07 من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد ~~(16) @QUR@016 يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه ms3196 الموت من كل مكان وما هو بميت ~~ومن ورائه عذاب غليظ ) (17) # فقوله سبحانه : ( @QUR@011 وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا ، ~~أو لتعودن في ملتنا ... ) حكاية لما هدد به رءوس الكفر رسلهم ، بعد أن ~~أفحمهم الرسل بالحجة البالغة ، وبالمنطق الحكيم. # واللام في «لنخرجنكم» هي الموطئة للقسم. و «أو» للتخيير بين الأمرين. # أى : وقال الذين عتوا في الكفر على سبيل التهديد لرسلهم ، الذين جاءوا ~~لهدايتهم ، والله لنخرجنكم أيها الرسل من أرضنا ، أو لتعودن في ديننا ~~وملتنا. # قال الإمام الرازي : «اعلم أنه تعالى لما حكى عن الأنبياء عليهم السلام ~~أنهم قد اكتفوا في دفع شرور أعدائهم بالتوكل عليه ، والاعتماد على حفظه ~~وحياطته ، حكى عن الكفار أنهم بالغوا في السفاهة وقالوا للأنبياء والله ~~لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا». # والمعنى : ليكونن أحد الأمرين لا محالة ، إما إخراجكم وإما عودكم إلى ملتنا. # والسبب فيه أن أهل الحق في كل زمان يكونون قليلين. وأهل الباطل يكونون ~~كثيرين والظلمة والفسقة يكونون متعاونين متعاضدين ، فلهذه الأسباب قدروا ~~على هذه السفاهة (1). # والتعبير بقوله سبحانه ( @QUR@04 أو لتعودن في ملتنا ) يفيد بظاهره أن ~~الرسل كانوا على ملة الكافرين ثم تركوها ، فإن العود معناه : الرجوع إلى ~~الشيء بعد مفارقته. وهذا محال ، فإن الأنبياء معصومون حتى قبل النبوة عن ~~ارتكاب الكبائر ، فضلا عن الشرك. # وقد أجيب عن ذلك بإجابات منها : # أن الخطاب وإن كان في الظاهر مع الرسل ، إلا أن المقصود به أتباعهم ~~المؤمنون ، الذين PageV07P533 # كانوا قبل الإيمان بالرسل على دين أقوامهم ، فكأنهم يقولون لهؤلاء ~~الأتباع : لقد كنتم على ملتنا ثم تركتموها ، فإما أن تعودوا إليها وإما أن ~~تخرجوا من ديارنا ، إلا أن رءوس الكفر وجهوا الخطاب إلى الرسل من باب ~~التغليب. # ومنها : أن العود هنا بمعنى الصيرورة ، إذ كثيرا ما يرد «عاد» بمعنى صار ~~، فيعمل عمل كان ، ولا يستدعى الرجوع إلى حالة سابقة ، بل يستدعى الانتقال ~~من حال سابقة إلى حال جديدة مستأنفة ، فيكون المعنى : لنخرجنكم من أرضنا أو ~~لتصيرن كفارا مثلنا. # ومنها : أن هذا القول من الكفار جار على توهمهم ms3197 وظنهم ، أن الرسل كانت ~~قبل دعوى النبوة على ملتهم ، لسكوتهم قبل البعثة عن الإنكار عليهم ، فلهذا ~~التوهم قالوا ما قالوا ، وهم كاذبون فيما قالوه. # وشبيه بهذه الآية قول قوم شعيب عليه السلام له ( @QUR@012 لنخرجنك يا شعيب ~~والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا ... ) (1). # وقول قوم لوط له ( @QUR@08 أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ) (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ، ولنسكننكم ~~الأرض من بعدهم ... ) بشارة عظيمة من الله تعالى لرسله ، ووعد لهم بالنصر ~~على أعدائهم .. # أى : فأوحى الله تعالى إلى الرسل بعد أن قال لهم الكافرون ما قالوا : ~~أبشروا أيها الرسل ( @QUR@02 لنهلكن الظالمين ) الذين هددوكم بالإخراج من ~~الديار ، أو بالعودة إلى ملتهم ، ( @QUR@01 ولنسكننكم ) أيها الرسل ( ~~@QUR@01 الأرض ) أى أرضهم ( @QUR@02 من بعدهم ) أى من بعد إهلاكهم واستئصال ~~شأفتهم. # قال الآلوسى ما ملخصه : «وأوحى هنا يحتمل أن يكون بمعنى فعل الإيحاء فلا ~~مفعول له». # وقوله ( @QUR@01 لنهلكن ) على إضمار القول ، أى : قائلا لنهلكن ، ويحتمل ~~أن يكون جاريا مجرى القول لكونه ضربا منه ، وقوله ( @QUR@01 لنهلكن ) ~~مفعوله ... # وخص سبحانه الظالمين من الذين كفروا ، لأنه من الجائز أن يؤمن من الكفرة ~~الذين قالوا تلك المقالة أناس معينون ، فالتوعد لإهلاك من خلص للظلم» (3). PageV07P534 # وأكد سبحانه إهلاك الظالمين وإسكان الرسل أرضهم ، بلام القسم ونون ~~التوكيد ... زيادة في إدخال السرور على نفوس الرسل ، وفي تثبيت قلوبهم على ~~الحق ، وردا على أولئك الظالمين الذين أقسموا بأن يخرجوا الرسل من ديارهم ، ~~أو يعودوا إلى ملتهم. # قال صاحب الكشاف : «والمراد بالأرض في قوله ( @QUR@04 ولنسكننكم الأرض من ~~بعدهم ) أرض الظالمين وديارهم ، ونحوه : ( @QUR@011 وأورثنا القوم الذين ~~كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها وأورثكم أرضهم وديارهم )... # وعن النبي صلى الله عليه وسلم : «من آذى جاره ورثه الله داره». # ثم قال : ولقد عاينت هذا في مدة قريبة ، كان لي خال يظلمه عظيم القرية ~~التي أنا منها ويؤذيني فيه ، فمات ذلك العظيم وملكني الله ضيعته ، فنظرت ~~يوما إلى أبناء خالي يترددون فيها ، ويدخلون في دورها ويخرجون ويأمرون ~~وينهون ، فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه ms3198 وسلم وحدثتهم به ، وسجدنا شكرا ~~لله» (1). # واسم الإشارة في قوله سبحانه ( @QUR@06 ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ) ~~يعود إلى ما قضى الله به من إهلاك الظالمين ، وتمكين الرسل وأتباعهم من أرضهم. # أى : ذلك الذي قضيت به كائن لمن خاف قيامي عليه ، ومراقبتى له ، ومكان ~~وقوفه بين يدي للحساب ، وخاف وعيدي بالعذاب لمن عصاني. # قال الجمل : «ومقامي فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه مقحم وهو بعيد إذ ~~الأسماء لا تقحم ، أى ذلك لمن خافني الثاني : أنه مصدر مضاف للفاعل. # قال الفراء : مقامي مصدر مضاف لفاعله : أى قيامي عليه بالحفظ. الثالث : ~~أنه اسم مكان ، قال الزجاج : مكان وقوفه بين يدي للحساب» (2). # وقوله سبحانه ( @QUR@01 واستفتحوا ) من الاستفتاح بمعنى الاستنصار ، أى : ~~طلب النصر من الله تعالى على الأعداء. والسين والتاء للطلب. # ومنه قوله تعالى ( @QUR@05 إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح .. ) وقوله تعالى ~~( @QUR@07 وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ... ). # أو يكون ( @QUR@01 واستفتحوا ) من الفتاحة بمعنى الحكم والقضاء ، أى : ~~واستحكموا الله PageV07P535 # تعالى وطلبوا منه القضاء والحكم ، ومنه قوله تعالى ( @QUR@09 ربنا افتح ~~بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ). # والجملة الكريمة معطوفة على ( @QUR@03 فأوحى إليهم ربهم )، والضمير يعود ~~إلى الرسل. # والمعنى : والتمس الرسل من خالقهم عز وجل أن ينصرهم على أعدائه وأعدائهم ، ~~وأن يحكم بحكمه العادل بينهم وبين هؤلاء المكذبين. # قالوا : ومما يؤيد ذلك قراءة ابن عباس ومجاهد وابن محيصن ( @QUR@01 ~~واستفتحوا ) بكسر التاء أمرا للرسل. # ومنهم من يرى أن الضمير يعود للفريقين : الرسل ومكذبيهم. أى : أن كل فريق ~~دعا الله أن ينصره على الفريق الآخر. # وقوله ( @QUR@04 وخاب كل جبار عنيد ) بيان لنتيجة الاستفتاح. والجبار : ~~الإنسان المتكبر المغرور المتعالي على غيره ، المدعى لمنزلة أو لشيء ليس من حقه. # والعنيد : مأخوذ من العند بفتح النون بمعنى الميل. يقال : عند فلان عن ~~الطريق كنصر وضرب وكرم عنودا ، إذا مال عنها. وعند فلان عن الحق ، إذا خالفه. # والجملة الكريمة معطوفة على محذوف ، والتقدير : واستفتحوا فنصر الله ~~تعالى رسله على أعدائهم ، وخاب وخسر ، كل متكبر متجبر معاند للحق. # قال ابن كثير : قوله : ( @QUR@04 وخاب ms3199 كل جبار عنيد ) أى : متجبر في نفسه ~~معاند للحق ، كما قال تعالى ( @QUR@020 ألقيا في جهنم كل كفار عنيد* مناع ~~للخير معتد مريب* الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد ) (1). # وفي الحديث : «يؤتى بجهنم يوم القيامة ، فتنادى الخلائق فتقول : إنى وكلت ~~بكل جبار عنيد ...» (2). # وقال سبحانه ( @QUR@04 وخاب كل جبار عنيد ) ولم يقل وخاب الذين كفروا كما ~~هو مقتضى الظاهر من السياق ، للتنبيه على أن الذين كفروا كانوا جبابرة ~~معاندين للحق ، وأن كل من كان كذلك فلا بد من أن تكون عاقبته الخيبة ~~والخسران. # وقوله ( @QUR@03 من ورائه جهنم ) صفة لجبار عنيد. PageV07P536 # والمراد بقوله : ( @QUR@02 من ورائه ) أى : من أمامه ، أو من بعد هلاكه. # أى : من أمام خيبة هذا الجبار العنيد جهنم ، تنتظر ليحل بها ، بسبب كفره وظلمه. # قال صاحب أضواء البيان : قوله ( @QUR@03 من ورائه جهنم ... ) الوراء هنا ~~بمعنى الأمام كما هو ظاهر ، ومنه قوله تعالى ( @QUR@07 وكان وراءهم ملك ~~يأخذ كل سفينة غصبا ) أى : وكان أمامهم ملك .. ومنه قول الشاعر : # أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي %~% وقومي تميم والفلاة ورائيا # أى : والفلاة أماميا. # وقال بعضهم : قوله ( @QUR@02 من ورائه ) أى من بعد هلاكه ، ومنه قول ~~النابغة : # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة %~% وليس وراء الله للمرء مذهب # أى : وليس بعد الله للمرء مذهب ، والأول هو الظاهر وهو الحق (1). # وعلى أية حال فإن الجملة الكريمة تدل على أن جهنم تنتظر هذا الجبار ~~العنيد ، وتترصد له ، وتتبعه حيث كان ، بحيث لا يستطيع الفرار منها ، أو ~~الهرب عنها. # وجملة «ويسقى من ماء صديد» معطوفة على مقدر ، أى : من ورائه جهنم يلقى ~~فيها مذءوما مدحورا ، ويسقى من ماء مخصوص ليس كالمياه المعهودة ، هو الصديد ~~، أى ما يسيل من أجساد أهل النار من دم مختلط بقيح ، واشتقاقه من الصد ، ~~لأنه يصد الناظرين عن رؤيته. وهو بدل أو عطف بيان من ماء. # وقوله ( @QUR@04 يتجرعه ولا يكاد يسيغه ... ) بيان لحالة هذا الجبار ~~العنيد عند تعاطيه الصديد. # والتجرع : تكلف الجرع وهو بلع الماء ، وفعله كسمع ومنع . # ويسيغه : من السوغ وهو انحدار الشراب ms3200 في الحلق بسهولة وقبول. يقال : ساغ ~~الشراب سوغا وسواغا ، إذا كان سهل المدخل. # أى : يتكلف بلع هذا الصديد مرة بعد أخرى لمرارته وقبحه ، ولا يقارب أن ~~يسيغه فضلا عن الإساغة. بل يغص به فيشربه بعد عناء ومشقة جرعة عقب جرعة». # وقوله ( @QUR@012 ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب ~~غليظ ) معطوف على قوله ( @QUR@01 يتجرعه ) لبيان حالة أخرى من أحوال شقائه ~~وعذابه. PageV07P537 # أى : وتأتيه الأسباب المؤدية للموت والهلاك من كل جهة من الجهات ، ومن كل ~~موضع من مواضع بدنه ، وما هو بميت فيستريح من هذا الشقاء والعذاب ، ومن ~~وراء كل ذلك عذاب غليظ أى : شاق شديد لا يقل في ألمه عما هو فيه من نكال. # وشبيه بهذه الجملة قوله تعالى ( @QUR@018 والذين كفروا لهم نار جهنم لا ~~يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها ، كذلك نجزي كل كفور ) (1). # وقوله تعالى ( @QUR@013 ويتجنبها الأشقى* الذي يصلى النار الكبرى * ثم لا ~~يموت فيها ولا يحيى ) (2). # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد صورت لنا سوء عاقبة المكذبين للحق تصويرا ~~مؤثرا ، تهتز له النفس ، وتوجل منه القلوب. # ثم ضرب سبحانه مثلا لأعمال الكافرين في حبوطها وذهابها يوم القيامة ، ~~وساق الأدلة الدالة على قدرته القاهرة ، وصور أحوال الكافرين يوم يقوم ~~الناس لرب العالمين ، وحكى ما يقوله الضعفاء للمستكبرين وما يقوله الشيطان ~~لأتباعه في هذا اليوم العصيب ، وما أعده الله للمؤمنين الصادقين في هذا ~~اليوم فقال تعالى : # ( @QUR@022 مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم ~~عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد (18) @QUR@014 ألم ~~تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد (19) ~~@QUR@05 وما ذلك على الله بعزيز (20) @QUR@018 وبرزوا لله جميعا فقال ~~الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله PageV07P538 # @QUR@016 من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم ~~صبرنا ما لنا من محيص (21) @QUR@044 وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله ~~وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان ms3201 لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني ~~كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم (22) @QUR@017 وأدخل ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ~~ربهم تحيتهم فيها سلام ) (23) # قال الإمام الرازي : «اعلم أنه تعالى لما ذكر أنواع عذابهم في الآية ~~المتقدمة ، بين في هذه الآية وهي قوله تعالى ( @QUR@04 مثل الذين كفروا ~~بربهم ... ). أن أعمالهم بأسرها ضائعة باطلة ، لا ينتفعون بشيء منها. وعند ~~هذا يظهر كمال خسرانهم ، لأنهم لا يجدون في القيامة إلا العقاب الشديد وكل ~~ما عملوه في الدنيا وجدوه ضائعا باطلا» (1). # والمثل : النظير والشبيه. ثم أطلق على القول السائر المعروف ، لمماثلة ~~مضربه بمورده ، ولا يكون إلا فيما فيه غرابة ، ثم استعير للصفة ، أو الحال ~~، أو القصة إذا كان لها شأن عجيب ، وفيها غرابة. # والمراد بأعمال الذين كفروا في الآية الكريمة : ما كانوا يقومون به في ~~الدنيا من أعمال حسنة PageV07P539 # كإطعام الطعام ، ومساعدة المحتاجين ، وإكرام الضيف ، إلى غير ذلك من ~~الأعمال الطيبة. # والرماد : ما يتبقى من الشيء بعد احتراق أصله ، كالمتبقى من الخشب أو ~~الحطب بعد احتراقهما. # والعاصف : من العصف وهو اشتداد الريح ، وقوة هبوبها. # قال الجمل : وقوله : ( @QUR@03 مثل الذين كفروا ... ) فيه أوجه للإعراب : ~~أحدها وهو مذهب سيبويه : أنه مبتدأ محذوف الخبر تقديره : فيما يتلى عليكم ~~مثل الذين كفروا ، وتكون الجملة من قوله ( @QUR@02 أعمالهم كرماد ... ) ~~مستأنفة جواب لسؤال مقدر ، كأنه قيل : كيف مثلهم ..؟ فقيل : كيت وكيت. # والثاني : أن يكون «مثل» مبتدأ و «أعمالهم» مبتدأ ثان ، و «كرماد» خبر ~~المبتدأ الثاني ، والمبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول ...» (1). # والمعنى : حال أعمال الذين كفروا في حبوطها وذهابها وعدم انتفاعهم بشيء ~~منها في الآخرة ، كحال الرماد المكدس الذي أتت عليه الرياح العاصفة ، ~~فمحقته وبددته ، ومزقته تمزيقا لا يرجى معه اجتماع. # فالآية الكريمة تشبيه بليغ لما يعمله الكافرون في الدنيا من أعمال البر ~~والخير. # ووجه الشبه : الضياع والتفرق وعدم الانتفاع في كل ، فكما أن الريح العاصف ms3202 ~~تجعل الرماد هباء منثورا ، فكذلك أعمال الكافرين في الآخرة تصير هباء ~~منثورا ، لأنها أعمال بنيت على غير أساس من الإيمان وإخلاص العبادة لله ~~تعالى . # ووصف سبحانه اليوم بأنه عاصف مع أن العصف شدة الريح للمبالغة في وصف ~~زمانها وهو اليوم بذلك ، كما يقال : يوم حار ويوم بارد ، مع أن الحر والبرد ~~فيهما وليس منهما. # وقوله سبحانه ( @QUR@06 لا يقدرون مما كسبوا على شيء ) بيان للمقصود من ~~التشبيه ، وهو أن هؤلاء الكافرين ، لا يقدرون يوم القيامة ، على الانتفاع ~~بشيء مما فعلوه في الدنيا من أفعال البر والخير ، لأن كفرهم أحبطها فذهب ~~سدى دون أن يستفيدوا منها ثوابا ، أو تخفف عنهم عذابا. # قال الآلوسى : «وفي الصحيح عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت : يا رسول PageV07P540 # الله. إن ابن جدعان في الجاهلية كان يصل الرحم ، ويطعم المسكين ، هل ذلك ~~نافعه؟ قال : «لا ينفعه ؛ لأنه لم يقل رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» (1). # وقال الإمام ابن كثير ما ملخصه : «هذا مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكفار ~~الذين عبدوا مع الله غيره ، وكذبوا رسله ، وبنوا أعمالهم على غير أساس صحيح ~~، فانهارت وعدموها وهم أحوج ما كانوا إليها ... # كما قال تعالى ( @QUR@09 وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ~~) (2). # وكما قال تعالى ( @QUR@017 مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا ، كمثل ~~ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته ) (3). # واسم الإشارة في قوله ( @QUR@04 ذلك هو الضلال البعيد ) يعود إلى ما دل ~~عليه التمثيل من بطلان أعمالهم ، وذهاب أثرها. # أى : ذلك الحبوط لأعمالهم ، وعدم انتفاعهم بشيء منها ، هو الضلال البعيد. # أى : البالغ أقصى نهايته ، والذي ينتهى بصاحبه إلى الهلاك والعذاب ~~المهين. # ووصف سبحانه الضلال بالبعد ، لأنه يؤدى إلى خسران لا يمكن تداركه ، ولا ~~يرجى الخلاص منه. # ثم بين سبحانه بعد ذلك ، بعض مظاهر قدرته التي لا يعجزها شيء فقال تعالى ~~: ( @QUR@019 ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق ، إن يشأ يذهبكم ~~ويأت بخلق جديد ، وما ذلك على الله بعزيز ) (4). # والخطاب في قوله ( @QUR@02 ألم تر ... ) لكل من يصلح ms3203 له بدون تعيين. ~~والاستفهام للتقرير. # والرؤية مستعملة في العلم الناشئ عن النظر والتفكير والتأمل في ملكوت ~~السموات والأرض. # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله تعالى ( @QUR@02 ألم تر ... ) هذا التعبير ~~قد يذكر لمن تقدم علمه فيكون للتعجب ، وقد يذكر لمن لا يكون كذلك ، فيكون ~~لتعريفه وتعجيبه ، وقد اشتهر في ذلك حتى أجرى مجرى المثل في هذا الباب ، ~~بأن شبه من لم ير الشيء بحال من رآه في أنه PageV07P541 # لا ينبغي أن يخفى عليه ، وأنه ينبغي أن يتعجب منه ، ثم أجرى الكلام معه ، ~~كما يجرى مع من رأى ، قصدا إلى المبالغة في شهرته وعراقته في التعجب ...» (1). # والمعنى ؛ ألم تعلم أيها العاقل أن الله تعالى ( @QUR@04 خلق السماوات ~~والأرض بالحق ). أى : خلقهما بالحكمة البالغة المنزهة عن العبث ، وبالوجه ~~الصحيح الذي تقتضيه إرادته ، وهو سبحانه ( @QUR@03 إن يشأ يذهبكم ) أى ~~يهلككم أيها الناس ( @QUR@03 ويأت بخلق جديد ) سواكم ، لأن القادر على خلق ~~السموات والأرض وما فيهما من أجرام عظيمة ، يكون على خلق غيرهما أقدر ، كما ~~قال تعالى ( @QUR@07 لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ... ) (2). # وقوله سبحانه ( @QUR@05 وما ذلك على الله بعزيز ) معطوف على ما قبله ، ~~ومؤكد لمضمونه. أى : إن يشأ سبحانه يهلككم أيها الناس ويأت بمخلوقين آخرين ~~غيركم ، وما ذلك الإذهاب بكم ، والإتيان بغيركم بمتعذر على الله ، أو ~~بمتعاص عليه ، لأنه سبحانه لا يعجزه شيء ، ولا يحول دون نفاذ قدرته حائل. # وشبيه بهذا قوله تعالى ( @QUR@022 يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله ~~والله هو الغني الحميد* إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد* وما ذلك على الله ~~بعزيز ) (3). # وقوله تعالى : ( @QUR@09 وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا ~~أمثالكم ) (4). # وقوله تعالى : ( @QUR@012 إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان ~~الله على ذلك قديرا ) (5). # ثم حكى سبحانه بعد ذلك جانبا من الحوار الذي يدور يوم القيامة بين ~~الضعفاء والمستكبرين ، بين الأتباع والمتبوعين ... فقال تعالى : ( @QUR@020 ~~وبرزوا لله جميعا ، فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا ، فهل ~~أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء ... ). # وقوله ( @QUR@01 وبرزوا ) من البروز بمعنى الظهور ms3204 ، مأخوذ من البراز وهو ~~الفضاء الواسع ، الذي يظهر فيه الناس بدون استتار. أى : وخرج الكافرون ~~جميعا من قبورهم يوم القيامة ، PageV07P542 # وظهروا ظهورا لا خفاء معه ، لكي يحاسبهم سبحانه على أعمالهم في الدنيا. # وقال سبحانه ( @QUR@01 وبرزوا ) بلفظ الفعل الماضي مع أن الحديث عن يوم ~~القيامة ، للتنبيه على تحقق وقوع هذا الخروج ، وأنه كائن لا محالة. # وعبر سبحانه بهذا التعبير ، مع أنهم لا يخفون عليه سواء أبرزوا أم لم ~~يبرزوا ، لأنهم كانوا في الدنيا يستترون عن العيون عند اجتراحهم السيئات ~~ويظنون أن ذلك يخفى على الله عز وجل . # ثم بين سبحانه ما يقوله الضعفاء للمستكبرين في هذا الموقف العصيب فقال : # ( @QUR@02 فقال الضعفاء ) وهم العوام والأتباع الذين فقدوا نعمة التفكير ~~، ونعمة حرية الإرادة ، فهانوا وذلوا .. # قال هؤلاء الضعفاء ( @QUR@02 للذين استكبروا ) وهم السادة المتبوعون ~~الذين كانوا يقودون أتباعهم إلى طريق الغي والضلال. # ( @QUR@03 إنا كنا لكم ) أيها السادة ( @QUR@01 تبعا ) جمع تابع كخادم وخدم. # أى : إنا كنا في الدنيا تابعين لكم ، ومنقادين لأمركم ، في تكذيب الرسل ، ~~وفي كل ما تريدونه منا. # والاستفهام في قوله سبحانه ( @QUR@09 فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من ~~شيء ) للتقريع والتفجع. # ومغنون من الإغناء بمعنى الدفاع والنصرة. # قال الشوكانى : «يقال : أغنى عنه إذا دفع عنه الأذى ، وأغناه إذا أوصل ~~إليه النفع» (1). # أى : فهل أنتم أيها المستكبرون دافعون عنا شيئا من عذاب الله النازل بنا ~~، حتى ولو كان هذا الشيء المدفوع قليلا؟ إن كان في إمكانكم ذلك فأظهروه لنا ~~، فقد كنتم في الدنيا سادتنا وكبراءنا ، وكنتم تزعمون أنكم أصحاب الحظوة ~~يوم القيامة. # قال صاحب الكشاف : «فإن قلت : أى فرق بين «من» في «من عذاب الله» وبينه ~~في «من شيء»؟ # قلت : الأولى للتبيين ، والثانية للتبعيض ، كأنه قيل : هل أنتم مغنون عنا ~~بعض الشيء PageV07P543 # الذي هو عذاب الله؟ ويجوز أن يكونا للتبعيض معا بمعنى : هل أنتم مغنون ~~عنا بعض شيء ، هو بعض عذاب الله؟ أى : بعض بعض عذاب الله» (1). # ثم حكى سبحانه رد المستكبرين على المستضعفين فقال : ( @QUR@05 قالوا لو ~~هدانا الله لهديناكم .. ). # أى : قال ms3205 المستكبرون بضيق وتحسر في ردهم على المستضعفين : لو هدانا الله ~~تعالى إلى الإيمان الموصل إلى النجاة من هذا العذاب الأليم «لهديناكم» إليه ~~، ولكن ضللنا عنه وأضللناكم معنا ، واخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا ، ولو ~~كنا نستطيع النفع لنفعنا أنفسنا. # ثم أضافوا إلى ذلك قولهم : ( @QUR@09 سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا ~~من محيص ). # والجزع : حزن يصرف الإنسان عما هو بصدده لشدة اضطرابه وذهوله. # يقال : جزع فلان يجزع جزعا وجزوعا ، إذا ضعف عن حمل ما نزل به ولم يجد صبرا. # والمحيص : المهرب والمنجى من العذاب. يقال : حاص فلان عن الشيء يحيص حيصا ~~ومحيصا ، إذا عدل عنه على جهة الهرب والفرار. # أى : مستو عندنا الجزع مما نحن فيه من عذاب ، والصبر على ذلك ، وليس لنا ~~من مهرب أو منجى من هذا المصير الأليم. # فالآية الكريمة تحكى أقوال الضعفاء يوم القيامة ، وهي أقوال يبدو فيها ~~طابع الذلة والمهانة كما هو شأنهم في الدنيا ، كما تحكى رد المستكبرين ~~عليهم ، وهو رد يبدو فيه التبرم والتفجع والتأنيب من طرف خفى لهؤلاء ~~الضعفاء ، والتسليم بالواقع الأليم الذي لا محيص لهم عنه. # قال الإمام ابن كثير : «قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : إن أهل النار ~~قال بعضهم لبعض : تعالوا ، فإنما أدرك أهل الجنة الجنة ببكائهم وتضرعهم إلى ~~الله تعالى ، تعالوا نبك ونتضرع إلى الله ، فبكوا وتضرعوا ، فلما رأوا ذلك ~~لا ينفعهم قالوا : تعالوا ، فإنما أدرك أهل الجنة الجنة بالصبر ، تعالوا ~~حتى نصبر ، فصبروا صبرا لم ير مثله ، فلم ينفعهم ذلك. فعند ذلك قالوا : ( ~~@QUR@09 سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ) (2). # ثم حكى سبحانه بعد ذلك ما يقوله الشيطان لأتباعه يوم القيامة ، فقال ~~تعالى : PageV07P544 # ( @QUR@012 وقال الشيطان لما قضي الأمر ، إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم ~~فأخلفتكم ... ) والمراد بالشيطان هنا : إبليس لعنه الله . # قال الفخر الرازي : «وأما الشيطان فالمراد به إبليس لأن لفظ الشيطان مفرد ~~فيتناول الواحد ، وإبليس رأس الشياطين ورئيسهم ، فحمل اللفظ عليه أولى. ولا ~~سيما وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا جمع ms3206 الله الخلق وقضى بينهم ~~، يقول الكافر : قد وجد المسلمون من يشفع لهم فمن يشفع لنا ، ما هو إلا ~~إبليس ، فهو الذي أضلنا ، فيأتونه ويسألونه فعند ذلك يقول هذا القول ..» (1). # والمراد بقوله سبحانه ( @QUR@03 لما قضي الأمر ) أى : حين تم الحساب ، ~~وعرف أهل الجنة ثوابهم ، وعرف أهل النار مصيرهم ، كل فريق في المكان الذي ~~أعده الله تعالى له. # والمقصود من حكاية ما يقوله الشيطان للكافرين في هذا اليوم. تحذير ~~المؤمنين من وسوسته وإغوائه ، حتى ينجوا من العذاب الذي يحل بأتباعه يوم ~~القيامة. # والمراد بالحق في قوله ( @QUR@05 إن الله وعدكم وعد الحق ): الصدق ~~والوفاء بما وعدكم به على ألسنة رسله. # والمراد بالإخلاف في قوله ( @QUR@02 ووعدتكم فأخلفتكم ) الكذب والغدر ~~وعدم الوفاء بما مناهم به ، من أمانى باطلة. # قال تعالى : ( @QUR@07 يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ) (2) ~~. وإضافة الوعد إلى الحق من إضافة الموصوف إلى الصفة أى إن الله تعالى ~~وعدكم الوعد الحق الذي لا نقض له ، وهو أن الجزاء حق ، والبعث حق ، والجنة ~~حق ، والنار حق ، ووعدتكم وعدا باطلا بأنه لا بعث ولا حساب .. فأخلفتكم ما ~~وعدتكم به ، وظهر كذبى فيما قلته لكم. ثم أضاف إلى ذلك قوله كما حكى القرآن ~~عنه : ( @QUR@011 وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي )... # والسلطان : اسم مصدر بمعنى التسلط والقهر والغلبة. # أى : وما كان لي فيما وعدتكم به من تسلط عليكم ، أو إجبار لكم ، لكني ~~دعوتكم إلى ما دعوتكم إليه من باطل وغواية ، فانقدتم لدعوتى واستجبتم ~~لوسوستى عن طواعية واختيار. # فالاستثناء في قوله «إلا أن دعوتكم» استثناء منقطع ، لأن ما بعد حرف ~~الاستثناء ليس من جنس ما قبله ، وبعضهم يرى أن الاستثناء متصل. PageV07P545 # قال الجمل : «وفي هذا الاستثناء وجهان : أظهرهما : أنه استثناء منقطع ، ~~لأن دعاءه ليس من جنس السلطان وهو الحجة البينة ، والثاني : أنه متصل لأن ~~القدرة على حمل الإنسان على الشيء تارة تكون بالقهر ، وتارة تكون بتقوية ~~الداعية في قلبه بإلقاء الوساوس إليه. فهو نوع من التسلط» (1). # وقوله ( @QUR@04 فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ) زيادة في ms3207 تأنيبهم وفي ~~حسراتهم على انقيادهم له. # أى : فلا تلوموني بسبب وعودي إياكم. ولوموا أنفسكم ، لأنكم تقبلتم هذه ~~الوعود الكاذبة بدون تفكر أو تأمل ، وأعرضتم عن الحق الواضح الذي جاءكم من ~~عند ربكم ، ومالك أمركم. # ثم ينفض يده منهم ، ويخلى بينهم وبين مصيرهم السيئ فيقول : ( @QUR@06 ما ~~أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي ). أى : ما أنا بمغيثكم ومنقذكم مما أنتم فيه ~~من عذاب ، وما أنتم بمغيثي مما أنا فيه من عذاب أيضا فقد انقطعت بيننا ~~الأواصر والصلات .. # قال القرطبي ما ملخصه : «والصارخ والمستصرخ هو الذي يطلب النصرة ~~والمعاونة ، والمصرخ هو المغيث لغيره ... قال أمية بن أبى الصلت : # ولا تجزعا إنى لكم غير مصرخ %~% وليس لكم عندي غناء ولا نصر # ويقال : صرخ فلان أى استغاث يصرخ صرخا وصراخا وصرخة .. # ومنه : استصرخني فلان فأصرخته ، أى استغاث بي فأغثته .. (2). # وجملة «إنى كفرت بما أشركتمون من قبل ..» مستأنفة ، لإظهار المزيد من ~~التنصل والتبري من كل علاقة بينه وبينهم. # و «ما» في قوله «بما أشركتمون» الظاهر أنها مصدرية .. # قال الآلوسى ما ملخصه : «وأراد بقوله ( @QUR@02 إني كفرت ) أى : إنى كفرت ~~اليوم «بما أشركتمون من قبل». # أى : من قبل هذا اليوم ، يعنى في الدنيا و «ما» مصدرية و «من قبل» متعلق ~~بأشركتمون. # والمعنى : إنى كفرت بإشراككم إياى لله تعالى في الطاعة ، لأنهم كانوا يطيعون PageV07P546 # الشيطان فيما يزينه لهم من عبادة غير الله تعالى ، ومن أفعال الشر .. # ومراد اللعين : أنه إن كان إشراككم لي مع الله تعالى ، هو الذي أطمعكم في ~~نصرتي لكم ... فإنى متبرئ من هذا الشرك ، فلم يبق بيني وبينكم علاقة ... ~~فالكلام محمول على إنشاء التبري منهم يوم القيامة .. # ثم قال : وجوز غير واحد أن تكون «ما» موصولة بمعنى من ، والعائد محذوف ، ~~و «من قبل» متعلق بكفرت. أى : إنى كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم بالذي ~~أشركتمونيه. أى : جعلتموني شريكا له في الطاعة وهو الله عز وجل ... # والكلام على هذا إقرار من اللعين بقدم كفره ، وبسبق خطيئته فلا يمكنه أن ~~يقدم لهم عونا أو نصرا ... (1). # وجملة «إن الظالمين ms3208 لهم عذاب أليم» في موقع التعليل لما تقدم ، والظاهر ~~أنها ابتداء كلام من جهته تعالى : لبيان سوء عاقبة الظالمين. # ويجوز أن تكون من تتمة كلام إبليس الذي حكاه القرآن عنه ، ويكون الغرض ~~منها قطع أطماعهم في الإغاثة أو النصر ، وتنبيه المؤمنين في كل زمان ومكان ~~إلى عداوة الشيطان لهم وتحذيرهم من اتباع خطواته. # قال الشيخ الشوكانى رحمه الله ما ملخصه : «لقد قام الشيطان للكافرين في ~~هذا اليوم مقاما يقصم ظهورهم ، ويقطع قلوبهم ، فأوضح لهم أولا : أن مواعيده ~~التي كان يعدهم بها في الدنيا باطلة معارضة لوعد الحق من الله تعالى وأنه ~~أخلفهم ما وعدهم به ... # ثم أوضح لهم ثانيا : بأنهم قبلوا قوله بما لا يتفق مع العقل ، لعدم الحجة ~~التي لا بد للعاقل منها في قبول قول غيره. # ثم أوضح لهم ثالثا : بأنه لم يكن منه إلا مجرد الدعوة العاطلة عن البرهان ~~، الخالية عن أيسر شيء مما يتمسك به العقلاء. # ثم نعى عليهم رابعا : ما وقعوا فيه ، ودفع لومهم له ، وأمرهم بأن يلوموا ~~أنفسهم ، لأنهم هم الذين قبلوا الباطل البحت الذي لا يلتبس بطلانه على من ~~له أدنى عقل. # ثم أوضح لهم خامسا : بأنه لا نصر عنده ولا إغاثة ... بل هو مثلهم في ~~الوقوع في البلية .. PageV07P547 # ثم صرح لهم سادسا : بأنه قد كفر بما اعتقدوه فيه وأثبتوه له ، وهو إشراكه ~~مع الله تعالى فتضاعفت عليهم الحسرات ، وتوالت عليهم المصائب. # وإذا كانت جملة «إن الظالمين لهم عذاب أليم» من تتمة كلامه كما ذهب إليه ~~البعض فهو نوع سابع من كلامه الذي خاطبهم به ، فيكون قد أثبت لهم الظلم ، ~~وذكر لهم جزاءه» (1). # وبعد هذا الحديث عن سوء عاقبة الكافرين .. بين سبحانه ما أعده للمؤمنين ~~من ثواب جزيل ، وأجر عظيم فقال تعالى : # ( @QUR@014 وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم ). # أى : وأدخل الله تعالى في هذا اليوم ، وهو يوم القيامة ، الذين آمنوا بكل ~~ما يجب الإيمان به ، وعملوا الأعمال الصالحة ، أدخلهم سبحانه جنات تجرى من ~~تحت ثمارها ms3209 وأشجارها الأنهار ، حالة كونهم خالدين فيها خلودا أبديا لا موت ~~معه ولا تعب. # وجاء التعبير بصيغة الماضي لتحقيق الوقوع ، وتعجيل البشارة ، وقوله ، ( ~~@QUR@02 بإذن ربهم ) أى : بإرادته سبحانه وتوفيقه وهدايته لهم. # وقوله ( @QUR@03 تحيتهم فيها سلام ) أى : تحيتهم في الجنة سلام لهم من ~~خالقهم عز وجل ومن الملائكة ، ومن بعضهم لبعض. # كما قال تعالى : ( @QUR@04 تحيتهم يوم يلقونه سلام ) (2). # وكما قال تعالى : ( @QUR@08 والملائكة يدخلون عليهم من كل باب* سلام ~~عليكم .. ) (3). # وكما قال سبحانه : ( @QUR@04 ويلقون فيها تحية وسلاما ) (4). # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد بينت بأبلغ أسلوب بوار أعمال الذين كفروا ، ~~وسوء أحوالهم يوم القيامة ، كما بينت حسن عاقبة المؤمنين ، ليهلك من هلك عن ~~بينة ويحيى من حي عن بينة. PageV07P548 # وبعد أن بين سبحانه حال السعداء والأشقياء يوم القيامة ، أتبع ذلك بضرب ~~مثل لهما زيادة في التوضيح والتقرير فقال تعالى : # ( @QUR@015 ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت ~~وفرعها في السماء (24) @QUR@012 تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله ~~الأمثال للناس لعلهم يتذكرون (25) @QUR@013 ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة ~~اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار (26) @QUR@018 يثبت الله الذين آمنوا ~~بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ~~ما يشاء ) (27) # والخطاب في قوله ( @QUR@02 ألم تر ... ) للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل ~~من يصلح للخطاب ، والاستفهام للتقرير ، والرؤية مستعملة في العلم الناشئ عن ~~التأمل والتفكر في ملكوت السموات والأرض. # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@02 ألم تر ... ) هذا التعبير ~~قد يذكر لمن تقدم علمه فيكون للتعجب ، وقد يذكر لمن ليس كذلك ، فيكون ~~لتعريفه وتعجيبه ، وقد اشتهر في ذلك حتى أجرى مجرى المثل في ذلك ، بأن شبه ~~من لم ير الشيء بحال من رآه في أنه لا ينبغي أن يخفى عليه ، ثم أجرى الكلام ~~معه كما يجرى مع من رأى ، قصدا إلى المبالغة في شهرته وعراقته في التعجب» (1). # والمثل : يطلق على القول السائر المعروف للماثلة مضربه لمورده. PageV07P549 # وقوله ( @QUR@01 مثلا ) انتصب على أنه مفعول به لضرب ، وقوله ( @QUR@01 ~~كلمة ) بدل ms3210 منه أو عطف بيان. # والمراد بالكلمة الطيبة : كلمة الإسلام ، وما يترتب عليها من عمل صالح ، ~~وقول طيب. # قال الآلوسى ما ملخصه : «والمراد بالشجرة الطيبة المشبه بها النخلة عند ~~الأكثرين وروى ذلك عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وعكرمة والضحاك وابن زيد .. # وأخرج عبد الرزاق والترمذي وغيرهما عن شعيب بن الحجاب قال : كنا عند أنس ~~، فأتينا بطبق عليه رطب ، فقال أنس لأبى العالية : كل يا أبا العالية ، فإن ~~هذا من الشجرة التي ذكرها الله تعالى في كتابه ( @QUR@010 ألم تر كيف ضرب ~~الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة ... ). # وأخرج الترمذي أيضا والنسائي وابن حبان والحاكم وصححه عن أنس قال : أتى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بقناع من بسر أى بطبق من تمر لم ينضج بعد فقال : ~~«مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة ... قال : هي النخلة». # وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنها شجرة جوز الهند. # وأخرج ابن حرير وابن ابى حاتم أنها شجرة في الجنة ، وقيل كل شجرة مثمرة ~~كالنخلة ، وكشجرة التين والعنب والرمان وغير ذلك ثم قال : # وأنت تعلم أنه إذا صح الحديث ولم يتأت حمل ما فيه على التمثيل لا ينبغي ~~العدول عنه» (1). # وكأن الإمام الآلوسى بهذا القول يريد أن يرجح أن المراد بالشجرة الطيبة ~~النخلة ، لتصريح الآثار بذلك. # وقد رجح ابن جرير أيضا أن المراد بها النخلة فقال ما ملخصه : «واختلفوا ~~في المراد بالشجرة الطيبة ، فقال بعضهم : هي النخلة ... وقال آخرون : هي ~~شجرة في الجنة ... # وأولى القولين بالصواب في ذلك قول من قال هي النخلة ، لصحة الخبر عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ..» (2). # والمعنى : ألم تر أيها المخاطب كيف اختار الله تعالى مثلا ، ووضعه في ~~موضعه اللائق به ، والمناسب له ، وهذا المثل لكلمتى الإيمان والكفر ، حيث ~~شبه سبحانه PageV07P550 # الكلمة الطيبة وهي كلمة الإسلام ، بالشجرة الطيبة ، أى النافعة في جميع ~~أحوالها ، وهي النخلة. # ثم وصف سبحانه هذه الشجرة بصفات حسنة فقال : ( @QUR@02 أصلها ثابت ). # أى : ضارب بعروقه في باطن الأرض فصارت بذلك راسخة الأركان ثابتة البنيان. # ( @QUR@01 وفرعها ) أى ms3211 : أعلاها وما امتد منها من أغصان ، مشتق من ~~الافتراع بمعنى الاعتلاء ( @QUR@02 في السماء ) أى : في جهة السماء من حيث ~~العلو والارتفاع ، وهذا مما يزيد الشجرة جمالا وحسن منظر. # والمراد بالأكل في قوله تعالى ( @QUR@06 تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها .. ~~) المأكول ، وهو الثمر الناتج عنها. # والمراد بالحين : الوقت الذي حدده الله تعالى للانتفاع بثمارها من غير ~~تعيين بزمن معين من صباح أو مساء .. # قال الشوكانى ما ملخصه : «قوله ( @QUR@04 تؤتي أكلها كل حين ) كل وقت ( ~~@QUR@02 بإذن ربها ) بإرادته ومشيئته». # وقيل : المراد بكونها تؤتى أكلها كل حين : أى كل ساعة من الساعات من ليل ~~أو نهار في جميع الأوقات من غير فرق بين شتاء وصيف. وقيل المراد في أوقات ~~مختلفة من غير تعيين. # وقيل : كل غدوة وعشية ، وقيل : كل شهر .. # وهذه الأقوال متقاربة. لأن الحين عند جمهور أهل اللغة بمعنى الوقت يقع ~~لقليل الزمان وكثيره (1). # وبهذا نرى أن الله تعالى قد وصف هذه الشجرة بأربع صفات ، أولها : أنها ~~طيبة ، وثانيها : أن أصلها ثابت ، وثالثها : أن فرعها في السماء ، ورابعها ~~: أنها تؤتى ثمارها كل حين بإذن ربها. # وهذه الأوصاف تدل على فخامة شأنها ، وجمال منظرها ، وطيب ثمرها ، ودوام ~~نفعها كما تدل على أن المشبه وهو الكلمة الطيبة ، مطابق في هذه الأوصاف ~~للمشبه به وهو الشجرة الطيبة. # وقوله سبحانه ( @QUR@06 ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ) بيان ~~للحكمة التي PageV07P551 # من أجلها سيقت الأمثال ، وهي التذكر والتفكير والاعتبار. أى : ويضرب الله ~~تعالى الأمثال للناس رجاء أن يعتبروا ويتعظوا ويتذكروا ما أمرهم سبحانه ~~بتذكره إذ ضرب الأمثال تقريب للبعيد ، وتقرير للقريب ، وتصوير للمعاني ~~المعقولة بالصور المحسوسة. # وبعد أن بين سبحانه مثال كلمة الإيمان ، أتبعه بمثال كلمة الكفر فقال : ( ~~@QUR@03 ومثل كلمة خبيثة ) وهي كلمة الكفر. # ( @QUR@02 كشجرة خبيثة ) أى قبيحة لا نفع فيها ، ولا خير يرجى منها. # ( @QUR@04 اجتثت من فوق الأرض ) أى : اقتلعت جثتها وهيئتها من فوق الأرض ~~، لقرب عروقها وجذورها من سطحها. # يقال : اجتثثت الشيء اجتثاثا ، إذا اقتلعته واستأصلته ، وهو افتعال من ~~لفظ الجثة وهي ذات الشيء. # وقوله : ( @QUR@04 ما ms3212 لها من قرار ) تأكيد لمعنى الاجتثاث لأن اجتثاث ~~الشيء بسهولة ، سببه عدم وجود أصل له. # أى : ليس لها استقرار وثبات على الأرض ، وكذلك الكفر لا أصل له ولا فرع ، ~~ولا يصعد للكافر عمل ، ولا يتقبل منه شيء. # والمراد بهذه الشجرة الخبيثة : شجرة الحنظل فعن أنس بن مالك أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : «ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة هي الحنظلة ...» (1). # وقيل : شجرة الثوم ، وقيل : شجرة الشوك ... وقيل كل شجر لا يطيب له ثمر ، ~~وفي رواية عن ابن عباس أنها شجرة لم تخلق على الأرض ... # وقال : ابن عطية : الظاهر أن التشبيه وقع بشجرة غير معينة جامعة لتلك ~~الأوصاف التي وصفها الله بها. # وقوله سبحانه : ( @QUR@011 يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في ~~الحياة الدنيا وفي الآخرة ) بيان لفضل الله تعالى على هؤلاء المؤمنين ، ~~ولحسن عاقبتهم .. # والمراد بالحياة الدنيا : مدة حياتهم في هذه الدنيا. # والمراد بالآخرة : ما يشمل سؤالهم في القبر وسؤالهم في مواقف القيامة. # والمعنى : يثبت الله تعالى الذين آمنوا بالقول الثابت أى : الصادق الذي ~~لا شك فيه، PageV07P552 # في الحياة الدنيا ، بأن يجعلهم متمسكين بالحق ، ثابتين عليه دون أن ~~يصرفهم عن ذلك ترغيب أو ترهيب. # ويثبتهم أيضا بعد مماتهم ، بأن يوفقهم إلى الجواب السديد عند سؤالهم في ~~القبر وعند سؤالهم في مواقف يوم القيامة. # قال الآلوسى ما ملخصه : «قوله تعالى ( @QUR@06 يثبت الله الذين آمنوا ~~بالقول الثابت ) أى : الذي ثبت عندهم وتمكن في قلوبهم ، وهو الكلمة الطيبة ~~التي ذكرت صفتها العجيبة .. «في الحياة الدنيا» أى يثبتهم بالبقاء على ذلك ~~مدة حياتهم ، فلا يزالون عند الفتنة ... «وفي الآخرة» أى بعد الموت وذلك في ~~القبر الذي هو أول منزل من منازل الآخرة ، وفي مواقف القيامة ، فلا ~~يتلعثمون إذا سئلوا عن معتقدهم هناك ، ولا تدهشهم الأهوال ..» (1). # هذا ، وقد ساق الإمام ابن كثير هنا جملة من الأحاديث التي وردت في سؤال ~~القبر ، منها قوله : قال البخاري : حدثنا أبو الوليد ، حدثنا شعبة ، أخبرنى ~~علقمة بن مرثد قال : سمعت سعد بن عبيدة عن البراء بن عازب أن رسول ms3213 الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : «المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله فذلك قوله : «يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في ~~الحياة الدنيا وفي الآخرة» (2). # وقوله : ( @QUR@03 ويضل الله الظالمين ) بيان لسوء عاقبة أصحاب المثل ~~الثاني وهم الكافرون. # أى : ويخلق فيهم الضلال عن الحق بسبب إيثارهم الكفر على الإيمان. # ( @QUR@04 ويفعل الله ما يشاء ) فعله ، عن تثبيت من يريد تثبيته ، وإضلال ~~من يريد إضلاله ، حسبما تقتضيه إرادته وحكمته ، لا راد لأمره ، ولا معقب لحكمه. # ثم بين سبحانه بعد ذلك مصير الجاحدين الذين قابلوا نعم الله بالكنود ~~والجحود ، وأمر المؤمنين بأداء ما كلفهم به سبحانه من عبادات وقربات ، وساق ~~لهم ألوانا من الآلاء التي تفضل بها على عباده ، فقال تعالى : PageV07P553 # ( @QUR@012 ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار ~~البوار (28) @QUR@04 جهنم يصلونها وبئس القرار (29) @QUR@012 وجعلوا لله ~~أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار (30) @QUR@021 قل ~~لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل ~~أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال (31) @QUR@025 الله الذي خلق السماوات ~~والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك ~~لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار (32) @QUR@09 وسخر لكم الشمس والقمر ~~دائبين وسخر لكم الليل والنهار (33) @QUR@015 وآتاكم من كل ما سألتموه وإن ~~تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار ) (34) # وقوله سبحانه ( @QUR@08 ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا .. ) ~~الخطاب فيه للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح للخطاب. # والاستفهام للتعجيب من أحوالهم الذميمة. # وبدلوا من التبديل بمعنى التغيير والتحويل ، والمراد به : وضع الشيء في ~~غير وضعه ومقابلة نعم الله بالجحود وعدم الشكر. # ونعمة الله التي بدلوها ، تشمل كفرهم بالرسول صلى الله عليه وسلم الذي أرسله ~~الله تعالى لإخراجهم من الظلمات إلى النور ، كما تشمل إكرام الله لهم أى ~~أهل مكة بأن جعلهم في PageV07P554 # حرم آمن ، وجعلهم سدنة بيته .. ولكنهم لم يشكروا الله ms3214 على هذه النعم ، بل ~~أشركوا معه في العبادة آلهة أخرى. # قال صاحب الكشاف ما ملخصه : «قوله : ( @QUR@03 بدلوا نعمت الله ) لأن ~~شكرها الذي وجب عليهم وضعوا مكانه كفرا ، فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر ~~وبدلوه تبديلا. # وهم أهل مكة أسكنهم الله حرمه ، وجعلهم قوام بيته ، وأكرمهم بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم فكفروا نعمة الله بدل ما لزمهم من الشكر العظيم ، أو ~~أصابهم الله بالنعمة في الرخاء والسعة لإيلافهم الرحلتين ، فكفروا نعمته ، ~~فضربهم بالقحط سبع سنين ، فحصل لهم الكفر بدل النعمة ، وكذلك حين أسروا ~~وقتلوا يوم بدر ، قد ذهبت النعمة عنهم ، وبقي الكفر طوقا في أعناقهم ..» (1). # وقال الإمام ابن كثير ما ملخصه : «قال البخاري قوله : ( @QUR@08 ألم تر ~~إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا .. ) حدثنا على بن عبد الله حدثنا سفيان ، ~~عن عمرو ، عن عطاء ، سمع ابن عباس قال : هم كفار أهل مكة. # ثم قال ابن كثير : وهذا هو الصحيح ، وإن كان المعنى يعم جميع الكفار ، ~~فإن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين ، ونعمة للناس ؛ ~~فمن قبلها وقام بشكرها دخل الجنة ، ومن ردها وكفرها دخل النار ...» (2). # وما ذهب إليه صاحب الكشاف وابن كثير رحمهما الله هو الذي تطمئن إليه النفس ~~، لأن مشركي مكة ومن سار على شاكلتهم تنطبق عليهم هذه الآية الكريمة. # وقد أورد بعض المفسرين هنا روايات في أن المراد بهؤلاء الذين بدلوا نعمة ~~الله كفرا ، بنو أمية وبنو مخزوم .. ولكن هذه الروايات بعيدة عن الصواب ، ~~ولا سند لها من النقل الصحيح» (3). # وقوله ( @QUR@04 وأحلوا قومهم دار البوار ) معطوف على «بدلوا» لبيان ~~رذيلة أخرى من رذائلهم المتعددة والمراد بقومهم : أتباعهم وشركاؤهم في ~~الكفر والعناد حتى ماتوا على ذلك. # والبوار : الهلاك والخسران ، ويطلق أيضا على الكساد. يقال : بار المتاع ~~بوارا ، إذا كسد ، إذ الكاسد في حكم الهالك. PageV07P555 # والمعنى : ألم تر أيها العاقل إلى حال هؤلاء المشركين ، الذين قابلوا نعم ~~الله عليهم بالكفر والجحود ، وكانوا سببا في إنزال قومهم دار الهلاك ~~والخسران. # وقوله سبحانه ( @QUR@04 جهنم يصلونها وبئس القرار ) بيان لدار بوارهم ~~وهلاكهم ms3215 أى : جهنم يصلون حرها وسعيرها ، وبئس القرار قرارهم فيها. # فقوله «جهنم» عطف بيان لدار البوار ، وقوله «يصلونها» في محل نصب حال من ~~«جهنم» يقال : صلى فلان النار من باب تعب إذا ذاق حرها ، وتقول : صليت ~~اللحم أصليه من باب رمى إذا شويته. # والمخصوص بالذم محذوف. أى : بئس القرار هي أى : جهنم. # وفيه إشارة إلى أن حلولهم فيها كائن على وجه الدوام والاستمرار. # ثم بين سبحانه لونا ثالثا من ألوان أعمالهم القبيحة ، وعقائدهم الباطلة ~~فقال ( @QUR@06 وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله .. ). # والأنداد : جمع ند وهو مثل الشيء الذي يضاده وينافره ويتباعد عنه. # وأصله من ند البعير يند بكسر النون ندا بالفتح إذا نفر وذهب على وجهه شاردا. # وقوله «ليضلوا» قرأ الجمهور بضم الياء من أضل غيره إذا جعله ضالا. # أى : أن هؤلاء الخاسرين لم يكتفوا بمقابلة نعمة الله بالجحود ، وإحلال ~~قومهم دار البوار ، بل أضافوا إلى ذلك أنهم جعلوا لله تعالى أمثالا ونظراء ~~، ليصرفوا غيرهم عن الطريق الحق ، والصراط المستقيم ، الذي هو إخلاص ~~العبادة لله تعالى وحده. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «ليضلوا» بفتح الياء أى : ليستمروا في ضلالهم ، ~~فإنهم حين جعلهم الأنداد لله تعالى كانوا ضالين ، وجهلوا ذلك فاستمروا في ~~ضلالهم توهما منهم أنهم على صواب. # قال صاحب الكشاف : قرئ «ليضلوا» بفتح الياء وضمها. فإن قلت : الضلال لم ~~يكن غرضهم في اتخاذ الأنداد فما معنى اللام؟ # قلت : لما كان الضلال والإضلال نتيجة اتخاذ الأنداد ، كما كان الإكرام في ~~قولك ، جئتك لتكرمنى نتيجة المجيء ، دخلته اللام ، وإن لم يكن غرضا ، على ~~طريق التشبيه والتقريب» (1). PageV07P556 # وقوله سبحانه ( @QUR@06 قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار ) أمر منه عز وجل ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يهددهم بهذا المصير الأليم. # والتمتع بالشيء : الانتفاع به مع التلذذ والميل إليه. # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الخاسرين ، تمتعوا بما شئتم التمتع به ~~من شهوات ولذائذ ، فإن مصيركم إلى النار لا محالة. # قال صاحب فتح القدير ما ملخصه : قوله «قل تمتعوا» بما أنتم فيه من ~~الشهوات ، وبما زينته ms3216 لكم أنفسكم من كفران للنعم «فإن مصيركم إلى النار» أى ~~: مرجعكم إليها ليس إلا. # ولما كان هذا حالهم ، وقد صاروا لفرط تهالكهم عليه لا يقلعون عنه. جعل ~~سبحانه الأمر بمباشرته مكان النهى عن قربانه ، إيضاحا لما تكون عليه ~~عاقبتهم ، وأنهم لا محالة صائرون إلى النار. # فجملة «فإن مصيركم إلى النار» تعليل للأمر بالتمتع ، وفيه من التهديد ما ~~لا يقادر قدره. # ويجوز أن تكون هذه الجملة جوابا لمحذوف دل عليه السياق كأنه قيل : قل ~~تمتعوا فإن دمتم على ذلك فإن مصيركم إلى النار. # والأول أولى والنظم القرآنى عليه أدل ، وذلك كما يقال لمن يسعى في مخالفة ~~السلطان : اصنع ما شئت من المخالفة فإن مصيرك إلى السيف» (1). # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@08 قل تمتع بكفرك قليلا إنك من ~~أصحاب النار ) (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@07 نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ ) (3). # وقوله تعالى ( @QUR@014 لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد* متاع قليل ~~ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد ) (4). # وبعد هذا الأمر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بتهديد الكافرين ، ~~وجه سبحانه أمرا آخر له صلى الله عليه وسلم طلب منه فيه ، مواصلة دعوة ~~المؤمنين إلى الاستمرار في التزود من العمل الصالح فقال تعالى : ( @QUR@021 ~~قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ، من ~~قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال ). PageV07P557 # قال الجمل : «قوله «قل لعبادي ... إلخ» مفعول قل محذوف يدل عليه جوابه ، ~~أى : قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا وقوله : يقيموا وينفقوا مجزومان في جواب ~~الأمر ، أى : إن قلت لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا ... يقيموا وينفقوا. # ويجوز أن يكون قوله «يقيموا وينفقوا» مجزومين بلام الأمر المقدرة. # أى : ليقيموا الصلاة ولينفقوا ...» (1). # والمراد بإقامة الصلاة : المواظبة على أدائها في أوقاتها المحددة لها ، ~~مع استيفائها لأركانها وسننها وآدابها وخشوعها ، ومع إخلاص النية عند ~~أدائها لله تعالى . # والمراد بالإنفاق : ما يشمل جميع وجوه الإنفاق الواجبة والمستحبة. # والمراد بقوله «سرا وعلانية» ما يتناول عموم الأحوال في الحرص على بذل ~~المال في وجوهه المشروعة. # والمعنى : قل أيها ms3217 الرسول الكريم لعبادي المخلصين ، الذين آمنوا إيمانا ~~حقا ، قل لهم : ليستزيدوا من المواظبة على أداء الصلاة ، وعلى الإنفاق مما ~~رزقناهم في جميع الأحوال ، بأن يجعلوا نفقتهم في السر إذا كانت آداب الدين ~~وتعاليمه تقتضي ذلك ، وأن يجعلوها في العلن إذا كانت المنفعة في ذلك. # والإضافة في قوله «لعبادي» للتشريف والتكريم لهؤلاء العباد المخلصين. # ولم تعطف هذه الآية الكريمة على ما قبلها وهو قوله ( @QUR@06 قل تمتعوا ~~فإن مصيركم إلى النار ) للإيذان بتباين حال الفريقين ، واختلاف شأنهما. # ومفعول «ينفقوا» محذوف والتقدير ينفقوا شيئا مما رزقناهم. # وعبر سبحانه بمن المفيدة للتبعيض في قوله ( @QUR@02 مما رزقناهم ) ~~للاشعار بأنهم قوم عقلاء يبتعدون في إنفاقهم عن الإسراف والتبذير ، عملا ~~بقوله تعالى : ( @QUR@011 والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ~~ذلك قواما ) (2). # وهذا التعبير أيضا يشعر بأن هذا المال الذي بين أيدى عباده سبحانه ما هو ~~إلا رزق رزقهم الله إياه ، ونعمة أنعم بها عليهم ، فعليهم أن يقابلوا هذه ~~النعمة بالشكر ، بأن ينفقوا جزءا منها في وجوه الخير. PageV07P558 # وقوله ( @QUR@02 سرا وعلانية ) منصوبان على الحال أى : مسرين ومعلنين ، ~~أو على المصدر أى : إنفاق سر وإنفاق علانية. # وقدم سبحانه إنفاق السر على العلانية للتنبيه على أنه أولى الأمرين في ~~معظم الأحوال لبعده عن خواطر الرياء ، ولأنه أستر للمتصدق عليه. # وقوله سبحانه ( @QUR@010 من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال ) مؤكد ~~لمضمون ما قبله من الأمر بإقامة الصلاة وبالإنفاق في وجوه الخير بدون تردد ~~أو إبطاء. # ولفظ «خلال» مصدر خاللت بمعنى صاحبت وصادقت ، أو جمع خليل بمعنى صديق ، ~~أو جمع خلة بمعنى الصداقة كقلة وقلال. # أى : قل لهم أيها الرسول الكريم بأن من الواجب عليهم أن يكثروا ويداوموا ~~على إقامة الصلاة وعلى الإنفاق مما رزقهم سبحانه ، من قبل أن يفاجئهم يوم ~~القيامة ، ذلك اليوم الذي لا تقبل فيه المعاوضات ، ولا تنفع فيه شفاعة ~~الصديق لصديقه ، وإنما الذي يقبل وينفع في هذا اليوم هو العمل الصالح الذي ~~قدمه المسلم في دنياه. # فالجملة الكريمة تفيد حضا آخر على إقام ms3218 الصلاة وعلى الإنفاق عن طريق ~~التذكير للناس بهذا اليوم الذي تنتهي فيه الأعمال ، ولا يمكن فيه استدراك ~~ما فاتهم ، ولا تعويض ما فقدوه من طاعات. # كما تفيد أن المواظبة على أداء هاتين الشعيرتين ، من أعظم القربات التي ~~يتقرب بها المسلم إلى خالقه سبحانه والتي تكون سببا في رفع الدرجات يوم ~~القيامة. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى ( @QUR@022 يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما ~~رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم ~~الظالمون ) (1). # ثم ساق سبحانه بعد ذلك ألوانا من نعمه التي تستوجب شكره وطاعته وإخلاص ~~العبادة له والتي تدل على كمال قدرته وعلمه ووحدانيته فقال تعالى ( @QUR@05 ~~الله الذي خلق السماوات والأرض ... ). # أى : الله تعالى وحده هو الذي أوجد السموات والأرض وما فيهما من أجرام ~~علوية وسفلية بدون مثال سابق. # وافتتحت الآية الكريمة بلفظ الجلالة ، لما في ذلك من تربية المهابة ، ومن ~~لفت أنظار PageV07P559 # المشركين إلى ما هم فيه من ضلال حتى يقلعوا عنه. # وجاء الخبر بصيغة الموصول ، لأن الصلة معلومة الثبوت له سبحانه والمشركون ~~لا ينازعون في ذلك ، كما قال تعالى ( @QUR@08 ولئن سألتهم من خلق السماوات ~~والأرض ليقولن الله ). # وقوله ( @QUR@010 وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم .. ) ~~بيان للون آخر من ألوان نعمه على خلقه. # والمراد بالسماء هنا : السحاب ، أو جهة العلو. # أى : وأنزل سبحانه من المزن أو السحاب «ماء» كثيرا هو المطر ، «فأخرج به» ~~أى بذلك الماء «من الثمرات» المتعددة الأنواع والأصناف «رزقا لكم» تنتفعون ~~به ، وتتمتعون بجمال منظره وطيب مطعمه. # ثم حكى سبحانه ألوانا أخرى من نعمه فقال : ( @QUR@019 وسخر لكم الفلك ~~لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار. وسخر لكم الشمس والقمر دائبين ، ~~وسخر لكم الليل والنهار ). # وقوله «سخر» من التسخير بمعنى التذليل والتطويع والقدرة على التصرف في ~~الشيء والانتفاع به. # والفلك : ما عظم من السفن. ويستعمل لفظه في الواحد والجمع ، والظاهر أن ~~المراد به هنا الجمع لقوله سبحانه «لتجرى» بتاء التأنيث. # أى : «وسخر لكم» سبحانه السفن الضخمة العظيمة ms3219 ، بأن ألهمكم صنعها ، ~~وأقدركم على استعمالها «لتجرى في البحر» إلى حيث تريدون «بأمره» وإذنه ~~ومشيئته ، لا بإذنكم ومشيئتكم ، إذ لو شاء سبحانه لقلبها بكم. # «وسخر لكم الأنهار» بأن جعلها معدة لانتفاعكم ، إذ منها تشربون ، ومنها ~~تسقون دوابكم وزروعكم ، وعليها تسيرون بسفنكم إلى حيث تريدون. # ( @QUR@05 وسخر لكم الشمس والقمر دائبين ) أى : دائمين في إصلاح ما ~~يصلحان من الأبدان والنبات وغيرهما أو دائمين في مدارهما المقدر لهما بدون ~~اضطراب أو اختلال. ولا يفتران عن ذلك ما دامت الدنيا. # وأصل الدأب : الدوام والعادة المستمرة على حالة واحدة. يقال : دأب فلان ~~على كذا يدأب دأبا ، إذا داوم عليه وجد فيه. PageV07P560 # و «وسخر لكم الليل والنهار» بأن جعلهما متعاقبين ، يأتى أحدهما في أعقاب ~~الآخر ، فتنتفعون بكل منهما بما يصلح أحوالكم. # فالليل تنتفعون به في راحتكم ومنامكم ... والنهار تنتفعون به في معاشكم ~~وطلب رزقكم قال تعالى ( @QUR@06 وجعلنا الليل لباسا ، وجعلنا النهار معاشا ). # تم ختم سبحانه هذه النعم بقوله ( @QUR@05 وآتاكم من كل ما سألتموه ... ). # أى : وأعطاكم فضلا عما تقدم من النعم بعضا من جميع ما سألتموه إياه من ~~نعم ، على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته التي لا تعلمونها كما قال تعالى ( ~~@QUR@017 ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء ~~، إنه بعباده خبير بصير ) (1). # قال الجمل ما ملخصه «قوله ( @QUR@05 وآتاكم من كل ما سألتموه ) أى : كل ~~نوع أو كل صنف سألتموه أى : شأنكم أن تسألوه لاحتياجكم إليه ، وإن لم ~~تسألوه بالفعل. # وفي «من» قولان : أحدهما أنها زائدة في المفعول الثاني ، أى : آتاكم كل ~~ما سألتموه. # والثاني أن تكون تبعيضية أى : وآتاكم بعض جميع ما سألتموه وعلى هذا ~~فالمفعول محذوف تقديره : وآتاكم شيئا من كل ما سألتموه ، وهو رأى سيبويه ~~..» (2). # وجملة «وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها» مؤكدة لمضمون ما قبلها. # أى : وإن تحاولوا عد نعم الله عليكم ، وتحاولوا تحديد هذا العدد ، لن ~~تستطيعوا ذلك لكثرة هذه النعم ، وخفاء بعضه عليكم. # والإحصاء : ضبط العدد وتحديده ، مأخوذ من الحصا وهو صغار الحجارة لأن ~~العرب كانوا ms3220 يعدون الأعداد الكثيرة بالحصى تجنبا للخطأ. # قال ابن كثير : «يخبر سبحانه عن عجز العباد من تعداد نعمه فضلا عن القيام ~~بشكرها ، كما قال طلق بن حبيب رحمه الله : إن حق الله أثقل من أن يقوم به ~~العباد ، وإن نعم الله أكثر من يحصيها العباد ولكن أصبحوا توابين وأمسوا ~~توابين. # وفي صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : «لك الحمد غير ~~مكفى أى لم يكفه غيره بل هو سبحانه يكفى غيره ولا مودع أى متروك حمده ، PageV07P561 # ولا مستغنى عنه ربنا أى هو الذي يحتاج إليه الخلق ...» (1). # والمراد بالإنسان في قوله ( @QUR@04 إن الإنسان لظلوم كفار ) نوع معين ~~منه وهو الكافر كما في قوله تعالى ( @QUR@08 ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف ~~أخرج حيا ). # أى : إن الإنسان الكافر لشديد الظلم لنفسه بعبادته لغير الله تعالى ، ~~ولشديد الجحود والكفران لنعمه عز وجل . # ويرى بعضهم أن المراد بالإنسان هنا الجنس. # قال الشوكانى : قوله سبحانه : ( @QUR@03 إن الإنسان لظلوم ) أى لنفسه ~~بإغفاله لشكر نعم الله عليه ، وظاهره شمول كل إنسان. وقال الزجاج : إن ~~الإنسان هنا اسم جنس يقصد به الكافر خاصة ، كما في قوله تعالى ( @QUR@05 ~~والعصر إن الإنسان لفي خسر ) «كفار» أى : شديد كفران نعم الله عليه ، جاحد ~~لها ، غير شاكر لله عليها كما ينبغي ويجب عليه» (2). # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ابتدأت ببيان سوء عاقبة الذين بدلوا ~~نعمة الله كفرا ، وثنت بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يحض المؤمنين ~~الصادقين على الاستزادة من إقامة الصلاة ومن الإنفاق في سبيل الله. # ثم ساقت عشر نعم تدل دلالة واضحة على وحدانية الله تعالى وعلمه وقدرته ، ~~وهذه النعم هي خلق السموات والأرض ، وإنزال المطر من السماء ، وإخراج ~~الثمرات به ، وتسخير الفلك في البحار ، وتسخير الأنهار ، وتسخير الشمس ~~والقمر دائبين ، وتسخير الليل والنهار. # ثم ختمت ببيان أنه سبحانه قد أعطى الناس فضلا عن كل ذلك جميع ما يحتاجون ~~إليه في مصالحهم على حسب حكمته ومشيئته ولكن الناس إلا من عصم الله لا ~~يقابلون نعمه ms3221 سبحانه بما تستحقه من شكر ، لشدة ظلمهم وكثرة جحودهم. # ثم ساق سبحانه بعد ذلك بعض الدعوات التي تضرع بها إبراهيم عليه السلام إلى ~~ربه ، وهي دعوات تدل على شكره لخالقه ، وحسن صلته به ، ورجائه في فضله .. ~~فقال تعالى : PageV07P562 # ( @QUR@013 وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد ~~الأصنام (35) @QUR@015 رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ~~ومن عصاني فإنك غفور رحيم (36) @QUR@026 ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ~~ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي ~~إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون (37) @QUR@018 ربنا إنك تعلم ما ~~نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء (38) ~~@QUR@013 الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع ~~الدعاء (39) @QUR@09 رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء (40) ~~@QUR@08 ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ) (41) # هذه بعض الدعوات التي ابتهل بها إبراهيم عليه السلام إلى ربه ، وقد تقبلها ~~الله تعالى منه قبولا حسنا. # وفي هذه الدعوات تنبيه لمشركي مكة الذين بدلوا نعمة الله كفرا ، والذين ~~جحدوا نعم الله عليهم ، بأن من الواجب عليهم أن يثوبوا إلى رشدهم ، وأن ~~يستجيبوا لدعوة الحق ، وأن يقتدوا بإبراهيم عليه السلام في إيمانه وشكره ~~لخالقه سبحانه . PageV07P563 # و «إذ» ظرف لما مضى من الزمان ، وهو منصوب على المفعولية لفعل محذوف. # و «رب» منادى بحرف نداء محذوف أى : يا رب. # والمراد بالبلد : مكة المكرمة شرفها الله تعالى . # والمعنى : واذكر أيها العاقل وقت أن قال إبراهيم مناديا ربه : يا رب اجعل ~~هذا البلد ذا أمن وسلام واستقرار. # وقدم إبراهيم عليه السلام في دعائه نعمة الأمن على غيرها لأنها أعظم أنواع ~~النعم ، ولأنها إذا فقدها الإنسان ، اضطرب فكره ، وصعب عليه أن يتفرغ لأمور ~~الدين أو الدنيا بنفس مطمئنة ، وبقلب خال من المتغصات والمزعجات. # قال الإمام الرازي : «سئل بعض العلماء : الأمن أفضل أم الصحة؟ فقال الأمن ~~أفضل ، والدليل عليه أن شاة لو انكسرت رجلها فإنها ms3222 تصح بعد زمان ، ولا ~~يمنعها هذا الكسر من الإقبال على الرعي والأكل والشرب. # ولو أنها ربطت وهي سليمة في موضع ، وربط بالقرب منها ذئب ، فإنها تمسك عن ~~الأكل والشرب ، وقد تستمر على ذلك إلى أن تموت. # وذلك يدل على أن الضرر الحاصل من الخوف ، أشد من الضرر الحاصل من ألم ~~الجسد ، (1). # وقال الإمام ابن كثير ما ملخصه : «يذكر الله تعالى في هذا المقام محتجا ~~على مشركي مكة الذين كانوا يزعمون أنهم على ملة إبراهيم بأن مكة إنما وضعت ~~أول ما وضعت على عبادة الله تعالى وحده ، وأن إبراهيم قد تبرأ ممن عبد غير ~~الله ، وأنه دعا لمكة بالأمن وقد استجاب الله له فقال تعالى : ( @QUR@010 ~~أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم .. ) وقال تعالى ( ~~@QUR@019 إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين ، فيه آيات ~~بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ... ) (2). # وقال صاحب الكشاف : «فإن قلت : أى فرق بين قوله تعالى في سورة البقرة ( ~~@QUR@05 رب اجعل هذا بلدا آمنا ... ) (3). # وبين قوله هنا ( @QUR@05 رب اجعل هذا البلد آمنا ... )؟. PageV07P564 # قلت : قد سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها ولا ~~يخافون ، وسأل في الثاني أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من ~~الأمن ، كأنه قال : هو بلد مخوف فاجعله آمنا ..» (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@05 واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ) حكاية لدعوة أخرى ~~من الدعوات التي تضرع بها إبراهيم عليه السلام إلى خالقه سبحانه . # وقوله «واجنبنى» بمعنى وأبعدنى مأخوذ من قولك جنبت فلانا عن كذا ، إذا ~~أبعدته عنه ، وجعلته في جانب آخر ، وفعله جنب من باب نصر. # والمراد ببنيه : أولاده من صلبه ، أوهم من تناسل معهم. # والأصنام جمع صنم ، وهو التمثال الذي كان مشركو العرب يصنعونه من الحجر ~~ونحوه لكي يعبدوه من دون الله. # والمعنى : أسألك يا ربي أن تجعل مكة بلدا آمنا ، كما أسألك أن تعصمني ~~وتعصم ذريتي من بعدي من عبادة الأصنام ، وأن تجعل عبادتنا خالصة لوجهك ~~الكريم. # وقد بين سبحانه في آيات ms3223 أخرى ، أنه قد أجابه في بعض ذريته دون بعض. # ومن ذلك قوله تعالى ( @QUR@025 سلام على إبراهيم* كذلك نجزي المحسنين* ~~إنه من عبادنا المؤمنين* وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين* وباركنا عليه ~~وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين ) (2). # وقوله : ( @QUR@06 رب إنهن أضللن كثيرا من الناس ... ) تعليل لسؤال ~~إبراهيم ربه أن يجنبه وذريته عبادة الأصنام. # أى : يا رب لقد تضرعت إليك بأن تعصمني وبنى عن عبادة الأصنام ، لأنها ~~كانت سببا في إضلال كثير من الناس عن اتباع الحق ، وعن الهداية إلى الصراط ~~المستقيم. # وأسند الإضلال إليها مع أنها جمادات لا تعقل ، لأنها كانت سببا في إضلال ~~كثير من الناس ، فكأنها أضلتهم ، فنسبة الإضلال إليها مجازية من باب نسبة ~~الشيء إلى سببه ، كما يقال : فلان فتنته الدنيا وأضلته ، وهو إنما فتن وضل ~~بسببها. # وقوله سبحانه ( @QUR@09 فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ) ~~بيان لموقفه عليه السلام من المهتدين والضالين. PageV07P565 # أى : فمن تبعني من الناس في ديني وعقيدتي ، فإنه يصير بهذا الاتباع من ~~أهل ديني وهو دين الإسلام ، ومن عصاني ولم يقبل الدخول في الدين الحق ، ~~فإنى أفوض أمره إليك ، فأنت سبحانك لا تسأل عما تفعل وغيرك يسأل. # فالجملة الكريمة تدل على الأدب السامي ، والخلق العالي ، الذي كان يتحلى ~~به إبراهيم عليه السلام في مخاطبته لربه عز وجل حيث فوض الأمور إليه دون أن ~~يقطع فيها برأى ، كما تدل على رقة قلبه وشفقته على العصاة من الوقوع في ~~العذاب الأليم. # وشبيه بهذه الآية ما حكاه سبحانه عن عيسى عليه السلام في قوله : ( ~~@QUR@011 إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) (1). # هذا ، ولا نرى وجها لما ذهب إليه بعض المفسرين ، من أن قول إبراهيم ~~عليه السلام «ومن عصاني فإنك غفور رحيم» كان قبل أن يعلم بأن الله لا يغفر ~~الشرك ، أو أن المراد بالمعصية هنا مادون الشرك ، أو أن المغفرة مقيدة ~~بالتوبة من الشرك ..» (2). # نقول : لا نرى وجها لكل ذلك ، لأن الجملة الكريمة ليس المقصود بها الدعاء ~~بالمغفرة لمن ms3224 عصى ، وإنما المقصود بها تفويض أمر العصاة إلى الله تعالى إن ~~شاء غفر لهم ورحمهم ، وإن شاء عذبهم. # ثم حكى سبحانه دعاء آخر من تلك الأدعية التي تضرع بها إبراهيم إليه تعالى ~~فقال : ( @QUR@015 ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك ~~المحرم ، ربنا ليقيموا الصلاة .. ). # و «من» في قوله «من ذريتي» للتبعيض. # والوادي : هو المكان المنخفض بين مرتفعات ، والمقصود به وادي مكة ~~المكرمة. # والمعنى : يا ربنا إنى أسكنت بعض ذريتي وهو ابني إسماعيل ومن يولد له ، ~~بواد غير ذي زرع قريبا من بيتك المحرم ، أى : الذي حرمت التعرض له بسوء ~~توقيرا وتعظيما ، والذي جعلته مثابة للناس وأمنا ، وفضلته على غيره من ~~الأماكن. # وقوله ( @QUR@03 ربنا ليقيموا الصلاة ) بيان للباعث الذي دفعه لإسكان بعض ~~ذريته في هذا المكان الطيب. PageV07P566 # أى : يا ربنا إنى أسكنتهم ، هذا المكان ليتفرغوا لإقامة الصلاة في جوار ~~بيتك ، وليعمروه بذكرك وطاعتك. # فاللام في قوله «ليقيموا» للتعليل وهي متعلقة بأسكنت. # وخصت الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات ، لمزيد فضلها ، ولكمال العناية ~~بشأنها. # قال القرطبي : «تضمنت هذه الآية أن الصلاة بمكة أفضل من الصلاة بغيرها ، ~~لأن معنى «ربنا ليقيموا الصلاة» أى : أسكنتهم عند بيتك المحرم ليقيموا ~~الصلاة فيه. # وقد اختلف العلماء هل الصلاة بمكة أفضل أو في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ؟ # فذهب عامة أهل الأثر إلى أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في ~~مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بمائة صلاة ، واحتجوا بحديث عبد الله بن ~~الزبير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «صلاة في مسجدى هذا أفضل من ~~ألف صلاة فيما سواه من المساجد ، إلا المسجد الحرام ، وصلاة في المسجد ~~الحرام أفضل من صلاة في مسجدى هذا بمائة صلاة». # وقد روى عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث ابن الزبير» (1). # وقوله ( @QUR@011 فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات ~~لعلهم يشكرون ) دعاء جامع لمطالب الدين والدنيا ، لأن الناس يذهبون إلى ~~البيت الحرام للتقرب إلى الله تعالى ms3225 ، وليتبادلوا المنافع عن طريق التجارة ~~وغيرها مع السكان المجاورين لهذا البيت المعمور. # والأفئدة : جمع فؤاد ، والمراد بها القلوب والنفوس. # والمراد بالناس في قوله «من الناس» المؤمنون منهم ، لأنهم هم الذين ~~يذهبون إلى البيت الحرام ، ليشهدوا منافع لهم ، وليتقربوا إليه سبحانه بحج بيته. # وتهوى إليهم : أى تسرع إليهم ، يقال : هوى بفتح الواو يهوى بكسرها إذا ~~أسرع في السير ، ومنه قولهم : هوت الناقة تهوى هويا ، إذا عدت عدوا شديدا. # والأصل فيه أن يتعدى باللام ، وعدى هنا بإلى لتضمنه معنى تميل وتسرع. # أى : يا ربنا إنى تركت بعض ذريتي في جوار بيتك ، فأسألك يا إلهى أن تجعل ~~نفوس الناس وقلوبهم تحن إلى هذا المكان ، وتطير فرحا إليه ، وارزق من ~~تركتهم وديعة في جوار بيتك من PageV07P567 # الثمرات المختلفة ما يغنيهم لعلهم بهذا العطاء الجزيل يزدادون شكرا لك ، ~~ومسارعة في طاعتك وعبادتك. # وقال سبحانه ( @QUR@06 فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ) ولم يقل فاجعل ~~الناس تهوى إليهم ، للإشارة إلى أن سعى الناس إليهم يكون عن شوق ومحبة حتى ~~لكأن المسرع إلى هذا الجوار الطيب هو القلب والروح وليس الجسد وحده. # قال صاحب الكشاف ما ملخصه : «وقد أجاب الله تعالى دعوة إبراهيم ~~عليه السلام فجعل البيت الحرام حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من ~~لدنه ، ثم فضله في وجود أصناف الثمار فيه على كل ريف وعلى أخصب البلاد ~~وأكثرها ثمارا ، وفي أى بلد من الشرق والغرب ، ترى الأعجوبة التي يريكها ~~الله بواد غير ذي زرع وهي اجتماع البواكير من الفواكه المختلفة الأزمان من ~~الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد ، وليس ذلك من آياته عجيب ، متعنا ~~الله بسكنى حرمه ، ووفقنا لشكر نعمه وأدام لنا التشرف بالدخول تحت دعوة ~~إبراهيم ، ورزقنا طرفا من سلامة ذلك القلب السليم» (1). # هذا ، وقد ساق الإمام الآلوسى عند تفسيره لهذه الآية قصة إسكان إبراهيم ~~لبعض ذريته في هذا المكان فقال ما ملخصه : «وهذا الإسكان إنما كان بعد أن ~~حدث ما حدث بين إبراهيم وبين زوجه سارة ، وذلك أن هاجر أم إسماعيل كانت ms3226 أمة ~~من القبط لسارة فوهبتها لإبراهيم عليه السلام فتزوجها فولدت له إسماعيل. ~~فدبت الغيرة في قلب سارة ولم تصبر على بقائها معها فأخرج إبراهيم ~~عليه السلام هاجر وابنها إلى أرض مكة ، فوضعهما عند البيت ، عند دوحة فوق ~~زمزم في أعلى المسجد ، وليس يومئذ أحد ، وليس بها ماء ، ووضع عندهما جرابا ~~فيه تمر وسقاء فيه ماء ، ثم قفى منطلقا فتبعته هاجر ، فقالت له : يا ~~إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس. # قالت له ذلك مرارا وهو لا يلتفت إليها ، فقالت له : آلله أمرك بهذا؟ قال ~~: نعم. قالت : إذا لا يضيعنا ، ثم رجعت. # وانطلق إبراهيم عليه السلام حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه ، استقبل ~~بوجهه البيت وكان إذ ذاك مرتفعا من الأرض كالرابية ثم دعا بهذه الدعوات ، ~~ورفع يديه فقال : ( @QUR@09 ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع .. ) الآية. # ثم إنها جعلت ترضع ابنها وتشرب مما في السقاء حتى إذا نفد ما في السقاء ، عطشت PageV07P568 # وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلبط أى يتلوى ويتمرغ من شدة العطش ، ~~فانطلقت كراهية أن تنظر إليه ، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها ، ~~فقامت عليه ، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا. فلم تر أحدا ، فهبطت من ~~الصفا ، حتى إذا بلغت الوادي ، رفعت طرف درعها ، ثم سعت سعى الإنسان ~~المجهود حتى جاوزت الوادي ، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدا ، ~~فلم تر أحدا ، ففعلت ذلك سبع مرات ، ولذلك سعى الناس بينهما سبعا. # فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت : صه! تريد نفسها ثم تسمعت فسمعت ~~أيضا صوتا فقالت : قد أسمعت إن كان عندك غواث ، فإذا هي بالملك عند موضع ~~زمزم ، فبحث بعقبه حتى ظهر الماء ، فجعلت تحوضه وتغرف منه في سقائها وهو ~~يفور ، فشربت وأرضعت ولدها ، وقال لها الملك : لا تخافي الضيعة ، فإن هاهنا ~~بيت الله تعالى يبنيه هذا الغلام وأبوه ، وإن الله تعالى لن يضيع أهله. # ثم إنه مرت بهما رفقة من جرهم ، فرأوا طائرا عائفا أى ms3227 يتردد على الماء ~~ولا يمضى فقالوا : لا طير إلا على الماء ، فبعثوا رسولهم فنظر فإذا بالماء ~~، فأتاهم فقصدوه وأم إسماعيل عنده ، فقالوا : أشركينا في مائك نشركك في ~~ألباننا ، ففعلت ، فلما أدرك إسماعيل عليه السلام زوجوه امرأة منهم» (1). # ثم حكى سبحانه دعاء آخر من تلك الدعوات الخاشعة التي تضرع بها إبراهيم ~~إلى ربه فقال : ( @QUR@018 ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن ، وما يخفى على ~~الله من شيء في الأرض ولا في السماء ). # أى : يا ربنا إنك وحدك العليم بما تخفيه نفوسنا من أسرار ؛ وما تعلنه ~~وتظهره من أقوال ، لأن الظاهر والمضمر بالنسبة إليك سواء ، فأنت يا إلهى لا ~~يخفى عليك شيء من الأشياء ، سواء أكان هذا الشيء في الأرض أم في السماء أم ~~في غيرهما. # وإنما ذكر السماء والأرض لأنهما المشاهدتان للناس ، وإلا فعلمه سبحانه ~~محيط بكل ما في هذا الكون. # ثم حكى سبحانه ما قاله إبراهيم عليه السلام في مقام شكره لله على نعمه ~~فقال تعالى : ( @QUR@013 الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق ، ~~إن ربي لسميع الدعاء ). PageV07P569 # والحمد هو الثناء باللسان على من صدرت منه النعمة ، وأل فيه للاستغراق أى ~~: جميع أجناس الحمد ثابتة لله رب العالمين ، لأن كل ما يستحق أن يقابل ~~بالثناء والحمد فهو صادر عنه سبحانه إذ هو الخالق لكل شيء. # وعلى في قوله «على الكبر» للاستعلاء المجازى وهي بمعنى مع. أى : وهب لي ~~مع الكبر الذي لا تحصل معه في الغالب ولادة. # وإسماعيل هو الابن الأكبر لإبراهيم ، وقد رزقه الله به من زوجه هاجر كما ~~سبق أن أشرنا ، أما إسحاق فكان أصغر من إسماعيل ، وقد رزقه الله به من زوجه ساره. # قال الفخر الرازي : «اعلم أن القرآن يدل على أنه تعالى إنما أعطى إبراهيم ~~عليه السلام هذين الولدين على الكبر والشيخوخة ، فأما مقدار ذلك السن فغير ~~معلوم من القرآن. وإنما يرجع فيه إلى الروايات فقيل لما ولد إسماعيل كان سن ~~إبراهيم تسعا وتسعين سنة ، ولما ولد إسحاق كان سنه مائة واثنتي عشرة سنة. # وإنما ms3228 ذكر قوله «على الكبر لأن المنة بهبة الولد في هذا السن أعظم ، من ~~حيث إن هذا الزمان زمان وقوع اليأس من الولادة ، والظفر بالحاجة في وقت ~~اليأس من أعظم النعم ، ولأن الولادة في هذه السن المتقدمة كانت آية ~~لإبراهيم» (1). # وجملة «إن ربي لسميع الدعاء» تعليل لجملة «وهب لي على الكبر» أى : وهب لي ~~على الكبر هذين الولدين ، لأنه سبحانه سمع دعائي وتقبله ، وأجاب طلبى دون ~~أن يخيبني. # فالسميع هنا مستعمل على سبيل المجاز في إجابة المطلوب ، ومنه قول القائل ~~: سمع الملك كلام فلان ، إذا اعتد به وقبله وعمل بمقتضاه. وهو من إضافة ~~الصفة المتضمنة للمبالغة إلى المفعول. أى : إن ربي يسمع دعائي ويجيبه. # ثم ختم إبراهيم عليه السلام تلك الدعوات الطيبات التي تضرع بها إلى ربه ، ~~بما حكاه الله عنه في قوله : ( @QUR@017 رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ~~ربنا وتقبل دعاء* ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ). # أى : يا رب اجعلنى من عبادك الذين يؤدون الصلاة في أوقاتها بإخلاص وخشوع ~~، واجعل من ذريتي من يقتدى بي في ذلك ، كما أسألك يا رب أن تتقبل دعائي ولا ~~تخيبني في مطلوب أسألك إياه. # كما أسألك يا إلهى أن تغفر لي ذنوبي ، وأن تغفر لوالدي وللمؤمنين ، يوم ~~يقوم الناس PageV07P570 # للحساب ، فتجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب. # وإنما طلب إبراهيم لوالديه المغفرة ، قبل أن يتبين له أن والده عدو لله. ~~فلما تبين له ذلك تبرأ منه. قال تعالى ( @QUR@018 وما كان استغفار إبراهيم ~~لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ) (1). # أما أمه فقال بعضهم : إنها كانت مؤمنة ، وقال آخرون : لعلها توفيت قبل نبوته. # وبعد أن حكى سبحانه تلك الدعوات الطيبات التي تضرع بها إبراهيم إلى ربه ، ~~والتي تضمنت أمهات الفضائل ، كسلامة القلب ، وطهارة النفس ، ورقة العاطفة ، ~~وحسن المراقبة ، وحب الخير لغيره. # بعد كل ذلك حكى سبحانه أحوال الظالمين يوم القيامة ، وأقوالهم في ذلك ~~اليوم الشديد ، ورده تعالى عليهم ، والأسباب التي أدت إلى خسرانهم ms3229 ... فقال ~~تعالى : # ( @QUR@013 ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم ~~تشخص فيه الأبصار (42) @QUR@09 مهطعين مقنعي رؤسهم لا يرتد إليهم طرفهم ~~وأفئدتهم هواء (43) @QUR@026 وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ~~ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم ~~من قبل ما لكم من زوال (44) @QUR@014 وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم ~~وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال (45) @QUR@05 وقد مكروا مكرهم ~~وعند الله PageV07P571 # @QUR@07 مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال (46) @QUR@011 فلا تحسبن ~~الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام (47) @QUR@010 يوم تبدل الأرض ~~غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار (48) @QUR@06 وترى المجرمين ~~يومئذ مقرنين في الأصفاد (49) @QUR@06 سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم ~~النار (50) @QUR@010 ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب (51) ~~@QUR@013 هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر ~~أولوا الألباب ) (52) # قال الإمام القرطبي : «قوله تعالى ( @QUR@07 ولا تحسبن الله غافلا عما ~~يعمل الظالمون ... ) هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن عجبه من أفعال ~~المشركين ، ومخالفتهم دين إبراهيم ، أى : اصبر كما صبر إبراهيم ، وأعلم ~~المشركين أن تأخير العذاب ليس للرضا بأفعالهم ، بل سنة الله إمهال العصاة ~~مدة. قال ميمون بن مهران : هذا وعيد للظالم. وتعزية للمظلوم» (1). # والخطاب في «ولا تحسين» ، يجوز أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم لقصد زيادة ~~تثبيته على الحق ، ودوامه على ذلك ، ويجوز أن يكون لكل من يصلح للخطاب. # والغفلة : سهو يعترى الإنسان بسبب قلة تيقظه وانتباهه ، ولا شك أن ذلك ~~محال في حق الله تعالى ، لذا وجب حمل المعنى على أن المراد بالغفلة هنا : ~~ترك عقاب المجرمين. # والمراد بالظالمين : كل من انحرفوا عن طريق الحق ، واتبعوا طريق الباطل ، ~~ويدخل فيهم دخولا أوليا مشركو مكة ، الذين أبوا الدخول في الإسلام الذي ~~جاءهم به النبي صلى الله عليه وسلم . PageV07P572 # وقوله ( @QUR@06 إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ) استئناف وقع تعليلا ~~للنهى السابق. # وقوله «تشخص» من الشخوص بمعنى رفع البصر بدون تحرك يقال شخص بصر فلان من ms3230 ~~باب خضع فهو شاخص ، إذا فتح عينيه وجعل لا يطرف من شدة الخوف والفزع. # والمعنى : ولا تحسبن أيها الرسول الكريم أن الله تعالى تارك عقاب هؤلاء ~~الظالمين ، الذين كذبوك في دعوتك ، كلا لن يترك الله تعالى عقابهم ، وإنما ~~يؤخره ليوم هائل شديد ، هو يوم القيامة الذي ترتفع فيه أبصار أهل الموقف ، ~~فلا تطرف أجفانهم من هول ما يرونه. # ثم بين سبحانه بعض أحوال هؤلاء الظالمين في هذا اليوم العظيم فقال تعالى ~~: ( @QUR@09 مهطعين مقنعي رؤسهم ، لا يرتد إليهم طرفهم ، وأفئدتهم هواء ). # والإهطاع السير السريع. يقال : أهطع فلان في مشيه فهو يهطع إهطاعا إذا ~~أسرع في سيره بذلة واضطراب. # و «مقنعي رؤوسهم» أى رافعيها ، يقال : أهطع فلان رأسه ، إذا نصبه ورفعه ~~دون أن يلتفت يمينا أو شمالا. وقيل ، إقناع الرءوس طأطأتها وانتكاسها. # الأفئدة : جمع فؤاد ، والمراد بها القلوب. # والمعنى : أن هؤلاء الظالمين يخرجون من قبورهم في هذا اليوم مسرعين إلى ~~الداعي بذلة واستكانة ، كإسراع الأسير الخائف ، رافعي رءوسهم إلى السماء مع ~~إدامة النظر بأبصارهم إلى ما بين أيديهم من غير التفات إلى شيء. # «لا يرتد إليهم طرفهم» أى : لا تتحرك أجفان عيونهم ، بل تبقى مفتوحة بدون ~~حراك لهول ما يشاهدونه في هذا اليوم العصيب. # «وأفئدتهم هواء» أى : وقلوبهم فارغة خالية عن الفهم ، بحيث لا تعى شيئا ~~من شدة الفزع والدهشة ، ومنه قولهم في شأن الأحمق والجبان قلبهما هواء ، أى ~~لا رأى فيه ولا قوة. # وأفرد هواء وإن كان خبرا عن جمع لأنه في معنى فارغة أو خالية. # قال تعالى ( @QUR@05 وأصبح فؤاد أم موسى فارغا ... ) أى خاليا من كل شيء ~~إلا من التفكير في شأن مصير ابنها موسى عليه السلام . # فأنت ترى أن الله تعالى قد وصف هؤلاء الظالمين في هاتين الآيتين بجملة من ~~الصفات الدالة على فزعهم وحيرتهم. # وصفهم أولا بشخوص الأبصار ، ووصفهم ثانيا بالإسراع إلى الداعي في ذلة ~~وانكسار ، PageV07P573 # ووصفهم ثالثا برفع رءوسهم في حيرة واضطراب ، ووصفهم رابعا : بانفتاح ~~عيونهم دون أن تطرف من شدة الوجل ، ووصفهم خامسا بخلو قلوبهم من ms3231 إدراك أى ~~شيء بسبب ما اعتراهم من دهشة ورعب. # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 وأفئدتهم هواء ) من باب التشبيه البليغ الذي ~~حذفت فيه الأداة ، والتقدير : وقلوبهم كالهواء في الخلو من الإدراك من شدة الهول. # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يحذر الناس من أهوال هذا ~~اليوم ، وأن يقدموا العمل الصالح الذي ينفعهم فقال تعالى ( @QUR@017 وأنذر ~~الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب ~~دعوتك ونتبع الرسل ... ). # والإنذار : التخويف من ارتكاب شيء تسوء عاقبته. # والمراد بالناس : جميعهم ، وقيل المراد بهم الكفار. ويبدو أن الأول أرجح ~~لأن الإنذار يكون للمؤمن كما يكون للكافر ، إلا أن المؤمن يستجيب للنصح ~~فينجو من العقاب ، والكافر لا يستجيب فيحل عليه العذاب. # والمعنى : وخوف أيها الرسول الكريم الناس من أهوال يوم القيامة ، ومرهم ~~بأن يستعدوا له بالإيمان والعمل الصالح ، من قبل أن يحل عذابه بالظالمين ~~منهم فيقولون : يا ربنا أعدنا إلى الحياة مرة أخرى ، وأخر أعمارنا وحسابنا ~~إلى وقت قريب ، حتى نستطيع فيه أن نستجيب لدعوتك التي تأمرنا بإخلاص ~~العبادة لك ، وأن نتبع رسلك في كل ما أمرونا به ونتدارك ما فرطنا فيه من ~~أعمال الدنيا. # قال الجمل : «وقوله : «يوم يأتيهم العذاب ...» مفعول ثان لأنذر على حذف ~~المضاف ، أى : أنذرهم أهواله وعظائمه ، فهو مفعول به لا مفعول فيه ، إذ لا ~~إنذار في ذلك اليوم ، وإنما الإنذار يقع في الدنيا ..» (1). # وإنما اقتصر سبحانه على ذكر إتيان العذاب في هذا اليوم. مع كون الثواب ~~يحصل فيه أيضا لأن المقام مقام تهديد وزجر ، فكان من المناسب ذكر أهواله ~~وشدائده. # وجمع لفظ الرسل فقال : «نجب دعوتك ونتبع الرسل» للإشارة إلى أن الرسل ~~جميعا قد جاءوا برسالة واحدة في جوهرها وأصولها ، وهي إخلاص العبادة لله ~~تعالى ، والدعوة إلى مكارم الأخلاق. PageV07P574 # وفي معنى هذه الآية الكريمة جاءت آيات كثيرة ومنها قوله تعالى ( @QUR@024 ~~حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون* لعلي أعمل صالحا فيما تركت ، كلا ~~إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ) (1). # وقوله ms3232 تعالى : ( @QUR@016 ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ، ~~ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون ) (2). # وجملة «أو لم تكونوا أقسمتم من قبل مالكم من زوال» مقول لقول محذوف. # والزوال : الانتقال من مكان إلى آخر ، أو من حال إلى حال ، والمراد به ~~هنا : انتقالهم من قبورهم إلى الحساب يوم القيامة. # والمعنى : أن هؤلاء الظالمين عند ما يقولون يا ربنا أخرنا إلى أجل قريب ~~نجب دعوتك ونتبع الرسل. # يقال لهم من قبل الله والملائكة على سبيل التوبيخ والتبكيت : أو لم ~~تكونوا أيها الظالمون تقسمون بالأيمان المغلظة في الدنيا ، بأنكم بعد موتكم ~~ستبقون في قبوركم إلى أن تبلى أجسادكم ، وأنه ليس بعد ذلك من بعث ولا حساب ~~، ولا ثواب ولا عقاب. # قال تعالى ( @QUR@09 وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ) (3). # فالجملة الكريمة تحكى رفض مطالبهم بأبلغ أسلوب ، حتى يزدادوا حزنا على ~~حزنهم ، وحسرة على حسرتهم. # وجملة «مالكم من زوال» جواب القسم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم ... ) ~~معطوف على «أقسمتم ..». # والمراد بالسكنى : الحلول في أماكن الظالمين لوقت يكفى للاتعاظ والاعتبار ~~وكفار قريش كانوا يمرون بديار قوم ثمود في رحلتهم إلى الشام ، وكانوا يحطون ~~رحالهم هناك ، كما كانوا يمرون على ديار قوم عاد في رحلتهم إلى اليمن. # والمعنى : لقد أقسمتم أيها الضالون بأنكم ما لكم من انتقال من دار الدنيا ~~إلى دار الآخرة ، وحللتم في مساكن القوم الظالمين. PageV07P575 # «وتبين لكم» عن طريق المشاهدة وتواتر الأخبار. # «كيف فعلنا بهم» من الإهلاك والتدمير بسبب كفرهم وفسوقهم. # «وضربنا لكم الأمثال» بما فعلوه وبما فعلناه بهم ، عن طريق كتابنا ، وعلى ~~لسان رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم . # وكان من الواجب عليكم بعد كل ذلك أن تعتبروا وتتعظوا وتثوبوا إلى رشدكم ، ~~وتدخلوا في الإسلام ، ولكنكم كنتم قوما فاسقين ، سائرين على نهج هؤلاء ~~المهلكين في الكفر والفجور ، فاليوم ذوقوا العذاب بسبب جحودكم للحق في ~~الدنيا. # قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : «أى : قد رأيتم وبلغكم ما ~~أحللنا بالأمم المكذبة قبلكم ، ومع هذا ms3233 لم يكن لكم فيهم معتبر ، ولم يكن ~~فيما أوقعنا بهم مزدجر لكم. # قال تعالى ( @QUR@05 حكمة بالغة فما تغن النذر ) (1). # ثم بين سبحانه بعد ذلك لونا آخر من ألوان عراقتهم في الكفر والجحود فقال ~~: ( @QUR@06 وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم ). # والمكر : تبييت فعل السوء بالغير وإضماره ، مع إظهار ما يخالف ذلك. ~~وانتصب «مكرهم» الأول على أنه مفعول مطلق لمكروا ، لبيان النوع ، والإضافة ~~فيه من إضافة المصدر لفاعله. # أى : أن هؤلاء الظالمين جاءتهم العبر فلم يعتبروا ، بل أضافوا إلى ذلك ~~أنهم مكروا بالرسول صلى الله عليه وسلم مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم ~~لإبطال الحق ، وإحقاق الباطل ، والذي كان من مظاهره محاولتهم قتل الرسول ~~صلى الله عليه وسلم . # وقوله ( @QUR@03 وعند الله مكرهم ) أى : وفي علم الله تعالى الذي لا يغيب ~~عنه شيء مكرهم ، وسيجازيهم عليه بما يستحقونه من عذاب مهين. # وقوله تعالى ( @QUR@06 وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ) قرأ الجمهور ~~«لتزول» بكسر اللام على أنها لام الجحود والفعل منصوب بعدها. بأن مضمرة ~~وجوبا ، و «إن» في قوله ( @QUR@03 وإن كان مكرهم ) نافية بمعنى ما. # والمعنى : ولقد مكر هؤلاء الكافرون مكرهم الشديد الذي اشتهروا به ، وفي ~~علم الله تعالى مكرهم ، وما كان مكرهم مهما عظم واشتد لتنتقل منه الجبال من ~~أماكنها ، لأنه PageV07P576 # لم يتجاوز مكر أمثالهم ممن دمرناهم تدميرا. # وعلى هذه القراءة يكون المقصود بهذه الجملة الكريمة ، الاستخفاف بهم ~~وبمكرهم ، وبيان أن ما يضمرونه من سوء ليس خافيا على الله تعالى ولن يزلزل ~~المؤمنين في عقيدتهم ، لأن إيمانهم كالجبال الرواسي في ثباته ورسوخه. # وقرأ «الكسائي» «لتزول» بفتح اللام على أنها لام الابتداء ، ورفع الفعل ~~بعدها و «إن» مخففة من الثقيلة. # فيكون المعنى : وقد مكروا مكرهم ، وعند الله مكرهم ، وإن مكرهم من الشدة ~~بحيث تزول منه الجبال وتنقلع من أماكنها ، لو كان لها أن تزول أو تنقلع. # وعلى هذه القراءة يكون المراد بهذه الجملة الكريمة التعظيم والتهويل من ~~شأن مكرهم ، وأنه أمر شنيع أو شديد في بابه ، كما في قوله تعالى : ( ~~@QUR@017 وقالوا اتخذ الرحمن ولدا* ms3234 لقد جئتم شيئا إدا* تكاد السماوات ~~يتفطرن منه ، وتنشق الأرض. وتخر الجبال هدا .. ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله .. ) تفريع على ~~ما تقدم من قوله تعالى ( @QUR@07 ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ~~.. ) وتأكيد لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ولتثبيت يقينه. # وقوله «مخلف» اسم فاعل من الإخلاف ، بمعنى عدم الوفاء بالوعد وهو مفعول ~~ثان لتحسب والمراد بالوعد هنا : ما وعد الله تعالى به أنبياءه ورسله من ~~نصره إياهم ، ومن جعل العاقبة لهم. # قال تعالى ( @QUR@011 إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا. ~~ويوم يقوم الأشهاد ) (2). # وقال تعالى ( @QUR@09 كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز ) (3). # والمعنى : لقد وعدناك أيها الرسول الكريم بعذاب الظالمين ، وأخبرناك ~~بجانب من العذاب الذي يحل بهم يوم القيامة ، وما دام الأمر كذلك فاثبت على ~~الحق أنت وأتباعك ، وثق بأن الله تعالى لن يخلف ما وعدك به من نصر على ~~أعدائك. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : هلا قيل : مخلف رسله وعده ، ولم قدم المفعول الثاني PageV07P577 # لمخلف وهو : وعده على المفعول الأول وهو رسله ؟ # قلت : قدم الوعد ليعلم أنه سبحانه لا يخلف الوعد أصلا ، كقوله تعالى ( ~~@QUR@05 إن الله لا يخلف الميعاد ). # ثم قال «رسله» ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحدا ، وليس من شأنه إخلاف ~~المواعيد ، فكيف يخلفه مع رسله الذين هم خيرته وصفوته من خلقه ..» (1). # ويرى صاحب الانتصاف أن تقدم المفعول الثاني هنا ، إنما هو للإيذان ~~بالعناية به ، لأن الآية في سياق الإنذار والتهديد للظالمين بما توعدهم ~~الله تعالى به على ألسنة رسله ، فكان المهم في هذه الحال تقديم ذكر الوعيد ~~على غيره (2). # وقوله سبحانه ( @QUR@05 إن الله عزيز ذو انتقام ) تعليل للنهى عن الحسبان ~~المذكور. # والعزيز : الغالب على كل شيء. # أى : إن الله تعالى غالب على كل شيء ، وذو انتقام شديد من أعدائه لأنهم ~~تحت قدرته ، ومادام الأمر كذلك فإخلاف الوعد منتف في حقه تعالى . # ثم بين سبحانه بعد ذلك بعض العلامات التي تدل على قرب قيام الساعة فقال ~~تعالى : ( @QUR@010 يوم تبدل الأرض ms3235 غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد ~~القهار ). # والظرف «يوم» متعلق بمحذوف تقديره اذكر. # وقوله «تبدل» من التبديل بمعنى التغيير ، وهذا التغيير والتبديل لهما قد ~~يكون في ذواتهما كما في قوله تعالى ( @QUR@015 إن الذين كفروا بآياتنا سوف ~~نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب .. ) (3). # وقد يكون في صفاتهما كقولك «بدلت الحلقة خاتما» وقد يكون فيهما معا وقد ~~ذكر الإمام ابن كثير جملة من الأحاديث عند تفسيره لهذه الآية الكريمة فقال ~~: «وقال الإمام أحمد ، حدثنا محمد بن عدى ، عن داود ، عن الشعبي ، عن مسروق ~~، عن عائشة أنها قالت : أنا أول الناس سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~هذه الآية ( @QUR@03 يوم تبدل الأرض ... ) قالت : قلت : أين الناس يومئذ يا ~~رسول الله؟ قال : على الصراط. # وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال لها : «لقد سألتنى عن شيء ما سألنى ~~عنه أحد من أمتى ، PageV07P578 # ذاك أن الناس يومئذ يكونون على جسر جهنم» (1). # والمعنى : اذكر أيها العاقل لتتعظ وتعتبر يوم يتغير هذا العالم المعهود ~~بعالم آخر جديد ، يأتى به الله تعالى على حسب إرادته ومشيئته ويوم يخرج ~~الخلائق جميعا من قبورهم ليستوفوا جزاءهم ، وليجازوا على أعمالهم. من الله ~~تعالى الواحد الأحد ، الذي قهر كل شيء وغلبه ، ودانت له الرقاب ، وخضعت له ~~الألباب. # وختمت الآية الكريمة بهذين الوصفين لله تعالى للرد على المشركين الذين ~~جعلوا مع الله آلهة أخرى يشركونها معه في العبادة ، ويتوهمون أن هذه الآلهة ~~سوف تدافع عنهم يوم القيامة. # ثم بين سبحانه بعد ذلك ما يحل بالمجرمين يوم القيامة من عذاب عنيف مهين ~~يناسب إجرامهم وكفرهم فقال : ( @QUR@012 وترى المجرمين يومئذ مقرنين في ~~الأصفاد ، سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار ). # وقوله «مقرنين» جمع مقرن ، وهو من جمع مع غيره في قرن ووثاق واحد يربطان به. # والأصفاد : جمع صفد بفتح الفاء وهو القيد الذي يوضع في الرجل ، أو الغل ~~بضم الغين الذي تضم به اليد والرجل إلى العنق. # والسرابيل : جمع سربال وهو القميص. # والقطران : مادة حارة نتنة شديدة الاشتعال تصلى ms3236 بها جلود الإبل الجربى ، ~~ليزول الجرب منها. أى : وترى أيها العاقل المجرمين في هذا اليوم العسير ~~عليهم «مقرنين في الأصفاد» أى : قد قرن بعضهم مع بعض ، وضم كل قرين إلى من ~~يشبهه في الكفر وفي الفسوق وفي العصيان ، وقد قيدوا جميعا بالأصفاد والقيود ~~والأغلال. # قال تعالى ( @QUR@04 احشروا الذين ظلموا وأزواجهم .. ) (2). # أى : وأمثالهم من العصاة ، فعابد الصنم يكون مع عابد الصنم ، وشارب الخمر ~~مع شارب الخمر. ويصح أن يكون اقترانهم مع الشياطين كما قال تعالى ( @QUR@09 ~~فو ربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا ) (3). # هذا عن مشهد المجرمين وهم مقرنون في الأصفاد ، وهو مشهد مهين مذل ولكنه ~~ليس كافيا PageV07P579 # في عقابهم ، بل يضاف إليه أن ملابسهم من قطران ، ليجتمع لهم لذعته ، وقبح ~~لونه ، ونتن ريحه ، وسرعة اشتعاله ، وفوق كل ذلك فإن وجوههم تعلوها وتحيط ~~بها النار التي تستعر بأجسادهم المسربلة بالقطران. # وخص سبحانه الوجوه بغشيان النار لها ، لكونها أعز موضع في البدن وأشرفه. # وقوله سبحانه ( @QUR@06 ليجزي الله كل نفس ما كسبت ... ) متعلق بمحذوف ، ~~والتقدير : فعل ما فعل سبحانه من إثابة المؤمنين ، ومعاقبة المجرمين ، ~~ليجازى كل نفس بما تستحقه من خير أو شر ، دون أن يظلم ربك أحدا. # وقوله ( @QUR@04 إن الله سريع الحساب ) أى : إنه سبحانه سريع المحاسبة ~~لعباده ، لأنه لا يشغله شأن عن شأن ، بل جميع الخلق بالنسبة لقدرته كالنفس ~~الواحدة. # قال تعالى ( @QUR@07 ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة .. ) (1). # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بقوله تعالى ( @QUR@013 هذا بلاغ للناس ~~ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد ، وليذكر أولوا الألباب ). # واسم الإشارة «هذا» يعود إلى ما أنزله الله تعالى من قرآن في هذه السورة ~~وفي غيرها. و «بلاغ» مصدر بمعنى التبليغ. # والإنذار : التخويف من سوء عاقبة ارتكاب الشرور والآثام. # والألباب : جمع لب وهو الخالص من كل شيء ، والمراد بها العقول. # أى : هذا القرآن الكريم الذي أنزلناه عليك يا محمد ، فيه التبليغ الكافي ~~لهداية الناس ، وفيه ما يخوفهم من سوء عاقبة الكفر والفسوق والعصيان ، وفيه ~~ما يجعلهم يعلمون عن طريق توجيهاته وهداياته ms3237 ودلائله ، أن الله تعالى واحد ~~لا شريك له ، وفيه ما يجعل أصحاب العقول السليمة يتعظون ويعتبرون ، فيترتب ~~على ذلك سعادتهم في الدنيا والآخرة. # وخص سبحانه بالتذكر أولى الألباب ، لأنهم هم الذين ينتفعون بهداية القرآن ~~الكريم ، أما غيرهم فهم كالأنعام بل هم أضل. # وقد رتب سبحانه في هذه الآية الكريمة ، وسائل الدعوة إلى الحق ترتيبا ~~عقليا حكيما ، فبدأ بالصفة العامة وهي التبليغ ، ثم ثنى بما يعقب ذلك من ~~إنذار وتخويف ، ثم ثلث بما ينشأ عنهما من العلم بوحدانية الله تعالى ، ثم ~~ختم بالثناء على أصحاب العقول السليمة PageV07P580 # الذين ينتفعون بما يسمعون وبما يبصرون. # قال الإمام الرازي : «هذه الآية دالة على أنه لا فضيلة للإنسان ، ولا ~~منقبة له ، إلا بسبب عقله ، لأنه تعالى بين أنه إنما أنزل هذه الكتب ، ~~وإنما بعث الرسل ، لتذكير أولى الألباب ...» (1). # وبعد : فهذه سورة إبراهيم عليه السلام وهذا تفسير لها. # أسأل الله تعالى أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا ، وأنس نفوسنا ، وشفيعا لنا ~~يوم نلقاه تعالى . # كما أسأله عز وجل أن يجعل أعمالنا وأقوالنا خالصة لوجهه الكريم ، ونافعة ~~لعباده والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وصلى الله على سيدنا محمد ~~وعلى آله وصحبه وسلم. # د. محمد سيد طنطاوى PageV07P581 ### ||| * فهرس إجمالى لتفسير سورة يونس عليه السلام # المقدمة ~~والتمهيد.............................................................. 5 7 # 1 الر تلك آيات الكتاب ~~الحكيم................................................ 12 # 2 أكان للناس ~~عجبا........................................................... 15 # 3 إن ربكم الله الذي ~~خلق...................................................... 20 # 4 إليه مرجعكم ~~جميعا.......................................................... 23 # 5 هو الذي جعل الشمس ~~ضياء................................................. 25 # 6 إن في اختلاف الليل ~~والنهار.................................................. 27 # 7 إن الذين لا يرجون ~~لقاءنا.................................................... 28 # 8 أولئك مأواهم ~~النار.......................................................... 29 # 9 إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات.............................................. 29 # 10 دعواهم فيها ~~سبحانك..................................................... 30 # 11 ولو يعجل الله للناس ~~الشر.................................................. 32 # 12 وإذا مس ~~الإنسان......................................................... 35 # 13 ولقد أهلكنا ~~القرون........................................................ 37 # 14 ثم جعلناكم ~~خلائف....................................................... 38 # 15 وإذا تتلى ~~عليهم........................................................... 39 # 16 قل لو شاء ~~الله............................................................ 40 # 17 فمن أظلم ممن ~~افترى....................................................... 42 # 18 ويعبدون من دون ~~الله...................................................... 42 # 19 وما كان ms3238 الناس إلا ~~أمة...................................................... 44 # 20 ويقولون لولا ~~أنزل......................................................... 46 # 21 وإذا أذقنا ~~الناس........................................................... 47 # 22 هو الذي يسيركم في البر ~~والبحر............................................. 49 PageV07P583 # 23 فلما أنجاهم إذا هم ~~يبغون.................................................. 51 # 24 إنما مثل الحياة الدنيا ~~كماء................................................... 54 # 25 والله يدعو إلى دار ~~السلام.................................................. 57 # 26 للذين أحسنوا ~~الحسنى...................................................... 57 # 27 والذين كسبوا ~~السيئات..................................................... 59 # 28 ويوم نحشرهم ~~جميعا........................................................ 60 # 29 فكفى بالله ~~شهيدا......................................................... 62 # 30 هنالك تبلو كل ~~نفس...................................................... 62 # 31 قل من يرزقكم من ~~السماء.................................................. 62 # 32 فذلكم الله ربكم ~~الحق...................................................... 64 # 33 كذلك حقت كلمة ~~ربك.................................................... 65 # 34 قل هل من شركائكم من يبدأ ~~الخلق.......................................... 65 # 35 قل هل من شركائكم من ~~يهدى............................................. 67 # 36 وما يتبع أكثرهم إلا ~~ظنا.................................................... 68 # 37 وما كان هذا ~~القرآن........................................................ 70 # 38 أم يقولون ~~افتراه........................................................... 72 # 39 بل كذبوا بما لم ~~يحيطوا...................................................... 73 # 40 ومنهم من يؤمن ~~به......................................................... 74 # 41 وإن كذبوك فقل ~~لي........................................................ 75 # 42 ومنهم من يستمعون ~~إليك.................................................. 75 # 43 ومنهم من ينظر ~~إليك...................................................... 75 # 44 إن الله لا يظلم ~~الناس...................................................... 76 # 45 ويوم ~~يحشرهم............................................................. 76 # 46 وإما نرينك ~~بعض.......................................................... 79 # 47 ولكل أمة ~~رسول........................................................... 80 # 48 ويقولون متى هذا ~~الوعد.................................................... 80 # 49 قل لا أملك ~~لنفسي........................................................ 81 PageV07P584 # 50 قل أرأيتم إن ~~أتاكم........................................................ 81 # 51 أثم إذا ما وقع آمنتم ~~به..................................................... 83 # 52 ثم قيل للذين ~~ظلموا........................................................ 83 # 53 ويستنبئونك أحق ~~هو...................................................... 84 # 54 ولو أن لكل نفس ~~ظلمت.................................................. 85 # 55 ألا إن لله ما في السموات ~~والأرض........................................... 86 # 56 هو يحيى ~~ويميت............................................................ 87 # 57 يا أيها الناس قد ~~جاءتكم................................................... 88 # 58 قل بفضل الله ~~وبرحمته...................................................... 89 # 59 قل أرأيتم ما أنزل ~~الله....................................................... 90 # 60 وما ظن الذين ~~يفترون...................................................... 91 # 61 وما تكون في شأن وما ~~تتلو................................................. 92 # 62 ألا إن أولياء ~~الله........................................................... 94 # 63 الذين آمنوا ~~وكانوا.......................................................... 95 # 64 لهم البشرى في ~~الحياة....................................................... 96 # 65 ولا يحزنك ~~قولهم........................................................... 97 # 66 ألا إن لله من في ~~السموات.................................................. 98 # 67 هو الذي ms3239 جعل ~~لكم...................................................... 100 # 68 قالوا اتخذ الله ~~ولدا........................................................ 100 # 69 قل إن الذين ~~يفترون...................................................... 101 # 70 متاع في الدنيا ثم ~~إلينا..................................................... 101 # 71 واتل عليهم نبأ ~~نوح...................................................... 102 # 72 فإن توليتم فما ~~سألتكم................................................... 106 # 73 فكذبوه فنجيناه ومن ~~معه.................................................. 107 # 74 ثم بعثنا من بعده ~~رسلا.................................................... 108 # 75 ثم بعثنا من بعدهم موسى ~~وهارون.......................................... 110 # 76 فلما جاءهم الحق من ~~عندنا............................................... 111 PageV07P585 # 77 قال موسى ~~أتقولون...................................................... 112 # 78 قالوا أجئتنا ~~لتلفتنا........................................................ 113 # 79 وقال فرعون ~~ائتوني....................................................... 115 # 80 فلما جاء ~~السحرة........................................................ 115 # 81 فلما ألقوا قال ~~موسى..................................................... 115 # 82 ويحق الله الحق ~~بكلماته.................................................... 116 # 83 فما آمن لموسى إلا ~~ذرية.................................................. 116 # 84 وقال موسى يا ~~قوم....................................................... 119 # 85 فقالوا على الله ~~توكلنا..................................................... 120 # 86 ونجنا برحمتك من ~~القوم................................................... 120 # 87 وأوحينا إلى موسى ~~وأخيه.................................................. 120 # 88 وقال موسى ~~ربنا......................................................... 122 # 89 قال قد أجيبت ~~دعوتكما................................................. 125 # 90 وجاوزنا ببني ~~إسرائيل...................................................... 126 # 91 آلآن وقد عصيت ~~قبل.................................................... 127 # 92 فاليوم ننجيك ~~ببدنك..................................................... 128 # 93 ولقد بوأنا بنى ~~إسرائيل.................................................... 129 # 94 فإن كنت في ~~شك....................................................... 130 # 95 ولا تكونن من الذين ~~كذبوا................................................ 132 # 96 إن الذين حقت ~~عليهم................................................... 132 # 97 ولو جاءتهم كل ~~آية...................................................... 132 # 98 فلولا كانت قرية ~~آمنت................................................... 133 # 99 ولو شاء ربك ~~لآمن...................................................... 136 # 100 وما كان لنفس أن ~~تؤمن................................................. 136 # 101 قل انظروا ماذا في ~~السموات.............................................. 137 # 102 فهل ينتظرون إلا ~~مثل................................................... 137 # 103 ثم ننجي رسلنا والذين ~~آمنوا.............................................. 138 PageV07P586 # 104 قل يا أيها الناس إن ~~كنتم................................................ 139 # 105 وأن أقم وجهك ~~للدين.................................................. 140 # 106 ولا تدع من دون ~~الله.................................................... 141 # 107 وإن يمسسك الله ~~بضر.................................................. 141 # 108 قل يا أيها الناس قد ~~جاءكم.............................................. 142 # 109 واتبع ما يوحى إليك ~~واصبر.............................................. 142 PageV07P587 ### ||| * فهرس إجمالى لتفسير سورة هود عليه السلام # تعريف بسورة ~~هود............................................................. 147 # 1 الر. كتاب أحكمت ~~آياته.................................................. 156 # 2 ألا تعبدوا إلا ~~الله.......................................................... 158 # 3 وأن استغفروا ~~ربكم......................................................... 158 # 4 إلى الله ~~مرجعكم........................................................... 160 # 5 ألا إنهم ms3240 يثنون ~~صدورهم.................................................... 160 # 6 وما من دابة في ~~الأرض..................................................... 162 # 7 وهو الذي خلق السموات ~~والأرض........................................... 164 # 8 ولئن أخرنا عنهم ~~العذاب................................................... 167 # 9 ولئن أذقنا ~~الإنسان........................................................ 169 # 10 ولئن أذقناه ~~نعماء........................................................ 170 # 11 إلا الذين ~~صبروا.......................................................... 171 # 12 فلعلك تارك ~~بعض....................................................... 171 # 13 أم يقولون ~~افتراه.......................................................... 173 # 14 فإن لم يستجيبوا ~~لكم..................................................... 174 # 15 من كان يريد الحياة ~~الدنيا.................................................. 176 # 16 أولئك الذين ليس ~~لهم.................................................... 176 # 17 أفمن كان على بينة من ~~ربه................................................ 178 # 18 ومن أظلم ممن ~~افترى..................................................... 182 # 19 الذين يصدون عن سبيل ~~الله............................................... 184 # 20 أولئك لم يكونوا ~~معجزين.................................................. 185 # 21 أولئك الذين خسروا ~~أنفسهم.............................................. 186 # 22 لا جرم أنهم في ~~الآخرة.................................................... 186 PageV07P588 # 23 إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات........................................... 186 # 24 مثل الفريقين ~~كالأعمى.................................................... 187 # 25 ولقد أرسلنا ~~نوحا........................................................ 189 # 26 ألا تعبدوا إلا ~~الله........................................................ 190 # 27 فقال الملأ الذين ~~كفروا.................................................... 190 # 28 قال يا قوم ~~أرأيتم......................................................... 192 # 29 ويا قوم لا ~~أسألكم....................................................... 194 # 30 ويا قوم من ينصرني من ~~الله................................................ 195 # 31 ولا أقول لكم عندي خزائن ~~الله............................................ 196 # 32 قالوا يا نوح قد ~~جادلتنا................................................... 197 # 33 قال إنما يأتيكم به ~~الله.................................................... 198 # 34 ولا ينفعكم نصحى إن ~~أردت............................................. 198 # 35 أم يقولون ~~افتراه.......................................................... 199 # 36 وأوحى إلى نوح أنه لن ~~يؤمن............................................... 200 # 37 واصنع الفلك ~~بأعيننا..................................................... 201 # 38 ويصنع ~~الفلك........................................................... 202 # 39 فسوف تعلمون من ~~يأتيه.................................................. 203 # 40 حتى إذا جاء أمرنا وفار ~~التنور.............................................. 203 # 41 وقال اركبوا ~~فيها.......................................................... 207 # 42 وهي تجرى بهم في موج ~~كالجبال............................................ 208 # 43 قال سآوى إلى ~~جبل...................................................... 208 # 44 وقيل يا أرض ابلعي ~~ماءك................................................. 209 # 45 ونادى نوح ~~ربه.......................................................... 212 # 46 قال يا نوح إنه ~~ليس...................................................... 213 # 47 قال رب إنى أعوذ ~~بك.................................................... 215 # 48 قيل يا نوح ~~اهبط........................................................ 215 # 49 تلك من أنباء ~~الغيب..................................................... 216 PageV07P589 # 50 وإلى عاد أخاهم ~~هودا.................................................... 220 # 51 ويا قوم لا ~~أسألكم....................................................... 222 # 52 ويا قوم استغفروا ~~ربكم.................................................... 223 # 53 قالوا يا هود ms3241 ما جئتنا ~~ببينة................................................. 224 # 54 إن نقول إلا ~~اعتراك...................................................... 224 # 55 من دونه فكيدوني ~~جميعا.................................................. 225 # 56 إنى توكلت على ~~الله...................................................... 226 # 57 فإن تولوا فقد ~~أبلغتكم.................................................... 227 # 58 ولما جاء أمرنا نجينا ~~هودا.................................................. 228 # 59 وتلك عاد ~~جحدوا....................................................... 228 # 60 وأتبعوا في هذه الدنيا ~~لعنة................................................. 229 # 61 وإلى ثمود أخاهم ~~صالحا................................................... 230 # 62 قالوا يا صالح قد ~~كنت.................................................... 233 # 63 قال يا قوم أرأيتم إن ~~كنت................................................ 233 # 64 ويا قوم هذه ناقة ~~الله..................................................... 234 # 65 فعقروها فقال ~~تمتعوا....................................................... 235 # 66 فلما جاء أمرنا نجينا ~~صالحا................................................ 236 # 67 وأخذ الذين ~~ظلموا....................................................... 236 # 68 كأن لم يغنوا ~~فيها........................................................ 236 # 69 ولقد جاءت ~~رسلنا....................................................... 237 # 70 فلما رأى ~~أيديهم......................................................... 240 # 71 وامرأته قائمة ~~فضحكت.................................................. 240 # 72 قالت يا ويلتى ~~أألد....................................................... 241 # 73 قالوا أتعجبين من أمر ~~الله................................................. 241 # 74 فلما ذهب عن ~~إبراهيم................................................... 242 # 75 إن إبراهيم ~~لحليم......................................................... 243 # 76 يا إبراهيم أعرض عن ~~هذا................................................. 244 PageV07P590 # 77 ولما جاءت رسلنا ~~لوطا.................................................... 245 # 78 وجاءه قومه يهرعون ~~إليه.................................................. 247 # 79 قالوا لقد علمت ~~مالنا.................................................... 249 # 80 قال لو أن لي بكم ~~قوة.................................................... 250 # 81 قالوا يا لوط إنا رسل ~~ربك................................................. 250 # 82 فلما جاء ~~أمرنا........................................................... 252 # 83 مسومة عند ~~ربك........................................................ 252 # 84 وإلى مدين أخاهم ~~شعيبا.................................................. 254 # 85 ويا قوم أوفوا ~~المكيال...................................................... 258 # 86 بقية الله خير لكم إن ~~كنتم................................................ 258 # 87 قالوا يا شعيب ~~أصلاتك.................................................. 259 # 88 قال يا قوم ~~أرأيتم......................................................... 259 # 89 ويا قوم لا يجر ~~منكم..................................................... 261 # 90 واستغفروا ~~ربكم.......................................................... 262 # 91 قالوا يا شعيب ما ~~نفقه.................................................... 263 # 92 قال يا قوم ~~أرهطي....................................................... 264 # 93 ويا قوم اعملوا على ~~مكانتكم.............................................. 264 # 94 ولما جاء أمرنا ~~نجينا....................................................... 265 # 95 كأن لم يغنوا ~~فيها........................................................ 265 # 96 ولقد أرسلنا ~~موسى....................................................... 267 # 97 إلى فرعون ~~وملئه......................................................... 267 # 98 يقدم قومه يوم ~~القيامة.................................................... 268 # 99 وأتبعوا في هذه ~~لعنة....................................................... 268 # 100 ذلك من أنباء ~~القرى.................................................... 270 # 101 وما ظلمناهم ولكن ~~ظلموا............................................... 271 # 102 وكذلك أخذ ms3242 ~~ربك...................................................... 272 # 103 إن في ذلك ~~لآية....................................................... 273 PageV07P591 # 104 وما نؤخره إلا ~~لأجل.................................................... 274 # 105 يوم يأت لا تكلم ~~نفس................................................. 274 # 106 فأما الذين ~~شقوا........................................................ 275 # 107 خالدين فيها ما ~~دامت.................................................. 276 # 108 وأما الذين ~~سعدوا...................................................... 279 # 109 فلا تك في ~~مرية........................................................ 280 # 110 ولقد آتينا ~~موسى....................................................... 282 # 111 وإن كلا لما ~~ليوفينهم.................................................... 283 # 112 فاستقم كما ~~أمرت...................................................... 284 # 113 ولا تركنوا إلى ~~الذين..................................................... 285 # 114 وأقم ~~الصلاة........................................................... 286 # 115 واصبر فإن ~~الله......................................................... 289 # 116 فلولا كان من ~~القرون................................................... 289 # 117 وما كان ~~ربك.......................................................... 292 # 118 ولو شاء ~~ربك.......................................................... 293 # 119 إلا من رحم ~~ربك....................................................... 293 # 120 وكلا نقص ~~عليك...................................................... 295 # 121 وقل للذين لا ~~يؤمنون................................................... 295 # 122 وانتظروا إنا ~~منتظرون.................................................... 295 # 123 ولله غيب السموات ~~والأرض............................................. 296 PageV07P592 ### ||| * فهرس إجمالى لتفسير «سورة يوسف» # تعريف بسورة ~~يوسف.......................................................... 299 # 1 الر تلك آيات ~~الكتاب..................................................... 313 # 2 إنا أنزلناه قرآنا ~~عربيا........................................................ 315 # 3 نحن نقص ~~عليك.......................................................... 316 # 4 إذ قال يوسف ~~لأبيه....................................................... 317 # 5 قال يا بنى لا ~~تقصص...................................................... 318 # 6 وكذلك يجتبيك ~~ربك....................................................... 319 # 7 لقد كان في ~~يوسف........................................................ 321 # 8 إذ قالوا ليوسف ~~وأخوه..................................................... 322 # 9 اقتلوا يوسف أو ~~اطرحوه.................................................... 323 # 10 قال قائل ~~منهم.......................................................... 325 # 11 قالوا يا ~~أبانا............................................................. 326 # 12 أرسله معنا ~~غدا.......................................................... 326 # 13 قال إنى ~~ليحزنني......................................................... 327 # 14 قالوا لئن أكله ~~الذئب.................................................... 327 # 15 فلما ذهبوا ~~به............................................................ 327 # 16 وجاءوا أباهم ~~عشاء...................................................... 329 # 17 قالوا يا أبانا إنا ~~ذهبنا..................................................... 329 # 18 وجاءوا على ~~قميصه...................................................... 330 # 19 وجاءت ~~سيارة........................................................... 332 # 20 وشروه بثمن ~~بخس........................................................ 334 # 21 وقال الذي ~~اشتراه........................................................ 335 # 22 ولما بلغ ~~أشده............................................................ 336 PageV07P593 # 23 وراودته التي هو في ~~بيتها................................................... 337 # 24 ولقد همت ~~به........................................................... 341 # 25 واستبقا ~~الباب........................................................... 344 # 26 قال هي ~~راودتني......................................................... 345 # 27 وإن كان ~~قميصه......................................................... 346 # 28 فلما رأى ~~قميصه........................................................ 347 # 29 يوسف أعرض عن هذا................................................... 347 # 30 وقال نسوة في ~~المدينة..................................................... 350 # 31 فلما سمعت ~~بمكرهن...................................................... 352 # 32 قالت ~~فذلكن........................................................... 354 # 33 ms3243 قال رب السجن أحب ~~إلى................................................ 355 # 34 فاستجاب له ~~ربه......................................................... 356 # 35 ثم بدا ~~لهم............................................................... 357 # 36 ودخل معه السجن ~~فتيان................................................. 359 # 37 قال لا يأتيكما ~~طعام..................................................... 360 # 38 واتبعت ملة ~~آبائي........................................................ 361 # 39 يا صاحبي السجن أأرباب ~~متفرقون......................................... 361 # 40 ما تعبدون من ~~دونه...................................................... 362 # 41 يا صاحبي السجن أما ~~أحدكما............................................. 363 # 42 وقال للذي ظن أنه ~~ناج................................................... 364 # 43 وقال الملك إنى ~~أرى...................................................... 365 # 44 قالوا أضغاث ~~أحلام...................................................... 368 # 45 وقال الذي ~~نجا.......................................................... 369 # 46 يوسف أيها ~~الصديق..................................................... 370 # 47 قال تزرعون سبع ~~سنين................................................... 370 # 48 ثم يأتى من بعد ذلك ~~سبع................................................ 371 # 49 ثم يأتى من بعد ذلك ~~عام................................................. 372 PageV07P594 # 50 وقال الملك ائتوني ~~به...................................................... 372 # 51 قال ما ~~خطبكن.......................................................... 375 # 52 ذلك ليعلم أنى لم ~~أخنه................................................... 377 # 53 وما أبرئ ~~نفسي......................................................... 377 # 54 وقال الملك ائتوني به أستخلصه ~~لنفسي...................................... 379 # 55 قال اجعلنى على خزائن ~~الأرض............................................ 380 # 56 وكذلك مكنا ~~ليوسف.................................................... 381 # 57 ولأجر الآخرة ~~خير....................................................... 382 # 58 وجاء إخوة ~~يوسف....................................................... 382 # 59 ولما جهزهم ~~بجهازهم...................................................... 384 # 60 فإن لم تأتونى ~~به......................................................... 385 # 61 قالوا سنراود عنه ~~أباه..................................................... 385 # 62 وقال لفتيانه اجعلوا ~~بضاعتهم.............................................. 386 # 63 فلما رجعوا إلى ~~أبيهم..................................................... 387 # 64 قال هل آمنكم ~~عليه..................................................... 389 # 65 ولما فتحوا ~~متاعهم........................................................ 389 # 66 قال لن أرسله ~~معكم...................................................... 391 # 67 وقال يا بنى لا تدخلوا من باب ~~واحد....................................... 391 # 68 ولما دخلوا من حيث أمرهم ~~أبوهم.......................................... 393 # 69 ولما دخلوا على ~~يوسف.................................................... 394 # 70 فلما جهزهم ~~بجهازهم..................................................... 396 # 71 قالوا وأقبلوا ~~عليهم........................................................ 396 # 72 قالوا نفقد صواع ~~الملك.................................................... 397 # 73 قالوا تالله لقد ~~علمتم..................................................... 397 # 74 قالوا فما جزاؤه إن كنتم ~~كاذبين............................................ 397 # 75 قالوا ~~جزاؤه.............................................................. 397 # 76 فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء ~~أخيه............................................. 398 PageV07P595 # 77 قالوا إن ~~يسرق........................................................... 400 # 78 قالوا يا أيها العزيز إن له أبا ~~شيخا.......................................... 401 # 79 قال معاذ ~~الله............................................................ 401 # 80 فلما استيأسوا ~~منه........................................................ 402 # 81 ارجعوا إلى أبيكم ~~فقولوا................................................... 404 # 82 واسأل ms3244 ~~القرية............................................................ 404 # 83 قال بل سولت لكم ~~أنفسكم.............................................. 405 # 84 وتولى عنهم وقال يا ~~أسفى................................................ 406 # 85 قالوا تالله تفتأ تذكر ~~يوسف................................................ 407 # 86 قال إنما أشكو بثي وحزنى إلى ~~الله.......................................... 408 # 87 يا بنى اذهبوا فتحسسوا من ~~يوسف......................................... 409 # 88 فلما دخلوا ~~عليه......................................................... 410 # 89 قال هل علمتم ما فعلتم ~~بيوسف........................................... 412 # 90 قالوا أإنك لأنت ~~يوسف.................................................. 412 # 91 قالوا تالله لقد آثرك الله ~~علينا............................................... 413 # 92 قال لا تثريب عليكم ~~اليوم................................................ 413 # 93 اذهبوا بقميصي ~~هذا...................................................... 413 # 94 ولما فصلت ~~العير......................................................... 414 # 95 قالوا تالله إنك لفي ضلالك ~~القديم......................................... 414 # 96 فلما أن جاء ~~البشير...................................................... 414 # 97 قالوا يا أبانا استغفر ~~لنا................................................... 415 # 98 قال سوف أستغفر لكم ~~ربي............................................... 415 # 99 فلما دخلوا على يوسف آوى إليه ~~أبويه..................................... 415 # 100 ورفع أبويه على ~~العرش.................................................. 417 # 101 رب قد آتيتني من ~~الملك................................................. 418 # 102 ذلك من أنباء ~~الغيب................................................... 419 # 103 وما أكثر الناس ولو حرصت ~~بمؤمنين...................................... 421 PageV07P596 # 104 وما تسألهم عليه من ~~أجر................................................ 421 # 105 وكأين من ~~آية.......................................................... 422 # 106 وما يؤمن ~~أكثرهم...................................................... 422 # 107 أفأمنوا أن تأتيهم ~~غاشية................................................. 423 # 108 قل هذه ~~سبيلي........................................................ 423 # 109 وما أرسلنا من ~~قبلك.................................................... 424 # 110 حتى إذا استيئس ~~الرسل................................................. 425 # 111 لقد كان في قصصهم ~~عبرة............................................... 426 PageV07P597 ### ||| * فهرس إجمالى لتفسير سورة الرعد # المقدمة ~~والتمهيد.............................................................. 431 # 1 المر تلك آيات ~~الكتاب..................................................... 437 # 2 الله الذي رفع ~~السموات.................................................... 439 # 3 وهو الذي مد الأرض ~~وجعل................................................ 440 # 4 وفي الأرض قطع ~~متجاورات................................................. 442 # 5 وإن تعجب فعجب ~~قولهم.................................................. 445 # 6 ويستعجلونك ~~بالسيئة...................................................... 447 # 7 ويقول الذين كفروا لو ~~لا.................................................... 449 # 8 الله يعلم ما تحمل كل ~~أنثى.................................................. 450 # 9 عالم الغيب ~~والشهادة...................................................... 451 # 10 سواء منكم من أسر ~~القول................................................ 452 # 11 له معقبات من بين ~~يديه.................................................. 452 # 12 هو الذي يريكم ~~البرق.................................................... 454 # 13 ويسبح الرعد ~~بحمده...................................................... 455 # 14 له دعوة ~~الحق............................................................ 458 # 15 ولله يسجد من في ~~السموات............................................... 460 # 16 قل من رب السموات ms3245 ~~والأرض............................................. 462 # 17 أنزل من السماء ماء ~~فسالت.............................................. 464 # 18 للذين استجابوا لربهم ~~الحسنى.............................................. 467 # 19 أفمن يعلم أن ما ~~أنزل.................................................... 468 # 20 الذين يوفون بعهد ~~الله.................................................... 469 # 21 والذين يصلون ما أمر ~~الله................................................. 470 # 22 والذين صبروا ~~ابتغاء....................................................... 470 PageV07P598 # 23 جنات عدن ~~يدخلونها.................................................... 472 # 24 سلام عليكم بما ~~صبرتم.................................................... 473 # 25 والذين ينقضون عهد ~~الله.................................................. 473 # 26 الله يبسط الرزق لمن ~~يشاء................................................. 474 # 27 ويقول الذين ~~كفروا....................................................... 476 # 28 الذين آمنوا ~~وتطمئن...................................................... 478 # 29 الذين آمنوا ~~وعملوا....................................................... 478 # 30 كذلك أرسلناك في ~~أمة.................................................... 479 # 31 ولو أن قرآنا ~~سيرت...................................................... 481 # 32 ولقد استهزئ ~~برسل...................................................... 484 # 33 أفمن هو ~~قائم........................................................... 484 # 34 لهم عذاب في الحياة ~~الدنيا................................................. 489 # 35 مثل الجنة التي ~~وعد....................................................... 489 # 36 والذين آتيناهم ~~الكتاب................................................... 490 # 37 وكذلك أنزلناه ~~حكما..................................................... 492 # 38 ولقد أرسلنا رسلا من ~~قبلك............................................... 494 # 39 يمحو الله ما يشاء ~~ويثبت.................................................. 495 # 40 وإما نرينك بعض ~~الذي................................................... 496 # 41 أو لم يروا أنا نأتى ~~الأرض................................................. 496 # 42 وقد مكر الذين من ~~قبلهم................................................. 498 # 43 ويقول الذين كفروا ~~لست................................................. 498 PageV07P599 ### ||| * فهرس إجمالى لتفسير سورة إبراهيم # المقدمة والتعريف ~~بالسورة....................................................... 505 # 1 الر. كتاب ~~أنزلناه.......................................................... 509 # 2 الله الذي له ما في ~~السموات................................................ 511 # 3 الذين يستحبون الحياة ~~الدنيا................................................ 511 # 4 وما أرسلنا من ~~رسول....................................................... 512 # 5 ولقد أرسلنا ~~موسى......................................................... 515 # 6 وإذ قال موسى ~~لقومه...................................................... 519 # 7 وإذ تأذن ~~ربكم............................................................ 521 # 8 وقال موسى إن ~~تكفروا..................................................... 522 # 9 ألم يأتكم نبأ ~~الذين........................................................ 523 # 10 قالت رسلهم أفي الله ~~شك................................................. 528 # 11 قالت لهم رسلهم إن ~~نحن.................................................. 530 # 12 وما لنا أن لا نتوكل على ~~الله............................................... 531 # 13 وقال الذين كفروا ~~لرسلهم................................................. 532 # 14 ولنسكننكم الأرض من ~~بعدهم............................................ 534 # 15 واستفتحوا ~~وخاب........................................................ 535 # 16 من ورائه جهنم ~~ويسقى................................................... 537 # 17 يتجرعه ولا يكاد ~~يسيغه.................................................. 537 # 18 مثل الذين كفروا ~~بربهم.................................................... 538 # 19 ألم تر أن الله خلق ~~السموات.............................................. 541 # 20 وما ذلك على الله ~~بعزيز................................................... 542 # 21 ms3246 وبرزوا لله ~~جميعا.......................................................... 542 # 22 وقال الشيطان لما قضى ~~الأمر.............................................. 545 PageV07P600 # 23 وأدخل الذين ~~آمنوا....................................................... 548 # 24 ألم تر كيف ضرب ~~الله.................................................... 549 # 25 تؤتى أكلها كل ~~حين..................................................... 551 # 26 ومثل كلمة ~~خبيثة........................................................ 552 # 27 يثبت الله الذين ~~آمنوا..................................................... 552 # 28 ألم تر إلى الذين ~~بدلوا.................................................... 554 # 29 جهنم ~~يصلونها........................................................... 556 # 30 وجعلوا لله ~~أندادا......................................................... 556 # 31 قل لعبادي الذين ~~آمنوا................................................... 557 # 32 الله الذي خلق ~~السموات.................................................. 559 # 33 وسخر لكم الشمس ~~والقمر............................................... 560 # 34 وآتاكم من كل ما ~~سألتموه................................................ 561 # 35 وإذ قال إبراهيم رب ~~اجعل................................................ 563 # 36 رب إنهن أضللن ~~كثيرا..................................................... 565 # 37 ربنا إنى أسكنت ~~من...................................................... 566 # 38 ربنا إنك تعلم ما ~~نخفى.................................................... 569 # 39 الحمد لله الذي وهب ~~لي.................................................. 569 # 40 رب اجعلنى مقيم ~~الصلاة.................................................. 570 # 41 ربنا اغفر لي ~~ولوالدي..................................................... 570 # 42 ولا تحسبن الله ~~غافلا..................................................... 571 # 43 مهطعين مقنعي ~~رءوسهم.................................................. 573 # 44 وأنذر الناس ~~يوم......................................................... 574 # 45 وسكنتم في ~~مساكن...................................................... 575 # 46 وقد مكروا ~~مكرهم....................................................... 576 # 47 فلا تحسبن الله ~~مخلف..................................................... 577 # 48 يوم تبدل ~~الأرض......................................................... 578 # 49 وترى المجرمين ~~يومئذ...................................................... 579 PageV07P601 # 50 سرابيلهم من ~~قطران...................................................... 579 # 51 ليجزي الله كل ~~نفس..................................................... 580 # 52 هذا بلاغ ~~للناس......................................................... 580 PageV07P602 ![](https://books.rafed.net/Books/3946_altafsir-alwasit-08/images/image001.gif) PageV08P001 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * ( @QUR@07 ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ) (127) PageV08P003 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الحجر PageV08P005 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تعريف بسورة الحجر # 1 سورة الحجر ، هي السورة الرابعة عشرة في ترتيب المصحف ، أما ترتيبها في ~~النزول فقد ذكر الزركشي والسيوطي أنها نزلت بعد سورة يوسف (1).. # وعدد آياتها تسع وتسعون آية. # 2 وسميت بسورة الحجر ، لورود هذا اللفظ فيها دون أن يرد في غيرها وأصحاب ~~الحجر هم قوم صالح عليه السلام ، إذ كانوا ينزلون الحجر بكسر الحاء وسكون ~~الجيم وهو المكان المحجور ، أى الممنوع أن يسكنه أحد غيرهم لاختصاصهم به. # ويجوز أن يكون لفظ الحجر ، مأخوذ من الحجارة ، لأن قوم صالح عليه السلام ~~كانوا ينحتون بيوتهم من أحجار الجبال وصخورها ، ويبنون بناء محكما جميلا. # قال تعالى حكاية عما ms3247 قاله نبيهم صالح لهم ( @QUR@05 وتنحتون من الجبال ~~بيوتا فارهين ) (2) ومساكنهم ما زالت آثارها باقية ، وتعرف الآن بمدائن ~~صالح ، وهي في طريق القادم من المدينة المنورة إلى بلاد الشام أو العكس ، ~~وتقع ما بين خيبر وتبوك ... # وقد مر النبي صلى الله عليه وسلم على ديارهم وهو ذاهب إلى غزوة تبوك في ~~السنة التاسعة من الهجرة ... # 3 وسورة الحجر كلها مكية. # قال الشوكانى : وهي مكية بالاتفاق. وأخرج النحاس في ناسخه ، وابن مردويه ~~عن ابن عباس قال : نزلت سورة الحجر بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير ~~مثله» (3). # وقد ذكر الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه السورة أنها مكية ، دون أن يذكر ~~في ذلك خلافا. PageV08P006 # وقال الآلوسى : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير رضى الله عنهم ~~أنها نزلت بمكة. وروى ذلك عن قتادة ومجاهد. # وفي مجمع البيان عن الحسن أنها مكية إلا قوله تعالى ( @QUR@07 ولقد ~~آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم ) وقوله تعالى ( @QUR@08 كما أنزلنا ~~على المقتسمين. الذين جعلوا القرآن عضين ) (1). # والحق أن السورة كلها مكية ، وسنبين عند تفسيرنا للآيات التي قيل بأنها ~~مدنية أن هذا القول ليس له دليل يعتمد عليه. # 4 (ا) وعند ما نقرأ هذه السورة الكريمة بتدبر وتأمل. نراها في مطلعها ~~تشير إلى سمو مكانة القرآن الكريم ، وإلى سوء عاقبة الكافرين الذين عموا ~~وصموا عن دعوة الحق .. # قال تعالى ( @QUR@035 الر ، تلك آيات الكتاب وقرآن مبين. ربما يود الذين ~~كفروا لو كانوا مسلمين. ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. ~~وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم. ما تسبق من أمة أجلها وما ~~يستأخرون ). # (ب) ثم تخبرنا بعد ذلك بأن الله تعالى قد تكفل بحفظ كتابه ، وصيانته من ~~أى تحريف أو تبديل ، وبأن المكذبين للرسول صلى الله عليه وسلم إنما يكذبونه عن ~~عناد وجحود ، لا عن نقص في الأدلة الدالة على صدقه صلى الله عليه وسلم . # قال تعالى ( @QUR@051 إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون. ولقد أرسلنا ~~من قبلك في شيع الأولين. وما يأتيهم من رسول إلا ms3248 كانوا به يستهزؤن. كذلك ~~نسلكه في قلوب المجرمين. لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين. ولو فتحنا ~~عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون. لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن ~~قوم مسحورون ). # (ج) ثم تسوق السورة الكريمة بعد ذلك ألوانا من الأدلة على وحدانية الله ~~وقدرته ، وعلى سابغ نعمه على عباده ... # قال تعالى ( @QUR@030 ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين. ~~وحفظناها من كل شيطان رجيم. إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين. والأرض ~~مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون ). # (د) ثم حكت السورة قصة خلق آدم عليه السلام ، وتكليف الملائكة بالسجود له ~~، وامتثالهم جميعا لأمر الله سبحانه ، وامتناع إبليس وحده عن الطاعة ، ~~وصدور حكمه سبحانه بطرده من الجنة ... PageV08P007 # قال تعالى ( @QUR@047 ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون. والجان ~~خلقناه من قبل من نار السموم. وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال ~~من حمإ مسنون. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ، فسجد ~~الملائكة كلهم أجمعون. إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين ).. # (ه) ثم قصت علينا السورة الكريمة بأسلوب فيه الترغيب والترهيب ، وفيه ~~العظة والعبرة ، جانبا من قصة إبراهيم ، ثم من قصة لوط ، ثم من قصة شعيب ، ~~ثم من قصة صالح عليهم الصلاة والسلام ... # قال تعالى : ( @QUR@066 ونبئهم عن ضيف إبراهيم. إذ دخلوا عليه فقالوا ~~سلاما قال إنا منكم وجلون. قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم. قال ~~أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون. قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من ~~القانطين. قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون. قال فما خطبكم أيها ~~المرسلون. قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين. إلا آل لوط إنا لمنجوهم ~~أجمعين. إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين ). # (و) ثم ختمت سورة الحجر بتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من قومه ~~، وأمرته بالصفح والعفو حتى يأتى الله بأمره ، وبشرته بأنه سبحانه سيكفيه ~~شر أعدائه ، وبأنه سينصره عليهم ... # قال تعالى : ( @QUR@041 وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما ms3249 إلا بالحق ~~، وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل. إن ربك هو الخلاق العليم. ولقد ~~آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم. لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به ~~أزواجا منهم ولا تحزن عليهم ، واخفض جناحك للمؤمنين ). # ومن هذا العرض الإجمالى للسورة الكريمة ، نراها قد اهتمت اهتماما واضحا ~~بتثبيت المؤمنين وتهديد الكافرين ، تارة عن طريق الترغيب والترهيب ، وتارة ~~عن طريق قصص السابقين ، وتارة عن طريق التأمل في هذا الكون وما اشتمل عليه ~~من مخلوقات تدل على وحدانية الله وعظيم قدرته وسابغ رحمته .... # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ||المؤلف د. محمد سيد طنطاوى| PageV08P008 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@06 الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين (1) @QUR@07 ربما يود الذين ~~كفروا لو كانوا مسلمين (2) @QUR@07 ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف ~~يعلمون (3) @QUR@08 وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم (4) @QUR@07 ما ~~تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون (5) @QUR@09 وقالوا يا أيها الذي نزل عليه ~~الذكر إنك لمجنون (6) @QUR@08 لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين ~~(7) @QUR@09 ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين (8) @QUR@07 ~~إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9) @QUR@07 ولقد أرسلنا من قبلك في ~~شيع الأولين (10) @QUR@08 وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن (11) ~~@QUR@05 كذلك نسلكه في قلوب المجرمين (12) @QUR@07 لا يؤمنون به وقد خلت ~~سنة الأولين (13) @QUR@09 ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون ~~(14) @QUR@08 لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ) (15) PageV08P009 # سورة الحجر من السور التي افتتحت ببعض حروف التهجي ( @QUR@01 الر ). # وقد بينا بشيء من التفصيل عند تفسيرنا لسورة : البقرة ، وآل عمران ، ~~والأعراف ... # آراء العلماء في هذه الحروف التي افتتحت بها بعض سور القرآن الكريم. # وقلنا ما خلاصته : من العلماء من يرى أن المعنى المقصود منها غير معروف ~~لأنها من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه .. # ومنهم من يرى أن المعنى المقصود منها معلوم ، وأنها ليست من المتشابه ، ~~بل هي أسماء للسور التي افتتحت بها ... أو هي حروف مقطعة بعضها من أسماء ~~الله ، وبعضها من صفاته ... # ثم قلنا ms3250 : ولعل أقرب الآراء إلى الصواب أن يقال : إن هذه الحروف المقطعة ~~، قد وردت في افتتاح بعض السور ؛ للإشعار بأن هذا القرآن الذي تحدى الله به ~~المشركين ، هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التي يعرفونها ، ويقدرون ~~على تأليف الكلام منها ، فإذا عجزوا عن الإتيان بسورة من مثله ، فذلك ~~لبلوغه في الفصاحة والحكمة مرتبة يقف فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها بمراحل. # وفضلا عن ذلك فإن تصدير بعض السور بمثل هذه الحروف المقطعة ، يجذب أنظار ~~المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم إلى الإنصات والتدبر ، لأنه يطرق ~~أسماعهم في أول التلاوة ألفاظ غير مألوفة في مجاري كلامهم وذلك مما يلفت ~~أنظارهم ليتبينوا ما يراد منها ، فيسمعوا حكما وهدايات قد تكون سببا في ~~استجابتهم للحق ، كما استجاب صالحو الجن الذين حكى الله تعالى عنهم أنهم ~~عند ما استمعوا إلى القرآن قالوا : ( @QUR@013 إنا سمعنا قرآنا عجبا. يهدي ~~إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا ... ). # واسم الإشارة ( @QUR@01 تلك ) يعود إلى الآيات التي تضمنتها هذه السورة ، ~~أو إلى جميع الآيات القرآنية التي نزلت قبل ذلك. # والمراد بالكتاب : القرآن الكريم ، ولا يقدح في هذا ، ذكر لفظ القرآن ~~بعده ، لأنه سبحانه جمع له بين الاسمين تفخيما لشأنه ، وتعظيما لقدره. # و ( @QUR@01 مبين ) اسم فاعل من أبان الذي هو بمعنى بان ، مبالغة في ~~الوضوح والظهور. PageV08P010 # قال صاحب الصحاح : يقال : «بان الشيء يبين بيانا ، أى اتضح ، فهو بين ~~وكذا أبان الشيء فهو مبين ...». # والمعنى : تلك أيها الناس آيات بينات من الكتاب الكامل في جنسه ، ومن ~~القرآن العظيم الشأن ، الواضح في حكمه وأحكامه ، المبين في هدايته وإعجازه ~~فأقبلوا عليها بالحفظ لها ، وبالعمل بتوجيهاتها ، لتنالوا السعادة في ~~دنياكم وآخرتكم. # قال الآلوسى : وفي جمع وصفي الكتابية والقرآنية من تفخيم شأن القرآن ما ~~فيه ، حيث أشير بالأول إلى اشتماله على صفات كمال جنس الكتب الإلهية فكأنه ~~كلها ، وبالثاني إلى كونه ممتازا عن غيره ، نسيجا وحده ، بديعا في بابه ، ~~خارجا عن دائرة البيان ، قرآنا غير ذي عوج ..» (1). # ثم بين سبحانه أن الكافرين سيندمون بسبب كفرهم في ms3251 وقت لا ينفع فيه الندم ~~، فقال تعالى : ( @QUR@07 ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ). # قال الشوكانى ما ملخصه : قرأ نافع وعاصم بتخفيف الباء من ( @QUR@01 ربما ~~)، وقرأ الباقون بتشديدها .. وأصلها أن تستعمل في القليل وقد تستعمل في ~~الكثير. # قال الكوفيون : أى يود الكفار في أوقات كثيرة لو كانوا مسلمين. # وقيل : هي هنا للتقليل ، لأنهم ودوا ذلك في بعض المواضع لا في كلها ~~لشغلهم بالعذاب ....» (2). # وقد حاول بعض المفسرين الجمع بين القولين فقال : من قال بأن ( @QUR@01 ~~ربما ) هنا للتكثير نظر إلى كثرة تمنيهم أن لو كانوا مؤمنين ، ومن قال ~~بأنها للتقليل نظر إلى قلة زمان إفاقتهم من العذاب بالنسبة إلى زمان دهشتهم ~~منه ، وهذا لا ينافي أن التمني يقع كثيرا منهم في زمن إفاقتهم القليل ، فلا ~~تخالف بين القولين (3). # والمعنى : ود الذين كفروا عند ما تنكشف لهم الحقائق. فيعرفون أنهم على ~~الباطل ، وأن المؤمنين على الحق ، أن لو كانوا مسلمين ، حتى ينجوا من الخزي ~~والعقاب. PageV08P011 # ودخلت رب هنا على الفعل المضارع ( @QUR@01 يود ) مع اختصاصها بالدخول على ~~الفعل الماضي ، للإشارة إلى أن أخبار الله تعالى بمنزلة الواقع المحقق سواء ~~أكانت للمستقبل أم لغيره. # قال صاحب الكشاف : «فإن قلت : لم دخلت على المضارع وقد أبوا دخولها إلا ~~على الماضي؟ قلت : لأن المترقب في أخبار الله تعالى بمنزلة الماضي المقطوع ~~به في تحققه ، فكأنه قيل : «ربما ود الذين كفروا ...» (1). # و ( @QUR@01 لو ) في قوله ( @QUR@03 لو كانوا مسلمين ) يصح أن تكون ~~امتناعية ، وجوابها محذوف ، والتقدير : لو كانوا مسلمين لسروا بذلك. # ويصح أن تكون مصدرية ، والتقدير : ود الذين كفروا كونهم مسلمين. # وعلى كلا المعنيين فهي مستعملة في التمني الذي هو طلب حصول الأمر الممتنع ~~الحصول. # وقال سبحانه ( @QUR@02 لو كانوا ... ) بفعل الكون الماضي ، للإشعار بأنهم ~~يودون الدخول في الإسلام ، بعد مضى وقت التمكن من الدخول فيه. # وعبر سبحانه عن متمناهم بالغيبة ( @QUR@01 كانوا )، نظرا لأن الكلام ~~مسوق بصدد الإخبار عنهم ، وليس بصدد الصدور منهم ، ولو كان كذلك لقيل : لو ~~كنا مسلمين. # هذا ، وللمفسرين أقوال في الوقت الذي ود فيه الكافرون ms3252 أن لو كانوا مسلمين ~~، فمنهم من يرى أن ودادتهم هذه تكون في الدنيا ، ومنهم من يرى أنها تكون ~~عند الموت ، ومنهم من يرى أنها تكون عند الحساب ، وعند عفو الله عن عصاة ~~المؤمنين. # والحق أن هذه الودادة تكون في كل موطن يعرف فيه الكافرون بطلان كفرهم ، ~~وفي كل وقت ينكشف لهم فيه أن الإسلام هو الدين الحق. # فهم تمنوا أن لو كانوا مسلمين في الدنيا ، عند ما رأوا نصر الله لعباده ~~المؤمنين ، في غزوة بدر وفي غزوة الفتح وفي غيرهما ، فعن ابن مسعود رضى ~~الله عنه : «ود كفار قريش ذلك يوم بدر حين رأوا نصر الله للمسلمين» (2). # وهم تمنوا ذلك عند الموت كما حكى عنهم سبحانه ذلك في آيات كثيرة منها قوله PageV08P012 # تعالى : ( @QUR@013 حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون. لعلي أعمل ~~صالحا فيما تركت ... ) (1). # وهم يتمنون ذلك عند ما يعرضون على النار يوم القيامة. قال تعالى ( ~~@QUR@017 ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ~~ربنا ونكون من المؤمنين ) (2). # وهم يتمنون ذلك عند ما يرون عصاة المؤمنين ، وقد أخرجهم الله تعالى ~~برحمته من النار. # وقد ذكر الإمام ابن كثير هنا جملة من الأحاديث الدالة على ذلك منها : ما ~~أخرجه الطبراني عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن ~~ناسا من أهل «لا إله إلا الله» يدخلون النار بذنوبهم ، فيقول لهم أهل اللات ~~والعزى : ما أغنى عنكم قولكم «لا إله إلا الله» وأنتم معنا في النار؟ قال ~~فيغضب الله لهم ، فيخرجهم ، فيلقيهم في نهر الحياة فيبرءون من حرقهم كما ~~يبرأ القمر من خسوفه ، فيدخلون الجنة. ويسمون فيها الجهنميين. # فقال رجل : يا أنس ، أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال ~~أنس : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «من كذب على متعمدا فليتبوأ ~~مقعده من النار» نعم ، أنا سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول هذا (3). # قال بعض العلماء : وأقوال العلماء في هذه الآية راجعة إلى ms3253 شيء واحد ، لأن ~~من يقول : إن الكافر إذا احتضر تمنى أن لو كان مسلما ، ومن يقول : إنه إذا ~~عاين النار تمنى أن لو كان مسلما .. كل ذلك راجع إلى أن الكفار إذا عاينوا ~~الحقيقية ندموا على الكفر وتمنوا أنهم لو كانوا مسلمين (4). # وفي هذه الآية ما فيها من تثبيت المؤمنين ، ومن تبشيرهم بأنهم على الحق ، ~~ومن حض للكافرين على الدخول في الإسلام قبل فوات الأوان ، ومن تحذير لهم من ~~سوء عاقبة الكفر والطغيان. # ثم أمر سبحانه الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يذرهم في طغيانهم يعمهون ، بعد ~~أن ثبت أنهم قوم لا ينفع فيهم إنذار فقال تعالى : ( @QUR@07 ذرهم يأكلوا ~~ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون ). PageV08P013 # وذر فعل أمر بمعنى اترك ، ومضارعه يذر ، ولا يستعمل له ماض إلا في النادر ~~، ومن هذا النادر ما جاء في الحديث الشريف : «ذروا الحبشة ما وذرتكم». # و «يتمتعوا» من المتاع بمعنى الانتفاع بالشيء بتلذذ وعدم نظر إلى العواقب. # «ويلههم» : من الانشغال عن الشيء ونسيانه ، يقال : فلان ألهاه كذا عن ~~أداء واجبه ، أى : شغله. # والأمل : الرغبة في الحصول على الشيء ، وأكثر ما يستعمل فيما يستبعد حصوله. # والمعنى : اترك أيها الرسول الكريم هؤلاء الكافرين ، وخلهم وشأنهم ، ~~ليأكلوا كما تأكل الأنعام ، وليتمتعوا بدنياهم كما يشاءون ، وليشغلهم أملهم ~~الكاذب عن اتباعك ، فسوف يعلمون سوء عاقبة صنيعهم في العاجل أو الآجل. # قال صاحب الكشاف : وقوله ( @QUR@01 ذرهم ) يعنى اقطع طمعك من ارعوائهم ، ~~ودعهم من النهى عما هم عليه ، والصد عنه بالتذكرة والنصيحة ، واتركهم ( ~~@QUR@02 يأكلوا ويتمتعوا ) بدنياهم ، وتنفيذ شهواتهم ويشغلهم أملهم وتوقعهم ~~لطول الأعمار واستقامة الأحوال. وألا يلقوا في العاقبة إلا خيرا فسوف ~~يعلمون سوء صنيعهم (1). # وإنما أمره سبحانه بذلك ، لعدم الرجاء في صلاحهم ، بعد أن مكث فيهم ~~الرسول صلى الله عليه وسلم زمنا طويلا ، يدعوهم إلى الحق ، بأساليب حكيمة. # وفي تقديم الأكل على غيره ، إيذان بأن تمتعهم إنما هو من قبيل تمتع ~~البهائم بالمآكل والمشارب. قال تعالى : ( @QUR@011 ... والذين كفروا ~~يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم ) (2) كما أن فيه تعييرا ~~لهم ms3254 بما تعارفوا عليه من أن الاقتصار في الحياة على إشباع اللذات الجسدية ، ~~دون التفات إلى غيرها من مكارم الأخلاق ، يدل على سقوط الهمة ، وبلادة ~~الطبع. قال الحطيئة يهجو الزبرقان بن عمرو : # دع المكارم لا ترحل لبغيتها %~% واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسى # أى : واقعد عن طلب المكارم والمعالي فإنك أنت المطعوم المكسو من جهة غيرك. # والفعل «يأكلوا» وما عطف عليه مجزوم في جواب الأمر «ذرهم» ، وبعضهم يجعله ~~مجزوم بلام الأمر المحذوفة ، الدالة على التوعد والتهديد ، ولا يستحسن جعله ~~مجزوما في جواب PageV08P014 # الأمر ، لأنهم يأكلون ويتمتعون سواء أترك الرسول صلى الله عليه وسلم دعوتهم ~~أم دعاهم. # والفاء في قوله سبحانه ( @QUR@02 فسوف يعلمون ) للتفريع الدال على الزجر ~~والإنذار. والاستجابة للحق قبل فوات الأوان. # أى : ذرهم فيما هم فيه من حياة حيوانية ، لا تفكر فيها ولا تدبر ، ومن ~~آمال خادعة براقة شغلتهم عن حقائق الأمور ، فسوف يعلمون سوء عاقبة ذلك وسوف ~~يرون ما يحزنهم ويشقيهم ويبكيهم طويلا بعد أن ضحكوا قليلا ... # وفي ذلك إشارة إلى أن لإمهالهم أجلا معينا ينقضي عنده ، ثم يأتيهم العذاب ~~الأليم. # قال الآلوسى رحمه الله : وفي هذه الآية إشارة إلى أن التلذذ والتنعم ، ~~وعدم الاستعداد للآخرة ، والتأهب لها ، ليس من أخلاق من يطلب النجاة. # وجاء عن الحسن : ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل. # وأخرج أحمد في الزهد ، والطبراني في الأوسط ، والبيهقي في شعب الإيمان عن ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لا أعلمه إلا رفعه قال : «صلاح أول هذه الأمة ~~بالزهد واليقين ، ويهلك آخرها بالبخل وطول الأمل». # وفي بعض الآثار عن على كرم الله وجهه : إنما أخشى عليكم اثنين : طول ~~الأمل ، واتباع الهوى ، فإن طول الأمل ينسى الآخرة ، واتباع الهوى يصد عن ~~الحق» (1). # هذا ، وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@08 فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى ~~يلاقوا يومهم الذي يوعدون ) (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@07 فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون ) (3). # وقوله تعالى : ( @QUR@06 قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار ) (4). # ثم قرر سبحانه أن هلاك الأمم الظالمة ، موقوت بوقت محدد في علمه ، وأن ~~سنته ms3255 في ذلك ماضية لا تتخلف ، فقال تعالى ( @QUR@015 وما أهلكنا من قرية ~~إلا ولها كتاب معلوم. ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ). PageV08P015 # و «من» في قوله ( @QUR@02 من قرية ) و ( @QUR@02 من أمة ) للتأكيد. ~~والمراد بالقرية أهلها. # والمراد بالكتاب المعلوم : الوقت المحدد في علم الله تعالى لهلاكها ، شبه ~~بالكتاب لكونه لا يقبل الزيادة أو النقص. والأجل : مدة الشيء. # أى : وما أهلكنا من قرية من القرى الظالم أهلها ، إلا ولهلاكها وقت محدد ~~في علمنا المحيط بكل شيء ، ومحال أن تسبق أمة من الأمم أجلها المقدر لها أو ~~تتأخر عنه. # قال ابن جرير رحمه الله عند تفسيره لهاتين الآيتين ما ملخصه : يقول تعالى ~~ذكره ( @QUR@02 وما أهلكنا ) يا محمد ( @QUR@01 من ) أهل ( @QUR@01 قرية ) ~~من القرى التي أهلكنا أهلها فيما مضى : ( @QUR@04 إلا ولها كتاب معلوم ) أى ~~: أجل مؤقت ومدة معروفة ، لا نهلكهم حتى يبلغوها ، فإذا بلغوها أهلكناهم ~~عند ذلك .. دون أن يتقدم هلاكهم عن ذلك أو يتأخر» (1). # وجملة ( @QUR@04 إلا ولها كتاب معلوم ) في محل نصب على الحال من قرية ، ~~وصح ذلك لأن كلمة قرية وإن كانت نكرة ، إلا أن وقوعها في سياق النفي سوغ ~~مجيء الحال منها. # أى : ما أهلكناها في حال من الأحوال ، إلا في حال بلوغها نهاية المدة ~~المقدرة لبقائها دون تقديم أو تأخير. # قال تعالى ( @QUR@011 ولكل أمة أجل ، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ~~ولا يستقدمون ) (2) وجملة «ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون» بيان لجملة ~~«إلا ولها كتاب معلوم» لتأكيد التحديد ، في بدئه وفي نهايته. # وحذف متعلق «يستأخرون» للعلم به ، أى : وما يستأخرون عنه. # والآيتان الكريمتان تدلان بوضوح ، على أن إمهال الظالمين ليس معناه ترك ~~عقابهم ، وإنما هو رحمة من الله بهم لعلهم أن يثوبوا إلى رشدهم ، ويسلكوا ~~الطريق القويم ... # فإذا ما لجوا في طغيانهم ، حل بهم عقاب الله تعالى في الوقت المحدد في ~~علمه سبحانه . # قال صاحب الظلال : ولقد يقال : إن أمما لا تؤمن ولا تحسن ولا تصلح ولا ~~تعدل. وهي مع ذلك قوية ثرية باقية ، وهذا وهم. PageV08P016 # فلا بد من بقية ms3256 من خير في هذه الأمم ، ولو كان هو خير العمارة للأرض ، ~~وخير العدل في حدوده الضيقة بين أبنائها ، وخير الإصلاح المادي والإحسان ~~المحدود بحدودها. # فعلى هذه البقية من الخير تعيش حتى تستنفدها ، فلا تبقى فيها من الخير ~~بقية ثم تنتهي حتما إلى المصير المعلوم. إن سنة الله لا تتخلف. ولكل أمة ~~أجل معلوم (1). # ثم حكى سبحانه سوء أدب هؤلاء الكافرين مع رسولهم صلى الله عليه وسلم فقال ~~تعالى ( @QUR@017 وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. لو ما ~~تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين ) والقائلون هم بعض مشركي قريش. قال ~~مقاتل : نزلت الآيتان في عبد الله بن أمية ، والنضر بن الحارث ، ونوفل بن ~~خويلد ، والوليد بن المغيرة. # والمراد بالذكر : القرآن الكريم. قال تعالى ( @QUR@07 وهذا ذكر مبارك ~~أنزلناه أفأنتم له منكرون ) (2). # و «مجنون» : اسم مفعول من الجنون ، وهو فساد العقل. # و «لوما» : حرف تحضيض مركب من لو المفيدة للتمني ، ومن ما الزائدة فأفاد ~~المجموع الحث على الفعل. # والمعنى : وقال الكافرون لرسولهم صلى الله عليه وسلم على سبيل الاستهزاء ~~والتهكم : «يا أيها» المدعى بأن الوحى ينزل عليك بهذا القرآن الذي تتلوه ~~علينا ، «إنك لمجنون» بسبب هذه الدعوى التي تدعيها. وبسبب طلبك منا اتباعك ~~وتركنا ما وجدنا عليه آباءنا ... # هلا إن كنت صادقا في دعواك ، أن تحضر معك الملائكة ، ليخبرونا بأنك على ~~حق فيما تدعيه ، وبأنك من الصادقين في تبليغك عن الله تعالى ما أمرك ~~بتبليغه؟ # وأكدوا الحكم على الجنون بإن واللام ، لقصدهم تحقيق ذلك في نفوس السامعين ~~ممن هم على شاكلتهم في الكفر والضلال ، حتى ينصرفوا عن الاستماع إليه ~~صلى الله عليه وسلم . # قال الآلوسى : يعنون يا من يدعى مثل هذا الأمر العظيم ، الخارق للعادة ~~إنك بسبب تلك PageV08P017 # الدعوى تحقق جنونك على أتم وجه. وهذا كما يقول الرجل لمن يسمع منه كلاما ~~يستبعده ، أنت مجنون (1). # فأنت ترى أن الآيتين الكريمتين قد حكتا ألوانا من سوء أدبهم ، منها : ~~مخاطبتهم له صلى الله عليه وسلم بهذا الأسلوب الدال على التهكم والاستخفاف ، ~~حيث قالوا ms3257 : «يا أيها الذي نزل عليه الذكر» ، مع أنهم لا يقرون بنزول شيء عليه. # ووصفهم له بالجنون ، وهو صلى الله عليه وسلم أرجح الناس عقلا ، وأفضلهم فكرا .. # وشكهم في صدقه ، حيث طلبوا منه على سبيل التعنت أن يحضر معه الملائكة ~~ليعاضدوه في دعواه كما قال تعالى في آيات أخرى منها قوله تعالى ( @QUR@013 ~~وقال الذين لا يرجون لقاءنا لو لا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا ... ) (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@09 ... لو لا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ) (3). # وقد رد الله تعالى عليهم بما يكبتهم ويخرس ألسنتهم فقال : ( @QUR@09 ما ~~ننزل الملائكة إلا بالحق ، وما كانوا إذا منظرين ). # وقرأ الجمهور ما تنزل بفتح التاء والزاى على أن أصله تتنزل ورفع الملائكة ~~على الفاعلية. # وقرأ أبو بكر عن عاصم ما تنزل بضم التاء وفتح الزاى على البناء للمجهول ~~ورفع الملائكة على أنه نائب فاعل. # وقرأ الكسائي وحفص عن عاصم ( @QUR@02 ما ننزل ) بنون في أوله وكسر الزاى ~~ونصب الملائكة على المفعولية والباء في قوله ( @QUR@02 إلا بالحق ) ~~للملابسة. # أى : ما ننزل الملائكة إلا تنزيلا ملتبسا بالحق ، أى : بالوجه الذي ~~تقتضيه حكمتنا وجرت به سنتنا ، كأن ننزلهم لإهلاك الظالمين ، أو لتبليغ ~~وحينا إلى رسلنا ، أو لغير ذلك من التكاليف التي نريدها ونقدرها ، والتي ~~ليس منها ما اقترحه المشركون على رسولنا صلى الله عليه وسلم من قولهم ( ~~@QUR@08 لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين )، ولذا اقتضت حكمتنا ~~ورحمتنا عدم إجابة مقترحاتهم. PageV08P018 # وقوله ( @QUR@04 وما كانوا إذا منظرين ) بيان لما سيحل بهم فيما لو أجاب ~~الله تعالى مقترحاتهم. # و «إذا» حرف جواب وجزاء. # و «منظرين» من الإنظار بمعنى التأخير والتأجيل. # وهذه الجملة جواب لجملة شرطية محذوفة ، تفهم من سياق الكلام ، والتقدير : ~~ولو أنزل سبحانه الملائكة مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبقي هؤلاء المشركون ~~على شركهم مع ذلك ، لعوجلوا بالعقوبة المدمرة لهم ، وما كانوا إذا ممهلين ~~أو مؤخرين ، بل يأخذهم العذاب بغتة. # قال الإمام الشوكانى : قوله ( @QUR@04 وما كانوا إذا منظرين ) في الكلام ~~حذف. والتقدير : ولو أنزلنا الملائكة لعوجلوا بالعقوبة ، وما كانوا ms3258 إذا ~~منظرين. فالجملة المذكورة جزاء للجملة الشرطية المحذوفة» (1). # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى ( @QUR@014 وقالوا لو لا أنزل عليه ملك ، ~~ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ) (2). # ثم بين سبحانه أنه قد تكفل بحفظ هذا القرآن الذي سبق للكافرين أن ~~استهزءوا به ، وبمن نزل عليه فقال تعالى : ( @QUR@07 إنا نحن نزلنا الذكر ~~وإنا له لحافظون ). # أى : إنا نحن بقدرتنا وعظم شأننا نزلنا هذا القرآن الذي أنكرتموه ؛ على ~~قلب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ( @QUR@01 وإنا ) لهذا القرآن ( @QUR@01 ~~لحافظون ) من كل ما يقدح فيه ، كالتحريف والتبديل ، والزيادة والنقصان ~~والتناقض والاختلاف ، ولحافظون له بالإعجاز ، فلا يقدر أحد على معارضته أو ~~على الإتيان بسورة من مثله ، ولحافظون له بقيام طائفة من أبناء هذه الأمة ~~الإسلامية باستظهاره وحفظه والذب عنه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. # قال صاحب الكشاف : قوله ( @QUR@04 إنا نحن نزلنا الذكر ) رد لإنكارهم ~~واستهزائهم في قولهم ( @QUR@08 يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون )، ~~ولذلك قال : إنا نحن ، فأكد عليهم أنه هو المنزل على القطع والبتات ، وأنه ~~هو الذي بعث به جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم ومن بين يديه ومن خلفه رصد ~~حتى نزل وبلغ محفوظا من الشياطين ، وهو حافظه في كل وقت من كل زيادة ونقصان ~~...» (3). PageV08P019 # وقال الآلوسى : ما ملخصه : «ولا يخفى ما في سبك الجملتين ( @QUR@07 إنا ~~نحن نزلنا الذكر ، وإنا له لحافظون ) من الدلالة على كمال الكبرياء ~~والجلالة ، وعلى فخامة شأن التنزيل ، وقد اشتملتا على عدة من وجوه التأكيد. ~~و ( @QUR@01 نحن ) ليس ضمير فصل لأنه لم يقع بين اسمين ، وإنما هو إما ~~مبتدأ أو توكيد لاسم إن. والضمير في ( @QUR@01 له ) للقرآن كما هو الظاهر ، ~~وقيل هو للنبي صلى الله عليه وسلم ...» (1). # هذا ونحن ننظر في هذه الآية الكريمة ، من وراء القرون الطويلة منذ نزولها ~~فنرى أن الله تعالى قد حقق وعده في حفظ كتابه ، ومن مظاهر ذلك : # 1 أن ما أصاب المسلمين من ضعف ومن فتن ، ومن هزائم ، وعجزوا معها عن حفظ ~~أنفسهم وأموالهم وأعراضهم .. هذا الذي ms3259 أصابهم في مختلف الأزمنة والأمكنة ، ~~لم يكن له أى أثر على قداسة القرآن الكريم ، وعلى صيانته من أى تحريف. # ومن أسباب هذه الصيانة أن الله تعالى قيض له في كل زمان ومكان ، من أبناء ~~هذه الأمة ، من حفظه عن ظهر قلب ، فاستقر بين الأمة بمسمع من النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، وصار حفاظه بالغين عدد التواتر في كل مصر وفي كل عصر. # قال الفخر الرازي : فإن قيل : فلما ذا اشتغل الصحابة بجمع القرآن في ~~المصحف ، وقد وعد الله بحفظه ، وما حفظه الله فلا خوف عليه؟ # فالجواب : أن جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله تعالى إياه ، فإنه ~~سبحانه لما أن حفظه قيضهم لذلك ....» (2). # 2 أن أعداء هذا الدين سواء أكانوا من الفرق الضالة المنتسبة للإسلام أم ~~من غيرهم امتدت أيديهم الأثيمة إلى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فأدخلوا ~~فيها ما ليس منها ... وبذل العلماء العدول الضابطون ما بذلوا من جهود ~~لتننقية السنة النبوية مما فعله هؤلاء الأعداء .. # ولكن هؤلاء الأعداء ، لم يقدروا على شيء واحد ، وهو إحداث شيء في هذا ~~القرآن ، مع أنهم وأشباههم في الضلال ، قد أحدثوا ما أحدثوا في الكتب ~~السماوية السابقة .. PageV08P020 # قال بعض العلماء. سئل القاضي إسماعيل (1) البصري عن السر في تطرق التغيير ~~للكتب السالفة ، وسلامة القرآن من ذلك فأجاب بقوله : إن الله أوكل للأحبار ~~حفظ كتبهم فقال : «بما استحفظوا من كتاب الله» وتولى سبحانه حفظ القرآن ~~بذاته فقال : ( @QUR@07 إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) (2). # وقد ذكر الإمام القرطبي ما يشبه ذلك نقلا عن سفيان بن عيينة في قصة طويلة (3). # والخلاصة ، أن سلامة القرآن من أى تحريف رغم حرص الأعداء على تحريفه ورغم ~~ما أصاب المسلمين من أحداث جسام ، ورغم تطاول القرون والدهور دليل ساطع على ~~أن هناك قوة خارقة خارجة عن قوة البشر قد تولت حفظ هذا القرآن ، وهذه القوة ~~هي قوة الله عز وجل ولا يمارى في ذلك إلا الجاحد الجهول ... # ثم ساق سبحانه بعد ذلك من الآيات ما فيه تعزية وتسلية للرسول ms3260 ~~صلى الله عليه وسلم عما أصابه من سفهاء قومه ، فأخبره بأن ما أصابه منهم يشبه ~~ما فعله المكذبون السابقون مع رسلهم ، فقال تعالى ( @QUR@027 ولقد أرسلنا ~~من قبلك في شيع الأولين. وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن. كذلك ~~نسلكه في قلوب المجرمين. لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين ). # قال الجمل : «لما أساءوا في الأدب ، وخاطبوه صلى الله عليه وسلم خطاب ~~السفاهة ، حيث قالوا له : «إنك لمجنون» ، سلاه الله فقال له : إن عادة ~~الجهال مع جميع الأنبياء كانت هكذا ، وكانوا يصبرون على أذى الجهال. ~~ويستمرون على الدعوة والإنذار ، فاقتد أنت بهم في ذلك ...» (4). # والشيع جمع شيعة وهي الطائفة من الناس المتفقة على طريقة ومذهب واحد ، من ~~شاعه إذا تبعه ، وأصله كما يقول القرطبي مأخوذ من الشياع وهو الحطب الصغار ~~توقد به الكبار. # والمعنى : ولقد أرسلنا من قبلك أيها الرسول الكريم رسلا كثيرين ، في ~~طوائف الأمم الأولين ، فدعا الرسل أقوامهم إلى ما دعوت إليه أنت قومك من ~~وجوب إخلاص العبادة لله تعالى ، فما كان من أولئك المدعوين السابقين إلا أن ~~قابلت كل فرقة منهم رسولها بالسخرية والاستهزاء ، كما قابلك سفهاء قومك. PageV08P021 # وذلك لأن المكذبين في كل زمان ومكان يتشابهون في الطباع الذميمة ، وفي ~~الأخلاق القبيحة : كمال قال تعالى ( @QUR@019 كذلك ما أتى الذين من قبلهم ~~من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون. أتواصوا به ، بل هم قوم طاغون ) (1). # والجار والمجرور ( @QUR@02 من قبلك ) متعلق بأرسلنا ، أو بمحذوف وقع نعتا ~~لمفعوله المحذوف. أى : ولقد أرسلنا رسلا كائنة من قبلك. # وإضافة الشيع إلى الأولين من إضافة الموصوف إلى صفته عند بعض النحاة ، أو ~~من حذف الموصوف عند البعض الآخر ، أى شيع الأمم الأولين. # وعبر بقوله سبحانه ( @QUR@04 إلا كانوا به يستهزؤن ) للإشعار بأن ~~الاستهزاء بالرسل كان طبيعة فيهم كما يومئ إليه لفظ كان ، وأنه متكرر منهم ~~كما يفيده التعبير بالفعل المضارع والكاف في قوله ( @QUR@02 كذلك نسلكه .. ~~) للتشبيه ، واسم الإشارة «ذلك» يعود إلى السلك المأخوذ من نسلكه. # والسلك مصدر سلك من باب نصر وهو إدخال الشيء ms3261 في الشيء ، كإدخال الخيط في ~~المخيط. # والضمير المنصوب في «نسلكه» يعود إلى القرآن الكريم الذي سبق الحديث عنه. # والمراد بالمجرمين في قوله ( @QUR@03 في قلوب المجرمين ) مشركو قريش ومن ~~لف لفهم. # والمعنى : كما سلكنا كتب الرسل السابقين في قلوب أولئك المستهزئين نسلك ~~القرآن في قلوب هؤلاء المجرمين من قومك يا محمد ، بأن نجعلهم يسمعونه ~~ويفهمونه ويدركون خصائصه دون أن يستقر في قلوبهم استقرار تصديق وإذعان ~~لاستيلاء الجحود والعناد والحسد عليهم. # وقوله ( @QUR@03 لا يؤمنون به ) بيان للسلك المشبه به ، أو حال من ~~المجرمين. # أى : أدخلنا القرآن في قلوبهم ففهموه ، ولكنهم لا يؤمنون به عنادا ~~وجحودا. # وعلى هذا التفسير يكون الضمير في ( @QUR@01 نسلكه ) وفي ( @QUR@01 به ) ~~يعودان إلى القرآن الكريم ، الذي سبق الحديث عنه في قوله تعالى ( @QUR@07 ~~إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ). # ومن المفسرين الذين ذكروا هذا الوجه ولم يذكروا سواه صاحب الكشاف ، فقد ~~قال : «والضمير في قوله ( @QUR@01 نسلكه )، للذكر : أى : مثل ذلك السلك ~~ونحوه نسلك الذكر ( @QUR@01 في PageV08P022 # @QUR@02 قلوب المجرمين ) على معنى أن يلقيه في قلوبهم مكذبا مستهزئا به ~~غير مقبول ، كما لو أنزلت بلئيم حاجة فلم يجبك إليها : فقلت : كذلك أنزلها ~~باللئام : تعنى مثل هذا الإنزال أنزلها بهم مردودة غير مقضية. # ومحل قوله ( @QUR@03 لا يؤمنون به ) النصب على الحال ، أى : غير مؤمن به. ~~أو هو بيان لقوله ( @QUR@02 كذلك نسلكه .. ) (1). # وقد زكى هذا الوجه صاحب الانتصاف فقال : والمراد والله أعلم إقامة الحجة ~~على المكذبين ، بأن الله تعالى سلك القرآن في قلوبهم ، وأدخله في سويدائها ~~، كما سلك ذلك في قلوب المؤمنين المصدقين ، فكذب به هؤلاء ، وصدق به هؤلاء ~~، كل على علم وفهم ( @QUR@010 ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ~~... )، ولئلا يكون للكفار حجة بأنهم ما فهموا وجوه الإعجاز كما فهمها من ~~آمن ...» (2). # ويرى بعض المفسرين كالإمام ابن جرير أن الضمير في نسلكه يعود إلى الكفر ~~الذي سلكه الله في قلوب المكذبين السابقين ، أما الضمير في ( @QUR@01 به ) ~~فيعود إلى القرآن الكريم ، فقد قال : قوله تعالى ( @QUR@08 كذلك نسلكه في ~~قلوب المجرمين لا ms3262 يؤمنون به ... ) # يعنى : كما سلكنا الكفر في قلوب شيع الأولين بالاستهزاء بالرسل ، كذلك ~~نفعل ذلك في قلوب مشركي قومك الذين أجرموا بسبب الكفر بالله. # ( @QUR@03 لا يؤمنون به ) يقول : لا يصدقون بالذكر الذي أنزل إليك. (3). # ومع أن هذا التفسير الذي ارتضاه شيخ المفسرين ابن جرير له وجاهته ، إلا ~~أننا نميل إلى التفسير الأول الذي ارتضاه صاحب الكشاف ، لأنه هو المتبادر ~~من معنى الآية ، ومن المفسرين الذين رجحوا ذلك الفخر الرازي ، فقد قال ~~رحمه الله خلال كلام طويل ما ملخصه : «التأويل الصحيح أن الضمير في قوله ~~تعالى ( @QUR@02 كذلك نسلكه ) عائد إلى الذكر ، الذي هو القرآن ، فإنه ~~تعالى قال قبل هذه الآية ( @QUR@04 إنا نحن نزلنا الذكر ) وقال بعده ( ~~@QUR@02 كذلك نسلكه ) أى : هكذا نسلك القرآن في قلوب المجرمين. # والمراد من هذا السلك ، هو أنه تعالى يسمعهم هذا القرآن ، ويخلق في ~~قلوبهم حفظه والعلم بمعانيه. إلا أنهم مع هذه الأحوال لا يؤمنون به عنادا ~~وجهلا .. PageV08P023 # ويدل على صحة هذا التأويل ، أن الضمير في قوله ( @QUR@03 لا يؤمنون به ) ~~عائد على القرآن بالإجماع ، فوجب أن يكون الضمير في ( @QUR@01 نسلكه ) ~~عائدا إليه أيضا لأنهما ضميران متعاقبان فيجب عودهما إلى شيء واحد ...» (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@04 وقد خلت سنة الأولين ) تهديد لهؤلاء المكذبين من ~~كفار مكة ومن سار على شاكلتهم ، وتكملة للتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم . # أى : وقد مضت سنة الله التي لا تتخلف وطريقته المألوفة بأن ينزل عذابه ~~بالمجرمين ، كما أنزله بالأمم الماضية ، بسبب تكذيبها لرسلها ، واستهزائها ~~بهم فلا تحزن أيها الرسول الكريم لما أصابك من سفهاء قومك فسننصرك عليهم. # وأضاف سبحانه السنة إلى الأولين ، باعتبار تعلقها بهم ، وإنما هي سنة ~~الله فيهم لأنها المقصود هنا ، والإضافة لأدنى ملابسة. # ثم ختم سبحانه هذه الآيات الكريمة برسم صورة عجيبة لعناد هؤلاء المكذبين ~~ولجحودهم للحق بعد ما تبين فقال : ( @QUR@017 ولو فتحنا عليهم بابا من ~~السماء فظلوا فيه يعرجون ، لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ). # وقوله سبحانه ( @QUR@06 ولو فتحنا عليهم بابا من السماء .. ) معطوف على ~~قوله ( @QUR@03 لا يؤمنون به ms3263 .. ) لإبطال معاذيرهم ، ولبيان أن سبب عدم ~~إيمانهم هو الجحود والعناد ، وليس نقصان الدليل والبرهان على صحة ما جاء به ~~النبي صلى الله عليه وسلم . # قال الإمام الرازي. وقوله تعالى ( @QUR@03 فظلوا فيه يعرجون ) يقال : ظل ~~فلان نهاره يفعل كذا ، إذا فعله بالنهار ، ولا تقول العرب ظل يظل إلا لكل ~~عمل بالنهار ، كما لا يقولون بات يبيت إلا بالليل. والمصدر الظلول (2). # ويعرجون : من العروج ، وهو الذهاب في صعود ، وفعله من باب دخل ، يقال عرج ~~فلان إلى الجبل يعرج إذا صعد ، ومنه المعراج والمعارج أى المصاعد. # وقوله ( @QUR@01 سكرت ) من السكر بفتح السين المشددة وسكون الكاف بمعنى ~~السد والحبس والمنع ، يقال سكرت الباب أسكره سكرا ، إذا سددته ، والتشديد ~~في ( @QUR@01 سكرت ) للمبالغة ، وهو قراءة الجمهور. وقرأ ابن كثير ( ~~@QUR@01 سكرت )، بكسر الكاف بدون تشديد. PageV08P024 # وقوله ( @QUR@01 مسحورون ) اسم مفعول من السحر ، بمعنى الخداع والتخييل ~~والصرف عن الشيء إلى غيره. # والمعنى : أن هؤلاء المشركين بلغ بهم الغلو في الكفر والعناد ، أننا لو ~~فتحنا لهم بابا من أبواب السماء ، ومكناهم من الصعود إليه ، فظلوا في ذلك ~~الباب يصعدون ، ويطلعون على ملكوت السموات وما فيها من الملائكة والعجائب ~~لقالوا بعد هذا التمكين والاطلاع لفرط عنادهم وجحودهم إنما أبصارنا منعت من ~~الإبصار ، وما نراه ما هو إلا لون من الخداع والتخييل والصرف عن إدراك ~~الحقائق بسبب سحر محمد صلى الله عليه وسلم لنا وعلى هذا التفسير الذي سار عليه ~~جمهور المفسرين ، يكون الضمير في قوله ( @QUR@01 فظلوا ) يعود إلى هؤلاء ~~المشركين المعاندين. # وقيل الضمير للملائكة ، فيكون المعنى : فظل الملائكة في هذا الباب يعرجون ~~، والكفار يشاهدونهم وينظرون إليهم ، فقالوا أى الكفار بعد كل ذلك ، «إنما ~~سكرت أبصارنا ..». # وعلى كلا الرأيين فالآية الكريمة تصور أكمل تصوير ، مكابرة الكافرين ~~وعنادهم المزرى. # وعبر سبحانه بقوله ( @QUR@01 فظلوا .. ) ليدل على أن عروجهم كان في وضح ~~النهار ، بحيث لا يخفى عليهم شيء مما يشاهدونه. # وجمعوا في قولهم بين أداة الحصر ( @QUR@01 إنما ) وبين أداة الإضراب ( ~~@QUR@01 بل ) للدلالة على البت بأن ما يرونه لا حقيقة له ، بل هو باطل ، ~~وما يرونه ms3264 ما هو إلا من تخيلات المسحور. # وقالوا «بل نحن قوم مسحورون» ولم يقولوا بل نحن مسحورون ، للإشعار بأن ~~السحر قد تمكن منهم جميعا ، ولم يخص بعضا منهم دون بعض. # قال الشوكانى : وفي هذا البيان لعنادهم العظيم الذي لا يقلعهم عنه شيء من ~~الأشياء كائنا ما كان ، فإنهم إذا رأوا آية توجب عليهم الإيمان بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله ، نسبوا إلى أبصارهم أن إدراكها غير حقيقى لعارض ~~الانسداد أو أن عقولهم قد سحرت فصار إدراكهم غير صحيح. ومن بلغ في التعنت ~~إلى هذا الحد ، فلا تنفع فيه موعظة ولا يهتدى بآية» (1). # وبذلك نجد السورة الكريمة قد حدثتنا في خمس عشرة آية من مطلعها إلى هنا ، عن سمو PageV08P025 # منزلة القرآن الكريم ، وعن حسرات الكافرين يوم تتجلى لهم الحقائق ، وعن ~~استهزائهم بالرسول صلى الله عليه وسلم ، وعن رد القرآن عليهم ؛ وعن تسلية الله ~~تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم ... # ثم انتقلت السورة بعد ذلك ، فساقت ألوانا من النعم الدالة على وحدانية ~~الله تعالى وعظيم قدرته ، وبديع صنعه ، وشمول علمه ، فقال تعالى : # ( @QUR@07 ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين (16) @QUR@05 ~~وحفظناها من كل شيطان رجيم (17) @QUR@07 إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب ~~مبين (18) @QUR@011 والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل ~~شيء موزون (19) @QUR@08 وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين (20) ~~@QUR@011 وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم (21) ~~@QUR@012 وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم ~~له بخازنين (22) @QUR@06 وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون (23) @QUR@07 ~~ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين (24) @QUR@07 وإن ربك هو ~~يحشرهم إنه حكيم عليم ) (25) # قال الإمام القرطبي ما ملخصه : لما ذكر سبحانه كفر الكافرين ، وعجز ~~أصنامهم ، ذكر كمال قدرته ليستدل بها على وحدانيته. # والبروج : القصور والمنازل. قال ابن عباس. أى جعلنا في السماء بروج الشمس ~~والقمر ، أى : منازلهما. وأسماء هذه البروج : الحمل والثور والجوزاء ~~والسرطان ، والأسد ، والسنبلة ، والميزان ، والعقرب ، والقوس ، والجدى ، ~~والدلو ، والحوت. PageV08P026 # والعرب تعد المعرفة لمواقع النجوم وأبوابها من أجل العلوم ، ويستدلون ms3265 بها ~~على الطرقات والأوقات والخصب والجدب ... # وقال الحسن وقتادة : البروج : النجوم ، وسميت بذلك لظهورها وارتفاعها ... # وقيل البروج : الكواكب العظام ... (1). # قال بعض العلماء ومرجع الأقوال كلها إلى شيء واحد ، لأن أصل البروج في ~~اللغة الظهور ، ومنه تبرج المرأة ، بإظهار زينتها ، فالكواكب ظاهرة ، ~~والقصور ظاهرة ، ومنازل الشمس والقمر كالقصور بجامع أن الكل محل ينزل فيه ~~.. (2). # و ( @QUR@01 جعلنا ) أى خلقنا وأبدعنا ، فيكون قوله ( @QUR@02 في السماء ~~) متعلقا به ، وجوز أن يكون بمعنى التصيير ، فيكون قوله. في السماء. متعلقا ~~بمحذوف على أنه مفعول ثان له و ( @QUR@01 بروجا ) هو المفعول الأول. # أى : ولقد خلقنا وأبدعنا منازل وطرقا في السماء ، تسير فيها الكواكب ~~بقدراتنا ، وإرادتنا ، وحكمتنا ، دون خلل أو اضطراب. # وفي ذلك الخلق ما فيه من منافع لكم ، حيث تستعملون هذه البروج في ضبط ~~المواقيت وفي تحديد الجهات ، وفي غير ذلك من المنافع ، كما قال تعالى ( ~~@QUR@023 هو الذي جعل الشمس ضياء ، والقمر نورا وقدره منازل ، لتعلموا عدد ~~السنين والحساب ، ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون ) (3). # وافتتح سبحانه الآية الكريمة بلام القسم وقد ، تنزيلا للمخاطبين الذاهلين ~~عن الالتفات إلى مظاهر قدرة الله تعالى منزلة المنكرين ، فأكد لهم الكلام ~~بمؤكدين لينتبهوا ويعتبروا. # والضمير في قوله ( @QUR@01 وزيناها ... ) يعود إلى السماء. أى : وزينا ~~السماء بتلك البروج المختلفة الأشكال والأضواء ، لتكون جميلة في عيون ~~الناظرين إليها ، وآية للمتفكرين في دلائل قدرة الله تعالى وبديع صنعه. # وهذه الجملة الكريمة ، تلفت الأنظار إلى أن الجمال غاية مقصودة في خلق ~~هذا الكون ، كما PageV08P027 # تشعر المؤمنين بأن من الواجب عليهم أن يجعلوا حياتهم مبنية على الجمال في ~~الظاهر وفي الباطن ، تأسيا بسنة الله تعالى في خلق هذا الكون. # ثم وضح سبحانه بأن هذا التزيين للسماء ، مقرون بالحفظ والصيانة والطهارة ~~من كل رجس فقال تعالى ( @QUR@05 وحفظناها من كل شيطان رجيم ). # والمراد بالشيطان هنا : المتمرد من الجن ، مشتق من شطن بمعنى بعد ، إذ ~~الشيطان بعيد بطبعه عن كل خير. # والرجيم ، أى المرجوم المحقر ، مأخوذ من الرجم ، لأن العرب كانوا إذا ~~احتقروا أحدا رجموه بالقطع ms3266 من الحجارة ، وقد كان العرب يرجمون قبر أبى رغال ~~الثقفي ، الذي أرشد جيش الحبشة إلى مكة لهدم الكعبة. قال جرير : # إذا مات الفرزدق فارجموه %~% كما ترمون قبر أبى رغال # والمعنى : ولقد جعلنا في السماء منازل وطرقا للكواكب ، وزيناها أى السماء ~~للناظرين إليها ، وحفظناها من كل شيطان محقر مطرود من رحمتنا بأن منعناه من ~~الاستقرار فيها ، ومن أن ينفث فيها شروره ومفاسده ، لأنها موطن الأخيار ~~الأطهار. # قال تعالى : ( @QUR@011 إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من ~~كل شيطان مارد ) (1). # وقال تعالى : ( @QUR@08 ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما ~~للشياطين .... ) (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين ) في محل ~~نصب على الاستثناء واستراق السمع : اختلاسه وسرقته ، والمراد به : الاستماع ~~إلى المتحدث خفية ، حتى لكأن المستمع يسرق من المتكلم كلامه الذي يخفيه عنه ~~، فالسمع هنا بمعنى المسموع من الكلام. # والشهاب : هو الشعلة الساطعة من النار ، المنفصلة من الكواكب التي ترى في ~~السماء ليلا ، كأنها كوكب ينقض بأقصى سرعة. وجمعه شهب .. أصله من الشهبة ، ~~وهي بياض مختلط بسواد. # و ( @QUR@01 مبين ) أى ظاهر واضح للمبصرين. PageV08P028 # والاستثناء منقطع ، فيكون المعنى : وحفظنا السماء من كل شيطان رجيم لكن ~~من اختلس السمع من الشياطين ، بأن حاول الاقتراب منها ، فإنه يتبعه شهاب ~~واضح للناظرين فيحرقه ، أو يحول بينه وبين استراق السمع. # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@07 إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب ~~مبين ) أى. لكن من استرق السمع ، أى الخطفة اليسيرة ، فهو استثناء منقطع. # وقيل : هو متصل ، أى : إلا ممن استرق السمع. أى : حفظنا السماء من ~~الشياطين أن تسمع شيئا من الوحى وغيره ، إلا من استرق السمع فإنا لم نحفظها ~~منه أن تسمع الخبر من أخبار السماء سوى الوحى ، فأما الوحى فلا تسمع منه ~~شيئا لقوله تعالى ( @QUR@04 إنهم عن السمع لمعزولون ). # وإذا استمع الشياطين إلى شيء ليس بوحي ، فإنهم يقذفونه إلى الكهنة في ~~أسرع من طرفة عين ، ثم تتبعهم الشهب فتقتلهم أو تخبلهم .. (1). # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى ( @QUR@031 إنا زينا السماء الدنيا بزينة ~~الكواكب. وحفظا من كل شيطان ms3267 مارد. لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من ~~كل جانب. دحورا ولهم عذاب واصب. إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب ) (2). # قال بعض العلماء ما ملخصه : والمقصود منع الشياطين من الاطلاع على ما ~~أراد الله عدم اطلاعهم عليه .. وربما استدرج الله تعالى الشياطين وأولياءهم ~~، فلم يمنع الشياطين من استراق شيء قليل يلقونه إلى الكهان ؛ فلما أراد ~~سبحانه عصمة الوحى منعهم من ذلك بتاتا .. # وفي سورة الجن دلالة على أن المنع الشديد من استراق السمع كان بعد البعثة ~~النبوية ، وبعد نزول القرآن ، إحكاما لحفظ الوحى من أن يلتبس على الناس ~~بالكهانة .. # قال تعالى : ( @QUR@021 وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا ~~وشهبا. وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع ، فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا ~~) (3). # وعلى ذلك يكون ما جاء في بعض الأحاديث من استراق الجن السمع وصفا للكهانة ~~السابقة ، ويكون قوله صلى الله عليه وسلم «ليسوا بشيء ...» وصفا لآخر أمرهم .. PageV08P029 # ففي صحيح البخاري عن عائشة : أن ناسا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الكهانة ، فقال : «ليسوا بشيء». أى لا وجود لما يزعمونه فقيل يا رسول الله ~~، فإنهم يحدثون أحيانا بالشيء فيكون حقا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~«تلك الكلمة من الحق يخطفها الجنى فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة أى ~~فيلقيها بصوت خافت كالدجاجة عند ما تخفى صوتها فيخلطون فيها أكثر من مائة ~~كذبة» (1). # وبعد أن بين سبحانه بعض الدلائل السماوية الدالة على قدرته ووحدانيته ، ~~أتبع ذلك ببيان بعض الدلائل الأرضية فقال تعالى : ( @QUR@011 والأرض ~~مددناها وألقينا فيها رواسي ، وأنبتنا فيها من كل شيء موزون ). وقوله : ( ~~@QUR@01 رواسي ) من الرسو وهو ثبات الأجسام الثقيلة. يقال رسا الشيء يرسو ~~أى ثبت. # أى : ومن الأدلة أيضا على وحدانيتنا وقدرتنا ، أننا مددنا الأرض وفرشناها ~~وبسطناها ، لتتيسر لكم الحياة عليها قال تعالى ( @QUR@04 والأرض فرشناها ~~فنعم الماهدون ) (2). # وأننا أيضا وضعنا فيها جبالا ثوابت راسخات تمسكها عن الاضطراب وعن أن ~~تميد بكم. قال تعالى : ( @QUR@012 خلق السماوات بغير عمد ترونها ، وألقى في ~~الأرض رواسي أن تميد ms3268 بكم ... ) (3). # وأننا أيضا أنبتنا في الأرض من كل شيء ( @QUR@01 موزون ) أى : مقدر ~~بمقدار معين وموزون بميزان الحكمة ، بحيث تتوفر فيه كل معاني الجمال ~~والتناسق. # قال تعالى : ( @QUR@05 إنا كل شيء خلقناه بقدر ) (4). # وأننا كذلك ( @QUR@04 جعلنا لكم فيها معايش ... ) والمعايش : جمع معيشة ، ~~وهي في الأصل مصدر عاش يعيش عيشا وعيشة ومعاشا ، ومعيشة ، إذا صار ذا حياة. ~~ثم استعمل هذا اللفظ فيما يعاش به ، أو فيما يتوصل به إلى العيش. # أى : وجعلنا لكم في الأرض ما تعيشون به من المطاعم والمشارب والملابس ~~وغيرها ، مما تقتضيه ضرورات الحياة التي تحيونها. PageV08P030 # وجملة ( @QUR@04 ومن لستم له برازقين ) معطوفة على «معايش». # والمراد بمن لستم له برازقين : ما يشمل الأطفال والعجزة والأنعام وغير ~~ذلك من مخلوقات الله التي تحتاج إلى العون والمساعدة. # أى : وجعلنا لكم في الأرض ما تعيشون به أو ما تتوصلون به إلى ذلك من ~~المكاسب والتجارات ، وجعلنا لكم فيها أيضا من لستم له برازقين من العيال ~~والخدم والدواب ... وإنما الرازق لهم هو الله تعالى رب العالمين ، إذ ما من ~~دابة في الأرض إلا على الله وحده رزقها. وما يزعمه الجاهلون من أنهم هم ~~الرازقون لغيرهم ، هو لون من الغرور والافتراء ، لأن الرازق للجميع هو الله ~~رب العالمين. # وعبر بمن في قوله ( @QUR@02 ومن لستم ) تغليبا للعقلاء على غيرهم. # قال الإمام ابن كثير : والمقصود من هذه الجملة أنه تعالى يمتن عليهم بما ~~يسر لهم من أسباب المكاسب ووجوه الأسباب ، وصنوف المعاشات وبما سخر لهم من ~~الدواب التي يركبونها. والأنعام التي يأكلونها ، والعبيد والإماء التي ~~يستخدمونها ، ورزقهم على خالقهم لا عليهم ، فلهم هم المنفعة ، والرزق على ~~الله تعالى » (1). # ثم بين سبحانه بعد ذلك أن كل شيء في هذا الكون ، خاضع لإرادته وقدرته ، ~~وتصرفه .. فقال تعالى ( @QUR@011 وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ، وما ننزله ~~إلا بقدر معلوم ). # و «إن» نافية بمعنى ما ، و «من» مزيدة للتأكيد. و «خزائنه» جمع خزانة ، وهي ~~في الأصل تطلق على المكان الذي توضع فيه نفائس الأموال للمحافظة عليها. # والمعنى : وما من شيء من الأشياء ms3269 الموجودة في هذا الكون ، والتي يتطلع ~~الناس إلى الانتفاع بها. إلا ونحن قادرون على إيجادها وإيجاد أضعافها بلا ~~تكلف أو إبطاء ، كما قال تعالى : ( @QUR@010 إنما أمره إذا أراد شيئا أن ~~يقول له كن فيكون ) (2). # فقد شبه سبحانه اقتداره على إيجاد كل شيء ، بالخزائن المودعة فيها ~~الأشياء ، والمعدة لإخراج ما يشاء إخراجه منها بدون كلفة أو إبطاء. PageV08P031 # والمراد بالإنزال في قوله ( @QUR@05 وما ننزله إلا بقدر معلوم ). ~~الإيجاد والإخراج إلى هذه الدنيا ، مع تمكين الناس من الحصول عليه. # أى : وما نخرج هذا الشيء إلى حيز الوجود بحيث يتمكن الناس من الانتفاع به ~~إلا ملتبسا بمقدار معين ، وفي وقت محدد ، تقتضيه حكمتنا ، وتستدعيه مشيئتنا ~~، ويتناسب مع حاجات العباد وأحوالهم ، كما قال تعالى ( @QUR@017 ولو بسط ~~الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ، ولكن ينزل بقدر ما يشاء ، إنه بعباده ~~خبير بصير ) (1). # ثم انتقل سبحانه من الاستدلال على وحدانيته وقدرته بظواهر السماء وبظواهر ~~الأرض ، إلى الاستدلال على ذلك بظواهر الرياح والأمطار فقال تعالى : ( ~~@QUR@012 وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم ~~له بخازنين ) والآية الكريمة معطوفة على قوله تعالى قبل ذلك : ( @QUR@04 ~~وجعلنا لكم فيها معايش ) وما بينهما اعتراض لتحقيق ما سبق ذكره من النعم. # والمراد بإرسال الرياح هنا : نقلها من مكان إلى آخر بقدرة الله تعالى ~~وحكمته. # وقوله ( @QUR@01 لواقح ) يصح أن يكون جمع لاقح. وأصل اللاقح : الناقة ~~التي قبلت اللقاح فحملت الجنين في بطنها .. # ووصف سبحانه الرياح بكونها لواقح. لأنها حوامل تحمل ما يكون سببا في نزول ~~الأمطار كما تحمل النوق الأجنة في بطونها. # أى : وأرسلنا بقدرتنا ورحمتنا الرياح حاملة للسحاب وللأمطار ولغيرهما ، ~~مما يعود على الناس بالنفع والخير والبركة. # ويصح أن يكون لفظ «لواقح» جمع ملقح اسم فاعل وهو الذي يلقح غيره ، فتكون ~~الرياح ملقحة لغيرها كما يلقح الذكر الأنثى. # قال الإمام ابن كثير : قوله ( @QUR@03 وأرسلنا الرياح لواقح ) أى : تلقح ~~السحب فتدر ماء ، وتلقح الأشجار فتتفتح عن أوراقها وأكمامها (2). # وقال بعض العلماء : ومعنى الإلقاح أن الرياح تلقح السحاب بالماء بتوجيه ~~عمل الحرارة والبرودة ms3270 متعاقبين ، فينشأ عن ذلك البخار الذي يصير ماء في ~~الجو ، ثم ينزل مطرا على PageV08P032 # الأرض ، وأنها تلقح الشجر ذا الثمرة ، بأن تنقل إلى نوره غبرة دقيقة من ~~نور الشجر الذكر ، فتصلح ثمرته أو تثبت .. # وهذا هو الإبار. وبعضه لا يحصل إلا بتعليق الطلع الذكر على الشجرة ~~المثمرة. وبعضه يكتفى منه بغرس شجرة ذكر في خلال شجر الثمر. # ومن بلاغة الآية الكريمة ، إيراد هذا الوصف لواقح لإفادة كلا العملين ~~اللذين تعملهما الرياح وهما الحمل للسحاب والمطر وغيرهما ، أو التلقيح ~~لغيرها .» (1). # وقوله ( @QUR@05 فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه .. ) تفريع على ما تقدم. # أى : وأرسلنا الرياح بقدرتنا من مكان إلى آخر ، حالة كونها حاملة للسحاب ~~وغيره ، فأنزلنا بسبب هذا الحمل من جهة السماء ، ماء كثيرا هو المطر ، ~~لتنتفعوا به في شرابكم ، وفي معاشكم ، وفي غير ذلك من ضرورات حياتكم. # قال تعالى : ( @QUR@023 هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ، ومنه ~~شجر فيه تسيمون. ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل ~~الثمرات ... ) (2). # وقوله ( @QUR@04 وما أنتم له بخازنين ) تتميم لنعمة إنزال الماء. # أى : أنزلنا المطر من السماء ، وليست خزائنه عندكم. وإنما نحن الخازنون ~~له ، ونحن الذين ننزله متى شئنا ، ونحن الذين نمنعه متى شئنا ، كما قال ~~تعالى قبل ذلك : ( @QUR@011 وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا ~~بقدر معلوم ). # ويصح أن يكون المعنى : أنزلنا المطر من السماء فجعلناه لسقياكم ، وأنتم ~~لستم بقادرين على خزنه وحفظه في الآبار والعيون وغيرها ، وإنما نحن ~~القادرون على ذلك. قال تعالى ( @QUR@013 وأنزلنا من السماء ماء بقدر ~~فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون ) (3). # ثم بين سبحانه أن الإحياء والإماتة بيده وحده ، فقال تعالى : ( @QUR@06 ~~وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون ). # أى : وإنا وحدنا القادرون على إيجاد الحياة في المخلوقات ، والقادرون على ~~سلبها عنها ، ونحن الوارثون لهذا الكون بعد فنائه ، الباقون بعد زواله. PageV08P033 # قال تعالى ( @QUR@06 إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير ) (1). # وقال تعالى ( @QUR@08 إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون ) (2). # وشبه سبحانه بقاءه بعد زوال كل شيء ms3271 سواه بالوارث ، لأن الوارث هو الذي ~~يرث غيره بعد موته. # وأكد سبحانه الآية الكريمة بإن واللام وضمير الفصل ( @QUR@01 نحن ) ~~تحقيقا للخبر الذي اشتملت عليه ، وردا على المشركين الذين زعموا أنه لا ~~حياة ولا ثواب ولا عقاب بعد الموت. # ثم أكد سبحانه شمول علمه لكل شيء بعد أن أكد شمول قدرته فقال تعالى : ( ~~@QUR@07 ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين ). # والمراد بالمستقدمين من تقدم على غيره ولادة وموتا ، كما أن المراد ~~بالمستأخرين من تأخر عن غيره في ذلك ، ولم يمت بعد ، أو لم يوجد بعد في ~~عالم الأحياء. # والسين والتاء في اللفظين للتأكيد. # وقيل : المراد بهما الأحياء والأموات ، وقيل المراد بالمستقدمين : من ~~تقدم في الوجود على الأمة الإسلامية ، وبالمستأخرين : الأمة الإسلامية. # وقيل : المراد بهما : من قتل في الجهاد ومن لم يقتل ، وقيل المراد بهما ~~من تقدم في صفوف الصلاة ومن تأخر ... # قال الإمام ابن جرير بعد أن ساق جملة من الأقوال في ذلك : وأولى الأقوال ~~عندي بالصحة ، قول من قال : ولقد علمنا الأموات منكم يا بنى آدم فتقدم موته ~~، ولقد علمنا المستأخرين الذين تأخر موتهم ممن هو حي ومن هو حادث منكم ممن ~~لم يحدث بعد ...» (3). # ثم بين سبحانه أن مرجع الخلق جميعا إليه فقال : ( @QUR@07 وإن ربك هو ~~يحشرهم ، إنه حكيم عليم ). # أى : وإن ربك وحده أيها المخاطب هو الذي يتولى حشر الأولين والآخرين ، ~~وجمعهم يوم القيامة للحساب والثواب والعقاب ، إنه سبحانه ( @QUR@01 حكيم ) في كل PageV08P034 # تصرفاته وأفعاله ( @QUR@01 عليم ) بأحوال خلقه ما ظهر منها وما بطن. # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة ، قد اشتملت على ألوان من الأدلة الدالة ~~على وحدانية الله تعالى وعظيم قدرته ، وبديع صنعه ، وشمول علمه ، مما يوجب ~~الإيمان به سبحانه وإخلاص العبادة له ، ومقابلة نعمه بالشكران لا بالكفران ~~، وبالطاعة لا بالمعصية ... # وبعد أن ساق سبحانه ألوانا من الأدلة على وحدانيته وقدرته ، عن طريق خلقه ~~للسماء وما فيها من بروج وشهب .. وللأرض وما عليها من جبال ونبات .. ~~وللرياح وما تحمله من سحب وأمطار ... # أتبع ذلك بأدلة أخرى على كمال ms3272 ذاته وصفاته عن طريق خلقه للإنسان وللجن ~~وللملائكة .. فقال تعالى : # ( @QUR@08 ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون (26) @QUR@07 والجان ~~خلقناه من قبل من نار السموم (27) @QUR@012 وإذ قال ربك للملائكة إني خالق ~~بشرا من صلصال من حمإ مسنون (28) @QUR@09 فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ~~فقعوا له ساجدين (29) @QUR@04 فسجد الملائكة كلهم أجمعون (30) @QUR@07 إلا ~~إبليس أبى أن يكون مع الساجدين (31) @QUR@09 قال يا إبليس ما لك ألا تكون ~~مع الساجدين (32) @QUR@011 قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ ~~مسنون (33) @QUR@05 قال فاخرج منها فإنك رجيم (34) @QUR@06 وإن عليك اللعنة ~~إلى يوم الدين (35) @QUR@06 قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (36) @QUR@02 ~~قال فإنك PageV08P035 # @QUR@02 من المنظرين (37) @QUR@04 إلى يوم الوقت المعلوم (38) @QUR@010 ~~قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين (39) @QUR@04 إلا ~~عبادك منهم المخلصين (40) @QUR@05 قال هذا صراط علي مستقيم (41) @QUR@011 ~~إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين (42) @QUR@04 وإن ~~جهنم لموعدهم أجمعين (43) @QUR@08 لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ) (44) # والمراد بالإنسان في قوله سبحانه ( @QUR@05 ولقد خلقنا الإنسان من صلصال ~~) آدم عليه السلام لأنه أصل النوع الإنسانى ، وأول فرد من أفراده. # والصلصال : الطين اليابس الذي يصلصل ، أى : يحدث صوتا إذا حرك أو نقر ~~عليه ، كما يحدث الفخار قال تعالى ( @QUR@05 خلق الإنسان من صلصال كالفخار ~~) (1). # وقيل : الصلصال : الطين المنتن ، مأخوذ من قولهم : صل اللحم وأصل ، إذا ~~أنتن .. # قال الإمام ابن جرير : والذي هو أولى بتأويل الآية ، أن يكون الصلصال في ~~هذا الموضع ، الطين اليابس الذي لم تصبه النار ، فإذا نقرته صل فسمعت له ~~صلصلة وذلك أن الله تعالى وصفه في موضع آخر فقال : ( @QUR@05 خلق الإنسان ~~من صلصال كالفخار ) فشبهه تعالى ذكره بأنه كالفخار في يبسه ، ولو كان معناه ~~في ذلك المنتن لم يشبهه بالفخار ، لأن الفخار ليس بمنتن فيشبه به في النتن ~~غيره» (2). # والحمأ : الطين إذا اشتد سواده وتغيرت رائحته. # والمسنون : المصور من سن الشيء إذا صوره. # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله ( @QUR@02 من حمإ ) أى : من طين تغير واسود ~~من مجاورة الماء ، ويقال للواحدة حمأة بسكون الميم ms3273 ... PageV08P036 # وقوله ( @QUR@01 مسنون ) أى : مصور من سنة الوجه وهي صورته. وأنشد لذلك ~~ابن عباس قول عمه حمزة يمدح النبي صلى الله عليه وسلم : # أغر كأن البدر سنة وجهه %~% جلا الغيم عنه ضوؤه فتبددا # وقيل مسنون : أى مصبوب ، من سن الماء بمعنى صبه. ويقال شن بالشين أيضا ؛ ~~أى : مفرغ على هيئة الإنسان ... وقيل : المسنون : المنتن ...» (1). # والذي يتدبر القرآن الكريم يرى أن الله تعالى قد وضح في آيات متعددة ~~أطوار خلق آدم عليه السلام ، فقد بين في بعض الآيات أنه خلقه من تراب ، كما ~~في قوله تعالى ( @QUR@015 إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم ~~قال له كن فيكون ... ) (2). # وبين في آيات أخرى أنه سبحانه خلقه من طين ، كما في قوله تعالى ( ~~@QUR@010 الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ) (3). # وبين هنا أنه سبحانه خلقه ( @QUR@05 من صلصال من حمإ مسنون ). # قال الجمل : وهذا الطور آخر أطوار آدم الطينية ، وأول ابتدائه أنه كان ~~ترابا متفرق الأجزاء ، ثم بل أى التراب فصار طينا ، ثم ترك حتى أنتن وأسود ~~فصار حمأ مسنونا. # أى : متغيرا ، ثم يبس فصار صلصالا ، وعلى هذه الأحوال والأطوار تتخرج ~~الآيات الواردة في أطواره الطينية ، كآية خلقه من تراب ، وآية ( @QUR@03 ~~بشرا من طين ) (4) وهذه الآية التي نحن فيها» (5). # والمقصود من هذه الآيات الكريمة ، التنبيه على عجيب صنع الله تعالى وعظيم ~~قدرته ، حيث أخرج سبحانه من هذه المواد بشرا سويا ، في أحسن تقويم. # وأكد سبحانه الجملة الكريمة بلام القسم وقد ، لزيادة التحقيق ، وللإرشاد ~~إلى أهمية هذا الخلق ، وأنه بهذه الصفة. # و ( @QUR@01 من ) في قوله ( @QUR@02 من صلصال ) لابتداء الغاية أو ~~للتبعيض ، وفي قوله ( @QUR@02 من حمإ ) ابتدائية. PageV08P037 # والجار والمجرور صفة لصلصال أى : من صلصال كائن من حمأ ، ومسنون صفة لحمإ. # ثم بين سبحانه بعد ذلك المادة التي خلق منها الجان فقال سبحانه : ( ~~@QUR@07 والجان خلقناه من قبل من نار السموم ). # والمراد بالجان هنا : أبو الجن عند جمهور المفسرين. وقيل هو إبليس. وقيل ~~هو اسم لجنس الجن. وسمى جانا لتواريه عن الأعين ، واستتاره ms3274 عن بنى آدم. # أى : والجان خلقناه ( @QUR@02 من قبل ) أى : من قبل خلق آدم ( @QUR@03 من ~~نار السموم ) أى : من الريح الحارة التي تقتل. وسميت سموما ، لأنها لشدة ~~حرارتها ، وقوة تأثيرها تنفذ في مسام البدن. # قال ابن كثير : وقد ورد في الحديث الصحيح : «خلقت الملائكة من نور ، ~~وخلقت الجان من مارج من نار ، وخلق بنو آدم مما وصف لكم» (1). # ثم حكى سبحانه ما أمر به ملائكته عند ما توجهت إرادته سبحانه لخلق آدم ، ~~فقال تعالى : ( @QUR@021 وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من ~~حمإ مسنون. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ، فقعوا له ساجدين ). # أى : واذكر أيها العاقل وقت أن قال ربك سبحانه للملائكة الذين لا يعصون ~~الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ( @QUR@02 إني خالق ) بقدرتي ( @QUR@01 ~~بشرا ) أى : إنسانا ، وعبر عنه بذلك اعتبارا بظهور بشرته وهي ظاهر الجلد ( ~~@QUR@05 من صلصال من حمإ مسنون ). # ( @QUR@02 فإذا سويته ) أى : سويت خلق هذا البشر ، وكملت أجزاءه ، وجعلته ~~في أحسن تقويم ... # ( @QUR@04 ونفخت فيه من روحي ) أى : وضعت فيه ما به حياته وحركته وهو ~~الروح ، الذي لا يعلم حقيقته أحد سواي. # قال القرطبي : قوله : ( @QUR@04 ونفخت فيه من روحي ) النفخ إجراء الريح ~~في الشيء. والروح جسم لطيف ، أجرى الله العادة بأن يخلق الحياة في البدن مع ~~ذلك الجسم. وحقيقته PageV08P038 # إضافة خلق إلى خالق ، فالروح خلق من خلقه أضافه سبحانه إلى نفسه تشريفا ~~وتكريما ، كقوله ، أرضى وسمائي وبيتي وناقة الله وشهر الله ... (1). # وقوله ( @QUR@03 فقعوا له ساجدين ) أمر منه سبحانه للملائكة بالسجود لآدم. # أى : فإذا سويت خلقه ، وأفضت عليه ما به حياته ، فاسقطوا وخروا له ساجدين ~~، سجود تحية وتكريم ، لا سجود عبادة ، فإن سجود العبادة لي وحدي. # وقال سبحانه ( @QUR@01 فقعوا .. ) بفاء التعقيب ، للإشعار بأن سجودهم له ~~واجب عليهم عقب التسوية والنفخ من غير إبطاء أو تأخير. # وهذا نوع من تكريم الله تعالى لعبده آدم عليه السلام ، وله سبحانه أن يكرم ~~بعض عباده بما يشاء ، وكيف شاء .. ( @QUR@06 لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ) (2). # ثم بين سبحانه ما كان من الملائكة ms3275 بعد ذلك فقال : ( @QUR@04 فسجد ~~الملائكة كلهم أجمعون ) أى : امتثل الملائكة لأمر الله بعد أن خلق سبحانه ~~آدم وسواه ونفخ فيه من روحه ، فسجدوا له كلهم أجمعون دون أن يتخلف منهم أحد. # وجمع سبحانه بين لفظي التوكيد ( @QUR@02 كلهم أجمعون ) للمبالغة في ذلك ، ~~ولإزالة أى التباس بأن أحدا شذ عن طاعة الله تعالى . # وقوله ( @QUR@07 إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين ) بيان لموقف إبليس ~~من أمر الله تعالى . وإبليس : اسم مشتق من الإبلاس ، وهو الحزن الناشئ عن ~~شدة اليأس ، وفعله أبلس ، والراجح أنه اسم أعجمى ، ممنوع من الصرف للعلمية ~~والعجمة. وهو كائن حي ، وقد أخطأ من حمله على معنى داعي الشر الذي يخطر في ~~النفوس ، لأنه ليس من المعقول أن يكون الأمر كذلك مع أن القرآن أخبرنا بأنه ~~يرى الناس ولا يرونه. # قال تعالى ( @QUR@08 إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ... ) (3). # وقوله ( @QUR@01 أبى ) من الإباء وهو الامتناع عن فعل الشيء مع القدرة ~~على فعله ، بسبب الغرور والتكبر والتعاظم. PageV08P039 # أى : فسجد الملائكة كلهم أجمعون ، امتثالا وطاعة لله تعالى ، إلا إبليس ~~فإنه امتنع عن أن يكون مع الساجدين. تكبرا وغرورا وعصيانا لأمر الله تعالى . # وللعلماء في كون إبليس من الملائكة ، أم لا ، قولان : # أحدهما : أنه كان منهم ، لأنه سبحانه أمرهم بالسجود لآدم ، ولو لا أنه ~~كان منهم لما توجه إليه الأمر بالسجود ، ولو لم يتوجه إليه الأمر بالسجود ~~لما كان عاصيا ، ولما استحق الطرد واللعنة ، ولأن الأصل في المستثنى أن ~~يكون داخلا تحت اسم المستثنى منه ، حتى يقوم دليل على أنه خارج عنه. وعلى ~~هذا الرأى الذي اختاره ابن عباس وابن مسعود وغيرهما يكون الاستثناء متصلا. # والثاني : أنه لم يكن من الملائكة ، لقوله تعالى : ( @QUR@015 وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ، ففسق عن أمر ربه .. ) ~~(1) فهو أصل الجن ، كما أن آدم أصل الإنس ، ولأنه خلق من نار ، والملائكة ~~خلقوا من نور ، ولأن له ذرية ، والملائكة لا ذرية لهم .. # وعلى هذا الرأى الذي اختاره الحسن وقتادة وغيرهما يكون الاستثناء منقطعا. ms3276 # قال الشيخ القاسمى : «وقد حاول الإمام ابن القيم رحمه الله أن يجمع بين ~~الرأيين فقال : والصواب التفصيل في هذه المسألة ، وأن القولين في الحقيقة ~~قول واحد. فإن إبليس كان مع الملائكة بصورته وليس منهم بمادته وأصله فإن ~~أصله من نار وأصل الملائكة من نور ، فالنافي كونه من الملائكة والمثبت كونه ~~منهم لم يتواردا على محل واحد» (2). # والذي نميل إليه في هذه المسألة أن إبليس لم يكن من الملائكة ، بدليل ~~الحديث الصحيح الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم : «خلقت الملائكة من ~~نور. وخلقت الجان من مارج من نار ، وخلق بنو آدم مما وصف لكم» (3) والآية ~~الكريمة وهي قوله تعالى ( @QUR@05 إلا إبليس كان من الجن ) صريحة في أنه ~~كان من الجن ولم يكن من الملائكة. # ومع هذا فإن الأمر بالسجود يشمله ، بدليل قوله تعالى ( @QUR@06 قال ما ~~منعك ألا تسجد إذ PageV08P040 # @QUR@01 أمرتك ... ) (1). # فهذه الآية تدل دلالة صريحة على أن الله تعالى قد أمر إبليس بالسجود لآدم ... # ووجود إبليس مع الملائكة لا يستلزم أن يكون منهم ، ومثل ذلك كمثل أن تقول ~~: حضر بنو فلان إلا محمدا ، ومحمد ليس من بنى فلان هؤلاء ، وإنما هو معهم ~~بالمجاورة أو المصاحبة أو غير ذلك. # هذا ما نختاره ونميل إليه ، استنادا إلى ظاهر الآيات وظاهر الأحاديث ، ~~والله تعالى أعلم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@020 قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين قال ~~لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون ) بيان لما وبخ الله تعالى ~~به إبليس ، ولرد إبليس لعنه الله على خالقه عز وجل . # أى : قال الله تعالى لإبليس على سبيل التوبيخ والزجر : أى سبب حملك على ~~مخالفة أمرى ، وجعلك تمتنع عن السجود لمن أمرتك بالسجود له؟ # فكان رد إبليس : ما كان ليليق بشأنى ومنزلتي أن أسجد مع الساجدين لبشر ~~خلقته أيها الخالق العظيم من صلصال من حمأ مسنون. # ومقصود إبليس بهذا الرد إثبات أنه خير من آدم ، كما حكى عنه سبحانه ذلك ~~في قوله تعالى ( @QUR@010 قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته ms3277 من طين ) (2). # وهذا الرد منه يدل على عصيانه لأمر ربه ، وعدم الرضا بحكمه ، وسوء أدبه ~~مع خالقه سبحانه . # قال الآلوسى : وقد أخطأ اللعين حيث ظن أن الفضل كله باعتبار المادة ، وما ~~درى أنه يكون باعتبار الفاعل ، وباعتبار الصورة ، وباعتبار الغاية ، بل إن ~~ملاك الفضل والكمال هو التخلي عن الملكات الردية ، والتحلي بالمعارف ~~الربانية. # فشمال والكأس فيها يمين %~% ويمين لا كأس فيها شمال (3) # وقوله سبحانه : ( @QUR@011 قال فاخرج منها فإنك رجيم. وإن عليك اللعنة ~~إلى يوم الدين ) بيان للحكم العادل الذي أصدره الله تعالى على إبليس. PageV08P041 # والضمير في قوله : «منها» يعود إلى السماء لأنها مسكن الطائعين الأخيار ، ~~أو إلى الجنة لأنها لا يسكنها إلا من أطاع الله تعالى ، أو إلى المنزلة ~~التي كان فيها قبل طرده من رحمة الله .. أى : قال الله تعالى لإبليس على ~~سبيل الزجر والتحقير : فاخرج من جنتي ومن سمائي فإنك ( @QUR@01 رجيم ) ~~مطرود من كل خير وكرامة ، وإن عليك اللعنة والإبعاد من رحمتي إلى يوم الدين ~~، وهو يوم الحساب والجزاء. # وليس المراد أن تنقطع عنه اللعنة يوم الدين ، بل المراد أن هذه اللعنة ~~مستمرة عليه إلى يوم الدين ، فإذا ما جاء هذا اليوم استمرت هذه اللعنة ، ~~وأضيف إليها العذاب الدائم المستمر الباقي ، بسبب عصيانه لأمر ربه ، فذكر ~~يوم الدين ، إنما هو للمبالغة في طول مدة هذه اللعنة ودوامها ما دامت ~~الحياة الدنيا. # وعبر سبحانه بعلى في قوله ( @QUR@03 وإن عليك اللعنة ) للإشعار بتمكنها ~~منه ، واستعلائها عليه ، حتى لكأن اللعنة فوقه يحملها دون أن تفارقه في ~~لحظة من اللحظات. # ثم حكى سبحانه ما طلبه إبليس من ربه ، ومارد الله به عليه ، فقال تعالى : ~~( @QUR@014 قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون. قال فإنك من المنظرين. إلى يوم ~~الوقت المعلوم ). # والفاء في قوله ( @QUR@01 فأنظرني ) للتفريع وهي متعلقة بمحذوف يدل عليه ~~سياق الكلام. # والإنظار : التأخير والإمهال ومنه قوله تعالى ( @QUR@07 وإن كان ذو عسرة ~~فنظرة إلى ميسرة ).. # أى : قال إبليس لربه. عز وجل : ما دمت قد أخرجتنى من جنتك ومن سمائك ، ~~وجعلتني مرجوما ملعونا إلى يوم ms3278 الدين ، فأخر موتى إلى يوم يبعث آدم وذريته ~~للحساب وخاطب الله تعالى بصفة الربوبية تخضعا وتذللا لكي يجاب طلبه. # وقد أجاب الله تعالى له طلبه فقال : ( @QUR@01 فإنك ) يا إبليس من جملة ( ~~@QUR@01 المنظرين ) أى الذين أخرت موتهم ( @QUR@04 إلى يوم الوقت المعلوم ) ~~وهو يوم القيامة الذي استأثرت بعلم وقته ، والذي وصفت أحواله للناس. كي ~~يستعدوا له بالإيمان والعمل الصالح. # ويصح أن يكون المراد بالوقت المعلوم : وقت النفخة الأولى حين يموت كل ~~الخلائق ويموت هو معهم. # قال ابن كثير : أجابه الله تعالى إلى ما سأل ، لما له في ذلك من الحكمة ~~والإرادة والمشيئة التي لا تخالف. ولا تمانع ولا معقب لحكمه وهو سريع ~~الحساب. PageV08P042 # وقال بعض العلماء : وهذا الإنظار رمز إلهى على أن ناموس الشر لا ينقضي من ~~عالم الحياة الدنيا ، وأن نظامها قائم على التصارع بين الخير والشر ، وبين ~~الأخيار والأشرار. # قال تعالى : ( @QUR@09 بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ... ~~) (1). # ولذلك لم يستغن نظام العالم عن إقامة قوانين العدل والصلاح ، وإيداعها ~~إلى الكفاة لتنفيذها والذود عنها» (2). # ثم بين سبحانه الأسياب التي حملت إبليس على طلب تأخير موته إلى يوم ~~القيامة ، والتي من أهمها الانتقام من آدم وذريته فقال تعالى : ( @QUR@014 ~~قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين. إلا عبادك منهم ~~المخلصين ). # والباء في قوله ( @QUR@04 بما أغويتني لأزينن لهم .. ) للسببية أو للقسم. # قال الإمام الرازي ما ملخصه : الباء هاهنا بمعنى السبب ، أى : بسبب كوني ~~غاويا لأزينن لهم كقول القائل : أقسم فلان بمعصيته ليدخلن النار ، وبطاعته ~~ليدخلن الجنة. # أو للقسم وما مصدرية وجواب القسم لأزينن لهم. والمعنى أقسم بإغوائك لي ~~لأزينن لهم. ونظيره قوله تعالى ( @QUR@04 قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين ) (3). # وقوله ( @QUR@01 أغويتني ) من الإغواء ، وهو خلق الغي في القلوب. وأصل ~~الغي الفساد ، ومنه غوى الفصيل كرضى إذا بشم من اللبن ففسدت معدته. أو منع ~~من الرضاع فهزل وكاد يهلك ، ثم استعمل في الضلال. يقال : غوى فلان يغوى غيا ~~وغواية فهو غاو إذا ضل عن الطريق المستقيم. وأغواه غيره وغواه : أضله. # وقوله ms3279 ( @QUR@02 لأزينن لهم ) من التزيين بمعنى التحسين والتجميل ، وهو ~~تصيير الشيء زينا ، أى : حسنا حتى ترغب النفوس فيه وتقبل عليه. # والضمير في ( @QUR@01 لهم ) يعود على ذرية آدم ، وهو مفهوم من السياق وإن ~~لم يجر لهم ذكر ، وقد جاء ذلك صريحا في قوله تعالى في آية أخرى : ( ~~@QUR@015 قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ~~ذريته إلا قليلا ) (4). # وحذف مفعول ( @QUR@01 لأزينن ) لدلالة المقام عليه. PageV08P043 # أى : لأزينن لهم المعاصي والسيئات ، بأن أحسن لهم القبيح. وأزين لهم ~~المنكر. وأحبب الشهوات إلى نفوسهم حتى يتبعوها ، وأبذل نهاية جهدي في صرفهم ~~عن طاعتك ... وقال سبحانه ( @QUR@02 في الأرض ) لتحديد مكان إغوائه ، إذ هي ~~المكان الذي صار مستقرا له ولآدم وذريته ، كما قال تعالى في آية أخرى : ( ~~@QUR@03 فأزلهما الشيطان عنها ) أى الجنة فأخرجهما أى آدم وحواء مما كانا ~~فيه ، ( @QUR@012 وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ، ولكم في الأرض مستقر ومتاع ~~إلى حين ) (1). # وقوله ( @QUR@02 ولأغوينهم أجمعين ) مؤكدا لما قبله. # أى : والله لأغوينهم جميعا مادمت قادرا على ذلك ، ولأعملن على إضلالهم ~~بدون فتور أو يأس ، كما قال تعالى في آية أخرى : ( @QUR@015 ثم لآتينهم من ~~بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين ) (2). # قال القرطبي : وروى ابن لهيعة عبد الله عن دراج أبى السمح ، عن أبى ~~الهيثم ، عن أبى سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن ~~إبليس قال يا رب وعزتك وجلالك لا أزال أغوى بنى آدم ما دامت أرواحهم في ~~أجسامهم ، فقال الرب : وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفرونى». # وقوله سبحانه ( @QUR@04 إلا عبادك منهم المخلصين ) اعتراف من إبليس بأن ~~من عباد الله تعالى قوما لا يستطيع أن يغويهم ، ولا يقدر على إضلالهم. # وكلمة «المخلصين» قرأها نافع وحمزة وعاصم والكسائي بفتح اللام ، فيكون ~~المعنى : لأغوينهم أجمعين إلا عبادك الذين استخلصتهم لطاعتك ، وصنتهم عن ~~اقتراف ما نهيتهم عنه. # وقرأها ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بكسر اللام ، فيكون المعنى : ~~لأضلنهم جميعا ، إلا عبادك الذين أخلصوا لك العمل ، وابتعدوا عن ms3280 الرياء في ~~أقوالهم وأفعالهم. # وهذا الاستثناء الذي اعترف به إبليس بعد أن أدرك أنه لا محيص له عنه هو ~~سنة الله تعالى في خلقه ، فقد جرت سنته التي لا تغيير ولا تبديل لها ، بأن ~~يستخلص لذاته من يخلص له قلبه ، وأن يرعى من يرعى حدوده ، ويحفظ من يحفظ ~~تكاليفه ، ولذا كان جوابه PageV08P044 # سبحانه على إبليس ، هو قوله تعالى ( @QUR@016 قال هذا صراط علي مستقيم. ~~إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ). # واسم الإشارة ( @QUR@01 هذا ) يعود إلى الاستثناء السابق وهو قوله ( ~~@QUR@04 إلا عبادك منهم المخلصين ). # وقد اختار هذا الرأى الإمام الآلوسى فقال : قال الله تعالى ( @QUR@03 هذا ~~صراط علي ) أى : حق لا بد أن أراعيه ( @QUR@01 مستقيم ) لا انحراف فيه فلا ~~يعدل عنه إلى غيره. # والإشارة إلى ما تضمنه الاستثناء وهو تخليص المخلصين من إغوائه وكلمة على ~~تستعمل في الوجوب. والمعتزلة يقولون به حقيقة لقولهم بوجوب الأصلح عليه ~~تعالى . # وقال أهل السنة ، إن ذلك وإن كان تفضلا منه سبحانه إلا أنه شبه بالحق ~~الواجب لتأكد ثبوته وتحقق وقوعه ، بمقتضى وعده عز وجل ، فجيء بعلى لذلك». # ثم قال : وقرأ الضحاك ومجاهد ويعقوب .. ( @QUR@03 هذا صراط علي ) بكسر ~~اللام وضم الياء المشددة وتنوينها أى : عال لارتفاع شأنه» (1). # وقد اختار صاحب الكشاف عودة اسم الإشارة إلى ما بعده فقال : قال الله ~~تعالى ( @QUR@04 هذا صراط علي مستقيم ) أى هذا طريق حق على أن أراعيه ، وهو ~~أن لا يكون لك سلطان على عبادي ، إلا من اختار اتباعك منهم لغوايته (2). # ويرى ابن جرير أن على هنا بمعنى إلى ، فقد قال رحمه الله قوله تعالى ( ~~@QUR@04 هذا صراط علي مستقيم ) بمعنى هذا طريق إلى مستقيم. # فكان معنى الكلام : هذا طريق مرجعه إلى ، فأجازى كلا بأعمالهم ، كما قال ~~تعالى ( @QUR@03 إن ربك لبالمرصاد ) وذلك نظير قول القائل لمن يتوعده ~~ويتهدده : طريقك على وأنا على طريقك ، فكذلك قوله ( @QUR@02 هذا صراط ) ~~معناه : هذا طريق على وهذا طريق إلى ... (3). # ويبدو لنا أن الآية الكريمة مسوقة لبيان المنهاج القويم الذي كتبه الله ~~تعالى على نفسه ms3281 فضلا منه وكرما ، والميزان العادل الذي وضعه سبحانه لتمييز ~~الخبيث من الطيب. # فكأنه سبحانه يقول في الرد على إبليس الذي اعترف بعجزه عن إغواء المخلصين من PageV08P045 # عباد الله : يا إبليس ، إن عدم قدرتك على إغواء عبادي المخلصين منهج قويم ~~من مناهجى التي اقتضتها حكمتى وعدالتى ورحمتي ، وسنة من سنني التي آليت على ~~نفسي أن ألتزم بها مع خلقي. إن عبادي المخلصين لا قوة ولا قدرة لك على ~~إغوائهم ، لأنهم حتى إذا مسهم طائف منك. أسرعوا بالتوبة الصادقة إلى ، ~~فقبلتها منهم. وغفرت لهم زلتهم ... ولكنك تستطيع إغواء أتباعك الذين ~~استحوذت عليهم ؛ فانقادوا لك ... # وفي هاتين الآيتين ما فيهما من التنويه بشأن عباد الله المخلصين ، ومن ~~المديح لهم بقوة الإيمان ، وعلو المنزلة ، وصدق العزيمة ؛ وضبط النفس ... # قال تعالى : ( @QUR@09 إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا ) (1). # قال الآلوسى وقوله : ( @QUR@06 إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ... ) أى ~~تصرف وتسلط ، والمراد بالعباد ؛ المشار إليهم بالمخلصين ، فالإضافة للعهد ~~والاستثناء على هذا في قوله ( @QUR@05 إلا من اتبعك من الغاوين ) منقطع. # واختار هذا غير واحد ... وجوز أن يكون بالعباد العموم والاستثناء متصل ، ~~والكلام كالتقرير لقوله إلا عبادك منهم المخلصين ، ولذا لم يعطف على ما ~~قبله ، وتغيير الوضع لتعظيم المخلصين ، بجعلهم هم الباقين بعد الاستثناء ~~...» (2). # ثم بين سبحانه سوء عاقبة المتبعين لإبليس فقال : ( @QUR@012 وإن جهنم ~~لموعدهم أجمعين. لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ). # والضمير في قوله ( @QUR@01 لموعدهم ) يعود إلى الغاوين ، أو إلى ( ~~@QUR@02 من اتبعك ) والموعد : مكان الوعد. # والمراد به هنا المكان الذي سينتهون إليه حتما بعد أن كانوا غافلين عنها ~~في الدنيا ، وهو جهنم أى وإن جهنم لمكان محتوم لهؤلاء الذين أغواهم إبليس ~~دون أن يفلت أحد من سعيرها. # وجملة «لها سبعة أبواب» مستأنفة لوصف حال جهنم وأبوابها. # وجملة «لكل باب منهم جزء مقسوم» صفة لأبواب ، وضمير «منهم» يعود إلى ~~الغاوين أتباع إبليس. # والمقسوم : من القسم وهو إفراز النصيب عن غيره تقول : قسمت كذا قسما ~~وقسمة إذا ميزت كل قسم عن سواه. PageV08P046 # والمعنى : إن لجهنم ms3282 سبعة أبواب ، لكل باب منها ، فريق معين من الغاوين ~~يدخلون منه ، على حسب تفاوتهم في الغواية وفي متابعة إبليس ويرى كثير من ~~المفسرين أن المراد بالأبواب هنا الأطباق والدركات. # أى لجهنم سبعة أطباق أو دركات بعضها فوق بعض ، ينزلها الغاوون ، بحسب ~~أصنافهم وتفاوت مراتبهم في الغي والضلال. # قال الإمام ابن كثير : قوله تعالى ( @QUR@05 لكل باب منهم جزء مقسوم ) أى ~~: قد كتب لكل باب منها جزء من أتباع إبليس ، يدخلونه لا محيد لهم عنه ~~أجارنا الله منها وكل يدخل من باب بحسب عمله ، ويستقر في درك بقدر فعله ~~.... ثم قال : وعن عمرة بن جندب رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~قوله ( @QUR@05 لكل باب منهم جزء مقسوم ) قال : «إن من أهل النار من تأخذه ~~النار إلى كعبيه ، وإن منهم من تأخذه النار إلى حجزته (1)، ومنهم من تأخذه ~~النار إلى تراقيه ...» (2). # وبعد : فهذه قصة خلق الإنسان ، وقصة خلق الجان كما بينتها هذه السورة ~~الكريمة ومن الدروس والعظات التي نأخذها منها : # 1 دلالتها على كمال قدرة الله تعالى ، وبديع خلقه ، وبليغ حكمته ، حيث ~~خلق سبحانه الإنسان من مادة تختلف عن المادة التي خلق منها الجان ، وحيث ~~كرم الإنسان بخاصية أخرى أشار إليها القرآن في قوله تعالى ( @QUR@06 فإذا ~~سويته ونفخت فيه من روحي .. ). # وهذه الخاصية هي التي تجعل من هذا الإنسان ، إنسانا ينفرد بخصائصه عن كل ~~الأحياء الأخرى التي تشاركه في هذه الحياة .. # 2 أن خلق الجان سابق على خلق الإنسان ، بدليل قوله تعالى ( @QUR@015 ولقد ~~خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون. والجان خلقناه من قبل من نار السموم ). # 3 أن الملائكة عباد مكرمون ، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، ~~فهم بمجرد أن أمرهم الله تعالى بالسجود لآدم ، سجدوا جميعا دون أن يشذ منهم أحد. PageV08P047 # 4 أن الإصرار على معصية الله تعالى يؤدى إلى الطرد من رحمته سبحانه ومن ~~الخروج من رضوانه ومغفرته. # 5 أن التكبر والغرور والحسد ، من أبرز الصفات الذميمة التي حملت إبليس ~~على الامتناع عن السجود ms3283 لآدم ، وعلى مخالفة أمر ربه عز وجل . # 6 أن إجابته سبحانه لطلب إبليس في تأخير موته ، لم يكن لكرامة له عنده ~~عز وجل ، وإنما كان استدراجا له وإمهالا ، وابتلاء لبنى آدم ليتميز قوى ~~الإيمان من ضعيفه. # 7 أن العداوة بين إبليس وقبيله ، وبين آدم وذريته ، باقية إلى أن يرث ~~الله الأرض ومن عليها ، وأن إبليس وجنوده لم ولن يتركوا بابا من أبواب الشر ~~إلا وزينوه وجملوه لبنى آدم ، وحرضوهم على الدخول فيه ، ليكتسبوا السيئات ~~التي نهاهم الله تعالى عنها. # قال تعالى ( @QUR@013 إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا. إنما يدعوا حزبه ~~ليكونوا من أصحاب السعير ) (1). # 8 أن عدالة الله تعالى ورحمته قد اقتضت أن يحمى عباده المخلصين من تسلط ~~الشيطان عليهم ، لأنهم منه في حمى ، ولأن مداخله إلى نفوسهم مغلقة ، إذ ~~أنهم خافوا مقام ربهم ونهوا أنفسهم عن الهوى .. # أما الذين يستطيع الشيطان التسلط عليهم ، والتأثير فيهم ، فهم أولئك ~~الذين انقادوا لوساوسه ، واستجابوا لنزعاته ، وصاروا مطية له يسخرها كما ~~يشاء ... # وهؤلاء هم الذين تنتظرهم جهنم بأبوابها السبعة .. # قال تعالى : ( @QUR@023 إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من ~~الغاوين ، وإن جهنم لموعدهم أجمعين. لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ). # هذه هي عاقبة الغاوين أتباع إبليس ، أما عاقبة المخلصين الذين أخلصوا ~~نفوسهم لله تعالى وأطاعوه في السر والعلن ، فقد بينها سبحانه بعد ذلك في قوله : PageV08P048 # ( @QUR@05 إن المتقين في جنات وعيون (45) @QUR@03 ادخلوها بسلام آمنين ~~(46) @QUR@010 ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين (47) ~~@QUR@08 لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين ) (48) # وقوله سبحانه ( @QUR@02 إن المتقين ... ) كلام مستأنف لإظهار حسن عاقبة ~~المتقين ، بعد بيان سوء عاقبة الغاوين. # والمتقون : جمع متق اسم فاعل من اتقى. وأصله اوتقى بزنة افتعل من وقى ~~الشيء وقاية ، أى : صانه وحفظه مما يضره ويؤذيه. # والجنات : جمع جنة ، وهي كل بستان ذي شجر متكاثف ، ملتف الأغصان ، يظلل ~~ما تحته ويستره. من الجن وهو ستر الشيء عن الحاسة .. # والمراد بها هنا الدار التي أعدها الله تعالى لتكريم عباده ms3284 المؤمنين في ~~الآخرة. # والعيون جمع عين. والمقصود بها هنا المياه المنتشرة في الجنات. # والمعنى : «إن المتقين» الذين صانوا أنفسهم عن الشرك. وقالوا ربنا الله ~~ثم استقاموا «في جنات» عالية ، فيها ما تشتهيه الأنفس ، وفيها منابع للماء ~~تلذ لها الأعين. # وجملة «ادخلوها بسلام آمنين» معمولة لقول محذوف. والباء في قوله «بسلام» ~~للمصاحبة. # أى : وتقول لهم الملائكة على سبيل التكريم والتحية لهؤلاء المتقين عند ~~دخولهم الجنات واستقرارهم فيها : ادخلوها أيها المتقون تصاحبكم السلامة من ~~الآفات ، والنجاة من المخافات. # ثم بين سبحانه ما هم عليه في الجنة من صفاء نفسي ، ونقاء قلبي فقال : ( ~~@QUR@010 ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين ). # والنزع : القلع يقال : نزع فلان هذا الشيء من مكانه إذا قلعه منه ، وفعله ~~من باب ضرب والغل : الحقد والضغينة ، وأصله من الغلالة ، وهي ما يلبس بين ~~الثوبين : الشعار والدثار. PageV08P049 # أو من الغلل وهو الماء المتخلل بين الأشجار. ويقال : غل صدر فلان يغل ~~بالكسر غلا إذا كان ذا غش ، أو ضغن ، أو حقد. # والسرر : جمع سرير وهو المكان المهيأ لراحة الجالس عليه وإدخال السرور ~~على قلبه. # أى : وقلعنا ما في صدور هؤلاء المتقين من ضغائن وعداوات كانت موجودة فيها ~~في الدنيا ، وجعلناهم يدخلون الجنة إخوانا متحابين متصافين ، ويجلسون ~~متقابلين ، على سرر مهيأة لراحتهم ورفاهيتهم وإدخال السرور على نفوسهم. # وقوله : ( @QUR@04 إخوانا على سرر متقابلين ) حال عن فاعل ( @QUR@01 ~~ادخلوها ). # وعبر بقوله ( @QUR@01 متقابلين ) لأن مقابلة الوجه للوجه أدخل في الإيناس ~~، وأجمع للقلوب. # والآية الكريمة تشعر بأنهم في الجنة ينشئهم الله تعالى نشأة أخرى جديدة ~~وتكون قلوبهم فيها خالية من كل ما كان يخالطهم في الدنيا من ضغائن وعداوات ~~وأحقاد وأطماع وغير ذلك من الصفات الذميمة ، ويصلون بسبب هذه النشأة ~~الجديدة إلى منتهى الرقى البشرى ... # وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية عددا من الأحاديث والآثار ~~منها ما رواه القاسم عن أبى أمامة قال : يدخل أهل الجنة على ما في صدورهم ~~في الدنيا من الشحناء والضغائن ، حتى إذا توافوا وتقابلوا نزع الله ما ms3285 في ~~صدورهم في الدنيا من غل ، ثم قرأ : ( @QUR@06 ونزعنا ما في صدورهم من غل .. ). # ومنها : ما رواه أبو مالك الأشجعى عن أبى حبيبة مولى لطلحة قال : دخل ~~عمران ابن طلحة على الإمام على بن أبى طالب بعد ما فرغ من أصحاب الجمل ، ~~فرحب على رضى الله عنه به ، وقال : إنى لأرجو أن يجعلني الله وإياك من ~~الذين قال الله فيهم : ( @QUR@010 ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على ~~سرر متقابلين ... ) (1). # ثم ختم سبحانه بيان جزائهم بقوله : ( @QUR@08 لا يمسهم فيها نصب وما هم ~~منها بمخرجين ). # والنصب : التعب والإعياء. يقال : نصب الرجل نصبا من باب طرب إذا نزل به ~~التعب والهم. ويقال فلان في عيش ناصب ، أى فيه كد وجهد. # قال ابن كثير قوله تعالى : ( @QUR@04 لا يمسهم فيها نصب ) يعنى مشقة وأذى ~~كما جاء في PageV08P050 # الصحيحين ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «إن الله أمرنى أن ~~أبشر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب». # وقوله ( @QUR@04 وما هم منها بمخرجين ) بل هم باقون في الجنات بقاء ~~سرمديا دائما لا ينقطع كما جاء في الحديث : «يقال لأهل الجنة يا أهل الجنة ~~: إن لكم أن تصحوا فلا تمرضوا أبدا ، وإن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدا ، ~~وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا ، وإن لكم أن تقيموا فلا تظعنوا أبدا» (1). # فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد اشتملت على بشارات للمؤمنين الصادقين ~~، هذه البشارات مقرونة بالتعظيم ، خالية من الشوائب والاضرار ، باقية لا ~~انقطاع لها. # أما البشارات فتراها في قوله تعالى ( @QUR@05 إن المتقين في جنات وعيون ). # وأما اقترانها بالتعظيم والتكريم ، فتراه في قوله تعالى : ( @QUR@03 ~~ادخلوها بسلام آمنين ). # وأما خلوها من الشوائب والاضرار ، فتراه في قوله تعالى : ( @QUR@07 ~~ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا ... ). # وأما بقاؤها واستمرارها ، فتراه في قوله تعالى : ( @QUR@04 وما هم منها ~~بمخرجين ). # هذا ، وشبيه بهذه الآيات قوله تعالى : ( @QUR@014 إن المتقين في جنات ~~وعيون. آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ... ) (2). # وقوله تعالى ( @QUR@024 ونزعنا ما في ms3286 صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار ~~، وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله ~~... ) (3). # وقوله تعالى : ( @QUR@025 وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا ~~لغفور شكور. الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا ~~فيها لغوب ) (4). # وقوله تعالى : ( @QUR@016 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات ~~الفردوس نزلا. خالدين فيها لا يبغون عنها حولا ) (5). PageV08P051 # ثم بين سبحانه نماذج لمن شملتهم رحمته لإيمانهم وعملهم الصالح ، ولمن ~~شملتهم نقمته لكفرهم وعملهم الطالح ، ومن هذه النماذج تبشيره لإبراهيم وهو ~~شيخ كبير بغلام عليم ، وإنجاؤه لوطا ومن آمن معه من العذاب المهين ، ~~وإهلاكه المجرمين من قومه .. قال تعالى : # ( @QUR@06 نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم (49) @QUR@05 وأن عذابي هو ~~العذاب الأليم (50) @QUR@02 ونبئهم عن @QUR@ ضيف إبراهيم (51) @QUR@09 إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون (52) @QUR@04 ~~قالوا لا توجل إنا @QUR@ نبشرك @QUR@02 بغلام عليم (53) @QUR@08 قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم ~~تبشرون (54) @QUR@04 قالوا بشرناك بالحق فلا @QUR@ تكن من القانطين (55) @QUR@08 قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون (56) @QUR@04 قال فما ~~خطبكم أيها @QUR@ المرسلون (57) @QUR@06 قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (58) @QUR@06 إلا آل لوط إنا ~~لمنجوهم أجمعين (59) @QUR@01 إلا @QUR@ امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين ) (60) # والخطاب في قوله تعالى : ( @QUR@02 نبئ عبادي .. ) للرسول ~~صلى الله عليه وسلم والنبأ : الخبر العظيم. والمراد «بعبادي» : المؤمنون منهم ~~، والإضافة للتشريف. # أى : أخبر أيها الرسول الكريم عبادي المؤمنين أنى أنا الله تعالى الكثير ~~المغفرة لذنوبهم ، الواسع الرحمة لمسيئهم ، وأخبرهم أيضا أن عذابي هو ~~العذاب الشديد PageV08P052 # الإيلام ، فعليهم أن يقدموا القول الطيب ، والعمل الصالح ، لكي يظفروا ~~بمغفرتى ورحمتي ، وينجو من عذابي ونقمتي. # فأنت ترى أن الله تعالى قد جمع في هاتين الآيتين بين المغفرة والعذاب ، ~~وبين الرحمة والانتقام ، وبين الوعد والوعيد ، لبيان سنته سبحانه في خلقه ، ~~ولكي يعيش المؤمن حياته بين الخوف والرجاء ، فلا يقنط من رحمة الله ، ولا ~~يقصر في أداء ما كلفه سبحانه به. # وقدم سبحانه نبأ الغفران والرحمة ، على نبأ العذاب والانتقام ، جريا على ~~الأصل الذي ms3287 ارتضته مشيئته ، وهو أن رحمته سبقت غضبه ، ومغفرته سبقت ~~انتقامه. # والضمير «أنا» و «هو» في الآيتين الكريمتين ، للفصل : لإفادة تأكيد الخبر. # قال الإمام الرازي ما ملخصه : وفي الآيتين لطائف : # إحداها : أنه أضاف سبحانه العباد إلى نفسه بقوله ( @QUR@01 عبادي ) وهذا ~~تشريف عظيم لهم ... # وثانيها. أنه لما ذكر الرحمة والمغفرة بالغ في التأكيد بألفاظ ثلاثة : ~~أولها : قوله ( @QUR@01 أني ) وثانيها قوله ( @QUR@01 أنا )، وثالثها. ~~إدخال حرف الألف واللام على قوله ( @QUR@02 الغفور الرحيم )، ولما ذكر ~~العذاب لم يقل : إنى أنا المعذب ، بل قال ( @QUR@05 وأن عذابي هو العذاب ~~الأليم ). # وثالثها : أنه أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ إليهم هذا المعنى ، ~~فكأنه أشهده على نفسه في التزام المغفرة والرحمة. # ورابعها : أنه لما قال ( @QUR@02 نبئ عبادي ) كان معناه نبىء كل من كان ~~معترفا بعبوديتى ، وهذا كما يدخل فيه المؤمن المطيع. فكذلك يدخل فيه المؤمن ~~العاصي ، وكل ذلك يدل على تغليب جانب الرحمة من الله تعالى » (1). # وقال الآلوسى : وأخرج الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : إن الله تعالى خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة ، ~~فأمسك عنده تسعة وتسعين رحمة ، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة فلو يعلم ~~الكافر كل الذي عنده من رحمة لم ييأس من الرحمة ، ولو يعلم المؤمن بكل الذي ~~عند الله تعالى من العذاب ، لم يأمن من النار». PageV08P053 # وأخرج عبد بن حميد وجماعة عن قتادة أنه قال في الآية : بلغنا أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال : «لو يعلم العبد قدر عفو الله تعالى لما تورع من ~~حرام ، ولو يعلم قدر عذابه لبخع نفسه» (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@04 ونبئهم عن ضيف إبراهيم ... ) معطوف على قوله قبل ~~ذلك ( @QUR@02 نبئ عبادي ... ). # قال الجمل : وأصل الضيف : الميل ، يقال أضفت إلى كذا إذا ملت إليه. ~~والضيف من مال إليك نزولا بك ، وصارت الضيافة متعارفة في القرى وأصل الضيف ~~مصدر ، ولذلك استوى فيه الواحد والجمع في غالب كلامهم. وقد يجمع فيقال ~~أضياف وضيوف ... (2). # والمراد بضيف إبراهيم هنا : الملائكة الذين نزلوا عنده ضيوفا في ms3288 صورة ~~بشرية ، وبشروه بغلام عليم ، ثم أخبروه بأنهم أرسلوا إلى قوم لوط لإهلاكهم ... # ثم فصل سبحانه ما دار بين إبراهيم وضيوفه فقال : ( @QUR@05 إذ دخلوا عليه ~~فقالوا سلاما .. ). # والظرف «إذ» منصوب على أنه مفعول به لفعل مقدر. # أى : ونبئهم أيضا أيها الرسول الكريم عن ضيف إبراهيم ، وقت أن دخلوا عليه ~~، فقالوا له على سبيل الدعاء أو التحية ( @QUR@01 سلاما ) أى : سلمت سلاما. ~~أو سلمنا سلاما. # فلفظ «سلاما» منصوب بفعل محذوف. # وقوله سبحانه ( @QUR@04 قال إنا منكم وجلون ) بيان لما رد به إبراهيم ~~عليه السلام على الملائكة. # و «وجلون» جمع وجل ، والوجل : اضطراب يعترى النفس لتوقع حدوث مكروه. # يقال : وجل الرجل وجلا فهو وجل إذا خاف. # أى : قال لهم إبراهيم بعد أن دخلوا عليه وبادروه بالتحية إنا منكم ~~خائفون. # وقال «إنا منكم ...» بصيغة الجمع ، لأنه قصد أن الخوف منهم قد اعتراه هو ~~، واعترى أهله معه. PageV08P054 # وكان من أسباب خوفه منهم ، أنهم دخلوا عليه بدون إذن ، وفي غير وقت ~~الزيارة وبدون معرفة سابقة لهم ، وأنهم لم يأكلوا من الطعام الذي قدمه ~~إليهم .. # هذا ، وقد ذكر سبحانه في سورة الذاريات أنه رد عليهم السلام فقال تعالى ( ~~@QUR@015 هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين. إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما ، ~~قال سلام قوم منكرون ) (1). # كما بين سبحانه في سورة هود أن من أسباب خوفه منهم ، عدم أكلهم من طعامه. ~~قال تعالى : ( @QUR@010 فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة ~~... ) (2). أى خاف إبراهيم لما رأى أيدى الضيف لا تصل إلى طعامه. # ثم حكى سبحانه ما قالته الملائكة لإدخال الطمأنينة على قلب إبراهيم فقال ~~تعالى : ( @QUR@07 قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم ). # أى : قالت الملائكة لإبراهيم على سبيل البشارة وإدخال السرور على قلبه : ~~لا تخف منا يا إبراهيم ، إنا جئنا إليك لنبشرك بغلام ذي علم كثير بشريعة ~~الله تعالى وبأوامره ونواهيه ، وهو إسحاق عليه السلام . # وجملة «إنا نبشرك ..» مستأنفة لتعليل النهى عن الوجل. # وقد حكى سبحانه هنا أن البشارة كانت له ، وفي سورة هود أن البشارة كانت ~~لامرأته ، ومعنى ms3289 ذلك أنها كانت لهما معا ، إما في وقت واحد ، وإما في وقتين ~~متقاربين بأن بشروه هو أولا ، ثم جاءت امرأته بعد ذلك فبشروها أيضا ، ويشهد ~~لذلك قوله تعالى ( @QUR@09 وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء ~~إسحاق يعقوب ... ) (3). # ثم حكى سبحانه ما قاله إبراهيم للملائكة بعد أن بشروه بهذا الغلام العليم ~~، فقال تعالى ( @QUR@08 قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون ). # والاستفهام للتعجب. كأنه عجب من أن يرزقه الله تعالى بغلام عليم بعد أن ~~مسه الكبر ، وبلغ سن الشيخوخة. # و «على» بمعنى مع ، والمس : اتصال شيء بآخر على وجه الإحساس والإصابة. PageV08P055 # أى : قال إبراهيم للملائكة ، بعد أن بشروه بالولد ، أبشرتمونى بذلك مع أن ~~الكبر قد أصابنى ، والشيخوخة قد اعترتني فبأى شيء عجيب قد بشرتموني. # وتعجب إبراهيم إنما هو من كمال قدرة الله تعالى ونفاذ أمره ، حيث وهبه ~~هذا الغلام في تلك السن المتقدمة بالنسبة له ولامرأته ، والتي جرت العادة ~~أن لا يكون معها إنجاب الأولاد. # وقد حكى القرآن هذا التعجب على لسان امرأة إبراهيم في قوله تعالى ( ~~@QUR@013 قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا ، إن هذا لشيء عجيب ~~.. ) (1). # قال الإمام الرازي ما ملخصه : والسبب في هذا الاستفهام أن العادة جارية ~~بأنه لا يحصل الولد حال الشيخوخة التامة ... # وهناك جواب آخر ، وهو أن الإنسان إذا كان عظيم الرغبة في شيء ، وفاته ~~الوقت الذي يغلب على ظنه حصول ذلك المراد فيه ، فإذا بشر بعد ذلك بحصوله ~~ازداد فرحه وسروره ، ويصير ذلك الفرح القوى كالمدهش له وربما يجعله هذا ~~الفرح يعيد السؤال ليسمع تلك البشارة مرة أخرى ، طلبا للالتذاذ بسماعها ~~...» (2). # وقوله سبحانه ( @QUR@07 قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين ). # أى : قال الملائكة لإبراهيم لزيادة اطمئنانه ، ولتأكيد بشارته بالغلام ~~العليم : # يا إبراهيم إنا بشرناك بالأمر المحقق الوقوع ، وباليقين الذي لا خلف معه ~~، وهو أن الله تعالى سيهبك الولد مع تقدم سنك وسن زوجك ، فلا تكن من ~~الآيسين من رحمة الله تعالى فإن قدرته عز وجل لا يعجزها شيء. # وهنا دفع إبراهيم عليه السلام ms3290 عن نفسه رذيلة اليأس من رحمة الله. فقال على ~~سبيل الإنكار والنفي ( @QUR@07 ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ) أى : ~~أنا ليس بي قنوط أو يأس من رحمة الله ، لأنه لا ييأس من رحمة الله تعالى ~~إلا القوم الضالون عن طريق الحق والصواب ، الذين لا يعرفون سعة رحمته تعالى ~~ونفاذ قدرته ، ولكن هذه البشارة العظيمة مع تقدم سنى وسن زوجي هي التي ~~جعلتني من شدة الفرح والسرور أعجب من كمال قدرة الله تعالى ، ومن جزيل ~~عطائه ، ومن سابغ مننه ، حيث رزقني الولد في هذه السن التي جرت العادة بأن ~~لا يكون معها إنجاب أو ولادة. PageV08P056 # ثم حكى سبحانه بعد ذلك ما قاله إبراهيم للملائكة ، بعد أن اطمأن إليهم ، ~~فقال : ( @QUR@05 قال فما خطبكم أيها المرسلون ). # والخطب : مصدر خطب يخطب ، ومنه قولهم : هذا خطب يسير ، وخطب جلل ، وجمعه ~~خطوب ، وخصه بعضهم بما له خطر من الأمور. وأصله الأمر العظيم الذي يكثر فيه ~~التخاطب ويخطب له. # أى : قال إبراهيم عليه السلام للملائكة على سبيل الاستيضاح بالتفصيل عن ~~سبب مجيئهم : فما شأنكم الخطير الذي من أجله جئتم إلينا سوى هذه البشارة. ~~وكأنه قد فهم أن مجيئهم إليه ليس لمجرد البشارة ، بل من وراء البشارة أمر ~~آخر جاءوا من أجله. # وهنا بادره الملائكة بقولهم كما حكى القرآن عنهم ( @QUR@06 قالوا إنا ~~أرسلنا إلى قوم مجرمين ). أى : قالوا له إنا أرسلنا بأمر الله تعالى إلى ~~قوم شأنهم الإجرام ، ودأبهم الفجور ، والمراد بهم قوم لوط عليه السلام ~~وكانوا يسكنون مدينة «سدوم» بمنطقة وادي الأردن وقوله ( @QUR@06 إلا آل لوط ~~إنا لمنجوهم أجمعين ) استثناء من القوم المجرمين الذين أرسل الملائكة ~~لإهلاكهم. # والمراد بآل لوط : أتباعه الذين آمنوا به وصدقوه. ولم يشاركوا قومهم في ~~كفرهم وشذوذهم. # أى : إنا أرسلنا إلى قوم لوط لإهلاكهم ، إلا من آمن منهم فإنا لمنجوهم ~~أجمعين. # وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال : فإن قلت : قوله تعالى ( @QUR@03 ~~إلا آل لوط ) استثناء متصل أم منقطع؟ # قلت : لا يخلو من أن يكون استثناء من قوم فيكون منقطعا ، لأن القوم ms3291 ~~موصوفون بالإجرام فاختلف لذلك الجنسان ، وأن يكون استثناء من الضمير في ( ~~@QUR@01 مجرمين ) فيكون متصلا ، كأنه قيل : قد أرسلنا إلى قوم قد أجرموا ~~كلهم إلا آل لوط وحدهم ، كما قال : ( @QUR@07 فما وجدنا فيها غير بيت من ~~المسلمين ). # فإن قلت : فهل يختلف المعنى لاختلاف الاستثناءين؟ قلت : نعم ، وذلك أن آل ~~لوط مخرجون في المنقطع من حكم الإرسال ، وعلى أنهم أرسلوا إلى القوم ~~المجرمين خاصة ، ولم يرسلوا إلى آل لوط أصلا ... كأنه قيل : إنا أهلكنا ~~قوما مجرمين ، ولكن آل لوط أنجيناهم. PageV08P057 # وأما في المتصل ، فهم داخلون في حكم الإرسال ، وعلى أن الملائكة أرسلوا ~~إليهم جميعا ليهلكوا هؤلاء ، وينجوا هؤلاء ، فلا يكون الإرسال مخلصا بمعنى ~~الإهلاك والتعذيب كما في الوجه الأول» (1)... # وقوله سبحانه ( @QUR@06 إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين ) استثناء من ~~الضمير في ( @QUR@01 لمنجوهم )، إخراجا لها من التنجية. أى : إلا امرأة ~~لوط عليه السلام فليست ممن سننجيه ، بل هي ممن سنهلكه مع القوم المجرمين. # ومعنى (قدرنا): قضينا وحكمنا. # والغابر : الباقي. يقال غبر الشيء غبورا إذا بقي وأصله من الغبرة وهي ~~بقية اللبن في الضرع. وقد يستعمل في الماضي فيكون هذا اللفظ من الأضداد. # ونسب الملائكة التقدير إليهم فقالوا ( @QUR@03 إلا امرأته قدرنا ... ) مع ~~أنه فعل الله تعالى لما لهم من الزلفى عنده سبحانه ، ولأنهم ما أرسلوا ~~لإهلاك المجرمين وإنجاء المؤمنين إلا بأمره. # قال الآلوسى ما ملخصه : والظاهر أن قوله تعالى ( @QUR@03 إلا امرأته ~~قدرنا ... ) من كلام الملائكة ، وأسندوا التقدير إلى أنفسهم وهو فعل الله ~~سبحانه لما لهم من القرب والاختصاص ، وهذا كما يقول أحد حاشية السلطان : ~~أمرنا بكذا .. والآمر في الحقيقة هو السلطان. وقيل ولا يخفى بعده : هو من ~~كلام الله تعالى فلا يحتاج إلى تأويل ، وكذا لا يحتاج إلى تأويل إذا أريد ~~بالتقدير العلم. # قال بعض العلماء : وفي هذه الآية الكريمة دليل واضح لما حققه علماء ~~الأصول من جواز الاستثناء من الاستثناء ، لأنه تعالى استثنى آل لوط من ~~إهلاك المجرمين بقوله ( @QUR@06 إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين ) ثم استثنى ~~من هذا الاستثناء امرأة لوط بقوله ms3292 ( @QUR@06 إلا امرأته قدرنا إنها لمن ~~الغابرين ) (2). # وبهذا نرى أن الآيات الكريمة قد حكت لنا بأسلوب بليغ حكيم ، ما دار بين ~~إبراهيم وبين PageV08P058 # الملائكة الذين جاءوا لتبشيره بغلام عليم ، وإخباره بإهلاك القوم ~~المجرمين ، وهم قوم لوط عليه السلام .. # ثم حكت السورة بعد ذلك ما دار بينهم وبين لوط عليه السلام بعد أن جاءوا ~~إليه ، وما دار بين لوط عليه السلام وبين قومه المجرمين من مجادلات ومحاورات ~~، وما حل بهؤلاء المجرمين من عذاب جعل أعلى مدينتهم أسفلها .. فقال تعالى : # ( @QUR@05 فلما جاء آل لوط المرسلون (61) @QUR@04 قال إنكم قوم منكرون ~~(62) @QUR@07 قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون (63) @QUR@04 وأتيناك ~~بالحق وإنا لصادقون (64) @QUR@014 فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ~~ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون (65) @QUR@09 وقضينا إليه ذلك الأمر ~~أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين (66) @QUR@04 وجاء أهل المدينة يستبشرون (67) ~~@QUR@06 قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون (68) @QUR@04 واتقوا الله ولا تخزون ~~(69) @QUR@05 قالوا أولم ننهك عن العالمين (70) @QUR@06 قال هؤلاء بناتي إن ~~كنتم فاعلين (71) @QUR@05 لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (72) @QUR@03 ~~فأخذتهم الصيحة مشرقين (73) @QUR@08 فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم ~~حجارة من سجيل ) (74) # قال الآلوسى : وقوله تعالى : ( @QUR@05 فلما جاء آل لوط المرسلون ) شروع ~~في بيان إهلاك المجرمين ، وتنجية آل لوط. ووضع الظاهر موضع الضمير ، ~~للإيذان بأن مجيئهم لتحقيق PageV08P059 # ما أرسلوا به من ذلك (1). # والآية الكريمة معطوفة على كلام محذوف يفهم من السياق ، والتقدير : وخرج ~~الملائكة من عند إبراهيم بعد أن بشروه بغلامه ، وبعد أن أخبروه بوجهتهم ~~فاتجهوا إلى المدينة التي يسكنها لوط عليه السلام وقومه. فلما دخلوا عليه ~~قال لهم : «إنكم قوم منكرون». # أى : إنكم قوم غير معروفين لي ، لأنى لم يسبق لي أن رأيتكم ، ولا أدرى من ~~أى الأقوام أنتم ، ولا أعرف الغرض الذي من أجله أتيتم ، وإن نفسي ليساورها ~~الخوف والقلق من وجودكم عندي ... # ويبدو أن لوطا عليه السلام قد قال لهم هذا الكلام بضيق نفس ، لأنه يعرف ~~شذوذ المجرمين من قومه ، ويخشى أن يعلموا بوجود هؤلاء الضيوف أصحاب الوجوه ~~الجميلة عنده ، فيعتدوا عليهم دون أن يملك الدفاع عنهم ... # وقد ms3293 صرح القرآن الكريم بهذا الضيق النفسي ، الذي اعترى لوطا بسبب وجود ~~هؤلاء الضيوف عنده ، ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@013 ولما جاءت رسلنا لوطا ~~سيء بهم وضاق بهم ذرعا ، وقال هذا يوم عصيب ) (2). # وقال سبحانه : ( @QUR@05 فلما جاء آل لوط المرسلون ) مع أن المجيء كان ~~للوط عليه السلام والخطاب كان معه ، تشريفا وتكريما للمؤمنين من قوم لوط ، ~~فكأنهم كانوا حاضرين ومشاهدين لوجود الملائكة بينهم ، ولما دار بينهم وبين ~~لوط عليه السلام . # وقوله سبحانه : ( @QUR@011 قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون. وأتيناك ~~بالحق وإنا لصادقون ). # حكاية لما رد به الملائكة على لوط ، لكي يزيلوا ضيقه بهم ، وكراهيته ~~لوجودهم عنده. # وقوله ( @QUR@01 يمترون ) من الامتراء ، وهو الشك الذي يدفع الإنسان إلى ~~المجادلة المبنية على الأوهام لا على الحقائق. # وهو كما يقول الإمام الفخر الرازي مأخوذ من قول العرب : مريت الناقة ~~والشاة إذا أردت حلبها ، فكأن الشاك يجتذب بشكه مراء ، كاللبن الذي يجتذب ~~عند الحلب. يقال : قد مارى فلان فلانا ، إذا جادله كأنه يستخرج غضبه» (3). PageV08P060 # أى : قال الملائكة للوط لإدخال الطمأنينة على نفسه : يا لوط نحن ما جئنا ~~لإزعاجك أو إساءتك ، وإنما جئناك بأمر كان المجرمون من قومك ، يشكون في ~~وقوعه ، وهو العذاب الذي كنت تحذرهم منه إذا ما استمروا في كفرهم وفجورهم ... # وإنا ما أتيناك إلا بالأمر الثابت المحقق الذي لا مرية فيه ولا تردد ، ~~وهو إهلاك هؤلاء المجرمين من قومك ، وإنا لصادقون في كل ما قلناه لك ، ~~وأخبرناك به ، فكن آمنا مطمئنا. # فالإضراب في قوله ( @QUR@03 قالوا بل جئناك ... ) إنما هو لإزالة ما وقر ~~في قلب لوط عليه السلام تجاه الملائكة من وساوس وهواجس. # فكأنهم قالوا له : نحن ما جئناك بشيء تكرهه أو تخافه .. وإنما جئناك بما ~~يسرك ويشفى غليلك من هؤلاء القوم المنكوسين. # وعبر عن العذاب بقوله ( @QUR@04 بما كانوا فيه يمترون ) زيادة في إدخال ~~الأنس على نفسه وتحقيقا لوقوع العذاب بهم. # وقوله ( @QUR@04 وأتيناك بالحق وإنا لصادقون ) تأكيد على تأكيد. # وهذه التأكيدات المتعددة والمتنوعة تشعر بأن لوطا عليه السلام كان في غاية ~~الهم والكرب لمجيء الملائكة ms3294 إليه بهذه الصورة التي تغرى المجرمين بهم دون ~~أن يملك حمايتهم أو الدفاع عنهم. # لذا كانت هذه التأكيدات من الملائكة له في أسمى درجات البلاغة ، حتى يزول ~~خوفه ، ويزداد اطمئنانه إليهم ، قبل أن يخبروه بما أمرهم الله تعالى ~~بإخباره به ، وهو قوله تعالى ( @QUR@014 فأسر بأهلك بقطع من الليل. واتبع ~~أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد ، وامضوا حيث تؤمرون ). # قال القرطبي : قوله ( @QUR@01 فأسر .. ) قرئ فاسر وقرئ فأسر ، بوصل ~~الهمزة وقطعها لغتان فصيحتان. قال تعالى ( @QUR@03 والليل إذا يسر .. ) ~~وقال : ( @QUR@05 سبحان الذي أسرى بعبده ليلا .. ). وقيل : فأسر تقال لمن ~~سار من أول الليل .. وسرى لمن سار في آخره ، ولا يقال في النهار إلا سار» (1). PageV08P061 # وقوله ( @QUR@03 بقطع من الليل .. ) أى : بجزء من الليل. والمراد به ~~الجزء الأخير منه. # أى : قال الملائكة للوط عليه السلام بعد أن أزالوا خوفه منه : يا لوط إنا ~~نأمرك بإذن الله تعالى أن تخرج من هذه المدينة التي تسكنها مع قومك وأن ~~يخرج معك أتباعك المؤمنون ، وليكن خروجكم في الجزء الأخير من الليل. # وقوله ( @QUR@02 واتبع أدبارهم ) أى : وكن وراءهم لتطلع عليهم وعلى ~~أحوالهم. # قال الإمام ابن كثير : يذكر الله تعالى عن الملائكة أنهم أمروا لوطا أن ~~يسرى بأهله بعد مضى جانب من الليل ، وأن يكون لوط عليه السلام يمشى وراءهم ~~ليكون أحفظ لهم. # وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشى في الغزاة يزجى الضعيف ، ويحمل ~~المنقطع (1). # وقوله ( @QUR@04 ولا يلتفت منكم أحد ) أى : ولا يلتفت منكم أحد أيها ~~المؤمنون خلفه ، حتى لا يرى العذاب المروع النازل بالمجرمين. # وإنما أمرهم سبحانه بعدم الالتفات إلى الخلف ، لأن من عادة التارك لوطنه ~~، أن يلتفت إليه عند مغادرته ، كأنه يودعه. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما معنى أمره باتباع أدبارهم ونهيهم عن ~~الالتفات؟ # قلت : قد بعث الله الهلاك على قوم لوط ، ونجاه وأهله إجابة لدعوته عليهم ~~وخرج مهاجرا فلم يكن له بد من الاجتهاد في شكر الله ، وإدامة ذكره وتفريغ ~~باله لذلك ، فأمر بأن يقدمهم لئلا يشتغل بمن خلفه قلبه ، وليكون مطلعا ~~عليهم وعلى ms3295 أحوالهم ، فلا تفرط منهم التفاتة احتشاما منه ولا غيرها من ~~الهفوات في تلك الحال المهولة المحذورة ، ولئلا يتخلف منهم أحد لغرض له ~~فيصيبه العذاب ، وليكون مسيره مسير الهارب الذي يقدم سربه ويفوت به. ونهوا ~~عن الالتفات لئلا يروا ما ينزل بقومهم من العذاب فيرقوا له ، وليوطنوا ~~نفوسهم على المهاجرة ، ويمضوا قدما غير ملتفتين إلى ما وراءهم ، كالذي ~~يتحسر على مفارقة وطنه ... # أو جعل النهى عن الالتفات ، كناية عن مواصلة السير ، وترك التواني ~~والتوقف ، لأن من يتلفت لا بد له في ذلك من أدنى وقفة» (2). PageV08P062 # وقوله ( @QUR@03 وامضوا حيث تؤمرون ) إرشاد من الملائكة للوط عليه السلام ~~إلى الجهة التي أمره الله تعالى بالتوجه إليها. # أى : وامضوا في سيركم إلى الجهة التي أمركم الله تعالى بالسير إليها ، ~~مبتعدين عن ديار القوم المجرمين ، تصحبكم رعاية الله وحمايته. # قيل : أمروا بالتوجه إلى بلاد الشام ، وقيل إلى الأردن ، وقيل إلى مصر. # ولم يرد حديث صحيح يحدد الجهة التي أمروا بالتوجه إليها ، ولكن الذي ~~نعتقده أنهم ذهبوا بأمر الله تعالى إلى مكان آخر ، أهله لم يعملوا ما كان ~~يعمله العادون من قوم لوط عليه السلام . # وقوله سبحانه ( @QUR@09 وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع ~~مصبحين ) بيان لجانب آخر من جوانب الرعاية والتكريم للوط عليه السلام . # وعدى «قضينا» بإلى ، لتضمنه معنى أوحينا. # والمراد بذلك الأمر : إهلاك الكافرين من قوم لوط عليه السلام . # وجملة ( @QUR@05 أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين ) مفسرة ومبينة لذلك الأمر. # وعبر عن عذابهم وإهلاكهم بالإبهام أولا. ثم بالتفسير والتوضيح ثانيا ، ~~للإشعار بأنه عذاب هائل شديد. # ودابرهم : أى آخرهم الذي يدبرهم. يقال : فلان دبر القوم يدبرهم دبورا إذا ~~كان آخرهم في المجيء. والمراد أنهم استؤصلوا بالعذاب استئصالا. # وقوله ( @QUR@01 مصبحين ) أى : داخلين في الصباح ، مأخوذ من أصبح التامة ~~، وصيغة أفعل تأتى للدخول في الشيء ، نحو أنجد وأتهم ، أى دخل في بلاد نجد ~~وفي بلاد تهامة ، وهو حال من اسم الإشارة هؤلاء ، والعامل فيه معنى ~~الإضافة. # والمعنى : وقضينا الأمر بإبادتهم ، وأوحينا إلى نبينا لوط عليه السلام أن ~~آخر ms3296 هؤلاء المجرمين مقطوع ومستأصل ومهلك مع دخول وقت الصباح. # وفي هذا التعبير ما فيه من الدلالة على أن العذاب سيمحقهم جميعا ، بحيث ~~لا يبقى منهم أحدا ، لا من كبيرهم ولا من صغيرهم ، ولا من أولهم ولا من آخرهم. # ثم حكى سبحانه ما حدث من القوم المجرمين ، بعد أن تسامعوا بأن في بيت لوط PageV08P063 # عليه السلام شبانا فيهم جمال ووضاءة فقال تعالى ( @QUR@04 وجاء أهل ~~المدينة يستبشرون ). # والمراد بأهل المدينة : أهل مدينة سدوم التي كان يسكنها لوط وقومه. # ويستبشرون : أى يبشر بعضهم بعضا بأن هناك شبانا في بيت لوط عليه السلام ، ~~من الاستبشار وهو إظهار الفرح والسرور. # وهذا التعبير الذي صورته الآية الكريمة ، يدل دلالة واضحة على أن القوم ~~قد وصلوا إلى الدرك الأسفل من الانتكاس والشذوذ وانعدام الحياء ... # إنهم لا يأتون لارتكاب المنكر فردا أو أفرادا ، وإنما يأتون جميعا أهل ~~المدينة وفي فرح وسرور ، وفي الجهر والعلانية ، لا في السر والخفاء ... # ولأى غرض يأتون؟ إنهم يأتون لارتكاب الفاحشة التي لم يسبقهم إليها أحد من ~~العالمين. # وهكذا النفوس عند ما ترتكس وتنتكس ، تصل في مجاهرتها بإتيان الفواحش ، ~~إلى ما لم تصل إليه بعض الحيوانات ... # ويقف لوط عليه السلام أمام شذوذ قومه مغيظا مكروبا ، يحاول أن يدفع عن ~~ضيفه شرورهم ، كما يحاول أن يحرك فيهم ذرة من الآدمية فيقول لهم : ( ~~@QUR@05 إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون ). # وتفضحون : من الفضح والفضيحة. يقال فضح فلان فلانا فضحا وفضيحة ، إذا ~~أظهر من أمره ما يلزمه العار بسببه. # أى : قال لوط عليه السلام لمن جاءوا يهرعون إليه من قومه لارتكاب الفاحشة ~~مع ضيوفه : يا قوم إن هؤلاء الموجودين عندي ضيوفى الذين يلزمني حمايتهم ، ~~فابتعدوا عن دارى وعودوا إلى دياركم ، ولا تفضحون عندهم بتعرضكم لهم ~~بالفاحشة فأهون في نظرهم ، لعجزى عن حمايتهم ، وأنتم تعلمون أن كرامة الضيف ~~جزء من كرامة مضيفه ... # وعبر لوط عليه السلام عن الملائكة بالضيف لأنه لم يكن قد علم أنهم ملائكة ~~ولأنهم قد جاءوا إليه في هيئة الآدميين. # ثم أضاف لوط عليه السلام إلى رجاء ms3297 قومه رجاء آخر ، حيث ذكرهم بتقوى الله ~~فقال : ( @QUR@04 واتقوا الله ولا تخزون ). # أى : واتقوا الله وصونوا أنفسكم عن عذابه وغضبه ، ولا تخزون مع ضيفي ، ~~وتذلونى وتهينونى أمامهم. PageV08P064 # يقال : خزي الرجل يخزى خزيا وخزي ، إذا وقع في مصيبة فذل لذلك. # ولكن هذه النصائح الحكيمة من لوط عليه السلام لقومه ، لم تجد أذنا صاغية ، ~~بل قابلوها بسوء الأدب معه ، وبالتطاول عليه ، شأن الطغاة الفجرة ( @QUR@05 ~~قالوا أولم ننهك عن العالمين ). # والاستفهام للإنكار. والواو للعطف على محذوف ، والعالمين : جمع عالم ، ~~وهو كل موجود سوى الله تعالى والمراد بالعالمين هنا : الرجال الذين كانوا ~~يأتون معهم الفاحشة من دون النساء. # أى : قال قوم لوط له بوقاحة وسوء أدب. أو لم يسبق لنا يا لوط أننا نهيناك ~~عن أن تحول بيننا وبين من نريد ارتكاب الفاحشة معه من الرجال ، وإذا كان ~~الأمر كذلك فكيف ساغ لك بعد هذا النهى أن تمنعنا عما نريده من ضيوفك وأنت ~~تعلم ما نريده منهم؟ # ولكن لوطا عليه السلام مع شناعة قولهم هذا ، لم ييأس من محاولة منعهم عما ~~يريدونه من ضيوفه ، فأخذ يرشدهم إلى ما تدعو إليه الفطرة السليمة فقال : ( ~~@QUR@05 هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين ). # والمراد ببناته هنا : زوجاتهم ونساؤهم اللائي يصلحن للزواج. وأضافهن إلى ~~نفسه لأن كل نبي أب لأمته من حيث الشفقة والرعاية وحسن التربية. # قال ابن كثير ما ملخصه : يرشد لوطا عليه السلام قومه إلى نسائهم فإن النبي ~~للأمة بمنزلة الوالد ، فأرشدهم إلى ما هو أنفع لهم ، كما قال تعالى في آية ~~أخرى : ( @QUR@015 أتأتون الذكران من العالمين. وتذرون ما خلق لكم ربكم من ~~أزواجكم بل أنتم قوم عادون ) (1). # وقيل المراد ببناته هنا : بناته من صلبه ، وأنه عرض عليهم الزواج بهن. # ويضعف هذا الرأى أن لوطا عليه السلام كان له بنتان أو ثلاثة كما جاء في ~~بعض الروايات ، وعدد المتدافعين من قومه إلى بيته كان كثيرا ، كما يرشد ~~إليه قوله تعالى ( @QUR@04 وجاء أهل المدينة يستبشرون ) فكيف تكفيهم بنتان ~~أو ثلاثة للزواج بهن؟ # قال الإمام الرازي في ترجيح الرأى الأول ms3298 ما ملخصه : «وهذا القول عندي هو ~~المختار ، ويدل عليه وجوه منها : أنه قال هؤلاء بناتي .. وبناته اللاتي من ~~صلبه لا تكفى هذا الجمع العظيم ، أما نساء أمته ففيهم كفاية للكل ، ومنها : ~~أنه صحت الرواية أنه كان له بنتان وهما : PageV08P065 # «زنتا وزاعورا» وإطلاق لفظ البنات على البنتين لا يجوز ، لما ثبت أن أقل ~~الجمع ثلاثة» (1). # والمعنى : أن لوطا عليه السلام لما رأى هيجان قومه ، وإصرارهم على ارتكاب ~~الفاحشة مع ضيوفه ، قال لهم على سبيل الإرشاد إلى ما يشبع الفطرة السليمة : ~~يا قوم هؤلاء نساؤكم اللائي هن بمنزلة بناتي ، فاقضوا معهن شهوتكم إن كنتم ~~فاعلين لما أرشدكم إليه من توجيهات وآداب. # وعبر بإن في قوله ( @QUR@03 إن كنتم فاعلين ) لشكه في استجابتهم لما ~~يدعوهم إليه فكأنه يقول لهم : إن كنتم فاعلين لما أطلبه منكم ، وما أظنكم ~~تفعلونه لانتكاس فطرتكم ، وانقلاب أمزجتكم .. # وجواب الشرط محذوف ، أى : إن كنتم فاعلين ما أرشدكم إليه فهو خير لكم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ) يرى جمهور ~~المفسرين أنه كلام معترض بين أجزاء قصة لوط عليه السلام مع قومه ، لبيان أن ~~الموعظة لا تجدى مع القوم الغاوين ، ولتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما ~~أصابه من سفهاء قومه. # فالخطاب فيه للنبي صلى الله عليه وسلم واللام في «لعمرك» لام القسم ، ~~والمقسم به حياته صلى الله عليه وسلم والعمر بفتح العين لغة في العمر بضمها ، ~~ومعناهما : مدة حياة الإنسان وبقائه في هذه الدنيا ، إلا أنهم ألزموا مفتوح ~~العين في القسم ، وهو مبتدأ وخبره محذوف وجوبا والتقدير لعمرك قسمي أو يمينى. # والسكرة : ذهاب العقل ، مأخوذة من السكر بفتح السين وإسكان الكاف وهو ~~السد والإغلاق. وأطلقت هنا على الغواية والضلالة لإزالتهما الرشد والهداية ~~عن عقل الإنسان و ( @QUR@01 يعمهون ) من العمه بمعنى التحير والتردد في ~~الأمر. وهو للبصيرة بمنزلة العمى للبصر. # يقال : عمه فلان كفرح عمها ، إذا تردد وتحير ، فهو عمه وعامه ، وهم عمهون ~~وعمه كركع والمعنى : بحق حياتك أيها الرسول الكريم إن هؤلاء المكذبين لك ، ~~لفي غفلتهم وغوايتهم يترددون ويتحيرون ms3299 ، شأنهم في ذلك شأن الضالين من قبلهم ~~كقوم لوط وقوم شعيب وقوم صالح ، وغيرهم من المتكبرين في الأرض بغير الحق .. PageV08P066 # قال الآلوسى : وقوله ( @QUR@01 لعمرك ) قسم من الله تعالى بعمر نبينا ~~صلى الله عليه وسلم على ما عليه جمهور المفسرين. وأخرج البيهقي في الدلائل ، ~~وأبو نعيم وابن مردويه وغيرهم عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : ما خلق ~~الله تعالى وما ذرأ وما برأ نفسا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم وما ~~سمعت الله تعالى أقسم بحياة أحد غيره ، قال تعالى : ( @QUR@05 لعمرك إنهم ~~لفي سكرتهم يعمهون ) وقيل هو قسم من الملائكة بعمر لوط عليه السلام ، وهو مع ~~مخالفته للمأثور محتاج لتقدير القول ، أى. قالت الملائكة للوط عليه السلام ~~لعمرك .. وهو خلاف الأصل وإن كان سياق القصة شاهدا له وقرينة عليه ..» (1). # ثم ختم سبحانه القصة ببيان النهاية الأليمة لهؤلاء المفسدين من قوم لوط ~~فقال تعالى ( @QUR@011 فأخذتهم الصيحة مشرقين. فجعلنا عاليها سافلها ~~وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل ). # والصيحة : من الصياح وهو الصوت الشديد. يقال : صاح فلان إذا رفع صوته ~~بشدة. وأصل ذلك تشقيق الصوت من قولهم : انصاح الخشب أو الثوب ، إذا انشق ~~فسمع منه صوت. قالوا : وكل شيء أهلك به قوم فهو صيحة وصاعقة. # ( @QUR@01 مشرقين ): اسم فاعل من أشرقوا إذا دخلوا في وقت شروق الشمس ، ~~أى : أن الله تعالى بعد أن أخبر لوطا عليه السلام بإهلاك قومه ، وأمره عن ~~طريق الملائكة بالخروج ومعه المؤمنون من هذه المدينة .. جاءت الصيحة ~~الهائلة من السماء فأهلكتهم جميعا وهم داخلون في وقت شروق الشمس. # وقال سبحانه قبل ذلك : ( @QUR@09 وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء ~~مقطوع مصبحين ) وقال هنا ( @QUR@03 فأخذتهم الصيحة مشرقين ) للإشارة إلى أن ~~ابتداء عذابهم كان عند الصباح وانتهاءه باستئصال شأفتهم كان مع وقت الشروق. # والضمير في قوله ( @QUR@02 عاليها سافلها ) يعود إلى المدينة التي كان ~~يسكنها المجرمون من قوم لوط. # أى : فجعلنا بقدرتنا عالى هذه المدينة سافلها ، بأن قلبناها قلبا كاملا ( ~~@QUR@02 وأمطرنا عليهم ) أى على هؤلاء المجرمين من قوم لوط ( @QUR@01 حجارة ~~) كائنة ( @QUR@02 من ms3300 سجيل ) أى من طين متحجر. فهلكوا جميعا. PageV08P067 # وهكذا أخذ الله تعالى هؤلاء المجرمين أخذ عزيز مقتدر ، حيث أهلكهم بهذه ~~العقوبة التي تتناسب مع جريمتهم ، فهم قلبوا الأوضاع ، فأتوا بفاحشة لم ~~يسبقوا إليها ، فانتقم الله تعالى منهم بهذه العقوبة التي جعلت أعلى ~~مساكنهم أسفلها. # ثم ساقت السورة الكريمة بعض العبر والعظات التي يهتدى بها العقلاء من ~~قصتي إبراهيم ولوط عليهما السلام كما ساقت بعد ذلك جانبا من قصتي شعيب وصالح ~~عليهما السلام فقال تعالى : # ( @QUR@05 إن في ذلك لآيات للمتوسمين (75) @QUR@03 وإنها لبسبيل مقيم ~~(76) @QUR@05 إن في ذلك لآية للمؤمنين (77) @QUR@05 وإن كان أصحاب الأيكة ~~لظالمين (78) @QUR@05 فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين (79) @QUR@05 ولقد ~~كذب أصحاب الحجر المرسلين (80) @QUR@05 وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين ~~(81) @QUR@06 وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين (82) @QUR@03 فأخذتهم ~~الصيحة مصبحين (83) @QUR@06 فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ) (84) # فاسم الإشارة في قوله سبحانه ( @QUR@05 إن في ذلك لآيات للمتوسمين ) يعود ~~إلى ما تضمنته القصة السابقة من عبر وعظات. # والآيات جمع آية ، والمراد بها هنا الأدلة والعلامات الدالة على ما يوصل ~~إلى الحق والهداية. والمتوسمون : جمع المتوسم ، وهو المتأمل في الأسباب ~~وعواقبها ، وفي المقدمات ونتائجها .. # قال القرطبي ما ملخصه : التوسم تفعل من الوسم ، وهي العلامة التي يستدل ~~بها على مطلوب غيره. يقال : توسمت في فلان الخير ، إذا رأيت ميسم ذلك فيه ، ~~ومنه قول عبد الله ابن رواحة للنبي صلى الله عليه وسلم . # إنى توسمت فيك الخير أعرفه %~% والله يعلم أنى ثابت البصر PageV08P068 # وأصل التوسم : التثبت والتفكر ، مأخوذ من الوسم وهو التأثير بحديدة في ~~جلد البعير وغيره .. وذلك يكون بجودة القريحة ، وحدة الخاطر ، وصفاء الفكر ~~، وتطهير القلب من أدناس المعاصي. # والمراد بالمتوسمين : المتفرسين ، أو المتفكرين ، أو المعتبرين ، أو ~~المتبصرين .. والمعنى متقارب ..» (1). # والمعنى : إن في ذلك الذي سقناه في قصتي إبراهيم ولوط عليهما السلام لأدلة ~~واضحة على حسن عاقبة المؤمنين وسوء عاقبة الغاوين ، لمن كان ذا فكر سليم ، ~~وبصيرة نافذة تتأمل في حقائق الأشياء ، وتتعرف على ما يوصلها إلى الهداية ~~والطريق القويم. # قال بعض العلماء عند تفسيره لهذه الآية : هذه الآية ms3301 أصل في الفراسة. أخرج ~~الترمذي من حديث أبى سعيد مرفوعا : «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور ~~الله» ثم قرأ صلى الله عليه وسلم هذه الآية ... # وقد أجاد الكلام في الفراسة ، الراغب الأصفهاني في كتابه «الذريعة» حيث ~~قال في الباب السابع : وأما الفراسة فالاستدلال بهيئة الإنسان وأشكاله ~~وألوانه وأقواله ، على أخلاقه وفضائله ورذائله ... # وقد نبه سبحانه على صدقها بقوله ( @QUR@05 إن في ذلك لآيات للمتوسمين ) ~~وبقوله ( @QUR@06 تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافا ) (2). وبقوله ( ~~@QUR@09 ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول ) (3). # ولفظها مأخوذ من قولهم «فرس السبع الشاه» فكأن الفراسة اختلاس المعارف (4). # وفي هذه الآية الكريمة تعريض لمن تمر عليهم العبر والعظات. والأدلة ~~الدالة على وحدانية الله تعالى ، وكمال قدرته ... فلا يعتبرون ولا يتعظون ~~ولا يتفكرون فيها ، لانطماس بصيرتهم ، واستيلاء الأهواء والشهوات على ~~نفوسهم ، كما قال تعالى ( @QUR@03 وكأين من آية PageV08P069 # @QUR@015 في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون. وما يؤمن ~~أكثرهم بالله ، إلا وهم مشركون ) (1). # والضمير في قوله سبحانه ( @QUR@03 وإنها لبسبيل مقيم ) يعود إلى المدينة ~~أو القرى التي كان يسكنها قوم لوط عليه السلام . # أى : وإن هذه المساكن التي كان يسكنها هؤلاء المجرمون ، لبطريق ثابت واضح ~~يسلكه الناس ، ويراه كل مجتاز له وهو في سفره من الحجاز إلى الشام ، كما ~~قال تعالى ( @QUR@07 وإنكم لتمرون عليهم مصبحين. وبالليل أفلا تعقلون ) (2). # والمقصود تذكير كفار قريش وغيرهم بعاقبة الظالمين ، حتى يقلعوا عن كفرهم ~~وجحودهم ، وحتى يعتبروا ويتعظوا ، ويدخلوا مع الداخلين في دين الإسلام. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 إن في ذلك لآية للمؤمنين ) تذييل قصد به ~~التعميم بعد التخصيص ، لأن اسم الإشارة هنا يعود إلى جميع ما تقدم من قصتي ~~إبراهيم ولوط عليهما السلام وإلى ما انضم إليهما من التذكير بآثار الأقوام ~~المهلكين. # أى : إن فيما ذكرناه فيما سبق من أدلة واضحة على حسن عاقبة المتقين ، ~~وسوء نهاية الظالمين ، لعبرة واضحة ، وحكمة بالغة ، للمؤمنين الصادقين. # وخصهم بالذكر لأنهم هم المنتفعون بالأدلة والعظات ، وللتنبيه على أن ~~التفرس في الأمور لمعرفة أسبابها ونتائجها من صفاتهم وحدهم. # وجمع الآيات قبل ms3302 ذلك في قوله ( @QUR@05 إن في ذلك لآيات للمتوسمين ) ~~وأفردها هنا فقال : ( @QUR@05 إن في ذلك لآية للمؤمنين ) للأشعار بأن ~~المؤمنين الصادقين تكفى لهدايتهم ، ولزيادة إيمانهم ، آية واحدة من الآيات. ~~الدالة على أن دين الإسلام هو الدين الحق ، وفي ذلك ما فيه من الثناء عليهم ~~، والمدح لهم ، بصدق الإيمان ، وسلامة اليقين ... # ثم ساق سبحانه بعد ذلك جانبا من قصة أصحاب الأيكة لزيادة العظات والعبر ، ~~فقال تعالى : ( @QUR@010 وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين. فانتقمنا منهم ~~وإنهما لبإمام مبين ) و ( @QUR@01 إن ) هي المخففة من الثقيلة ، واسمها ~~ضمير الشأن المحذوف. # وأصحاب الأيكة ، هم قوم شعيب عليه السلام ، والأيك الشجر الكثير الملتف ~~واحدته أيكة كتمر وتمره . PageV08P070 # والمراد بها البقعة الكثيرة الأشجار التي كانت فيها مساكنهم ، قرب مدين ~~قرية شعيب عليه السلام . # وجمهور العلماء على أن أهل مدين وأصحاب الأيكة قبيلة واحدة ، وأرسل الله ~~تعالى إليهم جميعا شعيبا عليه السلام لأمرهم بإخلاص العبادة لله تعالى ، ~~ونهيهم عن تطفيف الكبل والميزان ، وعن قطع الطريق ... # وكانوا جميعا يسكنون في المنطقة التي تسمى بمعان ، على حدود الحجاز ~~والشام ، أو أن بعضهم كان يسكن الحاضرة وهم أهل مدين ، والبعض الآخر كان ~~يسكن في البوادي المجاورة لها والمليئة بالأشجار. # وقيل : إن شعيبا عليه السلام أرسل إلى أمتين : أهل مدين ، وأصحاب الأيكة ، ~~وهذه خصوصية له عليه السلام . # وعلى أية حال فالعلماء متفقون على أن أصحاب الأيكة هم قوم شعيب ~~عليه السلام . # والإمام : الطريق الواضح المعالم. وسمى الطريق إماما لأن المسافر يأتم به ~~، ويهتدى بمسالكه ، حتى يصل إلى الموضع الذي يريده. # والمعنى : وإن الشأن والحال أن أصحاب الأيكة كانوا ظالمين متجاوزين لكل ~~حد ، فاقتضت عدالتنا أن ننتقم منهم ، بسبب كفرهم وفجورهم. # ( @QUR@01 وإنهما ) أى مساكن قوم لوط ، ومساكن قوم شعيب ( @QUR@02 لبإمام ~~مبين ) أى : لبطريق واضح يأتم به أهل مكة في سفرهم من بلادهم إلى بلاد الشام. # قال ابن كثير : وقد كانوا أى أصحاب الأيكة قريبا من قوم لوط ، بعدهم في ~~الزمان ، ومسامتين لهم في المكان ، ولهذا لما أنذر شعيب قومه قال في إنذاره ~~لهم ( @QUR@05 وما قوم ms3303 لوط منكم ببعيد ) (1). # ثم ختمت السورة الكريمة حديثها عن قصص الأنبياء مع أقوامهم بجانب من قصة ~~صالح عليه السلام مع قومه. فقال تعالى ( @QUR@05 ولقد كذب أصحاب الحجر ~~المرسلين )... # وأصحاب الحجر : هم ثمود قوم صالح عليه السلام . # والحجر : واد بين الشام والمدينة المنورة ، كان قوم صالح يسكنونه. والحجر ~~في الأصل : PageV08P071 # كل مكان أحاطت به الحجارة ، أو كل مكان محجور أى ممنوع من الناس بسبب ~~اختصاص بعضهم به. # وما زال هذا المكان يعرف إلى الآن باسم مدائن صالح على الطريق من خيبر ~~إلى تبوك ، كما أشرنا إلى ذلك عند التعريف بالسورة الكريمة. # وقال سبحانه : ( @QUR@05 ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين ) مع أنهم لم ~~يكذبوا إلا رسولهم عليه السلام ، لأن تكذيب رسول واحد ، تكذيب لجميع الرسل ، ~~حيث إن رسالتهم واحدة ، وهي الأمر بإخلاص العبادة لله تعالى وحده ، والدعوة ~~إلى مكارم الأخلاق ، والنهى عن الرذائل والمفاسد. # ثم بين سبحانه مظاهر هذا التكذيب لرسولهم عليه السلام فقال : ( @QUR@05 ~~وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين ). # أى : وأعطينا قوم صالح عليه السلام آياتنا الدالة على صدقه وعلى أنه رسول ~~من عندنا ، والتي من بينها الناقة التي أخرجها الله تعالى لهم ببركة دعاء ~~نبيهم ( @QUR@02 فكانوا عنها ) أى عن هذه الآيات الدالة على وحدانيتنا ~~وقدرتنا ( @QUR@01 معرضين ) لا يلتفتون إليها ، ولا يفكرون فيها ، ولهذا ~~عقروا الناقة ( @QUR@014 وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا ~~إن كنت من المرسلين ). # ثم بين سبحانه بعض مظاهر حضارتهم وتحصنهم في بيوتهم المنحوتة في الجبال ~~فقال تعالى ( @QUR@06 وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين ). # وينحتون : من النحت وهو برى الحجر من وسطه أو جوانبه ، لإعداده للبناء أو ~~للسكن أى : وكانوا لقوتهم وغناهم يتخذون لأنفسهم بيوتا في بطون الجبال وهم ~~آمنون مطمئنون ، أو يقطعون الصخر منها ليتخذوه بيوتا لهم. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى ( @QUR@05 وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين ) ~~(1)، أى : حاذقين في نحتها. وقوله تعالى ( @QUR@017 واذكروا إذ جعلكم ~~خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال ~~بيوتا ) (2). # قال ابن كثير : ذكر تعالى أنهم ms3304 ( @QUR@06 كانوا ينحتون من الجبال بيوتا ~~آمنين ) أى : من PageV08P072 # غير خوف ولا احتياج إليها ، بل بطرا وعبثا ، كما هو المشاهد من صنيعهم في ~~بيوتهم بوادي الحجر ، الذي مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب إلى ~~تبوك فقنع رأسه أى غطاها بثوبه وأسرع دابته ، وقال لأصحابه : «لا تدخلوا ~~بيوت القوم المعذبين ، إلا أن تكونوا باكين ، فإن لم تبكوا فتباكوا خشية أن ~~يصيبكم ما أصابهم» (1). # ولكن ماذا كانت نتيجة هذه القوة الغاشمة ، والثراء الذي ليس معه شكر لله ~~تعالى والإصرار على الكفر والتكذيب لرسل الله تعالى ، والإعراض عن الحق ...؟ # لقد بين القرآن عاقبة ذلك فقال : ( @QUR@09 فأخذتهم الصيحة مصبحين. فما ~~أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ). # أى : فكانت نتيجة تكذيب أصحاب الحجر لرسولهم صالح عليه السلام أن أهلكهم ~~الله تعالى وهم داخلون في وقت الصباح ، عن طريق الصيحة الهائلة ، التي ~~جعلتهم في ديارهم جاثمين ، دون أن يغنى عنهم شيئا ما كانوا يكسبونه من جمع ~~الأموال ، وما كانوا يصنعونه من نحت البيوت في الجبال. # وهكذا نرى أن كل وقاية ضائعة ، وكل أمان ذاهب ، وكل تحصن زائل أمام عذاب ~~الله المسلط على أعدائه المجرمين. # وهكذا تنتهي تلك الحلقات المتصلة من قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم والتي ~~تتفق جميعها في بيان سنة من سنن الله تعالى في خلقه ، وهي أن النجاة ~~والسعادة والنصر للمؤمنين ، والهلاك والشقاء والهزيمة للمكذبين. # ثم ختمت السورة الكريمة ببيان كمال قدرة الله تعالى ، وببيان جانب من ~~النعم التي منحها سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم ، وبتهديد المشركين الذين ~~جعلوا القرآن عضين ، والذين جعلوا مع الله إلها آخر ، وبتسليته ~~صلى الله عليه وسلم عما لحقه منهم من أذى ، فقال تعالى : # ( @QUR@014 وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة ~~لآتية فاصفح الصفح الجميل (85) @QUR@03 إن ربك هو PageV08P073 # @QUR@02 الخلاق العليم (86) @QUR@07 ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن ~~العظيم (87) @QUR@015 لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن ~~عليهم واخفض جناحك للمؤمنين (88) @QUR@05 وقل إني أنا النذير المبين (89) ~~@QUR@04 كما أنزلنا على المقتسمين (90) @QUR@04 الذين جعلوا ms3305 القرآن عضين ~~(91) @QUR@04 فو ربك لنسئلنهم أجمعين (92) @QUR@03 عما كانوا يعملون (93) ~~@QUR@06 فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (94) @QUR@03 إنا كفيناك ~~المستهزئين (95) @QUR@08 الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون (96) ~~@QUR@07 ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون (97) @QUR@06 فسبح بحمد ربك ~~وكن من الساجدين (98) @QUR@05 واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) (99) # فقوله سبحانه ( @QUR@08 وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ~~) توجيه للناس إلى التأمل في مظاهر قدرة الله تعالى ، وإلى الحق الأكبر ~~الذي قام عليه هذا الوجود ، بعد أن بين سبحانه قبل ذلك ، سنته التي لا ~~تتخلف ، وهي أن حسن العاقبة للمتقين ، وسوء المصير للمكذبين. # والحق : هو الأمر الثابت الذي تقتضيه عدالة الله تعالى وحكمته. # والباء فيه للملابسة. # أى : وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما من كائنات لا يعلمها إلا الله ~~، إلا خلقا ملتبسا بالحق الذي لا يحوم حوله باطل ، وبالعدل الذي لا يخالطه ~~جور وبالحكمة التي تتنزه عن العبث ، وتأبى استمرار الفساد ، واستبقاء ضعف ~~الحق أمام الباطل. PageV08P074 # والمراد بالساعة في قوله تعالى : ( @QUR@03 وإن الساعة لآتية ) ساعة ~~البعث والحساب والثواب والعقاب في الآخرة. # أى : وإن ساعة إعطاء كل ذي حق حقه ، ومعاقبة كل ذي باطل على باطله ، ~~لآتية لا ريب فيها ، فمن فاته أخذ حقه في الدنيا فسيأخذه وافيا غير منقوص ~~في الآخرة ، ومن أفلت من عقوبة الدنيا فسينال ما هو أشد وأخزى منها في يوم ~~الحساب. # فالجملة الكريمة انتقال من تهديد المجرمين بعذاب الدنيا ، إلى تهديدهم ~~بعذاب الآخرة ، والمقصود من ذلك تسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه من ~~المكذبين من أذى. # وأكد سبحانه هذه الجملة بإن وبلام التوكيد ، ليدل على أن الساعة آتية لا ~~محالة ، وليخرس ألسنة الذين ينكرون وقوعها وحدوثها ... # وجملة ( @QUR@03 فاصفح الصفح الجميل ) تفريع على ما قبلها. # والصفح الجميل : ترك المؤاخذة على الذنب ، وإغضاء الطرف عن مرتكبه بدون ~~معاتبة. # أى : ما دام الأمر كما ذكرنا لك أيها الرسول الكريم من أن هذا الكون قد ~~خلقناه بالحق ، ومن أن الساعة آتية لا ريب فيها ... فاصفح عن هؤلاء ~~المكذبين لك صفحا جميلا ، لا عتاب ms3306 معه ولا حزن ولا غضب ... حتى يحكم الله ~~بينك وبينهم. # وهذا التعبير فيه ما فيه من تسليته صلى الله عليه وسلم وتكريمه ، لأنه ~~سبحانه أمره بالصفح الجميل عن أعدائه ، ومن شأن الذي يصفح عن غيره ، أن ~~يكون أقوى وأعز من هذا الغير فكأنه سبحانه يقول له : اصفح عنهم فعما قريب ~~ستكون لك الكلمة العليا عليهم. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى ( @QUR@06 فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون ~~) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@013 ... فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن ~~الله على كل شيء قدير ) (2). # وقوله سبحانه ( @QUR@05 إن ربك هو الخلاق العليم ) تعليل للأمر بالصفح ~~الجميل عنهم. # والخلاق والعليم : صيغتا مبالغة من الخلق والعلم ، للدلالة على كثرة خلقه ~~، وشمول علمه. PageV08P075 # أى : ( @QUR@02 إن ربك ) أيها الرسول الكريم ، الذي رباك برعايته وعنايته ~~، واختارك لحمل رسالته ( @QUR@01 هو ) سبحانه ( @QUR@01 الخلاق ) لك ولهم ~~ولكل شيء في هذا الوجود. # ( @QUR@01 العليم ) بأحوالك وبأحوالهم ، وبما يصلح لك ولهم ولكل ~~الكائنات. # وقد علم سبحانه أن الصفح عنهم في هذا الوقت فيه المنفعة لك ولهم ، فحقيق ~~بك أيها الرسول الكريم أن تطيعه سبحانه ، وأن تكل الأمور إليه. # ولقد تحقق الخير من وراء هذا التوجيه السديد من الله تعالى لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم فقد نرتب على هذا الصفح : النصر للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وللمؤمنين ، والهداية لبعض الكافرين وهم الذين دخلوا في الإسلام بعد نزول ~~هذه الآية ، وصاروا قوة للدعوة الإسلامية بعد أن كانوا حربا عليها ، وتحقق ~~أيضا قوله صلى الله عليه وسلم : «لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ~~عز وجل ». # ثم أتبع سبحانه هذه التسلية والبشارة للرسول صلى الله عليه وسلم ، بمنة ~~ونعمة أجل وأعظم من كل ما سواها ، ليزيده اطمئنانا وثقة بوعد الله تعالى ~~فقال : ( @QUR@07 ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم ). # والمراد بالسبع المثاني : صورة الفاتحة. وسميت بذلك ، لأنها سبع آيات ، ~~ولأنها تثنى أى تكرر في كل ركعة من ركعات الصلاة. # قال صاحب الكشاف : والمثاني من التثنية وهي التكرير للشيء ، لأن الفاتحة ~~تكرر قراءتها في الصلاة. أو من الثناء ms3307 ، لاشتمالها على ما هو ثناء على الله ~~تعالى ...» (1). # والمعنى : ولقد أعطيناك أيها الرسول الكريم سورة الفاتحة التي هي سبع ~~آيات ، والتي تعاد قراءتها في كل ركعة من ركعات الصلاة ، وأعطيناك أيضا ~~القرآن العظيم الذي يهدى للطريق التي هي أقوم. # وأوثر فعل ( @QUR@01 آتيناك ) بمعنى أعطيناك على أوحينا إليك ، أو أنزلنا ~~عليك ؛ لأن الإعطاء أظهر في الإكرام والإنعام. # وقوله ( @QUR@02 والقرآن العظيم ) معطوف على ( @QUR@01 سبعا ) من باب عطف ~~الكل على الجزء ، اعتناء بهذا الجزء. # ووصف سبحانه القرآن بأنه عظيم ، تنويها بشأنه ، وإعلاء لقدره. PageV08P076 # ومما يدل على أن المراد بالسبع المثاني سورة الفاتحة ما أخرجه البخاري ~~بسنده عن أبى سعيد بن المعلى قال : مربى النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أصلى ، ~~فدعاني فلم آته حتى صليت ، ثم أتيته فقال : ما منعك أن تأتينى؟ فقلت : كنت أصلى. # فقال : ألم يقل الله : ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله ~~وللرسول إذا دعاكم ). # ثم قال : ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟ ثم ذهب ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليخرج ، فذكرته فقال : ( @QUR@04 الحمد لله رب ~~العالمين ) هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته». # وروى البخاري أيضا عن أبى هريرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : «أم ~~القرآن هي : السبع المثاني والقرآن العظيم». # هذا ، وهناك أقوال أخرى في المقصود بالسبع المثاني ، ذكرها بعض المفسرين ~~فقال : اختلف العلماء في السبع المثاني : فقيل الفاتحة. قاله على بن أبى ~~طالب ، وأبو هريرة ، والربيع بن أنس ، وأبو العالية ، والحسن وغيرهم. وروى ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة من حديث أبى بن كعب وأبى سعيد بن ~~المعلى ... # وقال ابن عباس : هي السبع الطوال : البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، ~~والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، والأنفال والتوبة معا ... # وأنكر قوم هذا وقالوا : أنزلت هذه الآية بمكة ، ولم ينزل من السبع الطوال ~~شيء إذ ذاك. # وقيل : المثاني القرآن كله ، قال الله تعالى ( @QUR@03 كتابا متشابها ~~مثاني ). هذا قول الضحاك وطاوس ، وقاله ابن عباس. وقيل له : مثاني ، لأن ~~الأنباء والقصص ثنيت فيه .. # وقيل : المراد ms3308 بالسبع المثاني أقسام القرآن من الأمر والنهى والتبشير ~~والإنذار .. # ثم قال : والصحيح الأول لأنه نص. وقد قدمنا في الفاتحة أنه ليس في ~~تسميتها بالمثاني ما يمنع من تسمية غيرها بذلك ، إلا أنه إذا ورد عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وثبت عنه نص في شيء لا يحتمل التأويل ، كان الوقوف عنده (1). # والذي نراه ، أن المقصود بالسبع المثاني هنا : سورة الفاتحة ، لثبوت النص ~~الصحيح بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومتى ثبت النص الصحيح عنه ~~صلى الله عليه وسلم في شيء فلا كلام لأحد معه أو بعده صلى الله عليه وسلم . PageV08P077 # ثم نهى الله تعالى المسلمين في شخص نبيهم صلى الله عليه وسلم عن التطلع إلى ~~زينة الحياة الدنيا ، فقال تعالى : ( @QUR@09 لا تمدن عينيك إلى ما متعنا ~~به أزواجا منهم )... # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف وصل هذا بما قبله؟ # قلت : يقول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم : قد أوتيت النعمة العظمى ~~التي كل نعمة وإن عظمت فهي إليها حقيرة ضئيلة ، وهي القرآن العظيم ، فعليك ~~أن تستغني به ، ولا تمدن عينيك إلى متاع الدنيا ... # قال أبو بكر الصديق ؛ من أوتى القرآن ، فرأى أن أحدا أوتى من الدنيا أفضل ~~مما أوتى ، فقد صغر عظيما ، وعظم صغيرا» (1). # وقال ابن كثير : وقال ابن أبى حاتم : ذكر عن وكيع بن الجراح ، قال : ~~حدثنا موسى بن عبيدة ، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن أبى رافع صاحب ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال : أضاف النبي صلى الله عليه وسلم ضيفا ، ولم يكن ~~عنده صلى الله عليه وسلم شيء يصلحه ، فأرسل إلى رجل من اليهود : يقول لك محمد ~~رسول الله : أسلفنى دقيقا إلى هلال رجب. قال اليهودي : لا إلا برهن. فأتيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فقال : أما والله إنى لأمين من في السماء ~~، وأمين من في الأرض ، ولئن أسلفنى أو باعني لأؤدين إليه. فلما خرجت من ~~عنده نزلت هذه الآية. «لا تمدن عينيك» كأنه سبحانه يعزيه عن الدنيا» (2). # وقوله سبحانه ( @QUR@01 تمدن ms3309 ) من المد ، وأصله الزيادة. واستعير هنا ~~للتطلع إلى ما عند الغير برغبة وتمن وإعجاب. يقال : مد فلان عينه إلى مال ~~فلان ، إذا اشتهاه وتمناه وأراده. # والمراد بالأزواج : الأصناف من الكفار الذين متعهم الله بالكثير من زخارف ~~الدنيا. # والمعنى : لا تحفل أيها الرسول الكريم ولا تطمح ببصرك طموح الراغب في ذلك ~~المتاع الزائل ، الذي متع الله تعالى به أصنافا من المشركين فإن ما بين ~~أيديهم منه شيء سينتهي عما قريب ، وقد آتاهم الله تعالى إياه على سبيل ~~الاستدراج والإملاء ، وأعطاك ما هو خير منه وأبقى ، وهو القرآن العظيم. # قال صاحب الظلال : والعين لا تمتد. إنما يمتد البصر أى : يتوجه. ولكن ~~التعبير التصويرى يرسم صورة العين ذاتها ممدودة إلى المتاع. وهي صورة طريفة ~~حين يتخيلها المتخيل .. PageV08P078 # والمعنى وراء ذلك ، ألا يحفل الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك المتاع الذي ~~آتاه الله تعالى لبعض الناس ... ولا يلقى إليه نظرة اهتمام ، أو نظرة ~~استجمال ، أو نظرة تمن» (1). # وقال سبحانه هنا ( @QUR@02 لا تمدن ... ) بدون واو العطف ، وقال في سورة ~~طه ( @QUR@02 ولا تمدن ... ) بواو العطف ، لأن الجملة هنا مستأنفة استئنافا ~~بيانيا ، جوابا لما يختلج في نفوس بعض المؤمنين من تساؤل عن أسباب الإملاء ~~والعطاء الدنيوي لبعض الكافرين. ولأن الجملة السابقة عليها وهي قوله ( ~~@QUR@05 ولقد آتيناك سبعا من المثاني ... ) كانت بمنزلة التمهيد لها ، ~~والإجمال لمضمونها. # أما في سورة طه ، فجملة ( @QUR@02 ولا تمدن ... ) معطوفة على ما سبقها من ~~طلب وهو قوله تعالى ( @QUR@028 فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع ~~الشمس وقبل غروبها ، ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى. ولا ~~تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ... ) (2). # وقوله سبحانه ( @QUR@03 ولا تحزن عليهم ) نهى له صلى الله عليه وسلم عن ~~الاهتمام بالمصير السيئ الذي ينتظر أعداءه. # أى : ولا تحزن أيها الرسول الكريم لكفر من كفر من قومك ، أو لموتهم على ~~ذلك ، أو لأعراضهم عن الحق الذي جئتهم به ، فإن القلوب بأيدينا نصرفها كيف ~~نشاء ، أما أنت فعليك البلاغ. # وقوله سبحانه ( @QUR@03 واخفض جناحك للمؤمنين ) بيان لما يجب ms3310 عليه نحو ~~أتباعه ، بعد بيان ما يجب عليه نحو أعدائه. # وخفض الجناح كناية عن اللين والمودة والعطف. # أى : وكن متواضعا مع أتباعك المؤمنين ، رءوفا بهم ، عطوفا عليهم. # قال الشوكانى : وخفض الجناح كناية عن التواضع ولين الجانب ... وأصله أن ~~الطائر إذا ضم فرخه إليه بسط جناحه ثم قبض على الفرخ ، فجعل ذلك وصفا ~~لتواضع الإنسان لأتباعه ... والجناحان من ابن آدم : جانباه (3). # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 وقل إني أنا النذير المبين ) معطوف على ما قبله. PageV08P079 # أى : لا تحزن أيها الرسول الكريم على مصير الكافرين ، وتواضع لأتباعك ~~المؤمنين ، وقل للناس جميعا ما قاله كل نبي قبلك لقومه : إنى أنا المنذر ~~لكم من عذاب الله إذا ما بقيتم على كفركم ، الموضح لكم كل ما يخفى عليكم. # فالنذير هنا بمعنى المنذر ، والمبين بمعنى الكاشف والموضح. # وفي الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «إنما ~~مثلي ومثل ما بعثني الله به ، كمثل رجل أتى قومه فقال : يا قوم ، إنى رأيت ~~الجيش بعيني ، وإنى أنا النذير العريان ، فالنجاء النجاء ، فأطاعه طائفة من ~~قومه فأدلجوا ، وانطلقوا على مهلهم فنجوا. وكذبه طائفة منهم فأصبحوا مكانهم ~~، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم ، فذلك مثل من أطاعنى واتبع ما جئت به ، ~~ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق» (1). # ثم هدد سبحانه الذين يحاربون دعوة الحق ، ويصفون القرآن بأوصاف لا تليق ~~به فقال تعالى : ( @QUR@08 كما أنزلنا على المقتسمين. الذين جعلوا القرآن ~~عضين ).. # والكاف في قوله ( @QUR@01 كما ) للتشبيه ، وما موصوله أو مصدرية وهي ~~المشبه به أما المشبه فهو الإيتاء المأخوذ من قوله تعالى ( @QUR@05 ولقد ~~آتيناك سبعا من المثاني ). # ولفظ «المقتسمين» افتعال من القسم بمعنى تجزئة الشيء وجعله أقساما .. # والمراد بهم بعض طوائف أهل الكتاب ، الذين آمنوا ببعضه وكفروا بالبعض الآخر. # أو المراد بهم كما قال ابن كثير : «المقتسمين» أى المتحالفين ، أى الذين ~~تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم ...» (2). # ولفظ «عضين» جمع عضة بزنة عزة ، وهي الجزء والقطعة من الشيء. تقول : عضيت ~~الشيء تعضية ، أى : فرقته وجعلته أجزاء كل فرقة عضة. ms3311 # قال القرطبي ما ملخصه : وواحد العضين عضة ، من عضيت الشيء تعضية أى فرقته ~~، وكل فرقة عضة. قال الشاعر : وليس دين الله بالمعضى. أى : بالمفرق. PageV08P080 # والعضة والعضين في لغة قريش السحر. وهم يقولون للساحر عاضه ، وللساحرة ~~عاضهة ... # وفي الحديث : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة أى ~~الساحرة والمستسحرة .. وقيل : هو من العضة ، وهي التميمة. والعضيهة : ~~البهتان .. يقال : أعضهت يا فلان أى : جئت بالبهتان» (1). # والمعنى : ولقد آتيناك أيها الرسول الكريم السبع المثاني والقرآن العظيم ~~، مثل ما أنزلنا على طوائف أهل الكتاب المقتسمين ، أى الذين قسموا كتابهم ~~أقساما ، فأظهروا قسما وأخفوا آخر ، والذين جعلوا أيضا القرآن أقساما ، ~~فآمنوا ببعضه ، وكفروا بالبعض الآخر .. فجعله ( @QUR@04 الذين جعلوا القرآن ~~عضين ) بيان وتوضيح للمقتسمين. # ومنهم من يرى أن قوله تعالى ( @QUR@04 كما أنزلنا على المقتسمين ... ) ~~متعلق بقوله تعالى قبل ذلك ، ( @QUR@05 وقل إني أنا النذير المبين )، ~~فيكون المشبه الإنذار بالعقاب المفهوم من الآية الكريمة. وأن المراد ~~بالمقتسمين : جماعة من مشركي قريش ، قسموا أنفسهم أقساما لصرف الناس عن ~~الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم . # والمعنى : وقل أيها الرسول الكريم إنى أنا النذير المبين لكم من عذاب مثل ~~عذاب المقتسمين ... # وقد فصل الإمام الآلوسى القول عند تفسيره لهاتين الآيتين فقال ما ملخصه : ~~قوله تعالى ( @QUR@04 كما أنزلنا على المقتسمين ... ) متعلق بقوله تعالى ( ~~@QUR@03 ولقد آتيناك سبعا ... ) على أن يكون في موضع نصب نعتا لمصدر من ~~آتينا محذوف أى : آتيناك سبعا من المثاني إيتاء كما أنزلنا ، وهو في معنى : ~~أنزلنا عليك ذلك إنزالا كإنزالنا على أهل الكتاب ( @QUR@04 الذين جعلوا ~~القرآن عضين ) أى قسموه إلى حق وباطل .. # وقيل : هو متعلق بقوله تعالى : ( @QUR@05 وقل إني أنا النذير المبين ).. ~~وجوز أن يراد بالمقتسمين جماعة من قريش ... أرسلهم الوليد بن المغيرة ، ~~أيام موسم الحج ، ليقفوا على مداخل طرق مكة ، لينفروا الناس عن الإيمان ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم فانقسموا على هاتيك المداخل ، يقول بعضهم لا ~~تغتروا بالخارج فإنه ساحر .. PageV08P081 # أى : وقل إنى أنا النذير عذابا مثل العذاب الذي أنزلناه على المقتسمين. # وقيل المراد بالمقتسمين ms3312 ، الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحا أى ~~يقتلوه ليلا فأهلكهم الله ... # ثم قال رحمه الله : والأقرب من الأقوال المذكورة أن قوله ( @QUR@02 كما ~~أنزلنا .. ) متعلق بقوله تعالى ( @QUR@03 ولقد آتيناك سبعا ... ) وأن ~~المراد بالمقتسمين أهل الكتابين ، وأن الموصول مع صلته ، صفة مبينة لكيفية ~~اقتسامهم ... # والمعنى : لقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم ، إيتاء مماثلا ~~لإنزال الكتابين على أهلهما ... (1). # ويبدو لنا أن من الأفضل أن يكون المراد بالمقتسمين ، ما يشمل أهل ~~الكتابين وغيرهم من المشركين المتحالفين على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم ~~وأذاهم كما قال ابن كثير وقد ذهب إلى ذلك الإمام ابن جرير ، فقد قال ~~رحمه الله بعد سرده للأقوال في ذلك ما ملخصه : «والصواب من القول في ذلك ~~عندي أن يقال : إن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلم قومه الذين ~~عضوا القرآن ففرقوه ، أنه نذير لهم من سخط الله وعقوبته ، أن يحل بهم ما حل ~~بالمقتسمين من قبلهم ومنهم ... # وجائز أن يكون عنى بالمقتسمين : أهل الكتابين .. وجائز أن يكون عنى بذلك ~~: المشركين من قريش ، لأنهم اقتسموا القرآن ، فسماه بعضهم شعرا ، وسماه ~~بعضهم كهانة ... # وجائز أن يكون عنى به الفريقين ... وممكن أن يكون عنى به المقتسمين على ~~صالح من قومه. لأنه ليس في التنزيل ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولا في فطرة العقل ، ما يدل على أنه عنى به أحد الفرق الثلاثة دون الآخرين ~~، وإذا فكل من اقتسم كتابا لله بتكذيب بعض وتصديق بعض ، كان داخلا في هذا ~~التهديد والوعيد ... (2). # ثم أكد سبحانه هذا التهديد والوعيد فقال : ( @QUR@07 فو ربك لنسئلنهم ~~أجمعين عما كانوا يعملون ). PageV08P082 # والفاء هنا متفرعة على ما سبق تأكيده في قوله ( @QUR@03 وإن الساعة لآتية ~~... ) إذ في هذا اليوم يكون سؤالهم. # والواو للقسم ، أى : فوحق ربك أيها الرسول الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك ~~، لنسألن هؤلاء المكذبين جميعا ، سؤال توبيخ وتقريع وتبكيت ، عما كانوا ~~يعملونه في الدنيا من أعمال قبيحة : وعما كانوا يقولونه من أقوال فاسدة ، ~~ثم لننزلن بهم جميعا العقوبة المناسبة لهم. # فالمقصود من ms3313 هذه الآية الكريمة زيادة التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ~~وتأكيد التهديد للمشركين. # ثم أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يمضى في طريقه ، وأن يجهر ~~بدعوته وأن يعرض عن المشركين ، فقد كفاه سبحانه شرهم فقال تعالى : ( ~~@QUR@017 فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين. إنا كفيناك المستهزئين. الذين ~~يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون ). # وقوله ( @QUR@01 فاصدع .. ) من الصدع بمعنى الإظهار والإعلان. ومنه قولهم ~~: انصدع الصبح ، إذا ظهر بعد ظلام الليل والصديع الفجر لانصداعه أى ظهوره. ~~ويقال : صدع فلان بحجته ، إذا تكلم بها جهارا. # أى : فاجهر أيها الرسول الكريم بدعوتك ، وبلغ ما أمرناك بتبليغه علانية ، ~~وأعرض عن سفاهات المشركين وسوء أدبهم. # قال عبد الله بن مسعود : ما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفيا بدعوته ~~حتى نزلت هذه الآية. فخرج هو وأصحابه ، وقوله ( @QUR@03 إنا كفيناك ~~المستهزئين ) تعليل للأمر بالجهر بالدعوة ، بعد أن مكث صلى الله عليه وسلم ~~يدعو الناس إلى الإسلام سرا ثلاث سنين أو أكثر. # وقوله ( @QUR@01 كفيناك .. ) من الكفاية. تقول : كفيت فلانا المؤنة إذا ~~توليتها عنه ، ولم تحوجه إليها. وتقول : كفيتك عدوك أى : كفيتك بأسه وشره. # والمراد بالمستهزئين : أكابر المشركين في الكفر والعداوة والاستهزاء ~~بالرسول صلى الله عليه وسلم أى : إنا كفيناك الانتقام من المستهزئين بك ~~وبدعوتك ، وأرحناك منهم ، بإهلاكهم. وذكر بعضهم أن المراد بهم خمسة من ~~كبرائهم ، وهم : الوليد بن المغيرة ، والأسود بن عبد يغوث ، والأسود بن ~~المطلب ، والحارث بن عيطل ، والعاص بن وائل : وقد أهلكهم الله جميعا بمكة ، ~~وكان هلاكهم العجيب من أهم الصوارف لأتباعهم عن الاستهزاء بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم . # قال الإمام الرازي : واعلم أن المفسرين قد اختلفوا في عدد هؤلاء ~~المستهزئين ، وفي أسمائهم ، وفي كيفية طريق استهزائهم ، ولا حاجة إلى شيء منها. PageV08P083 # والقدر المعلوم أنهم طبقة لهم قوة وشوكة ورئاسة ، لأن أمثالهم هم الذين ~~يقدرون على إظهار مثل هذه السفاهة ، مع مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~علو قدره ، وعظم منصبه ، ودل القرآن على أن الله تعالى أفناهم وأبادهم ~~وأزال كيدهم» (1). # ثم ms3314 بين سبحانه أن هؤلاء المستهزئين قد أضافوا إلى ذلك الشرك والكفر فقال ~~: ( @QUR@06 الذين يجعلون مع الله إلها آخر ) في عباداتهم وفي عقيدتهم. # ( @QUR@02 فسوف يعلمون ) ما يترتب على ذلك في الآخرة من عذاب شديد لهم ، ~~بعد أن أهلكناهم في الدنيا وقطعنا دابرهم. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بتسلية أخرى له صلى الله عليه وسلم ، وبإرشاده ~~إلى ما يزيل همه. ويشرح صدره ، فقال تعالى : ( @QUR@018 ولقد نعلم أنك يضيق ~~صدرك بما يقولون. فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين. واعبد ربك حتى يأتيك ~~اليقين ). # وضيق الصدر : كناية عن كدر النفس ، وتعرضها للهموم والأحزان. # أى : ولقد نعلم أيها الرسول الكريم أن أقوال المشركين الباطلة فيك وفيما ~~جئت به من عندنا ، تحزن نفسك ، وتكدر خاطرك. # وقال سبحانه ( @QUR@02 ولقد نعلم .. ) بلام القسم وحرف التحقيق ، لتأكيد ~~الخبر ، وإظهار مزيد الاهتمام والعناية بالمخبر عنه صلى الله عليه وسلم في ~~الحال والاستقبال. # والفاء في قوله ( @QUR@03 فسبح بحمد ربك ... ) واقعة في جواب شرط. # والتسبيح لله تعالى معناه : تنزيهه عز وجل عن كل ما لا يليق به. # والتحميد له تعالى معناه : الثناء عليه بما هو أهله من صفات الكمال ~~والجلال. # أى : إن ضاق صدرك أيها الرسول الكريم بسبب أقوال المشركين القبيحة ، ~~فافزع إلينا بالتسبيح والتحميد ، بأن تكثر من قول سبحان الله ، والحمد لله. # قال بعض العلماء : فهذه الجملة الكريمة قد اشتملت على الثناء على الله ~~بكل كمال ؛ لأن الكمال يكون بأمرين : # أحدهما : التخلي عن الرذائل ، والتنزه عما لا يليق ، هذا معنى التسبيح. # والثاني : التحلي بالفضائل ، والاتصاف بصفات الكمال ، وهذا معنى الحمد. PageV08P084 # فتم الثناء بكل كمال. ولأجل هذا المعنى ثبت في الصحيح عنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : «كلمتان خفيفتان على اللسان ، ثقيلتان في ~~الميزان ، حبيبتان إلى الرحمن : سبحان الله وبحمده ، سبحان الله العظيم ~~...» (1). # والمراد بالسجود في قوله تعالى ( @QUR@03 وكن من الساجدين ) الصلاة. وعبر ~~عنها بذلك من باب التعبير بالجزء عن الكل ، لأهمية هذا الجزء وفضله ، ففي ~~صحيح مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms3315 قال : ~~«أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء». # ويؤخذ من هذه الآية الكريمة ، أن ترتيب الأمر بالتسبيح والتحميد والصلاة ~~على ضيق الصدر ؛ دليل على أن هذه العبادات ، بسببها يزول المكروه بإذنه ~~تعالى ، وتنقشع الهموم ... ولذا كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر لجأ إلى ~~الصلاة. # وروى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث نعيم بن عمار رضى الله عنه ~~أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : قال الله تعالى : «يا ابن آدم لا ~~تعجز عن أربع ركعات من أول النهار ، أكفك آخره». # فينبغي للمسلم إذا أصابه مكروه أن يفزع إلى الله تعالى بأنواع الطاعات من ~~صلاة وتسبيح وتحميد وغير ذلك من ألوان العبادات. # والمراد بالأمر بالعبادة في قوله تعالى ( @QUR@05 واعبد ربك حتى يأتيك ~~اليقين ) المداومة عليها وعدم التقصير فيها. # والمراد باليقين : الموت ، سمى بذلك لأنه أمر متيقن لحوقه بكل مخلوق. # أى : ودم أيها الرسول الكريم على عبادة ربك وطاعته ما دمت حيا ، حتى ~~يأتيك الموت الذي لا مفر من مجيئه في الوقت الذي يريده الله تعالى . # ومما يدل على أن المراد باليقين هنا الموت قوله تعالى حكاية عن المجرمين ~~: ( @QUR@020 قالوا لم نك من المصلين. ولم نك نطعم المسكين. وكنا نخوض مع ~~الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين. حتى أتانا اليقين ) أى : الموت. # ويدل على ذلك أيضا ما رواه البخاري عن أم العلاء أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لما دخل على PageV08P085 # عثمان بن مظعون وقد مات ، قالت : قلت : رحمة الله عليك أبا السائب ، ~~فشهادتى عليك لقد أكرمك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «وما يدريك ~~أن الله قد أكرمه ... أما هو فقد جاءه اليقين أى الموت وإنى لأرجو له ~~الخير» (1). # قال الإمام ابن كثير : ويستدل بهذه الآية الكريمة ، على أن العبادة ~~كالصلاة ونحوها ، واجبة على الإنسان ما دام عقله ثابتا ، فيصلى بحسب حاله ، ~~كما ثبت في صحيح البخاري عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال «صل قائما ، فإن ms3316 لم تستطع فقاعدا ، فإن لم تستطع فعلى جنب». # ويستدل بها أيضا على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين ~~المعرفة ، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة ، سقط عنه التكليف عندهم. وهذا كفر ~~وضلال وجهل ...» (2). # وبعد : فهذه سورة الحجر ، وهذا تفسير لها. نسأل الله تعالى أن يجعله ~~خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ||د. محمد طنطاوى المدينة المنورة في 6 من جمادى الثانية سنة 1402| PageV08P086 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة النحل PageV08P087 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة # الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ومن والاه. # أما بعد : فقد سبق لي بحمد الله وتوفيقه أن قمت بتفسير سور : الفاتحة ، ~~والبقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، ~~والأنفال ، والتوبة ، ويونس ، وهود ، ويوسف ، والرعد ، وإبراهيم ، والحجر. # وها أنا ذا أقدم للقارئ الكريم تفسير سورة «النحل» ، وقد حاولت فيه أن ~~أكشف عما اشتملت عليه السورة الكريمة من توجيهات سامية ، وآداب عالية ، ~~وإرشادات حكيمة ، ومجادلات بالتي هي أحسن. # وقد مهدت لتفسيرها بكلمة ، بينت فيها زمان نزولها ، وعدد آياتها. وسبب ~~تسميتها بهذا الاسم ، والمقاصد الإجمالية التي اشتملت عليها. # والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم ، ونافعا لعباده ، ~~وشفيعا لنا يوم نلقاه سبحانه . # وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ||المؤلف د. محمد سيد طنطاوى| PageV08P089 ### ||| * تعريف بسورة النحل # 1 سورة النحل هي السورة السادسة عشرة في ترتيب المصحف ، فقد سبقتها سور : ~~الفاتحة ، والبقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ~~، والأنفال ، والتوبة ، ويونس ، وهود ، ويوسف ، والرعد ، وإبراهيم ، ~~والحجر. # أما في ترتيب النزول ، فكان ترتيبها التاسعة والستين ، وكان نزولها بعد ~~سورة الكهف (1). # 2 وعدد آياتها ثمان وعشرون ومائة آية. # 3 وسميت بسورة النحل ، لقوله تعالى فيها ( @QUR@09 وأوحى ربك إلى النحل ~~أن اتخذي من الجبال بيوتا ... ) (2). # وتسمى أيضا بسورة النعم ، لأن الله تعالى عدد فيها أنواعا من النعم التي ~~أنعم بها على عباده. # 4 وسورة النحل من السور المكية : أى التي ms3317 كان نزولها قبل الهجرة النبوية ~~الشريفة. # قال القرطبي : «وهي مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر. وتسمى ~~سورة النعم بسبب ما عدد الله فيها من نعمه على عباده. وقيل : هي مكية إلا ~~قوله تعالى ( @QUR@07 وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به .. ) الآية. ~~نزلت بالمدينة في شأن التمثيل بحمزة وقتلى أحد ..» (3). # وقال الآلوسى : وأطلق جمع القول بأنها مكية ، وأخرج ذلك ابن مردويه عن ~~ابن عباس ، وابن الزبير رضى الله عنهم وأخرجه النحاس من طريق مجاهد عن ~~الحبر أنها نزلت بمكة سوى ثلاث آيات من آخرها ، فإنهن نزلن بين مكة ~~والمدينة في منصرف النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة أحد (4). # والذي تطمئن إليه النفس ، أن سورة النحل كلها مكية ، وذلك لأن الروايات ~~التي ذكروها PageV08P091 # في سبب نزول قوله تعالى ، ( @QUR@07 وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم ~~به .. ) إلخ السورة ، فيها مقال. فقد ذكر الإمام ابن كثير عند سردها ، أن ~~بعضها مرسل وفيه مبهم ، وبعضها في إسناده ضعف .. (1). # 5 (أ) وإذا ما قرأنا سورة النحل بتدبر وتفكر ، نراها في مطلعها تؤكد أن ~~يوم القيامة حق ، وأنه آت لا ريب فيه ، وأن المستحق للعبادة والطاعة إنما ~~هو الله الخالق لكل شيء. # قال تعالى : ( @QUR@027 أتى أمر الله فلا تستعجلوه ، سبحانه وتعالى عما ~~يشركون ، ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده ، أن أنذروا ~~أنه لا إله إلا أنا فاتقون ). # (ب) تم تسوق ألوانا من الأدلة على وحدانية الله وقدرته ، عن طريق خلق ~~السموات والأرض وخلق الإنسان والحيوان ، وعن طريق إنزال الماء من السماء ، ~~وتسخير الليل والنهار ، والشمس والقمر والنجوم .. وغير ذلك من النعم التي ~~لا تحصى. # استمع إلى بعض هذه الآيات التي تحكى جانبا من هذه النعم فتقول : ( ~~@QUR@044 خلق السماوات والأرض بالحق ، تعالى عما يشركون. خلق الإنسان من ~~نطفة فإذا هو خصيم مبين. والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون. ~~ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون. وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا ~~بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤف رحيم ms3318 ). # ثم تقول : ( @QUR@032 وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا ~~لعلكم تهتدون. وعلامات وبالنجم هم يهتدون. أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا ~~تذكرون. وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ، إن الله لغفور رحيم ). # (ج) وبعد أن توبخ السورة المشركين لتسويتهم بين من يخلق ومن لا يخلق تحكى ~~جانبا من أقاويلهم الباطلة التي وصفوا بها القرآن الكريم ، وتصور استسلامهم ~~لقضاء الله العادل فيهم يوم الحساب ، فتقول : ( @QUR@025 وإذا قيل لهم ما ~~ذا أنزل ربكم قالوا : أساطير الأولين. ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ، ~~ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ، ألا ساء ما يزرون ). # إلى أن تقول : ( @QUR@027 الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ، فألقوا ~~السلم ما كنا نعمل من سوء ، بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون. فادخلوا ~~أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين ). PageV08P092 # (د) وكعادة القرآن الكريم في قرنه الترهيب بالترغيب ، وفي عقده المقارنات ~~بين مصير المؤمنين ومصير الكافرين ، جاءت الآيات بعد ذلك لتبشر المتقين ~~بحسن العاقبة. # جاء قوله تعالى : ( @QUR@021 وقيل للذين اتقوا ما ذا أنزل ربكم قالوا ~~خيرا ، للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ، ولدار الآخرة خير ولنعم دار ~~المتقين ). # (ه) ثم تعود السورة الكريمة مرة أخرى إلى حكاية أقوال المشركين حول ~~مسألتين من أخطر المسائل ، وهما مسألة الهداية والإضلال ، ومسألة البعث بعد ~~الموت بعد أن حكت ما قالوه في شأن القرآن الكريم. # استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى أقوالهم ثم يرد عليها بما يبطلها فيقول ~~: ( @QUR@0103 وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ~~ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء ، كذلك فعل الذين من قبلهم ، فهل على ~~الرسل إلا البلاغ المبين. ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله ~~واجتنبوا الطاغوت ، فمنهم من هدى الله ، ومنهم من حقت عليه الضلالة ، ~~فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين إن تحرص على هداهم فإن ~~الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين ، وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا ~~يبعث الله من يموت ، بلى وعدا ms3319 عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ليبين ~~لهم الذي يختلفون فيه ، وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين ). # (و) ثم تهدد السورة الكريمة أولئك الجاحدين لنعم الله ، الماكرين للسيئات ~~، بأسلوب يستثير النفوس ويبعث الرعب في القلوب ، وتدعوهم إلى التأمل ~~والتفكر في ملكوت السموات والأرض ، لعل هذا التفكر يكون سببا في هدايتهم ، ~~وتخبرهم بأن الله تعالى هو الذي نهاهم عن الشرك ، وهو الذي أمرهم بإخلاص ~~العبادة له. # استمع إلى القرآن وهو يصور هذه المعاني بأسلوبه البديع فيقول : ( ~~@QUR@081 أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض ، أو يأتيهم ~~العذاب من حيث لا يشعرون. أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين. أو يأخذهم ~~على تخوف فإن ربكم لرؤف رحيم. أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ~~ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون. ولله يسجد ما في السماوات ~~وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون. يخافون ربهم من فوقهم ~~ويفعلون ما يؤمرون. وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد ~~فإياي فارهبون ). # (ز) ثم انتقلت السورة إلى سرد أنواع من جهالات المشركين ، ومن سوء ~~تفكيرهم ، PageV08P093 # حتى يزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم ، ويشكروا الله تعالى على توفيقه ~~إياهم إلى الدخول في الإسلام. # لقد ذكرت السورة الكريمة ألوانا متعددة من جهالات الكافرين ، ومن ذلك ~~قوله تعالى : ( @QUR@019 ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم ، تالله ~~لتسئلن عما كنتم تفترون. ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون ). # ( @QUR@017 ويجعلون لله ما يكرهون ، وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا ~~جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون ). # (ح) هكذا تصور سورة النحل ما كان عليه المشركون من غباء وغفلة وسوء تفكير ~~، ثم تعود سورة النعم مرة أخرى إلى الحديث عن نعم الله تعالى على عباده ، ~~فتتحدث عن نعمة الكتاب ، وعن نعمة الماء ، وعن نعمة الأنعام ، وعن نعمة ~~الثمار والفواكه ، وعن نعمة العسل المتخذ من بطون النحل وعن نعمة التفاضل ~~في الأرزاق ، وعن نعمة الأزواج والبنين والحفدة. # قال تعالى : ( @QUR@047 وما أنزلنا عليك الكتاب ms3320 إلا لتبين لهم الذي ~~اختلفوا فيه ، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون. والله أنزل من السماء ماء فأحيا به ~~الأرض بعد موتها ، إن في ذلك لآية لقوم يسمعون. وإن لكم في الأنعام لعبرة ، ~~نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ). # إلى أن يقول سبحانه : ( @QUR@021 والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا ، وجعل ~~لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات ، أفبالباطل يؤمنون وبنعمت ~~الله هم يكفرون ). # (ط) ثم تسوق السورة الكريمة مثلين مشتملين على الفرق الشاسع ، بين المؤمن ~~والكافر ، وبين الإله الحق والآلهة الباطلة ، فتقول : ( @QUR@056 ضرب الله ~~مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ، ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه ~~سرا وجهرا ، هل يستوون؟ الحمد لله ، بل أكثرهم لا يعلمون. وضرب الله مثلا ~~رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء ، وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت ~~بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ). # (ى) وبعد إيراد هذين المثلين البليغين ، تعود سورة النعم إلى الحديث عن ~~أنواع أخرى من نعم الله على خلقه ، لكي يشكروه عليها ، ويستعملوها فيما ~~خلقت له فتتحدث عن نعمة إخراج الإنسان من بطن أمه ، وعن نعمة البيوت التي ~~هي محل سكن الإنسان ، وعن نعمة الظلال ، وعن نعمة الجبال ، وعن نعمة ~~الثياب. PageV08P094 # قال تعالى : ( @QUR@015 والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ~~وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ). ( @QUR@050 والله جعل ~~لكم من بيوتكم سكنا ، وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ~~ويوم إقامتكم ، ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها ، أثاثا ومتاعا إلى حين. ~~والله جعل لكم مما خلق ظلالا ، وجعل لكم من الجبال أكنانا ، وجعل لكم ~~سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم ، كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم ~~تسلمون ). # (ك) ثم بعد أن تصور السورة الكريمة أحوال المشركين يوم القيامة عند ما ~~يرون العذاب ، وتحكى ما يقولون عند ما يرون شركاءهم ، وتقرر أن الله يبعث ~~في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وأن الرسول صلى الله عليه وسلم ms3321 سيكون شهيدا ~~على من بعث إليهم. # بعد كل ذلك تسوق السورة الكريمة عددا من الآيات الآمرة بمكارم الأخلاق ~~والناهية عن منكراتها فتقول : ( @QUR@036 إن الله يأمر بالعدل والإحسان ~~وإيتاء ذي القربى ، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ، يعظكم لعلكم تذكرون. ~~وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ، وقد جعلتم ~~الله عليكم كفيلا ، إن الله يعلم ما تفعلون ). # (ل) وبعد هذه التوجيهات السامية المشتملة على الترغيب والترهيب ، وعلى ~~الأوامر والنواهي. تتحدث آيات السورة عن آداب تلاوة القرآن وعن الشبهات ~~التي أثارها المشركون حوله مع الرد عليها بما يدحضها ، وعن حكم من تلفظ ~~بكلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان ، فتقول : ( @QUR@08 فإذا قرأت القرآن ~~فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ). # ثم تقول : ( @QUR@016 ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر ، لسان الذي ~~يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ). # ثم تقول : ( @QUR@024 من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه ~~مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ). # (م) ثم تعود السورة الكريمة لضرب الأمثال ، فتسوق مثلا لكل قوم أنعم الله ~~عليهم بالنعم فلم يقابلوها بالشكر ، فانتقم الله تعالى منهم. كما تسوق ~~جانبا من حياة سيدنا إبراهيم كمثال للشاكرين الذين استعملوا نعم الله فيما ~~خلقت له. # استمع إلى قوله تعالى : ( @QUR@024 وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ~~يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ، فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع ~~والخوف بما كانوا يصنعون ). # ثم إلى قوله تعالى : ( @QUR@011 إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم ~~يك من المشركين PageV08P095 # @QUR@028 شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم. وآتيناه في الدنيا ~~حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين. ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم ~~حنيفا وما كان من المشركين ). # (ن) وأخيرا تختتم السورة الكريمة بتلك الآيات الجامعة لأحكم الأساليب ~~وأكملها وأجملها وأ نجمعها في الدعوة إلى الله تعالى وفي معاملة الناس ~~فتقول : ( @QUR@056 ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم ~~بالتي هي أحسن ، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن ms3322 سبيله وهو أعلم بالمهتدين. وإن ~~عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين. واصبر ~~وما صبرك إلا بالله ، ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون. إن الله مع ~~الذين اتقوا والذين هم محسنون ). # 6 وبعد ، فهذا عرض إجمالى لأهم المقاصد التي اشتملت عليها السورة الكريمة ~~، ومنه نرى : # (أ) عنايتها الفائقة بإقامة الأدلة على وحدانية الله تعالى وعلى صدق ~~رسوله محمد صلى الله عليه وسلم في دعوته ، وعلى أن يوم القيامة حق ، وعلى أن ~~القرآن من عند الله عز وجل . # (ب) كما نرى تفصيلها القول في بيان آلاء الله تعالى على خلقه ، وقد سبحت ~~السورة في هذا الجانب سبحا عظيما ، فذكرت الإنسان بنعمة خلقه ، وبنعمة ~~تسخير الأنعام والشمس ، والقمر ، والنجوم ، والماء ، والجبال ، والأشجار .. ~~كل ذلك وغيره لمنفعته ومصلحته. # (ج) كما نلمس اهتمامها بضرب الأمثال للمؤمن والكافر ، والشاكر والجاحد ~~والإله الحق والآلهة الباطلة .. وذلك لأن في ضرب الأمثال تقريبا للبعيد ~~وتوضيحا للخفى ، بأسلوب من شأنه أن يكون أوقع في القلوب ، وأثبت في النفوس ~~وأدعى إلى التدبر والتفكر. # (د) كما ندرك حرصها على إيراد أقوال المشركين وشبههم! ثم الرد عليها ~~بطريقة تقنع العقول ، وترضى العواطف ، بأن الإسلام هو الدين الحق ، وبذلك ~~يزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم. # (ه) كما نحس عند قراءتها بعنايتها بتوجيه المؤمنين إلى مكارم الأخلاق ، ~~وأمهات الفضائل ، كالعدل ، والإحسان ، وإيتاء ذي القربى ، والوفاء ، والصبر ~~، والشكر ... وبنهيهم عن الرذائل كالغدر والجحود ، ونقض العهود ، ~~والاستكبار ، والظلم. # وأخيرا فإن المتأمل في هذه السورة أيضا يراها حافلة بأسلوب الترغيب ~~والترهيب ، والتبشير والإنذار ، والوعد والوعيد. PageV08P096 # الوعيد للكافرين بسوء المصير إذا ما لجوا في ضلالهم وطغيانهم كما في قوله ~~تعالى : ( @QUR@013 الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق ~~العذاب بما كانوا يفسدون ). # والوعد للمؤمنين بالحياة الطيبة في الدارين ، كما في قوله تعالى : ( ~~@QUR@018 من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ~~ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ). # والآن فلنبدأ في التفسير التحليلى لسورة النعم ، ونسأل الله تعالى أن ms3323 ~~يرزقنا التوفيق والسداد. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV08P097 ### ||| * (التفسير) ### ||| ** قال تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@09 أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون (1) ~~@QUR@018 ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه ~~لا إله إلا أنا فاتقون (2) @QUR@07 خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما ~~يشركون (3) @QUR@08 خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين (4) @QUR@08 ~~والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون (5) @QUR@07 ولكم فيها ~~جمال حين تريحون وحين تسرحون (6) @QUR@014 وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا ~~بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤف رحيم (7) @QUR@09 والخيل والبغال ~~والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون (8) @QUR@010 وعلى الله قصد ~~السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين ) (9) PageV08P099 # افتتحت السورة الكريمة ، بتهديد الكافرين الذين كانوا ينكرون البعث ، وما ~~يترتب عليه من ثواب أو عقاب ، ويستبعدون نصر الله تعالى لأوليائه ، فقال ~~تعالى : ( @QUR@05 أتى أمر الله فلا تستعجلوه ) والفعل «أتى» هنا ، بمعنى ~~قرب ودنا بدليل «فلا تستعجلوه» ، لأن المنهي عن الاستعجال يقتضى أن الأمر ~~الذي استعجل حصوله لم يحدث بعد. # والمراد بأمر الله : ما اقتضته سنته وحكمته سبحانه من إثابة المؤمنين ~~ونصرهم ، وتعذيب الكافرين ودحرهم. # والفاء في قوله «فلا تستعجلوه» للتفريع. والاستعجال : طلب حصول الشيء قبل ~~وقته. والضمير المنصوب في «تستعجلوه» يعود على «أمر الله» ، لأنه هو ~~المتحدث عنه ، أو على «الله» تعالى ، فلا تستعجلوا الله فيما قضاه وقدره. # والمعنى : قرب ودنا مجيء أمر الله تعالى وهو إكرام المؤمنين بالنصر ~~والثواب ، وإهانة الكافرين بالخسران والعقاب ، فلا تستعجلوا أيها المشركون ~~هذا الأمر ، فإنه آت لا ريب فيه ، ولكن في الوقت الذي يحدده الله تعالى ~~ويشاؤه. # وعبر عن قرب إتيان أمر الله تعالى بالفعل الماضي «أتى» للإشعار بتحقق هذا ~~الإتيان ، وللتنويه بصدق المخبر به ، حتى لكأن ما هو واقع عن قريب ، قد صار ~~في حكم الواقع فعلا. وفي إبهام أمر الله ، إشارة إلى تهويله وتعظيمه ، ~~لإضافته إلى من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. # قوله «فلا تستعجلوه» زيادة في الإنذار والتهديد ms3324 ، أى : فلا جدوى من ~~استعجالكم ، فإنه نازل بكم سواء استعجلتم أم لم تستعجلوا. # والظاهر أن الخطاب هنا للمشركين ، لأنهم هم الذين كانوا يستعجلون قيام ~~الساعة ، ويستعجلون نزول العذاب بهم ، وقد حكى القرآن عنهم ذلك في آيات : # منها قوله تعالى : ( @QUR@022 يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ، والذين ~~آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ، ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ~~ضلال بعيد ) (1). # ومنها قوله سبحانه : ( @QUR@014 ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده. ~~وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ) (2). PageV08P100 # وقال بعض العلماء : و «يجوز أن يكون الخطاب هنا شاملا للمؤمنين ، لأن عذاب ~~الله تعالى وإن كان الكافرون يستعجلونه ، تهكما به ، لظنهم أنه غير آت ، ~~فإن المؤمنين يضمرون في نفوسهم استبطاءه ، ويحبون تعجيله للكافرين» (1). # وقوله : «سبحانه وتعالى عما يشركون» جملة مستأنفة ، قصد بها إبطال ~~إشراكهم ، وزيادة توبيخهم وتهديدهم : # أى : تنزه الله تعالى وتعاظم بذاته وصفاته ، عن إشراك المشركين ، المؤدى ~~بهم إلى الأقوال الفاسدة ، والأفعال السيئة ، والعاقبة الوخيمة. والعذاب ~~المهين. وقوله : «يشركون» : قراءة الجمهور ، وفيها التفات من الخطاب في ~~قوله «فلا تستعجلوه» إلى الغيبة ، تحقيرا لشأن المشركين ، وحطا من درجتهم ~~عن رتبة الخطاب ، وحكاية لشنائعهم التي يتبرأ منها العقلاء. # وقرأ حمزة والكسائي «تشركون» تبعا لقوله تعالى ( @QUR@02 فلا تستعجلوه ) ~~وعلى قراءتهما لا التفات في الآية. # ثم بين سبحانه لونا من ألوان قدرته ، ورحمته بعباده ، حيث أرسل إليهم ~~الرسل مبشرين ومنذرين ، فقال تعالى : ( @QUR@010 ينزل الملائكة بالروح من ~~أمره على من يشاء من عباده ... ) # والمراد بالملائكة هنا : جبريل عليه السلام ومن معه من حفظة الوحى. أو ~~المراد بهم جبريل خاصة ، ولا مانع من ذلك ، لأن الواحد قد يسمى باسم الجمع ~~إذا كان رئيسا عظيما. # والمراد بالروح : كلام الله تعالى ووحيه الذي ينزل به جبريل ، ليبلغه إلى ~~من أمره الله بتبليغه إياه. # وقد جاء ذكر الروح بمعنى الوحى في آيات منها قوله تعالى : ( @QUR@022 ~~وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ، ولكن ~~جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ... ) (2). # والمعنى : ينزل ms3325 سبحانه الملائكة بكلامه ووحيه ، على من يشاء إنزالهم إليه ~~من عباده المصطفين الأخبار. PageV08P101 # وأطلق سبحانه على وحيه اسم الروح ، على سبيل التشبيه ، ووجه الشبه : أن ~~بسببهما تكون الحياة الحقة. # فكما أن بالروح تحيا الأبدان والأجساد ، فكذلك بالوحي تحيا القلوب ~~والنفوس وتؤدى رسالتها في هذه الحياة. # وفي قوله سبحانه : «من أمره» إشارة إلى أن نزول الملائكة بالوحي ، لا ~~يكون إلا بسبب أمر الله لهم بذلك ، كما قال تعالى حكاية عنهم : ( @QUR@018 ~~وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك ، وما كان ~~ربك نسيا ) (1). # وقوله : «على من يشاء من عباده» رد على مطالب المشركين المتعنتة ، والتي ~~من بينها ما حكاه الله تعالى عنهم في قوله : ( @QUR@011 وقالوا لو لا نزل ~~هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ... ) (2). # فالآية الكريمة تبين أن نزول الملائكة بالوحي ، إنما هو على من يختاره ~~الله تعالى لنزول الوحى عليه ، لا على من يختارونه هم ، وأن النبوة هبة من ~~الله تعالى لمن يصطفيه من عباده. قال تعالى : ( @QUR@05 الله أعلم حيث يجعل ~~رسالته ) (3). # وقوله : «أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاعبدون» بيان للمقصود من نزول ~~الملائكة بالوحي على الأنبياء. # أى : أنزل سبحانه ملائكته بوحيه على أنبيائه ، لكي ينذر هؤلاء الأنبياء ~~الناس ، ويخوفوهم من سوء عاقبة الإشراك بالله ، ويدعوهم إلى أن يخلصوا ~~العبادة لله تعالى وحده ، ويبينوا لهم أن الألوهية لا يصح أن تكون لغيره ~~سبحانه . # قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله : ( @QUR@02 أن أنذروا ) بدل من «الروح» ~~على أن «أن» هي التي من شأنها أن تنصب المضارع ، وصلت بالأمر كما وصلت به ~~في قولهم : كتبت إليه بأن قم. # وجوز بعضهم كون «أن» هنا مفسرة ، فلا موضع لها من الإعراب ، وذلك لما في «ينزل PageV08P102 # الملائكة بالوحي ، من معنى القول ، كأنه قيل : يقول سبحانه بواسطة ~~الملائكة لمن يشاء من عباده أن أنذروا ...» (1). # واقتصر هنا على الإنذار الذي هو بمعنى التخويف ، لأن الحديث مع المشركين ~~، الذين استعجلوا العذاب ، واتخذوا مع الله تعالى آلهة أخرى. # والفاء في قوله «فاتقون» فصيجة ms3326 : أى ، إذا كان الأمر كذلك ، من أن ~~الألوهية لا تكون لغير الله ، فعليكم أن تتقوا عقوبتي لمن خالف أمرى ، وعبد غيرى. # قال الجمل : «وفي قوله «فاتقون» تنبيه على الأحكام الفرعية بعد التنبيه ~~على الأحكام العلمية بقوله ، «أنه لا إله إلا أنا» ، فقد جمعت الآية بين ~~الأحكام الأصلية والفرعية» (2). # وبعد أن بين سبحانه أنه منزه عن أن يكون له شريك ، وأنه قد أنزل الملائكة ~~بوحيه على من يشاء من عباده ، وأنه لا إله يستحق العبادة سواه. # بعد كل ذلك ، بين الأدلة الدالة على قدرته ووحدانيته ، بأسلوب بديع ، جمع ~~فيه بين دلالة المخلوق على الخالق ، ودلالة النعمة على منعمها ، ووبخ ~~المشركين على شركهم ، تارة عن طريق خلقه وحده سبحانه للسموات والأرض ، ~~وتارة عن طريق خلقه للإنسان ، وتارة عن طريق خلقه للحيوان وللنبات ، ولغير ~~ذلك من المخلوقات التي لا تحصى. # قال تعالى : ( @QUR@07 خلق السماوات والأرض بالحق ، تعالى عما يشركون ). # والباء في قوله «بالحق» للملابسة. والحق : ضد الباطل ، وهو هنا بمعنى ~~الحكمة والجد الذي لا هزل فيه ولا عبث معه ، كما قال تعالى : ( @QUR@011 ~~وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين. ما خلقناهما إلا بالحق ... ) (3). # أى : خلق سبحانه بقدرته النافذة السموات وما أظلت ، والأرض وما أقلت ، ~~خلقا ملتبسا بالحكمة الحكيمة ، وبالجدية التي لا يحوم حولها لهو أو عبث. # وقوله : «تعالى عما يشركون» تنزيه وتقدير لذاته وصفاته ، عما قاله ~~المشركون في شأنه عز وجل من أن له ولدا أو شريكا. # قال تعالى : ( @QUR@015 ما اتخذ الله من ولد ، وما كان معه من إله ، إذا ~~لذهب كل إله بما PageV08P103 # @QUR@09 خلق ، ولعلا بعضهم على بعض ، سبحان الله عما يصفون ) (1). # وقد صدر سبحانه هذه الأدلة الدالة على وحدانيته وقدرته ، بخلق السموات ~~والأرض ، لأن خلقهما أعظم من خلق غيرهما ، ولأنهما حاويتان لما لا يحصى من ~~مخلوقاته سبحانه . # قال تعالى : ( @QUR@012 لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ، ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون ) (2). # ثم ساق سبحانه دليلا آخر على انفراده بالألوهية عن طريق خلق الإنسان فقال ~~: ( @QUR@08 خلق الإنسان من نطفة ، فإذا هو خصيم ms3327 مبين ). # والمراد بالإنسان هنا جنس الإنسان. # وأصل النطفة : الماء الصافي. أو الماء القليل الذي يبقى في الدلو أو ~~القربة ، وجمعها : نطف ونطاف. يقال : نطفت القربة إذا قطرت ، أى سال منها ~~الماء وتقاطر. # والمراد بالنطفة هنا : المنى الذي هو مادة التلقيح من الرجل للمرأة. # والخصيم : الكثير الخصام لغيره ، فهو صيغة مبالغة. يقال : خصم الرجل يخصم ~~من باب تعب إذا أحكم الخصومة ، فهو خصم وخصيم. # والمبين. المظهر للحجة ، المفصح عما يريده بألوان من طريق البيان. # أى : خلق سبحانه الإنسان. من منى يمنى ، أو من ماء مهين خلقا عجيبا في ~~أطوار مختلفة ، لا يجهلها عاقل ، ثم أخرجه بقدرته من بطن أمه إلى ضياء ~~الدنيا ، ثم رعاه برعايته ولطفه إلى أن استقل وعقل. # حتى إذا ما وصل هذا الإنسان إلى تلك المرحلة التي يجب معها الشكر لله ~~تعالى الذي رباه ورعاه ، إذا به ينسى خالقه ، ويجحد نعمه ، وينكر شريعته ، ~~ويكذب رسله ويخاصم ويجادل بلسان فصيح من بعثه الله تعالى لهدايته وإرشاده ، ~~ويقول كما حكى القرآن عنه : ( @QUR@05 من يحي العظام وهي رميم .. ). # وإذا في قوله سبحانه ( @QUR@04 فإذا هو خصيم مبين ). هي التي تسمى بإذا ~~الفجائية التي يؤتى بها لمعنى ترتب الشيء ، على غير ما يظن أن يترتب عليه. PageV08P104 # وجيء بها هنا لزيادة التعجيب من حال الإنسان ، لأنه كان المنتظر منه بعد ~~أن خلقه الله تعالى بقدرته ، ورباه برحمته ورعايته ، أن يشكر خالقه على ذلك ~~، وأن يخلص العبادة له ، لكنه لم يفعل ما كان منتظرا منه ، بل فعل ما يناقض ~~ذلك من الإشراك والمجادلة في أمر البعث وغيره. # وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله تعالى : ( @QUR@014 ولقد صرفنا في هذا ~~القرآن للناس من كل مثل ، وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@014 ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم ، ~~وكان الكافر على ربه ظهيرا ) (2). # وبعد أن بين سبحانه ما يدل على وحدانيته وقدرته عن طريق خلقه للسموات ~~وللأرض وللإنسان ، أتبع ذلك ببيان أدلة وحدانيته وقدرته عن طريق خلق ~~الحيوان فقال تعالى : ( @QUR@08 والأنعام خلقها ، لكم فيها دفء ms3328 ، ومنافع ، ~~ومنها تأكلون ). # والأنعام : جمع نعم ، وهي الإبل والبقر والغنم ، وقد تطلق على الإبل خاصة ،. # وانتصب الأنعام عطفا على الإنسان في قوله : ( @QUR@04 خلق الإنسان من ~~نطفة )، أو هو منصوب بفعل مقدر يفسره المذكور بعده. أى : وخلق الأنعام خلقها. # والدفء : السخونة. ويقابله شدة البرد ، يقال : دفئ الرجل من باب طرب فهو ~~دفأ كتعب ودفآن ، إذا لبس ما يدفئه ، ويبعد عنه البرد. # والمراد بالدفء هنا : ما يتخذ من أصواف الأنعام وأوبارها وأشعارها لهذا الغرض. # وعطف «منافع» على «دفء» من باب عطف العام على الخاص ، إذ المنافع تشمل ما ~~يستدفأ به منها وغيره. # وخص الدفء بالذكر من عموم المنافع ، للعناية به وللتنويه بأهميته في حياة الناس. # أى : ومن مظاهر نعم الله تعالى عليكم أيها الناس ، أن الله تعالى خلق ~~الأنعام ، وجعل لكم فيها ما تستدفئون به ، من الثياب المأخوذة من أصوافها ~~وأوبارها وأشعارها ، فتقيكم برودة الجو وجعل لكم فيها منافع متعددة ، حيث ~~تتخذون من ألبانها شرابا سائغا للشاربين ، ومن لحومها أكلا نافعا للآكلين. PageV08P105 # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@015 وإن لكم في الأنعام لعبرة ، ~~نسقيكم مما في بطونها ، ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون ) بيان ~~لنوع آخر من أنواع منافع الحيوان للإنسان. # قال أبو حيان في البحر ؛ والجمال مصدر جمل بضم الميم ، يقال رجل جميل ~~وامرأة جميلة وجملاء ، قال الشاعر : # فهي جملاء كبدر طالع %~% بذت الخلق جميعا بالجمال # والجمال يكون في الصورة بحسن التركيب ، بحيث يدركه البصر فتتعلق به النفس. # ويكون في الأخلاق ، باشتمالها على الصفات المحمودة ، كالعلم والعفة ~~والحلم. # ويكون في الأفعال ، بوجودها ملائمة لمصالح الخلق. وجلب المنفعة لهم وصرف ~~الشر عنهم ..» (2). # وجمال الأنعام من النوع الأول ، ومن جمالها أيضا كثرتها ودلالتها على أن ~~صاحبها من أهل السعة واليسار. # وقوله «تريحون» من الإراحة ، يقال : أراح فلان ماشيته إراحة ، إذا ردها ~~إلى المراح ، وهو منزلها الذي تأوى إليه ، وتبيت فيه. # و «تسرحون» من السروح ، وهو الخروج بها غدوة من حظائرها إلى مسارحها ~~ومراعيها. # يقال : سرحت ms3329 الماشية أسرحها سرحا وسروحا ، إذا أخرجتها إلى المرعى. # ومفعول الفعلين «تريحون وتسرحون» محذوف للعلم به. # والمعنى : ولكم أيها الناس في هذه الأنعام جمال وزينة ، حين تردونها ~~بالعشي من مسارحها إلى معاطنها التي تأوى إليها ، وحين تخرجونها بالغداة من ~~معاطنها إلى مسارحها ومراعيها. # وخص سبحانه هذين الوقتين بالذكر ، لأنهما الوقتان اللذان تتراءى الأنعام ~~فيهما ، وتتجاوب أصواتها ذهابا وجيئة ، ويعظم أصحابها في أعين الناظرين إليها. PageV08P106 # وقدم سبحانه الإراحة على التسريح ، لأن الجمال عند الإراحة أقوى وأبهج ، ~~حيث تقبل من مسارحها وقد امتلأت بطونها ، وحفلت ضروعها ، وازدانت مشيتها. # وقال سبحانه : ( @QUR@04 حين تريحون وحين تسرحون ). بالفعل المضارع ، ~~لإفادة التجديد والتكرار ، وفي ذلك ما يزيد السرور بها ، ويحمل على شكر ~~الله تعالى على وافر نعمه. # قال صاحب الكشاف : «من الله بالتجمل بها ، كما من بالانتفاع بها لأنه من ~~أغراض أصحاب المواشي. بل هو من معاظمها ؛ لأن الرعيان إذا روحوها بالعشي ، ~~وسرحوها بالغداة فزينت إراحتها وتسريحها الأفنية وتجاوب فيها الثغاء ~~والرغاء ، آنست أهلها ، وفرحت أربابها. وأجلتهم في عيون الناظرين إليها ، ~~وأكسبتهم الجاه والحرمة عند الناس. # فإن قلت : لم قدمت الإراحة على التسريح مع تأخر الإراحة في الوجود؟. # قلت : لأن الجمال في الإراحة أظهر ، إذا أقبلت ملأى البطون ، حافلة ~~الضروع ، ثم أوت إلى الحظائر حاضرة لأهلها» (1). # ثم بين سبحانه منفعة ثالثة من منافع الأنعام ، التي سخرها الله تعالى ~~للإنسان فقال : ( @QUR@014 وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق ~~الأنفس إن ربكم لرؤف رحيم ). # والضمير في قوله «وتحمل» يعود إلى الإبل خاصة ، لأنها هي التي يحمل عليها. # والأثقال : جمع ثقل. وهو ما يثقل الإنسان حمله من متاع وغيره. # والمراد بالبلد جنسه ولأن الارتحال قد يكون إلى الشام أو إلى اليمن أو ~~إلى غيرهما. # والشق بالكسر المشقة : ومن كل شيء نصفه ، والباء للملابسة. أى : إلا ~~بمشقة شديدة ، كأن نفوسكم قد ذهب نصفها خلال تلك الرحلة الطويلة الشاقة ~~التي لم تستخدموا فيها الأنعام. # قال القرطبي : وشق الأنفس : مشقتها وغاية جهدها. وقراءة العامة بكسر الشين. # قال المهدوى : وكسر الشين وفتحها ms3330 في «شق» متقاربان. وهما بمعنى المشقة. # وقرأ أبو جعفر «إلا بشق الأنفس» بفتح الشين وهما لغتان مثل رق ورق. # والشق أيضا بالكسر النصف. وقد يكون المراد من الآية هذا المعنى. أى : لم PageV08P107 # تكونوا بالغيه إلا بنقص من القوة وذهاب شق منها ...» (1). # والمعنى : ومن فوائد هذه الأنعام أيضا أنها تحمل أمتعتكم وأثقالكم من بلد ~~إلى بلد آخر بعيد ، هذا البلد الآخر البعيد. لم تكونوا واصلين إليه بدونها ~~، إلا بعد تعب شديد ، وجهد مضن ، وكلفة يذهب معها نصف قوتكم. # والتنكير في «بلد» لإفادة معنى البعد ، لأن بلوغ المسافر إليه بمشقة ، هو ~~من شأن البلد البعيد ، الذي يصعب الوصول إليه بدون راحلة. # وجملة «لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس» التي هي صفة لبلد ، تشير إلى ~~هذا المعنى. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@021 الله الذي جعل لكم الأنعام ~~لتركبوا منها ومنها تأكلون. ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم ~~وعليها وعلى الفلك تحملون ) (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@018 أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا ~~أنعاما فهم لها مالكون. وذللناها لهم ، فمنها ركوبهم ومنها يأكلون ) (3). # وجملة «إن ربكم لرءوف رحيم» تعليل لخلقه سبحانه الأنعام لخدمة الإنسان. # أى : خلق لكم هذه الأنعام ؛ لأنه رءوف رحيم بكم ، حيث لم يترككم تحملون ~~أثقالكم بأنفسكم ، وتقطعون المسافات الطويلة على أرجلكم ، بل أوجد هذه ~~الأنعام لمنافعكم ومصالحكم. ثم ذكر سبحانه أنواعا أخرى من الحيوان المنتفع ~~به ، فقال تعالى : ( @QUR@09 والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ، ~~ويخلق ما لا تعلمون ). # قال الجمل : «الخيل اسم جنس لا واحد له من لفظه ، بل من معناه وهو فرس. ~~وسميت خيلا لاختيالها في مشيها. والبغال جمع بغل : وهو المتولد بين الخيل ~~والحمير ..» (4). # واللام في قوله «لتركبوها» للتعليل. # ولفظ «وزينة» مفعول لأجله ، معطوف على محل «لتركبوها». # والزينة : اسم لما يتزين به الإنسان. # قال القرطبي : «هذا الجمال والتزيين وإن كان من متاع الدنيا ، إلا أن ~~الله تعالى أذن به PageV08P108 # لعباده ، ففي الحديث الشريف : «الإبل عز لأهلها ، والغنم بركة ، والخيل ~~في نواصيها الخير» خرجه البرقاني وابن ماجة في السنن ...» (1). # والمعنى ms3331 : ومن مظاهر فضله عليكم ، ورحمته بكم ، أنه خلق لمنفعتكم أيضا ~~الخيل والبغال والحمير ، لتركبوها في غزوكم وتنقلاتكم ، ولتكون زينة لكم في ~~أفراحكم ومسراتكم. # وأتى سبحانه باللام في «لتركبوها» دون ما بعدها ، للإشارة إلى أن الركوب ~~هو المقصود الأصلى بالنسبة لهذه الدواب ، أما التزين بها فهو أمر تابع ~~للركوب ومتفرع منه. # قال صاحب الظلال : وفي الخيل والبغال والحمير ، تلبية للضرورة في الركوب ~~، وتلبية لحاسة الجمال في الزينة. # وهذه اللفتة لها قيمتها في بيان نظرة القرآن ونظرة الإسلام للحياة ، ~~فالجمال المتمثل في الزينة عنصر له قيمة في هذه النظرة ، وليست النعمة هي ~~مجرد تلبية الضرورات من طعام وشراب وركوب ، بل تلبية الأشواق الزائدة عن ~~الضرورات. تلبية حاسة الجمال ووجدان الفرح والشعور الإنسانى المرتفع على ~~ميل الحيوان ، وحاجة الحيوان» (2). # وقال بعض العلماء : وقد استدل بهذه الآية ، القائلون بتحريم لحوم الخيل ~~قائلين بأن التعليل بالركوب والزينة يدل على أنها مخلوقة لهذه المصلحة دون غيرها. # وأجاب المجوزون لأكلها ، بأن ذكر ما هو الأغلب من منافعها وهو الركوب ~~والزينة لا ينافي غيره. # وقد ورد في حل أكل لحوم الخيل أحاديث منها ما في الصحيحين وغيرهما ، من ~~حديث أسماء قالت نحرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا فأكلناه. # وثبت أيضا في الصحيحين من حديث جابر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن لحوم الحمر الأهلية ، وأذن في الخيل (3). # وقد بسط الإمام القرطبي القول في هذه المسألة ، ورجح حل أكل لحوم الخيل ، ~~وساق الأدلة والأحاديث في ذلك ثم قال : «وكل تأويل من غير ترجيح في مقابلة ~~النص ، فإنما هو دعوى ، لا يلتفت إليه ، ولا يعرج عليه ، (4). PageV08P109 # ويعجبني في هذا المقام قول الإمام البغوي : ليس المراد من الآية بيان ~~التحليل والتحريم ، بل المراد منها تعريف الله عباده نعمه ، وتنبيههم على ~~كمال قدرته وحكمته ، والدليل الصحيح المعتمد عليه في إباحة لحوم الخيل أن ~~السنة مبينة للكتاب. # ولما كان نص الآية يقتضى أن الخيل والبغال والحمير مخلوقة للركوب والزينة ~~، وكان الأكل مسكوتا عنه ، ودار الأمر فيه ms3332 على الإباحة والتحريم ، وردت ~~السنة النبوية بإباحة لحوم الخيل ، وبتحريم لحوم البغال والحمير فوجب الأخذ ~~بما جاء في السنة التي هي بيان للكتاب (1). # هذا وقد ختم سبحانه الآية الكريمة بما يدل على عظيم قدرته ، وسعة علمه ، ~~فقال ( @QUR@04 ويخلق ما لا تعلمون ). # أى : ويخلق سبحانه في الحال والاستقبال ، مالا تعلمونه أيها الناس من ~~أنواع المخلوقات المختلفة سوى هذه الدواب ، كالسفن التي تمخر عباب الماء ، ~~والطائرات التي تشق أجواز الفضاء ، والسيارات التي تنهب الأرض نهبا لسرعتها ~~، وغير ذلك من أنواع المخلوقات التي لا يعلمها سواه سبحانه والتي أوجدها ~~لمنفعتكم ومصلحتكم. # وهذه الجملة الكريمة تدل على أن القرآن من عند الله تعالى فقد أوجد ~~سبحانه العقول البشرية ، التي ألهمها صنع الكثير من المخترعات النافعة في ~~البر وفي البحر وفي الجو ، والتي لم يكن للناس معرفة بها عند نزول القرآن ~~الكريم. # وتشير أيضا إلى مزيد فضل الله تعالى على الناس ، حيث أخبرهم بأنه سيخلق ~~لهم في مستقبل الأيام من وسائل الركوب وغيرها ، ما فيه منفعة لهم ، سوى هذه ~~الدواب التي ذكرها. # فعليهم أن يستعملوا هذه الوسائل في طاعة الله تعالى لا في معصيته وعليهم ~~أن يتقبلوا هذه الوسائل ، وأن يفتحوا عقولهم لكل ما هو نافع. # ورحم الله صاحب الظلال ، فقد قال عند تفسيره الآية ما ملخصه : يعقب الله ~~تعالى على خلق الأنعام والخيل والبغال والحمير بقوله ( @QUR@04 ويخلق ما لا ~~تعلمون ) ليظل المجال مفتوحا في التصور البشرى ، لتقبل أنماط جديدة من ~~أدوات الحمل والركوب والزينة. PageV08P110 # وحتى لا يقول بعض الناس : إنما استخدم آباؤنا الأنعام والخيل والبغال ~~والحمير ، فلا نستخدم سواها ، وإنما نص القرآن على هذه الأصناف فلا نستخدم ~~ما عداها. # ولقد جدت وسائل للحمل والنقل والركوب والزينة ، لم يكن يعلمها أهل ذلك ~~الزمان ، وستجد وسائل أخرى لا يعلمها أهل هذا الزمان : والقرآن يهيئ لها ~~القلوب والأذهان ، بلا جمود ولا تحجر ، «ويخلق مالا تعلمون» (1). # وبعد أن بين سبحانه دلائل وحدانيته وقدرته ، عن طريق خلق السموات والأرض ~~والإنسان والدواب .. أتبع ذلك ببيان أنه عز وجل كفيل بالإرشاد ms3333 إلى الطريق ~~المستقيم لمن يتجه إليه فقال تعالى : ( @QUR@010 وعلى الله قصد السبيل ، ~~ومنها جائر ، ولو شاء لهداكم أجمعين ). # والقصد : الاستقامة. والسبيل : الطريق والقصد منه : هو المستقيم الذي لا ~~اعوجاج فيه. يقال : سبيل قصد وقاصد ، أى : مستقيم. قال الشاعر : # ومن الطريقة جائر وهدى %~% قصد السبيل ، ومنه ذو دخل # قال الجمل ما ملخصه : «وعلى الله» أى : تفضلا «قصد السبيل» على تقدير ~~مضاف ، أى : وعلى الله بيان قصد السبيل. وهو بيان طريق الهدى من الضلالة ، ~~وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف ، والقصد مصدر يوصف به. يقال : سبيل قصد ~~وقاصد أى : مستقيم ، كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه. ~~والمراد بالسبيل : جنسه ..» (2). # والضمير في قوله «ومنها جائر» يعود إلى السبيل. والجائر : المائل عن ~~الاستقامة ، المنحرف عن الجادة وهو صفة لموصوف محذوف. أى : ومنها سبيل جائر. # أى : وعلى الله تعالى وحده ، تفضلا منه وكرما ، بيان الطريق المستقيم وهو ~~طريق الحق ، الذي يوصل من سلكه إلى السعادة في الدنيا والآخرة. # وهذا الطريق الحق : هو الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم . # ومن الطريق ما هو حائد عن الاستقامة ، وهو كل طريق يخالف ما جاء به خاتم ~~الرسل ، صلى الله عليه وسلم من عقائد وشرائع وآداب. PageV08P111 # قال تعالى : ( @QUR@012 وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ، ولا تتبعوا ~~السبل فتفرق بكم عن سبيله .. ) (1). # فالمراد بالطريق القصد : الطريق الموصل إلى الإسلام ، والمراد بالطريق ~~الجائر : الطريق الموصل إلى غيره من ملل الكفر والضلال. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة ، ببيان أن الهداية والإضلال بقدرته ومشيئته ~~، فقال تعالى : ( @QUR@04 ولو شاء لهداكم أجمعين ). # أى : ولو شاء سبحانه هدايتكم أيها الناس إلى الطريق المستقيم ، لهداكم ~~جميعا ، ولكنه عز وجل لم يشأ ذلك ، بل اقتضت حكمته أن يخلق الناس ، مستعدين ~~للهدى والضلال ، وأن يترك لهم اختيار أحد الطريقين فكان منهم من استحب ~~العمى على الهدى ، وكان منهم من سلك الطريق المستقيم. وسيجازى سبحانه الذين ~~أساءوا بما عملوا ، وسيجازى الذين أحسنوا بالحسنى. # قال تعالى : ( @QUR@017 إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه ~~سميعا بصيرا. إنا ms3334 هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا ) (2). # وقال سبحانه : ( @QUR@09 ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا .. ) (3). # وبعد أن بين سبحانه جانبا من مظاهر فضله على عباده عن طريق خلق الأنعام ~~وغيرها من البهائم ، التي لهم فيها منافع ، أتبع ذلك ببيان نعمه عليهم في ~~إنزال المطر ، فقال تعالى : # ( @QUR@013 هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ~~(10) @QUR@016 ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات ~~إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ) (11) PageV08P112 # والمراد بالسماء : السحاب المرتفع في طبقات الجو ، حيث ينزل منه الماء ~~بقدرة الله تعالى والشراب : اسم للمشروب الذي يشربه الإنسان والحيوان ~~وغيرهما. # والشجر : يطلق على النبات ذي الساق الصلبة على سبيل الحقيقة ، ويطلق على ~~العشب والكلأ على سبيل المجاز ، وهو المراد هنا ، لأنه هو الذي ترعاه ~~الأنعام. # والضمير في قوله سبحانه ( @QUR@02 ومنه شجر ) يعود على الماء ، باعتباره ~~السبب في وجود الشجر. # قال الآلوسى : قوله سبحانه «ومنه شجر» أى : نبات مطلقا سواء أكان له ساق ~~أم لا ، كما نقل عن الزجاج ، وهو حقيقة في الأول ، ومن استعماله في الثاني ~~قول الراجز : # نعلفها اللحم إذا عز الشجر %~% والخيل في إطعامها اللحم ضرر # فإنه قيل : الشجر فيه بمعنى الكلأ ، لأنه الذي يعلف ..» (1). # وقوله : «تسيمون» من الإسامة ، بمعنى إطلاق الإبل وغيرها للسوم ، أى ~~الرعي. يقال : أسام فلان إبله للرعي أسامة ، إذا أخرجها إلى المرعى. وسامت ~~هي تسوم سوما ، إذا رعت حيث شاءت وأصل السوم : الإبعاد في المرعى. # والمعنى : هو سبحانه وحده وليس غيره : الذي غمركم بنعمه ، حيث أنزل لكم ~~من السحاب ماء كثيرا ، هذا الماء الكثير المنزل بقدر معلوم ، منه تأخذون ما ~~تشربونه وما تنتفعون في حوائجكم الأخرى ، وبسببه تخرج المراعى التي ترعون ~~فيها دوابكم. # فالآية الكريمة دليل آخر من الأدلة على وحدانية الله تعالى وقدرته ، ~~وبديع خلقه ، حيث أنزل سبحانه المطر من السماء ، ولو شاء لأمسكه ، أو ~~لأنزله غير صالح للشراب. # قال تعالى : ( @QUR@018 أفرأيتم الماء الذي تشربون. أأنتم أنزلتموه من ~~المزن أم نحن المنزلون. لو نشاء ms3335 جعلناه أجاجا فلو لا تشكرون ) (2). # وأتى سبحانه بلفظ «في» المفيدة للظرفية ، في قوله تعالى ( @QUR@02 فيه ~~تسيمون )؛ للإشارة إلى أن الرعي في هذا الشجر ، قد يكون عن طريق أكل ~~الدواب منه ، وقد يكون عن طريق أكل ما تحته من الأعشاب. # وقوله سبحانه : ( @QUR@010 ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ~~ومن كل الثمرات .. ) تفصيل لأهم منافع الماء. PageV08P113 # أى : يخرج لكم من الأرض ، بسبب الماء الذي أنزله عليها من السماء «الزرع» ~~الذي هو أصل أغذيتكم ، وعماد معاشكم ، كالقمح والشعير وغيرهما «والزيتون» ~~الذي تستعملونه إداما في أغذيتكم «والنخيل والأعناب» اللذين فيهما الكثير ~~من الفوائد ، ومن التلذذ عند أكل ثمارهما. # وأخرج لكم أيضا بسبب هذا الماء «من كل الثمرات» التي تشتهونها وتنتفعون ~~بها ، والتي تختلف في أنواعها ، وفي مذاقها ، وفي روائحها ، وفي ألوانها ، ~~مع أن الماء الذي سقيت به واحد ، والأرض التي نبتت فيها متجاورة. # ولا شك أن في هذا الإنبات بتلك الطريقة ، أكبر دليل على قدرة الله تعالى ~~. لأنه لا يقدر على ذلك سواء سبحانه . # وأسند سبحانه الإنبات إليه فقال : «ينبت لكم به ...» ؛ لأنه الفاعل ~~الحقيقي لهذا الإنبات والإخراج للزروع من الأرض : أما غيره سبحانه فيلقى ~~الحب في الأرض ، ويرجو الثمار والإنبات منه عز وجل . # قال تعالى : ( @QUR@019 أفرأيتم ما تحرثون. أأنتم تزرعونه أم نحن ~~الزارعون. لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون. إنا لمغرمون. بل نحن ~~محرومون ) (1). # وقال سبحانه : ( @QUR@027 وفي الأرض قطع متجاورات ، وجنات من أعناب وزرع ~~ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ، ونفضل بعضها على بعض في الأكل ، ~~إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) (2). # وقال عز وجل : ( @QUR@027 أمن خلق السماوات والأرض ، وأنزل لكم من السماء ~~ماء ، فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ، ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع ~~الله ، بل هم قوم يعدلون ) (3). # وختم سبحانه الآية بقوله ( @QUR@06 إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ) للحض ~~على التفكر والتأمل في عظيم قدرته سبحانه حتى يصل المتأمل إلى إخلاص ~~العبادة له عز وجل . # أى : إن في ذلك المذكور ، من إنزال الماء من السماء ، وإنبات الزروع ms3336 ~~والثمار بسببه ، لآية PageV08P114 # باهرة ، ودلالة عظيمة ، على وحدانية الله تعالى وقدرته ، لقوم يحسنون ~~التفكير ، ويجيدون التأمل في خلقه ، أما الذين لا يحسنون التفكير والتأمل ، ~~فهم كالأنعام بل هم أضل. # قال الآلوسى ما ملخصه : وقال سبحانه : ( @QUR@02 لقوم يتفكرون ) لأن من ~~تفكر في أن الحبة والنواة ، تقع في الأرض ، وتصل إليها نداوة تنفذ فيها ، ~~فينشق أسفلها ، فيخرج منه عروق تنبسط في أعماق الأرض ، وينشق أعلاها وإن ~~كانت منتكسة في الوقوع ... # من تفكر في ذلك علم أن من هذه آثاره وأفعاله ، لا يمكن أن يشبهه غيره في ~~صفة من صفات الكمال ، فضلا عن أن يشاركه في أخص صفاته التي هي الألوهية ~~واستحقاق العبادة. # وحيث كان الاستدلال بما ذكر ، مشتملا على أمر خفى محتاج إلى التفكر ~~والتدبر لمن له نظر سديد ، ختم سبحانه الآية بالتفكر (1). # ثم ساق سبحانه دلائل أخرى مما خلق لنفع الإنسان ، تدل على وحدانيته ~~وقدرته ، فقال تعالى : # ( @QUR@015 وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ~~إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (12) @QUR@013 وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ~~ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون ) (13) # وقوله «سخر» من التسخير بمعنى التذليل والتكليف ، يقال. سخر فلان فلانا ~~تسخيرا ، إذا كلفه عملا بلا أجرة ، والمراد به هنا : الإعداد والتهيئة لما ~~يراد الانتفاع به أى : ومن آياته سبحانه الدالة على وحدانيته وقدرته ، أنه ~~«سخر لكم الليل والنهار» يتعاقبان فيكم لتسكنوا في الليل ، ولتبتغوا الرزق ~~بالنهار. # وأنه سبحانه سخر لكم «الشمس والقمر» يدأبان في سيرهما بدون كلل أو PageV08P115 # اضطراب ، بل يسيران من أجل منفعتكم ومصلحتكم بنظام ثابت ، كما قال تعالى ~~: ( @QUR@015 لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ، ولا الليل سابق النهار ~~وكل في فلك يسبحون ) (1). # وأنه سبحانه أوجد النجوم مسخرات بأمره وإذنه ، لكي تهتدوا بها في ظلمات ~~البر والبحر. # هذا وقد قرأ جمهور القراء هذه الأسماء : الليل والنهار ... إلخ بالنصب ~~على المفعولية لفعل «سخر» كما قرأ الجمهور. أيضا. «مسخرات» بالنصب على ~~الحالية. # وقرأ ابن عامر : «والشمس والقمر والنجوم» بالرفع على الابتداء ، وقرأ ~~أيضا قوله «مسخرات ms3337 ، بالرفع على أنه خبر عنها. # وقرأ حفص برفع النجوم ومسخرات ، على أنهما مبتدأ وخبر : أما بقية الأسماء ~~السابقة فقرأها بالنصب. # وقوله «بأمره» متعلق بمسخرات. والمراد بأمره : إرادته ومشيئته وتدبيره ، ~~الجاري على هذا الكون وفق حكمته وإذنه. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@06 إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ). # أى : إن في ذلك المذكور من تسخير الليل والنهار وغيرهما لمنفعتكم ~~ومصلحتكم يا بنى آدم لآيات بينات ، ودلائل واضحات ، على وجوب العبادة لله ~~تعالى وحده ، لقوم يعقلون نعم الله تعالى ، ويستدلون بها على وحدانيته ~~سبحانه وقدرته. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى ( @QUR@032 إن ربكم الله الذي خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام ، ثم استوى على العرش ، يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا ~~والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره. ألا له الخلق والأمر ، تبارك الله رب ~~العالمين ) (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه ).. معطوف ~~على ما قبله من النعم وأصل الذرأ : الخلق بالتناسل والتوالد عن طريق الحمل ~~والتفريخ. # قال القرطبي : ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءا ، أى خلقهم ، ومنه الذرية وهي ~~نسل الثقلين ، والجمع الذراري ، ويقال : أنمى الله ذرأك وذروك أى : ذريتك. PageV08P116 # والمعنى : وسخر لكم أيضا ما أوجده في الأرض من أجل منفعتكم من عجائب ~~الأمور ، ومختلف الأشياء ، من حيوان ونبات ، ومعادن مختلفة الألوان ~~والأجناس والخواص. # ولا شك أن في اختلاف الألوان والمناظر والهيئات وغير ذلك ، فيه الدلالة ~~الواضحة على قدرة الله تعالى وعلى أنه الخالق لكل شيء. # قال تعالى ( @QUR@08 ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم ~~وألوانكم ... ) (1). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله ( @QUR@06 إن في ذلك لآية لقوم يذكرون ~~) أى : إن في ذلك الذي بيناه لكم ، لآية واضحة على قدرة الله تعالى لقوم ~~يعتبرون ، ويتذكرون آلاء الله ونعمه ، فيشكرونه عليها ، ويخلصون له ~~العبادة. # وبعد أن ذكر سبحانه جملة من نعمه التي أوجدها لعباده في البر ، أتبع ذلك ~~ببيان جانب من نعمه عليهم عن طريق خلقه للبحر ، فقال تعالى : # ( @QUR@021 وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية ~~تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ms3338 ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ) (14) # ففي هذه الآية الكريمة بين سبحانه أربع نعم على عباده في تسخير البحر لهم. # أما النعمة الأولى فتتجلى في قوله تعالى ( @QUR@08 وهو الذي سخر البحر ~~لتأكلوا منه لحما طريا ). # والطري : ضد اليابس ، والمصدر الطراوة ، وفعله طرو بوزن خشن وقرب. # أى : وهو سبحانه وحده الذي ذلل لكم البحر ، بحيث مكنكم من الانتفاع به ، ~~وأقدركم على الركوب عليه ، وعلى الغوص فيه ، وعلى الصيد منه ، لتأكلوا من ~~أسماكه لحما. طريا غضا شهيا. PageV08P117 # ووصف سبحانه لحم أسماكه بالطراوة ، لأن أكله في هذه الحالة أكثر فائدة ، ~~وألذ مذاقا ، فالمنة بأكله على هذه الحالة أتم وأكمل. # وقال بعض العلماء : وفي وصفه بالطراوة ، تنبيه إلى أنه ينبغي المسارعة ~~إلى أكله ، لأنه يسرع إليه الفساد والتغير ، وقد أثبت الطب أن تناوله بعد ~~ذهاب طراوته من أضر الأشياء ، فسبحان الخبير بخلقه ، ومعرفته ما يضر ~~استعماله وما ينفع ، وفيه أيضا إيماء إلى كمال قدرته تعالى في خلقه الحلو ~~الطري في الماء المر الذي لا يشرب. # وقد كره العلماء أكل الطافي منه على وجه الماء ، وهو الذي يموت حتف أنفه ~~في الماء فيطفو على وجهه ، لحديث جابر رضى الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم : «ما نضب عنه الماء فكلوا ، وما لفظه فكلوا ، وما طفا فلا ~~تأكلوا». # فالمراد من ميتة البحر في الحديث : «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» ما لفظه ~~البحر لا ما مات فيه من غير آفة (1). # وقوله «وتستخرجوا منه حليه تلبسونها» نعمة ثانية من نعم الله تعالى ~~للإنسان في تسخير البحر له. # والحلية بالكسر اسم لما يتحلى به الناس. وجمعها حلى وحلى بضم الحاء ~~وكسرها يقال : تحلت المرأة إذا لبست الحلي ، أى : ومن فوائد تسخير البحر ~~لكم أنه سبحانه أقدركم على الغوص فيه ، لتستخرجوا منه ما يتحلى به نساؤكم ~~كاللؤلؤ والمرجان وما يشبههما. # قال تعالى ( @QUR@015 مرج البحرين يلتقيان ، بينهما برزخ لا يبغيان. فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان. يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ) (2). # والتعبير بقوله سبحانه تستخرجوا ..» يشير إلى كثرة الإخراج فالسين والتاء ~~للتأكيد ، مثل استجاب ms3339 بمعنى أجاب. كما يشير إلى أن من الواجب على المسلمين ~~أن يباشروا بأنفسهم استخراج ما في البحر من كنوز وألا يتركوا ذلك لأعدائهم. # وأسند سبحانه لباس الحلية إلى ضمير جمع الذكور فقال : «تلبسونها» على ~~سبيل التغليب ، وإلا فإن هذه الحلية يلبسها النساء في معظم الأحيان. PageV08P118 # قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله «تلبسونها» أى : تلبسها نساؤكم ، وأسند ~~الفعل إلى ضمير الرجال ، لاختلاطهم بهم ، وكونهم متبوعين ، أو لأنهم سبب ~~لتزينهن ، فإنهن يتزين ليحسن في أعين الرجال ، فكأن ذلك زينتهم ولباسهم. # قال القرطبي : «امتن ، الله تعالى على الرجال والنساء امتنانا عاما بما ~~يخرج من البحر ، فلا يحرم عليهم شيء منه ، وإنما حرم الله تعالى على الرجال ~~الذهب والحرير ، ففي الصحيح عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال : قال رسول ~~صلى الله عليه وسلم : «لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في ~~الآخرة». # وروى البخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ذهب ~~.. ، فاتخذ الناس مثله ، فرمى به وقال : «لا ألبسه أبدا». ثم اتخذ خاتما من ~~فضة فاتخذ الناس خواتم الفضة ...» (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 وترى الفلك مواخر فيه ) نعمة ثالثة من نعمه ~~تعالى في تسخير البحر للناس وأصل المخر : الشق. يقال : مخر الماء الأرض إذا ~~شقها. ويقال مخرت السفينة تمخر ، وتمخر ، مخرا ، ومخورا ، إذا جرت في الماء ~~وأخذت تشقه بمقدمتها. # أى : وترى أيها العاقل بعينيك السفن وهي تشق البحر بسرعة ، متجهة من بلد ~~إلى بلد ، ومن قطر إلى آخر ، لا تحرسها إلا رعاية الله تعالى وقدرته ، كما ~~قال سبحانه : ( @QUR@029 وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون. ~~وخلقنا لهم من مثله ما يركبون. وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون. ~~إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين ) (2). # والتعبير بقوله : «وترى ..» لاستحضار الحالة العجيبة عن طريق الرؤية ~~البصرية ، وهي حالة تدل على قدرة الله تعالى ورحمته بعباده. حيث سخر لهم ~~السفن لتجرى في البحر بأمره. # ثم بين سبحانه النعمة الرابعة من نعم تسخير البحر للناس فقال ms3340 تعالى : ( ~~@QUR@03 ولتبتغوا من فضله ) والابتغاء : الطلب للشيء عن رغبة ومحبة. # أى : وسخر لكم البحر أيضا لتستخرجوا منه الحلية ، ولتطلبوا فضل الله تعالى PageV08P119 # ورزقه ، عن طريق التجارات والأسفار على ظهر البحر من مكان إلى آخر. سعيا ~~وراء الربح. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بحض الناس على شكره على نعمه فقال ( @QUR@02 ~~ولعلكم تشكرون ). # أى : ولعلكم تشكرون الله تعالى على آلائه ، حيث سخر لكم البحر ، وجعله ~~وسيلة من وسائل منفعتكم ومعاشكم. # ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن فوائد الجبال والأنهار والسبل ~~والنجوم ، فقال تعالى : # ( @QUR@011 وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون ~~(15) @QUR@04 وعلامات وبالنجم هم يهتدون ) (16) # ولفظ : «رواسى» جمع راس من الرسو بفتح الراء وسكون السين بمعنى الثبات ~~والتمكن في المكان ، يقال رسا الشيء يرسو إذا ثبت. وهو صفة لموصوف محذوف. ~~أى : جبالا رواسى. # و «تميد» أى تضطرب وتميل. يقال : ماد الشيء يميد ميدا ، إذا تحرك ، ومادت ~~الأغصان إذا تمايلت أى : وألقى سبحانه في الأرض جبالا ثوابت لكي تقر وتثبت ~~ولا تضطرب. # فقوله «أن تميد بكم» تعليل لإلقاء الجبال في الأرض. # قال القرطبي : وروى الترمذي بسنده عن أنس بن مالك عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : «لما خلق الله الأرض جعلت تميد وتضطرب ، فخلق الجبال ~~عليها فاستقرت ، فعجبت الملائكة من شدة الجبال. قالوا يا رب هل من خلقك شيء ~~أشد من الجبال؟ قال نعم ، الحديد. قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من ~~الحديد؟ قال نعم النار. قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار؟ قال نعم ~~الماء ، قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الماء؟ قال نعم الريح. قالوا ~~يا رب : فهل من خلقك شيء أشد من الريح؟ قال نعم ، ابن آدم إذا تصدق بصدقة ~~بيمينه يخفيها عن شماله» (1). PageV08P120 # هذا ، ومن الآيات التي تشبه هذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@012 خلق ~~السماوات بغير عمد ترونها ، وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم .. ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@06 ألم نجعل الأرض مهادا. والجبال أوتادا ) (2). # ثم بين سبحانه نعما ms3341 أخرى لما ألقاه في الأرض فقال : ( @QUR@04 وأنهارا ~~وسبلا لعلكم تهتدون ). أى : وجعل في الأرض «أنهارا» تجرى من مكان إلى آخر ~~، فهي تنبع في مواضع. وتصب في مواضع أخرى ، وفيها نفع عظيم للجميع ، إذ ~~منها يشرب الناس والدواب والأنعام والنبات. # وجعل فيها كذلك طرقا ممهدة ، يسير فيها السائرون من مكان إلى آخر. «لعلكم ~~تهتدون» بتلك السبل إلى المكان الذي تريدون الوصول إليه. بدون تحير أو ضلال. # وقد كرر القرآن الكريم هذا المعنى في آيات كثيرة ، منها قوله تعالى : ( ~~@QUR@09 والله جعل لكم الأرض بساطا. لتسلكوا منها سبلا فجاجا ) (3). # والمراد بالعلامات في قوله تعالى : ( @QUR@04 وعلامات وبالنجم هم يهتدون ~~) الأمارات والمعالم التي يضعها الناس على الطرق بإلهام من الله تعالى ~~للاهتداء بها عند السفر. # والمراد بالنجم : الجنس ، فيشمل كل نجم يهتدى به المسافر. # أى ومن مظاهر نعمه أيضا ، أنه سبحانه جعل في الأرض معالم وأمارات من جبال ~~كبار ، وآكام صغار ، وغير ذلك ، ليهتدى بها المسافرون في سفرهم ، وتكون ~~عونا لهم على الوصول إلى غايتهم ، وبمواقع النجوم هم يهتدون في ظلمات البر ~~والبحر ، إلى الأماكن التي يبغون الوصول إليها. # والضمير «هم» في قوله ( @QUR@03 وبالنجم هم يهتدون ) يشمل كل سالك في ~~ظلمات البر والبحر ، ويدخل فيه دخولا أوليا أهل مكة ، لأنهم كانوا كثيرى ~~الأسفار للتجارة ، كما كانوا معروفين بالاهتداء في سيرهم بمواقع النجوم. PageV08P121 # وقدم سبحانه المتعلق وهو «وبالنجم» للاهتمام به ، إذ أن الاهتداء بالنجوم ~~، أمر هام في حياة المسافرين ولا سيما الذين يسافرون في البحر. # وعدل سبحانه عن الخطاب إلى الغيبة في قوله «هم يهتدون» على سبيل الالتفات ~~، ليزداد الكلام طلاوة وانتباها إلى ما اشتمل عليه. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@016 وهو الذي جعل لكم النجوم ~~لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر ، قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون ) (1). # وإلى هنا نرى السورة الكريمة ، التي هي سورة النعم ، قد حدثتنا في بضع ~~عشرة آية. عن ألوان متنوعة من نعم الله تعالى على عباده. # حدثتنا عن نعمة الروح الذي يحيى القلوب الميتة وينقذها من الكفر والضلال. # وحدثتنا عن نعمة ms3342 خلق الإنسان ، وخلق السموات والأرض. # وحدثتنا عن نعمة خلق الأنعام ، والخيل والبغال والحمير. # وحدثتنا عن نعمة إنزال الماء من السماء ، وما يترتب على هذه النعمة من ~~فوائد ومنافع. # وحدثتنا عن نعمة تسخير الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم لمصلحة ~~الإنسان. # وحدثتنا عن نعمة تسخير البحر وتذليله للانتفاع بخيراته. # وحدثتنا عن كل ذلك وغيره. لكي يخلص الإنسان عبادته لخالقه ، ولكي يطيعه ~~حق الطاعة ، ويشكره عليها ، ويستعملها فيما خلقت له. # وبعد أن حدثتنا السورة عن كل ذلك ، ساقت لنا جملة من صفات الله تعالى ~~ووبخت المشركين على شركهم ، وأبطلته بأبلغ أسلوب ، ودعتهم إلى الدخول في ~~الدين الحق ، فقال تعالى : # ( @QUR@07 أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون (17) @QUR@010 وإن تعدوا ~~نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم (18) @QUR@06 والله يعلم ما تسرون ~~وما تعلنون (19) @QUR@02 والذين يدعون PageV08P122 # @QUR@08 من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون (20) @QUR@07 أموات غير ~~أحياء وما يشعرون أيان يبعثون (21) @QUR@011 إلهكم إله واحد فالذين لا ~~يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون (22) @QUR@013 لا جرم أن الله ~~يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين ) (23) # والاستفهام في قوله سبحانه : ( @QUR@05 أفمن يخلق كمن لا يخلق .. ) ~~للإنكار والتوبيخ لأولئك المشركين الذين عبدوا غير الله تعالى أى : أفمن ~~يخلق هذه الأشياء العجيبة ، والمخلوقات البديعة ، التي بينا لكم بعضها ، ~~وهو الله عز وجل كمن لا يخلق شيئا على سبيل الإطلاق ، بل هو مخلوق ، كتلك ~~الأصنام والأوثان وغيرها ، التي أشركتموها في العبادة مع الله تعالى ؟ # إن فعلكم هذا لدليل واضح على جهلكم أيها المشركون وعلى انطماس بصيرتكم ، ~~وقبح تفكيركم. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت من لا يخلق أريد به الأصنام ، فلما ذا جيء بمن ~~الذي هو لأولى العلم؟. # قلت : فيه أوجه : أحدها أنهم سموها آلهة وعبدوها فأجروها مجرى أولى العلم. # الثاني : المشاكلة بينه وبين من يخلق. # الثالث : أن يكون المعنى : أن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولى العلم ، ~~فكيف بما لا علم عنده. كقوله تعالى ( @QUR@04 ألهم أرجل يمشون بها .. ) ~~يعنى أن الآلهة التي عبدوها حالهم منحطة عن حال ms3343 من لهم أرجل وأيد وآذان ~~وقلوب لأن هؤلاء أحياء وهم أموات ، فكيف تصح لهم العبادة ، لا أنها لو صحت ~~لهم هذه الأعضاء لصح أن يعبدوا. # فإن قلت الآية إلزام للذين عبدوا الأوثان وسموها آلهة تشبيها بالله تعالى ~~: فكان من حق الإلزام أن يقال : أفمن لا يخلق كمن يخلق؟ PageV08P123 # قلت حين جعلوا غير الله مثل الله في تسميته باسمه والعبادة له ، وسووا ~~بينه ، فقد جعلوا الله من جنس المخلوقات وشبيها بها ، فأنكر عليهم ذلك ~~بقوله : ( @QUR@05 أفمن يخلق كمن لا يخلق .. ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 أفلا تذكرون ) زيادة في توبيخهم وفي التهكم بهم. # أى : أبلغ بكم السفه والجهل أنكم سويتم في العبادة بين من يخلق ومن لا ~~يخلق ، والحال أن هذه التسوية لا يقول بها عاقل ، لأن من تفكر أدنى تفكر ، ~~وتأمل أقل تأمل ، عرف وتيقن أنه لا يصح التسوية في العبادة بين الخالق ~~والمخلوق ، فهلا فكرتم قليلا في أمركم ، لكي تفيئوا إلى رشدكم ، فتخلصوا ~~العبادة لله الخلاق العليم. # ثم ذكرهم سبحانه بنعمه على سبيل الإجمال ، بعد أن فصل جانبا منها في ~~الآيات السابقة فقال تعالى ( @QUR@06 وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ). # والمراد بالنعمة هنا جنسها ، الذي يشمل كل نعمه ، لأن لفظ العدد والإحصاء ~~قرينة على ذلك ، وعلماء البيان يعدون استعمال المفرد في معنى الجمع اعتمادا ~~على القرينة من أبلغ الأساليب الكلامية. # أى : وإن تعدوا نعمة الله تعالى التي أنعمها عليكم ، في أنفسكم ، وفيما ~~سخره لكم لا تستطيعون حصر هذه النعم لكثرتها ولتنوعها. # وما دام الأمر كذلك فاشكروه عليها ما استطعتم ، وأخلصوا له العبادة ~~والطاعة. # وقوله : ( @QUR@04 إن الله لغفور رحيم ) استئناف قصد به فتح باب الأمل ~~أمامهم لكي يتداركوا ما فرط منهم من جحود وتقصير في حقه سبحانه . # أى : إن الله تعالى لغفور لعباده على ما فرط منهم متى تابوا إليه توبة ~~نصوحا ، رحيم بهم ، حيث لم يؤاخذهم بذنوبهم. بل منحهم نعمه مع تقصيرهم في ~~شكره تعالى. # قال ابن كثير رحمه الله قوله : ( @QUR@04 إن الله لغفور رحيم ) أى يتجاوز ~~عنكم ، ولو طالبكم بشكر جميع ms3344 نعمه لعجزتم عن القيام بذلك ، ولو أمركم به ~~لضعفتم وتركتم ، ولو عذبكم لعذبكم وهو غير ظالم لكم ، ولكنه غفور رحيم ، ~~يغفر الكثير ، ويجازى على اليسير» (2). PageV08P124 # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ) بيان لكمال ~~علمه تعالى وتحذير من الوقوع فيما نهى عنه ، لأنه تعالى لا تخفى عليه خافية. # أى : والله تعالى وحده ، يعلم ما تسرونه من أقوال وأفعال ، وما تظهرونه ~~منها ، وهو محص عليكم ذلك ، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر. # ثم وصف سبحانه الأوثان التي يعبدها المشركون من دونه ، بثلاثة أوصاف. ~~تجعلها بمعزل عن النفع ، فضلا عن استحقاقها للعبادة ، فقال تعالى ( ~~@QUR@017 والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون. أموات غير ~~أحياء ، وما يشعرون أيان يبعثون ). # فوصفها أولا بالعجز التام ، فقال تعالى : ( @QUR@08 والذين يدعون من دون ~~الله لا يخلقون شيئا .. ). # أى : وهذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله تعالى لا تخلق شيئا من ~~المخلوقات مهما صغرت ، بل هم يخلقون بأيديكم ، فأنتم الذين تنحتون الأصنام. ~~كما قال سبحانه حكاية عن إبراهيم عليه السلام الذي قال لقومه على سبيل ~~التهكم بهم : ( @QUR@08 قال أتعبدون ما تنحتون. والله خلقكم وما تعملون ) (1). # وإذا كان الأمر كذلك فكيف تعبدون شيئا أنتم تصنعونه بأيديكم ، أو هو ~~مفتقر إلى من يوجده؟! # وهذه الآية الكريمة أصرح في إثبات العجز للمعبودات الباطلة من سابقتها ~~التي تقول : ( @QUR@05 أفمن يخلق كمن لا يخلق .. ) لأن الآية السابقة نفت ~~عن المعبودات الباطلة أنها تخلق شيئا ، أما هذه الآية التي معنا فنفت عنهم ~~ذلك ، وأثبتت أنهم مخلوقون لغيرهم وهو الله عز وجل ، أو أن الناس يصنعونهم ~~عن طريق النحت والتصوير ، فهم أعجز من عبدتهم ، وعليه فلا تكرار بين ~~الآيتين. # وأما الصفة الثانية لتلك الأصنام فهي قوله تعالى ( @QUR@03 أموات غير ~~أحياء ). # أى : هؤلاء المعبودون من دون الله تعالى ، هم أموات لا أثر للحياة فيهم ، ~~فهم لا يسمعون ، ولا يبصرون ، ولا يغنون عن عابديهم شيئا ، فقد دلت هذه ~~الصفة على فقدانهم للحياة فقدانا تاما. # وجملة «غير أحياء» جيء بها لتأكيد ms3345 موتهم ، وللدلالة على عراقة وصفهم ~~بالموت ، حيث PageV08P125 # إنه لا توجد شائبة للحياة فيهم ، ولم يكونوا أحياء كعابديهم ثم ماتوا ، ~~بل هم أموات أصلا. أو جيء بها على سبيل التأسيس ، لأن بعض مالا حياة فيه من ~~المخلوقات ، قد تدركه الحياة فيما بعد ، كالنطفة التي يخلق الله تعالى منها ~~حياة ، أما هذه الأصنام فلا يعقب موتها حياة ، وهذا أتم في نقصها ، وفي ~~جهالة عابديها. # وأما الصفة الثالثة لتلك الأصنام فهي قوله تعالى : ( @QUR@04 وما يشعرون ~~أيان يبعثون ). # ولفظ «أيان» ظرف زمان متضمن معنى متى. # وهذه الصفة تدل على جهلهم المطبق ، وعدم إحساسهم بشيء. # أى : أن من صفات هذه المعبودات الباطلة ، أنها لا تدرى متى يبعثها الله ~~تعالى لتكون وقودا للنار. # وبعضهم يجعل الضمير في «يشعرون» يعود على الأصنام ، وفي «يبعثون» يعود ~~على العابدين لها ، فيكون المعنى : وما تدرى هذه الأصنام التي تعبد من دون ~~الله تعالى متى تبعث عبدتها للحساب يوم القيامة. # قال صاحب فتح القدير ما ملخصه : قوله : «وما يشعرون أيان يبعثون» الضمير ~~في «يشعرون» للآلهة وفي «يبعثون» للكفار الذين يعبدون الأصنام. # والمعنى : وما تشعر هذه الجمادات من الأصنام أيان يبعث عبدتهم من الكفار ~~، ويكون هذا على طريقة التهكم بهم ، لأن شعور الجماد مستحيل بما هو من ~~الأمور الظاهرة. فضلا عن الأمور التي لا يعلمها إلا الله سبحانه . # ويجوز أن يكون الضمير في الفعلين للآلهة. أى : وما تشعر هذه الأصنام أيان ~~تبعث. ويدل على ذلك قوله تعالى : ( @QUR@08 إنكم وما تعبدون من دون الله ~~حصب جهنم .. ) (1). # وبعد أن أبطل سبحانه عبادة غيره بهذا الأسلوب المنطقي الحكيم ، صرح بأنه ~~لا معبود بحق سواه ، فقال : ( @QUR@03 إلهكم إله واحد ). # أى إلهكم المستحق للعبادة والطاعة هو إله واحد لا شريك له ، لا في ذاته ~~ولا في صفاته : فأخلصوا له العبادة ، ولا تجعلوا له شركاء. PageV08P126 # ثم بين سبحانه الأسباب التي جعلت المشركين يصرون على كفرهم ويستحبون ~~العمى على الهدى ، فقال تعالى : ( @QUR@08 فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم ~~منكرة وهم مستكبرون ). # أى : فالكافرون الذين لا يؤمنون بالآخرة ، وما فيها من ms3346 ثواب وعقاب قلوبهم ~~منكرة للحق ، جاحدة لنعم الله ، منصرفة عن وحدانية الله تعالى وعن الأدلة ~~الدالة عليها ، وحالهم فوق ذلك أنهم مستكبرون مغرورون ، لا يستمعون إلى ~~موعظة واعظ ، ولا إلى إرشاد مرشد. ومتى استولت على إنسان هاتان الصفتان ~~الجحود والاستكبار ، حالفه البوار والخسران ، وآثر سبيل الغي على سبيل الرشد. # والتعبير عن المشركين بالموصول وصلته «فالذين لا يؤمنون بالآخرة ..» دون ~~التصريح بذواتهم ، لاشتهارهم بتلك الصفات القبيحة ، وللإيمان بأن عدم ~~إيمانهم بالآخرة ، هو أساس خيبتهم ، وخسرانهم وجحودهم ... # وعبر بالجملة الاسمية في قوله «قلوبهم منكرة وهم مستكبرون» للدلالة على ~~تأصل صفتي الجحود والاستكبار في قلوبهم ، وعلى أن الإنكار للحق سمة من ~~سماتهم التي لا يتحولون عنها مهما وضحت لهم الأدلة على بطلانها ، وعلى أن ~~التعالي والغرور لا ينفك عنهم ، وأنهم ممن قال سبحانه فيهم : ( @QUR@08 إن ~~الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ) (1). أى : صاغرين أذلاء. # ثم بين سبحانه سوء مصيرهم ، فقال : ( @QUR@013 لا جرم أن الله يعلم ما ~~يسرون وما يعلنون ، إنه لا يحب المستكبرين ). # وكلمة «لا جرم» وردت في القرآن في خمسة مواضع ، وفي كل موضع كانت متلوة ~~بأن واسمها ، وليس بعدها فعل. # وجمهور النحاة على أنها مركبة من «لا» و «جرم» تركيب خمسة عشر ومعناها بعد ~~التركيب معنى الفعل : حق وثبت ، والجملة بعدها فاعل. # قال الخليل : لا جرم ، كلمة تحقيق ولا تكون إلا جوابا ، يقال : فعلوا ذلك ~~، فيقال : لا جرم سيندمون. PageV08P127 # وقال الفراء : «لا جرم» كلمة كانت في الأصل بمنزلة لا بد ولا محالة ، ~~فجرت على ذلك وكثرت حتى تحولت إلى معنى القسم ، وصارت بمنزله حقا فلذلك ~~يجاب عنها باللام ، كما يجاب بها عن القسم ألا تراهم يقولون لا جرم لآتينك. # والمعنى : حق وثبت أن الله تعالى يعلم ما يسره هؤلاء المشركون وما ~~يعلنونه من أقوال وأفعال ، وسيجازيهم على ذلك بما يستحقونه من عقوبات ، ~~لأنه سبحانه لا يحب المستكبرين عن الاستجابة للحق ، المغرورين بأموالهم ~~وأولادهم ، الجاحدين لنعم الله وآلائه. # قال القرطبي : قال العلماء : وكل ذنب يمكن التستر منه وإخفاؤه ، إلا ~~الكبر ، فإنه ms3347 فسق يلزمه الإعلان ، وهو أصل العصيان كله. # وفي الحديث الصحيح : «إن المتكبرين يحشرون أمثال الذر يوم القيامة ، ~~يطؤهم الناس بأقدامهم لتكبرهم» أو كما قال صلى الله عليه وسلم : «تصغر لهم ~~أجسامهم في المحشر حتى يضرهم صغرها ، وتعظم لهم في النار حتى يضرهم عظمها» (1). # وبعد أن أقامت السورة الكريمة الأدلة الساطعة ، على وحدانية الله ، ~~وقدرته ، وعلى بطلان عبادة غيره .. أتبعت ذلك بحكاية بعض أقاويل المشركين ، ~~وردت عليها بما يدحضها ، وببيان سوء عاقبتهم ، وعاقبة أشباههم من قبلهم ، ~~فقال تعالى : # ( @QUR@010 وإذا قيل لهم ما ذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين (24) ~~@QUR@015 ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير ~~علم ألا ساء ما يزرون (25) @QUR@021 قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله ~~بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا ~~يشعرون (26) PageV08P128 # @QUR@021 ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم ~~قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين (27) @QUR@019 ~~الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى ~~إن الله عليم بما كنتم تعملون (28) @QUR@08 فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها ~~فلبئس مثوى المتكبرين ) (29) # وقوله سبحانه : ( @QUR@010 وإذا قيل لهم ما ذا أنزل ربكم ، قالوا أساطير ~~الأولين ) حكاية لبعض ما كان يدور بين أولئك المستكبرين ، وبين غيرهم من ~~أسئلة واستفسارات حول القرآن الكريم. # والأساطير : جمع أسطورة ، كأعاجيب وأعجوبة ، وأحاديث وأحدوثة. # والمراد بها : الأكاذيب والترهات التي لا أصل لها ، والتي كانت مبثوثة في ~~كتب الأولين. # والمعنى : وإذا قال قائل لهؤلاء الكافرين المستكبرين ، أى شيء أنزل ربكم ~~على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم . # قالوا له على سبيل الجحود للحق : لم ينزل عليه شيء ، وإنما هذا القرآن ~~الذين يتلوه محمد صلى الله عليه وسلم على أتباعه ، هو من أساطير الكهنة ~~الأولين ، نقله من كتبهم ثم قرأه على من يستمع إليه. # روى ابن أبى حاتم عن السدى قال : اجتمعت قريش فقالوا : إن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم رجل حلو اللسان إذا كلمه الرجل ذهب بعقله ، فانظروا ناسا ms3348 ~~من أشرافكم المعدودين المعروفة أنسابهم ، فابعثوهم في كل طريق من طرق مكة ~~على رأس ليلة أو ليلتين ، فمن جاءه يريده ردوه عنه. # فخرج ناس في كل طريق ، فكان إذا أقبل الرجل وافدا لقومه ينظر ما يقول ~~محمد صلى الله عليه وسلم ووصل إليهم ، قال أحدهم : أنا فلان بن فلان ، فيعرفه ~~نسبه ، ثم يقول للوافد : أنا أخبرك عن محمد صلى الله عليه وسلم إنه رجل كذاب ~~لم يتبعه على أمره إلا السفهاء والعبيد PageV08P129 # ومن لا خير فيهم ، وأما شيوخ قومه وخيارهم فمفارقون له ، فيرجع الوافد. ~~فذلك قوله تعالى ( @QUR@010 وإذا قيل لهم ما ذا أنزل ربكم ، قالوا : أساطير ~~الأولين ). # فإن كان الوافد ممن عزم الله له الرشاد ، فقالوا له مثل ذلك قال : بئس ~~الوافد لقومي أنا ، إن كنت جئت حتى إذا بلغت مسيرة يوم من مكة رجعت قبل أن ~~ألقى هذا الرجل ، وأنظر ما يقول ، وآتى قومي ببيان أمره. فيدخل مكة ، فيلقى ~~المؤمنين فيسألهم : ماذا يقول محمد صلى الله عليه وسلم ؟ فيقولون : خيرا ..» (1). # وعبر سبحانه بالفعل «قيل» المبنى للمجهول ، للإشارة إلى أن هذا القول ~~الذي تفوه به عتاة الكافرين ، كانوا يقولونه لكل من يسألهم عن القرآن ~~الكريم ، لكي يصدوه عن الدخول في الإسلام. وجملة «ماذا أنزل ربكم» نائب ~~فاعل لقيل. # وقولهم كما حكى القرآن عنهم «أساطير الأولين» خبر لمبتدأ محذوف. # أى : قالوا هو أساطير الأولين أو المسئول عنه : أساطير الأولين. # ولقد حكى القرآن قولهم الباطل هذا ، ورد عليه بما يدحضه في آيات كثيرة ، ~~ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@021 وقالوا أساطير الأولين اكتتبها ، فهي تملى ~~عليه بكرة وأصيلا. قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض ، إنه كان ~~غفورا رحيما ) (2). # ثم بين سبحانه عاقبة كفرهم ، ونطقهم بالباطل ، فقال تعالى : ( @QUR@05 ~~ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ... ). # واللام في قوله «ليحملوا» هي التي تسمى بلام العاقبة ، وذلك لأنهم لما ~~وصفوا القرآن بأنه أساطير الأولين ، كانت عاقبتهم تلك العاقبة السيئة. # والأوزار جمع وزر بكسر الواو وسكون الزاى بمعنى الشيء الثقيل. # المراد بها الذنوب والآثام التي يثقل حملها على ms3349 صاحبها يوم القيامة ، كما ~~قال تعالى : ( @QUR@011 وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ؛ وليسئلن يوم ~~القيامة عما كانوا يفترون ) (3). # والمعنى : قالوا ذلك في القرآن الكريم ، لتكون عاقبتهم أن يحملوا أوزارهم ~~كاملة غير منقوصة يوم القيامة. PageV08P130 # قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله «ليحملوا» متعلق بقالوا كما هو الظاهر .. ~~واللام للعاقبة ، لأن الحمل مترتب على قولهم وليس باعثا ولا غرضا لهم. # وعن ابن عطية : أنها تحتمل أن تكون لام التعليل ومتعلقة بفعل مقدر لا ~~بقالوا ، أى : قدر صدور ذلك منهم ليحملوا ... (1). # وقال سبحانه ( @QUR@01 كاملة ) لتأكيد أنه لا يرفع عنهم شيء من ذنوبهم ، ~~بل سيعاقبون عليها جميعا دون أن ينقص منها شيء. # قال الفخر الرازي : وهذا يدل على أن الله تعالى قد يسقط بعض العقاب على ~~المؤمنين ، إذ لو كان هذا المعنى حاصلا في حق الكل ، لم يكن لتخصيص هؤلاء ~~الكفار بهذا التكميل معنى .. (2). # وقال بعض العلماء : «ويصور التعبير هذه الذنوب بكونها أحمالا ذات ثقل ~~وساءت أحمالا وأثقالا ، فهي توقر النفوس كما توقر الأحمال الظهور ، وهي ~~تثقل القلوب ، كما تثقل الأحمال العواتق ، وهي تتعب وتشقى كما تتعب الأثقال ~~حاملها ، بل هي أدهى وأنكى» (3). # وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم أنه بلغه أنه يتمثل للكافر عمله في صورة ~~أقبح ما خلق الله وجها ، وأنتنه ريحا ، فيجلس إلى جنبه كلما أفزعه شيء زاده ~~فزعا ، وكلما تخوف من شيء زاده خوفا. فيقول له بئس الصاحب أنت ومن أنت؟ ~~فيقول له وما تعرفني؟ فيقول : لا. فيقول : أنا عملك كان قبيحا فلذلك تراني ~~قبيحا ، وكان منتنا فلذلك تراني منتنا. طأطئ إلى أركبك ، فطالما ركبتني في ~~الدنيا ، فيركبه ، وهو قوله تعالى ( @QUR@05 ليحملوا أوزارهم كاملة يوم ~~القيامة .. ) (4). # وقوله : «ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم» بيان لأثقال أخرى يحملونها ~~فوق أثقالهم. # أى : أن أولئك المستكبرين ، قالوا في القرآن إنه أساطير الأولين ، فكانت ~~عاقبة قولهم الباطل أن حملوا آثامهم الخاصة ، وأن حملوا فوقها جانبا من ~~آثام من كانوا سببا في ضلالهم. # قال ابن كثير : أى يصير عليهم خطيئة ضلالهم في أنفسهم ، وخطيئة إغوائهم ~~لغيرهم ms3350 ، PageV08P131 # واقتداء أولئك بهم ، كما جاء في الحديث : «من دعا إلى هدى ، كان له من ~~الأجر مثل أجور من اتبعه ، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ، ومن دعا إلى ضلالة ~~كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا». # كما قال تعالى : ( @QUR@011 وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ، ~~وليسئلن يوم القيامة عما كانوا يفترون ) (1). # فهذه الآية وأمثالها ، لا تعارض بينها وبين قوله تعالى ( @QUR@011 ولا ~~تكسب كل نفس إلا عليها ، ولا تزر وازرة وزر أخرى ) (2). # لأن هؤلاء المستكبرين لم يكتفوا بضلالهم في أنفسهم ، بل تسببوا في إضلال ~~غيرهم ، فعوقبوا على هذا التسبب السيئ ، الذي هو فعل من أفعالهم القبيحة. # وقوله «بغير علم» في موضع الحال من الضمير المنصوب في قوله «يضلونهم». # أى : يضلون ناسا لا علم عندهم ، فهم كالأنعام بل هم أضل ، وفي ذلك ما فيه ~~من مدح أهل العلم والتفكير ، لأن الآية الكريمة قد بينت أن أئمة الكفر ، ~~يستطيعون إضلال من لا علم عنده ، أما أصحاب العقول السليمة فلن يستطيعوا ~~إضلالهم. # قالوا : واستدل بالآية على أن المقلد يجب عليه أن يبحث ، وأن يميز بين ~~الحق والباطل ، ولا يعذر بسبب جهله. # وقيل : إن قوله «بغير علم» في موضع الحال من الضمير المرفوع في قوله ~~«يضلونهم». # أى : هم يضلون غيرهم حالة كونهم غير عالمين بما يترتب على ذلك من آثام ~~وعقاب ، إذ لو علموا ذلك لما أقدموا على هذا الإضلال لغيرهم. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@04 ألا ساء ما يزرون ). قال ~~الجمل : و «ساء» فعل ماض لإنشاء الذم بمعنى بئس ، و «ما» تمييز بمعنى شيئا ، ~~أو فاعل بساء ، و «يزرون» صفة لما والعائد محذوف ، أو «ما» اسم موصول ، ~~وقوله «يزرون» صلة الموصول ، والعائد محذوف أى : يزرونه ، والمخصوص بالذم ~~محذوف» (3). # والتقدير : بئس شيئا يزرونه ويحملونه نتيجة كفرهم وكذبهم وإضلالهم لغيرهم ~~؛ وافتتحت PageV08P132 # الجملة الكريمة بأداة الاستفتاح «ألا» للاهتمام بما تضمنه التحذير ، حتى ~~يقلعوا عن كفرهم ، ويثوبوا إلى رشدهم ، ويحترسوا عن الوقوع في الباطل من القول. # ثم سلى الله تعالى نبيه ms3351 والمؤمنين ، فبين لهم أن هؤلاء المستكبرين الذين ~~قالوا في القرآن : إنه أساطير الأولين ، سيحيق بهم مكرهم السيئ ، كما حاق ~~بالذين من قبلهم. فقال تعالى : ( @QUR@021 قد مكر الذين من قبلهم ، فأتى ~~الله بنيانهم من القواعد ، فخر عليهم السقف من فوقهم ، وأتاهم العذاب من ~~حيث لا يشعرون ). # وقوله سبحانه «مكر» من المكر ، وهو التدبير المحكم ، أو صرف الغير عما ~~يريده بحيلته ، وهو مذموم إن تحرى به الماكر الشر والباطل ، ومحمود إن تحرى ~~به الخير والحق. # والمراد به هنا النوع الأول. # والمراد بالذين من قبلهم : الكفار الذين كانوا قبل كفار مكة ، كقوم نوح ~~وهود وصالح. # وقوله : «فأتى الله بنيانهم ..» أى : أهلكهم ، كما في قوله تعالى ( ~~@QUR@07 ... فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا .. ) (1). # ويقال : أتى فلان من مأمنه أى : نزل به الهلاك من جهة أمنه. وأتى عليه ~~الدهر. أى : أهلكه وأفناه. ومنه الأتو. وهو الموت والبلاء. # يقال : أتى على فلان أتو ، أى موت أو بلاء يصيبه. # والقواعد : جمع قاعدة. وهي أساس البناء ، وبها يكون ثباته واستقراره. # والمعنى : لا تهتم أيها الرسول الكريم بما يقوله المستكبرون من قومك في ~~شأن القرآن الكريم لكي يصرفوا الناس عن الدخول في الإسلام ، فقد مكر الذين ~~من قبلهم بأنبيائهم ، فكانت عاقبة مكرهم أن أتى الله بنيانهم من القواعد ، ~~بأن اجتث هذا البنيان من أصله ؛ واقتلعه من أساسه «فخر عليهم السقف من ~~فوقهم» أى : فسقط عليهم سقف بنيانهم فأهلكهم «وأتاهم العذاب» المبير المدمر ~~«من حيث لا يشعرون» ولا يحتسبون بأنه سيأتيهم من هذه الجهة ، بل كانوا ~~يتوقعون أن ما شيدوه سيحميهم من المهالك. # فالآية الكريمة تصور بأسلوب بديع معجز ، كيف أن هؤلاء الماكرين ، قد ~~حصنوا أنفسهم بالبناء المحكم المتين ، ليتقوا ما يؤذيهم ، إلا أن جميع هذه ~~التحصينات قد هوت وتساقطت على PageV08P133 # رءوسهم ، أمام قوة الله تعالى التي لا ترد ، فإذا بالبناء الذي بنوه ~~ليحتموا به ، قد صار مقبرة لهم. # وصدق الله إذ يقول : ( @QUR@027 ومكروا مكرا ، ومكرنا مكرا وهم لا ~~يشعرون. فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين. فتلك بيوتهم ms3352 ~~خاوية بما ظلموا ، إن في ذلك لآية لقوم يعلمون ) (1). # وقال سبحانه : ( @QUR@05 فخر عليهم السقف من فوقهم ) مع أن السقف لا يكون ~~إلا من فوق ، لتأكيد الكلام وتقويته. # وقال القرطبي : قال ابن الأعرابى : وكد ليعلمك أنهم كانوا حالين تحته ، ~~والعرب تقول : خر علينا سقف ، ووقع علينا حائط ، إذا كان يملكه وإن لم يكن ~~وقع عليه. فجاء بقوله : «من فوقهم» ليخرج هذا الشك الذي في كلام العرب ، ~~فقال : «من فوقهم» أى : عليهم وقع وكانوا تحته فهلكوا وما أفلتوا ..» (2). # هذا ومن المفسرين الذين رجحوا أن الآية مسوقة على سبيل التمثيل ، الفخر ~~الرازي. فقد قال : وفي قوله سبحانه ( @QUR@05 فأتى الله بنيانهم من القواعد ~~) قولان : # الأول : أن هذا محض التمثيل. # والمعنى أنهم رتبوا حيلا ليمكروا بها على أنبياء الله ، فجعل الله تعالى ~~حالهم في تلك الحيل ، مثل حال قوم بنوا بنيانا وعموده بالأساطين ، فانهدم ~~ذلك البناء ، وضعفت تلك الأساطين ، فسقط السقف عليهم ، ونظيره قولهم : من ~~حفر بئرا لأخيه أوقعه الله فيه. # ووجه الشبه أن ما عدوه سبب بقائهم ، صار سبب استئصالهم وفنائهم. # الثاني : أن المراد منه ما دل عليه الظاهر ، وهو أن الله تعالى أسقط ~~عليهم السقف وأماتهم تحته. # والأول أقرب إلى المعنى (3). # ومن المفسرين الذين رجحوا أن الكلام على حقيقته ، الإمام ابن جرير فقد ~~قال بعد أن سرد بعض الأقوال : وأولى الأقوال بتأويل الآية قول من قال : ~~معنى ذلك ، تساقطت PageV08P134 # عليهم سقوف بيوتهم ، إذ أتى على أصولها وقواعدها أمر الله ، فانكفأت بهم ~~منازلهم ، لأن ذلك هو الكلام المعروف من قواعد البنيان وخر السقف. # وتوجيه معاني كلام الله إلى الأشهر الأعرف منها ، أولى من توجيهها إلى ~~غير ذلك ما وجد إليه سبيل» (1). # ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن جرير رحمه الله أولى بالقبول ، لأنه مادام ~~اللفظ صالحا للحمل على الحقيقة ، فلا داعي لصرفه عن ذلك. # وقد حكى لنا القرآن الكريم صنوفا من العذاب الذي أنزله الله تعالى ~~بالظالمين ، ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@028 فكلا أخذنا بذنبه ، فمنهم من ~~أرسلنا عليه حاصبا. ومنهم من أخذته الصيحة ms3353 ، ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم ~~من أغرقنا ، وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) (2). # ثم بين سبحانه مصيرهم في الآخرة ، بعد أن بين عاقبة مكرهم في الدنيا فقال ~~تعالى : ( @QUR@011 ثم يوم القيامة يخزيهم ، ويقول أين شركائي الذين كنتم ~~تشاقون فيهم .. ). # أى : هذا هو مصير هؤلاء المستكبرين في الدنيا ، أما مصيرهم في الآخرة فإن ~~الله تعالى يذلهم ويهينهم ويفضحهم على رؤوس الأشهاد ، ويقول لهم على سبيل ~~التقريع والتوبيخ : أين شركائى في العبادة والطاعة ، الذين كنتم تعادون ~~وتخاصمون المؤمنين في شأنهم ، قائلين لهم : إنكم لا بد لكم من إشراكهم معى ~~في العبادة. # وجيء بثم المفيدة للترتيب النسبي ، للإشارة إلى ما بين الجزاءين من تفاوت ~~فإن خزي الآخرة أشد وأعظم مما نزل بهم من دمار في الدنيا. # والاستفهام في قوله «أين شركائى ..» للتهكم بهم وبمعبوداتهم الباطلة التي ~~كانوا يعبدونها في الدنيا ، فإنهم كانوا يقولون للمؤمنين إن صح ما تقولونه ~~من العذاب في الآخرة ، فان الأصنام ستشفع لنا. # أى : أين هؤلاء الشركاء ليدفعوا عنكم ما نزل بكم من خزي وذلة وعذاب ~~مهين؟! وأضاف سبحانه الشركاء إليه ، لزيادة توبيخهم ، لأنهم في هذا اليوم ~~العظيم ، يعلمون PageV08P135 # علم اليقين أنه لا شركاء له سبحانه وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( ~~@QUR@08 ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون ) (1). # قال الجمل ما ملخصه : وقوله : «تشاقون» من المشاقة وهي عبارة عن كون كل ~~واحد من الخصمين في شق غير شق صاحبه. # وقرأ نافع «تشاقون» بكسر النون خفيفه ، وقرأ الباقون بفتح النون ، ~~ومفعوله محذوف. أى : تشاقون المؤمنين ، أو تشاقون الله ، بدليل القراءة ~~الأولى ...» (2). # ثم حكى سبحانه ما يقوله أولو العلم في هذا الموقف الهائل الشديد فقال ~~تعالى : ( @QUR@010 قال الذين أوتوا العلم ، إن الخزي اليوم والسوء على ~~الكافرين ). # والمراد بالذين أوتوا العلم ، كل من اهتدى إلى الحق في الدنيا ؛ وأخلص ~~لله تعالى العبادة والطاعة. # أى : قال الذين هداهم الله تعالى إلى صراطه المستقيم ، في هذا اليوم ~~العصيب ، إن الخزي الكامل ، في هذا اليوم ، والسوء الذي ليس بعده سوء ، على ~~هؤلاء ms3354 الكافرين ، أصحاب القلوب المنكرة للحق ، والنفوس الجاحدة لليوم الآخر ~~وما فيه من حساب. # وجيء بجمله «قال الذين أوتوا العلم ..» غير معطوفة على ما قبلها ، لأنها ~~واقعة موقع الجواب لقوله سبحانه «أين شركائى ...» وللتنبيه على أن الذين ~~أوتوا العلم سارعوا بالجواب بعد أن وجم المستكبرون ، وعجزوا عن الإجابة. # وقولهم هذا يدل على شماتتهم بأعداء الله تعالى ، وتوبيخهم لهم على كفرهم ~~، واستكبارهم عن الاستماع إلى كلمة الحق. # وقال سبحانه : ( @QUR@04 قال الذين أوتوا العلم ... ) بلفظ الماضي ، مع ~~أن هذا القول سيكون في الآخرة ، للإشارة إلى تحقق وقوعه ، وأنه كائن لا محالة. # ثم صور سبحانه أحوال هؤلاء الكافرين ساعة انتزاع أرواحهم من أجسادهم ~~وساعة وقوفهم للحساب ، فقال تعالى : ( @QUR@012 الذين تتوفاهم الملائكة ~~ظالمي أنفسهم ، فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء ...... ). # قال الآلوسى : وفي الموصول أوجه الإعراب الثلاثة : الجر على أنه صفة ~~للكافرين ، PageV08P136 # أو بدل منه ، أو بيان له ، والنصب والرفع على القطع للذم. وجوز بعضهم ~~كونه مرتفعا بالابتداء ، وجملة «فألقوا» خبره ..» (1). # والمراد بالملائكة : عزرائيل ومن معه من الملائكة. # والمراد بظلمهم لأنفسهم : إشراكهم مع الله تعالى آلهة أخرى في العبادة. # أى : إن أشد أنواع الخزي والعذاب يوم القيامة على الكافرين ، الذين تنتزع ~~الملائكة أرواحهم من أجسادهم وهم ما زالوا باقين على الكفر والشرك دون أن ~~يتوبوا منهما ، أو يقلعوا عنهما. وقوله : «ظالمي أنفسهم» حال من مفعول ~~تتوفاهم. # وفي وصف هؤلاء الكافرين بكونهم «ظالمي أنفسهم» إشعار إلى أن الملائكة ~~تنتزع أرواحهم من جنوبهم بغلظة وقسوة ، ويشهد لذلك قوله تعالى : ( @QUR@010 ~~ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ... ) (2). # وقوله «فألقوا السلم» بيان لما صار إليه هؤلاء المستكبرون من ذل وخضوع في ~~الآخرة ، بعد أن كانوا مغترين متجبرين في الدنيا. # وأصل الإلقاء يكون في الأجسام والمحسات فاستعير هنا لإظهار كمال الخضوع ~~والطاعة ، حيث شبهوا بمن ألقى سلاحه أمام الأقوى منه ، بدون أية مقاومة أو حركة. # والمراد بالسلم : الاستسلام والاستكانة. أى : أنهم عند ما عاينوا الموت ، ~~وتجلت لهم الحقائق يوم القيامة ، خضعوا واستكانوا واستسلموا وانقادوا ، ~~وقالوا : ما ms3355 كنا في الدنيا نعمل عملا سيئا ، توهما منهم أن هذا القول ~~ينفعهم. # وقد حكى الله تعالى عنهم في آيات أخرى ما يشبه هذا القول ، ومن ذلك قوله ~~تعالى : ( @QUR@012 ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا ~~مشركين ). # وقوله سبحانه ( @QUR@07 بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون ) تكذيب لهم في ~~دعواهم أنهم ما كانوا يعملون السوء لأن لفظ «بلى» لإبطال ما نفوه. # أى : بلى كنتم تعملون السوء ، لأن الله تعالى لا تخفى عليه خافية من ~~أعمالكم ، PageV08P137 # وسيجازيكم عنها بما تستحقون وهذا التكذيب لهم قد يكون من الملائكة بأمر ~~الله تعالى وقد يكون من قبله سبحانه . # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها ... ) بيان لما ~~انتهى إليه أمرهم من عذاب مهين. # وأبواب جهنم قد ذكر سبحانه عددها في قوله تعالى : ( @QUR@08 لها سبعة ~~أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ) (1). # أى : فادخلوا أيها الكافرون من أبواب جهنم ، حالة كونكم خالدين فيها ~~خلودا أبديا «فلبئس مثوى المتكبرين» أى فلبئس مقام المتعاظمين عن الإيمان ~~بالله جهنم. # وبذلك نرى الآيات الكريمة. قد بينت بأسلوب مؤثر ، مصير المستكبرين الذين ~~وصفوا القرآن بأنه أساطير الأولين ، والذين جادلوا المؤمنين بالباطل ~~ليدحضوا به الحق. # وبعد أن بين سبحانه أقوال المستكبرين ، وأحوالهم ، وسوء عاقبتهم أتبع ذلك ~~ببيان أحوال المتقين ، وببيان ما أعده لهم من خيرات فقال تعالى : # ( @QUR@021 وقيل للذين اتقوا ما ذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في ~~هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين (30) @QUR@015 جنات ~~عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاؤن كذلك يجزي الله ~~المتقين (31) @QUR@012 الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ~~ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ) (32) PageV08P138 # فقوله سبحانه : ( @QUR@09 وقيل للذين اتقوا ما ذا أنزل ربكم قالوا خيرا ~~.. ) بيان لما رد به المؤمنون الصادقون ، على من سألهم عما أنزله الله ~~تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وهو معطوف على ما قبله ، للمقابلة بين ~~ما قاله المتقون ، وما قاله المستكبرون. # ووصفهم بالتقوى ، للاشعار بأن صيانتهم لأنفسهم عن ارتكاب ما نهى ms3356 الله ~~تعالى عنه ، وخوفهم منه سبحانه ومراقبتهم له ، كل ذلك حملهم على أن يقولوا ~~هذا القول السديد. وكلمة «خيرا» مفعول لفعل محذوف أى : أنزل خيرا. أى : ~~رحمة وبركة ونورا وهداية ، إذ لفظ «خيرا» من الألفاظ الجامعة لكل فضيلة. # قال صاحب الكشاف : فان قلت لم نصب هذا ورفع الأول؟. # قلت : فصلا بين جواب المقر وجواب الجاحد ، يعنى أن هؤلاء لما سئلوا لم ~~يتلعثموا وأطبقوا الجواب على السؤال بينا مكشوفا مفعولا للإنزال ، فقالوا ~~خيرا. أى أنزل خيرا. وأولئك عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا : هو أساطير ~~الأولين وليس من الإنزال في شيء (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ) جملة ~~مستأنفة لبيان ما وعدهم به تعالى على أعمالهم الصالحة من أجر وثواب. # أى : هذه سنتنا في خلقنا أننا نجازي الذين يعملون الصالحات بالجزاء الحسن ~~الكريم ، دون أن نضيع من أعمالهم شيئا. # وقوله «حسنة» صفة لموصوف محذوف أى : مجازاة حسنة بسبب أعمالهم الصالحة. # كما قال تعالى في آية اخرى : ( @QUR@018 من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو ~~مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) (2). # ثم بين سبحانه جزاءهم في الآخرة فقال : ( @QUR@06 ولدار الآخرة خير ، ~~ولنعم دار المتقين ). والمراد بدار الآخرة : الجنة ونعيمها. # و «خير» صيغة تفضيل ، حذفت همزتها لكثرة الاستعمال على سبيل التخفيف ، كما ~~قال ابن مالك : # وغالبا أغناهم خير وشر %~% عن قولهم أخير منه وأشر PageV08P139 # ونعم : فعل ماض لإنشاء المدح ، وهو ضد بئس. # والمعنى : ولدار الآخرة وما فيها من عطاء غير مقطوع ، خير لهؤلاء المتقين ~~مما أعطيناهم في الدنيا ، ولنعم دارهم هذه الدار. قال تعالى : ( @QUR@07 بل ~~تؤثرون الحياة الدنيا. والآخرة خير وأبقى ) (1). # ووصفها سبحانه بالآخرة ، لأنها آخر المنازل ، فلا انتقال عنها إلى دار ~~أخرى ، كما قال تعالى : ( @QUR@06 خالدين فيها لا يبغون عنها حولا ). # والمخصوص بالمدح محذوف لتقدم ما يدل عليه ، والتقدير : ولنعم دار المتقين ~~، دار الآخرة. # ثم وصف سبحانه ما أعده لهم من نعيم فقال : ( @QUR@07 جنات عدن يدخلونها ~~تجري من تحتها الأنهار ). # والعدن : الإقامة الدائمة : يقال : عدن فلان ببلد ms3357 كذا ، إذا توطن فيه ~~وأقام دون أن يبرحه أى : لهؤلاء المتقين : جنات دائمة باقية ، يدخلونها ~~بسرور وحبور ، تجرى من تحت بساتينها وأشجارها الأنهار. # «لهم فيها ما يشاءون» مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين «كذلك يجزى الله ~~المتقين» أى : مثل هذا الجزاء الحسن ، يجزى الله تعالى عباده المتقين ، ~~الذين جنبوا أنفسهم مالا يرضيه. # ثم حكى سبحانه ما تحييهم به الملائكة فقال : ( @QUR@07 الذين تتوفاهم ~~الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم .. ). # أى : هذا الجزاء الحسن لهؤلاء المتقين ، الذين تتوفاهم الملائكة ، أى : ~~تقبض أرواحهم ، حال كونهم «طيبين» أى : مطهرين من دنس الشرك والفسوق ~~والعصيان. # «يقولون» أى الملائكة لهؤلاء المتقين عند قبض أرواحهم ، «سلام عليكم» أى ~~: أمان عليكم من كل شر ومكروه. # «ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون» أى : بسبب ما قدمتموه من أعمال صالحة. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@09 إن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا تتنزل عليهم PageV08P140 # @QUR@010 الملائكة ، ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم ~~توعدون ) (1). # هذا ، ولا تعارض بين قوله تعالى ( @QUR@02 تتوفاهم الملائكة ) وبين قوله ~~في آية أخرى ( @QUR@04 قل يتوفاكم ملك الموت ) وبين قوله في آية ثالثة ( ~~@QUR@05 الله يتوفى الأنفس حين موتها ). # لأن إسناد التوفي إلى ذاته تعالى ، باعتبار أن أحدا لا يموت إلا بمشيئته ~~تعالى ، وإسناده إلى ملك الموت باعتباره هو المأمور بقبض الأرواح ، وإسناده ~~إلى الملائكة باعتبارهم أعوانا له ، ولا تعارض أيضا بين قوله تعالى ( ~~@QUR@05 ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ) وبين ما جاء في الحديث الصحيح : ~~«لن يدخل أحدا عمله الجنة ..». # لأن الأعمال الصالحة إنما هي أسباب عادية لدخول الجنة ، أما السبب ~~الحقيقي فهو فضل الله تعالى ورحمته ، حيث قبل هذه الأعمال ، وكافأ أصحابها عليها. # وبعد أن بينت السورة الكريمة جانبا من أقوال المتقين ، وبشرتهم بما يسرهم ~~ويشرح صدورهم ، عادت مرة أخرى لتهديد الكافرين ، لعلهم يزدجرون أو يتذكرون ~~، فقال تعالى : # ( @QUR@022 هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل ~~الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (33) @QUR@010 ~~فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن ms3358 ) (34) # والاستفهام في قوله سبحانه ( @QUR@02 هل ينظرون .. ) إنكارى في معنى النفي. # «ينظرون» هنا بمعنى ينتظرون ، من الإنظار بمعنى الإمهال ، والضمير ~~المرفوع يعود إلى أولئك المتكبرين الذين وصفوا القرآن بأنه أساطير الأولين ~~، والذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ، كما جاء في الآيات السابقة. # أى : ما ينتظر أولئك المتكبرون الذين لا يؤمنون بالآخرة ، إلا أن تأتيهم ~~الملائكة لنزع PageV08P141 # أرواحهم من أجسادهم ، أو يأتى أمر ربك أيها الرسول الكريم بإهلاكهم ، أو ~~بإنزال العذاب بهم من حيث لا يشعرون. # وليس المراد من الجملة الكريمة ، أنهم ينتظرون ذلك على سبيل الحقيقة ، ~~لأن إصرارهم على الكفر جعلهم يستهينون بهذا التهديد وإنما المراد أنهم حين ~~أصروا على الكفر مع ظهور البراهين على بطلانه ، صار حالهم كحال المترقب ~~لنزول أحد الأمرين : قبض الملائكة لأرواحهم ، أو نزول العذاب بهم. # فالجملة الكريمة تهديد لهم في تماديهم في الكفر ، وتحريض لهم على الإيمان ~~قبل فوات الأوان. # قال الجمل : و «أو» في قوله «أو يأتى أمر ربك» مانعة خلو ، فإن كلا من ~~الموت والعذاب يأتيهم وإن اختلف الوقت ، وإنما عبر بأو دون الواو ، للاشارة ~~إلى كفاية كل واحد من الأمرين في تعذيبهم ...» (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 كذلك فعل الذين من قبلهم ). تسلية للرسول ~~صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم من أذى. # أى : مثل هذا الفعل الشنيع الذي صدر عن الكافرين من قومك يا محمد فعل ~~الذين من قبلهم من أقوام الرسل السابقين ، كقوم نوح وقوم هود ، وقوم صالح ، ~~فإنهم قد آذوا رسلهم. كما آذاك قومك. # وقد أنزلنا بهم ما يستحقون من عقاب دنيوى ، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى. # وقوله سبحانه ( @QUR@07 وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ). ~~بيان لعدالة الله تعالى وأنه سبحانه لا يظلم الناس شيئا. # أى : وما ظلمهم الله حين أنزل بهم عقابه : ولكن هم الذين ظلموا أنفسهم ~~بترديهم في الكفر ، وإصرارهم عليه ، ومحاربتهم لمن جاء لإخراجهم من الظلمات ~~إلى النور. # وقوله سبحانه : ( @QUR@010 فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به ~~يستهزؤن ) معطوف على قوله ( @QUR@05 كذلك فعل الذين من قبلهم ) وما بينهما ~~اعتراض. ms3359 # وحاق : بمعنى أحاط ، من الحيق بمعنى الإحاطة ، وبابه باع ، يقال : حاق ~~يحيق ، وخص في الاستعمال بإحاطة الشر ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@06 ولا ~~يحيق المكر السيئ إلا بأهله ). PageV08P142 # أى : هكذا تمادى أسلافهم في الكفر والجحود ، فأصابهم جزاء سيئات أعمالهم ~~، وأحاط بهم العذاب من كل جانب ، بسبب كفرهم وسخريتهم بالرسل وبما أخبروهم ~~به من حساب وثواب وعقاب في الآخرة ، وسيقال لهؤلاء المجرمين يوم القيامة ~~وهم يردون النار : ( @QUR@06 هذه النار التي كنتم بها تكذبون ) (1). # وبذلك نرى أن هاتين الآيتين ، قد هددتا الكافرين ودعتهما إلى الدخول في ~~الحق ، وحذرتاهم من انتهاج نهج الظالمين من قبلهم. # ثم حكى سبحانه بعض أقاويلهم الباطلة ، ومعاذيرهم الفاسدة ، ورد عليهم بما ~~يدحضها ويدمغها ، فقال تعالى : # ( @QUR@032 وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ~~ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على ~~الرسل إلا البلاغ المبين (35) @QUR@028 ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن ~~اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة ~~فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين (36) @QUR@014 إن تحرص على ~~هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين ) (37) # إن هذه الآيات الكريمة ، تعالج شبهة من الشبهات القديمة الحديثة. # قديمة ، لأن كثيرا من مجادلى الرسل عليهم الصلاة والسلام جادلوا بها. # وحديثة ، لأنها كثيرا ما تراود الذين يتمسكون بالأوهام ، إرضاء لنزواتهم ~~وشهواتهم. # إنهم جميعا يقولون عند ارتكابهم للقبائح والمنكرات : هذا أمر الله وهذا ~~قضاؤه ، وتلك PageV08P143 # مشيئته وإرادته ، ولو شاء الله عدم فعلنا لهذه الأشياء لما فعلناها ~~ومادام الله تعالى قد قضى علينا بها فما ذنبنا؟ ولما ذا يعاقبنا عليها ~~مادام قد شاءها لنا؟ # استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى هذه الشبهة بأسلوبه الخاص فيقول : ( ~~@QUR@021 وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا ~~آباؤنا ، ولا حرمنا من دونه من شيء ... ). # أى : وقال الذين أشركوا ، مع الله تعالى آلهة أخرى في العبادة ، لنبيهم ~~صلى الله عليه وسلم ms3360 : # لو شاء الله تعالى لنا عبادته وحده لعبدناه نحن وآباؤنا الذين هم قدوتنا. # ولو شاء لنا ولآبائنا أيضا ألا نحرم شيئا مما حرمناه من البحائر والسوائب ~~وغيرهما ، لتمت مشيئته ، ولما حرمنا شيئا لم يأذن به سبحانه . # ولكنه عز وجل لم يشأ ذلك ، بل شاء لنا أن نشرك معه في العبادة هذه الأصنام ~~، وأن نحرم بعض الأنعام ، وقد رضى لنا ذلك ، فلما ذا تطالبنا يا محمد ~~صلى الله عليه وسلم بتغيير مشيئة الله ، وتدعونا إلى الدخول في دين الإسلام ~~والذي لم يشأ لنا الله تعالى الدخول فيه؟ # هذه حجتهم ، ولا شك أنها حجة داحضة ، لأنهم يحيلون شركهم وفسوقهم على ~~مشيئة الله تعالى مع أن مشيئته تعالى لم يطلع عليها أحد من خلقه حتى يقولوا ~~ما قالوا. # وإنما الذي أطلعنا عليه سبحانه أنه أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم لهدايتنا ~~، ومنحنا العقول التي نميز بها بين الحق والباطل ، فمن أطاع الرسول ~~صلى الله عليه وسلم سعد وفاز ، ومن أعرض عن هدايته خسر وخاب ، قال تعالى : ( ~~@QUR@017 إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا. إنا ~~هديناه السبيل ، إما شاكرا وإما كفورا ) (1). # وقال سبحانه : ( @QUR@010 وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء ~~فليكفر .. ) (2). # ولقد حكى سبحانه شبهة المشركين هذه في آيات أخرى ورد عليها ، ومن ذلك ~~قوله تعالى ( @QUR@015 وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم ~~إن هم إلا يخرصون ) (3). # وقوله سبحانه : ( @QUR@027 سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا ~~آباؤنا ، ولا حرمنا من شيء ، كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا ، قل ~~هل عندكم من علم PageV08P144 # @QUR@018 فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون. قل فلله ~~الحجة البالغة ، فلو شاء لهداكم أجمعين .. ) (1). # هذا ، وقد قلنا عند تفسيرنا لهذه الآيات ما ملخصه : ونريد أن نزيد هذه ~~الشبهة القديمة الحديثة تمحيصا وكشفا ودفعا ، فنقول لأولئك الذين يبررون ~~ارتكابهم للموبقات بأنها واقعة بمشيئة الله. # نقول لهم : نحن معكم في أنه لا يقع في ملكه سبحانه إلا ms3361 ما يشاؤه. فالطائع ~~تحت المشيئة ، والعاصي تحت المشيئة ، ولكن هذه المشيئة لم تجبر أحدا على ~~طاعة أو معصية ، وقضاء الله هو علمه بكل ما هو كائن قبل أن يكون وليس العلم ~~صفة تأثير وجبر. # ولقد شاء سبحانه أن يجعل في طبيعة البشر الاستعداد للخير والشر ، ووهبهم ~~العقل ليهتدوا به ، وأرسل إليهم الرسل لينمو فيهم استعدادهم ، وسن لهم ~~شريعة لتكون مقياسا ثابتا لما يأخذون وما يدعون ، كي لا يتركهم لعقولهم وحدها. # وإذا فمشيئة الله متحققة حسب سنته التي ارتضاها ، سواء اتخذ العبد طريقه ~~إلى الهدى أم إلى الضلال ، وهو مؤاخذ إن ضل ، ومأجور إذا اهتدى ، غير أن ~~سنة الله اقتضت أن من يفتح عينيه يبصر النور ، ومن يغمضهما لا يراه. # كذلك من يفتح قلبه لإدراك دلائل الإيمان يهتدى ، ومن يحجب قلبه عنها يضل. ~~سنة الله ولن تجد لسنته تبديلا. # وإذا فزعم الزاعمين بأن الله شاء هذا ، على معنى أنه أجبرهم عليه ، فهم ~~لا يستطيعون عنه فكاكا ، إنما هو زعم باطل لا سند له من العلم والتفكير ~~الصحيح ..» (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 كذلك فعل الذين من قبلهم ) تسلية لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عما قاله هؤلاء المشركون من كذب ، وما نطقوا به من باطل. # واسم الإشارة «كذلك» يعود إلى إشراكهم وتحريمهم لما أحله الله تعالى أى : ~~مثل ذلك الفعل الشنيع الذي فعله قومك معك يا محمد ، فعل أشباههم السابقون ~~مع أنبيائهم الذين أرسلهم الله تعالى لهدايتهم ، فلا تبتئس أيها الرسول ~~الكريم مما فعله معك مشركو قومك. فإننا لولا وجودك فيهم ، لأنزلنا بهم ما ~~أنزلنا على سابقيهم من عذاب. PageV08P145 # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@06 فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ) ~~. إنكارى في معنى النفي. والبلاغ : اسم مصدر بمعنى الإبلاغ. والمبين : ~~الواضح الصريح. # أى : ما على الرسل الكرام الذين أرسلهم الله تعالى لإرشاد أقوامهم إلى ~~الصراط المستقيم إلا الإبلاغ الواضح ، المظهر لأحكام الله ، المميز بين ~~الحق والباطل ، أما إجبار الناس على الدخول في الحق فليس من وظيفتهم. # قال تعالى : ( @QUR@013 وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو ms3362 نتوفينك ، فإنما ~~عليك البلاغ وعلينا الحساب ) (1). # وقال تعالى : ( @QUR@08 ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء .. ) (2). # ثم بين سبحانه أن من رحمته بعباده ، أن أرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين ~~؛ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ، فقال تعالى : ( @QUR@011 ولقد ~~بعثنا في كل أمة رسولا ، أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت .. ). # والطاغوت : اسم لكل معبود من دون الله تعالى ، كالأصنام والأوثان وغير ~~ذلك من المعبودات الباطلة ، مأخوذ من طغا يطغى طغوا .. إذا جاوز الحد في ~~الضلال. # أى : ولقد اقتضت حكمتنا ورحمتنا أن نبعث في كل أمة ، من الأمم السالفة ~~«رسولا» من رسلنا الكرام ، ليرشدوا الناس إلى الحق والخير ، وليقولوا «أن ~~اعبدوا الله» تعالى وحده ، «واجتنبوا» عبادة «الطاغوت» الذي يضل ولا يهدى. # وأكد سبحانه الجملة باللام وقد ، للرد على ما زعمه المشركون من أن الله ~~تعالى لم ينكر عليهم عبادتهم لغيره ، وأنه سبحانه راض لتحريمهم لما أحله. ~~حيث بين لهم عز وجل أنه قد أرسل الرسل للدعوة إلى عبادته وحده ، ولتجنب ~~عبادة أحد سواه. و «أن» في قوله «أن اعبدوا ..» تفسيرية ، لأن البعث يتضمن ~~معنى القول ، إذ هو بعث للتبليغ. # ثم بين سبحانه موقف هؤلاء الأقوام من رسلهم فقال تعالى : ( @QUR@09 فمنهم ~~من هدى الله ، ومنهم من حقت عليه الضلالة .. ). PageV08P146 # أى : بعثنا في كل أمة من الأمم السابقة رسولا لهداية أبنائها فمن هؤلاء ~~الأبناء من هداهم الله تعالى إلى الحق وإلى الصراط المستقيم. بأن وفقهم ~~إليه ، لانشراح صدورهم له ، ومنهم من ثبتت وحقت عليه الضلالة ، لاستحبابه ~~العمى على الهدى. # وأسند سبحانه هداية بعض أفراد هذه الأمم إليه ، مع أنه أمر جميعهم على ~~ألسنة رسله بالدخول في طريق الهدى ، للرد على المشركين الذين أحالوا شركهم ~~وفسوقهم على مشيئة الله ، إذ أن الله تعالى قد بين للناس جميعا طرق الخير ~~وطرق الشر ، فمنهم من استجاب للأولى ، ومنهم من انحدر إلى الثانية ، ~~وكلاهما لم يقسره الله تعالى قسرا على الهدى أو الضلال. # فاهتداء المهتدين إنما هو بسبب اختيارهم لذلك ، واتباعهم الرسل ، وضلال ~~الضالين إنما هو بسبب ms3363 استحواذ الشيطان عليهم. # وعبر سبحانه في جانب الضالين بقوله : ( @QUR@05 ومنهم من حقت عليه ~~الضلالة ) للإشارة إلى أنهم لم يستجيبوا لما أرشدهم سبحانه إليه ، بل ظلوا ~~ثابتين مصممين على البقاء في طريق الضلالة ، ( @QUR@010 فلما زاغوا أزاغ ~~الله قلوبهم ، والله لا يهدي القوم الفاسقين ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة ~~المكذبين ). تحريض لهم على التأمل في آثار المكذبين ، لعلهم عن طريق هذا ~~التأمل والتدبر يثوبون إلى رشدهم ، ويعودون إلى صوابهم ، ويدركون سنة من ~~سنن الله في خلقه ، وهي أن العاقبة الطيبة للمتقين ، والعاقبة السيئة ~~للكافرين. # والفاء في قوله «فسيروا ...» للتفريع ، وقد جيء بها للإشعار بوجوب ~~المبادرة إلى التأمل والاعتبار. # أى : إن كنتم في شك مما أخبرناكم به ، فسارعوا إلى السير في الأرض ، ~~لتروا بأعينكم آثار المجرمين ، الذين كذبوا الرسل وأسندوا شركهم إلى مشيئة ~~الله. لقد نزل بهؤلاء المكذبين عذاب الله ، فدمرهم تدميرا ( @QUR@07 وإنكم ~~لتمرون عليهم مصبحين. وبالليل أفلا تعقلون ) (2). # ثم أخبر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن حرصه على هداية المصرين ~~على ضلالهم ، لن يغير من واقع أمرهم شيئا ، فقال تعالى ( @QUR@010 إن تحرص ~~على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل .. ). PageV08P147 # والفعل المضارع «تحرص» بكسر الراء ، ماضيه «حرص» بفتحها كضرب يضرب. # والحرص : شدة الرغبة في الحصول على الشيء ، والاستئثار به. # وقوله : ( @QUR@06 فإن الله لا يهدي من يضل ) تعليل لجواب الشرط المحذوف ~~، والتقدير : إن تحرص أيها الرسول الكريم على هداية هؤلاء المصرين على ~~كفرهم لن ينفعهم حرصك. فإن الله تعالى قد اقتضت حكمته أن لا يهدى من يخلق ~~فيه الضلالة بسبب سوء اختياره ، وفساد استعداده. # وفي الجملة الكريمة إشارة إلى ما جبل عليه النبي صلى الله عليه وسلم من ~~مكارم الأخلاق ، فإنه مع ما لقيه من مشركي قومه من أذى وعناد وتكذيب ... ~~كان حريصا على ما ينفعهم ويسعدهم. # قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله ( @QUR@06 فإن الله لا يهدي من يضل ) جواب ~~الشرط على معنى فاعلم ذلك ، أو علة للجواب المحذوف ، أى : إن تحرص على ~~هداهم لن ينفع حرصك شيئا ms3364 ، فإن الله لا يهدى من يضل. # والمراد بالموصول : كفار قريش المعبر عنهم قبل ذلك بالذين أشركوا ، ووضع ~~الموصول موضع ضميرهم ؛ للتنصيص على أنهم ممن حقت عليهم الضلالة وللإشعار ~~بعلة الحكم. # ومعنى الآية : أنه سبحانه لا يخلق الهداية جبرا وقسرا فيمن يخلق فيه ~~الضلالة بسوء اختياره. و «من» على هذا. مفعول «يهدى» وضمير الفاعل في «يضل» ~~لله تعالى والعائد محذوف ، أى من يضله. # وقرأ غير واحد من السبعة «فإن الله لا يهدى ..» بضم الياء وفتح الدال على ~~البناء للمفعول. # و «من» على هذا نائب فاعل ، والعائد وضمير الفاعل كما مر ..» (1). # والمعنى على هذه القراءة : إن تحرص على هداهم يا محمد لن ينفعهم حرصك ، ~~فإن من أضله الله تعالى لا يهديه أحد. # وقوله : ( @QUR@04 وما لهم من ناصرين ) تذييل مؤكد لما قبله. # أى : وليس لهؤلاء الضالين من ناصر يدفع عنهم عذاب الله تعالى إن نزل بهم ، PageV08P148 # أو يصرفهم عن سبيل الغي الذي آثروه على سبيل الرشد. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@010 ومن يرد الله فتنته فلن تملك ~~له من الله شيئا .. ) (1) وقوله تعالى : ( @QUR@010 من يضلل الله فلا هادي ~~له ويذرهم في طغيانهم يعمهون ) (2). # * * * # ثم حكى سبحانه بعد ذلك مقولة أخرى من مقولاتهم الباطلة ، التي أكدوها ~~بالأيمان المغلظة ، ورد عليها بما يدمغها ، فقال تعالى : # ( @QUR@018 وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا ~~عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (38) @QUR@011 ليبين لهم الذي يختلفون ~~فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين (39) @QUR@010 إنما قولنا لشيء ~~إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) (40) # قوله سبحانه : ( @QUR@04 وأقسموا بالله جهد أيمانهم ... ) معطوف على قوله ~~تعالى قبل ذلك : ( @QUR@015 وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من ~~دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ).. للإيذان بأنهم قد جمعوا بين إنكار التوحيد ~~وإنكار البعث بعد الموت. # والقسم : الحلف : وسمى الحلف قسما ، لأنه يكون عند انقسام الناس إلى مصدق ~~ومكذب والجهد بفتح الجيم المشقة. يقال جهد فلان دابته وأجهدها ، إذا حمل ~~عليها فوق طاقتها. وجهد الرجل في كذا ، إذا جد ms3365 فيه وبالغ ، وبابه قطع. # والمراد بقوله : ( @QUR@02 جهد أيمانهم ) أنهم أكدوا الأيمان ووثقوها بكل ~~ألفاظ التأكيد والتوثيق ، PageV08P149 # على أنه لا بعث ولا حساب بعد الموت ، لأنهم يزعمون أن إعادة الميت إلى ~~الحياة بعد أن صار ترابا وعظاما نخرة ، أمر مستحيل. # وقد أكدوا زعمهم هذا بالقسم ، للتدليل على أنهم متثبتون مما يقولونه. ~~ومتيقنون من صحة ما يدعونه ، من أنه لا يبعث الله من يموت. # قال القرطبي. قوله تعالى ( @QUR@04 وأقسموا بالله جهد أيمانهم .. ) هذا ~~تعجيب من صنعهم ، إذ أقسموا بالله وبالغوا في تغليظ اليمين بأن الله لا ~~يبعث من يموت. # ووجه العجب أنهم يظهرون تعظيم الله فيقسمون به ثم يعجزونه عن بعث ~~الأموات. # وقال أبو العالية : كان لرجل من المسلمين على مشرك دين فتقاضاه ، وكان في ~~بعض كلامه : والذي أرجوه بعد الموت إنه لكذا ، فأقسم المشرك بالله : لا ~~يبعث الله من يموت ، فنزلت الآية. # وفي البخاري عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم «قال الله تعالى ~~كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك ، وشتمني ولم يكن له ذلك ، فأما تكذيبه إياى ~~فقوله : لن يعيدني كما بدأنى ، وأما شتمه إياى فقوله : اتخذ الله ولدا ، ~~وأنا الأحد الصمد ، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد» (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ~~تكذيب لهم فيما زعموه من أن الله تعالى لا يبعث من يموت ، ورد عليهم فيما ~~قالوه بغير علم. و «بلى» حرف يؤتى به لإبطال النفي في الخبر والاستفهام. # أى : بلى سيبعث الله تعالى الأموات يوم القيامة ، وقد وعد بذلك وعدا صدقا ~~لا خلف فيه ولا تبديل ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون هذه الحقيقة لجهلهم ~~بكمال قدرة الله تعالى وعموم علمه ، ونفاذ إرادته ، وسمو حكمته. # قال الجمل : وقوله : ( @QUR@03 وعدا عليه حقا ) هذان المصدران منصوبان ~~على المصدر المؤكد ، أى : وعد ذلك وعدا ، وحق حقا. وقيل : حقا نعتا لوعدا ، ~~والتقدير ، بلى يبعثهم وعد بذلك وعدا حقا» (2). # وجيء بقوله «عليه» لتأكيد هذا الوعد ، تفضلا منه سبحانه وكرما. PageV08P150 # والمراد بالحق ms3366 هنا : الصدق الذي لا يتخلف ، والثابت الذي لا يتبدل. # أى : وعدا صادقا ثابتا لا يقبل الخلف ، لأن البعث من مقتضيات حكمته ~~سبحانه . # والمراد بأكثر الناس : المشركون ومن كان على شاكلتهم في إنكار البعث ~~والحساب والثواب والعقاب يوم القيامة. # وفي التنصيص على أكثر الناس ، مدح للأقلية منهم ، الذين آمنوا بالبعث ~~وبالآخرة وما فيها من حساب ، وهم المؤمنون الصادقون. # هذا ، وقد حكى سبحانه مزاعم المشركين ورد عليها في آيات كثيرة ومن ذلك ~~قوله تعالى : ( @QUR@014 زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا ، قل بلى وربي ~~لتبعثن ، ثم لتنبؤن بما عملتم .. ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@017 وضرب لنا مثلا ونسي خلقه ، قال من يحي العظام ~~وهي رميم. قل يحييها الذي أنشأها أول مرة .. ) (2). # ثم بين سبحانه الحكمة من بعث الناس يوم القيامة ، فقال تعالى : ( ~~@QUR@011 ليبين لهم الذي يختلفون فيه ، وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا ~~كاذبين ). # واللام في قوله «ليبين لهم ..» وفي قوله «وليعلم ..» متعلقة بما دل عليه ~~حرف «بلى» وهو يبعثهم. أى : بلى يبعث الله تعالى الموتى ، ليظهر لهم وجه ~~الحق فيما اختلفوا فيه في شأن البعث وغيره ، وليعلم الذين كفروا علم مشاهدة ~~ومعاينة ، أنهم كانوا كاذبين في قسمهم أن الله تعالى لا يبعث من يموت ، وفي ~~غير ذلك من أقوالهم الباطلة. # وفي إظهار الحق ، وفي بيان كذبهم يوم البعث ، حسرة وندامة لهم ، حيث ظهر ~~لهم ما أنكروه في الدنيا ، وما كانوا يستهزئون به ، عند ما كان الرسل عليهم ~~الصلاة والسلام يدعونهم إلى نبذ الشرك ، وإلى إخلاص العبادة لله تعالى وحده. # فالآية الكريمة قد بينت حكمتين لبعث الناس للحساب يوم القيامة ، الأولى ~~إظهار ما اختلفوا فيه في شأن البعث وغيره مما جاءتهم به الرسل. والثانية : ~~إظهار كذب الكافرين الذين أنكروا البعث واستهزءوا بمن دعاهم إلى الإيمان به. PageV08P151 # وقوله سبحانه : ( @QUR@010 إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن ~~فيكون ) استئناف لتأكيد قدرة الله تعالى النافذة ، وشمولها لكل شيء من بعث ~~وغيره ، وذلك لأن الكفار لما أقسموا بالله جهد أيمانهم بأنه سبحانه لا يبعث ~~الموتى ، ورد عليهم بما يبطل ms3367 مزاعمهم ، أتبع ذلك ببيان أن قدرته تعالى لا ~~يتعاصى عليها شيء ، ولا يحول دون نفاذها حائل. # قال الإمام ابن كثير : «أخبر سبحانه عن قدرته على ما يشاء ، وأنه لا ~~يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ، وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له ~~«كن فيكون». والمراد من ذلك إذا أراد كونه ، فإنما يأمر به مرة واحدة فيكون ~~كما يشاء ، قال تعالى : ( @QUR@06 وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ) (1) ~~وقال سبحانه ( @QUR@07 ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ) (2). # وقال سبحانه في هذه الآية ( @QUR@010 إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول ~~له كن فيكون ) أى : يأمر به دفعة واحدة فإذا هو كائن قال الشاعر : # إذا ما أراد الله أمرا فإنما %~% يقول له «كن» قولة فيكون # أى : أنه تعالى لا يحتاج إلى تأكيد فيما يأمر به ، فإنه سبحانه لا يمانع ~~ولا يخالف ، لأنه الواحد القهار العظيم ، الذي قهر سلطانه وجبروته وعزته كل ~~شيء ..» (3). # وقال بعض العلماء : وعبر تعالى عن المراد قبل وقوعه باسم الشيء ، لأن ~~تحقق وقوعه كالوقوع بالفعل ، فلا تنافى الآية إطلاق الشيء على خصوص الموجود ~~دون المعدوم ، لأنه لما سبق في علم الله أنه يوجد ذلك الشيء وأنه يقول كن ~~فيكون ، كان تحقق وقوعه بمنزلة وقوعه. # أو لأنه أطلق عليه اسم الشيء باعتبار وجوده المتوقع كتسمية العصير خمرا ~~في قوله ( @QUR@04 إني أراني أعصر خمرا .. ) نظرا لما يؤول إليه ..» (4). # وقوله «فيكون» قرأه الجمهور بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف ، أى : فهو يكون. # وقرأ ابن عامر والكسائي «فيكون» بالنصب عطفا على قوله «أن نقول له ..». PageV08P152 # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكت جانبا من أقوال المشركين ، وردت عليها ~~بما يبطلها ، ويزيد المؤمنين إيمانا على إيمانهم. # وبعد أن عرضت السورة الكريمة لأقاويل المشركين وردت عليها .. أتبعت ذلك ~~بذكر جانب من الثواب العظيم الذي أعده الله تعالى للمؤمنين الصادقين ، ~~الذين فارقوا الدار والأهل والخلان ، من أجل إعلاء كلمة الله تعالى ، فقال ~~سبحانه : # ( @QUR@018 والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا ~~حسنة ولأجر الآخرة ms3368 أكبر لو كانوا يعلمون (41) @QUR@05 الذين صبروا وعلى ~~ربهم يتوكلون ) (42) # أخرج ابن جرير عن قتادة قال : قوله تعالى : ( @QUR@08 والذين هاجروا في ~~الله من بعد ما ظلموا .. ) هؤلاء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم . ظلمهم أهل ~~مكة فأخرجوهم من ديارهم ، حتى لحق طائفة منهم بالحبشة ، ثم بوأهم الله ~~تعالى المدينة فجعلها لهم دار هجرة ، وجعل لهم أنصارا من المؤمنين. وعن ابن ~~عباس : هم قوم هاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل مكة ، بعد أن ~~ظلمهم المشركون ، (1). # والذي نراه أن الآية الكريمة تشمل هؤلاء ، وتشمل غيرهم ممن هاجر من بلده ~~إلى غيرها ، رجاء ثواب الله ، وخدمة لدينه. # والمهاجرة في الأصل تطلق على المفارقة والمتاركة للديار وغيرها ، ~~واستعملت شرعا في المهاجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان ، أو من دار الكفر ~~إلى غيرها لنشر دعوة الإسلام. # وقوله «لنبوئنهم» من التبوؤ بمعنى الإحلال والإسكان والإنزال يقال بوأ ~~فلان فلانا منزلا ، إذا أسكنه فيه ، وهيأه له. # «وحسنة» صفة لموصوف محذوف أى : لنبوئنهم تبوئة حسنة ، أو دارا حسنة. # والمراد بهذه الحسنة ما يشمل نزولهم في المدينة ، ونصرهم على أعدائهم ، ~~وإبدال خوفهم أمنا. PageV08P153 # قال القرطبي في المراد بالحسنة هنا ستة أقوال : نزول المدينة ؛ قاله ابن ~~عباس والحسن .. الثاني : الرزق الحسن. قاله مجاهد. الثالث : النصر على ~~عدوهم ، قاله الضحاك ، الرابع : لسان صدق ، حكاه ابن جريج. الخامس : ما ~~استولوا عليه من البلاد .. السادس : ما بقي لهم في الدنيا من ثناء ، وما ~~صار فيها لأولادهم من الشرف. # ثم قال : وكل ذلك قد اجتمع لهم بفضل الله تعالى » (1). # والمعنى : والذين هاجروا في سبيل الله ، وفارقوا قومهم وأوطانهم وأموالهم ~~وأولادهم .. من أجل إعلاء كلمته ، بعد أن تحملوا الكثير من أذى المشركين ~~وظلمهم وطغيانهم. # هؤلاء الذين فعلوا ذلك من أجل نصرة ديننا ، لنسكننهم في الدنيا مساكن ~~حسنة يرضونها ، ولنعطينهم عطاء حسنا يسعدهم ، ولننصرنهم على أعدائهم نصرا مؤزرا. # وقوله «في الله» أى : في سبيله ، ومن أجل نصرة دينه. فحرف «في» مستعمل ~~للتعليل ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم : «دخلت امرأة النار ms3369 في هرة حبستها ...». # والمقصود أن هذا الأجر الجزيل إنما هو للمهاجرين من أجل إعلاء كلمة الله ~~، ومن أجل نصرة الحق ، وليس لمن هاجر لنشر الظلم أو الفساد في الأرض. # وأسند فعل «ظلموا» إلى المجهول ، لظهور الفاعل من السياق وهو المشركون. # وفي ذلك إشارة إلى أن هؤلاء المهاجرين لم يفارقوا ديارهم ، إلا بعد أن ~~أصابهم ظلم أعدائهم لهم ، كتعذيبهم إياهم ، وتضييقهم عليهم ، إلى غير ذلك ~~من صنوف الأذى. # وأكد سبحانه الجزاء الحسن الذي وعدهم به باللام وبنون التوكيد «لنبوئنهم ~~..» ، زيادة في إدخال السرور والطمأنينة على قلوبهم ، وجبرا لكل ما اشتملت ~~عليه الهجرة من مصاعب وآلام وأضرار. # إذ الحسنة كما قلنا تشمل كل حسن أعطاه الله تعالى للمهاجرين في هذه ~~الدنيا. # أما في الآخرة فأجرهم أعظم ، وثوابهم أجزل ، كما قال تعالى : ( @QUR@06 ~~ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ). # والضمير في قوله «لو كانوا يعلمون» يعود على أعدائهم الظالمين. # أى : ولثواب الله تعالى لهم في الآخرة على هجرتهم من أجل إعلاء كلمته ، أكبر PageV08P154 # وأعظم ، ولو كان أعداؤهم الظالمون يعلمون ذلك لدخلوا في دين الإسلام ، ~~ولأقلعوا عن ظلمهم لهؤلاء المهاجرين. # وكأن جملة «لو كانوا يعلمون» جوابا عن سؤال تقديره : كيف لم يقتد بهم من ~~بقي على الكفر مع هذا الثواب الذي أعده الله لهؤلاء المهاجرين؟ # فكان الجواب : لو كان هؤلاء الكافرون يعلمون ذلك لأقلعوا عن كفرهم. # ويصح أن يكون الضمير يعود على المهاجرين ، فيكون المعنى : لو كانوا ~~يعلمون علم مشاهدة ومعاينة ما أعده الله لهم ، لما حزنوا على مفارقة ~~الأوطان والأولاد والأموال ، ولازدادوا حبا وشوقا واجتهادا في المهاجرة. # أخرج ابن جرير وابن المنذر عن عمر بن الخطاب ، أنه كان إذا أعطى الرجل من ~~المهاجرين عطاء يقول له «خذ بارك الله لك فيه ، هذا ما وعدك الله في الدنيا ~~، وما ذخره لك في الآخرة أفضل ، ثم تلا هذه الآية (1). # وجوز بعضهم أن يكون الضمير يعود للمتخلفين عن الهجرة أى : لو علم هؤلاء ~~المتخلفون عن الهجرة ، ما أعده سبحانه من أجر للمهاجرين ، لما تخلفوا عن ذلك. # وعلى ms3370 أية حال فلا مانع من أن يكون الضمير يعود على كل من يتأتى له العلم ~~، بهذا الثواب الجزيل لهؤلاء المهاجرين في سبيل الله تعالى . # ثم وصف سبحانه هؤلاء المهاجرين بوصفين كريمين فقال : ( @QUR@05 الذين ~~صبروا وعلى ربهم يتوكلون ) أى : هذا الأجر العظيم لهؤلاء المهاجرين الذين ~~صبروا على ما أصابهم من عدوان وظلم ، وفوضوا أمرهم إلى خالقهم ، فاعتمدوا ~~عليه وحده ، ولم يعتمدوا على أحد سواه. # وصفتا الصبر والتوكل على الله. إذا دخلا في قلب ، حملاه على اعتناق كل ~~فضيلة ، واجتناب كل رذيلة. # وعبر عن صفة الصبر بصيغة الماضي للدلالة على أن صبرهم قد آذن بالانتهاء ~~لانقضاء أسبابه وهو ظلم أعدائهم لهم ، لأن الله تعالى قد جعل لهم مخرجا ~~بالهجرة ، وذلك بشارة لهم. # وعبر عن صفة التوكل بصيغة المضارع للإشارة إلى أن هذه الصفة ديدنهم في كل وقت ، PageV08P155 # فهم متوكلون عليه سبحانه وحده في السراء والضراء ، وفي العسر واليسر ، ~~وفي المنشط والمكره. # والمتأمل في هاتين الآيتين الكريمتين ، يراهما قد غرستا في النفوس محبة ~~هذا الدين ، والاستهانة بكل ألم أو ضر أو مصيبة في سبيل إعلاء كلمته ، ~~والرغبة فيما عند الله تعالى من أجر وثواب. # ثم رد سبحانه على المشركين الذين أنكروا أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم ~~من البشر ، فبين سبحانه أن الرسل السابقين الذين لا ينكر المشركون نبوتهم ~~كانوا من البشر ، فقال تعالى . # ( @QUR@015 وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن ~~كنتم لا تعلمون (43) @QUR@012 بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين ~~للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ) (44) # قال الإمام ابن كثير : عن ابن عباس رضى الله عنهما : لما بعث الله تعالى ~~محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا ، أنكرت العرب ذلك ، أو من أنكر منهم ، وقالوا ~~: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا ، فأنزل الله : ( @QUR@08 أكان للناس ~~عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم .. ) (1) وقال : ( @QUR@08 وما أرسلنا من قبلك ~~إلا رجالا نوحي إليهم .. ) (2). # أى : وما أرسلنا من قبلك أيها الرسول الكريم لهداية الناس وإرشادهم إلى ~~الحق إلا رجالا مثلك ، وقد ms3371 أوحينا إليهم بما يبلغونه إلى أقوامهم ، من ~~نصائح وتوجيهات وعبادات وتشريعات ، وقد لقى هؤلاء الرسل من أقوامهم ، مثل ~~ما لقيت من قومك من أذى وتكذيب وتعنت في الأسئلة. # فالمقصود من الآية الكريمة تسلية النبي صلى الله عليه وسلم والرد على ~~المشركين فيما أثاروه حوله صلى الله عليه وسلم من شبهات. PageV08P156 # وقد حكى القرآن في مواطن عدة إنكار المشركين لبشرية الرسل ورد عليهم بما ~~يخرسهم ، ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@011 وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا ~~نوحي إليهم من أهل القرى .. ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@015 وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن ~~قالوا ، أبعث الله بشرا رسولا ) (2). # وقوله تعالى ( @QUR@016 ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات ، فقالوا ~~أبشر يهدوننا ، فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد ) (3). # والمراد بأهل الذكر في قوله «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون» علماء ~~أهل الكتاب أى : لقد اقتضت حكمتنا أن يكون الرسول من البشر في كل زمان ~~ومكان ، فإن كنتم في شك من ذلك أيها المكذبون فاسألوا علماء أهل الكتب ~~السابقة من اليهود والنصارى ، فسيبينون لكم أن الرسل جميعا كانوا من البشر ~~ولم يكونوا من الملائكة. # وهذه الجملة الكريمة معترضة بين قوله تعالى ( @QUR@02 وما أرسلنا .. ) ~~وبين قوله بعد ذلك : ( @QUR@02 بالبينات والزبر .. ) للمبادرة إلى توبيخ ~~المشركين وإبطال شبهتهم ، لأنه قد احتج عليهم ، بمن كانوا يذهبون إليهم ~~لسؤالهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم . # وفي قوله تعالى ( @QUR@04 إن كنتم لا تعلمون ) إيماء إلى أنهم كانوا ~~يعلمون أن الرسل لا يكونون إلا من البشر ، ولكنهم قصدوا بإنكار ذلك الجحود ~~والمكابرة ، والتمويه لتضليل الجهلاء ، ولذا جيء في الشرط بحرف «إن» المفيد للشك. # وجواب الشرط لهذه الجملة محذوف ، دل عليه ما قبله. أى : إن كنتم لا ~~تعلمون ، فاسألوا أهل الذكر. وقيل المراد بأهل الذكر هنا : المسلمون مطلقا ~~، لأن الذكر هو القرآن ، وأهله هم المسلمون. # ونحن لا ننكر أن الذكر يطلق على القرآن الكريم ، كما في قوله تعالى ( ~~@QUR@07 إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) إلا أن المراد بأهل الذكر ~~هنا : علماء ms3372 أهل الكتاب ، لأن المشركين كانوا يستفسرون منهم عن أحوال النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، أكثر من استفسارهم من المسلمين. PageV08P157 # قال الآلوسى ما ملخصه قوله تعالى : ( @QUR@03 فسئلوا أهل الذكر .. ) أى : ~~أهل الكتاب من اليهود والنصارى. قاله : ابن عباس والحسن والسدى وغيرهم. # وقال أبو حيان في البحر : والمراد من لم يسلم من أهل الكتاب ، لأنهم ~~الذين لا يتهمون عند المشركين في إخبارهم بأن الرسل كانوا رجالا ، فإخبارهم ~~بذلك حجة عليهم. والمراد كسر حجتهم وإلزامهم ، وإلا فالحق واضح في نفسه لا ~~يحتاج إلى إخبار هؤلاء ..» (1). # قالوا : وفي الآية دليل على وجوب الرجوع إلى أهل العلم فيما لا يعلم ، ~~وعلى أن الرسل جميعا كانوا من الرجال ولم يكن من بينهم امرأة قط. # والجار والمجرور في قوله : «بالبينات والزبر» .... متعلق بقوله «وما ~~أرسلنا ..» وداخل تحت حكم الاستثناء مع «رجالا». # والمراد بالبينات : الحجج والمعجزات الدالة على صدق الرسل. # والزبر : جمع زبور بمعنى مزبور أى مكتوب. يقال : زبرت الكتاب .. من باب ~~نصر وضرب أى : كتبته كتابة عظيمة. # أى : وما أرسلنا من قبلك أيها الرسول الكريم إلا رجالا مؤيدين بالمعجزات ~~الواضحات ، وبالكتب العظيمة المشتملة على التشريعات الحكيمة والآداب ~~الحميدة ، والعقائد السليمة ، التي تسعد الناس في دينهم وفي دنياهم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@010 وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ~~ولعلهم يتفكرون ). بيان للحكم التي من أجلها أنزل الله تعالى القرآن على ~~النبي صلى الله عليه وسلم . # أى : وأنزلنا إليك أيها الرسول الكريم القرآن ، لتعرف الناس بحقائق ~~وأسرار ما أنزل لهدايتهم في هذا القرآن من تشريعات وآداب وأحكام ومواعظ ~~ولعلهم بهذا التعريف والتبيين يتفكرون فيما أرشدتهم إليه ، ويعملون بهديك ~~ويقتدون بك في أقوالك وأفعالك ، وبذلك يفوزون ويسعدون. # فأنت ترى أن الجملة الكريمة قد اشتملت على حكمتين من الحكم التي أنزل ~~الله تعالى من أجلها القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم . # أما الحكمة الأولى : فهي تفسير ما اشتمل عليه هذا القرآن من آيات خفى ~~معناها على PageV08P158 # أتباعه ، بأن يوضح لهم صلى الله عليه وسلم ما أجمله القرآن الكريم من أحكام ms3373 ~~أو يؤكد لهم صلى الله عليه وسلم هذه الأحكام. # ففي الحديث الشريف عن المقدام بن معد يكرب ، عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : «ألا وإنى أوتيت الكتاب ومثله معه ، ألا يوشك ~~رجل شبعان على أريكته يقول : عليكم بهذا القرآن ، فما وجدتم فيه من حلال ~~فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ...». # وأما الحكمة الثانية : فهي التفكر في آيات هذا القرآن ، والاتعاظ بها ، ~~والعمل بمقتضاها ، قال تعالى : ( @QUR@09 كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا ~~آياته. وليتذكر أولوا الألباب ). # والمراد بالناس في قوله تعالى ( @QUR@02 لتبين للناس ) العموم ، ويدخل ~~فيهم المعاصرون لنزول القرآن الكريم دخولا أوليا. # وأسند سبحانه التبيين إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأنه هو المبلغ عن الله ~~تعالى ما أمره بتبليغه. # قال الجمل : قوله تعالى ( @QUR@08 وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم .. ). # يعنى : أنزلنا إليك يا محمد الذكر الذي هو القرآن ، وإنما سماه ذكرا ، ~~لأن فيه مواعظ وتنبيها للغافلين ، «لتبين للناس ما نزل إليهم» يعنى ما أجمل ~~إليك من أحكام القرآن ، وبيان الكتاب يطلب من السنة ، والمبين لذلك المجمل ~~هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولهذا قال بعضهم : متى وقع تعارض بين ~~القرآن والحديث ، وجب تقديم الحديث ، لأن القرآن مجمل والحديث مبين ، ~~بدلالة هذه الآية ، والمبين مقدم على المجمل» (1). # وبعد أن ردت السورة الكريمة على ما أثاره المشركون من شبهات حول الدعوة ~~الإسلامية ، أتبعت ذلك بتهديدهم من سوء عاقبة ما هم فيه من كفر وعصيان ~~وعناد ، فقال تعالى : # ( @QUR@016 أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم ~~العذاب من حيث لا يشعرون (45) @QUR@02 أو يأخذهم PageV08P159 # @QUR@05 في تقلبهم فما هم بمعجزين (46) @QUR@08 أو يأخذهم على تخوف فإن ~~ربكم لرؤف رحيم ) (47) # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@04 أفأمن الذين مكروا ~~السيئات ) هم عند أكثر المفسرين ، مشركو مكة ، الذين مكروا برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، وراموا صد أصحابه عن الإيمان. # وقيل : هم الذين احتالوا لهلاك الأنبياء ... والمعول عليه ما عليه أكثر ~~المفسرين ، (1). # والاستفهام في الآية الكريمة للتعجيب والتوبيخ. # والفاء ms3374 للعطف على مقدر دل عليه المقام. # قال بعضهم ما ملخصه : كل ما جاء في القرآن الكريم ، من همزة استفهام ~~بعدها واو العطف أو فاؤه. فالأظهر فيه ، أن الفاء والواو كلتاهما عاطفة ما ~~بعدها على محذوف دل عليه المقام. والتقدير هنا : أجهل الذين مكروا السيئات ~~وعيد الله لهم بالعقاب ، فأمنوا مكره» (2). # والمراد بمكرهم هنا : سعيهم بالفساد بين المؤمنين ، على سبيل الإخفاء ~~والخداع. # والسيئات : صفة لمصدر محذوف ، أى : مكروا المكرات السيئات. والمكرات بفتح ~~الكاف جمع مكرة بسكونها وهي المرة من المكر. # ويجوز أن تكون كلمة السيئات مفعولا به بتضمين «مكروا» معنى : فعلوا. # والخسف : التغييب في الأرض ، بحيث يصير المخسوف به في باطنها. # يقال : خسف الله بفلان الأرض ، إذا أهلكه بتغييبه فيها. # ومنه قوله تعالى : ( @QUR@04 فخسفنا به وبداره الأرض .... ) (3). # والمعنى : أجهل الذين اجترحوا السيئات وعيدنا ، فأمنوا عقابنا وتوهموا ~~أنهم لن يصيبهم شيء من عذابنا ، الذي من مظاهره خسف الأرض بهم كما خسفناها ~~بقارون من قبلهم؟!!. PageV08P160 # إن جهلهم هذا لدليل على انطماس بصيرتهم ، واستحواذ الشيطان عليهم. # وقوله «أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون» بيان للون آخر من ألوان ~~تهديدهم. # أى : في قدرتنا أن نخسف بهم الأرض ، وفي قدرتنا أيضا أن نرسل عليهم ~~العذاب فجأة فيأتيهم من جهة لا يتوقعون مجيئه منها ، ولا يترقبون الشر من ~~ناحيتها. # وفي الجملة الكريمة إشارة إلى أن هذا العذاب الذي يأتيهم من حيث لا ~~يشعرون. عذاب لا يمكن دفعه أو الهروب منه ، لأنه أتاهم بغتة ، ومن جهة لا ~~يترقبون الشر منها. # وشبيه بهذا قوله سبحانه ( @QUR@06 فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ... ) (1). # وقوله سبحانه ؛ ( @QUR@07 أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين ) بيان ~~لنوع ثالث من أنواع التهديدات التي هددهم الله تعالى بها. # والأخذ في الأصل : حوز الشيء وتحصيله ، والمراد به هنا : القهر والإهلاك ~~والتدمير ومنه قوله تعالى ( @QUR@03 فأخذهم أخذة رابية ) وقوله تعالى : ( ~~@QUR@07 كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر ). # والتقلب : الحركة السريعة إقبالا وإدبارا ، من أجل السعى في شئون الحياة ~~من متاجرة ومعاملة وسفر وغير ذلك. # ومنه قوله تعالى ms3375 : ( @QUR@07 لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد ). # أى : في قدرتنا أن نخسف بهم الأرض ، وأن نرسل عليهم العذاب من حيث لا ~~يشعرون ، وفي قدرتنا كذلك أن نهلكهم وهم يتحركون في مناكب الأرض خلال سفرهم ~~أو إقامتهم ، فإنهم في جميع الأحوال لا يعجزنا أخذهم ، ولا مهرب لهم مما ~~نريده بهم. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@028 أفأمن أهل القرى أن يأتيهم ~~بأسنا بياتا وهم نائمون. أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون. ~~أفأمنوا مكر الله ، فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرؤف رحيم ). # قال بعض العلماء : والتخوف في اللغة يأتى مصدر تخوف القاصر ، بمعنى خاف ، ~~ويأتى مصدر PageV08P161 # تخوف المتعدى بمعنى تنقص. وهذا الثاني لغة هذيل ، وهي من اللغات الفصيحة ~~التي جاء بها القرآن» (1). # والمعنى على الأول : أو يأخذهم وهم في حالة خوف وتوقع لنزول العذاب بهم ، ~~كما نزل بالذين من قبلهم. # وإلى هذا المعنى أشار ابن كثير بقوله : وقوله : ( @QUR@04 أو يأخذهم على ~~تخوف ). أى : أو يأخذهم الله تعالى في حال خوفهم من أخذه لهم ، فإنه يكون ~~أبلغ وأشد حالات الأخذ ، فإن حصول ما يتوقع مع الخوف شديد ...» (2). # والمعنى على الثاني : أو يأخذهم وهم في حالة تنقص في أنفسهم وأموالهم ~~وأولادهم حتى يهلكوا ، فيكون هلاكهم قد سبقه الفقر والقحط والمرض ، وفي ذلك ~~ما فيه من عذاب لهم ، وحسرة عليهم. # قال القرطبي : وقال سعيد بن المسيب : بينما عمر بن الخطاب رضى الله عنه ~~على المنبر قال : أيها الناس ما تقولون في قول الله عز وجل : ( @QUR@04 أو ~~يأخذهم على تخوف ). فسكت الناس. # فقال شيخ من بنى هذيل : هي لغتنا يا أمير المؤمنين. التخوف : التنقص. # فقال عمر : أتعرف العرب ذلك في أشعارهم؟ قال نعم ؛ قال شاعرنا أبو كبير ~~الهذلي يصف ناقة تنقص السير سنامها بعد اكتنازه : # تخوف الرحل منها تامكا قردا %~% كما تخوف عود النبعة السفن # فقال عمر : أيها الناس : عليكم بديوانكم شعر الجاهلية ، فإن فيه تفسير ~~كتابكم ومعاني كلامكم» (3). # وختم سبحانه الآية الكريمة بقوله ms3376 : ( @QUR@04 فإن ربكم لرؤف رحيم ) لبيان ~~فضله سبحانه على عباده ، حيث لم يعاجلهم بالعقوبة ، بل أمهلهم لعلهم يتوبون ~~إليه ويستغفرونه. PageV08P162 # وبذلك ترى أن هذه الآيات الكريمة قد حذرت الكافرين من التمادي في كفرهم ، ~~وهددتهم : بخسف الأرض بهم. أو بنزول العذاب عليهم من حيث لا يشعرون ، أو ~~بإهلاكهم وهم في الأرض يكدحون ، أو بأخذهم وهم للأخذ متوقعون. # وبعد أن خوف سبحانه الماكرين بما خوف ، أتبع ذلك بما يدل على كمال قدرته ~~وعظمته وجلاله ، حيث خضعت جميع المخلوقات لذاته سبحانه فقال تعالى : # ( @QUR@017 أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ظلاله عن اليمين ~~والشمائل سجدا لله وهم داخرون (48) @QUR@014 ولله يسجد ما في السماوات وما ~~في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون (49) @QUR@07 يخافون ربهم من ~~فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ) (50) # قرأ جمهور القراء «أو لم يروا ..» وقرأ حمزة والكسائي : «أو لم تروا» ~~بالتاء ، على الخطاب ، على طريقة الالتفات. # وقوله «من شيء» بيان للإبهام الذي في «ما» الموصولة في قوله «إلى ما خلق الله». # وقوله «يتفيأ» من التفيؤ ، بمعنى الرجوع. يقال : فاء فلان يفيء إذا رجع ~~وفاء الظل فيئا ، إذا عاد بعد إزالة ضوء الشمس له. وتفيؤ الظلال : تنقلها ~~من جهة إلى أخرى بعد شروق الشمس ، وبعد زوالها. # والظلال : جمع ظل ، وهو صورة الجسم المنعكس إليه نور. # و «داخرون» من الدخور بمعنى الانقياد والخضوع ، يقال : دخر فلان يدخر ~~دخورا ، ودخر بزنة فرح يدخر دخرا ، إذا انقاد لغيره وذل له. # والمعنى : أعمى هؤلاء المشركون الذين مكروا السيئات ، ولم يروا ما خلق ~~الله تعالى من الأشياء ذوات الظلال كالجبال والأشجار وغيرها وهي تتنقل ~~ظلالها. من جانب إلى جانب ، ومن جهة إلى جهة ، باختلاف الأوقات وهي في كل ~~الأحوال والأوقات منقادة لأمر الله تعالى جارية على ما أراده لها من امتداد ~~وتقلص وغير ذلك ، خاضعة كل الخضوع لما سخرت له. PageV08P163 # قال ابن كثير رحمه الله : يخبر تعالى عن عظمته وجلاله ، الذي خضع له كل ~~شيء ودانت له الأشياء والمخلوقات بأسرها ، جمادها وحيواناتها ومكلفوها من ~~الإنس والجن والملائكة ms3377 ، فأخبر أن كل ماله ظل يتفيأ ذات اليمين وذات الشمال ~~أى بكرة وعشيا ، فإنه ساجد بظله لله تعالى (1). # والاستفهام في قوله تعالى ( @QUR@02 أولم يروا .. ) للإنكار والتوبيخ ، ~~والرؤية بصرية. # أى : قد رأوا كل ذلك ، ولكنهم لم ينتفعوا بما رأوا ، ولم يتعظوا بما ~~شاهدوا. # والمراد بقوله : ( @QUR@03 عن اليمين والشمائل ) جهتهما ، وليس المراد ~~التقييد بذلك ، إذ أن الظل أحيانا يكون أمام الإنسان وأحيانا يكون خلفه. ~~وإنما ذكر اليمين والشمائل اختصارا للكلام. # وأفرد اليمين ، لأن المراد به جنس الجهة ، كما يقال : المشرق ، أى جهة ~~المشرق ، وجمع «الشمائل» مفردة شمال ، لأن المقصود تعدد هذه الجهة باعتبار ~~تعدد أصحابها. # قال الشوكانى : قال الفراء : وحد اليمين ، لأنه أراد واحدا من ذوات ~~الأظلال ، وجمع الشمائل ، لأنه أراد كلها. # وقال الواحدي : وحد اليمين والمراد به الجميع إيجازا في اللفظ ، كقوله : ~~«ويولون الدبر» ، ودلت الشمائل على أن المراد به الجمع. وقيل : إن العرب ~~إذا ذكرت صيغتي جمع عبرت عن إحداهما بلفظ الواحد ، كما في قوله تعالى ( ~~@QUR@03 وجعل الظلمات والنور ... ) (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 سجدا لله وهم داخرون ). حال من «ظلاله» أى : ~~حال كون هذه الأشياء وظلالها سجدا لله تعالى ، وحال كون الجميع لا يمتنع عن ~~أمر الله تعالى ، بل الكل خاضع له سبحانه كل الخضوع. # وجاء قوله تعالى : ( @QUR@02 وهم داخرون ). بصيغة الجمع الخاصة بالعقلاء ~~، تغليبا لهم على غيرهم ثم أتبع سبحانه هذه الآية الكريمة ، بآيات أخرى ~~مؤكدة لها ، ومبينة أن كل المخلوقات لن تمتنع عن السجود لله تعالى ، سواء ~~أكانت لها ظلال أم لا ، فقال سبحانه : ( @QUR@014 ولله يسجد ما في السماوات ~~وما في الأرض من دابة ، والملائكة وهم لا يستكبرون .. ). PageV08P164 # والدابة : كل ما يدب على وجه الأرض ، مشتقة من الدب بمعنى الحركة. # قال الجمل : قال العلماء ، السجود على نوعين : سجود طاعة وعبادة كسجود ~~المسلم لله عز وجل وسجود انقياد وخضوع كسجود الظلال فقوله : ( @QUR@08 ولله ~~يسجد ما في السماوات وما في الأرض ). يحتمل النوعين ، لأن سجود كل شيء ~~بحسبه ، فسجود المسلمين والملائكة سجود طاعة وعبادة ، وسجود غيرهم سجود ~~خضوع وانقياد ..» (1). # وأوثرت «ما» الموصولة ms3378 على من ، تغليبا لغير العقلاء ، لكثرتهم ولإرادة ~~العموم. # وقوله : «من دابة» بيان لما في الأرض ، إذ الدابة ما يدب على الأرض أو ~~كما يقول الآلوسى بيان لما فيهما ، بناء على أن الدبيب هو الحركة الجسمانية ~~، سواء أكانت في أرض أم سماء ..» (2). # وقوله «والملائكة» معطوف على «ما» في قوله «ما في السموات وما في الأرض» ~~من باب عطف الخاص على العام. # وخصهم سبحانه بالذكر تشريفا لهم. ورفعا لمنزلتهم ، وتعريضا بالمشركين ~~الذين عبدوا الملائكة. أو قالوا هم بنات الله. # قوله «وهم لا يستكبرون» أى : والملائكة لا يستكبرون عن إخلاص العبادة له ~~، وعن السجود لذاته سبحانه بل هم «عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ~~ويفعلون ما يؤمرون». # ثم وصفهم سبحانه بالخشية منه ، وبالخوف من عقابه فقال : «يخافون ربهم من ~~فوقهم ، ويفعلون ما يؤمرون». # أى : أن من صفات الملائكة ، أنهم يخافون ربهم الذي هو من فوقهم بجلاله ~~وقهره وعلوه بلا تشبيه ولا تمثيل ، ويفعلون ما يؤمرون به من الطاعات ، ومن ~~كل ما يكلفهم به سبحانه دون أن تصدر منهم مخالفة. # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد وصفت الله تعالى بما هو أهل له سبحانه من ~~صفات القدرة والجلال والكبرياء ، حتى يفيء الضالون إلى رشدهم ، ويخلصوا ~~العبادة لخالقهم عز وجل . PageV08P165 # وبعد أن بين سبحانه أن كل شيء في هذا الكون خاضع لقدرته ، أتبع ذلك ~~بالنهى عن الشرك ، وبوجوب إخلاص العبادة له ، فقال تعالى . # ( @QUR@012 وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي ~~فارهبون (51) @QUR@011 وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير ~~الله تتقون (52) @QUR@012 وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه ~~تجئرون (53) @QUR@010 ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ~~(54) @QUR@06 ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون ) (55) # قال الإمام الرازي : اعلم أنه سبحانه لما بين في الآيات الأولى ، أن ما ~~سوى الله تعالى سواء أكان من عالم الأرواح أم من عالم الأجسام ، منقاد ~~وخاضع لجلاله تعالى وكبريائه أتبعه في هذه الآية بالنهى عن الشرك ، وببيان ~~أن كل ما ms3379 سواه واقع في ملكه وتحت تصرفه ، وأنه غنى عن الكل ، فقال تعالى : ~~( @QUR@06 وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين ... ) (1). # أى : وقال الله تعالى لعباده عن طريق رسله عليهم الصلاة والسلام لا ~~تتخذوا شركاء معى في العبادة والطاعة ، بل اجعلوهما لي وحدي ، فأنا الخالق ~~لكل شيء والقادر على كل شيء. # قال الآلوسى : وقوله ( @QUR@02 وقال الله .. ) معطوف على قوله سبحانه ( ~~@QUR@08 ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض .. ). # وإظهار الفاعل ، وتخصيص لفظ الجلالة بالذكر ، للإيذان بأنه تعالى متعين ~~الألوهية. PageV08P166 # والمنهي عنه هو الإشراك به ، لا أن المنهي عنه هو مطلق اتخاذ إلهين ..» (1). # «اثنين» صفة للفظ إلهين أو مؤكد له. وخص هذا العدد بالذكر ، لأنه الأقل ، ~~فيعلم انتفاء اتخاذ ما فوقه بالطريق الأولى. # وقوله سبحانه ( @QUR@04 إنما هو إله واحد ) بيان وتوكيد لما قبله ، وهو ~~مقول لقوله سبحانه ( @QUR@02 وقال الله ). # أى : وقال الله لا تتخذوا معى في العبادة إلها آخر ، وقال أيضا إنما ~~المستحق للعبادة إله واحد ، والقصر في الجملة الكريمة من قصر الموصوف على ~~الصفة ، أى : الله وحده هو المختص بصفة الوحدانية. # وقد نهى سبحانه عن الشرك في آيات كثيرة ، وأقام الأدلة على بطلانه ومن ~~ذلك قوله تعالى ( @QUR@012 ... ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ~~ملوما مدحورا ) (2) وقوله سبحانه ( @QUR@013 لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا ، فسبحان الله رب العرش عما يصفون ) (3). # والفاء في قوله «فإياى فارهبون» واقعة في جواب شرط مقدر و «إياى» مفعول به ~~لفعل محذوف يقدر مؤخرا ، يدل عليه قوله «فارهبون». # والرهبة : الخوف المصحوب بالتحرز ، وفعله رهب بزنة طرب. # والمعنى : إن رهبتم شيئا فإياى فارهبوا دون غيرى ، لأنى أنا الذي لا ~~يعجزنى شيء. # وفي الجملة الكريمة التفات من الغيبة إلى الخطاب ، للمبالغة في التخويف ، ~~إذ تخويف الحاضر أبلغ من تخويف الغائب ، لا سيما بعد أن وصف سبحانه ذاته ~~بما وصف من صفات القهر والغلبة والكبرياء. # وقدم المفعول وهو إياى لإفادة الحصر ، وحذف متعلق الرهبة ، للعموم. # أى : ارهبونى في جميع ما تأتون وما تذرون. # والمتأمل في هذه الآية الكريمة يراها ms3380 قد اشتملت على ألوان من المؤكدات ~~للنهى عن الشرك ، والأمر بإخلاص العبادة لله تعالى وحده ، تارة عن طريق ~~التقرير «وقال الله ..» وتارة عن طريق النهى الصريح ، وتارة عن طريق القصر ~~وتارة عن طريق التخصيص. # وذلك لكي يقلع الناس عن هذه الرذيلة النكراء ، ويؤمنوا بالله الواحد ~~القهار. PageV08P167 # ثم ساق سبحانه بعد ذلك ما يدل على كمال قدرته ، ونفاذ إرادته ، فقال ~~تعالى : ( @QUR@08 وله ما في السماوات والأرض ، وله الدين واصبا .. ). # والمراد بالدين هنا : الطاعة والخضوع بامتثال أمره واجتناب نهيه ، وقد ~~أتى الدين بمعنى الطاعة في كثير من كلام العرب ، ومن ذلك قول عمرو بن كلثوم ~~في معلقته : # وأياما لنا غرا كراما %~% عصينا الملك فيها أن ندينا # أى : عصيناه وامتنعنا عن طاعته وعن الخضوع له. # قوله «واصبا» من الوصوب بمعنى الدوام والثبات ، يقال : وصب الشيء يصب ~~بكسر الصاد وصوبا ، إذا دام وثبت. ومنه قوله تعالى ( @QUR@04 دحورا ولهم ~~عذاب واصب ) (1) أى : دائم. # أى : ولله تعالى وحده ما في السموات وما في الأرض ملكا وخلقا ، لا شريك ~~له في ذلك ، ولا منازع له في أمره أو نهيه .. وله أيضا الطاعة الدائمة ، ~~والخضوع الباقي الثابت الذي لا يحول ولا يزول. # والآية الكريمة معطوفة على قوله «إنما هو إله واحد». # والاستفهام في قوله «أفغير الله تتقون» للإنكار والتعجيب ، والفاء ~~للتعقيب ، وهي معطوفة على محذوف ، والتقدير ، أفبعد أن علمتم أن الله تعالى ~~له ما في السموات والأرض ، وله الطاعة الدائمة .. تتقون غيره ، أو ترهبون سواه؟ # إن من يفعل ذلك لا يكون من جملة العقلاء ، وإنما يكون من الضالين ~~الجاهلين. # ثم بين سبحانه أن كل نعمة في هذا الكون ، هو سبحانه مصدرها وموجدها ، ~~فقال : ( @QUR@06 وما بكم من نعمة فمن الله .. ). # أى : وكل نعمة عندكم كعافية في أبدانكم ، ونماء في مالكم ، وكثرة في ~~أولادكم ، وصلاح في بالكم .. فهي من الله تعالى وحده. # فالمراد بالنعمة هنا النعم الكثيرة التي أنعم بها سبحانه على الناس ، ~~لأنه لم يقم دليل على أن المراد بها نعمة معينة ، وعلماء البيان يعدون ~~استعمال المفرد في معنى ms3381 الجمع اعتمادا على القرينة من أبلغ الأساليب ~~الكلامية ، و «ما» موصولة مبتدأ ، متضمنة معنى الشرط. وقوله «فمن الله» خبرها. PageV08P168 # وقوله «من نعمة» بيان لما اشتملت عليه «ما» من إبهام. # وقوله سبحانه ( @QUR@016 ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون. ثم إذا كشف الضر ~~عنكم ، إذا فريق منكم بربهم يشركون ) بيان لطبيعة الإنسان ، ولموقفه من ~~خالقه عز وجل والضر : يشمل المرض والبلاء والفقر وكل ما يتضرر منه الإنسان. # وقوله «تجأرون» من الجؤار بمعنى رفع الصوت بالاستغاثة وطلب العون ، يقال ~~: جأر فلان يجأر جأرا وجؤارا ، إذا رفع صوته بالدعاء وتضرع واستغاث وأصله : ~~صياح الوحش. ثم استعمل في رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة. # أى : كل ما يصاحبكم من نعمة فهو من الله تعالى فكان من الواجب عليكم أن ~~تشكروه على ذلك ، ولكنكم لم تفعلوا ، فإنكم إذا نزل بكم الضر ، صحتم ~~بالدعاء ، ورفعتم أصواتكم بالتضرع ، ليكشف عنكم ما حل بكم ، فإذا ما كشف ~~سبحانه عنكم الضر ، سرعان ما يقع فريق منكم في الشرك الذي نهى الله تعالى عنه. # و «ثم» في هاتين الآيتين للتراخي الرتبى ، لبيان الفرق الشاسع بين حالتهم ~~الأولى وحالتهم الثانية. # والتعبير بالمس في قوله «ثم إذا مسكم الضر ..» للإيماء بأنهم بمجرد أن ~~ينزل بهم الضر ولو نزولا يسيرا ، جأروا إلى الله تعالى بالدعاء لكشفه. # وقدم سبحانه الجار والمجرور في قوله «فإليه تجأرون» لإفادة القصر ، أى ~~إليه وحده ترفعون أصواتكم بالدعاء ليرفع عنكم ما نزل بكم من بلاء ، لا إلى ~~غيره ؛ لأنكم تعلمون أنه لا كاشف للضر إلا هو سبحانه . # و «إذا» الأولى في قوله «ثم إذا كشف ..» شرطية والثانية وهي قوله «إذا ~~فريق منكم ..» فجائية ، وهي جواب الأولى. # وهذا التعبير يشير إلى مسارعة فريق من الناس ، إلى جحود نعم الله تعالى ~~بمجرد أن يكشف عنهم الضر بدون تريث أو تمهل. # وقال سبحانه ( @QUR@04 فريق منكم بربهم يشركون ) لتسجيل الشرك على هذا ~~الفريق ولإنصاف غيره من المؤمنين الصادقين ، الذين يشكرون الله تعالى في ~~جميع الأحوال ، ويواظبون على أداء ما كلفهم به في السراء والضراء. # وهذا المعنى ms3382 الذي تضمنته هاتان الآيتان ، قد جاء ما يشبهه في آيات كثيرة منها PageV08P169 # قوله تعالى : ( @QUR@013 وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه ، ~~وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@021 وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه ، أو قاعدا ~~أو قائما فلما كشفنا عنه ضره ، مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه .. ) (2). # فهذه الآيات الكريمة تصور الطبائع البشرية أكمل تصوير وأصدقه ، إذ الناس ~~إلا من عصم الله يجأرون إلى الله تعالى بالدعاء عند الشدائد والمحن ، ~~وينسونه عند السراء والرخاء. # واللام في قوله «ليكفروا بما آتيناهم ..» يصح أن تكون للتعليل ، وأن تكون ~~هي التي تسمى بلام العاقبة أو الصيرورة. # قال الشوكانى : «واللام في «ليكفروا بما آتيناهم ..» لام كي. أى : لكي ~~يكفروا بما آتيناهم من نعمة كشف الضر ، حتى لكأن هذا الكفر منهم الواقع في ~~موقع الشكر الواجب عليهم ، غرض لهم ومقصد من مقاصدهم. وهذا غاية في العتو ~~والعناد ليس وراءها غاية. # وقيل : اللام للعاقبة : يعنى ما كانت عاقبة تلك التضرعات إلا الكفر ..» (3). # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 فتمتعوا فسوف تعلمون ) تهديد ووعيد لهم على ~~جحودهم لنعم الله تعالى والجملة الكريمة معمولة لقول محذوف. # أى : قل لهم أيها الرسول الكريم اعملوا ما شئتم وانتفعوا من متاع الدنيا ~~كما أردتم فسوف تعلمون سوء عاقبتكم يوم القيامة. # ثم حكى سبحانه بعد ذلك جانبا من عقائدهم الباطلة ، وأفعالهم القبيحة التي ~~تمجها العقول السليمة ، والأفكار القويمة ، فقال تعالى : # ( @QUR@012 ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسئلن عما ~~كنتم تفترون (56) @QUR@07 ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون (57) PageV08P170 # @QUR@09 وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم (58) @QUR@019 ~~يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ~~ساء ما يحكمون (59) @QUR@012 للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل ~~الأعلى وهو العزيز الحكيم ) (60) # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم ... ) ~~. معطوف على ما سبقه بحسب المعنى ، لتسجيل رذائلهم ، وتعداد جناياتهم. # وضمير الجمع في قوله «لما لا يعلمون» يصح أن يعود إلى الكفار ، كالذي ~~قبله في ms3383 «ويجعلون». # فيكون المعنى : إن هؤلاء المشركين يفعلون ما يفعلون من إشراكهم بالله ~~تعالى ومن التضرع إليه عند الضر ونسيانه عند الرخاء .. ولا يكتفون بذلك ، ~~بل ويجعلون للأصنام التي لا يعلمون منها ضرا ولا نفعا ، نصيبا مما رزقناهم ~~من الحرث والأنعام وغيرهما. # ويصح أن يعود ضمير الجمع في قوله «لما لا يعلمون» للأصنام ، فيكون المعنى ~~: ويجعلون للأصنام التي لا تعلم شيئا لأنها جماد لا يعقل ولا يسمع ولا يبصر ~~.. يجعلون لها نصيبا مما رزقناهم. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@03 لما لا يعلمون ) أى لآلهتهم التي لا ~~يعلمون أحوالها وأنها لا تضر ولا تنفع ، على أن «ما» موصولة ، والعائد ~~محذوف ؛ وضمير الجمع للكفار ، أو لآلهتهم التي لا علم لها بشيء لأنها جماد. ~~على أن «ما» موصوله أيضا عبارة عن الآلهة ، وضمير «يعلمون» عائد عليها ~~ومفعول «يعلمون» متروك لقصد العموم ، وصيغة جمع العقلاء لوصفهم الآلهة ~~بصفاتهم ..» (1). # وقال سبحانه «نصيبا» بالتنكير ، للايماء بأنه نصيب كبير وضعوه في غير ~~موضعه ووصفه بأنه مما رزقهم سبحانه لتهويل جهلهم وظلمهم ، حيث تركوا التقرب ~~إلى الرازق PageV08P171 # الحقيقي جل وعلا ، وتقربوا بجانب كبير مما رزقهم به سبحانه إلى جمادات لا ~~تغنى عنهم شيئا. # وما أجملته هذه الآية الكريمة عن جهالتهم ، فصلته آيات أخرى منها قوله ~~تعالى في سورة الأنعام : ( @QUR@031 وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام ~~نصيبا ، فقالوا هذا لله بزعمهم ، وهذا لشركائنا ، فما كان لشركائهم فلا يصل ~~إلى الله ، وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون ) (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@05 تالله لتسئلن عما كنتم تفترون ) تهديد ووعيد لهم ~~على سوء أفعالهم. أى : أقسم بذاتى لتسألن أيها المشركون سؤال توبيخ وتأنيب ~~في الآخرة ، عما كنتم تفترونه من أكاذيب في الدنيا ، ولأعاقبنكم العقاب ~~الذي تستحقونه بسبب افترائكم وكفركم. وصدرت الجملة الكريمة بالقسم ، لتأكيد ~~الوعيد ، ولبيان أن العقاب أمر محقق بالنسبة لهم وجاءت الجملة الكريمة ~~بأسلوب الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ، لأن توبيخ الحاضر أشد من توبيخ ~~الغائب. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 ويجعلون لله البنات سبحانه ) بيان لرذيلة أخرى ~~من رذائلهم الكثيرة ، وهو معطوف ms3384 على ما قبله. # وسؤالهم يوم القيامة عما اجترحوه مع أنه سؤال تقريع وتأنيب إلا أنه يدل ~~على عدل الله تعالى مع هؤلاء الظالمين ، لأنه لم يعاقبهم إلا بعد أن سألهم ~~، وبعد أن ثبت إجرامهم وفي ذلك ما فيه من تعليم العباد أن يكونوا منصفين في ~~أحكامهم. # وهذه الآية الكريمة تحكى ما كان شائعا في بعض قبائل العرب ، من أنهم ~~كانوا يزعمون أن الملائكة بنات الله. قالوا : وكانت قبيلة خزاعة ، وقبيلة ~~كنانة تقولان بذلك في الجاهلية. # أى : أن هؤلاء المشركين لم يكتفوا بجعل نصيب مما رزقناهم لآلهتهم ، بل ~~أضافوا إلى ذلك رذيلة أخرى ، وهي أنهم زعموا أن الملائكة بنات الله تعالى ، ~~وأشركوها معه في العبادة. # قوله «سبحانه» مصدر نائب عن الفعل ، وهو منصوب على المفعولية المطلقة ، ~~وهو في محل جملة معترضة ، وقعت جوابا عن مقالتهم السيئة ، التي حكاها الله ~~تعالى عنهم ، وهي «ويجعلون لله البنات». PageV08P172 # أى : تنزه وتقدس الله عز وجل عن أن يكون له بنات أو بنين ، فهو الواحد ~~الأحد ، الفرد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد. # والمراد بما يشتهونه في قوله عز وجل : ( @QUR@03 ولهم ما يشتهون ) الذكور ~~من الأولاد. # أى : أن هؤلاء المشركين يجعلون لأصنامهم نصيبا مما رزقناهم ، ويجعلون لله ~~تعالى البنات ، أما هم فيجعلون لأنفسهم الذكور ، ويختارونهم ليكونوا خلفاء لهم. # وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله تعالى : ( @QUR@027 وجعلوا الملائكة الذين ~~هم عباد الرحمن إناثا ، أشهدوا خلقهم ، ستكتب شهادتهم ويسئلون. وقالوا لو ~~شاء الرحمن ما عبدناهم ، ما لهم بذلك من علم ، إن هم إلا يخرصون ) (1). # ثم صور سبحانه حالتهم عند ما يبشرون بولادة الأنثى ، وحكى عاداتهم ~~الجاهلية المنكرة فقال تعالى : ( @QUR@017 وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه ~~مسودا وهو كظيم ، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به .. ). # قال الآلوسى : قوله «وإذا بشر أحدهم بالأنثى ..» أى : أخبر بولادتها. ~~وأصل البشارة الإخبار بما يسر. لكن لما كانت ولادة الأنثى تسوؤهم حملت على ~~مطلق الإخبار. وجوز أن يكون ذلك بشارة باعتبار الولادة ، بقطع النظر عن ~~كونها أنثى ..» (2). # وقوله ms3385 «كظيم» من الكظم بمعنى الحبس. يقال : كظم فلان غيظه ، إذا حبسه وهو ~~ممتلئ به وفعله من باب ضرب. # والمعنى : وإذا أخبر أحد هؤلاء الذين يجعلون لله البنات ، بولادة الأنثى ~~دون الذكر ، صار وجهه مسودا كئيبا كأن عليه غبرة ، ترهقه قترة أى تعلوه ~~ظلمه وسواد ، وصار جسده ممتلئا بالحزن المكتوم ، والغيظ المحبوس ، وأصبح ~~يتوارى ويتخفى عن أعين الناس خجلا وحياء ، من أجل أن زوجته ولدت له أنثى ~~ولم تلد له ذكرا. # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ) تصوير بليغ ~~لموقف ذلك الشرك مما بشر به وهو ولادة الأنثى. # فالضمير المنصوب في قوله «أيمسكه ، ويدسه» يعود على المبشر به وهو ~~الأنثى. # والهون بمعنى الهوان والذل. PageV08P173 # ويدسه من الدس بمعنى الإخفاء للشيء في غيره. والمراد به. دفن الأنثى حية ~~في التراب حتى تموت ، وهو المشار إليه في قوله تعالى : ( @QUR@06 وإذا ~~الموؤدة سئلت. بأي ذنب قتلت ). # أى : أن هذا المشرك بعد أن يبشر بولادة الأنثى ، يدور بذهنه أحد أمرين : ~~إما أن يمسكها ويبقيها على هوان وذل ، وإما أن يدسها ويخفيها في التراب ، ~~بأن يدفنها فيه وهي حية حتى تموت. # والجار والمجرور في قوله «على هون» يصح أن يكون حالا من الفاعل وهو ~~المشرك : أى أيمسك المبشر به مع رضاه أى المشرك بهوان نفسه وذلتها بسبب هذا ~~الإمساك. # ويصح أن يكون حالا من المفعول وهو الضمير المنصوب. أى أيمسك هذه الأنثى ~~ويبقيها بقاء ذلة وهوان لها ، بحيث لا يورثها شيئا من ماله ، ولا يعاملها ~~معاملة حسنة. # ومن بلاغة القرآن أنه عبر بقوله «أيمسكه على هون» ليشمل حالة المشرك ~~وحالة المبشر به وهو الأنثى. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 ألا ساء ما يحكمون ). ذم لهم على صنيعهم السيئ ~~، وعلى جهلهم الفاضح. # أى : بئس الحكم حكمهم ، وبئس الفعل فعلهم ، حيث نسبوا البنات إلى الله ~~تعالى ، وظلموهن ظلما شنيعا ، حيث كرهوا وجودهن ، وأقدموا على قتلهن بدون ~~ذنب أو ما يشبه الذنب. # وصدر سبحانه هذا الحكم العادل عليهم بحرف «ألا» الاستفتاحية : لتأكيد هذا ~~الحكم ، ولتحقيق أن ما أقدموا عليه ms3386 ، إنما هو جور عظيم ، قد تمالئوا عليه ~~بسبب جهلهم الفاضح ، وتفكيرهم السيئ. # أسند سبحانه الحكم إلى جميعهم ، مع أن من فعل ذلك كان بعضا منهم ، لأن ~~ترك هذا البعض يفعل ذلك الفعل القبيح ، هذا الترك هو في ذاته جريمة يستحق ~~عليها الجميع العقوبة ، لأن سكوتهم على هذا الفعل مع قدرتهم على منعه يعتبر ~~رضا به. # ثم أتبع سبحانه هذا الذم لهم بذم آخر على سبيل التأكيد فقال تعالى : ( ~~@QUR@012 للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز ~~الحكيم ). # والمثل : الحال والصفة العجيبة في الحسن والقبح. # والسوء : مصدر ساءه يسوءه سوءا ، إذا عمل معه ما يكره ، وإضافة المثل إلى ~~السوء للبيان. PageV08P174 # والمراد بمثل السوء : أفعال المشركين القبيحة التي سبق الحديث عنها. # والمعنى للذين لا يؤمنون بالآخرة وما فيها من حساب وثواب وعقاب .. صفة ~~السوء ، التي هي كالمثل في القبح ، وهي وأدهم البنات ، وجعلهم لآلهتهم. ~~نصيبا مما رزقناهم ، وقولهم : الملائكة بنات الله ، وفرحهم بولادة الذكور ~~للاستظهار بهم. # فهذه الصفات تدل على غبائهم وجهلهم وقبح تفكيرهم. # أما الله عز وجل فله المثل الأعلى ؛ أى الصفة العليا ، وهي أنها الواحد ~~الأحد ، المنزه عن الوالد والولد : والمبرأ من مشابهة الحوادث ، والمستحق ~~لكل صفات الكمال والجلال في الوحدانية ، والقدرة والعلم .. وغير ذلك مما ~~يليق به سبحانه . # وهو عز وجل «العزيز» في ملكه بحيث لا يغلبه غالب «الحكيم» في كل أفعاله ~~وأقواله. # وبعد أن ساق سبحانه ما يدل على جهالات المشركين ، وانطماس بصائرهم ، وسوء ~~تفكيرهم ، أتبع ذلك بالحديث عن مظاهر رحمته بخلقه وعن جانب من جرائم ~~المشركين ، وعن وظيفة القرآن الكريم ، فقال تعالى : # ( @QUR@023 ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن ~~يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (61) ~~@QUR@017 ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم ~~أن لهم النار وأنهم مفرطون (62) @QUR@017 تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ~~فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم (63) @QUR@014 ~~وما أنزلنا عليك الكتاب إلا ms3387 لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون ) (64) # و «لو» في قوله تعالى : ( @QUR@05 ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم .. ) حرف امتناع PageV08P175 # لامتناع. أى : حرف شرط يدل على امتناع وقوع جوابه ، لأجل امتناع وقوع ~~شرطه ، وقد امتنع هنا إهلاك الناس ، لامتناع إرادة الله تعالى ذلك. # وقوله «يؤاخذ» مفاعلة من المؤاخذة بمعنى العقوبة ، فالمفاعلة فيه بمعنى ~~الفعل المجرد. فمعنى آخذ الله تعالى الناس يؤاخذهم : أخذهم وعاقبهم بسبب ~~ذنوبهم. # والأخذ بمعنى العقاب قد جاء في القرآن الكريم في آيات كثيرة : ومن ذلك ~~قوله تعالى ( @QUR@012 وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم ~~شديد ) (1). # والباء في «بظلمهم» للسببية ، والظلم : مجاوزة الحدود التي شرعها الله ~~تعالى وأعظمه الإشراك بالله تعالى كما قال تعالى ( @QUR@04 إن الشرك لظلم ~~عظيم ). # والمراد من المؤاخذة بسبب ظلمهم : تعجيل العقوبة لهم في الدنيا. # والضمير في قوله سبحانه «عليها» يعود على الأرض. وصح عود الضمير عليها مع ~~أنه لم يسبق ذكر لها ، لأن قوله «من دابة» يدل على ذلك لأنه من المعلوم ، ~~أن الدواب تدب على الأرض. # ونظيره قوله تعالى في آية أخرى ( @QUR@06 ما ترك على ظهرها من دابة ) ~~وقوله ( @QUR@03 حتى توارت بالحجاب ) أى : الشمس. فإنه وإن كان لم يجر لها ~~ذكر إلا أن المقام يدل عليها. # ورجوع الضمير إلى غير مذكور في الكلام إلا أن المقام يدل عليه كثير في ~~كلام العرب ، ومنه قول حاتم الطائي : # أماوى ما يغنى الثراء عن الفتى %~% إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # فقوله : حشرجت وضاق بها ، المقصود به الروح أو النفس ، ولم يجر لها ذكر ، ~~إلا أن قوله : وضاق بها الصدر ، يعين أن المراد بها النفس. # والمراد بالساعة في «لا يستأخرون عنه ساعة» مطلق الوقت الذي هو غاية في القلة. # والمعنى : ولو عاجل الله تعالى الناس بالعقوبة ، بسبب ما اجترحوه من ظلم ~~وآثام ، لأهلكهم جميعا ، وما ترك على ظهر الأرض من دابة تدب عليها ، ولكنه ~~سبحانه فضلا منه وكرما ، لا يعاجلهم بالعقوبة التي تستأصلهم بل يؤخرهم «إلى ~~أجل مسمى» أى : إلى وقت ms3388 معين محدد تنتهي عنده حياتهم ، وهذا الوقت المحدد ~~لا يعلمه إلا هو سبحانه «فإذا PageV08P176 # جاء أجلهم». أى : فإذا حان الوقت المحدد لهلاكهم ، فارقوا هذه الدنيا ~~بدون أدنى تقديم أو تأخير عن هذا الوقت. # هذا ، ومن العلماء من ذهب إلى أن المراد بالناس هنا : الكفار خاصة ، ~~لأنهم هم الذين أشركوا مع الله آلهة أخرى. # ويبدو لنا أن المراد بالناس هنا : العموم ، لأن قوله «من دابة» يشمل كل ~~ما يطلق عليه اسم الدابة ، ولأن النكرة في سياق النفي إذا زيدت قبلها لفظة ~~«من» تكون نصا صريحا في العموم. # وإلى العموم أشار ابن كثير عند تفسيره للآية بقوله : يخبر الله تعالى عن ~~حلمه بخلقه مع ظلمهم ، وأنه لو يؤاخذهم بما كسبوا ما ترك على ظهر الأرض من ~~دابة ، أى : لأهلك جميع دواب الأرض تبعا لإهلاك بنى آدم. ولكن الرب جل وعلا ~~يحلم ويستر وينظر ..» (1). # وقال القرطبي : فإن قيل : فكيف يعم بالهلاك مع أن فيهم مؤمنا ليس بظالم؟ # فالجواب : يجعل هلاك الظالم انتقاما وجزاء ، وهلاك المؤمن معوضا بثواب ~~الآخرة ، وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر قال : سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول : إذا أراد الله تعالى بقوم عذابا أصاب العذاب من كان ~~فيهم ثم بعثوا على نياتهم وأعمالهم ، (2). # وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله تعالى : ( @QUR@019 وربك الغفور ذو الرحمة ~~لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب ، بل لهم موعد لن يجدوا من دونه ~~موئلا ) (3). # وقوله تعالى : ( @QUR@013 ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ، إنما ~~يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ) (4). # وقوله تعالى : ( @QUR@010 إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون ) (5). # ثم حكى سبحانه رذيلة أخرى من رذائل المشركين فقال تعالى ( @QUR@04 ~~ويجعلون لله ما يكرهون ... ) PageV08P177 # أى : أن هؤلاء المشركين لا يكتفون بإنكارهم البعث وبجحود نعم الله تعالى ~~بل أضافوا إلى ذلك أنهم يثبتون له سبحانه وينسبون إليه كذبا وزورا ما ~~يكرهونه لأنفسهم ، فهم يكرهون أن يشاركهم أحد في أموالهم أو في مناصبهم ؛ ~~ومع ذلك يشركون مع الله تعالى في العبادة آلهة ms3389 أخرى ، ويكرهون أراذل ~~الأموال ، ومع ذلك يجعلون لله تعالى أراذل أموالهم. ويجعلون لأصنامهم ~~أكرمها ، ويكرهون البنات ، ومع ذلك ينسبونهن إليه سبحانه . فالجملة الكريمة ~~تنعى عليهم أنانيتهم ، وسوء أدبهم مع خالقهم عز وجل وقوله سبحانه ( @QUR@06 ~~وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى ... ) تصوير بليغ لما جبلوا عليه من كذب ~~صريح ، وبهتان واضح. # ومعنى : «تصف» تقول وتذكر بشرح وبيان وتفصيل ، حتى لكأنها تذكر أوصاف ~~الشيء ، وجملة «أن لهم الحسنى» بدل من «الكذب». # والحسنى : تأنيث الأحسن ، والمراد بها زعمهم أنه إن كانت الآخرة حقا ، ~~فسيكون لهم فيها أحسن نصيب وأعظمه ، كما كان لهم في الدنيا ذلك ، فقد روى ~~أنهم قالوا : إن كان محمد صلى الله عليه وسلم صادقا فيما يخبر عنه من أمر ~~البعث ، فلنا الجنة ... # والمعنى : أن هؤلاء المشركين يجعلون لله تعالى ما يكرهونه من الأولاد ~~والأموال والشركاء ، وتنطق ألسنتهم بالكذب نطقا واضحا صريحا إذ زعموا أنه ~~إن كانت الآخرة حقا ، فسيكون لهم فيها أحسن نصيب .. # وهذا الزعم قد حكاه القرآن عنهم في آيات متعددة منها قوله تعالى ( ~~@QUR@08 وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@08 أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا ~~... ) (2). # قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما معنى وصف ألسنتهم الكذب؟ قلت : هو من فصيح ~~الكلام وبليغه. جعل قولهم كأنه عين الكذب ومحضه ، فإذا نطقت به ألسنتهم فقد ~~حلت الكذب بحليته ، وصورته بصورته. كقولهم : وجهها يصف الجمال ، وعينها تصف ~~السحر (3). PageV08P178 # وقال بعض العلماء : والتعبير القرآنى في قوله ( @QUR@03 وتصف ألسنتهم ~~الكذب ) يجعل ألسنتهم ذاتها كأنها الكذب ذاته ، أو كأنها صورة له ، تحكيه ~~وتصفه بذاتها ، كما تقول : فلان قوامه يصف الرشاقة .. لأن ذلك القوام بذاته ~~تعبير عن الرشاقة ، مفصح عنها. # كذلك قال سبحانه ( @QUR@03 وتصف ألسنتهم الكذب ... ) فهي بذاتها تعبير عن ~~الكذب ، لطول ما قالت الكذب ، ولكثرة ما عبرت عنه ، حتى صارت رمزا عليه ، ~~ودلالة له (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون ) تكذيب لهم ~~فيما زعموه من أن لهم الحسنى ، ووعيد لهم بإلقائهم في النار. # وكلمة «لا جرم» ms3390 وردت في القرآن الكريم في خمسة مواضع ، متلوة بأن واسمها ~~وليس بعدها فعل. وجمهور النحاة على أنها مركبة من «لا» و «جرم» تركيب خمسة ~~عشر. ومعناها بعد التركيب معنى حق وثبت. والجملة بعدها فاعل ، أى : حق وثبت ~~كونهم لهم النار وأنهم مفرطون فيها. # وقوله سبحانه : ( @QUR@01 مفرطون ) قرأها الجمهور بسكون الفاء وفتح الراء ~~بصيغة اسم المفعول من أفرطه بمعنى قدمه. يقال : أفرطته إلى كذا. أى : قدمته إليه. # قال القرطبي : والفارط الذي يتقدم غيره الى الماء. ومنه قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم : «أنا فرطكم على الحوض» أى : متقدمكم ... (2). # أو من أفرط إذا نسيه وتركه. تقول : أفرطت فلانا خلفي ، إذا تركته ونسيته. # والمعنى : أن هؤلاء الذين يزعمون أن لهم الحسنى في الآخرة كذبوا في زعمهم ~~، وفجروا في إفكهم ، فإنهم ليس لهم شيء من ذلك ، وإنما الأمر الثابت الذي ~~لا شك فيه ، أن لهم في الآخرة النار ، وأنهم مفرطون فيها ، مقدمون إليها ~~بدون إمهال ، ومتروكون فيها بدون اكتراث بهم ، كما يترك الشيء الذي لا قيمة ~~له. قال تعالى : ( @QUR@07 فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا ) (3). # وقرأ نافع «وأنهم مفرطون» بسكون الفاء وكسر الراء بصيغة اسم الفاعل. من ~~أفرط اللازم بمعنى أسرف وتجاوز الحد. يقال : أفرط فلان في كذا ، إذا تجاوز ~~الحدود المشروعة. PageV08P179 # فيكون المعنى : لا جرم أن لهم النار ، وأنهم مفرطون ومسرفون في الأقوال ~~والأعمال التي جعلتهم حطبا لها ، ووقودا لنيرانها كما قال تعالى : ( ~~@QUR@05 وأن المسرفين هم أصحاب النار ) (1). # ثم وجه سبحانه خطابا لنبيه صلى الله عليه وسلم على سبيل التسلية والتثبيت ، ~~حيث بين له أن ما أصابه من مشركي قومه ، قد فعل ما يشبهه المشركون السابقون ~~مع أنبيائهم ، فقال تعالى : ( @QUR@017 تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ، ~~فزين لهم الشيطان أعمالهم ، فهو وليهم اليوم ، ولهم عذاب أليم ). # وقوله ( @QUR@01 فزين ) من التزيين وهو تصيير الشيء زينا ، أى : حسنا ~~والزينة : هي ما في الشيء من محاسن ترغب الناس فيه. # والمعنى : أقسم لك أيها الرسول الكريم بذاتى ، لقد أرسلنا رسلا كثيرين ~~إلى أمم كثيرة من ms3391 قبلك ، فكانت النتيجة أن استحوذ الشيطان على نفوس عامة ~~هؤلاء المرسل إليهم ، حيث زين لهم الأفعال القبيحة ، وقبح لهم الأعمال ~~الحسنة ، وجعلهم يقفون من رسلهم موقف المكذب لأقوالهم ، المعرض عن ~~إرشاداتهم ، المحارب لدعوتهم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم ) بيان لسوء ~~عاقبة هؤلاء الذين زين لهم الشيطان سوء أعمالهم فرأوه حسنا. # قال الإمام الشوكانى ما ملخصه : والمراد باليوم في قوله تعالى : ( ~~@QUR@03 فهو وليهم اليوم ) يحتمل أن يكون المراد به زمان الدنيا أى مدة ~~أيام الدنيا فيكون المعنى : فهو قرينهم في الدنيا. ويحتمل أن يكون اليوم ~~عبارة عن يوم القيامة وما بعده. فيكون للحال الآتية. ويكون الولي بمعنى ~~الناصر. والمراد نفى الناصر عنهم بأبلغ الوجوه ، لأن الشيطان لا يتصور منه ~~النصرة أصلا في الآخرة. # ويحتمل أن يكون المراد باليوم بعض زمان الدنيا ، وهو على وجهين : الأول ~~أن يراد البعض الذي مضى ، وهو الذي وقع فيه التزيين للأمم الماضية من ~~الشيطان ، فيكون على طريق الحكاية للحال الماضية .. الثاني : أن يراد البعض ~~الحاضر ، وهو وقت نزول الآية. والمراد تزيين الشيطان لكفار قريش أعمالهم ، ~~فيكون الضمير في «وليهم» لكفار قريش. فيكون المعنى : فهو ولى هؤلاء ~~المشركين اليوم أى : معينهم على الكفر والمعاصي ولهم ولأمثالهم عذاب أليم ~~في الآخرة» (2). PageV08P180 # ثم بين سبحانه أهم الوظائف التي من أجلها أنزل كتابه على نبيه محمد ~~صلى الله عليه وسلم فقال : ( @QUR@014 وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم ~~الذي اختلفوا فيه ، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ). # أى : وما أنزلنا عليك أيها الرسول الكريم هذا القرآن ، إلا من أجل أن ~~تبين لمن أرسلت إليهم وجه الصواب فيما اختلفوا فيه من أمور العقائد ~~والعبادات والمعاملات والحلال والحرام ... وبذلك يعرفون الحق من الباطل ، ~~والخير من الشر. # وسيقت هذه المعاني بأسلوب القصر ، لقصد الإحاطة بأهم الغايات التي من ~~أجلها أنزل الله تعالى كتابه على نبيه الكريم ، ولترغيب السامعين في تقبل ~~إرشادات هذا الكتاب بنفس منشرحة ، وقلب متفتح. # وقوله ( @QUR@04 وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) ثناء آخر على هذا الكتاب ~~الكريم. # أى : أنزلنا هذا الكتاب ms3392 يا محمد ، لتبين للناس عن طريقه وجه الحق فيما ~~اختلفوا فيه من أمور الدين ، وليكون هذا الكتاب هداية إلى الطريق القويم ، ~~ورحمة لقوم يؤمنون به ، ويسيرون في كل أمورهم على هدى تعاليمه وإرشاداته ~~وتشريعاته. # وقال سبحانه : ( @QUR@02 لقوم يؤمنون ) للإشارة الى أن الظفر بما اشتمل ~~عليه القرآن من خيرات ، إنما هو لقوم قد توجهت نفوسهم إلى الإيمان به ، ~~وتفتحت قلوبهم لاستقبال هداياته. # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد بينت لنا جانبا من مظاهر فضل الله ~~تعالى على عباده ، وردت على المشركين فيما زعموه من أن لهم في الآخرة ~~العاقبة الحسنى ، وسلت النبي صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم من أذى ، ~~وبينت أهم الوظائف التي من أجلها أنزل الله تعالى كتابه. # ثم ساقت السورة الكريمة ألوانا من نعم الله تعالى على خلقه ، ومن ذلك : ~~نعمة إنزال الماء من السماء ، ونعمة خلق الأنعام ، ونعمة إيجاد النخيل ~~والأعناب ، فقال تعالى : # ( @QUR@016 والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك ~~لآية لقوم يسمعون (65) @QUR@017 وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في ~~بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين (66) PageV08P181 # @QUR@015 ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ~~ذلك لآية لقوم يعقلون ) (67) # والمراد بالسماء في قوله تعالى : ( @QUR@05 والله أنزل من السماء ماء ): ~~جهة العلو أو السحاب المنتشر في طبقات الجو العليا والذي تنزل منه الأمطار. # والمراد بإحياء الأرض : تحرك القوى النامية فيها ، وإظهار ما أودعه الله ~~تعالى فيها من نبات وأزهار ، وثمرات ، وغير ذلك مما تنبته الأرض. # والمراد بموتها : خلوها من ذلك ، بسبب استيلاء القحط والجدب عليها. # قال تعالى : ( @QUR@014 وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت ~~وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ). # أى : وكما أنزل الله تعالى كتابه ليكون هداية ورحمة لقوم يؤمنون ، أنزل ~~سبحانه أيضا الماء من السماء على الأرض ، فتحولت بسبب نزول هذا الماء ~~المبارك الكثير عليها ، من أرض جدباء خامدة ، إلى أرض خضراء رابية. # ثم حرض سبحانه عباده على التدبر والشكر فقال ms3393 تعالى : ( @QUR@06 إن في ذلك ~~لآية لقوم يسمعون ). # أى : إن في ذلك الذي فعلناه بقدرتنا وحدها ، من انزل الماء من السماء ، ~~وإحياء الأرض به من بعد موتها ، لآية عظيمة ، وعبرة جليلة ، ودلالة واضحة ~~تدل على وحدانيتنا وقدرتنا وحكمتنا ، «لقوم يسمعون» ما يتلى عليهم من كلام ~~الله تعالى سماع تدبر واعتبار ، فيعملون بما اشتمل عليه من توجيهات حكيمة ~~وإرشادات سديدة. # فالمراد بالسمع : سمع القلوب والعقول ، لا سمع الآذان فقط ، إذ سمع ~~الآذان بدون وعى واستجابة للحق ، لا قيمة له ، ولا فائدة ترجى من ورائه. # ثم أرشد سبحانه إلى مظهر آخر من مظاهر وحدانيته ، وعظيم قدرته وعجيب صنعه ~~، وسعة رحمته ، حيث خلق للناس الأنعام ، وسقاهم من ألبانها ، فقال تعالى : ~~( @QUR@05 وإن لكم في الأنعام لعبرة ... ). # والأنعام : تطلق على الإبل والبقر والغنم من الحيوان ، ويدخل في الغنم المعز. PageV08P182 # والعبرة : مصدر بمعنى العبور ، أى : التجاوز من محل إلى آخر ، والمراد ~~بها هنا : العظة والاعتبار والانتقال من الجهل إلى العلم ، ومن الغفلة إلى ~~اليقظة. # أى : وإن لكم أيها الناس في خلق الأنعام ، وفيما يخرج منها من ألبان ~~لعبرة عظيمة ، وعظة بليغة ، ومنفعة جليلة توجب عليكم إخلاص العبادة لله ~~تعالى وحده ، ومداومة الشكر له على نعمه. فالتنكير في قوله ( @QUR@01 لعبرة ~~) للتفخيم والتهويل. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 نسقيكم مما في بطونه ) استئناف بيانى ، كأنه قيل ~~: وما وجه العبرة في الأنعام؟ فكان الجواب : نسقيكم مما في بطونه. # قال الآلوسى : والضمير في «بطونه» يعود للأنعام ، وهو اسم جمع ، واسم ~~الجمع يجوز تذكيره وإفراده باعتبار لفظه ، ويجوز تأنيثه وجمعه باعتبار ~~معناه ...» (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ) ~~بيان لموطن العبرة ومحل النعمة ، ومظهر الدلالة على وحدانية الله تعالى ~~وقدرته ورحمته .. # والفرث : الطعام المتبقى في أمعاء الحيوان بعد هضمه. وأصل الفرث : ~~التفتيت. يقال فرثت كبده. أى : فتتتها. # قال الجمل ما ملخصه : والفرث : الأشياء المأكولة المنهضمة بعض الانهضام ~~في الكرش بفتح الكاف وكسر الراء فإذا خرجت من الكرش لا تسمى فرثا بل تسمى ~~روثا. وقوله ( @QUR@01 لبنا ) مفعول ثان لنسقيكم ، والأول هو الكاف» ms3394 (2). # والخالص : النقي الصافي الخالي من الشوائب والأكدار. يقال خلص الشيء من ~~التلف خلوصا من باب قعد إذا سلم منه. # والسائغ : اللذيذ الطعم ، السهل المدخل الى الحلق. يقال : ساغ الشراب ~~يسوغ سوغا. من باب قال إذا سهل مدخله في الحلق. # أى : نسقيكم من بين الفرث والدم الذي اشتملت عليه بطون الأنعام ، «لبنا» ~~نافعا لأبدانكم «خالصا» من رائحة الفرث ، ومن لون الدم ، مع أنه موجود ~~بينهما «سائغا للشاربين» بحيث يمر في الحلوق بسهولة ويسر ، ويشعر شاربه ~~بلذة وارتياح. PageV08P183 # وقدم سبحانه قوله : ( @QUR@04 من بين فرث ودم ) على قوله ( @QUR@01 لبنا ~~)، لأن خروج اللبن من بينهما هو موطن العبرة ، وموضع الدليل الأسمى على ~~قدرة الله تعالى ووحدانيته. # قال صاحب الكشاف : قوله تعالى : ( @QUR@04 من بين فرث ودم ) أى : يخلق ~~الله اللبن وسيطا بين الفرث والدم يكتنفانه ، وبينه وبينهما برزخ من قدرة ~~الله تعالى ، بحيث لا يبغى أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة ، بل هو ~~خالص من ذلك كله ... فسبحان الله ما أعظم قدرته ، وألطف حكمته ، لمن تفكر ~~وتأمل. وسئل «شقيق» عن الإخلاص فقال : تمييز العمل من العيوب كتمييز اللبن ~~من بين فرث ودم. # ثم قال رحمه الله : فإن قلت : أى فرق بين «من» الأولى والثانية؟. # قلت : الأولى للتبعيض ، لأن اللبن بعض ما في بطونها ... والثانية لابتداء ~~الغاية ، لأن بين الفرث والدم مكان الإسقاء الذي منه يبتدأ ... # وإنما قدم قوله : ( @QUR@04 من بين فرث ودم ) لأنه موضع العبرة ، فهو قمن ~~بالتقديم» (1). # وقال الآلوسى عند تفسيره لهذه الآية : «ومن تدبر في بدائع صنع الله تعالى ~~فيما ذكر من الأخلاط والألبان وإعداد مقارها ومجاريها ، والأسباب المولدة ~~لها ، وتسخير القوى المتصرفة فيها ... اضطر إلى الاعتراف بكمال علمه سبحانه ~~وقدرته ، وحكمته ، وتناهى رأفته ورحمته : # حكم حارت البرية فيها %~% وحقيق بأنها تحتار (2) # والحق ، أن هذه الآية الكريمة من أكبر الأدلة على وحدانية الله تعالى ~~ونفاذ قدرته ، وعجيب صنعته ، حيث استخرج سبحانه من بين فرث ودم في بطون ~~الأنعام ، لبنا خالصا سائغا للشاربين. # وهذا الاستخراج قد تكلم العلماء المتخصصون عن كيفيته وعن مراحله ms3395 .. كلاما ~~يقوى إيمان المؤمنين ، ويدفع باطل الملحدين. # هذا ، وفي الآية الكريمة إشارة إلى أن اللبن نعمة جزيلة من نعم الله ~~تعالى على خلقه. # قال القرطبي ما ملخصه : «روى أبو داود وغيره عن ابن عباس قال : أتى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بلبن فشرب ، ثم قال : «إذا أكل أحدكم طعاما فليقل ، ~~اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا PageV08P184 # خيرا منه ، وإذا سقى لبنا فليقل : اللهم بارك لنا فيه ، وزدنا منه ، فإنه ~~ليس شيء يجزئ عن الطعام والشراب إلا اللبن». # ثم قال الإمام القرطبي : قال علماؤنا : فكيف لا يكون كذلك ، وهو أول ما ~~يغتذى به الإنسان ، وتنمو به الأبدان ، فهو قوت به قوام الأجسام ، وقد جعله ~~الله تعالى علامة لجبريل على هداية هذه الأمة ، ففي الحديث الصحيح أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال : «فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن ، ~~فاخترت اللبن. فقال لي جبريل : اخترت الفطرة ...» (1). # ثم انتقلت السورة الكريمة الى الحديث عن نعمة أخرى من نعم الله التي لا ~~تحصى ، وهي نعمة ثمرات النخيل والأعناب ، فقال تعالى : ( @QUR@09 ومن ثمرات ~~النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ... ). # قال الجمل ما ملخصه : قوله سبحانه : ( @QUR@04 ومن ثمرات النخيل والأعناب ~~.. ) خبر مقدم ، ومن تبعيضية ، والمبتدأ محذوف تقديره ثمر ، وقوله ( ~~@QUR@01 تتخذون ) نعت لهذا المبتدأ المحذوف ، أى : ومن ثمرات النخيل ~~والأعناب ثمر تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا. # ويجوز أن يكون الجار والمجرور متعلقا بمحذوف ، والتقدير : ونسقيكم من ~~ثمرات النخيل والأعناب ، أى : من عصيرهما ، وحذف لدلالة نسقيكم قبله عليه ، ~~وقوله ( @QUR@05 تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ) بيان وكشف عن كيفية الإسقاء. # والضمير في قوله ( @QUR@01 منه ) يعود على المضاف المحذوف الذي هو العصير ~~، أو على المبتدأ المحذوف وهو الثمر (2). # والسكر بفتح السين والكاف اسم من أسماء الخمر ، يقال : سكر فلان بوزن فرح ~~يسكر سكرا ، إذا غاب عقله وإدراكه فهو سكران وسكر بفتح السين وكسر الكاف . # وأما الرزق الحسن ، فالمراد به ما كان حلالا من ثمرات النخيل والأعناب ~~كالتمر والزبيب وغير ذلك مما أحله الله تعالى من ثمارهما. ms3396 # وعلى هذا المعنى سار جمهور العلماء من السلف والخلف. # قال الآلوسى ما ملخصه : والسكر : الخمر. قال الأخطل :. PageV08P185 بئس الصحاة وبئس الشرب شربهم %~% إذا جرى فيهم المزاء والسكر # المزاء : نوع من الأشربة. والسكر ما يسكر وهو الخمر. # وفسروا الرزق الحسن. بالخل والتمر والزبيب وغير ذلك. # ثم قال : وتفسير «السكر» بالخمر ، هو المروي عن ابن مسعود ، وابن عمر ، ~~وأبى رزين ، والحسن ، ومجاهد ، والشعبي .. والنخعي .. مع خلق آخرين .. (1). # وعلى هذا التفسير الذي قاله جمهور العلماء يكون السكر غير الرزق الحسن ، ~~ويكون العطف للتغاير. # ومن العلماء من فسر السكر بأنه اسم للخل ، أو للعصير غير المسكر ، أو لما ~~لا يسكر من الأنبذة ، وقد بسط الإمام القرطبي القول في هذه المسألة فقال ما ~~ملخصه : قوله تعالى ( @QUR@01 سكرا ) السكر ما يسكر ، هذا هو المشهور في ~~اللغة. قال ابن عباس : نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر. # والمراد بالسكر : الخمر. وبالرزق الحسن : جميع ما يؤكل ويشرب حلالا من ~~هاتين الشجرتين. # وقد قيل إن السكر : الخل بلغة الحبشة. والرزق الحسن : الطعام. وقيل السكر ~~: العصير الحلو الحلال ، وسمى سكرا ، لأنه قد يصير مسكرا إذا بقي ، فإذا ~~بلغ الإسكار حرم ... # وقال الحنفيون. المراد بقوله «سكرا» مالا يسكر من الأنبذة. والدليل عليه ~~أن الله سبحانه امتن على عباده بما خلق لهم من ذلك ، ولا يقع الامتنان إلا ~~بمحلل لا بمحرم ، فيكون ذلك دليلا على جواز شرب ما دون المسكر من النبيذ ، ~~فإذا انتهى إلى السكر لم يجز. وعضدوا هذا من السنة بما روى عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : «حرم الله الخمر بعينها والسكر من غيرها» (2). # وأصحاب هذا الرأى كأنهم يرون أن عطف الرزق الحسن على السكر من باب عطف ~~الشيء على مرادفه ، كما في قوله تعالى ( @QUR@05 لكل جعلنا منكم شرعة ~~ومنهاجا ) وليس من باب العطف المقتضى للمغايرة ، فالسكر عندهم ليس هو الخمر ~~، وإنما هو الخل أو العصير أو النبيذ غير المسكر. # ويبدو لنا أن ما ذهب إليه الجمهور من أن السكر هو الخمر أولى بالقبول ، ~~لأن هذا التفسير PageV08P186 # هو ms3397 المروي عن جمع من الصحابة ومن التابعين ، ولأن الأصل في العطف أنه ~~يقتضى المغايرة. # قال ابن العربي : أسد هذه الأقوال قول ابن عباس : نزلت هذه الآية قبل ~~تحريم الخمر ، والمراد بالسكر الخمر ، فتكون هذه الآية منسوخة لأنها مكية ~~باتفاق العلماء ، وتحريم الخمر مدني (1). # وقال صاحب تفسير آيات الأحكام بعد أن ذكر أدلة الأحناف ورد عليها : ~~والحاصل أننا نرى أن الآية ليس فيها ما يشهد بالحل ، إذ الكلام في الامتنان ~~بخلق الأشياء لمنافع الإنسان ، ولم تنحصر المنافع في حل التناول ، فقد قال ~~الله تعالى : في شأن الخمر : ( @QUR@010 يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما ~~إثم كبير ومنافع للناس .. ) فهل انحصرت منافع السكر على فرض أنه النبيذ في ~~الشرب؟ (2). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@06 إن في ذلك لآية لقوم ~~يعقلون ) أى : في ذلك الذي ذكرناه لكم من إخراج اللبن من بين فرث ودم ، ومن ~~اتخاذ السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب ، «لآية» باهرة ، ~~ودلالة واضحة ، على قدرة الله تعالى ووحدانيته ، «لقوم يعقلون» هذه ~~التوجيهات الحكيمة ، فيدركون أن من يفعل كل ذلك وغيره ، هو المستحق للعبادة ~~والطاعة «ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين». # * * * # ثم ساق سبحانه بعد ذلك ما يدل أيضا على وحدانيته وقدرته ، عن طريق إخراج ~~العسل الذي فيه شفاء للناس بواسطة حشرة ضعيفة وهي النحلة ، فقال تعالى : # ( @QUR@013 وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما ~~يعرشون (68) @QUR@024 ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من ~~بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ) (69) PageV08P187 # وقوله سبحانه : ( @QUR@01 وأوحى ) من الوحى ، وهو هنا بمعنى الإلهام ، ~~وهو كما يقول القرطبي ما يخلقه الله تعالى في القلب ابتداء من غير سبب ~~ظاهر. ومنه قوله تعالى : ( @QUR@06 ونفس وما سواها. فألهمها فجورها وتقواها ~~) ومن ذلك إلهام البهائم لفعل ما ينفعها ، وترك ما يضرها ، وتدبير معاشها ~~.. (1). # وقال صاحب الكشاف : والإيحاء إلى النحل : إلهامها والقذف في قلوبها على ~~وجه هو أعلم به ، لا سبيل لأحد إلى ms3398 الوقوف عليه ، وإلا فتأنقها في صنعتها ~~ولطفها في تدبير أمرها ، وإصابتها فيما يصلحها دلائل شاهدة على أن الله ~~تعالى أودعها علما بذلك وفطنها ، كما أودع أولى العقول عقولهم .. (2). # والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ويشمل كل من يصلح للخطاب من الأمة ~~الإسلامية. # والنحل : اسم جنس يفرق بينه وبين واحده بالتاء ، ويطلق على الذكر والأنثى ~~، وسمى بذلك لأن الله تعالى نحله أى منحه العسل الذي يخرج منه. # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما ~~يعرشون ) بيان لما ألهمه الله النحل من أوامر. ولما كلفها به من أعمال. # و «أن» مفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول دون حروفه وما بعدها لا محل له ~~من الإعراب ، ويجوز بأن تكون مصدرية فيكون ما بعدها في محل نصب على تقدير ~~الجار. أى : بأن اتخذى. # والمعنى : وألهم ربك النحل وأرشدها وهداها إلى أن تتخذ من فجوات الجبال ~~بيوتا تسكن فيها ، وكذلك من تجاويف الأشجار ومما يرفعه الناس ويعرشونه من ~~السقوف وغيرها. # يقال : عرش الشيء يعرشه بكسر الراء وضمها إذا رفعه عن الأرض ، ومنه ~~العريش الذي صنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر لمشاهدة سير المعركة. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما معنى «من» في قوله ( @QUR@09 أن اتخذي من ~~الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون )؟ وهلا قيل في الجبال وفي الشجر؟. # قلت : أريد معنى البعضية ، وأن لا تبنى بيوتها في كل جبل ، وكل شجر ، وكل ~~ما يعرش ، ولا في كل مكان منها. PageV08P188 # وقد علق الشيخ ابن المنير على هذا الكلام بقوله : «ويتزين هذا المعنى ~~الذي نبه عليه الزمخشري في تبعيض «من» المتعلقة باتخاذ البيوت بإطلاق الأكل ~~، كأنه تعالى وكل الأكل إلى شهوتها واختيارها فلم يحجر عليها فيه ، وإن حجر ~~عليها في البيوت ، وأمرت باتخاذها في بعض المواضع دون بعض لأن مصلحة الأكل ~~على الإطلاق باستمرار مشتهاها منه ، وأما البيوت فلا تحصل مصلحتها في كل ~~موضع. ولهذا المعنى دخلت ثم في قوله ( @QUR@02 ثم كلي ... ) لتفاوت الأمر ~~بين الحجر عليها في اتخاذ البيوت ، والإطلاق ms3399 لها في تناول الثمرات ، كما ~~تقول : راع الحلال فيما تأكله ثم كل أى شيء شئت. فتوسط ثم لتفاوت. الحجر ~~والإطلاق فسبحان اللطيف الخبير» (1). # وقوله : ( @QUR@09 ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا .. ) بيان ~~للون آخر من الإلهامات التي ألهمها الله تعالى إياها. # والسبل : جمع سبيل. والمراد بها الطرق التي تسلكها النحلة في خروجها من ~~بيتها وفي رجوعها إليه وأضاف سبحانه السبل إليه ، لأنه هو خالقها وموجدها. # وذللا : جمع ذلول وهو الشيء الممهد المنقاد ، وهو حال من السبل ، أى : ~~فاسلكي سبل ربك حال كونها ممهدة لك ، لا عسر في سلوكها عليك ، وإن كانت ~~صعبة بالنسبة لغيرك. # قالوا : ربما أجدب عليها ما حولها ، فتنتجع الأماكن البعيدة للمرعى ، ثم ~~تعود إلى بيوتها دون أن تضل عنها. # وقيل إن «ذللا» حال من النحلة أى : ثم كلى من كل الثمرات ، فاسلكي سبل ~~ربك ، حالة كونك منقادة لما يراد منك ، مطيعة لما سخرك الله له من أمور تدل ~~على قدرته وحكمته سبحانه . # وقوله تعالى : ( @QUR@09 يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء ~~للناس ) كلام مستأنف ، عدل به من خطاب النحلة الى خطاب الناس ، تعديدا ~~للنعم ، وتعجيبا لكل سامع ، وتنبيها على مواطن العظات والعبر الدالة على ~~وحدانية الله تعالى وقدرته وعجيب صنعه في خلقه. # أى : يخرج من بطون النحل بعد أكلها من كل الثمرات وبعد اتخاذها بيوتها ~~شراب هو العسل ، مختلف ألوانه ما بين أبيض وأصفر وغير ذلك من ألوان العسل ، ~~على حسب اختلاف مراعيها ومآكلها وسنها ، وغير ذلك بما اقتضته حكمته سبحانه . PageV08P189 # والضمير في قوله تعالى : ( @QUR@03 فيه شفاء للناس ) يعود على الشراب ~~المستخرج من بطونها وهو العسل. # أى : في العسل شفاء عظيم للناس من أمراض كثيرة تعرض لهم. # وقيل : الضمير يعود إلى القرآن الكريم ، والتقدير : فيما قصصنا عليكم في ~~هذا القرآن الشفاء للناس. # وهذا القيل وإن كان صحيحا في ذاته ، إلا أن السياق لا يدل عليه ، لأن ~~الآية تتحدث عما يخرج من بطون النحل وهو العسل ، ولا وجه للعدول عن الظاهر ~~، ومخالفة المرجع الواضح. # قال ms3400 الإمام ابن كثير : والدليل على أن المراد بقوله ( @QUR@03 فيه شفاء ~~للناس ) هو العسل ، الحديث الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبى ~~سعيد الخدري رضى الله عنه ، أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال : إن أخى استطلق بطنه فقال : «اسقه عسلا» ، فذهب فسقاه عسلا ثم جاء ~~فقال : يا رسول الله ، سقيته عسلا فما زاده إلا استطلاقا. قال : «اذهب ~~فاسقه عسلا». فذهب فسقاه عسلا ثم جاء فقال يا رسول الله ، سقيته عسلا فما ~~زاده إلا استطلاقا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «صدق الله وكذب بطن ~~أخيك. اذهب فاسقه عسلا» فذهب فسقاه عسلا فبرئ. # ثم ساق الإمام ابن كثير بعد ذلك جملة من الأحاديث في هذا المعنى منها ما ~~رواه البخاري عن ابن عباس قال : الشفاء في ثلاثة : في شرطة محجم أو شربة ~~عسل أوكية بنار ، وأنهى أمتى عن الكي». # وروى البخاري أيضا عن جابر بن عبد الله قال : سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول : «إن كان في شيء من أدويتكم أو يكون في شيء من ~~أدويتكم خير : ففي شرطة محجم ، أو شربة عسل ، أو لذعة بنار ، توافق الداء ، ~~وما أحب أن أكتوى» (1). # وقال صاحب فتح البيان : وقد اختلف أهل العلم هل هذا الشفاء الذي جعله ~~الله في العسل عام لكل داء ، أو خاص ببعض الأمراض. # فقال طائفة : هو على العموم في كل حال ولكل أحد. # وقالت طائفة : أخرى : إن ذلك خاص ببعض الأمراض ، ولا يقتضى العموم في كل علة PageV08P190 # وفي كل إنسان ، وليس هذا بأول لفظ خصص في القرآن فالقرآن مملوء منه ، ~~ولغة العربي يأتى فيها العام كثيرا بمعنى الخاص ، والخاص بمعنى العام. # ومما يدل على هذا ، أن العسل نكرة في سياق الإثبات فلا يكون عاما باتفاق ~~أهل اللسان. ومحققي أهل الأصول. وتنكيره إن أريد به التعظيم لا يدل إلا على ~~أن فيه شفاء عظيما لمرض ، أو أمراض ، لا لكل مرض ، فإن تنكير التعظيم لا ~~يفيد العموم. # ثم قال : قلت : وحديث البخاري : أن ms3401 أخى استطلق بطنه .. أوضح دليل على ما ~~ذهبت إليه طائفة من تعميم الشفاء ، لأن قوله صلى الله عليه وسلم «صدق الله» أى ~~: أنه شفاء فلو كان لبعض دون بعض لم يكرر الأمر بالسقيا» (1). # والذي نراه ، أن من الواجب علينا أن نؤمن إيمانا جازما بأن العسل المذكور ~~فيه شفاء للناس ، كما صرح بذلك القرآن الكريم ، وكما أرشد إلى ذلك النبي ~~صلى الله عليه وسلم . # وعلينا بعد ذلك أن نفوض أمر هذا الشفاء وعموميته وخصوصيته لعلم الله ~~تعالى وقدرته وحكمته ويكفينا يقينا في هذا المجال ، إصرار النبي ~~صلى الله عليه وسلم على أن يقول للرجل الذي استطلق بطن أخيه أكثر من مرة ، ~~«اذهب فاسقه عسلا». # وقد تولى كثير من الأطباء شرح هذه الآية الكريمة شرحا علميا وافيا ، ~~وبينوا ما اشتمل عليه عسل النحل من فوائد (2). # ثم ختم سبحانه : الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@06 إن في ذلك لآية لقوم ~~يتفكرون ). # أى : إن في ذلك الذي ذكرناه لكم من أمر النحل ؛ من إلهامها اتخاذ البيوت ~~العجيبة ، ومن إدارتها لشئون حياتها بدقة متناهية ، ومن سلوكها الطرق التي ~~جعلها الله مذللة في ذهابها وإيابها للحصول على قوام حياتها ، ومن خروج ~~العسل من بطونها ... إن في ذلك وغيره ، لآية باهرة ، وعبرة ظاهرة ، ودلالة ~~جلية ، على وحدانية الله تعالى وقدرته ، وحكمته ، لقوم يحسنون التفكير فيما ~~أخبرهم الله تعالى عنه ، ويوقنون بأن لهذا الكون ربا واحدا لا إله الا هو ( ~~@QUR@04 تبارك الله رب العالمين ). # وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد ساقت لنا ألوانا من عجائب صنع الله في ~~خلقه ، كاستخراج اللبن من بين فرث ودم ، وكاتخاذ السكر والرزق الحسن من ~~ثمرات النخيل والأعناب ، وكاستخراج العسل الذي فيه شفاء للناس من بطون النحل. PageV08P191 # فهذه الأشربة قد أخرجها الله تعالى من أجساد مخالفة لها في شكلها ، وقد ~~ساقها سبحانه في آيات جمع بينها التناسق الباهر في عرض هذه النعم ، مما يدل ~~على أن هذا القرآن من عند الله ، ( @QUR@011 .. ولو كان من عند غير الله ~~لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) (1). # وبعد هذا الحديث المتنوع عن ms3402 عجائب خلق الله تعالى في الأنعام والأشجار ~~والنحل .. ساقت السورة الكريمة ألوانا أخرى من مظاهر قدرته تعالى في خلق ~~الإنسان ، وفي التفاضل في الأرزاق ، ومن نعمه على عباده في إيجاد الأزواج ~~والبنين والحفدة .. فقال تعالى : # ( @QUR@020 والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا ~~يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير (70) @QUR@022 والله فضل بعضكم على ~~بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه ~~سواء أفبنعمة الله يجحدون (71) @QUR@021 والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا ~~وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمت ~~الله هم يكفرون ) (72) # قال الإمام الرازي رحمه الله : لما ذكر سبحانه بعض عجائب أحوال الحيوانات ~~، ذكر بعده بعض عجائب أحوال الناس ، ومنها ما هو مذكور في هذه الآية : ( ~~@QUR@010 والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ) وهو إشارة ~~إلى مراتب عمر الإنسان. والعقلاء ضبطوها في أربع مراتب : أولها : سن النشوء ~~والنماء ، وثانيها : سن الوقوف وهو سن الشباب ، من ثلاث وثلاثين سنة إلى ~~أربعين سنة ، وثالثها : سن الانحطاط القليل وهو سن الكهولة وهو من الأربعين ~~إلى الستين ورابعها : سن الانحطاط الكبير وهو سن الشيخوخة وهو من الستين ~~إلى نهاية العمر » (2). PageV08P192 # والمعنى : «والله» تعالى هو الذي «خلقكم» بقدرته ، ولم تكونوا قبل ذلك ~~شيئا مذكورا. # «ثم» هو وحده الذي «يتوفاكم» وينهى حياتكم من هذه الدنيا عند انقضاء ~~آجالكم. # وقوله ( @QUR@06 ومنكم من يرد إلى أرذل العمر .. ) معطوف على مقدر. أى : ~~والله تعالى هو الذي خلقكم ، فمنكم من يبقى محتفظا بقوة جسده وعقله حتى ~~يموت ، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر .. # والمراد بأرذل العمر : أضعفه وأوهاه وهو وقت الهرم والشيخوخة ، الذي تنقص ~~فيه القوى ، وتعجز فيه الحواس عن أداء وظائفها. # يقال : رذل الشيء يرذل بضم الذال فيهما رذالة .. إذا ذهب جيده وبقي رديئه. # وقوله : ( @QUR@06 لكي لا يعلم بعد علم شيئا ) تعليل للرد إلى أرذل العمر. # أى : فعلنا ما فعلنا من إبقاء بعض الناس في هذه الحياة إلى سن ms3403 الشيخوخة ~~لكي يصير إلى حالة شبيهة بحالة طفولته في عدم إدراك الأمور إدراكا تاما ~~وسليما. # ويجوز أن تكون اللام للصيرورة والعاقبة. أى : ليصير أمره بعد العلم ~~بالأشياء ، إلى أن لا يعلم شيئا منها علما كاملا. # ولقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من أن يصل عمره إلى هذه السن ، لأنها ~~سن تتكاثر فيها الآلام والمتاعب. وقد يصير الإنسان فيها عالة على غيره. ~~وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@024 الله الذي خلقكم من ضعف ، ثم جعل ~~من بعد ضعف قوة ، ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة ، يخلق ما يشاء وهو العليم ~~القدير ) (1). # قال الإمام ابن كثير : روى البخاري عند تفسير هذه الآية ، عن أنس بن مالك ~~، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو فيقول : «اللهم إنى أعوذ بك من ~~البخل ، والكسل ، والهرم ، وأرذل العمر ، وعذاب القبر ، وفتنة الدجال ، ~~وفتنة المحيا والممات». # وقال زهير بن أبى سلمى في معلقته المشهورة : # سئمت تكاليف الحياة ومن يعش %~% ثمانين حولا لا أبا لك يسأم رأيت المنايا خبط عشواء من تصب %~% تمته ، ومن تخطئ يعمر فيهرم (2) PageV08P193 # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بما يدل على كمال علمه ، وتمام قدرته ، فقال ~~تعالى : ( @QUR@04 إن الله عليم قدير ) أى : إن الله تعالى عليم بأحوال ~~مخلوقاته ، لا يخفى عليه شيء من تصرفاتهم «قدير» على تبديل الأمور كما ~~تقتضي حكمته وإرادته. # ويؤخذ من هذه الآية الكريمة إمكان البعث وأنه حق ، لأن الله تعالى القادر ~~على خلق الإنسان وعلى نقله من حال إلى حال .. قادر أيضا على إحيائه بعد موته. # ثم انتقلت السورة الكريمة من الحديث عن خلق الإنسان ، وتقلبه في أطوار ~~عمره ، إلى الحديث عن التفاوت بين الناس في أرزاقهم ، فقال تعالى : ( ~~@QUR@07 والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ... ) فجعل منكم الغنى والفقير ، ~~والمالك والمملوك ، والقوى والضعيف ، وغير ذلك من ألوان التفاوت بين الناس ~~، لحكمة هو يعلمها سبحانه . # ثم بين سبحانه موقف المفضلين في الرزق من غيرهم فقال : ( @QUR@012 فما ~~الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء ms3404 .. ). # أى : فليس الذين فضلهم الله تعالى في الرزق على غيرهم «برادي» أى : ~~بمانحى وباذلى «رزقهم» الذي رزقهم الله إياه على مماليكهم أو خدمهم الذين ~~هم إخوة لهم في الإنسانية «فهم» أى الأغنياء الذين فضلوا في الرزق ~~ومماليكهم وخدمهم «فيه» أى : في هذا الرزق «سواء» من حيث إنى أنا الرازق ~~للجميع. # فالجملة الكريمة يجوز أن تكون دعوة من الله تعالى للذين فضلوا على غيرهم ~~في الرزق ، بأن ينفقوا على مماليكهم وخدمهم ، لأن ما ينفقونه عليهم هو رزق ~~أجراه الله للفقراء على أيدى الأغنياء. # وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله عند تفسير الآية : أى : جعلكم ~~متفاوتين في الرزق ، فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم وهم بشر مثلكم ، ~~وإخوانكم ، فكان ينبغي أن تردوا فضل ما رزقتموه عليهم ، حتى تتساووا في ~~الملبس والمطعم. كما يحكى عن أبى ذر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ~~«إنما هم إخوانكم ، فاكسوهم مما تلبسون ، وأطعموهم مما تطعمون» فما رؤي ~~عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه ، وإزاره إزاره من غير تفاوت (1). # ويجوز أن تكون الآية الكريمة توبيخا للذين يشركون مع الله تعالى آلهة ~~أخرى في العبادة. فيكون المعنى : لقد فضل الله تعالى بعضكم على بعض في ~~الرزق أيها PageV08P194 # الناس ، ومع ذلك فالمشاهد الغالب بينهم ، أن الأغنياء لا يردون أموالهم ~~على خدمهم وعبيدهم بحيث يتساوون معهم في الرزق ، وإذا ردوا عليهم شيئا ، ~~فإنما هو شيء قليل يسير يدل على بخلهم وحرصهم .. مع أنى أنا الرازق للجميع. # وإلى هذا المعنى أشار ابن كثير بقوله عند تفسيره للآية : «يبين تعالى ~~للمشركين جهلهم وكفرهم فيما زعموه لله من شركاء وهم يعترفون بأنهم عبيد له ~~، كما كانوا يقولون في تلبيتهم في حجهم : لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك ~~تملكه وما ملك ، فقال تعالى منكرا عليهم : أنتم لا ترضون أن تساووا عبيدكم ~~فيما رزقناكم ، فكيف يرضى هو تعالى بمساواة عبيد له في الإلهية والتعظيم ، ~~كما قال تعالى في آية أخرى ( @QUR@022 ضرب لكم مثلا من أنفسكم ، هل لكم من ~~ما ملكت أيمانكم ms3405 من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم ~~أنفسكم ... ) (1). # وقال العوفى عن ابن عباس في هذه الآية يقول : لم يكونوا ليشركوا عبيدهم ~~في أموالهم ونسائهم ، فكيف يشركون معى عبيدي في سلطاني .. (2)». # وهذا المعنى الثاني هو الأقرب إلى سياق آيات السورة الكريمة ، لأن السورة ~~الكريمة مكية ، ومن أهدافها الأساسية دعوة الناس إلى إخلاص العبادة لله ~~عز وجل ، ونبذ الإشراك والمشركين ، وإقامة الأدلة المتنوعة على بطلان كل ~~عبادة لغير الله تعالى . # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@03 أفبنعمة الله يجحدون ). # والاستفهام هنا للتوبيخ والتقريع ، والفاء معطوفة على مقدر أى : أيشركون ~~به سبحانه فيجحدون نعمه ، وينكرونها ، ويغمطونها حقها ، مع أنه تعالى هو ~~الذي وهبهم هذه النعم ، وهو الذي منحهم ما منحهم من أرزاق؟!!. # ثم ذكرت السورة الكريمة بعد ذلك نعمة أخرى من نعم الله تعالى على الناس ، ~~فقال تعالى : ( @QUR@06 والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا ). # أى : والله تعالى هو وحده الذي جعل لكم ( @QUR@02 من أنفسكم ) أى : من ~~جنسكم ونوعكم ( @QUR@01 أزواجا ) لتسكنوا إليها ، وتستأنسوا بها ، فإن ~~الجنس إلى الجنس آنس وأسكن. # قال تعالى : ( @QUR@014 ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ، لتسكنوا ~~إليها ، وجعل بينكم مودة ورحمة ... ) (3). PageV08P195 # قال الإمام ابن كثير : يذكر تعالى نعمه على عبيده ، بأن جعل لهم من ~~أنفسهم أزواجا ، أى : من جنسهم وشكلهم ، ولو جعل الأزواج من نوع آخر ما حصل ~~الائتلاف والمودة والرحمة ، ولكن من رحمته أنه خلق من بنى آدم ذكورا وإناثا ~~، وجعل الإناث أزواجا للذكور ..» (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ) بيان لنعمة ~~أخرى من نعمه تعالى والحفدة ، جمع حافد يقال ، حفد فلان يحفد حفدا من باب ~~ضرب إذا أسرع في خدمة غيره وطاعته. ومن دعاء القنوت : «وإليك نسعى ونحفد» ~~أى : نسرع في طاعتك يا ربنا. والمراد بالحفدة : أبناء الأبناء. روى عن ابن ~~عباس إنه قال : الحفيد ولد الابن والبنت ، ذكرا كان أو أنثى. وقيل المراد ~~بهم : الخدم والأعوان ، وقيل المراد بهم : الأختان والأصهار أى : أزواج ~~البنات وأقارب الزوجة .. # قال الجمل بعد أن نقل ms3406 جملة من أقوال المفسرين في ذلك : وكل هذه الأقوال ~~متقاربة ، لأن اللفظ يحتمل الكل بحسب المعنى المشترك. وبالجملة فالحفدة غير ~~البنين ، لأن الأصل في العطف المغايرة (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 ورزقكم من الطيبات ) بيان لنعمة ثالثة من النعم ~~المذكورة في هذه الآية. أى : ورزقكم سبحانه من الطيبات التي تستلذونها ~~وتشتهونها ، وقد أحل لكم التمتع بها فضلا منه وكرما. # ثم ختم تعالى الآية الكريمة بتأنيب الذين يؤثرون الغي على الرشد فقال ~~تعالى : ( @QUR@06 أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون ). # والباطل يشمل كل اعتقاد أو قول أو فعل يخالف الحق والرشاد والاستفهام ~~للتوبيخ والتقريع ، والفاء معطوفة على مقدر. والمعنى : أيجحدون نعم الله ~~تعالى فيؤمنون بالباطل ، ويكفرون بكل ما سواه من الحق والهدى والرشاد. # وفي تقديم الباطل على الفعل «يؤمنون» إشارة إلى أنهم قد اختلط الباطل ~~بدمائهم فأصبحوا لا يؤمنون إلا به ، ولا ينقادون إلا له. PageV08P196 # والمراد بنعمة الله عموم النعم التي أنعم الله بها عليهم ، والتي لا تعد ~~ولا تحصى. # وفي تقديم النعمة وتوسيط ضمير الفصل ، إشعار بأن كفرهم بالنعم مستمر ~~وإنكارهم لها لا ينقطع ، لأنهم «استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله». # وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد ذكرت الناس بعجائب خلقهم وبأطوار حياتهم ~~، ويتفاوت أرزاقهم ، وببعض نعم الله تعالى عليهم لعلهم عن طريق هذا التذكير ~~يفيئون إلى رشدهم ، ويخلصون العبادة لخالقهم سبحانه ، ويستعملون نعمه فيما ~~خلقت له. # ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك لونا من ألوان العقول المنحرفة عن الطريق ~~الحق ، كما ساقت مثلين للرب الخالق العظيم ، وللمملوك العاجز الضعيف ، لعل ~~في ذلك عبرة لمن يعتبر ، وهداية لمن يريد الصراط المستقيم ، فقال تعالى : # ( @QUR@015 ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض ~~شيئا ولا يستطيعون (73) @QUR@010 فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون (74) @QUR@027 ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ~~ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل ~~أكثرهم لا يعلمون (75) @QUR@029 وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر ~~على ms3407 شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر ~~بالعدل وهو على صراط مستقيم ) (76) # والمراد بقوله سبحانه : ( @QUR@04 ويعبدون من دون الله ..... ) كل معبود ~~سوى الله تعالى من صنم أو وثن أو غير ذلك من المعبودات الباطلة. # والجملة الكريمة داخلة تحت مضمون الاستفهام الإنكاري ، ومعطوفة عليه : ~~وهو قوله PageV08P197 # تعالى : ( @QUR@06 أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون ). # أى أن هؤلاء الجاحدين لنعم الله تعالى ، بلغ من جهالتهم وسفاهاتهم أنهم ~~يؤمنون بالباطل ، ويكفرون بالحق ، ويعبدون من دون الله تعالى أصناما ~~وأوثانا لا تملك لعابدها أى شيء من الرزق فهي لا تنزل مطرا من السماء ولا ~~تخرج نباتا من الأرض ، ولا تستطيع أن تنفع أو تضر .. # و «ما» في قوله تعالى ( @QUR@03 ما لا يملك .. ) كناية عن معبوداتهم ~~الباطلة فهي مفردة لفظا ، مجموعة معنى. # والتنكير في قوله سبحانه ( @QUR@01 رزقا ) للاشعار بقلته وتفاهته ، وأن ~~معبوداتهم لا تملك لهم أى شيء من الرزق ، حتى ولو كان تافها حقيرا. # وقوله : ( @QUR@01 شيئا ) منصوب على المصدر ، أى : ويعبدون من دون الله ~~ما لا يملك لهم ملكا ، أى : شيئا من الملك. # والضمير في قوله ( @QUR@02 ولا يستطيعون ) يعود إلى ( @QUR@01 ما ) وجمع ~~بصيغة العقلاء بناء على زعمهم الفاسد ، من أن هذه الأصنام في إمكانها النفع والضر. # وجاءت جملة ( @QUR@02 ولا يستطيعون ) بعد قوله تعالى ( @QUR@08 ما لا ~~يملك لهم رزقا من السماوات والأرض .. ) لتأكيد عجز هذه المعبودات عن فعل أى ~~شيء فهي لا تملك شيئا ، وليس في استطاعتها أن تملك لأنها ليست أهلا لذلك. # وقوله سبحانه ( @QUR@04 فلا تضربوا لله الأمثال .. ) نهى منه سبحانه عن ~~أن يشبه في ذاته أو صفاته بغيره ، وقد جاء هذا النهى في صورة الالتفات من ~~الغائب إلى المخاطب للاهتمام بشأن هذا النهى ، والفاء لترتيب النهى على ما ~~عدد من النعم التي وردت في هذه السورة والتي لم ينته الحديث عنها بعد. # والأمثال : جمع مثل ، وهو النظير والشبيه لغيره ، ثم أطلق على القول ~~السائر المعروف ، لمماثلة مضربه وهو الذي يضرب فيه ، لمورده وهو الذي ورد ~~فيه أولا. ms3408 # وتضرب الأمثال : لتوضيح الشيء الغريب ، وتقريب المعنى المعقول من المعنى ~~المحسوس ، وعرض ما هو غائب في صورة ما هو مشاهد ، فيكون المعنى الذي ضرب له ~~المثل أوقع في القلوب ، وأثبت في النفوس. # وقوله تعالى ( @QUR@06 إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ) تعليل لهذا النهى ~~عن ضرب الأمثال لله عز وجل . PageV08P198 # أى : فلا تتجاسروا ، وتتطاولوا ، وتضربوا لله تعالى الأمثال ، كما يضرب ~~بعضكم لبعض ، فإن الله تعالى هو الذي يعلم كيف تضرب الأمثال وأنتم لا ~~تعلمون ذلك. # قال الزجاج : ورد أن المشركين كانوا يقولون : إن إله العالم أجل من أن ~~يعبده الواحد منا ، فكانوا يتوسلون إلى الأصنام والكواكب ، كما أن أصاغر ~~الناس يخدمون أكابر حضرة الملك ، وأولئك الأكابر يخدمون الملك ، فنهوا عن ~~ذلك (1). # ثم وضح لهم سبحانه كيف تضرب الأمثال ، فساق مثلين حكيمين يدلان على ~~وحدانية الله تعالى وقدرته .. # أما المثل الأول فيتجلى في قوله عز وجل : ( @QUR@09 ضرب الله مثلا عبدا ~~مملوكا لا يقدر على شيء .. ). أى : ذكر الله تعالى وبين ووضح لكم مثلا ~~تستدلون به على وحدانيته سبحانه وهو أن هناك عبدا رقيقا مملوكا لغيره ، ~~وهذا العبد لا يقدر على شيء من التصرفات حتى ولو كانت قليلة. # وقوله سبحانه : ( @QUR@01 عبدا ) بدل من ( @QUR@01 مثلا ) و «مملوكا» صفة ~~للعبد. ووصف سبحانه العبد بأنه مملوك ، ليحصل الامتياز بينه وبين الحر ، ~~لأن كليهما يشترك في كونه عبدا لله تعالى . # ووصفه أيضا بأنه لا يقدر على شيء للتمييز بينه وبين المكاتب والعبد ~~المأذون له في التصرف ، لأنهما يقدران على بعض التصرفات. # هذا هو الجانب الأول من المثل ، أما الجانب الثاني فيتجلى في قوله تعالى ~~: ( @QUR@010 ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا ... ). # قال الآلوسى : و «من» في قوله ( @QUR@02 ومن رزقناه ) نكرة موصوفه ، ~~ليطابق عبدا فإنه نكرة موصوفة أيضا ، وقيل : إنها موصولة ، والأول اختيار ~~الأكثرين أى : حرا رزقناه بطريق الملك ، والالتفات إلى التكلم في «رزقناه» ~~للإشعار باختلاف حال ضرب المثل والرزق ...» (2). # أى : ذكر الله تعالى لكم لتتعظوا وتتفكروا ، حال رجلين : أحدهما عبد ~~مملوك لا يقدر على ms3409 شيء. والثاني حر مالك رزقه الله تعالى رزقا واسعا حلالا ~~حسنا ، «فهو» أى هذا PageV08P199 # الحر ينفق على غيره من هذا الرزق الحسن «سرا وجهرا» واختار سبحانه ضمير ~~العظمة في قوله ( @QUR@01 رزقناه ) للإشعار بكثرة هذا الرزق وعظمته ، ~~ويزيده كثرة وعظمة قوله تعالى بعد ذلك ( @QUR@01 منا ) أى ؛ من عندنا وحدنا ~~وليس من عند غيرنا. # ووصف سبحانه الرزق بالحسن ، للإشارة إلى أنه مع كثرته فهو حلال طيب ~~مستحسن في الشرع وفي نظر الناس. # وقال سبحانه ( @QUR@02 فهو ينفق ) بصيغة الجملة الاسمية ، للدلالة على ~~ثبوت هذا الإنفاق ودوامه. # وقوله ( @QUR@02 سرا وجهرا ) منصوبان على المصدر ، أى إنفاق سر وجهر ، أو ~~على الحالية ، أى فهو ينفق منه في حالتي السر والجهر. # والمراد أنه إنسان كريم ، لا يبخل بشيء مما رزقه الله ، بل ينفق منه في ~~عموم الأحوال ، وعلى من تحسن معه النفقة سرا ، وعلى من تحسن معه النفقة جهرا. # هذان هما الجانبان المتقابلان في هذا المثل ، والفرق بينهما واضح وعظيم ~~عند كل ذي قلب سليم ، ولذا جاء بعدهما بالاستفهام الإنكارى التوبيخي فقال : # ( @QUR@02 هل يستوون )؟ أى : هل يستوي في عرفكم أو في عرف أى عاقل ، هذا ~~العبد المملوك العاجز الذي لا يقدر على شيء .. مع هذا الإنسان الحر. المالك ~~الذي رزقه الله سبحانه رزقا واسعا حلالا ، فشكر الله عليه ، واستعمله في ~~وجوه الخير. # إن مما لا شك فيه أنهما لا يستويان حتى في نظر من عنده أدنى شيء من عقل. # ومادام الأمر كذلك ، فكيف سويتم أيها المشركون الجهلاء في العبادة ، بين ~~الخالق الرازق الذي يملك كل شيء ، وبين غيره من المعبودات الباطلة التي لا ~~تسمع ولا تبصر ، ولا تعقل ، ولا تملك شيئا. # وقال سبحانه ( @QUR@02 هل يستوون ) مع أن المتقدم اثنان ، لأن المراد جنس ~~العبيد والأحرار ، المدلول عليهما بقوله ( @QUR@01 عبدا ) وبقوله ( @QUR@02 ~~ومن رزقناه ). # فالمقصود بالمثل كل من اتصف بهذه الأوصاف المذكورة من الجنسين المذكورين ~~لا فردان معينان. # وقوله : ( @QUR@02 الحمد لله ) ثناء منه سبحانه على ذاته ، حيث ساق ~~سبحانه هذه الأمثال الواضحة للتمييز بين الحق والباطل. # أى : قل أيها الإنسان ms3410 المؤمن العاقل «الحمد» كله «لله» تعالى على إرشاده PageV08P200 # لعباده المؤمنين ، وتعليمهم كيف يقذفون بحقهم على باطل أعدائهم فإذا هو زاهق. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله ( @QUR@04 بل أكثرهم لا يعلمون ) أى : ~~بل أكثر هؤلاء الكافرين الضالين ، لا يعلمون كيف يميزون بين الحق والباطل ~~لانطماس بصائرهم ، واستيلاء الجحود والحسد والعناد على قلوبهم. # وقال سبحانه ( @QUR@02 بل أكثرهم .. ) للإشعار بأن من هؤلاء الكافرين من ~~يعلم الحق ويعرفه كما يعرف أبناءه ، ولكن الهوى والغرور والتقليد الباطل .. ~~حال بينه وبين اتباع الحق. # هذا هو المثال الأول الذي ذكره الله تعالى للاستدلال على بطلان التسوية ~~بين عبادة الله تعالى الخالق لكل شيء والمالك لكل شيء .. وبين عبادة غيره ~~من الأصنام والجمادات التي لا تخلق شيئا ، ولا تملك شيئا ، ولا تضر ولا تنفع. # أما المثال الثاني فهو أشد وضوحا من سابقه على وحدانية الله تعالى ورحمته ~~بعباده ، وعلى الفرق الشاسع بين المؤمن والكافر ، ويتجلى هذا المثال في ~~قوله عز وجل : ( @QUR@019 وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء ~~وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير .. ). # أى : وذكر الله تعالى مثلا آخر لرجلين ، ( @QUR@02 أحدهما أبكم ) أى : لا ~~يستطيع النطق أو الكلام ، ضعيف الفهم والتفهيم لغيره. # ( @QUR@04 لا يقدر على شيء ) أى : لا يقدر على فعل شيء من الأشياء ~~المتعلقة بنفسه أو بغيره. # ( @QUR@01 وهو ) أى هذا الرجل ( @QUR@03 كل على مولاه ) أى : حمل ثقيل ، ~~وهم كبير على مولاه الذي يتولى شئونه من طعام وشراب وكساء وغير ذلك. وهذا ~~بيان لعدم قدرته على القيام بمصالح نفسه ، بعد بيان عدم قدرته على القيام ~~بفعل أى شيء على الإطلاق. # قال القرطبي : قوله ( @QUR@04 وهو كل على مولاه ) أى ثقل على وليه ~~وقرابته ، ووبال على صاحبه وابن عمه ، وقد يسمى اليتيم كلا لثقله على من ~~يكفله ، ومنه قول الشاعر : # أكول لمال الكل قبل شبابه %~% إذا كان عظم الكل غير شديد (1) # فالكل هو الإنسان العاجز الضعيف الذي يكون محتاجا إلى من يرعى شئونه. # وقوله ( @QUR@05 أينما يوجهه لا يأت بخير ) أى : أن هذا الرجل ms3411 حيثما ~~يوجهه مولاه وكافله لقضاء أمر من الأمور يعود خائبا ، لعجزه ، وضعف حيلته ، ~~وقلة إدراكه .. PageV08P201 # فأنت ترى أن الله تعالى قد وصف هذا الرجل بأربع صفات ، تدل على سوء فهمه ~~، وقلة حيلته ، وثقله على ولى أمره ، وانسداد طرق الخير في وجهه .. # هذا هو الجانب الأول من المثل ، أما الجانب الثاني فيتجلى في قوله تعالى ~~: ( @QUR@010 هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل ، وهو على صراط مستقيم .. ) # أى : «هل يستوي هو» أى هذا الرجل الأبكم العاجز .. مع رجل آخر «يأمر» ~~غيره بالعدل «وهو» أى هذا الرجل الآخر في نفسه «على صراط مستقيم» أى : على ~~دين قويم ، وخلق كريم فقد جمع بذلك بين فضيلتين جليلتين : نفعه لغيره ، ~~وصلاحه في ذاته. # لا شك أن هذين الرجلين لا يستويان في عقل أى عاقل ، إذ أن أولهما أبكم ~~عاجز خائب .. وثانيهما منطيق ، ناصح لغيره ، جامع لخصال الخير في نفسه. # ومادام الأمر كذلك فكيف سويتم أيها المشركون الضالون المكذبون في العبادة ~~بين الله تعالى وهو الخالق لكل شيء ، وبين تلك الأصنام التي لا تسمع ولا ~~تبصر ولا تغنى عن عابديها شيئا. # أو كيف سويتم بين المؤمن الجامع لكل مكرمة ، وبين الكافر الغبي الأبله ~~الذي آثر الغي على الرشد ، فتكون الآية الكريمة مسوقة لبيان الفرق الشاسع ~~بين المؤمن والكافر. # وقد قابل سبحانه الأوصاف الأربعة للرجل الأول ، بهذين الوصفين للرجل ~~الثاني ، لأن حاصل أوصاف الأول أنه غير مستحق لشيء ، وحاصل وصفي الثاني أنه ~~مستحق لكل فضل وخير. # وقوله ( @QUR@03 ومن يأمر بالعدل ... ) معطوف على الضمير المستتر في قوله ~~( @QUR@02 هل يستوي ... ). # وجملة «وهو على صراط مستقيم» في محل نصب على الحال. # وبذلك نرى أن الآيتين الكريمتين قد ساقتا مثلين واضحين ، لبيان الفرق ~~الشاسع بين ذات الله تعالى الخلاق العليم ، الرزاق الكريم .. وبين تلك ~~المعبودات الباطلة التي أشركها الضالون في العبادة مع الله عز وجل . # أو بين المؤمن الذي هو على بصيرة من أمره ، وبين الكافر الذي استحب العمى ~~على الهدى .. أو بين الحق في وضوحه وجماله وجلاله ، وبين الباطل في ظلامه ~~وقبحه ms3412 وخسته. # هذا ، وما ذكره بعضهم من أن المثلين في الآيتين الكريمتين ، قد وردا في ~~أشخاص معينين من PageV08P202 # المؤمنين أو الكافرين ، لا يعول عليه ، لضعف الروايات التي وردت في ذلك ، ~~ولأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. # قال الآلوسى ما ملخصه : وما روى من أن الأبكم أبو جهل والآمر بالعدل عمار ~~، أو بالأبكم أبى بن خلف ، والآمر بالعدل عثمان بن مظعون لا يصح إسناده ..» (1). # وبهذين المثلين تكون السورة الكريمة قد أقامت أعظم الأدلة وأسطعها على ~~صحة قوله تعالى قبل ذلك : ( @QUR@010 وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما ~~هو إله واحد ... ). # ثم ساقت السورة بعد ذلك ما يدل على إحاطة علمه سبحانه بكل شيء ، وعلى ~~شمول قدرته ، وعلى سابغ نعمته ، فقال تعالى : # ( @QUR@019 ولله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو ~~هو أقرب إن الله على كل شيء قدير (77) @QUR@015 والله أخرجكم من بطون ~~أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ~~(78) @QUR@018 ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله ~~إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (79) @QUR@025 والله جعل لكم من بيوتكم سكنا ~~وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن ~~أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين (80) PageV08P203 # @QUR@025 والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل ~~لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم ~~تسلمون (81) @QUR@06 فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين (82) @QUR@07 ~~يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون ) (83) # والمراد بالغيب في قوله سبحانه ( @QUR@04 ولله غيب السماوات والأرض ... ) ~~ما لا تدركه الحواس ، ولا تحيط بكنهه العقول لأنه غائب عن مدارك الخلائق. # والكلام على حذف مضاف ، والتقدير : لله تعالى وحده ، علم جميع الأمور ~~الغائبة عن مدارك المخلوقين ، والتي لا سبيل لهم إلى معرفتها لا عن طريق ~~الحس ، ولا عن طريق العقل. # ومن كانت هذه صفته ، كان مستحقا للعبادة والطاعة ، لا تلك المعبودات ~~الباطلة التي لا تعلم من أمرها أو من أمر غيرها شيئا. # وقوله سبحانه ms3413 : ( @QUR@09 وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب ) ~~بيان لسرعة نفاذ أمره بدون مهلة. # والساعة في الأصل : اسم لمقدار قليل من الزمان غير معين. والمراد بها هنا ~~يوم القيامة وما يحدث فيه من أهوال. # وسمى يوم القيامة بالساعة : لوقوعه بغتة ، أو لسرعة ما يقع فيه من حساب ~~أو لأنه على طوله زمنه يسير عند الله تعالى . # واللمح : النظر الذي هو في غاية السرعة. يقال لمحه لمحا ولمحانا إذا رآه ~~بسرعة فائقة ، ولمح البصر : التحرك السريع لطرف العين من جهة الى جهة ، أو ~~من أعلى إلى أسفل. # و «أو» هنا للتخيير بالنسبة لقدرة الله تعالى أو للإضراب. PageV08P204 # أى : ولله سبحانه وحده علم جميع ما غاب في السموات والأرض من أشياء ، وما ~~أمر قيام الساعة في سرعته وسهولته ، وما يترتب عليه من إماتة وإحياء ، ~~وحساب ، وثواب وعقاب ... ما أمر ذلك كله إلا كتحرك طرف العين من جهة إلى ~~جهة ، أو هو أى أمر قيامها أقرب من ذلك وأسرع ، بحيث يكون في نصف هذا ~~الزمان أو أقل من ذلك ، لأن قدرته لا يعجزها شيء ، قال تعالى : ( @QUR@010 ~~إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ). والمقصود من هذه ~~الجملة الكريمة : بيان سرعة تأثير قدرة الله عز وجل متى توجهت إلى شيء من ~~الأشياء. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بما يؤكد شمول قدرته فقال تعالى : ( @QUR@06 ~~إن الله على كل شيء قدير ) أى : إن الله تعالى لا يعجز قدرته شيء سواء أكان ~~هذا الشيء يتعلق بأمر قيام الساعة في أسرع من لمح البصر .. أم بغير ذلك من ~~الأشياء. # ثم ساق تعالى بعد ذلك أنواعا من نعمه على عباده فقال : ( @QUR@08 والله ~~أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ). أى : والله تعالى وحده هو الذي ~~أخرجكم أيها الناس من بطون أمهاتكم إلى هذه الحياة ، وأنتم لا تعلمون شيئا ~~لا من العلم الدنيوي ولا من العلم الديني ، ولا تعرفون ما يضركم أو ينفعكم ~~، والجملة الكريمة معطوفة على قوله تعالى قبل ذلك : ( @QUR@06 والله جعل ~~لكم من أنفسكم ms3414 أزواجا .. ). # وجملة «لا تعلمون شيئا» حال من الكاف في «أخرجكم». # وقوله سبحانه ( @QUR@07 وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ) ~~نعمة ثانية من نعمة الله سبحانه التي لا تحصى. # أى : أن من نعمة الله تعالى أنه أخرجكم من بطون أمهاتكم بعد أن مكثتم ~~فيها شهورا تحت كلاءته ورعايته وأنتم لا تعرفون شيئا ، وركب فيكم بقدرته ~~النافذة ، وحكمته البالغة ، «السمع» الذي تسمعون به ، والبصر الذي بواسطته ~~تبصرون ، «والأفئدة» التي عن طريقها تعقلون وتفقهون ، لعلكم بسبب كل هذه ~~النعم التي أنعمها عليكم ، تشكرونه حق الشكر ، بأن تخلصوا له العبادة ~~والطاعة ، وتستعملوا نعمه في مواضعها التي وجدت من أجلها. # قال الجمل : وجملة : «وجعل لكم السمع والأبصار ...» ابتدائية ، أو معطوفة ~~على ما قبلها ، والواو لا تقتضي ترتيبا ، فلا ينافي أن هذا الجعل قبل ~~الإخراج من البطون. ونكتة تأخيره أى الجعل أن السمع ونحوه من آلات الإدراك ~~، إنما يعتد به إذا أحس الإنسان PageV08P205 # وأدرك وذلك لا يكون الا بعد الإخراج. وقدم السمع على البصر ، لأنه طريق ~~تلقى الوحى ، أو لأن إدراكه أقدم ، من إدراك البصر. وإفراده أى السمع ~~باعتبار كونه مصدرا في الأصل ... (1). # وقال الإمام ابن كثير : «وهذه القوى والحواس تحصل للإنسان على التدريج ~~قليلا قليلا حتى يبلغ أشده. وإنما جعل تعالى هذه الحواس في الإنسان ليتمكن ~~بها من عبادة ربه ، فيستعين بكل جارحة وعضو وقوة على طاعة مولاه كما جاء في ~~صحيح البخاري عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : يقول ~~تعالى «من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب. وما تقرب إلى عبدى بشيء أفضل ~~مما افترضت عليه ، ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ، فإذا ~~أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ~~ورجله التي يمشى بها ، ولئن سألنى لأعطينه ، ولئن دعاني لأجيبنه ولئن ~~استعاذ بي لأعيذنه ، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددى في قبض نفس عبدى ~~المؤمن ، يكره الموت ، وأكره مساءته ، ولا بد له منه». # فمعنى الحديث أن العبد إذا ms3415 أخلص الطاعة ، صارت أفعاله كلها لله ، فلا ~~يسمع إلا لله ، ولا يبصر إلا لله أى : لما شرعه الله له .. (2). # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@012 قل هو الذي أنشأكم ، وجعل لكم ~~السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ) (3). # ثم حض سبحانه عباده على التفكر في مظاهر قدرته فقال تعالى : ( @QUR@012 ~~ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله .. ). # والطير : جمع طائر كركب وراكب. و «مسخرات» من التسخير بمعنى التذليل ~~والانقياد أى : ألم ينظر هؤلاء الذين أشركوا مع الله آلهة أخرى في العبادة ~~، إلى الطيور وهن يسبحن في الهواء المتباعد بين الأرض والسماء ، ما يمسكهن ~~في حال قبضهن وبسطهن لأجنحتهن إلا الله تعالى ، بقدرته الباهرة ، وبنواميسه ~~التي أودعها في فطرة الطير. # إنهم لو نظروا نظر تأمل وتعقل ، لعلموا أن المسخر لهن هو الله الذي لا ~~معبود بحق سواه PageV08P206 # وفي قوله تعالى «مسخرات» إشارة إلى أن طيرانها في الجو ليس بمقتضى طبعها ~~، وإنما هو بتسخير الله تعالى لها وبسبب ما أوجد لها من حواس ساعدتها على ~~ذلك ، كالأجنحة وغيرها. وأضاف سبحانه الجو إلى السماء لارتفاعه عن الأرض ، ~~ولإظهار كمال قدرته سبحانه . # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@06 إن في ذلك لآيات لقوم ~~يؤمنون ). # أى : إن في ذلك التسخير والتذليل للطير على هذه الصفة «لآيات» بينات على ~~قدرة الله تعالى ووحدانيته ، «لقوم يؤمنون» بالحق ، ويفتحون قلوبهم له ~~ويسمون بأنفسهم عن التقليد الباطل. # ثم ساقت السورة الكريمة ألوانا من النعم ، منها ما يتعلق بنعمة المسكن ~~فقال تعالى : ( @QUR@06 والله جعل لكم من بيوتكم سكنا ... ). # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@02 جعل لكم ) معناه صير ، وكل ما علاك ~~فأظلك فهو سقف وسماء ، وكل ما أقلك فهو أرض ، وكل ما سترك من جهاتك الأربع ~~فهو جدار ، فإذا انتظمت واتصلت فهو بيت ، وهذه الآية فيها تعديد نعم الله ~~تعالى على الناس في البيوت وقوله : «سكنا» أى : تسكنون فيها وتهدأ جوارحكم ~~من الحركة ... (1). # والحق أن نعمة السكن في البيوت والاستقرار فيها ، والشعور بداخلها ~~بالأمان والاطمئنان ، هذه النعمة لا يقدرها حق ms3416 قدرها ، إلا أولئك الذين ~~فقدوها ، وصاروا يعيشون بلا مأوى يأويهم ، أو منزل يجمع شتاتهم. # والتعبير بقوله عز وجل ( @QUR@01 سكنا ) فيه ما فيه من السمو بمكانة ~~البيوت التي يسكنها الناس. فالبيت مكان السكينة النفسية ، والراحة الجسدية ~~، هكذا يريده الإسلام ، ولا يريده مكانا للشقاق والخصام ، لأن الشقاق ~~والخصام ينافي كونه «سكنا». # والبيت له حرمته التي جعل الإسلام من مظاهرها ، عدم اقتحامه بدون استئذان ~~، وعدم التطلع إلى ما بداخله ، وعدم التجسس على من بداخله. # وصيانة حرمة البيت كما أمر الإسلام تجعله «سكنا» آمنا ، يجد فيه أصحابه ~~كل ما يريدون من الراحة النفسية والشعورية. PageV08P207 # وقوله تعالى : ( @QUR@011 وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ~~ظعنكم ويوم إقامتكم ) بيان لنعمة أخرى تتمثل في البيوت الخفيفة المتنقلة ، ~~بعد الحديث عن البيوت الثابتة المستقرة. # والأنعام : جمع نعم. وتشمل الإبل والبقر والغنم ، ويدخل في الغنم المعز. # والظعن بسكون العين وفتحها : التحول والانتقال والرحيل من مكان إلى آخر ~~طلبا للكلأ ، أو لمساقط الغيث ، أو لغير ذلك من الأغراض. # أى : ومن نعمه أيضا أنه أوجد لكم من جلود الأنعام بيوتا «تستخفونها» أى : ~~تجدونها خفيفة «يوم ظعنكم» أى : يوم سفركم ورحيلكم من موضع إلى آخر «ويوم ~~إقامتكم» في مكان معين بحيث يمكنكم أن تنصبوها لترتاحوا بداخلها ، بأيسر ~~السبل ، وذلك كالقباب والخيام والأخبية ، وغير ذلك من البيوت التي يخف حملها. # ثم ختم سبحانه الآية بإبراز نعمة ثالثة ، تتمثل فيما يأخذونه من الأنعام ~~فقال تعالى : ( @QUR@08 ومن أصوافها وأوبارها ، وأشعارها ، أثاثا ومتاعا ~~إلى حين ). # والأثاث : متاع البيت الكثير ، وأصله من أث الشيء بفتح الهمزة وتشديد ~~الثاء مع الفتح إذا كثر وتكاتف ، ومنه قول الشاعر. # وفرع يزين المتن أسود فاحم %~% أثيت كقنو النخلة المتعثكل (1) # ويشمل جميع أصناف المال كالفرش وغيرها. # والمتاع : ما يتمتع به من حوائج البيت الخاصة كأدوات الطعام والشراب ، ~~فيكون عطف المتاع على الأثاث من عطف الخاص على العام. # وقيل : هما بمعنى واحد. والعطف لتنزيل تغاير اللفظ بمنزله تغاير المعنى. # أى : ومن أصواف الغنم ، وأوبار الإبل ، وأشعار المعز ، تتخذون لأنفسكم ~~«أثاثا» كثيرا تستعملونه ms3417 في مصالحكم المتنوعة ، كما تتخذون من ذلك ما ~~تتمتعون به في بيوتكم وفي معاشكم «إلى حين» أى : إلى وقت معين قدره الله ~~تعالى لكم في تمتعكم بهذه الأصواف والأوبار والأشعار. # وبعد الحديث عن نعمة البيوت والأنعام جاء الحديث عن نعمة الظلال والجبال ~~واللباس ، PageV08P208 # فقال تعالى : ( @QUR@06 والله جعل لكم مما خلق ظلالا ... ). # والظلال : جمع ظل ، وهو ما يستظل به الإنسان. # أى : والله تعالى بفضله وكرمه جعل لكم ما تستظلون به من شدة الحر والبرد ~~، كالأبنية والأشجار ، وغير ذلك من الأشياء التي تستظلون بها. # وقوله تعالى ( @QUR@05 وجعل لكم من الجبال أكنانا ... ) نعمة ثانية. # والأكنان جمع كن بكسر الكاف وأصله السترة ، والجمع : أكنان وأكنة ، ومنه ~~قوله تعالى : ( @QUR@07 وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ... ) (1) ~~أى في أستار وأغطية فلا يصل إليها قولك ... # والمراد بالأكنان هنا : المغارات والأسراب والكهوف المنحوتة في بطون ~~الجبال. # أى : وجعل لكم سبحانه من الجبال مواضع تستترون فيها من الحر أو البرد أو ~~المطر ، أو غير ذلك من وجوه انتفاعكم بتلك الأكنان. # وقوله سبحانه ( @QUR@08 وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم ~~) نعمة ثالثة. والسرابيل : جمع سربال وهي كل ما يتسربل به : أى يلبسه الناس ~~للتستر والوقاية كالقمصان والثياب والدروع وغيرها. أى : وجعل لكم من فضله ~~وكرمه ملابس تتقون بها ضرر الحر وضرر البرد ، وملابس أخرى هي الدروع وما ~~يشبهها تتقون بها الضربات والطعنات التي تسدد إليكم في حالة الحرب. # وقال سبحانه : ( @QUR@02 تقيكم الحر ) مع أنها تقى من الحر والبرد ، ~~اكتفاء بذكر أحد الضدين عن الآخر ، أو اكتفى بذكر الحر لأنه الأهم عندهم ، ~~إذ من المعروف أن بلاد العرب يغلب عليها الحر لا البرد. # قال صاحب الكشاف : لم يذكر البرد ، لأن الوقاية من الحر أهم عندهم ، ~~وقلما يهمهم البرد لكونه يسيرا محتملا ، وقيل : ما يقي من الحر يقي من ~~البرد ، فدل ذكر الحر على البرد (2). # وقال القرطبي : قال العلماء : في قوله تعالى : ( @QUR@03 وسرابيل تقيكم ~~بأسكم ) دليل PageV08P209 # على اتخاذ الناس عدة الجهاد ليستعينوا بها على قتال الأعداء. وقد لبسها ~~النبي صلى ms3418 الله عليه وسلم في حروبه .. (1). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@06 كذلك يتم نعمته عليكم ~~لعلكم تسلمون ) أى : كذلك الإتمام السابغ للنعم التي أنعم بها سبحانه على ~~عباده يتم نعمته عليكم المتمثلة في نعم الدين والدنيا ، لعلكم بذلك تسلمون ~~وجوهكم لله عز وجل ، وتدخلون في دين الإسلام عن اختيار واقتناع ، فإن من ~~شاهد كل هذه النعم ، لم يسعه إلا الدخول في الدين الحق. # ثم سلى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عما أصابه من أعدائه فقال : ( ~~@QUR@06 فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين ). # وجواب الشرط محذوف ، والتقدير : فإن استمر هؤلاء المشركون في إعراضهم عن ~~دعوتك بعد هذا البيان والامتنان ، فلا لوم عليك ، فأنت عليك البلاغ الواضح ~~ونحن علينا محاسبتهم ، ومعاقبتهم بما يستحقون من عقاب. # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون ~~) استئاف مسوق لبيان الموقف الجحودى الذي وقفه المشركون من نعم الله تعالى . # والمراد بالكفر في قوله تعالى : ( @QUR@02 وأكثرهم الكافرون ) الستر لنعم ~~الله عن معرفة لها ، وغمطها عن تعمد وإصرار. # أى : إن هؤلاء المشركين ، يعرفون نعم الله التي عددها في هذه السورة ، ~~كما أنهم يعترفون بأن خالقهم وخالق السموات والأرض هو الله ، ولكنهم ينكرون ~~هذه النعم بأفعالهم القبيحة ، وأقوالهم الباطلة ، كقولهم هذه النعم من الله ~~ولكنها بشفاعة آلهتنا الأصنام ، أو كقولهم : هذه النعم ورثناها عن آبائنا. # وجاء التعبير بثم لاستبعاد الإنكار بعد المعرفة بالنعم ، فإن من شأن ~~العالم بالنعمة أن يؤدى الشكر لمسديها ، وأن يستعملها فيما خلقت له. # وقوله ( @QUR@02 وأكثرهم الكافرون ) أى : وأكثر هؤلاء الضالين. جاحدون ~~لنعم الله عن علم بها لا عن جهل ، وعن تذكر لا عن نسيان. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@06 وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ~~ظلما وعلوا .. ) (2). PageV08P210 # قال صاحب فتح البيان : وعبر هنا بالأكثر في قوله تعالى : ( @QUR@02 ~~وأكثرهم الكافرون ) والمراد الكل ، لأنه قد يذكر الأكثر ويراد به الجميع ، ~~أو أراد بالأكثر العقلاء دون الأطفال ونحوهم ، أو أراد كفر الجحود ، ولم ~~يكن كفر كلهم كذلك ، بل كان كفر أقلهم عن جهل ، وكفر أكثرهم بسبب تكذيبهم ~~للرسول ms3419 صلى الله عليه وسلم عنادا أو حسدا .. (1). # وبذلك ترى الآيات الكريمة قد ساقت لنا ألوانا من نعم الله تعالى على ~~عباده ، وأدلة متعددة على وحدانيته وقدرته ، وجانبا من موقف الكافرين من ~~هذه النعم. # ثم تحدثت السورة الكريمة بعد ذلك عن حال الظالمين يوم القيامة وعن ~~الأقوال التي يقولونها عند ما يرون أصنامهم في هذا اليوم العصيب .. ### ||| ** قال تعالى : # ( @QUR@014 ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم ~~يستعتبون (84) @QUR@011 وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ~~ينظرون (85) @QUR@019 وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء ~~شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون (86) ~~@QUR@010 وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون (87) ~~@QUR@013 الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما ~~كانوا يفسدون (88) @QUR@04 ويوم نبعث في كل PageV08P211 # @QUR@020 أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا ~~عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ) (89) # قال الإمام الرازي : اعلم أنه تعالى لما بين حال القوم ، أنهم عرفوا نعمة ~~الله ثم أنكروها ، وذكر أيضا من حالهم أن أكثرهم الكافرون أتبعه بالوعيد ، ~~فذكر حال يوم القيامة فقال :. ( @QUR@06 ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ... ) ~~وذلك يدل على أن أولئك الشهداء يشهدون عليهم بذلك الإنكار ، وبذلك الكفر ، ~~والمراد بهؤلاء الشهداء : الأنبياء ، كما قال تعالى : ( @QUR@012 فكيف إذا ~~جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ) (1). # والمعنى : واذكر أيها العاقل لتعتبر وتتعظ ( @QUR@05 يوم نبعث في كل أمة ~~) أى : جماعة من الناس ، «شهيدا» يشهد للمؤمن بالإيمان ويشهد على الكافر ~~بالكفر. # قال ابن عباس : شهيد كل أمة نبيها يشهد لهم بالإيمان والتصديق ، وعليهم ~~بالكفر والتكذيب. # وقوله : ( @QUR@05 ثم لا يؤذن للذين كفروا ) بيان للمصير السيئ الذي ~~ينتظر هؤلاء الكافرين يوم القيامة. # أى : ثم لا يؤذن للذين كفروا يوم القيامة في الاعتذار ، عما كانوا عليه ~~في الدنيا من عقائد زائفة ، وأقوال باطلة ، وأفعال قبيحة ، كما قال تعالى ~~في سورة أخرى : ( @QUR@08 هذا يوم لا ينطقون. ms3420 ولا يؤذن لهم فيعتذرون ) (2). # أو المعنى : ثم لا يؤذن لهم في الرجوع إلى الدنيا ليتداركوا ما فاتهم من ~~عقائد سليمة وأعمال صالحة ، لأنهم قد تركوها ولا عودة لهم إليها. أى : ثم ~~لا يؤذن لهم في الكلام ، بعد أن ثبت بطلانه ، وقامت عليهم الحجة والتعبير ~~بثم للاشعار بأن مصيبتهم بسبب عدم قبول أعذارهم ، أشد من مصيبتهم بسبب ~~شهادة الأنبياء عليهم. PageV08P212 # قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما معنى «ثم» هذه؟. # قلت : معناها أنهم يبتلون بعد شهادة الأنبياء بما هو أطم منها ، وهو أنهم ~~يمنعون الكلام ، فلا يؤذن لهم في إلقاء معذرة ولا إدلاء بحجة (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 ولا هم يستعتبون ) تيئيس آخر لهم في الحصول على ~~شيء من رحمة الله تعالى . أى : لا يؤذن لهم في الاعتذار ، ولا يقبل منهم أن ~~يزيلوا عتب ربهم ، أى : غضبه وسخطه عليهم ، لأن العتاب إنما يطلب لأجل ~~معاودة الرضا من العاتب ، وهؤلاء قد انسد عليهم هذا الطريق ، لأن الله ~~تعالى قد سخط عليهم سخطا لا مجال لإزالته ، بعد أن أصروا على كفرهم في ~~الدنيا وماتوا على ذلك. # قال القرطبي : قوله ( @QUR@03 ولا هم يستعتبون ) أى لا يكلفون أن يرضوا ~~ربهم لأن الآخرة ليست بدار تكليف ، ولا يتركون إلى رجوع الدنيا فيتوبون. # وأصل الكلمة من العتب بفتح العين وسكون التاء وهي الموجدة. يقال : عتب ~~عليه يعتب ، إذا وجد عليه ، فإذا فاوضه فيما عتب عليه فيه ، قيل : عاتبه ، ~~فإذا رجع الى مسرتك فقد أعتب ، والاسم العتبى ، وهو رجوع المعتوب عليه إلى ~~ما يرضى العاتب. # قال النابغة : # فإن كنت مظلوما فعبدا ظلمته %~% وإن كنت ذا عتبى فمثلك يعتب (2) # وبذلك ترى الآية الكريمة قد نفت عن الذين كفروا قبول أعذارهم ، وقبول ~~محاولتهم إرضاء ربهم عما كانوا عليه من كفر وزيغ في الدنيا. # ثم نفى سبحانه عنهم أيضا تخفيف العذاب أو تأخيره فقال : ( @QUR@011 وإذا ~~رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون ). # أى : وإذا أبصر الذين ظلموا العذاب الذي أعد لهم في الآخرة بسبب ظلمهم ~~وكفرهم في الدنيا ، فزعوا وخافوا ، ولكن ms3421 خوفهم وفزعهم لن يغير من الأمر ~~شيئا ، إذ لا يخفف عنهم العذاب بسبب خوفهم أو فزعهم : ولا هم يمهلون أو ~~يؤخرون عنه. PageV08P213 # وعلق سبحانه الرؤية بالعذاب ، للإشعار بأن فجيعتهم الكبرى كانت عند ~~إبصاره ومشاهدته. # ثم حكى سبحانه بعض ما يدور بينهم وبين معبوداتهم الباطلة يوم القيامة ، ~~فقال تعالى : ( @QUR@014 وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم ، قالوا ربنا هؤلاء ~~شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك .. ). # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@05 وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم ) ~~أى : أصنامهم وأوثانهم التي عبدوها ، وذلك أن الله يبعث معبوديهم فيتبعونهم ~~حتى يوردوهم النار. وفي صحيح مسلم : «من كان يعبد شيئا فليتبعه» فيتبع من ~~كان يعبد الشمس الشمس ، ويتبع من كان يعبد القمر القمر ، ويتبع من كان يعبد ~~الطواغيت الطواغيت ...» (1). # وقال الآلوسى : والمراد بشركائهم : كل من اتخذوه شريكا له عز وجل من صنم ، ~~ووثن ، وشيطان ، وآدمي ، وملك .. وإضافتهم إلى ضمير المشركين لهذا الاتخاذ ~~أى لاتخاذهم إياهم شركاء لله في العبادة أو لأنهم جعلوا لهم نصيبا من ~~أموالهم وأنعامهم» (2). # أى : وإذا أبصر المشركون يوم القيامة شركاءهم الذين أشركوهم مع الله ~~تعالى في العبادة ، «قالوا» أى المشركون على سبيل التحسر والتفجع يا ربنا ~~هؤلاء شركاؤنا الذين كنا في الدنيا نعبدهم من دونك ، ونتقرب بهم إليك ، فلا ~~تجعل يا ربنا العذاب علينا وحدنا بل خففه أو ارفعه عنا فهؤلاء الشركاء هم ~~الذين أضلونا. # قال أبو مسلم : ومقصود المشركين بهذا القول إحالة الذنب على تلك الأصنام ~~تعللا بذلك واسترواحا ، مع كونهم يعلمون أن العذاب واقع بهم لا محالة ، ~~ولكن الغريق يتعلق بكل ما تقع يده عليه (3). # وقوله تعالى : ( @QUR@05 فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون ) حكاية لما رد ~~به الشركاء على المشركين. أى : فرد أولئك الشركاء من الأصنام وغيرها على ~~المشركين بقولهم : إنكم لكاذبون أيها المشركون في إحالتكم الذنب علينا ، ~~فإننا ما دعوناكم لعبادتنا ، ولا أجبرناكم على الإشراك بالله تعالى ، ~~ولكنكم أنتم الذين اخترتم هذا الطريق المعوج ، PageV08P214 # تقليدا لآبائكم واستجابة لأهوائكم وشهواتكم ، وإيثارا للباطل على الحق ~~وما رد به الشركاء على المشركين هنا ، قد جاء ms3422 ما يشبهه في آيات كثيرة ، ~~منها قوله تعالى : ( @QUR@014 واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا. ~~كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@027 وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد ~~الحق ووعدتكم فأخلفتكم ، وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم ~~لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم .. ) (2). # قال القرطبي : وقوله تعالى : ( @QUR@03 فألقوا إليهم القول ... ) أى : ~~ألقت إليهم الآلهة القول ، أى : نطقت بتكذيب من عبدها. بأنها لم تكن آلهة ، ~~ولا أمرتهم بعبادتها ، فينطق الله الأصنام حتى تظهر عند ذلك فضيحة الكفار (3). # وقال الجمل : فإن قلت : كيف أثبت للأصنام نطقا هنا ، ونفاه عنها في قوله ~~تعالى في سورة الكهف : ( @QUR@010 ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم ~~فدعوهم فلم يستجيبوا لهم .. ). # فالجواب : أن المثبت لهم هنا النطق بتكذيب المشركين في دعوى عبادتهم لها ~~، والمنفي عنهم في الكهف النطق بالإجابة إلى الشفاعة لهم ودفع العذاب عنهم ~~فلا تنافى (4). # والتعبير بقوله تعالى : ( @QUR@03 فألقوا إليهم القول ... ) يشعر بأن ~~الشركاء قد ردوا على المشركين قولهم بسرعة وبدون إبطاء حيث أتى سبحانه ~~بالفاء في قوله ( @QUR@01 فألقوا ) واشتملت جملة «إنكم لكاذبون» على جملة ~~من المؤكدات ، لإفحام المشركين ، وتكذيبهم في قولهم تكذيبا قاطعا لا يحتمل ~~التأويل. # ولذا وجدنا المشركين يعجزون عن الرد على شركائهم ، بدليل قوله تعالى بعد ~~ذلك : ( @QUR@010 وألقوا إلى الله يومئذ السلم ، وضل عنهم ما كانوا يفترون ). # أى : وألقى المشركون يوم القيامة «السلم» أى : الاستسلام والخضوع ~~والانقياد ، لقضاء الله تعالى العادل فيهم ، وغاب وذهب عنهم ما كانوا ~~يفترونه ويزعمونه في الدنيا من أن آلهتهم ستشفع لهم ، أو ستنفعهم يوم ~~القيامة. PageV08P215 # وقيل : إن الضمير في قوله تعالى ( @QUR@01 وألقوا ) يعود على المشركين ~~وشركائهم. أى. استسلم العابدون والمعبودون وانقادوا لحكم الله الواحد ~~القهار فيهم. # ثم بين سبحانه مصير الذين لم يكتفوا بالكفر ، بل ضموا إليه رذائل أخرى ~~فقال تعالى : ( @QUR@013 الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق ~~العذاب بما كانوا يفسدون ) أى : الذين لم يكتفوا بكفرهم ، بل أضافوا إلى ~~ذلك أنهم «صدوا» غيرهم ومنعوه «عن سبيل الله» ms3423 أى : عن اتباع الصراط ~~المستقيم ، والطريق القويم وهو طريق الإسلام .. هؤلاء الأشقياء الذين فعلوا ~~ذلك : «زدناهم عذابا» شديدا «فوق العذاب» الذي يستحقونه «بما كانوا يفسدون» ~~أى : بسبب فسادهم في الأرض وكفرهم بالحق ، وصدهم الناس عن اتباعه. # وهذه الزيادة في عذابهم ، وردت آثار عن بعض الصحابة في بيانها. ومن ذلك ~~ما روى عن ابن مسعود رضى الله عنه أنه قال : «زيدوا عقارب لها أنياب كالنخل ~~الطوال ينهشونهم في جهنم» (1). # قال ابن كثير : وهذا دليل على تفاوت الكفار في عذابهم ، كما يتفاوت ~~المؤمنون في منازلهم في الجنة ودرجاتهم (2). # ثم أكد سبحانه أمر البعث ، وأنه آت لا ريب فيه ، فقال تعالى : ( @QUR@09 ~~ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم ). # والمراد بالشهيد هنا : كل نبي بعثه الله تعالى لأمة من الأمم السابقة ~~كنوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، وغيرهم من الأنبياء السابقين عليهم ~~الصلاة والسلام . # والظرف «يوم» متعلق بمحذوف تقديره : اذكر. # والمعنى : واذكر أيها العاقل لتتعظ وتعتبر يوم القيامة يوم نبعث في كل ~~أمة من الأمم السابقة ، نبيها الذي أرسل إليها في الدنيا ، ليشهد عليها ~~الشهادة الحق ، بأن يشهد لمؤمنها بالإيمان ، ولكافرها بالكفر. # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 من أنفسهم ) أى : من جنسهم وبيئتهم ، ليكون أتم ~~للحجة ، وأقطع للمعذرة ، وأدعى إلى العدالة والإنصاف. PageV08P216 # قال الآلوسى : ولا يرد لوط عليه السلام فإنه لما تأهل فيهم وسكن معهم عد ~~منهم أيضا . # وقال ابن عطية : يجور أن يبعث الله شهداء من الصالحين مع الأنبياء ~~عليهم السلام . # وقد قال بعض الصحابة : إذا رأيت أحدا على معصية فانهه فإن أطاعك وإلا كنت ~~شهيدا عليه يوم القيامة (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ) خطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم على سبيل التشريف والتكريم. أى : وجئنا بك أيها الرسول ~~الكريم يوم القيامة شهيدا على هؤلاء الذين أرسلك الله تعالى لإخراجهم من ~~الظلمات إلى النور. # وإيثار لفظ المجيء على البعث ، لكمال العناية بشأنه صلى الله عليه وسلم . # قال ابن كثير قوله : ( @QUR@05 وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ) يعنى أمتك. أى ~~اذكر ذلك اليوم وهوله ، وما منحك ms3424 الله فيه من الشرف العظيم ، والمقام ~~الرفيع. وهذه الآية شبيهة بالآية التي انتهى إليها عبد الله بن مسعود حين ~~قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم صدر سورة النساء فلما وصل إلى قوله ~~تعالى ( @QUR@012 فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ~~) فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «حسبك». فقال ابن مسعود : فالتفت فإذا ~~عيناه صلى الله عليه وسلم تذرفان. أى بالدموع ... (2). # والمراد بشهادته على أمته صلى الله عليه وسلم : تصريحه بأنه قد بلغ الرسالة ~~، وأدى الأمانة ، ونصح لأمته ، وتزكيته لأعمال الصالحين منها ، ورجاؤه من ~~الله تعالى في هذا اليوم العصيب أن يغفر للعصاة من هذه الأمة. # ويرى بعضهم أن المراد بهؤلاء في قوله : ( @QUR@05 وجئنا بك شهيدا على ~~هؤلاء ) أى : على الأنبياء السابقين وأممهم. # ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب ، لأنه هو الظاهر من معنى ~~الجملة الكريمة ، ولأن آية سورة النساء ( @QUR@07 فكيف إذا جئنا من كل أمة ~~بشهيد ) تؤيده. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة ببيان ما أنزله عليه من وحى فيه الشفاء ~~للصدور ، PageV08P217 # والموعظة للنفوس فقال تعالى : ( @QUR@010 ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل ~~شيء ، وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ). # والتبيان : مصدر يدل على التكثير. قالوا : ولم يجئ من المصادر على هذه ~~الزنة إلا لفظان لفظ التبيان ، ولفظ التلقاء. أى : «ونزلنا عليك» أيها ~~الرسول الكريم «الكتاب» الكامل الجامع وهو القرآن الكريم «تبيانا». أى : ~~بيانا بليغا شاملا «لكل شيء» على سبيل الإجمال تارة ، وعلى سبيل التفصيل ~~تارة أخرى. # وقوله : ( @QUR@04 وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ) صفات أخرى للكتاب. # أى : أنزلنا عليك القرآن ليكون تبيانا لكل شيء وليكون هداية للناس إلى ~~طريق الحق والخير ، ورحمة لهم من العذاب ، وبشارة لمن أسلموا وجوههم لله ~~تعالى وأحسنوا القول والعمل ، لا لغيرهم ممن آثروا الكفر على الإيمان ، ~~والغى على الرشد. # قال الجمل ما ملخصه : وقوله : ( @QUR@03 تبيانا لكل شيء ) أى بيانا بليغا ~~، فالتبيان أخص من مطلق البيان على القاعدة : أن زيادة المبنى تدل على ~~زيادة المعنى. # وهذا التبيان إما في نفس الكتاب ms3425 ، أو بإحالته على السنة لقوله تعالى : ( ~~@QUR@09 ... وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ... ) (1)، أو ~~بإحالته على الإجماع كما قال تعالى : ( @QUR@016 ومن يشاقق الرسول من بعد ~~ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ... ) (2) أو على ~~القياس كما قال : ( @QUR@04 فاعتبروا يا أولي الأبصار ) والاعتبار : النظر ~~والاستدلال اللذان يحصل بهما القياس. # فهذه أربعة طرق لا يخرج شيء من أحكام الشريعة عنها ، وكلها مذكورة في ~~القرآن ، فكان تبيانا لكل شيء فاندفع ما قيل : كيف قال الله تعالى ( ~~@QUR@06 ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ) ونحن نجد كثيرا من أحكام ~~الشريعة لم يعلم من القرآن نصا ، كعدد ركعات الصلاة ، ومقدار حد الشرب ، ~~ونصاب السرقة وغير ذلك ... (3). # وبعد أن مدح سبحانه القرآن الكريم ، بأن فيه تبيان كل شيء ، وأنه هداية ~~ورحمة وبشرى للمسلمين ، أتبع ذلك بآيات كريمة أمرت المسلمين بأمهات الفضائل ~~، وبجماع مكارم PageV08P218 # الأخلاق ، ونهتهم عن الفواحش والرذائل لتكون كالدليل على ما في هذا ~~الكتاب من تبيان وهدى ورحمة فقال تعالى : # ( @QUR@016 إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن ~~الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون (90) @QUR@020 وأوفوا بعهد الله ~~إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن ~~الله يعلم ما تفعلون (91) @QUR@032 ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة ~~أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم ~~الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون (92) @QUR@017 ولو ~~شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسئلن عما ~~كنتم تعملون ) (93) # قال القرطبي ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@05 إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان ) اختلف العلماء في تأويل العدل والإحسان ، فقال ابن عباس : العدل ~~: لا إله إلا الله ، والإحسان : أداء الفرائض. وقيل العدل : الفرض. ~~والإحسان : النافلة ، وقال على بن أبى طالب : العدل : الإنصاف. والإحسان : ~~التفضل. # وقال ابن العربي : العدل بين العبد وربه : إيثار حقه تعالى على حظ نفسه ، ~~وتقديم رضاه على هواه ، والاجتناب للزواجر والامتثال للأوامر. وأما العدل ~~بينه ms3426 وبين نفسه فمنعه PageV08P219 # ما فيه هلاكها .. وأما العدل بينه وبين غيره فبذل النصيحة ، وترك الخيانة ~~فيما قل أو كثر ، والإنصاف من نفسك لهم بكل وجه. # وأما الإحسان فهو مصدر أحسن يحسن إحسانا. ويقال على معنيين : أحدهما : ~~متعد بنفسه ، كقولك : أحسنت كذا ، أى : حسنته وأتقنته وكملته ، وهو منقول ~~بالهمزة من حسن الشيء. وثانيهما : متعد بحرف جر ، كقولك : أحسنت إلى فلان ، ~~أى : أوصلت إليه ما ينتفع به. وهو في هذه الآية مراد بالمعنيين معا .. (1). # ومن هذا الكلام الذي نقلناه بشيء من التلخيص عن الإمام القرطبي ، يتبين ~~لنا أن العدل هو أن يلتزم الإنسان جانب الحق والقسط في كل أقواله وأعماله ، ~~وأن الإحسان يشمل إحسان الشيء في ذاته سواء أكان هذا الشيء يتعلق بالعقائد ~~أم بالعبادات أم بغيرهما ، كما يشمل إحسان المسلم إلى غيره. # فالإحسان أوسع مدلولا من العدل : لأنه إذا كان العدل معناه : أن تعطى كل ~~ذي حق حقه ، بدون إفراط أو تفريط ، فإن الإحسان يندرج تحته أن تضيف إلى ذلك ~~: العفو عمن أساء إليك ، والصلة لمن قطعك ، والعطاء لمن حرمك. # وإيثار صيغة المضارع في قوله : ( @QUR@03 إن الله يأمر ... ) لإفادة ~~التجدد والاستمرار. ولم يذكر سبحانه متعلقات العدل والإحسان ليعم الأمر ~~جميع ما يعدل فيه ، وجميع ما يجب إحسانه وإتقانه من أقوال وأعمال ، وجميع ~~ما ينبغي أن تحسن إليه من إنسان أو حيوان أو غيرهما. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 وإيتاء ذي القربى ) فضيلة ثالثة معطوفة على ما ~~قبلها من عطف الخاص على العام ، إذ هي مندرجة في العدل والإحسان. # وخصها سبحانه بالذكر اهتماما بأمرها ، وتنويها بشأنها ، وتعظيما لقدرها. # والإيتاء : مصدر بمعنى الإعطاء ، وهو هنا مصدر مضاف لمفعوله. # والمعنى : إن الله تعالى يأمركم أيها المسلمون أمرا دائما وواجبا ، أن ~~تلتزموا الحق والإنصاف في كل أقوالكم وأفعالكم وأحكامكم ، وأن تلتزموا ~~التسامح والعفو والمراقبة لله تعالى في كل أحوالكم. # كما يأمركم أن تقدموا لأقاربكم على سبيل المعاونة والمساعدة ، ما ~~تستطيعون تقديمه لهم من خير وبر .. PageV08P220 # لأن هذه الفضائل متى سرت بينكم ، نلتم السعادة في دينكم ودنياكم ، إذ ~~بالعدل ms3427 ينال كل صاحب حق حقه ، وبالإحسان يكون التحاب والتواد والتراحم ، ~~وبصلة الأقارب يكون التكافل والتعاون ... # وبعد أن أمر سبحانه بأمهات الفضائل ، نهى عن رءوس الرذائل فقال تعالى : ( ~~@QUR@05 وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي .. ). # والفحشاء : كل ما اشتد قبحه من قول أو فعل. وخصها بعضهم بالزنا. # والمنكر : كل ما أنكره الشرع بالنهى عنه ، فيعم جميع المعاصي والرذائل ~~والدناءات على اختلاف أنواعها. # والبغي : هو تجاوز الحد في كل شيء يقال : بغى فلان على غيره ، إذا ظلمه ~~وتطاول عليه. # وأصله من بغى الجرح إذا ترامى إليه الفساد ... # أى : كما أمركم سبحانه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، فإنه تعالى ~~ينهاكم عن كل قبيح وعن كل منكر ، وعن كل تجاوز لما شرعه الله عز وجل . # وذلك لأن هذه الرذائل ما شاعت في أمة إلا وكانت عاقبتها خسرا ، وأمرها ~~فرطا ، والفطرة البشرية النقية تأبى الوقوع أو الاقتراب من هذه الرذائل ، ~~لأنها تتنافى مع العقول السليمة ، ومع الطباع القويمة. # ومهما روج الذين لم ينبتوا نباتا حسنا لتلك الرذائل ، فإن النفوس الطاهرة ~~، تلفظها بعيدا عنها ، كما يلفظ الجسم الأشياء الغريبة التي تصل إليه. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@03 يعظكم لعلكم تذكرون ) أى ~~: ينبهكم سبحانه أكمل تنبيه وأحكمه إلى ما يصلحكم عن طريق اتباع ما أمركم ~~به وما نهاكم عنه ، لعلكم بذلك تحسنون التذكر لما ينفعكم ، وتعملون بمقتضى ~~ما علمكم سبحانه. # هذا ، وقد ذكر المفسرون في فضل هذه الآية كثيرا من الآثار والأقوال ، ومن ~~ذلك ما أخرجه الحافظ أبو يعلى في كتاب معرفة الصحابة .. قال : بلغ أكثم بن ~~صيفي مخرج النبي صلى الله عليه وسلم فأراد أن يأتيه ، فأبى قومه أن يدعوه ~~وقالوا له : أنت كبيرنا لم تكن لتخف إليه. قال : فليأته من يبلغه عنى ~~ويبلغني عنه. فانتدب رجلان فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقالا له : نحن رسل ~~أكثم بن صيفي وهو يسألك من أنت وما أنت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «أما ~~أنا فمحمد ابن عبد الله ، وأما ما أنا ، فأنا عبد الله ورسوله». PageV08P221 # ثم تلا ms3428 عليهم هذه الآية : ( @QUR@05 إن الله يأمر بالعدل والإحسان .. ) الآية. # فقالوا : ردد علينا هذا القول ، فردده عليهم حتى حفظوه ، فأتيا أكثم ~~فقالا له : أبى أن يرفع نسبه فسألنا عن نسبه فوجدناه زاكي النسب .. وقد رمى ~~إلينا بكلمات قد سمعناها فلما سمعهن أكثم قال : إنى أراه يأمر بمكارم ~~الأخلاق وينهى عن ملائمها ، فكونوا في هذا الأمر رءوسا ، ولا تكونوا فيه ~~أذنابا (1). # وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال : أعظم آية في كتاب الله : «الله لا إله ~~إلا هو الحي القيوم ..». وأجمع آية في كتاب الله للخير والشر : ( @QUR@05 ~~إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) وأكثر آية في كتاب الله تفويضا : ( ~~@QUR@011 ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب .. ). وأشد ~~آية في كتاب الله رجاء : ( @QUR@016 يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا .. ) (2). # ثم أمرهم سبحانه بالوفاء بالعهود فقال : ( @QUR@05 وأوفوا بعهد الله إذا ~~عاهدتم .. ). # والعهد : ما من شأنه أن يراعى ويحفظ ، كاليمين والوصية وما يشبههما. # وعهد الله : أوامره ونواهيه وتكاليفه الشرعية التي كلف الناس بها ، ~~والوفاء بعهد الله تعالى : يتأتى بتنفيذ أوامره وتكاليفه ، واجتناب ما نهى عنه. # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@03 وأوفوا بعهد الله ... ) لفظ عام ~~لجميع ما يعقد باللسان ، ويلتزمه الإنسان من بيع أو صلة ، أو مواثقة في أمر ~~موافق للديانة. # وهذه الآية مضمن قوله تعالى : ( @QUR@05 إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) ~~لأن المعنى فيها : افعلوا كذا ، وانتهوا عن كذا ، فعطف على ذلك التقدير. # وقد قيل إنها نزلت في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام. وقيل : ~~نزلت في التزام الحلف الذي كان في الجاهلية ، وجاء الإسلام بالوفاء به كحلف ~~الفضول . # والعموم يتناول كل ذلك ... (3). PageV08P222 # والمعنى : إن الله يأمركم أيها المسلمون بالعدل والإحسان وإيتاء ذي ~~القربى ، ويأمركم أيضا بالوفاء بالعهود التي التزمتم بها مع الله تعالى أو ~~مع الناس. # والآيات التي وردت في وجوب الوفاء بالعهود كثيرة ومن ذلك قوله تعالى : ( ~~@QUR@06 وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤلا ) (1). # وخص سبحانه الأمر بالوفاء بالعهد بالذكر ms3429 مع أنه داخل في المأمورات التي ~~اشتملت عليها الآية السابقة كما أشار إلى ذلك القرطبي في كلامه السابق لأن ~~الوفاء بالعهود من آكد الحقوق وأوجبها على الإنسان. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون ) (2). # ومن الأحاديث التي وردت في ذلك ما رواه الشيخان عن أبى هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال : «آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد ~~أخلف ، وإذا ائتمن خان». (3). # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ... ) تأكيد ~~للأمر بالوفاء ، وتحذير من الخيانة والغدر. # والنقض في اللغة : حقيقة في فسخ ما ركب بفعل يعاكس الفعل الذي كان به ~~التركيب. واستعمل هنا على سبيل المجاز في إبطال العهد. # والأيمان : جمع يمين. وتطلق بمعنى الحلف والقسم. وأصل ذلك أن العرب كانوا ~~إذا أرادوا توثيق عهودهم بالقسم يقسمونه ، ووضع كل واحد من المتعاهدين ~~يمينه في يمين صاحبه. # أى : كونوا أوفياء بعهودكم ، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ، أى : بعد ~~توثيقها وتغليظها عن طريق تكرارها بمرة ومرتين ، أو عن طريق الإتيان فيها ~~ببعض أسماء الله تعالى وصفاته. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 بعد توكيدها ) للإشعار بأن نقض الأيمان وإن كان ~~قبيحا في كل حالة ، فهو في حالة توكيد الأيمان وتغليظها أشد قبحا. # ولذا قال بعض العلماء : وهذا القيد لموافقة الواقع ، حيث كانوا يؤكدون ~~أيمانهم في PageV08P223 # المعاهدة ، وحينئذ فلا مفهوم له ، فلا يختص النهى عن النقض بحالة التوكيد ~~، بل نقض اليمين منهى عنه مطلقا. أو يراد بالتوكيد القصد ، ويكون احترازا ~~عن لغو اليمين. وهي الصادرة عن غير قصد للحلف» (1). # وقال الإمام ابن كثير ما ملخصه : ولا تعارض بين هذه الآية وبين قوله ~~صلى الله عليه وسلم فيما ثبت عنه في الصحيحين أنه قال : «إنى والله إن شاء ~~الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها ، إلا أتيت الذي هو خير ~~وتحللتها وفي رواية وكفرت عن يميني» لأن هذه الأيمان المراد بها في الآية : ~~الداخلة في العهود والمواثيق ، لا الأيمان التي هي واردة في حث أو منع ..» (2). # والخلاصة ، أن الآية الكريمة تنهى ms3430 المؤمن عن نقض الأيمان نهيا عاما ، إلا ~~أن السنة النبوية الصحيحة قد خصصت هذا التعميم بإباحة نقض اليمين إذا كانت ~~مانعة من فعل خير ، ويؤيد هذا التخصيص قوله تعالى : ( @QUR@011 ولا تجعلوا ~~الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس .. ) (3). # وجملة «وقد جعلتم الله عليكم كفيلا ..» حال من فاعل «تنقضوا» ، وهي مؤكدة ~~لمضمون ما قبلها من وجوب الوفاء بالعهود والنهى عن نقضها. # والكفيل : من يكفل غيره ، أى : يضمنه في أداء ما عليه. # أى : ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ، والحال أنكم قد جعلتم الله تعالى ~~ضامنا لكم فيما التزمتم به من عهود ، وشاهدا ورقيبا على أقوالكم وأعمالكم. # فالجملة الكريمة تحذر المتعاهدين من النقض بعد أن جعلوا الله تعالى كفيلا عليهم. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بهذا التهديد الخفى فقال تعالى : ( @QUR@05 ~~إن الله يعلم ما تفعلون ). أى : إن الله تعالى يعلم ما تفعلون من الوفاء ~~أو النقض ، وسيجاز بكم بما تستحقون من خير أو شر ، فالمراد من العلم لازمه ~~، وهو المجازاة على الأعمال. # ثم ضرب سبحانه مثلا لتقبيح نقض العهد ، فقال تعالى : ( @QUR@09 ولا ~~تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ). PageV08P224 # وقوله : ( @QUR@01 غزلها ) اى : مغزولها ، فهو مصدر بمعنى المفعول. ~~والفعل منه غزل يغزل بكسر الزاى .. من باب ضرب. يقال غزلت المرأة الصوف أو ~~القطن غزلا. # والجار والمجرور في قوله ( @QUR@03 من بعد قوة ) متعلق بالفعل ( @QUR@01 ~~نقضت ) أى : نقضته وأفسدته من بعد إبرامه وإحكامه. # و ( @QUR@01 أنكاثا ) حال مؤكدة من ( @QUR@01 غزلها )، ويجوز أن يكون ~~مفعولا ثانيا ، بتضمين الفعل نقضت معنى صيرت أو جعلت. # والأنكاث : جمع نكث بكسر النون ، بمعنى منكوث أى منقوض ، وهو ما نقض وحل ~~فتله ليغزل ثانيا ، والجمع أنكاث كحمل وأحمال. # يقال : نكث الرجل العهد نكثا من باب قتل إذا نقضه ونبذه ، ومنه قوله ~~تعالى ( @QUR@06 فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ). # قال ابن كثير : هذه امرأة خرقاء كانت بمكة ، كلما غزلت شيئا نقضته بعد ~~إبرامه. # وقال مجاهد وقتادة وابن زيد : هذا مثل لمن نقض عهده بعد توكيده. وهذا ~~أرجح وأظهر سواء أكان بمكة ms3431 امرأة تنقض غزلها أم لا (1). # والمعنى : كونوا أيها المسلمون أوفياء بعهودكم ، ولا تنقضوها بعد إبرامها ~~، فإنكم إن نقضتموها كان مثلكم كمثل تلك المرأة الحمقاء ، التي كانت تفتل ~~غزلها فتلا محكما ، ثم تنقضه بعد ذلك ، وتتركه مرة أخرى قطعا منكوثة محلولة .. # فالجملة الكريمة تحقر في كل جزئية من جزئياتها ، حال من ينقض العهد ، ~~وتشبهه على سبيل التنفير والتقبيح بحال امرأة ملتاثه في عقلها ، مضطربة في ~~تصرفاتها. # وقوله سبحانه : ( @QUR@011 تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي ~~أربى من أمة ). # إبطال للأسباب التي كان يتخذها بعض الناس ذرائع ومبررات لنقض العهود. # والدخل بفتح الخاء : المكر والغش والخديعة. وهو في الأصل اسم للشيء الذي ~~يدخل في غيره وليس منه. # قال الراغب : والدخل كناية عن الفساد والعداوة المستبطنة ، كالدغل ، وعن ~~الدعوة في النسب ... ومنه قيل : شجرة مدخولة أى ليست من جنس الأشجار التي ~~حولها (2). PageV08P225 # وقوله ( @QUR@03 أن تكون أمة ... ) متعلق بقوله ( @QUR@01 تتخذون ). # وقوله ( @QUR@01 أربى ) مأخوذ من الربو بمعنى الزيادة والكثرة. يقال : ~~ربا الشيء يربو إذا زاد وكثر. # والمعنى : لا تكونوا مشبهين لامرأة هذا شأنها ، حالة كونكم متخذين ~~أيمانكم وأقسامكم وسيلة للغدر والخيانة ، من أجل أن هناك جماعة أوفر عددا ~~وأكثر مالا من جماعة أخرى. # قال القرطبي : قال المفسرون : نزلت هذه الآية في العرب الذين كانت ~~القبيلة منهم إذا حالفت أخرى ، ثم جاءت إحداهما قبيلة أخرى كبيرة قوية ~~فداخلتها غدرت بالأولى ونقضت عهدها ، ورجعت إلى هذه الكبرى ، فنهاهم الله ~~تعالى : أن ينقضوا العهود من أجل أن طائفة أكثر من طائفة أخرى ، أو أكثر ~~أموالا ... # وقال الفراء : المعنى : لا تغدروا بقوم لقلتهم وكثرتكم ، أو لقلتكم ~~وكثرتهم وقد عززتموهم بالأيمان (1). # وقال ابن كثير : قال مجاهد : كانوا يحالفون الحلفاء ، فيجدون أكثر منهم ~~وأعز ، فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون أولئك الذين هم أكثر وأعز ، فنهوا عن ~~ذلك (2). # والخلاصة : أن الآية الكريمة تدعو إلى وجوب الوفاء بالعهود في جميع ~~الأحوال ، وتنهى عن اللجوء إلى الذرائع الباطلة ، من أجل نقض العهود ، إذ ~~الإسلام لا يقر هذه الذرائع وتلك المبررات ، بدعوى أن هناك جماعة ms3432 أقوى من ~~جماعة ، أو دولة أعز من دولة ، وإنما الذي يقره الإسلام هو مراعاة الوفاء ~~بالعهود ، وعدم اتخاذ الأيمان وسيلة للغش والخداع. # والضمير المجرور في قوله : ( @QUR@04 إنما يبلوكم الله به ) يعود على ~~مضمون الجملة المتقدمة وهي قوله تعالى : ( @QUR@07 أن تكون أمة هي أربى من ~~أمة ). # أى : إنما يبلوكم الله ويختبركم بكون أمة أربى من أمة ، لينظر أتفون ~~بعهودكم أم لا. وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : قوله تعالى : ( ~~@QUR@04 إنما يبلوكم الله به ) الضمير لقوله : ( @QUR@03 أن تكون أمة ... ) ~~لأنه في معنى المصدر. أى : إنما يختبركم بكونهم أربى ، لينظر أتتمسكون بحبل ~~الوفاء بعهد الله ، وما عقدتم على أنفسكم ووكدتم من أيمان البيعة لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أم تغترون بكثرة قريش وثروتهم وقوتهم. وقلة المؤمنين ~~وفقرهم وضعفهم (3). PageV08P226 # ويجوز أن يعود إلى ما أمر الله به من الوفاء بالعهد ، فيكون المعنى : ~~إنما يبلوكم الله ويختبركم بما أمركم به من الوفاء بالعهود ، ومن النهى عن ~~النقض ليظهر لكم المطيع من العاصي ، وقوى الإيمان من ضعيفه. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة ببيان أن مرد الفصل بين العباد فيما اختلفوا ~~فيه إليه تعالى وحده ، فقال : ( @QUR@08 وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم ~~فيه تختلفون ) فيجازى أهل الحق بما يستحقون من ثواب ، ويجازى أهل الباطل ~~بما هم أهله من عقاب. # ثم بين سبحانه أن قدرته لا يعجزها شيء فقال تعالى : ( @QUR@04 ولو شاء ~~الله لجعلكم ) أيها الناس ( @QUR@02 أمة واحدة ) متفقة على الحق ( @QUR@01 ~~ولكن ) لحكم يعلمها ولا تعلمونها ، ولسنن وضعها في خلقه ( @QUR@03 يضل من ~~يشاء ) إضلاله لاستحبابه العمى على الهدى ، وإيثاره الغي على الرشد ( ~~@QUR@03 ويهدي من يشاء ) هدايته لحسن استعداده ، وسلامة اختياره ، ونهيه ~~النفس عن الهوى. # ( @QUR@01 ولتسئلن ) أيها الناس يوم القيامة سؤال محاسبة ومجازاة ( ~~@QUR@03 عما كنتم تعملون ) في الدنيا ، فيثيب الطائعين بفضله ، ويعاقب ~~العصاة بعدله. # وبعد أن أمر سبحانه بالوفاء بالعهود ونهى عن نقضها بصفة عامة ، أتبع ذلك ~~بالنهى عن الحنث في الإيمان بصفة خاصة ، فقال تعالى : # ( @QUR@019 ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا ~~السوء ms3433 بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم (94) @QUR@015 ولا تشتروا ~~بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون (95) ~~@QUR@015 ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ~~ما كانوا يعملون (96) @QUR@05 من عمل صالحا من ذكر PageV08P227 # @QUR@013 أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما ~~كانوا يعملون ) (97) # فقوله سبحانه ( @QUR@05 ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم ) تصريح بالنهى عن ~~اتخاذ الإيمان من أجل الغش والخديعة ، بعد النهى عن نقض العهود بصفة عامة. ~~أى : ولا تتخذوا أيها المؤمنون الحلف بالله تعالى ذريعة إلى غش الناس ~~وخداعهم واستلاب حقوقهم ، فقد جرت عادة الناس أن يطمئنوا إلى صدق من يقسم ~~بالله تعالى ، فلا تجعلوا هذا الاطمئنان وسيلة للكذب عليهم ، ولإفساد ما ~~بينكم وبينهم من مودة. # ثم رتب سبحانه على هذا النهى ما من شأنه أن يردع النفوس عن اتخاذ الأيمان ~~دخلا فقال : ( @QUR@04 فتزل قدم بعد ثبوتها ) وأصل الزلل الخروج عن الطريق ~~السليم. يقال : زل فلان يزل زللا وزلولا ، إذا دحضت قدمه ولم تصب موضعها ~~الصحيح أى : لا تتخذوا أيمانكم وسيلة للخديعة والإفساد بين الناس ، فتزل ~~أقدامكم عن طريق الإسلام بعد ثبوتها عليها ، ورسوخها فيها ، قالوا : ~~والجملة الكريمة مثل يضرب لكل من وقع في بلية ومحنة ، بعد أن كان في عافية ونعمة. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم وحدت القدم ونكرت؟ قلت لاستعظام أن تزل ~~قدم واحدة عن طريق الحق. بعد أن ثبتت عليه ، فكيف بأقدام كثيرة (1)؟. # وقوله ( @QUR@07 وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ) بيان لما يصيبهم ~~من عذاب دنيوى بسبب اتخاذ أيمانهم دخلا بينهم. أى : وتذوقوا السوء وهو ~~العذاب الدنيوي من المصائب والخوف والجوع ، بسبب صدودكم وإعراضكم عن أوامر ~~الله ونواهيه ، أو بسبب صدكم لغيركم عن الدخول في دين الله ، حيث رأى منكم ~~ما يجعله ينفر منكم ومن دينكم. # والتعبير بتذوقوا فيه إشارة إلى أن العذاب الدنيوي الذي سينزل بهم بسبب ~~اتخاذهم أيمانهم دخلا بينهم ، سيكون عذابا شديدا يحسون آلامه إحساسا واضحا ~~، كما يحس الشارب ms3434 للشيء المر مرارته ، ويتذوق آلامه. PageV08P228 # قال ابن كثير : حذر الله تعالى عباده عن اتخاذ الأيمان دخلا ، أى : خديعة ~~ومكرا ، لئلا تزل قدم بعد ثبوتها ؛ مثل لمن كان على الاستقامة وحاد عنها ، ~~وزل عن طريق الهدى بسبب الأيمان الحانثة ، المشتملة على الصد عن سبيل الله ~~، لأن الكافر إذا رأى أن المؤمن قد عاهده ثم غدر به ، لم يبق له وثوق ~~بالدين ، فانصد بسببه عن الدخول في الإسلام (1). # وقوله : ( @QUR@03 ولكم عذاب عظيم ) لا يعلم مقدار شدته وهو له إلا الله ~~عز وجل فأنت ترى أن الآية الكريمة قد رتبت على اتخاذ الأيمان دخلا ، انقلاب ~~حالة الإنسان من الخير إلى الشر ، ونزول العذاب الدنيوي والأخروى به. # ثم نهاهم سبحانه عن أن يبيعوا دينهم بدنياهم فقال تعالى : ( @QUR@06 ولا ~~تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا ). # والاشتراء هنا : استعارة للاستبدال ، والذي استبدل به الثمن القليل هو ~~الوفاء بعهد الله. # والمراد بعهد الله تعالى : أوامره ونواهيه التي كلفنا بالتزامها والعمل ~~بمقتضاها. # والمراد بالثمن القليل : حظوظ الدنيا وشهواتها وزينتها من الأموال ~~وغيرها. # والمعنى : ولا تستبدلوا بأوامر الله تعالى ونواهيه ، عرضا قليلا من أعراض ~~الدنيا الزائلة ، بأن تنقضوا عهودكم في مقابل منفعة دنيوية زائلة. # وليس وصف الثمن بالقلة في قوله : ( @QUR@02 ثمنا قليلا ) من الأوصاف ~~المخصصة للنكرات ، بل هو من الأوصاف اللازمة للثمن المحصل في مقابل عدم ~~الوفاء بالعهد ، إذ لا يكون إلا قليلا وإن بلغ ما بلغ من أعراض الدنيا ~~بجانب رضا الله تعالى . # ورحم الله الإمام ابن كثير ، فقد قال عند تفسيره لهذه الآية الكريمة : ( ~~@QUR@06 ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا ) أى : لا تعتاضوا عن الأيمان ~~بالله عرض الحياة الدنيا وزينتها ، فإنها قليلة ، ولو حيزت لابن آدم الدنيا ~~بحذافيرها لكان ما عند الله هو خير له (2). # ثم رغبهم سبحانه فيما عنده فقال : ( @QUR@09 إنما عند الله هو خير لكم إن ~~كنتم تعلمون ). # أى : إن ما ادخره الله تعالى لكم من ثواب عظيم ، وأجر جزيل ، وحياة طيبة ~~، هو خير لكم من ذلك الثمن القليل الذي تتطلعون إليه ، وتنقضون العهود من ~~أجله ms3435 ، إن كنتم من أهل العلم والفطنة ، الذين يؤثرون الباقي على الفاني. PageV08P229 # قال الآلوسى : قوله ( @QUR@03 إن كنتم تعلمون ) أى : إن كنتم من أهل ~~العلم والتمييز. فالفعل منزل منزلة اللازم. وقيل : متعد ، والمفعول محذوف ، ~~وهو فضل ما بين العوضين ، والأول أبلغ ومستغن عن التقدير (1). # ثم أضاف سبحانه إلى ترغيبهم في العمل بما يرضيه ترغيبا آخر فقال : ( ~~@QUR@07 ما عندكم ينفد وما عند الله باق ). # أى : ما عندكم من متاع الدنيا وزهرتها يفنى وينقضي ويزول ، وما عند الله ~~تعالى في الآخرة من عطاء باق لا يفنى ولا يزول ، فآثروا ما يبقى على ما ~~ينفد. يقال : نفد الشيء بكسر الفاء ينفد بفتحها نفادا ونفودا ، إذا ذهب وفنى. # ثم بشر سبحانه الصابرين على طاعته بأعظم البشارات فقال : ( @QUR@08 ~~ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ). # أى : ولنجزين الذين صبروا على طاعتنا ، واجتنبوا معصيتنا ، ووفوا بعهودنا ~~، بجزاء أفضل وأكرم مما كانوا يعملونه في الدنيا من خيرات وطاعات. # وأكد سبحانه هذه البشارة بلام القسم ، ونون التوكيد ، لترغيبهم في الثبات ~~على فضيلة الصبر ، وعلى الوفاء بالعهد. # قال الجمل ما ملخصه : وقوله ( @QUR@01 أجرهم ) مفعول ثان لنجزى. وقوله ( ~~@QUR@01 بأحسن ) نعت لمحذوف ، أى : بجزاء أحسن من عملهم الذي كانوا يعملونه ~~في الدنيا ، والباء بمعنى على (2). # ثم بين سبحانه حسن عاقبة المؤمنين الذين يحرصون على العمل الصالح فقال ~~تعالى : ( @QUR@018 من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة ~~طيبة ، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ). # أى : من عمل عملا صالحا ، بأن يكون خالصا لوجه الله تعالى وموافقا لما ~~جاء به النبي صلى الله عليه وسلم سواء أكان هذا العامل المؤمن ذكرا أم أنثى ، ~~فلنحيينه حياة طيبة ، يظفر معها بصلاح البال ، وسعادة الحال. # وقال سبحانه : ( @QUR@04 من ذكر أو أنثى ) مع أن لفظ «من» في قوله : ( ~~@QUR@02 من عمل ) PageV08P230 # يتناول الذكور والإناث ؛ للتنصيص على النوعين ، حتى يكون أغبط لهما ، ~~ولدفع ما قد يتوهم من أن الخطاب للذكور وحدهم. # ولذا قال صاحب الكشاف : فإن قلت «من» متناول في نفسه للذكر والأنثى فما ~~معنى تبيينه بهما؟ ms3436 قل : هو مبهم صالح على الإطلاق للنوعين ، إلا أنه إذا ~~ذكر كان الظاهر تناوله للذكور ، فقيل «من ذكر أو أنثى» على التبيين ليعم ~~الوعد النوعين جميعا (1). # وقيد سبحانه العامل بكونه مؤمنا فقال : ( @QUR@02 وهو مؤمن ) لبيان أن ~~العمل لا يكون مقبولا عند الله تعالى إلا إذا كان مبنيا على العقيدة ~~الصحيحة ، وكان صاحبه يدين بدين الإسلام ، وقد أوضح القرآن هذا المعنى في ~~آيات كثيرة ، منها قوله تعالى : ( @QUR@09 وقدمنا إلى ما عملوا من عمل ~~فجعلناه هباء منثورا ) (2). # والمراد بالحياة الطيبة في قوله تعالى : ( @QUR@03 فلنحيينه حياة طيبة ) ~~الحياة الدنيوية التي يحياها المؤمن إلى أن ينقضي أجله. # قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : هذا وعد من الله تعالى ~~لمن عمل صالحا من ذكر أو أنثى ، بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا .. ~~والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أى جهة كانت. وقد روى عن ابن عباس ~~وجماعة أنهم فسروها بالرزق الحلال ، وعن على بن أبى طالب أنه فسرها ~~بالقناعة. # والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله ، كما جاء في الحديث الذي رواه ~~الإمام أحمد عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «قد أفلح من ~~أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه (3)». # وقيل المراد بالحياة الطيبة هنا : الحياة الأخروية ، وقد صدر الشيخ ~~الآلوسى تفسيره بهذا الرأى فقال ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@03 ~~فلنحيينه حياة طيبة ) والمراد بالحياة الطيبة التي تكون في الجنة ، إذ هناك ~~حياة بلا موت ، وغنى بلا فقر ، وصحة بلا سقم ، وسعادة بلا شقاوة .. فعن ~~الحسن : لا تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة. # وقال شريك : هي حياة تكون في البرزخ .. وقال غير واحد هي في الدنيا (4). PageV08P231 # ويبدو لنا أن تفسير الحياة الطيبة هنا بأنها الحياة الدنيوية أرجح ، لأن ~~الحياة الأخروية جاء التصريح بها بعد ذلك في قوله تعالى : ( @QUR@06 ~~ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ). # فلو فسرنا الحياة الطيبة بالحياة الأخروية لكان في الآية الكريمة ما يشبه ~~التكرار ، ولكننا لو فسرناها بالحياة الدنيوية لكانت الآية الكريمة مبينة ~~لجزاء ms3437 المؤمنين في الدارين. # وأيضا فإن قول النبي صلى الله عليه وسلم السابق : «قد أفلح من أسلم ورزق ~~كفافا» يشير إلى أن المراد بالحياة الطيبة ، الحياة الدنيوية ، لأن من نال ~~الفلاح نال حياة طيبة. # وعلى ذلك يكون المعنى الإجمالى للآية الكريمة : من عمل عملا صالحا من ذكر ~~أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة في الدنيا ، يظفر معها بالسعادة وصلاح ~~البال ، والأمان والاطمئنان ، أما في الآخرة فسنجزيه جزاء أكرم وأفضل مما ~~كان يعمله في الدنيا من أعمال صالحة. # قال صاحب الكشاف قوله : ( @QUR@02 حياة طيبة ) يعنى في الدنيا ، وهو ~~الظاهر لقوله ( @QUR@01 ولنجزينهم ) وعدهم الله ثواب الدنيا والآخرة ، ~~كقوله : ( @QUR@07 فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ... ) (1). # وذلك أن المؤمن مع العمل الصالح موسرا كان أو معسرا ، يعيش عيشا طيبا ، ~~إن كان موسرا فلا مقال فيه ، وإن كان معسرا فمعه ما يطيب عيشه وهو القناعة ~~والرضا بقسمة الله. # وأما الفاجر فأمره على العكس. إن كان معسرا فلا إشكال في أمره ، وإن كان ~~موسرا ، فالحرص لا يدعه أن يتهنأ بعيشه (2). # * * * # ثم أشار سبحانه إلى أن من الأعمال الصالحة ، أن يستعيذ المسلم عند قراءته ~~للقرآن الكريم ، من الشيطان الرجيم ، فقال تعالى : # ( @QUR@08 فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (98) ~~@QUR@010 إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (99) @QUR@02 ~~إنما سلطانه PageV08P232 # @QUR@07 على الذين يتولونه والذين هم به مشركون ) (100) # والمراد بقوله تعالى : ( @QUR@03 فإذا قرأت القرآن .. ) أى فإذا أردت ~~قراءته. فالكلام على حذف الإرادة ، وذلك لأن المعنى الذي طلبت من أجله ~~الاستعاذة وهو دفع وسوسة الشيطان يقتضى أن يبدأ القارئ بها أى بالاستعاذة ~~قبل القراءة لا بعدها وشبيه بهذه الآية في حذف الإرادة لدلالة المقام عليها ~~قوله تعالى : ( @QUR@013 يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم وأيديكم إلى المرافق .. ) (1) أى : إذا أردتم القيام إلى الصلاة ~~فاغسلوا. # وقوله تعالى : ( @QUR@010 وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم ~~قائلون ) (2) أى : أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا. # والمعنى : فإذا أردت أيها المسلم قراءة القرآن ( @QUR@02 فاستعذ بالله ) ~~أى : فاستجر بالله ، والتجئ ms3438 إلى حماه ( @QUR@03 من الشيطان الرجيم ). # قال ابن كثير : والشيطان في لغة العرب ، كل متمرد من الجن والإنس والدواب ~~وكل شيء ، وهو مشتق من شطن بمعنى بعد ، فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر ، ~~وبعيد بفسقه عن كل خير ...» (3). # والرجيم بزنة فعيل بمعنى مفعول. أى : أنه مرجوم ومطرود من رحمة الله ~~تعالى . # قال بعض العلماء : وإنما خصت القراءة بطلب الاستعاذة ، مع أنه قد أمر بها ~~على وجه العموم في جميع الشئون ، لأن القرآن مصدر هداية ، والشيطان مصدر ~~ضلال ، فهو يقف للإنسان بالمرصاد في هذا الشأن على وجه خاص ، فيثير أمامه ~~ألوانا من الشكوك فيما يفيد من قراءته ، وفيما يقصد بها ، فيفوت عليه ~~الانتفاع بهدى الله وآياته. فعلمنا الله تعالى أن نتقي ذلك كله بهذه ~~الاستعاذة التي هي في الواقع عنوان صادق ، وتعبير حق ، عن امتلاء قلب PageV08P233 # المؤمن بمعنى اللجوء إلى الله. وقوة عزيمته في طرد الشيطان ووساوسه ، ~~واستقبال هدايته بقلب طاهر ، وعقل واع وإيمان ثابت (1). # وكيفية الاستعاذة أن يقول القارئ عند إرادة قراءته للقرآن ، أعوذ بالله ~~من الشيطان الرجيم ، فقد تضافرت الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بهذه الصيغة. # قال الآلوسى. وروى الثعلبي والواحدي أن ابن مسعود قرأ عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، فقال ~~له النبي صلى الله عليه وسلم : «يا ابن أم عبد ، قل : أعوذ بالله من الشيطان ~~الرجيم ، هكذا أقرأنى جبريل ..» (2). # وقال صاحب تفسير آيات الأحكام : والأمر بها أى بالاستعاذة للندب عند ~~الجمهور. # وعن الثوري أنها واجبة. وظاهر الآية يؤيده ، إذ الأمر للوجوب. والجمهور ~~يقولون : إنه صرفها عن الوجوب ما ورد من أنه صلى الله عليه وسلم لم يعلمها ~~للأعرابى أى الذي سأله عن كيفية الصلاة وأيضا فقد روى أنه كان ~~صلى الله عليه وسلم يتركها .. (3). # ثم بين سبحانه بعد ذلك أن وسوسة الشيطان لا أثر لها على المؤمنين ~~الصادقين فقال تعالى : ( @QUR@010 إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ~~ربهم يتوكلون ) أى : إن الشيطان مهما تمرد وعتا فإنه ms3439 «ليس له سلطان» أى : ~~ليس له تسلط واستيلاء واستحواذ بالقهر والغلبة ، على نفوس الذين آمنوا ~~بالله تعالى حق الإيمان والذين هم عليه تعالى وحده يتوكلون ويعتمدون لا على غيره. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@011 إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ~~إلا من اتبعك من الغاوين ) (4) وقوله تعالى : ( @QUR@09 إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا ) (5). # وبعد أن نفى سبحانه أن يكون للشيطان سلطان على نفوس المؤمنين الصادقين ، ~~أثبت سبحانه أن تسلط الشيطان إنما هو على نفوس الضالين ، فقال تعالى : ( ~~@QUR@09 إنما سلطانه على الذين يتولونه ، والذين هم به مشركون ). # أى : إنما تسلط الشيطان وتأثيره على الضالين الفاسقين الذين ( @QUR@01 ~~يتولونه ) أى : يتقربون منه ، ويجعلونه واليا عليهم ، فيحبونه ويطيعونه ~~ويتبعون خطواته. PageV08P234 # فقوله ( @QUR@01 يتولونه ) من الولي بفتح الواو وسكون اللام بمعنى القرب ~~والنصرة وقوله : ( @QUR@04 والذين هم به مشركون ) أى : والذين هم بسبب ~~الشيطان وإغوائه لهم ، مشركون مع الله تعالى آلهة أخرى في العبادة. # فالضمير في «به» يعود إلى الشيطان ، والباء للسببية. # ويرى بعضهم أن الضمير في «به» يعود على الله تعالى ، وأن الباء للتعدية ، ~~فيكون المعنى : إنما سلطان الشيطان على الذين يطيعونه ، والذين هم بالله ~~تعالى مشركون. # قالوا ، والأول أرجح لاتحاد الضمائر فيه ، ولأنه هو المتبادر إلى الذهن. # وبذلك نرى الآيات الكريمة ، تأمر المؤمنين بأن يستعيذوا بالله من الشيطان ~~الرجيم ، عند قراءتهم للقرآن الكريم ، كما نراها تبشرهم بأنه لا سلطان ~~للشيطان عليهم ما داموا معتصمين بحبل الله تعالى ومنفذين لأوامره ، ~~ومعتمدين عليه. # * * * # ثم حكى سبحانه بعد ذلك بعض الأقاويل التي قالها المشركون عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وعن القرآن الكريم ، ورد عليها بما يخرس ألسنتهم فقال ~~تعالى : # ( @QUR@017 وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت ~~مفتر بل أكثرهم لا يعلمون (101) @QUR@013 قل نزله روح القدس من ربك بالحق ~~ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين (102) @QUR@016 ولقد نعلم أنهم ~~يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ~~(103) @QUR@012 إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ms3440 ولهم عذاب ~~أليم (104) @QUR@011 إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك ~~هم الكاذبون ) (105) PageV08P235 # وقوله تعالى : ( @QUR@05 وإذا بدلنا آية مكان آية ... ) التبديل رفع ~~الشيء مع وضع غيره مكانه. فتبديل الآية رفعها بآية أخرى. # وجمهور المفسرين على أن المراد بالآية هنا : الآية القرآنية. وعلى أن ~~المراد بتبديلها نسخها. # قال صاحب الكشاف : تبديل الآية مكان الآية هو النسخ ، والله تعالى ينسخ ~~الشرائع بالشرائع لأنها مصالح ، وما كان مصلحة بالأمس يجوز أن يكون مفسدة ~~اليوم وخلافه مصلحة. والله تعالى عالم بالمصالح والمفاسد ، فيثبت ما يشاء ، ~~وينسخ ما يشاء بحكمته .. (1). # وقال الجمل : قوله تعالى : ( @QUR@05 وإذا بدلنا آية مكان آية ... ) وذلك ~~أن المشركين من أهل مكة قالوا : إن محمدا صلى الله عليه وسلم يسخر بأصحابه ، ~~يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غدا ، ما هذا إلا مفترى يتقوله من تلقاء ~~نفسه ، فأنزل الله تعالى : ( @QUR@05 وإذا بدلنا آية مكان آية ... ) ~~والمعنى : وإذا نسخنا حكم آية فأبدلنا مكانه حكما آخر (2). # وقال الآلوسى : قوله تعالى : ( @QUR@05 وإذا بدلنا آية مكان آية ) أى : ~~وإذا نزلنا آية من القرآن مكان آية منه. وجعلناها بدلا منها بأن نسخناها ~~بها .. (3). # ومنهم من يرى أن المراد بالآية هنا «الآية الكونية» أى المعجزة التي أتى ~~بها كل نبي لقومه وأن المراد بتبديلها : الإتيان بمعجزة أخرى سواها. # قال الشيخ القاسمى عند تفسيره لهذه الآية : وذهب قوم إلى أن المعنى تبديل ~~آية من آيات الأنبياء المتقدمين. كآية موسى وعيسى وغيرهما من الآيات ~~الكونية الآفاقية ، بآية أخرى نفسية علمية ، وهي كون المنزل هدى ورحمة ~~وبشارة يدركها العقل. # فبدلت تلك وهي الآيات الكونية بآية هو كتاب العلم والهدى من نبي أمى ~~صلى الله عليه وسلم (4). # ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب ، لأن قوله تعالى بعد ذلك : ( ~~@QUR@06 قل نزله روح القدس من ربك ... ) يدل دلالة واضحة على أن المراد ~~بالآية ، الآية القرآنية. PageV08P236 # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 والله أعلم بما ينزل ) جملة معترضة بين الشرط ~~وجوابه للمسارعة إلى توبيخ المشركين وتجهيلهم. # أى : والله تعالى أعلم من كل مخلوق بما هو أصلح لعباده ، وبما ms3441 ينزله من ~~آيات ، وبما يغير ويبدل من أحكام ، فكل من الناسخ والمنسوخ منزل حسبما ~~تقتضيه الحكمة والمصلحة ، ( @QUR@06 لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ). # وقوله تعالى : ( @QUR@04 قالوا إنما أنت مفتر ) جواب الشرط ، وهو حكاية ~~لما تفوهوا به من باطل وبهتان : وقوله ( @QUR@01 مفتر ) من الافتراء وهو ~~أشنع أنواع الكذب. # أى : قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم عند تبديل آية مكان آية : إنما ~~أنت يا محمد تختلق هذا القرآن من عند نفسك ، وتفتريه من إنشائك واختراعك .. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 بل أكثرهم لا يعلمون ) تسلية للنبي ~~صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم. # أى : لا تهتم أيها الرسول الكريم بما قاله هؤلاء المشركون في شأنك وفي ~~شأن القرآن الكريم ، فإن أكثرهم جهلاء أغبياء ، لا يعلمون ما في تبديلنا ~~للآيات من حكمة ، ولا يفقهون من أمر الدين الحق شيئا. # وقال سبحانه ( @QUR@04 بل أكثرهم لا يعلمون ) للإشارة إلى أن هناك قلة ~~منهم تعرف الحق وتدركه ، ولكنها تنكره عنادا وجحودا وحسدا لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على ما آتاه الله من فضله. # ثم لقن الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم الرد الذي يقذفه على باطلهم ~~فيزهقه فقال :. # ( @QUR@013 قل نزله روح القدس من ربك بالحق ، ليثبت الذين آمنوا ، وهدى ~~وبشرى للمسلمين ) وروح القدس : هو جبريل عليه السلام ، والإضافة فيه إضافة ~~الموصوف إلى الصفة. أى : الروح المقدس. ووصف بالقدس لطهارته وبركته. وسمى ~~روحا لمشابهته الروح الحقيقي في أن كلا منهما مادة الحياة للبشر ، فجبريل ~~من حيث ما يحمل من الرسالة الإلهية تحيا به القلوب ، والروح تحيا به ~~الأجسام. # والمعنى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الجاهلين ، إن هذا القرآن الذي ~~تزعمون أننى افتريته ، قد نزل به الروح الأمين على قلبي من عند ربي ، نزولا ~~ملتبسا بالحق الذي لا يحوم حوله باطل ، ليزيد المؤمنين ثباتا في إيمانهم ، ~~وليكون هداية وبشارة لكل من أسلم وجهه لله رب العالمين. PageV08P237 # وفي قوله ( @QUR@02 من ربك ) تكريم وتشريف للرسول صلى الله عليه وسلم حيث ~~اختص سبحانه هذا النبي الكريم بإنزال القرآن عليه ، بعد أن ms3442 رباه برعايته ، ~~وتولاه بعنايته. # وقوله ( @QUR@01 بالحق ) في موضع الحال ، أى : نزله إنزالا ملتبسا ~~بالحكمة المقتضية له ، بحيث لا يفارقها ولا تفارقه. # وقوله : ( @QUR@06 ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين ) بيان للوظيفة ~~التي من أجلها نزل القرآن الكريم ، وهي وظيفة تسعد المؤمنين وحدهم ، أما ~~الكافرون فهم بعيدون عنها. # ثم حكى سبحانه بعد ذلك مقولة أخرى من مقولات المشركين فقال تعالى : ( ~~@QUR@07 ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر ... ). # قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : يقول تعالى مخبرا ~~عن المشركين ما كانوا يقولونه من الكذب والافتراء : إن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم إنما يعلمه هذا الذي يتلوه علينا من القرآن بشر ، ويشيرون ~~إلى رجل أعجمى كان بياعا يبيع عند الصفا ، وربما كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يجلس إليه ويكلمه بعض الشيء ، وذاك كان أعجمى اللسان لا يعرف إلا اليسير من ~~العربية. # وعن عكرمة وقتادة كان اسم ذلك الرجل «يعيش» ، وعن ابن عباس كان اسمه ~~«بلعام» ، وكان أعجمى اللسان ، وكان المشركون يرون رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يدخل عليه ويخرج من عنده ، فقالوا : إنما يعلمه بلعام ، ~~فأنزل الله هذه الآية (1). # والمعنى : ولقد نعلم أيها الرسول الكريم علما مستمرا لا يعزب عنه شيء مما ~~يقوله المشركون في شأنك ، من أنك تتعلم القرآن من واحد من البشر. # قال الآلوسى : وإنما لم يصرح القرآن باسم من زعموا أنه يعلمه عليه الصلاة ~~والسلام مع أنه أدخل في ظهور كذبهم ، للإيذان بأن مدار خطئهم ، ليس بنسبته ~~صلى الله عليه وسلم إلى التعلم من شخص معين ، بل من البشر كائنا من كان ، مع ~~كونه صلى الله عليه وسلم معدنا لعلوم الأولين والآخرين (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@09 لسان الذي يلحدون إليه أعجمي ، وهذا لسان عربي ~~مبين ) رد عليهم فيما زعموه وافتروه. # والمراد باللسان هنا : الكلام الذي يتكلم به الشخص ، واللغة التي ينطق بها. PageV08P238 # وقوله : ( @QUR@01 يلحدون ) من الإلحاد بمعنى الميل. يقال لحد وألحد ، ~~إذا مال عن القصد ، وسمى الملحد بذلك ، لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها. # والأعجمي : نسبة إلى ms3443 الأعجم : وهو الذي لا يفصح في كلامه سواء أكان من ~~العرب أم من العجم. وزيدت فيه ياء النسب على سبيل التوكيد. # والمعنى : لقد كذبتم أيها المشركون كذبا شنيعا صريحا ، حيث زعمتم أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يعلمه القرآن بشر ، مع أن لغة هذا الإنسان الذي زعمتم ~~أنه يعلم الرسول صلى الله عليه وسلم لغة أعجمية ، ولغة هذا القرآن لغة عربية ~~في أعلى درجات البلاغة والفصاحة ، فقد أعجزكم بفصاحته وبلاغته ، وتحداكم ~~وأنتم أهل اللسن والبيان أن تأتوا بسورة من مثله. # فخبروني بربكم ، من أين للأعجمى أن يذوق بلاغة هذا التنزيل وما حواه من ~~العلوم ، فضلا عن أن ينطق به ، فضلا عن أن يكون معلما له!!. # ثم هدد سبحانه المعرضين عن آياته بقوله : ( @QUR@06 إن الذين لا يؤمنون ~~بآيات الله ) الدالة على وحدانيته سبحانه وعلى صدق نبيه صلى الله عليه وسلم ~~فيما يبلغه عنه. # ( @QUR@03 لا يهديهم الله ) إلى طريق الحق في الدنيا ، بسبب زيغهم ~~وعنادهم وإيثارهم الغي على الرشد. ( @QUR@01 ولهم ) في الآخرة عذاب أليم ~~جزاء إصرارهم على الباطل ، وإعراضهم عن الآيات التي لو تأملوها واستجابوا ~~لها لاهتدوا إلى الصراط المستقيم. # ثم بين سبحانه أن افتراء الكذب لا يصدر عن المؤمنين فضلا عن الرسول ~~الأمين ، وإنما يصدر عن الكافرين فقال تعالى : ( @QUR@03 إنما يفتري الكذب ~~) أى : يختلقه ويخترعه ( @QUR@05 الذين لا يؤمنون بآيات الله ) الدالة على ~~وحدانيته وعلى وجوب إخلاص العبادة له ، وعلى صدق رسله ، وعلى صحة البعث يوم ~~القيامة ، لأن عدم إيمانهم بذلك يجعلهم لا يخافون عقابا ، ولا يرجون ثوابا. ~~( @QUR@01 وأولئك ) الكافرون بما يجب الإيمان به ( @QUR@02 هم الكاذبون ) ~~في قولهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يعلمه بشر ، وفي قولهم ( @QUR@03 ~~إنما أنت مفتر ) وفي غير ذلك من أقوالهم الباطلة ، التي حاربوا بها دعوة الحق. # قال بعض العلماء : ولا يخفى ما في الحصر بعد القصر من العناية بمقامه ~~صلوات الله عليه ، وقد كان أصدق الناس وأبرهم .. بحيث كانوا يلقبونه ~~بالصادق الأمين. # ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان فقال له من بين ms3444 ما قال : هل كنتم ~~تتهمونه PageV08P239 # بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال : لا. فقال هرقل : ما كان ليدع الكذب على ~~الناس ، ويكذب على الله تعالى . # وفي هذه الآية دلالة على أن الكذب من أكبر الكبائر ، وأفحش الفواحش. ~~والدليل عليه أن كلمة «إنما» للحصر. # وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له : هل يكذب المؤمن؟ قال : «لا ، ثم ~~قرأ هذه الآية (1). # ثم بين سبحانه بعد ذلك حكم من أكره على النطق بكلمة الكفر ، وحكم من ~~استحب الكفر على الإيمان فقال تعالى : # ( @QUR@024 من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ~~ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم (106) @QUR@013 ~~ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم ~~الكافرين (107) @QUR@011 أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم ~~وأولئك هم الغافلون (108) @QUR@07 لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ) (109) # ذكر المفسرون في سبب نزول قوله تعالى : ( @QUR@06 من كفر بالله من بعد ~~إيمانه ... ) روايات منها قول الآلوسى : روى أن قريشا أكرهوا عمارا وأبويه ~~: ياسرا ، وسمية ، على الارتداد فأبوا ، فربطوا سمية بين بعيرين ... ثم ~~قتلوها وقتلوا ياسرا ، وهما أول شهيدين في الإسلام. وأما عمار فأعطاهم ~~بلسانه ما أكرهوه عليه ، فقيل يا رسول الله : إن عمارا قد كفر. PageV08P240 # فقال صلى الله عليه وسلم : «كلا ، إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه ، ~~واختلط الإيمان بلحمه ودمه». # فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكى ، فجعل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه وقال له : «مالك ، إن عادوا فعد لهم بما قلت». ~~وفي رواية أنه قال له : «كيف تجد قلبك؟ قال مطمئن بالإيمان قال ~~صلى الله عليه وسلم إن عادوا فعد». فنزلت هذه الآية .. # ثم قال الآلوسى : والآية دليل على جواز التكلم بكلمة الكفر عند الإكراه ، ~~وإن كان الأفضل أن يتجنب عن ذلك إعزازا للدين ولو تيقن القتل ، كما فعل ~~ياسر وسمية ، وليس ذلك من إلقاء النفس إلى التهلكة ، بل هو كالقتل في الغزو ms3445 ~~كما صرحوا به. (1). # و «من» في قوله ( @QUR@03 من كفر بالله ) مبتدأ أو شرطية ، والخبر أو جواب ~~الشرط محذوف والتقدير : فعليه غضب من الله ، أو فله عذاب شديد ، ويدل ~~عليهما قوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@09 ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب ~~من الله ). # والمعنى : من كفر بالله تعالى من بعد إيمانه بوحدانيته سبحانه وبصدق ~~رسوله صلى الله عليه وسلم فإنه بسبب هذا الكفر يكون قد ضل ضلالا بعيدا ، يستحق ~~من أجله العذاب المهين. # وقوله : ( @QUR@06 إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) استثناء متصل من ~~الجملة السابقة أى : إلا من أكره على النطق بكلمة الكفر ، والحال أن قلبه ~~مطمئن بالإيمان ، ثابت عليه ، متمكن منه .. فإنه في هذه الحالة لا يكون ممن ~~يستحقون عقوبة المرتد. # قال بعض العلماء : وأما قوله : ( @QUR@06 إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان ) فهو استثناء متصل من «من» لأن الكفر أعم من أن يكون اعتقادا فقط ~~، أو قولا فقط ، أو اعتقادا وقولا ... وأصل الاطمئنان سكون بعد انزعاج ، ~~والمراد به هنا : السكون والثبات على الإيمان بعد الانزعاج الحاصل بسبب ~~الإكراه .. (2). # وقوله : ( @QUR@012 ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم ~~عذاب عظيم ) بيان لسوء مصير من استحب الكفر على الإيمان باختياره ورضاه. # و «من» في قوله ( @QUR@02 من شرح ) شرطية ، وجوابها ( @QUR@04 فعليهم غضب ~~من الله ). # أى : حكم من تلفظ بكلمة الكفر مكرها أنه لا يعتبر مرتدا ، ولكن حكم من طابت PageV08P241 # نفوسهم بالكفر ، وانشرحت له صدورهم ، واعتقدوا صحته ، أنهم عليهم من الله ~~تعالى غضب شديد لا يعلم مقداره إلا هو ، ولهم يوم القيامة عذاب عظيم الهول ~~، يتناسب مع عظيم جرمهم. # هذا ، وقد ذكر الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأخبار ~~التي حكت ما تعرض له المسلمون الأولون من فتن وآلام. فقال ما ملخصه : ولهذا ~~اتفق العلماء على أن المكره على الكفر يجوز له أن يوالى إبقاء لمهجته ، ~~ويجوز له أن يأبى كما كان بلال رضى الله عنه يأبى عليهم ذلك ، وهم يفعلون ~~به الأفاعيل ، حتى إنهم ليضعون الصخرة العظيمة على ms3446 صدره في شدة الحر ~~ويأمرونه بالشرك بالله ، فيأبى عليهم وهو يقول : أحد ، أحد ، ويقول : والله ~~لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ) ~~بيان للأسباب التي جعلتهم محل غضب الله ونقمته. # واسم الإشارة «ذلك» يعود إلى كفرهم بعد إيمانهم ، أو إلى ما توعدهم الله ~~تعالى به من غضب عليهم ، وعذاب عظيم لهم. # أى : ذلك الذي جعلهم يرتدون عن دينهم ، ويكونون محل غضب الله ونقمته ، من ~~أسبابه أنهم آثروا الحياة الدنيا وشهواتها على الآخرة وما فيها من ثواب. # ( @QUR@02 وأن الله ) تعالى ( @QUR@04 لا يهدي القوم الكافرين ) إلى ~~الصراط المستقيم ، لأنهم حين زاغوا عن الحق أزاغ الله قلوبهم. # ثم أضاف سبحانه إلى رذائلهم رذيلة أخرى فقال : ( @QUR@011 أولئك الذين ~~طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون ). # والطبع : الختم والوسم بطابع ونحوه على الشيء ، لكي لا يخرج منه ما هو ~~بداخله ، ولا يدخل فيه ما هو خارج عنه. أى : أولئك الذين شرحوا صدورهم ~~بالكفر ، وطابوا به نفسا ، قد طبع الله تعالى على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم ، ~~فصارت ممنوعة من وصول الحق إليها ، وعاجزة عن الانتفاع به ، وأولئك هم ~~الكاملون في الغفلة والبلاهة ، إذ لا غفلة أشد من غفلة المعرض عن عاقبة ~~أمره ، ولا بلاهة أفدح من بلاهة من آثر الفانية على الباقية. PageV08P242 # ثم ختم سبحانه الآيات الكريمة بالحكم العادل عليهم فقال : ( @QUR@07 لا ~~جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ). # أى : لا شك ولا محالة في أن هؤلاء الذين اختاروا الكفر على الإيمان ~~سيكونون يوم القيامة من القوم الخاسرين ؛ لأنهم لم يقدموا في دنياهم ما ~~ينفعهم في أخراهم. # وكلمة «لا جرم» قد وردت في القرآن في خمسة مواضع ، متلوة في كل موضع بأن ~~واسمها ، وليس بعدها فعل. وجمهور النحاة على أن هذه الكلمة مركبة من «لا» ~~و «جرم» تركيب خمسة عشر ، ومعناها بعد التركيب معنى الفعل : حق ، أو ثبت ، ~~أو ما يشبه ذلك ، أى : حق وثبت كونهم في الآخرة من الخاسرين. # والذي يتدبر هذه الآيات ، يراها قد ms3447 توعدت المرتدين عن دينهم بألوان من ~~العقوبات المغلظة ، لقد توعدتهم بغضب الله تعالى وبعذابه العظيم ، وبعدم ~~هدايتهم إلى طريق الحق ، وبالطبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم ، وبالغفلة ~~التي ليس بعدها غفلة ، وبالخسران الذي لا شك فيه يوم القيامة ، نعوذ بالله ~~تعالى من ذلك. # ثم بين سبحانه جانبا من مظاهر لطفه ورأفته لقوم هاجروا من بعد ما فتنوا ، ~~فقال تعالى : # ( @QUR@018 ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ~~ربك من بعدها لغفور رحيم (110) @QUR@015 يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ~~وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون ) (111) # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 من بعد ما فتنوا ) أى : عذبوا وأوذوا من أجل أن ~~يرتدوا إلى الكفر. # وأصل الفتن : إدخال الذهب في النار لتظهر جودته من رداءته ، ثم استعمل في ~~الاختبار PageV08P243 # والامتحان بالمحن والشدائد ، وبالمنح واللطائف ، لما فيه من إظهار الحال ~~والحقيقة ، وأكثر ما تستعمل الفتنة في الامتحان والمحن وعليه يحمل بعضهم ~~تفسير الفتنة بالمحنة. # والمراد بهؤلاء الذين هاجروا من بعد ما فتنوا كما يقول ابن كثير جماعة ~~كانوا مستضعفين بمكة ، مهانين في قومهم ، فوافقوهم على الفتنة ، ثم إنهم ~~أمكنهم الخلاص بالهجرة ، فتركوا بلادهم وأهليهم وأموالهم ابتغاء رضوان الله ~~وغفرانه ، وانتظموا في سلك المؤمنين ، وجاهدوا معهم الكافرين ، وصبروا .. (1). # والمعنى : «ثم إن ربك» أيها الرسول الكريم تكفل بالولاية والمغفرة لهؤلاء ~~الذين هاجروا من دار الكفر إلى دار الإسلام ، من بعد أن عذبهم المشركون لكي ~~يرتدوا عن دينهم. # قال الآلوسى : وقرأ ابن عامر ( @QUR@04 من بعد ما فتنوا ) بالبناء للفاعل ~~، وهو ضمير المشركين عند غير واحد ، أى : عذبوا المؤمنين ، كالحضرمى ، أكره ~~مولاه «جبرا» حتى ارتد ، ثم أسلما وهاجرا .. (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@03 ثم جاهدوا وصبروا ) أى جاهدوا المشركين حتى تكون ~~كلمة الله هي العليا ، وصبروا على البلاء والأذى طلبا لرضا الله تعالى . # والضمير في قوله : ( @QUR@02 من بعدها ) يعود إلى ما سبق ذكره من الهجرة ~~والفتنة والجهاد والصبر. أى : إن ربك أيها الرسول الكريم من بعد هذه ~~الأفعال لكثير المغفرة والرحمة لهم ، جزاء هجرتهم وجهادهم وصبرهم على ms3448 الأذى. # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ... ) منصوب ~~على الظرفية بقوله ( @QUR@01 رحيم ) أو منصوب على المفعولية بفعل محذوف ~~تقديره اذكر. والمراد باليوم : يوم القيامة. # والمجادلة هنا بمعنى : المحاجة والمدافعة ، والسعى في الخلاص من أهوال ~~ذلك اليوم الشديد. # والمعنى : إن ربك أيها الرسول الكريم من بعد تلك المذكورات من الهجرة ~~والفتنة والجهاد والصبر ، لغفور رحيم ، يوم تأتى كل نفس مشغولة بأمرها ، ~~مهتمة بالدفاع عن ذاتها ، بدون التفات إلى غيرها ، ساعية في الخلاص من عذاب ~~ذلك اليوم. # والمتأمل في هذه الجملة الكريمة ، يراها تشير بأسلوب مؤثر بليغ إلى ما ~~يعترى الناس يوم PageV08P244 # القيامة من خوف وفزع يجعلهم لا يفكرون إلا في ذواتهم ولا يهمهم شأن ~~آبائهم أو أبنائهم. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى النفس المضافة إلى النفس؟. # قلت : يقال لعين الشيء وذاته نفسه ، وفي نقيضه غيره ، والنفس الجملة كما ~~هي ، فالنفس الأولى هي الجملة ، والثانية عينها وذاتها ، فكأنه قيل : يوم ~~يأتى كل إنسان يجادل عن ذاته ، لا يهمه شأن غيره ، كل يقول : نفسي نفسي. ~~ومعنى المجادلة عنها : الاعتذار عنها ، كقولهم : ( @QUR@03 ما كنا مشركين ) ~~وكقولهم : ( @QUR@02 هؤلاء أضلونا .. ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون ) بيان ~~لمظهر من مظاهر عدل الله تعالى في قضائه بين عباده. # أى : وفي هذا اليوم تعطى كل نفس جزاء ما عملته من أعمال في الدنيا وافيا ~~غير منقوص ، بدون ظلم أو حيف أو ميل عن العدل والقسطاس ، ولن ينفع نفسا ~~مجادلتها عن ذاتها ، واعتذارها بالمعاذير الباطلة ، وإنما الذي ينفعها هو عملها. # وبذلك ترى الآيتين الكريمتين ، قد بينتا بأسلوب بليغ جانبا من مظاهر فضل ~~الله تعالى على عباده ، وجانبا من أهوال يوم القيامة ، ومن القضاء العادل ~~الذي يحكم الله به بين الناس. # ثم ضرب سبحانه مثلا لسوء عاقبة الذين يجحدون نعم الله ، ويكذبون بآياته ، ~~فقال تعالى : # ( @QUR@024 وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من ~~كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ~~(112) @QUR@09 ولقد جاءهم ms3449 رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون ) (113) PageV08P245 # والفعل ضرب في قوله تعالى : ( @QUR@04 وضرب الله مثلا قرية ... ) متضمن ~~معنى جعل ، ولذا عدى إلى مفعولين. # والمثل بفتح الثاء بمعنى المثل بسكونها أى : النظير والشبيه. ويطلق على ~~القول السائر المعروف ، لمماثلة مضربه وهو الذي يضرب فيه لمورده الذي ورد ~~فيه ، ثم استعير للصفة والحال كما في الآية التي معنا. # والمراد بالقرية : أهلها ، فالكلام على تقدير مضاف. # وللمفسرين اتجاهان في تفسير هذه الآية. فمنهم من يرى أن هذه القرية غير ~~معينة ، وإنما هي مثل لكل قوم قابلوا نعم الله بالجحود والكفران. # وإلى هذا المعنى اتجه صاحب الكشاف حيث قال : قوله تعالى : ( @QUR@04 وضرب ~~الله مثلا قرية ... ) أى : جعل القرية التي هذه حالها مثلا لكل قوم أنعم ~~الله عليهم فأبطرتهم النعمة. فكفروا وتولوا ، فأنزل الله بهم نقمته ، فيجوز ~~أن تراد قرية مقدرة على هذه الصفة ، وأن تكون في قرى الأولين قرية كانت هذه ~~حالها ، فضرب بها الله مثلا لمكة إنذارا من مثل عاقبتها (1). # ومنهم من يرى أن المقصود بهذه القرية مكة ، وعلى هذا الاتجاه سار الامام ~~ابن كثير حيث قال ما ملخصه : هذا مثل أريد به أهل مكة ، فإنها كانت آمنة ~~مطمئنة مستقرة ، يتخطف الناس من حولها ، ومن دخلها كان آمنا ... فجحدت آلاء ~~الله عليها ، وأعظمها بعثة محمد صلى الله عليه وسلم فأذاقها الله لباس الجوع ~~والخوف بما كانوا يصنعون (2). # ويبدو لنا أن الاتجاه الأول أقرب إلى الصواب ، لتنكير لفظ قرية ، ولشموله ~~الاتجاه الثاني ، لأنه يتناول كل قرية بدلت نعمة الله كفرا ، ويدخل في ذلك ~~كفار مكة دخولا أوليا. # فيكون المعنى : وجعل الله قرية موصوفة بهذه الصفات مثلا لكل قوم أنعم ~~الله عليهم بهذه النعم ، فلم يشكروا الله تعالى عليها ، فأخذهم أخذ عزيز مقتدر. # وقوله : ( @QUR@03 كانت آمنة مطمئنة ) أى : كانت تعيش في أمان لا يشوبه ~~خوف ، وفي سكون واطمئنان لا يخالطهما فزع أو انزعاج :. # وقوله : ( @QUR@06 يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ) بيان لسعة عيشها ، أى ~~: يأتيها ما يحتاج إليه أهلها واسعا لينا سهلا من كل مكان ms3450 من الأمكنة. PageV08P246 # يقال : رغد بضم الغين عيش القوم ، أى : اتسع وطاب فهو رغد ورغيد ... ~~وأرغد القوم ، أى : أخصبوا وصاروا في رزق واسع. # فالآية الكريمة قد تضمنت أمهات النعم : الأمان والاطمئنان ورغد العيش. ~~قال بعضهم : # ثلاثة ليس لها نهاية %~% الأمن والصحة والكفاية # وقوله تعالى : ( @QUR@03 فكفرت بأنعم الله ) بيان لموقفها الجحودى من نعم ~~الله تعالى أى : فكان موقف أهل هذه القرية من تلك النعم الجليلة ، أنهم ~~جحدوا هذه النعم ، ولم يقابلوها بالشكر ، وإنما قابلوها بالإشراك بالله ~~تعالى مسدي هذه النعم. # قال القرطبي : «والأنعم : جمع النعمة. كالأشد جمع الشدة ، وقيل : جمع ~~نعمى ، مثل بؤسى وأبؤس». # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا ~~يصنعون ) بيان للعقوبة الأليمة التي حلت بأهلها بسبب كفرهم وبطرهم. # أى : فأذاق سبحانه أهلها لباس الجوع والخوف ، بسبب ما كانوا يصنعونه من ~~الكفر والجحود والعتو عن أمر الله ورسله. # وذلك بأن أظهر أثرهما عليهم بصورة واضحة ، تجعل الناظر إليهم لا يخفى ~~عليه ما هم فيه من فقر مدقع ، وفزع شديد. # ففي الجملة الكريمة تصوير بديع لما أصابهم من جوع وخوف ، حتى لكأن ما هم ~~فيه من هزال وسوء حال ، يبدو كاللباس الذي يلبسه الإنسان ، ويجعلهم يذوقون ~~هذا اللباس ذوقا يحسون أثره إحساسا عميقا. # ورحم الله صاحب الكشاف فقد أجاد في تصوير هذا المعنى فقال : «فإن قلت : ~~الإذاقة واللباس استعارتان فما وجه صحتهما؟ والإذاقة المستعارة موقعة على ~~اللباس المستعار ، فما وجه صحة إيقاعها عليه؟. # قلت : أما الإذاقة فقد جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا ~~والشدائد وما يمس الناس منها. فيقولون : ذاق فلان البؤس والضر ، وأذاقه ~~العذاب. شبه ما يدرك من أثر الضرر والألم بما يدرك من الطعم المر البشع. # وأما اللباس فقد شبه به لاشتماله على اللابس ، ما غشى الإنسان والتبس به ~~من بعض الحوادث. PageV08P247 # وأما إيقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف ، فلأنه لما وقع عبارة عما ~~يغشى منهما ويلابس ، فكأنه قيل : فأذاقهم ما غشيهم من الجوع والخوف .. (1). # ثم بين سبحانه رذيلة أخرى من رذائل أهل هذه القرية الكافرة ms3451 بأنعم الله ~~فقال : ( @QUR@05 ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه ). # أى : ولقد جاء إلى أهل هذه القرية رسول من جنسهم ، يعرفونه كما يعرفون ~~أبناءهم ، فأمرهم بطاعة الله وشكره ، ولكنهم كذبوه وأعرضوا عنه. # والتعبير بقوله ( @QUR@01 جاءهم ) يدل على أن هذا الرسول وصل إليهم ~~وبلغهم رسالة ربه ، دون أن يكلفهم الذهاب إليه ، أو البحث عنه. # والتعبير بالفاء في قوله : ( @QUR@01 فكذبوه ) يشعر بأنهم لم يتمهلوا ولم ~~يتدبروا دعوة هذا الرسول ، وإنما قابلوها بالتكذيب السريع بدون روية ، مما ~~يدل على غباوتهم وانطماس بصيرتهم. # وقوله تعالى ( @QUR@04 فأخذهم العذاب وهم ظالمون ) بيان للعاقبة السيئة ~~التي حاقت بهم. # أى : فكانت نتيجة تكذيبهم السريع لنبيهم أن أخذهم العذاب العاجل الذي ~~استأصل شأفتهم ، والحال أنهم هم الظالمون لأنفسهم ، لأن هذا العذاب ما نزل ~~بهم إلا بعد أن كفروا بأنعم الله ، وكذبوا رسوله. # هذا ، والذي يتأمل هاتين الآيتين الكريمتين يراهما وإن كانتا تشملان حال ~~كل قوم بدلوا نعمة الله كفرا .. إلا أنهما ينطبقان تمام الانطباق على كفار مكة. # وقد بين ذلك الإمام الآلوسى رحمه الله فقال ما ملخصه : وحال أهل مكة سواء ~~أضرب المثل لهم خاصة ، أم لهم ولمن سار سيرتهم كافة أشبه بحال أهل تلك ~~القرية من الغراب بالغراب ، فقد كانوا في حرم آمن ويتخطف الناس من حولهم ، ~~وكانت تجبى إليهم ثمرات كل شيء رزقا ، ولقد جاءهم رسول منهم تحار في سمو ~~مرتبته العقول صلى الله عليه وسلم فأنذرهم وحذرهم فكفروا بأنعم الله ، وكذبوه ~~صلى الله عليه وسلم فأذاقهم الله لباس الجوع والخوف ، حيث أصابهم بدعائه ~~صلى الله عليه وسلم : «اللهم اشدد وطأتك على مضر ، واجعلها عليهم سنين كسنى ~~يوسف» ما أصابهم من جدب شديد ، فاضطروا إلى أكل الجيف .. وكان أحدهم ينظر إلى PageV08P248 # السماء فيرى شبه الدخان من الجوع ، وقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت من ~~سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث كانوا يغيرون عليهم .. (1). # ثم أمرهم سبحانه بأن يأكلوا مما أحله لهم ، وأن يشكروه على نعمه ، وأن ~~يجتنبوا ما حرمه عليهم ، فقال تعالى : # ( @QUR@013 فكلوا مما رزقكم الله حلالا ms3452 طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم ~~إياه تعبدون (114) @QUR@022 إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما ~~أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم ) (115) # والفاء في قوله : ( @QUR@01 فكلوا ... ) للتفريع على ما تقدم من التمثيل ~~بالقرية التي كفرت بأنعم الله ، والتي أصابها ما أصابها بسبب ذلك. # أى : لقد ظهر لكم حال الذين بدلوا نعمة الله كفرا ، ورأيتم كيف أذاقهم ~~الله لباس الجوع والخوف ، فاحذروا أن تسيروا على شاكلتهم ، وكلوا من الحلال ~~الطيب الذي رزقكم الله تعالى إياه. # واشكروا نعمة الله التي أنعم بها عليكم ، بأن تستعملوها فيما خلقت له ، ~~وبأن تقابلوها بأسمى ألوان الطاعة لمسديها عز وجل . # ( @QUR@03 إن كنتم إياه ) سبحانه تعبدونه حق العبادة ، وتطيعونه حق ~~الطاعة. # ثم بين سبحانه ما حرمه على عباده رعاية لمصالحهم فقال : ( @QUR@012 إنما ~~حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به .. ). # والميتة في عرف الشرع : ما مات ح؟ ف أنفه ، أو قتل على هيئة غير مشروعة ، فيدخل PageV08P249 # فيها المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة ، وما عدا عليها السبع. # وكان الأكل من الميتة محرما ، لفساد جسمها بسبب ذبول أجزائه وتعفنها ، ~~ولأنها أصبحت بحالة تعافها الطباع السليمة لقذارتها وضررها. # والدم المحرم : هو ما يسيل من الحيوان الحي كثيرا كان أم قليلا وكذلك ~~يحرم من دم الحيوان ما جرى منه بعد ذبحه ، وهو الذي عبر عنه القرآن ~~بالمسفوح .. # والحكمة في تحريم الدم المسفوح ، أنه تستقذره النفوس الكريمة ، ويفضى ~~شربه أو أكله إلى الإضرار بالنفس .. # وحرمة الخنزير شاملة للحمه ودمه وشحمه وجلده. وإنما خص لحمه بالذكر لأنه ~~المقصود بالأكل ، ولأن سائر أجزائه كالتابعة للحمه ... # ومن الحكم في تحريم لحم الخنزير : قذارته ، واشتماله على دودة تضر بآكله ~~، كما أثبت ذلك العلم الحديث. # وقوله : ( @QUR@05 وما أهل لغير الله به ) معطوف على ما قبله من ~~المحرمات. # والفعل ( @QUR@01 أهل ) مأخوذ من الإهلال بمعنى رفع الصوت ، وكانوا في ~~الجاهلية إذا أرادوا ذبح ما قربوه إلى آلهتهم ، سموا عليها أسماءها فيقولون ~~: باسم اللات أو باسم العزى ، رافعين بذلك أصواتهم. ms3453 # فأنت ترى أن تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير كان لعله ذاتية في تلك ~~الأشياء ، أما تحريم ما أهل لغير الله به ، بسبب التوجه بالمذبوح إلى غير ~~الله عز وجل . # وقوله تعالى : ( @QUR@010 فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم ) ~~بيان لحالات الضرورة التي يباح للإنسان فيها أن يأكل من تلك المحرمات. # واضطر : من الاضطرار وهو الاحتياج إلى الشيء بشدة. # والمعنى : فمن ألجأته الضرورة إلى أكل شيء من هذه المحرمات ، حالة كونه ~~«غير باغ» ، أى : غير طالب للمحرم وهو يجد غيره ، أو غير طالب له على جهة ~~الاستئثار به على مضطر آخر ، «ولا عاد» أى : ولا متجاوز في أكله ما يسد ~~الجوع ويحفظ الحياة «فإن الله» تعالى «غفور» واسع المغفرة لعبادة «رحيم» ~~كثير الرحمة بهم (1). PageV08P250 # ثم نهى سبحانه عن القول على الله تعالى بغير علم اتباعا للظن والأوهام ، فقال : # ( @QUR@022 ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا ~~على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (116) @QUR@05 ~~متاع قليل ولهم عذاب أليم ) (117) # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( @QUR@06 ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم ~~الكذب .. ) «ما» موصولة ، والعائد محذوف ، أى : ولا تقولوا في شأن الذي ~~تصفه ألسنتكم من البهائم بالحل والحرمة هذا حلال وهذا حرام ، من غير ترتب ~~ذلك الوصف على ملاحظة وفكر ، فضلا عن استناده إلى وحى أو قياس مبنى عليه ، ~~بل مجرد قول باللسان. # ولفظ «الكذب» منتصب على أنه مفعول به ل ( @QUR@01 تقولوا ) وقوله سبحانه ~~: ( @QUR@04 هذا حلال وهذا حرام ) بدل منه .. (1). # والمعنى : ولا تقولوا أيها الجاهلون للشيء الكذب الذي تصفه ألسنتكم ، ~~وتحكيه وتنطق به بدون بينة أو برهان. هذا الشيء حلال وهذا الشيء حرام. # وقد حكى الله تعالى عن هؤلاء الجاهلين في آيات كثيرة ، أنهم حللوا وحرموا ~~أشياء من عند أنفسهم ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@011 وقالوا ما في بطون ~~هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا .. ) (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@020 قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه ~~حراما وحلالا ، قل آلله أذن لكم أم ms3454 على الله تفترون ) (3). # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى وصف ألسنتهم الكذب؟ قلت : هو من فصيح PageV08P251 # الكلام وبليغه ، جعل قولهم كأنه عين الكذب ومحضه. فإذا نطقت به ألسنتهم ~~فقد حلت الكذب بحليته ، وصورته بصورته ، كقولهم : وجهها يصف الجمال ، ~~وعينها تصف السحر .. (1). # وقال بعض العلماء ما ملخصه : ويصح أن يكون لفظ الكذب مفعولا لتصف ، وأن ~~يكون قوله : ( @QUR@04 هذا حلال وهذا حرام ) مفعولا لتقولوا. # وعلى هذا الوجه يكون في وصف ألسنتهم الكذب ، مبالغة في وصف كلامهم بالكذب ~~، حتى لكأن ماهية الكذب كانت مجهولة ، فكشفت عنها ألسنتهم ووضحتها ووصفتها ~~ونعتتها بالنعوت التي جلتها .. ومنه قول الشاعر : # أضحت يمينك من جود مصورة %~% لا ، بل يمينك منها صور الجود (2) # واللام في قوله : ( @QUR@04 لتفتروا على الله الكذب ) هي لام الصيرورة ~~والعاقبة ، أو هي كما يقول صاحب الكشاف من التعليل الذي لا يتضمن معنى ~~الغرض ، لأن ما صدر عنهم من تحليل وتحريم دون أن يأذن به الله ، ليس الغرض ~~منه افتراء الكذب فحسب ، بل هناك أغراض أخرى ، كظهورهم بمظهر أولى العلم ، ~~وكحبهم للتباهى والتفاخر .. # وقوله : ( @QUR@01 لتفتروا ) من الافتراء وهو أشنع أنواع الكذب ، لأنه ~~اختلاق للكذب الذي لا يستند إلى شيء من الواقع. # أى : ولا تقولوا لما تحكيه ألسنتكم من أقوال وأحكام لا صحة لها ، هذا ~~حلال وهذا حرام ، لتنسبوا ذلك إلى الله تعالى كذبا وزورا. # قال الإمام ابن كثير : ويدخل في الآية كل من ابتدع بدعة ، ليس له فيها ~~مستند شرعي ، أو حلل شيئا مما حرم الله أو حرم شيئا مما أباح الله ، بمجرد ~~رأيه وتشهيه (3). # وقال الآلوسى : وحاصل معنى الآية : لا تسلموا ما لم يأتكم حله ولا حرمته ~~عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم حلالا ولا حراما ، فتكونوا كاذبين ~~على الله ، لأن مدار الحل والحرمة ليس إلا حكمه سبحانه . # ومن هنا قال : أبو نضرة : لم أزل أخاف الفتيا منذ أن سمعت هذه الآية إلى ~~يومى هذا. # وقال ابن العربي : كره مالك وقوم أن يقول المفتي : هذا حلال وهذا حرام في ~~المسائل PageV08P252 # الاجتهادية. وإنما ms3455 يقال ذلك فيما نص الله عليه. ويقال في المسائل ~~الاجتهادية : إنى أكره كذا وكذا ونحو ذلك (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ) ~~بيان لسوء عاقبتهم ، وخيبة مسعاهم. # أى : إن الذين يختلقون الكذب وينسبونه إلى الله تعالى لا يفوزون بمطلوب ، ~~ولا يفلحون في الوصول إلى مأمول. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 متاع قليل ) بيان لخسة ما يسعون للحصول إليه من ~~منافع الدنيا ، وهو خبر لمبتدأ محذوف أى : متاعهم في الدنيا متاع قليل ، ~~لأنهم عما قريب سيتركونه لغيرهم بعد رحيلهم عن هذه الدنيا. # ثم بين سبحانه سوء مصيرهم في الآخرة فقال : ( @QUR@03 ولهم عذاب أليم ) ~~أى : ولهم في الآخرة عذاب شديد الألم. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@07 نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى ~~عذاب غليظ ) (2) وقوله تعالى : ( @QUR@011 ومن كفر فأمتعه قليلا ، ثم أضطره ~~إلى عذاب النار وبئس المصير ) (3). # ثم بين سبحانه بعد ذلك ، أن ما حرمه على اليهود من طيبات ، كان بسبب ~~ظلمهم وبغيهم ، وأن رحمته تعالى تسع العصاة متى تابوا وأصلحوا ، فقال تعالى : # ( @QUR@015 وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ~~ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (118) @QUR@019 ثم إن ربك للذين عملوا السوء ~~بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ) (119) PageV08P253 # قال ابن كثير رحمه الله : لما ذكر تعالى أنه إنما حرم علينا الميتة والدم ~~ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ، وإنما أرخص فيه عند الضرورة وفي ذلك ~~توسعة لهذه الأمة التي يريد الله بها اليسر ولا يريد بها العسر ، ذكر ~~سبحانه بعد ذلك ما كان حرمه على اليهود في شريعتهم قبل أن ينسخها ، وما ~~كانوا فيه من الآصار والتضييق والأغلال والحرج ، فقال : ( @QUR@09 وعلى ~~الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل .. ). # أى : في سورة الأنعام في قوله : ( @QUR@028 وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ~~ظفر ، ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو ~~الحوايا أو ما اختلط بعظم ، ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون ) (1). # والمعنى : وعلى اليهود بصفة خاصة ، دون غيرهم من الأمم ms3456 ، حرمنا بعض ~~الطيبات التي سبق أن بيناها لك في هذا القرآن الكريم ، وما كان تحريمنا ~~إياها عليهم إلا بسبب بغيهم وظلمهم. # وفي الآية الكريمة إبطال لمزاعمهم ، حيث كانوا يقولون : لسنا أول من حرمت ~~عليه هذه الطيبات ، وإنما كانت محرمة على نوح وإبراهيم وغيرهما ممن جاء ~~بعدهما. # وقوله : ( @QUR@02 من قبل ) متعلق بحرمنا ، أو بقصصنا. # وبذلك يتبين أن ما حرمه الله تعالى على الأمة الإسلامية ، كالميتة والدم ~~ولحم الخنزير .. كان من باب الرحمة بها ، والحرص على مصلحتها .. أما ما ~~حرمه سبحانه على اليهود ، فقد كان بسبب بغيهم وظلمهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) بيان ~~لمظهر من مظاهر عدل الله تعالى في معاملته لعباده. # أى : وما ظلمنا هؤلاء اليهود بتحريم بعض الطيبات عليهم ، ولكن هم الذين ~~ظلموا أنفسهم ، حيث تركوها تسير في طريق الشيطان ، ولم يوقفوها عند حدود ~~الله تعالى ، فاستحقوا بسبب ذلك ما استحقوا من عقوبات. # وصدق الله إذ يقول : ( @QUR@010 إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس ~~أنفسهم يظلمون ) (2). # وقوله سبحانه ( @QUR@07 ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة .. ) بيان ~~لسعة رحمته سبحانه بعباده ، ورأفته بهم. PageV08P254 # والمراد بالجهالة : الجهل والسفه اللذان يحملان صاحبهما على ارتكاب ما لا ~~يليق بالعقلاء ، وليس المراد بها عدم العلم. # قال مجاهد : كل من عصى الله تعالى عمدا أو خطأ فهو جاهل حتى ينزع عن ~~معصيته. # وقال ابن عطية : الجهالة هنا بمعنى تعدى الطور ، وركوب الرأس : لا ضد العلم. # ومنه ما جاء في الخبر : «اللهم إنى أعوذ بك من أن أجهل ، أو يجهل على». # ومنه قول الشاعر : # ألا لا يجهلن أحد علينا %~% فنجهل فوق جهل الجاهلين (1) # والمعنى : ثم إن ربك أيها الرسول الكريم ، لكثير الغفران والرحمة لأولئك ~~الذين عملوا الأعمال السيئة ، بدافع الجهل والسفه والطيش وعدم تدبر العواقب ~~، ثم إنهم بعد ذلك تابوا توبة صادقة عن تلك الأعمال السيئة ، ولم يكتفوا ~~بذلك بل أصلحوا من شأن أنفسهم ، حيث أوقفوها عند حدود الله تعالى وأجبروها ~~على تنفيذ أوامره ، واجتناب نواهيه. # قال الآلوسى : والتقييد بالجهالة قيل : لبيان ms3457 الواقع ، لأن كل من يعمل ~~السوء لا يعمله إلا بجهالة. # وقال العسكري : ليس المعنى أنه تعالى يغفر لمن يعمل السوء بجهالة ، ولا ~~يغفر لمن عمله بدون جهالة ، بل المراد أن جميع من تاب فهذه سبيله. وإنما خص ~~من يعمل السوء بجهالة ، لأن أكثر من يأتى الذنوب يأتيها بقلة فكر في عاقبة ~~الأمر ، أو عند غلبة الشهوة ، أو في جهالة الشباب : فذكر الأكثر على عادة ~~العرب في مثل ذلك (2). # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@06 ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ) يعود ~~إلى الأعمال السيئة التي عملوها قبل التوبة والإصلاح. أى : ثم تابوا توبة ~~صادقة من بعد أن عملوا ما عملوا من سيئات ، وأصلحوا نفوسهم فهيأوها للسير ~~على الطريق المستقيم. # والضمير في قوله : ( @QUR@04 إن ربك من بعدها ) يعود إلى التوبة وما ~~يصاحبها من فعل للطاعات ومن اجتناب للسيئات. PageV08P255 # أى : إن ربك أيها الرسول الكريم من بعد هذه التوبة النصوح ، لكثير ~~المغفرة والرحمة للتائبين. # والتعبير بثم في قوله : ( @QUR@04 ثم إن ربك للذين ... ) وقوله : ( ~~@QUR@06 ... ثم تابوا من بعد ذلك ) لبيان الفرق الشاسع بين رحمة الله تعالى ~~بعباده ، وبين ما يصدر عن بعضهم من كفران وارتكاب للمعاصي ، وبين المصرين ~~على فعل السوء ، وبين التائبين عنه. # وكرر سبحانه ( @QUR@02 إن ربك ) مرتين في الآية الواحدة ، لتأكيد الوعد ~~وإظهار كمال العناية بإنجازه. # وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله تعالى : ( @QUR@020 إنما التوبة على الله ~~للذين يعملون السوء بجهالة ، ثم يتوبون من قريب ، فأولئك يتوب الله عليهم ، ~~وكان الله عليما حكيما ) (1). # ثم مدح سبحانه خليله ابراهيم مدحا عظيما ، وأنه بشره بالعطاء الذي يسعده ~~في دنياه وآخرته ، وأمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم باتباع ملة أبيه ~~إبراهيم ، فقال تعالى : # ( @QUR@011 إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين (120) ~~@QUR@07 شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم (121) @QUR@09 وآتيناه ~~في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين (122) @QUR@012 ثم أوحينا إليك ~~أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (123) @QUR@017 إنما جعل ~~السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما ms3458 كانوا ~~فيه يختلفون ) (124) # فأنت ترى أن الله تعالى قد وصف خليله ابراهيم عليه السلام بجملة من الصفات ~~الفاضلة. والمناقب الحميدة. # وصفه أولا بأنه ( @QUR@02 كان أمة ). PageV08P256 # ولفظ ( @QUR@01 أمة ) يطلق في اللغة بإطلاقات متعددة ، منها : الجماعة ، ~~كما في قوله تعالى : ( @QUR@010 ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس ~~يسقون ) (1) أى : جماعة من الناس ... # ومنها : الدين والملة ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@05 إنا وجدنا آباءنا ~~على أمة .. ) (2) أى : على دين وملة. # ومنها : الحين والزمان كما في قوله سبحانه : ( @QUR@07 ولئن أخرنا عنهم ~~العذاب إلى أمة معدودة ) (3). أى : إلى زمان معين .. # والمراد بقوله سبحانه : ( @QUR@04 إن إبراهيم كان أمة .. ) أى : كان عنده ~~من الخير ما كان عند أمة ، أى جماعة كثيرة من الناس ، وهذا التفسير مروى عن ~~ابن عباس. # وقال مجاهد : سمى عليه السلام أمة لانفراده بالإيمان في وقته مدة ما. # وفي صحيح البخاري أنه قال لزوجته سارة : ليس على الأرض اليوم مؤمن غيرى وغيرك. # ويصح أن يكون المراد بقوله تعالى : ( @QUR@04 إن إبراهيم كان أمة .. ) أى ~~: كان إماما يقتدى به في وجوه الطاعات. وفي ألوان الخيرات ، وفي الأعمال ~~الصالحات ، وفي إرشاد الناس إلى أنواع البر ، قال تعالى : ( @QUR@011 وإذ ~~ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما .. ) (4). # ووصفه ثانيا بأنه كان «قانتا لله» أى مطيعا لله ، خاضعا لأوامره ونواهيه ~~، من القنوت وهو الطاعة مع الخضوع. # ووصفه ثالثا بأنه كان ، حنيفا ، أى : مائلا عن الأديان الباطلة إلى الدين ~~الحق. من الحنف بمعنى الميل والاعوجاج ، يقال : فلان برجله حنف أى اعوجاج وميل. # ومنه قول أم الأحنف بن قيس وهي تداعبه : # والله لو لا حنف برجله %~% ما كان في فتيانكم من مثله # ووصفه رابعا بأنه منزه عن الإشراك بالله تعالى فقال : ( @QUR@04 ولم يك ~~من المشركين ). PageV08P257 # أى : ولم يكن ابراهيم عليه السلام من الذين أشركوا مع الله تعالى آلهة ~~أخرى في العبادة أو الطاعة ، أو في أى من الأمور ، بل أخلص عبادته لخالقه ~~عز وجل . # وقال كما حكى القرآن عنه : ( @QUR@012 إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات ~~والأرض حنيفا وما ms3459 أنا من المشركين ) (1). # ووصفه خامسا بقوله سبحانه : ( @QUR@02 شاكرا لأنعمه ) أى : معترفا بفضل ~~الله تعالى عليه ، ومستعملا نعمه فيما خلقت له ، ومؤديا حقوق خالقه فيها. ~~قال تعالى : ( @QUR@03 وإبراهيم الذي وفى ) أى : قام بأداء جميع ما كلفه ~~الله به. # وبعد أن مدح سبحانه إبراهيم بتلك الصفات الجامعة لمجامع الخير ، أتبع ذلك ~~ببيان فضله تعالى عليه فقال : ( @QUR@01 اجتباه ) أى اختاره واصطفاه ~~للنبوة. من الاجتباء بمعنى الاصطفاء والاختيار. # واجتباء الله تعالى لعبده معناه : اختصاصه ذلك العبد بخصائص ومزايا يحصل ~~له عن طريقها أنواع من النعم بدون كسب منه. # ( @QUR@04 وهداه إلى صراط مستقيم ) أى : وأرشده إلى الطريق القويم ، الذي ~~دعا الصالحون ربهم أن يرشدهم إليه ، حيث قالوا في تضرعهم : ( @QUR@03 اهدنا ~~الصراط المستقيم ). وهو طريق الإسلام. # ( @QUR@04 وآتيناه في الدنيا حسنة ) أى : وجمعنا له خير الدنيا من كل ما ~~يحتاج المؤمن إليه ليحيا حياة طيبة ، كهدايته إلى الدين الحق ، ومنحه نعمة ~~النبوة ، وإعطائه الذرية الصالحة ، والسيرة الحسنة ، والمال الوفير. # وقد أشار القرآن الكريم إلى جانب من هذه النعم ، كما في قوله تعالى : ( ~~@QUR@06 واجعل لي لسان صدق في الآخرين ) (2). # وكما في قوله تعالى : ( @QUR@014 فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله ~~وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا .. ) (3). # ( @QUR@05 وإنه في الآخرة لمن الصالحين ) أى : وإنه في الدار الآخرة ~~لمندرج في عباد الله الصالحين ، الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه ، والذين ~~كانت لهم جنات الفردوس نزلا. PageV08P258 # ثم ختم سبحانه هذه النعم التي منحها لخليله إبراهيم ، بأمر نبيه محمد ~~صلى الله عليه وسلم أن يتبع ملة أبيه إبراهيم عليه السلام فقال تعالى : ( ~~@QUR@012 ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ). # والمراد بملة إبراهيم : شريعته التي أمره الله تعالى باتباعها في عقيدته ~~وعبادته ومعاملاته ، وهي شريعة الإسلام ، التي عبر عنها آنفا بالصراط ~~المستقيم في قوله تعالى : ( @QUR@05 اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم ). # والمراد باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم له في ذلك : الاقتداء به في ~~التوحيد وفي أصول الدين ، الثابتة في كل الشرائع ، لا الفروع الشرعية التي ~~تختلف من ms3460 شريعة إلى أخرى ، بحسب المصالح التي يريدها الله تعالى لعباده. # أى : ثم أوحينا إليك أيها الرسول الكريم بأن تتبع في عقيدتك وشريعتك ( ~~@QUR@03 ملة إبراهيم حنيفا ) أى : شريعته التي هي شريعة الإسلام. # قال صاحب الكشاف : قوله تعالى : ( @QUR@03 ثم أوحينا إليك .. ) في «ثم» ~~هذه ما فيها من تعظيم منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإجلال محله ، ~~والإيذان بأن أشرف ما أوتى خليل الله إبراهيم من الكرامة ، وأجل ما أوتى من ~~النعمة ، اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم لملته ، من جهة أنها دلت على ~~تباعد هذا النعت في المرتبة ، من بين سائر النعوت التي أثنى الله عليه بها (1). # وقال القرطبي : وفي هذه الآية دليل على جواز اتباع الأفضل للمفضول فيما ~~يؤدى إلى الصواب ، ولا درك على الفاضل في هذا ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أفضل الأنبياء ، وقد أمر بالاقتداء بهم ، قال تعالى : ( @QUR@06 أولئك ~~الذين هدى الله فبهداهم اقتده .. ) (2) وقال سبحانه هنا : ( @QUR@08 ثم ~~أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا .. ) (3). # وقوله : ( @QUR@01 حنيفا ) حال من إبراهيم ، أى : من المضاف إليه ، وصح ~~ذلك لأن المضاف هنا وهو ( @QUR@01 ملة ) كالجزء من المضاف إليه وهو إبراهيم ~~من حيث صحة الاستغناء بالثاني عن الأول ، لأن قولك : أن اتبع إبراهيم حنيفا ~~كلام تام .. # وقد أشار ابن مالك رحمه الله إلى هذا المعنى بقوله : # ولا تجز حالا من المضاف له %~% إلا إذا اقتضى المضاف عمله PageV08P259 أو كان جزء ماله أضيفا %~% أو مثل جزئه فلا تحيفا # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 وما كان من المشركين ) تنزيه لإبراهيم ~~عليه السلام عن أى لون من ألوان الإشراك بالله تعالى . # أى : وما كان إبراهيم عليه السلام من المشركين مع الله تعالى آلهة أخرى لا ~~في عقيدته ولا في عبادته ولا في أى شأن من شئونه. # وفي ذلك رد على المشركين الذين زعموا أنهم على ملة ابراهيم ، ورد أيضا ~~على اليهود والنصارى الذين زعموا أن إبراهيم عليه السلام كان على ملتهم. # قال تعالى : ( @QUR@014 ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان ~~حنيفا مسلما وما كان من ms3461 المشركين ) (1). # وبعد أن بين سبحانه حقيقة عقيدة إبراهيم ، ومدحه بجملة من الصفات الجليلة ~~، وبين جانبا من مظاهر فضله سبحانه عليه ، أتبع ذلك ببيان أن تحريم العمل ~~في يوم السبت أمر خاص باليهود ، ولا علاقة له بشريعة إبراهيم أو بشريعة ~~محمد صلى الله عليه وسلم فقال تعالى : ( @QUR@07 إنما جعل السبت على الذين ~~اختلفوا فيه ... ). # والمراد بالسبت : اليوم المسمى بهذا الاسم ، وأصله كما يقول ابن جرير ~~الهدوء والسكوت في راحة ودعة ، ولذلك قيل للنائم مسبوت لهدوئه وسكون جسده ~~واستراحته ، كما قال جل ثناؤه : ( @QUR@03 وجعلنا نومكم سباتا ) أى : راحة ~~لأبدانكم .. (2). # والكلام على حذف مضاف ، والمعنى : إنما جعل تعظيم يوم السبت ، والتخلي ~~فيه للعبادة ، ( @QUR@04 على الذين اختلفوا فيه ) وهم اليهود ، حيث أمرهم ~~نبيهم موسى عليه السلام بتعظيم يوم الجمعة ، فخالفوه واختاروا السبت. # قال الجمل ما ملخصه : قوله سبحانه : ( @QUR@04 على الذين اختلفوا فيه ) ~~أى : خالفوا نبيهم ، حيث أمرهم : أن يعظموا يوم الجمعة بالتفرغ للعبادة فيه ~~، وشدد عليهم بتحريم الاصطياد فيه : فليس المراد بالاختلاف أن بعضهم رضى ، ~~وبعضهم لم يرض ، بل المراد به امتناع الجميع حيث قالوا لا نريد يوم الجمعة ~~، واختاروا السبت. # ثم قال : وفي معنى الآية قول آخر. قال قتادة : إن الذين اختلفوا فيه هم ~~اليهود ، حيث استحله بعضهم وحرمه بعضهم ، فعلى هذا القول يكون معنى قوله ( ~~@QUR@03 إنما جعل السبت .. ). PageV08P260 # أى : وبال يوم السبت ولعنته ( @QUR@04 على الذين اختلفوا فيه )، وهم ~~اليهود ، حيث استحله بعضهم فاصطادوا فيه ، فعذبوا ومسخوا .. وثبت بعضهم على ~~تحريمه فلم يصطد فيه ، فلم يعذبوا .. والقول الأول أقرب إلى الصحة (1). # وقال الإمام ابن كثير : وقد ثبت في الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ، بيد أنهم أى ~~أهل الكتاب أوتوا الكتاب من قبلنا ، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم أى ~~يوم الجمعة فاختلفوا فيه ، فهدانا الله له ، فالناس لنا فيه تبع ، اليهود ~~غدا والنصارى بعد غد» (2). # ثم بين سبحانه حكمه العادل فيهم فقال : ( @QUR@010 وإن ربك ليحكم بينهم ~~يوم القيامة فيما كانوا ms3462 فيه يختلفون ). أى : وإن ربك أيها الرسول الكريم ~~ليحكم بين هؤلاء المختلفين يوم القيامة ، بأن ينزل بهم العقوبة التي ~~يستحقونها بسبب مخالفتهم لنبيهم ، وإعراضهم عن طاعته فيما أمرهم به من ~~تعظيم يوم الجمعة. # ويصح أن يكون المعنى : وإن ربك ليحكم بحكمه العادل بين هؤلاء اليهود ~~الذين اختلفوا في شأن يوم السبت ، حيث استحله بعضهم ، وحرمه البعض الآخر ، ~~فيجازى كل فريق بما يستحقه من ثواب أو عقاب. # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد مدحت إبراهيم عليه السلام مدحا عظيما ، وذكرت ~~جانبا من المآثر التي أكرمه الله تعالى بها ، وبرأته مما ألصقه به المشركون ~~وأهل الكتاب من تهم باطلة ، ودعاوى كاذبة. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بتلك الآيات الجامعة لآداب الدعوة إلى الله ~~، والهادية إلى مكارم الأخلاق ، فقال تعالى : # ( @QUR@022 ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي ~~أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (125) PageV08P261 # @QUR@012 وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير ~~للصابرين (126) @QUR@014 واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك ~~في ضيق مما يمكرون (127) @QUR@08 إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ~~) (128) # والخطاب في قوله تعالى : ( @QUR@05 ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ) للرسول ~~صلى الله عليه وسلم ويدخل فيه كل مسلم يصلح للدعوة إلى الله عز وجل . # أى : ادع أيها الرسول الكريم الناس إلى سبيل ربك أى : إلى دين ربك ~~وشريعته التي هي شريعة الإسلام ( @QUR@01 بالحكمة ) أى : بالقول المحكم ~~الصحيح الموضح للحق ، المزيل للباطل ، الواقع في النفس أجمل موقع. # وحذف سبحانه مفعول الفعل ( @QUR@01 ادع ) للدلالة على التعميم ، أى ، ادع ~~كل من هو أهل للدعوة إلى سبيل ربك. # وأضاف سبحانه السبيل إليه. للإشارة إلى أنه الطريق الحق ، الذي من سار ~~فيه سعد وفاز ، ومن انحرف عنه شقي وخسر. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 والموعظة الحسنة ) وسيلة ثانية للدعوة إلى الله ~~تعالى أى : وادعهم أيضا إلى سبيل ربك بالأقوال المشتملة على العظات والعبر ~~التي ترقق القلوب ، وتهذب النفوس ، وتقنعهم بصحة ما تدعوهم إليه ، وترغبهم ~~في الطاعة ms3463 لله تعالى وترهبهم من معصيته عز وجل وقوله تعالى : ( @QUR@04 ~~وجادلهم بالتي هي أحسن ) بيان لوسيلة ثالثة من وسائل الدعوة السليمة. # أى : وجادل المعاند منهم بالطريقة التي هي أحسن الطرق وأجملها ، بأن تكون ~~مجادلتك لهم مبنية على حسن الإقناع ، وعلى الرفق واللين وسعة الصدر فإن ذلك ~~أبلغ في إطفاء نار غضبهم ، وفي التقليل من عنادهم ، وفي إصلاح شأن أنفسهم ، ~~وفي إيمانهم بأنك إنما تريد من وراء مجادلتهم ، الوصول إلى الحق دون أى شيء سواه. PageV08P262 # وبذلك نرى الآية الكريمة قد رسمت أقوم طرق الدعوة إلى الله تعالى وعينت ~~أحكم وسائلها ، وأنجعها في هداية النفوس. # إنها تأمر الدعاة في كل زمان ومكان أن تكون دعوتهم إلى سبيل الله لا إلى ~~سبيل غيره : إلى طريق الحق لا طريق الباطل ، وإنها تأمرهم أيضا أن يراعوا ~~في دعوتهم أحوال الناس ، وطباعهم ، وسعة مداركهم ، وظروف حياتهم ، وتفاوت ~~ثقافاتهم. # وأن يخاطبوا كل طائفة بالقدر الذي تسعه عقولهم ، وبالأسلوب الذي يؤثر في ~~نفوسهم ، وبالطريقة التي ترضى قلوبهم وعواطفهم. # فمن لم يقنعه القول المحكم ، قد تقنعه الموعظة الحسنة ، ومن لم تقنعه ~~الموعظة الحسنة. قد يقنعه الجدال بالتي هي أحسن. # ولذلك كان من الواجب على الدعاة الى الحق ، أن يتزودوا بجانب ثقافتهم ~~الدينية الأصيلة الواسعة بالكثير من ألوان العلوم الأخرى كعلوم النفس ~~والاجتماع والتاريخ ، وطبائع الأفراد والأمم .. فإنه ليس شيء أنجع في ~~الدعوة من معرفة طبائع الناس وميولهم ، وتغذية هذه الطبائع والميول بما ~~يشبعها من الزاد النافع ، وبما يجعلها تقبل على فعل الخير ، وتدبر عن فعل الشر. # وكما أن أمراض الأجسام مختلفة ، ووسائل علاجها مختلفة أيضا ، فكذلك أمراض ~~النفوس متنوعة ، ووسائل علاجها متباينة. # فمن الناس من يكون علاجه بالمقالة المحكمة : ومنهم من يكون علاجه ~~بالعبارة الرقيقة الرفيقة التي تهز المشاعر ، وتثير الوجدان ، ومنهم من ~~يكون علاجه بالمحاورة والمناقشة والمناظرة والمجادلة بالتي هي أحسن ، لأن ~~النفس الإنسانية لها كبرياؤها وعنادها ، وقلما تتراجع عن الرأى الذي آمنت ~~به. إلا بالمجادلة بالتي هي أحسن. والحق : أن الدعاة إلى الله تعالى إذا ~~فقهوا هذه الحقائق ms3464 فتسلحوا بسلاح الإيمان والعلم ، وأخلصوا لله تعالى القول ~~والعمل ، وفطنوا إلى أنجع الأساليب في الدعوة إلى الله ، وخاطبوا الناس على ~~قدر عقولهم واستعدادهم .. نجحوا في دعوتهم ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. # قال الآلوسى : وإنما تفاوتت طرق دعوته صلى الله عليه وسلم لتفاوت مراتب ~~الناس ، فمنهم خواص ، وهم أصحاب نفوس مشرقة ، قوية الاستعداد لإدراك ~~المعاني ، مائلة إلى تحصيل اليقين على اختلاف مراتبه ، وهؤلاء يدعون ~~بالحكمة. # ومنهم عوام ، أصحاب نفوس كدرة ضعيفة الاستعداد ، شديدة الإلف بالمحسوسات ، قوية PageV08P263 # التعلق بالرسوم والعادات ، قاصرة عن درجة البرهان ، لكن لا عناد عندهم ، ~~وهؤلاء يدعون بالموعظة الحسنة. # ومنهم من يعاند ويجادل بالباطل ليدحض به الحق ، لما غلب عليه من تقليد ~~الأسلاف ، ورسخ فيه من العقائد الباطلة ، فصار بحيث لا تنفعه المواعظ ~~والعبر ، بل لا بد من إلقامه الحجر بأحسن طرق الجدال ، لتلين عريكته ، ~~وتزول شكيمته ، وهؤلاء الذين أمر صلى الله عليه وسلم بجدالهم بالتي هي أحسن (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@011 إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم ~~بالمهتدين ) بيان لكمال علم الله تعالى وإحاطته بكل شيء ، وإرشاد للدعاة في ~~شخص نبيهم صلى الله عليه وسلم إلى أن عليهم أن يدعوا الناس بالطريقة التي ~~بينها سبحانه لهم ، ثم يتركوا النتائج له تعالى يسيرها كيف يشاء. # والظاهر أن صيغة التفضيل ( @QUR@01 أعلم ) في هذه الآية وأمثالها ، ~~المراد بها مطلق الوصف لا المفاضلة ، لأن الله تعالى لا يشاركه أحد في علم ~~أحوال خلقه ، من شقاوة وسعادة ، وهداية وضلال. # والمعنى : إن ربك أيها الرسول الكريم هو وحده العليم بمن ضل من خلقه عن ~~صراطه المستقيم ، وهو وحده العليم بالمهتدين منهم إلى السبيل الحق وسيجازى ~~كل فريق منهم بما يستحقه من ثواب أو عقاب. # وما دام الأمر كذلك ، فعليك أيها الرسول الكريم أن تسلك في دعوتك إلى ~~سبيل ربك ، الطرق التي أرشدك إليها ، من الحكمة والموعظة الحسنة ، ~~والمجادلة بالتي هي أحسن ، ومن كان فيه خير كما يقول صاحب الكشاف كفاه ~~الوعظ القليل ، والنصيحة اليسيرة ، ومن لا خير فيه عجزت عنه الحيل ms3465 ، وكأنك ~~تضرب منه في حديد بارد (2). # وبعد أن بين سبحانه أنجع أساليب الدعوة إلى سبيله في حالة المسالمة ~~والمجادلة بالحجة والبرهان ، أتبع ذلك ببيان ما ينبغي على المسلم أن يفعله ~~في حالة الاعتداء عليه أو على دعوته فقال تعالى : ( @QUR@07 وإن عاقبتم ~~فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ... ). # أى : وإن أردتم معاقبة من ظلمكم واعتدى عليك ، فعاقبوه بمثل ما فعله بكم ~~، ولا تزيدوا على ذلك ، فإن الزيادة حيف يبغضه الله تعالى . PageV08P264 # ثم أرشدهم سبحانه إلى ما هو أسمى من مقابلة الشر بمثله فقال : ( @QUR@05 ~~ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ). # والضمير في قوله ( @QUR@01 لهو ) يعود إلى المصدر في قوله ( @QUR@01 ~~صبرتم )، والمصدر إما أن يراد به الجنس فيكون المعنى : ولئن صبرتم فالصبر ~~خير للصابرين ، وأنتم منهم. # وإما أن يراد به صبرهم الخاص فيكون المعنى : ولئن صبرتم عن المعاقبة ~~بالمثل ، لصبركم خير لكم ، فوضع سبحانه الصابرين موضع لكم على سبيل المدح ~~لهم ، والثناء عليهم بصفة الصبر. # هذا ، وقد ذكر جمع من المفسرين أن هذه الآية الكريمة نزلت في أعقاب غزوة ~~أحد ، بعد أن مثل المشركون بحمزة رضى الله عنه . # قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : روى الحافظ البزار عن أبى هريرة رضى الله ~~عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة بن عبد المطلب حين استشهد. ~~فنظر الى منظر لم ينظر أوجع للقلب منه. # وقد مثل المشركون به. فقال صلى الله عليه وسلم : رحمة الله عليك ، لقد كنت ~~وصولا للرحم ، فعولا للخيرات. والله لولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أتركك ~~حتى يحشرك الله من بطون السباع. أما والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك. فنزلت ~~هذه الآية. فكفر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يمينه. # ثم قال ابن كثير بعد روايته لهذا الحديث : وهذا إسناد فيه ضعف لأن أحد ~~رواته وهو «صالح بن بشير المري» ضعيف عند الأئمة. وقال البخاري هو منكر ~~الحديث. # ثم قال ابن كثير رحمه الله : وروى عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه ~~عن أبى بن كعب ، قال ms3466 : لما كان يوم أحد قتل من الأنصار ستون رجلا ، ومن ~~المهاجرين ستة ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : لئن كان لنا يوم ~~مثل هذا اليوم من المشركين لنمثلن بهم ، فلما كان يوم الفتح قال رجل : لا ~~تعرف قريش بعد اليوم. فنادى مناد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمن ~~الأبيض والأسود إلا فلانا وفلانا ناسا سماهم ، فنزلت الآية. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «نصبر ولا نعاقب» (1). # والذي نراه أن الآية الكريمة حتى ولو كان سبب نزولها ما ذكر إلا أن ~~التوجيهات التي PageV08P265 # اشتملت عليها صالحة لكل زمان ومكان ، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص ~~السبب ، وعلى رأس هذه التوجيهات السامية التي اشتملت عليها : دعوة المسلمين ~~الى التزام العدالة في أحكامهم ، وحضهم على الصبر والصفح ما دام ذلك لا يضر ~~بمصلحتهم ومصلحة الدعوة الإسلامية. # وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله تعالى : ( @QUR@010 وجزاء سيئة سيئة مثلها ~~، فمن عفا وأصلح فأجره على الله ... ) (1). # ثم أمر سبحانه بالصبر أمرا صريحا ، بعد أن بين حسن عاقبته فقال : ( ~~@QUR@05 واصبر وما صبرك إلا بالله ... ). # أى : : واصبر أيها الرسول الكريم على أذى قومك ، وما صبرك في حال من ~~الأحوال بمؤت ثماره المرجوة منه إلا بتوفيق الله تعالى لك ، وبتثبيته إياك ~~، وما دام الأمر كذلك فالجأ إليه وحده ، واستعن به سبحانه في كل أمورك ، ~~فالاستثناء مفرغ من أعم الأحوال. # ثم نهاه سبحانه عن الحزن بسبب كفر الكافرين ، فإن الهداية والإضلال بقدرة ~~الله وحده فقال تعالى : ( @QUR@09 ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون ). # أى ولا تحزن بسبب كفر الكافرين ، وإصرارهم على ذلك ، وإعراضهم عن دعوتك ، ~~ولا يضق صدرك بمكرهم ، فإن الله تعالى ناصرك عليهم ، ومنجيك من شرورهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@08 إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) ~~تعليل لما سبق من أمره بالصبر ، ومن نهيه عن الحزن وضيق الصدر. # أى : إن الله تعالى بمعونته وتأييده مع الذين اتقوه في كل أحوالهم ، ~~وصانوا أنفسهم عن كل ما لا يرضاه. ومع الذين يحسنون القول والعلم ms3467 ، بأن ~~يؤدوهما بالطريقة التي أمر الإسلام بها ، ومن كان الله تعالى معه ، سعد في ~~دنياه وفي أخراه. # وقد قيل لبعض الصالحين وهو يحتضر : أوص. فقال : إنما الوصية من المال. ~~ولا مال لي ، PageV08P266 # ولكني أوصيكم بالعمل بخواتيم سورة النحل. # وبعد فهذه سورة النحل ، وهذا تفسير لها. نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا ~~لوجهه ، ونافعا لعباده. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم # د. محمد سيد طنطاوى # المدينة المنورة : مساء الثلاثاء 27 من ذي الحجة 1403 ه # الموافق 4 / 10 / 1983 م PageV08P267 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الأسراء PageV08P269 ### |||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة # الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ، وعلى آله ~~وأصحابه وأتباعه ، ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. # وبعد : فهذا تفسير لسورة الإسراء ، أسأل الله عز وجل أن يجعله خالصا لوجهه ~~، ونافعا لعباده ، إنه سميع مجيب. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # المدينة المنورة في 5 / 1 / 1404 ه # الموافق 10 / 10 / 1983 م ||المؤلف د. محمد سيد طنطاوى| PageV08P271 ### ||| * تعريف بسورة الإسراء # 1 سورة الإسراء هي السورة السابعة عشرة في ترتيب المصحف ، فقد سبقتها ~~سورة : الفاتحة ، والبقرة ، وآل عمران ، والنساء .... إلخ. # أما ترتيبها في النزول ، فقد ذكر السيوطي في الإتقان أنها السورة التاسعة ~~والأربعون ، وأن نزولها كان بعد سورة القصص (1). # 2 وتسمى أيضا بسورة بنى إسرائيل ، وبسورة «سبحان» ، وعدد آياتها عند ~~الجمهور إحدى عشرة آية ومائة ، وعند الكوفيين عشر آيات ومائة آية. # 3 ومن الأحاديث التي وردت في فضلها ، ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن ~~مسعود رضى الله عنه أنه قال في بنى إسرائيل ، والكهف ومريم : إنهن من ~~العتاق الأول ، وهن من تلادى (2). # والعتاق : جمع عتيق وهو القديم ، وكذلك التالد بمعنى القديم. ومراده رضى ~~الله عنه أن هذه السور من أول ما حفظه من القرآن. # وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا حماد بن زيد ، عن مروان عن ~~أبى لبابة ، قال : سمعت عائشة رضى الله عنها تقول : كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ms3468 يصوم حتى نقول : ما يريد أن يفطر ، ويفطر حتى نقول : ما ~~يريد أن يصوم ، وكان يقرأ كل ليلة : «بنى إسرائيل» و «الزمر» (3). # 4 ومن وجوه مناسبة هذه السورة لما قبلها ، ما ذكره أبو حيان بقوله : ~~«ومناسبة هذه لما قبلها ، أنه تعالى لما أمره في آخر النحل بالصبر ، ونهاه ~~عن الحزن عليهم ، وعن أن يضيق صدره من مكرهم ، وكان من مكرهم نسبته إلى ~~الكذب والسحر والشعر ، وغير ذلك مما رموه به ، أعقب تعالى ذلك بذكر شرفه ، ~~وفضله ، واحتفائه به ، وعلو منزلته عنده» (4). PageV08P273 # 5 وسورة الإسراء من السور المكية ، ومن المفسرين الذين صرحوا بذلك دون أن ~~يذكروا خلافا في كونها مكية. الزمخشري ، وابن كثير ، والبيضاوي ، وأبو حيان. # وقال الآلوسى : وكونها كذلك بتمامها قول الجمهور. # وقيل : هي مكية إلا آيتين : ( @QUR@03 وإن كادوا ليفتنونك )... ( ~~@QUR@03 وإن كادوا ليستفزونك ). # وقيل : إلا أربعا ، هاتان الآيتان ، وقوله تعالى : ( @QUR@07 وإذ قلنا لك ~~إن ربك أحاط بالناس ... ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 وقل رب أدخلني مدخل صدق ... ) (1). # والذي تطمئن إليه النفس أن سورة الإسراء بتمامها مكية كما قال جمهور ~~المفسرين لأن الروايات التي ذكرت في كون بعض آياتها مدنية ، لا تنهض دليلا ~~على ذلك لضعفها ... # والذي يغلب على الظن أن نزول هذه السورة الكريمة : أو نزول معظمها ، كان ~~في أعقاب حادث الإسراء والمعراج. # وذلك لأن السورة تحدثت عن هذا الحدث ، كما تحدثت عن شخصية الرسول ~~صلى الله عليه وسلم حديثا مستفيضا ، وحكت إيذاء المشركين له ، وتطاولهم عليه ، ~~وتعنتهم معه ، كمطالبتهم إياه بأن يفجر لهم من الأرض ينبوعا ... # وقد ردت السورة الكريمة على كل ذلك ، بما يسلى الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ويثبته ، ويرفع منزلته ، ويعلى قدره ... في تلك الفترة الحرجة من حياته ~~صلى الله عليه وسلم وهي الفترة التي أعقبت موت زوجه السيدة خديجة رضى الله ~~عنها وموت عمه أبى طالب ... # 6 (أ) وعند ما نقرأ سورة الإسراء نراها في مطلعها تحدثنا عن إسراء الله ~~تعالى بنبيه صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، وعن ~~الكتاب الذي آتاه الله تعالى ms3469 لموسى عليه السلام ليكون هداية لقومه ، وعن ~~قضاء الله في بنى إسرائيل ... # قال تعالى : ( @QUR@041 سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى ~~المسجد الأقصى ، الذي باركنا حوله ، لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير. ~~وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ، ألا تتخذوا من دوني وكيلا. ~~ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا PageV08P274 # @QUR@014 شكورا. وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ~~ولتعلن علوا كبيرا ).. # (ب) ثم يبين سبحانه بعد ذلك أن هذا القرآن قد أنزله سبحانه على نبيه ~~صلى الله عليه وسلم ليهدى الناس إلى الطريق الأقوم ، وليبشر المؤمنين بالأجر ~~الكبير ، وأن كل إنسان مسئول عن عمله ، وسيحاسب عليه يوم القيامة ، دون أن ~~تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى ... # قال تعالى : ( @QUR@016 إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ، ويبشر ~~المؤمنين الذين يعملون الصالحات ، أن لهم أجرا كبيرا ... ). # إلى أن يقول سبحانه : ( @QUR@041 وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ، ~~ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا* اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك ~~حسيبا* من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ، ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى ، وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ). # (ج) ثم تسوق السورة الكريمة سنة من سنن الله في خلقه ، وهي أن عاقبة ~~الترف والفسق ، الدمار والهلاك ، وأن من يريد العاجلة كانت نهايته إلى جهنم ~~، ومن يريد الآخرة ويقدم لها العمل الصالح كانت نهايته إلى الجنة. # استمع إلى القرآن الكريم وهو يصور هذه المعاني بأسلوبه البليغ فيقول : ( ~~@QUR@057 وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها. فحق عليها ~~القول فدمرناها تدميرا. وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح. وكفى بربك بذنوب ~~عباده خبيرا بصيرا. من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ، ~~ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا. ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها ~~وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ). # (د) وبعد أن بين سبحانه أن سعادة الآخرة منوطة بإرادتها ، وبأن يسعى ~~الإنسان لها وهو مؤمن ، عقب ذلك ms3470 بذكر بضع وعشرين نوعا من أنواع التكاليف ، ~~التي متى نفذها المسلم ظفر برضى الله تعالى ومثوبته ، ومن تلك التكاليف ~~قوله تعالى : ( @QUR@06 لا تجعل مع الله إلها آخر ). # ( @QUR@08 وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا )... # ( @QUR@010 وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا .. ). # ( @QUR@08 ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم ... ). PageV08P275 # ( @QUR@08 ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا ). # ( @QUR@08 ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ). # ( @QUR@08 ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ). # ( @QUR@07 وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ). # ( @QUR@07 ولا تقف ما ليس لك به علم .. ). # ( @QUR@05 ولا تمش في الأرض مرحا .. ). # (ه) وبعد أن ساقت السورة الكريمة تلك التكاليف المحكمة التي لا يتطرق ~~إليها النسخ أو النقض ، في ثماني عشرة آية ، أتبعت ذلك بالثناء على القرآن ~~الكريم ، وبتنزيه الله تعالى عن الشريك ، وببيان أن كل شيء يسبح بحمده ~~عز وجل . # قال تعالى : ( @QUR@050 ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا ~~نفورا. قل لو كان معه آلهة كما يقولون ، إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا. ~~سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. تسبح له السماوات السبع والأرض ومن ~~فيهن ، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ، ولكن لا تفقهون تسبيحهم ، إنه كان ~~حليما غفورا ). # (و) ثم تحكى السورة الكريمة جانبا من أقوال المشركين ، وترد عليها بما ~~يدحضها ، وتأمر المؤمنين بأن يقولوا الكلمة التي هي أحسن .. فتقول :. # ( @QUR@064 وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا. قل ~~كونوا حجارة أو حديدا. أو خلقا مما يكبر في صدوركم ، فسيقولون من يعيدنا قل ~~الذي فطركم أول مرة ، فسينغضون إليك رؤسهم ويقولون متى هو ، قل عسى أن يكون ~~قريبا. يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده ، وتظنون إن لبثتم إلا قليلا. وقل ~~لعبادي يقولوا التي هي أحسن ، إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان ~~للإنسان عدوا مبينا ). # (ز) وبعد أن تقرر السورة الكريمة شمول علم الله تعالى لكل شيء ، وقدرته ~~على كل شيء ، بعد أن تقرر ذلك ، تحكى لنا جانبا من قصة آدم وإبليس ms3471 فتقول :. # ( @QUR@038 وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد ~~لمن خلقت طينا. قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي ، لئن أخرتن إلى يوم القيامة ~~لأحتنكن ذريته إلا قليلا. قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء ~~موفورا ). # (ح) ثم تسوق السورة بعد ذلك ألوانا من نعم الله على عباده في البر والبحر ~~، وألوانا من PageV08P276 # تكريمه لبنى آدم ، كما تصور أحوال الناس يوم القيامة ، وعدالة الله تعالى ~~في حكمه عليهم فتقول : # ( @QUR@033 وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه ، فلما نجاكم ~~إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا. أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر ، أو ~~يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا .. ). # ثم يقول سبحانه : ( @QUR@032 ولقد كرمنا بني آدم ، وحملناهم في البر ~~والبحر ، ورزقناهم من الطيبات ، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا. يوم ~~ندعوا كل أناس بإمامهم ، فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤن كتابهم ولا ~~يظلمون فتيلا .. ). # (ط) ثم تحكى السورة جانبا من نعم الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم ~~حيث ثبته سبحانه أمام مكر أعدائه ، وأمره بالمداومة على الصلاة وعلى قراءة ~~القرآن ، لأن ذلك يزيده ثباتا على ثباته ، وتكريما على تكريمه. # قال تعالى : ( @QUR@023 وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري ~~علينا غيره ، وإذا لاتخذوك خليلا. ولو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم ~~شيئا قليلا ). # (ى) ثم يقول سبحانه : ( @QUR@040 أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل ~~وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا. ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن ~~يبعثك ربك مقاما محمودا. وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق ، واجعل ~~لي من لدنك سلطانا نصيرا .. ) # (ك) وبعد أن تقرر السورة الكريمة طبيعة الإنسان ، وتقرر أن الروح من أمر ~~الله تعالى تتبع ذلك بالثناء على القرآن الكريم ، وببيان أنه المعجزة ~~الخالدة للرسول صلى الله عليه وسلم ، وبإيراد المطالب المتعنتة التي طالب ~~المشركون بها النبي صلى الله عليه وسلم . # استمع إلى القرآن الكريم وهو يقرر كل ذلك بأسلوبه البليغ فيقول : ( ~~@QUR@092 قل ms3472 لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون ~~بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ~~فأبى أكثر الناس إلا كفورا. وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا. أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا. أو تسقط ~~السماء كما زعمت علينا كسفا ، أو تأتي بالله والملائكة قبيلا. أو يكون لك ~~بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه ~~، قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ). PageV08P277 # (ل) ثم تسوق السورة الكريمة في أواخرها الدلائل الدالة على وحدانية الله ~~تعالى وقدرته ، وتحكى جانبا من قصة موسى عليه السلام مع فرعون وتؤكد أن هذا ~~القرآن أنزله الله تعالى بالحق ، وبالحق نزل ، وأنه نزله مفرقا ليقرأه ~~الناس على تؤدة وتدبر. # وكما افتتحت السورة الكريمة بالثناء على الله تعالى ، فقد اختتمت بحمد ~~الله تعالى وتكبيره. قال تعالى : # ( @QUR@021 وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ، ~~ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا ). # (م) وبعد فهذا عرض إجمالى لأهم الموضوعات والمقاصد التي اشتملت عليها ~~سورة الإسراء. ومن هذا العرض يتبين لنا ما يلى :. # 1 أن سورة الإسراء كغيرها من السور المكية قد اهتمت اهتماما بارزا بتنقية ~~العقيدة من كل ما يشوبها من شرك أو انحراف عن الطريق المستقيم. # وقد ساقت السورة في هذا المجال أنواعا متعددة من البراهين على وحدانية ~~الله تعالى وعلمه وقدرته ، ووجوب إخلاص العبادة له ، وعلى تنزيهه سبحانه عن ~~الشريك ، ومن ذلك قوله تعالى : # ( @QUR@040 أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون ~~قولا عظيما. ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا. قل لو ~~كان معه آلهة كما يقولون ، إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا. سبحانه وتعالى ~~عما يقولون علوا كبيرا ). # 2 كذلك على رأس الموضوعات التي فصلت السورة الحديث عنها ، شخصية الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فقد ms3473 ابتدأت بإسراء الله تعالى به من المسجد الحرام إلى ~~المسجد الأقصى ، حيث أراه سبحانه من آياته ما أراه ، ثم تحدثت عن طبيعة ~~رسالته ، وعن مزاياها ، وعن موقف المشركين منه ، وعن المطالب المتعنتة التي ~~طلبوها منه ، وعن تثبيت الله تعالى له ، وعن تبشيره بحسن العاقبة ... # قال تعالى : ( @QUR@09 وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ). # 3 من الواضح أيضا أن سورة الإسراء اعتنت بالحديث عن القرآن الكريم ، من ~~حيث هدايته ، وإعجازه ، ومنع الذين لا يؤمنون به عن فقهه ، واشتماله على ما ~~يشفى الصدور ، وتكراره للبينات والعبر بأساليب مختلفة ، ونزوله مفرقا ~~ليقرأه الناس على مكث .. PageV08P278 # ومن الآيات التي وردت في ذلك قوله تعالى : # ( @QUR@07 إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ... ). # ( @QUR@012 وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~حجابا مستورا .. ). # ( @QUR@08 وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين .. ). # ( @QUR@018 وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ، وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا. ~~وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ، ونزلناه تنزيلا .. ). # 4 اهتمت السورة الكريمة اهتماما بينا ، بالحديث عن التكاليف الشرعية ، ~~المتضمنة لقواعد السلوك الفردى والجماعى. # وقد ذكرت السورة أكثر من عشرين تكليفا ، في آيات متتالية ، بدأت بقوله ~~تعالى : ( @QUR@09 لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا ) الآية ~~22 وانتهت بقوله تعالى : ( @QUR@07 كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها ) الآية 38. # وبجانب حديثها المستفيض عن التكاليف الشرعية ، تحدثت أيضا عن طبيعة ~~الإنسان في حالتي العسر واليسر ، وعن بخله الشديد بما يملكه ... # قال تعالى : ( @QUR@012 وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه ، وإذا ~~مسه الشر كان يؤسا ). # وقال سبحانه : ( @QUR@014 قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي ، إذا ~~لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا ). # 5 ومن الجوانب التي حرصت السورة الكريمة على تجليتها والكشف عنها : بيان ~~سنن الله التي لا تتخلف في الهداية والإضلال ، وفي الثواب والعقاب ، وفي ~~النصر والخذلان ، وفي الرحمة والإهلاك ، ومن ذلك قوله تعالى : # ( @QUR@021 من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ، ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى ، وما كنا معذبين حتى نبعث ms3474 رسولا ). # ( @QUR@014 وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها ، فحق ~~عليها القول فدمرناها تدميرا ). # ( @QUR@026 يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك ~~يقرؤن كتابهم ولا يظلمون فتيلا. ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى ~~وأضل سبيلا ). PageV08P279 # ( @QUR@07 إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ، وإن أسأتم فلها ... ). # هذه بعض المقاصد الإجمالية التي اشتملت عليها سورة الإسراء ، وهناك مقاصد ~~أخرى يراها المتأمل فيها ، والمتدبر لآياتها ، وحسبك من القلادة ما أحاط ~~بالعنق. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ||د. محمد سيد طنطاوى| PageV08P280 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@021 سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد ~~الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير ) (1) # افتتحت سورة الإسراء بتنزيه الله تعالى عن كل ما لا يليق بجلاله ، كما ~~يدل على ذلك لفظ «سبحان» الذي من أحسن وجوه إعرابه ، أنه اسم مصدر منصوب ~~على أنه مفعول مطلق بفعل محذوف ، والتقدير : سبحت الله تعالى سبحانا أى ~~تسبيحا ، بمعنى نزهته تنزيها عن كل سوء. # قال القرطبي : وقد روى طلحة بن عبيد الله الفياض أحد العشرة أى المبشرين ~~بالجنة أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ما معنى سبحان الله؟ فقال : «تنزيه ~~الله من كل سوء» (1). # وقوله ( @QUR@01 أسرى ) من الإسراء ، وهو السير بالليل خاصة. # قال الجمل : يقال أسرى وسرى ، بمعنى سار في الليل ، وهما لازمان ، لكن ~~مصدر الأول الإسراء ومصدر الثاني السرى بضم السين كالهدى فالهمزة ليست ~~للتعدية إلى المفعول ، وإنما جاءت التعدية هنا من الباء. ومعنى أسرى به ، ~~صيره ساريا في الليل (2). # والمراد ( @QUR@01 بعبده ) خاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم ، والإضافة ~~للتشريف والتكريم. # وأوثر التعبير بلفظ العبد ، للدلالة على أن مقام العبودية لله تعالى هو ~~أشرف صفات PageV08P281 # المخلوقين وأعظمها وأجلها ، إذ لو كان هناك وصف أعظم منه في هذا المقام ~~لعبر به ، وللإشارة أيضا إلى تقرير هذه العبودية لله تعالى وتأكيدها ، حتى ~~لا يلتبس مقام العبودية بمقام الألوهية ، كما التبسا في العقائد المسيحية ، ~~حيث ms3475 ألهوا عيسى عليه السلام ، وألهوا أمه مريم ، مع أنهما بريئان من ذلك .. # قال الشيخ القاسمى نقلا عن الإمام ابن القيم في كتاب «طريق الهجرتين» : ~~أكمل الخلق أكملهم عبودية لله تعالى ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~أقرب الخلق إلى الله تعالى وأعظمهم عنده جاها ، وأرفعهم عنده منزلة ، ~~لكماله في مقام العبودية. وكان صلى الله عليه وسلم يقول : «أيها الناس ما أحب ~~أن ترفعوني فوق منزلتي. إنما أنا عبد». وكان يقول : «لا تطرونى كما أطرت ~~النصارى المسيح ابن مريم ، إنما أنا عبد فقولوا : عبد الله ورسوله». # وذكره سبحانه بسمة العبودية في أشرف مقاماته : في مقام الإسراء حيث قال : ~~( @QUR@04 سبحان الذي أسرى بعبده ). # وفي مقام الدعوة حيث قال : ( @QUR@06 وأنه لما قام عبد الله يدعوه )... # وفي مقام التحدي حيث قال : ( @QUR@08 وإن كنتم في ريب مما نزلنا على ~~عبدنا ) (1). # وقوله : ( @QUR@01 ليلا ) ظرف زمان لأسرى. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : الإسراء لا يكون إلا بالليل فما معنى ذكر ~~الليل؟. # قلت : أراد بقوله ليلا بلفظ التنكير ، تقليل مدة الإسراء ، وأنه أسرى به ~~بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة ، وذلك أن التنكير فيه قد دل ~~على معنى البعضية ...» (2). # وقوله : ( @QUR@06 من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ) بيان لابتداء ~~الإسراء وانتهائه. # أى : جل شأن الله عز وجل وتنزه عن كل نقص ، حيث أسرى بعبده محمد ~~صلى الله عليه وسلم في جزء من الليل ، من المسجد الحرام الذي بمكة إلى المسجد ~~الأقصى الذي بفلسطين. # ووصف مسجد مكة بالحرام ، لأنه لا يحل انتهاكه بقتال فيه ، ولا بصيد صيده ~~، ولا بقطع شجره. PageV08P282 # ووصف مسجد فلسطين بالأقصى ، لبعده عن المسجد الحرام ، إذ المسافة بينهما ~~كان يقطعها الراكب للإبل في مدة شهر أو أكثر. # قال الآلوسى : ووصفه بالأقصى أى الأبعد بالنسبة إلى من بالحجاز. وقال غير ~~واحد : إنه سمى به لأنه أبعد المساجد التي تزار من المسجد الحرام وبينهما ~~زهاء أربعين ليلة. وقيل وصف بذلك : لأنه لبس وراءه موضع عبادة فهو أبعد ~~مواضعها .. (1). # وظاهر الآية يفيد أن الإسراء كان من ms3476 المسجد الحرام ، فقد أخرج الشيخان ~~والترمذي والنسائي من حديث أنس بن مالك رضى الله عنه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : «بينا أنا في الحجر وفي رواية في الحطيم ، بين ~~النائم واليقظان ، إذ أتانى آت فشق ما بين هذه إلى هذه ، فاستخرج قلبي ~~فغسله ثم أعيد ، ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض يقال له البراق ~~فحملت عليه» ... # وقيل أسرى به من بيت أم هانئ بنت أبى طالب ، فيكون المراد بالمسجد الحرام ~~: الحرم لإحاطته بالمسجد والتباسه به. فعن ابن عباس رضى الله عنهما : الحرم ~~كله مسجد. # ويمكن الجمع بين هذه الروايات ، بأن الرسول صلى الله عليه وسلم بقي في بيت ~~أم هانئ لفترة من الليل ، ثم ترك فراشه عندها وذهب إلى المسجد ، فلما كان ~~في الحجر أو في الحطيم بين النائم واليقظان ، أسرى به من المسجد الحرام إلى ~~المسجد الأقصى ، ثم عرج به إلى السموات العلا. ثم عاد إلى فراشه قبل أن ~~يبرد كما جاء في بعض الروايات. # وبذلك يترجح لدينا أن وجود الرسول صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة في بيت ~~أم هانئ ، لا ينفى أن الإسراء بدأ من المسجد الحرام ، كما تقرر الآية ~~الكريمة. # وقوله ( @QUR@03 الذي باركنا حوله ) صفة مدح للمسجد الأقصى. # أى : جل شأن الله الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد ~~الأقصى ، الذي أحطنا جوانبه بالبركات الدينية والدنيوية. # أما البركات الدينية فمن مظاهرها : أن هذه الأرض التي حوله ، جعلها الله ~~تعالى مقرا لكثير من الأنبياء ، كإبراهيم وإسحاق ويعقوب ، وداود وسليمان ، ~~وزكريا ويحيى وعيسى. # قال تعالى : ( @QUR@010 ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي ~~باركنا فيها .. ) (2). PageV08P283 # وقال سبحانه في شأن إبراهيم : ( @QUR@08 ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي ~~باركنا فيها للعالمين ) (1). # والمقصود بهذه الأرض : أرض الشام ، التي منها فلسطين. # وأما البركات الدنيوية فمن مظاهرها : كثرة الأنهار والأشجار والثمار ~~والزروع في تلك الأماكن. # قال بعض العلماء : وقد قيل في خصائص المسجد الأقصى : أنه متعبد الأنبياء ~~السابقين ، ومسرى خاتم النبيين ، ومعراجه إلى السموات العلا .. وأولى ms3477 ~~القبلتين وثاني المسجدين ، وثالث الحرمين ، لا تشد الرحال بعد المسجدين إلا ~~إليه (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 لنريه من آياتنا ) إشارة إلى الحكمة التي من ~~أجلها أسرى الله تعالى بنبيه صلى الله عليه وسلم فقوله ( @QUR@01 لنريه ) ~~متعلق بأسرى. # و «من» للتبعيض لأن ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان عظيما إلا أنه ~~مع عظمته بعض آيات الله بالنسبة لما اشتمل عليه هذا الكون من عجائب. # أى : أسرينا بعبدنا محمد ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي ~~باركنا حوله ، ثم عرجنا به إلى السموات العلا ، لنطلعه على آياتنا ، وعلى ~~عجائب قدرتنا ، والتي من بينها : مشاهدته لأنبيائنا الكرام ، ورؤيته لما ~~نريد أن يراه من عجائب وغرائب هذا الكون. # ولقد وردت أحاديث متعددة في بيان ما أراه الله تعالى لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة المباركة ، ومن ذلك ما رواه البخاري عن أنس ~~بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ... ووجدت في السماء الدنيا ~~آدم فقال لي جبريل : هذا أبوك آدم فسلم عليه فسلمت عليه ورد على آدم السلام ~~فقال : مرحبا وأهلا بابني ، فنعم الابن أنت ... # وفي رواية للإمام أحمد عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~«لما عرج بي ربي عز وجل مررت بقوم لهم أظفار من نحاس ، يخمشون وجوههم ~~وصدورهم ، فقلت : من هؤلاء يا جبريل؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ~~، ويقعون في أعراضهم .. (3)». # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بما يدل على سعة علمه ، ومزيد فضله فقال ~~تعالى : ( @QUR@04 إنه هو السميع البصير ). PageV08P284 # أى : إنه سبحانه هو السميع لأقوال عباده : مؤمنهم وكافرهم ، مصدقهم ~~ومكذبهم. بصير بما يسرونه ويعلنونه ، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب ~~أو عقاب ، بدون ظلم أو محاباة. # هذا وقد ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآية جملة من المسائل منها : # 1 أن هذه الآية دلت على ثبوت الإسراء للنبي صلى الله عليه وسلم من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصى ، وأما العروج به صلى الله عليه وسلم إلى السموات ~~العلا فقد استدل ms3478 عليه بعضهم بآيات سورة النجم ، وهي قوله تعالى : ( ~~@QUR@048 والنجم إذا هوى. ما ضل صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى. إن هو ~~إلا وحي يوحى. علمه شديد القوى. ذو مرة فاستوى. وهو بالأفق الأعلى. ثم دنا ~~فتدلى. فكان قاب قوسين أو أدنى. فأوحى إلى عبده ما أوحى. ما كذب الفؤاد ما ~~رأى. أفتمارونه على ما يرى ). # وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية أحاديث كثيرة بأسانيدها ~~ومتونها ، وقال في أعقاب ذكر بعضها : # قال البيهقي : وفي هذا السياق دليل على أن المعراج كان ليلة أسرى به عليه ~~الصلاة والسلام من مكة إلى بيت المقدس ، وهذا الذي قاله هو الحق الذي لا شك ~~فيه ولا مرية (1). # وقال القرطبي : ثبت الإسراء في جميع مصنفات الحديث ، وروى عن الصحابة في ~~كل أقطار الإسلام ، فهو من المتواتر بهذا الوجه ، وذكر النقاش ممن رواه ~~عشرين صحابيا (2). # 2 قال بعض العلماء ما ملخصه : ذهب الأكثرون إلى أن الإسراء كان بعد ~~المبعث ، وأنه قبل الهجرة بسنة. قاله الزهري وابن سعد وغيرهما. وبه جزم ~~النووي ، وبالغ ابن حزم فنقل الإجماع فيه. وقال : كان في رجب سنة اثنتي ~~عشرة من النبوة. # واختار الحافظ المقدسي أنه كان في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب (3). # والذي تطمئن إليه النفس أن حادث الإسراء والمعراج ، كان بعد وفاة أبى ~~طالب والسيدة خديجة رضى الله عنها . # ووفاتهما كانت قبل الهجرة بسنتين أو ثلاثة. وفي هذه الفترة التي أعقبت ~~وفاتهما اشتد أذى PageV08P285 # المشركين بالنبي صلى الله عليه وسلم فكان هذا الحادث لتسليته ~~صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم ، ولتشريفه وتكريمه .. # 3 من المسائل التي ثار الجدل حولها ، مسألة : أكان الإسراء والمعراج في ~~اليقظة أم في المنام؟ وبالروح والجسد أم بالروح فقط؟. # وقد لخص بعض المفسرين أقوال العلماء في هذه المسألة فقال : اعلم أن هذا ~~الإسراء به صلى الله عليه وسلم المذكور في هذه الآية الكريمة زعم بعض أهل ~~العلم أنه بروحه دون جسده ، زاعما أنه في المنام لا في اليقظة ، لأن رؤيا ~~الأنبياء ms3479 وحى. # وزعم بعضهم أن الإسراء بالجسد ، والمعراج بالروح دون الجسد. # ولكن ظاهر القرآن يدل على أنه بروحه وجسده صلى الله عليه وسلم يقظة لا مناما ~~، لأنه قال : ( @QUR@01 بعبده ) والعبد مجموع الروح والجسد. # ولأنه قال : ( @QUR@01 سبحان ) والتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام ، ~~فلو كان مناما لم يكن له كبير شأن حتى يتعجب منه. # ولأنه لو كان رؤيا منام لما كان فتنة ، ولا سببا لتكذيب قريش له ~~صلى الله عليه وسلم لأن رؤيا المنام ليست محل إنكار لأن المنام قد يرى فيه ما ~~لا يصح. # ولأنه سبحانه قال ( @QUR@03 لنريه من آياتنا ) والظاهر أن ما أراه الله ~~تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم إنما كان رؤيا عن طريق العين ويؤيده قوله ~~تعالى : ( @QUR@011 ما زاغ البصر وما طغى. لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) ~~ولأنه ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد استعمل في ~~رحلته البراق ، واستعماله البراق يدل على أن هذا الحادث كان بالروح والجسد ~~وفي اليقظة لا في المنام. # وما ثبت في الصحيحين عن طريق شريك عن أنس رضى الله عنه أن الإسراء ~~المذكور وقع مناما ، لا ينافي ما ذكرنا مما عليه أهل السنة والجماعة ، ودلت ~~عليه نصوص الكتاب والسنة من أنه كان يقظة وبالروح والجسد ، لإمكان أنه ~~صلى الله عليه وسلم رأى الإسراء المذكور مناما ، ثم جاءت تلك الرؤيا كفلق ~~الصبح ، فأسرى به يقظة تصديقا لتلك الرؤيا المنامية (1). PageV08P286 # هذا ، ومن العلماء الذين فصلوا القول في تلك المسألة تفصيلا محققا ، ~~القاضي عياض في كتابه «الشفا» فقد قال رحمه الله بعد أن ساق الآراء في ذلك : # والحق في هذا والصحيح إن شاء الله أنه إسراء بالروح والجسد في القصة كلها ~~، وعليه تدل الآية وصحيح الأخبار والاعتبار. ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة ~~إلى التأويل إلا عند الاستحالة ، وليس في الإسراء بجسده وروحه حال يقظته ~~استحالة .. (1). # وما قاله القاضي عياض رحمه الله في هذه المسألة هو الذي نعتقده ، ونلقى ~~الله تعالى عليه. # وبعد أن بين الله سبحانه جانبا من مظاهر تكريمه ms3480 وتشريفه لنبيه محمد ~~صلى الله عليه وسلم عن طريق إسرائه به. أتبع ذلك بالحديث عما أكرم به نبيه ~~موسى عليه السلام فقال : # ( @QUR@012 وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من ~~دوني وكيلا (2) @QUR@09 ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا ) (3) # والواو في قوله تعالى : ( @QUR@03 وآتينا موسى الكتاب )، استئنافية ، أو ~~عاطفة على قوله : ( @QUR@03 سبحان الذي أسرى .. ). # والمراد بالكتاب : التوراة التي أنزلها الله تعالى على نبيه موسى ~~عليه السلام والضمير المنصوب في قوله : ( @QUR@01 وجعلناه ) يعود إلى ~~الكتاب. # وقوله ( @QUR@02 لبني إسرائيل ) متعلق بهدى. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@014 ولقد آتينا موسى الكتاب فلا ~~تكن في مرية من لقائه وجعلناه هدى لبني إسرائيل ). # وأن في قوله ( @QUR@05 ألا تتخذوا من دوني وكيلا ) يصح أن تكون زائدة ~~وتكون الجملة مقولة لقول محذوف ، والمعنى : PageV08P287 # وآتينا موسى الكتاب من أجل أن يكون هداية لبنى إسرائيل إلى الصراط ~~المستقيم. # وقلنا لهم : لا تتخذوا غير الله تعالى وكيلا ، أى : معبودا ، تفوضون إليه ~~أموركم ، وتكلون إليه شئونكم ، فهو سبحانه : ( @QUR@09 رب المشرق والمغرب ~~لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا ). # قال الإمام الرازي ما ملخصه : قرأ أبو عمرو «ألا يتخذوا» بالياء خبرا عن ~~بنى إسرائيل : وقرأ الباقون بالتاء على الخطاب ، أى : قلنا لهم لا تتخذوا. ~~ويصح أن تكون أن ناصبة للفعل فيكون المعنى : وجعلناه هدى لئلا تتخذوا ... ~~وأن تكون أن بمعنى أى التي للتفسير أى هي مفسرة لما تضمنه الكتاب من النهى ~~عن اتخاذ وكيل سوى الله تعالى (1). # وقوله : ( @QUR@05 ذرية من حملنا مع نوح ... ) منصوب على الاختصاص ، أو ~~على النداء والمقصود بهذه الجملة الكريمة إثارة عزائمهم نحو الإيمان والعمل ~~الصالح ، وتنبيههم إلى نعمه سبحانه عليهم ، حيث جعلهم من ذرية أولئك ~~الصالحين الذين آمنوا بنوح عليه السلام وحضهم على السير على منهاجهم في ~~الإيمان والعمل الصالح ، فإن شأن الأبناء أن يقتدوا بالآباء في التقوى ~~والصلاح. # والمعنى : لا تتخذوا يا بنى إسرائيل معبودا غير الله تعالى ، فأنتم أبناء ~~أولئك القوم الصالحين ، الذين آمنوا بنوح عليه السلام فأنجاهم الله تعالى مع ~~نبيهم من ms3481 الغرق. # قال الآلوسى : وفي التعبير بما ذكر إيماء إلى علة النهى من أوجه : أحدها ~~تذكيرهم بالنعمة في إنجاء آبائهم. والثاني : تذكيرهم بضعفهم وحالهم المحوج ~~إلى الحمل والثالث : أنهم أضعف منهم أى من آبائهم لأنهم متولدون عنهم وفي ~~إيثار لفظ الذرية الواقعة على الأطفال والنساء في العرف الغالب مناسبة تامة ~~لما ذكر (2). # وقوله : ( @QUR@04 إنه كان عبدا شكورا ) تذييل قصد به الثناء على نوح ~~عليه السلام أى : إن نوحا عليه السلام كان من عبادنا الشاكرين لنعمنا ، ~~المستعملين لها فيما خلقت له ، المتوجهين إلينا بالتضرع والدعاء في السراء ~~والضراء. PageV08P288 # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : قوله : ( @QUR@04 إنه كان عبدا شكورا ) ما ~~وجه ملاءمته لما قبله؟. # قلت : كأنه قيل لا تتخذوا من دوني وكيلا ، ولا تشركوا بي ، لأن نوحا كان ~~عبدا شكورا ، وأنتم من آمن به وحمل معه ، فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم ~~أسوتهم ، ويجوز أن يكون تعليلا لاختصاصهم ، والثناء عليهم بأنهم أولاد ~~المحمولين مع نوح عليه السلام فهم متصلون به ، فاستأهلوا لذلك الاختصاص .. (1). # وبذلك نرى الآيتين الكريمتين قد دعتا إلى إخلاص العبادة لله تعالى بأسلوب ~~يرضى العقول السليمة ، والعواطف الشريفة. # ثم بين سبحانه بعد ذلك قضاءه العادل في بنى إسرائيل وساق سنة من سننه ~~التي لا تتخلف في خلقه فقال تعالى : # ( @QUR@013 وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ~~ولتعلن علوا كبيرا (4) @QUR@017 فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا ~~لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا (5) @QUR@011 ثم ~~رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا (6) ~~@QUR@023 إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ~~ليسوؤا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا ~~(7) @QUR@011 عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ) (8) PageV08P289 # وقوله سبحانه : ( @QUR@010 وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في ~~الأرض مرتين ... ) إخبار من الله تعالى لهم ، بما سيكون منهم ، حسب ما وقع ~~في علمه المحيط بكل شيء ، والذي ليس فيه إجبار أو قسر ، وإنما هو صفة ~~انكشافية ms3482 ، تنبئ عن مآلهم وأحوالهم. # قال أبو حيان : والفعل قضى يتعدى بنفسه إلى مفعول ، كقوله تعالى : ( ~~@QUR@04 فلما قضى موسى الأجل .. ) ولما ضمن هنا معنى الإيحاء أو الإنفاذ ~~تعدى بإلى أى : وأوحينا أو أنفذنا إلى بنى إسرائيل في القضاء المحتوم ~~المثبوت وعن ابن عباس : وأعلمناهم .. (1). # والمراد بالكتاب : التوراة ، وقيل اللوح المحفوظ. # واللام في قوله ( @QUR@01 لتفسدن ... ) جواب قسم محذوف تقديره : والله ~~لتفسدن. # ويجوز أن تكون جوابا لقوله تعالى : ( @QUR@01 وقضينا ... ) لأنه مضمن ~~معنى القسم ، كما يقول القائل : قضى الله لأفعلن كذا ، فيجري القضاء والقدر ~~مجرى القسم ... # والمقصود بالأرض : عمومها أو أرض الشام. # و «مرتين» منصوب على أنه مفعول مطلق لقوله : ( @QUR@01 لتفسدن ) من غير ~~لفظه ، والمراد لتفسدن إفسادتين وقوله عز وجل : ( @QUR@01 ولتعلن .. ) من ~~العلو وهو ضد السفل ، والمراد به هنا : التكبر والتجبر والبغي والعدوان. # والمعنى : وأخبرنا بنى إسرائيل في كتابهم التوراة خبرا مؤكدا : وأوحينا ~~إليهم بواسطة رسلنا ، بأن قلنا لهم : لتفسدن في الأرض مرتين ، ولتستكبرن ~~على الناس بغير حق ، استكبارا كبيرا ، يؤدى بكم إلى الخسران والدمار. # والتعبير عما يكون منهم من إفساد بالقضاء وأنه في الكتاب ، يدل على ثبوته ~~، إذ أصل القضاء كما يقول القرطبي الإحكام للشيء والفراغ منه. # وأكد إفسادهم واستعلاءهم بلام القسم ، للإشعار بأنه مع ثبوته ووجوده فهو ~~مصحوب بالتجبر والتكبر والبغي والعدوان. PageV08P290 # وكان من مظاهر إفسادهم في الأرض : تحريفهم للتوراة ، وتركهم العمل بما ~~فيها من أحكام ، وقتلهم الأنبياء والمصلحين. # ثم بين سبحانه أنه يسلط عليهم بعد إفسادهم الأول في الأرض ، من يقهرهم ~~ويستبيح حرماتهم ، ويدمرهم تدميرا ، فقال تعالى : ( @QUR@017 فإذا جاء وعد ~~أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد. فجاسوا خلال الديار وكان ~~وعدا مفعولا ). # والمراد بالوعد : الموعد المحدد لعقابهم بسبب إفسادهم في الأرض ، فالكلام ~~على حذف مضاف ، والضمير في ( @QUR@01 أولاهما ) يعود على المرتين المعبر ~~عنهما بقول : ( @QUR@04 لتفسدن في الأرض مرتين ). # وقوله ( @QUR@01 فجاسوا ) معطوف على ( @QUR@01 بعثنا ) وأصل الجوس : طلب ~~الشيء باستقصاء واهتمام لتنفيذ ما من أجله كان الطلب. # والمعنى : فإذا حان وقت عقابكم يا بنى إسرائيل على أولى مرتى إفسادكم ~~بعثنا عليكم ms3483 ووجهنا إليكم ( @QUR@05 عبادا لنا أولي بأس شديد ) أى أصحاب ~~بطش شديد في الحروب والقتال ، فأذلوكم وقهروكم ، وفتشوا عنكم بين المساكن ~~والديار ، لقتل من بقي منكم على قيد الحياة ، وكان البعث المذكور وما ترتب ~~عليه من قتلكم وسلب أموالكم ، وهتك أعراضكم ، وتخريب دياركم ... وعدا نافذا ~~لا مرد له ، ولا مفر لكم منه. # قال الآلوسى : واختلف في تعيين هؤلاء العباد الذين بعثهم الله لمعاقبة ~~بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول فعن ابن عباس وقتادة : هم جالوت وجنوده ، ~~وقال ابن جبير وابن إسحاق : هم سنحاريب ملك بابل وجنوده. وقيل : هم ~~العمالقة ، وقيل : بختنصر (1). # وسنبين رأينا فيمن سلطه الله تعالى عليهم في المرتين ، بعد تفسيرنا لهذه ~~الآيات الكريمة. # فإن قال قائل : وما فائدة أن يخبر الله تعالى بنى إسرائيل في التوراة ~~أنهم يفسدون في الأرض مرتين. وأنه يعاقبهم على ما كان منهم من استعلاء ~~وطغيان ، بأن يسلط عليهم من يذلهم ويقهرهم ويقضى عليهم؟. PageV08P291 # فالجواب : أن إخبارهم بذلك يفيد أن الله عز وجل لا يظلم الناس شيئا ، ~~وإنما يعاقبهم على ما يكون منهم من إفساد ويعفو عن كثير ، وأن رحمته مفتوحة ~~للعصاة متى تابوا وأنابوا وأصلحوا من شأن أنفسهم. # وهناك فائدة أخرى لهذا الإخبار ، وهو تنبيه العقلاء في جميع الأمم أن ~~يحذروا من مواقعة المعاصي التي تؤدى إلى الهلاك ، وأن يحذروا أممهم من ذلك ~~، ويبصروهم بسوء عاقبة السير في طريق الغي ، حتى لا يعرضوا أنفسهم لعقاب ~~الله عز وجل . # ومن فوائد إيراد هذا الخبر في القرآن الكريم ، تنبيه اليهود المعاصرين ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ومن على شاكلتهم في الفسوق والعصيان من المشركين ، ~~إلى سنة من سنن الله في خلقه ، وهي أن الإفساد عاقبته الخسران. # فعلى اليهود وغيرهم من الناس أن يتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم الذي ثبتت ~~نبوته ثبوتا لا شك فيه ، لكي يسعدوا في دنياهم وآخرتهم. # ثم أشار سبحانه إلى الفائدة الثالثة من هذا الإخبار ، وهي أن الأمم ~~المغلوبة على أمرها. تستطيع أن تسترد مجدها ، متى أصلحت من شأن أنفسها ، ~~ومتى استقامت على ms3484 أمر الله تعالى فقال سبحانه : ( @QUR@011 ثم رددنا لكم ~~الكرة عليهم ، وأمددناكم بأموال وبنين ، وجعلناكم أكثر نفيرا ). # ففي هذه الآية الكريمة تذكير لبنى إسرائيل بجملة من نعم الله عليهم ، بعد ~~أن أصابهم ما أصابهم من أعدائهم. # أما النعمة الأولى فقد عبر عنها سبحانه بقوله : ( @QUR@05 ثم رددنا لكم ~~الكرة عليهم ). # والكرة : المرة من الشيء : وأصلها من الكر وهو الرجوع ، مصدر كريكر من ~~باب قتل ، يقال : كر الفارس كرا ، إذا فر للجولان ثم عاد للقتال. # والمراد بالكرة هنا : الدولة والغلبة على سبيل المجاز. # أى : ثم أعدنا لكم يا بنى إسرائيل الدولة والغلبة على أعدائكم الذين ~~قهروكم وأذلوكم ، بعد أن أحسنتم العمل ، ورجعتم إلى الله تعالى واتبعتم ما ~~جاءكم به رسلكم. # والتعبير بثم لإفادة الفرق الشاسع بين ما كانوا فيه من ذل وهوان ، وما ~~أفاءه الله عليهم بعد ذلك من نصر وظفر. # قال أبو حيان : وجعل سبحانه ( @QUR@01 رددنا ) موضع نرد إذ وقت إخبارهم لم يقع PageV08P292 # الأمر بعد لأنه لما كان وعد الله في غاية الثقة في كونه سيقع ، عبر عن ~~المستقبل بالماضي (1). # وأما النعمة الثانية فقد عبر عنها سبحانه بقوله : ( @QUR@03 وأمددناكم ~~بأموال وبنين ). # أى : لم نكتف بأن جعلنا النصر لكم على أعدائكم ، بل فضلا عن ذلك ، ~~أمددناكم بالكثير من الأموال والأولاد ، بعد أن نهب أعداؤكم أموالكم ، ~~وقتلوا الكثيرين من أبنائكم. # وأما النعمة الثالثة فتتجلى في قوله تعالى : ( @QUR@03 وجعلناكم أكثر ~~نفيرا ). # والنفير : من ينفر مع الرجل من قومه لنصرته ومؤازرته ، وهو منصوب على ~~التمييز. والمفضل عليه محذوف ، والتقدير : وجعلناكم أكثر عددا وقوة من ~~أعدائكم الذين جاسوا خلال دياركم .. # فمن الواجب عليكم أن تقدروا هذه النعم ، وأن تحسنوا الاستفادة منها ، بأن ~~تشكروا الله تعالى وتخلصوا له العبادة والطاعة ، فقد نصركم بعد هزيمتكم ، ~~وأغناكم بعد فقركم ، وكثركم بعد قتلكم. # ثم ساق سبحانه بعد ذلك سنة من سننه التي لا تتخلف ، وهي أن الإحسان ~~عاقبته الفلاح ، والعصيان عاقبته الخسران ، وأن كل إنسان مسئول عن عمله ، ~~ونتائج هذا العمل سواء أكانت خيرا أم شرا لا تعود إلا عليه ، فقال ms3485 تعالى : ~~( @QUR@07 إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ، وإن أسأتم فلها ). # أى : إن أحسنتم أيها الناس أعمالكم ، بأن أديتموها بالطريقة التي ترضى ~~الله تعالى أفلحتم وسعدتم ، وجنيتم الثمار الطيبة التي تترتب على هذا ~~الإحسان للعمل ، وإن أسأتم أعمالكم ، بأن آثرتم الأعمال السيئة على الأعمال ~~الحسنة ، خسرتم وشقيتم وتحملتم وحدكم النتائج الوخيمة التي تترتب على إتيان ~~الأعمال التي لا ترضى الله تعالى . # وقد رأيتم كيف أن الإفساد كانت عاقبته أن ( @QUR@010 بعثنا عليكم عبادا ~~لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار ). # وكيف أن الإحسان كانت عاقبته أن ( @QUR@03 رددنا لكم الكرة ) على أعدائكم ~~( @QUR@06 وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا ). # قال صاحب البحر ما ملخصه : وجواب «وإن أسأتم» قوله «فلها» وهو خبر لمبتدأ ~~محذوف أى : فالإساءة لها. قال الكرماني : قال سبحانه : ( @QUR@01 فلها ) ~~باللام ازدواجا. PageV08P293 # أى : أنه قابل ( @QUR@01 لأنفسكم ) بقوله ( @QUR@01 فلها ). وقال الطبري ~~اللام بمعنى إلى أى : فإليها ترجع الإساءة. # وقيل : اللام بمعنى على. أى : فعليها ، كما في قول الشاعر : فخر صريعا ~~لليدين وللفم (1). # ثم بين سبحانه ما يحل بهم من دمار ، بعد إفسادهم للمرة الثانية ، فقال ~~تعالى : ( @QUR@016 فإذا جاء وعد الآخرة ، ليسوؤا وجوهكم ، وليدخلوا المسجد ~~كما دخلوه أول مرة ، وليتبروا ما علوا تتبيرا ). # والكلام أيضا هنا على حذف مضاف ، وجواب إذا محذوف دل عليه ما تقدم وهو ~~قوله ( @QUR@04 بعثنا عليكم عبادا لنا ) فإذا جاء وقت عقوبتكم يا بنى ~~إسرائيل على إفسادكم الثاني في الأرض ، بعثنا عليكم أعداءكم ليسوءوا وجوهكم ~~أى : ليجعلوا آثار المساءة والحزن بادية على وجوهكم ، من شدة ما تلقونه ~~منهم من إيداء وقتل. # قال الجمل ما ملخصه : وقوله ( @QUR@01 ليسوؤا ) الواو للعباد أولى البأس ~~الشديد. # وفي عود الواو على العباد نوع استخدام ، إذ المراد بهم أولا جالوت وجنوده ~~، والمراد بهم هنا بختنصر وجنوده. # وقرأ ابن عامر وحمزة بالياء المفتوحة والهمزة المفتوحة آخر الفعل ليسوء ~~والفاعل إما الله تعالى وإما الوعد ، وإما البعث. # وقرأ الكسائي لنسوء بنون العظمة. أى : لنسوء نحن وهو موافق لما قبله ، من ~~قوله : بعثنا ، ورددنا ، وأمددنا ، ولما بعده من قوله : عدنا ، وجعلنا ، ~~وقرأ ms3486 الباقون. ليسوءوا ، مسندا إلى ضمير الجمع العائد على العباد ، وهو ~~موافق لما بعده من قوله : ( @QUR@03 وليدخلوا المسجد وليتبروا ) (2). # وقال الإمام الرازي : ويقال ساءه يسوءه إذا أحزنه ، وإنما عزا سبحانه ~~الإساءة إلى الوجوه ، لأن آثار الأعراض النفسية الحاصلة في القلب إنما تظهر ~~على الوجه ، فإن حصل الفرح في القلب ظهر الإشراق في الوجه ، وإن حصل الحزن ~~والخوف في القلب ، ظهر الكلوح في الوجه (3). # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة ) معطوف على ~~ما قبله وهو قوله سبحانه ( @QUR@02 ليسوؤا وجوهكم ). PageV08P294 # والمراد بالمسجد : المسجد الأقصى الذي ببيت المقدس ، وقوله «كما دخلوه» ~~صفة لمصدر محذوف. # والمعنى : وليدخلوا المسجد دخولا كائنا كدخولهم إياه أول مرة. # قال أبو حيان : ومعنى ( @QUR@04 كما دخلوه أول مرة ) أى بالسيف والقهر ~~والغلبة والإذلال (1). # أى : أن المراد من التشبيه ، بيان أن الأعداء في كل مرة أذلوا بنى ~~إسرائيل وقتلوهم وقهروهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 وليتبروا ما علوا تتبيرا ) يشعر بشدة العقوبة ~~التي أنزلها أولئك العباد ببني إسرائيل ، إذ التتبير معناه الإهلاك ~~والتدمير والتخريب لكل ما تقع عليه. ومنه قول الشاعر : # وما الناس إلا عاملان فعامل %~% يتبر ما يبنى وآخر رافع # أى : يخرب ويهد ما يبنى. # و «ما» في قوله ( @QUR@02 ما علوا ) اسم موصول مفعول يتبروا : وهو عبارة ~~عن البلاد والأماكن التي هدموها ، والعائد محذوف ، وتتبيرا مفعول مطلق مؤكد ~~لعامله. # أى : وليدمرا ويخربوا البلاد والأماكن التي علوا عليها ، وصارت في حوزتهم ~~، تدميرا تاما لا مزيد عليه. # وبذلك نرى أن العباد الذين سلطهم الله تعالى على بنى إسرائيل ، عقب ~~إفسادهم الثاني في الأرض ، لم يكتفوا بجوس الديار ، بل أضافوا إلى ذلك ~~إلقاء الحزن والرعب في قلوبهم ، ودخول المسجد الأقصى فاتحين ومخربين ، ~~وتدمير كل ما وقعت عليه أيديهم تدميرا فظيعا لا يوصف. # ثم ختم سبحانه الآيات الكريمة ببيان أن هذا الدمار الذي حل ببني إسرائيل ~~بسبب إفسادهم في الأرض مرتين ، قد يكون طريقا لرحمتهم ، وسببا في توبتهم ~~وإنابتهم ، إن فتحوا قلوبهم للحق ، واعتبروا بالأحداث الماضية ، وفهموا عن ~~الله تعالى سنته التي لا تتخلف ، وهي أن ms3487 الإحسان يؤدى إلى الفلاح والظفر ، ~~والإفساد يؤدى إلى الخسران والهلاك. # وقد عبر القرآن الكريم عن هذه المعاني أبلغ تعبير وأحكمه. فقال تعالى : ( ~~@QUR@011 عسى ربكم أن يرحمكم ، وإن عدتم عدنا ، وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ). PageV08P295 # أى : عسى ربكم أن يرحمكم : ويعفو عنكم يا بنى إسرائيل متى أخلصتم له ~~العبادة والطاعة ، وأصلحتم أقوالكم وأعمالكم ، فقد علمتم أنه سبحانه لا ~~ينزل بلاء إلا بذنب ، ولا يرفعه إلا بتوبة. # قال : أبو حيان : وهذه الترجية ليست لرجوع دولة ، وإنما هي من باب ترحم ~~المطيع منهم ، وكان من الطاعة أن يتبعوا عيسى ومحمدا عليهما السلام ولكنهم ~~لم يفعلوا (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 وإن عدتم عدنا ) إنذار لهم بإنزال العقوبات ~~عليهم ، إن عادوا إلى فسادهم وإفسادهم. # أى : وإن عدتم إلى المعاصي ومخالفة أمرى ، وانتهاك حرماتى ، بعد أن ~~تداركتكم رحمتي ، عدنا عليكم بالقتل والتعذيب وخراب الديار. # ولقد عادوا إلى الكفر والفسوق والعصيان ، حيث أعرضوا عن دعوة الحق التي ~~جاءهم بها الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولم يكتفوا بهذا الإعراض بل هموا بقتله ~~صلى الله عليه وسلم وأيدوا كل متربص بالإسلام والمسلمين ، فكانت نتيجة ذلك أن ~~عاقبهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بما يستحقون من إجلاء وتشريد وقتل .. # قال ابن عباس رضى الله عنهما : «عادوا فسلط الله عليهم المؤمنين». # ثم بين سبحانه عقوبتهم في الآخرة فقال : ( @QUR@04 وجعلنا جهنم للكافرين ~~حصيرا ) أى : إن عدتم إلى معصيتنا في الدنيا عدنا عليكم بالعقوبة الرادعة ، ~~أما في الآخرة فقد جعلنا جهنم للكافرين منكم ومن غيركم «حصيرا» أى : سجنا ~~حاصرا لكم لا تستطيعون الهروب منه ، أو الفكاك عنه ، أو فراشا تفترشونه ، ~~كما قال تعالى : ( @QUR@010 لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش. وكذلك نجزي ~~الظالمين ). # قال بعض العلماء : قوله ( @QUR@01 حصيرا ) فيه وجهان : الأول : أن الحصير ~~المحبس والسجن. من الحصر وهو الحبس : يقال حصره يحصره حصرا ، إذا ضيق عليه ~~وأحاط به. # والثاني أن الحصير : البساط والفراش ، من الحصير الذي يفرش ، لأن العرب ~~تسمى البساط الصغير حصيرا ..» (2). # وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد حكت لنا قضاء الله تعالى في بنى ms3488 إسرائيل ، ~~وساقت لنا لكي نعتبر ونتعظ ألوانا من سنن الله تعالى التي لا تتخلف ، والتي ~~من أبرزها أن PageV08P296 # الإيمان والصلاح عاقبتهما الفلاح ، وأن الكفر والفساد عاقبتهما الشقاء ، ~~ولعذاب الآخرة أشد وأبقى. # هذا ، والذي يراجع ما قاله المفسرون في بيان العباد الذين سلطهم الله ~~تعالى على بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول والثاني في الأرض ، يرى أقوالا ~~متعددة يبدو على كثير منها الاضطراب والضعف (1). # ومن ذلك ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس وابن مسعود رضى الله عنهما أن ~~الله تعالى عهد إلى بنى إسرائيل في التوراة ( @QUR@04 لتفسدن في الأرض ~~مرتين ) فكان أول الفسادين قتل زكريا ، فبعث الله عليهم ملك النبط ، وكان ~~يدعى «صحابين» فبعث الجنود ، وكانوا من أهل فارس .. فتحصنت بنو إسرائيل .. ~~ودخل فيهم «بختنصر» أحد جنود صحابين وسمع أقوالهم .. إلخ (2). # وهذا الأثر من وجوه ضعفه ، أن غزو النبط ومعهم بختنصر لبنى إسرائيل سابق ~~على زمان زكريا عليه السلام بحوالى ستة قرون. # لأن الثابت تاريخيا أن بختنصر غزا بنى إسرائيل وانتصر عليهم ثلاث مرات : ~~الأولى في سنة 606 ق. م والثانية في سنة 599 ق. م ، والثالثة في سنة 588 ق. م. # وفي هذه المرة الثالثة أكثر القتل فيهم ، وساق الأحياء منهم أسارى إلى ~~أرض بابل. # أما زكريا عليه السلام فمن المعروف أنه كان معاصرا لعيسى عليه السلام أو ~~مقاربا لعصره : فقد أخبرنا القرآن الكريم أن زكريا هو الذي تولى كفالة مريم ~~أم عيسى. # وإذا فالقول بأن إفسادهم الأول كان لقتلهم زكريا ، وأن المسلط عليهم ملك ~~النبط ومع «بختنصر» يتنافى مع الحقائق التاريخية. # وفضلا عن ذلك ، فإن هذا الأثر اضطرابه ظاهر ، لأن «صحابين» ملك النبط ، ~~هو الذي يسميه المؤرخون «سنحاريب» وكان ملكا للأشوريين ، وهو الذي غزا ~~مملكة يهوذا سنة 713 ق. م أى قبل غزو بختنصر لها بأكثر من مائة سنة ، أى : ~~أن بختنصر لم يكن معاصرا له. # والرأى الذي نختاره : هو أن العباد الذين سلطهم الله على بنى إسرائيل بعد ~~إفسادهم PageV08P297 # الأول ، هم جالوت وجنوده. ونستند في اختيارنا لهذا الرأى ms3489 إلى أمور من ~~أهمها ما يلي :. # 1 ذكر القرآن الكريم في سورة البقرة ، عند عرضه لقصة القتال الذي دار بين ~~طالوت قائد بنى إسرائيل ، وبين «جالوت» قائد أعدائهم ، ما يدل على أن بنى ~~إسرائيل كانوا قبل ذلك مقهورين مهزومين من أعدائهم. # ويتجلى هذا المعنى في قوله تعالى : ( @QUR@043 ألم تر إلى الملإ من بني ~~إسرائيل من بعد موسى ، إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ~~، قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل ~~في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا .. ). # فقولهم كما حكى القرآن عنهم ( @QUR@012 وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله ~~وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا .. ) يدل دلالة قوية ، على أنهم كانوا قبل ~~قتالهم لجالوت مهزومين هزيمة اضطرتهم إلى الخروج عن ديارهم ، وإلى مفارقة ~~أبنائهم. # 2 قوله تعالى : ( @QUR@05 ثم رددنا لكم الكرة عليهم ) صريح في أن الله ~~تعالى نصر بنى إسرائيل بعد أن تابوا وأنابوا على أعدائهم. # وهذا المعنى ينطبق على ما قصه القرآن علينا ، من أن بنى إسرائيل بقيادة ~~طالوت قد انتصروا على جالوت وجنوده .. # قال تعالى : ( @QUR@02 ولما برزوا ) (1) ( @QUR@026 لجالوت وجنوده ، ~~قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا ، وثبت أقدامنا ، وانصرنا على القوم الكافرين. ~~فهزموهم بإذن الله ، وقتل داود جالوت ، وآتاه الله الملك والحكمة ، وعلمه ~~مما يشاء .. ). # ولقد كان هذا النصر نعمة كبرى لبنى إسرائيل ، فقد جاءهم بعد أن أخرجوا من ~~ديارهم وأبنائهم ، وبعد أن اعترضوا على اختيار طالوت ملكا عليهم ، وبعد أن ~~قاتل مع طالوت عدد قليل منهم. ولا شك أن النصر في هذه الحالة ، أدعى لطاعة ~~الله تعالى وشكره على آلائه. # 3 قوله تعالى : ( @QUR@06 وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا ) ~~أكثر ما يكون انطباقا على عهد حكم طالوت ، وداود ، وسليمان لهم. # ففي هذا العهد الذي دام زهاء ثمانين سنة ، ازدهرت مملكتهم ، وعز سلطانهم ~~وأمدهم الله خلاله بالأموال الوفيرة ، وبالبنين الكثيرة ، وجعلهم أكثر من ~~أعدائهم عددا وقوة. PageV08P298 # أما بعد هذا العهد ، بل وقبل هذا العهد ، فقد كانت حياتهم سلسلة ms3490 من ~~المآسى والنكبات .. # فبعد موت سليمان عليه السلام سنة 975 ق. م تقريبا ، انقسمت مملكتهم إلى ~~قسمين : مملكة يهوذا في الجنوب ، ومملكة إسرائيل في الشمال ، واستمرتا في ~~صراع ونزاع حتى قضى الآشوريون سنة 721 ق. م على مملكة إسرائيل ، وقضى ~~«بختنصر» على مملكة يهوذا سنة 588 ق. م. # 4 ذكر بعض المفسرين أن العباد الذين سلطهم الله عليهم بعد إفسادهم الأول ~~هم جالوت وجنوده. # أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن ابن عباس في قوله : ( @QUR@011 فإذا جاء ~~وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد ) قال : بعث الله عليهم ~~في الأولى جالوت ، فجاس خلال ديارهم ، فسألوا الله تعالى أن يبعث لهم ملكا ~~، فبعث لهم طالوت ، فقاتلوا جالوت ، وانتصروا عليه ، وقتل داود جالوت ، ~~ورجع إلى بنى إسرائيل ملكهم. فلما أفسدوا بعث الله عليهم في المرة الآخرة ~~«بختنصر» فخرب المساجد ، وتبر ما علوا تتبيرا .. (1). # هذه بعض الأدلة التي تجعلنا نرجح أن المراد بالعباد الذين سلطهم الله ~~تعالى على بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول في الأرض ، هم جالوت وجنوده. # أما العباد الذين سلطهم الله عليهم بعد إفسادهم الثاني ، فيرى كثير من ~~المفسرين أنهم «بختنصر» وجنوده. # وهذا الرأى ليس ببعيد عن الصواب ، لما ذكرنا قبل ذلك من تنكيله بهم ، ~~وسوقهم أسارى إلى بابل سنة 588 ق. م. # إلا أننا نؤثر على هذا الرأى ، أن يكون المسلط عليهم بعد إفسادهم الثاني ~~، هم الرومان بقيادة زعيمهم ، تيطس سنة 70 م. لأمور من أهمها :. # 1 أن الذي يتتبع التاريخ يرى أن رذائل بنى إسرائيل في الفترة التي سبقت ~~تنكيل «تبطس» بهم ، أشد وأكبر من الرذائل التي سبقت إذلال «بختنصر» لهم. ~~فهم على سبيل المثال قبيل بطش الرومان بهم ، كانوا قد قتلوا من أنبياء الله ~~زكريا ويحيى عليهما السلام ، وكانوا قد حاولوا قتل عيسى عليه السلام ولكن ~~الله تعالى نجاه من شرورهم. PageV08P299 # 2 ضربات الرومان في ذاتها كانت أشد وأقسى على بنى إسرائيل. من ضربات ~~«بختنصر» لهم. # فمثلا عدد القتلى من اليهود على يد الرومان بقيادة «تيطس» ms3491 بلغ مليون قتيل ~~، وبلغ عدد الأسرى نحو مائة ألف أسير (1). # بينما عدد القتلى والأسرى منهم على يد «بختنصر» كان أقل من هذا العدد بكثير. # ولقد وصف المؤرخون النكبة التي أوقعها الرومان بهم ، بأوصاف تفوق بكثير ~~ما أوقعه البابليون بقيادة بختنصر بهم. # يقول أحد الكتاب واصفا ما حل باليهود على يد «تيطس» الرومانى : كان ~~«تيطس» في الثلاثين من عمره ، حين وقف سنة 70 م أمام أسوار أورشليم على رأس ~~جيشه ، بعد أن بدأت المدينة تعانى من أهوال الحصار. # وبعد أن اقتحم «تيطس» وجنوده المدينة ، أصدر أمره إليهم : أن احرقوا ~~وانهبوا واقتلوا ، فأموال اليهود وأعراضهم حلال لكم ، وقد أحرق الرومان ~~معبد اليهود ودمروه ، وتحققت نبوءة المسيح عليه السلام حين قال : ستلقى هذه ~~الأرض بؤسا وعنتا ، وسيحل الغضب على أهلها ، وسيسقطون صرعى على حد السيف ، ~~ويسيرون عبيدا إلى كل مصر ، وستطأ أورشليم الأقدام (2). # 3 النكبة التي أنزلها الرومان بهم من حيث آثارها أشنع بكثير من النكبة ~~التي أنزلها بختنصر بهم. لأنهم بعد تنكيل بختنصر بهم وأخذهم أسرى إلى بلاده ~~وبقائهم في الأسر زهاء خمسين سنة عادوا إلى ديارهم مرة أخرى ، بمساعدة ~~«قورش» ملك الفرس ، الذي انتصر على «بختنصر» سنة 538 ق. م تقريبا ، وبدءوا ~~يتكاثرون من جديد. # أما بعد تنكيل «تيطس» بهم فلم تقم لهم قائمة ، ومزقوا في الأرض شر ممزق ، ~~وانقطع دابرهم كأمة. # وقد صرح بهذا المعنى صاحب تاريخ الإسرائيليين فقال بعد وصفه لما أوقعه ~~«تيطس» بهم من ضربات : إلى هنا ينتهى تاريخ الإسرائيليين كأمة ، فإنهم بعد ~~خراب أورشليم على يد «تيطس» تفرقوا في جميع بلاد الله ، وتاريخهم بعد ذلك ~~ملحق بتاريخ الممالك التي توطنوها أو نزلوا فيها (3)... PageV08P300 # ولهذه الأسباب نرجح أن يكون العباد الذين سلطهم الله على بنى إسرائيل بعد ~~إفسادهم الثاني في الأرض ، هم الرومان بقيادة «تيطس». # هذا ، ومع ترجيحنا بأن المسلط عليهم في المرة الأولى ، هم جالوت وجنوده ~~وفي المرة الثانية هم الرومان بقيادة «تيطس». # أقول مع ترجيحنا لذلك ، إلا أننا نحب في نهاية حديثنا عن هذه الآيات ~~الكريمة ms3492 ، أن نقرر ما يأتى : # 1 أنه لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث في بيان المراد بالعباد ~~الذين سلطهم الله على بنى إسرائيل عقب مرتى إفسادهم ، وإلا لذكره المفسرون. # 2 أن الإفساد في الأرض قد حدث كثيرا من بنى إسرائيل ، وأن المقصود من ~~قوله تعالى ( @QUR@04 لتفسدن في الأرض مرتين ) إنما هو أظهر وأبرز مرتين ~~حدث فيهما الإفساد منهم. # ومما يدل على أن هذا الإفساد قد تكرر منهم قوله تعالى : ( @QUR@03 وإن ~~عدتم عدنا ) وقوله تعالى : ( @QUR@012 وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم ~~القيامة من يسومهم سوء العذاب ) (1). # 3 أن المقصود من سياق الآيات ، إنما هو بيان سنة من سنن الله في الأمم ~~حال صلاحها وفسادها. # وقد ساق القرآن الكريم هذا المعنى بأحكم عبارة ، وذلك في قوله تعالى : ( ~~@QUR@07 إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ). # ولا شك أن هذه السنة ماضية في الأمم دون تبديل أو تحويل في كل زمان ومكان. # وما دام هذا هو المقصود ، ففهمه لا يتوقف على تحديد مرتى إفسادهم ، ~~وتحديد المسلط عليهم عقب كل مرة. # ويعجبني في هذا المقام ، قول الإمام ابن كثير : «وقد وردت في هذا أى في ~~المسلط عليهم في المرتين آثار كثيرة إسرائيلية ، لم أر تطويل الكتاب بذكرها ~~، لأن منها ما هو موضوع من وضع زنادقتهم ، ومنها ما قد يحتمل أن يكون صحيحا ~~، ونحن في غنية عنها ، ولله الحمد ، وفيما قص الله علينا في كتابه غنية عما ~~سواه من بقية الكتب قبله ، ولم يحوجنا الله ولا رسوله إليهم. وقد أخبر الله ~~تعالى أنهم لما بغوا وطغوا سلط عليهم عدوهم ، فاستباح بيضتهم وسلك PageV08P301 # خلال بيوتهم وأذلهم وقهرهم ، جزاء وفاقا ، وما ربك بظلام للعبيد ، فإنهم ~~كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقا من الأنبياء والعلماء» (1). # وقول الإمام الرازي : «واعلم أنه لا يتعلق كثير غرض في معرفة أولئك ~~الأقوام بأعيانهم ، بل المقصود هو أنهم لما أكثروا من المعاصي. سلط عليهم ~~أقواما قتلوهم وأفنوهم» (2). # وقد بسطنا في تفسير هذه الآيات الكريمة ، بصورة أكثر تفصيلا في غير هذا ~~المكان ms3493 ، فليرجع إليه من شاء الاستزادة (3). # وبعد أن بين سبحانه أنه قد آتى موسى عليه السلام التوراة لتكون هداية لبنى ~~إسرائيل ، وأنه عز وجل قد قضى فيهم بقضائه العادل. أتبع ذلك بالثناء على ~~القرآن الكريم ، فقال تعالى : # ( @QUR@016 إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون ~~الصالحات أن لهم أجرا كبيرا (9) @QUR@09 وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~أعتدنا لهم عذابا أليما ) (10) # قال الفخر الرازي : اعلم أنه تعالى لما شرح ما فعله في حق عباده المخلصين ~~، وهو الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإيتاء الكتاب لموسى ~~عليه السلام ، وما فعله في حق العصاة والمتمردين وهو تسليط أنواع البلاء ~~عليهم ، كان ذلك تنبيها على أن طاعة الله توجب كل خير وكرامة ، ومعصيته ~~توجب كل بلية وغرامة ، لا جرم أثنى سبحانه على القرآن فقال : ( @QUR@07 إن ~~هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) (4). # والفعل ( @QUR@01 يهدي ) مأخوذ من الهداية ، ومعناها : الإرشاد والدلالة ~~بلطف إلى ما يوصل إلى البغية. والمفعول محذوف. أى : يهدى الناس. PageV08P302 # وقوله سبحانه ( @QUR@03 للتي هي أقوم ) صفة لموصوف محذوف ، أى يهدى الناس ~~إلى الطريقة أو الملة التي هي أقوم. # قال صاحب الكشاف : ( @QUR@03 للتي هي أقوم ) أى : للحالة التي هي أقوم ~~الحالات وأسدها ، أو للملة أو للطريقة. وأينما قدرت لم تجد مع الإثبات ذوق ~~البلاغة الذي تجده مع الحذف ، لما في إيهام الموصوف بحذفه من فخامة تفقد مع ~~إيضاحه (1). # والمعنى : إن هذا القرآن الكريم ، الذي أنزله الله تعالى عليك يا محمد ~~صلى الله عليه وسلم ، يرشد الناس ويدلهم ويهديهم في جميع شئونهم الدينية ~~والدنيوية إلى الملة التي هي أقوم الملل وأعدلها ، وهي ملة الإسلام. فمنهم ~~من يستجيب لهذه الهداية فيظفر بالسعادة ، ومنهم من يعرض عنها فيبوء ~~بالشقاء. # قال صاحب الظلال ما ملخصه : إن هذا القرآن يهدى للتي هي أقوم في عالم ~~الضمير والشعور ، بالعقيدة الواضحة التي لا تعقيد فيها ولا غموض ، والتي ~~تطلق الروح من أثقال الوهم والخرافة ، وتطلق الطاقات البشرية الصالحة للعمل ~~والبناء ، وتربط بين نواميس الكون الطبيعية ، ونواميس الفطرة البشرية في ~~تناسق ms3494 واتساق. # ويهدى للتي هي أقوم ، في التنسيق بين ظاهر الإنسان وباطنه ، وبين مشاعره ~~وسلوكه ، وبين عقيدته وعمله. # ويهدى للتي هي أقوم في عالم العبادة ، بالموازنة بين التكاليف والطاقة ، ~~فلا تشق التكاليف على النفس حتى تمل ، ولا تسهل حتى تشيع في النفس الرخاوة ~~والاستهتار ، ولا تتجاوز القصد والاعتدال وحدود الاحتمال. # ويهدى للتي هي أقوم ، في علاقات الناس بعضهم ببعض : أفرادا وأزواجا ~~وحكومات وشعوبا ، ودولا وأجناسا. # ويهدى للتي هي أقوم في نظام الحكم ، ونظام المال ، ونظام الاجتماع ، ~~ونظام التعامل .. (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم ~~أجرا كبيرا ) صفة ثانية من صفات القرآن الكريم. # أى : أن هذا القرآن بجانب هدايته للتي هي أقوم ، فهو أيضا يبشر المؤمنين الذين PageV08P303 # يعملون الأعمال الصالحات بأن لهم أجرا كبيرا من خالقهم عز وجل : أجرا ~~كبيرا لا يعلم مقداره إلا مسديه ومانحه ، وهو الله رب العالمين. # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا ~~أليما ) بيان لسوء عاقبة الذين لا يستجيبون لهداية القرآن الكريم ، وهو ~~معطوف على قوله تعالى : ( @QUR@04 أن لهم أجرا كبيرا ). # أى : أن هذا القرآن يبشر المؤمنين بالأجر الكبير ، ويبشر على سبيل التهكم ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة وما فيها من حساب وثواب وعقاب بالعذاب الأليم. # قال الآلوسى ما ملخصه : وتخصيص الآخرة بالذكر من بين سائر ما لم يؤمن به ~~الكفرة ، لكونها أعظم ما أمروا بالإيمان به ، ولمراعاة التناسب بين أعمالهم ~~وجزائها ، الذي أنبأ عنه قوله تعالى : ( @QUR@04 أعتدنا لهم عذابا أليما ) ~~وهو عذاب جهنم. أى : أعددنا وهيأنا لهم ، فيما كفروا به وأنكروا وجوده من ~~الآخرة عذابا أليما. # والآية معطوفة على قوله ( @QUR@04 أن لهم أجرا كبيرا ) فيكون إعداد ~~العذاب الأليم للذين لا يؤمنون بالآخرة مبشرا به كثبوت الأجر الكبير ~~للمؤمنين ، ومصيبة العدو سرور يبشر به ، فكأنه قيل : يبشر المؤمنين بثوابهم ~~وعقاب أعدائهم .. (1). # ثم بين سبحانه بعض الأحوال التي قد يقدم الإنسان فيها على طلب ما يضره ~~بسبب عجلته واندفاعه فقال تعالى :. # ( @QUR@08 ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا ) (11) # والمراد بالإنسان هنا : الجنس ms3495 وليس واحدا معينا. # قال الآلوسى : وقوله : ( @QUR@02 دعاءه بالخير ) أى : دعاء كدعائه بالخير ~~، فحذف الموصوف وحرف التشبيه وانتصب المجرور على المصدرية (2). # والمعنى : ويدعو الإنسان حال غضبه وضجره ، على نفسه ، أو على غيره ، ( ~~@QUR@01 بالشر ) كأن يقول : «اللهم أهلكنى ، أو أهلك فلانا ..». PageV08P304 # ( @QUR@02 دعاءه بالخير ) أى : يدعو بالشر على نفسه أو على غيره ، كدعائه ~~بالخير ، كأن يقول : اللهم اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين. # قال ابن كثير : يخبر تعالى عن عجلة الإنسان ، ودعائه في بعض الأحيان على ~~نفسه أو ولده ، أو ماله ، ( @QUR@01 بالشر ) أى : بالموت أو الهلاك والدمار ~~واللعنة ونحو ذلك ، فلو استجاب له ربه لهلك بدعائه ، كما قال تعالى :. # ( @QUR@010 ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم .. ). # وفي الحديث : «لا تدعوا على أنفسكم ولا على أموالكم ، أن توافقوا من الله ~~ساعة إجابة يستجيب فيها» (1). # وقيل المراد بالإنسان هنا : الكافر ، أو الفاسق الذي يدعو الله تعالى ~~بالشر ، كأن يسأله بأن ييسر له أمرا محرما كالقتل والسرقة والزنا وما يشبه ذلك. # وقد أشار القرطبي إلى هذا الوجه بقوله : «وقيل نزلت في النضر بن الحارث ، ~~كان يدعو ويقول كما حكى القرآن عنه : ( @QUR@017 اللهم إن كان هذا هو الحق ~~من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ، أو ائتنا بعذاب أليم ). # وقيل : هو أن يدعو في طلب المحظور ، كما يدعو في طلب المباح. كما في قول ~~الشاعر : # أطوف بالبيت فيمن يطوف %~% وأرفع من مئزرى المسبل واسجل بالليل حتى الصباح %~% وأتلو من المحكم المنزل عسى فارج الهم عن يوسف %~% يسخر لي ربة المحمل (2) # ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب ، لأنه المأثور عن بعض الصحابة ~~والتابعين وهم أدرى بتفسير كتاب الله من غيرهم. # قال ابن جرير رحمه الله عند تفسيره لهذه الآية : عن ابن عباس قال في قوله ~~تعالى : ( @QUR@05 ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير .. ) يعنى قول الإنسان ~~اللهم العنه واغضب عليه ، فلو يعجل له الله ذلك كما يعجل له الخير لهلك ... # وقال قتادة : يدعو على ماله فيلعن ماله ، ويدعو على ولده ، ولو استجاب ~~الله له لأهلكه. # وقال مجاهد ms3496 : ذلك دعاء الإنسان بالشر على ولده وعلى امرأته ولا يحب أن ~~يجاب (3). PageV08P305 # وقوله تعالى : ( @QUR@03 وكان الإنسان عجولا ) بيان للسبب الذي حمل ~~الإنسان على أن يدعو بالشر كما يدعو بالخير. # والعجول من العجل بفتح العين والجيم وهو الإسراع في طلب الشيء قبل وقته. # يقال : عجل بزنة تعب يعجل فهو عجلان ، إذا أسرع. # أى : وكان الإنسان متسرعا في طلب كل ما يقع في قلبه ، ويخطر بباله ، لا ~~يتأنى فيه تأنى المتبصر ، ولا يتأمل تأمل المتدبر. # وشبيه بهذه الجملة قوله تعالى : ( @QUR@08 خلق الإنسان من عجل ، سأريكم ~~آياتي فلا تستعجلون ) (1). # ثم ساق سبحانه ما يدل على كمال قدرته ، وسعة رحمته بعباده ، ومجازاتهم ~~على أعمالهم يوم القيامة فقال تعالى :. # ( @QUR@023 وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية ~~النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء ~~فصلناه تفصيلا (12) @QUR@013 وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم ~~القيامة كتابا يلقاه منشورا (13) @QUR@07 اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك ~~حسيبا (14) @QUR@021 من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ~~ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) (15) PageV08P306 # قال أبو حيان : قوله تعالى ( @QUR@04 وجعلنا الليل والنهار آيتين .. ) ~~لما ذكر سبحانه القرآن وأنه هاد إلى الطريقة المستقيمة ، ذكر ما أنعم به ~~مما لم يمكن الانتفاع إلا به ، وما دل على توحيده من عجائب العالم العلوي. ~~وأيضا لما ذكر عجلة الإنسان ، وانتقاله من حال إلى حال ذكر أن كل هذا ~~العالم كذلك في الانتقال لا يثبت على حال ، فنور عقب ظلمة وبالعكس ، ~~وازدياد نور وانتقاص آخر (1). # والمراد بالآيتين هنا : العلامتان الواضحتان ، الدالتان على قدرة الله ~~تعالى ووحدانيته. # وقوله : ( @QUR@01 فمحونا ) من المحو بمعنى إزالة أثر الشيء ، يقال : محا ~~فلان الشيء محوا من باب قتل إذا أزال أثره. # وللعلماء في تفسير هذه الآية اتجاهات : أما الاتجاه الأول فيرى أصحابه ، ~~أن المراد بالآيتين : نفس الليل والنهار ، وأن الكلام ليس فيه حذف. # فيكون المعنى : وجعلنا الليل والنهار بهيئاتهما الثابتة ، وتعاقبهما ~~الدائم ، واختلافهما طولا وقصرا آيتين كونيتين ms3497 كبيرتين ، دالتين على أن ~~لهما صانعا قادرا ، حكيما ، هو الله رب العالمين. # وقوله سبحانه ( @QUR@03 فمحونا آية الليل ) أى : فجعلنا الآية التي هي ~~الليل. ممحوة الضوء ، مظلمة الهيئة ، مختفية فيها الأشياء ، ساكنة فيها ~~الحركات. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 وجعلنا آية النهار مبصرة ) أى : وجعلنا الآية ~~التي هي النهار مضيئة ، تبصر فيها الأشياء وترى بوضوح وجلاء. # وعلى هذا الاتجاه ، تكون إضافة الآية إلى الليل والنهار من إضافة الشيء ~~إلى نفسه ، مع اختلاف اللفظ ، تنزيلا لاختلاف اللفظ منزلة الاختلاف في ~~المعنى ، كما في قوله تعالى ( @QUR@02 شهر رمضان ) فرمضان هو نفس الشهر. # وأما الاتجاه الثاني فيرى أصحابه أن الكلام على حذف مضاف ، وأن المراد ~~بالآيتين : الشمس والقمر ، فيكون المعنى : وجعلنا نيرى الليل والنهار وهما ~~الشمس والقمر آيتين دالتين على قدرة الله تعالى ووحدانيته ، فمحونا آية ~~الليل وهي القمر ، بأن أزلنا عنه شعاعه وضياءه ، ولم نجعله كالشمس في ذلك ، ~~وجعلنا آية النهار وهي الشمس مبصرة ، أى : ذات شعاع وضياء يبصر في ضوئها ~~الشيء على حقيقته. PageV08P307 # وقد ذكر صاحب الكشاف هذين الوجهين دون أن يرجح بينهما فقال : قوله تعالى ~~: ( @QUR@04 وجعلنا الليل والنهار آيتين .. ) فيه وجهان : أحدهما : أن يراد ~~أن الليل والنهار آيتان في أنفسهما ، فتكون الإضافة في آية الليل وآية ~~النهار للتبيين ، كإضافة العدد إلى المعدود ، أى : فمحونا الآية التي هي ~~الليل ، وجعلنا الآية التي هي النهار مبصرة. # والثاني : أن يراد : وجعلنا نيرى الليل والنار آيتين ، يريد الشمس والقمر ... # أى : فمحونا آية الليل التي هي القمر ، حيث لم نخلق له شعاعا كشعاع الشمس ~~تبصر به الأشياء ، وجعلنا الشمس ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء (1). # والذي نراه : أن الاتجاه الأول أقرب إلى الصواب ، لأنه هو الظاهر من معنى ~~الآية الكريمة ؛ ولأنه لا يحتاج إلى تقدير ، وما كان كذلك أولى مما يحتاج ~~إلى تقدير ، ولأن الليل والنهار هما بذاتهما من أظهر العلامات والأدلة على ~~قدرة الله تعالى ووحدانيته. # وهناك عشرات الآيات القرآنية في هذا المعنى ، ومن ذلك قوله تعالى ( ~~@QUR@09 وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون ) (2). # وقوله ms3498 تعالى : ( @QUR@06 ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر ... ) (3). # وقال تعالى : ( @QUR@011 إن في خلق السماوات والأرض ، واختلاف الليل ~~والنهار ، لآيات لأولي الألباب ) (4) إلى غير ذلك من الآيات الكريمة التي ~~أوردها الله تعالى في هذا المعنى. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 لتبتغوا فضلا من ربكم ) بيان لمظهر من مظاهر ~~حكمته تعالى ورحمته بعباده. # والجملة الكريمة متعلقة بما قبلها ، وهو قوله سبحانه : ( @QUR@04 وجعلنا ~~آية النهار مبصرة ) أى : جعلنا النهار مضيئا ، لتطلبوا فيه ما تحتاجونه من ~~أمور معاشكم ، ومن الأرزاق التي قسمها الله بينكم. # قال الآلوسى ما ملخصه : وفي التعبير عن الرزق بالفضل ، وعن الكسب ~~بالابتغاء : دلالة على أنه ليس للعبد في تحصيل الرزق تأثير سوى الطلب ، ~~وإنما الإعطاء من الله تعالى PageV08P308 # بطريق التفضل .. (1). # وشبيه بهذه الجملة الكريمة قوله تعالى : ( @QUR@013 ومن رحمته جعل لكم ~~الليل والنهار ، لتسكنوا فيه ، ولتبتغوا من فضله ، ولعلكم تشكرون ). # فقوله تعالى : ( @QUR@02 لتسكنوا فيه ) يعود إلى الليل. وقوله تعالى : ( ~~@QUR@03 ولتبتغوا من فضله ) يعود على النهار. # ثم بين سبحانه حكمة أخرى ونعمة أخرى لجعله الليل والنهار على هذه الهيئة ~~فقال : ( @QUR@04 ولتعلموا عدد السنين والحساب ). # أى : وجعلنا الليل والنهار على هذه الصفة من التعاقب والاختلاف في الطول ~~والقصر لتعرفوا عن طريق ذلك عدد الأيام والشهور والأعوام ، التي لا تستغنون ~~عن معرفتها في شئون حياتكم ، ولتعرفوا أيضا الحساب المتعلق بها في ~~معاملاتكم ، وبيعكم وشرائكم ، وأخذكم وعطائكم ، وصلاتكم ، وصيامكم ، ~~وزكاتكم ، وحجكم ، وأعيادكم .. وغير ذلك مما تتوقف معرفته على تقلب الليل ~~والنهار. وولوج أحدهما في الآخر. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@04 وكل شيء فصلناه تفصيلا ). # والتفصيل : من الفصل بمعنى القطع. والمراد به هنا : الإبانة التامة للشيء ~~بحيث يظهر ظهورا لا خفاء معه ولا التباس. # ولفظ ( @QUR@01 كل ) منصوب على الاشتغال بفعل يفسره ما بعده. # أى : وفصلنا كل شيء تحتاجون إليه في أمور دينكم ودنياكم ، تفصيلا ، واضحا ~~جليا ، لا خفاء معه ولا التباس ، فقد أقمنا هذا الكون على التدبير المحكم ، ~~وعلى الصنع المتقن ، وليس على المصادفات التي لا تخضع لنظام أو ترتيب. # ثم ساق سبحانه صورة من صور هذا التفصيل المحكم ms3499 في كل شيء فقال تعالى : ( ~~@QUR@06 وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ). # والمراد بطائره : عمله الصادر عنه باختياره وكسبه ، حسبما قدره الله ~~تعالى عليه من خير وشر. # أى : وألزمنا كل إنسان مكلف عمله الناتج عنه ، إلزاما لا فكاك له منه ، ~~ولا قدرة له على مفارقته. PageV08P309 # وعبر سبحانه عن عمل الإنسان بطائره ، لأن العرب كانوا كما يقول الآلوسى ~~يتفاءلون بالطير ، فإذا سافروا ومر بهم الطير زجروه ، فإن مر بهم سانحا أى ~~من جهة الشمال إلى اليمين تيمنوا وتفاءلوا ، وإن مر بارحا ، أى : من جهة ~~اليمين الى الشمال تشاءموا ، فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر ، استعير ~~استعارة تصريحية ، لما يشبههما من قدر الله تعالى وعمل العبد ، لأنه سبب ~~للخير والشر (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 في عنقه ) تصوير لشدة اللزوم وكمال الارتباط ~~بين الإنسان وعمله. # وخص سبحانه العنق بالذكر من بين سائر الأعضاء ، لأن اللزوم فيه أشد ، ~~ولأنه العضو الذي تارة يكون عليه ما يزينه كالقلادة وما يشبهها ، وتارة ~~يكون فيه ما يشينه كالغل والقيد وما يشبههما. # قال الامام ابن كثير : وطائره : هو ما طار عنه من عمله كما قال ابن عباس ~~ومجاهد ، وغير واحد من خير أو شر ، يلزم به ويجازى عليه : كما قال تعالى : ~~( @QUR@012 فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ). # وكما قال تعالى : ( @QUR@05 إنما تجزون ما كنتم تعملون ). # والمقصود أن عمل ابن آدم محفوظ عليه ، قليله وكثيره : ويكتب عليه ليلا ~~ونهارا ، صباحا ومساء (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا ) ~~بيان لحاله في الآخرة بعد بيان حاله في الدنيا. # والمراد بالكتاب هنا صحائف أعماله التي سجلت عليه في الدنيا. # أى : ألزمنا كل إنسان مكلف عمله الصادر عنه في الدنيا ، وجعلناه مسئولا ~~عنه دون غيره. أما في الآخرة فسنخرج له ما عمله من خير أو شر «في كتاب ~~يلقاه منشورا» أى : مفتوحا بحيث يستطيع قراءته ، ومكشوفا بحيث لا يملك ~~إخفاء شيء منه ، أو تجاهله ، أو المغالطة فيه. # كتاب ظهرت فيه الخبايا والأسرار ظهورا يغنى عن الشهود والجدال. ms3500 # كتاب مشتمل على كل صغيرة وكبيرة من أعمال الإنسان ، كما قال تعالى : ( ~~@QUR@01 ونضع PageV08P310 # @QUR@019 الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا ، وإن كان مثقال ~~حبة من خردل أتينا بها ، وكفى بنا حاسبين ) (1) # ثم بين سبحانه ما يخاطب به الإنسان بعد أن فتح كتابه أمامه ، فقال تعالى ~~* ( @QUR@07 اقرأ كتابك ، كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) *. # أي : ويقال له بعد أن وجد كتابه منشورا أمامه ، اقرأ كتابك هذا ، وما ~~اشتمل عليه من أعمال صدرت عنك في الدنيا ، كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا. # أي : محاسبا ، كجليس بمعنى مجالس ، أو حاسبا وعادا كصريم بمعنى صارم يقال ~~حسب فلان على فلان قوله ، إذا عده عليه. # ولفظ (كفى) هنا لازم ، ويطرد في هذه الحالة جر فاعله بالباء المزيدة ~~لتوكيد الكفاية و «حسيبا» تمييز ، وعليك متعلق به. # وتارة يأتي لفظ «كفى» متعديا ، كما في قوله تعالى : وكفى الله المؤمنين ~~القتال. # ثم ساق سبحانه قاعدة كلية ، لتحمل كل إنسان نتيجة عمله ، فقال تعالى : ( ~~@QUR@015 من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ، ومن ضل فإنما يضل عليها ، ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى ). # والفعل (تزر) من الوزر بمعنى الإثم والحمل والثقل. يقال : وزر يزر وزرا ، ~~أي : أثم ، أو حمل حملا ثقيلا ، ومنه سمى الوزير ، لأنه يحمل أعباء تدبير ~~شؤون الدولة. # أي : من اهتدى إلى الطريق المستقيم ، وقدم في حياته العمل الصالح فثمرة ~~هدايته راجعة إلى نفسه ، ومن ضل عن الطريق القويم ، وفسق عن أمر ربه فوبال ~~ضلاله راجع إليه وحده ، ولا تحمل نفس آثمة ، إثم نفس أخرى ، وإنما تسأل كل ~~نفس عن آثامها فحسب. # وقد تكرر هذا المعنى في كثير من آيات القرآن الكريم ومن ذلك قوله تعالى : ~~( @QUR@011 ولا تكسب كل نفس إلا عليها ، ولا تزر وازرة وزر أخرى ) (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@014 ولا تزر وازرة وزر أخرى ، وإن تدع مثقلة إلى ~~حملها لا يحمل منه شيء ، @QUR@ ولو كان ذا قربى .. ) (3). PageV08P311 # ولا يتنافى هذا مع قوله تعالى : ( @QUR@05 وليحملن أثقالهم وأثقالا مع ~~أثقالهم .. ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@011 ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ، ومن أوزار ~~الذين يضلونهم بغير علم .. ) (2). # لأن ms3501 المقصود في هاتين الآيتين وأشباههما ، أن دعاة الكفر والفسوق ~~والعصيان ، يحملون ذنوبهم يوم القيامة ، ويحملون فوق ذلك جانبا من ذنوب من ~~كانوا هم سببا في ضلالهم ، لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ، ووزر من عمل ~~بها كما جاء في الحديث الصحيح فهم يحملون آثام أنفسهم ، والآثام التي كانوا ~~سببا في ارتكاب غيرهم لها. # كذلك لا يتنافى قوله تعالى : ( @QUR@05 ولا تزر وازرة وزر أخرى ) مع ما ~~ثبت في الحديث الصحيح عن ابن عمر رضى الله عنهما من «أن الميت يعذب ببكاء ~~أهله عليه ..». # لأن العلماء حملوا الحديث على أن يكون الميت قد أوصى بذلك قبل موته ، أو ~~أن يهمل نهيهم عن النوح عليه قبل موته ، مع أنه يعلم أنهم سينوحون عليه ~~ويشقون الجيوب ، ويلطمون الخدود .. فتعذيبه بسبب تفريطه ، وعدم تنفيذه ~~لقوله تعالى : ( @QUR@011 يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا ، ~~وقودها الناس والحجارة .. ) (3). # وقوله تعالى : ( @QUR@06 وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) بيان لمظهر من ~~مظاهر رحمة الله تعالى بعباده ورأفته بهم ، وكرمه معهم. # قال الآلوسي : قوله : ( @QUR@06 وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) بيان ~~للعناية الربانية إثر بيان آثار الهداية والضلالة بأصحابها ، وعدم حرمان ~~المهتدى من ثمرات هدايته. وعدم مؤاخذة النفس بجناية غيرها. # أي : وما صح وما استقام منا ، بل استحال في سنتنا المبنية على الحكم ~~البالغة .. أن نعذب أحدا بنوع ما من العذاب دنيويا كان أو أخرويا ، على فعل ~~شيء أو ترك شيء أصليا كان أو فرعيا ، حتى نبعث إليه (رسولا) يهدى إلى الحق ~~، ويردع عن الضلال ، ويقيم الحجج ، ويمهد الشرائع .. (4). # وقد وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم ، تشبه هذه الآية ، في بيان أن ~~الله تعالى PageV08P312 # لا يعذب أحدا من خلقه ، حتى يبعث إليه رسولا يبشره وينذره ، فيعصى ذلك ~~الرسول ، ويستمر في كفره وضلاله بعد التبشير والإنذار. # ومن هذه الآيات قوله تعالى : ( @QUR@015 رسلا مبشرين ومنذرين ، لئلا يكون ~~للناس على الله حجة بعد الرسل ، وكان الله عزيزا حكيما ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@020 ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله ، لقالوا ربنا ~~لو لا أرسلت ms3502 إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى ) (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@024 يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على ~~فترة من الرسل ، أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير ، فقد جاءكم بشير ~~ونذير .. ) (3). # قال ابن كثير عند تفسيره لقوله تعالى : ( @QUR@06 وما كنا معذبين حتى ~~نبعث رسولا ): هذا إخبار عن عدله تعالى وأنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام ~~الحجة عليه ، بإرسال الرسول إليه ، كما قال تعالى : ( @QUR@021 كلما ألقي ~~فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير ، قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا ~~وقلنا ما نزل الله من شيء ... ) # إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على أن الله تعالى لا يدخل أحدا النار ~~إلا بعد إرسال الرسول إليه .. (4). # هذا ، وما ذهب إليه الإمام ابن كثير ، والإمام الآلوسي ، من أن الله ~~تعالى اقتضت رحمته وعدالته ، أنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه ، ~~عن طريق إرسال الرسل ، هو الذي نعتقده ، وتطمئن إليه نفوسنا ، لأنه هو ~~الظاهر من معاني الآيات الكريمة ، ولأنه هو المناسب لرحمة الله تعالى التي ~~وسعت كل شيء. # وهناك من يرى أن من مات على الكفر فهو في النار ، ولو لم يرسل الله تعالى ~~إليه رسولا ، واستدلوا بأدلة لا مجال لذكرها هنا (5). # ثم ساق سبحانه سنة من سننه في إهلاك الأمم ، وفي حال الذين يريدون ~~العاجلة ، وحال الذين يريدون الآجلة ، فقال تعالى : PageV08P313 # ( @QUR@014 وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها ~~القول فدمرناها تدميرا (16) @QUR@013 وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى ~~بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا (17) @QUR@04 من كان يريد العاجلة @QUR@ ~~عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا (18) @QUR@03 ومن أراد الآخرة @QUR@ وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان ~~سعيهم مشكورا (19) @QUR@07 كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك @QUR@ وما كان عطاء ربك محظورا ) (20) @QUR@010 انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر ~~@QUR@ تفضيلا (21) @QUR@09 لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا ) (22) # قال أبو حيان رحمه الله : لما ms3503 ذكر تعالى في الآية السابقة ، أنه لا يعذب ~~أحدا حتى يبعث إليه رسولا ، بين بعد ذلك علة إهلاكهم ، وهي مخالفة أمر ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ، والتمادي على الفساد فقال ، سبحانه : ( ~~@QUR@09 وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها .. ) (1). # وقوله سبحانه : أمرنا من الأمر الذي هو ضد النهى ، والمأمور به هو ~~الإيمان والعمل الصالح ، والشكر لله رب العالمين ، وحذف لظهوره والعلم به. # وقوله مترفيها جمع مترف ، وهو المتنعم الذي لا يمنع من تنعمه ، بل يترك ~~يفعل ما يشاء. يقال : ترف فلان كفرح أي : تنعم ، وفلان أترفته النعمة ، أي ~~: أطغته وأبطرته لأنه لم يستعملها في وجوهها المشروعة. PageV08P314 # والمراد بهم ، أصحاب الجاه والغنى والسلطان ، الذين أحاطت بهم النعم من ~~كل جانب ، ولكنهم استعملوها في الفسوق والعصيان ، لا في الخير والإحسان. # والمعنى : وإذا قرب وقت إرادتنا إهلاك أهل قرية ، أمرنا مترفيها ، وأهل ~~الغنى والسلطان فيها بالإيمان والعمل الصالح ، والمداومة على طاعتنا وشكرنا ~~، فلم يستجيبوا لأمرنا ، بل فسقوا فيها ، وعاثوا في الأرض فسادا. # وهذا الأمر إنما هو على لسان الرسول المبعوث إلى أهل تلك القرية ، وعلى ~~ألسنة المصلحين المتبعين لهذا الرسول والآمرين بالمعروف والناهين عن ~~المنكر. # وقال سبحانه : ( @QUR@05 وإذا أردنا أن نهلك قرية ... ) مع أن الهلاك ~~لأهلها ، للإشارة إلى أن هذا الهلاك لن يصيب أهلها فقط ، بل سيصيبهم ويصيب ~~معهم مساكنهم وأموالهم وكل ما احتوته تلك القرية ، بحيث تصير هي وسكانها ~~أثرا بعد عين. # وخص مترفيها بالذكر مع أن الأمر بالطاعة للجميع ، لأن هؤلاء المترفين هم ~~الأئمة والقادة ، فإذا ما استجابوا للأمر استجاب غيرهم تبعا لهم في معظم ~~الأحيان ، ولأنهم في أعم الأحوال هم الأسرع إلى ارتكاب ما نهى الله عنه ، ~~وإلى الانغماس في المتع والشهوات. # والحكمة من هذا الأمر ، هو الإعذار والإنذار ، والتخويف والوعيد. # كما قال تعالى : ( @QUR@011 رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل .. ) (1). # وهذا التفسير للآية الكريمة ، سار عليه جمهور المفسرين. # ولصاحب الكشاف رأى يخالف ذلك ، فهو يرى أن الأمر في الآية الكريمة مجاز ~~عن إمدادهم بالنعم ms3504 الكثيرة التي أبطرتهم. # قال رحمه الله : قوله تعالى : وإذا أردنا وإذا دنا وقت إهلاك قوم ، ولم ~~يبق من زمان إمهالهم إلا قليل أمرناهم ففسقوا أي : أمرناهم بالفسق ففعلوا. # والأمر مجاز لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم : افسقوا ، وهذا لا يكون ~~، فبقى أن يكون مجازا ، ووجه المجاز أنه صب عليهم النعمة صبا ، فجعلوها ~~ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات ، فكأنهم مأمورون بذلك لتسبب إيلاء ~~النعمة فيه ، وإنما خولهم إياها ليشكروا ويعملوا فيها الخير ، ويتمكنوا من ~~الإحسان والبر ، كما خلقهم أصحاء أقوياء ، وأقدرهم على PageV08P315 # الخير والشر ، وطلب منهم إيثار الطاعة ، على المعصية ، فآثروا الفسوق ، ~~فلما فسقوا حق عليهم القول وهو كلمة العذاب فدمرهم .. (1). # ومن المفسرين من يرى أن قوله تعالى : أمرنا بمعنى كثرنا بتشديد الثاء ~~وقرئ أمرنا بتشديد الميم ، أي : كثرنا مترفيها وجعلناهم أمراء مسلطين .. # ولكن هذه القراءة. وقراءة آمرنا بمعنى «كثرنا» أيضا ، ليستا من القراءات ~~السبعة أو العشرة ، وإنما هما من القراءات الشاذة. # قال الإمام ابن جرير : وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب ، قراءة من ~~قرأ «أمرنا» بقصر الألف وتخفيف الميم لإجماع الحجة من القراء بتصويبها دون ~~غيرها وإذا كان ذلك هو الأولى بالصواب بالقراءة ، فأولى التأويلات به تأويل ~~من تأوله : أمرنا أهلها بالطاعة فعصوا وفسقوا فيها. فحق عليهم القول ، لأن ~~الأغلب من معنى أمرنا الأمر الذي هو خلاف النهى دون غيره. # وتوجيه معاني كلام الله جل ثناؤه إلى الأشهر الأعرف من معانيه ، أولى ما ~~وجد إليه سبيل من غيره .. (2). # ويبدو لنا أن الرأي الأول الذي سار عليه جمهور المفسرين ، وعلى رأسهم ~~الإمام ابن جرير ، أولى بالقبول ، لأسباب منها : # ان القرآن الكريم يؤيده في كثير من آياته ، ومن ذلك قوله تعالى : ( ~~@QUR@016 وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها ، قل ~~إن الله لا يأمر بالفحشاء .. ) (3). # فقوله تعالى : قل إن الله لا يأمر بالفحشاء دليل واضح على أن قوله سبحانه ~~: أمرنا مترفيها ففسقوا فيها .. معناه : أمرناهم بالطاعة ففسقوا ، وليس ~~معناه أمرناهم بالفسق ففسقوا لأنه سبحانه لا يأمر لا بالفسق ولا ms3505 بالفحشاء. # ومنها : أن الأسلوب العربي السليم يؤيده لأنك إذا قلت : أمرته فعصاني كان ~~المعنى المتبادر والظاهر من هذه الجملة ، أمرته بالطاعة فعصاني ، وليس ~~معناه. أمرته بالعصيان فعصاني. # ومنها : أن حمل الكلام على الحقيقة كما سار جمهور المفسرين أولى من حمله ~~على المجاز كما ذهب صاحب الكشاف . PageV08P316 # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ) بيان لما ~~نزل بهذه القرية وأهلها من عذاب محاها من الوجود ، إذ التدمير هو الإهلاك ~~مع طمس الأثر ، وهدم البناء. # أي : أمرنا مترفيها بطاعتنا وشكرنا ، فعصوا أمرنا وفسقوا فيها ، فثبت ~~وتحقق عليها عذابنا ، فأهلكناها إهلاكا استأصل شأفتها ، وأزال آثارها. # وأكد سبحانه فعل التدمير بمصدره ، للمبالغة في إبراز شدة الهلاك الواقع ~~على تلك القرية الظالم أهلها. # قال الآلوسي ما ملخصه : والآية تدل على إهلاك أهل القرية على أتم وجه ، ~~وإهلاك جميعهم ، لصدور الفسق منهم جميعا ، فإن غير المترف يتبع المترف عادة ... # وقيل : هلاك الجميع لا يتوقف على التبعية فقد قال تعالى : ( @QUR@08 ~~واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ... ) # وقد صح عن أم المؤمنين زينب بنت جحش أنها قالت : قلت ، يا رسول الله ، ~~أنهلك وفينا الصالحون؟ قال : نعم ، إذا كثر الخبث (1). # ثم بين سبحانه أن هذه القرية لم تكن بدعا في نزول العذاب بها ، بل هناك ~~قرى كثيرة عتت عن أمر ربها فأخذها سبحانه أخذ عزيز مقتدر ، فقال تعالى : ( ~~@QUR@07 وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح ... ). # و ( @QUR@01 كم ) هنا خبرية أي : أن معناها الإخبار عن عدد كثير ، وهي في ~~محل نصب مفعول به لجملة (أهلكنا) و «من» في قوله تعالى : ( @QUR@02 من ~~القرون ) بيان للفظ ( @QUR@01 كم ) وتمييز له كما يميز العدد بالجنس. وأما ~~«من» في قوله تعالى : ( @QUR@03 من بعد نوح ) فهي لابتداء الغاية. # والقرون : جمع قرن ، ويطلق على القوم المقترنين في زمان واحد. والمشهور ~~أن مدته مائة سنة. # أي : أن هذه القرية المدمرة بسبب فسوق أهلها ، وعصيانهم لأمرنا ، ليست هي ~~القرية الوحيدة التي نزل بها عذابنا ، بل إننا قد أهلكنا كثيرا من القرى من ~~بعد زمن نوح عليه السلام ms3506 كقوم عاد وثمود وغيرهم ممن استحبوا العمى على ~~الهدى ، وآثروا الكفر على الإيمان والغي على الرشد. PageV08P317 # وخص نوح عليه السلام بالذكر ، لأنه أول رسول كذبه قومه وآذوه وسخروا منه ~~.. فأهلكهم الله تعالى بالطوفان. # قال ابن كثير : ودل هذا على أن القرون التي كانت بين آدم ونوح على ~~الإسلام ، كما قاله ابن عباس : كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على ~~الإسلام (1). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بالتهديد الشديد لمن يخالف أمره فقال تعالى ~~: ( @QUR@01 وكفى @QUR@ بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا ). # أي : وكفى بربك أيها الرسول الكريم إحاطة واطلاعا وعلما بما يقدمه الناس ~~من خير أو شر ، فإنه سبحانه يعلم السر وأخفى. # والآية الكريمة بجانب أنها تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم فهي أيضا ~~تهديد للمشركين ، وإنذار لهم بأنهم إذا ما استمروا على كفرهم ، ومعاداتهم ~~للحق ، وتطاولهم على من جاء به وهو الرسول صلى الله عليه وسلم فسيكونون ~~محلا لغضب الله تعالى وسخطه ، ولنزول عذابه الذي أهلك به أمثالهم في الشرك ~~والكفر والجحود. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@016 أفلم يسيروا في الأرض فينظروا ~~كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ، دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها ) (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@014 ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ~~ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) (3). # ثم بين سبحانه بعد ذلك مصير الذين يؤثرون العاجلة على الآجلة ، فقال ~~تعالى : ( @QUR@011 من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ). # والمراد بالعاجلة : دار الدنيا ، وهي صفة لموصوف محذوف أي : الدار ~~العاجلة التي ينتهى كل شيء فيها بسرعة وعجلة. # أي : من كان يريد بقوله وعمله وسعيه ، زينة الدار العاجلة وشهواتها فحسب ~~، دون التفات إلى ثواب الدار الآخرة ، ( @QUR@03 عجلنا له فيها ) أي : ~~عجلنا لذلك الإنسان في هذه الدنيا ، ( @QUR@02 ما نشاء ) تعجيله له من ~~زينتها ومتعها .. PageV08P318 # وهذا العطاء العاجل المقيد بمشيئتنا ليس لكل الناس ، وإنما هو (لمن نريد) ~~عطاءه منهم ، بمقتضى حكمتنا وإرادتنا. # فأنت ترى أنه سبحانه قد قيد العطاء لمن يريد العاجلة بمشيئته وإرادته. # ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال ms3507 عند تفسيره لهذه الآية : «من كانت العاجلة ~~همه ، ولم يرد غيرها كالكفرة وأكثر الفسقة ، تفضلنا عليه من منافعها بما ~~نشاء لمن نريد. فقيد الأمر تقييدين : أحدهما : تقييد المعجل بمشيئته ، ~~والثاني : تقييد المعجل له بإرادته. # وهكذا الحال ، ترى كثيرا من هؤلاء يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضا ~~منه ، وكثيرا منهم يتمنون ذلك البعض وقد حرموا فاجتمع عليهم فقر الدنيا ~~وفقر الآخرة وأما المؤمن التقى فقد اختار مراده ، وهو غنى الآخرة فما يبالي ~~أوتى حظا من الدنيا أو لم يؤت. فإن أوتى فبها شكر ، وإن لم يؤت صبر ، فربما ~~كان الفقر خيرا له ، وأعون على مراده. # وقوله (لمن نريد) بدل من (له) وهو بدل البعض من الكل ، لأن الضمير يرجع ~~إلى من وهو في معنى الكثرة (1) ومفعول نريد محذوف. أي : لمن نريد عطاءه. # وقوله : ( @QUR@07 ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ) بيان لسوء ~~مصير هذا المريد للعاجلة في الآخرة. # و (يصلاها) أي : يلقى فيها ويذوق حرها وسعيرها : يقال : صليت الشاة : ~~شويتها. وصلى فلان بالنار من باب تعب إذا وجد حرها. # و (مذموما) من الذم الذي هو ضد المدح. # و (مدحورا) من الدحور بمعنى الطرد واللعن. يقال : دحره دحرا ودحورا ، إذا ~~طرده وأبعده. # أي : من كان يريد بسعيه الدنيا وزينتها أعطيناه منها ما نشاء إعطاءه له ، ~~أما في الآخرة فقد جعلنا له جهنم يدخلها ، ويصلى حرها ولهيبها ، حالة كونه ~~«مذموما» أي مبغوضا بسبب سوء صنيعه ، «مدحورا» أي : مطرودا ومبعدا من رحمة ~~الله تعالى . # قال الإمام الرازي ما ملخصه : وفي لفظ هذه الآية فوائد : منها : أن ~~العقاب عبارة عن مضرة مقرونة بالإهانة والذم ، بشرط أن تكون دائمة وخالية ~~عن شوب المنفعة فقوله : ( @QUR@05 ثم جعلنا له جهنم يصلاها ) إشارة إلى ~~المضرة العظيمة. وقوله (مذموما) إشارة إلى الإهانة PageV08P319 # والذم. وقوله (مدحورا) إشارة إلى البعد والطرد عن رحمة الله تعالى . # وهي تفيد كون تلك المضرة خالية عن شوب النفع والرحمة ، وتفيد كونها دائمة ~~وخالية عن التبدل بالراحة والخلاص .. (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@011 ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها ms3508 وهو مؤمن ، ~~فأولئك كان سعيهم @QUR@ مشكورا ) بيان لحسن عاقبة المؤمنين الصادقين بعد بيان سوء عاقبة المؤثرين لمتع ~~الدنيا وشهواتها. # أي : ومن أراد بقوله وعمله ثواب الدار الآخرة ، وما فيها من عطاء غير ~~مقطوع ، وسعى لهذه الدار سعيها الذي يوصله إلى مرضاة الله تعالى حالة كونه ~~مؤمنا بالله تعالى وبكل ما يجب الإيمان به ، (فأولئك) الذي فعلوا ذلك ، ~~(كان سعيهم) للدار الآخرة سعيا (مشكورا): من الله تعالى ، حيث يقبله ~~سبحانه منهم ، ويكافئهم عليه بما يستحقون من ثواب لا يعلم مقداره إلا هو ~~سبحانه وعبر عز وجل بالسعي عن أعمالهم الصالحة ، للإشعار بجدهم وحرصهم على ~~أداء ما يرضيه تعالى بدون إبطاء أو تأخير ، إذ السعي يطلق على المشي الذي ~~تصاحبه السرعة. وأشار سبحانه إليهم بأولئك ، للإشعار بعلو درجاتهم وسمو ~~مراتبهم. # قال بعض العلماء ما ملخصه : وفي الآية الدليل الواضح على أن الأعمال ~~الصالحة لا تنفع إلا مع الإيمان بالله تعالى لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة. # ولذا قال سبحانه : ( @QUR@08 ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن .. ). # وقد أوضح سبحانه هذا في آيات كثيرة ، منها قوله تعالى : ( @QUR@012 من ~~عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ... ). # ومفهوم هذه الآية وأمثالها ، أن غير المؤمن إذا قدم عملا صالحا في الدنيا ~~لا ينفعه في الآخرة لفقد شرط الإيمان ، قال تعالى : ( @QUR@09 وقدمنا إلى ~~ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ). # وروى الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها في الدنيا ، ويجزى بها في ~~الآخرة. وأما الكافر فيطعم بحسناته ما عمل بها لله في الدنيا ، حتى إذا ~~أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها» (2). PageV08P320 # ثم ساق سبحانه بعد ذلك ما يدل على كمال قدرته ، وسعة عطائه فقال : ( ~~@QUR@012 كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك ، وما كان عطاء ربك محظورا ) ~~ولفظ «كلا» هنا مفعول به للفعل نمد ، والتنوين عوض عن المضاف إليه. أي : ~~نمد ms3509 كل واحد من الفريقين. # وقوله (نمد) من الإمداد بمعنى الزيادة. يقال : أمد القائد الجيش بالجند ، ~~إذا زاده وقواه. # والمراد باسم الإشارة الأول «هؤلاء» : المؤثرون للعاجلة ، والمراد ~~بالثاني الراغبون في ثواب الآخرة. # والمعنى : كلا من الفريقين نمده من فضلنا وإحساننا فنعطى ما نريد إعطاءه ~~لمن يريد العاجلة ولمن يريد الآجلة دون أن ينقص مما عندنا شيء ، ودون أن ~~يخرج عن مشيئتنا شيء. # ( @QUR@04 وما كان عطاء ربك ) أيها الرسول الكريم ( @QUR@01 محظورا ) أي ~~: ممنوعا لا عن المؤمن ولا عن الكافر ، ولا في الدنيا ولا في الآخرة. # من الحظر بمعنى المنع يقال : حظره يحظره من باب قتل فهو محظور ، أي : ممنوع. # ثم أمر سبحانه عباده بالنظر والتأمل في أحوال خلقه ، ليزدادوا عظة وعبرة ~~، فقال : ( @QUR@01 انظر @QUR@ كيف فضلنا بعضهم على بعض ، وللآخرة أكبر ~~درجات وأكبر تفضيلا ). # أي : انظر أيها العاقل نظر تأمل وتدبر واعتبار في أحوال الناس ، لترى عن ~~طريق المشاهدة كيف فضل الله تعالى بعض الناس على بعض في هذه الحياة ، فهذا ~~غنى وذاك فقير ، وهذا قوى وذاك ضعيف ، وهذا ذكى وذاك خامل ، وهذا مالك وذاك ~~مملوك .. # إلى غير ذلك من الأحوال التي تدل على تفاوت الناس في هذه الدنيا ، على ~~حسب ما تقتضيه إرادة الله تعالى وحكمته ، ومشيئته. # أما في الآخرة فالناس فيها أكبر تفاضلا وتفاوتا في الدرجات والمنازل ، ~~مما كانوا عليه في الدنيا. # قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : وقوله : ( @QUR@03 ~~وللآخرة أكبر درجات @QUR@ وأكبر تفضيلا ) أي : ولتفاوتهم في الدار الآخرة أكبر من الدنيا ، فإن منهم من يكون في ~~الدركات في جهنم وسلاسلها وأغلالها ، ومنهم من يكون في الدرجات العلا ~~ونعيمها وسرورها. ثم أهل الدركات يتفاوتون فيما هم فيه ، كما أن أهل ~~الدرجات يتفاوتون ، فإن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين ~~السماء والأرض. وفي الصحيحين : «إن أهل الدرجات العلا PageV08P321 # ليرون أهل عليين ، كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء» (1). # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت لنا سنة من سنن الله تعالى في إهلاك ~~الأمم ، وأنه ms3510 تعالى ما أهلكها إلا بعد أن عتت عن أمره ، وعصت رسله ، كما ~~أنها بينت لنا سوء عاقبة الذين يؤثرون متع الدنيا على طاعة الله تعالى ، ~~وحسن عاقبة الذين يريدون الآخرة وما فيها من ثواب جزيل ، وأن الفريقين لا ~~ينالون مما يطلبونه إلا ما قدره الله تعالى لهم ، وأن عطاءه للناس جميعا لا ~~ينقص مما عنده شيئا ، وأن حكمته سبحانه قد اقتضت تفضيل بعض الناس على بعض ~~في الدنيا والآخرة ، وصدق عز وجل حيث يقول : ( @QUR@011 انظر كيف فضلنا ~~بعضهم على بعض ، وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ). # قال الإمام الرازي ما ملخصه : بعد أن بين سبحانه أن الناس فريقان : فريق ~~يريد بعمله الدنيا فقط ، وفريق يريد بعمله طاعة الله ، ثم شرط ذلك بشرائط ~~ثلاثة : أولها : إرادة الآخرة ، وثانيها : أن يسعى سعيا موافقا لطلب الآخرة ~~، وثالثها : أن يكون مؤمنا. # لا جرم فصل في هذه الآيات تلك المجملات : فبدأ أولا بشرح حقيقة الإيمان ~~... ثم ذكر عقبيه سائر الأعمال ... (2). # والخطاب في قوله تعالى : ( @QUR@02 لا تجعل ... ) لكل من يصلح له. # والقعود في قوله «فتقعد» قيل بمعنى المكث : كما يقول القائل : فلان قاعد ~~في أسوأ حال ، أى : ماكث في أسوأ حال ، سواء أكان قاعدا أم غير قاعد. وقيل ~~بمعنى العجز ، لأن العرب تقول : فلان ما أقعده عن المكارم ، أى : ما أعجزه ~~عنها ، وقيل هو بمعنى الصيرورة ، من قولهم : فلان شحذ الشفرة حتى قعدت ~~كأنها حربة ، أى : صارت. # والذي تطمئن إليه النفس أن القعود على حقيقته ، لأن من شأن المذموم ~~المخذول أن يقعد حائرا نادما على ما فرط منه. # وقوله سبحانه : ( @QUR@01 مخذولا ) من الخذلان ، وهو ترك النصرة عند ~~الحاجة إليها. # يقال : خذل فلان صديقه ، أى : امتنع عن نصره وعونه مع حاجته الشديدة ~~إليهما. # والمعنى : لا تجعل أيها المخاطب مع الله تعالى إلها آخر في عبادتك أو ~~خضوعك ، فتقعد جامعا على نفسك مصيبتين : PageV08P322 # مصيبة الذم من الله تعالى ومن أوليائه ، لأنك تركت عبادة من له الخلق ~~والأمر ، وعبدت ما لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا. # ومصيبة الخذلان ، بحيث لا ms3511 تجد من يعينك أو ينصرك ، في ساعة أنت أحوج ما ~~تكون فيها إلى العون والنصر. # وجاء الخطاب في قوله تعالى : ( @QUR@02 لا تجعل ) عاما ، لكي يشعر كل فرد ~~يصلح للخطاب أن هذا النهى موجه إليه ، وصادر إلى شخصه. لأن سلامة الاعتقاد ~~مسألة شخصية ، مسئول عنها كل فرد بذاته وسيحمل وحده تبعة انحرافه عن طريق ~~الحق ( @QUR@012 يوم لا ينفع مال ولا بنون. إلا من أتى الله بقلب سليم ). # وقوله ( @QUR@01 فتقعد ) منصوب لأنه وقع بعد الفاء جوابا للنهى. وقوله ( ~~@QUR@02 مذموما مخذولا ) حالان من الفاعل. # وفي هذه الجملة الكريمة تصوير بديع لحال الإنسان المشرك ، وقد حط به الذم ~~والخذلان ، فقعد مهموما مستكينا عاجزا عن تحصيل الخيرات ، ومن السعى في ~~تحصيلها. # قال الآلوسى : وفي الآية الكريمة إشعار بأن الموحد جامع بين المدح ~~والنصرة (1). # ثم ساق سبحانه بضع عشرة آية ، تناولت مجموعة من التكاليف تزيد على عشرين ~~أمرا ونهيا. # وهذه التكاليف قد افتتحت بالنهى عن الإشراك بالله تعالى وبالأمر بالإحسان ~~إلى الوالدين قال تعالى : # ( @QUR@025 وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن ~~عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا ~~كريما (23) @QUR@011 واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني PageV08P323 # @QUR@01 صغيرا (24) @QUR@012 ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين ~~فإنه كان للأوابين غفورا ) (25) # وبعد أن ذكر سبحانه الأساس في قبول الأعمال ، وهو إخلاص العبادة له عز وجل ~~وحده ، أتبع ذلك بتأكيد هذا الأساس بما هو من شرائط الإيمان الحق وشعائره ~~فقال تعالى ( @QUR@08 وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ، وبالوالدين إحسانا .. ). # قال القرطبي ما ملخصه : ( @QUR@01 قضى ) أى : أمر وألزم وأوجب ... # والقضاء يستعمل في اللغة على وجوه ، فالقضاء بمعنى الأمر ، كما في هذه ~~الآية والقضاء بمعنى الخلق كقوله ( @QUR@05 فقضاهن سبع سماوات في يومين ) ~~يعنى خلقهن ، والقضاء بمعنى الحكم ، كقوله تعالى : ( @QUR@04 فاقض ما أنت ~~قاض ) يعنى : احكم ما أنت تحكم. والقضاء بمعنى الفراغ من الشيء ، كقوله ( ~~@QUR@05 قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ) أى فرغ منه. # والقضاء بمعنى الارادة. كقوله تعالى ms3512 : ( @QUR@08 إذا قضى أمرا فإنما يقول ~~له كن فيكون .. ) (2). # والمعنى : لقد نهى ربك عن الإشراك به نهيا قاطعا ، وأمر أمرا محكما لا ~~يحتمل النسخ ، بأن لا تعبدوا أحدا سواه ، إذ هو الخالق لكل شيء ، والقادر ~~على كل شيء ، وغيره مخلوق وعاجز عن فعل شيء إلا بإذنه سبحانه . # فالجملة الكريمة أمر لازم لإخلاص العبادة لله ، بعد النهى عن الإشراك به ~~في قوله تعالى : ( @QUR@06 لا تجعل مع الله إلها آخر .. ). # وقد جاء هذا الأمر بلفظ ( @QUR@01 قضى ) زيادة في التأكيد ، لأن هذا ~~اللفظ هنا يفيد الوجوب القطعي الذي لا رجعة فيه ، كما أن اشتمال الجملة ~~الكريمة على النفي والاستثناء وهما أعلا مراتب القصر يزيد هذا الأمر تأكيدا ~~وتوثيقا. # ثم أتبع سبحانه الأمر بوحدانيته ، بالأمر بالإحسان إلى الوالدين فقال : ( ~~@QUR@02 وبالوالدين إحسانا ). # أى : وقضى أيضا بأن تحسنوا أيها المخاطبون إلى الوالدين إحسانا كاملا لا ~~يشوبه سوء أو مكروه. PageV08P324 # وقد جاء الأمر بالإحسان إلى الوالدين عقب الأمر بوجوب إخلاص العبادة لله ~~، في آيات كثيرة. منها قوله تعالى : ( @QUR@013 قل تعالوا أتل ما حرم ربكم ~~عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا .. ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@011 وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا ~~الله وبالوالدين إحسانا .. ) (2). # ولعل السر في ذلك هو الإشعار للمخاطبين بأهمية هذا الأمر المقتضى لوجوب ~~الإحسان إلى الوالدين ، حيث إنهما هما السبب المباشر لوجود الإنسان في هذه ~~الحياة ، وهما اللذان لقيا ما لقيا من متاعب من أجل راحة أولادهما ، فيجب ~~أن يقابل ما فعلاه بالشكر والاعتراف بالجميل. # قال بعض العلماء : وقد جاءت هذه الوصية بأسلوب الأمر بالواجب المطلوب ، ~~وهو الإحسان إلى الوالدين ، ولم تذكر بأسلوب النهى سموا بالإنسان عن أن تظن ~~به الإساءة إلى الوالدين ، وكأن الإساءة إليهما ، ليس من شأنها أن تقع منه ~~حتى يحتاج إلى النهى عنها .. (3). # ثم فصل سبحانه مظاهر هذا الإحسان فقال : ( @QUR@017 إما يبلغن عندك الكبر ~~أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ، ولا تنهرهما ، وقل لهما قولا كريما .. ). # و ( @QUR@01 إما ) حرف مركب من «إن» الشرطية ، ومن «ما» المزيدة عليها ~~للتأكيد ، وقوله : ( @QUR@01 أحدهما ms3513 ) فاعل يبلغن. وقرأ حمزة والكسائي إما ~~يبلغان فيكون قوله ( @QUR@01 أحدهما ) بدل من ألف الاثنين في يبلغان. # وقوله ( @QUR@04 فلا تقل لهما أف ) جواب الشرط. # قال الآلوسى : و ( @QUR@01 أف ) اسم صوت ينبئ عن التضجر ، أو اسم فعل ~~مضارع هو أتضجر .. # وفيه نحو من أربعين لغة. والوارد من ذلك في القراءات سبع ثلاث متواترة ، ~~وأربعة شاذة. # فقرأ نافع وحفص بالكسر والتنوين ، وهو للتنكير : فالمعنى : فلا تقل أتضجر ~~تضجرا ما. PageV08P325 # وقرأ ابن كثير وابن عامر بالفتح دون تنوين ، والباقون بالكسر بدون تنوين ~~.. (1). # وقوله ( @QUR@02 ولا تنهرهما ) من النهر بمعنى الزجر ، يقال نهر فلان ~~فلانا إذا زجره بغلظة. # والمعنى : كن أيها المخاطب محسنا إحسانا تاما بأبويك. # فإذا ما بلغ ( @QUR@01 عندك ) أى : في رعايتك وكفالتك ( @QUR@03 أحدهما ~~أو كلاهما ) سن الكبر والضعف ( @QUR@04 فلا تقل لهما أف ) أى : قولا يدل ~~على التضجر منهما والاستثقال لأى تصرف من تصرفاتهما. # قال البيضاوي : والنهى عن ذلك يدل على المنع من سائر أنواع الإيذاء قياسا ~~بطريق الأولى ، وقيل عرفا كقولك : فلان لا يملك النقير والقطمير فإن هذا ~~القول يدل على أنه لا يملك شيئا قليلا أو كثيرا (2). # وقوله ( @QUR@02 ولا تنهرهما ) أى : ولا تزجرهما عما يتعاطيانه من ~~الأفعال التي لا تعجبك. # فالمراد من النهى الأول : المنع من إظهار التضجر منهما مطلقا. # والمراد من النهى الثاني : المنع من إظهار المخالفة لهما على سبيل الرد ~~والتكذيب والتغليظ في القول. # والتعبير بقوله : ( @QUR@01 عندك ) يشير إلى أن الوالدين قد صارا في كنف ~~الابن وتحت رعايته ، بعد أن بلغ أشده واستوى ، وبعد أن أصبح مسئولا عنهما ، ~~بعد أن كانا هما مسئولين عنه. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى ( @QUR@01 عندك ) قلت هو أن يكبرا ~~ويعجزا ، وكانا كلا على ولدهما لا كافل لهما غيره ، فهما عنده في بيته ~~وكنفه ، وذلك أشق عليه وأشد احتمالا وصبرا ، وربما تولى منهما ما كانا ~~يتوليانه منه في حالة الطفولة ، فهو مأمور بأن يستعمل معهما وطاءة الخلق ، ~~ولين الجانب ، حتى لا يقول لهما إذا أضجره ما يستقذر منهما ، أو يستثقل من ~~مؤنهما : أف ، فضلا عما ms3514 يزيد عليه (3). # والتقييد بحالة الكبر في قوله تعالى : ( @QUR@04 إما يبلغن عندك الكبر ) ~~جرى مجرى الغالب ، إذ أنهما يحتاجان إلى الرعاية في حالة الكبر ، أكثر من ~~احتياجهما إلى ذلك في حالة قوتهما وشبابهما ، وإلا فالإحسان إليهما ، ~~والعناية بشأنهما. واجب على الأبناء سواء كان الآباء في سن الكبر أم في سن ~~الشباب أم في غيرهما. PageV08P326 # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 وقل لهما قولا كريما ) أمر بالكلام الطيب ~~معهما. بعد النهى عن الكلام الذي يدل على الضجر والقلق من فعلهما. # أى : وقل لهما بدل التأفيف والزجر ، قولا كريما حسنا ، يقتضيه حسن الأدب ~~معهما ، والاحترام لهما والعطف عليهما. # وقوله : ( @QUR@06 واخفض لهما جناح الذل من الرحمة .. ) زيادة في ~~تبجيلهما والتلطف معهما في القول والفعل والمعاملة على اختلاف ألوانها. # أى : وبجانب القول الكريم الذي يجب أن تقوله لهما ، عليك أن تكون متواضعا ~~معهما ، متلطفا في معاشرتهما ، لا ترفع فيهما عينا ، ولا ترفض لهما قولا ، ~~مع الرحمة التامة بهما ، والشفقة التي لا نهاية لها عليهما. # قال الإمام الرازي ما ملخصه : وقوله : ( @QUR@06 واخفض لهما جناح الذل من ~~الرحمة ) المقصود منه المبالغة في التواضع. # وذكر القفال في تقريره وجهين : الأول : أن الطائر إذا أراد ضم فرخه إليه ~~للتربية خفض له جناحه ، ولهذا السبب صار خفض الجناح كناية عن حسن التربية. ~~فكأنه قال للولد : اكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك كما فعلا ذلك بك في حال صغرك. # والثاني : أن الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحه ، وإذا أراد ~~ترك الطيران وترك الارتفاع خفض جناحه. فصار خفض الجناح كناية عن التواضع (1). # وإضافة الجناح إلى الذل إضافة بيانية ، أى : اخفض لهما جناحك الذليل و ( ~~@QUR@01 من ) في قوله ( @QUR@02 من الرحمة ) ابتدائية. أى تواضع لهما ~~تواضعا ناشئا من فرط رحمتك عليهما. # قال الآلوسى : وإنما احتاجا إلى ذلك ، لافتقارهما إلى من كان أفقر الخلق ~~إليهما ، واحتياج المرء إلى من كان محتاجا إليه أدعى إلى الرحمة ، كما قال ~~الشاعر : # يا من أتى يسألنى عن فاقتي %~% ما حال من يسأل من سائله؟ ما ذلة السلطان إلا إذا %~% أصبح محتاجا إلى ms3515 عامله # وقوله : ( @QUR@06 وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ) تذكير للإنسان بحال ~~ضعفه وطفولته ، وحاجته إلى الرعاية والحنان. # أى : وقل في الدعاء لهما : يا رب ارحمهما برحمتك الواسعة ، واشملهما ~~بمغفرتك الغامرة ، PageV08P327 # جزاء ما بذلا من رعاية لي في صغرى ، فأنت القادر على مثوبتهما ~~ومكافأتهما. # قال الجمل : والكاف في قوله ( @QUR@02 كما ربياني .. ) فيها قولان : ~~أحدهما أنها نعت لمصدر محذوف. # أى : ارحمهما رحمة مثل رحمتهما لي ، والثاني أنها للتعليل. أى : ارحمهما ~~لأجل تربيتهما لي ، كما في قوله ( @QUR@03 واذكروه كما هداكم ) (1). # ثم ختم سبحانه هذه الآيات التي سمت بمنزلة الوالدين ، بما يدل على كمال ~~علمه ، وعلى التحذير من عقابه ، فقال تعالى : ( @QUR@012 ربكم أعلم بما في ~~نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا ). # والأوابون : جمع أواب. وهو الكثير الأوبة والتوبة والرجوع إلى الله تعالى ~~يقال : آب فلان يئوب إذا رجع. # قال ابن جرير بعد أن ساق الأقوال في ذلك : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ~~، قول من قال : الأواب هو التائب من الذنب ، الراجع عن معصية الله إلى ~~طاعته ، ومما يكرهه إلى ما يرضاه ، لأن الأواب إنما هو فعال من قول القائل ~~: آب فلان من سفره إلى منزله ، كما قال الشاعر : # وكل ذي غيبة يئوب %~% وغائب الموت لا يؤوب (2) # أى : ربكم أيها الناس أعلم بما في نفوسكم ، وضمائركم ، سواء أكان خيرا أو ~~شرا ، وسواء كنتم تضمرون البر بآبائكم أم تخفون الإساءة إليهما ، ومع ذلك ~~فإنكم إن تكونوا صالحين أى : قاصدين الصلاح والبر بهما ، والرجوع عما فرط ~~منكم في حقهما أو في حق غيرهما فالله تعالى يقبل توبتكم ، فإنه سبحانه ~~بفضله وكرمه كان للأوابين أى الرجاعين إليه بالتوبة مما فرط منهم غفورا ~~لذنوبهم. # فالآية الكريمة وعيد لمن تهاون في حقوق أبويه ، وفي كل حق أوجبه الله ~~عليه ، ووعد لمن رجع إليه سبحانه بالتوبة الصادقة. # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أمرت بالإحسان إلى الوالدين ، بأسلوب يستجيش ~~عواطف البر والرحمة في قلوب الأبناء ، ويبعثهم على احترامهما ورعايتهما ~~والتواضع لهما ، وتحذيرهم من الإساءة إليهما ، ويفتح باب التوبة أمام من ms3516 ~~قصر في حقهما أو حق غيرهما. PageV08P328 # وقد كرر القرآن هذا الأمر للأبناء بالإحسان إلى الآباء ، ولم يفعل ذلك مع ~~الآباء. # وذلك لأن الحياة كما يقول بعض العلماء وهي مندفعة في طريقها بالأحياء ، ~~توجه اهتمامهم القوى إلى الأمام. إلى الذرية. إلى الناشئة الجديدة ، إلى ~~الجيل المقبل. وقلما توجه اهتمامهم إلى الوراء. إلى الأبوة ، إلى الحياة ~~المولية إلى الجيل الذاهب. # ومن ثم تحتاج البنوة إلى استجاشة وجدانها بقوة لتنعطف إلى الخلف ، وتتلفت ~~إلى الآباء والأمهات. # إن الوالدين يندفعان بالفطرة إلى رعاية الأولاد. إلى التضحية بكل شيء حتى ~~بالذات ، وكما تمتص النابتة الخضراء كل غذاء في الحبة فإذا هي فتات ، ويمتص ~~الفرخ كل غذاء في البيضة فإذا هي قشر ، كذلك يمتص الأولاد ، كل رحيق ، وكل ~~عافية ، وكل جهد ، وكل اهتمام من الوالدين ، فإذا هما شيخوخة فانية إن ~~أمهلهما الأجل وهما مع ذلك سعيدان. # فأما الأولاد فسرعان ما ينسون هذا كله ويندفعون بدورهم إلى الأمام. إلى ~~الزوجات والذرية ... وهكذا تندفع الحياة. # ومن ثم لا يحتاج الآباء إلى توصية بالأبناء. إنما يحتاج هؤلاء إلى ~~استجاشة وجدانهم بقوة ، ليذكروا واجب الجيل الذي أنفق رحيقه كله حتى أدركه ~~الجفاف. # وهنا يجيء الأمر بالإحسان إلى الوالدين ، في صورة قضاء من الله يحمل معنى ~~الأمر المؤكد ، بعد الأمر المؤكد بعبادة الله (1). # هذا ، وقد ساق المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآيات ، كثيرا من الأحاديث ~~والآثار التي توجه الأبناء إلى رعاية الآباء ، واحترامهم ، والعطف عليهم ، ~~والرحمة بهم ، والاهتمام بشئونهم. # قال الإمام ابن كثير : وقد جاء في بر الوالدين أحاديث كثيرة ، منها ~~الحديث المروي من طرق عن أنس وغيره : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صعد ~~المنبر قال : آمين. آمين. آمين. # فقالوا : يا رسول الله ، علام أمنت؟ قال : أتانى جبريل فقال : يا محمد ، ~~رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك ، فقل : آمين فقلت آمين. ثم قال : رغم ~~أنف امرئ دخل عليه شهر رمضان ثم خرج ولم يغفر له ، قل : آمين. فقلت آمين. ~~ثم قال : رغم أنف امرئ أدرك أبويه أو ms3517 أحدهما فلم يدخلاه الجنة. قل : آمين ، ~~فقلت : آمين». PageV08P329 # وعن مالك بن ربيعة الساعدي قال : بينما أنا جالس عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من الأنصار فقال : يا رسول الله ، هل بقي على ~~من بر أبوى شيء بعد موتهما أبر هما به؟ قال : «نعم : خصال أربع. الصلاة ~~عليهما والاستغفار لهما ، وإنفاذ عهدهما ، وإكرام صديقهما ، وصلة الرحم ~~التي لا رحم لك إلا من قبلهما ، فهو الذي بقي عليك بعد موتهما من برهما» (1). # وقال القرطبي : أمر الله سبحانه بعبادته وتوحيده ، وجعل بر الوالدين ~~مقرونا بذلك. كما قرن شكرهما بشكره ، فقال : ( @QUR@08 وقضى ربك ألا تعبدوا ~~إلا إياه وبالوالدين إحسانا ). # وقال : ( @QUR@06 أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير ). # وفي صحيح البخاري عن عبد الله قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم : أى ~~الأعمال أحب إلى الله تعالى ؟. قال : «الصلاة على وقتها. قلت : ثم أى؟ قال ~~: «بر الوالدين» ، قلت ثم أى : قال : الجهاد في سبيل الله» ... # ثم قال القرطبي رحمه الله : ومن عقوق الوالدين مخالفتهما في أغراضهما ~~الجائزة لهما ، كما أن من برهما موافقتهما على أغراضهما. وعلى هذا إذا أمرا ~~أو أحدهما ولدهما بأمر وجبت طاعتهما فيه. ما لم يكن ذلك الأمر معصية ، ولا ~~يختص برهما بأن يكونا مسلمين ، بل إن كانا كافرين يبرهما ويحسن إليهما. # ففي صحيح البخاري عن أسماء قالت : قدمت أمى وهي مشركة فاستفتيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقلت : إن أمى قدمت وهي راغبة أفأصلها؟ أى وهي راغبة في ~~برى وصلتي ، أو وهي راغبة عن الإسلام كارهة له قال : «نعم صلى أمك». # ثم قال القرطبي : ومن الإحسان إليهما والبر بهما ، إذا لم يتعين الجهاد ~~ألا يجاهد إلا بإذنهما. فعن عبد الله بن عمرو قال : جاء رجل إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد فقال : «أحي والداك؟ قال : نعم ، قال : ~~ففيهما فجاهد». # قال ابن المنذر : في هذا الحديث النهى عن الخروج بغير إذن الأبوين ما لم ~~يقع النفير ، فإذا وقع وجب الخروج على الجميع. # ثم قال : ومن تمام ms3518 برهما : صلة أهل ودهما ، ففي الصحيح عن ابن عمر قال : سمعت PageV08P330 # رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «إن من أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه ~~بعد أن يولى». # وكان صلى الله عليه وسلم يهدى لصديقات خديجة برا بها ووفاء لها وهي زوجته ، ~~فما ظنك بالوالدين (1). # وبعد أن بين سبحانه ما يجب على الإنسان نحو خالقه عز وجل ونحو والديه ، ~~أتبع ذلك ببيان ما يجب على هذا الإنسان نحو أقاربه ، ونحو المسكين وابن ~~السبيل ، ونحو ماله الذي هو نعمة من نعم الله عليه. فقال تعالى : # ( @QUR@010 وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا (26) ~~@QUR@09 إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا (27) ~~@QUR@012 وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا ~~(28) @QUR@013 ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ~~ملوما محسورا (29) @QUR@012 إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان ~~بعباده خبيرا بصيرا ) (30) # قال أبو حيان في البحر : «لما أمر الله تعالى ببر الوالدين ، أمر بصلة ~~القرابة. قال الحسن : نزلت في قرابة النبي صلى الله عليه وسلم . والظاهر أنه ~~خطاب لمن خوطب بقوله : ( @QUR@04 إما يبلغن عندك الكبر ... ) وألحق هنا ما ~~يتعين له من صلة الرحم ، وسد الخلة ، والمواساة عند الحاجة بالمال والمعونة ~~بكل وجه. قال نحوه : ابن عباس وعكرمة والحسن وغيرهم» (2). # والمراد بذوي القربى : من تربطك بهم صلة القرابة سواء أكانوا من المحارم أم لا. # والمسكين : هو من لا يملك شيئا من المال ، أو يملك مالا يسد حاجته ، وهذا ~~النوع من PageV08P331 # الناس في حاجة إلى العناية والرعاية ، لأنهم في الغالب يفضلون الاكتفاء ~~بالقليل ، على إراقة ماء وجوههم بالسؤال. # وفي الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «ليس ~~المسكين الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان ، والتمرة والتمرتان ، ~~قالوا : فما المسكين يا رسول الله؟ قال الذي لا يجد غنى يغنيه ، ولا يفطن ~~له فيتصدق عليه ، ولا يسأل الناس شيئا». # وابن السبيل : هو المسافر المنقطع عن ماله سمى ms3519 بذلك كما يقول الآلوسى ~~لملازمته السبيل أى : الطريق في السفر. أو لأن الطريق تبرزه فكأنها ولدته» (1). # وهذا النوع من الناس أيضا في حاجة الى المساعدة والمعاونة ، حتى يستطيع ~~الوصول إلى بلده. # وفي هذا الأمر تنبيه إلى أن المسلمين وإن اختلفت أوطانهم ينبغي أن يكونوا ~~في التعاطف والتعاون على متاعب الحياة كالأسرة الواحدة. # والمعنى : وأعط أيها العاقل ذوى قرباك حقوقهم الثابتة لهم من البر ، وصلة ~~الرحم ، والمعاونة ، والزيارة ، وحسن المعاشرة ، والوقوف إلى جانبهم في ~~السراء والضراء ، ونحو ذلك مما توجبه تعاليم دينك الحنيف. # وأعط كذلك المسكين وابن السبيل حقوقهما التي شرعها الله تعالى لهما ، من ~~الإحسان إليهما ، ومعاونتهما على ما يسد حاجتهما. # وقدم سبحانه الأقارب على غيرهم ، لأنهم أولى بالمعروف ، ولأن إعطاءهم ~~إحسان وصلة رحم. # روى الإمام أحمد والترمذي والنسائي وغيرهم ، عن سليمان بن عامر قال : قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الصدقة على المسكين صدقة. وعلى ذي الرحم ~~اثنتان : صدقة وصلة». # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 ولا تبذر تبذيرا ) نهى عن وضع المال في غير ~~موضعه الذي شرعه الله تعالى مأخوذ من تفريق البذر وإلقائه في الأرض كيفما ~~كان من غير تعهد لمواقعه ، ثم استعير لتضييع المال في غير وجوهه. # قال صاحب الكشاف : التبذير تفريق المال فيما لا ينبغي ، وإنفاقه على وجه ~~الإسراف ، وكانت الجاهلية تنحر إبلها وتتياسر عليها ، وتبذر أموالها في ~~الفخر والسمعة ، وتذكر ذلك في PageV08P332 # أشعارها ، فأمر الله تعالى بالنفقة في وجوهها ، مما يقرب منه ويزلف .. (1). # وقال ابن كثير : وقوله ( @QUR@03 ولا تبذر تبذيرا ): لما أمر بالإنفاق ~~نهى عن الإسراف فيه ، بل يكون وسطا ، كما قال تعالى : ( @QUR@011 والذين ~~إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ). # وقال ابن مسعود : التبذير : الإنفاق في غير حق. وكذا قال ابن عباس. # وقال مجاهد : لو أنفق إنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذرا. ولو أنفق مدا ~~في غير حقه كان تبذيرا (2). # وقوله : ( @QUR@09 إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ، وكان الشيطان لربه ~~كفورا ) تعليل للنهى عن التبذير ، وتنفير منه بأبلغ أسلوب. # والمراد بأخوة ms3520 الشياطين : المماثلة لهم في الصفات السيئة ، والسلوك ~~القبيح. # قال الإمام الرازي : والمراد من هذه الأخوة ، التشبه بهم في هذا الفعل ~~القبيح ، وذلك لأن العرب يسمون الملازم للشيء أخا له ، فيقولون : فلان أخو ~~الكرم والجود. وأخو السفر ، إذا كان مواظبا على هذه الأعمال (3). # أى : كن أيها العاقل متوسطا في نفقتك ، ولا تبذر تبذيرا. لأن المبذرين ~~يماثلون ويشابهون الشياطين في صفاتهم القبيحة ، وكان الشيطان في كل وقت وفي ~~كل حال جحودا لنعم ربه ، لا يشكره عليها ، بل يضعها في غير ما خلقت له هذه النعم. # وفي تشبيه المبذر بالشيطان في سلوكه السيئ ، وفي عصيانه لربه ، إشعار بأن ~~صفة التبذير من أقبح الصفات التي يجب على العاقل أن يبتعد عنها ، حتى لا ~~يكون مماثلا للشيطان الجاحد لنعم ربه. # ثم بين سبحانه بعد ذلك ما يجب على المؤمن فعله في حال عدم قدرته على ~~تقديم العون للأقارب والمحتاجين ، فقال تعالى : ( @QUR@012 وإما تعرضن عنهم ~~ابتغاء رحمة من ربك ترجوها ، فقل لهم قولا ميسورا ). # ولفظ ( @QUR@01 إما ) مركب من «إن» الشرطية ، ومن «ما» المزيدة. أى : إن ~~تعرض عنهم. PageV08P333 # وقوله ( @QUR@01 تعرضن ) من الإعراض ، بمعنى صرف الوجه عن السائل حياء ~~منه وبسبب عدم القدرة على تلبية طلبه. # وقوله : ( @QUR@01 ابتغاء ) مفعول لأجله منصوب بتعرضن ، وهو من باب وضع ~~المسبب موضع السبب. لأن الأصل : وإما تعرضن عنهم لإعسارك. # والمراد بالرحمة : انتظار الحصول على الرزق ، وحلول الفرج بعد الضيق. # والميسور : اسم مفعول من يسر الأمر بالبناء للمفعول مثل سعد الرجل ، ~~ومعناه : السهل اللين. # والمعنى : وإما تعرضن أيها المخاطب عن ذي قرابتك وعن المسكين وابن السبيل ~~، بسبب إعسارك وانتظارك لرزق يأتيك من الله عز وجل فقل لهم في هذه الحالة ~~قولا لينا رفيقا يدل على اهتمامك بشأنهم ، ويدخل السرور على نفوسهم ، كأن ~~تقول لهم مثلا : ليس عندي اليوم ما أقدمه لكم ، وإن يرزقني الله بشيء ~~فسأجعل لكم نصيبا منه. # قال القرطبي ما ملخصه : وهو تأديب عجيب ، وقول لطيف بديع ، أى لا تعرض ~~عنهم إعراض مستهين عن ظهر غنى وقدرة فتحرمهم ، وإنما يجوز أن ms3521 تعرض عنهم عند ~~عجز يعرض ، وعائق يعوق ، وأنت عند ذلك ترجو من الله تعالى فتح باب الخير ، ~~لتتوصل به إلى مواساة السائل ، فإن قعد بك الحال ( @QUR@04 فقل لهم قولا ~~ميسورا ) أى لينا لطيفا .. ولقد أحسن من قال : # إلا تكن ورق يوما أجود بها %~% للسائلين فإنى لين العود لا يعدم السائلون الخير من خلقي %~% إما نوالى وإما حسن مردود (1) # ثم أرشد سبحانه عباده إلى أفضل الطرق لإنفاق أموالهم والتصرف فيها ، فقال ~~تعالى : ( @QUR@013 ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ، ولا تبسطها كل البسط ، ~~فتقعد ملوما محسورا ). # وقوله ( @QUR@01 مغلولة ) من الغل بضم الغين وأصله الطوق الذي يجعل في ~~العنق وتربط به اليد ، كما يربط المذنب والأسير : وهو كناية عن البخل ~~والتقتير. # قال صاحب الكشاف ما ملخصه : غل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ولا ~~يقصد من يتكلم به إثبات يد ولا غل ولا بسط. ولا فرق عنده بين هذا الكلام ~~وبين ما وقع مجازا عنه ، لأنهما كلامان معتقبان على حقيقة واحدة. حتى أنه ~~يستعمله في ملك لا يعطى عطاء قط ، ولا PageV08P334 # يمنعه إلا بإشارته من غير استعمال يد وقبضها وبسطها. ولو أعطى الأقطع إلى ~~المنكب عطاء جزيلا لقالوا : ما أبسط يده بالنوال ؛ لأن بسط اليد وقبضها ~~عبارتان معاقبتان للبخل والجود .. (1). # وقوله : ( @QUR@01 محسورا ) من الحسور بمعنى الانقطاع عن الشيء ، والعجز ~~عن الحصول عليه. # يقال : فلان حسره السير ، إذا أثر فيه أثرا بليغا جعله يعجز عن اللحاق ~~برفقائه. # ويقال : بعير محسور. أى : ذهبت قوته وأصابه الكلل والإعياء. فصار لا ~~يستطيع النهوض بما يوضع عليه من أحمال. # والمقصود من الآية الكريمة : الأمر بالتوسط والاعتدال في الإنفاق والنهى ~~عن البخل والإسراف. # فقد شبه سبحانه مال البخيل ، بحال من يده مربوطة إلى عنقه ربطا محكما ~~بالقيود والسلاسل ، فصار لا يستطيع تحريكها أو التصرف بها. # وشبه حال المسرف والمبذر ، بحال من مد يده وبسطها بسطا كبيرا ، بحيث ~~أصبحت لا تمسك شيئا يوضع فيها سواء أكان قليلا أم كثيرا. # والمعنى : كن أيها الإنسان متوسطا في كل أمورك ، ومعتدلا في إنفاق ms3522 أموالك ~~بحيث لا تكون بخيلا ولا مسرفا ، فان الإسراف والبخل يؤديان بك إلى أن تصير ~~ملوما. أى : مذموما من الخلق والخالق ، محسورا ، أى : مغموما منقطعا عن ~~الوصول إلى مبتغاك بسبب ضياع مالك ، واحتياجك إلى غيرك. # قال الآلوسى ما ملخصه : فالآية الكريمة تحض على التوسط ، وذلك هو الجود ~~الممدوح ، فخير الأمور أوساطها. وأخرجه أحمد وغيره عن ابن عباس قال : قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما عال من اقتصد». وأخرجه البيهقي عن ابن عمر ~~قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة». ~~وفي رواية عن أنس مرفوعا : «التدبير نصف المعيشة ، والتودد نصف العقل ، ~~والهم نصف الهرم ، وقلة العيال أحد اليسارين» وكما يقال : حسن التدبير مع ~~الكفاف ، خير من الغنى مع الإسراف (2). PageV08P335 # ثم بين سبحانه أن مرجع الأمور كلها اليه ، فهو المعطى وهو المانع ، فقال ~~تعالى : ( @QUR@012 إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ، إنه كان بعباده ~~خبيرا بصيرا ). # أى : إن ربك أيها الإنسان العاقل يبسط الرزق ويوسعه لمن يشاء أن يبسطه له ~~ويمسك الرزق ويضيقه ويقدره على من يشاء من خلقه. إذ كل شيء في هذا الكون ~~يسير على حسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته ، وهو سبحانه العليم ببواطن الناس ~~وبظواهرهم ، لا يخفى عليه شيء من أحوالهم ، ولا يعطى أو يمنع ، إلا لحكمة ~~هو يعلمها. # قال تعالى : ( @QUR@019 ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ، وما ~~يمسك فلا مرسل له من بعده ، وهو العزيز الحكيم ). # وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد حضت على إيتاء ذوى القربى والمساكين وابن ~~السبيل حقوقهم. وعلى الاعتدال في إنفاق المال ، ونهت عن الشح والتبذير ، ~~وأسندت العطاء والمنع إلى الله تعالى الخبير البصير بالظواهر والبواطن. # ثم يسوق سبحانه جملة من النواهي التي يؤدى الوقوع فيها إلى فساد أحوال ~~الأفراد والجماعات ، وإلى شيوع الفاحشة في الأمم ، مما يؤدى إلى اضمحلالها ~~وذهاب ريحها ، فقال تعالى : # ( @QUR@013 ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم ~~كان خطأ كبيرا (31) @QUR@08 ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء ms3523 سبيلا ~~(32) @QUR@022 ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما ~~فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا (33) @QUR@017 ~~ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن ~~العهد كان مسؤلا (34) @QUR@07 وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس ~~المستقيم PageV08P336 # @QUR@04 ذلك خير وأحسن تأويلا (35) @QUR@016 ولا تقف ما ليس لك به علم إن ~~السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا (36) @QUR@013 ولا تمش في ~~الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا (37) @QUR@07 كل ذلك ~~كان سيئه عند ربك مكروها (38) @QUR@018 ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ~~ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا ) (39) # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ... ) نهى عن ~~قتل الأولاد بعد بيان أن الأرزاق بيده سبحانه ، يبسطها لمن يشاء ، ويضيقها ~~على من يشاء. # والإملاق : الفقر. يقال : أملق الرجل إذا افتقر قال الشاعر :. # وإنى على الإملاق يا قوم ماجد %~% أعد لأضيافى الشواء المصهبا # قال الآلوسى : وظاهر اللفظ النهى عن جميع أنواع قتل الأولاد ، ذكورا ~~كانوا أو إناثا مخافة الفقر والفاقة. # لكن روى أن من أهل الجاهلية من كان يئد البنات مخافة العجز عن النفقة ~~عليهن ، فنهى في الآية عن ذلك ، فيكون المراد بالأولاد البنات ، وبالقتل ~~الوأد .. (1). # أى : ولا تقتلوا أيها الآباء أولادكم خشية فقر متوقع ، فنحن قد تكفلنا ~~برزقهم ورزقكم ، وأرزاق غيركم من مخلوقاتنا التي لا تحصى. # قال تعالى : ( @QUR@09 وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها .. ). # ولا شك أن الحياة حق لهؤلاء الصغار كما أنها حق لكم ، فمن الظلم البين ~~الاعتداء على حقوقهم ، والتخلص منهم خوفا من الفقر المتوقع في المستقبل ، ~~مع أن الله تعالى هو الرازق لهم ولكم في كل زمان ومكان. PageV08P337 # وقد ورد النهى عن قتل الأولاد هنا بهذه الصيغة ، وورد في سورة الأنعام ~~بصيغة أخرى ، هي قوله تعالى : ( @QUR@08 ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن ~~نرزقكم وإياهم ). # وليست أحدهما تكرارا للأخرى وإنما كل واحدة منهما تعالج حالة معينة. # فهنا يقول سبحانه ms3524 : ( @QUR@08 ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم ~~وإياكم ) لأن النهى موجه بالأصالة إلى الموسرين الذين يقتلون أولادهم لا من ~~أجل فقر كائن فيهم ، وإنما من أجل فقر هم يتوهمون حصوله في المستقبل بسبب ~~الأولاد ، لذا قال سبحانه ( @QUR@03 نحن نرزقهم وإياكم ) فقدم رزق الأولاد ~~لأنهم سبب توقع الفقر ، في زعم آبائهم لكي يمتنع الآباء عن هذا التوقع ولكي ~~يضمن للأولاد رزقهم ابتداء مستقلا عن رزق الآباء. # وقال سبحانه هناك ( @QUR@02 من إملاق ) لأن النهى متوجه أصالة إلى الآباء ~~المعسرين : أى لا تقتلوهم بسبب الفقر الموجود فيكم أيها الآباء ، فقد يجعل ~~الله بعد عسر يسرا. ولذا قال سبحانه : ( @QUR@03 نحن نرزقكم وإياهم ) فجعل ~~الرزق للآباء ابتداء. لكي يطمئنهم سبحانه على أنه هو الكفيل برزقهم وبرزق ~~أولادهم. # وفي كلتا الحالتين ، القرآن الكريم ينهى عن قتل الأولاد ، ويغرس في نفوس ~~الآباء الثقة بالله تعالى والاعتماد عليه. # وجمله ( @QUR@03 نحن نرزقهم وإياكم ) تعليل للنهى عن قتل الأولاد ، ~~بإبطال موجبه في زعمهم وهو الفقر. # أى : نحن نرزقهم لا أنتم ، ونرزقكم أنتم معهم ، وما دام الأمر كذلك فلا ~~تقدموا على تلك الجريمة النكراء : وهي قتل الأولاد ، لأن الأولاد ، قطعة من ~~أبيهم ، والشأن حتى في الحيوان الأعجم أنه يضحى من أجل أولاده ويحميهم ، ~~ويتحمل الصعاب في سبيلهم. # وقوله ( @QUR@05 إن قتلهم كان خطأ كبيرا ) تعليل آخر للنهى عن قتل ~~الأولاد جيء به على سبيل التأكيد. # والخطء : هو الإثم وزنا ومعنى ، مصدر خطئ خطئا كأثم إثما من باب علم. # أى : أن قتل الأولاد كان عند الله تعالى إثما كبيرا فاحشا ، يؤدى إلى ~~التعاسة والشقاء في الدنيا والآخرة : # والحق أن المجتمع الذي يبيح قتل الأولاد ، خوفا من الفقر أو العار ، لا ~~يمكن أن يصلح شأنه ، لأنه مجتمع نفعي تسوده الأثرة والأنانية والتشاؤم ~~والأوهام ، لأن أفراده يظنون أن الله PageV08P338 # يخلق خلقا لا يدبر لهم رزقهم ، ويعتدون على روح بريئة طاهرة ، تخوفا من ~~فقر أو عار مترقب ، وذلك هو الضلال المبين. # ورحم الله الإمام الرازي فقد قال عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : إن ~~قتل الأولاد ms3525 إن كان لخوف الفقر ، فهو سوء ظن بالله. وإن كان لأجل الغيرة ~~على البنات فهو سعى في تخريب العالم. فالأول : ضد التعظيم لأمر الله تعالى ~~والثاني : ضد الشفقة على خلقه ، وكلاهما مذموم (1). # ولقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم برعاية الأبناء ، وحذر من الاعتداء عليهم ~~في أحاديث كثيرة ، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال : ~~قلت يا رسول الله ، أى الذنب أعظم؟ قال : أن تجعل لله ندا وهو خلقك. قلت : ~~ثم أى؟ قال : أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قلت : ثم أى؟ قال : أن تزنى ~~بحليلة جارك (2). # وبعد أن نهى سبحانه عن قتل الأولاد المؤدى إلى إفناء النسل ، أتبع ذلك ~~بالنهى عن فاحشة الزنا المؤدية إلى اختلاط الأنساب : فقال تعالى : ( ~~@QUR@08 ولا تقربوا الزنى ، إنه كان فاحشة وساء سبيلا ). # والزنا : وطء المرأة بدون عقد شرعي يجيز للرجل وطأها. # والفاحشة : ما عظم قبحه من الأقوال والأفعال. يقال فحش الشيء ، فحشا ، ~~كقبح قبحا وزنا ومعنى ، ويقال أفحش الرجل ، إذا أتى الفحش بضم الفاء وسكون ~~الحاء ، وهو القبيح من القول أو الفعل. وأكثر ما تكون الفاحشة إطلاقا على الزنا. # وتعليق النهى بقربانها ، للمبالغة في الزجر عنها ، لأن قربانها قد يؤدى ~~إلى الوقوع فيها ، فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. # وهذا لون حكيم من ألوان إصلاح النفوس ، لأنه إذا حصل النهى عن القرب من ~~الشيء ، فلأن ينهى عن فعله من باب أولى. # فكأنه سبحانه يقول : كونوا أيها المسلمون بعيدين عن كل المقدمات التي ~~تفضى إلى فاحشة الزنا كمخالطة النساء ، والخلوة بهن ، والنظر إليهن ... فإن ~~ذلك يفتح الطريق إلى الوقوع فيها. PageV08P339 # قال بعض العلماء : وكثيرا ما يتعلق النهى في القرآن بالقربان من الشيء ، ~~وضابطه بالاستقراء : # أن كل منهى عنه من شأنه أن تميل النفوس إليه ، وتدفع إليه الأهواء ، جاء ~~النهى فيه عن القربان ، ويكون القصد التحذير من أن يأخذ ذلك الميل في النفس ~~مكانة تصل بها إلى اقتراف المحرم ، ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@08 ولا ~~تقربوا مال اليتيم إلا ms3526 بالتي هي أحسن ... ) ( @QUR@03 ولا تقربوا الزنى ... ~~) ( @QUR@04 ولا تقربوهن حتى يطهرن .. ). # أما المحرمات التي لم يؤلف ميل النفوس إليها ، ولا اقتضاء الشهوات لها ، ~~فإن الغالب فيها ، أن يتعلق النهى عنها بنفس الفعل لا بالقربان منه. # ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@05 ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ... ) ~~وقوله تعالى : ( @QUR@08 ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق .. ). # فهذه وإن كانت فواحش ، إلا أنها ليست ذات دوافع نفسية ، يميل إليها ~~الإنسان بشهوته. بل هي في نظر العقل على المقابل من ذلك ، يجد الإنسان في ~~نفسه مرارة ارتكابها ، ولا يقدم عليها إلا وهو كاره لها ، أو في حكم الكاره ~~.. (1). # وقوله : ( @QUR@05 إنه كان فاحشة وساء سبيلا ) تعليل للنهى عن الاقتراب ~~منه ، أى : ابتعدوا عن مقدمات الزنا فضلا عن الوقوع فيه ذاته ، لأنه كان ~~وما زال في شرع الله ، وفي نظر كل عقل سليم فعلة فاحشة ظاهرة القبح وبئس ~~الطريق طريقه ، فإنها طريق تؤدى إلى غضب الله تعالى وسخطه. # ومما لا شك فيه أن فاحشة الزنا من أقبح الفواحش التي تؤدى إلى شيوع ~~الفساد والأمراض الخبيثة في الأفراد والمجتمعات ، وما وجدت في أمة إلا ~~وكانت عاقبتها خسرا. # ولقد تحدث الإمام الرازي عن تلك المفاسد التي تترتب على الزنا فقال ما ~~ملخصه : الزنا اشتمل على أنواع من المفاسد ، أولها : اختلاط الأنساب ~~واشتباهها ، فلا يعرف الإنسان أن الولد الذي أتت به الزانية ، أهو منه أو ~~من غيره ... # وثانيا : أنه إذا لم يوجد سبب شرعي لأجله يكون هذا الرجل لتلك المرأة ، ~~لم يبق في حصول ذلك الاختصاص إلا التواثب والتقاتل. PageV08P340 # وثالثها : أن المرأة إذا باشرت الزنا ، استقذرها كل طبع سليم ، وحينئذ لا ~~تحصل الألفة والمحبة ، ولا يتم السكن والازدواج .. # ورابعها : أنه إذا فتح باب الزنا ، فحينئذ لا يبقى لرجل اختصاص بامرأة ~~وحينئذ لا يبقى بين نوع الإنسان ، وبين سائر البهائم فرق في هذا الباب. # وخامسها : أنه ليس المقصود من المرأة قضاء الشهوة ، بل أن تصير شريكة ~~للرجل في ترتيب المنزل وإعداد مهماته .. وهذه المهمات لا تتم إلا إذا كانت ~~مقصورة الهمة ms3527 على هذا الرجل الواحد ، منقطعة الطمع عن سائر الرجال ، وذلك ~~لا يحصل إلا بتحريم الزنا ... فثبت بما ذكرنا أن العقول السليمة تقضى على ~~الزنا بالقبح (1). # ولقد سد الإسلام جميع المنافذ التي تؤدى إلى ارتكاب هذه الفاحشة ، وسلك ~~لذلك وسائل من أهمها : # 1 تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية ، ومنع الاختلاط بين الرجال والنساء إلا ~~في حدود الضرورة الشرعية ، ومن الأحاديث التي وردت في هذا المعنى ، ما رواه ~~الشيخان عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لا يخلون أحدكم ~~بامرأة إلا مع ذي محرم». # وروى الشيخان أيضا عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~«إياكم والدخول على النساء. فقال رجل من الأنصار : أفرأيت الحمو بفتح الحاء ~~وسكون الميم وهو قريب الزوج كأخيه وابن عمه فقال صلى الله عليه وسلم : «الحمو ~~الموت» (2). أى : دخوله قد يؤدى إلى الموت. # 2 تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية. ووجوب غض البصر. # قال تعالى : ( @QUR@07 قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم .. ). # وقال سبحانه : ( @QUR@07 وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن .. ~~) (3). # وروى الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «كتب على ~~ابن آدم نصيبه من الزنى مدرك ذلك لا محالة : العينان زناهما النظر ، ~~والأذنان زناهما الاستماع ، واللسان زناه الكلام ... والقلب يهوى ويتمنى ، ~~ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه» (4). PageV08P341 # 3 وجوب التستر والاحتشام للمرأة ؛ فإن التبرج والسفور يغرى الرجال ~~بالنساء ، ويحرك الغريزة الجنسية بينهما. # قال تعالى : ( @QUR@018 يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين ~~يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين .. ) (1). # 4 الحض على الزواج ، وتيسير وسائله ، والبعد عن التغالى في نفقاته ، ~~وتخفيف مؤنه وتكاليفه .. فإن الزواج من شأنه أن يحصن الإنسان ، ويجعله يقضى ~~شهوته في الحلال .. # فإذا لم يستطع الشاب الزواج ، فعليه بالصوم فإنه له وقاية كما جاء في ~~الحديث الشريف . # 5 إقامة حدود الله بحزم وشدة على الزناة سواء أكانوا من الرجال أم من ~~النساء ، كما قال تعالى : ( @QUR@026 الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد ms3528 ~~منهما مائة جلدة. ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله ~~واليوم الآخر ، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) (2). # وهذا الجلد إنما هو بالنسبة للبكر ذكرا كان أو أنثى ، أما بالنسبة للمحصن ~~وهو المتزوج أو الذي سبق له الزواج ، فعقوبته الرجم ذكرا كان أو أنثى ، وقد ~~ثبت ذلك بالأحاديث الصحيحة. # ففي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في زان لم يتزوج وزانية ~~متزوجة ، بقوله لوالد الرجل : «على ابنك مائة جلدة وتغريب عام» ثم قال ~~صلى الله عليه وسلم لأحد أصحابه واسمه أنيس : اغد يا أنيس إلى امرأة هذا ، فإن ~~اعترفت فارجمها» فغدا عليها فاعترفت فرجمها. # ومما لا شك أنه لو تم تنفيذ حدود الله تعالى على الزناة ، لمحقت هذه ~~الفاحشة محقا ، لأن الشخص إن لم يتركها خوفا من ربه عز وجل لتركها خوفا من ~~تلك العقوبة الرادعة ، ومن فضيحته على رءوس الأشهاد. # هذه بعض وسائل الوقاية من تلك الفاحشة القبيحة ، ولو اتبعها المسلمون ، ~~لطهرت أمتهم من رجسها ، ولحفظت في دينها ودنياها. # ثم نهى سبحانه عن قتل النفس المعصومة الدم ، بعد نهيه عن قتل الأولاد ، ~~وعن الاقتراب من فاحشة الزنا فقال تعالى : ( @QUR@08 ولا تقتلوا النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق ). PageV08P342 # أى : ولا تقتلوا النفس التي حرم الله قتلها ، إلا بالحق الذي يبيح قتلها ~~شرعا ، كردة ، أو قصاص ، أو زنا يوجب الرجم. # قال الإمام ابن كثير : يقول تعالى ناهيا عن قتل النفس بغير حق شرعي ، كما ~~ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~«لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا ~~بإحدى ثلاث : النفس بالنفس ، والزاني المحصن ، والتارك لدينه المفارق ~~للجماعة». # وفي السنن : «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مسلم (1)». # وقوله : ( @QUR@02 إلا بالحق ) متعلق بلا تقتلوا ، والباء للسببية ، ~~والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أى : لا تقتلوها في حال من الأحوال ، إلا ~~في حال ارتكابها لما يوجب قتلها. # وذلك : لأن ms3529 الإسلام ينظر إلى وجود الإنسان على أنه بناء بناه الله تعالى ~~فلا يحل لأحد أن يهدمه إلا بحق. # وبهذا يقرر الإسلام عصمة الدم الإنسانى ، ويعتبر من يعتدى على نفس واحدة ~~، فكأنما قد اعتدى على الناس جميعا. قال تعالى : ( @QUR@027 من أجل ذلك ~~كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما ~~قتل الناس جميعا ، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا .. ) (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@014 ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا ~~يسرف في القتل إنه كان منصورا ) إرشاد لولى المقتول إلى سلوك طريق العدل ~~عند المطالبة بحقه. # والمراد بوليه : من يلي أمر المقتول ، كأبيه وابنه وأخيه وغيرهم من ~~أقاربه الذين لهم الحق في المطالبة بدمه. فإن لم يكن للمقتول ولى ، فالحاكم وليه. # والمراد بالسلطان : القوة التي منحتها شريعة الله تعالى لولى المقتول على ~~القاتل ، حيث جعلت من حق هذا الولي المطالبة بالقصاص من القاتل ، أو أخذ ~~الدية منه ، أو العفو عنه ، ولا يستطيع أحد أن ينازعه في هذا الحق ، أو أن ~~يجبره على التنازل عنه. # والمعنى : ومن قتل مظلوما ، أى : بدون سبب يوجب قتله ، فإن دمه لم يذهب ~~هدرا ، فقد شرعنا «لوليه سلطانا» على القاتل ، لأنه أى الولي إن شاء طالب ~~بالقصاص منه ، وإن شاء أخذ الدية ، وإن شاء عفا عنه. وبذلك يصير الولي هو ~~صاحب الكلمة الأولى في PageV08P343 # التصرف في القاتل ، حتى لكأنه مملوك له. # وما دامت شريعة الله تعالى قد أعطت الولي هذا السلطان على القاتل ، فعليه ~~أن لا يسرف في القتل ، وأن لا يتجاوز ما شرعه الله تعالى . # ومن مظاهر هذا التجاوز : أن يقتل اثنين مثلا في مقابل قتيل واحد أو أن ~~يقتل غير القاتل ، أو أن يمثل بالقاتل بعد قتله. # قال الآلوسى ما ملخصه : كان من عادتهم في الجاهلية ، أنهم إذا قتل منهم ~~واحد ، قتلوا قاتله ، وقتلوا معه غيره ... # وأخرج البيهقي في سننه عن زيد بن أسلم أنه قال : إن الناس في الجاهلية ~~كانوا إذا قتل من ليس شريفا شريفا ، لم يقتلوه ms3530 به ، وقتلوا شريفا من قومه ، ~~فنهوا عن ذلك ، كما نهوا عن المثلة بالقاتل. # وقرأ حمزة والكسائي : «فلا تسرف» بالخطاب للولي على سبيل الالتفات (1). # وقوله : ( @QUR@03 إنه كان منصورا ) تذييل المقصود به تعليل النهى عن ~~الإسراف في القتل. والضمير يعود إلى الولي أيضا . # أى : فلا يسرف هذا الولي في القتل ، لأن الله تعالى قد نصره عن طريق ما ~~شرعه له من سلطان عظيم ، من مظاهره : المطالبة بالقصاص من القاتل ، أو بأخذ ~~الدية ، ومن مظاهره أيضا وقوف الحاكم وغيره إلى جانبه حتى يستوفى حقه من ~~القاتل ، دون أن ينازعه منازع في هذا الحق. # ومنهم من يرى أن الضمير في قوله ( @QUR@01 إنه ) يعود إلى المقتول ظلما ، ~~على معنى : أن الله تعالى قد نصره في الدنيا بمشروعية القصاص والدية حتى لا ~~يضيع دمه ، ونصره في الآخرة بالثواب الذي يستحقه ، وما دام الأمر كذلك فعلى ~~وليه أن لا يسرف في القتل. # ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب. لأنه هو الظاهر من معنى الآية ~~الكريمة. # قال ابن جرير بعد أن ساق الأقوال في ذلك : وأشبه ذلك بالصواب عندي ، قول ~~من قال : عنى بها أى بالهاء في إنه الولي ، وعليه عادت ، لأنه هو المظلوم ~~ووليه المقتول ، وهي إلى ذكره أقرب من ذكر المقتول ، وهو المنصور أيضا لأن ~~الله جل ثناؤه قضى في كتابه المنزل ، أن سلطه على قاتل وليه ، وحكمه فيه ، ~~بأن جعل إليه قتله إن شاء ، PageV08P344 # واستبقاءه على الدية إن أحب ، والعفو عنه إن رأى. وكفى بذلك نصرة له من ~~الله تعالى ، فلذلك هو المعنى بالهاء التي في قوله ( @QUR@03 إنه كان ~~منصورا ) (1). # والمتأمل في هذه الآية الكريمة التي هي أول آية نزلت في شأن القتل كما ~~قال الضحاك (2): يراها قد عالجت هذه الجريمة علاجا حكيما. # فهي أولا : تنهى عن القتل ، لأنه من أكبر الكبائر التي تؤدى إلى غضب الله ~~تعالى وسخطه ، قال تعالى : ( @QUR@016 ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ~~خالدا فيها ، وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ) (3). # وجاء النهى عنه في بعض الآيات ms3531 بعد النهى عن الإشراك بالله عز وجل . قال ~~سبحانه : ( @QUR@015 والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس ~~التي حرم الله إلا بالحق .. ) (4). # كما جاء النهى عنه في كثير من الأحاديث النبوية ، ومن ذلك ما جاء في ~~الصحيحين عن ابن مسعود رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~«أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء». # وفي حديث آخر يقول صلى الله عليه وسلم : «الآدمي بنيان الرب ، ملعون من هدم ~~بنيان الرب». # وفي حديث ثالث : «لو اجتمع أهل السموات والأرض على قتل رجل مسلم ، لأكبهم ~~الله في النار». # وهذا النهى الشديد عن قتل النفس من أسبابه : أنه يؤدى إلى شيوع الغل ~~والبغض والتقاتل ... بين الأفراد والجماعات ؛ إذ النفس البشرية في كل زمان ~~ومكان ، يؤلمها ، ويثير غضبها وانتقامها ، أن ترى قاتل عزيز لديها يمشى على ~~الأرض .. # وهي ثانيا : تسوق لولى المقتول من التوجيهات الحكيمة ، ما يهدئ نفسه ، ~~ويقلل من غضبه ، ويطفئ من نار ثورته المشتعلة. # وقد أجاد صاحب الظلال رحمه الله في توضيح هذا المعنى فقال : # «وفي تولية صاحب الدم على القصاص من القاتل ، وتجنيد سلطان الشرع وتجنيد الحاكم PageV08P345 # لنصرته ، تلبية للفطرة البشرية ، وتهدئة للغليان الذي تستشعره نفس الولي ~~، الغليان الذي قد يجرفه ويدفعه إلى الضرب يمينا وشمالا ، في حمى الغضب ~~والانفعال على غير هدى. فأما حين يحس أن الله قد ولاه على دم القاتل. وأن ~~الحاكم مجند لنصرته على القصاص ، فإن ثائرته تهدأ ، ونفسه تسكن ، ويقف عند ~~حد القصاص العادل الهادئ. # والإنسان إنسان ، فلا يطالب بغير ما ركب في فطرته من الرغبة العميقة في ~~القصاص. لذلك يعترف الإسلام بهذه الفطرة ويلبيها في الحدود المأمونة ، ولا ~~يتجاهلها فيفرض التسامح فرضا. إنما هو يدعو إلى التسامح ويؤثره ، ويجبب فيه ~~، ويأجر عليه ، ولكن بعد أن يعطى الحق. فلولى الدم أن يقتص أو يصفح. # وشعور ولى الدم بأنه قادر على كليهما ، قد يجنح به إلى الصفح والتسامح ، ~~أما شعوره بأنه مرغم على الصفح فقد يهيج نفسه ، ويدفع به ms3532 إلى الغلو والجموح (1). # هذا ، والذي نعتقده وندين الله تعالى عليه ، أنه لا علاج لجريمة القتل ~~وغيرها إلا بتطبيق شريعة الله تعالى التي جمعت بين الرحمة والعدل. # وبالرحمة والعدل : تتلاقى القلوب بعد التفرق ، وتلتئم بعد التصدع ، ~~وتتسامى عن الانتقام إلى ما هو أعلى منه وهو العفو. # وبعد أن نهى سبحانه عن إتلاف النفوس عن طريق القتل والزنا ، أتبع ذلك ~~بالنهى عن إتلاف الأموال التي هي قوام الحياة ، وبدأ سبحانه بالنهى عن ~~الاقتراب من مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ، ثم ثنى بالأمر بإيفاء الكيل ~~والميزان عند التعامل ، فقال تعالى : # ( @QUR@028 ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ، ~~وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤلا. وأوفوا الكيل إذا كلتم ، وزنوا بالقسطاس ~~المستقيم ، ذلك خير وأحسن تأويلا ). # واليتيم : هو الصغير الذي مات أبوه مأخوذ من اليتم بمعنى الانفراد ، ومنه ~~الدرة اليتيمة. # والخطاب في قوله : ( @QUR@02 ولا تقربوا ... ) لأولياء اليتيم ، ~~والأوصياء على ماله. # والأشد : قوة الإنسان ، واشتعال حرارته ، ومن الشدة بمعنى القوة. يقال : ~~شد النهار إذا ارتفع واكتمل ، وهو مفرد جاء بصيغة الجمع. أو هو جمع لا واحد ~~له من لفظه ، أو جمع شدة كأنعم ونعمة. PageV08P346 # أى : ولا تقربوا أيها الأولياء على اليتيم ماله الذي منحه الله إياه عن ~~طريق الميراث أو غيره ، إلا بالطريقة التي هي أحسن الطرق ، والتي من شأنها ~~أن تنفعه ، كالمحافظة عليه ، واستثماره له ، وإنفاقه في الوجوه المشروعة. # واعلموا أن كل تصرف مع اليتيم أو في ماله لا يقع في تلك الدائرة دائرة ~~الأنفع والأحسن فهو تصرف محظور ومنهى عنه ، وسيحاسبكم الله تعالى عليه. # وتعليق النهى بالقربان ، للمبالغة في الزجر عن التصرف في مال اليتيم ، ~~إلا بالطريقة التي هي أحسن. # وقوله : ( @QUR@03 حتى يبلغ أشده ) ليس غاية للنهى ، إذ ليس المعنى : ~~فإذا بلغ أشده فاقربوه ، لأن هذا المعنى يقتضى إباحة أكل الولي لمال اليتيم ~~بعد بلوغه ، وإنما هو غاية لما يفهم من النهى ، فيكون المعنى : لا تقربوا ~~مال اليتيم إلا بالطريقة التي هي أحسن ، واستمروا على ذلك حتى يبلغ أشده ms3533 ، ~~أى : حتى يصير بالغا عاقلا رشيدا ، فإذا ما صار كذلك ، فسلموا إليه ماله ~~بأمانة واستعفاف عن التطلع إلى شيء منه. # هذا ، وقد أمرت شريعة الإسلام ، بحسن رعاية اليتيم ، وبالمحافظة على ~~حقوقه ، ونهت عن الإساءة إليه ، بأى لون من ألوان الإساءة. # قال تعالى : ( @QUR@010 ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير ، وإن ~~تخالطوهم فإخوانكم .. ) (1). # وقال سبحانه : ( @QUR@013 إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ، إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا ، وسيصلون سعيرا ) (2). # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام البخاري عن ~~سهل بن سعد رضى الله عنه : «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا» وأشار ~~بالسبابة والوسطى (3). # وروى الشيخان عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال : «اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا : يا رسول الله وما هن؟ قال : الشرك ~~بالله ، والسحر ، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وأكل الربا ، وأكل ~~مال اليتيم ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات». PageV08P347 # ومن الحكم التي من أجلها أمر الإسلام بالعطف على اليتيم ونهى عن ظلمه ، ~~أنه إنسان ضعيف فقد الأب الحانى ، والعائل والنصير منذ صغره .. # فإذا نشأ في بيئة ترعاه وتكرمه .. شب محبا لمن حوله ، وللمجتمع الذي يعيش فيه. # وإذا نشأ في بيئة تقهره وتذله وتظلمه .. نظر إلى من حوله ، وإلى المجتمع ~~الذي يعيش فيه ، نظرة العدو إلى عدوه .. # وكأنه يقول لنفسه : إذا كان الناس لم يحسنوا إلى في صغرى وفي حالة ضعفى ، ~~فلما ذا أحسن إليهم في حال كبرى وقوتي!! وإذا كانوا قد حرموني حقي الذي ~~منحه الله لي فلما ذا أعطيهم شيئا من خيرى وبرى!!. # هذه بعض الأسباب التي من أجلها أمر الإسلام أتباعه برعاية اليتيم وإكرامه ~~، وصيانة حقوقه من أى اعتداء أو ظلم. # وبعد أن نهى سبحانه عن الاقتراب من مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ، أمر ~~بالوفاء بالعهود فقال : ( @QUR@06 وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤلا ). # والعهد : ما من شأنه أن يراعى ويحفظ ، كالوصية واليمين. وعهد الله : ~~أوامره ونواهيه وعهد الناس : ما يتعاهدون عليه من ms3534 معاملات وعقود وغير ذلك ~~مما تقتضيه شئون حياتهم. # أى : وأوفوا بالعهود التي بينكم وبين الله تعالى ، والتي بينكم وبين ~~الناس ، بأن تؤدوها كاملة غير منقوصة ، وأن تقوموا بما تقتضيه من حقوق ~~شرعية. وقوله ( @QUR@04 إن العهد كان مسؤلا ) تعليل لوجوب الوفاء بالعهد. # أى : كونوا أوفياء بعهودكم لأن صاحب العهد كان مسئولا عنه ، أمام الله ~~تعالى وأمام الناس ، فالكلام على حذف مضاف كما في قوله سبحانه ( @QUR@02 ~~وسئل القرية ). # وقال سبحانه : ( @QUR@04 وأوفوا بالعهد إن العهد ... ) بالإظهار دون ~~الإضمار للإشعار بكمال العناية بشأن الوفاء بالعهود. # ويجوز أن يكون المعنى : وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا ، أى : كان ~~مطلوبا بالوفاء به وقد مدح الله تعالى الذين يوفون بعهودهم في آيات كثيرة ، ~~منها قوله تعالى : ( @QUR@011 إنما يتذكر أولوا الألباب. الذين يوفون بعهد ~~الله ولا ينقضون الميثاق ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@08 والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ، والصابرين في ~~البأساء والضراء PageV08P348 # @QUR@08 وحين البأس ، أولئك الذين صدقوا ، وأولئك هم المتقون ) (1). # وبعد أن أمر سبحانه بالوفاء بصفة عامة ، أتبع ذلك بالوفاء في شئون البيع ~~والشراء ، فقال تعالى : ( @QUR@011 وأوفوا الكيل إذا كلتم ، وزنوا بالقسطاس ~~المستقيم ، ذلك خير وأحسن تأويلا ). # والقسطاس : الميزان الذي يوزن به في حالتي البيع والشراء. # قال صاحب الكشاف : قرئ «بالقسطاس» بكسر القاف وضمها .. قيل : كل ميزان ~~صغر أو كبر من موازين الدراهم وغيرها (2). # وقال الآلوسى ما ملخصه : وهذا اللفظ رومي معرب .. وقيل : عربي .. وعلى ~~القول بأنه رومي معرب وهو الصحيح لا يقدح استعماله في القرآن في عربيته ~~المذكورة في قوله تعالى : ( @QUR@04 إنا أنزلناه قرآنا عربيا ) لأنه بعد ~~التعريب والسماع في فصيح الكلام ، يصير عربيا ، فلا حاجة إلى إنكار تعريبه ~~.. (3). # وقوله : ( @QUR@01 تأويلا ) من الأول بفتح الهمزة وسكون الواو بمعنى ~~الرجوع. يقال : آل هذا الأمر إلى كذا ، إذا رجع إليه. # والمعنى : وأتموا أيها المؤمنون الكيل إذا كلتم لغيركم عند بيعكم لهم ما ~~تريدون بيعه ، وزنوا لهم كذلك بالميزان المستقيم العادل ما تريدون وزنه لهم. # وقيد سبحانه الأمر بوجوب إتمام الكيل والميزان في حالة البيع ، لأنها ~~الحالة التي يكون فيها التطفيف في العادة ، إذ ms3535 أن البائع هو الذي غالبا ما ~~يطفف للمشتري في المكيال والميزان ولا يعطيه حقه كاملا. # قال تعالى : ( @QUR@013 ويل للمطففين. الذين إذا اكتالوا على الناس ~~يستوفون. وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ). # أى : ذلك الذي أمرناكم به. من وجوب إتمام المكيال والميزان عند التعامل ، ~~خير لكم في الدنيا ، لأنه يرغب الناس في التعامل معكم ، أما في الآخرة فهو ~~أحسن عاقبة ومآلا ، لما يترتب عليه من الثواب الجزيل لكم من الله عز وجل . # ثم ختم سبحانه تلك التوجيهات السامية السديدة ، بالنهى عن تتبع مالا علم ~~للإنسان به ، وعن الفخر والتكبر والخيلاء .. فقال تعالى : PageV08P349 # ( @QUR@054 ولا تقف ما ليس لك به علم ، إن السمع والبصر والفؤاد ، كل ~~أولئك كان عنه مسؤلا ولا تمش في الأرض مرحا ، إنك لن تخرق الأرض ، ولن تبلغ ~~الجبال طولا. كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها. ذلك مما أوحى إليك ربك من ~~الحكمة. ولا تجعل مع الله إلها آخر. فتلقى في جهنم ملوما مدحورا ). # قال القرطبي رحمه الله ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@07 ولا تقف ما ليس ~~لك به علم ) أى : ولا تتبع ما لا تعلم ولا يعنيك من قول أو فعل قال قتادة : ~~لا تقل رأيت وأنت لم تر ، وسمعت وأنت لم تسمع ، وعلمت وأنت لم تعلم .. # ثم قال : وأصل القفو البهت ، والقذف بالباطل. ومنه قوله عليه الصلاة ~~والسلام : «نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمنا ، ولا ننتفى من أبينا» أى ~~: لا نسب أمنا. # وقال : قفوته أقفوه ... إذا اتبعت أثره. وقافية كل شيء آخره ، ومنه اسم ~~النبي صلى الله عليه وسلم : المقفى ، لأنه آخر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~، ومنه القائف ، وهو الذي يتبع الأثر .. (1). # وقال صاحب الكشاف رحمه الله : قوله : ( @QUR@07 ولا تقف ما ليس لك به علم ~~): يعنى ، ولا تكن في اتباعك ما لا علم لك به من قول أو فعل ، كمن يتبع ~~مسلكا لا يدرى أنه يوصله إلى مقصده فهو ضال. والمراد : النهى عن أن يقول ~~الرجل ما لا يعلم ، وأن يعمل بما لا يعلم. ويدخل فيه النهى ms3536 عن التقليد ~~الأعمى دخولا ظاهرا لأنه اتباع لما لا يعلم صحته من فساده .. (2). # وقوله : ( @QUR@09 إن السمع والبصر والفؤاد ، كل أولئك كان عنه مسؤلا ) ~~تحذير شديد من أن يقول الإنسان قولا لا علم له به ، أو أن يفعل فعلا بدون ~~تحقق ، أو أن يحكم حكما بلا بينة أو دليل. # أى : إن السمع الذي تسمع به أيها المكلف ، والبصر الذي تبصر به ، والفؤاد ~~أى القلب الذي تحيا به ، كل أولئك الأعضاء ستكون مسئولا عن أفعالها يوم ~~القيامة ، وسيقال لك بتأنيب وتوبيخ : لما ذا سمعت ما لا يحل لك سماعه ، ~~ونظرت إلى ما لا يجوز لك النظر إليه ، وسعيت إلى ما لا يصح لك أن تسعى ~~إليه!!. PageV08P350 # وعلى هذا التفسير يكون السؤال في قوله تعالى : ( @QUR@03 كان عنه مسؤلا ) ~~للإنسان الذي تتبع ما ليس له به علم من قول أو فعل. # ومن الآيات التي تشهد لهذا التفسير قوله تعالى : ( @QUR@07 فو ربك ~~لنسئلنهم أجمعين. عما كانوا يعملون ) (1). # ومنهم من يرى أن السؤال موجه إلى تلك الأعضاء ، لتنطق بما اجترحه صاحبها ~~، ولتكون شاهدة عليه ، فيكون المعنى :. # إن السمع والبصر والفؤاد ، كل واحد من أولئك الأعضاء ، كان مسئولا عن ~~فعله ، بأن يقال له : هل استعملك صاحبك فيما خلقت من أجله أولا؟. # ويكون هذا السؤال للأعضاء من باب التوبيخ لأصحابها ، كما قال تعالى : ( ~~@QUR@011 اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم ، وتشهد أرجلهم بما كانوا ~~يكسبون ) (2). # وكما قال سبحانه : ( @QUR@020 ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم ~~يوزعون. حتى إذا ما جاؤها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا ~~يعملون ) (3). # واسم الإشارة ( @QUR@01 أولئك ) على التفسيرين يعود إلى السمع والبصر ~~والفؤاد ، إما لأن هذا الاسم يشار به إلى العقلاء ويشار به إلى غير العقلاء ~~، كما في قول الشاعر : # ذم المنازل بعد منزلة اللوى %~% والعيش بعد أولئك الأيام # وإما لأن هذه الأعضاء أخذت حكم العقلاء ، لأنها جزء منهم ، وشاهدة عليهم. # وعلى كلا التفسيرين أيضا ، يتمثل التحذير الشديد للإنسان عن أن يتبع ما ~~ليس له به علم. # قال الجمل : وقوله تعالى : ( @QUR@02 كل أولئك ) مبتدأ ms3537 ، خبره جملة ( ~~@QUR@03 كان عنه مسؤلا )، والضمير في «كان» وفي «عنه» وفي «مسئولا» يعود ~~على كل. أى : كان كل واحد منها مسئولا عن نفسه ، يعنى عما فعل به صاحبه : ~~ويجوز أن يكون الضمير في : «عنه» لصاحب السمع والبصر والفؤاد .. (4). PageV08P351 # وشبيه بهذه الآية في النهى عن اتباع ما لا علم للإنسان به. قوله تعالى : ~~( @QUR@029 قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، والإثم والبغي ~~بغير الحق ، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ، وأن تقولوا على الله ~~ما لا تعلمون ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@028 يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ، ~~ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين. إنما يأمركم بالسوء والفحشاء ~~وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) (2). # قال الإمام ابن كثير : ومضمون ما ذكروه في معنى قوله تعالى : ( @QUR@07 ~~ولا تقف ما ليس لك به علم .. ) أن الله تعالى نهى عن القول بلا علم ، كما ~~قال سبحانه : ( @QUR@08 اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم .. ) وفي ~~الحديث : «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ...» وفي سنن أبى داود : «بئس ~~مطية الرجل زعموا» وفي الحديث الآخر : «إن أفرى الفري أى أكذب الكذب أن يرى ~~الرجل عينيه ما لم تريا» (3). # وقال بعض العلماء : وهذه الكلمات القليلة التي اشتملت عليها الآية تقيم ~~منهجا كاملا للقلب والعقل ، يشمل المنهج العلمي الذي عرفته البشرية حديثا ~~جدا ، ويضيف إليه استقامة القلب ، ومراقبة الله ، ميزة الإسلام على المناهج ~~العقلية الجافة!. # فالتثبت من كل خبر ، ومن كل ظاهرة ، ومن كل حركة ، قبل الحكم عليها ، هو ~~دعوة القرآن الكريم ، ومنهج الإسلام الدقيق .. # فلا يقول اللسان كلمة ، ولا ينقل رواية ، ولا يروى حادثة ، ولا يحكم ~~العقل حكما ، ولا يبرم الإنسان أمرا. إلا وقد تثبت من كل جزئية ، ومن كل ~~ملابسة ومن كل نتيجة ، فلم يبق هنالك شك ولا شبهة في صحتها .. (4). # ثم ينتقل القرآن الكريم من النهى عن أن يتبع الإنسان ما لا علم له به ، ~~إلى النهى عن التفاخر والتكبر والإعجاب في النفس فيقول : ( @QUR@05 ولا تمش ~~في ms3538 الأرض مرحا ... ). # والمرح في الأصل : شدة الفرح ، والتوسع فيه ، مع الخيلاء والتعالي على ~~الناس ، يقال : مرح بزنة فرح يمرح مرحا ، إذا اشتد فرحه ومشى مشية ~~المتكبرين. وهو مصدر وقع موقع الحال. PageV08P352 # أى : ولا تمش أيها الإنسان في الأرض مشية الفخور المتكبر المختال بل كن ~~متواضعا متأدبا بأدب الإسلام في سلوكك. # وتقييد النهى بقوله «في الأرض» للتذكير بالمبدأ والمعاد ، المانعين من ~~الكبر والخيلاء ، إذ من الأرض خلق وإليها يعود ، ومن كان كذلك كان جديرا به ~~أن يتواضع لا أن يتكبر. # قال تعالى : ( @QUR@08 منها خلقناكم وفيها نعيدكم ، ومنها نخرجكم تارة ~~أخرى ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 إنك لن تخرق الأرض ، ولن تبلغ الجبال طولا ) ~~تعليل للنهى عن التفاخر مع السخرية والتهكم من المتفاخر المغرور. # أى : إنك أيها الماشي في الأرض مرحا لن تخرق الأرض بوطئك عليها ، أو ~~بمشيك فوقها ، ولن تبلغ مهما ارتفعت قامتك الجبال في الطول والعلو. ومادام ~~شأنك كذلك ، فكن متواضعا ، فمن تواضع لله تعالى رفعه. # وقوله «طولا» تمييز محول عن الفاعل. أى : لن يبلغ طولك الجبال. # وشبيه بهذه الآية في النهى عن التعالي والتطاول ، قوله تعالى : ( ~~@QUR@016 ولا تصعر خدك للناس ، ولا تمش في الأرض مرحا ، إن الله لا يحب كل ~~مختال فخور ) (2). # وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتواضع ، ونهى عن التكبر والغرور ، وبين ~~سوء عاقبة ذلك في أحاديث كثيرة ، منها ما رواه مسلم في صحيحه عن عياض بن ~~حمار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الله تعالى أوحى إلى أن ~~تواضعوا ، حتى لا يفخر أحد على أحد ، ولا يبغى أحد على أحد» (3). # وروى الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لا ينظر ~~الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا» (4). # وروى الترمذي عن سلمة بن الأكوع قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~«لا يزال الرجل يذهب بنفسه أى يرتفع ويتكبر حتى يكتب في الجبارين فيصيبه ما ~~أصابهم» (5). # ورحم الله القائل : # ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعا %~% فكم تحتها قوم همو ms3539 منك أرفع وإن كنت في عز وحرز ومنعة %~% فكم مات من قوم همو منك أمنع PageV08P353 # ثم ختم سبحانه تلك التكاليف التي يغلب عليها طابع النهى عن الرذائل بقوله ~~: ( @QUR@07 كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها ). # واسم الإشارة ( @QUR@01 ذلك ) يعود إلى ما تقدم ذكره من التكاليف ~~والأوامر والنواهي. التي لا يتطرق إليها النسخ ، والتي تبلغ خمسة وعشرين ~~تكليفا ، تبدأ بقوله تعالى : ( @QUR@06 لا تجعل مع الله إلها آخر ) ثم يأتى ~~بعد ذلك النهى عن عقوق الوالدين ، والأمر بصلة الأرحام ، وبالعطف على ~~المسكين وابن السبيل ، ثم النهى عن البخل ، والإسراف ، وقتل الأولاد ، ~~والاقتراب من الزنا ، وقتل النفس إلا بالحق ، والاعتداء على مال اليتيم .. إلخ. # والضمير في ( @QUR@01 سيئه ) يعود إلى ما نهى الله عنه من أفعال ، كالشرك ~~، وعقوق الوالدين ، والزنا. أى : كل ذلك الذي بيناه لك فيما سبق ، كان ~~الفعل السيئ منه ، عند ربك مكروها ، أى : مبغوضا عنده سبحانه وأما الفعل ~~الحسن كالوفاء بالعهد ، وإعطاء ذي القربى حقه ، فهو محمود عند ربك عز وجل . # قال الآلوسى : ووصف ذلك بمطلق الكراهة مع أن أكثره من الكبائر كالشرك ~~والزنا ... للإيذان بأن مجرد الكراهة عنده تعالى كافية في وجوب الكف عن ذلك. # وتوجيه الإشارة إلى الكل ، ثم تعيين البعض دون توجيهها إليه ابتداء ، لما ~~قيل : من أن البعض المذكور ليس بمذكور جملة ، بل على وجه الاختلاط لنكتة ~~اقتضته ، وفيه إشعار بكون ما عداه مرضيا عنده سبحانه . # وإنما لم يصرح بذلك ، إيذانا بالغنى عنه ، أو اهتماما بشأن التنفير من ~~النواهي .. (1). # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : ( @QUR@04 كل ذلك كان سيئه ) بالتاء والتنوين. # وعلى هذه القراءة يكون اسم الإشارة ، يعود إلى المنهيات السابقة فقط ، ~~ويكون المعنى : كل ذلك الذي نهيناك عنه في الآيات السابقة ، من الإشراك ~~بالله ، وعقوق الوالدين ، واتباع ما ليس لك به علم .. كان اقترافه سيئة من ~~السيئات المبغوضة عند ربك ، المحرمة في شرعه ، المعاقب مرتكبها. # ثم ختم سبحانه تلك الأحكام المحكمة ، والتكاليف السامية ، بقوله : ( ~~@QUR@018 ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر ms3540 فتلقى ~~في جهنم ملوما مدحورا ). PageV08P354 # أى : ذلك الذي أمرناك به ، ونهيناك عنه أيها الرسول الكريم بعض ما أوحاه ~~الله تعالى عليك «من الحكمة» التي هي علم الشرائع ومعرفة الحق ، والعمل به ~~، وحذار أن تجعل بعد هذا البيان الحكيم ، مع الله تعالى إلها آخر أيها ~~المخاطب فتلقى وتطرح في جهنم ، ملوما من نفسك ومن غيرك ، مدحورا أى : مبعدا ~~من رحمة الله تعالى قال صاحب الكشاف : ولقد جعل الله تعالى فاتحتها أى تلك ~~الآيات المشتملة على تلك الأوامر والنواهي وخاتمتها ، النهى عن الشرك ، لأن ~~التوحيد هو رأس كل حكمة وملاكها ومن عدمه لم تنفعه حكمه وعلومه وإن بذفيها ~~الحكماء ، وحك بيافوخه السماء ، وما أغنت عن الفلاسفة أسفار الحكم وهم عن ~~دين الله أضل من النعم (1). # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة التي اشتملت على بضع وعشرين تكليفا ، ~~والتي ابتدأت بقوله تعالى لا تجعل مع الله إلها آخر ... وانتهت بقوله ~~سبحانه : ( @QUR@06 ولا تجعل مع الله إلها آخر .. ) قد ربطت قواعد السلوك ~~والآداب : والتكاليف الفردية والاجتماعية ، بإخلاص العبادة لله تعالى لأن ~~هذا الإخلاص لله تعالى في العقيدة والعبادة والقول والعمل .. هو رأس كل ~~حكمة وملاكها. كما قال صاحب الكشاف رحمه الله . # وبعد أن ذكر سبحانه ما ذكر من الأوامر والنواهي في الآيات السابقة ، التي ~~بدأها وختمها بالنهى عن الإشراك بالله تعالى أتبع ذلك بإقامة الأدلة على ~~استحالة أن يكون له شريك أو ولد ، بل كل من في السموات ومن الأرض ، خاضع ~~لسلطانه ، وما من شيء إلا ويسبح بحمده ، فقال تعالى . # ( @QUR@011 أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون ~~قولا عظيما (40) @QUR@010 ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا ~~نفورا (41) @QUR@013 قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي ~~العرش سبيلا (42) @QUR@06 سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا (43) ~~@QUR@03 تسبح له السماوات PageV08P355 # @QUR@018 السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا ) (44) # والخطاب في قوله تعالى : ( @QUR@01 أفأصفاكم .. ) للكافرين الذين قالوا ، ~~الملائكة بنات الله. # والإصفاء بالشيء ms3541 : جعله خالصا. يقال : أصفى فلان فلانا بالشيء ، إذا آثره ~~به. ويقال للأشياء التي يختص السلطان بها نفسه : الصوافي. وفعله : صفا يصفو ~~، وتضمن هنا معنى التخصيص. # والاستفهام للإنكار والتوبيخ والتهكم. # والمعنى كما يقول صاحب الكشاف أفخصكم ربكم على وجه الخلوص والصفاء بأفضل ~~الأولاد ، وهم الذكور ، ولم يجعل فيهم نصيبا لنفسه ، واتخذ أدونهم ، وهن ~~البنات ، وأنتم لا ترضونهن لأنفسكم ، بل تئدوهن وتقتلونهن!! فهذا خلاف ~~الحكمة وما عليه معقولكم وعادتكم. فإن العبيد لا يؤثرون بأجود الأشياء ~~وأصفاها من الشوب ، ويكون أردؤها وأدونها للسادات (1). # والمقصود من الجملة الكريمة نفى ما زعموه من أن الملائكة بنات الله بأبلغ ~~وجه ، أى : لم يخصكم ربكم بالبنين ، ولم يتخذ من الملائكة إناثا ، لأنه ~~سبحانه تنزه عن الشريك والولد والوالد والشبيه. # قال تعالى : ( @QUR@016 لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما ~~يشاء ، سبحانه هو الله الواحد القهار ) (2). # وقال تعالى : ( @QUR@08 ألكم الذكر وله الأنثى. تلك إذا قسمة ضيزى ) (3). # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 إنكم لتقولون قولا عظيما ) تسفيه لأقوالهم ~~الباطلة وأفكارهم الفاسدة وعقولهم السقيمة. PageV08P356 # أى : إنكم بنسبتكم البنات إلى الله تعالى ، لتقولون قولا عظيما في قبحه ~~وشناعته ، وفي استهجان العقول السليمة له ، وفيما يترتب عليه من عقوبات ~~أليمة من الله تعالى لكم. # قال تعالى : ( @QUR@046 وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ، لقد جئتم شيئا إدا. ~~تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا. أن دعوا للرحمن ~~ولدا. وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا. إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي ~~الرحمن عبدا. لقد أحصاهم وعدهم عدا. وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ) (1). # ثم بين سبحانه أن هذا القرآن الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ~~قد اشتمل على ألوان متعددة من الهدايات والآداب والأحكام ، فقال تعالى : ( ~~@QUR@010 ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا ، وما يزيدهم إلا نفورا ). # وقوله تعالى : ( @QUR@01 صرفنا ) من التصريف وهو في الأصل صرف الشيء من ~~حالة إلى أخرى ، ومن جهة إلى أخرى. # والمراد به هنا : بينا ، وكررنا ، ومفعوله محذوف للعلم به. # والمعنى : ولقد بينا وكررنا في هذا القرآن أنواعا ms3542 من الوعد والوعيد ، ~~والقصص ، والأمثال ، والمواعظ والأخبار ، والآداب والتشريعات ، ليتذكر ~~هؤلاء الضالون ويتعظوا ويعتبروا ، ويوقنوا بأنه من عند الله تعالى فيهديهم ~~ذلك إلى اتباع الحق ، والسير في الطريق القويم. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 وما يزيدهم إلا نفورا ) تصوير بديع لإصرارهم على ~~كفرهم وعنادهم ، وإيثارهم الغي على الرشد. # والنفور : التباعد والإعراض عن الشيء. يقال : نفرت الدابة تنفر بكسر ~~الفاء وضمها نفورا ، إذا جزعت وتباعدت وشردت. # أى : وما يزيدهم هذا البيان والتكرار الذي اشتمل عليه القرآن الكريم ، ~~إلا تباعدا عن الحق ، وإعراضا عنه ، وعكوفا على باطلهم ، بسبب جحودهم ~~وعنادهم وحسدهم للرسول صلى الله عليه وسلم على ما آتاه الله من فضله. PageV08P357 # وكان بعض الصالحين إذا قرأ هذه الآية قال : زادني لك خضوعا ، ما زاد ~~أعداءك نفورا. # ثم أمر الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوبخهم على شركهم ، وأن ~~يسوق لهم الدليل الواضح على فساد عقولهم ، فقال تعالى : ( @QUR@013 قل لو ~~كان معه آلهة كما يقولون ، إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ). # وقد قرأ جمهور القراء «كما تقولون» وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم «كما ~~يقولون». # وللمفسرين في تفسير هذه الآية اتجاهان ، أما الاتجاه الأول فيرى أصحابه ~~أن المعنى. # قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء المشركين ، لو كان مع الله تعالى آلهة أخرى ~~كما يزعمون إذا لطلبوا إلى ذي العرش وهو الله عز وجل طريقا وسبيلا لتوصلهم ~~إليه ، لكي ينازعوه في ملكه ، ويقاسموه إياه ، كما هي عادة الشركاء ، وكما ~~هو ديدن الرؤساء والملوك فيما بينهم. # قال تعالى : ( @QUR@024 ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب ~~كل إله بما خلق ، ولعلا بعضهم على بعض ، سبحان الله عما يصفون ) (1). # وقال سبحانه : ( @QUR@013 لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ، فسبحان ~~الله رب العرش عما يصفون ) (2). # وهذا الاتجاه قد صدر به صاحب الكشاف كلامه فقال ما ملخصه : قوله ( ~~@QUR@06 إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ) جواب عن مقالة المشركين وجزاء ~~للو. أى : إذا لطلبوا إلى من له الملك والربوبية سبيلا بالمغالية ، كما ~~يفعل الملوك بعضهم ms3543 مع بعض .. (3). # وأما الاتجاه الثاني فيرى أصحابه أن المعنى : قل أيها الرسول لهؤلاء ~~المشركين ، لو كان مع الله تعالى آلهة أخرى كما يزعمون ، إذا لابتغوا أى ~~الآلهة المزعومة إلى ذي العرش سبيلا وطريقا ليقتربوا إليه ، ويعترفوا بفضله ~~، ويخلصوا له العبادة ، كما قال تعالى : ( @QUR@018 أولئك الذين يدعون ~~يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ، ويرجون رحمته ، ويخافون عذابه ، إن ~~عذاب ربك كان محذورا ) (4). PageV08P358 # وقد اقتصر ابن كثير على هذا الوجه في تفسيره للآية فقال : يقول تعالى : ~~قل يا محمد لهؤلاء المشركين الزاعمين أن لله شريكا من خلقه ، لو كان الأمر ~~كما تقولون ، من أن معه آلهة تعبد .. لكان أولئك المعبودون يعبدونه ~~ويتقربون إليه يبتغون إليه الوسيلة والقربة. (1). # ومع وجاهة الرأيين ، إلا أن الرأى الأول أظهر ، لأن في الآية فرض المحال ~~، وهو وجود الآلهة مع الله تعالى ، وافتراض وجودها المحال لا يظهر منه أنها ~~تتقرب إليه سبحانه ، بل الذي يظهر منه أنها تنازعه لو كانت موجودة ، ولأن ~~هذا الرأى يناسبه أيضا قوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@06 سبحانه وتعالى عما ~~يقولون علوا كبيرا ). # أى : تنزه الله تعالى عما يقوله المشركون في شأنه وتباعد ، وعلا علوا ~~كبيرا ، فإنه جل شأنه لا ولد له ، فلا شريك له ... # قال تعالى : ( @QUR@015 قل هو الله أحد. الله الصمد. لم يلد ولم يولد. ~~ولم يكن له كفوا أحد ). # والتعبير بقوله سبحانه : ( @QUR@06 إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ) ~~يشير إلى الارتفاع والتسامى على تلك الآلهة المزعومة ، وأنها دون عرشه ~~تعالى وتحته ، وليست معه .. # ثم بين سبحانه أن جميع الكائنات تسبح بحمده فقال تعالى : ( @QUR@017 تسبح ~~له السماوات السبع ، والأرض ومن فيهن ، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ، ولكن ~~لا تفقهون تسبيحهم ). # والتسبيح : مأخوذ من السبح ، وهو المر السريع في الماء أو في الهواء ، ~~فالمسبح مسرع في تنزيه الله وتبرئته من السوء ، ومن كل ما لا يليق به ~~سبحانه . # أى تنزه الله تعالى وتمجده السموات السبع ، والأرض ، ومن فيهن من الإنس ~~والجن والملائكة وغير ذلك ، وما من شيء من مخلوقاته التي لا تحصى إلا ms3544 ويسبح ~~بحمد خالقه تعالى ، ولكن أنتم يا بنى آدم «لا تفقهون تسبيحهم» لأن تسبيحهم ~~بخلاف لغتكم ، وفوق مستوى فهمكم ، وإنما الذي يعلم تسبيحهم هو خالقهم عز وجل ~~، وصدق سبحانه إذ يقول : ( @QUR@07 ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ). # والمتدبر في هذه الآية الكريمة ، يراها تبعث في النفوس الخشية والرهبة من ~~الخالق عز وجل ، لأنها تصرح تصريحا بليغا بأن كل جماد ، وكل حيوان ، وكل طير ~~، وكل حشرة .. PageV08P359 # بل كل كائن في هذا الوجود يسبح بحمده تعالى . # وهذا التصريح يحمل كل إنسان عاقل على طاعة الله ، وإخلاص العبادة له ، ~~ومداومة ذكره ... حتى لا يكون وهو الذي كرمه ربه وفضله أقل من غيره طاعة ~~لله تعالى . # وقوله : ( @QUR@04 إنه كان حليما غفورا ) تذييل قصد به بيان فضل الله ~~تعالى ورحمته بعباده مع تقصيرهم في تسبيحه وذكره. # أى : ( @QUR@03 إنه كان حليما ) لا يعاجل المقصر بالعقوبة ، بل يمهله ~~لعله يرعوى وينزجر عن تقصيره ومعصيته ، ( @QUR@01 غفورا ) لمن تاب وآمن ~~وعمل صالحا واهتدى إلى صراطه المستقيم. # هذا ، ومن العلماء من يرى أن تسبيح هذه الكائنات بلسان الحال. # قال بعض العلماء تسبيح هذه الكائنات لله تعالى هو دلالتها بإمكانها ~~وحدوثها ، وتغير شئونها ، وبديع صنعها على وجود مبدعها ، ووحدته وقدرته ، ~~وتنزهه عن لوازم الإمكان والحدوث ، كما يدل الأثر على المؤثر. # فهي دلالة بلسان الحال ، لا يفقهها إلا ذوو البصائر. أما الكافرون فلا ~~يفقهون هذا التسبيح ، لفرط جهلهم وانطماس بصيرتهم .. (1). # ومنهم من يرى أن تسبيحها بلسان المقال ، أى أن التسبيح بمعناه الحقيقي ، ~~فالكل يسبح بحمد الله ، ولكن بلغته الخاصة التي لا يفهمها الناس. # قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : وقوله : ( @QUR@06 وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده ) أى : وما من شيء من المخلوقات إلا يسبح بحمد الله ( @QUR@04 ولكن ~~لا تفقهون تسبيحهم ) أى : لا تفقهون تسبيحهم أيها الناس لأنها بخلاف لغتكم ~~وهذا عام في الحيوانات والنبات والجماد. # وهذا أشهر القولين كما ثبت في صحيح البخاري وغيره ، عن ابن مسعود أنه قال ~~: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. # وفي حديث أبى ذر : أن النبي ms3545 صلى الله عليه وسلم أخذ في يده حصيات ، فسمع لهن ~~تسبيح كحنين النحل. وكذا في يد أبى بكر وعمر وعثمان رضى الله عنهم وهو حديث ~~مشهور في المسانيد ... # ثم قال ويشهد لهذا القول آية السجدة في أول سورة الحج وهو قوله تعالى : ( ~~@QUR@01 ألم PageV08P360 # @QUR@024 تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض ، والشمس ~~والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب ، وكثير من الناس ، وكثير حق عليه ~~العذاب .. ) (1). # وقال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@07 تسبح له السماوات السبع والأرض ~~ومن فيهن ) أعاد على السموات والأرض ضمير من يعقل ، لما أسند إليها فعل ~~العاقل وهو التسبيح. وقوله ( @QUR@02 ومن فيهن ) يريد الملائكة والإنس ~~والجن ، ثم عمم بعد ذلك الأشياء كلها في قوله : ( @QUR@06 وإن من شيء إلا ~~يسبح بحمده ). # واختلف في هذا العموم هل هو مخصص أولا. فقالت فرقة : ليس مخصوصا ، ~~والمراد به تسبيح الدلالة ، كل محدث يشهد على نفسه بأن الله عز وجل خالق قادر. # وقالت طائفة : هذا التسبيح حقيقة ، وكل شيء على العموم يسبح تسبيحا لا ~~يسمعه البشر : ولا يفقهونه ، ولو كان ما قاله الأولون من أنه أثر الصفة ~~والدلالة ، لكان أمرا مفهوما ، والآية تنطق بأن هذا التسبيح لا يفقه .. # ويستدل لهذا القول من الكتاب بقوله تعالى : ( @QUR@010 ولقد آتينا داود ~~منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير .. ). # وقوله تعالى : ( @QUR@014 واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب. إنا سخرنا ~~الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق ). # ثم قال : فالصحيح أن الكل يسبح للأخبار الدالة على ذلك ، ولو كان ذلك ~~التسبيح تسبيح دلالة ، فأى تخصيص لداود ، وإنما ذلك تسبيح المقال ، بخلق ~~الحياة والإنطاق بالتسبيح. وقد نصت السنة على ما دل عليه ظاهر القرآن من ~~تسبيح كل شيء فالقول به أولى (2). # والذي تطمئن إليه النفس أن التسبيح حقيقى وبلسان المقال ، لأن هذا هو ~~الظاهر من الآية الكريمة ، ولأن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تؤيد ذلك. # وبعد أن أقام سبحانه الأدلة على وحدانيته ، وأثبت أن كل شيء يسبح بحمده ، ~~أتبع ذلك ببيان أحوال المشركين عند سماعهم للقرآن الكريم ، وببيان ما جعله ms3546 ~~الله تعالى على حواسهم بسبب جحودهم وعنادهم ، فقال تعالى : PageV08P361 # ( @QUR@012 وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~حجابا مستورا (45) @QUR@019 وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم ~~وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا (46) @QUR@019 ~~نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن ~~تتبعون إلا رجلا مسحورا (47) @QUR@09 انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا ~~يستطيعون سبيلا ) (48) # والخطاب في قوله تعالى : ( @QUR@03 وإذا قرأت القرآن ... ) للرسول ~~صلى الله عليه وسلم وقوله ( @QUR@01 حجابا ) من الحجب بمعنى المنع. # قال صاحب المصباح : حجبه حجبا من باب قتل : منعه. ومنه قيل للستر : حجاب ~~؛ لأنه يمنع المشاهدة. وقيل للبواب : حاجب ، لأنه يمنع من الدخول. والأصل ~~في الحجاب : جسم حائل بين جسدين ، وقد استعمل في المعاني فقيل : العجز حاجب ~~، أى : بين الإنسان ومراده .. (1). # وقوله ( @QUR@01 مستورا ) ساترا ، فهو من إطلاق اسم المفعول وإرادة اسم ~~الفاعل. كميمون بمعنى يامن. ومشئوم بمعنى شائم. # واختار بعضهم أن مستورا على معناه الظاهر ، من كونه اسم مفعول ، لأن ذلك ~~الحجاب مستور عن أعين الناس فلا يرونه ، أو مستورا به القارئ فلا يراه غيره ~~، ويجوز أن يكون مستورا ، أى : ذا ستر فهو للنسب كمكان مهول : ذو هول .. # وللمفسرين في تفسير هذه الآية أقوال ، أشهرها قولان : # أولهما يرى أصحابه ، أن المراد بالحجاب المستور : ما حجب الله به قلوب ~~هؤلاء الكافرين PageV08P362 # عن الانتفاع بهدى القرآن الكريم ، بسبب جحودهم وجهلهم وإصرارهم على ~~كفرهم. فهو حجاب معنوي خفى ، حال بينهم وبين الانتفاع بالقرآن. # فهم يستمعون إليه ، ولكنهم يجاهدون قلوبهم ألا ترق له ، ويمانعون فطرتهم ~~عن التأثر به ، فكان استماعهم له كعدمه ، وعاقبهم الله على ذلك بأن طمس ~~بصائرهم عن فقهه. # والمعنى : وإذا قرأت أيها الرسول الكريم القرآن الهادي إلى الطريق التي ~~هي أقوم ، جعلنا بقدرتنا ، ومشيئتنا ، بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة ، ~~حجابا يحجبهم ويمنعهم عن إدراك أسراره وهداياته ، وساترا بينك وبينهم ، ~~بحيث لا يصل القرآن إلى قلوبهم وصول انتفاع وهداية. # ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى : ( @QUR@017 وقالوا ms3547 قلوبنا في أكنة مما ~~تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ، ومن بيننا وبينك حجاب ، فاعمل إننا عاملون ) (1). # ومن المفسرين الذين اكتفوا بهذا القول ، فلم يذكروا غيره ، الإمام ~~البيضاوي ، فقد قال رحمه الله : قوله : وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا يحجبهم عن فهم ما تقرؤه عليهم ( @QUR@01 ~~مستورا ) ذا ستر : كقوله تعالى : ( @QUR@04 إنه كان وعده مأتيا ) أى مستورا ~~عن الحس .. (2). # أما القول الثاني فيرى أصحابه : أن المراد بالحجاب المستور ، أن الله ~~تعالى يحجب نبيه صلى الله عليه وسلم عن أعين المشركين ، بحيث لا يرونه في ~~أوقات معينة ، لحكم منها : النجاة من شرورهم. # فيكون المعنى : وإذا قرأت القرآن أيها الرسول الكريم جعلنا بينك وبين ~~هؤلاء الكافرين ، حجابا ساترا لك عنهم بحيث لا يرونك ، عند ما تكون المصلحة ~~في ذلك. # وقد استشهد أصحاب هذا القول بما أخرجه الحافظ أبو يعلى عن أسماء بنت أبى ~~بكر قالت : لما نزلت سورة ( @QUR@04 تبت يدا أبي لهب ) جاءت العوراء أم ~~جميل ولها ولولة ، وفي يدها فهر أى حجر وهي تقول : مذمما أتينا ، وأمره ~~عصينا ، ودينه قلينا ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ، وأبو بكر إلى جنبه. # فقال أبو بكر : يا رسول الله ، لقد أقبلت هذه وأخاف أن تراك ، فقال ~~صلى الله عليه وسلم : «إنها PageV08P363 # لن تراني» وقرأ قرآنا اعتصم به منها ، ومما قرأه : ( @QUR@012 وإذا قرأت ~~القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ). # فجاءت حتى قامت على أبى بكر ، فلم تر النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا ~~أبا بكر ، بلغني أن صاحبك هجانى : فقال أبو بكر : لا ورب هذا البيت ما هجاك. # فانصرفت وهي تقول : لقد علمت قريش أنى بنت سيدها (1). # ومن المفسرين الذين استظهروا هذا القول ، الإمام القرطبي ، فقد قال بعد ~~أن ذكر ما روى عن أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنهما : وقال سعيد بن جبير : ~~لما نزلت سورة ( @QUR@05 تبت يدا أبي لهب وتب ) جاءت امرأة أبى لهب إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر ، فقال ms3548 أبو بكر لو تنحيت عنها لئلا ~~تسمعك ما يؤذيك فإنها امرأة بذية. # فقال صلى الله عليه وسلم : «إنه سيحال بيني وبينها» فلم تره. فقالت لأبى بكر ~~: يا أبا بكر هجانا صاحبك. # فقال أبو بكر : والله ما ينطق بالشعر ولا يقوله. فاندفعت راجعة. فقال أبو ~~بكر : يا رسول الله ، أما رأتك؟. # قال : لا. ما زال ملك بيني وبينها يسترني حتى ذهبت. # ثم قال القرطبي : وقيل : الحجاب المستور ، طبع الله على قلوبهم حتى لا ~~يفقهوه : ولا يدركوا ما فيه من الحكمة. قاله قتادة. وقال الحسن : أى أنهم ~~لإعراضهم عن قراءتك ، وتغافلهم عنك كمن بينك وبينه حجاب في عدم رؤيتهم لك ، ~~حتى كأن على قلوبهم أغطية ... # ثم قال : والقول الأول أظهر في الآية (2). # ويبدو لنا أن كلا القولين صحيح في ذاته ، وأن كل واحد منهما يحكى حالات ~~معينة ، ويشهد لذلك ما نقله الجمل في حاشيته على الجلالين عن شيخه فقد قال ~~رحمه الله . قوله : ( @QUR@02 حجابا مستورا )، أى : ساترا لك عنهم فلا ~~يرونك وهذا بالنسبة لبعضهم ، كان يحجب بصره عن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذا أراده بمكروه وهو يقرأ القرآن : وبعضهم كان يحجب قلبه عن إدراك معاني ~~القرآن .. وبعضهم كان ينفر عند قراءة القرآن .. (3). # وقوله تعالى : ( @QUR@012 وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم ~~وقرا وإذا ذكرت ربك PageV08P364 # @QUR@07 في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا ) يؤكد أن المشركين كانوا ~~طوائف متعددة بالنسبة لموقفهم من القرآن الكريم ، ومن النبي ~~صلى الله عليه وسلم . # أى : وجعلنا على قلوب هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة ( @QUR@03 أكنة أن ~~يفقهوه ) أى : أغطية تسترها وتمنعها من فقه القرآن الكريم ، وفهمه فهما سليما. # وجعلنا أيضا : ( @QUR@03 في آذانهم وقرا ) أى : صمما وثقلا عظيما يمنعهم ~~من سماعه سماعا ينفعهم. # وقوله : سبحانه : ( @QUR@010 وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على ~~أدبارهم نفورا ) بيان لرذيلة أخرى من رذائلهم المتعددة. # أى : وإذا ذكرت أيها الرسول الكريم ربك في القرآن وحده ، دون أن تذكر معه ~~آلهتهم المزعومة انفضوا من حولك ورجعوا على أعقابهم نافرين شاردين ( ~~@QUR@06 كأنهم ms3549 حمر مستنفرة. فرت من قسورة ). # وبذلك ترى أن هاتين الآيتين قد صورتا قبائح المشركين المتنوعة أبلغ تصوير ~~، لتزيد في فضيحتهم وجهلهم ، ولتجعل المؤمنين يزدادون إيمانا على إيمانهم. # ثم ساق سبحانه ما يدل على كمال علمه. وأنه تعالى سيجازى هؤلاء الكافرين ~~بما يستحقون من عقاب ، فقال عز وجل : ( @QUR@019 نحن أعلم بما يستمعون به. ~~إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى ، إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ). # والباء في قوله سبحانه : ( @QUR@02 بما يستمعون ) متعلقة بأعلم ، ومفعول ~~( @QUR@01 يستمعون ) محذوف ، تقديره ، القرآن. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@05 نحن أعلم بما يستمعون به ) أى : متلبسين ~~به من اللغو والاستخفاف ، والاستهزاء بك وبالقرآن. يروى أنه ~~صلى الله عليه وسلم كان يقوم عن يمينه رجلان من بنى عبد الدار ، وعن يساره ~~رجلان منهم ، فيصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار إذا قرأ القرآن . # ويجوز أن تكون الباء للسببية أو بمعنى اللام. أى : نحن أعلم بما يستمعون ~~بسببه أو لأجله من الهزء ، وهم متعلقة بيستمعون .. وأفعل التفضيل في العلم ~~والجهل يتعدى بالباء ، وفي سوى ذلك يتعدى باللام ، فيقال : هو أكسى للفقراء ~~، والمراد من كونه سبحانه أعلم بذلك : الوعيد لهم .. (1). PageV08P365 # وإذ في قوله ( @QUR@06 إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى ) ظرف لأعلم. # ولفظ ( @QUR@01 نجوى ) مصدر بمعنى التناجي والمسارة في الحديث. وقد جعلوا ~~عين النجوى على سبيل المبالغة ، كما في قولهم : قوم عدل. # ويجوز أن يكون جمع نجى ، كقتلى جمع قتيل أى : وإذ هم متناجون في أمرك. # والمعنى : نحن أيها الرسول الكريم على علم تام بأحوال المشركين عند ~~استماعهم للقرآن الكريم. حين تتلوه عليهم ، وبالطريقة التي يستمعون بها ~~وبالغرض الذي من أجله يستمعون إليك. وعلى علم تام بأحوالهم حين يستمعون ~~إليك فرادى : وحين يستمعون إليك ثم يتناجون فيما بينهم بالإثم والعدوان ، ~~والتواصي بمعصيتك. # فالجملة الكريمة وعيد شديد للمشركين على استماعهم المصحوب بالاستهزاء ~~والسخرية من الرسول صلى الله عليه وسلم ومن القرآن. وتسلية له صلى الله عليه وسلم ~~عما أصابه منهم ، وبيان لشمول علم الله تعالى لكل أحوالهم الظاهرة والخفية. # وقوله تعالى : ( @QUR@08 إذ يقول الظالمون ms3550 إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ) ~~بدل من قوله تعالى : ( @QUR@03 وإذ هم نجوى ). # والمسحور. هو الذي سحر فاختلط عقله ، وزالت عنه الهيئة السوية. # أى : ونحن أعلم بهؤلاء الأشقياء أيضا عند ما يقول بعضهم لبعض : لا تتبعوا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم فيما يدعو إليه ، فإنكم إن اتبعتموه تكونون قد ~~اتبعتم رجلا مسحورا ، أصابه السحر فأخرجه عن وعيه وعقله. # وقال سبحانه : ( @QUR@03 إذ يقول الظالمون ) بالإظهار دون الإضمار ، ~~لتسجيل الظلم عليهم فيما تفوهوا به ، وأنهم سيستحقون عقوبة الظالم. # وقوله تعالى : ( @QUR@09 انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون ~~سبيلا ) تسلية عظيمة للرسول صلى الله عليه وسلم ، وتثبيت له وللمؤمنين على ~~الطريق الحق الذي هداهم الله تعالى إليه. # أى : انظر وتأمل أيها الرسول الكريم كيف أن هؤلاء المشركين. قد بلغ بهم ~~الجحود والفجور ، أنهم مثلوا لك الأمثال ، فوصفوك تارة بأنك مسحور ، وتارة ~~بأنك شاعر. # وهم في وصفهم هذا ، قد ضلوا عن الحق ضلالا بعيدا ، وصاروا كالحيران الذي ~~التبست عليه الطرق ، فأمسى لا يعرف السبيل الذي يسلكه. # هذا ، وقد ذكر الإمام ابن كثير رحمة الله عند تفسيره لهذه الآيات ، ما ~~يدل على أن PageV08P366 # والعامل في ( @QUR@01 إذا ) محذوف ، والتقدير : أنبعث أو أنحشر إذا كنا ~~عظاما ورفاتا ، وقد دل على هذا المحذوف قوله تعالى : ( @QUR@02 أإنا ~~لمبعوثون ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@011 قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في ~~صدوركم ) أمر من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بالرد عليهم فيما ~~استبعدوه وأنكروه من إعادتهم الى الحياة بعد موتهم. # أى : قل لهم أيها الرسول الكريم على سبيل الرد على استبعادهم ، والتحقير ~~من شأنهم ، والتعجيز لهم : «كونوا» إن استطعتم ( @QUR@01 حجارة ) كالتي ~~تعبدونها من دون الله ، ( @QUR@02 أو حديدا ) كالذي تستعملونه في شئون ~~حياتكم ، ( @QUR@01 أو ) كونوا ( @QUR@01 خلقا ) أى : مخلوقا سوى الحجارة ~~والحديد ( @QUR@02 مما يكبر ) أى : يعظم ويستبعد ( @QUR@02 في صدوركم ) ~~المظلمة قبوله للحياة ، قل لهم : كونوا أى شيء من ذلك أو غيره إن استطعتم ، ~~فإن الله تعالى لا يعجزه أن يعيدكم إلى الحياة مرة أخرى ، لكي يحاسبكم على ~~أعمالكم ، ويجازيكم عليها ms3551 بما تستحقون من عقاب. # فالمقصود من الجملة الكريمة ، بيان أن قدرة الله تعالى لا يعجزها شيء .. # قال الجمل : أجابهم الله تعالى بما معناه : تحولوا بعد الموت إلى أى صفة ~~تزعمون أنها أشد منافاة للحياة ، وأبعد عن قبولها ، كصفة الحجرية والحديدية ~~ونحوهما. فليس المراد الأمر ، بل المراد أنكم لو كنتم كذلك لما أعجزتم الله ~~تعالى عن الإعادة (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@03 فسيقولون من يعيدنا ) أى : فسيقولون لك أيها ~~الرسول الكريم من يعيدنا إلى الحياة مرة أخرى بعد أن نكون حجارة أو حديدا ~~أو غيرهما؟. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 قل الذي فطركم أول مرة ) رد على جهالاتهم ~~وإنكارهم للبعث والحساب. # أى : قل لهم : الله تعالى الذي فطركم وخلقكم ، أول مرة ، على غير مثال ~~سابق ، قادر على أن يعيدكم الى الحياة مرة أخرى. كما قال تعالى : ( ~~@QUR@018 وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ، وله المثل الأعلى ~~في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ) (2). # ثم بين سبحانه ما يكون منهم من استهزاء وسوء أدب عند ما يسمعون من الرسول ~~صلى الله عليه وسلم هذه الإجابات السديدة ، فقال : ( @QUR@06 فسينغضون إليك ~~رؤسهم ويقولون متى هو ... ) PageV08P367 # أى : فسيحركون إليك رءوسهم عند ما يسمعون ردك عليهم ، ويقولون على سبيل ~~الاستهزاء والسخرية والتكذيب : متى هو؟ أى ما ذكرته من الإعادة بعد الموت ، ~~أو متى هو ذلك اليوم الذي سنعود فيه إلى الحياة بعد أن نصير عظاما ورفاتا. # فالجملة الكريمة تصور تصويرا بليغا ما جبلوا عليه من تكذيب بيوم القيامة ~~ومن استهزاء بمن يذكرهم بأحوال ذلك اليوم العصيب. ومن استبعاد لحصوله كما ~~قال تعالى : حكاية عنهم في آية أخرى : ( @QUR@07 ويقولون متى هذا الوعد إن ~~كنتم صادقين ). # وقوله تعالى : ( @QUR@05 قل عسى أن يكون قريبا ) تذييل قصد به التهديد ~~والوعيد لهم. # أى : قل لهم أيها الرسول الكريم على سبيل التأنيب والوعيد : عسى هذا ~~اليوم الذي تستبعدون حصوله ، يكون قريبا جدا وقوعه. # ولا شك في أنه قريب ، لأن عسى في كلام الله تعالى لما هو محقق الوقوع ، ~~وكل ما هو محقق الوقوع فهو قريب ، ولأن الرسول ms3552 صلى الله عليه وسلم قال : «بعثت ~~أنا والساعة كهاتين» وأشار بالسبابة والوسطى. # ثم بين سبحانه أحوالهم عند ما يدعون في هذا اليوم الهائل الشديد فقال : ( ~~@QUR@04 يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده ... ). # والظرف ( @QUR@01 يوم ) منصوب بفعل مضمر أى : اذكروا يوم يدعوكم .. ويجوز ~~أن يكون منصوبا على البدلية من ( @QUR@01 قريبا ). # والداعي لهم هو «إسرافيل» عليه السلام عند ما يأذن الله تعالى له بالنفخ ~~في الصور ، كما قال تعالى : ( @QUR@022 ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ~~ومن في الأرض إلا من شاء الله ، ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ) (1). # وكما قال سبحانه : ( @QUR@024 فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر. خشعا ~~أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر. مهطعين إلى الداع يقول ~~الكافرون هذا يوم عسر ) (2). # وقوله ( @QUR@01 بحمده ) حال من ضمير المخاطبين وهم الكفار ، والباء ~~للملابسة. # أى : اذكروا أيها المكذبون يوم يدعوكم الداعي إلى البعث والنشور فتلبون نداءه PageV08P368 # بسرعة وانقياد ، حال كونكم حامدين الله تعالى على كمال قدرته ، وناسين ما ~~كنتم تزعمون في الدنيا من أنه لا بعث ولا حساب. # قال صاحب الكشاف : وقوله ( @QUR@01 بحمده ) حال منهم. أى : حامدين ، وهي ~~مبالغة في انقيادهم للبعث ، كقولك لمن تأمره بركوب ما يشق عليه فيتأبى ~~ويتمنع ، ستركبه وأنت حامد شاكر ، يعنى : أنك تحمل عليه وتقسر قسرا. حتى ~~أنك تلين لين المسمح أى الذليل الراغب فيه ، الحامد عليه. # وعن سعيد بن جبير : ينفضون التراب عن رءوسهم ويقولون : سبحانك اللهم ~~وبحمدك (1). # وقوله : ( @QUR@01 فتستجيبون ) بمعنى تجيبون ، إلا أن الاستجابة تقتضي ~~طلب الموافقة ، فهي أوكد من الإجابة ، وأسرع في التلبية. # وجملة «وتظنون إن لبثتم إلا قليلا» حالية ، أى : والحال أنك تظنون عند ~~بعثكم أنكم ما لبثتم في الدنيا أو في قبوركم إلا زمنا قليلا. # قال قتادة : إن الدنيا تحقرت في أعينهم وقلت ، حين رأوا يوم القيامة ، ~~لهول ما يرون فقالوا هذه المقالة. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@015 .. كم لبثتم في الأرض عدد ~~سنين. قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فسئل العادين ) (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@023 ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث ms3553 إلى ربهم ~~ينسلون. قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا؟ هذا ما وعد الرحمن وصدق ~~المرسلون ) (3). # وقوله تعالى : ( @QUR@09 كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ) (4). # ثم ترك القرآن الكريم أولئك الذين كفروا بالبعث والنشور في طغيانهم ~~يعمهون ، ووجه خطابه إلى المؤمنين ، آمرا إياهم بأن يقولوا الكلمة الطيبة ، ~~ومبينا لهم ولغيرهم ، أن مصائرهم بيد الله تعالى وحده ، فقال تعالى : PageV08P369 # ( @QUR@016 وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن ~~الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا (53) @QUR@014 ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم ~~أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلناك عليهم وكيلا (54) @QUR@015 وربك أعلم بمن في ~~السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا ) (55) # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@06 وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن ~~... ) الآية نزلت في عمر بن الخطاب. وذلك أن رجلا من العرب شتمه ، وسبه عمر ~~وهم بقتله ، فكادت تثير فتنة ، فأنزل الله فيه : ( @QUR@06 وقل لعبادي ~~يقولوا التي هي أحسن ). # وقيل : نزلت لما قال المسلمون : ائذن لنا يا رسول الله في قتال المشركين ~~، فقد طال إيذاؤهم لنا فقال : «لم أومر بعد بالقتال» (1). # والمعنى : قل أيها الرسول الكريم لعبادي المؤمنين ، أن يقولوا عند ~~محاورتهم لغيرهم ، الكلمة التي هي أحسن ، والعبارة التي هي أرق وألطف. # وذلك لأن الكلمة الطيبة ، تزيد في المودة التي بين المؤمنين ، وتكسر حدة ~~العداوة التي بينهم وبين أعدائهم. # قال تعالى : ( @QUR@017 ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ، ادفع بالتي هي ~~أحسن ، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) (2). # قال الآلوسى : ومقول فعل الأمر محذوف ، أى : قل لهم قولوا التي هي أحسن ~~يقولوا ذلك. فجزم يقولوا لأنه جواب الأمر. وإلى هذا ذهب الأخفش. PageV08P370 # وقال الزجاج : إن قوله ( @QUR@01 يقولوا ) هو المقول ، وجزمه بلام الأمر ~~محذوفة ، أى : قل لهم ليقولوا ... (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 إن الشيطان ينزغ بينهم ) تعليل للأمر السابق. # أى : إن الشيطان يتربص بكم ، ويتلمس السقطات التي تقع من أفواهكم ، ~~والعثرات التي تنطق بها ألسنتكم ، لكي يشيع الشر بينكم ، ويبذر بذور الشر ~~والبغضاء في صفوفكم ، ويهيج أعداءكم عليكم. # وينزغ ms3554 بمعنى يفسد. يقال : نزغه كنفعه ينزغه ، إذا طعن فيه واغتابه ، ~~وقوله : ( @QUR@06 إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا ) تعليل لحرص الشيطان ~~على الإفساد بينهم. # أى إن الشيطان حريص على الإفساد بين الناس ، لأنه ظاهر العداوة لهم منذ ~~القدم ولقد حذرنا الله سبحانه من الشيطان وكيده في كثير من آيات القرآن ~~الكريم ، ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@013 إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا ~~، إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ) (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@031 يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم ~~من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما. إنه يراكم هو وقبيله من حيث ~~لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون ) (3). # قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : يأمر الله تبارك وتعالى عبده ورسوله ~~صلى الله عليه وسلم أن يأمر عباد الله المؤمنين ، أن يقولوا في مخاطباتهم ~~ومحاوراتهم الكلام الأحسن ، والكلمة الطيبة ، فإنهم إن لم يفعلوا ذلك نزغ ~~الشيطان بينهم ، وأخرج الكلام إلى الفعال ، ووقع الشر والمخاصمة والمقاتلة ~~، فإنه عدو لآدم وذريته .. وعداوته ظاهرة بينة ، ولهذا نهى أن يشير الرجل ~~إلى أخيه المسلم بحديدة ، فإن الشيطان ينزغ في يده. أى : فربما أصابه بها. # روى الإمام أحمد عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لا ~~يشيرن أحدكم إلى أخيه بالسلاح ، فإنه لا يدرى أحدكم ، لعل الشيطان أن ينزغ ~~في يده ، فيقع في حفرة من النار (4). PageV08P371 # ثم بين سبحانه أن مصير جميع الخلائق إليه ، وأنه محيط بأحوالهم فقال. ( ~~@QUR@010 ربكم أعلم بكم ، إن يشأ يرحمكم ، أو إن يشأ يعذبكم )... # أى : ربكم أيها الناس أعلم بكم من أنفسكم ، وهو سبحانه إن يشأ بفضله ~~يرحمكم ، بأن يوفقكم لطاعته وتقواه ، وإن يشأ بعدله يعذبكم ، بسبب معاصيكم ~~وفسوقكم عن أمره ، لا يسأل عز وجل عما يفعل ، ( @QUR@08 ألا له الخلق والأمر ~~تبارك الله رب العالمين ). # وقوله تعالى : ( @QUR@04 وما أرسلناك عليهم وكيلا ) بيان لوظيفة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم . # أى : وما أرسلناك أيها الرسول الكريم إلى الناس ، لتكون حفيظا ورقيبا. ~~وموكولا إليك أمرهم في إجبارهم وإكراههم على ms3555 الدخول في الإسلام ، وإنما ~~أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا. وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. # ثم انتقل سبحانه من بيان كمال علمه بأحوال الناس ، إلى بيان كمال علمه ~~بجميع من في السموات والأرض ، فقال تعالى : ( @QUR@06 وربك أعلم بمن في ~~السماوات والأرض ). # أى : وربك أيها الرسول الكريم أعلم بأحوال من في السموات والأرض من إنس ~~وجن وملك ، وغير ذلك ، ولا يخفى عليه شيء من ظواهرهم أو بواطنهم ، ولا يعزب ~~عن علمه تعالى شيء من طاعتهم أو معصيتهم ، ولا يعلم أحد سواه من هو أهل ~~منهم للتشرف بحمل رسالته ، وتبليغ وحيه كما قال : تعالى : ( @QUR@05 الله ~~أعلم حيث يجعل رسالته ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود ~~زبورا ) بيان لمظهر من مظاهر علمه المطلق ، وفضله العميم : وعطائه الواسع. # والزبور : هو الكتاب الذي أنزله الله تعالى على داود عليه السلام . # أى : ولقد فضلنا على علم وحكمة منا بعض النبيين على بعض ، بأن جعلنا منهم ~~من كلم الله ، ومنهم من اتخذناه خليلا لنا ، ومنهم من آتيناه البينات ~~وأيدناه بروح القدس ، ومنهم من آتيناه الزبور وهو داود عليه السلام . # قال الإمام ابن كثير : وقوله تعالى : ( @QUR@06 ولقد فضلنا بعض النبيين ~~على بعض ) وقوله تعالى : ( @QUR@06 تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ... ) لا ~~ينافي ما ثبت من الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لا تفضلوا ~~بين الأنبياء» فإن المراد من ذلك هو التفضيل بمجرد التشهى والعصبية ، لا ~~بمقتضى الدليل ، فإذا دل الدليل على شيء وجب اتباعه ، ولا خلاف أن الرسل ~~أفضل عن بقية الأنبياء ، وأن أولى العزم منهم أفضلهم ، وهم الخمسة ~~المذكورون PageV08P372 # نصا في قوله تعالى : ( @QUR@013 وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن ~~نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم .. ). # ولا خلاف في أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضلهم .. (1). # وإنما خص كتاب داود بالذكر ، لأن اليهود زعموا أنه لا نبي بعد موسى ، ولا ~~كتاب بعد التوراة ، فكذبهم الله تعالى في ذلك ، ولأن في هذا الإيتاء إشارة ~~إلى أن تفضيل داود لم يكن بسبب ما ms3556 أعطاه الله من ملك ، بل بسبب ما أعطاه من ~~كتاب فيه إشارة إلى تفضيل الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته ، قال تعالى : ( ~~@QUR@012 ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ~~) (2). # والمراد بالعباد الصالحين : محمد صلى الله عليه وسلم وأمته. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : هلا عرف الزبور ، كما عرف في قوله : ( ~~@QUR@04 ولقد كتبنا في الزبور ... )؟. # قلت : يجوز أن يكون الزبور وزبور ، كالعباس وعباس ، والفضل وفضل. ويجوز ~~أن يريد : وآتينا داود بعض الزبر وهي الكتب ، وأن يريد ما ذكر فيه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من الزبور ، فسمى ذلك زبورا ، لأنه بعضها كما سمى بعض ~~القرآن قرآنا (3). # ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتحدى المشركين ، بأن يبين ~~لهم : أن آلهتهم المزعومة لا تملك دفع الضر عنهم ، أو جلب الخير لهم ، بل ~~إن هذه الآلهة لتخاف عذاب الله ، وترجو رحمته ، فقال سبحانه : # ( @QUR@013 قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا ~~تحويلا (56) @QUR@018 أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ~~ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا ) (57) PageV08P373 # أورد المفسرون في سبب نزول هاتين الآيتين روايات منها : # قال ابن كثير : قال العوفى عن ابن عباس في قوله : ( @QUR@06 قل ادعوا ~~الذين زعمتم من دونه ... ). # قال : كان أهل الشرك يقولون نعبد الملائكة والمسيح وعزيرا. # وروى البخاري وغيره عن ابن مسعود في قوله : ( @QUR@03 أولئك الذين يدعون ~~) قال : كان ناس من الإنس يعبدون ناسا من الجن ، فأسلم الجن وتمسك هؤلاء أى ~~الإنس بدينهم .. فنزلت هذه الآية (1). # وقال القرطبي : لما ابتليت قريش بالقحط ، وشكوا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، أنزل الله هذه الآية : @QUR@06 قل ادعوا الذين زعمتم من ~~دونه ... ) (2). # والمراد بالزعم هنا : الظن الكاذب الذي لا أساس له من الحقيقة والواقع. # قال الآلوسى ما ملخصه : والزعم قريب من الظن ، ويقال إنه القول المشكوك ~~فيه ، ويستعمل بمعنى الكذب ، حتى قال ابن عباس : كل ما ورد في القرآن زعم ~~فهو كذب. # وقد يطلق ms3557 على القول المحقق ، والصدق الذي لا شك فيه ... فقد ورد عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : «زعم جبريل كذا ...». # وهو مما يتعدى إلى مفعولين ، وقد حذفا هنا ، أى : زعمتموهم آلهة .. ~~والظاهر أن المراد من الموصول الذين كل من عبد من دون الله من العقلاء» (3). # والمعنى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الكافرين الذين أشركوا مع الله ~~تعالى آلهة أخرى في العبادة. قل لهم على سبيل الإرشاد والتحدي : هذه الآلهة ~~التي تعبدونها ، اطلبوا منها أن تدفع عنكم ما نزل بكم من ضر كمرض أو فقر أو ~~قحط ؛ أو أن تحوله منكم إلى غيركم ... # فإذا لم تستطع ذلك وهي بكل تأكيد لا تستطيع ولن تستطيع فاتركوا عبادتها ، ~~وأخلصوا العبادة والطاعة لمن هو على كل شيء قدير ، وهو الله عز وجل . # واكتفى سبحانه بذكر كشف الضر ، لأنه هو الذي تتطلع إليه النفوس عند نزول PageV08P374 # المصائب ، أكثر من تطلعها إلى جلب النفع ، إذ عند نزول الضر ، لا تشتغل ~~الألسنة والقلوب إلا برجاء كشفه. # ثم بين سبحانه أن كل معبود سوى الله عز وجل يفتقر إلى عونه سبحانه ، وإلى ~~رجاء الثواب منه ، وإلى دفع العذاب عنه ، فقال تعالى ( @QUR@013 أولئك ~~الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ، ويرجون رحمته ويخافون ~~عذابه .. ) واسم الإشارة ( @QUR@01 أولئك ) يعود على المعبودين من دون الله ~~، وهو مبتدأ ، وخبره. قوله : ( @QUR@01 يبتغون ) وما عطف عليه من قوله : ( ~~@QUR@04 ويرجون رحمته ويخافون عذابه ). # والضمير في ( @QUR@01 يدعون ) يعود إلى المشركين ، وفي يبتغون يعود إلى ~~المعبودين و ( @QUR@01 أيهم ) بدل من واو الفاعل في يبتغون ، و ( @QUR@01 ~~أقرب ) خبر لمبتدأ محذوف ، تقديره : هو ، أى : يبتغيها الذي هو أقرب ، ~~والجملة صلة أى. # والوسيلة : ما يتقرب به الإنسان إلى خالقه من الأعمال الصالحة. # والمعنى : أولئك المعبودون الذين يزعم المشركون أنهم آلهة. ويسمونهم ~~أربابا ، وينادونهم لكشف الضر عنهم ، هؤلاء المعبودون ( @QUR@06 يبتغون إلى ~~ربهم الوسيلة أيهم أقرب ). # أى : يتقربون إلى خالقهم ومالك أمرهم بصالح الأعمال ، ويبتغى أكثرهم ~~صلاحا وطاعة لله تعالى الرضا منه عز وجل . # وإذا كان هذا شأن أكثرهم قربا ms3558 فكيف يكون حال من هو أقل منه؟ لا شك أنه ~~يكون أشد طلبا لرضا الله تعالى وعفوه ، وأشد حرصا على طاعته. # وقوله تعالى ( @QUR@04 ويرجون رحمته ويخافون عذابه ) زيادة بيان لشدة حرص ~~هؤلاء المعبودين على طاعة الله تعالى # أى : وهم فوق ذلك يرجون رحمة الله تعالى وفضله ، بأن يحشرهم مع الأبرار ، ~~ويخشون عذابه ونقمته ، ويتضرعون إليه أن يجنبهم عذاب النار ، وبالرجاء ~~والخشية يحيا الصالحون الأخيار ، إذ الرجاء يدفع المؤمن إلى الإكثار من ~~العمل الصالح ، والخشية تمنعه من الوقوع في المعاصي. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 إن عذاب ربك كان محذورا ) تذييل قصد به التعليل ~~لما قبله وهو خوف العذاب. PageV08P375 # أى : إن عذاب ربك كان جديرا وقمينا بأن يحذره ، ويحترز منه كل عاقل. # وقدم سبحانه الرجاء على الخوف ، لأن متعلقه أسبق ، ولأنه بجانب الله ~~تعالى أظهر ، ففي الحديث القدسي : «إن رحمتي سبقت غضبى». # هذا ، وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@026 قل ادعوا الذين زعمتم من ~~دون الله ، لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ، وما لهم فيهما ~~من شرك ، وما له منهم من ظهير ) (1). # وبذلك نرى أن هاتين الآيتين قد قررتا بأسلوب منطقي بليغ ، أن الله تعالى ~~هو الخالق لكل شيء ، وأنه وحده هو المتصرف في شئون عباده ، وأن كل مخلوق ~~سواه سبحانه محتاج إلى عونه وعفوه ورضاه ، وأن الذين زعمهم المشركون آلهة ~~كعيسى وعزير والملائكة ... ما هم إلا من عباد الله الذين يبتغون إليه ~~الوسيلة ، ويرجون رحمته ويخافون عذابه. # ثم ساق سبحانه سنة من سننه التي لا تتخلف ، وبين جانبا من مظاهر فضله على ~~هذه الأمة ونبيها صلى الله عليه وسلم . فقال تعالى : # ( @QUR@018 وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها ~~عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا (58) @QUR@021 وما منعنا أن نرسل ~~بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما ~~نرسل بالآيات إلا تخويفا (59) @QUR@025 وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما ~~جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ~~ونخوفهم فما ms3559 يزيدهم إلا طغيانا كبيرا ) (60) PageV08P376 # والمقصود بالقرية في قوله تعالى : ( @QUR@013 وإن من قرية إلا نحن ~~مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا ): قرى الكفار والظالمين ~~، كما ذهب إلى ذلك بعض المفسرين ، فيكون المعنى : # وما من قرية من قرى الظالمين ، إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة بالموت ~~أو الخراب ، أو معذبوها عذابا شديدا ، يستأصل شأفتها ، ويقطع دابرها ، كما ~~فعلنا مع قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم. # ومن المفسرين الذين ساروا على ذلك ، الإمام ابن كثير ، فقد قال عند ~~تفسيره لهذه الآية : هذا إخبار من الله عز وجل ، بأنه قد حتم وقضى ، بما كتب ~~عنده في اللوح المحفوظ ، أنه ما من قرية إلا سيهلكها ؛ بأن يبيد أهلها ~~جميعهم ، أو يعذبهم عذابا شديدا ، إما بقتل أو ابتلاء بما يشاء ، وإنما ~~يكون ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم ، كما قال تعالى عن الأمم الماضية : ( ~~@QUR@012 وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ، إن أخذه أليم شديد ) (1). # ويرى آخرون ، أن المقصود بالقرية هنا : القرى كلها سواء أكانت للمؤمنين ~~أم للكافرين. # ومن المفسرين الذين ذهبوا إلى ذلك الآلوسى رحمه الله فقد قال : قوله تعالى ~~: ( @QUR@03 وإن من قرية ) الظاهر العموم ، لأن ( @QUR@01 إن ) نافية ، و ( ~~@QUR@01 من ) زائدة لاستغراق الجنس. أى : وما من قرية من القرى. ( @QUR@06 ~~إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة ) بإماتة أهلها حتف أنوفهم ( @QUR@04 أو ~~معذبوها عذابا شديدا ) بالقتل وأنواع البلاء .. وروى عن مقاتل أنه قال : ~~الهلاك للصالحة والعذاب للطالحة ...» (2). # ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب ، لأن هناك آيات كثيرة تؤيده ، ~~ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@07 وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ) ~~(3). وقوله سبحانه : ( @QUR@010 ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها ~~غافلون ) (4). وقوله عز وجل : ( @QUR@08 وما كان ربك ليهلك القرى بظلم ~~وأهلها مصلحون ) (5)، ولأن الله تعالى قيد الإهلاك بكونه قبل يوم القيامة ~~، وكونه كذلك يقتضى أنه للقرى الظالمة. إذ الإهلاك يوم القيامة يشمل جميع ~~القرى ، سواء أكان أهلها مؤمنين أم كافرين ، بسبب انقضاء عمر الدنيا. PageV08P377 # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 كان ذلك في الكتاب مسطورا ) تأكيد لقضاء الله ~~النافذ ms3560 ، وحكمه الثابت. # أى : ( @QUR@02 كان ذلك ) الإهلاك والتعذيب ، في الكتاب ، وهو اللوح ~~المحفوظ ( @QUR@01 مسطورا ) أى : مكتوبا وثابتا. # قال القرطبي : ( @QUR@01 مسطورا ) أى : مكتوبا. والسطر : الخط والكتابة ، ~~وهو في الأصل مصدر. والسطر بالتحريك مثله ، وجمعه أسطار ، مثل سبب وأسباب ، ~~وجمع السطر بسكون الطاء أسطر وسطور مثل أفلس وفلوس. والكتاب هنا يراد به ~~اللوح المحفوظ» (1). # ثم بين سبحانه بعض مظاهر فضله على الأمة الإسلامية ، ورحمته بها ، فقال ~~تعالى : ( @QUR@010 وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ... ). # وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية آثارا منها ما أخرجه الإمام أحمد ~~عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : سأل أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يجعل لهم الصفا ذهبا ، وأن ينحى الجبال عنهم فيزرعوا. فقيل له : إن شئت ~~أن تستأنى بهم ، وإن شئت أن يأتيهم الذي سألوا. فإن كفروا ، هلكوا كما ~~أهلكت من كان قبلهم من الأمم. # فقال صلى الله عليه وسلم : «لا .. بل استأنى بهم» ، وأنزل الله قوله : ( ~~@QUR@010 وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ... ) (2). # قال الآلوسى : والمنع لغة : كف الغير وقسره عن فعل يريد أن يفعله ، ~~ولاستحالة ذلك في حقه تعالى لاستلزامه العجز المحال المنافى للربوبية قالوا ~~: إنه مستعار هنا للصرف والترك ...» (3). # وقوله : ( @QUR@02 أن نرسل ) في محل نصب لأنه مفعول ثان لمنعنا ، أو في ~~محل جر ، على حذف الجار ، أى : من أن نرسل ، وقوله : ( @QUR@04 إلا أن كذب ~~بها ) في محل رفع لأنه فاعل منعنا ، والتقدير : وما منعنا من إرسال الآيات ~~إلا تكذيب الأولين. PageV08P378 # والمراد بالآيات : ما اقترحه المشركون على النبي صلى الله عليه وسلم من قلب ~~الصفا ذهبا ، ومن إزاحة الجبال عن مكة ليزرعوا مكانها ... # والمعنى : وما كان سبب تركنا لإجابة المقترحات التي طلبها المشركون منك ~~أيها الرسول الكريم إلا علمنا بأنهم سيكذبون بها إذا جاءتهم ، كما كذب ~~بأمثالها أشباههم الأولون ، وفي هذه الحالة فإنهم سيستحقون مثلهم عذاب ~~الاستئصال كما جرت بذلك سنتنا. # وقد اقتضت حكمتنا ورحمتنا بأمتك أيها الرسول الكريم ، ألا نعذبهم عذاب ~~الاستئصال ms3561 والمحو ، بل نؤخر عذاب الضالين منهم إلى يوم القيامة. # قالوا : ومن الحكم في هذا التأخير : الإظهار لمزيد شرف النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، كما قال تعالى : ( @QUR@06 وما كان الله ليعذبهم وأنت ~~فيهم )، والرعاية لشأن من سيولد من بعضهم من المؤمنين ، ولمن سيؤمن من ~~هؤلاء المقترحين ، إلى غير ذلك من الحكم التي لا يعلمها إلا هو سبحانه . # قال صاحب الكشاف : استعير المنع لترك إرسال الآيات من أجل صارف الحكمة ~~... والمراد : الآيات التي اقترحتها قريش من قلب الصفا ذهبا ، ومن إحياء ~~الموتى ، وغير ذلك. # وعادة الله في الأمم ، أن من اقترح منهم آية فأجيب إليها. ثم لم يؤمن ، ~~أن يعاجل بعذاب الاستئصال. فالمعنى : وما صرفنا عن إرسال ما يقترحونه من ~~الآيات إلا أن كذب بها الذين هم أمثالهم من المطبوع على قلوبهم ، كعاد ~~وثمود ، وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك ، وقالوا : هذا سحر مبين ، ~~كما يقولون في غيرها. واستوجبوا العذاب المستأصل. وقد عزمنا أن نؤخر أمر من ~~بعثت إليهم إلى يوم القيامة» (1). # ثم ساق سبحانه مثالا للسابقين الذين أجيبوا إلى ما اقترحوه ، ولكنهم لم ~~يؤمنوا ، فأخذهم عذاب الاستئصال ، فقال تعالى : ( @QUR@06 وآتينا ثمود ~~الناقة مبصرة فظلموا بها ). # وثمود : هم قوم صالح عليه السلام ، وخصهم بالذكر ، لأنهم معروفون لأهل مكة ~~أكثر من غيرهم ، لمرورهم على ديارهم عند أسفارهم إلى بلاد الشام. # والناقة المراد بها : ناقة صالح عليه السلام التي طلبها قومه منه ، ~~فأخرجها الله تعالى لهم لتكون معجزة له ، ولكنهم لم يؤمنوا به ، بل عقروا ~~الناقة وعتوا عن أمر ربهم ، فأهلكهم الله تعالى بالصيحة التي جعلتهم في ~~دارهم جاثمين. PageV08P379 # وقوله ( @QUR@01 مبصرة ) أى : معجزة واضحة ، يراها الناس بأعينهم بدون ~~خفاء أو لبس .. # قال الجمل : ( @QUR@01 مبصرة ) بكسر الصاد باتفاق السبعة ، والإسناد ~~مجازى. أى : يبصرونها خارجة من الصخرة. وقرئ شاذا بفتح الصاد. ثم قال : وفي ~~السمين : مبصرة حال. وهو إسناد مجازى ، إذ المراد إبصار أهلها ، ولكنها لما ~~كانت سببا في الإبصار نسب إليها ، والظاهر أن المراد الإبصار المعنوي ، وهو ~~الاهتداء بها ، والتوصل بها ، إلى تصديق نبيهم ms3562 ، وعلى هذا تظهر السببية ، ~~فإن وجودها سبب في هذا المعنى ...» (1). # وقال الآلوسى : وقوله : ( @QUR@01 مبصرة ) على صيغة اسم الفاعل حال من ~~الناقة ، والمراد : ذات إبصار ، أو ذات بصيرة يبصرها الغير ويتبصر بها ، ~~فالصيغة للنسب ....» (2). # والمعنى : لقد تركنا إجابة المطالب التي اقترحها قومك يا محمد ، رحمة بهم ~~، لأننا لو أعطيناهم إياهم ثم استمروا في تكذيبهم لك لأهلكناهم كما أهلكنا ~~السابقين. فقد أجبنا قوم صالح عليه السلام إلى ما طلبوه من نبيهم ، بأن ~~أخرجنا لهم الناقة ، وجعلناها معجزة واضحة نيرة في الدلالة على صدقه ، ~~فقابلوها بالتكذيب والجحود ، وظلموا أنفسهم وعرضوها للهلاك بسبب عقرها. # قال تعالى : ( @QUR@022 فعقروا الناقة ، وعتوا عن أمر ربهم ، وقالوا يا ~~صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين. فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم ~~جاثمين ) (3). # وقال سبحانه : ( @QUR@023 كذبت ثمود بطغواها. إذ انبعث أشقاها. فقال لهم ~~رسول الله ناقة الله وسقياها. فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم ~~فسواها. ولا يخاف عقباها ) (4). # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 وما نرسل بالآيات إلا تخويفا ) تذييل قصد به ~~الزجر عن تكذيب ما يأتى به الأنبياء من هدايات ومعجزات تدل على صدقهم. # والباء في قوله ( @QUR@01 بالآيات ) للملابسة ، ومفعول ، نرسل ، محذوف ، ~~و ( @QUR@01 تخويفا ) مفعول لأجله. PageV08P380 # قال القرطبي قوله : ( @QUR@05 وما نرسل بالآيات إلا تخويفا ) فيه خمسة ~~أقوال : الأول : العبر والمعجزات التي جعلها الله على أيدى الرسل ، من ~~دلائل الإنذار تخويفا للمكذبين. الثاني : أنها آيات الانتقام تخويفا من ~~المعاصي. الثالث : أنها تقلب الأحوال من صغر إلى شباب ثم إلى تكهل ثم إلى ~~مشيب ، لتعتبر بتقلب أحوالك فتخاف عاقبة أمرك. الرابع : القرآن ، الخامس : ~~الموت الذريع» (1). # والمعنى : وما نرسل رسلنا ملتبسين بالآيات والمعجزات الدالة على صدقهم ، ~~إلا تخويفا لأقوامهم من سوء تكذيبهم لها. فإنهم إن كذبوها يصيبهم من العذاب ~~ما يصيبهم. # ثم ذكر سبحانه ما يزيد النبي صلى الله عليه وسلم ثباتا على ثباته ، ويقينا ~~على يقينه ، وما يدل على شمول علمه تعالى ونفاذ قدرته ، وبليغ حكمته فقال : ~~( @QUR@07 وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس ... ). # أى : واذكر أيها الرسول الكريم وقت أن قلنا لك على ms3563 لسان وحينا. إن ربك ~~عز وجل قد أحاط بالناس علما وقدرة. فهم في قبضته ، وتحت تصرفه ، وقد عصمك ~~منهم ، فامض في طريقك. وبلغ رسالة ربك ، دون أن تخشى من كفار مكة أو من ~~غيرهم ، عدوانا على حياتك ، فقد عصمك سبحانه منهم. # وفي هذه الجملة ما فيها من التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ، ومن التبشير ~~له ولأصحابه ، بأن العاقبة ستكون لهم ، ومن الحض لهم على المضي في طريقهم ~~دون أن يخشوا أحدا إلا الله. # والمراد بالرؤيا في قوله تعالى : ( @QUR@08 وما جعلنا الرؤيا التي أريناك ~~إلا فتنة للناس ): ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم وعاينه بعينيه من عجائب ، ~~ليلة الإسراء والمعراج. # أى : وما جعلنا ما رأيته وعاينته ليلة إسرائنا بك من غرائب ، إلا فتنة ~~للناس. ليتميز قوى الإيمان من ضعيفه ، وسليم القلب من مريضه. # وأطلق سبحانه على ما أراه لنبيه ليلة الإسراء لفظ الرؤيا مع أنه كان يقظة ~~«لأن هذا اللفظ يطلق حقيقة على رؤيا المنام ، وعلى رؤية اليقظة ليلا فإنه ~~قد يقال لرؤية العين رؤيا ، كما في قول الشاعر يصف صائدا : وكبر للرؤيا وهش ~~فؤاده .. أى : وسر لرؤيته للصيد الذي سيصيده. أو أطلق عليه لفظ الرؤيا على ~~سبيل التشبيه بالرؤيا المنامية ، نظرا لما رآه في PageV08P381 # تلك الليلة من عجائب سماوية وأرضية ، أو أطلق عليه ذلك بسبب أن ما رآه قد ~~كان ليلا. وقد كان في سرعته كأنه رؤيا منامية. # وكان ما رآه صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة فتنة للناس ، لأنه لما قص ~~عليهم ما رآه ، ارتد بعضهم عن الإسلام ، وتردد البعض الآخر في قبوله ، ~~وضاقت عقولهم عن تصديقه ، زاعمة أنه لا يمكن أن يذهب صلى الله عليه وسلم من ~~المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، ثم يعرج إلى السموات العلا .. ثم يعود ~~إلى مكة ، كل ذلك في ليلة واحدة. # وبعضهم يرى أن المراد بالرؤيا هنا : ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم من أنه ~~سيدخل مكة هو وأصحابه .. # وبعضهم يرى أن المراد بها هنا : ما أراه الله تعالى ms3564 لنبيه في منامه ، من ~~مصارع المشركين قبل غزوة بدر ؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم قبل بدء المعركة : ~~والله لكأنى أنظر إلى مصارع القوم. ثم أومأ إلى الأرض وقال : هذا مصرع ~~فلان. وهذا مصرع فلان. # والذي نرجحه هو الرأى الأول ، لأنه هو الظاهر من معنى الآية الكريمة ، ~~ولأنه على الرأيين الثاني والثالث يترجح أن الآية مدنية ، لأن غزوة بدر ~~وفتح مكة كانا بعد الهجرة ، والتحقيق أن هذه الآية مكية. # قال القرطبي ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@08 وما جعلنا الرؤيا التي ~~أريناك إلا فتنة للناس .. ) لما بين أن إنزال آيات القرآن تتضمن التخويف ، ~~ضم إليه ذكر آية الإسراء ، وهي المذكورة في صدر السورة. وفي البخاري ~~والترمذي عن ابن عباس في قوله تعالى : ( @QUR@08 وما جعلنا الرؤيا التي ~~أريناك إلا فتنة للناس ) قال : هي رؤيا عين أريها النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليلة أسرى به إلى بيت المقدس ... # وكانت الفتنة ارتداد قوم كانوا أسلموا حين أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه أسرى به. # وقيل : كانت رؤيا نوم. وهذه الآية تقضى بفساده ، وذلك أن رؤيا المنام لا ~~فتنة فيها ، وما كان أحد لينكرها. # وعن ابن عباس قال : الرؤيا التي في هذه الآية ، رؤيا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه يدخل مكة في سنة الحديبية فرده المشركون عن دخولها في ~~تلك السنة ، فافتتن بعض المسلمين لذلك ، فنزلت هذه الآية .. وفي هذا ~~التأويل ضعف. لأن السورة مكية ، وتلك الرؤيا كانت بالمدينة ...» (1). PageV08P382 # المشركين كانوا يستمعون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم عند قراءته للقرآن. # فقال : قال محمد بن إسحاق في السيرة : حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ~~، أنه حدث أن أبا سفيان بن حرب ، وأبا جهل بن هشام ، والأخنس بن شريق .. ~~خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلى بالليل في بيته ~~، فأخذ كل واحد منهم مجلسا يستمع فيه ، وكل لا يعلم بمكان صاحبه ، فباتوا ~~يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا. حتى إذا جمعتهم الطريق ، تلاوموا ، ~~وقال بعضهم لبعض : لا ms3565 تعودوا ، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا ~~، ثم انصرفوا. # حتى إذا كانت الليلة التالية ، عاد كل رجل منهم إلى مجلسه ، فباتوا ~~يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا. حتى إذا جمعتهم الطريق ، قال بعضهم ~~لبعض مثل ما قال أول مرة ، ثم انصرفوا. # حتى إذا كانت الليلة الثالثة ، أخذ كل رجل منهم مجلسه. فباتوا يستمعون له ~~، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا ، فجمعهم الطريق ، فقال بعضهم لبعض لا نبرح حتى ~~نتعاهد لا نعود فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا. # فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في ~~بيته ، فقال : أخبرنى يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد ~~صلى الله عليه وسلم ؟ فقال أبو سفيان : يا أبا ثعلبة ، والله لقد سمعت أشياء ~~أعرفها وأعرف ما يراد بها ، وسمعت أشياء ما عرفت معناها. ولا ما يراد بها. # فقال الأخنس : وأنا والذي حلفت به ، قال : ثم خرج من عنده حتى أتى أبا ~~جهل. فدخل عليه بيته فقال : يا أبا الحكم ، ما رأيك فيما سمعت من محمد ~~صلى الله عليه وسلم ؟ قال : ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف : ~~أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا تجاثينا على ~~الركب ، وكنا كفرسي رهان قالوا : منا نبي يأتيه الوحى من السماء ، فمتى ~~ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه. قال : فقام عنه الأخنس وتركه (1). # ثم حكى سبحانه أقوالهم الباطلة ، في شأن البعث والحساب يوم القيامة ورد ~~عليها بما يزهق باطلهم ، فقال تعالى : PageV08P383 # ( @QUR@09 وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا (49) ~~@QUR@05 قل كونوا حجارة أو حديدا (50) @QUR@025 أو خلقا مما يكبر في صدوركم ~~فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤسهم ويقولون متى ~~هو قل عسى أن يكون قريبا (51) @QUR@09 يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون ~~إن لبثتم إلا قليلا ) (52) # قال الإمام الرازي : اعلم أنه تعالى لما تكلم أولا في الإلهيات ، ثم ~~أتبعه بذكر شبهاتهم في النبوات ، ذكر في هذه الآية شبهات القوم ms3566 في إنكار ~~المعاد والبعث والقيامة .. (1). # والرفات : ما تكسر وبلى من كل شيء كالفتات. يقال : رفت فلان الشيء يرفته ~~بكسر الفاء وضمها ، إذا كسره وجعله يشبه التراب. # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@02 أإذا كنا ... ) وفي قوله ( @QUR@02 ~~أإنا لمبعوثون .. ) للاستبعاد والإنكار. # أى : وقال الكافرون المنكرون لوحدانية الله تعالى ، ولنبوة النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، وللبعث والحساب ، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم على سبيل ~~الإنكار والاستبعاد ، أإذا كنا يا محمد ، عظاما بالية ، ورفاتا يشبه التراب ~~في تفتته ودقته ، أإنا لمعادون إلى الحياة مرة أخرى ، بحيث تعود إلينا ~~أرواحنا ، وتدب الحياة فينا ثانية ، ونبعث على هيئة خلق جديد ، غير الذي ~~كنا عليه في الدنيا؟. # وقولهم هذا ، يدل على جهلهم المطبق ، بقدرة الله تعالى التي لا يعجزها ~~شيء ، وكرر سبحانه الاستفهام في الآية الكريمة ، للإشعار بإيغالهم في ~~الجحود والإنكار. PageV08P384 # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 والشجرة الملعونة في القرآن ) معطوف على ~~الرؤيا. # أى : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس. # والمراد بالشجرة الملعونة هنا : شجرة الزقوم ، المذكورة في قوله تعالى : ~~( @QUR@020 أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم. إنا جعلناها فتنة للظالمين. إنها ~~شجرة تخرج في أصل الجحيم ، طلعها كأنه رؤس الشياطين ) (1). # والمراد بلعنها : لعن الآكلين منها وهم المشركون ، أو هي ملعونة لأنها ~~تخرج في أصل الجحيم. أو هي ملعونة لأن طعامها مؤذ وضار ، والعرب تقول لكل ~~طعام ضار : إنه ملعون. # قال الآلوسى : وروى في جعلها فتنة لهم : أنه لما نزل في شأنها في سورة ~~الصافات وغيرها ما نزل ، قال أبو جهل وغيره : هذا محمد يتوعدكم بنار تحرق ~~الحجارة ، ثم يقول ينبت فيها الشجر. وما نعرف الزقوم إلا بالتمر والزبد ، ~~ثم أمر جارية له فأحضرت تمرا وزبدا ، وقال لأصحابه : تزقموا. # وافتتن بهذه الآية أيضا بعض الضعفاء ، ولقد ضلوا في ذلك ضلالا بعيدا ... (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@06 ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا ) تذييل ~~قصد به بيان ما جبل عليه هؤلاء المشركون من جحود ، وقسوة قلب ... # أى : ونخوف هؤلاء المشركين بعذاب الدنيا ، وبعذاب الآخرة وبشجرة الزقوم ~~التي طلعها كأنه ms3567 رءوس الشياطين ... فما يزيدهم هذا التخويف والتهديد إلا ~~طغيانا متجاوزا في ضخامته وكبره كل حد ، وكل عقل سليم. # وعبر سبحانه بصيغة المضارع الدالة على الاستقبال ، مع أن تخويفهم وازدياد ~~طغيانهم قد وقعا ، للإشعار بالتجدد والاستمرار. # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت من سنن الله تعالى في خلقه ، ومن فضله ~~على هذه الأمة ، ومن تبشيره وإنذاره ، ووعده ووعيده ، ما يزيد المؤمنين ~~إيمانا على إيمانهم ، وما يصرف الطاغين عن طغيانهم لو كانوا يعقلون. PageV08P385 # ثم ساق سبحانه جانبا من قصة آدم وإبليس ، لزيادة التسلية للرسول ~~صلى الله عليه وسلم وللإشعار بأن الحسد والغرور ، كما منعا إبليس من السجود ~~لآدم ، فقد منعا مشركي مكة من الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال تعالى : # ( @QUR@013 وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد ~~لمن خلقت طينا (61) @QUR@015 قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى ~~يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا (62) @QUR@010 قال اذهب فمن تبعك منهم ~~فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا (63) @QUR@019 واستفزز من استطعت منهم بصوتك ~~وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم ~~الشيطان إلا غرورا (64) @QUR@09 إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك ~~وكيلا ) (65) # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ... ) تذكير ~~لبنى آدم بما جرى بين أبيهم وبين إبليس ، ليعتبروا ويتعظوا ، ويستمروا على ~~عداوتهم لإبليس وجنده. # أى : واذكروا يا بنى آدم وقت أن قلنا للملائكة ( @QUR@02 اسجدوا لآدم ) ~~سجود تحية وتكريم ، فسجدوا امتثالا لأمر الله تعالى ، بدون تردد أو تلعثم ، ~~( @QUR@02 إلا إبليس ) فإنه أبى السجود لآدم عليه السلام و ( @QUR@01 قال ) ~~بتكبر وعصيان لأمر ربه عز وجل : ( @QUR@01 أأسجد ) وأنا المخلوق من نار ( ~~@QUR@03 لمن خلقت طينا ) أى : أأسجد لمن خلقته من طين ، مع أننى أفضل منه. # والتعبير بقوله ( @QUR@01 فسجدوا ) بفاء التعقيب ، يفيد أن سجودهم ~~عليهم السلام كان في PageV08P386 # أعقاب أمر الله تعالى لهم مباشرة ، بدون تأخير أو تسويف. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 قال أأسجد ... ) استئناف بيانى ، فكأنه قيل : ~~فماذا كان موقف إبليس من هذا الأمر؟ فكان الجواب أن إبليس فسق عن أمر ربه ms3568 ~~وقال ما قال. # والاستفهام في ( @QUR@01 أأسجد ) للإنكار والتعجب ، لأن يرى لعنه الله ~~أنه أفضل من آدم. # وقوله : ( @QUR@01 طينا ) منصوب بنزع الخافض أى : من طين. # وقد جاء التصريح بإباء إبليس عن السجود لآدم ، بأساليب متنوعة ، وفي آيات ~~متعددة ، منها قوله تعالى : ( @QUR@013 وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ، ~~فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@011 فسجد الملائكة كلهم أجمعون. إلا إبليس أبى أن ~~يكون مع الساجدين ) (2). # ثم فصل سبحانه ما قاله إبليس في اعتراضه على السجود لآدم فقال : ( ~~@QUR@015 قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي ، لئن أخرتن إلى يوم القيامة ، ~~لأحتنكن ذريته إلا قليلا ). # ورأى هنا علمية فتتعدى إلى مفعولين ، أولهما ( @QUR@01 هذا ) والثاني ~~محذوف لدلالة الصلة عليه ، والكاف حرف خطاب مؤكد لمعنى التاء قبله ، والاسم ~~الموصول ( @QUR@01 الذي ) بدل من ( @QUR@01 هذا ) أو صفة له ، والمراد من ~~التكريم في قوله ( @QUR@02 كرمت علي ): التفضيل. # والمعنى : قال إبليس في الرد على خالقه عز وجل : أخبرنى عن هذا الإنسان ~~المخلوق من الطين ، والذي فضلته على ، لما ذا فضلته على وأمرتنى بالسجود له ~~مع أننى أفضل منه ، لأنه مخلوق من طين ، وأنا مخلوق من نار!! # وجملة هذا الذي كرمت على ، واقعة موقع المفعول الثاني. # ومقصود إبليس من هذا الاستفهام ، التهوين من شأن آدم عليه السلام والتقليل ~~من منزلته. ولم يجبه سبحانه على سؤاله ، تحقيرا له. وإهمالا لشخصه ، بسبب ~~اعتراضه على أمر خالقه عز وجل . # ثم أكد إبليس كلامه فقال : ( @QUR@09 لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ~~ذريته إلا قليلا ). PageV08P387 # إذ أن اللام في قوله ( @QUR@01 لئن ... ) موطئة للقسم ، وجوابه لأحتنكن. # وأصل الاحتناك : الاستيلاء على الشيء ؛ أو الاستئصال له. يقال : حنك فلان ~~الدابة يحتنكها بكسر النون ورفعها إذا وضع في حنكها أى في ذقنها الرسن ~~ليقودها به. ويقال : احتنك الجراد الأرض ، إذا أكل نباتها وأتى عليه. # والمعنى : قال إبليس متوعدا ومهددا : لئن أخرتن يا إلهى إلى يوم القيامة ~~، لأستولين على ذرية آدم ، ولأقودنهم إلى ما أشاء من المعاصي والشهوات ، ~~إلا عددا قليلا منهم فإنى لا أستطيع ذلك بالنسبة لهم ، لقوة ms3569 إيمانهم ، وشدة ~~إخلاصهم. # وهذا الذي ذكره سبحانه عن إبليس في هذه الآية من قوله : ( @QUR@04 ~~لأحتنكن ذريته إلا قليلا ) شبيه به قوله تعالى : ( @QUR@015 ثم لآتينهم من ~~بين أيديهم ومن خلفهم ، وعن أيمانهم ، وعن شمائلهم ، ولا تجد أكثرهم شاكرين ~~) (1). # وقوله تعالى ( @QUR@08 قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين. إلا عبادك منهم ~~المخلصين ) (2). # قال بعض العلماء : وقول إبليس في هذه الآية : ( @QUR@02 لأحتنكن ذريته ~~... ) قاله ظنا منه أنه سيقع. وقد تحقق له هذا الظن في كثير من بنى آدم كما ~~قال تعالى ( @QUR@010 ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من ~~المؤمنين ) (3). # وقوله تعالى ( @QUR@010 قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء ~~موفورا ) بيان لما توعد الله سبحانه به إبليس وأتباعه. # والأمر في قوله ( @QUR@01 اذهب ) للإهانة والتحقير. أى : قال الله تعالى ~~لإبليس ( @QUR@01 اذهب ) مطرودا ملعونا ، وقد أخرناك إلى يوم القيامة ، ~~فافعل ما بدا لك مع بنى آدم ، فمن أطاعك منهم ، فإن جهنم جزاؤك وجزاؤهم ، ~~جزاء مكملا متمما لا نقص فيه. # وقال سبحانه ( @QUR@03 فإن جهنم جزاؤكم ) مع أنه قد تقدم غائب ومخاطب في ~~قوله ( @QUR@03 فمن تبعك منهم )، تغليبا لجانب المخاطب وهو إبليس على جانب ~~الغائب وهم أتباعه. لأنه هو السبب في إغواء هؤلاء الأتباع. # وقوله : ( @QUR@01 جزاء ) مفعول مطلق ، منصوب بالمصدر قبله. PageV08P388 # وقوله ( @QUR@01 موفورا ) اسم مفعول ، من قولهم وفر الشيء فهو وافر ~~وموفور أى : مكمل متمم. وهو صفة لقوله : ( @QUR@01 جزاء ). # وهذا الوعيد الذي توعد الله تعالى به إبليس وأتباعه ، جاء ما يشبههه في ~~آيات كثيرة ، منها قوله سبحانه : ( @QUR@011 قال فالحق والحق أقول. لأملأن ~~جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ). # ثم أضاف سبحانه إلى إهانته وتحقيره لإبليس أوامر أخرى ، فقال تعالى : ( ~~@QUR@019 واستفزز من استطعت منهم بصوتك ، وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ، ~~وشاركهم في الأموال والأولاد ، وعدهم ، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ). # قال الجمل : أمر الله تعالى إبليس بأوامر خمسة ، القصد بها : التهديد ~~والاستدراج ، لا التكليف ، لأنها كلها معاص ، والله لا يأمر بها (1). # وهذه الأوامر الخمسة هي : اذهب ، واستفزز ... وأجلب ... وشاركهم ... وعدهم. # وقوله : واستفزز ، من الاستفزاز ، بمعنى الاستخفاف والإزعاج ، يقال : ~~استفز ms3570 فلان فلانا إذا استخف به ، وخدعه ، وأوقعه فيما أراده منه. ويقال : ~~فلان استفزه الخوف ، إذا أزعجه. # وقوله : ( @QUR@04 وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ) أصل الإجلاب : الصياح بصوت ~~مسموع. يقال : أجلب فلان على فرسه وجلب عليه ، إذا صاح به ليستحثه على ~~السرعة في المشي. # قال الآلوسى : قوله ( @QUR@02 وأجلب عليهم ) أى : صح عليهم من الجلبة وهي ~~الصياح. قاله الفراء وأبو عبيدة. وقال الزجاج : أجلب على العدو : جمع عليه ~~الخيل. وقال ابن السكيت : جلب عليه : أعان عليه. وقال ابن الأعرابى : أجلب ~~على الرجل ، إذا توعده الشر ، وجمع عليه الجمع. # والخيل : يطلق على الأفراس حقيقة ولا واحد له من لفظه ، وعلى الفرسان ~~مجازا ، وهو المراد هنا. # ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته لأصحابه : «يا خيل الله ~~اركبي». والرجل بكسر الجيم بمعنى راجل كحذر بمعنى حاذر هو الذي يمشى رجلا ، ~~أى غير راكب ...» (2). PageV08P389 # والمعنى. قال الله تعالى لإبليس : اذهب أيها اللعين مذءوما مدحورا. فإن ~~جهنم هي الجزاء المعد لك ولأتباعك من ذرية آدم ، وافعل ما شئت معهم من ~~الاستفزاز والخداع والإزعاج ولهو الحديث وأجلب عليهم ما تستطيع جلبه من ~~مكايد ، وما تقدر عليه من وسائل ، كأن تناديهم بصوتك ووسوستك إلى المعاصي ، ~~وكأن تحشد جنودك على اختلاف أنواعهم لحربهم وإغوائهم وصدهم عن الطريق ~~المستقيم. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى استفزاز إبليس بصوته ، وإجلابه ~~بخيله ورجله؟ # قلت : هو كلام وارد مورد التمثيل شبهت حاله في تسلطه على من يغويه ، ~~بمغوار أوقع على قوم ، فصوت بهم صوتا يستفزهم من أماكنهم ، ويقلقهم عن ~~مراكزهم ، وأجلب عليهم بجنده ، من خيالة ورجالة حتى استأصلهم ، وقيل : ~~بصوته ، أى : بدعائه إلى الشر ، وبخيله ، ورجله : أى كل راكب وماش من أهل ~~العبث. وقيل : يجوز أن يكون لإبليس خيل ورجال» (1). # وعلى أية حال ، فالجملة الكريمة تصوير بديع ، لعداوة إبليس لآدم وذريته ، ~~وأنه معهم في معركة دائمة ، يستعمل فيها كل وسائل شروره ، ليشغلهم عن طاعة ~~ربهم ، وليصرفهم عن الصراط المستقيم ، ولكنه لن يستطيع أن يصل إلى شيء من ~~أغراضه الفاسدة ، ماداموا معتصمين ms3571 بدين ربهم عز وجل . # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم )، معطوف ~~على ما قبله. # أى : وشاركهم في الأموال ، بأن تحضهم على جمعها من الطرق الحرام ، وعلى ~~إنفاقها في غير الوجوه التي شرعها الله ، كأن يستعملوها في الربا والرشوة ~~وغير ذلك من المعاملات المحرمة. # وشاركهم في الأولاد : بأن تحثهم على أن ينشئوهم تنشئة تخالف تعاليم دينهم ~~الحنيف وبأن تيسر لهم الوقوع في الزنا الذي يترتب عليه ضياع الأنساب ، وبأن ~~تظاهرهم على أن يسموا أولادهم بأسماء يبغضها الله عز وجل ، إلى غير ذلك من ~~وساوسك التي تغرى الآباء بأن يربوا أبناءهم تربية يألفون معها الشرور ~~والآثام ، والفسوق والعصيان. # قال الإمام ابن جرير بعد أن ساق عددا من الأقوال في ذلك : وأولى الأقوال ~~بالصواب أن PageV08P390 # يقال : كل مولود ولدته أنثى ، عصى الله فيه ، بتسميته بما يكرهه الله ، ~~أو بإدخاله في غير الدين الذي ارتضاه الله ، أو بالزنا بأمه ، أو بقتله أو ~~وأده ، أو غير ذلك من الأمور التي يعصى الله بفعله به أو فيه ، فقد دخل في ~~مشاركة إبليس فيه ، من ولد ذلك الولد له أو منه ، لأن الله لم يخصص بقوله : ~~( @QUR@04 وشاركهم في الأموال والأولاد ) معنى الشركة فيه ، بمعنى دون معنى ~~، فكل ما عصى الله فيه أو به ، أو أطيع الشيطان فيه أو به فهو مشاركة ...» (1). # وقد علق الإمام ابن كثير على كلام ابن جرير بقوله : وهذا الذي قاله ابن ~~جرير متجه ، فقد ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~«يقول الله عز وجل إنى خلقت عبادي حنفاء ، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن ~~دينهم ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم». # وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لو أن أحدهم إذا أراد ~~أن يأتى أهله قال : باسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا ~~، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدا» (2). # وقوله : ( @QUR@01 وعدهم ) أى : وعدهم بما شئت من المواعيد الباطلة ~~الكاذبة. كأن تعدهم بأن الدنيا هي منتهى آمالهم. فعليهم أن ms3572 يتمتعوا بها كيف ~~شاءوا ، بدون تقيد بشرع أو دين أو خلق. وكأن تعدهم بأنه ليس بعد الموت حساب ~~أو ثواب أو عقاب ، أو جنة أو نار ... # وقوله سبحانه ( @QUR@05 وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ) تحذير من الله ~~تعالى لعباده من اتباع الشيطان ، ومن السير وراء خطواته. # وأصل الغرور تزين الباطل بما يوهم أنه حق. يقال : غر فلان فلانا فهو يغره ~~غرورا إذا خدعه ، وأصله من الغر ، وهو الأثر الظاهر من الشيء ، ومنه غرة ~~الفرس لأنها أبرز ما فيه. ولفظ ( @QUR@01 غرورا ) صفة لموصوف محذوف. # والتقدير : وعدهم أيها الشيطان بما شئت من الوعود الكاذبة ، وما يعد ~~الشيطان بنى آدم إلا وعدا غرورا. # ويجوز أن يكون مفعولا لأجله فيكون المعنى : وما يعدهم الشيطان إلا من أجل ~~الغرور والمخادعة. # وفي الجملة الكريمة التفات من الخطاب إلى الغيبة ، إهمالا لشأن الشيطان ، ~~وبيانا لحاله مع بنى آدم ؛ حتى يحترسوا منه ويحذروه. PageV08P391 # ثم ختم سبحانه الآيات بغرس الطمأنينة في قلوب المؤمنين الصادقين ، فقال ~~تعالى : ( @QUR@09 إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ، وكفى بربك وكيلا ). # أى : إن عبادي الصالحين الذين أخلصوا دينهم لي ، ليس لك يا إبليس تسلط ~~واقتدار على إغوائهم وإضلالهم ، وصرفهم عن السبيل الحق إلى السبيل الباطل. # قال تعالى : ( @QUR@019 إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم ~~يتوكلون. إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون ) (1). # وقال سبحانه ( @QUR@011 إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ، إلا من اتبعك من ~~الغاوين ) (2). # والإضافة في قوله ( @QUR@02 إن عبادي ... ) للتشريف والتكريم حيث خصهم ~~سبحانه بهذا اللون من الرعاية والحماية. # وقوله ( @QUR@03 وكفى بربك وكيلا ) أى : وكفى بربك وكيلا يتوكلون عليه ، ~~ويفوضون إليه أمورهم ، ويعتصمون به لكي يقيهم وساوس الشيطان ونزغاته. # قال الإمام ابن كثير : قوله : ( @QUR@03 وكفى بربك وكيلا ) أى : حافظا ~~ومؤيدا ونصيرا. # روى الإمام أحمد عن أبى هريرة أن رسول صلى الله عليه وسلم قال : «إن المؤمن ~~لينضى شيطانه أى ليقهره كما ينضى أحدكم بعيره في السفر» (3). # وقال الجمل في حاشيته : وهذه الآية تدل على أن المعصوم من عصمه الله. وأن ~~الإنسان ms3573 لا يمكنه أن يحترز بنفسه عن مواقع الضلال ، لأنه لو كان الإقدام ~~على الحق ، والإحجام عن الباطل إنما يحصل للإنسان من نفسه ، لوجب أن يقال : ~~وكفى بالإنسان نفسه في الاحتراز عن الشيطان. فلما لم يقل ذلك ، بل قال : ~~وكفى بربك وكيلا. علمنا أن الكل من الله. ولهذا قال المحققون : لا حول عن ~~معصية الله إلا بعصمة الله ، ولا قوة على طاعته إلا بقوته. (4). # وبعد أن بين سبحانه لبنى آدم ما يبيته إبليس من عداوة وبغضاء ، أتبع ذلك ~~ببيان جانب من نعمه تعالى عليهم في البر والبحر وفي السراء والضراء فقال ~~عز وجل : PageV08P392 # ( @QUR@014 ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان ~~بكم رحيما (66) @QUR@018 وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه ~~فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا (67) @QUR@015 أفأمنتم أن ~~يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا (68) ~~@QUR@022 أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح ~~فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا ) (69) # وقوله تعالى : ( @QUR@010 ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من ~~فضله ... ) بيان لمظهر من مظاهر رحمة الله تعالى بعباده ، وفضله عليهم. # و ( @QUR@01 يزجي ) من الإزجاء ، وهو السوق شيئا فشيئا. يقال أزجى فلان ~~الإبل ، إذا ساقها برفق ، وأزجت الريح السحاب ، أى : ساقته سوقا رفيقا ، ~~ومنه قوله تعالى : ( @QUR@06 ألم تر أن الله يزجي سحابا ... ). # و ( @QUR@01 الفلك ) ما عظم من السفن. قال الجمل ما ملخصه : ويستعمل لفظ ~~الفلك للواحد والجمع ، ويذكر ويؤنث. قال تعالى : ( @QUR@08 وآية لهم أنا ~~حملنا ذريتهم في الفلك المشحون ) فأفرد وذكر. وقال سبحانه : ( @QUR@05 ~~والفلك التي تجري في البحر )، فأنث ، ويحتمل الإفراد والجمع. قال تعالى : ~~( @QUR@07 حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ... ) فجمع ... (1). # و ( @QUR@01 البحر ) يطلق على الماء الكثير عذبا كان أو ملحا. وأكثر ما ~~يكون إطلاقا على الماء الملح. PageV08P393 # أى : اذكروا أيها الناس لتعتبروا وتشكروا ربكم الذي من مظاهر نعمته عليكم ~~، أنه يسوق لكم بلطفه وقدرته السفن التي ms3574 تركبونها في البحر لكي تطلبوا من ~~وراء ركوبها الرزق الذي يصلح معاشكم ، والذي هو لون من ألوان فضل الله عليكم. # وقوله : لتبتغوا من فضله ، تعليل لإزجاء الفلك ، وتصريح بوجوه النفع التي ~~تفضل الله تعالى بها عليهم. # وقوله : ( @QUR@04 إنه كان بكم رحيما ) تعليل ثان لهذا الإزجاء. # أى : يزجى لكم الفلك في البحر ، لتطلبوا من وراء ذلك ما ينفعكم ، ولأنه ~~سبحانه كان أزلا وأبدا ، بكم دائم الرحمة والرأفة. # ثم انتقل سبحانه من الحديث عن مظاهر نعمه عليهم ، في حال سوق السفن ~~ودفعها بهم في البحر برفق وأناة ، إلى بيان رعايته لهم في حال اضطرابها ~~وتعرضها للغرق ، بسبب هيجان البحر وارتفاع أمواجه ، فقال تعالى : ( ~~@QUR@010 وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه ... ). # والمس : اتصال أحد الشيئين بآخر على وجه الإحساس والإصابة ، والمراد به ~~هنا : ما يعتريهم من خوف وفزع ، وهم يرون سفينتهم توشك على الغرق. # والمراد بالضر هنا : اضطراب الفلك ، وارتفاع الأمواج ، واشتداد العواصف ، ~~وتعرضهم للموت من كل مكان. # المعنى : وإذا أحاطت بكم الأمواج من كل جانب وأنتم على ظهور سفنكم ~~وأوشكتم على الغرق .. ذهب وغاب عن خواطركم وأذهانكم ، كل معبود سوى الله ~~عز وجل لكي ينقذكم مما أنتم فيه من بلاء ، بل إياه وحده سبحانه تدعون ليكشف ~~عنكم ما نزل بكم من سوء. # فالجملة الكريمة تصوير مؤثر بديع لبيان أن الإنسان عند الشدائد والمحن لا ~~يتجه بدعائه وضراعته إلا إلى الله تعالى وحده. # قال القرطبي : ( @QUR@01 ضل ) معناه ؛ تلف وفقد وهي عبارة عن تحقير لمن ~~يدعى إلها من دون الله. والمعنى في هذه الآية : أن الكفار إنما يعتقدون في ~~أصنامهم أنها شافعة ، وأن لها فضلا ، وكل واحد منهم بالفطرة يعلم علما لا ~~يقدر على مدافعته أن الأصنام لا فعل لها في الشدائد ، PageV08P394 # فوقفهم الله من ذلك على حالة البحر حيث تنقطع الحيل» (1). # وقال الإمام ابن كثير : يخبر تبارك وتعالى أن الناس إذا مسهم ضر دعوه ~~منيبين إليه مخلصين له الدين ، ولهذا قال تعالى : ( @QUR@010 وإذا مسكم ~~الضر في البحر ضل من تدعون ms3575 إلا إياه ) أى : ذهب عن قلوبكم كل ما تعبدون غير ~~الله تعالى كما اتفق لعكرمة بن أبى جهل ، لما ذهب فارا من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حين فتح مكة ، فذهب هاربا فركب في البحر ليدخل الحبشة ، ~~فجاءتهم ريح عاصف ، فقال القوم بعضهم لبعض : إنه لا يغنى عنكم إلا أن تدعو ~~الله وحده. # فقال عكرمة في نفسه : والله إن كان لا ينفع في البحر غيره ، فإنه لا ينفع ~~في البر غيره ، اللهم لك على عهد لئن أخرجتنى منه ، لأذهبن فلأضعن يدي في ~~يد محمد صلى الله عليه وسلم فلأجدنه رءوفا رحيما. فخرجوا من البحر ، فرجع إلى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فأسلم وحسن إسلامه رضى الله عنه» (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@08 فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا ~~) بيان لطبيعة الإنسان إلا من عصم الله. # أى : فلما نجاكم الله تعالى بلطفه وإحسانه : من الغرق ، وأوصلكم سالمين ~~إلى البر ، أعرضتم عن طاعته ، وتركتم دعاءه والضراعة إليه ، وكان الإنسان ~~الفاسق عن أمر ربه ، ( @QUR@01 كفورا ) أى : كثير الكفران والجحود لنعم ربه ~~عز وجل . # قال الآلوسي ما ملخصه : وقوله : ( @QUR@03 وكان الإنسان كفورا ) كالتعليل ~~للإعراض ، ويعلم منه حكم أولئك المخاطبين ، وفيه قال الآلوسي ما ملخصه : ~~وقوله : ( @QUR@03 وكان الإنسان كفورا ) كالتعليل للإعراض ، ويعلم منه حكم ~~أولئك المخاطبين ، وفيه لطافة حيث أعرض سبحانه عن خطابهم بخصوصهم ، وذكر أن ~~جنس الإنسان مجبول على الكفران ، فلما أعرضوا أعرض الله تعالى عنهم» (3). # وفي معنى هذه الآية جاءت آيات كثيرة. منها قوله تعالى ( @QUR@016 فإذا ~~ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين ، فلما نجاهم إلى البر إذا هم ~~يشركون ) (4). PageV08P395 # وقوله سبحانه : ( @QUR@022 وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له ~~الدين. فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد ، وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار ~~كفور ) (1). # ثم بين سبحانه أن قدرته لا يعجزها شيء ، لا في البحر ولا في البر ولا في ~~غيرهما فقال : ( @QUR@015 أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم ~~حاصبا ، ثم لا تجدوا لكم وكيلا ) والهمزة في قوله ( @QUR@01 أفأمنتم ) ~~للاستفهام ms3576 الإنكارى ، والفاء عاطفة على محذوف ، والتقدير : أنجوتم فأمنتم. # وقوله ( @QUR@01 يخسف ) من الخسف وهو انهيار الأرض بالشيء ، وتغييبه في ~~باطنها و ( @QUR@02 جانب البر ) ناحية أرض ، وسماه سبحانه جانبا ، لأن ~~البحر يمثل جانبا من الأرض ، والبر يمثل جانبا آخر. # والحاصب : الريح الشديدة ، التي ترمى بالحصباء ، وهي الحجارة الصغيرة. ~~يقال. حصب فلان فلانا ، إذا رماه بالحصباء. # والمعنى : أنجوتم من الغرق أيها الناس ففرحتم وأمنتم ونسيتم أن الله ~~تعالى إذا كان قد أنجاكم من الغرق ، فهو قادر على أن يخسف بكم جانب الأرض ، ~~وقادر كذلك على أن يرسل عليكم ريحا شديدة ترميكم بالحصباء التي تهلككم ؛ ثم ~~لا تجدوا لكم وكيلا تكلون إليه أموركم ، ونصيرا ينصركم ويحفظكم من عذاب ~~الله تعالى . # إن كنتم قد أمنتم عذاب الله بعد نجاتكم من الغرق ، فأنتم جاهلون ، لأن ~~قدرة الله تعالى لا يعجزها أن تأخذكم أخذ عزيز مقتدر سواء كنتم في البحر أم ~~في البر أم في غيرهما ، إذ جميع جوانب هذا الكون في قبضة الله تعالى وتحت ~~سيطرته. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت فما معنى ذكر الجانب؟ قلت : معناه ، أن ~~الجوانب والجهات كلها في قدرته سواء ، وله في كل جانب برا كان أو بحرا سبب ~~مرصد من أسباب الهلكة ، ليس جانب البحر وحده مختصا بذلك ، بل إن كان الغرق ~~في جانب البحر ، ففي جانب البر ما هو مثله وهو الخسف ، لأنه تغييب تحت ~~التراب ، كما أن الغرق تغييب تحت الماء فالبر والبحر عنده سيان ، يقدر في ~~البر على نحو ما يقدر عليه في البحر ، فعلى العاقل أن يستوي خوفه من الله ~~في جميع الجوانب وحيث كان» (2). # ثم ساق سبحانه مثالا آخر للدلالة على شمول قدرته ، فقال تعالى : PageV08P396 # ( @QUR@022 أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى ، فيرسل عليكم قاصفا من ~~الريح ، فيغرقكم بما كفرتم ، ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا ). # و ( @QUR@01 أم ) هنا يجوز أن تكون متصلة ؛ بمعنى : أى الأمرين حاصل. ~~ويجوز أن تكون منقطعة بمعنى : بل. # والقاصف من الريح : هو الريح العاتية الشديدة التي تقصف وتحطم كل ما ms3577 مرت ~~به من أشجار وغيرها. يقال : قصف فلان الشيء ، إذا كسره. # والتبيع : فعيل بمعنى فاعل ، وهو المطالب غيره بحق سواء أكان هذا الحق ~~دينا أم ثأرا أم غيرهما ، مع مداومته على هذا الطلب. # والمعنى : بل أأمنتم أيها الناس ( @QUR@02 أن يعيدكم ) الله تعالى ( ~~@QUR@01 فيه ) أى : في البحر ، لسبب من الأسباب التي تحملكم على العودة ~~إليه مرة أخرى ( @QUR@02 فيرسل عليكم ) سبحانه وأنتم في البحر ( @QUR@03 ~~قاصفا من الريح ) العاتية الشديدة التي تحطم سفنكم ( @QUR@01 فيغرقكم ) ~~بسبب كفركم وجحودكم لنعمه ، ( @QUR@07 ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا ) أى ~~: إننا من السهل علينا أن نفعل معكم ذلك وأكثر منه ، ثم لا تجدوا لكم أحدا ~~ينصركم علينا ، أو يطالبنا بحق لكم علينا ، فنحن لا نسأل عما نفعل ، وأنتم ~~المسئولون. # فالاستفهام هنا أيضا للإنكار والتوبيخ. # وقال سبحانه ( @QUR@03 أن يعيدكم فيه ) ولم يقل أن يعيدكم إليه ، للإشعار ~~باستقرارهم فيه ، وأنه تعالى لا يعجزه أن يفعل ذلك. # والتعبير بقوله ( @QUR@03 قاصفا من الريح ) فيه من الترهيب والإنذار ما ~~فيه لأن لفظ القصف يدل بمعناه اللغوي على التحطيم والتكسير. # وقال سبحانه ( @QUR@02 بما كفرتم ) لبيان أن الله تعالى ما ظلمهم ~~بإهلاكهم ، وإنما هم الذين عرضوا أنفسهم لذلك بسبب كفرهم وإعراضهم عن طاعته ~~سبحانه . # والضمير في ( @QUR@01 به ) يعود إلى الإهلاك بالإغراق المفهوم من قوله ( ~~@QUR@03 فيغرقكم بما كفرتم ) أى : لا تجدون تبيعا يتبعنا بثأركم بسبب ذلك ~~الإغراق الذي أوقعناه بكم. # وبذلك نرى أن الآيات الكريمة قد ساقت ألوانا من نعم الله تعالى على الناس ~~، وحذرتهم من جحود هذه النعم ، حتى لا يتعرضوا لعذاب الله ، الذي قد ينزل ~~بهم وهم في البحر أو في البر أو في غيرهما. PageV08P397 # ثم ذكر سبحانه تكريمه لبنى آدم ، وتفضيلهم على كثير من مخلوقاته ، ~~وأحوالهم في الآخرة ، فقال تعالى : # ( @QUR@017 ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من ~~الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (70) @QUR@015 يوم ندعوا كل ~~أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤن كتابهم ولا يظلمون فتيلا ~~(71) @QUR@011 ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل ms3578 سبيلا ) (72) # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@04 ولقد كرمنا بني آدم ... ) أى : جعلناهم ~~قاطبة برهم وفاجرهم ، ذوى كرم ، أى : شرف ومحاسن جمة لا يحيط بها نطاق ~~الحصر ..» (1). # ومن مظاهر تكريم الله تعالى لبنى آدم ، أنه خلقهم في أحسن تقويم ، كما ~~قال تعالى : ( @QUR@06 لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ). # وأنه ميزهم بالعقل والنطق والاستعدادات المتعددة ، التي جعلتهم أهلا لحمل ~~الأمانة ، كما قال سبحانه : ( @QUR@014 إنا عرضنا الأمانة على السماوات ~~والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان ... ) (2). # وأنه سخر الكثير من مخلوقاته لمنفعتهم ومصلحتهم ، قال تعالى : ( @QUR@032 ~~الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات ~~رزقا لكم ، وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار. وسخر ~~لكم الشمس والقمر دائبين ، وسخر لكم PageV08P398 # @QUR@017 الليل والنهار. وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا ~~تحصوها ، إن الإنسان لظلوم كفار ) (1). # وأنه سجل هذا التكريم في القرآن الكريم ، الذي لا يأتيه الباطل من بين ~~يديه ولا من خلفه ، وكفاهم بذلك شرفا وفخرا. # وقوله تعالى ( @QUR@04 وحملناهم في البر والبحر ) بيان لنوع من أنواع هذا ~~التكريم. أى : وحملناهم بقدرتنا ورعايتنا في البر على الدواب وغير ذلك من ~~وسائل الانتقال كالقطارات والسيارات وغيرها ، وحملناهم في البحر على السفن ~~وعابرات البحار التي تنقلهم من مكان إلى آخر. # وقوله : ( @QUR@03 ورزقناهم من الطيبات ) بيان لنوع آخر من أنواع ~~التكريم. أى : ورزقناهم بفضلنا وإحساننا من طيبات المطاعم والمشارب ~~والملابس ، التي يستلذونها ، ولا يستغنون عنها في حياتهم. # وقوله : ( @QUR@06 وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) بيان لنوع ثالث ~~من أنواع التكريم ، أى : وبسبب هذا التكريم فضلناهم على كثير من مخلوقاتنا ~~التي لا تحصى ، تفضيلا عظيما. # وعلى هذا التفسير يكون التفضيل لونا من ألوان التكريم الذي منحه الله ~~تعالى لبنى آدم. # وبعضهم يرى أن هناك فرقا بين التكريم والتفضيل ، ومن هذا البعض الإمام ~~الفخر الرازي ، فقد قال رحمه الله ما ملخصه : لقد قال الله تعالى في أول ~~الآية ( @QUR@04 ولقد كرمنا بني آدم ) وقال في آخرها ( @QUR@06 وفضلناهم ~~على كثير ممن خلقنا ms3579 تفضيلا ). ولا بد من الفرق بين هذا التكريم والتفضيل ~~وإلا لزم التكرار. # والأقرب أن يقال : إنه تعالى فضل الإنسان على سائر الحيوانات بأمور خلقية ~~طبيعية ذاتية ، مثل : العقل ، والنطق ، والصورة الحسنة .. ثم إنه تعالى ~~عرضه بواسطة ذلك لاكتساب العقائد الحقة ، والأخلاق الفاضلة فالأول : هو ~~التكريم ، والثاني : هو التفضيل» (2). # وكأن الفخر الرازي يرى أن التكريم يرجع إلى الصفات الخلقية التي امتاز ~~بها بنو آدم ، أما التفضيل فيرجع إلى ما اكتسبوه من عقائد سليمة ، وأخلاق قويمة. PageV08P399 # هذا ، وقد أخذ صاحب الكشاف من هذه الجملة وهي قوله تعالى : ( @QUR@06 ~~وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) أن الملائكة أفضل من البشر ، لأنهم ~~أى الملائكة هم المقصودون بالقليل الذي لم يفضل عليه بنو آدم. # قال رحمه الله : قوله : ( @QUR@05 وفضلناهم على كثير ممن خلقنا ... ) هو ~~ما سوى الملائكة وحسب بنى آدم تفضيلا ، أن ترفع عليهم الملائكة وهم هم ، ~~ومنزلتهم عند الله منزلتهم ...» (1). # ويرى كثير من المفسرين أن المراد بالتفضيل هنا : تفضيل الجنس ، ولا يلزم ~~منه تفضيل كل فرد على كل فرد. # قال الجمل ما ملخصه : ( @QUR@06 وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) ~~المراد تفضيل جنس البشر على أجناس غيره كالملائكة ، ولا يلزم من تفضيل جنس ~~البشر على جنس الملك تفضيل الأفراد ، إذ الملائكة في جملتهم أفضل من البشر ~~غير الأنبياء. وصلحاء البشر كالصديق أفضل من عوام الملائكة ، أى : غير ~~الرؤساء منهم ، على المعتمد من طريقة التفضيل» (2). # والذي تطمئن إليه النفس في هذه المسألة والله أعلم : أن الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام أفضل من الملائكة جميعا ، لأن الله تعالى قد أمر الملائكة ~~بالسجود لآدم الذي جعله خليفة له في أرضه ، دون غيره من الملائكة ... # وأن الرسل من الملائكة كجبريل وإسرافيل وعزرائيل وميكائيل أفضل من عموم ~~البشر سوى الأنبياء ، لأن هؤلاء الرسل قد اصطفاهم الله تعالى واختارهم ~~لوظائف معينة ، قال تعالى ( @QUR@07 الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس ). # وأن صلحاء البشر كالعشرة المبشرين بالجنة أفضل من عامة الملائكة ، لأن ~~الملائكة ليست فيهم شهوة تدفعهم إلى مخالفة ما أمر الله به ... أما ms3580 بنو آدم ~~فقد ركب الله تعالى فيهم شهوة داعية إلى ارتكاب المعصية ، ومقاومة هذه ~~الشهوات جهاد يؤدى إلى رفع الدرجات ... # ومن العلماء الذين بسطوا القول في هذه المسألة الإمام الفخر الرازي ، ~~فليرجع إليه من شاء (3). PageV08P400 # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 يوم ندعوا كل أناس بإمامهم ) شروع في بيان ~~تفاوت أحوال بنى آدم في الآخرة ، بعد بيان حالهم في الدنيا. # ولفظ ( @QUR@01 يوم ) منصوب بفعل محذوف ، أى : واذكر يوم ندعو كل أناس ~~بإمامهم. والمراد بإمامهم هنا : كتاب أعمالهم. # وقد اختار هذا القول الإمام ابن كثير ورجحه فقال : يخبر الله تعالى عن ~~يوم القيامة ، أنه يحاسب كل أمة بإمامهم ، وقد اختلفوا في ذلك. فقال مجاهد ~~وقتادة أى : بنبيهم ، وهذا كقوله تعالى : ( @QUR@09 ولكل أمة رسول فإذا جاء ~~رسولهم قضي بينهم بالقسط )... # وقال ابن زيد : بإمامهم أى بكتابهم الذي أنزل على نبيهم من التشريع ، ~~واختاره ابن جرير ... # وروى العوفى عن ابن عباس في قوله : ( @QUR@05 يوم ندعوا كل أناس بإمامهم ~~) أى : بكتاب أعمالهم ... # وهذا القول هو الأرجح لقوله تعالى : ( @QUR@06 وكل شيء أحصيناه في إمام ~~مبين )، وقال تعالى : ( @QUR@07 ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ).. # ويحتمل أن المراد بإمامهم : أن كل قوم بمن يأتمون به ، فأهل الإيمان ~~ائتموا بالأنبياء عليهم السلام ، وأهل الكفر ائتموا بأئمتهم في الكفر ... # وفي الصحيحين : «لتتبع كل أمة ما كانت تعبد ، فيتبع من كان يعبد الطواغيت ~~الطواغيت ...» الحديث ... # ثم قال رحمه الله ولكن المراد هاهنا بالإمام ، هو كتاب الأعمال (1). # والمعنى : واذكر أيها العاقل لتعتبر وتتعظ يوم ندعو كل أناس من بنى آدم ~~الذين كرمناهم وفضلناهم على كثير من خلقنا ، بكتاب أعمالهم الذي لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. # ثم بين سبحانه حسن عاقبة الذين أخلصوا دينهم لله فقال تعالى : ( @QUR@010 ~~فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤن كتابهم ، ولا يظلمون فتيلا ). # أى : فمن أوتى من بنى آدم يوم القيامة ، كتابه بيمينه ، بأن ثقلت موازين ~~حسناته على سيئاته ، فأولئك السعداء يقرءون كتابهم بسرور وابتهاج ، ولا ~~ينقصون من أجورهم قدر PageV08P401 # فتيل ، وهو الخيط المستطيل في شق النواة ، وبه يضرب ms3581 المثل في الشيء ~~القليل ومن في قوله ( @QUR@02 فمن أوتي ) يجوز أن تكون شرطية ، وأن تكون ~~موصولة ، ودخلت الفاء في الخبر وهو «فأولئك» لشبهه بالشرط. # وجاء التعبير في قوله ( @QUR@03 أوتي كتابه بيمينه ) بالإفراد ، حملا على ~~لفظ من ، وجاء التعبير بالجمع في ( @QUR@01 فأولئك ) حملا على معناها. # وفي قوله سبحانه ( @QUR@01 بيمينه ) تشريف وتبشير لصاحب هذا الكتاب ~~المليء بالإيمان والعمل الصالح وقال سبحانه : ( @QUR@03 فأولئك يقرؤن ~~كتابهم ) بالإظهار ، ولم يقل : يقرءونه ، لمزيد العناية بهؤلاء السعداء ، ~~ولبيان أن هذا الكتاب تبتهج النفوس بتكرار اسمه. # ثم بين سبحانه سوء عاقبة من أوتى كتابه بشماله فقال : ( @QUR@011 ومن كان ~~في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ). # والمراد بالعمى هنا : عمى القلب لا عمى العين ، بدليل قوله تعالى : ( ~~@QUR@010 فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ). # والمعنى : ومن كان من بنى آدم في هذه الدنيا أعمى القلب ، مطموس البصيرة ~~، بسبب إيثاره الكفر على الإيمان ، فهو في الدار الآخرة أشد عمى ، وأضل ~~سبيلا منه في الدنيا ، لأنه في الدنيا كان في إمكانه أن يتدارك ما فاته أما ~~في الآخرة فلا تدارك لما فاته. # وعبر سبحانه عن الذي أوتى كتابه بشماله بقوله ( @QUR@05 ومن كان في هذه ~~أعمى ) للإرشاد إلى العلة التي بسببها أصابه الشقاء في الآخرة ، وهي فقدانه ~~النظر السليم ، وإيثاره الغي على الرشد ، والباطل على الحق .. # ومما يدل على أن المراد به من أوتى كتابه بشماله ، مقابلته لمن أوتى ~~كتابه بيمينه ، كما جاء في آيات كثيرة منها قوله تعالى : ( @QUR@042 فأما ~~من أوتي كتابه بيمينه فيقول : هاؤم اقرؤا كتابيه. إني ظننت أني ملاق ~~حسابيه. فهو في عيشة راضية. في جنة عالية. قطوفها دانية. كلوا واشربوا ~~هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية. وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول : يا ~~ليتني لم أوت كتابيه ) (1). # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت لبنى آدم من التكريم والتفضيل ما من ~~شأنه أن PageV08P402 # يحملهم على إخلاص العبادة لخالقهم ، وعلى امتثال أمره ، واجتناب نهيه ، ~~لكي يكونوا من السعداء في دنياهم وآخرتهم. # ثم حكى سبحانه جانبا ms3582 من المسالك الخبيثة ، التي سلكها المشركون مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم لزحزحته عن التمسك بدعوته ، وكيف أن الله تعالى قد عصمه من ~~كيدهم ، فقال سبحانه : # ( @QUR@013 وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره ~~وإذا لاتخذوك خليلا (73) @QUR@010 ولو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم ~~شيئا قليلا (74) @QUR@012 إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك ~~علينا نصيرا (75) @QUR@013 وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا ~~لا يلبثون خلافك إلا قليلا (76) @QUR@011 سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ~~ولا تجد لسنتنا تحويلا ) (77) # ذكر المفسرون في سبب نزول الآية الأولى من هذه الآيات روايات منها ما جاء ~~عن سعيد بن جبير أنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر الأسود ~~في طوافه ، فمنعته قريش وقالوا : لا ندعك تستلم حتى تلم بآلهتنا ... فأبى ~~الله تعالى ذلك ، وأنزل عليه هذه الآية. # وروى عطاء عن ابن عباس قال : نزلت في وفد ثقيف ، أتوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم فسألوه شططا : وقالوا : متعنا بآلهتنا سنة حتى نأخذ ما ~~يهدى لها. وحرم وادينا كما حرمت مكة ، حتى تعرف العرب فضلنا عليهم ... ~~فنزلت هذه الآية (1). PageV08P403 # و ( @QUR@01 إن ) في قوله ( @QUR@03 وإن كادوا ليفتنونك ... ) مخففة من ~~الثقيلة ، واسمها ضمير الشأن. # وكاد من أفعال المقاربة. و ( @QUR@01 ليفتنونك ) من الفتنة ، وأصلها ~~الاختبار والامتحان. يقال : فتن الصائغ الذهب ، أى : اختبره ليعرف جيده من ~~خبيثة ، ويقال : فتنت الرجل عن رأيه ، إذا أزلته عما كان عليه ، وهو المراد هنا. # والمعنى ؛ وإن شأن هؤلاء المشركين ، أنهم قاربوا في ظنهم الباطل ، وزعمهم ~~الكاذب ، أن يخدعوك ويفتنوك أيها الرسول الكريم عما أوحينا إليك من هذا ~~القرآن ، لكي تفترى علينا غيره ، وتتقول علينا أقوالا ما أنزل الله بها من سلطان. # وقوله : ( @QUR@03 وإذا لاتخذوك خليلا ) بيان لحالهم مع الرسول ~~صلى الله عليه وسلم لو أنه أطاعهم فيما اقترحوه عليه. # قال الجمل ما ملخصه : «وإذا حرف جواب وجزاء يقدر بلو الشرطية. وقوله : ( ~~@QUR@01 لاتخذوك ) جواب قسم محذوف تقديره : والله لاتخذوك ، وهو مستقبل في ~~المعنى ، لأن إذا ms3583 تقتضي الاستقبال ، إذ معناها المجازاة ، وهذا كقوله تعالى ~~: ( @QUR@09 ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون ) أى : ~~ليظلوا (1). # والمعنى : لو أنك أيها الرسول الكريم وافقتهم على مقترحاتهم الفاسدة ~~لأحبوا ذلك منك ، ولصاروا أصدقاء لك في مستقبل أيامك. # وقد بين القرآن الكريم في كثير من آياته ، أن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أعرض عن مقترحاتهم ورفضها ، ولم يلتفت إليها ، ومن ذلك قوله تعالى : ( ~~@QUR@057 وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت ~~بقرآن غير هذا أو بدله ، قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي ، إن أتبع ~~إلا ما يوحى إلي ، إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم. قل لو شاء الله ما ~~تلوته عليكم ولا أدراكم به ، فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون ) (2). # ثم بين سبحانه بعض مظاهر فضله على نبيه صلى الله عليه وسلم فقال : ( ~~@QUR@010 ولو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ). PageV08P404 # أى : ولو لا تثبيتنا إياك أيها الرسول الكريم على ما أنت عليه من الحق ~~والصدق ، بأن عصمناك من كيدهم لقاربت أن تميل ميلا قليلا ، بسبب شدة ~~احتيالهم وخداعهم. # قال بعض العلماء : وهذه الآية أوضحت غاية الإيضاح ، براءة نبينا ~~صلى الله عليه وسلم من مقاربة الركون إلى الكفار ، فضلا عن نفس الركون ؛ لأن ( ~~@QUR@02 لو لا ) حرف امتناع لوجود ، فمقاربة الركون منعتها ( @QUR@02 لو لا ~~) الامتناعية لوجود التثبيت من الله تعالى لأكرم خلقه صلى الله عليه وسلم ~~فاتضح يقينا انتفاء مقاربة الركون أى الميل ، فضلا عن الركون نفسه. # وهذه الآية تبين ما قبلها ، وأنه صلى الله عليه وسلم لم يقارب الركون إليهم ~~مطلقا. لأن قوله : ( @QUR@06 لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ) أى : قاربت ~~تركن إليهم ، هو عين الممنوع بلو لا الامتناعية (1). # ومما يشهد بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقارب الركون من مقترحات ~~الكافرين ، قول ابن عباس رضى الله عنهما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~معصوما ، ولكن هذا تعريف للأمة ، لئلا يركن أحد منهم إلى المشركين في ms3584 شيء ~~من أحكام الله تعالى وشرائعه. # وعن قتادة أنه قال : لما نزلت هذه الآية ، قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~«اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين». # ثم بين سبحانه ما كان سيترتب على الركون إليهم على سبيل الفرض من عقاب ~~فقال تعالى : ( @QUR@012 إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ، ثم لا تجد ~~لك علينا نصيرا ). # والضعف : عبارة عن أن يضم إلى شيء مثله. # أى : لو قاربت أيها الرسول الكريم أن تركن إليهم أقل ركون ، أو تميل ~~إليهم أدنى ميل ، لأنزلنا بك عذابا مضاعفا في الدنيا وعذابا مضاعفا في ~~الآخرة ، ثم لا تجد لك بعد ذلك نصيرا ينصرك علينا ، أو ظهيرا يدفع عنك ~~عذابنا ، أو يحميك منه ، كما قال تعالى : ( @QUR@012 ولو تقول علينا بعض ~~الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين ). # والسبب في تضعيف العذاب ، أن الخطأ يعظم بمقدار عظم صاحبه ، ويصغر بمقدار ~~صغره ، ورحم الله القائل : # وكبائر الرجل الصغير صغائر %~% وصغائر الرجل الكبير كبائر PageV08P405 # والرسول صلى الله عليه وسلم هو أعظم الخلق على الإطلاق ، لذا توعده الله ~~تعالى بمضاعفة العذاب ، لو ركن إلى المشركين أدنى ركون. # وقريب من هذا المعنى قوله تعالى ( @QUR@017 يا نساء النبي من يأت منكن ~~بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ، وكان ذلك على الله يسيرا ) (1). # قال صاحب الكشاف : وفي ذكر الكيدودة وتقليلها ، مع إتباعها الوعيد الشديد ~~بالعذاب المضاعف في الدارين ، دليل بين على أن القبيح يعظم قبحه بمقدار عظم ~~شأن فاعله وارتفاع منزلته ، وفيه دليل على أن أدنى مداهنه للغواة ، مضادة ~~لله وخروج عن ولايته ، وسبب موجب لغضبه ونكاله. فعلى المؤمن إذا تلا هذه ~~الآيات أن يجثو عندها ويتدبرها فهي جديرة بالتدبر وبأن يستشعر الناظر فيها ~~الخشية وازدياد التصلب في دين الله (2). # ثم ذكر سبحانه مكيدة أخرى من مكايد المشركين ، وهي محاولتهم إخراج النبي ~~صلى الله عليه وسلم من بلده ، لكي يعكفوا على عبادة آلهتهم الباطلة دون أن ~~ينهاهم عن ذلك أحد ، فقال تعالى : ( @QUR@07 وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ~~ليخرجوك منها ... ). # قال الإمام ابن كثير ms3585 عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : قيل نزلت في ~~اليهود إذ أشاروا على النبي صلى الله عليه وسلم بسكنى الشام ، بلاد الأنبياء ~~وترك سكنى المدينة وهذا القول ضعيف لأن هذه الآية مكية وسكنى المدينة كان ~~بعد ذلك ... # ثم قال : وقيل نزلت في كفار قريش ، حين هموا بإخراج الرسول ~~صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم ، فتوعدهم الله تعالى بهذه الآية : وأنهم لو ~~أخرجوه لما لبثوا بعده بمكة إلا زمنا يسيرا ... (3). # وما ذهب إليه ابن كثير رحمه الله من أن الآية مكية ، هو الذي تسكن إليه ~~النفس. فيكون المعنى : ( @QUR@02 وإن كادوا ) أى : كفار مكة ( @QUR@03 ~~ليستفزونك من الأرض ) أى : ليزعجونك ويحملونك على الخروج من الأرض التي على ~~ترابها ولدت وفيها نشأت ، وهي أرض مكة. # وقوله : ( @QUR@06 وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا ) بيان لسوء مصيرهم ~~إذا ما أخرجوه صلى الله عليه وسلم من مكة. PageV08P406 # أى : ولو أنهم استفزوك وأجبروك على الخروج إجبارا ، لما لبثوا ( @QUR@01 ~~خلافك ) أى : بعد خروجك إلا زمنا قليلا ، ثم يصيبهم ما يصيبهم من الهلاك ~~والنقم. # ومع أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد خرج من مكة مهاجرا بأمر ربه إلا أنه ~~سبحانه قد مكن نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مشركي مكة في غزوة بدر ، ~~فقتلوا منهم سبعين ، وأسروا نحو ذلك ، وكانت المدة بين هجرته ~~صلى الله عليه وسلم وبين غزوة بدر تقل عن سنتين. # وهكذا حقق الله تعالى وعده لنبيه صلى الله عليه وسلم وأنزل وعيده بأعدائه. # ثم بين سبحانه أن نصرة رسله سنة من سننه التي لا تتخلف فقال : ( @QUR@011 ~~سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ، ولا تجد لسنتنا تحويلا ). # ولفظ ( @QUR@01 سنة ) منصوب على أنه مصدر مؤكد ، أى : سن الله ما قصه ~~عليك سنة ، وهذه السنة هي أننا لا نترك بدون عقاب أمة أخرجت رسولها من أرضه ~~، وقد فعلنا ذلك مع الأقوام السابقين الذين أخرجوا أنبياءهم من ديارهم ولا ~~تجد أيها الرسول الكريم لسنتنا وطريقتنا تحويلا أو تبديلا ، ولو لا أننا قد ~~منعنا عن قومك عذاب الاستئصال ms3586 لوجودك فيهم ، لأهلكناهم بسبب إيذائهم لك ، ~~وتطاولهم عليك. # قال تعالى : ( @QUR@06 وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ... ). # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا جانبا من المسالك الخبيثة التي ~~اتبعها المشركون مع النبي صلى الله عليه وسلم كما حكت لنا ألوانا من فضل الله ~~تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم حيث عصمه من أى ركون إليهم ووعده بالنصر عليهم. # ثم أرشد الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم إلى ما يعينه على التغلب على ~~كيد المشركين ، وإلى ما يزيده رفعة في الدرجة ، وبشره بأن ما معه من حق ، ~~سيزهق ما مع أعدائه من باطل فقال تعالى : # ( @QUR@014 أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن ~~الفجر كان مشهودا (78) @QUR@012 ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ~~ربك مقاما محمودا (79) @QUR@02 وقل رب PageV08P407 # @QUR@012 أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا ~~نصيرا (80) @QUR@09 وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ) (81) # قال الإمام الرازي ما ملخصه : وفي نظم هذه الآيات مع ما قبلها وجوه ، ~~الأول : أنه تعالى لما قرر الإلهيات والمعاد والنبوات ، أردفها بذكر الأمر ~~بالطاعات. وأشرف الطاعات. بعد الإيمان الصلاة ؛ فلهذا أمر بها. # الثاني : أنه تعالى لما قال : ( @QUR@07 وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ~~ليخرجوك منها ). أمره تعالى بالإقبال على عبادته لكي ينصره عليهم .. كما ~~قال تعالى : ( @QUR@018 ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون. فسبح بحمد ربك ~~وكن من الساجدين. واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ... ) (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@04 أقم الصلاة لدلوك الشمس ) أى : داوم أيها الرسول ~~الكريم على إقامة الصلاة ، من وقت زوالها وميلها عن وسط السماء لجهة الغرب. ~~يقال : دلكت الشمس تدلك بضم اللام إذا مالت وانتقلت من وسط السماء إلى ما ~~يليه. ومادة دلك تدل على التحول والانتقال. # ولذلك سمى الدلاك بهذا الاسم. لأن يده لا تكاد تستقر على مكان معين من الجسم. # وتفسير دلوك الشمس هذا بمعنى ميلها وزوالها عن كبد السماء ، مروى عن جمع ~~من الصحابة والتابعين منهم عمر بن الخطاب ، وابنه عبد ms3587 الله ، وأنس ، وابن ~~عباس ، والحسن ، ومجاهد. # وقيل المراد بدلوك الشمس هنا غروبها. وقد روى ذلك عن على ، وابن مسعود ، ~~وابن زيد. # قال بعض العلماء : والقول الأول عليه الجمهور ، وقالوا : الصلاة التي أمر ~~بها ابتداء من هذا الوقت ، هي صلاة الظهر ، وقد أيدوا هذا القول بوجوه منها ~~: ما روى عن جابر أنه قال : طعم عندي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ~~ثم خرجوا حين زالت الشمس ، فقال صلى الله عليه وسلم هذا حين دلكت الشمس. PageV08P408 # ومن الوجوه أيضا النقل عن أهل اللغة ، فقد قالوا : إن الدلوك في كلام ~~العرب : الزوال ، ولذا قيل للشمس إذا زالت. دالكة (1). # وقوله : ( @QUR@03 إلى غسق الليل ) أى : إلى شدة ظلمته. # قال القرطبي : يقال : غسق الليل غسوقا. وأصل الكلمة من السيلان. يقال : ~~غسقت العين إذ سالت تغسق. وغسق الجرح غسقانا ، أى : سال منه ماء أصفر ... ~~وغسق الليل : اجتماع الليل وظلمته. # وقال : أبو عبيدة : الغسق : سواد الليل ...» (2). # والمراد من الصلاة التي تقام من بعد دلوك الشمس إلى غسق الليل : صلاة ~~الظهر والعصر والمغرب والعشاء. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 وقرآن الفجر ) معطوف على مفعول ( @QUR@01 أقم ) ~~وهو الصلاة. # والمراد بقرآن الفجر : صلاة الفجر. وسميت قرآنا ، لأن القراءة ركن من ~~أركانها ، من تسمية الشيء باسم جزئه ، كتسمية الصلاة ركوعا وسجودا وقنوتا. # وقوله ( @QUR@05 إن قرآن الفجر كان مشهودا ) تنويه بشأن صلاة الفجر ، ~~وإعلاء من شأنها. # أى : داوم أيها الرسول الكريم على أداء صلاة الظهر والعصر والمغرب ~~والعشاء ، وداوم على صلاة الفجر أيضا فإن صلاتها مشهودة من الملائكة ومن ~~الصالحين من عباد الله عز وجل . # قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : وقد ثبتت السنة عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم تواترا من أفعاله وأقواله بتفاصيل هذه الأوقات على ما عليه ~~أهل الإسلام اليوم ، مما تلقوه خلفا عن سلف ، وقرنا بعد قرن. # روى البخاري عن أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «فضل صلاة ~~الجميع على صلاة الواحد ، خمس وعشرون درجة ، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة ~~النهار في صلاة الفجر». # يقول أبو هريرة : اقرءوا ms3588 إن شئتم : ( @QUR@07 وقرآن الفجر إن قرآن الفجر ~~كان مشهودا .... ) (3). PageV08P409 # وقال الإمام الفخر الرازي : وفي الآية احتمال ، وهو أن يكون المراد من ~~قوله تعالى : ( @QUR@05 إن قرآن الفجر كان مشهودا ) الترغيب في أن تؤدى هذه ~~الصلاة بالجماعة. ويكون المعنى : إن صلاة الفجر مشهودة بالجماعة الكثيرة» (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@06 ومن الليل ، فتهجد به نافلة لك ) إرشاد إلى عبادة ~~أخرى من العبادات التي تطهر القلب ، وتسمو بالنفس إلى مراقى الفلاح ، ~~وتعينها على التغلب على الهموم والآلام. # والجار والمجرور ( @QUR@02 ومن الليل ) متعلق بقوله ( @QUR@01 فتهجد ) ~~أى. تهجد بالقرآن بعض الليل. أو متعلق بمحذوف تقديره : وقم قومة من الليل ~~فتهجد ، و ( @QUR@01 من ) للتبعيض. # قال الجمل : والمعروف في كلام العرب أن الهجود عبارة عن النوم بالليل. ~~يقال : هجد فلان ، إذا نام بالليل. # ثم لما رأينا في عرف الشرع أنه يقال لمن انتبه بالليل من نومه وقام إلى ~~الصلاة أنه متهجد ، وجب أن يقال : سمى ذلك متهجدا من حيث أنه ألقى الهجود. ~~فالتهجد ترك الهجود وهو النوم ...» (2). # والضمير في ( @QUR@01 به ) يعود إلى القرآن الكريم ، المذكور في قوله ~~تعالى ( @QUR@02 وقرآن الفجر )، إلا أنه ذكر في الآية السابقة بمعنى ~~الصلاة ، وذكر هنا بمعناه المشهور ، ففي الكلام ما يسمى في البلاغة ~~بالاستخدام. # والنافلة : الزيادة على الفريضة ، والجمع نوافل. يقال : تنفل فلان على ~~أصحابه ، إذا أخذ زيادة عنهم. # أى : واجعل أيها الرسول الكريم جانبا من الليل ، تقوم فيه ، لتصلي صلاة ~~زائدة على الصلوات الخمس التي فرضها الله تعالى عليك وعلى أمتك. # قال تعالى : ( @QUR@018 يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا. نصفه أو انقص ~~منه قليلا. أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا ). # قالوا : وقيام الليل كان واجبا في حقه صلى الله عليه وسلم بصفة خاصة ، زيادة ~~على الصلاة المفروضة. PageV08P410 # أخرج البيهقي في سننه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «ثلاث هن ~~على فرائض ، وهن لكم سنة : الوتر ، والسواك ، وقيام الليل». # ومن العلماء من يرى أن قيام الليل كان مندوبا في حقه صلى الله عليه وسلم كما ~~هو الشأن في أمته ، ومعنى ( @QUR@02 نافلة ms3589 لك ) أى : زيادة في رفع درجاتك ، ~~فإن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، أما غيرك فقد شرعنا له ~~النافلة تكفيرا لخطاياه. # وقوله عز وجل : ( @QUR@06 عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) بيان لما يترتب ~~على أدائه للصلوات بخشوع وخضوع ، من سمو في المكانة ، ورفعة في الدرجة. # وكلمة عسى في كلام العرب تفيد التوقع ، أما في كلام الله تعالى فتفيد ~~الوجوب والقطع. # قال الجمل : اتفق المفسرون على أن كلمة ( @QUR@01 عسى ) من الله تعالى ~~تدخل فيما هو قطعى الوقوع ، لأن لفظ عسى يفيد الإطماع ، ومن أطمع إنسانا في ~~شيء ، ثم حرمه ، كان عارا عليه والله تعالى أكرم من أن يطمع أحدا ثم لا ~~يعطيه ما أطمعه فيه». # أى : داوم أيها الرسول الكريم على عبادة الله وطاعته لنبعثك يوم القيامة ~~ونقيمك مقاما محمودا ، ومكانا عاليا ، يحمدك فيه الخلائق كلهم. # والمراد بالمقام المحمود هنا ، هو مقام الشفاعة العظمى يوم القيامة. ~~ليريح الناس من الكرب الشديد ، في موقف الحساب. # وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث في هذا ~~منها : ما أخرجه البخاري عن ابن عمر قال : إن الناس يصيرون يوم القيامة جثا ~~جمع جثوة كخطوة وخطا أى جماعات كل أمة تتبع نبيها ، يقولون : يا فلان اشفع ~~، يا فلان اشفع ، حتى تنتهي الشفاعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، فذلك يوم ~~يبعثه الله مقاما محمودا». # وروى الإمام أحمد والترمذي عن أبى بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~«إذا كان يوم القيامة ، كنت إمام الأنبياء وخطيبهم. وصاحب شفاعتهم غير فخر». # وروى ابن جرير عن أبى هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله تعالى ~~: ( @QUR@06 عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) فقال : «هو المقام الذي أشفع ~~لأمتى فيه» (1). # وقال الآلوسى : والمراد بذلك المقام ، مقام الشفاعة العظمى في فصل القضاء ~~حيث لا أحد PageV08P411 # إلا وهو تحت لوائه صلى الله عليه وسلم ، فقد أخرج البخاري وغيره عن ابن عمر ~~قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ms3590 يقول : إن الشمس لتدنو حتى يبلع ~~العرق نصف الأذن ، فبينما هم كذلك ، استغاثوا بآدم ، فيقول : لست بصاحب ذلك ~~، ثم موسى فيقول كذلك. ثم محمد فيشفع فيقضى الله تعالى بين الخلق ، فيمشى ~~صلى الله عليه وسلم حتى يأخذ بحلقة باب الجنة ، فيومئذ يبعثه الله تعالى مقاما ~~محمودا ، يحمده أهل الجمع كلهم» (1). # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يكثر من اللجوء إليه عن ~~طريق الدعاء ، بعد أن أمره بذلك عن طريق المداومة على الصلاة ، فقال تعالى ~~: ( @QUR@014 وقل رب أدخلني مدخل صدق ، وأخرجني مخرج صدق ، واجعل لي من ~~لدنك سلطانا نصيرا ). # والمدخل والمخرج يضم الميم فيهما مصدران بمعنى الإدخال والإخراج ، فهما ~~كالمجرى والمرسى وإضافتهما إلى الصدق من إضافة الموصوف لصفته. # قال الآلوسى : واختلف في تعيين المراد من ذلك ، فأخرج الزبير بن بكار عن ~~زيد بن أسلم ، أن المراد : بالإدخال : دخول المدينة ، وبالإخراج : الخروج ~~من مكة ، ويدل عليه ما أخرجه أحمد ، والطبراني ، والترمذي وحسنه ، والحاكم ~~وصححه ، وجماعة ، عن ابن عباس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ، ثم ~~أمر بالهجرة ، فأنزل الله تعالى عليه هذه الآية. وبدأ بالإدخال لأنه الأهم ... # ثم قال : والأظهر أن المراد إدخاله عليه الصلاة والسلام إدخالا مرضيا في ~~كل ما يدخل فيه ويلابسه من مكان أو أمر ، وإخراجه من كل ما يخرج منه خروجا ~~مرضيا كذلك ، فتكون الآية عامة في جميع الموارد والمصادر ...» (2). # ويبدو لنا أن المعنى الذي أشار إليه الآلوسى رحمه الله بأنه الأظهر ، هو ~~الذي تسكن إليه النفس ، ويدخل فيه غيره دخولا أوليا ، ويكون المعنى : # وقل أيها الرسول الكريم متضرعا إلى ربك : يا رب أدخلنى إدخالا مرضيا ~~صادقا في كل ما أدخل فيه من أمر أو مكان ، وأخرجنى كذلك إخراجا طيبا صادقا ~~من كل أمر أو مكان. # والمراد بالسلطان في قوله تعالى : ( @QUR@06 واجعل لي من لدنك سلطانا ~~نصيرا ) الحجة البينة الواضحة التي تقنع العقول ، والقوة الغالبة التي ترهب ~~المبطلين. PageV08P412 # أى : واجعل لي يا إلهى من عندك حجة تنصرني بها على من خالفني ، وقوة ms3591 ~~تعينني بها على إقامة دينك ، وإزالة الشرك والكفر. # وقد وضح صاحب الكشاف هذا المعنى فقال : قوله : ( @QUR@06 واجعل لي من ~~لدنك سلطانا نصيرا ) أى : حجة تنصرني على من خالفني ، أو ملكا وعزا قويا ~~ناصرا للإسلام على الكفر ، مظهرا له عليه ، فأجيبت دعوته بقوله : # ( @QUR@016 والله يعصمك من الناس فإن حزب الله هم الغالبون ليظهره على ~~الدين كله* ليستخلفنهم في الأرض ). ووعده لينزعن ملك فارس والروم فيجعله له. # وعنه صلى الله عليه وسلم أنه استعمل «عتاب بن أسيد» على أهل مكة وقال : ~~انطلق فقد استعملتك على أهل الله ، فكان شديدا على المريب. لينا على المؤمن ~~، وقال : لا والله لا أعلم متخلفا يتخلف عن الصلاة في جماعة إلا ضربت عنقه ~~، فإنه لا يتخلف عن الصلاة إلا منافق. فقال أهل مكة : يا رسول الله لقد ~~استعملت على أهل الله «عتاب بن أسيد» أعرابيا جافيا. # فقال صلى الله عليه وسلم : «إنى رأيت فيما يرى النائم كأن عتاب بن أسيد أتى ~~باب الجنة ، فأخذ بحلقة الباب فقلقلها قلقالا شديدا ، حتى فتح له فدخلها ، ~~فأعز الله به الإسلام لنصرته المسلمين على من يريد ظلمهم ، فذلك السلطان ~~النصير» (1). # وقال ابن كثير بعد أن ساق بعض الأقوال في معنى الآية الكريمة قوله : ( ~~@QUR@06 واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا ) قال الحسن البصري في تفسيرها : ~~وعده ربه لينزعن ملك فارس والروم وليجعلنه له. # وقال قتادة فيها : إن نبي الله علم أن لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان. ~~فسأل سلطانا نصيرا لكتاب الله. ولحدود الله ، ولفرائض الله ، ولإقامة دين ~~الله ، فإن السلطان رحمة من الله جعله بين أظهر عباده ، ولو لا ذلك لأغار ~~بعضهم على بعض فأكل شديدهم ضعيفهم ... # ثم قال ابن كثير : واختار ابن جرير قول الحسن وقتادة ، وهو الأرجح ، لأنه ~~لا بد مع الحق من قهر لمن عاداه وناوأه ، ولهذا يقول تعالى : ( @QUR@018 ~~لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ، وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط ، وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ... ). PageV08P413 # وفي الحديث (1): «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» ms3592 أى : ليمنع ~~بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام ، ما لا يمتنع كثير من الناس عن ~~ارتكابه بالقرآن وما فيه من الوعيد الأكيد ، والتهديد الشديد ، وهذا هو ~~الواقع» (2). # وفي قوله تعالى : ( @QUR@04 واجعل لي من لدنك ) تصوير بديع لشدة القرب ~~والاتصال بالله تعالى واستمداد العون منه سبحانه مباشرة ، واللجوء إلى حماه ~~بدون وساطة من أحد. # ثم بشره سبحانه بأن النصر له آت لا ريب فيه فقال تعالى ( @QUR@09 وقل جاء ~~الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ). # والحق في لغة العرب : الشيء الثابت الذي ليس بزائل ولا مضمحل. والباطل ~~على النقيض منه. # والمراد بالحق هنا : حقائق الإسلام وتعاليمه التي جاء بها النبي ~~صلى الله عليه وسلم من عند ربه عز وجل . # والمراد بالباطل : الشرك والمعاصي التي ما أنزل الله بها من سلطان ، ~~والمراد بزهوقه : ذهابه وزواله. يقال : فلان زهقت روحه ، إذا خرجت من جسده ~~وفارق الحياة. # أى : وقل أيها الرسول الكريم على سبيل الشكر لربك ، والاعتراف له بالنعمة ~~، والاستبشار بنصره ، قل : جاء الحق الذي أرسلنى به الله تعالى وظهر على كل ~~ما يخالفه من شرك وكفر ، وزهق الباطل ، واضمحل وجوده وزالت دولته ، إن ~~الباطل كان زهوقا ، أى : كان غير مستقر وغير ثابت في كل وقت. كما قال تعالى ~~: ( @QUR@015 قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب. قل جاء الحق وما يبدئ ~~الباطل وما يعيد ) (3). # وكما قال سبحانه : ( @QUR@09 بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو ~~زاهق ... ) (4). # وقد ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآية أحاديث منها : ما أخرجه الشيخان ~~عن ابن مسعود رضى الله عنه قال : دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة عند فتحها ~~وحول البيت ستون وثلاثمائة صنم. فجعل يطعنها بعود في يده ويقول ( @QUR@08 ~~جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ) ( @QUR@08 قل جاء الحق وما يبدئ ~~الباطل وما يعيد ). PageV08P414 # وأخرج ابن أبى شيبة وأبو يعلى وابن المنذر عن جابر قال : دخلنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مكة ، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما ، فأمر بها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكبت ms3593 على وجهها. وقال ( @QUR@08 جاء الحق وزهق ~~الباطل إن الباطل كان زهوقا ) (1). # وقال القرطبي : في هذه الآية دليل على كسر نصب المشركين ، وجميع الأوثان ~~إذا غلب عليهم ، ويدخل بالمعنى كسر آلة الباطل كله ، وما لا يصلح إلا ~~لمعصية الله كالطنابير والعيدان والمزامير التي لا معنى لها إلا اللهو بها ~~عن ذكر الله تعالى .. (2). # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد أمرت المسلمين في شخص نبيهم ~~صلى الله عليه وسلم بالمداومة على كل ما يقربهم من الله تعالى ، ولا سيما ~~الصلاة التي هي صلة بين العبد وربه ، وبشرت النبي صلى الله عليه وسلم بمنحه ~~المقام المحمود من ربه عز وجل ، وبأن ما معه من حق وصدق ، سيزهق ما مع ~~أعدائه من باطل وكذب ، فإن سنة الله تعالى قد اقتضت أن تكون العاقبة ~~للمتقين. # ثم مدح سبحانه القرآن الكريم الذي أنزله على قلب نبيه محمد ~~صلى الله عليه وسلم وبين أحوال الإنسان في حالتي اليسر والعسر ، والرخاء ~~والشدة ، وأن كل إنسان يعمل في هذه الدنيا على حسب طبيعته ونيته وميوله ، ~~فقال تعالى : # ( @QUR@013 وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين ~~إلا خسارا (82) @QUR@012 وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا ~~مسه الشر كان يؤسا (83) @QUR@011 قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو ~~أهدى سبيلا ) (84) PageV08P415 # قال الفخر الرازي رحمه الله : اعلم أنه تعالى لما أطنب في شرح الإلهيات ~~والنبوات ، والحشر والمعاد والبعث ، وإثبات القضاء والقدر ، ثم أتبعه ~~بالأمر بالصلاة ، ونبه على ما فيها من الأسرار ، وإنما ذكر كل ذلك في ~~القرآن ، أتبعه ببيان كون القرآن شفاء ورحمة. فقال تعالى : ( @QUR@08 وننزل ~~من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين .. ). # ثم قال : ولفظة ( @QUR@01 من ) هاهنا ليست للتبعيض ، بل هي للجنس كقوله : ~~( @QUR@04 فاجتنبوا الرجس من الأوثان ). # والمعنى : وننزل من هذا الجنس الذي هو قرآن ما هو شفاء ، فجميع القرآن ~~شفاء ورحمة للمؤمنين (1). # ومما لا شك فيه ، أن قراءة القرآن ، والعمل بأحكامه وآدابه وتوجيهاته .. ~~شفاء للنفوس من الوسوسة ، والقلق ، والحيرة ، والنفاق ، والرذائل المختلفة ~~، ورحمة للمؤمنين ms3594 من العذاب الذي يحزنهم ويشقيهم. # إنه شفاء ورحمة لمن خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان ، فأشرقت بنور ربها ، ~~وتفتحت لتلقى ما في القرآن من هدايات وإرشادات. # إنه شفاء للنفوس من الأمراض القلبية كالحسد والطمع والانحراف عن طريق ~~الحق ، وشفاء لها من الأمراض الجسمانية. # قال القرطبي عند تفسيره لهذه الآية : اختلف العلماء في كونه أى القرآن ~~شفاء على قولين : # أحدهما : أنه شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها وإزالة الريب ، ولكشف غطاء ~~القلب من مرض الجهل. # الثاني : أنه شفاء من الأمراض الظاهرة بالرقى والتعوذ ونحوه ، وقد روى ~~الأئمة واللفظ للدارقطنى عن أبى سعيد الخدري قال : بعثنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في سرية ثلاثين راكبا. قال : فنزلنا على قوم من العرب ~~فسألناهم أن يضيفونا فأبوا. قال : فلدغ سيد الحي ، فأتونا فقالوا : أفيكم ~~أحد يرقى من العقرب؟ قال : قلت : أنا نعم ، ولكن لا أفعل حتى تعطونا فقالوا ~~: فإنا نعطيكم ثلاثين شاة. قال : فقرأت عليه ( @QUR@04 الحمد لله رب ~~العالمين ) سبع مرات فبرئ. فبعثوا إلينا بالنزل وبعثوا إلينا بالشاء. ~~فأكلنا الطعام أنا وأصحابى ، وأبوا PageV08P416 # أن يأكلوا من الغنم ، حتى أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته الخبر ~~، فقال «ما يدريك أنها رقية»؟ قلت : يا رسول الله ، شيء ألقى في روعي. قال ~~: «كلوا وأطعمونا من الغنم» (1). # والذي تطمئن إليه النفس أن قراءة القرآن الكريم ، والعمل بما فيه من ~~هدايات وإرشادات وتشريعات .. كل ذلك يؤدى بإذن الله تعالى إلى الشفاء من ~~أمراض القلوب ومن أمراض الأجسام. # قال بعض العلماء : وقوله تعالى في هذه الآية ( @QUR@03 ما هو شفاء ) يشمل ~~كونه شفاء للقلب من أمراضه ، كالشك والنفاق وغير ذلك. وكونه شفاء للأجسام ~~إذا رقى عليه به ، كما تدل له قصة الذي رقى الرجل اللديغ بالفاتحة ، وهي ~~صحيحة مشهورة» (2). # وبعد أن بين سبحانه أثر القرآن بالنسبة للمؤمنين ، أتبع ذلك ببيان أثره ~~بالنسبة للظالمين ، فقال : ( @QUR@05 ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ). # أى : ولا يزيد ما ننزله من قرآن الظالمين إلا خسارا وهلاكا ، بسبب عنادهم ~~وجحودهم للحق بعد إذ تبين. # قال الآلوسى : وإسناد الزيادة ms3595 المذكورة إلى القرآن. مع أنهم المزدادون في ~~ذلك لسوء صنيعهم ، باعتباره سببا لذلك ، وفيه تعجيب من أمره من حيث كونه ~~مدارا للشفاء والشقاء. # كماء صار في الأصداف درا %~% وفي ثغر الأفاعى صار سما (3) # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@030 وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من ~~يقول أيكم زادته هذه إيمانا ، فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم ~~يستبشرون. وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم ~~كافرون ) (4). # وقوله تعالى ( @QUR@020 قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ، والذين لا يؤمنون ~~في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد ) (5). # ثم صور سبحانه حال الإنسان عند اليسر والعسر ، وعند الرخاء والشدة فقال PageV08P417 # تعالى : ( @QUR@012 وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه ، وإذا مسه ~~الشر كان يؤسا ). # أى : ( @QUR@04 وإذا أنعمنا على الإنسان ) بنعمة الصحة والغنى وما ~~يشبههما مما يسره ويبهجه ( @QUR@01 أعرض ) عن طاعتنا وشكرنا ( @QUR@02 ونأى ~~بجانبه ) أى : وابتعد عنا ، وولانا ظهره والنأى : البعد ، يقال : مكان ناء ~~، أى بعيد ، ونأى فلان عن الشيء نأيا : إذا ابتعد عنه. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 نأى بجانبه ) تأكيد للإعراض ، لأن الإعراض عن ~~الشيء أن يوليه عرض وجهه ، والنأى بالجانب : أن يلوى عنه عطفه ، ويوليه ~~ظهره ، ويظهر الاستكبار والغرور. وقوله تعالى : ( @QUR@05 وإذا مسه الشر ~~كان يؤسا ) أى : وإذا مس الشر هذا الإنسان من فقر أو مرض ، كان يئوسا ~~وقنوطا من رحمه الله تعالى . # فهو في حالة الصحة والغنى يبطر ويتكبر ويطغى. وفي حالة الفقر والمرض ييئس ~~ويقنط ويستولى عليه الحزن والهم. # والمراد بالإنسان هنا جنسه ، إذ ليس جميع الناس على هذه الحالة ، وإنما ~~منهم المؤمنون الصادقون الذين يشكرون الله تعالى على نعمه ، ويذكرونه ~~ويطيعونه في السراء والضراء. # قال تعالى : ( @QUR@034 ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ~~ليؤس كفور. ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه ~~لفرح فخور. إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير ) (1). # فأنت ترى أن الله تعالى قد استثنى الذين صبروا وعملوا الصالحات ، من ~~رذيلة الجحود عند اليسر ، واليأس ms3596 عند العسر. # قال الآلوسى ما ملخصه : والمراد بالإنسان في قوله تعالى ( @QUR@07 وإذا ~~أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه ... ) جنسه ، إذ يكفى في صحة الحكم ~~وجوده في بعض الأفراد ، ولا يضر وجود نقيض في البعض الآخر ، وقيل : المراد ~~به الوليد بن المغيرة». # وفي إسناد المساس إلى الشر بعد إسناد الإنعام إلى ضميره تعالى إيذان بأن ~~الخير مراد بالذات ، والشر ليس كذلك لأن ذلك هو الذي يقتضيه الكرم المطلق ، ~~والرحمة الواسعة ، وإلى PageV08P418 # ذلك الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم : «اللهم إن الخير بيديك والشر ليس ~~إليك» (1). # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@011 لا يسأم الإنسان من دعاء الخير ~~وإن مسه الشر فيؤس قنوط ) (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@015 وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها ، وإن تصبهم ~~سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون ) (3). # ثم بين سبحانه أنه لا يخفى عليه شيء من أحوال الناس وأعمالهم فقال : ( ~~@QUR@011 قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا ). # والتنوين في قوله ( @QUR@01 كل ) عوض عن المضاف إليه. أى : كل فرد. # وقوله : ( @QUR@01 شاكلته ): أى : طريقته ومذهبه الذي يشاكل ويناسب حاله ~~في الهداية أو الضلالة. مأخوذ من قولهم : طريق ذو شواكل ، وهي الطرق التي ~~تتشعب منه وتتشابه معه في الشكل ، فسميت عادة المرء بها ، لأنها تشاكل حاله. # قال القرطبي قوله ( @QUR@05 قل كل يعمل على شاكلته ) قال ابن عباس : على ~~ناحيته. وقال مجاهد : على طبيعته. # وقال قتادة : على نيته وقال ابن زيد : على دينه. وقال الفراء : على ~~طريقته ومذهبه الذي جبل عليه .. # وقيل : هو مأخوذ من الشكل. يقال : لست على شكلي ولا شاكلتى. فالشكل : هو ~~المثل والنظير ، كقوله تعالى : ( @QUR@04 وآخر من شكله أزواج ). # والشكل بكسر الشين الهيئة. يقال : جارية حسنة الشكل. أى الهيئة. وهذه ~~الأقوال كلها متقاربة (4). # والمعنى : قل أيها الرسول الكريم للناس : كل واحد منكم أيها الناس يعمل ~~على شاكلته وطريقته التي تشاكل حاله ، وتناسب اتجاهه ، وتتلاءم مع سلوكه ~~وعقيدته ، فربكم PageV08P419 # الذي خلقكم وتعهدكم بالرعاية ، أعلم بمن هو أهدى سبيلا ، وأقوم طريقا ، ~~وسيجازى سبحانه الذين أساءوا بما عملوا ويجازى الذين ms3597 أحسنوا بالحسنى. # فالآية الكريمة تبشر أصحاب النفوس الطاهرة والأعمال الصالحة ، بالعاقبة ~~الحميدة ، وتهدد المنحرفين عن طريق الحق ، المتبعين لخطوات الشيطان ، بسوء ~~المصير ، لأن الله تعالى لا تخفى عليه خافية ، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه ~~( @QUR@012 فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ). # ثم ذكر سبحانه بعد ذلك جانبا من الأسئلة التي كانت توجه إلى الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ، كما ذكر الإجابة عليها لكي يجابه النبي صلى الله عليه وسلم ~~بها السائلين ، فقال تعالى : # ( @QUR@014 ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم ~~إلا قليلا (85) @QUR@013 ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك ~~به علينا وكيلا (86) @QUR@09 إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا (87) ~~@QUR@019 قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون ~~بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (88) @QUR@014 ولقد صرفنا للناس في هذا ~~القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا ) (89) # ذكر المفسرون في سبب نزول قوله تعالى : ( @QUR@03 ويسئلونك عن الروح ) ~~روايات منها : ما أخرجه الشيخان عن عبد الله بن مسعود قال : بينما أنا أمشى ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث وهو متوكئ على عسيب أى على عصا إذ مر ~~اليهود ، فقال بعضهم لبعض : سلوه عن الروح ، فقالوا : يا محمد ما لروح؟ ~~فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليهم شيئا ، فعلمت أنه يوحى إليه ، ~~فقمت مقامي ، فلما نزل الوحى قال : ( @QUR@04 ويسئلونك عن الروح قل PageV08P420 # @QUR@04 الروح من أمر ربي ... ). # قال الإمام ابن كثير بعد أن ذكر هذه الرواية وغيرها : وهذا السياق يقتضى ~~فيما يظهر بادى الرأى ، أن هذه الآية مدنية ، وأنها نزلت حين سأله اليهود ~~عن ذلك بالمدينة ، مع أن السورة كلها مكية. # وقد يجاب عن هذا بأنه قد تكون نزلت عليه بالمدينة مرة ثانية ، كما نزلت ~~عليه بمكة قبل ذلك. أو أنه نزل عليه الوحى بأنه يجيبهم عما سألوه بالآية ~~المتقدم إنزالها عليه ، وهي هذه الآية : ( @QUR@03 ويسئلونك عن الروح ... ). # ومما ms3598 يدل على نزول هذه الآية بمكة ما أخرجه الإمام أحمد عن ابن عباس قال ~~: قالت قريش ليهود. أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل؟ فقالوا : سلوه عن ~~الروح ، فسألوه فنزلت : ويسألونك عن الروح .. الآية» (1). # وكلمة الروح تطلق في القرآن الكريم على أمور منها : # الوحى ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@09 يلقي الروح من أمره على من يشاء ~~من عباده ... ) (2). # ومنها : القوة والثبات كما في قوله تعالى : ( @QUR@08 أولئك كتب في ~~قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ... ) (3). # ومنها : جبريل ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@09 نزل به الروح الأمين. على ~~قلبك لتكون من المنذرين ... ) (4). # ومنها : القرآن كما في قوله سبحانه : ( @QUR@06 وكذلك أوحينا إليك روحا ~~من أمرنا ... ) (5). # ومنها : عيسى ابن مريم ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@013 إنما المسيح ~~عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ... ) (6). PageV08P421 # وجمهور العلماء على أن المراد بالروح في قوله تعالى : ( @QUR@03 ويسئلونك ~~عن الروح ... ) ما يحيا به بدن الإنسان ، وبه تكون حياته ، وبمفارقته للجسد ~~يموت الإنسان ، وأن السؤال إنما هو عن حقيقة الروح ، إذ معرفة حقيقة الشيء. ~~تسبق معرفة أحواله. # وقيل المراد بالروح هنا : القرآن الكريم ، وقيل : جبريل ، وقيل : عيسى ~~إلى غير ذلك من الأقوال التي أوصلها بعضهم إلى أكثر من عشرة أقوال. # ويبدو لنا أن ما ذهب إليه جمهور المفسرين ، أولى بالاتباع ، لأن قوله ~~تعالى بعد ذلك : ( @QUR@05 قل الروح من أمر ربي ) يؤيد هذا الاتجاه. # قال الآلوسى : الظاهر عند المنصف ، أن السؤال كان عن حقيقة الروح الذي هو ~~مدار البدن الإنسانى ، ومبدأ حياته ، لأن ذلك من أدق الأمور التي لا يسع ~~أحدا إنكارها ، ويشرئب الجميع إلى معرفتها ، وتتوافر دواعي العقلاء إليها ، ~~وتكل الأذهان عنها ، ولا تكاد تعلم إلا بوحي ..» (1). # و ( @QUR@01 من ) في قوله : ( @QUR@05 قل الروح من أمر ربي ) بيانية. ~~والمراد بالأمر هنا. الشأن. # والمعنى : ويسألك بعض الناس أيها الرسول عن حقيقة الروح ، قل لهم على ~~سبيل الإرشاد والزجر : الروح شيء من جنس الأشياء التي استأثر الله تعالى ~~وحده بعلم حقيقتها وجوهرها. # وقال سبحانه : ( @QUR@02 قل الروح ) بالإظهار ، لكمال العناية بشأن ~~المسئول عنه. # وإضافة ms3599 كلمة ( @QUR@01 أمر ) إلى لفظ الرب عز وجل ، من باب الاختصاص ~~العلمي ، إذ الرب وحده هو العليم بشأنها ، وليس من باب الاختصاص الوجودي ، ~~لأن الروح وغيرها من مخلوقات الله تعالى . # وفي هذه الإضافة ما فيها من تشريف المضاف ، حيث أضيف هذا الأمر إلى الله ~~تعالى وحده. # قال القرطبي : وقوله تعالى ( @QUR@05 قل الروح من أمر ربي ) دليل على خلق ~~الروح ، أى : هو أمر عظيم ، وشأن كبير من أمر الله تعالى ، مبهما له وتاركا ~~تفصيله ، ليعرف الإنسان على القطع عجزه عن علم حقيقة نفسه مع العلم ~~بوجودها. وإذا كان الإنسان في PageV08P422 # معرفة نفسه هكذا ، كان عجزه عن إدراك حقيقة الحق أولى. وحكمة ذلك تعجيز ~~العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له ، دلالة على أنه عن إدراك خالقه أعجز (1). # وقوله : ( @QUR@06 وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) من جملة الجواب الذي ~~أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرد به على السائلين عن حقيقة الروح. # أى : وما أوتيتم أيها السائلون عن الروح من العلم إلا علما قليلا ، ~~بالنسبة إلى علمه تعالى الذي وسع كل شيء ، ولا يخفى عليه شيء. # وإن علمكم مهما كثر فإنه لا يمكنه أن يتعلق بحقيقة الروح وأحوالها ، لأن ~~ذلك شيء استأثر الله تعالى به وحده ، واقتضت حكمته عز وجل أن يجعله فوق ~~مستوى عقولكم. # قال صاحب الظلال عند تفسيره لهذه الآية : والمنهج الذي سار عليه القرآن ~~وهو المنهج الأقوم أن يجيب الناس عما هم في حاجة إليه ، وما يستطيع إدراكهم ~~البشرى بلوغه ومعرفته ، فلا يبدد الطاقة العقلية التي وهبها الله لهم فيما ~~لا ينتج ولا يثمر ، وفي غير مجالها الذي تملك وسائله ، وبعضهم عند ما سأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح ، أمره الله أن يجيبهم بأن الروح من أمره ~~سبحانه ... # وليس في هذا حجر على العقل البشرى أن يعمل ، ولكن فيه توجيها لهذا العقل ~~أن يعمل في حدوده ، وفي مجاله الذي يدركه. # والروح غيب من غيب الله لا يدركه سواه .. ولقد أبدع الإنسان في هذه الأرض ~~ما ms3600 أبدع ، ولكنه وقف حسيرا أمام ذلك السر اللطيف الروح لا يدرى ما هو؟ ولا ~~كيف جاء؟ ولا كيف يذهب؟ ولا أين كان ولا أين يكون ، إلا ما يخبر به العليم ~~الخبير في التنزيل» (2). # وقال بعض العلماء : وفي هذه الآية ما يزجر الخائضين في شأن الروح ، ~~المتكلفين لبيان ماهيته ، وإيضاح حقيقته ، أبلغ زجر ، ويردعهم أعظم ردع ، ~~وقد أطالوا المقال في هذا البحث ، بما لا يتسع له المقام ، وغالبه ، بل كله ~~من الفضول الذي لا يأتى بنفع في دين أو دنيا .. # فقد استأثر الله تعالى بعلم الروح ، ولم يطلع عليه أنبياءه ، ولم يأذن ~~لهم بالسؤال عنه ، PageV08P423 # ولا البحث عن حقيقته ، فضلا عن أممهم المقتدين بهم ...» (1). # ثم بين سبحانه مظهرا من مظاهر قدرته ، بعد أن بين أن الروح من أمره ، ~~فقال تعالى : ( @QUR@013 ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك ~~به علينا وكيلا ). # واللام في قوله ( @QUR@02 ولئن شئنا ... ) موطئة لقسم محذوف ، جوابه ( ~~@QUR@01 لنذهبن ). # أى : والله لئن شئنا لنذهبن بهذا القرآن الذي أوحيناه إليك أيها الرسول ~~الكريم ، بحيث نزيله عن صدرك ، ومن صدور أتباعك ، ونمحوه من الصحف حتى لا ~~يبقى له أثر إذ أن قدرتنا لا يعجزها ، ولا يحول دون تنفيذ ما نريده حائل .. # ثم لا تجد لك بعد ذلك من يكون وكيلا عنا في رد القرآن إليك بعد ذهابه ~~ومحوه ، ومن يتعهد بإعادته بعد رفعه وإزالته. # قال الآلوسى : وعبر عن القرآن بالموصول في قوله ( @QUR@03 بالذي أوحينا ~~إليك )، تفخيما لشأنه ، ووصفا له بما في حيز الصلة ابتداء ، إعلاما بحاله ~~من أول الأمر ، وبأنه ليس من قبيل كلام المخلوق ...» (2). # وقوله : ( @QUR@04 إلا رحمة من ربك ) استثناء واستدراك على قوله : ( ~~@QUR@04 لنذهبن بالذي أوحينا إليك .. ). # أى : والله إن شئنا إذهاب القرآن من صدرك لأذهبناه ، دون أن تجد أحدا ~~يرده عليك ، لكننا لم نشأ ذلك بل أبقيناه في صدرك رحمة من ربك. # قال الجمل : وفي هذا الاستثناء قولان : أحدهما : أنه استثناء متصل : لأن ~~الرحمة تندرج في قوله ( @QUR@01 وكيلا ). # أى : إلا رحمة منا فإنها إن نالتك فلعلها تسترده ms3601 عليك والثاني : أنه ~~منقطع ، فيتقدر بلكن أو ببل ، و ( @QUR@02 من ربك ) يجوز أن يتعلق بمحذوف ~~صفة لرحمة أى لكن رحمة ربك تركته غير مذهوب به (3). # وقوله ( @QUR@05 إن فضله كان عليك كبيرا ) بيان لما امتن الله به على ~~نبيه صلى الله عليه وسلم . # أى : إن فضله كان عليك كبيرا ، حيث أنزل القرآن عليك ، وأبقاه في صدرك دون أن PageV08P424 # يزيله منه ، وجعلك سيد ولد آدم ، وخاتم رسله ، وأعطاك المقام المحمود يوم ~~القيامة. # قال صاحب الكشاف : وهذا امتنان عظيم من الله تعالى ببقاء القرآن محفوظا ، ~~بعد المنة العظيمة في تنزيله وتحفيظه. فعلى كل ذي علم أن لا يغفل عن هاتين ~~المنتين والقيام بشكرهما. وهما منة الله عليه بحفظه العلم ، ورسوخه في صدره ~~، ومنته عليه في بقاء المحفوظ» (1). # ثم أمر الله تعالى نبيه أن يتحدى المشركين بهذا القرآن فقال تعالى : ( ~~@QUR@019 قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون ~~بمثله ، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ). # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء المشركين الذين قالوا كما حكى الله ~~عنهم ( @QUR@05 لو نشاء لقلنا مثل هذا )، قل لهم على سبيل التحدي والتعجيز ~~: والله لئن اجتمعت الإنس والجن ، واتفقوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ، ~~الذي أنزله الله تعالى من عنده على قلبي .. لا يستطيعون ذلك. ولو كان بعضهم ~~لبعض مظاهرا ومعينا ومناصرا ، في تحقيق ما يتمنونه من الإتيان بمثله. # وخص سبحانه «الإنس والجن» بالذكر ، لأن المنكر كون القرآن من عند الله ، ~~من جنسهما لا من جنس غيرهما كالملائكة مثلا ، فإنهم عباد مكرمون لا يعصون ~~الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، ولأن التحدي إنما هو للإنس والجن الذين ~~أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم ، لهدايتهم إلى الصراط المستقيم. # وقال سبحانه : ( @QUR@03 لا يأتون بمثله ) فأظهر في مقام الإضمار ، ولم ~~يكتف بأن يقول : لا يأتون به ، لدفع توهم أن يتبادر إلى الذهن أن له مثلا ~~معينا ، وللإشعار بأن المقصود نفى المثل على أى صفة كانت هذه المثلية ، ~~سواء أكانت في بلاغته ، أم في حسن نظمه ms3602 ، أم في إخباره عن المغيبات ، أم في ~~غير ذلك من وجوه إعجازه. # وقوله : ( @QUR@05 ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) معطوف على مقدر ، أى : لا ~~يستطيعون الإتيان بمثله لو لم يكن بعضهم ظهيرا ونصيرا لبعض ، ولو كان بعضهم ~~ظهيرا ونصيرا لبعض لما استطاعوا أيضا. # والمقصود أنهم لا يستطيعون الإتيان بمثله على أية حال من الأحوال ؛ وبأية ~~صورة من PageV08P425 # الصور ، لأنه متى انتفى إتيانهم بمثله مع المظاهرة والمعاونة ، انتفى من ~~باب الأولى الإتيان بمثله مع عدمهما. وقوله : ( @QUR@01 لبعض ) متعلق بقوله ~~( @QUR@01 ظهيرا ). # ولقد بين سبحانه في آيات أخرى أنهم لن يستطيعوا الإتيان بعشر سور من مثله ~~، بل بسورة واحدة من مثله. # قال تعالى : ( @QUR@018 أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ~~، وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ) (1). # وقال سبحانه : ( @QUR@020 وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا ~~بسورة من مثله ، وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ) (2). # ومع عجز المشركين عن الإتيان بسورة من مثل القرآن الكريم إلا أنهم ~~استمروا في طغيانهم يعمهون ، وأبوا التذكر والتدبر ، ولقد صور سبحانه ~~أحوالهم أكمل تصوير فقال : ( @QUR@014 ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من ~~كل مثل ، فأبى أكثر الناس إلا كفورا ). # أى : ولقد صرفنا وكررنا ونوعنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ، أى : من ~~كل معنى بديع ، هو كالمثل في بلاغته ، وإقناعه للنفوس ، وشرحه للصدور ، ~~واشتماله على الفوائد الجملة ... # ومفعول : ( @QUR@01 صرفنا ) محذوف ، والتقدير : ولقد صرفنا الهدايات ~~والعبر بوجوه متعددة .. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 فأبى أكثر الناس إلا كفورا ) بيان لموقف ~~الفاسقين عن أمر ربهم من هدايات القرآن الكريم وتوجيهاته ، وأوامره ~~ونواهيه. # أى : فأبى أكثر الناس الاستجابة لهديه ، وامتنعوا عن الإيمان بأنه من عند ~~الله تعالى وجحدوا آياته وإرشاداته ، وعموا وصموا عن الحق الذي جاءهم به من ~~نزل عليه القرآن ، وهو رسول لله صلى الله عليه وسلم . # وقال سبحانه : ( @QUR@03 فأبى أكثر الناس ) بالإظهار في مقام الإضمار ، ~~للتأكيد والتوضيح. # والمراد بأكثر الناس : أولئك الذين بلغهم القرآن الكريم ، واستمعوا إلى ~~آياته وتوجيهاته وتشريعاته وآدابه ، ولكنهم استحبوا ms3603 الكفر على الإيمان ، ~~وآثروا الضلالة على الهداية. PageV08P426 # وعبر سبحانه بالأكثر ، إنصافا للقلة المؤمنة التي فتحت صدورها للقرآن ، ~~فآمنت به ، وعملت بما فيه من أوامر ونواه .. # قال الجمل : فإن قيل : كيف جاز قوله ( @QUR@05 فأبى أكثر الناس إلا كفورا ~~) حيث وقع الاستثناء المفرغ في الإثبات. مع أنه لا يصح ، إذ لا يصح أن تقول ~~: ضربت إلا زبدا. # فالجواب : أن لفظة ( @QUR@01 فأبى ) تفيد النفي ، فكأنه قيل : فلم يرضوا ~~إلا كفورا (1). # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت ما يدل على وحدانية الله تعالى وقدرته ~~، وعلمه ، وفضله على نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى الناس ، وعلى أن هذا القرآن ~~من عند الله ، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. # ثم حكى سبحانه بعض المطالب المتعنتة التي طلبها المشركون من النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال تعالى : # ( @QUR@010 وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا (90) ~~@QUR@011 أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا (91) ~~@QUR@012 أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة ~~قبيلا (92) @QUR@026 أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن ~~لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ) (93) # ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات رواية طويلة ملخصها : أن نفرا من ~~زعماء قريش اجتمعوا عند الكعبة ، وطلبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءهم ~~، فقالوا له يا محمد : إنا قد بعثنا PageV08P427 # إليك لنعذر فيك ، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما ~~أدخلت على قومك!! لقد شتمت الآباء ، وعبت الدين. وسفهت الأحلام ، وشتمت ~~الآلهة ... # فإن كنت جئت بهذا الحديث تطلب مالا ، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون ~~أكثرنا مالا ، وإن كنت تطلب شرفا فينا ، سودناك علينا ، وإن كنت تريد ملكا ~~ملكناك علينا ... # فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بي شيء مما تقولون ، ولكن الله ~~بعثني إليكم رسولا ، وأنزل على كتابا ، وأمرنى أن أكون بشيرا ونذيرا ، ~~فبلغتكم رسالة ربي ونصحت ms3604 لكم ، فإن تقبلوا منى فهو حظكم من الدنيا والآخرة ~~، وإن تردوه على أصبر لأمر الله تعالى حتى يحكم بيني وبينكم. # فقالوا له يا محمد : فإن كنت صادقا فيما تقول ، فسل لنا ربك الذي بعثك ، ~~فليسير عنا هذا الجبل الذي قد ضيق علينا ، وليبسط لنا بلادنا ، ويفجر فيها ~~الأنهار ، ويبعث من مضى من آبائنا ، فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل .. # وسله أن يبعث معك ملكا يصدقك ، واسأله أن يجعل لك جنانا وقصورا أو كنوزا ~~من ذهب وفضة. تعينك على معاشك. # فقال صلى الله عليه وسلم ما بعثت بهذا. فقالوا : فأسقط السماء كما زعمت ~~علينا كسفا ... # وقال أحدهم : لا أومن بك أبدا ، حتى تتخذ لك سلما إلى السماء ترقى فيه ، ~~ونحن ننظر إليك .. # فانصرف صلى الله عليه وسلم عنهم حزينا ، لما رأى من تباعدهم عن الهدى ، ~~فأنزل الله عليه هذه الآيات تسلية له ...» (1). # والمعنى : وقال المشركون الذين لا يرجون لقاءنا لرسولنا صلى الله عليه وسلم ~~يا محمد : ( @QUR@03 لن نؤمن لك ) ونتبعك فيما تدعونا إليه. # ( @QUR@06 حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ) أى : حتى تخرج لنا من أرض مكة ~~القليلة المياه ، ( @QUR@01 ينبوعا ) أى : عينا لا ينضب ماؤها ولا يغور. # يقال : نبع الماء من العين ينبع بتثليث الباء فيهما إذا خرج وظهر وكثر. # وقرأ بعض السبعة ( @QUR@01 تفجر ) بالتخفيف من باب نصر وقرأ البعض الآخر ~~( @QUR@01 تفجر ) بتشديد الجيم ، من فجر بالتشديد ، والتضعيف للتكثير. PageV08P428 # والتعريف في لفظ ( @QUR@01 الأرض ) للعهد ، لأن المراد بها أرض مكة. # وعبر بكلمة ( @QUR@01 ينبوعا ) للإشعار بأنهم لا يريدون من الماء ما ~~يكفيهم فحسب ، وإنما هم يريدون ماء كثيرا لا ينقص في وقت من الأوقات ، إذ ~~الياء زائدة للمبالغة. # وقوله سبحانه : ( @QUR@011 أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار ~~خلالها تفجيرا ) بيان لاقتراح آخر من مقترحاتهم السخيفة. # والمعنى : أو تكون لك بصفة خاصة يا محمد ، ( @QUR@01 جنة ) أى : حديقة ~~ملتفة الأغصان ، مشتملة على الكثير من أشجار النخيل والأعناب : تجرى ~~الأنهار في وسطها جريا عظيما هائلا .. # وخصوا النخيل والأعناب بالذكر كما حكى القرآن عنهم ، لأن ms3605 هذين الصنفين ~~يعتبران من أهم الثمار عندهم ، ولأنهما على رأس الزروع المنتشرة في أراضيهم ~~، والتي لها الكثير من الفوائد. # وقوله : ( @QUR@01 خلالها ) منصوب على الظرفية ، لأنه بمعنى وسطها وبين ~~ثناياها. # والتنوين في قوله ( @QUR@01 تفجيرا ) للتكثير ، أى : تفجيرا كثيرا زاخرا ~~، بحيث تكون تلك الجنة الخاصة بك ، غنية بالمياه التي تنفعها وترويها. # وقوله عز وجل : ( @QUR@07 أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا ... ) ~~اقتراح ثالث من مقترحاتهم الفاسدة. # ولفظ ( @QUR@01 كسفا ) أى : قطعا جمع كسفة بكسر الكاف وسكون السين ، يقال ~~: كسفت الثوب أى : قطعته وهو حال من السماء ، والكاف في قوله : ( @QUR@01 ~~كما ) صفة لموصوف محذوف. # والمعنى : أو تسقط أنت علينا السماء إسقاطا مماثلا لما هددتنا به ، من أن ~~في قدرة ربك عز وجل أن ينزل علينا عذابا متقطعا من السماء. # ولعلهم يعنون بذلك قوله تعالى : ( @QUR@022 أفلم يروا إلى ما بين أيديهم ~~وما خلفهم من السماء والأرض ، إن نشأ نخسف بهم الأرض ، أو نسقط عليهم كسفا ~~من السماء ... ) (1). # وقيل : يعنون بذلك ، أنك وعدتنا أن يوم القيامة تنشق فيه السماء ، فعجل ~~لنا ذلك في PageV08P429 # الدنيا ، وأسقطها علينا ، كما حكى عنهم القرآن ذلك في قوله تعالى ( ~~@QUR@019 وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من ~~السماء أو ائتنا بعذاب أليم ... ) (1). # فهم يتعجلون العذاب ، والرسول صلى الله عليه وسلم ، يرجو لهم من الله تعالى ~~الرحمة والهداية وتأخير العذاب عنهم ، لعله سبحانه أن يخرج من أصلابهم من ~~يخلص له العبادة والطاعة. # وقوله تعالى ( @QUR@05 أو تأتي بالله والملائكة قبيلا ) تسجيل لمطلب رابع ~~من مطالبهم القبيحة. # قال الآلوسى : ( @QUR@01 قبيلا ) أى : مقابلا ، كالعشير والمعاشر ، ~~وأرادوا كما جاء عن ابن عباس عيانا. # وهذا كقولهم : ( @QUR@08 لو لا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا )، وفي ~~رواية أخرى عنه وعن الضحاك تفسير القبيل بالكفيل ، أى : كفيلا بما تدعيه. ~~يعنون شاهدا يشهد لك بصحة ما قلته. # وهو على الوجهين حال من لفظ الجلالة .. وعن مجاهد : القبيل الجماعة ~~كالقبيلة ، فيكون حالا من الملائكة أى : أو تأتى بالله وبالملائكة قبيلة ~~قبيلة (2). # ثم حكى سبحانه بقية ms3606 مطالبهم التي لا يقرها عقل سليم فقال : ( @QUR@06 أو ~~يكون لك بيت من زخرف ). # أى : من ذهب ، والزخرف يطلق في الأصل على الزينة ، وأطلق هنا على الذهب ~~لأن الذهب أثمن ما يتزين به في العادة. # ( @QUR@04 أو ترقى في السماء ) أى : تصعد إليها. يقال : رقى فلان في ~~السلم يرقى رقيا ورقيا أى صعد ، ( @QUR@03 ولن نؤمن لرقيك ) وصعودك إليها ~~مع مشاهدتنا لذلك ( @QUR@03 حتى تنزل علينا ) منها ( @QUR@02 كتابا نقرؤه ) ~~ونفهم ما فيه ، أى : يكون هذا الكتاب بلغتنا التي نفهمها وبأسلوب مخاطباتنا ~~، وفيه ما يدل دلالة قاطعة على أنك رسول من عند الله تعالى ، وما يدعونا ~~إلى الإيمان بك. # ثم ختم سبحانه هذه الآيات ، بأن أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بأن يرد ~~عليهم بما يخرس ألسنتهم ، فقال : ( @QUR@08 قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا ~~رسولا ). PageV08P430 # أى : قل أيها الرسول الكريم على سبيل التعجب من سوء تفكير هؤلاء الجاحدين ~~: يا سبحان الله هل أنا إلا بشر كسائر البشر ، ورسول كسائر الرسل ، وليس من ~~شأن من كان كذلك أن يأتى بتلك المطالب المتعنتة التي طلبتموها ، وإنما من ~~شأنه أن يبلغ ما أمره الله بتبليغه من هدايات. تخرج الناس من ظلمات الكفر ~~والجهل. إلى نور الإيمان والعلم. # فالاستفهام في قوله ( @QUR@02 هل كنت ... ) للنفي ، أى : ما كنت إلا ~~رسولا كسائر الرسل ، وبشرا مثلهم. # وقوله ( @QUR@02 سبحان ربي ) يفيد التعجيب من فرط حماقتهم ، ومن بالغ ~~جهلهم ، حيث طلبوا تلك المطالب ، التي تضمنت ما يعتبر من أعظم المستحيلات ، ~~كطلبهم إتيان الله عز وجل والملائكة إليهم ، ورؤيتهم لذاته سبحانه ، على ~~سبيل المعاينة والمقابلة. # وهذا التعنت والعناد الذي حكاه الله تعالى عن هؤلاء الجاحدين ، قد جاء ما ~~يشبهه في آيات أخرى. كما جاء ما يدل على أنهم حتى لو أعطاهم الله تعالى ~~مطالبهم. لما آمنوا ، ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@022 ولو أننا نزلنا ~~إليهم الملائكة وكلمهم الموتى ، وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ، ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ، ولكن أكثرهم يجهلون ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@016 إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون* ولو ms3607 ~~جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ) (2). # وقوله عز وجل : ( @QUR@017 ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه ~~يعرجون* لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ) (3). # ثم حكى سبحانه بعد ذلك شبهة من شبهاتهم الفاسدة والمتعددة ، وهي زعمهم أن ~~الرسول لا يكون من البشر بل يكون ملكا. وقد أمر الله تعالى رسوله ~~صلى الله عليه وسلم بأن يرد عليهم بما يبطل مدعاهم فقال : PageV08P431 # ( @QUR@015 وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث ~~الله بشرا رسولا (94) @QUR@014 قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ~~لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا (95) @QUR@011 قل كفى بالله شهيدا بيني ~~وبينكم إنه كان بعباده خبيرا بصيرا ) (96) # قال الفخر الرازي : اعلم أنه تعالى لما حكى شبهة القوم في اقتراح ~~المعجزات الزائدة ، وأجاب عنها ، حكى عنهم شبهة أخرى ، وهي أن القوم ~~استبعدوا أن يبعث الله إلى الخلق رسولا من البشر ، بل اعتقدوا أن الله ~~تعالى لو أرسل رسولا إلى الخلق ، لوجب أن يكون ذلك الرسول من الملائكة ، ~~فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة فقال : ( @QUR@011 وما منع الناس أن يؤمنوا ~~إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا ... ) (1). # والمراد بالناس هنا : المشركون منهم ، الذين استبعدوا واعتقدوا أن الرسول ~~لا يكون من البشر ، ويدخل فيهم دخولا أوليا كفار مكة. # وجملة ( @QUR@02 أن يؤمنوا ) في محل نصب ، لأنها مفعول ثان لمنع. # وقوله : ( @QUR@03 إلا أن قالوا ) هو الفاعل ، و «إذ» ظرف للفعل منع ، أو ~~لقوله : ( @QUR@02 أن يؤمنوا ). # والمعنى : وما صرف المشركين عن الإيمان بالدين الحق وقت أن جاءتهم به ~~الرسل ، إلا اعتقاد هؤلاء المشركين أن الله تعالى لا يبعث إليهم رجلا من ~~البشر لكي يبلغهم وحيه ، وإنما يبعث إليهم ملكا من الملائكة لكي يبلغهم ذلك. # وعبر عن اعتقادهم الباطل هذا بالقول فقال : ( @QUR@03 إلا أن قالوا .. ) ~~للإشعار بأنه مجرد قول لاكته ألسنتهم ، دون أن يكون معهم أى مستند يستندون ~~إليه لإثبات قبوله عند العقلاء. # وجاء التعبير عن اعتقادهم الباطل هذا بصيغة الحصر ، لبيان أنه مع بطلانه ~~هو من أهم PageV08P432 # الموانع والصوارف ، التي ms3608 منعتهم وصرفتهم عن الدخول في الدين الحق ، الذي ~~جاءتهم به الرسل عليهم الصلاة والسلام ، وهذا لا يمنع أن هناك صوارف أخرى ~~حالت بينهم وبين الإيمان كالحسد والعناد. # قال صاحب الكشاف : والمعنى. وما منعهم من الإيمان بالقرآن ، وبنبوة النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلا شبهة تلجلجت في صدورهم ، وهي إنكارهم أن يرسل الله ~~البشر. والهمزة في ( @QUR@02 أبعث الله ) للإنكار ، وما أنكروه فخلافه هو ~~المنكر عند الله تعالى لأن قضية حكمته ، أن لا يرسل ملك الوحى إلا إلى ~~أمثاله ، أو إلى الأنبياء» (1). # والمتدبر في القرآن الكريم ، يرى أن هذه الشبهة وهي إنكار المشركين كون ~~الرسول بشرا قد حكاها في آيات كثيرة منها قوله تعالى : ( @QUR@020 أكان ~~للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم ~~قدم صدق عند ربهم ... ) (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@016 ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا ~~أبشر يهدوننا ، فكفروا وتولوا ، واستغنى الله ، والله غني حميد ) (3). # ومما لا شك فيه أن هذه الشبهة تدل ، على أن هؤلاء الكافرين ، لم يدركوا ~~قيمة بشريتهم وكرامتها عند الله تعالى ، وذلك بسبب انطماس بصائرهم ، وكثرة ~~جهلهم ، وعكوفهم على موروثاتهم الفاسدة. # ولذا أمر الله تعالى بأن يرد عليهم بما يزهق هذه الشبهة فقال سبحانه ( ~~@QUR@014 قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ، لنزلنا عليهم من ~~السماء ملكا رسولا ). # والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء الجاهلين : لو ثبت ووجد ملائكة في الأرض ، ~~يمشون على أقدامهم كما يمشى الإنس ، ويعيشون فوقها ( @QUR@01 مطمئنين ) أى ~~: مستقرين فيها مقيمين بها. # لو ثبت ذلك ، لاقتضت حكمتنا أن نرسل إليهم من السماء ملكا رسولا ، يكون ~~من جنسهم ، ويتكلم بلسانهم ، وبذلك يتمكنون من مخاطبته ، ومن الأخذ عنه ، ~~ومن التفاهم معه لأن الجنس إلى الجنس أميل ، والرسول يجب أن يكون من جنس ~~المرسل إليهم ، فلو كان المرسل إليهم ملائكة ، لكان الرسول إليهم ملكا ~~مثلهم ، ولو كان المرسل إليهم من البشر ، لكان الرسول إليهم بشرا مثلهم. PageV08P433 # فكيف تطلبون أيها الجاهلون أن يكون الرسول إليكم ملكا ، وتستبعدون أن ~~يكون بشرا مع أنكم من ms3609 البشر؟!! # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@06 لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ) أى ~~: يعلمهم ما لا تستقل عقولهم بعلمه ، وليسهل عليهم الاجتماع به ، والتلقي ~~منه ، وأما عامة البشر فلا يسهل عليهم ذلك ، لبعد ما بين الملك وبينهم ...» (1). # وهذا المعنى الذي وضحته الآية الكريمة وهو أن الرسول يجب أن يكون من جنس ~~المرسل إليهم قد جاء ما يشبهه ويؤكده في آيات كثيرة منها قوله تعالى : ( ~~@QUR@023 وقالوا لو لا أنزل عليه ملك ، ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ~~ينظرون. ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون ) (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@014 وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ، ~~فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) (3). # وقوله عز وجل : ( @QUR@09 وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ~~... ) (4). # ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم للمرة الثانية ، أن يحسم الجدال ~~معهم ، بتفويض أمره وأمرهم إلى الله عز وجل ، فهو خير الحاكمين فقال : ( ~~@QUR@011 قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ، إنه كان بعباده خبيرا بصيرا ). # أى : قل لهم في هذه المرة من جهتك ، بعد أن قلت لهم في المرة السابقة من ~~جهتنا : قل لهم أيها الرسول الكريم يكفيني ويرضيني ويسعدني ، أن يكون الله ~~تعالى هو الشهيد والحاكم بيني وبينكم يوم نلقاه جميعا فهو سبحانه يعلم أنى ~~قد بلغتكم ما أرسلت به إليكم ، إنه تعالى كان وما زال خبيرا بصيرا. أى : ~~محيطا إحاطة تامة بظواهرهم وبواطنهم ، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في ~~السماء. # وفي هذه الآية الكريمة تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم من ~~أذى ، وتهديد لهم بسوء المصير ، حيث آذوا نبيهم الذي جاء لهدايتهم ~~وسعادتهم. # وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد حكت بعض الشبهات الفاسدة التي تذرع بها ~~الكافرون PageV08P434 # في البقاء على كفرهم ، كما حكت ما اقتضته حكمته سبحانه في إرسال الرسل ، ~~وهددت المصرين على كفرهم بسوء العاقبة. # ثم ساق سبحانه شبهة أخرى من شبهات المشركين التي حكاها عنهم كثيرا ، ورد ~~عليها بما يبطلها ، وبين أحوالهم السيئة يوم القيامة ، بعد أن ms3610 بين أن ~~الهداية والإضلال من شأنه وحده فقال تعالى : # ( @QUR@027 ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ~~ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت ~~زدناهم سعيرا (97) @QUR@014 ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أإذا ~~كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا (98) @QUR@023 أولم يروا أن ~~الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ~~ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا (99) @QUR@014 قل لو أنتم تملكون خزائن ~~رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا ) (100) # وقوله سبحانه : ( @QUR@013 ومن يهد الله فهو المهتد ، ومن يضلل فلن تجد ~~لهم أولياء من دونه ) كلام مستأنف منه تعالى لبيان نفاذ قدرته ومشيئته. # أى : ومن يهده الله تعالى إلى طريق الحق ، فهو الفائز بالسعادة ، المهدى ~~إلى كل مطلوب حسن ، ( @QUR@02 ومن يضلل ) أى : ومن يرد الله تعالى إضلاله ( ~~@QUR@03 فلن تجد لهم ) أيها الرسول الكريم ( @QUR@01 أولياء ) أى : نصراء ~~ينصرونهم ويهدونهم إلى طريق الحق ( @QUR@02 من دونه ) عز وجل ، إذ أن الله ~~تعالى وحده هو الخالق للهداية والضلالة ، على حسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته. PageV08P435 # وجاء قوله تعالى ( @QUR@02 فهو المهتد ) بصيغة الإفراد حملا على لفظ ( ~~@QUR@01 من ) في قوله ( @QUR@03 ومن يهد الله ) وجاء قوله : ( @QUR@03 فلن ~~تجد لهم ) بصيغة الجمع حملا على معناها في قوله : ( @QUR@02 ومن يضلل ). # قالوا : ووجه المناسبة في ذلك والله أعلم أنه لما كان الهدى شيئا واحدا ~~غير متشعب السبل ، ناسبه الإفراد ، ولما كان الضلال له طرق متشعبة ، كما في ~~قوله تعالى : ( @QUR@07 ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) ناسبه الجمع (1). # ثم بين سبحانه الصورة الشنيعة التي يحشر عليها الضالون يوم القيامة فقال ~~: ( @QUR@08 ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم ، عميا وبكما وصما .. ). # والحشر : الجمع. يقال : حشرت الجند حشرا. أى جمعتهم. وقوله : ( @QUR@02 ~~على وجوههم ) حال من الضمير المنصوب في نحشرهم. وقوله : ( @QUR@03 عميا ، ~~وبكما وصما ) أحوال من الضمير المستكن في قوله ( @QUR@02 على وجوههم ). أى ~~: نجمع هؤلاء الضالين يوم القيامة ، حين يقومون من قبورهم ، ونجعلهم ~~بقدرتنا يمشون على وجوههم ، أو يسحبون ms3611 عليها ، إهانة لهم وتعذيبا ، ويكونون ~~في هذه الحالة عميا لا يبصرون ، وبكما لا ينطقون ، وصما لا يسمعون. # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@05 نحشرهم يوم القيامة على ~~وجوههم ) إما مشيا ، بأن يزحفوا منكبين عليها. ويشهد له ما أخرجه الشيخان ~~وغيرهما عن أنس قال : قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف يحشر الناس على ~~وجوههم؟ فقال : «الذي أمشاهم على أرجلهم ، قادر على أن يمشيهم على وجوههم» .. # وإما سحبا بأن تجرهم الملائكة منكبين عليها ، كقوله تعالى : ( @QUR@09 ~~يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر ) ويشهد له ما أخرجه أحمد ~~والنسائي والحاكم وصححه عن أبى ذر ، أنه تلا هذه الآية. ( @QUR@05 ونحشرهم ~~يوم القيامة على وجوههم ) فقال : حدثني الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أن ~~الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج فوج طاعمين كاسين راكبين ، وفوج ~~يمشون ويسعون ، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم. # وجائز أن يكون الأمران في حالين : الأول : عند جمعهم وقبل دخولهم النار ، ~~والثاني عند دخولهم فيها ... PageV08P436 # ثم قال : وزعم بعضهم أن الكلام على المجاز ، وذلك كما يقال للمنصرف عن ~~أمر وهو خائب مهموم : انصرف على وجهه .. وإياك أن تلتفت إلى هذا الزعم أو ~~إلى تأويل نطقت السنة النبوية بخلافه ، ولا تعبأ بقوم يفعلون ذلك» (1). # فإن قيل : كيف نوفق بين هذه الآية التي تثبت لهؤلاء الضالين يوم حشرهم ~~العمى والبكم والصمم ، وبين آيات أخرى تثبت لهم في هذا اليوم الرؤية ~~والكلام والسمع ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@03 ورأى المجرمون النار .. ). # وكما في قوله سبحانه : ( @QUR@03 دعوا هنالك ثبورا ) وكما في قوله عز وجل ~~: ( @QUR@04 سمعوا لها تغيظا وزفيرا )؟ # فالجواب : أن المراد في الآية هنا أنهم يحشرون عميا لا يرون ما يسرهم ، ~~وبكما لا ينطقون بحجة تنفعهم ، وصما لا يسمعون ما يرضيهم .. # أو أنهم يحشرون كذلك ، ثم تعاد لهم حواسهم بعد ذلك عند الحساب وعند ~~دخولهم النار. # أو أنهم عند ما يحشرون يوم القيامة ، ويرون ما يرون من أهوال ، تكون ~~أحوالهم كأحوال العمى الصم البكم ، لعظم حيرتهم ، وشدة خوفهم ، وفرط ~~ذهولهم. # ثم بين ms3612 سبحانه مآلهم بعد الحشر والحساب فقال : ( @QUR@06 مأواهم جهنم ~~كلما خبت زدناهم سعيرا ). # ومعنى : ( @QUR@01 خبت ) هدأت وسكن لهيبها. يقال : خبت النار تخبو إذا ~~هدأ لهيبها. # أى : أن هؤلاء المجرمين مأواهم ومسكنهم ومقرهم جهنم ، كلما سكن لهيب جهنم ~~وهدأ ، بأن أكلت جلودهم ولحومهم ، زدناهم توقدا ، بأن تبدل جلودهم ولحومهم ~~بجلود ولحوم أخرى ، فتعود النار كحالتها الأولى ملتهبة مستعرة. # وخبو النار وسكونها لا ينقص شيئا من عذابهم ، وعلى ذلك فلا تعارض بين هذه ~~الآية وبين قوله عز وجل ( @QUR@09 خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ~~ينظرون ) (2). # وفي هذه الآية ما فيها من عذاب للكافرين تقشعر من هوله الأبدان ، وترتجف ~~من تصويره النفوس والقلوب ، نسأل الله تعالى بفضله ورحمته أن يجنبنا هذا ~~المصير المؤلم. PageV08P437 # وقوله عز وجل : ( @QUR@014 ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا : أإذا ~~كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا ) بيان للأسباب التي أفضت بهم ~~إلى تلك العاقبة السيئة. # أى : ذلك الذي نزل بهم من العذاب الشديد ، المتمثل في حشرهم على وجوههم ~~وفي اشتعال النار بهم ، سببه أنهم كفروا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا ~~وقدرتنا وقالوا بإنكار وجهالة : أإذا كنا عظاما نخرة ، ورفاتا أى وصارت ~~أجسادنا تشبه التراب في تفتتها وتكسرها ، أإنا بعد ذلك لمعادون إلى الحياة ~~ومبعوثون على هيئة خلق جديد. # فالآية الكريمة تحكى تصميمهم على الكفر ، وإنكارهم للبعث والحساب إنكارا ~~لا مزيد عليه ، لذا كانت عقوبتهم شنيعة ، وعذابهم أليما. فقد سلط الله ~~تعالى عليهم النار تأكل أجزاءهم ، وكلما سكن لهيبها ، أعادها الله تعالى ~~ملتهبة مشتعلة على جلود أخرى لهم ، كما قال تعالى ( @QUR@015 إن الذين ~~كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا ، كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب ... ) (1) ثم رد سبحانه على ما استنكروه من شأن البعث ردا ~~يقنع كل ذي عقل سليم ، فقال تعالى ( @QUR@013 أولم يروا أن الله الذي خلق ~~السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم ... ). # والهمزة للاستفهام التوبيخي ، وهي داخلة على محذوف ، والمراد بمثلهم ~~إياهم ، فيكون المعنى : أعموا عن الحق ، ولم يعلموا كما يعلم العقلاء ، أن ~~الله تعالى الذي ms3613 خلق السموات والأرض بقدرته ، وهما أعظم من خلق الناس ، ~~قادر على إعادتهم إلى الحياة مرة أخرى بعد موتهم ، لكي يحاسبهم على أعمالهم ~~في الدنيا. # إن عدم علمهم بذلك ، وإنكارهم له ، لمن أكبر الأدلة على جهلهم وانطماس ~~بصيرتهم ، لأن من قدر على خلق ما هو أعظم وأكبر وهو السموات والأرض فهو على ~~إعادة ما هو دونه وهو الناس أقدر. # قال الشيخ الجمل ما ملخصه : قوله : ( @QUR@02 أولم يروا .. ) هذا رد ~~لإنكارهم البعث ، ولما استبعدوه من شأنه ، يعنى أن من خلق السموات والأرض ، ~~كيف يستبعد منه أن يقدر على إعادتهم بأعيانهم .. وأراد سبحانه .. بمثلهم : ~~إياهم ، فعبر عن خلقهم بلفظ المثل كقول المتكلمين : إن الإعادة مثل ~~الابتداء ، وذلك أن مثل الشيء مساو له في حاله ، فجاز أن يعبر به عن الشيء ~~نفسه يقال : مثلك لا يفعل كذا ، أى : أنت لا تفعله. # ويجوز أن يكون المعنى أنه سبحانه قادر على أن يخلق عبيدا غيرهم يوحدونه ويقرون PageV08P438 # بكمال حكمته ، ويتركون هذه الشبهات الفاسدة ، كما في قوله تعالى ( ~~@QUR@09 وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ، ثم لا يكونوا أمثالكم ) والأول ~~أشبه بما قبله (1). # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@022 أولم يروا أن الله الذي خلق ~~السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى ، بلى إنه على كل ~~شيء قدير ) (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@014 أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن ~~يخلق مثلهم ، بلى وهو الخلاق العليم ... ) (3). # وبعد أن أقام سبحانه الدليل الواضح على أن البعث حق ، وعلى أن إعادة ~~الناس إلى الحياة بعد موتهم أمر ممكن ، أتبع ذلك ببيان أن لهذه الإعادة ~~وقتا معلوما يجريه حسب حكمته تعالى فقال : ( @QUR@06 وجعل لهم أجلا لا ريب ~~فيه ). # أى : وجعل لهم ميقاتا محددا لا شك في حصوله ، وعند حلول هذا الميقات ~~يخرجون من قبورهم للحساب والجزاء ، كما قال تعالى : ( @QUR@015 وما نؤخره ~~إلا لأجل معدود. يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه ، فمنهم شقي وسعيد ) (4). # والجملة الكريمة وهي قوله : ( @QUR@02 وجعل لهم ... ) معطوفة على قوله ( ~~@QUR@02 أولم يروا .. ) لأنه في قوة قولك قد رأوا وعلموا. ms3614 # قال صاحب الكشاف : فإن قلت ؛ علام عطف قوله : ( @QUR@03 وجعل لهم أجلا )؟ # قلت : على قوله : ( @QUR@02 أولم يروا ) لأن المعنى : قد علموا بدليل ~~العقل ، أن من قدر على خلق السموات والأرض ، فهو قادر على خلق أمثالهم من ~~الإنس لأنهم ليسوا بأشد خلقا منهن ، كما قال : ( @QUR@05 أأنتم أشد خلقا أم ~~السماء ) (5). # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 فأبى الظالمون إلا كفورا ) بيان لإصرارهم على ~~جحود الحق مع علمهم بأنه حق. # أى : فأبى هؤلاء الظالمون المنكرون للبعث ، إلا جحودا له وعنادا لمن ~~دعاهم إلى الإيمان به ، شأن الجاهلين المغرورين الذين استحبوا العمى على الهدى. PageV08P439 # ثم ختم سبحانه الآيات الكريمة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يجابه ~~هؤلاء الظالمين بما جبلوا عليه من بخل وشح ، بعد أن طلبوا منه ما طلبوا من ~~مقترحات متعنتة ، فقال تعالى : ( @QUR@014 قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ~~ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق ، وكان الإنسان قتورا ). # والمراد بخزائن رحمة ربي : أرزاقه التي وزعها على عباده ، ونعمه التي ~~أنعم بها عليهم. # و ( @QUR@01 قتورا ) من التقتير بمعنى البخل. يقال : قتر فلان يقتر بضم ~~التاء وكسرها إذا بالغ في الإمساك والشح. # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الظالمين الذين أعرضوا عن دعوتك ، ~~وطالبوك بما ليس في وسعك من تفجير الأرض بالأنهار ، ومن غير ذلك من ~~مقترحاتهم الفاسدة ، قل لهم على سبيل التقريع والتبكيت : لو أنكم تملكون ~~أيها الناس التصرف في خزائن الأرزاق التي وزعها الله على خلقه ، إذا لبخلتم ~~وأمسكتم في توزيعها عليهم ، مخافة أن يصيبكم الفقر لو أنكم توسعتم في ~~العطاء ، مع أن خزائن الله لا تنفد أبدا ، ولكن لأن البخل من طبيعتكم فعلتم ذلك. # قال بعضهم : وقوله : ( @QUR@03 لو أنتم تملكون ) فيه وجهان : أحدهما : أن ~~المسألة من باب الاشتغال. فأنتم مرفوع بفعل مقدر يفسره هذا الظاهر ، لأن لو ~~لا يليها إلا الفعل ظاهرا أو مضمرا. فهي كإن في قوله تعالى : ( @QUR@06 وإن ~~أحد من المشركين استجارك فأجره ).. والأصل : لو تملكون ، فحذف الفعل ~~لدلالة ما بعده عليه والثاني : أنه مرفوع بكان ، وقد كثر حذفها بعد لو ، ~~والتقدير : لو ms3615 كنتم تملكون ... (1). # والمقصود بالإمساك هنا : إمساكهم عن العطاء في الدنيا ، وهذا لا ينافي ~~قوله تعالى : ( @QUR@012 ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه ~~لافتدوا به ... ) لأن ذلك حكاية عن أحوالهم في الآخرة عند ما يرون العذاب ، ~~ويتمنون أن يفتدوا أنفسهم منه بأى شيء. # وقوله ( @QUR@01 إذا ) ظرف لتملكون. وقوله ( @QUR@01 لأمسكتم ) جواب لو ، ~~وقوله ( @QUR@02 خشية الإنفاق ) علة للإمساك والبخل. # وقوله : ( @QUR@03 وكان الإنسان قتورا ) أى : مبالغا في البخل والإمساك. # قال الإمام ابن كثير : والله تعالى يصف الإنسان من حيث هو ، إلا من وفقه الله PageV08P440 # وهداه ، فإن البخل والجزع والهلع صفة له ، كما قال تعالى : ( @QUR@014 إن ~~الإنسان خلق هلوعا. إذا مسه الشر جزوعا. وإذا مسه الخير منوعا. إلا المصلين ). # ولهذا نظائر كثيرة في القرآن الكريم ، وهذا يدل على كرمه تعالى وإحسانه. ~~وقد جاء في الصحيحين : يد الله ملأى لا يغيضها نفقة ، سحاء الليل والنهار ، ~~أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض ، فإنه لم يغض ما في يمينه (1). # وقال الآلوسى : وقد بلغت هذه الآية من الوصف بالشح الغاية القصوى التي لا ~~يبلغها الوهم ، حيث أفادت أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله تعالى التي لا ~~تتناهى ، وانفردوا بملكها من غير مزاحم ، لأمسكوا عن النفقة من غير مقتض ~~إلا خشية الفقر ، وإن شئت فوازن بقول الشاعر : # ولو ان دارك أنبتت لك أرضها %~% إبرا يضيق بها فناء المنزل وأتاك يوسف يستعيرك إبرة %~% ليخيط قد قميصه لم تفعل # مع أن فيه من المبالغات ما يزيد على العشرة ، ترى التفاوت الذي لا يحصر ~~...» (2). # ثم بين سبحانه ما يدل على أن العبرة في الإيمان ، ليست بعظم الخوارق ~~ووضوحها ، وإنما العبرة بتفتح القلوب للحق ، واستعدادها لقبوله ، وساق ~~سبحانه مثلا لذلك من قصة موسى عليه السلام فقد أعطاه من المعجزات البينة ما ~~يشهد بصدقه ، ولكن فرعون وجنده لم تزدهم تلك المعجزات إلا كفرا وعنادا ، ~~فقال تعالى : # ( @QUR@019 ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فسئل بني إسرائيل إذ جاءهم ~~فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا (101) @QUR@016 قال لقد علمت ما ~~أنزل هؤلاء ms3616 إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا (102) ~~@QUR@05 فأراد أن يستفزهم من الأرض PageV08P441 # @QUR@04 فأغرقناه ومن معه جميعا (103) @QUR@014 وقلنا من بعده لبني ~~إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا ) (104) # والمراد بالآيات التسع في قوله تعالى : ( @QUR@06 ولقد آتينا موسى تسع ~~آيات بينات ... ): العصا ، واليد ، والسنون ، والبحر ، والطوفان ، والجراد ~~، والقمل ، والضفادع ؛ والدم. قال ذلك ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم. # وقد جاء الحديث عن هذه الآيات في مواضع أخرى من القرآن الكريم ، منها ~~قوله تعالى : ( @QUR@012 فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين. ونزع يده فإذا هي ~~بيضاء للناظرين ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@08 ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات ~~... ) (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@013 فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق ~~فكان كل فرق كالطود العظيم ) (3). # وقوله عز وجل : ( @QUR@013 فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع ~~والدم ، آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين ) (4). # والمعنى : لا تظن أيها الرسول الكريم أن إيمان هؤلاء المشركين من قومك ، ~~متوقف على إجابة ما طلبوه منك. وما اقترحوه عليك من أن تفجر لهم من الأرض ~~ينبوعا ، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب .. إلخ. لا تظن ذلك : # فإن الخوارق مهما عظمت لا تنشئ الإيمان في القلوب الجاحدة الحاقدة ، ~~بدليل أننا قد أعطينا أخاك موسى تسع معجزات ، واضحات الدلالة على صدقه في ~~نبوته ، ولكن هذه المعجزات لم تزد المعاندين من قومه إلا كفرا على كفرهم ~~ورجسا على رجسهم. فاصبر أيها الرسول على تعنت قومك وأذاهم ، كما صبر أولو ~~العزم من الرسل قبلك. # وتحديد الآيات بالتسع ، لا ينفى أن هناك معجزات أخرى أعطاها الله تعالى PageV08P442 # لموسى عليه السلام إذ من المعروف عند علماء الأصول ، أن تحديد العدد ~~بالذكر ، لا يدل على نفى الزائد عنه. # قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : وهذا القول المروي عن ابن ~~عباس وغيره ظاهر جلى حسن قوى .. فهذه الآيات التسع ، التي ذكرها هؤلاء ~~الأئمة ، هي المرادة هنا ... # وقد أوتى موسى عليه السلام آيات أخرى كثيرة منها : ضربه الحجر بالعصا ، ~~وخروج الماء منه .. وغير ذلك مما ms3617 أوتوه بنو إسرائيل بعد خروجهم من مصر ، ~~ولكن ذكر هنا هذه الآيات التسع التي شاهدها فرعون وقومه من أهل مصر وكانت ~~حجة عليهم فخالفوها وعاندوها كفرا وجحودا. # ثم قال : وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد ، حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة ، ~~قال : سمعت عبد الله بن سلمة يحدث عن صفوان بن عسال المرادي قال : قال ~~يهودي لصاحبه : اذهب بنا إلى هذا النبي حتى نسأله عن هذه الآية : ( @QUR@06 ~~ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ... ) فسألاه : فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~: «لا تشركوا بالله شيئا ، ولا تسرقوا ولا تزنوا ، ولا تقتلوا النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق ، ولا تسخروا ، ولا تأكلوا الربا ، ولا تمشوا ببريء إلى ~~ذي سلطان ليقتله ، ولا تقذفوا محصنة ، ولا تفروا من الزحف» .. فقبلا يديه ~~ورجليه ... # ثم قال : «أما هذا الحديث فهو حديث مشكل. وعبد الله بن سلمة في حفظه شيء ~~، وتكلموا فيه ، ولعله اشتبه عليه التسع الآيات ، بالعشر الكلمات ، فإنها ~~وصايا في التوراة ، لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون ...» (1). # والحق أن ما رجحه الإمام ابن كثير من أن المراد بالآيات التسع هنا : ما ~~آتاه الله تعالى لنبيه موسى عليه السلام من العصا ، واليد ... هو الذي تسكن ~~إليه النفس ، لأن قوله تعالى بعد ذلك ( @QUR@011 قال لقد علمت ما أنزل ~~هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر ... ) يؤيد أن المراد بها ما تقدم من ~~العصا ، واليد ، والسنين .. ولأنها هي التي فيها الحجج ، والبراهين ~~والمعجزات الدالة على صدق موسى عليه السلام . أما تلك الوصايا التي وردت في ~~الحديث فلا علاقة لها بقيام الحجة على فرعون كما قال الإمام ابن كثير. # هذا ، والخطاب في قوله تعالى : ( @QUR@05 فسئل بني إسرائيل إذ جاءهم ) ~~يرى بعضهم أنه PageV08P443 # للنبي صلى الله عليه وسلم والمسئولون هم المؤمنون من بنى إسرائيل كعبد الله ~~بن سلام وأصحابه. # وعلى هذا التفسير يكون قوله ( @QUR@02 إذ جاءهم ) ظرف لقوله ( @QUR@01 ~~آتينا ) وجملة ( @QUR@03 فسئل بني إسرائيل ) معترضة بين العامل والمعمول. # والمعنى : ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ، وقت أن أرسله الله تعالى إلى ~~فرعون ms3618 وقومه ، فاسأل أيها الرسول الكريم المؤمنين من بنى إسرائيل عن ذلك ، ~~فستجد منهم الجواب عما جرى بين موسى وأعدائه عن طريق ما طالعوه في التوراة. # والمقصود بسؤالهم : الاستشهاد بهم حتى يزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم ~~، لأن من شأن الأدلة إذا تضافرت وتعددت ، أن تكون أقوى وأثبت في تأييد ~~المدعى. # قال الآلوسى : والمعنى : فاسأل يا محمد مؤمنى أهل الكتاب عن ذلك ، إما ~~لأن تظاهر الأدلة أقوى في التثبيت ، وإما من باب التهييج والإلهاب ، وإما ~~للدلالة على أنه أمر محقق عندهم ثابت في كتابهم. وليس المقصود حقيقة ~~السؤال. بل كونهم أعنى المسئولين من أهل علمه ، ولهذا يؤمر مثلك بسؤالهم» (1). # ويرى آخرون أن الخطاب لموسى عليه السلام ، وعليه يكون السؤال إما بمعناه ~~المشهور أو بمعنى الطلب ، ويكون قوله ( @QUR@02 إذ جاءهم ) ظرفا لفعل مقدر. # والمعنى : ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ، فقلنا له حين مجيئه إلى بنى ~~إسرائيل : اسألهم عن أحوالهم مع فرعون ، أو اطلب منهم أن يؤمنوا بك ويصدقوك ~~، ويخرجوا معك حين تطلب من فرعون ذلك. # والفاء في قوله : ( @QUR@08 فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا ) هي ~~الفصيحة. إذ المعنى : فامتثل موسى أمرنا ، وسأل بنى إسرائيل عن أحوالهم ، ~~وطلب من فرعون أن يرسلهم معه ، بعد أن أظهر له من المعجزات ما يدل على صدقه ~~، فقال فرعون لموسى على سبيل التعالي والتهوين من شأنه عليه السلام : يا ~~موسى إنى لأظنك مسحورا. # أى : سحرت فخولط عقلك واختل ، وصرت تتصرف تصرفا يتنافى مع العقل السليم ، ~~وتدعى دعاوى لا تدل على تفكير قويم. # فقوله ( @QUR@01 مسحورا ) اسم مفعول. يقال : سحر فلان فلانا يسحره سحرا ~~فهو مسحور ، إذا اختلط عقله. PageV08P444 # ويجوز أن يكون قوله ( @QUR@01 مسحورا ) بمعنى ساحر ، فيكون المعنى : إنى ~~لأطنك يا موسى ساحرا ، عليما بفنون السحر فقد أتيت بأشياء عجيبة يشير بذلك ~~إلى انقلاب العصا حية بعد أن ألقاها عليه السلام . # وهذا شأن الطغاة في كل زمان ومكان ، عند ما يرون الحق قد أخذ يحاصرهم ، ~~ويكشف عن ضلالهم وكذبهم ... يرمون أهله زورا وبهتانا بكل نقيصة. # وعند ما ms3619 يحكى القرآن الكريم ما رد به موسى على فرعون فيقول : ( @QUR@011 ~~قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر ). # أى : قال موسى لفرعون ردا على كذبه وافترائه : لقد علمت يا فرعون أنه ما ~~أوجد هذه الآيات التسع إلا الله تعالى خالق السموات والأرض ، وقد أوجدها ~~سبحانه بصورة واضحة جلية ، حتى لكأتها البصائر في كشفها للحقائق وتجليتها. # فقوله ( @QUR@01 بصائر ) حال من ( @QUR@01 هؤلاء ) أى : أنزل هذه الآيات ~~حال كونها بينات واضحات تدلك على صدقى. # وفي هذا الرد توبيخ لفرعون على تجاهله الحقائق ، حيث كان يعلم علم اليقين ~~أن موسى عليه السلام ليس مسحورا ولا ساحرا ، وأن الآيات التي جاء بها إنما ~~هي من عند الله تعالى ، كما قال سبحانه : مخاطبا موسى : ( @QUR@038 وأدخل ~~يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء ، في تسع آيات إلى فرعون وقومه ، إنهم ~~كانوا قوما فاسقين. فلما جاءتهم آياتنا مبصرة ، قالوا هذا سحر مبين. وجحدوا ~~بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا ، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ) (1). # وقوله : ( @QUR@05 وإني لأظنك يا فرعون مثبورا ) توبيخ آخر لفرعون ، ~~وتهديد له لأنه وصف نبيا من أنبياء الله تعالى بأنه مسحور. # ومثبورا بمعنى مهلك مدمر. يقال : ثبر الله تعالى الظالم يثبره ثبورا ، ~~إذا أهلكه. # أو بمعنى مصروفا عن الخير. مطبوعا على الشر من قولهم : ما ثبرك يا فلان ~~عن هذا الأمر؟ أى : ما الذي صرفك ومنعك عنه. # والظن هنا بمعنى اليقين ، والمعنى : وإنى لأعتقد يا فرعون أن مصيرك إلى ~~الهلاك والتدمير ، PageV08P445 # بسبب إصرارك على الكفر والطغيان ، من بعد إتيانى بالمعجزات الدالة على ~~صدقى فيما أبلغه عن ربي الذي خلقني وخلقك وخلق كل شيء. # ثم حكى القرآن بعد ذلك ما هم به فرعون ، بعد أن أخرسه موسى عليه السلام ~~بقوة حجته ، وثبات جنانه فقال : ( @QUR@05 فأراد أن يستفزهم من الأرض ).. # والاستفزاز : الإزعاج والاستخفاف ، والمراد به هنا : الطرد والقتل. # والضمير المنصوب في ( @QUR@01 يستفزهم ) يعود إلى موسى وقومه بنى ~~إسرائيل. # أى : فأراد فرعون بعد أن وبخه موسى وهدده ، أن يطرده وقومه من أرض مصر ~~التي يسكنون ms3620 معه فيها. وأن يقطع دابرهم ، كما أشار إلى ذلك سبحانه في قوله ~~: ( @QUR@021 وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ~~ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون ) (1). # ثم حكى سبحانه ما ترتب على ما أراده فرعون من استفزاز لموسى وقومه فقال : ~~( @QUR@011 فأغرقناه ومن معه جميعا. وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا ~~الأرض ... ). # أى : أراد فرعون أن يطرد موسى وقومه من أرض مصر ، وأن يهلكهم .. فكانت ~~النتيجة أن عكسنا عليه مكره وبغيه ، حيث أهلكناه هو وجنده بالغرق ، دون أن ~~نستثنى منهم أحدا. # وقلنا من بعد هلاكه لبنى إسرائيل على لسان نبينا موسى عليه السلام : ~~اسكنوا الأرض التي أراد أن يستفزكم منها فرعون وهي أرض مصر. # قال الآلوسى : وهذا ظاهر إن ثبت أنهم دخلوها بعد أن خرجوا منها ، وبعد أن ~~أغرق الله فرعون وجنده. وإن لم يثبت فالمراد من بنى إسرائيل ذرية أولئك ~~الذين أراد فرعون استفزازهم ، واختار غير واحد أن المراد من الأرض. الأرض ~~المقدسة ، وهي أرض الشام (2). # وعلى أية حال فالآية الكريمة تحكى سنة من سنن الله تعالى في إهلاك ~~الظالمين ، وفي توريث المستضعفين الصابرين أرضهم وديارهم. # ورحم الله الإمام ابن كثير ، فقد قال عند تفسيره لهذه الآية. وفي هذا ~~بشارة لمحمد صلى الله عليه وسلم بفتح مكة. مع أن هذه السورة نزلت قبل الهجرة ، ~~وكذلك وقع ، فإن أهل مكة هموا PageV08P446 # بإخراج الرسول صلى الله عليه وسلم منها ، كما قال تعالى : ( @QUR@07 وإن ~~كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها ... ) ولهذا أورث الله تعالى رسوله ~~مكة ، فدخلها ، وقهر أهلها ، ثم أطلقهم حلما وكرما ، كما أورث الله القوم ~~الذين كانوا مستضعفين من بنى إسرائيل ، مشارق الأرض ومغاربها. وأورثهم بلاد ~~فرعون ...» (1). # ثم ختم سبحانه الآيات الكريمة بقوله : ( @QUR@07 فإذا جاء وعد الآخرة ~~جئنا بكم لفيفا ). # أى : فإذا جاء وعد الدار الآخرة ، أى : الموعد الذي حدده الله تعالى ~~لقيام الساعة ، أحييناكم من قبوركم ، وجئنا بكم جميعا أنتم وفرعون وقومه ~~مختلطين أنتم وهم ، ثم نحكم بينكم وبينهم بحكمنا العادل. # واللفيف : اسم ms3621 جمع لا واحد له من لفظه ، ومعناه الجماعة التي اجتمعت من ~~قبائل شتى. # يقال : هذا طعام لفيف ، إذا كان مخلوطا من جنسين فصاعدا. # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا جانبا مما دار بين موسى عليه السلام ~~وبين فرعون من محاورات ومجادلات ، وبينت لنا سنة من سنن الله تعالى التي لا ~~تتخلف في نصرة المؤمنين ، ودحر الكافرين. # ثم عادت السورة الكريمة إلى التنويه بشأن القرآن الكريم ، وأثنت على ~~المؤمنين من أهل الكتاب الذين تأثروا تأثرا بليغا عند سماعه ، فقال تعالى : # ( @QUR@09 وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا (105) ~~@QUR@09 وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا (106) ~~@QUR@018 قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى ~~عليهم يخرون للأذقان سجدا (107) @QUR@05 ويقولون سبحان ربنا إن كان PageV08P447 # @QUR@03 وعد ربنا لمفعولا (108) @QUR@05 ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم ~~خشوعا ) (109) # قال الآلوسى : قوله تعالى : ( @QUR@04 وبالحق أنزلناه وبالحق نزل .. ) ~~عود إلى شرح حال القرآن الكريم ، فهو مرتبط بقوله : ( @QUR@013 لئن اجتمعت ~~الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله .. ) وهكذا طريقة ~~العرب في كلامها ، تأخذ في شيء وتستطرد منه إلى آخر ، ثم إلى آخر ، ثم إلى ~~آخر ، ثم تعود إلى ما ذكرته أولا ، والحديث شجون ...» (1). # والمراد بالحق الأول : الحكمة الإلهية التي اقتضت إنزاله ، والمراد بالحق ~~الثاني : ما اشتمل عليه هذا القرآن من عقائد وعبادات وآداب وأحكام ومعاملات ... # والباء في الموضعين للملابسة ، والجار والمجرور في موضع الحال من ضمير ~~القرآن الذي دل الكلام على أن الحديث عنه. # والمعنى : وإن هذا القرآن ما أنزلناه إلا ملتبسا بالحق الذي تقتضيه ~~حكمتنا ، وما أنزلناه إلا وهو مشتمل على كل ما هو حق من العقائد والعبادات ~~وغيرهما. فالحق سداه ولحمته ، والحق مادته وغايته. # قال بعض العلماء : بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة ، أنه أنزل هذا ~~القرآن بالحق ، أى : ملتبسا به متضمنا له ، فكل ما فيه حق ، فأخباره صدق. ~~وأحكامه عدل ، كما قال تعالى : ( @QUR@08 وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل ~~لكلماته ... ) وكيف لا ، وقد ms3622 أنزله سبحانه بعلمه ، كما قال تعالى ( ~~@QUR@013 لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه ، والملائكة يشهدون وكفى ~~بالله شهيدا ). # وقوله ( @QUR@02 وبالحق نزل ) يدل على أنه لم يقع فيه تغيير ولا تبديل في ~~طريق إنزاله ، لأن الرسول المؤتمن على إنزاله قوى لا يغلب عليه ، حتى يغير ~~فيه ، أمين لا يغير ولا يبدل ، كما أشار إلى هذا سبحانه بقوله : ( @QUR@013 ~~إنه لقول رسول كريم. ذي قوة عند ذي العرش مكين. مطاع ثم أمين ) (2). PageV08P448 # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا ) ثناء على ~~الرسول صلى الله عليه وسلم الذي نزل عليه القرآن ، بعد الثناء على القرآن في ذاته. # أى : وما أرسلناك أيها الرسول الكريم إلا مبشرا لمن أطاعنا بالثواب ، ~~وإلا منذرا لمن عصانا بالعقاب. ولم نرسلك لتخلق الهداية في القلوب ، فإن ~~ذلك من شأن الله تعالى. # ثم بين سبحانه الحكم التي من أجلها أنزل القرآن مفصلا ومنجما ، فقال : ( ~~@QUR@09 وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا ). # ولفظ : ( @QUR@01 قرآنا ) منصوب بفعل مضمر أى : وآتيناك قرآنا. # وقوله : ( @QUR@01 فرقناه ) أى : فصلناه. أو فرقنا فيه بين الحق والباطل. ~~أو أنزلناه منجما مفرقا. # قال الجمل : وقراءة العامة ( @QUR@01 فرقناه ) بالتخفيف. أى : بينا حلاله ~~وحرامه ... # وقرأ على وجماعة من الصحابة وغيرهم بالتشديد وفيه وجهان : أحدهما : أن ~~التضعيف للتكثير. أى : فرقنا آياته بين أمر ونهى وحكم وأحكام. ومواعظ ~~وأمثال وقصص وأخبار. والثاني : أنه دال على التفريق والتنجيم» (1). # وقوله ( @QUR@02 على مكث ) أى : على تؤدة وتمهل وحسن ترتيل ، إذ المكث ~~التلبث في المكان ، والإقامة فيه انتظارا لأمر من الأمور. # والمعنى : «ولقد أنزلنا إليك أيها الرسول هذا القرآن ، مفصلا في أوامره ~~ونواهيه ، وفي أحكامه وأمثاله ... ومنجما في نزوله لكي تقرأه على الناس على ~~تؤدة وتأن وحسن ترتيل ، حتى يتيسر لهم حفظه بسهولة ، وحتى يتمكنوا من تطبيق ~~تشريعاته وتوجيهاته تطبيقا عمليا دقيقا. # وهكذا فعل الصحابة رضى الله عنهم : فإنهم لم يكن القرآن بالنسبة لهم متعة ~~عقلية ونفسية فحسب ، وإنما كان القرآن بجانب حبهم الصادق لقراءته وللاستماع ~~إليه منهجا لحياتهم ، يطبقون أحكامه وأوامره ونواهيه وآدابه ... في ms3623 جميع ~~أحوالهم الدينية والدنيوية. # قال أبو عبد الرحمن السلمى : حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن ، أنهم ~~كانوا يستقرئون عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم ~~يتركوها حتى يعملوا بما فيها «فتعلمنا القرآن والعمل جميعا». PageV08P449 # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 ونزلناه تنزيلا ) أى : ونزلناه تنزيلا مفرقا ~~منجما عليك يا محمد في مدة تصل إلى ثلاث وعشرين سنة ، على حسب ما تقتضيه ~~حكمتنا ، وعلى حسب الحوادث والمصالح ، وليس من أجل تيسير حفظه فحسب. # ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخاطب المشركين بما يدل على ~~هوان شأنهم. وعلى عدم المبالاة بهم ، فقال تعالى : ( @QUR@018 قل آمنوا به ~~أو لا تؤمنوا ، إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان ~~سجدا ... ). # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الجاهلين. الذين طلبوا منك ما هو خارج ~~عن رسالتك ، والذين وصفوا القرآن بأنه أساطير الأولين : قل لهم : آمنوا ~~بهذا القرآن أو لا تؤمنوا به ، لأن إيمانكم به ، لا يزيده كمالا ، وعدم ~~إيمانكم به لا ينقص من شأنه شيئا ، فإن علماء أهل الكتاب الذين آتاهم الله ~~العلم قبل نزول هذا القرآن ، وميزوا بين الحق والباطل ، كانوا إذا تلى ~~عليهم هذا القرآن ، كأمثال عبد الله بن سلام وأصحابه «يخرون للأذقان سجدا» ~~أى : يسقطون على وجوههم ساجدين لله تعالى شكرا له على إنجاز وعده ، بإرسالك ~~أيها الرسول الكريم وبإنزال القرآن عليك ، كما وعد بذلك سبحانه في كتبه ~~السابقة. # فالجملة الكريمة : ( @QUR@04 إن الذين أوتوا العلم .. ) تعليل لعدم ~~المبالاة بهؤلاء المشركين الجاهلين ، والضمير في قوله : ( @QUR@02 من قبله ~~) يعود إلى القرآن الكريم. # وقوله : ( @QUR@03 يخرون للأذقان سجدا ) يدل على قوة إيمانهم ، وعلى سرعة ~~تأثرهم بهذا القرآن ، فهم بمجرد تلاوته عليهم ، يسقطون على وجوههم ساجدين ~~لله تعالى . # وخصت الأذقان بالذكر ، لأن الذقن أول جزء من الوجه يقرب من الأرض عند ~~السجود ، ولأن ذلك يدل على نهاية خضوعهم لله تعالى وتأثرهم بسماع القرآن ~~الكريم : # ثم حكى سبحانه ما يقولونه في سجودهم فقال : ( @QUR@08 ويقولون سبحان ربنا ~~إن كان وعد ربنا لمفعولا ms3624 ). # أى : ويقولون في سجودهم ، ننزه ربنا عز وجل عن كل ما يقوله الجاهلون بشأنه ~~، إنه تعالى كان وعده منجزا ومحققا لا شك في ذلك. # ثم كرر سبحانه مدحه لهم فقال : ( @QUR@04 ويخرون للأذقان يبكون ، ويزيدهم ~~) أى سماع القرآن ( @QUR@01 خشوعا ) وخضوعا لله عز وجل . PageV08P450 # وكرر سبحانه خرورهم على وجوههم ساجدين لله تعالى لاختلاف السبب ، فهم ~~أولا أسرعوا بالسجود لله تعظيما له سبحانه وشكرا له على إنجازه لوعده. # وهم ثانيا أسرعوا بالسجود ، لفرط تأثرهم بمواعظ القرآن الكريم. # فأنت ترى هاتين الآيتين قد أمرتا النبي صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن ~~المشركين ، وباحتقارهم وبازدراء شأنهم ، فإن الذين هم خير منهم وأفضل وأعلم ~~قد آمنوا. # وفي ذلك ما فيه من التسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكأن الله تعالى ~~يقول له : يا محمد تسل عن إيمان هؤلاء الجهلاء ، بإيمان العلماء. # هذا ، وقد أخذ العلماء من هاتين الآيتين أن البكاء من خشية الله ، يدل ~~على صدق الإيمان ، وعلى نقاء النفس ، ومن الأحاديث التي وردت في فضل ذلك ، ~~ما أخرجه الترمذي عن ابن عباس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ~~«عينان لا تمسهما النار : عين بكت من خشية الله ، وعين باتت تحرس في سبيل الله». # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بآيتين دالتين على تفرده سبحانه بالتقديس ~~والتعظيم والتمجيد والعبادة ، فقال تعالى : # ( @QUR@022 قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء ~~الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا (110) @QUR@021 ~~وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي ~~من الذل وكبره تكبيرا ) (111) # ذكر المفسرون في سبب نزول قوله تعالى : ( @QUR@012 قل ادعوا الله أو ~~ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى .. ) ذكروا روايات منها : ما ~~أخرجه ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال : وصلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بمكة ذات يوم فدعا الله تعالى فقال : يا الله ، يا رحمن ، ~~فقال المشركون : انظروا إلى هذا الصابئ ينهانا أن ندعو ms3625 إلهين وهو يدعو PageV08P451 # إلهين فنزلت (1). # ومعنى : ادعوا ، سموا ، و ( @QUR@01 أو ) للتخيير. و ( @QUR@01 أيا ) اسم ~~شرط جازم منصوب على المفعولية بقوله : ( @QUR@01 ادعوا ) والمضاف إليه ~~محذوف ، أى : أى الاسمين. و ( @QUR@01 تدعوا ) مجزوم على أنه فعل الشرط ~~لأيا ، وجملة ( @QUR@03 فله الأسماء الحسنى ) واقعة موقع جواب الشرط ، و ( ~~@QUR@01 ما ) مزيدة للتأكيد. والحسنى : مؤنث الأحسن الذي هو أفعل تفضيل. # والمعنى : قل يا محمد للناس : سموا المعبود بحق بلفظ الله أو بلفظ الرحمن ~~بأى واحد منهما سميتموه فقد أصبتم ، فإنه تعالى له الأسماء الأحسن من كل ما ~~سواه ، وقال سبحانه : ( @QUR@03 فله الأسماء الحسنى ) للمبالغة في كمال ~~أسمائه تعالى وللدلالة على أنه ما دامت أسماؤه كلها حسنة ، فلفظ الله ولفظ ~~الرحمن كذلك ، كل واحد منهما حسن. # وقد ذكر الجلالان عند تفسيرهما لهذه الآية ، أسماء الله الحسنى ، فارجع ~~إليها إن شئت (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@010 ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك ~~سبيلا ) تعليم من الله تعالى لنبيه كيفية أفضل طرق القراءة في الصلاة. # فالمراد بالصلاة هنا : القراءة فيها. والجهر بها : رفع الصوت أثناءها ، ~~والمخافتة بها : خفضه بحيث لا يسمع. يقال : خفت الرجل بصوته إذا لم يرفعه ، ~~والكلام على حذف مضاف. # والمعنى : ولا تجهر يا محمد في قراءتك خلال الصلاة ، حتى لا يسمعها ~~المشركون فيسبوا القرآن ، ولا تخافت بها ، حتى لا يسمعها من يكون خلفك ، بل ~~أسلك في ذلك طريقا وسطا بين الجهر والمخافتة. # ومما يدل على أن المراد بالصلاة هنا : القراءة فيها ، ما رواه الشيخان ~~وغيرهما عن ابن عباس. # قال : نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختف بمكة ، فكان إذا صلى بأصحابه ~~رفع صوته بالقرآن ، فإذا سمع ذلك المشركون ، سبوا القرآن ، ومن أنزله ، ومن ~~جاء به ، فأمره الله بالتوسط. # وقيل : المراد بالصلاة هنا : الدعاء. أى : لا ترفع صوتك وأنت تدعو الله ، ~~ولا تخافت به. وقد روى ذلك عن عائشة ، فقد أخرج الشيخان عنها أنها نزلت في ~~الدعاء. PageV08P452 # ويبدو لنا أن التوجيهات التي بالآية الكريمة تتسع للقولين ، أى : أن على ~~المسلم أن يكون متوسطا في رفع صوته ms3626 بالقراءة في الصلاة ، وفي رفع صوته حال دعائه. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بهذه الآية : ( @QUR@07 وقل الحمد لله الذي ~~لم يتخذ ولدا ... ). # أى : وقل أيها الرسول الكريم : الحمد الكامل ، والثناء الجميل ، لله ~~تعالى وحده ، الذي لم يتخذ ولدا ؛ لأنه هو الغنى ، كما قال تعالى : ( ~~@QUR@014 قالوا اتخذ الله ولدا ، سبحانه هو الغني ، له ما في السماوات وما ~~في الأرض .. ) (1). # ولم يكن له ، سبحانه ( @QUR@03 شريك في الملك ) بل هو المالك لكل شيء ، ~~ليس له في هذا الكون من يزاحمه أو يشاركه في ملكه أو في عبادته. كما قال ~~تعالى : ( @QUR@019 قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي ~~العرش سبيلا. سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا ) (2). # وكما قال عز وجل : ( @QUR@024 ما اتخذ الله من ولد ، وما كان معه من إله ، ~~إذا لذهب كل إله بما خلق ، ولعلا بعضهم على بعض ، سبحان الله عما يصفون ) (3). # ( @QUR@06 ولم يكن له ولي من الذل ) أى : ولم يكن له سبحانه ناصر ينصره ~~من ذل أصابه أو نزل به ، لأنه عز وجل هو أقوى الأقوياء ، وقاهر الجبابرة ، ~~ومذل الطغاة ، ( @QUR@08 ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ). # ( @QUR@02 وكبره تكبيرا ) أى : وعظمه تعظيما تاما كاملا ، يليق بجلاله ~~عز وجل . # قال الإمام ابن كثير : عن قتادة أنه قال : ذكر لنا أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يعلم أهله كبيرهم وصغيرهم هذه الآية. ( @QUR@06 الحمد ~~لله الذي لم يتخذ ولدا ... ). # ثم قال ابن كثير : وقد جاء في حديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماها ~~آية العز (4). PageV08P453 # وبعد : فهذا تفسير لسورة الإسراء نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه ، ~~ونافعا لعباده ، وشافعا لنا يوم نلقاه ( @QUR@09 يوم لا تملك نفس لنفس شيئا ~~والأمر يومئذ لله ). # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. |المدينة المنورة مساء الخميس 15 من جمادى الأولى سنة 1404 ه الموافق 16 من فبراير سنة 1984 م|كتبه الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى| PageV08P454 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الكهف PageV08P455 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة # الحمد ms3627 لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ، وعلى آله ~~وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. # وبعد : فقد كان من فضل الله عز وجل على ، أن أعارتنى جامعة الأزهر إلى قسم ~~الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. # وقد امتدت هذه الإعارة لمدة أربع سنوات ، من سنة 1400 إلى 1404 ه 1980 ~~1984 م. # وقد وفقني الله تعالى خلال هذه المدة ، أن أكتب وأنا في الجوار الطيب ~~تفسيرا محررا ونافعا إن شاء الله لسور : يونس ، وهود ، ويوسف ، والرعد ، ~~وإبراهيم ، والحجر ، والنحل ، والإسراء. # وها أنا ذا وأنا في الأشهر الأخيرة من الإعارة انتهى من كتابة تفسير سورة الكهف. # أسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده ، وأن ~~يعينني على خدمة كتابه الكريم ، وعلى السير في تفسيره حتى النهاية ، وأن ~~يزيل من طريقي كل عقبة تمنعني من ذلك. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. |المدينة المنورة مساء الخميس 18 من رجب سنة 1404 ه. 19 من إبريل سنة ~~1984|م د / محمد سيد طنطاوى| PageV08P457 ### ||| * تمهيد # 1 سورة الكهف هي السورة الثامنة عشرة في ترتيب سور المصحف ، فقد سبقتها ~~في الترتيب سور : الفاتحة ، والبقرة ، وآل عمران .. إلخ. # أما ترتيبها في النزول ، فهي السورة الثامنة والستون ، فقد ذكر قبلها ~~صاحب الإتقان سبعا وستين سورة ، كما ذكر أن نزولها كان بعد سورة الغاشية (1). # ومما ذكره صاحب الإتقان يترجح لدينا ، أن سورة الكهف من أواخر السور ~~المكية التي نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة ، إذ من المعروف ~~عند العلماء أن السور المكية زهاء اثنتين وثمانين سورة. # قال الآلوسي : سورة الكهف ، ويقال لها سورة أصحاب الكهف .. وهي مكية كلها ~~في المشهور ، واختاره الداني .. وعدها بعضهم من السور التي نزلت جملة واحدة. # وقيل : مكية إلا قوله تعالى ( @QUR@08 واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي .. ) الآية. # وقيل هي مكية إلا أولها إلى قوله تعالى ( @QUR@01 جرزا ) وقيل : مكية إلا ~~قوله تعالى ( @QUR@010 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم ms3628 جنات ~~الفردوس نزلا .. ) إلى آخر السورة. # وهي مائة وإحدى عشرة آية عند البصريين ، ومائة وعشر آيات عند الكوفيين ~~... (2). # والذين تطمئن إليه النفس أن سورة الكهف كلها مكية ، وقد ذكر ذلك دون أن ~~يستثنى منها شيئا الإمام ابن كثير ، والزمخشري ، وأبو حيان ، وغيرهم ، ~~وفضلا عن ذلك فالذين قالوا بأن فيها آيات مدنية ، لم يأتوا بما يدل على صحة ~~قولهم ، كما سيتبين لنا عند تفسير الآيات التي قيل بأنها مدنية. # 2 وقد صدر الامام ابن كثير تفسيره لهذه السورة ، بذكر الأحاديث التي وردت ~~في فضلها فقال ما ملخصه : ذكر ما ورد في فضلها ، والعشر الآيات من أولها ~~وآخرها ، وأنها عصمة من الدجال. PageV08P459 # قال الامام أحمد : حدثنا يزيد ، أخبرنا همام بن يحيى ، عن قتادة ، عن ~~سالم بن أبى الجعد ، عن معدان بن أبى طلحة ، عن أبى الدرداء عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف ، عصم من ~~الدجال». # وفي رواية عن أبى الدرداء ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : «من قرأ العشر ~~الأواخر من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال». # وأخرج الحاكم عن أبى سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ~~«من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة ، أضاء له من النور ما بينه وبين ~~الجمعتين (1)». # 3 عرض إجمالى لسورة الكهف : # (أ) عند ما نقرأ سورة الكهف ، نراها في مطلعها تفتتح بالثناء على الله ~~تعالى وبالتنويه بشأن النبي صلى الله عليه وسلم وبالقرآن الذي نزل عليه ثم ~~تنذر الذين نسبوا إلى الله عز وجل مالا يليق به ، وتصمهم بأقبح ألوان الكذب ~~، ثم تنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التأسف عليهم ، بسبب إصرارهم على كفرهم. # قال تعالى : ( @QUR@051 الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له ~~عوجا. قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ، ويبشر المؤمنين الذين يعملون ~~الصالحات أن لهم أجرا حسنا. ماكثين فيه أبدا. وينذر الذين قالوا اتخذ الله ~~ولدا. ما لهم به من علم ولا لآبائهم ، كبرت كلمة تخرج من ms3629 أفواههم إن يقولون ~~إلا كذبا ). # (ب) ثم ساقت السورة بعد ذلك فيما يقرب من عشرين آية قصة أصحاب الكهف ، ~~فحكت أقوالهم عند ما التجأوا إلى الكهف ، وعند ما استقروا فيه واتخذوه مأوى ~~لهم ، كما حكت جانبا من رعاية الله ، تعالى ، لهم ، ورحمته بهم .. ثم صورت ~~أحوالهم وهم رقود ، وذكرت تساؤلهم فيما بينهم بعد أن بعثهم الله تعالى من ~~رقادهم الطويل ، وإرسالهم أحدهم إلى المدينة لإحضار بعض الأطعمة ، وإطلاع ~~الناس عليهم. وتنازعهم في أمرهم ، ونهى الله تعالى عن الجدال في شأنهم ، ~~كما ذكرت المدة التي لبثوها في كهفهم. # قال تعالى ( @QUR@031 ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا ، قل ~~الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض. أبصر به وأسمع ما لهم من دونه ~~من ولي ، ولا يشرك في حكمه أحدا ). PageV08P460 # (ج) ثم أمرت السورة الكريمة النبي صلى الله عليه وسلم برعاية الفقراء من ~~أصحابه. ومدحتهم بأنهم يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه .. كما أمرته ~~بأن يجهر بكلمة الحق ، فمن شاء بعد ذلك فليؤمن ومن شاء فليكفر ، فإن الله ~~تعالى قد أعد لكل فريق ما يستحقه من ثواب أو عقاب. # قال تعالى ( @QUR@040 وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ، ومن شاء فليكفر ~~، إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها ، وإن يستغيثوا يغاثوا بماء ~~كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا. إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ). # (د) ثم ضربت السورة الكريمة مثلا للشاكرين والجاحدين ، وصورت بأسلوب بليغ ~~مؤثر تلك المحاورة الرائعة التي دارت بين صاحب الجنتين الغنى المغرور ، ~~وبين صديقه الفقير المؤمن الشكور ، وختمت هذه المحاورة ببيان العاقبة ~~السيئة لهذا الجاهل الجاحد. # استمع إلى القرآن وهو يبين ذلك بأسلوبه فيقول : ( @QUR@031 وأحيط بثمره ، ~~فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ، ويقول : يا ليتني ~~لم أشرك بربي أحدا. ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا ). # (ه) ثم أتبعت السورة هذا المثل للرجلين ، بمثال آخر لزوال الحياة الدنيا ~~وزينتها ، وببيان ms3630 أحوال الناس يوم القيامة ، وأحوال المجرمين عند ما يرون ~~صحائف أعمالهم وقد خلت من كل خير. # قال تعالى : ( @QUR@047 واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من ~~السماء ، فاختلط به نبات الأرض ، فأصبح هشيما تذروه الرياح ، وكان الله على ~~كل شيء مقتدرا ، المال والبنون زينة الحياة الدنيا ، والباقيات الصالحات ~~خير عند ربك ثوابا وخير أملا. ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم ~~فلم نغادر منهم أحدا ). # (و) وبعد أن ذكرت السورة الكريمة طرفا من قصة آدم وإبليس ، وبينت أن هذا ~~القرآن قد صرف الله فيه للناس من كل مثل ، وحددت وظيفة المرسلين عليهم ~~الصلاة والسلام. # بعد كل ذلك ساقت في أكثر من عشرين آية قصة موسى مع الخضر عليهما السلام ~~وحكت ما دار بينهما من محاورات. انتهت بأن قال الخضر لموسى : ( @QUR@011 ~~وما فعلته عن أمري ، ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا ). # (ز) ثم جاءت بعد قصة موسى والخضر عليهما السلام قصة ذي القرنين في ست PageV08P461 # عشرة آية ، بين الله ، تعالى ، فيها جانبا من النعم التي أنعم بها على ذي ~~القرنين ، ومن الأعمال العظيمة التي مكنه سبحانه من القيام بها. # قال تعالى ( @QUR@045 حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا ~~يكادون يفقهون قولا. قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض ~~فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا. قال ما مكني فيه ربي خير ~~فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما ). # (ح) ثم ختمت السورة الكريمة ببيان ما أعده سبحانه للكافرين من سوء العذاب ~~وما أعده للمؤمنين من جزيل الثواب ، وببيان مظاهر قدرته ، عز وجل التي توجب ~~على كل عاقل أن يخلص له العبادة والطاعة. # قال تعالى : ( @QUR@097 قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا. الذين ضل سعيهم ~~في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. أولئك الذين كفروا بآيات ~~ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا. ذلك جزاؤهم جهنم ~~بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا. إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت ~~لهم جنات الفردوس ms3631 نزلا. خالدين فيها لا يبغون عنها حولا. قل لو كان البحر ~~مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ، ولو جئنا بمثله مددا. ~~قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد. فمن كان يرجوا لقاء ~~ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ). # 4 وبعد : فهذا عرض إجمالى لأهم الموضوعات التي اشتملت عليها سورة الكهف ، ~~ومن هذا العرض نرى : # (أ) أن القصص قد اشتمل على جانب كبير من آياتها ، ففي أوائلها نرى قصة ~~أصحاب الكهف ، وبعدها قصة الرجلين اللذين جعل الله لأحدهما جنتين من أعناب. ~~ثم بعد ذلك جاء طرف من قصة آدم وإبليس ، ثم جاءت قصة موسى والخضر ~~عليهما السلام ثم ختمت بقصة ذي القرنين. # وقد وردت هذه القصص في أكثر من سبعين آية ، من سورة الكهف المشتملة على ~~عشر آيات بعد المائة. # (ب) اهتمت السورة الكريمة بإقامة الأدلة على وحدانية الله تعالى وعلى صدق ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عنه ، وعلى إثبات أن هذا القرآن من عنده تعالى. # نرى ذلك في أمثال قوله تعالى ( @QUR@017 الحمد لله الذي أنزل على عبده ~~الكتاب ولم يجعل له عوجا. قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ). PageV08P462 # الافتتاح ، إلا أن لكل سورة طريقتها في بيان الأسباب التي من شأنها أن ~~تقنع الناس ، بأن المستحق للحمد المطلق هو الله تعالى وحده (1). # وإنما كان الحمد مقصورا في الحقيقة على الله تعالى ، لأن كل ما يستحق أن ~~يقابل بالثناء فهو صادر عنه ، ومرجعه إليه ؛ إذ هو الخالق لكل شيء ، وما ~~يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم ، فهو في الحقيقة حمد لله ، لأنه ~~سبحانه هو الذي وفقهم لذلك ، وأعانهم عليه. # وقد بين بعض المفسرين الحكمة في افتتاح بعض السور بلفظ الحمد دون المدح ~~أو الشكر فقال ما ملخصه : «أعلم أن المدح أعم من الحمد ، وأن الحمد أعم من ~~الشكر ، أما بيان أن المدح أعم من الحمد ، فلأن المدح يحصل للعاقل ولغير ~~العاقل ، فقد يمدح الرجل لعقله ، ويمدح اللؤلؤ ms3632 لحسن شكله. # وأما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار ، على ما يصدر منه من ~~الإنعام ، فثبت أن المدح أعم من الحمد. # وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر ، فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل ~~لأجل ما صدر عنه من الإنعام ، سواء أكان ذلك الإنعام واصلا إليك أم إلى ~~غيرك ، وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك وحدك ، فثبت أن ~~الحمد أعم من الشكر. # وكان قوله ( @QUR@02 الحمد لله ) تصريحا بأن المؤثر في وجود العالم هو ~~الفاعل المختار ، الذي وصلت نعمه إلى جميع خلقه ، لا إلى بعضهم .. ، (2). # وقوله : ( @QUR@010 الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. قيما .. ~~) بيان للأسباب التي توجب على الناس أن يجعلوا حمدهم وعبادتهم لله تعالى ~~وحده ، إذ الوصف بالموصول ، يشعر بعلية ما في حيز الصلة لما قبله. # والعوج بكسر العين أكثر ما يكون استعمالا في المعاني ، تقول ، هذا كلام ~~لا عوج فيه ، أى : لا ميل فيه. # أما العوج بفتح العين فأكثر ما يكون استعمالا في الأعيان تقول : هذا حائط ~~فيه عوج. # وقوله : ( @QUR@01 قيما ) أى : مستقيما معتدلا لا ميل فيه ولا زيغ وهما ~~أى : عوجا وقيما PageV08P463 # حالان من الكتاب ويصح أن يكون قوله ( @QUR@01 قيما ) منصوبا بفعل محذوف ~~أى : جعله قيما. # والمعنى : الحمد الكامل ، والثناء الدائم ، لله تعالى وحده ، الذي أنزل ~~على عبده محمد صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم ، ولم يجعل فيه شيئا من العوج ~~أو الاختلاف أو التناقض ، لا في لفظه ، ولا في معناه ، وإنما جعله في أسمى ~~درجات الاستقامة والإحكام. # وإنما أمر الله تعالى الناس بأن يحمدوه لإنزال الكتاب على عبده محمد ~~صلى الله عليه وسلم لأن في هذا الكتاب من الهدايات ما يخرجهم من الظلمات إلى ~~النور ، وما يسعدهم في دينهم ودنياهم وآخرتهم. # وفي التعبير عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبد ، مضافا إلى ضميره تعالى ، ~~تعظيم وتشريف له صلى الله عليه وسلم وإشعار بأنه مهما سمت منزلته ، وعلت ~~مكانته «فهو عبد الله تعالى ، وأن الذين عبدوا أو أشركوا مع الله ms3633 تعالى بعض ~~مخلوقاته ، قد ضلوا ضلالا بعيدا. # والتعبير عن القرآن الكريم بالكتاب ، إشارة إلى كماله وشهرته ، أى : أنزل ~~سبحانه على عبده محمد صلى الله عليه وسلم الكتاب الكامل في بابه ، الغنى عن ~~التعريف ، الحقيق باختصاص هذا الاسم به ، المعروف بهذا الاسم من بين سائر الكتب. # والمراد به إما جميع القرآن الكريم سواء منه ما نزل فعلا وما هو مترقب ~~النزول ، وإما ما نزل منه فقط حتى نزول هذه الآية فيكون من باب التعبير عن ~~البعض بالكل تحقيقا للنزول للجميع. # وجاء لفظ «عوجا» بصيغة التنكير ، ليشمل النهى جميع أنواع الميل والعوج ، ~~إذ النكرة في سياق النفي تعم ، أى : لم يجعل له سبحانه أى شيء من العوج. ~~وقوله : ( @QUR@01 قيما ) تأكيد في المعنى لقوله سبحانه : ( @QUR@04 ولم ~~يجعل له عوجا ) لأنه قد يكون الشيء مستقيما في الظاهر ، إلا أنه لا يخلو عن ~~اعوجاج في حقيقة الأمر ، ولذا جمع سبحانه بين نفى العوج ، وإثبات ~~الاستقامة. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما فائدة الجمع بين نفى العوج وإثبات ~~الاستقامة ، وفي أحدهما غنى عن الآخر؟ # قلت : فائدته التأكيد ، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة ، ولا يخلو من ~~أدنى عوج عند السبر والتصفح ، وقيل : قيما على سائر الكتب ، مصدقا لها ، ~~شاهدا بصحتها ، وقيل : قيما بمصالح العباد وما لا بد لهم منه من الشرائع (1). PageV08P464 # وشبيه بهذه الآية في مدح القرآن الكريم قوله تعالى : ( @QUR@015 كتاب ~~أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز ~~الحميد ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم .. ) (2). # وقوله عز وجل : ( @QUR@018 ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ~~لعلهم يتذكرون. قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون ) (3). # وقوله تعالى : ( @QUR@013 أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله ~~لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) (4). # ثم شرع سبحانه في بيان وظيفة القرآن الكريم ، بعد أن وصفه بالاستقامة ~~والإحكام ، فقال : ( @QUR@05 لينذر بأسا شديدا من لدنه ... ). # والإنذار : الإعلام المقترن بتخويف وتهديد ، فكل إنذار إعلام ، ولبس كل ~~إعلام إنذارا. # واللام في قوله ( @QUR@01 لينذر ) متعلقة بأنزل ms3634 ، والبأس : العذاب ، وهو ~~المفعول الثاني للفعل ينذر ، ومفعوله الأول محذوف. # والمعنى : أنزل سبحانه على عبده الكتاب حالة كونه لم يجعل له عوجا بل ~~جعله مستقيما ، لينذر الذين كفروا عذابا شديدا ، صادرا من عنده تعالى . # والتعبير بقوله ( @QUR@02 من لدنه ) يشعر بأنه عذاب ليس له دافع ، لأنه ~~من عند الله تعالى القاهر فوق عباده. # أما وظيفة القرآن بالنسبة للمؤمنين ، فقد بينها سبحانه بعد ذلك في قوله : ~~( @QUR@012 ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات. أن لهم أجرا حسنا. ~~ماكثين فيه أبدا ). # أى : أنزل الله هذا القرآن ، ليخوف به الكافرين من عذابه ، وليبشر به ~~المؤمنين الذين يعملون الأعمال الصالحات ، أن لهم من خالقهم عز وجل أجرا ~~حسنا هو الجنة ونعيمها ، ( @QUR@03 ماكثين فيه أبدا ) أى : مقيمين فيه ~~إقامة باقية دائمة لا انتهاء لها ، فالضمير في قوله ( @QUR@01 فيه ) يعود ~~إلى الأجر الذي يراد به الجنة. PageV08P465 # قال تعالى : ( @QUR@010 فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به ~~قوما لدا ) (1). # ثم خص سبحانه بالإنذار فرقة من الكافرين ، نسبوا إلى الله تعالى ما هو ~~منزه عنه ، فقال : ( @QUR@022 وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا. ما لهم به ~~من علم ولا لآبائهم : كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ). # فقوله سبحانه هنا : ( @QUR@06 وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا .. ) ~~معطوف على قوله قبل ذلك ( @QUR@05 لينذر بأسا شديدا من لدنه ) من باب عطف ~~الخاص على العام لأن الإنذار في الآية الأولى يشمل جميع الكافرين ومن بينهم ~~الذين نسبوا إلى الله تعالى الولد. # والمراد بهم اليهود والنصارى ، وبعض مشركي العرب ، قال تعالى ( @QUR@010 ~~وقالت اليهود عزير ابن الله ، وقالت النصارى المسيح ابن الله ) (2). # وقال سبحانه : ( @QUR@07 ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون ) (3). # قال الآلوسي : وترك سبحانه إجراء الموصول على الموصوف هنا ، حيث لم يقل ~~وينذر الكافرين الذين قالوا .. كما قال في شأن المؤمنين : ويبشر المؤمنين ~~الذين .. للإيذان بكفاية ما في حيز الصلة في الكفر على أقبح الوجوه. وإيثار ~~صيغة الماضي في الصلة ، للدلالة ، على تحقيق صدور تلك الكلمة القبيحة عنهم ~~فيما سبق (4). # وقوله تعالى : ( @QUR@07 ما لهم ms3635 به من علم ولا لآبائهم ) توبيخ لهم على ~~تفوههم بكلام يدل على إيغالهم في الجهل والبهتان. # أى : ما نسبوه إلى الله تعالى من الولد ، ليس لهم بهذه النسبة علم ، ~~وكذلك ليس لآبائهم بهذه النسبة علم ، لأن ذلك مستحيل له تعالى ، كما قال ~~عز وجل : ( @QUR@033 وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم ، وخرقوا له بنين وبنات ~~بغير علم ، سبحانه وتعالى عما يصفون. بديع السماوات والأرض ، أنى يكون له ~~ولد ، ولم تكن له صاحبة ، وخلق كل شيء ، وهو بكل شيء عليم ) (5). # و «من» في قوله : ( @QUR@05 ما لهم به من علم ) مزيدة لتأكيد النفي ، ~~والجملة مستأنفة ، PageV08P466 # و «لهم» خبر مقدم ، و «من علم» مبتدأ مؤخر ، وقوله ( @QUR@02 ولا لآبائهم ) ~~معطوف على الخبر. # أى : ما لهم بذلك شيء من العلم أصلا ، وكذلك الحال بالنسبة لآبائهم ، ~~فالجملة الكريمة تنفى ما زعموه نفيا يشملهم ويشمل الذين سبقوهم وقالوا قولهم. # قال الكرخي : فإن قيل : اتخاذ الولد محال في نفسه ، فكيف قال : ( @QUR@05 ~~ما لهم به من علم؟ ) فالجواب أن انتفاء العلم بالشيء قد يكون للجهل بالطريق ~~الموصل إليه ، وقد يكون لأنه في نفسه محال لا يمكن تعلق العلم به ، ونظيره ~~قوله تعالى : ( @QUR@010 ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@09 كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ) ~~ذم شديد لهم على ما نطقوا به من كلام يدل على فرط جهلهم ، وعظم كذبهم. # وكبر : فعل ماض لإنشاء الذم ، فهو من باب نعم وبئس ، وفاعله ضمير محذوف ، ~~مفسر بالنكرة بعده وهي قوله ( @QUR@01 كلمة ) المنصوبة على أنها تمييز ، ~~والمخصوص بالذم محذوف. # والتقدير : كبرت هي كلمة خارجة من أفواههم تلك المقالة الشنعاء التي ~~تفوهوا بها ، وهي قولهم : اتخذ الله ولدا فإنهم ما يقولون إلا قولا كاذبا ~~محالا على الله تعالى ومخالفا للواقع ؛ ومنافيا للحق والصواب. # وفي هذا التعبير ما فيه من استعظام قبح ما نطقوا به ، حيث وصفه سبحانه ~~بأنه مجرد كلام لاكته ألسنتهم ، ولا دليل عليه سوى كذبهم وافترائهم. # قال صاحب الكشاف : قوله ( @QUR@02 كبرت كلمة ) قرئ ، كبرت كلمة ms3636 بالرفع ~~على الفاعلية ، وبالنصب على التمييز ، والنصب أقوى وأبلغ ، وفيه معنى ~~التعجب كأنه قيل : ما أكبرها كلمة. # وقوله ( @QUR@03 تخرج من أفواههم ) صفة للكلمة تفيد استعظاما لاجترائهم ~~على النطق به ، وإخراجها من أفواههم ، فإن كثيرا مما يوسوسه الشيطان في ~~قلوب الناس ويحدثون أنفسهم به من المنكرات ، لا يتمالكون أن يتفوهوا به ، ~~ويطلقوا به ألسنتهم ، بل يكظمون عليه تشورا من إظهاره ؛ فكيف بهذا المنكر؟ # فإن قلت : إلام يرجع الضمير في «كبرت»؟ قلت : إلى قولهم اتخذ الله ولدا. وسميت PageV08P467 # كلمة كما يسمون القصيدة بها (1). # وشبيه بهذه الآية في استعظام ما نطقوا به من قبح قوله تعالى : ( @QUR@027 ~~وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ، لقد جئتم شيئا إدا ، تكاد السماوات يتفطرن منه ~~وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا. أن دعوا للرحمن ولدا. وما ينبغي للرحمن أن ~~يتخذ ولدا ) (2). # ثم ساق سبحانه ما يسلى الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من حزن بسبب ~~إعراض المشركين عن دعوة الحق ، فقال تعالى : ( @QUR@011 فلعلك باخع نفسك ~~على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ). # قال بعض العلماء ما ملخصه : اعلم أولا أن لفظة لعل تكون للترجى في ~~المحبوب ، وللإشفاق في المحذور. واستظهر أبو حيان أن لعل هنا للإشفاق عليه ~~صلى الله عليه وسلم أن يبخع نفسه لعدم إيمانهم. # وقال بعضهم إن لعل هنا للنهى. أى لا تبخع نفسك لعدم إيمانهم .. وهو ~~الأظهر ، لكثرة ورود النهى صريحا عن ذلك ، قال تعالى : ( @QUR@05 فلا تذهب ~~نفسك عليهم حسرات .. ) (3). # وقوله ( @QUR@01 باخع ) من البخع ، وأصله أن تبلغ بالذبح البخاع بكسر ~~الباء وهو عرق يجرى في الرقبة. وذلك أقصى حد الذبح. يقال : بخع فلان نفسه ~~بخعا وبخوعا. أى : قتلها من شدة الغيظ والحزن ، وقوله : ( @QUR@02 على ~~آثارهم ) أى : على أثر توليهم وإعراضهم عنك ، وقوله ( @QUR@01 أسفا ) أى : ~~هما وغما مع المبالغة في ذلك ، وهو مفعول لأجله. # والمعنى : لا تهلك نفسك أيها الرسول الكريم هما وغما ، بسبب عدم إيمان ~~هؤلاء المشركين. وبسبب إعراضهم عن دعوتك ( @QUR@05 فإنما عليك البلاغ ~~وعلينا الحساب )، و ( @QUR@010 إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ms3637 ~~يشاء ). # قال الزمخشري : شبهه سبحانه وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به ، وما ~~داخله من الوجد والأسف على توليهم ، برجل فارقته أحبته وأعزته فهو يتساقط ~~حسرات على آثارهم ؛ ويبخع نفسه وجدا عليهم ، وتلهفا على فراقهم (4). PageV08P468 # وقوله تعالى : ( @QUR@017 إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم ~~أحسن عملا ، وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا ) تعليل للنهى المقصود من ~~الترجي في قوله : ( @QUR@02 فلعلك باخع ... ) وزيادة في تسليته ~~صلى الله عليه وسلم عما أصابه من غم وحزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم. # أى : إنا بمقتضى حكمتنا أيها الرسول الكريم قد جعلنا ما على الأرض من ~~حيوان ونبات وأنهار وبنيان .. زينة لها ولأهلها ( @QUR@04 لنبلوهم أيهم ~~أحسن عملا ) أى : لنختبرهم عن طريق ما جعلنا زينة للأرض ولأهلها : أيهم ~~أتبع لأمرنا ونهينا ، وأسرع في الاستحابة لطاعتنا ، وأبعد عن الاغترار ~~بشهواتها ومتعها. وإنا أيضا بمقتضى حكمتنا ، لجاعلون ما عليهم من هذه ~~الزينة في الوقت الذي نريده لنهاية هذه الدنيا ، «صعيدا» ، أى : ترابا ~~«جرزا» أى : لا نبات فيه ، يقال أرض جرز ، أى : لا تنبت ، أو كان بها نبات ~~ثم زال. # ويقال : جرزت الأرض : إذا ذهب نباتها بسبب القحط ، أو الجراد الذي أتى ~~على نباتها قال تعالى : ( @QUR@017 أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض ~~الجرز ، فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون ) (1). # والمقصود من الآيتين : الزيادة في تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم وفي ~~تسليته عما لحقه من حزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم. # فكأنه سبحانه يقول له : امض أيها الرسول الكريم في تبليغ ما أوحيناه إليك ~~، ولا تبال بإصرار الكافرين على كفرهم ، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات ، فإن ~~حكمتنا قد اقتضت أن نجعل ما على الأرض من كل ما يصلح أن يكون زينة لها ولهم ~~؛ موضع ابتلاء واختبار للناس ، ليتميز المحسن من المسيء ، كما اقتضت حكمتنا ~~أيضا أن نصير ما على هذه الأرض عند انقضاء عمر الدنيا ترابا قاحلا لا نبات ~~فيه ، ويعقب ذلك الجزاء على الأعمال ، وسننتقم لك من أعدائك ( @QUR@08 ~~فاصبر صبرا جميلا. ms3638 إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا ). # وفي التعبير عما على الأرض بالزينة ، إشارة إلى أن ما عليها مهما حسن ~~شكله ، وعظم ثمنه .. فهو إلى زوال ، شأنه في ذلك شأن ما يتزين به الرجال ~~والنساء من ملابس وغيرها ، يتزينون بها لوقت ما ثم يتركونها وتتركهم. # وقوله ( @QUR@04 لنبلوهم أيهم أحسن عملا ) تعليل لما اقتضته حكمته من جعل ~~ما على الأرض زينة لها. PageV08P469 # أى : فعلنا ذلك لنختبر الناس على ألسنة رسلنا ، أيهم أحسن عملا ، بحيث ~~يكون عمله مطابقا لما جئت به أيها الرسول الكريم ، وخالصا لوجهنا ، ومبنيا ~~على أساس الإيمان والعقيدة الصحيحة. # قال تعالى : ( @QUR@017 تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير. الذي ~~خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا ). # وفي الحديث الشريف : «إن الدنيا حلوة خضرة ، وإن الله مستخلفكم فيها ~~فناظر كيف تعملون ، واتقوا الدنيا ، واتقوا النساء ، فإن أول فتنة بنى ~~إسرائيل كانت في النساء». # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا ) زيادة في ~~التزهيد في زينتها ، حيث إن مصيرها إلى الزوال ، وحض على التزود من العمل ~~الصالح الذي يؤدى بالإنسان إلى السعادة الباقية الدائمة. # وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد قررت أن الثناء الكامل إنما هو لله عز وجل ~~، وأن الكتاب الذي أنزله على عبده ونبيه صلى الله عليه وسلم لا عوج فيه ولا ~~ميل ، وأن وظيفة هذا الكتاب إنذار الكافرين بالعقاب ، وتبشير المؤمنين ~~بالثواب ، كما أن من وظيفته تثبيت قلبه صلى الله عليه وسلم وتسليته عما أصابه ~~من أعدائه ، ببيان أن الله تعالى قد جعل هذه الدنيا بما فيها من زينة ، دار ~~اختبار وامتحان ليتبين المحسن من المسيء ، وليجازى سبحانه الذين أساءوا بما ~~عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. # ثم ساق سبحانه بعد ذلك قصة أصحاب الكهف ، وبين أن قصتهم ليست عجيبة ~~بالنسبة لقدرته عز وجل فقد أوجد سبحانه ما هو أعجب وأعظم من ذلك ، فقال ~~تعالى : # ( @QUR@010 أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا (9) ~~@QUR@016 إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا ~~من ms3639 أمرنا رشدا (10) @QUR@04 فضربنا على آذانهم في PageV08P470 # @QUR@03 الكهف سنين عددا (11) @QUR@09 ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى ~~لما لبثوا أمدا ) (12) # قال الإمام الرازي : اعلم أن القوم تعجبوا من قصة أصحاب الكهف ، وسألوا ~~عنها الرسول صلى الله عليه وسلم على سبيل الامتحان ، فقال تعالى : ( @QUR@010 ~~أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا )؟ لا تحسبن ذلك فإن ~~آياتنا كلها عجب فإن من كان قادرا على خلق السموات والأرض ، وعلى تزيين ~~الأرض بما عليها من نبات وحيوان ومعادن ، ثم يجعلها بعد ذلك صعيدا جرزا ~~خالية من الكل ، كيف يستبعد من قدرته وحفظه ورحمته حفظ طائفة من الناس مدة ~~ثلاثمائة سنة وأكثر في النوم ..» (1). # وعلى ذلك يكون المقصود بهذه الآيات الكريمة ، بيان أن قصة أصحاب الكهف ~~ليست شيئا عجبا بالنسبة لقدرة الله تعالى . # وقد ذكر المفسرون في سبب نزول قصة أصحاب الكهف روايات ملخصها : أن قريشا ~~بعثت النضر بن الحارث ، وعقبة بن أبى معيط ، إلى أحبار اليهود بالمدينة ، ~~فقالوا لهم : سلوهم عن محمد صلى الله عليه وسلم ، وصفوا لهم صفته ، وأخبروهم ~~بقوله ، فإنهم أهل الكتاب الأول. وعندهم من العلم ما ليس عندنا من علم ~~الأنبياء. # فخرجا حتى قدما المدينة ، فسألا أحبار اليهود عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ووصفوا لهم أمره صلى الله عليه وسلم فقالوا لهما سلوه عن ثلاث ~~نأمركم بهن. فإن أخبركم بهن ، فهو نبي مرسل وإن لم يفعل فالرجل متقول. # سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ماذا كان من خبرهم. فإنهم قد كان لهم ~~حديث عجيب. # وسلوه عن رجل طواف طاف المشارق والمغارب ماذا كان من خبره؟ وسلوه عن ~~الروح ، ما هو؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه. # فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش. فقالا : يا معشر قريش ، قد جئناكم بفصل PageV08P471 # ما بينكم وبين محمد ، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور. # ثم جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد أخبرنا ، ثم ~~سألوه عما قالته لهم يهود. # فقال لهم رسول الله صلى الله ms3640 عليه وسلم سأجيبكم غدا بما سألتم عنه ولم يستثن ~~: أى. ولم يقل إن شاء الله فانصرفوا عنه. # ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة. لا يحدث الله إليه في ذلك ~~وحيا ، ولا يأتيه جبريل عليه السلام حتى أرجف أهل مكة وقالوا : وعدنا محمد ~~غدا ، واليوم خمسة عشر قد أصبحنا فيها ، لا يخبرنا بشيء عما سألناه عنه. ~~وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحى عنه ، وشق عليه ما تكلم به ~~أهل مكة ، ثم جاءه جبريل من عند الله بسورة أصحاب أصحاب الكهف ، فيها ~~معاتبته إياه على حزنه عليهم ، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل ~~الطواف ، وقول الله تعالى ( @QUR@014 ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ~~ربي ، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) (1). # والخطاب في قوله تعالى ( @QUR@02 أم حسبت .. ) للرسول صلى الله عليه وسلم ~~ويدخل فيه غيره من المكلفين. # و «أم» في هذه الآية هي المنقطعة ، وتفسر عند الجمهور بمعنى بل والهمزة ، ~~أى : بل أحسبت ، وعند بعض العلماء تفسر بمعنى بل ، فتكون للانتقال من كلام ~~إلى آخر ، أى : بل حسبت. ويرى بعضهم أنها هنا بمعنى الهمزة التي للاستفهام ~~الإنكارى أى : أحسبت أن أصحاب الكهف والرقيم. # والكهف : هو النقب المتسع في الجبل ، فإن لم يكن فيه سعة فهو غار ، وجمعه كهوف. # والمراد به هنا : ذلك الكهف الذي اتخذه هؤلاء الفتية مستقرا لهم. # وأما الرقيم فقد ذكروا في المراد به أقوالا متعددة منها : أنه اسم كلبهم ~~، ومنها أنه اسم الجبل أو الوادي الذي كان فيه الكهف ، ومنها أنه اسم ~~القرية التي خرج منها هؤلاء الفتية. # ولعل أقرب الأقوال إلى الصواب أن المراد به اللوح الذي كتبت فيه أسماؤهم ~~وأنسابهم وقصتهم ، فيكون الرقيم بمعنى المرقوم فهو فعيل بمعنى مفعول ومأخوذ ~~من رقمت الكتاب إذا كتبته. PageV08P472 # ومنه قوله تعالى ( @QUR@012 كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين. وما أدراك ما ~~عليون. كتاب مرقوم ) (1). أى مكتوب. # قال بعض العلماء : والظاهر أن أصحاب الكهف والرقيم : طائفة واحدة أضيفت ~~إلى شيئين : أحدهما : معطوف ms3641 على الآخر ، خلافا لمن قال أن أصحاب الكهف ~~طائفة ، وأصحاب الرقيم طائفة أخرى ، وأن الله قص على نبيه في هذه السورة ~~الكريمة قصة أصحاب الكهف ، ولم يذكر له شيئا عن أصحاب الرقيم. وخلافا لمن ~~زعم أن أصحاب الكهف هم الثلاثة الذين سقطت عليهم صخرة فسدت عليهم باب الكهف ~~فدعوا الله بصالح أعمالهم فانفرجت ، وهم البار بوالديه ، والعفيف ، ~~والمستأجر ، وقصتهم مشهورة ثابتة في الصحيح ، إلا أن تفسير الآية بأنهم هم ~~المراد بعيد كما ترى» (2). # والمعنى : أظننت أيها الرسول الكريم أن ما قصصناه عليك من شأن هؤلاء ~~الفتية ، كان من بين آياتنا الدالة على قدرتنا شيئا عجبا؟ لا ، لا تظن ذلك ~~فإن قدرتنا لا يعجزها شيء. # ثم حكى سبحانه ما قالوه عند ما حطوا رحالهم في الكهف فقال : إذ أوى ~~الفتية إلى الكهف فقالوا : ( @QUR@010 ربنا آتنا من لدنك رحمة. وهيئ لنا من ~~أمرنا رشدا ). # و «إذ» هنا ظرف منصوب بفعل تقديره : اذكر. # و «أوى» فعل ماض من باب ضرب تقول : أوى فلان إلى مسكنه يأوى ، إذا نزله ~~بنفسه. واستقر فيه. # و «الفتية» : جمع قلة لفتى. وهو وصف للإنسان عند ما يكون في مطلع شبابه. # وقوله : ( @QUR@04 وهيئ لنا من أمرنا ): من التهيئة بمعنى : تيسير الأمر ~~وتقريبه وتسهيله حتى لا يخالطه عسر أو مشقة. # والمراد بالأمر هنا : ما كانوا عليه من تركهم لأهليهم ومساكنهم ، ومن ~~مفارقتهم لما كان عليه أعداؤهم من عقائد فاسدة. PageV08P473 # والرشد : الاهتداء إلى الطريق المستقيم مع البقاء عليه. وهو ضد الغي. ~~يقال : رشد فلان يرشد رشدا ورشادا ، إذا أصاب الحق. # أى : واذكر أيها الرسول الكريم للناس ليعتبروا ، وقت أن خرج هؤلاء الفتية ~~من مساكنهم ، تاركين كل شيء خلفهم من أجل سلامة عقيدتهم فالتجأوا إلى الكهف ~~، واتخذوه مأوى لهم ، وتضرعوا إلى خالقهم قائلين : يا ربنا آتنا من لدنك ~~رحمة ، تهدى بها قلوبنا ، وتصلح بها شأننا ، وترديها الفتن عنا ، كما نسألك ~~يا ربنا أن تهيئ لنا من أمرنا الذي نحن عليه وهو : فرارنا بديننا. وثباتنا ~~على إيماننا ما يزيدنا سدادا وتوفيقا لطاعتك. # وقال ms3642 سبحانه : ( @QUR@03 إذ أوى الفتية .. ) بالإظهار مع أنه قد سبق ~~الحديث عنهم بأنهم أصحاب الكهف لتحقيق ما كانوا عليه من فتوة ، وللتنصيص ~~على وصفهم الدال على قلتهم ، وعلى أنهم شباب في مقتبل أعمارهم ، ومع ذلك ~~ضحوا بكل شيء في سبيل عقيدتهم. # والتعبير بالفعل ( @QUR@01 أوى ) يشعر بأنهم بمجرد عثورهم على الكهف. ~~ألقوا رحالهم فيه واستقروا به استقرار من عثر على ضالته ، وآثروه على ~~مساكنهم المريحة ، لأنه واراهم عن أعين القوم الظالمين. # والتعبير بالفاء في قوله سبحانه ( @QUR@06 فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة ~~.. ) يدل على أنهم بمجرد استقرارهم في الكهف ابتهلوا إلى الله تعالى بهذا ~~الدعاء الجامع لكل خير. # والتنوين في قوله : ( @QUR@01 رحمة ): للتهويل والتنويع. أى : آتنا يا ~~ربنا من عندك وحدك لا من غيرك. رحمة عظيمة شاملة لجميع أحوالنا وشئوننا. ~~فهي تشمل الأمان في المنزل ، والسعة في الرزق ؛ والمغفرة للذنب. # قال القرطبي ما ملخصه : هذه الآية صريحة في الفرار بالدين وهجرة الأهل ~~والأوطان .. خوف الفتنة ، ورجاء السلامة بالدين والنجاة من فتنة الكافرين ~~.. (1). # ثم بين سبحانه ما حدث لهؤلاء الفتية بعد أن لجئوا إلى الكهف ، وبعد أن ~~دعوا الله بهذا الدعاء الشامل لكل خير. فقال : ( @QUR@07 فضربنا على آذانهم ~~في الكهف سنين عددا ). # وأصل الضرب في كلام العرب يرجع إلى معنى التقاء ظاهر جسم ، بظاهر جسم آخر بشدة. PageV08P474 # يقال : ضرب فلان بيده الأرض إذا ألصقها بها بشدة ، وتفرعت عن هذا المعنى ~~معان أخرى ترجع إلى شدة اللصوق. # والمراد بالضرب هنا النوم الطويل الذي غشاهم الله تعالى به فصاروا لا ~~يحسون شيئا مما حولهم ، ومفعول ضربنا محذوف. # والمعنى : بعد أن استقر هؤلاء الفتية في الكهف ، وتضرعوا إلينا بهذا ~~الدعاء العظيم ، ضربنا على آذانهم وهم في الكهف حجابا ثقيلا مانعا من ~~السماع ، فصاروا لا يسمعون شيئا يوقظهم ، واستمروا في نومهم العميق هذا ( ~~@QUR@01 سنين ) ذات عدد كثير ، بينها سبحانه بعد ذلك في قوله : ( @QUR@08 ~~ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا ). # وخص سبحانه الآذان بالضرب ، مع أن مشاعرهم كلها كانت محجوبة عن اليقظة ، ~~لأن الآذان هي الطريق ms3643 الأول للتيقظ. ولأنه لا يثقل النوم إلا عند ما تتعطل ~~وظيفة السمع. # وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم عند ما علم أن رجلا لا يستيقظ مبكرا أن ~~قال في شأنه : «ذلك رجل قد بال الشيطان في أذنه» أى : فمنعها من التبكير ~~واليقظة قبل طلوع الشمس. # والتعبير بالضرب كما سبق أن أشرنا للدلالة على قوة المباشرة ، وشدة ~~اللصوق واللزوم ، ومنه قوله تعالى ( @QUR@04 وضربت عليهم الذلة والمسكنة ) ~~أى : التصقتا بهم التصاقا لا فكاك لهم منه ، ولا مهرب لهم عنه. # ثم بين سبحانه ما حدث لهم بعد هذا النوم الطويل فقال : ( @QUR@09 ثم ~~بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا ). # وأصل البعث في اللغة : إثارة الشيء من محله وتحريكه بعد سكون. ومنه قولهم ~~: بعث فلان الناقة إذا أثارها من مبركها للسير ، ويستعمل بمعنى الإيقاظ وهو ~~المقصود هنا من قوله : ( @QUR@01 بعثناهم ) أى : أيقظناهم بعد رقادهم ~~الطويل. # وقوله ( @QUR@03 لنعلم أي الحزبين ) بيان للحكمة التي من أجلها أيقظهم ~~الله من نومهم. # وكثير من المفسرين على أن الحزبين أحدهما : أصحاب الكهف والثاني : أهل ~~المدينة الذين أيقظ الله أهل الكهف من رقادهم في عهدهم ، وكان عندهم معرفة ~~بشأنهم. # وقيل : هما حزبان من أهل المدينة الذين بعث هؤلاء الفتية في زمانهم ، إلا ~~أن أهل هذه المدينة كان منهم حزب مؤمن وآخر كافر. # وقيل : هما حزبان من المؤمنين كانوا موجودين في زمن بعث هؤلاء الفتية ، ~~وهذان الحزبان اختلفوا فيما بينهم في المدة التي مكثها هؤلاء الفتية رقودا. PageV08P475 # والذي تطمئن إليه النفس أن الحزبين كليهما من أصحاب الكهف ، لأن الله ~~تعالى قد قال بعد ذلك ( @QUR@02 وكذلك بعثناهم ) أى الفتية ( @QUR@018 ~~ليتساءلوا بينهم ، قال قائل منهم كم لبثتم ، قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم ، ~~قالوا ربكم أعلم بما لبثتم .. ). # قال الآلوسى : ( @QUR@02 ثم بعثناهم ) أى : أيقظناهم وأثرناهم من نومهم ( ~~@QUR@03 لنعلم أي الحزبين ) أى : منهم ، وهم القائلون ( @QUR@05 لبثنا يوما ~~أو بعض يوم ) والقائلون ( @QUR@04 ربكم أعلم بما لبثتم ). # وقيل : أحد الحزبين الفتية الذين ظنوا قلة زمان لبثهم ، والثاني أهل ~~المدينة الذين بعث الفتية على ms3644 عهدهم وكان عندهم تاريخ غيبتهم .. والظاهر ~~الأول لأن اللام للعهد ، ولا عهد لغير من سمعت (1). # والمراد بالعلم في قوله ( @QUR@01 لنعلم .. ) إظهار المعلوم ، أى ثم ~~بعثناهم لنعلم ذلك علما يظهر الحقيقة التي لا حقيقة سواها للناس. # ويجوز أن يكون العلم هنا بمعنى التمييز ، أى : ثم بعثناهم لنميز أى ~~الحزبين أحصى لما لبثوا أبدا. # فهو من باب ذكر السبب وإرادة المسبب ، إذ العلم سبب للتمييز. # ولفظ «أحصى» يرى صاحب الكشاف ومن تابعه أنه فعل ماض ، ولفظ «أمدا» مفعوله ~~، و «ما» في قوله ( @QUR@02 لما لبثوا ) مصدرية ، فيكون المعنى ، ثم بعثناهم ~~لنعلم أى الحزبين أضبط أمدا أى مدة للبثهم في الكهف. # قال صاحب الكشاف : و «أحصى» فعل ماض ، أى : أيهم أضبط «أمدا» لأوقات لبثهم. # فإن قلت : فما تقول فيمن جعله من أفعل التفضيل؟ قلت : ليس بالوجه السديد ~~، وذلك أن بناءه من غير الثلاثي المجرد ليس بقياس .. والقياس على الشاذ في ~~غير القرآن ممتنع فكيف به .. (2). # وبعضهم يرى أن لفظ «أحصى» صيغة تفضيل ، وأن قوله «أمدا» منصوب على أنه ~~تمييز وفي إظهار هذه الحقيقة للناس ، وهي أن الله تعالى قد ضرب النوم على ~~آذان هؤلاء الفتية PageV08P476 # وقوله تعالى : ( @QUR@011 قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله ~~واحد ). # وفي غير ذلك من الآيات التي حكت لنا تلك القصص المتعددة. # (ج) برز في السورة عنصر الموازنة والمقارنة بين حسن عاقبة الأخيار وسوء ~~عاقبة الأشرار ، ترى ذلك في قصة أصحاب الكهف ، وفي قصة الرجلين وفي قصة ذي ~~القرنين. # وفي الآيات التي ذكرت الكافرين وسوء مصيرهم ، ثم أعقبت ذلك يذكر المؤمنين ~~وحسن مصيرهم كما برز فيها عنصر التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم والتهوين من ~~شأن أعدائه ( @QUR@011 فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا ~~الحديث أسفا ). # كما برز فيها التصوير المؤثر لأهوال يوم القيامة كما في قوله تعالى : ( ~~@QUR@021 ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا. ~~وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة ). # والخلاصة : أن سورة الكهف قد ساقت ms3645 بأسلوبها البليغ الذي يغلب عليه طابع ~~القصة ألوانا من التوجيهات السامية ، التي من شأنها أنها تهدى إلى العقيدة ~~الصحيحة ، وإلى السلوك القويم. وإلى الخلق الكريم ، وإلى التفكير السليم ~~الذي يهدى إلى الرشد ، وإلى كل ما يوصل إلى السعادة في الدنيا والآخرة. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV08P477 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@011 الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا (1) ~~@QUR@015 قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون ~~الصالحات أن لهم أجرا حسنا (2) @QUR@03 ماكثين فيه أبدا (3) @QUR@06 وينذر ~~الذين قالوا اتخذ الله ولدا (4) @QUR@016 ما لهم به من علم ولا لآبائهم ~~كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا (5) @QUR@011 فلعلك باخع ~~نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا (6) @QUR@011 إنا جعلنا ما ~~على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا (7) @QUR@06 وإنا لجاعلون ما ~~عليها صعيدا جرزا ) (8) # سورة الكهف هي إحدى السور الخمس ، التي افتتحت بتقرير الحقيقة الأولى في ~~كل دين ، وهي أن المستحق للحمد المطلق ، والثناء التام ، هو الله رب ~~العالمين. # والسور الأربع الأخرى التي افتتحت بقوله تعالى : ( @QUR@02 الحمد لله ) ~~هي : الفاتحة ، والأنعام ، وسبأ ، وفاطر. # وقد بينا عند تفسيرنا لسورة الأنعام ، أن هذه السور وإن كانت قد اشتركت في هذا PageV08P478 # ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا ، ثم بعثهم بعد ذلك دون أن يتغير حالهم ، ~~أقول : في إظهار هذه الحقيقة دليل واضح على قدرة الله تعالى وعلى وجوب ~~إخلاص العبادة له ، وعلى أن البعث بعد الموت حق لا ريب فيه. # وبذلك تكون هذه الآيات قد ساقت لنا قصة أصحاب الكهف على سبيل الإجمال ~~والاختصار ، ثم جاءت آيات بعد ذلك لتحكى لنا قصتهم على سبيل التفصيل والبسط ~~، وهذه الآيات هي قوله تعالى . # ( @QUR@011 نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ~~(13) @QUR@019 وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض ~~لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا (14) @QUR@019 هؤلاء قومنا اتخذوا ~~من دونه آلهة لو لا يأتون عليهم بسلطان بين ms3646 فمن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا (15) @QUR@019 وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ~~ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا ) (16) # أى : «نحن» وحدنا يا محمد ، نقص عليك وعلى أمتك خبر هؤلاء الفتية قصصا ~~لحمته وسداه الحق والصدق ، لأنه قصص من ربك الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ~~ولا في السماء. # وقوله : ( @QUR@06 إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ) كلام مستأنف جواب ~~عن سؤال تقديره ما قصتهم وما شأنهم بالتفصيل؟ # أى : إنهم فتية أخلصوا العبادة لخالقهم ، وأسلموا وجوههم لبارئهم ، ~~وآمنوا بربوبيته PageV08P479 # سبحانه إيمانا عميقا ثابتا ، فزادهم الله ببركة هذا الإخلاص والثبات على ~~الحق ، هداية على هدايتهم ، وإيمانا على إيمانهم. # وقوله سبحانه ( @QUR@05 نحن نقص عليك نبأهم بالحق ) إيماء إلى أن قصة ~~هؤلاء الفتية كانت معروفة لبعض الناس ، إلا أن معرفتهم بها كانت مشوبة ~~بالخرافات والأباطيل. # قال ابن كثير : ما ملخصه : ذكر الله تعالى أنهم كانوا فتية أى شبابا ، ~~وهم أقبل للحق من الشيوخ ، الذين عتوا في دين الباطل ، ولهذا كان اكثر ~~المستجيبين لله ولرسوله شبابا ، وأما المشايخ من قريش ، فعامتهم بقوا على ~~دينهم ، ولم يسلم منهم إلا القليل. # واستدل غير واحد من الأئمة كالبخارى وغيره بقوله ( @QUR@02 وزدناهم هدى ) ~~إلى أن الإيمان يزيد وينقص .. (1). # ثم حكى سبحانه جانبا من مظاهر هدايته لهم فقال : ( @QUR@05 وربطنا على ~~قلوبهم إذ قاموا ). # وأصل الربط : الشد ، يقال ، ربطت الدابة ، أى : شددتها برباط ، والمراد ~~به هنا : ما غرسه الله في قلوبهم من قوة ، وثبات على الحق ، وصبر على فراق ~~أهليهم ، ومنه قولهم : فلان رابط الجأش ، إذا كان لا يفزع عند الشدائد ~~والكروب. # والمراد بقيامهم : عقدهم العزم على مفارقة ما عليه قومهم من باطل ، ~~وتصميمهم على ذلك تصميما لا تزحزحه الخطوب مهما كانت جسيمة. # ويصح أن يكون المراد بقيامهم : وقوفهم في وجه ملكهم الجبار بثبات وقوة ، ~~دون أن يبالوا به عند ما أمرهم بعبادة ما يعبده قومهم ، وإعلانهم دين ~~التوحيد ، ونبذهم لكل ما سواه من شرك وضلال. # قال القرطبي ما ملخصه : قوله تعالى ( @QUR@02 إذ ms3647 قاموا ) يحتمل ثلاثة ~~معان. أحدها : أن يكون هذا وصف مقامهم بين يدي الملك الكافر ، وهو مقام ~~يحتاج إلى الربط على القلب حيث خالفوا دينه ، ورفضوا ما دعاهم إليه. # والمعنى الثاني فيما قيل : إنهم أولاد عظماء تلك المدينة فخرجوا واجتمعوا ~~وراءها من غير ميعاد ، وتعاهدوا على عبادة الله وحده. PageV08P480 # والمعنى الثالث : أن يعبر بالقيام عن انبعاثهم بالعزم إلى الهروب إلى ~~الله تعالى ومنابذة الناس ، كما تقول : قام فلان إلى أمر كذا ، إذا عزم ~~عليه بغاية الجد (1). # وعلى أية حال فالجملة الكريمة تفيد أن هؤلاء الفتية كانت قلوبهم ثابتة ~~راسخة ، مطمئنة إلى الحق الذي اهتدت إليه ، معتزة بالإيمان الذي أشربته ، ~~مستبشرة بالإخاء الذي جمع بينها على غير ميعاد ، وصدق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذ يقول : «الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما ~~تناكر منها اختلف». # ثم حكى سبحانه ما قالوه بعد أن استقر الإيمان في نفوسهم فقال : ( ~~@QUR@010 فقالوا ربنا رب السماوات والأرض ، لن ندعوا من دونه إلها .. ). # أى : أعلنوا براءتهم من كل خضوع لغير الله عز وجل حين قاموا في وجه ~~أعدائهم ، وقالوا بكل شجاعة وجرأة : ربنا سبحانه هو رب السموات والأرض ، ~~وهو خالقهما وخالق كل شيء ، ولن نعبد سواه أى معبود آخر. # ونفوا عبادتهم لغيره سبحانه بحرف «لن» للإشعار بتصميمهم على ذلك في كل ~~زمان وفي كل مكان ، إذ النفي بلن أبلغ من النفي بغيرها. # قال الآلوسى : وقد يقال ؛ إنهم أشاروا بالجملة الأولى وهي : ربنا رب ~~السموات والأرض إلى توحيد الربوبية ، وأشاروا بالجملة الثانية لن ندعو من ~~دونه إلها إلى توحيد الألوهية ، وهما أمران متغايران ، وعبدة الأوثان لا ~~يقولون بهذا ، ويقولون بالأول : ( @QUR@08 ولئن سألتهم من خلق السماوات ~~والأرض ليقولن الله ) وحكى سبحانه عنهم أنهم يقولون : ( @QUR@07 ما نعبدهم ~~إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) وصح أنهم كانوا يقولون : لبيك لا شريك لك ، ~~إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك (2). # وقوله سبحانه ( @QUR@04 لقد قلنا إذا شططا ) تأكيد لبراءتهم من كل عبادة ~~لغير الله تعالى . # والشطط : مصدر معناه مجاوزة الحد في كل ms3648 شيء ، ومنه : أشط فلان في السوم ~~إذا جاوز الحد ، وأشط في الحكم إذا جاوز حدود العدل : وهو صفة لموصوف محذوف ~~، وفي الكلام قسم مقدر ، واللام في «لقد» واقعة في جوابه ، و «إذا» حرف جواب ~~وجزاء فتدل على شرط مقدر. PageV08P481 # أى : ربنا رب السموات والأرض ، لن ندعو من دونه إلها. ولو فرض أننا دعونا ~~وعبدنا من دونه إلها آخر ، والله لنكونن في هذه الحالة قد قلنا إذا قولا ~~شططا ، أى : بعيدا بعدا واضحا عن دائرة الحق والصواب. # والآية الكريمة تدل على قوة إيمان هؤلاء الفتية ، وعلى أن من كان كذلك ~~ثبت الله تعالى قلبه ، وقواه على تحمل الشدائد ، كما تدل على أن من أشرك مع ~~الله تعالى إلها آخر ، يكون بسبب هذا الإشراك ، قد جاء بأمر شطط بعيد كل ~~البعد عن الحق والصواب وصدق الله إذ يقول : ( @QUR@016 ومن يشرك بالله ~~فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ) (1). # ثم حكى سبحانه عن هؤلاء الفتية أنهم لم يكتفوا بإعلان إيمانهم الصادق ، ~~بل أضافوا إلى ذلك استنكارهم لما عليه قومهم من شرك فقال : ( @QUR@012 ~~هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لو لا يأتون عليهم بسلطان بين .. ). # و «هؤلاء» مبتدأ ، و «قومنا» عطف بيان ، وجملة «اتخذوا من دونه آلهة» هي الخبر. # و «لو لا» للتحضيض ، وهو الطلب بشدة والمقصود بالتحضيض هنا : الإنكار ~~والتعجيز ، إذ من المعلوم أن قومهم لن يستطيعوا أن يقيموا الدليل على صحة ~~ما هم عليه من شرك. # والمراد بالسلطان البين : الحجة الواضحة. # أى : أن أولئك الفتية بعد أن اجتمعوا ، وتعاهدوا على عبادة الله تعالى ~~وحده ، ونبذ الشرك والشركاء قالوا على سبيل الإنكار والاحتقار لما عليه ~~قومهم : هؤلاء قومنا بلغ بهم السفه والجهل ، أنهم اتخذوا مع الله تعالى ~~أصناما يشركونها معه في العبادة ، هلا أتى هؤلاء السفهاء بحجة ظاهرة تؤيد ~~دعواهم بأن هذه الأصنام تصلح آلهة لا شك أنهم لن يستطيعوا ذلك. # قال صاحب الكشاف وقوله : ( @QUR@06 لو لا يأتون عليهم بسلطان بين ) تبكيت ~~لأن الإتيان بالسلطان على صحة ms3649 عبادة الأوثان محال ، وهو دليل على فساد ~~التقليد ، وأنه لا بد في الدين من حجة حتى يصح ويثبت (2). PageV08P482 # وشبيه بهذه الآية في تعجيز المشركين وتجهيلهم قوله تعالى : ( @QUR@015 قل ~~هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ، إن تتبعون إلا الظن ، وإن أنتم إلا تخرصون ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@030 قل أرأيتم ما تدعون من دون الله ، أروني ما ذا ~~خلقوا من الأرض ، أم لهم شرك في السماوات ، ائتوني بكتاب من قبل هذا أو ~~أثارة من علم إن كنتم صادقين ) (2): # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بما يدل على تكذيبهم لقومهم ، ووصفهم إياهم ~~بالظلم فقال : ( @QUR@07 فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ). # أى : لا أحد أشد ظلما من قوم افتروا على الله تعالى الكذب ، حيث زعموا أن ~~له شريكا في العبادة والطاعة ، مع انه جل وعلا منزه عن الشريك والشركاء : ( ~~@QUR@08 ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ). # ثم حكى سبحانه بعد ذلك ما تناجوا به فيما بينهم ، بعد أن وضح موقفهم ~~وضوحا صريحا حاسما ، وبعد أن أعلنوا كلمة التوحيد بصدق وقوة .. فقال تعالى ~~: ( @QUR@019 وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله ، فأووا إلى الكهف ينشر ~~لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا ). # و «إذ» يبدو أنها هنا للتعليل. والاعتزال : تجنب الشيء سواء أكان هذا ~~التجنب بالبدن أم بالقلب. و «ما» في قوله ( @QUR@04 وما يعبدون إلا الله ) ~~اسم موصول في محل نصب معطوف على الضمير في قوله ( @QUR@01 اعتزلتموهم ) ~~وقوله : ( @QUR@02 إلا الله ) استثناء متصل ، بناء على أن القوم كانوا ~~يعبدون الله تعالى ويشركون معه في العبادة الأصنام. و «من» قالوا إنها بمعنى ~~البدلية. # وقوله : ( @QUR@01 مرفقا ) من الارتفاق : بمعنى الانتفاع ، وقرأ نافع ~~وابن عامر مرفقا بفتح الميم وكسر الفاء. # والمعنى : أن هؤلاء الفتية بعد أن أعلنوا كلمة التوحيد ، وعقدوا العزم ~~على مفارقة قومهم المشركين تناجوا فيما بينهم وقالوا : ولأجل ما أنتم ~~مقدمون عليه من اعتزالكم لقومكم الكفار ، واعتزالكم الذي يعبدونه من دون ~~الله ؛ لأجل ذلك فالجأوا إلى الكهف ، واتخذوه PageV08P483 # مأوى ومستقرا لكم ، ينشر لكم ربكم الكثير من الخير بفضله ms3650 ورحمته ، ويهيئ ~~لكم بدلا من أمركم الصعب. أمرا آخر فيه اليسر والنفع. # وفي التعبير بقولهم كما حكى القرآن عنهم .. ( @QUR@05 ينشر لكم ربكم من ~~رحمته .. ) دلالة واضحة على صدق إيمانهم وحسن ظنهم الذي لا حدود له ، بربهم ~~عز وجل فهم عند ما فارقوا أهليهم وأموالهم وزينة الحياة ، وقرروا اللجوء إلى ~~الكهف الضيق الخشن المظلم .. لم ييأسوا من رحمة الله ، بل أيقنوا أن الله ~~تعالى سيرزقهم فيه الخير الوفير ، وييسر لهم ما ينتفعون به ، ببركة إخلاصهم ~~وصدق إيمانهم. # وهكذا الإيمان الصادق ، يجعل صاحبه يفضل المكان الخالي من زينة الحياة ، ~~من أجل سلامة عقيدته ، على المكان المليء باللين والرخاء الذي يحس فيه ~~بالخوف على عقيدته. # فالآية الكريمة تدل على أن اعتزال الكفر والكافرين من أجل حماية الدين ، ~~يؤدى إلى الظفر برحمة الله وفضله وعطائه العميم وصدق الله إذ يقول في شأن ~~إبراهيم عليه السلام ( @QUR@037 وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعوا ربي ~~عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا. فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا ~~له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا. ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان ~~صدق عليا ) (1). # ثم تنتقل السورة الكريمة إلى الحديث عن أحوال هؤلاء الفتية بعد أن ~~استقروا في الكهف وبعد أن ألقى الله تعالى عليهم بالنوم الطويل فتقول : # ( @QUR@034 وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت ~~تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو ~~المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا (17) @QUR@010 وتحسبهم أيقاظا وهم ~~رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم PageV08P484 # @QUR@012 باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت ~~منهم رعبا ) (18) # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@02 وترى الشمس .. ) بيان لحالهم بعد ما أووا ~~إلى الكهف .. والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن يصلح ، ~~وهو للمبالغة في الظهور ، وليس المراد الإخبار بوقوع الرؤية ، بل المراد ~~الإخبار بكون الكهف لو رأيته ترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين ~~...» (1). # وقوله ( @QUR@01 تزاور ) من ms3651 الزور بمعنى الميل. ومنه قولهم : زار فلان ~~صديقه ، أى : مال إليه. ومنه شهادة الزور ، لأنها ميل عن الحق إلى الباطل. ~~ويقال : فلان أزور ، إذا كان مائل الصدر ، ويقال : تزاور فلان عن الشيء ، ~~إذا انحرف عنه. # وفي هذا اللفظ ثلاث قراءات سبعية. فقد قرأ ابن عامر «تزور» بزنة تحمر. ~~وقرأ الكوفيون عاصم وحمزة والكسائي «تزاور» بفتح الزاى وقرأ نافع وابن كثير ~~وأبو عمرو «تزاور» بتشديد الزاى . وأصله تتزاور فحذفت إحدى التاءين تخفيفا. # ومعنى : «تقرضهم» تقطعهم وتتجاوزهم وتتركهم ، من القرض بمعنى القطع ~~والصرم ، يقال : قرض المكان ، أى : عدل عنه وتركه. # والمعنى : إنك أيها المخاطب لو رأيت أهل الكهف ، لرأيتهم على هذه الصورة ~~، وهي أن الشمس إذا طلعت من مشرقها ، مالت عن كهفهم جهة اليمين ، وإذا غربت ~~، تراها عند غروبها ، تميل عنهم كذلك ، فهي في الحالتين لا تصل إليهم ، ~~حماية من الله تعالى لهم ، حتى لا تؤذيهم بحرها ، بأن تغير ألوانهم ، وتبلى ~~ثيابهم. # وقوله : ( @QUR@04 وهم في فجوة منه ) جملة حالية. أى : والحال أنهم في ~~مكان متسع من الكهف وهو وسطه ، والفجوة : هي المكان المتسع ، مأخوذة من ~~الفجا ، وهو تباعد ما بين الفخذين ، ومنه قولهم : رجل أفجى ، وامرأة فجواء. # وللمفسرين في تأويل هذه الآية اتجاهان لخصهما الإمام الرازي فقال : ~~للمفسرين هنا قولان : أولهما : أن باب ذلك الكهف كان مفتوحا إلى جانب ~~الشمال ، فإذا طلعت الشمس PageV08P485 # كانت على يمين الكهف ، وإذا غربت كانت على شماله ، فضوء الشمس ما كان يصل ~~إلى داخل الكهف ، وكان الهواء الطيب والنسيم الموافق يصل. # والثاني : يرى أصحابه أنه ليس المراد ذلك ، وإنما المراد أن الشمس إذا ~~طلعت منع الله تعالى ضوءها من الوقوع عليهم ، وكذا القول في حال غروبها ، ~~وكان ذلك فعلا خارقا للعادة ، وكرامة عظيمة خص الله بها أصحاب الكهف ..» (1). # ومن هذين الرأيين يتبين لنا أن أصحاب الرأى الأول ، يرجعون عدم وصول حر ~~الشمس إلى هؤلاء الفتية إلى أسباب طبيعية حماهم الله تعالى بها ومن بينها ~~أن الكهف كان مفتوحا إلى جهة الشمال. # أما أصحاب الرأى الثاني فيردون عدم ms3652 وصول أشعة الشمس إليهم إلى أسباب غير ~~طبيعية ، بمعنى أن الفتية كانوا في متسع من الكهف ، أى : في مكان تصيبه ~~الشمس ، إلا أن الله تعالى بقدرته التي لا يعجزها شيء ، منع ضوء الشمس ~~وحرها من الوصول إليهم ، خرقا للعادة على سبيل التكريم لهم. # ومع وجاهة الرأيين ، إلا أن النفس أميل إلى الرأى الثاني ، لأن قوله ~~تعالى ( @QUR@04 وهم في فجوة منه ) يشير إلى أنهم مع اتساع المكان الذي ~~ينامون فيه وهو الفجوة لا تصيبهم الشمس لا عند الطلوع ولا عند الغروب ، ~~وهذا أمر خارق للعادة ، ويدل على عجيب حالهم ، كما أن قوله تعالى بعد ذلك ( ~~@QUR@04 ذلك من آيات الله ) يشعر بأن أمر هؤلاء الفتية فيه غرابة ، وليس ~~أمرا عاديا مألوفا. # قال الآلوسى : وأكثر المفسرين على أنهم لم تصبهم الشمس أصلا ، وإن ~~اختلفوا في منشأ ذلك واختار جمع منهم ، أنه لمحض حجب الله تعالى الشمس على ~~خلاف ما جرت به العادة ، والإشارة تؤيد ذلك أتم تأييد ، والاستبعاد مما لا ~~يلتفت إليه ، لا سيما فيما نحن فيه ، فإن شأن أصحاب الكهف كله على خلاف ~~العادة ..» (2). # وعلى هذا الرأى الثاني يكون اسم الإشارة في قوله : ( @QUR@04 ذلك من آيات ~~الله ) إلى ما فعله الله تعالى معهم ، من حجب ضوء الشمس عنهم مع أنهم في ~~متسع من الكهف. # أى : ذلك الذي فعلناه معهم من آياتنا الدالة على قدرتنا الباهرة ، ~~وإرادتنا التي لا يعجزها شيء. PageV08P486 # وأما على الرأى الأول فيكون اسم الإشارة مرجعه إلى ما سبق من الحديث عنهم ~~، كهدايتهم إلى التوحيد ، وإخراجهم من بين عبدة الأوثان ، ولجوئهم إلى ~~الكهف ، وجعل باب الكهف على تلك الكيفية ، إلى غير ذلك مما ذكر سبحانه عنهم. # أى : ذلك الذي ذكرناه لك عنهم أيها الرسول الكريم هو من آيات الله الدالة ~~على وحدانيته وقدرته. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@012 من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل ~~فلن تجد له وليا مرشدا ). # أى : من يهده الله إلى طريق الحق ، ويوفقه إلى الصواب ، فهو المهتد ، أى ~~فهو الفائز بالحظ الأوفر في الدارين ، ومن ms3653 يضلله الله تعالى عن الطريق ~~المستقيم ، فلن تجد له يا محمد نصيرا ينصره ، ومرشدا يرشده إلى طريق الحق. # كما قال تعالى : ( @QUR@010 من يهد الله فهو المهتدي ، ومن يضلل فأولئك ~~هم الخاسرون ) (1). # وكما قال سبحانه : ( @QUR@013 ومن يهد الله فهو المهتد ، ومن يضلل فلن ~~تجد لهم أولياء من دونه ... ) (2). # ثم صور سبحانه بعد ذلك مشهدا عجيبا من أحوال هؤلاء الفتية فقال : ( ~~@QUR@04 وتحسبهم أيقاظا وهم رقود .. ). # والحسبان بمعنى الظن ، والأيقاظ جمع يقظ وهو ضد النائم ، والرقود : جمع ~~راقد والمراد به هنا : النائم. # أى : وتظنهم أيها المخاطب لو قدر لك أن تراهم أيقاظا منتبهين ، والحال ~~أنهم رقود أى : نيام. # وقالوا : وسبب هذا الظن والحسبان ، أن عيونهم كانت مفتوحة ، وأنهم كانوا ~~يتقلبون من جهة إلى جهة ، كما قال تعالى بعد ذلك : ( @QUR@05 ونقلبهم ذات ~~اليمين وذات الشمال ). # أى : ونحركهم وهم رقود إلى الجهة التي تلى أيمانهم ، وإلى الجهة التي تلى ~~شمائلهم ، رعاية منا لأجسامهم حتى لا تأكل الأرض شيئا منها بسبب طول رقادهم عليها. # وعدد مرات هذا التقليب لا يعلمه إلا الله تعالى وما أورده المفسرون في ~~ذلك لم يثبت PageV08P487 # عن طريق النقل الصحيح ، لذا ضربنا صفحا عنه. # ثم بين سبحانه حالة كلبهم فقال : ( @QUR@04 وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ). # والمراد بالوصيد على الصحيح فناء الكهف قريبا من الباب ، أو هو الباب ~~نفسه ، ومنه قول الشاعر : بأرض فضاء لا يسد وصيدها. أى : لا يسد بابها. # أى : وكلبهم الذي كان معهم في رحلتهم ماد ذراعيه بباب الكهف حتى لكأنه ~~يحرسهم ويمنع من الوصول إليهم. # وما ذكره بعض المفسرين هنا عن اسم الكلب وصفاته ، لم نهتم بذكره لعدم ~~فائدته. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@09 لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ~~ولملئت منهم رعبا ). # أى. لو عاينتهم وشاهدتهم أيها المخاطب لأعرضت بوجهك عنهم من هول ما رأيت. ~~ولملئ قلبك خوفا ورعبا من منظرهم. # وقد أخذ العلماء من هذه الآية أحكاما منها : أن صحبة الأخيار لها من ~~الفوائد ما لها. # قال ابن كثير رحمه الله ربض كلبهم على الباب كما جرت به ms3654 عادة الكلاب وهذا ~~من سجيته وطبيعته حيث يربض ببابهم كأنه يحرسهم ، وكان جلوسه خارج الباب. ~~لأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب كما ورد في الصحيح .. وشملت كلبهم ~~بركتهم ، فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال ، وهذا فائدة صحبة ~~الأخيار ، فإنه صار لهذا الكلب ذكر وخبر وشأن (1). # وقال القرطبي رحمه الله ما ملخصه : قال ابن عطية : وحدثني أبى قال : سمعت ~~أبا الفضل الجوهري في جامع مصر يقول على منبر وعظه سنة تسع وستين وأربعمائة ~~: إن من أحب أهل الخير نال من بركتهم ، كلب أحب أهل فضل وصحبهم فذكره الله ~~في محكم تنزيله. # قلت أى القرطبي : إذا كان بعض الكلاب نال هذه الدرجة العليا بصحبة ~~ومخالطة الصلحاء والأولياء حتى أخبر الله بذلك في كتابه ، فما ظنك ~~بالمؤمنين المخالطين المحبين للأولياء. والصالحين!! بل في هذا تسلية وأنس ~~للمؤمنين المقصرين عن درجات الكلمات : المحبين للنبي صلى الله عليه وسلم وآله ~~خير آل. # روى في الصحيح عن أنس قال : بينا أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم خارجان ~~من المسجد ، PageV08P488 # فلقينا رجل عند سدة المسجد ، فقال : يا رسول الله. متى الساعة؟ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : «ما أعددت لها؟ قال : فكأن الرجل استكان ، ثم قال : ~~يا رسول الله ، ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة ، ولكني أحببت ~~الله ورسوله : قال صلى الله عليه وسلم : «فأنت مع من أحببت». وفي رواية قال ~~أنس : فما فرحنا بعد الإسلام فرحا أشد من قول النبي صلى الله عليه وسلم «فأنت ~~مع من أحببت». # قال أنس. فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر ، فأرجو أن أكون معهم ، وإن ~~لم أعمل بأعمالهم. # قلت : وهذا الذي تمسك به أنس يشمل من المسلمين كل ذي نفس ، فلذلك تعلقت ~~أطماعنا بذلك ، وإن كنا مقصرين ، ورجونا رحمة الرحمن ، وإن كنا غير ~~مستأهلين. (1). # ثم حكى سبحانه حال هؤلاء الفتية بعد أن أعاد إليهم الحياة ، فذكر بعض ~~أقوالهم فيما بينهم فقال تعالى : # ( @QUR@038 وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم ms3655 قالوا ~~لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه ~~إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن ~~بكم أحدا (19) @QUR@013 إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ~~ولن تفلحوا إذا أبدا ) (20) # وقوله سبحانه : وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم ، بيان للعلة التي من ~~أجلها بعث أصحاب الكهف من نومهم الطويل. PageV08P489 # أى : وكما أنمناهم تلك المدة الطويلة ، بعثناهم من نومهم بعدها ، ليسأل ~~بعضهم بعضا ، وكأنهم قد أحسوا بأن نومهم قد طال. # والاقتصار على التساؤل الذي حصل الإيقاظ من أجله ، لا ينفى أن يكون هناك ~~أسباب أخرى غيره حصل من أجلها إيقاظهم ، وإنما أفرده سبحانه بالذكر ~~لاستتباعه لسائر الآثار الأخرى. # ثم حكى سبحانه بعض تساؤلهم فقال : ( @QUR@05 قال قائل منهم كم لبثتم ) أى ~~: كم مكثتم مستغرقين في النوم في هذا الكهف. # فأجابه بعضهم بقوله : ( @QUR@02 لبثنا يوما ) لظنهم أن الشمس قد غربت ، ~~فلما رأوها لم تغرب بعد قالوا : ( @QUR@03 أو بعض يوم ) أى : مكثنا نائمين ~~بعض ساعات اليوم. # ويصح أن تكون أو للشك. أى قال بعضهم في الرد على سؤال السائل كم لبثتم ، ~~لبثنا في النوم يوما أو بعض يوم ، لأننا لا ندري على الحقيقة كم مكثنا ~~نائمين. # ثم حكى القرآن أن بعضهم رد علم مقدار مدة نومهم على جهة اليقين إلى الله ~~تعالى فقال : ( @QUR@05 قالوا ربكم أعلم بما لبثتم ) أى : ربكم وحده هو ~~العليم بمقدار الزمن الذي قضيتموه نائمين في هذا الكهف. # قال الآلوسى : وهذا رد منهم على الأولين ، على أحسن ما يكون من مراعاة ~~حسن الأدب ، وبه كما قيل يتحقق التحزب إلى الحزبين المعهودين فيما سبق في ~~قوله تعالى ( @QUR@03 لنعلم أي الحزبين ) (1). # وقال بعضهم : وقد استدل ابن عباس على أن عدد الفتية سبعة بهذه الآية ، ~~لأنه قد قال في الآية : قال قائل منهم ، وهذا واحد ، وقالوا في جوابه : ~~لبثنا يوما ، أو بعض يوم وهو جمع وأقله ثلاثة ، ثم قالوا : ربكم أعلم بما ~~لبثتم ، وهذا قول جمع آخرين فصاروا سبعة (2). # ثم بين سبحانه ما قالوه ms3656 بعد أن تركوا الحديث في مسألة الزمن الذي قضوه ~~نائمين في الكهف فقال تعالى : ( @QUR@018 فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى ~~المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ، ولا يشعرن بكم ~~أحدا ). # أى : كفوا عن الحديث في مسألة المدة التي نمتموها ، فعلمها عند الله ، ~~وابعثوا أحدكم PageV08P490 # «بورقكم». أى : بدراهمكم المضروبة من الفضة ، ( @QUR@02 إلى المدينة ) ~~التي يوجد بها الطعام الذي نحن في حاجة إليه ، والتي هي أقرب مكان إلى الكهف. # قالوا : والمراد بها مدينتهم التي كانوا يسكنونها قبل أن يلجئوا إلى ~~الكهف فرارا بدينهم. # ( @QUR@04 فلينظر أيها أزكى طعاما ) أى : ومتى وصل إلى المدينة ، فليتفقد ~~أسواقها ، وليتخير أى أطعمتها أحل وأطهر وأجود وأكثر بركة. # ( @QUR@04 فليأتكم برزق منه وليتلطف ) أى : فليأتكم بما يسد جوعكم من ذلك ~~الأزكى طعاما ، فيكون الضمير في «منه» للطعام الأزكى. # ويصح أن يكون للدراهم المضروبة المعبر عنها «بورقكم» ، أى : فليأتكم بدلا ~~منها بطعام تأكلونه ، وليتلطف ، أى : وليتكلف اللطف في الاستخفاء ، والدقة ~~في استعمال الحيل حال دخوله وخروجه من المدينة ، حتى لا يعرفه أحد من أهلها. # ( @QUR@04 ولا يشعرن بكم أحدا ) أى : ولا يفعلن فعلا يؤدى إلى معرفة أحد ~~من أهل المدينة بنا. # وقوله : ( @QUR@013 إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ~~ولن تفلحوا إذا أبدا ) تعليل للأمر والنهى السابقين. # أى : قولوا لمن تختارونه لشراء طعامكم من المدينة : عليه أن يتخير أزكى ~~الطعام ، وعليه كذلك أن لا يخبر أحدا بأمركم من أهل المدينة ، لأنهم ( ~~@QUR@03 إن يظهروا عليكم ) أى : يطلعوا عليكم. أو يظفروا بكم. # وأصل معنى ظهر. أى : صار على ظهر الأرض. ولما كان ما عليها مشاهدا متمكنا ~~منه ، استعمل تارة في الاطلاع ، وتارة في الظفر والغلبة ، وعدى بعلى. # ( @QUR@01 يرجموكم ) أى إن يعرفوا مكانكم ، يرجموكم بالحجارة حتى تموتوا ~~( @QUR@04 أو يعيدوكم في ملتهم ) الباطلة التي نجاكم الله تعالى منها. # ( @QUR@04 ولن تفلحوا إذا أبدا ) أى : وإن عدتم إليها بعد إذ نجاكم الله ~~تعالى منها وعصمكم من اتباعها ، فلن تفلحوا إذا أبدا ، لا في الدنيا ولا في ~~الآخرة. # وهكذا نجد هاتين الآيتين تصوران لنا ms3657 بأسلوب مؤثر بليغ حال الفتية وهم ~~يتناجون فيها بينهم ، بعد أن استيقظوا من رقادهم الطويل. PageV08P491 # ونراهم في تناجيهم بعد أن تركوا الحديث عن المدة التي لبثوها في نومهم ~~نراهم حذرين خائفين ، ولا يدرون أن الأعوام قد كرت. وأن عجلة الزمن قد دارت ~~، وأن أجيالا قد تعاقبت ، وأن مدينتهم التي يعرفونها قد تغيرت معالمها. وأن ~~أعداءهم الكافرين قد زالت دولتهم. # ثم تمضى السورة الكريمة لتحدثنا عن مشهد آخر من أحوال هؤلاء الفتية. مشهد ~~تتجلى فيه قدرة الله تعالى على أبلغ وجه ، كما تتجلى فيه حكمته ووحدانيته ، ~~استمع إلى القرآن الكريم وهو يحدثنا عن ذلك فيقول : # ( @QUR@032 وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب ~~فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال ~~الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا ) (21) # فقوله سبحانه : ( @QUR@013 وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق ، ~~وأن الساعة لا ريب فيها ) بيان للحكمة التي من أجلها أطلع الله تعالى الناس ~~على هؤلاء الفتية. # قال الآلوسى ما ملخصه : وأصل العثور السقوط للوجه ، يقال : عثر عثورا ~~وعثارا إذا سقط لوجهه ، ومنه قولهم في المثل : الجواد لا يكاد يعثر. ثم ~~تجوز به في الاطلاع على أمر من غير طلبه. # وقال بعضهم : لما كان كل عاثر ينظر إلى موضع عثرته ، ورد العثور بمعنى ~~الاطلاع والعرفان ، فهو في ذلك مجاز مشهور بعلاقة السببية. # ومفعول «أعثرنا» محذوف لقصد العموم ، أى : وكذلك أطلعنا الناس عليهم ، (1). # والمعنى : وكما أنمناهم تلك المدة الطويلة ، وبعثناهم هذا البعث الخاص ، ~~أطلعنا الناس PageV08P492 # عليهم ليعلم هؤلاء الناس عن طريق المعاينة والمشاهدة ، ( @QUR@03 أن وعد ~~الله ) بالبعث ( @QUR@01 حق ) وصدق وليعلموا كذلك أن الساعة ، أى القيامة ، ~~آتية لا ريب فيها ، ولا شك في حصولها ، فإن من شاهد أهل الكهف ، وعرف ~~أحوالهم ، أيقن بأن من كان قادرا على إنامتهم تلك المدة الطويلة ثم على ~~بعثهم بعد ذلك. فهو قادر على إعادة الحياة إلى الموتى ، وعلى بعث الناس يوم ~~القيامة للحساب والجزاء. # وقد ذكروا في كيفية إطلاع الناس ms3658 عليهم روايات ملخصها : أن زميلهم الذي ~~أرسلوه بالدراهم إلى السوق ليشتري لهم طعاما عند ما وصل إلى سوق المدينة ، ~~عمد إلى رجل ممن يبيع الطعام ، فدفع إليه ما معه من نقود لكي يأخذ في ~~مقابلها طعاما ، فلما رأى البائع النقود أنكرها لأنها مصنوعة منذ زمن بعيد ~~وأخذ يطلع عليها بقية التجار ، فقالوا له : أين وجدت هذه الدراهم؟ فقال لهم ~~: بعت بها أمس شيئا من التمر ، وأنا من أهل هذه المدينة ، وقد خرجت أنا ~~وزملائى إلى الكهف خوفا من إيذاء المشركين لنا ، فأخذوه إلى ملكهم وقصوا ~~عليه قصته. فسر الملك به ، وذهب معه إلى الكهف ليرى بقية زملائه فلما رآهم ~~سلم عليهم .. ثم أماتهم الله تعالى » (1). # ثم بين سبحانه ما كان من أمرهم بعد وفاتهم واختلاف الناس في شأنهم ، فقال ~~: ( @QUR@011 إذ يتنازعون بينهم أمرهم ، فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم ~~أعلم بهم ). # والظرف «إذ» متعلق بمحذوف تقديره : اذكر ، و «يتنازعون» من التنازع بمعنى ~~التخاصم والاختلاف ، والضمير في «أمرهم» يعود إلى الفتية. # والمعنى : لقد قصصنا عليك أيها الرسول الكريم قصة هؤلاء الفتية. وبينا لك ~~أحوالهم عند رقادهم ، وبعد بعثهم من نومهم ، وبعد الإعثار عليهم ، وكيف أن ~~الذين عثروا عليهم صاروا يتنازعون في شأنهم. فمنهم من يقول إنهم وجدوا في ~~زمن كذا ، ومنهم من يقول إنهم مكثوا في كهفهم كذا سنة ، ومنهم من يقول نبنى ~~حولهم بنيانا صفته كذا. # ويجوز أن يكون الضمير في «أمرهم» يعود إلى الذين أطلعهم الله على الفتية ~~، فيكون المعنى : اذكر وقت تنازع هؤلاء الذين عثروا على الفتية وتخاصمهم ~~فيما بينهم ، حيث إن بعضهم كان مؤمنا. وبعضهم كان كافرا ، وبعضهم كان يؤمن ~~يبعث الأرواح والأجساد ، وبعضهم كان يؤمن ببعث الأجساد فقط. PageV08P493 # وقوله تعالى : ( @QUR@04 فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ) تفسير للمتنازع فيه ~~، وبيان لما قاله بعض الذين اطلعوا على أمر الفتية. # أى اختلف الذين عثروا على الفتية فقال بعضهم : ابنوا على باب كهفهم ~~بنيانا. حتى لا يصل الناس إليهم ، وحتى نصونهم من الأذى. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 ربهم أعلم بهم ) يحتمل أنه حكاية لكلام ms3659 طائفة من ~~المتنازعين في شأن أصحاب الكهف ، وقد قالوه ليقطعوا النزاع في شأنهم ، ~~وليفوضوا أمرهم إلى الله تعالى . # ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى ردا للخائضين في شأنهم. # أى : اتركوا أيها المتنازعون ما أنتم فيه من تنازع ، فإنى أعلم منكم بحال ~~أصحاب الكهف. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@08 قال الذين غلبوا على ~~أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا ). # أى : أن الذين أعثرهم الله على أصحاب الكهف قال بعضهم : ابنوا على هؤلاء ~~الفتية بنيانا يسترهم .. وقال الذين غلبوا على أمرهم ، وهم أصحاب الكلمة ~~النافذة ، والرأى المطاع ، لنتخذن على هؤلاء الفتية مسجدا ، أى : معبدا ~~تبركا بهم. # قال الآلوسى : واستدل بالآية على جواز البناء على قبور الصلحاء ، واتخاذ ~~مسجد عليها ، وجواز الصلاة في ذلك وممن ذكر ذلك الشهاب الخفاجي في حواشيه ~~على البيضاوي. وهو قول باطل عاطل ، فاسد كاسد. فقد روى أحمد وأبو داود ~~والترمذي والنسائي وابن ماجة ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد ~~والسرج». # وزاد مسلم : «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ~~فإنى أنهاكم عن ذلك». # وروى الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لعن الله ~~اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ..» (1). PageV08P494 # ثم حكت السورة بعد ذلك ما أثير من جدل حول عدد أصحاب الكهف وأمرت النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يكل ذلك إلى الله تعالى وحده ، فقال سبحانه : # ( @QUR@033 سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما ~~بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل ~~فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا ) (22) # أى : سيختلف الناس في عدة أصحاب الكهف أيها الرسول الكريم فمن الناس من ~~سيقول إن عدتهم ثلاثة رابعهم كليهم ، ومنهم من يقول : إنهم خمسة سادسهم كلبهم. # فالضمير في قوله ( @QUR@01 سيقولون ) وفي الفعلين بعده. يعود لأولئك ~~الخائضين في قصة أصحاب الكهف وفي عددهم ، على عهد النبي صلى الله عليه ms3660 وسلم . # قال الجمل : قيل إنما أتى بالسين في هذا لأن في الكلام طيا وإدماجا ~~تقديره : فإذا أجبتهم عن سؤالهم عن قصة أهل الكهف ، فسلهم عن عددهم فإنهم ~~سيقولون ثلاثة. # ولم يأت بها في بقية الأفعال ، لأنها معطوفة على ما فيه السين فأعطيت ~~حكمه من الاستقبال (1). # وقال صاحب الكشاف ، فإن قلت : لما ذا جاء بسين الاستقبال في الأول دون ~~الآخرين؟. # قلت : فيه وجهان : أن تدخل الآخرين في حكم السين ، كما تقول : قد أكرم وأنعم. # تريد معنى التوقع في الفعلين جميعا ، وأن تريد بيفعل معنى الاستقبال الذي ~~هو صالح له (2). # وقوله ، ثلاثة. خبر لمبتدأ محذوف ، أى : هم ثلاثة. PageV08P495 # وقوله تعالى : ( @QUR@02 رجما بالغيب ) رد على القائلين بأنهم ثلاثة ~~رابعهم كلبهم ، وعلى القائلين بأنهم خمسة سادسهم كلبهم. # وأصل الرجم : الرمي بالحجارة ، والمراد به هنا : القول بالظن والحدس ~~والتخمين بدون دليل أو برهان. # قال صاحب الكشاف قوله : ( @QUR@02 رجما بالغيب )، أى : رميا بالخبر ~~الخفى وإتيانا به. كقوله ( @QUR@05 ويقذفون بالغيب من مكان بعيد ) أى : ~~يأتون به. أو وضع الرجم ، موضع الظن فكأنه قيل ظنا بالغيب. لأنهم أكثروا أن ~~يقولوا : رجم بالظن ، مكان قولهم : ظن. حتى لم يبق عندهم فرق بين ~~العبارتين. ألا ترى إلى قول زهير : وما هو عنها بالحديث المرجم .. أى : ~~المظنون» (1). # وقوله : ( @QUR@01 رجما ) منصوب بفعل مقدر. والباء في ( @QUR@01 بالغيب ) ~~للتعدية. # أى : يرمون رميا بالخبر الغائب عنهم ، والذي لا اطلاع لهم على حقيقته ، ~~شأنهم في ذلك شأن من يرمى بالحجارة التي لا تصيب المرمى المقصود. # ثم حكى سبحانه القول الذي هو أقرب الأقوال إلى الصواب فقال : ( @QUR@04 ~~ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم ). # أى : وبعض الناس وهم المؤمنون يقولون إن عدد أصحاب الكهف سبعة أفراد ~~وثامنهم كلبهم. # قال ابن كثير : يقول تعالى مخبرا عن اختلاف الناس في عدة أصحاب الكهف. ~~فحكى ثلاثة أقوال ، فدل على أنه لا قائل برابع. ولما ضعف القولين الأولين ~~بقوله : «رجما بالغيب». # أى : قول بلا علم ، كمن يرمى إلى مكان لا يعرفه ، فإنه لا يكاد يصيب. ~~وإذا أصاب فبلا قصد ، ثم حكى الثالث وسكت عليه ms3661 أو قرره بقوله : ( @QUR@02 ~~وثامنهم كلبهم ) دل على صحته ، وأنه هو الواقع في نفس الأمر» (2). # وقال الآلوسى ما ملخصه : والجملة الواقعة بعد العدد في قوله تعالى : ( ~~@QUR@04 ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم ) في موضع الصفة له ، والواو الداخلة ~~على الجملة الواقعة صفة للنكرة. PageV08P496 # كما تدخل في الواقعة حالا عن المعرفة في قولك : جاءني رجل ومعه آخر ، ~~ومررت بزيد وفي يده سيف ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@08 وما أهلكنا من قرية ~~إلا ولها كتاب معلوم ). # وفائدتها توكيد لصوق الصفة بالموصوف ، والدلالة على أن اتصافه بها أمر ~~ثابت مستقر وهي التي أذنت هنا بأن قائلى ما ذكر ، قالوه عن ثبات علم ، ~~وطمأنينة نفس ، ولم يرجموا بالظن كما رجم غيرهم فهو الحق دون القولين ~~الأولين ... (1). # ثم أمر الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبر الخائضين في عدة أصحاب ~~الكهف ، بما يقطع التنازع الذي دار بينهم فقال : ( @QUR@04 قل ربي أعلم ~~بعدتهم ). # أى : قل أيها الرسول الكريم لمن خاضوا في عدة أصحاب الكهف : ربي عز وجل ~~أقوى علما منكم بعدتهم أيها المتنازعون ، فإنكم إن علمتم عنهم شيئا علما ~~ظنيا. فإن علم ربي بهم هو علم تفصيلي يقيني لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا ~~أحصاها. # ثم أثبت سبحانه علم عددهم لقليل من الناس فقال : ( @QUR@04 ما يعلمهم إلا ~~قليل ) أى : ما يعلم عدة أصحاب الكهف إلا عدد قليل من الناس. # ولا تعارض بين هذه الجملة وبين سابقتها ، لأن علم هذا العدد القليل من ~~الناس بعدة أصحاب الكهف ، هو علم إجمالى ظني .. أما علم الله تعالى فهو علم ~~تفصيلي يقيني شامل لجميع الأزمنة. # فضلا عن أن علم هؤلاء القلة من الناس بعدة أصحاب الكهف ، نابع من إعلام ~~الله تعالى لهم عن طريق الوحى كالرسول صلى الله عليه وسلم أو من يطلعه الرسول ~~صلى الله عليه وسلم على عدتهم. # قال ابن عباس رضى الله عنهما : أنا من أولئك القليل ، كانوا سبعة ، ثم ~~ذكر أسماءهم. # ثم نهى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم عن الجدال المتعمق في شأنهم ، ~~كما نهاه عن استفتاء ms3662 أحد في أمرهم فقال تعالى : ( @QUR@011 فلا تمار فيهم ~~إلا مراء ظاهرا. ولا تستفت فيهم منهم أحدا ). # والمراء : هو الجدال والمحاجة فيما فيه مرية ، أى : تردد. مأخوذ من مريت ~~الناقة إذا كررت مسح ضرعها للحلب. PageV08P497 # والاستفتاء : طلب الفتيا من الغير. والفاء في قوله ( @QUR@02 فلا تمار ) ~~للتفريع. # أى : إذا كان الشأن كما أخبرناك عن حال أصحاب الكهف ، فلا تجادل في أمرهم ~~أحدا من الخائضين فيه إلا جدالا واضحا لا يتجاوز حدود ما قصصناه عليك أيها ~~الرسول الكريم ولا تطلب الفتيا في شأنهم من أحد ، لأن ما قصصناه عليك من ~~خبرهم ، يغنيك عن السؤال. وعن طلب الإيضاح من أهل الكتاب أو من غيرهم. # ثم نهى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن الإخبار عن فعل شيء في ~~المستقبل إلا بعد تقديم مشيئة الله عز وجل فقال : # ( @QUR@07 ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا (23) @QUR@017 إلا أن يشاء ~~الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا ) (24) # قال القرطبي : قال العلماء : عاتب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على ~~قوله للكفار حين سألوه عن الروح والفتية وذي القرنين : غدا أخبركم بجواب ~~أسئلتكم ، ولم يستثن في ذلك. # فاحتبس الوحى عنه خمسة عشر يوما حتى شق ذلك عليه ، وأرجف الكفار به ، ~~فنزلت عليه هذه السورة مفرجة. وأمر في هذه الآية ألا يقول في أمر من الأمور ~~إنى أفعل غدا كذا وكذا ، إلا أن يعلق ذلك بمشيئة الله عز وجل حتى لا يكون ~~محققا لحكم الخبر ، فإنه إذا قال : لأفعلن ذلك ولم يفعل : كان كاذبا ، وإذا ~~قال ، لأفعلن ذلك إن شاء الله خرج عن أن يكون محققا للمخبر عنه (1). # والمراد بالغد : ما يستقبل من الزمان ، ويدخل فيه اليوم الذي يلي اليوم ~~الذي أنت فيه دخولا أوليا. وعبر عما يستقبل من الزمان بالغد للتأكيد. # أى : ولا تقولن أيها الرسول الكريم لأجل شيء تعزم على فعله في المستقبل : ~~إنى فاعل ذلك الشيء غدا ، إلا وأنت مقرن قولك هذا بمشيئة الله تعالى وإذنه ~~، بأن ms3663 تقول : PageV08P498 # سأفعل هذا الشيء غدا بإذن الله ومشيئته ، فإن كل حركة من حركاتك ومن ~~حركات غيرك مرهونة بمشيئة الله تعالى وإرادته ، وما يتعلق بمستقبلك ومستقبل ~~غيرك من شئون ، هو في علم الله تعالى وحده. # وليس المقصود من الآية الكريمة نهى الإنسان عن التفكير في أمر مستقبله ، ~~وإنما المقصود نهيه عن الجزم بما سيقع في المستقبل ، لأن ما سيقع علمه عند ~~الله تعالى وحده. # والعاقل من الناس هو الذي يباشر الأسباب التي شرعها الله تعالى سواء ~~أكانت هذه الأسباب تتعلق بالماضي أم بالحاضر أم بالمستقبل ، ثم يقرن كل ذلك ~~بمشيئة الله تعالى وإرادته. فلا يقول : سأفعل غدا كذا وكذا لأننى أعددت ~~العدة لذلك ، وإنما يقول : سأفعل غدا كذا وكذا إذا شاء الله تعالى ذلك ~~وأراد ، وأن يوقن بأن إرادة الله فوق إرادته ، وتدبيره سبحانه فوق كل تدبير. # وكم من أمور أعد الإنسان لها أسبابها التي تؤدى إلى قضائها .. ثم جاءت ~~إرادة الله تعالى فغيرت ما أعده ذلك الإنسان ، لأنه لم يستشعر عند إعداده ~~للأسباب أن. إرادة الله تعالى فوق إرادته ، وأنه سبحانه القادر على خرق هذه ~~الأسباب ، وخرق ما تؤدى إليه ، ولأنه لم يقل عند ما يريد فعله في المستقبل ~~، إن شاء الله. # وقوله : ( @QUR@04 واذكر ربك إذا نسيت ) تأكيد لما قبله أى : لا تقولن ~~أفعل غدا إلا ملتبسا بقول : إن شاء الله ، واذكر ربك سبحانه إذا نسيت تعليق ~~القول بالمشيئة ، أى : عند تذكرك بأنك لم تقرن قولك بمشيئة الله ، فأت بها. # قال الآلوسى : قوله ( @QUR@02 واذكر ربك ) أى : مشيئة ربك ، فالكلام على ~~حذف مضاف ، إذا نسيت ، أى : إذا فرط منك نسيان ذلك ثم تذكرته. فهو أمر ~~بالتدارك عند التذكر .. (1). # وقال بعض العلماء ما ملخصه : للمفسرين في تفسير قوله تعالى : ( @QUR@04 ~~واذكر ربك إذا نسيت ) قولان : # الأول أن هذه الجملة مرتبطة ومتعلقة بما قبلها : والمعنى : إنك إن قلت ~~سأفعل غدا كذا ونسيت أن تقول إن شاء الله ، ثم تذكرت بعد ذلك فقل : إن شاء الله. PageV08P499 # أى : اذكر ربك معلقا على مشيئته ما تقول إنك ms3664 ستفعله غدا إذا تذكرت بعد ~~النسيان. # وهذا القول هو الظاهر ، لأنه يدل عليه ما قبله ، وهو قوله تعالى : ( ~~@QUR@011 ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ) وهو قول ~~الجمهور. # الثاني : أن هذه الجملة لا تعلق لها بما قبلها ، وأن المعنى : إذا وقع ~~منك النسيان لشيء فاذكر ربك ، لأن النسيان من الشيطان ، كما قال تعالى عن ~~فتى موسى : ( @QUR@06 وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره .... ) (1). # وعلى هذا القول يكون المراد بالذكر : التسبيح والاستغفار ، وعلى الأول ~~المراد به أن تقول : إن شاء الله أو ما يشبه ذلك. # والمقصود من هذه الآية الكريمة بيان أن تعليق الأمور بمشيئة الله تعالى ~~هو الذي يجب أن يفعل ، لأنه تعالى لا يقع شيء إلا بمشيئته فإذا نسى المسلم ~~ثم تذكر ، فإنه يقول : إن شاء الله ، ليخرج بذلك من عهدة عدم التعليق ~~بالمشيئة ، وبذلك يكون قد فوض أمره إلى الله تعالى . # وليس المقصود بها التحلل من يمين قد وقعت ، لأن تداركها قد فات بالانفصال ~~، ولأن الاستثناء المتأخر لا أثر له ولا تحل به اليمين. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@09 وقل عسى أن يهدين ربي ~~لأقرب من هذا رشدا ) أى : قدم أيها الرسول الكريم مشيئة ربك عند إرادة فعل ~~شيء ، وأت بها إذا نسيت ذلك عند التذكر ، وقل عسى أن يوفقني ربي ويهديني ~~ويدلني على شيء أقرب في الهداية والإرشاد من هذا الذي قصصته عليكم من أمر ~~أصحاب الكهف. # قال صاحب الكشاف : وقوله : ( @QUR@03 لأقرب من هذا .. ) اسم الإشارة يعود ~~إلى نبأ أصحاب الكهف : ومعناه : لعل الله يؤتينى من البينات والحجج على أنى ~~نبي صادق ، ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشدا من نبأ أصحاب الكهف. # وقد فعل سبحانه ذلك ، حيث آتاه من قصص الأنبياء ، والإخبار بالغيوب ، ما ~~هو أعظم من ذلك وأدل ، (2). PageV08P500 # ثم بين سبحانه على وجه اليقين ، المدة التي قضاها أصحاب الكهف راقدين في ~~كهفهم ، فقال تعالى : # ( @QUR@08 ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا (25) @QUR@023 ~~قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض ms3665 أبصر به وأسمع ما لهم من ~~دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا ) (26) # أى : أن أصحاب الكهف مكثوا في كهفهم راقدين ثلاثمائة سنين ، وازدادوا فوق ~~ذلك تسع سنين. # فالآية الكريمة إخبار منه سبحانه عن المدة التي لبثها هؤلاء الفتية ~~مضروبا على آذانهم. # وقوله : ( @QUR@05 قل الله أعلم بما لبثوا ) تقرير وتأكيد لكون المدة ~~التي لبثوها هي ما سبق بيانه في الآية السابقة. # فكأنه سبحانه يقول : هذا هو فصل الخطاب في المدة التي لبثوها راقدين في ~~كهفهم ، وقد أعلمك الله تعالى بذلك أيها الرسول الكريم ، وما أعلمك به فهو ~~الحق الصحيح الذي لا يحوم حوله شك ، فلا تلتفت إلى غيره من أقوال الخائضين ~~في أمر هؤلاء الفتية ، فإن الله تعالى هو الأعلم بحقيقة ذلك. # ويرى بعضهم أن قوله تعالى : ( @QUR@03 ولبثوا في كهفهم ) حكاية لكلام أهل ~~الكتاب في المدة التي لبثها أهل الكهف نياما في كهفهم ، وأن قوله ( @QUR@05 ~~قل الله أعلم بما لبثوا ) للرد عليهم. # وقد حكى الإمام ابن كثير القولين. ورجح الأول منهما فقال : هذا خبر من ~~الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بمقدار ما لبث أصحاب الكهف في كهفهم ، ~~منذ أن أرقدهم الله إلى أن بعثهم PageV08P501 # وأعثر عليهم أهل ذلك الزمان. كان مقداره ثلاثمائة سنين وتسع سنين ~~بالهلالية وهي ثلاثمائة سنة بالشمسية ، فإن تفاوت ما بين كل مائة سنة ~~بالقمرية إلى الشمسية ثلاث سنين ، فلهذا قال بعد الثلاثمائة ( @QUR@02 ~~وازدادوا تسعا ). # وقال قتادة في قوله : ( @QUR@03 ولبثوا في كهفهم .. ) وهذا قول أهل ~~الكتاب وقد رده الله تعالى بقوله : ( @QUR@05 قل الله أعلم بما لبثوا ). # وفي هذا الذي قاله قتادة نظر ، فإن الذي بأيدى أهل الكتاب أنهم لبثوا ~~ثلاثمائة سنة من غير تسع ولو كان الله تعالى قد حكى قولهم لما قال : ( ~~@QUR@02 وازدادوا تسعا )، وظاهر الآية أنه خبر عن الله لا حكاية عنهم .. (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@04 له غيب السماوات والأرض ) تأكيد لاختصاصه عز وجل ~~بعلم المدة التي لبثوها ، أى : له سبحانه وحده علم ما خفى وغاب من أحوال ~~السموات والأرض ، وأحوال أهلهما ، كما قال ms3666 تعالى : ( @QUR@011 إن الله لا ~~يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 أبصر به وأسمع ) صيغتا تعجب : أى : ما أبصره ~~وما أسمعه تعالى والمراد أنه سبحانه لا يغيب عن بصره وسمعه شيء. # وجاءت هذه الجملة الكريمة بصيغة التعجب للدلالة على أن أمره تعالى في ~~الإدراك خارج عما عليه إدراك المبصرين والسامعين. إذ لا يحجبه شيء ، ولا ~~يتفاوت عنده لطيف وكثيف ، وصغير وكبير ، وجلى وخفى. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@011 ما لهم من دونه من ولي ~~ولا يشرك في حكمه أحدا ). # أى : ليس لأهل السموات ولا لأهل الأرض ولا لغيرهما غير الله تعالى نصير ~~ينصرهم ، أو ولى يلي أمرهم. ولا يشرك سبحانه في حكمه أو قضائه أحدا كائنا ~~من كان من خلقه. كما قال تعالى ( @QUR@08 ألا له الخلق والأمر تبارك الله ~~رب العالمين ). # هذا ، وقد ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآيات مسائل منها. # (أ) مكان الكهف الذي لجأ إليه هؤلاء الفتية ، والزمن الذي ظهروا فيه ، ~~أما مكان الكهف فللعلماء فيه أقوال : من أشهرها أنه كان بالقرب من مدينة ~~تسمى «أفسوس» وهي PageV08P502 # من مدن تركيا الآن ، قالوا إنها تبعد عن مدينة «أزمير» بحوالى أربعين ~~ميلا ، وتعرف الآن باسم : «أيازبوك». # وقيل : إنه كان ببلدة تدعى «أبسس» بفتح الهمزة وسكون الباء وضم السين ~~وهذه البلدة من ثغور «طرسوس» بين مدينة حلب بسوريا ، وبلاد أرمينية ~~وأنطاكية. # وقيل : إنه كان ببلدة تسمى «بتراء» بين خليج العقبة وفلسطين .. إلى غير ~~ذلك من الأقوال الكثيرة ، التي لا نرى داعيا لذكرها ، لقلة فائدتها. # وأما الزمن الذي ظهروا فيه ، فيرى كثير من المفسرين أنه كان في القرن ~~الثالث الميلادى في عهد الإمبراطور الرومانى «دقيانوس» الذي كان يحمل الناس ~~حملا على عبادة الأصنام ، ويعذب من يخالف ذلك. # (ب) العبر والعظات والأحكام التي تؤخذ من هذه القصة ومن أهمها : # 1 إثبات صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه ، حيث أخبر عن ~~طريق ما أوحاه الله إليه من قرآن عن قصة هؤلاء الفتية ، وبين وجه الحق في ms3667 ~~شأنهم ورد على ما خاضه الخائضون في أمرهم ، وصدق الله إذ يقول : ( @QUR@05 ~~نحن نقص عليك نبأهم بالحق ... ). # 2 الكشف عن جانب من بلاغة القرآن الكريم في قصصه ، حيث ساق هذه القصة ~~مجملة في الآيات الأربع الأولى منها ، ثم ساقها مفصلة بعد ذلك تفصيلا ~~حكيما. وفي ذلك ما فيه من تمكن أحداثها وهداياتها في القلوب. # والمرشد العاقل هو الذي ينتفع بهذا الأسلوب القرآنى في وعظه وإرشاده. # 3 بيان أن الإيمان متى استقر في القلوب ، هان كل شيء في سبيله. فهؤلاء ~~الفتية آثروا الفرار بدينهم ، على البقاء في أوطانهم ، لكي تسلم لهم ~~عقيدتهم .. فهم كما قال سبحانه في شأنهم : ( @QUR@06 إنهم فتية آمنوا بربهم ~~وزدناهم هدى ). # 4 بيان أن على المؤمن أن يلجأ إلى الله بالدعاء لا سيما عند الشدائد ~~والكروب ، وأنه متى اتقى الله تعالى وأطاعه ، جعل له سبحانه من كل ضيق فرجا ~~، ومن كل هم مخرجا ، ورزقه من حيث لا يحتسب ، وصانه من السوء. # فهؤلاء الفتية عند ما لجئوا إلى الكهف ، تضرعوا إلى الله بقولهم : ( ~~@QUR@010 ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا ). # فأجاب الله دعاءهم ، حيث ضرب على آذانهم في الكهف سنين عددا ، وجعل الشمس PageV08P503 # لا تصل إليهم مع أنهم في فجوة من الكهف ، وصان أجسادهم من البلى والتعفن ~~بأن قلبهم ذات اليمين وذات الشمال ، وأنام كلبهم بعتبة باب الكهف حتى لكأنه ~~حارس لهم : وألقى الهيبة عليهم بحيث لو رآهم الرائي لولى منهم فرارا. ولملئ ~~قلبه رعبا من منظرهم. # وسخر أصحاب النفوذ والقوة للدفاع عنهم. وللتعبير عن تكريمهم لهم بقولهم : ~~( @QUR@03 لنتخذن عليهم مسجدا ). # 5 بيان أن التفكير السليم المصحوب بالنية الطيبة والعزيمة الصادقة ، يؤدى ~~إلى الاهتداء إلى الحق ، وأن القلوب النقية الطاهرة تتعاون على البر ~~والتقوى لا على الإثم والعدوان. وأن فضح الباطل والكشف عن زيفه .. دليل على ~~سلامة اليقين. # فهؤلاء الفتية اجتمعوا على الحق ، وربط الله على قلوبهم إذ قاموا للوقوف ~~في وجه الباطل ، وهداهم تفكيرهم السليم إلى أن المستحق للعبادة هو ربهم رب ~~السموات والأرض ، وأن ms3668 من يعبد غيره يكون قد افترى على الله كذبا. # وأن اعتزال الكفر يوصل إلى نشر الرحمة ، والظفر بالسداد والتوفيق. ولذا ~~تواصوا فيما بينهم بقولهم : ( @QUR@013 فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من ~~رحمته ، ويهيئ لكم من أمركم مرفقا ). # 6 بيان أن مباشرة الأسباب المشروعة لا تنافى التوكل على الله. # فهؤلاء الفتية عند ما خرجوا من ديارهم ، أخذوا معهم بعض النقود ، وبعد ~~بعثهم من رقادهم أرسلوا أحدهم إلى المدينة ليحضر لهم طعاما طاهرا حلالا ، ~~وأوصوه بالتلطف في أخذه وعطائه وبكتمان أمره وأمرهم حتى لا يعرف الأعداء ~~مكانهم. # وهكذا العقلاء ، لا يمنعهم توكلهم على الله تعالى من أخذ الحيطة والحذر ~~في كل شئونهم التي تستدعى ذلك. # 7 إقامة أوضح الأدلة وأعظمها على أن البعث حق. فقد أطلع الله تعالى الناس ~~على هؤلاء الفتية ، ليوقنوا بأنه سبحانه قادر على إحياء الموتى .. لأن من ~~يقدر على بعث الراقدين من رقادهم بعد مئات السنين ، فهو قادر على إحياء ~~الموتى يوم القيامة. # 8 بيان أن من الواجب على المؤمن إذا أراد فعل شيء أن يقرن ذلك بمشيئة ~~الله تعالى لأنه سبحانه بيده الأمر كله ، وصدق الله إذ يقول : ( @QUR@011 ~~ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ). # هذه بعض العظات والأحكام التي ترشدنا إليها هذه القصة ، وقد ذكرنا جانبا ~~آخر منها PageV08P504 # خلال تفسيرنا للآيات التي اشتملت عليها. ومن أراد المزيد فليرجع إلى ما ~~كتبه المفسرون في ذلك (1). # ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بمداومة التلاوة لما أوحاه إليه ~~سبحانه ، فإن فيه فصل الخطاب وبالحفاوة بالمؤمنين الصادقين الذين يدعون ~~ربهم بالغداة والعشى ، وبإعلان كلمة الحق فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ~~فقال تعالى : # ( @QUR@015 واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من ~~دونه ملتحدا (27) @QUR@030 واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ~~يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا ~~قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا (28) @QUR@028 وقل الحق من ربكم ~~فمن ms3669 شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها ~~وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا (29) ~~@QUR@012 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ~~(30) @QUR@012 أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور PageV08P505 # @QUR@016 من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على ~~الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا ) (31) # قال الإمام الرازي ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@04 واتل ما أوحي إليك ~~.. ) اعلم أن من هذه الآية إلى قصة موسى عليه السلام والخضر ، كلام واحد في ~~قصة واحدة وذلك أن أكابر كفار قريش احتجوا وقالوا لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : إن أردت أن نؤمن بك فاطرد هؤلاء الفقراء .. فنهاه الله ~~عن طردهم لأنه مطلوب فاسد .. ثم إنه سبحانه أمره بالمواظبة على تلاوة كتابه ~~، وأن لا يلتفت إلى اقتراح المقترحين ، وتعنت المتعنتين (1). # قوله سبحانه : ( @QUR@01 واتل )... فعل أمر من التلاوة بمعنى القراءة. # أى : وعليك أيها الرسول الكريم أن تواظب وتداوم على قراءة ما أوحيناه ~~إليك من هذا القرآن الكريم ، وأن تتبع إرشاداته وتوجيهاته ، فإن في ذلك ما ~~يهديك إلى الطريق الحق ، وما يغنيك عن السؤال والاستفتاء ، قال تعالى : ( ~~@QUR@016 إن الذين يتلون كتاب الله ، وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم ~~سرا وعلانية ، يرجون تجارة لن تبور ) (2). # وصيغة الأمر في قوله سبحانه : ( @QUR@01 واتل .. ) لإبقاء الفعل لا ~~لإيجاده ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@03 اهدنا الصراط المستقيم ). # و «من» في قوله ( @QUR@03 من كتاب ربك ) بيانية. # وقوله : ( @QUR@03 لا مبدل لكلماته ) أى : ليس في هذا الكون أحد في ~~إمكانه أن يغير أو يبدل شيئا من الكلمات التي أوحاها الله تعالى إليك أيها ~~الرسول الكريم ، لأننا قد تكفلنا بحفظ هذا الكتاب الذي أوحيناه إليك. # قال تعالى : ( @QUR@011 وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو ~~السميع العليم ) (3). PageV08P506 # وقال سبحانه ( @QUR@07 إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) (1). # فالجملة الكريمة وهي قوله سبحانه ( @QUR@03 لا مبدل لكلماته ) نفت قدرة ~~أحد على تبديل كلمات الله ، لأن أخبارها صدق ، وأحكامها عدل ، وإنما الذي ms3670 ~~يقدر على التغيير والتبديل هو الله تعالى وحده. # والضمير في «كلماته» يعود على الله تعالى ، أو على الكتاب. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@05 ولن تجد من دونه ملتحدا ). # وأصل الملتحد : مكان الالتحاد وهو افتعال من اللحد بمعنى الميل. ومنه ~~اللحد في القبر ، لأنه ميل في الحفر. ومنه قوله تعالى : ( @QUR@08 إن الذين ~~يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا .. ) أى : يميلون في آياتنا. # فالمراد بالملتحد : المكان الذي يميل فيه إلى ملجأ للنجاة. # والمعنى : وداوم أيها الرسول الكريم على تلاوة ما أوحيناه إليك من كتابنا ~~الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، واعلم أنك إن خالفت ذلك لن ~~تجد غير الله تعالى ملجأ تلجأ إليه ، أو مأوى تأوى إليه ، لكي تنجو مما ~~يريده بك. # فالجملة الكريمة تذييل قصد به التحذير الشديد في شخص الرسول ~~صلى الله عليه وسلم لكل من يقصر في تلاوة كتاب الله ، أو يحاول التبديل في ~~ألفاظه ومعانيه. # ثم ساقت السورة الكريمة لونا من الأدب السامي ، والتوجيه العالي ، حيث ~~بينت أن أولى الناس بالرعاية والمجالسة هم المؤمنون الصادقون ، وأمرت النبي ~~صلى الله عليه وسلم بأن يصبر نفسه معهم ، فقال تعالى : ( @QUR@018 واصبر نفسك ~~مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ، ولا تعد عيناك عنهم تريد ~~زينة الحياة الدنيا .. ). # وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها : أنها نزلت في ~~أشراف قريش ، حين طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجلس معهم وحده ، ولا ~~يجالسهم مع ضعفاء أصحابه كبلال وعمار وابن مسعود. وليفرد أولئك بمجلس على ~~حدة ، فنهاه الله تعالى عن ذلك .. وأمره أن يصبر نفسه في الجلوس مع هؤلاء ~~الفقراء فقال : ( @QUR@010 واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ~~يريدون وجهه ). (2). PageV08P507 # وصبر النفس معناه : حبسها وتثبيتها على الشيء ، يقال : صبرت فلانا أصبره ~~صبرا ، أى : حبسته. # والغداة : أول النهار. والعشى. آخره. # والمعنى : عليك أيها الرسول الكريم أن تحبس نفسك وتعودها على مجالسة ~~أصحابك ( @QUR@03 الذين يدعون ربهم ) أى : يعبدونه ويتقربون إليه بشتى ~~أنواع القربات ، في ms3671 الصباح والمساء ، ويداومون على ذلك ، دون أن يريدوا ~~شيئا من وراء هذه العبادة ، سوى رضا الله تعالى عنهم ورحمته بهم. # وفي تخصيص الغداة والعشى بالذكر : إشعار بفضل العبادة فيهما : لأنهما محل ~~الغفلة والاشتغال بالأمور الدنيوية غالبا. # ويصح أن يكون ذكر هذين الوقتين المقصود به مداومة العبادة. وإلى هذا ~~المعنى أشار الآلوسى بقوله : قوله : ( @QUR@04 يدعون ربهم بالغداة والعشي ) ~~أى : يعبدونه دائما. وشاع استعمال مثل هذه العبارة للدوام. وهي نظير قولهم ~~: ضرب زيد الظهر والبطن. يريدون به ضرب جميع البدن. وأبقى غير واحد اللفظين ~~على ظاهرهما أى : يعبدونه في طرفي النهار (1). # وقوله : ( @QUR@02 يريدون وجهه ) مدح لهم بالإخلاص والبعد عن الرياء ~~والمباهاة .. فهم لا يتقربون إلى الله تعالى بالطاعات من أجل دنيا ~~يصيبونها. أو من أجل إرضاء الناس. # وإنما هم يبتغون بعبادتهم رضا الله تعالى وحده ، لا شيئا آخر من حظوظ ~~الدنيا. # وقوله سبحانه ( @QUR@08 ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا .. ) ~~نهى له صلى الله عليه وسلم عن الغفلة عنهم ، بعد أمره بحبس نفسه عليهم. # والفعل ( @QUR@01 تعد ) بمعنى تصرف. يقال عداه عن الأمر عدوا إذا صرفه ~~عنه وشغله. # أى : احبس نفسك مع هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشى يريدون وجهه سبحانه ولا تصرف عيناك النظر عنهم ، وتتجاوزهم إلى ~~غيرهم من الأغنياء ، طمعا في إسلامهم. # فالمراد بإرادة الحياة الدنيا الحرص على مجالسة أهل الغنى والجاه حبا في ~~إيمانهم. # وجملة ( @QUR@04 تريد زينة الحياة الدنيا ) في موضع الحال من الضمير ~~المضاف إليه في قوله PageV08P508 # ( @QUR@01 عيناك )، وإنما ساغ ذلك لأن المضاف هنا جزء من المضاف إليه. # وقوله تعالى ( @QUR@012 ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان ~~أمره فرطا ) نهى آخر مؤكد لما قبله من حبس نفسه صلى الله عليه وسلم على هؤلاء ~~المؤمنين الفقراء ، وعدم صرف نظره عنهم إلى غيرهم من المتغطرسين الأغنياء. # والفرط بضم الفاء والراء : مجاوزة الحد ، ونبذ الحق والصواب ، واتباع ~~الباطل والضلال. أى : ولا تطع أيها الرسول الكريم في تنحية المؤمنين ~~الفقراء عن مجلسك أقوال أولئك الغافلين عن طاعتنا ms3672 وعبادتنا لاستحواذ ~~الشيطان عليها ، والذين اتبعوا أهواءهم فآثروا الغي على الرشد. والذين كان ~~أمرهم. فرطا أى : مخالفا للحق ، ومجاوزا للصواب ، ومؤديا للضياع والخسران. # قال ابن جرير بعد أن ذكر جملة من الأقوال في معنى قوله تعالى : ( @QUR@01 ~~فرطا ): وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال معناه : ضياعا وهلاكا. ~~من قولهم : أفرط فلان في هذا الأمر إفراطا ، إذا أسرف فيه. وتجاوز قدره. ~~وكذلك قوله : ( @QUR@03 وكان أمره فرطا ). معناه : وكان أمر هذا الذي ~~أغفلنا قلبه عن ذكرنا في الرياء والكبر واحتقار أهل الإيمان سرفا قد تجاوز ~~حده ، فضيع بذلك الحق وهلك» (1). # فالآية الكريمة تسوق للناس توجيها حكيما في بيان القيم الحقيقية للناس ؛ ~~وهي أنها تتمثل في الإيمان والتقوى ، لا في الغنى والجاه. # فالمؤمن الصادق في إيمانه ، الكريم في أخلاقه .. هو الذي يحرص على مخالطة ~~أهل الإيمان والتقوى. ولا يمنعه فقرهم من مجالستهم ومصاحبتهم ومؤانستهم ~~والتواضع لهم ، والتقدم إليهم بما يسرهم ويشرح صدورهم. # ولقد ربي النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على هذا الخلق الكريم ، روى ~~الشيخان عن سهل بن سعد الساعدي قال : مر رجل على النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال لرجل عنده جالس : «ما رأيك في هذا؟ فقال : رجل من أشرف الناس ، هذا ~~والله حرى إن خطب أن يزوج ، وإن شفع أن يشفع. فسكت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثم مر رجل آخر : فقال له صلى الله عليه وسلم : «ما رأيك في PageV08P509 # هذا»؟ فقال : يا رسول الله ، هذا رجل من فقراء المسلمين هذا والله حرى إن ~~خطب أن لا يزوج ، وإن شفع ألا يشفع ، وإن قال أن لا يسمع لقوله. فقال : ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : «هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا» (1). # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجهر بكلمة الحق في وجوه ~~المستكبرين ، فقال. ( @QUR@010 وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء ~~فليكفر .. ). # أى : وقل : أيها الرسول لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا ، واتبعوا ~~أهواءهم ، وكان أمرهم فرطا ، قل لهم : هذا ms3673 الذي جئتكم به من قرآن هو الحق ~~من ربكم وخالقكم .. فقوله : ( @QUR@03 الحق من ربكم ) خبر لمبتدأ محذوف. # أو أن لفظ ( @QUR@01 الحق ) مبتدأ ، والجار والمجرور خبره. أى : الحق ~~الذي جئتكم به في هذا القرآن العظيم ، كائن مبدؤه من ربكم ، وليس من أحد سواه. # وليس المراد من قوله ( @QUR@06 فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) التخيير ~~بين الإيمان والكفر ، بل المراد به التهديد والتخويف ، بدليل قوله تعالى ~~بعد ذلك ( @QUR@04 إنا أعتدنا للظالمين نارا ).. إلخ. # أى : قل لهم جئتكم من ربكم بالحق الذي يجب اتباعه ، فمن شاء أن يؤمن به ~~فليفعل فإن عاقبته الخير والثواب ، ومن شاء أن يكفر به فليكفر فإن عاقبته ~~الخسران والعقاب ، كما بين سبحانه ذلك في قوله : ( @QUR@07 إنا أعتدنا ~~للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها ). # والسرادق : كل ما أحاط بغيره ، كالحائط أو السور الذي يحيط بالبناء ، ~~فيمنع من الوصول إلى ما بداخله. # أى : إنا هيأنا وأعددنا للكافرين بهذا الحق نارا مهولة عظيمة ، أحاط بهم ~~سياجها إحاطة تامة ؛ بحيث لا يستطيعون الخروج منه ، وإنما هم محصورون ~~بداخله. كما ينحصر الشيء بداخل ما يحدق به من كل جانب. # وقوله : ( @QUR@011 وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه ، بئس ~~الشراب ، وساءت مرتفقا ) بيان لما ينزل بهم من عذاب عند ما يطلبون الغوث ~~مما هم فيه من كروب. # والمهل في اللغة : يطلق على ما أذيب من جواهر الأرض. كالحديد ، والرصاص ، PageV08P510 # والنحاس ، ونحو ذلك كما يطلق أيضا على الماء الغليظ كدردي الزيت أى : ما ~~تعكر منه. وقيل. هو نوع من القطران أو السم. # والمرتفق : المتكأ ، من الارتفاق وهو الاتكاء على مرفق اليد. # أى : إن هؤلاء الكافرين ، إن يطلبوا الغوث عما هم فيه من كرب وعطش ، ~~يغاثوا بماء كالمهل في شدة حرارته ونتنه وسواده ، هذا الماء ( @QUR@02 يشوي ~~الوجوه ) أى : يحرقها. # ( @QUR@02 بئس الشراب ) ذلك الماء الذي يغاثون به «وساءت» النار منزلا ~~ينزلون به ، ومتكأ يتكئون عليه. # فالآية الكريمة تصور ما ينزل بهؤلاء الظالمين من عذاب ، تصويرا ترتجف من ~~هوله الأبدان ، ويدخل الرعب والفزع على النفوس. # قال بعضهم : فإن قيل ms3674 ، أى إغاثة لهم في ماء كالمهل مع أنه من أشد العذاب ~~، وكيف قال سبحانه ، ( @QUR@03 يغاثوا بماء كالمهل )؟ # فالجواب : إن هذا من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن ونظيره من ~~كلام العرب قول عمرو بن معد يكرب. # وخيل قد دلفت لها بخيل %~% تحية بينهم ضرب وجيع # أى : لا تحية لهم إلا الضرب الوجيع ، وإذا كان هؤلاء الظالمون لا يغاثون ~~إلا بماء كالمهل ، علم من ذلك أنهم لا إغاثة لهم مطلقا» (1). # والمخصوص بالذم في قوله : ( @QUR@04 بئس الشراب وساءت مرتفقا ) محذوف ، ~~بئس الشراب ذلك الماء الذي يغاثون به ، وساءت النار مكانا للارتفاق ~~والاتكاء. # ثم بين سبحانه بعد ذلك حسن عاقبة المؤمنين فقال : ( @QUR@012 إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ). # ثم بين سبحانه ما أعده لهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ألوان ~~النعيم فقال : ( @QUR@08 أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار ). # ولفظ «عدن» بمعنى إقامة لا رحيل بعدها ولا تحول. وأصله من عدن فلان ~~بالمكان. إذ أقام به واستقر فيه. PageV08P511 # أى : أولئك الذين عمروا دنياهم بالإيمان والعمل الصالح لهم جنات يقيمون ~~فيها إقامة دائمة ، تجرى من تحت مساكنهم الأنهار. # ( @QUR@06 يحلون فيها من أساور من ذهب ) والأساور : جمع سوار. وهو نوع من ~~الحلي يلبس بزند اليد. # أى : يلبسون في تلك الجنات أساور من ذهب على سبيل التزين والتكريم. # ولا مانع من أن يضاف إلى هذه الأساور الذهبية ، أساور أخرى من فضة ، ~~وثالثة من لؤلؤ كما في قوله تعالى : ( @QUR@04 وحلوا أساور من فضة ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا .. ) (2). # وفي الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول صلى الله عليه وسلم قال : «تبلغ الحلية ~~من المؤمن حيث يبلغ الوضوء». # وقوله ( @QUR@06 ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق ) معطوف على ما قبله. # والسندس : ما رق من الحرير واحده سندسة. # والإستبرق : ما غلظ منه وثخن ، واحده إستبرقة. # أى : يتزينون في الجنات بأساور من ذهب ، ويلبسون فيها ثيابا خضرا من رقيق ~~الحرير ومن غليظه. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@08 متكئين فيها ms3675 على الأرائك نعم ~~الثواب وحسنت مرتفقا ). # والأرائك : جمع أريكة. وهو كل ما يتكأ عليه من سرير أو فراش. # أى : متكئين في الجنات على الأرائك شأن المتنعمين المترفهين «نعم الثواب» ~~ذلك الذي وعدهم الله تعالى به وهو الجنة «وحسنت» تلك الأرائك في الجنات ~~«مرتفقا». # أى : متكأ ومقرا ومجلسا ومسكنا. # وبذلك نرى الآية الكريمة قد اشتملت على ألوان متعددة من التكريم والثواب ~~لأولئك المؤمنين الذين عمروا دنياهم بالعمل الصالح. PageV08P512 # فقد بشرهم سبحانه بجنات عدن ، ثم بشرهم ثانيا بأن الأنهار تجرى من تحتهم ~~، ثم بشرهم ثالثا بأنهم يحلون فيها من أساور من ذهب ، ثم بشرهم رابعا بأنهم ~~يلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق ، ثم بشرهم خامسا ، بأنهم يتكئون في تلك ~~الجنات على الأرائك. # وفي هذه البشارات ما فيها من الحض على المسارعة إلى العمل الصالح ، الذي ~~يرفع درجات المؤمن إلى أعلى عليين ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، والله ~~ذو الفضل العظيم ، نسأل الله تعالى أن يرزقنا هذا الفضل ، فهو أكرم مسئول ، ~~وأعظم مأمول. # ثم ساقت السورة الكريمة مثلا للنفس الإنسانية المغرورة المتفاخرة بزينة ~~الحياة الدنيا ، الجاحدة لنعم الله ... وللنفس الإنسانية المتواضعة ، ~~المعتزة بعقيدتها السليمة ، الشاكرة لربها ... لكي يكون في هذا المثل عبرة ~~وعظة لمن كان له قلب ، فقال تعالى : # ( @QUR@014 واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما ~~بنخل وجعلنا بينهما زرعا (32) @QUR@011 كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم ~~منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا (33) @QUR@013 وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو ~~يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا (34) @QUR@012 ودخل جنته وهو ظالم ~~لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا (35) @QUR@012 وما أظن الساعة قائمة ~~ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا ) (36) # والمثل في اللغة : الشبيه والنظير ، وهو في عرف القرآن الكريم : الكلام ~~البليغ المشتمل على تشبيه بديع. # وضرب المثل : إيراده ، وعبر عن إيراده بالضرب ، لشدة ما يحدث عنه من ~~التأثير في نفس السامع. PageV08P513 # أى : واضرب أيها الرسول الكريم مثلا للمؤمنين الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشى يريدون وجهه ، وللكافرين الذين غرتهم الحياة الدنيا ms3676 ، ليهلك من هلك ~~عن بينة ، ويحيا من حي عن بينة. # قال الآلوسى : والمراد بالرجلين : إما رجلان مقدران على ما قيل ، وضرب ~~المثل لا يقتضى وجودهما. وإما رجلان موجودان وهو المعول عليه. فقيل هما ~~رجلان من بنى إسرائيل أحدهما : كافر .. والآخر : مؤمن. # ثم قال : والمراد ضربهما مثلا للفريقين المؤمنين والكافرين ، لا من حيث ~~أحوالهما المستفادة مما ذكر آنفا ، بل من أن للمؤمنين في الآخرة كذا ، ~~وللكافرين فيها كذا ، من حيث عصيان الكفرة مع تقلبهم في نعم الله ، وطاعة ~~المؤمنين مع مكابدتهم مشاق الفقر» (1). # أى : واضرب لهم مثلا من حيثية العصيان مع النعمة ، والطاعة مع الفقر ، ~~حال رجلين : ( @QUR@02 جعلنا لأحدهما ) وهو الكافر ( @QUR@01 جنتين ) أى : ~~بستانين ، ولم يعين سبحانه مكانهما ، لأنه لم يتعلق بهذا التعيين غرض. # ثم بين ما اشتملت عليه هاتان الجنتان من خيرات فقال : ( @QUR@02 من أعناب ~~) جمع عنب ، والعنبة الحبة منه. والمراد : من كروم متنوعة. # وقوله : ( @QUR@05 وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا ) بيان لما أضيف ~~إلى الجنتين من مناظر تزيدهما بهجة وفائدة. # والحف بالشيء : الإحاطة به. يقال : فلان حفه القوم ، أى : أحاطوا به ، ~~ومنه قوله تعالى : ( @QUR@06 وترى الملائكة حافين من حول العرش ... ). # أى : جعلنا لأحد الرجلين ، وهو الكافر منهما جنتين من أعناب ، وأحطناهما ~~بنخل ليكون كالحماية النافعة لهما ، وجعلنا في وسطهما زرعا وبذلك تكون ~~الجنتان جامعتين للأقوات والفواكه ، مشتملتين على ما من شأنه أن يشرح الصدر ~~، ويفيد الناس. # ثم ذكر سبحانه ما يزيد من جودة الجنتين ، ومن غزارة خيرهما فقال : ( ~~@QUR@011 كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا ، وفجرنا خلالهما نهرا ~~) وكلتا : اسم مفرد اللفظ مثنى المعنى عند البصريين ، وهو المذهب المشهور ، ~~ومثنى لفظا ومعنى عند غيرهم. # أى : أن كل واحدة من الجنتين ( @QUR@02 آتت أكلها ) أى : أعطت ثمارهما ~~التي يأكلها الناس PageV08P514 # من العنب والتمر وغيرهما من صنوف الزرع ( @QUR@04 ولم تظلم منه شيئا ) أى ~~ولم تنقص من هذا المأكول شيئا في سائر السنين ، بل كان أكل كل واحدة منهما ~~وافيا كثيرا في كل سنة ، على خلاف ما جرت به عادة البساتين ، فإنها في ms3677 ~~الغالب تكثر ثمارها في أحد الأعوام وتقل في عام آخر. # وفي التعبير بكلمة ( @QUR@01 تظلم ) بمعنى تنقص وتمنع ، مقابلة بديعة ~~لحال صاحبهما الذي ظلم نفسه بجحوده لنعم الله تعالى واستكباره في الأرض. # وقوله ( @QUR@03 وفجرنا خلالهما نهرا ) أى : وشققنا في وسطهما نهرا ~~ليمدهما بما يحتاجان إليه من ماء بدون عناء وتعب. # فأنت ترى أن الله تعالى قد وصف هاتين الجنتين بما يدل على جمال منظرهما ، ~~وغزارة عطائهما ، وكثرة خيراتهما ، واشتمالهما على ما يزيدهما بهجة ومنفعة. # ثم بين سبحانه أن صاحب هاتين الجنتين كانت له أموال أخرى غيرهما فقال : ( ~~@QUR@03 وكان له ثمر ). # قال الآلوسى ما ملخصه : ( @QUR@02 وكان له ) أى : للأحد المذكور وهو صاحب ~~الجنتين «ثمر» أى أنواع أخرى من المال .. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي .. ~~«ثمر» بضم الثاء والميم ، وهو جمع ثمار بكسر الثاء .. أى : أموال كثيرة من ~~الذهب والفضة والحيوان وغير ذلك ، وبذلك فسره ابن عباس وقتادة وغيرهما ..» (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@010 فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا ~~وأعز نفرا ) حكاية لما تفوه به هذا الكافر من ألفاظ تدل على غروره وبطره. # والمحاورة : المراجعة للكلام من جانبين أو أكثر. يقال : تحاور القوم ، ~~إذا تراجعوا الكلام فيما بينهم. ويقال : كلمته فما أحار إلى جوابا ، أى : ~~مارد جوابا. # والنفر : من ينفر بضم الفاء مع الرجل من قومه وعشيرته لقتال عدوه. # أى : فقال صاحب الجنتين لصاحبه المؤمن الشاكر : أنا أكثر منك مالا وأعز ~~منك عشيرة وحشما وأعوانا. # وهذا شأن المطموسين المغرورين ، تزيدهم شهوات الدنيا وزينتها .. بطرا ~~وفسادا في الأرض. PageV08P515 # وما أصدق قول قتادة رضى الله عنه : «تلك والله أمنية الفاجر : كثرة المال ~~وعزة النفر» ، ثم انتقل صاحب الجنتين من غروره هذا إلى غرور أشد. حكاه ~~القرآن في قوله : ( @QUR@024 ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال : ما أظن أن ~~تبيد هذه أبدا. وما أظن الساعة قائمة ، ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها ~~منقلبا ). # أى : أن هذا الكافر لم يكتف بتطاوله على صاحبه المؤمن ، بل سار به نحو ~~جنته حتى دخلها وهو ظالم لنفسه بسبب كفره وجحوده ms3678 وغروره. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : فلم أفرد الجنة بعد التثنية؟ قلت : معناه ~~ودخل ما هو جنته ، ماله جنة غيرها : يعنى أنه لا نصيب له في الجنة التي ~~وعدها الله للمؤمنين ، فما ملكه في الدنيا هو جنته لا غير ، ولم يقصد ~~الجنتين ولا واحدة منهما. # وقوله ( @QUR@03 وهو ظالم لنفسه ) أى : وهو معجب بما أوتى مفتخر به ، ~~كافر لنعمة ربه ، معرض بذلك نفسه لسخط الله ، وهو أفحش الظلم .. (1). # وقوله : ( @QUR@07 قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا ) أى : قال هذا الكافر ~~لصاحبه : ما أظن أن هذه الجنة تفنى أو تهلك أبدا. # يقال : باد الشيء يبيد بيدا وبيودا : إذا هلك وفنى. # ثم ختم هذا الكافر محاورته لصاحبه بقوله : ( @QUR@04 وما أظن الساعة ~~قائمة ) أى : كائنة ومتحققة. فهو قد أنكر البعث وما يترتب عليه من حساب بعد ~~إنكاره لفناء جنته ، ثم أكد كلامه بجملة قسمية فقال : ( @QUR@04 ولئن رددت ~~إلى ربي ) أى : والله لئن رددت إلى ربي على سبيل الفرض والتقدير كما ~~أخبرتنى يا صاحبي بأن هناك بعثا وحسابا ( @QUR@03 لأجدن خيرا منها ) أى : ~~من هذه الجنة ( @QUR@01 منقلبا ) أى : مرجعا وعاقبة. اسم مكان من الانقلاب ~~بمعنى الرجوع والانصراف عن الشيء إلى غيره. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@08 أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال ~~لأوتين مالا وولدا ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن ~~بمعذبين ). # والمتدبر لحال صاحب الجنتين يراه ، أولا قد زعم أن مدار التفاضل هو ~~الثروة والعشيرة ، ويراه ثانيا قد بنى حياته على الغرور والبطر ، واعتقاد ~~الخلود لزينة الحياة PageV08P516 # الدنيا ، ويراه ثالثا قد أنكر البعث والحساب ، والثواب والعقاب. # ويراه رابعا قد توهم أن غناه في الدنيا سيكون معه مثله في الآخرة : # قال صاحب الكشاف : وأخبر عن نفسه بالشك في بيدودة جنته ، لطول أمله ، ~~واستيلاء الحرص عليه ، وتمادى غفلته ، واغتراره بالمهلة ، واطراحه النظر في ~~عواقب أمثاله ، وترى أكثر الأغنياء من المسلمين ، وإن لم يطلقوا بمثل هذا ~~ألسنتهم ، فإن ألسنة أحوالهم ناطقة به ، منادية عليه. # وأقسم على أنه إن رد إلى ربه على سبيل الفرض والتقدير ليجدن ms3679 في الآخرة ~~خيرا من جنته في الدنيا ، تطمعا وتمنيا على الله ..» (1). # ثم حكى سبحانه بعد ذلك ما قاله الرجل المؤمن لصاحب الجنتين ، الذي نطق ~~بأفحش ، وأفجر الفجور ، فقال تعالى : # ( @QUR@016 قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ~~ثم سواك رجلا (37) @QUR@08 لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا (38) ~~@QUR@020 ولو لا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا ~~أقل منك مالا وولدا (39) @QUR@015 فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل ~~عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا (40) @QUR@08 أو يصبح ماؤها غورا ~~فلن تستطيع له طلبا ) (41) # أى : قال الرجل الفقير المؤمن ، في رده على صاحبه الجاحد المغرور ، منكرا ~~عليه كفره قال له على سبيل المحاورة والمجاوبة : يا هذا ( @QUR@01 أكفرت ) ~~بالله الذي «خلقك» بقدرته PageV08P517 # «من تراب». أى : خلق أباك الأول من تراب ، كما قال : سبحانه ( @QUR@015 ~~إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ، خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ) (1). # ( @QUR@03 ثم من نطفة ) أى : خلق أباك آدم من تراب ، ثم أوجدك أنت من ~~نطفة عن طريق التناسل والمباشرة بين الذكر والأنثى. # ( @QUR@03 ثم سواك رجلا ) أى : ثم صيرك إنسانا كاملا ، ذا صورة جميلة ، ~~وهيئة حسنة. كما قال سبحانه : ( @QUR@06 لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ). # والاستفهام في قوله : ( @QUR@01 أكفرت .. ) للإنكار والاستبعاد ، لأن خلق ~~الله تعالى له من تراب ثم نطفة ، ثم تسويته إياه رجلا ، يقتضى منه الإيمان ~~بهذا الخالق العظيم ، وإخلاص العبادة له ، وشكره على نعمائه. # قالوا : ولا يستلزم قول صاحب الجنتين قبل ذلك : ( @QUR@08 ولئن رددت إلى ~~ربي لأجدن خيرا منها منقلبا ). أنه كان مؤمنا ، لأنه قال ذلك على سبيل ~~الفرض والتقدير ، لا على سبيل الاعتقاد واليقين ، بدليل تردده في إمكان ~~قيام الساعة ، ولأن اعترافه بوجود الله تعالى لا يستلزم الإيمان الحق ، ~~فالكفار كانوا يعترفون بأن الله تعالى هو الخالق للسموات والأرض ، ومع هذا ~~يشركون معه في العبادة آلهة أخرى. # وجاء التعبير بحرف «ثم» في الآية ، للاشارة إلى أطوار خلق الإنسان التي ~~فصلها ms3680 سبحانه في آيات أخرى ، منها قوله تعالى : ( @QUR@034 ولقد خلقنا ~~الإنسان من سلالة من طين. ثم جعلناه نطفة في قرار مكين. ثم خلقنا النطفة ~~علقة ، فخلقنا العلقة مضغة ، فخلقنا المضغة عظاما ، فكسونا العظام لحما ، ~~ثم أنشأناه خلقا آخر ، فتبارك الله أحسن الخالقين ) (2). # ثم يعلن الرجل الصالح موقفه بشجاعة ووضوح ، فيقول لصاحبه صاحب الجنتين : ~~( @QUR@08 لكنا هو الله ربي ، ولا أشرك بربي أحدا ). # أى : إن كنت أنت يا هذا قد كفرت بالله الذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم ~~سواك رجلا ، فإنى لست بكافر ، ولكني أنا مؤمن ، أعترف له بالعبادة والطاعة ~~وأقول : هو الله PageV08P518 # تعالى وحده ربي ، ولا أشرك معه أحدا من خلقه لا في الربوبية ، ولا في ~~الألوهية ، ولا في الذات ولا في الصفات. # وقوله سبحانه في هذه الآية ( @QUR@01 لكنا ... ) أصله : «لكن أنا» أى : ~~لكن أنا أقول هو الله ربي. فحذفت همزة «أنا» وأدغمت نون «لكن» في نون أنا ~~بعد حذف الهمزة. # وجمهور القراء يقرءون في الوصل «لكن» بدون ألف بعد النون المشددة وقرأ ~~أبو عامر في الوصل «لكنا» بالألف أما في حالة الوقف فقد اتفق الجميع على ~~إثبات الألف. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@04 لكنا هو الله ربي ) أصله : لكن أنا ~~فحذفت الهمزة ، وألقيت حركتها على نون لكن ، فتلاقت النونان فكان الإدغام ، ~~ونحوه قول القائل : # وترميننى بالطرف أى أنت مذنب %~% وتقليننى ، لكن إياك لا أقلى # أى : لكن أنا لا أقليك. # و «هو» ضمير الشأن : أى : والشأن أن الله ربي : والجملة خبر أنا. والراجع ~~منها إليه ياء الضمير. # فإن قلت : هو استدراك لأى شيء؟ قلت : لقوله «أكفرت ..» قال لأخيه أنت ~~كافر بالله ، لكني مؤمن موحد ، كما تقول : زيد غائب لكن عمرا حاضر» (1). # ثم أرشده إلى ما كان يجب عليه أن يقوله عند دخوله جنته فقال : ( @QUR@013 ~~ولو لا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله ... ). # قال الإمام ابن كثير : هذا تحضيض وحث على ذلك. أى : هلا إذ أعجبتك جنتك ~~حين دخلتها ونظرت إليها ، حمدت الله على ما أنعم به ms3681 عليك وأعطاك من المال ~~والولد ما لم يعط غيرك وقلت ( @QUR@07 ما شاء الله لا قوة إلا بالله )، ~~ولهذا قال بعض السلف : من أعجبه شيء من حاله أو ولده أو ماله ، فليقل : ما ~~شاء الله لا قوة إلا بالله .. وهذا مأخوذ من هذه الآية الكريمة. وقد روى ~~فيه حديث مرفوع .. فعن أنس رضى الله عنه قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ما أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد فيقول : ~~ما شاء الله لا قوة إلا بالله ، فيرى فيه آفة دون الموت» (2). PageV08P519 # وقال الآلوسى : وقوله : «ما شاء الله ، أى : الأمر ما شاء الله ، أو ما ~~شاء الله تعالى كائن ، على أن «ما» موصولة مرفوعة المحل. إما على أنها خبر ~~مبتدأ محذوف. أو على أنها مبتدأ محذوف الخبر .. وأيما كان فالمراد تحضيضه ~~على الاعتراف بأن جنته وما فيها بمشيئة الله تعالى إن شاء أبقاها وإن شاء ~~أبادها (1). # وبعد أن حضه على الشكر لله تعالى رد على افتخاره وغروره بقوله كما حكى ~~القرآن عنه : ( @QUR@014 إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا. فعسى ربي أن يؤتين ~~خيرا من جنتك ). # أى : إن ترن أيها المغرور أنا أقل منك في المال والولد فإنى أرجو الله ~~الذي لا يعجزه شيء ، أن يرزقني ما هو خير من جنتك في الدنيا والآخرة. # ( @QUR@05 ويرسل عليها حسبانا من السماء ) أى : عذابا من جهة السماء ~~كالصواعق والسموم وغيرها مما يشاء الله تعالى إرساله عليها من المهلكات ~~التي تذرها قاعا صفصفا. # قال صاحب الكشاف : والحسبان مصدر كالغفران والبطلان بمعنى الحساب. أى : ~~ويرسل عليها مقدارا قدره الله وحسبه ، وهو الحكم بتخريبها. # «فتصبح» بعد اخضرارها ونضارتها «صعيدا» أى : أرضا «زلقا» أى : جرداء ~~ملساء لا نبات فيها ، ولا يثبت عليها قدم. # والمراد أنها تصير عديمة النفع من كل شيء حتى من المشي عليها. يقال : ~~مكان زلق ، أى : دحض ، وهو في الأصل مصدر زلقت رجله تزلق زلفا ، ومعناه : ~~الزلل في المشي لوحل ونحوه. # ( @QUR@04 أو يصبح ماؤها غورا ) أى : غائرا ذاهبا في ms3682 الأرض. فالغور مصدر ~~وصف به على سبيل المبالغة وهو بمعنى الفاعل. يقال : غار الماء يغور غورا : ~~أى : سفل في الأرض وذهب فيها. # ومنه قوله تعالى : ( @QUR@010 قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا ، فمن يأتيكم ~~بماء معين ). # ( @QUR@04 فلن تستطيع له طلبا ) أى : فلن تستطيع أن تحصل عليه أو تطلبه ~~بأية حيلة من الحيل ، لأنه لا يقدر على الإتيان بهذا الماء الغائر إلا الله ~~عز وجل . # وإلى هنا نجد أن الرجل المؤمن قد رد على صاحبه الكافر ، بما يذكره بمنشئه ~~، وبما يوجهه إلى الأدب الذي يجب أن يتحلى به مع خالقه ورازقه ، وبما يحذره ~~من سوء عاقبة بطره. PageV08P520 # وهكذا الإيمان الحق ، يجعل المؤمن يعتز بعقيدته ، ويتجه إلى الله وحده ~~الذي تعنو له الجباه ، ويرجو منه وحده ما هو خير من بساتين الدنيا وزينتها. # ثم يختتم سبحانه هذه القصة ببيان العاقبة السيئة التي حلت بذلك الرجل ~~الجاحد المغرور صاحب الجنتين فيقول. # ( @QUR@020 وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على ~~عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا (42) @QUR@011 ولم تكن له فئة ~~ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا (43) @QUR@09 هنالك الولاية لله الحق ~~هو خير ثوابا وخير عقبا ) (44) # أى : وكانت نتيجة جحود صاحب الجنتين لنعم ربه ، أن أهلكت أمواله وأبيدت ~~كلها. فصار يقلب كفيه ظهرا لبطن أسفا وندما ، على ما أنفق في عمارتها ~~وتزيينها من أموال كثيرة ضاعت هباء ، ومن جهد كبير ذهب سدى. # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 وأحيط بثمره ) معطوف على مقدر محذوف لدلالة ~~السباق والسياق عليه. # وأصل الإحاطة مأخوذة من إحاطة العدو بعدوه من جميع جوانبه لإهلاكه ~~واستئصاله. # والمعنى : فحدث ما توقعه الرجل الصالح من إرسال الحسبان على بستان صاحبه ~~الجاحد المغرور «وأحيط بثمره» بأن هلكت أمواله وثماره كلها. # وجاء الفعل «أحيط» مبنيا للمجهول ، للإشعار بأن فاعله متيقن وهو العذاب ~~الذي أرسله الله تعالى أى : وأحاط العذاب بجنته. # وقوله : ( @QUR@07 فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها ) تصوير بديع لما ~~اعتراه من غم وهم وحسرة وندامة. وتقليب اليدين عبارة عن ضرب إحداهما ms3683 على ~~الأخرى ، أو أن يبدي ظهرهما ثم بطنهما ويفعل ذلك مرارا ، وأيا ما كان ففعله ~~هذا كناية عن الحسرة الشديدة ، والندم العظيم. PageV08P521 # «وهي» أى الجنة التي أنفق فيها ما أنفق ( @QUR@03 خاوية على عروشها ) أى ~~: ساقطة ومتهدمة على دعائمها وعلى سقوفها. # وأصل الخواء السقوط والتهدم. يقال : خوى البيت إذا سقط. كما يطلق على ~~الخلاء من الشيء. يقال : خوى بطن فلان من الطعام أى : خلا منه ، وخوت الدار ~~إذا خلت من سكانها. # والعروش جمع عرش ، وهو سقف البيت. # والمقصود أن الجنة بجميع ما اشتملت عليه ، صارت حطاما وهشيما تذروه ~~الرياح. وجملة : «ويقول يا ليتني لم أشرك يربى أحدا» معطوفة على جملة «يقلب ~~كفيه ..». # أى : صار يقلب كفيه حسرة وندامة لهلاك جنته ، ويقول زيادة في الحسرة ~~والندامة : يا ليتني اتبعت نصيحة صاحبي فلم أشرك مع ربي سبحانه أحدا في ~~العبادة أو الطاعة. # وهكذا حال أكثر الناس ، يذكرون الله تعالى عند الشدائد والمحن ، وينسونه ~~عند السراء والعافية. # والمتدبر لهذه الآية الكريمة يراها قد صورت فجيعة الرجل الجاحد في جنته ~~تصويرا واقعيا بديعا. # فقد جرت عادة الإنسان أنه إذا نزل به ما يدهشه ويؤلمه. أن يعجز عن النطق ~~في أول وهلة. فإذا ما أفاق من دهشته بدأ في النطق والكلام. # وهذا ما حدث من ذلك الرجل كما صوره القرآن الكريم فإنه عند ما رأى جنته ~~وقد تحطمت أخذ يقلب كفيه حسرة وندامة دون أن ينطق ، ثم بعد أن أفاق من ~~صدمته جعل يقول : يا ليتني لم أشرك بربي أحدا. # فيا له من تصوير بديع. يدل على أن هذا القرآن من عند الله تعالى . # ثم ختم سبحانه هذه القصة ببيان عظيم قدرته ونفاذ إرادته فقال. # ( @QUR@020 ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا. هنالك ~~الولاية لله الحق ، هو خير ثوابا وخير عقبا ). # أى : ولم تكن لهذا الجاحد المغرور بعد أن خوت جنته على عروشها ، عشيرة أو ~~أعوان ينصرونه ، أو يدفعون عنه ما حل به ، وإنما القادر على ذلك هو الله ~~تعالى وحده ، PageV08P522 # وما ms3684 كان هذا الرجل الذي جحد نعم ربه منتصرا لأنه سبحانه قد حجب عنه كل ~~وسيلة تؤدى إلى نصره وعونه ، بسبب إيثاره الغي على الرشد ، والكفر على ~~الإيمان. # فالآية الكريمة تبين بجلاء ووضوح ، عجز كل قوة عن نصرة ذلك الرجل المخذول ~~سوى قوة الله عز وجل ، وعجز ذلك الرجل في نفسه عن رد انتقام الله تعالى منه. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 هنالك الولاية لله الحق .. ) تقرير وتأكيد ~~للآية السابقة. ولفظ هنالك ظرف مكان. # وكلمة «الولاية» قرأها الجمهور بفتح الواو ، بمعنى الموالاة والصلة ~~والنصرة كما قرأ الجمهور كلمة «الحق» بالجر على أنها نعت للفظ الجلالة. # فيكون المعنى : في ذلك المقام وتلك الحال تكون الولاية أى الموالاة ~~والصلة من كل الناس ، لله تعالى وحده إذ الكافر عند ما يرى العذاب يعترف ~~بوحدانية الله تعالى كما قال سبحانه ( @QUR@019 فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا ~~بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين. فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا ~~بأسنا ) (1). # ويجوز أن يكون المعنى : في ذلك المقام وتلك الحال تكون الولاية أى ~~الموالاة لله تعالى وحده ، فيوالي المؤمنين برحمته ومغفرته وينصرهم على ~~أعدائهم ، كما قال سبحانه ( @QUR@011 ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا ، وأن ~~الكافرين لا مولى لهم ) (2). # وقرأ حمزة والكسائي : ( @QUR@01 الولاية ) بكسر الواو ، بمعنى الملك ~~والسلطان كما قرأ أبو عمرو والكسائي لفظ ( @QUR@01 الحق ) بالرفع على أنه ~~نعت للولاية. # فيكون المعنى : في ذلك المقام تكون الولاية الحق ، والسلطان الحق ، لله ~~رب العالمين ، كما قال سبحانه : ( @QUR@09 الملك يومئذ الحق للرحمن ، وكان ~~يوما على الكافرين عسيرا ) (3). # قال بعض العلماء : وقوله «هنالك» يرى بعضهم أنه متعلق بما بعده ، والوقف ~~تام على قوله ( @QUR@03 وما كان منتصرا ). # ويرى آخرون أنه متعلق بما قبله. # فعلى القول الأول يكون الظرف «هنالك» عامله ما بعده أى : الولاية كائنة ~~لله هنالك. PageV08P523 # وعلى القول الثاني فالعامل في الظرف اسم الفاعل الذي هو «منتصرا». أى : ~~لم يكن انتصاره واقعا هنالك (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 هو خير ثوابا وخير عقبا ) أى : هو عز وجل خير ~~إثابة وإعطاء لأوليائه ، وخير عاقبة لمن تاب وآمن وعمل ms3685 صالحا ثم اهتدى. # وعاقبة الأمر : آخره وما يصير إليه منتهاه. و «ثوابا» و «عقبا» منصوبان على ~~التمييز ، بعد صيغة التفضيل «خير» التي حذفت منها الهمزة تخفيفا لكثرة ~~الاستعمال كما قال ابن مالك رحمه الله : # وغالبا أغناهم خير وشر %~% عن قولهم أخير منه وأشر # وبذلك نرى أن هذه القصة التي ضربها الله تعالى مثلا للأخيار والأشرار قد ~~بينت لنا بأسلوب بليغ أخاذ ، صور عاقبة الجاحدين المغرورين ؛ وحسن عاقبة ~~الشاكرين المتواضعين ، كما بينت لنا الآثار الطيبة التي تترتب على الإيمان ~~والعمل الصالح ، والآثار السيئة التي يفضى إليها الكفر وسوء العمل ، كما ~~بينت لنا أن المتفرد بالولاية والقدرة هو الله عز وجل فلا قوة إلا قوته ، ~~ولا نصر إلا نصره ، ولا مستحق للعبادة أحد سواه ، ولا ثواب أفضل من ثوابه ~~ولا عاقبة لأوليائه خير من العاقبة التي يقدرها لهم ، وصدق سبحانه حيث يقول ~~: ( @QUR@09 هنالك الولاية لله الحق ، هو خير ثوابا وخير عقبا ). # ثم تنتقل السورة الكريمة من ضرب المثل الجزئى الشخصي ، إلى ضرب مثال آخر ~~عام كلى ، فبينت أن الحياة الدنيا في قصرها وذهاب زينتها .. كتلك الجنة ~~التي أصبحت حطاما ، بعد اخضرارها وكثرة ثمرها ، كما بينت أن هناك زينة ~~فانية ، وأن هنالك أعمالا صالحة باقية قال تعالى : # ( @QUR@023 واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط ~~به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا (45) PageV08P524 # @QUR@013 المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ~~ربك ثوابا وخير أملا ) (46) # قال الإمام الرازي : اعلم أن المقصود : اضرب لهم مثلا آخر يدل على حقارة ~~الدنيا ، وقلة بقائها. والكلام متصل بما تقدم من قصة المشركين المتكبرين ~~على فقراء المؤمنين ..» (1). # والمعنى. واذكر لهم أيها الرسول الكريم ما يشبه هذه الحياة الدنيا في ~~حسنها ونضارتها ، ثم في سرعة زوال هذا الحسن والنضارة ، لكي لا يركنوا ~~إليها ، ولا يجعلوها أكبر همهم ، ومنتهى آمالهم. # وقوله : ( @QUR@04 كماء أنزلناه من السماء .. ) بيان للمثل الذي شبه الله ~~تعالى به الحياة الدنيا أى : مثلها في ازدهارها ثم في زوال هذا ms3686 الازدهار ، ~~كهيئة أو كصفة ماء أنزلناه بقدرتنا من السماء ، في الوقت الذي نريد إنزاله فيه. # ( @QUR@04 فاختلط به نبات الأرض ) والاختلاط والخلط : امتزاج شيئين فأكثر ~~بعضهما ببعض. # أى : كماء أنزلناه من السماء ، فاختلط وامتزج بهذا الماء نبات الأرض ، ~~فارتوى منه ، وصار قويا بهيجا يعجب الناظرين إليه. # وفي التعبير بقوله : ( @QUR@04 فاختلط به نبات الأرض ) دون قوله : فاختلط ~~بنبات الأرض إشارة إلى كثرة الماء النازل من السماء ، وإلى أنه السبب ~~الأساسى في ظهور هذا النبات ، وفي بلوغه قوته ونضارته. # وقوله : ( @QUR@04 فأصبح هشيما تذروه الرياح ) بيان لما صار إليه هذا ~~النبات من يبوسته وتفتته ، بعد اخضراره وشدته وحسنه. # قال القرطبي ما ملخصه : «هشيما» أى متكسرا متفتتا ، يعنى بانقطاع الماء ~~عنه ، فحذف ذلك إيجازا لدلالة الكلام عليه ، والهشم ، كسر الشيء اليابس. ~~والهشيم من النبات : اليابس المتكسر .. ورجل هشيم : ضعيف البدن. # و «تذروه الرياح» أى تفرقه وتنسفه .. يقال : ذرت الريح الشيء تذروه ذروا ، ~~إذا طارت به وأذهبته» (2). PageV08P525 # أى : فأصبح النبات بعد اخضراره ، يابسا متفتتا ، تفرقه الرياح وتنسفه ~~وتذهب به حيث شاءت وكيف شاءت. # فأنت ترى أن الآية الكريمة قد شبهت حال الدنيا في حسنها وجمال رونقها ، ~~ثم في سرعة زوالها وفنائها بعد ذلك ، بحال النبات الذي نزل عليه الماء ~~فاخضر واستوى على سوقه ، ثم صار بعد ذلك يابسا متفتتا تذهب به الرياح حيث شاءت. # والتعبير بالفاء في قوله سبحانه فاختلط. فأصبح .. يزيد الأسلوب القرآنى ~~جمالا وبلاغة ، لأن فاء التعقيب هنا تدل على قصر المدة التي استمر فيها ~~النبات نضرا جميلا ، ثم صار هشيما تذروه الرياح. # وهكذا الحياة تبدو للمتشبثين بها ، جميلة عزيزة ، ولكنها سرعان ما ~~تفارقهم ويفارقونها ، حيث ينزل بهم الموت فيجعل آمالهم تحت التراب. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله ، ( @QUR@06 وكان الله على كل شيء مقتدرا ) أى ~~: وكان الله تعالى وما زال على كل شيء من الأشياء التي من جملتها الإنشاء ~~والإفناء ؛ كامل القدرة ، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. # وقد ذكر سبحانه ما يشبه هذه الآية في سور كثيرة ، ومن ذلك قوله تعالى ms3687 : ( ~~@QUR@043 إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات ~~الأرض مما يأكل الناس والأنعام ، حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت ، وظن ~~أهلها أنهم قادرون عليها ، أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن ~~لم تغن بالأمس ، كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون ) (1). # ثم بين سبحانه القيمة الحقيقة للمال وللبنين فقال : ( @QUR@05 المال ~~والبنون زينة الحياة الدنيا ). # والمال : اسم لكل ما يتموله الإنسان ويتملكه من النقود والعقار والحرث ~~والأنعام .. إلخ والبنون : جمع ابن. # والزينة : مصدر. والمراد بها هنا ، ما في الشيء من محاسن ترغب الإنسان في حبه. # أى : المال والبنون زينة يتزين بها الإنسان في هذه الحياة الدنيا ، ~~ويتباهى بها على غيره. # وإنما كانا كذلك ، لأن في المال كما يقول القرطبي جمالا ونفعا ، وفي ~~البنين قوة ودفعا. PageV08P526 # قال الآلوسى : وتقديم المال على البنين مع كونهم أعز منه عند أكثر الناس ~~لعراقته فيما نيط به من الزينة والإمداد وغير ذلك .. ولأنه زينة بدونهم من ~~غير عكس فإن من له بنون بغير مال فهو في أضيق حال ..» (1). # وفي التعبير بقوله سبحانه زينة ، بيان بديع. وتعبير دقيق لحقيقتهما ، ~~فهما زينة وليسا قيمة ، فلا يصح أن توزن بهما أقدار الناس ، وإنما توزن ~~أقدار الناس بالإيمان والعمل الصالح ، كما قال تعالى ( @QUR@05 إن أكرمكم ~~عند الله أتقاكم ). # ولذا جاء التعقيب منه سبحانه بقوله : ( @QUR@08 والباقيات الصالحات خير ~~عند ربك ثوابا وخير أملا ). # أى : المال والبنون زينة يتزين ويتفاخر بها كثير من الناس في هذه الحياة ~~الدنيا ، وإذا كان الأمر كذلك في عرف كثير منهم. فإن الأقوال الطيبة ، ~~والأعمال الحسنة ، هي الباقيات الصالحات ، التي تبقى ثمارها للإنسان ، ~~وتكون عند الله تعالى ( @QUR@01 خير ) من الأموال والأولاد ، ثوابا وجزاء ~~وأجرا ( @QUR@02 وخير أملا ) حيث ينال بها صاحبها في الآخرة ما كان يؤمله ~~ويرجوه في الدنيا من فوز بنعيم الجنة ، أما المال والبنون فكثيرا ما يكونان فتنة. # وقد ساق الإمام ابن كثير جملة من الآثار في تعيين المراد بالباقيات ~~الصالحات فقال : قال ابن عباس وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف : ~~والباقيات الصالحات ms3688 : الصلوات الخمس. # وقال عطاء بن أبى رياح وسعيد بن جبير عن ابن عباس : ( @QUR@02 والباقيات ~~الصالحات ): سبحان الله والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر .. (2). # ويبدو لنا أن قوله تعالى : ( @QUR@02 والباقيات الصالحات ) لفظ عام ، ~~يشمل كل قول ، أو عمل يرضى الله عز وجل ويدخل في ذلك دخولا أوليا : الصلوات ~~الخمس وغيرها مما ذكره المفسرون من أقوال. # وسمى سبحانه ما يرضيه. من أقوال ، وأعمال بالباقيات الصالحات لأنها باقية ~~لصاحبها غير زائلة ولا فانية ، بخلاف زينة الحياة الدنيا فإنها زائلة فانية. # قال الإمام ابن جرير رحمه الله وأولى الأقوال بالصواب قول من قال : هن ~~جميع أعمال الخير .. لأن ذلك كله من الصالحات التي تبقى لصاحبها في الآخرة ~~، وعليها يجازى PageV08P527 # ويثاب. وإن الله عز وجل لم يخصص من قوله ( @QUR@03 والباقيات الصالحات خير ~~.. ) بعضا دون بعض في كتاب ، ولا بخبر عن رسوله الله صلى الله عليه وسلم (1). # ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن أهوال يوم القيامة ، ذلك اليوم ~~الذي تنفع فيه الباقيات الصالحات ، وليس الأموال ولا الأولاد ، فقال تعالى : # ( @QUR@011 ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم ~~أحدا (47) @QUR@016 وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل ~~زعمتم ألن نجعل لكم موعدا (48) @QUR@028 ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين ~~مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا ~~أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا ) (49) # والظرف في قوله : تعالى ( @QUR@03 ويوم نسير الجبال ) منصوب بفعل محذوف ~~تقديره : «اذكر». # والمراد بتسيير الجبال : اقتلاعها من أماكنها ، وصيرورتها كالعهن ~~المنفوش. # أى : واذكر أيها العاقل لتعتبر وتتعظ ، أهوال يوم القيامة ، يوم نقتلع ~~الجبال من أماكنها ، ونذهب بها حيث شئنا ، ونجعلها في الجو كالسحاب ، كما ~~قال سبحانه : ( @QUR@08 وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب ). # وكما قال عز وجل : ( @QUR@04 وسيرت الجبال فكانت سرابا ). PageV08P528 # وقوله : ( @QUR@03 وترى الأرض بارزة .. ) بيان لحالة ثانية من أهوال يوم ~~القيامة. # أى : وترى أيها المخاطب الأرض ظاهرة للأعين دون أن يسترها شيء من جبل ، ~~أو شجر ، أو ms3689 بنيان. # يقال : برز الشيء بروزا ، أى : خرج إلى البراز بفتح الباء أى : الفضاء ~~وظهر بعد الخفاء. # قال تعالى : ( @QUR@015 فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة. وحملت الأرض ~~والجبال فدكتا دكة واحدة ، فيومئذ وقعت الواقعة ). # ثم بين سبحانه حالة ثالثة من أهوال يوم القيامة فقال : ( @QUR@05 ~~وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا ). # أى : وحشرنا الخلائق جميعا ، بأن جمعناهم في المكان المحدد لجمعهم ، دون ~~أن نترك منهم أحدا ، بل أخرجناهم جميعا من قبورهم لنحاسبهم على أعمالهم. # والفعل «نغادر» من المغادرة بمعنى الترك ، ومنه الغدر لأنه ترك الوفاء ~~والأمانة وسمى الغدير من الماء غديرا ، لأن السيل ذهب وتركه. # ثم تذكر السورة الكريمة حالة رابعة من أهوال يوم القيامة ، هي حالة العرض ~~بعد حالة الجمع فتقول : ( @QUR@04 وعرضوا على ربك صفا ). # أى : وأحضروا جميعا إلى ربك مصفوفين في صف واحد أو في صفوف متعددة ، ~~ليقضى فيهم سبحانه بقضائه العادل. # قال الآلوسى : أخرج ابن مندة في التوحيد عن معاذ بن جبل ، أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : «إن الله تعالى ينادى يوم القيامة ، يا عبادي : أنا ~~الله لا إله إلا أنا أرحم الراحمين. وأحكم الحاكمين ، وأسرع الحاسبين. ~~أحضروا حجتكم ويسروا جوابكم. فإنكم مسئولون محاسبون. يا ملائكتي أقيموا ~~عبادي صفوفا على أطراف أنامل أقدامهم للحساب». # وفي الحديث الصحيح : «يجمع الله تعالى الأولين والآخرين في صعيد واحد ~~صفوفا يسمعهم الداعي وينفذهم البصر ..» (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة .. ) ~~مقول لقول محذوف ، وجملة «كما خلقناكم» نعت لمصدر محذوف. PageV08P529 # والمعنى : ونقول لمنكري البعث والحساب بعد عرضهم علينا على سبيل التوبيخ ~~والتأنيب : لقد جئتمونا أيها المكذبون مجيئا كائنا كمجيئكم عند خلقنا إياكم ~~أول مرة. أى حفاة عراة لا مال معكم ولا ولد. # وعبر سبحانه بالماضي في قوله : ( @QUR@02 لقد جئتمونا .. ) لتحقق الوقوع ~~وتنزيله منزلة الواقع بالفعل. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@029 ولقد جئتمونا فرادى كما ~~خلقناكم أول مرة. وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ، وما نرى معكم شفعاءكم ~~الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء. لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون ) (1). # ثم ms3690 ختم سبحانه الآية بالانتقال من توبيخهم هذا إلى توبيخ أشد وأقسى فقال ~~: ( @QUR@06 بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا ). # أى : بل زعمتم أيها المكذبون بالبعث أن لن نجعل لكم زمانا أو مكانا ~~نجازيكم فيه على أعمالكم ، وأنكرتم إنكارا مصحوبا بقسم أننا لا نبعث من يموت. # قال تعالى : ( @QUR@018 وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ~~بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) (2). # ثم صور سبحانه أحوال المجرمين عند ما يرون مصيرهم السيئ فقال تعالى : ( ~~@QUR@020 ووضع الكتاب ، فترى المجرمين مشفقين مما فيه ، ويقولون : يا ~~ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ). # والمراد بالكتاب : جنسه ، فيشمل جميع الصحف التي كتبت فيها أعمال ~~المكلفين في دار الدنيا. # أى : وأحضرت صحائف أعمال العباد ، ووضعت في ميزانهم «فترى» أيها المخاطب ~~«المجرمين» كافة ، مشفقين ، خائفين ، مما فيه من جرائم وذنوب «ويقولون» على ~~سبيل التفجع والتحسر عند معاينتهم لثقل ميزان سيئاتهم ، وخفة ميزان ~~حسناتهم. # «يا ويلتنا». والويلة : الهلاك وحلول الشر والقبح والحسرة ، وهو أى لفظ ~~الويلة : مصدر لا فعل له من لفظه. # وهذا النداء على التشبيه بشخص يطلب إقباله. PageV08P530 # أى : ويقولون بأسف وندامة وحسرة : يا هلاكنا أقبل فهذا أوان إقبالك. # ثم يقولون على سبيل التعجب والدهشة من دقة ما اشتمل عليه هذا الكتاب : ( ~~@QUR@010 ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها )؟ # أى : أى شيء ثبت لهذا الكتاب ، حيث نراه لا يترك معصية صغيرة ولا كبيرة ~~إلا أحصاها علينا ، وسجلها في صحف أعمالنا. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بما يدل على شمول علمه. ونفاذ قدرته وكمال ~~عدله ، فقال : ( @QUR@08 ووجدوا ما عملوا حاضرا ، ولا يظلم ربك أحدا ). # أى : ووجدوا ما عملوه في الدنيا حاضرا ومسطورا في صحائف أعمالهم ، ولا ~~يظلم ربك أحدا من العباد ، وإنما يجازى كل إنسان على حسب ما يستحقه من ثواب ~~أو عقاب كما قال سبحانه : ( @QUR@020 ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا ~~تظلم نفس شيئا ، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها ، وكفى بنا حاسبين ) (1). # وكما قال ms3691 عز وجل : ( @QUR@015 إن الله لا يظلم مثقال ذرة ، وإن تك حسنة ~~يضاعفها ، ويؤت من لدنه أجرا عظيما ) (2). # قال الإمام ابن كثير وقوله : ( @QUR@04 ولا يظلم ربك أحدا ) أى : فيحكم ~~بين عباده في أعمالهم جميعها ، ولا يظلم أحدا من خلقه ، بل يغفر ويصفح ~~ويرحم ، ويعذب من يشاء ، بقدرته وحكمته وعدله. # وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد أخبرنا همام بن يحيى ، عن القاسم بن عبد ~~الواحد المكي ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد الله يقول ~~: بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتريت بعيرا ثم ~~شددت عليه رحلي ، فسرت إليه شهرا ، حتى قدمت عليه الشام ، فإذا عبد الله بن ~~أنيس ، فقلت للبواب : قل له جابر على الباب ، فقال : ابن عبد الله؟ فقلت : ~~نعم ، فخرج يطأ ثوبه ، فاعتنقنى واعتنقته ، فقلت : حديث بلغني عنك أنك ~~سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في القصاص فخشيت أن تموت أو أموت قبل ~~أن أسمعه ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يحشر الله عز وجل ~~الناس يوم القيامة ، عراة غرلا بهما ، أى : ليس معهم شيء ، ثم يناديهم بصوت ~~يسمعه من PageV08P531 # بعد ، كما يسمعه من قرب : أنا الملك ، أنا الديان ، لا ينبغي لأحد من أهل ~~النار أن يدخل النار ، وله عند أحد من أهل الجنة حق ، حتى أقصه منه ، أى : ~~حتى أمكنه من أخذ القصاص ، وهو أن يفعل به مثل فعله ، ولا ينبغي لأحد من ~~أهل الجنة أن يدخل الجنة ، وله عند رجل من أهل النار حق ، حتى أقصه منه ، ~~حتى اللطمة. # قال : قلنا : كيف وإنما نأتى الله عز وجل عراة غرلا بهما؟ قال : بالحسنات ~~والسيئات (1). # وبعد أن وضح سبحانه من أهوال الحشر ما تخشع له النفوس ، وتهتز له القلوب ~~، أتبع ذلك بالنهى عن اتخاذ إبليس وذريته أولياء ، وببيان جانب من المصير ~~الأليم الذي ينتظر المجرمين وشركاءهم فقال تعالى : # ( @QUR@026 وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ~~ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه ms3692 وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين ~~بدلا (50) @QUR@013 ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت ~~متخذ المضلين عضدا (51) @QUR@013 ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم ~~فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا (52) @QUR@010 ورأى المجرمون ~~النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا ) (53) # فقوله سبحانه : ( @QUR@08 وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ، فسجدوا إلا ~~إبليس ). تذكير لبنى آدم بالعداوة القديمة بين أبيهم آدم وبين إبليس ~~وذريته. PageV08P532 # والمقصود بهذا التذكير تحذيرهم من وساوسه ، وحضهم على مخالفته ، كما قال ~~تعالى : ( @QUR@013 إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا ، إنما يدعوا حزبه ~~ليكونوا من أصحاب السعير ) (1). # والملائكة : جمع ملك. وهم كما وصفهم الله تعالى : ( @QUR@08 لا يعصون ~~الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) (2). # وآدم : اسم لأبى البشر ، قيل : إنه اسم عبراني مشتق من أدمه بمعنى ~~التراب. # والسجود لغة : التذلل والخضوع. وخص في الشرع بوضع الجبهة على الأرض بقصد ~~العبادة. # وإبليس اسم مشتق من الإبلاس ، وهو الحزن الناشئ عن شدة اليأس وفعله أبلس ~~، والراجح أنه اسم أعجمى. ومنعه من الصرف للعلمية والعجمة. # والمعنى واذكر أيها العاقل لتعتبر وتتعظ ، وقت أن قلنا للملائكة اسجدوا ~~لآدم ، سجود تحية واحترام وتوقير ، لا سجود عبادة وطاعة لأن ذلك لا يكون ~~إلا لله رب العالمين. فامتثلوا أمرنا وسجدوا جميعا ، كما قال تعالى : ( ~~@QUR@04 فسجد الملائكة كلهم أجمعون ). # وجاء العطف في قوله ( @QUR@01 فسجدوا ) بالفاء المفيدة للتعقيب ، للإشارة ~~إلى أن الملائكة قد بادروا بالامتثال بدون تردد ، استجابة لأمر خالقهم ~~عز وجل . # وقوله تعالى ( @QUR@09 إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه ) بيان ~~لموقف إبليس من أمر الله تعالى ، وهو أنه أبى واستكبر وامتنع عن السجود ~~لآدم. وظاهر الآية يفيد أن سبب فسقه عن أمر ربه : كونه من الجن لا من ~~الملائكة إذ من المقرر في علم الأصول ؛ أن الفاء من الحروف الدالة على ~~التعليل ، كما في قولهم ، سرق فقطعت يده. # والمعنى : امتثل الملائكة جميعا أمرنا فسجدوا لآدم ، إلا إبليس فإنه أبى ~~واستكبر ولم يسجد ؛ لأنه كان من الجن ولم يكن من الملائكة «ففسق ms3693 عن أمر ~~ربه» أى. فخرج بذلك عن طاعتنا ، واستحق لعنتنا وغضبنا. # وأصل الفسق : الخروج عن الطاعة مأخوذ من قولهم : فسق الرطب فسوقا إذا خرج ~~عن قشره وهو أعم من الكفر ، فيقال للعاصي فاسق ، وللكافر فاسق. PageV08P533 # قال بعض العلماء ما ملخصه : والخلاف في كون إبليس من الملائكة أولا مشهور ~~عند أهل العلم. # وحجة من قال إنه ليس منهم أمران : أحدهما : عصمة الملائكة من ارتكاب ~~الكفر الذي ارتكبه إبليس ، فهم كما قال الله عنهم : ( @QUR@06 لا يسبقونه ~~بالقول وهم بأمره يعملون ). # والثاني : أن الله تعالى صرح في هذه الآية الكريمة بأنه كان من الجن ، ~~والجن غير الملائكة. قالوا : وهو نص قرآنى في محل النزاع. # واحتج من قال بأنه منهم ، بما تكرر في الآيات القرآنية من قوله : ( ~~@QUR@06 فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس ) قالوا : فإخراجه بالاستثناء ~~من لفظ الملائكة دليل على أنه منهم ، والظواهر إذا كثرت صارت بمنزلة النص ~~ومن المعلوم أن الأصل في الاستثناء الاتصال لا الانقطاع. # قالوا : ولا حجة لمن خالفنا في قوله تعالى ( @QUR@03 كان من الجن )، لأن ~~الجن قبيلة من الملائكة ، خلقوا من بين الملائكة من نار السموم. # وأظهر الحجج في المسألة. حجة من قال : إنه ليس من الملائكة ، لأن قوله ~~تعالى ( @QUR@05 إلا إبليس كان من الجن ) هو أظهر شيء في الموضوع من نصوص ~~الوحى ، والعلم عند الله تعالى (1). # ومن المفسرين الذين يدل كلامهم على أن إبليس لم يكن من الملائكة. الإمام ~~ابن كثير ، فقد قال رحمه الله قوله : ( @QUR@06 فسجدوا إلا إبليس كان من ~~الجن ) أى : خانه أصله ، فإنه خلق من مارج من نار ، وأصل خلق الملائكة من ~~نور ، كما ثبت في صحيح مسلم ، عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال : «خلقت الملائكة من نور ، وخلق إبليس من مارج من نار ، وخلق آدم مما ~~وصف لكم». فعند الحاجة نضح كل إناء بما فيه ، وخانه الطبع عند الحاجة ، ~~وذلك أنه قد توسم بأفعال الملائكة ، وتشبه بهم ، وتعبد وتنسك فلهذا دخل في ~~خطابهم ، وعصى بالمخالفة. # ونبه تعالى هاهنا على ms3694 أنه «من الجن» أى : «أنه خلق من نار ..» (2). PageV08P534 # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بالإنكار والتوبيخ والتعجيب ممن يتبع خطوات ~~إبليس وذريته فقال : ( @QUR@011 أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم ~~عدو ، بئس للظالمين بدلا ). # أى : أفبعد أن ظهر لكم يا بنى آدم ما ظهر من فسوق إبليس عن أمر ربه ، ~~تتخذونه وذريته الذين نهجوا نهجه ، أولياء ، وأصفياء من دوني ، فتطيعونهم ~~بدل أن تطيعوني ، والحال أن إبليس وذريته لكم عدو؟ # لا شك أن من يفعل ذلك منكم يكون قد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير ، ~~وآثر الغي على الرشد ، والضلالة على الهداية ، والفسوق على الإيمان!!. # فالجملة الكريمة تستبعد من كل عاقل ، أن يطيع إبليس وذريته ، بعد أن تبين ~~له عداوتهم إياه ، وحرصهم على إيقاعه في موارد الهلكة والسوء. # وقوله : ( @QUR@01 وذريته ) يدل على أن لإبليس ذرية ، إلا أن الطريقة ~~التي بواسطتها كانت له الذرية ، لم يرد بها نص صحيح يعتمد عليه ، لذا وجب ~~تفويض علمها إلى الله تعالى . # قال الآلوسى عند تفسيره لهذه الآية : والظاهر أن المراد من الذرية ~~الأولاد فتكون الآية دالة على أن له أولادا ، وبذلك قال جماعة .. وعن قتادة ~~أنه قال : إنه ينكح وينسل كما ينسل بنو آدم. # ثم قال الآلوسى : ولا يلزمنا أن نعلم كيفية ولادته ، فكثير من الأشياء ~~مجهول الكيفية عندنا ، ونقول (2) به. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 بئس للظالمين بدلا ) حكم منه سبحانه بسوء ~~التفكير والمصير على المتخذين إبليس وذريته أولياء من دونه تعالى وبئس فعل ~~يفيد الذم ، والبدل : العوض عن الشيء. # أى بئس للظالمين ، الواضعين للشيء في غير موضعه ، ما فعلوه من تركهم طاعة ~~الله تعالى وأخذهم في مقابل ذلك طاعة إبليس وذريته. # والمخصوص بالذم محذوف دل عليه المقام والتقدير : بئس البدل والعوض عن ~~طاعة الله تعالى طاعة إبليس وذريته. # ثم ساق سبحانه ما يدل على كمال علمه وقدرته ، وعلى عجز وجهالة المعبودين ~~من دونه ، فقال تعالى : ( @QUR@08 ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق ~~أنفسهم ). PageV08P535 # والضمير في قوله «ما أشهدتهم» يعود إلى إبليس وذريته ، والإشهاد : بمعنى ~~الإحضار والإعلام. ms3695 # أى : ما أشهدت إبليس وذريته خلق السموات والأرض ، لأنى خلقتهما دون أن ~~أستعين في خلقهما بأحد ، أو لأنى خلقتهما قبل خلقهم ، ( @QUR@03 ولا خلق ~~أنفسهم ) أى : ولا أشهدت بعضهم خلق بعض ، لأنى لا أستعين بأحد حين أخلق ما ~~أشاء ، ولا أستشير أحدا حين أقدر ما أشاء. # وما دام الأمر كذلك فكيف تتخذونهم أولياء وشركاء من دوني وأنا الخالق لكل ~~شيء ، والقاهر فوق كل شيء؟. # فالجملة الكريمة استئناف مسوق لبيان كمال علمه وقدرته سبحانه ، ولبيان ~~عدم استحقاق إبليس وذريته للاتخاذ المذكور في أنفسهم ، بعد بيان المواقع ~~والصوارف التي تمنع وتصرف عن اتخاذهم أولياء ، من خباثة أصلهم ، وفسوقهم عن ~~أمر ربهم. # وهذا المعنى الذي صرحت به الآية الكريمة من تفرد الله تعالى بالخلق ~~والقدرة. قد جاء في آيات أخرى منها قوله تعالى ( @QUR@015 هذا خلق الله ~~فأروني ما ذا خلق الذين من دونه ، بل الظالمون في ضلال مبين ) (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@05 وما كنت متخذ المضلين عضدا ) مؤكد لما قبله من ~~تفرده سبحانه بالخلق والقدرة والعلم. # والعضد بفتح العين وضم الضاد في الأصل ، يطلق على العضد المعروف ما بين ~~المرفق إلى الكتف ، ويستعار للمعين والناصر فيقال : فلان عضدي ، أى : نصيرى. # ومنه قوله تعالى لنبيه موسى عليه السلام ( @QUR@03 سنشد عضدك بأخيك ) أى : ~~سنقويك ونعينك بأخيك هارون وذلك لأن اليد قوامها العضد ، فإذا فقدته أصابها العجز. # أى : وما كنت متخذ المضلين عن سبيلي أعوانا وأنصارا في شأن من شئونى ، ~~وخص سبحانه المضلين بالذكر ، زيادة في ذمهم وتوبيخهم ، وتقريعا لأمثالهم ، ~~لأنه عز وجل ليس له أعوان ولا أنصار فيما يفعله لا من المضلين ولا من ~~المهتدين. # ولم يقل سبحانه وما كنت متخذهم .. بالإضمار ، كما قال : ( @QUR@02 ما ~~أشهدتهم ) بل PageV08P536 # أظهر في مقام الإضمار ، لتسجيل الضلال عليهم ، حتى ينصرف عنهم كل عاقل ، ~~وللتنبيه على أن الضالين المضلين لا تصح الاستعانة بهم. # ولقد حكى الله تعالى عن نبيه موسى عليه السلام براءته من المجرمين فقال : ~~( @QUR@09 قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين ) (1). # والظهير : الناصر والمعين لغيره. # ثم ساقت السورة الكريمة ms3696 مشهدا من مشاهد القيامة يكشف عن سوء المصير الذي ~~ينتظر الشركاء وينتظر المجرمين. فقال تعالى : ( @QUR@010 ويوم يقول نادوا ~~شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ... ). # أى : واذكر أيها العاقل يوم يقول الله تعالى للمجرمين والكافرين على سبيل ~~التوبيخ والتقريع : أيها الكافرون ، نادوا شركائى الذين زعمتم أنهم ~~ينفعونكم ويشفعون لكم في هذا الموقف العصيب «فدعوهم» أى : فأطاعوا أمر ~~خالقهم ، ودعوا شركاءهم لكي يستغيثوا بهم «فلم يستجيبوا لهم» أى : فلم ~~يجدوا منهم أدنى استجابة فضلا عن النفع أو العون. # وقوله : ( @QUR@03 وجعلنا بينهم موبقا ) أى : وجعلنا بين الداعين ~~والمدعوين مهلكا يشتركون فيه جميعا وهو جهنم. # فالموبق : اسم مكان من وبق وبوقا كوثب وثوبا أو وبق وبقا كفرح فرحا إذا ~~هلك. ويقال فلان أوبقته ذنوبه : أى أهلكته. ومنه قوله تعالى : ( @QUR@04 أو ~~يوبقهن بما كسبوا ) أى يهلكهن. ومنه الحديث الشريف : «كل يغدو فموبق نفسه» ~~أى مهلكها ومنه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم : «اجتنبوا السبع الموبقات» أى : ~~المهلكات. # وقيل : الموبق اسم واد في جهنم فرق الله به بينهم ، أى بين الداعين ~~والمدعوين. # وقيل : كل حاجز بين شيئين فهو موبق. # قال ابن جرير رحمه الله بعد أن ذكر جملة من الأقوال في ذلك : وأولى ~~الأقوال في ذلك بالصواب ، القول الذي ذكرناه من أن الموبق بمعنى المهلك ~~وذلك أن العرب تقول في كلامها : قد أوبقت فلانا إذا أهلكته ..» (2). PageV08P537 # ثم بين سبحانه حالة المجرمين عند ما يبصرون النار فقال : ( @QUR@010 ورأى ~~المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا ). # ورأى هنا بصرية. والظن بمعنى اليقين والعلم ، لأنهم أبصروا الحقائق ، ~~وشاهدوا واقعهم الأليم مشاهدة لا لبس فيها ولا خفاء. # أى : وشاهد المجرمون بأعينهم النار ، فأيقنوا أنهم مخالطوها وواقعون ~~فيها. بسبب سوء أعمالهم ، وانكشاف الحقائق أمامهم ، ولم يجدوا عنها مصرفا ~~أى مكانا ينصرفون إليه ، ويعتصمون به ليتخذوه ملجأ لهم منها. # فالمصرف : اسم مكان للجهة التي ينصرف إليها الإنسان للنجاة من ضر أحاط به. # وعبر سبحانه عن رؤيتهم للنار بالفعل الماضي ، لتحقق الوقوع. # وقال سبحانه ( @QUR@02 ورأى المجرمون ) فوضع المظهر موضع المضمر ms3697 ، لتسجيل ~~الإجرام عليهم ، ولزيادة الذم لهم. # وقد ذكر سبحانه هنا أن المجرمين يرون النار ، وذكر في آية أخرى أنها ~~تراهم أيضا قال تعالى : ( @QUR@09 إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا ~~وزفيرا ) (1). # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا فسوق إبليس عن أمر ربه ، وحذرتنا من ~~اتخاذه وليا ، ومن الانقياد لوسوسته وإغراءاته ، كما حكت لنا جانبا من ~~أحوال المشركين وشركائهم ، وكيف أن الشركاء قد تخلوا عن عابديهم في هذا ~~اليوم العصيب ، بعد أن أحاطت النار بالجميع ، وأيقن المجرمون أنه لا فكاك ~~لهم منها ، ولا نجاة لهم من لهيبها. # نسأل الله تعالى بفضله وكرمه أن ينجينا من هذا الموقف الرهيب. # ثم مدحت السورة الكريمة القرآن ، فوصفته بأن الله تعالى قد أكثر فيه من ~~ضرب الأمثال ، ونوعها لتشمل جميع الأحوال ، وبينت سنة الله تعالى في الأمم ~~السابقة ، كما بينت وظيفة الرسل عليهم الصلاة والسلام وسوء عاقبة المكذبين ~~لهم ، ومظاهر رحمة الله تعالى بالناس. # استمع إلى السورة الكريمة وهي تحكى كل هذه المعاني بأسلوبها البليغ ~~المؤثر فتقول : PageV08P538 # ( @QUR@014 ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر ~~شيء جدلا (54) @QUR@019 وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ~~ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا (55) @QUR@018 وما ~~نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به ~~الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا (56) @QUR@030 ومن أظلم ممن ذكر بآيات ~~ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ~~آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا (57) @QUR@019 وربك ~~الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن ~~يجدوا من دونه موئلا (58) @QUR@08 وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا ~~لمهلكهم موعدا ) (59) # وقوله سبحانه ( @QUR@01 صرفنا ) من التصريف بمعنى التنويع والتكرير. # والمثل : هو القول الغريب السائر في الآفاق الذي يشبه مضربه مورده. # وقد أكثر القرآن من ضرب الأمثال لإيضاح المعنى الخفى وتقريب الأمر ~~المعقول من الأمر المحسوس ، وعرض الأمر الغائب في ms3698 صورة الحاضر. # والمعنى : ولقد كررنا ورددنا ونوعنا في هذا القرآن من أجل هداية الناس ، ~~ورعاية مصلحتهم ومنفعتهم ، من كل مثل من الأمثال التي تهدى النفوس ، وتشفى ~~القلوب ، لعلهم PageV08P539 # بذلك يسلكون طريق الحق ، ويتركون طريق الباطل. # فالمقصود بهذه الجملة الكريمة ، الشهادة من الله تعالى بأن هذا القرآن ~~الذي أنزله سبحانه على نبيه صلى الله عليه وسلم فيه من الأمثال الكثيرة ~~المتنوعة النافعة ، ما يرشد الناس إلى طريق الحق والخير ، متى فتحوا قلوبهم ~~له. وأعملوا عقولهم لتدبره وفهمه. # ومفعول «صرفنا» محذوف ، و «من» لابتداء الغاية ، أى : ولقد صرفنا البينات ~~والعبر والحكم في هذا القرآن ، من أنواع ضرب المثل لمنفعة الناس ليهتدوا ~~ويذكروا. # ثم بين سبحانه موقف الإنسان من هذه الأمثال فقال : ( @QUR@05 وكان ~~الإنسان أكثر شيء جدلا ). # والمراد بالإنسان : الجنس ، ويدخل فيه الكافر والفاسق دخولا أوليا. # والجدل : الخصومة والمنازعة مع الغير في مسألة من المسائل. # أى : وكان الإنسان أكثر شيء مجادلة ومنازعة لغيره ، أى : أن جدله أكثر من ~~جدل كل مجادل. # قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : ولقد بينا للناس في هذا ~~القرآن ، ووضحنا لهم الأمور ، وفصلناها ، كيلا يضلوا عن الحق .. ومع هذا ~~البيان ، فالإنسان كثير المجادلة والمعارضة للحق بالباطل ، إلا من هدى الله ~~وبصره لطريق النجاة. # قال الإمام أحمد : حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب. عن الزهري قال : ~~أخبرنى على بن الحسين ، أن الحسين بن على أخبره ، أن على بن أبى طالب ~~أخبره. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرق عليا وفاطمة ليلة فقال : «ألا ~~تصليان؟ فقلت : يا رسول الله ، إنما أنفسنا بيد الله .. فإذا شاء أن يبعثنا ~~بعثنا. فانصرف حين قلت ذلك ولم يرفع إلى بشيء ثم سمعته وهو مول يضرب فخذه ~~ويقول : وكان الإنسان أكثر شيء جدلا» (1). # وفي التعبير عن الإنسان في هذه الجملة بأنه «شيء» وأنه «أكثر شيء جدلا» ~~إشعار لهذا الإنسان بأن من الواجب عليه أن يقلل من غروره وكبريائه. وأن ~~يشعر بأنه خلق من مخلوقات الله الكثيرة ، وأن ينتفع بأمثال القرآن ومواعظه ~~وهداياته .. لا أن ms3699 يجادل فيها بالباطل. # ومنهم من يرى أن المراد بالإنسان هنا : الكافر ، أو شخص معين ، قيل : هو ~~النضر بن الحارث ، وقيل : أبى بن خلف. PageV08P540 # لكن الظاهر أن المراد به العموم كما أشرنا ويدخل فيه هؤلاء دخولا أوليا. # ثم حكى سبحانه الأسباب التي منعت بعض الناس من الإيمان فقال : ( @QUR@019 ~~وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم. إلا أن تأتيهم سنة ~~الأولين ، أو يأتيهم العذاب قبلا ). # والمراد بالناس : كفار مكة ومن حذا حذوهم في الشرك والضلال والمراد بسنة ~~الأولين : ما أنزله سبحانه بالأمم السابقة من عذاب بسبب إصرارها على الكفر ~~والجحود. # والمعنى : وما منع الكفار من الإيمان وقت أن جاءهم الهدى عن طريق نبيهم ~~صلى الله عليه وسلم ، ومن أن يستغفروا ربهم من ذنوبهم ، إلا ما سبق في علمنا ، ~~من أنهم لا يؤمنون ، بل يستمرون على كفرهم حتى تأتيهم سنة الأولين ، أى : ~~سنتنافى إهلاكهم بعذاب الاستئصال بسبب إصرارهم على كفرهم. # ويجوز أن يكون الكلام على حذف مضاف ، و «أن» وما بعدها في قوله ( @QUR@03 ~~إلا أن تأتيهم ) في تأويل فاعل الفعل «منع». # والمعنى : وما منع الناس من الإيمان والاستغفار وقت مجيء الهدى إليهم ، ~~إلا طلب إتيان سنة الأولين ، كأن يقولوا كما حكى الله تعالى عن بعضهم : ( ~~@QUR@09 فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين ). # فسنة الأولين أنهم طلبوا من أنبيائهم تعجيل العذاب ، فأخذهم الله أخذ ~~عزيز مقتدر. # وقوله : ( @QUR@04 أو يأتيهم العذاب قبلا ) بيان لعذاب آخر ينتظرونه. # وكلمة ( @QUR@01 قبلا ) قرأها عاصم والكسائي وحمزة بضم القاف والباء على ~~أنها جمع قبيل وهو النوع فيكون المعنى : أو يأتيهم العذاب على صنوف وأنواع ~~مختلفة ، ومن جهات متعددة يتلو بعضها بعضا. # وقرأها الباقون : ( @QUR@01 قبلا ) بكسر القاف وفتح الباء بمعنى عيانا ~~ومواجهة. # والمعنى : أو يأتيهم العذاب عيانا وجهارا ، وأصله من المقابلة ، لأن ~~المتقابلين يعاين ويشاهد كل منهما الآخر. # وهي على القراءتين منصوبة على الحالية من العذاب. # فحاصل معنى الآية الكريمة أن هؤلاء الجاحدين لا يؤمنون ولا يستغفرون إلا ~~حين نزول العذاب الدنيوي بهم وهو ما اقتضته ms3700 سنة الله تعالى في أمثالهم ، أو ~~حين نزول أصناف العذاب بهم في الآخرة. PageV08P541 # ثم بين تعالى وظيفة الرسل فقال : ( @QUR@06 وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ~~ومنذرين ). # أى : تلك هي وظيفة الرسل الكرام الذين نرسلهم لهداية الناس وإخراجهم من ~~ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. # فهم يبشرون المؤمنين بحسن العاقبة وجزيل الثواب ، وينذرون الفاسقين ~~والكافرين بسوء العاقبة ، وشديد العقاب. # وقوله تعالى : ( @QUR@07 ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق ) ~~بيان لموقف الكافرين من الرسل عليهم الصلاة والسلام . # ويجادل من المجادلة بمعنى المخاصمة والمنازعة. ومفعوله محذوف. # والباطل : هو الشيء الزائل المضمحل الذي هو ضد الحق والعدل. والحق هو ~~الشيء الثابت القويم الذي تؤيده شريعة الله عز وجل . # والدحض : الطين الذي لا تستقر عليه الأقدام. فمعنى يدحضوا : يزيلوا ~~ويبطلوا تقول العرب : دحضت رجل فلان ، إذا زلت وزلقت .. ومنه قوله تعالى : ~~( @QUR@04 حجتهم داحضة عند ربهم ). # والمعنى : ويجادل الذين كفروا رسلهم بالجدال الباطل ، ليزيلوا به الحق ~~الذي جاء به هؤلاء الرسل ويدحضوه ويبطلوه ، والله تعالى متم نوره ولو كره ~~الكافرون ، فإن الباطل مهما طال فإن مصيره إلى الاضمحلال والزوال. # وقوله تعالى ( @QUR@05 واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا ) معطوف على ما ~~قبله لبيان رذيلة أخرى من رذائل هؤلاء الكافرين. # والمراد بآيات الله : تلك المعجزات التي أيد الله تعالى بها رسله سواء ~~أكانت قولا أم فعلا ، ويدخل فيها القرآن دخولا أوليا. # أى : أن هؤلاء الكافرين لم يكتفوا بجدال رسلهم بالباطل ، بل أضافوا إلى ~~ذلك أنهم اتخذوا الآيات التي جاء بها الرسل كدليل على صدقهم ، واتخذوا ما ~~أنذروهم به من قوارع إذا ما استمروا على كفرهم. اتخذوا كل ذلك «هزوا» أى : ~~اتخذوها محل سخريتهم ولعبهم ولهوهم واستخفافهم ، كما قال سبحانه : ( ~~@QUR@010 وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ). # ثم بين سبحانه سوء عاقبة المعرضين عن التذكير وعن آيات الله فقال : ( ~~@QUR@012 ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه ). PageV08P542 # والاستفهام هنا للنفي والإنكار والمراد بالآيات آيات القرآن الكريم. ~~لقوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@02 أن يفقهوه ). # والمراد بالنسيان : الترك ms3701 والإهمال وعدم التفكر والتدبر في العواقب. # أى : ولا أحد أشد ظلما وبغيا. من إنسان ذكره مذكر ووعظه بآيات الله التي ~~أنزلها على رسوله صلى الله عليه وسلم فأعرض عنها دون أن يقبلها أو يتأملها. بل ~~نبذها وراء ظهره ، ونسى ما قدمت يداه من السيئات والمعاصي ، نسيان ترك ~~وإهمال واستخفاف. # ثم بين سبحانه علة هذا الإعراض والنسيان فقال : ( @QUR@018 إنا جعلنا على ~~قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ، وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا ~~إذا أبدا ). # والأكنة : جمع كنان بمعنى غطاء والوقر الثقل والصمم. يقال فلان وقرت أذنه ~~، أى : ثقل سمعها وأصيبت بالصمم. # أى : إنا جعلنا على قلوب هؤلاء الظالمين المعرضين عن الحق ، أغطية تمنع ~~قلوبهم عن وصول النور إليها ، وتحجبها عن فقه آياته سبحانه وجعلنا أيضا في ~~آذانهم صمما وثقلا عن سماع ما ينفعهم وذلك يسبب استحبابهم العمى على الهدى ~~، وإيثارهم الكفر على الإيمان. # ( @QUR@02 وإن تدعهم ) أيها الرسول الكريم ( @QUR@02 إلى الهدى ) والرشد ~~فلن ، يستجيبوا لك ، ولن ( @QUR@03 يهتدوا إذا أبدا ) إلى الحق وإلى الصراط ~~المستقيم ، بسبب زيغ قلوبهم ، واستيلاء الكفر والجحود والعناد عليها. # والضمير في قوله ( @QUR@02 أن يفقهوه ) يعود إلى الآيات ، وتذكيره ~~وإفراده باعتبار المعنى ، إذ المراد منها القرآن الكريم. # وجاءت الضمائر في أول الآية بالإفراد ، كما في قوله ، ( @QUR@01 ذكر ) و ~~( @QUR@06 فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه ) باعتبار لفظ «من» في قوله «ومن ~~أظلم» وجاءت بعد ذلك بالجمع كما في قوله سبحانه : ( @QUR@05 إنا جعلنا على ~~قلوبهم أكنة .. ) باعتبار المعنى. # وهذا الأسلوب كثير في القرآن الكريم ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@019 ومن ~~يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ~~، قد أحسن الله له رزقا ). # فالضمير في قوله : «يؤمن ويعمل ويدخله» جاء بصيغة الإفراد باعتبار لفظ ~~«من» ، وفي قوله : ( @QUR@02 خالدين فيها ) جاء بصيغة الجمع باعتبار معنى «من». # ثم ساق سبحانه بعد ذلك ما يدل على سعة رحمته ، وعظيم فضله فقال : ( ~~@QUR@01 وربك PageV08P543 # @QUR@018 الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب ، بل ~~لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا ms3702 ). # أى : وربك أيها الرسول الكريم هو صاحب المغفرة الكثيرة ، وصاحب الرحمة ~~التي وسعت كل شيء. لو يؤاخذ الناس بما كسبوا من الذنوب والمعاصي ، لعجل لهم ~~العذاب بسبب ما يرتكبونه من كفر وآثام ، ولكنه سبحانه لم يعجل لهم العذاب ~~رحمة منه وحلما. # وجملة «بل لهم موعد ..» معطوفه على مقدر ، فكأنه سبحانه قال : لكنه ~~سبحانه لم يؤاخذهم ، بل جعل وقتا معينا لعذابهم ، لن يجدوا من دون هذا ~~العذاب موئلا. # أى ملجأ يلتجئون إليه ، أو مكانا يعتصمون به. # فالموئل : اسم مكان. يقال : وأل فلان إلى مكان كذا يئل وألا .. إذا لجأ ~~إليه ليعتصم به من ضر متوقع. # فالآية الكريمة تبين أن الله تعالى بفضله وكرمه لا يعاجل الناس. بالعقاب ~~، ولكنه عز وجل ليس غافلا عن أعمالهم ، بل يؤخرهم إلى الوقت الذي تقتضيه ~~حكمته ، لكي يعاقبهم على ما ارتكبوه من ذنوب وآثام. # وفي معنى هذه الآية وردت آيات كثيرة ، منها قوله تعالى : ( @QUR@025 ولو ~~يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ، ولكن يؤخرهم إلى ~~أجل مسمى. فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@011 وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ، وإن ربك ~~لشديد العقاب ) (2) ثم بين سبحانه سننه في الأمم الماضية فقال : ( @QUR@08 ~~وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا ). # واسم الإشارة «تلك» تعود إلى القرى المهلكة بسبب كفرها وفسوقها عن أمر ~~ربها ، كقرى قوم نوح وهود وصالح عليهم السلام . # والقرى : جمع قرية والمراد بها أهلها الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والجحود. # أى : وتلك القرى الماضية التي أصر أهلها على الكفر والفسوق والعصيان ~~أهلكناهم بعذاب الاستئصال في الدنيا ، بسبب هذا الكفر والظلم ، وجعلنا لوقت ~~هلاكهم موعدا لا يتأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون. PageV08P544 # ولفظ «تلك» مبتدأ ، والقرى صفة له أو عطف بيان ، وجملة ( @QUR@01 ~~أهلكناهم ) هي الخبر. # وقوله ( @QUR@02 لما ظلموا ) بيان للأسباب التي أدت بهم إلى الهلاك ~~والدمار ، أى : أهلكناهم بسبب وقوع الظلم منهم واستمرارهم عليه. # وجيء باسم الإشارة «تلك» للإشعار بإن أهل مكة يمرون على تلك القرى ~~الظالمة المهلكة ، ويعرفون ms3703 أماكنهم معرفة واضحة عند أسفارهم من مكة إلى ~~بلاد الشام. قال تعالى ( @QUR@07 وإنكم لتمرون عليهم مصبحين. وبالليل أفلا ~~تعقلون ) (1). # وقوله : ( @QUR@03 وجعلنا لمهلكهم موعدا ) قرأ الجمهور ، لمهلكهم ، بضم ~~الميم وفتح اللام على صيغة اسم المفعول ، وهو محتمل أن يكون مصدرا ميميا. ~~أى : وجعلنا لإهلاكهم موعدا. ويحتمل أن يكون اسم زمان ، أى : وجعلنا لزمان ~~إهلاكهم موعدا. # وقرأ حفص عن عاصم «لمهلكهم» بفتح الميم وكسر اللام فيكون اسم زمان ، وقرأ ~~شعبة عن عاصم. لمهلكهم» بفتح الميم واللام فيكون مصدرا ميميا. # وإلى هنا نجد الآيات الكريمة قد وضحت أن القرآن الكريم قد نوع الله تعالى ~~فيه الأمثال لقوم يعقلون ، كما بينت أن الإنسان مجبول على المجادلة ~~والمخاصمة. وأن المشركين قد أصروا على شركهم بسبب انطماس بصائرهم. وزيغهم ~~عن الحق ، وأن الرسل عليهم الصلاة والسلام وظيفتهم البلاغ والتبشير ~~والإنذار ، وأن عاقبة الجاحدين الذين ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم هي ~~النار وبئس القرار ، وأن الله تعالى يمهل الظالمين ولا يهملهم ، فهو كما ~~قال سبحانه ( @QUR@011 نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم ، وأن عذابي هو ~~العذاب الأليم ) (2). # * * * # ثم ساق سبحانه قصة فيها ما فيها من الأحكام والعظات ، ألا وهي قصة موسى ~~عليه السلام مع عبد من عباد الله الصالحين ، فقال تعالى : # ( @QUR@013 وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي ~~حقبا (60) @QUR@02 فلما بلغا PageV08P545 # @QUR@09 مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا (61) ~~@QUR@012 فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا ~~(62) @QUR@020 قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه ~~إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا (63) @QUR@09 قال ذلك ما ~~كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا (64) @QUR@012 فوجدا عبدا من عبادنا ~~آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما ) (65) # قال الإمام الرازي ما ملخصه : اعلم أن هذا ابتداء قصة ثالثة ذكرها الله ~~تعالى في هذه السورة ، وهي أن موسى عليه السلام ذهب إلى الخضر ليتعلم منه ، ~~وهذا وإن كان كلاما مستقلا في نفسه إلا أنه يعين على ما ms3704 هو المقصود في ~~القصتين السابقتين : أما نفع هذه القصة في الرد على الكفار الذين افتخروا ~~على فقراء المسلمين ، فهو أن موسى مع كثرة علمه وعمله .. ذهب إلى الخضر ~~لطلب العلم وتواضع له. # وأما نفع هذه القصة في قصة أصحاب الكهف ، فهو أن اليهود قالوا لكفار مكة ~~: «إن أخبركم محمد صلى الله عليه وسلم عن هذه القصة فهو نبي وإلا فلا ؛ وهذا ~~ليس بشيء. لأنه لا يلزم من كونه نبيا أن يكون عالما بجميع القصص كما أن كون ~~موسى نبيا لم يمنعه من الذهاب ليتعلم منه» (1). # وموسى عليه السلام هو ابن عمران ، وهو أحد أولى العزم من الرسل ، وينتهى ~~نسبه إلى يعقوب عليه السلام . # وفتاه : هو يوشع بن نون ، وسمى بذلك لأنه كان ملازما لموسى عليه السلام ~~ويأخذ عنه العلم. PageV08P546 # وقوله : ( @QUR@02 لا أبرح ) أى : لا أزال سائرا. ومنه قوله تعالى ( ~~@QUR@04 لن نبرح عليه عاكفين ). من برح الناقص. # قال الجمل : واسمها مستتر وجوبا ، وخبرها محذوف ، تقديره : لا أبرح سائرا ~~، وقوله ( @QUR@02 حتى أبلغ ).. غاية لهذا المقدر. ويحتمل أنها تامة فلا ~~تستدعى خبرا ، بمعنى : لا أزول عما أنا عليه من السير والطلب ولا أفارقه ~~حتى أبلغ ..» (1). # و ( @QUR@02 مجمع البحرين ): المكان الذي فيه يلتقى البحر الأحمر بالبحر ~~الأبيض المتوسط. # قال الآلوسى : والمجمع : الملتقى ، وهو اسم مكان .. والبحران : بحر فارس ~~والروم ، كما روى عن مجاهد وقتادة وغيرهما وملتقاهما : مما يلي المشرق ولعل ~~المراد مكان يقرب فيه التقاؤهما .. وقيل البحران : بحر الأردن وبحر القلزم ~~..» (2). # وقال بعض العلماء : والأرجح والله أعلم أن مجمع البحرين : بحر الروم وبحر ~~القلزم. # أى : البحر الأبيض والبحر الأحمر. ومجمعهما مكان التقائهما في منطقة ~~البحيرات المرة وبحيرة التمساح. أو أنه مجمع خليجى العقبة والسويس في البحر ~~الأحمر. فهذه المنطقة كانت مسرح تاريخ بنى إسرائيل بعد خروجهم من مصر ، ~~وعلى أية حال فقد تركها القرآن مجملة فنكتفى بهذه الإشارة» (3). # والمعنى : واذكر أيها الرسول الكريم لقومك لكي يعتبروا ويتعظوا وقت أن ~~قال أخوك موسى عليه السلام لفتاه يوشع بن نون ، اصحبنى في رحلتي هذه فإنى لا ms3705 ~~أزال سائرا حتى أصل إلى مكان التقاء البحرين ، فأجد فيه بغيتي ومقصدي ، «أو ~~أمضى» في سيرى «حقبا» أى : زمنا طويلا ، إن لم أجد ما أبتغيه هناك. # والحقب بضم الحاء والقاف جمعه أحقاب ، وفي معناه : الحقبة بكسر الحاء ~~وجمعها حقب كسدرة وسدر والحقبة بضم الحاء وجمعها : حقب كغرفة وغرف قيل : ~~مدتها ثمانون عاما. وقيل سبعون. وقيل : زمان من الدهر مبهم غير محدد. # والآية الكريمة تدل بأسلوبها البليغ ، على أن موسى عليه السلام كان مصمما ~~على بلوغ مجمع البحرين مهما تكن المشقة في سبيل ذلك ، ومهما يكن الزمن الذي ~~يقطعه في سبيل PageV08P547 # الوصول إلى غايته ، وهو يعبر عن هذا التصميم بما حكاه عنه القرآن بقوله : ~~«أو أمضى حقبا». # وقد أشار الآلوسى رحمه الله إلى سبب تصميم موسى على هذه الرحلة فقال : ~~وكأن منشأ عزيمة موسى عليه السلام على ما ذكره ما رواه الشيخان وغيرهما من ~~حديث ابن عباس عن أبى بن كعب ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ~~«إن موسى عليه السلام قام خطيبا في بنى إسرائيل فسئل : أى الناس أعلم؟ فقال ~~: أنا. فعاتبه الله تعالى عليه ، إذ لم يرد العلم إليه سبحانه فأوحى الله ~~تعالى إليه : إن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك. # وفي رواية أخرى عنه عن أبى أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن موسى ~~عليه السلام سأل ربه فقال : أى رب إن كان في عبادك أحد هو أعلم منى فدلني ~~عليه فقال له : «نعم في عبادي من هو أعلم منك ، ثم نعت له مكانه وأذن له في ~~لقائه» (1). # ثم تقص علينا السورة الكريمة ما حدث بعد ذلك فتقول : ( @QUR@011 فلما ~~بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما. فاتخذ سبيله في البحر سربا ). # والفاء في قوله : ( @QUR@02 فلما بلغا ) وفي قوله ( @QUR@02 فاتخذ سبيله ~~.. ) هي الفصيحة. # والسرب : النفق الذي يكون تحت الأرض. أو القناة التي يدخل منها الماء إلى ~~البستان لسقى الزرع. # والمعنى : وبعد أن قال موسى لفتاه ما قال ، أخذا في السير إلى مجمع ~~البحرين ، فلما بلغا ms3706 هذا المكان «نسيا حوتهما» أى : نسيا خبر حوتهما ونسيا ~~تفقد أمره ، فحيي الحوت ، وسقط في البحر ، واتخذ «سبيله» أى طريقه «في ~~البحر سربا». # أى : واتخذ الحوت طريقه في البحر ، فكان هذا الطريق مثل السرب أى النفق ~~في الأرض بحيث يسير الحوت فيه ، وأثره واضح. # قال الإمام ابن كثير : قوله ( @QUR@06 فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما ~~) وذلك أنه كان قد أمر بحمل حوت مملوح أى مشوى معه وقيل له : متى فقدت ~~الحوت ، فهو ثمة أى الرجل الصالح الذي هو أعلم منك يا موسى في هذا المكان ~~فسارا حتى بلغا مجمع البحرين. وهناك عين يقال لها عين الحياة ، فناما هناك ~~، وأصاب الحوت من رشاش ذلك الماء PageV08P548 # فاضطرب ، وكان في مكتل مع يوشع ، وطفر من المكتل إلى البحر ، فاستيقظ ~~يوشع ، وسقط الحوت في البحر ، وجعل يسير فيه ، والماء له مثل الطاق أى مثل ~~البناء المقوس كالقنطرة لا يلتئم بعده ، ولهذا قال : ( @QUR@05 فاتخذ سبيله ~~في البحر سربا ) أى : مثل السرب في الأرض (1). # وقال الإمام البيضاوي : قوله «نسيا حوتهما» أى : نسى موسى أن يطلبه ~~ويتعرف حاله ، ونسى يوشع أن يذكر له ما رأى من حياته ووقوعه في البحر (2). # ثم بين سبحانه ما كان منهما بعد ذلك فقال : ( @QUR@02 فلما جاوزا ) أى : ~~المكان الذي فيه مجمع البحرين. # «قال» موسى عليه السلام لفتاه يوشع بن نون «آتنا غداءنا» أى : أحضر لنا ما ~~نأكله من هذا الحوت المشوى الذي معنا : ثم علل موسى عليه السلام هذا الطلب ~~بقوله : ( @QUR@06 لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا ) أى : تعبا وإعياء. # واسم الإشارة «هذا» مشار به إلى سفرهما المتلبسين به. # قالوا : ولكن باعتبار بعض أجزائه ، فقد صح أنه صلى الله عليه وسلم قال : «لم ~~يجد موسى شيئا من التعب حتى جاوز المكان الذي أمر به» (3). # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت ~~) حكاية لما رد به يوشع على موسى عليه السلام عند ما طلب منه الغداء. # والاستفهام في قوله ( @QUR@01 أرأيت ) للتعجب مما حدث أمامه من شأن الحوت ~~حيث عادت ms3707 إليه الحياة ، وقفز في البحر ، ومع ذلك نسى يوشع أن يخبر موسى عن ~~هذا الأمر العجيب. # أى : قال يوشع لموسى عليه السلام : تذكر وانتبه واستمع إلى ما سألقيه عليك ~~من خبر هذا الحوت ، أرأيت ما دهانى في وقت أن أوينا ولجأنا إلى الصخرة التي ~~عند مجمع البحرين ، فإنى هناك نسيت أن أذكر لك ما شاهدته منه من أمور عجيبة ~~، فقد عادت إليه الحياة ، ثم قفز في البحر. # وقال ( @QUR@04 إذ أوينا إلى الصخرة ) دون أن يذكر مجمع البحرين ، زيادة ~~في تحديد المكان PageV08P549 # وتعيينه. وأوقع النسيان على الحوت دون الغداء الذي طلبه منه موسى ، ~~للإشعار بأن الغداء الذي طلبه موسى منه ، هو ذلك الحوت الذي فقداه. # وقوله ( @QUR@06 وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره ) جملة معترضة جيء بها ~~لبيان ما يجرى مجرى السبب في وقوع النسيان منه. # وقوله ( @QUR@02 أن أذكره ) بدل اشتمال من الهاء في «أنسانيه». # أى : وما أنسانى تذكيرك بما حدث من الحوت إلا الشيطان الذي يوسوس للإنسان ~~، بوساوس متعددة ، تجعله يذهل وينسى بعض الأمور الهامة. # وقوله ( @QUR@05 واتخذ سبيله في البحر عجبا ) معطوف على قوله ( @QUR@03 ~~فإني نسيت الحوت ). # أى : نسيت أن أخبرك بأن الحوت عند ما أوينا إلى الصخرة عادت إليه الحياة ~~، واتخذ طريقه في البحر اتخاذا عجيبا ، حيث صار يسير فيه وله أثر ظاهر في ~~الماء ، والماء من حوله كالقنطرة التي تنفذ منها الأشياء. # وعلى هذا تكون جملة ، «واتخذ سبيله في البحر عجبا» ، من بقية كلام يوشع ~~للتعجب مما حدث من الحوت ، حيث عادت إليه الحياة بقدرة الله تعالى ، واتخذ ~~طريقه في البحر بتلك الصورة العجيبة. # وقيل : إن هذه الجملة من كلام الله تعالى لبيان طرف آخر من أمر هذا الحوت ~~العجيب ، بعد بيان أمره قبل ذلك بأنه اتخذ سبيله في البحر سربا. # ويبدو لنا أن الرأى الأول أرجح ، لأن سياق الآية يدل عليه ، لذا اكتفى به ~~بعض المفسرين دون أن يشير إلى غيره. # قال الامام الرازي : قوله ( @QUR@05 واتخذ سبيله في البحر عجبا ) فيه وجوه : # الأول : أن قوله ( @QUR@01 عجبا ) صفة لمصدر ms3708 محذوف ، كأنه قيل : واتخذ ~~سبيله في البحر اتخاذا عجبا ، ووجه كونه عجبا ، انقلابه من المكتل وصيرورته ~~حيا وإلقاء نفسه في البحر. # الثاني : أن يكون المراد منه ما ذكرنا من أنه تعالى جعل الماء عليه ~~كالطاق وكالسراب. # الثالث : قيل إنه تم الكلام عند قوله ( @QUR@04 واتخذ سبيله في البحر ) ~~ثم قال بعده : ( @QUR@01 عجبا ) والمقصود منه تعجب يوشع من تلك الحالة ~~العجيبة التي رآها ، ثم من نسيانه لها .. (1). PageV08P550 # وهنا يحكى القرآن ما يدل على أن موسى عليه السلام قد أدرك أنه تجاوز ~~المكان الذي حدده له ربه تعالى للقاء العبد الصالح فقال : ( @QUR@09 قال ~~ذلك ما كنا نبغ ، فارتدا على آثارهما قصصا ). # أى قال موسى لفتاه : ذلك الذي ذكرته لي من أمر نسيانك لخبر الحوت هو الذي ~~كنا نبغيه ونطلبه ، فإن العبد الصالح الذي نريد لقاءه موجود في ذلك المكان ~~الذي فقدنا فيه الحوت. # ( @QUR@04 فارتدا على آثارهما قصصا ) أى : فرجعا من طريقهما الذي أتيا ~~منه ، يتتبعان آثارهما لئلا يضلا عنه ، حتى انتهيا عائدين مرة أخرى إلى ~~موضع الصخرة التي فقد الحوت عندها. # وقصصا : من القص بمعنى اتباع الأثر. يقال : قص فلان أثر فلان قصا وقصصا ~~إذا تتبعه. # ثم حكى القرآن ما تم لهما بعد أن عادا إلى مكانهما الأول فقال : ( ~~@QUR@012 فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما ). # أى : وبعد أن عادا إلى مكان الصخرة عند مجمع البحرين مرة أخرى وجدا «عبدا ~~من عبادنا» الصالحين. والتنكير في «عبدا» للتفخيم ، والإضافة في «عبادنا» ~~للتشريف والتكريم. # ( @QUR@04 آتيناه رحمة من عندنا ) أى : هذا العبد الصالح منحناه وأعطيناه ~~رحمة عظيمة من عندنا وحدنا لا من عند غيرنا : واختصصناه بها دون غيره. # وهذه الرحمة تشمل النعم التي أنعم الله تعالى بها عليه كنعمة الهداية ~~والطاعة وغيرهما. # ( @QUR@04 وعلمناه من لدنا علما ) أى : وعلمناه من عندنا لا من عند غيرنا ~~علما خاصا ، لا يتيسر إلا لمن نريد تيسيره ومنحه له. # والمراد بهذا العبد : الخضر عليه السلام كما دلت على ذلك الأحاديث ~~الصحيحة. # ومن العلماء من يرى أنه ms3709 كان نبيا ، ومنهم من يرى أنه كان عبدا صالحا ~~اختصه الله بلون معين من العلم اللدني. # أخرج البخاري وغيره عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «إنما ~~سمى الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء ، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء» (1). # ويرى المحققون من العلماء أنه قد مات كما يموت سائر الناس. وإلى ذلك ذهب الإمام PageV08P551 # البخاري وشيخ الإسلام ابن تيمية ، وتلميذه ابن القيم وغيرهم. # ويرى آخرون أنه حي وسيموت في آخر الزمان. # قال ابن القيم : إن الأحاديث التي يذكر فيها أنه حي كلها كذب ، ولا يصح ~~في ذلك حديث واحد. وهذه المسألة من المسائل التي فصل العلماء الحديث عنها. ~~فارجع إلى أقوالهم فيها إن شئت (1). # ثم حكى سبحانه بعد ذلك ، ما دار بين موسى والخضر عليهما السلام بعد أن ~~التقيا فقال تعالى : # ( @QUR@011 قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا (66) ~~@QUR@06 قال إنك لن تستطيع معي صبرا (67) @QUR@08 وكيف تصبر على ما لم تحط ~~به خبرا (68) @QUR@010 قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا (69) ~~@QUR@012 قال فإن اتبعتني فلا تسئلني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا ) (70) # أى : قال موسى للخضر عليهما السلام بعد أن التقيا «هل أتبعك» أى : هل تأذن ~~لي في مصاحبتك واتباعك. بشرط أن تعلمني من العلم الذي علمك الله إياه : ~~شيئا أسترشد به في حياتي ، وأصيب به الخير في ديني. # فأنت ترى أن موسى عليه السلام قد راعى في مخاطبته للخضر أسمى ألوان الأدب ~~اللائق بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام حيث خاطبه بصيغة الاستفهام الدالة ~~على التلطف ، وحيث أنزل نفسه منه منزلة المتعلم من المعلم ، وحيث استأذنه ~~في أن يكون تابعا له ، ليتعلم منه الرشد والخير. # قال بعض العلماء : في هذه الآية دليل على أن المتعلم تبع للعالم ، وإن ~~تفاوتت المراتب ، PageV08P552 # ولا يظن أن في تعلم موسى من الخضر ما يدل على أن الخضر كان أفضل من موسى ~~، فقد يأخذ الفاضل عن الفاضل ، وقد يأخذ الفاضل عن المفضول ، إذا اختص الله ~~تعالى ms3710 أحدهما بعلم لا يعلمه الآخر ، فقد كان علم موسى يتعلق بالأحكام ~~الشرعية والقضاء بظاهرها ، وكان علم الخضر يتعلق ببعض الغيب ومعرفة البواطن ~~.. (1). # ثم حكى سبحانه ما رد به الخضر على موسى فقال : ( @QUR@06 قال إنك لن ~~تستطيع معي صبرا ). # أى : قال الخضر لموسى إنك يا موسى إذا اتبعتنى ورافقتنى ، فلن تستطيع معى ~~صبرا ، بأى وجه من الوجوه. # قال ابن كثير : أى : إنك لا تقدر يا موسى أن تصاحبني ، لما ترى من ~~الأفعال التي تخالف شريعتك ، لأنى على علم من علم الله تعالى ما علمك إياه ~~، وأنت على علم من علم الله تعالى ما علمني إياه ، فكل منا مكلف بأمور من ~~الله دون صاحبه ، وأنت لا تقدر على صحبتي» (2). # وقوله : ( @QUR@08 وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا ) تعليل لعدم استطاعة ~~الصبر معه. # أى : وكيف تصبر يا موسى على أمور ستراها منى. هذه الأمور ظاهرها أنها ~~منكرات لا يصح السكوت عليها ، وباطنها لا تعلمه لأن الله لم يطلعك عليه؟ # فالخبر بمعنى العلم. يقال : خبر فلان الأمر يخبره : أى : علمه. والاسم ~~الخبر ، وهو العلم بالشيء ، ومنه الخبير ، أى : العالم. # وكأن الخضر يريد بهذه الجملة الكريمة أن يقول لموسى : إنى واثق من أنك لن ~~تستطيع معى صبرا ، لأن ما سأفعله سيصطدم بالأحكام الظاهرة ، وبالمنطق ~~العقلي ، وبغيرتك المعهودة فيك ، وأنا مكلف أن أفعل ما أفعل ، لأن المصلحة ~~الباطنة في ذلك ، وهي تخفى عليك. # ولكن موسى عليه السلام الحريص على تعلم العلم النافع ، يصر على مصاحبة ~~الرجل الصالح ، فيقول له في لطف وأدب ، مع تقديم مشيئة الله تعالى : ( ~~@QUR@09 ستجدني إن شاء الله صابرا ، ولا أعصي لك أمرا ). # أى : قال موسى للخضر ( @QUR@05 ستجدني إن شاء الله صابرا ) معك ، غير ~~معترض عليك ، ولا أعصى لك أمرا من الأمور التي تكلفني بها. PageV08P553 # وقدم موسى عليه السلام المشيئة ، أدبا مع خالقه عز وجل واستعانة به سبحانه ~~على الصبر وعدم المخالفة. # وهنا يحكى القرآن الكريم أن الخضر ، قد أكد ما سبق أن قاله لموسى ، وبين ~~له شروطه إذا أراد مصاحبته ، فقال ms3711 : ( @QUR@012 قال فإن اتبعتني فلا تسئلني ~~عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا ). # أى : قال الخضر لموسى على سبيل التأكيد والتوثيق : يا موسى إن رافقتنى ~~وصاحبتنى ، ورأيت منى أفعالا لا تعجبك ، لأن ظاهرها يتنافى مع الحق. فلا ~~تعترض عليها ، ولا تناقشني فيها ، بل اتركني وشأنى ، حتى أبين لك في الوقت ~~المناسب السبب في قيامي بتلك الأفعال ، وحتى أكون أنا الذي أفسره لك. # قالوا : «وهذا من الخضر تأديب وإرشاد لما يقتضى دوام الصحبة ، فلو صبر ~~موسى ودأب لرأى العجب (1). # ثم تحكى السورة بعد ذلك ثلاثة أحداث فعلها الخضر ولكن موسى لم يصبر عليها ~~، بل اعترض وناقش ، أما الحادث الأول فقد بينه سبحانه بقوله : # ( @QUR@015 فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق ~~أهلها لقد جئت شيئا إمرا (71) @QUR@08 قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا ~~(72) @QUR@010 قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا ) (73) # وقوله : ( @QUR@01 فانطلقا ) بيان لما حدث منهما بعد أن استمع كل واحد ~~منهما إلى ما قاله صاحبه. # أى ؛ فانطلق موسى والخضر عليهما السلام على ساحل البحر ، ومعهما يوشع بن ~~نون ، ولم يذكر في الآية لأنه تابع لموسى. PageV08P554 # ويرى بعضهم أن موسى عليه السلام صرف فتاه بعد أن التقى بالخضر. # أخرج الشيخان عن ابن عباس : أنهما انطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت ~~بهما سفينة فكلموهم أن يحملوهم ، فعرفوا الخضر فحملوهما بغير نول : أى أجر ~~، (1). # وقوله : ( @QUR@06 حتى إذا ركبا في السفينة خرقها ) بيان لما فعله الخضر ~~بالسفينة. # أى : فانطلقا يبحثان عن سفينة ، فلما وجداها واستقرا فيها ، ما كان من ~~الخضر إلا أن خرقها. قيل : بأن قلع لوحا من ألواحها. # وهنا ما كان من موسى إلا أن قال له على سبيل الاستنكار والتعجب مما فعله ~~: ( @QUR@03 أخرقتها لتغرق أهلها .. ). أى : أفعلت ما فعلت لتكون عاقبة ~~الراكبين فيها الغرق والموت بهذه الصورة المؤلمة؟ # ( @QUR@04 لقد جئت شيئا إمرا )، والإمر : الداهية. وأصله كل شيء شديد ~~كبير ، ومنه قولهم : إن القوم قد أمروا. أى : كثروا واشتد شأنهم. ويقال : ~~هذا أمر إمر ، أى : منكر غريب. # أى ms3712 : قال موسى للخضر بعد خرقه للسفينة : لقد جئت شيئا عظيما ، وارتكبت ~~أمرا بالغا في الشناعة. حيث عرضت ركاب السفينة لخطر الغرق. # وهنا أجابه الخضر بقوله : ( @QUR@07 ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا ) أى ~~: ألم أقل لك سابقا إنك لن تسطيع مصاحبتي ، ولا قدرة لك على السكوت على ~~تصرفاتي التي لا تعرف الحكمة من ورائها؟ # ولكن موسى عليه السلام رد معتذرا لما فرط منه وقال : ( @QUR@02 لا تؤاخذني ~~) أيها العبد الصالح ، بما نسيت ، أى : بسبب نسياني لوصيتك في ترك السؤال ~~والاعتراض حتى يكون لي منك البيان. ( @QUR@05 ولا ترهقني من أمري عسرا ) أى ~~: ولا تكلفني من أمرى مشقة في صحبتي إياك. # يقال : أرهق فلان فلانا. إذا أتعبه وأثقل عليه وحمله مالا يطيقه. # والمراد : التمس لي عذرا بسبب النسيان ، ولا تضيق على الأمر ، فإن في هذا ~~التضييق ما يحول بيني وبين الانتفاع بعلمك. # وكأن موسى عليه السلام الذي اعتزم الصبر وقدم المشيئة ، ورضى بشروط الخضر في PageV08P555 # المصاحبة .. كأنه قد نسى كل ذلك أمام المشاهدة العملية ، وأمام التصرف ~~الغريب الذي صدر من الخضر دون أن يعرف له سببا. # وهكذا الطبيعة البشرية تلتقي في أنها تجد للتجربة العملية وقعا وطعما ، ~~يختلف عن الوقع والطعم الذي تجده عند التصور النظري. # فموسى عليه السلام وعد الخضر بأنه سيصبر ... إلا أنه بعد أن شاهد مالا ~~يرضيه اندفع مستنكرا. # أما الحادث الثاني الذي لم يستطع موسى أن يقف أمامه صامتا ، فقد حكاه ~~القرآن في قوله : # ( @QUR@016 فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير ~~نفس لقد جئت شيئا نكرا (74) @QUR@09 قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا ~~(75) @QUR@013 قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا ) (76) # أى : فانطلق موسى والخضر للمرة الثانية بعد خروجهما من السفينة ، وبعد أن ~~قبل الخضر اعتذار موسى. # ( @QUR@04 حتى إذا لقيا غلاما ) في طريقهما ، ما كان من الخضر إلا أن ~~أخذه ( @QUR@01 فقتله ). # وهنا لم يستطع موسى عليه السلام أن يصبر على ما رأى ، أو أن يكظم غيظه ، ~~فقال باستنكار ms3713 وغضب : ( @QUR@03 أقتلت نفسا زكية ) أى : طاهرة بريئة من ~~الذنوب ( @QUR@02 بغير نفس ). # أى : بغير أن ترتكب ما يوجب قتلها ، لأنها لم تقتل غيرها حتى تقتص منها. ~~أى : أن قتلك لهذا الغلام كان بغير حق. # ( @QUR@02 لقد جئت ) أيها الرجل «شيئا نكرا» أى : منكرا عظيما. يقال. نكر ~~الأمر ، أى : صعب واشتد. والمقصود : لقد جئت شيئا أشد من الأول في فظاعته ~~واستنكار العقول له. # ومرة أخرى يذكره الخضر بالشرط الذي اشترطه عليه. وبالوعد الذي قطعه على ~~نفسه ، فيقول له : ( @QUR@08 ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا ). PageV08P556 # وفي هذه المرة لا يكتفى الخضر بقوله : ( @QUR@03 ألم أقل إنك .. ) بل ~~يضيف لفظ لك ، زيادة في التحديد والتعيين والتذكير. # أى : ألم أقل لك أنت يا موسى لا لغيرك على سبيل التأكيد والتوثيق : إنك ~~لن تستطيع معى صبرا ، لأنك لم تحط علما بما أفعله. # ويراجع موسى نفسه. فيجد أنه قد خالف ما اتفق عليه مع الرجل الصالح مرتين ~~، فيبادر بإخبار صاحبه أن يترك له فرصة أخيرة فيقول : ( @QUR@02 إن سألتك ) ~~أيها الصديق ( @QUR@03 عن شيء بعدها ) أى : بعد هذه المرة الثانية ( ~~@QUR@02 فلا تصاحبني ) أى : فلا تجعلني صاحبا أو رفيقا لك ، فإنك ( @QUR@05 ~~قد بلغت من لدني عذرا ) أى : فإنك قد بلغت الغاية التي تكون معذورا بعدها ~~في فراقي ، لأنى أكون قد خالفتك مرارا. # وهذا الكلام من موسى عليه السلام يدلك على اعتذاره الشديد للخضر ، وعلى ~~شدة ندمه على ما فرط منه ، وعلى الاعتراف له بخطئه. # قال القرطبي : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعا لأحد بدأ بنفسه ~~فقال يوما : «رحمة الله علينا وعلى موسى ، لو صبر على صاحبه لرأى العجب ، ~~ولكنه قال : ( @QUR@07 إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني .. ) (1). # ثم تسوق لنا السورة الكريمة الحادث الثالث والأخير في تلك القصة الزاخرة ~~بالمفاجآت والعجائب فنقول : # ( @QUR@024 فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن ~~يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه ~~أجرا (77) @QUR@012 قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع ~~عليه ms3714 صبرا ) (78) # أى : فانطلق موسى والخضر عليهما السلام يتابعان سيرهما. حتى إذا أتيا أهل ~~قرية قيل هي «أنطاكيه» ، وقيل : هي قرية بأرض الروم. PageV08P557 # ( @QUR@02 استطعما أهلها ) والاستطعام : سؤال الطعام. والمراد به هنا ~~سؤال الضيافة لأنه هو المناسب لمقام موسى والخضر عليهما السلام ولأن قوله ~~تعالى بعد ذلك : ( @QUR@03 فأبوا أن يضيفوهما ) يشهد له. # أى : فأبى وامتنع أهل تلك القرية عن قبول ضيافتهما بخلا منهم وشحا. # وقوله تعالى ( @QUR@07 فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه ) معطوف على ~~( @QUR@01 أتيا ) أى : وبعد أن امتنع أهل القرية عن استضافتهما ، تجولا ~~فيها ( @QUR@03 فوجدا فيها جدارا ) أى : بناء مرتفعا ( @QUR@03 يريد أن ~~ينقض ) أى : ينهدم ويسقط ( @QUR@01 فأقامه ) أى الخضر بأن سواه وأعاد إليه ~~اعتداله ، أو بأن نقضه وأخذ في بنائه من جديد. # وهنا لم يتمالك موسى عليه السلام مشاعره ، لأنه وجد نفسه أمام حالة ~~متناقضة ، قوم بخلاء أشحاء لا يستحقون العون .. ورجل يتعب نفسه في إقامة ~~حائط مائل لهم .. هلا طلب منهم أجرا على هذا العمل الشاق ، خصوصا وهما ~~جائعان لا يجدان مأوى لهما في تلك القرية! لذا بادر موسى عليه السلام ليقول ~~للخضر : ( @QUR@05 لو شئت لاتخذت عليه أجرا ). # أى : هلا طلبت أجرا من هؤلاء البخلاء على هذا العمل ، حتى تنتفع به. وأنت ~~تعلم أننا جائعان وهم لم يقدموا لنا حق الضيافة. # فالجملة الكريمة تحريض من موسى للخضر على أخذ الأجر على عمله ، ولوم له ~~على ترك هذا الأجر مع أنهما في أشد الحاجة إليه. # وكان هذا التحريض من موسى للخضر عليهما السلام هو نهاية المرافقة ~~والمصاحبة بينهما ، ولذا قال الخضر لموسى : ( @QUR@04 هذا فراق بيني وبينك ~~) أى : هذا الذي قلته لي ، يجعلنا نفترق ، لأنك قد قلت لي قبل ذلك : ( ~~@QUR@07 إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني ) وها أنت تسألنى وتحرضنى على ~~أخذ الأجر. # ومع ذلك فانتظر : سأنبئك ، قبل مفارقتي لك ( @QUR@01 بتأويل ) أى : ~~بتفسير وبيان ما خفى عليك من الأمور الثلاثة التي لم تستطع عليها صبرا ، ~~لأنك لم يكن عندك ما عندي من العلم بأسرارها الباطنة التي أطلعنى الله ~~تعالى عليها. ms3715 # ثم حكى القرآن الكريم ما قاله الخضر لموسى عليهما السلام في هذا الشأن ~~فقال تعالى PageV08P558 # ( @QUR@017 أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها ~~وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا ) (79) # أى قال الخضر لموسى : ( @QUR@02 أما السفينة ) التي خرقتها ولم ترض عنه ، ~~( @QUR@05 فكانت لمساكين يعملون في البحر ) أى : لضعفاء من الناس لا ~~يستطيعون دفع الظلم عنهم ، ولم يكن لهم مال يتعيشون منه سواها ، فكان الناس ~~يركبون فيها ويدفعون لهؤلاء المساكين الأجر الذين ينتفعون به. # ( @QUR@03 فأردت أن أعيبها ) أى : أن أجعلها ذات عيب بالخرق الذي خرقتها ~~فيه ، ولم أرد أن أغرق أهلها كما ظننت يا موسى ، والسبب في ذلك : أنه ( ~~@QUR@03 كان وراءهم ملك )، ظالم ، من دأبه أن يتعقب السفن الصالحة الصحيحة ~~، ويستولى عليها ، ويأخذها اغتصابا وقسرا من أصحابها. # فهذا العيب الذي أحدثته في السفينة. كان سببا في نجاتها من يد الملك ~~الظالم ، وكان سببا في بقائها في أيدى أصحابها المساكين. # فالضرر الكبير الذي أحدثته بها ، كان دفعا لضرر أكبر كان ينتظر أصحابها ~~المساكين لو بقيت سليمة. # ويرى بعضهم أن المراد بالوراء الأمام. ويرى آخرون أن المراد به الخلف. ~~وقال الزجاج : وراء : يكون للخلف والأمام. ومعناه : ما توارى عنك واستتر. # وظاهر قوله تعالى : ( @QUR@04 يأخذ كل سفينة غصبا )، يفيد أن هذا الملك ~~كان يأخذ كل سفينة سواء أكانت صحيحة أم معيبة ، ولكن هذا الظاهر غير مراد. ~~وإنما المراد : يأخذ كل سفينة سليمة. بدليل : فأردت أن أعيبها ، أى : لكي ~~لا يأخذها ، ومن هنا قالوا : إن لفظ «سفينة» هنا موصوف لصفة محذوفة. أى : ~~يأخذ كل سفينة صحيحة. # و «غصبا» ، منصوب على أنه مصدر مبين لنوع الأخذ. والغصب من باب ضرب : أخذ ~~الشيء ظلما وقهرا. # ثم بين سبحانه ما رد به الخضر على موسى في اعتراضه على الحادثة الثانية ~~فقال تعالى : PageV08P559 # ( @QUR@010 وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا ~~وكفرا (80) @QUR@09 فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما ) (81) # أى : ( @QUR@02 وأما الغلام ) الذي سبق لي أن قتلته ، واعترضت على في ~~قتله يا موسى ( @QUR@03 فكان ms3716 أبواه مؤمنين ) ولم يكن هو كذلك فقد أعلمنى ~~الله تعالى أنه طبع كافرا. # ( @QUR@05 فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا )، والخشية : الخوف الذي ~~يشوبه تعظيم ، وأكثر ما يكون عن علم بما يخشى منه. # و «يرهقهما» من الإرهاق وهو أن يحمل الإنسان ما لا يطيقه. # أى : فخشينا لو بقي حيا هذا الغلام أن يوقع أبويه في الطغيان والكفر ، ~~لشدة محبتهما له ، وحرصهما على إرضائه. # ( @QUR@06 فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه ) والإبدال : رفع شيء. ~~وإحلال آخر محله. # أى : «فأردنا» بقتله «أن يبدلهما ربهما» بدل هذا الغلام الكافر الطاغي ، ~~ولدا آخر «خيرا منه» أى من هذا الغلام ، زكاة «أى» طهارة وصلاحا «وأقرب ~~رحما» أى : وأقرب في الرحمة بهما. والعطف عليهما ، والطاعة لهما. # ثم ختم سبحانه القصة ، ببيان ما قاله الخضر لموسى في تأويل الحادثة ~~الثالثة فقال تعالى : # ( @QUR@035 وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز ~~لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ~~ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا ) (82) PageV08P560 # أى : ( @QUR@02 وأما الجدار ) الذي أتعبت نفسي في إقامته ، ولم يعجبك هذا منى. # ( @QUR@03 فكان لغلامين يتيمين ) مات أبوهما وهما صغيران ، وهذان ~~الغلامان يسكنان في تلك المدينة ، التي عبر عنها القرآن بالقرية سابقا في ~~قوله : ( @QUR@06 فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية ). # قالوا : ولعل التعبير عنها بالمدينة هنا ، لإظهار نوع اعتداد بها ، ~~باعتداد ما فيها من اليتيمين ، وما هو من أهلها وهو أبوهما الصالح ، (1). # وكان تحته أى تحت هذا الجدار ( @QUR@02 كنز لهما ) أى : مال مدفون من ذهب ~~وفضة .. ولعل أباهما هو الذي دفنه لهما. # ( @QUR@03 وكان أبوهما صالحا ) أى : رجلا من أصحاب الصلاح والتقوى ، فكان ~~ذلك منه سببا في رعاية ولديه ، وحفظ مالهما. # ( @QUR@02 فأراد ربك ) ومالك أمرك ؛ ومدير شئونك ، والذي يجب عليك أن ~~تستسلم وتنقاد لإرادته. # ( @QUR@03 أن يبلغا أشدهما ) أى : كمال رشدهما ، وتمام نموهما وقوتهما. # ويستخرجا كنزهما من تحت هذا الجدار وهما قادران على حمايته ، ولو لا أنى ~~أقمته لا نقض وخرج الكنز من تحته قبل اقتدارهما ms3717 على حفظه وعلى حسن التصرف فيه. # ( @QUR@03 رحمة من ربك ) أى : وما أراده ربك يا موسى بهذين الغلامين ، هو ~~الرحمة التي ليس بعدها رحمة ، والحكمة التي ليس بعدها حكمة. # فقوله «رحمة» مفعول لأجله. # ثم ينفض الخضر يده من أن يكون قد تصرف بغير أمر ربه فيقول : ( @QUR@011 ~~وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا ). # أى : وما فعلت ما فعلته عن اجتهاد منى ، أو عن رأيى الشخصي ، وإنما فعلت ~~ما فعلت بأمر ربي ومالك أمرى ، وذلك الذي ذكرته لك من تأويل تلك الأحداث هو ~~الذي لم تستطع عليه صبرا ، ولم تطق السكوت عليه ، لأنك لم يطلعك الله تعالى ~~على خفايا تلك الأمور وبواطنها .. كما أطلعنى. # وحذفت التاء من ( @QUR@01 تسطع ) تخفيفا. يقال : استطاع فلان هذا الشيء ~~واستطاعه بمعنى أطاقه وقدر عليه. PageV08P561 # وبذلك انكشف المستور لموسى عليه السلام وظهر ما كان خافيا عليه. # هذا ، وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لآيات تلك القصة جملة من ~~الأحاديث ، منها ما رواه الشيخان ، ومنها ما رواه غيرهما ، ونكتفي هنا بذكر ~~حديث واحد. # قال رحمه الله قال البخاري : حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا عمرو بن ~~دينار ، أخبرنى سعيد بن جبير قال. قلت لابن عباس : إن نوفا البكالي يزعم أن ~~موسى صاحب الخضر ليس هو موسى نبي بنى إسرائيل. # قال ابن عباس : كذب عدو الله ، حدثنا أبى بن كعب أنه سمع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول : «إن موسى قام خطيبا في بنى إسرائيل ، فسئل أى الناس ~~أعلم؟ فقال : أنا. فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه. فأوحى الله إليه : ~~إن عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك. فقال موسى : يا رب ، وكيف لي به؟ # قال : تأخذ معك حوتا ، تجعله بمكتل ، فحيثما فقدت الحوت فهو ثم». # فأخذ حوتا ، فجعله في مكتل ، ثم انطلق وانطلق معه بفتاه يوشع بن نون. حتى ~~إذا أتيا الصخرة وضعا رءوسهما فناما ، واضطرب الحوت في المكتل ، فخرج منه ~~فسقط في البحر ، واتخذ سبيله في البحر سربا ، وأمسك الله عن الحوت ms3718 جرية ~~الماء ، فصار عليه مثل الطاق. # فلما استيقظ نسى صاحبه أن يخبره بالحوت. # فانطلقا بقية يومهما وليلتهما ، فلما كان الغد قال موسى لفتاه : ( ~~@QUR@08 آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا ) ولم يجد موسى النصب حتى ~~جاوز المكان الذي أمره الله به. # قال له فتاه : ( @QUR@019 أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما ~~أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره ، واتخذ سبيله في البحر عجبا ). قال : فكان ~~للحوت سربا ولموسى وفتاه عجبا. # فقال موسى : ( @QUR@08 ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا ). # قال : فرجعا يقصان أثرهما ، حتى انتهيا إلى الصخرة ، فإذا رجل مسجى أى ~~مغطى بثوب ، فسلم عليه موسى ، فقال الخضر : وأنى بأرضك السلام. # قال : أنا موسى : قال : موسى نبي إسرائيل قال : نعم ، أتيتك لتعلمني مما ~~علمت رشدا. قال : إنك لن تستطيع معى صبرا. # يا موسى : إنى على علم من علم الله علمنيه ، لا تعلمه أنت ، وأنت على علم ~~من علم الله علمكه الله لا أعلمه. PageV08P562 # قال موسى : ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا. قال الخضر فإن ~~اتبعتنى فلا تسألنى عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا. # فانطلقا يمشيان ، فمرت سفينة فكلمهم أن يحملوه ، فعرفوا الخضر فحملوهم ~~بغير نول أى بغير أجر فلما ركبا في السفينة ، لم يفجأ إلا والخضر قد قلع ~~لوحا من ألواح السفينة بالقدوم. # فقال له موسى : قد حملونا بغير نول ، فعمدت إلى سفينتهم فخرقتها ، لتغرق ~~أهلها ، لقد جئت شيئا إمرا. # قال له الخضر : ألم أقل إنك لن تستطيع معى صبرا. قال : لا تؤاخذني بما ~~نسيت ولا ترهقني من أمرى عسرا. # قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كانت الأولى من موسى نسيانا ، ~~قال : وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة. فنقر في البحر نقرة. فقال له الخضر ~~: ما علمي وعلمك في علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من البحر. # ثم خرجا من السفينة ، فبينما هما يمشيان على الساحل ، إذ أبصر الخضر ~~غلاما يلعب مع الغلمان ، فأخذ الخضر رأسه فاقتلعه بيده فقتله فقال ms3719 له موسى ~~: ( @QUR@09 أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا ) قال : ألم أقل ~~لك إنك لن تستطيع معى صبرا. # قال : وهذه أشد من الأولى. قال : ( @QUR@07 إن سألتك عن شيء بعدها فلا ~~تصاحبني ). # ( @QUR@036 فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن ~~يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه. قال : لو شئت لاتخذت عليه ~~أجرا. قال : هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ). # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وددنا أن موسى كان قد صبر حتى يقص الله ~~علينا من خبرهما» (1). # وقد أخذ العلماء من هذه القصة أحكاما وآدابا من أهمها ما يأتى : # 1 أن الإنسان مهما أوتى من العلم ، فعليه أن يطلب المزيد ، وأن لا يعجب ~~بعلمه ، فالله تعالى يقول : ( @QUR@06 وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) ~~وطلب من نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتضرع إليه بطلب الزيادة من العلم فقال : ~~( @QUR@04 وقل رب زدني علما ). PageV08P563 # 2 أن الرحلة في طلب العلم من صفات العقلاء. فموسى عليه السلام وهو من أولى ~~العزم من الرسل ، تجشم المشاق والمتاعب لكي يلتقى بالرجل الصالح ؛ لينتفع ~~بعلمه ، وصمم على ذلك مهما كانت العقبات بدليل قوله تعالى حكاية عنه : ( ~~@QUR@09 لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا ). # قال القرطبي عند تفسيره لهذه الآية : في هذا من الفقه رحلة العالم في طلب ~~الازدياد من العلم ، والاستعانة على ذلك بالخادم والصاحب واغتنام لقاء ~~الفضلاء والعلماء وإن بعدت أقطارهم. وذلك كان دأب السلف الصالح ، وبسبب ذلك ~~وصل المرتحلون لطلب العلم إلى الحظ الراجح : وحصلوا على السعى الناجح ، ~~فرسخت لهم في العلوم أقدام. وصح لهم من الذكر والأجر والفضل أفضل الأقسام. # قال البخاري : ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في ~~طلب حديث (1). # 3 جواز إخبار الإنسان عما هو من مقتضى الطبيعة البشرية ، كالجوع والعطش ~~والتعب والنسيان فقد قال موسى لفتاه : ( @QUR@08 آتنا غداءنا لقد لقينا من ~~سفرنا هذا نصبا ) ورد عليه فتاه بقوله : ( @QUR@014 أرأيت إذ أوينا ms3720 إلى ~~الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره .. ). # وفي هذا الرد أيضا من الأدب ما فيه ، فقد نسب سبب النسيان إلى الشيطان ، ~~وإن كان الكل بقضاء الله تعالى وقدره. # 4 أن العلم على قسمين : علم مكتسب يدركه الإنسان باجتهاده وتحصيله .. بعد ~~عون الله تعالى له. وعلم لدنى يهبه الله سبحانه لمن يشاء من عباده فقد قال ~~تعالى في شأن الخضر ( @QUR@04 وعلمناه من لدنا علما ) أى : علما خاصا أطلعه ~~الله عليه يشمل بعض الأمور الغيبية. # 5 أن على المتعلم أن يخفض جناحه للمعلم ، وأن يخاطبه بأرق العبارات ~~وألطفها ، حتى يحصل على ما عنده من علم بسرور وارتياح. # قال بعض العلماء ما ملخصه : وتأمل ما حكاه الله عن موسى في قوله للخضر : ~~( @QUR@08 هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا ) فقد أخرج الكلام بصورة ~~الملاطفة والمشاورة ، فكأنه يقول له : هل تأذن لي في ذلك أولا ، مع إقراره ~~بأنه يتعلم منه ، بخلاف ما عليه أهل الجفاء أو PageV08P564 # الكبر ، الذي لا يظهر للمعلم افتقاره إلى علمه .. (1). # 6 أنه لا بأس على العالم ، إذا اعتذر للمتعلم عن تعليمه ، لأن المتعلم لا ~~يطيق ذلك ، لجهله بالأسباب التي حملت العالم على فعل تلك الأمور التي ~~ظاهرها يخالف الحق والعدل والمنطق العقلي ، وأن معرفة الأسباب تعين على الصبر. # فقد قال الخضر لموسى : ( @QUR@013 إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ~~ما لم تحط به خبرا ) فقد جعل الموجب لعدم صبره عدم إحاطته خبرا بالأمر. # 7 إن من علامات الإيمان القوى ، أن يقدم الإنسان المشيئة عند الإقدام على ~~الأعمال ، وأن العزم على فعل الشيء ليس بمنزلة فعله ، فقد قال موسى للخضر : ~~( @QUR@09 ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا ) ومع ذلك فعند ما ~~رأى منه أفعالا يخالف ظاهرها الحق والصلاح ، لم يصبر. # وأنه لا بأس على العالم أن يشترط على المتعلم أمورا معينة قبل أن يبدأ في ~~تعليمه. # فقد قال الخضر لموسى : ( @QUR@011 فإن اتبعتني فلا تسئلني عن شيء حتى ~~أحدث لك منه ذكرا ). # 8 أنه ms3721 يجوز دفع الضرر الأكبر بارتكاب الضرر الأصغر ، فإن خرق السفينة فيه ~~ضرر ولكنه أقل من أخذ الملك لها غصبا ، وإن قتل الغلام شر ، ولكنه أقل من ~~الشر الذي سيترتب على بقائه. وهو إرهاقه لأبويه ، وحملهما على الكفر. # كما يجوز للإنسان أن يعمل عملا في ملك غيره بدون إذنه بشرط أن يكون هذا ~~العمل فيه مصلحة لذلك الغير كأن يرى حريقا في دار إنسان فيقدم على إطفائه ~~بدون إذنه. ويدفع ضرر الحريق بضرر أقل منه ، فقد خرق الخضر السفينة ، لكي ~~تبقى لأصحابها المساكين. # 9 أن التأنى في الأحكام. والتثبت من الأمور ، ومحاولة معرفة العلل ~~والأسباب ... كل ذلك يؤدى إلى صحة الحكم ، وإلى سلامة القول والعمل. # وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول : «رحمة الله علينا وعلى موسى ، ~~لو صبر على صاحبه لرأى العجب». # 10 أن من دأب العقلاء الصالحين. استعمال الأدب مع الله تعالى في التعبير ~~، فالخضر قد أضاف خرقه للسفينة إلى نفسه فقال : «فأردت أن أعيبها ..» وأضاف ~~الخير الذي PageV08P565 # فعله من أجل الغلامين اليتيمين إلى الله فقال : ( @QUR@010 فأراد ربك أن ~~يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك ): # وشبيه بهذا ما حكاه الله تعالى عن صالحي الجن في قولهم : ( @QUR@013 وأنا ~~لا ندري أشر أريد بمن في الأرض ، أم أراد بهم ربهم رشدا ). # 11 قال القرطبي : قوله تعالى ( @QUR@03 يريد أن ينقض ) أى : قرب أن يسقط. ~~وهذا مجاز وتوسع. # وقد فسره في الحديث بقوله «مائل» فكان فيه دليل على وجود المجاز في ~~القرآن ، وهو مذهب الجمهور. # وجميع الأفعال التي حقها أن تكون للحي الناطق إذا أسندت إلى جماد أو ~~بهيمة ، فإنما هي استعارة. # أى : لو كان مكانها إنسان لكان ممتثلا لذلك الفعل ، وهذا في كلام العرب ~~وأشعارهم كثير ، كقول الأعشى : # أتنهون ولا ينهى ذوى شطط %~% كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل # والشطط : الجور والظلم ، يقول : لا ينهى الظالم عن ظلمه إلا الطعن العميق ~~الذي يغيب فيه الفتل فأضاف النهى إلى الطعن. # وذهب قوم إلى منع المجاز في القرآن فإن كلام الله عز ms3722 وجل وكلام رسوله ~~صلى الله عليه وسلم حمله على الحقيقة أولى بذي الفضل والدين ، لأنه يقص الحق ~~كما أخبر الله تعالى في كتابه .. (1). # وقد صرح صاحب أضواء البيان أنه لا مجاز في القرآن فقال ما ملخصه : قوله ~~تعالى : ( @QUR@07 فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه ). # هذه الآية من أكبر الأدلة التي يستدل بها القائلون : بأن المجاز في ~~القرآن ، زاعمين أن إرادة الجدار الانقضاض لا يمكن أن تكون حقيقة وإنما هي مجاز. # وقد دلت آيات من كتاب الله على أنه لا مانع من أن تكون إرادة الجدار ~~حقيقة ، لأن الله تعالى يعلم للجمادات إرادات وأفعالا وأقوالا لا يدركها ~~الخلق ، كما صرح تعالى بأنه يعلم من ذلك مالا يعلمه خلقه في قوله سبحانه ( ~~@QUR@010 وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم .. ). PageV08P566 # فصرح بأننا لا نفقه تسبيحهم ، وتسبيحهم واقع عن إرادة لهم يعلمها سبحانه ~~ونحن لا نعلمها. # ومن الأحاديث الدالة على ذلك ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : «إنى لأعرف حجرا كان يسلم على بمكة». وما ثبت في ~~صحيح البخاري من حنين الجذع الذي كان يخطب عليه صلى الله عليه وسلم حزنا ~~لفراقه. # فتسليم ذلك الحجر ، وحنين ذلك الجزع ، كلاهما بإرادة وإدراك يعلمه الله ~~ونحن لا نعلمه .. (1). # 12 أن صلاح الآباء ينفع الأبناء. بدليل قوله تعالى : ( @QUR@03 وكان ~~أبوهما صالحا ). # قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : فيه دليل على أن الرجل ~~الصالح يحفظ في ذريته وتشمل بركة عبادته ما ينفعهم في الدنيا والآخرة ، ~~بشفاعته فيهم ، ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة لتقر عينه بهم ، كما ~~جاء في القرآن ووردت السنة به. # قال سعيد بن جبير عن ابن عباس : حفظا بصلاح أبيهما. # 13 أن على الصاحب أن لا يفارق صاحبه حتى يبين له الأسباب التي حملته على ~~ذلك ، فأنت ترى أن الخضر قد قال لموسى : «هذا فراق بيني وبينك ، سأنبئك ~~بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا» (2) أى : قبل مفارقتي لك سأخبرك عن الأسباب ~~التي ms3723 حملتني على فعل ما فعلت مما لم تستطع معه صبرا. # ويفهم من ذلك أن موافقة الصاحب لصاحبه في غير معصية الله تعالى على رأس ~~الأسباب التي تعين على دوام الصحبة وتقويتها ، كما أن عدم الموافقة ، وكثرة ~~المخالفة ، تؤدى إلى المقاطعة. # كما يفهم من ذلك أيضا أن المناقشة والمحاورة متى كان الغرض منها الوصول ~~إلى الحق ، وإلى المزيد من العلم ، وكانت بأسلوب مهذب ، وبنية طيبة ، لا ~~تؤثر في دوام المحبة والصداقة ، بل تزيدهما قوة وشدة. # نسأل الله تعالى أن يؤدبنا بأدبه ، وأن يجعل القرآن ربيع قلوبنا ، وأنس ~~نفوسنا. # ثم ساق سبحانه قصة ذي القرنين ، وهي القصة الرابعة والأخيرة في السورة ~~فقد سبقتها قصة أصحاب الكهف. وقصة صاحب الجنتين وقصة موسى والخضر. PageV08P567 # استمع إلى القرآن الكريم وهو يقص علينا بأسلوبه البليغ المؤثر خبر ذي ~~القرنين فيقول : # ( @QUR@09 ويسئلونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا (83) ~~@QUR@010 إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا (84) @QUR@02 فأتبع ~~سببا (85) @QUR@025 حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد ~~عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا (86) ~~@QUR@013 قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا (87) ~~@QUR@013 وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا ~~(88) @QUR@03 ثم أتبع سببا (89) @QUR@015 حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها ~~تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا (90) @QUR@06 كذلك وقد أحطنا بما ~~لديه خبرا (91) @QUR@03 ثم أتبع سببا (92) @QUR@013 حتى إذا بلغ بين السدين ~~وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا (93) @QUR@020 قالوا يا ذا ~~القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل ~~بيننا وبينهم سدا (94) @QUR@012 قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة ~~أجعل بينكم وبينهم ردما (95) @QUR@019 آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين ~~الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا (96) PageV08P568 # @QUR@08 فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا (97) @QUR@015 قال ~~هذا رحمة من ربي ms3724 فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا ) (98) # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 ويسئلونك عن ذي القرنين .. ) معطوف على قصة ~~موسى والخضر عليهما السلام عطف القصة على القصة. # قال البقاعي : كانت قصة موسى مع الخضر مشتملة على الرحلات من أجل العلم ، ~~وكانت قصة ذي القرنين مشتملة على الرحلات من أجل الجهاد في سبيل الله ، ~~ولما كان العلم أساس الجهاد تقدمت قصة موسى والخضر على قصة ذي القرنين .. (1). # والسائلون هم كفار قريش بتلقين من اليهود ، فقد سبق أن ذكرنا عند تفسيرنا ~~لقصة أصحاب الكهف. أن اليهود قالوا لوفد قريش : سلوه أى الرسول ~~صلى الله عليه وسلم عن ثلاث نأمركم بهن .. سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ~~ماذا كان من أمرهم .. وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها .. وسلوه ~~عن الروح. # وجاء التعبير بصيغة المضارع مع أن الآيات نزلت بعد سؤالهم لاستحضار ~~الصورة الماضية ، أو للدلالة على أنهم استمروا في لجاجهم إلى أن نزلت ~~الآيات التي ترد عليهم. # أما ذو القرنين ، فقد اختلفت في شأنه أقوال المفسرين اختلافا كبيرا ، لعل ~~أقربها إلى الصواب ما أشار إليه الآلوسى بقوله : وذكر أبو الريحان البيروني ~~في كتابه المسمى «بالآثار الباقية عن القرون الخالية» ، أن ذا القرنين هو ~~أبو كريب الحميرى ، وهو الذي : افتخر به تبع اليمنى حيث قال : # قد كان ذو القرنين جدي مسلما %~% ملكا علا في الأرض غير مفند بلغ المغارب والمشارق يبتغى %~% أسباب ملك من حكيم مرشد # ثم قال أبو الريحان : ويشبه أن يكون هذا القول أقرب ، لأن ملوك اليمن ~~كانوا يلقبون بكلمة ذي. كذي نواس ، وذي يزن. إلخ. (2). PageV08P569 # ومن المقطوع به أن ذا القرنين هذا : ليس هو الإسكندر المقدونى الملقب بذي ~~القرنين. تلميذ أرسطو ، فإن الإسكندر هذا كان وثنيا .. بخلاف ذي القرنين ~~الذي تحدث عنه القرآن ، فإنه كان مؤمنا بالله تعالى ومعتقدا بصحة البعث ~~والحساب. # والرأى الراجح أنه كان عبدا صالحا ، ولم يكن نبيا. # ويرى بعضهم أنه كان بعد موسى عليه السلام ، ويرى آخرون غير ذلك ومن ~~المعروف أن القرآن الكريم ms3725 يهتم في قصصه ببيان العبر والعظات المستفادة من ~~القصة ، لا ببيان الزمان أو المكان للأشخاص. # وسمى بذي القرنين على الراجح لبلوغه في فتوحاته قرني الشمس من أقصى ~~المشرق والمغرب. # والمعنى : ويسألك قومك يا محمد عن خبر ذي القرنين وشأنه. # «قل» لهم على سبيل التعليم والرد على تحديهم لك. «سأتلو عليكم منه ذكرا». # والضمير في «منه» يعود على ذي القرنين و «من» للتبعيض. # أى : قل لهم : سأتلو عليكم من خبره وسأقص عليكم من أنبائه عن طريق هذا ~~القرآن الذي أوحاه الله إلى ما يفيدكم ويكون فيه ذكرى وعبرة لكم إن كنتم ~~تعقلون. # ثم بين سبحانه ما أعطاه الله لذي القرنين من نعم فقال : ( @QUR@012 إنا ~~مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا. فأتبع سببا ). # وقوله : «مكنا» من التمكين بمعنى إعطائه الوسائل التي جعلته صاحب نفوذ ~~وسلطان في أقطار الأرض المختلفة. والمفعول محذوف ، أى : إنا مكنا له أمره ~~من التصرف فيها كيف يشاء. بأن أعطيناه سلطانا وطيد الدعائم ، وآتيناه من كل ~~شيء أراده في دنياه لتقوية ملكه «سببا» أى سبيلا وطريقا يوصله إلى مقصوده ، ~~كآلات السير ، وكثرة الجند ، ووسائل البناء والعمران. # وهذه الأسباب التي أعطاها الله إياه ، لم يرد حديث صحيح بتفصيلها ، ~~فعلينا أن نؤمن بأن الله تعالى قد أعطاه وسائل عظيمة لتدعيم ، ملكه ، دون ~~أن نلتفت إلى ما ذكره هنا بعض المفسرين من إسرائيليات لا قيمة لها. # والفاء في قوله ( @QUR@02 فأتبع سببا ) فصيحة. أى : فأراد أن يزيد في ~~تدعيم ملكه ، فسلك طريقا لكي يوصله إلى المكان الذي تغرب فيه الشمس. PageV08P570 # ( @QUR@05 حتى إذا بلغ مغرب الشمس ) أى حتى إذا وصل إلى منتهى الأرض ~~المعمورة في زمنه من جهة المغرب. # ( @QUR@05 وجدها تغرب في عين حمئة ) أى : رآها في نظره عند غروبها ، ~~كأنها تغرب في عين مظلمة ، وإن لم تكن هي في الحقيقة كذلك. # وهذا هو المعتاد لمن كان بينه وبين أفق الشمس ماء فإنه يراها كأنها تشرق ~~منه وتغرب فيه ، كما أن الذي يكون في أرض ملساء واسعة ، يراها كأنها تطلع ~~من ms3726 الأرض وتغيب فيها. # وحمئة : أى : ذات حمأة وهي الطين الأسود. يقال : حمأت البئر تحمأ حمأ ، ~~إذا صارت فيها الحمأة وهي الطينة السوداء. # وقرأ ابن عامر ، وحمزة ، والكسائي : «وجدها نغرب في عين حامية» أى : ~~حارة. اسم فاعل من حمى يحمى حميا. # ( @QUR@03 ووجد عندها قوما ) أى : ووجد عند تلك العين على ساحل البحر قوما. # الظاهر أن هؤلاء القوم كانوا من أهل الفترة ، فدعاهم ذو القرنين إلى ~~عبادة الله تعالى وحده ، فيهم من آمن وفيهم من كفر ، فخيره الله تعالى فيهم ~~فقال : ( @QUR@012 قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا ). # أى : قال الله تعالى له عن طريق الإلهام ، أو على لسان ملك أخبره بذلك : ~~يا ذا القرنين إما أن تعذب هؤلاء القوم الكافرين أو الفاسقين بالقتل أو ~~غيره ، وإما أن تتخذ فيهم أمرا ذا حسن ، أو أمرا حسنا ، تقتضيه المصلحة ~~والسياسة الشرعية. # ثم حكى الله تعالى عنه في الجواب ما يدل على سلامة تفكيره ، فقال : ( ~~@QUR@04 قال أما من ظلم .. ) أى : قال ذو القرنين في الرد على تخيير ربه له ~~في شأن هؤلاء القوم ، يا رب : أما من ظلم نفسه بالإصرار على الكفر والفسوق ~~والعصيان «فسوف نعذبه» في هذه الدنيا بالقتل وما يشبهه. ثم يرد هذا الظالم ~~نفسه إلى ربه سبحانه فيعذبه في الآخرة عذابا «نكرا» أى : عذابا فظيعا عظيما ~~منكرا وهو عذاب جهنم. # «وأما من آمن وعمل عملا صالحا» يقتضيه إيمانه «فله» في الدارين «جزاء ~~الحسنى» أى : فله المثوبة الحسنى ، أو الفعلة الحسنى وهي الجنة. # «وسنقول له» أى لمن آمن وعمل صالحا «من أمرنا» أى مما نأمره به قولا ~~«يسرا» لا صعوبة فيه ولا مشقة ولا عسر. PageV08P571 # فأنت ترى أن ذا القرنين قد رد بما يدل على أنه قد اتبع في حكمه الطريق ~~القويم ، والأسلوب الحكيم ، الذي يدل على قوة الإيمان ، وصدق اليقين ، ~~وطهارة النفس. # إنه بالنسبة للظالمين ، يعذب ، ويقتص ، ويرهب النفوس المنحرفة ، حتى تعود ~~إلى رشدها ، وتقف عند حدودها. # وبالنسبة للمؤمنين الصالحين ، يقابل إحسانهم بإحسان وصلاحهم بصلاح ~~واستقامتهم ms3727 بالتكريم والقول الطيب ، والجزاء الحسن. # وهكذا الحاكم الصالح في كل زمان ومكان : الظالمون والمعتدون .. يجدون منه ~~كل شدة تردعهم وتزجرهم وتوقفهم عند حدودهم. # والمؤمنون والمصلحون يجدون منه كل تكريم وإحسان واحترام وقول طيب. # وقوله : ( @QUR@03 ثم أتبع سببا ) بيان لما فعله بعد أن بلغ مغرب الشمس. # أى : وبعد أن بلغ مغرب الشمس ، ونال مقصده ، كر راجعا من جهة غروب الشمس ~~إلى جهة شروقها. # ( @QUR@05 حتى إذا بلغ مطلع الشمس ) أى : حتى إذا كر راجعا وبلغ منتهى ~~الأرض المعمورة في زمنه من جهة المشرق. # ( @QUR@01 وجدها ) أى الشمس ( @QUR@09 تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ~~سترا ) أى : لم نجعل لهم من دون الشمس ما يستترون به من البناء أو اللباس ، ~~فهم قوم عراة يسكنون الأسراب والكهوف في نهاية المعمورة من جهة المشرق. # وقوله : ( @QUR@01 كذلك ) خبر لمبتدأ محذوف ، أى : أمر ذي القرنين كذلك ~~من حيث إنه آتاه الله من كل شيء سببا ، فبلغ ملك مشارق الأرض ومغاربها. # وقوله ( @QUR@05 وقد أحطنا بما لديه خبرا ) بيان لشمول علم الله تعالى ~~بأحوال ذي القرنين الظاهرة والباطنة ولأحوال غيره. # أى : كذلك كان شأن ذي القرنين. وقد أحطنا إحاطة تامة وعلمنا علما لا يعزب ~~عنه شيء ، بما كان لدى ذي القرنين من جنود وقوة وآلات ... وغير ذلك من ~~أسباب الملك والسلطان. # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 ثم أتبع سببا ) بيان لما فعله بعد أن بلغ مغرب ~~الشمس ومشرقها. # أى : ثم بعد أن بلغ مغرب الشمس ومشرقها ... سار في طريق ثالث معترض بين ~~المشرق والمغرب ، آخذا فيه ( @QUR@03 حتى إذا بلغ ) في مسيره ذلك ( @QUR@02 ~~بين السدين ) أى : الجبلين ، وسمى الجبل سدا ، لأنه سد فجا من الأرض. PageV08P572 # قالوا : والسدان هما جبلان من جهة أرمينية وأذربيجان ، وقيل هما في نهاية ~~أرض الترك مما يلي المشرق : # ( @QUR@03 وجد من دونهما ) أى : من دون السدين ومن ورائهما ( @QUR@01 ~~قوما ) أى : أمة من الناس لغتهم لا تكاد تعرف لبعدهم عن بقية الناس ، ولذا ~~قال سبحانه . # ( @QUR@04 لا يكادون يفقهون قولا ) أى : لا يكاد هؤلاء القوم يفهمون أو ~~يقرءون ما يقوله الناس لهم ms3728 ، لغرابة لغتهم وقلة فطنتهم ، ولا يعرف الناس ~~أيضا ما يقوله هؤلاء القوم لهم ، لشدة عجمتهم. # ( @QUR@01 قالوا ) أى : هؤلاء القوم لذي القرنين : ( @QUR@09 يا ذا ~~القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض ). # ويأجوج ومأجوج اسمان أعجميان ، قيل : مأخوذان من الأوجة وهي الاختلاط أو ~~شدة الحر : وقيل : من الأوج وهو سرعة الجري. # واختلف في نسبهم ، فقيل : هم من ولد يافث بن نوح والترك منهم. وقيل : ~~يأجوج من الترك ، ومأجوج من الديلم. # أى : قال هؤلاء القوم الذين لا يكادون يفقهون قولا لذي القرنين ، بعد أن ~~توسموا فيه القوة والصلاح .. يا ذا القرنين إن قبيلة يأجوج ومأجوج مفسدون ~~في الأرض بشتى أنواع الفساد والنهب والسلب. # وفي الصحيحين من حديث زينب بنت جحش رضى الله عنها قالت : استيقظ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من نومه وهو محمر وجهه وهو يقول : «لا إله إلا الله ، ~~ويل للعرب من شر قد اقترب ، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه ، وحلق ~~بين أصابعه قلت : يا رسول الله ، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال : نعم إذا كثر ~~الخبث». # وقوله تعالى ( @QUR@010 فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا ) ~~حكاية لما عرضه هؤلاء القوم على ذي القرنين من عروض تدل على ثقتهم فيه وحسن ~~أدبهم معه ، حيث خاطبوه بصيغة الاستفهام الدالة على أنهم يفوضون الأمر إليه. # والخرج : اسم لما يخرجه الإنسان من ماله لغيره. وقرأ حمزة والكسائي خراجا ~~: وهما بمعنى واحد ، وقيل الخرجة : الجزية. والخراج : اسم لما يخرجه عن الأرض. # أى : فهل نجعل لك مقدارا كبيرا من أموالنا على سبيل الأجر ، لكي تقيم ~~بيننا وبين قبيلة يأجوج ومأجوج سدا يمنعهم من الوصول إلينا. ويحول بيننا ~~وبينهم؟ PageV08P573 # وهنا يرد عليهم ذو القرنين كما حكى القرآن عنه بما يدل على قوة إيمانه ~~وحرصه على إحقاق الحق وإبطال الباطل. فيقول ( @QUR@06 قال ما مكني فيه ربي ~~خير ... ). # أى : قال ذو القرنين لهؤلاء القوم الذين لا يكادون يفقهون قولا : إن ما ~~بسطه الله تعالى لي من الرزق والمال والقوة .. خير من خرجكم ومالكم الذي ms3729 ~~تريدون أن تجعلوه لي في إقامة السد بينكم وبين يأجوج ومأجوج ، فوفروا عليكم ~~أموالكم ، وقفو إلى جانبي ( @QUR@01 فأعينوني ) بسواعدكم وبآلات البناء ( ~~@QUR@01 بقوة ) أى : بكل ما أتقوى به على المقصود وهو بناء السد ، لكي ( ~~@QUR@02 أجعل بينكم ) وبين يأجوج ومأجوج «ردما». # أى : حاجزا حصينا. وجدارا متينا ، يحول بينكم وبينهم. # والردم : الشيء الذي يوضع بعضه فوق بعض حتى يتصل ويتلاصق. يقال : ثوب ~~مردم ، أى : فيه رقاع فوق رقاع. وسحاب مردم ، أى : متكاتف بعضه فوق بعض. ~~ويقال : ردمت الحفرة ، إذا وضعت فيها من الحجارة والتراب وغيرهما ما يسويها ~~بالأرض. # قال ابن عباس : الردم أشد الحجاب. # وجملة ( @QUR@04 أجعل بينكم وبينهم ردما ) جواب الأمر في قوله : ( ~~@QUR@02 فأعينوني بقوة ). # ثم شرع في تنفيذ ما راموه منه من عون فقال لهم : ( @QUR@03 آتوني زبر ~~الحديد .. ). # والزبر كالغرف جمع زبره كغرفة وهي القطعة الكبيرة من الحديد وأصل الزبر. ~~الاجتماع ومنه زبرة الأسد لما اجتمع من الشعر على كاهله. ويقال : زبرت ~~الكتاب أى كتبته وجمعت حروفه. # أى : أحضروا لي الكثير من قطع الحديد الكبيرة ، فأحضروا له ما أراد ( ~~@QUR@05 حتى إذا ساوى بين الصدفين ) أى بين جانبي الجبلين. وسمى كل واحد من ~~الجانبين صدفا. لكونه مصادفا ومقابلا ومحاذيا للآخر ، مأخوذ من قولهم صادفت ~~الرجل : أى : قابلته ولاقيته ، ولذا لا يقال للمفرد صدف حتى يصادفه الآخر ، ~~فهو من الأسماء المتضايفة كالشفع والزوج. # وقوله : ( @QUR@02 قال انفخوا ) أى النار على هذه القطع الكبيرة من ~~الحديد الموضوع بين الصدفين. # وقوله : ( @QUR@04 حتى إذا جعله نارا ) أى : حتى إذا صارت قطع الحديد ~~الكبيرة كالنار في احمرارها وشدة توهجها ( @QUR@05 قال آتوني أفرغ عليه ~~قطرا ) أى : نحاسا أو رصاصا مذابا ، وسمى بذلك لأنه إذا أذيب صار يقطر كما ~~يقطر الماء. # أى : قال لهم أحضروا لي قطع الحديد الكبيرة ، فلما أحضروها له ، أخذ يبنى ~~شيئا فشيئا PageV08P574 # حتى إذا ساوى بين جانبي الجبلين بقطع الحديد ، قال لهم : أوقدوا النار ~~وانفخوا فيها بالكيران وما يشبهها لتسخين هذه القطع من الحديد وتليينها ، ~~ففعلوا ما أمرهم به ، حتى صارت تلك القطع تشبه النار في حرارتها ms3730 وهيئتها ، ~~قال أحضروا لي نحاسا مذابا ، لكي أفرغه على تلك القطع من الحديد لتزداد ~~صلابة ومتانة وقوة. # وبذلك يكون ذو القرنين قد لبى دعوة أولئك القوم في بناء السد. وبناه لهم ~~بطريقة محكمة سليمة ، اهتدى بها العقلاء في تقوية الحديد والمبانى في العصر ~~الحديث. # وكان الداعي له لهذا العمل الضخم ، الحيلولة بين هؤلاء القوم ، وبين ~~يأجوج ومأجوج الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون. # ولقد أخبر القرآن الكريم بأن ذا القرنين بهذا العمل جعل يأجوج ومأجوج ~~يقفون عاجزين أمام هذا السد الضخم المحكم فقال : ( @QUR@08 فما اسطاعوا أن ~~يظهروه ، وما استطاعوا له نقبا ). # أى : فما استطاع قوم يأجوج ومأجوج أن يرتفعوا على ظهر السد ، أو يرقوا ~~فوقه لملاسته وارتفاعه ، وما استطاعوا أيضا أن يحدثوا فيه نقبا أو خرقا ~~لصلابته ومتانته وثخانته. # ووقف ذو القرنين أمام هذا العمل العظيم ، مظهرا الشكر لله تعالى ، والعجز ~~أمام قدرته عز وجل شأن الحكام الصادقين في إيمانهم ، الشاكرين لخالقهم ~~توفيقه إياهم لكل خير. # وقف ليقول بكل تواضع وخضوع لخالقه .. : ( @QUR@04 هذا رحمة من ربي ). # أى : هذا الذي فعلته من بناء السد وغيره ، أثر من آثار رحمة ربي التي ~~وسعت كل شيء. # ( @QUR@04 فإذا جاء وعد ربي ) الذي حدده لفناء هذه الدنيا ونهايتها ، أو ~~الذي حدده لخروجهم منه ( @QUR@02 جعله دكاء ) أى : جعل هذا السد أرضا ~~مستوية ، وصيره مدكوكا أى : بمساواة الأرض. ومنه قولهم : ناقة دكاء أى : لا ~~سنام لها. # ( @QUR@04 وكان وعد ربي حقا ) أى : وكان كل ما وعد الله تعالى به عباده ~~من ثواب وعقاب وغيرهما ، وعدا حقا لا يتخلف ولا يتبدل ، كما قال سبحانه : ( ~~@QUR@011 وعد الله لا يخلف الله وعده. ولكن أكثر الناس لا يعلمون ). # وبذلك نرى في قصة ذي القرنين ما نرى من الدروس والعبر والعظات ، التي من ~~أبرزها. أن التمكين في الأرض نعمة يهبها الله لمن يشاء من عباده. وأن السير ~~في الأرض لإحقاق الحق وإبطال الباطل من صفات المؤمنين الصادقين ، وأن ~~الحاكم العادل من صفاته : ردع الظالمين عن ظلمهم ، والإحسان إلى المستقيمين ~~المقسطين ، والعمل على ما ms3731 يجعلهم يزدادون استقامة PageV08P575 # وفضلا ، وأن من معالم الخلق الكريم ، أن يعين الإنسان المحتاج إلى عونه ، ~~وأن يقدم له ما يصونه عن الوقوع تحت وطأة الظالمين المفسدين ، وأن من ~~الأفضل أن يحتسب ذلك عند الله تعالى . وألا يطلب من المحتاج إلى عونه أكثر ~~من طاقته. # كما أن من أبرز صفات المؤمنين الصادقين : أنهم ينسبون كل فضل إلى الله ~~تعالى وإلى قدرته النافذة ، وأنهم يزدادون شكرا وحمدا له تعالى كلما زادهم ~~من فضله ، وما أجمل وأحكم أن تختتم قصة ذي القرنين بقوله تعالى : ( ~~@QUR@015 قال هذا رحمة من ربي ، فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي ~~حقا ). # * * * # ثم تسوق السورة الكريمة بعد قصة ذي القرنين آيات تذكر الناس بأهوال يوم ~~القيامة ، لعلهم يتوبون ويتذكرون. # استمع إلى السورة الكريمة وهي تصور ذلك فتقول : # ( @QUR@011 وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا ~~(99) @QUR@05 وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا (100) @QUR@011 الذين كانت ~~أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا (101) @QUR@014 أفحسب ~~الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا ~~) (102) # وقوله : ( @QUR@01 وتركنا ) بمعنى جعلنا وصيرنا ، والضمير المضاف في قوله ~~«بعضهم» يعود إلى يأجوج ومأجوج ، والمراد «بيومئذ» : يوم تمام بناء السد ~~الذي بناه ذو القرنين. # وقوله سبحانه ( @QUR@01 يموج ) من الموج بمعنى الاضطراب والاختلاط يقال : ~~ماج البحر إذا اضطرب موجه وهاج واختلط. ويقال : ماج القوم إذا اختلط بعضهم ~~ببعض وتزاحموا حائرين فزعين. # والمعنى وجعلنا وصيرنا بمقتضى حكمتنا وإرادتنا وقدرتنا ، قبائل يأجوج ~~ومأجوج يموج PageV08P576 # بعضهم في بعض. أى : يتزاحمون ويضطربون من شدة الحيرة لأنهم بعد بناء السد ~~، صاروا لا يجدون مكانا ينفذون منه إلى ما يريدون النفاذ إليه ، فهم خلفه ~~في اضطراب وهرج. # ويجوز أن يكون المراد بيومئذ : يوم مجيء الوعد بخروجهم وانتشارهم في ~~الأرض ، وهذا الوعد قد صرحت به الآية السابقة في قوله تعالى ( @QUR@010 ~~فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا ). # فيكون المعنى : وتركنا قبائل يأجوج ومأجوج ، يوم جاء وعد الله بجعل السد ~~مدكوكا ومتساويا مع الأرض ms3732 ، يموج بعضهم في بعض ، بعد أن خرجوا منتشرين في ~~الأرض ، وقد تزاحموا وتكاثروا واختلط بعضهم ببعض. # قال الفخر الرازي : اعلم أن الضمير في قوله «بعضهم» يعود إلى يأجوج ~~ومأجوج. وقوله : (يومئذ) فيه وجوه : # الأول : أن يوم السد ماج بعضهم في بعض خلفه لما منعوا من الخروج. # الثاني : أنه عند الخروج يموج بعضهم في بعض. قيل : إنهم حين يخرجون من ~~وراء السد يموجون مزدحمين في البلاد. # الثالث : أن المراد من قوله (يومئذ) يوم القيامة. # وكل ذلك محتمل ، إلا أن الأقرب أن المراد به : الوقت الذي جعل الله فيه ~~السد دكا فعنده ماج بعضهم ونفخ في الصور ، وصار ذلك من آيات القيامة» (1). # وقال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@06 وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ) ~~الضمير في ( @QUR@01 تركنا ) لله تعالى أى : تركنا الجن والإنس يوم القيامة ~~يموج بعضهم في بعض. # وقيل : تركنا يأجوج ومأجوج «يومئذ» أى : يوم كمال السد يموج بعضهم في بعض ~~، واستعارة الموج لهم عبارة عن الحيرة وتردد بعضهم في بعض. # وقيل : تركنا يأجوج ومأجوج يوم انفتاح السد يموجون في الدنيا مختلطين ~~لكثرتهم. فهذه أقوال ثلاثة : أظهرها أوسطها وأبعدها آخرها. وحسن الأول ، ~~لأنه تقدم ذكر القيامة في تأويل قوله تعالى ( @QUR@04 فإذا جاء وعد ربي ) (2). # وقوله سبحانه ( @QUR@05 ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا ) بيان لعلامة من ~~علامات قيام الساعة. PageV08P577 # والنفخ لغة : إخراج النفس من الفم لإحداث صوت معين. والصور : القرن الذي ~~ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام نفخة الصعق والموت ، ونفخة البعث والنشور ، ~~كما قال تعالى : ( @QUR@022 ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في ~~الأرض إلا من شاء الله ، ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ) (1). # والمعنى : وتركنا يأجوج ومأجوج يموج بعضهم في بعض. وأمرنا إسرافيل بالنفخ ~~في الصور ، فجمعناهم وجميع الخلائق جمعا تاما ، دون أن نترك أحدا من ~~الخلائق بدون إعادة إلى الحياة ، بل الكل مجموعون ليوم عظيم هو يوم البعث ~~والحساب. # والمراد بالنفخ هنا : النفخة الثانية التي يقوم الناس بعدها من قبورهم ~~للحساب ، كما أشارت إلى ذلك آية سورة الزمر السابقة. # وفي ms3733 التعبير بقوله : ( @QUR@02 فجمعناهم جمعا ). أى : جمعناهم جمعا تاما ~~كاملا لا يشذ عنه أحد ، ولا يفلت منه مخلوق ، كما قال سبحانه : ( @QUR@09 ~~قل إن الأولين والآخرين لمجموعون. إلى ميقات يوم معلوم ). # هذا ، وهنا مسألة تكلم عنها العلماء ، وهي وقت خروج يأجوج ومأجوج. # فمنهم من يرى أنه لا مانع من أن يكونوا قد خرجوا ، بدليل ما جاء في ~~الحديث الصحيح من أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ويل للعرب من شر قد ~~اقترب. فتح اليوم من سد يأجوج ومأجوج مثل هذا ، وحلق أى بين أصابعه. # ولأن الآيات الكريمة تقول : ( @QUR@06 فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء .. ) ~~ووعد الله لا مانع من أن يكون قد أتى. # قال الشيخ القاسمى : والغالب أن المراد بخروجهم هذا خروج المغول التتار. ~~وهم من نسل يأجوج ومأجوج وهو الغزو الذي حصل منهم للأمم في القرن السابع ~~الهجري. وناهيك بما فعلوه إذ ذاك في الأرض من فساد ..» (2). # وقال الشيخ المراغي عند تفسير قوله تعالى : ( @QUR@04 وكان وعد ربي حقا ) ~~وقد جاء وعده تعالى بخروج جنكيزخان وسلائله فعاثوا في الأرض فسادا .. ~~وأزالوا معالم الخلافة من بغداد .. (3). PageV08P578 # وقال صاحب الظلال : «وبعد ، فمن يأجوج ومأجوج؟ وأين هم الآن؟ وماذا كان ~~من أمرهم وماذا سيكون؟ # كل هذه أسئلة تصعب الإجابة عليها على وجه التحقيق ، فنحن لا نعرف عنهم ~~إلا ما ورد في القرآن ، وفي بعض الأثر الصحيح. # والقرآن يذكر في هذا الموضع ما حكاه من قول ذي القرنين : ( @QUR@010 فإذا ~~جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا ). # وهذا النص لا يحدد زمانا ووعد الله بمعنى وعده بدك السد ، ربما يكون قد ~~جاء منذ أن هجم التتار وانساحوا في الأرض. ودمروا الممالك تدميرا. # وفي موضع آخر من سورة الأنبياء : ( @QUR@013 حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج ~~وهم من كل حدب ينسلون. واقترب الوعد الحق ). # وهذا النص أيضا لا يحدد زمانا معينا لخروجهم ، فاقتراب الوعد الحق ، ~~بمعنى اقتراب الساعة قد وقع منذ زمن الرسول صلى الله عليه وسلم فقد جاء في ~~القرآن : ( @QUR@04 اقتربت الساعة وانشق القمر ) والزمان في ms3734 الحساب الإلهى ~~غيره في حساب البشر ، فقد تمر بين اقتراب الساعة ووقوعها ملايين السنين أو ~~القرون. # وإذا فمن الجائز أن يكون السد قد فتح ما بين : «اقتربت الساعة» ، ويومنا ~~هذا. وتكون غارات المغول والتتار التي اجتاحت الشرق ، هي انسياح يأجوج ~~ومأجوج .. وكل ما نقوله ترجيح لا يقين (1). # هذه بعض حجج القائلين بأنه لا مانع من أن يكون يأجوج ومأجوج قد خرجوا. # وهناك فريق آخر من العلماء ، يرون أن يأجوج ومأجوج لم يخرجوا بعد ، وأن ~~خروجهم إنما يكون قرب قيام الساعة. # ومن العلماء الذين أيدوا ذلك صاحب أضواء البيان ، فقد قال رحمه الله ما ~~ملخصه : # اعلم أن هذه الآية : ( @QUR@06 فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء ) وآية ~~الأنبياء : ( @QUR@05 حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج ) قد دلتا في الجملة على ~~أن السد الذي بناه ذو القرنين ، دون يأجوج ومأجوج ، إنما يجعله الله دكا ~~عند مجيء الوقت الموعود بذلك فيه. وقد دلتا على أنه بقرب يوم PageV08P579 # القيامة .. لأن المراد بيومئذ في قوله ( @QUR@06 وتركنا بعضهم يومئذ يموج ~~في بعض ) أنه يوم مجيء وعد ربي بخروجهم وانتشارهم في الأرض. # وآية الأنبياء تدل في الجملة على ما ذكرنا هنا. وذلك يدل على بطلان قول ~~من قال : إنهم «روسيا» وأن السد فتح منذ زمن طويل. # والاقتراب الذي جاء في قوله تعالى ( @QUR@02 اقتربت الساعة ) وفي الحديث ~~: «ويل للعرب من شر قد اقترب» لا يستلزم اقترانه من دك السد ، بل يصح ~~اقترابه مع مهلة. # وهذه الآيات لا يتم الاستدلال بها على أن يأجوج ومأجوج لم يخرجوا بعد إلا ~~بضميمة الأحاديث النبوية لها. # ومن ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه في ذلك ، وفيه : خروج الدجال وبعث ~~عيسى ، وقتله للدجال .. ثم يبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون. # فينحاز عيسى ومن معه من المؤمنين إلى الطور .. ثم يرسل الله على يأجوج ~~ومأجوج النغف في رقابهم فيموتون. # وهذا الحديث الصحيح قد رأيت فيه تصريح النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله ~~يوحى إلى عيسى ابن مريم بخروج يأجوج ومأجوج بعد قتله ms3735 الدجال فمن يدعى أنهم ~~«روسيا» وأن السد قد اندك منذ زمان ، فهو مخالف لما أخبر به النبي ~~صلى الله عليه وسلم مخالفة صريحة لا وجه لها ، ولا شك أن كل خبر يخالف الصادق ~~المصدوق صلى الله عليه وسلم فهو باطل ، لأن نقيض الخبر الصادق. كاذب ضرورة كما ~~هو معلوم. # ولم يثبت في كتاب الله ولا في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم شيء يعارض هذا ~~الحديث الذي رأيت صحة سنده ، ووضوح دلالته على المقصود ..» (1). # والذي يبدو لنا أن ما ذهب إليه صاحب أضواء البيان ، أقرب إلى الحق ~~والصواب للأسباب التي ذكرها ، ولقرينة تذييل الآيات التي تحدثت عن يأجوج ~~ومأجوج عن أهوال يوم القيامة. # ففي سورة الكهف يقول الله تعالى في أعقاب الحديث عنهم ( @QUR@011 وتركنا ~~بعضهم يومئذ يموج في بعض ، ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا ). # وفي سورة الأنبياء يقول الله تعالى : ( @QUR@013 حتى إذا فتحت يأجوج ~~ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون. واقترب الوعد الحق .. ). PageV08P580 # وفضلا عن كل ذلك فإن الحديث الذي رواه الإمام مسلم عنهم ، صريح في أن ~~خروجهم سيكون من علامات الساعة ، والله تعالى أعلم. # ثم بين سبحانه ما أعده للكافرين من عذاب يوم القيامة فقال : ( @QUR@016 ~~وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا ، الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري ~~وكانوا لا يستطيعون سمعا ). # وقوله : ( @QUR@01 وعرضنا ).. أى : أظهرنا وأبرزنا يقال : عرض القائد ~~جنده إذا أظهرهم ليشاهدهم الناس. # أى : جمعنا الخلائق يوم البعث والنشور جمعا تاما كاملا. وأبرزنا وأظهرنا ~~جهنم في هذا اليوم للكافرين إبرازا هائلا فظيعا ، حيث يرونها ويشاهدونها ~~بدون لبس أو خفاء ، فيصيبهم ما يصيبهم من رعب وفزع عند مشاهدتها. # وتخصيص العرض بهم ، مع أن غيرهم أيضا يراها ، لأنها ما عرضت إلا من أجلهم ~~، ومن أجل أمثالهم ممن فسقوا عن أمر ربهم. # ويرى بعضهم أن اللام في «للكافرين» بمعنى على ، لأن العرض يتعدى بها ، ~~قال تعالى : ( @QUR@06 ويوم يعرض الذين كفروا على النار .. ) وقال سبحانه : ~~( @QUR@05 النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ... ). # ثم وصفهم سبحانه بما يدل على استحقاقهم دخول النار فقال : ( @QUR@07 ~~الذين كانت ms3736 أعينهم في غطاء عن ذكري ). # أى : أبرز جهنم في هذا اليوم العصيب للكافرين الذين كانت أعينهم في ~~الدنيا في «غطاء» كثيف وغشاوة غليظة ، «عن ذكرى» أى : عن الانتفاع بالآيات ~~التي تذكرهم بالحق ، وتهديهم إلى الرشاد ، بسبب استحواذ الشيطان عليهم. # وفي التعبير بقوله : ( @QUR@01 غطاء ) إشعار بأن الحائل والساتر الذي حجب ~~أعينهم عن الإبصار ، كان حائلا شديدا ، إذ الغطاء هو ما يغطى الشيء ويستره ~~من جميع جوانبه. # والمراد بالذكر : القرآن الكريم ، أو ما يشمله ويشمل كل ما في الكون من ~~آيات يؤدى التفكر فيها إلى الإيمان بالله تعالى . # وقوله : ( @QUR@04 وكانوا لا يستطيعون سمعا ) صفة أخرى من صفاتهم الذميمة ~~، أى : وكانوا في الدنيا أيضا لا يستطيعون سمعا للحق أو الهدى ، بسبب ~~إصرارهم على الباطل ، وإيغالهم في الضلال والعناد ، بخلاف الأصم فإنه قد ~~يستطيع السماع إذا صيح به. PageV08P581 # قال الآلوسى : فالجملة الكريمة نفى لسماعهم على أتم وجه ، ولذا عدل عن : ~~وكانوا صما مع أنه أخصر ، لأن المراد أنهم مع ذلك كفاقدى السمع بالكلية وهو ~~مبالغة في تصوير إعراضهم عن سماع ما يرشدهم إلى ما ينفعهم بعد تصوير ~~تعاميهم عن الآيات المشاهدة بالأبصار .. (1). # ثم يعقب سبحانه على هذا الوعيد الشديد للكافرين ، بالتهكم اللاذع لهم ~~فيقول : ( @QUR@09 أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء ). # فالاستفهام : للإنكار والتوبيخ. والحسبان : بمعنى الظن. # والمراد بعبادي هنا : الملائكة وعيسى وعزير ومن يشبههم من عباد الله ~~الصالحين ، إذ مثل هذه الاضافة تكون غالبا للتشريف والتكريم. # وفي الآية الكريمة حذف دل عليه المقام. # والتقدير : أفحسب الذين كفروا بي أن يتخذوا عبادي الصالحين آلهة يستنصرون ~~بهم من دوني ، أو يعبدونهم من دوني ، ثم لا أعذبهم أى هؤلاء الكافرين بي ~~على هذا الاتخاذ الشديد الشناعة. # إن كان هؤلاء الكافرون بي يحسبون ذلك ، فقد ضلوا ضلالا بعيدا ، فإنى لا ~~بد أن أعذبهم على كفرهم وشركهم. # أو التقدير : أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء ، لكي ~~يشفعوا لهم يوم القيامة؟ كلا لن يشفعوا لهم بل سيتبرأون منهم ، كما قال ~~سبحانه ( @QUR@06 كلا سيكفرون بعبادتهم ms3737 ويكونون عليهم ضدا ). # ثم بين سبحانه ضلال هذا الحسبان الباطل فقال : ( @QUR@05 إنا أعتدنا جهنم ~~للكافرين نزلا ). # والنزل : ما يقدم للضيف عند نزوله ، والقادم عند قدومه ، على سبيل ~~التكريم والترحيب. # أى : إنا أعتدنا جهنم لهؤلاء الكافرين بي ، المتخذين عبادي من دوني ~~أولياء ، لتكون معدة لهم عند قدومهم تكريما لهم. # فالجملة الكريمة مسوقة على سبيل التهكم بهم ، والتقريع لهم ، لأن جهنم ~~ليست نزل إكرام للقادم عليها ، بل هي عذاب مهين له. PageV08P582 # وشبيه بهذه الجملة قوله تعالى : ( @QUR@03 فبشرهم بعذاب أليم ) وقوله : ( ~~@QUR@07 وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه ). # ويجوز أن يكون النزل بمعنى المنزل ، أى : إنا هيأنا جهنم للكافرين لتكون ~~مكانا وحيدا لنزولهم فيها ، إذ ليس لهم منزل سواها. # ثم يأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في أواخر السورة الكريمة ، بأن ~~يبين للناس من هم الأخسرون أعمالا ، ومن هم الأسوأ عاقبة فيقول : # ( @QUR@05 قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا (103) @QUR@011 الذين ضل سعيهم ~~في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا (104) @QUR@014 أولئك الذين ~~كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ~~(105) @QUR@09 ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا ) (106) # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الكافرين الذين أعجبتهم أعمالهم ~~وتصرفاتهم الباطلة. # قل لهم : ألا تريدون أن أخبركم خبرا هاما ، كله الصدق والحق ، وأعرفكم عن ~~طريقه من هم الأخسرون أعمالا في الدنيا والآخرة؟ # وجاء هذا الإخبار في صورة الاستفهام لزيادة التهكم بهم ، وللفت أنظارهم ~~إلى ما سيلقى عليهم. # والأخسرون : جمع أخسر ، صيغة تفضيل من الخسران ، وأصله نقص مال التاجر. # والمراد به هنا : خسران أعمالهم وضياعها بسبب إصرارهم على كفرهم. # وجمع الأعمال ، للإشعار بتنوعها ، وشمول الخسران لجميع أنواعها. # وقوله سبحانه ( @QUR@011 الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ، وهم يحسبون ~~أنهم يحسنون صنعا ). PageV08P583 # جواب عن السؤال الذي اشتملت عليه الآية السابقة وهي : ( @QUR@03 قل هل ~~ننبئكم .. ). # فكأنه قيل : نبئنا عن هؤلاء الأخسرين أعمالا؟ # فكان الجواب : هم ( @QUR@03 الذين ضل سعيهم ) أى بطل وضاع بالكلية سعيهم ~~وعملهم في هذه الحياة الدنيا بسبب إصرارهم على كفرهم وشركهم ms3738 ، فالجملة ~~الكريمة خبر لمبتدأ محذوف. # وقوله ( @QUR@05 وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ) أى : والحال أنهم يظنون ~~أنهم يقدمون الأعمال الحسنة التي تنفعهم. # فالجملة الكريمة حال من فاعل ( @QUR@01 ضل ) أى : ضل وبطل سعيهم ، والحال ~~أنهم يظنون العكس. كما قال تعالى : ( @QUR@07 أفمن زين له سوء عمله فرآه ~~حسنا ). # وهذا هو الجهل المركب بعينه ، لأن الذي يعمل السوء ويعلم أنه سوء قد ترجى ~~استقامته. أما الذي يعمل السوء ويظنه عملا حسنا فهذا هو الضلال المبين. # والتحقيق أن المراد بالأخسرين أعمالا هنا : ما يشمل المشركين واليهود ~~والنصارى ، وغيرهم ممن يعتقدون أن كفرهم وضلالهم صواب وحق. # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت ~~أعمالهم ). # كلام مستأنف لزيادة التعريف بهؤلاء الأخسرين أعمالا ، ولبيان سوء مصيرهم. # أى : أولئك الذين كفروا بآيات ربهم الدالة على وحدانيته وقدرته وكفروا ~~بالبعث والحشر والحساب وما يتبع ذلك من ثواب وعقاب ، فكانت نتيجة هذا الكفر ~~أن ( @QUR@02 فحبطت أعمالهم ) أى : فسدت وبطلت. # وأصل الحبوط : انتفاخ بطن الدابة بسبب امتلائها بالغذاء الفاسد الذي يؤدى ~~إلى هلاكها. # والتعبير بالحبوط هنا في أعلى درجات البلاغة ، لأن هؤلاء الكافرين ملأوا ~~صحائف أعمالهم بالأقوال والأفعال القبيحة التي ظنوها حسنة ، فترتب على ذلك ~~هلاكهم وسوء مصيرهم. # وقوله : ( @QUR@06 فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ) تصريح بهوانهم ~~والاستخفاف بهم ، واحتقار شأنهم. # أى : فلا نلتفت إليهم يوم القيامة ، ولا نعبأ بهم احتقارا لهم ، بل ~~نزدريهم ولا نقيم لهم ولا لأعمالهم وزنا ، لأنهم لا توجد لهم أعمال صالحة ~~توضع في ميزانهم ، كما قال تعالى : ( @QUR@09 وقدمنا إلى ما عملوا من عمل ~~فجعلناه هباء منثورا ). # وفي الصحيحين من حديث أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «إنه ~~ليأتى الرجل PageV08P584 # العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة». وقال : اقرءوا ~~إن شئتم قوله تعالى : ( @QUR@06 فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ). # ثم ختم سبحانه الآيات الكريمة ببيان مآل أمرهم فقال : ( @QUR@09 ذلك ~~جزاؤهم جهنم بما كفروا. واتخذوا آياتي ورسلي هزوا ). # فاسم الإشارة «ذلك» مشار به إلى عقابهم السابق المتمثل في حبوط أعمالهم ms3739 ~~واحتقار شأنهم. وهو خبر لمبتدأ محذوف. أى : أمرهم وشأنهم ذلك الذي بيناه سابقا. # وقوله : ( @QUR@02 جزاؤهم جهنم ) جملة مفسرة لاسم الإشارة لا محل لها من ~~الإعراب أو هو جملة مستقلة برأسها مكونة من مبتدأ وخبر. # وقوله : ( @QUR@06 بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا ) بيان للأسباب ~~التي جعلتهم وقودا لجهنم. # أى : أن مصيرهم إلى جهنم بسبب كفرهم بكل ما يجب الإيمان به ، وبسبب ~~اتخاذهم آيات الله الدالة على وحدانيته ، وبسبب اتخاذهم رسله الذين أرسلهم ~~لهدايتهم ، محل استهزاء وسخرية. # فهم لم يكتفوا بالكفر بل أضافوا إلى ذلك السخرية بآيات الله تعالى ~~والاستهزاء بالرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام . # ثم أتبع سبحانه هذا الوعيد الشديد للكافرين ، بالوعد الحسن للمؤمنين فقال ~~تعالى : # ( @QUR@010 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا ~~(107) @QUR@06 خالدين فيها لا يبغون عنها حولا ) (108) # وجنات الفردوس : هي أفضل الجنات وأعلاها. ولفظ الفردوس : لفظ عربي ويجمع ~~على فراديس ، ومنه قولهم صدر مفردس ، أى : واسع. # قال الآلوسى ما ملخصه : عن مجاهد أن الفردوس هو البستان بالرومية ، وعن ~~عكرمة أن الفردوس هو الجنة بالحبشية. PageV08P585 # ونص الفراء على أن هذا اللفظ عربي ومعناه البستان الذي فيه كرم. # وقال المبرد : هي أى كلمة الفردوس فيما سمعت من العرب : الشجر الملتف ~~والأغلب عليه العنب. # وأخرج الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا ~~سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس ، فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة ، وفوقه ~~عرش الرحمن. ومنه تفجر أنهار الجنة (1). # والمعنى : إن الذين آمنوا بالله تعالى وبكل ما يجب الإيمان به ، وعملوا ~~الأعمال الصالحات بإخلاص واتباع لما جاء به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ~~كانت لهم عند الله تعالى جنات الفردوس ، التي هي أفضل الجنات وأرفعها درجة ~~( @QUR@01 نزلا ) أى : هدية تقدم لهم منه يوم القيامة ، ومكانا ينزلون به ~~تكريما وتشريفا لهم. # ( @QUR@02 خالدين فيها ) خلودا أبديا ، حالة كونهم ( @QUR@04 لا يبغون ~~عنها حولا ) أى : لا يطلبون تحولا أو انتقالا منها إلى مكان آخر ، لكونها ~~أطيب المنازل وأعلاها. # وفي قوله تعالى : ( @QUR@04 لا يبغون عنها حولا ) لفتة ms3740 دقيقة عميقة ~~للإجابة على ما يعترى النفس البشرية من حب للانتقال والتحول من مكان إلى ~~مكان ، ومن حال إلى حال. # فكأنه سبحانه يقول : إن ما جبلت عليه النفوس في الدنيا من حب للتحول ~~والتنقل. قد زال وانتهى بحلولها في الآخرة في الجنة ، فالنفس الإنسانية عند ~~ما تستقر في الجنة ولا سيما جنة الفردوس لا تريد تحولا أو انتقالا عنها ، ~~لأنها المكان الذي لا تشتاق النفوس إلى سواه ، لأنها تجد فيه ما تشتهيه وما ~~تبتغيه ، نسأل الله تعالى أن يرزقنا جميعا جنات الفردوس. # وكما افتتح سبحانه السورة الكريمة بالثناء على ذاته ، ختمها أيضا بالثناء ~~والحمد ، فقد أثبت عز وجل أن علمه شامل لكل شيء. وأن قدرته نافذة على كل شيء ~~، وأنه تعالى هو المستحق للعبادة والطاعة ، فقال : PageV08P586 # ( @QUR@018 قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد ~~كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا (109) @QUR@024 قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى ~~إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا ~~يشرك بعبادة ربه أحدا ) (110) # والمراد بالبحر : جنسه ، والمداد في الأصل : اسم لكل ما يمد به الشيء ، ~~واختص في العرف لما تمد به الدواة من الحبر. # والمراد بكلمات ربي : علمه وحكمته وكلماته التي يصرف بها هذا الكون. # وقوله : ( @QUR@02 لنفد البحر ): أى لفنى وفرغ وانتهى. يقال : نفد الشيء ~~ينفد نفادا ، إذا فنى وذهب ، ومنه قولهم : أنفد فلان الشيء واستنفده ، أى : أفناه. # والمعنى : قل أيها الرسول الكريم للناس : لو كان ماء البحر مدادا للأقلام ~~التي تكتب بها كلمات ربي ومعلوماته وأحكامه .. لنفد ماء البحر ولم يبق منه ~~شيء مع سعته وغزارته قبل أن تنفد كلمات ربي ، وذلك لأن ماء البحر ينقص ~~وينتهى أما كلمات الله تعالى فلا تنقص ولا تنتهي. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 ولو جئنا بمثله مددا ) زيادة في المبالغة وفي ~~التأكيد لما قبله من شمول علم الله تعالى لكل شيء ، وعدم تناهيه. # أى : وبعد نفاد ماء البحر السابق ، لو جئنا بماء بحر آخر مثله في السعة ~~والغزارة ، وكتبنا به ms3741 كلمات الله تعالى لنفد أيضا ماء البحر الثاني دون أن ~~تنفد كلمات ربي. # فالآية الكريمة تصور شمول علم الله تعالى لكل شيء ، وعدم تناهى كلماته ، ~~تصويرا بديعا ، يقرب إلى العقل البشرى بصورة محسوسه كمال علم الله تعالى ~~وعدم تناهيه. # قال الآلوسى : وقوله : ( @QUR@04 ولو جئنا بمثله مددا ): هذا كلام من ~~جهته تعالى شأنه غير داخل في الكلام الملقن ، جيء به لتحقيق مضمونه ، ~~وتصديق مدلوله على أتم وجه. # والواو لعطف الجملة على نظيرتها المستأنفة المقابلة لها المحذوفة لدلالة ~~ما ذكر عليها دلالة واضحة : PageV08P587 # أى : لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته تعالى لو لم نجئ بمثله مددا ، ولو ~~جئنا بمثله مددا لنفد أيضا (1). # وقال بعض العلماء : وهذا من باب تقريب المعنى إلى الأذهان ، لأن هذه ~~الأشياء مخلوقة ، وجميع المخلوقات منقضية منتهية ، وأما كلام الله تعالى ~~فهو من جملة صفاته ، وصفاته غير مخلوقة ولا لها حد ولا منتهى ، فأى سعة ~~وعظمة تصورتها القلوب ، فالله تعالى فوق ذلك ، وهكذا سائر صفات الله سبحانه ~~كعلمه وحكمته وقدرته ورحمته (2). # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@022 ولو أن ما في الأرض من شجرة ~~أقلام ، والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ، إن الله عزيز ~~حكيم ) (3) ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بأمر آخر منه تعالى لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم فقال : ( @QUR@011 قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما ~~إلهكم إله واحد ). # أى : قل أيها الرسول الكريم للناس ، مبينا لهم حقيقة أمرك ، بعد أن بينت ~~لهم عدم تناهى كلمات ربك. # قل لهم : إنما أنا بشر مثلكم أوجدنى الله تعالى بقدرته من أب وأم كما ~~أوجدكم. وينتهى نسبي ونسبكم إلى آدم الذي خلقه الله تعالى من تراب. # ولكن الله عز وجل اختصني بوحيه وبرسالته وهو أعلم حيث يجعل رسالته وأمرنى ~~أن أبلغكم أن إلهكم وخالقكم ورازقكم ومميتكم ، هو إله واحد لا شريك له لا ~~في ذاته ، ولا في أسمائه ، ولا في صفاته. # فعليكم أن تخلصوا له العبادة والطاعة ، وأن تستجيبوا لما آمركم به ، ولما ~~أنهاكم عنه ، فإنى مبلغ ms3742 عنه ما كلفنى به. # فالآية الكريمة وإن كانت تثبت للرسول صلى الله عليه وسلم صفة البشرية وتنفى ~~عنه أن يكون ملكا أو غير بشر .. إلا أنها تثبت له أيضا أن الله تعالى قد ~~فضله على غيره من البشر بالوحي إليه ، وبتكليفه بتبليغ ما أمره الله تعالى ~~بتبليغه للعالمين. كما قال سبحانه ( @QUR@05 وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ~~) وكما قال عز وجل : ( @QUR@05 قل لا أقول لكم عندي PageV08P588 # @QUR@016 خزائن الله ، ولا أعلم الغيب ، ولا أقول لكم إني ملك ، إن أتبع ~~إلا ما يوحى إلي ) (1). # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بتلك الجملة الجامعة لكل خير فقال : ( ~~@QUR@013 فمن كان يرجوا لقاء ربه ، فليعمل عملا صالحا ، ولا يشرك بعبادة ~~ربه أحدا ). # أى : قل أيها الرسول الكريم للناس : إنما أنا واحد مثلكم في البشرية إلا ~~أن الله تعالى قد خصنى واصطفاني عليكم برسالته ووحيه ، وأمرنى أن أبلغكم أن ~~إلهكم إله واحد. فمن كان منكم يرجو لقاء الله تعالى ويأمل في ثوابه ورؤية ~~وجهه الكريم ، والظفر بجنته ورضاه ، فليعمل عملا صالحا ، بأن يكون هذا ~~العمل خالصا لوجه الله تعالى ومطابقا لما جئت به من عنده عز وجل ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا من خلقه سواء أكان هذا المخلوق نبيا أم ملكا أم غير ذلك من ~~خلقه تعالى . # وقد حمل بعض العلماء الشرك هنا على الرياء في العمل ، فيكون المعنى : ~~«فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ، ولا يرائى الناس في عمله ، لأن ~~العمل الذي يصاحبه الرياء هو نوع من أنواع الشرك بالله تعالى». # والذي يبدو لنا أن حمل الشرك هنا على ظاهره أولى ، بحيث يشمل الإشراك ~~الجلى كعبادة غير الله تعالى والإشراك الخفى كالرياء وما يشبهه. # أى : ولا يعبد ربه رياء وسمعة ، ولا يصرف شيئا من حقوق خالقه لأحد من ~~خلقه ، لأنه سبحانه يقول : ( @QUR@020 إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما ~~دون ذلك لمن يشاء ، ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ) (2). # وقد ساق الإمام ابن كثير جملة من الأحاديث عند تفسيره لقوله تعالى ( ~~@QUR@013 فمن ms3743 كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه ~~أحدا ). # ومن هذه الأحاديث ما رواه ابن أبى حاتم ، من حديث معمر ، عن عبد الكريم ~~الجزري ، عن طاوس قال : قال رجل يا رسول الله ، إنى أقف المواقف أريد وجه ~~الله ، وأحب أن يرى موطني ، فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ~~حتى نزلت هذه الآية : ( @QUR@013 فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ~~ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) (3). PageV08P589 # أما بعد : فهذه سورة الكهف ، وهذا تفسير محرر لها ، نسأل الله تعالى أن ~~ينفعنا بالقرآن الكريم ، وأن يجعله ربيع قلوبنا ، وأنس نفوسنا ، وشفيعنا ~~يوم نلقاه ( @QUR@09 يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله ). # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. |المدينة المنورة : مساء الخميس 18 من رجب سنة 1404 ه الموافق : 19 من ~~إبريل سنة 1984|م د / محمد سيد طنطاوى| PageV08P590 ### ||| * فهرس إجمالى لتفسير «سورة الحجر» # تعريف بسورة ~~الحجر.............................................................. 5 # 1 الر تلك آيات الكتاب وقرآن ~~مبين.............................................. 9 # 16 ولقد جعلنا في السماء ~~بروجا................................................ 26 # 26 ولقد خلقنا الإنسان من ~~صلصال............................................ 35 # 45 إن المتقين في جنات ~~وعيون................................................. 49 # 49 نبئ عبادي أنى أنا الغفور ~~الرحيم............................................ 52 # 61 فلما جاء آل لوط ~~المرسلون.................................................. 59 # 75 إن في ذلك لآيات ~~للمتوسمين................................................ 68 # 85 وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا ~~بالحق.............................. 73 PageV08P591 ### ||| * فهرس إجمالى لتفسير «سورة النحل» # مقدمة................................................................. ~~....... 89 # تعريف بسورة ~~النحل............................................................. 91 # 1 أتى أمر الله فلا ~~تستعجلوه.................................................... 99 # 10 هو الذي أنزل من السماء ~~ماء............................................. 112 # 12 وسخر لكم الليل ~~والنهار................................................. 115 # 14 وهو الذي سخر ~~البحر................................................... 117 # 15 وألقى في الأرض ~~رواسى.................................................. 120 # 17 أفمن يخلق كمن لا ~~يخلق.................................................. 122 # 24 وإذا قيل لهم ماذا أنزل ~~ربكم............................................... 128 # 30 وقيل للذين ~~اتقوا......................................................... 138 # 33 هل ينظرون إلا أن تأتيهم ~~الملائكة......................................... 141 # 35 وقال الذين ~~أشركوا....................................................... 143 # 38 وأقسموا بالله جهد ~~أيمانهم................................................. 149 # 41 والذين هاجروا في ~~الله..................................................... 153 # 43 وما أرسلنا من قبلك ms3744 إلا ~~رجالا............................................. 156 # 45 أفأمن الذين مكروا ~~السيئات............................................... 159 # 48 أو لم يروا إلى ما خلق الله من ~~شيء......................................... 163 # 51 وقال الله لا تتخذوا ~~إلهين.................................................. 166 # 56 ويجعلون لما لا يعلمون ~~نصيبا............................................... 170 # 61 ولو يؤاخذ الله الناس ~~بظلمهم.............................................. 175 # 65 والله أنزل من السماء ~~ماء.................................................. 181 # 68 وأوحى ربك إلى ~~النحل................................................... 187 PageV08P592 # 70 والله خلقكم ثم ~~يتوفاكم................................................... 192 # 73 ويعبدون من دون ~~الله..................................................... 197 # 77 ولله غيب السموات ~~والأرض............................................... 203 # 84 ويوم نبعث من كل أمة ~~شهيدا............................................. 211 # 90 إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان............................................. 219 # 94 ولا تتخذوا أيمانكم دخلا ~~بينكم........................................... 227 # 98 فإذا قرأت القرآن فاستعذ ~~بالله............................................. 232 # 101 وإذا بدلنا آية مكان ~~آية................................................. 235 # 106 من كفر بالله من بعد ~~إيمانه.............................................. 240 # 110 ثم إن ربك للذين ~~هاجروا................................................ 243 # 112 وضرب الله مثلا ~~قرية.................................................... 245 # 114 فكلوا مما رزقكم الله حلالا ~~طيبا.......................................... 249 # 116 ولا تقولوا لما تصف ~~ألسنتكم............................................ 251 # 118 وعلى الذين هادوا ~~حرمنا................................................ 253 # 120 إن إبراهيم كان ~~أمة..................................................... 256 # 125 ادع إلى سبيل ~~ربك..................................................... 261 PageV08P593 ### ||| * فهرس إجمالى لتفسير «سورة الإسراء» # مقدمة وتعريف ~~بالسورة........................................................ 273 # 1 سبحان الذي ~~أسرى....................................................... 281 # 2 وآتينا موسى ~~الكتاب....................................................... 287 # 4 وقضينا إلى بنى ~~إسرائيل..................................................... 289 # 9 إن هذا القرآن ~~يهدى...................................................... 302 # 11 ويدع الإنسان ~~بالشر..................................................... 304 # 12 وجعلنا الليل والنهار ~~آيتين................................................. 306 # 16 وإذا أردنا أن ~~نهلك....................................................... 314 # 23 وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا ~~إياه........................................... 323 # 26 وآت ذا القربى ~~حقه...................................................... 331 # 31 ولا تقتلوا ~~أولادكم........................................................ 336 # 40 أفأصفاكم ربكم ~~بالبنين................................................... 355 # 45 وإذا قرأت ~~القرآن........................................................ 362 # 49 وقالوا أإذا كنا ~~عظاما..................................................... 368 # 53 وقل لعبادي ~~يقولوا....................................................... 372 # 56 قل ادعوا الذين ~~زعمتم.................................................... 375 # 58 وإن من قرية إلا نحن ~~مهلكوها............................................. 378 # 61 وإذ قلنا للملائكة ~~اسجدوا................................................ 386 # 66 ربكم الذي يزجى لكم الفلك في ~~البحر..................................... 393 # 70 ولقد كرمنا بنى ~~آدم....................................................... 398 # 73 وإن كادوا ~~ليفتنونك...................................................... 403 # 78 أقم الصلاة ~~لدلوك....................................................... 407 # 82 وننزل من ~~القرآن......................................................... ms3745 415 # 85 ويسألونك عن ~~الروح..................................................... 420 PageV08P594 # 90 وقالوا لن نؤمن ~~لك....................................................... 427 # 94 وما منع الناس أن ~~يؤمنوا.................................................. 432 # 97 ومن يهد الله فهو ~~المهتد................................................... 435 # 101 ولقد آتينا موسى تسع ~~آيات............................................. 441 # 105 وبالحق أنزلناه وبالحق ~~نزل................................................ 447 # 110 قل ادعو الله أو ادعو ~~الرحمن............................................. 451 PageV08P595 ### ||| * فهرس إجمالى لتفسير «سورة الكهف» # المقدمة............................................................... ~~....... 457 # 1 الحمد لله الذي ~~أنزل....................................................... 464 # 9 أم حسبت أن أصحاب.................................................... 472 # 13 نحن نقص عليك ~~نبأهم................................................... 479 # 17 وترى الشمس إذا ~~طلعت................................................. 484 # 19 وكذلك بعثناهم ~~ليتساءلوا................................................. 489 # 21 وكذلك أعثرنا ~~عليهم..................................................... 492 # 22 سيقولون ثلاثة ~~رابعهم.................................................... 495 # 23 ولا تقولن لشيء إنى ~~فاعل................................................ 498 # 25 ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة ~~سنين............................................. 501 # 27 واتل ما أوحى ~~إليك...................................................... 505 # 32 واضرب لهم مثلا ~~رجلين................................................... 513 # 37 قال له صاحبه وهو ~~يحاوره................................................. 517 # 42 وأحيط بثمره ~~فأصبح..................................................... 521 # 45 واضرب لهم مثل ~~الحياة.................................................... 524 # 47 ويوم نسير الجبال ~~وترى................................................... 528 # 50 وإذ قلنا للملائكة ~~اسجدوا................................................ 532 # 51 ولقد صرفنا في هذا ~~القرآن................................................. 539 # 60 وإذ قال موسى ~~لفتاه..................................................... 545 # 66 قال له موسى هل ~~أتبعك................................................. 552 # 71 فانطلقا حتى إذا ~~ركبا...................................................... 554 # 74 فانطلقا حتى إذا ~~لقيا...................................................... 556 # 77 فانطلقا حتى إذا أتيا ~~أهل.................................................. 557 PageV08P596 # 79 أما السفينة فكانت ~~لمساكين.............................................. 559 # 80 وأما الغلام فكان ~~أبواه.................................................... 560 # 82 وأما الجدار فكان ~~لغلامين................................................. 560 # 83 ويسألونك عن ذي ~~القرنين................................................ 568 # 99 وتركنا بعضهم ~~يومئذ...................................................... 576 # 103 قل هل ننبئكم ~~بالأخسرين............................................... 583 # 107 إن الذين آمنوا ~~وعملوا.................................................. 585 # 109 قل لو كان البحر ~~مدادا................................................. 587 PageV08P597 ![](https://books.rafed.net/Books/3947_altafsir-alwasit-09/images/image001.gif) PageV09P001 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * ( @QUR@07 ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ) (127) PageV09P003 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة # الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ، وعلى آله ~~وأصحابه وأتباعه ، ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. # وبعد فهذا تفسير لسورة «مريم» أكتبه بعد أن كتبت قبله تفاسير لسورة : ~~البقرة ، آل عمران ، النساء ، المائدة ، الأنعام ، الأعراف ، الأنفال ، ~~التوبة ، يونس ، هود ، يوسف ، الرعد ، إبراهيم ، الحجر ، النحل ms3746 ، الإسراء ، ~~الكهف ... # والله تعالى أسأل ، أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم ، ونافعا ~~لعباده ، وشفيعا لنا يوم نلقاه ، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله ~~بقلب سليم. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ||د. محمد سيد طنطاوى| PageV09P005 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة مريم PageV09P007 ### ||| * تعريف بسورة مريم # 1 سورة مريم من السور المكية. # قال القرطبي : وهي مكية بالإجماع. وهي تسعون وثماني آيات (1). # وقال ابن كثير : وقد روى محمد بن إسحاق في السيرة ، من حديث أم سلمة ، ~~وأحمد بن حنبل عن ابن مسعود في قصة الهجرة إلى أرض الحبشة من مكة ، أن جعفر ~~بن أبى طالب رضى الله عنه قرأ صدر هذه السورة على النجاشي (2). # وكان نزولها بعد سورة فاطر (3). # 2 ويبدو أن تسميتها بهذا الاسم كان بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~فقد أخرج الطبراني والديلمي ، من طريق أبى بكر بن عبد الله بن أبى مريم ~~الغساني عن أبيه عن جده ، قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : ولدت لي ~~الليلة جارية. فقال : والليلة أنزلت على سورة مريم. # وجاء فيما روى عن ابن عباس ، تسميتها بسورة ( @QUR@01 كهيعص ) (4). # وقد تكرر اسم مريم في القرآن ثلاثين مرة ، ولم تذكر امرأة سواها باسمها ~~الصريح. # 3 والذي يقرأ هذه السورة الكريمة بتدبر وتأمل ، يراها زاخرة بالحديث عن ~~عدد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . # فقد افتتحت بالحديث عن تلك الدعوات التي تضرع بها زكريا إلى ربه ، لكي ~~يهب له وليا ، يرثه ويرث من آل يعقوب. # وقد استجاب الله تعالى دعاء زكريا ، فوهبه يحيى كما قال تعالى : ( ~~@QUR@013 يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا ). # ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن قصة مريم ، بصورة فيها شيء من التفصيل ، ~~فذكرت اعتزالها لقومها ومجيء جبريل إليها وما دار بينه وبينها من محاورات ، ~~ومولدها لعيسى وإتيانها PageV09P009 # به قومها ، وما دار بينها وبينهم في شأنه. ثم ختمت هذه القصة بالقول الحق ~~في شأن عيسى ، قال تعالى : ( @QUR@033 ذلك عيسى ابن مريم قول ms3747 الحق الذي فيه ~~يمترون. ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه ، إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ~~فيكون ، وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم ). # 5 ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن طرف من قصة إبراهيم وموسى وإسماعيل وإدريس ~~، وختمت حديثها عن الرسل الكرام بقوله تعالى : ( @QUR@029 أولئك الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين من ذرية آدم ، وممن حملنا مع نوح. ومن ذرية إبراهيم ~~وإسرائيل. وممن هدينا واجتبينا ، إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا ~~وبكيا ). # 6 ثم حكت السورة الكريمة أنماطا من الشبهات التي تفوه بها الضالون ، ومن ~~هذه الشبهات ما يتعلق بالبعث والنشور ، ومنها ما يتعلق بموقفهم من القرآن ~~الكريم ومنها ما يتعلق بزعمهم أن لله ولدا ... وقد ردت على كل شبهة من هذه ~~الشبهات بما يبطلها ، ويخرس ألسنة قائليها. # ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@018 ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج ~~حيا* أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@029 أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا ~~وولدا. أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا. كلا سنكتب ما يقول ونمد له من ~~العذاب مدا. ونرثه ما يقول ويأتينا فردا ). # وقوله عز وجل : ( @QUR@027 وقالوا اتخذ الرحمن ولدا. لقد جئتم شيئا إدا. ~~تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا. أن دعوا للرحمن ~~ولدا. وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا ). # 7 ومن هذا العرض الإجمالى لآيات السورة الكريمة ، يتبين لنا أن سورة مريم ~~قد اهتمت بإقامة الأدلة على وحدانية الله تعالى ، وعلى نفى الشريك والولد ~~عن ذاته سبحانه ، كما اهتمت أيضا بإقامة الأدلة على أن البعث حق ، وعلى أن ~~الناس سيحاسبون على أعمالهم يوم القيامة. # كما زخرت السورة بالحديث عن قصص بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تارة ~~بشيء من التفصيل كما في قصة زكريا وعيسى ابن مريم ، وتارة بشيء من الاختصار ~~والتركيز كما في قصة إبراهيم وموسى وإسماعيل وإدريس. # كما نراها بوضوح تحكى شبهات المشركين. ثم ترد عليها بما يبطلها ... PageV09P010 # وقد ساقت السورة ms3748 ما ساقت من قضايا ، بأسلوب عاطفى بديع ، يهيج المشاعر ~~نحو الخير والحق والفضيلة ، وينفر من الشر والباطل والرذيلة ، ويطلع العقول ~~على نماذج شتى من مظاهر رحمة الله تعالى بعباده الصالحين ترى ذلك في مثل ~~قوله تعالى : ( @QUR@05 ذكر رحمت ربك عبده زكريا ). # وفي مثل قوله سبحانه : ( @QUR@09 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل ~~لهم الرحمن ودا ). # 8 قال بعض العلماء ما ملخصه : والظل الغالب في جو السورة هو ظل الرحمة ~~والرضا والاتصال. فهي تبدأ بذكر رحمة ربك لعبده زكريا. ويتكرر لفظ الرحمة ~~ومعناها وظلها في ثنايا السورة كثيرا. ويكثر فيها اسم ( @QUR@01 الرحمن ). # وإنك لتحس لمسات الرحمة الندية. ودبيبها اللطيف في الكلمات والعبارات ~~والظلال ، كما تحس انتفاضات الكون وارتجافاته لوقع كلمة الشرك التي لا ~~تطيقها فطرته ... # كذلك تحس أن للسورة إيقاعا موسيقيا خاصا ، فحتى جرس ألفاظها وفواصلها فيه ~~رخاء ، وفيه عمق كألفاظ : رضيا ، سريا ، حفيا ، نجيا ... # فأما المواضع التي تقتضي الشدة والعنف ، فتجيء فيها الفاصلة مشددة في ~~الغالب ، كألفاظ : ضدا ، هدا ، إدا ، أزا (1). # وبعد ؛ فهذا تعريف لسورة مريم ، نرجو أن يكون القارئ له ، قد أخذ صورة ~~مركزة عن أهم المقاصد التي اشتملت عليها السورة الكريمة. # والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ~~آله وصحبه وسلم. PageV09P011 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@01 كهيعص (1) @QUR@05 ذكر رحمت ربك عبده زكريا (2) @QUR@05 إذ ~~نادى ربه نداء خفيا (3) @QUR@014 قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس ~~شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا (4) @QUR@013 وإني خفت الموالي من ورائي وكانت ~~امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا (5) @QUR@08 يرثني ويرث من آل يعقوب ~~واجعله رب رضيا ) (6) # سورة مريم من السور القرآنية التي افتتحت ببعض حروف التهجي. # وقد سبق أن تكلمنا بشيء من التفصيل ، عن آراء العلماء في المراد بهذه ~~الحروف التي افتتحت بها بعض السور ، وذلك عند تفسيرنا لسور : البقرة ، وآل ~~عمران ، والأعراف ، ويونس .. # ورجحنا أن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت في افتتاح بعض سور القرآن ، على ~~سبيل الإيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن. # فكأن الله ms3749 تعالى يقول لأولئك المعارضين في أن القرآن من عند الله تعالى ، ~~هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون به كلامكم ، ومنظوما ~~من حروف هي من جنس الحروف الهجائية التي تنظمون منها حروفكم ، فإن كنتم في ~~شك من كونه منزلا من عند الله فهاتوا مثله. أو عشر سور من مثله ، بل سورة ~~واحدة من مثله ، وادعوا من شئتم من الخلق لكي يعاونكم في ذلك ... PageV09P012 # فلما عجزوا وهم أهل الفصاحة والبيان ثبت أن غيرهم أعجز ، وأن هذا القرآن ~~من عند الله ( @QUR@010 ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ). # وقوله تعالى : ( @QUR@05 ذكر رحمت ربك عبده زكريا ) خبر لمبتدأ محذوف. أى ~~: المتلو عليك ذكر رحمة ربك عبده ذكريا. # ولفظ ( @QUR@01 ذكر ) مصدر مضاف لمفعوله. ولفظ ( @QUR@01 رحمت ) مصدر ~~مضاف لفاعله وهو ربك ، و ( @QUR@01 عبده ) مفعول به للمصدر الذي هو رحمة. # و ( @QUR@01 زكريا ) هو واحد من أنبياء الله الكرام ، وينتهى نسبه إلى ~~يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام . # والمعنى : هذا الذي نذكره لك يا محمد ، هو جانب من قصة عبدنا زكريا ، ~~وطرف من مظاهر الرحمة التي اختصصناه بها ، ومنحناه إياها. # وقوله : ( @QUR@05 إذ نادى ربه نداء خفيا ) ظرف لرحمة ربك. والمراد ~~بالنداء : الدعاء الذي تضرع به زكريا إلى ربه عز وجل . # أى : هذا الذي قرأناه عليك يا محمد في أول هذه السورة. وذكرناه لك ، هو ~~جانب من رحمتنا لعبدنا زكريا. وقت أن نادانا وتضرع إلينا في خفاء وستر ، ~~ملتمسا منا الذرية الصالحة. # وإنما أخفى زكريا دعاءه ، لأن هذا الإخفاء فيه بعد عن الرياء ، وقرب من ~~الإخلاص ، وقد أمر الله تعالى به في قوله : ( @QUR@08 ادعوا ربكم تضرعا ~~وخفية إنه لا يحب المعتدين ). # ويبدو أن هذا الدعاء قد تضرع به زكريا إلى ربه في أوقات تردده على مريم ، ~~واطلاعه على ما أعطاها الله تعالى من رزق وفير. # ويشهد لذلك قوله تعالى : ( @QUR@050 فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها ~~نباتا حسنا وكفلها زكريا ، كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا ، ~~قال يا مريم أنى ms3750 لك هذا قالت هو من عند الله ، إن الله يرزق من يشاء بغير ~~حساب. هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء ~~) (1). # ثم بين سبحانه ما نادى به زكريا ربه فقال : ( @QUR@06 قال رب إني وهن ~~العظم مني ... ) والوهن : الضعف. يقال : وهن الجسم يهن من باب وعد إذا ضعف. # وخص العظم بالذكر ، لأنه دعامة البدن ، وعماد الجسم ، وبه قوامه ، فإذ ~~ضعف كان غيره من أجزاء الجسم أضعف. وإفراد لفظ العظم لإرادة الجنس. PageV09P013 # ( @QUR@03 واشتعل الرأس شيبا ) والمراد باشتعال الرأس شيبا : انتشار بياض ~~الشيب فيه. والألف واللام في لفظ ( @QUR@01 الرأس ) قاما مقام المضاف إليه. # والمراد : واشتعل رأسى شيبا ، وهذا يدل على تقدم السن ، كما يشهد له قوله ~~تعالى ( @QUR@05 وقد بلغت من الكبر عتيا ) وقوله عز وجل : ( @QUR@03 وقد ~~بلغني الكبر ... ). # قال صاحب الكشاف : «شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته وانتشاره في ~~الشعر .. باشتعال النار ، ثم أخرجه مخرج الاستعارة ، ثم أسند الاشتعال إلى ~~مكان الشعر ومنبته وهو الرأس ، وأخرج الشيب مميزا ولم يضف إلى الرأس اكتفاء ~~بعلم المخاطب أنه رأس زكريا ، فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة ~~...» (1). # وقوله : ( @QUR@05 ولم أكن بدعائك رب شقيا ) أى : ولم أكن فيما مضى من ~~عمرى مخيب الدعاء وإنما تعودت منك يا إلهى إجابة دعائي ، وما دام الأمر ~~كذلك فأجب دعائي في الزمان الآتي من عمرى ، كما أجبته في الزمان الماضي منه. # فأنت ترى أن زكريا عليه السلام قد أظهر في دعائه أسمى ألوان الأدب مع ~~خالقه ، حيث توسل إليه سبحانه بضعف بدنه ، وبتقدم سنه ، وبما عوده إياه من ~~إجابة دعائه في الماضي. # ثم حكى سبحانه بعض الأسباب الأخرى لإلحاح زكريا في الدعاء فقال : ( ~~@QUR@018 وإني خفت الموالي من ورائي ، وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك ~~وليا* يرثني ويرث من آل يعقوب .. ). # والموالي : جمع مولى ، والمراد بهم هنا : عصبته وأبناء عمومته الذين يلون ~~أمره بعد موته ، وكان لا يثق فيهم لسوء سلوكهم. # والعاقر : العقيم الذي لا يلد ، ويطلق على الرجل والمرأة ms3751 ، يقال : امرأة ~~عاقر ، ورجل عاقر. # أى : وإنى يا إلهى قد خفت ما يفعله أقاربى ( @QUR@02 من ورائي ) أى : من ~~بعد موتى ، من تضييع لأمور الدين ، ومن عدم القيام بحقه ( @QUR@03 وكانت ~~امرأتي عاقرا ) لا تلد قط في شبابها ولا في غير شبابها ، ( @QUR@04 فهب لي ~~من لدنك ) أى : من عندك ( @QUR@01 وليا ) أى : ولدا من صلبي ، هذا الولد ( ~~@QUR@01 يرثني ) في العلم والنبوة ( @QUR@01 ويرث ) أيضا ( @QUR@03 من آل ~~يعقوب ) ابن إسحاق بن إبراهيم العلم والنبوة والصفات الحميدة ( @QUR@01 ~~واجعله ) يا رب ( @QUR@01 رضيا ) أى : PageV09P014 # مرضيا عندك في أقواله وأفعاله وسائر تصرفاته. # ففي هاتين الآيتين نرى زكريا يجتهد في الدعاء بأن يرزقه الله الولد ، لا ~~من أجل شهوة دنيوية ، وإنما من أجل مصلحة الدين والخوف من تضييعه وتبديله ~~والحرص على من يرثه في علمه ونبوته ، ويكون مرضيا عنده عز وجل . # قال الآلوسى ما ملخصه : «وقوله ( @QUR@02 من ورائي ) المراد به من بعد ~~موتى ، والجار والمجرور متعلق بمحذوف ينساق إليه الذهن أى : خفت فعل ~~الموالي من ورائي أو جور الموالي. وهم عصبة الرجل .. وكانوا على سائر ~~الأقوال شرار بنى إسرائيل ، فخاف أن لا يحسنوا خلافته في أمته» (1). # وفي قوله ( @QUR@05 فهب لي من لدنك وليا ) اعتراف عميق بقدرة الله تعالى ~~لأن مثل هذا العطاء لا يرجى إلا منه عز وجل ، بعد أن تقدمت بزكريا السن ، ~~وبعد أن عهد من زوجه العقم وعدم الولادة. # وقد أشار سبحانه في آية أخرى إلى أنه أزال عنها العقم وأصلحها للولادة ~~فقال : ( @QUR@019 وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين* ~~فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه ... ) (2) أى : وجعلناها صالحة ~~للولادة بعد أن كانت عقيما من حين شبابها إلى شيبها .. # والمراد بالوراثة في قوله ( @QUR@01 يرثني ) وراثة العلم والنبوة والصفات ~~الحميدة. # قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : «وقوله : ( @QUR@05 وإني خفت الموالي من ~~ورائي ) قرأ الأكثرون بنصب الياء من الموالي على أنه مفعول ، وعن الكسائي ~~أنه سكن الياء .. # ووجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا من بعده في الناس تصرفا سيئا. فسأل الله ~~ولدا يكون نبيا ms3752 من بعده ليسوسهم بنبوته .. لا أنه خشي من وراثتهم له ماله. ~~فإن النبي أعظم منزلة وأجل قدرا من أن يشفق على ماله إلى هذا الحد ، وأن ~~يأنف من وراثة عصبته له ، ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم. # وقد ثبت في الصحيحين من غير وجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لا ~~نورث ما تركنا صدقة» وفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح : «نحن معاشر ~~الأنبياء لا نورث». # وعلى هذا فتعين حمل قوله ( @QUR@06 فهب لي من لدنك وليا يرثني ) على ~~ميراث النبوة ولهذا قال : ( @QUR@04 ويرث من آل يعقوب ) كقوله : ( @QUR@03 ~~وورث سليمان داود ) أى : في النبوة ، إذ PageV09P015 # لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك ، ولما كان في الإخبار بذلك ~~كبير فائدة ، إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل ، أن الولد يرث ~~أباه ، فلو لا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها ، وكل هذا يقرره ويثبته ما صح ~~في الحديث : «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ، ما تركنا فهو صدقة» (1). # وقال بعض العلماء ما ملخصه : ومعنى ( @QUR@01 يرثني ) أى : إرث علم ونبوة ~~، ودعوة إلى الله والقيام بدينه ، لا إرث مال ، ويدل لذلك أمران : # أحدهما قوله : ( @QUR@04 ويرث من آل يعقوب ) ومعلوم أن آل يعقوب انقرضوا ~~من زمان ، فلا يورث عنهم إلا العلم والنبوة والدين. # والأمر الثاني ما جاء من الأدلة أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لا ~~يورث عنهم المال ، وإنما يورث عنهم العلم والدين ، فمن ذلك ما أخرجه ~~الشيخان عن أبى بكر الصديق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لا نورث ما ~~تركنا صدقة» (2). # ثم بين القرآن الكريم أن الله تعالى قد أجاب بفضله وكرمه دعاء عبده ~~زكريا. كما بين ما قاله زكريا عند ما بشره ربه بغلام اسمه يحيى فقال تعالى : # ( @QUR@013 يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا ~~(7) @QUR@014 قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من ~~الكبر عتيا (8) @QUR@014 قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد ms3753 خلقتك من قبل ولم ~~تك شيئا (9) @QUR@013 قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ~~ليال سويا (10) @QUR@011 فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا ~~بكرة وعشيا ) (11) PageV09P016 # قال القرطبي : قوله تعالى ( @QUR@02 يا زكريا ) في الكلام حذف ، أى : ~~فاستجاب الله دعاءه فقال : ( @QUR@07 يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى ~~... ) فتضمنت هذه البشارة ثلاثة أشياء : أحدها : إجابة دعائه وهي كرامة. ~~الثاني : إعطاؤه الولد وهو قوة. الثالث : أن يفرد بتسميته ...» (1). # وقد بين سبحانه في آيات أخرى أن الذي بشر زكريا هو بعض الملائكة ، وأن ~~ذلك كان وهو قائم يصلى في المحراب ، قال تعالى : ( @QUR@020 فنادته ~~الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب ، أن الله يبشرك بيحيى ، مصدقا بكلمة من ~~الله ، وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين ) (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 اسمه يحيى ) يدل على أن هذه التسمية قد سماها ~~الله تعالى ليحيى ، ولم يكل تسميته لزكريا أو لغيره ، وهذا لون من التشريف ~~والتكريم. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 لم نجعل له من قبل سميا ) أى لم نجعل أحدا من ~~قبل مشاركا له في هذا الاسم ، بل هو أول من تسمى بهذا الاسم الجميل. # قال بعض العلماء : «وقول من قال : إن معناه : لم نجعل له من قبل سميا ، ~~أى : نظيرا يساويه في السمو والرفعة غير صواب ، لأنه ليس بأفضل من إبراهيم ~~ونوح وموسى فالقول الأول هو الصواب ، وممن قال به : ابن عباس ، وقتادة ، ~~والسدى ، وابن أسلم وغيرهم ...» (3). # ثم حكى سبحانه بعد ذلك ما قاله زكريا بعد هذه البشارة السارة. فقال تعالى ~~: ( @QUR@014 قال رب أنى يكون لي غلام ، وكانت امرأتي عاقرا. وقد بلغت من ~~الكبر عتيا ). # فالجملة الكريمة استئناف مبنى على سؤال تقديره : فماذا قال زكريا عند ما ~~بشره الله تعالى بيحيى؟ # ولفظ ( @QUR@01 أنى ) بمعنى : كيف. أو بمعنى : من أين. # أى : قال زكريا مخاطبا ربه بعد أن بشره بابنه يحيى : يا رب كيف يكون لي ~~غلام ، وحال امرأتى أنها كانت عاقرا في شبابها وفي شيخوختها ، وحالي أنا ~~أننى قد بلغت من الكبر عتيا ، أى. قد تقدمت في السن تقدما كبيرا. ms3754 PageV09P017 # يقال : عتى الشيخ يعتو عتيا بكسر العين وضمها إذا بلغ النهاية في الكبر. # قال ابن جرير : «قوله : ( @QUR@05 وقد بلغت من الكبر عتيا ) يقول : وقد ~~عتوت من الكبر فصرت نحيل العظام يابسها ، يقال منه للعود اليابس : عات ~~وعاس. وقد عتا يعتو عتوا وعتيا ... وكل متناه في كبر أو فساد أو كفر فهو ~~عات ...» (1). # فإن قيل : «ما المراد باستفهام زكريا عليه السلام مع علمه بقدرة الله ~~تعالى على كل شيء؟ # فالجواب أن استفهامه إنما هو على سبيل الاستعلام والاستخبار ، لأنه لم ~~يكن يعلم أن الله تعالى سيرزقه بيحيى عن طريق زوجته العاقر ، أو عن طريق ~~الزواج بامرأة أخرى ، فاستفهم عن الحقيقة ليعرفها. # ويصح أن يكون المقصود بالاستفهام التعجب والسرور بهذا الأمر العجيب حيث ~~رزقه الله الولد مع تقدم سنه وسن زوجته. # ويجوز أن يكون المقصود بالاستفهام الاستبعاد لما جرت به العادة من أن ~~يأتى الغلام مع تقدم سنه وسن زوجته. وليس المقصود به استحالة ذلك على قدرة ~~الله تعالى لأنه سبحانه لا يعجزه شيء. # ثم حكى سبحانه ما رد به على استفهام زكريا فقال : ( @QUR@014 قال كذلك ~~قال ربك هو علي هين ، وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا ). # وقوله : ( @QUR@01 كذلك ) خبر لمبتدأ محذوف ، أى : الأمر كذلك. # قال الآلوسى : وذلك إشارة إلى قول زكريا عليه السلام وجملة ( @QUR@03 هو ~~علي هين ) مفعول ( @QUR@01 قال ) الثاني وجملة «الأمر كذلك» مع جملة ( ~~@QUR@02 قال ربك ) إلخ مفعول ( @QUR@01 قال ) الأول ...» (2). # والمعنى : قال الله تعالى مجيبا على استفهام زكريا ، الأمر كما ذكرت يا ~~زكريا من كون امرأتك عاقرا ، وأنت قد بلغت من الكبر عتيا ، ولكن ذلك لا ~~يحول بيننا وبين تنفيذ إرادتنا في منحك هذا الغلام ، فإن قدرتنا لا يعجزها ~~شيء ، ولا تخضع لما جرت به العادات. # وهذا الأمر وهو إيجاد الولد منك ومن زوجتك هذه لا من غيرها ( @QUR@03 هو ~~علي هين ) أى : يسير سهل. PageV09P018 # ثم ذكر له سبحانه ما هو أعجب مما سأل عنه فقال : ( @QUR@07 وقد خلقتك من ~~قبل ولم تك شيئا ). # أى : لا تعجب يا زكريا من أن ms3755 يأتيك غلام وأنت وزوجك بتلك الحالة ، فإنى ~~أنا الله الذي أوجدتك من العدم ، ومن أوجدك من العدم ، فهو قادر على أن ~~يرزقك بهذا الغلام المذكور. # فالآية الكريمة قد ساقت بطريق منطقي برهاني ، ما يدل على كمال قدرة الله ~~تعالى وما يزيد في اطمئنان قلب زكريا عليه السلام . # ثم حكى سبحانه بعد ذلك ما التمسه زكريا عليه السلام من خالقه فقال : ( ~~@QUR@05 قال رب اجعل لي آية ... ). # أى : اجعل لي علامة أستدل بها على وقوع ما بشرتني به ، لأزداد سرورا ~~واطمئنانا. ولأعرف الوقت الذي تحمل فيه امرأتى بهذا الغلام فأكثر من شكرك وذكرك. # فأجابه الله تعالى بقوله : ( @QUR@08 قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال ~~سويا ). # أى : قال الله تعالى لعبده زكريا : يا زكريا. علامة وقوع ما بشرتك به ، ~~أنك تجد نفسك عاجزا عن أن تكلم الناس بلسانك ، لمدة ثلاث ليال بأيامهن حال ~~كونك سوى الخلق ، سليم الحواس ليس بك من خرس ، أو بكم ، ولكنك ممنوع من ~~الكلام بأمرنا وقدرتنا على سبيل خرق العادة. # فقوله : ( @QUR@01 سويا ) حال من فاعل «تكلم» وهو زكريا أى : حال كونك يا ~~زكريا سوى الخلق ، سليم الجوارح ، لا علة تمنعك من ذلك سوى قدرتنا. ثم بين ~~سبحانه ما كان من زكريا بعد ذلك فقال : ( @QUR@011 فخرج على قومه من ~~المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا ). # والمحراب : المصلى ، أو الغرفة التي كان يجلس فيها في بيت المقدس ، أو هو ~~المسجد ، فقد كانت مساجدهم تسمى المحاريب. لأنها الأماكن التي تحارب فيها ~~الشياطين. # أى : فخرج زكريا عليه السلام على قومه من المكان الذي كان يصلى فيه ، ( ~~@QUR@02 فأوحى إليهم ) أى : فأشار إليهم أو كتب لهم دون أن ينطق بلسانه ( ~~@QUR@02 أن سبحوا ) الله تعالى وقدسوه ( @QUR@01 بكرة ) أى : في أوائل ~~النهار ( @QUR@01 وعشيا ) أى : في أواخره. # وقد ذكر سبحانه في آية أخرى ، ما يشير إلى أن هذا المحراب الذي خرج منه ~~زكريا عليه السلام على قومه. هو ذلك المكان الذي بشره الله تعالى فيه بيحيى. # قال تعالى : ( @QUR@011 فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن ~~الله ms3756 يبشرك بيحيى ، PageV09P019 # @QUR@09 مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين ) (1). # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا بأسلوبها البليغ جانبا من رحمة الله ~~تعالى بعبده زكريا ، ومن الدعوات التي تضرع بها إلى خالقه عز وجل ، وأن الله ~~تعالى قد أجاب له دعاءه ، وبشره بيحيى ، وعرفه بالعلامة التي بها يعرف وقوع ~~ما بشره به ، زيادة في اطمئنانه وسروره. # ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن يحيى ، فبينت ما أمره الله تعالى ~~به ، وما منحه من صفات فاضلة. فقال تعالى : # ( @QUR@08 يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا (12) @QUR@06 ~~وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا (13) @QUR@06 وبرا بوالديه ولم يكن جبارا ~~عصيا (14) @QUR@09 وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا ) (15) # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 يا يحيى خذ الكتاب بقوة ) مقول لقول محذوف ، ~~والسر في حذفه المسارعة إلى الإخبار بإنجاز الوعد الكريم. # والتقدير : وبعد أن ولد يحيى ، ونما وترعرع قلنا له عن طريق وحينا : ( ~~@QUR@04 يا يحيى خذ الكتاب ) الذي هو التوراة ( @QUR@01 بقوة ) أى : بجد ~~واجتهاد ، وتفهم لمعناه على الوجه الصحيح ، وتطبيق ما اشتمل عليه من أحكام ~~وآداب ، فإن بركة العلم في العمل به. # والجار والمجرور ( @QUR@01 بقوة ) حال من فاعل خذ وهو يحيى ، والباء ~~للملابسة أى : خذه حالة كونك ملتبسا بحفظه وتنفيذ أحكامه بشدة وثبات. # وقوله : ( @QUR@03 وآتيناه الحكم صبيا ) أى : وأعطيناه بقدرتنا وفضلنا ( ~~@QUR@01 الحكم ) أى : فهم الكتاب والعمل بأحكامه ، وهو في سن الصبا. # قيل : كان سنه ثلاث سنين ، وقيل سبع سنين. PageV09P020 # قال الآلوسى : «أخرج أبو نعيم ، وابن مردويه ، والديلمي ، عن ابن عباس ، ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في ذلك : «أعطى الفهم والعبادة وهو ابن ~~سبع سنين» (1). # وقال الجمل في حاشيته : «فإن قلت : كيف يصح حصول العقل والفطنة والنبوة ~~حال الصبا؟. # قلت : لأن أصل النبوة مبنى على خرق العادات. إذا ثبت هذا. فلا تمنع ~~صيرورة الصبى نبيا. وقيل : أراد بالحكم فهم الكتاب فقرأ التوراة وهو صغير ~~.. (2). # والذي تطمئن إليه النفس وعليه جمهور المفسرين أن المراد بالحكم هنا : ~~العلم النافع مع العمل به ، وذلك عن ms3757 طريق حفظ التوراة وفهمها وتطبيق ~~أحكامها. # قال ابن كثير : ( @QUR@03 وآتيناه الحكم صبيا ) أى : الفهم والعلم والجد ~~والعزم ، والإقبال على الخير ، والإكباب عليه ، والاجتهاد فيه ، وهو صغير حدث. # قال عبد الله بن المبارك : قال معمر : قال الصبيان ليحيى بن زكريا : اذهب ~~بنا نلعب ، فقال : ما للعب خلقنا. قال : فلهذا أنزل الله : ( @QUR@03 ~~وآتيناه الحكم صبيا ) (3). # وقوله تعالى : ( @QUR@06 وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا ) معطوف على ( ~~@QUR@01 الحكم ). # أى : وأعطيناه الحكم صبيا ، وأعطيناه حنانا ... # قال القرطبي ما ملخصه : «الحنان : الشفقة والرحمة والمحبة ، وهو فعل من ~~أفعال النفس ... # وأصله : من حنان الناقة على ولدها ... قال طرفة : # أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا %~% حنانيك بعض الشر أهون من بعض (4) # والمعنى : منحنا ( @QUR@01 يحيى ) الحكم صبيا ، ومنحناه من عندنا وحدنا ~~رحمة عظيمة عليه ، ورحمة في قلبه جعلته يعطف على غيره ، وأعطيناه كذلك زكاة ~~أى : طهارة في النفس ، أبعدته عن ارتكاب ما نهى الله عنه ، وجعلته سباقا ~~لفعل الخير ( @QUR@02 وكان تقيا ) أى مطيعا لنا في كل ما نأمره به ، أو ~~ننهاه عنه. # ثم أضاف سبحانه إلى تلك الصفات الكريمة ليحيى صفات أخرى فقال : ( @QUR@01 وبرا PageV09P021 # @QUR@01 بوالديه ) أى : وجعلناه كثير البر بوالديه ، والإحسان إليهما. # ( @QUR@03 ولم يكن جبارا ) أى : مستكبرا متعاليا مغرورا ( @QUR@01 عصيا ) ~~أى : ولم يكن ذا معصية ومخالفة لأمر ربه. # ثم ختم سبحانه هذه الصفات ببيان العاقبة الحسنة التي ادخرها ليحيى ~~عليه السلام فقال : ( @QUR@04 وسلام عليه يوم ولد ) أى : وتحية وأمان له منا ~~يوم ولادته ( @QUR@02 ويوم يموت ) ويفارق هذه الدنيا ( @QUR@03 ويوم يبعث ~~حيا ) للحساب يوم القيامة. # وخص سبحانه هذه الأوقات الثلاثة بالذكر ، لأنها أحوج إلى الرعاية من غيرها. # قال سفيان بن عيينة : أحوج ما يكون المرء في ثلاثة مواطن : يوم يولد فيرى ~~نفسه خارجا مما كان فيه. ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم. ويوم يبعث ~~فيرى نفسه في محشر عظيم. # وبعد هذا الحديث عن جانب من قصة زكريا ويحيى عليهما السلام ، انتقلت ~~السورة الكريمة إلى الحديث عن قصة أخرى أعجب من قصة ميلاد يحيى ، ألا وهي ~~قصة مريم وميلادها لابنها عيسى ms3758 عليه السلام فقال تعالى : # ( @QUR@010 واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا (16) ~~@QUR@011 فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا ~~(17) @QUR@08 قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا (18) @QUR@09 قال إنما ~~أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا (19) @QUR@011 قالت أنى يكون لي غلام ولم ~~يمسسني بشر ولم أك بغيا (20) @QUR@015 قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله ~~آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا ) (21) # قال ابن كثير : «لما ذكر الله تعالى قصة زكريا عليه السلام وأنه أوجد منه في حال PageV09P022 # كبره وعقم زوجته ولدا زكيا طاهرا مباركا ، وعطف بذكر قصة مريم ، في ~~إيجاده ولدها عيسى عليه السلام منها من غير أب. # وهي مريم ابنة عمران من سلالة داود عليه السلام وكانت من بيت طاهر في بنى ~~إسرائيل ... ونشأت نشأة عظيمة ، فكانت إحدى العابدات الناسكات ... # وكانت في كفالة زوج أختها زكريا عليه السلام ورأى لها من الكرامات الهائلة ~~ما بهره ...» (1). # والمعنى : ( @QUR@01 واذكر ) أيها الرسول الكريم ( @QUR@02 في الكتاب ) ~~أى في هذه السورة الكريمة ، أو في القرآن الكريم ، خبر مريم وقصتها ( ~~@QUR@06 إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا ) أى : وقت أن تنحت عنهم واعتزلتهم ~~في مكان يلي الناحية الشرقية من بيت المقدس ، أو من بيتها الذي كانت تسكنه. # وفي التعبير بقوله تعالى ( @QUR@04 إذ انتبذت من أهلها ) إشارة إلى شدة ~~عزلتها عن أهلها إذ النبذ معناه الطرح والرمي ، فكأنها ألقت بنفسها في هذا ~~المكان لتختلى للعبادة والطاعة ، والتقرب إلى الله تعالى بصالح الأعمال. # قال القرطبي : واختلف الناس لم انتبذت؟ فقال السدى : انتبذت لتطهر من حيض ~~أو نفاس. وقال غيره : لتعبد الله وهذا حسن. وذلك أن مريم كانت وقفا على ~~سدانة المعبد وخدمته والعبادة فيه ، فتنحت من الناس لذلك ، ودخلت في المسجد ~~إلى جانب المحراب في شرقيه لتخلو للعبادة .. # فقوله ( @QUR@02 مكانا شرقيا ) أى : مكانا من جانب الشرق. والشرق بسكون ~~الراء المكان الذي تشرق فيه الشمس. والشرق بفتح الراء الشمس. # وإنما خص المكان بالشرق ، لأنهم كانوا يعظمون جهة المشرق ، حيث تطلع ~~الأنوار ...» (2). # وقوله ms3759 : ( @QUR@04 فاتخذت من دونهم حجابا ) تأكيد لانتباذها من أهلها ، ~~واعتزالها إياهم. # أى : اذكر وقت أن اعتزلت أهلها. في مكان يلي شرق بيت المقدس ، فاتخذت ~~بينها وبينهم حجابا وساترا للتفرغ لعبادة ربها. PageV09P023 # ثم بين سبحانه ما أكرمها به في حال خلوتها فقال : ( @QUR@07 فأرسلنا ~~إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا ). # أى : فأرسلنا إليها روحنا وهو جبريل عليه السلام فتشبه لها في صورة بشر ~~سوى معتدل الهيئة ، كامل البنية ، كأحسن ما يكون الإنسان. # يقال : رجل سوى ، إذا كان تام الخلقة عظيم الخلق ، لا يعيبه في شأن من ~~شئونه إفراط أو تفريط. # والإضافة في قوله ( @QUR@01 روحنا ) للتشريف والتكريم ، وسمى جبريل ~~عليه السلام روحا لمشابهة الروح الحقيقية في أن كلا منهما مادة الحياة ~~للبشر. فجبريل من حيث ما يحمل من الرسالة الإلهية تحيا به القلوب ، والروح ~~تحيا به الأجسام. # وإنما تمثل لها جبريل عليه السلام في صورة بشر سوى ، لتستأنس بكلامه ، ~~وتتلقى منه ما يلقى إليها من كلماته ، ولو بدا لها في صورته التي خلقه الله ~~تعالى عليها. لنفرت منه ، ولم تستطع مكالمته. # وقوله : ( @QUR@02 بشرا سويا ) حالان من ضمير الفاعل في قوله ( @QUR@02 ~~فتمثل لها ). # ثم حكى سبحانه بعد ذلك ما دار بين مريم وبين جبريل من حوار ونقاش فقال : ~~( @QUR@08 قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا ). # أى : قالت لجبريل عليه السلام الذي تمثل لها في صورة بشر سوى : إنى أعوذ ~~وألتجئ إلى الرحمن منك ، إن كنت ممن يتقى الله ويخشاه. # وخصت الرحمن بالذكر ، لتثير مشاعر التقوى في نفسه ، إذ من شأن الإنسان ~~التقى أن ينتفض وجدانه عند ذكر الرحمن ، وأن يرجع عن كل سوء يخطر بباله. # وجواب هذا الشرط محذوف ، أى إن كنت تقيا ، فابتعد عنى واتركني في خلوتي ~~لأتفرغ لعبادة الله تعالى . # وبهذا القول الذي حكاه القرآن عن مريم. تكون قد جمعت بين الاعتصام بربها ~~، وبين تخويف من تخاطبه وترهيبه من عذاب الله. إن سولت له نفسه إرادتها ~~بسوء. كما أن قولها هذا ، يدل على أنها قد بلغت أسمى درجات العفة والطهر ~~والبعد عن ms3760 الريبة ، فهي تقول له هذا القول ، وهي تراه بشرا سويا ، وفي مكان ~~بمعزل عن الناس ... # وهنا يجيبها جبريل كما حكى القرآن عنه بقوله : ( @QUR@09 قال إنما أنا ~~رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا ). PageV09P024 # أى : قال لها جبريل ليدخل السكون والاطمئنان على قلبها : إنما أنا يا ~~مريم رسول ربك الذي استعذت به ، والتجأت إليه ، فلا تخافي ولا تجزعي وقد ~~أرسلنى سبحانه إليك ، لأهب لك بإذنه وقدرته غلاما زكيا ، أى : ولدا طاهرا ~~من الذنوب والمعاصي ، كثير الخير والبركات. # ونسب الهبة لنفسه ، لكونه سببا فيها. وقرأ نافع وأبو عمرو : ليهب لك ~~بالياء المفتوحة بعد اللام أى : ليهب لك ربك غلاما زكيا. # وهنا تزداد حيرة مريم ، ويشتد عجبها فتقول : ( @QUR@010 أنى يكون لي غلام ~~ولم يمسسني بشر ، ولم أك بغيا ). # أى : قالت على سبيل التعجب مما سمعته : كيف يكون لي غلام ، والحال أنى لم ~~يمسني بشر من الرجال عن طريق الزواج الذي أحله الله تعالى ، ولم أك في يوم ~~من الأيام بغيا ، أى : فاجرة تبغى الرجال. أو يبغونها للزنا بها. يقال : ~~بغت المرأة تبغى إذا فجرت وتجاوزت حدود الشرف والعفاف. # قال صاحب الكشاف : جعل المس عبارة عن النكاح الحلال ، لأنه كناية عنه. ~~كقوله تعالى ( @QUR@04 من قبل أن تمسوهن ) والزنا ليس كذلك ، إنما يقال فيه ~~: فجر بها وخبث بها وما أشبه ذلك ، وليس بقمن أن تراعى فيه الكنايات ~~والآداب. والبغي : الفاجرة التي تبغى الرجال ...» (1). # وعلى هذا الرأى الذي ذهب إليه صاحب الكشاف ، يكون ما حكاه القرآن عن مريم ~~من قولها : ( @QUR@03 ولم يمسسني بشر ... ) المقصود به النكاح الحلال. # ويرى آخرون أن المقصود به ما يشمل الحلال والحرام ، أى : ولم يمسسني بشر ~~كائنا من كان لا بنكاح ولا بزنى ، ويكون قوله : ( @QUR@03 ولم أك بغيا ) من ~~باب التخصيص بعد التعميم ، ويؤيد هذا الرأى قوله تعالى : ( @QUR@023 قالت ~~رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر. قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى ~~أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) (2). # ويؤيده أيضا أن لفظ ( @QUR@01 بشر ) نكرة في سياق النفي فيعم كل بشر ms3761 سواء ~~أكان زوجا أم غير زوج. # قال القرطبي : قوله : ( @QUR@03 ولم أك بغيا ) أى : زانية. وذكرت هذا ~~تأكيدا لأن قولها ( @QUR@01 ولم PageV09P025 # @QUR@02 يمسسني بشر ) يشمل الحلال والحرام ... (1). # وقال الجمل في حاشيته ما ملخصه : وإنما تعجبت مما بشرها به جبريل لأنها ~~عرفت بالعادة أن الولادة لا تكون إلا بعد الاتصال برجل. فليس في قولها هذا ~~دلالة على أنها لم تعلم أنه تعالى قادر على خلق الولد ابتداء. كيف وقد عرفت ~~أن أبا البشر قد خلقه الله تعالى من غير أب أو أم ...» (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@07 قال كذلك قال ربك هو علي هين ... ) رد من جبريل عليها. # أى : قال الأمر كذلك أى : كما ذكرت من أن بشرا لم يمسسك ومن أنك لم تكوني ~~في يوم من الأيام بغيا. أو الأمر كذلك من أنى أرسلنى ربك لأهب لك غلاما ~~زكيا من غير أن يكون له أب. # وقوله ( @QUR@05 قال ربك هو علي هين ) بيان لمظهر من مظاهر قدرة الله ~~تعالى التي لا يعجزها شيء ، أى : ( @QUR@03 قال ربك هو ) أى : خلق ولدك من ~~غير أب ( @QUR@02 علي هين ) أى : سهل يسير لأن قدرتنا لا يعجزها شيء. # وقوله سبحانه ( @QUR@03 ولنجعله آية للناس ) تعليل لمعلل محذوف ، أى : ~~ولنجعل وجود الغلام منك من غير أن يمسك بشر ( @QUR@01 آية ) عظيمة ، وأمرا ~~عجيبا يدل دلالة واضحة على قدرتنا ، أمام الناس جميعا ، فإن قدرتنا لا ~~يعجزها ذلك ، كما لا يعجزها أن توجد بشرا من غير أب وأم كما فعلنا مع آدم. ~~أو من غير أم كما فعلنا مع حواء ، أو من أب وأم كما فعلنا مع سائر البشر. # وقوله : ( @QUR@02 ورحمة منا ) معطوف على ما قبله ، أى : ولنجعل هذا ~~الغلام الذي وهبناه لك من غير أب رحمة عظيمة منا لمن آمن به ، واتبع دعوته. ~~( @QUR@01 وكان ) وجود هذا الغلام منك على هذه الكيفية ( @QUR@02 أمرا ~~مقضيا ) أى : مقدرا في الأزل مسطورا في اللوح المحفوظ ، ولا بد من وقوعه ~~بدون تغيير أو تبديل. # وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة ، قد حكت لنا جانبا من حالة مريم ومن ~~الحوار الذي جرى ms3762 بينها وبين جبريل عليه السلام الذي تمثل لها في صورة بشر سوى. # ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن مشهد آخر من مشاهد تلك القصة ~~العجيبة ، حكت فيها حالتها عند حملها بعيسى ، وعند ما جاءها المخاض. فقال ~~تعالى : PageV09P026 # ( @QUR@05 فحملته فانتبذت به مكانا قصيا (22) @QUR@014 فأجاءها المخاض ~~إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا (23) @QUR@010 ~~فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا (24) @QUR@08 وهزي إليك ~~بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا (25) @QUR@018 فكلي واشربي وقري عينا ~~فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا ) (26) # قال ابن كثير رحمه الله : يقول تعالى مخبرا عن مريم ، أنها لما قال لها ~~جبريل عن الله تعالى ما قال : أنها استسلمت لقضائه تعالى ، فذكر غير واحد ~~من علماء السلف ، أن الملك وهو جبريل عليه السلام عند ذلك نفخ في جيب درعها ~~، فنزلت النفخة حتى ولجت في الفرج ، فحملت بالولد بإذن الله تعالى ... # والمشهور عن الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر. قال عكرمة : ثمانية أشهر. ~~وعن ابن عباس أنه قال : لم يكن إلا أن حملت فوضعت ، وهذا غريب ، وكأنه ~~مأخوذ من ظاهر قوله تعالى : ( @QUR@010 فحملته فانتبذت به مكانا قصيا ~~فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة ). فالفاء وإن كانت للتعقيب ، لكن تعقيب كل ~~شيء بحسبه. # فالمشهور الظاهر والله على كل شيء قدير أنها حملت به كما تحمل النساء ~~بأولادهن ...» (1). # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@01 فحملته .. ) هي الفصيحة ؛ أى : وبعد أن ~~قال جبريل لمريم إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا ... نفخ فيها فحملته ~~، أى : عيسى ، فانتبذت به ، أى : فتنحت به وهو في بطنها ( @QUR@02 مكانا ~~قصيا ) أى : إلى مكان بعيد عن المكان الذي يسكنه أهلها. PageV09P027 # يقال : قصى فلان عن فلان قصوا وقصوا ، إذا بعد عنه. ويقال : فلان بمكان ~~قصى ، أى : بعيد. # وجمهور العلماء على أن هذا المكان القصي ، كان بيت لحم بفلسطين. # قال ابن عباس : أقصى الوادي ، وهو وادي بيت لحم ، فرارا من قومها أن ~~يعيروها بولادتها من غير زوج» ms3763 (1). # ثم حكى سبحانه ما اعتراها من حزن عند ما أحست بقرب الولادة فقال : ( ~~@QUR@014 فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت ~~نسيا منسيا ). # وقوله : ( @QUR@01 فأجاءها ) أى : فألجأها ، يقال : أجأته إلى كذا ، ~~بمعنى : ألجأته واضطرته إليه. ويقال : جاء فلان. وأجاءه غيره ، إذا حمله ~~على المجيء ، ومنه قول الشاعر : # وجار سار معتمدا علينا %~% أجاءته المخافة والرجاء # قال صاحب الكشاف : «أجاء : منقول من جاء ، إلا أن استعماله قد تغير بعد ~~النقل إلى معنى الإلجاء. ألا تراك تقول : جئت المكان وأجاءنيه زيد ، كما ~~تقول : بلغته وأبلغنيه ...» (2). # والمخاض : وجع الولادة. يقال : مخضت المرأة بكسر الخاء تمخض بفتحها إذا ~~دنا وقت ولادتها مأخوذ من المخض ، وهو الحركة الشديدة ، وسمى بذلك لشدة ~~تحرك الجنين في بطن الأم عند قرب خروجه. # وجذع النخلة : ساقها الذي تقوم عليه. # أى : وبعد أن حملت مريم بعيسى ، وابتعدت به وهو محمول في بطنها عن قومها ~~، وحان وقت ولادتها. ألجأها المخاض إلى جذع النخلة لتتكئ عليه عند الولادة ... # فاعتراها في تلك الساعة ما اعتراها من هم وحزن وقالت : ( @QUR@05 يا ~~ليتني مت قبل هذا ) الحمل والمخاض الذي حل بي ( @QUR@03 وكنت نسيا منسيا ) ~~أى : وكنت شيئا منسيا متروكا ، لا يهتم به أحد ، وكل شيء نسى وترك ولم يطلب ~~فهو نسى ونسى. # قال القرطبي : «والنسى في كلام العرب : الشيء الحقير الذي من شأنه أن ~~ينسى ولا يتألم لفقده كالوتد ، والحبل للمسافر. وقرئ : ( @QUR@01 نسيا ) ~~بكسر النون وهما لغتان مثل : الوتر والوتر ...» (3). PageV09P028 # قال الآلوسى ما ملخصه : «وإنما قالت ذلك مع أنها كانت تعلم ما جرى بينها ~~وبين جبريل من الوعد الكريم ، استحياء من الناس ، وخوفا من لائمتهم ، أو ~~حذرا من وقوع الناس في المعصية بسبب كلامهم في شأنها. # وتمنى الموت لمثل ذلك لا كراهة فيه لأنه يتعلق بأمر ديني نعم يكره أن ~~يتمنى المرء الموت لأمر دنيوى كمرض أو فقر .. ففي صحيح مسلم ، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : «لا يتمنين أحدكم الموت لضرر نزل به ، فإن كان لا ~~بد متمنيا فليقل : اللهم ms3764 أحينى ما كانت الحياة خيرا لي ، وتوفني إذا كانت ~~الوفاة خيرا لي». # ومن ظن أن تمنى مريم الموت كان لشدة الوجع فقد أساء الظن (1). # ثم ذكر سبحانه جانبا من إكرامه لمريم في تلك الساعات العصيبة من حياتها ~~فقال : ( @QUR@022 فناداها من تحتها ألا تحزني ، قد جعل ربك تحتك سريا. ~~وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا ، فكلي واشربي وقري عينا ... ). # والذي ناداها يرى بعضهم أنه جبريل عليه السلام . وقوله ( @QUR@02 من تحتها ~~) فيه قراءتان سبعيتان : إحداهما : بكسر الميم في لفظ ( @QUR@01 من ) على ~~أنه حرف جر ، وخفض تاء ( @QUR@01 تحتها ) على أنه مجرور بحرف الجر والفاعل ~~محذوف أى : فناداها جبريل من مكان تحتها ، أى أسفل منها ... # والثانية : بفتح الميم في لفظ ( @QUR@01 من ) على أنه اسم موصول ، فاعل ~~نادى وبفتح التاء في ( @QUR@01 تحتها ) على الظرفية ، أى : فناداها الذي هو ~~تحتها ، وهو جبريل عليه السلام . # قال القرطبي : قوله تعالى ( @QUR@03 فناداها من تحتها ). # قال ابن عباس : المراد بمن تحتها جبريل ، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به ~~قومها .. ففي هذا لها آية وأمارة أن هذا من الأمور الخارقة للعادة ، التي ~~لله تعالى فيها مراد عظيم» (2). # ويرى بعض المفسرين أن المنادى هو عيسى عليه السلام فيكون المعنى : فناداها ~~ابنها عيسى الذي كان عند ما وضعته موجودا تحتها. # وقد رجح الإمام ابن جرير هذا الرأى فقال : «وأولى القولين في ذلك عندنا ~~قول من قال : الذي ناداها ابنها عيسى ، وذلك أنه من كناية أى ضمير ذكره ~~أقرب منه من ذكر جبريل ، فرده على الذي هو أقرب إليه أولى من رده على الذي ~~هو أبعد منه ، ألا ترى أنه في PageV09P029 # سياق قوله تعالى ( @QUR@05 فحملته فانتبذت به مكانا قصيا .. ) ثم قيل : ~~فناداها نسقا على ذلك ، ولعلة أخرى وهي قوله : ( @QUR@02 فأشارت إليه .. ) ~~ولم تشر إليه إن شاء الله إلا وقد علمت أنه ناطق في حاله تلك ..» (1). # ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن جرير من كون الذي نادى مريم هو ابنها عيسى ~~، أقرب إلى الصواب ، لأن هذا النداء منه لها في تلك الساعة ms3765 ، فيه ما فيه من ~~إدخال الطمأنينة والسكينة على قلبها. # أى : فناداها ابنها عيسى الذي كان أسفل منها عند ما وضعته. مطمئنا إياها ~~بعد أن قالت : يا ليتني مت قبل هذا الذي حدث لي .. ناداها بقوله : ( ~~@QUR@02 ألا تحزني ) يا أماه ( @QUR@05 قد جعل ربك تحتك سريا ) أى جدولا ~~صغيرا من الماء ، لتأخذى منه ما أنت في حاجة إليه ، وسمى النهر الصغير من ~~الماء سريا ، لأن الماء يسرى فيه. # وقيل : المراد بالسرى : عيسى عليه السلام مأخوذ من السرو بمعنى الرفعة ~~والشرف. # يقال : سرو الرجل يسرو كشرف يشرف فهو سرى ، إذا علا قدره وعظم أمره ومنه ~~قول الشاعر : # لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم %~% ولا سراة إذا جهالهم سادوا # أى : قد جعل ربك تحتك يا مريم إنسانا رفيع القدر ، وهو ابنك عيسى ، ~~والجملة الكريمة تعليل لانتفاء الحزن المفهوم من النهى بقوله : ( @QUR@02 ~~ألا تحزني ) قال بعض العلماء ما ملخصه : «وأظهر القولين عندي أن السرى في ~~الآية النهر الصغير لأمرين : # أحدهما : القرينة من القرآن ، لأن قوله بعد ذلك ( @QUR@02 فكلي واشربي ) ~~قرينة على أن ذلك المأكول والمشروب هو ما تقدم الامتنان به في قوله : ( ~~@QUR@05 قد جعل ربك تحتك سريا ). # الثاني : ما جاء عن ابن عمر من أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : «إن ~~السرى الذي قال الله لمريم : ( @QUR@05 قد جعل ربك تحتك سريا ) نهر أخرجه ~~الله لها لتشرب منه». # فهذا الحديث وإن كانت طرقه لا يخلو شيء منها من ضعف أقرب إلى الصواب من ~~دعوى أن السرى عيسى بغير دليل يجب الرجوع إليه» (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 وهزي إليك بجذع النخلة ). معطوف على ما قاله ~~عيسى لأمه PageV09P030 # مريم. والباء في قوله ( @QUR@01 بجذع ) مزيدة للتوكيد ، لأن فعل الهز ~~يتعدى بنفسه. # أى : وحركي نحوك أو جهة اليمين أو الشمال جذع النخلة ( @QUR@03 تساقط ~~عليك رطبا ) وهو ما نضج واستوى من الثمر ( @QUR@01 جنيا ) أى : صالحا للأخذ ~~والاجتناء ( @QUR@01 فكلي ) من ذلك الرطب ( @QUR@01 واشربي ) من ذلك السرى ~~، ( @QUR@02 وقري عينا ) أى : طيبي نفسا بوجودى تحتك ، واطردى عنك الأحزان. # يقال : قرت عين فلان ، إذا ms3766 رأت ما كانت متشوقة إلى رؤيته. مأخوذ من ~~القرار بمعنى الاستقرار والسكون ، لأن العين إذا رأت ما تحبه سكنت إليه ، ~~ولم تنظر إلى غيره. # وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة ، أن مباشرة الأسباب في طلب الرزق ~~أمر واجب وأن ذلك لا ينافي التوكل على الله ، لأن المؤمن يتعاطى الأسباب ~~امتثالا لأمر ربه مع علمه ويقينه أنه لا يقع في ملكه سبحانه إلا ما يشاؤه ~~ويريده. # وهنا قد أمر الله تعالى مريم على لسان مولودها بأن تهز النخلة ليتساقط ~~لها الرطب ، مع قدرته سبحانه على إنزال الرطب إليها من غير هز أو تحريك ، ~~ورحم الله القائل : # ألم تر أن الله قال لمريم %~% وهزي إليك الجذع يساقط الرطب ولو شاء أن تجنيه من غير هزه %~% جنته ، ولكن كل شيء له سبب # كما أخذوا منها أن خير ما تأكله المرأة بعد ولادتها الرطب ، قالوا : لأنه ~~لو كان شيء أحسن للنفساء من الرطب لأطمعه الله تعالى لمريم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@014 فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت ~~للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا ) حكاية منه تعالى لبقية كلام عيسى لأمه. # ولفظ ( @QUR@01 فإما ) مركب من إن الشرطية ، وما المزيدة لتوكيد الشرط و ~~( @QUR@01 ترين ) فعل الشرط ، وجوابه ( @QUR@01 فقولي ) وبين هذا الجواب ~~وشرطه كلام محذوف يرشد إليه السياق. # والمعنى : أن عيسى عليه السلام قال لأمه : لا تحزني يا أماه بسبب وجودى ~~بدون أب ، وقرى عينا ، وطيبي نفسا لذلك ، فإما ترين من البشر أحدا كائنا من ~~كان فسألك عن أمرى وشأنى فقولي له ( @QUR@04 إني نذرت للرحمن صوما ) أى : ~~صمتا عن الكلام ( @QUR@04 فلن أكلم اليوم إنسيا ) لا في شأن هذا المولود ~~ولا في شأن غيره ، وإنما سأترك الكلام لابني ليشرح لكم حقيقة أمره. PageV09P031 # قالوا : إنما منعت من الكلام لأمرين : أحدهما : أن يكون عيسى هو المتكلم ~~عنها ليكون أقوى لحجتها في إزالة التهمة عنها ، وفي هذا دلالة على تفويض ~~الكلام إلى الأفضل. والثاني : «كراهة مجادلة السفهاء ، وفيه أن السكوت عن ~~السفيه واجب ، ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافها» ms3767 (1). # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد حكت لنا بأسلوبها البليغ الحكيم ما ~~فعلته مريم عند ما شعرت بالحمل وما قالته عند ما أحست بقرب الولادة ، وما ~~قاله لها مولودها عيسى من كلام جميل طيب ، لإدخال الطمأنينة على قلبها. # ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن مشهد آخر من مشاهد تلك القصة ~~العجيبة ؛ مشهد مريم عند ما جاءت بوليدها إلى قومها ، وما قالوه لها ، وما ~~قاله وليدها لهم ... # استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى ذلك فيقول : # ( @QUR@011 فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا (27) ~~@QUR@012 يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا (28) ~~@QUR@010 فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا (29) @QUR@08 ~~قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا (30) @QUR@011 وجعلني مباركا ~~أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا (31) @QUR@06 وبرا بوالدتي ~~ولم يجعلني جبارا شقيا (32) @QUR@09 والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم ~~أبعث حيا ) (33) # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 فأتت به قومها تحمله ... ) معطوف على كلام ~~محذوف يفهم من سياق القصة. PageV09P032 # والتقدير : وبعد أن استمعت مريم إلى ما قاله لها ابنها عيسى عليه السلام ~~اطمأنت نفسها ، وقرت عينها ، فأتت به أى بمولودها عيسى إلى قومها. وهي ~~تحمله معها من المكان القصي الذي اعتزلت فيه قومها. # قال الآلوسى : أى : جاءتهم مع ولدها حاملة إياه ، على أن الباء للمصاحبة. ~~وجملة ( @QUR@01 تحمله ) في موضع الحال من ضمير مريم ... وكان هذا المجيء ~~على ما أخرج سعيد بن منصور ، وابن عساكر عن ابن عباس بعد أربعين يوما حين ~~طهرت من نفاسها ... # وظاهر الآية والأخبار «أنها جاءتهم به من غير طلب منهم ..» (1). # ثم حكى سبحانه ما قاله قومها عند ما رأوها ومعها وليدها فقال : ( @QUR@07 ~~قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا ). # أى : قالوا لها على سبيل الإنكار : يا مريم لقد جئت أى فعلت شيئا منكرا ~~عجيبا في بابه ، حيث أتيت بولد من غير زوج نعرفه لك. # والفري : مأخوذ من فريت الجلد إذا قطعته ، أى : شيئا قاطعا وخارقا للعادة ~~، ومرادهم : أنها ms3768 أتت بولدها عن طريق غير شرعي ، كما قال تعالى في آية أخرى ~~: ( @QUR@06 وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما ). # ويدل على أن مرادهم هذا ، قولهم بعد ذلك : ( @QUR@08 يا أخت هارون ما كان ~~أبوك امرأ سوء ). # أى : ما كان أبوك رجلا زانيا أو معروفا بالفحش ( @QUR@04 وما كانت أمك ~~بغيا ) أى : تتعاطى الزنا. يقال : بغت المرأة ، إذا فجرت وابتعدت عن طريق ~~الطهر والعفاف. # وليس المراد بهارون : هارون بن عمران أخا موسى ، وإنما المراد به رجل من ~~قومها معروف بالصلاح والتقوى ، فشبهت به ، أى : يا أخت هارون في الصلاح ~~والتقوى. # أو المراد به أخ لها كان يسمى بهذا الاسم. # قال الآلوسى ما ملخصه : «وقوله : ( @QUR@03 يا أخت هارون ) استئناف ~~لتجديد التعيير ، وتأكيد التوبيخ ، وليس المراد بهارون أخا موسى بن عمران ~~عليهما السلام لما أخرج أحمد ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي ، والطبراني ، ~~وابن حبان ، وغيرهم عن المغيرة بن شعبة قال : بعثني رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى أهل نجران فقالوا : أرأيت ما تقرأون : PageV09P033 # ( @QUR@03 يا أخت هارون ) وموسى قبل عيسى بكذا وكذا. قال : فرجعت فذكرت ~~ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : «ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون ~~بالأنبياء والصالحين قبلهم» .. # وعن قتادة قال : «هو رجل صالح في بنى إسرائيل. والأخت على هذا بمعنى ~~المشابهة ، وشبهوها به تهكما ، أو لما رأوا قبل من صلاحها ...» (1). # وعلى أية حال فإن مرادهم بقولهم هذا ، هو اتهام مريم بما هي بريئة منه ، ~~والتعجب من حالها ، حيث انحدرت من أصول صالحة طاهرة ، ومع ذلك لم تنهج نهجهم. # وهنا نجد مريم تبدأ في الدفاع عن نفسها ، عن طريق وليدها ( @QUR@02 ~~فأشارت إليه ). # أى : فأشارت إلى ابنها عيسى ، ولسان حالها يقول لهم : وجهوا كلامكم إليه ~~فإنه سيخبركم بحقيقة الأمر. # ولكنهم لم يقتنعوا بإشارتها بل قالوا لها : ( @QUR@07 كيف نكلم من كان في ~~المهد صبيا ). # والمهد : اسم للمضطجع الذي يهيأ للصبي في رضاعه. وهو في الأصل مصدر مهده ~~يمهده إذا بسطه وسواه. # أى : كيف نكلم طفلا صغيرا ما زال في مهده وفي حال رضاعه. # والفعل الماضي وهو ( @QUR@01 كان ms3769 ) هاهنا بمعنى الفعل المضارع المقترن ~~بالحال ، كما يدل عليه سياق القصة. # ولكن عيسى عليه السلام أنطقه الله تعالى بما يدل على صدق مريم وطهارتها ~~فقال : ( @QUR@04 قال إني عبد الله .. ) أى : قال عيسى في رده على المنكرين ~~على أمه إتيانها به : إنى عبد الله ، خلقني بقدرته ، فأنا عبده وأنتم أيضا ~~عبيده ، وهذا الخالق العظيم ( @QUR@02 آتاني الكتاب ) أى : سبق في قضائه ~~إيتائى الكتاب أى : الإنجيل أو التوراة أو مجموعهما. # وعبر في هذه الجملة وفيما بعدها بالفعل الماضي عما سيقع في المستقبل ، ~~تنزيلا لتحقق الوقوع منزلة الوقوع الفعلى. # وهذا التعبير له نظائر كثيرة في القرآن الكريم ، منها قوله تعالى : ( ~~@QUR@05 أتى أمر الله فلا تستعجلوه ). # وقوله سبحانه ( @QUR@012 ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من PageV09P034 # @QUR@010 شاء الله. ثم نفخ فيه أخرى. فإذا هم قيام ينظرون ) (1). # وقوله : ( @QUR@02 وجعلني نبيا ) أدعو الناس إلى عبادته وحده ( @QUR@01 ~~وجعلني ) أيضا بجانب نبوتي ( @QUR@01 مباركا ) أى : كثير الخير والبركة ( ~~@QUR@03 أين ما كنت ) أى : حينما حللت جعلني مباركا ، فأينما شرطية وجوابها ~~محذوف لدلالة ما قبله عليه. # ( @QUR@03 وأوصاني بالصلاة والزكاة ) أى : بالمحافظة على أدائهما ( ~~@QUR@03 ما دمت حيا ) في هذه الدنيا. # وقوله : ( @QUR@02 وبرا بوالدتي )، أى : وجعلني كذلك مطيعا والدتي ، ~~وبارا بها ، ومحسنا إليها ، ( @QUR@02 ولم يجعلني ) سبحانه فضلا منه وكرما ~~( @QUR@02 جبارا شقيا ) أى : ولم يجعلني مغرورا متكبرا مرتكبا للمعاصي ~~والموبقات. # ( @QUR@01 والسلام ) والأمان منه تعالى ( @QUR@05 علي يوم ولدت ويوم أموت ~~) مفارقا هذه الدنيا ( @QUR@03 ويوم أبعث حيا ) للحساب والجزاء يوم ~~القيامة. # فأنت ترى أن عيسى عليه السلام قد وصف نفسه بمجموعة من الصفات الفاضلة ، ~~افتتحها بصفة العبودية لله رب العالمين ، لإرشاد الناس إلى تلك الحقيقة ~~التي لا حق سواها. واختتمها برجاء الأمان له من الله تعالى في كل أطوار حياته. # ثم ختم سبحانه هذه القصة ببيان وجه الحق فيها ، وأنذر الذين وصفوا عيسى ~~وأمه بما هما بريئان منه بسوء المصير. فقال تعالى : # ( @QUR@09 ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون (34) @QUR@016 ما ~~كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما ms3770 يقول له كن فيكون (35) ~~@QUR@08 وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (36) @QUR@011 فاختلف ~~الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم (37) @QUR@011 أسمع ~~بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين (38) PageV09P035 # @QUR@012 وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون ~~(39) @QUR@08 إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون ) (40) # واسم الإشارة ( @QUR@01 ذلك ) في قوله : ( @QUR@04 ذلك عيسى ابن مريم ) ~~إشارة إلى ما ذكره الله تعالى قبل ذلك لعيسى من صفات حميدة ، ومن أخبار ~~صادقة وهو مبتدأ ، وعيسى خبره ، وابن مريم صفته. # ولفظ : ( @QUR@01 قول ) فيه قراءتان سبعيتان إحداهما قراءة الجمهور بضم ~~اللام ، والثانية قراءة ابن عامر وعاصم ، بفتحها. # وعلى القراءة بالرفع يكون ( @QUR@02 قول الحق ) خبر مبتدأ محذوف. فيكون ~~المعنى : ذلك الذي أخبرناك عنه بشأن عيسى وأمه هو قول الحق عز وجل وهو قول ~~لا يحوم حوله باطل ، ولا يخالطه ريب أو شك. فلفظ ( @QUR@01 الحق ) يصح أن ~~يراد به الله سبحانه لأنه من أسمائه ، ويصح أن يراد به ما هو ضد الباطل ، ~~وهو الصدق والثبوت. # وعلى قراءة النصب يكون لفظ ( @QUR@01 قول ) مصدرا مؤكدا لمضمون الجملة ، ~~أى : ذلك الذي قصصناه عليك أيها الرسول الكريم من شأن عيسى ابن مريم ، هو ~~القول الثابت الصادق. الذي أقول فيه قول الحق. # والإضافة من باب إضافة الموصوف إلى صفته أى : القول الحق ، كقوله تعالى ( ~~@QUR@02 وعد الصدق ) أى : الوعد الصدق. # وقوله : ( @QUR@03 الذي فيه يمترون ) بيان لموقف الكافرين من هذا القول ~~الحق الذي ذكره الله تعالى عن عيسى وأمه. و ( @QUR@01 الذي ) صفة للقول. أو ~~للحق ، و ( @QUR@01 يمترون ) يشكون من المرية بمعنى الشك والجدل ... # أى : ذلك الذي ذكرناه لك من خبر عيسى هو القول الحق ، الذي شك في صدقه ~~الكافرون ، وتنازع فيه الضالون ، فلا تلتفت إلى شكهم وكفرهم بل ذرهم في ~~طغيانهم يعمهون. # ثم نزه سبحانه ذاته عن أن يكون له ولد فقال : ( @QUR@08 ما كان لله أن ~~يتخذ من ولد سبحانه ... ) أى : ما يصح وما يستقيم وما يتصور في حقه تعالى ~~أن يتخذ ولدا ، لأنه منزه ms3771 عن ذلك ، لأن الولد إنما يتخذه الفانون للامتداد ~~، ويتخذه الضعفاء للنصرة ، والله تعالى هو الباقي بقاء أبديا ، وهو القوى ~~القادر الذي لا يعجزه شيء. PageV09P036 # و ( @QUR@01 من ) في قوله ( @QUR@02 من ولد ) لتأكيد هذا النفي وتعميمه. # وفي معنى هذه الآيات جاءت آيات كثيرة منها قوله تعالى في هذه السورة : ( ~~@QUR@027 وقالوا اتخذ الرحمن ولدا. لقد جئتم شيئا إدا ، تكاد السماوات ~~يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا. أن دعوا للرحمن ولدا. وما ينبغي ~~للرحمن أن يتخذ ولدا ). (1) # ثم بين سبحانه ما يدل على غناه عن الولد والوالد والصاحب والشريك فقال : ~~( @QUR@08 إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) أى : لا يتصور في حقه ~~سبحانه اتخاذ الولد ، لأنه إذا أراد قضاء أمر ، فإنما يقول له : كن ، فيكون ~~في الحال ، بدون تأخير أو تردد. # وقوله تعالى ( @QUR@05 وإن الله ربي وربكم فاعبدوه .... ) قرأه ابن عامر ~~والكوفيون بكسر همزة ( @QUR@01 إن ) على الاستئناف ، أى : وإن عيسى ~~عليه السلام قد قال لقومه أيضا وإن الله تعالى هو ربي وهو ربكم فأخلصوا له ~~العبادة والطاعة ، وهذا الذي أمرتكم به هو الصراط المستقيم الذي لا يضل سالكه. # وقرأ الباقون بفتح همزة أن بتقدير حذف حرف الجر أى : وقال عيسى لقومه : ~~ولأن الله ربي وربكم فاعبدوه ... كما في قوله تعالى : ( @QUR@08 وأن ~~المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ) أى : ولأن المساجد لله .. # ثم بين سبحانه موقف أهل الكتاب من عيسى عليه السلام فقال : ( @QUR@011 ~~فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم ). # والأحزاب جمع حزب والمراد بهم فرق اليهود والنصارى الذين اختلفوا في شأنه ~~عليه السلام فمنهم من اتهم أمه بما هي بريئة منه ، وهم اليهود كما في قوله : ~~( @QUR@06 وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما ). # ومنهم من قال هو ابن الله ، أو هو الله ، أو إله مع الله ، أو هو ثالث ~~ثلاثة ... إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة التي حكاها القرآن عن الضالين ~~وهم النصارى. # ولفظ ويل مصدر لا فعل له من لفظه ، وهو كلمة عذاب ووعيد. # و ( @QUR@01 مشهد ) يصح ms3772 أن يكون مصدرا ميميا بمعنى الشهود والحضور. # والمعنى : هكذا قال عيسى عليه السلام لقومه : ( @QUR@04 اعبدوا الله ربي ~~وربكم ) ولكن الفرق الضالة من اليهود والنصارى اختلفوا فيما بينهم في شأنه ~~اختلافا كبيرا ، وضلوا ضلالا PageV09P037 # بعيدا ، حيث وصفوه بما هو برىء منه ، فويل لهؤلاء الكافرين من شهود ذلك ~~اليوم العظيم وهو يوم القيامة ، حيث سيلقون عذابا شديدا من الله بسبب ما ~~نطقوا به من زور وبهتان. # وعبر عنهم بالموصول في قوله ( @QUR@02 للذين كفروا ) إيذانا بكفرهم جميعا ~~، وإشعارا بعلة الحكم. # قال أبو حيان : «ومعنى : ( @QUR@02 من بينهم ) أن الاختلاف لم يخرج عنهم ~~، بل كانوا هم المختلفين دون غيرهم» (1). # وجاء التعبير في قوله ( @QUR@04 من مشهد يوم عظيم ) بالتنكير ، للتهويل ~~من شأن هذا المشهد ، ومن شأن هذا اليوم وهو يوم القيامة ، الذي يشهده ~~الثقلان وغيرهما من مخلوقات الله تعالى . # وقوله سبحانه ( @QUR@05 أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا ... ) تهكم بهم ، ~~وتوعد لهم بالعذاب الشديد ، فهو تأكيد لما قبله. # و ( @QUR@03 أسمع بهم وأبصر ) صيغتا تعجب ، لفظهما لفظ الأمر ، ومعناهما ~~التعجيب ، أى حمل المخاطب على التعجيب ، وفاعلهما الضمير المجرور بالباء ، ~~وهي زائدة فيهما لزوما ، والمعنى : ما أسمع هؤلاء الكافرين وما أبصرهم في ~~ذلك اليوم ، لما يخلع قلوبهم ، ويسود وجوههم ، مع أنهم كانوا في الدنيا صما ~~وعميانا عن الحق الذي جاءتهم به رسلهم. # فالمراد باليوم في قوله ( @QUR@06 لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين ) هو ~~ما كانوا فيه في الدنيا من ضلال وغفلة عن الحق. # أى : أن هؤلاء القوم ما أعجب حالهم إنهم لا يسمعون ولا يبصرون في الدنيا ~~حين يكون السمع والبصر وسيلة للهدى والنجاة. وهم أسمع ما يكون السمع وأبصر ~~ما يكون البصر ، عند ما يكون السمع والبصر وسيلة للخزى والعذاب في الآخرة. # تم أمر الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بأن يخوف المشركين من ~~أهوال يوم القيامة ، فقال : ( @QUR@012 وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر ~~وهم في غفلة وهم لا يؤمنون ). # والإنذار : الإعلام بالمخوف منه على وجه الترهيب والتحذير ، وأشد ما يخوف ~~به يوم القيامة. # والحسرة : أشد الندم ms3773 على الأمر الذي فات وانقضى ولا يمكن تداركه. # أى : وأنذر أيها الرسول الكريم المشركين ، وخوفهم من أهوال يوم القيامة ، يوم PageV09P038 # يتحسر الظالمون على تفريطهم في طاعة الله ، ولكن هذا التحسر لن ينفعهم ، ~~لأن حكم الله قد نفذ فيهم وقضى الأمر بنجاة المؤمنين ، وبعذاب الفاسقين ، ~~وذهب أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار. # وقوله : ( @QUR@06 وهم في غفلة وهم لا يؤمنون ) حال من الضمير المنصوب في ~~( @QUR@01 أنذرهم ). # أى : أنذرهم لأنهم في حالة يحتاجون فيها إلى الإنذار وهي الغفلة وعدم ~~الإيمان. # هذا ، وقد جاء في الحديث الصحيح ما يدل على أن المراد بقوله تعالى ( ~~@QUR@03 إذ قضي الأمر ). # أى : ذبح الموت. فقد روى البخاري عن أبى سعيد الخدري قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادى مناد : يا أهل الجنة ~~فيشرئبون وينظرون ، فيقول : هل تعرفون هذا؟ فيقولون نعم. هذا الموت وكلهم ~~قد رآه. ثم ينادى يا أهل النار ، فيشرئبون وينظرون فيقول : هل تعرفون هذا؟ ~~فيقولون نعم. هذا الموت وكلهم قد رآه. فيذبح. ثم يقول : يا أهل الجنة خلود ~~بلا موت ، ويا أهل النار خلود بلا موت. ثم قرأ صلى الله عليه وسلم ( @QUR@012 ~~وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون ) (1). # ثم ساق سبحانه ما يدل على كمال قدرته ، وشمول ملكه فقال : ( @QUR@06 إنا ~~نحن نرث الأرض ومن عليها .. ) أى : إنا نحن وحدنا الذين نميت جميع الخلائق ~~الساكنين بالأرض ، فلا يبقى لأحد غيرنا من سلطان عليهم أو عليها ، وهؤلاء ~~الخلائق جميعا ( @QUR@01 وإلينا ) وحدنا ( @QUR@01 يرجعون ) يوم القيامة ، ~~فنحاسبهم على أعمالهم. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى ( @QUR@06 وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن ~~الوارثون ). # وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حدثتنا عن جانب من قصة زكريا ويحيى ، ~~وعن قصة مريم وعيسى ، حديثا يهدى إلى الرشد ، ويزيد المؤمنين إيمانا على ~~إيمانهم ، ويقذف بحقه على باطل المبطلين فيدمغه فإذا هو زاهق. # ثم أوردت السورة الكريمة القصة الثالثة وهي قصة إبراهيم عليه السلام وما ~~دار بينه وبين أبيه من حوار. قال تعالى ms3774 : PageV09P039 # ( @QUR@08 واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا (41) @QUR@016 إذ ~~قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا (42) ~~@QUR@014 يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا ~~(43) @QUR@010 يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا (44) ~~@QUR@012 يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا (45) ~~@QUR@013 قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني ~~مليا (46) @QUR@010 قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا (47) ~~@QUR@014 وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعوا ربي عسى ألا أكون بدعاء ~~ربي شقيا (48) @QUR@014 فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له ~~إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا (49) @QUR@09 ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا ~~لهم لسان صدق عليا ) (50) # قال الإمام الرازي ما ملخصه : «اعلم أن الغرض من هذه السورة ، بيان ~~التوحيد والنبوة والحشر ، والمنكرون للتوحيد فريقان : فريق أثبت معبودا غير ~~الله حيا عاقلا وهم النصارى ومن على شاكلتهم ، وفريق أثبت معبودا من الجماد ~~ليس بحي ولا عاقل ، وهم عبدة الأوثان. والفريقان وإن اشتركا في الضلال إلا ~~أن ضلال الفريق الثاني أعظم. ولما بين سبحانه ضلال الفريق الأول وهم ~~النصارى ، أتبعه بذكر الفريق الثاني ، وهم عبدة الأوثان قوم إبراهيم ~~عليه السلام (1). PageV09P040 # وإبراهيم عليه السلام هو من أولى العزم من الرسل ، وهو الذي جعل الله في ~~ذريته النبوة والكتاب ، وهو الذي وصفه الله تعالى بجملة من الصفات الكريمة ~~، منها قوله تعالى : ( @QUR@05 إن إبراهيم لحليم أواه منيب ) (1). # أى : واذكر أيها الرسول الكريم للناس في هذا القرآن قصة أبيهم إبراهيم ~~عليه السلام ، لكي يعتبروا ويتعظوا ويقتدوا بهذا النبي الكريم في قوة إيمانه ~~، وصفاء يقينه وجميل أخلاقه. # وقوله : ( @QUR@04 إنه كان صديقا نبيا ) استئناف مسوق لتعليل موجب الأمر ~~في قوله : ( @QUR@01 واذكر ). # والصديق : صيغة مبالغة من الصدق. أى : إنه كان ملازما للصدق في كل أقواله ~~وأفعاله وأحواله ، كما كان نبيا من أولى العزم ، الذين فضلهم الله على ~~غيرهم من الرسل الكرام. # ثم بين سبحانه مظاهر ms3775 صدقه وإخلاصه لدعوة الحق فقال : ( @QUR@016 إذ قال ~~لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ). # والظرف ( @QUR@01 إذ ) بدل اشتمال من ( @QUR@01 إبراهيم ) وجملة ( ~~@QUR@04 إنه كان صديقا نبيا ) معترضة بين البدل والمبدل منه لتعظيم شأنه ~~عليه السلام . # والتاء في قوله ( @QUR@02 يا أبت ) عوض عن ياء المتكلم ، إذ الأصل با أبى ~~، وناداه بهذا الوصف دون أن يذكر اسمه : زيادة في احترامه واستمالة قلبه للحق. # أى : واذكر خبر إبراهيم وقت أن قال لأبيه آزر مستعطفا إياه : يا أبت لما ~~ذا تعبد شيئا لا يسمع من يناديه. ولا يبصر من يقف أمامه ، ولا يغنى عنك ~~شيئا من الإغناء ، لأنه لا يملك لنفسه فضلا عن غيره نفعا ولا ضرا. # ثم دعاه إلى اتباع الحق بألطف أسلوب فقال : ( @QUR@07 يا أبت إني قد ~~جاءني من العلم ) النافع الذي علمني الله تعالى إياه ( @QUR@03 ما لم يأتك ~~) أنت ، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء ، ( @QUR@01 فاتبعني ) فيما أدعوك ~~إليه ( @QUR@03 أهدك صراطا سويا ) أى : أهدك إلى الطريق المستقيم الذي لا ~~عوج فيه ولا اضطراب. # ثم نهاه عن عبادة الشيطان ، لأنها جهل وانحطاط في التفكير فقال : ( ~~@QUR@05 يا أبت لا تعبد الشيطان ) فإن عبادتك لهذه الأصنام هي عبادة وطاعة ~~للشيطان الذي هو عدو للإنسان. # ثم علل له هذا النهى بقوله : ( @QUR@05 إن الشيطان كان للرحمن عصيا ) أى ~~: إن الشيطان PageV09P041 # الذي أغراك بعبادة هذه الأصنام كان للرحمن عصيا ، أى : كثير العصيان ، لا ~~يهدى الناس إلى طاعة الله ، وإنما يهديهم إلى مخالفته ومعصيته وموجبات غضبه. # ثم ختم هذا النداء بما يدل على حبه له ، وشفقته عليه فقال : ( @QUR@012 ~~يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا ). # أى : يا أبت إنى أشفق عليك من أن ينزل بك عذاب من الرحمن بسبب إصرارك على ~~عبادة غيره ، وبذلك تصبح قرينا للشيطان في العذاب بالنار ، لأنك انقدت له ، ~~وخالفت طريق الحق. # بهذا الأسلوب الحكيم الهادئ الرقيق ... خاطب إبراهيم أباه ، وهو يدعوه ~~إلى عبادته تعالى وحده. # ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال ما ms3776 ملخصه : انظر كيف رتب إبراهيم الكلام ~~مع أبيه في أحسن اتساق ، وساقه أرشق مساق ، مع استعماله المجاملة واللطف ~~والرفق واللين والأدب الجميل والخلق الحسن. # وذلك أنه طلب منه أولا العلة في خطئه. طلب منبه على تماديه ، موقظ ~~لإفراطه وتناهيه ... حيث عبد ما ليس به حس ولا شعور. # ثم ثنى بدعوته إلى الحق مترفقا به متلطفا ، فلم يصف أباه بالجهل المفرط ، ~~ولا نفسه بالعلم الفائق. ولكنه قال : إن معى طائفة من العلم وشيئا منه ليس ~~معك .. ثم ثلث بتثبيطه ونهيه عما كان عليه ، بتصويره بصورة يستنكرها كل ~~عاقل .. ثم ربع بتخويفه سوء العاقبة ، وما يجره ما هو فيه من الوبال. # ولم يخل ذلك من حسن الأدب ، حيث لم يصرح بأن العقاب لا حق له ، وأن ~~العذاب لاصق به ، ولكنه قال : ( @QUR@04 إني أخاف أن يمسك ... ). # وصدر كل نصيحة من النصائح الأربع بقوله : ( @QUR@02 يا أبت ) توسلا ~~واستعطافا ... (1). # ولكن هذه النصيحة الحكيمة الغالية من إبراهيم لأبيه. لم تصادف أذنا واعية ~~ولم تحظ من أبيه بالقبول بل قوبلت بالاستنكار والتهديد فقد قال الأب الكافر ~~لابنه المؤمن : ( @QUR@012 أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم؟ لئن لم تنته ~~لأرجمنك واهجرني مليا ). # والاستفهام في قوله ( @QUR@01 أراغب ) للإنكار والتهديد والرغبة عن الشيء ~~: تركه عمدا زهدا فيه لعدم الحاجة إليه. PageV09P042 # ولفظ ( @QUR@01 راغب ) مبتدأ ، و ( @QUR@01 أنت ) فاعل سد مسد الخبر ، و ~~( @QUR@01 مليا ) أى : زمنا طويلا. مأخوذ من الملاوة ، وهي الفترة الطويلة ~~من الزمان ، ويقال لليل والنهار : الملوان. # والمعنى : قال والد إبراهيم له على سبيل التهديد والوعيد ، أتارك أنت يا ~~إبراهيم عبادة آلهتي ، وكاره لتقرب الناس إليها ، ومنفرهم منها لئن لم تنته ~~عن هذا المسلك ، ( @QUR@01 لأرجمنك ) بالحجارة وبالكلام القبيح ( @QUR@02 ~~واهجرني مليا ) بأن تغرب عن وجهى زمنا طويلا لا أحب أن أراك فيه. # وهكذا قابل الأب الكافر أدب ابنه المؤمن ، بالفظاظة والغلظة والتهديد ~~والعناد والجهالة .. شأن القلب الذي أفسده الكفر. # ولكن إبراهيم عليه السلام لم يقابل فظاظة أبيه وتهديده بالغضب والضيق ، بل ~~قابل ذلك بسعة الصدر. وجميل المنطق ، حيث قال له : ( @QUR@09 سلام عليك ~~سأستغفر ms3777 لك ربي إنه كان بي حفيا ). # أى : لك منى يا أبت السلام الذي لا يخالطه جدال أو أذى ، والوداع الذي ~~أقابل فيه إساءتك إلى بالإحسان إليك. وفضلا عن ذلك فإنى ( @QUR@07 سأستغفر ~~لك ربي إنه كان بي حفيا ) أى : بارا بي ، كثير الإحسان إلى. # يقال : فلان حفى بفلان حفاوة ، إذا بالغ في إكرامه ، واهتم بشأنه. # وقد وفي إبراهيم بوعده ، حيث استمر على استغفاره لأبيه إلى أن تبين له ~~أنه عدو لله تعالى فتبرأ منه كما قال تعالى : ( @QUR@022 وما كان استغفار ~~إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ ~~منه ، إن إبراهيم لأواه حليم ) (1). # ثم حكى سبحانه بعد ذلك أن إبراهيم عليه السلام عند ما رأى تصميم أبيه ~~وقومه على الكفر والضلال ، قرر اعتزالهم والابتعاد عنهم فقال تعالى : ( ~~@QUR@014 وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعوا ربي عسى ألا أكون بدعاء ~~ربي شقيا ). # أى : وقال إبراهيم أيضا لأبيه : إنى بجانب استغفاري لك ، ودعوتي لك ~~بالهداية ، فإنى سأعتزلك وأعتزل قومك ، وأعتزل عبادة أصنامكم التي تعبدونها ~~من دون الله وأرتحل عنكم جميعا إلى أرض الله الواسعة ، وأخص ربي وخالقي ~~بالعبادة والطاعة والدعاء ، فقد عودنى سبحانه أن لا يخيب دعائي وتضرعي إليه. PageV09P043 # وفي تصدير كلامه بلفظ ( @QUR@01 عسى ) دليل على تواضعه ، وعلى أدبه مع ~~خالقه تعالى . # ثم بين سبحانه ما ترتب على اعتزال إبراهيم للشرك والمشركين فقال : ( ~~@QUR@023 فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله ، وهبنا له إسحاق ويعقوب ~~وكلا جعلنا نبيا. ووهبنا لهم من رحمتنا ، وجعلنا لهم لسان صدق عليا ). # أى : فحين اعتزل إبراهيم عليه السلام أباه وقومه وآلهتهم الباطلة. لم ~~نضيعه ، وإنما أكرمناه وتفضلنا عليه بأن وهبنا له إسحاق ويعقوب ليأنس بهما ~~بعد أن فارق أباه وقومه من أجل إعلاء كلمتنا ( @QUR@03 وكلا جعلنا نبيا ) ~~أى : وكل واحد منهما جعلناه نبيا ( @QUR@02 ووهبنا لهم ) أى : لإبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب ( @QUR@02 من رحمتنا ) بأن جعلناهم أنبياء ومنحناهم الكثير ~~من فضلنا وإحساننا ورزقنا. # وجعلنا لهم لسان صدق عليا ، بأن صيرنا الناس يثنون عليهم ويمدحونهم ~~ويذكرونهم بالذكر ms3778 الجميل ، لخصالهم الحميدة ، وأخلاقهم الكريمة. # وهكذا نرى أن اعتزال الشرك والمشركين ، والفسق والفاسقين ، يؤدى إلى ~~السعادة الدينية والدنيوية ، وما أصدق قوله تعالى : ( @QUR@014 فلما ~~اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا ). # وخص سبحانه هنا اسحق ويعقوب بالذكر دون إسماعيل لأن إسماعيل سيذكر فضله ~~بعد قليل. # ثم مدح الله تعالى موسى عليه السلام وهو واحد من أولى العزم من الرسل ، ~~وينتهى نسبه إلى إبراهيم عليه السلام فقال تعالى : # ( @QUR@010 واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا (51) ~~@QUR@07 وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا (52) @QUR@07 ووهبنا ~~له من رحمتنا أخاه هارون نبيا ) (53) # ولفظ ( @QUR@01 مخلصا ) فيه قراءتان سبعيتان ، إحداهما بفتح اللام بصيغة ~~اسم المفعول أى : أخلصه الله تعالى لذاته ، واصطفاه ، كما قال تعالى : ( ~~@QUR@09 قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي .. ) (1). PageV09P044 # والثانية بكسر اللام بصيغة اسم الفاعل أى : كان مخلصا لنا في عبادته ~~وطاعته. # والمعنى : واذكر أيها الرسول الكريم للناس خبر أخيك موسى عليه السلام إنه ~~كان من الذين أخلصناهم واصطفيناهم لحمل رسالتنا ، وكان من الذين أخلصوا لنا ~~وحدنا العبادة والطاعة ، وكان أيضا ( @QUR@01 رسولا ) من جهتنا لتبليغ ما ~~أمرناه بتبليغه ، وكان كذلك ( @QUR@01 نبيا ) رفيع القدر ، عالى المكانة ~~والمنزلة ، فقد جمع الله تعالى له بين هاتين الصفتين الساميتين صفة الرسالة ~~وصفة النبوة. # وقوله تعالى : ( @QUR@07 وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا ) ~~بيان لفضائل أخرى منحها الله تعالى لموسى عليه السلام . # والطور : جبل بين مصر وقرى مدين ، الأيمن : أى الذي يلي يمين موسى. # قال الآلوسى : «والأيمن» صفة لجانب ، لقوله تعالى في آية أخرى : ( ~~@QUR@03 جانب الطور الأيمن ) بالنصب. أى : ناديناه من ناحيته اليمنى ، من ~~اليمين المقابل لليسار. والمراد به يمين موسى ، أى : الناحية التي تلى ~~يمينه «إذ الجبل نفسه لا ميمنة له ولا ميسرة». # ويجوز أن يكون الأيمن من اليمن وهو البركة ، وهو صفة لجانب أيضا أى : من ~~جانبه الميمون المبارك ... # والمراد من ندائه من ذلك الجانب : ظهور كلامه تعالى من تلك الجهة ، ~~والظاهر أنه عليه السلام إنما سمع ms3779 الكلام اللفظي ...» (1). # وقوله ( @QUR@02 وقربناه نجيا ) أى : وقربناه تقريب تشريف وتكريم حالة ~~مناجاته لنا ، حيث أسمعناه كلامنا ، واصطفيناه لحمل رسالتنا إلى الناس. # فقوله ( @QUR@01 نجيا ) من المناجاة وهي المسارة بالكلام ، وهو حال من ~~مفعول وقربناه ، أى : وقربنا موسى منا حال كونه مناجيا لنا. # وقوله تعالى : ( @QUR@07 ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا ) بيان ~~لمظهر آخر من مظاهر فضل الله تعالى على عبده موسى. # أى : ووهبنا لموسى من أجل رحمتنا له. وعطفنا عليه. أخاه هارون ليكون عونا ~~له في أداء رسالته كما قال تعالى حكاية عنه ( @QUR@013 واجعل لي وزيرا من ~~أهلي. هارون أخي اشدد به أزري. وأشركه في أمري ... ). # وقوله : ( @QUR@01 نبيا ) حال من هارون ، أى حال كونه نبيا من أنبياء ~~الله عز وجل . PageV09P045 # هذا ، وما ذكره الله تعالى هنا مجملا عن ندائه لموسى من جانب الطور ~~الأيمن ، قد جاء مفصلا في مواطن أخرى منها قوله تعالى : ( @QUR@047 فلما ~~قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني ~~آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون ، فلما ~~أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة ، أن يا ~~موسى إني أنا الله رب العالمين ... ) (1). # ثم ساق سبحانه جانبا من فضائل إسماعيل عليه السلام وهو الفرع الثاني من ~~ذرية إبراهيم ، فقال تعالى : # ( @QUR@011 واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا ~~(54) @QUR@09 وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا ) (55) # أى : واذكر في هذا الكتاب لقومك أيها الرسول الكريم خبر جدك إسماعيل بن ~~إبراهيم عليهما السلام لكي يتأسوا به في صفاته الجليل ، ( @QUR@04 إنه كان ~~صادق الوعد ) ويكفى للدلالة على صدق وعده ، وشدة وفائه ، أنه وعد أباه بصير ~~على ذبحه فلم يخلف وعده. بل قال كما حكى القرآن عنه ( @QUR@011 يا أبت افعل ~~ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ). # ووصف بصدق الوعد وإن كان غيره من النبيين كذلك تشريفا وتكريما له ، ولأن ~~هذا الوصف من الأوصاف التي اكتملت شهرتها فيه. # وقد مدح الله ms3780 تعالى الأوفياء بعهودهم في آيات كثيرة منها قوله تعالى ( ~~@QUR@016 والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ، والصابرين في البأساء والضراء وحين ~~البأس ، أولئك الذين صدقوا ، وأولئك هم المتقون ). # وروى الإمام الطبراني عن ابن مسعود قال : لا يعد أحدكم صبيه ثم لا ينجز ~~له فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «العدة دين» ... # وقال القرطبي : «والعرب تمتدح بالوفاء ، وتذم بالخلف والغدر ، وكذلك سائر ~~الأمم ، ولقد أحسن القائل : PageV09P046 متى ما يقل حر لصاحب حاجة %~% نعم ، يقضها ، والحر للوعد ضامن # وقوله تعالى : ( @QUR@03 وكان رسولا نبيا ) أى : وكان من رسلنا الذين ~~أرسلناهم لتبليغ شريعتنا ، ومن أنبيائنا الذين رفعنا منزلتهم وأعلينا قدرهم. # قالوا : وكانت رسالته بشريعة أبيه إلى قبيلة جرهم من عرب اليمن ، الذين ~~نزلوا على أمه هاجر بوادي مكة حين خلفها إبراهيم هي وابنها بذلك الوادي ، ~~فسكنوا هناك حتى كبر إسماعيل وزوجوه منهم ، وأرسله الله تعالى إليهم» (1). # ثم وصفه الله تعالى بصفة كريمة ثالثة فقال : ( @QUR@05 وكان يأمر أهله ~~بالصلاة والزكاة ... ). # أى : وكان بجانب حرصه على أداء هاتين الفريضتين ، يأمر أهله وأقرب الناس ~~إليه بالحرص على أدائهما حتى يكون هو وأهله قدوة لغيرهم في العمل الصالح. # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك الذي أثنى الله به على نبيه إسماعيل ~~استجابة لقوله تعالى : ( @QUR@05 وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها .. ). # قال الإمام ابن كثير : «وقد جاء في الحديث عن أبى هريرة قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته ، فإن ~~أبت نضح في وجهها الماء رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها ~~فإن أبى نضحت في وجهه الماء». # وعن أبى سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «إذا استيقظ الرجل من الليل ~~وأيقظ امرأته فصليا ركعتين ، كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات». # ثم ختم سبحانه هذه الصفات الجميلة التي مدح بها نبيه إسماعيل فقال : ( ~~@QUR@04 وكان عند ربه مرضيا ). # أى : وكان إسماعيل عند ربه مرضى الخصال ، لاستقامته في أقواله وأفعاله ، ~~وللصدق في وعده ، ولأمره أهله بالصلاة والزكاة ، ولا ms3781 شك أن من جمع هذه ~~المناقب كان ممن رضى الله عنهم ورضوا عنه. # ثم ختم الله هذا الحديث عن بعض الأنبياء ، بذكر جانب من قصة إدريس ~~عليه السلام فقال : # ( @QUR@08 واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا (56) @QUR@03 ~~ورفعناه مكانا عليا ) (57) PageV09P047 # قال الآلوسى ما ملخصه : «وإدريس هو نبي قبل نوح وبينهما ألف سنة وهو ~~أخنوخ ابن يرد .. بن شيث بن آدم. وهو أول من نظر في النجوم والحساب ، وأول ~~رسول بعد آدم ...» (1). # أى : واذكر أيضا في الكتاب خبر إدريس عليه السلام . إنه كان ملازما للصدق ~~، وكان ممن شرفناهم بالنبوة. # وقوله : ( @QUR@03 ورفعناه مكانا عليا ) قالوا : هو شرف النبوة والزلفى ~~عند الله تعالى أو المراد برفعه إلى المكان العلى : إسكانه في الجنة ، إذ ~~لا شرف أعلى من ذلك .. # وروى أن النابغة الجعدي لما أنشد قوله : # بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا %~% وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا # قال له الرسول صلى الله عليه وسلم : إلى أين المظهر يا أبا ليلى؟ قال : إلى ~~الجنة. قال : أجل إن شاء الله تعالى . # وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حدثتنا عن طرف من قصص زكريا ويحيى وعيسى ~~وإبراهيم وموسى وإسماعيل وإدريس عليهم الصلاة والسلام وقد وصفتهم بما هم ~~أهله من صفات كريمة ، ليتأسى الناس بهم في ذلك. # ثم تسوق السورة الكريمة بعد ذلك موازنة بين هؤلاء الأخيار ، وبين من ~~جاءوا بعدهم من أقوامهم الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ، وتفتح ~~السورة باب التوبة ليدخله بصدق وإخلاص المخطئون ، حتى يكفر الله تعالى عنهم ~~ما فرط منهم. قال تعالى : # ( @QUR@029 أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن ~~حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى ~~عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا (58) @QUR@011 فخلف من بعدهم خلف أضاعوا ~~الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا (59) PageV09P048 # @QUR@012 إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون ~~شيئا (60) @QUR@011 جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده ~~مأتيا (61) @QUR@011 لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة ~~وعشيا ms3782 (62) @QUR@09 تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا ) (63) # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@05 أولئك الذين أنعم الله عليهم ... ) ~~يعود إلى الأنبياء المذكورين في هذه السورة. وهم عشرة أولهم في الذكر زكريا ~~وآخرهم إدريس. # قال القرطبي : «قوله تعالى ( @QUR@010 أولئك الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين من ذرية آدم ) يريد إدريس وحده ( @QUR@04 وممن حملنا مع نوح ) يريد ~~إبراهيم وحده ( @QUR@03 ومن ذرية إبراهيم ) يريد إسماعيل وإسحاق ويعقوب ( ~~@QUR@01 و ) من ذرية ( @QUR@01 إسرائيل ) يريد موسى وهارون وزكريا ويحيى ~~وعيسى فكان لإدريس ونوح شرف القرب من آدم ، ولإبراهيم شرف القرب من نوح ، ~~ولإسماعيل وإسحاق ويعقوب ، شرف القرب من إبراهيم» (1). # وقوله : ( @QUR@03 وممن هدينا واجتبينا ) معطوف على قوله ( @QUR@03 من ~~ذرية آدم ) ومن للتبعيض. # أى : ومن جملة من أنعم الله عليهم ، أولئك الذين هديناهم إلى طريق الحق ~~واجتبيناهم واخترناهم لحمل رسالتنا ووحينا. # فأنت ترى أن الله تعالى قد جمع لهؤلاء المنعم عليهم جملة من المزايا منها ~~: أعمالهم الصالحة ، ومناقبهم الحميدة التي سبق الحديث عنها ، ومنها : ~~كونهم من نسل هؤلاء المصطفين الأخيار ، ومنها أنهم ممن هداهم الله تعالى ~~واصطفاهم لحمل رسالته. # وقد بين سبحانه في سورة النساء من أنعم عليهم بصورة أكثر شمولا فقال : ( ~~@QUR@018 ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ) (2). PageV09P049 # وقوله تعالى : ( @QUR@08 إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا ) ~~بيان لرقة مشاعرهم ، وشدة تأثرهم عند سماع آيات الله تعالى . # فالجملة الكريمة استئناف مسوق لبيان عظم خشيتهم من الله تعالى أو هي خبر ~~لاسم الإشارة ( @QUR@01 أولئك ) و ( @QUR@02 سجدا وبكيا ) جمع ساجد وباك. # أى : أولئك الذين أنعم الله تعالى عليهم ، من صفاتهم أنهم إذا تتلى عليهم ~~آيات الرحمن ، المتضمنة لتمجيده وتعظيمه وحججه .. خروا على جباههم ساجدين ~~وباكين. وسقطوا خاضعين خاشعين خوفا ورجاء ، وتعظيما وتمجيدا لله رب ~~العالمين. # وجمع سبحانه بين السجود والبكاء بالنسبة لهم ، للإشعار بأنهم مع تعظيمهم ~~الشديد لمقام ربهم ، فهم أصحاب قلوب رقيقة ، وعواطف جياشة بالخوف من الله ~~تعالى . # وفي معنى هذه الجملة الكريمة وردت آيات كثيرة ms3783 ، منه قوله تعالى : ( ~~@QUR@031 قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى ~~عليهم يخرون للأذقان سجدا* ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا* ~~ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@021 وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم ~~تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ، يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ) (2). # فهذه الآيات الكريمة تدل على أن من صفات المؤمنين الصادقين ، أنهم ~~يتأثرون تأثرا عظيما عند سماعهم لكلام الله تعالى ، تأثرا يجعلهم يبكون ~~ويسجدون وتقشعر جلودهم ، وتوجل قلوبهم ، وتلين نفوسهم. # قال ابن كثير رحمه الله : قوله تعالى : ( @QUR@08 إذا تتلى عليهم آيات ~~الرحمن خروا سجدا وبكيا ) أى : إذا سمعوا كلام الله المتضمن حججه ودلائله ~~وبراهينه سجدوا لربهم خضوعا واستكانة وشكرا على ما هم فيه من نعم .. فلهذا ~~أجمع العلماء على شرعية السجود هاهنا اقتداء بهم ، واتباعا لمنوالهم وقرأ ~~عمر بن الخطاب رضى الله عنه هذه الآية فسجد وقال : هذا السجود فأين البكاء» (3). # ثم بين سبحانه ما حدث من الذين جاءوا بعد هؤلاء المنعم عليهم فقال : ( ~~@QUR@011 فخلف من بعدهم خلف ، أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون ~~غيا ). PageV09P050 # ولفظ الخلف بسكون اللام الأولاد ، والواحد والجمع فيه سواء ، وأكثر ما ~~يطلق على الأشرار والطالحين ، ومنه المثل السائر : «سكت ألفا ونطق خلفا» ~~وقوله الشاعر : # ذهب الذين نعيش في أكنافهم %~% وبقيت في خلف كجلد الأجرب # والمراد بهذا اللفظ في الآية : اليهود والنصارى وغيرهم من المشركين الذين ~~جاءوا بعد أنبيائهم ، ولكنهم خالفوا شريعتهم ، وأهملوا ما أمروهم به وما ~~نهوهم عنه. # أما لفظ «الخلف» بفتح اللام فيطلق على البدل ولدا كان أو غير ولد وأكثر ~~استعمالاته في المدح ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : «يحمل هذا العلم من كل ~~خلف عدوله ..». # والمعنى : فخلف من بعد أولئك الأخيار الذين أنعم الله عليهم ، خلف سوء ~~وشر ، ومن الأدلة على سوئهم وفجورهم أنهم ( @QUR@02 أضاعوا الصلاة ) بأن ~~تركوها ، أو لم يؤدوها على وجهها المشروع ( @QUR@02 واتبعوا الشهوات ) التي ~~جعلتهم ينهمكون في المعاصي ، ويسارعون في اقتراف المنكرات. # وقوله ms3784 ( @QUR@03 فسوف يلقون غيا ) بيان لسوء عاقبتهم ، أى : فسوف يلقى ~~هؤلاء المضيعون للصلاة ، المتبعون للشهوات ، خسرانا وشرا في دنياهم وآخرتهم ~~، بسبب ضلالهم وتنكبهم الصراط المستقيم. # فالمراد بالغى : الخسران والضلال. يقال : غوى فلان يغوى إذ ضل. والاسم ~~الغواية. # وقيل : المراد بالغي هنا : واد في جهنم تستعيذ من حره أوديتها. وقيل : هو ~~نهر في أسفل جهنم يسيل فيه صديد أهلها. # ثم فتح سبحانه للتائبين باب الرحمة فقال : ( @QUR@06 إلا من تاب وآمن ~~وعمل صالحا ... ). # أى : هذا العقاب الشديد للمضيعين للصلاة ، وللمتبعين للشهوات ، لكن من ~~تاب منهم توبة نصوحا ، وآمن بالله تعالى حق الإيمان ، وعمل في دنياه ~~الأعمال الصالحة. # ( @QUR@01 فأولئك ) المنعوتون بالتوبة والإيمان والعمل الصالح ( @QUR@02 ~~يدخلون الجنة ) بفضله تعالى ورحمته ( @QUR@03 ولا يظلمون شيئا ) أى : ولا ~~ينقصون من أجور أعمالهم شيئا. # وقوله ( @QUR@07 جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب ). بدل من الجنة ~~في قوله ( @QUR@03 فأولئك يدخلون الجنة ). # أى : هؤلاء التائبون المؤمنون العاملون للصالحات يدخلهم الله تعالى جنات ~~عدن ، أى : الجنات الدائمة التي وعدهم الرحمن بدخولها ، وكان هذا الوعد في ~~الدنيا قبل أن PageV09P051 # يشاهدوها أو يروها. # فقوله : ( @QUR@01 بالغيب ) حال من المفعول وهو ( @QUR@01 عباده ) أى : ~~وعدهم بها حالة كونهم غائبين عنها ، لا يرونها ، وإنما آمنوا بوجودها بمجرد ~~إخباره سبحانه لهم بذلك. # وقد أكد سبحانه هذا الوعد لهم في الدنيا بقوله : ( @QUR@04 إنه كان وعده ~~مأتيا ) أى : إنه تعالى كان وما زال ما وعد به عباده وهو الجنة ( @QUR@01 ~~مأتيا ) أى : يأتيه ويصل إليه من وعده الله تعالى به ، لأنه سبحانه لا يخلف وعده. # فقوله : ( @QUR@01 مأتيا ) اسم مفعول من أتاه الشيء بمعنى جاءه ، وقيل : ~~هو اسم مفعول بمعنى فاعل ، أى : إن وعده سبحانه لعباده كان آتيا لا ريب فيه. # ثم وصف سبحانه الجنات وأهلها بما يحمل العقلاء على العمل الصالح الذي ~~يوصلهم إليها بفضله تعالى وكرمه فقال : ( @QUR@06 لا يسمعون فيها لغوا إلا ~~سلاما .. ). # واللغو : هو فضول الكلام ، وما لا قيمة له منه ، ويدخل فيه الكلام ~~الباطل. # وقوله ( @QUR@02 إلا سلاما ) الظاهر فيه أنه استثناء منقطع ، لأن ~~المستثنى ليس من جنس المستثنى منه. ms3785 # أى : لا يسمعون فيها كلاما لغوا ، لكنهم يسمعون فيها سلاما. أى : تسليما ~~من الملائكة عليهم ، كما قال تعالى : ( @QUR@010 والملائكة يدخلون عليهم من ~~كل باب سلام عليكم بما صبرتم .. ). # أو يسمعون فيها تسليما وتحية من بعضهم على بعض ، كما قال تعالى : ( ~~@QUR@03 وتحيتهم فيها سلام ). # قال الآلوسى : قوله إلا سلاما ، استثناء منقطع ، والسلام إما بمعناه ~~المعروف. # أى : لكن يسمعون تسليم الملائكة عليهم ، أو تسليم بعضهم على بعض ، أو ~~بمعنى الكلام السالم من العيب والنقص ، أى : لكن يسمعون كلاما سالما من ~~العيب والنقص. # وجوز أن يكون استثناء متصلا ، وهو من تأكيد المدح بما يشبه الذم ، كما في قوله : # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم %~% بهن فلول من قراع الكتائب # وهو يفيد نفى سماع اللغو بالطريق البرهاني الأقوى. والاتصال على هذا على ~~طريق الفرض والتقدير ، ولو لا ذلك لم يقع موقعه من الحسن والمبالغة» (1). PageV09P052 # وقوله تعالى : ( @QUR@05 ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ) بيان لدوام رزقهم ~~فيها بدون انقطاع ، إذ ليس في الجنة نهار ولا ليل ، ولا بكرة ولا عشى ... # قال القرطبي ما ملخصه قوله ( @QUR@05 ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ) أى : ~~لهم ما يشتهون من المطاعم والمشارب بكرة وعشيا ، أى : في قدر هذين الوقتين ~~، إذ لا بكرة ثم أى هناك ولا عشيا .. وقيل : رزقهم فيها غير منقطع ... # وخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول من حديث أبان عن الحسن وأبى قلابة ~~قالا : قال رجل يا رسول الله ، هل في الجنة من ليل؟ قال صلى الله عليه وسلم : ~~«وما هيجك على هذا»؟ قال : سمعت الله تعالى يذكر في الكتاب : ( @QUR@05 ~~ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ) فقلت : الليل بين البكرة والعشى. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : «ليس هناك ليل وإنما هو ضوء ونور ، يرد الغدو على ~~الرواح ، والرواح على الغدو ، وتأتيهم طرف الهدايا من الله لمواقيت الصلاة ~~التي كانوا يصلون فيها في الدنيا ، وتسلم عليهم الملائكة». # ثم قال الإمام القرطبي : «وهذا في غاية البيان لمعنى الآية ...» (1). # ثم أضاف سبحانه إلى تعظيمه لشأن الجنة تعظيما آخر فقال : ( @QUR@09 تلك ~~الجنة ms3786 التي نورث من عبادنا من كان تقيا ). # فاسم الإشارة ( @QUR@01 تلك ) يعود إلى ما تقدم من قوله : ( @QUR@03 ~~فأولئك يدخلون الجنة ... ) وقوله ( @QUR@07 جنات عدن التي وعد الرحمن عباده ~~بالغيب .. ). # أى : تلك هي الجنة العظيمة الشأن ، العالية القدر ، التي نجعلها ميراثا ~~للمؤمنين الصادقين المتقين من عبادنا ، كما قال تعالى : ( @QUR@09 أولئك هم ~~الوارثون* الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ) وكما قال سبحانه : ( ~~@QUR@07 تلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ). # قال صاحب الكشاف : قوله ( @QUR@01 نورث ).. أى : نبقى عليه الجنة كما ~~نبقى على الوارث مال المورث ، ولأن الأتقياء يلقون ربهم يوم القيامة وقد ~~انقضت أعمالهم وثمرتها باقية وهي الجنة ، فإذا أدخلهم سبحانه الجنة ، فقد ~~أورثهم من تقواهم كما يورث الوارث المال من المتوفى ..» (2). # ثم ساق سبحانه ما يدل على كمال قدرته ، وشمول علمه ، فقال تعالى : PageV09P053 # ( @QUR@018 وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ~~ذلك وما كان ربك نسيا (64) @QUR@012 رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده ~~واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا ) (65) # والتنزل : النزول على مهل. فإنه مطاوع نزل بالتشديد ، يقال : نزلته فتنزل ~~، إذا حدث النزول على مهل وتدرج. وقد يطلق التنزيل بمعنى النزول مطلقا ، ~~إلا أن المناسب هنا هو المعنى الأول. # والآية الكريمة حكاية لما قاله جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقد ذكر ~~كثير من المفسرين أن الوحى احتبس عن الرسول صلى الله عليه وسلم لفترة من الوقت ~~بعد أن سأله المشركون أسئلة تتعلق بأصحاب الكهف. وبذي القرنين وبالروح ، ~~حتى قال المشركون : إن رب محمد صلى الله عليه وسلم قد قلاه أى : أبغضه وكرهه ~~فلما نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد فترة من غياب قيل خمسة عشر ~~يوما وقيل أكثر قال له : يا جبريل احتبست عنى حتى ساء ظني واشتقت إليك فقال ~~له جبريل : إنى كنت أشوق ولكني عبد مأمور ، إذا بعثت جئت ، وإذا حبست ~~احتبست ، وأنزل الله تعالى هذه الآية وسورة الضحى» (1). # وقال الآلوسى : «ولا يأبى ما تقدم في سبب النزول ما أخرجه أحمد ، ~~والبخاري والترمذي ، والنسائي ms3787 ، وجماعة ، في سببه عن ابن عباس قال : قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل : ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ ~~فنزلت : ( @QUR@05 وما نتنزل إلا بأمر ربك .. ) لجواز أن يكون ~~صلى الله عليه وسلم قال ذلك في محاورته السابقة أيضا ، واقتصر في كل رواية على ~~شيء مما وقع في المحاورة ...» (2). # والمعنى : قال جبريل للرسول صلى الله عليه وسلم عند ما سأله عن سبب احتباسه ~~عنه لفترة من الوقت : يا محمد إنى ما أتنزل عليك وقتا بعد وقت ، إلا بأمر ~~ربك وإرادته ، فأنا عبده الذي لا يعصى له أمرا ... PageV09P054 # ( @QUR@01 له ) سبحانه ( @QUR@08 ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك ) ~~أى : له وحده جميع الجهات والأماكن ، وجميع الأزمان الحاضرة والماضية ~~والمستقبلة ، وما بين ذلك ، فلا نقدر أن ننتقل من جهة إلى جهة ، أو من وقت ~~إلى وقت إلا بأمر ربك ومشيئته. # فالجملة الكريمة مسوقة لبيان ملكية الله تعالى لكل شيء ، وقدرته على كل ~~شيء وعلمه بكل شيء. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 وما كان ربك نسيا ) مؤكد لما قبله من إثبات قدرة ~~الله تعالى وعلمه. # أى : وما كان ربك أيها الرسول الكريم ناسيا أو تاركا لك أو مهملا لشأنك ، ~~ولكنه سبحانه محيط بأحوالك وبأحوال جميع المخلوقات ( @QUR@020 لا يعزب عنه ~~مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في ~~كتاب مبين ). # قال ابن كثير : «قال ابن أبى حاتم : حدثنا يزيد بن محمد ... عن أبى ~~الدرداء يرفعه قال : «ما أحل الله في كتابه فهو حلال ، وما حرمه فهو حرام ، ~~وما حرمه فهو حرام ، وما سكت عنه فهو عافية ، فاقبلوا من الله عافيته ، فإن ~~الله لم يكن لينسى شيئا» ثم تلا هذه الآية : ( @QUR@04 وما كان ربك نسيا ) (1). # ثم قال تعالى : ( @QUR@05 رب السماوات والأرض وما بينهما ) أى : هو رب ~~السموات والأرض ورب ما بينهما ، وهو خالقهما وخالق كل شيء ، ومالكهما ومالك ~~كل شيء. # وما دام الأمر كذلك : ( @QUR@03 فاعبده واصطبر لعبادته ) أى : فأخلص له ~~العبادة ووطن نفسك على أداء هذه العبادة بصبر وجلد ms3788 وقوة احتمال ، فإن ~~المداومة على طاعة الله تحتاج إلى عزيمة صادقة ، ومجاهدة للنفس الأمارة ~~بالسوء. # والاستفهام في قوله : ( @QUR@04 هل تعلم له سميا ) للإنكار والنفي. ~~والسمى بمعنى المسامى والمضاهي والنظير والشبيه. # أى : هل تعلم له نظيرا أو شبيها يستحق معه المشاركة في العبادة أو ~~الطاعة؟ كلا ، إنك لا تعلم ذلك ، لأنه سبحانه هو وحده المستحق للعبادة ~~والطاعة ، إذ هو الخالق لكل شيء والعليم بكل شيء ، والقادر على كل شيء ، ~~وما سواه إنما هو مخلوق له ، وساجد له طوعا أو كرها ، ولا شبهة في صفة من ~~صفاته ، فهو سبحانه ( @QUR@06 ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ). PageV09P055 # ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك موقف المشركين من عقيدة البعث. فحكت ~~أقوالهم الباطلة ، وردت عليهم بما يكبتهم وبينت أن يوم القيامة آت لا ريب ~~فيه ، وأن النجاة في هذا اليوم للمتقين ، والعذاب والخسران للكافرين قال ~~تعالى : # ( @QUR@08 ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا (66) @QUR@010 أولا ~~يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا (67) @QUR@09 فو ربك لنحشرنهم ~~والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا (68) @QUR@010 ثم لننزعن من كل شيعة ~~أيهم أشد على الرحمن عتيا (69) @QUR@08 ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها ~~صليا (70) @QUR@09 وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا (71) ~~@QUR@08 ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا ) (72) # ذكر كثير من المفسرين أن قوله تعالى : ( @QUR@02 ويقول الإنسان ... ) نزل ~~في أشخاص معينين. # فمنهم من يرى أن هذه الآية نزلت في «أبى بن خلف» فإنه أخذ عظما باليا ، ~~فجعل يفتته بيده ، ويذريه في الريح ويقول : زعم محمد صلى الله عليه وسلم أننا ~~نبعث بعد أن نموت ونصير مثل هذا العظم البالي ومنهم من يرى أنها نزلت في ~~الوليد بن المغيرة ، أو في العاصي بن وائل ، أو في أبى جهل. # وعلى كل واحد من هذه الأقوال تكون أل في الإنسان للعهد ، والمراد بها أحد ~~هؤلاء الأشخاص ، ويكون لفظ الإنسان من قبيل العام الذي أريد به الخصوص. # ومن الأساليب العربية المعروفة ، إسناد الفعل إلى المجموع ، مع أن فاعله ~~بعضهم لا ms3789 جميعهم كما يقال : بنو فلان قتلوا فلانا مع أن القاتل واحد منهم ، ~~ومن هذا القبيل قول الفرزدق : PageV09P056 فسيوف بنى عبس وقد ضربوا به %~% نبت بيدي ورقاء من رأس خالد # فقد أسند الضرب إلى بنى عبس ، مع أنه صرح بأن الضارب هو ورقاء الذي كان ~~السيف بيده. # وقيل : المراد بالإنسان هنا : جماعة معينون وهم الكفرة المنكرون للبعث أو ~~المراد : جنس الكافر المنكر للبعث. # و «إذا» في قوله : ( @QUR@03 أإذا ما مت ) منصوب بفعل مضمر دل عليه جزاء الشرط. # والمعنى : ويقول هذا الإنسان الجاهل الجحود ، المنكر للبعث والنشور ، ~~أأعود للحياة مرة أخرى بعد موتى ، وبعد أن أكون كالعظام النخرة. # والاستفهام للإنكار والنفي ، وعبر سبحانه بالمضارع ( @QUR@01 يقول ) ~~لاستحضار تلك الصورة الغريبة ، وتلك الأقوال المنكرة التي صدرت عن هذا ~~الكافر ، أو لإفادة أن هذا القول موجود ومستمر عند كثير من الكافرين. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى حكاية عن هؤلاء الجاحدين : ( @QUR@07 أإذا ~~متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد ) (1). # وقوله عز وجل : ( @QUR@014 يقولون أإنا لمردودون في الحافرة. أإذا كنا ~~عظاما نخرة قالوا تلك إذا كرة خاسرة ) (2). # وقد رد الله تعالى عليهم بما يبطل قولهم ، ويخرس ألسنتهم فقال : ( ~~@QUR@010 أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا ). # والاستفهام للتوبيخ والتقريع ، والواو للعطف على مقدر. # والمعنى : أيقول هذا الإنسان ذلك القول الباطل ، ولا يتذكر أننا أوجدناه ~~بقدرتنا من العدم ولم يكن شيئا مذكورا ، ومن المعروف عند العقلاء ، أن ~~إعادة الإنسان إلى الحياة بعد وجوده ، أيسر من إيجاده من العدم. # فالآية الكريمة ترد على كل جاحد للبعث بدليل منطقي برهاني ، يهدى القلوب ~~إلى الحق ، ويقنع العقول بأن البعث حق وصدق. # وفي معنى هذه الآية الكريمة جاءت آيات أخرى كثيرة منها قوله تعالى ( ~~@QUR@02 وضرب لنا PageV09P057 # @QUR@019 مثلا ونسي خلقه ، قال من يحي العظام وهي رميم ، قل يحييها الذي ~~أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم .. ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 ولقد علمتم النشأة الأولى فلو لا تذكرون ) (2). # قال الإمام ابن كثير : «وفي الحديث الصحيح الذي يرويه النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن ربه : «يقول ms3790 الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له أن ~~يكذبني ، وآذاني ابن آدم ولم يكن له أن يؤذيني. أما تكذيبه لي فقوله : لن ~~يعيدني كما بدأنى ، وليس أول الخلق أهون على من آخره. # وأما أذاه إياى فقوله : «إن لي ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم ~~يولد ولم يكن له كفوا أحد». # ثم عقب سبحانه على هذا التوبيخ والتقريع لهذا الإنسان الجاحد ، بقسم منه ~~سبحانه على وقوع البعث والنشور ، فقال : ( @QUR@09 فو ربك لنحشرنهم ~~والشياطين ، ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا ). # والحشر : الجمع. يقال : حشر القائد جنده ، إذا جمعهم. # والمراد بالشياطين : أولئك الأشرار الذين كانوا في الدنيا يوسوسون لهم ~~بإنكار البعث. # أى : أقسم لك بذاتى أيها الرسول الكريم أن هؤلاء المنكرين للبعث لنجمعنهم ~~جميعا يوم القيامة للحساب والجزاء ، ولنجمعن معهم الشياطين الذين كانوا ~~يضلونهم في الدنيا. # قالوا : وفائدة القسم أمران : أحدهما : أن العادة جارية بتأكيد الخبر ~~باليمين ، والثاني : أن في إقسام الله تعالى باسمه ، مضافا إلى الرسول ~~صلى الله عليه وسلم رفعا منه لشأنه ، كما رفع من شأن السموات والأرض في قوله ~~تعالى : ( @QUR@010 فو رب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ) (3). # وقوله : ( @QUR@05 ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا ) تصوير حسى بليغ لسوء ~~مصيرهم ، ونكد حالهم. # و ( @QUR@01 جثيا ) جمع جاث وهو الجالس على ركبتيه. يقال : جثا فلان يجثو ~~ويجثى جثوا وجثيا فهو جاث إذا جلس على ركبتيه ، أو قام على أطراف أصابعه. ~~والعادة عند العرب أنهم إذا كانوا في موقف شديد ، وأمر ضنك جثوا على ركبهم. PageV09P058 # أى : فوربك لنحضرنهم يوم القيامة للحساب ومعهم شياطينهم ، ثم لنحضرنهم ~~جميعا حول جهنم ، حالة كونهم باركين على الركب ، عجزا منهم عن القيام ، ~~بسبب ما يصيبهم من هول يوم القيامة وشدته. # قال تعالى : ( @QUR@025 وترى كل أمة جاثية ، كل أمة تدعى إلى كتابها ، ~~اليوم تجزون ما كنتم تعملون ، هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ، إنا كنا ~~نستنسخ ما كنتم تعملون ) (1). # ثم يخص سبحانه بالذكر المصير المفزع للمتكبرين من هؤلاء الكافرين فيقول : ~~( @QUR@010 ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد ms3791 على الرحمن عتيا ). # والنزع : العزل والإخراج. يقال : نزع السلطان عامله ، إذا عزله وأخرجه من ~~عمله ، والشيعة في الأصل : الجماعة من الناس يتعاونون فيما بينهم على أمر ~~من الأمور ، يقال : تشايع القوم ، إذا تعاونوا فيما بينهم. # و ( @QUR@01 عتيا ) أى : خروجا عن الطاعة والاستجابة للأمر ، يقال : عتا ~~فلان يعتو عتوا من باب قعد فهو عات إذا استكبر وجاوز حدوده في العصيان ~~والطغيان. # والمعنى : ثم لنستخرجن من كل طائفة تشايعت وتعاهدت على الكفر بالبعث ، ~~والجحود للحق ، الذين هم أشد خروجا عن طاعتنا وامتثال أمرنا فنبدأ بتعذيبهم ~~أولا ، لأنهم أشد من غيرهم في العتو والعناد والجحود والضلال. # قال الجمل ما ملخصه : «وأظهر الأعاريب في قوله : ( @QUR@02 أيهم أشد ) أن ~~«أى» موصولة بمعنى الذي. وأن حركتها حركة بناء أى هي مبنية على الضم ، وأشد ~~خبر مبتدأ مضمر. # والجملة صلة لأى. وأيهم وصلتها في محل نصب مفعولا به لننزعن. وعتيا تمييز ~~محول عن المبتدأ المحذوف الذي هو أشد ، أى : جراءته على الرحمن أشد من ~~جراءة غيره» (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@08 ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا ) بيان ~~لشمول علمه تعالى بأحوال هؤلاء الجاحدين ، وبأحوال غيرهم. # و ( @QUR@01 صليا ) مصدر صلى النار كرضى يصلاها صليا بكسر الصاد وضمها ~~إذا ذاق حرها ، واكتوى بها. # أى : ثم لنحن أعلم من كل أحد سوانا ، بالذين هم أحق بجهنم ، وباصطلاء ~~نارها ، وبالاكتواء بحرها وسعيرها ، لأننا لا يخفى علينا شيء من أحوال ~~خلقنا وسنجازى المتقين بما يستحقون من خير وثواب ، وسنجازى الجاحدين بما ~~يستحقون من إهانة وعذاب. PageV09P059 # ثم بين سبحانه أن الجميع سيرد جهنم ، فقال : ( @QUR@09 وإن منكم إلا ~~واردها كان على ربك حتما مقضيا ). # وللعلماء أقوال متعددة في المراد بقوله تعالى ( @QUR@04 وإن منكم إلا ~~واردها ). # فمنهم من يرى أن المراد بورودها : دخولها فجميع الناس مؤمنهم وكافرهم ~~يدخلونها ، إلا أن النار تكون بردا وسلاما على المؤمنين عند دخولهم إياها ، ~~وتكون لهيبا وسعيرا على غيرهم. # ومنهم من يرى أن المراد بورودها : رؤيتها والقرب منها والإشراف عليها دون ~~دخولها. كما في قوله تعالى ( @QUR@04 ولما ورد ماء مدين ms3792 ) أى : أشرف عليه ~~وقاربه. # ومنهم من يرى أن المراد بورودها ، خصوص الكافرين ، أى : أنهم وحدهم هم ~~الذين يردون عليها ويدخلونها. أما المؤمنون فلا يردون عليها ولا يدخلونها. # ويبدو لنا أن المراد بالورود هنا : الدخول ، أى : دخول النار بالنسبة ~~للناس جميعا إلا أنها تكون بردا وسلاما على المؤمنين ، وهناك أدلة على ذلك منها. # أن هناك آيات قرآنية جاء فيها الورود ، بمعنى الدخول ، ومن هذه الآيات ~~قوله تعالى : ( @QUR@025 ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين. إلى فرعون ~~وملائه فاتبعوا أمر فرعون. وما أمر فرعون برشيد. يقدم قومه يوم القيامة ~~فأوردهم النار وبئس الورد المورود ) (1). # ومعنى فأوردهم : فأدخلهم. # يضاف إلى ذلك أن قوله تعالى بعد هذه الآية : ( @QUR@08 ثم ننجي الذين ~~اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا ) قرينة قوية على أن المراد بقوله ( @QUR@04 ~~وإن منكم إلا واردها .. ) أى : داخلها سواء أكان مؤمنا أم كافرا ، إلا أنه ~~سبحانه بفضله وكرمه ينجى الذين اتقوا من حرها ، ويترك الظالمين يصطلون ~~بسعيرها. # كذلك مما يشهد بأن الورود بمعنى الدخول ، ما أخرجه الإمام أحمد وعبد بن ~~حميد ؛ والترمذي ، وابن المنذر ، وابن أبى حاتم ، والحاكم ... عن أبى سمية ~~قال : اختلفنا في الورود فقال بعضنا لا يدخلها مؤمن ، وقال آخرون يدخلونها ~~جميعا ، ثم ينجى الله الذين اتقوا. # قال : فلقيت جابر بن عبد الله رضى الله عنهما فذكرت له ذلك فقال وأهوى ~~بإصبعه على أذنيه صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ~~«لا يبقى بر PageV09P060 # ولا فاجر إلا دخلها ، فتكون على المؤمنين بردا وسلاما ، كما كانت على ~~إبراهيم ؛ حتى إن للنار ضجيجا من بردهم ، ثم ينجى الله الذين اتقوا ، ويذر ~~الظالمين فيها جثيا» (1). # ولا يمنع من كون الورود بمعنى الدخول قوله تعالى ( @QUR@012 إن الذين ~~سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون. لا يسمعون حسيسها .. ) لأن دخول ~~المؤمنين فيها لا يجعلهم يشعرون بحرها أو حسيسها ، وإنما هي تكون بردا ~~وسلاما عليهم ، كما جاء في الحديث الشريف. # قال الإمام القرطبي بعد أن توسع في ذكر هذه الأقوال : «وظاهر الورود ~~الدخول .. إلا ms3793 أنها تكون بردا وسلاما على المؤمنين ، وينجون منها سالمين. ~~قال خالد بن معدان : إذا دخل أهل الجنة الجنة قالوا : ألم يقل ربنا : إنا ~~نرد النار فيقال لهم : لقد وردتموها فألفيتموها رمادا. # قلت : وهذا القول يجمع شتات الأقوال ، فإن من وردها ولم تؤذه بلهبها ~~وحرها ، فقد أبعد عنها ونجى منها ، نجانا الله تعالى منها بفضله وكرمه ، ~~وجعلنا ممن وردها فدخلها سالما ، وخرج منها غانما. # فإن قيل : فهل يدخل الأنبياء النار؟ قلنا : لا نطلق هذا ، ولكن نقول : إن ~~الخلق جميعا يردونها كما دل عليه حديث جابر فالعصاة يدخلونها بجرائمهم ، ~~والأولياء والسعداء لشفاعتهم ، فبين الدخولين بون ..» (2). # والمعنى : وما منكم أيها الناس أحد إلا وهو داخل النار ، سواء أكان مسلما ~~أم كافرا ، إلا أنها تكون بردا وسلاما على المؤمنين. وهذا الدخول فيها كان ~~على ربك أمرا واجبا ومحتوما ، بمقتضى حكمته الإلهية ، لا بإيجاب أحد عليه. # ( @QUR@04 ثم ننجي الذين اتقوا ) أى : ثم بعد دخول الناس جميعا النار ، ~~ننجي الذين اتقوا ، فنخرجهم منها دون أن يذوقوا حرها ( @QUR@04 ونذر ~~الظالمين فيها جثيا ) أى : ونترك الظالمين في النار مخلدين فيها. جاثين على ~~ركبهم ، عاجزين عن الحركة ، من شدة ما يصيبهم من هولها وسعيرها. # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا أقوال الجاحدين في شأن البعث ~~والحساب ، وردت عليهم ردا يبطل أقوالهم ، كما أثبتت أن البعث حق ، وأن ~~الحساب حق ، وأن الظالمين سيدخلون النار ، وأن المؤمنين سينجيهم الله تعالى ~~بفضله منها. PageV09P061 # ثم تسوق السورة بعد ذلك موقف الكافرين عند سماعهم لآيات الله تعالى كما ~~تسوق ما قالوه للمؤمنين على سبيل التفاخر عليهم ، وما رد به القرآن على ~~هؤلاء المترفين المتعالين ، قال تعالى : # ( @QUR@016 وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي ~~الفريقين خير مقاما وأحسن نديا (73) @QUR@09 وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم ~~أحسن أثاثا ورءيا (74) @QUR@025 قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا ~~حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا ~~وأضعف جندا (75) @QUR@013 ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات ms3794 ~~خير عند ربك ثوابا وخير مردا ) (76) # فقوله سبحانه : ( @QUR@05 وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ... ) حكاية لما ~~قاله الكافرون للمؤمنين على سبيل التباهي والتفاخر. # أى : وإذا تتلى على هؤلاء المشركين المنكرين للبعث آياتنا البينات ~~الواضحات ، الدالة على صحة وقوع البعث والحساب يوم القيامة ( @QUR@03 قال ~~الذين كفروا ) على سبيل العناد والتعالي ( @QUR@02 للذين آمنوا ) بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، قالوا لهم انظروا ( @QUR@06 أي ~~الفريقين خير مقاما وأحسن نديا ). # والمقام بفتح الميم : مكان القيام والمراد به مساكنهم ومنازلهم التي ~~يسكنونها وينزلون بها. # والندى والنادي والمنتدى : مجلس القوم ومكان تجمعهم. # يقال : ندوت القوم أندوهم ندوا ، إذا جمعتهم في مجلس للانتداء. ومنه : ~~دار الندوة للمكان الذي كانت تجتمع فيه قريش للتشاور في أمورها. # أى : وإذا تتلى على هؤلاء الكافرين آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ~~وعلى أن البعث PageV09P062 # حق. قالوا للمؤمنين على سبيل الاحتقار لهم : نحن وأنتم أينا خير من الآخر ~~مكانا ، وأحسن مجلسا ومجتمعا فهم يتفاخرون على المؤمنين بمساكنهم الفارهة ، ~~ومجالسهم التي يجتمع فيها أغنياؤهم ووجهاؤهم. # قال الجمل في حاشيته : «أى قالوا للمؤمنين : انظروا إلى منازلنا فتروها ~~أحسن من منازلكم وانظروا إلى مجلسنا عند التحدث ومجلسكم ، فترونا نجلس في ~~صدر المجلس ، وأنتم جالسون في طرفه الحقير. فإذا كنا بهذه المثابة وأنتم ~~بتلك فنحن عند الله خير منكم ، ولو كنتم على حق لأكرمكم الله بهذه الأمور ~~كما أكرمنا بها» (1). # وما حكاه الله تعالى عن هؤلاء الكافرين في هذه الآية ، قد جاء ما يشبهه ~~في آيات أخرى ، ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@08 وقالوا نحن أكثر أموالا ~~وأولادا وما نحن بمعذبين ) (2). # وقد رد الله تعالى على هؤلاء الجاهلين المغرورين بقوله : ( @QUR@09 وكم ~~أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا ). # و ( @QUR@01 كم ) هنا خبرية ، ومعناها الاخبار عن العدد الكثير وهي في ~~محل نصب على المفعول به لجملة ( @QUR@01 أهلكنا ) و ( @QUR@02 من قرن ) ~~تمييز لها. والقرن : اسم لأهل كل أمة تتقدم في الوجود على غيرها ، مأخوذ من ~~قرن الدابة لتقدمه فيها. # والأثاث المتاع للبيت. وقيل : هو الجديد من الفراش ، وقد يطلق على المال ms3795 ~~بصفة عامة. # و ( @QUR@01 رءيا ) أى : منظرا وهيئة ومرأى في العين مأخوذ من الرؤية ~~التي تراها العين. # والمعنى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الكافرين المتباهين بمساكنهم ~~ومجالسهم : لا تفتخروا ولا يغرنكم ما أنتم فيه من نعيم ، فإنما هو نوع من ~~الاستدراج ، فإن الله تعالى قد أهلك كثيرا من الأمم السابقة عليكم ، كانوا ~~أحسن منكم متاعا وزينة ، وكانوا أجمل منكم منظرا وهيئة فلم ينفعهم أثاثهم ~~ورياشهم ومظهرهم الحسن ، عند ما أراد الله تعالى إهلاكهم بسبب كفرهم ~~وجحودهم. # فالآية الكريمة تهديد للكافرين المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم ورد على ~~أقوالهم الباطلة ، وعنجهيتهم الذميمة إذ لو كانت المظاهر والأمتعة والهيئات ~~الحسنة تنفع أصحابها ، لنفعت أولئك المهلكين من الأمم السابقة. PageV09P063 # وشبيه بهذه الآية في الرد على هؤلاء الكافرين قوله تعالى : ( @QUR@023 ~~وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى. إلا من آمن وعمل صالحا ~~فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@015 فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث ~~لا يعلمون. وأملي لهم إن كيدي متين ) (2). # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يضيف إلى تهديدهم السابق ~~تهديدا آخر فقال : ( @QUR@09 قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا .. ). # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الكافرين المتفاخرين بمساكنهم ~~ومظاهرهم .. قل لهم : من كان منغمسا في الضلالة والشقاوة والغفلة .. فقد ~~اقتضت حكمة الله تعالى أن يمد له العطاء كأن يطيل عمره ويوسع رزقه ، على ~~سبيل الاستدراج والإمهال .. # فصيغة الطلب وهي قوله تعالى : ( @QUR@01 فليمدد ) على هذا التفسير ، ~~المراد بها : الإخبار عن سنة من سنن الله تعالى في خلقه ، وهي أن سننه ~~تعالى قد اقتضت أن يمهل الضالين ، وأن يزيدهم من العطاء الدنيوي ، ثم ~~يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. # قال تعالى : ( @QUR@029 فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء ~~حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون. فقطع دابر القوم ~~الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ) (3). # وقال سبحانه : ( @QUR@017 ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير ~~لأنفسهم ms3796 إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين ) (4). # وقد صدر الآلوسى تفسيره للآية بهذا التفسير فقال ما ملخصه : قوله ( ~~@QUR@05 قل من كان في الضلالة ... ) أمر منه تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ~~بأن يجيب على هؤلاء المتفاخرين بما لهم من الحظوظ الدنيوية .. # وقوله : ( @QUR@04 فليمدد له الرحمن مدا ) أى : يمد سبحانه له ويمهله ~~بطول العمر ، وإعطاء المال ، والتمكن من التصرفات ، فالطلب في معنى الخبر ~~واختير للإيذان بأن ذلك مما ينبغي أن يفعل بموجب الحكمة لقطع المعاذير ~~فيكون حاصل المعنى : من كان في الضلالة فلا عذر له فقد أمهله الرحمن ومد له ~~مدا وجوز أن يكون ذلك للاستدراج. PageV09P064 # وحاصل المعنى : من كان في الضلالة فعادة الله أن يمد له ويستدرجه (1). # ومن المفسرين من يرى أن صيغة الطلب وهي ( @QUR@01 فليمدد ) على بابها ، ~~ويكون المقصود بالآية الدعاء على الضال من الفريقين بالازدياد من الضلال. # وعليه يكون المعنى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء المتفاخرين ، من كان ~~منا أو منكم على الضلالة ، فليزده الله من ذلك ، وكأن الآية الكريمة تأمر ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بمباهلة المشركين كما أمره الله تعالى في آية أخرى ~~بمباهلة اليهود في قوله : ( @QUR@018 قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم ~~أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين .. ) (2). # وكما أمر الله بمباهلة النصارى في قوله سبحانه ( @QUR@025 فمن حاجك فيه ~~من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ، ونساءنا ~~ونساءكم ، وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين ) (3). # ومن المفسرين الذين ساروا على هذا التفسير الإمامان ابن جرير وابن كثير ، ~~فقد قال ابن كثير : يقول تعالى ( @QUR@01 قل ) يا محمد لهؤلاء المشركين ~~بربهم المدعين أنهم على الحق وأنكم على الباطل ( @QUR@04 من كان في الضلالة ~~) أى منا ومنكم ( @QUR@04 فليمدد له الرحمن مدا ) أى : فأمهله الرحمن فيما ~~هو فيه حتى يلقى ربه وينقضي أجله .. قال مجاهد في قوله ( @QUR@04 فليمدد له ~~الرحمن مدا ) فليدعه الله في طغيانه هكذا ، قرر ذلك أبو جعفر بن جرير ، ~~وهذه مباهلة للمشركين الذين يزعمون ms3797 أنهم على هدى فيما هم فيه كما ذكر تعالى ~~مباهلة اليهود والنصارى .. (4). # ومع وجاهة التفسيرين لمعنى ( @QUR@02 فليمدد له .. ) إلا أننا نميل إلى ~~الرأى الأول وهو أن صيغة الطلب يراد بها الإخبار عن سنة الله تعالى في ~~الضالين ، لأنه هو المتبادر من معنى الآية الكريمة ولأن قوله تعالى بعد ذلك ~~( @QUR@05 ويزيد الله الذين اهتدوا هدى .. ) يؤيد هذا الرأى. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 حتى إذا رأوا ما يوعدون .. ) متعلق بما قبله. # أى : فليمدد له الرحمن مدا على سبيل الاستدراج والإمهال ، حتى إذا رأى ~~هؤلاء الكافرون ما توعدهم الله تعالى به ، علموا وأيقنوا أن الأمر بخلاف ما ~~كانوا يظنون وما كانوا يقولون لأنهم سينزل الله تعالى بهم ( @QUR@02 إما ~~العذاب ) الدنيوي على أيدى المؤمنين ( @QUR@02 وإما الساعة ) أى : وإما ~~عذاب الآخرة وهو أشد وأبقى. PageV09P065 # وحينئذ يعلمون ويوقنون ( @QUR@02 من هو ) من الفريقين ( @QUR@02 شر مكانا ~~) أى : أسوأ منزلا ومسكنا ( @QUR@02 وأضعف جندا ) وأضعف أعوانا وأنصارا. # وهذه الجملة الكريمة رد على قول المشركين قبل ذلك : ( @QUR@06 أي ~~الفريقين خير مقاما وأحسن نديا ). # وقوله تعالى : ( @QUR@05 ويزيد الله الذين اهتدوا هدى .. ) كلام مستأنف ~~مسوق لبيان سنة الله تعالى التي لا تتخلف في المهتدين ، بعد بيان سنته في ~~الضالين. # أى : ويزيد الله تعالى المهتدين إلى طريق الحق هداية على هدايتهم ، بأن ~~يثبتهم عليه ، كما قال سبحانه : ( @QUR@06 والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم ~~تقواهم ). وكما قال عز وجل : ( @QUR@011 هو الذي أنزل السكينة في قلوب ~~المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم .. ). # وقوله تعالى : ( @QUR@08 والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا ~~) أى : والأعمال الباقيات الصالحات كالصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرها ~~من أعمال البر ، خير عند ربك ثوابا وجزاء مما تمتع به الكفار في دنياهم من ~~شهوات ( @QUR@02 وخير مردا ) أى : مرجعا وعاقبة. # وقال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف قيل : خير عند ربك ثوابا ، كأن ~~لمفاخراتهم ثوابا ، حتى يجعل ثواب الصالحات خيرا منه؟. # قلت : كأنه قيل : ثوابهم النار على طريقة قوله : تحية بينهم ضرب وجيع ، ~~ثم ينى عليه خير ثوابا ، وفيه ضرب من التهكم الذي هو أغيظ للمتهدد من أن ~~يقال ms3798 له : عقابك النار .. (1). # والخلاصة أنه لا ثواب لهؤلاء الكافرين سوى النار ، أما المؤمنون فثوابهم ~~جنات تجرى من تحتها الأنهار. # وقال بعض العلماء : «ويظهر لي في الآية جواب آخر أقرب من هذا ، وهو أن ~~الكافر يجازى بعمله الصالح في الدنيا ، فإذا بر والديه ، ونفس عن المكروب ~~.. فإن الله يثيبه في الدنيا. فثوابه هذا الراجع إليه من عمله في الدنيا ، ~~هو الذي فضل عليه ثواب المؤمنين ، وهذا واضح لا إشكال فيه» (2). # وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد حكت جانبا من تباهي الكافرين بدنياهم ، ~~وردت عليهم بما يخرس ألسنتهم. PageV09P066 # ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك لونا آخر من ألوان تبجحهم ، وأقوالهم ~~الباطلة ، وردت عليها بأسلوب منطقي حكيم فقال تعالى : # ( @QUR@08 أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا (77) @QUR@07 ~~أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا (78) @QUR@09 كلا سنكتب ما يقول ونمد ~~له من العذاب مدا (79) @QUR@05 ونرثه ما يقول ويأتينا فردا ) (80) # ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات منها ما أخرجه البخاري ومسلم ~~عن خباب بن الأرت قال : جئت العاص بن وائل السهمي أتقاضاه حقا لي عنده ، ~~فقال لي : لا أعطيك حتى تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فقلت له : لا ، والله ~~لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم حيا ولا ميتا ولا إذا بعثت. فقال العاص : ~~فإذا بعثت جئتني ولي هناك مال وولد فأعطيك حقك ، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآيات. # وفي رواية أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتوا العاص يتقاضون ~~دينا لهم عليه فقال : ألستم تزعمون أن في الجنة ذهبا وفضة وحريرا ومن كل ~~الثمرات؟ قالوا : بلى. قال : «موعدكم الآخرة والله لأوتين مالا وولدا» (1). # والاستفهام في قوله سبحانه ( @QUR@01 أفرأيت .. ) للتعجيب من شأن هذا ~~الكافر الجهول والفاء للعطف على مقدر يستدعيه المقام ، والتقدير : أنظرت ~~أيها العاقل فرأيت هذا الجاحد الجهول الذي كفر بآياتنا الدالة على ~~وحدانيتنا ، وعلى أن البعث حق ، وعلى أن ما جاء به رسولنا صلى الله عليه وسلم ~~حق وصدق ... # ولم يكتف بهذا الكفر ، بل قال بكل تبجح ، وإصرار على ms3799 الباطل ، واستهزاء ~~بالدين الحق : والله ( @QUR@01 لأوتين ) في الآخرة ( @QUR@02 مالا وولدا ) ~~كما هو حالي في الدنيا. # فأنت ترى أن هذا الكافر لم يكتف بكفره ، بل أضاف إليه القول الباطل ~~المصحوب بالقسم الكاذب ، وبالتهكم بالدين الحق. PageV09P067 # وقرأ حمزة والكسائي : ( @QUR@03 لأوتين مالا وولدا ) بضم الواو الثانية ~~وسكون اللام ، وقرأ الباقون بفتحهما. قالوا : والقراءتان بمعنى واحد كالعرب ~~والعرب. ويرى بعضهم الولد بالفتح للمفرد ، والولد بضم الواو وسكون اللام للجمع. # وقد رد الله تعالى على هذا المتبجح المغرور ردا حكيما ملزما فقال : ( ~~@QUR@08 أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا* كلا ... ) # والاستفهام للإنكار والنفي ، والأصل : أاطلع فحذفت همزة الوصل للتخفيف. # والمعنى : إن قول هذا الجاهل إما أن يكون مستندا إلى اطلاعه على الغيب ~~وعلمه بأن الله سيؤتيه في الآخرة مالا وولدا ، وإما أن يكون مستندا إلى عهد ~~أعطاه الله تعالى له بذلك. # ومما لا شك فيه أن كلا الأمرين لم يتحققا بالنسبة له ، فهو لم يطلع على ~~الغيب ، ولم يتخذ عند الله عهدا ، فثبت كذبه وافتراؤه ، ولذا كذبه الله ~~تعالى بقوله ( @QUR@01 كلا ) وهو قول يفيد الزجر والردع والنفي. # أى : كلا لم يطلع على الغيب ، ولم يتخذ عند الرحمن عهدا. بل قال ذلك ~~افتراء على الله. # وقوله سبحانه : ( @QUR@013 سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا. ونرثه ~~ما يقول ويأتينا فردا ) بيان للمصير السيئ الذي سيصير إليه هذا الشقي ~~وأمثاله ، و ( @QUR@01 نمد ) من المد وأكثر ما يستعمل في المكروه. # أى : سنسجل على هذا الكافر ما قاله ، ونحاسبه عليه حسابا عسيرا ، ونزيده ~~عذابا فوق العذاب المعد له ، بأن نضاعفه له ؛ ونطيله عليه ( @QUR@03 ونرثه ~~ما يقول ) أى : ما يقول إنه يؤتاه يوم القيامة من المال والولد ، بأن نسلبه ~~منه ، ونجعله يخرج من هذه الدنيا خالي الوفاض منهما ، وليس معه في قبره سوى ~~كفنه ، ( @QUR@02 ويأتينا فردا ) أى : ويأتينا يوم القيامة بعد مبعثه ~~منفردا بدون مال أو ولد أو خدم أو غير ذلك مما كان يتفاخر به في الدنيا هو ~~وأشباهه من المغرورين الجاحدين. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف قيل ms3800 : سنكتب بسين التسويف وهو كما قاله ~~كتبه من غير تأخير قال تعالى : ( @QUR@08 ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب ~~عتيد )؟. # قلت : فيه وجهان : أحدهما : سنظهر له ونعلمه أنا كتبنا قوله على طريقة ~~قول الشاعر : # إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة %~% ولم تجدى من أن تقرى بها بدا # أى : تبين وعلم بالانتساب أنى لم تلدني لئيمة. # والثاني : أن المتوعد يقول للجاني : سوف أنتقم منك ، يعنى أنه لا يخل ~~بالانتصار وإن PageV09P068 # تطاول به الزمان واستأخر ، فجرد هاهنا لمعنى الوعيد .. (1). # ثم تسوق السورة الكريمة بعد ذلك ألوانا أخرى من رذائل المشركين ، فتحكى ~~اعتزازهم بأوثانهم ، ونثبت عداوة هذه الأوثان لهم يوم القيامة ، وتبشر ~~المؤمنين برضا الله تعالى عنهم. وتنذر الكافرين بالسوق إلى جهنم .. قال ~~تعالى : # ( @QUR@08 واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا (81) @QUR@06 كلا ~~سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا (82) @QUR@09 ألم تر أنا أرسلنا ~~الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا (83) @QUR@07 فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم ~~عدا (84) @QUR@06 يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا (85) @QUR@05 ونسوق ~~المجرمين إلى جهنم وردا (86) @QUR@09 لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند ~~الرحمن عهدا ) (87) # والضمير في قوله : ( @QUR@01 واتخذوا ) يعود إلى أولئك الكافرين الذين ~~ذكر القرآن فيما سبق بعض رذائلهم ودعاواهم الكاذبة ، ولما تنته بعد. # أى : واتخذ هؤلاء الجاهلون آلهة باطلة يعبدونها من دون الله تعالى لتكون ~~لهم تلك الآلهة ( @QUR@01 عزا ) أى لينالوا بها العزة والشفاعة والنصرة ~~والنجاة من عذاب يوم القيامة. # فقد حكى القرآن أنهم كانوا إذا سئلوا عن سبب عبادتهم لهذه الأصنام التي ~~لا تنفع ولا تضر قالوا : ( @QUR@07 ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) ~~وقالوا : ( @QUR@04 هؤلاء شفعاؤنا عند الله ... ). # وقد رد الله تعالى عليهم بما يردعهم عن هذا الظن لو كانوا يعقلون فقال : ~~( @QUR@06 كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا ). PageV09P069 # و ( @QUR@01 كلا ) لفظ جيء به لزجرهم وردعهم عن هذا الاتخاذ الفاسد ~~الباطل. أى : ليس الأمر كما توهم الجاهلون من أن أصنامهم ستكون لهم عزا ، ~~بل الحق أن هذه المعبودات الباطلة ستكون عدوة لهم. وقرينتهم في النار. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@027 ومن ms3801 أضل ممن يدعوا من دون الله ~~من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون ، وإذا حشر الناس ~~كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@018 إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما ~~استجابوا لكم ، ويوم القيامة يكفرون بشرككم ، ولا ينبئك مثل خبير ) (2). # وأفرد سبحانه ( @QUR@01 عزا ) و ( @QUR@01 ضدا ) مع أن المراد بهما ~~الجمع. لأنهما مصدران ثم بين عز وجل أن هؤلاء الكافرين قد استحوذت عليهم ~~الشياطين فزادتهم كفرا على كفرهم ، فقال تعالى : ( @QUR@016 ألم تر أنا ~~أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا* فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا ). # والاستفهام للتقرير والتأكد و ( @QUR@01 تؤزهم ) تحركهم تحريكا قويا. ~~وتهزهم هزا شديدا ، وتحرضهم على ارتكاب المعاصي والموبقات حتى يقعوا فيها. # يقال : أز فلان الشيء يئزه ويؤزه .. بكسر الهمزة وضمها أزا ، إذا حركه ~~بشدة ، وأز فلان فلانا ، إذا أغراه وهيجه وحثه على فعل شيء معين ، وأصله من ~~أزت القدر تؤز أزيزا ، إذا اشتد غليان الماء فيها. # والمعنى : لقد علمت أنت وأتباعك أيها الرسول الكريم ، أنا أرسلنا ~~الشياطين على الكافرين ، وسلطانهم عليهم ، وقيضناهم لهم ، لكي يحضوهم على ~~ارتكاب السيئات ، ويحركوهم تحريكا شديدا نحو الموبقات حتى يقترفوها ~~وينغمسوا فيها .. # ومادام الأمر كذلك. فذرهم في طغيانهم يعمهون ، ولا تتعجل وقوع العذاب ~~بهم. فإن الله تعالى قد حدد بمقتضى حكمته وقتا معينا لنزول العذاب بهم. # وقوله : ( @QUR@04 إنما نعد لهم عدا ) تعليل لموجب النهى ببيان أن وقت ~~هلاكهم قد اقترب ، إذ كل معدود له نهاية ينتهى عندها. # قال القرطبي ما ملخصه : قوله : ( @QUR@04 إنما نعد لهم عدا ) يعنى الأيام ~~والليالى والشهور PageV09P070 # والسنين إلى انتهاء أجل العذاب .. وقال الضحاك : نعد أنفاسهم وقال قطرب : ~~نعد أعمالهم عدا. # روى أن المأمون قرأ هذه السورة فمر بهذه الآية وعنده جماعة من الفقهاء ~~فأشار برأسه إلى ابن السماك أن يعظه ، فقال : إذا كانت الأنفاس بالعدد ، ~~ولم يكن لها مدد ، فما أسرع ما تنفد ، وقيل في هذا المعنى : # حياتك أنفاس تعد فكلما %~% مضى نفس منك انتقصت به جزءا يميتك ما يحييك في كل ms3802 ليلة %~% ويحدوك حاد ما يريد به الهزءا (1) # وكان ابن عباس رضى الله عنهما إذا قرأ هذه الآية بكى وقال : آخر العدد : ~~خروج نفسك. آخر العدد : فراق أهلك آخر العدد : دخول قبرك. # ثم بين سبحانه عاقبة المتقين ، وعاقبة المجرمين يوم القيامة فقال : ( ~~@QUR@020 يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا* ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا* ~~لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا ) و ( @QUR@01 يوم ) ظرف ~~منصوب بقوله : ( @QUR@02 لا يملكون .. ). أى : لا يملكون الشفاعة يوم نحشر ~~المتقين .. ويجوز أن يكون منصوبا بفعل محذوف تقديره : اذكر أو احذر .. # وقوله : ( @QUR@01 وفدا ) جمع وافد. يقال : وفد فلان على فلان يفد وفدا ~~ووفودا ، إذا أقدم عليه ، وفعله من باب وعد. # ويطلق الوفد على الجمع من الرجال الذين يفدون على غيرهم لأمر من الأمور ~~الهامة ، وهم راكبون على دوابهم. وهذا الإطلاق هو المراد باللفظ هنا. # والمعنى : واذكر أيها العاقل يوم القيامة ، يوم نحشر المتقين إلى جنة ~~الرحمن ، ودار كرامته راكبين على مراكب تنشرح لها النفوس وتسر لها القلوب. # قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : يخبر الله تعالى ~~عن أوليائه المتقين ، الذين خافوه في الدار الدنيا ، واتبعوا رسله وصدقوهم ~~، أنه يحشرهم يوم القيامة وفدا إليه. والوفد هم القادمون ركبانا ومنه ~~الوفود ، وركوبهم على نجائب من نور من مراكب الدار الآخرة. وهم قادمون على ~~خير موفود إليه ، إلى دار كرامته ورضوانه. # وقال ابن أبى حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج .. عن ابن مرزوق قال : يستقبل ~~المؤمن عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها ، وأطيبها ريحا ، فيقول : من أنت؟ ~~فيقول : أما PageV09P071 # تعرفني؟ فيقول : لا ، إلا أن الله تعالى طيب ريحك وحسن وجهك. فيقول : أنا ~~عملك الصالح .. فهلم فاركبنى فذلك قوله : ( @QUR@06 يوم نحشر المتقين إلى ~~الرحمن وفدا ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@05 ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا ) بيان لسوء عاقبة ~~المجرمين بعد بيان ما أعده الله للمتقين من نعيم. # و ( @QUR@01 وردا ) أى : عطاشا. وأصل الورد الإتيان إلى الماء بقصد ~~الارتواء منه بعد العطش الشديد. # أى : ونسوق المجرمين الذين ارتكبوا الجرائم في ms3803 دنياهم ، نسوقهم سوقا إلى ~~جهنم كما تساق البهائم. حالة كونهم عطاشا ، يبحثون عن الماء فلا يجدونه. # والضمير في قوله تعالى : ( @QUR@03 لا يملكون الشفاعة .. ) يرى بعضهم أنه ~~يعود إلى المجرمين في قوله ( @QUR@02 نسوق المجرمين .. ). # أى : نسوق المجرمين إلى جهنم عطاشا ، حالة كونهم لا يملكون الشفاعة ~~لغيرهم ، ولا يستحقون أن يشفع لهم غيرهم ، لكن من اتخذ عند الرحمن عهدا وهم ~~المؤمنون الصادقون فإنهم يملكونها بتمليك الله تعالى لهم إياها وإذنه لهم ~~فيها ، كما قال تعالى : ( @QUR@07 من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه .. ) ~~وكما قال سبحانه : ( @QUR@018 وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا ~~إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ) (2). # وعلى هذا التفسير يكون الاستثناء منقطعا. # قال القرطبي : «قوله تعالى : ( @QUR@03 لا يملكون الشفاعة ) أى : هؤلاء ~~الكفار لا يملكون الشفاعة لأحد ( @QUR@06 إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا ) ~~وهم المسلمون فيملكونها ، فهو استثناء الشيء من غير جنسه. أى : لكن من اتخذ ~~عند الرحمن عهدا يشفع ، فمن في موضع نصب على هذا ... ويرى آخرون أن الضمير ~~في قوله : ( @QUR@02 لا يملكون ... ) يعود إلى فريقى المتقين والمجرمين. # أى : لا يملك أحد من الفريقين يوم القيامة الشفاعة لأحد ، ولا يملك غيرهم ~~الشفاعة لهم ، ( @QUR@03 إلا من اتخذ ) منهم ( @QUR@03 عند الرحمن عهدا ) ~~وهم المؤمنون فإنهم يملكون بإذن الله لهم. # والمراد بالعهد الأمر والإذن ، يقال : عهد الأمير إلى فلان بكذا ، إذا ~~أمره به. أو أذن له في فعله. PageV09P072 # وعلى هذا يكون الاستثناء متصلا ، ويكون لفظ ( @QUR@01 من ) بدل من الواو ~~في ( @QUR@01 يملكون ). # قال الآلوسى ما ملخصه : «قوله ( @QUR@03 لا يملكون الشفاعة ) ضمير الجمع ~~يعم المتقين والمجرمين ، أى : العباد مطلقا ... وقوله ( @QUR@06 إلا من ~~اتخذ عند الرحمن عهدا ) استثناء متصل ... والمعنى : لا يملك العباد أن ~~يشفعوا لغيرهم ، إلا من اتصف منهم بما يستأهل معه أن يشفع وهو المراد ~~بالعهد ...» (1). # ويبدو لنا أن هذا القول أولى ، لشموله وعمومه إذ الكلام السابق في ~~الفريقين جميعا ، فريق المتقين وفريق المجرمين. # ثم يستطرد السياق القرآنى ، إلى حكاية أقوال أخرى ، من أقوال الكافرين ~~الباطلة ، وهي زعمهم أن ms3804 لله تعالى ولدا ، فقال سبحانه : # ( @QUR@04 وقالوا اتخذ الرحمن ولدا (88) @QUR@04 لقد جئتم شيئا إدا (89) ~~@QUR@09 تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا (90) ~~@QUR@04 أن دعوا للرحمن ولدا (91) @QUR@06 وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا ~~(92) @QUR@010 إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا (93) ~~@QUR@04 لقد أحصاهم وعدهم عدا (94) @QUR@05 وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ) (95) # والضمير في قوله تعالى : ( @QUR@01 وقالوا ) يشمل كل من تفوه بهذا القول ~~الباطل سواء أكان من اليهود أم من النصارى أم من المشركين. # وقوله : ( @QUR@04 لقد جئتم شيئا إدا ) توبيخ وتقريع من الله تعالى لهم ~~على هذا القول المنكر. # أى : لقد جئتم بقولكم هذا أيها الضالون شيئا فظيعا عجيبا منكرا تقشعر ~~لهوله الأبدان. PageV09P073 # والإد والإدة بكسر الهمزة الأمر الفظيع والداهية الكبيرة. يقال : فلان ~~أدته الداهية فهي تئده وتؤدة ، إذا نزلت به وحطمت كيانه. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 تكاد السماوات يتفطرن منه ... ) في موضع الصفة ~~لقوله ( @QUR@01 إدا ). # أى : لقد جئتم بقولكم هذا أمرا منكرا فظيعا ، تكاد السموات ( @QUR@02 ~~يتفطرن منه ) أى : يتشققن من هوله ، من التفطير بمعنى التشقيق ، يقال : ~~فلان فطر هذا الشيء يفطره بكسر الطاء وضمها إذا شقه. وقرأ حمزة وابن عامر ~~ينفطرن من الانفطار وهو الانشقاق أيضا . # ( @QUR@02 وتنشق الأرض ) أى : وتتصدع الأرض من عظمه ، وتنخسف بهؤلاء ~~القائلين ذلك القول الفاسد ، ( @QUR@03 وتخر الجبال هدا ) أى : وتسقط ~~الجبال مهدودة أيضا من فظاعة هذا القول. يقال : هذا الجدار يهده بضم الهاء ~~هدا : إذا هدمه. # وقوله : ( @QUR@010 أن دعوا للرحمن ولدا* وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا ~~) بمنزلة التعليل لما قبله مع تقدير لام التعليل المحذوفة. # أى : تكاد السموات يتفطرن والأرض تتشقق ، والجبال تنهد ، لأن هؤلاء ~~الضالين قد زعموا أن الله تعالى ولدا ، والحال أنه ما يصح وما يليق أن يتخذ ~~الرحمن ولدا ، لأنه سبحانه غنى عن العالمين. # قال صاحب الكشاف ما ملخصه : «إن قلت : ما معنى هذا التأثر من أجل هذه ~~الكلمة؟. # قلت : فيه وجهان : أحدهما أن الله سبحانه يقول : كدت أفعل هذا بالسموات ~~والأرض والجبال عند وجود هذه الكلمة غضبا منى على من تفوه بها .. لو ms3805 لا أنى ~~لا أعجل بالعقوبة ... # والثاني : أن يكون استعظاما للكلمة ، وتهويلا من فظاعتها وتصويرا لأثرها ~~في الدين ، وهدمها لأركانه وقواعده ، وأن مثال ذلك الأثر في المحسوسات : أن ~~يصيب هذه الأجرام العظيمة التي هي قوام العالم : ما تنفطر منه وتنشق وتخر ~~..» (1). # وقال الإمام القرطبي : «نفى عن نفسه سبحانه وتعالى الولد ، لأن الولد ~~يقتضى الجنسية والحدوث .. ولا يليق به ذلك ، ولا يوصف به ، ولا يجوز في حقه ... PageV09P074 # وروى البخاري عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقول ~~الله تبارك وتعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك ، وشتمني ولم يكن له ذلك ، ~~فأما تكذيبه إياى فقوله : لن يعيدني كما بدأنى. وليس أول الخلق بأهون على ~~من إعادته. وأما شتمه إياى فقوله : اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد. لم ~~يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد» (1). # ثم بين سبحانه أن جميع المخلوقات خاضعة لقدرته وإرادته وعلمه فقال : ( ~~@QUR@010 إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا ... ). # و ( @QUR@01 إن ) نافية بمعنى ما ، أى : ما من أحد من أهل السموات والأرض ~~إلا وهو يأتى يوم القيامة مقرا له سبحانه بالعبودية ، خاضعا لقدرته ، ~~معترفا بطاعته. مقرا بأنه عبد من مخلوقاته. ومن كان كذلك فكيف يكون له ولد؟ # وصدق الله إذ يقول : ( @QUR@018 بديع السماوات والأرض ، أنى يكون له ولد ~~، ولم تكن له صاحبة ، وخلق كل شيء ، وهو بكل شيء عليم ) (2). # ثم أكد سبحانه أنه هو المالك لكل شيء ، والعليم بكل شيء فقال : ( @QUR@02 ~~لقد أحصاهم ). # أى : حصرهم وأحاط بهم ، بحيث لا يخرج أحد من مخلوقاته عن علمه وطاعته ( ~~@QUR@02 وعدهم عدا ) أى : وعد أشخاصهم وذواتهم وحركاتهم وسكناتهم .. بحيث ~~لا يهربون من قبضته ، ولا يخفى عليه أحد منهم .. # ( @QUR@05 وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ) أى : وكل واحد يأتيه سبحانه يوم ~~القيامة منفردا ، بدون أهل أو مال أو جاه ... أو غير ذلك مما كانوا ~~يتفاخرون به في الدنيا. # وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ردت أبلغ رد وأحكمه. على أولئك الضالين ~~الذين زعموا أن الله ولدا. # ثم ms3806 ختم سبحانه السورة الكريمة ببيان ما أعده لعباده المؤمنين وببيان بعض ~~الخصائص التي جعلها لكتابه الكريم .. فقال تعالى : PageV09P075 # ( @QUR@09 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا (96) ~~@QUR@010 فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا (97) ~~@QUR@014 وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا ) (98) # أى : إن الذين أمنوا بالله تعالى حق الإيمان ، وعملوا الأعمال الصالحات ( ~~@QUR@03 سيجعل لهم الرحمن ) في دنياهم وفي آخرتهم ( @QUR@01 ودا ) أى : ~~سيجعل لهم محبة ومودة في القلوب ، لإيمانهم وعملهم الصالح ، يقال : ود فلان ~~فلانا ، إذا أحبه وأخلص له المودة. # روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبى هريرة قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «إن الله تعالى إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال : يا جبريل ~~إنى أحب فلانا فأحبه. قال : فيحبه جبريل. ثم ينادى في أهل السماء : إن الله ~~يحب فلانا فأحبوه. قال : فيحبه أهل السماء. ثم يوضع له القبول في الأرض ، ~~وإن الله إذا أبغض عبدا دعا جبريل فقال : يا جبريل إنى أبغض فلانا فأبغضه. ~~قال : فيبغضه جبريل ثم ينادى في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه. # قال : فيبغضه أهل السماء ، ثم توضع له البغضاء في الأرض» (1). # ثم بين سبحانه الحكمة التي من أجلها جعل القرآن ميسرا في حفظه وفهمه فقال ~~: ( @QUR@010 فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين ، وتنذر به قوما لدا ). # أى : إننا أنزلنا هذا القرآن على قلبك أيها الرسول الكريم وجعلناه بلسانك ~~العربي المبين ، وسهلنا حفظه وفهمه على الناس ، ( @QUR@03 لتبشر به المتقين ~~) الذين امتثلوا أمرنا واجتنبوا نهينا ( @QUR@04 وتنذر به قوما لدا ) أى : ~~ذوى لدد وشدة في الخصومة بالباطل ، وهم مشركو قريش فقوله ( @QUR@01 لدا ) ~~جمع ألد ومنه قوله تعالى : ( @QUR@017 ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة ~~الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام ) (2) أى أشد الناس خصومة وجدلا. # وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله تعالى : ( @QUR@07 ولقد يسرنا القرآن ~~للذكر فهل من مدكر ) (3). PageV09P076 # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون ) (1). # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بهذه ms3807 الآية التي تخبر عن سنة من سننه في ~~الظالمين فقال : ( @QUR@014 وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو ~~تسمع لهم ركزا ). # أى : وكثير من القرى الظالمة التي سبقتك أيها الرسول الكريم قد أهلكناها ~~وأبدناها وجعلناها خاوية على عروشها. # والاستفهام في قوله ( @QUR@05 هل تحس منهم من أحد ) للنفي : أى : ما تحس ~~منهم أحدا ولا ترى منها ديارا. يقال : أحس الرجل الشيء إحساسا ، إذا علمه ~~وشعر به. # وقوله ( @QUR@04 أو تسمع لهم ركزا ) معطوف على ما قبله ، والركز. الصوت ~~الخفى. ومنه قولهم : ركز فلان رمحه ، إذا غيب طرفه وأخفاه في الأرض. ومنه ~~الركاز للمال المدفون في الأرض. # والمعنى : أهلكنا كثيرا من القرى الظالمة الماضية ، فأصبحت لا ترى منهم ~~أحدا على الإطلاق ، ولا تسمع لهم صوتا حتى ولو كان صوتا خافتا ضعيفا وإنما ~~هم في سكون عميق ، وصمت رهيب ، بعد أن كانوا فوق هذه الأرض يدبون ويتحركون. # وهذه سنتنا التي لا تتخلف في الظالمين. ( @QUR@07 نمتعهم قليلا ثم نضطرهم ~~إلى عذاب غليظ ) نعوذ بالله تعالى من ذلك. # وبعد : فهذا تفسير لسورة مريم ، نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه ، ~~ونافعا لعباده. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ||المؤلف د. محمد سيد طنطاوى| PageV09P077 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة طه PageV09P079 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة # الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ، ومن والاه. # أما بعد : فهذا تفسير لسورة «طه» يأتى في أعقاب تفاسير أخرى ، لسور أخرى ... # أسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده. وصلى ~~الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ||المؤلف د. محمد سيد طنطاوى| PageV09P081 ### ||| * تعريف بسورة طه # 1 سورة «طه» من السور المكية. وكان ترتيبها في النزول بعد سورة مريم. # قال الآلوسى : «وتسمى أيضا بسورة الكليم .. وآياتها كما قال الداني مائة ~~وأربعون آية عند الشاميين ومائة وخمس وثلاثون عند الكوفيين ، ومائة وأربع ~~وثلاثون عند الحجازيين» (1). # وقال القرطبي : «سورة طه عليه السلام مكية في قول الجميع ، نزلت قبل إسلام ~~عمر رضى الله عنه ، فقد ms3808 قيل له : إن ختنك وأختك قد صبوا أى : دخلا في ~~الإسلام فأتاهما وعندهما رجل من المهاجرين .. يقال له : خباب وكانوا يقرءون ~~«طه» ..» (2). # 2 وقد افتتحت السورة الكريمة بخطاب النبي صلى الله عليه وسلم وببيان وظيفته ~~، وببيان سمو منزلة القرآن الكريم : الذي أنزله عليه ربه الذي له ما في ~~السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى. # قال تعالى : ( @QUR@020 طه. ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى. إلا تذكرة لمن ~~يخشى. تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى. الرحمن على العرش استوى ... ). # 3 ثم فصلت السورة الكريمة الحديث عن قصة موسى عليه السلام فبدأت بنداء ~~الله تعالى له ، وباختياره لحمل رسالته. ثم تحدثت عن تكليفه سبحانه لموسى ، ~~بالذهاب إلى فرعون. # قال تعالى : ( @QUR@032 اذهب إلى فرعون إنه طغى قال رب اشرح لي صدري. ~~ويسر لي أمري. واحلل عقدة من لساني. يفقهوا قولي. واجعل لي وزيرا من أهلي. ~~هارون أخي. اشدد به أزري. وأشركه في أمري ). # 4 ثم حكت السورة ما دار بين موسى وبين فرعون من مناقشات ومجادلات ، وكذلك ~~ما دار بين موسى وبين السحرة الذين جمعهم فرعون لمنازلة موسى عليه السلام ~~وكيف أن السحرة انتهى أمرهم بالإيمان ، وبقولهم لفرعون : ( @QUR@07 لن ~~نؤثرك على ما جاءنا من البينات PageV09P083 # @QUR@025 والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا. إنا ~~آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا ، وما أكرهتنا عليه من السحر ، والله خير ~~وأبقى ). # 5 ثم بينت السورة الكريمة ما فعله بنو إسرائيل في غيبة موسى عنهم ، وكيف ~~أن السامري قد أضلهم بأن جعلهم يعبدون عجلا له خوار ... وكيف أن موسى رجع ~~إليهم غضبان أسفا .. فحطم العجل وأحرقه وألقاه في اليم وهو يقول : ( ~~@QUR@012 إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما ). # 6 وبعد أن فصلت السورة الكريمة الحديث عن قصة موسى عليه السلام عقبت على ~~ذلك ببيان وظيفة القرآن الكريم ، وببيان جانب من أهوال يوم القيامة ، وسوء ~~عاقبة الكافرين ، وحسن عاقبة المؤمنين. # قال تعالى : ( @QUR@020 وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ms3809 ظلما. ~~ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما ). # 7 ثم ساقت السورة في أواخرها جانبا من قصة آدم ، فذكرت سجود الملائكة له ~~، ونسيانه لأمر ربه ، وقبول الله تعالى لتوبة آدم بعد أن وسوس له الشيطان ~~بما وسوس .. # قال تعالى : ( @QUR@033 ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما. ~~وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى. فقلنا يا آدم إن هذا ~~عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى ). # 8 ثم ختمت السورة الكريمة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر وبالإكثار ~~من ذكر الله تعالى وبعدم التطلع إلى زهرة الحياة الدنيا ، وبأمر أهله ~~بالصلاة. وبالرد على مزاعم المشركين ، وبتهديدهم بسوء العاقبة إذا ما ~~استمروا على ضلالهم .. # قال تعالى : ( @QUR@011 قل كل متربص فتربصوا ، فستعلمون من أصحاب الصراط ~~السوي ومن اهتدى ). # 9 هذا عرض إجمالى لأهم المقاصد التي اشتملت عليها سورة طه. ومن هذا العرض ~~نرى : أن القصة قد أخذت جانبا كبيرا منها. وكذلك الحديث عن القرآن الكريم ~~وعن يوم القيامة ، وعن أحوال الناس فيه .. قد تكرر فيها بأسلوب يهدى للتي ~~هي أقوم .. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV09P084 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@01 طه (1) @QUR@05 ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (2) @QUR@04 إلا ~~تذكرة لمن يخشى (3) @QUR@06 تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى (4) ~~@QUR@04 الرحمن على العرش استوى (5) @QUR@012 له ما في السماوات وما في ~~الأرض وما بينهما وما تحت الثرى (6) @QUR@07 وإن تجهر بالقول فإنه يعلم ~~السر وأخفى (7) @QUR@08 الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى ) (8) # افتتحت السورة الكريمة بلفظ ( @QUR@01 طه )، وهذا اللفظ أظهر الأقوال ~~فيه أنه من الحروف المقطعة التي افتتحت بها بعض سور القرآن الكريم. # وقد بينا بشيء من التفصيل عند تفسيرنا لسور : البقرة ، وآل عمران ، ~~والأعراف ، ويونس ... آراء العلماء في المقصود بهذه الحروف. # وقلنا ما خلاصته : لعل أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف المقطعة ~~قد وردت في افتتاح بعض سور القرآن الكريم ، على سبيل الإيقاظ والتنبيه ~~والتعجيز لمن عارضوا ms3810 في كون القرآن من عند الله تعالى ، أو في كونه معجزة ~~للنبي صلى الله عليه وسلم دالة على صدقه فيما يبلغه عن ربه. # وقيل : إن هذا اللفظ بمعنى يا رجل في لغة بعض قبائل العرب ... # وقيل : إنه اسم للرسول صلى الله عليه وسلم أو للسورة .. إلى غير ذلك من ~~الأقوال التي رأينا أن نضرب عنها صفحا لضعفها (1). PageV09P085 # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى. إلا تذكرة لمن ~~يخشى ). # استئناف مسوق لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من المشركين ، ~~والشقاء يأتى في اللغة بمعنى التعب والعناء ، ومنه المثل القائل «أشقى من ~~رائض مهر» أى : أتعب. ومنه قول أبى الطيب المتنبي : # ذو العقل يشقى في النعيم بعقله %~% وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم # أى : ما أنزلنا عليك القرآن أيها الرسول الكريم لكي تتعب وتجهد نفسك هما ~~وغما بسبب إعراض المشركين عن دعوتك ، كما قال تعالى : ( @QUR@011 فلعلك ~~باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ). # وإنما أنزلناه إليك لتسعد بنزوله ، ولتبلغ آياته ، ثم بعد ذلك من شاء ~~فليؤمن ومن شاء فليكفر ، فأنت عليك البلاغ ونحن علينا الحساب. # ومنهم من يرى أن المقصود بالآية النهى عن المغالاة في العبادة ، فقد أثر ~~عنه صلى الله عليه وسلم أنه قام الليل حتى تورمت قدماه فيكون المعنى : ما ~~أنزلنا عليك القرآن لكي تهلك نفسك بالعبادة ، وتذيقها ألوان المشقة والتعب ~~، فإن الله تعالى يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ، وما جعل عليكم في ~~الدين من حرج. # ومنهم من يرى أن الآية مسوقة للرد على المشركين ، الذين قالوا : ما أنزل ~~هذا القران على محمد صلى الله عليه وسلم إلا ليشقى ، فيكون المراد بالشقاء ما ~~هو ضد السعادة. # قال القرطبي ما ملخصه : «وأصل الشقاء في اللغة العناء والتعب ، أى : ما ~~أنزلنا عليك القرآن لتتعب ، بسبب فرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم .. أى : ما ~~عليك إلا أن تبلغ وتنذر .. # وروى أن أبا جهل والنضر بن الحارث قالا للنبي صلى الله عليه وسلم إنك لشقى ~~لأنك تركت دين آبائك ms3811 ، فأريد الرد على ذلك بأن دين الإسلام ، وهذا القرآن ~~هو السلم إلى نيل كل فوز ، والسبب في درك كل سعادة ، وما فيه الكفرة هو ~~الشقاوة بعينها. # وروى أنه عليه الصلاة والسلام صلى بالليل حتى اسمغدت قدماه أى : تورمت ~~فقال له جبريل : أبق على نفسك فإن لها عليك حقا ، أى : ما أنزلنا عليك ~~القرآن لتنهك نفسك في العبادة ، وتذيقها المشقة الفادحة ، وما بعثت إلا ~~بالحنيفية السمحة .. (1). # ويبدو لنا أن الآية الكريمة وإن كانت تتسع لهذه المعاني الثلاثة ، إلا أن ~~المعنى الأول PageV09P086 # أظهرها ، وأقربها إلى سياق الآيات الكريمة ، فإن قوله تعالى بعد ذلك : ( ~~@QUR@04 إلا تذكرة لمن يخشى ) بيان للحكمة التي من أجلها أنزل الله تعالى ~~هذا القرآن. # أى : ما أنزلنا عليك يا محمد هذا القرآن لتتعب من فرط تأسفك على كفر ~~الكافرين ، وإنما أنزلناه من أجل أن يكون ( @QUR@01 تذكرة ) أى موعظة تلين ~~لها قلوب من يخشى عقابنا ، ويخاف عذابنا ، ويرجو ثوابنا. # وما دام الأمر كذلك فامض في طريقك ، وبلغ رسالة ربك ، ثم بعد ذلك لا تتعب ~~نفسك بسبب كفر الكافرين ، فإنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء. # وخص سبحانه التذكرة بمن يخشى دون غيره ، لأن الخائف من عذاب الله تعالى ~~هو وحده الذي ينتفع بهدايات القرآن الكريم وآدابه وتوجيهاته وأحكامه ووعده ~~ووعيده .. كما قال تعالى : ( @QUR@05 فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ) وكما قال ~~سبحانه : ( @QUR@05 إنما أنت منذر من يخشاها ) أى : الساعة. # ثم بين سبحانه مصدر القرآن الذي أنزله تعالى للسعادة لا للشقاء فقال : ( ~~@QUR@06 تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى ). # وقوله ( @QUR@01 تنزيلا ) منصوب بفعل مضمر دل عليه قوله ( @QUR@02 ما ~~أنزلنا .. ). أى : نزل هذا القرآن تنزيلا ممن خلق الأرض التي تعيشون عليها ~~، وممن خلق السموات العلى ، أى : المرتفعة. جمع العليا ككبرى وكبر ، وصغرى وصغر. # ثم مدح سبحانه ذاته بقوله : ( @QUR@04 الرحمن على العرش استوى ) أى : ~~الرحمن عز وجل استوى على عرش ملكه استواء يليق بذاته بلا كيف أو تشبيه ، أو تمثيل. # قال الإمام مالك : الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والكيف غير ~~معقول ms3812 ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة. # وقد ذكر لفظ العرش في إحدى وعشرين آية من آيات القرآن الكريم. # قال بعض العلماء : «أما الاستواء على العرش فذهب سلف الأمة ومنهم الأئمة ~~الأربعة إلى أنه صفة لله تعالى بلا كيف ولا انحصار ولا تشبيه ولا تمثيل ~~لاستحالة اتصافه تعالى بصفات المحدثين ، ولوجوب تنزيهه تعالى عما لا يليق ~~به : ( @QUR@06 ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) وأنه يجب الإيمان بها ~~كما وردت ، وتفويض العلم بحقيقتها إليه تعالى .. (1). PageV09P087 # ثم أكد سبحانه شمول ملكه وقدرته فقال : ( @QUR@07 له ما في السماوات وما ~~في الأرض ) من كائنات وموجودات ملكا وتصرفا وإحياء وإماتة ، وله ( @QUR@02 ~~ما بينهما ) من مخلوقات لا يعلمها إلا هو وله ( @QUR@03 ما تحت الثرى ) ~~والثرى : هو التراب الندى. يقال : ثريت الأرض كرضيت إذا نديت ولانت بعد أن ~~كانت جدباء يابسة. # والمقصود : وله سبحانه بجانب ما في السموات وما في الأرض وما بينهما ، ما ~~وراء الثرى وهو تخوم الأرض وطبقاتها إلى نهايتها. # وخص سبحانه ما تحت الثرى بالذكر ، مع أنه داخل في قوله : ( @QUR@03 وما ~~في الأرض ) لزيادة التقرير ، ولتأكيد شمول ملكيته سبحانه لكل شيء. # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى ) بيان ~~لشمول علمه بكل شيء ، بعد بيان شمول قدرته. # والجهر بالقول : رفع الصوت به. والسر : ما حدث به الإنسان غيره بصورة ~~خفية. وأخفى أفعل تفضيل وتنكيره للمبالغة في الخفاء. # والمعنى : وإن تجهر أيها الرسول بالقول في دعائك أو في مخاطبتك لربك ، ~~فربك عز وجل غنى عن ذلك ، فإنه يعلم ما يحدث به الإنسان غيره سرا ، ويعلم ~~أيضا ما هو أخفى من ذلك وهو ما يحدث به الإنسان نفسه دون أن يطلع عليه أحد ~~من الخلق. # قال تعالى : ( @QUR@016 وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور. ~~ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) (1). # وقال سبحانه : ( @QUR@014 ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ~~ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) (2). # ومنهم من يرى أن لفظ ( @QUR@01 أخفى ) فعل ماض. فيكون المعنى : وإن تجهر ~~بالقول في ذكر أو ms3813 دعاء فلا تجهد نفسك بذلك فإنه تعالى يعلم السر الذي يكون ~~بين اثنين ، ويعلم ما أخفاه سبحانه عن عباده من غيوب لا يعلمها إلا هو ، ~~ويعلم ما سيفعله الإنسان من أعمال في المستقبل ، قبل أن يعلم هذا الإنسان ~~أنه سيفعلها. # قال الجمل : وقوله : ( @QUR@01 أخفى ) جوزوا فيه وجهين : أحدهما : أنه ~~أفعل تفضيل. أى : وأخفى من السر. والثاني : أنه فعل ماض. أى : وأخفى الله ~~من عباده غيبه ، كقوله : PageV09P088 # ( @QUR@04 ولا يحيطون به علما ) (1). # ثم أثنى سبحانه على ذاته بما هو أهل له فقال : ( @QUR@08 الله لا إله إلا ~~هو له الأسماء الحسنى ). # أى : هو الله تعالى وحده الذي يجب أن يخلص الخلق له العبادة والطاعة ولا ~~أحد غيره يستحق ذلك ، وهو صاحب الأسماء ( @QUR@01 الحسنى ) أى : الفضلى ~~والعظمى ، لدلالتها على معاني التقديس والتمجيد والتعظيم والنهاية في السمو ~~والكمال. # وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم : «إن لله تسعة وتسعين اسما ~~، من أحصاها دخل الجنة». # قال تعالى : ( @QUR@014 ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ، وذروا الذين ~~يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون ) (2). # وقال سبحانه : ( @QUR@012 قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا ~~فله الأسماء الحسنى .. ) (3). # ثم ساقت السورة الكريمة بشيء من التفصيل جانبا من قصة موسى ، التي تعتبر ~~أكثر قصص الأنبياء ورودا في القرآن الكريم ، حيث جاء الحديث عنها في سور : ~~البقرة ، والمائدة. والأعراف. ويونس. والإسراء ، والكهف ، والشعراء ، ~~والقصص. # وقد بدأت السورة حديثها عن قصة موسى ببيان اختيار الله تعالى له لحمل ~~رسالته ، وتبليغ دعوته قال تعالى : # ( @QUR@04 وهل أتاك حديث موسى (9) @QUR@018 إذ رأى نارا فقال لأهله ~~امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى (10) ~~@QUR@05 فلما أتاها نودي يا موسى (11) @QUR@09 إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك ~~بالواد المقدس طوى (12) PageV09P089 # @QUR@05 وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى (13) @QUR@011 إنني أنا الله لا إله ~~إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري (14) @QUR@010 إن الساعة آتية أكاد ~~أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى (15) @QUR@010 فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها ~~واتبع هواه فتردى ) (16) # قال ابن كثير رحمه الله ms3814 : «من هاهنا شرع تبارك وتعالى في ذكر قصة موسى ، ~~وكيف كان ابتداء الوحى إليه وتكليمه إياه ، وذلك بعد ما قضى موسى الأجل ~~الذي كان بينه وبين صهره في رعاية الغنم وسار بأهله ، قيل : قاصدا بلاد مصر ~~بعد ما طالت الغيبة عنها أكثر من عشر سنين ، ومعه زوجته فأضل الطريق ، ~~وكانت ليلة شاتية ، ونزل منزلا بين شعاب وجبال ، في برد وشتاء ، وسحاب ~~وظلال وضباب ، وجعل يقدح بزند معه ليورى نارا ، كما جرت العادة به ، فجعل ~~لا يقدح شيئا ، ولا يخرج منه شرر ولا شيء ، فبينما هو كذلك ، إذ آنس من ~~جانب الطور نارا. # أى : ظهرت له نار من جانب الجبل الذي هناك عن يمينه ، فقال لأهله يبشرهم ~~: ( @QUR@09 ... امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس ) أى : شهاب من ~~نار .. (1). # والاستفهام في قوله سبحانه : ( @QUR@02 وهل أتاك .. ) لتقرير الخبر ~~وتثبيته ، وهذا أبلغ عن مجيئه بصورة الخبر المجرد. لأن في الاستفهام ~~التقريرى تطلع واشتياق لمعرفة الخبر. # والجملة الكريمة مستأنفة لتأكيد ما سبق الحديث عنه من وحدانية الله تعالى ~~ولتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من قومه. ببيان جانب من جهاد ~~أخيه موسى عليه السلام . # والمعنى : لقد أتاك أيها الرسول الكريم خبر أخيك موسى ، وقت أن رأى نارا ~~وهو عائد ليلا من مدين إلى مصر ( @QUR@02 فقال لأهله ) أى لامرأته ومن معها ~~( @QUR@01 امكثوا ) أى : أقيموا في مكانكم ولا تبرحوه حتى أعود إليكم. # وجملة ( @QUR@03 إني آنست نارا ) تعليل للأمر بالمكوث ، وآنست من الإيناس ~~بمعنى الإبصار PageV09P090 # الواضح الجلى. أى : إنى أبصرت إبصارا بينا لا شبهة فيه نارا على مقربة ~~منى ، فامكثوا في أماكنكم ( @QUR@04 لعلي آتيكم منها بقبس ). # والقبس : الشعلة التي تؤخذ من النار في طرف عود أو نحوه. ووزنه فعل بفتح ~~العين بمعنى مفعول أى : لعلى آتيكم من هذه النار بشعلة مقتبسة منها ، ~~ومأخوذة عنها. # وقوله : ( @QUR@05 أو أجد على النار هدى ) معطوف على ما قبله. # أى : امكثوا في مكانكم حتى أذهب إلى النار التي شاهدتها ، لعلى آتيكم ~~منها بشعلة ، أو أجد عندها هاديا يهديني الى الطريق ms3815 الذي أسلكه لكي أصل إلى ~~المكان الذي أريده. # فقوله ( @QUR@01 هدى ) مصدر بمعنى اسم الفاعل أى : هاديا. # وقد دلت آية أخرى على أن موسى قد ذهب إلى النار ليأتى منها بما يدفئ أهله ~~من البرد. # وهذه الآية هي قوله تعالى : ( @QUR@027 فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله ~~آنس من جانب الطور نارا. قال لأهله امكثوا إني آنست نارا ، لعلي آتيكم منها ~~بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون ) (1). # ثم بين سبحانه ما حدث لموسى بعد أن اقترب من النار فقال : ( @QUR@015 ~~فلما أتاها نودي يا موسى * إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى ). # أى : فلما أتى موسى عليه السلام إلى النار ، واقترب منها .. ( @QUR@01 ~~نودي ) من قبل الله عز وجل ( @QUR@05 يا موسى إني أنا ربك ) الذي خلقك فسواك ~~فعدلك .. ( @QUR@02 فاخلع نعليك ) تعظيما لأمرنا. وتأدبا في حضرتنا. # وقوله ( @QUR@04 إنك بالواد المقدس طوى ) تعليل للأمر بخلع النعل ، أى : ~~أزل نعليك من رجليك لأنك الآن موجود بالوادي ( @QUR@01 المقدس ) أى : ~~المطهر المبارك ، المسمى طوى : فهو عطف بيان من الوادي. # ( @QUR@02 وأنا اخترتك ) أى : اصطفيتك من بين أفراد قومك لحمل رسالتي ، ~~وتبليغ دعوتي ( @QUR@03 فاستمع لما يوحى ) إليك منى ، ونفذ ما آمرك به. # ( @QUR@07 إنني أنا الله لا إله إلا أنا ) مستحق للعبادة والطاعة والخضوع ~~( @QUR@01 فاعبدني ) عبادة خالصة لوجهي. # ( @QUR@02 وأقم الصلاة ) التي هي من أشرف العبادات ، وأفضل الطاعات ( ~~@QUR@01 لذكري ) أى : PageV09P091 # وأدم إقامة الصلاة بخشوع وإخلاص ، ليشتد تذكرك لي. واتصالك بي ، وذلك لأن ~~الصلاة مشتملة على الكثير من الأذكار التي فيها الثناء على ذاتى وصفاتي. # أو المعنى : وأدم الصلاة لذكرى خاصة ، بحيث تكون خالصة لوجهي ، ولا رياء ~~فيها لأحد. # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( @QUR@01 لذكري ) الظاهر أنه متعلق بأقم ~~، أى : أقم الصلاة لذكرى فيها لاشتمالها على الأذكار. وقيل : المراد أقم ~~الصلاة لذكرى خاصة لا ترائى بها ولا تشوبها بذكر غيرى .. أو لكي أذكرك ~~بالثناء وأثيبك بها. أو لذكرى إياها في الكتب السماوية وأمرى بها. أو ~~لأوقات ذكرى وهي مواقيت الصلاة. فاللام وقتية بمعنى عند ؛ مثلها في قوله ~~تعالى ( @QUR@04 يا ليتني قدمت ms3816 لحياتي ). # ومن الناس من حمل الذكر على ذكر الصلاة بعد نسيانها. والمراد : أقم ~~الصلاة عند تذكرها .. # ففي الحديث الصحيح : «من نام عن صلاة أو نسيها. فكفارتها أن يصليها إذا ~~ذكرها ، لا كفارة لها إلا ذلك ..» (1). # وخص سبحانه الصلاة بالذكر مع أنها داخلة في العبادة المأمور بها في قوله ~~( @QUR@01 فاعبدني ) على سبيل التشريف والتكريم ، إذ الصلاة أكمل وسيلة ~~توصل الإنسان إلى مداومة ذكر الله تعالى وخشيته ، لاشتمالها على ألوان ~~متعددة من صور العبادة والطاعة ، إذ فيها قراءة للقرآن الكريم ، وفيها ~~الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وفيها تسبيح الله وتمجيده. # ثم بين سبحانه أن الساعة آتية لا ريب فيها فقال : ( @QUR@021 إن الساعة ~~آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى * فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها ~~واتبع هواه فتردى ). # أى : إن الساعة التي هي وقت البعث والحساب والثواب والعقاب ، آتية أى : ~~كائنة وحاصلة لا شك فيها. # وقوله ( @QUR@02 أكاد أخفيها ) أى : أقرب أن أخفى وقتها ولا أظهره لا ~~إجمالا ولا تفصيلا ، ولو لا أن في إطلاع أصفيائى على بعض علاماتها فائدة ، ~~لما تحدثت عنها. # قالوا : «والحكمة في إخفاء الساعة وإخفاء وقت الموت ، أن الله تعالى وعد ~~بعدم قبول التوبة عند قربهما ، فلو عرف وقت الموت لاشتغل الإنسان بالمعصية ~~إلى قرب ذلك الوقت ثم يتوب ، فيتخلص من عقاب المعصية فتعريف الموت كالإغراء ~~بفعل المعصية ، وهو لا PageV09P092 # يجوز (1). # قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله : ( @QUR@02 أكاد أخفيها ) أقرب أن أخفى ~~الساعة ولا أظهرها ، بأن أقول إنها آتية .. أو أريد إخفاء وقتها المعين ~~وعدم إظهاره .. فكاد بمعنى أراد ، وإلى هذا ذهب الأخفش وغيره .. وروى عن ~~ابن عباس أن المعنى : أكاد أخفيها من نفسي ، فكيف أظهركم عليها .. وهذا ~~محمول على ما جرت به عادة العرب من أن أحدهم إذا أراد المبالغة في كتمان ~~الشيء قال : كدت أخفيه عن نفسي. # وقال أبو على : المعنى أكاد أظهرها بأن أوقعها ، وهذا بناء على أن أخفيها ~~من ألفاظ السلب بمعنى أزيل خفاءها .. (2). # ويبدو لنا أن الإخفاء هنا على حقيقته ، وأن ms3817 المقصود من الآية الكريمة ~~إخفاء وقت مجيء الساعة عن الناس. حتى يكونوا على استعداد لمجيئها عن طريق ~~العمل الصالح الذي ينفعهم يوم القيامة. # فحكمة الله تعالى اقتضت إخفاء وقت الساعة ، وعدم إطلاع أحد عليها إلا ~~بالمقدار الذي يأذن الله تعالى به لرسله. # قال الإمام ابن جرير ما ملخصه : «والذي هو أولى بتأويل الآية من القول : ~~قول من قال معناه : أكاد أخفيها من نفسي .. لأن المعروف من معنى الإخفاء في ~~كلام العرب : الستر. يقال : قد أخفيت الشيء إذا سترته .. وإنما اخترنا هذا ~~القول على غيره لموافقته أقوال أهل العلم من الصحابة والتابعين .. (3). # وقوله : ( @QUR@05 لتجزى كل نفس بما تسعى ) متعلق بآتية ، وجملة ( ~~@QUR@02 أكاد أخفيها ) معترضة بينهما. # أى : إن الساعة آنية لا ريب فيها ، لكي تجزى كل نفس على حسب سعيها وعملها ~~في الدنيا. # قال تعالى : ( @QUR@012 ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ، ~~فأولئك كان سعيهم مشكورا ) (4). # وقال سبحانه : ( @QUR@012 فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ~~ذرة شرا يره ). # ثم حذر سبحانه من عدم الاستعداد للساعة. ومن الشك في إتيانها فقال : PageV09P093 # ( @QUR@03 فلا يصدنك عنها ) أى : فلا يصرفنك عن الإيمان بها ، وعن العمل ~~الصالح الذي ينفعك عند مجيئها ( @QUR@04 من لا يؤمن بها ) من الكافرين ~~والفاسقين ( @QUR@02 واتبع هواه ) في إنكارها وفي تكذيب ما يكون فيها من ~~ثواب أو عقاب ( @QUR@01 فتردى ) أى : فتهلك ، إن أنت أطعت هذا الذي لا يؤمن ~~بها. يقال : ردى فلان كرضى إذا هلك ، وأرداه غيره إذا أهلكه. # فالآية الكريمة تحذير شديد من اتباع المنكرين لقيام الساعة والمعرضين عن ~~الاستعداد لها ، بعد أن أكد سبحانه في آيات كثيرة أن الساعة آتية لا ريب فيها. # قال تعالى : ( @QUR@025 ذلك بأن الله هو الحق ، وأنه يحي الموتى ، وأنه ~~على كل شيء قدير. وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في ~~القبور ) (1). # وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة قد أثبتت وحدانية الله تعالى كما في قوله : ~~( @QUR@07 إنني أنا الله لا إله إلا أنا ) كما أثبتت وجوب التوجه إليه وحده ~~بالعبادة كما في ms3818 قوله سبحانه : ( @QUR@04 فاعبدني وأقم الصلاة لذكري ). ~~كما أثبتت أن يوم القيامة لا شك في إتيانه في الوقت الذي يريده الله تعالى ~~كما قال عز وجل : ( @QUR@03 إن الساعة آتية ... ). # ثم بين سبحانه بعض التوجيهات والأوامر التي وجهها عز وجل إلى نبيه موسى ~~عليه السلام كما حكى ما التمسه موسى من خالقه تعالى فقال : # ( @QUR@05 وما تلك بيمينك يا موسى (17) @QUR@013 قال هي عصاي أتوكؤا ~~عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى (18) @QUR@04 قال ألقها يا ~~موسى (19) @QUR@05 فألقاها فإذا هي حية تسعى (20) @QUR@07 قال خذها ولا تخف ~~سنعيدها سيرتها الأولى (21) @QUR@011 واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من ~~غير سوء آية أخرى (22) @QUR@04 لنريك من آياتنا الكبرى (23) @QUR@05 اذهب ~~إلى فرعون إنه طغى (24) @QUR@01 قال PageV09P094 # @QUR@04 رب اشرح لي صدري (25) @QUR@03 ويسر لي أمري (26) @QUR@04 واحلل ~~عقدة من لساني (27) @QUR@02 يفقهوا قولي (28) @QUR@05 واجعل لي وزيرا من ~~أهلي (29) @QUR@02 هارون أخي (30) @QUR@03 اشدد به أزري (31) @QUR@03 ~~وأشركه في أمري (32) @QUR@03 كي نسبحك كثيرا (33) @QUR@02 ونذكرك كثيرا ~~(34) @QUR@04 إنك كنت بنا بصيرا ) (35) # الاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@05 وما تلك بيمينك يا موسى ) للتقرير ، ~~لأن الله تعالى عالم بما في يمين موسى ، فالمقصود من هذا السؤال اعتراف ~~موسى وإقراره بأن ما في يده إنما هي عصا فيزداد بعد ذلك يقينه بقدرة الله ~~تعالى عند ما يرى العصا التي بيمينه قد انقلبت حية تسعى. # قال صاحب الكشاف : إنما سأله سبحانه ليريه عظم ما يخترعه عز وعلا في ~~الخشبة اليابسة من قلبها حية نضاضة أى تحرك لسانها في فمها ، وليقرر في ~~نفسه المباينة البعيدة بين المقلوب عنه ، والمقلوب إليه ، وينبهه على قدرته ~~الباهرة. ونظيره أن يريك الزراد زبرة من حديد أى قطعة من حديد ويقول لك : ~~ما هي؟ فتقول : زبرة حديد. ثم يريك بعد أيام لبوسا مسردا فيقول لك : هي تلك ~~الزبرة صيرتها إلى ما ترى من عجيب الصنعة ، وأنيق السرد .. (1). # والآية الكريمة : شروع في بيان ما كلف الله تعالى به عبده موسى ~~عليه السلام من الأمور المتعلقة بالخلق ، إثر حكاية ما أمر سبحانه به موسى ~~من إخلاص العبادة له ، والإيمان بالساعة وما فيها ms3819 من حساب وثواب وعقاب. # والمعنى : وأى شيء بيدك اليمنى يا موسى؟ فأجاب موسى بقوله كما حكى القرآن ~~عنه ( @QUR@03 قال هي عصاي ) أى : الشيء الذي بيميني هو عصاي .. ونسبها إلى ~~نفسه لزيادة التحقق والتثبت من أنها خاصة به وكائنة بيده اليمنى. # ثم بين وظيفتها فقال : ( @QUR@02 أتوكؤا عليها ) أى : أعتمد عليها ~~لتساعدنى في حال السير ( @QUR@04 وأهش بها على غنمي ) أى : وأضرب بها الشجر ~~اليابس ليسقط ، ورقة فترعاه أغنامى. يقال هش فلان الشجرة بالعصا من باب رد ~~فهو يهشها هشا ، إذا ضربها بعصاه أو بما يشبهها ليتساقط ورقها. ومفعول أهش ~~محذوف. أى : وأهش بها الشجر والورق. PageV09P095 # ( @QUR@04 ولي فيها مآرب أخرى ) والمآرب : جمع مأربة بتثليث الراء بمعنى ~~حاجة. تقول : لا أرب لي في هذا الشيء ، أى : لا حاجة لي فيه. # أى : ولي في هذه العصا حاجات أخرى ، ومنافع غير التي ذكرتها. # وقد كان يكفى موسى عليه السلام في الجواب أن يقول : هي عصاي ، ولكنه أضاف ~~إلى ذلك أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي .. لأن المقام يستدعى البسط ~~والإطالة في الكلام ، إذ هو مقام حديث العبد مع خالقه ، والحبيب مع حبيبه. # وأجمل في قوله : ( @QUR@04 ولي فيها مآرب أخرى ) إما حياء من الله تعالى ~~لطول الكلام في الجواب ، وإما رجاء أن يسأل عن هذه المآرب المجملة ، فيجيب ~~عنها بالتفصيل تلذذا في الخطاب. # قال القرطبي : وفي هذه الآية دليل على جواب السؤال بأكثر مما سئل ، لأنه ~~لما قال : ( @QUR@05 وما تلك بيمينك يا موسى ) ذكر معاني أربعة وهي : إضافة ~~العصا إليه ، وكان حقه أن يقول عصا ، والتوكؤ ، والهش ، والمآرب المطلقة. ~~فذكر موسى من منافع عصاه معظمها. # وفي الحديث : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ماء البحر فقال : «هو الطهور ~~ماؤه الحل ميتته» وسألته امرأة عن الصغير حين رفعته إليه فقالت : ألهذا حج؟ ~~قال : «نعم ولك أجر» (1). # وقال الإمام ابن كثير عند تفسيره لقوله ( @QUR@04 ولي فيها مآرب أخرى ): ~~وقد تكلف بعضهم لذكر شيء من تلك المآرب التي أبهمت ، فقيل : كانت تضيء له ~~بالليل ، وتحرس له الغنم إذا نام ms3820 ، ويغرسها فتصير شجرة تظلله ، وغير ذلك من ~~الأمور الخارقة للعادة. # والظاهر أنها لم تكن كذلك ، ولو كانت كذلك لما استنكر موسى صيرورتها ~~ثعبانا ، ولما فر منها هاربا ، ولكن كل ذلك من الأخبار الإسرائيلية (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 قال ألقها يا موسى ) جملة مستأنفة جواب عن سؤال ~~مقدر ، كأنه قيل : فماذا قال الله تعالى لموسى بعد ذلك؟. # فكان الجواب : قال سبحانه لموسى : اطرح يا موسى هذه العصا التي بيمينك ~~لترى ما يكون بعد ذلك. ( @QUR@05 فألقاها فإذا هي حية تسعى ). # أى : فامتثل موسى أمر ربه ، فألقاها على الأرض ، ونظر إليها فإذا هي قد ~~تحولت بقدرة الله تعالى إلى «حية» أى ثعبان عظيم «تسعى» ، أى : تمشى على الأرض PageV09P096 # بسرعة وخفة حركة ووصفها سبحانه هنا بأنها ( @QUR@02 حية تسعى )، ووصفها ~~في سورة الشعراء بأنها ( @QUR@02 ثعبان مبين ) (1) ووصفها في سورة النمل ~~بأنها ( @QUR@03 تهتز كأنها جان ) (2). # ولا تنافى بين هذه الأوصاف ، لأن الحية اسم جنس يطلق على الصغير والكبير ~~، والذكر والأنثى ، والثعبان : هو العظيم منها ، والجان : هو الحية الصغيرة ~~الجسم ، السريعة الحركة. # وقد صرحت بعض الآيات أن موسى عليه السلام عند ما رأى عصاه قد تحولت إلى ~~ذلك ، ولى مدبرا ولم يعقب. قال تعالى : ( @QUR@012 وأن ألق عصاك فلما رآها ~~تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب .. ). # ولكن الله تعالى ثبت فؤاده ، وطمأن نفسه : ( @QUR@04 قال خذها ولا تخف ) ~~أى : خذ هذه الحية التي تحولت عصاك إليها ولا تخف منها ، كما هو الشأن في ~~الطبائع البشرية ، فإنا ( @QUR@03 سنعيدها سيرتها الأولى ) أى : سنعيد هذه ~~الحية إلى هيئتها الأولى التي كانت عليها قبل أن تصير حية تسعى ، وهي أن ~~نعيدها بقدرتنا التي لا بعجزها شيء إلى عصا كما كانت من قبل. # فالجملة الكريمة مسوقة لتعليل وجوب الامتثال للأمر وعدم الخوف ، أى : ~~خذها ولا تخف منها ، فإن هذه الحية سنرجعها عصا كما كانت من قبل. # وقوله تعالى ( @QUR@01 سيرتها ) فعلة من السير ، وهي الحالة والهيئة التي ~~يكون عليها الإنسان ، وهو منصوب بنزع الخافض. أى : سنعيدها إلى هيئتها ~~وحالتها الأولى. # قالوا : ومن الحكم التي من أجلها ms3821 حول الله تعالى العصا إلى حية تسعى : ~~توطين قلب موسى عليه السلام على ذلك ، حتى لا يضطرب إذا ما تحولت إلى ثعبان ~~عظيم عند ما يلقيها أمام فرعون وقومه. # فقد جرت عادة الإنسان أن يقل اضطرابه من الشيء العجيب الغريب بعد رؤيته ~~له لأول مرة. # ثم وجه سبحانه أمرا آخر إلى عبده موسى فقال : ( @QUR@011 واضمم يدك إلى ~~جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى ). # والضم : الجمع. يقال : ضم فلان أصابعه إذا جمعها. والجناح ، يطلق على ~~العضد وعلى الجنب ، وعلى الإبط. وأصله جناح الطائر وسمى بذلك لأنه يجنحه ، ~~أى : يميله عند الطيران ، ثم توسع فيه فأطلق على العضد وغيره. PageV09P097 # والمراد باليد هنا : كف يده اليمنى. # والسوء : الرديء والقبيح من كل شيء ، وكنى به هنا عن البرص لشدة قبحه. # والمعنى : واضمم يا موسى يدك اليمنى الى عضد يدك اليسرى بأن تجعلها تحته ~~عند الإبط. ثم أخرجها فإنها تخرج ( @QUR@04 بيضاء من غير سوء ) أى : تخرج ~~منيرة مشرقة واضحة البياض دون أن يعلق بها أى سوء من برص أو مرض أو غيرهما ~~، وإنما يكون بياضها بياضا مشرقا بقدرة الله تعالى وإرادته. # قال الحسن البصري : أخرجها والله كأنها مصباح ، فعلم موسى أنه قد لقى ربه ~~تعالى . # وقوله : ( @QUR@02 تخرج بيضاء ... ) جواب الأمر وهو قوله : ( @QUR@02 ~~واضمم يدك ). # وقوله : ( @QUR@03 من غير سوء ) احتراس لدفع توهم أن يكون بياضها بسبب ~~مرض أو أذى ، وهو متعلق بتخرج. # وقوله : ( @QUR@02 آية أخرى ) أى : معجزة أخرى غير معجزة العصا التي سبق ~~أن منحناها لك. # كما قال تعالى : ( @QUR@016 واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ~~ربك إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين ) (1). # وقوله : ( @QUR@04 لنريك من آياتنا الكبرى )، تعليل لمحذوف ، أى : فعلنا ~~ما فعلنا من إعطائك معجزة العصا ومعجزة اليد ، لنريك بهاتين المعجزتين بعض ~~معجزاتنا الكبرى ، الدالة على عظيم قدرتنا ، وانفرادنا بالربوبية ~~والأولوهية. # ثم صرح سبحانه بالمقصود من إعطاء موسى هاتين المعجزتين العظيمتين فقال : ~~( @QUR@05 اذهب إلى فرعون إنه طغى ) أى : اذهب يا موسى ومعك هاتان ~~المعجزتان ، فادعه إلى عبادتي وحدي ، ومره فليحسن ms3822 إلى بنى إسرائيل ولا ~~يعذبهم ، وانهه عن التجبر والظلم ، فإنه قد طغى وبغى وتجاوز حدود الحق ~~والعدل ، وزعم للناس أنه ربهم الأعلى. # وهنا التمس موسى عليه السلام العون من خالقه ، لكي يتسنى له أداء ما كلفه ~~به فقال : ( @QUR@04 رب اشرح لي صدري ) أى : أسألك يا إلهى أن توسع صدري ~~بنور الإيمان والنبوة ، وأن تجعله يتقبل تكاليفك بسرور وارتياح. # ( @QUR@03 ويسر لي أمري ) أى : وسهل لي ما أمرتنى به ، فإنك إن لم تحطنى ~~بهذا التيسير ، فلا PageV09P098 # طاقة لي بحمل أعباء هذه الرسالة. # قال صاحب الكشاف : «لما أمره بالذهاب إلى فرعون الطاغي لعنه الله عرف أنه ~~كلف أمرا عظيما ، وخطبا جسيما يحتاج معه إلى احتمال مالا يحتمله إلا ذو جأش ~~رابط ، وصدر فسيح ، فاستوهب ربه أن يشرح صدره ، ويفسح قلبه ، ويجعله حليما ~~حمولا يستقبل ما عسى يرد عليه من الشدائد التي يذهب معها صبر الصابر .. وأن ~~يسهل عليه في الجملة أمره الذي هو خلافة الله في أرضه ، وما يصحبها من ~~مزاولة معاظم الشئون ، ومقاساة جلائل الخطوب. (1). # وقوله : ( @QUR@06 واحلل عقدة من لساني* يفقهوا قولي ) دعاء ثالث تضرع به ~~إلى خالقه تعالى أى : وأسألك يا رب أن تحل عقدة من لساني حتى يفهم الناس ~~قولي لهم ، وحديثي معهم ، فهما يتأتى منه المقصود ، فمن للتبعيض ، أى : ~~واحلل عقده كائنة من عقده. # وقد روى أنه كان بلسانه حبسة ، والأرجح أن هذا هو الذي عناه ، ويؤيده ~~قوله تعالى في آية أخرى : ( @QUR@014 وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله ~~معي ردءا يصدقني ، إني أخاف أن يكذبون ) (2). # قال ابن كثير : «ذلك لما كان أصابه من اللثغ ، حين عرض عليه فرعون التمرة ~~والجمرة ، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه .. وما سأل أن يزول ذلك بالكلية ، ~~بل حيث يزول العي ، ويحصل لهم فهم ما يريد منه وهو قدر الحاجة ولو سأل ~~الجميع لزال ، ولكن الأنبياء لا يسألون إلا بقدر الحاجة ، ولهذا بقيت بقية. # قال الحسن البصري : سأل موسى ربه أن يحل عقدة واحدة من لسانه ، ولو سأل ~~أكثر من ذلك لأعطى (3). # وقوله سبحانه ms3823 : ( @QUR@013 واجعل لي وزيرا من أهلي* هارون أخي* اشدد به ~~أزري* وأشركه في أمري ) دعاء آخر تضرع به إلى ربه في أمر خارجى عنه ، بعد ~~أن دعاه في أمر يتعلق بصدره ولسانه. # وقوله : ( @QUR@01 وزيرا ) من الموازرة وهي المعاونة. يقال : وازرت فلانا ~~موازرة ، إذا أعنته على أمره. أو من الوزر بفتح الواو والزاى وهو الملجأ ~~الذي يعتصم به الإنسان لينجو من الهلاك. # أى : وأسألك يا إلهى أن تجعل لي «وزيرا» أى : معينا وظهيرا من أهلى في إبلاغ PageV09P099 # رسالتك ، وهذا الوزير والمعين هو أخى هارون ، الذي أسألك أن تقوى به ظهري ~~، وأن تجعله شريكا لي في تبليغ رسالتك ، حتى نؤديها على الوجه الأكمل وكأن ~~موسى عليه السلام قد علم من نفسه حدة الطبع ، وسرعة الانفعال ، فالتجأ إلى ~~ربه لكي يعينه بأخيه هارون ، ليقويه ويتشاور معه في الأمر الجليل الذي هو ~~مقدم عليه ، وهو تبليغ رسالة الله إلى فرعون الذي طغى وبغى وقال لقومه أنا ~~ربكم الأعلى. # قال ابن عباس : نبئ هارون ساعتئذ حين نبئ موسى. # وقوله : ( @QUR@09 كي نسبحك كثيرا* ونذكرك كثيرا* إنك كنت بنا بصيرا ) ~~تعليل للدعوات الصالحات التي تضرع بها موسى إلى ربه تعالى . # أى : أجب يا إلهى دعائي بأن تشرح صدري .. وتشد بأخى هارون أزرى ، كي ~~نسبحك تسبيحا كثيرا ، ونذكرك ذكرا كثيرا ، إنك سبحانك كنت وما زلت بنا ~~بصيرا ، لا يخفى عليك شيء من أمرنا أو من أمر خلقك ، فأنت المطلع على حالنا ~~وعلى ضعفنا ، وأنت العليم بحاجتنا إليك وإلى عونك ورعايتك. # بهذه الدعوات الخاشعات ابتهل موسى إلى ربه ، وأطال الابتهال في بسط حاجته ~~، وكشف ضعفه .. فماذا كانت النتيجة؟. # لقد كانت النتيجة أن أجاب الله له دعاءه ، وحقق له مطالبه ، وذكره ببعض ~~مننه عليه فقال تعالى :. # ( @QUR@06 قال قد أوتيت سؤلك يا موسى (36) @QUR@05 ولقد مننا عليك مرة ~~أخرى (37) @QUR@06 إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى (38) @QUR@022 أن اقذفيه في ~~التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت ~~عليك محبة مني ولتصنع على عيني (39) @QUR@024 إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم ms3824 ~~على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من ~~الغم وفتناك فتونا PageV09P100 # @QUR@011 فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى (40) @QUR@02 ~~واصطنعتك لنفسي ) (41) # قوله سبحانه : ( @QUR@06 قال قد أوتيت سؤلك يا موسى ) حكاية لما رد الله ~~تعالى به على نبيه موسى عليه السلام بعد أن تضرع إليه بتلك الدعوات ~~النافعات. # والسؤال هنا بمعنى المسئول ، كالأكل بمعنى المأكول. # قال الآلوسى : «والإيتاء : عبارة عن تعلق إرادته تعالى بوقوع تلك المطالب ~~وحصولها له عليه السلام ألبتة ، وتقديره تعالى إياها حتما ، فكلها حاصلة له ~~عليه السلام وإن كان وقوع بعضها بالفعل مرتبا بعد ، كتيسير الأمر ، وشد ~~الأزر .. (1). # أى : قال الله تعالى لموسى بعد أن ابتهل إليه سبحانه بما ابتهل : لقد ~~أجبنا دعاءك يا موسى ، وأعطيناك ما سألتنا إياه ، فطب نفسا وقر عينا. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 ولقد مننا عليك مرة أخرى ) تذكير منه سبحانه ~~لموسى ، بجانب من النعم التي أنعم بها عليه ، حتى يزداد ثباتا وثقة بوعد ~~الله تعالى ولذا صدرت الجملة بالقسم. # أى : وبعزتي وجلالي لقد مننا عليك ، وأحسنا إليك ( @QUR@02 مرة أخرى ) ~~قبل ذلك ، ومنحناك من رعايتنا قبل أن تلتمس منا أن نشرح لك صدرك ، وأن نيسر ~~لك أمرك ... # ثم فصل سبحانه هذه المنن التي امتن بها على عبده موسى ، فذكر ثمانية منها ~~: أما أول هذا المنن فتتمثل في قوله تعالى : ( @QUR@06 إذ أوحينا إلى أمك ~~ما يوحى ). # و ( @QUR@01 إذ ) ظرف لقوله ( @QUR@01 مننا ) والإيحاء : الإعلام في خفاء ~~.. وإيحاء الله تعالى إلى أم موسى كان عن طريق الإلهام أو المنام أو ~~غيرهما. # قال صاحب الكشاف : «الوحى إلى أم موسى : إما أن يكون على لسان نبي في ~~وقتها ، كقوله تعالى : ( @QUR@04 وإذ أوحيت إلى الحواريين ) أو يبعث إليها ~~ملكا لا على وجه النبوة كما بعث إلى مريم. أو يريها ذلك في المنام فتتنبه ~~عليه أو يلهمها كقوله تعالى : ( @QUR@04 وأوحى ربك إلى النحل ). PageV09P101 # أى : أوحينا إليها أمرا لا سبيل إلى التوصل إليه ، ولا إلى العلم به ، ~~إلا بالوحي (1). # والمعنى : ولقد مننا عليك يا ms3825 موسى مرة أخرى ، وقت أن أوحينا إلى أمك بما ~~أوحينا من أمر عظيم الشأن ، يتعلق بنجاتك من بطش فرعون. # فالتعبير بالموصول في قوله : ( @QUR@02 ما يوحى ) للتعظيم والتهويل ، كما ~~في قوله تعالى ( @QUR@05 فأوحى إلى عبده ما أوحى ). # ثم وضح سبحانه ما أوحاه إلى أم موسى فقال : ( @QUR@015 أن اقذفيه في ~~التابوت فاقذفيه في اليم ، فليلقه اليم بالساحل ، يأخذه عدو لي وعدو له .. ). # و ( @QUR@01 أن ) في قوله ( @QUR@02 أن اقذفيه ) مفسرة ، لأن الإيحاء فيه ~~معنى القول دون حروفه. # والمراد بالقذف هنا : الوضع ، والمراد به في قوله ( @QUR@03 فاقذفيه في ~~اليم ) الإلقاء في البحر وهو نيل مصر. # والتابوت : الصندوق الذي يوضع فيه الشيء. # والمعنى : لقد كان من رعايتنا لك يا موسى أن أوحينا إلى أمك عند ما خافت ~~عليك القتل : أن ضعى ابنك في التابوت ، ثم بعد ذلك اقذفيه بالتابوت في ~~البحر ، ويأمرنا وقدرتنا يلقى اليم بالتابوت على شاطئ البحر وساحله ، وفي ~~هذه الحالة يأخذه عدو لي وعدو له ، وهو فرعون الذي طغى وقال لقومه أنا ربكم ~~الأعلى. # والضمائر كلها تعود إلى موسى عليه السلام وقيل إن الضمير في قوله ( ~~@QUR@03 فاقذفيه في اليم ). # وفي قوله ( @QUR@01 فليلقه ) يعود إلى التابوت ، والأول أرجح ، لأن تفريق ~~الضمائر هنا لا داعي له ، بل الذي يقتضيه بلاغة القرآن الكريم ، عودة ~~الضمائر إلى موسى عليه السلام قال بعض العلماء : وصيغة الأمر في قوله ( ~~@QUR@03 فليلقه اليم بالساحل ) فيها وجهان معروفان عند العلماء. # أحدهما : أن صيغة الأمر معناها الخير : قال أبو حيان في البحر : وقوله ( ~~@QUR@01 فليلقه ) أمر معناه الخبر ، وجاء بصيغة الأمر مبالغة ، إذ الأمر ~~أقطع الأفعال وأوجبها. # الثاني : أن صيغة الأمر في قوله ( @QUR@01 فليلقه ) أريد بها الأمر ~~الكونى القدري كقوله : ( @QUR@010 إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون ) فالبحر لا بد أن يلقيه بالساحل ، لأن الله PageV09P102 # تعالى أمره بذلك كونا وقدرا .. (1). # وقوله ( @QUR@01 يأخذه ) مجزوم في جواب الطلب وهو قوله ( @QUR@01 فليلقه ~~... ) إذ أنه على الوجه الأول يكون الطلب باعتبار لفظه وصيغته. # وقوله سبحانه ( @QUR@04 وألقيت عليك محبة مني ) بيان للمنة الثانية. # قال الآلوسى ms3826 : وكلمة «منى» متعلقة بمحذوف وقع صفة لمحذوف ، مؤكدة لما في ~~تنكيرها من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية. أى : وألقيت عليك محبة ~~عظيمة كائنة منى لا من غيرى قد زرعتها في القلوب ، فكل من رآك أحبك (2). # ولقد كان من آثار هذه المحبة : عطف امرأة فرعون عليه ، وطلبها منه عدم ~~قتله ، وطلبها منه كذلك أن يتخذه ولدا. # وكان من آثار هذه المحبة أن يعيش موسى في صغره معززا مكرما في بيت فرعون ~~مع أنه في المستقبل سيكون عدوا له. # وهكذا رعاية الله تعالى ومحبته لموسى جعلته يعيش بين قوى الشر والطغيان ~~آمنا مطمئنا. # قال ابن عباس : أحب الله تعالى موسى ، وحببه إلى خلقه. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 ولتصنع على عيني ) بيان للمنة الثالثة ... # أى : أوحيت إلى أمك بما أوحيت من أجل مصلحتك ومنفعتك وألقيت عليك محبة ~~منى ، ليحبك الناس ، ولتصنع على عيني. أى : ولتربى وأنت محاط بالحنو ~~والشفقة تحت رعايتى وعنايتي وعيني ، كما يراعى الإنسان بعينه من يحبه ويهتم بأمره. # وهذا ما حدث لموسى فعلا ، فقد عاش في طفولته تحت عين فرعون ، وهو عدو لله ~~تعالى ومع ذلك لم تستطع عين فرعون أن تمتد بسوء إلى موسى ، لأن عين الله ~~تعالى كانت ترعاه وتحميه من بطش فرعون وشيعته. # فالجملة الكريمة فيها من الرفق بموسى عليه السلام ومن الرعاية له ، ما ~~يعجز القلم عن وصفه. # وكيف يستطيع القلم وصف حال إنسان قال الله في شأنه : ( @QUR@03 ولتصنع ~~على عيني ). # قال صاحب الكشاف : أى : ولتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك ومراقبك كما يراعى الرجل PageV09P103 # الشيء بعينه إذا اعتنى به ، وتقول للصانع ؛ اصنع هذا على عيني إنى أنظر ~~إليك لئلا تخالف به عن مرادى وبغيتي. # وقوله : ( @QUR@01 ولتصنع ) معطوف على علة مضمرة مثل : ليتعطف عليك .. أو ~~حذف معلله أى : ولتصنع على عيني فعلت ذلك (1). # ثم بين سبحانه المنة الرابعة على موسى فقال : ( @QUR@017 إذ تمشي أختك ~~فتقول هل أدلكم على من يكفله ، فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن ... ). # وكان ذلك بعد أن التقط آل فرعون موسى من فوق الشاطئ ، وبعد ms3827 أن امتنع عن ~~الرضاعة من أى امرأة سوى أمه. # أى : وكان من مظاهر إلقاء محبتي عليك ، ورعايتى لك ، أن أختك بعد أن ~~أمرتها أمك بمعرفة خبرك ، سارت في طرقات مصر فأبصرتك في بيت فرعون وأنت ~~تمتنع عن الرضاعة من أى امرأة ، فقالت أختك لفعون وامرأته ( @QUR@05 هل ~~أدلكم على من يكفله ). # أى : ألا تريدون أن أرشدكم إلى امرأة يقبل هذا الطفل الرضاعة منها ، ~~وتحفظه وترعاه ، والفاء في قوله : ( @QUR@08 فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ~~ولا تحزن ) هي الفصيحة. أى : التي تفصح عن كلام مقدر. # والمعنى : بعد أن قالت أختك لفرعون وامرأته : هل أدلكم على من يكفله. ~~أجابوها بقولهم : دلينا عليها ، فجاءت بأمك فرجعناك إليها كي تسر برجوعك ، ~~ويمتلئ قلبها فرحا بلقائها بك بعد أن ألقتك في اليم ، ولا تحزن بسبب فراقك عنها. # ثم حكى سبحانه المنة الخامسة فقال : ( @QUR@05 وقتلت نفسا فنجيناك من ~~الغم ) وكان ذلك عند ما استنصر به رجل من قومه على رجل من أعدائه. # أى : وقتلت نفسا هي نفس القبطي ، عند ما استعان بك عليه الإسرائيلى ~~فنجيناك من الغم الذي نزل بك بسبب هذا القتل. # قال الآلوسى : وقد حل له هذا الغم من وجهين : خوف عقاب الله تعالى حيث لم ~~يقع القتل بأمره سبحانه وخوف القصاص ، وقد نجاه الله من ذلك بالمغفرة حين ~~قال : ( @QUR@08 رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له ) وبالمهاجرة إلى مدين. # والغم في الأصل : ستر الشيء ، ومنه الغمام لستره ضوء الشمس. ويقال : لما ~~يغم القلب بسبب خوف أو فوات مقصود .. (2). PageV09P104 # وقوله عز وجل : ( @QUR@02 وفتناك فتونا ) بيان للمنة السادسة التي امتن ~~الله تعالى بها على موسى عليه السلام . # والفتون : جمع فتن كالظنون جمع ظن. والفتن : الاختبار والابتلاء تقول : ~~فتنت الذهب بالنار ، أى : أدخلته فيها لتعلم جودته من رداءته. # والمعنى : واختبرناك وابتليناك يا موسى بألوان من الفتن والمحن. # ونظم سبحانه هذا الفتن والاختبار في سلك المنن ، باعتبار أن الله تعالى ~~ابتلاه بالفتن ثم نجاه منها ، ونجاه من شرورها. # وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ms3828 حديثا طويلا سماه بحديث ~~الفتون ، ذكر فيه قصة مولد موسى ، وإلقائه في اليم ، وتربيته في بيت فرعون ~~، وقتله للقبطي ، وهروبه إلى مدين ، وعودته منها إلى مصر. وتكليف الله ~~تعالى له بالذهاب الى فرعون ، ودعوته إلى عبادة الله وحده .. إلخ (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@011 فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى ~~) أى : فلبثت عشر سنين في قرية أهل مدين ، تعمل كأجير عند الرجل الصالح. ثم ~~جئت بعد ذلك إلى المكان الذي ناديتك فيه ( @QUR@02 على قدر ) أى على وفق ~~الوقت الذي قدرناه لمجيئك ، وحددناه لتكليمك واستنبائك ، دون أن تتقدم أو ~~تتأخر ، لأن كل شيء عندنا محدد ومقدر بوقت لا يتخلف عنه. # قال تعالى : ( @QUR@05 إنا كل شيء خلقناه بقدر ) وقال سبحانه : ( @QUR@04 ~~وكل شيء عنده بمقدار ) وقال عز وجل : ( @QUR@05 وكان أمر الله قدرا مقدورا ). # ثم حكى سبحانه المنة الثامنة : فقال : ( @QUR@02 واصطنعتك لنفسي ) أى : ~~وجعلتك محل صنيعتي وإحسانى ، حيث اخترتك واصطفيتك لحمل رسالتي وتبليغها إلى ~~فرعون وقومه ، وإلى قومك بنى إسرائيل. # فالآية الكريمة تكريم عظيم لموسى عليه السلام اختاره الله تعالى واجتباه ~~من بين خلقه لحمل رسالته إلى فرعون وبنى إسرائيل. # هذه ثماني منن ساقها الله تعالى هنا مجملة ، وقد ساقها سبحانه في سورة ~~القصص بصورة أكثر تفصيلا ، ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@021 وأوحينا إلى أم ~~موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا ~~رادوه إليك وجاعلوه من PageV09P105 # @QUR@032 المرسلين* فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون ~~وهامان وجنودهما كانوا خاطئين* وقالت امرأت فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه ~~عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون ) (1). # وبعد أن ذكر سبحانه بعض المنن التي امتن بها على نبيه موسى عليه السلام ~~أتبع ذلك بذكر بعض التوجيهات التي أمره بفعلها ، حيث كلفه بتبليغ الدعوة ~~إلى فرعون ، فقال تعالى : # ( @QUR@08 اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري (42) @QUR@05 اذهبا ~~إلى فرعون إنه طغى (43) @QUR@08 فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ~~(44) @QUR@010 قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا ms3829 أو أن يطغى (45) @QUR@07 ~~قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى (46) @QUR@021 فأتياه فقولا إنا رسولا ~~ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على ~~من اتبع الهدى (47) @QUR@010 إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى ) (48) # وقوله سبحانه ( @QUR@02 ولا تنيا ) فعل مضارع مصدره الونى بفتح الواو ~~وسكون النون بمعنى الضعف والفتور والتراخي في الأمر. # يقال : ونى فلان في الأمر ينى ونيا كوعد يعد وعدا إذا ضعف وتراخى في فعله. # وقوله : ( @QUR@01 أخوك ) فاعل لفعل محذوف. أى : وليذهب معك أخوك. # والمراد بالآيات : المعجزات الدالة على صدق موسى عليه السلام ، وعلى رأسها ~~عصاه التي ألقاها فإذا هي حية تسعى ، ويده التي ضمها إلى جناحه فخرجت بيضاء ~~من غير سوء. PageV09P106 # والمعنى : اذهب يا موسى أنت وأخوك إلى حيث آمركما متسلحين بآياتى ~~ومعجزاتي ، ولا تضعفا أو تتراخيا في ذكرى وتسبيحي وتقديسي بما يليق بذاتى ~~وصفاتي من العبادات والقربات. فإن ذكركما لي هو عدتكما وسلاحكما وسندكما في ~~كل أمر تقدمان عليه. # فالآية الكريمة تدعو موسى وهارون ، كما تدعو كل مسلم في كل زمان ومكان ~~إلى المداومة على ذكر الله تعالى في كل موطن ، بقوة لا ضعف معها وبعزيمة ~~صادقة لا فتور فيها ولا كلال. # وقد مدح سبحانه المداومين على تسبيحه وتحميده وتقديسه في كل أحوالهم فقال ~~: ( @QUR@018 إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي ~~الألباب ، الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ) (1). # قال صاحب الكشاف : قوله ( @QUR@04 ولا تنيا في ذكري ) الونى : الفتور ~~والتقصير. أى لا تنسيانى ولا أزال منكما على ذكر حيث تقلبتما ، واتخذا ذكرى ~~جناحا تصيران به مستمدين بذلك العون والتأييد منى ، معتقدين أن أمرا من ~~الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكرى. ويجوز أن يريد بالذكر تبليغ الرسالة ، فإن ~~الذكر يقع على سائر العبادات ، وتبليغ الرسالة من أجلها وأعظمها فكان جديرا ~~بأن يطلق عليه اسم الذكر .. (2). # وقال ابن كثير : والمراد بقوله ( @QUR@04 ولا تنيا في ذكري ) أنهما لا ~~يفتران في ذكر الله ، بل يذكران الله في حال مواجهة فرعون ms3830 ، ليكون ذكر الله ~~عونا لهما عليه ، وقوة لهما. وسلطانا كاسرا له ، كما جاء في الحديث «إن ~~عبدى كل عبدى الذي يذكرني وهو مناجز قرنه» (3). # ثم أرشدهما سبحانه إلى الوجهة التي يتوجهان إليها فقال : ( @QUR@05 اذهبا ~~إلى فرعون إنه طغى ). # أى : اذهبا إلى فرعون لتبلغاه دعوتي ، ولتأمراه بعبادتي ، فإنه قد طغى ~~وتجاوز حدوده ، وأفسد في الأرض ، وقال لقومه : أنا ربكم الأعلى. وقال لهم ~~أيضا ما علمت لكم من إله غيرى. # قال الجمل : وقوله : ( @QUR@03 اذهبا إلى فرعون ) جمعهما في صيغة أمر ~~الحاضر مع أن هارون لم يكن حاضرا محل المناجاة بل كان في ذلك الوقت بمصر ~~للتغليب فغلب الحاضر على غيره ، وكذا الحال في صيغة النهى. أى : قوله ( ~~@QUR@02 ولا تنيا ) روى أنه تعالى أوحى إلى هارون PageV09P107 # وهو بمصر أن يتلقى موسى عليه السلام وقيل : سمع بإقباله فتلقاه .. (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@08 فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ) إرشاد ~~منه سبحانه إلى الطريقة التي ينبغي لهما أن يسلكاها في مخاطبة فرعون. # أى : اذهبا إليه ، وادعواه إلى ترك ما هو فيه من كفر وطغيان ، وخاطباه ~~بالقول اللين ، وبالكلام الرقيق. فإن الكلام السهل اللطيف من شأنه أن يكسر ~~حدة الغضب ، وأن يوقظ القلب للتذكر ، وأن يحمله على الخشية من سوء عاقبة ~~الكفر والطغيان. # وهذا القول اللين الذي أمرهما الله تعالى به هنا قد جاء ما يفسره في آيات ~~أخرى ، وهي قوله تعالى : ( @QUR@015 اذهب إلى فرعون إنه طغى. فقل هل لك إلى ~~أن تزكى ، وأهديك إلى ربك فتخشى .. ). # فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد اشتملت على ألطف أساليب المخاطبة ~~وأرقها وألينها وأحكمها. # قال ابن كثير : قوله ( @QUR@04 فقولا له قولا لينا ... ) هذه الآية فيها ~~عبرة عظيمة ، وهي أن فرعون كان في غاية العتو والاستكبار ، وموسى كان صفوة ~~الله من خلقه إذ ذاك ، ومع هذا أمر أن لا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين ~~كما قال يزيد الوقاشى عند قراءته لهذه الآية : يا من يتحبب إلى من يعاديه ، ~~فكيف بمن يتولاه ويناديه؟. # والحاصل أن دعوتهما له تكون بكلام رقيق ms3831 لين قريب سهل ، ليكون أوقع في ~~النفوس وأبلغ وأنجع ، كما قال تعالى : ( @QUR@011 ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ~~والموعظة الحسنة ، وجادلهم بالتي هي أحسن .. ) (2). # والترجي في قوله تعالى : ( @QUR@04 لعله يتذكر أو يخشى ) على بابه إلا ~~أنه يعود إلى موسى وهارون. # أى : اذهبا إليه ، وإلينا له القول ، وباشرا الأمر معه مباشرة من يرجو ~~ويطمع في نجاح سعيه ، وحسن نتيجة قوله. # وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : والترجي لهما أى : اذهبا على ~~رجائكما وطمعكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو أن يثمر عمله فهو يجتهد بطوقه ~~، ويحتشد أى يستعد ويتأهب بأقصى وسعه ، وجدوى إرسالهما إليه مع العلم أنه ~~لن يؤمن ، إلزام الحجة ، PageV09P108 # وقطع المعذرة ، كما قال تعالى : ( @QUR@020 ولو أنا أهلكناهم بعذاب من ~~قبله لقالوا ربنا لو لا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى ~~) (1). # ويرى بعضهم أن الترجي هنا للتعليل. أى : فقولا له قولا لينا لأجل أن ~~يتذكر أو يخشى. # قال الآلوسى : قال الفراء : «لعل» هنا بمعنى كي التعليلية .. وعن الواقدي ~~: أن جميع ما في القرآن من «لعل» فإنها للتعليل ، إلا قوله تعالى ( @QUR@04 ~~وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون ) فإنها للتشبيه أى : كأنكم تخلدون (2). # ثم حكى سبحانه ما قاله موسى وهارون عند ما أمرهما جل جلاله بذلك فقال : ( ~~@QUR@010 قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى ). # أى : قال موسى وهارون بعد أن أمرهما ربهما بالذهاب إلى فرعون لتبليغه ~~دعوة الحق : يا ربنا إننا نخاف ( @QUR@03 أن يفرط علينا ) أى يعاجلنا ~~بالعقوبة قبل أن ننتهي من الحديث معه في الأمر. # يقال : فرط فلان على فلان يفرط إذا عاجله بالعقوبة وأذاه بدون تمهل ، ~~ومنه قولهم : فرس فارط ، أى سابق لغيره من الخيل. # ( @QUR@03 أو أن يطغى ) أى يزداد طغيانه ، فيقول في حقك يا ربنا مالا ~~نريد أن نسمعه ، ويقول في حقنا ما نحن برءاء منه ، ويفعل معنا ما يؤذينا. # وقد جمع سبحانه بين القولين اللذين حكاهما عنهما ، لأن الطغيان أشمل من ~~الإفراط ، إذ الجملة الأولى تدل على الإسراع بالأذى لأول وهلة ، أما ~~الثانية فتشمل ms3832 الإسراع بالأذى ، وتشمل غيره من ألوان الاعتداء سواء أكان في ~~الحال أم في الاستقبال. # وهنا يجيبهما الخالق جل وعلا بما يثبت فؤداهما ، ويزيل خوفهما فقال : ( ~~@QUR@06 لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى ). # أى : قال الله تعالى لهما لا تخافا من بطش فرعون ، إننى معكما بقوتي ~~وقدرتي ورعايتى ، وإننى أسمع كلامكما وكلامه ، وأرى فعلكما وفعله. لا يخفى ~~على شيء من حالكما وحاله ، فاطمئنا أننى معكما بحفظي ونصرى وتأييدى ، وأن ~~هذا الطاغية ناصيته بيدي ، ولا يستطيع أن يتحرك أو يتنفس إلا بإذنى ... # ثم رسم لهما سبحانه طريق الدعوة فقال : ( @QUR@05 فأتياه فقولا إنا رسولا ~~ربك .. ). PageV09P109 # أى : فأتيا فرعون ، وادخلا عليه داره أو مكان سلطانه ، وقولا له بلا خوف ~~أو وجل ( @QUR@03 إنا رسولا ربك ) الذي خلقك فسواك فعدلك. # وكان البدء بهذه الجملة لتوضيح أساس رسالتهما ، ولإحقاق الحق من أول ~~الأمر ، ولإشعاره منذ اللحظة الأولى بأنهما قد أرسلهما ربه وربهما ورب ~~العالمين ، لدعوته إلى الدين الحق ، وإلى إخلاص العبادة لله الواحد القهار ~~، وإلى التخلي عن الكفر والطغيان. وأنهما لم يأتياه بدافع شخصى منهما وإنما ~~أتياه بتكليف من ربه ورب العالمين. # أما الجملة الثانية التي أمرهما الله تعالى أن يقولاها لفرعون فقد حكاها ~~سبحانه بقوله : ( @QUR@06 فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم ) أى : فأطلق ~~سراح بنى إسرائيل ، ودعهم يعيشون أحرارا في دولتك ولا تعذبهم باستعبادهم ~~وقهرهم ، وقتل أبنائهم ، واستحياء نسائهم. # قال تعالى : ( @QUR@018 وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ، ~~يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم ، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ) (1). # قال الآلوسى : والمراد بالإرسال : إطلاقهم من الأسر ، وإخراجهم من تحت ~~يده العادية ، لا تكليفهم أن يذهبوا معهما إلى الشام ، كما ينبئ عنه قوله ~~سبحانه ( @QUR@02 ولا تعذبهم ) أى : بإبقائهم على ما كانوا عليه من العذاب ~~، فإنهم كانوا تحت سيطرة القبط ، يستخدمونهم في الأشغال الشاقة كالحفر ~~والبناء .. (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@05 قد جئناك بآية من ربك ) جملة ثالثة تدل على ~~صدقهما في رسالتهما. # والمراد بالآية هنا : جنسها ، فتشمل العصا واليد وغيرهما من المعجزات ~~التي أعطاها الله تعالى لنبيه موسى عليه السلام . # أى ms3833 : قد جئناك بمعجزة من ربك تثبت صدقنا ، وتؤيد مدعانا ، وتشهد بأنا قد ~~أرسلنا الله تعالى إليك لهدايتك ودعوتك أنت وقومك إلى الدخول في الدين الحق. # فالجملة الكريمة تقرير لما تضمنه الكلام السابق من كونهما رسولين من رب ~~العالمين ، وتعليل لوجوب إطلاق بنى إسرائيل ، وكف الأذى عنهم. # أما الجملة الرابعة التي أمرهما الله تعالى بأن يقولاها لفرعون فهي قوله ~~سبحانه : ( @QUR@05 والسلام على من اتبع الهدى ). PageV09P110 # أى : وقولا له أيضا السلامة من العذاب في الدارين لمن اتبع الهدى بأن آمن ~~بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ... # فالسلام مصدر بمعنى السلامة ، وعلى بمعنى اللام. ويفهم من الآية الكريمة ~~أن من لم يتبع الهدى ، لا سلامة له ، ولا أمان عليه. # وفي هذه الجملة من الترغيب في الدخول في الدين الحق ما فيها ، ولذا ~~استعملها النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من كتبه ، ومن ذلك قوله ~~صلى الله عليه وسلم في رسالته إلى هرقل ملك الروم : بسم الله الرحمن الرحيم من ~~محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم. سلام على من اتبع الهدى .. # ثم حكى سبحانه الجملة الخامسة التي أمر موسى وهارون أن يخاطبا بها فرعون ~~فقال : ( @QUR@010 إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى ). # أى : وقولا له ( @QUR@04 إنا قد أوحي إلينا ) من عند ربنا وخالقنا ( ~~@QUR@02 أن العذاب ) في الدنيا والآخرة ( @QUR@03 على من كذب ) بآياته ~~وحججه سبحانه ( @QUR@01 وتولى ) عنها. وأعرض عن الاستجابة لها. # وبذلك نرى في هذه الآيات الكريمة أسمى ألوان الدعوة إلى الحق وأحكمها ، ~~فهي قد بدأت بالأساس الذي تقوم عليه كل رسالة سماوية ( @QUR@03 إنا رسولا ~~ربك ) وثنت ببيان أهم ما أرسل موسى وهارون من أجله ، ( @QUR@06 فأرسل معنا ~~بني إسرائيل ولا تعذبهم ) وثلثت بإقامة الأدلة على صدقهما ( @QUR@05 قد ~~جئناك بآية من ربك ) وربعت بالترغيب والاستمالة ( @QUR@05 والسلام على من ~~اتبع الهدى ). # ثم ختمت بالتحذير والترهيب من المخالفة ( @QUR@010 إنا قد أوحي إلينا أن ~~العذاب على من كذب وتولى ). # وبعد أن غرس سبحانه الطمأنينة في قلب موسى وهارون وزودهما بأحكم الوسائل ~~وأنجعها في ms3834 الدعوة إلى الحق .. أتبع ذلك بحكاية جانب من الحوار الذي دار ~~بينهما وبين فرعون بعد أن التقوا جميعا وجها لوجه فقال تعالى : # ( @QUR@05 قال فمن ربكما يا موسى (49) @QUR@09 قال ربنا الذي أعطى كل شيء ~~خلقه ثم هدى (50) @QUR@05 قال فما بال القرون الأولى (51) @QUR@011 قال ~~علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى (52) PageV09P111 # @QUR@019 الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ~~ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى (53) @QUR@09 كلوا وارعوا أنعامكم إن في ~~ذلك لآيات لأولي النهى (54) @QUR@08 منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها ~~نخرجكم تارة أخرى (55) @QUR@06 ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى (56) ~~@QUR@08 قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى (57) @QUR@014 فلنأتينك ~~بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى (58) ~~@QUR@08 قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى (59) @QUR@06 فتولى ~~فرعون فجمع كيده ثم أتى ) (60) # فقوله تعالى : ( @QUR@05 قال فمن ربكما يا موسى ) حكاية لما قاله فرعون ~~لموسى وهارون عليهما السلام بعد أن ذهبا إليه ليبلغاه دعوة الحق كما أمرهما ~~ربهما سبحانه . # ولم تذكر السورة الكريمة كيف وصلا إليه .. لأن القرآن لا يهتم بجزئيات ~~الأحداث التي لا تتوقف عليها العبر والعظات ، وإنما يهتم بذكر الجوهر ~~واللباب من الأحداث. # والمعنى : قال فرعون لموسى وهارون بعد أن دخلا عليه. وأبلغاه ما أمرهما ~~ربهما بتبليغه : من ربكما يا موسى الذي أرسلكما إلى؟. # وكأنه لطغيانه وفجوره لا يريد أن يعترف بأن رب موسى وهارون هو ربه ~~وخالقه. كما قالا له قبل ذلك ( @QUR@03 إنا رسولا ربك ). # وخص موسى بالنداء مع أنه وجه الخطاب إليهما لظنه أن موسى عليه السلام هو ~~الأصل في حمل رسالة الحق إليه ، وأن هارون هو وزيره ومعاونه أو أنه لخبثه ~~ومكره ، تجنب مخاطبة هارون لعلمه أنه أفصح لسانا من موسى عليهما السلام . # قال صاحب الكشاف : خاطب فرعون الاثنين ، ووجه النداء إلى أحدهما وهو موسى ، لأنه PageV09P112 # الأصل في النبوة ، وهارون وزيره وتابعه ، ويحتمل أن يحمله خبثه ودعارته ~~أى فسقه على استدعاء كلام موسى دون كلام أخيه ، لما عرف ms3835 من فصاحة هارون ~~والرتة في لسان موسى ، ويدل عليه قوله : ( @QUR@011 أم أنا خير من هذا الذي ~~هو مهين ولا يكاد يبين ) (1). # ولا شك أن ما حكاه الله تعالى عن فرعون من قوله ( @QUR@04 فمن ربكما يا ~~موسى ) يدل على نهاية الغرور والفجور والجحود ، وشبيه بذلك قوله : سبحانه ~~حكاية عنه : ( @QUR@011 وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري ~~... ) (2) # وقوله تعالى : ( @QUR@06 فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى ). # ثم حكى سبحانه بعد ذلك أن موسى قد رد على فرعون ردا يخرسه ويكبته فقال : ~~( @QUR@09 قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ). # وقوله ( @QUR@01 خلقه ) مصدر بمعنى اسم المفعول ، وهو المفعول الثاني ~~لقوله ( @QUR@01 أعطى ) والمفعول الأول قوله : ( @QUR@02 كل شيء ). # وللعلماء في تفسير هذه الآية الكريمة اتجاهات يؤيد بعضها بعضا ، منها ما ~~يراه بعضهم من أن معنى الآية الكريمة : # 1 قال موسى في رده على فرعون : يا فرعون ربنا وربك هو الله الواحد الأحد ~~الفرد الصمد ، الذي أعطى كل مخلوق من مخلوقاته ، وكل شيء من الأشياء ، ~~الصورة التي تلائمه ، والهيئة التي تتحقق معها منفعته ومصلحته ، ثم هداه ~~إلى وظيفته التي خلقه من أجلها ، وأمده بالوسائل والملكات التي تحقق هذه ~~الوظيفة. # وثم في قوله ( @QUR@02 ثم هدى ) للتراخي في الرتبة ، إذ اهتداء المخلوق ~~إلى وظيفته مرتبة تعلو كثيرا عن خلقه دون أن يفقه شيئا. # وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : «أعطى كل شيء صورته وشكله الذي ~~يطابق المنفعة المنوطة به ، كما أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار ، ~~والأذن الشكل الذي يوافق الاستماع ، وكذلك الأنف واليد والرجل واللسان ، كل ~~واحد منها مطابق لما علق به من المنفعة غير ناب عنه. # ( @QUR@02 ثم هدى ) أى : عرفه كيف يرتفق بما أعطى ، وكيف يتوصل إليه ولله ~~در هذا الجواب ، وما أخصره وما أجمعه وما أبينه لمن ألقى الذهن ، ونظر بعين ~~الإنصاف وكان طالبا للحق (3). PageV09P113 # 2 ومنهم من يرى أن المعنى : قال موسى لفرعون : ربنا الذي أعطى كل شيء ~~نظير خلقه في الصورة والهيئة ، كالذكور من بنى آدم ، أعطاهم نظير ms3836 خلقهم من ~~الإناث أزواجا ، وكالذكور من البهائم أعطاها نظير خلقها في صورتها وهيئتها ~~من الإناث أزواجا .. ثم هدى الجميع لسائر منافعهم من المطاعم والمشارب ~~ووسائل التناسل. # وقد صدر الإمام ابن جرير تفسيره للآية بهذا المعنى فقال ما ملخصه : وقوله ~~: ( @QUR@07 قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ) يعنى نظير خلقه في الصورة ~~والهيئة .. ثم هداهم للمأتى الذي منه النسل والنماء كيف يأتيه ، ولسائر ~~منافعه من المطاعم والمشارب وغير ذلك (1). # 3 ويرى بعضهم أن : المعنى أعطى كل شيء صلاحه ثم هداه إلى ما يصلحه. # 4 ومنهم من يرى أن قوله ( @QUR@01 خلقه ) هو المفعول الأول لأعطى ، وأن ~~قوله ( @QUR@02 كل شيء ) هو المفعول الثاني فيكون المعنى : قال موسى لفرعون ~~: ربنا الذي أعطى الخلائق كل شيء يحتاجون إليه ، ثم هداهم إلى طريق ~~استعماله والانتفاع به. # ويبدو لنا أن الآية الكريمة تتسع لهذه المعاني جميعها لأنه سبحانه هو ~~الذي أعطى خلقه كل شيء يحتاجون إليه في معاشهم ، ثم هداهم إلى طرق الانتفاع ~~بما أعطاهم ، كما أعطى كل نوع من أنواع خلقه الصورة التي تناسبه ، والشكل ~~الذي يتناسب مع جنسه ( @QUR@06 صنع الله الذي أتقن كل شيء ... ). # ثم حكى سبحانه بعد ذلك ما قاله فرعون لموسى : ( @QUR@05 قال فما بال ~~القرون الأولى ). # والبال في الأصل : الفكر. تقول : خطر ببالي كذا ، أى : بفكرى وعقلي ، ثم ~~أطلق على الحال التي يهتم بشأنها ، وهذا الإطلاق هو المراد هنا. # أى : قال فرعون بعد أن رد عليه موسى هذا الرد الحكيم : يا موسى فما حال ~~القرون الأولى ، كقوم نوح وعاد وثمود .. الذين كذبوا أنبياءهم ، وعبدوا غير ~~الله تعالى الذي تدعوني لعبادته؟. # وسؤاله هذا يدل على خبثه ومكره ، لأنه لما سمع من موسى الجواب المفحم له ~~على سؤاله السابق ( @QUR@04 فمن ربكما يا موسى ) أراد أن يصرف الحديث إلى ~~منحى آخر يتعلق بأمور لا صلة لها برسالة موسى إليه وهي دعوته لعبادة الله ~~تعالى وحده ، وإطلاق سراح بنى إسرائيل من الأسر. PageV09P114 # ولذا رد عليه موسى عليه السلام بما يخرس لسانه ، ويبطل كيده ، فقال كما ~~حكى القرآن ms3837 عنه ( @QUR@010 علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى ). # أى : علم حال هذه القرون الأولى محفوظ عند ربي وحده في كتاب هو اللوح ~~المحفوظ ، وهو سبحانه لا يخفى عليه شيء من حالهم ، وسيجازيهم بما يستحقون ~~من ثواب أو عقاب. # وقوله : ( @QUR@05 لا يضل ربي ولا ينسى ) مؤكد لما قبله. أى : لا يخطئ ~~ربي في علمه ، ولا ينسى شيئا مما علمه لأنه منزه عن ذلك ، فالضلال هنا ~~بمعنى الخطأ وقلة الإدراك. # وجمع سبحانه بين نفى الضلال والنسيان ، لإفادة تنزهه عن أن يغيب شيء من ~~أحوال هذا الكون عن علمه الشامل لكل شيء ، ولبيان أن علمه باق بقاء أبديا ~~لا نسيان معه ، ولا زوال له. # ثم بين له آثار علم الله تعالى وقدرته فقال : ( @QUR@05 الذي جعل لكم ~~الأرض مهدا .. ). # أى : هو سبحانه الذي جعل لكم الأرض ممهدة كالفراش ، ليتسنى لكم الانتفاع ~~بخيراتها ، وقرأ الأكثرون من السبعة ، ( @QUR@01 مهادا ) أى : فراشا. ~~والمهاد في الأصل ما يمهد للصبي لينام عليه. # ( @QUR@04 وسلك لكم فيها سبلا ) والسلك : الإدخال. أى : وجعل لكم في ~~داخلها طرقا تنتقلون فيها من مكان إلى مكان ، ومن بلدة إلى أخرى ، لقضاء ~~مصالحكم. # ( @QUR@010 وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى ) ~~والأزواج : الأصناف. # أى : وأنزل سبحانه بقدرته من السماء ماء نافعا كثيرا فأخرجنا بسبب هذا ~~الماء من الأرض أصنافا شتى أى متفرقة من النبات ، وهذه الأصناف مختلفة ~~المنافع والألوان والطعوم والروائح ، مما يدل على كمال قدرتنا ، ونفاذ ~~إرادتنا. # وفي قوله ( @QUR@01 فأخرجنا ) التفات من الغيبة إلى التكلم بصيغة التعظيم ~~، للتنبيه على عظم شأن هذا الإخراج ، وأثره الكبير في حياة الناس. # فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد اشتملت على أربع منن قد امتن الله بها ~~على عباده ، وهي : تمهيد الأرض ، وجعل الطرق فيها ، وإنزال المطر من السماء ~~، وإخراج النبات المتنوع من الأرض. # وهذه المنن وإن كانت ظاهرة وواضحة في جميع فجاج الأرض ، إلا أنها أظهر ما ~~تكون وأوضح ما تكون في أرض مصر التي كان يعيش فيها فرعون حيث تبدو الأرض ~~فيها ms3838 منبسطة PageV09P115 # ممهدة على جانبي النيل الممتد امتدادا كبيرا. # وكان الأجدر بفرعون لو كان يعقل أن يخلص العبادة لواهب هذه المنن ، ومسدي ~~هذه النعم ، وهو الله رب العالمين. # والأمر في قوله سبحانه : ( @QUR@03 كلوا وارعوا أنعامكم ) للإباحة. # أى : هذه الأرض وما اشتملت عليه من طرق ومن نبات شتى هي لمنفعتكم ~~ومصلحتكم ، فكلوا أيها الناس من هذه الثمار المتنوعة التي انشقت عنها الأرض ~~، وارعوا أنعامكم من إبل وبقر وغنم في المكان الصالح للرعي من هذه الأرض ، ~~واشكروا الله تعالى على هذه النعم لكي يزيدكم منها. # واسم الإشارة في قوله ( @QUR@06 إن في ذلك لآيات لأولي النهى ) يعود إلى ~~المذكور من تلك النعم السابقة. # و ( @QUR@01 النهى ) جمع نهية بضم النون وإسكان الهاء وهي العقل. سمى ~~بذلك لأنه ينهى صاحبه عما لا يليق. تقول العرب : نهو الرجل ككرم إذا كملت ~~نهيته ، أى عقله. # والمعنى : إن في ذلك الذي ذكرناه لكم من نعمة تمهيد الأرض ، وجعل الطرق ~~فيها : وإنزال المطر عليها ، وإخراج النبات منها .. إن في كل ذلك لآيات ~~وعظات وعبر ، لأصحاب العقول السليمة ، والأفكار القويمة. # ثم بين سبحانه أن هذه الأرض منها خلق الإنسان ، وإليها يعود ، ومنها يبعث ~~للحساب يوم القيامة ، فقال تعالى : ( @QUR@08 منها خلقناكم ، وفيها نعيدكم ~~ومنها نخرجكم تارة أخرى ). # والضمير في «منها ، وفيها» يعود إلى الأرض المذكورة قبل ذلك في قوله ~~تعالى : ( @QUR@05 الذي جعل لكم الأرض مهدا .. ) والتارة : بمعنى المرة. # أى : من هذه الأرض خلقنا أباكم آدم ، وأنتم تبع له ، وفرع عنه ، كما قال ~~تعالى : ( @QUR@015 إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ، خلقه من تراب ثم قال ~~له كن فيكون ). # وقوله : ( @QUR@02 وفيها نعيدكم ) أى : وفي الأرض نعيدكم عند موتكم ، حيث ~~تكون محل دفنكم واستقرار أجسادكم. # وقوله : ( @QUR@04 ومنها نخرجكم تارة أخرى ) أى : ومن الأرض نخرجكم مرة ~~أخرى أحياء يوم القيامة ، للحساب والجزاء. # قال تعالى : ( @QUR@09 فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي ~~يوعدون* يوم PageV09P116 # @QUR@08 يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون ) (1). # وقال سبحانه : ( @QUR@023 ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ~~ينسلون قالوا يا ms3839 ويلنا من بعثنا من مرقدنا ، هذا ما وعد الرحمن وصدق ~~المرسلون ) (2). # قال ابن كثير : وهذه الآية كقوله تعالى : ( @QUR@07 قال فيها تحيون ، ~~وفيها تموتون ، ومنها تخرجون ) (3). # وفي الحديث الذي في السنن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حضر جنازة فلما ~~دفن الميت أخذ قبضة من التراب فألقاها في القبر ثم قال : «منها خلقناكم» ثم ~~أخذ أخرى وقال : «وفيها نعيدكم» ثم أخرى وقال : «ومنها نخرجكم تارة أخرى» (4). # وقوله تعالى : ( @QUR@06 ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى ) بيان ~~للموقف الجحودى الذي وقفه فرعون من الحجج والمعجزات التي طرحها أمامه موسى ~~عليه السلام . # وأريناه : من الرؤية البصرية المتعدية إلى مفعول واحد فلما دخلت عليها ~~الهمزة تعدت إلى اثنين أولهما الهاء والثاني آياتنا. # والإضافة في ( @QUR@01 آياتنا ) قائمة مقام التعريف العهدي. أى : آياتنا ~~المعهودة لموسى ، والتي على رأسها اليد والعصا. # والمعنى : ولقد أرينا فرعون بعينيه آياتنا كلها الدالة على وحدانيتنا ~~وقدرتنا وصدق نبينا موسى ، فكانت نتيجة ذلك أن كذب بها ، وأبى أن يستجيب ~~للحق .. # كما قال تعالى : ( @QUR@012 وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما ~~نحن لك بمؤمنين ) (5). # وكما قال سبحانه : ( @QUR@07 فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون ) (6). # والآية الكريمة تؤكد جحود فرعون وطغيانه بجملة من المؤكدات ، وهي لام ~~القسم ، وقد ، والرؤية البصرية ، ولفظ «كل» الدال على الشمول والإحاطة. # والفاء في قوله ( @QUR@01 فكذب ) للتعقيب ، أى : فكذب بدون تريث أو تمهل. # والمفعول محذوف. أى : فكذب الآيات أو فكذب موسى بدون تردد أو تأخير. # والتعبير بقوله ( @QUR@02 فكذب وأبى ) لزيادة ذمه وتحقير شأنه. لأنه لم ~~يكتف بالتكذيب بل أضاف إلى ذلك الامتناع عن قبول الآيات ، والجحود لها ، ~~والتعالي على من جاء بها كما ينبئ PageV09P117 # عنه قوله : تعالى بعد ذلك : ( @QUR@08 قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك ~~يا موسى ) أى : قال فرعون لموسى على سبيل التهديد والوعيد : يا موسى أجئتنا ~~من المكان الذي هربت إليه ، ومعك هذه الآيات التي رأيناها ، لكي تخرجنا من ~~أرضنا التي عشنا فيها وهي أرض مصر بسبب ما أظهرته أمامنا من سحر وخفة يد. # وسمى اللعين ms3840 ما جاء به موسى عليه السلام من معجزات سحرا ، ليزيل من أذهان ~~قومه أثر هذه المعجزات الباهرة. # وقال : ( @QUR@03 لتخرجنا من أرضنا ) ليحمل أتباعه على الوقوف في وجه ~~موسى بإبراز أن موسى جاء ليحتل أرضهم ، ويجوز أموالهم ، ويجعل السلطان ~~لغيرهم. # وقد تكرر هذا المعنى في آيات كثيرة منه قوله تعالى : ( @QUR@016 قال ~~للملإ حوله إن هذا لساحر عليم. يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فما ذا ~~تأمرون ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@016 قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا ، ~~وتكون لكما الكبرياء في الأرض ، وما نحن لكما بمؤمنين ) (2). # ثم أضاف فرعون إلى تهديده لموسى تهديدا آخر فقال : ( @QUR@014 فلنأتينك ~~بسحر مثله ، فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى ). # وقوله : ( @QUR@01 فلنأتينك ... ) جواب لقسم محذوف. أى : والله لنأتينك ~~بسحر مثله .. # قال الجمل : وقوله : ( @QUR@01 موعدا ) يجوز أن يكون زمانا ، ويرجحه قوله ~~: ( @QUR@04 قال موعدكم يوم الزينة ). # والمعنى : عين لنا وقت اجتماع : ولذلك أجابهم بقوله : ( @QUR@03 موعدكم ~~يوم الزينة ) ويجوز أن يكون مكانا ، والمعنى : بين لنا مكانا معلوما نعرفه ~~نحن وأنت فنأتيه ، وهذا يؤيده قوله : ( @QUR@02 مكانا سوى ). # ويجوز أن يكون مصدرا ، ويؤيد هذا قوله ( @QUR@05 لا نخلفه نحن ولا أنت ) ~~لأن المواعدة توصف بالخلف وعدمه (3). # وقوله : ( @QUR@02 لا نخلفه ) من الإخلاف بمعنى عدم إنجاز الوعد. # وقوله : ( @QUR@01 سوى ) قرأه ابن عامر وعاصم وحمزة بضم السين ، وقرأه ~~الباقون بالكسر ومعنى القراءتين واحد. PageV09P118 # وأصله من الاستواء. يقال : مكان سوى وسواء. أى : عدل ووسط ، بحيث يستوي ~~طرفاه بالنسبة للفريقين. # أى : قال فرعون لموسى مهددا ومتوعدا : أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا ~~موسى ، والله لنأتينك بسحر مثل سحرك ، فاجعل بيننا وبينك موعدا للمباراة ~~والمنازلة ، لا نخلف نحن ولا أنت هذا الموعد ، وأن يكون مكان منازلتنا لك ~~في مكان يتوسط المدينة ، بحيث يستطيع جميع سكانها أن يحضروا إليه. # والمتأمل في الآية الكريمة يرى أن فرعون قد قال ما قال لموسى وهو كأنه قد ~~جمع أطراف النصر بين يديه. # ويشهد لذلك : تصديره كلامه بالقسم ( @QUR@01 فلنأتينك .. ) وتركه لموسى ~~اختيار الموعد الذي يناسبه ( @QUR@04 فاجعل بيننا وبينك موعدا ) واشتراطه ~~عدم ms3841 الخلف في الوعد ( @QUR@05 لا نخلفه نحن ولا أنت ) واقتراحه أن يكون ~~مكان المبارزة في وسط المدينة ، حتى يراها جميع الناس ( @QUR@02 مكانا سوى ). # ولقد حكى القرآن أن موسى عليه السلام قد قبل تحدى فرعون ، ورد عليه يقول : ~~( @QUR@08 قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى ). # والمراد بيوم الزينة : يوم كانوا يتزينون فيه ، ويجتمعون فيه ، لأنه يوم ~~عيد لهم. # قيل إنه كان يوم عاشوراء ، وقيل يوم النيروز ... # أى : قال موسى لفرعون : موعد المنازلة بيني وبينكم هو يوم زينتكم وعيدكم ~~، وفي هذا اليوم أطلب منكم أن يجمع الناس جميعا في وقت الضحى عند ارتفاع ~~الشمس ، لكي يشهدوا ما سيكون بيني وبين سحرتك يا فرعون. # وبذلك نرى أن موسى عليه السلام قد قابل تهديد فرعون له ، بتهديد أشد وأعظم ~~، فقد طلب منه أن يكون موعد المبارزة يوم العيد ، كما طلب منه أيضا أن يجمع ~~الناس في وقت الضحى لكي يشاهدوا تلك المباراة. # قال صاحب الكشاف : وإنما واعدهم موسى ذلك اليوم ، ليكون علو كلمة الله ، ~~وظهور دينه ، وكبت الكافر ، وزهوق الباطل على رءوس الأشهاد وفي المجمع ~~الغاص لتقوى رغبة من رغب في اتباع الحق ، ويكل حد المبطلين وأشياعهم ، ~~ويكثر الحديث بذلك في كل بدو وحضر ، ويشيع في جميع. أهل الوبر والمدر (1). PageV09P119 # ثم حكى القرآن ما كان من فرعون بعد أن حدد موسى عليه السلام موعد المبارزة ~~فقال : ( @QUR@06 فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى ). # أى : وبعد أن استمع فرعون إلى موسى ، انصرف من المجلس ، وولى مدبرا ( ~~@QUR@02 فجمع كيده ). # أى : فجمع كبار سحرته من أطراف مملكته ( @QUR@02 ثم أتى ) بهم في الموعد ~~المحدد ، ليتحدى موسى عليه السلام . # وإلى هنا نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا بأسلوبها البليغ جانبا من ~~المحاورات التي دارت بين موسى وفرعون ، وأرتنا كيف واجه موسى طغيان فرعون ~~وغروره ، برباطة جأش ، وقوة إرادة ، ومضاء عزيمة .. # ثم انتقلت السورة بعد ذلك إلى الحديث عما دار بين موسى والسحرة من ~~محاورات. انتهت بإيمانهم واعترافهم بالحق الذي جاء به موسى من عند ربه ، ~~قال تعالى : # ( @QUR@015 قال لهم موسى ms3842 ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب ~~وقد خاب من افترى (61) @QUR@05 فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى (62) ~~@QUR@013 قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا ~~بطريقتكم المثلى (63) @QUR@010 فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم ~~من استعلى (64) @QUR@012 قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ~~ألقى (65) @QUR@012 قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم ~~أنها تسعى (66) @QUR@05 فأوجس في نفسه خيفة موسى (67) @QUR@06 قلنا لا تخف ~~إنك أنت الأعلى (68) @QUR@09 وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا PageV09P120 # @QUR@07 كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى (69) @QUR@08 فألقي السحرة ~~سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى ) (70) # فقوله تعالى : ( @QUR@011 قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا ~~فيسحتكم بعذاب ... ) حكاية لما وجهه موسى عليه السلام من نصح وإنذار. قيل : ~~كان عددهم اثنين وسبعين ، وقيل : أكثر من ذلك. # قال الجمل : قوله ( @QUR@01 فيسحتكم ) قرأ الأخوان وحفص عن عاصم فيسحتكم ~~بضم الياء وكسر الحاء . وقرأ الباقون بفتحهما. فقراءة الأخوين من أسحت ~~الرباعي ، وهي لغة نجد وتميم ، وقراءة الباقين من سحت الثلاثي وبابه قطع ~~وهي لغة الحجازيين. # وأصل هذه المادة. الدلالة على الاستقصاء ، والنفاد ، ومنه سحت الحالق ~~الشعر ، أى : استقصاء فلم يترك منه شيئا ، ويستعمل في الإهلاك والإذهاب ، ~~ونصبه بإضمار أن في جواب النهى (1). # أى : قال موسى عليه السلام للسحرة الذين التقى بهم وجها لوجه بعد أن حشدهم ~~فرعون أمامه ، فقال لهم : الويل والهلاك لكم ، لا تفتروا على الله تعالى ~~كذبا ، بأن تقفوا في وجهى ، وتزعموا أن معجزاتي هي نوع من السحر. فإنكم لو ~~فعلتم ذلك أهلككم الله تعالى وأبادكم بعذاب عظيم من عنده. # وجملة ( @QUR@04 وقد خاب من افترى ) معترضة لتقرير وتأكيد ما قبلها. # أى : وقد خاب وخسر كل من قال على الله تعالى قولا باطلا لا حقيقة له ، ~~وفرعون أول المبطلين المفترين الخاسرين ، فاحذروا أن تسيروا في ركابه ، أو ~~أن تطيعوا له أمرا. # ويبدو أن هذه النصيحة الصادقة المخلصة كان لها أثرها الطيب في نفوس بعض ~~السحرة ، بدليل قوله تعالى ms3843 بعد ذلك ( @QUR@05 فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا ~~النجوى ) والنجوى : المسارة في الحديث. # أى : وبعد أن سمع السحرة من موسى نصيحته لهم وتهديده إياهم بالاستئصال ~~والهلاك. إذا ما استمروا في ضلالهم ، اختلفوا فيما بينهم ، ( @QUR@02 ~~وأسروا النجوى ) أى : وبالغوا في إخفاء ما يسارون به عن موسى وأخيه ~~عليهما السلام . PageV09P121 # فمنهم من قال كما روى عن قتادة : إن كان ما جاءنا به موسى سحرا فسنغلبه ، ~~وإن كان من عند الله فسيكون له أمر. # ومنهم من قال بعد أن سمع كلام موسى : ما هذا بقول ساحر. # ومنهم من أخذ في حض زملائه المترددين على منازلة موسى عليه السلام ، لأنه ~~جاء هو وأخوه لتغيير عقائد الناس ولاكتساب الجاه والسلطان ، ولسلب المنافع ~~التي تأتى لهم أى للسحرة عن طريق السحر .. # ويبدو أن هذا الفريق الأخير هو الذي استطاع أن ينتصر على غيره من السحرة ~~في النهاية ، بدليل قوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@024 قالوا إن هذان لساحران ~~يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ، ويذهبا بطريقتكم المثلى * فأجمعوا ~~كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى ). # فهاتان الآيتان تشيران إلى خوف السحرة من موسى وهارون ، وإلى أنهم بذلوا ~~أقصى جهدهم في تجميع صفوفهم ، وفي تشجيع بعضهم لبعض ، حتى لا يستلب موسى ~~عليه السلام منهم جاههم وسلطانهم ومنافعهم ... # أى : قال السحرة بعضهم لبعض بطريق التناجي والإسرار ، ما استقر عليه ~~رأيهم ، من أن موسى وهارون ساحران ( @QUR@01 يريدان ) عن طريق سحرهما أن ~~يخرجا السحرة من أرضهم مصر : ليستوليا هما وأتباعهما عليها. # ويريدان كذلك أن يذهبا بطريقتكم المثلى. أى بمذهبكم ودينكم الذي هو أمثل ~~المذاهب وأفضلها ، وبملككم الذي أنتم فيه ، وبعيشكم الذي تنعمون به. # فالمثلى : مؤنث أمثل بمعنى أشرف وأفضل. وإنما أنث باعتبار التعبير ~~بالطريقة. هذا ، وهناك قراءات في قوله تعالى : ( @QUR@03 إن هذان لساحران ) ~~ذكرها الإمام القرطبي. # فقال ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@03 إن هذان لساحران ) قرأ أبو عمرو ~~: إن هذين لساحران ورويت هذه القراءة عن عثمان وعائشة وغيرهما من الصحابة ... # وقرأ الزهري والخليل ابن أحمد وعاصم في رواية حفص عنه ( @QUR@03 إن هذان ~~لساحران ms3844 ) بتخفيف ( @QUR@01 إن )... وهذه القراءة سلمت من مخالفة المصحف ~~ومن فساد الإعراب ، ويكون معناها : ما هذان إلا ساحران. PageV09P122 # وقرأ المدنيون والكوفيون : ( @QUR@02 إن هذان ) بتشديد إن ( @QUR@01 ~~لساحران ) فوافقوا المصحف وخالفوا الإعراب. # فهذه ثلاث قراءات قد رواها الجماعة من الأئمة .. # والعلماء في قراءة أهل المدينة والكوفة ستة أقوال : الأول أنها لغة بنى ~~الحارث بن كعب وزبيد وخثعم .. ، يجعلون رفع المثنى ونصبه وخفضه بالألف .. ~~وهذا القول من أحسن ما حملت عليه الآية (1). # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@02 فأجمعوا كيدكم ... ) فصيحة ، أى : إذا ~~كان الأمر كذلك من أن موسى وهارون قد حضرا ليخرجاكم من أرضكم بسحرهما .. ( ~~@QUR@02 فأجمعوا كيدكم ) أى : فأحكموا سحركم واعزموا عليه ولا تجعلوه ~~متفرقا. # يقال : أجمع فلان رأيه وأزمعه ، إذا عزم عليه وأحكمه واستعد لتنفيذه ~~وقوله ( @QUR@03 ثم ائتوا صفا ) أى : ثم ائتوا جميعا مصطفين ، حتى يكون ~~أمركم أكثر هيبة في النفوس ، وأعظم وقعا على القلوب ، وأدعى إلى الترابط ~~والثبات وقوله ( @QUR@05 وقد أفلح اليوم من استعلى ) تذييل مؤكد لما قبله. # أى : وقد أفلح وفاز بالمطلوب في يوم النزال من طلب العلو ، وسعى من أجله ~~، واستطاع أن يتغلب على خصمه ، لأننا إذا تغلبنا على موسى كانت لنا الجوائز ~~العظمى ، وإذا تغلب علينا خسرنا خسارة ليس هناك ما هو أشد منها. # وحانت ساعة المبارزة والمنازلة. فتقدم السحرة نحو موسى عليه السلام وقالوا ~~له كما حكى القرآن عنهم : ( @QUR@012 .. يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون ~~أول من ألقى ). # والإلقاء في الأصل : طرح الشيء ، ومفعول «تلقى» محذوف للعلم به ، والمراد ~~به العصا. # أى ؛ قال السحرة لموسى على سبيل التخيير الذي يبدو فيه التحدي والتلويح ~~بالقوة : يا موسى إما أن تلقى أنت عصاك قبلنا ، وإما أن تتركنا لنلقى ~~حبالنا وعصينا قبلك. # قال الآلوسى : خيروه عليه السلام وقدموه على أنفسهم إظهارا للثقة بأمرهم. ~~وقيل. مراعاة للأدب معه عليه السلام . و «أن» مع ما في حيزها منصوب بفعل ~~مضمر. أى ، إما تختار إلقاءك أو تختار كوننا أول من ألقى. أو مرفوع على أنه ~~خبر لمبتدأ محذوف. # أى : «الأمر إما إلقاؤك أو ms3845 كوننا أول من ألقى ..» (2). PageV09P123 # ثم حكى القرآن بعد ذلك أن موسى عليه السلام ترك فرصة البدء لهم ، واستبقى ~~لنفسه الجولة الأخيرة ، فقال تعالى : ( @QUR@012 قال بل ألقوا ، فإذا ~~حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ). والتخيل : هو إبداء أمر لا ~~حقيقة له. ومنه الخيال ، وهو الطيف الطارق في النوم. # أى : قال موسى عليه السلام للسحرة في الرد على تخييرهم له ، ابدءوا أنتم ~~بإلقاء ما معكم من حبال وعصى. # والفاء في قوله : ( @QUR@03 فإذا حبالهم وعصيهم ... ) فصيحة وهي معطوفة ~~على كلام محذوف ، وإذا هي الفجائية. # أى : قال لهم موسى بل ألقوا أنتم أولا ، فامتثلوا أمره وألقوا ما معهم ، ~~فإذا حبالهم وعصيهم التي طرحوها ، جعلت موسى لشدة اهتزازها واضطرابها يخيل ~~إليه من شدة سحرهم ، أن هذه الحبال والعصى حيات تسعى على بطونها. # قال ابن كثير : وذلك أنهم أودعوها من الزئبق ما كانت تتحرك بسببه وتضطرب ~~وتميد ، بحيث يخيل للناظر أنها تسعى باختيارها ، وإنما كانت حيلة ، وكانوا ~~جما غفيرا ، وجمعا كبيرا أى السحرة فألقى كل منهم عصا وحبلا حتى صار الوادي ~~ملآن حيات ، يركب بعضها بعضا .. (1). # ويبدو أن فعل السحرة هذا ، قد أثر في موسى عليه السلام بدليل قوله تعالى : ~~( @QUR@05 فأوجس في نفسه خيفة موسى ). # والإيجاس : الإخفاء والإضمار ، والخيفة : الخوف. أى ؛ فأخفى موسى ~~عليه السلام في نفسه شيئا من الخوف ، حين رأى حبال السحرة وعصيهم كأنها حيات ~~تسعى على بطونها ، وخوفه هذا حدث له بمقتضى الطبيعة البشرية عند ما رأى هذا ~~الأمر الهائل من السحر ، وبمقتضى أن يؤثر هذا السحر في نفوس الناس فيصرفهم ~~عما سيفعله. # وهنا ثبته الله تعالى وقواه ، وأوحى إليه سبحانه بقوله : ( @QUR@06 قلنا ~~لا تخف إنك أنت الأعلى ). # أى : قلنا له عند ما أوجس في نفسه خيفة من فعل السحرة : لا تخف يا موسى ~~مما فعلوه ، إنك أنت الأعلى عليهم بالغلبة والظفر. أنت الأعلى لأن معك الحق ~~ومعهم الباطل. # وقد أكد الله تعالى هذه البشارة لموسى بجملة من المؤكدات أحدها : إن ~~المؤكدة ، PageV09P124 # وثانيها : تكرير الضمير وثالثها : التعبير بالعلو المفيد للاستعلاء عليهم. ms3846 # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا .. ) زيادة في ~~تشجيعه وتثبيته. # وتلقف من اللقف بمعنى الأخذ للشيء بسرعة وخفة. يقال : لقف فلان يلقفه ~~لقفا ولقفانا ، إذا تناوله بسرعة وحذق باليد أو الفم. # وفي هذه الكلمات ثلاث قراءات سبعية ، أحدها : «تلقف» بتاء مفتوحة مخففة ، ~~بعدها لام مفتوحة ، ثم قاف مشددة وفاء ساكنة ، وأصل الفعل تتلقف ، فحذفت ~~إحداهما تخفيفا ، وهو مجزوم في جواب الأمر وهو ( @QUR@01 ألق ). # وثانيها : ( @QUR@01 تلقف ) كالقراءة السابقة مع ضم الفاء ، على أن الفعل ~~خبر لمبتدأ محذوف. أى : وألق ما في يمينك فهي تلقف ما صنعوا. # وثالثها : ( @QUR@01 تلقف ) بفتح التاء وسكون اللام وفتح القاف المخففة ~~وجزم الفعل كالقراءة الأولى. # والمراد بما في يمينه عصاه ، كما جاء ذلك صريحا في آيات أخرى منها قوله ~~تعالى : ( @QUR@08 فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون ). # وعبر عنها بقوله : ( @QUR@03 ما في يمينك ) على سبيل التهويل من شأنها ، ~~أو لتذكيره بما شاهده منها بعد أن قال الله تعالى له قبل ذلك ( @QUR@05 وما ~~تلك بيمينك يا موسى .. @QUR@ قال ألقها يا موسى ، فألقاها فإذا هي حية تسعى ... ). # والمعنى : وألق يا موسى ما في يمينك تبتلع كل ما صنعه السحرة من تمويه ~~وتزوير وتخييل ، جعل الناس يتوهمون أن حبالهم وعصيهم تسعى. # قال ابن كثير : وذلك أنها صارت تنينا هائلا أى حية عظيمة ذا عيون وقوائم ~~وعنق ورأس وأضراس ، فجعلت تتبع تلك الحبال والعصى حتى لم تبق منها شيئا إلا ~~تلقفته وابتلعته ، والسحرة والناس ينظرون إلى ذلك عيانا جهارا نهارا .. ~~فقامت المعجزة ، واتضح البرهان ، وبطل ما كانوا يعملون (1). # وقوله : ( @QUR@04 إنما صنعوا كيد ساحر ) تعليل لقوله ( @QUR@03 تلقف ما ~~صنعوا ) و ( @QUR@01 ما ) موصولة وهي اسم إن ، و ( @QUR@01 كيد ) خبرها ، ~~والعائد محذوف. # والتقدير : وألق يا موسى عصاك تلقف ما صنعوه ، فإن الذي صنعوه إنما هو ~~كيد من جنس كيد السحرة وصنعهم وتمويههم. PageV09P125 # ( @QUR@03 ولا يفلح الساحر ) أى ولا يفوز هذا الجنس من الناس ( @QUR@02 ~~حيث أتى ) أى : حيث كان فحيث ظرف مكان أريد به التعميم. # أى : أن الساحر لا يفلح ولا يفوز ms3847 أينما كان ، وحيثما أقبل ، وأنى اتجه ، ~~لأنه يصنع للناس التخييل والتمويه والتزوير والتزييف للحقائق. # قال صاحب الكشاف : «فإن قلت : لم وحد ساحر ولم يجمع؟ قلت : لأن القصد في ~~هذا الكلام إلى معنى الجنسية ، لا إلى معنى العدد. فلو جمع لخيل أن المقصود ~~هو العدد (1). # ثم كانت بعد ذلك المفاجأة الكبرى فقد آمن السحرة حين رأوا ما رأوا بعد أن ~~ألقى موسى ما في يمينه ، قال تعالى : ( @QUR@08 فألقي السحرة سجدا قالوا ~~آمنا برب هارون وموسى ). # قال الآلوسى : «والفاء في قوله ( @QUR@01 فألقي ... ) فصيحة معربة عن جمل ~~غنية عن التصريح». # أى : فزال الخوف ، وألقى موسى ما في يمينه ، وصارت حية ، وتلقفت حبالهم ~~وعصيهم ، وعلم السحرة أن ذلك معجزة ، فخروا سجدا لله على وجوههم قائلين ~~آمنا برب هارون وموسى .. (2). # والحق أن التعبير بقوله تعالى : ( @QUR@03 فألقي السحرة سجدا .. ) يدل ~~على قوة البرهان الذي عاينوه ، حتى لكأنهم أمسكهم إنسان وألقاهم ساجدين ~~بالقوة لعظم المعجزة التي عاينوها ، وأطلق سبحانه عليهم اسم السحرة في حال ~~سجودهم له تعالى وإيمانهم به ، نظرا إلى حالهم الماضية. # وهكذا النفوس النقية عند ما يتبين لها الحق ، لا تلبث أن تفيء إليه ، ~~وتستجيب لأهله. قال الكرخي : خروا ساجدين لله لأنهم كانوا في أعلى طبقات ~~السحر ، فلما رأوا ما فعله موسى خارجا عن صناعتهم ، عرفوا أنه ليس من السحر ~~ألبتة (3). # وقال صاحب الكشاف : «ما أعجب أمرهم ، قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر ~~والجحود. ثم ألقوا رءوسهم بعد ساعة للشكر والسجود. فما أعظم الفرق بين ~~الإلقاءين» (4). # ثم بين سبحانه بعد ذلك ما توعد فرعون به السحرة ، وموقفهم من هذا الوعيد ~~فقال تعالى : PageV09P126 # ( @QUR@026 قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ~~فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد ~~عذابا وأبقى (71) @QUR@019 قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي ~~فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا (72) @QUR@014 إنا آمنا ~~بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى (73) ~~@QUR@013 إنه من يأت ربه مجرما ms3848 فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى (74) ~~@QUR@010 ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى (75) ~~@QUR@012 جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى ) (76) # أى : قال فرعون للسحرة بعد أن شاهدهم وقد خروا لله تعالى ساجدين : ( ~~@QUR@06 آمنتم له قبل أن آذن لكم ) أى : هل آمنتم لموسى وصدقتموه في دعوته ~~وانقدتم له ، قبل أن أعطيكم الإذن بذلك. فالاستفهام للتقريع والتهديد. # ( @QUR@05 إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ) أى : أن موسى الذي انقدتم له ~~لهو كبيركم وشيخكم الذي علمكم فنون السحر ، فأنتم تواطأتم معه. وآمنتم به ~~لأنكم من أتباعه. # وغرضه من هذا القول صرف الناس عن التأسى بهم ، وعن الإيمان بالحق الذي ~~آمن به السحرة والظهور أمام قومه بمظهر الثبات والتماسك بعد أن استبد به ~~وبهم الخوف والهلع ، من هول ما رأوه. # ثم أضاف إلى قوله هذا تهديدا أشد فقال : ( @QUR@09 فلأقطعن أيديكم ~~وأرجلكم من خلاف ، ولأصلبنكم في جذوع النخل ). # أى : فو الله لأقطعن أيديكم اليمنى مثلا مع أرجلكم اليسرى ، ولأصلبنكم على PageV09P127 # جذوع النخل ، لتكونوا عبرة لغيركم ممن تسول له نفسه أن يفعل فعلكم. # فالمراد من قوله «من خلاف» أى : من الجهة المخالفة أو من الجانب بأن يقطع ~~اليد اليمنى ومعها الرجل اليسرى ، لأن ذلك أشد على الإنسان من قطعهما من ~~جهة واحدة إذ قطعهما من جهة واحدة يبقى عنده شيء كامل صحيح ، بخلاف قطعهما ~~من جهتين مختلفتين فإنه إفساد للجانبين. # واختار أن يصلبهم في جذوع النخل ، لأن هذه الجذوع أخشن من غيرها والتصليب ~~عليها أشق من التصليب على غيرها ، وأظهر للرائى لعلوها عن سواها. فهو ~~لطغيانه وفجوره اختار أقسى ألوان العذاب ليصبها على هؤلاء المؤمنين. # قال الجمل : قوله : ( @QUR@04 ولأصلبنكم في جذوع النخل ) يحتمل أن يكون ~~حقيقة. وفي التفسير أنه نقر جذوع النخل حتى جوفها ووضعهم فيها فماتوا جوعا وعطشا. # ويحتمل أن يكون مجازا وله وجهان : أحدهما : أنه وضع حرفا مكان آخر ، ~~والأصل على جذوع النخل ، والثاني : أنه شبه تمكنهم بتمكن من حواه الجذع ~~واشتمل عليه. # وقال الكرخي «في» ms3849 بمعنى «على» مجازا ، من حيث إنه شبه تمكن المصلوب ~~بالجذع ، بتمكن المظروف في الظرف وهذا هو المشهور (1). # وقوله : ( @QUR@05 ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى ) تهديد فوق تهديد ، ~~ووعيد إثر وعيد. # أى : والله لتعلمن أيها السحرة أينا أشد تعذيبا لكم ، وأبقى في إنزال ~~الهلاك بكم ، أنا أم موسى وربه. # وكأنه بهذا التهديد يريد أن يهون من كل عذاب سوى عذابه لهم ، ومن كل عقاب ~~غير عقابه إياهم. # وهذا التهديد التي حكاه الله تعالى هنا ، قد جاء ما يشبهه في آيات أخرى ~~منها قوله تعالى : ( @QUR@027 قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم ، إن هذا ~~لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون* لأقطعن أيديكم ~~وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين ) (2). # ثم حكى سبحانه أن السحرة بعد أن استقر الإيمان في قلوبهم ، قد قابلوا ~~تهديد فرعون لهم بالاستخفاف وعدم الاكتراث فقال : ( @QUR@08 قالوا لن نؤثرك ~~على ما جاءنا من البينات ، PageV09P128 # @QUR@06 والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض .. ). # أى : قال السحرة في ردهم على تهديد فرعون لهم : لن نختارك يا فرعون ولن ~~نرضى بأن نكون من حزبك ، ولن نقدم سلامتنا من عذابك .. على ما ظهر لنا من ~~المعجزات التي جاءنا بها موسى ، والتي على رأسها عصاه التي ألقاها فإذا هي ~~تبتلع حبالنا وعصينا. # وجملة «والذي فطرنا» الواو فيها للعطف على «ما» في قوله ( @QUR@02 ما ~~جاءنا ). # أى : لن نختارك يا فرعون على الذي جاءنا من البينات على يد موسى ، ولا ~~على الذي فطرنا أى ؛ خلقنا وأوجدنا في هذه الحياة. # ويصح أن تكون هذه الواو للقسم ، والموصول مقسم به ، وجواب القسم محذوف دل ~~عليه ما قبله ، والمعنى : وحق الذي فطرنا لن نؤثرك يا فرعون على ما جاءنا ~~من البينات. # وقوله : ( @QUR@04 فاقض ما أنت قاض ) تصريح منهم بأن تهديده لهم لا وزن ~~له عندهم ، ورد منهم على قوله : ( @QUR@05 فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ). # أى : لن نقدم طاعتك على طاعة خالقنا بعد أن ظهر لنا الحق ، فافعل ما أنت ~~فاعله ، ونفذ ما تريد تنفيذه في جوارحنا ، فهي وحدها التي ms3850 تملكها ، أما ~~قلوبنا فقد استقر الإيمان فيها ، ولا تملك شيئا من صرفها عما آمنت به. # قال بعض العلماء : واعلم أن العلماء اختلفوا : هل فعل بهم فرعون ما ~~توعدهم به ، أو لم يفعله بهم؟. # فقال قوم : قتلهم وصلبهم ، وقوم أنكروا ذلك ، وأظهر هما عندي : أنه لم ~~يقتلهم ، وأن الله عصمهم منه لأجل إيمانهم الراسخ بالله تعالى لأن الله قال ~~لموسى وهارون : ( @QUR@04 أنتما ومن اتبعكما الغالبون ) (1). # وقوله : ( @QUR@011 إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ، إنا آمنا بربنا ليغفر ~~لنا خطايانا ) تعليل لعدم مبالاتهم بتهديده لهم. # أى : افعل يا فرعون ما أنت فاعله بأجسامنا ، فإن فعلك هذا إنما يتعلق ~~بحياتنا في هذه الحياة الدنيا ، وهي سريعة الزوال ، وعذابها أهون من عذاب ~~الآخرة. # ( @QUR@03 إنا آمنا بربنا ) وخالقنا ومالك أمرنا ( @QUR@03 ليغفر لنا ~~خطايانا ) السالفة ، التي اقترفناها بسبب الكفر والإشراك به سبحانه . # ( @QUR@01 و ) ليغفر لنا ( @QUR@05 ما أكرهتنا عليه من السحر ) لكي نعارض ~~به موسى عليه PageV09P129 # السلام معارضة من هو على الباطل لمن هو على الحق ، وقد كنا لا نملك أن نعصيك. # وخصوا السحر بالذكر مع دخوله في خطاياهم ، للإشعار بشدة نفورهم منه ، ~~وبكثرة كراهيتهم له بعد أن هداهم الله إلى الإيمان. # وقوله : ( @QUR@03 والله خير وأبقى ) تذييل قصدوا به الرد على قول فرعون ~~لهم : ( @QUR@05 ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى ). # أى : والله تعالى خير ثوابا منك يا فرعون ، وأبقى جزاء وعطاء ، فإن ثوابه ~~سبحانه لا نقص معه ، وعطاءه أبقى من كل عطاء. # وقوله عز وجل : ( @QUR@05 إنه من يأت ربه مجرما ... ) يصح أن يكون كلاما ~~مستأنفا ساقه الله تعالى لبيان سوء عاقبة المجرمين ، وحسن عاقبة المؤمنين. # ويصح أن يكون من بقية كلام السحرة في ردهم على فرعون. # والمعنى : ( @QUR@01 إنه ) أى الحال والشأن ( @QUR@03 من يأت ربه ) يوم ~~القيامة في حال كونه ( @QUR@01 مجرما ). # أى : مرتكبا لجريمة الكفر والشرك بالله تعالى ( @QUR@02 فإن له ) أى : ~~لهذا المجرم ( @QUR@01 جهنم ) يعذب فيها عذابا شديدا من مظاهره أنه ( ~~@QUR@03 لا يموت فيها ) فيستريح ( @QUR@02 ولا يحيى ) حياة فيها راحة. # كما قال تعالى : ( @QUR@018 والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم ms3851 ~~فيموتوا ، ولا يخفف عنهم من عذابها ، كذلك نجزي كل كفور ) (1). # ثم بين سبحانه حسن عاقبة المؤمنين فقال : ( @QUR@03 ومن يأته مؤمنا ) به ~~إيمانا حقا ، و ( @QUR@02 قد عمل ) الأعمال ( @QUR@01 الصالحات ) بجانب ~~إيمانه. ( @QUR@01 فأولئك ) الموصوفون بتلك الصفات ( @QUR@01 لهم ) بسبب ~~إيمانهم وعملهم الصالح ( @QUR@02 الدرجات العلى ) أى : المنازل الرفيعة ، ~~والمكانة السامية. # وقوله : ( @QUR@06 جنات عدن تجري من تحتها الأنهار ) يدل على الدرجات العلى. # أى : لهم جنات باقية دائمة تجرى من تحت أشجارها وثمارها الأنهار ( ~~@QUR@02 خالدين فيها ) خلودا أبديا. # ( @QUR@01 وذلك ) العطاء الجزيل الباقي جزاء من تزكى ، أى من تطهر وتجرد ~~من دنس الكفر والمعاصي. PageV09P130 # وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد صورت لنا بأسلوبها البليغ المؤثر ، تلك ~~المحاورات الطويلة التي دارت بين موسى وفرعون والسحرة .. والتي انتهت ~~بانتصار الحق واندحار الباطل. # ثم ساق سبحانه جانبا من النعم التي أنعم بها على بنى إسرائيل ، وحذرهم من ~~جحودها ، فقال تعالى : # ( @QUR@018 ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر ~~يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى (77) @QUR@08 فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من ~~اليم ما غشيهم (78) @QUR@05 وأضل فرعون قومه وما هدى (79) @QUR@015 يا بني ~~إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم ~~المن والسلوى (80) @QUR@017 كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل ~~عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى (81) @QUR@09 وإني لغفار لمن تاب ~~وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ) (82) # قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله سبحانه : ( @QUR@07 ولقد أوحينا إلى موسى ~~أن أسر بعبادي ... ) حكاية إجمالية لما انتهى اليه أمر فرعون وقومه ، وقد ~~طوى سبحانه ذكر ما جرى عليهم بعد أن تغلب موسى على السحرة .. وبعد أن مكث ~~موسى يبلغهم دعوة الله تعالى مدة طويلة ويطلب منهم إرسال بنى إسرائيل معه» (1). # وصدرت الآية الكريمة باللام الموطئة للقسم وبقد تأكيدا لهذا الإيحاء ، ~~وتقريرا له ... # أى : والله لقد أوحينا إلى عبدنا موسى عليه السلام وقلنا له : سر بعبادي ~~من بنى إسرائيل في أول الليل متجها بهم من مصر إلى البحر الأحمر فإذا ما ~~وصلت إليه ، ( @QUR@06 فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا ms3852 ). PageV09P131 # أى : فاجعل لهم طريقا في البحر يابسا ، فالضرب هنا بمعنى الجعل كما في ~~قولهم : ضرب له في ماله سهما. إذا جعل له سهما. # والمراد بالطريق جنسه فإن الطرق التي حدثت بعد أن ضرب موسى بعصاه البحر. ~~كانت اثنى عشر طريقا بعدد أسباط بنى إسرائيل. # وعبر سبحانه عن بنى إسرائيل الذين خرجوا مع موسى بعنوان العبودية لله ~~تعالى للإشعار بعطفه عز وجل عليهم ورحمته بهم ، وللتنبيه على طغيان فرعون ~~حيث استعبد واستذل عبادا للخالق سبحانه وجعلهم عبيدا له .. # قال الجمل : «وقوله ( @QUR@01 يبسا ) صفة لقوله ( @QUR@01 طريقا ) وصف به ~~لما يؤول إليه ، لأنه لم يكن يبسا بعد. وإنما مرت عليه الصبا فجففته. وقيل ~~: هو في الأصل مصدر وصف به للمبالغة ، أو على حذف مضاف ، أو جمع يابس كخادم ~~وخدم وصف به الواحد مبالغة» (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 لا تخاف دركا ولا تخشى ) تذييل قصد به تثبيت ~~فؤاد موسى عليه السلام وإدخال الطمأنينة على قلبه. # والدرك : اسم مصدر بمعنى الإدراك. والجملة في محل نصب على الحال من فاعل ~~«اضرب». # أى : اضرب لهم طريقا في البحر يابسا ، حالة كونك غير خائف من أن يدركك ~~فرعون وجنوده من الخلف ، وغير وجل من أن يغرقكم البحر من أمامكم. # فالآية الكريمة قد اشتملت على كل ما من شأنه أن يغرس الأمان والاطمئنان ~~في قلب موسى ومن معه. # ثم بين سبحانه موقف فرعون بعد أن علم بأن موسى قد خرج بقومه من مصر فقال ~~تعالى : ( @QUR@08 فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم ). # أى : وبعد أن علم فرعون بخروج موسى وبنى إسرائيل من مصر ، جمع جنوده ~~وأسرع في طلب موسى ومن معه ، فكانت نتيجة ذلك ، أن أغرق الله تعالى فرعون ~~وجنوده في البحر. وأهلكهم عن آخرهم ... # والتعبير بالاسم المبهم الذي هو الموصول في قوله ( @QUR@05 فغشيهم من ~~اليم ما غشيهم ) يدل على تعظيم ما غشيهم وتهويله ، أى : فعلاهم وغمرهم من ~~ماء البحر ما لا يعلم كنهه إلا الله تعالى بحيث صاروا جميعا في طيات ~~أمواجه. PageV09P132 # ونظيره قوله تعالى : ( @QUR@05 إذ يغشى السدرة ما ms3853 يغشى ) وقوله : ( ~~@QUR@05 فأوحى إلى عبده ما أوحى ). # قال صاحب الكشاف : قوله تعالى : ( @QUR@02 ما غشيهم ) من باب الاختصار ~~ومن جوامع الكلم التي تستقل مع قلتها بالمعاني الكثيرة. أى : غشيهم مالا ~~يعلم كنهه إلا الله تعالى وقرئ فغشاهم من اليم ما غشاهم ، والتغشية : ~~التغطية ... (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 وأضل فرعون قومه وما هدى ) بيان لحال فرعون قبل ~~أن يهلكه الله تعالى بالغرق. # أى : وأضل فرعون في حياته قومه عن طريق الحق ، وما هداهم إليها وإنما ~~هداهم إلى طريق الغي والباطل ، فكانت عاقبتهم جميعا الاستئصال والدمار. # وما اشتملت عليه الآيتان من إجمال بالنسبة لتلك الأحداث ، قد جاء مفصلا ~~في آيات أخرى ومن ذلك قوله تعالى في سورة الشعراء : ( @QUR@074 وأوحينا إلى ~~موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون. فأرسل فرعون في المدائن حاشرين. إن هؤلاء ~~لشرذمة قليلون. وإنهم لنا لغائظون. وإنا لجميع حاذرون. فأخرجناهم من جنات ~~وعيون. وكنوز ومقام كريم. كذلك وأورثناها بني إسرائيل. فأتبعوهم مشرقين. ~~فلما تراءا الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون. قال كلا إن معي ربي ~~سيهدين. فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق. فكان كل فرق كالطود ~~العظيم. وأزلفنا ثم الآخرين. وأنجينا موسى ومن معه أجمعين. ثم أغرقنا ~~الآخرين ) (2). # ثم ذكر سبحانه بنى إسرائيل بنعمه عليهم فقال : ( @QUR@07 يا بني إسرائيل ~~قد أنجيناكم من عدوكم ) فرعون وجنده ، بأن أغرقناهم أمام أعينكم وأنتم ~~تنظرون إليهم ، بعد أن كانوا يسومونكم سوء العذاب. # ( @QUR@04 وواعدناكم جانب الطور الأيمن ) أى : وواعدنا نبيكم موسى في هذا ~~المكان لإعطائه التوراة لهدايتكم وإصلاح شأنكم ، وهذا الوعد هو المشار إليه ~~بقوله تعالى : # ( @QUR@011 وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه ~~أربعين ليلة ). # قال صاحب الكشاف : ذكرهم النعمة في نجاتهم وهلاك عدوهم ، وفيما واعد موسى ~~من المناجاة بجانب الطور ، وكتب التوراة في الألواح. وإنما عدى المواعدة ~~إليهم لأنها لا بستهم واتصلت بهم حيث كانت لنبيهم ونقبائهم ، وإليهم رجعت ~~منافعها التي قام بها دينهم وشرعهم PageV09P133 # وفيما أفاض عليهم من سائر نعمه وأرزاقه .. (1). # وقال القرطبي ما ملخصه : وقوله : ( @QUR@01 جانب ) نصب على المفعول ~~الثاني لقوله ms3854 واعدنا .. # و ( @QUR@01 الأيمن ) نصب لأنه نعت للجانب ، إذ ليس للجبل يمين ولا شمال. # وتقدير الآية : وواعدناكم إتيان جانب الطور ثم حذف المضاف. أى : أمرنا ~~موسى أن يأمركم بالخروج معه ليكلمه بحضرتكم فتسمعوا الكلام وقيل : وعد موسى ~~بعد إغراق فرعون أن يأتى جانب الطور الأيمن فيؤتيه التوراة ، فالوعد كان ~~لموسى ، ولكن خوطبوا به لأن الوعد كان لأجلهم .. (2). # وقوله : ( @QUR@04 ونزلنا عليكم المن والسلوى ) نعمة ثالثة من نعمه ~~سبحانه عليهم. # والمن : مادة حلوة لزجة تشبه العسل كانت تسقط على الشجر من طلوع الفجر ~~إلى طلوع الشمس. # والسلوى : طائر لذيذ الطعم ، يشبه الطائر الذي يسمى السمانى ، كانوا ~~يأخذونه ويتلذذون بأكله. # وقيل : هما كناية عما أنعم الله به عليهم ، وهما شيء واحد ، سمى أحدهما ~~«منا» لامتنان الله تعالى عليهم ، وسمى الثاني «سلوى» لتسليتهم به. # أى : ونزلنا عليكم بفضلنا ورحمتنا وأنتم في التيه تلك المنافع والخيرات ~~التي تأخذونها من غير كد أو تعب. # والأمر في قوله سبحانه ( @QUR@05 كلوا من طيبات ما رزقناكم ) للإباحة ، ~~والجملة مقول لقول محذوف. أى : وقلنا لهم كلوا من طيبات ما رزقناكم من المن ~~والسلوى ، ومن غيرهما من اللذائذ التي أحلها الله لكم. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 ولا تطغوا فيه ) فيحل عليكم غضبى ومن يحلل عليه ~~غضبى فقد هوى تحذير لهم من تجاوز الحدود التي شرعها الله تعالى لهم ، إذ ~~الطغيان مجاوزة الحد في كل شيء. # والضمير في قوله ( @QUR@01 فيه ) يعود إلى الموصول الذي هو ( @QUR@01 ما ~~) في قوله : ( @QUR@02 ما رزقناكم ) ويحل بكسر الحاء بمعنى يجب. يقال : حل ~~أمر الله على فلان يحل حلالا بمعنى وجب. PageV09P134 # وقرأ الكسائي ( @QUR@01 فيحل ) بضم الحاء بمعنى ينزل يقال : حل فلان ~~بالمكان يحل بالضم حلولا ، إذا نزل به. # والمعنى : كلوا يا بنى إسرائيل من الطيبات التي رزقكم الله إياها واشكروه ~~عليها ، ولا تتجاوزوا فيما رزقناكم الحدود التي شرعناها لكم ، فإنكم إذا ~~فعلتم ذلك حق عليكم غضبى ، ونزل بكم عقابي ، ومن حق عليه غضبى ونزل به ~~عقابي ( @QUR@02 فقد هوى ) أى : إلى النار. # وأصله السقوط من مكان مرتفع كجبل ونحوه. يقال : هوى فلان ms3855 بفتح الواو يهوى ~~بكسرها إذا سقط إلى أسفل ، ثم استعمل في الهلاك للزومه له. # ثم فتح سبحانه باب الأمل لعباده فقال : ( @QUR@02 وإني لغفار ) أى : ~~لكثير المغفرة ( @QUR@02 لمن تاب ) من الشرك والمعاصي ( @QUR@01 وآمن ) بكل ~~ما يجب الإيمان به ( @QUR@02 وعمل صالحا ) أى : وعمل عملا مستقيما يرضى ~~الله تعالى . ( @QUR@02 ثم اهتدى ) أى : ثم واظب على ذلك ، وداوم على ~~استقامته وصلاحه إلى أن لقى الله تعالى . # وثم في قوله ( @QUR@02 ثم اهتدى ) للتراخي النسبي ، إذ أن هناك فرقا ~~كبيرا بين من يتوب إلى الله تعالى ويقدم العمل الصالح ، ويستمر على ذلك إلى ~~أن يلقى الله تعالى وبين من لا يداوم على ذلك. # ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن فتنة قوم موسى عليه السلام بعد أن ~~ذهب لمناجاة ربه ، وكيف انقادوا لخديعة السامري لهم .. فقال تعالى : # ( @QUR@06 وما أعجلك عن قومك يا موسى (83) @QUR@09 قال هم أولاء على أثري ~~وعجلت إليك رب لترضى (84) @QUR@09 قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم ~~السامري (85) @QUR@027 فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ~~ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم ~~فأخلفتم موعدي (86) @QUR@07 قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا PageV09P135 # @QUR@08 أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري (87) @QUR@012 ~~فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي (88) ~~@QUR@012 أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا ) (89) # وهذه الآيات الكريمة تحكى قصة ملخصها : أن موسى عليه السلام بعد أن أهلك ~~الله تعالى فرعون وجنوده ، سار ببني إسرائيل متجها ناحية جبل الطور ، ثم ~~تركهم مستخلفا عليهم أخاه هارون ، وذهب لمناجاة ربه ومعه سبعون من وجهائهم ~~، ثم عجل من بينهم شوقا للقاء ربه ، فأخبره سبحانه بما أحدثه قومه في غيبته ~~عنهم. وجملة ( @QUR@06 وما أعجلك عن قومك يا موسى ) مقول لقول محذوف. # والمعنى : وقلنا لموسى : أى شيء جعلك تتعجل المجيء إلى هذا المكان قبل ~~قومك وتخلفهم وراءك ، مع أنه ينبغي لرئيس القوم أن يتأخر عنهم في حالة ~~السفر ، ليكون ms3856 نظره محيطا بهم ونافذا عليهم؟. # فأجاب موسى معتذرا لربه تعالى بقوله : ( @QUR@04 هم أولاء على أثري ) أى ~~: على مقربة منى ، وسيلحقون بي بعد زمن قليل ( @QUR@04 وعجلت إليك رب لترضى ~~) أى : وقد حملني على أن أحضر قبلهم ، شوقي إلى مكالمتك يا إلهى وطمعي في ~~زيادة رضاك عنى. # فموسى عليه السلام قد علل تقدمه على قومه في الحضور بعلتين : الأولى : ~~أنهم كانوا على مقربة منه. والثانية : حرصه على استدامة رضى ربه عنه. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ( @QUR@02 وما أعجلك ) سؤال عن سبب العجلة ، ~~فكان الذي ينطبق عليه من الجواب أن يقال : طلب زيادة رضاك أو الشوق في ~~كلامك. وقوله : ( @QUR@04 هم أولاء على أثري ) كما ترى غير منطبق عليه؟. # قلت : قد تضمن ما واجهه به رب العزة شيئين : أحدهما : إنكار العجلة في ~~نفسها ، والثاني : السؤال عن سببها الحامل عليها ، فكان أهم الأمرين إلى ~~موسى بسط العذر ، وتمهيد العلة في نفس ما أنكر عليه ، فاعتل بأنه لم يوجد ~~منى إلا تقدم يسير ، مثله لا يعتد به في العادة ، ولا يحتفل به ، وليس بيني ~~وبين من سبقته إلا مسافة قريبة ، يتقدم بمثلها الوفد رئيسهم PageV09P136 # ومقدمهم. ثم عقبه بجواب السؤال عن السبب فقال : ( @QUR@04 وعجلت إليك رب ~~لترضى ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@09 قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري ) ~~إخبار منه سبحانه بما فعله قومه بعد مفارقته لهم. # وكلمة ( @QUR@01 فتنا ) من الفتن ومعناه لغة : وضع الذهب في النار ليتبين ~~أهو خالص أم زائف. # والفتنة تطلق في القرآن بإطلاقات متعددة منها : الدخول في النار كما في ~~قوله تعالى : ( @QUR@05 يوم هم على النار يفتنون ). ومنها الحجة كما في ~~قوله تعالى : ( @QUR@012 ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا ~~مشركين ). ومنها : الاختبار والامتحان ، كما في قوله سبحانه : ( @QUR@04 ~~أنما أموالكم وأولادكم فتنة ). ومنها الإضلال والإشراك ، كما في قوله ~~تعالى : ( @QUR@05 وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) وقوله سبحانه : ( @QUR@010 ~~ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا .. ). # ويبدو أن المراد بالفتنة هذا المعنى الأخير وهو الإضلال والشرك ، لأن ~~فتنتهم كانت ms3857 بسبب عبادتهم للعجل في غيبة موسى عليه السلام . # ويدل على هذا قوله تعالى : ( @QUR@011 واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم ~~عجلا جسدا له خوار .. ). # والسامري : اسم للشخص الذي كان سببا في ضلال بنى إسرائيل ، قيل : كان من ~~زعماء بنى إسرائيل وينسب إلى قبيلة تعرف بالسامرة. # وقيل : إنه كان من قوم يعبدون البقر ، وقيل غير ذلك من أقوال مظنونة غير محققة. # أى : قال الله تعالى لموسى : فإنا قد أضللنا قومك من بعد مفارقتك لهم ، ~~وكان السبب في ضلالهم السامري ، حيث دعاهم إلى عبادة العجل فانقادوا له ~~وأطاعوه. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا ) بيان لما كان ~~منه عليه السلام بعد أن علم بضلال قومه. # وكان رجوع موسى إليهم بعد أن ناجى ربه ، وتلقى منه التوراة. # قال الآلوسى ما ملخصه : ( @QUR@04 فرجع موسى إلى قومه ) عند رجوعه ~~المعهود أى : بعد ما استوفى الأربعين «ذا القعدة وعشر ذي الحجة» وأخذ ~~التوراة لا عقيب الإخبار المذكور ، فسببية ما قبل الفاء لما بعدها إنما هي ~~باعتبار قيد الرجوع المستفاد من قوله ( @QUR@02 غضبان أسفا ) لا باعتبار ~~نفسه ، وإن كانت داخلة عليه حقيقة ، فإن كون الرجوع بعد تمام الأربعين أمر ~~مقرر مشهور لا يذهب الوهم إلى كونه عند الإخبار المذكور ...» (2). PageV09P137 # والمعنى فرجع موسى إلى قومه بعد مناجاته لربه وبعد تلقيه التوراة حالة ~~كونه ( @QUR@02 غضبان أسفا ) أى : غضبان شديد الغضب. # فالمراد بالأسف شدة الغضب ، وقيل المراد به الحزن والجزع. # ثم بين سبحانه ما قاله موسى لقومه بعد رجوعه إليهم فقال : ( @QUR@08 قال ~~يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا .. ). # أى : قال لهم على سبيل الزجر والتوبيخ يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا ~~لا سبيل لكم إلى إنكاره ، ومن هذا الوعد الحسن : إنزال التوراة لهدايتكم ~~وسعادتكم ، وإهلاك عدوكم أمام أعينكم. فلما ذا أعرضتهم عن عبادته وطاعته مع ~~أنكم تعيشون في خيره ورزقه ..؟. # ثم زاد في تأنيبهم وفي الإنكار عليهم فقال : ( @QUR@013 أفطال عليكم ~~العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي ). # فالاستفهام في قوله ( @QUR@01 أفطال .. ) للنفي ms3858 والإنكار و ( @QUR@01 أم ~~) منقطعة بمعنى بل. # والمعنى : أفطال عليكم الزمان الذي فارقتكم فيه؟ لا إنه لم يطل حتى تنسوا ~~ما أمرتكم به ، بل إنكم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم ، فأخلفتم موعدي ~~الذي وعدتمونى إياه وهو أن تثبتوا على إخلاص العبادة لله تعالى . # ومعنى إرادتهم حلول الغضب عليهم ، أنهم فعلوا ما يستوجب ذلك وهو طاعتهم ~~للسامري في عبادتهم للعجل. # قال ابن جرير : كان إخلافهم موعده : عكوفهم على عبادة العجل ، وتركهم ~~السير على أثر موسى للموعد الذي كان الله وعدهم ، وقولهم لهارون إذ نهاهم ~~عن عبادة العجل ودعاهم إلى السير معه في أثر موسى : ( @QUR@08 لن نبرح عليه ~~عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ) (1). # ثم حكى سبحانه معاذيرهم الواهية التي تدل على بلادة عقولهم ، وانتكاس ~~أفكارهم ، وتفاهة شخصيتهم فقال تعالى : ( @QUR@05 قالوا ما أخلفنا موعدك ~~بملكنا .. ). # وقوله ( @QUR@01 بملكنا ) قرأه نافع وعاصم بفتح الميم وسكون اللام أى : ~~بأمرنا. وقرأه حمزة والكسائي ( @QUR@01 بملكنا ) بكسر الميم وسكون اللام أى ~~: بطاقتنا : وقرأه الباقون بضم الميم وسكون اللام أى : بسلطاننا ، وهو مصدر ~~مضاف لفاعله ومفعوله محذوف ، أى : بملكنا أمرنا. # أى : قال بنو إسرائيل لنبيهم موسى على سبيل الاعتذار الذي هو أقبح من ذنب : PageV09P138 # ما أخلفنا موعدك فعبدنا العجل بأمرنا وطاقتنا واختيارنا ، فقد كان الحال ~~أكبر من أن يدخل تحت سلطاننا ، ولو خلينا بيننا وبين أنفسنا ولم يسول لنا ~~السامري ما سول لبقينا على العهد الذي عاهدناك عليه ، وهو أن نعبد الله ~~تعالى وحده. # وقوله : ( @QUR@010 ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ~~ألقى السامري ) حكاية لبقية ما قالوه من أعذر قبيحة. # ولفظ : «حملنا» قرأه ابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم بضم الحاء وتشديد ~~الميم على أنه فعل ونائب فاعل ، وقرأه الباقون بفتح الحاء والميم على أنه ~~فعل وفاعل. # قال الآلوسى ما ملخصه : والمراد بالقوم : القبط ، وبالأوزار : الأحمال ~~وتسمى بها الآثام ، وقصدوا بذلك ما استعاروه من القبط من الحلي في عيد لهم ~~قبل الخروج من مصر ، وقيل : استعاروه باسم العرس. وقيل : هي ما ألقاه البحر ~~على الساحل مما ms3859 كان على الذين غرقوا وهم فرعون وجنوده فأخذ بنو إسرائيل ذلك ~~على أنه غنيمة مع أنها غنيمة مع أنها لم تكن حلالا لهم (1). # أى : قال بنو إسرائيل لموسى : ما أخلفنا عهدك بأمرنا ولكنا حملنا أثقالا ~~وأحمالا من زينة القبط التي أخذناها منهم بدون حق ( @QUR@01 فقذفناها ) في ~~النار بتوجيه من السامري ، ( @QUR@01 فكذلك ) أى : فكما ألقينا ما معنا ( ~~@QUR@02 ألقى السامري ) ما معه من تلك الزينة. # قال ابن كثير : وحاصل ما اعتذر به هؤلاء الجهلة أنهم تورعوا عن زينة ~~القبط ، فألقوها عنهم ، فعبدوا العجل ، فتورعوا عن الحقير ، وفعلوا الأمر ~~الكبير .. (2). # ثم بين سبحانه ما صنعه لهم السامري من تلك الحلي فقال : ( @QUR@012 فأخرج ~~لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي ). # والخوار : الصوت المسموع. # أى : فكانت نتيجة ما قذفوه من الحلي في النار ، أن أخرج السامري لهم من ~~ذلك ( @QUR@04 عجلا جسدا له خوار ) أى : صوت كصوت البقر. # قيل : إن الله تعالى خلق الحياة في ذلك العجل على سبيل الاختبار ~~والامتحان لهم. # وقيل : لم تكن به حياة ، ولكن السامري صنعه لهم بدقة ، وجعل فيه منافذ ~~إذا دخلت فيها الريح أخرجت منه صوتا كصوت خوار البقر. PageV09P139 # فقال بنو إسرائيل عند ما رأوا العجل الذي صنعه لهم السامري : هذا إلهكم ~~وإله موسى فاعبدوه ، لأن موسى نسى إلهه هنا ، وذهب ليبحث عنه في مكان آخر ، ~~فالضمير في قوله ( @QUR@01 فنسي ) يعود لموسى. # وقولهم هذا يدل على بلادتهم وسوء أدبهم مع نبيهم ، فهم لم يكتفوا بعبادة ~~العجل ، بل زعموا أن نبيهم الداعي لهم إلى توحيد الله ، قد كان يعبد العجل ~~وأنه قد نسى مكانه فذهب يبحث عنه. # وقيل : إن الذي حدث منه النسيان هو السامري ، وأن النسيان بمعنى الترك ، ~~أى : فترك السامري ما كان عليه من الإيمان الظاهري ، ونبذ الدين الذي بعث ~~الله تعالى به موسى ، وحض الناس على عبادة العجل الذي صنعه لهم. # والقول الأول أرجح ، لأنه هو الظاهر من معنى الآية الكريمة ، ولأنه هو ~~المأثور عن السلف. # قال ابن جرير : «وأولى الأقوال بالصواب عندنا أن ms3860 يكون ( @QUR@01 فنسي ) ~~خبرا من الله تعالى عن السامري ، وأنه وصف موسى بأنه نسى ربه ، وأن ربه ~~الذي ذهب يريده هو العجل الذي أخرجه السامري ، لإجماع الحجة من أهل التأويل ~~عليه ، ولأنه عقيب ذكر موسى ، وهو أن يكون خبرا من السامري عنه بذلك أشبه ~~من غيره» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@012 أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ، ولا يملك لهم ~~ضرا ولا نفعا ) تقريع لهم على جهلهم وغبائهم وسوء أدبهم. # والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام ، أى : أبلغ عمى البصيرة عند هؤلاء ~~السفهاء أنهم لم يفطنوا إلى أن هذا العجل الذي اتخذوه إلها ، لا يستطيع أن ~~يجيبهم إذا سألوه أو خاطبوه ، ولا يرد عليهم قولا يقولونه له ، ولا يملك ~~لهم شيئا لا من الضر ولا من النفع. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@022 واتخذ قوم موسى من بعده من ~~حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا ، اتخذوه ~~وكانوا ظالمين ) (2). # ثم بين سبحانه موقف هارون عليه السلام من هؤلاء الجاهلين الذين عبدوا ~~العجل ، فقال تعالى : PageV09P140 # ( @QUR@017 ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم ~~الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري (90) @QUR@09 قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى ~~يرجع إلينا موسى ) (91) # وجملة : ( @QUR@06 ولقد قال لهم هارون من قبل ... ) قسمية مؤكدة لما قبلها. # أى : والله لقد نصح هارون عليه السلام عبدة العجل من قومه ، قبل رجوع موسى ~~إليهم ، فقال لهم مستعطفا : ( @QUR@06 .. يا قوم إنما فتنتم به .. ) أى : ~~يا قوم إن ضلالكم وكفركم إنما هو بسبب عبادتكم العجل ، فالضمير في ( ~~@QUR@01 به ) يعود إلى العجل. # ( @QUR@03 وإن ربكم الرحمن ) هو وحده المستحق للعبادة والطاعة. # وجمع سبحانه بين لفظي الرب والرحمن ، لجذبهم نحو الحق ، واستمالتهم نحوه ~~، وللتنبيه على أنهم متى تابوا قبل الله توبتهم ، لأنه سبحانه هو الرحمن ~~الرحيم. # والفاء في قوله : ( @QUR@03 فاتبعوني وأطيعوا أمري ) لترتيب ما بعدها على ~~ما قبلها. # أى : وما دام الأمر كذلك فاتبعوني وأطيعوا أمرى ، في الثبات على الحق ، ~~وفي نبذ عبادة العجل ، وفي المحافظة على ما عاهدكم عليه موسى عليه ms3861 السلام . # ولكن هذه النصيحة الحكيمة من هارون لهم لم تجد أذنا صاغية. بل قابلوا ~~نصيحته لهم بالاستخفاف والتصميم على ما هم فيه من ضلال ، إذ قالوا في الرد ~~عليه : ( @QUR@04 لن نبرح عليه عاكفين ) أى : سنستمر على عبادة العجل ، ~~وسنواظب على هذه العبادة مواظبة تامة ( @QUR@04 حتى يرجع إلينا موسى ) فنرى ~~ماذا سيكون منه. # فهم لجهالاتهم وانطماس بصائرهم ، وسوء أدبهم ، يرون أن هارون عليه السلام ~~ليس أهلا للنصيحة والطاعة ، مع أنه قد خاطبهم بأحكم أسلوب ، وألطف منطق. # قال الرازي : واعلم أن هارون عليه السلام سلك في هذا الوعظ أحسن الوجوه ~~لأنه زجرهم عن الباطل أولا بقوله : ( @QUR@05 يا قوم إنما فتنتم به ) ثم ~~دعاهم إلى معرفة الله ثانيا بقوله : ( @QUR@03 وإن ربكم الرحمن ) ثم دعاهم ~~ثالثا إلى معرفة النبوة بقوله : ( @QUR@01 فاتبعوني ) ثم دعاهم رابعا إلى ~~الشرائع بقوله : ( @QUR@02 وأطيعوا أمري ). # وهذا هو الترتيب الجيد ، لأنه لا بد قبل كل شيء من إماطه الأذى عن الطريق ~~وهو إزالة الشبهات ، ثم معرفة الله تعالى هي الأصل ، ثم النبوة ، ثم ~~الشريعة : فثبت أن هذا PageV09P141 # الترتيب على أحسن الوجوه ، ولكنهم لجهلهم وعنادهم قابلوا هذا الترتيب ~~الحسن في الاستدلال ، بالتقليد والجمود فقالوا : ( @QUR@08 لن نبرح عليه ~~عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ) (1). # ثم بين سبحانه ما قاله موسى لأخيه هارون بعد أن رأى ما عليه قومهما من ~~ضلال ، فقال تعالى : # ( @QUR@08 قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا (92) @QUR@04 ألا تتبعن ~~أفعصيت أمري (93) @QUR@020 قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت ~~أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي ) (94) # أى : قال موسى لأخيه هارون على سبيل اللوم والمعاتبة : يا هارون أى شيء ~~منعك من مقاومتهم وقت أن رأيتهم ضلوا بسبب عبادتهم للعجل و «لا» في قوله : ( ~~@QUR@02 ألا تتبعن ) مزيدة للتأكيد. والاستفهام في قوله : ( @QUR@02 أفعصيت ~~أمري ) للإنكار. # أى : ما الذي منعك من أن تتبعني في الغضب عليهم لدين الله حين رأيتهم ~~عاكفين على عبادة العجل ، أفعصيت أمرى فيما قدمت إليك من قولي : ( @QUR@08 ~~اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ms3862 ) وفيما أمرتك به من الصلابة ~~في الدين ، لأن وجودك فيهم وقد عبدوا غير الله تعالى يعتبر تهاونا معهم ~~فيما لا يصح التهاون فيه. # وكأن موسى عليه السلام كان يريد من أخيه هارون عليه السلام موقفا يتسم ~~بالحزم والشدة مع هؤلاء الجاهلين ، حتى ولو أدى الأمر لمقاتلتهم ... # وهنا يرد هارون على أخيه موسى ردا يبدو فيه الرفق والاستعطاف فيقول : ( ~~@QUR@08 يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي ). # أى : قال هارون لموسى محاولا أن يهدئ من غضبه ، بتحريك عاطفة الرحم في ~~قلبه : يا بن أمى لا تمسك بلحيتي ولا برأسى على سبيل التأنيب لي. فإنى لست ~~عاصيا لأمرك ، ولا معرضا عن اتباعك. PageV09P142 # قال الآلوسى ما ملخصه : خص الأم بالإضافة استعطافا وترقيقا لقلبه ، لا ~~لما قيل من أنه كان أخاه لأمه ، فإن الجمهور على أنهما كانا شقيقين. # وقوله : ( @QUR@05 لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي )... روى أنه أخذ شعر رأسه ~~بيمينه ، ولحيته بشماله ، وكان موسى عليه السلام حديدا متصلبا غضوبا لله ~~تعالى ، وغلب على ظنه أن هارون قد قصر معهم .. (1). # وقوله : ( @QUR@011 إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي ~~) استئناف لتعليل موجب النهى ، بتحقيق أنه غير عاص لأمره ، وغير معرض عن ~~اتباعه. # أى : يا بن أمى لا تأخذ بلحيتي ولا برأسى ، فإنى ما حملني على البقاء ~~معهم وعلى ترك مقاتلتهم بعد أن عبدوا العجل ، إلا خوفي من أن تقول لي لو ~~قاتلتهم أو فارقتهم بمن معى من المؤمنين إنك بعملك هذا قد جعلت بنى إسرائيل ~~فرقتين متنازعتين ( @QUR@03 ولم ترقب قولي ) أى : ولم تتبع وتطع قولي لك : ~~( @QUR@08 اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ) ولذلك لم أقدم ~~على مقاتلتهم بمن معى من المؤمنين ، ولم أقدم كذلك على مفارقتهم ، بل بقيت ~~معهم ناصحا واعظا ، حتى تعود أنت إليهم ، فتتدارك الأمر بنفسك ، وتعالجه برأيك. # قال بعض العلماء ما ملخصه : وهذه الآية الكريمة ... تدل على لزوم إعفاء ~~اللحية وعدم حلقها ، لأنه لو كان هارون حالقا لحيته لما أخذ بها موسى إذ من ~~المشهور أن اللحية ms3863 تطلق على الشعر النابت في العضو المخصوص وهو الذقن وبذلك ~~يتبين لك أن إعفاء اللحية سمت الرسل الكرام الذين أمرنا الله تعالى ~~بالاقتداء بهم. # فقد قال تعالى : بعد أن ذكر عددا من الأنبياء منهم هارون : ( @QUR@06 ~~أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ... ) (2). # والعجب من الذين مسخت ضمائرهم ... حتى صاروا ينفرون من صفات الذكورية ، ~~وشرف الرجولة إلى خنوثة الأنوثة .. (3). # هذا ، وبعد أن انتهى موسى من سماع اعتذار أخيه هارون ، اتجه بغضبه إلى ~~السامري رأس الفتنة ومدبرها فأخذ في زجره وتوبيخه ، وقد حكى سبحانه ذلك في ~~قوله تعالى : PageV09P143 # ( @QUR@05 قال فما خطبك يا سامري (95) @QUR@016 قال بصرت بما لم يبصروا ~~به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي (96) @QUR@028 قال ~~فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى ~~إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا (97) @QUR@012 ~~إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما ) (98) # أى : قال موسى عليه السلام للسامري : ( @QUR@02 فما خطبك ) أى : ما شأنك ، ~~وما الأمر العظيم الذي جعلك تفعل ما فعلت؟ مصدر خطب يخطب كقعد يقعد ومنه ~~قولهم : هذا خطب يسير أو جلل ، وجمعه خطوب. وخصه بعضهم بما له خطر من ~~الأمور ، وأصله : الأمر العظيم الذي يكثر فيه التخاطب والتشاور ، ويخطب ~~الخطيب الناس من أجله. # وقد رد السامري على موسى بقوله : ( @QUR@05 بصرت بما لم يبصروا به ) أى : ~~علمت ما لم يعلمه القوم ، وفطنت لما لم يفطنوا له ، ورأيت ما لم يروه. # قال الزجاج : يقال : بصر بالشيء يبصر ككرم وفرح إذا علمه ، وأبصره إذا ~~نظر إليه. # وقيل : هما بمعنى واحد. # ( @QUR@06 فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها ) روى أن السامري رأى جبريل ~~عليه السلام حين جاء إلى موسى ليذهب به إلى الميقات لأخذ التوراة عن الله ~~عز وجل ولم ير جبريل أحد غير السامري من قوم موسى ، ورأى الفرس كلما وضعت ~~حافرها على شيء اخضرت ، فعلم أن للتراب الذي تضع عليه الفرس حافرها شأنا ، ~~فأخذ منه حفنة وألقاها ms3864 في الحلي المذاب فصار عجلا جسدا له خوار. # والمعنى قال السامري لموسى : علمت ما لم يعلمه غيرى فأخذت حفنة من تراب ~~أثر حافر PageV09P144 # فرس الرسول وهو جبريل عليه السلام فألقيت هذه الحفنة في الحلي المذاب ، ~~فصار عجلا جسدا له خوار. # ( @QUR@04 وكذلك سولت لي نفسي ) أى : ومثل هذا الفعل سولته لي نفسي ، أى ~~زينته وحسنته لي نفسي ، لأجعل بنى إسرائيل يتركون عبادة إلهك يا موسى ، ~~ويعبدون العجل الذي صنعته لهم. # وعلى هذا التفسير الذي سار عليه كثير من المفسرين ، يكون المراد بالرسول ~~: جبريل عليه السلام ويكون المراد بأثره : التراب الذي أخذه من موضع حافر فرسه. # هذا ، وقد نقل الفخر الرازي عن أبى مسلم الأصفهاني رأيا آخر في تفسير ~~الآية فقال ما ملخصه : ليس في القرآن ما يدل على ما ذكره المفسرون ، فهنا ~~وجه آخر ، وهو أن يكون المراد بالرسول : موسى عليه السلام وبأثره : سنته ~~ورسمه الذي أمر به ، فقد يقول الرجل : فلان يقص أثر فلان ويقتص أثره إذا ~~كان يمتثل رسمه ، والتقدير : أن موسى لما أقبل على السامري بالتوبيخ ~~وبسؤاله عن الأمر الذي دعاه إلى إضلال القوم بعبادة العجل ، رد عليه بقوله ~~: بصرت بما لم يبصروا به ، أى : عرفت أن الذي أنتم عليه ليس بحق ، وقد كنت ~~قبضت قبضة من أثرك أيها الرسول ، أى : أخذت شيئا من علمك ودينك فنبذته ، أى ~~: طرحته .. (1). # وعلى هذا التفسير الذي ذهب إليه أبو مسلم يكون المراد بالرسول : موسى ~~عليه السلام ويكون المراد بأثره : دينه وسنته وعلمه. # ويكون المعنى الإجمالى للآية : أن السامري قال لموسى عليه السلام كنت قد ~~أخذت جانبا من دينك وعلمك ، ثم تبين لي أنك على ضلال فنبذت ما أخذته عنك ~~وسولت لي نفسي أن أصنع للناس عجلا لكي يعبدوه لأن عبادته أراها هي الحق. # وقد رجح الإمام الرازي في تفسيره ما ذهب إليه أبو مسلم فقال : واعلم أن ~~هذا القول الذي قاله أبو مسلم ليس فيه إلا مخالفة للمفسرين ، ولكنه أقرب ~~إلى التحقيق لوجوه. # 1 أن جبريل ليس مشهورا باسم الرسول ، ولم ms3865 يجر له فيما تقدم ذكر حتى تجعل ~~لام التعريف إشارة إليه. # 2 أنه لا بد فيه من الإضمار ، وهو قبضته من أثر حافر فرس الرسول ، ~~والإضمار خلاف الأصل. PageV09P145 # 3 أنه لا بد من التعسف في بيان أن السامري كيف اختص من بين جميع الناس ~~برؤية جبريل ومعرفته؟ ثم كيف عرف أن لتراب حافر فرسه هذا الأثر؟ والذي ~~ذكروه أن جبريل هو الذي رباه بعيد .. (1). # وقد رد الإمام الآلوسى على الإمام الفخر الرازي رحمهما الله فقال ما ملخصه : # 1 عهد في القرآن الكريم إطلاق الرسول على جبريل ، كما في قوله تعالى : ( ~~@QUR@04 إنه لقول رسول كريم ). وعدم جريان ذكره فيما تقدم لا يمنع أن يكون ~~معهودا ، ويجوز أن يكون إطلاق الرسول عليه كان شائعا في بنى إسرائيل. # 2 تقدير المضاف في الكلام أكثر من أن يحصى ، وقد عهد ذلك في كتاب الله ~~غير مرة. # 3 رؤية السامري دون غيره لجبريل ، كان ابتلاء من الله تعالى ليقضى الله ~~أمرا كان مفعولا ، ومعرفته تأثير ذلك الأثر دون غيره كانت بسبب ما ألقى في ~~روعه من أنه لا يلقيه على شيء فيقول له كن كذا إلا كان كما في خبر ابن عباس ~~أو كانت لما شاهد من خروج النبات بالوطء كما في بعض الآثار .. (2). # ويبدو لنا أن ما ذهب إليه أبو مسلم ، أقرب إلى ما يفيده ظاهر القرآن ~~الكريم ، إذا ما استبعدنا تلك الروايات التي ذكرها المفسرون في شأن السامري ~~وفي شأن رؤيته لجبريل. # ولا نرى حرجا في استبعادها ، لأنها عارية عن السند الصحيح إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم أو إلى أصحابه ، ويغلب على ظننا أنها من الإسرائيليات التي ~~نرد العلم فيها إلى الله تعالى . # وقوله سبحانه : ( @QUR@010 قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس ) ~~حكاية لما قاله موسى عليه السلام للسامري. # والمساس : مصدر ماس بالتشديد كقتال من قاتل ، وهو منفي بلا التي لنفى الجنس. # والمعنى : قال موسى للسامري : مادمت قد فعلت ذلك فاذهب ، فإن لك في مدة ~~حياتك ، أن تعاقب بالنبذ ms3866 من الناس ، وأن تقول لهم إذا ما اقترب أحد منك : ( ~~@QUR@02 لا مساس ) أى لا أمس أحدا ولا يمسنى أحد ، ولا أخالط أحدا ولا ~~يخالطني أحد. # قال صاحب الكشاف : عوقب في الدنيا بعقوبة لا شيء أطم منها وأوحش وذلك أنه ~~منع من مخالطة الناس منعا كليا ، وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومكالمته ~~ومبايعته ومواجهته ، وكل ما يعايش به الناس بعضهم بعضا. وإذا اتفق أن يماس ~~أحدا رجلا أو امرأة حم الماس والممسوس PageV09P146 # أى أصيبا بمرض الحمى فتحامى الناس وتحاموه ، وكان يصيح : لا مساس. وعاد ~~في الناس أوحش من القاتل اللاجئ إلى الحرم ، ومن الوحش النافر في البرية .. (1). # وقال الآلوسى ما ملخصه : والسر في عقوبته على جنايته بما ذكر. أنه ضد ما ~~قصده من إظهار ذلك ليجتمع عليه الناس ويعززوه ، فكان ما فعله سببا لبعدهم ~~عنه وتحقيره. وقيل : عوقب بذلك ليكون الجزاء من جنس العمل ، حيث نبذ فنبذ ، ~~فإن ذلك التحامى عنه أشبه شيء بالنبذ .. (2). # قالوا : وهذه الآية الكريمة أصل في نفى أهل البدع والمعاصي وهجرانهم وعدم ~~مخالطتهم. # ثم بين سبحانه عقوبة السامري في الآخرة ، بعد بيان عقوبته في الدنيا فقال ~~: ( @QUR@05 وإن لك موعدا لن تخلفه ). # وقوله : ( @QUR@01 تخلفه ) قرأها الجمهور بضم التاء وفتح اللام. أى : وإن ~~لك موعدا في الآخرة لن يخلفك الله تعالى إياه. بل سينجزه لك ، فيعاقبك ~~يومئذ العقاب الأليم الذي تستحقه بسبب ضلالك وإضلالك ، كما عاقبك في الدنيا ~~بعقوبة الطرد والنفور من الناس. # وقرأ ابن كثير وأبو عمر ( @QUR@02 لن تخلفه ) بضم التاء وكسر اللام أى : ~~وإن لك موعدا في الآخرة لن تستطيع التخلف عنه ، أو المهرب منه ، بل ستأتيه ~~وأنت صاغر .. # ثم بين سبحانه ما فعله موسى عليه السلام بالعجل الذي صنعه السامري لإضلال ~~الناس. فقال : ( @QUR@07 وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا ). # أى : وقال موسى أيضا للسامري : وانظر الى معبودك العجل الذي أقمت على ~~عبادته أنت وأتباعك في غيبتي عنكم. # ( @QUR@01 لنحرقنه ) بالنار أمام أعينكم ، والجملة جواب لقسم محذوف ، أى ~~: والله لنحرقنه ( @QUR@05 ثم لننسفنه في اليم نسفا ) أى : ثم لنذرينه ms3867 في ~~البحر تذرية ، بحيث لا يبقى منه عين ولا أثر. # يقال : نسف الطعام ينسفه نسفا ، إذا فرقه وذراه بحيث لا يبقى منه شيء. # وقد نفذ موسى عليه السلام ذلك حتى يظهر للأغنياء الجاهلين الذين عبدوا ~~العجل ، أنه لا يستحق ذلك. وإنما يستحق الذبح والتذرية ، وأن عبادتهم له ~~إنما هي دليل واضح على انطماس بصائرهم ، وشدة جهلهم. PageV09P147 # وقوله تعالى : ( @QUR@012 إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء ~~علما ). استئناف مسوق لإحقاق الحق وإبطال الباطل. أى : إنما المستحق ~~للعبادة والتعظيم هو الله تعالى وحده ، الذي وسع علمه كل شيء. ولا تخفى ~~عليه خافية في الأرض ولا في السماء. # وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد قصت علينا بأسلوب بليغ حكيم ، جوانب من ~~رعاية الله تعالى لنبيه موسى عليه السلام ورحمته به ، كما قصت علينا تلك ~~المحاورات التي تمت بين موسى وفرعون ، وبين موسى والسحرة كما حدثتنا عن ~~جانب من النعم التي أنعم الله تعالى بها على بنى إسرائيل ، وكيف أنهم ~~قابلوها بالجحود والكنود وبإيذاء نبيهم موسى عليه السلام . # ثم أشار سبحانه بعد ذلك إلى العبرة من قصص الأولين ، وإلى التنويه بشأن ~~القرآن الكريم ، وإلى أن يوم القيامة آت لا ريب فيه ، فقال تعالى : # ( @QUR@013 كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا ~~(99) @QUR@08 من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا (100) @QUR@07 خالدين ~~فيه وساء لهم يوم القيامة حملا (101) @QUR@08 يوم ينفخ في الصور ونحشر ~~المجرمين يومئذ زرقا (102) @QUR@06 يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا (103) ~~@QUR@012 نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما ) (104) # والكاف في قوله تعالى : ( @QUR@01 كذلك ) في محل نصب نعت لمصدر محذوف ، ~~أى : نقص عليك أيها الرسول الكريم من أنباء ما قد سبق من أحوال الأمم ~~الماضية ، قصصا مثل ما قصصناه عليك عن موسى وهارون. وما دار بينهما وبين ~~فرعون وبين بنى إسرائيل. # و ( @QUR@01 من ) في قوله ( @QUR@05 من أنباء ما قد سبق ) للتبعيض ، ~~ويشهد لذلك أن القرآن قد صرح في كثير من آياته ، أن ms3868 الله تعالى لم يقص على ~~الرسول صلى الله عليه وسلم جميع أحوال الأمم السابقة ، ومن ذلك قوله تعالى : ( ~~@QUR@08 ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم PageV09P148 # @QUR@02 نقصصهم عليك ) (1). # ومن فوائد ما قصه الله تعالى عليه من أنباء السابقين : زيادة علمه ~~صلى الله عليه وسلم ، وتكثير معجزاته ، وتثبيت فؤاده ، وتسليته عما أصابه من ~~سفهاء قومه ، وتذكير المؤمنين بأحوال تلك الأمم السابقة ليعتبروا ويتعظوا. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 وقد آتيناك من لدنا ذكرا ) تنويه وتعظيم لشأن ~~القرآن الكريم. # أى : وقد أعطيناك ومنحناك من عندنا وحدنا ( @QUR@01 ذكرا ) عظيما. وهو ~~القرآن الكريم ، كما قال تعالى : ( @QUR@07 وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم ~~له منكرون ). # قال الفخر الرازي : وفي تسمية القرآن بالذكر وجوه : # أحدها : أنه كتاب فيه ذكر ما يحتاج إليه الناس من أمر دينهم ودنياهم. # وثانيها : أنه يذكر أنواع آلاء الله ونعمائه على الناس ، ففيه التذكير ~~والوعظ. # وثالثها : أنه فيه الذكر والشرف لك ولقومك ، كما قال سبحانه : ( @QUR@06 ~~وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون ) (2). # ثم بين سبحانه سوء عاقبة من يعرض عن هداية هذا القرآن فقال : ( @QUR@08 ~~من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا ).. ( @QUR@07 خالدين فيه وساء ~~لهم يوم القيامة حملا ). # والوزر في الأصل يطلق على الحمل الثقيل ، وعلى الإثم والذنب ، والمراد به ~~هنا العقوبة الثقيلة الأليمة المترتبة على تلك الأثقال والآثام. # قال صاحب الكشاف : والمراد بالوزر : العقوبة الثقيلة الباهظة ، سماها ~~وزرا تشبيها في ثقلها على المعاقب ، وصعوبة احتمالها ، بالحمل الذي يفدح ~~الحامل ، وينقض ظهره ، أو لأنها جزاء الوزر وهو الإثم (3). # وقد أخبرنا القرآن في كثير من آياته ، أن الكافرين يأتون يوم القيامة وهم ~~يحملون أوزارهم ، أى : أثقال ذنوبهم على ظهورهم ، ومن ذلك قوله تعالى : ( ~~@QUR@015 ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ، ومن أوزار الذين يضلونهم ~~بغير علم ، ألا ساء ما يزرون ) (4). PageV09P149 # أى : من أعرض عن هذا الذكر وهو القرآن الكريم فإنه بسبب هذا الإعراض ~~والترك ، يحمل يوم القيامة على ظهره آثاما كثيرة : تؤدى إلى العقوبة ~~المهينة من الله تعالى . # وقوله : ( @QUR@02 خالدين فيه ) أى : في العذاب المترتب على هذا الوزر. # ( @QUR@05 وساء ms3869 لهم يوم القيامة حملا ) أى : وبئس ما حملوا على أنفسهم من ~~الإثم بسبب إعراضهم عن هداية القرآن الكريم. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@05 وساء لهم يوم القيامة حملا ) إنشاء للذم ~~، على أن «ساء» فعل ذم بمعنى بئس .. وفاعله على هذا هنا مستتر يعود على ~~«حملا» الواقع تمييزا .. والمخصوص بالذم محذوف ، والتقدير : ساء حملهم حملا ~~وزرهم (1). # ثم بين سبحانه أحوال المجرمين عند الحشر فقال : ( @QUR@08 يوم ينفخ في ~~الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا ). # أى : اذكر أيها العاقل يوم ينفخ إسرافيل في الصور النفخة الثانية ، ونحشر ~~المجرمين يومئذ ونجمعهم للحساب حالة كونهم زرق العيون من شدة الهول ، أو ~~حالة كونهم «زرقا» أى : عميا ، لأن العين إذا ذهب ضوؤها أزرق ناظرها. أو ~~«زرقا» معناه : عطاشا ، لأن العطش الشديد يغير سواد العين فيجعله كالأزرق. # قال تعالى : ( @QUR@022 ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض ~~إلا من شاء الله. ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ) (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا ) استئناف ~~لبيان ما يقوله بعضهم لبعض على سبيل الهمس وخفض الصوت. # أى : إن هؤلاء المجرمين يتهامسون فيما بينهم في هذا اليوم العصيب ، ~~قائلين ما لبثتم في قبوركم إلا عشرا من الليالى أو الأيام. # ومقصدهم من هذا القول : استقصار المدة ، وسرعة انقضائها ، والندم على ما ~~كانوا يزعمونه من أنه لا بعث ولا حساب ، بعد أن تبين لهم أن البعث حق ، وأن ~~الحساب حق ، وأن الأمر على عكس ما كانوا يتوهمون. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 نحن أعلم بما يقولون ... ) بيان لشمول علمه ~~سبحانه . # أى : نحن وحدنا أعلم بما يقولون فيما بينهم ، لا يخفى علينا شيء مما ~~يتخافتون به من شأن PageV09P150 # مدة لبثهم في قبورهم أو في الدنيا. # ( @QUR@04 إذ يقول أمثلهم طريقة ) أى : أعد لهم رأيا ، وأرجحهم عقلا ( ~~@QUR@04 إن لبثتم إلا يوما ) واحدا وقيل المراد باليوم : مطلق الوقت ، ~~وتنكيره للتقليل والتحقير. أى : ما لبثتم في قبوركم إلا زمنا قليلا. # ونسبة هذا القول إلى أمثلهم لا لكونه أقرب إلى الصدق ، بل لكونه أدل على ~~شدة الهول. # قال ms3870 تعالى : ( @QUR@03 كأنهم يوم يرونها ) أى الساعة ( @QUR@06 لم يلبثوا ~~إلا عشية أو ضحاها ) (1). # ثم بين سبحانه أحوال الجبال وأحوال الناس يوم القيامة فقال تعالى : # ( @QUR@07 ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا (105) @QUR@03 فيذرها ~~قاعا صفصفا (106) @QUR@06 لا ترى فيها عوجا ولا أمتا (107) @QUR@013 يومئذ ~~يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا (108) ~~@QUR@012 يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا (109) ~~@QUR@010 يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما (110) @QUR@09 ~~وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما (111) @QUR@011 ومن يعمل من ~~الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما ) (112) # والسائلون عن أحوال الجبال يوم القيامة كفار مكة ، روى أنهم قالوا للرسول ~~صلى الله عليه وسلم على سبيل الاستهزاء ، يا محمد إنك تدعى أن هذه الدنيا تفنى ~~، وأننا نبعث بعد الموت ، فأين تكون هذه الجبال ، فنزل قوله تعالى : ( ~~@QUR@07 ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا ). PageV09P151 # وقيل : السائلون هم المؤمنون على سبيل طلب المعرفة والفهم. # وقوله : ( @QUR@01 ينسفها ) من النسف بمعنى القلع. يقال : نسفت الريح ~~التراب نسفا من باب ضرب إذا اقتلعته وفرقته. # أى : ويسألك أيها الرسول الكريم بعض الناس عن أحوال الجبال يوم القيامة ، ~~فقل لهم : ينسفها ربي نسفا ، بأن يقلعها من أصولها ، ثم يجعلها كالرمل ~~المتناثر ، أو كالصوف المنفوش الذي تفرقه الرياح. # والفاء في قوله : ( @QUR@01 فقل ) للمسارعة إلى إزالة ما في ذهن السائل ~~من توهم أن الجبال قد تبقى يوم القيامة. # والضمير في قوله ( @QUR@03 فيذرها قاعا صفصفا ) يعود إلى الجبال باعتبار ~~أجزائها السفلى الباقية بعد النسف ، ويصح أن يعود إلى الأرض المدلول عليها ~~بقرينة الحال ، لأنها هي الباقية بعد قلع الجبال. والقاع : هو المنكشف من ~~الأرض دون أن يكون عليه نبات أو بناء. # والصفصف : الأرض المستوية الملساء حتى لكأن أجزاءها صف واحد من كل جهة. # أى : فيتركها بعد النسف أرضا منكشفة متساوية ملساء ، لا نبات فيها ولا ~~بناء ... # ( @QUR@06 لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ) أى : لا ترى في الأرض بعد اقتلاع ~~الجبال منها ، مكانا منخفضا ، كما ms3871 لا ترى فيها ( @QUR@01 أمتا ) أى : مكانا ~~مرتفعا ، بل تراها كلها مستوية ملساء كالصف الواحد. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : قد فرقوا بين العوج والعوج ، فقالوا : العوج ~~بالكسر في المعاني : والعوج بالفتح في الأعيان ، والأرض عين ، فكيف صح فيها ~~المكسور العين؟. # قلت : اختيار هذا اللفظ له موقع حسن بديع في وصف الأرض بالاستواء ~~والملاسة ونفى الاعوجاج عنها على أبلغ ما يكون ، وذلك أنك لو عمدت إلى قطعة ~~أرض فسويتها ، وبالغت في التسوية على عينك وعيون البصراء ، واتفقتم على أنه ~~لم يبق فيها اعوجاج قط ، ثم استطلعت رأى المهندس فيها ، وأمرته أن يعرض ~~استواءها على المقاييس الهندسية ، لعثر فيها على عوج في غير موضع ، لا يدرك ~~ذلك بحاسة البصر ولكن بالقياس الهندسى ، فنفى الله ذلك العوج الذي دق ولطف ~~عن الإدراك ، اللهم إلا بالقياس الذي يعرفه صاحب التقدير والهندسة ، وذلك ~~الاعوجاج لما لم يدرك إلا بالقياس دون الإحساس لحق بالمعاني ، فقيل فيه ، ~~عوج بالكسر والأمت : النتوء اليسير ، يقال : مد حبله حتى ما فيه أمت .. (1) PageV09P152 # ثم بين سبحانه أحوال الناس يوم القيامة فقال : ( @QUR@06 يومئذ يتبعون ~~الداعي لا عوج له ... ). # والمراد بالداعي : الملك الذي يدعوهم إلى المثول للحساب. # قيل : يناديهم بقوله : أيتها العظام البالية ، والجلود المتمزقة واللحوم ~~المتفرقة .. قومي إلى ربك للحساب والجزاء ، فيسمعون الصوت ويتبعونه. # والمعنى : في هذا اليوم الذي تنسف فيه الجبال ، وتصير الأرض قاعا صفصفا ~~يقوم الناس من قبورهم ، ويتبعون من يناديهم للحساب والجزاء دون أن يحيدوا ~~عن هذا المنادى ، أو أن يملكوا مخالفته أو عصيانه ، بل الجميع يسمع دعاءه ~~ويستجيب لأمره. # كما قال تعالى : ( @QUR@024 فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر. خشعا ~~أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر : مهطعين إلى الداع يقول ~~الكافرون هذا يوم عسر ) (1). # وقوله : ( @QUR@07 وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا ) أى : وخفتت ~~وسكنت الأصوات كلها هيبة وخوفا من الرحمن عز وجل فلا تسمع أيها المخاطب في ~~هذا اليوم الهائل الشديد ( @QUR@02 إلا همسا ) أى : إلا صوتا خفيا خافتا. ~~يقال : همس الكلام يهمسه همسا ، إذا أخفاه ms3872 ، ويقال للأسد : الهموس ، لخفاء وطئه. # ( @QUR@012 يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ، ورضي له قولا ) ~~أى : في هذا اليوم الذي تخشع فيه الأصوات لا تنفع الشفاعة أحدا كائنا من ~~كان ، إلا شفاعة من أذن له الرحمن في ذلك ( @QUR@03 ورضي له قولا ) أى : ~~ورضى سبحانه قول الشافع فيمن يشفع له. # قال الإمام ابن كثير : وهذه الآية كقوله تعالى : ( @QUR@07 من ذا الذي ~~يشفع عنده إلا بإذنه ) وكقوله : ( @QUR@018 وكم من ملك في السماوات لا تغني ~~شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى )، وكقوله : ( ~~@QUR@05 ولا يشفعون إلا لمن ارتضى )... # وفي الصحيحين من غير وجه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «آتى ~~تحت العرش ، وأخر لله ساجدا ، وبفتح على بمحامد لا أحصيها الآن ، ثم يقول ~~سبحانه : «يا محمد ، ارفع رأسك ، وقل يسمع قولك ، واشفع تشفع. قال ~~صلى الله عليه وسلم : فيحد لي حدا ، فأدخلهم الجنة ، ثم أعود ، فذكر أربع ~~مرات» صلى الله عليه وسلم وعلى سائر الأنبياء ... # وفي الحديث : يقول تعالى : «أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان PageV09P153 # فيخرجون خلقا كثيرا ، ثم يقول سبحانه : أخرجوا من النار من كان في قلبه ~~نصف مثقال من إيمان ، أخرجوا من النار من كان في قلبه ما يزن ذرة ، من كان ~~في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@010 يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به ~~علما ) بيان لشمول علمه سبحانه لكل شيء. # أى : الله تعالى وحده هو الذي يعلم جميع أحوال خلقه سواء ما كان منها ~~يتعلق بما بين أيديهم من أمور الآخرة وأهوال الموقف ، أم ما كان منها يتعلق ~~بما خلفهم من أمور الدنيا ، أما هم فإنهم لا يحيط علمهم لا بذاته تعالى ولا ~~بصفاته ، ولا بمعلوماته. # فالضمير في قوله ( @QUR@05 ما بين أيديهم وما خلفهم ) يعود على المتبعين ~~للداعي وهم الخلق جميعا ... # وقيل : يعود للشافعين ، وقيل للملائكة ، والأول أولى لعمومه. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 وعنت الوجوه للحي القيوم ... ) مؤكد ومقرر لما ms3873 ~~قبله من خشوع الأصوات يوم القيامة للرحمن ، ومن عدم الشفاعة لأحد إلا بإذنه ~~عز وجل . # والفعل ( @QUR@01 عنت ) بمعنى ذلت يقال : عنا فلان يعنو عنوا من باب سما ~~إذا ذل لغيره وخضع وخشع ، ومنه قيل للأسير عان لذله وخضوعه لمن أسره. # أى : وذلت وجوه الناس وخضعت في هذا اليوم لله تعالى وحده ( @QUR@01 للحي ~~) أى : الباقي الذي له الحياة الدائمة التي لا فناء معها ( @QUR@01 القيوم ~~) أى : الدائم القيام بتدبير أمر خلقه وإحيائهم وإماتتهم ورزقهم .. وسائر ~~شئونهم. # وهذا اللفظ مبالغة في القيام. وأصله قيووم بوزن فيعول .. من قام بالأمر. # إذا حفظه ودبره. # وخصت الوجوه بالذكر لأنها أشرف الأعضاء ، وآثار الذل أكثر ما تكون ظهورا عليها. # وظاهر القرآن يفيد أن المراد بالوجوه جميعها ، سواء أكانت للمؤمنين أم ~~لغيرهم ، فالكل يوم القيامة خاضع لله تعالى ومستسلم لقضائه ، فالألف واللام ~~للاستغراق. # قال ابن كثير : قوله تعالى : ( @QUR@04 وعنت الوجوه للحي القيوم ) قال ~~ابن عباس وغير واحد من السلف خضعت وذلت واستسلمت الخلائق لخالقها وجبارها ~~الحي الذي لا يموت .. (2). PageV09P154 # ويرى بعضهم أن المراد بالوجوه التي ذلت وخشعت في هذا اليوم ، وجوه الكفار ~~والفاسقين ، وإلى هذا المعنى اتجه صاحب الكشاف فقال : المراد بالوجوه وجوه ~~العصاة ، وأنهم إذا عاينوا يوم القيامة الخيبة والشقوة وسوء الحساب وصارت ~~وجوههم عانية ، أى : ذليلة خاشعة ، مثل وجوه العناة وهم الأسارى ، ونحوه ~~قوله تعالى : ( @QUR@07 فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا ) (1). # ويبدو لنا أن القول الأول أقرب إلى الصواب ، لأن جميع الوجوه يوم القيامة ~~تكون خاضعة لحكم الله تعالى ومستسلمة لقضائه. # وقوله : ( @QUR@05 وقد خاب من حمل ظلما ) جملة حالية ، أى : ذلت جميع ~~الوجوه لله تعالى يوم القيامة ، والحال أنه قد خاب وخسر من حمل في دنياه ~~ظلما ، أى : شركا بالله تعالى أو فسوقا عن أمره سبحانه ولم يقدم العمل ~~الصالح الذي ينفعه في ذلك اليوم العسير. # ثم بشر سبحانه المؤمنين بما يشرح صدورهم فقال : ( @QUR@011 ومن يعمل من ~~الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما ). # أى : ومن يعمل في دنياه الأعمال الصالحات ، وهو مع ذلك ms3874 مؤمن بكل ما يجب ~~الإيمان به. فإنه في هذه الحالة ( @QUR@03 فلا يخاف ظلما ) ينزل به. ولا ~~يخاف ( @QUR@01 هضما ) لشيء من حقوقه أو ثوابه. # يقال : هضم فلان حق غيره ، إذا انتقصه حقه ولم يوفه إياه. # قالوا : والفرق بين الظلم والهضم : أن الظلم قد يكون بمنع الحق كله ، أما ~~الهضم فهو منع لبعض الحق. فكل هضم ظلم ، وليس كل ظلم هضما. # فالآية الكريمة قد بشرت المؤمنين ، بأن الله تعالى بفضله وكرمه سيوفيهم ~~أجورهم يوم القيامة ، بدون أدنى ظلم أو نقص من ثوابهم ، فالتنكير في قوله ( ~~@QUR@03 ظلما ولا هضما ) للتقليل. # ثم نوه سبحانه بشأن القرآن الكريم الذي أنزله على نبيه محمد ~~صلى الله عليه وسلم وبين بعض الحكم من إنزاله ، وطلب من نبيه صلى الله عليه وسلم ~~أن يسأله المزيد من العلم فقال تعالى : # ( @QUR@014 وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون ~~أو يحدث لهم ذكرا (113) PageV09P155 # @QUR@017 فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك ~~وحيه وقل رب زدني علما ) (114) # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 وكذلك أنزلناه ... ) معطوف على قوله : ( ~~@QUR@08 كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق .. ) والكاف للتشبيه ، واسم ~~الإشارة يعود على إنزال ما سبق من آيات. # أى : ومثل ما أنزلنا الآيات السابقة المشتملة على الآداب والأحكام والقصص ~~، أنزلنا عليك يا محمد القران كله ، فما نزل منه متأخرا يشبه في هدايته ~~وإعجازه ما نزل منه متقدما. # وقد اقتضت حكمتنا أن نجعله ( @QUR@02 قرآنا عربيا ) أى : بلغة العرب ، ~~لكي يفهموه ويقعوا على ما فيه من هدايات وإرشادات وإعجاز للبشر. # وقوله : ( @QUR@04 وصرفنا فيه من الوعيد ) معطوف على ( @QUR@01 أنزلناه ) ~~أى : أنزلناه قرآنا عربيا وكررنا ونوعنا فيه ألوانا من الوعيد على سبيل ~~التخويف والتهديد. # ( @QUR@02 لعلهم يتقون ) أى : لعل الناس يتقون بسبب ذلك الوقوع في الكفر ~~والفسوق والعصيان ، ويجتنبون الآثام والسيئات ، ويصونون أنفسهم عن الموبقات ~~فمعمول ( @QUR@01 يتقون ) محذوف. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 أو يحدث لهم ذكرا ) بيان لحكمة أخرى من الحكم ~~التي من أجلها أنزل الله القرآن الكريم. # أى : أنزلناه بهذه الصفة ، وجعلناه مشتملا على ضروب من ms3875 الوعيد ، لعل قومك ~~أيها الرسول الكريم يتقون الكفر والمعاصي ، أو لعل القرآن يحدث في نفوسهم ( ~~@QUR@01 ذكرا ). # أى : اتعاظا واعتبارا يصرفهم عن التردي فيما تردت فيه الأمم السابقة من ~~آثام وموبقات أدت إلى هلاكها. # وقال سبحانه : ( @QUR@01 أنزلناه ) بالإضمار مع أن القرآن لم يسبق له ذكر ~~في الآيات السابقة ، للإيذان بنباهة شأنه ، وعلو قدره ، وكونه مركوزا في ~~العقول ، حاضرا في الأذهان والقلوب. # ثم أثنى سبحانه على ذاته بما يستحقه من صفات كريمة فقال : ( @QUR@04 ~~فتعالى الله الملك الحق ). PageV09P156 # أى : فجل وعظم شأن الله سبحانه عن إلحاد الملحدين ، وإشراك المشركين فإنه ~~هو وحده ( @QUR@01 الملك ) المتصرف في شئون خلقه ، وهو وحده الإله ( ~~@QUR@01 الحق ) وكل ما سواه فهو باطل. # ثم أرشد الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم إلى كيفية تلقى القرآن من جبريل ~~عليه السلام فقال : ( @QUR@09 ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه .. ). # أى : ولا تتعجل بقراءة القرآن من قبل أن ينتهى جبريل من إبلاغه إليك ، ~~قالوا : وكان النبي صلى الله عليه وسلم كلما قرأ عليه جبريل آية قرأها معه ، ~~وذلك لشدة حرصه على حفظ القرآن ، ولشدة شوقه إلى سماعه ، فأرشده الله تعالى ~~في هذه الآية إلى كيفية تلقى القرآن عن جبريل ، ونهاه عن التعجل في ~~القراءة. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@018 لا تحرك به لسانك لتعجل به. إن ~~علينا جمعه وقرآنه. فإذا قرأناه فاتبع قرآنه. ثم إن علينا بيانه ) (1). # ثم أمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم : أن يسأله المزيد من العلم فقال : ( ~~@QUR@04 وقل رب زدني علما ). # أى : وقل أيها الرسول الكريم مخاطبا ربك ومتوسلا إليه ، يا رب زدني من ~~علمك النافع. # قال الآلوسى : واستدلوا بالآية على فضل العلم حيث أمر صلى الله عليه وسلم ~~بطلب الزيادة منه ، وذكر بعضهم أنه صلى الله عليه وسلم ما أمر بطلب الزيادة من ~~شيء سوى العلم. وكان صلى الله عليه وسلم يقول : «اللهم انفعني بما علمتني ، ~~وعلمني ما ينفعني ، وزدني علما» وكان يقول : «اللهم زدني إيمانا وفقها ~~ويقينا وعلما» (2). # ثم ساق سبحانه جانبا من قصة ms3876 آدم عليه السلام فذكر لنا كيف أنه نسى عهد ربه ~~له ، فأكل من الشجرة التي نهاه الله تعالى عن الأكل منها ، ومع ذلك فقد قبل ~~سبحانه توبته ، وغسل حوبته .. قال تعالى : # ( @QUR@011 ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما (115) ~~@QUR@02 وإذ قلنا PageV09P157 # @QUR@07 للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى (116) @QUR@013 فقلنا ~~يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى (117) @QUR@07 إن ~~لك ألا تجوع فيها ولا تعرى (118) @QUR@06 وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى ~~(119) @QUR@014 فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك ~~لا يبلى (120) @QUR@015 فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما ~~من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى (121) @QUR@06 ثم اجتباه ربه فتاب عليه ~~وهدى (122) @QUR@018 قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني ~~هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ) (123) # واللام في قوله تعالى : ( @QUR@02 ولقد عهدنا ... ) هي الموطئة للقسم ، ~~والمعهود محذوف ، وهو النهى عن الأكل من شجرة معينة ، كما وضحه في آيات ~~أخرى منها قوله تعالى : ( @QUR@07 ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ). # أى : والله لقد عهدنا إلى آدم عليه السلام وأوصيناه ألا يقرب تلك الشجرة ( ~~@QUR@02 من قبل ) أن يخالف أمرنا فيقربها ويأكل منها ، أو من قبل أن نخبرك ~~بذلك أيها الرسول الكريم . # والفاء في قوله ( @QUR@01 فنسي ) للتعقيب ، والمفعول محذوف. أى : فنسي ~~العهد الذي أخذناه عليه بعدم الأكل منها. # والنسيان هنا يرى بعضهم أنه بمعنى الترك ، وقد ورد النسيان بمعنى الترك ~~في كثير من آيات القرآن الكريم. ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@08 وقيل اليوم ~~ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ) (1) أى : نترككم كما تركتم لقاء يومكم ~~هذا وهو يوم القيامة. PageV09P158 # وعليه يكون المعنى : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل بعدم الأكل من الشجرة ~~فترك الوفاء بعهدنا وخالف ما أمرناه به. # وعلى هذا التفسير فلا إشكال في وصف الله تعالى له بقوله : ( @QUR@04 وعصى ~~آدم ربه فغوى ) لأن آدم بمخالفته لما نهاه الله تعالى عنه وهو الأكل من ~~الشجرة صار عاصيا لأمر ربه. ms3877 # ومن العلماء من يرى أن النسيان هنا على حقيقته ، أى : أنه ضد التذكر ~~فيكون المعنى : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ما عاهدناه عليه ، وغاب عن ~~ذهنه ما نهيناه عنه ، وهو الأكل من الشجرة. # فإن قيل : إن الناسي معذور. فكيف قال الله تعالى في حقه : ( @QUR@04 وعصى ~~آدم ربه فغوى )؟. # فالجواب : أن آدم عليه السلام لم يكن معذورا بالنسيان ، لأن العذر بسبب ~~الخطأ والنسيان والإكراه. من خصائص هذه الأمة الإسلامية ، بدليل قوله ~~صلى الله عليه وسلم : «إن الله تجاوز لي عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». # قال القرطبي ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@07 ولقد عهدنا إلى آدم من ~~قبل فنسي .. ) للنسيان معنيان : أحدهما : الترك ، أى ترك الأمر والعهد ، ~~وهذا قول مجاهد وأكثر المفسرين ، ومنه ( @QUR@03 نسوا الله فنسيهم ) ~~وثانيهما : قال ابن عباس : «نسى» هنا من السهو والنسيان ، وإنما أخذ ~~الإنسان من أنه عهد إليه فنسي ... وعلى هذا القول يحتمل أن يكون آدم في ذلك ~~الوقت مؤاخذا بالنسيان ، وإن كان النسيان عنا اليوم مرفوعا. # والمراد تسلية النبي صلى الله عليه وسلم أى : أن طاعة بنى آدم للشيطان أمر ~~قديم أى : إن نقض هؤلاء المشركون العهد ، فإن آدم أيضا عهدنا إليه فنسي ..» (1). # وقوله : ( @QUR@04 ولم نجد له عزما ) مقرر لما قبله من غفلة آدم عن ~~الوفاء بالعهد. # قال الجمل : وقوله : ( @QUR@01 نجد ) يحتمل أنه من الوجدان بمعنى العلم ، ~~فينصب مفعولين ، وهما «له» و «عزما» ويحتمل أنه من الوجود الذي هو ضد العدم ~~فينصب مفعولا وهو ( @QUR@01 عزما ) والجار والمجرور متعلق بنجد (2). # والعزم : توطين النفس على الفعل ، والتصميم عليه ، والمضي في التنفيذ ~~للشيء .. PageV09P159 # أى : فنسي آدم عهدنا ، ولم نجد له ثبات قدم في الأمور ، يجعله يصبر على ~~عدم الأكل من الشجرة بل لانت عريكته وفترت همته بسبب خديعة الشيطان له. # ثم ذكر سبحانه بعد ذلك بشيء من التفصيل ، الأسباب التي أدت إلى نسيان آدم ~~وضعف عزيمته فقال : ( @QUR@09 وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ~~إبليس أبى ). # أى : واذكر أيها المخاطب وقت أن قلنا للملائكة اسجدوا لآدم سجود ms3878 تكريم لا ~~سجود عبادة ، فامتثلوا لأمرنا ، إلا إبليس فإنه أبى السجود لآدم تكبرا ~~وغرورا وحسدا له على هذا التكريم. # ثم حكى سبحانه ما قاله لآدم بعد إباء إبليس عن السجود له فقال : ( ~~@QUR@04 يا آدم إن هذا ) أى : إبليس ( @QUR@03 عدو لك ولزوجك ) بسبب حسده ~~لكما وحقده عليكما ( @QUR@05 فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى ) أى : فاحذرا أن ~~تطيعاه ، فإن طاعتكما له ستؤدى بكما إلى الخروج من الجنة ، فيترتب على ذلك ~~شقاؤك ، أى : تعبك في الحصول على مطالب حياتك. # وأسند سبحانه إلى إبليس الإخراج لهما من الجنة ، لأنه هو المتسبب في ذلك ~~، عن طريق الوسوسة لهما ، وطاعتهما له فيما حرضهما عليه وهو الأكل من ~~الشجرة ، وعبر عن التعب في طلب المعيشة بالشقاء ، لأنه بعد خروجه من الجنة ~~سيقوم بحراثة الأرض وفلاحتها وزرعها وريها ... ثم حصدها .. ثم إعداد نتاجها ~~للأكل ، وفي كل ذلك ما فيه من شقاء وكد وتعب. # وقال سبحانه : ( @QUR@01 فتشقى ) ولم يقل فتشقيا كما قال ( @QUR@02 فلا ~~يخرجنكما ) لأن الكلام من أول القصة مع آدم وحده : أو لأن شقاء الرجل يدخل ~~فيه شقاء أهله ، كما أن سعادته سعادتهم ، أو لأنه هو الذي يعود عليه التعب ~~إذ هو المكلف بأن يقدم لها ما تحتاجه من مطالب الحياة. كالمسكن والملبس ~~والمطعم والمشرب. # قال القرطبي ما ملخصه : قوله ( @QUR@01 فتشقى ) يعنى أنت وزوجك لأنهما في ~~استواء العلة واحد ، ولم يقل : فتشقيا لأن المعنى معروف ، وآدم عليه السلام ~~هو المخاطب ، وهو المقصود. وأيضا لما كان هو الكاد عليها والكاسب لها كان ~~بالشقاء أخص. # وفي ذلك تعليم لنا أن نفقة الزوجة على الزوج ، فمن يومئذ جرت نفقة النساء ~~على الأزواج ، فلما كانت نفقة حواء على آدم ، كانت كذلك نفقات بناتها على ~~بنى آدم بحق الزوجية .. (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@012 إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى * وأنك لا تظمؤا فيها PageV09P160 # @QUR@02 ولا تضحى ) تعليل لما يوجبه النهى عن طاعة إبليس التي ستؤدى بهما ~~إلى الإخراج من الجنة وإلى الشقاء في الدنيا. # والجوع : ضد الشبع. وقوله ( @QUR@01 تعرى ) من العرى الذي هو خلاف اللبس. # يقال ms3879 : عرى فلان من ثيابه يعرى عريا ، إذا تجرد منها. # وقوله ( @QUR@01 تضحى ) أى : لا يصيبك حر الشمس في الضحى. يقال : ضحا ~~فلان يضحى ضحوا كسعى إذا كان بارزا لحر الشمس في الضحى. # أى : احذر يا آدم أن تطيع إبليس فيحل بك الشقاء ، وتخرج من الجنة التي لا ~~يصيبك فيها شيء من الجوع ، ولا شيء من العرى أو الظمأ ، ولا شيء من حر ~~الشمس في الضحى .. وإنما أنت فيها متمتع بكل مطالب الحياة الهنيئة الناعمة ~~الدائمة. # قال صاحب الكشاف : الشبع والري والكسوة والسكن هذه الأربعة هي الأقطاب ~~التي يدور فيها كفاح الإنسان ، فذكره استجماعها له في الجنة وأنه مكفى لا ~~يحتاج إلى كفاية كاف ، ولا إلى كسب كاسب كما يحتاج إلى ذلك أهل الدنيا. # وذكرها بلفظ النفي لنقائضها التي هي الجوع والعرى والظمأ والضحو ، ليطرق ~~سمعه بأسامى أصناف الشقوة التي حذره منها ، حتى يتحامى السبب الموقع فيها ~~كراهة لها (1). # ثم بين سبحانه أن آدم عليه السلام مع هذه النصائح والتحذيرات لم يستطع أن ~~يستمر على الاستجابة لنهى ربه إياه عن الأكل من الشجرة ، بل تغلب عليه ضعفه ~~فاستمع إلى مكر الشيطان ، قال تعالى : ( @QUR@014 فوسوس إليه الشيطان قال ~~يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ). # والوسوسة : الخطرة الرديئة ، وأصلها من الوسواس ، وهو صوت الحلي ، والهمس ~~الخفى. والوسواس بكسر الواو الأولى مصدر وبفتحها الاسم وهو من أسماء ~~الشيطان ، كما قال تعالى : ( @QUR@020 قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله ~~الناس ، من شر الوسواس الخناس ، الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس ). # ويقال : وسوس فلان إلى فلان ، أى : أوصلها إليه ، ووسوس له ، أى : من ~~أجله. أى فأوصل الشيطان وسوسته إلى آدم ، وأنهاها إليه ، بأن قال له : يا ~~آدم ، هل أدلك على الشجرة التي من أكل منها عاش مخلدا لا يدركه الموت وصار ~~صاحب ملك لا يفنى ، ولا يصبح باليا أبدا. PageV09P161 # وناداه باسمه ، ليكون أكثر إقبالا عليه ، وأمكن في الاستماع إليه. # وعرض عليه ما عرض في صورة الاستفهام الذي بمعنى الحث والحض ، ليشعره ms3880 بأنه ~~ناصح له وحريص على مصلحته ومنفعته. # ثم أكد كل هذا التحريض بالقسم كما في قوله تعالى : ( @QUR@05 وقاسمهما ~~إني لكما لمن الناصحين ) (1). # فكانت نتيجة مكره بآدم وخداعه له ، أن أطاعه في الأكل من الشجرة كما قال ~~تعالى : ( @QUR@02 فأكلا منها ) أى : فأكل آدم وزوجه من الشجرة التي نهاه ~~ربه عن الأكل منها. # ( @QUR@03 فبدت لهما سوآتهما ) أى : عوراتهما ، وسميت العورة سوءة ، لأن ~~انكشافها يسوء صاحبها وبحزنه ، ويجعل الناس تنفر منه. # ( @QUR@06 وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة .. ) أى : وشرعا وأخذا ~~يلزقان على أجسادهما من ورق الجنة ليسترا عوراتهما. # وكثير من المفسرين يقولون : إن ورق الجنة الذي أخذ آدم وحواء في لزقه على ~~أجسادهما هو ورق شجر التين لكبر حجمه. # وقد أخذ العلماء من ذلك وجوب ستر العورة ، لأن قوله تعالى : ( @QUR@06 ~~وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ) يدل على قبح انكشافها ، وأنه يجب بذل ~~أقصى الجهد في سترها. # وقوله : ( @QUR@04 وعصى آدم ربه فغوى ) أى : وخالف آدم أمر ربه في اجتناب ~~الأكل من الشجرة ( @QUR@01 فغوى ) أى : فأخطأ طريق الصواب ، بسبب عدم طاعته ربه. # قالوا : ولكن آدم في عصيانه لربه كان متأولا ، لأنه اعتقد أن النهى عن ~~شجرة معينة لا عن النوع كله ، وقالوا : وتسمية ذلك عصيانا لعلو منصبه ، وقد ~~قيل : حسنات الأبرار سيئات المقربين. # كما قالوا : إن الأسباب التي حملت آدم على الأكل من الشجرة ، أن إبليس ~~أقسم له بالله إنه له ناصح ، فصدقه آدم عليه السلام لاعتقاده أنه لا يمكن ~~لأحد أن يقسم بالله كاذبا ، والمؤمن غر كريم ، والفاجر خب لئيم كما جاء في ~~الحديث الشريف. # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ) بيان لفضل الله ~~تعالى على آدم ، حيث قبل توبته ، ورزقه المداومة عليها. PageV09P162 # والاجتباء : الاصطفاء والاختيار ، أى : ثم بعد أن أكل آدم من الشجرة ، ~~وندم على ما فعل هو وزوجه ، اجتباه ربه أى : اصطفاه وقربه واختاره ( ~~@QUR@02 فتاب عليه ) أى : قبل توبته ( @QUR@01 وهدى ) أى : وهداه إلى ~~الثبات عليها ، وإلى المداومة على طاعة الله تعالى فقد اعترف هو وزوجه ~~بخطئهما ، كما في قوله ms3881 تعالى : ( @QUR@012 قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم ~~تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) (1). # وقد أوحى الله تعالى إليه بكلمات كانت السبب في قبول توبته ، كما قال ~~سبحانه : ( @QUR@011 فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب ~~الرحيم ) (2). # ثم ختم سبحانه هذه الآيات ببيان ما آل إليه أمر آدم فقال تعالى ( @QUR@04 ~~قال اهبطا منها جميعا ... ). # أى : انزلا من الجنة إلى الأرض مجتمعين ، فألف الاثنين هنا تعود إلى آدم وحواء. # أما الآيات الأخرى التي جاءت بضمير الجمع ، والتي منها قوله تعالى : ( ~~@QUR@05 قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ... ) (3). # فالضمير فيها يعود إلى آدم وزوجته وذريتهما. # وقوله : ( @QUR@03 بعضكم لبعض عدو ) أى : بعض ذريتكما لبعض عدو ، بسبب ~~التخاصم والتنازع والتدافع على حطام هذه الدنيا. # ( @QUR@04 فإما يأتينكم مني هدى ) يا بنى آدم عن طريق إرسال الرسل وإنزال ~~الكتب فعليكم أن تتبعوا رسلي ، وتعملوا بما اشتملت عليه كتبي. # ( @QUR@03 فمن اتبع هداي ) بأن آمن برسلي وصدق بكتبي. # ( @QUR@04 فلا يضل ولا يشقى ) لا في الدنيا ولا في الآخرة ، بسبب ~~استمساكه بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها. # وشبيه هذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@017 قلنا اهبطوا منها جميعا ، فإما ~~يأتينكم مني هدى ، فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) (4). # وبعد أن بين سبحانه حسن عاقبة من اتبع هداه ، أتبع ذلك ببيان سوء عاقبة ~~من أعرض عن ذكره وطاعته فقال تعالى : PageV09P163 # ( @QUR@012 ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ~~(124) @QUR@08 قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا (125) @QUR@08 قال كذلك ~~أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى (126) @QUR@012 وكذلك نجزي من أسرف ~~ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى (127) @QUR@017 أفلم يهد لهم ~~كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي النهى ~~(128) @QUR@010 ولو لا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى ) (129) # وقوله : ( @QUR@01 ضنكا ) أى : شديدة الضيق. وكل شيء ضاق فهو ضنك. # وهو مصدر يستوي فيه المذكر والمؤنث ، والواحد والجمع يقال : ضنك ككرم عيش ~~فلان ضنكا وضناكة إذا ضاق. # والمعنى إن من اتبع هداي الذي ms3882 جاءت به رسلي فلن يضل ولن يشقى ، أما من ~~أعرض عن ( @QUR@01 ذكري ) أى : عن هداي الذي جاءت به رسلي ، واشتملت عليه ~~كتبي ( @QUR@04 فإن له معيشة ضنكا ). # أى : فإن لهذا المعرض معيشة ضيقة مليئة بالهم والغم والأحزان وسوء ~~العاقبة ، حتى ولو ملك المال الوفير ، والحطام الكثير .. فإن المعيشة ~~الطيبة لا تكون إلا مع طاعة الله ، وامتثال أمره ، واجتناب نهيه ... # قال تعالى : ( @QUR@012 من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه ~~حياة طيبة ). # قال الإمام ابن كثير : قوله تعالى : ( @QUR@04 فإن له معيشة ضنكا ) أى : ~~في الدنيا فلا طمأنينة له ، ولا انشراح لصدره ، بل صدره ضيق لضلاله ، وإن ~~تنعم ظاهره ولبس ما شاء ، وأكل ما شاء ، وسكن حيث شاء ، فإن قلبه ما لم ~~يخلص إلى اليقين والهدى. فهو في قلق وحيرة وشك ، فلا يزال في ريبة يتردد ~~فهذا من ضنك المعيشة ... PageV09P164 # وقال سفيان بن عيينة ، عن أبى حازم ، عن أبى سلمه ، عن أبى سعيد في قوله ~~( @QUR@02 معيشة ضنكا ) قال : يضيق عليه قبره. حتى تختلف أضلاعه (1). # والمراد بالعمى في قوله سبحانه : ( @QUR@04 ونحشره يوم القيامة أعمى ): ~~عمى البصر ، بدليل قوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@08 قال رب لم حشرتني أعمى ~~وقد كنت بصيرا ). # وقوله سبحانه في آية أخرى : ( @QUR@021 ومن يهد الله فهو المهتد ، ومن ~~يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا ~~وبكما وصما ) (2). # وقيل : المراد بالعمى : هنا أنه لا حجة له يدافع بها عن نفسه ، وقيل : ~~المراد به : العمى عن كل شيء سوى جهنم. # والذي يبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الحق ، لأنه هو الظاهر من الآية ~~الكريمة ، ولا قرينة تمنع من إرادة هذا الظاهر. # ويجمع بين هذه الآية وما يشبهها وبين الآيات الأخرى التي تدل على أن ~~الكفار يبصرون ويسمعون ويتكلمون يوم القيامة ، والتي منها قوله تعالى : ( ~~@QUR@05 أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا .. ). # أقول : يجمع بين هذه الآية وما يشبهها ، وبين الآيات الأخرى بوجوه منها : ~~أن عماهم وصممهم في أول حشرهم ، ثم يرد الله تعالى عليهم بعد ذلك أبصارهم ms3883 ~~وسمعهم ، فيرون النار ، ويسمعون ما يحزنهم. # قال الجمل : قوله : ( @QUR@01 أعمى ) حال من الهاء في نحشره ، والمراد ~~عمى البصر وذلك في المحشر ، فإذا دخل النار زال عنه عماه ليرى محله وحاله ، ~~فهو أعمى في حال وبصير في حال أخرى (3). # ومنها : تنزيل سمعهم وبصرهم وكلامهم منزلة العدم لعدم انتفاعهم بذلك فقد ~~قال تعالى في شأن المنافقين : ( @QUR@03 صم بكم عمي ) بتنزيل سماعهم ~~وكلامهم وإبصارهم منزلة العدم ، حيث إنهم لم ينتفعوا بهذه الحواس. # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا ) استئناف ~~مسوق لبيان ما يقوله ذلك المعرض عن طاعة الله يوم القيامة. PageV09P165 # أى : قال ذلك الكافر الذي حشره الله تعالى يوم القيامة أعمى : يا رب لما ~~ذا حشرتني على هذه الحال مع أنى كنت في الدنيا بصيرا؟. # وهنا يأتيه الجواب الذي يخرسه ، والذي حكاه الله تعالى في قوله : ( ~~@QUR@02 قال كذلك ) أى : قال الله تعالى في الرد عليه : الأمر كذلك ، فإنك ~~( @QUR@02 أتتك آياتنا ) الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ( @QUR@01 فنسيتها ) ~~أى : فتركتها وأعرضت عنها ( @QUR@03 وكذلك اليوم تنسى ) أى : كما تركت ~~آياتنا في الدنيا وأعرضت عنها ، نتركك اليوم في النار وفي العمى جزاء وفاقا. # ثم ساق سبحانه سنة من سننه التي لا تختلف فقال : ( @QUR@012 وكذلك نجزي ~~من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ). # أى : ومثل ذلك الجزاء الأليم الذي أنزلناه بهؤلاء المعرضين عن ذكرنا ~~نجازي كل من أسرف في ارتكاب السيئات والموبقات ، وكل من لم يؤمن بآيات ربه ~~بل كذب بها وأعرض عنها ، ولعذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا ، ( @QUR@01 ~~وأبقى ) منه أى : وأكثر بقاء ، وأطول زمانا من عذاب الدنيا. # ثم وبخ سبحانه أولئك الذين لم ينتفعوا بآياته فقال : ( @QUR@011 أفلم يهد ~~لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم .. ). # والهمزة للاستفهام الإنكارى التوبيخي ، والفاء للعطف على مقدر .. # والمعنى : أبلغت الغفلة والجهالة بهؤلاء المشركين ، أنهم لم يتبين لهم ، ~~أننا أهلكنا كثيرا من أهل القرون الماضية ، الذين كانوا يمشون آمنين لاهين ~~في مساكنهم ... # وكان أهلا كنا لهم بسبب إيثارهم الكفر على الإيمان ، والغي على ms3884 الرشد ، ~~والعمى على الهدى ... # فالآية الكريمة تقريع وتوبيخ لكفار مكة الذين لم يعتبروا بما أصاب ~~أمثالهم من الأمم السابقة ، كقوم نوح وعاد وثمود ... # قال الآلوسى : وقوله : ( @QUR@03 يمشون في مساكنهم ) حال من ( @QUR@01 ~~القرون ) أو من مفعول ( @QUR@01 أهلكنا ) أى : أهلكناهم وهم في حال آمن ~~وتقلب في ديارهم. واختار بعضهم كونه حالا من الضمير في ( @QUR@01 لهم ) ~~مؤكدا للإنكار والعامل فيه ( @QUR@01 يهد ). أى : أفلم يهد للمشركين حال ~~كونهم ماشين في مساكن من أهلكنا من القرون السالفة من أصحاب الحجر ، وثمود ~~، وقوم لوط ، مشاهدين لآثار هلاكهم إذا سافروا إلى بلاد الشام وغيرها .. (1). PageV09P166 # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 إن في ذلك لآيات لأولي النهى ) تذييل قصد به ~~تعليل الإنكار ، أى : إن في ذلك الذي أخبرناهم به ، وأطلعناهم عليه من ~~إهلاك المكذبين السابقين ، ( @QUR@01 لآيات ) عظيمة ، وعبر كثيرة ، ودلائل ~~واضحة لأصحاب العقول السليمة ، التي تنهى أصحابها عن القبائح والآثام. # والنهى : جمع نهية بضم النون وإسكان الهاء سمى العقل بها لنهيه عن ~~القبائح. # ثم بين سبحانه بعض مظاهر فضله على هؤلاء المشركين الذين أرسل الرسول ~~صلى الله عليه وسلم لإنقاذهم من الكفر والضلالة فقال تعالى : ( @QUR@010 ولو ~~لا كلمة سبقت من ربك ، لكان لزاما وأجل مسمى ). # والمراد بالكلمة السابقة ، ما تفضل الله تعالى به من تأخير عذاب ~~الاستئصال عن هذه الأمة التي بعث فيها الرسول صلى الله عليه وسلم تكريما له ~~كما قال تعالى ( @QUR@06 وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ... ) أو لأن من ~~نسلهم من يؤمن بالله حق الإيمان ، أو لحكم أخرى يعلمها سبحانه ولزاما : ~~مصدر بمعنى اسم الفاعل ، وفعله لازم كقاتل. # وقوله : ( @QUR@02 وأجل مسمى ) معطوف على ( @QUR@01 كلمة ). # والمعنى : ولو لا الوعد السابق منا بتأخير العذاب عن هؤلاء المشركين إلى ~~يوم القيامة. ولو لا الأجل المسمى المحدد في علمنا لانتهاء أعمارهم ، لما ~~تأخر عذابهم أصلا ، بل لكان العذاب لازما لهم في الدنيا ، ونازلا بهم كما ~~نزل بالسابقين من أمثالهم في الكفر والضلال. # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالمداومة على الصبر ، وعلى ~~الإكثار من ذكره تعالى ونهاه عن التطلع إلى ms3885 زينة الحياة الدنيا. # فقال تعالى : # ( @QUR@020 فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى (130) @QUR@018 ولا ~~تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ~~ورزق ربك خير وأبقى (131) @QUR@012 وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا ~~نسئلك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى ) (132) PageV09P167 # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@04 فاصبر على ما يقولون ... ) فصيحة ، أى ~~: إذا كان الأمر كما ذكرنا لك أيها الرسول الكريم من أن تأخير عذاب أعدائك ~~للإمهال وليس للإهمال .. فاصبر على ما يقولونه في شأنك من أنك ساحر أو ~~مجنون .. وسر في طريقك دون أن تلتفت إلى إيذائهم أو مكرهم واستهزائهم. # ثم أرشده سبحانه إلى ما يشرح صدره ، ويجلو همه فقال : ( @QUR@016 وسبح ~~بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ، ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار ~~لعلك ترضى ). # أى : وعليك أيها الرسول الكريم أن تكثر من تسبيح ربك وتحميده وتنزيهه قبل ~~طلوع الشمس وقبل غروبها ، وفي ساعات الليل وفي «أطراف النهار». # أى : في الوقت الذي يجمع الطرفين ، وهو وقت الزوال ، إذ هو نهاية النصف ~~الأول من النهار ، وبداية النصف الثاني منه ، إذ في هذا التسبيح والتحميد ~~والتنزيه لله تعالى والثناء عليه بما هو أهله ، جلاء للصدور ، وتفريج ~~للكروب وأنس للنفوس ، واطمئنان للقلوب. # ويرى كثير من المفسرين ، أن المراد بالتسبيح هنا : إقامة الصلاة ~~والمداومة عليها. # قال ابن كثير : قوله ( @QUR@06 وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ) يعنى صلاة ~~الفجر ( @QUR@02 وقبل غروبها ) يعنى صلاة العصر ، كما جاء في الصحيحين عن ~~جرير بن عبد الله البجلي قال : كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال : «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر ، ~~لا تضامون في رؤيته أى : لا ينالكم ضيم في رؤيته بأن يراه بعضكم دون بعض ~~فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا» ثم ~~قرأ هذه الآية .. # وقوله : ( @QUR@04 ومن آناء الليل فسبح ) أى : من ساعاته فتهجد به ، ~~وحمله ms3886 بعضهم على المغرب والعشاء. ( @QUR@02 وأطراف النهار ) في مقابلة آناء ~~الليل ( @QUR@02 لعلك ترضى ) كما قال سبحانه : ( @QUR@04 ولسوف يعطيك ربك ~~فترضى ) (1). # وبعد هذا الأمر بالتسبيح ، جاء النهى عن الإعجاب بالدنيا وزينتها فقال ~~تعالى : ( @QUR@014 ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة ~~الحياة الدنيا لنفتنهم فيه .. ). # أى : أكثر أيها الرسول الكريم من الاتجاه إلى ربك ، ومن تسبيحه وتنزيهه ~~ومن المداومة على الصلاة ولا تطل نظر عينيك بقصد الرغبة والميل ( @QUR@06 ~~إلى ما متعنا به أزواجا منهم ). PageV09P168 # أى : إلى ما متعنا به أصنافا من هؤلاء المشركين ، بأن منحناهم الجاه ~~والمال والولد. # وما جعلناه لهم في هذه الدنيا بمثابة الزهرة التي سرعان ما تلمع ثم تذبل وتزول. # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله ( @QUR@02 أزواجا منهم ) أى : أصنافا من ~~الكفرة ، وهو مفعول ( @QUR@01 متعنا ) قدم عليه الجار والمجرور للاعتناء به ~~.. وقيل الخطاب له صلى الله عليه وسلم والمراد أمته ، لأنه كان أبعد الناس عن ~~إطالة النظر إليها ، وهو القائل : «الدنيا ملعونة ، ملعون ما فيها ، إلا ما ~~أريد به وجه الله تعالى » وكان صلى الله عليه وسلم شديد النهى عن الاغترار بها. # ويؤخذ من الآية أن النظر غير الممدود معفو منه ، وكأن المنهي عنه في ~~الحقيقة هو الإعجاب بذلك ، والرغبة فيه ، والميل إليه. # وقوله : ( @QUR@03 زهرة الحياة الدنيا ) أى : زينتها وبهجتها. وهو منصوب ~~بمحذوف يدل عليه ( @QUR@01 متعنا ). # أى : جعلنا لهم زهرة ، أو على أنه مفعول ثان ، بتضمين متعنا معنى أعطينا ~~، فأزواجا مفعول أول ، وزهرة هو المفعول الثاني .. (1). # وقوله : ( @QUR@02 لنفتنهم فيه ) بيان للحكمة من هذا التمتيع والعطاء أى ~~متعنا هؤلاء الكافرين بالأموال والأولاد .. لنعاملهم معاملة من يبتليهم ~~ويختبرهم بهذا المتاع ، فإذا آمنوا وشكروا زدناهم من خيرنا ، وإذا استمروا ~~في طغيانهم وجحودهم وكفرهم ، أخذناهم أخذ عزيز مقتدر. # فالجملة الكريمة تنفر العقلاء من التطلع إلى ما بين أيدى الكفار من متاع ~~، لأن هذا المتاع سيئ العاقبة ، إذا لم يستعمل في طاعة الله تعالى . # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 ورزق ربك خير وأبقى ) تذييل قصد به الترغيب ~~فيما عند الله تعالى من طيبات. # أى : وما رزقك ms3887 الله إياه أيها الرسول الكريم في هذه الدنيا من طيبات. وما ~~ادخره لك في الآخرة من حسنات ، خير وأبقى مما متع به هؤلاء الكافرين من ~~متاع زائل سيحاسبهم الله تعالى عليه يوم القيامة حسابا عسيرا ، لأنهم لم ~~يقابلوا نعم الله عليهم بالشكر ، بل قابلوها بالجحود والكفران. # والمتأمل في هذه الآية الكريمة يراها قد رسمت للمؤمن أفضل الطرق وأحكمها ~~، لكي يحيا حياة فاضلة طيبة ، حياة يعتز فيها صاحبها بالمعاني الشريفة ~~الباقية ، ويعرض عن المظاهر والزخارف الزائلة. PageV09P169 # ثم كلف الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمر أهل بيته بالمداومة على ~~إقامة الصلاة فقال : ( @QUR@05 وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ). # والمراد بأهل بيته صلى الله عليه وسلم أزواجه وبناته : وقيل : ما يشملهم ~~ويشمل معهم جميع المؤمنين من بنى هاشم. وقيل المراد بهم : جميع أتباعه من أمته. # أى : وأمر أيها الرسول الكريم أهل بيتك بالمداومة على إقامة الصلاة بخشوع ~~وإخلاص واطمئنان ، واصطبر على تكاليفها ومشاقها ، وعلى إقامتها كاملة غير ~~منقوصة ، وعلى تحقيق آثارها الطيبة في نفسك. # وقد ساق بعض المفسرين عن تفسيره لهذه الآية أحاديث منها ما أخرجه البيهقي ~~عن عبد الله بن سلام قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزلت بأهله شدة ~~أو ضيق أمرهم بالصلاة ، وتلا هذه الآية : ( @QUR@03 وأمر أهلك بالصلاة .. ). # وأخرج مالك والبيهقي عن أسلم قال : كان عمر بن الخطاب يصلى من الليل ما ~~شاء الله تعالى أن يصلى حتى إذا كان آخر الليل أيقظ أهله للصلاة ويقول لهم ~~: الصلاة ، الصلاة ويتلو هذه الآية ... (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@07 لا نسئلك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى ) تشجيع ~~وتحريض للمؤمنين على إقامة الصلاة ، ودفع لما يتوهمه البعض من أن المداومة ~~على إقامة الصلاة قد تشغل الإنسان عن السعى في طلب المعاش. # أى : مر أيها الرسول الكريم أهلك بالمداومة على الصلاة ، واصطبر على ~~تكاليفها ، فهذه الصلاة هي من أركان العبادات التي خلقك الله وخلق عباده من ~~أجلها ، ولا يصح أن يشغلكم عنها أى شاغل من سعى في طلب الرزق أو غيره ، ~~فنحن لا ms3888 نكلفكم أن ترزقوا أنفسكم أو غيركم ، وإنما نحن الذين نرزقكم ونرزق ~~الخلق جميعا قال تعالى : ( @QUR@09 وما من دابة في الأرض إلا على الله ~~رزقها .. ) (2). # وقال سبحانه : ( @QUR@012 وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها ~~وإياكم وهو السميع العليم ) (3). # وقوله ( @QUR@02 والعاقبة للتقوى ) أى : والعاقبة الحميدة لأهل التقوى ~~والخشية من الله تعالى الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام ~~الصلاة .. PageV09P170 # روى الترمذي وابن ماجة عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: «يقول الله تعالى : «يا بن آدم. تفرغ لعبادتي ، املأ صدرك غنى ، وأسد ~~فقرك ، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلا ، ولم أسد فقرك». # وروى ابن ماجة عن زيد بن ثابت قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~: «من كانت الدنيا همه ، فرق الله عليه أمره ، وجعل فقره بين عينيه ، ولم ~~يأته من الدنيا إلا ما كتب له. ومن كان الآخرة نيته ، جمع له أمره ، وجعل ~~غناه في قلبه ، وأتته الدنيا وهي راغمة (1). # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بإيراد بعض الشبهات التي أثارها المشركون ~~حول النبي صلى الله عليه وسلم ورد عليها بما يبطلها فقال تعالى : # ( @QUR@014 وقالوا لو لا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف ~~الأولى (133) @QUR@020 ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لو لا ~~أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى (134) @QUR@011 قل كل ~~متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى ) (135) # ومرادهم بالآية في قوله سبحانه : ( @QUR@07 وقالوا لو لا يأتينا بآية من ~~ربه ) معجزة حية من المعجزات التي اقترحوها عليه صلى الله عليه وسلم كتفجير ~~الأنهار حول مكة ، وكرقيه إلى السماء ، وكنزول الملائكة معه .. # أى : وقال الكافرون على سبيل التعنت والعناد للرسول صلى الله عليه وسلم هلا ~~أتيت لنا يا محمد بآية من الآيات التي طلبناها منك ، أو بآية من الآيات ~~التي أتى بها الأنبياء من قبلك ، كالعصا بالنسبة لموسى ، والناقة بالنسبة لصالح. # فهم كما يقول الآلوسى : «بلغوا من المكابرة والعناد إلى حيث لم ms3889 يعدوا ما ~~شاهدوا من المعجزات التي تخر لها صم الجبال ، من قبيل الآيات ، حتى اجترءوا ~~على التفوه بهذه العظيمة الشنعاء. PageV09P171 # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى ) رد على ~~جهالاتهم وجحودهم. # والمراد بالبينة القرآن الكريم الذي هو أم الآيات ، ورأس المعجزات. # والمراد بالصحف الأولى : الكتب السماوية السابقة كالتوراة والإنجيل ~~والزبور. # والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام ، والاستفهام لتقرير الإتيان ~~وثبوته. # والمعنى : أجهلوا ولم يكفهم اشتمال القرآن الذي جئت به أيها الرسول ~~الكريم على بيان ما في الصحف الأولى التي أنزلناها على الرسل السابقين ، ~~ولم يكفهم ذلك في كونه معجزة حتى طلبوا غيرها؟. # قال صاحب الكشاف : اقترحوا على عادتهم في التعنت آية على النبوة ، فقيل ~~لهم : أو لم تأتكم آية من أم الآيات وأعظمها في باب الإعجاز ، يعنى القرآن ~~، من جهة أن القرآن برهان ما في سائر الكتب المنزلة ، ودليل صحته لأنه ~~معجزة ، وتلك ليست بمعجزات ، فهي مفتقرة إلى شهادته على صحة ما فيها ، ~~افتقار المحتج عليه إلى شهادة الحجة. (1). # وقال ابن كثير : قوله : ( @QUR@07 أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى ) ~~يعنى : القرآن العظيم ، الذي أنزله الله تعالى عليه صلى الله عليه وسلم وقد ~~جاء فيه أخبار الأولين بما كان منهم في سالف الدهور ، بما يوافقه عليه ~~الكتب المتقدمة الصحيحة منها ، فإن القرآن مهيمن عليها .. وهذه الآية كقوله ~~تعالى : ( @QUR@032 وقالوا لو لا أنزل عليه آيات من ربه ، قل إنما الآيات ~~عند الله وإنما أنا نذير مبين* أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى ~~عليهم ، إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون ) (2). # وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «ما من نبي إلا وقد ~~أوتى من الآيات ما آمن على مثله البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه ~~الله إلى ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» (3). # ومنهم من يرى أن المراد بالبينة : الكتب السماوية السابقة. # فيكون المعنى : أو لم يكف هؤلاء الجاهلين أن الكتب السماوية السابقة ~~كالتوراة والإنجيل قد بشرت بك وبينت نعوتك وصفاتك ، وهم ms3890 معترفون بصدقها ، ~~فكيف لا يقرون بنبوتك. # قال القرطبي : وقوله : ( @QUR@07 أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى ) ~~يريد التوراة والإنجيل PageV09P172 # والكتب المتقدمة ، وذلك أعظم آية إذ أخبر بما فيها. وقيل : أو لم تأتهم ~~الآية الدالة على نبوته بما وجدوه في الكتب المتقدمة من البشارة .. (1). # وعلى كلا التفسيرين فالآية الكريمة شهادة من الله تعالى بصدق النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيما بلغه عنه ، ورد مبطل لشبهات الكافرين ولأقوالهم ~~الباطلة ، وإن كان تفسير البينة هنا بالقرآن أظهر وأوضح. # وقوله تعالى : ( @QUR@020 ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لو ~~لا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى ) كلام مستأنف ~~لتقرير ما قبله من أن القرآن الكريم هو معجزة المعجزات ، وآية الآيات ~~وأرفعها وأنفعها. # أى : ولو أنا أهلكنا هؤلاء الكافرين بعذاب الاستئصال ، من قبل مجيء ~~الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم ومعه هذا القرآن الكريم معجزة له ، لقالوا ~~على سبيل الاعتذار يوم القيامة : يا ربنا هلا أرسلت إلينا في الدنيا رسولا ~~من عندك ومعه المعجزات التي تدل على صدقه ، فكنا في هذه الحالة اتبعنا ~~آياتك التي جاءنا بها وصدقناه وآمنا به ، من قبل أن يحصل لنا الذل والهوان ~~والخزي والافتضاح في الآخرة. # والمقصود من الآية الكريمة قطع أعذارهم ، أى : لو أنا أهلكناهم قبل ذلك ، ~~لقالوا ما قالوا ، ولكنا لم نهلكهم بل أرسلنا إليهم رسولنا ، فبلغهم ما ~~أرسلناه به ، فانقطع عذرهم ، وبطلت حجتهم. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@020 ولو لا أن تصيبهم مصيبة بما ~~قدمت أيديهم ، فيقولوا ربنا لو لا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من ~~المؤمنين ) (2). # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بهذه الآية التي أمر فيها رسوله ~~صلى الله عليه وسلم أن يهددهم بسوء العاقبة ، إذا ما استمروا في طغيانهم ~~يعمهون ، فقال تعالى : ( @QUR@011 قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب ~~الصراط السوي ومن اهتدى ). # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الكافرين : كل واحد منا ومنكم متربص ~~بالآخر ، ومنتظر لما يؤول إليه أمر صاحبه. # وما دام الأمر كذلك ( @QUR@01 فتربصوا ) وانتظروا ما ms3891 يؤول إليه حالنا ~~وحالكم ( @QUR@01 فستعلمون ) بعد زمن قريب. ( @QUR@01 من ) هم ( @QUR@03 ~~أصحاب الصراط السوي ) أى : الطريق الواضح PageV09P173 # المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ومن هم الذين تجنبوا الضلالة ، واهتدوا إلى ~~ما يسعدهم في دينهم وفي دنياهم وفي آخرتهم. # وقريب من هذه الآية في المعنى قوله تعالى : ( @QUR@05 سيعلمون غدا من ~~الكذاب الأشر ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا ) (2). # * * * # وبعد فهذه سورة طه ، وهذا تفسير تحليلي لها ، وكما أنها قد افتتحت بنفي ~~إرادة الشقاء للنبي صلى الله عليه وسلم فقد اختتمت بهذه البشارة له ~~صلى الله عليه وسلم ولأتباعه وبهذا التهديد لأعدائهم ... # نسأل الله تعالى أن يجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا ، وأنس نفوسنا وبهجة ~~صدورنا ، وشفيعنا يوم الدين ( @QUR@012 يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من ~~أتى الله بقلب سليم ). # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .. ||د. محمد سيد طنطاوى| PageV09P174 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الأنبياء PageV09P175 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة # الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أفضل المرسلين سيدنا محمد ~~وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. # وبعد : فهذا تفسير تحليلي لسورة (الأنبياء) وأسأل الله تعالى أن يجعله ~~خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده وشفيعا لنا يوم نلقاه. ( @QUR@012 يوم لا ينفع ~~مال ولا بنون. إلا من أتى الله بقلب سليم ). # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ||المؤلف د / محمد سيد طنطاوى| PageV09P177 ### ||| * تمهيد بين يدي السورة # 1 سورة الأنبياء ، من السور المكية. وعدد آياتها اثنتا عشرة ومائة عند ~~الكوفيين. # وعند غيرهم إحدى عشرة آية ومائة. وكان نزولها بعد سورة إبراهيم. # قال الآلوسى : وهي سورة عظيمة ، فيها موعظة فخيمة ، فقد أخرج ابن مردويه ~~وأبو نعيم في الحلية ، وابن عساكر ، عن عامر بن ربيعة أنه نزل به رجل من ~~العرب فأكرمه عامر ، وكلم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه الرجل فقال ~~: إنى استقطعت رسول الله صلى الله عليه وسلم واديا ما في العرب واد أفضل منه. ~~وقد أردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك ms3892 ولعقبك من بعدك. # فقال عامر : لا حاجة لي في ذلك ، فقد نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا. # ثم قرأ : ( @QUR@07 اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون .. ) (1). # 2 وعند ما نقرأ هذه السورة الكريمة بتدبر وتأمل ، نراها في مطلعها تسوق ~~لنا ما يهز القلوب ، ويحملها على الاستعداد لاستقبال يوم القيامة بالإيمان ~~والعمل الصالح ، ويزجرها عن الغفلة والإعراض. # قال تعالى : ( @QUR@018 اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون. ما ~~يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون .. ). # 3 ثم تحكى السورة بعد ذلك ألوانا من الشبهات التي أثارها المشركون حول ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وحول دعوته ، وردت عليهم بما يبطل شبهاتهم وأقوالهم ~~، فقال تعالى : ( @QUR@045 بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه ، بل هو شاعر ، ~~فليأتنا بآية كما أرسل الأولون* ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم ~~يؤمنون* وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون* وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين ). # 4 ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك ادلة متعددة على وحدانية الله تعالى ~~وعلى شمول قدرته. منها قوله عز وجل : ( @QUR@026 أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ~~ينشرون* لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما ~~يصفون* لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ). PageV09P179 # وقوله سبحانه : ( @QUR@039 أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا ~~رتقا ففتقناهما ، وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون* وجعلنا في الأرض ~~رواسي أن تميد بهم* وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون* وجعلنا السماء ~~سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون ). # 5 وبعد أن ذكرت السورة ألوانا من نعم الله على خلقه ، وحكت جانبا من ~~تصرفات المشركين السيئة مع النبي صلى الله عليه وسلم أتبعت ذلك بتسليته ~~صلى الله عليه وسلم عما قالوه في شأنه. # قال تعالى : ( @QUR@013 ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ~~ما كانوا به يستهزؤن ). # 6 ثم عرضت السورة الكريمة جانبا من قصص بعض الأنبياء ، تارة على سبيل ~~الإجمال ، وتارة ms3893 بشيء من التفصيل ، فتحدثت عن موسى وهارون ، وعن إبراهيم ~~ولوط ، وعن إسحاق ويعقوب ، وعن نوح وأيوب ، وعن داود وسليمان ، وعن إسماعيل ~~وإدريس ، وعن يونس وزكريا. # وفي نهاية حديثها عنهم صلوات الله وسلامه عليهم عقبت بالمقصود الأساسى من ~~رسالتهم ، وهو دعوة الناس جميعا إلى إخلاص العبادة لله تعالى ، وأنهم جميعا ~~قد جاءوا برسالة واحدة في جوهرها ، فقال تعالى : ( @QUR@08 إن هذه أمتكم ~~أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ). # 7 ثم تحدثت في أواخرها عن أشراط الساعة ، وعن أهوالها ، وعن أحوال الناس فيها. # قال تعالى : ( @QUR@030 حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون* ~~واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا ، يا ويلنا قد كنا في ~~غفلة من هذا بل كنا ظالمين ). # 8 ثم ختم سبحانه سورة الأنبياء بالحديث عن سنة من سننه التي لا تتخلف ، ~~وعن رسالة نبيه صلى الله عليه وسلم وعن موقفه من أعدائه ، فقال تعالى : # ( @QUR@073 ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي ~~الصالحون* إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين* وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين* ~~قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون* فإن تولوا فقل ~~آذنتكم على سواء ، وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون* إنه يعلم الجهر من ~~القول ويعلم ما تكتمون* وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين* قال رب احكم ~~بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون ). PageV09P180 # وبعد : فهذا عرض إجمالى لسورة الأنبياء ، ومنه نرى أنها قد أقامت ألوانا ~~من الأدلة على وحدانية الله تعالى ، وعلى صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما ~~يبلغه عن ربه ، وعلى أن يوم القيامة حق ... # كما حكت شبهات المشركين وردت عليها بما يبطلها ، كما ساقت نماذج متعددة ~~من قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. # ونسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم. وآخر دعوانا أن ~~الحمد لله رب العالمين. ||د. محمد سيد طنطاوى| PageV09P181 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@07 اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون (1) @QUR@011 ما ms3894 يأتيهم ~~من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون (2) @QUR@015 لاهية قلوبهم ~~وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم ~~تبصرون (3) @QUR@010 قال ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع ~~العليم (4) @QUR@014 بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا ~~بآية كما أرسل الأولون (5) @QUR@08 ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم ~~يؤمنون ) (6) # وقوله سبحانه : ( @QUR@01 اقترب ) من القرب الذي هو ضد البعد. # والمعنى : قرب الزمن الذي يحاسب فيه الناس على أعمالهم في الدنيا ، ~~والحال أن الكافرين منهم في غفلة تامة عن هذا الحساب ، وفي إعراض مستمر عن ~~الاستعداد له بالإيمان والعمل الصالح. # قال الإمام ابن كثير : هذا تنبيه من الله عز وجل على اقتراب الساعة ودنوها ~~، وأن الناس في غفلة عنها ، أى لا يعملون لها ، ولا يستعدون من أجلها. # قال تعالى : ( @QUR@05 أتى أمر الله فلا تستعجلوه ... ) وقال : ( @QUR@03 ~~اقتربت الساعة وانشق PageV09P182 # @QUR@08 القمر* وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ) (1). # وعبر سبحانه بالقرب مع أنه قد مضى على نزول هذه الآية وأمثالها أكثر من ~~أربعة عشر قرنا ، لأن كل آت وإن طالت أوقات استقباله وترقبه ، قريب الوقوع ~~، ولأن ذلك الوقت وإن كان كبيرا في عرف الناس ، إلا أنه عند الله تعالى ~~قليل ، كما قال سبحانه : ( @QUR@014 ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده ~~، وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ) (2). # وقال تعالى : ( @QUR@05 إنهم يرونه بعيدا* ونراه قريبا ) (3). # وقال تعالى : ( @QUR@02 اقترب للناس .. ) بلفظ العموم ، مع أن ما بعده من ~~ألفاظ الغفلة والإعراض يشعر بأن المراد بهم الكافرون ، للتنبيه على أن ~~الحساب سيشمل الجميع ، إلا أنه بالنسبة للكافرين سيكون حسابا عسيرا. # قال صاحب الكشاف : وصفهم بالغفلة مع الإعراض ، على معنى : أنهم غافلون عن ~~حسابهم ساهون لا يتفكرون في عاقبتهم ، ولا يتفطنون لما ترجع إليه خاتمة ~~أمرهم ، مع اقتضاء عقولهم أنه لا بد من جزاء للمحسن والمسيء. وإذا قرعت لهم ~~العصا ، ونبهوا عن سنة الغفلة ، وفطنوا لذلك بما يتلى عليهم من الآيات ~~والنذر ، أعرضوا وسدوا أسماعهم ونفروا (4). # وفي التعبير عن اقتراب يوم ms3895 القيامة باقتراب الحساب ، زيادة في الترهيب ~~والتخويف ، وفي الحض على الاستعداد لهذا اليوم ، لأنه يوم يحاسب فيه الناس ~~على أعمالهم في الدنيا حسابا دقيقا ، ولن تملك فيه نفس لنفس شيئا ، وإنما ~~يجازى فيه كل إنسان بحسب عمله. # وقوله سبحانه : ( @QUR@011 ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه ~~وهم يلعبون ) بيان لمواقف هؤلاء الغافلين اللاهين ممن يذكرهم بأهوال ذلك اليوم. # والمراد بالذكر : ما ينزل من آيات القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم . # والمراد بالمحدث : الحديث العهد بالنزول على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~صفة لذكر. # أى : أن هؤلاء الغافلين المعرضين عن الاستعداد ليوم الحساب ، لا يصل إلى ~~أسماعهم شيء من القرآن الكريم ، الذي أنزله الله تعالى على قلب نبيه ~~صلى الله عليه وسلم آية فآية ، أو سورة بعد سورة في أوقات متقاربة ، إلا ~~استمعوا إلى هذا القرآن المحدث تنزيله على الرسول PageV09P183 # صلى الله عليه وسلم وهم يلعبون ، دون أن يحرك منهم عاطفة نحو الإيمان به ، ~~فهم لانطماس بصيرتهم ، وقسوة قلوبهم ، وجحود نفوسهم للحق ، لا يتعظون ولا ~~يعتبرون. # وقوله : ( @QUR@04 ما يأتيهم من ذكر .. ) يشعر بأن ما نزل من قرآن قد وصل ~~إليهم دون أن يتعبوا أنفسهم في الحصول عليه ، بل أتاهم وهم في أماكنهم بدون ~~سعى إليه. # وقوله ( @QUR@01 ذكر ) فاعل و ( @QUR@01 من ) مزيدة للتأكيد. # وقوله ( @QUR@02 من ربهم ) متعلق بمحذوف صفة لذكر ، و ( @QUR@01 من ) ~~لابتداء الغاية أى : ما يأتيهم من ذكر كائن من ربهم وخالقهم ورازقهم ، في ~~حال من الأحوال ، إلا استمعوه وهم هازلون مستهترون. # وقوله : ( @QUR@02 لاهية قلوبهم ) حال أخرى من أحوالهم الغريبة التي تدل ~~على نهاية طغيانهم وفجورهم ، لأنهم بجانب استماعهم إلى ما ينزل من القرآن ~~بلعب وغفلة ، تستقبله قلوبهم التي هي محل التدبر والتفكر بلهو واستخفاف. # ثم حكى سبحانه لونا من ألوان مكرهم وخبثهم فقال : ( @QUR@04 وأسروا ~~النجوى الذين ظلموا ) والنجوى : المسارة بالحديث ، وإخفاؤه عن الناس. # أى : بعد أن استمعوا إلى القرآن بإعراض ولهو واستهتار ، اختلى بعضهم ببعض ~~، وبالغوا في إخفاء ما يضمرونه من سوء نحو النبي صلى الله ms3896 عليه وسلم ونحو ما ~~جاء به من عند الله تعالى ، وحاولوا أن يظهروا ذلك فيما بينهم فحسب ، ~~مبالغة منهم في المكر السيئ الذي حاق بهم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 هل هذا إلا بشر مثلكم. أفتأتون السحر وأنتم ~~تبصرون ) بيان لما قالوه في تناجيهم من سوء. # والاستفهام للنفي والإنكار. # أى : أنهم قالوا في تناجيهم : ما هذا الذي يدعى النبوة ، وهو محمد ~~صلى الله عليه وسلم إلا بشر مثلكم ، ولا يمكن أن يكون رسولا ، وما جاءنا به ~~إنما هو السحر بعينه ، فكيف تذهبون إليه ، وتقبلون منه ما يدعيه ، والحال ~~أنكم تعاينون بأبصاركم سحره. # وما حملهم على هذا القول الباطل إلا توهمهم أن الرسول لا يكون من البشر ، ~~وأن كل ما يظهر على يد مدعى النبوة من البشر من خوارق ، إنما هو من قبيل السحر. # قال الآلوسى : وأرادوا بقولهم : «ما هذا إلا بشر مثلكم» أى : من جنسكم ، ~~وما أتى به سحر ، تعلمون ذلك فتأتونه وتحضرونه على وجه الإذعان والقبول ~~وأنتم تعاينون أنه سحر. قالوا ذلك بناء على ما ارتكز في اعتقادهم الزائغ أن ~~الرسول لا يكون إلا ملكا ، وأن كل ما يظهر على يد PageV09P184 # البشر من الخوارق من قبيل السحر. وعنوا بالسحر. هنا القرآن الكريم ، ففي ~~ذلك إنكار لحقيته على أبلغ وجه ، قاتلهم الله تعالى : أنى يؤفكون. وإنما ~~أسروا ذلك ، لأنه كان على طريق توثيق العهد ، وترتيب مبادئ الشر والفساد ~~وتمهيد مقدمات المكر والكيد في هدم أمر النبوة. وإطفاء نور الدين ويأبى ~~الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون (1). # هذا ، ودعوى المشركين أن الرسول لا يكون بشرا ، قد حكاها القرآن في كثير ~~من آياته ، ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@015 وما منع الناس أن يؤمنوا إذ ~~جاءهم الهدى ، إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا ) (2). # وقد رد الله تعالى عليهم هذه الدعوى الكاذبة في كثير من آيات كتابه أيضا ~~، ومن ذلك قوله عز وجل : ( @QUR@011 وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي ~~إليهم من أهل القرى .. ) (3). # ثم حكى سبحانه بعد ذلك ما لقنه لنبيه صلى الله عليه ms3897 وسلم من الرد عليهم ، ~~فقال : ( @QUR@010 قال ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم ). # أى : قال الرسول صلى الله عليه وسلم في الرد على ما تناجوا به سرا : ربي ~~الذي أرسلنى لإخراجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. يعلم ما تقولونه ~~سواء كان سرا أم جهرا ، وسواء أكان القائل موجودا في السماء أم في الأرض ، ~~وهو وحده السميع لجميع ما يسمع ، العليم بكل شيء في هذا الكون. # وما دام الأمر كذلك فأنا سأمضى في طريقي مبلغا رسالته سبحانه ، أما أنتم ~~فسترون سوء عاقبتكم إذا ما سرتم في طريق الكفر والعناد. # وفي قراءة سبعية بلفظ قل على الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم . # أى : قل لهم أيها الرسول الكريم ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو ~~السميع العليم. # وقوله تعالى : ( @QUR@09 بل قالوا أضغاث أحلام ، بل افتراه ، بل هو شاعر ~~) إضراب من جهته تعالى ، وانتقال من حكاية قولهم السابق ( @QUR@05 هل هذا ~~إلا بشر مثلكم .. ) إلى حكاية أقوال أخرى باطلة قالوها في شأنه ~~صلى الله عليه وسلم وفي شأن ما جاء به. # أى : أن هؤلاء الكافرين لم يكتفوا بما قالوه قبل ذلك في شأن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم من أنه PageV09P185 # بشر وما جاء به سحر ، بل أضافوا إلى ذلك أن القرآن أضغاث أحلام. أى : ~~أخلاط كأخلاط الأحلام ، وأنه أباطيل لا حقيقة لها. # والأضغاث : جمع ضغث. وأصله ما جمع من أنواع شتى من النبات ثم حزم في حزمة واحدة. # والأحلام : جمع حلم بضم الحاء وسكون اللام وهو ما يراه النائم مما ليس بحسن. # وقد استعير هذا التركيب لما يراه النائم من وساوس وأحلام خلال نومه ( ~~@QUR@02 بل افتراه ) أى : اختلق هذا القرآن من عند نفسه. # ( @QUR@03 بل هو شاعر ) أى : أن الرسول صلى الله عليه وسلم شاعر في زعمهم ~~وما أتى به هو نوع من الشعر التخييلى الذي لا حقيقة له. # ثم أضافوا إلى هذا التخبط واضطراب قولهم : ( @QUR@05 فليأتنا بآية كما ~~أرسل الأولون ). # ومرادهم بالآية هنا : آية كونية ، والجملة جواب لشرط محذوف يفصح عنه ms3898 ~~السياق ، والتقدير : إن لم يكن كما قلنا في شأنه من أنه شاعر بل كان رسولا ~~حقا فليأتنا بخارق يدل على صدقه كناقة صالح ، وعصا موسى ، وإحياء عيسى ~~للأموات .. فإن المرسلين السابقين فعلوا ذلك. # وكأنهم لانطماس بصائرهم وشدة جهالاتهم لا يعتبرون القرآن الذي هو آية ~~الآيات لا يعتبرونه آية ومعجزة تدل على صدقه صلى الله عليه وسلم . # فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد صورت تخبط هؤلاء المشركين تصويرا حكيما ~~، شأنهم في ذلك شأن الحائر المضطرب الذي لا يستطيع الثبات على قرار ، بل هو ~~لتمحله وتعلله ينتقل من دعوى باطلة إلى أخرى أشد منها بطلانا. # وقد نفى القرآن عن الرسول صلى الله عليه وسلم كل هذه الدعاوى الباطلة ، ومن ~~ذلك قوله تعالى : ( @QUR@017 وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون* ولا بقول ~~كاهن قليلا ما تذكرون* تنزيل من رب العالمين ) (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@020 وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر ~~وقرآن مبين* لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين ) (2). PageV09P186 # ثم بين سبحانه جانبا من مظاهر فضله ورحمته بهؤلاء الذين أرسل إليهم رسوله ~~محمدا صلى الله عليه وسلم فقال : ( @QUR@08 ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها ~~أفهم يؤمنون ). # أى : أن هؤلاء الجاهلين من قومك أيها الرسول الكريم قد طلبوا منك آية ~~كونية كالتي جاء بها موسى وعيسى وصالح .. وهذه الخوارق عند ما جاء بها ~~هؤلاء الرسل ولم يؤمن بها أقوامهم أهلكنا هؤلاء الأقوام ، وفقا لسنتنا التي ~~لا تتخلف في إهلاك من يكذبون بآياتنا ، ولو أنا أعطيناك هذه الخوارق ولم ~~يؤمن بها قومك لأهلكناهم كما أهلكنا السابقين ، لذا اقتضت حكمتنا ورحمتنا ~~أن نمنع عنهم ما طلبوه ، لأنهم بشر كالسابقين. ومادام السابقون لم يؤمنوا ~~بهذه الخوارق فهؤلاء أيضا لن يؤمنوا بها. # فالاستفهام في قوله : ( @QUR@02 أفهم يؤمنون ) للإنكار. أى : أن هؤلاء ~~الكافرين من أمتك أيها الرسول الكريم لن يؤمنوا بهذه الخوارق التي طلبوها ~~متى جاءتهم لأنهم لا يقلون عتوا وعنادا عن السابقين الذين لم يؤمنوا بها ~~فأهلكهم الله. # وصدق الله إذ يقول : ( @QUR@016 إن الذين ms3899 حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون* ~~ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ) (1). # ثم بين سبحانه أن حكمته قد اقتضت أن يكون جميع الرسل من البشر وأن يعيشوا ~~الحياة التي تقتضيها الطبيعة البشرية ، وأن يؤيدهم الله تعالى بالمعجزات ~~الدالة على صدقهم ، فقال تعالى : # ( @QUR@014 وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن ~~كنتم لا تعلمون (7) @QUR@09 وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا ~~خالدين (8) @QUR@08 ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين ) (9) # أى : وما أرسلنا قبلك أيها الرسول الكريم إلى الأمم السابقة إلا رسلا من ~~البشر ، ليعيشوا حياة البشر ، ويتمكنوا من التعامل والتخاطب والتفاهم مع من ~~هم من جنسهم ، ولو كان الرسل من غير البشر لما كانت هناك وشيجة ورابطة ~~بينهم وبين أقوامهم. PageV09P187 # وهذه الجملة رد مفحم على المشركين الجاهلين الذين استبعدوا أن يكون ~~الرسول بشرا وقالوا قبل ذلك : ( @QUR@05 هل هذا إلا بشر مثلكم ). # وقوله تعالى ( @QUR@02 نوحي إليهم ) استئناف مبين لكيفية الإرسال. # أى : اقتضت حكمتنا أن يكون الرسل من الرجال ، وأن نبلغهم ما نكلفهم به عن ~~طريق الوحى المنزل إليهم من جهتنا. # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) توبيخ ~~لهم وتجهيل ، لأنهم قالوا ما قالوا بدون تعقل أو تدبر. # والمراد بأهل الذكر : علماء أهل الكتاب الذين كان المشركون يرجعون إليهم ~~في أمور دينهم. # والفاء في قوله : ( @QUR@01 فسئلوا .. ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها. ~~وجواب الشرط محذوف لدلالة الكلام عليه. # أى : مادامت قد بلغت بكم الجهالة أن تستبعدوا أن يكون الرسول بشرا ~~فاسألوا أهل العلم في ذلك ، فسيبينون لكم أن الرسل السابقين لم يكونوا إلا رجالا. # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@07 فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون ) يريد أهل التوراة والإنجيل الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~وسماهم أهل الذكر ، لأنهم كانوا يذكرون خبر الأنبياء ، مما لم تعرفه العرب ~~، وكان كفار قريش يراجعون أهل الكتاب في أمر النبي صلى الله عليه وسلم . # وقال ابن زيد : أراد بالذكر : القرآن. أى : فاسألوا المؤمنين العالمين من ~~أهل ms3900 القرآن .. (1). # ثم أكد سبحانه هذه الحقيقة وهي كون الرسل من البشر فقال : ( @QUR@09 وما ~~جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين ). # والضمير في ( @QUR@01 جعلناهم ) يعود إلى الرسل ، والجسد مصدر جسد الدم ~~يجسد من باب فرح إذا التصق بغيره ، وأطلق على الجسم جسد ، لالتصاق أجزائه ~~بعضها ببعض ، ويطلق هذا اللفظ على الواحد المذكر وغيره ولذلك أفرد ، أو هو ~~أفرد لإرادة الجنس. # أى : وما جعلنا الرسل السابقين عليك يا محمد أجسادا لا تأكل ولا تشرب ~~كالملائكة ، وإنما جعلناهم مثلك يأكلون ويشربون ويتزوجون ويتناسلون ~~ويعتريهم ما يعترى البشر من PageV09P188 # سرور وحزن ، ويقظة ونوم .. وغير ذلك مما يحسه البشر. # وما جعلناهم أيضا خالدين في هذه الحياة بدون موت ، وإنما جعلنا لأعمارهم ~~أجلا محددا تنتهي حياتهم عنده بدون تأخير أو تقديم. # قال تعالى : ( @QUR@011 إنك ميت وإنهم ميتون* ثم إنكم يوم القيامة عند ~~ربكم تختصمون ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 ثم صدقناهم الوعد .. ) بيان لسنة الله تعالى ~~الجارية مع رسله عليهم الصلاة والسلام . # أى : ثم صدقنا هؤلاء الرسل ما وعدناهم به من جعل العاقبة لهم ( @QUR@01 ~~فأنجيناهم ) من العذاب الذي أنزلناه بأعدائهم. وأنجينا معهم ( @QUR@02 من ~~نشاء ) إنجاءهم من المؤمنين بهم. # ( @QUR@02 وأهلكنا المسرفين ) الذين تجاوزوا الحدود في كفرهم وتطاولهم ~~على الرسل الكرام ، وإعراضهم عن دعوتهم. # وإلى هنا نرى الآيات الكريمة من أول السورة إلى هنا ، قد أنذرت الناس ~~باقتراب يوم الحساب ، وحذرتهم من الغفلة عنه ، ومن الإعراض عن الاستعداد له ~~بالإيمان والعمل الصالح ، وحكت ما قاله المشركون من تهم باطلة تتعلق ~~بالرسول صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند ربه تعالى وردت عليها بما ~~يزهقها ، ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون. # ثم بين سبحانه أن ما أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم هو خير الآيات ~~وأخلدها وأشرفها ، وأنه يشرف الأمة التي تنتسب إليه ، وأن الأمم السابقة ~~التي كذبت بالخوارق والمعجزات التي جاء بها الرسل عليهم السلام أهلكها الله ~~تعالى هلاك استئصال فقال تعالى : # ( @QUR@08 لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون (10) @QUR@010 ~~وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة ms3901 وأنشأنا بعدها قوما آخرين (11) @QUR@07 فلما ~~أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون (12) @QUR@09 لا تركضوا وارجعوا إلى ما ~~أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم PageV09P189 # @QUR@01 تسئلون (13) @QUR@06 قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين (14) @QUR@08 ~~فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين ) (15) # قال الآلوسى : «قوله تعالى : ( @QUR@04 لقد أنزلنا إليكم كتابا .. ) كلام ~~مستأنف لتحقيق حقية القرآن العظيم ، الذي ذكر في صدر السورة إعراض الناس ~~عما يأتيهم من آياته ، واستهزاؤهم به ، واضطرابهم في أمره ، وبيان علو ~~مرتبته ، إثر تحقيق رسالته صلى الله عليه وسلم ، ببيان أنه كسائر الرسل الكرام ~~، وقد صدر الكلام بالتوكيد القسمي ، إظهارا لمزيد الاعتناء بمضمونه وإيذانا ~~، بأن المخاطبين في أقصى مراتب النكير ، والخطاب لقريش ، وجوز أن يكون ~~لجميع العرب.» (1). # والمعنى : لقد أنزلنا إليكم يا معشر العرب عن طريق رسولنا محمد ~~صلى الله عليه وسلم كتابا عظيم الشأن ، نير البرهان ، مشتملا على ما يسعدكم ، ~~وهذا الكتاب ( @QUR@02 فيه ذكركم ) أى : فيه شرفكم ، وعلو منزلتكم ، وحسن ~~موعظتكم ، وشفاء صدوركم. # ( @QUR@02 أفلا تعقلون ) ذلك ، مع أن هذا الأمر واضح ، ولا يحتاج إلى ~~جدال أو مناقشة. # فالاستفهام لإنكار عدم تدبرهم في شأن هذا الكتاب الذي أنزله الله تعالى ~~ليظفروا بسببه بالذكر الجميل ، وبالموعظة الحسنة ، كما قال تعالى ( @QUR@06 ~~وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون ) (2). # وإن من مظاهر كون القرآن الكريم فيه ذكر العرب وشرفهم ، أنه نزل بلغتهم ، ~~وأنه المعجزة الباقية الخالدة بخلاف غيره من المعجزات التي أيد الله تعالى ~~بها الرسل السابقين ، وأنه الكتاب الذي قادوا به البشرية قرونا طويلة. عند ~~ما حملوه إلى الناس ، فقرأوه عليهم ، وشرحوا لهم أحكامه وآدابه وتشريعاته ~~.. وما أصيب العرب في دينهم ودنياهم إلا يوم أن تخلوا عن العمل بهدايات هذا ~~الكتاب ، وقصروا في تبليغه إلى الناس. # ثم بين سبحانه ما أنزله بالقوم الظالمين فقال : ( @QUR@010 وكم قصمنا من ~~قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين ). # و «كم» هنا خبرية مفيدة للتكثير ، وهي في محل نصب على أنها مفعول مقدم ~~«لقصمنا». PageV09P190 # وأصل القصم : كسر الشيء حتى ينقطع وينفصل عن غيره ، يقال : قصم فلان ظهر ~~فلان ، إذا كسره حتى النهاية ms3902 ، بخلاف الفصم فهو صدع الشيء من غير قطع ~~وانفصال. # قال القرطبي : «والقصم : الكسر ، يقال : قصمت ظهر فلان ، وانقصمت سنه ، ~~إذا انكسرت. # والمعنى ها هنا به الإهلاك. وأما الفصم بالفاء فهو الصدع في الشيء من غير ~~بينونة» (1). # أى : وكثيرا من القرى الظالمة التي تجاوز أهلها حدود الحق ، ومردوا على ~~الكفر والضلال ، أبدناها مع أهلها ، وعذبناها عذابا نكرا ، بسبب ظلمهم ~~وبغيهم ، وأنشأنا من بعدهم قوما آخرين ليسوا مثلهم. # وأوقع سبحانه فعل القصم على القرى ، للإشعار بأن الهلاك قد أصابها وأصاب ~~أهلها معها. فالكل قد دمره سبحانه تدميرا. # أما عند الإنشاء فقد أوقع الفعل على القوم فقال : ( @QUR@04 وأنشأنا ~~بعدها قوما آخرين ) للإيماء إلى أن هؤلاء القوم الآخرين ، الذين لم يكونوا ~~أمثال السابقين ، هم الذين ينشئون القرى ويعمرونها. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@013 وكم أهلكنا من القرون من بعد ~~نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا ) (2). # ثم صور سبحانه حال هؤلاء الظالمين عند ما أحسوا بالعذاب وهو نازل بهم ~~فقال : ( @QUR@07 فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون ). # وقوله : ( @QUR@01 أحسوا ) من الإحساس. وهو إدراك الشيء بالحاسة. يقال : ~~أحس فلان الشيء ، إذا علمه بالحس ، وأحس بالشيء ، إذا شعر به بحاسته. # وقوله : ( @QUR@01 يركضون ) من الركض وهو السير السريع ، وأصله : أن يضرب ~~الرجل دابته برجله ليحثها على الجري والسرعة في المشي. والمقصود به هنا : ~~الهرب بسرعة. # أى : فلما أحس هؤلاء الظالمون عذابنا المدمر ، وأيقنوا نزوله بهم ، ~~وعلموا ذلك علما مؤكدا ، إذا هم يخرجون من قريتهم ( @QUR@01 يركضون ) أى : ~~يهربون بسرعة وذعر ، حتى لكأنهم من اضطرابهم وخوفهم يظنون أن ذلك سينجيهم. PageV09P191 # وإذا هنا فجائية ، والجملة بعدها جواب «لما». # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم ~~) حكاية لما تقوله لهم الملائكة وهم يركضون هربا على سبيل التهكم ~~والاستهزاء. # أى : يقال لهم من جهة الملائكة أو من جهة المؤمنين لا تركضوا هاربين ( ~~@QUR@02 وارجعوا إلى ) قريتكم وإلى ( @QUR@03 ما أترفتم فيه ) أى : وإلى ما ~~نعمتم فيه من العيش الهنيء. والخير الوفير ، الذي أبطركم وجعلكم تجحدون ~~النعم ، ولم تستعملوها فيما خلقت له. ms3903 # فقوله : ( @QUR@01 أترفتم ) من الترفه بالتاء المشددة مع الضم وهي النعمة ~~والطعام الطيب. يقال : ترف فلان كفرح إذا تنعم. وفلان أترفته النعمة ، إذا ~~أطغته أو نعمته. # وقوله : ( @QUR@01 ومساكنكم ) معطوف على ( @QUR@01 ما ). # أى : لا تهربوا وارجعوا إلى ما نعمتم فيه من العيش الهنيء ، وإلى مساكنكم ~~التي كنتم تسكنونها ، وتتفاخرون بها. # ( @QUR@02 لعلكم تسئلون ) أى يقصدكم غيركم لسؤالكم عما نزل بكم ، فتجيبوا ~~عن علم ومشاهدة. # قال صاحب الكشاف : «قوله ( @QUR@02 لعلكم تسئلون ) تهكم بهم وتوبيخ ، أى ~~: ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لعلكم تسألون غدا عما جرى عليكم ونزل ~~بأموالكم ومساكنكم. فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة. # أو ارجعوا واجلسوا كما كنتم في مجالسكم ، وترتبوا في مراتبكم حتى يسألكم ~~حشمكم وعبيدكم ، ومن تملكون أمره. وينفذ فيه أمركم ونهيكم ، ويقول لكم : بم ~~تأمرون؟ وبما ذا ترسمون؟ # وكيف نأتى ونذر كعادة المنعمين المخدمين. # أو يسألكم الناس في أنديتكم .. ويستشيرونكم في المهمات. ويستضيئون ~~بآرائكم. # أو يسألكم الوافدون عليكم ، ويستمطرون سحائب أكفكم .. قيل لهم ذلك تهكما ~~إلى تهكم ، وتوبيخا إلى توبيخ» (1). # وهنا أدرك هؤلاء الظالمون ، أن الأمر جد لا هزل ، وأن العذاب نازل بهم لا ~~محالة ، وأن القائلين لهم لا تركضوا ، إنما يتهكمون بهم. فأخذ أولئك ~~الظالمون يتفجعون ويتحسرون قائلين : ( @QUR@05 يا ويلنا إنا كنا ظالمين ). PageV09P192 # والويل : الفضيحة والبلية والمصيبة التي يعقبها الهلاك. وهي كلمة جزع وتحسر. # وتستعمل عند ما تحيط بالإنسان داهية عظيمة ، وكأن المتحسر لنزول مصيبة به ~~، ينادى ويلته ويطلب حضورها بعد تنزيلها منزلة من ينادى. # أى : قالوا عند ما تيقنوا أن الهلاك نازل بهم : يا هلاكنا إنا كنا ظالمين ~~لأنفسنا ، مستوجبين للعذاب. بسبب إعراضنا عن الحق ، وتكذيبنا لمن جاء به. # واسم الإشارة في قوله تعالى : ( @QUR@04 فما زالت تلك دعواهم ) يعود إلى ~~الكلمات التي قالوها على سبيل التحسر عند ما يئسوا من الخلاص والهرب ، ~~وتأكدوا من الهلاك ، وهي قولهم : ( @QUR@05 يا ويلنا إنا كنا ظالمين ). # أى : فما زالوا يرددون تلك الكلمات بتفجع وتحسر واستعطاف. # وسميت هذه الكلمات دعوى ، لأن المولول كأنه يدعو الويل قائلا : أيها ~~الويل هذا أوانك فأقبل نحوي. # وقوله : ( @QUR@04 حتى ms3904 جعلناهم حصيدا خامدين ) بيان لما آل إليه حالهم. # وخامدين : من الخمود بمعنى الهمود والانطفاء والانتهاء. يقال : خمدت ~~النار تخمد خمدا وخمودا ، إذا سكن لهيبها ، وانطفأ شررها. # أى : فما زالت تلك كلماتهم حتى جعلناهم في الهمود والهلاك كالنبات ~~المحصود بالمناجل ، وكالنار الخامدة بعد اشتعالها. # وهكذا تكون عاقبة الظالمين. وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. # ثم ساق سبحانه بعد ذلك ما يدل على قدرته ووحدانيته ، وعلى أن من في ~~السموات والأرض لا يستكبرون عن عبادته تعالى ، فقال عز وجل : # ( @QUR@07 وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين (16) @QUR@011 لو ~~أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين (17) @QUR@013 بل نقذف ~~بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون (18) @QUR@09 ~~وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون PageV09P193 # @QUR@04 عن عبادته ولا يستحسرون (19) @QUR@05 يسبحون الليل والنهار لا ~~يفترون ) (20) # والمعنى : إننا لم نخلق السموات والأرض وما بينهما من مخلوقات لا يعلمها ~~إلا الله ، لم نخلق ذلك عبثا ، وإنما خلقنا هذه المخلوقات بحكمتنا السامية ~~، وقدرتنا النافذة ، ومشيئتنا التي لا يقف في وجهها شيء. # وقوله تعالى : ( @QUR@011 لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا ~~فاعلين ) استئناف مقرر لمضمون ما قبله ، من أن خلق السموات والأرض وما ~~بينهما لم يكن عبثا ، وإنما لحكم بالغة ، مستتبعة لغايات جليلة ، ومنافع عظيمة. # و «لو» هنا حرف امتناع لامتناع. أى : امتناع وقوع فعل الجواب لامتناع وقوع ~~فعل الشرط. # واللهو : الترويح عن النفس بما لا تقتضيه الحكمة ، ولا يتناسب مع الجد ، ~~وهو قريب من العبث الباطل تقول : لهوت بهذا الشيء ألهو لهوا ، إذا تشاغلت ~~به عن الجد ، ويطلقه بعضهم على الولد والزوجة والمرأة. # أى : لو أردنا على سبيل الفرض والتقدير أن نتخذ ما نتلهى به ، لاتخذناه ~~من عندنا ومن جهتنا دون أن يمنعنا أحد مما نريده ولكنا لم نرد ذلك لأنه ~~مستحيل علينا استحالة ذاتية ، فيستحيل علينا أن نريده. # فالآية الكريمة من باب تعليق المحال على المحال ، لأن كلا الأمرين يتنافى ~~مع حكمة الله تعالى ومع ذاته الجليلة. ms3905 # وقوله : ( @QUR@03 إن كنا فاعلين ) تأكيد لامتناع إرادة اللهو ، و ( ~~@QUR@01 أن ) نافية ، أى : ما كنا فاعلين ذلك ، لأن اتخاذ اللهو يستحيل علينا. # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ~~) إضراب عن إرادة اتخاذ اللهو ، وإثبات لما تقتضيه ذاته تعالى مما يخالف ذلك. # والقذف : الرمي بسرعة. والاسم القذاف ككتاب ، وهو سرعة السير ، ومنه ~~قولهم : ناقة قذاف بكسر القاف إذا كانت متقدمة على غيرها في السير. # ويدمغه : أى. يمحقه ويزيله. قال القرطبي : وأصل الدمغ شج الرأس حتى يبلغ ~~الدماغ. # أى : ليس من شأننا أن نتخذ لهوا ، وإنما الذي من شأننا وحكمتنا ، أن نلقى ~~بالحق الذي PageV09P194 # أرسلنا به رسلنا ، على الباطل الذي تشبث به الفاسقون ( @QUR@01 فيدمغه ) ~~أى : فيقهره ويهلكه ويزيله إزالة تامة. # والتعبير القرآنى البليغ ، يرسم هذه السنة الإلهية في صورة حسية متحركة ~~حتى لكأنما الحق قذيفة تنطلق بسرعة فتهوي على الباطل فتشق أم رأسه ، فإذا ~~هو زاهق زائل. # قال الآلوسى : وفي إذا الفجائية ، والجملة الاسمية ، من الدلالة على كمال ~~المسارعة في الذهاب والبطلان مالا يخفى ، فكأنه زاهق من الأصل (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@04 ولكم الويل مما تصفون ) وعيد شديد لأولئك ~~الكافرين الذين نسبوا إلى الله تعالى مالا يليق به ، ووصفوه بأن له صاحبة ~~وولدا ( @QUR@06 سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا ). # أى : ولكم أيها الضالون المكذبون الويل والهلاك ، من أجل وصفكم له تعالى ~~بما لا يليق بشأنه الجليل. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 وله من في السماوات والأرض ) استئناف مؤكد لما ~~قبله من أن جميع المخلوقات خاضعة لقدرته تعالى . # أى : وله وحده سبحانه جميع من في السموات والأرض ، خلقا ، وملكا ، ~~وتدبيرا ، وتصرفا وإحياء ، وإماتة ، لا يخرج منهم أحد عن علمه وقدرته عز وجل . # ثم بين سبحانه نماذج من عباده الطائعين له ، بعد أن حكى أقوال أولئك ~~الضالين ، فقال : ( @QUR@013 ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون* ~~يسبحون الليل والنهار لا يفترون ). # والاستحسار : الكلل والتعب. يقال : حسر البصر يحسر حسورا من باب قعد إذا ~~تعب من طول النظر ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@010 ثم ارجع البصر كرتين ~~ينقلب ms3906 إليك البصر خاسئا وهو حسير ) أى : كليل متعب. # أى : ومن عنده من مخلوقاته وعلى رأسهم الملائكة المقربون ، لا يستكبرون ~~عن عبادته سبحانه بل يخضعون له خضوعا تاما ( @QUR@02 ولا يستحسرون ) أى : ~~ولا يكلون ولا يتعبون. # بل هم ( @QUR@01 يسبحون ) الله تعالى ويحمدونه ويكبرونه. طوال الليل ~~والنهار بدون فتور PageV09P195 # أو تراخ أو تقصير. يقال : فتر فلان عن الشيء يفتر فتورا ، إذا سكن بعد ~~حدة ، ولان بعد شدة ، ويقال : فتر الماء من باب قعد إذا سكن حره فهو فاتر. # قالوا : وذلك لأن تسبيح الملائكة لله تعالى يجرى منهم مجرى التنفس منا ، ~~فهو سجية وطبيعة فيهم وكما أن اشتغالنا لا يمنعنا من الكلام ، فكذلك ~~اشتغالهم بالتسبيح لا يمنعهم من سائر الأعمال (1). # وبعد أن بين سبحانه أن من مخلوقاته من يقوم بتسبيحه وعبادته بدون انقطاع ~~أو فتور ، أتبع ذلك بتوبيخ المشركين وبإقامة الأدلة على وحدانيته ، ~~واستحالة أن يكون هناك من يشاركه في ألوهيته فقال تعالى : # ( @QUR@07 أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون (21) @QUR@013 لو كان فيهما ~~آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون (22) @QUR@06 لا يسئل ~~عما يفعل وهم يسئلون (23) @QUR@022 أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا ~~برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون ~~(24) @QUR@015 وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا ~~أنا فاعبدون ) (25) # قال الإمام الرازي : اعلم أن الكلام من أول السورة إلى هنا كان في ~~النبوات وما يتصل بها من الكلام سؤالا وجوابا ، وأما هذه الآيات فإنها في ~~بيان التوحيد ونفى الأضداد والأنداد ..» (2). # والاستفهام في قوله ( @QUR@02 أم اتخذوا ).. للإنكار والتوبيخ. وقوله : ~~( @QUR@01 ينشرون ) من النشر بمعنى الإحياء والبعث. يقال : أنشر الله تعالى ~~الموتى : إذا بعثهم بعد موتهم. PageV09P196 # والمعنى : إن هؤلاء الضالين قد أشركوا مع الله تعالى آلهة أخرى في ~~العبادة ، فهل هذه الآلهة التي اتخذوها تستطيع أن تعيد الحياة إلى الأموات؟ # كلا إنها لا تستطيع ذلك بإقرارهم ومشاهدتهم ، ومادام الأمر كذلك فكيف ~~أباحوا لأنفسهم أن يتخذوا آلهة لا تستطيع أن تفعل ms3907 شيئا من ذلك أو من غيره؟ # إن اتخاذهم هذا لمن أكبر الأدلة وأوضحها على جهالاتهم وسفاهاتهم وسوء ~~تفكيرهم. # قال صاحب الكشاف ما ملخصه : فإن قلت : كيف أنكر عليهم اتخاذ آلهة تنشر. ~~وما كانوا يدعون ذلك لآلهتهم ، لأنهم كانوا ينكرون البعث أصلا ويقولون : من ~~يحيى العظام وهي رميم؟ قلت : الأمر كما ذكرت ولكنهم بادعائهم لها الإلهية ، ~~يلزمهم أن يدعوا لها الإنشار ، لأنه لا يستحق هذا الاسم إلا القادر على كل ~~مقدور ، والإنشار من جملة المقدورات. وفيه باب من التهكم بهم ، والتوبيخ ~~والتجهيل ، وإشعار بأن ما استبعدوه من الله تعالى لا يصح استبعاده ، لأن ~~الإلهية لما صحت صح معها الاقتدار على الإبداء والإعادة (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@02 من الأرض ) متعلق باتخذوا ، و «من» ابتدائية ، أى ~~: اتخذوها من أجزاء الأرض كالحجارة وما يشبهها ، ويجوز أن يكون الجار ~~والمجرور متعلق بمحذوف صفة للآلهة ، أى : اتخذوا آلهة كائنة من الأرض .. ~~وعلى كلا التقديرين فالمراد بهذا التعبير التحقير والتجهيل. # ثم ساق سبحانه دليلا عقليا مستمدا من واقع هذا الكون فقال : ( @QUR@07 لو ~~كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ). # أى : لو كان في السموات والأرض آلهة أخرى سوى الله تعالى ، تدبر أمرهما ، ~~لفسدتا ولخرجتا عن نظامهما البديع ، الذي لا خلل فيه ولا اضطراب. # وذلك لأن تعدد الآلهة يلزمه التنازع والتغالب بينهم .. فيختل النظام لهذا ~~الكون ، ويضطرب الأمر ، ويعم الفساد في هذا العالم. # ولما كان المشاهد غير ذلك إذ كل شيء في هذا الكون يسير بنظام محكم دقيق ~~دل الأمر على أن لهذا الكون كله ، إلها واحدا قادرا حكيما لا شريك له. # قال صاحب الكشاف : «والمعنى لو كان يتولاهما ويدبر أمرهما آلهة شتى غير ~~الواحد الذي هو فاطرهما لفسدتا. PageV09P197 # وفيه دلالة على أمرين : أحدهما : وجوب أن لا يكون مدبرهما إلا واحدا. # الثاني : أن لا يكون ذلك الواحد إلا إياه وحده ، لقوله ( @QUR@02 إلا ~~الله ). # فإن قلت : لم وجب الأمران؟ قلت : لعلمنا أن الرعية تفسد بتدبير الملكين ~~لما يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف. # قال عبد الملك بن مروان حين قتل عمرو بن ms3908 سعيد الأشدق : كان والله أعز على ~~من دم ناظري. ولكن لا يجتمع فحلان في شول أى : في عدد مع النياق (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@06 فسبحان الله رب العرش عما يصفون ) تنزيه لله ~~تعالى عما قاله الجاهلون في شأنه عز وجل . # أى : فتنزيها لله وتقديسا وتبرئة لذاته عن أن يكون له شريك في ألوهيته ، ~~وجل عما وصفه به الجاهلون. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ) تأكيد لوحدانيته ~~وقدرته سبحانه أى : لا يسأله سائل سبحانه عما يفعله بعباده من إعزاز ~~وإذلال. وهداية وإضلال ، وغنى وفقر ، وصحة ومرض ، وإسعاد وإشقاء .. لأنه هو ~~الرب المالك المتصرف في شئون خلقه ، وهم يسألون يوم القيامة عن أعمالهم ~~وأقوالهم لأنهم عبيده ، وقد أرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين ، فمنهم من ~~اتبع الرسل فسعد وفاز ، ومنهم من استحب العمى على الهدى فشقي وهلك. # وبعد أن ساق سبحانه دليلا عقليا على وحدانيته ، أتبعه بدليل آخر نقلي ، ~~فقال تعالى : ( @QUR@015 أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم ، هذا ~~ذكر من معي وذكر من قبلي .. ). # قال الآلوسى ما ملخصه : هذا إضراب وانتقال من إظهار بطلان كون ما اتخذوه ~~آلهة ، لخلوها من خصائصها التي من جملتها الإنشار ، إلى تبكيتهم ومطالبتهم ~~بالبرهان على دعواهم الباطلة ، وتحقيق أن جميع الكتب السماوية ناطقة بحقية ~~التوحيد ، وبطلان الإشراك .. (2). # أى : إن هؤلاء الكافرين قد أشركوا مع الله تعالى آلهة أخرى في العبادة ، ~~بسبب جهلهم وعنادهم وجحودهم للحق .. قل لهم أيها الرسول الكريم على سبيل ~~التبكيت والتوبيخ ( @QUR@02 هاتوا برهانكم ) على أن مع الله تعالى آلهة ~~أخرى تستحق مشاركته في PageV09P198 # العبادة والطاعة؟ ولا شك أنهم لا برهان لهم على ذلك. # وقوله تعالى : ( @QUR@07 هذا ذكر من معي وذكر من قبلي ) زيادة في تبكيتهم ~~وفي إظهار عجزهم ، أى : هذا الوحى الإلهى الناطق بتوحيد الله تعالى موجود ~~في القرآن الكريم المشتمل على ذكر المعاصرين لي من أتباعى ، وموجود في كتب ~~الأنبياء السابقين ، كالتوراة التي أنزلها الله على موسى ، والإنجيل الذي ~~أنزله على عيسى ، فمن أين أتيتم أنتم بهؤلاء الشركاء ، وكيف اتخذتموهم آلهة ~~مع ms3909 أنهم لا برهان عليهم لا من جهة العقل ولا من جهة النقل؟ # فاسم الإشارة ( @QUR@01 هذا ) في قوله : ( @QUR@04 هذا ذكر من معي ) ~~مبتدأ ، مشار به إلى الوحى الإلهى ، وقد أخبر عنه سبحانه بخبرين كما يقول ~~الشيخ الجمل : «فبالنظر للخبر الأول يراد به القرآن ، وبالنظر للخبر الثاني ~~يراد به ما عداه من الكتب السماوية» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@07 بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون ) إضراب من ~~جهته تعالى عن مناقشتهم ومطالبتهم بالبرهان ، وانتقال من الأمر بتبكيتهم ~~إلى الأمر بإهمالهم استصغارا لشأنهم. # أى : دعهم أيها الرسول الكريم في باطلهم يعمهون فإنهم قوم أكثرهم يجهلون ~~الحق ، ولا يستطيعون التمييز بينه وبين الباطل. فهم لأجل ذلك منصرفون عن ~~الهدى ، ومتجهون إلى الضلال ، ومن جهل شيئا عاداه. # ثم بين سبحانه أن جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام قد أمروا أقوامهم ~~بإخلاص العبادة لله ، ونبذ الشرك والشركاء ، فقال تعالى : ( @QUR@015 وما ~~أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ). # أى : وما أرسلنا من قبلك من رسول يا محمد إلا وأ فهمناه عن طريق وحينا ~~أنه لا إله يستحق العبادة والطاعة إلا أنا ، فعليه أن يأمر قومه بطاعتي ~~وعبادتي والخضوع لي وحدي. # هذا ، والمتدبر لهذه الآيات الكريمة ، يراها قد أقامت أحكم الأدلة ~~العقلية والنقلية على وجوب إخلاص العبادة لله الواحد القهار. وعلى أن الذين ~~يتخذون معه آلهة أخرى سفهاء جاهلون. # ثم حكى سبحانه بعد ذلك شبهة من الشبهات الباطلة التي تفوه بها المشركون ، ~~ورد عليهم ردا مفحما ، فقال تعالى : PageV09P199 # ( @QUR@08 وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون (26) @QUR@06 ~~لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون (27) @QUR@015 يعلم ما بين أيديهم وما ~~خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون (28) @QUR@013 ومن يقل ~~منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين ) (29) # قال الآلوسى ما ملخصه : «قوله تعالى : ( @QUR@04 وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ~~)، حكاية لجناية فريق من المشركين لإظهار بطلانها ، وبيان تنزهه سبحانه عن ~~ذلك ، إثر بيان تنزهه جل وعلا عن الشركاء على الإطلاق ، وهم حي من ms3910 خزاعة ~~قالوا : الملائكة بنات الله ، ونقل الواحدي أن قريشا وبعض العرب قالوا ذلك. # والآية مشنعة على كل من نسب إلى الله تعالى ذلك كاليهود والنصارى ..» (1). # أى : وقال المشركون الذين انطمست بصائرهم عن معرفة الحق «اتخذ الرحمن ~~ولدا سبحانه». # أى : تنزه وتقدس الله تعالى عن ذلك جل وعلا عما يقولونه علوا كبيرا. # وقوله : ( @QUR@03 بل عباد مكرمون ) إضراب عما قالوه ، وإبطال له ، وثناء ~~على ملائكته الذين زعم فريق من المشركين أنهم بنات الله. # وعباد : جمع عبد. والعبودية لله تعالى معناها : إظهار التذلل له سبحانه ، ~~والخضوع لذاته. # ومكرم : اسم مفعول من أكرم ، وإكرام الله تعالى لعبده معناه : إحسانه ~~إليه وإنعامه عليه. # أى : لقد كذب هؤلاء المشركون في زعمهم أن الملائكة بنات الله ، والحق أن ~~الملائكة هم عباد مخلوقون له تعالى ومقربون إليه ومكرمون عنده. # وقوله : ( @QUR@03 لا يسبقونه بالقول ) أى : لا يتكلمون إلا بما يأمرهم ~~به ، ولا يقولون شيئا PageV09P200 # بدون إذنه ، كما هو شأن العبيد الطائعين لسيدهم. # وأصل الكلام : لا يسبق قولهم قوله عز وجل إلا أنه سبحانه أسند السبق إليهم ~~، تنزيلا لسبق قولهم لقوله ، منزلة سبقهم إياه ، للإشعار بمزيد طاعتهم ~~وتنزيههم عن كل قول بغير إذنه تعالى . # وقوله : ( @QUR@03 وهم بأمره يعملون ) بيان لتبعيتهم له تعالى في الأعمال ~~إثر بيان تبعيتهم له سبحانه في الأقوال. # أى : وهم بأمره وحده يعملون لا بأمر أحد سواه ، ولا بأمر أنفسهم ، كما ~~قال تعالى في آية أخرى : ( @QUR@023 يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم ~~وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة. عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ~~ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) (1). # ثم بين سبحانه مظهرا من مظاهر علمه الشامل ، وحكمه النافذ ، فقال ( ~~@QUR@06 يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم .. ) أى : يعلم سبحانه أحوالهم كلها ~~صغيرها وكبيرها ، متقدمها ومتأخرها ، ( @QUR@02 ولا يشفعون ) لأحد من خلقه ~~إلا لمن ارتضى الله تعالى شفاعتهم له. # ( @QUR@04 وهم من خشيته مشفقون ) أى : وهم لخوفهم من الله ومن عقابه ~~حذرون وجلون. # فأنت ترى أن الله تعالى قد وصف الملائكة في هذه الآيات بجملة من الصفات ~~الكريمة التي تدل ms3911 على طاعتهم المطلقة لله تعالى وعلى إكرامه سبحانه لهم. # ثم بين سبحانه بعد ذلك أنهم مع كرامتهم عند الله تعالى لو ادعى أحد منهم ~~على سبيل الفرض أنه إله ، لعاقبه الله عقابا شديدا ، فقال تعالى : ( ~~@QUR@013 ومن يقل منهم إني إله من دونه ، فذلك نجزيه جهنم ، كذلك نجزي ~~الظالمين ). # أى : ومن يقل من الملائكة على سبيل الفرض والتقدير ( @QUR@04 إني إله من ~~دونه ) أى : من دون الله عز وجل «فذلك» الذي ادعى هذا الادعاء الكاذب «نجزيه ~~جهنم» أى : نجعل جزاءه الإلقاء في جهنم كسائر المجرمين الكاذبين ، ولا يغنى ~~عنه ما سبق له من طاعة وتكريم ( @QUR@03 كذلك نجزي الظالمين ) أى : مثل هذا ~~الجزاء الرادع الفظيع نجزى كل ظالم يضع الأمور في غير موضعها ، إذ أن حقوق ~~الله تعالى لا يجوز لأحد كائنا من كان أن ينسبها لنفسه ، سواء أكان ملكا ~~مقربا ، أم نبيا مرسلا. # وبعد أن ساق سبحانه ألوانا من الأدلة الكونية الشاهدة بوحدانيته ، ومن الأدلة PageV09P201 # النقلية النافية للشركاء ، ومن الأدلة الوجدانية التي تهيج القلوب نحو ~~الحق .. أتبع ذلك بتحريض الكافرين على التدبر في ملكوت السموات والأرض ، ~~لعل هذا التدبر يهديهم إلى الإيمان ، فقال تعالى : # ( @QUR@018 أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما ~~وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون (30) @QUR@013 وجعلنا في الأرض ~~رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون (31) @QUR@08 ~~وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون (32) @QUR@011 وهو الذي ~~خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون ) (33) # وقوله ( @QUR@01 رتقا ) مصدر رتقه رتقا : إذا سده. يقال : رتق فلان الفتق ~~رتقا ، إذا ضمه وسده ، وهو ضد الفتق الذي هو بمعنى الشق والفصل. # وللعلماء في معنى هذه الآية أقوال أشهرها : أن معنى ( @QUR@02 كانتا رتقا ~~) أن السماء كانت صماء لا ينزل منها مطر ، وأن الأرض كانت لا يخرج منها ~~نبات ، ففتق الله تعالى السماء بأن جعل المطر ينزل منها ، وفتق الأرض بأن ~~جعل النبات يخرج منها. # وهذا التفسير منسوب إلى ابن عباس ، فقد سئل عن ذلك فقال : كانت السموات ms3912 ~~رتقا لا تمطر ، وكانت الأرض رتقا لا تنبت ، فلما خلق سبحانه للأرض أهلا ، ~~فتق هذه بالمطر ، وفتق هذه بالنبات (1). # ومنهم من يرى أن المعنى : كانت السموات والأرض متلاصقتين كالشىء الواحد ، ~~ففتقهما الله تعالى بأن فصل بينهما ، فرفع السماء إلى مكانها ، وأبقى الأرض ~~في مقرها ، وفصل بينهما بالهواء. PageV09P202 # قال قتادة قوله ( @QUR@02 كانتا رتقا ) يعنى أنهما كانا شيئا واحدا ففصل ~~الله بينهما بالهواء (1). # ومنهم من يرى أن معنى «كانتا رتقا» أن السموات السبع كانت متلاصقة بعضها ~~ببعض ففتقها الله تعالى بأن جعلها سبع سموات منفصلة ، والأرضون كانت كذلك ~~رتقا ، ففصل الله تعالى بينها وجعلها سبعا. # قال مجاهد : كانت السموات طبقة واحدة مؤتلفة ، ففتقها فجعلها سبع سموات ، ~~وكذلك الأرضين كانت طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبعا (2). # وقد رجح بعض العلماء المعنى الأول فقال ما ملخصه : كونهما «كانتا رتقا» ~~بمعنى أن السماء لا ينزل منها مطر ، والأرض لا تنبت ، ففتق سبحانه السماء ~~بالمطر والأرض بالنبات ، هو الراجح وتدل عليه قرائن من كتاب الله تعالى منها : # أن قوله تعالى : ( @QUR@04 أولم ير الذين كفروا .. ) يدل على أنهم رأوا ~~ذلك لأن الأظهر في رأى أنها بصرية ، والذي يرونه بأبصارهم هو أن السماء ~~تكون لا ينزل منها مطر ، والأرض لا نبات فيها. فيشاهدون بأبصارهم نزول ~~المطر من السماء ، وخروج النبات من الأرض. # ومنها : أنه سبحانه أتبع ذلك بقوله : ( @QUR@06 وجعلنا من الماء كل شيء ~~حي ) والظاهر اتصال هذا الكلام بما قبله. أى : وجعلنا من الماء الذي ~~أنزلناه بفتقنا السماء ، وأنبتنا به أنواع النبات بفتقنا الأرض ، كل شيء حي. # ومنها : أن هذا المعنى جاء موضحا في آيات أخرى ، كقوله تعالى : ( @QUR@06 ~~والسماء ذات الرجع. والأرض ذات الصدع ) والمراد بالرجع : نزول المطر من ~~السماء تارة بعد أخرى ، والمراد بالصدع : انشقاق الأرض عن النبات. واختار ~~هذا القول ابن جرير وابن عطية والفخر الرازي. # فإن قيل : هذا الوجه مرجوح ، لأن المطر لا ينزل من السموات ، بل من سماء ~~واحدة وهي سماء الدنيا؟ # قلنا : إنما أطلق عليه لفظ الجمع ، لأن كل قطعة فيها سماء كما يقال ms3913 : ثوب ~~أخلاق أى : قطع (3). # والآية الكريمة مسوقة لتجهيل المشركين وتوبيخهم على كفرهم ، مع أنهم ~~يشاهدون بأعينهم ما يدل دلالة واضحة على وحدانية الله تعالى وقدرته ، ~~ويعلمون أن من كان كذلك ، PageV09P203 # لا يصح أن تترك عبادته إلى عبادة حجر أو نحوه ، مما لا يضر ولا ينفع. # والمعنى : أو لم يشاهد الذين كفروا بأبصارهم ، ويعلموا بعقولهم ، أن ~~السموات والأرض كانتا رتقا ، بحيث لا ينزل من السماء مطر ، ولا يخرج من ~~الأرض نبات ، ففتق الله تعالى السماء بالمطر ، والأرض بالنبات. # إنهم بلا شك يشاهدون ذلك ، ويعقلونه بأفكارهم. ولكنهم لاستيلاء الجحود ~~والعناد عليهم ، يعبدون من دونه سبحانه مالا ينفع من عبده ، ولا يضر من عصاه. # وقال سبحانه : ( @QUR@01 كانتا ) بالتثنية ، باعتبار النوعين اللذين هما ~~نوع السماء ، ونوع الأرض ، كما في قوله عز وجل : ( @QUR@07 إن الله يمسك ~~السماوات والأرض أن تزولا .. ). # وقوله تعالى : ( @QUR@06 وجعلنا من الماء كل شيء حي .. ) تأكيد لمضمون ما ~~سبق ، وتقرير لوحدانيته ونفاذ قدرته سبحانه والجعل بمعنى الخلق. و ( ~~@QUR@01 من ) ابتدائية. # أى : وخلقنا من الماء بقدرتنا النافذة ، كل شيء متصف بالحياة الحقيقية ~~وهو الحيوان ، أو كل شيء نام فيدخل النبات ، ويراد من الحياة ما يشمل النمو. # وهذا العام مخصوص بما سوى الملائكة والجن مما هو حي ، لأن الملائكة كما ~~جاء في بعض الأخبار خلقوا من النور ، والجن مخلوقون من النار. # قال تعالى ( @QUR@011 خلق الإنسان من صلصال كالفخار* وخلق الجان من مارج ~~من نار ). # قال القرطبي : وفي قوله تعالى : ( @QUR@06 وجعلنا من الماء كل شيء حي ) ~~ثلاث تأويلات : أحدها : أنه خلق كل شيء من الماء. قاله قتادة. الثاني : حفظ ~~حياة كل شيء بالماء : الثالث : وجعلنا من ماء الصلب أى : النطفة كل شيء حي ~~.. (1). # وقوله : ( @QUR@02 أفلا يؤمنون ) إنكار لعدم إيمانهم مع وضوح كل ما يدعو ~~إلى الإيمان الحق ، والفاء للعطف على مقدر يستدعيه هذا الإنكار. # أى : أيشاهدون بأعينهم ما يدل على وحدانية الله وقدرته. ومع ذلك لا ~~يؤمنون؟ # إن أمرهم هذا لمن أعجب العجب ، وأغرب الغرائب!!. # ثم ساق سبحانه أدلة أخرى على وحدانيته وقدرته فقال : ( @QUR@07 وجعلنا ms3914 في ~~الأرض رواسي أن تميد بهم .. ). PageV09P204 # الرواسي : جمع راسية ، من رسا الشيء إذا ثبت ورسخ ، والمراد بها الجبال ~~الثابتة الراسخة في الأرض. # أى : وجعلنا في الأرض جبالا ثوابت ، كراهة أن ( @QUR@02 تميد بهم ) أى : ~~أن تضطرب وتتحرك بهم الأرض. يقال : ماد الشيء يميد ميدا من باب باع إذا ~~تحرك واهتز. # ( @QUR@06 وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون )، والفجاج. جمع فج وهو ~~الطريق الواسع. # والسبل : جمع سبيل وهو الطريق. وهو بدل من ( @QUR@01 فجاجا ). # أى : وجعلنا في الأرض طرقا واسعة ، ومنافذ متعددة ، لعلهم بذلك يهتدون ~~ويتوصلون إلى الأماكن التي يريدون الوصول إليها. ويعلمون أن الذي وهبهم كل ~~هذه النعم ، هو الله تعالى الذي يجب أن يخلصوا له العبادة والطاعة. # ( @QUR@08 وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون ) أى : وجعلنا ~~السماء سقفا للأرض كما يكون السقف للبيت ، وجعلناه محفوظا من السقوط ومن ~~التشقق ، ومن كل شيطان رجيم. وهم أى المشركون عن آياتها الدالة على قدرتنا ~~ووحدانيتنا وعلمنا. معرضون ذاهلون ، لا يتعظون ولا يتذكرون. # ومن الآيات الدالة على حفظ السماء من السقوط ، قوله تعالى : ( @QUR@014 ~~... ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤف رحيم ) (1). # ومن الآيات الدالة على حفظها من التشقق والتفطر قوله سبحانه : ( @QUR@012 ~~أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج. ) (2). # وعلى حفظها من الشياطين قوله تعالى : ( @QUR@05 وحفظناها من كل شيطان ~~رجيم ) (3). # ومن الآيات الدالة على إعراض هؤلاء المشركين عن العبر والعظات قوله ~~سبحانه : ( @QUR@011 وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها ~~معرضون ) (4). # ثم ختم سبحانه هذه الآيات الدالة على قدرته ووحدانيته بقوله تعالى ( ~~@QUR@011 وهو الذي خلق الليل والنهار ، والشمس والقمر ، كل في فلك يسبحون ). # أى : وهو وحده سبحانه الذي خلق بقدرته الليل والنهار بهذا النظام البديع ~~، وخلق الشمس والقمر بهذا الإحكام العجيب «كل» أى : كل واحد من الشمس ~~والقمر يسير في فلكه وطريقه المقدر له بسرعة وانتظام ، كالسابح في الماء. PageV09P205 # وقوله : ( @QUR@01 يسبحون ) من السبح وهو المر السريع في الماء أو ~~الهواء. # وجاء يسبحون بضمير العقلاء. ms3915 لكون السباحة المسندة إليهما من فعل العقلاء ~~، كما في قوله تعالى : ( @QUR@05 والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ). # هذا والمتأمل في هذه الآيات يراها قد ساقت جملة من الأدلة على وحدانية ~~الله تعالى وعلى كمال قدرته. # ثم بين سبحانه أن مصير البشر جميعا إلى الفناء ، وأن كل نفس ذائقة الموت ~~، وأن من طبيعة الإنسان تعجل الأمور قبل أوانها ، وأن المشركين لو علموا ~~المصير السيئ الذي ينتظرهم يوم القيامة ، لما قالوا ما قالوه من باطل ، ~~ولما فعلوا ما فعلوه من قبائح ، قال تعالى : # ( @QUR@010 وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون (34) ~~@QUR@010 كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون (35) ~~@QUR@017 وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم ~~وهم بذكر الرحمن هم كافرون (36) @QUR@08 خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي ~~فلا تستعجلون (37) @QUR@07 ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (38) ~~@QUR@016 لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ~~ولا هم ينصرون (39) @QUR@010 بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا ~~هم ينظرون (40) @QUR@013 ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ~~ما كانوا به يستهزؤن ) (41) PageV09P206 # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@06 وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد ) أى ~~دوام البقاء في الدنيا. # نزلت حين قالوا : نتربص بمحمد صلى الله عليه وسلم ريب المنون. وذلك أن ~~المشركين كانوا يدفعون نبوته ويقولون : شاعر نتربص به ريب المنون ، ولعله ~~يموت كما مات شاعر بنى فلان ، فقال الله تعالى : قد مات الأنبياء قبلك يا ~~محمد ، وتولى الله دينه بالنصر والحياطة ، فهكذا نحفظ دينك وشرعك .. (1). # والاستفهام في قوله سبحانه : ( @QUR@04 أفإن مت فهم الخالدون ) للإنكار ~~والنفي .. # والمعنى : وما جعلنا أيها الرسول الكريم لبشر من قبلك كائنا من كان ~~الخلود في هذه الحياة ، وأنت إن مت فهم أيضا سيموتون في الوقت الذي حدده ~~الله تعالى لانقضاء عمرك وأعمارهم ، وما دام الأمر كذلك فذرهم في جهالتهم ~~يعمهون ، ولا تلتفت إلى شماتتهم فيك ، أو إلى تربصهم بك ، فإنك ميت وإنهم ~~ميتون ، وكل شيء هالك إلا ms3916 وجهه له الحكم وإليه ترجعون ، ورحم الله الإمام ~~الشافعى حيث يقول : # تمنى أناس أن أموت. وإن أمت %~% فتلك سبيل لست فيها بأوحد فقل للذي يبغى خلاف الذي مضى %~% تهيأ لأخرى مثلها ، وكأن قد # وقال شاعر آخر : # إذا ما الدهر جر على أناس %~% كلاكله أناخ بآخرينا فقل للشامتين بنا أفيقوا %~% سيلقى الشامتون كما لقينا # ثم أكد سبحانه عدم خلود بشر في هذه الحياة فقال : ( @QUR@04 كل نفس ذائقة ~~الموت ). # أى : كل نفس أوجدها الله تعالى في هذه الحياة ، ستذوق مرارة نزول الموت ~~بها. ومفارقة روحها لجسدها. # قال الآلوسى ما ملخصه : والموت عند الأشعرى ، كيفية وجودية تضاد الحياة ، ~~وعند كثيرين غيره : أنه عدم الحياة عما من شأنه الحياة بالفعل. # وقال بعضهم : المراد بالنفس هنا : النفس الإنسانية لأن الكلام مسوق لنفى ~~خلود البشر. # واختير عمومها لتشمل نفوس البشر والجن وسائر نفوس الحيوان (2). PageV09P207 # وقوله تعالى : ( @QUR@06 ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ) بيان ~~لسنة من سننه تعالى في معاملة عباده. # وقوله سبحانه : ( @QUR@01 ونبلوكم ) من البلو بمعنى الاختبار والامتحان. ~~يقال : فلان بلاه الله بخير أو شر يبلوه بلوا ، وأبلاه وابتلاه ابتلاء ، ~~بمعنى امتحنه (1). # وقوله : ( @QUR@01 فتنة ) مصدر مؤكد لنبلوكم من غير لفظه. # أى : كل نفس ذائقة الموت ، ونختبركم في هذه الحياة بألوان من النعم ~~وبألوان من المحن ، لنرى أتشكرون عند النعمة ، وتصبرون عند المحنة ، أم ~~يكون حالكم ليس كذلك؟ وفي جميع الأحوال فإن مرجعكم إلينا لا محالة ، ~~وسنجازيكم بما تستحقون من ثواب على شكركم وصبركم ، وسنجازى غير الشاكرين ~~وغير الصابرين بما يستحقون من عقاب ، ولا يظلم ربك أحدا. # قال بعض العلماء : «والابتلاء بالشر مفهوم أمره ليتكشف مدى احتمال ~~المبتلى ، ومدى صبره على الضر ، ومدى ثقته في ربه ، ورجائه في رحمته .. ~~فأما الابتلاء بالخير فهو في حاجة إلى بيان. # إن الابتلاء بالخير أشد وطأة. فكثيرون يصمدون أمام الابتلاء بالشر ولكن ~~القلة القليلة هي التي تصمد للابتلاء بالخير. # كثيرون يصبرون على الابتلاء بالمرض والضعف ، وقليلون هم الذين يصبرون على ~~الابتلاء بالصحة والقدرة. # كثيرون يصبرون على الفقر والحرمان ، فلا تتهاوى نفوسهم ms3917 ولا تذل. وقليلون ~~هم الذين يصبرون على الثراء ومغرياته وما يثيره من أطماع. # كثيرون يصبرون على الكفاح والجراح ، وقليلون هم الذين يصبرون على الدعة ، ~~ولا يصابون بالحرص الذي يذل أعناق الرجال. # إن الابتلاء بالشر قد يثير الكبرياء ، ويستحث المقاومة ويجند الأعصاب ~~لاستقبال الشدة .. أما الرخاء فقد يرخى الأعصاب ويفقدها المقاومة .. إلا من ~~عصم الله ، وصدق رسوله الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول : «عجبا لأمر المؤمن ~~، إن أمره كله خير ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر فكان ~~خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» (2). PageV09P208 # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@011 ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ~~فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون ) (2). # ثم حكى سبحانه جانبا من السفاهات التي كان المشركون يقابلون بها النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال : ( @QUR@08 وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا ~~هزوا ). # أى : وإذا أبصرك المشركون أيها الرسول الكريم سخروا منك ، واستخفوا بك ~~وقالوا على سبيل التهوين من شأنك : ( @QUR@04 أهذا الذي يذكر آلهتكم ) أى : ~~أهذا هو مدعى النبوة الذي يذكر آلهتكم بسوء ويعيبها ، وينفى شفاعتها لنا ، ~~وأنها تقربنا إلى الله زلفى. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 وهم بذكر الرحمن هم كافرون ) في محل نصب حال من ~~ضمير القول المقدر. # أى : أنهم يقولون فيما بينهم أهذا هو الرسول الذي يذكر آلهتكم بسوء ، ~~والحال أن هؤلاء المشركين الجاهلين ، كافرون بالقرآن الذي أنزله الله تعالى ~~عليك أيها الرسول الكريم لتخرج الناس به من الظلمات إلى النور. # فالآية الكريمة تنعى على هؤلاء المشركين جهالاتهم وسفاهاتهم ، حيث ~~استكثروا على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يذم آلهتهم التي لا تنفع ولا تضر ~~ولم يستكثروا على أنفسهم ، أن يكفروا بخالقهم وبذكره الذي أنزله على نبيه ~~صلى الله عليه وسلم ليكون رحمة لهم. # قال صاحب الكشاف : الذكر يكون بخير وبخلافه. فإذا دلت الحال على أحدهما ~~أطلق ولم يقيد. كقولك للرجل : سمعت فلانا يذكرك ، فإن كان الذاكر صديقا فهو ~~ثناء ، وإن كان عدوا فهو ذم ، ومنه ms3918 قوله : ( @QUR@04 أهذا الذي يذكر آلهتكم ). # والمعنى : أنهم عاكفون على ذكر آلهتهم بهممهم ، وربما يجب أن لا تذكر به ~~من كونهم شفعاء وشهداء. ويسوءهم أن يذكرها ذاكر بخلاف ذلك. وأما ذكر الله ~~تعالى وما يجب أن يذكر به من الوحدانية ، فهم به كافرون لا يصدقون به أصلا ~~، فهم أحق بأن يتخذوا هزوا منك ، فإنك محق وهم مبطلون .. فسبحان من أضلهم ~~حتى تأدبوا مع الأوثان ، وأساءوا الأدب مع الرحمن» (3). PageV09P209 # ثم بين سبحانه ما جبل عليه الإنسان من تسرع وتعجل فقال : ( @QUR@04 خلق ~~الإنسان من عجل ). # والعجل : طلب الشيء وتحريه قبل أوانه ، وهو ضد البطء. # والمراد بالإنسان : جنسه. # والمعنى : خلق جنس الإنسان مجبولا على العجلة والتسرع فتراه يستعجل حدوث ~~الأشياء قبل وقتها المحدد لها ، مع أن ذلك قد يؤدى إلى ضرره. # فالمراد من الآية الكريمة وصف الإنسان بالمبالغة في تعجل الأمور قبل ~~وقتها ، حتى لكأنه مخلوق من نفس التعجل. والعرب تقول : فلان خلق من كذا ، ~~يعنون بذلك المبالغة في اتصاف هذا الإنسان بما وصف به ، ومنه قولهم خلق ~~فلان من كرم ، وخلقت فلانة من الجمال. # وقوله : ( @QUR@04 سأريكم آياتي فلا تستعجلون ) تهديد وزجر لأولئك ~~الكافرين الذين كانوا يستعجلون العذاب. # أى : سأريكم عقابي وانتقامي منكم أيها المشركون فلا تتعجلوا ذلك فإنه آت ~~لا ريب فيه. # قال ابن كثير : والحكمة في ذكر عجلة الإنسان هنا : أنه سبحانه لما ذكر ~~المستهزئين بالرسول صلى الله عليه وسلم وقع في النفوس سرعة الانتقام منهم. ~~فقال سبحانه : ( @QUR@04 خلق الإنسان من عجل ) لأنه تعالى يملى للظالم حتى ~~إذا أخذه لم يفلته ، يؤجل ثم يعجل ، وينظر ثم لا يؤخر ، ولهذا قال : ( ~~@QUR@02 سأريكم آياتي ) أى : نقمى واقتدارى على من عصاني ( @QUR@02 فلا ~~تستعجلون ) (1). # وقال الآلوسى : «والنهى عن استعجالهم إياه تعالى مع أن نفوسهم جبلت على ~~العجلة ، ليمنعوها عما تريده وليس هذا من التكليف بما لا يطاق. لأنه سبحانه ~~أعطاهم من الأسباب ما يستطيعون به كف النفس عن مقتضاها ، ويرجع هذا النهى ~~إلى الأمر بالصبر» (2). # ثم أكد سبحانه ما يدل على تعجلهم لما فيه هلاكهم فقال ms3919 : ( @QUR@07 ~~ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ). # أى : أن هؤلاء المشركين بلغ من طغيانهم وجهلهم أنهم كانوا يتعجلون العذاب الذي PageV09P210 # توعدهم الله تعالى به إذا ما استمروا على كفرهم. ويقولون للرسول ~~صلى الله عليه وسلم ولأصحابه على سبيل التهكم والاستهزاء متى يقع هذا العذاب ~~الذي توعدتمونا به. إننا مترقبون له ، فإن كنتم صادقين في وعيدكم ، فأسرعوا ~~في إنزاله. وأسرعوا في دعوة ربكم سبحانه أن يأتى بالساعة. # وجواب الشرط لقوله ( @QUR@03 إن كنتم صادقين ) محذوف ، لدلالة ما قبله ~~عليه. أى : إن كنتم صادقين في وعيدكم بأن هناك عذابا ينتظرنا ، فأتوا به بسرعة. # وهنا يسوق القرآن ما يدل على غفلتهم وسوء تفكيرهم ، وعلى أنهم لو كانوا ~~يعلمون ما ينتظرهم من عذاب يوم القيامة ، لما تفوهوا بما تفوهوا به فيقول ~~سبحانه ( @QUR@016 لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا ~~عن ظهورهم ، ولا هم ينصرون ). # وجواب «لو» محذوف. و «يعلم» بمعنى يعرف ، و «حين» مفعوله. # أى : لو عرف الكافرون وقت وقوع العذاب بهم. وما فيه من فظائع تجعلهم ~~يعجزون عن دفع النار عن وجوههم وعن ظهورهم .. لو يعرفون ذلك لما استعجلوه. ~~ولما استخفوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وبأصحابه ، لكن عدم معرفتهم هي التي ~~جعلتهم يستعجلون ويستهزئون. # وخص سبحانه الوجوه والظهور بالذكر. لكونهما أظهر الجوانب ، ولبيان أن ~~العذاب سيغشاهم من أمامهم ومن خلفهم دون أن يملكوا له دفعا. # وقال سبحانه ( @QUR@03 ولا هم ينصرون ) لبيان أنهم مع عجزهم عن دفع ~~العذاب بأنفسهم. فإن غيرهم أيضا لن يستطيع دفعه عنهم. # قال صاحب الكشاف : «جواب «لو» محذوف. و «حين» مفعول به ليعلم. أى : لو ~~يعلمون الوقت الذي يستعلمون عنه بقولهم : «متى هذا الوعد» وهو وقت صعب شديد ~~تحيط بهم فيه النار من وراء وقدام ، فلا يقدرون على دفعها ومنعها من أنفسهم ~~، ولا يجدون ناصرا ينصرهم ؛ لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء ~~والاستعجال ، ولكن جهلهم به هو الذي هونه عندهم ، ويجوز أن يكون «يعلم» ~~متروكا بلا تعدية ، بمعنى : لو كان معهم علم ولم يكونوا جاهلين ms3920 ، لما كانوا ~~مستعجلين ، وحين : منصوب بمضمر ، أى حين «لا يكفون عن وجوههم النار» يعلمون ~~أنهم كانوا على الباطل .. (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@04 بل تأتيهم بغتة فتبهتهم ).. بيان لسرعة قيام ~~الساعة ، ومفاجأتها لهم. أى : بل تأتيهم الساعة الموعود بها ، وبعذابهم ~~فيها ، مفاجأة من غير شعور بمجيئها PageV09P211 # «فتبهتهم» أى : فتدهشهم وتحيرهم ، والبهت : الانقطاع والحيرة. # «فلا يستطيعون ردها» أى : فلا يستطيعون دفع الساعة أوردها عنهم ( @QUR@03 ~~ولا هم ينظرون ) أى : ولا هم يمهلون لتوبة أو معذرة. # ثم ختم سبحانه الآيات الكريمة بتسلية النبي صلى الله عليه وسلم عما أصابه من ~~هؤلاء المشركين ، فقال : ( @QUR@013 ولقد استهزئ برسل من قبلك ، فحاق ~~بالذين سخروا منهم. ما كانوا به يستهزؤن ). # أى : ولقد استهزئ أيها الرسول الكريم برسل كثيرين من قبلك ، فنزل بهؤلاء ~~المشركين المستهزئين برسلهم ، العذاب الذي كانوا يستهزئون به في الدنيا ، ~~ويستعجلون رسلهم في نزوله. # وصدرت الآية الكريمة بلام القسم وقد ، لزيادة تحقيق مضمونها وتأكيده ، ~~وتنوين الرسل : للتفخيم والتكثير ، أى : والله لقد استهزئ برسل كثيرين ذوى ~~شأن خطير كائنين في زمان قبل زمانك. # وعبر سبحانه بالفعل حاق ، لأن هذه المادة تستعمل في إحاطة المكروه ، فلا ~~يقال : فلان حاق به الخير ، ولأنها تدل على الشمول واللزوم. # أى : فنزل بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به في الدنيا نزولا شاملا ، ~~أحاط بهم من كل جهة إحاطة تامة. # وبذلك تكون الآيات الكريمة ، قد بينت جانبا من سنن الله تعالى في خلقه ، ~~وحكت بعض الأفعال القبيحة التي كان المشركون يفعلونها مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهددتهم عليها تهديدا شديدا ، وسلت النبي صلى الله عليه وسلم ~~عما ارتكبوه في حقه. # ثم أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يذكر هؤلاء الجاحدين بنعمه تعالى ~~وأن ينذرهم بأسه وعقابه إذا ما استمروا في كفرهم ، فقال عز وجل : # ( @QUR@013 قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم ~~معرضون (42) @QUR@09 أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر PageV09P212 # @QUR@05 أنفسهم ولا هم منا يصحبون (43) @QUR@018 بل متعنا هؤلاء وآباءهم ~~حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا ms3921 نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم ~~الغالبون (44) @QUR@011 قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ~~ينذرون (45) @QUR@012 ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ~~ظالمين (46) @QUR@020 ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا ~~وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ) (47) # وقوله تعالى : ( @QUR@01 يكلؤكم ) أى : يرعاكم ويحفظكم. يقال : فلان كلأ ~~فلانا كلأ وكلاءة بالكسر إذا حرسه ، واكتلأ فلان من غيره ، إذا احترس منه. # والاستفهام للإنكار والتقريع. # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء المستهزئين بك وبما جئت به من عند ربك ~~: قل لهم من الذي يحرسكم ويحفظكم «بالليل» وأنتم نائمون «والنهار» وأنتم ~~متيقظون «من الرحمن» أى : من عذاب الرحمن وبأسه إذا أراد أن يهلككم بسبب ~~عكوفكم على كفركم وشرككم. # وتقديم الليل على النهار ، لما أن الدواهي فيه أكثر ، والأخذ فيه أشد ، ~~واختار سبحانه لفظ الرحمن ، للإشعار بأنهم يعيشون في خيره ورحمته. ومع ذلك ~~لا يشكرونه تعالى على نعمه. # ولذا أخبر سبحانه عنهم بقوله : ( @QUR@06 بل هم عن ذكر ربهم معرضون ) أى ~~: بل هم بعد كل هذا الإنكار عليهم ، والتنبيه لهم عن ذكر ربهم وكتابه الذي ~~أنزله لهدايتهم ، معرضون شاردون ، لا يحاولون الانتفاع بتوجيهاته ، ولا ~~يستمعون إلى إرشاداته. PageV09P213 # فالجملة الكريمة تنفى عنهم الانتفاع بما يوجهه الرسول صلى الله عليه وسلم ~~إليهم من هدايات وعظات. # ثم وجه سبحانه إليهم سؤالا آخر فقال : ( @QUR@06 أم لهم آلهة تمنعهم من ~~دوننا .. )؟. # و ( @QUR@01 أم ) هنا هي المنقطعة التي بمعنى بل والهمزة ، فهي مشتملة ~~على معنى الإضراب والإنكار. # والمعنى : وسلهم أيها الرسول الكريم مرة أخرى : ألهؤلاء الجاحدين آلهة ~~أخرى تستطيع أن تحرسهم وترعاهم سوانا نحن؟ كلا لبس لهم ذلك. # فالجملة الكريمة إضراب عن وصفهم بالإعراض إلى توبيخهم على جهالاتهم بسبب ~~اعتمادهم على آلهة لا تنفع ولا تضر. # وقوله : ( @QUR@08 لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون ) نفى على ~~أبلغ وجه لأن تكون هناك آلهة ترعاهم سوى الله تعالى أى : كلا .. ليس لهم ~~آلهة تمنعهم من عذابنا إن أردنا إنزاله بهم ms3922 ، فإن هؤلاء الآلهة لا يستطيعون ~~نصر أنفسهم فضلا عن نصر غيرهم ، ولا هم منا يصحبون ، أى : يجارون ويمنعون ~~من نزول الضر بهم. # قال ابن جرير : «وقوله ( @QUR@01 يصحبون ) بمعنى يجارون ، تقول العرب : ~~أنا لك جار وصاحب من فلان. بمعنى أجيرك وأمنعك منه. وهؤلاء إذا لم يصحبوا ~~بالجوار ، ولم يكن لهم مانع من عذاب الله ، مع سخط الله عليهم ، فلم يصحبوا ~~بخير ولن ينصروا (1). # ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن نعمة أخرى من نعم الله عليهم لم ~~يحسنوا شكرها ، فقال تعالى : ( @QUR@08 بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال ~~عليهم العمر .. ). # أى : لا تلتفت أيها الرسول الكريم إلى هؤلاء المشركين الذين أعرضوا عن ~~ذكر ربهم ، والذين زعموا أن آلهتهم تضر أو تنفع ، فإننا قد كلأناهم ~~برعايتنا بالليل والنهار ، ومتعناهم وآباءهم من قبلهم بالكثير من متع ~~الحياة الدنيا ، حتى طالت أعمارهم في رخاء ونعمة ، فحملهم ذلك على الطغيان ~~والبطر والإصرار على الكفر. وسنأخذهم في الوقت الذي نريده أخذ عزيز مقتدر ، ~~فإن ما أعطيناه لهم من نعم إنما هو على سبيل الاستدراج لهم. # ثم يلفت سبحانه أنظارهم إلى الواقع المشاهد في هذه الحياة فيقول : ( ~~@QUR@010 أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون ). PageV09P214 # وللعلماء في تفسير هذه الجملة الكريمة أقوال منها : أن المراد بنقص الأرض ~~من أطرافها : إهلاك المشركين السابقين الذين كذبوا رسلهم ، كقوم نوح وعاد ~~وثمود ، وهم يمرون على قرى بعض هؤلاء المكذبين ، ويرون آثارهم وقد دمرت ~~ديارهم. # والمعنى : أفلا ينظر هؤلاء المشركون الذين كذبوك يا محمد ، فيرون بأعينهم ~~ما حل بأمثالهم ممن كذبوا الرسل من قبلك. وكيف أننا طوينا الأرض بهم. ~~وجعلناهم أثرا بعد عين. # والاستفهام في قوله : ( @QUR@02 أفهم الغالبون ) للإنكار. # أى : لم تكن الغلبة والعاقبة في يوم من الأيام لمن كذبوا رسل الله تعالى ~~وإنما الغلبة والظفر وحسن العاقبة لمن آمن بالرسل وصدقهم واتبع ما جاءوا به ~~من عند ربهم. # وقد أشار الإمام ابن كثير إلى هذا المعنى بقوله : «أفلا يعتبرون بنصر ~~الله لأوليائه على أعدائه ، وإهلاكه الأمم المكذبة والقرى الظالمة ms3923 وإنجائه ~~لعباده المؤمنين. ولهذا قال : ( @QUR@02 أفهم الغالبون ). # يعنى : بل هم المغلوبون الأسفلون الأخسرون الأرذلون (1). # ومنها أن المراد بنقص الأرض من أطرافها : نقص أرض الكفر ودار الحرب ، ~~وتسليط المسلمين عليها وانتزاعها من أيديهم بدليل الاستفهام الإنكارى في ~~قوله ( @QUR@02 أفهم الغالبون ) أى : لا .. ليسوا هم الذين يغلبون جندنا ، ~~وإنما جندنا هم الغالبون. # وقد صدر الآلوسى تفسيره لهذا القول فقال : «أفلا يرون أنا تأتى الأرض» أى ~~: أرض الكفرة «ننقصها من أطرافها» بتسليط المسلمين عليها ، وحوز ما يحوزونه ~~منها ، ونظمه في سلك ملكهم .. «أفهم الغالبون» على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. # والمراد إنكار ترتيب الغالبية على ما ذكر من نقص أرض الكفرة بتسليط ~~المؤمنين عليها ، كأنه قيل : أبعد ظهور ما ذكر ورؤيتهم له يتوهم غلبتهم ، ~~وفي التعريف تعريض بأن المسلمين هم المتعينون للغلبة المعروفون فيها (2). # وقال صاحب الكشاف : «فإن قلت : أى فائدة في قوله ( @QUR@02 نأتي الأرض )؟. # قلت : فيه تصوير ما كان الله يجريه على أيدى المسلمين ، وأن عساكرهم ~~وسراياهم كانت PageV09P215 # تغزو أرض المشركين وتأتيها غالبة عليها ، ناقصة من أطرافها (1). # وهذان الرأيان مع وجاهتهما ، إلا أن الرأى الأول الذي ذهب إليه ابن كثير ~~أكثر شمولا ، لأنه يتناول ما أصاب المكذبين للرسل السابقين من عقاب كما ~~يشمل التهديد للمكذبين المعاصرين للعهد النبوي ، بأنهم إذا استمروا في ~~طغيانهم فسيحل بهم ما حل بمن سبقوهم. # وهناك من يرى أن المراد بنقص الأرض من أطرافها : موت العلماء ، أو خرابها ~~عند موت أهلها ، أو نقص الأنفس والثمرات .. ولكن هذه الآراء ليس معها ما ~~يرجحها. # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوجه إلى هؤلاء المشركين ~~إنذارا حاسما ، فقال تعالى : ( @QUR@04 قل إنما أنذركم بالوحي .. ). # أى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين : إنى بعد أن بينت لكم ما بينت من ~~هدايات وإرشادات أنذركم عن طريق الوحى الصادق ، بأن الساعة آتية لا ريب ~~فيها ، فلا تستعجلوا ذلك فكل آت قريب ، وسترون فيها ما ترون من أهوال وعذاب. # وقوله ( @QUR@07 ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون ) توبيخ لهم وتجهيل. # أى ms3924 : ولا يسمع الصم دعاء من يدعوهم إلى ما ينفعهم ، ولا يلتفتون إلى ~~إنذار من ينذرهم وذلك لكمال جهلهم ، وشدة عنادهم ، وانطماس بصائرهم. # ثم بين سبحانه حالهم عند ما ينزل بهم شيء من العذاب فقال : ( @QUR@012 ~~ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين ). # أى : ولئن أصاب هؤلاء المشركين شيء قليل من عذاب ربك يا محمد. ليقولن على ~~سبيل التفجع والتحسر وإظهار الخضوع : يا ويلنا أى يا هلاكنا إنا كنا ظالمين ~~، ولذلك نزل بنا هذا العذاب ، وفي هذا التعبير ألوان من المبالغات منها : ~~ذكر المس الذي يكفى في تحققه إيصال ما ، ومنها : ما في النفح من النزارة ~~والقلة ، يقال : نفح فلان فلانا نفحة ، إذا أعطاه شيئا قليلا ومنها. البناء ~~الدال على المرة والواحدة كما يفيد ذلك التعبير بالنفحة. أى : نفحة واحدة ~~من عذاب ربك ، والمقصود من الآية الكريمة بيان سرعة تأثر هؤلاء المشركين ، ~~بأقل شيء من العذاب الذي كانوا يستعجلونه ، وأنهم إذا ما نزل بهم شيء منه ، ~~أصيبوا بالهلع والجزع ، وتنادوا بالويل والثبور والاعتراف بالظلم وتجاوز ~~الحدود. # ثم بين سبحانه مظهرا من مظاهر عدله مع عباده يوم القيامة فقال : ( ~~@QUR@01 ونضع PageV09P216 # @QUR@08 الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا .. ). # أي : ونحضر الموازين العادلة لمحاسبة الناس على أعمالهم يوم القيامة ~~ولإعطاء كل واحد منهم ما يستحقه من ثواب أو عقاب ، دون أن يظلم ربك أحدا من خلقه. # ( @QUR@011 وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ) أي : ~~وإن كانت الأعمال التي عملها الإنسان في الدنيا في نهاية الحقارة والقلة ، ~~أتينا بها في صحيفة عمله لتوزن ، وكفى بنا عادين ومحصين على الناس أعمالهم ~~، إذ لا يخفى علينا شيء منها سواء أكان قليلا أم كثيرا. # قال ابن كثير : قوله : ( @QUR@02 ونضع الموازين ) الأكثر على أنه ميزان ~~واحد ، وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة فيه (1). # وقال القرطبي : «الموازين : جمع ميزان ، فقيل : إنه يدل بظاهره على أن ~~لكل مكلف ميزانا توزن به أعماله ، فتوضع الحسنات في كفة ، والسيئات في كفة. ~~وقيل : يجوز أن ms3925 يكون هناك موازين للعامل الواحد ، يوزن بكل ميزان منها صنف ~~من أعماله .. وقيل : ذكر الميزان مثل وليس ثم ميزان وإنما هو العدل ، والذي ~~وردت به الأخبار ، وعليه السواد الأعظم القول الأول. و» القسط «صفة ~~الموازين ووحد لأنه مصدر .. (2). # واللام في قوله ( @QUR@02 ليوم القيامة ) قيل للتوقيت. أي للدلالة على ~~الوقت ، كقولهم : جاء فلان لخمس ليال بقين من الشهر. وقيل هي لام كي ، أي : ~~لأجل يوم القيامة ، أو بمعنى في أي : في يوم القيامة. # وقوله سبحانه ( @QUR@04 فلا تظلم نفس شيئا ) بيان للعدل الإلهى ، وأنه ~~سبحانه لا يظلم أحدا شيئا مما له أو عليه ، أي : فلا تظلم نفس شيئا من ~~الظلم لا قليلا ولا كثيرا. # وقوله ( @QUR@08 وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها ) تصوير لدقة ~~الحساب ، وعدم مغادرته لشيء من أعمال الناس ، إذ الخردل حب في غاية الصغر ~~والدقة. ومثقال الشيء : وزنه. # وأنث الضمير في قوله «بها» وهو راجع إلى المضاف الذي هو «مثقال» وهو ~~مذكر. لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه الذي هو «حبة من خردل». # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 وكفى بنا حاسبين ) بيان لإحاطة الله تعالى : ~~بعلم كل شيء. كما قال تعالى ( @QUR@011 إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ~~ولا في السماء ) (3). PageV09P217 # وفي معنى هذه الآية وردت آيات كثيرة منها قوله تعالى : ( @QUR@07 إن الله ~~لا يظلم مثقال ذرة ، وإن @QUR@ تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@025 يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في ~~صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير ) (2). # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ذكرت أولئك المشركين بجانب من نعم ~~الله تعالى عليهم ، وحضهم على التدبر والاتعاظ ، وأنذرتهم بسوء العاقبة إذا ~~ما استمروا في كفرهم وشركهم ، وصورت لهم دقة الحساب يوم القيامة ، وأن كل ~~إنسان سيحاسب على عمله سواء أكان صغيرا أم كبيرا ، ولا يظلم ربك أحدا. # وبعد أن فصل سبحانه الحديث عن دلائل التوحيد والنبوة والمعاد ، ورد على ~~المشركين ردا يفحمهم ، أتبع ذلك بالحديث ms3926 عن قصص بعض الأنبياء تسلية للرسول ~~صلى الله عليه وسلم وتثبيتا لقلبه ، فقال تعالى : # ( @QUR@08 ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين (48) ~~@QUR@08 الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون (49) @QUR@07 وهذا ~~ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون ) (50) # والمراد بالفرقان وبالضياء وبالذكر : التوراة ، فيكون الكلام من عطف ~~الصفات. والمعنى : ولقد أعطينا موسى وهارون عليهما السلام كتاب التوراة ~~ليكون فارقا بين الحق والباطل ، وليكون أيضا ضياء يستضيء به أتباعه من ~~ظلمات الكفر والضلالة ، وليكون ذكرا حسنا لهم ، وموعظة يتعظون بما اشتمل ~~عليه من آداب وأحكام. # قال الآلوسي : «قوله سبحانه : ( @QUR@07 ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ~~وضياء وذكرا .. ). # نوع تفصيلي لما أجمل في قوله تعالى قبل ذلك : ( @QUR@07 وما أرسلنا قبلك ~~إلا رجالا نوحي إليهم ). PageV09P218 # وتصديره بالتوكيد القسمي لإظهار كمال الاعتناء بمضمونه. # والمراد بالفرقان : التوراة ، وكذا بالضياء والذكر. والعطف كما في قوله : # إلى الملك القرم وابن الهمام %~% وليث الكتيبة في المزدحم # وقيل : الفرقان هنا : النصر على الأعداء .. والضياء التوراة أو الشريعة. ~~وعن الضحاك : أن الفرقان فرق البحر .. (1). # وخص المتقين بالذكر ، لأنهم هم الذين انتفعوا بما اشتمل عليه هذا الكتاب ~~من هدايات. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 الذين يخشون ربهم بالغيب .. ) صفة مدح للمتقين. # أي : آتينا موسى وهارون الكتاب الجامع لصفات الخير ليكون هداية للمتقين ، ~~الذين من صفاتهم أنهم يخافون ربهم وهو غير مرئى لهم ، ويخشون عذابه في السر ~~والعلانية ( @QUR@04 وهم من الساعة مشفقون ) أي : وهم من الساعة وما يقع ~~فيها من حساب دقيق خائفون وجلون وليسوا كأولئك الكافرين الجاحدين الذين ~~يستعجلون حدوثها. # وخصت الساعة بالذكر مع أنها داخلة في الإيمان بالغيب ، للعناية بشأنها ~~حيث إنها من أعظم المخلوقات ، وللرد على من أنكرها واستعجل قيامها. # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@04 وهذا ذكر مبارك أنزلناه ) للقرآن ~~الكريم ، أي : وهذا القرآن الذي أنزلناه على عبدنا محمد صلى الله عليه وسلم ~~هو ذكر وشرف لكم ، وهو كذلك كثير الخيرات والبركات لمن اتبع توجيهاته. # والاستفهام في قوله : ( @QUR@03 أفأنتم له منكرون ) للتوبيخ والإنكار ، ~~والخطاب للمشركين. # أي : كيف تنكرون كونه من عند الله مع أنكم بمقتضى ms3927 فصاحتكم تدركون من ~~بلاغته ، ما لا يدركه غيركم ، ومع أنكم تعترفون بنزول التوراة على موسى ~~وهارون. # إن إنكاركم لكون القرآن من عند الله ، لهو دليل واضح على جحودكم للحق بعد ~~أن تبين لكم. # قال الجمل : وتقديم الجار والمجرور على المتعلق ، دل على التخصيص ، أي : ~~أفأنتم للقرآن خاصة دون كتاب اليهود تنكرون؟ فإنهم كانوا يراجعون اليهود ~~فيما عن لهم من المشكلات (2). # ثم تسوق السورة بعد ذلك بشيء من التفصيل قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه ، PageV09P219 # وما دار بينه وبينهم من محاورات ومحاولات فتقول : # @QUR@09 ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين (51) @QUR@08 إذ ~~قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي @QUR@ أنتم لها عاكفون (52) @QUR@05 قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين (53) @QUR@08 قال لقد كنتم ~~أنتم وآباؤكم في ضلال مبين (54) @QUR@07 قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من ~~اللاعبين (55) @QUR@08 قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن @QUR@ ~~وأنا على ذلكم من الشاهدين (56) @QUR@07 وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين (57) @QUR@02 ~~فجعلهم جذاذا @QUR@ إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون (58) # وقصة إبراهيم عليه السلام مع قومه ، قد وردت في سور متعددة منها : سورة ~~البقرة ، والعنكبوت ، والصافات. # وهنا تحدثنا سورة الأنبياء عن جانب من قوة إيمانه عليه السلام ومن سلامة ~~حجته ومن تصميمه على تنفيذ ما يرضى الله تعالى بالقول والعمل. # والمراد بالرشد : الهداية إلى الحق والبعد عن ارتكاب ما نهى الله تعالى عنه. # والمراد بقوله تعالى * (من قبل) * أي : من قبل أن يكون نبيا. # والمعنى : ولقد آتينا بفضلنا وإحساننا إبراهيم عليه السلام الرشد إلى ~~الحق ، والهداية إلى الطريق المستقيم ، «من قبل» أي : من قبل النبوة بأن ~~جنبناه ما كان عليه قومه من كفر وضلال. # وقد اكتفى الإمام ابن كثير بهذا المعنى في قوله تعالى ( @QUR@02 من قبل ) ~~فقال : يخبر تعالى عن خليله إبراهيم عليه السلام ، أنه آتاه رشده من قبل. # أي : من صغره ألهمه الحق والحجة على قومه ، كما قال تعالى : ( @QUR@02 ~~وتلك حجتنا PageV09P220 # @QUR@04 آتيناها إبراهيم على قومه .. ) (1). # ومن المفسرين من يرى أن المقصود بقوله تعالى ( @QUR@02 من قبل ) أي : من ~~قبل موسى ms3928 وهارون ، فقد كان الحديث عنهما قبل ذلك بقليل في قوله تعالى : ( ~~@QUR@04 ولقد آتينا موسى وهارون @QUR@ الفرقان وضياء وذكرا للمتقين .. . ). # فيكون المعنى : ولقد آتينا إبراهيم رشده وهداه ، ووفقناه للنظر ~~والاستدلال على الحق ، من قبل موسى وهارون ، لأنه يسبقهما في الزمان. # وقد رجح هذا المعنى الإمام الآلوسي فقال : ( @QUR@04 ولقد آتينا إبراهيم ~~رشده ). # أي : الرشد اللائق به وبأمثاله من الرسل الكبار ، وهو الرشد الكامل ، ~~أعنى : الاهتداء إلى وجوه الصلاح في الدين والدنيا .. «من قبل» أي : من قبل ~~موسى وهارون ، وقيل : من قبل البلوغ ... والأول مروى عن ابن عباس وابن عمر ~~، وهو الوجه الأوفق لفظا ومعنى ، أما لفظا فللقرب ، وأما معنى فلأن ذكر ~~الأنبياء عليهم السلام للتأسى ، وكان القياس أن يذكر نوح ثم إبراهيم ثم ~~موسى ، لكن روعي في ذلك ترشيح التسلي والتأسي ، فقد ذكر موسى ، لأن حاله ~~وما قاساه من قومه .. أشبه بحال نبينا صلى الله عليه وسلم (2). # ويبدو لنا أن الآية الكريمة تتسع للمعنيين. أي : أن الله تعالى قد أعطى ~~إبراهيم رشده ، من قبل النبوة ، ومن قبل موسى وهارون لسبقه لهما في الزمان. # وقوله : ( @QUR@03 وكنا به عالمين ) بيان لكمال علم الله تعالى أي : وكنا ~~به وبأحواله وبسائر شؤونه عالمين ، بحيث لا يخفى علينا شيء من أحواله أو من ~~أحوال غيره. # وقوله : ( @QUR@011 إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها ~~عاكفون ) بيان لما جابه به إبراهيم أباه وقومه من قول سديد يدل على شجاعته ورشده. # أي : وكنا به عالمين. وقت أن قال لأبيه وقومه على سبيل الإرشاد والتنبيه ~~: ما هذه التماثيل الباطلة التي أقبلتم عليها ، وصرتم ملازمين لعبادتها ~~بدون انقطاع. # وسؤاله عليه السلام لهم بما التي هي لبيان الحقيقة ، من باب تجاهل العارف ~~، لأنه يعلم أن هذه الأصنام مصنوعة من الأحجار أو ما يشبهها ، وإنما أراد ~~بسؤاله تنبيههم إلى فساد فعلهم. حيث عبدوا ما يصنعونه بأيديهم. # وعبر عن الأصنام بالتماثيل ، زيادة في التحقير من أمرها ، والتوهين من ~~شأنها ، فإن PageV09P221 # التمثال هو الشيء المصنوع من الأحجار أو الحديد أو نحو ذلك ، على ms3929 هيئة ~~مخلوق من مخلوقات الله تعالى كالإنسان والحيوان ، يقال : مثلت الشيء بالشيء ~~إذا شبهته به. # فهو عليه السلام سماها باسمها الحقيقي الذي تستحقه ، دون أن يجاريهم في ~~تسميتها آلهة. # وقوله : ( @QUR@01 عاكفون ) من العكوف بمعنى المداومة والملازمة. يقال : ~~عكف فلان على الشيء إذا لازمه وواظب عليه ، ومنه الاعتكاف لأنه حبس النفس ~~عن التصرفات العادية. # وفي التعبير عن عبادتهم لها بالعكوف عليها ، تفظيع لفعلهم وتنفير لهم منه ~~، حيث انكبوا على تعظيم من لا يستحق التعظيم ، وتعلقوا بعبادة تماثيل هم ~~صنعوها بأيديهم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين ) حكاية لما ~~قالوه في ردهم على إبراهيم عليه السلام وهو رد يدل على تحجر عقولهم ، ~~وانطماس بصائرهم حيث قلدوا فعل آبائهم بدون تدبر أو تفكر. # أي : قالوا في جوابهم على إبراهيم عليه السلام وجدنا آباءنا يعبدون هذه ~~التماثيل فسرنا على طريقتهم. # وهنا يرد عليهم إبراهيم بقوله : ( @QUR@07 لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال ~~مبين ). # أي : لقد كنتم أنتم وآباؤكم الذين وجدتموهم يعبدون هذه الأصنام ، في ضلال ~~عجيب لا يقادر قدره ، وفي فساد ظاهر واضح لا يخفى أمره على عاقل ، لأن كل ~~عاقل يعلم أن هذه الأصنام لا تستحق العبادة أو التقديس أو العكوف عليها ، ~~والباطل لا يصير حقا بفعل الآباء له. # وعند ما واجههم إبراهيم عليه السلام بهذا الحكم البين الصريح ، قالوا له ~~: ( @QUR@06 أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين ). # أي : أجئتنا يا إبراهيم بالحق الذي يجب علينا اتباعه ، أم أنت من ~~اللاعبين اللاهين الذين يقولون ما يقولون بقصد الهزل والملاعبة. # وسؤالهم هذا يدل على تزعزع عقيدتهم. وشكهم فيما هم عليه من باطل ، إلا أن ~~التقليد لآبائهم. جعلهم يعطلون عقولهم «ويستحبون العمى على الهدى». # ويجوز أن يكون سؤالهم هذا من باب الإنكار عليه. واستبعاد أن يكون آباؤهم ~~على باطل ، وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : «بقوا متعجبين من ~~تضليله إياهم ، وحسبوا أن ما قاله ، إنما قاله على وجه المزاح والمداعبة ، ~~لا على طريق الجد ، فقالوا له : هذا الذي جئتنا PageV09P222 # به ، أهو جد وحق أم لعب ms3930 وهزل (1). # وقد رد عليهم إبراهيم عليه السلام ردا حاسما يدل على قوة يقينه فقال : ( ~~@QUR@07 بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن .. ). # أي : قال لهم إبراهيم بلغة الواثق بأنه على الحق : أنا لست هازلا فيما ~~أقوله لكم ، وإنما أنا جاد كل الجد في إخباركم أن الله تعالى وحده هو ربكم ~~ورب آبائكم ، ورب السماوات والأرض ، فهو الذي خلقهن وأنشأهن بما فيهن من ~~مخلوقات بقدرته التي لا يعجزها شيء. # وقوله : ( @QUR@05 وأنا على ذلكم من الشاهدين ) تذييل المقصود به تأكيد ~~ما أخبرهم به ، وما دعاهم إليه. أي : وأنا على أن الله تعالى هو ربكم ورب ~~كل شيء من الشاهدين ، الذين يثقون في صدق ما يقولون ثقة الشاهد على شيء لا ~~يشك في صحته. # ثم أضاف إلى هذا التأكيد القولي ، تأكيدا آخر فعليا ، فقال لهم : ( ~~@QUR@04 وتالله لأكيدن أصنامكم بعد @QUR@ أن تولوا مدبرين ). # أي : وحق الله الذي فطركم وفطر كل شيء ، لأجتهدن في تحطيم أصنامكم ، بعد ~~أن تنصرفوا بعيدا عنها. وتولوها أدباركم. # وأصل الكيد : الاحتيال في إيجاد ما يضر مع إظهار خلافه. وقد عبر به ~~إبراهيم عن تكسير الأصنام وتحطيمها ، لأن ذلك يحتاج إلى احتيال وحسن تدبير. # وقد نفذ إبراهيم ما توعد به الأصنام ، فقد انتهز فرصة ذهاب قومه بعيدا ~~عنها فحطمها ، قال تعالى ( @QUR@08 فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه ~~يرجعون ). # والفاء في قوله : «فجعلهم» فصيحة. والجذاذ القطع الصغيرة جمع جذاذة من ~~الجذ بمعنى القطع والكسر. # أي : فولوا مدبرين عن الأصنام فجعلها بفأسه قطعا صغيرة ، بأن حطمها عن ~~آخرها سوى الصنم الأكبر لم يحطمه بل تركه من غير تكسير. لعلهم إليه يرجعون ~~فيسألونه كيف وقعت هذه الواقعة وهو حاضر ، ولم يستطع الدفاع عن إخوته ~~الصغار؟!!. # ولعل إبراهيم عليه السلام قد فعل ذلك ليقيم لهم أوضح الأدلة على أن هذه ~~الأصنام لا تصلح أن تكون آلهة ، لأنها لم تستطع الدفاع عن نفسها ، وليحملهم ~~على التفكير في أن الذي يجب أن يكون معبودا ، إنما هو الله الخالق لكل شيء ~~، والقادر على كل شيء. PageV09P223 # قال الآلوسي ما ms3931 ملخصه : وقوله : ( @QUR@03 لعلهم إليه يرجعون ) لبيان وجه ~~الكسر واستبقاء الكبير ، وضمير «إليه» عائد إلى إبراهيم ، أي : لعلهم ~~يرجعون إلى إبراهيم ، فيحاجهم ويبكتهم. # وعن الكلبي : أن الضمير للكبير ، أي : لعلهم يرجعون إلى الكبير ، كما ~~يرجع إلى العالم في حل المشكلات فيقولون له : ما لهؤلاء مكسورة ، وما لك ~~صحيحا ، والفأس في عنقك أو في يدك؟ وحينئذ يتبين لهم أنه عاجز لا ينفع ولا ~~يضر ، ويظهر أنهم في عبادته على جهل عظيم .. (1). # وعاد القوم إلى أصنامهم بعد تركهم إياها لفترة من الوقت ، فوجدوها قد ~~تحطمت إلا ذلك الكبير ، فأصابهم ما أصابهم من الذهول والعجب ، ويصور القرآن ~~الكريم ذلك فيقول : # @QUR@08 قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين (59) @QUR@07 قالوا ~~سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم (60) @QUR@08 قالوا فأتوا به على أعين ~~الناس لعلهم يشهدون (61) @QUR@07 قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ~~(62) ق @QUR@09 ال بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم إن كانوا ينطقون (63) ~~@QUR@07 فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون (64) @QUR@01 ثم ~~@QUR@ نكسوا على رؤسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون (65) # أي : وحين رجع القوم من عيدهم ورأوا ما حل بأصنامهم «قالوا» على سبيل ~~التفجع والإنكار : «من فعل هذا» الفعل الشنيع «بآلهتنا» التي نعظمها «إنه» ~~أي هذا الفاعل «لمن الظالمين» لهذه الآلهة. لإقدامه على إهانتها وهي ~~الجديرة بالتعظيم في زعمهم ، ولمن الظالمين لنفسه حيث سيعرضها للعقوبة منا. PageV09P224 # ( @QUR@01 قالوا ) أي : بعضهم وهم الذين سمعوا من إبراهيم قوله : «وتالله ~~لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين». ( @QUR@06 سمعنا فتى يذكرهم يقال له ~~إبراهيم ) والمراد بالذكر هنا : الذكر بالسوء والذم. # أي : سمعنا فتى يذكرهم بالنقص والذم والتهديد بالكيد ، وهذا الفتى يقال ~~له إبراهيم ، ولعله هو الذي فعل بهم ما فعل. # وهنا تشاوروا فيما بينهم وقالوا. إذا كان الأمر كذلك : ( @QUR@02 فأتوا ~~به ) وأحضروه ( @QUR@02 على أعين @QUR@ الناس ) أي : أمام أعينهم ليتمكنوا من رؤيته على أتم وجه ( @QUR@02 لعلهم يشهدون ~~) مساءلتنا له ، ومواجهتنا إياه بالعقوبة التي يستحقها على فعله هذا ، أو ~~يشهدون عليه بأنه هو الذي حطم الأصنام. # قال ابن كثير : وكان هذا هو المقصود الأكبر لإبراهيم ، أن ms3932 يتبين في هذا ~~المحفل العظيم ، كثرة جهلهم ، وقلة عقلهم ، في عبادة هذه الأصنام ، التي لا ~~تدفع عن نفسها ضرا ، ولا تملك لها نصرا ..» (1). # وجاؤا بإبراهيم عليه السلام وقالوا له على سبيل الاستنكار والتهديد : ~~«أأنت فعلت هذا» التكسير والتحطيم «بآلهتنا» التي نعبدها «يا إبراهيم»؟ # وهنا يرد عليهم إبراهيم عليه السلام بتهكم ظاهر ، واستهزاء واضح فيقول : ~~( @QUR@02 بل فعله @QUR@ كبيرهم هذا ) يعنى الذي تركه بدون تحطيم ، فإن كنتم لم تصدقوا قولي ( @QUR@01 فسئلوهم ~~) عمن فعل بهم ذلك ( @QUR@03 إن كانوا ينطقون ) أي : إن كانوا ممن يتمكن من ~~النطق أجابوكم وأخبروكم عمن فعل بهم ما فعل. # فأنت ترى أن إبراهيم عليه السلام لم يقصد بقوله هذا الإخبار بأن كبير ~~الأصنام هو الذي حطمها ، أو سؤالهم للأصنام عمن حطمها ، وإنما الذي يقصده ~~هو الاستهزاء بهم ، والسخرية بأفكارهم ، فكأنه يقول لهم : إن هذه التماثيل ~~التي تعبدونها من دون الله. لا تدرى إن كنت أنا الذي حطمتها أم هذا الصنم ~~الكبير ، وأنتم تعرفون أنى قد بقيت قريبا منها بعد أن وليتم عنها مدبرين ، ~~وإذا كان الأمر كذلك فانظروا من الذي حطمها إن كانت لكم عقول تعقل؟ # قال صاحب الكشاف : هذا أي قول إبراهيم لهم : بل فعله كبيرهم هذا من ~~معاريض الكلام ، ولطائف هذا النوع لا يتغلغل فيها إلا أذهان الخاصة من ~~علماء المعاني. PageV09P225 # والقول فيه أن قصد إبراهيم عليه السلام لم يكن إلى أن ينسب الفعل الصادر ~~عنه إلى الصنم ، وإنما قصد تقريره لنفسه ، وإثباته لها على أسلوب تعريضي ، ~~يبلغ فيه غرضه من إلزامهم الحجة وتبكيتهم. # وهذا كما لو قال لك صاحبك ، وقد كتبت كتابا بخط رشيق وأنت شهير بحسن الخط ~~: أأنت كتبت هذا؟ وصاحبك أمي لا يحسن الخط ، ولا يقدر إلا على خربشة فاسدة ~~أي كتابة رديئة فقلت له : بل كتبته أنت ، كان قصدك بهذا الجواب ، تقرير أن ~~هذه الكتابة لك. مع الاستهزاء به .. (1). # وهذا التفسير للآية الكريمة من أن إبراهيم عليه السلام قد قال لقومه ما ~~قال على سبيل الاستهزاء بهم ، هو الذي تطمئن إليه قلوبنا ، وقد ms3933 تركنا ~~أقوالا أخرى للمفسرين في معنى الآية ، نظرا لضعف هذه الأقوال بالنسبة لهذا القول. # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون ) ~~بيان للأثر الذي أحدثه رد إبراهيم عليه السلام . # أي : أنهم بعد أن قال لهم إبراهيم ( @QUR@08 بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم ~~إن كانوا ينطقون )، أخذوا في التفكر والتدبر ، فرجعوا إلى أنفسهم باللوم ، ~~وقال بعضهم لبعض إنكم أنتم الظالمون ، حيث عبدتم مالا يستطيع الدفاع عن ~~نفسه أو حيث تركتم آلهتكم بدون حراسة. # ولكن هذا الأثر ، وهذا اللوم لأنفسهم ، لم يلبث إلا قليلا حتى تبدد ، ~~بسبب استيلاء العناد والجحود عليهم ، فقد صور القرآن حالهم بعد ذلك فقال : ~~( @QUR@07 ثم نكسوا على رؤسهم لقد علمت ما @QUR@ هؤلاء ينطقون ). # وقوله : ( @QUR@01 نكسوا ) فعل مبنى للمجهول من النكس ، وهو قلب الشيء من ~~حال إلى حال ، وأصله : قلب الشيء بحيث يصير أعلاه أسفله. # أي : ثم انقلبوا من لومهم لأنفسهم لعبادتهم لما لا يقدر على دفع الأذى ~~عنه ، إلى التصميم على كفرهم وضلالهم ، فقالوا لإبراهيم على سبيل التهديد : ~~لقد علمت أن هذه الأصنام لا تنطق ، فكيف تأمرنا بسؤالها؟ إن أمرك هذا لنا ~~لهو دليل على أنك تسخر بعقولنا ، ونحن لن نقبل ذلك ، وسننزل بك العقاب الذي ~~تستحقه. # وقد شبه القرآن الكريم عودتهم إلى باطلهم وعنادهم ، بعد رجوعهم إلى ~~أنفسهم باللوم ، شبه ذلك بالانتكاس ، لأنهم بمجرد أي خطرت لهم الفكرة ~~السليمة ، أطفأوها بالتصميم على PageV09P226 # الكفر والضلال ، فكان مثلهم كمثل من انتكس على رأسه بعد أن كان ما شيا ~~على قدميه ، فيا له من تصوير بديع لحالة من يعود إلى الظلام ، بعد أن يتبين ~~له النور. # والجملة الكريمة ( @QUR@05 لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ) جواب لقسم محذوف ، ~~معمول لقول محذوف ، والتقدير : ثم نكسوا على رؤسهم قائلين : والله لقد علمت ~~ما هؤلاء ينطقون. # ولم يملك إبراهيم إزاء انتكاسهم على رؤسهم ، إلا أن يوبخهم بعنف وضيق ، ~~وهو الحليم الأواه المنيب وقد قابلوا تأنيبه لهم بتوعده بالعذاب الشديد ، ~~ولكن الله تعالى نجاه من مكرهم ، قال تعالى : # @QUR@011 قال أفتعبدون من دون الله ما لا ms3934 ينفعكم شيئا ولا يضركم (66) ~~@QUR@06 أف لكم ولما تعبدون من دون @QUR@ الله أفلا تعقلون (67) @QUR@07 قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين (68) @QUR@06 قلنا ~~يا نار كوني بردا وسلاما @QUR@ على إبراهيم (69) @QUR@05 وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين (70) @QUR@06 ونجيناه ~~ولوطا إلى الأرض التي باركنا @QUR@ فيها للعالمين (71) @QUR@08 ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين (72) @QUR@02 ~~وجعلناهم أئمة @QUR@ يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين (73) # أي : قال إبراهيم لقومه بعد أن ضاق بهم ذرعا : أتتركون عبادة الله الذي ~~خلقكم ، وتعبدون غيره أصناما لا تنفعكم بشيء من النفع ، ولا تضركم بشيء من ~~الضر ، ثم يضيف إلى PageV09P227 # هذا التبكيت لهم ، الضجر منهم ، فيقول : ( @QUR@09 أف لكم ولما تعبدون من ~~دون الله أفلا تعقلون ). # و «أف» اسم فعل مضارع بمعنى أتضجر. وأصله صوت المتضجر من استقذار الشيء. ~~واللام في قوله ( @QUR@01 لكم ) لبيان المتضجر لأجله. # أي : سحقا وقبحا لكم ، ولما تعبدونه من أصنام متجاوزين بها عبادة الله ~~تعالى عن جهل وسخف وطغيان. # ( @QUR@02 أفلا تعقلون ) ما أنتم فيه من ضلال واضح ، فترجعون عنه إلى ~~عبادة الواحد القهار. # وعند ما وصل إبراهيم في توبيخهم وتبكيتهم إلى هذا الحد أخذتهم العزة ~~بالإثم ، شأنهم في ذلك شأن كل طاغية جهول ، يلجأ إلى القوة الغاشمة بعد أن ~~تبطل حجته ، فقالوا فيما بينهم : ( @QUR@01 حرقوه @QUR@ وانصروا آلهتكم إن ~~كنتم فاعلين ). # أي : قال بعضهم لبعض بعد أن عجزوا عن مقارعة الحجة بالحجة ، وبعد أن رأوا ~~إبراهيم قد أفحمهم بمنطقه الحكيم : ( @QUR@01 حرقوه ) أي : بالنار ، فإنها ~~أشد العقوبات. # قيل : إن الذي اقترح عليهم ذلك هو رئيسهم : نمرود بن كنعان. وقيل : هو ~~رجل من الفرس اسمه : هينون. # وقوله : ( @QUR@02 وانصروا آلهتكم .. ) بيان لسبب تحريقه بالنار. # أي : حرقوه بالنار من أجل الانتصار لآلهتكم التي حطمها في غيبتكم ( ~~@QUR@03 إن كنتم فاعلين ). # أي : إن كنتم بحق تريدون أن تنصروا آلهتكم نصرا يرضيها ، فأحرقوه بالنار. # قال صاحب الكشاف : أجمعوا رأيهم لما غلبوا بإهلاكه ، وهكذا المبطل إذا ~~قرعت شبهته بالحجة وافتضح. لم يكن أحد أبغض إليه من المحق ولم يبق له مفزع ~~إلا ms3935 مناصبته العداء ، كما فعلت قريش برسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~عجزوا عن المعارضة. # والذي أشار بإحراقه : نمروذ. وعن ابن عمر : رجل من أعراب العجم. واختاروا ~~المعاقبة بالنار لأنها أهول ما يعاقب به وأفظعه ، ولذلك جاء : «لا يعذب ~~بالنار إلا خالقها» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@08 قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم .. ) ~~مسبوق بكلام محذوف يفهم من سياق القصة. PageV09P228 # والتقدير : وأحضر قوم إبراهيم الحطب ، وأضرموا نيرانا عظيمة ، وألقوا ~~بإبراهيم فيها ، فلما فعلوا ذلك ، قلنا : يا نار كوني بقدرتنا وأمرنا ذات ~~برد ، وذات سلام على إبراهيم ، فكانت كما أمرها الله تعالى ، وصدق سبحانه ~~إذ يقول : ( @QUR@011 بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ~~فيكون ) (1). # وتحولت النار إلى برد وسلام على إبراهيم ، وأراد الكافرون به كيدا ، أى ~~إحراقا بالنار «فجعلناهم» بإرادتنا وقدرتنا «الأخسرين» حيث لم يصلوا إلى ما ~~يريدون ، ولم يحققوا النصر لآلهتهم ، بل رد الله تعالى كيدهم في نحورهم. # وقال سبحانه ( @QUR@02 فجعلناهم الأخسرين ) بالإطلاق لتشمل خسارتهم كل ~~خسارة سواء أكانت دنيوية أم أخروية. # وقد ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآيات آثارا منها : أن إبراهيم ~~عليه السلام حين جيء به إلى النار ، قالت الملائكة : يا ربنا ما في الأرض ~~أحد يعبدك سوى إبراهيم ، وأنه الآن يحرق فأذن لنا في نصرته!! # فقال سبحانه : إن استغاث بأحد منكم فلينصره. وإن لم يدع غيرى فأنا أعلم ~~به ، وأنا وليه ، فخلوا بيني وبينه ، فهو خليلي ليس لي خليل غيره. # فأتى جبريل عليه السلام إلى إبراهيم ، فقال له : ألك حاجة؟ فقال إبراهيم : ~~أما إليك فلا ، وأما إلى الله فنعم!! # فقال له جبريل : فلم لا تسأله؟ فقال إبراهيم عليه الصلاة والسلام : حسبي ~~من سؤالى علمه بحالي .. (2). # ثم بين سبحانه نعما أخرى أنعم بها على إبراهيم فقال : ( @QUR@08 ونجيناه ~~ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين ). # والضمير في قوله : ( @QUR@01 ونجيناه ) يعود إلى إبراهيم. و «لوطا» هو ابن ~~أخيه ، وقيل : ابن عمه. # والمراد بالأرض التي باركنا فيها : أرض الشام على الصحيح وعدى ( @QUR@01 ~~نجيناه ) بإلى ، لتضمينه معنى أخرجناه. # أى : وأخرجناه ms3936 ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها ، بأن جعلناها مهبطا ~~للوحى ، ومبعثا PageV09P229 # للرسل لمدة طويلة ، وبأن جعلناها كذلك عامرة بالخيرات وبالأموال ~~وبالثمرات للأجيال المتعاقبة. # والآية الكريمة تشير إلى هجرة إبراهيم ومعه لوط عليهما السلام من أرض ~~العراق التي كانا يقيمان فيها ، إلى أرض الشام ، فرارا بدينهما. بعد أن ~~أراد قوم إبراهيم أن يحرقوه بالنار ، فأبطل الله تعالى كيدهم ومكرهم ، ~~ونجاه من شرهم. # وقد أشار سبحانه إلى ذلك في آيات أخرى منها قوله تعالى : ( @QUR@012 فآمن ~~له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم .. ) (1). # وقوله تعالى ( @QUR@05 ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة .. ) بيان لنعمة ~~أخرى من النعم التي أنعم الله سبحانه بها على إبراهيم. # والنافلة : الزيادة على الأصل. ولذا سميت صلاة السنن نافلة ، لأنها زيادة ~~على الصلوات المفروضة. وإسحاق هو ابن إبراهيم. ويعقوب هو ابن إسحاق. # فلفظ «نافلة» حال من يعقوب أى : ووهبنا لإبراهيم يعقوب حال كونه زيادة ~~على إسحاق. ( @QUR@01 وكلا ) من المذكورين وهم إبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب. # ( @QUR@02 جعلنا صالحين ) أى : جعلناهم أفرادا صالحين ، بأن وفقناهم لما ~~نحبه ونرضاه ، وشرفناهم بالنبوة والرسالة. # ( @QUR@04 وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ) أى : وجعلنا هؤلاء المذكورين ، ~~أئمة في الخير ، يهدون ويرشدون غيرهم إلى الدين الحق بسبب أمرنا لهم بذلك ، ~~وتكليفهم بتبليغ وحينا إلى الناس. # قال صاحب الكشاف : قوله سبحانه : ( @QUR@02 يهدون بأمرنا ) فيه أن من صلح ~~ليكون قدوة في دين الله ، فالهداية محتومة عليه ، مأمور بها من جهة الله ~~ليس له أن يخل بها ، ويتثاقل عنها ، وأول ذلك أن يهتدى بنفسه ، لأن ~~الانتفاع بهداه أعم ، والنفوس إلى الاقتداء بالمهدى أميل» (2). # وقوله : ( @QUR@04 وأوحينا إليهم فعل الخيرات ) أى : وأوحينا إليهم أن ~~يفعلوا الطاعات ، وأن يأمروا الناس بفعلها ، وأوحينا إليهم كذلك ( @QUR@04 ~~إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ) أى : أن يقيموا الصلاة وأن يؤدوا الزكاة وأن ~~يأمروا غيرهم بذلك. # وعطف إقام الصلاة وإيتاء الزكاة على فعل الخيرات من باب عطف الخاص على العام. PageV09P230 # للاهتمام به إذ الصلاة أفضل العبادات البدنية والزكاة أفضل العبادات ~~المالية ( @QUR@03 وكانوا لنا عابدين ) لا لغيرنا ، فهم لم يخطر ببالهم ~~عبادة ms3937 أحد سوانا ، لأنهم من المصطفين الأخيار. # هذا ، والمتأمل في هذه الآيات الكريمة التي وردت في قصة إبراهيم مع قومه. ~~يراها قد حكت لنا غيرة إبراهيم عليه السلام على دين الله تعالى وقوة حجته في ~~الدفاع عن الحق ، ومجاهدته بما يعتقده بدون خوف من قومه ، وجمعه في دعوته ~~بين القول والعمل. # كما يراها قد بينت لنا أن من يدافع عن دين الله تعالى يدافع الله سبحانه ~~عنه ، وينصره على أعدائه ، ويرد كيدهم في نحورهم. # كما يراها أيضا قد أشارت إلى أن من هاجر من أرض إلى أخرى من أجل إعلاء ~~كلمة الله تعالى رزقه الله نظير ذلك الخير والبركة ، والذرية الصالحة التي ~~تهدى غيرها إلى الطريق المستقيم. # ثم ساق سبحانه جانبا من قصة لوط عليه السلام مع قومه فقال تعالى : # ( @QUR@016 ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل ~~الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين (74) @QUR@06 وأدخلناه في رحمتنا إنه من ~~الصالحين ) (75) # وقوله تعالى : ( @QUR@01 ولوطا ) منصوب بفعل مضمر يفسره المذكور بعده وهو ~~( @QUR@01 آتيناه ). # أى : وآتيناه لوطا عليه السلام ( @QUR@01 حكما ) أى : نبوة ، أو حكمة ~~تهديه إلى ما يجب فعله أو تركه و «علما» أى : علما كثيرا لما ينبغي علمه وفهمه. # ( @QUR@07 ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث ) والمراد بالقرية : ~~قرية سدوم التي أرسل الله تعالى لوطا لأهلها. # والأعمال الخبيثة التي كانوا يعملونها على رأسها الإشراك بالله تعالى ~~وفاحشة اللواط التي اشتهروا بها دون أن يسبقهم إليها أحد. كما قال تعالى : ~~( @QUR@019 ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من ~~العالمين* أإنكم لتأتون الرجال ، وتقطعون السبيل (1) @QUR@03 وتأتون في ~~ناديكم (2) @QUR@012 المنكر ، فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب ~~الله إن PageV09P231 # @QUR@03 كنت من الصادقين .. ) (1). # أى : ونجينا لوطا بفضلنا ورحمتنا من العذاب الذي حل بأهل قريته الذين ~~كانوا يعملون الأعمال الخبائث ، كالشرك بالله تعالى واللواط ، وقطعهم ~~الطريق ، وارتكابهم المنكر في مجالسهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 إنهم كانوا قوم سوء فاسقين ) تعليل لنجاة لوط ~~عليه السلام مما حل بهم. # أى : جعلنا هذه القرية ms3938 عاليها سافلها ، ونجينا لوطا ومن آمن معه من ~~العذاب الذي حل بسكانها ( @QUR@04 إنهم كانوا قوم سوء ) أى : أصحاب عمل سيئ ~~( @QUR@01 فاسقين ) أى : خارجين عن طاعتنا. # ( @QUR@01 وأدخلناه ) أى : لوطا ( @QUR@02 في رحمتنا ) أى : في أهل ~~رحمتنا في الدنيا والآخرة ( @QUR@03 إنه من الصالحين ) الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى. # ثم ذكرت السورة الكريمة جانبا من قصة نوح مع قومه. قال تعالى . # ( @QUR@012 ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب ~~العظيم (76) @QUR@012 ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم ~~سوء فأغرقناهم أجمعين ) (77) # أى : واذكر أيضا أيها المخاطب عبدنا «نوحا» عليه السلام ( @QUR@04 إذ نادى ~~من قبل ) أى : حين نادانا واستجار بنا من قبل زمان إبراهيم ومن جاء بعده من ~~الأنبياء. # وهذا النداء الذي نادى به نوح ربه ، قد جاء ذكره في آيات منها قوله تعالى ~~: ( @QUR@010 ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون* ونجيناه وأهله من الكرب ~~العظيم ) (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@010 وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ~~ديارا ) (3). # ( @QUR@02 فاستجبنا له ) أى : أجبنا له دعاءه ، ولم نخيب له رجاء فينا. PageV09P232 # ( @QUR@02 فنجيناه وأهله ) الذين آمنوا به وصدقوه ( @QUR@03 من الكرب ~~العظيم ) أى : من الطوفان العظيم الذي أغرق الكافرين ، والذي كانت أمواجه ~~كالجبال. # وأصل الكرب : الغم الشديد. يقال : فلان كربه هذا الأمر ، إذا ضايقه وجعله ~~في أقصى درجات الهم والخوف. # قال الآلوسى : «وكأنه على ما قيل من كرب الأرض ، وهو قلبها بالحفر. إذ ~~الغم يثير النفس إثارة ذلك ، أو من كربت الشمس إذا دنت للمغيب ، فإن الغم ~~الشديد ، تكاد شمس الروح تغرب منه .. وفي وصفه بالعظيم تأكيد لشدته» (1). # ( @QUR@01 ونصرناه ) بفضلنا وإحساننا ( @QUR@05 من القوم الذين كذبوا ~~بآياتنا ) الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا. وعلى أن نوحا رسولا من رسلنا. # والمراد بهؤلاء القوم : قومه الذين لبث نوح فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما. ~~يدعوهم إلى إخلاص العبادة لله. فلم يؤمن به إلا قليل منهم. # ( @QUR@04 إنهم كانوا قوم سوء ) أى : إنهم كانوا قوما يعملون أعمال السوء ~~والقبح ( @QUR@02 فأغرقناهم أجمعين ) بسبب إصرارهم على الكفر والعصيان ، ~~ولم ننج منهم إلا من اتبع نوحا عليه ms3939 السلام . # ثم ساق سبحانه بعد ذلك جانبا من قصة نبيين كريمين هما داود وسليمان فقال ~~تعالى : # ( @QUR@014 وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا ~~لحكمهم شاهدين (78) @QUR@014 ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا ~~مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين (79) @QUR@010 وعلمناه صنعة لبوس ~~لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون (80) @QUR@05 ولسليمان الريح عاصفة ~~تجري بأمره PageV09P233 # @QUR@09 إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين (81) @QUR@012 ~~ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين ) (82) # وقوله سبحانه : ( @QUR@01 وداود ) منصوب أيضا بفعل مقدر ، أو معطوف على ~~قوله سبحانه قبل ذلك : ( @QUR@03 ونوحا إذ نادى ). # وسليمان هو ابن داود ، وكلاهما من أنبياء الله سبحانه ، وينتهى نسبهما ~~إلى يعقوب عليه السلام وكانت وفاتهما قبل ميلاد المسيح عليه السلام بألف سنة ~~تقريبا ، وقد جمع الله تعالى لهما بين الملك والنبوة. # والحرث : الزرع. قيل : كان كرما أى عنبا تدلت عناقيده. # وقوله : ( @QUR@01 نفشت ) من النفش وهو الرعي بالليل خاصة. يقال : نفشت ~~الغنم والإبل ، إذا رعت ليلا بدون راع. # وقد ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآيات روايات ملخصها : أن رجلين دخلا ~~على داود عليه السلام أحدهما صاحب زرع ، والآخر صاحب غنم ، فقال صاحب الزرع ~~لداود : يا نبي الله ، إن غنم هذا قد نفشت في حرثى فلم تبق منه شيئا ، فحكم ~~داود عليه السلام لصاحب الزرع أن يأخذ غنم خصمه في مقابل إتلافها لزرعه. # وعند خروجهما التقيا بسليمان عليه السلام فأخبراه بحكم أبيه. فدخل سليمان ~~على أبيه فقال له : يا نبي الله ، إن القضاء غير ما قضيت ، فقال له : كيف؟ ~~قال : ادفع الغنم إلى صاحب الزرع لينتفع بها ، وادفع الزرع إلى صاحب الغنم ~~ليقوم عليها حتى يعود كما كان. ثم يعيد كل منهما إلى صاحبه ما تحت يده ، ~~فيأخذ صاحب الزرع زرعه ، وصاحب الغنم غنمه .. فقال داود عليه السلام القضاء ~~ما قضيت يا سليمان (1). # والمعنى : اذكر أيها الرسول الكريم قصة داود وسليمان ، وقت أن كانا ~~يحكمان في الزرع الذي «نفشت فيه غنم القوم» أى ms3940 : تفرقت فيه وانتشرت ليلا ~~دون أن يكون معها راع فرعته وأفسدته. # قال القرطبي : «ولم يرد سبحانه بقوله ( @QUR@04 إذ يحكمان في الحرث ): ~~الاجتماع في PageV09P234 # الحكم وإن جمعهما في القول ، فإن حكمين على حكم واحد لا يجوز وإنما حكم ~~كل واحد منهما على انفراده ، وكان سليمان الفاهم لها بتفهيم الله تعالى له (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@03 وكنا لحكمهم شاهدين ) جملة معترضة جيء بها لبيان ~~شمول علم الله تعالى وإحاطته بكل شيء. # أى : وكنا لما حكم به كل واحد منهما عالمين وحاضرين ، بحيث لا يغيب عنا ~~شيء مما قالاه. # وضمير الجمع في قوله ( @QUR@01 لحكمهم ): لداود وسليمان ، واستدل بذلك ~~من قال إن أقل الجمع اثنان ، وقيل : ضمير الجمع يعود عليهما وعلى صاحب ~~الزرع وصاحب الحرث أى : وكنا للحكم الواقع بين الجميع شاهدين. # والضمير المنصوب في قوله تعالى : ( @QUR@02 ففهمناها سليمان ) يعود إلى ~~القضية أو المسألة التي عرضها الخصمان على داود وسليمان. # أى : ففهمنا سليمان الحكم الأنسب والأوفق في هذه المسألة أو القضية ، ~~وذلك لأن داود كما يقول العلماء. قد اتجه في حكمه إلى مجرد التعويض لصاحب ~~الحرث. وهذا عدل فحسب. أما حكم سليمان فقد تضمن مع العدل البناء والتعمير ، ~~وجعل العدل دافعا إلى البناء والتعمير ، وهذا هو العدل الحي الإيجابى في ~~صورته البانية الدافعة ، وهو فتح من الله وإلهام يهبه من يشاء» (2). # وقوله سبحانه ( @QUR@04 وكلا آتينا حكما وعلما ) ثناء من الله تعالى على ~~داود وسليمان عليهما السلام والمقصود من هذا الثناء دفع ما قد يتبادر إلى ~~بعض الأذهان من أن داود لم يكن مصيبا في حكمه. # أى : وكلا من داود وسليمان قد أعطيناه من عندنا ( @QUR@01 حكما ) أى : ~~نبوة وإصابة في القول والعمل ( @QUR@01 وعلما ) أى : فقها في الدين ، وفهما ~~سليما للأمور. # وقد توسع بعض المفسرين في الحديث عن هذا الحكم الذي أصدره داود وسليمان ~~في قضية الحرث أكان بوحي من الله إليهما ، أم كان باجتهاد منهما ، وقد رجح ~~بعض العلماء أنه كان باجتهاد منهما فقال : اعلم أن جماعة من العلماء قالوا ~~: إن حكم داود وسليمان في الحرث المذكور ms3941 في هذه الآية كان بوحي ، إلا أن ما ~~أوحى إلى سليمان كان ناسخا لما أوحى إلى داود. PageV09P235 # وفي الآية قرينتان على أن حكمهما كان باجتهاد لا بوحي ، وأن سليمان أصاب ~~فاستحق الثناء باجتهاده وإصابته ، وأن داود لم يصب فاستحق الثناء باجتهاده ~~، ولم يستوجب لوما ولا ذما لعدم إصابته. # كما أثنى سبحانه على سليمان بالإصابة في قوله ( @QUR@02 ففهمناها سليمان ~~) وأثنى عليهما في قوله : ( @QUR@04 وكلا آتينا حكما وعلما ). # فدل قوله ( @QUR@02 إذ يحكمان ) على أنهما حكما فيها معا ، كل منهما بحكم ~~مخالف لحكم الآخر ، ولو كان وحيا لما ساغ الخلاف. ثم قال : ( @QUR@02 ~~ففهمناها سليمان ) فدل ذلك على أنه لم يفهمها داود ، ولو كان حكمه فيها ~~بوحي لكان مفهما إياها كما ترى. # فقوله : ( @QUR@02 إذ يحكمان ) مع قوله ( @QUR@02 ففهمناها سليمان ) ~~قرينة على أن الحكم لم يكن بوحي بل باجتهاد ، وأصاب فيه سليمان دون داود ~~بتفهيم الله إياه ذلك. # والقرينة الثانية : هي أن قوله تعالى ( @QUR@01 ففهمناها ) يدل على أنه ~~فهمه إياها من نصوص ما كان عندهم من الشرع ، لا أنه تعالى أنزل عليه فيها ~~وحيا جديدا ناسخا ، لأن قوله تعالى : ( @QUR@01 ففهمناها ) أليق بالأول من ~~الثاني كما ترى .. (1). # ثم بين سبحانه نماذج من النعم التي أنعم بها على داود عليه السلام فقال : ~~( @QUR@08 وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين ). # والتسخير : التذليل أى : وجعلنا الجبال والطير يسبحن الله تعالى ويقدسنه ~~مع داود ، امتثالا لأمره سبحانه . # قال ابن كثير : وذلك لطيب صوته ، بتلاوة كتابه الزبور ، وكان إذا ترنم به ~~تقف الطير في الهواء فتجاوبه ، وترد عليه الجبال تأويبا. ولهذا لما مر ~~النبي صلى الله عليه وسلم على أبى موسى الأشعرى ، وهو يتلو القرآن من الليل ، ~~وكان له صوت طيب ، فوقف واستمع إليه وقال : «لقد أوتى هذا من مزامير آل ~~داود» (2). # وقال صاحب الكشاف : «فإن قلت : لم قدمت الجبال على الطير؟ قلت : لأن ~~تسخيرها وتسبيحها أعجب ، وأدل على القدرة ، وأدخل في الإعجاز ، لأنها جماد ~~، والطير حيوان ، إلا أنه غير ناطق ، روى أنه كان يمر بالجبال مسبحا وهي ~~تجاوبه ، وقيل ms3942 : كانت تسير معه حيث سار .. (3). PageV09P236 # وتسبيح الجبال والطير مع داود عليه السلام هو تسبيح حقيقى ، ولكن بكيفية ~~يعلمها الله تعالى كما قال سبحانه ( @QUR@017 تسبح له السماوات السبع ~~والأرض ومن فيهن ، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم .. ) (1). # وشبيه بالآية التي معنا قوله تعالى : ( @QUR@013 ولقد آتينا داود منا ~~فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد ) (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@023 اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد ~~إنه أواب* إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق* والطير محشورة كل ~~له أواب ) (3). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@02 وكنا فاعلين ) أى : وكنا ~~فاعلين ذلك لداود من تسخير الجبال والطير معه يسبحن الله وينزهنه عن كل سوء ~~، على سبيل التكريم له. والتأييد لنبوته ، إذ أن قدرتنا لا يعجزها شيء ، ~~سواء أكان هذا الشيء مألوفا للناس أم غير مألوف. # وقوله تعالى : ( @QUR@010 وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل ~~أنتم شاكرون ) بيان لنعمة أخرى من النعم التي أنعم الله بها على داود. # واللبوس : كل ما يلبس كاللباس والملبس : والمراد به هنا : الدروع. # أى : وبجانب ما منحنا داود من فضائل ، فقد علمناه من لدنا صناعة الدروع ~~بحذق وإتقان ، وهذه الصناعة التي علمناه إياها بمهارة وجودة ( @QUR@03 ~~لتحصنكم من بأسكم ). # أى : لتجعلكم في حرز ومأمن من الإصابة بآلة الحرب. وتقى بعضكم من بأس بعض ~~، لأن الدرع تقى صاحبها من ضربات السيوف ، وطعنات الرماح. # يقال : أحصن فلان فلانا ، إذا جعله في حرز وفي مكان منيع من العدوان عليه. # والاستفهام في قوله : ( @QUR@03 فهل أنتم شاكرون ) للحض والأمر أى : ~~فاشكروا الله تعالى على هذه النعم ، بأن تستعملوها في طاعته سبحانه . # قال القرطبي رحمه الله : «وهذه الآية أصل في اتخاذ الصنائع والأسباب ، وهو ~~قول أهل العقول والألباب. لا قول الجهلة الأغبياء القائلين بأن ذلك إنما ~~شرع للضعفاء ، فالسبب سنة الله في خلقه ، فمن طعن في ذلك فقط طعن في الكتاب ~~والسنة ، وقد أخبر الله تعالى عن نبيه داود أنه كان يصنع الدروع ، وكان ~~أيضا يصنع الخوص ، وكان ms3943 يأكل من عمل PageV09P237 # يده ، وكان آدم حراثا ، ونوح نجارا ، ولقمان خياطا ، وطالوت دباغا ، ~~فالصنعة يكف بها الإنسان نفسه عن الناس ، ويدفع بها عن نفسه الضرر والبأس ، ~~وفي الحديث : «إن الله يحب المؤمن المحترف المتعفف ، ويبغض السائل الملحف» (1). # ثم بين سبحانه بعد ذلك جانبا من نعمه على سليمان بن داود فقال : ( ~~@QUR@010 ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها ). # وقوله : ( @QUR@02 ولسليمان الريح ) معطوف على معمول «سخرنا» في قوله ~~تعالى قبل ذلك : ( @QUR@05 وسخرنا مع داود الجبال يسبحن ) و «عاصفة» حال من الريح. # أى : وسخرنا لسليمان الريح حال كونها عاصفة أى : شديدة الهبوب ، كما ~~سخرنا مع أبيه الجبال يسبحن والطير. # يقال : عصفت الريح تعصف إذا اشتدت ، فهي عاصف وعاصفة وعصوف سميت بذلك ~~لتحطيمها ما تمر عليه فتجعله كالعصف وهو التبن. # وقوله تعالى : ( @QUR@07 تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها ) أى : ~~جعلناها مع قوتها وشدتها تجرى بأمر سليمان وإذنه إلى الأرض التي باركنا ~~فيها وهي أرض الشام. وقيل : يحتمل أن يكون المراد بها ما هو أعم من أرض الشام. # ووصفت الريح هنا بأنها عاصفة ، وفي آية أخرى بأنها رخاء قال تعالى : ( ~~@QUR@05 تجري بأمره رخاء حيث أصاب ) (2). لأنها تارة تكون عاصفة ، وتارة ~~تكون لينة رخاء. على حسب ما تقتضيه حكمته سبحانه . # وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : «فإن قلت : وصفت هذه الرياح ~~بالعصف تارة وبالرخاوة أخرى ، فما التوفيق بينهما؟. # قلت : كانت في نفسها رخية طيبة كالنسيم ، فإذا مرت بكرسيه أبعدت به في ~~مدة يسيرة ، على ما قال : «غدوها شهر ورواحها شهر» فكان جمعها بين الأمرين ~~أن تكون رخاء في نفسها وعاصفة في عملها ، مع طاعتها لسليمان على حسب ما ~~يريد» (3). # وقال سبحانه هنا : ( @QUR@07 تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها ) أى ~~تجرى بأمره إلى تلك الأرض في حال إيابه ورجوعه إليها ، حيث مقر مملكته ~~ومسكنه. فالمقصود من الآية الكريمة الإخبار عن جريانها في حال عودته إلى ~~مملكته. PageV09P238 # أما الآية الأخرى التي تقول : ( @QUR@08 فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء ~~حيث أصاب ) أى : حيث ms3944 أراد لها أن تجرى ، فالمقصود منها الإخبار عن جربها ~~بإذنه في غير حال عودته إلى مملكته ، وبذلك أمكن الجمع بين الآيتين ، إذ ~~الجهة فيهما منفكة. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 وكنا بكل شيء عالمين ) أى : وكنا بكل شيء يجرى ~~في هذا الكون عالمين علما مطلقا لا كعلم غيرنا من خلقنا. فإنه علم محدود ~~بما نشاؤه ونقدره. # فالجملة الكريمة بيان لإحاطة علم الله تعالى بكل شيء ، والتنبيه بأن ما ~~أعطاه الله تعالى لسليمان ، إنما كان بإرادته سبحانه وعلمه. # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ~~ذلك ) بيان لمنة أخرى من المنن الكثيرة التي امتن بها سبحانه على عبده ~~ونبيه سليمان. # ويغوصون من الغوص وهو النزول تحت الماء ، ومنه الغواص الذي ينزل تحت ~~الماء لاستخراج الجواهر وغيرها. # وقوله : ( @QUR@03 من يغوصون له ) في محل نصب عطفا على معمول ( @QUR@01 ~~سخرنا )، السابق. # أى : وسخرنا أيضا لسليمان من يغوص له ، أى : لأجله ، من الشياطين ، ~~فينزلون تحت مياه البحار ليستخرجوا له منها الجواهر النفيسة كاللؤلؤ ~~والمرجان. # وفي التعبير بقوله : ( @QUR@01 له ) إشعار بأن غوصهم لم يكن لمنفعة ~~أنفسهم أو باختيارهم ، وإنما هم كانوا يغوصون من أجل مصلحة سليمان ~~عليه السلام وبأمره. # وقوله : ( @QUR@04 ويعملون عملا دون ذلك ) أى : لم تكن مهمتهم الغوص فقط ~~وإنما كان سليمان يسخرهم ويكلفهم بأعمال أخرى كثيرة كبناء المدائن والقصور ~~وصنع التماثيل والمحاريب .. كما قال تعالى : ( @QUR@046 ولسليمان الريح ~~غدوها شهر ورواحها شهر ، وأسلنا له عين القطر ، ومن الجن من يعمل بين يديه ~~بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير* يعملون له ما يشاء من ~~محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من ~~عبادي الشكور ) (1). # فاسم الإشارة في قوله ( @QUR@04 ويعملون عملا دون ذلك ) يعود إلى الغوص ~~أى : ويعملون له عملا كثيرا سوى ذلك الغوص. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@03 وكنا لهم حافظين ) أى : ~~وكنا لهؤلاء الشياطين حافظين من أن يخرجوا عن طاعته. أو أن يوجد منهم فساد ~~فيما هم مسخرون له. PageV09P239 # وتلك نعمة كبرى لسليمان عليه السلام ms3945 حيث جعل سبحانه الشياطين لا يستطيعون ~~أن يزيغوا عن أمره. # هذا وقد ذكر بعض المفسرين عند تفسيرهم لهذه الآيات قصصا متعددة منها قصة ~~بساط الريح الذي قيل إن سليمان كان يجلس عليه هو وجنده ، فيطير بهم إلى ~~الشام في وقت قصير ، ومنها صفة حمل الريح له وصفة جنوده من الجن والإنس ~~والطير. # وقد رأينا عدم ذكر ذلك هنا ، لأنه لم يرد ما يؤيده من الآثار الصحيحة. # ثم ساق سبحانه جانبا من قصة أيوب عليه السلام وهي قصة تمثل الابتلاء بالضر ~~في أشد صوره. قال تعالى : # ( @QUR@010 وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (83) ~~@QUR@016 فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من ~~عندنا وذكرى للعابدين ) (84) # قال ابن كثير : «يذكر الله تعالى عن أيوب عليه السلام ما كان قد أصابه من ~~البلاء في ماله وولده وجسده ، وذلك أنه كان له من الدواب والأنعام والحرث ~~شيء كثير ، وأولاد كثيرون ، ومنازل مرضية. فابتلى في ذلك كله ، وذهب عن ~~آخره ، ثم ابتلى في جسده .. ولم يبق من الناس أحد يحنو عليه سوى زوجته .. ~~وقد كان نبي الله أيوب غاية في الصبر ، وبه يضرب المثل في ذلك. (1). # وقال الآلوسى : وهو ابن أموص بن رزاح بن عيص بن إسحاق. وحكى ابن عساكر أن ~~أمه بنت لوط ، وأن أباه ممن آمن بإبراهيم فعلى هذا كانت بعثته قبل موسى ~~وهارون. وقيل : بعد شعيب ، وقيل : بعد سليمان ..» (2). # والضر بالفتح يطلق على كل ضرر وبالضم خاص بما يصيب الإنسان في نفسه من ~~مرض وأذى وما يشبههما. PageV09P240 # والمعنى : واذكر أيها الرسول الكريم أو أيها المخاطب عبدنا أيوب ~~عليه السلام وقت أن نادى ربه ، وتضرع إليه بقوله : يا رب أنى أصابنى ما ~~أصابنى من الضر والتعب ، وأنت أجل وأعظم رحمة من كل من يتصف بها. # فأنت ترى أن أيوب عليه السلام لم يزد في تضرعه عن وصف حاله ( @QUR@03 أني ~~مسني الضر ) ووصف خالقه تعالى بأعظم صفات الرحمة دون أن يقترح شيئا أو يطلب ~~شيئا ، وهذا من ms3946 الأدب السامي الذي سلكه الأنبياء مع خالقهم عز وجل . # قال صاحب الكشاف : «ألطف أيوب في السؤال ، حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة ~~، وذكر ربه بغاية الرحمة ، ولم يصرح بالمطلوب. ويحكى أن عجوزا تعرضت ~~لسليمان بن عبد الملك فقالت : يا أمير المؤمنين ، مشت جرذان أى فئران بيتي ~~على العصى!! فقال لها : ألطفت في السؤال ، لا جرم لأجعلنها تثب وثب الفهود ~~، وملأ بيتها حبا ..» (1). # وبعد أن دعا أيوب ربه تعالى بهذه الثقة ، وبهذا الأدب والإخلاص ، كانت ~~الإجابة المتمثلة في قوله تعالى : ( @QUR@02 فاستجبنا له ) أى دعاءه وتضرعه ~~( @QUR@05 فكشفنا ما به من ضر ) أى : فأزلنا ما نزل به من بلاء في جسده ، ~~وجعلناه سليما معافى. بأن أمرناه أن يضرب برجله الأرض ففعل ، فنبعت له عين ~~فاغتسل منها ، فزال عن بدنه كل مرض أصابه بإذن الله تعالى . # قال سبحانه : ( @QUR@017 واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان ~~بنصب وعذاب. اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب .. ) (2). # وقال تعالى : ( @QUR@04 وآتيناه أهله ومثلهم معهم ) أى : لم نخيب رجاء ~~أيوب حين دعانا ، بل استجبنا له دعاءه ، بفضلنا وكرمنا ، فأزلنا عنه المرض ~~الذي نزل به ، ولم نكتف بهذا أيضا بل عوضناه عمن فقده من أولاده ، ورزقناه ~~مثلهم معهم. # قال الآلوسى ما ملخصه : «قوله : ( @QUR@04 وآتيناه أهله ومثلهم معهم ) ~~أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن قوله : ( @QUR@04 وآتيناه أهله ومثلهم معهم ) فقال : «رد الله تعالى ~~امرأته إليه ، وزاد في شبابها ، حتى ولدت له ستا وعشرين ذكرا». # فالمعنى على هذا : آتيناه في الدنيا مثل أهله عددا مع زيادة مثل آخر. PageV09P241 # وعن قتادة : إن الله أحيا له أولاده الذين هلكوا في بلائه ، وأوتى مثلهم ~~في الدنيا .. (1). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله تعالى : ( @QUR@05 رحمة من عندنا ~~وذكرى للعابدين ) أى : أجبنا له دعاءه ، وفعلنا معه ما فعلناه من ألوان ~~الخيرات ، من أجل رحمتنا به ، ومن أجل أن يكون ما فعلناه معه عبرة وعظة ~~وذكرى لغيره من العابدين حتى يقتدوا به في صبره على البلاء ، وفي ms3947 المداومة ~~على شكرنا في السراء والضراء. # وخص سبحانه العابدين بالذكرى ، لأنهم أكثر الناس بلاء وامتحانا. ففي ~~الحديث الشريف : «أشد الناس بلاء الأنبياء ، ثم الصالحون ، ثم الأمثل ~~فالأمثل». # وفي حديث آخر : «يبتلى الرجل على قدر دينه ، فإن كان في دينه صلابة زيد ~~في بلائه» (2). # وقد كان أيوب آية في الصبر ، وبه يضرب المثل في ذلك. # هذا ، وقصة أيوب عليه السلام ستأتى بصورة أكثر تفصيلا في سورة «ص» ، وقد ~~تركنا هنا أقوالا عن كيفية مرضه ، وعن مدة هذا المرض .. نظرا لضعفها ، ~~ومنافاتها لعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الأمراض المنفرة. # ثم أشارت السورة إشارات مجملة إلى قصة كل من إسماعيل وإدريس وذي الكفل ، ~~قال تعالى : # ( @QUR@07 وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين (85) @QUR@06 ~~وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين ) (86) # وإسماعيل : هو الابن الأكبر لإبراهيم عليهما السلام وهو الذبيح الذي ~~افتداه الله تعالى بذبح عظيم. # وإدريس : هو واحد من أنبياء الله تعالى ، قالوا : وهو جد نوح عليه السلام ~~وأنه ولد في حياة آدم ، وبعث بعد موته. # أما ذو الكفل : فقد قال الآلوسى في شأنه ما ملخصه : ظاهر نظم ذي الكفل في سلك PageV09P242 # الأنبياء أنه منهم ، وهذا ما ذهب إليه الأكثر. واختلف في اسمه : فقيل : ~~بشر وهو ابن أيوب ، بعثه الله تعالى بعد أبيه ، وكان مقيما بالشام. # وقيل : هو إلياس بن ياسين وينتهى نسبه إلى هارون عليه السلام . # وقيل : هو زكريا والد يحيى عليهما السلام وسمى بذلك لكفالته مريم. # وقيل : لم يكن نبيا وإنما كان عبدا صالحا ..» (1). # ثم مدح سبحانه هؤلاء الأنبياء فقال : ( @QUR@03 كل من الصابرين ) أى : كل ~~واحد منهم من عبادنا الصابرين الذين تحملوا في سبيلنا الكثير من المصاعب ~~والآلام. # ( @QUR@01 وأدخلناهم ) بفضلنا وإحساننا ( @QUR@02 في رحمتنا ) التي وسعت ~~كل شيء ( @QUR@02 إنهم من ) عبادنا ( @QUR@01 الصالحين ) لحمل رسالتنا ، ~~وتبليغها إلى أقوامهم بصدق وصبر وأمانة. # ثم ساق سبحانه بعد ذلك جانبا من قصة يونس عليه السلام فقال : # ( @QUR@023 وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في ~~الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت ms3948 من الظالمين (87) @QUR@08 ~~فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين ) (88) # والمراد بذي النون : يونس بن متى عليه السلام ، والنون : الحوت. وجمعه ~~نينان وأنوان. وسمى بذلك لابتلاع الحوت له. # قال تعالى : ( @QUR@017 وإن يونس لمن المرسلين* إذ أبق إلى الفلك ~~المشحون* فساهم فكان من المدحضين* فالتقمه الحوت وهو مليم .. ) (2). # وملخص قصة يونس «أن الله تعالى أرسله إلى أهل نينوى بالعراق في حوالى ~~القرن الثامن قبل الميلاد ، فدعاهم إلى إخلاص العبادة لله عز وجل فاستعصوا ~~عليه ، فضاق بهم ذرعا ، وتركهم وهو غضبان ليذهب إلى غيرهم ، فوصل إلى شاطئ ~~البحر ، فوجد سفينة PageV09P243 # فركب فيها ، وفي خلال سيرها في البحر ضاقت بركابها ، فقال ربانها : إنه ~~لا بد من أحد الركاب يلقى بنفسه في البحر لينجو الجميع من الغرق. فجاءت ~~القرعة على يونس ، فألقى بنفسه في اليم فالتقمه الحوت .. ثم نبذه إلى ~~الساحل بعد وقت يعلمه الله تعالى ، فأرسله سبحانه إلى قومه مرة أخرى ~~فآمنوا. # وسيأتى تفصيل هذه القصة في سورة الصافات بإذن الله . # والمعنى : واذكر أيها المخاطب لتعتبر وتتعظ عبدنا ذا النون. وقت أن فارق ~~قومه وهو غضبان عليهم ، لأنهم لم يسارعوا إلى الاستجابة له. # قال الجمل : وقوله : ( @QUR@03 إذ ذهب مغاضبا ) أى : غضبان على قومه ، ~~فالمفاعلة ليست على بابها فلا مشاركة كعاقبت وسافرت ، ويحتمل أن تكون على ~~بابها من المشاركة ، أى غاضب قومه وغاضبوه حين لم يؤمنوا في أول الأمر» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@05 فظن أن لن نقدر عليه ) بيان لما ظنه يونس ~~عليه السلام حين فارق قومه غاضبا عليهم بدون إذن من ربه عز وجل . # أى : أن يونس قد خرج غضبان على قومه لعدم استجابتهم لدعوته فظن أن لن ~~نضيق عليه ، عقابا له على مفارقته لهم من غير أمرنا ، أو فظن أننا لن نقضي ~~عليه بعقوبة معينة في مقابل تركه لقومه بدون إذننا. # فقوله : ( @QUR@02 نقدر عليه ) بمعنى نضيق عليه ونعاقبه. يقال : قدر الله ~~الرزق يقدره بكسر الدال وضمها إذا ضيقه. ومنه قوله تعالى : ( @QUR@06 الله ~~يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) (2). # وقوله : ( @QUR@07 وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه ms3949 رزقه .. ) (3) أى : ضيقه عليه. # ثم بين سبحانه ما كان يردده يونس وهو في بطن الحوت فقال : ( @QUR@013 ~~فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ). # والفاء في قوله ( @QUR@01 فنادى ) فصيحة. # والمراد بالظلمات : ظلمات البحر ، وبطن الحوت ، والليل. # أى : خرج يونس غضبان على قومه. فحدث له ما حدث من التقام الحوت له ، فلما صار PageV09P244 # في جوفه المظلم ، بداخل البحر المظلم ، أخذ يتضرع إلينا بقوله : أشهد أن ~~لا إله إلا أنت يا إلهى مستحق للعبادة ، ( @QUR@01 سبحانك ) أى : أنزهك ~~تنزيها عظيما ( @QUR@04 إني كنت من الظالمين ) لنفسي حين فارقت قومي بدون ~~إذن منك. وإنى أعترف بخطئي يا إلهى فتقبل توبتي ، واغسل حوبتي. # هذا وقد ذكر ابن جرير وابن كثير وغيرهما من المفسرين هنا روايات متعددة ~~عن المدة التي مكثها يونس في بطن الحوت ، وعن فضل الدعاء الذي تضرع به إلى ~~الله تعالى ، ومن ذلك ما رواه ابن جرير عن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه ~~قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «باسم الله الذي إذا دعى به ~~أجاب ، وإذا سئل به أعطى ، دعوة يونس بن متى». قال : قلت : يا رسول الله ، ~~هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال : «هي ليونس بن متى خاصة وللمؤمنين ~~عامة ، إذا دعوا بها. ألم تسمع قول الله تعالى : ( @QUR@021 فنادى في ~~الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين* فاستجبنا له ، ~~ونجيناه من الغم ، وكذلك ننجي المؤمنين ) فهو شرط من الله لمن دعاه به» (1). # ثم بين سبحانه أنه قد أجاب ليونس دعاءه فقال : ( @QUR@02 فاستجبنا له ) ~~أى : دعاءه وتضرعه ( @QUR@03 ونجيناه من الغم ) أى : من الحزن الذي كان فيه ~~حين التقمه الحوت وصار في بطنه. # وقد بين سبحانه في آية أخرى ، أن يونس عليه السلام لو لم يسبح الله للبث ~~في بطن الحوت إلى يوم البعث. قال تعالى : ( @QUR@012 فلو لا أنه كان من ~~المسبحين. للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ). # وقوله تعالى : ( @QUR@03 وكذلك ننجي المؤمنين ) بشارة لكل مؤمن يقتدى ~~بيونس في ms3950 إخلاصه وصدق توبته ، ودعائه لربه. # أى : ومثل هذا الإنجاء الذي فعلناه مع عبدنا يونس ، ننجي عبادنا المؤمنين ~~من كل غم ، متى صدقوا في إيمانهم ، وأخلصوا في دعائهم. # ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك جانبا من قصة زكريا ويحيى فقال تعالى : PageV09P245 # ( @QUR@011 وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين (89) ~~@QUR@019 فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون ~~في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين ) (90) # وزكريا هو ابن آزن بن بركيا ، ويتصل نسبه بسليمان عليه السلام ، وكان عيسى ~~قريب العهد به ، حيث كفل زكريا مريم أم عيسى. # أى : واذكر أيها المخاطب حال زكريا عليه السلام وقت أن نادى ربه وتضرع ~~إليه فقال : يا رب لا تتركني فردا أى : وحيدا بدون ذرية ( @QUR@03 وأنت خير ~~الوارثين ) أى : وأنت خير حي باق بعد كل الأموات. # فكانت نتيجة هذا الدعاء الخالص أن أجاب الله لزكريا دعاءه فقال : ( ~~@QUR@02 فاستجبنا له ) أى دعاءه وتضرعه. # ( @QUR@02 ووهبنا له ) بفضلنا وإحساننا ابنه ( @QUR@01 يحيى ) ~~عليهما السلام . # ( @QUR@03 وأصلحنا له زوجه ) بأن جعلناها تلد بعد أن كانت عقيما تكريما ~~له ورحمة به. # وقوله : ( @QUR@05 إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ) تعليل لهذا العطاء ~~الذي منحه سبحانه لأنبيائه عليهم الصلاة والسلام والضمير في «إنهم» يعود ~~للأنبياء السابقين. وقيل : يعود إلى زكريا وزوجه ويحيى. # أى : لقد أعطيناهم ما أعطيناهم من ألوان النعم ، لأنهم كانوا يبادرون في ~~فعل الخيرات التي ترضينا ، ويجتهدون في أداء كل قول أو عمل أمرناهم به. # ( @QUR@03 ويدعوننا رغبا ورهبا ) أى : ويجأرون إلينا بالدعاء ، راغبين في ~~آلائنا ونعمنا وراهبين خائفين من عذابنا ونقمنا. # فقوله ( @QUR@02 رغبا ورهبا ) مصدران بمعنى اسم الفاعل ، منصوبان على ~~الحال ، وفعلهما من باب «طرب» ( @QUR@03 وكانوا لنا خاشعين ) أى : مخبتين ~~متضرعين لا متكبرين ولا متجبرين. # وبهذه الصفات الحميدة ، استحق هؤلاء الأخيار أن ينالوا خيرنا وعطاءنا ~~ورضانا. PageV09P246 # ثم ختم سبحانه الحديث عن هؤلاء الأنبياء الكرام ، بذكر جانب من قصة مريم ~~وابنها عيسى فقال : # ( @QUR@011 والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية ~~للعالمين ) (91) # وقوله : ( @QUR@01 أحصنت ) من الإحصان ms3951 بمعنى المنع ، يقال : هذه درع ~~حصينة أى : مانعة صاحبها من الجراحة. ويقال : هذه امرأة حصينة ، أى : مانعة ~~نفسها من كل فاحشة بسبب عفتها أو زواجها. # أى : واذكر أيضا أيها المخاطب خبر مريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها ، أى ~~: حفظته ومنعته من النكاح منعا كليا. والتعبير عنها بالموصول لتفخيم شأنها ~~، وتنزيهها عن السوء. # ( @QUR@04 فنفخنا فيها من روحنا ) أى : فنفخنا فيها من جهة روحنا ، وهو ~~جبريل عليه السلام حيث أمرناه بذلك فامتثل أمرنا ، فنفخ في جيب درعها ، فكان ~~بذلك عيسى ابنها ، ويؤيد هذا التفسير قوله تعالى في سورة مريم : ( @QUR@01 ~~قال ) أى جبريل لمريم ( @QUR@08 إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا ). # أى : لأكون سببا في هبة الغلام لك عن طريق النفخ في درعك فيصل هذا النفخ ~~إلى الفرج فيكون الحمل بعيسى بإذن الله وإرادته. # والمراد بالآية في قوله سبحانه : ( @QUR@04 وجعلناها وابنها آية للعالمين ~~): الأمر الخارق للعادة ، الذي لم يسبقه ولم يأت بعده ما يشابهه. # أى : وجعلنا مريم وابنها عيسى آية بينة ، ومعجزة واضحة دالة على كمال ~~قدرتنا للناس جميعا ، إذ جاءت مريم بعيسى دون أن يمسها بشر ، ودون أن تكون بغيا. # قال صاحب الكشاف : «فإن قلت : هلا قيل آيتين كما قال سبحانه : ( @QUR@04 ~~وجعلنا الليل والنهار آيتين )؟ (1) قلت : لأن حالهما بمجموعهما آية واحدة. ~~وهي ولادتها إياه من غير فحل» (2). PageV09P247 # وبعد هذا الحديث المتنوع عن قصص عدد كبير من الأنبياء في سورة الأنبياء ، ~~عقب سبحانه على ذلك ببيان أنهم عليهم السلام قد جاءوا بعقيدة واحدة ، هي ~~إخلاص العبادة لله تعالى فقال : # ( @QUR@08 إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ) (92) # ولفظ الأمة يطلق بإطلاقات متعددة. يطلق على الجماعة كما في قوله تعالى ( ~~@QUR@010 ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون .. ) (1). ويطلق ~~على الرجل الجامع للخير ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@07 إن إبراهيم كان ~~أمة قانتا لله حنيفا .. ) (2). ويطلق على الحين والزمان ، كما في قوله ~~سبحانه : ( @QUR@07 وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة .. ) (3) أى وتذكر ~~بعد حين من الزمان. # والمراد بالأمة هنا : الدين والملة. كما ms3952 في قوله تعالى : ( @QUR@05 إنا ~~وجدنا آباءنا على أمة .. ) (4) أى : على دين وملة معينة. # والمعنى : إن ملة التوحيد التي جاء بها الأنبياء جميعا. هي ملتكم ودينكم ~~أيها الناس ، فيجب عليكم أن تتبعوا هؤلاء الأنبياء ، وأن تخلصوا لله تعالى ~~العبادة والطاعة ، فهو سبحانه ربكم ورب كل شيء ، فاعبدوه حق العبادة ~~لتنالوا رضاه ومحبته. # ثم بين سبحانه بعد ذلك حال الناس من الدين الواحد الذي جاء به الرسل ، ~~وعاقبة من اتبع الرسل وعاقبة من خالفهم فقال : # ( @QUR@06 وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون (93) @QUR@012 فمن يعمل ~~من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون (94) @QUR@07 وحرام ~~على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون (95) @QUR@010 حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج ~~وهم من كل حدب ينسلون (96) PageV09P248 # @QUR@020 واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد ~~كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين (97) @QUR@011 إنكم وما تعبدون من دون ~~الله حصب جهنم أنتم لها واردون (98) @QUR@09 لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها ~~وكل فيها خالدون (99) @QUR@07 لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون ) (100) # والضمير في قوله تعالى : ( @QUR@01 وتقطعوا .. ) يعود للناس الذين تفرقوا ~~في شأن الدين شيعا وأحزابا. أى : وافترق الناس في شأن الدين الحق فرقا ~~متعددة ، وسنحاسبهم جميعا على أعمالهم حسابا دقيقا ، يجازى فيه المحسن خيرا ~~، ويعاقب فيه المسيء على إساءته. # وقال سبحانه : ( @QUR@03 فلا كفران لسعيه ) بالنفي المفيد للعموم ، لبيان ~~كمال عدالته تعالى وتنزيهه عز وجل عن ظلم أحد ، أو أخذ شيء مما يستحقه. # وعبر عن العمل بالسعي ، لإظهار الاعتداد به ، وأن صاحب هذا العمل الصالح ~~، قد بذل فيه جهدا مشكورا ، وسعى من أجل الحصول عليه سعيا بذل فيه طاقته. # ثم أكد سبحانه بعد ذلك ما سبق أن قرره من أن الكل سيرجعون إليه للحساب ، ~~فقال : ( @QUR@07 وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ). # وللمفسرين في تفسير هذه الآية الكريمة أقوال منها : # أن المعنى : وحرام أى : وممتنع امتناعا تاما على قرية أهلكنا أهلها بسبب ~~فسوقهم عن أمرنا ، وتكذيبهم لرسلنا أنهم لا يرجعون إلينا في الآخرة للحساب. # فالآية الكريمة تأكيد ms3953 لما قررته الآيات السابقة ، من أن الذين تقطعوا ~~أمرهم بينهم ، والذين آمنوا وعملوا صالحا في دنياهم ، الكل سيرجعون إلى ~~الله تعالى ليجازيهم بما يستحقون يوم القيامة. # وقد أكدت الآية الكريمة رجوعهم إليه تعالى يوم القيامة بأسلوب بديع ، حيث ~~نفت عن الأذهان ما قد يتبادر من أن هلاك الكافرين بالعذاب في الدنيا ، قد ~~ينجيهم من الحساب PageV09P249 # والعقاب يوم القيامة ، وأثبتت أن الرجوع يوم القيامة للحساب مؤكد. # قال صاحب فتح القدير : قوله ( @QUR@04 وحرام على قرية أهلكناها .. ) قرأ ~~أهل المدينة «وحرام» ، وقرأ أهل الكوفة «وحرم» بكسر الحاء وإسكان الراء ~~وهما لغتان مثل : حلال وحل. # ومعنى ( @QUR@01 أهلكناها ): قدرنا إهلاكها. وجملة ( @QUR@03 أنهم لا ~~يرجعون ) في محل رفع مبتدأ ، وقوله : «حرام» خبرها .. والمعنى : وممتنع ~~ألبتة عدم رجوعهم إلينا للجزاء .. (1). # وقال بعض العلماء : وجعل أبو مسلم هذه الآية من تتمة ما قبلها و «لا» فيها ~~على بابها. وهي مع لفظ «حرام» من قبيل نفى النفي. فيدل على الإثبات ، ~~والمعنى : وحرام على القرية المهلكة. عدم رجوعها إلى الآخرة ، بل واجب ~~رجوعها للجزاء ، فيكون الغرض إبطال قول من ينكر البعث. وتحقيق ما تقدم من ~~أنه لا كفران لسعى أحد وأنه سبحانه سيحييه وبعمله يجزيه ، (2). # ومنهم من يرى أن «لا» زائدة ، وأن المراد بالرجوع رجوع الهالكين إلى ~~الدنيا فيكون المعنى : وحرام على أهل قرية أهلكناهم بسبب كفرهم ومعاصيهم ، ~~أن يرجعوا إلى الدنيا مرة أخرى بعد هلاكهم. # ومنهم من يرى أن المراد بقوله تعالى ( @QUR@03 أنهم لا يرجعون ) أى : لا ~~يرجعون إلى التوبة أو إلى الإيمان. # قال صاحب الكشاف : استعير الحرام للممتنع وجوده ، ومنه قوله تعالى : ( ~~@QUR@05 إن الله حرمهما على الكافرين ) (3) أى. منعهما منهم .. ومعنى ~~الرجوع : الرجوع من الكفر إلى الإسلام والإنابة ، ومجاز الآية : إن قوما ~~عزم الله تعالى على إهلاكهم غير متصور أن يرجعوا وينيبوا إلى أن تقوم ~~القيامة .. (4). # ويبدو لنا أن القول الأول هو أقرب إلى الصواب ، لأنه هو المتبادر من ظاهر ~~الآية ، ولأنه هو المستقيم مع سياق الآيات ، ولأنه بعيد عن التكلف إذ أن ~~الآية الكريمة واضحة في بيان ms3954 أن حكمة الله قد اقتضت أن يرجع المهلكون في ~~الدنيا بسبب كفرهم ومعاصيهم إلى الحياة يوم القيامة ليحاسبوا على أعمالهم ~~كما قال تعالى : ( @QUR@09 قل إن الأولين والآخرين* لمجموعون إلى ميقات يوم ~~معلوم ) (5). PageV09P250 # ولعل مما يؤيد هذا الرأى قوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@05 حتى إذا فتحت ~~يأجوج ومأجوج .. ). # فإن حتى هنا ابتدائية ، وما بعدها غاية لما يدل عليه ما قبلها ، فكأنه ~~قيل : إن هؤلاء المهلكين ممتنع ألبتة عدم رجوعهم إلينا وإنما هم سيستمرون ~~على هلاكهم حتى تقوم الساعة فيرجعوا إلينا للحساب ، ويقولوا عند مشاهدته : ~~يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا. # ويأجوج ومأجوج اسمان أعجميان لقبيلتين من الناس ، قيل : مأخوذان من ~~الأوجة وهي الاختلاط أو شدة الحر ، وقيل من الأوج وهو سرعة الجري. # والمراد بفتحهما : فتح السد الذي على هاتين القبيلتين ، والذي يحول بينهم ~~وبين الاختلاط بغيرهم من بقية الناس. # ( @QUR@05 وهم من كل حدب ينسلون ) والحدب : المرتفع من الأرض كالجبل ونحوه. # و ( @QUR@01 ينسلون ) من النسل بإسكان السين ، وهو مقاربة الخطو مع ~~الإسراع في السير ، يقال : نسل الرجل في مشيته إذا أسرع ، وفعله من باب قعد وضرب. # أى : وهم أى يأجوج ومأجوج من كل مرتفع من الأرض يسرعون السير إلى المحشر ~~، أو إلى الأماكن التي يوجههم الله تعالى إليها ، وقيل إن الضمير «هم» يعود ~~إلى الناس المسوقين إلى أرض المحشر. # وقوله : ( @QUR@03 واقترب الوعد الحق .. ) معطوف على ( @QUR@01 فتحت ) أى ~~: فتح السد الذي كان على يأجوج ومأجوج ، وقرب موعد الحساب والجزاء. # قال الآلوسى : وهو ما بعد النفخة الثانية لا النفخة الأولى. وهذا الفتح ~~لسد يأجوج ومأجوج يكون في زمن نزول عيسى من السماء ، وبعد قتله الدجال. # فقد أخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث طويل : إن ~~الله تعالى يوحى إلى عيسى بعد أن يقتل الدجال : أنى قد أخرجت عبادا من ~~عبادي ، لا يدان لك بقتالهم ، فحرز عبادي إلى الطور ، فيبعث الله تعالى ~~يأجوج ومأجوج وهم كما قال سبحانه ( @QUR@04 من كل حدب ينسلون ) ثم يرسل ~~الله عليهم نغفا في رقابهم فيصبحون موتى ms3955 كموت نفس واحدة» (1). # وقوله : فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا .. جواب للشرط وهو قوله : تعالى ~~قبل ذلك ( @QUR@04 إذا فتحت يأجوج ومأجوج ). PageV09P251 # والضمير «هي» للقصة والشأن. و «إذا» للمفاجأة. # قال الجمل : قوله : ( @QUR@06 فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا .. ) فيه ~~وجهان : أحدهما وهو الأجود أن يكون هي ضمير القصة. وشاخصة : خبر مقدم. ~~وأبصار : مبتدأ مؤخر ، والجملة خبر لهى لأنها لا تفسر إلا بجملة مصرح ~~بجزأيها ..» (1). # والمعنى : لقد تحقق ما أخبرنا به من أمارات الساعة ، ومن خروج يأجوج ~~ومأجوج ، ومن عودة الخلق إلينا للحساب .. ورأى المشركون كل ذلك ، فإذا ~~بأبصارهم مرتفعة الأجفان لا تكاد تطرف من شدة الهول والفزع. # يقال : شخص بصر فلان يشخص شخوصا فهو شاخص ، إذا فتح عينيه وصار لا يستطيع ~~تحريكهما. # وقوله : ( @QUR@08 يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا ) مقول لقول محذوف. # أى : أن هؤلاء الكافرين يقولون وهم شاخصو البصر : يا هلاكنا أقبل فهذا ~~أوانك ، فإننا قد كنا في الدنيا في غفلة تامة عن هذا اليوم الذي أحضرنا فيه ~~للحساب. # وقوله : ( @QUR@03 بل كنا ظالمين ) إضراب عن وصف أنفسهم بالغفلة ، إلى ~~وصفها بالظلم وتجاوز الحدود. # أى : لم نكن في الحقيقة في غفلة عن هذا اليوم وأهواله ، فقد أخبرنا رسلنا ~~به ، بل الحقيقة أننا كنا ظالمين لهؤلاء الرسل لأننا لم نطعهم ، وكنا ~~ظالمين لأنفسنا حيث عرضناها لهذا العذاب الأليم. # وهكذا يظهر الكافرون الندامة والحسرة في يوم لا ينفعهم فيه ذلك. # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم .. ) ~~زيادة في تقريعهم وتوبيخهم. # والحصب بفتحتين ما تحصب به النار. أى : يلقى فيها لتزداد به اشتعالا ~~كالحطب والخشب. # أى : إنكم أيها الكافرون وأصنامكم التي تعبدونها من دون الله تعالى وقود ~~جهنم ، وزادها الذي تزداد به اشتعالا. # وفي إلقاء أصنامهم معهم في النار مع أنها لا تعقل ، زيادة في حسرتهم ~~وتبكيتهم ، حيث رأوا بأعينهم مصير ما كانوا يتوهمون من ورائه المنفعة. PageV09P252 # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم قرنوا بآلهتهم؟ قلت : لأنهم لا يزالون ~~لمقارنتهم في زيادة غم وحسرة ، حيث أصابهم ما أصابهم ms3956 بسببهم ، والنظر إلى ~~وجه العدو باب من العذاب ، ولأنهم قدروا أنهم يستشفعون بهم في الآخرة ، ~~وينتفعون بشفاعتهم ، فإذا صادفوا الأمر على عكس ما قدروا ، لم يكن شيء أبغض ~~إليهم منهم (1). # وجملة ( @QUR@03 أنتم لها واردون ) بدل من ( @QUR@02 حصب جهنم )، أو ~~مستأنفة. # أى : أنتم أيها الكافرون ومعكم أصنامكم داخلون في جهنم دخولا لا مفر لكم منه. # وجاء الخطاب بقوله ( @QUR@01 أنتم ) على سبيل التغليب ، وإلا فالجميع ~~داخلون فيها. # ولا يدخل في هذه الآية ما عبده هؤلاء المشركون من الأنبياء والصالحين ~~كعيسى والعزيز والملائكة ، فإن عبادتهم لهم كانت عن جهل وضلال منهم ، فإن ~~هؤلاء الأخيار ما أمروهم بذلك ، وإنما أمروهم بعبادة الله تعالى وحده. # ثم أقام سبحانه لهؤلاء الكافرين الأدلة على بطلان عبادتهم لغيره فقال : ( ~~@QUR@06 لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها ). # أى : لو كان هؤلاء الأصنام المعبودون من دون الله آلهة حقا كما زعمتم ~~أيها الكافرون ما ألقى بهم في النار ، وما قذفوا فيها كما يقذف الحطب ، ~~وحيث تبين لكم دخولهم إياه ، فقد ثبت بطلان عبادتكم لها ، وأن هذه الآلهة ~~المزعومة لا تملك الدفاع عن نفسها فضلا عن غيرها. # وقوله ( @QUR@03 وكل فيها خالدون ) تذبيل مقرر لما قبله. أى : وكل من ~~العابدين والمعبودين باقون في هذه النار على سبيل الخلود الأبدى. # ثم ختم سبحانه هذه الآيات ببيان حال الكافرين في جهنم فقال : ( @QUR@03 ~~لهم فيها زفير ). # أى : لهم فيها تنفس شديد يخرج من أقصى أفواههم بصعوبة وعسر ، كما هو شأن ~~المغموم المحزون. وأصل الزفير : تردد النفس حتى تنتفخ منه الضلوع. # ( @QUR@04 وهم فيها لا يسمعون ) أى : وهم في جهنم لا يسمعون ما يريحهم ، ~~وإنما يسمعون ما فيه توبيخهم وعذابهم ، أو : وهم فيها لا يسمع بعضهم زفير ~~بعض لشدة ما هم فيه من هول وخوف. PageV09P253 # وبعد هذا الحديث الذي ترتجف له القلوب .. أتبع القرآن ذلك بحديث آخر تسر ~~له النفوس ، وتنشرح له الصدور ، فقال تعالى : # ( @QUR@09 إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون (101) @QUR@09 ~~لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون (102) @QUR@011 لا يحزنهم ~~الفزع الأكبر وتتلقاهم ms3957 الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون ) (103) # والحسنى : تأنيث الأحسن ، وهي صفة لموصوف محذوف. # أى : إن الذين سبقت لهم منا في دنياهم المنزلة الحسنى بسبب إيمانهم ~~الخالص وعملهم الصالح ، وقولهم الطيب. # ( @QUR@01 أولئك ) الموصوفون بتلك الصفات الحميدة ( @QUR@02 عنها مبعدون ~~) أى : عن النار وحرها وسعيرها .. مبعدون إبعادا تاما بفضل الله تعالى ~~ورحمته. # وقوله : ( @QUR@03 لا يسمعون حسيسها ) تأكيد لبعدهم عن النار. وأصل ~~الحسيس الصوت الذي تسمعه من شيء يمر قريبا منك. # أى : هؤلاء المؤمنون الصادقون الذين سبقت لهم من خالقهم الدرجة الحسنى ، ~~لا يسمعون صوت النار ، الذي يحس من حركة لهيبها وهيجانها ، لأنهم قد ~~استقروا في الجنة ، وصاروا في أمان واطمئنان. # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون ) بيان لفوزهم ~~بأقصى ما تتمناه الأنفس بعد بيان بعدهم عن صوت النار. # أى : وهم فيما تتمناه أنفسهم ، وتشتهيه أفئدتهم ، وتنشرح له صدورهم ، ~~خالدون خلودا أبديا لا ينغصه حزن أو انقطاع. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 لا يحزنهم الفزع الأكبر ... ) بيان لنجاتهم من ~~كل ما يفزعهم ويدخل القلق على نفوسهم. # أى : إن هؤلاء الذين سبقت لهم منا الحسنى ، لا يحزنهم ما يحزن غيرهم من أهوال PageV09P254 # يشاهدونها ويحسونها في هذا اليوم العصيب ، وهم يوم القيامة وما يشتمل ~~عليه من مواقف متعددة. فالمراد بالفزع الأكبر : الخوف الأكبر الذي يعترى ~~الناس في هذا اليوم. # وفضلا عن ذلك فإن الملائكة تستقبلهم بفرح واستبشار ، فتقول لهم على سبيل ~~التهنئة : ( @QUR@05 هذا يومكم الذي كنتم توعدون ) به في الدنيا من خالقكم ~~عز وجل في مقابل إيمانكم وعملكم الصالح. # قالوا : وهذا الاستقبال من الملائكة للمؤمنين ، يكون على أبواب الجنة ، ~~أو عند الخروج من القبور. # ثم ختم سبحانه سورة الأنبياء ببيان جانب من أحوال هذا الكون يوم القيامة ~~، وببيان سننه في خلقه ، وببيان نعمه على عباده ، وببيان ما أمر به نبيه ~~صلى الله عليه وسلم ، فقال تعالى : # ( @QUR@016 يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده ~~وعدا علينا إنا كنا فاعلين (104) @QUR@012 ولقد كتبنا في الزبور من بعد ~~الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون (105) @QUR@06 إن في هذا ms3958 لبلاغا لقوم ~~عابدين (106) @QUR@05 وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (107) @QUR@011 قل ~~إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون (108) @QUR@013 فإن ~~تولوا فقل آذنتكم على سواء وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون (109) @QUR@08 ~~إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون (110) @QUR@08 وإن أدري لعله فتنة ~~لكم ومتاع إلى حين (111) @QUR@010 قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان ~~على ما تصفون ) (112) PageV09P255 # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب .. ) الظرف ~~فيه منصوب بقوله تعالى قبل ذلك ( @QUR@04 لا يحزنهم الفزع الأكبر ) أو ~~بقوله سبحانه : ( @QUR@02 وتتلقاهم الملائكة ). # وقوله : ( @QUR@01 نطوي ) من الطى وهو ضد النشر. والسجل : الصحيفة التي ~~يكتب فيها. # والمراد بالكتب : ما كتب فيها من الألفاظ والمعاني ، فالكتب بمعنى ~~المكتوبات. واللام بمعنى على. # والمعنى : إن الملائكة تتلقى هؤلاء الأخيار الذين سبقت لهم من الله تعالى ~~الحسنى بالفرح والسرور ، يوم يطوى سبحانه السماء طيا مثل طي الصحيفة على ما ~~فيها من كتابات. # وفي هذا التشبيه إشعار بأن هذا الطى بالنسبة لقدرته تعالى في منتهى ~~السهولة واليسر ، حيث شبه طيه السماء بطى الصحيفة على ما فيها. # وقيل : إن لفظ ( @QUR@01 السجل ) اسم لملك من الملائكة ، وهو الذي يطوى ~~كتب أعمال الناس بعد موتهم. # والإضافة في قوله ( @QUR@02 كطي السجل ) من إضافة المصدر إلى مفعوله ، ~~والجار والمجرور صفة لمصدر مقدر. أى. نطوى السماء طيا كطي الرجل أو الملك ~~الصحيفة على ما كتب فيها. # وقرأ أكثر القراء السبعة : للكتاب بالإفراد. ومعنى القراءتين واحد لأن ~~المراد به الجنس فيشمل كل الكتب. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 كما بدأنا أول خلق نعيده ) بيان لصحة الإعادة ~~قياسا على البدء ، إذ الكل داخل تحت قدرته عز وجل . # أى : نعيد أول خلق إعادة مثل بدئنا إياه ، دون أن ينالنا تعب أو يمسنا ~~لغوب ، لأن قدرتنا لا يعجزها شيء : قال تعالى : ( @QUR@07 ولقد جئتمونا ~~فرادى كما خلقناكم أول مرة .. ). # قال صاحب الكشاف : «وما أول الخلق حتى يعيده كما بدأه؟ قلت : أوله إيجاده ~~من العدم ، فكما أوجده أولا عن عدم. يعيده ثانيا عن عدم». # وقوله تعالى : ( @QUR@05 وعدا علينا إنا كنا فاعلين ) تأكيد ms3959 للإعادة. ~~ولفظ «وعدا» منصوب بفعل محذوف. و «علينا» في موضع الصفة له. # أى : هذه الإعادة وعدنا بها وعدا كائنا علينا باختيارنا وإرادتنا ، إنا ~~كنا محققين هذا PageV09P256 # الوعد ، وقادرين عليه ، والعاقل من يقدم في دنياه العمل الصالح الذي ~~ينفعه عند بعثه للحساب. # ثم ساق سبحانه سنة من سننه التي لا تتخلف فقال : ( @QUR@012 ولقد كتبنا ~~في الزبور من بعد الذكر ، أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ). # والمراد بالزبور : الكتاب المزبور أى : المكتوب ، مأخوذ من قولهم : زبرت ~~الكتاب إذا كتبته. # ويشمل هنا جميع الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل والزبور. # والمراد بالذكر : اللوح المحفوظ الذي هو أم الكتاب. # وقيل : المراد بالزبور : كتاب داود خاصة. وبالذكر التوراة ، أو العلم ، ~~والمقصود بالأرض هنا : أرض الجنة. # فيكون المعنى : ولقد كتبنا في الكتب السماوية ، من بعد كتابتنا في اللوح ~~المحفوظ : أن أرض الجنة نورثها يوم القيامة لعبادنا الصالحين. # وهذا القول يؤيده قوله تعالى في شأن المؤمنين : ( @QUR@016 وقالوا الحمد ~~لله الذي صدقنا وعده ، وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء ، فنعم أجر ~~العاملين ) (1). # ومن المفسرين من يرى أن المراد بالأرض هنا : أرض الدنيا فيكون المعنى : # ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن هذه الأرض التي يعيش عليها الناس ~~مؤمنهم وكافرهم ، ستكون في النهاية لعبادنا الصالحين. # قال الآلوسى ما ملخصه : أخرج ابن جرير عن ابن عباس أن المراد بالأرض في ~~الآية : أرض الجنة ، وإنها الأرض التي يختص بها الصالحون. لأنها لهم خلقت ، ~~وغيرهم إذا حصلوا فيها فعلى وجه التبع ، وأن الآية ذكرت عقب ذكر الإعادة ~~وليس بعدها أرض يستقر عليها الصالحون. ويمتن الله بها عليهم سوى أرض الجنة. # وفي رواية أخرى عن ابن عباس أن المراد بها أرض الدنيا يرثها المؤمنون. ~~ويستولون عليها. # أخرج مسلم وأبو داود والترمذي عن ثوبان قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «إن الله تعالى زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها ، ~~وإن أمتى سيبلغ ملكها ما زوى لي منها ..» (2). PageV09P257 # ويبدو لنا أنه لا مانع من أن يكون المراد بالأرض التي يرثها العباد ~~الصالحون ، ما يشمل ms3960 أرض الجنة وأرض الدنيا ، لأنه لم يرد نص يخصص أحد ~~المعنيين. # وقد سار على هذا التعميم الإمام ابن كثير فقال عند تفسيره لهذه الآية : ~~«يقول الله تعالى مخبرا عما قضاه لعباده الصالحين ، من السعادة في الدنيا ~~والآخرة ووراثة الأرض في الدنيا والآخرة كقوله تعالى ( @QUR@010 إن الأرض ~~لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ) (1) وقال سبحانه ( ~~@QUR@011 إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ~~) (2). # وأخبر تعالى أن هذا مكتوب مسطور في الكتب الشرعية ، فهو كائن لا محالة ، ~~ولهذا قال : ( @QUR@012 ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها ~~عبادي الصالحون .. ) (3). # واسم الإشارة في قوله تعالى : ( @QUR@06 إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين ) ~~يعود على القرآن الكريم الذي منه هذه السورة. # والبلاغ : الشيء الذي يكفى الإنسان للوصول إلى غايته. يقال : في هذا ~~الشيء بلاغ أى : كفاية أو سبب لبلوغ المقصد. # أى : إن في هذا القرآن ، وفيما ذكر في هذه السورة من آداب وهدايات ، ~~وعقائد وتشريعات ، لبلاغا وكفاية في الوصول إلى الحق ، لقوم عابدين. # وخص العابدين بالذكر ، لأنهم هم المنتفعون بتوجيهات القرآن الكريم ، إذ ~~العابد لله تعالى بإخلاص ، يكون خاشع القلب ، نقى النفس ، مستعدا للتلقي ~~والتدبر والانتفاع. # ثم بين سبحانه أن من مظاهر فضله على الناس أن أرسل إليهم نبيه ~~صلى الله عليه وسلم ليكون رحمة لهم فقال : ( @QUR@05 وما أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين ). # أى : وما أرسلناك أيها الرسول الكريم بهذا الدين الحنيف وهو دين الإسلام ~~، إلا من أجل أن تكون رحمة للعالمين من الإنس والجن. # وذلك لأننا قد أرسلناك بما يسعدهم في دينهم وفي دنياهم وفي آخرتهم متى ~~اتبعوك ، واستجابوا لما جئتهم به ، وأطاعوك فيما تأمرهم به أو تنهاهم عنه. # وفي الحديث الشريف : «إنما أنا رحمة مهداة» فرسالته صلى الله عليه وسلم رحمة ~~في ذاتها ، ولكن PageV09P258 # هذه الرحمة انتفع بها من استجاب لدعوتها ، أما من أعرض عنها فهو الذي ضيع ~~على نفسه فرصة الانتفاع. # ورحم الله صاحب الكشاف فقد وضح هذا المعنى فقال : أرسل صلى الله عليه وسلم ~~«رحمة ms3961 للعالمين» لأنه جاء بما يسعدهم إن اتبعوه. ومن خالف ولم يتبع ، فإنما ~~آتى من عند نفسه ، حيث ضيع نصيبه منها. ومثاله : أن يفجر الله عينا عذيقة ~~أى : كبيرة عذبة ، فيسقى ناس زروعهم ، ومواشيهم بمائها فيفلحوا ، ويبقى ناس ~~مفرطون فيضيعوا. فالعين المفجرة في نفسها نعمة من الله تعالى ورحمة ~~للفريقين. ولكن الكسلان محنة على نفسه ، حيث حرمها ما ينفعها» (1). # ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخبر الناس بأن رسالته لحمتها ~~وسداها الدعوة إلى عبادة الله تعالى وحده فقال : ( @QUR@08 قل إنما يوحى ~~إلي أنما إلهكم إله واحد .. ) # أى : قل يا محمد للناس : إن الذي أوحاه الله تعالى إلى من تكاليف وهدايات ~~وعبادات وتشريعات .. تدور كلها حول إثبات وحدانيته سبحانه ووجوب إخلاص ~~العبادة له وحده. # قال الآلوسى رحمه الله : «ذهب جماعة إلى أن في الآية حصرين : الأول : لقصر ~~الصفة على الموصوف. والثاني : لقصر الموصوف على الصفة. # فالأول : قصر فيه الوحى على الوحدانية. والثاني : قصر فيه الله تعالى على ~~الوحدانية ، والمعنى : ما يوحى إلى إلا اختصاص الله بالوحدانية ، ومعنى هذا ~~القصر أنه الأصل الأصيل وما عداه راجع إليه ، أو غير منظور إليه في جانبه ~~..» (2). # والاستفهام في قوله سبحانه : ( @QUR@03 فهل أنتم مسلمون ) للتحضيض أى : ~~مادام الأمر كما ذكر لكم فأسلموا لتسلموا. # ثم أرشد سبحانه النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما يقوله للناس في حال إعراضهم ~~عن دعوته ، فقال : ( @QUR@06 فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء .. ). # وآذنتكم : من الإيذان بمعنى الإعلام والإخبار. ومنه الأذان للصلاة بمعنى ~~الإعلام بدخول وقتها. PageV09P259 # قال بعضهم : آذن منقول من أذن إذا علم ، ولكنه كثر استعماله في إجرائه ~~مجرى الإنذار والتحذير ، (1). # أى : فإن أعرضوا عن دعوتك أيها الرسول الكريم فقل لهم : لقد أعلمتكم ~~وأخبرتكم بما أمرنى ربي أن أعلمكم وأخبركم به ، ولم أخص أحدا منكم بهذا ~~الإعلام دون غيره ، وإنما أخبرتكم جميعا «على سواء» أى : حال كونكم جميعا ~~مستوين في العلم. # فقوله : ( @QUR@02 على سواء ) في موضع الحال من المفعول الأول لآذنتكم. ~~أى : فقد أعلمتكم ما أمرنى ربي به ms3962 حالة كونهم مستوين في هذا العلم. # ويجوز أن يكون الجار والمجرور في موضع الصفة لمصدر مقدر. أى : فقد آذنتكم ~~إيذانا على سواء. # وقوله تعالى : ( @QUR@07 وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون ) إرشاد منه ~~سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم إلى ما يقوله لهم أيضا في حال إعراضهم عن دعوته. # و «إن» نافية. أى : فإن أعرضوا عن دعوتك يا محمد ، فقل لهم : لقد أعلمتكم ~~جميعا بما أمرنى الله بتبليغه إليكم ، وإنى بعد هذا التبليغ والتحذير ما ~~أدرى وما أعرف ، أقريب أم بعيد ما توعدون به من العذاب ، أو من غلبة ~~المسلمين عليكم ، أو من قيام الساعة. فإن علم ذلك وغيره إلى الله تعالى ~~وحده ، وما أنا إلا مبلغ عنه. # وقوله تعالى : ( @QUR@08 إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون ). # فهو سبحانه الذي يعلم ما تجهرون به وما تسرونه من أقوال وأعمال. ويعلم ~~أيضا ما تكتمونه في نفوسكم من كفر وجحود وكراهية لي ولأتباعى ، وسيعاقبكم ~~سبحانه على ذلك العقاب الذي تستحقونه. # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين ) زيادة ~~في تأكيد أن علم ما سينزل بهم من عقاب مرده إلى الله تعالى وحده. # أى : وإنى أيضا ما أدرى ، لعل تأخير عقابكم بعد أن أعرضتم عن دعوتي من ~~باب الامتحان والاختبار لكم ، أو من باب الاستدراج لكم إلى حين مقدر عنده ~~سبحانه ، ثم يأخذكم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر. # وفي إسناد علم ما سينزل بهم إلى الله تعالى وحده ، تخويف لهم أى : تخويف ، وأدب PageV09P260 # ليس بعده أدب من النبي صلى الله عليه وسلم مع الله عز وجل . # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بقوله : ( @QUR@010 قال رب احكم بالحق ، ~~وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون ) أى : قال الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ~~أن بلغ الرسالة وأدى الأمانة وهو يتضرع إلى ربه : رب احكم بيني وبين هؤلاء ~~الذين آذنتهم على سواء بالحق ( @QUR@02 وربنا الرحمن ) أى : الكثير الرحمة ~~على عباده ( @QUR@01 المستعان ) أى : المطلوب منه العون ( @QUR@03 على ما ~~تصفون ) أى : على ما تصفونه بألسنتكم ms3963 من أنواع الكذب والزور والبهتان. # وقرأ أكثر القراء السبعة قل رب احكم بالحق ... بصيغة الأمر. وهذه القراءة ~~تدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أمره الله تعالى أن يقول ذلك. # وصيغة «قال ..» تدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد امتثل أمر ربه ، ~~فقال ما أمره بقوله. # وبعد : فهذا تفسير لسورة الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام نسأل الله ~~تعالى أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ||د. محمد سيد طنطاوى| PageV09P261 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الحج PageV09P263 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة # الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ، ومن والاه. # أما بعد : فهذا تفسير لسورة «الحج» نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه ~~، ونافعا لعباده ، إنه سبحانه أكرم مسئول ، وأعظم مأمول. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ||المؤلف د / محمد سيد طنطاوى| PageV09P265 ### ||| * تعريف بسورة الحج # 1 سورة الحج هي السورة الثانية والعشرون في ترتيب المصحف ، وعدد آياتها ~~ثمان وتسعون آية في المصحف الكوفي ، وسبع وتسعون في المكي وخمس وتسعون في ~~البصري ، وأربع وتسعون في الشامي. # وسميت بسورة الحج ، لحديثها بشيء من التفصيل عن أحكام الحج. # 2 ومن العلماء من يرى أنها من السور المكية ، ومنهم من يرى أنها من السور ~~المدنية. # والحق أن سورة الحج من السور التي فيها آيات مكية ، وفيها آيات مدنية ~~فمثلا : الآيات التي تتحدث عن الإذن بالقتال ، من الواضح أنها آيات مدنية ، ~~لأن القتال شرعه الله تعالى بالمدينة ، وكذلك الآيات التي تتحدث عن أحكام ~~الحج ، لأن الحج فرض بعد الهجرة. # قال الآلوسى بعد أن ذكر أقوال العلماء في ذلك : «والأصح أن سورة الحج ~~مختلطة» فيها آيات مدنية ، وفيها آيات مكية ، وإن اختلف في التعيين ، وهو ~~قول الجمهور» (1). # وقال بعض العلماء : «والذي يغلب على السورة هو موضوعات السور المكية وجو ~~السور المكية. فموضوعات التوحيد ، والتخويف من الساعة ، وإثبات البعث ، ~~وإنكار الشرك ، ومشاهد القيامة. وآيات الله المبثوثة في صفحات الكون .. ~~بارزة في السورة. وإلى جوارها ms3964 الموضوعات المدنية من الإذن بالقتال ، وحماية ~~الشعائر ، والوعد بنصر الله لمن يقع عليه البغي وهو يرد العدوان ، والأمر ~~بالجهاد في سبيل الله» (2). # 3 وقد افتتحت السورة الكريمة افتتاحا ترتجف له النفوس ، حيث تحدثت عن ~~أهوال يوم القيامة ، وعن أحوال الناس فيه ... # قال تعالى ( @QUR@032 يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء ~~عظيم. يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت ، وتضع كل ذات حمل حملها ، وترى ~~الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ).. # 4 وبعد أن ساقت السورة الكريمة نماذج متنوعة لأحوال الناس في هذه الحياة ~~، وأقامت PageV09P267 # الأدلة على أن البعث حق ... أتبعت ذلك ببشارة المؤمنين بما يشرح صدورهم. # قال تعالى ( @QUR@017 إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات ~~تجري من تحتها الأنهار ، إن الله يفعل ما يريد ). # ثم بينت السورة الكريمة أن كل شيء في هذا الكون يسجد لله تعالى وأن كثيرا ~~من الناس ينال الثواب بسبب إيمانه وعمله الصالح ، وكثيرا منهم يصيبه العقاب ~~بسبب كفره وفسوقه. # قال تعالى ( @QUR@037 ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في ~~الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب ، وكثير من الناس ، ~~وكثير حق عليه العذاب ، ومن يهن الله فما له من مكرم ، إن الله يفعل ما ~~يشاء ). # 5 وبعد أن عقدت السورة الكريمة مقارنة بين خصمين اختصموا في ربهم ، وبينت ~~عاقبة كل منهما ... أتبعت ذلك بحديث مفصل عن فريضة الحج. فذكرت سوء عاقبة ~~الكافرين الذين يصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام ، كما بينت أن الله ~~تعالى قد أمر نبيه إبراهيم بأن يؤذن للناس بالحج ، لكي يشهدوا منافع لهم ، ~~ويذكروا اسم الله في أيام معلومات ، كما بشرت الذين يعظمون حرمات الله ~~بالخير وحسن الثواب ، ووصفت من يشرك بالله ( @QUR@013 فكأنما خر من السماء ~~فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ). # ثم ختمت حديثها عن فريضة الحج ببيان أن الهدى الذي يقدمه الحجاج هو من ~~شعائر الله ، فعليهم أن يقدموه بإخلاص وسخاء ، وأن يشكروا الله تعالى على نعمه. # قال ms3965 تعالى : ( @QUR@047 والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير ، ~~فاذكروا اسم الله عليها صواف ، فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع ~~والمعتر ، كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون* لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ~~ولكن يناله التقوى منكم ، كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر ~~المحسنين ). # 6 ثم بينت السورة أن الله تعالى قد شرع لعباده المؤمنين الجهاد في سبيله ~~، وبشرهم بأنه معهم يدافع عنهم ، ويجعل العاقبة لهم. فقال تعالى ( @QUR@023 ~~إن الله يدافع عن الذين آمنوا ، إن الله لا يحب كل خوان كفور* أذن للذين ~~يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ). # ثم أخذت السورة الكريمة في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من ~~قومه ... # قال تعالى : ( @QUR@011 وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود* ~~وقوم إبراهيم PageV09P268 # @QUR@013 وقوم لوط* وأصحاب مدين وكذب موسى ، فأمليت للكافرين ، ثم أخذتهم ~~فكيف كان نكير ). # ثم أمر الله تعالى رسوله بأن يمضى في طريقه دون أن يهتم بأذى المشركين. ~~وأن يجابههم بكلمة الحق بدون خوف أو وجل ، فقال تعالى ( @QUR@025 قل يا ~~أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين* فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم ~~مغفرة ورزق كريم* والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم ). # 7 وبعد أن بين سبحانه مظاهر حكمته في هداية من اهتدى ، وفي ضلال من ضل ، ~~أتبع ذلك بحديث مستفيض عن ألوان نعمه على خلقه ، فقال تعالى : # ( @QUR@052 ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة ، إن ~~الله لطيف خبير ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض ، والفلك تجري في البحر ~~بأمره ، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ، إن الله بالناس لرؤف ~~رحيم* وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ، إن الإنسان لكفور ). # 8 ثم ختم سبحانه السورة الكريمة ، بنداءين : أحدهما : وجهه إلى الناس ~~جميعا ، وبين لهم فيه ، أن الذين يعبدونهم من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو ~~اجتمعوا له. # والثاني : وجهه سبحانه إلى المؤمنين ، وأمرهم فيه بمداومة الركوع والسجود ms3966 ~~والعبادة له عز وجل وبالمواظبة على فعل الخير وعلى الجهاد في سبيله. # قال تعالى : ( @QUR@056 يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم ~~وافعلوا الخير لعلكم تفلحون* وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل ~~عليكم في الدين من حرج. ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل ، وفي ~~هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس ، فأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ، ونعم النصير ). # 9 هذا : والمتأمل في هذه السورة الكريمة ، يرى أن من أبرز ما اهتمت ~~بالحديث عنه ما يأتى : # (ا) بيان أنواع الناس في هذه الحياة ، وعاقبة كل نوع ، ترى ذلك واضحا في ~~قوله تعالى : # ( @QUR@012 ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ، ويتبع كل شيطان مريد ). # ( @QUR@015 ومن الناس من يعبد الله على حرف ، فإن أصابه خير اطمأن به ، ~~وإن أصابته فتنة PageV09P269 # @QUR@06 انقلب على وجهه ، خسر الدنيا والآخرة ... ). # (ب) إقامة الأدلة على وحدانية الله تعالى وعلى أن البعث حق بأسلوب منطقي ~~واضح. يقنع العقول ويهدى القلوب. # ترى ذلك في قوله تعالى : ( @QUR@095 يا أيها الناس إن كنتم في ريب من ~~البعث فإنا خلقناكم من تراب ، ثم من نطفة ، ثم من علقة ، ثم من مضغة مخلقة ~~وغير مخلقة ، لنبين لكم ، ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ، ثم ~~نخرجكم طفلا ، ثم لتبلغوا أشدكم ، ومنكم من يتوفى ، ومنكم من يرد إلى أرذل ~~العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة ، فإذا أنزلنا عليها ~~الماء اهتزت وربت ، وأنبتت من كل زوج بهيج* ذلك بأن الله هو الحق ، وأنه ~~يحي الموتى ، وأنه على كل شيء قدير* وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله ~~يبعث من في القبور ). # (ج) الحديث المفصل عن فريضة الحج ، وما اشتملت عليه هذه الفريضة من منافع ~~وآداب وأحكام. # (د) المقارنة بين مصير المؤمنين ومصير الكافرين ، نرى ذلك في آيات كثيرة ~~، منها قوله تعالى : ( @QUR@017 هذان خصمان اختصموا في ربهم. فالذين كفروا ~~قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤسهم ms3967 الحميم ). # ( @QUR@022 إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير ). # (ه) بيان سنن الله في خلقه ، والتي من أعظمها : دفاعه عن المؤمنين ، ~~ونصره لهم ، ترى ذلك في مثل قوله تعالى : ( @QUR@014 إن الله يدافع عن ~~الذين آمنوا ولينصرن الله من ينصره ، إن الله لقوي عزيز ). # والتي من أعظمها أيضا عدم إخلاف وعده ، قال تعالى : ( @QUR@025 ~~ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده ، وإن يوما عند ربك كألف سنة مما ~~تعدون* وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير ). # (و) يمتاز أسلوب السورة في مجموعه بالقوة والعنف ، والشدة والرهبة ، ~~والإنذار والتحذير ، وغرس التقوى في القلوب بأسلوب تخشع له النفوس .. # نرى ذلك في كثير من آياتها ، ومن ذلك ، قوله تعالى : # ( @QUR@016 يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم* يوم ~~ترونها تذهل كل مرضعة عما PageV09P270 # @QUR@016 أرضعت ، وتضع كل ذات حمل حملها ، وترى الناس سكارى وما هم ~~بسكارى ولكن عذاب الله شديد ).. # وقوله تعالى : ( @QUR@016 ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه ~~الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ). # وقوله تعالى : ( @QUR@023 ... فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من ~~فوق رؤسهم الحميم* يصهر به ما في بطونهم والجلود* ولهم مقامع من حديد ).. # وقوله سبحانه : ( @QUR@037 فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة. فهي خاوية ~~على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد* أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب ~~يعقلون بها ، أو آذان يسمعون بها ، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب ~~التي في الصدور ).. # وبجانب هذه الشدة في الأسلوب ، نرى في السورة أيضا أسلوبا آخر فيه من ~~اللين والرقة والبشارة للمؤمنين ما فيه ، ويكفيك قوله تعالى : # ( @QUR@031 إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ، يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير* وهدوا إلى ~~الطيب من القول ، وهدوا إلى صراط الحميد ). # نسأل الله تعالى أن يجعلنا من عباده المؤمنين الصادقين ، وأن يحشرنا معهم. # وصلى ms3968 الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ||كتبه الراجي عفو ربه د / محمد سيد طنطاوى| PageV09P271 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@010 يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم (1) ~~@QUR@022 يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى ~~الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ) (2) # افتتحت سورة الحج بهذا النداء الموجه من الخالق عز وجل إلى الناس جميعا ، ~~يأمرهم فيه بامتثال أمره ، وباجتناب نهيه ، حتى يفوزوا برضاه يوم القيامة. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) تعليل للأمر ~~بالتقوى. # قال القرطبي : الزلزلة شدة الحركة ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@011 ... ~~وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ... ) (1) وأصل ~~الكلمة من زل فلان عن الموضع ، أى : زال عنه وتحرك ، وزلزل الله قدمه ، أى ~~: حركها وهذه اللفظة تستعمل في تهويل الشيء» (2). # وقال الآلوسى : «والزلزلة : التحريك الشديد ، والإزعاج العنيف ، بطريق ~~التكرير ، بحيث يزيل الأشياء من مقارها ، ويخرجها عن مراكزها. # وإضافتها إلى الساعة ، من إضافة المصدر إلى فاعله ، لكن على سبيل المجاز ~~في النسبة كما في قوله تعالى : ( @QUR@04 بل مكر الليل والنهار ) (3)؛ لأن ~~المحرك حقيقة هو الله تعالى ، والمفعول الأرض أو الناس ، أو من إضافته إلى ~~المفعول ، لكن على إجرائه مجرى المفعول به اتساعا كما في قوله : «يا سارق ~~الليلة أهل الدار ...» (4). PageV09P272 # والمعنى : يا أيها الناس اتقوا ربكم اتقاء تاما ، بأن تصونوا أنفسكم عن ~~كل ما لا يرضيه ، وبأن تسارعوا إلى فعل ما يحبه ، لأن ما يحدث في هذا الكون ~~عند قيام الساعة ، شيء عظيم ، ترتجف لهوله القلوب ، وتخشع له النفوس. # وقال سبحانه : ( @QUR@05 إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) بصيغة الإجمال ~~والإبهام لهذا الشيء العظيم ، لزيادة التهويل والتخويف. # ثم فصل سبحانه هذا الشيء العظيم تفصيلا يزيد في وجل القلوب فقال : ( ~~@QUR@07 يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت ... ). # والضمير في «ترونها» ، يعود إلى الزلزلة لأنها هي المتحدث عنها والظرف ~~«يوم» منصوب بالفعل تذهل ، والرؤية بصرية لأنهم يرون ذلك بأعينهم. # والذهول : الذهاب عن الأمر والانشغال عنه ms3969 مع دهشة وحيرة وخوف ، ومنه قول ~~عبد الله ابن رواحة رضى الله عنه : # ضربا يزيل الهام عن مقيله %~% ويذهل الخليل عن خليله # أى : أن هذه الزلزلة من مظاهر شدتها ورهبتها ، أنكم ترون الأم بسببها ~~تنسى وتترك وليدها الذي ألقمته ثديها. وكأنها لا تراه ولا تحس به من شدة الفزع. # قال صاحب الكشاف : «فإن قلت : لم قيل ( @QUR@01 مرضعة ) دون مرضع؟ قلت : ~~المرضعة التي هي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبى ، والمرضع : التي من ~~شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به ، فقيل : مرضعة ، ليدل ~~على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه ، وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته عن فيه ~~لما يلحقها من الدهشة ( @QUR@02 عما أرضعت ) عن إرضاعها : أو عن الذي ~~أرضعته وهو الطفل ...» (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 وتضع كل ذات حمل حملها ) بيان لحالة ثانية تدل ~~على شدة الزلزلة وعلى عنف آثارها. # أى : وترونها أيضا تجعل كل حامل تضع حملها قبل تمامه من شدة الفزع. # ثم بين سبحانه حالة ثالثة للآثار التي تدل على شدة هذه الزلزلة فقال : ( ~~@QUR@010 وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ). # أى : وترى أيها المخاطب الناس في هذا الوقت العصيب ، هيئتهم كهيئة ~~السكارى PageV09P273 # من قوة الرعب والفزع. وما هم على الحقيقة بسكارى ، لأنهم لم يشربوا ما ~~يسكرهم ولكن عذاب الله شديد. أى : ولكن شدة عذابه سبحانه هي التي جعلتهم ~~بهذه الحالة التي تشبه حالة السكارى في الذهول والاضطراب. # وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى فقال : «وتراهم سكارى على التشبيه ، ~~وما هم بسكارى على التحقيق ، ولكن ما رهقهم من خوف عذاب الله ، هو الذي ~~أذهب عقولهم ، وطير تمييزهم ، وردهم في نحو حال من يذهب السكر بعقله ~~وتمييزه ...». # وقد علق صاحب الانتصاف على عبارة صاحب الكشاف هذه فقال : قال أحمد : ~~والعلماء يقولون : إن من أدلة المجاز صدق نقيضه ، كقولك : زيد حمار ، إذا ~~وصفته بالبلادة ، ثم يصدق أن تقول : وما هو بحمار ، فتنفى عنه الحقيقة ، ~~فكذلك الآية ، بعد أن أثبت السكر المجازى نفى الحقيقة أبلغ ms3970 نفى مؤكد بالباء ~~، والسر في تأكيده : التنبيه على أن هذا السكر الذي هو بهم في تلك الحالة ~~ليس من المعهود في شيء ، وإنما هو أمر لم يعهدوا مثله من قبل. والاستدراك ~~بقوله ( @QUR@04 ولكن عذاب الله شديد ) راجع إلى قوله : ( @QUR@03 وما هم ~~بسكارى ) وكأنه تعليل لإثبات السكر المجازى ، فكأنه قيل : إذا لم يكونوا ~~سكارى من الخمر فما هذا السكر الغريب وما سببه؟ فقال : شدة عذاب الله تعالى ~~» (1). # هذا ، وقد اختلف العلماء في وقت هذه الزلزلة المذكورة هنا ، فمنهم من يرى ~~أنها تكون في آخر عمر الدنيا ، وأول أحوال الساعة ومنهم من يرى أنها تكون ~~يوم القيامة ، بعد خروج الناس من قبورهم للحساب. # وقد وفي هذه المسألة حقها الإمام ابن كثير فقال ما ملخصه : «قال قائلون : ~~هذه الزلزلة كائنة في آخر عمر الدنيا. وأول أحوال الساعة. # وقال آخرون : بل ذلك هول وفزع وزلزال وبلبال ، كائن يوم القيامة في ~~العرصات ، بعد القيام من القبور. # ثم ساق رحمه الله سبعة أحاديث استدل بها أصحاب الرأى الثاني. # ومن هذه الأحاديث ما رواه الشيخان عن أبى سعيد الخدري قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : يقول الله تعالى يوم القيامة : يا آدم. فيقول : ~~لبيك ربنا وسعديك. فينادى بصوت : إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى ~~النار ، قال : يا رب ، وما بعث النار؟ قال : من كل ألف أراه قال تسعمائة ~~وتسعة وتسعين ، فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب PageV09P274 # الوليد ، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد». فشق ذلك ~~على الناس حتى تغيرت وجوههم. فقال صلى الله عليه وسلم : «من يأجوج ومأجوج ~~تسعمائة وتسعة وتسعين ومنكم واحد ، ثم أنتم في الناس كالشعرة البيضاء في ~~الثور الأسود ، وإنى لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبرنا ثم قال : ثلث ~~أهل الجنة فكبرنا ثم قال : شطر أهل الجنة فكبرنا» (1). # وعلى الرأى الأول تكون الزلزلة بمعناها الحقيقي ، بأن تتزلزل الأرض ~~وتضطرب ، ويعقبها طلوع الشمس من مغربها ، ثم تقوم الساعة. # وعلى الرأى الثاني تكون الزلزلة المقصود بها شدة ms3971 الخوف والفزع ، كما في ~~قوله تعالى في شأن المؤمنين بعد أن أحاطت بهم جيوش الأحزاب : ( @QUR@06 ~~هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا ) (2) فالمقصود : أصيبوا بالفزع ~~والخوف ، وليس المقصود أن الأرض تحركت واضطربت من تحتهم. # وبعد هذا الافتتاح الذي يغرس الخوف في النفوس ، ويحملها على تقوى الله ~~وخشيته ، ساقت السورة حال نوع من الناس يجادل بالباطل ، ويتبع خطوات ~~الشيطان ، فقال تعالى : # ( @QUR@012 ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد (3) ~~@QUR@011 كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير ) (4) # و ( @QUR@01 من ) في قوله ( @QUR@02 ومن الناس ) للتبعيض. وقوله ( ~~@QUR@01 يجادل ) من الجدال بمعنى المفاوضة على سبيل المنازعة والمخاصمة ~~والمغالبة ، مأخوذ من جدلت الحبل. أى : أحكمت فتله ، كأن المتجادلين يحاول ~~كل واحد منهما أن يقوى رأيه ، ويضعف رأى صاحبه. # والمراد بالمجادلة في الله : المجادلة في ذاته وصفاته وتشريعاته. # وقوله : ( @QUR@02 بغير علم ) حال من الفاعل في يجادل. وهي حال موضحة لما ~~تشعر به المجادلة هنا من الجهل والعناد. PageV09P275 # أى : ومن الناس قوم استولى عليهم الجهل والعناد ، لأنهم يجادلون وينازعون ~~في ذات الله وصفاته ، وفي وحيه وفي أحكامه بغير مستند من علم عقلي أو نقلي ~~، وبغير دليل أو ما يشبه الدليل. # وقوله سبحانه ( @QUR@04 ويتبع كل شيطان مريد ) معطوف على ما قبله. ~~والمريد والمتمرد : البالغ أقصى الغاية في الشر والفساد ، يقال : مرد فلان ~~على كذا من باب نصر وظرف إذا عتا وتجبر واستمر على ذلك. # وأصل المادة للملاسة والتجرد ، ومنه قولهم : شجرة مرداء ، أى ملساء لا ~~ورق لها. وغلام أمرد. أى : لم ينبت في ذقنه شعر .. # أى : يجادل في ذات الله وصفاته بغير علم يعلمه ، ويتبع في جداله وتطاوله ~~وعناده ، كل شيطان عاد عن الخير ، متجرد للفساد ، لا يعرف الحق أو الصلاح ، ~~ولا هما يعرفانه ، وإنما هو خالص للشر والغي والمنكر من القول والفعل. # وتقييد الجدال بكونه بغير علم ، يفهم منه أن الجدال بعلم لإحقاق الحق ~~وإبطال الباطل ، سائغ محمود ، ولذا قال الإمام الفخر الرازي : «هذه الآية ~~بمفهومها تدل على جواز المجادلة الحقة ms3972 ، لأن تخصيص المجادلة مع عدم العلم ~~بالدلائل ، يدل على أن المجادلة مع العلم جائزة» ، فالمجادلة الباطلة : هي ~~المرادة من قوله تعالى : ( @QUR@05 ما ضربوه لك إلا جدلا .. ) (1) ~~والمجادلة الحقة هي المرادة من قوله : ( @QUR@04 وجادلهم بالتي هي أحسن .. ~~) (2). # ثم بين سبحانه سوء عاقبة هذا المجادل بالباطل ، والمتبع لكل شيطان مريد ، ~~فقال : ( @QUR@011 كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير ). # أى : كتب على هذا الشيطان ، وقضى عليه «أنه من تولاه» أى اتخذه وليا ~~وقدوة له «فأنه يضله» أى : فشأن هذا الشيطان أن يضل تابعه عن كل خير ~~«ويهديه إلى عذاب السعير» أى : وأن شأن هذا الشيطان أيضا أن يهدى متبعه إلى ~~طريق النار المستعرة ، وفي التعبير بقوله : ( @QUR@04 ويهديه إلى عذاب ~~السعير ) تهكم بمن يتبع هذا الشيطان ، إذ سمى سبحانه قيادة الشيطان لأتباعه ~~هداية .. # وقد ذكر كثير من المفسرين أن هاتين الآيتين نزلنا في شأن النضر بن الحارث ~~أو العاص بن وائل ، أو أبى جهل .. وكانوا يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالباطل. # ومن المعروف أن نزول هاتين الآيتين في شأن هؤلاء الأشخاص ، لا يمنع من ~~عمومهما في PageV09P276 # شأن كل من كان على شاكلة هؤلاء الأشقياء ، إذ العبرة بعموم اللفظ لا ~~بخصوص السبب. # ولذا قال صاحب الكشاف : «وهي عامة في كل من تعاطى الجدال فيما يجوز على ~~الله وما لا يجوز ، من الصفات والأفعال. ولا يرجع إلى علم. ولا يعض فيه ~~بضرس قاطع ، وليس فيه اتباع للبرهان ، ولا نزول على النصفة ، فهو يخبط خبط ~~عشواء ، غير فارق بين الحق والباطل» (1). # ثم ساق سبحانه أهم القضايا التي جادل فيها المشركون بغير علم ، واتبعوا ~~في جدالهم خطوات الشيطان ، وهي قضية البعث ، وأقام الأدلة على صحتها ، وعلى ~~أن البعث حق وواقع فقال تعالى : # ( @QUR@070 يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ~~ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في ~~الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ms3973 ومنكم من ~~يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض ~~هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج (5) ~~@QUR@013 ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحي الموتى وأنه على كل شيء قدير (6) ~~@QUR@012 وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ) (7) PageV09P277 # قال أبو حيان في البحر : لما ذكر سبحانه من يجادل في قدرة الله بغير علم ~~، وكان جدالهم في الحشر والمعاد ، ذكر دليلين واضحين على ذلك. أحدهما : في ~~نفس الإنسان وابتداء خلقه. وتطوره في أطوار سبعة ، وهي : التراب ، والنطفة ~~، والعلقة ، والمضغة ، والإخراج طفلا ، وبلوغ الأشد ، والتوفي أو الرد إلى ~~أرذل العمر. # والدليل الثاني : في الأرض التي يشاهد تنقلها من حال إلى حال فإذا اعتبر ~~العاقل ذلك ثبت عنده جوازه عقلا ، فإذا ورد الشرع بوقوعه ، وجب التصديق به ~~، وأنه واقع لا محالة (1). # والمراد بالناس هنا : المشركون وكل من كان على شاكلتهم في إنكار أمر ~~البعث واستبعاده ، لأن المؤمنين يعترفون بأن البعث حق ، وأنه واقع بلا أدنى ~~شك أو ريب. # والمعنى : يا أيها الناس إن كنتم في شك من أمر إعادتكم الى الحياة مرة ~~أخرى للحساب يوم القيامة ، فانظروا وتفكروا في مبدأ خلقكم ، فإن هذا التفكر ~~من شأنه أن يزيل هذا الشك ، لأن الذي أوجدكم الإيجاد الأول. وخلقكم من ~~التراب ، قادر على إعادتكم إلى الحياة مرة أخرى ، إذ الإعادة كما يعرف كل ~~عاقل أيسر من ابتداء الفعل. # وقد قرب سبحانه هذا المعنى في أذهانكم في آيات كثيرة ، منها قوله تعالى : ~~( @QUR@018 وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ، وله المثل ~~الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ) (2). # وأتى سبحانه بأن المفيدة للشك فقال : ( @QUR@06 إن كنتم في ريب من البعث ~~) مع أن كونهم في ريب أمر محقق تنزيلا للمحقق منزلة المشكوك فيه ، وتنزيها ~~لموضوع البعث عن أن يتحقق الشك فيه من أى عاقل ، وتوبيخا لهم لوضعهم الأمور ~~في غير مواضعها. # ووجه الإتيان بفي الدالة على الظرفية ، للإشارة إلى أنهم ms3974 قد امتلكهم ~~الريب وأحاط بهم إحاطة الظرف بالمظروف. # قال الآلوسى : «وقوله ( @QUR@04 فإنا خلقناكم من تراب ) دليل جواب الشرط ~~، أو هو الجواب بتأويل ، أى : إن كنتم في ريب من البعث ، فانظروا إلى مبدأ ~~خلقكم ليزول ريبكم ، فإنا خلقناكم من تراب ، وخلقهم من تراب في ضمن خلق ~~أبيهم آدم منه ...» (3). # وقال بعض العلماء ما ملخصه : والتحقيق في معنى قوله تعالى ( @QUR@03 فإنا ~~خلقناكم من PageV09P278 # @QUR@01 تراب ): أنه سبحانه خلق أباهم آدم منه ، ثم خلق من آدم زوجه ~~حواء ، ثم خلق الناس منهما عن طريق التناسل. # فلما كان أصلهم الأول من تراب ، أطلق عليهم أنه خلقهم من تراب ؛ لأن ~~الفروع تتبع الأصل. وعلى ذلك يكون خلقهم من تراب هو الطور الأول ..» (1). # ثم بين سبحانه الطور الثاني من أطوار خلق الإنسان فقال : ( @QUR@03 ثم من ~~نطفة ) وهذا اللفظ مأخوذ من النطف بفتح النون مع التشديد وإسكان الطاء ~~بمعنى السيلان والتقاطر. يقال : نطفت القربة ، إذا تقاطر الماء منها بقلة. # والنطفة تطلق في اللغة : على الماء القليل ، والمراد بها هنا : الماء ~~المختلط من الرجل والمرأة عند الجماع ، والمعبر عنه بالمنى. # وقوله ( @QUR@03 ثم من علقة ) هو الطور الثالث. والعلقة جمعها علق ، وهي ~~قطعة من الدم جامدة ، تتحول إليها النطفة. # وقوله ( @QUR@03 ثم من مضغة ) هو الطور الرابع ، والمضغة قطعة صغيرة من ~~اللحم تتحول إليها العلقة. # وقوله سبحانه ( @QUR@03 مخلقة وغير مخلقة ) صفة للمضغة. # والمراد بالمخلقة : التامة الخلقة ، السالمة من العيوب ، والمراد بغير ~~المخلقة : ما ليست كذلك كأن تكون ناقصة الخلقة. # وقد اكتفى بهذا المعنى صاحب الكشاف فقال : «والمخلقة» المستواة الملساء ~~من النقصان والعيب : يقال : خلق السواك والعود ، إذا سواه وملسه ، من قولهم ~~: صخرة خلقاء ، إذا كانت ملساء. كأن الله تعالى يخلق المضغ متفاوتة. منها. ~~ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب ، ومنها ما هو على عكس ذلك ، فيتبع ذلك ~~التفاوت ، تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم ~~...» (2). # وقيل : «مخلقة» أى : مستبينة الخلق ، ظاهرة التصوير. «وغير مخلقة» أى : ~~لم يستبن خلقها ولا ظهر تصويرها كالسقط الذي هو مضغة ولم تظهر صورته ms3975 ~~الإنسانية بعد. # وقيل : «مخلقة» أى : نفخ فيها الروح. «وغير مخلقة» أى : لم ينفخ فيها الروح. # ويبدو لنا أن ما ذهب إليه صاحب الكشاف واكتفى به أولى بالقبول ، لأنه هو ~~المشهور من PageV09P279 # كلام العرب. فهم يقولون : حجر أخلق أى : أملس مصمت لا يؤثر فيه شيء ، ~~وصخرة خلقاء ، أى : ليس بها تشويه أو كسر. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 لنبين لكم ) متعلق بقوله : ( @QUR@01 خلقناكم ) ~~أى : خلقناكم على هذا النحو العجيب ، وفي تلك الأطوار البديعة. لنبين لكم ~~كمال قدرتنا ، وبليغ حكمتنا. وأننا لا يعجزنا إعادة كل حي إلى الحياة بعد موته. # وحذف مفعول «نبين» للإشعار بأن أفعاله تعالى الدالة على كمال قدرته ، لا ~~يحيط بها وصف ، ولا تمدها عبارة .. # أى : لنبين لكم عن طريق المشاهدة ، ما يدل على كمال قدرتنا دلالة يعجز ~~الوصف عن الإحاطة بها. # وقوله تعالى : ( @QUR@08 ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ) كلام ~~مستأنف مسوق لبيان أحوال الناس بعد تمام خلقهم ، وتوارد تلك الأطوار عليهم. # أى : ونقر ونثبت في أرحام الأمهات ما نشاء إقراره وثبوته فيها من الأجنة ~~والأحمال ، إلى أجل معلوم عندنا. وهو الوقت المحدد للولادة والوضع ، وما لم ~~نشأ إقراره من الحمل لفظته الأرحام وأسقطته ، إذ كل شيء بمشيئتنا وإرادتنا. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 ثم نخرجكم طفلا ) بيان للطور الخامس من أطوار ~~خلق الإنسان. # أى : ثم نخرجكم من أرحام أمهاتكم بعد استقراركم فيها إلى الوقت الذي ~~حددناه ، طفلا صغيرا. أى : أطفالا صغارا ، وإنما جاء مفردا باعتبار إرادة ~~الجنس الشامل للواحد والمتعدد ، أو باعتبار كل واحد منهم ، وهو حال من ضمير ~~المخاطبين. # ومن الأساليب العربية المعهودة ، أن الاسم المفرد إذا كان اسم جنس. يكثر ~~إطلاقه على الجمع ، ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@03 واجعلنا للمتقين إماما ~~) أى : أئمة. وقوله سبحانه ( @QUR@07 فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا .. ) أى ~~: أنفسا ، ومن هذا القبيل قول الشاعر : # وكان بنو فزارة شر عم %~% فكنت لهم كشر بنى الأخينا # أى : شر أعمام. # وقوله تعالى ( @QUR@03 ثم لتبلغوا أشدكم ) بيان للطور السادس ، والأشد : ~~قوة الإنسان وشدته واشتعال حرارته ، من الشدة بمعنى الارتفاع ms3976 والقوة ، يقال ~~: شد النهار إذا ارتفع ، وهو PageV09P280 # مفرد جاء بصيغة الجمع ، أو جمع لا واحد له ، أو جمع شدة كأنعم ونعمة . # قال الآلوسى : «والجملة علة لنخرجكم ، وهي معطوفة على علة أخرى مناسبة لها. # كأنه قيل : ثم نخرجكم لتكبروا شيئا فشيئا ثم لتبلغوا أشدكم ، أى كمالكم ~~في القوة والعقل والتمييز .. وقيل : علة لمحذوف. والتقدير : ثم نمهلكم ~~لتبلغوا أشدكم ... # وتقديم التبيين «لنبين لكم» على ما بعده ، مع أن حصوله بالفعل بعد الكل ، ~~للإيذان بأنه غاية الغايات ومقصود بالذات. # وإعادة اللام في «لتبلغوا» مع تجريد «نقر ، ونخرج» عنها ، للإشعار بأصالة ~~البلوغ بالنسبة إلى الإقرار والإخراج إذ عليه يدور التكليف المؤدى إلى ~~السعادة والشقاوة» (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@015 ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ~~لكيلا يعلم من بعد علم شيئا ) بيان للطور السابع والأخير. # أى : منكم أيها الناس من يبلغ أشده في هذه الحياة ، ومنكم من يموت قبل ~~ذلك ، ومنكم من يعيش إلى أرذل العمر أى : أخسه وأدونه ، فيصير من بعد علمه ~~بالأشياء وفهمه لها ، لا علم له ولا فهم ، شأنه في ذلك شأن الأطفال. # قال تعالى : ( @QUR@010 لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم* ثم رددناه أسفل ~~سافلين ) فالآية الكريمة تصور أطوار خلق الإنسان ومراحل حياته أكمل تصوير ، ~~للتنبيه على مظاهر قدرة الله تعالى وعلى أن البعث حق وصدق. # وبعد إقامة هذا الدليل من نفس الإنسان وتطور خلقه على صحة البعث ، ساق ~~سبحانه الدليل الثاني عن طريق مشاهدة الأرض وتنقلها من حال إلى حال ، فقال ~~تعالى ( @QUR@014 وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ~~وأنبتت من كل زوج بهيج ). # وقوله : ( @QUR@01 هامدة ) أى : يابسة ، يقال : همدت الأرض تهمد بضم ~~الميم همودا ، إذا يبست. # ومعنى : «اهتزت» : تحركت ، يقال : هز فلان الشيء فاهتز ، إذا حركه فتحرك. # ومعنى : «ربت» زادت بسبب تداخل الماء والنبات فيها ، يقال : ربا الشيء ~~يربو ربوا ، إذا زاد ونما ، ومنه الربا والربوة. PageV09P281 # أى : وترى أيها العاقل ببصرك الأرض يابسة لا نبات فيها ، فإذا ما أنزلنا ~~عليها بقدرتنا الماء ، تحركت بسبب خروج النبات منها ms3977 ، وانتفخت بسبب ما ~~يتخللها من الماء والنبات ، وأنبتت بعد ذلك من كل صنف بهيج نضر حسن المنظر. # وشبيه بهذه الآية في أن إحياء الأرض بعد موتها دليل على إحياء الناس بعد ~~موتهم ، بقدرة الله تعالى وإرادته ، قوله عز وجل : ( @QUR@022 ومن آياته أنك ~~ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ، إن الذي أحياها لمحي ~~الموتى إنه على كل شيء قدير ) (1). # ثم بين سبحانه بعد ذلك ما يدل على وحدانيته وقدرته فقال : ( @QUR@013 ذلك ~~بأن الله هو الحق ، وأنه يحي الموتى ، وأنه على كل شيء قدير ). # واسم الإشارة يعود إلى المذكور من خلق الإنسان وإحياء الأرض بعد موتها .. # أى : ذلك الذي ذكرناه لكم دليل واضح ، وبرهان قاطع ، على أن الله تعالى ~~هو الإله الحق ، الذي يجب أن تخلصوا له العبادة والطاعة ، لأنه هو وحده ~~الخالق لكل شيء ، ولأنه هو وحده الذي يعيد الموتى إلى الحياة ، ولأنه هو ~~وحده الذي لا يعجزه شيء. # وخص سبحانه إحياء الموتى بالذكر ، مع أنه من جملة الأشياء المقدور عليها. ~~للتصريح بما هو محل النزاع وهو البعث ، ولدحض شبه المنكرين له. # ثم أكد سبحانه ذلك تأكيدا دامغا فقال : ( @QUR@02 وأن الساعة ) وما تشتمل ~~عليه من حساب وثواب وعقاب ( @QUR@04 آتية لا ريب فيها ) أى : لا ريب ولا شك ~~في إتيانها في الوقت الذي يريده الله تعالى . # ( @QUR@02 وأن الله ) تعالى وحده ( @QUR@04 يبعث من في القبور ) ليحاسبهم ~~على أعمالهم. # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أقامت أعظم الأدلة وأوضحها على وحدانية الله ~~تعالى وقدرته ، وعلى أن البعث حق وصدق وأنه آت لا ريب فيه. # ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك نموذجين لصنفين من الناس ، أحدهما : ~~متكبر مغرور ، والآخر مذبذب لا ثبات له في عقيدة فقال تعالى : PageV09P282 # ( @QUR@013 ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ~~(8) @QUR@015 ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم ~~القيامة عذاب الحريق (9) @QUR@09 ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام ~~للعبيد (10) @QUR@025 ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه ms3978 خير اطمأن ~~به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران ~~المبين (11) @QUR@014 يدعوا من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو ~~الضلال البعيد (12) @QUR@010 يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس ~~العشير ) (13) # قال ابن كثير رحمه الله : «لما ذكر تعالى حال الضلال الجهال المقلدين ~~لغيرهم في الآية الثالثة من هذه السورة وهي قوله سبحانه : ( @QUR@012 ومن ~~الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد )، ذكر في هذه حال ~~الدعاة إلى الضلال من رءوس الكفر والبدع ، فقال : ( @QUR@013 ومن الناس من ~~يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ) أى : بلا عقل صحيح. ولا ~~نقل صحيح صريح بل بمجرد الرأى والهوى» (1). # ولعل مما يؤيد ما ذهب إليه ابن كثير من أن الآية الثالثة من هذه السورة ~~في شأن المقلدين لغيرهم ، أنه سبحانه قال فيها في شأنهم : ( @QUR@04 ويتبع ~~كل شيطان مريد ). # أما في هذه الآية فقد قال في شأن هذا النوع من الناس : ( @QUR@06 ثاني ~~عطفه ليضل عن سبيل الله ... ) أى : ليضل غيره ويصرفه عن طاعة الله تعالى ~~واتباع طريقه الحق. # وقد نفت الآية الكريمة عن هذا المجادل ، استناده إلى أى دليل أو ما يشبه ~~الدليل ، فهو يجادل في ذات الله تعالى وفي صفاته «بغير علم» يستند إليه ~~وبغير «هدى» يهديه PageV09P283 # ويرشده إلى الحق وبغير «كتاب منير» أى : وبغير وحى ينير عقله وقلبه ، ~~ويوضح له سبيل الرشاد. # فأنت ترى أن الآية قد جردت هذا المجادل من أى مستند إليه في جداله سواء ~~كان عقليا أم نقليا ، بل أثبتت له الجهالة من جميع الجهات. # ثم صورته السورة الكريمة بعد ذلك بتلك الصورة المزرية ، صورة الجاهل ~~المغرور المتعجرف ، فقال تعالى : ( @QUR@06 ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله ). # وقوله ( @QUR@01 ثاني ) من الثنى بمعنى اللى والميل عن الاستقامة. يقال : ~~فلان ثنى الشيء إذا رد بعضه على بعض فانثنى أى : مال والتوى. # والعطف بكسر العين الجانب ، وهذا التعبير كناية عن غروره وصلفه مع جهله. ~~أى : أنه مع جداله ms3979 بدون علم ، متكبر معجب بنفسه ، معرض عن الحق ، مجتهد في ~~إضلال غيره عن سبيل الله تعالى وعن الطريق الذي يوصل إلى الرشاد. # ثم بين سبحانه سوء عاقبة هذا الجاهل المغرور المضل لغيره فقال : و ( ~~@QUR@04 له في الدنيا خزي ) أى : هوان وذلة وصغار. # ( @QUR@05 ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق ) أى : ونجعله يوم القيامة ~~يدرك طعم العذاب المحرق. ويصطلى به جزاء غروره وشموخه في الدنيا بغير حق. # وتقول له ملائكتنا وهي تصب عليه ألوان العذاب ( @QUR@04 ذلك بما قدمت ~~يداك ) أى : ذلك الذي تتذوقه من عذاب محرق سببه : جهلك وغرورك وإصرارك على ~~الكفر ، وحرصك على إضلالك لغيرك. # وأسند سبحانه سبب ما نزل بهذا الكافر من خزي وعذاب إلى يديه ، لأنهما ~~الجارحتان اللتان يزاول بهما أكثر الأعمال. # وقوله سبحانه ( @QUR@05 وأن الله ليس بظلام للعبيد ) بيان لعدله تعالى مع ~~عباده ، أى : وأن الله تعالى ليس بذي ظلم لعباده أصلا ، حتى يعذبهم بدون ~~ذنب ، بل هو عادل رحيم بهم ، ومن مظاهر عدله ورحمته أنه يضاعف الحسنات ، ~~ويعاقب على السيئات ، ويعفو عن كثير من ذنوب عباده. # ثم بين سبحانه نوعا آخر من الناس ، لا يقل جرما عن سابقه فقال تعالى : ( ~~@QUR@018 ومن الناس من يعبد الله على حرف ، فإن أصابه خير اطمأن به ، وإن ~~أصابته فتنة انقلب على وجهه .. ). PageV09P284 # قال صاحب الكشاف : «على حرف» أى : على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه. ~~وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم : لا على سكون وطمأنينة ، كالذي ~~يكون على طرف من العسكر ، فإن أحس بظفر وغنيمة قر واطمأن ، وإلا فر وطار ~~على وجهه ...» (1). # وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها : ما أخرجه البخاري ~~عن ابن عباس قال : كان الرجل يقدم المدينة ، فإذا ولدت امرأته غلاما ، ~~ونتجت خيله. قال : هذا دين صالح ، وإن لم تلد امرأته ، ولم تنتج خيله قال : ~~هذا دين سوء ...» (2). # والمتأمل في هذه الآية الكريمة يراها قد صورت المذبذبين في عقيدتهم أكمل ~~تصوير ، فهم يقيسون العقيدة بميزان الصفقات التجارية ، إن ربحوا من ورائها ~~فرحوا ، وإن ms3980 خسروا فيها أصابهم الغم والحزن. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى في شأن المنافقين : ( @QUR@016 ومنهم من ~~يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ) (3). # والتعبير بقوله سبحانه ( @QUR@02 على حرف ) يصور هذا النوع من الناس ، ~~وكأنه يترجح في عبادته كما يترجح من يكون على طرف الشيء. فهو معرض للسقوط ~~في أية لحظة. # والمراد من الخير في قوله تعالى ( @QUR@05 فإن أصابه خير اطمأن به ) ~~الخير الدنيوي من صحة وغنى ومنافع دنيوية. # أى : فإن نزل بهذا المذبذب في عبادته خير دنيوى ( @QUR@02 اطمأن به ) أى ~~: ثبت على ما هو عليه من عبادة ثباتا ظاهريا ، وليس ثباتا قلبيا حقيقيا كما ~~هو شأن المؤمنين الصادقين الذين لا يزحزحهم عن إيمانهم وعد أو وعيد. # ( @QUR@03 وإن أصابته فتنة ) أى : مصيبة أو شر ( @QUR@03 انقلب على وجهه ~~) أى : ارتد ورجع عن عبادته ودينه إلى الكفر والمعاصي. # وقوله تعالى : ( @QUR@07 خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ) ~~بيان لسوء عاقبة صنيعه. # أى : هذا الذي يعبد الله على حرف ، جمع على نفسه خسارتين ، خسارة الدنيا ~~بسبب عدم حصوله على ما يريده منها ، وخسارة الآخرة بسبب ارتداده إلى الكفر ~~وغشيان السيئات ، PageV09P285 # وذلك الذي جمعه على نفسه هو الخسران الواضح ، الذي لا ينازع في شأنه ~~عاقلان ، إذ لا خسران أشد وأظهر ، من الخسران الذي ضيع دنياه وآخرته. # ثم بين سبحانه مظاهر خسران هذا المذبذب ، وأحواله القبيحة فقال : ( ~~@QUR@010 يدعوا من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه .. ). # أى : يعبد سوى الله تعالى أوثانا وأصناما ، إن ترك عبادتها لا تستطيع أن ~~تضره ، وإن عبدها فلن تستطيع أن تنفعه. # و ( @QUR@01 ذلك ) الذي يفعله هذا الشقي من عبادته لما لا يضر ولا ينفع ( ~~@QUR@03 هو الضلال البعيد ) بعدا شاسعا عن كل صواب ورشاد. # ثم أضاف سبحانه إلى تبكيت هذا المذبذب وتقريعه تقريعا آخر فقال : ( ~~@QUR@010 يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه ، لبئس المولى ولبئس العشير ). # والمولى : هو كل من انعقد بينك وبينه سبب ، يجعلك تواليه ويواليك ، ~~وتناصره ويناصرك. والعشير : هو من يعاشرك ويخالطك في حياتك. ms3981 # أى : يعبد هذا الإنسان الجاهل المضطرب ، معبودا ضرره أقرب من منفعته ، ~~لبئس الناصر ولبئس الصاحب هذا المعبود. # فإن قيل : كيف نجمع بين هذه الآية التي جعلت المعبود الباطل ضرره أقرب من ~~نفعه ، وبين الآية السابقة عليها والتي نفت الضر والنفع نفيا تاما. # وقد أجاب العلماء عن هذا التساؤل بإجابات منها : أن لفظ «يدعو» في الآية ~~الثانية بمعنى يقول. # وقد صدر الآلوسى تفسيره للآية بهذا الرأى فقال ما ملخصه : «قوله تعالى ( ~~@QUR@06 يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه ). استئناف يبين مآل دعائه وعبادته ~~غير الله تعالى ويقرر كون ذلك ضلالا بعيدا. فالدعاء هنا بمعنى القول. # أى : يقول الكافر يوم القيامة برفع صوت ، وصراخ حين يرى تضرره بمعبوده ~~ودخوله النار بسببه ، ولا يرى منه أثرا مما كان يتوقعه منه من نفع أو دفع ~~ضر : والله لبئس الذي يتخذ ناصرا من دون الله ولبئس الذي يعاشر ويخالط ، ~~فكيف بما هو ضرر محض ، عار عن النفع بالكلية ، وفي هذا من المبالغة في ~~تقبيح حال الصنم والإمعان في ذمه ما لا يخفى ...» (1). # ومنها ما ذكره الإمام القرطبي فقال : قوله تعالى ( @QUR@05 يدعوا لمن ضره ~~أقرب من PageV09P286 # @QUR@01 نفعه ) أى : هذا الذي انقلب على وجهه يدعو من ضره أدنى من نفعه ، ~~أى : في الآخرة ، لأنه بعبادته دخل النار. ولم ير منه نفعا أصلا ، ولكنه ~~قال : ضره أقرب من نفعه ، ترفيعا للكلام ، كقوله تعالى : ( @QUR@09 وإنا أو ~~إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ) (1). # ومنها : ما ذكره بعض العلماء من أن الآية الأولى في شأن الذين يعبدون ~~الأصنام ، إذ الأصنام لا تنفع من عبدها ، ولا تضر من كفر بها ، ولذا قال ~~فيها : ما لا يضره وما لا ينفعه ، والقرينة على أن المراد بذلك الأصنام : ~~التعبير بلفظة «ما» في قوله : ( @QUR@06 ما لا يضره وما لا ينفعه ) لأن لفظ ~~«ما» يأتى غالبا لما لا يعقل. والأصنام لا تعقل. # أما الآية الثانية فهي في شأن من عبد بعض الطغاة من دون الله ، كفرعون ~~القائل لقومه : «ما علمت لكم من إله غيرى» فإن فرعون وأمثاله ms3982 من الطغاة ~~المعبودين ، قد يغدقون نعم الدنيا على عابديهم. وهذا النفع الدنيوي بالنسبة ~~لما سيلاقونه من عذاب لا شيء. فضر هذا المعبود بخلود عابده في النار. أقرب ~~من نفعه بعرض قليل زائل من حطام الدنيا. # والقرينة على أن المراد بالمعبود الباطل في الآية الثانية بعض الطغاة ~~الذين هم من جنس العقلاء : هي التعبير «بمن» التي تأتى غالبا لمن يعقل ، ~~كما قال تعالى : ( @QUR@06 يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه .. ) (2). # ويبدو لنا أن هذا القول الأخير له وجه من القبول. # وبذلك نرى السورة الكريمة قد ساقت لنا نماذج من أحوال الناس في هذه ~~الحياة. لكي يحذرهم المؤمنون ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة. # ثم بينت السورة الكريمة ما أعده الله تعالى للمؤمنين الصادقين من حسن ~~الثواب ، بعد أن صرحت بما توعد به سبحانه المجادلين فيه بغير علم بسوء ~~العقاب ، فقال تعالى : # ( @QUR@017 إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار إن الله يفعل ما يريد ) (14) PageV09P287 # أى : إن الله تعالى بفضله وكرمه ، يدخل عباده «الذين آمنوا» إيمانا حقا ، ~~«وعملوا» الأعمال «الصالحات جنات تجرى من» تحت أشجارها ، «الأنهار» إن الله ~~تعالى يفعل ما يريد فعله على حسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته دون أن ينازعه في ~~ذلك منازع. أو يعارضه معارض ، فهو سبحانه لا يسأل عما يفعل. # ثم بين سبحانه أن نصره لنبيه صلى الله عليه وسلم آت لا شك فيه مهما كره ذلك ~~الكارهون ، فقال تعالى : # ( @QUR@022 من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب ~~إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ (15) @QUR@09 وكذلك ~~أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدي من يريد ) (16) # وللعلماء في تفسير الآية الأولى أقوال : # أولها أن الضمير في قوله ( @QUR@01 يظن ) يعود إلى أعداء النبي ~~صلى الله عليه وسلم وفي قوله ( @QUR@01 ينصره ) يعود إليه صلى الله عليه وسلم ~~والمعنى : «من كان يظن» من الكافرين الكارهين للحق الذي جاء به محمد ~~صلى الله عليه وسلم «أن لن ينصره الله». أى ms3983 : أن لن ينصر الله نبيه ~~صلى الله عليه وسلم «في الدنيا والآخرة فليمدد» هذا الكافر «بسبب» أى : بحبل ~~إلى السماء ، أى : سقف بيته ، لأن العرب تسمى كل ما علاك فهو سماء. # «ثم ليقطع» ثم ليختنق هذا الكافر بهذا الحبل ، بأن يشده حول عنقه ويتدلى ~~من الحبل المعلق بالسقف حتى يموت. # «فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ» أى : فليتفكر هذا الكافر في أمره ، هل ~~يزيل فعله هذا ما امتلأت به نفسه من غيظ لنصر الله تعالى لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم ؟ # كلا ، فإن ما يفعله بنفسه من الاختناق والغيظ ، لن يغير شيئا من نصر الله ~~تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ، فليمت هذا الكافر بغيظه وكيده. # فالمقصود بالآية الكريمة : بيان أن ما قدره الله تعالى من نصر لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم لن PageV09P288 # يحول بين تنفيذه حائل ، مهما فعل الكافرون ، وكره الكارهون ، فليموتوا ~~بغيظهم ، فإن الله تعالى ناصر نبيه لا محالة. # وصح عود الضمير في قوله ( @QUR@03 أن لن ينصره ) إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم مع أنه لم يسبق له ذكر ، لأن الكلام دال عليه في الآيات ~~السابقة ، إذ المراد بالإيمان في قوله تعالى في الآية السابقة ( @QUR@07 إن ~~الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ... ) الإيمان بصدق النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيما جاء به عند ربه تعالى . # وعبر سبحانه عن اختناق هذا الحاقد بالحبل بقوله : ( @QUR@02 ثم ليقطع ) ~~لأن قطع الشيء يؤدى إلى انتهائه وهلاكه ، والمفعول محذوف. والتقدير : ثم ~~ليقطع نفسه أو حياته. # وقد صدر صاحب الكشاف تفسيره للآية بهذا القول فقال : هذا كلام قد دخله ~~اختصار. # والمعنى : إن الله ناصر رسوله في الدنيا والآخرة ، فمن كان يظن من حاسديه ~~وأعاديه أن الله يفعل خلاف ذلك .. فليستقص وسعه ، وليستفرغ مجهوده في إزالة ~~ما يغيظه. بأن يفعل ما يفعله من بلغ به الغيظ كل مبلغ ، حتى مد حبلا إلى ~~سماء بيته فاختنق ، فلينظر هذا الحاسد وليصور في نفسه أنه إن فعل ذلك هل ~~يذهب نصر الله الذي يغيظه؟ # وسمى سبحانه فعل هذا الكافر ms3984 كيدا ، لأنه وضعه موضع الكيد ، حيث لم يقدر ~~على غيره ، أو سماه كذلك على سبيل الاستهزاء ، لأنه لم يكد به محسوده ، ~~إنما كاد نفسه. # والمراد : إنه ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظه ...» (1). # وثانيها : إن الضمير في قوله : ( @QUR@02 لن ينصره ) يعود إلى «من» في ~~قوله ( @QUR@03 من كان يظن ) وأن النصر هنا بمعنى الرزق .. # فيكون المعنى : من كان من الناس يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة ~~فليختنق ، وليقتل نفسه ، إذ لا خير في حياة ليس فيها رزق الله وعونه ، أو ~~فليختنق ، فإن اختناقه لن يغير شيئا مما قضاه الله تعالى . # قال الآلوسى : واستظهر أبو حيان كون الضمير في «ينصره» عائدا على «من» ~~لأنه المذكور ، وحق الضمير أن يعود على مذكور ... وفسر النصر بالرزق. # قال أبو عبيدة : وقف علينا سائل من بنى بكر فقال : من ينصرني نصره الله ~~أى : من يرزقني رزقه الله. PageV09P289 # والمعنى : أن الأرزاق بيد الله تعالى لا تنال إلا بمشيئته ، فمن ظن أن ~~الله تعالى غير رازقه ، ولم يصبر ولم يستسلم فليختنق ، فإن ذلك لا يقلب ~~القسمة ولا يرده مرزوقا. # والغرض : الحث على الرضا بما قسمه الله تعالى لا كمن يعبده على حرف ... (1). # وثالثها : أن الآية في قوم من المسلمين استبطئوا نصر الله تعالى ~~لاستعجالهم وشدة غيظهم وحنقهم على المشركين ، فنزلت الآية لبيان أن كل شيء ~~عند الله بمقدار. # ويكون المعنى : من كان من الناس يظن أن لن ينصره الله ، واستبطأ حدوث ذلك ~~، فليمت غيظا. لأن للنصر على المشركين وقتا لا يقع إلا فيه بإذن الله ~~ومشيئته. # ويبدو أن أقرب الأقوال إلى الصواب ، القول الأول ، وعليه جمهور المفسرين ~~، ويؤيده قوله تعالى : ( @QUR@011 إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@016 ... وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ، ~~قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور ) (3). # ثم مدح سبحانه القرآن الكريم فقال : ( @QUR@04 وكذلك أنزلناه آيات بينات ~~... ) أى : ومثل ذلك الإنزال البليغ الواضح ، أنزلنا القرآن آيات بينات ~~الدلالة على معانيها الحكيمة ، وتوجيهاتها السديدة. ms3985 # وأن الله تعالى يهدى من يريد هدايته إلى صراطه المستقيم ، فهو الهادي ~~الذي ليس هناك من هاد سواه. # ثم بين سبحانه أن مرد الفصل بين الفرق المختلفة إليه وحده. إذ هو العليم ~~بكل ما عليه كل فرقة من حق أو باطل ، فقال تعالى : # ( @QUR@022 إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس ~~والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد ) (17) PageV09P290 # ففي هذه الآية الكريمة حدثنا القرآن عن ست فرق من الناس : أما الفرقة ~~الأولى ، فهي : فرقة الذين آمنوا ، والمراد بهم : الذين آمنوا بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم وصدقوه واتبعوه. # وابتدأ القرآن بهم ، للإشعار بأن دين الإسلام هو الدين الحق ، القائم على ~~أساس أن الفوز برضا الله تعالى لا ينال إلا بالإيمان والعمل الصالح ، ولا ~~فضل لأمة على أمة إلا بذلك ، كما قال تعالى : ( @QUR@05 إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم ). # وأما الفرقة الثانية فهي فرقة الذين هادوا أى : صاروا يهودا. يقال : هاد ~~فلان وتهود أى : دخل في اليهودية. # وسموا يهودا نسبة إلى «يهوذا» أحد أولاد يعقوب عليه السلام ، وقلبت الذال ~~دال عند التعريب. أو سموا يهودا حين تابوا من عبادة العجل مأخوذ من هاد ~~يهود هودا بمعنى تاب. ومنه قوله تعالى : ( @QUR@03 إنا هدنا إليك ) أى : ~~تبنا إليك. # والفرقة الثالثة هي فرقة «الصابئين» جمع صابئ ، وهو الخارج من دين إلى آخر. # يقال : صبأ الظلف والناب والنجم كمنع وكرم إذا طلع. # والمراد بهم : الخارجون من الدين الحق إلى الدين الباطل. وهم قوم يعبدون ~~الكواكب والملائكة ويزعمون أنهم على دين صابئ بن شيث بن آدم. # والفرقة الرابعة هي فرقة «النصارى» جمع نصران بمعنى نصراني كندامى ~~وندمان. والياء في نصراني للمبالغة ، وهم قوم عيسى عليه السلام ، قيل : سموا ~~بذلك لأنهم كانوا أنصارا له : وقيل : إن هذا الاسم مأخوذ من الناصرة ، وهي ~~القرية التي كان عيسى قد نزل بها. # وأما الفرقة الخامسة فهي فرقة «المجوس» وهم قوم يعبدون الشمس والقمر ~~والنار. وقيل : هم قوم أخذوا من دين النصارى شيئا ، ومن دين اليهود ms3986 شيئا ، ~~ويقولون : بأن للعالم أصلين : نورا وظلمة .. # وأما الفرقة السادسة والأخيرة فهي فرقة الذين أشركوا. والمشهور أنهم عبدة ~~الأصنام والأوثان ، وقيل ما يشملهم ويشمل معهم كل من اتخذ مع الله تعالى ~~إلها آخر. # وقوله سبحانه : ( @QUR@012 إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على ~~كل شيء شهيد ) بيان لما سيكون عليه حالهم جميعا يوم القيامة ، من حكم عادل ~~سيحكم الله تعالى به عليهم. # أى : إن الله تعالى يحكم بين هؤلاء جميعا بحكمه العادل يوم القيامة ، إنه ~~سبحانه على PageV09P291 # كل شيء شهيد ، بحيث لا يخفى عليه شيء من أحوال خلقه. # قال الجمل ما ملخصه : ولهذه الآية قيل : الأديان ستة. واحد للرحمن وهو ~~الإسلام. وخمسة للشيطان وهي ما عداه. وإن الثانية واسمها وخبرها في محل رفع ~~خبر لإن الأولى. # وقوله : ( @QUR@06 إن الله على كل شيء شهيد ) تعليل لقوله : ( @QUR@04 إن ~~الله يفصل بينهم .. ) وكأن قائلا قال : أهذا الفصل عن علم أو لا؟ فقيل : إن ~~الله على كل شيء شهيد. أى : علم به علم مشاهدة» (1). # ثم بين سبحانه أن الكون كله يخضع لسلطانه تعالى ويسجد لوجهه فقال : # ( @QUR@037 ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس ~~والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه ~~العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء ) (18) # والاستفهام في قوله ( @QUR@02 ألم تر ... ) للتقرير. والرؤية هنا بمعنى ~~العلم وذلك لأن سجود هذه الكائنات لله تعالى آمنا به عن طريق الإخبار دون ~~أن نرى كيفيته. # والسجود في اللغة : التذلل والخضوع مع انخفاض بانحناء وما يشبهه. وخص في ~~الشرع بوضع الجبهة على الأرض بقصد العبادة. # والمراد به هنا : دخول الأشياء جميعها تحت قبضة الله تعالى وتسخيره ~~وانقيادها لكل ما يريده منا انقيادا تاما ، وخضوعها له عز وجل بكيفية هو ~~الذي يعلمها. فنحن نؤمن بأن هذه الكائنات تسجد لله تعالى ونفوض كيفية هذا ~~السجود له تعالى . # والمعنى : لقد علمت أيها العاقل أن الله تعالى يسجد له ، ويخضع لسلطانه ~~جميع من في ms3987 السموات وجميع من في الأرض. PageV09P292 # وقوله : ( @QUR@03 والشمس والقمر والنجوم ) عطف خاص على قوله : ( @QUR@03 ~~من في السماوات ). # ونص سبحانه عليها مفردا إياها بالذكر ، لشهرتها ، ولاستبعاد بعضهم حدوث ~~السجود منها ، ولأن آخرين كانوا يعبدون هذه الكواكب ، فبين سبحانه أنها ~~عابدة وساجدة لله ، وليست معبودة. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 والجبال والشجر والدواب ) عطف خاص على ( @QUR@03 ~~من في الأرض ) ونص سبحانه عليها أيضا لأن بعضهم كان يعبدها ، أو يعبد ما ~~يؤخذ منها كالأصنام. # وقوله تعالى ( @QUR@03 وكثير من الناس ) بيان الذين اهتدوا إلى طريق الحق. # أى : ويسجد له كذلك كثير من الناس ، وهم الذين خلصت عقولهم من شوائب ~~الشرك والكفر ، وطهرت نفوسهم من الأدناس والأوهام. # وقوله : ( @QUR@04 وكثير حق عليه العذاب ) بيان لحال الذين استحبوا العمى ~~على الهدى. # أى : وكثير من الناس حق وثبت عليهم العذاب ، بسبب إصرارهم على الكفر ، ~~وإيثارهم الغي على الرشد. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بما يدل على نفاذ قدرته ، وعموم مشيئته فقال ~~: ( @QUR@012 ومن يهن الله فما له من مكرم. إن الله يفعل ما يشاء ). # و «من» شرطية ، وجوابها : «فما له من مكرم» ومكرم اسم فاعل من أكرم. # أى : ومن يهنه الله ويخزه ، فما له من مكرم يكرمه ، أو منقذ ينقذه مما هو ~~فيه من شقاء ، إن الله تعالى يفعل ما يشاء فعله بدون حسيب يحاسبه ، أو معقب ~~يعقب على حكمه (1). # قال تعالى : ( @QUR@08 والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب ). # * * * # ثم ساق سبحانه بعد ذلك صورة فيها ما فيها من وجوه المقارنات بين مصير ~~الكافرين ومصير المؤمنين. لكي ينحاز كل ذي عقل سليم إلى فريق الإيمان لا ~~الكفر ، فقال تعالى : # ( @QUR@013 هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من ~~نار يصب PageV09P293 # @QUR@04 من فوق رؤسهم الحميم (19) @QUR@06 يصهر به ما في بطونهم والجلود ~~(20) @QUR@04 ولهم مقامع من حديد (21) @QUR@012 كلما أرادوا أن يخرجوا منها ~~من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق (22) @QUR@022 إن الله يدخل الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ~~ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (23) @QUR@09 وهدوا إلى ms3988 الطيب من القول وهدوا ~~إلى صراط الحميد ) (24) # ذكر المفسرون في سبب نزول قوله تعالى ( @QUR@05 هذان خصمان اختصموا في ~~ربهم ... ) روايات أشار الإمام ابن كثير إلى معظمها فقال : «ثبت في ~~الصحيحين عن أبى ذر : أنه كان يقسم قسما أن هذه الآية ( @QUR@02 هذان خصمان ~~) نزلت في حمزة وصاحبيه. وعتبة وصاحبيه ، يوم برزوا في بدر. # وعن قتادة قال : اختصم المسلمون وأهل الكتاب ، فقال أهل الكتاب : نبينا ~~قبل نبيكم ، وكتابنا قبل كتابكم ، فنحن أولى بالله منكم ، وقال المسلمون : ~~كتابنا يقضى على الكتب كلها ، ونبينا خاتم الأنبياء ، فنحن أولى بالله منكم ~~، فأفلج الله الإسلام على من ناوأه أى فنصر الله الإسلام ، وأنزل الآية. # وعن مجاهد في الآية : مثل الكافر والمؤمن اختصما في البعث. # وهذا القول يشمل الأقوال كلها ، وينتظم فيه قصة بدر وغيرها ، فإن ~~المؤمنين يريدون نصرة دين الله ، والكافرون يريدون إطفاء نور الإيمان (1). # أى : هذان خصمان اختصموا في ذات ربهم وفي صفاته ، بأن اعتقد كل فريق منهم ~~أنه على الحق ، وأن خصمه على الباطل. # قال الجمل : والخصم في الأصل مصدر ولذلك يوحد ويذكر غالبا ، وعليه قوله PageV09P294 # تعالى : ( @QUR@07 وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب ) (1) ويجوز أن ~~يثنى ويؤنث ، ولما كان كل خصم فريقا يجمع طوائف قال : ( @QUR@01 اختصموا ) ~~بصيغة الجمع كقوله تعالى : ( @QUR@05 وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) ~~فالجمع مراعاة للمعنى (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار ... ) تفصيل ~~وبيان لحال كل خصم وفريق. # أى : فالذين كفروا جزاؤهم أنهم قطع الله تعالى لهم من النار ثيابا ، ~~وألبسهم إياها. # قال الآلوسى : أى أعد الله لهم ذلك ، وكأنه شبه إعداد النار المحيطة بهم ~~بتقطيع ثياب وتفصيلها لهم على قدر جثثهم. ففي الكلام استعارة تمثيلية ~~تهكمية ، وليس هناك تقطيع ثياب ولا ثياب حقيقة. وكأن جمع الثياب للإيذان ~~بتراكم النار المحيطة بهم ، وكون بعضها فوق بعض .. وعبر بالماضي ، لأن ~~الإعداد قد وقع ، فليس من التعبير بالماضي لتحققه .. (3). # وقوله : ( @QUR@05 يصب من فوق رؤسهم الحميم ) زيادة في عذابهم ، أى : لم ~~تقطع لهم ثياب من نار فحسب ، وإنما زيادة على ذلك ms3989 يصب من فوق رءوسهم ~~«الحميم» أى : الماء البالغ أقصى درجات الشدة في الحرارة. # وقوله : ( @QUR@06 يصهر به ما في بطونهم والجلود ) بيان للآثار التي ~~تترتب على هذا العذاب. # والفعل «يصهر» مأخوذ من الصهر بمعنى الإذابة. يقال : صهر فلان الشحم ~~يصهره إذا أذابه. # أى : فذلك الحميم الذي يصب من فوق رءوسهم من آثاره أنه يذاب به ما في ~~بطونهم من الشحوم والأحشاء. كما تذاب به جلودهم أيضا فقوله : ( @QUR@01 ~~والجلود ) عطف على ( @QUR@01 ما ) الموصولة في قوله ( @QUR@03 ما في بطونهم ~~) أى : يذاب به الذي في بطونهم وتذاب به أيضا جلودهم. # وقيل : إن لفظ الجلود مرفوع بفعل محذوف معطوف على «يصهر». # والتقدير : يصهر به ما في بطونهم من أحشاء وشحوم ، وتحرق به الجلود. ~~قالوا : وذلك لأن الجلود لا تذاب وإنما تنقبض وتنكمش إذا أصليت بالنار. # والضمير في قوله سبحانه : ( @QUR@04 ولهم مقامع من حديد ) يعود إلى ~~الكفرة المعذبين بهذا الحميم الذي تصهر به البطون. PageV09P295 # والمقامع : جمع مقمعة بكسر الميم وسكون القاف وفتح الميم الثانية ، وهي ~~آلة تستعمل في القمع عن الشيء ، والزجر عنه ، يقال : قمع فلان فلانا إذا ~~قهره وأذله. # أى : وخصصت لهؤلاء الكافرين مضارب من حديد تضربهم بها الملائكة على ~~رءوسهم زيادة في إذلالهم وقهرهم. # وقيل : إن الضمير في «لهم» يعود على خزنة النار. أى : ولخزنة النار مضارب ~~من حديد يضربون بها هؤلاء الكافرين. # وعلى كلا القولين فالآية الكريمة تصور هوان هؤلاء الكافرين أكمل تصوير. # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها ~~) بيان لما يقابلون به عند ما يريدون التزحزح عن النار. # أى : كلما أراد هؤلاء الكافرون أن يخرجوا من النار ومن غمها وكربها ~~وسعيرها : أعيدوا فيها مرة أخرى ، كما قال تعالى : ( @QUR@012 يريدون أن ~~يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@03 وذوقوا عذاب الحريق ) مقول لقول محذوف أى : ~~أعيدوا فيها وقيل لهم على لسان خزنة النار : ذوقوا العذاب المحرق لأبدانكم. # هذا هو حال فريق الكافرين. وهو حال يزلزل القلوب ويرهب المشاعر ، ويفزع ~~النفوس. # ولكن القرآن كعادته ms3990 في قرن الترهيب بالترغيب. لا يترك النفوس في هذا ~~الفزع ، بل يتبع ذلك بما يمسح عنها خوفها ورعبها عن طريق بيان حسن حال ~~المؤمنين فيقول : ( @QUR@012 إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~جنات تجري من تحتها الأنهار ... ). # وغير سبحانه الأسلوب فلم يقل : والذين آمنوا على سبيل العطف على الذين ~~كفروا .. تعظيم لشأن المؤمنين ، وإشعار بمباينة حالهم لحال خصمائهم ~~الكافرين. # أى : إن الله تعالى بفضله وإحسانه يدخل عباده الذين آمنوا وعملوا في ~~دنياهم الأعمال الصالحات ، جنات عاليات تجرى من تحت أشجارها وثمارها ~~الأنهار. # وقوله ( @QUR@010 يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير ) ~~بيان لما ينالون في تلك الجنات من خير وفير ، وعطاء جزيل. PageV09P296 # اى : يتزينون في تلك الجنات بأساور كائنة من الذهب الخالص ، ومن اللؤلؤ ~~الثمين ، أما لباسهم الدائم فيها فهو من الحرير الناعم الفاخر. # قال الآلوسى : وقوله تعالى : ( @QUR@03 ولباسهم فيها حرير ) غير الأسلوب ~~حيث لم يقل ويلبسون فيها حريرا ، للإيذان بأن ثبوت اللباس لهم أمر محقق غنى ~~عن البيان .. ثم إن الظاهر أن هذا الحكم عام في كل أهل الجنة ، وقيل هو ~~باعتبار الأغلب ، لما أخرجه النسائي وابن حيان وغيرهما عن أبى سعيد الخدري ~~قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه ~~في الآخرة. وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه» (1). # قالوا : ومحله فيمن مات مصرا على ذلك. # وقوله تعالى : ( @QUR@09 وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد ~~) بيان لحسن خاتمتهم ، ولعظم النعم التي أنعم الله بها عليهم. # أى : وهدى الله تعالى هؤلاء المؤمنين إلى القول الطيب الذي يرضى الله ~~تعالى عنهم ، كأن يقولوا عند دخولهم الجنة : ( @QUR@025 ... الحمد لله الذي ~~أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور* الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا ~~يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب ) (2). # وهداهم أيضا خالقهم إلى الصراط المحمود ، وهو صراط الذين أنعم الله عليهم ~~بنعمة الإيمان والإسلام ، فصاروا بسبب هذه النعمة يقولون الأقوال الطيبة ، ~~ويفعلون الأفعال الحميدة. # قال الشوكانى : قوله ms3991 : ( @QUR@05 وهدوا إلى الطيب من القول ... ) أى : ~~أرشدوا إليه. قيل : هو لا إله إلا الله. وقيل : القرآن. وقيل : هو ما ~~يأتيهم من الله من بشارات. وقد ورد في القرآن ما يدل على هذا القول المجمل ~~هنا ، وهو قوله سبحانه : ( @QUR@016 الحمد لله الذي صدقنا وعده .. الحمد ~~لله الذي هدانا لهذا ... الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن .. ). # ومعنى : ( @QUR@04 وهدوا إلى صراط الحميد ) أنهم أرشدوا إلى الصراط ~~المحمود وهو طريق الجنة ، أو صراط الله الذي هو دينه القويم وهو الإسلام (3). # وبعد هذا الحديث المؤثر عن الخصمين وعن عاقبة كل منهما .. جاء الحديث عن المسجد PageV09P297 # الحرام ، وعن مكانته ، وعن الأمر ببنائه ، وعن وجوب الحج إليه ، وعن ~~المنافع التي تعود على الحجاج ، وعن سوء مصير من يصد الناس عن هذا المسجد ، ~~جاء قوله تعالى : # ( @QUR@025 إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي ~~جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب ~~أليم (25) @QUR@016 وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر ~~بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود (26) @QUR@014 وأذن في الناس بالحج ~~يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق (27) @QUR@020 ليشهدوا منافع ~~لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا ~~منها وأطعموا البائس الفقير (28) @QUR@08 ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم ~~وليطوفوا بالبيت العتيق ) (29) # قال الإمام الرازي : اعلم أنه تعالى بعد أن فصل بين الكفار والمؤمنين ذكر ~~عظم حرمة البيت ، وعظم كفر هؤلاء الكافرين فقال : ( @QUR@09 إن الذين كفروا ~~ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام ). # قال ابن عباس : الآية نزلت في أبى سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية عن المسجد الحرام ، عن أن يحجوا ~~ويعتمروا ، وينحروا الهدى. فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قتالهم ، وكان ~~محرما بعمرة ، ثم صالحوه على أن يعود في العام القادم .. (1). PageV09P298 # وصح عطف المضارع وهو «يصدون» على الماضي وهو «كفروا» لأن المضارع هنا لم ~~يقصد به زمن معين من حال أو ms3992 استقبال ، وإنما المراد به مجرد الاستمرار ، ~~كما في قولهم : فلان يحسن إلى الفقراء ، فإن المراد به استمرار وجود ~~إحسانه. # ويجوز أن يكون قوله ( @QUR@01 ويصدون ... ) خبرا لمبتدأ محذوف ، أى : وهم ~~يصدون عن المسجد الحرام. وخبر إن في قوله سبحانه : ( @QUR@03 إن الذين ~~كفروا ... ) محذوف لدلالة آخر الآية عليه. # والمعنى : إن الذين أصروا على كفرهم بما أنزله الله تعالى على نبيه محمد ~~صلى الله عليه وسلم ، واستمروا على منع أهل الحق من أداء شعائر دين الله تعالى ~~، ومن زيارة المسجد الحرام .. هؤلاء الكافرون سوف نذيقهم عذابا أليما. # ويصح أن يكون الخبر محذوفا للتهويل والإرهاب. وكأن وصفهم بالكفر والصد ~~كاف في معرفة مصيرهم المهين. # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@02 والمسجد الحرام ) قيل إنه المسجد ~~نفسه وهو ظاهر القرآن ، لأنه لم يذكر غيره ، وقيل الحرم كله ، لأن المشركين ~~صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عنه عام الحديبية ، فنزل خارجا عنه ~~... وهذا صحيح لكنه قصد هنا بالذكر المهم المقصود من ذلك (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد .. ) ~~تشريف لهذا المكان حيث جعل الله تعالى الناس تحت سقفه سواء ، وتشنيع على ~~الكافرين الذين صدوا المؤمنين عنه. # ولفظ «سواء» قرأه جمهور القراء بالرفع على أنه خبر مقدم ، والعاكف : ~~مبتدأ ، والباد معطوفة عليه أى : العاكف والباد سواء فيه. أى مستويان فيه. # وقرأه حفص عن عاصم بالنصب على أنه المفعول الثاني لقوله «جعلناه» بمعنى ~~صيرناه. أى : جعلناه مستويا فيه العاكف والباد. ويصح أن يكون حالا من الهاء ~~في ( @QUR@01 جعلناه ) أى : وضعناه للناس حال كونه سواء العاكف فيه والباد. # والمراد : بالعاكف فيه : المقيم فيه. يقال : عكف فلان على الشيء ، إذا ~~لازمه ولم يفارقه. والباد : الطارئ عليه من مكان آخر. وأصله من يكون من أهل ~~البوادي الذين يسكنون المضارب والخيام ، ويتنقلون من مكان إلى آخر. PageV09P299 # أى : جعلناه للناس على العموم ، يصلون فيه ، ويطوفون به ، ويحترمونه ~~ويستوي تحت سقفه من كان مقيما في جواره ، وملازما للتردد عليه ، ومن كان ~~زائرا له وطارئا عليه من أهل البوادي أو من أهل ms3993 البلاد الأخرى سوى مكة. # فهذا المسجد الحرام يتساوى فيه عباد الله ، فلا يملكه أحد منهم ، ولا ~~يمتاز فيه أحد منهم ، بل الكل فوق أرضه وتحت سقفه سواء. # وقوله تعالى : ( @QUR@09 ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ) ~~تهديد لكل من يحاول ارتكاب شيء نهى الله عنه في هذا المسجد الحرام. # والإلحاد الميل. يقال : ألحد فلان في دين الله ، أى : مال وحاد عنه. # و «من» شرطية وجوابها «نذقه» ومفعول «يرد» محذوف لقصد التعميم. أى : ومن ~~يرد فيه مرادا بإلحاد ، ويصح أن يكون المفعول قوله ( @QUR@01 بإلحاد ) على ~~أن الباء زائدة. # أى : ومن يرد في هذا المسجد الحرام إلحادا ، أى : ميلا وحيدة عن أحكام ~~الشريعة وآدابها بسبب ظلمه وخروجه عن طاعتنا ، نذقه من عذاب أليم لا يقادر ~~قدره ، ولا يكتنه كنهه. # وقد جاء هذا التهديد في أقصى درجاته لأن القرآن توعد بالعذاب الأليم كل ~~من ينوى ويريد الميل فيه عن دين الله ، وإذا كان الأمر كذلك ، فمن ينوى ~~ويفعل يكون عقابه أشد ، ومصيره أقبح. # ويدخل تحت هذا التهديد كل ميل عن الحق إلى الباطل ، أو عن الخير إلى الشر ~~كالاحتقار ، والغش. # ولذا قال ابن جرير بعد أن ساق الأقوال في ذلك : وأولى الأقوال التي ~~ذكرناها في تأويل ذلك بالصواب : القول الذي ذكرناه من أن المراد بالظلم في ~~هذا الموضع ، كل معصية لله ، وذلك لأن الله عم بقوله : ( @QUR@05 ومن يرد ~~فيه بإلحاد بظلم ) ولم يخصص به ظلما دون ظلم في خبر ولا عقل ، فهو على ~~عمومه ، فإذا كان ذلك كذلك فتأويل الكلام : ومن يرد في المسجد الحرام بأن ~~يميل بظلم فيعصى الله فيه ، نذقه يوم القيامة من عذاب موجع له (1). # ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن بناء البيت وتطهيره فقال تعالى : ( @QUR@010 ~~وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا ... ). # وبوأنا من التبوؤ بمعنى النزول في المكان. يقال : بوأته منزلا أى : ~~أنزلته فيه ، وهيأته له ، ومكنته منه. PageV09P300 # والمعنى : واذكر أيها العاقل لتعتبر وتتعظ وقت أن هيأنا لنبينا إبراهيم ~~مكان بيتنا الحرام ، وأرشدناه ms3994 إليه ، لكي يبنيه بأمرنا ، ليكون مثابة للناس وأمنا. # قال بعض العلماء : والمفسرون يقولون بوأه له ، وأراه إياه ، بسبب ريح ~~تسمى الخجوج ، كنست ما فوق الأساس : حتى ظهر الأساس الأول الذي كان مندرسا ~~، فبناه إبراهيم وإسماعيل عليه ... وأن محل البيت كان مربض غنم لرجل من جرهم. # وغاية ما دل عليه القرآن : أن الله بوأ مكانه لإبراهيم ، فهيأه له ، ~~وعرفه إياه ليبنيه في محله ، وذهبت جماعة من أهل العلم إلى أن أول من بناه ~~إبراهيم ولم يبن قبله. # وظاهر قوله تعالى على لسان إبراهيم : ( @QUR@012 ربنا إني أسكنت من ذريتي ~~بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ... ) يدل على أنه كان مبنيا واندرس كما ~~يدل عليه أيضا قوله هنا ( @QUR@02 مكان البيت ) لأنه يدل على أن له مكانا ~~سابقا كان معروفا (1). # و «أن» في قوله تعالى : ( @QUR@05 أن لا تشرك بي شيئا ) مفسرة ، والتفسير ~~كما يقول الآلوسى باعتبار أن التبوئة من أجل العبادة ، فكأنه قيل : أمرنا ~~إبراهيم بالعبادة ، وذلك فيه معنى القول دون حروفه ، أو لأن بوأناه بمعنى ~~قلنا له تبوأ. # والمعنى : واذكر أيها المخاطب وقت أن هيأنا لإبراهيم عليه السلام مكان ~~بيتنا الحرام ، وأوصيناه بعدم الإشراك بنا ، وبإخلاص العبادة لنا ، كما ~~أوصيناه أيضا بأن يطهر هذا البيت من الأرجاس الحسية والمعنوية الشاملة ~~للكفر والبدع والضلالات والنجاسات ، وأن يجعله مهيأ للطائفين به ، ~~وللقائمين فيه لأداء فريضة الصلاة. # قال الشوكانى : والمراد بالقائمين في قوله : ( @QUR@04 وطهر بيتي ~~للطائفين والقائمين ) المصلون .. # وذكر ( @QUR@02 الركع السجود ) بعده ، لبيان أركان الصلاة دلالة على عظم ~~شأن هذه العبادة ، وقرن الطواف بالصلاة ، لأنهما لا يشرعان إلا في البيت ، ~~فالطواف عنده والصلاة إليه (2). # وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة ، أنه لا يجوز أن يترك عند بيت ~~الله الحرام ، قذر من الأقذار ولا نجس من الأنجاس المعنوية ولا الحسية ، ~~فلا يترك فيه أحد يرتكب مالا يرضى الله ، ولا أحد يلوثه بقذر من النجاسات. # ثم ذكر سبحانه ما أمر به نبيه إبراهيم بعد أن بوأه مكان البيت فقال : ( ~~@QUR@014 وأذن في الناس بالحج ، يأتوك رجالا. وعلى ms3995 كل ضامر يأتين من كل فج ~~عميق ). PageV09P301 # والآذان : الإعلام. و «رجالا» أى : مشاة على أرجلهم ، جمع راجل. # يقال : رجل بزنة فرح فلان يرجل فهو راجل إذا لم يكن معه ما يركبه. # والضامر : البعير المهزول من طول السفر ، وهو اسم فاعل من ضمر بزنة قعد ~~يضمر ضمورا فهو ضامر ، إذا أصابه الهزال والتعب. # وجملة «يأتين من كل فج عميق» صفة لقوله «كل» ، والجمع باعتبار المعنى. ~~كأنه قيل : وركبانا على ضوامر من كل طريق بعيد .. # والفج في الأصل : الفجوة بين جبلين ، ويستعمل في الطريق المتسع. والمراد ~~به هنا : مطلق الطريق وجمعه فجاج. # والعميق : البعيد ، مأخوذ من العمق بمعنى البعد ، ومنه قولهم : بئر عميقة ~~، أى : بعيدة الغور. # والمعنى : وأعلم يا إبراهيم الناس بفريضة الحج يأتوك مسرعين مشاة على ~~أقدامهم ، ويأتوك راكبين على دوابهم المهزولة ، من كل مكان بعيد. # قال ابن كثير : أى : ناد يا إبراهيم في الناس داعيا إياهم إلى الحج الى ~~هذا البيت الذي أمرناك ببنائه ، فذكر أنه قال : يا رب ، وكيف أبلغ الناس ~~وصوتي لا يصل إليهم؟ فقيل : ناد وعلينا البلاغ ، فقام على مقامه ، وقيل : ~~على الحجر ، وقيل : على الصفا ، وقيل : على أبى قبيس ، وقال : يا أيها ~~الناس ، إن ربكم قد اتخذ بيتا فحجوه فيقال : إن الجبال تواضعت حتى بلغ ~~الصوت أرجاء الأرض ، وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر ، ومن كتب الله ~~أنه يحج إلى يوم القيامة : «لبيك اللهم لبيك» (1). # وقيل : إن الخطاب في قوله تعالى : ( @QUR@01 وأذن ... ) للرسول ~~صلى الله عليه وسلم وأن الكلام عن إبراهيم عليه السلام قد انتهى عند قوله تعالى ~~: ( @QUR@02 والركع السجود ). # وجمهور المفسرين على أن الخطاب لإبراهيم عليه السلام لأن سياق الآيات يدل ~~عليه ، ولأن التوافد على هذا البيت موجود منذ عهد إبراهيم. # وما يزال وعد الله يتحقق منذ هذا العهد الى اليوم وإلى الغد ، وما تزال ~~أفئدة ملايين الناس تهوى إليه ، وقلوبهم تنشرح لرؤيته ، وتسعد بالطواف من ~~حوله ... # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 ليشهدوا منافع لهم ) متعلق بقوله : ( @QUR@01 ~~يأتوك ). PageV09P302 # أى : يأتيك الناس راجلين وراكبين من كل مكان ms3996 بعيد ، ليشهدوا وليحصلوا ~~منافع عظيمة لهم في دينهم وفي دنياهم. # ومن مظاهر منافعهم الدينية : غفران ذنوبهم ، وإجابة دعائهم ، ورضا الله ~~تعالى عنهم. # ومن مظاهر منافعهم الدنيوية : اجتماعهم في هذا المكان الطاهر ، وتعارفهم ~~وتعاونهم على البر والتقوى ، وتبادلهم المنافع فيما بينهم عن طريق البيع ~~والشراء وغير ذلك من أنواع المعاملات التي أحلها الله تعالى . # وجاء لفظ «منافع» بصيغة التنكير ، للتعميم والتعظيم والتكثير. أى : منافع ~~عظيمة وشاملة لأمور الدين والدنيا ، وليس في الإمكان تحديدها لكثرتها ، ~~وقوله ( @QUR@012 ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام ) معطوف على قوله ( @QUR@01 ليشهدوا ). # والمراد بالأيام المعلومات : الأيام العشر الأولى من شهر ذي الحجة ، أو ~~هي أيام النحر ، أو يوم العيد وأيام التشريق. # والمراد ببهيمة الأنعام : الإبل والبقر والغنم. # أى : ليشهدوا منافع لهم ، وليكثروا من ذكر الله ومن طاعته في تلك الأيام ~~المباركة. وليشكروه على ما رزقهم من بهيمة الأنعام التي يتقربون إليه ~~سبحانه عن طريق ذبحها وإراقة دمائها ، واستجابة لأمره عز وجل . # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ) إرشاد منه ~~تعالى إلى كيفية التصرف فيها بعد ذبحها. # أى : فكلوا من هذه البهيمة بعد ذبحها ، وأطعموا منها الإنسان البائس ، أى ~~: الذي أصابه بؤس ومكروه بجانب فقره واحتياجه. # قال الآلوسى : والأمر في قوله ( @QUR@02 فكلوا منها ... ) للإباحة بناء ~~على أن الأكل كان منهيا عنه شرعا ، وقد قالوا : إن الأمر بعد المنع يقتضى ~~الإباحة ويدل على سبق النهى قوله صلى الله عليه وسلم : «كنت نهيتكم عن أكل ~~لحوم الأضاحى فكلوا منها وادخروا». # وقيل : لأن أهل الجاهلية كانوا يتحرجون فيه ، أو للندب على مواساة ~~الفقراء ومساواتهم في الأكل منها (1). PageV09P303 # ثم بين سبحانه ما يفعلونه بعد حلهم وخروجهم من الإحرام فقال : ( @QUR@08 ~~ثم ليقضوا تفثهم ، وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق ). # والمراد بالقضاء هنا : الإزالة ، وأصله القطع والفصل ، فأريد به الإزالة ~~على سبيل المجاز. # والتفث : الوسخ والقذر ، كطول الشعر والأظفار يقال : تفث فلان كفرح يتفث ~~تفثا فهو تفث ، إذا ترك الاغتسال والتطيب والتنظيف فأصابته الأوساخ. # والمراد بالطواف هنا : طواف الإفاضة ms3997 ، الذي هو أحد أركان الحج ، وبه يتم ~~التحلل. # والعتيق : القديم حيث إنه أول بيت وضع لعبادة الله في الأرض ، وقيل سمى ~~بالعتيق لأن الله تعالى أعتقه من أن يتسلط عليه جبار فيهدمه أو يخربه. # والمعنى : ثم بعد حلهم وبعد الإتيان بما عليهم من مناسك. فليزيلوا عنهم ~~أدرانهم وأوساخهم ، وليوفوا نذورهم التي نذروها لله تعالى في حجهم ، ~~وليطوفوا طواف الإفاضة ، بهذا البيت القديم الذي جعله الله تعالى أول بيت ~~لعبادته ، وصانه من اعتداء كل جبار أثيم. # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد توعدت كل من يصد الناس عن هذا البيت بأشد ~~ألوان الوعيد ، وبينت أن الناس فيه سواء ، وتحدثت عن جانب من فضله سبحانه ~~على نبيه إبراهيم عليه السلام حيث أرشده إلى مكان هذا البناء ، وشرفه ~~بتهيئته ليكون أول مكان لعبادته تعالى ، وأمره بأن ينادى في الناس بالحج ~~إليه ، ليشهدوا منافع عظيمة لهم. # * * * # ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك الى الحديث عن الذين يعظمون حرمات الله ~~، وعما أحله الله لعباده من الأنعام ، وعن سوء عاقبة من يشرك بالله ، فقال ~~تعالى : # ( @QUR@024 ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم ~~الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور ~~(30) @QUR@011 حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من PageV09P304 # @QUR@010 السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق (31) ~~@QUR@09 ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب (32) @QUR@011 لكم ~~فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق ) (33) # واسم الإشارة ( @QUR@01 ذلك ) في قوله : ( @QUR@05 ذلك ومن يعظم حرمات ~~الله ... ) يؤتى به في مثل هذا التركيب للفصل بين كلامين ، والمشهور في مثل ~~هذا التركيب الإتيان بلفظ «هذا» كما في قوله تعالى : ( @QUR@06 هذا ذكر وإن ~~للمتقين لحسن مآب ) (1). # وجيء هنا بلفظ ذلك للإشعار بتعظيم شأن المتحدث عنه ، وعلو منزلته ، وهو ~~يعود إلى المذكور من تهيئة مكان البيت لإبراهيم ، وأمره بتطهيره ... إلخ. # قال صاحب الكشاف : قوله ( @QUR@01 ذلك ) خبر مبتدأ محذوف أى : الأمر ~~والشأن ذلك ، كما يقدم الكاتب جملة من ms3998 كتابه في بعض المعاني ، ثم إذا أراد ~~الخوض في معنى آخر قال : هذا ، وقد كان كذا (2). # والحرمات : جمع حرمة. والحرمة كل ما أمر الله تعالى باحترامه ، ونهى عن ~~قوله أو فعله ، ويدخل في ذلك دخولا أوليا ما يتعلق بمناسك الحج كتحريم ~~الرفث والفسوق والجدال والصيد ، وتعظيم هذه الحرمات يكون بالعلم بوجوب ~~مراعاتها ، وبالعمل بمقتضى هذا العلم. # والمعنى : ذلك الذي ذكرناه لكم عن البيت الحرام وعن مناسك الحج ، هو جانب ~~من أحكام الله تعالى في هذا الشأن فاتبعوها ، والحال أن من يعظم حرمات الله ~~تعالى بأن يترك ملابستها واقترافها ، فهو أى : هذا التعظيم ، خير له عند ~~ربه. إذ بسبب هذا التعظيم لتلك الحرمات ينال رضا ربه وثوابه. # وقد جاء النهى في هذه الجملة عن فعل هذه الحرمات بأبلغ أسلوب حيث عبر عن ~~اجتنابها بالتعظيم وبأفعل التفضيل وهو لفظ «خير» وبإضافتها إلى ذاته. # فكأنه سبحانه يقول : إذا كان ترك هذا التعظيم لحرمات الله يؤدى إلى ~~حصولكم على شيء من المتاع الدنيوي الزائل ، فإن الاستمساك بهذا التعظيم ~~أفضل من ذلك بكثير عند ربكم وخالقكم ، فكونوا عقلاء ولا تستبدلوا الذي هو ~~أدنى بالذي هو خير. PageV09P305 # ثم بين سبحانه بعض الأحكام التي تتعلق بالأنعام وهي الإبل والبقر والغنم ~~فقال : ( @QUR@07 وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم ). # أى : وأحل الله تعالى لكم فضلا منه ورحمة ذبح الأنعام وأكلها إلا ما يتلى ~~عليكم تحريم ذبحه وأكله فاجتنبوه. # وهذا الإجمال هنا ، قد جاء ما فصله قبل ذلك في سورة الأنعام في قوله ~~تعالى : ( @QUR@029 قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن ~~يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به ). # قال بعض العلماء : ثم إنه ليس المقصود بما يتلى ، ما ينزل في المستقبل ، ~~كما يعطيه ظاهر الفعل المضارع ، بل المراد ما سبق نزوله مما يدل على حرمة ~~الميتة وما أهل لغير الله به. أو ما يدل على حرمة الصيد في الحرم أو حالة ~~الإحرام. # وعلى هذا ms3999 يكون السر في التعبير بالمضارع ، التنبيه إلى أن ذلك المتلو ~~ينبغي استحضاره والالتفات إليه .. والجملة معترضة لدفع ما عساه يقع في ~~الوهم من أن تعظيم حرمات الله في الحج قد يقضى باجتناب الأنعام ، كما قضى ~~باجتناب الصيد (1). # ثم أمرهم سبحانه باجتناب ما يغضبه ، وحضهم على الثبات على الدين الحق ~~فقال تعالى : ( @QUR@012 فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور. ~~حنفاء لله غير مشركين به ) والفاء في قوله : ( @QUR@01 فاجتنبوا ) هي ~~الفصيحة. والرجس : الشيء المستقذر الذي تعافه النفوس. و ( @QUR@01 من ) في ~~قوله ( @QUR@02 من الأوثان ) بيانية ، والأوثان : الأصنام. يدخل في حكمها ~~ومعناها عبادة كل معبود من دون الله تعالى كائنا من كان. # وسماها سبحانه رجسا ، زيادة في تقبيحها وفي التنفير منها. # والزور : الكذب والباطل وكل قول مائل عن الحق فهو زور ، لأن أصل المادة ~~التي هي الزور من الازورار بمعنى الميل والاعوجاج ، ومنه قوله تعالى : ( ~~@QUR@09 وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين ) أى : تميل. # وقوله ( @QUR@01 حنفاء ) جمع حنيف وهو المائل عن الأديان الباطلة الى ~~الدين الحق. # والمعنى : مادام الأمر كما ذكرت لكم ، فاجتنبوا أيها الناس عبادة الأوثان ~~أو تعظيمها ، واجتنبوا أيضا القول المائل عن الحق ، وليكن شأنكم وحالكم ~~الثبات على الدين الحق ، وعلى إخلاص العبادة لله تعالى الذي خلقكم ، وخلق ~~كل شيء. PageV09P306 # وهذه الجملة الكريمة مؤكدة لما سبق من وجوب تعظيم حرمات الله ، ومن وجوب ~~التمسك بما أحله الله والبعد عما حرمه. # قال الآلوسى : قوله تعالى : ( @QUR@03 واجتنبوا قول الزور ) تعميم بعد ~~تخصيص ، فإن عبادة الأوثان رأس الزور ، لما فيها من ادعاء الاستحقاق ، كأنه ~~تعالى لما حث على تعظيم الحرمات ، أتبع ذلك بما فيه رد لما كانت الكفرة ~~عليه من تحريم البحائر والسوائب ونحوهما ، والافتراء على الله تعالى بأنه ~~حكم بذلك. ولم يعطف قول الزور على الرجس ، بل أعاد العامل لمزيد الاعتناء. ~~والإضافة بيانية .. (1). # وجملة ( @QUR@02 حنفاء لله ) وجملة ( @QUR@03 غير مشركين به ) حالان ~~مؤكدتان لما قبلهما من وجوب اجتناب عبادة الأوثان ، واجتناب قول الزور. # أى : اجتنبوا ما أمرناكم باجتنابه حال كونكم ثابتين على الدين ms4000 الحق ، ~~مخلصين لله العبادة. # ثم صور سبحانه حال من يشرك بالله تصويرا تنخلع له القلوب ، ويحمل كل عاقل ~~على اجتناب هذا الرجس فقال : ( @QUR@016 ومن يشرك بالله فكأنما خر من ~~السماء فتخطفه الطير ، أو تهوي به الريح في مكان سحيق ). # أى : ومن يشرك بالله تعالى في عبادته ، ومات على ذلك ، فكأنما سقط من ~~السماء إلى الأرض ، فاختطفته جوارح الطير بسرعة فمزقت أوصاله ، أو تسقطه ~~الريح في مكان بعيد أشد البعد بحيث لا يعثر له على أثر. # والمقصود من هذه الجملة تقبيح حال الشرك والمشركين ، وبيان أن الوقوع في ~~الشرك يؤدى إلى الهلاك الذي لا نجاة معه بحال ، لأن من يسقط من السماء ~~فتتمزق أوصاله ، وتتخطفه الطير أو تلقى به الريح في مكان بعيد لا يطمع له ~~في نجاة ، بل هو هالك لا محالة. # فالجملة الكريمة مقررة لوجوب اجتناب الشرك بأبلغ صورة. # قال صاحب الكشاف : يجوز في هذا التشبيه أن يكون من المركب والمفرق ، فإن ~~كان تشبيها مركبا فكأنه قال : من أشرك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكا ليس بعده ~~نهاية ، بأن صور حاله بصورة حال من خر من السماء فاختطفته الطير فتفرق مزعا ~~أى قطعا في حواصلها ، أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح أى ~~المقاذف البعيدة. # وإن كان مفرقا فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء ، والذي ترك الإيمان ~~وأشرك بالله بالساقط PageV09P307 # من السماء ، والأهواء التي تتوزع أفكاره بالطير المختطفة ، والشيطان الذي ~~يطوح به في وادي الضلالة ، بالريح التي تهوى بما عصفت به في بعض المهاوى ~~المتلفة (1). # ثم أمر سبحانه بتعظيم شعائره بعد أن أمر بتعظيم حرماته فقال : ( @QUR@09 ~~ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ). # قال القرطبي : والشعائر : جمع شعيرة ، وهي كل شيء لله تعالى فيه أمر أشعر ~~به وأعلم. ومنه شعار القوم في الحرب ، أى : علامتهم التي يتعارفون بها. ~~ومنه إشعار البدنة وهو الطعن في جانبها الأيمن حتى يسيل الدم فيكون علامة ~~لها .. فشعائر الله : إعلان دينه لا سيما ما يتعلق بالمناسك. وقال قوم : ~~المراد هنا ms4001 تسمين البدن. والاهتمام بأمرها .. (2). # والمعنى : ذلك الذي أمرناكم به أو نهيناكم عنه عليكم امتثاله وطاعته ، ~~والحال أن من يعظم شعائر الله ، التي من بينها الذبائح التي يتقرب بها إليه ~~تعالى يكون تعظيمه إياها عن طريق تسمينها ، وحسن اختيارها يكون دليلا على ~~تقوى القلوب ، وحسن صلتها بالله سبحانه وخشيتها منه ، وحرصها على رضاه ~~عز وجل . # قال الآلوسى : وتعظيمها أن تختار حسانا سمانا غالية الأثمان. روى أنه ~~صلى الله عليه وسلم أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبى جهل في أنفه برة أى حلقة من ~~ذهب. وعن عمر أنه أهدى نجيبة طلبت منه بثلاثمائة دينار ، فسأل النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يبيعها ويشترى بثمنها بدنا فنهاه عن ذلك ، وقال له : بل ~~أهدها .. (3). # وفي إضافة هذه الشعائر إلى الله تعالى : حض على الاهتمام بها وفعل ما ~~يرضى الله تعالى بالنسبة لها. # والضمير المؤنث في قوله ( @QUR@04 فإنها من تقوى القلوب ) يعود على ~~الفعلة التي يتضمنها الكلام ، أو إلى الشعائر بحذف المضاف ، أى : فإن ~~تعظيمها أى الشعائر من تقوى القلوب ، فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه. # وقوله سبحانه : ( @QUR@011 لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى ~~البيت العتيق ) بيان لبعض مظاهر نعم الله تعالى عليهم في هذه الأنعام. # أى : لكم أيها المؤمنون في تلك الأنعام التي تقدمونها قربة لله تعالى ~~«منافع» تصل إليكم عن طريق ركوبها ولبنها ونسلها .. وهذه المنافع موقوتة ~~إلى وقت معين ، هو وقت PageV09P308 # ذبحها أو وقت تعيبنها وتسميتها هديا ، أما بعد ذلك فاتركوا الانتفاع بها ~~للفقراء والمحتاجين ، فهذا أكثر ثوابا لكم عند الله تعالى . # وقوله سبحانه ( @QUR@05 ثم محلها إلى البيت العتيق ) بيان لمكان ذبحها. # والمحل مأخوذ من حل الشيء يحل بالكسر حلولا إذا وجب أو انتهى أجله. ~~والمراد به في الآية مكان الحلول ، أى : المكان الذي ينتهى فيه أجل تلك ~~الأنعام ، أو المكان الذي يجب ذبحها فيه. # والمعنى : لكم في تلك الانعام منافع إلى أجل مسمى ثم المكان الذي تذبح ~~فيه منته إلى البيت العتيق. ومتصل به. # والمقصود بهذا المحل الحرم كله ms4002 ، لأن البيت ليس مكانا للذبح. # وبعضهم يرى أن المراد بالمحل في قوله : ( @QUR@05 ثم محلها إلى البيت ~~العتيق ): تحلل الحجاج من إحرامهم بعد أداء شعائر الحج المعبر عنها بقوله ~~تعالى : ( @QUR@05 ذلك ومن يعظم شعائر الله ... ). # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@05 ثم محلها إلى البيت العتيق ) يريد ~~أنها تنتهي إلى البيت ، وهو الطواف فقوله : ( @QUR@01 محلها ) مأخوذ من ~~إحلال المحرم. # والمعنى : أن شعائر الحج كلها من الوقوف بعرفة ورمى الجمار والسعى ينتهى ~~إلى طواف الإفاضة بالبيت العتيق. فالبيت على هذا التأويل مراد بنفسه .. (1). # ثم بين سبحانه أنه قد شرع لكل أمة الذبائح التي ينتفعون بها ، لكي يذكروه ~~سبحانه ويشكروه ويخلصوا له العبادة ، ولكي يطعموا منها السائل والمحتاج ، ~~فقال تعالى : # ( @QUR@020 ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين (34) @QUR@013 الذين إذا ~~ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما PageV09P309 # @QUR@02 رزقناهم ينفقون (35) @QUR@027 والبدن جعلناها لكم من شعائر الله ~~لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها ~~وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون (36) @QUR@020 لن ~~ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم ~~لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين ) (37) # والمنسك بفتح السين وكسرها مأخوذ من النسك بمعنى العبادة ، فيجوز أن يراد ~~به النسك نفسه ، ويجوز أن يراد به مكانه أو زمانه. # ويبدو أن المراد به هنا عبادة خاصة وهي الذبح تقربا إلى الله تعالى . # قال الآلوسى : والمنسك موضع النسك إذا كان اسم مكان ، أو النسك إذا كان ~~مصدرا. وفسره مجاهد هنا بالذبح وإراقة الدماء على وجه التقرب إليه تعالى ~~فجعله مصدرا ، وحمل النسك على عبادة خاصة ، وهو أحد استعمالاته وإن كان في ~~الأصل بمعنى العبادة مطلقا ، وشاع في أعمال الحج .. (1). # وجملة ( @QUR@02 ولكل أمة ... ) معطوفة على قوله تعالى قبل ذلك : ( ~~@QUR@06 لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ). # والمعنى : جعلنا لكم أيها المؤمنون منافع كثيرة في هذه الأنعام الى وقت ~~معين ، ثم تكون نهايتها وذبحها ms4003 عند البيت الحرام ، كما جعلنا وشرعنا لمن ~~قبلكم من الأمم شعيرة الذبح ليتقربوا بها إلينا ، وأرشدناهم إلى المكان ~~الذي يذبحون فيه ، وإلى أفضل الطرق التي تجعل ، ذبائحهم مقبولة عندنا. # وفي هذه الجملة الكريمة ( @QUR@04 ولكل أمة جعلنا منسكا )، تحريك ~~لنفوسهم نحو الإقدام على إراقة الدم تقربا إلى الله ، لأن هذه الذبائح ليست ~~من شعائر هذه الأمة وحدها ، وإنما هي من شعائرها ومن شعائر الأمم التي ~~سبقتها. PageV09P310 # وقوله تعالى : ( @QUR@09 ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ~~) بيان للعلة التي من أجلها شرعت تلك الذبائح. # أى : شرعناها لكم وللأمم السابقة عليكم للإكثار من ذكر الله عند ذبحها ~~فهو سبحانه الذي رزقكم إياها بفضله وإحسانه ، فعليكم أن تكثروا من ذكره ~~وشكره ، ليزيدكم من خيره ورزقه. # وفي هذه الجملة الكريمة تقريع وتوبيخ لمن يذكرون غير اسم الله تعالى عند ~~الذبح ، وتأكيد لوجوب ذكر اسمه تعالى ، حتى لكأن المقصود الأعظم من وراء ~~ذبح هذه الأنعام ، هو المداومة على ذكر اسم الله عز وجل وعلى شكره سبحانه ~~على نعمه ، أما ما سوى ذلك كالأكل منها ، والانتفاع بها .. فهي مقاصد فرعية. # ثم عقب سبحانه على ذلك بتقرير وحدانيته ، وبوجوب إسلام الوجه إليه ، فقال ~~: ( @QUR@05 فإلهكم إله واحد فله أسلموا ). # أى : شرعنا لكم ذلك لأن إلهكم إله واحد لا شريك له لا في ذاته ولا في ~~صفاته ، فله وحده أسلموا وجوهكم ، وأخلصوها لعبادته وطاعته. # فجملة ( @QUR@03 فإلهكم إله واحد ) بمثابة العلة لما قبلها من تخصيص اسمه ~~الكريم بالذكر عند الذبح ، لأن تفرده سبحانه بالألوهية يستلزم هذا التخصيص. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 فله أسلموا ) مرتب على ما قبله ، لأنه متى ثبت ~~أن المستحق للعبادة والطاعة هو الله الواحد الأحد ، فعليهم أن يسلموا ~~وجوههم إليه. # ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبشر المخبتين برضاه سبحانه ~~وبمثوبته فقال : ( @QUR@02 وبشر المخبتين ) أى : المتواضعين لله تعالى ~~المطمئنين إلى عدالة قضائه فيهم ، ولفظ ( @QUR@01 المخبتين ) من الإخبات. ~~وهو في الأصل نزول الخبت بفتح الخاء وسكون الباء. # أى : المكان المنخفض ، ثم استعمل في اللين والتواضع. ms4004 يقال : فلان مخبت ، ~~أى : متواضع خاشع لله رب العالمين. # وحذف سبحانه المبشر به لتهويله وتعظيمه ، أى : وبشر أيها الرسول الكريم ~~هؤلاء المتواضعين لله تعالى بالثواب العظيم ، والأجر الكبير الذي لا تحيط ~~بوصفه عبارة. # ثم مدحهم سبحانه بأربع صفات فقال : ( @QUR@06 الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم .. ). # أى : بشر هؤلاء المخبتين الذين من صفاتهم أنهم إذا سمعوا ذكر الله تعالى ~~وصفاته ، PageV09P311 # وحسابه لعباده يوم القيامة ، خافت قلوبهم ، وحذرت معصيته تعالى . # والذين من صفاتهم كذلك : الصبر على ما يصيبهم من مصائب ومحن في هذه ~~الحياة ، والمداومة على أداء الصلاة في مواقيتها بإخلاص وخشوع ، والإنفاق ~~مما رزقهم الله تعالى على الفقراء والمحتاجين. # فإن قيل : كيف نجمع بين هذه الآية التي وصفت المؤمنين الصادقين بأنهم إذا ~~ذكر الله وجلت قلوبهم. وبين قوله تعالى في آية أخرى : ( @QUR@05 ألا بذكر ~~الله تطمئن القلوب ). # فالجواب : أنه لا تنافى بين الآيتين ، لأن من شأن المؤمن الصادق أنه إذا ~~استحضر وعيد الله وحسابه لعباده يوم القيامة ، امتلأ قلبه بالخشية والخوف ~~والوجل. # فإذا ما استحضر بعد ذلك رحمته سبحانه وسعة عفوه ، اطمأن قلبه وسكن روعه ، ~~وثبت يقينه ، وانشرح صدره ، واستسلم لقضاء الله وقدره بدون تردد أو تشكك أو جزع. # فالوجل والاطمئنان أمران يجدهما المؤمن في قلبه ، في وقتين مختلفين. وفي ~~حالتين متمايزتين. # ويؤخذ من هاتين الآيتين : أن التواضع لله تعالى ، والمراقبة له سبحانه ~~والصبر على بلائه ، والمحافظة على فرائضه .. كل ذلك يؤدى إلى رضاه عز وجل ، ~~وإلى السعادة الدنيوية والأخروية. # ثم أكد سبحانه ما سبق الحديث عنه من وجوب ذكر اسمه تعالى عند الذبح ، ومن ~~وجوب شكره على نعمه فقال : ( @QUR@06 والبدن جعلناها لكم من شعائر الله ). # والبدن : جمع بدنة. وهي الإبل خاصة التي تهدى إلى البيت الحرام للتقرب ~~بها إلى الله تعالى وقيل : البدن تطلق على الإبل والبقر. # وسميت بهذا الاسم لبدانتها وضخامتها. يقال : بدن الرجل بوزن كرم إذا كثر ~~لحمه ، وضخم جسمه. # أى : وشرعنا لكم أيها المؤمنون التقرب إلينا بالإبل البدينة السمينة ~~وجعلنا ذلك شعيرة من شعائر ديننا ، وعلامة من ms4005 العلامات الدالة على قوة ~~إيمان من ينفذ هذه الشعيرة بتواضع وإخلاص. # وقوله تعالى ( @QUR@03 لكم فيها خير ) جملة مستأنفة مقررة لما قبلها. أى ~~: لكم فيه خير في الدنيا عن طريق الانتفاع بألبانها ووبرها .. ولكم فيها ~~خير في الآخرة عن طريق الثواب الجزيل الذي تنالونه من خالقكم بسبب ~~استجابتكم لما أرشدكم إليه. PageV09P312 # وقوله تعالى : ( @QUR@05 فاذكروا اسم الله عليها صواف ) إرشاد لما يقوله ~~الذابح عند ذبحها. # وصواف : جمع صافة. أى : قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن استعدادا للذبح!. # أى : إذا ما هيأتم هذه الإبل للذبح ، فاذكروا اسم الله عليها ، بأن ~~تقولوا عند نحرها : بسم الله والله أكبر ، اللهم منك وإليك. # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع ~~والمعتر ) بيان لما ينبغي عليهم فعله بعد ذبحها. # ووجبت بمعنى سقطت : وهو كناية عن موتها. يقال : وجب الجدار إذا سقط ، ~~ووجبت الشمس إذا غابت. # والقانع : هو الراضي بما قدره الله تعالى له ، فلا يتعرض لسؤال الناس ~~مأخوذ من قنع يقنع كرضى يرضى وزنا ومعنى. # والمعتر : هو الذي يسأل غيره ليعطيه. يقال : فلان يعترى الأغنياء ، أى : ~~يذهب إليهم طالبا عطاءهم. # وقيل : القانع هو الطامع الذي يسأل غيره ، والمعتر : هو الذي يتعرض ~~للعطاء من غير سؤال وطلب. # أى : فإذا ما سقطت جنوب هذه الإبل على الأرض ، وأعددتموها للأكل فكلوا ~~منها ، وأطعموا الفقير القانع الذي لا يسألكم ، والفقير المعتر الذي يتعرض ~~لكم بالسؤال والطلب. # ثم بين سبحانه مظاهر فضله عليهم ، حيث ذلل هذه الأنعام لهم فقال : ( ~~@QUR@05 كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون ). # وقوله ( @QUR@01 كذلك ) نعت لمصدر محذوف. أى : مثل ذلك التسخير البديع ~~سخرنا لكم هذه الأنعام ، وذللناها لكم ، وجعلناها منقادة لأمركم ، لعلكم ~~بعد أن شاهدتم هذه النعم ، وانتفعتم بها ، تكونون من الشاكرين لنا ، ~~والمستجيبين لتوجيهاتنا وإرشادنا. # قال صاحب الكشاف : من الله على عباده واستحمد إليهم ، بأن سخر لهم البدن ~~مثل التسخير الذي رأوا وعلموا. يأخذونها منقادة للأخذ طيعة ، فيعقلونها ~~ويحبسونها صافة قوائمها ، ثم يطعنون في لبانها. ولو لا تسخير الله لم تطعن ~~، ولم تكن بأعجز من بعض الوحوش التي ms4006 هي أصغر منها جرما ، وأقل قوة ، وكفى ~~بما يتأبد من الإبل شاهدا على ذلك (1). PageV09P313 # ثم ختم سبحانه الحديث عن شعائر الحج ، بتوجيه عباده إلى وجوب الإخلاص له ~~، والاستجابة لأمره ، وشكره على نعمه ، فقال تعالى : ( @QUR@010 لن ينال ~~الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ... ). # أى : لن يصل إلى الله تعالى لحم هذه الأنعام ودماؤها ، من حيث هي لحوم ~~ودماء ، ولكن الذي يصل إليه سبحانه ويثيبكم عليه ، هو تقواكم ومراقبتكم له ~~سبحانه وخوفكم منه ، واستقامتكم على أمره وإخلاصكم العبادة له. # قالوا : وفي هذا إشارة إلى قبح ما كان يفعله المشركون ، من تقطيعهم للحوم ~~الأنعام ، ونشرها حول الكعبة ، وتلطيخها بالدماء ، وتحذير للمسلمين من أن ~~يفعلوا فعل هؤلاء الجهلاء ، إذ رضا الله تعالى لا ينال بذلك ، وإنما ينال ~~بتقوى القلوب. # ثم كرر سبحانه تذكيره إياهم بنعمه ، ليكون أدعى إلى شكره وطاعته فقال : ( ~~@QUR@010 كذلك سخرها لكم ، لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين ). # أى : كهذا التسخير العجيب الذي ترونه سخرنا لكم هذه الأنعام لكي تكبروا ~~الله وتعظموه وتقدسوه بسبب هدايته لكم إلى الإيمان. # وبشر أيها الرسول الكريم المحسنين لأقوالهم وأفعالهم ، بثوابنا الجزيل ~~وبعطائنا الواسع. # وبذلك ترى أن سورة الحج قد سبحت بنا سبحا طويلا في حديثها عن البيت ~~الحرام ، وعن آداب الحج ومناسكه وأحكامه ، وعن الجزاء الحسن الذي أعده ~~تعالى للمستجيبين لأمره. # وبعد هذا الحديث عن الشعائر والمناسك ، أذن سبحانه للمؤمنين بالقتال في ~~سبيله ، للدفاع عن دينه وشعائره ، ووعدهم عز وجل بالنصر متى نصروه وحافظوا ~~على فرائضه ... فقال تعالى :. # ( @QUR@013 إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور ~~(38) @QUR@010 أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ~~(39) @QUR@08 الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن PageV09P314 # @QUR@028 يقولوا ربنا الله ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع ~~وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن ~~الله لقوي عزيز (40) @QUR@017 الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة ms4007 الأمور ) (41) # قال الفخر الرازي : اعلم أنه تعالى لما بين ما يلزم في الحج ومناسكه وما ~~فيه من منافع الدنيا والآخرة ، وما كان من صد الكفار عنه ، أتبع ذلك ببيان ~~ما يزيل الصد. ويؤمن معه التمكن من الحج فقال تعالى ( @QUR@06 إن الله ~~يدافع عن الذين آمنوا .. ) (1). # ومفعول «يدافع» محذوف. وجاء التعبير بقوله تعالى ( @QUR@01 يدافع ) بصيغة ~~المفاعلة ، للمبالغة في الدفاع والدفع ، أو للدلالة على أن ذلك حاصل ~~للمؤمنين كلما حصل من الكافرين عدوان عليهم. # أى : إن الله تعالى بفضله وكرمه يدافع عن المؤمنين أعداءهم وخصومهم ، ~~فيرد كيدهم في نحورهم. # ويصح أن يكون ( @QUR@01 يدافع ) بمعنى يدفع ، ويؤيده قراءة ابن كثير وأبى ~~عمرو. أى : أن الله تعالى يدفع السوء عن عباده المؤمنين الصادقين ، ويجعل ~~العاقبة لهم على أعداءهم. # فالجملة الكريمة بشارة للمؤمنين ، وتقوية لعزائمهم حتى يقبلوا على ما ~~شرعه الله لهم من جهاد أعدائهم ، بثبات لا تردد معه ، وبأمل عظيم في نصر ~~الله وتأييده. # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 إن الله لا يحب كل خوان كفور ) تعليل لوعده ~~سبحانه للمؤمنين بالدفاع عنهم ، وبجعل العاقبة لهم. PageV09P315 # والخوان : هو الشديد الخيانة ، والكفور : هو المبالغ في كفره وجحوده ، ~~فاللفظان كلاهما صيغة مبالغة. # قال الآلوسى : وصيغة المبالغة فيهما لبيان أن المشركين كذلك ، لا للتقييد ~~المشعر بمحبة الخائن والكافر ... (1). # أى : إن الله تعالى يدافع عن المؤمنين لمحبته لهم ، ويبغض هؤلاء الكافرين ~~الذين بلغوا في الخيانة والكفر أقصى الدركات. # وأوثر التعبير بقوله تعالى ( @QUR@02 لا يحب ) على قوله : يبغض أو يكره ، ~~للإشعار بأن المؤمنين هم أحباء الله تعالى ، وللتعريض بهؤلاء الكافرين ~~الذين تجاوزوا كل حد في كراهيتهم لأهل الحق. # ثم رخص سبحانه للمؤمنين بأن يقاتلوا في سبيله فقال : ( @QUR@05 أذن للذين ~~يقاتلون بأنهم ظلموا ... ). # وقوله تعالى ( @QUR@01 أذن ) فعل ماض مبنى للمجهول مأخوذ من الإذن بمعنى ~~الإباحة والرخصة. والمقصود إباحة مشروعية القتال ، وقد قالوا : بأن هذه ~~الآيات أول ما نزل في شأن مشروعية القتال. # أخرج الإمام أحمد والترمذي عن ابن عباس قال : لما خرج النبي ~~صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر : أخرجوا نبيهم ms4008 ليهلكن ، فنزلت هذه ~~الآيات. # وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي ( @QUR@01 أذن ) بالبناء الفاعل. ~~والمأذون لهم فيه هو القتال ، وهو محذوف في قوة المذكور بدليل قوله ( ~~@QUR@01 يقاتلون ) والباء في قوله ( @QUR@02 بأنهم ظلموا ) للسببية. # أى : أذن الله تعالى للمؤمنين ، ورخص لهم ، بأن يقاتلوا أعداءهم الذين ~~ظلموهم ، وآذوهم ، واعتدوا عليه ، بعد أن صبر هؤلاء المؤمنون على أذى ~~أعدائهم صبرا طويلا. # قال الآلوسى : والمراد بالموصول أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين في ~~مكة ، فقد نقل الواحدي وغيره ، أن المشركين كانوا يؤذونهم ، وكانوا يأتون ~~النبي صلى الله عليه وسلم بين مضروب ومشجوج ويتظلمون إليه فيقول لهم : اصبروا ~~فإنى لم أومر بالقتال حتى هاجر صلى الله عليه وسلم فنزلت PageV09P316 # هذه الآية. وهي أول آية نزلت في القتال بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين آية (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@05 وإن الله على نصرهم لقدير ) وعد منه سبحانه ~~للمؤمنين بالنصر وحض لهم على الإقدام على الجهاد في سبيله بدون تردد أو وهن. # أى : وإن الله تعالى لقادر على أن ينصر عباده المؤمنين. وعلى أن يمكن لهم ~~في الأرض ، وعلى أن يجعلهم الوارثين لأعدائهم الكافرين. # قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : قوله : ( @QUR@05 وإن الله على نصرهم ~~لقدير ) أى : هو قادر على نصر عباده المؤمنين من غير قتال ، ولكنه يريد من ~~عباده أن يبلوا جهدهم في طاعته ، كما قال تعالى : ( @QUR@030 فإذا لقيتم ~~الذين كفروا فضرب الرقاب ، حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد ~~وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ، ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ، ولكن ~~ليبلوا بعضكم ببعض .. ) (2). # وإنما شرع سبحانه الجهاد في الوقت الأليق به ، لأنهم لما كانوا بمكة ، ~~كان المشركون أكثر عددا. فلو أمر المسلمون بالقتال لشق ذلك عليهم ... # فلما استقروا بالمدينة. وصارت لهم دار إسلام ، ومعقلا يلجئون إليه شرع ~~الله جهاد الأعداء ، فكانت هذه الآية أول ما نزل في ذلك .. (3). # وقوله سبحانه : ( @QUR@011 الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ~~ربنا الله .. ) بيان لبعض الأسباب التي من أجلها شرع الله الجهاد في سبيله. ms4009 # أى : إن الله تعالى لقدير على نصر المؤمنين الذين أخرجهم الكافرون من ~~ديارهم بغير حق ، وبغير أى سبب من الأسباب ، سوى أنهم كانوا يقولون ربنا ~~الله تعالى وحده ، ولن نعبد من دونه إلها آخر. # أى : ليس هناك ما يوجب إخراجهم في زعم المشركين سوى قولهم ربنا الله. # ثم حرض سبحانه المؤمنين على القتال في سبيله ، بأن بين لهم أن هذا القتال ~~يقتضيه نظام هذا العالم وصلاحه ، فقال تعالى : ( @QUR@017 ولو لا دفع الله ~~الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ). # والمراد بالدفع : إذن الله المؤمنين في قتال المشركين. والمراد بقوله : ( ~~@QUR@01 بعضهم ) PageV09P317 # الكافرون. وبقوله : ( @QUR@01 ببعض ) المؤمنون. # والصوامع : جمع صومعة ، وهي بناء مرتفع يتخذه الرهبان معابد لهم. # والبيع : جمع بيعة بكسر الباء وهي كنائس النصارى التي لا تختص بالرهبان. # والصلوات : أماكن العبادة لليهود. # أى : ولو لا أن الله تعالى أباح للمؤمنين قتال المشركين ، لعاث المشركون ~~في الأرض فسادا ، ولهدموا في زمن موسى وعيسى أماكن العبادة الخاصة ~~بأتباعهما ، ولهدموا في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم المساجد التي تقام فيها ~~الصلاة. # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@07 ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض ~~... ) أى : ولو لا ما شرعه الله تعالى للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء ~~لاستولى أهل الشرك. وعطلوا ما بناه أهل الديانات من مواضع العبادات ولكنه ~~دفع بأن أوجب القتال ليتفرغ أهل الدين للعبادة. فالجهاد أمر متقدم في ~~الأمم. وبه صلحت الشرائع ، واجتمعت المتعبدات ، فكأنه قال : أذن في القتال ~~فليقاتل المؤمنون. ثم قوى هذا الأمر في القتال بقوله : ( @QUR@05 ولو لا ~~دفع الله الناس ... ) الآية أى : لو لا الجهاد والقتال لتغلب أهل الباطل ~~على أهل الحق في كل أمة ... (1). # فالآية الكريمة تفيد أن الله تعالى قد شرع القتال لإعلاء الحق وإزهاق ~~الباطل ، ولو لا ذلك لاختل هذا العالم ، وانتشر فيه الفساد. # والتعبير بقوله تعالى : ( @QUR@01 لهدمت ) بالتشديد للإشعار بأن عدم ~~مشروعية القتال ، يؤدى إلى فساد ذريع ، وإلى تحطيم شديد لأماكن العبادة ~~والطاعة لله عز وجل . # وقدم الصوامع والبيع والصلوات على ms4010 المساجد ، باعتبار أنها أقدم منها في ~~الوجود ، أو للانتقال من الشريف إلى الأشرف. # ثم ساق سبحانه بأسلوب مؤكد سنة من سننه التي لا تتخلف فقال : ( @QUR@08 ~~ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ). # أى : والله لينصرن سبحانه من ينصر دينه وأولياءه ، لأنه تعالى هو القوى ~~على كل فعل يريده ، العزيز الذي لا يغالبه مغالب ، ولا ينازعه منازع. # وقد أنجز سبحانه وعده وسنته ، فسلط عباده المؤمنين من المهاجرين والأنصار ، على PageV09P318 # أعدائه ، فأذلوا الشرك والمشركين وحطموا دولتي الأكاسرة والقياصرة ، ~~وأورثهم أرضهم وديارهم. # ثم وصف سبحانه هؤلاء المؤمنين الذين وعدهم بنصره بأكرم الصفات ليميزهم عن ~~غيرهم فقال : ( @QUR@017 الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة ، وآتوا ~~الزكاة ، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ، ولله عاقبة الأمور ). # أى : ولينصرن الله تعالى هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين أخرجوا من ديارهم ~~بغير حق ، والذين من صفاتهم أنهم إذا ما مكنا لهم في الأرض ، ونصرناهم على ~~أعدائهم ، شكروا لنا ما أكرمناهم به ، فأقاموا الصلاة في مواقيتها بخشوع ~~وإخلاص ، وقدموا زكاة أموالهم للمحتاجين ، وأمروا غيرهم بالمعروف ونهوه عن ~~المنكر ، ولله تعالى وحده عاقبة الأمور ومردها ومرجعها في الآخرة ، فيجازى ~~كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب. # فالآية الكريمة تبين أن أولى الناس بنصر الله ، هم هؤلاء المؤمنون ~~الصادقون ، الذين أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن ~~المنكر ... # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@011 إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا ~~في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@010 يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ~~ويثبت أقدامكم .. ) (2). # وبعد أن أذن الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين في القتال ، ~~وبشرهم بالنصر .. أتبع ذلك بتسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه من حزن بسبب ~~تكذيب المشركين له ووبخ سبحانه أولئك المشركين على عدم اعتبارهم بمن سبقهم ~~فقال تعالى : # ( @QUR@09 وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود (42) @QUR@04 ~~وقوم إبراهيم وقوم لوط (43) @QUR@011 وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت ~~للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير (44) @QUR@010 فكأين من قرية أهلكناها ~~وهي ظالمة فهي خاوية على ms4011 عروشها PageV09P319 # @QUR@04 وبئر معطلة وقصر مشيد (45) @QUR@023 أفلم يسيروا في الأرض فتكون ~~لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى ~~القلوب التي في الصدور (46) @QUR@014 ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله ~~وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون (47) @QUR@011 وكأين من قرية ~~أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير (48) @QUR@09 قل يا أيها الناس ~~إنما أنا لكم نذير مبين (49) @QUR@08 فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم ~~مغفرة ورزق كريم (50) @QUR@08 والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب ~~الجحيم ) (51) # والمعنى : لا تحزن أيها الرسول الكريم لأن هؤلاء المشركين قد كذبوك فيما ~~جئتهم به من عند ربك ، وأعرضوا عنه ، فإن قوم نوح ، وقوم هود. وقوم صالح ، ~~وقوم إبراهيم ، وقوم لوط ، وقوم شعيب ، وقوم موسى ، قد كذبوا هؤلاء ~~الأنبياء الكرام ، وما يقال لك من هؤلاء المشركين ، قد قيل للرسل من قبلك. # قال تعالى : ( @QUR@029 كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ~~ساحر أو مجنون* أتواصوا به بل هم قوم طاغون* فتول عنهم فما أنت بملوم* وذكر ~~فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) (1). # واستغنى في عاد وثمود عن ذكر القوم ، لاشتهارهم بهذا الاسم الذي يدل ~~دلالة واضحة على هؤلاء الظالمين. # وقال سبحانه : ( @QUR@02 وأصحاب مدين ) ولم يقل وقوم شعيب ، لأنهم هم ~~الأسبق في التكذيب له عليه السلام على أصحاب الأيكة ، ولأنهم هم أهله أما ~~أصحاب الأيكة فكانوا غرباء عنه. PageV09P320 # وقال سبحانه : ( @QUR@02 وكذب موسى ) لأنه لم يكذب من جميع قومه وهم بنو ~~إسرائيل. وإنما كان المكذب له هو فرعون وملأه ، وللإشارة إلى أن موسى ~~عليه السلام قد جاء إلى الناس بآيات واضحات تدل على صدقه ، ومع ذلك فقد قوبل ~~بالتكذيب من فرعون وملئه. # ثم بين سبحانه ما حل بهؤلاء من عقوبات فقال : ( @QUR@07 فأمليت للكافرين ~~ثم أخذتهم فكيف كان نكير ). # والإملاء : الإمهال وفي الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : «إن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته». # والنكير : اسم مصدر بمعنى الإنكار ، يقال : أنكرت على فلان فعله ، إذا ~~ردعته ms4012 وزجرته عنه. # أى : هؤلاء الأقوام الذين كذبوا أنبياءهم ، لم أعاجلهم بالعقوبة ، بل ~~أمهلتهم وأمليت لهم ، ثم أخذتهم أخذ عزيز مقتدر ، فانظر أيها العاقل كيف ~~كان إنكارى عليهم؟ لقد كان إنكارا مخيفا مهلكا ( @QUR@028 فكلا أخذنا بذنبه ~~فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا. ومنهم من أخذته الصيحة ، ومنهم من خسفنا به ~~الأرض ، ومنهم من أغرقنا ، وما كان الله ليظلمهم ، ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون ) (1). # وقال سبحانه ( @QUR@02 فأمليت للكافرين ) بالإظهار دون الإضمار ، لزيادة ~~التشنيع عليهم والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@03 فكيف كان نكير ) ~~للتهويل والتعجيب. أى : لقد كان إنكارا فظيعا حول حياتهم إلى موت ، ~~وعمرانهم إلى خراب ، وغرورهم إلى ذلة وهوان .. فعلى مشركي قريش أن يعتبروا ~~بذلك ويتعظوا .. وإلا فالعاقبة معروفة لهم. # وبعد هذا البيان المشتمل على سوء عاقبة هذه الأمم التي كذبت رسلها .. ~~أتبع ذلك سبحانه ببيان مصير كثير من الأمم الظالمة فقال : ( @QUR@014 فكأين ~~من قرية أهلكناها وهي ظالمة ، فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة ، وقصر مشيد ). # وكلمة «كأين» مركبة من كاف التشبيه ، ومن أى الاستفهامية المنونة ، ثم ~~هجر معنى جزأيها وصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية المفيدة للتكثير ، ~~ويكنى بها عن عدد مبهم فتفتقر إلى تمييز بعدها. ومميزها غالبا ما يجر بمن ~~كما في الآية وفي غيرها. قال تعالى : ( @QUR@07 وكأين من نبي قاتل معه ~~ربيون كثير ... ) (2)، ( @QUR@011 وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون ) (3). PageV09P321 # قال الآلوسى : وقوله : ( @QUR@03 فكأين من قرية ) منصوب بمضمر يفسره قوله ~~تعالى : ( @QUR@01 أهلكناها ) أى : فأهلكنا كثيرا من القرى أهلكناها .. أو ~~مرفوع على الابتداء ، وجملة ( @QUR@01 أهلكناها ) خبره. # أى : فكثير من القرى أهلكناها .. وقوله : ( @QUR@02 وهي ظالمة ) جملة ~~حالية من مفعول أهلكنا .. (1). # ولفظ ( @QUR@01 خاوية ) بمعنى ساقطة أو خالية. يقال خوى البيت يخوى إذا ~~سقط أو خلا ممن يسكنه. # والعروش : جمع عرش وهو سقف البيت ، ويسمى العريش : وكل ما يهيأ ليستظل به ~~فهو عريش. # وبئر معطلة أى : مهجورة لهلاك أهلها ، يقال : بأر فلان الأرض إذا حفرها ~~ليستخرج منها الماء. # والمشيد : المجصص بالشيد وهو الجص. يقال : شاد فلان بيته يشيده ، إذا ~~طلاه بالشيد. ms4013 # والمعنى : وكثير من القوى أهلكناها بسبب ظلمهم وكفرهم ، فإذا ما نظرت ~~إليها وجدتها خالية من أهلها ، وقد سقطت سقوفها على جدرانها. وكثير من ~~الآبار التي كانت تتفجر بالماء عطلناها وصارت مهجورة ، وكثير أيضا من ~~القصور المشيدة الفخمة أخليناها من أهلها. وذلك لأنهم كذبوا رسلنا ، وجحدوا ~~نعمنا ، فدمرناهم تدميرا. وجعلنا مساكنهم من بعدهم أثرا بعد عين. # فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد اشتملت على أشد ألوان الوعيد والتهديد ~~لكفار قريش الذين كذبوا الرسول صلى الله عليه وسلم وأعرضوا عن دعوته. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@021 وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ~~ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا* فذاقت وبال أمرها وكان ~~عاقبة أمرها خسرا ) (2). # ثم ينتقل القرآن الكريم من هذا التهديد الشديد ، إلى التوبيخ والتقريع ~~لهؤلاء المشركين ، الذين لا يعتبرون ولا يتعظون فيقول : ( @QUR@013 أفلم ~~يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها ، أو آذان يسمعون بها .. ). PageV09P322 # والاستفهام للتوبيخ والإنكار ، والفاء للعطف على مقدر يستدعيه المقام. # والمعنى : إن مصارع الغابرين وديارهم ، يمر بها كفار قريش ، ويعرفونها ، ~~فهم يرون في طريقهم إلى الشام قرى صالح وقرى قوم لوط .. قال تعالى : ( ~~@QUR@07 وإنكم لتمرون عليهم مصبحين* وبالليل أفلا تعقلون ) (1). # والشأن في هذه الرؤية أن تجعل صاحبها يعتبر ويتعظ ، متى كان عنده قلب ~~يعقل ما يجب فهمه ، أو أذن تسمع ما يجب سماعه وتنفيذه ، ولكن هؤلاء ~~الجاهلين يرون مصارع الغابرين فلا يعقلون ، ولا يعتبرون ، ويسمعون الأحاديث ~~عن تلك الآبار المعطلة ، والقصور الخالية من سكانها ، والمنازل المهدمة ، ~~فلا يتعظون. # وقوله تعالى : ( @QUR@010 فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي ~~في الصدور ) بيان لسبب انطماس بصائرهم ، وقسوة قلوبهم. # والضمير في قوله ( @QUR@01 فإنها ) للقصة. أى : فإن الحال أنه لا يعتد ~~بعمى الأبصار ، ولكن الذي يعتد به هو عمى القلوب التي في الصدور ، وهؤلاء ~~المشركون قد أصيبوا بالعمى الذي هو أشنع عمى وأقبحه. وهو عمى القلوب عن ~~الفهم وقبول الحق. # وذكر سبحانه أن مواضع القلوب في الصدور ، لزيادة التأكيد ، ولزيادة إثبات ~~العمى لتلك القلوب التي حدد سبحانه ms4014 موضعها تحديدا دقيقا. # قال الآلوسى : فالكلام تذييل لتهويل ما نزل بهم من عدم فقه القلب ، وأنه ~~العمى الذي لا عمى بعده ، بل لا عمى إلا هو ، أو المعنى : إن أبصارهم صحيحة ~~سالمة لا عمى بها. وإن العمى بقلوبهم ، فكأنه قيل : أفلم يسيروا في الأرض ~~فتكون لهم قلوب ذات بصائر ، فإن الآفة ببصائر قلوبهم لا بأبصار عيونهم ، ~~وهي الآفة التي كل آفة دونها. كأنه يحثهم على إزالة المرض وينعى عليهم ~~تقاعدهم عنها (2). # ثم أكد سبحانه انطماس بصائرهم ، حيث بين أنهم بدل أن يتوبوا إلى الله ~~ويستغفروه ، استعجلوا العذاب فقال : ( @QUR@014 ويستعجلونك بالعذاب ، ولن ~~يخلف الله وعده. وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ). # أى : أن هؤلاء الطغاة بدل أن يسيروا في الأرض فيعتبروا ويتعظوا ، أخذوا ~~يطلبون منك أيها الرسول الكريم نزول العذاب عاجلا ، على سبيل الاستهزاء بك ~~والاستخفاف بما هددناهم به ، ويقولون لك : متى هو؟. PageV09P323 # فالجملة الكريمة ( @QUR@02 ويستعجلونك بالعذاب ) خبرية في اللفظ ، ~~استفهامية في المعنى. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 ولن يخلف الله وعده ) جملة حالية جيء بها ~~لتهديدهم على استعجالهم العذاب ، أى : والحال أن الله تعالى لن يخلف ما ~~وعدهم به من العذاب ، بل هو منجزه في الوقت الذي يريده هو وليس الذي ~~يريدونه هم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ) جملة ~~مستأنفة سيقت لبيان أن حساب الأزمان في تقدير الله تعالى يخالف ما يقدره البشر. # أى : دعهم أيها الرسول الكريم يستعجلون العذاب ، فذلك دأب الظالمين في كل ~~حين ، وسبيل الجاهلين في كل زمان ، وأعلمهم أن الله تعالى لن يخلف وعده ~~إياهم به في الوقت المحدد لذلك ، وإن يوما عنده تعالى كألف سنة مما يعده ~~هؤلاء في دنياهم ، وسيأتيهم هذا اليوم الذي يطول عليهم طولا شديدا ، لما ~~يرون فيه من عذاب مهين. # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@08 وإن يوما عند ربك كألف سنة مما ~~تعدون ) قال ابن عباس ومجاهد : يعنى من الأيام التي خلق فيها السموات ~~والأرض. وقال عكرمة : يعنى من أيام الآخرة ، أعلمهم الله إذ استعجلوه ~~بالعذاب في أيام ms4015 قصيرة أنه يأتيهم به في أيام طويلة. وقال الفراء : هذا ~~وعيد لهم بامتداد عذابهم في الآخرة. # وقيل المعنى : وإن يوما في الخوف والشدة في الآخرة كألف سنة من سنى ~~الدنيا فيها خوف وشدة .. (1). # ثم أكد سبحانه أن إملاءه للظالمين ، سيعقبه العذاب الأليم ، فقال : ( ~~@QUR@011 وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير ). # أى : وكثير من القرى الظالمة أمهلت عقوبة أهلها إلى أجل مسمى ، ثم أخذتها ~~بعد ذلك أخذا شديدا ، جعلهم في قراهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها ، وسيرجعون ~~إلينا فيجدون عذابا أشد وأبقى ، إذ أن مصيرهم إلى لا إلى غيرى. # وبعد هذا العرض لمصارع الغابرين وبيان سنة الله تعالى في المكذبين ، يأمر ~~سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرشد الناس إلى مصيرهم فيقول : ( @QUR@09 ~~قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين ). # أى : قل أيها الرسول الكريم للناس ، إن وظيفتي أن أنذركم وأخوفكم من عذاب ~~الله ، بدون التباس أو غموض. PageV09P324 # ( @QUR@02 فالذين آمنوا ) وعملوا الأعمال الصالحات لهم من ربهم مغفرة ~~واسعة ، ورزق كريم ، لا انقطاع معه ولا امتناع. # ( @QUR@05 والذين سعوا في آياتنا معاجزين ) أى : والذين بذلوا كل جهودهم ~~في إبطال آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا وصدق رسلنا ، وأسرعوا في ~~تكذيبها وغالبوا المؤمنين وعارضوهم ليظهروهم بمظهر العاجز عن الدفاع عن ~~دينهم وعن عقيدتهم. # ( @QUR@01 أولئك ) الموصوفون بهذا السعى الأثيم ( @QUR@02 أصحاب الجحيم ) ~~أى : الملازمون للنار المتأججة ملازمة المالك لما يملكه. # ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك الى الحديث عن فضل الله تعالى على ~~أنبيائه ورسله حيث عصمهم من كيد الشيطان ووسوسته وحفظ دعوتهم من تكذيب ~~المكذبين ، وعبث العابثين .. فقال تعالى : # ( @QUR@027 وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى ~~الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله ~~عليم حكيم (52) @QUR@016 ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض ~~والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد (53) @QUR@021 وليعلم الذين ~~أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد ~~الذين آمنوا ms4016 إلى صراط مستقيم ) (54) # قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات : قد ذكر كثير من المفسرين ~~ها هنا قصة الغرانيق (1)، وما كان من رجوع كثير من المهاجرين إلى أرض ~~الحبشة ، ظنا منهم أن مشركي PageV09P325 # قريش قد أسلموا. # ولكنها من طرق كلها مرسلة ، ولم أرها مسندة من وجه صحيح. # ثم قال رحمه الله : قال ابن أبى حاتم : حدثنا يونس بن حبيب ، حدثنا أبو ~~داود ، حدثنا شعبة ، عن أبى بشر ، عن سعيد بن جبير قال : قرأ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بمكة سورة النجم ، فلما بلغ هذا الموضع : ( @QUR@06 ~~أفرأيتم اللات والعزى. ومناة الثالثة الأخرى ). # قال : فألقى الشيطان على لسانه : «تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن ~~ترتجى». # قالوا : أى المشركون : ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم ، فسجد وسجدوا ، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية ( @QUR@015 وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ~~إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته .. ) (1). # وجمع سبحانه بين الرسول والنبي ، لأن المقصود بالرسول من بعث بكتاب ، ~~وبالنبي من بعث بغير كتاب ، أو المقصود بالرسول من بعث بشرع جديد ، وبالنبي ~~من بعث لتقرير شرع من قبله. # ولفظة ( @QUR@01 تمنى ) هنا : فسره العلماء بتفسيرين : # أولهما : أنه من التمنى ، بمعنى محبة الشيء ، وشدة الرغبة في الحصول عليه ~~، ومفعول «ألقى» محذوف والمراد بإلقاء الشيطان في أمنيته : محاولته صرف ~~الناس عن دعوة الحق ، عن طريق إلقاء الأباطيل في نفوسهم ، وتثبيتهم على ما ~~هم فيه من ضلال. # والمعنى : وما أرسلنا من قبلك يا محمد من رسول ولا نبي ، إلا إذا تمنى ~~هداية قومه إلى الدين الحق الذي جاءهم به من عند ربه ، ألقى الشيطان ~~الوساوس والشبهات في طريق أمنيته لكي لا تتحقق هذه الأمنية ، بأن يوهم ~~الشيطان الناس بأن هذا الرسول أو النبي ساحر أو مجنون ، أو غير ذلك من ~~الصفات القبيحة التي برأ الله تعالى منها رسله وأنبياءه. # قال تعالى : ( @QUR@019 كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ~~ساحر أو مجنون* أتواصوا به ، بل هم قوم طاغون ) (2). # والآية الكريمة على هذا التفسير واضحة المعنى ms4017 ، ويؤيدها الواقع ، إذ أن ~~كل رسول أو نبي بعثه الله تعالى كان حريصا على هداية قومه ، وكان يتمنى أن ~~يؤمنوا جميعا ، بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم كاد يهلك نفسه هما وغما بسبب ~~إصرار قومه على الكفر. PageV09P326 # قال تعالى : ( @QUR@011 فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا ~~الحديث أسفا ) (1). # إلا أن قوم كل رسول أو نبي منهم من آمن به. ومنهم من أعرض عنه بسبب إغراء ~~الشيطان لهم ، وإيهامهم بأن ما هم عليه من ضلال هو عين الهدى. # وإلى هذا التفسير أشار صاحب الكشاف بقوله : «قوله تعالى : ( @QUR@04 من ~~رسول ولا نبي ) دليل بين على تغاير الرسول والنبي. والفرق بينهما أن الرسول ~~من الأنبياء : من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه والنبي غير الرسول : ~~من لم ينزل عليه كتاب وإنما أمر أن يدعو الناس إلى شريعة من قبله. # والسبب في نزول هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أعرض عنه ~~قومه وشاقوه ، وخالفته عشيرته ولم يشايعوه على ما جاء به : تمنى لفرط ضجره ~~من إعراضهم ، ولحرصه وتهالكه على إسلامهم أن لا ينزل عليه ما ينفرهم ، لعله ~~يتخذ ذلك طريقا إلى استمالتهم واستنزالهم عن غيهم وعنادهم (2). # أما التفسير الثاني للفظ ( @QUR@01 تمنى ) فهو أنه بمعنى قرأ وتلا. ومنه ~~قول حسان بن ثابت ، في رثاء عثمان بن عفان رضى الله عنه : # تمنى كتاب الله أول ليله %~% وآخره لاقى حمام المقادر # أى : قرأ وتلا كتاب الله في أول الليل. وفي آخر الليل وافاه أجله. # ومفعول ( @QUR@01 ألقى ) على هذا المعنى محذوف أيضا والمراد بما يلقيه ~~الشيطان في قراءته : ما يلقيه في معناها من أكاذيب وأباطيل ، ليصد الناس عن ~~اتباع ما يقرؤه الرسول وما يتلوه ، وليس المراد أنه يلقى فيها ما ليس منها ~~بالزيادة أو بالنقص ، فإن ذلك محال بالنسبة لكتاب الله تعالى الذي تكفل ~~سبحانه بحفظه فقال : ( @QUR@07 إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) (3). # والمعنى : وما أرسلنا من قبلك أيها الرسول الكريم من رسول ولا نبي إلا ~~إذا قرأ شيئا مما ms4018 أنزلناه عليه ، ألقى الشيطان في معنى قراءته الشبه ~~والأباطيل ، ليصد الناس عن اتباع ما يتلوه عليهم هذا الرسول أو النبي. # قال الآلوسى رحمه الله : والمعنى : وما أرسلنا من قبلك رسولا ولا نبيا ، ~~إلا وحاله أنه PageV09P327 # إذا قرأ شيئا من الآيات ، ألقى الشيطان الشبه والتخيلات فيما يقرؤه على ~~أوليائه ، ليجادلوه بالباطل ، ويردوا ما جاء به ، كما قال تعالى ( @QUR@07 ~~... وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ... ) (1). وقال سبحانه : ~~( @QUR@015 وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى ~~بعض زخرف القول غرورا .. ) (2). # وهذا كقولهم عند سماع قراءة الرسول صلى الله عليه وسلم ( @QUR@04 حرمت عليكم ~~الميتة والدم ): إن محمدا يحل ذبيحة نفسه ويحرم ما ذبحه الله. وكقولهم عند ~~سماع قراءته لقوله تعالى ( @QUR@08 إنكم وما تعبدون من دون الله. حصب جهنم ~~.. ) (3) إن عيسى قد عبد من دون الله ، وكذلك الملائكة قد عبدوا من دون ~~الله. (4). # والآية الكريمة ( @QUR@04 ليجعل ما يلقي الشيطان ) على هذا التفسير أيضا ~~واضحة المعنى ، إذ المراد بما يلقيه الشيطان في قراءة الرسول أو النبي ، ~~تلك الشبه والأباطيل التي يلقيها في عقول الضالين ، فيجعلهم يؤولونها ~~تأويلا سقيما ويفهمونها فهما خاطئا. # وقوله تعالى : ( @QUR@012 فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته ~~والله عليم حكيم ) بيان لسنته سبحانه التي لا تتخلف في إحقاق الحق. وإبطال ~~الباطل. # وقوله ( @QUR@01 فينسخ ) من النسخ بمعنى الإزالة. يقال : نسخت الشمس الظل ~~إذا أزالته. # أى : فيزيل سبحانه بمقتضى قدرته وحكمته ما ألقاه الشيطان في القلوب التي ~~شاء الله تعالى لها الإيمان والثبات على الحق ثم يحكم سبحانه آياته بأن ~~يجعلها متقنة ، لا تقبل الرد ، ولا تحتمل الشك في كونها من عنده عز وجل ~~والله عليم بجميع شئون خلقه ، حكيم في كل أقواله وأفعاله وتصرفاته. # ثم بين سبحانه بعد ذلك أن الحكمة في إلقاء الشيطان لشبهه وضلالته هي ~~امتحان الناس فقال : ( @QUR@011 ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في ~~قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم ... ). # أى : فعل ما فعل سبحانه ليجعل ما يلقيه الشيطان من تلك الشبه في القلوب ~~فتنة واختبارا وامتحانا ، للذين ms4019 في قلوبهم مرض ، أى : شك وارتياب ، وهم ~~المنافقون ، وللذين قست قلوبهم ، وهم الكافرون المجاهرون بالجحود والعناد. # فقوله تعالى : ( @QUR@01 ليجعل .. ) متعلق ب ( @QUR@01 ألقى ) أى : ألقى ~~الشيطان في أمنية الرسل والأنبياء ليجعل الله تعالى ذلك الإلقاء فتنة للذين ~~في قلوبهم مرض. PageV09P328 # ومعنى كونه فتنة لهم : أنه سبب لتماديهم في الضلال ، وفي إصرارهم على ~~الفسوق والعصيان. # ثم بين سبحانه سوء عاقبة الفريقين فقال : ( @QUR@02 وإن الظالمين )، وهم ~~من في قلوبهم مرض ، ومن قست قلوبهم ( @QUR@03 لفي شقاق بعيد ) أى لفي خلاف ~~للحق شديد. بسبب نفاقهم وكفرهم. # ثم بين سبحانه حكمة أخرى لما فعله الشيطان من إلقاء الشبه والوساوس في ~~القلوب فقال : # ( @QUR@013 وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به ، فتخبت ~~له قلوبهم ). # والضمير في ( @QUR@01 أنه ) يعود إلى ما جاء به الرسل والأنبياء من عند ربهم. # أى : وفعل ما فعل سبحانه أيضا ، ليعلم العلماء من عباده ، الذين حبب ~~سبحانه إليهم الإيمان ، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان ، أن ما جاء به ~~الرسل والأنبياء هو الحق الثابت من ربك ، فيزدادوا إيمانا به ( @QUR@03 ~~فتخبت له قلوبهم ) أى : فتخضع وتسكن وتطمئن إليه نفوسهم. # و ( @QUR@02 وإن الله ) تعالى ( @QUR@03 لهاد الذين آمنوا ) به وصدقوا ~~أنبياءه ورسله ( @QUR@03 إلى صراط مستقيم ) يوصلهم إلى السعادة في الدنيا ~~والآخرة. # هذا ، وقد أبطل العلماء قديما وحديثا قصة الغرانيق ، ومن العلماء القدماء ~~الذين تصدوا لهذا الإبطال الإمام الفخر الرازي ، فقد قال ما ملخصه : قصة ~~الغرانيق باطلة عند أهل التحقيق ، واستدلوا على بطلانها بالقرآن والسنة ~~والمعقول. # أما القرآن فمن وجوه منها قوله تعالى : ( @QUR@012 ولو تقول علينا بعض ~~الأقاويل* لأخذنا منه باليمين* ثم لقطعنا منه الوتين ) (1) وقوله سبحانه : ~~( @QUR@09 وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى ) (2)، وقوله عز وجل : ( ~~@QUR@015 قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي ، إن أتبع إلا ما يوحى إلي ~~.. ) (3). # وأما السنة ، فقد قال الإمام البيهقي : هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل ~~وأيضا فقد روى البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة ~~«والنجم» وسجد فيها المسلمون والمشركون والإنس ms4020 والجن ، وليس فيه حديث ~~الغرانيق. وروى هذا الحديث من طرق كثيرة وليس فيها ألبتة حديث الغرانيق. PageV09P329 # وأما المعقول فمن وجوه منها : أن من جوز على الرسول صلى الله عليه وسلم ~~تعظيم الأوثان فقد كفر ، لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه ~~صلى الله عليه وسلم كان نفى الأوثان. # ومنها : أننا لو جوزنا ذلك لارتفع الأمان عن شرعه .. فإنه لا فرق في ~~العقل بين النقصان عن الوحى وبين الزيادة فيه. # فبهذه الوجوه عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه القصة موضوعة. أكثر ما في ~~الباب أن جمعا من المفسرين ذكرها. لكنهم ما بلغوا حد التواتر. وخبر الواحد ~~لا يعارض الدلائل النقلية والعقلية المتواترة (1). # وقال بعض العلماء ما ملخصه : اعلم أن مسألة الغرانيق مع استحالتها شرعا ، ~~ودلالة القرآن على بطلانها ، لم تثبت من طريق صالح للاحتجاج به ، وصرح بعد ~~ثبوتها خلق كثير من علماء الحديث كما هو الصواب. # والحاصل : أن القرآن دل على بطلانها ، ولم تثبت من جهة النقل ، مع ~~استحالة الإلقاء على لسانه صلى الله عليه وسلم شرعا ولو على سبيل السهو. # والذي يظهر لنا أنه الصواب : هو أن ما يلقيه الشيطان في قراءة النبي : ~~الشكوك والوساوس المانعة من تصديقها وقبولها ، كإلقائه عليهم أنها سحر أو ~~شعر أو أساطير الأولين .. # والدليل على هذا المعنى : أن الله تعالى بين أن الحكمة في الإلقاء ~~المذكور امتحان الخلق ، لأنه قال : ( @QUR@011 ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة ~~للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم ... ) ثم قال : ( @QUR@08 وليعلم ~~الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك ... ) فهذا يدل على أن الشيطان يلقى ~~عليهم ، أن الذي يقرؤه النبي ليس بحق ، فيصدقه الأشقياء ، ويكذبه المؤمنون ~~الذين أوتوا العلم ، ويعلمون أنه الحق لا الكذب ، كما يزعم لهم الشيطان في ~~إلقائه ...» (2). # ثم بين سبحانه أن الكافرين سيستمرون على شكهم في القرآن حتى تأتيهم ~~الساعة ، وأنه تعالى سيحكم بين الناس يوم القيامة ، فيجازى الذين أساءوا ~~بما عملوا. ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. فقال عز وجل : # ( @QUR@016 ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة ms4021 أو ~~يأتيهم عذاب يوم عقيم (55) PageV09P330 # @QUR@012 الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في ~~جنات النعيم (56) @QUR@08 والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب ~~مهين (57) @QUR@018 والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم ~~الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين (58) @QUR@07 ليدخلنهم مدخلا ~~يرضونه وإن الله لعليم حليم ) (59) # قال الجمل : «لما ذكر سبحانه حال الكافرين أولا ، ثم حال المؤمنين ثانيا ~~، عاد إلى شرح حال الكافرين ، فهو رجوع لقوله : ( @QUR@05 وإن الظالمين لفي ~~شقاق بعيد ) والمرية بالكسر والضم. لغتان مشهورتان (1). # والضمير في قوله : ( @QUR@01 منه ) يعود إلى القرآن الكريم ، أو إلى ما ~~جاء به الرسول من عند ربه ، وقيل إلى ما ألقاه الشيطان. # وقد رجح ابن جرير كونه للقرآن فقال : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول ~~من قال : هي كناية من ذكر القرآن الذي أحكم الله آياته وذلك أن لك من ذكر ~~قوله : ( @QUR@04 وليعلم الذين أوتوا العلم .. ) أقرب منه من ذكر قوله ( ~~@QUR@05 فينسخ الله ما يلقي الشيطان .. ) (2). # والمعنى ولا يزال الذين كفروا في شك وريب مما أوحاه الله إليك من قرآن ، ~~بسبب قسوة قلوبهم ، واستيلاء الجحود والعناد على نفوسهم. # وسيستمرون على هذه الحال ( @QUR@03 حتى تأتيهم الساعة ) أى : القيامة ( ~~@QUR@01 بغتة ) أى : فجأة ( @QUR@05 أو يأتيهم عذاب يوم عقيم ) أى : لا مثل ~~له في هوله وشدة عذابه ولا يوم بعده ، إذ كل يوم يلد ما بعده عن الأيام إلا ~~هذا اليوم وهو يوم القيامة فإنه لا يوم بعده. # قال ابن كثير : «وقوله : ( @QUR@05 أو يأتيهم عذاب يوم عقيم ) قال مجاهد ~~: قال أبى بن كعب : هو يوم بدر. PageV09P331 # وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير وقتادة وغير واحد واختاره ابن جرير. # وفي رواية عن عكرمة ومجاهد هو يوم القيامة لا ليلة له ، وكذا قال الضحاك ~~والحسن. # وهذا القول هو الصحيح ، وإن كان يوم بدر من جملة ما أو عدوا به ، لكن هذا ~~هو المراد ، ولهذا قال : ( @QUR@05 الملك يومئذ لله يحكم بينهم ) كقوله : ( ~~@QUR@03 مالك يوم الدين ) (1). # ثم بين سبحانه مظاهر قدرته ، وشمول قهره لغيره فقال : ( @QUR@05 الملك ~~يومئذ لله ms4022 يحكم بينهم .. ) والتنوين في قوله ( @QUR@01 يومئذ ) عوض عن جملة. # أى : السلطان القاهر ، والتصرف الكامل ، يوم تأتيهم الساعة بغتة ، أو يوم ~~يأتيهم عذابها يكون لله تعالى وحده ، كما أن الحكم بين الناس جميعا يكون له ~~وحده سبحانه ( @QUR@03 فالذين آمنوا وعملوا ) الأعمال ( @QUR@01 الصالحات ) ~~يكونون في هذا اليوم ( @QUR@07 في جنات النعيم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ~~) التي جاءتهم بها رسلنا ( @QUR@04 فأولئك لهم عذاب مهين ) أى : لهم عذاب ~~ينالون بسببه ما ينالون من هوان وذل. # ( @QUR@02 والذين هاجروا ) من ديارهم ( @QUR@02 في سبيل ) إعلاء كلمة ~~الله ونصرة دينه ( @QUR@02 ثم قتلوا ) أى : قتلهم الكفار في الجهاد ( ~~@QUR@02 أو ماتوا ) أى : على فراشهم. # هؤلاء وهؤلاء ( @QUR@02 ليرزقنهم الله ) تعالى بفضله وكرمه ( @QUR@02 ~~رزقا حسنا ) يرضيهم ويسرهم يوم يلقونه. حيث يبوئهم جنته. # قال تعالى : ( @QUR@013 ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل ~~أحياء عند ربهم يرزقون .. ) (2). # وقال سبحانه ( @QUR@016 ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم ~~يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ) (3). # وقوله عز وجل : ( @QUR@05 وإن الله لهو خير الرازقين ) تذييل قصد به بيان ~~أن عطاءه سبحانه فوق كل عطاء ، لأنه يرزق من يشاء بغير حساب ، ويعطى من ~~يشاء دون أن ينازعه منازع ، أو يعارضه معارض ، أو ينقص مما عنده شيء. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 ليدخلنهم مدخلا يرضونه .. ) استئناف مقرر لما قبله. PageV09P332 # و «مدخلا» أى : إدخالا ، من أدخل يدخل بضم الياء وهو مصدر ميمى للفعل الذي ~~قبله ، والمفعول محذوف. # أى : ليدخلنهم الجنة إدخالا يرضونه. # وقرأ نافع ( @QUR@01 مدخلا ) بفتح الميم على أنه اسم مكان أريد به الجنة ~~، أى : ليدخلنهم مكانا يرضونه وهو الجنة. # ( @QUR@02 وإن الله ) تعالى ( @QUR@01 لعليم ) بالذي يرضيهم ، وبالذي ~~يستحقه كل إنسان من خير أو شر ( @QUR@01 حليم ) فلا يعاجل بالعقوبة ، بل ~~يستر ويعفو عن كثير. # ثم بشر سبحانه عباده الذين يقع عليهم العدوان بالنصر على من ظلمهم ، فقال ~~تعالى : # ( @QUR@016 ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله إن ~~الله لعفو غفور (60) @QUR@015 ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج ~~النهار في الليل وأن الله سميع بصير (61) @QUR@017 ذلك بأن ms4023 الله هو الحق ~~وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير ) (62) # واسم الإشارة ذلك ، في قوله تعالى ( @QUR@07 ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ). # يعود إلى ما ذكره سبحانه قبل ذلك من أن الملك له يوم القيامة ، ومن الرزق ~~الحسن الذي منحه للمهاجرين في سبيله ثم قتلوا أو ماتوا. # والعقاب : مأخوذ من التعاقب ، وهو مجيء الشيء بعد غيره. والمراد به هنا : ~~مجازاة الظالم بمثل ظلمه. # قال القرطبي : قال مقاتل : نزلت هذه الآية في قوم من مشركي مكة. لقوا ~~قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم : فقالوا : إن أصحاب محمد ~~صلى الله عليه وسلم يكرهون القتال في الشهر الحرام فاحملوا عليهم فناشدهم ~~المسلمون أن لا يقاتلوهم في الشهر الحرام. فأبى PageV09P333 # المشركون إلا القتال ، فحملوا عليهم فثبت المسلمون ونصرهم الله على ~~المشركين ، وحصل في أنفس المسلمين شيء من القتال في الشهر الحرام ، فأنزل ~~الله الآية. # فمعنى ( @QUR@06 من عاقب بمثل ما عوقب به ) أى : من جازى الظالم بمثل ما ~~ظلمه ، فسمى جزاء العقوبة عقوبة لاستواء الفعلين في الصورة فهي مثل : ( ~~@QUR@04 وجزاء سيئة سيئة مثلها ) (1). # وقوله ( @QUR@03 ثم بغي عليه ) أى : أن الظالم المبتدئ بالظلم عاد مرة ~~أخرى فبغى على المظلوم وآذاه. # وقوله ( @QUR@02 لينصرنه الله ) وعد مؤكد منه سبحانه بنصرة المظلوم ، ~~والجملة جواب قسم محذوف. أى والله لينصرن سبحانه المظلوم على الظالم في ~~الحال أو المآل. # قوله : ( @QUR@04 إن الله لعفو غفور ) تعليل للنصرة ، وبيان بأن المظلوم ~~عند ما ترك العفو عن الظالم ، لا يؤاخذه سبحانه على ذلك ، مادام لم يتجاوز ~~في رد العدوان الحدود المشروعة ، وهي الانتصار على القصاص بالمثل. # أى : إن الله تعالى لكثير العفو عن عباده ، وكثير المغفرة لذنوبهم ~~وخطاياهم. # ثم بين سبحانه أن نصره للمظلوم مرجعه إلى شمول قدرته على كل شيء ، فقال ~~تعالى : ( @QUR@011 ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في ~~الليل ). # ومعنى : يولج : يدخل. يقال : ولج فلان منزله ، إذا دخله. # أى : ذلك الذين فعلناه من نصرة المبغى عليه على الباغي ، كائن بسبب أن ~~قدرتنا ms4024 لا يعجزها شيء ، ومن مظاهر ذلك أننا ندخل جزءا من الليل في النهار ~~فيقصر الليل ويزيد النهار ، وندخل جزءا من النهار في الليل فيحصل العكس. ~~وأنتم ترون ذلك بأعينكم ، وتشاهدون كيف يسيران بهذا النظام البديع. # ( @QUR@04 وأن الله سميع بصير ) أى : وأن الله تعالى سميع لكل المسموعات ~~، بصير بكل المبصرات ، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. # وقوله سبحانه : ( @QUR@012 ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو ~~الباطل .. ) بيان لحقيته عز وجل للعبادة والطاعة والخضوع التام. # واسم الإشارة يعود إلى ما وصف به نفسه قبل ذلك من صفات القدرة الباهرة ~~والعلم التام. # أى : ذلك الذي تراه أيها العاقل في هذا الكون من مخلوقات ، ومن نصر ~~للمظلوم ، ومن إدخال الليل في النهار وإدخال النهار في الليل ، سببه أن ~~الله تعالى هو الإله الحق PageV09P334 # الذي يجب أن تعنو له الوجوه. وأن ما عداه من معبودات آلهة باطلة ما أنزل ~~الله بها من سلطان. # ( @QUR@02 وأن الله ) تعالى وحده ( @QUR@02 هو العلي ) أى : العالي على ~~جميع الكائنات بقدرته ، وكل شيء دونه ( @QUR@01 الكبير ) أى : العظيم الذي ~~لا يدانيه في عظمته أحد. # فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة ، قد وصفت الله تعالى بما هو أهل له من ~~صفات الجلال والكمال. # ثم ساق سبحانه بعد ذلك ما يدل على سعة فضله ورحمته بعباده فقال : # ( @QUR@015 ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله ~~لطيف خبير (63) @QUR@012 له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو ~~الغني الحميد (64) @QUR@027 ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك ~~تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله ~~بالناس لرؤف رحيم (65) @QUR@010 وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن ~~الإنسان لكفور ) (66) # والاستفهام في قوله : ( @QUR@011 ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء ~~فتصبح الأرض مخضرة .. ) للتقرير. # وقوله : ( @QUR@01 مخضرة ) أى : ذات خضرة بسبب النبات الذي ينبته الله ~~فيها بعد نزول المطر عليها. # والمعنى : لقد رأيت ببصرك وعلمت ببصيرتك ms4025 أيها المخاطب أن الله تعالى قد ~~أنزل من السماء ماء ، فتصير الأرض بسببه ذات خضرة ، وفي ذلك أعظم الأدلة ~~على كمال قدرته ، وعظيم رحمته بعباده. # وقال سبحانه ( @QUR@01 فتصبح ) بصيغة المضارع ، لاستحضار صورة الاخضرار ، الذي PageV09P335 # اتصفت به الأرض بعد نزول المطر عليها ، وصيغة الماضي لا تفيد دوام ~~استحضارها ، لأن الفعل الماضي يفيد انقطاع الشيء. # ولم ينصب هذا الفعل المضارع في جواب الاستفهام ، لأن الاستفهام تقريرى ~~فهو في معنى الخبر ، والخبر لا جواب له ، فكأنه قيل : لقد رأيت ، ولأن ~~السببية هنا غير متحققة ، إذ الرؤية لا يتسبب عنها اخضرار الأرض ، وإنما ~~اخضرارها يكون بسبب نزول المطر. # وقد أشار صاحب الكشاف إلى ذلك فقال : فإن قلت : هلا قيل : فأصبحت؟ ولم ~~صرف إلى لفظ المضارع؟. # قلت : لنكتة فيه وهي إفادة بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان ، كما تقول : ~~أنعم على فلان عام كذا ، فأروح وأغدو شاكرا له. ولو قلت : فرحت وغدوت لم ~~يقع ذلك الموقع. فإن قلت : فما له رفع ولم ينصب جوابا للاستفهام؟. # قلت : لو نصب لأعطى ما هو عكس الغرض ، لأن معناه إثبات الاخضرار فينقلب ~~بالنصب إلى نفى الاخضرار. مثاله أن تقول لصاحبك ألم تر أنى أنعمت عليك ~~فتشكر. إن نصبته فأنت ناف لشكره. شاك تفريطه فيه ، وإن رفعته فأنت مثبت ~~للشكر وهذا وأمثاله مما يجب أن يرغب له من اتسم بالعلم في علم الإعراب ~~وتوقير أهله. (1). # وقال بعض العلماء ما ملخصه : فإن قيل : كيف قال فتصبح مع أن اخضرار الأرض ~~قد يتأخر عن صبيحة المطر. # فالجواب : أن تصبح هنا بمعنى تصير ، والعرب تقول : فلان أصبح غنيا ، أى : ~~صار غنيا ، أو أن الفاء للتعقيب ، وتعقيب كل شيء بحسبه ، كقوله تعالى : ( ~~@QUR@010 ثم خلقنا النطفة علقة ، فخلقنا العلقة مضغة ، فخلقنا المضغة عظاما ~~... ) (2) مع أن بين كل شيئين أربعين يوما ، كما جاء في الحديث الصحيح .. (3). # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@04 إن الله لطيف خبير ) أى : إن الله ~~تعالى لطيف بعباده. # ومن مظاهر لطفه بهم ، إنزاله المطر على الأرض للانتفاع بما تنبته من كل ~~زوج بهيج ms4026 ، وهو تعالى خبير بأحوال عباده ، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة من ~~هذه الأحوال. # فإنه سبحانه ( @QUR@07 له ما في السماوات وما في الأرض ) خلقا وملكا ~~وتصرفا ( @QUR@02 وإن الله PageV09P336 # @QUR@02 لهو الغني ) عن كل ما سواه ( @QUR@01 الحميد ) أى : المستوجب ~~للحمد من كل خلقه. # وقوله تعالى : ( @QUR@022 ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض ، والفلك ~~تجري في البحر بأمره ، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ... ) بيان ~~لألوان أخرى من النعم التي أنعم بها على بنى آدم. # أى : لقد علمت أيضا أيها العاقل ، أن الله تعالى سخر لكم يا بنى آدم ما ~~في الأرض من دواب وشجر وأنهار ، وغير ذلك مما تحتاجونه لحياتكم ، وسخر ~~لمنفعتكم السفن التي تجرى في البحر بتقديره وإرادته وإذنه. # وهو سبحانه الذي يمسك السماء ويمنعها من أن تقع على الأرض ، فتهلك من ~~فيها ، ولو شاء لأذن لها في الوقوع فسقطت على الأرض فأهلكت من عليها. # قال الجمل : وقوله : ( @QUR@02 إلا بإذنه ): الظاهر أنه استثناء مفرغ من ~~أعم الأحوال ، وهو لا يقع إلا في الكلام الموجب إلا أن قوله : ( @QUR@06 ~~ويمسك السماء أن تقع على الأرض ) في قوة النفي. أى : لا يتركها تقع في حالة ~~من الأحوال إلا في حالة كونها ملتبسة بمشيئة الله تعالى فالباء للملابسة (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 إن الله بالناس لرؤف رحيم ) أى : لكثير الرأفة ~~والرحمة بهم ، ومن علامات ذلك أنه سخر لهم ما في الأرض وسخر لهم الفلك ، ~~وأمسك السماء عنهم ، ولم يسقطها عليهم. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@019 إن الله يمسك السماوات والأرض ~~أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده ، إنه كان حليما غفورا ) (2). # ثم ختم سبحانه هذه النعم بما هو أجلها وأعظمها فقال : ( @QUR@03 وهو الذي ~~أحياكم ) أى : بعد أن كنتم أمواتا في بطون أمهاتكم ، وقبل أن ينفخ بقدرته ~~الروح فيكم. ( @QUR@02 ثم يميتكم ) أى : بعد انقضاء آجالكم في هذه الحياة ( ~~@QUR@02 ثم يحييكم ) أى : عند البعث والحساب. # ( @QUR@03 إن الإنسان لكفور ) أى : لكثير الجحود والكفران لنعم ربه التي ~~لا تحصى. # فأنت ترى أن هذه الآيات ms4027 الكريمة قد ذكرت أنواعا متعددة من الأدلة على ~~قدرته سبحانه ، كما ذكرت ألوانا من نعمه على عباده ، ومن ذلك إنزال الماء ~~من السماء فتصبح PageV09P337 # الأرض مخضرة بعد أن كانت يابسة. وتسخير ما في الأرض للإنسان ، وتسخير ~~الفلك لخدمته ومنفعته ، وإمساك السماء أن تقع على الأرض إلا بمشيئته تعالى ~~وإيجادنا من العدم بقدرته ورحمته. # وبعد أن عرضت السورة الكريمة دلائل قدرة الله تعالى ورحمته بعباده أتبعت ~~ذلك ببيان أنه سبحانه قد جعل لكل أمة شرعة ومنهاجا ، وأمرت النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يمضى في طريقه لتبليغ رسالة الله تعالى دون أن يلتفت ~~إلى ممارات المشركين له ، وأن يفوض الحكم فيهم إليه سبحانه فهو العليم بكل ~~شيء ، فقال تعالى : # ( @QUR@017 لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ~~ربك إنك لعلى هدى مستقيم (67) @QUR@07 وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون ~~(68) @QUR@09 الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون (69) ~~@QUR@018 ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك ~~على الله يسير ) (70) # قال الآلوسى : قوله تعالى : ( @QUR@06 لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه ... ~~) كلام مستأنف جيء به لزجر معاصريه صلى الله عليه وسلم من أهل الأديان ~~السماوية عن منازعته ، ببيان حال ما تمسكوا به من الشرائع ، وإظهار خطئهم (1). # والمراد بالأمة هنا : القوم الذين يدينون بشريعة معينة. والمراد بالمنسك ~~المنهج والشريعة التي يتبعونها في عقيدتهم وفي معاملاتهم ... # أى : شرعنا لكل أمة من الأمم السابقة منهجا يسيرون عليه في اعتقادهم وفي ~~طريقة حياتهم ، فالأمة التي وجدت من مبعث موسى الى مبعث عيسى عليهما السلام ~~شريعتها التوراة ، والأمة التي وجدت من مبعث عيسى حتى مبعث محمد ~~صلى الله عليه وسلم شريعتها الإنجيل ، والأمة التي وجدت منذ مبعث محمد ~~صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة شريعتها القرآن. PageV09P338 # وعلى كل أمة أدركت بعثة محمد صلى الله عليه وسلم أن تتبعه فيما جاء به من ~~عند ربه ، لأن شريعته هي الشريعة الناسخة لما قبلها ، والمهيمنة عليها. # ويرى بعضهم أن ms4028 المراد بالمنسك هنا : المكان الذي يذبحون فيه ذبائحهم ~~تقربا إلى الله تعالى . # وقد رجح الإمام ابن جرير ذلك فقال ما ملخصه : وأصل المنسك في كلام العرب ~~: الموضع المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه لخير أو شر. يقال : إن لفلان ~~منسكا يعتاده ، يراد مكانا يغشاه ويألفه لخير أو شر. وقد اختلف أهل التأويل ~~في معنى المنسك هنا ، فقيل : عيد ، وقيل : إراقة الدم .. والصواب من القول ~~في ذلك أن يقال : عنى بذلك إراقة الدم أيام النحر بمنى ، لأن المناسك التي ~~كان المشركون جادلوا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت إراقة الدم في ~~هذه الأيام ... ولذلك قلنا : عنى بالمنسك في هذا الموضع : الذبح .. (1). # ويبدو لنا أن القول الأول ، وهو تفسير المنسك بالشريعة الخاصة أقرب إلى ~~الصواب لشموله للذبح وغيره. # والضمير في قوله : ( @QUR@02 هم ناسكوه ) يعود لكل أمة. # أى : جعلنا لكل أمة شريعة تسير على تعاليمها ، وتنهج على نهجها .. # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@04 فلا ينازعنك في الأمر ) لترتيب النهى ~~على ما قبلها. # والمنازعة : المجادلة والمخاصمة. والمراد بالأمر : ما جاء به النبي ~~صلى الله عليه وسلم من عند ربه تعالى من تشريعات وأحكام. # أى : قد جعلنا لكل أمة من الأمم السابقة شريعة تتبع تعاليمها ، وما دام ~~الأمر كذلك ، فاسلك أنت وأتباعك أيها الرسول الكريم الشريعة التي أوحيناها ~~إليك ، وأمرناك باتباعها ، ولا تلتفت إلى مخاصمة من ينازعك في ذلك من ~~اليهود أو النصارى أو غيرهم ، فإن منازعتهم لك فيما جئت به من عند ربك ، ~~يدل على جهلهم وسوء تفكيرهم ، لأن ما جئت به من عند ربك مصدق لشريعتهم ، ~~ومهيمن عليها وناسخ لها. # ثم أرشده سبحانه إلى ما يجب عليه نحو دينه فقال : ( @QUR@07 وادع إلى ربك ~~إنك لعلى هدى مستقيم ). # أى : وادع هؤلاء الذين ينازعونك فيما جئتهم به من الحق ، وأدع غيرهم معهم ~~إلى ترك التنازع والتخاصم ، وإلى الدخول في دين الإسلام : فإنك أنت على ~~الصراط المستقيم ، الذي PageV09P339 # لا اعوجاج فيه ولا التباس. # ثم بين له سبحانه ما يفعله إذا ما لجوا في منازعتهم له فقال ms4029 : ( @QUR@07 ~~وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون ). # أى : وإن أبوا إلا مجادلتك بعد أن ظهر الحق ، ولزمتهم الحجة ، فقل لهم ~~أيها الرسول الكريم أمرى وأمركم إلى الله تعالى ، فهو الذي يتولى الحكم ~~بيني وبينكم يوم القيامة ، لأنه سبحانه هو العليم بحالي وحالكم. # وهذه الجملة الكريمة قد تضمنت تهديدهم على استمرارهم في جدالهم بعد أن ~~تبين لهم الحق ، كما تضمنت وجوب إعراض الرسول صلى الله عليه وسلم عنهم. # ثم أكد سبحانه هذا التهديد والإعراض فقال : ( @QUR@03 الله يحكم بينكم ) ~~أيها المسلمون وبين هؤلاء الكافرين ( @QUR@05 يوم القيامة فيما كنتم فيه ) ~~في الدنيا ( @QUR@01 تختلفون ) من أمرنا هذا الدين ، وحينئذ يتبين من هو ~~على الحق ومن هو على الباطل ، وسيجازى سبحانه كل فريق بما يستحقه من ثواب ~~أو عقاب. # ثم ختم سبحانه هذه الآيات بتأكيد علمه بكل شيء فقال : ( @QUR@09 ألم تعلم ~~أن الله يعلم ما في السماء والأرض .. ). # أى : لقد علمت أيها الرسول الكريم وتيقنت ، أن الله تعالى لا يعزب عن ~~علمه مثقال ذرة مما يحصل في السموات والأرض من أقوال أو أفعال. # ( @QUR@02 إن ذلك ) الذي يجرى في السموات والأرض كائن وثابت ( @QUR@02 في ~~كتاب ) هو اللوح المحفوظ المشتمل على جميع أحوال الخلق. # ( @QUR@02 إن ذلك ) الذي ذكرناه لك من الحكم بين الناس ، ومن العلم ~~بأحوالهم ومن تسجيل أعمالهم ( @QUR@02 على الله ) تعالى ( @QUR@01 يسير ) ~~وهين ، لأنه سبحانه له الخلق والأمر ، تبارك الله رب العالمين. # ثم وبخ سبحانه الكافرين على جهلهم ، حيث عبدوا من دونه مالا ينفعهم ولا ~~يضرهم ، وحيث كرهوا الحق وأصحابه ، فقال تعالى : # ( @QUR@018 ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم ~~وما للظالمين من نصير (71) @QUR@07 وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في PageV09P340 # @QUR@022 وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم ~~آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير ) (72) # أى : أن هؤلاء المشركين الذين ينازعونك فيما جئتهم به من عند ربك ، ~~يتركون ما تدعوهم إليه أيها الرسول الكريم من إخلاص للعبادة لله تعالى ~~ويعبدون من دونه ms4030 سبحانه آلهة أخرى لا دليل لهم على عبادتها من عقل أو نقل. # إذ قوله سبحانه : ( @QUR@05 ما لم ينزل به سلطانا ) نفى لأن يكون لهم ~~دليل سمعي على عبادتها وقوله تعالى : ( @QUR@05 وما ليس لهم به علم ) نفى ~~لأن يكون لهم دليل عقلي على عبادتها. # والتنكير في قوله : «سلطانا ، وعلم» للتقليل. أى : لا دليل لهم أصلا لا ~~من جهة السمع ، ولا من جهة العقل ، ومع ذلك يتمسكون بهذه العبادة الباطلة. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 وما للظالمين من نصير ) تهديد بسوء المصير ~~لهؤلاء المشركين. # أى : وما للظالمين الذين وضعوا العبادة في غير موضعها ، من نصير ينصرهم ~~من عقاب الله وعذابه ، لأنهم بسبب عبادتهم لغير الله تعالى ، قد قطعوا عن ~~أنفسهم كل رحمة ومغفرة. # ثم بين سبحانه أنهم بجانب ضلالهم ، تأخذهم العزة بالإثم إذا ما نصحهم ~~الناصحون بالإقلاع عن هذا الضلال فقال : ( @QUR@017 وإذا تتلى عليهم آياتنا ~~بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر ، يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم ~~آياتنا .. ). # وقوله ( @QUR@01 يسطون ) من السطو ، بمعنى الوثب والبطش بالغير. يقال : ~~سطا فلان على فلان ، إذا بطش به بضرب أو شتم أو سرقة أو ما يشبه ذلك. # أى : وإذا تتلى على هؤلاء الظالمين ، آياتنا الدالة على وحدانيتنا ~~وقدرتنا ، من قبل عبادنا المؤمنين ( @QUR@01 تعرف ) أيها الرسول الكريم ( ~~@QUR@04 في وجوه الذين كفروا ) بهذه الآيات البينات ( @QUR@01 المنكر ) أى ~~: ترى في وجوههم الإنكار لها ، والغضب منها ومن قارئها ، والكراهية والعبوس ~~عند سماعها. # بل ويكادون فوق ذلك ، يبطشون بالمؤمنين الذين يتلون عليهم آياتنا ، ~~ويعتدون عليهم بالسب تارة ، وبالضرب تارة أخرى. PageV09P341 # وذلك لأن هؤلاء الظالمين ، حين عجزوا عن مقارعة الحجة بالحجة لجئوا إلى ~~السطو والعدوان ، وهذا شأن الطغاة الجاهلين في كل زمان ومكان. # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهؤلاء الطغاة على سبيل ~~التهديد والوعيد ، ما من شأنه أن يردعهم عن سطوهم وبغيهم فقال : ( @QUR@05 ~~قل أفأنبئكم بشر من ذلكم ). # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الظالمين ألا أخبركم بما هو أشد ألما ~~من غيظكم على من يتلو عليكم آياته ، ومن ms4031 همكم بالسطو عليه؟. # أشد من كل ذلك ( @QUR@01 النار ) التي ( @QUR@04 وعدها الله الذين كفروا ~~) أى : وعدهم بدخولها ، وبالاصطلاء بسعيرها ( @QUR@02 وبئس المصير ) مصير ~~هؤلاء الكافرين. # قال الجمل : وقوله : ( @QUR@01 النار ) خبر مبتدأ محذوف ، كأن سائلا سأل ~~فقال : وما الأشر؟ فقيل : النار ، أى : هو النار. وحينئذ فالوقف على ذلكم ، ~~أو على النار. # ويصح أن يكون لفظ النار مبتدأ ، والخبر : وعدها الله. وعلى هذا فالوقف ~~على : كفروا .. (1). # ثم وجه سبحانه نداء إلى الناس. بين فيه أن كل آلهة تعبد من دونه عز وجل ~~فهي باطلة وهي أعجز من أن تدافع عن نفسها ، وأن كل عابد لها هو جاهل ظالم. ~~فقال تعالى : # ( @QUR@029 يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون ~~الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه ~~منه ضعف الطالب والمطلوب (73) @QUR@09 ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي ~~عزيز (74) @QUR@04 الله يصطفي من الملائكة PageV09P342 # @QUR@07 رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير (75) @QUR@010 يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور ) (76) # والمثل : الشبيه والنظير ، ثم أطلق على القول السائر المعروف ، لمماثلة ~~مضربه وهو الذي يضرب فيه بمورده وهو الذي ورد فيه أولا ولا يكون إلا لما ~~فيه غرابة. # وإنما تضرب الأمثال لإيضاح المعنى الخفى ، وتقريب الشيء المعقول من الشيء ~~المحسوس ، وعرض الغائب في صورة المشاهد ، فيكون المعنى الذي ضرب له المثل ~~أوقع في القلوب ، وأثبت في النفوس. # وسمى الله تعالى ما ساقه في هذه الآية الكريمة مثلا ، لأن ما يفعله ~~المشركون من عبادتهم لآلهة عاجزة ، يشبه المثل في غرابته وفي التعجب من فعله. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : الذي جاء به سبحانه ليس بمثل فكيف سماه مثلا؟. # قلت : قد سميت الصفة أو القصة الرائعة الملتقاة بالاستغراب مثلا ، تشبيها ~~لها ببعض الأمثال المسيرة ، لكونها مستحسنة مستغربة عندهم (1). # والمعنى : يا أيها الناس لقد بينا لكم قصة مستغربة وحالا عجيبة. لما يعبد ~~من دون الله تعالى فاستمعوا إليها بتدبر وتعقل. # وقوله : ( @QUR@012 إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ms4032 ذبابا ولو ~~اجتمعوا له .. ) بيان للمثل وتفسير له. # والذباب : اسم جنس واحده ذبابة وهي حشرة معروفة بطيشها وضعفها وقذارتها. # أى : إن المعبودات الباطلة التي تعبدونها أيها المشركون ، لن تستطيع أن ~~تخلق ذبابة واحدة ، حتى لو اشتركت جميعها في محاولة خلق هذه الذبابة. # قال صاحب الكشاف : وهذا من أبلغ ما أنزله الله في تجهيل قريش ، واستركاك ~~عقولهم. والشهادة على أن الشيطان قد خزمهم بخزائمه أى قد ربطهم برباطه ، ~~حيث وصفوا بالإلهية التي تقتضي الاقتدار على المقدورات كلها صورا وتماثيل ، ~~يستحيل منها أن تقدر على أقل ما خلقه وأذله وأصغره وأحقره ، ولو اجتمعوا ~~لذلك وتساندوا .. (2). PageV09P343 # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ) بيان ~~لعجز تلك الآلهة الباطلة من أمر آخر سوى الخلق. # أى : وفضلا عن عجز تلك الأصنام مجتمعة عن خلق ذبابة ، فإنها إذا اختطف ~~الذباب منها شيئا من الأشياء لا تستطيع استرداده منه لعجزها عن ذلك. # قال القرطبي : وخص الذباب لأربعة أمور تخصه : لمهانته وضعفه ، ولاستقذاره ~~وكثرته ، فإذا كان هذا الذي هو أضعف الحيوان وأحقره ، لا يقدر من عبدوه من ~~دون الله تعالى على خلق مثله ، ودفع أذيته ، فكيف يجوز أن يكونوا آلهة ~~معبودين ، وأربابا مطاعين ، وهذا من أقوى حجة وأوضح برهان (1). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بما يدل على عجز الخاطف والمخطوف منه فقال : ~~( @QUR@03 ضعف الطالب والمطلوب ). # قال الآلوسى : والطالب : عابد غير الله تعالى والمطلوب : الآلهة ، وكون ~~عابد ذلك طالب لدعائه إياه ، واعتقاده نفعه ، وضعفه لطلبه النفع من غير ~~جهته ، وكون الآخر مطلوبا ظاهرا كضعفه. # وقيل : «الطالب الذباب يطلب ما يسلبه من الآلهة ، والمطلوب : الآلهة ، ~~على معنى المطلوب منه ما يسلب ..» (2). # وعلى أية حال فإن هذا التعليل يدل دلالة واضحة على عجز كل معبود باطل ، ~~وأنه قد تساوى في عجزه مع أضعف مخلوقات الله وأحقرها. # ثم بين سبحانه بعد ذلك أن هؤلاء المشركين ، قد وضعوا الأمور في غير ~~موضعها ، لجهلهم وغبائهم فقال : ( @QUR@05 ما قدروا الله حق قدره ... ). # أى : ما عظموا الله حق تعظيمه ، وما عرفوه حق معرفته ، حيث ms4033 تركوا عبادة ~~الواحد القهار ، وعبدوا ما يعجز عن رد ما سلبه الذباب منه. # ( @QUR@03 إن الله لقوي ) على خلق كل شيء ( @QUR@01 عزيز ) لا يغالبه ~~مغالب ، ولا يدافعه مدافع. # ثم بين سبحانه أن له مطلق التصرف في اختيار رسله فقال : ( @QUR@07 الله ~~يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس ... ). # أى : الله تعالى وحده هو الذي يختار من بين ملائكته رسلا يرسلهم لتبليغ ~~وحيه إلى PageV09P344 # أنبيائه ، كما اختار جبريل عليه السلام لهذه الوظيفة ، وهو الذي يختار من ~~بين الناس رسلا ، كما اختار إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وغيرهم لهذه المهمة ~~، فهو سبحانه أعلم حيث يجعل رسالته. # ( @QUR@02 إن الله ) تعالى ( @QUR@01 سميع ) لأقوال عباده ( @QUR@01 بصير ~~) بأحوالهم ، لا تخفى عليه خافية من شئونهم. # ( @QUR@06 يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ) أى : يعلم ما قدموا من أعمال ، ~~وما يعملون الآن ، وما سيعملونه في المستقبل إذ أن علمه سبحانه ليس مقيدا ~~بزمان أو مكان ( @QUR@02 وإلى الله ) تعالى وحده ( @QUR@02 ترجع الأمور ) ~~كلها لا إلى غيره. # ثم وجه سبحانه في نهاية السورة نداء إلى عباده المؤمنين ، أمرهم فيه ~~بالمداومة على طاعته ، وبالإخلاص في عبادته ، وبالجهاد في سبيله ، ~~وبالاعتصام بحبله ، فقال تعالى : # ( @QUR@012 يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا ~~الخير لعلكم تفلحون (77) @QUR@044 وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما ~~جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي ~~هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير ) (78) # والمراد بالركوع والسجود هنا : الصلاة ، وعبر عنها بهما ، لأنهما أهم ~~أركانها ، وناداهم سبحانه بصفة الإيمان ، لحضهم على الامتثال لما أمروا به. # أى : يا من آمنتم بالله تعالى وبملائكته وبكتبه وبرسله وباليوم الآخر ~~حافظوا على أداء الصلاة في مواقيتها بخشوع وإخلاص ، لأن هذه الصلاة من ~~شأنها أن تنهاكم عن الفحشاء والمنكر ، وأن ترفع درجاتكم عند خالقكم. PageV09P345 # وقوله تعالى : ( @QUR@02 واعبدوا ربكم ) أى : واعبدوا ربكم الذي تولاكم ~~برعايته وتربيته في كل مراحل حياتكم ، عبادة خالصة لوجهه الكريم. # وقوله : ( @QUR@02 وافعلوا الخير ms4034 ) تعميم بعد التخصيص ، إذ فعل الخير ~~يشمل كل قول وعمل يرضى الله تعالى : كإنفاق المال في وجوه البر ، وكصلة ~~الرحم وكالإحسان إلى الجار وكغير ذلك من الأفعال التي حضت عليها تعاليم ~~الإسلام. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 لعلكم تفلحون ) تذييل قصد به التحريض على امتثال ~~ما أمرهم الله تعالى به ، والفلاح : الظفر بالمطلوب. # أى : أدوا الصلاة بخشوع ومواظبة ، واعبدوا ربكم عبادة خالصة ، وافعلوا ~~الخير الذي يقربكم من خالقكم ، لكي تنالوا رضاه وثوابه عز وجل . # فكلمة «لعل» للتعليل ، ويصح أن تكون على معناها الحقيقي وهو الرجاء ، ~~ولكن على تقدير صدوره من العباد ، فيكون المعنى : وافعلوا الخير حالة كونكم ~~راجين الفلاح ، ومتوقعين الفوز والنجاح. # والمتأمل في هذه الآية الكريمة يراها أنها قد جمعت أنواع التكاليف ~~الشرعية ، وأحاطت بها من كل جوانبها. # قال الآلوسى ما ملخصه : وهذه الآية آية سجدة عند الشافعى وأحمد ، لظاهر ~~ما فيها من الأمر بالسجود ، ولحديث عقبة بن عامر قال : قلت يا رسول الله ~~أفضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين؟ قال : نعم فمن لم يسجدهما فلا ~~يقرأهما. # وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنها ليست آية سجدة ، لأنها مقرونة بالأمر ~~بالركوع ، والمعهود في مثله من القرآن ، كونه أمرا بما هو ركن للصلاة ، كما ~~في قوله تعالى : ( @QUR@08 يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين ) ~~وما روى من حديث عقبة إسناده ليس بالقوى (1). # وبعد أن أمر سبحانه بالصلاة وبالعبادة وبفعل الخير ، أتبع ذلك بالأمر ~~بالجهاد فقال تعالى : ( @QUR@05 وجاهدوا في الله حق جهاده ). # والجهاد مأخوذ من الجهد ، وهو بذل أقصى الطاقة في مدافعة العدو. # وهي أنواع ، أعظمها : جهاد أعداء الله تعالى من الكفار والمنافقين ~~والظالمين والمبتدعين في دين الله تعالى ما ليس منه. # كذلك من أنواع الجهاد : جهاد النفس الأمارة بالسوء ، وجهاد الشيطان. PageV09P346 # وإضافة «حق» إلى «جهاد» في قوله : ( @QUR@02 حق جهاده ) من إضافة الصفة ~~الى الموصوف أى : وجاهدوا أيها المؤمنون في سبيل الله تعالى ومن أجل إعلاء ~~كلمته ، ونصر شريعته ، جهادا كاملا صادقا لا تردد معه ولا تراجع. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@01 وجاهدوا ... ) أمر ms4035 بالغزو وبمجاهدة ~~النفس والهوى. وهو الجهاد الأكبر. عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رجع من بعض ~~غزواته فقال : «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» ( @QUR@02 في ~~الله ) أى : في ذات الله ومن أجله. يقال : هو حق عالم ، وجد عالم ، ومنه ( ~~@QUR@02 حق جهاده ). # فإن قلت : ما وجه هذه الإضافة وكان القياس حق الجهاد فيه ، أو حق جهادكم ~~فيه ، كما قال : ( @QUR@03 وجاهدوا في الله )؟. # قلت : الإضافة تكون بأدنى ملابسة واختصاص. فلما كان الجهاد مختصا بالله ~~من حيث إنه مفعول لوجهه ومن أجله صحت إضافته إليه .. (1). # وجملة «هو اجتباكم» مستأنفة ، لبيان علة الأمر بالجهاد ، والاجتباء : ~~الاختيار والاصطفاء. # أى : جاهدوا أيها المؤمنون من أجل إعلاء كلمة الله ، لأنه سبحانه هو الذي ~~اختاركم للذب عن دينه ، واصطفاكم لحرب أعدائه ، وجدير بمن اختاره الله ~~واصطفاه أن يكون مطيعا له. # ثم بين سبحانه بعض مظاهر لطفه بعباده فقال : ( @QUR@07 وما جعل عليكم في ~~الدين من حرج ). # أى : ومن مظاهر رحمته بكم أيها المؤمنون أنه سبحانه لم يشرع في هذا الدين ~~الذي تدينون به ما فيه مشقة بكم ، أو ضيق عليكم : وإنما جعل أمر هذا الدين ~~، مبنى على اليسر والتخفيف ورفع الحرج ، ومن قواعده التي تدل على ذلك : أن ~~الضرر يزال. وأن المشقة تجلب التيسير : وأن اليقين لا يرفع بالشك ، وأن ~~الأمور تتبع مقاصدها ، وأن التوبة الصادقة النصوح تجب ما قبلها من ذنوب. # ومن الآيات التي تدل على أن هذا الدين مبنى على التيسير ورفع الحرج قوله ~~تعالى : ( @QUR@06 لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ... ) (2) وقوله سبحانه : ( ~~@QUR@09 ... يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ... ) (3). PageV09P347 # وفي الحديث الشريف : «بعثت بالحنيفية السمحاء». # قال بعض العلماء : وأنت خبير بأن هناك فرقا كبيرا ، بين المشقة في ~~الأحكام الشرعية ، وبين الحرج والعسر فيها ، فإن الأولى حاصلة وقلما يخلو ~~منها تكليف شرعي ، إذ التكليف هو التزام ما فيه كلفة ومشقة ، أما المشقة ~~الزائدة عن الحد التي تصل إلى حد الحرج ، فهي المرفوعة عن المكلفين. # فقد فرض الله الصلاة على المكلف ، وأوجب عليه أداءها ، وهذا ms4036 شيء لا حرج ~~فيه. ثم هو إذا لم يستطيع الصلاة من قيام ، فله أن يؤديها وهو قاعد أو ~~بالإيماء .. وهكذا جميع التكاليف الشرعية (1). # والخلاصة : أن هذا الدين الذي جاءنا به محمد صلى الله عليه وسلم من عند ربه ~~عز وجل مبنى على التخفيف والتيسير ، لا على الضيق والحرج ، والذين يجدون فيه ~~ضيقا وحرجا ، هم الناكبون عن هديه ، الخارجون على تعاليمه. # ورحم الله الإمام القرطبي فقد قال : «رفع الحرج إنما هو لمن استقام على ~~منهاج الشرع ، وأما السراق وأصحاب الحدود فعليهم الحرج ، وهم جاعلوه على ~~أنفسهم بمفارقتهم الدين ..» (2). # والمراد بالملة في قوله تعالى : ( @QUR@03 ملة أبيكم إبراهيم ) الدين ~~والشريعة ، ولفظ «ملة» هنا منصوب بنزع الخافض. # أى : ما جعل عليكم أيها المؤمنون في دينكم من حرج ، كما لم يجعل ذلك أيضا ~~في ملة أبيكم إبراهيم. # ويصح أن يكون منصوبا على المصدرية بفعل دل عليه ما قبله من نفى الحرج بعد ~~حذف المصدر المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. أى : وسع عليكم في دينكم ~~توسعة ملة أبيكم إبراهيم. # ووصف سبحانه إبراهيم عليه السلام بالأبوة لهذه الأمة ، لأن رسول هذه الأمة ~~صلى الله عليه وسلم ينتهى نسبه إلى إبراهيم ، ورسول هذه الأمة صلى الله عليه وسلم ~~كالأب لها ، من حيث إنه صلى الله عليه وسلم جاءها من عند ربه عز وجل بما يحييها ~~ويسعدها. # والضمير «هو» في قوله تعالى : ( @QUR@07 هو سماكم المسلمين من قبل وفي ~~هذا .. ) يعود PageV09P348 # إلى الله تعالى أى : هو سبحانه الذي سماكم المسلمين من قبل نزول هذا ~~القرآن. وسماكم أيضا بهذا الإسلام في هذا القرآن. # وقيل : الضمير «هو» يعود إلى إبراهيم أى : إبراهيم هو الذي سماكم ~~المسلمين. # ومن وجوه ضعف هذا القول : أن الله تعالى قال : ( @QUR@02 وفي هذا ) أى ~~سماكم المسلمين. # في هذا القرآن ، وإبراهيم عليه السلام لحق بربه قبل نزول هذا القرآن ~~بأزمان طويلة ، وأيضا فإن السياق يؤيد أن الضمير «هو» يعود إلى الله تعالى ~~لأن الأفعال السابقة كقوله ( @QUR@09 هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من ~~حرج ) تعود إليه عز وجل ms4037 . # ثم بين سبحانه أسباب هذا الاجتباء والاصطفاء فقال : ( @QUR@08 ليكون ~~الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس ). # والمراد بشهادة الرسول على أمته : الإخبار بأنه قد بلغهم رسالة ربه. # والمراد بشهادة هذه الأمة على غيرها من الناس : الإخبار بأن الرسل الذين ~~أرسلهم الله تعالى إلى هؤلاء الناس ، قد بلغوهم رسالة ربهم ، ونصحوهم ~~بإخلاص العبادة لله وحده. # ويؤيد ذلك ما رواه البخاري عن أبى سعيد الخدري قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : يدعى نوح عليه السلام يوم القيامة فيقول : لبيك وسعديك يا ~~رب. فيقال له : هل بلغت ما أرسلت به؟ فيقول : نعم. فيقال لأمته : هل بلغكم؟ ~~فيقولون : ما أتانا من نذير. فيقال له : من يشهد لك؟ فيقول : محمد ~~صلى الله عليه وسلم وأمته ، فيشهدون أنه قد بلغ». # وشبيه بهذه الجملة قوله تعالى : ( @QUR@012 وكذلك جعلناكم أمة وسطا ~~لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) (1). # والمعنى : فعلنا ما فعلنا من اجتبائكم ، والتيسير عليكم ، وتسميتكم ~~بالمسلمين ، ليكون الرسول صلى الله عليه وسلم شهيدا عليكم يوم القيامة بأنه قد ~~بلغكم ما أمر بتبليغه إليكم ، ولتكونوا أنتم شهداء على الناس بأن رسلهم قد ~~بلغوهم رسالة ربهم. # وما دام الأمر كذلك ( @QUR@02 فأقيموا الصلاة ) أيها المؤمنون بأن تؤدوها ~~في أوقاتها بإخلاص وخشوع ( @QUR@02 وآتوا الزكاة ) التي كلفكم الله تعالى ~~بإيتائها إلى مستحقيها ( @QUR@02 واعتصموا بالله ) أى : التجئوا إليه ، ~~واستعينوا به في كل أموركم فإنه سبحانه ( @QUR@02 هو مولاكم ) PageV09P349 # أى : ناصركم ومتولى شئونكم ، ومالك أمركم ، وهو تعالى ( @QUR@04 فنعم ~~المولى ونعم النصير ) أى : هو عز وجل نعم المالك لأمركم ، ونعم النصير القوى ~~لشأنكم. # وبعد : فهذه سورة الحج ، وهذا تفسير محرر لها. # نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ||د. محمد سيد طنطاوى| PageV09P350 ### ||| * فهرس إجمالى لتفسير سورة مريم # مقدمة................................................................. ~~......... 5 # تعريف بسورة ~~مريم................................................................ 9 # 1 كهيعص ذكر رحمة ~~ربك...................................................... 12 # 7 يا زكريا إنا نبشرك ~~بغلام...................................................... 16 # 12 يا يحيى خذ الكتاب ~~بقوة.................................................... 20 # 16 واذكر في الكتاب ~~مريم..................................................... 22 # 22 فحملته ms4038 فانتبذت به ~~مكانا.................................................. 27 # 27 فأتت به قومها ~~تحمله...................................................... 32 # 34 ذلك عيسى ابن مريم قول ~~الحق.............................................. 35 # 41 واذكر في الكتاب ~~إبراهيم................................................... 40 # 51 واذكر في الكتاب ~~موسى................................................... 44 # 54 واذكر في الكتاب ~~إسماعيل.................................................. 46 # 56 واذكر في الكتاب ~~إدريس................................................... 47 # 58 أولئك الذين أنعم الله ~~عليهم................................................ 48 # 64 وما نتنزل إلا بأمر ~~ربك..................................................... 54 # 66 ويقول الإنسان أإذا ما ~~مت................................................. 56 # 73 وإذا تتلى عليهم آياتنا ~~بينات................................................ 62 # 77 أفرأيت الذي كفر ~~بآياتنا................................................... 67 # 81 واتخذوا من دون الله ~~آلهة.................................................... 69 # 88 وقالوا اتخذ الرحمن ~~ولدا..................................................... 73 # 96 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ~~ودا........................ 76 PageV09P351 ### ||| * فهرس إجمالى لتفسير «سورة طه» # مقدمة................................................................. ~~....... 81 # تعريف بسورة ~~طه............................................................... 83 # 1 طه ما أنزلنا عليك القرآن ~~لتشقى.............................................. 85 # 9 وهل أتاك حديث ~~موسى..................................................... 89 # 17 وما تلك بيمينك يا ~~موسى.................................................. 94 # 36 قال قد أوتيت سؤلك يا ~~موسى............................................ 100 # 42 اذهب أنت وأخوك بآياتى ولا ~~تنيا......................................... 106 # 49 قال فمن ربكما يا ~~موسى................................................. 111 # 61 قال لهم موسى ويلكم لا ~~تفتروا............................................. 120 # 71 قال آمنتم له قبل أن آذن ~~لكم............................................ 127 # 77 ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر ~~بعبادي..................................... 131 # 83 وما أعجلك عن قومك يا ~~موسى........................................... 135 # 90 ولقد قال لهم هارون من ~~قبل.............................................. 141 # 92 قال يا هارون ما ~~منعك................................................... 142 # 95 قال فما خطبك يا ~~سامرى................................................ 144 # 99 كذلك نقص عليك من ~~أنباء.............................................. 148 # 105 ويسألونك عن الجبال فقل ~~ينسفها........................................ 151 # 113 وكذلك أنزلناه قرآنا ~~عربيا................................................ 155 # 115 ولقد عهدنا إلى آدم من ~~قبل............................................. 157 # 124 ومن أعرض عن ذكرى فإن له........................................... 164 # 130 فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ~~ربك................................... 167 # 133 وقالوا لو لا يأتينا بآية من ~~ربه............................................ 171 PageV09P352 ### ||| * فهرس إجمالى لتفسير «سورة الأنبياء» # مقدمة................................................................. ~~...... 177 # تمهيد بين يدي ~~السورة......................................................... 179 # 1 اقترب للناس ~~حسابهم...................................................... 182 # 7 وما أرسلنا قبلك إلا ~~رجالا.................................................. 187 # 10 لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ~~ذكركم........................................... 189 # 16 وما خلقنا ms4039 السماء والأرض وما ~~بينهما....................................... 193 # 21 أم اتخذوا آلهة من ~~الأرض.................................................. 196 # 26 وقالوا اتخذوا الرحمن ~~ولدا.................................................. 200 # 30 أو لم ير الذين كفروا أن السموات ~~والأرض.................................. 202 # 34 وما جعلنا لبشر من قبلك ~~الخلد............................................ 206 # 42 قل من يكلؤكم بالليل ~~والنهار.............................................. 212 # 48 ولقد آتينا موسى وهارون ~~الفرقان........................................... 218 # 51 ولقد آتينا إبراهيم رشده من ~~قبل........................................... 220 # 59 قالوا من فعل هذا ~~بآلهتنا.................................................. 224 # 66 قال أفتعبدون من دون الله ما لا ~~ينفعكم.................................... 227 # 74 ولوطا آتيناه حكما ~~وعلما................................................. 231 # 76 ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا ~~له........................................ 232 # 78 وداود وسليمان إذ يحكمان في ~~الحرث....................................... 233 # 83 وأيوب إذ نادى ربه أنى مسنى ~~الضر........................................ 240 # 85 وإسماعيل وإدريس وذا ~~الكفل.............................................. 242 # 87 وذا النون إذ ذهب ~~مغاضبا................................................ 243 # 89 وزكريا إذ نادى ~~ربه....................................................... 246 # 91 والتي أحصنت ~~فرجها..................................................... 247 PageV09P353 # 92 إن هذه أمتكم أمة ~~واحدة................................................. 248 # 93 وتقطعوا أمرهم ~~بينهم..................................................... 248 # 101 إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى.......................................... 254 # 104 يوم نطوى السماء كطي السجل للكتب................................... 255 PageV09P354 ### ||| * فهرس إجمالى لتفسير «سورة الحج» # مقدمة................................................................. ~~...... 265 # تعريف بسورة ~~الحج............................................................ 267 # 1 يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة ~~الساعة...................................... 272 # 3 ومن الناس من يجادل في الله بغير ~~علم........................................ 275 # 5 يا أيها الناس إن كنتم في ريب من ~~البعث..................................... 277 # 8 ومن الناس من يجادل في الله بغير ~~علم........................................ 283 # 14 إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات................................. 287 # 15 من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا ~~والآخرة.............................. 288 # 17 إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا............................................... 290 # 18 ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في ~~الأرض...................... 292 # 19 هذان خصمان اختصموا في ~~ربهم........................................... 293 # 25 إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل ~~الله..................................... 298 # 30 ذلك ومن يعظم حرمات ~~الله............................................... 304 # 34 ولكل أمة جعلنا منسكا ~~ليذكروا............................................ 309 # 38 إن الله يدافع عن الذين ~~آمنوا.............................................. 314 # 42 وإن يكذبوك فقد كذبت ~~قبلهم............................................ 319 # 52 وما ms4040 أرسلنا من قبلك من رسول ولا ~~نبي...................................... 325 # 55 ولا يزال الذين كفروا في مرية ~~منه........................................... 330 # 60 ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب ~~به......................................... 333 # 63 ألم تر أن الله أنزل من السماء ~~ماء.......................................... 335 # 67 لكل أمة جعلنا ~~منسكا................................................... 338 # 71 ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به ~~سلطانا.................................. 340 # 73 يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا ~~له....................................... 342 # 77 يا أيها الذين آمنوا اركعوا ~~واسجدوا.......................................... 345 PageV09P355 ![](https://books.rafed.net/Books/3950_altafsir-alwasit-10/images/image001.gif) PageV10P001 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * ( @QUR@07 ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ) (127) PageV10P003 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «المؤمنون» من السور المكية ، وعدد آياتها ثماني عشرة آية ومائة ، ~~وكان نزولها بعد سورة الأنبياء. # 2 وقد افتتحت السورة الكريمة بالحديث عن الصفات الكريمة التي وصف الله ~~تعالى بها عباده المؤمنين ، فذكر منها أنهم في صلاتهم خاشعون وأنهم للزكاة ~~فاعلون ... # ثم ختمت السورة تلك الصفات الجليلة ، ببيان ما أعده الخالق عز وجل لأصحاب ~~هذه الصفات فقال : ( @QUR@09 أولئك هم الوارثون. الذين يرثون الفردوس هم ~~فيها خالدون ). # 3 ثم تنتقل السورة بعد ذلك إلى الحديث عن أطوار خلق الإنسان ، فابتدأت ~~ببيان أصل خلقه ، وانتهت ببيان أنه سيموت ، ثم سيبعث يوم القيامة ليحاسب ~~على ما قدم وما أخر. # قال تعالى : ( @QUR@044 ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين* ثم جعلناه ~~نطفة في قرار مكين. ثم خلقنا النطفة علقة ، فخلقنا العلقة مضغة ، فخلقنا ~~المضغة عظاما. فكسونا العظام لحما. ثم أنشأناه خلقا آخر ، فتبارك الله أحسن ~~الخالقين* ثم إنكم بعد ذلك لميتون* ثم إنكم يوم القيامة تبعثون ). # 4 وبعد أن أقام سبحانه الأدلة على قدرته على البعث عن طريق خلق الإنسان ~~في تلك الأطوار المتعددة ، أتبع ذلك ببيان مظاهر قدرته تعالى عن طريق خلق ~~الكائنات المختلفة التي يراها الإنسان ويشاهدها وينتفع بها .. # فقال سبحانه : ( @QUR@023 ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق ~~غافلين* وأنزلنا من السماء ماء بقدر ، فأسكناه في الأرض ، وإنا على ذهاب به ~~لقادرون ). # 5 ثم ساق سبحانه بعد ذلك فيما يقرب من ثلاثين ms4041 آية بعض قصص الأنبياء مع ~~أقوامهم ، فذكر جانبا من قصة نوح مع قومه ، ومن قصة موسى مع فرعون وقومه. PageV10P005 # ثم ختم هذه القصص ببيان مظاهر قدرته في خلق عيسى من غير أب ، فقال تعالى ~~: ( @QUR@011 وجعلنا ابن مريم وأمه آية ، وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ~~ومعين ).. # 6 ثم وجه سبحانه بعد ذلك نداء عاما إلى الرسل عليهم الصلاة والسلام أمرهم ~~فيه بالمواظبة على أكل الحلال الطيب ، وعلى المداومة على العمل الصالح ، ~~وبين سبحانه أن شريعة الأنبياء جميعا هي شريعة واحدة في أصولها وعقائدها ، ~~فقال تعالى : ( @QUR@08 وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ). # ثم تحدثت السورة الكريمة حديثا طويلا عن موقف المشركين من الدعوة ~~الإسلامية ، وبينت مصيرهم يوم القيامة ، وردت على شبهاتهم ودعاواهم الفاسدة ~~، ودافعت عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن دعوته ، وختمت هذا الدفاع بما يسلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويثبت فؤاده. # قال تعالى : ( @QUR@013 وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم* وإن الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون ) @QUR@01 . # ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك ألوانا من الأدلة على وحدانية الله ~~وقدرته ، منها ما يتعلق بخلق سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم ، ومنها ما يتعلق ~~بنشأتهم من الأرض ، ومنها ما يتعلق بإشهادهم على أنفسهم بأن خالق هذا الكون ~~هو الله تعالى . # واستمع إلى قوله تعالى : ( @QUR@045 قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم ~~تعلمون* سيقولون لله ، قل أفلا تذكرون. قل من رب السماوات السبع ورب العرش ~~العظيم* سيقولون لله قل أفلا تتقون. قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا ~~يجار عليه إن كنتم تعلمون* سيقولون لله قل فأنى تسحرون ) @QUR@01 . # 9 وبعد هذا الحديث المتنوع عن مظاهر قدرة الله تعالى ، أمر سبحانه نبيه ~~أن يلتجئ إليه من شرورهم ومن شرور الشياطين ، وأمره أن يقابل سيئات هؤلاء ~~المشركين بالتي هي أحسن ، حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا. # قال تعالى : ( @QUR@040 قل رب إما تريني ما يوعدون* رب فلا تجعلني في ~~القوم الظالمين* وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون* ادفع بالتي هي أحسن ~~السيئة ، نحن ms4042 أعلم بما يصفون* وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين* وأعوذ بك ~~رب أن يحضرون ) @QUR@01 . # 10 ثم صورت السورة الكريمة في أواخرها أحوال المشركين عند ما يدركهم ~~الموت ، وكيف أنهم يتمنون العودة إلى الدنيا ولكن هذا التمني لا يفيدهم ~~شيئا ، وكيف يوبخهم سبحانه على سخريتهم من المؤمنين في الدنيا. PageV10P006 # قال تعالى : ( @QUR@030 إنه كان فريق من عبادي يقولون ، ربنا آمنا فاغفر ~~لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين* فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم ~~منهم تضحكون* إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون ) @QUR@01 . # 11 ثم ختمت السورة الكريمة بهذه الآية التي يأمر الله تعالى فيها نبيه ~~صلى الله عليه وسلم بالمواظبة على طلب المزيد من رحمته ومغفرته سبحانه فقال ~~تعالى : ( @QUR@07 وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين ) @QUR@01 . # 12 وهكذا نرى سورة «المؤمنون» قد طوفت بنا في آفاق من شأنها أن تغرس ~~الإيمان في القلوب ، وأن تهدى النفوس إلى ما يسعدها في دينها ودنياها. # وصلى الله على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم. # صباح الأحد : 2 من ربيع الأول سنة 1405 ه # 25 / 11 / 1984 م. ||كتبه الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى| PageV10P007 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة المؤمنون PageV10P009 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@03 قد أفلح المؤمنون (1) @QUR@05 الذين هم في صلاتهم خاشعون (2) ~~@QUR@05 والذين هم عن اللغو معرضون (3) @QUR@04 والذين هم للزكاة فاعلون ~~(4) @QUR@04 والذين هم لفروجهم حافظون (5) @QUR@010 إلا على أزواجهم أو ما ~~ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (6) @QUR@07 فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم ~~العادون (7) @QUR@05 والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون (8) @QUR@05 والذين ~~هم على صلواتهم يحافظون (9) @QUR@03 أولئك هم الوارثون (10) @QUR@06 الذين ~~يرثون الفردوس هم فيها خالدون ) (11) # أخرج الإمام أحمد والترمذي والنسائي عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال ؛ ~~كان إذا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحى ، نسمع عند وجهه كدوي ~~النحل ، فأنزل عليه يوما ، فمكثنا ساعة فسرى عنه ، فاستقبل القبلة ، فرفع ~~يديه فقال : «اللهم زدنا ولا تنقصنا ، وأكرمنا ولا تهنا ، وأعطنا ولا ~~تحرمنا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وارض عنا وأرضنا». # ثم قال : لقد ms4043 أنزلت على عشر آيات ، من أقامهن دخل الجنة ، ثم قرأ : ( ~~@QUR@02 قد أفلح PageV10P011 # @QUR@01 المؤمنون ) إلى قوله : ( @QUR@03 هم فيها خالدون ) (1). # وأخرج النسائي عن يزيد بن بابنوس قال : قلنا لعائشة : يا أم المؤمنين ، ~~كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت : كان خلقه القرآن ، ثم ~~قرأت : ( @QUR@03 قد أفلح المؤمنون ) حتى انتهت إلى قوله تعالى : ( @QUR@05 ~~والذين هم على صلواتهم يحافظون ) وقالت : هكذا كان خلق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم (2). # والفلاح : الظفر بالمراد ، وإدراك المأمول من الخير والبر مع البقاء فيه. # والخشوع : السكون والطمأنينة ، ومعناه شرعا : خشية في القلب من الله ~~تعالى تظهر آثارها على الجوارح فتجعلها ساكنة مستشعرة أنها واقفة بين يدي ~~الله سبحانه . # والمعنى : قد فاز وظفر بالمطلوب ، أولئك المؤمنون الصادقون ، الذين من ~~صفاتهم أنهم في صلاتهم خاشعون ، بحيث لا يشغلهم شيء وهم في الصلاة عن ~~مناجاة ربهم. وعن أدائها بأسمى درجات التذلل والطاعة. # ومن مظاهر الخشوع : أن ينظر المصلى وهو قائم إلى موضع سجوده ، وأن يتحلى ~~بالسكون والطمأنينة ، وأن يترك كل ما يخل بخشوعها كالعبث بالثياب أو بشيء ~~من جسده ، فقد أبصر النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال ~~: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه». # قال القرطبي : «اختلف الناس في الخشوع هل هو من فرائض الصلاة أو مكملاتها ~~على قولين ، والصحيح الأول ومحله القلب ، وهو أول عمل يرفع من الناس ...» (3). # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 والذين هم عن اللغو معرضون ) بيان لصفة ثانية ~~من صفات هؤلاء المؤمنين. # واللغو : ما لا فائدة فيه من الأقوال والأعمال. فيدخل فيه اللهو والهزل ~~وكل ما يخل بالمروءة وبآداب الإسلام. # أى : أن صفات هؤلاء المؤمنين أنهم ينزهون أنفسهم عن الباطل والساقط من ~~القول أو الفعل ، ويعرضون عن ذلك في كل أوقاتهم لأنهم لحسن صلتهم بالله ~~تعالى اشتغلوا بعظائم الأمور وجليلها : لا بحقيرها وسفسافها ، وهم كما ~~وصفهم الله سبحانه في آية أخرى : ( @QUR@05 وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ) ~~(4) ( @QUR@05 وإذا مروا باللغو مروا كراما ) (5). PageV10P012 # أما الصفة الثالثة من صفاتهم فقد بينها سبحانه بقوله : ( @QUR@04 والذين ~~هم للزكاة ms4044 فاعلون ) @QUR@01 . # ويرى أكثر العلماء : أن المراد بالزكاة هنا : زكاة الأموال. قالوا : لأن ~~أصل الزكاة فرض بمكة قبل الهجرة ، وما فرض بعد ذلك في السنة الثانية من ~~الهجرة هو مقاديرها ، ومصارفها ، وتفاصيل أحكامها أى : أن من صفات هؤلاء ~~المؤمنين أنهم يخرجون زكاة أموالهم عن طيب نفس. # ويرى بعض العلماء : أن المراد بالزكاة هنا : زكاة النفس. أى : تطهيرها من ~~الآثام والمعاصي. فهي كقوله تعالى ( @QUR@08 قد أفلح من زكاها* وقد خاب من ~~دساها ) (1). # أى : أن من صفات هؤلاء المؤمنين ، أنهم يفعلون ما يطهر نفوسهم ويزكيها. # قال ابن كثير رحمه الله : ويحتمل أن يكون كلا الأمرين مرادا ، وهو زكاة ~~النفوس وزكاة الأموال ، فإنه من جملة زكاة النفوس ، والمؤمن الكامل هو الذي ~~يتعاطى هذا وهذا» (2). # ثم بين سبحانه الصفة الرابعة من صفاتهم فقال : ( @QUR@014 والذين هم ~~لفروجهم حافظون* إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ، فإنهم غير ملومين ) ~~@QUR@01 . # أى : أن من صفات هؤلاء المؤمنين أيضا أنهم أعفاء ممسكون لشهواتهم لا ~~يستعملونها إلا مع زوجاتهم التي أحلها الله تعالى لهم ، أو مع ما ملكت ~~أيمانهم من الإماء والسراري ، وذلك لأن من شأن الأمة المؤمنة إيمانا حقا ، ~~أن تصان فيها الأعراض ، وأن يحافظ فيها على الأنساب ، وأن توضع فيها ~~الشهوات في مواضعها التي شرعها الله تعالى وأن يغض فيها الرجال أبصارهم ~~والنساء أبصارهن عن كل ما هو قبيح .. # وما وجدت أمة انتشرت فيها الفاحشة ، كالزنا واللواط وما يشبههما ، إلا ~~وكان أمرها فرطا ، وعاقبتها خسرا ، إذ فاحشة الزنا تؤدى إلى ضياع الأنساب ، ~~وانتشار الأمراض ، وفساد النفوس من كل قيمة خلقية مقبولة. # وفاحشة اللواط وما يشبهها تؤدى إلى شيوع الفاحشة في الأمة ، وإلى تحول من ~~يأتى تلك الفاحشة من أفرادها إلى مخلوقات منكوسة ، تؤثر الرذيلة على ~~الفضيلة. # وجملة : ( @QUR@03 فإنهم غير ملومين ) تعليل للاستثناء. # أى : هم حافظون لفروجهم ، فلا يستعملون شهواتهم إلا مع أزواجهم أو ما ملكت PageV10P013 # أيمانهم ، فإنهم غير مؤاخذين على ذلك ، لأن معاشرة الأزواج أو ما ملكت ~~الأيمان ، مما أحله الله تعالى. # وقوله ( @QUR@04 فمن ابتغى وراء ذلك ) أى : فمن ms4045 طلب خلاف ذلك الذي أحله ~~الله تعالى ( @QUR@03 فأولئك هم العادون ) أى : المعتدون المتجاوزون حدوده ~~سبحانه ، الوالغون في الحرام الذي نهى الله تعالى عنه. يقال : عدا فلان ~~الشيء يعدوه عدوا ، إذا جاوزه وتركه. # أما الصفة الخامسة من صفات هؤلاء المفلحين ، فقد عبر عنها سبحانه بقوله : ~~( @QUR@05 والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ) @QUR@01 . # والأمانات : جمع أمانة ، وتشمل كل ما استودعك الله تعالى إياه ، وأمرك بحفظه. # فتشمل جميع التكاليف التي كلفنا الله بأدائها كما تشمل الأموال المودعة ، ~~والأيمان والنذور والعقود وما يشبه ذلك. # والعهود : جمع عهد. ويتناول كل ما طلب منك الوفاء به من حقوق الله تعالى ~~وحقوق الناس. # قال القرطبي : والأمانة والعهد يجمع كل ما يحمله الإنسان من أمر دينه ~~ودنياه ، قولا وفعلا ، وهذا يعم معاشرة الناس والمواعيد وغير ذلك. وغاية ~~ذلك حفظه والقيام به. والأمانة أعم من العهد وكل عهد فهو أمانة فيما تقدم ~~فيه قول أو فعل أو معتقد» (1). # وراعون : من الرعي بمعنى الحفظ يقال : رعى الأمير رعيته رعاية ، إذا ~~حفظها واهتم بشئونها. # أى : أن من صفات هؤلاء المفلحين. أنهم يقومون بحفظ ما ائتمنوا عليه من ~~أمانات ، ويوفون بعهودهم مع الله تعالى ومع الناس ، ويؤدون ما كلفوا بأدائه ~~بدون تقصير أو تقاعس. # وذلك لأنه لا تستقيم حياة أمة من الأمم. إلا إذا أديت فيها الأمانات ، ~~وحفظت فيها العهود ، واطمأن فيها كل صاحب حق إلى وصول هذا الحق إليه. # أما الصفة السادسة والأخيرة من صفات هؤلاء المؤمنين الصادقين ، فهي قوله ~~تعالى ( @QUR@05 والذين هم على صلواتهم يحافظون ) @QUR@01 . # أى : أن من صفاتهم أنهم يحافظون على الصلوات التي أمرهم الله بأدائها ~~محافظة تامة ، بأن PageV10P014 # يؤدوها في أوقاتها كاملة الأركان والسنن والآداب والخشوع ، ولقد بدأ ~~سبحانه صفات المؤمنين المفلحين بالخشوع في الصلاة وختمها بالمحافظة عليها ~~للدلالة على عظم مكانتها ، وسمو منزلتها. # وبعد أن بين سبحانه تلك الصفات الكريمة التي تحلى بها أولئك المؤمنون ~~المفلحون ، وهي صفات تمثل الكمال الإنسانى في أنقى صوره. # بعد ذلك بين سبحانه ما أعد لهم من حسن الثواب فقال : ( @QUR@09 أولئك هم ~~الوارثون ، الذين ms4046 يرثون الفردوس هم فيها خالدون ) @QUR@01 . # والفردوس : أعلى الجنات وأفضلها وهو لفظ عربي يجمع على فراديس. # وقيل : هو لفظ معرب معناه : الذي يجمع ما في البساتين من ثمرات. # وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «إذا سألتم الله فسلوه ~~الفردوس ، فإنه أوسط الجنة ، وأعلى الجنة ، ومنه تفجر أنهار الجنة». # أى : أولئك الموصوفون بتلك الصفات الجليلة ، هم الجديرون بالفلاح فإنهم ~~يرثون أعلى الجنات وأفضلها ، وهم فيها خالدون خلودا أبديا لا يمسهم فيها ~~نصب ، ولا يمسهم فيها لغوب. # وعبر سبحانه عن حلولهم في الجنة بقوله ( @QUR@01 يرثون ) للإشعار بأن هذا ~~النعيم الذي نزلوا به ، قد استحقوه بسبب أعمالهم الصالحة ، كما يملك الوارث ~~ما ورثه عن غيره. ومن المعروف أن ما يملكه الإنسان عن طريق الميراث يعتبر ~~أقوى أسباب الملك. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@07 وتلك الجنة التي أورثتموها بما ~~كنتم تعملون ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم ~~تعملون ) (2). # وحذف مفعول اسم الفاعل الذي هو ( @QUR@01 الوارثون ) لدلالة قوله : ( ~~@QUR@03 الذين يرثون الفردوس ) عليه. # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد مدحت المؤمنين الصادقين مدحا عظيما ووعدتهم ~~بالفوز بأعلى الجنات وأفضلها ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل ~~العظيم. # وبعد الحديث عن صفات المؤمنين المفلحين ، انتقلت السورة إلى الحديث عن ~~أطوار خلق الإنسان ، وأطوار نموه ، ونهاية حياته ، وبعثه للحساب يوم ~~القيامة ، فقال تعالى : PageV10P015 # ( @QUR@07 ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (12) @QUR@06 ثم جعلناه ~~نطفة في قرار مكين (13) @QUR@021 ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة ~~فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله ~~أحسن الخالقين (14) @QUR@05 ثم إنكم بعد ذلك لميتون (15) @QUR@05 ثم إنكم ~~يوم القيامة تبعثون ) (16) # والمراد بالإنسان هنا : آدم عليه السلام . # والسلالة : اسم لما سل من الشيء واستخرج منه. تقول : سللت الشعرة من ~~العجين ، إذا استخرجتها منه. ويقال : الولد سلالة أبيه. أى كأنه انسل من ~~ظهر أبيه. # والمعنى : ولقد خلقنا أباكم آدم من جزء مستخرج من الطين. # والتعبير بسلالة يشعر بالقلة ، إذ لفظ الفعالة يدل على ذلك ، كقلامة ms4047 ~~الظفر ، ونحاتة الحجر ، وهي ما يتساقط عند النحت. # و «من» في الموضعين : ابتدائية إلا أن الأولى متعلقة «بخلقنا» والثانية ~~متعلقة بسلالة بمعنى مسلولة من الطين. # والضمير المنصوب في قوله ( @QUR@06 ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ) يعود ~~على النوع الإنسانى المتناسل من آدم عليه السلام . # وأصل النطفة : الماء الصافي. أو القليل من الماء الذي يبقى في الدلو أو ~~القربة ، وجمعها نطف ونطاف. يقال : نطفت القربة ، إذا تقاطر ماؤها بقلة. # والمراد بها هنا : المنى الذي يخرج من الرجل ، ويصب في رحم المرأة. # والمعنى : لقد خلقنا أباكم آدم بقدرتنا من سلالة من طين ، ثم خلقنا ذريته ~~بقدرتنا أيضا من منى يخرج من الرجل فيصب في قرار مكين ، أى : في مستقر ثابت ~~ثبوتا مكينا ، وهو رحم المرأة. # قال القرطبي : «قوله تعالى : ( @QUR@03 ولقد خلقنا الإنسان ): الإنسان ~~هو آدم عليه PageV10P016 # السلام لأنه استل من الطين. ويجيء الضمير في قوله ( @QUR@02 ثم جعلناه ) ~~عائدا على ابن آدم ، وإن كان لم يذكر لشهرة الأمر ، فإن المعنى لا يصلح إلا ~~له ...» (1). # وشبيه بهاتين الآيتين قوله تعالى : ( @QUR@024 ذلك عالم الغيب والشهادة ~~العزيز الرحيم. الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين. ثم جعل ~~نسله من سلالة من ماء مهين ) @QUR@01 . (2) # وقوله سبحانه : ( @QUR@018 ألم نخلقكم من ماء مهين. فجعلناه في قرار ~~مكين. إلى قدر معلوم. فقدرنا فنعم القادرون. ويل يومئذ للمكذبين ) @QUR@01 . (3) # ثم بين سبحانه أطوارا أخرى لخلق الإنسان تدل على كمال قدرته تعالى فقال : ~~( @QUR@04 ثم خلقنا النطفة علقة ) أى : ثم صيرنا النطفة البيضاء ، علقة ~~حمراء إذ العلقة عبارة عن الدم الجامد. # ( @QUR@03 فخلقنا العلقة مضغة ) أى : جعلنا بقدرتنا هذه العلقة قطعة من ~~اللحم ، تشبه في صغرها قطعة اللحم التي يمضغها الإنسان في فمه. # ( @QUR@03 فخلقنا المضغة عظاما ) أى : حولنا هذه المضغة من اللحم التي لم ~~تظهر معالمها بعد ، إلى عظم صغير دقيق ، على حسب ما اقتضته حكمتنا في خلقنا. # ( @QUR@03 فكسونا العظام لحما ) أى : فكسونا هذه المضغة التي تحولت ~~بقدرتنا إلى عظام دقيقة باللحم ، بحيث صار هذا اللحم ساترا للعظام ومحيطا بها. # قال بعض ms4048 العلماء : «وهنا يقف الإنسان مدهوشا ، أمام ما كشف عنه القرآن من ~~حقيقة في تكوين الجنين ، لم تعرف على وجه الدقة إلا أخيرا ، بعد تقدم علم ~~الأجنة التشريحى». # ذلك أن خلايا العظام غير خلايا اللحم وقد ثبت أن خلايا العظام هي التي ~~تكون أولا من الجنين ، ولا تشاهد خلية واحدة من خلايا اللحم إلا بعد ظهور ~~خلايا الهيكل العظمى للجنين. وهي التي يسجلها النص القرآنى في قوله تعالى : ~~( @QUR@06 فخلقنا المضغة عظاما ، فكسونا العظام لحما ) فسبحانه العليم ~~الخبير (4). # وقوله تعالى : ( @QUR@04 ثم أنشأناه خلقا آخر ) بيان لما انتهت إليه ~~أطوار خلق الإنسان. PageV10P017 # أى : ثم صيرنا هذا الإنسان بشرا سويا ، بعد أن كان نطفة ، فعلقة ، فمضغة ~~، فعظاما ، فلحما يكسو هذه العظام ، وهذا كله يدل على كمال قدرة الله تعالى ~~وعلى أنه حق ، إذ قدرته سبحانه لا يعجزها شيء. # قال صاحب الكشاف : «قوله تعالى : ( @QUR@04 ثم أنشأناه خلقا آخر )، أى : ~~خلقا مباينا للخلق الأول مباينة ما أبعدها ، حيث جعله حيوانا بعد أن كان ~~جمادا ، وناطقا وكان أبكم ، وسميعا وكان أصم وبصيرا وكان أكمه ، وأودع ~~باطنه وظاهره بل كل عضو من أعضائه بل كل جزء من أجزائه عجائب فطرته ، ~~وغرائب حكمته ، لا تدرك بوصف الواصف ، ولا تبلغ بشرح الشارح ...» (1). # ( @QUR@04 فتبارك الله أحسن الخالقين ) أى : فكثر خيره سبحانه ودام ~~إحسانه وتقدس شأنه ، فهو عز وجل أحسن الخالقين على الإطلاق ، فقد أتقن كل ~~شيء خلقه ، وأحكم كل شيء صنعه. # ولفظ «تبارك» فعل ماض لا ينصرف ، والأكثر إسناده إلى غير مؤنث. # وهو مأخوذ من البركة بمعنى الكثرة من كل خير ، أو بمعنى الثبات والدوام ~~وكل شيء دام وثبت فقد برك. # ثم بين سبحانه حالهم بعد أن يكونوا خلقا آخر فقال : ( @QUR@010 ثم إنكم ~~بعد ذلك لميتون. ثم إنكم يوم القيامة تبعثون ) @QUR@01 . # أى : ثم إنكم بعد ذلك الذي ذكره سبحانه لكم من أطوار خلقكم تصيرون أطفالا ~~، فصبيانا فغلمانا ، فشبانا ، فكهولا ، فشيوخا .. ثم مصيركم بعد ذلك كله ، ~~أو خلال ذلك كله ، إلى الموت المحتوم الذي لا مفر لكم منه ، ولا مهرب لكم ~~عنه. ms4049 ثم إنكم يوم القيامة تبعثون من قبوركم للحساب والجزاء. # وهكذا نجد هذه الآيات الكريمة تذكر الإنسان بأطوار نشأته. وبحلقات حياته ~~: وبنهاية عمره. وبحتمية بعثه. # وفي هذا التذكير ما فيه من الاعتبار للمعتبرين ، ومن الاتعاظ للمتعظين ، ~~ومن البراهين الساطعة على وحدانية الله تعالى . # وبعد أن ساق سبحانه ما يدل على قدرته عن طريق خلق الإنسان في تلك الأطوار ~~المتعددة ، أتبع ذلك ببيان مظاهر قدرته عن طريق تلك الكائنات المختلفة ، ~~فقال تعالى ؛ PageV10P018 # ( @QUR@010 ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين (17) ~~@QUR@013 وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به ~~لقادرون (18) @QUR@013 فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه ~~كثيرة ومنها تأكلون (19) @QUR@09 وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ ~~للآكلين (20) @QUR@015 وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم ~~فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون (21) @QUR@04 وعليها وعلى الفلك تحملون ) (22) # والطرائق : جمع طريقة ، والمراد بها السموات السبع. وسميت طرائق لأن كل ~~سماء فوق الأخرى ، والعرب تسمى كل شيء فوق شيء طريقة بمعنى مطروقة. # وهو مأخوذ من قولهم : فلان طرق النعل ، إذا ركب بعضها فوق بعض. # فالآية الكريمة في معنى قوله تعالى : ( @QUR@05 الذي خلق سبع سماوات ~~طباقا ). # وقيل : سميت طرائق ، لأنها طرق الملائكة في النزول والعروج. # أى : ولقد خلقنا فوقكم أيها الناس سبع سموات بعضها فوق بعض ( @QUR@02 وما ~~كنا ) في وقت من الأوقات ( @QUR@03 عن الخلق غافلين ) بل نحن معهم بقدرتنا ~~ورعايتنا وحفظنا ، ندبر لهم أمور معاشهم ، ونيسر لهم شئون حياتهم دون أن ~~نغفل عن شيء مهما صغر من أحوالهم ، لأننا لا تأخذنا سنة ولا نوم ، ولا ~~يعترينا ما يعترى البشر من سهو أو غفلة. # ثم بين سبحانه بعض النعم التي تأتينا من جهة هذه الطرائق فقال : ( ~~@QUR@08 وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض ) @QUR@01 .. # أى : وأنزلنا لكم أيها الناس بقدرتنا ورحمتنا ، ماء بقدر. أى : أنزلناه ~~بمقدار معين ، بحيث لا يكون طوفانا فيغرقكم ، ولا يكون قليلا فيحصل لكم ~~الجدب والجوع والعطش. PageV10P019 # وإنما أنزلناه بتقدير مناسب لجلب المنافع ، ودفع ms4050 المضار ، كما قال سبحانه ~~في آية أخرى : ( @QUR@06 ... وما ننزله إلا بقدر معلوم ) (1). # وقوله : ( @QUR@03 فأسكناه في الأرض ) أى : هذا الماء النازل من السماء ~~بتقدير معين منا تقتضيه حكمتنا ، جعلناه ساكنا مستقرا في الأرض ، لتنعموا ~~به عن طريق استخراجه من الآبار والعيون وغيرها. # وفي هذه الجملة الكريمة إشارة إلى أن المياه الجوفية الموجودة في باطن ~~الأرض ، مستمدة من المياه النازلة من السحاب عن طريق المطر. # وهذا ما قررته النظريات العلمية الحديثة بعد مئات السنين من نزول القرآن ~~الكريم. وبعد أن بقي العلماء دهورا طويلة ، يظنون أن المياه التي في جوف ~~الأرض ، لا علاقة لها بالمياه النازلة على الأرض عن طريق المطر. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 وإنا على ذهاب به لقادرون ) بيان لمظهر من ~~مظاهر قدرته ورأفته ورحمته تعالى بعباده. # أى : وإنا على إذهاب هذا الماء الذي أسكناه في باطن الأرض لقادرون ، بأن ~~نجعله يتسرب إلى أسفل طبقات الأرض فلا تستطيعون الوصول إليه ، أو بأن نزيله ~~من الأرض إزالة تامة ، لأن القادر على إنزاله قادر على إزالته وإذهابه ، ~~ولكنا لم نفعل ذلك رحمة بكم ، وشفقة عليكم ، فاشكرونا على نعمنا وضعوها في ~~مواضعها الصحيحة. # قال صاحب الكشاف : «قوله : ( @QUR@03 على ذهاب به ) من أوقع النكرات ~~وأحزها للمفصل. # والمعنى : على وجه من وجوه الذهاب به ، وطريق من طرقه ، وفيه إيذان ~~باقتدار المذهب ، وأنه لا يتعايى عليه شيء إذا أراده ، وهو أبلغ في الإبعاد ~~، من قوله : ( @QUR@010 قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين ~~) (2). # فعلى العباد أن يستعظموا النعمة في الماء. ويقيدوها بالشكر الدائم ، ~~ويخافوا نفارها إذا لم تشكر (3). # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@018 ألم تر أن الله أنزل من السماء ~~ماء فسلكه ينابيع في الأرض. ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه .. ) @QUR@01 . (4). PageV10P020 # ثم بين سبحانه الآثار الجليلة المترتبة على إنزال الماء من السماء فقال : ~~( @QUR@07 فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب. ) @QUR@01 .. # أى : فأوجدنا لكم بسبب نزول الماء على الأرض بساتين متنوعة ، بعضها من ~~نخيل ، وبعضها من أعناب ، وبعضها منهما معا ، وبعضها من غيرهما. # وخص النخيل والأعناب بالذكر ms4051 ، لكثرة منافعهما ، وانتشارهما في الجزيرة ~~العربية ، أكثر من غيرهما. # ( @QUR@02 لكم فيها ) أى : في تلك الجنات ( @QUR@02 فواكه كثيرة ) ~~تتلذذون بها في مأكلكم ( @QUR@01 ومنها ). أى : ومن هذه البساتين والجنات ~~( @QUR@01 تأكلون ) ما تريدون أكله منها في كل الأوقات. # والمراد بالشجرة في قوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@05 وشجرة تخرج من طور ~~سيناء .. ) @QUR@01 . ، شجرة الزيتون. وهي معطوفة على «جنات» من عطف الخاص ~~على العام. # أى : فأنشأنا لكم بسبب هذا الماء النازل من السماء ، جنات ، وأنشأنا لكم ~~بسببه أيضا شجرة مباركة تخرج من هذا الوادي المقدس الذي كلم الله تعالى ~~عليه موسى عليه السلام وهو المعروف بطور سيناء. أى : بالجبل المسمى بهذا ~~الاسم في منطقة سيناء ، ومكانها معروف. # قالوا : وكلمة سيناء بفتح السين والمد على الراجح معناها : الحسن باللغة ~~النبطية. أو معناها : الجبل المليء بالأشجار. وقيل : مأخوذة من السنا بمعنى ~~الارتفاع. # وخصت شجرة الزيتون بالذكر : لأنها من أكثر الأشجار فائدة بزيتها وطعامها ~~وخشبها ، ومن أقل الأشجار أيضا تكلفة لزارعها. # وخص طور سيناء بإنباتها فيه ، مع أنها تنبت منه ومن غيره ، لأنها أكثر ما ~~تكون انتشارا في تلك الأماكن ، أو لأن منبتها الأصلى كان في هذا المكان ، ~~ثم انتقلت منه إلى غيره من الأماكن. # وقوله : ( @QUR@04 تنبت بالدهن وصبغ للآكلين ) بيان لمنافع هذه الشجرة ~~على سبيل المدح ، والتعليل لإفرادها بالذكر. # والدهن : عصارة كل شيء ذي دسم. والمراد به هنا : زيت الزيتون. # وقراءة الجمهور : ( @QUR@01 تنبت ) بفتح التاء وضم الباء على أنه مضارع ~~نبت الثلاثي. # فيكون المعنى : هذه الشجرة من مزاياها أنها تنبت مصحوبة وملتبسة بالدهن الذي PageV10P021 # يستخرج من زيتونها. فالباء في قوله ( @QUR@01 بالدهن ) للمصاحبة ~~والملابسة ، كما تقول : خرج فلان بسلاحه. أى : مصاحبا له. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : تنبت بضم التاء وكسر الباء من أنبت بمعنى نبت. ~~أو : من أنبت المتعدى بالهمزة ، كأنبت الله الزرع. والتقدير : تنبت ثمارها ~~مصحوبة بالدهن. # والصبغ في الأصل : يطلق على الشيء الذي يصبغ به الثوب. والمراد به هنا : ~~الإدام لأنه يصبغ الخبز ، ويجعله كأنه مصبوغ به. # أى : أن من فوائد هذه الشجرة المباركة أنها يتخذ ms4052 منها الزيت الذي ينتفع ~~به ، والإدام الذي يحلو معه أكل الخبز والطعام. # روى الإمام أحمد عن مالك بن ربيعة الساعدي ، أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : «كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة». # وبعد أن بين سبحانه جانبا من مظاهر نعمه في الماء والنبات أتبع ذلك ببيان ~~جانب آخر من نعمه في الأنعام والحيوان. فقال : ( @QUR@05 وإن لكم في ~~الأنعام لعبرة. ) @QUR@01 .. # والأنعام : تطلق على الإبل والبقر والغنم. وقد تطلق على الإبل خاصة. # والعبرة : اسم من الاعتبار ، وهو الحالة التي تجعل الإنسان يعتبر ويتعظ ~~بما يراه ويسمعه. # أى : وإن لكم أيها الناس فيما خلق الله لكم من الأنعام لعبرة وعظة ، ~~تجعلكم تخلصون العبادة لله تعالى وتشكرونه على آلائه. # وقوله سبحانه : ( @QUR@010 نسقيكم مما في بطونها ، ولكم فيها منافع كثيرة ~~ومنها تأكلون .. ) @QUR@01 .. بيان لمواطن العبرة ، وتعريف بأوجه النعمة. # أى : نسقيكم مما في بطونها من ألبان خالصة ، تخرج من بين فرث ودم ، ولكم ~~في هذه الأنعام منافع كثيرة ، كأصوافها وأوبارها وأشعارها ، ومنها تأكلون ~~من لحومها ، ومما يستخرج من ألبانها. # ( @QUR@01 وعليها ) أى : وعلى هذه الأنعام ، والمراد بها هنا : الإبل ~~خاصة ( @QUR@02 وعلى الفلك ) أى : السفن التي تجرى في البحر ( @QUR@01 ~~تحملون ) بقدرتنا ومنتنا ، حيث تحمل هذه الإبل وتلك لسفن أثقالكم إلى بلد ~~لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس ... # وقريب من هاتين الآيتين في المعنى قوله تعالى : ( @QUR@021 أولم يروا أنا ~~خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون* وذللناها لهم فمنها ~~ركوبهم ومنها يأكلون* ولهم فيها منافع PageV10P022 # @QUR@03 ومشارب أفلا يشكرون ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@035 والذي خلق الأزواج كلها ، وجعل لكم من الفلك ~~والأنعام ما تركبون* لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم ~~عليه ، وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا ، وما كنا له مقرنين* وإنا إلى ربنا ~~لمنقلبون ) (2). # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ذكرت لنا أنواعا من نعم الله تعالى على ~~عباده ، هذه النعم التي تدل على كمال قدرته ، وعظيم رحمته. # وبعد أن بين سبحانه دلائل قدرته عن طريق خلق الإنسان ، وعن طريق خلقه ~~لهذه الكائنات ms4053 التي يشاهدها الإنسان وينتفع بها ... أتبع ذلك بالحديث عن ~~بعض الرسل عليهم الصلاة والسلام وعن موقف أقوامهم منهم ، وعن سوء عاقبة ~~المكذبين لرسل الله تعالى وأنبيائه. وابتدأ سبحانه الحديث عن جانب من قصة ~~نوح مع قومه ، فقال تعالى : # ( @QUR@017 ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره أفلا تتقون (23) @QUR@026 فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا ~~إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا ~~بهذا في آبائنا الأولين (24) @QUR@010 إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى ~~حين (25) @QUR@05 قال رب انصرني بما كذبون (26) @QUR@032 فأوحينا إليه أن ~~اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل ~~زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا ~~إنهم مغرقون (27) PageV10P023 # @QUR@015 فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من ~~القوم الظالمين (28) @QUR@08 وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين ~~(29) @QUR@07 إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين ) (30) # تلك هي قصة نوح عليه السلام مع قومه ، كما وردت في هذه السورة الكريمة ، ~~وقد وردت بصورة أكثر تفصيلا في سورتي هود ونوح. # وينتهى نسب نوح عليه السلام إلى شيث بن آدم عليه السلام . وقد ذكر نوح في ~~القرآن في ثلاثة وأربعين موضعا. # قال الجمل في حاشيته : وعاش نوح من العمر ألف سنة وخمسين ، لأنه أرسل على ~~رأس الأربعين ومكث يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ، وعاش بعد الطوفان ~~ستين سنة. وقدمت قصته هنا على غيره ، لتتصل بقصة آدم المذكورة في قوله : ( ~~@QUR@07 ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ) للمناسبة بينهما من حيث إن ~~نوحا يعتبر آدم الثاني ، لانحصار النوع الإنسانى بعده في نسله (1). # وقوم الرجل : أقر باؤه الذين يجتمعون معه في جد واحد. وقد يقيم الرجل بين ~~قوم ليس منهم في نسبه ، فيسميهم قومه على سبيل المجاز ، لمجاورته لهم. # وكان قوم نوح يعبدون الأصنام. فأرسل الله تعالى إليهم نوحا لينهاهم ms4054 عن ~~ذلك ، وليأمرهم بإخلاص العبادة لله تعالى . # واللام في قوله سبحانه : ( @QUR@05 ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه .. ) ~~@QUR@01 . واقعة في جواب قسم محذوف. # أى : والله لقد أرسلنا نبينا نوحا عليه السلام إلى قومه ، ليخرجهم من ~~ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. # وقوله سبحانه ( @QUR@010 فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره .. ~~) @QUR@01 . حكاية لما وجهه إليهم من نصائح وإرشادات. PageV10P024 # أى : أرسلنا نوحا إلى قومه ، فقال لهم ما قاله كل نبي : يا قوم اعبدوا ~~الله وحده ، فإنكم ليس لكم إله سواه ، فهو الذي خلقكم ، وهو الذي رزقكم. ~~وهو الذي يحييكم وهو الذي يميتكم ، وكل معبود غيره سبحانه فهو باطل. # وفي ندائهم بقوله : ( @QUR@02 يا قوم ) تلطف في الخطاب ، ليستميلهم إلى ~~دعوته ، فكأنه يقول لهم : أنتم أهلى وعشيرتي يسرني ما يسركم ، ويؤذيني ما ~~يؤذيكم ، فاقبلوا دعوتي ، لأنى لكم ناصح أمين. # وقوله : ( @QUR@02 أفلا تتقون ) تحذير لهم من الإصرار على شركهم ، بعد ~~ترغيبهم في عبادة الله تعالى وحده بألطف أسلوب. # أى : أفلا تتقون الله تعالى وتخافون عقوبته ، بسبب عبادتكم لغيره ، مع ~~أنه سبحانه هو الذي خلقكم فالاستفهام للإنكار والتوبيخ. # ثم حكى سبحانه ما رد به قوم نوح عليه فقال : ( @QUR@011 فقال الملأ الذين ~~كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم ) @QUR@01 .. # والمراد بالملإ : أصحاب الجاه والغنى من قوم نوح. وهذا اللفظ اسم جمع لا ~~واحد له من لفظه كرهط وهو مأخوذ من قولهم : فلان ملئ بكذا ، إذا كان قادرا ~~عليه. أو لأنهم متمالئون أى : متظاهرون متعاونون ، أو لأنهم يملؤون القلوب ~~والعيون مهابة ... # وفي وصفهم بالكفر : تشنيع عليهم وذم لهم ، وإشعار بأنهم عريقون فيه. أى : ~~فقال الأغنياء وأصحاب النفوذ الذين مردوا على الكفر ، في الرد على نبيهم ~~نوح عليه السلام : ( @QUR@05 ما هذا إلا بشر مثلكم ). # أى : قالوا لأتباعهم على سبيل التحذير من الاستماع إلى دعوة نبيهم ، ما ~~هذا ، أى : نوح عليه السلام إلا بشر مثلكم ، ومن جنسكم ، ولا فرق بينكم ~~وبينه فكيف يكون نبيا؟ # ولم يقولوا : ما نوح إلا بشر مثلكم ، بل أشاروا إليه بدون ذكر اسمه ، ~~لأنهم لجهلهم ms4055 وغرورهم يقصدون تهوين شأنه عليه الصلاة والسلام في أعين قومه. # وقولهم : ( @QUR@04 يريد أن يتفضل عليكم ) أى : أن نوحا جاء بما جاء به ~~بقصد الرياسة عليكم. # ومرادهم بهذا القول : تنفير الناس منه ، وحضهم على عداوته. # وقولهم : ( @QUR@05 ولو شاء الله لأنزل ملائكة ) استبعاد منهم لكون ~~الرسول من البشر أى : ولو شاء الله أن يرسل رسولا ليأمرنا بعبادته وحده. ~~لأرسل ملائكة ليفعلوا ذلك ، فهم PageV10P025 # لانطماس بصائرهم وسوء تفكيرهم يتوهمون أن الرسول لا يكون من البشر ، ~~وإنما يكون من الملائكة. # ومفعول المشيئة محذوف. أى : ولو شاء الله عبادته وحده لأرسل ملائكة ~~ليأمرونا بذلك ، فلما لم يفعل علمنا أنه ما أرسل رسولا ، فنوح في زعمهم ~~كاذب في دعواه. # وقولهم : ( @QUR@06 ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ) أى ما سمعنا بهذا ~~الكلام الذي جاءنا به نوح في آباءنا الأولين ، الذين ندين باتباعهم ، ~~ونقتدي بهم في عبادتهم لهذه الأصنام. # ثم هم لا يكتفون بهذا الجمود والتحجر ، بل يصفون نبيهم بما هو برىء منه ~~فيقولون : ( @QUR@010 إن هو إلا رجل به جنة ، فتربصوا به حتى حين ) @QUR@01 . # والجنة : الجنون ، يقال جن : فلان إذا أصيب بالجنون ، أو إذا مسه الجن ~~فصار في حالة خبل وجنون. # والتربص : الانتظار والترقب ، أى : ما نوح عليه السلام الذي يدعى النبوة ، ~~إلا رجل به حالة من الجنون والخبل ، فانتظروا عليه إلى وقت شفائه من هذا ~~الجنون أو إلى وقت موته ، وعندئذ تستريحون منه ، ومن دعوته التي ما سمعنا ~~بها في آبائنا الأولين. # فأنت ترى أن القوم قد واجهوا نبيهم نوحا عليه السلام بأقبح مواجهة حيث ~~وصفوه بأنه يريد من وراء دعوته لهم السيادة عليهم ، وأنه ليس نبيا لأن ~~الأنبياء لا يكونون من البشر في زعمهم وأنه قد خالف ما ألفوه عن آبائهم ، ~~ومن خالف ما كان عليه آباؤهم لا يجوز الاستماع إليه ، وأنه مصاب بالجنون ~~وأنه عما قريب سيأخذه الموت ، أو يشفى مما هو فيه. # وهكذا الجهل والغرور والجحود ... عند ما يستولى على الناس ، يحول في ~~نظرهم الإصلاح إلى إفساد ، والإخلاص إلى حب للرياسة ، والشيء المعقول ~~المقبول. ms4056 إلى أى شيء غير معقول وغير مقبول ، وكمال العقل ورجحانه ، إلى ~~جنونه ونقصانه. # وصدق الله إذ يقول : ( @QUR@029 سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض ~~بغير الحق ، وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ، وإن يروا سبيل الرشد لا ~~يتخذوه سبيلا ، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا .. ) @QUR@01 . # ثم يحكى القرآن بعد ذلك أن نوحا عليه السلام بعد أن استمع إلى ما قاله ~~قومه في شأنه من ضلالات وسفاهات ، لجأ إلى ربه عز وجل يشكو إليه ما أصابه ~~منهم ويلتمس PageV10P026 # منه النصر عليهم. فقال : كما حكى القرآن عنه : ( @QUR@04 رب انصرني بما ~~كذبون ). # أى : قال نوح في مناجاته لربه : يا رب انصرني على هؤلاء القوم الكافرين ~~بسبب تكذيبهم لي وتطاولهم على. وسخريتهم منى ، وإصرارهم على عبادة غيرك. # وقد أجاب الله تعالى دعاء عبده نوح فقال : ( @QUR@02 فأوحينا إليه ) أى : ~~فأوحينا إليه في أعقاب دعائه وتضرعه. # ( @QUR@05 أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا ) أى : أوحينا إليه أن ابتدئ يا ~~نوح في صنع السفينة وأنت تحت رعايتنا وحفظنا ، وسنرسل إليك وحينا ليرشدك ~~إلى ما أنت في حاجة إليه من إتقان صنع السفينة ، ومن غير ذلك من شئون. # وفي التعبير بقوله سبحانه ( @QUR@02 أن اصنع ) إشارة إلى أن نوحا ~~عليه السلام قد باشر بنفسه صنع السفينة التي هي وسيلة النجاة له وللمؤمنين معه. # وفي قوله تعالى : ( @QUR@02 بأعيننا ووحينا ) إشارة إلى أن نوحا بجانب ~~مباشرته للصنع بنفسه ، كان مزودا من الله تعالى بالعناية والرعاية وبحسن ~~التوجيه والإرشاد عن طريق الوحى الأمين. # وذلك لأن سنة الله تعالى قد اقتضت أن لا يضيع عمل عباده المخلصين ، الذين ~~يبذلون أقصى جهدهم في الوصول إلى غاياتهم الشريفة. # والباء في قوله ( @QUR@01 بأعيننا ) للملابسة ، والجار والمجرور في موضع ~~الحال من ضمير «اصنع». # والفاء في قوله سبحانه ( @QUR@03 فإذا جاء أمرنا ) لترتيب مضمون ما بعدها ~~على إتمام صنع السفينة. # والمراد بالأمر هنا : العذاب الذي أعده الله تعالى لهؤلاء الظالمين من ~~قوم نوح عليه السلام . ويشهد لذلك قوله سبحانه في آية أخرى : ( @QUR@06 لا ~~عاصم اليوم من أمر الله ) أى : من ms4057 عذابه ( @QUR@03 إلا من رحم ). # والمراد بمجيء هذا الأمر : اقتراب وقته ، ودنو ساعته ، وظهور علاماته ~~وقوله تعالى : ( @QUR@02 وفار التنور ) بيان وتفسير لمجيء هذا الأمر ، ~~وحلول وقت إهلاكهم. # وقوله : ( @QUR@01 فار ) من الفوران. بمعنى شدة الغليان للماء وغيره. ~~يقال للماء فار إذا اشتد غليانه. ويقال للنار فارت إذا عظم هيجانها. ومنه ~~قوله تعالى ( @QUR@08 إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور ). PageV10P027 # وللمفسرين في المراد بلفظ ( @QUR@01 التنور ) أقوال منها : أن المراد به ~~الشيء الذي يخبز فيه الخبز ، وهو ما يسمى بالموقد أو الفرن. # ومنها أن المراد به وجه الأرض. أو موضع اجتماع الماء في السفينة ، أو ~~طلوع الفجر .. وقد رجح الإمام ابن جرير القول الأول فقال : وأولى الأقوال ~~بالصواب قول من قال : وهو التنور الذي يخبز فيه ، لأن هذا هو المعروف من ~~كلام العرب .. (1). # ويبدو أن فوران التنور كان علامة لنوح على أن موعد إهلاك الكافرين من ~~قومه قد اقترب. # أى : فإذا اقترب موعد إهلاك قومك الظالمين يا نوح ، ومن علامة ذلك أن ~~ينبع الماء من التنور ويفور فورانا شديدا ( @QUR@02 فاسلك فيها ) فأدخل في ~~السفينة ( @QUR@04 من كل زوجين اثنين ) ولفظ ( @QUR@01 زوجين ) تثنية زوج. ~~والمراد به هنا : الذكر والأنثى من كل نوع. # وقراءة الجمهور : ( @QUR@04 من كل زوجين اثنين ) بدون تنوين للفظ كل ، ~~وبإضافته إلى زوجين .... # وقرأ حفص ( @QUR@04 من كل زوجين اثنين ) تنوين كل ، وهو تنوين عوض عن ~~مضاف إليه. والتقدير : فأدخل في السفينة من كل نوع من أنواع المخلوقات التي ~~أنت في حاجة إليها ذكرا وأنثى ، ويكون لفظ ( @QUR@01 زوجين ) مفعولا لقوله ~~( @QUR@01 فاسلك ) ولفظ اثنين : صفة له. # والمراد بأهله في قوله تعالى ( @QUR@01 وأهلك ): أهل بيته كزوجته ~~وأولاده المؤمنين ، ويدخل فيهم كل من آمن به عليه السلام سواء أكان من ذوى ~~قرابته أم من غيرهم ، بدليل قوله تعالى في سورة هود : ( @QUR@020 قلنا احمل ~~فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن ، وما آمن معه ~~إلا قليل ). # وجملة : ( @QUR@06 إلا من سبق عليه القول منهم ) استثناء من الأهل. ~~والمراد بمن سبق عليه القول منهم ms4058 : من بقي على كفره ولم يؤمن برسالة نوح ~~عليه السلام كزوجته وابنه كنعان. # أى : أدخل في السفينة ذكرا وأنثى من أنواع المخلوقات ، وأدخل فيها أيضا ~~المؤمنين من أهلك ومن غيرهم ، إلا الذين سبق منا القول بهلاكهم بسبب ~~إصرارهم على الكفر. فلا تدخلهم في السفينة ، بل اتركهم خارجها ليغرقوا مع ~~المغرقين. # قال الآلوسى : وجيء بعلى في قوله : ( @QUR@06 إلا من سبق عليه القول منهم ~~) لكون السابق ضارا ، كما جيء باللام في قوله : ( @QUR@06 إن الذين سبقت ~~لهم منا الحسنى ) لكون السابق نافعا (2). PageV10P028 # وقوله تعالى : ( @QUR@07 ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ) نهى ~~منه سبحانه لنوح عليه السلام عن الشفاعة لهؤلاء الكافرين ، أو عن طلب تأخير ~~العذاب المهلك لهم. # أى : اترك يا نوح هؤلاء الظالمين ، ولا تكلمني في شأنهم ، كأن تطلب ~~الشفاعة لهم أو تأخير العذاب عنهم ، فإنهم مقضي عليهم بالإغراق لا محالة. ~~ولا مبدل لحكمي أو إرادتى. # ويبدو والله أعلم أن هذه الجملة الكريمة ، كانت نهيا من الله تعالى لنوح ~~عن الشفاعة في ابنه الذي غرق مع المغرقين ، والذي حكى القرآن في سورة هود ~~أن نوحا قد قال في شأنه : ( @QUR@011 رب إن ابني من أهلي ، وإن وعدك الحق ، ~~وأنت أحكم الحاكمين ). # ثم أرشد الله تعالى نبيه نوحا إلى ما يقوله بعد أن يستقر في السفينة فقال ~~سبحانه : ( @QUR@05 فإذا استويت أنت ومن معك ) من أهلك وأتباعك المؤمنين ( ~~@QUR@02 على الفلك ). # أى : السفينة التي علمناك عن طريق وحينا كيفية صنعها بإحكام وإتقان ( ~~@QUR@01 فقل ) يا نوح على سبيل الشكر لنا ، والتقدير لذاتنا ( @QUR@04 ~~الحمد لله الذي نجانا ) بفضله وكرمه ( @QUR@03 من القوم الظالمين ) الذين ~~استحبوا العمى على الهدى ، وآثروا الضلالة على الهداية ، وتطاولوا على ~~نبيهم الذي جاء لسعادتهم. # ( @QUR@01 وقل ) أيضا يا نوح ( @QUR@04 رب أنزلني منزلا مباركا ) أى : ~~أنزلنى إنزالا ، أو مكان إنزال مباركا أى مليئا بالخيرات والبركات ، خاليا ~~مما حل بالظالمين من إغراق وإهلاك. ( @QUR@01 وأنت ) يا إلهى ( @QUR@02 خير ~~المنزلين ) بفضلك وكرمك في المكان الطيب المبارك. # ثم عقب سبحانه على ما اشتملت عليه قصة نوح من حكم وآداب بقوله : ( ~~@QUR@07 إن ms4059 في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين ). # أى : إن في ذلك الذي ذكرناه لك أيها الرسول الكريم عن نوح وقومه ( ~~@QUR@01 لآيات ) بينات ، ودلالات واضحات ، على أن هذا القرآن من عندنا لا ~~من عند غيرنا ، وعلى أن العاقبة للمؤمنين ، وسوء المنقلب للكافرين. # و «إن» في قوله ( @QUR@02 وإن كنا ) هي المخففة من الثقيلة ، واللام في ~~قوله ( @QUR@01 لمبتلين ) هي الفارقة بينها وبين إن النافية ، والجملة ~~حالية ، والابتلاء : الاختبار والامتحان ... # أى : إن في ذلك الذي ذكرناه عن نوح وقومه لآيات واضحات على وحدانيتنا ~~وقدرتنا ، والحال والشأن أن من سنتنا أن نبتلى الناس بالنعم وبالنقم ، ~~وبالخير وبالشر. ليتبين من يعتبر ويتعظ ، وليتميز الخبيث من الطيب ، وليهلك ~~من هلك عن بينة ، ويحيا من حي عن بينة ، وإن PageV10P029 # الله لسميع عليم. # ثم تمضى السورة في حديثها عن قصص الأولين ، فتحكى لنا قصة أقوام آخرين مع ~~نبي من أنبيائهم فتقول : # ( @QUR@06 ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (31) @QUR@014 فأرسلنا فيهم ~~رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون (32) @QUR@025 ~~وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة ~~الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون (33) ~~@QUR@07 ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون (34) @QUR@09 أيعدكم أنكم ~~إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون (35) @QUR@04 هيهات هيهات لما ~~توعدون (36) @QUR@010 إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين ~~(37) @QUR@012 إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين (38) ~~@QUR@05 قال رب انصرني بما كذبون (39) @QUR@05 قال عما قليل ليصبحن نادمين ~~(40) @QUR@08 فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين ) (41) # أى : ثم أنشأنا من بعد أولئك القوم المغرقين الذين كذبوا نبيهم نوحا ~~عليه السلام ، ( @QUR@02 قرنا آخرين ) غيرهم ، وهم على الأرجح قوم هود ~~عليه السلام بدليل قوله تعالى في آية أخرى في شأنهم : ( @QUR@08 واذكروا إذ ~~جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح .. ) @QUR@01 . (1). PageV10P030 # كما أن قصة هود مع قومه ، كثيرا ما تأتى بعد قصة نوح مع قومه. # وقيل : هم قوم صالح عليه السلام . # وعلى أية حال فإن ms4060 سورة «المؤمنون» في عرضها لقصص الأنبياء تحرص على بيان ~~أن استقبال المكذبين لأنبيائهم كان متشابها في القبح والتكذيب. # وقال سبحانه ( @QUR@02 قرنا آخرين ) للإشعار بأنهم كانوا يعيشون في زمان ~~واحد مع نبيهم ، وأنهم كانوا معاصرين له ، ومشاهدين لأحواله قبل البعثة ~~وبعدها. # ثم بين سبحانه أنه امتن عليهم بإرسال رسول فيهم فقال : ( @QUR@012 ~~فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره .. ) @QUR@01 . # أى : كان من مظاهر رحمتنا ومنتنا على هؤلاء القوم الآخرين الذين جاءوا ~~بعد إهلاك قوم نوح ، أن أرسلنا فيهم رسولا منهم نشأ بين أظهرهم وعرفوا حسبه ~~ونسبه ، فقال لهم ما قاله كل نبي لقومه : اعبدوا الله وحده ، فإنكم ليس لكم ~~من إله سواه ، لأنه سبحانه هو الذي أوجدكم في هذه الحياة .. ( @QUR@02 أفلا ~~تتقون ) بأسه وعقابه إذا ما عبدتم غيره؟!. # ثم بين سبحانه بعد ذلك ما رد به هؤلاء المشركون الجاحدون على نبيهم فقال ~~: ( @QUR@018 وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة ، ~~وأترفناهم في الحياة الدنيا ، ما هذا إلا بشر مثلكم .. ) @QUR@01 . # أى : وقال الأغنياء والزعماء من قوم هذا النبي ، الذين كفروا بالحق لما ~~جاءهم ، وكذبوا بالبعث والجزاء الذي يكون في الآخرة ، والذين أبطرتهم ~~النعمة التي أنعمنا عليهم بها في دنياهم ... # قالوا لنبيهم بجفاء وسوء أدب لكي يصرفوا غيرهم عن الإيمان به : ما هذا ~~الذي يدعى النبوة ( @QUR@03 إلا بشر مثلكم ) وكأنهم يرون لغبائهم وانطماس ~~عقولهم أن الرسول لا يكون من البشر ، أو يرون جواز كونه من البشر ، إلا ~~أنهم قالوا ذلك على سبيل المكر ليصدوا أتباعهم وعامة الناس عن دعوته. # ثم أضافوا إلى هذا القول الباطل ما يؤكده في نفوس الناس فقالوا : ( ~~@QUR@04 يأكل مما تأكلون منه ) من طعام ، وغذاء ، ( @QUR@03 ويشرب مما ~~تشربون ) من ماء وما يشبه الماء. # ثم أضافوا إلى ذلك قولهم ( @QUR@02 ولئن أطعتم ) أيها الناس ( @QUR@02 ~~بشرا مثلكم ) في المأكل والمشرب والملبس والعادات .. ( @QUR@02 أنكم إذا ) ~~بسبب هذه الطاعة ( @QUR@01 لخاسرون ) خسارة ليس بعدها خسارة. PageV10P031 # والمتأمل في هذه الآية الكريمة يرى أن الله تعالى وصف هؤلاء الجاحدين ~~بالغنى والجاه ، وأنهم من ms4061 قوم هذا النبي فازداد حسدهم له وحقدهم عليه ، ~~وأنهم أصلاء في الكفر ، وفي التكذيب باليوم الآخر ، وأنهم فوق كل ذلك من ~~المترفين الذين عاشوا حياتهم في اللهو واللعب والتقلب في ألوان الملذات .. ~~ولا شيء يفسد الفطرة ، ويطمس القلوب ، ويعمى النفوس والمشاعر عن سماع كلمة ~~الحق. كالترف والتمرغ في شهوات الحياة. # لذا تراهم في شبهتهم الأولى يحاولون أن يصرفوا الناس عن هذا النبي ، ~~بزعمهم أنه بشر ، يأكل مما يأكل منه الناس ، ويشرب مما يشربون منه ، ~~والعقلاء في زعمهم لا يتبعون نبيا من البشر ، لأن اتباعه يؤدى إلى الخسران ~~المبين. # ولقد نهجوا في قولهم الباطل هذا ، نهج قوم نوح من قبلهم ، فقد قالوا في ~~شأنه : ( @QUR@09 ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم .. ) @QUR@01 . # أما شبهتهم الثانية التي أثاروها لصرف الناس عن الحق. فقد حكاها القرآن ~~في قوله عنهم : ( @QUR@09 أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم ~~مخرجون .. ) @QUR@01 . أى : أيعدكم هذا الذي يدعى النبوة وهو بشر مثلكم ~~أنكم إذا فارقتم هذه الحياة وصرتم أمواتا ، وصارت بعض أجزاء أجسامكم ترابا ~~وبعضها عظاما نخرة ، أنكم مخرجون من قبوركم إلى الحياة مرة أخرى للحساب ~~والجزاء؟. # والاستفهام في قوله ( @QUR@01 أيعدكم ) للإنكار والتحذير من اتباع هذا ~~النبي ، والجملة مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها من الصد عن الاستماع إلى ما ~~جاءهم به نبيهم ، لأنه في زعمهم يؤدى إلى الخسران. # وكرر سبحانه لفظ ( @QUR@01 أنكم ) لبيان حرصهم على تأكيد أقوالهم الباطلة ~~في نفوس الناس ، حتى يفروا من وجه نبيهم. # ثم حكى سبحانه أنهم لم يكتفوا بكل ما أثاروه من شبه لصرف أتباعهم عن الحق ~~بل أضافوا إلى ذلك. أن ما يقوله هذا النبي مستبعد في العقول ، وأنه رجل ~~افترى على الله كذبا .. # فقال تعالى : ( @QUR@026 هيهات هيهات لما توعدون* إن هي إلا حياتنا ~~الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين* إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا ~~وما نحن له بمؤمنين ) @QUR@01 . # ولفظ «هيهات» اسم فعل ماض ، معناه : بعد بعدا شديدا ، والغالب في استعمال ~~هذا اللفظ مكررا ، ويكون اللفظ الثاني مؤكدا تأكيدا ms4062 لفظيا للأول. PageV10P032 # أى : قال الملأ من قوم هذا النبي لغيرهم ، على سبيل التحذير من اتباعه : ~~بعد بعدا كبيرا ما يعدكم به هذا الرجل من أن هناك بعثا وحسابا وجزاء بعد ~~الموت ، وأن هناك جنة ونارا يوم القيامة. # قال الآلوسى : «وقوله سبحانه : ( @QUR@01 هيهات ) اسم بمعنى بعد. # وهو في الأصل اسم صوت ، وفاعله مستتر فيه يرجع للتصديق أو للصحة أو ~~للوقوع أو نحو ذلك مما يفهم من السياق. والغالب في هذه الكلمة مجيئها مكررة ~~.. وقوله ؛ ( @QUR@02 لما توعدون ) بيان لمرجع ذلك الضمير ، فاللام متعلقة ~~بمقدر ، كما في قولهم : سقيا له. أى : التصديق أو الوقوع المتصف بالبعد ~~كائن لما توعدون .. (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@05 إن هي إلا حياتنا الدنيا. ) @QUR@01 . بيان ~~لتماديهم في جحودهم وجهلهم وغرورهم. # أى : إنهم لم يكتفوا باستبعاد حصول البعث والجزاء يوم القيامة بل أضافوا ~~إلى ذلك الإنكار الشديد لحصولهما فقالوا : ما الحياة الحقيقية التي لا حياة ~~بعدها إلا حياتنا الدنيا التي نحياها ، ولا وجود لحياة أخرى ، كما يقول هذا ~~النبي فنحن نموت كما مات آباؤنا ، ونحيا كما يولد أبناؤنا. وهكذا الدنيا ~~فيها موت لبعض الناس ، وفيها حياة لغيرهم ( @QUR@03 وما نحن بمبعوثين ) بعد ~~الموت على الإطلاق. # ثم أضافوا إلى إنكارهم هذا للدار الآخرة ، تطاولا على نبيهم ، واتهاما له ~~بما هو برىء منه ، فقالوا : ( @QUR@08 إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا ~~.. ) @QUR@01 . أى ؛ ما هذا النبي الذي أمركم بترك عبادة آلهتكم ، وأخبركم ~~بأن هناك بعثا وحسابا ، إلا رجل اختلق على الله الكذب فيما يقوله ويدعو ~~إليه ( @QUR@04 وما نحن له بمؤمنين ) في يوم من الأيام ، فكونوا مثلنا أيها ~~الناس في عدم الإيمان به ، وفي الانصراف عنه. # وهكذا يصور لنا القرآن الكريم بأسلوبه البليغ ، موقف الطغاة من دعوة الحق ~~، وكيف أنهم لا يكتفون بالانصراف عنها وحدهم ، بل يؤلبون غيرهم بكل وسيلة ~~على الانقياد لهم ، وعلى محاربة من جاء بهذه الدعوة بمختلف السبل وشتى الطرق. # ثم يحكى لنا القرآن بعد ذلك موقف النبي الذي أرسله الله تعالى لهؤلاء ~~القوم الظالمين فيقول : ( @QUR@05 قال رب انصرني بما كذبون ) @QUR@01 . # أى : قال ms4063 ما قاله أخوه نوح من قبله : رب انصرني على هؤلاء الجاحدين ، ~~فأنت تعلم PageV10P033 # يا إلهى أنهم كذبوا ما جئتهم به من عندك. # وجاءت الاستجابة من الله تعالى لهذا النبي ، كما جاءت لأخيه نوح من قبله ~~، ويحكى القرآن ذلك فيقول : ( @QUR@05 قال عما قليل ليصبحن نادمين ) ~~@QUR@01 . # أى : قال الله عز وجل لنبيه : لقد أجبنا دعاءك أيها النبي الكريم ، وبعد ~~وقت قليل من الزمان. ليصبحن نادمين أشد الندم على أقوالهم الباطلة ، ~~وأفعالهم القبيحة ، ولكن هذا الندم لن ينفعهم لأنه جاء في غير أوانه. # والجار والمجرور في قوله ( @QUR@02 عما قليل ) متعلق بقوله : ( @QUR@02 ~~ليصبحن نادمين ) أى : ليصبحن عن زمن قليل نادمين ، و «عن» هنا بمعنى بعد ، ~~و «ما» جيء بها لتأكيد معنى القلة. # وأكد سبحانه قوله ( @QUR@01 ليصبحن ) بلام القسم ونون التوكيد ، لبيان أن ~~هذا الوعيد آت لا ريب فيه ، وفي وقت قريب. # وجاء الوعيد فعلا. وأخبر سبحانه عن ذلك فقال : ( @QUR@03 فأخذتهم الصيحة ~~بالحق .. ) @QUR@01 . أى : فأهلكناهم إهلاكا تاما ، بالصيحة التي صاحها بهم ~~جبريل عليه السلام حيث صاح بهم مع الريح العاتية التي أرسلها الله عليهم ~~فدمروا تدميرا. # وذكر سبحانه هنا الصيحة فقط مع أن قوم هود قد أهلكوا بها وبالريح الصرصر ~~العاتية للإشعار بأن إحدى هاتين العقوبتين لو انفردت كافية لإهلاكهم ، فقد ~~قال سبحانه في شأن الريح التي أرسلها عليهم : ( @QUR@014 تدمر كل شيء بأمر ~~ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين ) (1). # وقوله ( @QUR@01 بالحق ) حال من الصيحة ، وهو متعلق بمحذوف ، والتقدير ، ~~فأخذتهم الصيحة حالة كونها بالعدل الذي لا ظلم معه ، وإنما هم الذين ظلموا ~~أنفسهم بتكذيبهم لنبيهم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين ) بيان ~~لمصيرهم الأليم. والغثاء : الرميم الهامد الذي يحمله السيل من ورق الشجر ~~وغيره ، يقال : غثا الوادي يغثو إذا كثر غثاؤه. # أى : فصيرناهم هلكى هامدين كغثاء السيل البالي ، الذي اختلط بزبده ، ~~فهلاكا وبعدا لهؤلاء القوم الظالمين ، كما هلك وبعد من قبلهم قوم نوح ~~عليه السلام . PageV10P034 # ثم تمضى السورة في استعراضها على سبيل الإجمال لقصص بعض الأنبياء ، قال ~~تعالى : # ( @QUR@06 ثم أنشأنا من ms4064 بعدهم قرونا آخرين (42) @QUR@07 ما تسبق من أمة ~~أجلها وما يستأخرون (43) @QUR@019 ثم أرسلنا رسلنا تترا كل ما جاء أمة ~~رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون ~~(44) @QUR@08 ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين (45) @QUR@07 ~~إلى فرعون وملائه فاستكبروا وكانوا قوما عالين (46) @QUR@07 فقالوا أنؤمن ~~لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون (47) @QUR@04 فكذبوهما فكانوا من المهلكين ~~(48) @QUR@06 ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون (49) @QUR@011 وجعلنا ~~ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين (50) @QUR@012 يا ~~أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم (51) ~~@QUR@08 وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ) (52) # أى : ( @QUR@02 ثم أنشأنا ) من بعد قوم نوح وقوم هود ( @QUR@02 قرونا ~~آخرين ) أى : أقواما آخرين من الناس ، كل قوم كانوا مجتمعين في زمان واحد ، ~~كقوم صالح ، وقوم لوط ، وقوم شعيب وغيرهم. # وقوله عز وجل : ( @QUR@07 ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ) بيان لمظهر ~~من مظاهر قدرة الله تعالى وإحكامه لشئون خلقه .. PageV10P035 # أى : ما تسبق أمة من الأمم أجلها الذي قدرناه لها ساعة من الزمان ، ولا ~~تستأخر عنه ساعة ، بل الكل نهلكه ونميته في الوقت الذي حددناه بقدرتنا ~~وحكمتنا. # و «من» في قوله ( @QUR@02 من أمة ) مزيدة للتأكيد : وفي هذا المعنى قوله ~~تعالى : ( @QUR@011 ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون ) (1). # ثم بين سبحانه على سبيل الإجمال ، أن حكمته قد اقتضت أن يرسل رسلا آخرين ~~، متتابعين في إرسالهم. كل واحد يأتى في أعقاب أخيه. ليخرجوا الناس من ~~الظلمات إلى النور ، فقال تعالى : ( @QUR@04 ثم أرسلنا رسلنا تترا .. ) ~~@QUR@01 . # ولفظ ( @QUR@01 تترا ) مصدر كدعوى ، وألفه للتأنيث وأصله : وترى فقلبت ~~الواو تاء ، وهو منصوب على الحال من رسلنا. # أى : ثم أرسلنا بعد ذلك رسلنا متواترين متتابعين واحدا بعد الآخر ، مع ~~فترة ومهلة من الزمان بينهما. # قال القرطبي : ومعنى «تترى» : تتواتر ، ويتبع بعضهم بعضا ترغيبا وترهيبا .. # قال الأصمعى : واترت كتبي عليه ، أتبعت بعضها بعضا إلا أن بين كل واحد ~~منها وبين الآخر مهلة .. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ( @QUR@01 تترا ) ~~بالتنوين على أنه مصدر أدخل ms4065 فيه التنوين على فتح الراء ، كقولك : حمدا ~~وشكرا .. (2). # ثم بين سبحانه موقف كل أمة من رسولها فقال : ( @QUR@06 كل ما جاء أمة ~~رسولها كذبوه ... ) @QUR@01 . # أى : كلما جاء رسول كل أمة إليها ليبلغها رسالة الله تعالى وليدعوها إلى ~~عبادته وحده سبحانه كذب أهل هذه الأمة هذا الرسول المرسل إليهم. وأعرضوا ~~عنه وآذوه ... # قال ابن كثير : «وقوله : ( @QUR@06 كل ما جاء أمة رسولها كذبوه ) يعنى ~~جمهورهم وأكثرهم ، كقوله تعالى ( @QUR@012 يا حسرة على العباد ما يأتيهم من ~~رسول إلا كانوا به يستهزؤن ) (3). # وأضاف سبحانه الرسول إلى الأمة ، للإشارة إلى أن كل رسول قد جاء إلى الأمة PageV10P036 # المرسل إليها. وفي التعبير بقوله : ( @QUR@03 كل ما جاء .. ) @QUR@01 . ~~إشعار بأنهم قابلوه بالتكذيب. بمجرد مجيئه إليهم ، أى : إنهم بادروه بذلك ~~بدون تريث أو تفكر. # فماذا كانت عاقبتهم؟ كانت عاقبتهم كما بينها سبحانه في قوله : ( @QUR@09 ~~فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون ) @QUR@01 . # أى : فأتبعنا بعضهم بعضا في الهلاك والتدمير ، وجعلناهم بسبب تكذيبهم ~~لرسلهم أحاديث يتحدث الناس بها على سبيل التعجب والتلهي ، ولم يبق بين ~~الناس إلا أخبارهم السيئة. وذكرهم القبيح ( @QUR@01 فبعدا ) وهلاكا لقوم لا ~~يؤمنون بالحق ، ولا يستجيبون للهدى. # قال صاحب الكشاف : «وقوله ( @QUR@02 وجعلناهم أحاديث ) أى : أخبارا يسمر ~~بها ، ويتعجب منها. والأحاديث تكون اسم جمع للحديث ، ومنه أحاديث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وتكون جمعا للأحدوثة : التي هي مثل الأضحوكة والألعوبة ~~والأعجوبة. وهي : مما يتحدث به الناس تلهيا وتعجبا ، وهو المراد هنا» (1). # ثم ساق سبحانه بعد ذلك جانبا من قصة موسى وهارون عليهما السلام فقال : ( ~~@QUR@015 ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين* إلى فرعون ~~وملائه فاستكبروا وكانوا قوما عالين ) @QUR@01 . # أى : ثم أرسلنا من بعد أولئك الأقوام المهلكين الذين جعلناهم أحاديث ( ~~@QUR@04 موسى وأخاه هارون بآياتنا ) الدالة على قدرتنا ، وهي الآيات التسع ~~وهي : العصا ، واليد ، والسنون ، والبحر ، والطوفان ، والجراد ، والقمل ، ~~والضفادع ، والدم. # وزودناه مع هذه الآيات العظيمة بسلطان مبين ، أى : بحجة قوية واضحة ، ~~تحمل كل عاقل على الإيمان به ، وعلى الاستجابة له. # وكان هذا الإرسال منا لموسى وهارون إلى ms4066 فرعون وملئه ، أى : وجهاء قومه ~~وزعمائهم الذين يتبعهم غيرهم. # ( @QUR@01 فاستكبروا ) جميعا عن الاستماع إلى دعوة موسى وهارون ~~عليهما السلام ، ( @QUR@03 وكانوا قوما عالين ) أى ؛ مغرورين متكبرين ، ~~مسرفين في البغي والعدوان. # ثم بين سبحانه مظاهر هذا الغرور والتكبر من فرعون وملئه فقال : ( @QUR@04 ~~فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا ) وهما موسى وهارون ( @QUR@01 وقومهما ) أى : ~~بنو إسرائيل الذين منهم PageV10P037 # موسى وهارون ( @QUR@02 لنا عابدون ) أى : مسخرون خاضعون منقادون لنا كما ~~ينقاد الخادم لمخدومه. # فأنت ترى أن فرعون وملأه ، قد أعرضوا عن دعوة موسى وهارون ، لأنهما أولا ~~بشر مثلهم ، والبشرية في زعمهم الفاسد تتنافى مع الرسالة والنبوة ، ولأنهما ~~ثانيا من قوم بمنزلة الخدم لفرعون وحاشيته ، ولا يليق في طبعهم المغرور أن ~~يتبع فرعون وحاشيته من كان من هؤلاء القوم المستضعفين. # قال الآلوسى : «وقوله : ( @QUR@01 فقالوا ) عطف على ( @QUR@01 فاستكبروا ~~) وما بينهما اعتراض مقرر للاستكبار ، والمراد : فقالوا فيما بينهم .. وثنى ~~البشر لأنه يطلق على الواحد كقوله تعالى ( @QUR@02 بشرا سويا ) وعلى الجمع ~~، كما في قوله : تعالى ( @QUR@05 فإما ترين من البشر أحدا. ) @QUR@01 . ولم ~~يثن مثل نظرا إلى كونه في حكم المصدر ، ولو أفرد البشر لصح ، لأنه اسم جنس ~~يطلق على الواحد وغيره ، وكذا لو ثنى المثل ، فإنه جاء مثنى في قوله : ( ~~@QUR@04 يرونهم مثليهم رأي العين ) (1) ومجموعا كما في قوله : ( @QUR@05 ~~... ثم لا يكونوا أمثالكم ) (2). وهذه القصص كما ترى تدل على أن مدار شبه ~~المنكرين للنبوة ، قياس حال الأنبياء على أحوالهم ، بناء على جهلهم بتفاصيل ~~شئون الحقيقة البشرية ، وتباين طبقات أفرادها في مراقى الكمال .. ومن عجب ~~أنهم لم يرضوا للنبوة ببشر ، وقد رضى أكثرهم للإلهية بحجر ..» (3). # ثم بين سبحانه سوء عاقبة فرعون وملئه فقال : ( @QUR@04 فكذبوهما فكانوا ~~من المهلكين ) @QUR@01 . # أى : فكذب فرعون وأتباعه موسى وهارون عليهما السلام فيما جاءا به من عند ~~ربهما عز وجل فكانت نتيجة هذا التكذيب أن أغرقنا فرعون ومن معه جميعا. # ثم بين سبحانه ما أعطاه لموسى بعد هلاك فرعون وقومه فقال : ( @QUR@06 ~~ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون ) @QUR@01 . # والضمير في قوله تعالى ( @QUR@01 لعلهم ) يعود إلى قوم موسى من بنى ~~إسرائيل. لأنه من ms4067 المعروف أن التوراة أنزلت على موسى بعد هلاك فرعون وملئه .. # أى : ولقد آتينا موسى بفضلنا وكرمنا الكتاب المشتمل على الهداية والإرشاد ~~، وهو التوراة ، ( @QUR@01 لعلهم ) أى : بنى إسرائيل ( @QUR@01 يهتدون ) ~~إلى الصراط المستقيم ، بسبب اتباعهم لتعاليمه ، وتمسكهم بأحكامه. فالترجى ~~في قوله ( @QUR@01 لعلهم ) إنما هو بالنسبة لهم. PageV10P038 # وقريب من هذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@016 ولقد آتينا موسى الكتاب من ~~بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون ) (1). # ثم ساق سبحانه ما يدل على كمال قدرته ، حيث أوجد عيسى من غير أب وجعل أمه ~~مريم تلده من غير أن يمسها بشر. فقال تعالى ( @QUR@05 وجعلنا ابن مريم وأمه ~~آية ... ) @QUR@01 . # أى : وجعلنا نبينا عيسى عليه السلام ، كما جعلنا أمه مريم ، آية واضحة ~~وحجة عظيمة ، في الدلالة على قدرتنا النافذة التي لا يعجزها شيء. # قال أبو حيان : «قوله : ( @QUR@05 وجعلنا ابن مريم وأمه آية ) أى : جعلنا ~~قصتهما ، وهي آية عظمى بمجموعها ، وهي آيات مع التفصيل ، ويحتمل أن يكون ~~حذف من الأول «آية» لدلالة الثاني ، أى : وجعلنا ابن مريم آية ، وأمه آية» (2). # وقوله تعالى ( @QUR@06 وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ) بيان لجانب ~~مما أنعم به سبحانه على عيسى وأمه. # والربوة : المكان المرتفع من الأرض. وأصلها من قولهم : ربا الشيء يربو ، ~~إذا ازداد وارتفع ، ومنه الربا لأنه زيادة أخذت على أصل المال. # ومعين ؛ اسم مفعول من عانه إذا أدركه وأبصره بعينه ، فالميم زائدة ، ~~وأصله معيون كمبيوع ثم دخله الإعلال. والكلام على حذف مضاف. أى : وماء معين. # أى : ومن مظاهر رعايتنا وإحساننا إلى عيسى وأمه أننا آويناهما وأسكناهما ~~، وأنزلناهما في جهة مرتفعة من الأرض ، وهذه الجهة ذات قرار ، أى : ذات ~~استقرار لاستوائها وصلاحيتها للسكن لما فيها من الزروع والثمار ، وهي في ~~الوقت ذاته ينساب الماء الظاهر للعيون في ربوعها. # قالوا : والمراد بهذه الربوة : بيت المقدس بفلسطين ، أو دمشق ، أو مصر. # والمقصود من الآية الكريمة : الإشارة إلى إيواء الله تعالى لهما ، في ~~مكان طيب ، ينضر فيه الزرع ، وتطيب فيه الثمار ، ويسيل فيه الماء ويجدان ~~خلال عيشهما به الأمان والراحة. # ثم ms4068 ختم سبحانه الحديث عن هؤلاء الأنبياء ، بتوجيه خطاب إلى الرسل جميعا ، ~~أمرهم فيه بالأكل من الطيبات ، وبالتزود من العمل الصالح ، فقال تعالى : ( ~~@QUR@012 يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ، إني بما تعملون ~~عليم ) @QUR@01 . PageV10P039 # ووجه سبحانه الخطاب إلى الرسل جميعا ، مع أن الموجود منهم عند نزول الآية ~~واحد فقط ، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم للدلالة على أن كل رسول أمر في زمنه ~~بالأكل من الطيبات التي أحلها تعالى وبالعمل الصالح. # وفي الآية إشارة إلى أن المداومة على الأكل من الطيبات التي أحلها الله ، ~~والتي لا شبهة فيها ، له أثره في مواظبة الإنسان على العمل الصالح. # قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : يأمر الله تعالى عباده ~~المرسلين بالأكل من الحلال ، والقيام بالصالح من الأعمال ، فدل هذا على أن ~~الحلال عون على العمل الصالح ، فقام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بهذا ~~أتم قيام ، وجمعوا بين كل خير. قولا وعملا. ودلالة ونصحا. # ثم ساق رحمه الله عددا من الأحاديث في هذا المعنى منها : أن أم عبد الله ~~بنت شداد بن أوس بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح لبن عند فطره وهو ~~صائم ، وذلك مع طول النهار وشدة الحر. فرد إليهما رسولها : أنى كانت لك ~~الشاة؟ أى : على أية حال تملكينها فقالت : اشتريتها من مالي ، فشرب منه ، ~~فلما كان من الغد أتته أم عبد الله فقالت له : يا رسول الله. بعثت إليك ~~بلبن مرثية لك من طول النهار وشدة الحر ، فرددت إلى الرسول فيه؟ فقال لها : ~~«بذلك أمرت الرسل. أن لا تأكل إلا طيبا ولا تعمل إلا صالحا». # ومنها : ما ثبت في صحيح مسلم. عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «يا أيها الناس ، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ، وإن ~~الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال : ( @QUR@08 يا أيها الرسل ~~كلوا من الطيبات واعملوا صالحا .. ) @QUR@01 . وقال : ( @QUR@09 يا أيها ~~الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ) ثم ذكر الرجل يطيل ms4069 السفر أشعث أغبر ~~، ومطعمه من حرام. ومشربه من حرام ، وملبسه من حرام ، وغذى بالحرام. يمد ~~يديه إلى السماء : يا رب يا رب فأنى يستجاب لذلك» (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 إني بما تعملون عليم ) تحذير من مخالفة ما أمر ~~به تعالى . # أى : إنى : بما تعملون أيها الرسل وأيها الناس عليم فأجازيكم على هذا ~~العمل بما تستحقون. # وقوله سبحانه ( @QUR@05 وإن هذه أمتكم أمة واحدة. ) @QUR@01 . جملة ~~مستأنفة. # والمراد بالأمة هنا : الشريعة والدين الذي أنزله الله تعالى على أنبيائه ~~ورسله ، أى : وإن شريعتكم أيها الرسل جميعا هي شريعة واحدة لا تختلف في ~~أصولها التي تتعلق PageV10P040 # بالعقائد والعبادات والمعاملات ، وإن اختلفت في الأحكام الفرعية. # وقرأ بعض القراء السبعة : ( @QUR@03 وإن هذه أمتكم. ) @QUR@01 . بفتح ~~الهمزة ، على أن الآية من جملة ما خوطب به الرسل. # والتقدير : واعلموا أيها الرسل أن ملتكم وشريعتكم ، ملة واحدة ، وشريعة ~~واحدة في عقائدها وأصول أحكامها. # ( @QUR@02 وأنا ربكم ) لا شريك لي في الربوبية ( @QUR@01 فاتقون ) أى : ~~فخافوا عقابي ، واحذروا مخالفة أمرى ، وصونوا أنفسكم من كل ما نهيتكم عنه. # ثم بين سبحانه بعد ذلك حال المصرين على كفرهم وضلالهم من دعوة الرسل ~~عليهم الصلاة والسلام فقال : # ( @QUR@09 فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون (53) @QUR@05 ~~فذرهم في غمرتهم حتى حين (54) @QUR@07 أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين ~~(55) @QUR@07 نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ) (56) # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@01 فتقطعوا ) لترتيب حالهم وما هم عليه من ~~تفرق وتنازع واختلاف ، على ما سبق من أمرهم بالتقوى ، واتباع ما جاءهم به الرسل. # وضمير الجمع يعود إلى الأقوام السابقين الذين خالفوا رسلهم ، وتفرقوا ~~شيعا وأحزابا. # وقوله ( @QUR@01 زبرا ) حال من هذا الضمير. ومفردة زبرة كغرفة بمعنى : ~~قطعة. والمراد به هنا : طائفة من الناس. والمراد بأمرهم : أمر دينهم الذي ~~هو واحد في الأصل. # أى : أن هؤلاء الأقوام الذين جاء الرسل لهدايتهم ، لم يتبعوا دين رسلهم ~~بل تفرقوا في شأنه شيعا وأحزابا ، فمنهم أهل الكتاب الذين قال بعضهم : عزير ~~ابن الله ، وقال بعضهم : المسيح ابن الله ، ومنهم المشركون الذين عبدوا من ~~دون الله تعالى أصناما ms4070 لا تضر ولا تنفع ، وصار كل حزب من هؤلاء المعرضين عن ~~الحق ، مسرورا بما هو عليه من باطل ، وفرحا بما هو فيه من ضلال. # والآية القرآنية بأسلوبها البديع ، تسوق هذا التنازع من هؤلاء الجاهلين ~~في شأن الدين الواحد ، في صورة حسية ، يرى المتدبر من خلالها ، أنهم ~~تجاذبوه فيما بينهم ، حتى قطعوه في أيديهم قطعا ، ثم مضى كل فريق منهم ~~بقطعته وهو فرح مسرور ، مع أنه لو كان يعقل لما PageV10P041 # انحدر إلى هذا الفعل القبيح ، ولما فرح بعمل شيء من شأنه أن يحزن له كل عاقل. # والخطاب في قوله تعالى : ( @QUR@05 فذرهم في غمرتهم حتى حين ) للرسول ~~صلى الله عليه وسلم والضمير المنصوب «هم» للمشركين. # والغمرة في الأصل : الماء الذي يغمر القامة ويسترها ، إذ المادة تدل على ~~التغطية والستر. يقال : غمر الماء الأرض إذا غطاها وسترها. ويقال : هذا رجل ~~غمر بضم الغين وإسكان الميم إذا غطاه الجهل وجعله لا تجربة له بالأمور. ~~ويقال : هذا رجل غمر بكسر الغين إذا غطى الحقد قلبه والمراد بالغمرة هنا : ~~الجهالة والضلالة ، والمعنى : لقد أديت أيها الرسول الرسالة ، ونصحت لقومك. ~~وبلغتهم ما أمرك الله تعالى بتبليغه ، وعليك الآن أن تترك هؤلاء الجاحدين ~~المعاندين في جهالاتهم وغفلتهم وحيرتهم ( @QUR@02 حتى حين ) أى : حتى يأتى ~~الوقت الذي حددناه للفصل في أمرهم بما تقتضيه حكمتنا. # وجاء لفظ «حين» بالتنكير ، لتهويل الأمر وتفظيعه. # ثم تأخذ السورة الكريمة بعد ذلك في السخرية منهم لغفلتهم عن هذا المصير ~~المحتوم ، الذي سيفاجئهم بما لا يتوقعون. فيقول : ( @QUR@014 أيحسبون أنما ~~نمدهم به من مال وبنين. نسارع لهم في الخيرات ، بل لا يشعرون ) @QUR@01 . # والهمزة في قوله ( @QUR@01 أيحسبون ) للاستفهام الإنكارى. و «ما» موصولة ، ~~وهي اسم «أن» وخبرها جملة «نسارع لهم ...» والرابط مقدر أى : به. # أى : أيظن هؤلاء الجاهلون. أن ما نعطيهم إياه من مال وبنين ، هو من باب ~~المسارعة منا في إمدادهم بالخيرات لرضانا عنهم وإكرامنا لهم؟ كلا : ما ~~فعلنا معهم ذلك لتكريمهم ، وإنما فعلنا ذلك معهم لاستدراجهم وامتحانهم ، ~~ولكنهم لا يشعرون بذلك. ولا يحسون به لانطماس بصائرهم ولاستيلاء ms4071 الجهل ~~والغرور على نفوسهم. # فقوله سبحانه ( @QUR@03 بل لا يشعرون ) إضراب انتقالي عن الحسبان المذكور ~~وهو معطوف على مقدر ينسحب إليه الكلام. # أى : ما فعلنا ذلك معهم لإكرامنا إياهم كما يظنون ، بل فعلنا ما فعلنا ~~استدراجا لهم ، ولكنهم لا شعور لهم ولا إحساس ، وما هم إلا كالأنعام بل هم أضل. # لذا قال بعض الصالحين : من يعص الله تعالى ولم ير نقصانا فيما أعطاه ~~سبحانه من الدنيا. فليعلم أنه مستدرج قد مكر به. PageV10P042 # وشبيه بهاتين الآيتين قوله تعالى : ( @QUR@015 فذرني ومن يكذب بهذا ~~الحديث ، سنستدرجهم من حيث لا يعلمون* وأملي لهم إن كيدي متين ) (1). # * * * # وبعد أن صورت السورة الكريمة حالة أصحاب القلوب التي غمرها الجهل والعمى ~~، أتبعت ذلك بإعطاء صورة وضيئة مشرقة لأصحاب القلوب الوجلة المؤمنة ، ~~المسارعة في الخيرات فقال تعالى : # ( @QUR@07 إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون (57) @QUR@05 والذين هم بآيات ~~ربهم يؤمنون (58) @QUR@05 والذين هم بربهم لا يشركون (59) @QUR@010 والذين ~~يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون (60) @QUR@07 أولئك ~~يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون (61) @QUR@012 ولا نكلف نفسا إلا وسعها ~~ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون ) (62) # وقوله سبحانه ( @QUR@07 إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون ) بيان للصفة ~~الأولى من صفات هؤلاء المؤمنين الصادقين. # والإشفاق : هو الخوف من الله تعالى والخشية منه سبحانه مع شدة الرقة في ~~القلب وكثرة الخوف من عقابه. # أى : أنهم من خشية عقابه عز وجل حذرون خائفون ، وهذا شأن المؤمنين ~~الصادقين ، كما قال الحسن البصري : إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة ، وإن ~~المنافق جمع إساءة وأمنا. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 والذين هم بآيات ربهم يؤمنون ) بيان للصفة ~~الثانية أى : أنهم يؤمنون إيمانا راسخا بجميع آيات الله سبحانه الدالة على ~~وحدانيته وقدرته ، سواء أكانت تلك الآيات تنزيلية أم كونية. PageV10P043 # وقوله عز وجل : ( @QUR@05 والذين هم بربهم لا يشركون ) صفة ثالثة لهم. أى ~~: أنهم يخلصون العبادة لله تعالى وحده ، ويقصدون بأقوالهم وأعمالهم وجهه ~~الكريم ، فهم بعيدون عن الرياء والمباهاة بطاعاتهم. # ثم بين سبحانه صفتهم الرابعة فقال : ( @QUR@010 والذين يؤتون ما آتوا ~~وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم ms4072 راجعون ) @QUR@01 . # قرأ القراء السبعة ( @QUR@03 يؤتون ما آتوا ) بالمد ، على أنه من الإتيان ~~بمعنى الإعطاء ، والوجل : استشعار الخوف. يقال : وجل فلان وجلا فهو واجل ، ~~إذا خاف ، أى : يعطون ما يعطون من الصدقات وغيرها من ألوان البر ، ومع ذلك ~~فإن قلوبهم خائفة أن لا يقبل منهم هذا العطاء ، لأى سبب من الأسباب فهم كما ~~قال بعض الصالحين : لقد أدركنا أقواما كانوا من حسناتهم أن ترد عليهم ، ~~أشفق منكم على سيئاتكم أن تعذبوا عليها. # قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : أى : يعطون العطاء وهم خائفون أن لا ~~يتقبل منهم ، لخوفهم أن يكونوا قد قصروا في القيام بشروط الإعطاء ، وهذا من ~~باب الإشفاق والاحتياط. # كما روى الإمام أحمد عن عائشة أنها قالت : «يا رسول الله ( @QUR@06 الذين ~~يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ) هو الذي يسرق ويزنى ويشرب الخمر ، وهو يخاف ~~الله عز وجل ؟ # قال : «لا يا بنت الصديق ، ولكنه الذي يصلى ويصوم ويتصدق وهو يخاف الله ~~تعالى ». # ثم قال رحمه الله وقد قرأ آخرون : والذين يأتون ما أتوا .. من الإتيان. أى ~~: يفعلون ما فعلوا وهم خائفون ... # والمعنى على القراءة الأولى وهي قراءة الجمهور : السبعة وغيرهم أظهر لأنه ~~قال بعد ذلك : ( @QUR@07 أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون ) فجعلهم ~~من السابقين ، ولو كان المعنى على القراءة الأخرى ، لأوشك أن لا يكونوا من ~~السابقين ، بل من المقتصدين أو المقتصرين (1). # وجملة ( @QUR@02 وقلوبهم وجلة ) حال من الفاعل في قوله تعالى ( @QUR@01 ~~يؤتون ) @QUR@01 . # وجملة ( @QUR@04 أنهم إلى ربهم راجعون ) تعليلية بتقدير اللام ، وهي ~~متعلقة بقوله : ( @QUR@01 وجلة ) @QUR@01 . # أى : وقلوبهم خائفة من عدم القبول لأنهم إلى ربهم راجعون ، فيحاسبهم على بواعث PageV10P044 # أقوالهم وأعمالهم ، وهم لقوة إيمانهم يخشون التقصير في أى جانب من جوانب ~~طاعتهم له عز وجل . # وقد جاءت هذه الصفات الكريمة كما يقول الإمام الرازي في نهاية الحسن ، ~~لأن الصفة الأولى دلت على حصول الخوف الشديد الموجب للاحتراز عما لا ينبغي ~~، والثانية : دلت على قوة إيمانهم بآيات ربهم ، والثالثة دلت على شدة ~~إخلاصهم ، والرابعة : دلت على أن المستجمع لتلك الصفات يأتى بالطاعات مع ms4073 ~~الوجل والخوف من التقصير ، وذلك هو نهاية مقامات الصديقين ، رزقنا الله ~~سبحانه الوصول إليها (1). # واسم الإشارة في قوله تعالى : ( @QUR@04 أولئك يسارعون في الخيرات ) يعود ~~إلى هؤلاء المؤمنين الموصوفين بتلك الصفات الجليلة. # وهذه الجملة خبر عن قوله تعالى : ( @QUR@07 إن الذين هم من خشية ربهم ~~مشفقون ) وما عطف عليه ، فاسم «إن» : أربع موصولات ، وخبرها جملة ( @QUR@04 ~~أولئك يسارعون في الخيرات .. ) @QUR@01 . # أى : أولئك الموصوفون بتلك الصفات ، يبادرون برغبة وسرعة إلى فعل الخيرات ~~، وإلى الوصول إلى ما يرضى الله تعالى ( @QUR@02 وهم لها ) أى : لهذه ~~الخيرات وما يترتب عليها من فوز وفلاح ( @QUR@01 سابقون ) لغيرهم. # ثم ختم سبحانه هذه الآيات الكريمة المشتملة على صفات المؤمنين الصادقين ، ~~ببيان أن هذه الصفات الجليلة لم تكلف أصحابها فوق طاقتهم ، لأن الإيمان ~~الحق إذا خالطت بشاشته القلوب يجعلها لا تحس بالمشقة عند فعل الطاعات ، ~~وإنما يجعلها تحس بالرضا والسعادة والإقدام على فعل الخير بدون تردد ، فقال ~~تعالى ( @QUR@05 ولا نكلف نفسا إلا وسعها .. ) @QUR@01 . # أى : وقد جرت سنتنا فيما شرعناه لعبادنا من تشريعات ، أننا لا نكلف نفسا ~~من النفوس إلا في حدود طاقتها وقدرتها. كما قال تعالى : ( @QUR@06 لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها ) (2). # والمراد بالكتاب في قوله تعالى : ( @QUR@04 ولدينا كتاب ينطق بالحق. ) ~~@QUR@01 . كتاب الأعمال الذي يحصيها الله تعالى فيه ويشهد لذلك قوله سبحانه ~~: ( @QUR@011 هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق. إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ~~) (3) وقوله تعالى ( @QUR@07 ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه. ) ~~@QUR@01 . (4). PageV10P045 # والمراد بنطق الكتاب بالحق : أن كل ما فيه حق وصدق. أى : ولدينا صحائف ~~أعمالكم ، التي سجلها عليكم الكرام الكاتبون ، وفيها جميع أقوالكم وأفعالكم ~~في الدنيا ، بدون زيادة أو نقصان ، بل هي مشتملة على كل حق وصدق فقد اقتضت ~~حكمتنا وعدالتنا أننا لا نظلم أحدا وإنما نعطى كل إنسان ما يستحقه من خير ، ~~ونعفو عن كثير من الهفوات. # وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد مدحت المؤمنين الصادقين ، ووصفتهم بما هم ~~أهله من صفات كريمة. # ثم تعود السورة مرة أخرى إلى الحديث عن أحوال الكافرين ، فتوبخهم على ~~استمرارهم في غفلتهم ، وتصور جزعهم وجؤارهم ms4074 عند ما ينزل بهم العذاب فتقول : # ( @QUR@014 بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها ~~عاملون (63) @QUR@08 حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون (64) ~~@QUR@07 لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون (65) @QUR@09 قد كانت آياتي ~~تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون (66) @QUR@04 مستكبرين به سامرا ~~تهجرون ) (67) # قال الجمل : قوله تعالى : ( @QUR@02 بل قلوبهم .. ) @QUR@01 . هذا رجوع ~~لأحوال الكفار المحكية فيما سبق بقوله : ( @QUR@03 أيحسبون أنما نمدهم .. ) ~~@QUR@01 . والجمل التي بينهما وهي قوله : ( @QUR@06 إن الذين هم من خشية ~~ربهم ) إلى قوله ( @QUR@03 وهم لا يظلمون ) اعتراض في خلال الكلام المتعلق ~~بالكفار (1). # أى : هذه هي أوصاف المؤمنين الصادقين ، أما الكافرون فقلوبهم في ( ~~@QUR@03 غمرة من هذا ) أى : في جهالة وغفلة مما عليه هؤلاء المؤمنون من ~~صفات حميدة ، ومن إيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. # وهؤلاء الكافرون ( @QUR@02 لهم أعمال ) سيئة كثيرة ( @QUR@03 من دون ذلك ~~) أى من غير ما ذكرناه عنهم من كون قلوبهم في غمرة وجهالة عن الحق ( ~~@QUR@03 هم لها عاملون ) أى : هم مستمرون عليها ، ومعتادون لفعلها مندفعون ~~في ارتكابها بدون وعى أو تدبر. PageV10P046 # ثم بين سبحانه عند ما ينزل بهم العذاب فقال : ( @QUR@08 حتى إذا أخذنا ~~مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون ) @QUR@01 . # وحتى هنا : ابتدائية ، أى : حرف تبتدئ بعده الجمل ، وجملة ( @QUR@02 إذا ~~أخذنا ) شرطية. وجوابها ( @QUR@03 إذا هم يجأرون ) @QUR@01 . # والجؤار : الصراخ مطلقا ، أو باستغاثة. يقال : جأر الثور يجأر إذا صاح. # وجأر الداعي إلى الله ، إذا ضج ورفع صوته بالتضرع إلى الله عز وجل . # أى : حتى إذا عاقبنا هؤلاء المترفين الذين أبطرتهم النعمة. بالعذاب الذي ~~يردعهم ويخزيهم ويذلهم ، إذا هم يجأرون إلينا بالصراخ وبالاستغاثة. # وعبر عن عقابهم ، بالأخذ ، للإشعار بسرعة هذا العقاب وشدته ، كما في قوله ~~تعالى ( @QUR@06 ... أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ) (1). # وخص المترفين بالذكر ، للإشارة إلى أن ما كانوا فيه من التنعم والتمتع ~~والتطاول في الدنيا ، لن ينفعهم شيئا عند نزول هذا العذاب بهم. # وقوله سبحانه ( @QUR@07 لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون ) تأنيب وزجر ~~لهم على جؤارهم وصراخهم. والمراد باليوم. الوقت الذي فيه نزل العذاب بهم. # أى ms4075 : عند ما أخذناهم بالعذاب المباغت المفاجئ ، وضجوا بالاستغاثة والجؤار ~~، قلنا لهم على سبيل التقريع والزجر : لا تجأروا ولا تصرخوا في هذا الوقت ~~الذي أصابكم ما أصابكم فيه من عذاب. فإنكم لن تجدوا من ينجيكم من عذابنا ، ~~أو من يدفع عنكم هذا العذاب .. # ثم بين سبحانه الأسباب التي أفضت بهم إلى هذا العذاب المهين ، فقال تعالى ~~: ( @QUR@09 قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون ... ) ~~@QUR@01 . # والأعقاب : جمع عقب ، وهو مؤخر القدم و ( @QUR@01 تنكصون ) من النكوص ، ~~وهو الرجوع إلى الخلف. يقال : فلان نكص على عقبيه ، إذا رجع إلى الوراء ، ~~وهو هنا كناية عن الإعراض عن الآيات. # أى : لا تجأروا ولا تصرخوا ، فإن ذلك لن يفيدكم شيئا ، بسبب إصراركم على ~~كفركم في حياتكم الدنيا ، فقد كانت آياتي الدالة على وحدانيتي تتلى على ~~مسامعكم من نبينا صلى الله عليه وسلم ومن المؤمنين به ، فكنتم تعرضون عن ~~سماعها أشد الإعراض ، وكنتم تستهزءون بها ، وتكادون تسطون بالذين يتلونها عليكم. PageV10P047 # وقوله تعالى ( @QUR@04 مستكبرين به سامرا تهجرون ) مقرر لمضمون ما قبله ، ~~من إعراضهم عن آيات الله. ونكوصهم على أعقابهم عند سماعها. # والضمير في ( @QUR@01 به ) يرى جمهور المفسرين أنه يعود إلى البيت الحرام ~~، والباء للسببية. # وقوله : «سامرا» اسم جمع كحاج وحاضر وراكب ، مأخوذ من السمر وأصله ظل ~~القمر وسمى بذلك لسمرته ، ثم أطلق على الحديث بالليل. يقال : سمر فلان يسمر ~~ككرم يكرم إذا تحدث ليلا مع غيره بقصد المسامرة والتسلية. # وقوله : ( @QUR@01 تهجرون ) قرأه الجمهور بفتح التاء وضم الجيم مأخوذ من ~~الهجر بإسكان الجيم بمعنى الصد والقطيعة ، أو من الهجر بفتح الجيم بمعنى ~~الهذيان والنطق بالكلام الساقط ، بسبب المرض أو الجنون. # وقرأ نافع ( @QUR@01 تهجرون ) بضم التاء وكسر الجيم مأخوذ من هجر هجارا ~~إذا نطق بالكلام القبيح. # والمعنى : قد كانت آياتي تتلى عليكم أيها المستغيثون من العذاب فكنتم ~~تعرضون عنها ، ولم تكتفوا بهذا الإعراض ، بل كنتم متكبرين على المسلمين ~~بالبيت الحرام ، وكنتم تتسامرون بالليل حوله ، فتستهزئون بالقرآن ، ~~وبالرسول صلى الله عليه وسلم وبتعاليم الإسلام وتنطقون خلال سمركم بالقول ~~الباطل ، الذي يدل ms4076 على مرض قلوبكم ، وفساد عقولكم ، وسوء أدبكم. # وقوله : ( @QUR@01 مستكبرين ) و ( @QUR@01 سامرا ) و ( @QUR@01 تهجرون ) ~~أحوال ثلاثة مترادفة على واو الفاعل في ( @QUR@01 تنكصون ) أو متداخلة ، ~~بمعنى أن كل كلمة منها حال مما قبلها. # قال القرطبي : ( @QUR@01 مستكبرين ) حال ، والضمير في ( @QUR@01 به ) قال ~~الجمهور : هو عائد على الحرم ، أو المسجد ، أو البلد الذي هو مكة. وإن لم ~~يتقدم له ذكر لشهرته في الأمر. # أى : يقولون نحن أهل الحرم فلا نخاف. وقيل : المعنى أنهم يعتقدون في ~~نفوسهم أن لهم بالمسجد والحرم أعظم الحقوق على الناس والمنازل فيستكبرون لذلك. # وقالت فرقة : الضمير عائد على القرآن ، من حيث ذكرت الآيات. # والمعنى : يحدث لكم سماع آياتي كبرا وطغيانا فلا تؤمنوا بي ...» (1). # والمتأمل في هذه الآيات الكريمة ، يراها تصور حسرة المشركين وجؤارهم يوم ~~ينزل بهم PageV10P048 # العذاب تصويرا بديعا ، كما تبين ما كانوا عليه من غرور وسوء أدب ، مما ~~جعلهم أهلا لهذا المصير الأليم. # ثم تنتقل السورة الكريمة من تأنيبهم وتيئيسهم من الاستجابة لجؤارهم ، إلى ~~سؤالهم بأسلوب توبيخي عن الأسباب التي أدت بهم إلى الإعراض عما جاءهم به ~~رسولهم صلى الله عليه وسلم فتقول : # ( @QUR@010 أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين (68) ~~@QUR@07 أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون (69) @QUR@010 أم يقولون به جنة ~~بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون (70) @QUR@016 ولو اتبع الحق أهواءهم ~~لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون ~~(71) @QUR@09 أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين (72) @QUR@05 ~~وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم (73) @QUR@08 وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن ~~الصراط لناكبون ) (74) # قال الجمل : قوله تعالى : ( @QUR@03 أفلم يدبروا القول .. ) @QUR@01 . ~~شروع في بيان أسباب حاملة لهم على ما سبق من قوله تعالى : ( @QUR@04 فكنتم ~~على أعقابكم تنكصون .. ) @QUR@01 . إلخ (1). # والهمزة لإنكار ما هم فيه من عدم التدبر واستقباحه ، والفاء للعطف على ~~مقدر يستدعيه المقام : والمراد بالقول : القرآن الكريم وما اشتمل عليه من ~~هدايات. # والمعنى : أفعلوا ما فعلوا من النكوص على الأعقاب ، ومن الغرور ومن ~~الهذيان بالباطل من القول ، فلم يتدبروا هذا القرآن ، ولم يتفكروا فيما ~~اشتمل ms4077 عليه من توجيهات حكيمة .. # إنهم لو تدبروه لوجدوا فيه من العظات والآداب والأحكام ، والقصص ، ~~والعقائد ، والتشريعات .. ما يسعدهم ويهد بهم إلى الصراط المستقيم. PageV10P049 # فالجملة الكريمة تحضهم على تدبر هذا القرآن ، لأنهم إن تدبروه تدبرا ~~صادقا. لعلموا أنه الحق الذي لا يحوم حوله باطل. # وشبيه بهذه الجملة قوله تعالى ( @QUR@013 أفلا يتدبرون القرآن ، ولو كان ~~من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) (2). # وبعد أن وبخهم سبحانه على تركهم الانتفاع بالقرآن. أتبع ذلك بتقريعهم على ~~أن ما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم يتفق في أصوله مع ما جاء به الرسل ~~السابقون لآبائهم الأولين. # أى : أكذبوا رسولهم لأنه جاءهم بما لم يأت به الرسل لآبائهم؟ كلا ، فإن ~~ما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم يطابق في جوهره ما جاء به إبراهيم ~~وإسماعيل وغيرهما ، من آبائهم الأولين. # قال تعالى ( @QUR@023 شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ، والذي أوحينا ~~إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ، أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه. ~~) @QUR@01 . (3). # وقال سبحانه : ( @QUR@013 قل ما كنت بدعا من الرسل ، وما أدري ما يفعل بي ~~ولا بكم .. ) @QUR@01 . (4). # ويجوز أن يكون المعنى : أكذب هؤلاء الجاهلون رسولهم صلى الله عليه وسلم ~~لأنهم في أمان من العذاب ، وهذا الأمان لم يكن فيه آباؤهم الأولون؟ # كلا ، وإن من شأن العقلاء أنهم لا يأمنون مكر الله فإنه لا يأمن مكر الله ~~إلا القوم الخاسرون. # قال الآلوسى : وأم في قوله تعالى ( @QUR@07 أم جاءهم ما لم يأت آباءهم ~~الأولين ) منقطعة ، وما فيها من معنى بل ، للإضراب والانتقال من التوبيخ ~~بما ذكر إلى التوبيخ بآخر. والهمزة لإنكار الوقوع لا لإنكار الواقع. أى : ~~بل أجاءهم من الكتاب ما لم يأت آباءهم الأولين ، حتى استبعدوه فوقعوا فيما ~~وقعوا فيه من الكفر والضلال ، بمعنى أن مجيء الكتب من جهته تعالى إلى الرسل ~~سنة قديمة له تعالى وأن مجيء القرآن جار على هذه السنة فلما ذا ينكرونه؟ # وقيل المعنى : أفلم يدبروا القرآن ليخافوا عند ms4078 تدبر آياته ، ما نزل بمن ~~قبلهم من المكذبين ، PageV10P050 # أم جاءهم من الأمن ما لم يأت آباءهم الأولين ، حين خافوا الله تعالى ~~فآمنوا به ويكتبه ورسله ، فالمراد بآبائهم : «المؤمنون» منهم كإسماعيل ~~عليه السلام ... (5). # ثم انتقلت السورة إلى توبيخهم ثالثا على كفرهم مع علمهم بصدق الرسول ~~وأمانته ، فقال تعالى ( @QUR@07 أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون ) ~~@QUR@01 . # أى : أيكون سبب كفرهم أنهم لم يعرفوا رسولهم محمدا صلى الله عليه وسلم ؟ كلا ~~فإن هذا لا يصلح سببا ، إذ هم يعرفون حسبه ونسبه ، وأمانته ، وصدقه ، ~~وكانوا يلقبونه بالصادق الأمين قبل بعثته ، وأبو سفيان قبل أن يدخل في ~~الإسلام شهد أمام هرقل ملك الروم ، بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان معروفا ~~بصدقه وأمانته قبل البعثة. # ثم انتقلت السورة للمرة الرابعة إلى توبيخهم على أمر آخر ، فقال تعالى : ~~( @QUR@04 أم يقولون به جنة ... ) @QUR@01 . # أى : أيكون سبب إصرارهم على كفرهم اتهامهم للرسول صلى الله عليه وسلم ~~بالجنون؟ كلا ، فإنهم يعلمون حق العلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو أكمل ~~الناس عقلا ، وأرجحهم فكرا ، وأثقبهم رأيا ، وأوفرهم رزانة. # وقوله تعالى ( @QUR@06 بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون ) إضراب عما ~~يدل عليه ما سبق من اتهامات باطلة دارت على ألسنة المشركين. # أى : ليس الأمر كما زعموا من أنه صلى الله عليه وسلم به جنة أو أنه أتاهم ~~بما لم يأت آباءهم الأولين ، بل الأمر الصدق ، أن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~جاءهم بالحق الثابت الذي لا يحوم حوله باطل ولكن هؤلاء القوم أكثرهم كارهون ~~للحق ، لأنه يتعارض مع أنانيتهم وشهواتهم ، وأهوائهم .. # وقال سبحانه : ( @QUR@03 وأكثرهم للحق كارهون ) لأن قلة من هؤلاء ~~المشركين كانت تعرف أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد جاءهم بالحق ، وتحب أن ~~تدخل في الإسلام ، ولكن حال بينهم وبين ذلك ، الخوف من تعيير أقوامهم لهم ~~بأنهم فارقوا دين آبائهم وأجدادهم ، كأبى طالب مثلا فإنه مع دفاعه عن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بقي على كفره. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : قوله ( @QUR@01 وأكثرهم ) فيه أن أقلهم ~~كانوا لا يكرهون ms4079 الحق؟ قلت : كان فيهم من يترك الإيمان به أنفة واستنكافا ~~من توبيخ قومه ، وأن يقولوا صبأ وترك دين آبائه ، لا كراهة للحق ، كما يحكى ~~عن أبى طالب. PageV10P051 # فإن قلت : يزعم بعض الناس أن أبا طالب صح إسلامه؟ قلت : يا سبحان الله. ~~كأن أبا طالب كان أخمل أعمام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يشتهر إسلام ~~حمزة والعباس رضى الله عنهما ويخفى إسلام أبى طالب» (1). # ثم بين سبحانه بعد ذلك ما كان سينزل بالعالم من فساد. فيما لو اتبع الحق ~~على سبيل الفرض أهواء هؤلاء المشركين ، فقال تعالى : ( @QUR@09 ولو اتبع ~~الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ... ) @QUR@01 . # والمراد بالحق هنا عند كثير من المفسرين هو الله عز وجل إذ أن هذا اللفظ ~~من أسمائه تعالى . # والمعنى : ولو أجاب الله تعالى هؤلاء المشركين إلى ما يهوونه ويشتهونه من ~~باطل وقبيح. لفسدت السموات والأرض ومن فيهن ؛ لأن أهواءهم الفاسدة من شرك. ~~وظلم ، وحقد ، وعناد ... ، لا يمكن أن يقوم عليها نظام هذا الكون البديع ، ~~الذي أقمناه على الحق والعدل ... # ويرى بعض المفسرين أن المراد بالحق هنا ما يقابل الباطل ويدل على ذلك ~~قوله تعالى : ( @QUR@06 بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون ) @QUR@01 . # فيكون المعنى : ولو اتبع الحق الذي جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أهواء المشركين ، لفسدت السموات والأرض ومن فيهن ، وذلك لأن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم جاءهم بالتوحيد وهم يريدون الشرك ، وجاءهم بمكارم الأخلاق ~~، وهم يريدون ما ألفوه من شهوات ، وجاءهم بالتشريعات العادلة الحكيمة ، وهم ~~يريدون التشريعات التي ترضى غرورهم وأوضاعهم الفاسدة ، والتي منها تفضيل ~~الناس بحسب أحسابهم وغناهم ، لا بحسب إيمانهم وتقواهم ... # ومع وجاهة الرأيين ، إلا أننا نميل إلى الرأى الثاني ، لأنه أقرب إلى ~~سياق الآيات ، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى : ( @QUR@06 بل جاءهم بالحق ~~وأكثرهم للحق كارهون ) @QUR@01 . # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون ) ~~انتقال من توبيخهم على كراهيتهم للحق ، إلى توبيخهم على نفورهم مما فيه ~~عزهم وفخرهم. # والمراد بذكرهم : القرآن الذي هو شرف لهم ، كما قال تعالى ms4080 : ( @QUR@04 ~~وإنه لذكر لك ولقومك ) (2). PageV10P052 # أى : كيف يكرهون الحق الذي جاءهم به رسولهم صلى الله عليه وسلم مع أنه قد ~~أتاهم بالقرآن الكريم الذي فيه شرفهم ومجدهم؟ إن إعراضهم عن هذا القرآن ~~ليدل دلالة قاطعة ، على غبائهم ، وجهلهم ، لأن العاقل لا يعرض عن شيء يرفع ~~منزلته ، ويكرم ذاته. # ثم انتقلت السورة الكريمة للمرة الخامسة إلى توبيخهم على كفرهم ، مع أن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لم يسألهم أجرا على ما ينقذهم من ظلمات هذا الكفر ~~إلى نور الإيمان. فقال تعالى : ( @QUR@03 أم تسألهم خرجا. ) @QUR@01 . أى : ~~أجرا وجعلا وجزاء ... # أى : أيكون السبب في عدم إيمانهم بك أيها الرسول الكريم أنك تسألهم أجرا ~~على دعوتك لهم إلى إخلاص العبادة لنا؟. # لا : ليس الأمر كما يتوهمون ، فإنك لم تسألهم أجرا على دعوتك إياهم إلى ~~الدخول في الإسلام. # والجملة الكريمة معطوفة على قوله تعالى قبل ذلك ( @QUR@04 أم يقولون به ~~جنة. ) @QUR@01 . # وما بينهما اعتراض وقوله سبحانه : ( @QUR@06 فخراج ربك خير ، وهو خير ~~الرازقين ) تعليل لنفى سؤاله إياهم الأجر على دعوتهم إلى الحق. # أى : أنت أيها الرسول الكريم ما طالبتهم بأجر على دعوتك إياهم إلى ~~الإيمان بالله تعالى وحده ، لأن ما أعطاك الله تعالى من خير وفضل أكبر ~~وأعظم من عطاء هؤلاء الضعفاء الذين لا يستغنون أبدا عن عطائنا. والله تعالى ~~هو خير الرازقين ، لأن رزقه دائم ورزق غيره مقطوع ، ولأنه هو المالك لجميع ~~الأرزاق ، وغيره لا يملك معه شيئا. # قال بعض العلماء : المراد بالخرج والخراج هنا. الأجر والجزاء والمعنى : ~~أنك لا تسألهم على ما بلغتهم من الرسالة المتضمنة لخيرى الدنيا والآخرة ~~أجرا وأصل الخرج والخراج : هو ما تخرجه إلى كل عامل في مقابلة أجرة أو جعل. # وقرأ ابن عامر : أم تسألهم خراجا فخراج ربك خير بإسكان الراء فيهما معا ~~وحذف الألف . # وقرأ حمزة والكسائي : ( @QUR@06 أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير ) بفتح ~~الراء بعدها ألف فيهما معا وقرأ الباقون : ( @QUR@06 أم تسألهم خرجا فخراج ~~ربك خير ) بإسكان الراء وحذف الألف في الأول وفتح الراء وإثبات الألف في ~~الثاني. # والتحقيق : أن ms4081 معنى اللفظين واحد ، وأنهما لغتان فصيحتان ، وقراءتان ~~سبعيتان ، خلافا لمن PageV10P053 # زعم أن بين معناهما فرقا زاعما أن الخرج ما تبرعت به ، وأن الخراج ما ~~لزمك أداؤه» (1). # ثم ختم سبحانه هذه الآيات الكريمة ، ببيان أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا ~~يدعو إلا إلى الحق ، وأن المعرضين عن دعوته عن طريق الحق خارجون ، فقال ~~تعالى ( @QUR@05 وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم .. ) @QUR@01 .. # أى : وإنك أيها الرسول الكريم لتدعو هؤلاء المشركين إلى طريق واضح قويم ، ~~تشهد العقول باستقامته وسلامته من أى عوج. # ( @QUR@05 وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة ) ككفار قريش ومن لف لفهم ( ~~@QUR@02 عن الصراط ) المستقيم ( @QUR@01 لناكبون ) أى : لمائلون وخارجون. # يقال : نكب فلان عن الطريق ينكب نكوبا من باب دخل ، إذا عدل عنه. ومال ~~إلى غيره. # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة. قد شهدت للرسول صلى الله عليه وسلم ~~بالبراءة من كل تهمة تفوه بها المشركون ، وقطعت معاذيرهم ، وردت عليهم بما ~~يخرس ألسنتهم ، حيث حكت شبهاتهم بأمانة ثم كرت عليها بالإبطال ، وأثبتت أن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم إنما جاءهم ليدعوهم إلى الصراط المستقيم. # ثم بين سبحانه بعد ذلك ، أن هؤلاء المشركين ، قد قست قلوبهم ، وفسدت ~~نفوسهم ، وماتت ضمائرهم ، وصاروا لا يؤثر فيهم الابتلاء بالخير أو الشر ، ~~فقال تعالى : # ( @QUR@011 ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون ~~(75) @QUR@08 ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون (76) ~~@QUR@012 حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون ) (77) # أى : ولو رحمنا هؤلاء المشركين الذين تنكبوا الصراط المستقيم وكشفنا ما ~~بهم من ضر. # أى : من سوء حال بسبب ما نزل بهم من قحط وجدب وفقر PageV10P054 # ( @QUR@04 للجوا في طغيانهم يعمهون ) أى : لتمادوا في طغيانهم ، وتجاوزوا ~~الحدود في كفرهم وضلالهم ، وفي تحيرهم وترددهم بدون تمييز بين الحق ~~والباطل. # والتعبير بقوله تعالى ( @QUR@01 للجوا ) يشعر بأنهم لقسوة قلوبهم ، صاروا ~~لا تؤثر فيهم المصائب بل يزدادون بسببها طغيانا وكفرا ، إذ الفعل «لجوا» ~~مأخوذ من اللجاج. هو التمادي والعناد في ارتكاب المنهي عن ارتكابه. # يقال : لج فلان في الأمر يلج ms4082 لججا ولجاجة. إذا لازمه وواظب عليه. ومنه ~~«اللجة» بفتح اللام لكثرة الأصوات. ولجة البحر بضم اللام لتردد أمواجه .. # وقوله : ( @QUR@01 يعمهون ) من العمه ، بمعنى التردد والتحير ، وهو ~~للقلوب بمنزلة العمى للعيون. # وهو مأخوذ من قولهم : أرض عمهاء ، إذا لم يكن فيها علامات ترشد إلى ~~الخروج منها. # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما ~~يتضرعون ) مؤكد لما قبله من وصف هؤلاء المشركين بالجحود والعناد. # والمراد بالعذاب هنا : العذاب الدنيوي كالجوع والقحط والمصائب. # والاستكانة : الانتقال من كون إلى كون ومن حال إلى حال. ثم غلب استعمال ~~هذه الكلمة في الانتقال من حال التكبر والغرور إلى حال التذلل والخضوع. # أى : ولقد أخذنا هؤلاء الطغاة ، بالعذاب الشديد ، كالفقر ، والمصائب ~~والأمراض فما خضعوا لربهم عز وجل وما انقادوا له وأطاعوه ، وما تضرعوا إليه ~~سبحانه بالدعاء الخالص لوجهه الكريم ، لكي يكشف عنهم عز وجل ما نزل بهم من ضر. # ولفظ «حتى» في قوله تعالى ( @QUR@08 حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب ~~شديد .. ) @QUR@01 . يقصد به ابتداء الكلام ، وإذا الأولى شرطية ، والثانية ~~وهي قوله ( @QUR@04 إذا هم فيه مبلسون ) رابطة للجواب. # أى : هم مستمرون على جحودهم وعنادهم ، حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب ~~شديد ، من أبواب عذاب الآخرة المعد لهم إذا هم فيه مبلسون ، أى : ساكتون من ~~شدة الحيرة ، وآيسون من كل نجاء. يقال : أبلس فلان إبلاسا ، إذا سكت في ~~حيرة ويأس من الخلاص مما هو فيه من عذاب وبلاء. # وقريب من هذه الآيات في المعنى قوله تعالى : ( @QUR@020 إن شر الدواب عند ~~الله الصم البكم الذين لا يعقلون* ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ، ولو ~~أسمعهم لتولوا وهم PageV10P055 # @QUR@01 معرضون ) (1). # وقوله عز وجل : ( @QUR@016 بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا ~~لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ) (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@026 ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ، فأخذناهم ~~بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ، فلو لا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ، ولكن قست ~~قلوبهم ، وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون ) (3). # ثم تأخذ السورة الكريمة بعد ذلك في تذكيرهم بنعم الله عليهم ms4083 ، لعلهم ~~يتوبون أو يتذكرون ، فتقول : # ( @QUR@010 وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ~~(78) @QUR@07 وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (79) @QUR@010 وهو الذي ~~يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون ) (80) # أى : «وهو» الله تعالى وحده ، «الذي أنشأ لكم» أيها الناس بفضله ورحمته ~~«السمع» الذي تسمعون به «والأبصار» التي تبصرون بها «والأفئدة» التي ~~بواسطتها تفهمون وتدركون ... # ولو تدبر الإنسان هذه النعم حق التدبر : لاهتدى إلى الحق. ولآمن بأن ~~الخالق لهذه الحواس وغيرها. هو الله الواحد القهار. # ولكن الإنسان إلا من عصم الله قليل الشكر لله تعالى ولذا قال سبحانه : ( ~~@QUR@03 قليلا ما تشكرون ) أى : شكرا قليلا ما تشكرون هذه النعم الجليلة ، ~~بدليل أن أكثر الناس في هذه الحياة ، كافرون بوحدانية الله تعالى . # فلفظ «قليلا» صفة لموصوف محذوف ، و «ما» لتأكيد هذه القلة وتقريرها. PageV10P056 # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون ) بيان ~~لنعمة أخرى من نعمه التي لا تحصى. # أى : وهو سبحانه الذي أوجدكم من الأرض ، ونشركم فيها عن طريق التناسل ، ~~وإليه وحده تجمعون يوم القيامة للحساب. # ثم ذكر ما يدل على كمال قدرته فقال : ( @QUR@04 وهو الذي يحيي ويميت ) ~~بدون أن يشاركه في ذلك مشارك ، ( @QUR@01 وله ) وحده التأثير في اختلاف ~~الليل والنهار وتعاقبهما ، وزيادة أحدهما ونقص الآخر ، ( @QUR@02 أفلا ~~تعقلون ) وتدركون ما في هذا كله من دلائل واضحة على وحدانية الله تعالى ~~وقدرته؟ # ثم حكى سبحانه بعد ذلك أن هؤلاء المشركين ، لم يقابلوا نعم الله تعالى ~~عليهم بالشكر ، وإنما قابلوها بالجحود وبإنكار البعث والحساب ، وأمر سبحانه ~~رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم فقال تعالى : # ( @QUR@06 بل قالوا مثل ما قال الأولون (81) @QUR@08 قالوا أإذا متنا ~~وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون (82) @QUR@012 لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا ~~من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين (83) @QUR@08 قل لمن الأرض ومن فيها إن ~~كنتم تعلمون (84) @QUR@05 سيقولون لله قل أفلا تذكرون (85) @QUR@08 قل من ~~رب السماوات السبع ورب العرش العظيم (86) @QUR@05 سيقولون لله قل أفلا ~~تتقون (87) @QUR@014 قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن ms4084 ~~كنتم تعلمون (88) @QUR@05 سيقولون لله قل فأنى تسحرون ) (89) # ولفظ «بل» في قوله تعالى : ( @QUR@06 بل قالوا مثل ما قال الأولون ) ~~للإضراب الانتقالى. وهو معطوف على مضمر يقتضيه المقام. PageV10P057 # أى : لقد سقنا لهم ألوانا من النعم ، وسقنا لهم ما يدل على قدرتنا ومع ~~ذلك فلم يؤمنوا. بل قالوا مثل ما قال من هم على شاكلتهم في الكفر من ~~الأقوام الأولين. # ثم حكى سبحانه ما قالوه فقال : ( @QUR@01 قالوا ) على سبيل التعجب ~~والإنكار ( @QUR@07 أإذا متنا ، وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون ) @QUR@01 . # فهم يرون لجهلهم وغبائهم أنه من المستحيل أن يعادوا إلى الحياة بعد أن ~~يموتوا ويصيروا ترابا وعظاما نخرة. # وهذا الذي قالوه هنا. قد حكى القرآن عنهم مثله في آيات كثيرة ، من ذلك ~~قوله تعالى ( @QUR@07 أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@014 يقولون أإنا لمردودون في الحافرة* أإذا كنا ~~عظاما نخرة* قالوا تلك إذا كرة خاسرة ) (2). # ثم بين سبحانه أنهم لم يكتفوا بإنكارهم للبعث ، بل أضافوا إلى ذلك سوء ~~الأدب ، والسخرية ممن يؤمن به فقال : ( @QUR@07 لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا ~~من قبل ... ) @QUR@01 . # أى : لقد وعدنا على لسان هذا الرسول صلى الله عليه وسلم بأن البعث حق ، كما ~~وعد آباؤنا قبل ذلك على ألسنة الرسل السابقين ، ونحن لا نصدق هذا الرسول ، ~~ولا أولئك الرسل. # ( @QUR@05 إن هذا إلا أساطير الأولين ) أى : ما هذا البعث الذي وعدنا ~~جميعا به ، إلا أساطير الأولين. أى : أكاذيبهم التي سطروها من عند أنفسهم ~~في كتبهم. # والأساطير : جمع أسطورة ، كأحدوثة ، وأعجوبة ، وأكذوبة. # وهكذا الجهلاء المغرورون ، لا يقفون من الحق موقف المنكر له فحسب ، بل ~~يضيفون إلى ذلك سوء الأدب ، وقبح المنطق ، والقول بغير علم. # وقد أمر الله تعالى رسوله أن يرد على أباطيلهم ، وأن يلزمهم بثلاث حجج ، ~~تدل على أن الله تعالى قادر على إعادتهم إلى الحياة بعد موتهم. # أما الحجة الأولى فتتجلى في قوله سبحانه : ( @QUR@08 قل لمن الأرض ومن ~~فيها إن كنتم تعلمون ) أى : قل لهم أيها الرسول الكريم لمن هذه الأرض ملكا ~~وتصرفا ، ولمن هذه المخلوقات التي عليها ، خلقا وتدبيرا ms4085 ، إن كنتم من أهل ~~العلم والفهم؟ أو كنتم عالمين بذلك فأخبرونى من خالقهم؟ فجواب الشرط محذوف ~~لدلالة الاستفهام عليه. PageV10P058 # ( @QUR@02 سيقولون لله ) ولا يملكون أن يقولوا غير ذلك ، لأن بداهة العقل ~~تضطرهم إلى أن يعترفوا بأن الأرض ومن فيها لله تعالى . # ( @QUR@03 قل أفلا تذكرون ) أى : قل لهم في الجواب على اعترافهم هذا ، ~~أتعلمون ذلك ، فلا تتذكرون بأن من خلق الأرض ومن فيها قادر على إحياء الناس ~~بعد موتهم. # وأما الحجة الثانية فهي قوله سبحانه : ( @QUR@08 قل من رب السماوات السبع ~~ورب العرش العظيم ) وهو كرسيه الذي وسع السموات والأرض؟ # ( @QUR@02 سيقولون لله ) فهو رب كل شيء. ( @QUR@03 قل أفلا تتقون ) أى : ~~قل لهم على سبيل التبكيت والتقريع ، أتقولون ذلك ، ومع هذا لا تتقون الله ، ~~ولا تخافون عقابه ، بسبب عبادتكم لغيره ، وإنكاركم لما نهاكم عن إنكاره؟ # وأما الحجة الثالثة ، فتتجلى في قوله عز وجل : ( @QUR@06 قل من بيده ملكوت ~~كل شيء. ) @QUR@01 . أى : قل لهم من بيده ملك كل شيء كائنا ما كان. # فالملكوت من الملك ، وزيدت الواو والتاء للمبالغة في هذا الملك. # ( @QUR@05 وهو يجير ولا يجار عليه ) أى : وهو سبحانه يغيث من يشاء من ~~خلقه فلا يستطيع أحد أن يناله بسوء ، أما من يريد الله تعالى أن ينزل به ~~عقابه ، فلن يستطيع أحد أن يمنع هذا العقاب عنه. # يقال : أجرت فلانا على فلان ، إذا أغثته وأنقذته منه. وعدى بعلى لتضمينه ~~معنى النصر. # ( @QUR@03 إن كنتم تعلمون ) أى : إن كنتم أيضا من أهل العلم والفهم. # ( @QUR@02 سيقولون لله ) أى : سيقولون ملك كل شيء لله ، والقدرة على كل ~~شيء لله. # ( @QUR@03 قل فأنى تسحرون ) أى : قل لهم في الجواب عليهم ، ما دمتم قد ~~اعترفتم بأن كل شيء تحت قدرة الله وسيطرته ، فكيف تخدعون وتصرفون عن الحق ~~وعن الرشد مع علمكم بهما ، إلى ما أنتم عليه من باطل وغي!! يقال : سحر فلان ~~غيره ، بمعنى خدعه ، أو أتى عمل السحر. والمسحور هو الشخص المخدوع أو من ~~تأثر بما عمل له من سحر. # وبهذه الحجج الدامغة ، أخرس الله تعالى ألسنة المنكرين للبعث ، وأثبت لهم ms4086 ~~أنه سبحانه لا يعجزه شيء. # وبعد أن أثبت سبحانه أن البعث حق ، أتبع ذلك بإثبات وحدانيته ، وإبطال ما ~~يزعمون له تعالى من الولد والشريك. فقال : PageV10P059 # ( @QUR@05 بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون (90) @QUR@024 ما اتخذ الله من ~~ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان ~~الله عما يصفون (91) @QUR@06 عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون ) (92) # وقوله سبحانه ( @QUR@03 بل أتيناهم بالحق .. ) @QUR@01 . إضراب عن قول ~~أولئك الكافرين ( @QUR@05 إن هذا إلا أساطير الأولين ) @QUR@01 . # أى : ما كان ما أخبرناهم به من أن هناك بعثا وحسابا ، أساطير الأولين بل ~~أخبرناهم وأتيناهم بالحق الثابت ، والوعد الصادق ، وإنهم لكاذبون في دعواهم ~~أن البعث غير واقع ، وأن مع الله تعالى آلهة أخرى ، وأن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم لم يجئهم بالحق الذي يريدونه. # ثم وبخهم سبحانه على قولهم إن لله ولدا وشريكا فقال : ( @QUR@020 ما اتخذ ~~الله من ولد ، وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على ~~بعض ... ) @QUR@01 . # أى : لم يتخذ الله تعالى ولدا كما يزعم هؤلاء الجاهلون ؛ لأنه سبحانه ~~منزه عن ذلك. ولم يكن معه من إله يشاركه في ألوهيته وربوبيته عز وجل . # ولو كان الأمر كما يزعمون ( @QUR@06 إذا لذهب كل إله بما خلق ) واستقل به ~~عن غيره. ( @QUR@04 ولعلا بعضهم على بعض ) أى : ولحدث بينهم التجارب ~~والتغالب ... ولفسد هذا الكون ، كما قال تعالى : ( @QUR@07 لو كان فيهما ~~آلهة إلا الله لفسدتا ... ) @QUR@01 . # ( @QUR@04 سبحان الله عما يصفون ) أى : تنزه الله تعالى وتقدس عما يصفه ~~به هؤلاء الجاهلون. فهو سبحانه الواحد الأحد. الفرد الصمد ، الذي لم يلد ~~ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد. # ( @QUR@03 عالم الغيب والشهادة ) أى : هو العليم بما يغيب عن عقول الناس ~~ومداركهم وهو العليم أيضا بما يشاهدونه بأبصارهم وحواسهم. # ( @QUR@01 فتعالى ) الله عز وجل وتقدس ( @QUR@02 عما يشركون ) معه من آلهة ~~أخرى ، لا تضر ولا تنفع : ولا تملك لعابديها موتا ولا حياة ولا نشورا. # ثم تترك السورة الحديث مع هؤلاء المشركين ، وتوجه حديثها إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم ms4087 فتأمره أن يلتجئ إلى خالقه ، وأن يستعيذ به من شرور ~~الشياطين .. قال تعالى : PageV10P060 # ( @QUR@06 قل رب إما تريني ما يوعدون (93) @QUR@06 رب فلا تجعلني في ~~القوم الظالمين (94) @QUR@07 وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون (95) ~~@QUR@09 ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون (96) @QUR@07 وقل رب ~~أعوذ بك من همزات الشياطين (97) @QUR@05 وأعوذ بك رب أن يحضرون ) (98) # قال الجمل : «لما أعلم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه منزل عذابه ~~بهؤلاء المشركين ، إما في حياته صلى الله عليه وسلم أو بعد مماته ، علمه كيفية ~~الدعاء بالتخلص من عذابهم فقال تعالى : ( @QUR@06 قل رب إما تريني ما ~~يوعدون ) وقوله : ( @QUR@01 تريني ) فعل مضارع مبنى على الفتح لاتصاله بنون ~~التوكيد ، و ( @QUR@01 ما ) مفعول به ، ورأى بصرية تعدت لمفعولين بواسطة ~~الهمزة ، لأنه من أرى الرباعي ، فياء المتكلم مفعول أول ، وما الموصولة ~~المفعول الثاني ...» (1). # أى : قل أيها الرسول الكريم يا رب إن تطلعني وتريني العذاب الذي توعدت به ~~هؤلاء المشركين ، فأسألك يا إلهى أن لا تجعلني قرينا لهم فيه ، وأبعدنى عن ~~هؤلاء القوم الظالمين ، حتى لا يصيبني ما يصيبهم. # ورسول الله صلى الله عليه وسلم في عصمة من الله تعالى من أن يجعله مع القوم ~~الظالمين ، حين ينزل بهم العذاب ، ولكن جاءت الآية بهذا الدعاء والإرشاد ، ~~للزيادة في التوقي ، ولتعليم المؤمنين أن لا يأمنوا مكر الله ، وأن يلوذوا ~~دائما بحماه. # وقوله سبحانه ( @QUR@07 وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون ) بيان لكمال ~~قدرة الله تعالى التي لا يعجزها شيء. PageV10P061 # @QUR@011 نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ، فإنما عليك البلاغ وعلينا ~~الحساب ) (1). # ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر على أذاهم. وبمقابلة ~~سيئاتهم بالخصال الحسنة ، فقال : ( @QUR@09 ادفع بالتي هي أحسن السيئة ، ~~نحن أعلم بما يصفون ) @QUR@01 . # أى : قابل أيها الرسول الكريم سيئات هؤلاء المشركين الجاهلين ، بالأخلاق ~~والسجايا التي هي أحسن من غيرها ، كأن تعرض عنهم ، وتصبر على سوء أخلاقهم ، ~~فأنت صاحب الخلق العظيم ، ونحن أعلم منك بما يصفوننا به من صفات باطلة. وما ~~يصفوك به من صفات ذميمة ، وسنجازيهم على ms4088 ذلك بما يستحقون ، في الوقت الذي نريده. # فالآية الكريمة توجيه حكيم من الله تعالى لنبيه ، وتسلية له عما أصابه من ~~أعدائه ، وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@07 خذ العفو وأمر بالعرف ، ~~وأعرض عن الجاهلين ) (2). # ثم أمره تعالى بأن يستعيذ به من وساوس الشياطين ونزغاتهم فقال : ( ~~@QUR@012 وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين. وأعوذ بك رب أن يحضرون ) ~~@QUR@01 . # وقوله : ( @QUR@01 همزات ) جمع همزة وهي المرة من الهمز. وهي في اللغة ~~النخس والدفع باليد أو بغيرها. يقال : همزه يهمزه بضم الميم وكسرها إذا ~~نخسه ودفعه وغمزه. # ومنه المهماز ، وهو حديدة تكون مع الراكب للدابة يحثها بها على السير. # والمراد بهمزات الشياطين هنا : وساوسهم لبنى آدم وحضهم إياهم على ارتكاب ~~ما نهاهم الله تعالى عنه. # أى : وقل أيها الرسول الكريم يا رب أعوذ بك ، واعتصم بحماك ، من وساوس ~~الشياطين ، ومن نزغاتهم الأثيمة ، ومن همزاتهم السيئة ، وأعوذ بك يا إلهى ~~وأتحصن بك ، من أن يحضرني أحد منهم في أى أمر من أمور ديني أو من دنياى ، ~~فأنت وحدك القادر على حمايتى منهم. # وفي هذه الدعوات من الرسول صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم من همزات ~~الشياطين تعليم للمؤمنين ، وإرشاد لهم ، إلى اللجوء دائما إلى خالقهم ، لكي ~~يدفع عنهم وساوس الشياطين ونزغاتهم. # * * * # ثم تنتقل السورة بعد ذلك إلى بيان أقوال هؤلاء المشركين عند ما ينزل بهم ~~الموت ، وعند ما PageV10P062 # تلفح وجوههم النار ، وكيف أنهم يلتمسون العودة بذلة ولكن لا يجابون إلى ~~طلبهم ، لأنه جاء في غير وقته .. # استمع إلى السورة الكريمة وهي تصور أحوالهم عند الاحتضار ، وعند الإلقاء ~~بهم في النار فتقول : # ( @QUR@08 حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون (99) @QUR@016 لعلي ~~أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم ~~يبعثون (100) @QUR@010 فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا ~~يتساءلون (101) @QUR@06 فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (102) ~~@QUR@010 ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون (103) ~~@QUR@06 تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون (104) @QUR@08 ألم تكن آياتي ~~تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون (105) @QUR@08 قالوا ms4089 ربنا غلبت علينا شقوتنا ~~وكنا قوما ضالين (106) @QUR@07 ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون ~~(107) @QUR@05 قال اخسؤا فيها ولا تكلمون (108) @QUR@014 إنه كان فريق من ~~عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين (109) @QUR@08 ~~فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون (110) @QUR@08 إني ~~جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون ) (111) # وقوله تعالى : ( @QUR@05 حتى إذا جاء أحدهم الموت. ) @QUR@01 . بيان لحال ~~الكافرين عند ما PageV10P063 # يدركهم الموت. و «حتى» حرف ابتداء .. والمراد بمجيء الموت : مجيء علاماته. # أى : أن هؤلاء الكافرين يستمرون في لجاجهم وطغيانهم ، حتى إذا فاجأهم ~~الموت ، ونزلت بهم سكراته ، ورأوا مقاعدهم في النار ، قال كل واحد منهم يا ~~رب ارجعنى إلى الدنيا ، ( @QUR@05 لعلي أعمل صالحا فيما تركت ) أى : لكي ~~أعمل عملا صالحا فيما تركت خلفي من عمرى في أيام الدنيا ، بأن أخلص لك ~~العبادة والطاعة وأتبع كل ما جاء به نبيك من أقوال وأفعال. # وجاء لفظ ( @QUR@01 ارجعون ) بصيغة الجمع. لتعظيم شأن المخاطب ، وهو الله ~~تعالى واستدرار عطفه عز وجل . # أو أن هذا الكافر استغاث بالله تعالى فقال : «رب» ثم وجه خطابه بعد ذلك ~~إلى خزنة النار من الملائكة فقال : «ارجعون». # و «لعل» في قوله تعالى : ( @QUR@03 لعلي أعمل صالحا ) للتعليل. أى : ~~ارجعون لكي أعمل عملا صالحا. # وفي معنى هذه الآية وردت آيات كثيرة ، منها قوله تعالى : ( @QUR@012 ... ~~وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل ) (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@016 ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم. ~~ربنا أبصرنا وسمعنا ، فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون ) (2). # ثم بين سبحانه الجواب عليهم فقال : ( @QUR@011 كلا إنها كلمة هو قائلها ، ~~ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ) @QUR@01 . # و «كلا» حرف زجر وردع. والبرزخ : الحاجز والحاجب بين الشيئين لكي لا يصل ~~أحدهما إلى الآخر. والمراد بالكلمة : ما قاله هذا الكافر. أى : رب ارجعون. # أى : يقال لهذا الكافر النادم : كلا ، لا رجوع إلى الدنيا ( @QUR@01 إنها ~~) أى قوله رب ارجعون ، ( @QUR@03 كلمة هو قائلها ) ولن تجديه شيئا ، لأنه ~~قالها بعد فوات الأوان لنفعها ، ( @QUR@02 ومن ورائهم ) أى : ومن أمام هذا ~~الكافر وأمثاله ، حاجز ms4090 يحول بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا ، وهذا الحاجز ~~مستمر إلى يوم البعث والنشور. # فالمراد بالبرزخ : تلك المدة التي يقضيها هؤلاء الكافرون منذ موتهم إلى ~~يوم يبعثون. # وفي هذه الجملة الكريمة. زجر شديد لهم عن طلب العودة إلى الدنيا. وتيئيس ~~وإقناط لهم PageV10P064 # من التفكير في المطالبة بالرجعة ، وتهديد لهم بعذاب القبر إلى يوم ~~القيامة. # ثم بين سبحانه بعد ذلك أن ما ينفع الناس يوم القيامة إنما هو إيمانهم ~~وعملهم ، لا أحسابهم ولا أنسابهم. فقال تعالى : ( @QUR@010 فإذا نفخ في ~~الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ) @QUR@01 . # والأنساب : جمع نسب. والمراد به القرابة ، والمراد بالنفخ في الصور : ~~النفخة الثانية التي يقع عندها البعث والنشور. وقيل : النفخة الأولى التي ~~عندها يحيى الله الموتى. # والمراد بنفي الأنساب : انقطاع آثارها التي كانت مترتبة عليها في الدنيا ~~، من التفاخر بها ، والانتفاع بهذه القرابة في قضاء الحوائج. # أى : فإذا نفخ إسرافيل عليه السلام في الصور وهو آلة نفوض هيئتها إلى الله ~~تعالى ، فلا أنساب ولا أحساب بين الناس نافعة لهم في هذا الوقت ، إذ النافع ~~في ذلك الوقت هو الإيمان والعمل الصالح. # ولا هم يتساءلون فيما بينهم لشدة الهول ، واستيلاء الفزع على النفوس ولا ~~تنافى بين هذه الآية ، وبين قوله تعالى : ( @QUR@05 فأقبل بعضهم على بعض ~~يتساءلون ) (1) فإن كل آية تحكى حالة من الحالات ، ويوم القيامة له مواقف ~~متعددة ، فهم لا يتساءلون من شدة الهول في موقف. ويتساءلون في آخر عند ما ~~يأذن الله تعالى لهم بذلك. # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون .. ) ~~@QUR@01 . بيان لما يكون بعد النفخ في الصور من ثواب أو عقاب. # أى : وجاء وقت الحساب بعد النفخ في الصور ، ( @QUR@03 فمن ثقلت موازينه ) ~~أى : موازين أعماله الصالحة ، ( @QUR@03 فأولئك هم المفلحون ) فلاحا ليس ~~بعده فلاح. # ( @QUR@02 ومن خفت ) موازين أعماله الصالحة ( @QUR@04 فأولئك الذين خسروا ~~أنفسهم ) بأن ضيعوها وألقوا بها إلى التهلكة ، فهم ، ( @QUR@03 في جهنم ~~خالدون ) فيها خلودا أبديا. ( @QUR@06 تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون ) ~~واللفح : الإحراق الشديد يقال : فلان لفحته النار تلفحه لفحا ولفحانا إذا ~~أحرقته. # والكلوح ms4091 ، هو أن تتقلص الشفتان ، وتتكشف الأسنان ، لأن النار قد أحرقت ~~الشفتين ، كما يشاهد والعياذ بالله رأس الشاة بعد شويها. # أى : تحرق النار وجوه هؤلاء الأشقياء ، وهم فيها متقلصو الشفاه عن ~~الأسنان ، من أثر PageV10P065 # ذلك الإحراق واللفح. # ثم يقال لهم بعد كل هذا العذاب المهين على سبيل التقريع والتوبيخ : ( ~~@QUR@03 ألم تكن آياتي ) الدالة على وحدانيتي وقدرتي وصدق رسلي ( @QUR@02 ~~تتلى عليكم ) في الدنيا على ألسنة هؤلاء الرسل الكرام ( @QUR@02 فكنتم بها ~~) أى : بهذه الآيات ( @QUR@01 تكذبون ) هؤلاء الرسل فيما جاءوكم به من عندي ~~من هدايات وإرشادات. # وكأنهم قد خيل إليهم بعد هذا السؤال التوبيخي ، أنهم قد أذن لهم في ~~الكلام ، وأن اعترافهم بذنوبهم قد ينفعهم فيقولون كما حكى القرآن عنهم : ( ~~@QUR@05 قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا .. ) @QUR@01 . أى : يا ربنا تغلبت ~~علينا أنفسنا الأمارة بالسوء ، فصرفتنا عن الحق ، وتغلبت علينا ملذاتنا ~~وشهواتنا وسيئاتنا التي أفضت بنا إلى هذا المصير المؤلم ( @QUR@03 وكنا ~~قوما ضالين ) عن الهدى والرشاد ، بسبب شقائنا وتعاستنا. # ( @QUR@03 ربنا أخرجنا منها ) أى : من هذه النار التي تلفح وجوهنا ( ~~@QUR@02 فإن عدنا ) إلى ما نحن عليه من الكفر وارتكاب السيئات ( @QUR@02 ~~فإنا ظالمون ) أى : فإنا متجاوزون لكل حد في الظلم ، ونستحق بسبب ذلك عذابا ~~أشد مما نحن فيه. # وهكذا يصور القرآن بأسلوبه البديع المؤثر ، أحوال الكافرين يوم القيامة ، ~~تصويرا ترتجف له القلوب ، وتهتز منه النفوس ، وتقشعر من هوله الأبدان. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 قال اخسؤا فيها ولا تكلمون ) جواب على طلبهم ~~الخروج من النار ، والعودة إلى الدنيا. # أى : قال الله تعالى لهم على سبيل الزجر والتيئيس : ( @QUR@02 اخسؤا فيها ~~) اسكتوا وانزجروا انزجار الكلاب ، وامكثوا في تلك النار ( @QUR@02 ولا ~~تكلمون ) في شأن خروجكم منها ، أو في شأن عودتكم إلى الدنيا. # وقوله تعالى ( @QUR@06 إنه كان فريق من عبادي يقولون .. ) @QUR@01 . ~~تعليل لزجرهم عن طلب الخروج أى : اخسئوا في النار ولا تكلمون ، لأنه كان في ~~الدنيا فريق كبير من عبادي المؤمنين يقولون بإخلاص ورجاء : ( @QUR@02 ربنا ~~آمنا ) بك واتبعنا رسلك ( @QUR@02 فاغفر لنا ) ذنوبنا ( @QUR@01 وارحمنا ) ~~برحمتك التي وسعت كل شيء ( @QUR@03 وأنت خير الراحمين ) @QUR@01 . # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 فاتخذتموهم سخريا ms4092 .. ) @QUR@01 . هو محط ~~التعليل ، أى : فكان حالكم معهم أنكم سخرتم واستهزأتم بهم. # ( @QUR@03 حتى أنسوكم ذكري ) أى : فاتخذتموهم سخريا ، وداومتم على ذلك ، ~~وشغلكم هذا PageV10P066 # الاستهزاء ، حتى أنسوكم لكثرة انهماككم في السخرية بهم تذكر عقابي لكم في ~~هذا اليوم ، ( @QUR@03 وكنتم منهم تضحكون ) في الدنيا ، وتتغامزون عند ما ~~ترونهم استخفافا بهم. # فلهذه الأسباب ، اخسئوا في النار ولا تكلمون ، أما هؤلاء المؤمنون الذين ~~كنتم تستهزءون بهم في الدنيا. فإنى ( @QUR@02 جزيتهم اليوم ) الجزاء الحسن ~~( @QUR@05 بما صبروا أنهم هم الفائزون ) فوزا ليس هناك ما هو أكبر منه. # وبعد هذا الرد الذي فيه ما فيه من الزجر للكافرين ، وبعد بيان أسبابه ، ~~وما اشتمل عليه من تبكيت وتقريع ، يوجه إليهم سبحانه سؤالا يزيدهم حسرة على ~~حسرتهم ، فيقول : # ( @QUR@07 قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين (112) @QUR@08 قالوا لبثنا ~~يوما أو بعض يوم فسئل العادين (113) @QUR@09 قال إن لبثتم إلا قليلا لو ~~أنكم كنتم تعلمون (114) @QUR@08 أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ~~ترجعون (115) @QUR@011 فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش ~~الكريم (116) @QUR@018 ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما ~~حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون (117) @QUR@07 وقل رب اغفر وارحم وأنت ~~خير الراحمين ) (118) # أى : قال الله تعالى لهم بعد أن زجرهم وأمرهم أن يسكتوا سكوت هوان وذلة : ~~كم عدد السنين التي لبثتموها في دنياكم التي تريدون الرجوع إليها؟ # ولا شك أن الله تعالى يعلم مقدار الزمن الذي لبثوه ، ولكنه سألهم ليبين ~~لهم قصر أيام الدنيا ، بالنسبة لما هم فيه من عذاب مقيم ، وليزيد في حسرتهم ~~وتوبيخهم. # وهنا يقولون في يأس وذلة : ( @QUR@05 لبثنا يوما أو بعض يوم ) وهو جواب ~~يدل على استصغارهم للمدة التي لبثوها في الدنيا. بجانب ما هم فيه من عذاب. PageV10P067 # وقوله تعالى ( @QUR@02 فسئل العادين ) يشعر بذهولهم عن التحقق من مقدار ~~المدة التي لبثوها في الدنيا. # أى : فاسأل المتمكنين من معرفة المدة التي مكثناها في الدنيا. # فيرد الله تعالى عليهم بقوله ( @QUR@03 قال إن لبثتم ) أى : ما لبثتم في ~~الدنيا ، ( @QUR@02 إلا قليلا ) أى : إلا وقتا قليلا ( @QUR@04 لو ms4093 أنكم ~~كنتم تعلمون ) شيئا من العلم لأدركتم أن ما لبثتموه في الدنيا ، هو قليل ~~جدا بالنسبة إلى مكثكم في النار بسبب إصراركم على كفركم في حياتكم الدنيا. ~~فجواب لو محذوف ، لدلالة الكلام عليه. # ولا يتعارض قولهم هنا ( @QUR@05 لبثنا يوما أو بعض يوم ) مع آيات أخرى ~~ذكرت بأنهم ( @QUR@06 يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا ) (1) وبأنهم ( ~~@QUR@04 ما لبثوا غير ساعة ) كما في قوله تعالى . ( @QUR@09 ويوم تقوم ~~الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة .. ) @QUR@01 . (2). # لأن كل فريق منهم قد أخبر بما تبادر إلى ذهنه ، فبعضهم قال : لبثنا عشرا ~~، وبعضهم قال : لبثنا يوما أو بعض يوم ، وبعضهم أقسم بأنه ما لبث في الدنيا ~~غير ساعة. # وهذا يدل على أن أهوال العذاب ، قد أنستهم ما كانوا فيه في الدنيا من ~~متاع ، وما انغمسوا فيه من شهوات ... # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@04 أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا .. ) ~~@QUR@01 . للإنكار والنفي. والحسبان هنا : بمعنى الظن. والفاء معطوفة على ~~محذوف مقدر. والعبث : اللعب وما لا فائدة فيه من قول أو فعل. # أى : أغرتكم الدنيا ، وغفلتم عن مصيركم ، فحسبتم أنما خلقناكم عبثا لا ~~لحكمة تقتضيها إرادتنا من خلقكم ، وحسبتم كذلك ( @QUR@04 أنكم إلينا لا ~~ترجعون ) يوم القيامة للحساب والجزاء. # إن جزاء هذا الحسبان الباطل ، هو هذا المصير المهين الذي تصطلون بناره ~~اليوم. ثم نزه سبحانه ذاته عن أن يكون قد خلقهم عبثا فقال : ( @QUR@04 ~~فتعالى الله الملك الحق ... ) @QUR@01 . # أى : فتعاظم وتقدس عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله ، الله الملك الحق ، ~~فهو عز وجل منزه عن أن يخلق الناس بدون حكمة أو غرض صحيح. # ( @QUR@04 لا إله إلا هو ) فإن كل ما عداه مخلوق له ، وهو سبحانه ( ~~@QUR@03 رب العرش الكريم ) @QUR@01 . PageV10P068 # ثم هدد سبحانه كل من يعبد غيره أشد تهديد فقال : ( @QUR@06 ومن يدع مع ~~الله إلها آخر ) أى : ومن يدع مع الله تعالى إلها آخر في عبادته أو مناجاته ~~أو أقواله ، أو أفعاله ... # ( @QUR@04 لا برهان له به ) أى : لا دليل له على هذه العبادة ، وليس لهذه ~~الجملة الكريمة مفهوم مخالفة ، بل هي صفة مطابقة للواقع ، لأن ms4094 كل عابد لغير ~~الله ، لا دليل له على هذه العبادة إطلاقا ، إذ العبادة لا تكون إلا لله ~~تعالى وحده. # فذكر هذه الجملة لإقرار الواقع وتأكيده ، لا لإخراج المفهوم عن حكم ~~المنطوق. # وقوله ( @QUR@08 فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون ) تهديد شديد ~~لمن يدعو مع الله تعالى إلها آخر. أى : من يفعل ذلك فسيلقى الحساب الشديد ، ~~والجزاء الرادع ، من عند ربه عز وجل ، لأن عدالته قد اقتضت أن الكافرين به ~~لا ينالون الفلاح ، وإنما ينالون الخزي والخسران. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بقوله : ( @QUR@07 وقل رب اغفر وارحم وأنت ~~خير الراحمين ) أى : وقل أيها الرسول الكريم مناجيا ربك : رب اغفر للمؤمنين ~~ذنوبهم ، وارحم العصاة منهم ، وأنت يا مولانا خير من يرحم ، وخير من يغفر. # قال الآلوسى : «وفي تخصيص هذا الدعاء بالذكر ما يدل على أهمية ما فيه ، ~~وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يقول نحوه في صلاته. فقد أخرج ~~الشيخان عن أبى بكر رضى الله عنه قال : يا رسول الله ، علمني دعاء أدعو به ~~في صلاتي. فقال له قل : «اللهم إنى ظلمت نفسي ظلما كثيرا ، وإنه لا يغفر ~~الذنوب إلا أنت ، فاغفر لي مغفرة من عندك ، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» (1). # وبعد : # فهذه هي سورة «المؤمنون» وهذا تفسير محرر لها. نسأل الله تعالى أن يجعله ~~خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم # القاهرة مدينة نصر # د. محمد سيد طنطاوى # مساء الثلاثاء : 11 من ربيع الأول 1405 ه # 4 من ديسمبر 1984 م PageV10P069 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة النور PageV10P071 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة النور من السور المدينة ، وعدد آياتها أربع وستون آية ، وكان ~~نزولها بعد سورة النصر. # وقد اشتملت هذه السورة الكريمة ، على أحكام العفاف والستر. وهما قوام ~~المجتمع الصالح. وبدونها تنحط المجتمعات. ويصير أمرها فرطا ، ويصبح الفرد ~~إلى الحيوان الأعجم ، أقرب منه إلى الإنسان العاقل. # قال الآلوسى : «روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «علموا ~~رجالكم سورة ms4095 المائدة ، وعلموا نساءكم سورة النور». # وعن حارثة بن مضرب قال : كتب إلينا عمر بن الخطاب ، أن تعلموا سورة ~~النساء والأحزاب والنور» (1). # 2 وتبدأ هذه السورة الكريمة ببدء فريد ، تقرر فيه وجوب الانقياد لما فيها ~~من أحكام وآداب فتقول : ( @QUR@09 سورة أنزلناها وفرضناها ، وأنزلنا فيها ~~آيات بينات لعلكم تذكرون ) @QUR@01 . # ثم تقبح فاحشة الزنا تقبيحا يحمل النفوس على النفور منها ، وعلى نبذ ~~مرتكبيها ، وعلى تنفيذ حدود الله تعالى فيهم بدون شفقة أو رأفة. # قال تعالى : ( @QUR@026 الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ~~، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ، ~~وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) @QUR@01 . # 3 ثم تبين السورة الكريمة بعد ذلك ، حكم الذين يرمون النساء العفيفات ~~بالفاحشة ، وحكم الذين يرمون أزواجهم بذلك ، ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم. # قال تعالى : ( @QUR@025 والذين يرمون المحصنات ، ثم لم يأتوا بأربعة ~~شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ، وأولئك هم ~~الفاسقون* إلا الذين تابوا من بعد ذلك PageV10P073 # @QUR@022 وأصلحوا فإن الله غفور رحيم* والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم ~~شهداء إلا أنفسهم. فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ) ~~@QUR@01 . # 4 ثم ذكر سبحانه في ست عشرة آية قصة الإفك ، على الصديقة بنت الصديق ، ~~ومن بين ما اشتملت عليه هذه القصة : تنبيه المؤمنين إلى العذاب العظيم الذي ~~أعده الله تعالى لمن أشاع هذا الإفك ، وحض المؤمنين على التثبت من صحة ~~الأخبار ، وعلى وجوب حسن الظن بالمؤمنين ، وعلى تحذيرهم من اتباع خطوات ~~الشيطان. # ثم ختمت القصة ببراءة السيدة عائشة من كل ما اتهمت به ، قال تعالى : ( ~~@QUR@08 أولئك مبرؤن مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم ) @QUR@01 . # 5 وبعد أن أفاضت السورة الكريمة في بيان قبح فاحشة الزنا ، وفي عقوبة من ~~يقذف المحصنات الغافلات .. أتبعت ذلك بحديث مستفيض ، عن آداب الاستئذان ، ~~وعن وجوب غض البصر بالنسبة للرجال والنساء على السواء ، وعن تعليم الناس ~~الآداب القويمة. والأخلاق المستقيمة ، حتى يحيا المجتمع المسلم حياة يسودها ~~الطهر والعفاف والنقاء. # قال تعالى ( @QUR@019 يا أيها الذين آمنوا لا ms4096 تدخلوا بيوتا غير بيوتكم ، ~~حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ، ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون ) @QUR@01 . # وقال سبحانه : ( @QUR@022 قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ، ~~ذلك أزكى لهم ، إن الله خبير بما يصنعون ، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ~~ويحفظن فروجهن ... ) @QUR@01 . # 6 ثم حببت السورة الكريمة إلى المؤمنين والمؤمنات الزواج من أهل الدين ~~والصلاح ، دون أن يمنعهم من ذلك الفقر أو قلة ذات اليد ، فإنهم ( @QUR@010 ~~إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ، والله واسع عليم ) وعلى الذين لم ~~يتيسر لهم وسائل الزواج ، أن يعتصموا بالعفاف ، حتى يغنيهم الله تعالى من فضله. # قال تعالى : ( @QUR@03 وأنكحوا الأيامى منكم ) أى زوجوا من لا زوج له من ~~الأحرار والحرائر ( @QUR@024 والصالحين من عبادكم وإمائكم ، إن يكونوا ~~فقراء ، يغنهم الله من فضله ، والله واسع عليم ، وليستعفف الذين لا يجدون ~~نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ) # 7 وبعد أن ساقت السورة الكريمة تلك التوجيهات السامية ، التي من شأنها أن ~~تسلح الأفراد والجماعات ، بسلاح الطهر والعفاف والتستر والآداب الحميدة .. ~~أتبعت ذلك ببيان أن الله تعالى هو نور العالم كله علويه وسفليه ، وهو منوره ~~بآياته التكوينية والتنزيلية الدالة PageV10P074 # على وحدانيته وقدرته ، وأن أشرف البيوت في الأرض ، هي بيوته التي يذكر ~~فيها اسمه والتي يسبح له فيها بالغدو والآصال ( @QUR@033 رجال لا تلهيهم ~~تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. يخافون يوما تتقلب ~~فيه القلوب والأبصار. ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله ، والله ~~يرزق من يشاء بغير حساب ) @QUR@01 . # تلك هي عاقبة المؤمنين الصادقين. الذين «لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر ~~الله» أما الكافرون فأعمالهم «كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ، حتى إذا جاءه ~~لم يجده شيئا ، ووجد الله عنده فوفاه حسابه ، والله سريع الحساب». # 8 ثم انتقلت السورة بعد ذلك إلى الحديث عن مظاهر قدرة الله تعالى في هذا ~~الكون ، وأن المتأمل في هذا الوجود ، يرى مظاهر قدرته سبحانه ظاهرة في هذا ~~السحاب الذي يتحول إلى مطر لا غنى للناس عنه ، وفي تقلب الليل والنهار. وفي ~~خلق الدواب على ms4097 أشكال مختلفة. # قال تعالى : ( @QUR@041 يقلب الله الليل والنهار ، إن في ذلك لعبرة لأولي ~~الأبصار* والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه. ومنهم من يمشي ~~على رجلين ، ومنهم من يمشي على أربع ، يخلق الله ما يشاء إن الله على كل ~~شيء قدير ) @QUR@01 . # 9 ثم كشفت السورة الكريمة للمؤمنين عن جانب من رذائل المنافقين ، لكي ~~يحذروهم. فقال تعالى : ( @QUR@049 ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ، ثم ~~يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين* وإذا دعوا إلى الله ~~ورسوله ليحكم بينهم ، إذا فريق منهم معرضون* وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه ~~مذعنين* أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا ، أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله ~~، بل أولئك هم الظالمون ) @QUR@01 . # 10 وبعد هذا التوبيخ للمنافقين على سلوكهم الذميم ، وعلى نكوصهم عن حكم ~~الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم جاء وعد الله تعالى للمؤمنين ، ~~بالاستخلاف في الأرض ، وبالتمكين في الدين ، وبتبديل خوفهم أمنا ، فقال ~~تعالى : ( @QUR@038 وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ، ~~ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم. وليمكنن لهم دينهم الذي ~~ارتضى لهم ، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ، ومن ~~كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ) @QUR@01 . # 11 ثم عادت السورة مرة أخرى إلى الحديث عن آداب الاستئذان ، فأمرت ~~المؤمنين أن يعودوا مماليكهم وصبيانهم الذين لم يبلغوا الحلم ، على ~~الاستئذان في الدخول عليهم ثلاث مرات PageV10P075 # من قبل صلاة الفجر ، وعند وقت الظهيرة ، ومن بعد صلاة العشاء ، فإن هذه ~~الأوقات قد تكون المرأة أو الرجل فيها ، بحالة لا يصح الاطلاع عليها .. # قال تعالى ( @QUR@050 يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم ~~، والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات ، من قبل صلاة الفجر ، وحين تضعون ~~ثيابكم من الظهيرة. ومن بعد صلاة العشاء ، ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا ~~عليهم جناح بعدهن ، طوافون عليكم بعضكم على بعض ، كذلك يبين الله لكم ~~الآيات والله عليم حكيم ) @QUR@01 . # 12 ثم ختم سبحانه السورة الكريمة ببيان صفات المؤمنين الصادقين ، وبحضهم ~~على تكريم ms4098 رسولهم صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وتوقيره. وببيان أن هذا الكون ~~كله ملك لله تعالى وتحت قبضته وعلمه ، فقال سبحانه : ( @QUR@022 ألا إن لله ~~ما في السماوات والأرض ، قد يعلم ما أنتم عليه ، ويوم يرجعون إليه فينبئهم ~~بما عملوا ، والله بكل شيء عليم ) @QUR@01 . # 13 وبعد : فهذا عرض إجمالى للمقاصد التي اشتملت عليها سورة النور ، ومنها ~~نرى أن السورة الكريمة زاخرة بالأحكام الشرعية ، وبالآداب الإسلامية ~~وبالتربية الدينية وبالوسائل الوقائية التي من شأنها أن تغرس الأخلاق ~~الكريمة في نفوس الأفراد والجماعات. وأن تجعلهم يرغبون في اعتناق الفضيلة. ~~وينفرون من مقاربة الرذيلة. ويسعدون في دينهم ودنياهم. # وصلى الله على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. # القاهرة مدينة نصر |15 من شهر ربيع الأول 1405 ه 8 من ديسمبر 1984 م|المؤلف د. محمد سيد ~~طنطاوى| PageV10P076 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@09 سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون ) (1) # افتتحت سورة النور بافتتاح لم تشترك معها فيه سورة أخرى من سور القرآن ~~الكريم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@01 سورة ) خبر لمبتدأ محذوف. أى : هذه سورة. # والسورة القرآنية : هي مجموعة من الآيات المسرودة ، لها مبدأ ولها نهاية ~~، وجمعها : سور. # وكلمة سورة مأخوذة من سور المدينة ، وكأن السورة القرآنية سميت بهذا ~~الاسم لإحاطتها بآياتها إحاطة السور بما يكون بداخله. # أو أنها في الأصل تطلق على المنزلة السامية ، والسورة القرآنية سميت بذلك ~~لرفعتها وعلو شأنها. # قال القرطبي : والسورة في اللغة : اسم للمنزلة الشريفة ، ولذلك سميت ~~السورة من القرآن سورة. قال النابغة : # ألم تر أن الله أعطاك سورة %~% ترى كل ملك دونها يتذبذب (1) # وقوله تعالى : ( @QUR@01 وفرضناها ) من الفرض بمعنى القطع. وأصله قطع ~~الشيء الصلب والتأثير فيه. # والمراد به هنا : تنفيذ أحكام الله تعالى على أتم وجه وأكمله. # والمعنى هذه سورة قرآنية. أنزلناها عليك أيها الرسول الكريم ، وأوجبنا ما ~~فيها من PageV10P077 # أحكام ، وآداب وتشريعات ، إيجابا قطعيا ، وأنزلنا فيها آيات بينات واضحات ~~الدلالة على وحدانيتنا ، وقدرتنا ، وعلى صحة الأحكام التي وردت فيها ، ~~لتتذكروها وتعتبروا بها وتعتقدوا صحتها ms4099 وتنفذوا ما اشتملت عليه من أمر أو نهى. # وجمع سبحانه بين الإنزال والفرضية فقال : ( @QUR@02 أنزلناها وفرضناها ) ~~لبيان أن الغرض منها ليس مجرد الإنزال وإنما الإنزال المصحوب بوجوب تنفيذ ~~الأحكام والآداب التي اشتملت عليها ، والتي أنزلت من أجلها. # ومعلوم أن إنزال السورة كلها. يستلزم إنزال هذه الآيات منها فيكون ~~التكرار في قوله تعالى : ( @QUR@04 وأنزلنا فيها آيات بينات ) لكمال ~~العناية بشأنها ، كما هي الحال في ذكر الخاص بعد العام. # و «لعل» في قوله تعالى ( @QUR@02 لعلكم تذكرون ) للتعليل. أى : لعلكم ~~تتذكرون ما فيها من آيات دالة على وحدانيتنا وقدرتنا ، وعلى سمو تشريعاتنا ~~، فيؤدى بكم هذا التذكر إلى عبادتنا وطاعتنا. # * * * # ثم بين سبحانه بعد ذلك حد الزاني والزانية ، وقبح جريمة الزنا تقبيحا ~~يحمل على النفور ، وحرمها على المؤمنين تحريما قاطعا ، فقال تعالى : # ( @QUR@026 الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم ~~بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما ~~طائفة من المؤمنين (2) @QUR@018 الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ~~والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين ) (3) # فقوله تعالى : ( @QUR@02 الزانية والزاني. ) @QUR@01 . شروع في تفصيل ~~الأحكام ، التي أشار إليها سبحانه في الآية الأولى من هذه السورة ، وهي ~~قوله : ( @QUR@03 سورة أنزلناها وفرضناها ... ) @QUR@01 . # والزنا من الرجل معناه : وطء المرأة من غير ملك ولا شبهة ملك ومعناه من ~~المرأة : أن PageV10P078 # تمكن الرجل من أن يزنى بها. # والخطاب في قوله تعالى : ( @QUR@01 فاجلدوا .. ) @QUR@01 . للحكام ~~المكلفين بتنفيذ حدود الله عز وجل . # قال الجمل : «وفي رفع «الزانية والزاني» وجهان : أحدهما وهو مذهب سيبويه ~~أنه مبتدأ خبره محذوف. أى : فيما يتلى عليكم حكم الزانية ، ثم بين ذلك ~~بقوله : ( @QUR@01 فاجلدوا. ) @QUR@01 . والثاني : وهو مذهب الأخفش وغيره ~~أنه مبتدأ. والخبر جملة الأمر ، ودخلت الفاء لشبه المبتدأ بالشرط ..» (1). # فإن قيل : ما الحكمة في أن يبدأ الله في فاحشة الزنا بالمرأة ، وفي جريمة ~~السرقة بالرجل ، حيث قال : ( @QUR@04 والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما .. ~~) @QUR@01 . (2)؟. # فالجواب : أن الزنا من المرأة أقبح ، فإنه يترتب عليه فساد الأنساب ، ~~وإلحاق الدنس والعار بزوجها وأهلها ، وافتضاح أمرها ms4100 عن طريق الحمل ، وفضلا ~~عن ذلك ، فإن تمكينها نفسها للرجل : هو الذي كان السبب في اقترافه هذه ~~الفاحشة ، فلهذا وغيره قدمت المرأة هنا. # وأما جريمة السرقة ، فالغالب أن الرجال أكثر إقداما عليها ، لأنها تحتاج ~~إلى جسارة وقوة ، واجتياز للمخاطر ... لذا قدم الرجل على المرأة فيها. # وقوله تعالى ( @QUR@07 ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله. ) @QUR@01 . ~~نهى منه سبحانه عن التهاون في تنفيذ حدوده ، وحض على إقامتها بحزم وقوة ، ~~والرأفة : أعلى درجات الرحمة. يقال : رؤف فلان بفلان بزنة كرم إذا اشتد في ~~رحمته ، وفي العناية بأمره. # أى : أقيموا أيها الحكام حدود الله تعالى على الزانية والزاني بأن تجلدوا ~~كل واحد منهما مائة جلدة ، دون أن تأخذكم شفقة أو رحمة في تنفيذ هذه الحدود ~~، ودون أن تقبلوا في التخفيف عنهما شفاعة شفيع ، أو وساطة وسيط ، فإن الله ~~تعالى الذي شرع هذه الحدود. وأمر بتنفيذها بكل شدة وقوة ، أرحم بعباده ~~وبخلقه منكم. والرحمة والرأفة في تنفيذ أحكامه ، لا في تعطيلها. ولا في ~~إجرائها على غير وجهها. # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر. ) @QUR@01 ~~. تأكيد لما قبله ، وإلهاب لمشاعرهم ، لتنفيذ حدود الله تعالى . PageV10P079 # أى : إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر إيمانا حقا ، فأقيموا حدود الله ~~، واجلدوا الزانية والزاني مائة جلدة ، لا تأخذكم بهما رأفة أو شفقة في ذلك. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) بيان لما ~~يجب على الحكام أن يفعلوه عند تنفيذ العقوبة والأمر بشهود عذابهما ~~للاستحباب لا للوجوب. # والمراد بعذابهما : إقامة الحد عليهما ، والطائفة في الأصل : اسم فاعل من ~~الطواف ، وهو الدوران والإحاطة. وتطلق الطائفة عند كثير من اللغويين على ~~الواحد فما فوقه. # قال الآلوسى : «والحق أن المراد بالطائفة هنا ، جماعة يحصل بهم التشهير ~~والزجر ، وتختلف قلة وكثرة بحسب اختلاف الأماكن والأشخاص فرب شخص يحصل ~~تشهيره وزجره بثلاثة. وآخر لا يحصل تشهيره وزجره بعشرة وللقائل بالأربعة ~~هنا وجه وجيه» (1). # ولعل السبب في وجاهة رأى القائلين بالأربعة أن هذا العدد هو الذي يثبت به الزنا. # أى : وليشهد إقامة الحد على الزانية والزاني ms4101 ، عدد من المؤمنين ، ليكون ~~زيادة في التنكيل بمن يرتكب هذه الفاحشة ، وأدعى إلى الاعتبار والاتعاظ ~~وأزجر لمن تسول له نفسه الإقدام على تلك الجريمة النكراء. # ثم أضاف سبحانه إلى تقبيح أمر الزنا تقبيحا آخر أشد وأخزى فقال : ( ~~@QUR@014 الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ، والزانية لا ينكحها إلا زان ~~أو مشرك .. ) @QUR@01 . # والظاهر أن المراد بالنكاح هنا : العقد الذي تترتب عليه المعاشرة الزوجية ~~، لأن أكثر ورود لفظ النكاح في القرآن. أن يكون بمعنى العقد ، بل قال بعضهم ~~إنه لم يرد إلا بهذا المعنى. # أى : أنه جرت العادة أن الشخص الزاني لا يتزوج إلا زانية مثله أو مشركة ~~وكذلك المرأة الزانية لا تميل بطبعها إلا إلى الزواج من رجل زان مثلها أو ~~من رجل مشرك وذلك لأن المؤمن بطبعه ينفر من الزواج بالمرأة الزانية ، وكذلك ~~المرأة المؤمنة تأنف من الزواج بالرجل الزاني. # فالآية الكريمة تحكى بأسلوب بديع ما تقتضيه طبيعة الناس في التآلف ~~والتزاوج ، وتبين أن المشاكلة في الطباع علة للتلاقي ، وأن التنافر في ~~الطباع علة للاختلاف. # وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول : الأرواح جنود مجندة ، فما ~~تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف. # وبدئ هنا بالزاني ، لأن الآية مسوقة للحديث عن النكاح ، والرجل هو الذي ~~يتولاه ، وهو الأصل فيه ، لأنه هو الذي يلتمسه عن طريق الخطبة وما يتبعها ~~من خطوات توصله إلى PageV10P080 # إتمام عقد الزواج ، والمرأة في هذا الباب تكون في العادة مطلوبة لا طالبة ~~، ومرغوبة لا راغبة. # وجمع سبحانه بين رغبة الزاني ورغبة الزانية لتأكيد ما يليق بكليهما من ~~الميل الدنىء. والطبع الوضيع. والسلوك الخبيث. وأن كل واحد منهما ألعن من ~~صاحبه في ولوج الطريق القبيح. # واسم الإشارة في قوله تعالى : ( @QUR@04 وحرم ذلك على المؤمنين ) يعود ~~على الزنا. وعلى الزواج من الزواني ، لما فيه من التشبيه بالفاسقين ، ومن ~~التعرض للعقوبة وسوء السيرة. # أى : وحرم ذلك الذي نهيناكم عنه وهو الزنا والاقتران بمن يرتكبه على ~~المؤمنين الأطهار ، الذين ينزهون أنفسهم عن الوقوع في السوء والفحشاء. # هذا. وقد ذكر ms4102 المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها : ما رواه ~~الترمذي وأبو داود والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده قال : كان ~~رجل يقال له «مرثد بن أبى مرثد» كان يحمل الأسارى من مكة حتى يأتى بهم ~~المدينة. قال : وكانت امرأة بغى بمكة يقال لها «عناق» وكانت صديقة له أى في ~~الجاهلية وأنه واعد رجلا من أسارى مكة يحمله ، قال : فجئت حتى انتهيت إلى ~~ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة قال : فجاءت «عناق» فأبصرت سواد ظلي ~~تحت الحائط ، فلما انتهت إلى عرفتني ، فقالت : مرثد؟ # فقلت : مرثد فقالت : مرحبا وأهلا. هلم فبت عندنا الليلة. فقال : فقلت : ~~يا عناق. حرم الله الزنا. فقالت : يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم. ~~قال : فتبعني ثمانية ودخلت الخندمة أى جبل بمكة فانتهيت إلى غار ... ~~فأعماهم الله تعالى عنى. ثم رجعوا فرجعت إلى صاحبي فحملته إلى المدينة ، ~~فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ، أنكح عناقا؟ أنكح ~~عناقا؟ مرتين ، فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرد شيئا حتى نزلت هذه ~~الآية : ( @QUR@07 الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة. ) @QUR@01 . فقال : ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا مرثد. ( @QUR@07 الزاني لا ينكح إلا زانية ~~أو مشركة. ) @QUR@01 . فلا تنكحها. (1) هذا. ومن الأحكام والآداب التي ~~أخذها العلماء من هاتين الآيتين ما يأتى : # 1 ظاهر قوله تعالى : ( @QUR@08 الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما ~~مائة جلدة. ) @QUR@01 . # يفيد أن هذا الجلد لكل من ارتكب هذه الفاحشة سواء أكان محصنا أم غير محصن. # ولكن هذا الظاهر قد فصلته السنة الصحيحة. حيث بينت أن هذا الحد ، إنما هو لغير PageV10P081 # المحصن. أما المحصن وهو المتزوج أو من سبق له الزواج فإن حده الرجم حتى يموت. # قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : «هذه الآية ~~الكريمة فيها حكم الزاني في الحد». # وللعلماء فيه تفصيل ونزاع ، فإن الزاني لا يخلو إما أن يكون بكرا : وهو ~~الذي لم يتزوج ، أو محصنا : وهو الذي قد وطئ في ms4103 نكاح صحيح ، وهو حر بالغ عاقل. # فأما إذا كان بكرا لم يتزوج فإن حده مائة جلدة كما في الآية. ويزاد على ~~ذلك أن يغرب عاما عند جمهور العلماء. # وحجتهم في ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أبى هريرة ، أن أعرابيين أتيا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما : يا رسول الله ، إن ابني كان عسيفا أى ~~أجيرا عند هذا فزنى بامرأته فافتديت ابني منه بمائة شاة ووليدة ، فسألت أهل ~~العلم فأخبرونى أن على ابني جلد مائة وتغريب عام. وأن على امرأة هذا الرجم. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب ~~الله : الوليدة والغنم رد عليك. وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام واغد يا ~~أنيس وهو رجل من قبيلة أسلم إلى امرأة هذا ، فإن اعترفت فارجمها ، فغدا ~~عليها ، فاعترفت فرجمها. # ففي هذا دلالة على تغريب الزاني مع جلده مائة. إذا كان بكرا لم يتزوج ~~فأما إذا كان محصنا فإنه يرجم. # وثبت في الصحيحين من حديث مالك مطولا ، أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه ~~قام فخطب الناس فقال : «أيها الناس ، إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم ~~بالحق ، وأنزل عليه الكتاب ، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها ~~ووعيناها ، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده ، فأخشى أن يطول ~~بالناس زمان فيقول قائل : لا نجد آية الرجم في كتاب الله ، فيضلوا بترك ~~فريضة قد أنزلها الله ، فالرجم في كتاب الله حق على من زنى من الرجال ~~والنساء ، إذا قامت البينة أو الحبل أو الاعتراف». # وقد رجم النبي صلى الله عليه وسلم ما عزا والغامدية ، إلا أن جمهور الفقهاء ~~يرون أنه يكتفى بالرجم ، ولا يجلد قبل الرجم ، لأنه لم ينقل عن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم أنه جلد أحدا من الزناة المحصنين قبل أن يرجمهم ، ومن ~~الفقهاء من يرى أنهم يجلدون ثم يرجمون بعد ذلك (1) وقال بعض العلماء ما ~~ملخصه : اعلم أن رجم الزانيين المحصنين ، دلت عليه آيتان من PageV10P082 # كتاب الله تعالى ms4104 ، إحداهما : نسخت تلاوتها وبقي حكمها ، والثانية : باقية ~~التلاوة والحكم. # أما التي نسخت تلاوتها وبقي حكمها ، فهي قوله تعالى : الشيخ والشيخة إذا ~~زنيا فارجموهما ألبتة وقد ورد ذلك في روايات متعددة وتدل هذه الروايات على ~~أن الصحابة قرءوها ووعوها. وعقلوها. وأن حكمها باق لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم فعله ، والصحابة فعلوه من بعده. # وأما الآية التي هي باقية التلاوة والحكم ، فهي قوله تعالى : ( @QUR@020 ~~ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ، ~~ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ) (1)، على القول بأنها نزلت في رجم ~~اليهوديين الزانيين بعد الإحصان ، وقد رجمهما النبي صلى الله عليه وسلم وقصة ~~رجمه لهما مشهورة ، ثابتة في الصحيح. وعليه فقوله : ( @QUR@06 ثم يتولى ~~فريق منهم وهم معرضون ) أى : عما في التوراة من حكم الرجم ، وذم المعرض عن ~~الرجم في هذه الآية. يدل على أنه ثابت في شرعنا فدلت الآية على هذا القول ~~أن الرجم ثابت في شرعنا. وهي باقية التلاوة ... (2) 2 كذلك أخذ العلماء من ~~قوله تعالى : ( @QUR@07 ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله .. ) @QUR@01 . # أنه لا تجوز الشفاعة في الحدود ، كما لا يجوز إسقاط الحد ؛ لأن في ذلك ~~تعطيلا لتنفيذ شرع الله تعالى على الوجه الأكمل. # قال الآلوسى ما ملخصه : «قوله تعالى : ( @QUR@07 ولا تأخذكم بهما رأفة في ~~دين الله. ) @QUR@01 . أى في طاعته وإقامة حده الذي شرعه. والمراد النهى عن ~~التخفيف في الجلد. بأن يجلدوهما جلدا غير مؤلم ، أو بأن يكون أقل من مائة ~~جلدة. أو بإسقاط الحد بشفاعة أو نحوها. # لما صح أن الرسول صلى الله عليه وسلم أنكر على حبه أسامة بن زيد حين شفع في ~~فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد المخزومية ، التي سرقت قطيفة أو حليا ، وقال ~~له : «يا أسامة ، أتشفع في حد من حدود الله تعالى ، ثم قام صلى الله عليه وسلم ~~فخطب فقال : «أيها الناس ، إنما ضل من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم ~~الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وايم الله تعالى ~~لو ms4105 أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». # وكما تحرم الشفاعة ، يحرم قبولها ، فعن الزبير بن العوام رضى الله عنه ~~قال : «إذا بلغ الحد إلى الإمام ، فلا عفا الله تعالى عنه إن عفا» (3). PageV10P083 # 3 يرى كثير من الفقهاء أن التحريم في قوله تعالى : ( @QUR@04 وحرم ذلك ~~على المؤمنين ) للتنزيه ، وعبر عنه بلفظ «حرم» للتغليظ والتنفير من الإقدام ~~على زواج المؤمن من الزانية ، أو على زواج المؤمنة من الزاني. # ويرى آخرون أن التحريم على ظاهره ، وأنه لا يجوز للمؤمن أن يتزوج ~~بالزانية. وكذلك لا يجوز للمؤمنة أن تتزوج بالزاني. # وقد فصل القول في هذه المسألة بعض العلماء فقال ما ملخصه : اعلم أن ~~العلماء اختلفوا في جواز نكاح العفيف بالزانية ونكاح العفيفة بالزاني. # فذهب جماعة من أهل العلم منهم الأئمة الثلاثة أبو حنيفة ومالك والشافعى ~~إلى جواز نكاح الزانية مع الكراهة التنزيهية .. لأن الله تعالى قال : ( ~~@QUR@06 ... وأحل لكم ما وراء ذلكم .. ) @QUR@01 . (1) وهو شامل بعمومه ~~الزانية والعفيفة. # وقالت جماعة أخرى من أهل العلم : لا يجوز تزويج الزاني العفيفة ، ولا ~~عكسه ، وهو مذهب الإمام أحمد. وقد روى عن الحسن وقتادة. # ومن أدلتهم الآية التي نحن بصددها ، وهي قوله تعالى : ( @QUR@07 الزاني ~~لا ينكح إلا زانية أو مشركة ) لأنها قد حرمت في نهايتها أن يتزوج التقى ~~بالزانية ، أو التقية بالزاني (2). # وعلى أية حال فالمتدبر في هاتين الآيتين يراهما ، تشددان العقوبة على من ~~يرتكب جريمة الزنا ، وتنفران من الاقتراب منها وممن يقع فيها أعظم تنفير ، ~~لأن الإسلام حرص على أن ينتشر العفاف والطهر بين أفراد المجتمع الإسلامى ، ~~وشرع من وسائل الوقاية ما يحمى الأفراد والجماعات من الوقوع في هذه ~~الرذيلة. # * * * # وبعد أن نفر سبحانه من جريمة الزنا أعظم تنفير ، وأمر بتنفيذ عقوبته في ~~مرتكبها بدون رأفة أو تساهل ... أتبع ذلك بتشريعات أخرى من شأنها أن تحمى ~~أعراض الناس وأنفسهم من اعتداء المعتدين ، فقال تعالى : PageV10P084 # ( @QUR@019 والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ~~ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون (4) @QUR@011 ~~إلا الذين تابوا من بعد ذلك ms4106 وأصلحوا فإن الله غفور رحيم ) (5) # وقوله تعالى ( @QUR@01 يرمون ) من الرمي ، وأصله القذف بشيء صلب أو ما ~~يشبهه تقول : رمى فلان فلانا بحجر. إذا قذفه به. والمراد به هنا : الشتم ~~والقذف بفاحشة الزنا ، أو ما يستلزمه كالطعن في النسب. # قال الإمام الرازي : وقد أجمع العلماء على أن المراد هنا : الرمي بالزنا. # وفي الآية أقوال تدل عليه. أحدها : تقدم ذكر الزنا. وثانيها : أنه تعالى ~~ذكر المحصنات ، وهن العفائف ، فدل ذلك على أن المراد بالرمي رميهن بضد ~~العفاف ، وثالثها : قوله ( @QUR@05 ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ) يعنى على ~~صحة ما رموهن به ، ومعلوم أن هذا العدد من الشهود غير مشروط إلا بالزنا ، ~~ورابعها : انعقاد الإجماع على أنه لا يجب الجلد بالرمي بغير الزنا. فوجب أن ~~يكون المراد هنا هو الرمي بالزنا ..» (1). # و «المحصنات» جمع محصنة ، والإحصان في اللغة بمعنى المنع ، يقال : هذه درع ~~حصينة ، أى : مانعة صاحبها من الجراحة. ويقال هذا موضع حصين ، أى : مانع من ~~يريده بسوء. # والمراد بالمحصنات هنا : النساء العفيفات البعيدات عن كل ريبة وفاحشة. # وسميت المرأة العفيفة بذلك. لأنها تمنع نفسها من كل سوء. # قالوا : ويطلق الإحصان على المرأة والرجل ، إذا توفرت فيهما صفات العفاف. ~~والإسلام ، والحرية ، والزواج. # وإنما خص سبحانه النساء بالذكر هنا : لأن قذفهن أشنع ، والعار الذي ~~يلحقهن بسبب ذلك أشد ، وإلا فالرجال والنساء في هذه الأحكام سواء. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 والذين يرمون المحصنات. ) @QUR@01 . مبتدأ ، ~~أخبر عنه بعد ذلك بثلاث PageV10P085 # جمل ، وهي قوله : «فاجلدوهم .. ، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ، وأولئك هم ~~الفاسقون». # والمعنى أن الذين يرمون النساء العفيفات بالفاحشة ، ثم لم يأتوا بأربعة ~~شهداء يشهدون لهم على صحة ما قذفوهن به ، فاجلدوا أيها الحكام هؤلاء ~~القاذفين ثمانين جلدة ، عقابا لهم على ما تفوهوا به من سوء في حق هؤلاء ~~المحصنات ، ولا تقبلوا لهؤلاء القاذفين شهادة أبدا بسبب إلصاقهم التهم ~~الكاذبة بمن هو برىء منها. وأولئك هم الفاسقون. أى : الخارجون على أحكام ~~شريعة الله تعالى وعلى آدابها السامية. # فأنت ترى أن الله تعالى قد عاقب هؤلاء القاذفين للمحصنات بثلاث عقوبات. ms4107 # أولاها : حسية ، وتتمثل في جلدهم ثمانين جلدة ، وهي عقوبة قريبة من عقوبة الزنا. # وثانيتها : معنوية ، وتتمثل في عدم قبول شهادتهم ، بأن تهدر أقوالهم ، ~~ويصيرون في المجتمع أشبه ما يكونون بالمنبوذين ، الذين إن قالوا لا يصدق ~~الناس أقوالهم ، وإن شهدوا لا تقبل شهادتهم ، لأنهم انسلخت عنهم صفة الثقة ~~من الناس فيهم. # وثالثتها : دينية ، وتتمثل في وصف الله تعالى لهم بالفسق. أى : بالخروج ~~عن طاعته سبحانه وعن آداب دينه وشريعته. # وما عاقب الله تعالى هؤلاء القاذفين في أعراض الناس ، بتلك العقوبات ~~الرادعة ، إلا لحكم من أهمها : حماية أعراض المسلمين من ألسنة السوء ، ~~وصيانتهم من كل ما يخدش كرامتهم ، ويجرح عفافهم. # وأقسى شيء على النفوس الحرة الشريفة الطاهرة ، أن تلصق بهم التهم ~~الباطلة. وعلى رأس الرذائل التي تؤدى إلى فساد المجتمع ، ترك ألسنة السوء. ~~تنهش أعراض الشرفاء ، دون أن تجد هذه الألسنة من يخرسها أو يردعها. # وقد اتفق الفقهاء على أن الاستثناء في قوله تعالى ( @QUR@07 إلا الذين ~~تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ) يعود على الجملة الأخيرة. بمعنى أن صفة الفسق ~~لا تزول عن هؤلاء القاذفين للمحصنات إلا بعد توبتهم وصلاح حالهم. # أى : وأولئك القاذفون للمحصنات دون أن يأتوا بأربعة شهداء على صحة ما ~~قالوه. هم الفاسقون الخارجون عن طاعة الله تعالى ، إلا الذين تابوا منهم من ~~بعد ذلك توبة صادقة نصوحا ، وأصلحوا أحوالهم وأعمالهم ، فإن الله تعالى ~~كفيل بمغفرة ذنوبهم ، وبشمولهم برحمته. # كما اتفقوا أيضا على أن هذا الاستثناء لا يعود إلى العقوبة الأولى وهي ~~الجلد ، لأن PageV10P086 # هذه العقوبة يجب أن تنفذ عليهم ، متى ثبت قذفهم للمحصنات ، حتى ولو تابوا ~~وأصلحوا. # والخلاف إنما هو في العقوبة الوسطى وهي قبول شهادتهم ، فجمهور الفقهاء ~~يرون صحة عودة الاستثناء عليها بعد التوبة ، فيكون المعنى : إلا الذين ~~تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ، فاقبلوا شهادتهم. # ويرى الإمام أبو حنيفة أن الاستثناء لا يرجع إلى قبول شهادتهم ، وإنما ~~يرجع فقط إلى العقوبة الأخيرة وهي الفسق ، فهم لا تقبل شهادتهم أبدا أى : ~~طول مدة حياتهم ، حتى وإن تابوا وأصلحوا. # وقد ms4108 فصل القول في هذه المسألة الإمام القرطبي فقال ما ملخصه : «تضمنت ~~الآية ثلاثة أحكام في القاذف : جلده ، ورد شهادته أبدا ، وفسقه. # فالاستثناء غير عامل في جلده وإن تاب أى أنه يجلد حتى ولو تاب. # وعامل في فسقه بإجماع. أى : أن صفة الفسق تزول عنه بعد ثبوت توبته. # واختلف الناس في عمله في رد الشهادة. فقال أبو حنيفة وغيره : «لا يعمل ~~الاستثناء في رد شهادته. وإنما يزول فسقه عند الله تعالى . وأما شهادة ~~القاذف فلا تقبل ألبتة. ولو تاب وأكذب نفسه ، ولا بحال من الأحوال. # وقال الجمهور : الاستثناء عامل في رد الشهادة ، فإذا تاب القاذف قبلت ~~شهادته ، وإنما كان ردها لعلة الفسق ، فإذا زال بالتوبة قبلت شهادته مطلقا ~~، قبل الحد وبعده. وهو قول عامة الفقهاء. # ثم اختلفوا في صورة توبته ، فمذهب عمر بن الخطاب رضى الله عنه والشعبي ~~وغيره : أن توبته لا تكون مقبولة إلا إذا كذب نفسه في ذلك القذف الذي حد فيه. # وقالت فرقة منها مالك وغيره : توبته أن يصلح ويحسن حاله ، وإن لم يرجع عن ~~قوله بتكذيب ، وحسبه الندم على قذفه ، والاستغفار منه ، وترك العود إلى ~~مثله» (1). # ويبدو لنا أن ما أفتى به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب هو الأولى بالقبول ~~، لأن اعتراف القاذف بكذبه ، فيه محو لآثار هذا القذف ، وفيه تبرئة صريحة ~~للمقذوف ، وهذه التبرئة تزيده انشراحا وسرورا ، وترد إليه اعتباره بين ~~أفراد المجتمع. # كما يبدو لنا أن الأولى في هذه الحالة أن تقبل شهادة القاذف ، بعد هذه ~~التوبة التي صاحبها PageV10P087 # اعتراف منه بكذبه فيما قال. لأن إقدامه على تكذيب نفسه قرينة على صدق ~~توبته وصلاح حاله. # وهكذا يحمى الإسلام أعراض أتباعه ، بهذه التشريعات الحكيمة ، التي يؤدى ~~اتباعها إلى السعادة في الدنيا والآخرة. # ثم انتقلت السورة الكريمة من الحديث عن حكم القذف بصفة عامة ، إلى الحديث ~~عن حكم القذف إذا ما حدث بين الزوجين ، فقال تعالى : # ( @QUR@017 والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة ~~أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين (6) @QUR@09 والخامسة أن لعنت ~~الله ms4109 عليه إن كان من الكاذبين (7) @QUR@011 ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد ~~أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين (8) @QUR@09 والخامسة أن غضب الله ~~عليها إن كان من الصادقين (9) @QUR@010 ولو لا فضل الله عليكم ورحمته وأن ~~الله تواب حكيم ) (10) # ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات متعددة ، منها ما أخرجه ~~البخاري عن ابن عباس ، أن هلال بن أمية ، قذف امرأته عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم بشريك بن السحماء ، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : ~~«البينة أو حد في ظهرك». فقال : يا رسول الله ، إذا رأى أحدنا على امرأته ~~رجلا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول له : «البينة أو ~~حد في ظهرك». # فقال هلال : والذي بعثك بالحق إنى لصادق ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من ~~الحد. فنزل جبريل بهذه الآيات. # فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهما ، فجاء هلال فشهد ، والنبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله يعلم أن أحدكم كاذب ، فهل منكما تائب؟ ثم ~~قامت زوجته فشهدت ، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا : إنها موجبة أى ~~للعذاب ولغضب الله تعالى . PageV10P088 # قال ابن عباس : فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ، ثم قالت : لا أفضح ~~قومي سائر اليوم ، فمضت. # وفي رواية فشهدت في الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ، ففرق ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بينهما ، وقضى أن لا يدعى ولدها لأب ولا يرمى ولدها ~~، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد ..» (1). # والمراد بالرمي في قوله تعالى ( @QUR@03 والذين يرمون أزواجهم ) الرمي ~~بفاحشة الزنا. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ) أى : ولم يكن ~~لهؤلاء الأزواج الذين قذفوا زوجاتهم بالزنا من يشهد معهم سوى أنفسهم. # وقوله : ( @QUR@02 فشهادة أحدهم ) أى : فشهادة أحدهم التي ترفع عنه حد ~~القذف ، أن يشهد «أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين» فيما رماها به من الزنا. # قال الجمل ما ملخصه : «قوله تعالى ( @QUR@06 ولم يكن لهم شهداء إلا ~~أنفسهم ) في رفع أنفسهم وجهان : أحدهما أنه بدل من شهداء ، والثاني ، أنه ~~نعت له ms4110 على أن إلا بمعنى غير ، ولا مفهوم لهذا القيد. بل يلاعن ولو كان ~~واجدا للشهود الذين يشهدون بزناها. وقوله : ( @QUR@01 فشهادة ) مبتدأ ، ~~وخبره «أربع شهادات» أى : فشهادتهم المشروعة أربع شهادات ...» (2). # وقرأ الجمهور : «أربع شهادات» بالنصب على المصدر ، لأن معنى : فشهادة. أن يشهد. # والتقدير : فعليهم أن يشهد أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ~~فيما قاله. # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين ~~) بيان لما يجب على القاذف بعد أن شهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين. # أى : والشهادة الخامسة بعد الأربع المتقدمة ، أن يشهد القاذف بأن لعنة ~~الله تعالى عليه ، إن كان من الكاذبين ، في رميه لزوجته بالزنا. # قال الآلوسى : وإفرادها أى الشهادة الخامسة بالذكر ، مع كونها شهادة أيضا ~~، لاستقلالها بالفحوى ووكادتها في إفادتها ما يقصد بالشهادة من تحقيق الخبر ~~، وإظهار الصدق. وهي مبتدأ ، خبره قوله تعالى ( @QUR@04 أن لعنت الله عليه ~~) (3). # ثم بين سبحانه ما يجب على المرأة لكي تبرئ نفسها مما رماها به زوجها فقال : PageV10P089 # ( @QUR@011 ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن ~~الكاذبين ) @QUR@01 . # وقوله تعالى ( @QUR@01 ويدرؤا ) من الدرء بمعنى الدفع. يقال : درأ فلان ~~التهمة عن نفسه ، إذا دفعها عن نفسه ، وتبرأ منها. # والمراد بالعذاب هنا : العذاب الدنيوي وهو الحد الذي شرعه الله تعالى في ~~هذا الشأن. # أى : أن الزوجة التي رماها زوجها بفاحشة الزنا يدفع عنها الحد ويرفع ، ~~إذا شهدت أربع شهادات بالله ، إن زوجها لمن الكاذبين فيما قذفها به. # وقوله سبحانه ( @QUR@01 والخامسة ) بالنصب عطفا على ( @QUR@02 أربع ~~شهادات ) @QUR@01 . # أى : يدرأ عنها العذاب إذا شهدت أربع شهادات بالله أن زوجها كاذب فيما ~~رماها به ، ثم تشهد بعد ذلك شهادة خامسة مؤداها : أن غضب الله عليها ، إن ~~كان زوجها من الصادقين ، في اتهامه إياها بفاحشة الزنا. # وجاء من جانب المرأة التعبير بقوله تعالى : ( @QUR@04 أن غضب الله عليها ~~) ليكون أشد في زجرها عن الكذب ، واعترافها بالحقيقة بدون إنكار ، لأن ~~العقوبة الدنيوية أهون من غضب الله تعالى عليها في حالة كذبها. # ثم ختم سبحانه هذه الآيات ببيان ms4111 جانب من فضله تعالى على خلقه فقال : ( ~~@QUR@010 ولو لا فضل الله عليكم ورحمته ، وأن الله تواب حكيم ) @QUR@01 . # وجواب «لو لا» محذوف. وجاءت الآية بأسلوب الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ~~، للعناية بشأن مقام الامتنان والفضل من الله تعالى عليهم بتشريع هذه ~~الأحكام. # أى : ولو لا أن الله تعالى تفضل عليكم ورحمكم أيها المؤمنون بسبب ما شرعه ~~لكم في حكم الذين يرمون أزواجهم بالفاحشة .. لو لا ذلك لحصل لكم من الفضيحة ~~ومن الحرج ما لا يحيط به الوصف ، ولكنه سبحانه شرع هذه الأحكام سترا ~~للزوجين ، وتخفيفا عليهما. وحضا لهما على التوبة الصادقة النصوح ، وأن الله ~~تعالى «تواب» أى : كثير القبول لتوبة التائب متى صدق فيها ، «حكيم» أى : في ~~كل ما شرعه لعباده. # هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآيات ، أن قاذف زوجته ~~بفاحشة الزنا ، إذا لم يأت بأربعة شهداء على صحة ما قاله. فإنه يكون مخيرا ~~بين أن يلاعن ، وبين أن يقام عليه الحد. # بخلاف من قذف أجنبية محصنة بفاحشة الزنا ، فإنه يقام عليه الحد ، إذا لم ~~يأت بأربعة PageV10P090 # شهداء على أنه صادق في قوله. # قال بعض العلماء : ولعلك تقول : لما ذا كان حكم قاذف زوجته ، مخالفا لحكم ~~قاذف الأجنبية؟ وما السر في أنه جاء مخففا.؟ # والجواب : أنه لا ضرر على الزوج بزنا الأجنبية؟ وأما زنا زوجته فيلحقه به ~~العار. وفساد البيت. فلا يمكنه الصبر عليه ، ومن الصعب عليه جدا أن يجد ~~البينة. فتكليفه إياها فيه من العسر والحرج ما لا يخفى. وأيضا فإن الغالب ~~في الرجل أنه لا يرمى زوجته بتلك الفاحشة ، إلا عن حقيقة. لأن في هذا الرمي ~~إيذاء له ، وهتكا لحرمته ، وإساءة لسمعته .. فكان رميه إياها بالقذف دليل ~~صدقه. إلا أن الشارع أراد كمال شهادة الحال. بذكر كلمات اللعان المؤكدة ~~بالأيمان ، فجعلها منضمة إلى قوة جانب الزوج قائمة مقام الشهود في قذف ~~الأجنبى» (1). # كذلك أخذ العلماء من هذه الآيات أن كيفية اللعان بين الزوجين ، أن يبدأ ~~بالزوج فيقول أمام القاضي : أشهد بالله إنى لمن الصادقين ، وفي المرة ms4112 ~~الخامسة يقول : لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين أى فيما رمى به زوجته ، ~~وكذلك المرأة تقول في لعانها أربع مرات : أشهد بالله إنه لمن الكاذبين. وفي ~~المرة الخامسة تقول : غضب الله عليها إن كان من الصادقين أى فيما قاله ~~زوجها في حقها . # فإذا ما قالا ذلك. سقط عنهما الحد ، وفرق القاضي بينهما فراقا أبديا. # قال القرطبي : «قال مالك وأصحابه : وبتمام اللعان تقع الفرقة بين ~~المتلاعنين فلا يجتمعان أبدا. ولا يتوارثان. ولا يحل له مراجعتها أبدا لا ~~قبل زوج ولا بعده. # وقال أبو حنيفة وغيره : لا تقع الفرقة بعد فراغهما من اللعان حتى يفرق ~~الحاكم بينهما. # وقال الشافعى : إذا أكمل الزوج الشهادة والالتعان. فقد زال فراش امرأته. ~~التعنت أو لم تلتعن. لأن لعانها إنما هو لدرء الحد عنها لا غير. وليس ~~لالتعانها في زوال الفراش معنى ..» (2). # وبعد أن بين سبحانه حكم القذف بالنسبة للمحصنات. وبالنسبة للزوجات ، أتبع ~~عز وجل ذلك بإيراد مثل لما قاله المنافقون في شأن السيدة عائشة رضى الله ~~عنها . ولما كان يجب على المؤمنين أن يفعلوه في مثل هذه الأحوال ، فقال ~~تعالى : PageV10P091 # ( @QUR@028 إن الذين جاؤ بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير ~~لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ~~(11) @QUR@013 لو لا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا ~~هذا إفك مبين (12) @QUR@015 لو لا جاؤ عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا ~~بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون (13) @QUR@015 ولو لا فضل الله عليكم ~~ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم (14) @QUR@016 إذ ~~تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند ~~الله عظيم (15) @QUR@015 ولو لا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا ~~سبحانك هذا بهتان عظيم (16) @QUR@09 يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن ~~كنتم مؤمنين (17) @QUR@07 ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم ) (18) # قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : «هذه الآيات نزلت في شأن السيدة عائشة ~~رضى الله عنها حين ms4113 رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين ، بما قالوه من ~~الكذب البحت ، والفرية التي غار الله تعالى لها ولنبيه صلى الله عليه وسلم ~~فأنزل براءتها صيانة لعرض الرسول صلى الله عليه وسلم . # جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة أنها قالت : كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه ، فأيتهن خرج سهمها خرج بها ~~معه. فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي وكان ذلك في غزوة بنى المصطلق ~~على الأرجح ، فخرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك بعد ما أنزل الحجاب ، ~~وأنا أحمل في هودج وأنزل فيه. PageV10P092 # فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك ، وقفل ودنونا ~~من المدينة ، آذن ليلة بالرحيل ، فقمت حين آذنوا بالرحيل ، حتى جاوزت الجيش. # فلما قضيت من شأنى أقبلت إلى الراحلة ، فلمست صدري ، فإذا عقد لي قد ~~انقطع ، فرجعت فالتمست عقدي فاحتبسني ابتغاؤه ، وأقبل الرهط الذين كانوا ~~يرحلون بي ، فاحتملوا هودجي ، فرحلوه على بعيري. وهم يحسبون أنى فيه. وكان ~~النساء إذ ذاك خفافا ، لم يثقلهن اللحم ، فلم يستنكر القوم حين رفعوه خفة ~~الهودج ، فاحتملوه ، وكنت جارية حديثة السن ، فبعثوا الجمل وساروا ، فوجدت ~~عقدي بعد ما سار الجيش. فجئت منزلهم ، وليس فيه أحد منهم فيممت منزلي الذي ~~كنت فيه. وظننت أن القوم سيفقدونني فيرجعون إلى. # فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيناي فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمى ~~، قد عرس أى تأخر من وراء الجيش ، فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم ، ~~فأتانى فعرفني حين رآني. وقد كان يراني قبل أن يضرب علينا الحجاب. # فاستيقظت باسترجاعه حتى عرفني. فخمرت وجهى بجلبابي ، والله ما كلمني كلمة ~~، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه ، حين أناخ راحلته ، فوطئ على يديها ~~فركبتها ، فانطلق يقود بي الراحلة. حتى أتينا الجيش ، بعد ما نزلوا في نحو ~~الظهيرة. فهلك من هلك في شأنى ، وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبى بن ~~سلول ..» (1). # وقد افتتحت هذه الآيات الكريمة بقوله تعالى : ( @QUR@06 إن الذين جاؤ ms4114 ~~بالإفك عصبة منكم ) @QUR@01 . # والإفك : أشنع الكذب وأفحشه ، يقال أفك فلان كضرب وعلم أفكا وإفكا ، أى : ~~كذب كذبا قبيحا. # والعصبة : الجماعة من العشرة إلى الأربعين ، من العصب وهو الشد ، لأن كل ~~واحد منها يشد الآخر ويؤازره. # أى : إن الذين قالوا ما قالوا من كذب قبيح ، وبهتان شنيع ، على السيدة ~~عائشة رضى الله عنها هم جماعة ينتسبون إليكم أيها المسلمون بعضهم قد ~~استزلهم الشيطان. كمسطح بن أثاثة وبعضهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر ~~والنفاق كعبد الله بن أبى بن سلول وأتباعه. # وفي التعبير بقوله تعالى ( @QUR@01 عصبة ): إشعار بأنهم جماعة لها ~~أهدافها الخبيثة ، التي PageV10P093 # تواطئوا على نشرها ، وتكاتفوا على إشاعتها ، بمكر وسوء نية. # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم. ) @QUR@01 . ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه المؤمنين الصادقين ، عما أصابهم من ~~هم وغم بسبب هذا الحديث البالغ نهاية دركات الكذب والقبح. # أى : لا تظنوا أيها المؤمنون أن حديث الإفك هذا هو شر لكم ، بل هو خير ~~لكم ، لأنه كشف عن قوى الإيمان من ضعيفه. كما فضح حقيقة المنافقين وأظهر ما ~~يضمرونه من سوء للنبي صلى الله عليه وسلم ولأهل بيته ، وللمؤمنين ، كما أنكم ~~قد نلتم بصبركم عليه وتكذيبكم له أرفع الدرجات عند الله تعالى. # ثم بين سبحانه ما أعده لهؤلاء الخائضين في حديث الإفك من عقاب فقال : ( ~~@QUR@07 لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم ) @QUR@01 . # أى لكل واحد من هؤلاء الذين اشتركوا في إشاعة حديث الإفك العقاب الذي ~~يستحقه بسبب ما وقع فيه من آثام ، وما اقترفه من سيئات. # وقوله تعالى : ( @QUR@07 والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ) بيان لسوء ~~عاقبة من تولى معظم إشاعة هذا الحديث الكاذب. # والكبر بكسر الكاف وضمها مصدر لمعظم الشيء وأكثره. # أى : والذي تولى معظم الخوض في هذا الحديث الكاذب ، وحرض على إشاعته ، له ~~عذاب عظيم لا يقادر قدره من الله تعالى . # والمقصود بهذا الذي تولى كبره. عبد الله بن أبى بن سلول ، رأس المنافقين ~~وزعيمهم ، فهو الذي قاد حملته ، واضطلع بالنصيب الأكبر لإشاعته. # روى أنه ms4115 لما جاء صفوان بن المعطل يقود راحلته وعليها عائشة رضى الله عنها ~~قال عبد الله بن أبى لمن حوله : من هذه؟ قالوا عائشة فقال لعنه الله : ~~امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقودها ، والله ما نجت منه وما ~~نجا منها. # وقال ابن جرير : «والأولى بالصواب قول من قال ، الذي تولى كبره عبد الله ~~بن أبى بن سلول ، وذلك أنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير ، وأن الذي بدأ ~~بذكر الإفك. وكان يجمع أهله ويحدثهم به ، هو عبد الله بن أبى بن سلول» (1). # وقال الآلوسى : «والذي تولى كبره .. كما في صحيح البخاري عن الزهري عن ~~عروة عن PageV10P094 # عائشة : هو عبد الله بن أبى عليه اللعنة وقد سار على ذلك أكثر المحدثين. # أخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عمر ، أنه بعد نزول هذه الآيات في ~~براءة السيدة عائشة دعا الرسول صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح فجمع ~~الناس ، ثم تلاها عليهم. ثم بعث إلى عبد الله بن أبى. فجيء به فضربه حدين ، ~~ثم بعث إلى حسان بن ثابت ، ومسطح. وحمنة بنت جحش فضربوا ضربا وجيعا .. وقيل ~~إن ابن أبى لم يحد أصلا ، لأنه لم يقر ، ولم يلتزم إقامة البينة عليه ~~تأخيرا لجزائه إلى يوم القيامة» (1). # ثم وجه سبحانه المؤمنين إلى الطريق الذي كان يجب عليهم أن يسلكوه في مثل ~~هذه الأحوال فقال : # ( @QUR@013 لو لا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا ، ~~وقالوا هذا إفك مبين ) @QUR@01 . # و «لو لا» حرف تحضيض بمعنى هلا والمراد «بأنفسهم» هنا إخوانهم في الدين ~~والعقيدة. # أى : هلا وقت أن سمعتم أيها المؤمنون والمؤمنات حديث الإفك هذا ظننتم ~~«بأنفسكم». أى : بإخوانكم وبأخواتكم ظنا حسنا جميلا ، وقلتم : هذا الحديث ~~الذي أذاعه المنافقون كذب شنيع وبهتان واضح لا يصدقه عقل أو نقل. # وفي التعبير عن إخوانهم وأخواتهم في الدين بأنفسهم ، أسمى ألوان الدعوة ~~إلى غرس روح المحبة والمودة والإخاء الصادق بين المؤمنين ، حتى لكأن الذي ~~يظن السوء بغيره إنما ظنه بنفسه. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى ms4116 : ( @QUR@06 ... ثم أنتم هؤلاء تقتلون ~~أنفسكم .. ) @QUR@01 . (2). وقوله سبحانه : ( @QUR@04 ... ولا تلمزوا ~~أنفسكم .. ) @QUR@01 . (3). # قال أبو حيان رحمه الله : «وعدل بعد الخطاب في الآية الأولى إلى الغيبة في ~~هذه الآية ، وعن الضمير إلى الظاهر ، فلم يجئ التركيب ظننتم بأنفسكم خيرا ~~وقلتم هذا إفك مبين. ليبالغ سبحانه في التوبيخ بطريقة الالتفات ، وليصرح ~~بلفظ الإيمان ، دلالة على أن الاشتراك فيه ، مقتض في أن لا يصدق مؤمن على ~~أخيه قول عائب ولا طاعن ، وفيه تنبيه على أن المؤمن إذا سمع قالة سوء في ~~أخيه أن يبنى الأمر فيه على ظن الخير ، وأن يقول بناء على ظنه : هذا إفك ~~مبين. هكذا باللفظ الصريح ببراءة أخيه ، كما يقول المستيقن المطلع على ~~حقيقة الحال ، وهذا من الأدب الحسن ، ومعنى بأنفسهم ، أى : كأن يقيس فضلاء ~~المؤمنين PageV10P095 # والمؤمنات هذا الأمر على أنفسهم. فإذا كان ذلك يبعد عليهم قضوا بأنه في ~~حق من هو خير منهم أبعد ..» (1). # ولقد فعل المؤمنون الصادقون ذلك ، فها هو ذا أبو أيوب خالد بن زيد ~~الأنصارى ، قالت له امرأته أم أيوب : يا أبا أيوب ، أما تسمع ما يقوله ~~الناس في عائشة رضى الله عنها ؟ قال : نعم ، وذلك الكذب. أكنت فاعلة ذلك يا ~~أم أيوب؟ قالت : لا. والله ما كنت لأفعله. قال : فعائشة والله خير منك (2). # وفي رواية أن أبا أيوب قال لزوجته أم أيوب : ألا ترين ما يقال؟ فقالت له ~~: لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم سوءا؟ قال : ~~لا ، فقالت : ولو كنت أنا بدل عائشة رضى الله عنها ما خنت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فعائشة خير منى ، وصفوان خير منك (3). # وهكذا المؤمنون الأطهار الأخيار ، يبنون أمورهم على حسن الظن بالناس. # ورحم الله صاحب الانتصاف. فقد علق على ما قالته أم أيوب لزوجها فقال : ~~ولقد ألهمت أم أيوب بنور الإيمان إلى هذا السر الذي انطوى عليه التعبير عن ~~الغير من المؤمنين بالنفس ، فإنها نزلت زوجها منزلة صفوان ونفسها منزلة ~~عائشة ، ثم أثبتت لنفسها ولزوجها البراءة والأمانة ، حتى أثبتتها لصفوان ~~وعائشة ms4117 بالطريق الأولى رضى الله عنها (4). # ثم وصف سبحانه الخائضين في حديث الإفك بالكذب لأنهم قالوا قولا بدون دليل ~~، فقال : ( @QUR@06 لو لا جاؤ عليه بأربعة شهداء ) أى : هلا جاء هؤلاء ~~الذين افتروا على السيدة عائشة ما افتروا ، بأربعة شهداء يشهدون لهم على ~~ثبوت ما تفوهوا به. # ( @QUR@04 فإذ لم يأتوا بالشهداء ) أى : وما داموا لم يأتوا بهم ولن ~~يأتوا بهم ( @QUR@03 فأولئك عند الله ) أى : في حكمه سبحانه وفي شريعته ( ~~@QUR@02 هم الكاذبون ) كذبا قبيحا تشمئز منه النفوس ، ويسجل عليهم الخزي ~~والعار إلى يوم القيامة. # ثم بين سبحانه جانبا من مظاهر فضله ورحمته بالمؤمنين فقال : ( @QUR@015 ~~ولو لا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة ، لمسكم فيما أفضتم فيه ~~عذاب عظيم ) @QUR@01 . PageV10P096 # و «لو لا» هنا لامتناع الشيء لوجود غيره ، و «أفضتم» من الإفاضة بمعنى ~~التوسع في الشيء. والاندفاع فيه بدون تريث أو تحقق ، وأصله من قولهم : ~~«أفاض فلان الإناء ، إذا ملأه حتى فاض». # أى : ولو لا فضل الله عليكم ورحمته بكم أيها المؤمنون في الدنيا بإعطائكم ~~فرصة للتوبة. وفي الآخرة بقبول توبتكم ، لو لا ذلك «لمسكم» أى : لنزل بكم ~~بسبب ما أفضتم فيه من حديث الإفك عذاب عظيم ، لا يعلم مقدار ألمه وشدته إلا ~~الله تعالى . # ثم صور سبحانه أحوالهم في تلك الفترة العصيبة من تاريخ الدعوة الإسلامية ~~فقال : ( @QUR@03 إذ تلقونه بألسنتكم ). و «إذ» ظرف لقوله تعالى ( @QUR@01 ~~لمسكم ) @QUR@01 . # أى : لمسكم عذاب عظيم. وقت تلقيكم هذا الحديث السيئ لسانا عن لسان ~~باستخفاف واستهتار! ويأخذه بعضكم عن بعض بدون تحرج أو تدبر. # ( @QUR@07 وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ) أى : وتقولون بأفواهكم ~~قولا تلوكه الأفواه ، دون أن يكون معه بقية من علم أو بينة أو دليل. # ففي هاتين الجملتين زجر شديد لأولئك الذين خاضوا في حديث الإفك ، بدون ~~تدبر أو تعقل ، حتى لكأنهم وقد أفلت منهم الزمام ، واستزلهم الشيطان ينطقون ~~بما ينطقون به بأفواههم لا بوعيهم ، وبألسنتهم لا بعقولهم ، ولا بقلوبهم ، ~~وإنما هم يتفوهون بكلمات لا علم لهم بحقيقتها. ولا دليل معهم على صدقها. # وهذا كله يتنافى ms4118 مع ما يقتضيه الإيمان الصحيح من تثبت ومن حسن ظن ~~بالمؤمنين. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بما هو أشد في الزجر والتهديد فقال : ( ~~@QUR@06 وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ) @QUR@01 . # أى : وتحسبون أن ما خضتم فيه من كذب على الصديقة بنت الصديق شيئا هينا ، ~~والحال أن ما فعلتموه ليس كذلك ، بل هو عند الله تعالى وفي حكمه شيء عظيم ، ~~تضج لهوله الأرض والسماء لأن ما خضتم فيه يسيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويسيء إلى أهل بيته ، ويسيء إلى صحابى جليل هو صفوان ، ويسيء إلى بيت ~~الصديق رضى الله عنه بل ويسيء إلى الجماعة الإسلامية كلها. # ثم يوجههم سبحانه مرة أخرى إلى ما كان يجب عليهم أن يفعلوه في مثل هذه ~~الأحوال فيقول : ( @QUR@015 ولو لا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم ~~بهذا ، سبحانك هذا بهتان عظيم ) @QUR@01 . PageV10P097 # وأصل معنى «سبحانك» تنزيه الله تعالى عن كل نقص. ثم شاع استعماله في كل ~~أمر يتعجب منه. وهذا المعنى هو المراد هنا. # والبهتان : هو الكذب الذي يبهت ويحير سامعه لشناعته وفظاعته ، يقال : بهت ~~فلان فلانا إذا قال عليه ما لم يقله وما لم يفعله. # أى : وهلا وقت أن سمعتم أيها المؤمنون حديث الإفك ممن افتراه واخترعه ، ~~قلتم له على سبيل الزجر والردع والإفحام : ما يكون لنا أن نتكلم بهذا. أى : ~~ما يصح منا إطلاقا أن نتكلم بهذا الحديث البالغ أقصى الدركات في الكذب ~~والافتراء. # وقلتم له أيضا على سبيل التعجب من شناعة هذا الخبر : «سبحانك» ، أى : ~~نتعجب يا ربنا من شناعة ما سمعناه ، فإن ما سمعناه عن أم المؤمنين عائشة ~~كذب يبهت ويدهش من يسمعه ، وهو في الشناعة لا تحيط بوصفه عبارة. # وهكذا يؤدب الله تعالى عباده المؤمنين بالأدب السامي ، حيث يأمرهم في مثل ~~هذه الأحوال ، أن ينزهوا أسماعهم عن مجرد الاستماع إلى ما يسيء إلى ~~المؤمنين ، وأن يتحرجوا من مجرد النطق بمثل حديث الإفك ، وأن يستنكروا ذلك ~~على من يتلفظ به. # ثم نهى سبحانه المؤمنين من العودة إلى مثل هذا الأمر ms4119 العظيم فقال : ( ~~@QUR@09 يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين ) @QUR@01 . # أى : يعظكم الله تعالى أيها المؤمنون بما يرقق قلوبكم ، ويحذركم من ~~العودة إلى الخوض في حديث الإفك ، أو فيما يشبهه من أحاديث باطلة ، وعليكم ~~أن تمتثلوا ما آمركم به ، وما أنهاكم عنه امتثالا كاملا ، إن كنتم مؤمنين ~~إيمانا كاملا. # فقوله تعالى ( @QUR@03 إن كنتم مؤمنين ) من باب تهييجهم وإثارة حماستهم ~~للاستجابة لوعظه وتحذيره سبحانه . # وقوله تعالى ( @QUR@07 ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم ) إبراز ~~لما تفضل به سبحانه عليهم من تعليم وتوجيه وحسن تربية. # أى : ويبين الله تعالى لكم الآيات التي تسعدكم في دنياكم وآخرتكم متى ~~اتبعتم ما اشتملت عليه من آداب وأحكام ، والله تعالى «عليم» بأحوال خلقه ~~«حكيم» في جميع ما يأمر به ، أو ينهى عنه. # * * * # ثم يواصل القرآن الكريم توجيهاته الحكيمة للمؤمنين ، فيهدد الذين يحبون ~~أن تشيع PageV10P098 # الفاحشة في الذين آمنوا بالعذاب الأليم ، وينهى المؤمنين وينهى المؤمنين ~~عن اتباع خطوات الشيطان ، قال تعالى : # ( @QUR@020 إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم ~~في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون (19) @QUR@010 ولو لا فضل ~~الله عليكم ورحمته وأن الله رؤف رحيم (20) @QUR@036 يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ~~ولو لا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من ~~يشاء والله سميع عليم (21) @QUR@026 ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن ~~يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا ~~تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم ) (22) # قال الإمام الرازي : «اعلم أنه سبحانه بعد أن بين ما على أهل الإفك ، وما ~~على من سمع منهم ، وما ينبغي أن يتمسك به المؤمنون من آداب ، أتبعه بقوله : ~~( @QUR@09 إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا. ) @QUR@01 . ~~ليعلم أن من أحب ذلك فقد شارك في هذا الذم ، كما شارك فيه من فعله ومن لم ~~ينكره ، وليعلم أهل الإفك كما أن عليهم العقوبة فيما ms4120 أظهروه ، فكذلك ~~يستحقون العقوبة بما أسروه ، من محبة إشاعة الفاحشة في المؤمنين (1). PageV10P099 # ومعنى «تشيع» تنتشر وتكثر ، ومنه قولهم : شاع الحديث. إذا ظهر بين الناس. # والفاحشة : هي الصفة البالغة أقصى دركات القبح ، كالرمى بالزنا وما يشبه ذلك. # وهي صفة لموصوف محذوف. أى : الخصلة الفاحشة ، والمقصود بمحبة شيوعها : ~~محبة شيوع خبرها بين عامة الناس. # والمعنى : إن الذين يحبون أن تنتشر قالة السوء بين صفوف المؤمنين ، وفي ~~شأنهم ، لكي يلحقوا الأذى بهم ، هؤلاء الذين يحبون ذلك «لهم» بسبب نواياهم ~~السيئة «عذاب أليم في الدنيا» كإقامة الحد عليهم ، وازدراء الأخيار لهم ، ~~ولهم أيضا عذاب أليم «في الآخرة» وهو أشد وأبقى من عذاب الدنيا. # «والله» تعالى وحده «يعلم» ما ظهر وما خفى من الأمور والأحوال «وأنتم» ~~أيها الناس «لا تعلمون» إلا ما كان ظاهرا منها ، فعاملوا الناس على حسب ~~ظواهرهم ، واتركوا بواطنهم لخالقهم ، فهو سبحانه الذي يتولى محاسبتهم عليها. # فالآية الكريمة يؤخذ منها : أن العزم على ارتكاب القبيح ، منكر يعاقب ~~عليه صاحبه ، وأن محبة الفجور وشيوع الفواحش في صفوف المؤمنين ، ذنب عظيم ~~يؤدى إلى العذاب الأليم في الدنيا والآخرة ، لأن الله تعالى علق الوعيد ~~الشديد في الدارين على محبة انتشار الفاحشة في الذين آمنوا. # ثم ذكر سبحانه المؤمنين بفضله عليهم مرة أخرى ، لكي يزدادوا اعتبارا ~~واتعاظا فقال ( @QUR@010 ولو لا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤف رحيم ) ~~@QUR@01 . # وجواب «لو لا» محذوف ، كما أن خبر المبتدأ محذوف ، والتقدير : ولو لا فضل ~~الله عليكم ، ورحمته بكم موجودان ، لعاجلكم بالعقوبة. ولكنه سبحانه لم ~~يعاجلكم بها ، لأنه شديد الرأفة والرحمة بعباده ، ولو يؤاخذهم بما كسبوا ما ~~ترك عليها من دابة. # ثم وجه سبحانه نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن اتباع خطوات الشيطان ، ~~فقال : ( @QUR@016 يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ، ومن يتبع ~~خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر .. ) @QUR@01 . # والخطوات : جمع خطوة. وهي في الأصل تطلق على ما بين القدمين. والمراد بها ~~هنا : طرقه ومسالكه ووساوسه ، التي منها الإصغاء إلى حديث الإفك ، والخوض ~~فيه. وما يشبه ذلك من الأقوال ms4121 الباطلة ، والأفعال القبيحة. # أى : يا من آمنتم بالله حق الإيمان ، احذروا أن تسلكوا المسالك التي ~~يغريكم بسلوكها PageV10P100 # الشيطان ، فإن الشيطان وظيفته الإغراء بالشر لا بالخير ، والأمر بالفحشاء ~~والمنكر ، وليس بالفضائل والمعروف. # وجواب الشرط في قوله : ( @QUR@04 ومن يتبع خطوات الشيطان ) محذوف ، ~~والتقدير : ومن يتبع خطوات الشيطان يقع في الضلال والعصيان ، فإن الشيطان ~~لا يأمر إلا بالفحشاء والمنكر. # وخاطبهم سبحانه بصفة الإيمان ، لتحريك قوة الإيمان في قلوبهم ، ولتهييجهم ~~على الاستجابة لما أرشدهم إليه سبحانه . # وقوله سبحانه ( @QUR@012 ولو لا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من ~~أحد أبدا. ) @QUR@01 . بيان لمظاهر فضله تعالى ولطفه بعباده المؤمنين. # والمراد بالتزكية هنا : التطهير من أرجاس الشرك ، ومن الفسوق والعصيان. # أى : ولو لا فضل الله عليكم أيها المؤمنون ورحمته بكم ما طهر أحد منكم من ~~دنس الذنوب والمعاصي طول حياته ، ولكن الله تعالى بفضله ورحمته يطهر من ~~يشاء تطهيره من الأرجاس والأنجاس. بأن يقبل توبته. ويغسل حوبته. # «والله» تعالى «سميع» لدعاء عباده ومناجاتهم إياه «عليم» بما يسرونه وما ~~يعلنونه من أقوال وأفعال. # ثم حض عز وجل أصحاب النفوس النقية الطاهرة ، على المواظبة على ما تعودوه ~~من سخاء وسماحة ، فقال : ( @QUR@026 ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة ، أن ~~يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا ~~تحبون أن يغفر الله لكم. والله غفور رحيم ) @QUR@01 . # وقد صح أن هذه الآية الكريمة نزلت في شأن أبى بكر رضى الله عنه عند ما ~~أقسم أن لا يعطى مسطح بن أثاثة شيئا من النفقة أو الصدقة. # وكان مسطح قريبا لأبى بكر. وكان من الفقراء الذين تعهد أبو بكر رضى الله ~~عنه بالإنفاق عليهم لحاجتهم وهجرتهم وقرابتهم منه. # وقوله : ( @QUR@02 ولا يأتل ) أى : ولا يحلف. يقال : آلى فلان وائتلى. ~~إذا حلف ومنه قوله تعالى : ( @QUR@04 للذين يؤلون من نسائهم. ) @QUR@01 . ~~(1) أى : يحلفون. # أى : ولا يحلف «أولوا الفضل منكم والسعة» أى أصحاب الزيادة منكم في قوة ~~الدين. وفي سعة المال «أن يؤتوا أولى القربى ..» أى : على أن لا يعطوا أولى ~~القربى والمساكين PageV10P101 # والمهاجرين في سبيل ms4122 الله ، شيئا من أموالهم. # فالكلام في قوله : «أن يؤتوا» على تقدير حرف الجر ، أى : لا يحلفوا على ~~أن لا يؤتوا ، وحذف حرف الجر قبل المصدر المنسبك من أن وصلتهما مطرد ، ~~ومفعول «يؤتوا» الثاني محذوف. أى : أن يؤتوا أولى القربى والمساكين ~~والمهاجرين في سبيل الله ، النفقة التي تعودوا أن يقدموها لهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 وليعفوا وليصفحوا ) تحريض على العفو والصفح. ~~والعفو معناه : التجاوز عن خطأ المخطئ ونسيانه ، مأخوذ من عفت الريح الأثر ~~، إذا طمسته وأزالته. # والصفح : مقابلة الإساءة بالإحسان ، فهو أعلى درجة من العفو. # أى : قابلوا أيها المؤمنون إساءة المسيء بنسيانها ، وبمقابلتها بالإحسان. # وقوله : ( @QUR@06 ألا تحبون أن يغفر الله لكم ) أى : ألا تحبون أيها ~~المؤمنون أن يغفر الله لكم ذنوبكم ، بسبب عفوكم وصفحكم عمن أساء إليكم؟ # فالجملة الكريمة ترغيب في العفو والصفح بأبلغ أسلوب ، وقد صح أن أبا بكر ~~رضى الله عنه لما سمع الآية قال : بلى والله يا ربنا ، إنا لنحب أن تغفر ~~لنا ، وأعاد إلى مسطح نفقته ، وفي رواية : أنه رضى الله عنه ضاعف لمسطح نفقته. # قال الآلوسى : «وفي الآية من الحث على مكارم الأخلاق ما فيها. واستدل بها ~~على فضل الصديق رضى الله عنه لأنه داخل في أولى الفضل قطعا ، لأنه وحده أو ~~مع جماعة سبب النزول ، ولا يضر في ذلك الحكم لجميع المؤمنين كما هو الظاهر ~~..» (1). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بما يرفع من شأن العفو والصفح فقال : ( ~~@QUR@03 والله غفور رحيم ) @QUR@01 . # أى : والله تعالى كثير المغفرة ، وواسع الرحمة بعباده ، فكونوا أيها ~~المؤمنون أصحاب عفو وصفح عمن أساء إليكم. # وبعد أن أمر سبحانه المؤمنين بالعفو والصفح عمن استزلهم الشيطان ، فخاضوا ~~في حديث الإفك ثم ندموا وتابوا ، أتبع ذلك ببيان سوء عاقبة المصريين على ~~خبثهم وعلى محبة إشاعة الفاحشة في صفوف الجماعة الإسلامية فقال تعالى : PageV10P102 # ( @QUR@013 إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا ~~والآخرة ولهم عذاب عظيم (23) @QUR@09 يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون (24) @QUR@011 يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ~~ويعلمون أن الله هو الحق المبين (25) @QUR@016 الخبيثات للخبيثين ms4123 والخبيثون ~~للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرؤن مما يقولون لهم ~~مغفرة ورزق كريم ) (26) # والمعنى : «إن الذين يرمون» بالفاحشة النساء «المحصنات» أى : المانعات ~~أنفسهن عن كل سوء وريبة «الغافلات» أى : الغافلات عن أن تدور الفاحشة ~~بأذهانهن ، لأنهن طبعن على التخلق بالأخلاق الفاضلة الكريمة ، فهن فوق ~~كونهن محصنات ، لا يخطر السوء ببالهن لطهارة معدنهن. # «المؤمنات» أى : الكاملات الإيمان بالله تعالى ، وبصدق رسوله ~~صلى الله عليه وسلم ، وبكل ما يجب الإيمان به. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 لعنوا في الدنيا والآخرة ) أى : طردوا من رحمة ~~الله تعالى في الدنيا وفي الآخرة ، وفوق كل ذلك «لهم» منه تعالى «عذاب ~~عظيم» لا تحيط العبارة بوصفه. # وجملة «يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون» مقررة ~~لمضمون ما قبلها ، مبينة لحلول وقت ذلك العذاب بهم. # أى : لهم عذاب عظيم يوم القيامة ، يوم يقفون أمام الله تعالى للحساب ~~فتشهد عليهم ألسنتهم ، وأيديهم ، وأرجلهم ، بما كانوا يعملونه في الدنيا من ~~أعمال سيئة ، وبما كانوا يقولونه من أقوال قبيحة. # فالمراد بشهادة هذه الجوارح ، نطقها وإخبارها عما كانوا يعملونه في ~~الدنيا. PageV10P103 # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@024 حتى إذا ما جاؤها شهد عليهم ~~سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون* وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا ، ~~قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء. ) @QUR@01 . (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@011 اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد ~~أرجلهم بما كانوا يكسبون ) (2). # والمراد بالدين في قوله تعالى : ( @QUR@05 يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق. ~~) @QUR@01 . الجزاء الذي يستحقونه بسبب آثامهم. ويوفيهم : من التوفية بمعنى ~~إعطاء الشيء كاملا ووافيا. وقوله : «يومئذ» ظرف ليوفيهم. # أى : في هذا اليوم العظيم وهو القيامة. الذي تشهد فيه الجوارح على صاحبها ~~، يجازى الله تعالى هؤلاء الفاسقين الجزاء الحق العادل الذي يستحقونه بسبب ~~رميهم النساء المحصنات الغافلات المؤمنات بالفاحشة. # «ويعلمون» علما لا مجال معه للشك أو الريب عند ما يشاهدون العذاب «أن ~~الله» تعالى هو الإله «الحق» في ذاته وصفاته وأفعاله ، وأنه عز وجل هو ~~«المبين» أى : المظهر لما أبطنته النفوس ، وخبأته الضمائر ، والقادر على ~~مجازاة الذين أساءوا بما عملوا ms4124 ، وعلى مجازاة الذين أحسنوا بالحسنى. # ثم ختم سبحانه الآيات التي نزلت في حديث الإفك بتقرير سنته الإلهية ، ~~التي نشاهدها في واقع الناس وهي : أن شبيه الشيء منجذب إليه ، وأن الأرواح ~~جنود مجندة ، فما تعارف منها ائتلف. وما تناكر منها اختلف». كما جاء في ~~الحديث الشريف فقال تعالى : «الخبيثات للخبيثين» أى : الخبيثات من النساء ، ~~مختصات بالخبيثين من الرجال «والخبيثون» من الرجال مختصون «بالخبيثات» من ~~النساء ، «والطيبات» منهن «للطيبين» منهم. «والطيبون» أيضا منهم «للطيبات» منهن. # وهكذا يألف الشكل شكله ، والطيور على أشكالها تقع ، وإذا كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم هو أطيب الطيبين ، فلا يمكن أن تكون زوجاته ~~صلى الله عليه وسلم وعلى رأسهن عائشة ، إلا من أطيب الطيبات من النساء ، وأطهر ~~الطاهرات منهن. # ثم جاءت شهادة الله تعالى وهي تغنى عن كل شهادة بما يثبت براءة عائشة PageV10P104 # رضى الله عنها من كل ما افتراه عليها المفترون ، جاء قوله سبحانه ( ~~@QUR@08 أولئك مبرؤن مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم ) @QUR@01 . # أى : أولئك ، الطيبون والطيبات ، وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأهل بيته. وعلى رأس أهل بيته عائشة رضى الله عنها مبرءون مما يقولون أى : ~~مما يقوله الخبيثون والخبيثات في شأنهم. # وأولئك الطيبون والطيبات «لهم مغفرة» عظيمة من الله تعالى ولهم «رزق ~~كريم» هو جنة عرضها السموات والأرض ، جزاء إيمانهم وعملهم الصالح وصبرهم ~~على الأذى. # هذا هو حديث القرآن عن حديث الإفك ، الذي أشاعه الفاسقون عن السيدة عائشة ~~رضى الله عنها وكان مقصدهم الأكبر من وراء ذلك هو الطعن في نبوة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم . # ولكن الله تعالى رد عليهم بما يكبتهم ويخرس ألسنتهم. # هذا ، ويؤخذ من هذه الآيات الكريمة جملة من الأحكام والآداب من أهمها ما يأتى : # 1 غيرة الله تعالى على حرمة نبيه صلى الله عليه وسلم ودفاعه سبحانه عن ~~أوليائه ، ورده لكيد المنافقين في نحورهم. # قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات : «هذه الآيات نزلت في شأن ~~عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها حين رماها أهل الإفك والبهتان ms4125 من ~~المنافقين. بما قالوه من الكذب البحت والفرية التي غار الله تعالى لها ~~ولنبيه صلوات الله وسلامه عليه فأنزل الله سبحانه براءتها ، صيانة لعرض ~~الرسول صلى الله عليه وسلم » (1). # 2 تسلية الله تعالى لعباده المؤمنين ، عما أصابهم من هم وغم بسبب هذا ~~الحديث المفترى على الصديقة بنت الصديق رضى الله عنهما ، وقد ظل هذا الحديث ~~يتردد في جنبات المدينة ، حتى نزلت هذه الآيات الكريمة ، لإحقاق الحق ~~وإبطال الباطل. # ومن مظاهر هذه التسلية قوله تعالى ( @QUR@08 لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير ~~لكم. ) @QUR@01 . # قال صاحب الكشاف : ومعنى كونه خيرا لهم أنهم اكتسبوا فيه الثواب العظيم ، ~~لأنه كان بلاء .. ومحنة ظاهرة. وأنه نزلت فيه ثماني عشرة آية ، كل واحدة ~~منها مستقلة ، بما هو تعظيم لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسلية له. ~~وتنزيه لأم المؤمنين رضوان الله عليها وتطهير لأهل البيت. وتهويل لمن تكلم ~~في ذلك ، أو سمع به فلم تمجه أذناه ، وعدة ألطاف للسامعين والتالين إلى يوم ~~القيامة. وفوائد دينية وأحكام وآداب لا تخفى على متأمليها» (2). PageV10P105 # 3 إرشاد المؤمنين إلى أن من أنجع الوسائل لمحاربة الإشاعات الكاذبة ، أن ~~يحسن بعضهم الظن ببعض ، وأن يكتموا هذه الإشاعات حتى تموت في مهدها ، وأن ~~يزجروا من يتفوه بها. أو من يعمل على ترويجها. وأن يظهروا له احتقارهم ، ~~ونفورهم من مجرد سماعها. # وهذا الإرشاد الحكيم ، نراه في آيات متعددة من هذه القصة ، ومن ذلك قوله ~~تعالى : ( @QUR@013 لو لا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا ، ~~وقالوا هذا إفك مبين ) @QUR@01 . # ( @QUR@015 ولو لا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا. سبحانك ~~هذا بهتان عظيم ) @QUR@01 . # 4 بيان جانب من مظاهر فضل الله تعالى ورحمته بعباده المؤمنين ، الذين ~~سبقتهم ألسنتهم بالخوض في حديث الإفك ، أو في سماعه .. ثم تابوا بعد ذلك ~~مما وقعوا فيه. # ويتجلى هذا الفضل العظيم ، في قوله تعالى : ( @QUR@025 ولو لا فضل الله ~~عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة ، لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم. ولو لا ~~فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤف رحيم ms4126 ) @QUR@01 . ( @QUR@020 ولو لا ~~فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ، ولكن الله يزكي من يشاء ، ~~والله سميع عليم ) @QUR@01 . # 5 تحذير المؤمنين تحذيرا شديدا ، عن مغبة الوقوع مرة أخرى. فيما وقع فيه ~~بعضهم من الخوض في حديث الإفك ، وفيما يشبهه من أحداث ، وبيان أن ما حدث من ~~بعضهم يتنافى مع ما يقتضيه الإيمان ، ومع آداب الإسلام. # ومن الآيات التي وردت في هذا التحذير قوله تعالى : ( @QUR@016 يعظكم الله ~~أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين* ويبين الله لكم الآيات ، والله عليم ~~حكيم ) @QUR@01 . # 6 تهديد الذين افتروا حديث الإفك بخبث وبسوء نية ، وبإصرار على نشر قالة ~~السوء في صفوف المؤمنين .. تهديدهم بأشد ألوان العذاب في الدنيا والآخرة ، ~~ووصفهم بأقبح الصفات التي تدعو إلى نبذهم والبعد عنهم. # ومن الآيات التي وردت في ذلك قوله تعالى : ( @QUR@015 لو لا جاؤ عليه ~~بأربعة شهداء ، فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ) ~~@QUR@01 . وقوله سبحانه : ( @QUR@015 إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في ~~الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة ) @QUR@01 . # وقوله عز وجل : ( @QUR@033 إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات ~~لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم* يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون* يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ، ويعلمون أن الله ~~هو الحق المبين ) @QUR@01 . # قال صاحب الكشاف رحمه الله عند تفسيره لهذه الآيات ما ملخصه : «ولو فليت PageV10P106 # القرآن كله وفتشت عما أوعد به العصاة ، لم تر الله تعالى قد غلظ في شيء ~~تغليظه في الإفك على عائشة رضوان الله عليها. وأنزل سبحانه من الآيات ~~القوارع ، المشحونة بالوعيد الشديد. ما أنزل في حديث الإفك ، ولو لم ينزل ~~الله إلا هذه الثلاث يعنى قوله تعالى : ( @QUR@05 إن الذين يرمون المحصنات ~~الغافلات. ) @QUR@01 . إلى قوله سبحانه ( @QUR@06 ويعلمون أن الله هو الحق ~~المبين ) لكفى بها. حيث جعل القذفة ملعونين في الدارين جميعا ، وبأن ~~جوارحهم تشهد عليهم بما أفكوا وبهتوا .. فأوجز سبحانه في ذلك وأشبع ، وفصل ~~وأجمل ، وأكد وكرر ... وما ذلك إلا لإظهار علو منزلة رسوله صلى الله عليه وسلم ms4127 ~~ونفى التهمة عن حرمته ..» (1). # 7 توجيه المؤمنين الصادقين إلى العفو والصفح ، عمن شارك في حديث الإفك ~~بالقول ، أو بالسماع ، أو بالرضا به ، ما دام هؤلاء المشاركون قد تابوا ~~وندموا على ما وقع منهم ، ندما يدل على حسن توبتهم ، كأن يعترفوا بخطئهم أو ~~يعتذروا عما فرط منهم. # ويشهد لهذا التوجيه قوله تعالى في شأن أبى بكر الصديق ، بعد أن أقسم أن ~~لا ينفق على مسطح ( @QUR@026 ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا ~~أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله. وليعفوا وليصفحوا ، ألا ~~تحبون أن يغفر الله لكم ، والله غفور رحيم ). # 8 تكريم السيدة عائشة رضى الله عنها تكريما يظل ملازما لها إلى أن يرث ~~الله تعالى الأرض ومن عليها. فقد برأها سبحانه مما افتراه عليها المفترون ، ~~وشهد بحصانتها وغفلتها عن السوء ، وقوة إيمانها ، وطيب عنصرها ، وأنزل في ~~شأنها قرآنا يتلى إلى يوم القيامة ، ويكفيها فخرا قوله تعالى : ( @QUR@08 ~~أولئك مبرؤن مما يقولون. لهم مغفرة ورزق كريم ). # وقد ساق بعض العلماء كثيرا من الأحاديث التي تدل على فضلها وعلى حب النبي ~~صلى الله عليه وسلم لها ، فقال ما ملخصه : «وفي الجملة فإن أهل السنة مجمعون ~~على تعظيم عائشة. وعلى محبة النبي صلى الله عليه وسلم لها ، ففي الصحيح عن ~~عمرو بن العاص قال : قلت يا رسول الله. أى النساء أحب إليك؟ قال : «عائشة». # وثبت في الصحيح أيضا أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة لما ~~يعلمون من محبته صلى الله عليه وسلم إياها .. وكان في مرضه الذي مات فيه يقول ~~: أين أنا اليوم؟ استبطاء ليوم PageV10P107 # عائشة. ثم استأذن نساءه رضى الله عنهن أن يمرض في بيتها ، وفيه توفى في ~~حجرها» (1). # هذه بعض الأحكام والآداب التي تؤخذ من هذه الآيات ، ومن أراد المزيد ~~فليرجع إلى أمهات كتب التفسير ، ففيها ما يشبع وينفع. # * * * # وبعد أن بين سبحانه قبح جريمة الزنا ، وشناعة جريمة القذف ، وعقوبة كل من ~~يقع في هاتين الجريمتين ، أتبع ذلك ببيان الآداب التي تحمل المتمسك بها على ~~التحلي بالفضيلة والنقاء والطهر ... وبدأ ms4128 سبحانه بآداب الاستئذان فقال ~~تعالى : # ( @QUR@019 يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا ~~وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون (27) @QUR@022 فإن لم تجدوا ~~فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى ~~لكم والله بما تعملون عليم (28) @QUR@017 ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا ~~غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ) (29) # ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات ، أن امرأة من الأنصار جاءت إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إنى أكون في بيتي على حال لا ~~أحب أن يراني عليها أحد ، لا والد ولا ولد ، فيأتى الأب فيدخل على وإنه لا ~~يزال يدخل على رجل من أهلى وأنا على تلك الحال ، فكيف أصنع؟ فنزل قوله ~~تعالى : ( @QUR@011 يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى ~~تستأنسوا ) @QUR@01 . # فقال أبو بكر رضى الله عنه يا رسول الله ، أفرأيت الخانات والمساكن في طرق PageV10P108 # الشام ، ليس فيها ساكن ، فأنزل الله تعالى : ( @QUR@011 ليس عليكم جناح ~~أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم ) (1). # والمراد بالبيوت في قوله تعالى : ( @QUR@03 لا تدخلوا بيوتا. ) @QUR@01 . ~~البيوت المسكونة من أصحابها ، بدليل قوله سبحانه بعد ذلك ، ( @QUR@08 ليس ~~عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة ) @QUR@01 . # وقوله تعالى : ( @QUR@01 تستأنسوا )، من الاستئناس بمعنى الاستعلام ~~والاستكشاف ، فهو من آنس الشيء إذا أبصره ظاهرا مكشوفا ، ومنه قوله تعالى ( ~~@QUR@017 فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا ، قال ~~لأهله امكثوا إني آنست نارا. ) @QUR@01 . (2) أى : قال لأهله إنى رأيت نارا. # ويصح أن يكون من الاستئناس الذي هو ضد الاستيحاش ، لأن الذي يقرع باب ~~غيره لا يدرى أيؤذن له أم لا ، فهو كالمستوحش من خفاء الحال عليه ، فإذا ~~أذن له أهل البيت في الدخول ، زالت وحشته ، ودخل وهو مرتاح النفس. # وعلى هذا المعنى يكون الكلام من باب المجاز ، حيث أطلق اللازم وهو ~~الاستئناس ، وأريد الملزوم وهو الإذن في الدخول. # والمعنى : يا من آمنتم بالله تعالى حق الإيمان ، لا تدخلوا ms4129 بيوتا غير ~~بيوتكم التي تسكنونها ، والتي هي مسكونة لسواكم «حتى تستأنسوا» ، أى : حتى ~~تعلموا أن صاحب البيت قد أذن لكم ، ورضيت نفسه بدخولكم «وتسلموا على أهلها» ~~أى : وتسلموا السلام الشرعي على أهل هذه البيوت الساكنين فيها. # وعبر سبحانه عن الاستئذان في الدخول بالاستئناس ، لأنه يوحى بأن القادم ~~قد استأنس بمن يريد الدخول عليهم وهم قد أنسوا به ، واستعدوا لاستقباله ، ~~فهو يدخل عليهم بعد ذلك وهم متهيئون لحسن لقائه. فإذا ما صاحب كل ذلك ~~التسليم عليهم. كان حسن اللقاء أتم وأكمل. # وقوله ( @QUR@01 ذلكم ): أى الاستئناس والتسليم قبل الدخول ( @QUR@02 ~~خير لكم ) من الدخول بدون استئناس أو استئذان أو تسليم. # وقوله : ( @QUR@02 لعلكم تذكرون ) متعلق بمحذوف ، ولعل هنا للتعليل. أى : ~~أرشدناكم إلى هذا الأدب السامي ، وبيناه لكم ، كي تعملوا به ، وتكونوا ~~دائما متذكرين له ، وتتركوا اقتحام PageV10P109 # بيوت غيركم بدون استئذان منهم. # ثم بين سبحانه حالة أخرى توجب عليهم الاستئذان ، فقال : ( @QUR@010 فإن ~~لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم .. ) @QUR@01 . # أى : فإن لم تجدوا في هذه البيوت أحدا ، بأن كانت خالية من سكانها لظرف ~~من الظروف ، فلا يصح لكم أيضا أن تدخلوها ، حتى يؤذن لكم في دخولها ممن ~~يملك الإذن بذلك. # قال صاحب الكشاف : «وذلك أن الاستئذان لم يشرع لئلا يطلع الدامر أى ~~الداخل بغير إذن على عورة ، ولا تسبق عينه إلى ما لا يحل النظر إليه فقط ، ~~وإنما شرع لئلا يوقف على الأحوال التي يطويها الناس في العادة عن غيرهم ، ~~ويتحفظون من اطلاع أحد عليها ، ولأنه تصرف في ملك غيرك ، فلا بد من أن يكون ~~برضاه. وإلا أشبه الغصب والتغلب» (1). # فالآية الأولى لبيان حكم دخول البيوت المسكونة بأهلها ، وهذه لبيان حكم ~~دخول البيوت الخالية من سكانها. # وقوله تعالى : ( @QUR@08 وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم ) بيان ~~لما يجب عليهم في حالة عدم الإذن لهم بالدخول. # أى : وإن قيل لكم من جهة أهل البيت ارجعوا ولا تدخلوا ، فارجعوا ولا ~~تلحوا في طلب الدخول ، فإن هذا الرجوع هو أطهر لأخلاقكم ، وأبقى لمرءوتكم. ~~من الإلحاح ms4130 في الاستئذان ، ومن الوقوف على أبواب أصحابها قد تكون أحوالهم ~~لا تسمح لكم بالدخول عليهم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 والله بما تعملون عليم ) تذييل قصد به التحذير ~~من مخالفة ما أمر الله تعالى به ، وما نهى سبحانه عنه. # أى : والله تعالى لا تخفى عليه خافية من أعمالكم ، فأصلحوها ، والتزموا ~~باتباع ما أمركم به ، وما نهاكم عنه ، فإنه سبحانه سيجازيكم عليها بما ~~تستحقون من ثواب أو عقاب. # فالمقصود من هذا الإخبار : إفادة لازمه وهو المجازاة على هذه الأعمال. # وقوله سبحانه : ( @QUR@011 ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة ~~فيها متاع لكم ) بمنزلة الاستثناء من الأحكام التي اشتملت عليها الآيتان ~~السابقتان. # فقد ذكر المفسرون أنه لما نزلت آية الاستئذان ، قال بعض الصحابة يا رسول ~~الله. كيف PageV10P110 # بالبيوت التي بين مكة والمدينة والشام وبيت المقدس ، وهي على ظهر الطريق ~~، وليس فيها ساكن من أربابها ، فنزلت هذه الآية. # والمراد بالمتاع : التمتع والانتفاع بها. # أى : ليس عليكم أيها المؤمنون حرج أو إثم في أن تدخلوا بغير استئذان ~~بيوتا غير معدة لسكنى طائفة معينة من الناس ، بل هي معدة لينتفع بها من ~~يحتاج إليها من دون أن يتخذها مسكنا له ، كالرباطات ، والفنادق ، والحوانيت ~~، والحمامات ، وغير ذلك من الأماكن المعدة للراحة المؤقتة لا للسكن ~~والإقامة. # وقوله : ( @QUR@03 فيها متاع لكم ) أى : فيها حق تمتع وانتفاع لكم ، ~~كالوقاية من الحر والبرد. وكتبادل المنافع فيما بينكم بالبيع أو الشراء ، ~~وغير ذلك مما يتناسب مع وظيفة هذه البيوت غير المسكونة. # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ) وعيد وتحذير ~~آخر لأولئك الذين يدخلون البيوت ولا يرعون حرمتها ، بل يبيحون لعيونهم ~~ولجوارحهم ، ما لم تبحه آداب الإسلام ، وتعاليمه ، كالتطلع إلى العورات. ~~وما يشبه ذلك من المقاصد السيئة. # أى : والله تعالى وحده يعلم ما تظهرونه وما تخفونه من أقوال وأعمال ، ~~وسيحاسبكم عليها ، فاحذروا أن تسلكوا مسلكا لا يرضى خالقكم عنكم. # هذا ، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى : # 1 أن على كل إنسان سواء أكان رجلا أم امرأة أن يستأذن ms4131 ويسلم قبل الدخول ~~على غيره في بيته ، لأن الله تعالى يقول : ( @QUR@014 يا أيها الذين آمنوا ~~لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها .. ) @QUR@01 . ~~فهذا نهى صريح عن الدخول بدون استئذان. # إلا أن جمهور الفقهاء يرون أن الطلب في الاستئناس على سبيل الوجوب وفي ~~السلام على سبيل الندب ، كما هو حكم السلام في غير هذا الموطن. # 2 يرى بعض العلماء أن القادم يبدأ بالاستئذان قبل السلام ، كما جاء في ~~الآية الكريمة ، ويرى كثير منهم تقديم السلام على الاستئذان ، لأن الواو لا ~~تستلزم الترتيب ، ولأن هناك أحاديث متعددة ، تفيد أن السلام مقدم على ~~الاستئذان ، ومنها ما أخرجه الترمذي عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال : «السلام قبل الكلام» (1). PageV10P111 # وبعض العلماء فصل في هذه المسألة فقال : إن كان القادم يرى أحدا من أهل ~~البيت ، سلم أولا ثم استأذن في الدخول ، وإن كان لا يرى أحدا منهم قدم ~~الاستئذان على السلام. # وهذا الرأى وجاهته ظاهرة ، لأن فيه جمعا بين الأدلة. # 3 لا صحة لما ذكره بعضهم من أن أصل الآية «حتى تستأذنوا» ، وأن الكاتبين ~~أخطئوا في كتابتهم فكتبوا «حتى تستأنسوا» ، وذلك لأن جميع الصحابة أجمعوا ~~على كتابة «حتى تستأنسوا» في جميع نسخ المصحف العثماني ، وعلى تلاوة الآية ~~بلفظ «تستأنسوا» ومضى على ذلك إجماع المسلمين في كل مكان ، سواء في كتابتهم ~~للمصحف أم في قراءتهم له. # قال القرطبي : إن مصاحف الإسلام كلها ، قد ثبت فيها «حتى تستأنسوا» وصح ~~الإجماع فيها من لدن عثمان ، فهي لا تجوز مخالفتها. وإطلاق الخطأ والوهم ~~على الكاتب في لفظ أجمع الصحابة عليه قول لا يصح .. وقد قال الله تعالى ( ~~@QUR@013 لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) ~~(1) وقال سبحانه ( @QUR@07 إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) (2). ~~سورة الحجر الآية 9. # 4 ظاهر قوله تعالى : ( @QUR@02 حتى تستأنسوا. ) @QUR@01 . أن الاستئذان ~~غير مقيد بعدد ، إلا أن السنة الصحيحة قد بينت أن الاستئذان يكون ثلاث مرات ~~فإن لم يؤذن له بعدها انصرف. # ومن الأحاديث التي ms4132 وردت في هذا المعنى ما رواه البخاري عن أبى سعيد ~~الخدري قال : كنت في مجلس من مجالس الأنصار ، إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور ~~فقال : استأذنت على عمر ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت فقال : ما منعك أى من ~~الدخول ؟ قلت : استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: «إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع. فقال لي : لتأتين بالبينة. ~~فهل منكم أحد سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ذلك؟ فقام معه أبى بن كعب ، ~~فأخبر عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك. # قال بعض العلماء : «والراجح أن الواجب إنما هو الاستئذان مرة. فأما كمال ~~العدد ثلاثا فهو حق المستأذن إن شاء أكمله ، وإن شاء اقتصر على مرة أو ~~مرتين. فقد ثبت أن عمر بن الخطاب استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم مرتين ، ~~فلم يؤذن له فرجع ، فتبعه غلام فقال له : ادخل فقد أذن لك النبي ~~صلى الله عليه وسلم (3). # 5 ظاهر قوله تعالى ( @QUR@07 لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا ) ~~يفيد أنهم PageV10P112 # ليس عليهم استئذان في دخول بيوتهم. إلا أن هذا الظاهر يصح حمله على ~~الزوجة. لأنه يجوز بين الزوج وزوجته من الأحوال ما لا يجوز لأحد غيرهما ، ~~ومع ذلك فإنه ينبغي أن يشعر الرجل زوجته بقدومه ، حتى لا يفاجئها بما تكره ~~له أن يطلع عليه. # ورحم الله الإمام ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الآيات : وهذا أى عدم ~~الاستئذان على الزوجة محمول على عدم الوجوب ، وإلا فالأولى أن يعلمها ~~بدخوله ولا يفاجئها به ، لاحتمال أن تكون على هيئة لا تحب أن يراها عليها ~~.. ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه نهى أن ~~يطرق الرجل أهله طروقا (1). # وأما بالنسبة لغير زوجته ، كأمه ، وأخواته ، وبنيه وبناته البالغين ، ~~فإنه يلزمه أن يستأذن عليهم ، لأنه إن دخل عليهم بدون استئذان ، فقد تقع ~~عينه على ما لا يصح الاطلاع عليه. # ومن الأحاديث التي وردت في هذا المعنى. ما ms4133 أخرجه مالك في الموطأ عن عطاء ~~بن يسار ، أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أأستأذن على أمى؟ قال : ~~«نعم قال : ليس لها خادم غيرى ، أأستأذن عليها كلما دخلت؟ قال ~~صلى الله عليه وسلم أتحب أن تراها عريانة؟ قال : لا .. قال : فاستأذن عليها» (2). # وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن نافع : كان ابن عمر إذا بلغ بعض ولده ~~الحلم ، لم يدخل عليه إلا بإذن. # 6 وردت أحاديث متعددة في كيفية الاستئذان ، وفي التحذير من التطلع إلى ~~بيوت الغير بدون إذن. # فمن آداب الاستئذان أن لا يقف المستأذن أمام الباب بوجهه. ولكنه يجعل ~~الباب عن يمينه أو عن يساره ، ومن الأحاديث التي وردت في ذلك ما أخرجه أبو ~~داود عن عبد الله بن بشر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب ~~قوم ، لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ، ~~ويقول : السلام عليكم. # كذلك من آداب الاستئذان أن لا يقول المستأذن «أنا» في الرد على رب المنزل ~~، وإنما يذكر اسمه ، ففي صحيح البخاري عن جابر قال : أتيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم في دين كان على أبى ، فدققت الباب ، فقال : من ذا؟ قلت : ~~أنا. فقال : أنا ، أنا ، كأنه كرهها» (3). # ولعل السر في النهى عن الرد بلفظ «أنا» أن هذا اللفظ يعبر به كل واحد عن ~~نفسه ، فلا تحصل به معرفة شخصية المستأذن ، والمقصود بالاستئذان الإفصاح لا ~~الإبهام. PageV10P113 # أما التحذير من التطلع إلى بيوت الغير بدون إذن ، فيكفى لذلك ما جاء في ~~الصحيحين عن أبى هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لو أن امرأ ~~اطلع عليك بغير إذنك فحذفته أى : رميته بحصاة ، ففقأت عينه ، ما كان عليك ~~من جناح». # هذه بعض الأحكام والآداب التي تتعلق بالاستئذان ، ومنها نرى كيف أدب ~~الإسلام أتباعه بهذا الأدب العالي ، الذي يؤدى التمسك به إلى غرس الفضائل ~~ومكارم الأخلاق في نفوس الأفراد والجماعات. # * * * # وبعد أن نهى سبحانه عن دخول البيوت بدون استئذان. أتبع ذلك بالأمر بغض ms4134 ~~البصر ، وحفظ الفرج ، وعدم إبداء الزينة إلا في الحدود المشروعة ، فقال ~~تعالى : # ( @QUR@015 قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن ~~الله خبير بما يصنعون (30) @QUR@078 وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن ~~فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا ~~يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء ~~بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت ~~أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا ~~على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى ~~الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ) (31) # قال الآلوسى : قوله تعالى : ( @QUR@05 قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم. ) ~~@QUR@01 . شروع في PageV10P114 # بيان أحكام كلية شاملة للمؤمنين كافة ، يندرج فيها حكم المستأذنين عند ~~دخول البيوت اندراجا أوليا (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@01 يغضوا ) من الغض بمعنى الخفض. يقال : غض الرجل ~~صوته إذا خفضه. وغض بصره إذا خفضه ومنعه من التطلع إلى ما لا يحل له النظر ~~إليه. قال الشاعر : # وأغض طرفي إن بدت لي جارتى %~% حتى يوارى جارتى مأواها # وهو جواب الأمر «قل» أى : قل أيها الرسول الكريم للمؤمنين بأن يغضوا من ~~أبصارهم عما يحرم أو يكره النظر إليه وبأن يحفظوا فروجهم عما لا يحل لهم ، ~~فإن ذلك دليل على كمال الإيمان! ، وعلى حسن المراقبة وشدة الخوف من الله ~~تعالى . # وجمع سبحانه بين غض البصر وحفظ الفرج ، باعتبارهما كالسبب والنتيجة. إذ ~~أن عدم غض البصر كثيرا ما يؤدى إلى الوقوع في الفواحش ، ولذا قدم سبحانه ~~الأمر بغض البصر ، على الأمر بحفظ الفرج. # وجاء التعبير بقوله سبحانه ( @QUR@01 قل ) للإشعار بأن المؤمنين الصادقين ~~، من شأنهم إذا ما أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأمر ، فإنهم سرعان ما ~~يمتثلون ويطيعون ، لأنه صلى الله عليه وسلم مبلغ عن الله تعالى الذي يجب ~~الامتثال لأمره ونهيه. # وخص سبحانه المؤمنين بهذا الأمر ، لأنهم أولى الناس بالمخاطبة. وبالإرشاد ~~إلى ما يرفع درجاتهم ، ويعلى أقدارهم. # قال صاحب ms4135 الكشاف : و «من» للتبعيض .. فإن قلت : كيف دخلت في غض البصر ، ~~دون حفظ الفروج؟ قلت : للدلالة على أن أمر النظر أوسع ألا ترى أن المحارم ~~لا بأس بالنظر إلى شعورهن ... والأجنبية ينظر إلى وجهها وكفيها ... وأما ~~أمر الفرج فمضيق (2). # واسم الإشارة في قوله تعالى : ( @QUR@03 ذلك أزكى لهم ) يعود إلى ما ذكر ~~من الغض والحفظ. # أى : ذلك الذي كلفناك بأمر المؤمنين به أيها الرسول الكريم أزكى لقلوبهم ~~، وأطهر لنفوسهم ، وأنفع لهم في دنياهم وآخرتهم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 إن الله خبير بما يصنعون ) تحذير من مخالفة ~~أمره سبحانه . # أى : مرهم أيها الرسول الكريم بالتزام ما أمرناهم به وما نهيناهم عنه ، لأننا PageV10P115 # لا يخفى علينا شيء من تصرفاتهم ، ولأننا أعلم بهم من أنفسهم ، وسنحاسبهم ~~على ما يصنعون في دنياهم ، يوم القيامة. # ثم أرشد سبحانه النساء إلى ما أرشد إليه الرجال فقال : ( @QUR@014 وقل ~~للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ، ويحفظن فروجهن ، ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر ~~منها ) @QUR@01 . # أى : وقل أيها الرسول الكريم للمؤمنات أيضا بأن الواجب عليهن أن يكففن ~~أبصارهن عن النظر إلى ما لا يحل لهن ، وأن يحفظن فروجهن عن كل ما نهى الله ~~تعالى عنه ، ولا يظهرن شيئا مما يتزين به ، إلا ما جرت العادة بإظهاره. ~~كالخاتم في الإصبع ، والكحل في العين ... وما يشبه ذلك من الأمور التي لا ~~غنى للمرأة عن إظهارها. # ومع أن النساء يدخلن في خطاب الرجال على سبيل التغليب ، إلا أن الله ~~تعالى خصهن بالخطاب هنا بعد الرجال ، لتأكيد الأمر بغض البصر ، وحفظ الفرج ~~، ولبيان أنه كما لا يحل للرجل أن ينظر إلى المرأة إلا في حدود ما شرعه ~~الله فإنه لا يحل للمرأة كذلك أن تنظر إلى الرجل ، لأن علاقتها به ، ومقصده ~~منها كمقصدها منه ، ونظرة أحدهما للآخر على سبيل الفتنة وسوء القصد يؤدى ~~إلى ما لا تحمد عقباه. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) بيان لكيفية إخفاء ~~بعض مواضع الزينة بعد النهى عن إبدائها. # والخمر بضم الخاء والميم جمع خمار. وهو ما تغطى به المرأة رأسها وعنقها ~~وصدرها ms4136 ، والجيوب جمع جيب ، وهو فتحة في أعلى الثياب يبدو منها بعض صدر ~~المرأة وعنقها. # والمراد به هنا : محله وهو أعلى الصدر ، وأصله : من الجب بمعنى القطع. # أى : وعلى النساء المؤمنات أن يسترن رءوسهن وأعناقهن وصدورهن بخمرهن ، ~~حتى لا يطلع أحد من الأجانب على شيء من ذلك. # قالوا : وكان النساء في الجاهلية يسدلن خمرهن من خلف رءوسهن ، فتنكشف ~~نحورهن وأعناقهن وقلائدهن ، فنهى الله تعالى المؤمنات عن ذلك. # ولقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث ، منها ~~: ما رواه البخاري عن عائشة رضى الله عنها قالت : يرحم الله نساء المهاجرات ~~الأول لما أنزل الله تعالى : ( @QUR@04 وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) أخذن ~~أزرهن فشققنها فاختمرن بها. # وفي رواية أنها قالت : إن لنساء قريش لفضلا ، وإنى والله ما رأيت أفضل من ~~نساء الأنصار أشد تصديقا بكتاب الله ، ولا إيمانا بالتنزيل ، لما نزلت هذه ~~الآية. انقلب إليهن PageV10P116 # رجالهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها ، ويتلو الرجل على امرأته ~~وابنته وأخته ، وعلى كل ذي قرابة ، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها وهو ~~كساء من صوف فاعتجرت به تصديقا وإيمانا بما أنزل الله من كتابه ، فأصبحن ~~وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح معتجرات كأن رءوسهن الغربان» (1). # والمقصود بزبنتهن في قوله تعالى : ( @QUR@05 ولا يبدين زينتهن إلا ~~لبعولتهن ) الزينة الخفية وهي ما عدا الوجه والكفين ، كشعر الرأس والذراعين ~~والساقين. # فقد نهى الله تعالى النساء المؤمنات عن إبداء مواضع الزينة الخفية لكل ~~أحد ، إلا من استثناهم سبحانه بعد ذلك ، وهم اثنا عشر نوعا ، بدأهم بالبعول ~~وهم الأزواج لأنهم هم المقصودون بالزينة ، ولأن كل بدن الزوجة حلال لزوجها. # أى : وعلى النساء المؤمنات أن يلتزمن الاحتشام في مظهرهن ، ولا يبدين ~~مواضع زينتهن الخفية إلا «لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن ~~أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بنى إخوانهن أو بنى أخواتهن» فهؤلاء ~~الأصناف السبعة الذين ذكرهم الله تعالى بعد الأزواج ، كلهم من المحارم ~~الذين لا يحل للمرأة الزواج بواحد منهم ، وقد ms4137 جرت العادة باحتياج النساء ~~إلى مخالطتهم ، كما جرت العادة بأن الفتنة مأمونة بالنسبة لهم ، فمن طبيعة ~~النفوس الكريمة أنها تأنف من التطلع إلى المحارم بالنسبة لها. ويلحق بهؤلاء ~~المحارم الأعمام والأخوال والمحارم من الرضاع. والأصول وإن علوا ، والفروع ~~وإن سفلوا. # وقوله تعالى : ( @QUR@021 أو نسائهن ، أو ما ملكت أيمانهن ، أو التابعين ~~غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ) ~~بيان لبقية الأفراد الذين يجوز للمرأة أن تبدى زينتها الخفية أمامهم. # أى : ويجوز للنساء المؤمنات أن يبدين زينتهن أيضا أمام نسائهن المختصات ~~بهن بالصحبة والخدمة ، وأمام ما ملكت أيمانهن من الإماء لا من العبيد ~~البالغين ، وأمام الرجال التابعين لهن طلبا للإحسان والانتفاع ، والذين في ~~الوقت نفسه قد تقدمت بهم السن ، ولا حاجة لهم في النساء ، ولا يعرفون شيئا ~~من أمورهن ، ولا تحدثهم أنفسهم بفاحشة ، ولا يصفونهن للأجانب. # فقوله سبحانه : ( @QUR@05 غير أولي الإربة من الرجال ) أى : غير ذوى ~~الحاجة من الرجال في النساء يقال : أرب الرجل إلى الشيء يا رب أربا من باب ~~تعب إذا احتاج إليه. PageV10P117 # ويجوز لهن كذلك إظهار زينتهن أمام الأطفال الذين لم يظهروا على عورات ~~النساء ، أى : الذين لم يعرفوا ما العورة ، ولم يستطيعوا بعد التمييز بينها ~~وبين غيرها ، ولم يبلغوا السن التي يشتهون فيها النساء. # يقال : ظهر على الشيء إذا اطلع عليه وعرفه ، ويقال : فلان ظهر على فلان ~~إذا قوى عليه وغلبه. # فهؤلاء اثنا عشر نوعا من الناس ، ليس عليهم ولا على المرأة حرج ، في أن ~~يروا منها موضع الزينة الخفية ، كالرأس والذراعين ، والساقين ، لانتفاء ~~الفتنة التي من أجلها كان الستر والغطاء. فأما الزوج فله رؤية جميع جسدها. # ثم نهى سبحانه النساء المؤمنات عن إبداء حركات تعلن عن زينتهن المستورة ، ~~بل عليهن أن يلتزمن من خلال خروجهن من بيوتهن الأدب والاحتشام والمشي الذي ~~يصاحب الوقار والاتزان ، فقال تعالى : ( @QUR@08 ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ~~ما يخفين من زينتهن ) @QUR@01 . # أى : ولا يصح للنساء المؤمنات أن يضربن بأرجلهن في الأرض ، ليسمعن غيرهن ~~من الرجال أصوات حليهن الداخلية ms4138 ، بقصد التطلع إليهن ، والميل نحوهن ~~بالمحادثة أو ما يشبهها. # فالمقصود من الجملة الكريمة نهى المرأة المسلمة ، عن استعمال أى حركة أو ~~فعل من شأنه إثارة الشهوة والفتنة كالمشية المتكلفة ، والتعطر الملفت للنظر ~~، وما إلى ذلك من ألوان التصنع الذي من شأنه تهييج الغرائز الجنسية. # ثم ختم سبحانه تلك الآية الجامعة لأنواع من الأدب السامي ، بدعوة ~~المؤمنين إلى التوبة الصادقة. فقال تعالى : ( @QUR@08 وتوبوا إلى الله ~~جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ) @QUR@01 . # أى : وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون والمؤمنات ، توبة صادقة نصوحا ~~تجعلكم تخشونه سبحانه في السر والعلن ، لكي تنالوا الفلاح والنجاح في ~~دنياكم وأخراكم. # قال القرطبي : «ليس في القرآن الكريم آية أكثر ضمائر من هذه الآية. جمعت ~~خمسة وعشرين ضميرا للمؤمنات ما بين مرفوع ومجرور ..» (1). # هذا ، ومن الأحكام والآداب التي اشتملت عليها هاتان الآيتان ما يأتى : # 1 وجوب غض البصر وحفظ الفرج ، لأن الإسلام يهدف إلى مجتمع طاهر من الدنس ، PageV10P118 # نظيف من الخنا ، مجتمع لا تمنع فيه الشهوات الحلال وإنما تمنع منه ~~الشهوات الحرام ، مجتمع لا تختلس فيه العيون النظرات السيئة ولا تتطلع فيه ~~الأبصار إلى ما لا يحل لها التطلع إليه ، فالله تعالى يقول : ( @QUR@09 إن ~~السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا ) (1) ويقول : ( @QUR@06 يعلم ~~خائنة الأعين وما تخفي الصدور ) (2). # وقد وردت أحاديث متعددة في الأمر بغض البصر ، وحفظ الفرج ، ومن ذلك ما ~~أخرجه الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كتب على ~~ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة ، العينان زناهما النظر ، ~~والأذنان زناهما الاستماع ، واللسان زناه الكلام ، واليد زناها البطش ، ~~والرجل زناها الخطا ، والقلب يهوى ويتمنى ، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه. # وروى الإمام مسلم في صحيحه عن جرير بن عبد الله قال : سألت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة أى البغتة من غير قصد فقال : «اصرف بصرك» (3). # 2 أنه لا يحل للمرأة أن تبدى زينتها لأجانب ، إلا ما ظهر منها ، لأن الله ~~تعالى يقول : ( @QUR@07 ولا يبدين زينتهن إلا ms4139 ما ظهر منها ) @QUR@01 . # قال الإمام القرطبي ما ملخصه : «أمر الله تعالى النساء بألا يبدين زينتهن ~~للناظرين ، إلا ما استثناه من الناظرين في باقى الآية ، حذارا من الافتتان ~~، ثم استثنى ما يظهر من الزينة ، واختلف الناس في قدر ذلك. # فقال ابن مسعود : ظاهر الزينة هو الثياب .. وقال سعيد بن جبير والأوزاعى ~~: الوجه والكفان والثياب .. وقال ابن عباس وقتادة : ظاهر الزينة هو الكحل ~~والسوار والخضاب .. ونحو هذا ، فمباح أن تبديه لكل من ظهر عليها من الناس. # وقال ابن عطية : ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية ، بأن المرأة مأمورة بأن لا ~~تبدى ، وأن لا تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة ، ووقع الاستثناء فيما يظهر ~~، بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه ، أو إصلاح شأن ونحو ذلك ، «فما ظهر» على ~~هذا الوجه مما تؤدى إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه. # قلت : أى القرطبي : وهذا قول حسن ، إلا أنه لما كان الغالب من الوجه ~~والكفين ظهورهما ، عادة وعبادة ، صح أن يكون الاستثناء راجعا إليهما. PageV10P119 # يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشة ، أن أسماء بنت أبى بكر ، دخلت ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق ، فأعرض عنها وقال : «يا ~~أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا ، وأشار ~~إلى وجهه وكفيه». # وقال بعض علمائنا : «إن المرأة إذا كانت جميلة وخيف من وجهها وكفيها ~~الفتنة فعليها ستر ذلك» (1). # هذا ، وفي هذه المسألة كلام كثير للعلماء فارجع إليه إن شئت (2). # وإلى هنا ترى السورة الكريمة قد نهت عن الزنا ، ووضعت في طريقه السدود ~~الوقائية والنفسية. حيث حرمت الاختلاط ، وأمرت بالاستئذان ، وبغض البصر ، ~~وبحفظ الفرج ، وبعدم التبرج ، وبالإكثار من التوبة إلى الله تعالى . # ثم أتت بعد ذلك بالعلاج الإيجابى ، الذي من شأنه أن يصرف الإنسان عن ~~فاحشة الزنا المحرمة ، لأنه سيجد فيما أحله الله تعالى ما يغنيه عنها ، ~~وذلك عن طريق الأمر بتيسير الزواج ، والحض عليه. قال تعالى : # ( @QUR@017 وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا ms4140 ~~فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم (32) @QUR@048 وليستعفف الذين لا ~~يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت ~~أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ولا ~~تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن ~~يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم (33) PageV10P120 # @QUR@013 ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم ~~وموعظة للمتقين ) (34) # والخطاب في قوله تعالى : ( @QUR@03 وأنكحوا الأيامى منكم. ) @QUR@01 . ~~للأولياء والسادة ، والأيامى : جمع أيم بفتح الهمزة وتشديد الياء المكسورة ~~.. وهو كل ذكر لا أنثى معه ، وكل أنثى لا ذكر معها بكرا أو ثيبا. والمراد ~~بالأيامى هنا الأحرار والحرائر. # وقوله تعالى ( @QUR@02 من عبادكم ) جمع عبد وهو الرقيق ، و «وإمائكم» جمع أمة. # والمراد من الإنكاح هنا : المعاونة والمساعدة في الزواج ، والعمل على ~~إتمامه بدون عوائق لا تؤيدها شريعة الله تعالى . # أى : زوجوا أيها الأولياء والسادة من لا زوج له من الرجال المسلمين أو ~~النساء المسلمات ، ويسروا لهم هذا الأمر ولا تعسروه ، لأن الزواج هو الطريق ~~المشروع لقضاء الشهوة ، ولحفظ النوع الإنسانى ، ولصيانة الأنساب من ~~الاختلاط ، ولإيجاد مجتمع تفشو فيه الفضيلة ، وتموت فيه الرذيلة. # وزوجوا أيضا الصالحين للزواج من عبيدكم وإمائكم فإن هذا الزواج أكرم لهم ~~وأحفظ لعفتهم. # قال صاحب الكشاف «فإن قلت لم خص الصالحين؟ قلت : ليحصن دينهم ، ويحفظ ~~عليهم صلاحهم ، ولأن الصالحين من الأرقاء. هم الذين مواليهم يشفقون عليهم ~~.. فكانوا مظنة للتوصية بشأنهم .. وأما المفسدون منهم فحالهم عند مواليهم ~~على عكس ذلك» (1). # والأمر في قوله تعالى : ( @QUR@01 وأنكحوا ) يرى جمهور العلماء أنه للندب ~~، بدليل أنه قد وجد أيامى في العهد النبوي ولم يجبروا على الزواج ، ولو كان ~~الأمر للوجوب ، لأجبروا عليه .. ويرى بعضهم أنه للوجوب. # قال الإمام ابن كثير : اشتملت هذه الآيات الكريمات على جمل من الأحكام ~~المحكمة ، والأوامر المبرمة ، فقوله تعالى : ( @QUR@07 وأنكحوا الأيامى ~~منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم ) هذا أمر بالتزويج ، وقد ذهب طائفة من ~~العلماء إلى وجوبه ، على كل من قدر PageV10P121 # عليه ، واحتجوا ms4141 بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم : «يا معشر الشباب. من استطاع ~~منكم الباءة» أى القدرة على الزواج فليتزوج ، فإنه أغض للبصر ، وأحفظ للفرج ~~، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (1) أى : وقاية . # ويبدو لنا أن الزواج يختلف حكمه باختلاف الأحوال ، فمن كان مثلا قادرا ~~على الزواج ، ويخشى إذا ترك الزواج أن يقع في الفاحشة : فإن الزواج بالنسبة ~~له يكون واجبا عليه. بخلاف من أمن الوقوع في الفاحشة ، فإن الزواج بالنسبة ~~له يكون مندوبا أو مستحبا. # ولذا قال الإمام القرطبي : «اختلف العلماء في هذا الأمر أى في قوله تعالى ~~( @QUR@01 وأنكحوا ) على ثلاثة أقوال : فقال علماؤنا يختلف الحكم في ذلك ~~باختلاف حال المؤمن من خوف العنت ، ومن عدم صبره .. فإذا خاف الهلاك في ~~الدين أو الدنيا فالنكاح حتم. # وإن لم يخش شيئا ، وكانت الحال مطلقة ، فالنكاح مباح. # قال الشافعى : إنه قضاء لذة فكان مباحا كالأكل والشرب. # وقال مالك وأبو حنيفة : هو مستحب (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ) حض لمن ~~يملك عقد الزواج على أن لا يجعل الفقر حائلا دون إتمامه. لأن الأرزاق بيد ~~الله تعالى وحده. # أى : زوجوا أيها الأولياء والسادة من كان أهلا للزواج ، وصالحا له وراغبا ~~فيه ، من رجالكم ونسائكم ، ولا يمنعكم فقرهم من إتمامه ، فإنهم إن يكونوا ~~فقراء اليوم ، فالله تعالى قادر على أن يغنيهم في الحال أو في المستقبل متى ~~شاء ذلك ، فإن قدرته عز وجل لا يعجزها شيء ، وكم من أناس كانوا فقراء قبل ~~الزواج ، ثم صاروا أغنياء بعده ، لأنهم قصدوا بزواجهم حفظ فروجهم ، وتنفيذ ~~ما أمرتهم به شريعة الإسلام. # روى الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبى هريرة قال : قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ثلاثة حق على الله عونهم : الناكح يريد ~~العفاف ، والمكاتب يريد الأداء ، والغازي في سبيل الله» (3). # فهذا عهد أخذه الله تعالى على ذاته فضلا منه وكرما ولن يخلف الله عز وجل عهده. PageV10P122 # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 والله واسع عليم ) أى : والله تعالى واسع الغنى ~~لا تنفد خزائنه ms4142 ، ولا ينتهى ما عنده من خير ، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة ~~في الأرض ولا في السماء. # ثم أرشد سبحانه الذين لا يجدون وسائل النكاح ، إلى ما يعينهم على حفظ ~~فروجهم ، فقال : ( @QUR@010 وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله ~~من فضله ) @QUR@01 . # والاستعفاف : طلب العفة ، واختيار طريق الفضيلة التي من وسائلها ما أشار ~~إليه سبحانه في قوله : ( @QUR@07 قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا ~~فروجهم ) @QUR@01 . # والمعنى : وعلى المؤمنين والمؤمنات «الذين لا يجدون نكاحا» أى : الذين لا ~~يجدون الوسائل والأسباب التي توصلهم إلى الزواج بسبب ضيق ذات اليد ، أو ما ~~يشبه ذلك ، عليهم أن يتحصنوا بالعفاف وأن يصونوا أنفسهم عن الفواحش ، وأن ~~يستمروا على ذلك حتى يرزقهم الله تعالى من فضله رزقا ، يستعينون به على ~~إتمام الزواج. # فهذه الجملة الحكيمة وعد كريم من الله تعالى للتائقين إلى الزواج ، ~~العاجزين عن تكاليفه بأنه سبحانه سيرزقهم من فضله ما يعينهم على التمكن منه ~~، متى اعتصموا بطاعته ، وحافظوا على أداء ما أمرهم به. # قال صاحب الكشاف : «وما أحسن ما رتب هذه الأوامر : حيث أمر أولا بما يعصم ~~من الفتنة ويبعد عن مواقعة المعصية ، وهو غض البصر. ثم بالنكاح الذي يحصن ~~به الدين ، ويقع به الاستغناء بالحلال عن الحرام ، ثم بالحمل على النفس ~~الأمارة بالسوء ، وعزفها عن الطموح إلى الشهوة عند العجز عن النكاح إلى أن ~~يرزق القدرة عليه» (1). # ثم حض سبحانه على إعانة الأرقاء لكي يتخلصوا من رقهم ويصيروا أحرارا. ~~فقال : ( @QUR@017 والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن ~~علمتم فيهم خيرا ، وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) @QUR@01 . # والمراد بالكتاب هنا : المكاتبة التي تكون بين السيد وعبده ، بأن يقول ~~السيد لعبده : إن أديت إلى كذا من المال فأنت حر لوجه الله ، فإذا قبل ~~العبد ذلك وأدى ما طلبه منه سيده ، صار حرا. # أى : والذين يطلبون المكاتبة من عبيدكم أيها الأحرار .. فكاتبوهم إن ~~علمتم فيهم خيرا ، أى : أمانة وقدرة على الكسب ، وأعينوهم على التحرر من ~~رقهم بأن تعطوهم شيئا من PageV10P123 # المال الذي آتاكم الله إياه ، بفضله ms4143 وإحسانه. # وهكذا نرى الإسلام يأمر أتباعه الذين رزقهم الله نعمة الحرية ، أن يعينوا ~~مماليكهم على ما يمكنهم من الحصول على هذه النعمة. # ومن العلماء من يرى أن الأمر في قوله تعالى : ( @QUR@01 فكاتبوهم ) وفي ~~قوله ( @QUR@01 وآتوهم ) للوجوب ، لأنه هو الذي يتناسب مع حرص شريعة ~~الإسلام على تحرير الأرقاء. # ثم نهى سبحانه عن رذيلة كانت موجودة في المجتمع ، لكي يطهره منها ، فقال ~~: ( @QUR@012 ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض ~~الحياة الدنيا ) @QUR@01 . # قال الآلوسى : أخرج مسلم وأبو داود عن جابر أن جارية لعبد الله بن أبى بن ~~سلول يقال لها «مسيكة» وأخرى يقال لها «أميمة» كان يكرههما على الزنا ، ~~فشكتا ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فنزلت. # وأخرج ابن مردويه عن على رضى الله عنه أنهم كانوا في الجاهلية يكرهون ~~إماءهم على الزنا ، ويأخذون أجورهن ، فنهوا عن ذلك في الإسلام ، ونزلت ~~الآية .. (1). # والفتيات جمع فتاة والمراد بهن هنا الإماء ، وعبر عنهن بقوله «فتياتكم» ~~على سبيل التكريم لهن ، ففي الحديث الشريف : «لا يقولن أحدكم عبدى وأمتى ~~ولكن فتاي وفتأتي». # والبغاء بكسر الباء زنى المرأة خاصة ، مصدر بغت المرأة تبغى بغاء إذا فجرت. # والتحصن : التصون والتعفف عن الزنا. # والمعنى : ولا تكرهوا أيها الأحرار فتياتكم اللائي تملكوهن على الزنا إن ~~كرهنه وأردن العفاف والطهر ، لكي تنالوا من وراء إكراههن على ذلك ، بعض ~~المال الذي يدفع لهن نظير افتراشهن. # وقوله تعالى ( @QUR@03 إن أردن تحصنا ) ليس المقصود منه أنهن إن لم يردن ~~التحصن يكرهن على ذلك ، وإنما المراد منه بيان الواقع الذي نزلت من أجله ~~الآية ، وهو إكراههم لإمائهم على الزنا مع نفورهن منه. ولأن الإكراه لا ~~يتصور عند رضاهن بالزنا واختيارهن له ، وإنما يتصور عند كراهتهن له ، وعدم ~~رضاهن عنه ، ولأن في هذا التعبير تعبيرا لهم ، فكأنه سبحانه يقول لهم : كيف ~~يقع منكم إكراههن على البغاء وهن إماء يردن العفة ويأبين الفاحشة؟ ألم يكن PageV10P124 # الأولى بكم والأليق بكرامتكم أن تعينوهن على العفاف والطهر ، بدل أن ~~تكرهوهن على ارتكاب الفاحشة من أجل عرض من ms4144 أعراض الحياة الدنيا؟. # وقوله تعالى : ( @QUR@09 ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ) ~~بيان لمظهر من مظاهر فضل الله تعالى ورحمته بعباده. # أى : ومن يكره إماءه على البغاء فإن الله تعالى بفضله وكرمه من بعد ~~إكراهكم لهن ، غفور رحيم لهن ، أما أنتم يا من أكرهتموهن على الزنا فالله ~~وحده هو الذي يتولى حسابكم ، وسيجازيكم بما تستحقون من عقاب. # فمغفرة الله تعالى ورحمته إنما هي للمكرهات على الزنا ، لا للمكرهين لهن ~~على ذلك. # قال بعض العلماء : قوله تعالى : ( @QUR@07 فإن الله من بعد إكراههن غفور ~~رحيم ) قيل : غفور لهن. وقيل : غفور لهم. وقيل : غفور لهن ولهم. # والأظهر : أن المعنى لهن ، لأن المكره لا يؤاخذ بما يكره عليه ، بل يغفره ~~الله له ، لعذره بالإكراه. فالموعود بالمغفرة والرحمة ، هو المعذور ~~بالإكراه دون المكره بكسر الراء لأنه غير معذور بفعله القبيح (1). # ثم ختم سبحانه هذه التشريعات الحكيمة. والتوجيهات السديدة ، بقوله تعالى ~~: ( @QUR@013 ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم ~~، وموعظة للمتقين ) @QUR@01 . وقوله ( @QUR@01 مبينات ) قرأها بعض القراء ~~السبعة بفتح الياء المشددة ، وقرأها الباقون بكسرها. # فعلى قراءة الفتح يكون المعنى : وبالله لقد أنزلنا إليكم أيها المؤمنون ~~في هذه السورة وغيرها آيات بينا لكم معانيها ، وجعلناها واضحة الدلالة على ~~ما شرعناها لكم من أحكام وآداب وحدود. # وعلى قراءة الكسر يكون المعنى : وبالله لقد أنزلنا إليكم آيات ، هي ~~مبينات موضحات لكل ما أنتم في حاجة إلى بيانه ومعرفته من آداب وتشريعات ، ~~فإسناد التبيين هنا إلى الآيات على سبيل المجاز. # وقوله : ( @QUR@06 ومثلا من الذين خلوا من قبلكم ) معطوف على «آيات». ~~والمراد بالمثل : الأخبار العجيبة التي ذكرها سبحانه عن السابقين. # أى ، أنزلنا إليكم آيات واضحات في ذاتها وموضحة لغيرها. وأنزلنا إليكم أيضا PageV10P125 # قصصا عجيبة ، من أخبار السابقين الذين خلوا من قبلكم ، لتهتدوا بها فيما ~~يقع بينكم من أحداث. # فمثلا : لا تتعجبوا من كون عائشة رضى الله عنها قد اتهمت بما هي منه ~~بريئة. فقد اتهمت من قبلها مريم بالفعل الفاضح الذي برأها الله تعالى منه ، ~~واتهم يوسف ms4145 عليه السلام : بما هو منه برىء ، وألقى في السجن بضع سنين مع ~~براءته. # فيوسف ومريم وعائشة ، قد برأهم الله تعالى مما رموا به ، وكفى بشهادة ~~الله شهادة. # وقوله ( @QUR@02 وموعظة للمتقين ) أى : وجعلنا هذه الآيات التي أنزلنا ~~إليكم موعظة يتعظ بها المتقون ، الذين صانوا أنفسهم عن محارم الله ، ~~وراقبوه سبحانه في السر والعلن ، فانتفعوا بها دون غيرهم من المفسدين ~~والفاسقين. # فأنت ترى أن الله تعالى قد وصف الآيات التي أنزلها على عباده المؤمنين ~~بثلاث صفات. وصفها أولا بأنها بينة في ذاتها أو مبينة لغيرها ، ووصفها ~~ثانيا بأنها مشتملة على الأمثال العجيبة لأحوال السابقين ، ووصفها ثالثا ~~بأنها موعظة للمتقين الذين تستشعر قلوبهم دائما الخوف من الله تعالى . # وما ذكره الله تعالى قبل هذه الآية من آداب وأحكام يتناسق مع التعقيب كل ~~التناسق ، ويتجاوب معه كل التجاوب. # وكيف لا يكون كذلك ، والقرآن هو كلام الله الذي أعجز كل البلغاء والفصحاء ~~، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. # * * * # ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك ، إلى الحديث عن جلال الله تعالى ونوره ~~وعظمته وعن بيوته التي أذن لها أن ترفع ، وعن الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ~~ولا بيع عن طاعته وتقديسه ، وعن الجزاء الحسن الذي أعده الله سبحانه لهؤلاء ~~الأخيار ، فقال : # ( @QUR@021 الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح ~~في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة PageV10P126 # @QUR@027 لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على ~~نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم ~~(35) @QUR@014 في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها ~~بالغدو والآصال (36) @QUR@019 رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ~~وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار (37) ~~@QUR@014 ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء ~~بغير حساب ) (38) # قال الإمام القرطبي ما ملخصه : «قوله تعالى : ( @QUR@04 الله نور ~~السماوات والأرض ) @QUR@01 . النور في كلام العرب : الأضواء ms4146 المدركة ~~بالبصر. واستعمل مجازا فيما صح من المعاني ولاح. فيقال : كلام له نور .. ~~وفلان نور البلد. # فيجوز أن يقال : لله تعالى نور ، من جهة المدح ، لأنه أوجد جميع الأشياء ~~، ونور جميع الأشياء منه ابتداؤها ، وعنه صدورها ، وهو سبحانه ليس من ~~الأضواء المدركة ، جل وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # واختلف العلماء في تأويل هذه الآية : فقيل : المعنى : به وبقدرته أنارت ~~أضواؤها. واستقامت أمورها ، وقامت مصنوعاتها ، فالكلام على التقريب للذهن ، ~~كما يقال : الملك نور أهل البلد ، أى : به قوام أمرها .. فهو أى النور في ~~الملك مجاز. وهو في صفة الله تعالى حقيقة محضة. # قال ابن عرفة : أى منور السموات والأرض. وقال مجاهد : مدبر الأمور في ~~السموات والأرض. PageV10P127 # وقال ابن عباس : المعنى : الله هادي السموات والأرض. والأول أعم للمعاني ~~وأصح مع التأويل (1). # ويبدو لنا أن أقرب الأقوال إلى الصواب هو الذي رجحه الإمام القرطبي فيكون ~~معنى الجملة الكريمة : الله تعالى هو نور العالم كله علويه وسفليه ، بمعنى ~~منوره بالمخلوقات التكوينية ، وبالآيات التنزيلية ، وبالرسالات السماوية ، ~~الدالة دلالة واضحة على وجوده سبحانه وعلى وحدانيته ، وقدرته ، وسائر صفاته ~~الكريمة ، والهادية إلى الحق ، وإلى ما به صلاح الناس في دنياهم وآخرتهم. # قال ابن كثير : «وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال : كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يقول : «اللهم لك الحمد أنت قيم السموات ~~والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد ، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن». # وقال صلى الله عليه وسلم في دعائه يوم آذاه المشركون من أهل الطائف : «أعوذ ~~بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، أن يحل ~~بي غضبك ، أو ينزل بي سخطك ، لك العتبى أى الرجوع عن الذنب حتى ترضى ، ولا ~~حول ولا قوة إلا بك» (2). # وأضاف سبحانه نوره إلى السموات والأرض ، للدلالة على سعة إشراق هذا النور ~~، وعموم سنائه ، وتمام بهائه في الكون كله. # ثم قرب عز وجل نوره إلى الأذهان فقال : ( @QUR@05 مثل نوره كمشكاة فيها ~~مصباح .. ) @QUR@01 . # أى : صفة نوره العجيبة الشأن في ms4147 الإضاءة والسطوع ، كصفة مشكاة وهي الفتحة ~~الصغيرة في الجدار دون أن تكون نافذة فيه هذه المشكاة فيها مصباح ، أى : ~~سراج ضخم ثاقب تشع منه الأنوار. # وقال سبحانه : ( @QUR@05 مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ) لأن وجود المصباح ~~في هذه المشكاة يكون أجمع لنوره ، وأحصر لضيائه ، فيبدو قويا متألقا ، ~~بخلاف ما لو كان المصباح في مكان نافذ فإنه لا يكون كذلك. # ( @QUR@03 المصباح في زجاجة ) أى : في قنديل من الزجاج الصافي النقي ، ~~الذي يقيه الريح ، ويزيده توهجا وتألقا. PageV10P128 # هذه ( @QUR@01 الزجاجة ) في ذاتها ( @QUR@03 كأنها كوكب دري ) أى شديد ~~الإنارة ، نسبة إلى الدر في صفائه وسنائه وإشراقه وحسنه. # ( @QUR@05 يوقد من شجرة مباركة زيتونة ) أى : هذا المصباح يستمد نوره من ~~زيت شجرة مباركة أى : كثيرة المنافع ، زيتونة أى : هي شجرة الزيتون. # فحرف «من» لابتداء الغاية ، والكلام ، على حذف مضاف ، أى : من زيت شجرة ، ~~مباركة : صفة لشجرة ، وزيتونة : بدل أو عطف بيان من شجرة. # ووصف سبحانه شجرة الزيتون بالبركة ، لطول عمرها. وتعدد فوائدها التي من ~~مظاهرها : الانتفاع بزيتها وخصبها وورقها وثمارها. # قال تعالى ( @QUR@09 وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين ) ~~@QUR@01 . # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 لا شرقية ولا غربية ) صفة أخرى لشجرة الزيتون. # أى : أن هذه الشجرة ليست متميزة إلى مكان معين أو جهة معينة بل هي ~~مستقبلة للشمس طول النهار ، تسطع عليها عند شروقها وعند غروبها وما بين ذلك ~~، فترتب على تعرضها للشمس طول النهار ، امتداد حياتها ، وعظم نمائها وحسن ~~ثمارها. # وقوله تعالى : ( @QUR@07 يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ) صفة ثالثة ~~لتلك الشجرة. # أى ، أنها يكاد زيتها من شدة صفائه ونقائه يضيء دون أن تمسه النار ، فهو ~~زيت من نوع خاص ، بلغ من الشفافية أقصاها ، ومن الجودة أعلاها. # قال بعض العلماء : وقد شبه في الآية نور الله ، بمعنى أدلته ، وآياته ~~سبحانه من حيث دلالتها على الهدى والحق ، وعلى ما ينفع الخلق في الحياتين ~~شبه ذلك بنور المشكاة التي فيها زجاجة صافية ، وفي تلك الزجاجة مصباح يتقد ~~بزيت بلغ الغاية في الصفاء والرقة والإشراق ، حتى يكاد يضيء بنفسه ms4148 من غير ~~أن تمسه نار» (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 نور على نور ) أى : هو نور عظيم متضاعف ، كائن ~~على نور عظيم مثله ، إذ أن نور الله تعالى لا حد لتضاعفه ، ولا نهاية لعمقه ~~بخلاف الأنوار الأخرى. فإن لتضاعفها حدا محدودا مهما كان إشراقها وضوؤها. # فقوله : ( @QUR@01 نور ) خبر لمبتدأ محذوف ، أى : هو نور. وقوله ( ~~@QUR@02 على نور ) متعلق بمحذوف هو صفة له ، مؤكدة لما أفاده التنكير من ~~الفخامة. أى : كائن على نور مثله. PageV10P129 # ثم بين سبحانه سنة من سننه فقال : ( @QUR@05 يهدي الله لنوره من يشاء ) ~~أى : يهدى الله تعالى لنوره العظيم من يشاء هدايته من عباده ، بأن يوفقهم ~~للإيمان ، والعمل بتعاليم الإسلام ، وللسير على طريق الحق والرشاد. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@08 ويضرب الله الأمثال للناس ~~والله بكل شيء عليم ) @QUR@01 . # أى : ويضرب الله تعالى الأمثال للناس ، لكي يقرب لهم الأمور وييسر لهم ~~المسائل ، ويبرز لهم المعقول في صورة المحسوس ، والله تعالى بكل شيء عليم ، ~~سواء أكان هذا الشيء ظاهرا أم باطنا ، معقولا أم محسوسا. # قال بعض العلماء ما ملخصه : هذه الآية الكريمة من الآيات التي صنفت فيها ~~مصنفات ، منها «مشكاة الأنوار» للإمام الغزالي ... ومنها ما قاله الإمام ~~ابن القيم عنها في كتابه «الجيوش الإسلامية». # فقد قال رحمه الله : سمى الله تعالى نفسه نورا ، وجعل كتابه نورا ، ورسوله ~~صلى الله عليه وسلم نورا ، ودينه نورا ، واحتجب عن خلقه بالنور وجعل دار ~~أوليائه نورا يتلألأ. قال تعالى ( @QUR@04 الله نور السماوات والأرض ) وقد ~~فسر بكونه منور السموات والأرض وهادي أهل السموات والأرض فبنوره اهتدى أهل ~~السموات والأرض. وهذا إنما هو فعله. وإلا فالنور الذي هو من أوصافه قائم ~~به. ومنه اشتق اسم النور الذي هو أحد الأسماء الحسنى ..» (1). # ثم بين سبحانه بعد ذلك أكثر الأماكن والأشخاص انتفاعا بنوره ، فقال تعالى ~~: ( @QUR@023 في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ، يسبح له فيها ~~بالغدو والآصال. رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ) @QUR@01 . # وقوله ( @QUR@02 في بيوت ) متعلق بقوله : ( @QUR@01 يسبح ) @QUR@01 . ~~والمراد بهذه البيوت : المساجد كلها ، وعلى رأسها ms4149 المسجد الحرام ، والمسجد ~~النبوي ، والمسجد الأقصى. # و «أذن» بمعنى أمر وقضى ، وفاعل «يسبح» قوله «رجال». # والغدو والغداة : من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، والآصال جمع أصيل ، وهو ~~ما بين العصر وغروب الشمس. # أى : هذا هو نور الله تعالى الذي يهدى إليه من يشاء من عباده ، وعلى رأس أولئك # . PageV10P130 # العباد الذين هداهم الله سبحانه إلى ما يحبه ويرضاه ، هؤلاء الرجال الذين ~~يعبدونه ويقدسونه في تلك المساجد التي أمر سبحانه بتشييدها وتعظيم قدرها ، ~~وصيانتها من كل سوء أو نجس ، إنهم يسبحونه وينزهونه عن كل نقص ، ويتقربون ~~إليه بالصلوات وبالطاعات. في تلك المساجد في أول النهار وفي آخره ، وفي غير ~~ذلك من الأوقات. # وخص سبحانه أوقات الغدو والآصال بالذكر ، لشرفها وكونها أشهر ما تقع فيه ~~العبادات. # وقوله تعالى : ( @QUR@09 رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ) مدح ~~وتكريم لهؤلاء الرجال. # أى : يسبح لله تعالى في تلك المساجد بالغدو والآصال ، رجال من شأنهم ومن ~~صفاتهم ، أنهم لا يشغلهم ، «تجارة» مهما عظمت ، «ولا بيع» ، مهما اشتدت ~~حاجتهم إليه «عن ذكر الله» أى : عن تسبيحه وتحميده وتكبيره وتمجيده وطاعته. # ولا تشغلهم أيضا هذه التجارات والبيوع عن «إقام الصلاة» في مواقيتها ~~بخشوع وإخلاص ، وعن «إيتاء الزكاة» للمستحقين لها. وذلك لأنهم «يخافون ~~يوما» هائلا شديدا هو يوم القيامة الذي «تتقلب فيه القلوب والأبصار» أى ~~تضطرب فيه القلوب والأبصار فلا تثبت من شدة الهول والفزع. # ثم بين سبحانه الأسباب التي حملتهم على الإكثار من هذه الطاعات فقال : ( ~~@QUR@08 ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله ) @QUR@01 . # أى : إنهم يكثرون من تسبيح الله بالغدو والآصال ، دون أن يشغلهم عن ذلك ~~أى شاغل ، لأنهم يرجون منه سبحانه أن يجزيهم أحسن الجزاء على أعمالهم ، وأن ~~يزيدهم من فضله وإحسانه ، بما يليق بكرمه وامتنانه. # «والله» تعالى «يرزق من يشاء» أن يرزقه «بغير حساب» أى : بدون حدود ، ولا ~~قيود ، وبدون حصر لما يعطيه ، لأن خزائنه لا تنقص ولا تنفد ، حتى يحتاج إلى ~~عد وحساب لما يخرج منها. # فالجملة الكريمة تذييل قصد به التقرير للزيادة ms4150 التي يتطلع إليها هؤلاء ~~الرجال الصالحون ، ووعد منه عز وجل بأنه سيرزقهم رزقا يزيد عما يتوقعونه. # وبذلك نرى الآيات قد طوفت بنا مع نور الله عز وجل ومثلت له بما من شأنه أن ~~يجعل النفوس يشتد استمساكها بالحق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من عند ربه ، ومدحت مدحا عظيما أولئك الرجال الأخيار ، الذين يكثرون من ~~طاعة الله تعالى في بيوته PageV10P131 # التي أمر برفعها ، دون أن يشغلهم عن ذلك شاغل ، وبشرتهم بالعطاء الواسع ~~الذي سيعطيهم الله إياه بفضله وكرمه. # * * * # وبعد تلك الصورة المشرقة التي بينها سبحانه لمن هداهم لنوره ، أتبع ذلك ~~بضرب مثلين لأعمال الكفار ، فقال تعالى : # ( @QUR@022 والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا ~~جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب (39) ~~@QUR@033 أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات ~~بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له ~~من نور ) (40) # قال الآلوسى : قوله تعالى ( @QUR@04 والذين كفروا أعمالهم كسراب ) عطف ~~على ما قبله ، من باب عطف القصة على القصة ، أو على مقدر ينساق إليه ما ~~قبله ، كأنه قيل : الذين آمنوا أعمالهم حالا ومآلا كما وصف والذين كفروا ~~أعمالهم كسراب بقيعة (1). # والمراد بأعمالهم هنا : الأعمال الصالحة التي كانوا يعملونها في الدنيا ~~كالإحسان إلى الفقراء ، وصلة الأرحام وما يشبه ذلك. # والسراب : هو الشعاع الذي يتراءى للناظر من بعيد كأنه ماء. ويكون ذلك في ~~وسط النهار عند اشتداد الحر ، في الأماكن الواسعة ، وسمى سرابا لأنه يرى من ~~بعيد يتسرب فوق الأرض كأنه ماء ، مع أنه ليس بماء ولا غيره. # والباء في قوله ( @QUR@01 بقيعة ) بمعنى في. والقيعة : جمع قاع وهو ما ~~انبسط واتسع من الأرض. دون أن يكون فيه زرع ، وفوقه يتراءى السراب. والجار ~~والمجرور متعلق بمحذوف ، صفة للسراب. PageV10P132 # أى : والذين كفروا بالحق لما جاءهم : أعمالهم الصالحة في الدنيا التي ~~يتوقعون الخير من ورائها ، تكون بالنسبة لهم يوم القيامة ، كسراب ms4151 كائن في ~~صحراء واسعة ، «يحسبه الظمآن ماء». # أى : يظن الشخص الذي اشتد به العطش أنه ماء. # وخص سبحانه هذا الحسبان بالظمآن ، مع أن كل من يراه يظنه ماء لأن هذا ~~الذي اشتد به العطش أشد حرصا على طلبه من غيره ، فالتشبيه به أتم وأكمل. # و «حتى» في قوله سبحانه : ( @QUR@06 حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ) غاية ~~لمحذوف ، والتقدير : هذا السراب يظنه الظمآن ماء فيسرع نحوه ، حتى إذا ما ~~وصل إليه ، لم يجد ما حسبه ماء وعلق عليه آماله شيئا أصلا ، لا ماء ولا غيره. # فأنت ترى أن الله تعالى قد شبه ما يعمله الكافرون من أعمال البر في ~~الدنيا ، التي يظنونها نافعة لهم شبه هذه الأعمال من حيث خيبة أملهم فيها ~~بسراب يحسبه الظمآن ماء ، فيذهب إليه ليروى عطشه ، فإذا ما وصل إليه لم ~~يجده شيئا ، فيخيب أمله ، وتشتد حسرته. # قال الإمام الرازي : فإن قيل : قوله : «حتى إذا جاءه» يدل على كونه شيئا ~~، وقوله : «لم يجده شيئا» مناقض له؟ # قلنا : الجواب عنه من وجوه ثلاثة : الأول : المراد معناه أنه لم يجد شيئا ~~نافعا ، كما يقال : فلان ما عمل شيئا وإن كان قد اجتهد الثاني : حتى إذا ~~جاءه أى : جاء موضع السراب لم يجد السراب شيئا ، فاكتفى بذكر السراب عن ذكر ~~موضعه. الثالث : الكناية للسراب ، لأن السراب يرى من بعيد بسبب الكثافة ~~كأنه ضباب وهباء ، وإذا قرب منه رق وانتثر وصار كالهواء ، (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 ووجد الله عنده فوفاه حسابه ) معطوف على جملة ~~«لم يجده» فهو داخل التشبيه أى : ووجد الظمآن حكم الله تعالى وقضاءه فيه ~~عند السراب ، فوفاه سبحانه حسابه الذي يستحقه كاملا غير منقوص. # وفي هذه الجملة الكريمة من التصوير المرعب للكافر ما فيها. حيث شبهته ~~بالظمآن الذي ذهب مسرعا ليروى ظمأه مما ظنه ماء فلما وصل إليه لم يجد ماء ، ~~وإنما وجد الله تعالى الذي كفر به وجحد وحدانيته عنده ، فوفاه حسابه الذي ~~يستحقه من العذاب بدلا من وجود الماء الذي أتعب نفسه في السعى إليه. PageV10P133 # «والله» تعالى «سريع ms4152 الحساب» ، لأنه لا يشغله حساب عن حساب ولا عمل عن ~~عمل ، بل حساب الناس جميعا عنده عز وجل كحساب النفس الواحدة. # وقوله تعالى : ( @QUR@017 أو كظلمات في بحر لجي ، يغشاه موج ، من فوقه ~~موج ، من فوقه سحاب ، ظلمات بعضها فوق بعض ) مثال آخر لأعمال الكافرين التي ~~لا ينتفعون بها مع أنهم يعتقدون أنها ستنفعهم. # فحرف «أو» للتقسيم ، وما بعدها معطوف على قوله سبحانه قبل ذلك ، «كسراب ~~بقيعة». # والمعنى : أو أن الأعمال الحسنة في الدنيا لهؤلاء الكافرين ، مثلها من ~~حيث خلوها عن نور الحق وعن النفع كمثل «ظلمات» كثيفة «في بحر لجي» أى : ~~عميق الماء كثيره ، من اللج وهو معظم ماء البحر. # «يغشاه موج» أى : هذا البحر اللجى. يغطيه ويستره ويعلوه موج عظيم «من ~~فوقه موج» آخر أشد منه «من فوقه سحاب» أى : من فوق تلك الأمواج الهائلة ~~الشديدة ، سحاب كثيف متراكم قائم. # «ظلمات بعضها فوق بعض» أى : هذه الأمواج المتلاطمة ، وتحتها البحر العميق ~~المظلم ، وفوقها السحب الفاتحة الداكنة ، هي ظلمات بعضها فوق بعض ، «إذا ~~أخرج يده لم يكد يراها» أى : إذا أخرج الواقع في تلك الظلمات يده التي هي ~~جزء منه ، لم يكد يراها من شدة تراكم الظلمات. # قال الآلوسى : «إذا أخرج» أى : من ابتلى بهذه الظلمات «يده» وجعلها بمرأى ~~منه ، قريبة من عينيه لينظر إليها «لم يكد يراها» أى : لم يقرب من رؤيتها ، ~~وهي أقرب شيء إليه ، فضلا عن أن يراها .. (1). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة ببيان سنة من سننه التي لا تتخلف فقال : ( ~~@QUR@010 ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) @QUR@01 . # والمعنى : وأى إنسان لم يشأ الله تعالى أن يجعل له نورا يهديه إلى الصراط ~~المستقيم فما لهذا الإنسان من نور يهديه إلى الحق والخير ، من أى مخلوق ~~كائنا من كان ، إذ أن الذي يملك منح النور الهادي إنما هو الله تعالى وحده. PageV10P134 # قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهاتين الآيتين ما ملخصه : هذان مثلان ~~ضربهما الله تعالى لنوعى الكفار ، فأما المثال الأول ، فهو للكفار الدعاة ~~إلى ms4153 كفرهم ، الذين يحسبون أنهم على شيء من الأعمال والاعتقادات وليسوا في ~~نفس الأمر على شيء «فمثلهم في ذلك كالسراب الذي يرى في القيعان من الأرض عن ~~بعد كأنه بحر طام. # وهذا المثال مثال لذوي الجهل المركب أى الذين يعتقدون الباطل ويزعمون أنه ~~الحق والمثال الثاني لأصحاب الجهل البسيط ، وهم الأغشام والمقلدون لأئمة ~~الكفر فمثلهم كما قال تعالى : ( @QUR@05 أو كظلمات في بحر لجي. ) @QUR@01 . (1). # * * * # وبعد أن أورد سبحانه هذين المثلين للذين كفروا وأعمالهم ، أتبع ذلك ببيان ~~أن الكون كله يسبح بحمد الله تعالى وأن الكون كله في ملكه وقبضته ، فقال ~~تعالى : # ( @QUR@021 ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات ~~كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون (41) @QUR@07 ولله ملك ~~السماوات والأرض وإلى الله المصير ) (42) # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@02 ألم تر. ) @QUR@01 . للتقرير. ~~والرؤية : بمعنى العلم. # والتسبيح : مشتق من السبح ، وهو المر السريع في الماء أو في الهواء. ~~فالمسبح : مسرع في تنزيه الله تعالى وتقديسه وإثبات ما يليق بجلاله من صفات ~~الكمال. # والمعنى : لقد علمت أيها الرسول الكريم علما يشبه المشاهدة في اليقين ، ~~أن الله تعالى يسبحه ويقدسه وينزهه عن كل ما لا يليق به عز وجل جميع من في ~~السموات ، وجميع من في الأرض. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 والطير صافات ) برفع ، «والطير» على أنه معطوف ~~على «من» وبنصب «صافات» على أنه حال. PageV10P135 # أى : والطير أيضا تسبح لله تعالى حال كونها صافات أجنحتها في الجو ، دون ~~أن يمسكها أحد إلا هو سبحانه . # وخص الطيور بالذكر مع أنها مندرجة تحت من في السموات والأرض لعدم ~~استقرارها بصفة دائمة على الأرض ، فهي في مجموعها تارة على الأرض ، وتارة ~~في الجو. # وذكرها في حال بسطها لأجنحتها لأن هذه الحالة من أعجب أحوالها ، حيث تكون ~~في الجو باسطة لأجنحتها بدون تحريك ، مما يدل على بديع صنع الله في خلقه. # وصدق الله إذ يقول : ( @QUR@015 أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ~~ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير. ) @QUR@01 . (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@05 كل قد علم صلاته وتسبيحه ms4154 ) استئناف لبيان مظهر ~~من مظاهر قدرة الله تعالى وحكمته ، حيث ألهم سبحانه كل مخلوق من مخلوقاته ~~كيفية التسبيح لخالقه عز وجل . # والتنوين في «كل» عوض عن المضاف إليه ، والضمير المحذوف الذي هو فاعل ~~«علم» يعود على المصلى والمسبح. # أى : كل واحد ممن يصلى لله تعالى ويسبح بحمده سبحانه ، قد علم معنى صلاته ~~ومعنى تسبيحه ، فهو لم يعبد الله اتفاقا أو بلا روية ، وإنما عبده تعالى عن ~~قصد ونية ، ولكن بكيفية نفوض معرفتها إلى الخالق عز وجل وحده. # ومنهم من يرى أن الضمير في «علم» يعود إلى الله تعالى فيكون المعنى : كل ~~واحد من هؤلاء المصلين والمسبحين ، قد علم سبحانه صلاتهم وتسبيحهم له علما ~~تاما شاملا. # قال بعض العلماء ما ملخصه : واعلم أن الأظهر أن يكون ضمير الفاعل المحذوف ~~في قوله ( @QUR@05 كل قد علم صلاته وتسبيحه ) راجعا إلى المصلين والمسبحين ~~أى : كل من المصلين قد علم صلاة نفسه ، وكل من المسبحين قد علم تسبيح نفسه ~~، لأنه على هذا القول يكون قوله تعالى : ( @QUR@04 والله عليم بما يفعلون ) ~~من باب التأسيس. أما على القول بأن الضمير يعود إلى الله تعالى . أى : كل ~~واحد منهم قد علم الله صلاته وتسبيحه. فيكون قوله تعالى : ( @QUR@04 والله ~~عليم بما يفعلون ) من باب التأكيد اللفظي ، والتأسيس للأحكام أولى من ~~التأكيد لها. # والظاهر أن الطير تسبح وتصلى صلاة وتسبيحا يعلمها الله ، ونحن لا نعلمهما ~~كما قال PageV10P136 # تعالى ( @QUR@010 وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم. ) ~~@QUR@01 . (1). # وبعد أن بين سبحانه أن جميع مخلوقاته تسبح بحمده وأنه تعالى عليم ~~بأفعالهم لا يخفى عليه شيء منها ، أتبع ذلك ببيان أن هذا الكون ملك له وحده ~~، فقال : «ولله ملك السموات والأرض» لا لأحد غيره ، لا استقلالا ولا ~~اشتراكا ، بل هو وحده سبحانه المالك لهما ولمن فيهما «وإلى الله المصير» أى ~~: وإليه وحده مصيرهم ورجوعهم بعد موتهم ، فيجازى كل مخلوق من مخلوقاته بما ~~يستحق من ثواب أو عقاب. # * * * # ثم لفت سبحانه بعد ذلك أنظار عباده إلى مظاهر قدرته في هذا الكون ، حيث ms4155 ~~يزجى السحاب ، ثم يؤلف بينه ، ثم يجعله ركاما ... وحيث نوع مخلوقاته مع ~~أنها جميعا من أصل واحد فقال تعالى : # ( @QUR@038 ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى ~~الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ~~ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار (43) @QUR@010 يقلب الله ~~الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار (44) @QUR@031 والله خلق كل ~~دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي ~~على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير ) (45) # قوله تعالى ( @QUR@01 يزجي ) من الإزجاء بمعنى الدفع بأناة ورفق. يقال : ~~زجى الراعي إبله تزجية ، إذا ساقها برفق. وأزجت الريح السحاب ، أى : دفعته. PageV10P137 # والمعنى : لقد علمت أيها العاقل ورأيت بعينيك ، أن الله تعالى يسوق ~~بقدرته السحاب الذي في الجو ، سوقا رفيقا إلى حيث يريد. # ( @QUR@03 ثم يؤلف بينه ) أى : يسوق سبحانه السحاب سوقا هادئا سهلا. ثم ~~بعد ذلك يصل بعضه ببعض ، ويجمع بعضه مع بعض ، ثم بعد ذلك ( @QUR@02 يجعله ~~ركاما ) أى : متراكما بعضه فوق بعض. يقال ركم فلان الشيء يركمه ركما ، إذا ~~جمعه ، وألقى بعضه على بعض ، ومنه : الرمل المتراكم ، أى : المجتمع. # وهذا الذي حكاه القرآن من سوق الله تعالى للسحب ثم تجميعها ، ثم تحويلها ~~إلى قطع ضخمة متراكمة متكاثفة كقطع الجبال ، يراه الراكب للطائرات بوضوح ~~وتسليم بقدرة الله تعالى ، الذي أحسن كل شيء خلقه. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 فترى الودق يخرج من خلاله ) بيان لما يترتب على ~~هذا السوق الرفيق ، والتجمع الدقيق من آثار. # والودق : المطر. وهو في الأصل مصدر ودق السحاب يدق ودقا ، إذا نزل منه ~~المطر. والخلال : جمع خلل كجبال وجبل والمراد بها الفتوق والشقوق. # قال القرطبي : في «الودق» قولان : أحدهما : أنه البرق .. والثاني : أنه ~~المطر. وهو قول الجمهور يقال : ودقت السحابة فهي وادقة. وودق المطر يدق ~~ودقا. أى : قطر (1). # أى : يسوق الله تعالى السحاب إلى حيث يشاء بقدرته ، ثم يؤلف بينه ، ثم ms4156 ~~يجعله متراكما بعضه فوق بعض ، فترى أيها العاقل المطر يخرج من فتوق هذا ~~السحاب المتراكم ومن فروجه ، تارة بشدة وعنف ، وتارة بهدوء ورفق. # وقوله تعالى : ( @QUR@016 وينزل من السماء من جبال فيها من برد ، فيصيب ~~به من يشاء. ويصرفه عن من يشاء. ) @QUR@01 . بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته ~~سبحانه . # أى : وينزل سبحانه من جهة السماء قطعا من السحاب كأنها القطع من الجبال ~~في عظمها وضخامتها ، «فيها من برد» أى : في تلك القطع من السحاب الكثير من ~~البرد ، وهو شيء ينزل من السحاب يشبه الحصى ، ويسمى حب الغمام : وحب المزن. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما الفرق بين «من» الأولى ، والثانية ، ~~والثالثة في قوله ( @QUR@08 وينزل من السماء من جبال فيها من برد )؟. PageV10P138 # قلت الأولى لابتداء الغاية ، والثانية للتبعيض ، والثالثة للبيان ، أو ~~الأوليان للابتداء. والآخرة للتبعيض. # فإن قلت : ما معنى «من جبال فيها من برد»؟ قلت : فيه معنيان : أحدهما : ~~أن يخلق الله في السماء جبال برد. كما في الأرض جبال حجر ، والثاني : أن ~~يريد الكثرة بذكر الجبال ، كما يقال : فلان يملك جبالا من ذهب (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@08 فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء ) أى : ~~فيصيب بالذي ينزله من هذا البرد من يشاء إصابته من عباده ، ويصرفه عمن يشاء ~~صرفه عنهم ، إذ الإصابة والصرف بمقتضى حكمته وإرادته. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@05 يكاد سنا برقه يذهب ~~بالأبصار ) @QUR@01 . والسنا : شدة الضوء. يقال : سنا الشيء يسنو سنا ، إذا أضاء. # أى : يكاد ضوء برق السحاب الموصوف بما مر من الإزجاء والتأليف والتراكم ~~.. يخطف الأبصار من شدة إضاءته ، وزيادة لمعانه وسرعة توهجه. # وبعد أن ساق سبحانه هذا الدليل العلوي على وحدانيته وقدرته. أتبعه بدليل ~~زمنى يحسه الناس ويشاهدونه في حياتهم فقال : ( @QUR@04 يقلب الله الليل ~~والنهار ) أى : يعاقب بينهما فيأتى بهذا ، ويذهب بذاك ، وينقص أحدهما ويزيد ~~في الآخر ، ويجعل أولهما وقتا لحلول نعمه والثاني لنزول نقمه ، أو العكس ، ~~فهو سبحانه صاحبهما والمتصرف فيها «إن في ذلك» التقليب والإزجاء والتأليف ، ~~وغير ذلك من مظاهر قدرته المبثوثة في الآفاق ms4157 «لآيات» عظيمة «لأولى الأبصار» ~~التي تبصر قدرة الله تعالى وتعتبر بها ، فتخلص له العبادة والطاعة. # ثم ساق سبحانه دليلا ثالثا من واقع خلق كل دابة ، وبديع صنعه فيما خلقه ~~فقال : ( @QUR@06 والله خلق كل دابة من ماء .. ) @QUR@01 . # والدابة : اسم لكل حيوان ذي روح ، سواء أكان من العقلاء أم من غيرهم. ~~وهذا اللفظ مأخوذ من الدبيب ، بمعنى المشي الخفيف. # وتطلق الدابة في العرف على ذوات الأربع ، والمراد بها هنا ما هو أعم من ذلك. # قال بعض العلماء : «وهذه الحقيقة الضخمة التي يعرضها القرآن بهذه البساطة ~~، حقيقة أن كل دابة خلقت من ماء ، قد تعنى وحدة العنصر الأساسى في تركيب ~~الأحياء جميعا ، وهو PageV10P139 # الماء ، وقد تعنى ما يحاول العلم الحديث أن يتبعه من أن الحياة خرجت من ~~البحر ، ونشأت أصلا في الماء ، ثم تنوعت الأنواع وتفرعت الأجناس. # ولكنا نحن على طريقتنا في عدم تعليق الحقائق القرآنية الثابتة على ~~النظريات العلمية القابلة للتعديل والتبديل .. لا نزيد على هذه الإشارة ~~شيئا ، مكتفين بإثبات الحقيقة القرآنية ، وهي أن الله تعالى خلق الأحياء ~~كلها من الماء ، فهي ذات أصل واحد ، ثم هي كما ترى العين متنوعة الأشكال .. (1). # وقال الإمام الرازي : فإن قيل لما ذا نكر الماء هنا ، وجاء معرفا في قوله ~~تعالى : ( @QUR@06 وجعلنا من الماء كل شيء حي ) (2)؟ # والجواب : إنما جاء هنا منكرا ، لأن المعنى ، أنه خلق كل دابة من نوع من ~~الماء يختص بتلك الدابة ، وإنما جاء معرفا في قوله ( @QUR@03 وجعلنا من ~~الماء ) لأن المقصود هناك ، كونهم مخلوقين من هذا الجنس ، وهاهنا بيان أن ~~ذلك الجنس ينقسم إلى أنواع كثيرة (3). # وقوله تعالى : ( @QUR@05 فمنهم من يمشي على بطنه. ) @QUR@01 . تفصيل لهذه ~~المخلوقات التي خلقت من الماء. # والضمير في «منهم» يعود إلى «كل» باعتبار معناه ، وفيه تغليب العاقل على غيره. # أى : فمن هذه الدواب من يمشى على بطنه كالزواحف وما يشبهها ، «ومنهم من ~~يمشى على رجلين» كالإنس والطير «ومنهم من يمشى على أربع» كالأنعام والوحوش ~~«يخلق الله» تعالى «ما يشاء» خلقه من دواب وغيرها على وفق إرادته وحكمته ~~«إن ms4158 الله على كل شيء قدير» فلا يعجزه سبحانه خلق ما يريد خلقه ، ولا يمنعه ~~من ذلك مانع ، بل كل شيء خاضع لقدرته عز وجل . # وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة قد ساقت ألوانا من الأدلة على قدرة الله ~~تعالى . منها ما يتعلق بالكائن العلوي ، ومنها ما يتعلق بالزمان ، ومنها ما ~~يتعلق بخلق أنواع الدواب على اختلاف أشكالها. # * * * # وبعد أن ساقت السورة ما ساقت من الأحكام والآداب ومن الأدلة على وحدانية الله PageV10P140 # تعالى وقدرته ، أتبعت ذلك بالحديث عن طائفة المنافقين ، الذين لم ينتفعوا ~~بآيات الله ، ولم يتأدبوا بأدب المؤمنين .. فقال تعالى : # ( @QUR@011 لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ~~(46) @QUR@015 ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من ~~بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين (47) @QUR@011 وإذا دعوا إلى الله ورسوله ~~ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون (48) @QUR@07 وإن يكن لهم الحق يأتوا ~~إليه مذعنين (49) @QUR@016 أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف ~~الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون (50) @QUR@018 إنما كان قول ~~المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ~~وأولئك هم المفلحون (51) @QUR@010 ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه ~~فأولئك هم الفائزون (52) @QUR@017 وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ~~ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون (53) @QUR@023 قل ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم ~~وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين ) (54) # وقوله سبحانه : ( @QUR@01 مبينات ) قرأها بعض القراء السبعة ، بفتح الياء ~~المشددة PageV10P141 # بصيغة اسم المفعول فيكون المعنى : بالله لقد أنزلنا على عبدنا محمد ~~صلى الله عليه وسلم آيات بيناها ووضحناها ، وجعلناها خالية من اللبس والغموض. # وقرأها الباقون بكسر الياء المشددة بصيغة اسم الفاعل فيكون المعنى : لقد ~~أنزلنا آيات مبينات للأحكام والحدود والآداب التي شرعها الله تعالى فعلى ~~هذه القراءة يكون المفعول محذوفا. # وقوله تعالى : ( @QUR@07 والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) أى : ~~والله تعالى بفضله وإحسانه يهدى من يشاء هدايته إلى الصراط المستقيم ، الذي ~~هو ms4159 طريق الإسلام. وسبيل الحق والرشاد. # والضمير في قوله تعالى : ( @QUR@05 ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ) ~~يعود على طائفة من الذين لم يهدهم سبحانه إلى الصراط المستقيم ، وهم ~~المنافقون. # أى : أن هؤلاء المنافقين يقولون بألسنتهم فقط : آمنا بالله وبالرسول ، ~~وأطعنا الله والرسول في كل أمر أو نهى. # ثم بين سبحانه أنهم كاذبون في دعواهم الإيمان والطاعة فقال : ( @QUR@07 ~~ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك ) @QUR@01 . # أى : يدعون أنهم يؤمنون بالله وبالرسول ، ويطيعون أحكامهما ، وحالهم أن ~~عددا كبيرا منهم يعرضون عما يقتضيه الإيمان والطاعة ، من أدب مع الله تعالى ~~ومع رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومن انقياد لأحكام الإسلام. # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 وما أولئك بالمؤمنين ) نفى لدعواهم الإيمان ، ~~وتوبيخ لهم على أقوالهم التي يكذبها واقعهم ، أى : وما أولئك المنافقون ~~الذي يقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ، بالمؤمنين على الحقيقة ، لأنهم ~~يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، ولأنهم لو كانوا يؤمنون حقا. لما ~~أعرضوا عن أحكام الله تعالى ، وعن طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم . # ثم بين سبحانه حالة أخرى من أحوالهم الذميمة فقال : ( @QUR@011 وإذا دعوا ~~إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون ) @QUR@01 . # أى : أن هؤلاء المنافقين من صفاتهم أيضا أنهم إذا ما دعاهم داع إلى أن ~~يجعلوا شريعة الله تعالى هي الحكم بينهم وبين خصومهم ، إذا فريق كبير منهم ~~يعرض عن هذا الداعي ، ويسرع إلى التحاكم إلى الطاغوت. كما في قوله تعالى : ~~( @QUR@022 ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من ~~قبلك ، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن PageV10P142 # @QUR@08 يكفروا به ، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا. ) @QUR@01 . (1). # والتعبير عنهم بقوله «إذا فريق منهم معرضون» إشعار بأنهم بمجرد دعوتهم ~~إلى الحق ، ينفرون من الداعي نفورا شديدا بدون تدبر أو تمهل ، لأنهم يعلمون ~~علم اليقين أن الحق عليهم لا لهم ، أما إن لاح لهم أن الحق لهم لا عليهم ، ~~فإنهم يهرولون نحو الرسول صلى الله عليه وسلم يطلبون حكمه ، ولذا قال تعالى ( ~~@QUR@07 وإن يكن لهم الحق ، يأتوا إليه مذعنين ) @QUR@01 . # والإذعان : الانقياد ms4160 والطاعة ، يقال : أذعن فلان لفلان ، إذا انقاد له ~~وخضع لأمره. # أى : وإن يكن لهؤلاء المنافقين الحق على غيرهم ، يأتوا إلى الرسول ~~صلى الله عليه وسلم منقادين طائعين راضين بحكمه ، لأنهم واثقون من أنه ~~صلى الله عليه وسلم لن يبخسهم شيئا من حقوقهم لا يأتون إليه مذعنين في كل ~~الأحوال ، وإنما يأتون إليه صلى الله عليه وسلم مذعنين لحكمه عند ما يكونون ~~أصحاب حق في قضية من القضايا الدنيوية التي تحصل بينهم وبين غيرهم. # ثم يعقب القرآن الكريم على تصرفاتهم القبيحة بإثبات نفاقهم ، وبالتعجيب ~~من ترددهم وريبهم ، وباستنكار ما هم عليه من خلق ذميم فيقول : ( @QUR@012 ~~أفي قلوبهم مرض ، أم ارتابوا ، أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله. ) ~~@QUR@01 . ؟! # وقوله : ( @QUR@01 يحيف ) من الحيف ، وهو الميل إلى أحد الجانبين ، يقال ~~: حاف فلان في قضائه ، إذا جار وظلم. # أى : ما بال هؤلاء المنافقين يعرضون عن أحكام الإسلام ولا يقبلون على حكم ~~الرسول صلى الله عليه وسلم إلا إذا كانت لهم حقوق عند غيرهم أسبب ذلك أنهم ~~مرضى القلوب بالنفاق وضعف الإيمان؟ أم سبب ذلك أنهم يشكون في صدق نبوته ~~صلى الله عليه وسلم ؟ أم سببه أنهم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله؟ # لا شك أن هذه الأسباب كلها قد امتلأت بها قلوبهم الفاسدة ، وفضلا عن ذلك ~~فهناك سبب أشد وأعظم ، وهو حرصهم على الظلم ووضع الأمور في غير مواضعها ، ~~ولذا ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@04 بل أولئك هم الظالمون ) ~~@QUR@01 . # أى : بل أولئك المنافقون هم الظالمون لأنفسهم ولغيرهم ، حيث وضعوا الأمور ~~في غير موضعها ، وآثروا الغي على الرشد ، والكفر على الإيمان. # قال الجمل : وقوله : ( @QUR@03 أفي قلوبهم مرض. ) @QUR@01 . إلخ استنكار ~~واستقباح لإعراضهم المذكور ، وبيان لمنشئه بعد استقصاء عدة من القبائح ~~المحققة فيهم ، والاستفهام للإنكار لكن PageV10P143 # النفي المستفاد به لا يتسلط على هذه الأمور الثلاثة ، لأنها واقعة لهم ، ~~وقائمة بهم ، والواقع لا ينفى ، وإنما هو متسلط على منشئتها وسببيتها ~~لإعراضهم .. (1). # ثم بين سبحانه بعد ذلك ما هو واجب على المؤمنين إذا ما دعوا إلى الله ~~ورسوله ليحكم بينهم ms4161 ، أن يقولوا سمعنا وأطعنا. # ولفظ «قول» منصوب على أنه خبر «كان» واسمها أن المصدرية مع ما في حيزها ، ~~وهو : أن يقولوا سمعنا وأطعنا. # والمعنى : أن من صفات المؤمنين الصادقين ، أنهم إذا ما دعوا إلى حكم ~~شريعة الله تعالى التي أوحاها إلى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقولوا عند ما ~~يدعون لذلك : سمعنا وأطعنا ، بدون تردد أو تباطؤ .. # «وأولئك» الذين يفعلون ذلك «هم المفلحون» فلاحا تاما في الدنيا والآخرة. # ثم بين سبحانه ما يترتب على طاعة الله ورسوله فقال : ( @QUR@06 ومن يطع ~~الله ورسوله ويخش الله ) تعالى في السر والعلن ( @QUR@01 ويتقه ) في كل ~~الأحوال ( @QUR@01 فأولئك ) الذين يفعلون ذلك ( @QUR@02 هم الفائزون ) ~~بالنعيم المقيم ، والرضوان العظيم. # ثم عادت السورة الكريمة إلى استكمال الحديث عن المنافقين ، فقال تعالى ( ~~@QUR@07 وأقسموا بالله جهد أيمانهم ، لئن أمرتهم ليخرجن ) @QUR@01 . # والجهد : الوسع والطاقة ، من جهد نفسه يجهدها بفتح الهاء فيهما إذا اجتهد ~~في الشيء ، وبذل فيه أقصى وسعه. # أى : وأقسم هؤلاء المنافقون بالأيمان الموثقة بأشد وسائل التوثيق ، بأنهم ~~متى أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالخروج معه للجهاد ليخرجن سراعا تلبية لأمره. # وهنا يأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم ردا كله تهكم ~~وسخرية بهم ، بسبب كذبهم فيقول : ( @QUR@05 قل لا تقسموا طاعة معروفة ) ~~@QUR@01 . # أى : قل لهم أيها الرسول الكريم على سبيل السخرية والزجر ، لا تقسموا على ~~ما تقولون ، فإن طاعتكم معروف أمرها ، ومفروغ منها ، فهي طاعة باللسان فقط. ~~أما الفعل فيكذبها. # وذلك كما تقول لمن اشتهر بالكذب : لا تحلف لي على صدقك ، فأمرك معروف لا ~~يحتاج إلى قسم أو دليل. PageV10P144 # ثم عقب سبحانه على هذه السخرية منهم بقوله : ( @QUR@05 إن الله خبير بما ~~تعملون ) أى : إن الله تعالى مطلع اطلاعا تاما على ظواهركم وبواطنكم فلا ~~يحتاج منكم إلى قسم أو توكيد لأقوالكم ، وقد علم سبحانه أنكم كاذبون في حلفكم. # ثم يأمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرشدهم إلى الطاعة الصادقة. لا ~~طاعتهم الكاذبة فيقول : ( @QUR@05 قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) طاعة ~~ظاهرة وباطنة ، طاعة مصحوبة ms4162 بصدق الاعتقاد ، وكمال الإخلاص ، فإن هذه ~~الطاعة هي المقبولة منكم. # وقوله سبحانه ( @QUR@09 فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم ) ~~تحذير لهم من التمادي في نفاقهم وكذبهم. # أى : مرهم أيها الرسول الكريم بالطاعة الصادقة ، فإن توليتم أيها ~~المنافقون عن دعوة الحق وأعرضتم عن الصراط المستقيم ، فإن الرسول الكريم ~~ليس عليه سوى ما حملناه إياه. وهو التبليغ والإنذار والتبشير ، وأما أنتم ~~فعليكم ما حملتم ، أى : ما أمرتم به من الطاعة له صلى الله عليه وسلم وهو قد ~~فعل ما كلفناه به ، أما أنتم فحذار أن تستمروا في نفاقكم. # ثم أرشدهم سبحانه إلى طريق الفوز والفلاح فقال : ( @QUR@03 وإن تطيعوه ~~تهتدوا ) @QUR@01 . أى : وإن تطيعوا أيها المنافقون رسولنا صلى الله عليه وسلم ~~في كل ما يأمركم به أو ينهاكم عنه ، تهتدوا إلى الحق ، وتظفروا بالسعادة. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 وما على الرسول إلا البلاغ المبين ) تذييل مقرر ~~لما قبله. من أن مغبة الإعراض عائدة عليهم. كما أن فائدة الطاعة راجعة لهم. # أى : وما على الرسول الذي أرسلناه لإرشادكم إلى ما ينفعكم إلا التبليغ ~~الواضح ، والنصح الخالص ، والتوجيه الحكيم. # وبذلك ترى هذه الآيات الكريمة قد كشفت عن رذائل المنافقين ، وحذرتهم من ~~التمادي في نفاقهم ، وأرشدتهم إلى ما يفيدهم ويسعدهم ، كما وضحت ما يجب أن ~~يكون عليه المؤمنون الصادقون من طاعة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم . # * * * # ثم تركت السورة الكريمة الحديث عن المنافقين ، لتسوق وعد الله الذي لا ~~يتخلف للمؤمنين الصادقين ، قال تعالى : PageV10P145 # ( @QUR@038 وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في ~~الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ~~وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك ~~فأولئك هم الفاسقون (55) @QUR@08 وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا ~~الرسول لعلكم ترحمون (56) @QUR@011 لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ~~ومأواهم النار ولبئس المصير ) (57) # قال الإمام ابن كثير : «هذا وعد من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ~~بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض أى : أئمة الناس والولاة عليهم ، وبهم ms4163 تصلح ~~البلاد ، وتخضع لهم العباد ، وقد فعل تبارك وتعالى ذلك .. فإنه لم يمت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى فتح عليه مكة وخيبر والبحرين ، وسائر جزيرة العرب ~~، ولهذا ثبت في الصحيح عن رسوله الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «إن الله ~~زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها ، وسيبلغ ملك أمتى ما زوى لي منها ~~...» (1). # وفي تصدير الآية الكريمة بقوله تعالى : ( @QUR@02 وعد الله. ) @QUR@01 . ~~بشارة عظيمة للمؤمنين ، بتحقيق وعده تعالى ، إذ وعد الله لا يتخلف. كما قال ~~تعالى : ( @QUR@011 وعد الله لا يخلف الله وعده ، ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون ) (2). # والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ، ومن بيانية ، والآية الكريمة ~~مقررة لمضمون ما قبلها ، وهو قوله تعالى : ( @QUR@03 وإن تطيعوه تهتدوا .. ~~) @QUR@01 . # أى : وعد الله تعالى بفضله وإحسانه ، الذين صدقوا في إيمانهم من عباده ، والذين PageV10P146 # جمعوا مع الإيمان الصادق ، العمل الصالح ، وعدهم ليستخلفهم في الأرض ، أى ~~: ليجعلنهم فيها خلفاء يتصرفون فيها تصرف أصحاب العزة والسلطان والغلبة ، ~~بدلا من أعدائهم الكفار. # قال الآلوسى : واللام في قوله «ليستخلفنهم» واقعة في جواب القسم المحذوف. ~~ومفعول وعد الثاني محذوف دل عليه الجواب. أى : وعد الله الذين آمنوا ~~استخلافهم ، وأقسم ليستخلفنهم .. و «ما» في قوله «كما استخلف» مصدرية والجار ~~والمجرور متعلق بمحذوف. وقع صفة لمصدر محذوف ، أى : ليستخلفنهم استخلافا ~~كائنا كاستخلافه «الذين من قبلهم» من الأمم المؤمنة ، الذين أسكنهم الله ~~تعالى في الأرض بعد إهلاك أعدائهم من الكفرة الظالمين (1). # هذا هو الوعد الأول للمؤمنين : أن يجعلهم سبحانه خلفاءه في الأرض. كما ~~جعل عباده الصالحين من قبلهم خلفاءه ، وأورثهم أرض الكفار وديارهم. # وأما الوعد الثاني فيتجلى في قوله تعالى ( @QUR@06 وليمكنن لهم دينهم ~~الذي ارتضى لهم ) @QUR@01 . # والتمكين : التثبيت والتوطيد والتمليك. يقال : تمكن فلان من الشيء ، إذا ~~حازه وقدر عليه. # أى : وعد الله المؤمنين بأن يجعلهم خلفاءه في أرضه ، وبأن يجعل دينهم وهو ~~دين الإسلام الذي ارتضاه لهم. ثابتا في القلوب ، راسخا في النفوس. باسطا ~~سلطانه على أعدائه ، له الكلمة العليا في هذه الحياة ، ولمخالفيه الكلمة ~~السفلى. # وأما الوعد الثالث ms4164 فهو قوله سبحانه : «وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا». # أى : وعدهم الله تعالى بالاستخلاف في الأرض ، وبتمكين دينهم. وبأن يجعل ~~لهم بدلا من الخوف الذي كانوا يعيشون فيه ، أمنا واطمئنانا ، وراحة في ~~البال ، وهدوءا في الحال. # قال الربيع بن أنس عن أبى العالية في هذه الآية : كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة نحوا من عشر سنين. يدعون إلى الله وحده .. ~~وهم خائفون ، فلما قدموا المدينة أمرهم الله بالقتال ، فكانوا بها خائفين ، ~~يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح. فصبروا على ذلك ما شاء الله. ثم إن ~~رجلا من الصحابة قال : يا رسول الله : «أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟ أما ~~يأتى علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟ فقال صلى الله عليه وسلم لن تغبروا أى : ~~لن تمكثوا إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليست فيهم ~~حديدة». PageV10P147 # وأنزل الله هذه الآية فأظهر الله نبيه على جزيرة العرب فآمنوا ووضعوا ~~السلاح .. (1). # ولكن هذا الاستخلاف والتمكين والأمان متى يتحقق منه سبحانه لعباده؟ # لقد بين الله تعالى الطريق إلى تحققه فقال ( @QUR@05 يعبدونني لا يشركون ~~بي شيئا ) فهذه الجملة الكريمة يصح أن تكون مستأنفة ، أى : جوابا لسؤال ~~تقديره متى يتحقق هذا الاستخلاف والتمكين والأمان بعد الخوف للمؤمنين؟ فكان ~~الجواب : يعبدونني عبادة خالصة تامة مستكملة لكل شروطها وآدابها وأركانها ، ~~دون أن يشركوا معى في هذه العبادة أحدا كائنا من كان. # كما يصح أن تكون حالا من الذين آمنوا ، فيكون المعنى : وعد الله تعالى ~~عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، بالاستخلاف في الأرض ، وبتمكين دينهم ~~فيها. وبتبديل خوفهم أمنا ، في حال عبادتهم له سبحانه عبادة لا يشوبها شرك ~~أو رياء أو نقص. # وروى الإمام أحمد عن أبى بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~«بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة ، والدين والنصر والتمكين في الأرض ، فمن ~~عمل منهم عمل الآخرة للدنيا ، لم يكن له في الآخرة نصيب» (2). # ذلك هو وعد الله تعالى لعباده الذين أخلصوا له العبادة والطاعة ، وأدوا ~~ما أمرهم به ، واجتنبوا ms4165 ما نهاهم عنه ، أما الذين انحرفوا عن طريق الحق. ~~وجحدوا نعمه سبحانه عليهم ، فقد بين عاقبتهم فقال : ( @QUR@07 ومن كفر بعد ~~ذلك فأولئك هم الفاسقون ) @QUR@01 . # أى : ومن كفر بعد كل هذه النعم التي وعدت بها عبادي الصالحين ، واستعمل ~~هذه النعم في غير ما خلقت له ، فأولئك الكافرون الجاحدون هم الفاسقون عن ~~أمرى ، الخارجون عن وعدى ، الناكبون عن صراطي. # وهكذا نرى الآية الكريمة قد جمعت أطراف الحكمة من كل جوانبها ، فقد رغبت ~~المؤمنين في إخلاص العبادة لله تعالى بأسمى ألوان الترغيب ، حيث بينت لهم ~~أن هذه العبادة سيترتب عليها الاستخلاف والتمكين والأمان. ثم رهبت من الكفر ~~والجحود ، وبينت أن عاقبتهما الفسوق والحرمان من نعم الله تعالى . # ثم بين سبحانه بعد ذلك أهم أركان هذه العبادة فقال : ( @QUR@08 وأقيموا ~~الصلاة ، وآتوا الزكاة ، وأطيعوا الرسول ، لعلكم ترحمون ) @QUR@01 . PageV10P148 # أى : واظبوا أيها المؤمنون على إخلاص العبادة لله تعالى وأدوا الصلاة في ~~أوقاتها بخشوع وإحسان ، وقدموا الزكاة للمستحقين لها ، وأطيعوا الرسول ~~صلى الله عليه وسلم طاعة تامة ، لعلكم بسبب هذه العبادة والطاعة ، تنالون رحمة ~~الله تعالى ورضوانه. # ثم ثبت الله تعالى المؤمنين ، وهون من شأن أعدائهم لكي لا يرهبهم قوتهم ~~فقال : ( @QUR@011 لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ، ومأواهم النار ~~ولبئس المصير ) @QUR@01 . # أى : لا تظنن أيها الرسول الكريم أنت ومن معك من المؤمنين أن الذين كفروا ~~مهما أوتوا من قوة وبسطة في المال ، في إمكانهم أن يعجزونا عن إهلاكهم ~~واستئصالهم وقطع دابرهم ، فإن قوتنا لا يعجزها شيء وهم في قبضتنا سواء ~~أكانوا في الأرض التي يعيشون عليها أم في غيرها ، واعلم أن «مأواهم» في ~~الآخرة «النار ولبئس المصير» هذه النار التي هي مستقرهم ومسكنهم. # فالآية الكريمة بيان لمآل الكفرة في الدنيا والآخرة ، بعد بيان ما أعده ~~الله تعالى في الدنيا والآخرة من استخلاف وتمكين وأمان ورحمة للمؤمنين. # وقوله : ( @QUR@02 الذين كفروا ) هو المفعول الأول ، لتحسبن ، وقوله ( ~~@QUR@01 معجزين ) هو المفعول الثاني. # قال القرطبي : «وقرأ ابن عامر وحمزة «يحسبن» بالياء ، بمعنى لا يحسبن ~~الذين كفروا أنفسهم معجزين الله في الأرض ، لأن ms4166 الحسبان يتعدى إلى مفعولين ~~..» (1). # أى : أن «الذين كفروا» في محل رفع فاعل يحسبن ، والمفعول الأول محذوف ~~تقديره : أنفسهم. وقوله ( @QUR@01 معجزين ) هو المفعول الثاني. # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 ولبئس المصير ) جواب لقسم مقدر. والمخصوص بالذم ~~محذوف ، أى : وبالله «لبئس المصير» هي. أى : النار التي يستقرون فيها. # * * * # وبعد هذه التوجيهات الحكيمة التي تتعلق ببيان أعمال المؤمنين ، وأعمال ~~الكافرين ، وببيان جانب من مظاهر قدرة الله تعالى في خلقه ، وببيان أقوال ~~المنافقين التي تخالف أفعالهم ، وببيان ما وعد الله تعالى به المؤمنين من ~~خيرات .. PageV10P149 # بعد كل ذلك ، عادت السورة الكريمة إلى الحديث عما افتتحت به من الحديث عن ~~الأحكام والآداب التي شرعها الله تعالى ، وأمر المؤمنين بالتمسك بها فقال ~~تعالى : # ( @QUR@050 يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم ~~يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من ~~الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح ~~بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم ~~حكيم (58) @QUR@019 وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن ~~الذين من قبلهم كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم (59) @QUR@023 ~~والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن ~~غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم ) (60) # ذكر المفسرون في سبب نزول قوله تعالى : ( @QUR@05 يا أيها الذين آمنوا ~~ليستأذنكم .. ) @QUR@01 . روايات منها : أن امرأة يقال لها أسماء بنت أبى ~~مرثد ، دخل عليها غلام كبير لها ، في وقت كرهت دخوله فيه ، فأتت النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في ~~حال نكرهها ، فأنزل الله تعالى هذه الآية : # ومنها ما روى من أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث في وقت الظهيرة غلاما من ~~الأنصار يقال له PageV10P150 # مدلج ، إلى عمر بن الخطاب ، فدق الغلام الباب على عمر وكان نائما فاستيقظ ~~، وجلس فانكشف منه شيء فقال عمر : لوددت أن الله تعالى نهى آباءنا وأبناءنا ~~وخدمنا عن الدخول علينا ms4167 في هذه الساعة إلا بإذن ثم انطلق عمر مع الغلام إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فوجد هذه الآية قد نزلت فخر ساجدا لله تعالى (1). # وقد صدرت الآية الكريمة بندائهم بصفة الإيمان. لحضهم على الامتثال لما ~~اشتملت عليه من آداب قويمة. وتوجيهات حكيمة. # واللام في قوله ( @QUR@01 ليستأذنكم ) هي لام الأمر والمراد بما ملكت ~~أيمانهم : الأرقاء سواء أكانوا ذكورا أم إناثا ، ويدخل فيهم الخدم ومن على ~~شاكلتهم. # والمراد بالذين لم يبلغوا الحلم. الأطفال الذين في سن الصبا ولم يصلوا ~~إلى سن البلوغ إلا أنهم يعرفون معنى العورة ويميزون بين ما يصح الاطلاع ~~عليه وما لا يصح. # والمعنى : يا من آمنتم بالله حق الإيمان من الرجال ، والنساء ، عليكم أن ~~تمنعوا مماليككم وخدمكم وصبيانكم الذين لم يبلغوا سن البلوغ ، من الدخول ~~عليكم في مضاجعكم بغير إذن في هذه الأوقات الثلاثة ، خشية أن يطلعوا منكم ~~على ما لا يصح الاطلاع عليه. # فقوله تعالى : ( @QUR@02 ثلاث مرات ) تحديد للأوقات المنهي عن الدخول ~~فيها بدون استئذان ، أى : ثلاث أوقات في اليوم والليلة. # ثم بين سبحانه هذه الأوقات فقال : ( @QUR@04 من قبل صلاة الفجر ) وذلك ~~لأن هذا الوقت يقوم فيه الإنسان من النوم عادة ، وقد يكون متخففا من ثيابه. ~~ولا يجب أن يراه أحد وهو على تلك الحالة. # ( @QUR@05 وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ) أى : وحين تخلعون ثيابكم ~~وتطرحونها في وقت الظهيرة ، عند شدة الحر ، لأجل التخفيف منها وارتداء ثياب ~~أخرى أرق من تلك الثياب ، طلبا للراحة واستعدادا للنوم. # ( @QUR@04 ومن بعد صلاة العشاء ) لأن هذا الوقت يتجرد فيه الإنسان من ~~ثياب اليقظة ، ليتخذ ثيابا أخرى للنوم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 ثلاث عورات لكم ) خبر مبتدأ محذوف ، والعورات : ~~جمع عورة. PageV10P151 # وتطلق على ما يجب ستره من الإنسان ، وهي كما يقول الراغب مأخوذة من العار ~~، وذلك لأن المظهر لها يلحقه العار والذم بسبب ذلك. # أى : هذه الأوقات من ثلاث عورات كائنة لكم فعليكم أن تعودوا مماليككم ~~وخدمكم وصبيانكم. على الاستئذان عند إرادة الدخول عليكم فيها ، لأنها أوقات ~~يغلب فيها اختلاء الرجل بأهله ، كما يغلب ms4168 فيها التخفف من الثياب ، وانكشاف ~~ما يجب ستره. # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن ) بيان لمظهر ~~من مظاهر التيسير في شريعة الإسلام. # أى : وليس عليكم أيها المؤمنون والمؤمنات ، ولا عليهم ، أى : أرقائكم ~~وصبيانكم «جناح» أى : حرج أو إثم في الدخول بدون استئذان «بعدهن» أى : بعد ~~كل وقت من تلك الأوقات الثلاثة. # وقوله تعالى ( @QUR@05 طوافون عليكم بعضكم على بعض ) تعليل لبيان العذر ~~المرخص في ترك الاستئذان في غير الأوقات التي حددها الله تعالى . # أى : لا حرج في دخول مماليككم وصبيانكم عليكم في غير هذه الأوقات بدون ~~استئذان لأنهم تكثر حاجتهم في التردد عليكم ، وأنتم كذلك لا غنى لكم عنهم ~~فأنتم وهم يطوف بعضكم على بعض لقضاء المصالح في كثير من الأوقات. # وبذلك يجمع الإسلام في تعاليمه بين التستر والاحتشام والتأدب بآدابه ~~القويمة ، وبين السماحة وإزالة الحرج والمشقة. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@08 كذلك يبين الله لكم ~~الآيات والله عليم حكيم ) @QUR@01 . # أى : مثل هذا البيان الحكيم يبين الله تعالى لكم الآيات التي توصلكم متى ~~تمسكتم بها ، إلى طريق الخير والسعادة ، والله عز وجل عليم بما يصلح عباده ، ~~حكيم في كل ما يأمر به ، أو ينهى عنه. # وهكذا تسوق لنا الآية الكريمة ألوانا من الأدب السامي ، الذي يجعل الكبار ~~والصغار يعيشون عيشة فاضلة ، عامرة بالطهر والعفاف والحياء ، والنقاء من كل ~~ما يجرح الشعور ، ومن كل تصور يتنافى مع الخلق الكريم. # ثم انتقلت السورة إلى الحديث عن حكم البالغين بالنسبة للاستئذان ، بعد ~~حديثها عن حكم غير البالغين بالنسبة لذلك فقال تعالى ( @QUR@011 وإذا بلغ ~~الأطفال منكم الحلم ، فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم ... ) @QUR@01 . PageV10P152 # أى : وإذا بلغ الأطفال منكم أيها المؤمنون والمؤمنات سن الاحتلام والبلوغ ~~الذي يصلح معه الزواج ، فعليهم أن يستأذنوا في الدخول عليكم في كل الأوقات ~~، كما استأذن الذين هم أكبر منهم في السن عند ما بلغوا سن الاحتلام ، فقد ~~أمر سبحانه أمرا عاما بذلك فقال : ( @QUR@014 يا أيها الذين آمنوا لا ~~تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ... ) @QUR@01 . ~~قال ms4169 صاحب الكشاف : «والمعنى أن الأطفال مأذون لهم في الدخول بغير إذن إلا ~~في العورات الثلاث ، فإذا اعتاد الأطفال ذلك ثم خرجوا عن حد الطفولة ، بأن ~~يحتلموا ، أو يبلغوا السن التي يحكم عليهم فيها بالبلوغ ، وجب أن يفطموا عن ~~تلك العادة ، ويحملوا على أن يستأذنوا في جميع الأوقات ، كما هو الحال ~~بالنسبة للرجال الكبار الذين لم يعتادوا الدخول عليكم إلا بإذن. # وهذا مما الناس منه في غفلة ، وهو عندهم كالشريعة المنسوخة. وعن ابن ~~مسعود : «عليكم أن تستأذنوا على آبائكم وأمهاتكم وأخواتكم ..» (1). # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@08 كذلك يبين الله لكم آياته والله ~~عليم حكيم ) أى : والله تعالى عليم بأحوال النفوس وبما يصلحها من آداب ، ~~حكيم في كل ما يشرعه من أحكام. # ثم بين سبحانه بعد ذلك بعض الأحكام التي تتعلق بالنساء اللاتي بلغن سن ~~اليأس ، فقال : ( @QUR@016 والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس ~~عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة .. ) @QUR@01 . # والقواعد : جمع قاعد بغير تاء لاختصاص هذه الكلمة بالنساء كحائض وطامث. # وقالوا : سميت المرأة العجوز بذلك ، لأنها تكثر القعود لكبر سنها. # أى : والنساء العجائز اللاتي قعدن عن الولد أو عن الحيض ، ولا يطمعن في ~~الزواج لكبرهن ، فليس على هؤلاء النساء حرج أن ينزعن عنهن ثيابهن الظاهرة ، ~~والتي لا يفضى نزعها إلى كشف عورة ، أو إظهار زينة أمر الله تعالى بسترها. # فقوله سبحانه : ( @QUR@06 فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن ) بيان لمظهر ~~من مظاهر التيسير في شريعة الإسلام ، لأن المرأة العجوز إذا تخففت من بعض ~~ثيابها التي لا يفضى التخفف منها إلى فتنة أو إلى كشف عورة .. فلا بأس بذلك ~~، لأنها في العادة لا تتطلع النفوس إليها ، وذلك بأن تخلع القناع الذي يكون ~~فوق الخمار ، والرداء الذي يكون فوق الثياب. PageV10P153 # وقوله تعالى ( @QUR@03 غير متبرجات بزينة ) حال. وأصل التبرج : التكلف ~~والتصنع في إظهار ما يخفى ، من قولهم سفينة بارجة أى : لا غطاء عليها. # والمراد به هنا : إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال الذين لا يصح لهم ~~الاطلاع عليها. # أى : لا حرج على النساء ms4170 القواعد من خلع ثيابهن الظاهرة ، حال كونهن غير ~~مظهرات للزينة التي أمرهن الله تعالى بإخفائها ، وغير قاصدات بهذا الخلع ~~لثيابهن الظاهرة التبرج وكشف ما أمر الله تعالى بستره. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 وأن يستعففن خير لهن ) أى : وأن يبقين ثيابهن ~~الظاهرة عليهن بدون خلع ، خير لهن ، وأطهر لقلوبهن ، وأبعد عن التهمة ، ~~وأنفى لسوء الظن بهن. # وسمى الله تعالى إبقاء ثيابهن عليهن استعفافا. أى : طلبا للعفة ، للإشعار ~~بأن الاحتشام والتستر .. خير للمرأة حتى ولو كانت من القواعد. # وقوله تعالى ( @QUR@03 والله سميع عليم ) أى : سميع لكل ما من شأنه أن ~~يسمع ، عليم بأحوال النفوس وحركاتها وسكناتها. # وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة ، قد بينت للناس أقوم المناهج ، وأسمى ~~الآداب ، وأفضل الأحكام التي باتباعها يسعد الأفراد والجماعات. # * * * # ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن أحكام أخرى فيها ما فيها ~~من حسن للتنظيم في العلاقات بين الأقارب والأصدقاء ، وفيها ما فيها من ~~اليسر والسماحة ، فقال تعالى : # ( @QUR@047 ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ~~ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو ~~بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت ~~أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه PageV10P154 # @QUR@029 أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم ~~بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم ~~الآيات لعلكم تعقلون ) (61) # ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها ما روى عن ابن عباس أنه ~~قال : لما أنزل الله تعالى : ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل .. ) @QUR@01 . تحرج المسلمون عن مؤاكلة المرضى ~~والعمى والعرج ، وقالوا : الطعام أفضل الأموال ، وقد نهانا الله عن أكل ~~المال بالباطل ، والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب ، والأعرج لا يتمكن من ~~الجلوس ، ولا يستطيع المزاحمة ، والمريض يضعف عن التناول ولا يستوفى من ~~الطعام حقه ، فأنزل الله هذه الآية. # وقيل نزلت ترخيصا لهؤلاء في الأكل من بيوت من ms4171 سمى الله في هذه الآية ، ~~وذلك أن هؤلاء كانوا يدخلون على الرجل لطلب الطعام ، فإذا لم يكن عنده شيء ~~ذهب بهم إلى بيت أبيه ، أو بيت أمه ، أو بعض من سمى الله في هذه الآية ، ~~فكان أهل الزمانة يتحرجون من ذلك ، ويقولون ذهب بنا إلى غير بيته ، فأنزل ~~الله هذه الآية. # وقيل نزلت رخصة للأعمى والأعرج والمريض عن التخلف عن الجهاد .. # ويبدو لنا أن الآية الكريمة نزلت لتعليم المؤمنين ألوانا متعددة من ~~الآداب التي شرعها الله تعالى لهم ، ويسرها لهم بفضله وإحسانه ، حتى يعلموا ~~أن شريعته سبحانه مبنية على اليسر لا على العسر ، وعلى التخفيف ورفع الحرج ~~، لا على التشديد والتضييق. # والحرج : الضيق ومنه الحرجة للشجر الملتف المتكاثف بعضه ببعض ، حتى ليصعب ~~على الشخص أن يمشى فيه. والمراد به هنا : الإثم. # والمعنى : ليس على الأعمى والأعرج والمريض حرج أو إثم في الأكل من بيوت ~~هؤلاء الذين سماهم الله تعالى . # كذلك ليس عليكم حرج أو إثم أيها المؤمنون في أن تأكلوا أنتم ومن معكم ( ~~@QUR@02 من بيوتكم ) التي هي ملك لكم. PageV10P155 # وذكر سبحانه بيوتهم هنا مع أنه من المعروف أنه لا حرج في أن يأكل الإنسان ~~من بيته ، للإشعار بأن أكلهم من بيوت الذين سيذكرهم سبحانه بعد ذلك من ~~الآباء والأمهات والأقارب ، يتساوى في نفى الحرج مع أكلهم من بيوتهم أى أن ~~أكل الناس من بيوتهم لم يذكر هنا لنفى حرج كان متوهما ، وإنما ذكر لإظهار ~~التسوية بين أكلهم من بيوت أقاربهم وأصدقائهم ، وبين أكلهم من بيوتهم. # وبعضهم يرى أن المراد بقوله ( @QUR@04 أن تأكلوا من بيوتكم ) أى : من ~~بيوت زوجاتهم وأولادهم. # ثم ذكر سبحانه بيوتا أخرى لا حرج عليهم في الأكل منها فقال : ( @QUR@028 ~~أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت ~~أعمامكم أو بيوت عماتكم ، أو بيوت أخوالكم ، أو بيوت خالاتكم ، أو ما ملكتم ~~مفاتحه ) أى : أو البيوت التي تملكون التصرف فيها بإذن أصحابها ، كأن ~~تكونوا وكلاء عنهم في التصرف في أموالهم. ومفاتح : جمع مفتح بكسر ms4172 الميم وهو ~~آلة الفتح وملك هذه المفاتح : كناية عن كون الشيء تحت يد الشخص وتصرفه. # وقوله ( @QUR@02 أو صديقكم ) معطوف على ما قبله والصديق هو من يصدق في ~~مودتك ، وتصدق أنت في مودته ، وهو اسم جنس يطلق على الواحد والجمع ، ~~والمراد هنا : الجمع. أى : ولا حرج عليكم أيضا في الأكل من بيوت أصدقائكم. # فالآية الكريمة قد أجازت الأكل من هذه البيوت المذكورة ، وهي أحد عشر ~~بيتا وإن لم يكن فيها أصحابها ، مادام الآكل قد علم رضا صاحب البيت بذلك ، ~~وأن صاحب البيت ، لا يكره هذا ولا يتضرر منه ، استنادا إلى القواعد العامة ~~في الشريعة ، والتي منها : «لا ضرر ولا ضرار» وأنه «لا يحل مال امرئ مسلم ~~إلا بطيب نفس منه». # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : فما معنى ( @QUR@02 أو صديقكم ) قلت : معناه ~~: أو بيوت أصدقائكم ، والصديق يكون واحدا وجمعا ، وكذلك الخليط والقطين ~~والعدو. # ويحكى عن الحسن أنه دخل داره ، وإذا جماعة من أصدقائه قد استلوا سلالا من ~~تحت سريره فيها أطايب الأطعمة. وهم مكبون عليها يأكلون فتهللت أسارير وجهه ~~سرورا وضحك وقال : هكذا وجدناهم ، هكذا وجدناهم. يريد أكابر الصحابة ومن ~~لقيهم من البدريين. # وكان الرجل منهم يدخل دار صديقه وهو غائب فيسأل جاريته كيسه. فيأخذ منه ~~ما شاء ، فإذا حضر مولاها فأخبرته ، أعتقها سرورا بذلك (1). PageV10P156 # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا ) ~~بيان لنوع آخر من أنواع السماحة في شريعة الإسلام. # والأشتات : جمع شت بفتح الشين يقال : شت الأمر يشت شتا وشتاتا ، إذا ~~تفرق. ويقال : هذا أمر شت ، أى : متفرق. # أى : ليس عليكم أيها المؤمنون حرج أو إثم في أن تأكلوا مجتمعين أو ~~متفرقين ، وقد كان بعضهم من عاداته أن لا يأكل منفردا ، فإن لم يجد من يأكل ~~معه عاف الطعام ، فرفع الله تعالى هذا الحرج المتكلف ، ورد الأمر إلى ما ~~تقتضيه شريعة الإسلام من بساطة ويسر وعدم تكلف ، فأباح لهم أن يأكلوا فرادى ~~ومجتمعين. # فالجملة الكريمة بيان للحالة التي يجوز عليها الأكل ، بعد بيان البيوت ~~التي يجوز الأكل ms4173 منها والمتأمل في هذه الآية الكريمة يراها قد اشتملت على ~~أحكم الأداء للترتيب اللفظي والموضوعى ، فقد بدأت ببيت الإنسان نفسه ، ثم ~~بيوت الآباء ، فالأمهات ، فالإخوة ، فالأخوات ، فالأقارب ، فالبيوت التي ~~يملكون التصرف فيها ؛ فبيوت الأصدقاء ... # ثم لم تكتف بذلك ، وإنما بينت الحالة التي يباح الأكل منها ... # ثم بعد ذلك علمتنا آداب دخول البيوت التي ندخلها للأكل أو لغيره ، فقال ~~تعالى : ( @QUR@012 فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله ~~مباركة طيبة ) @QUR@01 . # والمراد بأنفسكم هنا : أهل تلك البيوت التي يدخلونها ، لأنهم بمنزلة ~~أنفسهم في شدة المودة والمحبة والألفة ، و «تحية» منصوب بفعل مقدر أى : ~~فحيوا تحية. # أى : فإذا دخلتم أيها المؤمنون والمؤمنات بيوتا فسلموا على أهلها الذين ~~هم بمنزلة أنفسكم ، وحيوهم تحية ثابتة من عند الله ، مباركة طيبة ، أى ~~مستتبعة لزيادة البركات والخيرات ولزيادة المحبة والمودة. # ووصف سبحانه هذه التحية بالبركة والطيب ، لأنها دعوة مؤمن لمؤمن وكلاهما ~~يرجو بها من الله تعالى زيادة الخير وطيب الرزق. # وتحية الإسلام أن يقول المسلم لأخيه المسلم : السلام عليكم ورحمة الله ~~وبركاته. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@07 كذلك يبين الله لكم ~~الآيات لعلكم تعقلون ) @QUR@01 . # أى : مثل هذا البيان القويم ، يبين الله تعالى لكم الآيات المحكمة ، ~~والإرشادات PageV10P157 # النافعة ، لكي تعقلوا ما اشتملت عليه من هدايات ، توصلكم متى انتفعتم بها ~~إلى السعادة والفلاح. # وبعد أن ساقت السورة الكريمة ما ساقت من أحكام وآداب منها ما يتعلق ~~بالحدود ، ومنها ما يتعلق بالاستئذان ، ومنها ما يتعلق بالتستر والاحتشام ، ~~ومنها ما يتعلق بتنظيم العلاقات بين الأقارب والأصدقاء ... بعد كل ذلك ~~اختتمت ببيان ما يجب أن يكون عليه المؤمنون من أدب مع رسولهم ~~صلى الله عليه وسلم فقال تعالى : # ( @QUR@039 إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على ~~أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون ~~بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله ~~إن الله غفور رحيم (62) @QUR@027 لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم ~~بعضا قد يعلم الله الذين ms4174 يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره ~~أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم (63) @QUR@022 ألا إن لله ما في ~~السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا ~~والله بكل شيء عليم ) (64) # روى ابن إسحاق في سبب نزول هذه الآيات ما ملخصه : أنه لما كان تجمع قريش ~~وغطفان في غزوة الأحزاب ، ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم خندقا حول المدينة ~~وعمل معه المسلمون فيه ، فدأب فيه ودأبوا ، وأبطأ عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وعن المسلمين في عملهم ذلك ، رجال من المنافقين ، وجعلوا ~~يورون أى يستترون بالضعيف من العمل ، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة ~~من الحاجة PageV10P158 # التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويستأذن في اللحوق ~~لحاجته ، فيأذن له ، فإذا قضى حاجته ، رجع إلى ما كان فيه من العمل رغبة في ~~الخير واحتسابا له. فأنزل الله هذه الآيات في المؤمنين وفي المنافقين (1). # والمراد بالأمر الجامع في قوله : ( @QUR@06 وإذا كانوا معه على أمر جامع ~~): الأمر الهام الذي يستلزم اشتراك الجماعة في شأنه ، كالجهاد في سبيل ~~الله ، وكالإعداد لعمل من الأعمال العامة التي تهم المسلمين جميعا. # والمعنى : إن من شأن المؤمنين الصادقين ، الذين آمنوا بالله ورسوله حق ~~الإيمان أنهم إذا كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر جامع من ~~الأمور التي تقتضي اشتراكهم فيه ، لم يفارقوه ولم يذهبوا عنه ، حتى ~~يستأذنوه في المفارقة أو في الذهاب ، لأن هذا الاستئذان دليل على قوة ~~الإيمان ، وعلى حسن أدبهم مع نبيهم صلى الله عليه وسلم . # قال الآلوسى : وقوله : ( @QUR@06 وإذا كانوا معه على أمر جامع .. ) ~~@QUR@01 . معطوف على ( @QUR@01 آمنوا ) داخل معه في حيز الصلة ، والحصر ~~باعتبار الكمال. أى : إنما الكاملون في الإيمان الذين آمنوا بالله تعالى ، ~~وبرسوله صلى الله عليه وسلم من صميم قلوبهم ، وأطاعوا في جميع الأحكام التي من ~~جملتها ما فصل من قبل. وإذا كانوا ms4175 معه صلى الله عليه وسلم على أمر مهم يجب ~~إجماعهم في شأنه كالجمعة والأعياد والحروب ، وغيرها من الأمور الداعية إلى ~~الاجتماع ... لم يذهبوا عنه صلى الله عليه وسلم ( @QUR@02 حتى يستأذنوه ) في ~~الذهاب فيأذن لهم ... (2). # وخص سبحانه الأمر الجامع بالذكر ، للإشعار بأهميته ووجوب البقاء معه ~~صلى الله عليه وسلم حتى يعطيهم الإذن بالانصراف ، إذ وجودهم معه يؤدى إلى ~~مظاهرته صلى الله عليه وسلم ومعاونته في الوصول إلى أفضل الحلول لهذا الأمر الهام. # ثم مدح سبحانه الذين لا يغادرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~كانوا معه على أمر جامع حتى يستأذنوه فقال : ( @QUR@08 إن الذين يستأذنونك ~~أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله ). # أى : إن الذين يستأذنونك في تلك الأحوال الهامة ، والتي تستلزم وجودهم ~~معك ، أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله حق الإيمان ، لأن هذا الاستئذان في ~~تلك الأوقات دليل على طهارة نفوسهم ، وصدق يقينهم ، وصفاء قلوبهم. # ثم بين سبحانه وظيفته صلى الله عليه وسلم فقال : ( @QUR@015 فإذا استأذنوك ~~لبعض شأنهم ، فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله ، إن الله غفور رحيم ) ~~@QUR@01 . PageV10P159 # أى : فإذا استأذنك هؤلاء المؤمنون في الانصراف ، لقضاء بعض الأمور ~~والشئون التي هم في حاجة إليها ، فأنت مفوض ومخير في إعطاء الإذن لبعضهم ~~وفي منعه عن البعض الآخر ، إذ الأمر في هذه المسألة متروك لتقديرك أيها ~~الرسول الكريم . # وقوله تعالى ( @QUR@03 واستغفر لهم الله ) فيه إشارة إلى أنه كان الأولى ~~بهؤلاء المؤمنين ، أن يبقوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم حتى ينتهوا من حل ~~هذا الأمر الجامع الذي اجتمعوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم من أجله ، وحتى ~~يأذن لهم صلى الله عليه وسلم في الانصراف دون أن يطلبوا منه ذلك ، فإن ~~الاستئذان قبل البت في الأمر الهام الذي يتعلق بمصالح المسلمين جميعا ، غير ~~مناسب للمؤمنين الصادقين ، ويجب أن يكون في أضيق الحدود ، وأشد الظروف ، ~~ومع كل ذلك ، فالله تعالى واسع المغفرة لعباده عظيم الرحمة بهم. # ثم أكد الله تعالى وجوب التوقير والتعظيم لنبيه صلى الله عليه وسلم فقال : ( ~~@QUR@08 لا تجعلوا دعاء الرسول ms4176 بينكم كدعاء بعضكم بعضا ... ) @QUR@01 . # ولأهل العلم في تفسير هذه الآية أقوال من أهمها : أن المصدر هنا وهو لفظ ~~«دعاء» مضاف إلى مفعوله ، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم على أنه مدعو ، فيكون ~~المعنى : # لا تجعلوا أيها المؤمنون دعاءكم الرسول إذا دعوتموه ، ونداءكم له إذا ما ~~ناديتموه ، كدعاء أو نداء بعضكم لبعض ، وإنما عليكم إذا ما ناديتموه أن ~~تنادوه بقولكم ، يا نبي الله ، أو يا رسول الله ، ولا يليق بكم أن تنادوه ~~باسمه مجردا ، بأن تقولوا يا محمد. # كما أن من الواجب عليكم أن تخفضوا أصواتكم عند ندائه توقيرا واحتراما له ~~صلى الله عليه وسلم والمتتبع للقرآن الكريم ، يرى أن الله تعالى لم يناد رسوله ~~محمدا صلى الله عليه وسلم باسمه مجردا ، وإنما ناداه بقوله : يا أيها المدثر ، ~~يا أيها الرسول ، يا أيها النبي ... # وإذا كان اسمه صلى الله عليه وسلم قد ورد في القرآن الكريم في أكثر من موضع ~~، فإن وروده لم يكن في معرض النداء ، وإنما كان في غيره كما في قوله تعالى ~~( @QUR@010 محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم .. ) ~~@QUR@01 . (1). # فالآية الكريمة تنهى المؤمنين عن أن ينادوا أو يخاطبوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم باسمه مجردا ، كما يخاطب بعضهم بعضا. # ومن العلماء من يرى أن المصدر هنا مضاف إلى فاعله ، فيكون المعنى : لا ~~تقيسوا دعاءه PageV10P160 # إياكم على دعاء بعضكم بعضا ، بل يجب عليكم متى دعاكم لأمر أن تلبوا أمره ~~بدون تقاعس أو تباطؤ. # وعلى كلا التفسيرين فالآية الكريمة تدل على وجوب توقير الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وتعظيمه. وشبيه بها قوله تعالى : ( @QUR@040 يا أيها الذين ~~آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ، ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم ~~لبعض ، أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون* إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول ~~الله ، أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم ) (1). # ثم حذر سبحانه المنافقين من سوء عاقبة أفعالهم فقال : ( @QUR@019 قد يعلم ~~الله الذين يتسللون منكم لواذا ، فليحذر الذين يخالفون عن أمره ، أن تصيبهم ~~فتنة ms4177 أو يصيبهم عذاب أليم ) @QUR@01 . # وقد هنا للتحقيق. ويتسللون من التسلل ، وهو الخروج في خفاء مع تمهل وتلصص. # وقوله ( @QUR@01 لواذا ) مصدر في موضع الحال أى : ملاوذين. والملاوذة ~~معناها : الاستتار بشيء مخافة من يراك ، أو هي الروغان من شيء إلى شيء على ~~سبيل الخفاء. # أى : إن الله تعالى عليم بحال هؤلاء المنافقين الذين يخرجون من مجلس ~~الرسول صلى الله عليه وسلم في خفاء واستتار : بحيث يخرجون من الجماعة قليلا ~~قليلا ، يستتر بعضهم ببعض حتى يخرجوا جميعا. # قالوا : وكان المنافقون تارة يخرجون إذا ارتقى الرسول صلى الله عليه وسلم ~~المنبر. ينظرون يمينا وشمالا. ثم يخرجون واحدا واحدا. وتارة يخرجون من مجلس ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وتارة يفرون من الجهاد يعتذرون بالمعاذير الباطلة. # وعلى أية حال فالآية الكريمة تصور خبث نفوسهم ، والتواء طباعهم ، وجبن ~~قلوبهم ، أبلغ تصوير ، حيث ترسم أحوالهم وهم يخرجون في خفاء متسللين ، حتى ~~لا يراهم المسلمون. # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@01 فليحذر .. ) @QUR@01 . لترتيب ما بعدها ~~على ما قبلها. والضمير في قوله : ( @QUR@02 عن أمره ) يعود إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم أو إلى الله تعالى والمعنى واحد ، لأن الرسول مبلغ عن الله ~~تعالى . # والمخالفة معناها : أن يأخذ كل واحد طريقا غير طريق الآخر في حاله أو فعله. # والمعنى : فليحذر هؤلاء المنافقون الذين يخالفون أمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم ويصدون الناس عن دعوته. ويتباعدون عن هديه ، فليحذروا من ~~أن تصيبهم فتنة ، أى : بلاء وكرب يترتب عليه PageV10P161 # افتضاح أمرهم ، وانكشاف سرهم ، ( @QUR@04 أو يصيبهم عذاب أليم ) يستأصلهم ~~عن آخرهم ، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى. # قال القرطبي : وبهذه الآية احتج الفقهاء على أن الأمر للوجوب ، ووجهها أن ~~الله تعالى قد حذر من مخالفة أمره ، وتوعد بالعقاب عليها بقوله : ( @QUR@06 ~~أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب @QUR@ أليم ) فتحرم مخالفته ، ويجب امتثال أمره» (1). # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بقوله : ( @QUR@07 ألا إن لله ما في ~~السماوات والأرض ). # أي : له سبحانه ما في السماوات والأرض من موجودات خلقا وملكا وتصرفا ~~وإيجادا ( @QUR@05 قد يعلم ما أنتم عليه ) أيها المكلفون من طاعة أو ms4178 معصية ~~، ومن استجابة لأمره أو عدم استجابة. # ( @QUR@06 ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا ) أي : ويعلم سبحانه أحوال ~~خلقه جميعا يوم يرجعون إليه يوم القيامة. فيجازى كل إنسان بما يستحقه من ~~ثواب أو عقاب. # (والله) تعالى ( @QUR@03 بكل شيء عليم ) بحيث لا يخفى عليه شيء في الأرض ~~ولا في السماء. # وبعد : فهذه هي سورة «النور» وهذا تفسير محرر لها. # نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم |القاهرة مدينة نصر ظهر السبت 20 من ربيع الآخر 1405 ه الموافق 11 / 1 / سنة 1985 م|كتبه الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوي| PageV10P162 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الفرقان PageV10P163 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة الفرقان من السور المكية ، وعدد آياتها سبع وسبعون آية ، وكان ~~نزولها بعد سورة «يس». أما ترتيبها في المصحف فهي السورة الخامسة والعشرون. # ومن المفسرين الذين لم يذكروا خلافا في كونها مكية ، الإمام ابن كثير ~~والإمام الرازي. # وقال القرطبي : هي مكية كلها في قول الجمهور. وقال ابن عباس وقتادة : إلا ~~ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة ، وهي : ( @QUR@07 والذين لا يدعون مع الله ~~إلها آخر ) إلى قوله تعالى : ( @QUR@04 وكان الله غفورا رحيما ). # 2 وقد افتتحت هذه السورة الكريمة بالثناء على الله تعالى الذي نزل ~~الفرقان على عبده محمد صلى الله عليه وسلم والذي له ملك السماوات والأرض ~~... والذي خلق كل شيء فقدره تقديرا. # قال تعالى : ( @QUR@09 تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين ~~نذيرا ). ( @QUR@019 الذي له ملك السماوات والأرض. ولم يتخذ ولدا. ولم يكن ~~له شريك في الملك. وخلق كل شيء فقدره تقديرا ). # 3 ثم انتقلت السورة بعد ذلك إلى حكاية بعض أقوال المشركين الذين أثاروا ~~الشبهات حول الرسول صلى الله عليه وسلم وحول دعوته ، وردت عليهم بما يمحق ~~باطلهم ، وقارنت بين مصيرهم السيئ ، وبين ما أعده الله تعالى للمؤمنين من جنات. # قال تعالى : ( @QUR@013 وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق لو لا أنزل إليه @QUR@ ملك فيكون معه نذيرا أو ms4179 يلقى إليه كنز أو ~~تكون له جنة يأكل منها ، وقال الظالمون إن تتبعون @QUR@03 إلا رجلا مسحورا ). # 4 وبعد أن يصور القرآن حسراتهم يوم الحشر ، وعجزهم عن التناصر ، يعود ~~فيحكى جانبا من تطاولهم وعنادهم ، ويرد عليهم بما يكبتهم ، وبما يزيد ~~المؤمنين ثباتا على ثباتهم. # قال تعالى : ( @QUR@012 وقال الذين لا يرجون لقاءنا ، لو لا أنزل علينا ~~الملائكة أو نرى PageV10P165 # @QUR@034 ربنا ، لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا يوم يرون ~~الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا وقدمنا إلى ما عملوا ~~من عمل فجعلناه هباء منثورا أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا ). # 5 ثم تحكى السورة جانبا من قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم. فيقول : ( ~~@QUR@031 ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا فقلنا اذهبا ~~إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا وقوم نوح لما كذبوا الرسل ~~أغرقناهم وجعلناهم للناس آية ، وأعتدنا للظالمين عذابا أليما .. ). # 6 ثم تعود السورة مرة أخرى إلى الحديث عن تطاول هؤلاء الجاحدين على ~~رسولهم صلى الله عليه وسلم وتعقب على ذلك بتسليته صلى الله عليه وسلم عما ~~أصابه منهم فتقول : ( @QUR@053 وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا. أهذا الذي ~~بعث الله رسولا إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لو لا أن صبرنا عليها ، وسوف ~~يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون ~~عليه وكيلا أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون؟ إن هم إلا كالأنعام بل هم ~~أضل سبيلا ). # 7 ثم تنتقل السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن مظاهر قدرة الله تعالى ~~فتسوق لنا مظاهر قدرته في مد الظل ، وفي تعاقب الليل والنهار ، وفي الرياح ~~التي يرسلها سبحانه لتكون بشارة لنزول المطر ، وفي وجود برزخ بين البحرين ، ~~وفي خلق البشر من الماء ... ثم يعقب على ذلك بالتعجب من حال الكافرين ، ~~الذين يعبدون من دونه سبحانه ما لا ينفعهم ولا يضرهم .. # قال تعالى : ( @QUR@032 ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ~~، ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ثم قبضناه إلينا ms4180 قبضا يسيرا وهو الذي جعل لكم ~~الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا ). # 8 ثم تسوق السورة في أواخرها صورة مشرقة لعباد الرحمن ، الذين من صفاتهم ~~التواضع ، والعفو عن الجاهل. وكثرة العبادة لله تعالى والتضرع إليه بأن ~~يصرف عنهم عذاب جهنم ، وسلوكهم المسلك الوسط في إنفاقهم ، وإخلاصهم الطاعة ~~لله تعالى وحده. واجتنابهم للرذائل التي نهى الله عز وجل عنها. # قال تعالى : ( @QUR@032 وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ، وإذا ~~خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما والذين ~~يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما إنها ساءت مستقرا ~~ومقاما ). PageV10P166 # 9 ومن هذا العرض المختصر لأبرز القضايا التي اهتمت بالحديث عنها السورة ~~الكريمة ، نرى ما يأتي. # (أ) أن السورة الكريمة قد ساقت ألوانا من الأدلة على قدرة الله تعالى ~~وعلى وجوب إخلاص العبادة له ، وعلى الثناء عليه سبحانه بما هو أهله. # نرى ذلك في مثل قوله تعالى : ( @QUR@06 تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ~~... ) ( @QUR@01 تبارك @QUR@ الذي جعل في السماء بروجا ... ) ( @QUR@09 تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك @QUR@ جنات تجري من ~~تحتها الأنهار ... ) وفي مثل قوله تعالى : ( @QUR@04 وهو الذي مرج البحرين @QUR@ هذا عذب ~~فرات ، وهذا ملح أجاج ، وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا وهو الذي خلق من @QUR@022 الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا ويعبدون من دون الله ~~ما لا ينفعهم ولا يضرهم ، وكان الكافر على ربه ظهيرا ). # (ب) أن السورة الكريمة زاخرة بالآيات التي تدخل الأنس والتسرية والتسلية ~~والتثبيت على قلب النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن اتهمه المشركون بما هو ~~برئ منه ، وسخروا منه ومن دعوته ، ووصفوا القرآن بأنه أساطير الأولين ، ~~واستنكروا أن يكون النبي من البشر. # نرى هذه التهم الباطلة فيما حكاه الله عنهم في قوله تعالى : ( @QUR@055 ~~وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون ، فقد جاؤ ~~ظلما وزورا وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا. ~~وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لو لا ms4181 أنزل إليه ملك ~~فيكون معه نذيرا. وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما ~~تأمرنا وزادهم نفورا ). # وترى التسلية والتسرية والتثبيت في قوله تعالى : ( @QUR@026 انظر كيف ~~ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا ~~من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا ). # ( @QUR@020 وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون ~~في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ، أتصبرون ، وكان ربك بصيرا ). # ( @QUR@024 وقال الذين كفروا لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة ، كذلك ~~لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن ~~تفسيرا ). # وهكذا نرى السورة الكريمة زاخرة بالحديث عن الشبهات التي أثارها المشركون ~~حول النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته ، وزاخرة أيضا بالرد عليها ردا ~~يبطلها. ويزهقها. ويسلى النبي PageV10P167 # صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم ، ويزيد المؤمنين إيمانا على إيمانهم. # (ج) أن السورة الكريمة مشتملة على آيات كثيرة ، تبين ما سيكون عليه ~~المشركون يوم القيامة من هم وغم وكرب وحسرة وندامة وسوء مصير ، كما تبين ما ~~أعده الله تعالى لعباده المؤمنين من عاقبة حسنة ، ومن جنات تجرى من تحتها ~~الأنهار. # فبالنسبة لسوء عاقبة المشركين نرى قوله تعالى : ( @QUR@034 بل كذبوا ~~بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها ~~تغيظا وزفيرا وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا لا تدعوا ~~اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا ). # ونرى قوله تعالى : ( @QUR@030 ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني ~~اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن ~~الذكر بعد إذ جاءني ، وكان الشيطان للإنسان خذولا ). # وبالنسبة للمؤمنين نرى قوله تعالى : ( @QUR@023 قل أذلك خير أم جنة الخلد ~~التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا لهم فيها ما يشاؤن خالدين كان على ~~ربك وعدا مسؤلا ). # ونرى قوله سبحانه : ( و @QUR@020 عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ~~وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما. إلى قوله تعالى : خالدين فيها حسنت ~~مستقرا ms4182 ومقاما ). # وهكذا نرى السورة تسوق آيات كثيرة في المقارنة بين مصير الكافرين ومصير ~~المؤمنين .. وليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة ... # هذه بعض الموضوعات التي اهتمت السورة الكريمة بتفصيل الحديث عنها ، وهناك ~~موضوعات أخرى سنتحدث عنها بإذن الله عند تفسيرنا لآياتها. # وصلى الله على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. # القاهرة مدينة نصر # 21 من شهر ربيع الآخر 1405 ه # 13 من يناير 1985 م. ||المؤلف د. محمد سيد طنطاوي| PageV10P168 ### ||| * تفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # @QUR@09 تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا (1) ~~@QUR@019 الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في ~~الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا (2) @QUR@022 واتخذوا من دونه آلهة لا ~~يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ~~ولا حياة ولا نشورا ) (3) # افتتحت السورة الكريمة بالثناء على الله تعالى ثناء يليق بجلاله وكماله. # ولفظ «تبارك» فعل ماض لا يتصرف. أي : لم يجئ منه مضارع ولا أمر ولا اسم ~~فاعل : وهو مأخوذ من البركة بمعنى الكثرة من كل خير. وأصلها النماء ~~والزيادة. أي : كثر خيره وإحسانه ، وتزايدت بركاته. # أو مأخوذ من البركة بمعنى الثبوت. يقال : برك البعير ، إذا أناخ في موضعه ~~فلزمه وثبت فيه. وكل شيء ثبت ودام فقد برك. أي : ثبت ودام خيره على خلقه. # والفرقان : القرآن. وسمى بذلك لأنه يفرق بين الحق والباطل. # ونذيرا : من الإنذار ، وهو الإعلام المقترن بتهديد وتخويف. # أي : جل شأن الله تعالى وتكاثرت ودامت خيراته وبركاته ، لأنه سبحانه هو ~~الذي نزل القرآن الكريم على عبده محمد صلى الله عليه وسلم ليكون «للعالمين» ~~أي : للإنس وللجن «نذيرا» أي : منذرا إياهم بسوء المصير إن هم استمروا على ~~كفرهم وشركهم. # وفي التعبير بقوله تعالى ( @QUR@01 تبارك ) إشعار بكثرة ما يفيضه سبحانه من PageV10P169 # خيرات وبركات على عباده ، وأن هذا العطاء ثابت مستقر ، وذلك يستلزم عظمته ~~وتقدسه عن كل ما لا يليق بجلاله عز وجل . # ولم يذكر سبحانه لفظ ms4183 الجلالة ، واكتفى بالاسم الموصول الذي نزل الفرقان ، ~~لإبراز صلته سبحانه وإظهارها في هذا المقام ، الذي هو مقام إثبات صدق ~~رسالته التي أوحاها إلى نبيه صلى الله عليه وسلم. # وعبر سبحانه ب ( @QUR@01 نزل ) بالتضعيف ، لنزول القرآن الكريم مفرقا في ~~أوقات متعددة ، لتثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم. # ووصف الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالعبودية ، وأضافها لذاته ، ~~للتشريف والتكريم والتعظيم. وأن هذه العبودية لله تعالى هي ما يتطلع إليه البشر. # واختير الإنذار على التبشير. لأن المقام يقتضى ذلك ، إذ أن المشركين قد ~~لجوا في طغيانهم وتمادوا في كفرهم وضلالهم ، فكان من المناسب تخويفهم من ~~سوء عاقبة ما هم عليه من عناد. # وهذه الآية الكريمة تدل على عموم رسالته صلى الله عليه وسلم للناس جميعا. ~~حيث قال سبحانه : ( @QUR@03 ليكون للعالمين نذيرا ) أي : لعالم الإنس وعالم ~~الجن ، وشبيه بها قوله تعالى : ( @QUR@05 وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) ~~(1). وقوله سبحانه : ( @QUR@09 قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم ~~جميعا ... ) (2). # ثم وصف سبحانه ذاته بجملة من الصفات التي توجب له العبادة والطاعة فقال : ~~( @QUR@05 الذي له ملك السماوات والأرض ) فهو الخالق لهما. وهو المالك ~~لأمرهما ، لا يشاركه في ذلك مشارك. # والجملة الكريمة خبر لمبتدأ محذوف. أو بدل من قوله : ( @QUR@02 الذي نزل ). # ( @QUR@03 ولم يتخذ ولدا ) فهو سبحانه منزه عن ذلك وعن كل ما من شأنه أن ~~يشبه الحوادث. # ( @QUR@06 ولم يكن له شريك في الملك ) بل هو المالك وحده لكل شيء في هذا ~~الوجود. # ( @QUR@05 وخلق كل شيء فقدره تقديرا ) أي : وهو سبحانه الذي خلق كل شيء ~~في هذا الوجود خلقا متقنا حكيما بديعا في هيئته ، وفي زمانه ، وفي مكانه ، ~~وفي وظيفته ، على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته. وصدق الله إذ يقول : ( ~~@QUR@05 إنا كل شيء خلقناه بقدر ) (3). PageV10P170 # فجملة «فقدره تقديرا» بيان لما اشتمل عليه هذا الخلق من إحسان وإتقان فهو ~~سبحانه لم يكتف بمجرد إيجاد الشيء من العدم ، وإنما أوجده في تلك الصورة ~~البديعة التي عبر عنها في آية أخرى بقوله : ( .. @QUR@07 . صنع الله الذي ~~أتقن كل شيء ... ) (1). # قال ms4184 صاحب الكشاف : فإن قلت : في الخلق معنى التقدير. فما معنى قوله : ( ~~@QUR@03 وخلق كل ش @QUR@ يء فقدره تقديرا ). # قلت : معناه أنه أحدث كل شيء إحداثا مراعى فيه التقدير والتسوية ، فقدره ~~وهيأه لما يصلح له. مثاله : أنه خلق الإنسان على هذا الشكل المقدر المسوى ~~الذي تراه ، فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة به في بابى الدين والدنيا ، ~~وكذلك كل حيوان وجماد ، جاء به على الجبلة المستوية المقدرة بأمثلة الحكمة ~~والتدبير .. (2). # ثم بين سبحانه بعد ذلك أن المشركين لم يفطنوا إلى ما اشتمل عليه هذا ~~الكون من تنظيم دقيق ، ومن صنع حكيم يدل على وحدانية الله تعالى وقدرته ، ~~بل إنهم لانطماس بصائرهم عبدوا مخلوقا مثلهم فقال تعالى : ( @QUR@07 ~~واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شي @QUR@ ئا وهم @QUR@01 يخلقون ... ). # والضمير في قوله ( @QUR@01 واتخذوا .. ) يعود على المشركين المفهوم من ~~قوله ( @QUR@03 ولم يكن له @QUR@ شريك في الملك ) أو من المقام. # أي : واتخذ هؤلاء المشركون معبودات باطلة يعبدونها من دون الله عز وجل ، ~~وهذه المعبودات لا تقدر على خلق شيء من الأشياء ، بل هي من مخلوقات الله ~~تعالى . # وعبر عن هذه الآية بضمير العقلاء في قوله ( @QUR@02 لا يخلقون ) جريا على ~~اعتقاد الكفار أنها تضر وتنفع ، أو لأن من بين من اتخذوهم آلهة بعض العقلاء ~~كالمسيح والعزير والملائكة .. # وأيضا هؤلاء الذين اتخذهم المشركون آلهة : ( @QUR@03 لا يملكون لأنفسهم ) ~~فضلا عن غيرهم ( @QUR@03 ضرا ولا نفعا ) فهم لا يملكون دفع الضر عن أنفسهم ~~، ولا جلب النفع لذواتهم ( @QUR@02 ولا يملكون @QUR@ موتا ولا حياة ولا نشورا ) أي : ولا يقدرون على إماتة الأحياء. ولا على إحياء الموتى في الدنيا ، ~~ولا على بعثهم ونشرهم في الآخرة. # فأنت ترى أن الله تعالى قد وصف تلك الآلهة المزعومة بسبع صفات ، كل صفة ~~منها كفيلة بسلب صفة الألوهية عنها ، فكيف وقد اجتمعت هذه الصفات السبع ~~فيها؟!!. PageV10P171 # إن كل من يشرك مع الله تعالى أحدا في العبادة. لو تدبر هذه الآية ~~وأمثالها من آيات القرآن الكريم لأيقن واعتقد أن المستحق للعبادة والطاعة ~~إنما هو الله رب العالمين. # ثم حكى سبحانه بعض الشبهات ms4185 التي أثارها المشركون حول القرآن الكريم الذي ~~أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم فقال : # ( @QUR@016 وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم ~~آخرون فقد جاؤ ظلما وزورا (4) @QUR@09 وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي ~~تملى عليه بكرة وأصيلا (5) @QUR@06 قل أنزله الذي يعلم السر في @QUR@ ~~السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما ) (6) # والإفك : أسوأ الكذب. يقال : أفك فلان كضرب وعلم أفكا ، إذا قال أشنع ~~الكذب وأقبحه. # والزور في الأصل : تحسين الباطل. مأخوذ من الزور وهو الميل وأطلق على ~~الباطل زور لما فيه من الميل عن الصدق إلى الكذب ، ومن الحق إلى ما يخالفه. # أي : وقال الذين كفروا في شأن القرآن الكريم الذي أنزله الله تعالى على ~~نبيه صلى الله عليه وسلم ، ما هذا القرآن إلا كذب وبهتان ( @QUR@01 افتراه ~~) واختلقه محمد صلى الله عليه وسلم من عند نفسه ، ( @QUR@02 وأعانه عليه ) ~~أي وأعانه وساعده على هذا الاختلاق ( @QUR@02 قوم آخرون ) من اليهود أو ~~غيرهم ، كعداس مولى حويطب بن عبد العزى ويسار مولى العلاء بن الحضرمي وأبى ~~فكيهة الرومي. وكان هؤلاء من أهل الكتاب الذين أسلموا. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 فقد جاؤ ظلما وزورا ) رد على أقوال الكافرين ~~الفاسدة وجاؤا بمعنى فعلوا ، وقوله : ( @QUR@01 ظلما ) منصوب به. والتنوين ~~للتهويل. # أي : فقد فعل هؤلاء الكافرون بقولهم هذا ظلما عظيما وزورا كبيرا ، حيث ~~وضعوا الباطل موضع الحق ، والكذب موضع الصدق. # ويصح أن يكون قوله : ( @QUR@01 ظلما ) منصوبا بنزع الخافض أي : فقد جاؤوا ~~بظلم عظيم ، وكذب فظيع ، انحرفوا به عن جادة الحق والصواب. PageV10P172 # ثم حكى سبحانه مقولة أخرى من مقولاتهم الفاسدة فقال : ( @QUR@03 وقالوا ~~أساطير الأولين @QUR@ اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ). # والأساطير : جمع أسطورة بمعنى أكذوبة واكتتبها : أي : أمر غيره بكتابتها ~~له. أو جمعها من بطون كتب السابقين. # أي : أن هؤلاء الكافرين لم يكتفوا بقولهم السابق في شأن القرآن ، بل ~~أضافوا إلى ذلك قولا آخر أشد شناعة وقبحا ، وهو زعمهم أن هذا القرآن أكاذيب ~~الأولين وخرافاتهم ، أمر الرسول صلى الله عليه وسلم غيره بكتابتها له ، ~~وبجمعها من كتب السابقين ( @QUR@01 فهي ) أي ms4186 : هذه الأساطير ( @QUR@02 تملى ~~عليه ) أي : تلقى عليه صلى الله عليه وسلم بعد اكتتابها ليحفظها ويقرأها ~~على أصحابه ( @QUR@02 بكرة وأصيلا ) أي : في الصباح والمساء أي : تملى عليه ~~خفية في الأوقات التي يكون الناس فيها نائمين أو غافلين عن رؤيتهم. # وقد أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالرد عليهم بما يخرس ~~ألسنتهم فقال : ( @QUR@08 قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض ... ). # أي : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الذين زعموا أن القرآن أساطير الأولين ~~، وأنك افتريته من عند نفسك ، وأعانك على هذا الافتراء قوم آخرون ... قل ~~لهم : كذبتم أشنع الكذب وأقبحه ، فأنتم أول من يعلم بأن هذا القرآن له من ~~الحلاوة والطلاوة ، وله من حسن التأثير ما يجعله باعتراف زعمائكم ليس من ~~كلام البشر وإنما الذي أنزله على هو الله تعالى الذي يعلم السر في السماوات ~~والأرض ، أي : يعلم ما خفى فيهما ويعلم الأسرار جميعها فضلا عن الظواهر. # قال الآلوسي : «قل» لهم ردا عليهم وتحقيقا للحق : أنزله الله تعالى الذي ~~لا يعزب عن علمه شيء من الأشياء ، وأودع فيه فنون الحكم والأسرار على وجه ~~بديع ، لا تحوم حوله الأفهام ، حيث أعجزكم قاطبة بفصاحته وبلاغته ، وأخبركم ~~بمغيبات مستقبلة ، وأمور مكنونة ، لا يهتدى إليها ولا يوقف إلا بتوفيق الله ~~تعالى العليم الخبير عليها .. (1) # ثم ختم سبحانه الآية بما يفتح باب التوبة للتائبين ، وبما يحرضهم على ~~الإيمان والطاعة لله رب العالمين فقال تعالى : ( @QUR@04 إنه كان غفورا ~~رحيما ). # أي : إنه سبحانه واسع المغفرة والرحمة ، لمن ترك الكفر وعاد إلى الإيمان ~~، وترك العصيان وعاد إلى الطاعة. PageV10P173 # قال الإمام ابن كثير : وقوله : ( @QUR@04 إنه كان غفورا رحيما ) دعاء لهم ~~إلى التوبة والإنابة ، وإخبار بأن رحمته واسعة ، وأن حمله عظيم وأن من تاب ~~إليه تاب عليه ، فهؤلاء مع كذبهم. وافترائهم. وفجورهم. وبهتهم. وقولهم عن ~~الرسول والقرآن ما قالوا ، يدعوهم سبحانه إلى التوبة والإقلاع عما هم عليه ~~من كفر إلى الإسلام والهدى. كما قال تعالى : ( @QUR@033 لقد كفر الذين ~~قالوا إن الله ثالث ثلاثة. وما من إله إلا إله واحد ، وإن ms4187 لم ينتهوا عما ~~يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم ، أفلا يتوبون إلى الله ~~ويستغفرونه ، والله غفور رحيم .. ) قال الحسن البصري : انظروا إلى هذا ~~الكرم والجود. قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة .. (1) # ثم حكى سبحانه بعد ذلك شبهة ثالثة ، تتعلق بشخصية النبي صلى الله عليه ~~وسلم حيث أنكروا أن يكون الرسول من البشر وأن يكون آكلا للطعام وماشيا في ~~الأسواق ، فقال تعالى : # ( @QUR@016 وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لو لا ~~أنزل إليه ملك فيكون معه @QUR@ نذيرا (7) @QUR@016 أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن ~~تتبعون إلا رجلا @QUR@ مسحورا (8) @QUR@09 انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا (9) ~~@QUR@03 تبارك الذي إن @QUR@ شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ويجعل لك قصورا (10) @QUR@02 بل كذبوا @QUR@ بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا ) (11) PageV10P174 # ذكر بعض المفسرين في سبب نزول هذه الآيات أن جماعة من قريش قالوا للنبي ~~صلى الله عليه وسلم إن كنت تريد بما جئت به مالا جمعنا لك المال حتى تكون ~~أغنانا ، وإن كنت تريد ملكا ، جعلناك ملكا علينا .. # فقال صلى الله عليه وسلم : «ما أريد شيئا مما تقولون ، ولكن الله تعالى ~~بعثني إليكم رسولا ، وأنزل على كتابا ، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا ، ~~فبلغتكم رسالة ربي ، ونصحت لكم. فإن تقبلوا منى ما جئتكم به فهو حظكم في ~~الدنيا والآخرة ، وإن تردوه على أصبر لأمر الله تعالى حتى يحكم بيني ~~وبينكم». # فقالوا : فإن كنت غير قابل شيئا مما عرضنا عليك ، فسل ربك أن يبعث معك ~~ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك ، وسله أن يجعل لك جنانا وقصورا .. # فقال لهم صلى الله عليه وسلم : «ما أنا بفاعل ، وما أنا بالذي يسأل ربه ~~هذا ، وما بعثت إليكم بهذا ، ولكن الله تعالى بعثني بشيرا ونذيرا» فأنزل ~~الله تعالى في قولهم ذلك .. (1). # والضمير في قوله تعالى : ( @QUR@01 وقالوا ) يعود إلى مشركي قريش و «ما» ~~استفهامية بمعنى إنكار الوقوع ونفيه ، وهي مبتدأ ، والجار والمجرور بعدها ~~الخبر. وجملة ms4188 «يأكل الطعام» حال من الرسول. # أي : أن مشركي قريش لم يكتفوا بقولهم إن محمد صلى الله عليه وسلم قد ~~افترى القرآن ، وإن القرآن أساطير الأولين. بل أضافوا إلى ذلك أنهم قالوا ~~على سبيل السخرية والتهكم والإنكار لرسالته : كيف يكون محمدا صلى الله عليه ~~وسلم رسولا ، وشأنه الذين نشاهده بأعيننا. أنه «يأكل الطعام» كما يأكل سائر ~~الناس «ويمشى في الأسواق» أي : ويتردد فيها كما نتردد طلبا للرزق. «لولا ~~أنزل إليه ملك» أي : هلا أنزل إليه ملك يعضده ويساعده ويشهد له بالرسالة ~~«فيكون» هذا الملك «معه نذيرا» أي : منذرا من يخالفه بسوء المصير. # «أو يلقى إليه» أي : إلى الرسول صلى الله عليه وسلم «كنز» أي : مال عظيم ~~يغنيه عن التماس الرزق بالأسواق كسائر الناس ، وأصل الكنز ، جعل المال بعضه ~~على بعض وحفظه. من كنز التمر في الوعاء ، إذا حفظه. «أو تكون له» صلى الله ~~عليه وسلم «جنة يأكل منها» أي : حديقة مليئة بالأشجار المثمرة ، لكي يأكل ~~منها ونأكل معه من خيرها. # «وقال الظالمون» فضلا عن كل ذلك «إن تتبعون» أي : ما تتبعون «إلا رجلا ~~مسحورا» أي : مغلوبا على عقله ، ومصابا بمرض قد أثر في تصرفاته. PageV10P175 # فأنت ترى أن هؤلاء الظالمين قد اشتمل قولهم الذي حكاه القرآن عنهم على ست ~~قبائح قصدهم من التفوه بها صرف الناس عن اتباعه صلى الله عليه وسلم . # قال صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الآيات : أى : إن صح أنه رسول الله فما ~~باله حاله كحالنا «يأكل الطعام» كما نأكل ، ويتردد في الأسواق لطلب المعاش ~~كما نتردد. يعنون أنه كان يجب أن يكون ملكا مستغنيا عن الأكل والتعيش ، ثم ~~نزلوا عن اقتراحهم أن يكون ملكا إلى ، اقتراح أن يكون إنسانا معه ملك ، حتى ~~يتساندا في الإنذار والتخويف ، ثم نزلوا أيضا فقالوا : وإن لم يكن مرفودا ~~بملك ، فليكن مرفودا بكنز يلقى إليه من السماء يستظهر به ولا يحتاج إلى ~~تحصيل المعاش. ثم نزلوا فاقتنعوا بأن يكون رجلا له بستان يأكل منه ويرتزق ~~... وأراد بالظالمين : إياهم بأعيانهم. وضع الظاهر موضع المضمر ms4189 ليسجل عليهم ~~بالظلم فيما قالوا .. (1). # وقد رد الله تعالى على مقترحاتهم الفاسدة ، بالتهوين من شأنهم وبالتعجيب ~~من تفاهة تفكيرهم ، وبالتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم فقال ~~: ( @QUR@09 انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا ) @QUR@01 . # أى : انظر أيها الرسول الكريم إلى هؤلاء الظالمين ، وتعجب من تعنتهم ، ~~وضحالة عقولهم. وسوء أقاويلهم. حيث وصفوك تارة بالسحر. وتارة بالشعر. وتارة ~~بالكهانة. وقد ضلوا عن الطريق المستقيم في كل ما وصفوك به. وبقوا متحيرين ~~في باطلهم ، دون أن يستطيعوا الوصول إلى السبيل الحق. وإلى الصراط ~~المستقيم. # فالآية الكريمة تعجيب من شأنهم ، واستعظام لما نطقوا به. وحكم عليهم ~~بالخيبة والضلال ، وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما قالوه في شأنه. # ثم أضاف سبحانه إلى هذه التسلية. تسلية أخرى لرسوله صلى الله عليه وسلم فقال ~~تعالى : ( @QUR@017 تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من ~~تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا ) @QUR@01 . # أى : جل شأن الله تعالى ، وتكاثرت خيراته ، فهو سبحانه الذي إن شاء جعل ~~لك في هذه الدنيا أيها الرسول الكريم خيرا من ذلك الذي اقترحوه من الكنوز ~~والبساتين ، بأن يهبك جنات عظيمة تجرى من تحت أشجارها الأنهار ، ويهبك ~~قصورا فخمة ضخمة. PageV10P176 # ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك ، لأن ما ادخره لك من عطاء كريم خير وأبقى. # فقوله تعالى : ( @QUR@02 إن شاء ) كلام معترض لتقييد عطاء الدنيا ، أى : ~~إن شاء أعطاك في الدنيا أكثر مما اقترحوه ، أما عطاء الآخرة فهو محقق ولا ~~قيد عليه. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 جنات تجري من تحتها الأنهار ) تفسير لقوله : ( ~~@QUR@03 خيرا من ذلك ) فهو بدل أو عطف بيان. # ثم انتقل سبحانه من الحديث عن قبائحهم المتعلقة بوحدانية الله تعالى ، ~~وبشخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديث عن رذيلة أخرى من رذائلهم ~~المتكاثرة ، ألا وهي إنكارهم للبعث والحساب ، فقال تعالى : ( @QUR@08 بل ~~كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا ) @QUR@01 . أى ؛ إن هؤلاء ~~الكافرين لم يكتفوا باتخاذ آلهة من دون الله تعالى ، ولم يكتفوا بالسخرية ~~من رسوله صلى الله عليه وسلم ms4190 بل أضافوا إلى ذلك أنهم كذبوا بيوم القيامة وما ~~فيه من بعث وحشر وثواب وعقاب. والحال أننا بقدرتنا وإرادتنا قد أعددنا ~~وهيأنا لمن كذب بهذا اليوم سعيرا. أى : نارا عظيمة شديدة الاشتعال. # وقال سبحانه : ( @QUR@04 وأعتدنا لمن كذب بالساعة ) ولم يقل : لمن كذب ~~بها. للمبالغة في التشنيع عليهم ، والزجر لهم ، إذ أن التكذيب بها كفر ~~يستحق صاحبه الخلود في النار المستعرة. # ثم صور سبحانه حالهم عند ما يعرضون على النار ، وهلعهم عند ما يلقون فيها ~~، كما بين سبحانه حال المتقين وما أعد لهم من نعيم مقيم ، فقال تعالى : # ( @QUR@09 إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا (12) @QUR@09 ~~وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا (13) @QUR@08 لا تدعوا ~~اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا (14) @QUR@013 قل أذلك خير أم جنة ~~الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا (15) @QUR@010 لهم فيها ما ~~يشاؤن خالدين كان على ربك وعدا مسؤلا ) (16) PageV10P177 # وقوله تعالى : ( @QUR@02 إذا رأتهم .. ) @QUR@01 . الضمير فيه يعود إلى ~~«سعيرا» والتغيظ في الأصل : إظهار الغيظ ، وهو شدة الغضب الكامن في القلب. # والزفير : ترديد النفس من شدة الغم والتعب حتى تنتفخ منه الضلوع ، فإذا ~~ما اشتد كان له صوت مسموع. # والمعنى : أن هؤلاء الكافرين الذين كذبوا بالساعة ، قد اعتدنا لهم بسبب ~~هذا التكذيب نارا مستعرة ، إذا رأتهم هذه النار من مكان بعيد عنها. سمعوا ~~لها غليانا كصوت من اشتد غضبه ، وسمعوا لها زفيرا. أى : صوتا مترددا كأنها ~~تناديهم به. # فالآية الكريمة تصور غيظ النار من هؤلاء المكذبين تصويرا مرعبا ، يزلزل ~~النفوس ويخيف القلوب. # والتعبير بقوله تعالى : ( @QUR@03 من مكان بعيد ) يزيد هذه الصورة رعبا ~~وخوفا ، لأنها لم تنتظرهم إلى أن يصلوا إليها ، بل هي بمجرد أن تراهم من ~~مكان بعيد والعياذ بالله يسمعون تغيظها وزفيرها وغضبها عليهم ، وفرحها ~~بإلقائهم فيها. # قال الآلوسى : وإسناد الرؤية إليها حقيقة على ما هو الظاهر ، وكذا نسبة ~~التغيظ والزفير فيما بعد ، إذ لا امتناع في أن يخلق الله تعالى النار حية ~~مغتاظة زافرة على الكفار ، فلا حاجة إلى تأويل الظواهر الدالة على ms4191 أن لها ~~إدراكا كهذه الآية ، وكقوله تعالى : ( @QUR@09 يوم نقول لجهنم هل امتلأت ~~وتقول هل من مزيد ) (1). وقوله : صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي ~~رواه الإمام البخاري : «شكت النار إلى ربها فقالت : رب أكل بعضى بعضا ، ~~فأذن لها بنفسين : نفس في الشتاء ونفس في الصيف ..» (2). # ثم حكى سبحانه حالهم عند ما يستقرون فيها فقال : ( @QUR@09 وإذا ألقوا ~~منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا ) @QUR@01 . # أى : أن النار إن رأت هؤلاء المجرمين سمعوا لها ما يزعجهم ويفزعهم ، ( ~~@QUR@05 وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا ) أى : وإذا ما طرحوا فيها في مكان ضيق ~~منها ، حالة كونهم ( @QUR@01 مقرنين ) أى : مقيدين بالأغلال بعضهم مع بعض ~~أو مع الشياطين الذين أضلوهم. # ( @QUR@02 دعوا هنالك ) أى : تنادوا هنالك في ذلك المكان بقولهم ( ~~@QUR@01 ثبورا ) أى : هلاكا وخسرانا يقال فلان ثبره الله تعالى أى : أهلكه ~~إهلاكا لا قيام له منه. PageV10P178 # أى : يقولون عند ما يلقون فيها ، يا هلاكنا أقبل فهذا أوانك ، فإنك أرحم ~~بنا مما نحن فيه. # ووصف سبحانه المكان الذي يلقون فيه بالضيق ، للإشارة إلى زيادة كربهم ، ~~فإن ضيق المكان يعجزهم عن التفلت والتململ. وهنا يسمعون من يقول لهم على ~~سبيل الزجر والسخرية المريرة ، ( @QUR@08 لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا ~~وادعوا ثبورا كثيرا ) @QUR@01 . أى : اتركوا اليوم طلب الهلاك الواحد. ~~واطلبوا هلاكا كثيرا لا غاية لكثرته ، ولا منتهى لنهايته. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@03 وادعوا ثبورا كثيرا ) أى : أنكم ~~وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحدا ، وإنما هو ثبور كثير ، إما لأن العذاب ~~أنواع وألوان كل نوع منها ثبور لشدته وفظاعته ، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم ~~بدلوا غيرها ، فلا غاية لهلاكهم (1). # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم ما أعده سبحانه ~~لعباده المتقين ، فقال : ( @QUR@023 قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد ~~المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا ، لهم فيها ما يشاؤن خالدين. كان على ربك ~~وعدا مسؤلا ) @QUR@01 . # واسم الإشارة. ذلك يعود إلى ما ذكر من العذاب المهين لهم والاستفهام ~~للتقريع والتهكم. # والعائد إلى الموصول محذوف ، أى : وعدها الله تعالى ms4192 للمتقين ، وإضافته ~~الجنة إلى الخلد للمدح وزيادة السرور للذين وعدهم الله تعالى بها. # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الكافرين ، أذلك العذاب المهين الذي ~~أعد لكم خير ، أم جنة الخلد التي وعدها الله تعالى للمتقين ، والتي ( ~~@QUR@02 كانت لهم ) بفضل الله وكرمه ( @QUR@01 جزاء ) على أعمالهم الصالحة ~~( @QUR@01 ومصيرا ) طيبا يصيرون إليه. # ( @QUR@02 لهم فيها ) في تلك الجنة ( @QUR@02 ما يشاؤن ) أى : ما يشاءونه ~~من خيرات وملذات حالة كونهم ( @QUR@01 خالدين ) فيها خلودا أبديا. # ( @QUR@05 كان على ربك وعدا مسؤلا ) أى : كان ذلك العطاء الكريم الذي ~~تفضلنا به على عبادنا المتقين ووعدناهم به ، من حقهم أن يسألونا تحقيقه ~~لعظمه وسمو منزلته ، كما قال تعالى حكاية عنهم في آية أخرى ( @QUR@014 ربنا ~~وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة ، إنك لا تخلف الميعاد ) (2). PageV10P179 # وعلى هذا المعنى يكون قوله ( @QUR@01 مسؤلا ) بمعنى جديرا أن يسأل عنه ~~المؤمنون لعظم شأنه. # ويجوز أن يكون السائلون عنه الملائكة ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@06 ~~ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم. ) @QUR@01 . (1). # ويرى بعضهم أن المعنى. كان ذلك العطاء للمؤمنين وعدا منا لهم ، ونحن ~~بفضلنا وكرمنا سننفذ هذا الوعد ، قال تعالى : ( @QUR@06 وعد الله لا يخلف ~~الله وعده. ) @QUR@01 . (2). # هذا ، وقد تكلم العلماء هنا عن المراد بلفظ «خير» في قوله تعالى ( ~~@QUR@06 قل أذلك خير أم جنة الخلد ) وقالوا : إن هذا اللفظ صيغة تفضيل ، ~~والمفضل عليه هنا وهو العذاب لا خير فيه البته ، فكيف عبر سبحانه بلفظ خير؟ # وقد أجابوا عن ذلك بأن المفاضلة هنا غير مقصودة ، وإنما المقصود هو ~~التهكم بهؤلاء الكافرين الذين آثروا الضلالة على الهداية ، واستحبوا الكفر ~~على الإيمان. # قال أبو حيان رحمه الله : و «خير» هنا ليست تدل على الأفضلية ، بل هي على ~~ما جرت به عادة العرب في بيان فضل الشيء ، وخصوصيته بالفضل دون مقابلة. ~~كقول الشاعر : فشر كما لخير كما الفداء .. وكقول العرب : الشقاء أحب إليك ~~أم السعادة. وكقوله تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام : ( @QUR@07 رب السجن ~~أحب إلي مما يدعونني إليه ) (3). # ثم تنتقل السورة الكريمة إلى الحديث عن حالهم عند ما يعرضون ms4193 هم وآلهتهم ~~للحشر والحساب يوم القيامة ، وقد وقفوا جميعا أمام ربهم للسؤال والجواب ، ~~قال تعالى : # ( @QUR@016 ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي ~~هؤلاء أم هم ضلوا السبيل (17) @QUR@014 قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن ~~نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم PageV10P180 # @QUR@07 وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا (18) @QUR@015 فقد ~~كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه عذابا ~~كبيرا ) (19) # وقوله تعالى : ( @QUR@01 ويوم ) منصوب على المفعولية بفعل مقدر ، ~~والمقصود من ذكر اليوم : تذكيرهم بما سيحدث فيه من أهوال حتى يعتبروا ~~ويتعظوا ، والضمير في «يحشرهم» للكافرين الذين عبدوا غير الله تعالى . # وقوله : ( @QUR@05 وما يعبدون من دون الله ) معطوف على مفعول «يحشرهم» ~~والمراد بهؤلاء الذين عبدوهم من دون الله : الملائكة وعزير وعيسى وغيرهم من ~~كل معبود سوى الله تعالى . # والمعنى : واذكر لهم أيها الرسول الكريم حالهم لعلهم أن يعتبروا يوم ~~نحشرهم جميعا للحساب والجزاء يوم القيامة ، ونحشر ونجمع معهم جميع الذين ~~كانوا يعبدونهم غيرى. # ثم نوجه كلامنا لهؤلاء المعبودين من دوني فأقول لهم : أأنتم أيها ~~المعبودون كنتم السبب في ضلال عبادي عن إخلاص العبادة لي ، بسبب إغرائكم ~~لهم بذلك أم هم الذين من تلقاء أنفسهم قد ضلوا السبيل ، بسبب إيثارهم الغي ~~على الرشد ، والكفر على الإيمان؟. # والسؤال للمعبودين إنما هو من باب التقريع للعابدين ، وإلزامهم الحجة ~~وزيادة حسرتهم ، وتبرئة ساحة المعبودين. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@018 وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ~~أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ، قال سبحانك ) (1). # وقوله عز وجل : ( @QUR@016 ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة : أهؤلاء ~~إياكم كانوا يعبدون* قالوا : سبحانك أنت ولينا من دونهم. ) @QUR@01 . (2). # قال الإمام الرازي ما ملخصه : فإن قيل : إنه سبحانه عالم في الأزل بحال ~~المسئول عنه فما فائدة السؤال؟. PageV10P181 # والجواب : هذا استفهام على سبيل التقريع للمشركين ، كما قال سبحانه لعيسى ~~: ( @QUR@09 أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ) ولأن أولئك ~~المعبودين لما برءوا أنفسهم وأحالوا ذلك الضلال عليهم ، صار تبرؤ المعبودين ~~عنهم ms4194 أشد في حسرتهم وحيرتهم (1). # وقال سبحانه ( @QUR@04 أم هم ضلوا السبيل ) ولم يقل. ضلوا عن السبيل ، ~~للإشعار بأنهم قد بلغوا في الضلال أقصاه ومنتهاه. # ثم بين سبحانه بعد ذلك ما أجاب به المعبودون فقال : ( @QUR@021 قالوا ~~سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم ~~حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا ) @QUR@01 . # أى قال المعبودون لخالقهم عز وجل : «سبحانك» أى : ننزهك تنزيها تاما عن ~~الشركاء وعن كل ما لا يليق بجلالك وعظمتك ، وليس للخلائق جميعا أن يعبدوا ~~أحدا سواك. ولا يليق بنا نحن أو هم أن نعبد غيرك ، وأنت يا مولانا الذي ~~أسبغت عليهم وعلى آبائهم الكثير من نعمك. «حتى نسوا الذكر» أى : حتى تركوا ~~ما أنزلته عليهم على ألسنة رسلك من الدعوة إلى عبادتك وحدك لا شريك لك ~~«وكانوا» بسبب ذلك «قوما بورا» أى : هلكى ، جمع بائر من البوار وهو الهلاك. # قال القرطبي : وقوله ( @QUR@01 بورا ) أى : هلكى قاله ابن عباس .. وقال ~~الحسن «بورا» أى : لا خير فيهم ، مأخوذ من بوار الأرض ، وهو تعطيلها عن ~~الزرع فلا يكون فيها خير. وقال شهر بن حوشب : البوار : الفساد والكساد ، من ~~قولهم : بارت السلعة إذا كسدت كساد الفساد .. وهو اسم مصدر يستوي فيه ~~الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث (2). # وهكذا ، يتبرأ المعبودون من ضلال عابديهم ، ويوبخونهم على جحودهم لنعم ~~الله تعالى وعلى عبادتهم لغيره. ويعترفون لخالقهم عز وجل بأنه لا معبود بحق سواه. # وهنا يوجه سبحانه خطابه إلى هؤلاء العابدين الجهلاء الكاذبين فيقول : ( ~~@QUR@09 فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا .. ) @QUR@01 . # أى : قال الله تعالى لهؤلاء الكافرين على سبيل التقريع والتبكيت : والآن ~~لقد رأيتم تكذيب من عبدتموهم لكم ، وقد حق عليكم العذاب بسبب كفركم وكذبكم ~~، وصرتم لا تملكون له «صرفا» أى : دفعا بأية صورة من الصور. وأصل الصرف : ~~رد الشيء من حالة إلى حالة PageV10P182 # أخرى ، ولا تملكون له أيضا «نصرا» أى فردا من أفراد النصر لا من جهة ~~أنفسكم ، ولا من جهة غيركم ، بل لقد حل بكم العذاب حلولا لا فكاك ms4195 لكم منه ~~بأى وسيلة من الوسائل. # «ومن يظلم منكم» أى : ومن يكفر بالله تعالى منكم أيها المكلفون بالإيمان ~~«نذقه عذابا كبيرا» لا يقادر قدره في الخزي والهوان. # قال صاحب الكشاف : هذه المفاجأة بالاحتجاج والإلزام في قوله : ( @QUR@02 ~~فقد كذبوكم ) حسنة رائعة ، خاصة إذا انضم إليها الالتفات ، وحذف القول ، ~~ونحوها قوله تعالى : ( @QUR@024 يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم ~~على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير ، فقد جاءكم بشير ~~ونذير .. ) @QUR@01 . (1) وقول القائل : # قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ثم القفول فقد جئنا خراسانا (2) وبذلك نرى ~~الآيات الكريمة قد أقامت الحجة على الكافرين بطريقة تخرس ألسنتهم ، وتجعلهم ~~أهلا لكل ما يقع عليهم من عذاب أليم. # ثم تعود السورة مرة أخرى إلى تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى الرد على ~~شبهات أعدائه فتقول : # ( @QUR@020 وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون ~~في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا ) (20) # أى : وما أرسلنا قبلك أيها الرسول الكريم أحدا من رسلنا ، إلا وحالهم ~~وشأنهم أنهم يأكلون الطعام الذي يأكله غيرهم من البشر. ويمشون في الأسواق ~~كما يمشى غيرهم من الناس ، طلبا للرزق. # وإذا فقول المشركين في شأنك «مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشى في ~~الأسواق» قول يدل على جهالاتهم وسوء نياتهم فلا تتأثر به ، ولا تلتفت إليه ~~، فأنت على الحق وهم على الباطل. PageV10P183 # وقوله تعالى : ( @QUR@04 وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ) بيان لسنة من سنن الله ~~تعالى في خلقه ، اقتضتها حكمته ومشيئته. # أى : اختبرنا بعضكم ببعض ، وبلونا بعضكم ببعض ، ليظهر قوى الإيمان من ~~ضعيفه ، إذ أن قوى الإيمان لتصديقه بقضاء الله وقدره يثبت على الحق ويلتزم ~~بما أمره الله تعالى به ، أما ضعيف الإيمان فإنه يحسد غيره على ما آتاه ~~الله تعالى من فضله. كما حسد المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم على منصب ~~النبوة الذي أعطاه الله تعالى إياه ( @QUR@011 وقالوا لو لا نزل هذا القرآن ~~على رجل من القريتين عظيم ) (1). # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@05 وجعلنا ms4196 بعضكم لبعض فتنة أتصبرون ) ~~أى : إن الدنيا دار بلاء وامتحان ، فأراد سبحانه أن يجعل بعض العبيد فتنة ~~لبعض على العموم في جميع الناس ، فالصحيح : فتنة للمريض. والغنى : فتنة ~~للفقير .. ومعنى هذا ، أن كل واحد مختبر بصاحبه ، فالغنى ممتحن بالفقير ، ~~فعليه أن يواسيه ولا يسخر منه ، والفقير ممتحن بالغنى ، فعليه أن لا يحسده. ~~ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه ، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق .. والرسول ~~المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس من الكفار في عصره ... فالفتنة : ~~أن يحسد المبتلى المعافى. والصبر : أن يحبس كلاهما نفسه ، هذا عن البطر ~~وذاك عن الضجر .. (2). # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@01 أتصبرون ) للتقرير. أى : أتصبرون ~~على هذا الابتلاء والاختبار فتنالوا من الله تعالى الأجر ، أم لا تصبرون ~~فيزداد همكم وغمكم؟ # ويصح أن يكون الاستفهام بمعنى الأمر. أى : اصبروا على هذا الابتلاء كما ~~في قوله تعالى : ( @QUR@07 ... وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم. ) ~~@QUR@01 . (3) أى : أسلموا .. وكما في قوله سبحانه : ( @QUR@03 فهل أنتم ~~منتهون ) أى : انتهوا عن الخمر والميسر. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله ( @QUR@03 وكان ربك بصيرا ) أى : وكان ~~ربك أيها الرسول الكريم بصيرا بأحوال النفوس الطاهرة والخفية ، وبتقلبات ~~القلوب وخلجاتها. فاصبر على أذى قومك ، فإن العاقبة لك ولأتباعك المؤمنين. # فهذا التذييل فيه ما فيه من التسلية والتثبيت لفؤاد النبي ~~صلى الله عليه وسلم . # ثم حكت السورة للمرة الرابعة تطاول المشركين وجهالاتهم ، وردت عليهم بما ~~يخزيهم ، وبينت ما أعد لهم من عذاب في يوم لا ينفعهم فيه الندم. PageV10P184 # قال تعالى : # ( @QUR@020 وقال الذين لا يرجون لقاءنا لو لا أنزل علينا الملائكة أو نرى ~~ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا (21) @QUR@010 يوم يرون ~~الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا (22) @QUR@09 وقدمنا ~~إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا (23) @QUR@07 أصحاب الجنة يومئذ ~~خير مستقرا وأحسن مقيلا (24) @QUR@07 ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل ~~الملائكة تنزيلا (25) @QUR@09 الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على ~~الكافرين عسيرا (26) @QUR@012 ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني ~~اتخذت مع الرسول سبيلا (27) @QUR@07 يا ويلتى ليتني لم ms4197 أتخذ فلانا خليلا ~~(28) @QUR@011 لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا ) (29) # قال الفخر الرازي : اعلم أن قوله تعالى : ( @QUR@05 وقال الذين لا يرجون ~~لقاءنا ) هو الشبهة الرابعة لمنكري نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وحاصلها : ~~لما ذا لم ينزل الله الملائكة حتى يشهدوا أن محمدا محق في دعواه ، أو نرى ~~ربنا حتى يخبرنا بأنه أرسله إلينا .. (1). # والرجاء : الأمل والتوقع لما فيه خير ونفع. وفسره بعضهم بمجرد التوقع ~~الذي يشمل ما يسر وما يسوء ، وفسره بعضهم هنا بأن المراد به : الخوف. # والمراد بلقائه سبحانه : الرجوع إليه يوم القيامة للحساب والجزاء. # أى : وقال الكافرون الذين لا أمل عندهم في لقائنا يوم القيامة للحساب ~~والجزاء لأنهم ينكرون ذلك ، ولا يبالون به ، ولا يخافون أهواله. قالوا على ~~سبيل التعنت والعناد : PageV10P185 # هلا أنزل علينا الملائكة لكي يخبرونا بصدق محمد صلى الله عليه وسلم أو هلا ~~نرى ربنا جهرة ومعاينة ليقول لنا إن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول من عندي! ~~وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@06 ... أو تأتي بالله والملائكة ~~قبيلا ) (1). أى : ليشهدوا بصدقك ، وقد رد الله تعالى عليهم بقوله : ( ~~@QUR@07 لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا ) @QUR@01 . # والعتو : تجاوز الحد في الظلم والعدوان. يقال عتا فلان يعتو عتوا ، إذا ~~تجاوز حده في الطغيان. # أى : والله لقد أضمر هؤلاء الكافرون الاستكبار عن الحق في أنفسهم ~~المغرورة ، وتجاوزوا كل حد في الطغيان تجاوزا كبيرا ، حيث طلبوا مطالب هي ~~أبعد من أن ينالوها بعد الأرض عن السماء. وصدق الله إذ يقول : ( @QUR@09 ~~... إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه. ) @QUR@01 . (2). # ووصف سبحانه عتوهم بالكبر للدلالة على إفراطهم فيه ، وأنهم قد وصلوا في ~~عتوهم إلى الغاية القصوى منه. # ثم بين سبحانه الحالة التي يرون فيها الملائكة فقال : ( @QUR@07 يوم يرون ~~الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ) @QUR@01 . # أى : لقد طلب هؤلاء الظالمون نزول الملائكة عليهم ، ورؤيتهم لهم. ونحن ~~سنجيبهم إلى ما طلبوه ولكن بصورة أخرى تختلف اختلافا كليا عما يتوقعونه ، ~~إننا سنريهم الملائكة عند قبض أرواحهم وعند الحساب بصورة تجعل هؤلاء ~~الكافرين ms4198 يفزعون ويهلعون. بصورة لا تبشرهم بخير ولا تسرهم رؤيتهم معها ، بل ~~تسوؤهم وتحزنهم ، كما قال تعالى : ( @QUR@010 ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا ~~الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم .. ) @QUR@01 . (3) وكما قال سبحانه : ( ~~@QUR@07 فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ) (4). # فالآية الكريمة مسوقة على سبيل الاستئناف. لبيان حالهم الشنيعة عند ما ~~تنزل عليهم الملائكة. بعد بيان تجاوزهم الحد في الطغيان وفي طلب ما ليس من حقهم. # والمراد بالملائكة هنا : ملائكة العذاب الذين يقبضون أرواحهم ، والذين ~~يقودونهم إلى النار يوم القيامة. # وقال سبحانه : ( @QUR@03 يوم يرون الملائكة .. ) @QUR@01 . ولم يقل : يوم ~~تنزل الملائكة ، للإيذان PageV10P186 # من أول الأمر بأن رؤيتهم لهم ليست على الطريقة التي طلبوها ، بل على وجه ~~آخر فيه ما فيه من العذاب المهين لهؤلاء الكافرين. # وجاء نفى البشرى لهم بلا النافية للجنس للمبالغة في نفى أى بارقة تجعلهم ~~يأملون في أن ما نزل بهم من سوء ، قد يتزحزح عنهم في الحال أو الاستقبال. # قال الجمل في حاشيته : وقوله ( @QUR@04 لا بشرى يومئذ للمجرمين ) هذه ~~الجملة معمولة لقول مضمر. أى : يرون الملائكة يقولون لا بشرى. فالقول حال ~~من الملائكة وهو نظير التقدير في قوله تعالى : ( @QUR@09 ... والملائكة ~~يدخلون عليهم من كل باب* سلام عليكم. ) @QUR@01 . (1) وكل من الظرف والجار ~~والمجرور خبر عن لا النافية للجنس (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@03 ويقولون حجرا محجورا ) تأكيد لما قبله من أنه لا ~~خير لهؤلاء الكافرين من وراء رؤيتهم للملائكة. # والحجر بكسر الحاء وفتحها الحرام ، وأصله المنع. ومحجورا صفة مؤكدة ~~للمعنى ، كما في قولهم : موت مائت. وليل أليل ، وحرام محرم. # قال الآلوسى : وهي أى : حجرا محجورا كلمة تقولها العرب عند لقاء عدو ~~موتور ، وهجوم نازلة هائلة ، يضعونها موضع الاستعاذة ، حيث يطلبون من الله ~~تعالى أن يمنع المكروه فلا يلحقهم ، فكأن المعنى ، نسأل الله تعالى أن يمنع ~~ذلك منعا ، ويحجره حجرا. # وقال الخليل : كان الرجل يرى الرجل الذي يخاف منه القتل في الجاهلية في ~~الأشهر الحرم فيقول : حجرا محجورا. أى : حرام عليك التعرض لي في هذا الشهر ~~فلا يبدأ بشر (3). # والقائلون لهذا القول يرى بعضهم أنهم الملائكة ms4199 ، فيكون المعنى : تقول ~~الملائكة للكفار حجرا محجورا. أى : حراما محرما أن تكون لكم اليوم بشرى. أو ~~أن يغفر الله لكم ، أو أن يدخلكم جنته. # وقد رجح ابن جرير ذلك فقال ما ملخصه : وإنما اخترنا أن القائلين هم ~~الملائكة من أجل أن الحجر هو الحرام. فمعلوم أن الملائكة هي التي تخبر أهل ~~الكفر ، أن البشرى عليهم حرام .. (4). # ويبدو لنا أنه لا مانع من أن يكون هذا القول من الكفار ، فيكون المعنى : ~~أن هؤلاء الكفار PageV10P187 # الذين طلبوا نزول الملائكة عليهم ليشهدوا لهم بصدق الرسول ~~صلى الله عليه وسلم عند ما يرونهم عند الموت أو عند الحساب يقولون لهم بفزع ~~وهلع : «حجرا محجورا» أى : حراما محرما عليكم أن تنزلوا بنا العذاب ، فنحن ~~لم نرتكب ما نستحق بسببه هذا العذاب المهين ، ولعل مما يشهد لهذا المعنى ~~قوله تعالى : ( @QUR@027 الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ~~ما كنا نعمل من سوء ، بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون* فادخلوا أبواب ~~جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين ) (1). # وعلى كلا الرأيين فالجملة الكريمة تؤكد سوء عاقبة الكافرين. # ثم ساق سبحانه بعد ذلك وعيدا آخر لهؤلاء الكافرين فقال : ( @QUR@09 ~~وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ) @QUR@01 . # والهباء : الشيء الدقيق الذي يخرج من النافذة مع ضوء الشمس شبيها ~~بالغبار. # والمنثور : المتفرق في الجو بحيث لا يتأتى جمعه أو حصره. # أى : وقدمنا وقصدنا وعمدنا بإرادتنا وحكمتنا إلى ما عمله هؤلاء الكافرون ~~من عمل صالح في الدنيا كالإحسان إلى الفقراء ، والإنفاق في وجوه الخير ~~فجعلناه باطلا ضائعا ، ممزقا كل ممزق ، لأنهم فقدوا شرط قبوله عندنا ، وهو ~~إخلاص العبادة لنا. # فقد شبه سبحانه أعمالهم الصالحة في الدنيا في عدم انتفاعهم بها يوم ~~القيامة بالهباء المنثور ، الذي تفرق وتبدد وصار لا يرجى خير من ورائه ~~لحقارته وتفاهته. # ثم بين سبحانه ما سيكون عليه أصحاب الجنة من نعيم مقيم يوم القيامة فقال ~~: ( @QUR@07 أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا ) @QUR@01 . # والمستقر : المكان الذي يستقر فيه الإنسان في أغلب وقته. والمقيل : ~~المكان الذي يؤوى إليه ms4200 في وقت القيلولة للاستراحة من عناء الحر. # أى : «أصحاب الجنة يومئذ» أى : يوم القيامة «خير مستقرا» أى : خير مكانا ~~ومنزلا في الجنة ، مما كان عليه الكافرون في الدنيا من متاع زائل ، ونعيم ~~حائل «وأحسن مقيلا» أى : وأحسن راحة وهناء ومأوى ، مما فيه الكافرون من ~~عذاب مقيم. # وقد استنبط بعض العلماء. من هذه الآية أن حساب أهل الجنة يسير ، وأنه ~~ينتهى في وقت قصير ، لا يتجاوز نصف النهار. قالوا : لأن قوله تعالى ( ~~@QUR@02 وأحسن مقيلا ) يدل على PageV10P188 # أنهم في وقت القيلولة ، يكونون في راحة ونعيم ، ويشير إلى ذلك قوله تعالى ~~: ( @QUR@013 فأما من أوتي كتابه بيمينه* فسوف يحاسب حسابا يسيرا* وينقلب ~~إلى أهله مسرورا ) (1). # وأما أهل النار والعياذ بالله فهم ليسوا كذلك لأن حسابهم غير يسير. # وقد ساق ابن كثير في هذا المعنى آثارا منها أن سعيد الصواف قال : بلغني ~~أن يوم القيامة يقصر على المؤمن حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس ~~وأنهم ليقيلون في رياض الجنة (2). # ثم وصف سبحانه بعض الأهوال التي تحدث في هذا اليوم فقال : ( @QUR@07 ويوم ~~تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا ) @QUR@01 . # وقوله ( @QUR@01 تشقق ) أصله تتشقق بمعنى تتفتح. والباء يصح أن تكون ~~بمعنى عن ، وأن تكون للسببية أى : بسبب طلوعه منها ، وأن تكون للحال ، أى : ~~ملتبسة بالغمام. # والغمام : اسم جنس جمعى لغمامة. وهي السحاب الأبيض الرقيق سمى بذلك لأنه ~~يغم ما تحته ، أى : يستره ويخفيه. # والمعنى : واذكر أيها العاقل لتعتبر وتتعظ أهوال يوم القيامة. يوم تتفتح ~~السماء وتتشقق بسبب طلوع الغمام منها. ونزول الملائكة منها تنزيلا عجيبا ~~غير معهود. # قال صاحب الكشاف : ولما كان انشقاق السماء بسبب طلوع الغمام منها جعل ~~الغمام كأنه الذي تشقق به السماء ، كما تقول : شق السنام بالشفرة وانشق بها ~~، ونظيره قوله تعالى : ( @QUR@03 السماء منفطر به .. ) @QUR@01 . (3). # فإن قلت : أى فرق بين قولك : انشقت الأرض بالنبات ، وانشقت عنه؟ قلت : ~~معنى انشقت به ، أن الله شقها بطلوعه فانشقت به. ومعنى انشقت عنه : أن ~~التربة ارتفعت عند طلوعه. # والمعنى : أن السماء تتفتح بغمام يخرج منها ، وفي الغمام ms4201 الملائكة ينزلون ~~وفي أيديهم صحف أعمال العباد (4). # وقوله تعالى : ( @QUR@09 الملك يومئذ الحق للرحمن ، وكان يوما على ~~الكافرين عسيرا ) @QUR@01 . # لفظ «الملك» مبتدأ ، و «يومئذ» ظرف للمبتدأ و «الحق» نعت له «للرحمن» خبره. PageV10P189 # أى : الملك الثابت الذي لا يزول ، ولا يشاركه فيه أحد للرحمن يومئذ ، ~~وكان هذا اليوم عسيرا على الكافرين ، لشدة الهول والعذاب الذي يقع عليهم فيه. # وخص سبحانه ثبوت الملك له في هذا اليوم بالذكر ، مع أنه تعالى هو المالك ~~لهذا الكون في هذا اليوم وفي غيره ، للرد على الكافرين الذين زعموا أن ~~أصنامهم ستشفع لهم يوم القيامة ، ولبيان أن ملك غيره سبحانه في الدنيا. ~~إنما هو ملك صورى زائل ، أما الملك الثابت الحقيقي فهو لله الواحد القهار. # قال ابن كثير : وفي الصحيح «أن الله يطوى السموات بيمينه ، ويأخذ الأرضين ~~بيده الأخرى ثم يقول : أنا الملك. أنا الديان. أين ملوك الأرض أين ~~الجبارون. أين المتكبرون» (1). # ثم صور سبحانه ما سيكون عليه الكافرون يوم القيامة من حسرة وندامة ، ~~تصويرا بليغا ، مؤثرا فقال : ( @QUR@019 ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ~~ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا. يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا ) ~~@QUR@01 . # وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات أن عقبة بن أبى معيط دعا النبي ~~صلى الله عليه وسلم لحضور طعام عنده ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم لا آكل ~~من طعامك حتى تنطق بالشهادتين. فنطق بهما. فبلغ ذلك صديقه أمية بن خلف أو ~~أخاه أبى بن خلف ، فقال له : يا عقبة بلغني أنك أسلمت. فقال له : لا. ولكن ~~قلت ما قلت تطييبا لقلب محمد صلى الله عليه وسلم حتى يأكل من طعامي. فقال له : ~~كلامك على حرام حتى تفعل كذا وكذا بمحمد صلى الله عليه وسلم ففعل الشقي ما ~~أمره به صديقه الذي لا يقل شقاوة عنه. # أما عقبة فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله في غزوة بدر وأما أبى بن ~~خلف فقد طعنه النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد طعنة لم يبق بعدها ms4202 سوى زمن ~~يسير ثم هلك. # وعلى أية حال فإن الآيات وإن كانت قد نزلت في هذين الشقيين. فإنها تشمل ~~كل من كان على شاكلتهما في الكفر والعناد ، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. # وعض اليدين كناية عن شدة الحسرة والندامة والغيظ ، لأن النادم ندما شديدا ~~، يعض يديه. وليس أحد أشد ندما يوم القيامة من الكافرين. PageV10P190 # قال تعالى : ( @QUR@011 وأسروا الندامة لما رأوا العذاب. وجعلنا الأغلال ~~في أعناق الذين كفروا .. ) @QUR@01 . # والمعنى : واذكر أيها العاقل يوم القيامة وما فيه من حساب وجزاء ، يوم ~~يعض الظالم على يديه من شدة غيظه وندمه وحسرته. # ويقول في هذا اليوم ( @QUR@06 يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ) @QUR@01 . # أى : يا ليتني سلكت معه طريق الحق الذي جاء به ، واتبعته في كل ما جاء به ~~من عند ربه. # ( @QUR@02 يا ويلتى ) أى : ثم يقول هذا الظالم يا هلاكي أقبل فهذا أوان ~~إقبالك ، فهذه الكلمة تستعمل عند وقوع داهية دهياء لا نجاة منها ، وكأن ~~المتحسر ينادى ويلته ويطلب حضورها بعد تنزيلها منزلة من يفهم نداءه. # ( @QUR@05 ليتني لم أتخذ فلانا خليلا ) أى : ليتني لم أتخذ فلانا الذي ~~أضلنى في الدنيا صديقا وخليلا لي. والمراد بفلان : كل من أضل غيره وصرفه عن ~~طريق الحق ، ويدخل في ذلك دخولا أوليا أبى بن خلف. # ( @QUR@07 لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني ) أى : والله لقد أضلنى هذا ~~الصديق المشئوم عن الذكر أى : عن الهدى بعد إذ جاءني الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فالجملة الكريمة تعليل لتمنيه المذكور ، وتوضيح لتملله. ~~وأكده بلام القسم للمبالغة في بيان شدة ندمه وحسرته. # والمراد بالذكر هنا : ما يشمل القرآن الكريم ، وما يشمل غيره من توجيهات ~~النبي صلى الله عليه وسلم وفي التعبير بقوله : ( @QUR@03 بعد إذ جاءني ) إشعار ~~بأن هدى الرسول صلى الله عليه وسلم قد وصل إلى هذا الشقي ، وكان في إمكانه أن ~~ينتفع به. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@04 وكان الشيطان للإنسان خذولا ) أى ~~: وكان الشيطان دائما وأبدا. خذولا للإنسان. أى : صارفا إياه عن الحق ، ~~محرضا له على الباطل ، فإذا ms4203 ما احتاج الإنسان إليه خذله وتركه وفر عنه وهو ~~يقول : إنى برىء منك. # يقال : خذل فلان فلانا ، إذا ترك نصرته بعد أن وعده بها. # وهكذا تكون عاقبة الذين يتبعون أصدقاء السوء ، وصدق الله إذ يقول : ( ~~@QUR@07 الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ) (1). # ومن الأحاديث التي وردت في الأمر باتخاذ الصديق الصالح ، وبالنهى عن ~~الصديق الطالح ، PageV10P191 # ما رواه الشيخان عن أبى موسى الأشعرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~«مثل الجليس الصالح وجليس السوء ، كحامل المسك ونافخ الكير ، فحامل المسك ~~إما أن يحذيك. وإما أن تبتاع منه. وإما أن تجد منه ريحا طيبة ، ونافخ الكير ~~، إما أن يحرق ثوبك. وإما أن تجد منه ريحا خبيثة». # ثم بين سبحانه ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم في شأن هؤلاء المشركين ، ~~وما قالوه في شأن القرآن الكريم ، وما رد به سبحانه عليهم ، فقال تعالى : # ( @QUR@010 وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا (30) ~~@QUR@011 وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا ~~(31) @QUR@016 وقال الذين كفروا لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك ~~لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا (32) @QUR@08 ولا يأتونك بمثل إلا جئناك ~~بالحق وأحسن تفسيرا (33) @QUR@011 الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك ~~شر مكانا وأضل سبيلا ) (34) # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 وقال الرسول .. ) @QUR@01 . معطوف على قوله ~~تعالى قبل ذلك : ( @QUR@04 وقال الذين لا يرجون ... ) @QUR@01 . # وما بينهما اعتراض مسوق لاستعظام قبح ما قالوه ولبيان ما يحل بهم بسببه ~~من عذاب. # أى : وقال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم متضرعا وشاكيا لربه «يا رب إن ~~قومي» الذين أرسلتنى إليهم قد «اتخذوا هذا القرآن» المشتمل على ما يهديهم ~~إلى الرشد وعلى ما يسعدهم في دنياهم وآخرتهم ، قد اتخذوه «مهجورا» أى : ~~متروكا فقد تركوا تصديقه ، وتركوا العمل به وتركوا ، التأثر بوعيده .. من ~~الهجر بفتح الهاء بمعنى الترك ، أو المعنى : قد اتخذوا هذا PageV10P192 # القرآن مادة لسخريتهم وتهكمهم ، من الهجر بضم الهاء بمعنى الهذيان والقول ~~الباطل ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@04 مستكبرين به سامرا تهجرون ) (1). # وقد اشتملت هذه الآية ms4204 الكريمة على التخويف العظيم لمن يهجر القرآن ~~الكريم. فلم يحفظه أو لم يحفظ شيئا منه ، ولم يعمل بما فيه من حلال وحرام ، ~~وأوامر ونواه .. # قال بعض العلماء هجر القرآن أنواع : أحدها : هجر سماعه وقراءته. وثانيها ~~: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه .. وثالثها : هجر تحكيمه والتحاكم ~~إليه في أصول الدين وفروعه .. ورابعها : هجر تدبره وتفهمه .. وكل هذا دخل ~~في هذه الآية ، وإن كان بعض الهجر أهون من بعض (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين. ) ~~@QUR@01 . تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من قومه ، وتصريح بأن ما ~~أصابه قد أصاب الرسل من قبله ، والبلية إذا عمت هانت. أى : كما جعلنا قومك ~~أيها الرسول الكريم يعادونك ويكذبونك ، جعلنا لكل نبي سابق عليك عدوا من ~~المجرمين ، فاصبر أيها الرسول كما صبر إخوانك السابقون. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@023 وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا ~~شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ، ولو شاء ربك ما ~~فعلوه فذرهم وما يفترون ) (3). # ثم شفع سبحانه هذه التسلية بوعد كريم منه عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~فقال : ( @QUR@04 وكفى بربك هاديا ونصيرا ). # أى : وكفى ربك أيها الرسول الكريم هاديا يهدى عباده إلى ما تقتضيه حكمته ~~ومشيئته ، وكفى به سبحانه نصيرا لمن يريد أن ينصره على كل من عاداه. # ثم حكى سبحانه بعد ذلك وللمرة الخامسة بعض شبهاتهم وأباطيلهم فقال : ( ~~@QUR@010 وقال الذين كفروا لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة ... ) @QUR@01 . # أى : وقال الذين كفروا بالحق الذي جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم : هلا ~~نزل هذا القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم جملة واحدة ، دون أن ينزل مفرقا ~~كما نراه ونسمعه. # وقولهم هذا دليل على سوء أدبهم فقد طلبوا ما لا يعنيهم. واقترحوا شيئا لا ~~مدخل لهم فيه ، PageV10P193 # ولا علم عندهم بحكمته ، ولذا رد سبحانه عليهم بقوله : ( @QUR@04 كذلك ~~لنثبت به فؤادك ) والكاف بمعنى مثل ، والجار والمجرور نعت لمصدر محذوف مع ~~عامله. وقوله : ( @QUR@03 لنثبت به فؤادك ) تعليل للعامل المحذوف. # فالجملة الكريمة ms4205 استئناف مسوق للرد عليهم ، ولبيان بعض الحكم في نزول ~~القرآن مفرقا. # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 ورتلناه ترتيلا ) معطوف على الفعل المحذوف. ~~والتنكير في «ترتيلا» للتفخيم والتعظيم. وأصل الترتيل ، عدم التلاصق. يقال ~~، ثغر مرتل. أى مفلج الأسنان غير متلاصقها. # أى : نزلناه مفرقا ، ورتلناه ترتيلا بديعا ، بأن قرأناه عليك بلسان جبريل ~~شيئا فشيئا ، على تؤدة وتمهل ، وجعلنا بعضه ينزل في إثر بعض. # قال صاحب الكشاف ما ملخصه : وقوله «كذلك» جواب لهم ، أى : كذلك أنزلناه ~~مفرقا ، والحكمة فيه : أن نقوى بتفريقه فؤادك حتى تعيه وتحفظه .. # فإن قلت : ذلك في كذلك يجب أن يكون إشارة إلى شيء تقدمه ، والذي تقدمه هو ~~إنزاله جملة واحدة فكيف فسرته بكذلك أنزلناه مفرقا؟. # قلت : لأن قولهم : لو لا أنزل عليه القرآن جملة ، معناه : لما ذا أنزل ~~مفرقا ، والدليل على فساد هذا الاعتراض أنهم عجزوا عن أن يأتوا بنجم واحد ~~من نجومه .. فكأنهم قدروا على تفاريقه حتى يقدروا على جملته (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا ~~) أى : سر أيها الرسول الكريم في طريقك ، وبلغ ما أنزلناه إليك ، ولا تلتفت ~~إلى مقترحات المشركين وأباطيلهم ، فإنهم لا يأتونك بمثل ، أى : بكلام عجيب ~~هو مثل في التهافت والفساد للطعن في نبوتك «إلا جئناك» في مقابلته بالجواب ~~«الحق» الثابت الصادق الذي يزهق باطلهم ، وبما هو أحسن تفسيرا وبيانا من ~~مثلهم وشبهاتهم. # والاستثناء مفرغ من عموم الأحوال. أى : ولا يأتونك في حال من الأحوال ~~بمثل للطعن في نبوتك ، إلا جئناك وسلحناك بما يزهق أمثالهم وشبههم ، فسر في ~~طريقك أيها الرسول الكريم فإنك على الحق المبين. # فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة من أعظم الآيات لتشجيع النبي ~~صلى الله عليه وسلم على تبليغ دعوته ، بدون اكتراث بما يثيره المشركون حوله من شبهات. # ثم بين سبحانه سوء مصيرهم بسبب أقوالهم الباطلة ، وأفعالهم القبيحة ، فقال PageV10P194 # تعالى : ( @QUR@06 الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم ) أى : يحشرون ماشين ~~على وجوههم أو يسحبون عليها إلى جهنم ، بسبب كفرهم وعنادهم. # ( @QUR@01 أولئك ) الذين نفعل بهم ذلك ( @QUR@02 شر مكانا ) اى : منزلا ~~ومكانا ms4206 ومصيرا لهم هو جهنم وأولئك أيضا هم أضل الناس طريقا عن طريق الحق ~~والرشاد ، ولذا كانت طريقهم لا توصلهم إلا إلى النار وبئس القرار. # قال الإمام ابن كثير : وفي الصحيح عن أنس : أن رجلا سأل النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم ~~القيامة؟ فقال : إن الذي أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه يوم ~~القيامة (1). # ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن أحوال الأقوام السابقين الذين ~~كذبوا أنبياءهم ، فكانت عاقبتهم الإهلاك والتدمير فقال تعالى : # ( @QUR@09 ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا (35) ~~@QUR@09 فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا (36) ~~@QUR@013 وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا ~~للظالمين عذابا أليما (37) @QUR@08 وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك ~~كثيرا (38) @QUR@07 وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا (39) @QUR@016 ~~ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا ~~يرجون نشورا ) (40) PageV10P195 # وقوله تعالى : ( @QUR@04 ولقد آتينا موسى الكتاب .. ) @QUR@01 . كلام ~~مستأنف لزيادة تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولترهيب المشركين وحضهم على ~~الاتعاظ والاعتبار واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم حتى لا يعرضوا أنفسهم ~~للهلاك والدمار الذي نزل بأمثالهم من السابقين. # أى : وبالله لقد آتينا موسى عليه السلام «الكتاب» أى : التوراة لتكون ~~هداية لقومه ( @QUR@05 وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا ) @QUR@01 . أى : ~~وجعلنا معه بفضلنا وحكمتنا أخاه هارون لكي يكون عونا له وعضدا في تبليغ ما ~~أمرناه بتبليغه. # ( @QUR@09 فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا ) ~~والتدمير : أشد الإهلاك. # وأصله كسر الشيء على وجه لا يمكن إصلاحه ، وفي الكلام حذف يعرف من ~~السياق. # والمعنى : فقلنا لهما اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا الدالة على ~~وحدانيتنا وقدرتنا ، وهم فرعون وقومه ، فذهبا إليهم ودعواهم إلى الإيمان ، ~~فأعرضوا عنهما وكذبوهما ، وتمادوا في طغيانهم ، فكانت عاقبة ذلك أن دمرناهم ~~تدميرا عجيبا ، بأن أغرقهم الله جميعا ، أمام موسى ومن معه. # فقوله تعالى ( @QUR@01 فدمرناهم .. ) @QUR@01 . معطوف على مقدر ، أى : ~~فذهبا إليهم فكذبوهما فدمرناهم تدميرا. # ثم ms4207 حكى سبحانه ما جرى لقوم نوح فقال : ( @QUR@06 وقوم نوح لما كذبوا ~~الرسل أغرقناهم ... ) @QUR@01 . # والمراد بالرسل : نوح ومن قبله ، أو نوح وحده ، وعبر عنه بالرسل ، لأن ~~تكذيبهم له يعتبر تكذيبا لجميع الرسل ، لأن رسالتهم واحدة في أصولها. # ( @QUR@03 وجعلناهم للناس آية ) أى : بعد أن أغرقناهم بسبب كفرهم ، جعلنا ~~إغراقهم أو قصتهم عبرة وعظة للناس الذين يعتبرون ويتعظون. # والتعبير ب «آية» بصيغة التنكير ، يشير إلى عظم هذه الآية وشهرتها ، ولا ~~شك أن الطوفان الذي أغرق الله تعالى به قوم نوح من الآيات التي لا تنسى. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 وأعتدنا للظالمين عذابا أليما ) بيان لسوء مصير ~~كل ظالم يضع الأمور في غير مواضعها. # أى : وهيأنا وأعددنا للظالمين عذابا أليما موجعا ، بسبب ظلمهم وكفرهم ، ~~وعلى رأس هؤلاء الظالمين قوم نوح ، الذين كفروا به وسخروا منه .. PageV10P196 # ثم ذكر سبحانه بعض من جاء بعد قوم نوح فقال : ( @QUR@02 وعادا وثمود ) أى ~~: ودمرنا وأهلكنا قوم عاد بسبب تكذيبهم لنبيهم هود عليه السلام ، كما أهلكنا ~~قوم ثمود بسبب تكذيبهم لنبيهم صالح عليه السلام . # وقوله تعالى : ( @QUR@02 وأصحاب الرس ) معطوف على ما قبله. أى : وأهلكنا ~~أصحاب الرس. كما أهلكنا من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود. # والرس في لغة العرب : البئر التي لم تبن بالحجارة ، وقيل : البئر مطلقا ، ~~ومنه قول الشاعر : # وهم سائرون إلى أرضهم %~% فيا ليتهم يحفرون الرساسا # أى : فيا ليتهم يحفرون الآبار. # وللمفسرين في حقيقة أصحاب الرس أقوال : فمنهم من قال إنهم من بقايا قبيلة ~~ثمود ، بعث الله إليهم نبيا فكذبوه ورسوه في تلك البئر أى : ألقوا به فيها ~~، فأهلكهم الله تعالى . # وقيل : هم قومه كانوا يعبدون الأصنام ، فأرسل الله إليهم شعيبا ~~عليه السلام فكذبوه فبينما هم حول الرس أى البئر فانهارت بهم ، وخسف الله ~~تعالى بهم الأرض. وقيل : الرس بئر بأنطاكية ، قتل أهلها حبيبا النجار ~~وألقوه فيها .. # واختار ابن جرير رحمه الله أن أصحاب الرس هم أصحاب الأخدود ، الذين ذكروا ~~في سورة البروج. # وقد ذكر بعض المفسرين في شأنهم روايات ، رأينا أن نضرب عنها صفحا لضعفها ~~ونكارتها. # واسم الإشارة في قوله ms4208 تعالى : ( @QUR@04 وقرونا بين ذلك كثيرا ) يعود إلى ~~عاد وثمود وأصحاب الرس ، والقرون : جمع قرن. # والمراد به هنا : الجيل من الناس الذين اقترنوا في الوجود في زمان واحد ~~من الأزمنة. # أى : وأهلكنا قرونا كثيرة بين قوم عاد وثمود وأصحاب الرس. لأن تلك القرون ~~سارت على شاكلة أمثالهم من الكافرين والفاسقين. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 وكلا ضربنا له الأمثال .. ) @QUR@01 . بيان ~~لمظهر من مظاهر رحمة الله تعالى : حيث إنه سبحانه لا يهلك الأمم إلا بعد أن ~~يسوق لها ما يرشدها ، فتأبى إلا السير في طريق الغي والعصيان. و «كلا» منصوب ~~بفعل مضمر يدل عليه ما بعده. فإن ضرب المثل في معنى التذكير والتحذير ، ~~والتنوين عوض عن المضاف إليه. PageV10P197 # أى : وأنذرنا كل فريق من القرون الماضية المكذبة ، وضربنا له الأمثال ~~الحكيمة الكفيلة بإرشاده إلى طريق الحق ، ولكنه استحب العمى على الهدى ، ~~والضلالة على الهداية ، فكانت عاقبته كما قال تعالى بعد ذلك ( @QUR@03 وكلا ~~تبرنا تتبيرا ) @QUR@01 . # أى : وكل قرن من هؤلاء المكذبين أهلكناه إهلاكا لا قيام له منه ، وأصل ~~التتبير : التفتيت. وكل شيء فتته وكسرته فقد تبرته. ومنه التبر لفتات الذهب ~~والفضة. # والمراد به هنا التمزيق والإهلاك الشديد الذي يستأصل من نزل به. # ثم وبخ سبحانه مشركي مكة على عدم اعتبارهم واتعاظهم بما يرون من آثار ~~فقال تعالى : ( @QUR@016 ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء ، أفلم ~~يكونوا يرونها ، بل كانوا لا يرجون نشورا ) @QUR@01 . # والمراد بالقرية هنا : قرية سدوم التي هي أكبر قرى قوم لوط ، والتي جعل ~~الله تعالى عاليها سافلها. والمراد بما أمطرت به : الحجارة التي أنزلها ~~الله تعالى عليها ، كما قال تعالى : ( @QUR@08 فجعلنا عاليها سافلها ~~وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل ) (1). # والسوء بفتح السين وتشديدها مصدر ساءه. أى : فعل به ما يكره. والسوء ~~بالضم والتشديد اسم منه. # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@03 أفلم يكونوا يرونها ) للتقريع ~~والتوبيخ على عدم الاعتبار بما يرونه من أمور تدعو كل عاقل إلى التدبر ~~والتفكر والاتعاظ. # أى : أقسم لك أيها الرسول الكريم أن هؤلاء المشركين الذين اتخذوا القرآن ~~مهجورا ، كانوا وما زالوا يمرون ms4209 مصبحين وبالليل على قرية قوم لوط ، التي ~~دمرناها تدميرا ، بسبب فسوق أهلها وفجورهم ، وكانوا يرون ما حل بها من خراب .. # ولكنهم لكفرهم بك والبعث والحساب ، لم يتأثروا بما رأوا ، ولم يعتبروا ~~بما شاهدوا ، وسيندمون يوم القيامة على كفرهم ولكن لن ينفعهم الندم. # وصدر سبحانه الآية الكريمة بلام القسم وقد ، لتأكيد رؤيتهم لتلك القرية ~~التي أمطرت مطر السوء. # والمراد برؤيتها ، رؤية ما حل بها من خراب ودمار كما قال تعالى : ( ~~@QUR@02 وإنكم لتمرون PageV10P198 # @QUR@05 عليهم مصبحين* وبالليل أفلا تعقلون ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 بل كانوا لا يرجون نشورا ) بيان للسبب الذي ~~جعلهم لا يعتبرون ولا يتعظون. # أى : أنهم كانوا يرون عاقبة أهل تلك القرية التي جعلنا عاليها سافلها ، ~~ولكن تكذيبهم بالبعث والنشور ، والثواب والعقاب يوم القيامة ، حال بينهم ~~وبين الاعتبار والاتعاظ والإيمان بالحق ، وجعلهم يمرون بما يدعو إلى التدبر ~~والتفكر ، ولكنهم لعدم توقعهم للقاء الله ، ولعدم إيمانهم بالجزاء يوم ~~القيامة قست قلوبهم وانطمست بصائرهم ، وصاروا كما قال تعالى : ( @QUR@018 ~~وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون* وما يؤمن ~~أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) (2). # وبعد هذا العرض لأحوال بعض الأمم الماضية ، عادت السورة الكريمة إلى بيان ~~ما كان المشركون يقولونه عند رؤيتهم للنبي صلى الله عليه وسلم وإلى بيان سوء ~~عاقبتهم ، وفرط جهالاتهم ، قال تعالى : # ( @QUR@011 وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا (41) ~~@QUR@018 إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لو لا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين ~~يرون العذاب من أضل سبيلا (42) @QUR@09 أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون ~~عليه وكيلا (43) @QUR@015 أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا ~~كالأنعام بل هم أضل سبيلا ) (44) PageV10P199 # قال الإمام ابن كثير رحمه الله : يخبر تعالى عن استهزاء المشركين بالرسول ~~صلى الله عليه وسلم إذا رأوه ، كما قال تعالى : ( @QUR@012 وإذا رآك الذين ~~كفروا إن يتخذونك إلا هزوا ، أهذا الذي يذكر آلهتكم .. ) @QUR@01 . يعنونه ~~بالعيب والنقص .. (1). # ومن عجب أن هؤلاء المشركين الذين كانوا يستهزئون بالرسول صلى الله عليه وسلم ~~بعد بعثته إليهم ، هم أنفسهم الذين ms4210 كانوا يلقبونه قبل بعثته بالصادق الأمين ~~، وما حملهم على هذا الكذب والجحود إلا الحسد والعناد. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 أهذا الذي بعث الله رسولا ) مقول لقول محذوف ~~وعائد الموصول محذوف أيضا . أى : كلما وقعت أبصار أعدائك عليك أيها الرسول ~~الكريم سخروا منك ، واستنكروا نبوتك ، وقالوا على سبيل الاستبعاد والتهكم : ~~أهذا هو الإنسان الذي بعثه الله تعالى ليكون رسولا إلينا. وقولهم هذا الذي ~~حكاه القرآن عنهم ، يدل على أنهم بلغوا أقصى درجات الجهالة وسوء الأدب. # ثم يشير القرآن إلى كذبهم فيما قالوه ، لأنهم مع إظهارهم للسخرية منه ~~صلى الله عليه وسلم كانوا في واقع أمرهم ، وحقيقة حالهم يعترفون له بقوة الحجة ~~، وهذا ما حكاه القرآن عنهم في قوله : ( @QUR@010 إن كاد ليضلنا عن آلهتنا ~~لو لا أن صبرنا عليها ) @QUR@01 . # أى : أنهم كانوا يقولون فيما بينهم : إن هذا الرسول كاد أن يصرفنا بقوة ~~حجته عن عبادة آلهتنا. لو لا أننا قاومنا هذا الشعور وثبتنا على عبادة ~~أصنامنا. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@05 إن كاد ليضلنا عن آلهتنا ) أى : يصرفنا ~~عن عبادتها صرفا كليا بحيث يبعدنا عنها لا عن عبادتها فقط. لو لا أن صبرنا ~~عليها واستمسكنا بعبادتها ... وهذا اعتراف منهم بأنه صلى الله عليه وسلم قد ~~بلغ من الاجتهاد في الدعوة إلى التوحيد .. ما شارفوا معه أن يتركوا دينهم ~~لو لا فرط جهالاتهم ولجاجهم وغاية عنادهم (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@08 وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا ) ~~تهديد لهم على سوء أدبهم ، وعلى جحودهم للحق بعد أن تبين لهم. # أى : وسوف يعلم هؤلاء الكافرون حين يرون العذاب ماثلا أمام أعينهم ، من ~~أبعد طريقا عن الحق ، أهم أم المؤمنون. PageV10P200 # فالجملة الكريمة وعيد شديد لهم على استهزائهم بالرسول الكريم الذي جاءهم ~~ليخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. # ثم يهملهم القرآن ويتركهم في طغيانهم يعمهون ، ويلتفت بالخطاب إلى الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ليسرى عن نفسه ، وليسليه عما لحقه منهم ، وليبين له حقيقة ~~حالهم فيقول : ( @QUR@09 أرأيت من اتخذ إلهه هواه ، أفأنت تكون عليه وكيلا ~~.. ) @QUR@01 . # والاستفهام في قوله سبحانه ( @QUR@01 أرأيت ) للتعجب ms4211 من شناعة أحوالهم ، ~~ومن قبح تفكيرهم. # والمراد ب ( @QUR@01 هواه ) ما يستحسنه من تصرفات حتى ولو كانت في نهاية ~~القبح والسخف. # قال ابن عباس : كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمانا ، فإذا ~~رأى غيره أحسن منه عبد الثاني وترك الأول. # والمعنى : انظر وتأمل أيها الرسول الكريم في أحوال هؤلاء الكافرين فإنك ~~لن ترى جهالة كجهالاتهم ، لأنهم إذا حسن لهم هواهم شيئا اتخذوه إلها لهم. ~~مهما كان قبح تصرفهم. وانحطاط تفكيرهم .. # فهل مثل هؤلاء يصلحون لأن تهتم بأمرهم ، أو تحزن لاستهزائهم؟ كلا إنهم لا ~~يصلحون لذلك ، وعليك أن تمضى في طريقك فأنت لا تقدر على حفظهم أو كفالتهم ~~أو هدايتهم ، وإنما نحن الذين نقدر على ذلك ، وسنتصرف معهم بما تقضتيه ~~حكمتنا ومشيئتنا. # فقوله تعالى : ( @QUR@04 أفأنت تكون عليه وكيلا ) استئناف مسوق لاستبعاد ~~كونه صلى الله عليه وسلم وكيلا أو حفيظا لهذا الذي اتخذ إلهه هواه ، ~~والاستفهام للنفي والإنكار. أى : إنك أيها الرسول الكريم لا قدرة لك على ~~حفظه من الوقوع في الكفر والضلال. # ثم أضاف سبحانه إلى توبيخهم السابق توبيخا أشد وأنكى فقال تعالى : ( ~~@QUR@07 أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون. ) @QUR@01 . # و «أم» هنا : هي المنقطعة ، وهي تجمع في معناها بين الإضراب الانتقالى ، ~~والاستفهام الإنكارى. # أى : بل أتحسب أن أكثر هؤلاء الكافرين يسمعون ما ترشدهم إليه سماع تدبر ~~وتعقل ، أو يعقلون ما تأمرهم به أو تنهاهم عنه بانفتاح بصيرة ، وباستعداد ~~لقبول الحق .. # كلا إنهم ليسوا كذلك ، لاستيلاء الجحود والحسد على قلوبهم. PageV10P201 # وقال سبحانه ( @QUR@04 أم تحسب أن أكثرهم .. ) @QUR@01 . لأن هناك قلة ~~منهم كانت تعرف الحق معرفة حقيقية ، ولكن المكابرة والمعاندة ومتابعة الهوى ~~.. حالت بينها وبين الدخول فيه ، واتباع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم . # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ) ذم لهم ~~على عدم انتفاعهم بالهداية التي أرسلها الله تعالى إليهم. # أى : هؤلاء المشركون ليسوا إلا كالأنعام في عدم الانتفاع بما يقرع قلوبهم ~~وأسماعهم من توجيهات حكيمة ، بل هم أضل سبيلا من الأنعام : لأن الأنعام ~~تنقاد لصاحبها ms4212 الذي يحسن إليها ، أما هؤلاء فقد قابلوا نعم الله بالكفر ~~والجحود. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى ذكر الأكثر؟ قلت : كان فيهم من لا ~~يصده عن الإسلام إلا داء واحد ، وهو حب الرياسة ، وكفى به داء عضالا. # فإن قلت : كيف جعلوا أضل من الأنعام؟ قلت : لأن الأنعام تنقاد لأربابها ~~التي تعلفها وتتعهدها ، وتعرف من يحسن إليها ممن يسيء إليها ، وتطلب ما ~~ينفعها وتتجنب ما يضرها ، وتهتدى لمراعيها ومشاربها ، وهؤلاء لا ينقادون ~~لربهم ، ولا يعرفون إحسانه إليهم ، من إساءة الشيطان الذي هو عدوهم ، ولا ~~يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ، ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار ~~والمهالك .. (1). # وهكذا نرى الآيات الكريمة تصف هؤلاء المستهزئين برسولهم صلى الله عليه وسلم ~~بأوصاف تهبط بهم عن درجة الأنعام ، وتتوعدهم بما يستحقونه من عذاب مهين. # * * * # ثم تنتقل السورة بعد ذلك إلى الحديث عن مظاهر قدرة الله تعالى وعن جانب ~~من الآلاء التي أنعم بها على عباده ، فإن من شأن هذه النعم المبثوثة في هذا ~~الكون ، أن تهدى المتفكر فيها إلى منشئها وواهبها وإلى وجوب إخلاص العبادة ~~له ، قال تعالى : # ( @QUR@016 ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا ~~الشمس عليه دليلا (45) PageV10P202 # @QUR@05 ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا (46) @QUR@011 وهو الذي جعل لكم ~~الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا (47) @QUR@013 وهو الذي أرسل ~~الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا (48) @QUR@010 ~~لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا (49) @QUR@09 ~~ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا (50) @QUR@07 ولو ~~شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا (51) @QUR@07 فلا تطع الكافرين وجاهدهم به ~~جهادا كبيرا (52) @QUR@015 وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح ~~أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا (53) @QUR@012 وهو الذي خلق من الماء ~~بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا ) (54) # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@07 ألم تر إلى ربك كيف مد الظل .. ) ~~@QUR@01 . يجوز أن تكون هذه الرؤية من رؤية العين ، ويجوز أن تكون من العلم. # قال الحسن وقتادة وغيرهما : مد ms4213 الظل من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. وحكى ~~أبو عبيدة عن رؤبة أنه قال : «كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وظل ~~، وما لم تكن عليه الشمس فهو ظل» (1). # والجملة الكريمة شروع في بعض دلائل قدرته سبحانه وواسع رحمته ، إثر بيان ~~جهالات المشركين ، وغفلتهم عما في هذا الكون من آثار تدل على وحدانية الله ~~تعالى . PageV10P203 # والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والاستفهام للتقرير. # والمعنى لقد رأيت أيها الرسول الكريم بعينيك ، وتأملت بعقلك وبصيرتك ، في ~~صنع ربك الذي أحسن كل شيء خلقه ، وكيف أنه سبحانه مد الظل ، أى : بسطه ~~وجعله واسعا متحركا مع حركة الأرض في مواجهة الشمس ، وجعله مكانا يستظل فيه ~~الناس من وهج الشمس وحرها ، فيجدون عنده الراحة بعد التعب .. وهذا من عظيم ~~رحمة ربك بعباده. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 ولو شاء لجعله ساكنا ) جملة معترضة لبيان مظهر ~~من مظاهر قدرته تعالى . أى : «ولو شاء» سبحانه لجعل هذا الظل «ساكنا» أى : ~~ثابتا دائما مستقرا على حالة واحدة بحيث لا تزيله الشمس ، ولا يذهب عن وجه ~~الأرض ، ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك ، لأن مصلحة خلقه ومنفعتهم في وجوده على ~~الطريقة التي أوجده عليها بمقتضى حكمته. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ) معطوف على قوله ( ~~@QUR@02 مد الظل ) داخل في حكمه. أى : ألم تر إلى عجيب صنع ربك كيف مد الظل ~~، ثم جعلنا بقدرتنا وحكمتنا الشمس دليلا عليه ، إذ هو يزول بتسلطها عليه ~~ويظهر عند احتجابها عنه ، ويستدل بأحوالها على أحواله ، فهو يتبعها كما ~~يتبع الإنسان من يدله على الشيء ، من حيث إنه يزيد كلما احتجبت عنه ، ~~ويتقلص كلما ظهرت عليه. # قال الجمل : قوله : ( @QUR@05 ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ) أى : جعلنا ~~الشمس بنسخها الظل عند مجيئها دالة على أن الظل شيء ، لأن الأشياء تعرف ~~بأضدادها ، ولو لا الشمس ما عرف الظل ، ولو لا النور ما عرفت الظلمة .. ولم ~~يؤنث الدليل وهو صفة للشمس لأنه في معنى الاسم ، كما يقال : الشمس برهان ، ~~والشمس حق (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@05 ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا ) معطوف ms4214 أيضا على ~~«مد» وداخل في حكمه. # والقبض : ضد المد والبسط. واليسير : السهل الذي لا عسر فيه. # أى : ثم قبضنا ذلك الظل الممدود بقدرتنا وحكمتنا قبضا يسيرا وهينا علينا. ~~بأن محوناه بالتدريج عند إيقاعنا الشمس عليه. حتى انتهى أمره إلى الزوال ~~والاضمحلال. # وقال سبحانه : ( @QUR@01 إلينا ) للتنصيص على أن مد الظل وقبضه مرجعه إليه PageV10P204 # تعالى وحده. فليس في إمكان أحد سواه عز وجل أن يفعل ذلك. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@05 ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا ) أى : ~~على مهل. وفي هذا القبض اليسير شيئا بعد شيء من المنافع ما لا يعد ولا ~~يحصر. ولو قبض دفعة واحدة لتعطلت أكثر مرافق الناس بالظل والشمس جميعا. # فإن قلت : «ثم» في هذين الموضعين كيف موقعها؟ قلت : موقعها لبيان تفاضل ~~الأمور الثلاثة : كان الثاني أعظم من الأول ، والثالث أعظم منهما ، تشبيها ~~لتباعد ما بينهما في الفضل ، بتباعد ما بين الحوادث في الوقت ... ويحتمل أن ~~يريد قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه وهي الأجرام التي تبقى الظل ، فيكون ~~قد ذكر إعدامه بإعدام أسبابه (1). # ثم انتقلت السورة من الحديث عن الظل ومده وقبضه. إلى الحديث عن الليل ~~والنوم والنهار. فقال تعالى : ( @QUR@011 وهو الذي جعل لكم الليل لباسا ، ~~والنوم سباتا وجعل النهار نشورا ) @QUR@01 . ولباسا : أى : ساترا بظلامه ~~كما يستر اللباس ما تحته. # والسبات : الانقطاع عن الحركة مع وجود الروح في البدن ، مأخوذ من السبت ~~بمعنى القطع أو الراحة والسكون ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@03 وجعلنا نومكم ~~سباتا ) أى راحة لأبدانكم. # والنشور : بمعنى الانتشار والحركة لطلب المعاش. أى : وهو سبحانه الذي جعل ~~لكم أيها الناس الليل «لباسا» أى : ساترا لكم يستركم كما يستر اللباس ~~عوراتكم ، وجعل لكم النوم «سباتا» أى : راحة لأبدانكم من عناء العمل. وما ~~يصاحبه من مشقة وتعب ، وجعل سبحانه النهار «نشورا» أى : وقتا مناسبا ~~لانتشاركم فيه ، وللسير في مناكب الأرض ، طلبا للرزق والكسب ووسائل ~~المعيشة. # وهكذا تتقلب الحياة بالإنسان وهو تارة تحت جنح الليل الساتر ، وتارة ~~مستغرق في نومه ، وتارة يكدح لطلب معاشه. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@09 وجعلنا نومكم ms4215 سباتا* وجعلنا ~~الليل لباسا* وجعلنا النهار معاشا ) (2). # ثم ذكر سبحانه نعمته في الرياح ، حيث تكون بشيرا بالأمطار التي تحيى ~~الأرض بعد موتها ، فقال تعالى : ( @QUR@08 وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين ~~يدي رحمته ) @QUR@01 . PageV10P205 # وبشرا : أى : مبشرات بنزول الغيث المستتبع لمنفعة الخلق. # أى : وهو سبحانه الذي أرسل بقدرته الرياح لتكون بشيرا لعباده بقرب نزول ~~رحمته المتمثلة في الغيث الذي به حياة الناس والأنعام وغيرهما. # قال الجمل : «الرياح» أى : المبشرات وهي الصبا وتأتى من جهة مطلع الشمس ~~والجنوب والشمال ، والدبور وتأتى من ناحية مغرب الشمس وفي قراءة سبعية : ~~وهو الذي أرسل الريح .. على إرادة الجنس ، و «بشرا» قرئ بسكون الشين وضمها ~~وقرئ أيضا نشرا ، أى : متفرقة قدام المطر (1). # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@013 وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما ~~قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد ) (2). # ثم ذكر سبحانه ما ترتب على إرسال الرياح من خير فقال : ( @QUR@05 وأنزلنا ~~من السماء ماء طهورا .. ) @QUR@01 . # أى : وأنزلنا من السماء ماء طاهرا في ذاته ، مطهرا لغيره ، سائغا في شربه ~~، نافعا للإنسان والحيوان والنبات والطيور وغير ذلك من المخلوقات. # ووصف سبحانه الماء بالطهور زيادة في الإشعار بالنعمة وزيادة في إتمام ~~المنة ، فإن الماء الطهور أهنأ وأنفع مما ليس كذلك. # وقوله تعالى : ( @QUR@010 لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما ~~وأناسي كثيرا ) @QUR@01 . # أى : أنزلنا من السماء ماء طهورا ، لنحيي بهذا الماء بلدة ، أى : أرضا ~~جدباء لا نبات فيها لعدم نزول المطر عليها ، ولكي نسقى بهذا الماء أيضا ~~«أنعاما» أى : إبلا وبقرا وغنما «وأناسى كثيرا» أى : وعددا كثيرا من الناس. ~~فالأناسى : جمع إنسان وأصله أناسين فقلبت نونه ياء وأدغمت فيما قبلها. # وقدم سبحانه إحياء الأرض ، لأن خروج النبات منها بسبب المطر تتوقف عليه ~~حياة الناس والأنعام وغيرهما. # وخص الأنعام بالذكر ، لأن مدار معاشهم عليها ، ولذا قدم سقيها على سقيهم. PageV10P206 # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم خص الأنعام من بين ما خلق من الحيوان ~~الشارب؟. # قلت : لأن الطير والوحش تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب بخلاف ~~الأنعام .. # فإن قلت : فما ms4216 معنى تنكير الأنعام والأناسى ووصفها بالكثرة؟ # قلت : معنى ذلك أن علية الناس وجلهم منيخون بالقرب من الأودية والأنهار ~~ومنابع الماء ، فيهم غنية عن سقى السماء ، وأعقابهم وهم كثير منهم لا ~~يعيشهم إلا ما ينزل الله من رحمته وسقيا سمائه. # فإن قلت : لم قدم إحياء الأرض وسقى الأنعام على سقى الأناسى؟ # قلت : لأن حياة الأناسى بحياة أرضهم وحياة أنعامهم ، فقدم ما هو سبب ~~حياتهم وتعيشهم على سقيهم ، ولأنهم إذا ظفروا بما يكون سقيا لأرضهم ~~ومواشيهم لم يعدموا سقياهم (1). # والضمير المنصوب في قوله تعالى : ( @QUR@04 ولقد صرفناه بينهم ليذكروا .. ~~) @QUR@01 . يعود إلى الماء الطهور الذي سبق الحديث عنه. # والتصريف : التكرير والتنويع والانتقال من حال إلى حال. # أى : ولقد صرفنا هذا المطر النازل من السماء فأنزلناه بين الناس في ~~البلدان المختلفة ، وفي الأوقات المتفاوتة ، وعلى الصفات المتغايرة ، ~~فنزيده في بعض البلاد وننقصه أخرى ، ونمنعه عن بعض الأماكن .. كل ذلك على ~~حسب حكمتنا ومشيئتنا. # وقد فعلنا ما فعلنا لكي يعتبر الناس ويتعظوا ويخلصوا العبادة لنا. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@02 ولقد صرفناه ) الضمير للماء المنزل من ~~السماء ، وتصريفه : تحويل أحواله ، وأوقاته وإنزاله على أنحاء مختلفة. # وقال بعضهم : هو راجع الى القول المفهوم من السياق ، وهو ما ذكر فيه ~~إنشاء السحاب وإنزال المطر ، وتصريفه : تكريره ، وذكره على وجوه ولغات ~~مختلفة. # والمعنى : ولقد كررنا هذا القول وذكرناه على أنحاء مختلفة في القرآن ~~وغيره من الكتب السماوية بين الناس ليتفكروا .. # وأخرج ابن المنذر وابن أبى حاتم عن عطاء الخراساني أنه عائد على القرآن. ~~ألا ترى PageV10P207 # قوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@02 وجاهدهم به ) وحكاه في البحر عن ابن ~~عباس. والمشهور عنه ما تقدم ، ولعل المراد ما ذكر فيه من الأدلة على كمال ~~قدرته تعالى (1). # ويبدو لنا أن أقرب الأقوال إلى الصواب هو القول الأول ، لأن سياق الحديث ~~عن المطر النازل من السماء بقدرة الله تعالى ولأن هذا القول هو المأثور عن ~~جمع من الصحابة والتابعين ، كابن عباس ، وابن مسعود وعكرمة ، ومجاهد وقتادة ~~.. وغيرهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 فأبى أكثر الناس إلا كفورا ) بيان لموقف أكثر ms4217 ~~الناس من نعم الله تعالى . أى : أنزلنا المطر ، وصرفناه بين الناس ليعتبروا ~~ويتعظوا ، فأبى أكثرهم إلا الجحود لنعمنا ، ومقابلتها بالكفران ، وإسنادها ~~إلى غيرنا ممن لا يخلقون شيئا وإنما هم عباد لنا ، وخلقنا. # وفي صحيح مسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال يوما لأصحابه بعد نزول ~~المطر من السماء : «أتدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا : الله ورسوله أعلم. فقال ~~صلى الله عليه وسلم : «قال ربكم ، أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ، فأما من قال ~~: مطرنا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي كافر بالكواكب ، وأما من قال مطرنا ~~بنوء كذا وكذا ، فذاك كافر بي مؤمن بالكواكب» (2). # والنوء بتشديد النون وفتحها وسكون الواو : سقوط نجم في المغرب مع الفجر ، ~~وطلوع آخر يقابله من ساعته بالمشرق. # وقال سبحانه : ( @QUR@03 فأبى أكثر الناس .. ) @QUR@01 . لمدح القلة ~~المؤمنة منهم ، وهم الذين قابلوا نعم الله تعالى بالشكر والطاعة. # ثم ذكر سبحانه ما يدل على رفعة منزلة نبيه صلى الله عليه وسلم فقال : ( ~~@QUR@07 ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا ) @QUR@01 . أى : ولو شئنا ~~لبعثنا في زمنك أيها الرسول الكريم في كل قرية من القرى نذيرا ينذر أهلها ~~بسوء عاقبة الكفر والجحود ، ويكون عونا لك على تحمل أعباء الرسالة التي ~~أرسلناك بها ... ولكنا لم نشأ ذلك تكريما لك وتعظيما لقدرك ، حيث خصصناك ~~بعموم الرسالة لجميع الناس. وما دام الأمر كذلك «فلا تطع الكافرين» فيما ~~يريدونه منك من أمور باطلة فاسدة «وجاهدهم به» أى : بهذا القرآن ، عن طريق ~~قراءته والعمل بما فيه ، وبيان ما اشتمل عليه من دلائل وبراهين على صحة دعوتك. PageV10P208 # وقوله تعالى : ( @QUR@02 جهادا كبيرا ) مؤكد لما قبله. أى : جاهدهم ~~بالقرآن جهادا كبيرا مصحوبا بالإغلاظ عليهم تارة ، وبإبطال شبهاتهم ~~وأراجيفهم تارة أخرى. # قال تعالى : ( @QUR@012 يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ ~~عليهم ، ومأواهم جهنم وبئس المصير ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@015 وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح ~~أجاج ، وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا ) بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته ~~عز وجل . # و «مرج» من المرج بمعنى الإرسال والتخلية ، ومنه قولهم. مرج ms4218 فلان دابته ~~إذا أرسلها إلى المرج وهو المكان الذي ترعى فيه الدواب ، ويصح أن يكون من ~~المرج بمعنى الخلط ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@04 فهم في أمر مريج ) أى : ~~مختلط. ومنه قيل للمرعى : مرج ، لاختلاط الدواب فيه بعضها ببعض. # والعذب الفرات : هو الماء السائغ للشرب ، الذي يشعر الإنسان عند شربه ~~باللذة ، وهو ماء الأنهار وسمى فراتا لأنه يفرت العطش ، أى يقطعه ويكسره ~~ويزيله. # والملح الأجاج : هو الشديد الملوحة والمرارة وهو ماء البحار. سمى أجاجا ~~من الأجيج وهو تلهب النار ، لأن شربه يزيد العطش. # والبرزخ. الحاجز الذي يحجز بين الشيئين. # أى : وهو سبحانه الذي أرسل البحرين. العذب والمالح في مجاريهما متجاورين ~~، كما ترسل الدواب في المراعى. أو جعلهما بقدرته في مجرى واحد ومع ذلك لا ~~يختلط أحدهما بالآخر : بل جعل سبحانه بينهما «برزخا» أى : حاجزا عظيما ، ~~وحجرا محجورا. # أى : وجعل كل واحد منهما حراما محرما على الآخر أن يفسده. # والمراد : لزوم كل واحد منهما صفته التي أوجده الله عليها ، فلا ينقلب ~~العذب في مكانه ملحا ، ولا الملح في مكانه عذبا. # قال تعالى : ( @QUR@07 مرج البحرين يلتقيان ، بينهما برزخ لا يبغيان ) (1). # وقال سبحانه : ( @QUR@021 أمن جعل الأرض قرارا ، وجعل خلالها أنهارا ، ~~وجعل لها رواسي ، وجعل بين البحرين حاجزا ، أإله مع الله ، بل أكثرهم لا ~~يعلمون ) (2). PageV10P209 # وهذا الحاجز الذي جعله سبحانه بين البحرين : العذب والملح ، من أكبر ~~الأدلة وأعظمها على قدرة الله تعالى ، وعلى أن لهذا الكون إلها صانعا حكيما ~~مدبرا وأن كل شيء في هذا الكون يسير بنظام معلوم ، وبنسق مرسوم. # وبعد هذا الحديث المتنوع عن مظاهر قدرة الله تعالى في الظل وفي الرياح ~~وفي الماء .. # جاء الحديث عن خلق الإنسان. فقال تعالى : ( @QUR@09 وهو الذي خلق من ~~الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا ... ) @QUR@01 . # والمراد بالماء : ماء النطفة ، وبالبشر الإنسان. أو المراد بالماء : ~~الماء المطلق الذي أشار إليه سبحانه في قوله : ( @QUR@06 وجعلنا من الماء ~~كل شيء حي ) @QUR@01 . # أى : وهو سبحانه الذي خلق من ماء النطفة إنسانا «فجعله نسبا وصهرا» أى : ~~فجعل من جنس هذا الإنسان ذوى نسب : وهم ms4219 الذكور الذين ينتسب إليهم بأن يقال ~~فلان بن فلان ، كما جعل من جنسه أيضا ذوات صهر وهن الإناث ، لأنهن موضع ~~المصاهرة. # والصهر يطلق على أهل بيت المرأة وأقاربها ، كالأبوين والإخوة والأعمام ~~والأخوال ، فهؤلاء يعتبرون أصهارا لزوج المرأة. # قال صاحب الكشاف : قسم سبحانه البشر قسمين : ذوى نسب ، أى : ذكورا ينسب ~~إليهم فيقال : فلان بن فلان وفلانة بنت فلان وذوات صهر : أى : إناثا يصاهر ~~بهن ونحوه قوله تعالى : ( @QUR@05 فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ) (1). # ( @QUR@03 وكان ربك قديرا ) حيث خلق سبحانه من النطفة الواحدة بشرا نوعين ~~: ذكرا وأنثى (2). # وإلى هنا نرى هذه الآية الكريمة قد اشتملت على ستة أدلة محسوسة على ~~وحدانية الله تعالى وقدرته. وهذه الأدلة الستة هي. الظلال قبضا وبسطا ، ~~والليل والنهار راحة ونشورا ، والرياح بشرا بين يدي رحمته ، والأمطار حياة ~~للناس والأنعام وغيرهما ، ومرج البحرين أحدهما عذب فرات والآخر ملح أجاج ، ~~وخلق الإنسان من نطفة منها الذكر ومنها الأنثى. # * * * # ثم بينت السورة الكريمة بعد ذلك موقف المشركين من هذه النعم العظيمة كما ~~بينت وظيفة PageV10P210 # النبي صلى الله عليه وسلم وأمرته بالمضي في دعوته متوكلا على الله تعالى ~~وحده الذي خلق فسوى. وقدر فهدى .. قال تعالى : # ( @QUR@014 ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ~~ربه ظهيرا (55) @QUR@05 وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا (56) @QUR@014 قل ما ~~أسئلكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا (57) @QUR@013 وتوكل ~~على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا (58) @QUR@017 ~~الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~الرحمن فسئل به خبيرا (59) @QUR@013 وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما ~~الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا (60) @QUR@011 تبارك الذي جعل في ~~السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا (61) @QUR@013 وهو الذي جعل ~~الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ) (62) # والضمير في قوله تعالى : ( @QUR@01 ويعبدون .. ) @QUR@01 . يعود على ~~الكافرين ، الذين عموا وصموا عن الحق. # أى : أن هؤلاء الكافرين يتركون عبادة الله تعالى الواحد القهار ، ويعبدون ~~من دونه ms4220 آلهة لا تنفعهم عبادتها إن عبدوها ، ولا تضرهم شيئا من الضرر إن ~~تركوا عبادتها. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 وكان الكافر على ربه ظهيرا ) بيان لما وصل إليه ~~هؤلاء الكافرون من حمق وجهالة وجحود. فالمراد بالكافر : جنسه PageV10P211 # والظهير : المعين. يقال : ظاهر فلان فلانا إذا أعانه وساعده. وظهير بمعنى ~~مظاهر. أى : وكان هؤلاء الكافرون مظاهرين ومعاونين للشيطان وحزبه ، على ~~الإشراك بالله تعالى الذي خلقهم ، وعلى عبادة غيره سبحانه . # ويصح أن يكون الكلام على حذف مضاف. أى : وكان الكافر على حرب دين ربه ، ~~ورسول ربه ، مظاهرا للشيطان على ذلك. # وقال سبحانه ( @QUR@03 على ربه ظهيرا ) لتفظيع جريمة هذا الكافر وتبشيعها ~~، حيث صوره سبحانه بصورة من يعاون على محاربة خالقه ورازقه ومربيه وواهبه ~~الحياة. # ثم بين سبحانه الوظيفة التي من أجلها أرسل رسوله فقال : ( @QUR@05 وما ~~أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا ) @QUR@01 . # أى : وما أرسلناك أيها الرسول الكريم إلى الناس جميعا ، إلا لتبشرهم ~~بثواب الله تعالى ورضوانه إذا أخلصوا له العبادة والطاعة ، ولتنذرهم بعقابه ~~وغضبه ، إن هم استمروا على كفرهم وشركهم ، فبلغ رسالتنا أيها الرسول ومن ~~شاء بعد ذلك فليؤمن ومن شاء فليكفر. # و ( @QUR@01 قل ) لهم على سبيل النصح والإرشاد ودفع التهمة عن نفسك ( ~~@QUR@05 ما أسئلكم عليه من أجر ) @QUR@01 . أى : ما أسألكم على هذا التبليغ ~~والتبشير والإنذار من أجر ، إن أجرى إلا على الله تعالى وحده. # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا ) استثناء منقطع. # أى : لا أسألكم على تبليغى لرسالة ربي أجرا منكم ، لكن من شاء منكم أن ~~يتخذ إلى مرضاة ربه سبيلا ، عن طريق الصدقة والإحسان إلى الغير ، فأنا لا ~~أمنعه من ذلك. # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( @QUR@07 إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه ) ~~أى : إلى رحمته ورضوانه ( @QUR@01 سبيلا ) أى طريقا. والاستثناء عند ~~الجمهور منقطع ، أى : لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبحانه سبيلا ، أى : ~~بالإنفاق القائم مقام الأجر ، كالصدقة في سبيل الله ، فليفعل. # وذهب البعض إلى أنه متصل. وفي الكلام مضاف مقدر ، أى : إلا فعل من شاء أن ~~يتخذ إلى ربه سبيلا ms4221 بالإيمان والطاعة حسبما أدعو إليهما ، أى : فهذا أجرى. # وفي ذلك قلع كلى لشائبة الطمع ، وإظهار لغاية الشفقة عليهم ، حيث جعل ذلك مع كون PageV10P212 # نفعه عائدا عليهم عائدا إليه صلى الله عليه وسلم في صورة الأجر (1). # وعلى كلا الرأيين فالآية الكريمة تدل دلالة واضحة على أن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم لا يطلب أجرا من الناس على دعوته ، ولا يمنعهم من إنفاق ~~جزء من أموالهم في وجه الخير ، وأنه صلى الله عليه وسلم يعتبر إيمانهم بالحق ~~الذي جاء به ، هو بمثابة الأجر له ، حيث إن الدال على الخير كفاعله. # ولقد حكى القرآن الكريم في كثير من آياته ، أن جميع الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام ما سألوا الناس أجرا على دعوتهم إياهم إلى عبادة الله تعالى ~~وطاعته. ومن هذه الآيات قوله سبحانه حكاية عن نوح وهود وصالح ولوط وشعيب : ~~( @QUR@011 وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ) (2). # ثم أمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بالاجتهاد في تبليغ رسالته وبالتوكل ~~عليه وحده ، فقال تعالى : ( @QUR@08 وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح ~~بحمده .. ) @QUR@01 . # أى : سر في طريقك أيها الرسول الكريم لتبليغ دعوتنا ، ولا تلتفت إلى دنيا ~~الناس وأموالهم. وتوكل توكلا تاما على الله تعالى فهو الحي الباقي الذي لا ~~يموت ، أما غيره فإنه ميت وزائل. # ( @QUR@02 وسبح بحمده ) أى : ونزه ربك عن كل نقص ، وأكثر من التقرب إليه ~~بصالح الأعمال. ( @QUR@04 وكفى به بذنوب عباده ) ما ظهر منها وما بطن ، وما ~~بدا منها وما استتر ( @QUR@01 خبيرا ) أى عليما بها علما تاما ، لا يعزب ~~عنه سبحانه مثقال ذرة منها. # ( @QUR@02 الذي خلق ) بقدرته التي لا يعجزها شيء ( @QUR@04 السماوات ~~والأرض وما بينهما ) من هواء وأجرام لا يعلمها إلا هو سبحانه . # ( @QUR@03 في ستة أيام ) من أيامه التي لا يعلم مقدار زمانها إلا هو ~~عز وجل ( @QUR@04 ثم استوى على العرش ) استواء واستعلاء يليق بذاته ، بلا ~~كيف أو تشبيه أو تمثيل ، كما قال الإمام مالك رحمه الله : الكيف غير معقول ، ~~والاستواء غير مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنده بدعة. ms4222 ولفظ «ثم» في ~~قوله ( @QUR@04 ثم استوى على العرش ) لا يدل على الترتيب الزمنى وإنما يدل ~~على بعد الرتبة ، رتبة الاستواء والاستعلاء والتملك. PageV10P213 # وقوله : ( @QUR@01 الرحمن ) أى : هو الرحمن. أى : صاحب الرحمة العظيمة ~~الدائمة بعباده. والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@03 فسئل به خبيرا ) هي ~~الفصيحة. والجار والمجرور صلة «اسأل» وعدى الفعل «اسأل» بالباء لتضمنه معنى ~~الاعتناء ، والضمير يعود إلى ما سبق ذكره من صفات الله تعالى ، ومن عظيم ~~قدرته ورحمته. # والمعنى : لقد بينا لك مظاهر قدرتنا ووحدانيتنا ، فإن شئت الزيادة في هذا ~~الشأن أو غيره ، فاسأل قاصدا بسؤالك ربك الخبير بأحوال كل شيء خبرة مطلقة ، ~~يستوي معها ما ظهر من أمور الناس وما خفى منها. # قال الإمام ابن جرير : وقوله تعالى : ( @QUR@03 فسئل به خبيرا ) يقول : ~~فاسأل يا محمد بالرحمن خبيرا بخلقه ، فإنه خالق كل شيء ولا يخفى عليه ما ~~خلق ، فعن ابن جريج : قوله : ( @QUR@03 فسئل به خبيرا ) @QUR@01 . قال : ~~يقول سبحانه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : إذا أخبرتك شيئا فاعلم أنه كما ~~أخبرتك فأنا الخبير. والخبير في قوله ( @QUR@03 فسئل به خبيرا ) منصوب على ~~الحال من الهاء التي في قوله ( @QUR@01 به ) (1). # ثم أخبر سبحانه عن جهالات المشركين وسخافاتهم فقال : ( @QUR@013 وإذا قيل ~~لهم اسجدوا للرحمن ، قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا ) ~~@QUR@01 . # أى : وإذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه لهؤلاء المشركين : ~~اجعلوا سجودكم وخضوعكم للرحمن وحده ، ( @QUR@01 قالوا ) على سبيل التجاهل ~~وسوء الأدب والجحود : ( @QUR@02 وما الرحمن ) @QUR@01 . أى : وما الرحمن ~~الذي تأمروننا بالسجود له ( @QUR@03 أنسجد لما تأمرنا ) أى : أنسجد لما ~~تأمرنا بالسجود له من غير أن نعرفه ، ومن غير أن نؤمن به. # ( @QUR@02 وزادهم نفورا ) أى : وزادهم الأمر بالسجود نفورا عن الإيمان ~~وعن السجود لله الواحد القهار. # فالآية الكريمة تحكى ما جبل عليه أولئك المشركون من استهتار وتطاول وسوء ~~أدب ، عند ما يدعوهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى إخلاص العبادة لله عز وجل ، ~~وإلى السجود للرحمن الذي تعاظمت رحماته ، وتكاثرت آلاؤه. # ولقد بلغ من تطاول بعضهم أنهم كانوا يقولون : ما نعرف الرحمن إلا ms4223 ذاك ~~الذي باليمامة ، يعنون به مسيلمة الكذاب. PageV10P214 # ثم رد سبحانه على تطاولهم وجهلهم بما يدل على عظيم قدرته عز وجل وعلى جلال ~~شأنه تعالى فقال : ( @QUR@011 تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها ~~سراجا وقمرا منيرا ) @QUR@01 . # والبروج : جمع برج ، وهي في اللغة : القصور العالية الشامخة ، ويدل لذلك ~~قوله تعالى : ( @QUR@09 أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ~~) (1). # والمراد بها هنا : المنازل الخاصة بالكواكب السيارة ، ومداراتها الفلكية ~~الهائلة ، وعددها اثنا عشر منزلا ، هي : الحمل ، والثور ، والجوزاء ، ~~والسرطان ، والأسد ، والسنبلة ، والميزان ، والعقرب ، والقوس ، والجدى ، ~~والدلو ، والحوت. # وسميت بالبروج ، لأنها بالنسبة لهذه الكواكب كالمنازل لساكنيها. # والسراج : الشمس ، كما قال تعالى : ( @QUR@015 ألم تروا كيف خلق الله سبع ~~سماوات طباقا* وجعل القمر فيهن نورا ، وجعل الشمس سراجا ) (2). # أى : جل شأن الله تعالى وتكاثرت آلاؤه ونعمه ، فهو سبحانه الذي جعل في ~~السماء «بروجا» أى : منازل للكواكب السيارة و «وجعل فيها» أى : في السماء ~~«سراجا» وهو الشمس «وجعل فيها» أيضا «قمرا منيرا» أى : قمرا يسطع نوره على ~~الأرض المظلمة ، فيبعث فيها النور الهادي اللطيف. # ثم تنتقل السورة الكريمة الى الحديث عن نعمة أخرى فتقول : ( @QUR@013 وهو ~~الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ) @QUR@01 . # والخلفة. كل شيء يجيء بعد شيء آخر غيره. ومنه خلفة النبات. أى : الورق ~~الذي يخرج منه بعد أن تساقط الورق السابق عليه. # أى : وهو سبحانه الذي جعل الليل والنهار متعاقبين. بحيث يخلف كل واحد ~~منهما الآخر بنظام دقيق ، ليكونا مناسبين «لمن أراد أن يذكر». أى : يتعظ ~~ويعتبر ويتذكر أن الله تعالى لم يجعلهما على هذه الهيئة عبثا فيتدارك ما ~~فاته من تقصير وتفريط في حقوق الله عز وجل «أو أراد شكورا». # أى : وجعلهما كذلك لمن أراد أن يزداد من شكر الله على نعمه التي لا تحصى ~~، والتي من PageV10P215 # أعظمها وجود الليل والنهار على هذه الهيئة الحكيمة ، التي تدل على ~~وحدانية الله تعالى وعظيم قدرته ، وسعة رحمته. # * * * # وبعد هذا الحديث المتنوع عن شبهات المشركين والرد عليها ، وعن مظاهر قدرة ~~الله ms4224 ونعمه على عباده ، وعن الذين إذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما ~~الرحمن ... # بعد كل ذلك جاء الحديث عن عباد الرحمن ، أصحاب المناقب الحميدة ، والصفات ~~الكريمة ، والمزايا التي جعلتهم يتشرفون بالانتساب إلى خالقهم جاء قوله ~~تعالى : # ( @QUR@012 وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم ~~الجاهلون قالوا سلاما (63) @QUR@05 والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما (64) ~~@QUR@011 والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما (65) ~~@QUR@04 إنها ساءت مستقرا ومقاما (66) @QUR@011 والذين إذا أنفقوا لم ~~يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما (67) @QUR@022 والذين لا يدعون مع ~~الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن ~~يفعل ذلك يلق أثاما (68) @QUR@08 يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه ~~مهانا (69) @QUR@016 إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله ~~سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما (70) @QUR@09 ومن تاب وعمل صالحا فإنه ~~يتوب إلى الله متابا (71) @QUR@07 والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو PageV10P216 # @QUR@02 مروا كراما (72) @QUR@010 والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا ~~عليها صما وعميانا (73) @QUR@013 والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا ~~وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما (74) @QUR@09 أولئك يجزون الغرفة ~~بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما (75) @QUR@05 خالدين فيها حسنت مستقرا ~~ومقاما ) (76) # هؤلاء هم عباد الرحمن ، وتلك هي صفاتهم التي ميزتهم عن سواهم. # وقد افتتحت هذه الآيات بقوله تعالى : ( @QUR@07 وعباد الرحمن الذين يمشون ~~على الأرض هونا .. ) @QUR@01 .. # وهذه الجملة الكريمة مبتدأ. والخبر قوله تعالى : ( @QUR@05 أولئك يجزون ~~الغرفة بما صبروا .. ) @QUR@01 .. وما بينهما من الموصولات صفات لهم. # وإضافتهم إلى الرحمن من باب التشريف والتكريم والتفضيل. # و «هونا» مصدر بمعنى اللين والرفق .. وهو صفة لموصوف محذوف. # أى : وعباد الرحمن الذين رضى الله عنهم وأرضاهم ، من صفاتهم أنهم يمشون ~~على الأرض مشيا لينا رقيقا ، لا تكلف فيه ولا خيلاء ولا تصنع فيه ولا ضعف ، ~~وإنما مشيهم تكسوه القوة والجد ، والوقار والسكينة. # قال الإمام ابن كثير : أى : يمشون بسكينة ووقار .. كما قال تعالى : ( ~~@QUR@013 ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا ) ~~(1). وليس المراد ms4225 أنهم يمشون كالمرضى من التصانع ، تصنعا ورياء ، فقد كان ~~سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم إذا مشى كأنما ينحط من صبب أى : من موضع منحدر ~~وكأنما الأرض تطوى له ، وعند ما رأى عمر رضى الله عنه شابا يمشى رويدا قال ~~له : ما بالك؟ أأنت مريض؟ قال : لا فعلاه بالدرة ، وأمره أن يسير بقوة .. (2). PageV10P217 # هذا هو شأنهم في مشيهم ، أما شأنهم مع غيرهم ، فقد وصفهم. سبحانه بقوله : ~~( @QUR@05 وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ). # أى : إذا خاطبهم الجاهلون بسفاهة وسوء أدب ، لم يقابلوهم بالمثل ، بل ~~يقابلوهم بالقول الطيب ، كما قال تعالى في آية أخرى : ( @QUR@015 وإذا ~~سمعوا اللغو أعرضوا عنه ، وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ، سلام عليكم لا ~~نبتغي الجاهلين ) (1). # ثم وصف سبحانه حالهم مع خالقهم فقال : ( @QUR@05 والذين يبيتون لربهم ~~سجدا وقياما ) والبيتوتة أن يدركك الليل سواء كنت نائما أم غير نائم. # أى : أن من صفاتهم أنهم يقضون جانبا من ليلهم ، تارة ساجدين على جباههم ~~لله تعالى وتارة قائمين على أقدامهم بين يديه سبحانه . # وخص وقت الليل بالذكر. لأن العبادة فيه أخشع ، وأبعد عن الرياء ، وشبيه ~~بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@08 تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم ~~خوفا وطمعا. ) @QUR@01 . (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@012 أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر ~~الآخرة ويرجوا رحمة ربه. ) @QUR@01 . (3). # ثم حكى سبحانه جانبا من دعائهم إياه. وخوفهم من عقابه ، فقال : ( @QUR@02 ~~والذين يقولون ) أى : في عامة أحوالهم ، يا ( @QUR@01 ربنا ) بفضلك وإحسانك ~~( @QUR@04 اصرف عنا عذاب جهنم ) بأن تبعده عنا وتبعدنا عنه. # ( @QUR@04 إن عذابها كان غراما ) أى : إن عذابها كان لازما دائما غير ~~مفارق ، منه سمى الغريم غريما لملازمته لغريمه ، ويقال : فلان مغرم بكذا ، ~~إذا كان ملازما لمحبته والتعلق به. # ( @QUR@04 إنها ساءت مستقرا ومقاما ) وساءت بمعنى بئست ، والمخصوص بالذم محذوف. # أى : إن جهنم بئست مستقرا لمن استقر بها ، وبئست مقاما لمن أقام بها. # فالجملة الكريمة تعليل آخر ، لدعائهم بأن يصرفها ربهم عنهم. # ثم بين سبحانه حالهم في سلوكهم وفي معاشهم فقال تعالى : ( @QUR@07 والذين ~~إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا .. ) @QUR@01 .. # أى : أن من صفاتهم ms4226 أنهم ملتزمون في إنفاقهم التوسط ، فلا هم مسرفون ~~ومتجاوزون PageV10P218 # للحدود التي شرعها الله تعالى ولا هم بخلاء في نفقتهم إلى درجة التقتير ~~والتضييق ، وإنما هم خيار عدول يعرفون أن خير الأمور أوسطها. # واسم الإشارة في قوله تعالى : ( @QUR@04 وكان بين ذلك قواما ) يعود إلى ~~المذكور من الإسراف والتقتير. والقوام : الشيء بين الشيئين. وقوام الرجل : ~~قامته وحسن طوله وهيئته ، وهو : خبر لكان ، واسمها : مقدر فيها. # أى : وكان إنفاقهم «قواما» أى وسطا بين الإسراف والتقتير والتبذير والبخل ~~، فهم في حياتهم نموذج يقتدى به في القصد والاعتدال والتوازن. وذلك لأن ~~الإسراف والتقتير كلاهما مفسد لحياة الأفراد والجماعات والأمم ، لأن ~~الإسراف تضييع للمال في غير محله. والتقتير إمساك له عن وجوهه المشروعة ، ~~أما الوسط والاعتدال في انفاق المال ، فهو سمة من سمات العقلاء الذين على ~~أكتافهم تنهض الأمم ، وتسعد الأفراد والجماعات. # وبعد أن بين سبحانه ما هم عليه من طاعات ، أتبع ذلك ببيان اجتنابهم ~~للمعاصي والسيئات فقال : ( @QUR@07 والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ) أى ~~: لا يشركون مع الله تعالى إلها آخر لا في عبادتهم ولا في عقائدهم. وإنما ~~يخلصون وجوههم لله تعالى وحده. # ( @QUR@08 ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ) أى : ولا يقتلون ~~النفس التي حرم الله تعالى قتلها لأى سبب من الأسباب ، إلا بسبب الحق ~~المزيل والمهدر لعصمتها وحرمتها ، ككفر بعد إيمان ، وزنا بعد إحصان ، أو ~~قتل نفس بغير ذنب يوجب قتلها. # ( @QUR@02 ولا يزنون ) أى : ولا يرتكبون فاحشة الزنا ، بأن يستحلوا فرجا ~~حرمه الله تعالى عليهم. # روى الشيخان وغيرهما عن عبد الله بن مسعود قال : سألت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : أى الذنب أكبر؟ قال : أن تجعل لله ندا وهو خلقك ، قلت : ~~ثم أى : قال : «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك ، قلت : ثم أى؟ قال : أن ~~تزانى حليلة جارك ..» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@05 ومن يفعل ذلك يلق أثاما .. ) @QUR@01 . بيان ~~لسوء عاقبة من يرتكب شيئا من تلك الفواحش السابقة. # أى : ومن يفعل ذلك الذي نهينا عنه من الإشراك والقتل والزنا ، يلق عقابا ~~شديدا ms4227 لا يقادر قدره. PageV10P219 # وقوله ( @QUR@05 يضاعف له العذاب يوم القيامة ) بدل من «يلق» بدل كل من ~~كل. أى : يضاعف العذاب يوم القيامة لمن يرتكب شيئا من ذلك ( @QUR@03 ويخلد ~~فيه مهانا ) أى : ويخلد في ذلك العذاب خلودا مصحوبا بالذلة والهوان ~~والاحتقار. # ثم استثنى سبحانه التائبين من هذا العذاب المهين فقال : ( @QUR@012 إلا ~~من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات. ) @QUR@01 .. # أى : يضاعف العذاب لمن يرتكب شيئا من تلك الكبائر. ويخلد فيه مهانا ، إلا ~~من تاب عنها توبة صادقة نصوحا ، وآمن بالله تعالى إيمانا حقا ، وداوم على ~~إتيان الأعمال الصالحة ، فأولئك التائبون المؤمنون المواظبون على العمل ~~الصالح «يبدل الله تعالى سيئاتهم حسنات» بأن يمحو سبحانه سوابق معاصيهم ~~بفضله وكرمه ويثبت بدلها لواحق طاعاتهم ، أو بأن يجب إليهم الإيمان ، ويكره ~~إليهم الكفر والفسوق والعصيان ، ويجعلهم من الراشدين. # قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : وقوله : ( @QUR@09 فأولئك يبدل الله ~~سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما ) في معناه قولان : # أحدهما : أنهم بدلوا مكان عمل السيئات بعمل الصالحات. قال ابن عباس : هم ~~المؤمنون. كانوا من قبل إيمانهم على السيئات ، فرغب الله بهم عن ذلك فحولهم ~~إلى الحسنات فأبدلهم مكان السيئات الحسنات .. # والثاني : أن تلك السيئات الماضية تنقلب بنفس التوبة النصوح حسنات ، وما ~~ذاك إلا أنه كلما تذكر ما مضى ندم واسترجع واستغفر فينقلب الذنب طاعة بهذا ~~الاعتبار .. # روى الطبراني عن أبى فروة أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أرأيت ~~رجلا عمل الذنوب كلها ، ولم يترك حاجة ولا داجة فهل له من توبة؟ فقال له ~~صلى الله عليه وسلم : «أأسلمت؟ قال : نعم. # قال : فافعل الخيرات ، واترك السيئات. فيجعلها الله لك خيرات كلها. # قال : «وغدراتى وفجراتي؟ قال : نعم.» فما زال يكبر حتى توارى (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@04 وكان الله غفورا رحيما ) اعتراض تذييلى مقرر ~~لمضمون ما قبله. أى : وكان الله تعالى واسع المغفرة والرحمة لمن تاب إليه وأناب. PageV10P220 # ثم أشار سبحانه إلى شروط التوبة الصادقة فقال : ( @QUR@09 ومن تاب وعمل ~~صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا ). # أى : ومن تاب ms4228 عن المعاصي تركا تاما ، وداوم على العمل الصالح ليستدرك ما ~~فاته منه ، فإنه في هذه الحالة يكون قد تاب ورجع إلى الله تعالى رجوعا ~~صحيحا ، مقبولا منه سبحانه بحيث يترتب عليه محو العقاب وإثبات الثواب. # وهكذا نجد رحمة الله تعالى تحيط بالعبد من كل جوانبه ، لكي تحمله على ~~ولوج باب التوبة والطاعة ، وتوصد في وجهه باب الفسوق والعصيان. # ثم واصلت السورة حديثها عن عباد الرحمن ، فقال تعالى : ( @QUR@09 والذين ~~لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما ). # وأصل الزور : تحسين الشيء ووصفه بغير صفته ، ووضعه في غير موضعه ، مأخوذ ~~من الزور بمعنى الميل والانحراف عن الطريق المستقيم إلى غيره. # واللغو : هو ما لا خير فيه من الأقوال أو الأفعال. # أى : إن من صفات عباد الرحمن أنهم لا يرتكبون شهادة الزور ، ولا يحضرون ~~المجالس التي توجد فيها هذه الشهادة ، لأنها من أمهات الكبائر التي حاربها ~~الإسلام. # وفضلا عن ذلك فإنهم «إذا مروا باللغو» أى : بالمجالس التي فيها لغو من ~~القول أو الفعل «مروا كراما» أى : أعرضوا عنها إكراما لأنفسهم ، وصونا ~~لكرامتهم ، وحفاظا على دينهم ومروءتهم. # والتعبير بقوله تعالى : ( @QUR@02 وإذا مروا .. ) @QUR@01 . فيه إشعار ~~بأن مرورهم على تلك المجالس كان من باب المصادفة والاتفاق ، لأنهم أكبر من ~~أن يقصدوا حضورها قصدا. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@015 وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ~~وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ، سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين ) (1). # ثم بين سبحانه سرعة تأثرهم وتذكرهم ، وقوة عاطفتهم نحو دينهم فقال : ( ~~@QUR@010 والذين إذا ذكروا بآيات ربهم ، لم يخروا عليها صما وعميانا ). # والمراد بآيات ربهم ، القرآن الكريم وما اشتمل عليه من عظات وهدايات .. # أى : أن من صفات هؤلاء المتقين أنهم ، إذا ذكرهم مذكر بآيات الله تعالى ~~المشتملة PageV10P221 # على المواعظ والثواب والعقاب ، أكبوا عليها ، وأقبلوا على المذكر بها ~~بآذان واعية ، وبعيون مبصرة ، وليس كأولئك الكفار أو المنافقين الذين ~~ينكبون على عقائدهم الباطلة انكباب الصم العمى الذين لا يعقلون ، وينكرون ~~ما جاءهم به رسول ربهم بدون فهم أو وعى أو تدبر. # فالآية الكريمة مدح للمؤمنين على ms4229 حسن تذكرهم وتأثرهم ووعيهم ، وتعريض ~~بالكافرين والمنافقين الذين يسقطون على باطلهم سقوط الأنعام على ما يقدم ~~لها من طعام وغيره. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@02 لم يخروا. ) @QUR@01 . ليس بنفي ~~للخرور ، وإنما هو إثبات له ، ونفى للصمم والعمى ، كما تقول : لا يلقاني ~~زيد مسلما هو نفى للسلام لا للقاء. # والمعنى : أنهم إذا ذكروا بها أكبوا عليها حرصا على استماعها ، وأقبلوا ~~على المذكر بها ، وهم في إكبابهم عليها ، سامعون بآذان واعية. مبصرون بعيون ~~راعية ، لا كالذين يذكرون بها فتراهم مكبين عليها .. وهم كالصم العميان حيث ~~لا يعونها كالمنافقين وأشباههم (1). # ثم ذكر سبحانه في نهاية الحديث عنهم أنهم لا يكتفون بهذه المناقب الحميدة ~~التي وهبهم الله إياها ، وإنما هم يتضرعون إليه سبحانه أن يجعل منهم الذرية ~~الصالحة ، وأن يرزقهم الزوجات الصالحات. فقال تعالى : ( @QUR@013 والذين ~~يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ، واجعلنا للمتقين إماما ). # أى : يقولون في دعائهم وتضرعهم يا ( @QUR@03 ربنا هب لنا ) بفضلك وجودك ( ~~@QUR@05 من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ) أى : ما يجعل عيوننا تسر بهم ، ~~ونفوسنا تنشرح برؤيتهم ، وقلوبنا تسكن وتطمئن وجودهم ، لأنهم أتقياء صالحون ~~مهتدون .. # ( @QUR@01 واجعلنا ) يا ربنا ( @QUR@02 للمتقين إماما ) أى : اجعلنا قدوة ~~وأسوة للمتقين. يقتدون بنا في أقوالنا الطيبة ، وأعمالنا الصالحة ، فأنت ~~تعلم يا مولانا أننا نعمل على قدر ما نستطيع في سبيل إرضائك وفي السير على ~~هدى رسولك صلى الله عليه وسلم . هذه هي صفات عباد الرحمن ذكرها القرآن في هذه ~~الآيات الكريمة ، وهي تدل على قوة إيمانهم ، وصفاء نفوسهم ، وطهارة قلوبهم ~~.. فماذا أعد الله تعالى لهم؟ # لقد بين سبحانه ما أعده لهم فقال : ( @QUR@014 أولئك يجزون الغرفة بما ~~صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما* خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما ). # والغرفة في الأصل : كل بناء مرتفع ، والجمع غرف وغرفات كما في قوله تعالى ~~: ( @QUR@010 لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية ) (2). PageV10P222 # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 وهم في الغرفات آمنون ) (1). # والمراد بها هنا : أعلى منازل الجنة أو الجنة نفسها أو جنسها الصادق بغرف كثيرة. # أى : أولئك المتقون المتصفون. بالصفات السابقة ، يجازيهم ms4230 الله تعالى ~~بأعلى المنازل والدرجات في الجنة ، بسبب صبرهم على طاعته ، وبعدهم عن ~~معصيته ويلقون في تلك المنازل الرفيعة ( @QUR@02 تحية وسلاما ) عن ربهم ~~عز وجل ومن ملائكته الكرام ، ومن بعضهم لبعض. # ( @QUR@02 خالدين فيها ) أى : في تلك المنازل الرفيعة ، والجنات العالية ~~، خلودا أبديا. # ( @QUR@01 حسنت ) تلك الغرفة والمنزلة ( @QUR@01 مستقرا ) يستقرون فيه ( ~~@QUR@01 ومقاما ) يقيمون فيه وذلك في مقابل ما أعد للكافرين من نار ساءت ~~مستقرا ومقاما. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بقوله : # ( @QUR@013 قل ما يعبؤا بكم ربي لو لا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما ) (77) # قال القرطبي : يقال : ما عبأت بفلان ، أى : ما باليت به. أى : ما كان له ~~عندي وزن ولا قدر. وأصل يعبأ : من العبء وهو الثقل .. فالعبء : الحمل ~~الثقيل ، والجمع أعباء. و «ما» استفهامية ، وليس يبعد أن تكون نافية ، لأنك ~~إذا حكمت بأنها استفهام فهو نفى خرج مخرج الاستفهام ، وحقيقة القول عندي أن ~~موضع «ما» نصب والتقدير أى عبء يعبأ بكم ربي؟ أى : أى مبالاة يبالى بكم ربي ~~لو لا دعاؤكم .. (2). # هذا ، وللعلماء في تفسير هذه الآية أقوال منها : أن قوله تعالى : ( ~~@QUR@08 قل ما يعبؤا بكم ربي لو لا دعاؤكم ) خطاب للمؤمنين أو للناس جميعا ~~، وأن المصدر وهو. دعاؤكم مضاف لفاعله ، وأن بقية الآية وهي قوله : ( ~~@QUR@02 فقد كذبتم. ) @QUR@01 . خطاب للكافرين ، والمعنى على هذا القول : PageV10P223 # قل أيها الرسول الكريم للمؤمنين أو للناس جميعا ، أى اعتداد لكم عند ربكم ~~لو لا دعاؤكم ، أى : لو لا عبادتكم له عز وجل أى : لو لا إخلاصكم العبادة له ~~لما اعتد بكم. # ثم أفرد الكافرين بالخطاب فقال : ( @QUR@02 فقد كذبتم ) أيها الكافرون ( ~~@QUR@03 فسوف يكون لزاما ). # أى : فسوف يكون جزاء التكذيب «لزاما» أى : عذابا دائما ملازما لكم. ~~فلزاما مصدر لازم ، كقاتل قتالا ، والمراد به هنا اسم الفاعل. # وقد وضح صاحب الكشاف هذا القول فقال : لما وصف الله تعالى عبادة العباد ، ~~وعدد صالحاتهم وحسناتهم .. أتبع ذلك ببيان أنه إنما اكترث لأولئك وعبأ بهم ~~وأعلى ذكرهم ، لأجل عبادتهم فأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يصرح للناس ، ~~ويجزم لهم القول ms4231 ، بأن الاكتراث لهم عند ربهم ، إنما هو للعبادة وحدها لا ~~لمعنى آخر ... # وقوله ( @QUR@02 فقد كذبتم ) يقول : إذا أعلمتكم أن حكمى ، أنى لا أعتد ~~بعبادي إلا من أجل عبادتهم ، فقد خالفتم بتكذيبكم حكمى ، فسوف يلزمكم أثر ~~تكذيبكم حتى يكبكم في النار. ونظيره في الكلام أن يقول الملك لمن عصاه : ~~«إن من عادتي أن أحسن إلى من يطيعني ، ويتبع أمرى ، فقد عصيت فسوف ترى ما ~~أحل بك بسبب عصيانك ...» (1). # ومن العلماء من يرى أن الخطاب في الآية للكافرين ، وأن المصدر مضاف ~~لمفعوله ، فيكون المعنى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الكافرين ، ما يعبأ ~~بكم ربي ، ولا يكترث لوجودكم ، لو لا دعاؤه إياكم على لساني ، إلى توحيده ~~وإخلاص العبادة له ، وبما أنى قد دعوتكم فكذبتم دعوتي. فسوف يكون عاقبة ذلك ~~ملازمة العذاب لكم. # وهذا قول جيد ولا إشكال فيه وقد تركنا بعض الأقوال لضعفها ، وغناء هذين ~~القولين عنها. # وبعد : فهذا تفسير لسورة «الفرقان» تلك السورة التي حكت شبهات المشركين ~~وأبطلتها. وساقت ما ساقت من تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وتثبيته ، وبشرت ~~عباد الرحمن بأرفع المنازل. # ونسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعا منهم ، وأن يحشرنا في زمرتهم. PageV10P224 # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # القاهرة مدينة نصر # مساء الجمعة 4 من جمادى الأولى سنة 1405 ه. # الموافق 25 من يناير سنة 1985 م ||كتبه الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى| PageV10P225 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الشعراء PageV10P227 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة الشعراء هي السورة السادسة والعشرون في ترتيب المصحف ، أما ~~ترتيبها في النزول فكان نزولها بعد سورة الواقعة. كما يقول صاحب الإتقان ، ~~أى : هي السادسة والأربعون في ترتيب النزول. # 2 قال القرطبي : هي مكية في قول الجمهور. وقال مقاتل : منها مدني ؛ الآية ~~التي يذكر فيها الشعراء ، وقوله : ( @QUR@09 أولم يكن لهم آية أن يعلمه ~~علماء بني إسرائيل ). وقال ابن عباس وقتادة : مكية إلا أربع آيات منها ~~نزلت بالمدينة من قوله تعالى : ( @QUR@03 والشعراء يتبعهم الغاوون ) إلى ~~آخر السورة. وهي مائتان وسبع وعشرون آية. ms4232 وفي رواية : وست وعشرون (1). # 3 وسورة الشعراء تسمى أيضا بسورة «الجامعة» ، ويغلب على هذه السورة ~~الكريمة ، الحديث عن قصص الأنبياء مع أقوامهم. # فبعد أن تحدثت في مطلعها عن سمو منزلة القرآن الكريم ، وعن موقف المشركين ~~من الرسول صلى الله عليه وسلم أتبعت ذلك بالحديث عن قصة موسى مع فرعون ومع بنى ~~إسرائيل ، ثم عن قصة إبراهيم مع قومه ثم عن قصة نوح مع قومه ، ثم عن قصة ~~هود مع قومه ، ثم عن قصة صالح مع قومه ، ثم عن قصة لوط مع قومه ، ثم عن قصة ~~شعيب مع قومه .. # 4 ثم تحدثت في أواخرها عن نزول الروح الأمين بالقرآن الكريم على قلب ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، وساقت ألوانا من التسلية والتعزية للرسول ~~صلى الله عليه وسلم بسبب تكذيب الكافرين له ، وأرشدته إلى ما يجب عليه نحو ~~عشيرته الأقربين ، ونحو المؤمنين ، وبشرت أتباعه بالنصر وأنذرت أعداءه بسوء ~~المصير ، فقد ختمت بقوله تعالى : ( @QUR@019 إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات ، وذكروا الله كثيرا ، وانتصروا من بعد ما ظلموا ، وسيعلم الذين ~~ظلموا أي منقلب ينقلبون ). # 5 والسورة الكريمة بعد ذلك تمتاز بقصر آياتها ، وبجمعها لموضوعات السور ~~الملكية ، من إقامة الأدلة على وحدانية الله تعالى ، وعلى أن البعث حق ، ~~وعلى صدق النبي صلى الله عليه وسلم PageV10P229 # فيما يبلغه عن ربه ، وعلى أن هذا القرآن من عند الله ، كما نرى أسلوبها ~~يمتاز بالترغيب والترهيب ، الترغيب للمؤمنين في العمل الصالح ، والترهيب ~~للمشركين بسوء المصير إذا ما استمروا على شركهم. # وقد ختمت كل قصة من قصص هذه السورة الكريمة بقوله تعالى : ( @QUR@013 إن ~~في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) وقد تكرر ~~ذلك فيها ثماني مرات ... # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ، ، ، |القاهرة مدينة نصر ، الأحد 5 من جمادى الأولى 1405 ه 27 / 1 / 1985 م|د. ~~محمد سيد طنطاوى| PageV10P230 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@01 طسم (1) @QUR@04 تلك آيات الكتاب المبين (2) @QUR@06 لعلك باخع ~~نفسك ألا يكونوا مؤمنين (3) @QUR@011 إن نشأ ننزل ms4233 عليهم من السماء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين (4) @QUR@011 وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا ~~كانوا عنه معرضين (5) @QUR@08 فقد كذبوا فسيأتيهم أنبؤا ما كانوا به ~~يستهزؤن (6) @QUR@011 أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم ~~(7) @QUR@08 إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (8) @QUR@05 وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم ) (9) # سورة الشعراء من السور التي افتتحت بحرف من الحروف المقطعة وهو قوله ~~تعالى : ( @QUR@01 طسم ) @QUR@01 . # وقد ذكرنا آراء العلماء في الحروف المقطعة بشيء من التفصيل عند تفسيرنا ~~لسور : «البقرة ، آل عمران. والأعراف ، ويونس ..» إلخ. # وقلنا ما خلاصته : لعل أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف المقطعة ~~، قد وردت في افتتاح بعض السور ، على سبيل الإيقاظ والتنبيه ، للذين تحداهم ~~القرآن. # فكأن الله تعالى يقول لهؤلاء المعاندين والمعارضين في أن القرآن من عند ~~الله : هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم ، ~~ومنظوما من حروف هي من جنس الحروف الهجائية التي تنظمون منها حروفكم ، فإن ~~كنتم في شك في أنه من عند الله PageV10P231 # تعالى فهاتوا مثله ، أو عشر سور من مثله ، أو سورة واحدة من مثله ، ~~فعجزوا وانقلبوا خاسرين ، وثبت أن هذا القرآن من عند الله تعالى . # واسم الإشارة ( @QUR@01 تلك ) يعود إلى الآيات القرآنية التي تضمنتها هذه ~~السورة الكريمة أو إلى جميع آيات القرآن التي نزلت قبل ذلك. # والمراد بالكتاب القرآن الكريم الذي تكفل سبحانه بإنزاله على نبيه ~~صلى الله عليه وسلم . # والمبين : اسم فاعل من أبان الذي هو بمعنى بان ، مبالغة في الوضوح ~~والظهور. # قال صاحب الصحاح : «يقال : بان الشيء يبين بيانا ، أى : اتضح ، فهو بين ، ~~وكذا أبان الشيء فهو مبين» (1). # أى : تلك الآيات القرآنية التي أنزلناها عليك أيها الرسول الكريم والتي ~~سننزلها عليك تباعا حسب حكمتنا وإرادتنا ، هي آيات الكتاب الواضح إعجازه ، ~~والظاهرة هداياته ودلالاته على أنه من عند الله تعالى ، ولو كان من عند ~~غيره سبحانه لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. # ثم خاطب سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بما يسليه عن تكذيب المشركين له ms4234 ، ~~وبما يهون عليه أمرهم فقال تعالى ( @QUR@06 لعلك باخع نفسك ألا يكونوا ~~مؤمنين ) @QUR@01 . # قال بعض العلماء ما ملخصه : اعلم أن لفظة لعل تكون للترجى في المحبوب ، ~~وللإشفاق في المحذور. # واستظهر أبو حيان في تفسيره ، أن لعل هنا للاشفاق عليه صلى الله عليه وسلم ~~أن يبخع نفسه لعدم إيمانهم. # وقال بعضهم : إن لعل هنا للنهى ، أى : لا تبخع نفسك لعدم إيمانهم وهو ~~الأظهر ، لكثرة ورود النهى صريحا عن ذلك. قال تعالى : ( @QUR@05 فلا تذهب ~~نفسك عليهم حسرات ) (2). # والمعنى : لعلك أيها الرسول الكريم قاتل نفسك هما وغما. بسبب تكذيب ~~الكافرين لك ، وعدم إيمانهم بدعوتك وإعراضهم عن رسالتك التي أرسلناك بها ~~إليهم .. # لا أيها الرسول الكريم لا تفعل ذلك ، فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ، ~~وإنك لا تستطيع هداية أحد ولكن الله تعالى يهدى من يشاء ، وإننا ( @QUR@011 ~~إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين ) @QUR@01 . # ومفعول المشيئة محذوف ، والمراد بالآية هنا المعجزة القاهرة التي تجعلهم ~~لا يملكون انصرافا PageV10P232 # معها عن الإيمان ، والأعناق جمع عنق. وقد تطلق على وجوه الناس وزعمائهم ~~تقول : جاءني عنق من الناس : أى جماعة منهم أو من رؤسائهم والمقدمين فيهم. # والمعنى : لا تحزن يا محمد لعدم إيمان كفار مكة بك ، فإننا إن نشأ ~~إيمانهم ، ننزل عليهم آية ملجئة لهم إلى الإيمان. تجعلهم ينقادون له ، ~~ويدخلون فيه دخولا ملزما لهم ، ولكنا لا نفعل ذلك ، لأن حكمتنا قد اقتضت أن ~~يكون دخول الناس في الإيمان عن طريق الاختيار والرغبة ، وليس عن طريق ~~الإلجاء والقسر. # وصور سبحانه هذه الآية بتلك الصورة الحسية ( @QUR@04 فظلت أعناقهم لها ~~خاضعين )، للإشعار بأن هذه الآية لو أراد سبحانه إنزالها لجعلتهم يخضعون ~~خضوعا تاما لها ، حتى لكأن أعناقهم على هيئة من الخضوع والذلة لا تملك معها ~~الارتفاع أو الحركة. # قال صاحب الكشاف : «فإن قلت : كيف صح مجيء خاضعين خبرا عن الأعناق؟ قلت : ~~أصل الكلام : فظلوا لها خاضعين. فأقحمت الأعناق لبيان موضع الخضوع ، وترك ~~الكلام على أصله. كقوله : ذهبت أهل اليمامة ، كأن الأهل غير مذكور. أو لما ~~وصفت بالخضوع الذي ms4235 هو للعقلاء ، قيل : خاضعين .. وقيل أعناق الناس : ~~رؤساؤهم ومقدموهم شبهوا بالأعناق كما قيل لهم : هم الرءوس والنواصي والصدور ~~... وقيل : جماعات الناس ..» (1). # ثم بين سبحانه ما عليه هؤلاء الكافرون من صلف وجحود فقال : ( @QUR@011 ~~وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين ) @QUR@01 . # أى : ولقد بلغ الجحود والجهل بهؤلاء الكافرين ، أنهم كلما جاءهم قرآن ~~محدث تنزيله على نبيهم صلى الله عليه وسلم ومتجدد نزوله عليه صلى الله عليه وسلم ~~أعرضوا عنه إعراضا تاما. # وعبر عن إعراضهم بصيغة النفي والاستثناء التي هي أقوى أدوات القصر ، ~~للإشارة إلى عتوهم في الكفر والضلال ، وإصرارهم على العناد والتكذيب. # وفي ذكر اسم الرحمن هنا : إشارة إلى عظيم رحمته سبحانه بإنزال هذا الذكر ~~، وتسجيل لأقصى دركات الجهالة عليهم ، لأنهم أعرضوا عن الهداية التي أنزلها ~~الرحمن الرحيم لسعادتهم ، وحرموا أنفسهم منها وهم أحوج الناس إليها. # و ( @QUR@01 من ) الأولى لتأكيد عموم إعراضهم ، والثانية لابتداء الغاية ~~، وجملة ( @QUR@04 إلا كانوا عنه معرضين ) حالية. # ثم بين سبحانه سوء عاقبتهم فقال : ( @QUR@08 فقد كذبوا فسيأتيهم أنبؤا ما ~~كانوا به يستهزؤن ) @QUR@01 . PageV10P233 # أى : فقد كذب هؤلاء الجاحدون بالذكر الذي أتيتهم به أيها الرسول الكريم ~~دون أن يكتفوا بالإعراض عنه ، فاصبر فسيأتيهم أنباء العذاب الذي كانوا ~~يستهزئون به عند ما تحدثهم عنه ، وهو واقع بهم لا محالة ولكن في الوقت الذي ~~يشاؤه سبحانه . # وفي التعبير عن وقوع العذاب بهم ، بإتيان أنبائه وأخباره ، تهويل من شأن ~~هذا العذاب ، وتحقيق لنزوله. أى : فسيأتيهم لا محالة مصداق ما كانوا به ~~يستهزئون ويصيرون هم أحاديث الناس يتحدثون بها ويتناقلون أنباءها. # ثم وبخهم سبحانه على غفلتهم وعلى عدم التفاتهم إلى ما في هذا الكون من ~~عظات وعبر. فقال تعالى : ( @QUR@011 أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من ~~كل زوج كريم ). # والاستفهام للإنكار والتوبيخ ، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام. # أى : أعمى هؤلاء الجاحدون عن مظاهر قدرة الله تعالى ورحمته بهم ، ولم ~~يروا بأعينهم كيف أخرجنا النبات من الأرض ، وجعلنا فيها أصنافا وأنواعا لا ~~تحصى من النباتات الكريمة الجميلة المشتملة على الذكر ms4236 والأنثى. # فالآية الكريمة توبيخ لهم على إعراضهم عن الآيات التكوينية ، بعد توبيخهم ~~على إعراضهم عن الآيات التنزيلية ، وتحريض لهم على التأمل فيما فوق الأرض ~~من نبات مختلف الأنواع والأشكال والثمار. لعل هذا التأمل ينبه حسهم الخامد ~~وذهنهم البليد وقلبهم المطموس. # قال صاحب الكشاف : «وصف الزوج وهو الصنف من النبات بالكرم ، والكريم : ~~صفة لكل ما يرضى ويحمد في بابه. يقال : وجه كريم إذا رضى في حسنه وجماله ، ~~وكتاب كريم. أى : مرضى في معانيه وفوائده ... والنبات الكريم : المرضى فيما ~~يتعلق به من المنافع. # فإن قلت : ما معنى الجمع بين كم وكل؟ قلت : قد دل ( @QUR@01 كل ) على ~~الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل. و ( @QUR@01 كم ) على أن هذا ~~المحيط متكاثر مفرط الكثرة ، فهذا معنى الجمع بينهما ، وبه نبه على كمال ~~قدرته ..» (1). # ثم ختم سبحانه هذه الآيات بآيتين تكررتا في السورة الكريمة ثماني مرات. ~~ألا وهما قوله تعالى ( @QUR@013 إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين ، ~~وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) @QUR@01 . # أى : إن في ذلك الذي ذكرناه عن إنباتنا لكل زوج كريم في الأرض ( @QUR@01 ~~لآية ) عظيمة الدلالة على كمال قدرتنا ، وسعة رحمتنا ، وما كان أكثر هؤلاء ~~الكافرين مؤمنين ، لإيثارهم العمى PageV10P234 # على الهدى ، والغي على الرشد ( @QUR@02 وإن ربك ) أيها الرسول الكريم ( ~~@QUR@02 لهو العزيز ) أى : صاحب العزة والغلبة والقهر ( @QUR@01 الرحيم ) ~~أى : الواسع الرحمة بعباده ، حيث لم يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم لعلهم ~~يتوبون أو يعقلون. # ثم حكى سبحانه جانبا من قصة موسى عليه السلام بأسلوب يتناسب مع ما اشتملت ~~عليه السورة الكريمة من إنذار وتخويف ، وبطريقة أحاطت بجوانب هذه القصة منذ ~~أن ذهب موسى عليه السلام لفرعون وقومه إلى أن انتهت بهلاكهم وإغراقهم. # لقد بدأ سبحانه هذه القصة بقوله تعالى : # ( @QUR@08 وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين (10) @QUR@04 قوم ~~فرعون ألا يتقون (11) @QUR@06 قال رب إني أخاف أن يكذبون (12) @QUR@08 ~~ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون (13) @QUR@06 ولهم علي ذنب ~~فأخاف أن يقتلون (14) @QUR@07 قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون ~~(15) @QUR@07 فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين (16) @QUR@05 أن ms4237 أرسل ~~معنا بني إسرائيل ) (17) # وموسى عليه السلام هو ابن عمران ، وينتهى نسبه إلى يعقوب بن إسحاق بن ~~إبراهيم عليهم السلام ويرجح المؤرخون أن ولادته كانت في القرن الثالث عشر ~~قبل ميلاد عيسى عليه السلام وأن بعثته كانت في عهد منفتاح بن رمسيس الثاني. # وقد وردت قصة موسى مع فرعون وقومه ، ومع إسرائيل في كثير من سور القرآن ~~الكريم تارة بصورة فيها شيء من التفصيل ، وتارة بصورة فيها شيء من الاختصار ~~والتركيز ، تبعا لمقتضى الحال الذي وردت من أجله. # وقد وردت هنا في سورة الأعراف وفي سورة طه. وفي سورة القصص بأسلوب فيه ~~بسطة وتفصيل. # لقد افتتحت هنا بقوله تعالى : ( @QUR@08 وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم ~~الظالمين ) @QUR@01 . PageV10P235 # وهذا النداء كان بالوادي المقدس طوى ، كما جاء في سورة طه (1) وفي سورة ~~النازعات (2). # أى : واذكر أيها الرسول الكريم وقت أن نادى ربك نبيه موسى قائلا له : ~~اذهب إلى القوم الظالمين لتبلغهم رسالتي ، وتأمرهم بإخلاص العبادة لي. # وقوله : ( @QUR@02 قوم فرعون ) بدل أو عطف بيان ، ووصفهم سبحانه بالظلم ~~لعبادتهم لغيره ، ولعدوانهم على بنى إسرائيل بقتل الذكور ، واستبقاء ~~النساء. # وقوله : تعالى ( @QUR@02 ألا يتقون ) تعجيب من حالهم. أى : ائتهم يا موسى ~~وقل لهم : ألا يتقون الله تعالى ويخشون عقابه. ويكفون عن كفرهم وظلمهم. # ثم حكى سبحانه رد موسى فقال : ( @QUR@06 قال رب إني أخاف أن يكذبون ) ~~@QUR@01 . # أى : قال موسى في الإجابة على ربه عز وجل : يا رب إنى أعرف هؤلاء القوم ، ~~وأعرف ما هم عليه من ظلم وطغيان ، وإنى أخاف تكذيبهم لي عند ما أذهب إليهم ~~لتبليغ وحيك ( @QUR@02 ويضيق صدري ) أى : وينتابنى الغم والهم بسبب تكذيبهم لي .. # ( @QUR@03 ولا ينطلق لساني ) أى : وليس عندي فصاحة اللسان التي تجعلني ~~أظهر ما في نفسي من تفنيد لأباطيلهم ، ومن إزهاق لشبهاتهم ، خصوصا عند ~~اشتداد غضبى عليهم. # ( @QUR@03 فأرسل إلى هارون ) أى : فأرسل وحيك الأمين إلى أخى هارون ، ~~ليكون معينا لي على تبليغ ما تكلفني بتبليغه. # ( @QUR@03 ولهم علي ذنب ) حيث إنى قتلت منهم نفسا ( @QUR@03 فأخاف أن ~~يقتلون ) عند ما أذهب إليهم ، على سبيل ms4238 القصاص منى. # فأنت ترى أن موسى عليه السلام قد شكا إلى ربه خوفه من تكذيبهم وضيق صدره ~~من طغيانهم ، وعقدة في لسانه ، وخشيته من قتلهم له عند ما يرونه. # وليس هذا من باب الامتناع عن أداء الرسالة ، أو الاعتذار عن تبليغها. ~~وإنما هو من باب طلب العون من الله تعالى والاستعانة به عز وجل على تحمل هذا ~~الأمر والتماس الإذن منه في إرسال هارون معه. ليكون عونا له في مهمته ، ~~وليخلفه في تبليغ الرسالة في حال قتلهم له .. # وشبيه بهذا الجواب ما حكاه عنه سبحانه في سورة طه في قوله تعالى ( ~~@QUR@017 اذهب إلى فرعون إنه طغى. قال رب اشرح لي صدري. ويسر لي أمري. ~~واحلل عقدة من لساني PageV10P236 # @QUR@024 يفقهوا قولي. واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي. اشدد به أزري. ~~وأشركه في أمري. كي نسبحك كثيرا. ونذكرك كثيرا. إنك كنت بنا بصيرا ) ~~@QUR@01 . # وقد رد الله تعالى على نبيه موسى عليه السلام ردا حاسما لإزالة الخوف ، ~~ومزهقا لكل ما يحتمل أى يساور نفسه من عدوان عليه ، فقال تعالى : ( @QUR@07 ~~قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون ) @QUR@01 . # أى : قال الله تعالى لموسى على سبيل الإرشاد والتعليم : كلا ، لا تخف أن ~~يكذبوك أو أن يضيق صدرك ، أو أن لا ينطلق لسانك ، أو أن يقتلوك. كلا لا تخف ~~من شيء من ذلك ، فأنا معكما برعايتي ومادام الأمر كذلك فاذهب أنت وأخوك ~~بآياتنا الدالة على وحدانيتنا فإننا معكم سامعون لما تقولانه لهم ولما ~~سيقولونه لكما. # وعبر سبحانه بكلا المفيدة للزجر ، لزيادة إدخال الطمأنينة على قلب موسى ~~عليه السلام . # والمراد بالآيات هنا : المعجزات التي أعطاها سبحانه لموسى وعلى رأسها ~~العصا .. # وقال سبحانه ( @QUR@02 إنا معكم ) مع أنهما اثنان ، تعظيما لشأنهما أو ~~لكون الاثنين أقل الجمع. أو المراد هما ومن أرسلا إليه. # والتعبير بقوله ( @QUR@03 إنا معكم مستمعون ) بصيغة التأكيد والمعية ~~والاستماع ، فيه ما فيه من العناية بشأنهما ، والرعاية لهما ، والتأييد ~~لأمرهما. # والفاء في قوله : ( @QUR@012 فأتيا فرعون فقولا : إنا رسول رب العالمين. ~~أن أرسل معنا بني إسرائيل ) لترتيب ما بعدها ms4239 على ما قبلها من الوعد ~~برعايتهما. # و «أن» في قوله ( @QUR@02 أن أرسل ) مفسرة. لتضمن الإرسال المفهوم من ~~الرسول معنى القول. # أى : اذهبا وأنتما متسلحان بآياتنا الدالة على صدقكما ، فنحن معكم ~~برعايتنا وقدرتنا. فأتيا فرعون بدون خوف أو وجل منه ( @QUR@01 فقولا ) له ~~بكل شجاعة وجراءة ( @QUR@04 إنا رسول رب العالمين ) أى : رب جميع العوالم ~~التي من بينها عالم الجن. وعالم الملائكة. # وقد أرسلنا سبحانه إليك ، لكي تطلق سراح بنى إسرائيل من ظلمك وبغيك ، ~~وتتركهم يذهبون معنا إلى أرض الله الواسعة لكي يعبدوا الله تعالى وحده. # قال الآلوسى : «وإفراد الرسول في قوله ( @QUR@04 إنا رسول رب العالمين ) ~~لأنه مصدر بحسب الأصل ، وصف به كما يوصف بغيره من المصادر للمبالغة ، كرجل ~~عدل .. أو لوحدة المرسل أو PageV10P237 # المرسل به أى : لأنهما ذهبا برسالة واحدة وفي مهمة واحدة» (1). # وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد قصت علينا ، ما أمر الله تعالى به نبيه ~~موسى عليه السلام وما زوده به سبحانه من إرشاد وتعليم ، بعد أن التمس منه ~~سبحانه العون والتأييد. # ثم حكى سبحانه بعد ذلك ما دار بين موسى وفرعون من محاورات فقال تعالى # ( @QUR@010 قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين (18) ~~@QUR@07 وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين (19) @QUR@06 قال فعلتها ~~إذا وأنا من الضالين (20) @QUR@011 ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما ~~وجعلني من المرسلين (21) @QUR@08 وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل ~~(22) @QUR@05 قال فرعون وما رب العالمين (23) @QUR@09 قال رب السماوات ~~والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين (24) @QUR@05 قال لمن حوله ألا تستمعون ~~(25) @QUR@05 قال ربكم ورب آبائكم الأولين (26) @QUR@07 قال إن رسولكم الذي ~~أرسل إليكم لمجنون (27) @QUR@09 قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم ~~تعقلون (28) @QUR@08 قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين (29) ~~@QUR@05 قال أولو جئتك بشيء مبين (30) @QUR@07 قال فأت به إن كنت من ~~الصادقين (31) @QUR@06 فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (32) @QUR@06 ونزع ~~يده فإذا هي بيضاء للناظرين ) (33) PageV10P238 # أى : قال فرعون لموسى بعد أن عرفه ، وبعد أن طلب منه موسى أن يرسل معه ~~بنو إسرائيل. قال له يا ms4240 موسى ( @QUR@04 ألم نربك فينا وليدا ) أى : ألم ~~يسبق لك أنك عشت في منزلنا ، ورعيناك وأنت طفل صغير عند ما قالت امرأتى ( ~~@QUR@08 لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا. ) @QUR@01 .. # ( @QUR@02 ولبثت فينا ) أى : في كنفنا وتحت سقف بيتنا ( @QUR@03 من عمرك ~~سنين ) عددا. # ( @QUR@04 وفعلت فعلتك التي فعلت ) وهي قتلك لرجل من شيعتي ( @QUR@03 ~~وأنت من الكافرين ) @QUR@01 . # أى : وأنت من الجاحدين بعد ذلك لنعمتي التي أنعمتها عليك ، في حال طفولتك ~~، وفي حال صباك ، وفي حال شبابك. # لأنك جئتني أنت وأخوك بما يخالف ديننا ، وطلبتما منا أن نرسل معكما بنى ~~إسرائيل. فهل هذا جزاء إحسانى إليك؟. # وهكذا نرى فرعون يوجه إلى موسى عليه السلام تلك الأسئلة على سبيل الإنكار ~~عليه لما جاء به ، متوهما أنه قد قطع عليه طريق الإجابة. # ولكن موسى عليه السلام وقد استجاب الله تعالى دعاءه ، وأزال عقدة لسانه ، ~~رد عليه ردا حكيما ، فقال كما حكى القرآن عنه : ( @QUR@06 قال فعلتها إذا ~~وأنا من الضالين ) @QUR@01 . # أى قال موسى في جوابه على فرعون : أنا لا أنكر أنى قد فعلت هذه الفعلة ~~التي تذكرني بها ، ولكني فعلتها وأنا في ذلك الوقت من الضالين ، أى : فعلت ~~ذلك قبل أن يشرفنى الله بوحيه ، ويكلفني بحمل رسالته ، وفضلا عن ذلك فأنا ~~كنت أجهل أن هذه الوكزة تؤدى إلى قتل ذلك الرجل من شيعتك ، لأنى ما قصدت ~~قتله ، وإنما قصدت تأديبه ومنعه من الظلم لغيره. # فالمراد بالضلال هنا : الجهل بالشيء ، والذهاب عن معرفة حقيقيته. # وقوله : ( @QUR@04 ففررت منكم لما خفتكم ) بيان لما ترتب على فعلته التي فعلها. # أى : وبعد هذه الفعلة التي فعلتها وأنا من الضالين ، توقعت الشر منكم ، ~~ففررت من وجوهكم حين خشيت منكم على نفسي فكانت النتيجة أن وهبنى ( @QUR@02 ~~ربي حكما ) أى : علما نافعا ( @QUR@03 وجعلني من المرسلين ) الذين اصطفاهم ~~الله تعالى لحمل رسالته والتشرف بنبوته. # ثم أضاف موسى عليه السلام إلى هذا الرد الملزم لفرعون. ردا آخر أشد إلزاما ~~وتوبيخا فقال : ( @QUR@08 وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل ) ~~@QUR@01 . PageV10P239 # واسم الإشارة ( @QUR@01 تلك ) يعود إلى التربية المفهومة من قوله ms4241 تعالى ~~قبل ذلك : ( @QUR@04 ألم نربك فينا وليدا .. ) @QUR@01 . إلخ. # وقوله ( @QUR@01 تمنها ) من المن بمعنى الإنعام يقال : من فلان على فلان ~~منة إذا أنعم عليه بنعمة. وعبدت : أى : اتخذتهم عبيدا لك تسخرهم لخدمتك. # قال الجمل : و ( @QUR@01 تلك ) مبتدأ ، و ( @QUR@01 نعمة ) خبر. و ( ~~@QUR@01 تمنها ) صفة للخير و ( @QUR@02 أن عبدت ) عطف بيان للمبتدأ موضح له. # وهذا الكلام من موسى عليه السلام يرى بعضهم أنه قاله على وجهة الاعتراف له ~~بالنعمة ، فكأنه يقول له : تلك التربية التي ربيتها لي نعمة منك على ، ولكن ~~ذلك لا يمنع من أن أكون رسولا من الله تعالى إليك ، لكي تقلع عن كفرك ، ~~ولكي ترسل معنا بنى إسرائيل. # ويرى آخرون أن هذا الكلام من موسى لفرعون ، إنما قاله على سبيل التهكم به ~~، والإنكار عليه فيما امتن به عليه ، فكأنه يقول له : إن ما تمن به على هو ~~في الحقيقة نقمة ، وإلا فأية منة لك على في استعبادك لقومي وأنا واحد منهم ~~، إن خوف أمى من قتلك لي هو الذي حملها على أن تلقى بي في البحر ، وتربيتي ~~في بيتك كانت لأسباب خارجة عن قدرتك ... # ويبدو لنا أن هذا الرأى أقرب إلى الصواب ، لأنه هو المناسب لسياق القصة ، ~~ولذا قال صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الآية : «ثم كر موسى على امتنان ~~فرعون عليه بالتربية فأبطله من أصله ، واستأصله من سنخه أى : من أساسه ، ~~وأبى أن يسمى نعمته إلا نقمة. حيث بين أن حقيقة إنعامه عليه تعبيد بنى ~~إسرائيل ، لأن تعبيدهم وقصدهم بالذبح لأبنائهم هو السبب في حصوله عنده ~~وتربيته ، فكأنه امتن عليه بتعبيد قومه ، وتذليلهم واتخاذهم خدما له ...» (1). # وبهذا الجواب التوبيخي أفحم موسى عليه السلام فرعون. وجعله يحول الحديث عن ~~هذه المسألة التي تتعلق بتربيته لموسى إلى الحديث عن شيء آخر حكاه القرآن ~~في قوله : ( @QUR@05 قال فرعون وما رب العالمين ) أى قال فرعون لموسى : أى ~~شيء رب العالمين الذي أنت وأخوك جئتما لتبلغا رسالته لي ، وما صفته؟ # وهذا السؤال يدل على طغيان فرعون قبحه الله وتجاوزه كل حد في الفجور ، ~~فإن ms4242 هذا السؤال يحمل في طياته استنكار أن يكون هناك إله سواه ، كما حكى عنه ~~القرآن في آية أخرى PageV10P240 # قوله : ( @QUR@011 وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري. ) ~~@QUR@01 . (1). # فهو ينكر رسالة موسى عليه السلام من أساسها .. # وهنا يرد موسى. بقوله : ( @QUR@09 قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن ~~كنتم موقنين ) @QUR@01 . # أى : قال موسى : ربنا يا فرعون هو رب السموات ورب الأرض ، ورب ما بينهما ~~من أجرام وهواء. وإن كنتم موقنين بشيء من الأشياء ، فإيمانكم بهذا الخالق ~~العظيم وإخلاصكم العبادة له أولى من كل يقين سواه. # وفي هذا الجواب استصغار لشأن فرعون. وتحقير لمزاعمه ، فكأنه يقول له : إن ~~ربنا هو رب هذا الكون الهائل العظيم ، أما ربوبيتك أنت فمع بطلانها هي ~~ربوبية لقوم معينين خدعتهم بدعواك الألوهية ، فأطاعوك لسفاهتهم وفسقهم .. # وهنا يلتفت فرعون إلى من حوله ليشاركوه التعجيب مما قاله موسى وليصرفهم ~~عن التأثر بما سمعوه منه ، فيقول لهم : ( @QUR@02 ألا تستمعون ) أى : ألا ~~تستمعون إلى هذا القول الغريب الذي يقوله موسى. والذي لا عهد لنا به ، ولا ~~قبول عندنا له ولا صبر لنا عليه ... # ولكن موسى عليه السلام لم يمهلهم حتى يردوا على فرعون بل أكد لهم وحدانية ~~الله تعالى وهيمنته على هذا الكون ( @QUR@05 قال ربكم ورب آبائكم الأولين ) ~~@QUR@01 . # أى : ربنا الذي هو رب السموات والأرض وما بينهما ، هو ربكم أنتم أيضا وهو ~~رب آبائكم الأولين ، فكيف تتركون عبادته ، وتعبدون عبدا من عباده ومخلوقا ~~من مخلوقاته هو فرعون؟ # وهنا لم يملك فرعون إلا الرد الدال على إفلاسه وعجزه ، فقال ملتفتا إلى ~~من حوله : ( @QUR@06 إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ) @QUR@01 . # أى : قال فرعون على سبيل السخرية بموسى مخاطبا أشراف قومه : إن رسولكم ~~الذي أرسل إليكم بما سمعتم ( @QUR@01 لمجنون ) لأنه يتكلم بكلام لا تقبله ~~عقولنا ، ولا تصدقه آذاننا وسماه رسولا على سبيل الاستهزاء ، وجعل رسالته ~~إليهم لا إليه ، لأنه في زعم نفسه أكبر من أن يرسل إليه رسول ، ولكي يهيجهم ~~حتى ينكروا على موسى قوله .. # ولكن موسى عليه السلام لم يؤثر ما ms4243 قاله فرعون في نفسه ، بل رد عليه وعليهم ~~بكل شجاعة وحزم فقال : ( @QUR@08 رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم ~~تعقلون ) @QUR@01 . # أى : قال موسى : ربنا رب السموات والأرض وما بينهما. وربكم ورب آبائكم ~~الأولين. PageV10P241 # ورب المشرق الذي هو جهة طلوع الشمس وطلوع النهار. ورب المغرب الذي هو ~~غروب الشمس وغروب النهار. # وخصهما بالذكر. لأنهما من أوضح الأدلة على وحدانية الله تعالى وقدرته ~~ولأن فرعون أو غيره من الطغاة لا يجرأ ولا يملك ادعاء تصريفهما أو التحكم ~~فيهما على تلك الصورة البديعة المطردة. والتي لا اختلال فيها ولا اضطراب .. # كما قال إبراهيم للذي حاجه في ربه : ( @QUR@013 فإن الله يأتي بالشمس من ~~المشرق فأت بها من المغرب ، فبهت الذي كفر. ) @QUR@01 .. # وجملة ( @QUR@03 إن كنتم تعقلون ) حض لهم على التعقل والتدبر ، وتحذير ~~لهم من التمادي في الجحود والعناد. # أى : ربنا وربكم هو رب هذه الكائنات كلها ، فأخلصوا العبادة له ، إن كانت ~~لكم عقول تعقل ما قلته لكم ، وتفهم ما أرشدتكم إليه. # وهكذا انتقل بهم موسى من دليل إلى دليل على وحدانية الله وقدرته ، ومن ~~حجة إلى حجة ، ومن أسلوب إلى أسلوب لكي لا يترك مجالا في عقولهم للتردد في ~~قبول دعوته .. # ولكن فرعون وقد شعر بأن حجة موسى قد ألقمته حجرا انتقل من أسلوب المحاورة ~~في شأن رسالة موسى إلى التهديد والوعيد شأن الطغاة عند ما يعجزون عن دفع ~~الحجة بالحجة فقال لموسى عليه السلام : ( @QUR@07 لئن اتخذت إلها غيري ~~لأجعلنك من المسجونين ) @QUR@01 . # أى : قال فرعون لموسى بثورة وغضب : لئن اتخذت إلها غيرى يا موسى ليكون ~~معبودا لك من دوني ، لأجعلنك واحدا من جملة المسجونين في سجنى فهذا شأنى مع ~~كل من يتمرد على عبادتي ، ويخالف أمرى .. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ألم يكن لأسجننك أخصر من ( @QUR@03 لأجعلنك ~~من المسجونين ) ومؤديا مؤداه؟ # قلت : أما كونه أخصر فنعم. وأما كونه مؤديا مؤداه فلا ، لأن معناه : ~~«لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم في سجونى وكان من عادته أن يأخذ من يريد ~~سجنه فيطرحه في هوة ذاهبة في الأرض ، بعيدة ms4244 العمق. لا يبصر فيها ولا يسمع ~~فكان ذلك أشد من القتل» (1).. PageV10P242 # ولكن موسى عليه السلام لم يخفه هذا التهديد والوعيد. بل رد عليه ردا حكيما ~~فقال له : ( @QUR@04 أولو جئتك بشيء مبين ) @QUR@01 . # والاستفهام للإنكار ، والواو للعطف على كلام مقدر يستدعيه المقام ، ~~والمعنى. أتفعل ذلك بي بأن تجعلني من المسجونين ، ولو جئتك بشيء مبين ، يدل ~~دلالة واضحة على صدقى في رسالتي وعلى أنى رسول من رب العالمين؟ # وعبر عن المعجزة التي أيده الله بها بأنها ( @QUR@02 بشيء مبين ) للتهويل ~~من شأنها ، والتفخيم من أمرها ، ولعل مقصد موسى عليه السلام بهذا الكلام ، ~~أن يجر فرعون مرة أخرى إلى الحديث في شأن الرسالة التي جاءه من أجلها بعد ~~أن رآه يريد أن يحول مجرى الحديث عنها إلى التهديد والوعيد ، وأن يسد منافذ ~~الهروب عليه أمام قومه. ولذا نجد فرعون لا يملك أمام موسى إلا أن يقول له : ~~( @QUR@06 فأت به إن كنت من الصادقين ) @QUR@01 . # أى : فأت بهذا الشيء المبين ، إن كنت يا موسى من الصادقين في كلامك ~~السابق .. # وهنا كشف موسى عليه السلام عما أيده الله تعالى به من معجزات حسية خارقة ( ~~@QUR@02 فألقى عصاه ) على الأرض أمام فرعون وقومه ( @QUR@04 فإذا هي ثعبان ~~مبين ) @QUR@01 . # أى : فإذا هي حية عظيمة في غاية الجلاء والوضوح على أنها حية حقيقية ، لا ~~شائبة معها للتخييل أو التمويه كما يفعل السحرة .. # ولم يكتف موسى بذلك في الدلالة على صدقه. ( @QUR@02 ونزع يده ) أى : من ~~جيبه ( @QUR@04 فإذا هي بيضاء للناظرين ) أى : فإذا هي بيضاء بياضا يخالف ~~لون جسمه عليه السلام ، فهي تتلألأ كأنها قطعة من القمر ، ولها شعاع يكاد ~~يغشى الأبصار ، وليس فيها ما يشير إلى أن بها سوءا أو مرضا. # وهنا أحس فرعون بالرعب يسرى في أوصاله ، وبأن ألوهيته المزعومة قد أوشكت ~~على الانكشاف. وبأن معجزة موسى توشك أن تجعل الناس يؤمنون به ، فالتفت ~~إليهم وكأنه يحاول جذبهم إليه ، واستطلاع رأيهم فيما شاهدوه ، ويحكى القرآن ~~ذلك بأسلوبه البليغ فيقول : # ( @QUR@07 قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم (34) @QUR@09 يريد أن يخرجكم ~~من أرضكم بسحره فما ms4245 ذا تأمرون (35) @QUR@07 قالوا أرجه وأخاه وابعث في ~~المدائن حاشرين (36) PageV10P243 # @QUR@04 يأتوك بكل سحار عليم (37) @QUR@05 فجمع السحرة لميقات يوم معلوم ~~(38) @QUR@05 وقيل للناس هل أنتم مجتمعون (39) @QUR@07 لعلنا نتبع السحرة ~~إن كانوا هم الغالبين (40) @QUR@012 فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أإن لنا ~~لأجرا إن كنا نحن الغالبين (41) @QUR@06 قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين ) (42) # أى : قال فرعون للملأ المحيطين به بعد أن زلزلته معجزة موسى ( @QUR@04 إن ~~هذا لساحر عليم ) @QUR@01 . # أى : لساحر بارع في فن السحر ، فهو مع اعترافه بضخامة ما أتى به موسى ، ~~يسميه سحرا. # ثم يضيف إلى ذلك قوله لهم : ( @QUR@03 يريد أن يخرجكم ) هذا الساحر ( ~~@QUR@02 من أرضكم ) التي نشأتم عليها ( @QUR@03 فما ذا تأمرون ) أى : فبأى ~~شيء تشيرون على وأنتم حاشيتى ومحل ثقتي؟ # وفي هذه الجملة الكريمة تصوير بديع لنفس هذا الطاغية وأمثاله .. # إنه منذ قليل كان يرغى ويزبد. وإذا به بعد أن فاجأه موسى بمعجزته ، يصاب ~~بالذعر ويقول لمن زعم أنه ربهم الأعلى ( @QUR@03 فما ذا تأمرون ) @QUR@01 . # وهكذا الطغاة عند ما يضيق الخناق حول رقابهم يتذللون ويتباكون .. فإذا ما ~~انفك الخناق من حول رقابهم ، عادوا إلى طغيانهم وفجورهم. # ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال : «ولقد تحير فرعون لما أبصر الآيتين ، ~~وبقي لا يدرى أى طرفيه أطول ، حتى زل عنه ذكر دعوى الألوهية ، وحط عن ~~منكبيه كبرياء الربوبية. وارتعدت فرائصه ، وانتفخ سحره أى رئته خوفا وفرقا ~~، وبلغت به الاستكانة لقومه الذين هم بزعمه عبيده وهو إلههم : أن طفق ~~يؤامرهم ويعترف لهم بما حذر منه وتوقعه وأحس به من جهة موسى عليه السلام » (1). # ورد الملأ من قوم فرعون عليه بقولهم : ( @QUR@02 أرجه وأخاه ) أى : أخر ~~أمرهما ، يقال : PageV10P244 # أرجأت هذا الأمر وأرجيته. إذا أخرته. ومنه أخذ لفظ المرجئة لتلك الفرقة ~~التي تؤخر العمل وتقول : لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة. # ( @QUR@04 وابعث في المدائن حاشرين ) أى : وابعث في مدن مملكتك رجالا من ~~شرطتك يحشرون السحرة ، أى : يجمعونهم عندك لتختار منهم من تشاء. # وقوله : ( @QUR@04 يأتوك بكل سحار عليم ) مجزوم في جواب الأمر. أى : إن ~~تبعثهم يأتوك بكل ms4246 سحار فائق في سحره ، عليم بفنونه ومداخله. # ولبى فرعون طلب مستشاريه ، فأرسل في المدائن من يجمع له السحرة ( @QUR@02 ~~فجمع السحرة ) أى المعروفون ببراعتهم فيه ( @QUR@03 لميقات يوم معلوم ) أى ~~: جمعوا وطلب منهم الاستعداد لمنازلة موسى عليه السلام في وقت معين هو «يوم ~~الزينة» أى : يوم العيد. كما قال تعالى في آية أخرى : ( @QUR@08 قال موعدكم ~~يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى ) @QUR@01 . # ثم حكى سبحانه ما فعله أعوان فرعون من حض الناس على حضور تلك المباراة ~~فقال : ( @QUR@05 وقيل للناس هل أنتم مجتمعون ) أى : في ذلك اليوم المعلوم ~~الذي ينازل فيه السحرة موسى فالمقصود بالاستفهام الحض على الحضور والحث على ~~عدم التخلف. # والترجي في قولهم ( @QUR@07 لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين ) ~~المقصود به أيضا حض السحرة على بذل أقصى جهدهم ليتغلبوا على موسى ~~عليه السلام ، فكأنهم يقولون لهم : ابذلوا قصارى جهدكم في حسن إعداد سحركم ~~فنحن نرجو أن تكون الغلبة لكم ، فنكون معكم لا مع موسى عليه السلام . # ثم يحكى القرآن بعد ذلك ما قاله السحرة لفرعون عند التقائهم به فيقول : ( ~~@QUR@05 فلما جاء السحرة قالوا لفرعون ) بعد أن التقى بهم ليشجعهم على ~~الفوز ، ( @QUR@03 أإن لنا لأجرا ) مجزيا ( @QUR@04 إن كنا نحن الغالبين ) ~~لموسى عليه السلام . # وهنا يرد عليهم فرعون ، فيعدهم. ويمنيهم ( @QUR@06 قال نعم وإنكم إذا لمن ~~المقربين ) @QUR@01 . أى : نعم لكم الأجر العظيم الذي يرضيكم ، وفضلا عن ~~ذلك فستكونون عندي من الرجال المقربين إلى نفسي ، والذين سأخصهم برعايتي ~~ومشورتي. # وهكذا يعد فرعون السحرة ويمنيهم ( @QUR@05 وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ). # ثم حكى سبحانه بعد ذلك ما قاله موسى للسحرة ، وما قال فرعون لهم بعد أن ~~أعلنوا إيمانهم ، فقال تعالى : PageV10P245 # ( @QUR@07 قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون (43) @QUR@09 فألقوا حبالهم ~~وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون (44) @QUR@08 فألقى موسى عصاه ~~فإذا هي تلقف ما يأفكون (45) @QUR@03 فألقي السحرة ساجدين (46) @QUR@04 ~~قالوا آمنا برب العالمين (47) @QUR@03 رب موسى وهارون (48) @QUR@021 قال ~~آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن ~~أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين (49) @QUR@07 قالوا لا ms4247 ضير إنا ~~إلى ربنا منقلبون (50) @QUR@011 إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا ~~أول المؤمنين ) (51) # ( @QUR@03 قال لهم موسى ) أى للسحرة بعد أن أعدوا عدتهم لمنازلته ، ومن ~~خلفهم فرعون وقومه يشجعونهم على الفوز قال لهم : ( @QUR@04 ألقوا ما أنتم ~~ملقون ) من السحر ، فسوف ترون عاقبة منازلتكم لي. # وأسلوب الآية الكريمة يشعر بعدم مبالاة موسى عليه السلام بهم أو بتلك ~~الحشود التي من ورائهم ، فهو مطمئن إلى نصر الله سبحانه له. # ( @QUR@04 فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا ) أى : عند إلقائهم لتلك الحبال ~~والعصى ( @QUR@02 بعزة فرعون ) أى : بقوته وجبروته وسطوته ( @QUR@03 إنا ~~لنحن الغالبون ) لا موسى عليه السلام ولم تفصل السورة هنا ما فصلته سورة ~~الأعراف من أنهم حين ألقوا حبالهم وعصيهم ( @QUR@07 سحروا أعين الناس ~~واسترهبوهم وجاؤ بسحر عظيم ) أو ما وضحته سورة طه من أنهم حين ألقوا حبالهم ~~: ( @QUR@05 فأوجس في نفسه خيفة موسى ... ) @QUR@01 . # ولعل السر في عدم التفصيل هنا ، أن السورة الكريمة تسوق الأحداث متتابعة ~~تتابعا سريعا ، تربط معها قلب القارئ وعقله بما ستسفر عنه هذه الأحداث من ~~ظهور الحق ، ومن دحور الباطل. PageV10P246 # ولذا جاء التعقيب السريع بما فعله موسى عليه السلام فقال تعالى : ( ~~@QUR@06 فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ) أى : تبتلع بسرعة ، وتأخذ بقسوة ( ~~@QUR@02 ما يأفكون ) أى : ما فعلوه وما يفعلونه من السحر ، الذي يقلبون به ~~حقائق الأشياء عن طريق التمويه والتخييل. ورأى السحرة بأعينهم ومعهم الحشود ~~من خلفهم ، رأوا ما أجراه الله تعالى على يد موسى عليه السلام رأوا كل ذلك ~~فذهلوا وبهروا وأيقنوا أن ما جاء به موسى ليس سحرا وإنما هو شيء آخر فوق ~~طاقة البشر ، ولو كان سحرا لعرفوه فهم رجاله ، وأيضا لو كان سحرا لبقيت ~~حبالهم وعصيهم على الأرض ، ولكنها ابتلعتها عصا موسى عليه السلام عندئذ لم ~~يتمالكوا أنفسهم ، بل فعلوا ما حكاه القرآن عنهم في قوله سبحانه : ( ~~@QUR@03 فألقي السحرة ساجدين ) أى : فخروا ساجدين على وجوههم بدون تردد ، ~~وهم يقولون : ( @QUR@06 آمنا برب العالمين. رب موسى وهارون ) @QUR@01 . # وهكذا بعد أن شاهد السحرة الحق يتلألأ أمام أبصارهم. لم يملكوا إلا أن ms4248 ~~ينطقوا به على رءوس الأشهاد ، وتحولوا من قوم يلتمسون الأجر من فرعون ~~قائلين : ( @QUR@07 أإن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين ) إلى قوم آخرين ~~هجروا الدنيا. ومغانمها ، واستهانوا بالتهديد والوعيد ، ونطقوا بكلمة الحق ~~في وجه من كانوا يقسمون بعزته إنا لنحن الغالبون. # وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول في حديثه الذي رواه الشيخان : ~~«ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن ، إن شاء أقامه ، وإن شاء ~~أزاغه». # ثم يحكى سبحانه بعد ذلك موقف فرعون وقد رأى ما حطمه وزلزلة فقال تعالى : ~~( @QUR@01 قال ) أى فرعون للسحرة ( @QUR@02 آمنتم له ) أى : لموسى ( ~~@QUR@04 قبل أن آذن لكم ) بالإيمان به .. # ( @QUR@01 إنه ) أى : موسى عليه السلام ( @QUR@04 لكبيركم الذي علمكم ~~السحر ) أى : فأنتم متواطئون معه على هذه اللعبة ( @QUR@02 فلسوف تعلمون ) ~~ما أنزله بكم من عذاب. # ( @QUR@05 لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ) أى : لأقطعن من كل واحد منكم ~~يده اليمنى مع رجله اليسرى. ( @QUR@02 ولأصلبنكم أجمعين ) أى : في جذوع ~~النخل كما جاء في آية أخرى والمتأمل في قول فرعون كما حكاه القرآن عنه يرى ~~فيه الطغيان والكفر ، فهو يستنكر على السحرة إيمانهم بدون إذن. # ويرى فيه الكذب الباطل الذي قصد من ورائه تشكيك قومه في صدق موسى وفي ~~نبوته فهو يقول لهم : ( @QUR@05 إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ) @QUR@01 . # ويرى فيه بعد هذا التلبيس على قومه ، التهديد الغليظ شأن الطغاة في كل زمان PageV10P247 # ومكان فهو يقول للسحرة الذين صاروا مؤمنين : ( @QUR@09 فلسوف تعلمون. ~~لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين ) أى : بدون استثناء لواحد منهم. # ولم يلتفت السحرة إلى هذا التهديد والوعيد بعد أن استقر الإيمان في ~~قلوبهم ، بل قالوا كما حكى القرآن عنهم : ( @QUR@02 لا ضير ) مصدر ضاره ~~الأمر يضوره ويضيره ضيرا ، أى : ضره وألحق به الأذى. # أى : قالوا بكل ثبات وعدم مبالاة بوعيده لا ضرر علينا من عقابك فسنتحمله ~~صابرين في سبيل الحق الذي آمنا به. # ( @QUR@04 إنا إلى ربنا منقلبون ) أى : راجعون إليه ، فيجازينا على صبرنا. # ( @QUR@07 إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا ) التي وقعنا فيها قبل ~~الإيمان ms4249 ، كعبادة فرعون وكتعاطى السحر ( @QUR@02 أن كنا ) أى : لأن كنا أول ~~المؤمنون بالحق بعد أن جاءنا. # ثم ختم سبحانه هذه القصة ببيان ما أمر به نبيه موسى عليه السلام وما حل ~~بفرعون وقومه من هلاك بسبب كفرهم وبغيهم ، فقال تعالى : # ( @QUR@08 وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون (52) @QUR@05 ~~فأرسل فرعون في المدائن حاشرين (53) @QUR@04 إن هؤلاء لشرذمة قليلون (54) ~~@QUR@03 وإنهم لنا لغائظون (55) @QUR@03 وإنا لجميع حاذرون (56) @QUR@04 ~~فأخرجناهم من جنات وعيون (57) @QUR@03 وكنوز ومقام كريم (58) @QUR@04 كذلك ~~وأورثناها بني إسرائيل (59) @QUR@02 فأتبعوهم مشرقين (60) @QUR@08 فلما ~~تراءا الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون (61) @QUR@06 قال كلا إن معي ربي ~~سيهدين (62) @QUR@013 فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل ~~فرق كالطود العظيم (63) @QUR@03 وأزلفنا ثم الآخرين (64) @QUR@05 وأنجينا ~~موسى ومن معه أجمعين (65) PageV10P248 # @QUR@03 ثم أغرقنا الآخرين (66) @QUR@08 إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم ~~مؤمنين (67) @QUR@05 وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) (68) # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي. ) @QUR@01 . ~~معطوف على كلام مقدر يفهم من سياق القصة. # والتقدير : وبعد أن انتصر موسى على السحرة نصرا جعلهم يخرون ساجدين لله ~~تعالى وبعد أن مكث موسى في مصر حينا من الدهر ، يدعو فرعون وقومه إلى إخلاص ~~العبادة لله تعالى فلم يستجيبوا له .. # بعد كل ذلك ( @QUR@06 أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي ) أى : سر ببني ~~إسرائيل ليلا إلى جهة البحر وعبر سبحانه عنهم بعبادي. تلطفا بهم بعد أن ~~ظلوا تحت ظلم فرعون مدة طويلة. # وقوله : ( @QUR@02 إنكم متبعون ) تعليل للأمر بالإسراء. أى : سر بهم ليلا ~~إلى جهة البحر ، لأن فرعون سيتبعكم بجنوده ، وسأقضى قضائي فيه وفي جنده. # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@05 فأرسل فرعون في المدائن حاشرين ) هي ~~الفصيحة ، والحاشرين جمع حاشر : والمراد بهم الذين يحشرون الناس ويجمعونهم ~~في مكان معين ، لأمر من الأمور الهامة. # قالوا : جمعوا له جيشا كبيرا يتكون من مئات الآلاف من الجنود. أى : وعلم ~~فرعون بخروج موسى ومعه بنو إسرائيل. فأرسل جنوده ليجمعوا له الناس من ~~المدائن المتعددة في مملكته. # وبعد أن اكتمل عددهم ، أخذ في التهوين من شأن موسى ومن معه فقال : ( ~~@QUR@04 إن هؤلاء لشرذمة ms4250 قليلون ) @QUR@01 . # والشرذمة : الطائفة القليلة من الناس وخصها بعضهم بالأخساء والسفلة منهم. # ومنه قولهم : هذا ثوب شرذام ، وثياب شراذم ، أى : رديئة متقطعة. # أى : إن هؤلاء الذين خرجوا بدون إذنى وإذنكم ، لطائفة قليلة من الناس ~~الذين هم بمنزلة العبيد والخدم لي ولكم. # ( @QUR@03 وإنهم لنا لغائظون ) أى : وإنهم بجانب قلتهم ، وخروجهم بدون ~~إذننا ، يأتون بأقوال وأفعال تغيظنا وتغضبنا ، على رأسها اقتراحهم علينا أن ~~نترك ديننا. PageV10P249 # ( @QUR@03 وإنا لجميع حاذرون ) أى : متيقظون لمكايدهم ، ومحتاطون لمكرهم ~~، وممسكون بزمام الأمور حتى لا يؤثر فينا خداعهم. # يقال : حذر فلان حذرا من باب تعب بمعنى : استعد للأمر وتأهب له بيقظة .. # وكلام فرعون هذا الذي حكاه القرآن عنه يوحى بهلعه وخوفه مما فعله موسى ~~عليه السلام إلا أنه أراد أن يستر هذا الهلع والجزع بالتهوين من شأنه ومن ~~شأن الذين خرجوا معه وبتحريض قومه على اللحاق بهم وتأديبهم ، وبالظهور ~~بمظهر المستعد هو وقومه لمجابهة الأخطار والتمرد بكل قوة وحزم. # قال صاحب الكشاف : والمعنى : أنهم أى موسى ومن معه لقلتهم لا يبالى بهم ، ~~ولا يتوقع غلبتهم وعلوهم ، ولكنهم يفعلون أفعالا تغيظنا ، ونحن قوم من ~~عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور ، فإذا خرج علينا خارج ~~سارعنا إلى حسم فساده ، وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن لئلا يظن به ~~ما يكسر من قهره وسلطانه ، وقرئ : حذرون .. والحذر : اليقظ. والحاذر : الذي ~~يجدد حذره .. (1). # ثم حكى سبحانه بعد ذلك ما اقتضته إرادته ومشيئته في فرعون وقومه فقال : ( ~~@QUR@04 فأخرجناهم من جنات وعيون ) أى : فأخرجناهم بقدرتنا وإرادتنا من ( ~~@QUR@01 جنات ) @QUR@01 . # أى : بساتين كانوا يعيشون فيها ( @QUR@01 وعيون ) عذبة الماء كانوا ~~يشربون منها. # ( @QUR@01 وكنوز ) أى : وأموال كانت تحت أيديهم ( @QUR@02 ومقام كريم ) ~~أى : ومساكن حسنة جميلة كانوا يقيمون فيها. # أى : أخرجناهم من كل ذلك بقدرتنا ومشيئتنا ، ليلقوا مصيرهم المحتوم وهو ~~الغرق ، بسبب إصرارهم على كفرهم وطغيانهم. # وقوله : ( @QUR@01 كذلك ) خبر لمبتدأ محذوف. أى : الأمر كذلك. # وقوله : ( @QUR@03 وأورثناها بني إسرائيل ) أى : وأورثنا تلك الجنات ~~والعيون والكنوز والمنازل الحسنة لبنى إسرائيل. # قال الجمل : وقوله : ( @QUR@01 وأورثناها ) أى : الجنات والعيون والكنوز ~~لبنى إسرائيل ، وذلك ms4251 أن الله عز وجل رد بنى إسرائيل إلى مصر بعد هلاك فرعون ~~وقومه ، فأعطاهم جميع ما كان لفرعون وقومه من الأموال والمساكن الحسنة .. # والظاهر أن هذه الجملة اعتراضية ، وأن قوله بعد ذلك ( @QUR@01 فأتبعوهم ) ~~معطوف على PageV10P250 # قوله تعالى : ( @QUR@04 فأخرجناهم من جنات وعيون ) @QUR@01 .. لأن إعطاء ~~البساتين وما بعدها لبنى إسرائيل ، كان بعد هلاك فرعون وقومه (1). # ومن العلماء من يرى أن بنى إسرائيل لم يعودوا لمصر بعد هلاك فرعون وقومه ~~، وأن الضمير في قوله تعالى : ( @QUR@01 وأورثناها ) لا يعود إلى الجنات ~~والعيون التي أخرج الله تعالى منها فرعون وقومه. فيقول : ولا يعرف أن بنى ~~إسرائيل عادوا إلى مصر بعد خروجهم إلى الأرض المقدسة ، وورثوا ملك مصر ~~وكنوز فرعون ومقامه ، لذلك يقول المفسرون إنهم ورثوا مثل ما كان لفرعون ~~وملئه. فهي وراثة لنوع ما كانوا فيه من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم» (2). # وقيل : المراد بالوراثة هنا : وراثة ما استعاره بنو إسرائيل من حلى آل ~~فرعون عند خروجهم من مصر مع موسى عليه السلام . # ويبدو لنا أنه لا مانع من عودة الضمير في قوله تعالى : ( @QUR@01 ~~وأورثناها ) إلى الجنات والعيون والكنوز التي أخرج الله تعالى منها فرعون ~~وقومه ، بأن عاد موسى ومن معه إلى مصر لفترة معينة بعد هلاك فرعون وملئه ، ~~ثم خرجوا منها بعد ذلك مواصلين سيرهم إلى الأرض المقدسة ، التي أمرهم موسى ~~عليه السلام بدخولها. # ولعل مما يؤيد ما نرجحه قوله تعالى : ( @QUR@029 وأورثنا القوم الذين ~~كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها ، وتمت كلمت ربك ~~الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما ~~كانوا يعرشون ) (3). # وقوله سبحانه : ( @QUR@024 ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ، ~~ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ، ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان ~~وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ) (4). # ثم بين سبحانه بعد ذلك ما حدث من فرعون وقومه ، وما قاله بنو إسرائيل عند ~~ما شاهدوهم ، فقال تعالى ( @QUR@02 فأتبعوهم مشرقين ) @QUR@01 . # أى : أخرجنا فرعون وقومه من أموالهم ومساكنهم .. فساروا مسرعين خلف موسى ~~ومن معه ، ( @QUR@01 فأتبعوهم ) أى : فلحقوا بهم ms4252 ( @QUR@01 مشرقين ) أى : ~~في وقت شروق الشمس يقال : PageV10P251 # أشرق فلان إذا دخل في وقت الشروق ، كأصبح إذا دخل في وقت الصباح. # ( @QUR@03 فلما تراءا الجمعان ) أى : تقاربا بحيث يرى كل فريق خصمه. # ( @QUR@01 قال ) بنو إسرائيل لنبيهم موسى عليه السلام والخوف يملأ نفوسهم ~~: ( @QUR@02 إنا لمدركون ) أى : سيدركنا بعد قليل فرعون وجنوده ، ولا قدرة ~~لنا .. على قتالهم .. # وهنا رد عليهم موسى عليه السلام بثقة وثبات بقوله : ( @QUR@01 كلا ) أى : ~~كلا لن يدركوكم ، فاثبتوا ولا تجزعوا ( @QUR@04 إن معي ربي سيهدين ) ~~@QUR@01 . # بهذا الجزم والتأكيد رد موسى على بنى إسرائيل ، وهو رد يدل على قوة ~~إيمانه ، وثبات يقينه ، وثقته التي لا حدود لها في نصر الله تعالى له ، وفي ~~هدايته إياه إلى طريق الفوز والفلاح. # ولم يطل انتظار موسى لنصر الله تعالى بل جاءه سريعا متمثلا في قوله ~~سبحانه ( @QUR@07 فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ) أى : البحر ~~الأحمر على أرجح الأقوال وهو الذي كان يسمى ببحر القلزم .. # فضربه ( @QUR@01 فانفلق ) إلى اثنى عشر طريقا ( @QUR@03 فكان كل فرق ) أى ~~: قسم منه ( @QUR@02 كالطود العظيم ) أى : كالجبل الشامخ الكبير. # وسار موسى ومن معه في الطريق اليابس بين أمواج البحر بقدرة الله تعالى ، ~~( @QUR@03 وأزلفنا ثم الآخرين ) أى : وقربنا بقدرتنا وحكمتنا هنالك القوم ~~الآخرين وهم فرعون وجنوده. أى : قربناهم من موسى وقومه فدخلوا وراءهم في ~~الطريق الذي سلكوه بين أمواج البحر ، فماذا كانت النتيجة؟ # كانت النتيجة أن خرج موسى ومن معه سالمين ، أما فرعون وجنوده فقد انطبق ~~عليهم البحر فأغرقهم أجمعين. # وصدق الله إذ يقول : ( @QUR@01 وأنجينا ) أى : بقدرتنا ورحمتنا ( @QUR@04 ~~موسى ومن معه أجمعين ) من الغرق ومن لحاق فرعون بهم ( @QUR@03 ثم أغرقنا ~~الآخرين ) وهم فرعون وجنوده. # ثم ختم سبحانه هذه القصة كما ختم غيرها بقوله : ( @QUR@013 إن في ذلك ~~لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) @QUR@01 . # أى : إن في ذلك الذي قصصناه عليك أيها الرسول الكريم من قصة موسى وفرعون ~~، ( @QUR@01 لآية ) عظيمة تدعو إلى إخلاص العبادة والطاعة لنا ، ومع ذلك ~~فلم يؤمن بما جاء به نبينا موسى ، إلا عدد قليل ، ( @QUR@02 وإن ربك ms4253 ) أيها ~~الرسول الكريم ( @QUR@01 لهو PageV10P252 # @QUR@01 العزيز ) @QUR@01 . أى : الغالب المنتقم من أعدائه ( @QUR@01 ~~الرحيم ) أى : الواسع الرحمة بأوليائه ، حيث جعل العاقبة لهم. # وهكذا ساق لنا سبحانه هنا جانبا من قصة موسى عليه السلام بهذا الأسلوب ~~البديع ، لتكون عبرة وعظة لقوم يؤمنون. # ثم ساق سبحانه بعد ذلك جانبا من قصة إبراهيم عليه السلام فقال تعالى : # ( @QUR@04 واتل عليهم نبأ إبراهيم (69) @QUR@06 إذ قال لأبيه وقومه ما ~~تعبدون (70) @QUR@06 قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين (71) @QUR@05 قال ~~هل يسمعونكم إذ تدعون (72) @QUR@04 أو ينفعونكم أو يضرون (73) @QUR@06 ~~قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون (74) @QUR@05 قال أفرأيتم ما كنتم ~~تعبدون (75) @QUR@03 أنتم وآباؤكم الأقدمون (76) @QUR@06 فإنهم عدو لي إلا ~~رب العالمين (77) @QUR@04 الذي خلقني فهو يهدين (78) @QUR@04 والذي هو ~~يطعمني ويسقين (79) @QUR@04 وإذا مرضت فهو يشفين (80) @QUR@04 والذي يميتني ~~ثم يحيين (81) @QUR@08 والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين (82) ~~@QUR@06 رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين (83) @QUR@06 واجعل لي لسان صدق ~~في الآخرين (84) @QUR@05 واجعلني من ورثة جنة النعيم (85) @QUR@06 واغفر ~~لأبي إنه كان من الضالين (86) @QUR@04 ولا تخزني يوم يبعثون (87) @QUR@06 ~~يوم لا ينفع مال ولا بنون (88) @QUR@06 إلا من أتى الله بقلب سليم ) (89) PageV10P253 # وقصة إبراهيم عليه السلام قد وردت في القرآن في سور متعددة ، وبأساليب ~~متنوعة ، وردت في سورة البقرة ، وكان معظم الحديث فيها ، يدور حول بنائه ~~للبيت الحرام هو وابنه إسماعيل ، وحكاية تلك الدعوات الخاشعات التي تضرع ~~بها إلى ربه. # ووردت في سورة الأنعام ، وكان معظم الحديث فيها يدور حول إقامته الأدلة ~~على وحدانية الله تعالى عن طريق التأمل في مشاهد هذا الكون. # ووردت في سورة هود ، وكان معظم الحديث فيها يدور حول تبشيره بإسحاق .. # ووردت في سورة إبراهيم ، وكان معظم الحديث فيها بدور حول ما توجه به إلى ~~ربه من دعاء بعد أن ترك بعض ذريته في جوار بيت الله الحرام. # ووردت في سورة الحجر. وكان معظم الحديث فيها يدور حول ما دار بينه وبين ~~الملائكة من مناقشات .. # ووردت في سورة مريم ، وفيها حكى القرآن تلك النصائح الحكيمة التي وجهها ~~لأبيه وهو يدعوه لعبادة الله تعالى وحده. # ووردت في سورة الأنبياء. وفيها ms4254 عرض القرآن لما دار بينه وبين قومه من ~~مجادلات ومن تحطيم للأصنام ، ومن إلقائهم إياه في النار فصارت بأمر الله ~~تعالى بردا وسلاما عليه. # أما هنا في سورة الشعراء ، فيحكى لنا سبحانه ما دار بينه وبين قومه من ~~مناقشات ، وما توجه به إلى خالقه من دعوات. # لقد افتتحت بقوله تعالى : ( @QUR@04 واتل عليهم نبأ إبراهيم ) أى : واقرأ ~~أيها الرسول الكريم على قومك أيضا نبأ رسولنا إبراهيم عليه السلام الذي يزعم ~~قومك أنهم ورثته ، وأنهم يتبعونه في ديانته ، مع أن إبراهيم برىء منهم ومن ~~شركهم ، لأنه ما أرسل إلا لنهى أمثالهم عن الإشراك بالله تعالى . # وقوله : ( @QUR@06 إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون ) منصوب على الظرفية. أى ~~: اقرأ عليهم نبأه وقت أن قال لأبيه وقومه على سيل التبكيت وإلزامهم الحجة ~~: أى شيء هذا الذي تعبدونه من دون الله عز وجل ؟ # فأجابوه بقولهم : ( @QUR@05 نعبد أصناما فنظل لها عاكفين ) وكان يكفيهم ~~في الجواب أن يقولوا : نعبد أصناما ، ولكنهم لغبائهم وجهلهم قصدوا التباهي ~~والتفاخر بهذه العبادة الباطلة أى : نعبد أصناما منحوتة من الحجر أو مما ~~يشبهه ، ونداوم على عبادتها ليلا ونهارا ، ونعكف على التقرب لها كما يتقرب ~~الحبيب إلى حبيبه. PageV10P254 # وهكذا ، عند ما تنحط الأفهام ، تتباهى بما يجب البعد عنه ، وتفتخر ~~بالمرذول من القول والفعل .. # وقد رد عليهم إبراهيم عليه السلام بما يوقظهم من جهلهم لو كانوا يعقلون ، ~~فقال لهم : ( @QUR@08 هل يسمعونكم إذ تدعون. أو ينفعونكم أو يضرون ) ~~@QUR@01 . # أى : قال لهم إبراهيم على سبيل التنبيه والتبكيت : هذه الأصنام التي ~~تعبدونها من دون الله ، هل تسمع دعاءكم إذا دعوتموها ، وهل تحس بعبادتكم ~~لها إذا عبدتموها ، وهل تملك أن تنفعكم بشيء من النفع أو تضركم بشيء من الضر؟. # ولم يستطع القوم أن يواجهوا إبراهيم بجواب. بعد أن ألقمهم حجرا بنصاعة ~~حجته ، فلجأوا إلى التمسح بآبائهم فقالوا : ( @QUR@05 بل وجدنا آباءنا كذلك ~~يفعلون ) @QUR@01 . # أى : قالوا له : إن هذه الأصنام هي كما قلت يا إبراهيم لا تسمع دعاءنا ، ~~ولا تنفعنا ولا تضرنا ، ولكننا وجدنا آباءنا يعبدونها ، فسرنا على طريقتهم ~~في عبادتها ms4255 ، فهم قالوا ما قاله أمثالهم في الجهالة في كل زمان ومكان ( ~~@QUR@010 .. إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ) @QUR@01 . # وأمام هذا التقليد الأعمى ، نرى إبراهيم عليه السلام يعلن عداوته لهم ~~ولمعبوداتهم الباطلة ، ويجاهرهم بأن عبادته إنما هي لله تعالى وحده فيقول : # ( @QUR@013 أفرأيتم ما كنتم تعبدون. أنتم وآباؤكم الأقدمون. فإنهم عدو لي ~~إلا رب العالمين ) @QUR@01 . # أى : قال لهم إبراهيم على سبيل الإنكار والتأنيب : أفرأيتم وشاهدتم هذه ~~الأصنام التي عبدتموها أنتم وآباؤكم الأقدمون من دون الله تعالى إنها عدو ~~لي لأن عبادتها باطلة لكن الله تعالى رب العالمين هو وليي وصاحب الفضل على ~~في الدنيا والآخرة ، فلذا أعبده وحده. # فقوله ( @QUR@03 إلا رب العالمين ) استثناء منقطع من ضمير ( @QUR@01 ~~فإنهم ) @QUR@01 . # قال صاحب الكشاف : وإنما قال : ( @QUR@02 عدو لي ) تصويرا للمسألة في ~~نفسه ، على معنى : أنى فكرت في أمرى فرأيت عبادتي لها عبادة للعدو ~~فاجتنبتها وآثرت عبادة الذي الخير كله منه ، وأراهم بذلك أنها نصيحة نصح ~~بها نفسه أولا ، وبنى عليها تدبير أمره ، لينظروا فيقولوا : ما نصحنا ~~إبراهيم إلا بما نصح به نفسه ، ليكون أدعى لهم إلى القبول. ولو قال : فإنهم ~~عدو لكم لم يكن بتلك المثابة ، ولأنه دخل في باب من التعريض ، وقد يبلغ ~~التعريض للمنصوح ما لا يبلغه التصريح ، لأنه يتأمل فيه ، فربما قاده التأمل ~~إلى التقبل ومنه ما يحكى عن PageV10P255 # الشافعى رحمه الله : أن رجلا واجهه بشيء ، فقال : لو كنت بحيث أنت ، ~~لاحتجت إلى الأدب. وسمع رجل ناسا يتحدثون في الحجر فقال : ما هو بيتي ولا ~~بيتكم .. (1). # ثم حكى القرآن الكريم ، ما وصف به إبراهيم خالقه من صفات كريمة تليق ~~بجلاله سبحانه فقال : ( @QUR@04 الذي خلقني فهو يهدين ) أى : أخلص عبادتي ~~لرب العالمين ، الذي أوجدنى بقدرته ، والذي يهديني وحده إلى ما يصلح شأنى ~~في دنياى وفي آخرتي. # قال الجمل وقوله : ( @QUR@02 الذي خلقني ) يجوز فيه أوجه : النصب على ~~النعت لرب العالمين أو البدل أو عطف البيان .. أو الرفع على الابتداء. ~~وقوله ( @QUR@02 فهو يهدين ) جملة اسمية في محل رفع خبر له (2). # وقوله : ( @QUR@04 والذي هو يطعمني ms4256 ويسقين ) معطوف على ما قبله. أى : وهو ~~سبحانه وحده الذي يطعمنى ويسقيني من فضله ، ولو شاء لأمسك عنى ذلك. # وأضاف المرض إلى نفسه في قوله ( @QUR@04 وإذا مرضت فهو يشفين ) وإن كان ~~الكل من الله تعالى تأدبا مع خالقه عز وجل وشكرا له سبحانه على نعمة الخلق ~~والهداية. والإطعام والإسقاء والشفاء .. # والمراد بالإحياء في قوله : ( @QUR@04 والذي يميتني ثم يحيين ) إعادة ~~الحياة إلى الميت يوم القيامة أى : ومن صفات رب العالمين الذي أخلص له ~~العبادة ، أنه سبحانه الذي بقدرته وحده أن يميتني عند حضور أجلى ، ثم ~~يعيدني إلى الحياة مرة أخرى يوم البعث والحساب. # وجاء العطف ب ( @QUR@01 ثم ) في قوله ( @QUR@02 ثم يحيين ) لاتساع الأمر ~~بين الإماتة في الدنيا والإحياء في الآخرة. # ثم ختم إبراهيم هذه الصفات الكريمة بقوله : ( @QUR@08 والذي أطمع أن يغفر ~~لي خطيئتي يوم الدين ) أى : وهو وحده الذي أطمع أن يغفر لي ذنوبي يوم ألقاه ~~لأنه لا يقدر على ذلك أحد سواه عز وجل . # وفي هذه الآية أسمى درجات الأدب من إبراهيم مع ربه سبحانه ، لأنه يوجه ~~طمعه في المغفرة إليه وحده ، ويستعظم عليه السلام ما صدر منه من أمور قد ~~تكون خلاف الأولى ، ويعتبرها خطايا ، هضما لنفسه ، وتعليما للأمة أن تجتنب ~~المعاصي ، وأن تكون منها على حذر وأن تفوض رجاءها إلى الله تعالى وحده. PageV10P256 # وبعد أن أثنى إبراهيم عليه السلام على ربه بهذا الثناء الجميل ، أتبع ذلك ~~بتلك الدعوات الخاشعات فقال : ( @QUR@04 رب هب لي حكما ) أى : علما واسعا ~~مصحوبا بعمل نافع. # ( @QUR@02 وألحقني بالصالحين ) من عبادك الذين رضيت عنهم ورضوا عنك ، ~~بحيث ترافقنى بهم في جنتك. # ( @QUR@06 واجعل لي لسان صدق في الآخرين ) أى : واجعل لي ذكرا حسنا ، ~~وسمعة طيبة ، وأثرا كريما في الأمم الأخرى التي ستأتى من بعدي. # وقد أجاب سبحانه له هذه الدعوة ، فجعل أثره خالدا ، وجعل من ذريته ~~الأنبياء والصالحين ، وعلى رأسهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم . # ( @QUR@05 واجعلني من ورثة جنة النعيم ) أى : واجعلنى في الآخرة عند ما ~~ألقاك يا ربي للحساب ، من عبادك الذين أكرمتهم بدخول ms4257 جنتك وبوراثتها فضلا ~~منك وكرما. # ( @QUR@06 واغفر لأبي إنه كان من الضالين ) عن طريق الحق ، فإنى قد وعدته ~~بأن استغفر له عندك يا إلهى . # قال ابن كثير : وهذا مما رجع عنه إبراهيم عليه السلام كما قال تعالى : ( ~~@QUR@022 وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ، فلما ~~تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ، إن إبراهيم لأواه حليم ) (1). # وقد قطع تعالى الإلحاق في استغفاره لأبيه ، فقال : ( @QUR@045 قد كانت ~~لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم : إنا برآؤا منكم ~~ومما تعبدون من دون الله ، كفرنا بكم ، وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء ~~أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده ، إلا قول إبراهيم لأبيه : لأستغفرن لك وما ~~أملك لك من الله من شيء .. ) @QUR@01 . (2) # ( @QUR@02 ولا تخزني ) أى : ولا تفضحني ( @QUR@02 يوم يبعثون ) أى : يوم ~~تبعث عبادك في الآخرة للحساب ، بل استرني واجبرني وتجاوز عن تقصيرى. # ( @QUR@06 يوم لا ينفع مال ولا بنون ) من أحد لديك. # ( @QUR@06 إلا من أتى الله بقلب سليم ) أى : واسترني يا إلهى ولا تفضحني ~~يوم القيامة ، يوم لا ينتفع الناس بشيء من أموالهم ولا من أولادهم ، ولكنهم ~~ينتفعون بإخلاص قلوبهم PageV10P257 # لعبادتك. وبسلامتها من كل شرك أو نفاق ، وبصيانتها من الشهوات المرذولة. ~~والأفعال القبيحة. # وهكذا نرى في قصة إبراهيم : الشجاعة في النطق بكلمة الحق ، حيث جابه قومه ~~وأباه ببطلان عبادتهم للأصنام. # ونرى الحجة الدامغة التي جعلت قومه لا يجدون عذرا يعتذرون به عن عبادة ~~الأصنام سوى قولهم : ( @QUR@04 وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ) @QUR@01 . # ونرى الثناء الحسن الجميل منه على ربه عز وجل : ( @QUR@012 الذي خلقني فهو ~~يهدين. والذي هو يطعمني ويسقين. وإذا مرضت فهو يشفين ) @QUR@01 . # ونرى الدعاء الخاشع الخالص الذي يتضرع به إلى خالقه عز وجل ، لكي يرزقه ~~العلم والعمل ، وبأن يحشره مع الصالحين ، وأن يجعل له أثرا طيبا بعد وفاته ~~بين الأمم الأخرى ، وبأن يجعله من الوارثين لجنة النعيم ، وبأن يستره بستره ~~الجميل يوم القيامة ، يوم لا ينفع الناس شيء سوى إخلاص قلوبهم وعملهم ~~الصالح ، وهي دعوات يرى المتأمل فيها شدة خوف إبراهيم وهو الحليم ms4258 الأواه ~~المنيب من أهوال يوم الحساب. # نسأل الله تعالى بفضله وكرمه ، أن يجنبنا إياها ، وأن يسترنا بستره ~~الجميل. # ثم يبين سبحانه بعد ذلك مشهدا من مشاهد يوم القيامة ، ويحكى أقوال ~~الغاوين وحسراتهم .. فيقول : # ( @QUR@03 وأزلفت الجنة للمتقين (90) @QUR@03 وبرزت الجحيم للغاوين (91) ~~@QUR@06 وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون (92) @QUR@07 من دون الله هل ينصرونكم ~~أو ينتصرون (93) @QUR@04 فكبكبوا فيها هم والغاوون (94) @QUR@03 وجنود ~~إبليس أجمعون (95) @QUR@04 قالوا وهم فيها يختصمون (96) @QUR@06 تالله إن ~~كنا لفي ضلال مبين (97) @QUR@04 إذ نسويكم برب العالمين (98) @QUR@04 وما ~~أضلنا إلا المجرمون (99) @QUR@04 فما لنا من شافعين (100) @QUR@03 ولا صديق ~~حميم (101) PageV10P258 # @QUR@07 فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين (102) @QUR@08 إن في ذلك لآية ~~وما كان أكثرهم مؤمنين (103) @QUR@05 وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) (104) # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 وأزلفت الجنة .. ) @QUR@01 . من الإزلاف بمعنى ~~القرب والدنو. # أى : وقربت الجنة يوم القيامة للمتقين ، الذين صانوا أنفسهم عن كل ما لا ~~يرضاه الله تعالى ، وصارت بحيث يشاهدونها ويتلذذون برؤيتها. # ( @QUR@03 وبرزت الجحيم للغاوين ) أى : أما الغاوون الذين استحبوا العمى ~~على الهدى ، وآثروا الغواية على الهداية ، فقد برزت الجحيم لهم بأهوالها ~~وسعيرها ثم قيل لهؤلاء الكافرين على سبيل التقريع والتأنيب : ( @QUR@07 أين ~~ما كنتم تعبدون من دون الله ) أى : أين الآلهة التي كنتم تعبدونها في ~~الدنيا من دون الله تعالى وتزعمون أنها شفعاؤكم عنده؟! # ( @QUR@02 هل ينصرونكم ) الآن من هذا العذاب المعد لكم ( @QUR@02 أو ~~ينتصرون ) هم من العذاب الذي سيحل بهم معكم؟. # كلا ثم كلا ، إنكم وهم حصب جهنم ، وستدخلونها جميعا خاسئين. # وليس المقصود بالسؤال الاستفهام ، وإنما المقصود به التقريع والتوبيخ ، ~~ولذا لا يحتاج إلى جواب. # ثم ذكر سبحانه ما حل بهؤلاء الأشقياء من عذاب في أعقاب هذا التأنيب فقال ~~: ( @QUR@07 فكبكبوا فيها هم والغاوون. وجنود إبليس أجمعون ) @QUR@01 . # والكبكبة : تكرير الكب ، وهو الإلقاء على الوجه مرة بعد أخرى ، وضمير ~~الجمع للآلهة التي عبدها الكافرون من دون الله تعالى : وجيء بضمير العقلاء ~~على سبيل التهكم بهم ، أى : فألقى المعبودون والعابدون في جهنم ، ومعهم ~~جنود إبليس كلهم سواء أكانوا من الشياطين أم من أتباعه من الجن والإنس. # وفي التعبير بكبكبوا تصوير صادق ms4259 مؤثر لحالة هؤلاء الضالين ، وهم يتساقطون ~~والعياذ بالله في جهنم ، بلا رحمة ، ولا عناية ، ولا نظام ، بل بعضهم فوق ~~بعض وقد تناثرت أشلاؤهم .. # ثم بين سبحانه ما قاله الغاوون لآلهتهم فقال : ( @QUR@014 قالوا وهم فيها ~~يختصمون. تالله إن كنا لفي ضلال مبين. إذ نسويكم برب العالمين ) @QUR@01 . PageV10P259 # أى : قال العابدون لمعبوديهم على سبيل المخاصمة لهم ، والتبرؤ منهم : ~~تالله ما كنا إلا في ضلال مبين ، وقت أن كنا في الدنيا نسويكم برب العالمين ~~في العبادة مع أنكم خلق من خلقه لا تضرون ولا تنفعون. # ( @QUR@02 وما أضلنا ) عن اتباع طريق الحق ( @QUR@02 إلا المجرمون ) من ~~شياطين الإنس والجن. الذين زينوا لنا الكفر والفسوق والعصيان ، وصدونا عن ~~الإيمان والطاعة والهداية. # ( @QUR@02 فما لنا ) اليوم ( @QUR@02 من شافعين ) يشفعون لنا عند ربنا. ~~وما لنا أيضا من ( @QUR@02 صديق حميم ) أى : مخلص في صداقته ، يدافع عنا ~~عند ربنا ، ويهتم بأمرنا في هذا الموقف العصيب. # قال الآلوسى ، والمراد التلهف والتأسف على فقد شفيع يشفع لهم مما هم فيه ~~، أو صديق شفيق يهمه ذلك. وقد ترقوا لمزيد انحطاط حالهم في التأسف ، حيث ~~نفوا أولا أن يكون لهم من ينفعهم في تخليصهم من العذاب بشفاعته ، ونفوا ~~ثانيا أن يكون لهم من يهمه أمرهم ويشفق عليهم ، ويتوجع لهم ، أو يخلصهم .. # و ( @QUR@01 فلو ) في قوله تعالى ( @QUR@04 فلو أن لنا كرة .. ) @QUR@01 ~~. للتمني الدال على كمال التحسر. والكرة : الرجعة إلى الدنيا مرة أخرى ~~لتدارك ما فاتهم من الإيمان. # أى : فيا ليت لنا عودة إلى الدنيا مرة أخرى ، فنستدرك ما فاتنا من طاعة ~~الله تعالى . ( @QUR@03 فنكون من المؤمنين ) الذين أزلفت الجنة لهم ، ~~وأبعدت عنهم النار التي نحن مخلدون فيها. # ثم ختم سبحانه قصة إبراهيم بما ختم به قصة موسى عليهما السلام فقال : ( ~~@QUR@08 إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين .. ) @QUR@01 . # إن في ذلك الذي ذكرناه لك أيها الرسول الكريم عن حال إبراهيم مع قومه ومع ~~أبيه ، وعن أهوال يوم القيامة ، إن ذلك كله لحجة وعظة لمن أراد أن يؤمن ~~ويعتبر ، ومع ذلك فإن أكثر قوم إبراهيم ما كانوا مؤمنين ms4260 ( @QUR@05 وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم ) @QUR@01 . # ثم ساق سبحانه بعد ذلك جانبا من قصة نوح مع قومه ، فقال تعالى : PageV10P260 # ( @QUR@04 كذبت قوم نوح المرسلين (105) @QUR@07 إذ قال لهم أخوهم نوح ألا ~~تتقون (106) @QUR@04 إني لكم رسول أمين (107) @QUR@03 فاتقوا الله وأطيعون ~~(108) @QUR@011 وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (109) ~~@QUR@03 فاتقوا الله وأطيعون (110) @QUR@05 قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ~~(111) @QUR@06 قال وما علمي بما كانوا يعملون (112) @QUR@07 إن حسابهم إلا ~~على ربي لو تشعرون (113) @QUR@04 وما أنا بطارد المؤمنين (114) @QUR@05 إن ~~أنا إلا نذير مبين (115) @QUR@09 قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من ~~المرجومين (116) @QUR@05 قال رب إن قومي كذبون (117) @QUR@09 فافتح بيني ~~وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين (118) @QUR@06 فأنجيناه ومن معه في ~~الفلك المشحون (119) @QUR@04 ثم أغرقنا بعد الباقين (120) @QUR@08 إن في ~~ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (121) @QUR@05 وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) (122) # تلك هي قصة نوح مع قومه ، كما وردت في هذه السورة ، وقد ذكرت في سور أخرى ~~منها سور : الأعراف ، وهود ، والمؤمنون ، ونوح .. ولكن بأساليب أخرى. # وينتهى نسب نوح عليه السلام إلى شيث بن آدم ، وقد ذكر نوح في القرآن في ~~ثلاث وأربعين موضعا. # وكان قوم نوح يعبدون الأصنام ، فأرسل الله تعالى إليهم نوحا ، ليدلهم على ~~طريق الرشاد. # وقوم الرجل : أقرباؤه الذين يجتمعون معه في جد واحد. وقد يقيم الرجل بين ~~الأجانب فيسميهم قومه مجازا لمجاورته لهم. PageV10P261 # قال الآلوسى : والقوم كما في المصباح يذكر ويؤنث ، وكذلك كل اسم جمع لا ~~واحد له من لفظه نحو رهط ونفر ، ولذا يصغر على قويمة ، وقيل : هو مذكر ~~ولحقت فعله علامة التأنيث على إرادة الأمة والجماعة منه .. (1). # والمراد بالمرسلين في قوله تعالى : ( @QUR@04 كذبت قوم نوح المرسلين ) ~~نبيهم نوحا عليه السلام وعبر عنه بذلك ، لأن تكذيبهم له ، بمثابة التكذيب ~~لجميع الرسل ، لأنهم قد جاءوا جميعا برسالة واحدة في أصولها التي لا تختلف ~~باختلاف الزمان والمكان. # و ( @QUR@01 إذ ) في قوله تعالى : ( @QUR@05 إذ قال لهم أخوهم نوح ) أى : ~~كذبوا نبيهم نوحا وقت أن قال لهم ناصحا ومنذرا ( @QUR@02 ألا تتقون ) أى : ~~ألا تتقون الله تعالى الذي ms4261 خلقكم ورزقكم ، فتخلصوا له العبادة وتتركوا ~~عبادة غيره. # ووصفه سبحانه بالأخوة لهم ، لأنه كان واحدا منهم يعرفون حسبه ونسبه ~~ونشأته بينهم. # ثم علل نصحه لهم بقوله كما حكى القرآن عنه : ( @QUR@04 إني لكم رسول أمين ~~) آمركم بتقوى الله تعالى لأنى رسول معروف بينكم بالأمانة وعدم الخيانة أو ~~الغش أو المخادعة. # وما دام أمرى كذلك : ( @QUR@06 فاتقوا الله وأطيعون. وما أسئلكم عليه ) ~~أى على هذا النصح ( @QUR@02 من أجر ) دنيوى ( @QUR@02 إن أجري ) فيما ~~أدعوكم إليه ( @QUR@04 إلا على رب العالمين ) فهو الذي أرسلنى إليكم ، وهو ~~الذي يتفضل بمنحى أجرى لا أنتم. # ولقد بينت لكم حقيقة أمرى ( @QUR@03 فاتقوا الله وأطيعون ) @QUR@01 . # وهكذا نرى أن نوحا قد سلك مع قومه أحكم الطرق في دعوتهم إلى الله ، فهو ~~يحضهم ثلاث مرات على تقوى الله بعد أن يبين لهم أخوته لهم ، وأمانته عندهم ~~، وتعففه عن أخذ أجر منهم في مقابل ما يدعوهم إليه من حق وخير ، ومصارحته ~~إياهم بأن أجره إنما هو من الله رب العالمين ، وليس من أحد سواه. # فماذا كان ردهم على هذا القول الحكيم لنبيهم؟ لقد حكى القرآن ردهم فقال : ~~( @QUR@05 قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ) @QUR@01 . # والأرذلون : جمع الأرذل. وهو الأقل من غيره في المال والجاه والنسب. # أى : قال قوم نوح له عند ما دعاهم إلى إخلاص العبادة لله تعالى : يا نوح أنؤمن PageV10P262 # لك ، والحال أن الذين اتبعوك من سفلة الناس وفقرائهم ، وأصحاب الحرف ~~الدنيئة فينا ..؟. # وهذا المنطق المرذول قد حكاه القرآن في كثير من آياته ، على ألسنة ~~المترفين ، وهم يردون على أنبيائهم عند ما يدعونهم إلى الدين الحق .. # وهنا يرد عليهم نوح ردا حكيما ( @QUR@011 قال وما علمي بما كانوا يعملون. ~~إن حسابهم إلا على ربي ) @QUR@01 .. # أى : قال لهم على سبيل الاستنكار لما واجهوه به : وأى علم لي بأعمال ~~أتباعى ، إن الذي يعلم حقيقة نواياهم وأعمالهم هو الله تعالى أما أنا ~~فوظيفتى قبول أعمال الناس على حسب ظواهرها. # وهؤلاء الضعفاء الأرذلون في زعمكم ليس حسابهم إلا على الله تعالى وحده ، ~~فهو أعلم ببواطنهم وبأحوالهم منى ومنكم ( @QUR@02 لو تشعرون ms4262 ) أى : لو كنتم ~~من أهل الفهم والشعور بحقائق الأمور لا بزيفها ، لعلمتم سلامة ردى عليكم ~~ولكنكم قوم تزنون الناس بميزان غير عادل ، لذا قلتم ما قلتم. # ثم يحسم الأمر معهم في هذه القضية فيقول : ( @QUR@02 وما أنا ) بحال من ~~الأحوال ( @QUR@02 بطارد المؤمنين ) الذين اتبعونى وصدقونى وآمنوا بدعوتي ~~سواء أكانوا من الأرذلين في زعمكم أم من غيرهم ، ( @QUR@05 إن أنا إلا نذير ~~مبين ) أى : ليست وظيفتي إلا الإنذار الواضح للناس بسوء المصير ، إذا ما ~~استمروا على كفرهم ، سواء أكانوا من الأغنياء أم من الفقراء. # فأنت ترى أن نوحا عليه السلام قد جمع في رده عليهم ، بين المنطق الرصين ~~الحكيم ، وبين الحزم والشجاعة والزجر الذي يخرس ألسنتهم. # لذا نراهم وقد أخرسهم المنطق المستقيم الذي سلكه نوح معهم ، يلجئون إلى ~~التهديد والوعيد لنبيهم عليه السلام : ( @QUR@09 قالوا لئن لم تنته يا نوح ~~لتكونن من المرجومين ) @QUR@01 . # أى : إذا لم تكف يا نوح عن مجادلتك لنا ، ومن دعوتك إيانا إلى ترك عبادة ~~آلهتنا ، لتكونن من المرجومين منا بالحجارة حتى تموت. # وهكذا الطغاة يلجئون إلى القوة والتهديد والوعيد ، عند ما يجدون أنفسهم ~~وقد حاصرهم أصحاب الحق من كل جوانبهم ، بالحجة الواضحة ، وبالرأى السديد .. # ويئس نوح عليه السلام من إيمان قومه ، بعد أن لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين ~~عاما ، وبعد أن سمع منهم ما يدل على رسوخهم في الكفر والضلال ، تضرع إلى ~~ربه ( @QUR@01 قال PageV10P263 # @QUR@04 رب إن قومي كذبون ) واستمروا على هذا التكذيب تلك القرون ~~المتطاولة ( @QUR@09 فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين ) ~~أى فاحكم بقدرتك العادلة بيني وبينهم حكما من عندك ، تنجي به أهل الحق ، ~~وتمحق به أهل الباطل. # وسمى الحكم فتحا ، لما فيه من إزالة الإشكال في الأمر ، كما أن فتح الشيء ~~المغلق يؤدى إلى إزالة هذا الإغلاق. ولذا قيل للحاكم فاتح لفتحه أغلاق الحق. # ثم حكى سبحانه أنه قد استجاب لنوح دعاءه فقال : ( @QUR@010 فأنجيناه ومن ~~معه في الفلك المشحون. ثم أغرقنا بعد الباقين ) @QUR@01 . # والفلك كما يقول الآلوسى : يستعمل للواحد وللجمع. وحيث أتى في القرآن ~~الكريم ms4263 فاصلة استعمل مفردا. وحيث أتى غير فاصلة استعمل جمعا. # والمشحون : المملوء بهم وبكل ما يحتاجون إليه من وسائل المعيشة. # أى : فاستجبنا لعبدنا نوح دعاءه. فأنجيناه ومن معه من المؤمنين في ~~السفينة المملوءة بهم. وبما هم في حاجة إليه ، ثم أغرقنا بعد إنجائهم ~~الباقين من قومه على كفرهم وضلالهم .. # ( @QUR@03 إن في ذلك ) الذي ذكرناه لك أيها الرسول الكريم عن نوح وقومه ( ~~@QUR@01 لآية ) كبرى على وحدانيتنا وقدرتنا ( @QUR@09 وما كان أكثرهم ~~مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) @QUR@01 . # ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك ، جانبا من قصة هود عليه السلام مع قومه ~~فقال تعالى : # ( @QUR@03 كذبت عاد المرسلين (123) @QUR@07 إذ قال لهم أخوهم هود ألا ~~تتقون (124) @QUR@04 إني لكم رسول أمين (125) @QUR@03 فاتقوا الله وأطيعون ~~(126) @QUR@011 وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (127) ~~@QUR@05 أتبنون بكل ريع آية تعبثون (128) @QUR@04 وتتخذون مصانع لعلكم ~~تخلدون (129) @QUR@04 وإذا بطشتم بطشتم جبارين (130) @QUR@03 فاتقوا الله ~~وأطيعون (131) PageV10P264 # @QUR@05 واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون (132) @QUR@03 أمدكم بأنعام وبنين ~~(133) @QUR@02 وجنات وعيون (134) @QUR@06 إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ~~(135) @QUR@09 قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين (136) @QUR@05 ~~إن هذا إلا خلق الأولين (137) @QUR@03 وما نحن بمعذبين (138) @QUR@010 ~~فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (139) @QUR@05 وإن ~~ربك لهو العزيز الرحيم ) (140) # وقد وردت قصة هود مع قومه في سور شتى منها : سورة الأعراف ، وهود ، ~~والأحقاف .. # وينتهى نسب هود عليه السلام إلى نوح عليهما السلام . # وقومه هم قبيلة عاد نسبة إلى أبيهم الذي كان يسمى بهذا الاسم وكانت ~~مساكنهم بالأحقاف باليمن والأحقاف جمع حقف وهو الرمل الكثير المائل . # وكانوا يعبدون الأصنام ، فأرسل الله تعالى نبيهم هودا لينهاهم عن ذلك ، ~~وليأمرهم بعبادة الله وحده. وبشكره سبحانه على ما وهبهم من قوة وغنى. # وقد افتتح هود نصحه لقومه ، بحضهم على تقوى الله وإخلاص العبادة له وبيان ~~أنه أمين في تبليغ رسالة الله تعالى إليهم ، فهو لا يكذب عليهم ولا يخدعهم ~~، وببيان أنه لا يسألهم أجرا على نصحه لهم ، وإنما يلتمس الأجر من الله ~~تعالى وحده. # وقد سلك في ذلك المسلك الذي اتبعه ms4264 جده عليه السلام مع قومه ، وسار عليه ~~الأنبياء من بعده. # ثم استنكر هود عليه السلام ما كان عليه قومه من ترف وطغيان فقال لهم : ( ~~@QUR@05 أتبنون بكل ريع آية تعبثون ) @QUR@01 . # والريع بكسر الراء جمع ريعة. وهو المكان المرتفع من الأرض أو الجبل ~~المرتفع .. وقيل : المراد به أبراج الحمام كانوا يبنونها للهو واللعب ~~والأكثرون على أن المراد به : المكان المرتفع ومنه : ريع النبات ، وهو ~~ارتفاعه بالزيادة. # أى : أتبنون على سبيل اللهو واللعب في كل مكان مرتفع ، بناء يعتبر آية ~~وعلامة على PageV10P265 # عبثكم وترفكم ، وغروركم. # ( @QUR@01 وتتخذون ) أى : وتعملون ( @QUR@01 مصانع ) أى : قصورا ضخمة ~~متينة ، أو حياضا تجمعون فيها مياه الأمطار .. ( @QUR@02 لعلكم تخلدون ) أى ~~: عاملين عمل من يرجو الخلود في هذه الحياة الفانية ( @QUR@02 وإذا بطشتم ) ~~أى : وإذا أردتم السطو والظلم والبغي على غيركم ( @QUR@02 بطشتم جبارين ) ~~@QUR@01 . # أى : أخذتموه بعنف وقهر وتسلط دون أن تعرف الرحمة إلى قلوبكم سبيلا. # فأنت ترى أن هودا عليه السلام قد استنكر على قومه تطاولهم في البنيان بقصد ~~التباهي والعبث والتفاخر ، لا بقصد النفع العام لهم ولغيرهم. كما استنكر ~~عليهم انصرافهم عن العمل الصالح الذي ينفعهم في آخرتهم وانهماكهم في ~~التكاثر من شئون دنياهم حتى لكأنهم مخلدون فيها ، كما استنكر عليهم كذلك ~~قسوة قلوبهم ، وتحجر مشاعرهم ، وإنزالهم الضربات القاصمة بغيرهم بدون رأفة ~~أو شفقة. # وبعد نهيه إياهم عن تلك الرذائل ، أمرهم بتقوى الله وطاعته وشكره على ~~نعمه فقال : ( @QUR@019 فاتقوا الله وأطيعون. واتقوا الذي أمدكم بما ~~تعلمون. أمدكم بأنعام وبنين. وجنات وعيون. إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ) ~~@QUR@01 . # أى : اتركوا هذه الرذائل ، واتقوا الله وأطيعون في كل ما آمركم به. أو ~~أنهاكم عنه ، واتقوا الله تعالى الذي أمدكم بألوان لا تحصى من النعم ، فقد ~~أمدكم بالأنعام وهي الإبل والبقر والغنم التي هي أعز أموالكم ، وأمدكم ~~بالأولاد ليكونوا قوة لكم ، وأمدكم بالبساتين العامرة بالثمار ، وبالعيون ~~التي تنتفعون بمائها العذب. # ثم ختم إرشاده لهم ، ببيان أنه حريص على مصلحتهم ، وأنه يخشى عليهم إذا ~~لم يستجيبوا لدعوته أن ينزل بهم عذاب عظيم في يوم تشتد أهواله ms4265 ولا تنفعهم ~~فيه أموالهم ولا أولادهم. # وبذلك نرى أن هودا عليه السلام قد جمع في نصحه لقومه بين الترهيب والترغيب ~~، وبين الإنذار والتبشير ، وبين التعفف عن دنياهم ، والحرص على مصلحتهم. # ولكن هذه النصائح الحكيمة ، لم يستقبلها قومه استقبالا حسنا ، ولم تجد ~~منهم قبولا ، بل كان ردهم عليه كما حكى القرآن عنهم : ( @QUR@09 قالوا سواء ~~علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين .. ) @QUR@01 . # أى : قال قوم هود له بعد أن وعظهم ونصحهم : قالوا له بكل استهتار وسوء ~~أدب : يا هود يستوي عندنا وعظك وعدمه ، ولا يعنينا أن تكون ممن يجيدون ~~الوعظ أو من غيرهم ممن لا يحسنون الوعظ والإرشاد. PageV10P266 # قال صاحب الكشاف : فإن قيل : «أوعظت أو لم تعظ» كان أخصر. والمعنى واحد. # قلت : ليس المعنى بواحد وبينهما فرق ، لأن المراد : سواء علينا أفعلت هذا ~~الفعل الذي هو الوعظ ، أم لم تكن أصلا من أهله ومباشريه ، فهو أبلغ في قلة ~~اعتدادهم بوعظه ، من قولك : أم لم تعظ. (1). # ثم أضافوا إلى قولهم هذا قولا آخر لا يقل عن سابقه في الغرور وانطماس ~~البصيرة فقالوا : ( @QUR@05 إن هذا إلا خلق الأولين ) أى : ما هذا الذي ~~تنهانا عنه من التطاول في البنيان ، ومن اتخاذ المصانع .. إلا خلق آبائنا ~~الأولين ، ومنهجهم في الحياة ، ونحن على آثارهم نسير وعلى منهجهم نمشي. # قال القرطبي ما ملخصه : قرأ أكثر القراء ( @QUR@03 إلا خلق الأولين ) بضم ~~الخاء واللام أى : عادتهم ودينهم ومذهبهم وما جرى عليه أمرهم .. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي إلا خلق الأولين بفتح الخاء وإسكان ~~اللام أى : ما هذا الذي جئتنا به يا هود إلا اختلاق الأولين وكذبهم ، ~~والعرب تقول : حدثنا فلان بأحاديث الخلق ، أى : بالخرافات والأحاديث ~~المفتعلة .. (2). # وعلى كلتا القراءتين فالآية الكريمة تصور ما كانوا عليه من تحجر وجهالة ~~تصويرا بليغا. # ثم انتقلوا بعد ذلك إلى غرور أشد وأشنع فقالوا : ( @QUR@03 وما نحن ~~بمعذبين ) @QUR@01 . # أى : هذه : حالنا التي ارتضيناها لحياتنا ، وما نحن بمعذبين على هذه ~~الأعمال التي نعملها. # وهكذا رد قوم هود على نبيهم عليه السلام بهذا الرد السيئ الذي يدل ms4266 على ~~استهتارهم وجفائهم وجمودهم على باطلهم. # ولذا جاءت نهايتهم الأليمة بسرعة وحسم ، قال تعالى : ( @QUR@02 فكذبوه ~~فأهلكناهم ) @QUR@01 . # أى : أصر قوم هود على باطلهم وغرورهم فأهلكناهم ( @QUR@018 بريح صرصر ~~عاتية سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما ، فترى القوم فيها صرعى ، ~~كأنهم أعجاز نخل خاوية ) (3) أهلكهم الله تعالى دون أن تنفعهم أموالهم ، أو ~~قوتهم التي كانوا يدلون بها ويقولون : ( @QUR@04 من أشد منا قوة ) @QUR@01 . (4) PageV10P267 # وختم سبحانه قصتهم بما ختم به قصة نوح مع قومه من قبلهم ، فقال تعالى : ( ~~@QUR@013 إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم ~~) @QUR@01 . # ثم ساق سبحانه بعد ذلك قصة صالح مع قومه ، فقال تعالى : # ( @QUR@03 كذبت ثمود المرسلين (141) @QUR@07 إذ قال لهم أخوهم صالح ألا ~~تتقون (142) @QUR@04 إني لكم رسول أمين (143) @QUR@03 فاتقوا الله وأطيعون ~~(144) @QUR@011 وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (145) ~~@QUR@05 أتتركون في ما هاهنا آمنين (146) @QUR@03 في جنات وعيون (147) ~~@QUR@04 وزروع ونخل طلعها هضيم (148) @QUR@05 وتنحتون من الجبال بيوتا ~~فارهين (149) @QUR@03 فاتقوا الله وأطيعون (150) @QUR@04 ولا تطيعوا أمر ~~المسرفين (151) @QUR@06 الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون (152) @QUR@05 ~~قالوا إنما أنت من المسحرين (153) @QUR@011 ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية ~~إن كنت من الصادقين (154) @QUR@09 قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ~~(155) @QUR@07 ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم (156) @QUR@03 ~~فعقروها فأصبحوا نادمين (157) @QUR@010 فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما ~~كان أكثرهم مؤمنين (158) @QUR@05 وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) (159) # وقد وردت قصة صالح مع قومه في سور أخرى منها الأعراف ، وهود ، والنمل ، ~~والقمر .. وثمود اسم للقبيلة التي أرسل إليها صالح عليه السلام والثمد : ~~الماء القليل ... وكانوا يعبدون الأصنام ، فأرسل الله تعالى واحدا منهم هو ~~صالح لكي يأمرهم بعبادة الله وحده. PageV10P268 # وما زالت مساكنهم تعرف إلى الآن بمدائن صالح ، في المنطقة التي بين ~~المدينة المنورة والشام ، وقد مر النبي صلى الله عليه وسلم على ديارهم وهو ~~متوجه إلى غزوة تبوك .. # وقد نصح صالح قومه ، بما نصح به هود ونوح قومهما من قبله ، فقد أمرهم ~~بتقوى الله وصارحهم بصدقه معهم ، وبتعففه عن تعاطى الأجر على ms4267 نصحه لهم. # ثم وعظهم بما يرقق القلوب ، وبما يحمل العقلاء على شكر الله تعالى على ~~نعمه فقال لهم : ( @QUR@012 أتتركون في ما هاهنا آمنين. في جنات وعيون. ~~وزروع ونخل طلعها هضيم .. ) @QUR@01 . # والاستفهام للإنكار. والطلع : اسم من الطلوع وهو الظهور ، وأصله ثمر ~~النخل في أول ما يطلع ، وهو بعد التلقيح يسمى خلالا بفتح الخاء ثم يصير ~~بسرا ، فرطبا ، فتمرا. # والهضيم : اليانع والنضيج ، أو الرطب اللين اللذيذ الذي تداخل بعضه في ~~بعض وهو وصف للطلع الذي قصد به الثمار الناضجة الطيبة لصيرورته إليها. # والمعنى : أتظنون أنكم متروكون بدون حساب أو سؤال من خالقكم عز وجل وأنتم ~~تتقلبون في نعمه التي منها ما أنتم فيه من بساتين وأنهار وزروع كثيرة ~~متنوعة. # إن كنتم تظنون ذلك ، فأقلعوا عن هذا الظن ، واعتقدوا بأنكم أنتم وما بين ~~أيديكم من نعم ، إلى زوال ، وعليكم أن تخلصوا لخالقكم العبادة والشكر لكي ~~يزيدكم من فضله .. # فأنت ترى أن صالحا عليه السلام قد استعمل مع قومه أرق ألوان الوعظ ، لكي ~~يوقظ قلوبهم الغافلة ، نحو طاعة الله تعالى وشكره ، وقد استعمل في وعظه لفت ~~أنظارهم إلى ما يتقلبون فيه من نعم تشمل البساتين والعيون ، والزروع ~~المتعددة ، والنخيل الجيدة الطلع ، اللذيذة الطعم ، حتى لكأن ثمرها لجودته ~~ولينه ، لا يحتاج إلى هضم في البطون. # ثم ذكرهم بنعمة أخرى ، وكرر عليهم الأمر بتقوى الله فقال : ( @QUR@08 ~~وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين. فاتقوا الله وأطيعون ) @QUR@01 . # وقوله : ( @QUR@01 وتنحتون ) معطوف على ( @QUR@01 تتركون ) فهو داخل في ~~حيز الإنكار عليهم ، لعدم شكرهم لله تعالى والنحت : البرى. يقال : نحت فلان ~~الحجر نحتا إذا براه وأعده للبناء. # و ( @QUR@01 فارهين ) أى : ماهرين حاذقين في نحتها. من فره ككرم فراهة. ~~إذا برع في فعل الشيء ، وعرف غوامضه ودقائقه. # قال القرطبي : وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : فرهين بغير ألف في الفاء. وهي ~~بمعنى واحد .. وفرق بينهما قوم فقالوا : ( @QUR@01 فارهين ) أى حاذقين في ~~تحتها ... وفرهين بغير PageV10P269 # ألف . أى : أشرين بطرين فرهين .. (1). # أى : وأنهاكم أيضا عن انهماككم في نحت الحجارة من الجبال بمهارة وبراعة ، ~~لكي تبنوا بها بيوتا ms4268 وقصورا بقصد الأشر والبطر ، لا يقصد الإصلاح والشكر ~~لله فمحل النهى إنما هو قصد الأشر والبطر في البناء وفي النحت. # ثم نهاهم عن طاعة المفسدين في الأرض بعد أن أمرهم بتقوى الله فقال : ( ~~@QUR@010 ولا تطيعوا أمر المسرفين. الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ) ~~@QUR@01 . # أى : اجعلوا طاعتكم لله تعالى وحده ، ولى بصفتى رسوله إليكم ، واتركوا ~~طاعة زعمائكم وكبرائكم المسرفين في إصرارهم على الكفر والجحود والذين من ~~صفاتهم أنهم يفسدون في الأرض فسادا لا يخالطه إصلاح. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@04 ولا تطيعوا أمر المسرفين. ) @QUR@01 . ~~كأنه عنى بالخطاب جمهور قومه. وبالمسرفين كبراءهم في الكفر والإضلال. ~~وكانوا تسعة رهط .. والإسراف : تجاوز الحد في كل أمر .. والمراد به هنا : ~~زيادة الفساد .. والمراد بالأرض : أرض ثمود. وقيل : الأرض كلها. ولما كان ~~قوله ( @QUR@01 يفسدون ) لا ينافي إصلاحهم أحيانا ، أردفه بقوله تعالى : ( ~~@QUR@02 ولا يصلحون ) لبيان كمال إفسادهم. وأنه لم يخالطه إصلاح أصلا (2). # ولكن هذا النصح الحكيم من صالح لقومه ، لم يقابل منهم بأذن صاغية ، بل ~~قابلوه بالتطاول والاستهتار وإنكار رسالته ( @QUR@016 قالوا إنما أنت من ~~المسحرين. ما أنت إلا بشر مثلنا ، فأت بآية إن كنت من الصادقين ) @QUR@01 . # أى : قال قوم صالح له : أنت لست إلا من الذين غلب عليهم السحر ، وأثر في ~~عقولهم ، فصاروا يتكلمون بكلام المجانين. وما أنت أيضا إلا بشر مثلنا تأكل ~~الطعام كما نأكل. وتشرب الشراب كما نشرب .. فإن كنت رسولا حقا فأتنا بعلامة ~~ومعجزة تدل على صدقك في دعواك الرسالة وكأنهم لجهلهم وانطماس بصائرهم يرون ~~أن البشرية تتنافى مع النبوة والرسالة ، وتضرع صالح عليه السلام إلى ربه ~~عز وجل أن يمنحه معجزة لعلها تكون سببا في هداية قومه ، وأجاب الله تعالى ~~تضرعه ، فقال سبحانه : ( @QUR@016 قال هذه ناقة لها شرب ، ولكم شرب يوم ~~معلوم ، ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم ) @QUR@01 . # قال ابن كثير : ثم إنهم اقترحوا عليه آية يأتيهم بها ، ليعلموا صدقه بما ~~جاءهم به من ربهم ، فطلبوا منه أن يخرج لهم الآن من صخرة عندهم ناقة عشراء ~~من صفتها كذا وكذا. فعند ذلك PageV10P270 # أخذ عليهم ms4269 صالح العهود والمواثيق ، لئن أجابهم إلى ما سألوا ليؤمنن به ، ~~فأنعموا بذلك أى : قالوا نعم فقام نبي الله صالح فصلى ، ثم دعا ربه أن ~~يجيبهم على سؤالهم ، فانفطرت تلك الصخرة التي أشاروا إليها. عن ناقة عشراء. ~~على الصفة التي وصفوها. فآمن بعضهم وكفر أكثرهم» (1). # والمعنى : قال لهم صالح عليه السلام بعد أن طلبوا منه معجزة تدل على صدقه ~~: هذه ناقة ( @QUR@06 لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ) أى : لها نصيب معين من ~~الماء ، ولكم نصيب آخر منه ، وليس لكم أن تشربوا منه في يوم شربها. وليس ~~لها أن تشرب منه في يوم شربكم ، واحذروا أن تمسوها بسوء كضرب أو قتل ~~فيأخذكم عذاب يوم عظيم. # ووصف اليوم بالعظم لعظم ما يحل فيه من عذاب ينزل بهم إذا مسوها بسوء ولكن ~~قومه لم يفوا بعهودهم ( @QUR@01 فعقروها ) أى : فعقروا الناقة التي هي ~~معجزة نبيهم. وأسند العقر إليهم جميعا. مع أن الذي عقرها بعضهم ، لأن العقر ~~كان برضاهم جميعا ، كما يرشد إليه قوله تعالى في آية أخرى : ( @QUR@04 ~~فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر ) (2). # وقوله ( @QUR@02 فأصبحوا نادمين ) بيان لما ترتب على عقرهم لها. وندمهم ~~إنما كان بسبب خوفهم من وقوع العذاب عليهم بسبب ذلك ، ولم يكن بسبب إيمانهم ~~وتوبتهم. أو أن ندمهم جاء في غير أوانه ، كما يشعر بذلك قوله تعالى : ( ~~@QUR@02 فأخذهم العذاب ) أى أن العذاب نزل بهم في أعقاب عقرهم لها ، بدون ~~تراخ أو إمهال ، وكان عذابهم أن أخذتهم الرجفة وتبعتها الصيحة التي صاحها ~~بهم جبريل فأصبحوا في ديارهم جائمين ، ثم يجيء التعقيب السابق : ( @QUR@013 ~~إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) ~~@QUR@01 . # ثم جاءت بعد ذلك قصة لوط. مع قومه ، فقال تعالى : # ( @QUR@04 كذبت قوم لوط المرسلين (160) @QUR@07 إذ قال لهم أخوهم لوط ألا ~~تتقون (161) @QUR@04 إني لكم رسول أمين (162) @QUR@03 فاتقوا الله وأطيعون ~~(163) @QUR@011 وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (164) ~~@QUR@04 أتأتون الذكران من العالمين (165) @QUR@05 وتذرون ما خلق لكم ربكم PageV10P271 # @QUR@06 من أزواجكم بل أنتم قوم عادون (166) @QUR@09 قالوا لئن لم تنته ~~يا لوط ms4270 لتكونن من المخرجين (167) @QUR@05 قال إني لعملكم من القالين (168) ~~@QUR@05 رب نجني وأهلي مما يعملون (169) @QUR@03 فنجيناه وأهله أجمعين ~~(170) @QUR@04 إلا عجوزا في الغابرين (171) @QUR@03 ثم دمرنا الآخرين (172) ~~@QUR@06 وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين (173) @QUR@08 إن في ذلك ~~لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (174) @QUR@05 وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) (175) # قال ابن كثير رحمه الله : ولوط هو ابن هاران بن آزر ، وهو ابن أخى إبراهيم ~~، وكان قد آمن مع إبراهيم ، وهاجر معه إلى أرض الشام ، فبعثه الله إلى أهل ~~سدوم وما حولها من القرى ، يدعوهم إلى الله تعالى وبأمرهم بالمعروف وينهاهم ~~عن المنكر ، وهو إتيان الذكور دون الإناث ، وهذا شيء لم يكن بنو آدم تعهده ~~ولا تألفه ، ولا يخطر ببالهم ، حتى صنع ذلك أهل سدوم وهي قرية بوادي الأردن ~~عليهم لعائن الله. (1). # ولقد بدأ لوط عليه السلام دعوته لقومه يأمرهم بتقوى الله ، وبإخبارهم بأنه ~~رسول أمين من الله تعالى إليهم ، وبأنه لا يسألهم أجرا على دعوته لهم إلى ~~الحق والفضيلة. # ثم نهاهم عن أبرز الرذائل التي ، كانت متفشية فيهم فقال : ( @QUR@015 ~~أتأتون الذكران من العالمين. وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم. بل أنتم ~~قوم عادون ) @QUR@01 . # والاستفهام للإنكار والتقريع والذكران : جمع ذكر وهو ضد الأنثى. # والعادون : جمع عاد. يقال : عدا فلان في الأمر يعدو ، إذا تجاوز الحد في الظلم. # أى : قال لوط لقومه : أبلغ بكم انحطاط الفطرة ، وانتكاس الطبيعة ، أنكم ~~تأتون الذكور الفاحشة ، وتتركون نساءكم اللائي أحلهن الله تعالى لكم ، ~~وجعلهن الطريق الطبيعي للنسل وعمارة الكون. PageV10P272 # إنكم بهذا الفعل القبيح الذميم ، تكونون قد تعديتم حدود الله تعالى ~~وتجاوزتم ما أحله الله لكم ، إلى ما حرمه عليكم. # وقد ردوا عليه بما يدل على شذوذهم وعلى انتكاس فطرتهم ، فقد قالوا له على ~~سبيل التهديد والوعيد : ( @QUR@08 لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين ) ~~@QUR@01 . # أى : قالوا له متوعدين : لئن لم تسكت يا لوط عن نهيك إيانا عما نحن فيه ، ~~لتكونن من المخرجين من قريتنا إخراجا تاما ، ولنطردنك خارج ديارنا. # وهكذا النفوس عند ما تنحدر في الرذيلة وتنغمس في المنكر ، تعادى من ~~يدعوها ms4271 إلى الفضيلة وإلى الطهر والعفاف. # وقد رد لوط عليه السلام على سفاهتهم وسوء أدبهم ( @QUR@05 قال إني لعملكم ~~من القالين ) @QUR@01 . # والقالين : جمع قال. يقال : قليت فلانا أقليه كرميته أرميه إذا كرهته ~~كرها شديدا. # أى : قال لهم لوط موبخا ومؤنبا : إنى لعملكم القبيح الذي ترتكبونه مع ~~الذكور ، من المبغضين له أشد البغض ، المنكرين له أشد الإنكار. # ثم توجه إلى ربه تعالى بقوله. ( @QUR@05 رب نجني وأهلي مما يعملون ) أى : ~~نجنى يا رب ، ونج أهلى المؤمنين معى ، مما يعمل هؤلاء الأشرار من منكر لم ~~يسبقهم إليه أحد فأجاب الله تعالى دعاءه فقال : ( @QUR@07 فنجيناه وأهله ~~أجمعين إلا عجوزا في الغابرين ) @QUR@01 . # والمراد بهذه العجوز ، امرأته وكانت كافرة وراضية عن فعل قومها. # والغابرين : جمع غابر وهو الباقي بعد غيره. يقال غبر الشيء يغبر غبورا. ~~إذا بقي. # وقوله : ( @QUR@02 إلا عجوزا ) استثناء من أهله. # أى : فاستجبنا للوط دعاءه ، فأنجيناه وأهله المؤمنين جميعا ، إلا امرأته ~~العجوز فإننا لم ننجها بل بقيت مع المهلكين لخبثها وعدم إيمانها. # ( @QUR@03 ثم دمرنا الآخرين ) أى : ثم أهلكنا قوم لوط المصرين على كفرهم ~~وعلى إتيانهم المنكر ، تدميرا شديدا ، فإنا جعلنا أعلى قريتهم سافلها ، ~~وأبدناهم عن آخرهم. # ( @QUR@02 وأمطرنا عليهم ) بعد ذلك الإهلاك ( @QUR@01 مطرا ) عجيبا أمره ~~فقد كان نوعا من الحجارة ، كما جاء في آية أخرى في قوله : تعالى : ( ~~@QUR@06 وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود ) @QUR@01 . PageV10P273 # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 فساء مطر المنذرين ) بيان لسوء مصيرهم. # أى : دمرنا هؤلاء القوم ، وأمطرنا عليهم مطرا من الحجارة زيادة في ~~إهانتهم ، فساءت عاقبتهم ، وتحقق ما أنذرناهم به من دمار. # ثم ختم سبحانه قصة لوط عليه السلام مع قومه ، بمثل ما ختم به القصص ~~السابقة فقال : ( @QUR@013 إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم ) @QUR@01 . # ثم جاءت في نهاية هذه القصص ، قصة شعيب عليه السلام مع قومه. فقال تعالى : # ( @QUR@04 كذب أصحاب الأيكة المرسلين (176) @QUR@06 إذ قال لهم شعيب ألا ~~تتقون (177) @QUR@04 إني لكم رسول أمين (178) @QUR@03 فاتقوا الله وأطيعون ~~(179) @QUR@011 وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (180) ~~@QUR@06 أوفوا الكيل ولا تكونوا ms4272 من المخسرين (181) @QUR@03 وزنوا بالقسطاس ~~المستقيم (182) @QUR@09 ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين (183) @QUR@05 واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين (184) @QUR@05 ~~قالوا إنما أنت من المسحرين (185) @QUR@09 وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك ~~لمن الكاذبين (186) @QUR@09 فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين ~~(187) @QUR@05 قال ربي أعلم بما تعملون (188) @QUR@010 فكذبوه فأخذهم عذاب ~~يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم (189) @QUR@08 إن في ذلك لآية وما كان ~~أكثرهم مؤمنين (190) @QUR@05 وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) (191) PageV10P274 # والأيكة : منطقة مليئة بالأشجار ، كانت في الغالب بين الحجاز وفلسطين حول ~~خليج العقبة ، ولعلها المنطقة التي تسمى بمعان. # وشعيب ينتهى نسبه إلى إبراهيم عليهما السلام وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شعيبا قال : «ذلك خطيب الأنبياء» لحسن مراجعته ~~لقومه ، وقوة حجته. # وكان قومه أهل كفر وبخس للمكيال والميزان ، وقطع الطريق ، فدعاهم إلى ~~وحدانية الله تعالى وإلى مكارم الأخلاق. # قال ابن كثير : «هؤلاء أعنى أصحاب الأيكة هم أهل مدين على الصحيح ، وكان ~~نبي الله شعيب من أنفسهم وإنما لم يقل ها هنا : أخوهم شعيب ، لأنهم نسبوا ~~إلى عبادة الأيكة وهي شجرة. وقيل شجر ملتف كالغيضة. كانوا يعبدونها ، فلهذا ~~لما قال : كذب أصحاب الأيكة المرسلين ، لم يقل : إذ قال لهم أخوهم شعيب ، ~~وإنما قال : ( @QUR@04 إذ قال لهم شعيب ) فقطع نسبة الأخوة بينهم ، للمعنى ~~الذي نسبوا إليه ، وإن كان أخاهم نسبا ، ومن الناس من لم يتفطن لهذه النكتة ~~، فظن أن أصحاب الأيكة غير أهل مدين ، فزعم أن شعيبا عليه السلام بعثه الله ~~إلى أمتين ... والصحيح أنهم أمة واحدة وصفوا في كل مقام بشيء ، ولهذا وعظ ~~هؤلاء وأمرهم بوفاء المكيال والميزان ، كما في قصة مدين سواء بسواء ..» (1). # وقد افتتح شعيب عليه السلام دعوته لقومه. بأمرهم بتقوى الله تعالى وببيان ~~أنه أمين في تبليغهم ما أمره الله بتبليغه إليهم ، وبمصارحتهم بأنه لا ~~يسألهم أجرا على دعوته إياهم إلى ما يسعدهم. # ثم نهاهم عن أفحش الرذائل التي كانت منتشرة فيهم فقال لهم : ( @QUR@023 ~~أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين. وزنوا بالقسطاس المستقيم. ولا تبخسوا ms4273 ~~الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين ، واتقوا الذي خلقكم والجبلة ~~الأولين .. ) @QUR@01 . # والجبلة : الجماعة الكثيرة من الناس الذين كانوا من قبل قوم شعيب. ~~والمقصود بهم أولئك الذين كانوا ذوى قوة كأنها الجبال في صلابتها ، كقوم ~~هود وأمثالهم ممن اغتروا بقوتهم ، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر. # قال القرطبي : وقوله : ( @QUR@05 واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين ) ~~@QUR@01 . # الجبلة : هي الخليقة. ويقال : جبل فلان على كذا ، أى : خلق ، فالخلق جبلة وجبلة PageV10P275 # بكسر الجيم والباء وضمهما والجبلة : هو الجمع ذو العدد الكثير من الناس ، ~~ومنه قوله تعالى : ( @QUR@05 ولقد أضل منكم جبلا كثيرا .. ) @QUR@01 . (1). # والمعنى : قال شعيب عليه السلام لقومه ناصحا ومرشدا : يا قوم. أوفوا الكيل ~~أى : أتموه ( @QUR@04 ولا تكونوا من المخسرين ) الذين يأكلون حقوق غيرهم عن ~~طريق التطفيف في الكيل والميزان. # ثم أكد نصحه هذا بنصح آخر فقال : ( @QUR@01 وزنوا ) للناس الذين تتعاملون ~~معهم ( @QUR@02 بالقسطاس المستقيم ) أى : بالعدل الذي لا جور معه ولا ظلم. # ثم أتبع هذا الأمر بالنهى فقال : ( @QUR@04 ولا تبخسوا الناس أشياءهم ) ~~أى : ولا تنقصوا للناس شيئا من حقوقهم ، أيا كان مقدار هذا الشيء. # ( @QUR@05 ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) والعثو : أشد أنواع الفساد. يقال ~~: عثا فلان في الأرض يعثو ، إذا اشتد فساده. # أى : ولا تنتشروا في الأرض حالة كونكم مفسدين فيها بالقتل وقطع الطريق ، ~~وتهديد الآمنين. # فقوله ( @QUR@01 مفسدين ) حال مؤكدة لضمير الجمع في قوله ( @QUR@01 تعثوا ~~) @QUR@01 . # ثم ذكرهم بأحوال السابقين ، وبأن الله تعالى هو الذي خلقهم وخلق أولئك ~~السابقين فقال : ( @QUR@03 واتقوا الذي خلقكم ) من ماء مهين. وخلق أيضا ~~الأقوام السابقين ، الذين كانوا أشد منكم قوة وأكثر جمعا. والذين أهلكهم ~~سبحانه بقدرته بسبب إصرارهم على كفرهم وبغيهم. # واستمع قوم شعيب إلى تلك النصائح الحكيمة. ولكن لم يتأثروا بها ، بل ~~اتهموا نبيهم في عقله وفي صدقه ، وتحدوه في رسالته فقالوا كما حكى القرآن ~~عنهم : ( @QUR@022 إنما أنت من المسحرين. وما أنت إلا بشر مثلنا. وإن نظنك ~~لمن الكاذبين. فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين ) @QUR@01 . # قالوا له بسفاهة وغرور : إنما أنت يا شعيب من الذين أصيبوا بسحر عظيم ms4274 ~~جعلهم لا يعقلون ما يقولون ، أو إنما أنت من الناس الذين يأكلون الطعام ، ~~ويشربون الشراب ، ولا مزية لك برسالة أو بنبوة علينا ، فأنت بشر مثلنا ، ~~وما نظنك إلا من الكاذبين فيما تدعيه ، فإن كنت صادقا في دعوى الرسالة ~~فأسقط علينا ( @QUR@03 كسفا من السماء ) أى : قطعا من العذاب PageV10P276 # الكائن من جهة السماء. # وجاء التعبير بالواو هنا في قوله ( @QUR@05 وما أنت إلا بشر مثلنا ) ~~للإشارة إلى أنه جمع بين أمرين منافيين لدعواه الرسالة ، وهما : كونه من ~~المسحرين وكونه بشرا وقصدوا بذلك المبالغة في تكذيبه ، فكأنهم يقولون له : ~~إن وصفا واحدا كاف في تجريدك من نبوتك فكيف إذا اجتمع فيك الوصفان ، ولم ~~يكتفوا بهذا بل أكدوا عدم تصديقهم له فقالوا : وما نظنك إلا من الكاذبين. # ثم أضافوا إلى كل تلك السفاهات. الغرور والتحدي حيث تعجلوا العذاب. # ولكن شعيبا عليه السلام قابل استهتارهم واستهزاءهم بقوله : ( @QUR@04 ربي ~~أعلم بما تعملون ) @QUR@01 . # أى : ربي وحده هو العليم بأقوالكم وأعمالكم ، وسيجازيكم عليها بما ~~تستحقون من عذاب أليم. # ثم يعجل سبحانه ببيان عاقبتهم السيئة فيقول : ( @QUR@010 فكذبوه ، فأخذهم ~~عذاب يوم الظلة. إنه كان عذاب يوم عظيم ) @QUR@01 . # قال الآلوسى : وذلك على ما أخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، ~~وابن أبى حاتم ، والحاكم عن ابن عباس : أن الله تعالى بعث عليهم حرا شديدا ~~، فأخذ بأنفاسهم ، فدخلوا أجواف البيوت ، فدخل عليهم ، فخرجوا منها هرابا ~~إلى البرية. فبعث الله تعالى عليهم سحابة فأظلتهم من الشمس ، وهي الظلة ، ~~فوجدوا لها بردا ولذة ، فنادى بعضهم بعضا حتى إذا اجتمعوا تحتها ، أسقطها ~~الله عليهم نارا. فأهلكتهم جميعا .. (1). # ففي الأعراف ذكر أنهم أخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين ، وذلك ~~لأنهم قالوا : ( @QUR@08 لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا. ) ~~@QUR@01 . فلما أرجفوا بنبي الله ومن تبعه. أى : حاولوا زلزلتهم وتخويفهم ~~أخذتهم الرجفة. # وفي سورة هود قال : ( @QUR@04 وأخذ الذين ظلموا الصيحة ) وذلك لأنهم ~~استهزءوا بنبي الله في قولهم : ( @QUR@07 أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد ~~آباؤنا. ) @QUR@01 . فناسب أن تأتيهم صيحة تسكتهم .. وها هنا قالوا : ( ~~@QUR@05 فأسقط علينا كسفا من السماء ms4275 .. ) @QUR@01 . على وجه التعنت والعناد ~~فناسب أن ينزل بهم ما استبعدوا ووقوعه فقال : ( @QUR@04 فأخذهم عذاب يوم ~~الظلة ) (2). PageV10P277 # ثم ختم سبحانه قصة شعيب مع قومه بمثل ما ختم به قصص الرسل السابقين مع ~~أقوامهم فقال تعالى : ( @QUR@013 إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. ~~وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) @QUR@01 . # وإلى هنا ترى سورة الشعراء قد ساقت لنا سبع قصص من قصص الأنبياء مع ~~أقوامهم. # ساقت لنا قصة موسى ، فإبراهيم ، فنوح. فهود ، فصالح ، فلوط ، فشعيب عليهم ~~جميعا الصلاة والسلام . # ويلاحظ في قصص هذه السورة ، أنها لم تجئ على حسب الترتيب الزمنى كما هو ~~الشأن في سورة الأعراف وذلك لأن المقصود الأعظم هنا هو الاعتبار والاتعاظ ، ~~فأما في سورة الأعراف ، فكان التسلسل الزمنى مقصودا لعرض أحوال الناس منذ ~~آدم عليه السلام . # كما يلاحظ أن معظم القصص هنا ، قد افتتح بافتتاح متشابه ، وهو أمر كل نبي ~~قومه بتقوى الله ، وببيان أنه رسول أمين. وببيان أنه لا يطلب من قومه أجرا ~~على دعوته ، نرى ذلك واضحا في قصة نوح وهود وصالح وشعيب ولوط مع أقوامهم. # ولعل السر في ذلك التأكيد على أن الرسل جميعا قد جاءوا برسالة واحدة في ~~أصولها وأسسها ، ألا وهي الدعوة إلى إخلاص العبادة لله تعالى ، وإلى مكارم ~~الأخلاق. # كما يلاحظ أيضا أن كل قصة من تلك القصص قد اختتمت بقوله تعالى : ( ~~@QUR@013 إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم ~~) @QUR@01 . # ولعل السر في ذلك تكرار التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ، وتثبيت فؤاده. ~~وبيان أن ما أصابه من قومه ، قد أصاب الرسل السابقين ، فعليه أن يصبر كما ~~صبروا ، وقد قالوا : «المصيبة إذا عمت خفت». # كما يلاحظ كذلك على قصص هذه السورة التركيز على أهم الأحداث وبيان ~~الرذائل التي انغمس فيها أولئك الأقوام ، باستثناء قصة موسى عليه السلام مع ~~فرعون فقد جاءت بشيء من التفصيل. # وكما بدأت السورة بالحديث عن القرآن ، وعن الرسول صلى الله عليه وسلم ، عادت ~~مرة أخرى بعد الحديث عن قصص بعض الأنبياء إلى متابعة الحديث ms4276 عن القرآن ~~الكريم ، وعن نزوله ، وعن تأثيره ، وعن مصدره. فقال تعالى : PageV10P278 # ( @QUR@04 وإنه لتنزيل رب العالمين (192) @QUR@04 نزل به الروح الأمين ~~(193) @QUR@05 على قلبك لتكون من المنذرين (194) @QUR@03 بلسان عربي مبين ~~(195) @QUR@04 وإنه لفي زبر الأولين (196) @QUR@09 أولم يكن لهم آية أن ~~يعلمه علماء بني إسرائيل (197) @QUR@05 ولو نزلناه على بعض الأعجمين (198) ~~@QUR@06 فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين ) (199) # والضمير في قوله ( @QUR@01 وإنه ) يعود إلى القرآن الكريم ، وما اشتمل ~~عليه من قصص وهدايات .. # أى : وإن هذا القرآن لتنزيل رب العالمين ، لا تنزيل غيره ، والتعبير عن ~~إنزاله بالتنزيل ، للمبالغة في إنزاله من عند الله تعالى وحده. # ووصف سبحانه ذاته بالربوبية للعالمين ، للإيذان بأن إنزاله بهذه الطريقة ~~، من مظاهر رحمته بعباده ، وإحكام تربيته لهم جميعا. # قال تعالى : ( @QUR@03 لتنزيل رب العالمين )، وقال سبحانه : ( @QUR@06 ~~تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى ) @QUR@01 . # ثم وصف سبحانه من نزل به بالأمانة فقال : ( @QUR@04 نزل به الروح الأمين ~~) وهو جبريل عليه السلام وعبر عنه بالروح ، لأن الأرواح تحيا بما نزل به كما ~~تحيا الأجسام بالغذاء. # أى : نزل جبريل الأمين بأمرنا بهذا القرآن كاملا غير منقوص ، ( @QUR@02 ~~على قلبك ) أيها الرسول الكريم ( @QUR@03 لتكون من المنذرين ) أى : من أجل ~~أن تنذر به الناس ، وتخوفهم بسوء المصير إذا ما استمروا على كفرهم وفسوقهم ~~عن أمر الله تعالى . # قال الجمل : قال الكرخي : وقوله ( @QUR@02 على قلبك ) خصه بالذكر وهو ~~إنما أنزل عليه ليؤكد أن ذلك المنزل محفوظ ، والرسول متمكن من قلبه لا يجوز ~~عليه التغير. ولأن القلب هو المخاطب في الحقيقة لأنه موضع التمييز ~~والاختيار ، وأما سائر الأعضاء فمسخرة له ، ويدل على ذلك القرآن والحديث ~~والمعقول. PageV10P279 # أما القرآن فقوله تعالى : ( @QUR@013 إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ~~ألقى السمع وهو شهيد ) وأما الحديث فقوله صلى الله عليه وسلم : «ألا وإن في ~~الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي ~~القلب». # وأما المعقول : فإن القلب إذا غشى عليه ، لم يحصل له شعور ، وإذا أفاق ~~القلب شعر بجميع ما ينزل بالأعضاء من الآفات. (1). # وقال الآلوسى ما ملخصه : وخص ms4277 القلب بالإنزال ، قيل للإشارة إلى كمال ~~تعقله صلى الله عليه وسلم وفهمه ذلك المنزل ، حيث لم تعتبر واسطة في وصوله إلى ~~القلب .. # وقيل للإشارة إلى صلاح قلبه صلى الله عليه وسلم حيث كان منزلا لكلام الله ~~تعالى .. (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@03 بلسان عربي مبين ) متعلق بقوله تعالى ( @QUR@01 ~~نزل ) @QUR@01 . أى : نزل هذا القرآن باللسان العربي ليكون أوضح في البلاغ ~~والبيان لقومك لأننا لو نزلناه بلسان أعجمى أو بلغة أعجمية لتعللوا بعدم ~~فهمه وقلة إدراكهم لمعناه. # وبذلك نرى أن الله تعالى قد بين لنا مصدر القرآن ، والنازل به ، والنازل ~~عليه ، وكيفية النزول ، وحكمة الإنزال ، واللغة التي نزل بها ، وكل ذلك ~~أدلة من القرآن ذاته على أنه من عند الله تعالى وأنه من كلامه الذي لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. # ثم بين سبحانه أن الكتب السماوية السابقة قد ذكرت ما يدل على صدق الرسول ~~صلى الله عليه وسلم الذي أنزل الله تعالى عليه هذا القرآن فقال تعالى : ( ~~@QUR@013 وإنه لفي زبر الأولين. أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني ~~إسرائيل ) @QUR@01 . # والزبر : جمع زبور ، وهو الكتاب المقصور على الحكم والمواعظ ، كزبور ~~داود. مأخوذ من الزبر بمعنى الزجر. لزجره الناس عن اتباع الباطل. # والمعنى : وإن نعت هذا القرآن الكريم ، ونعت الرسول الذي سينزل عليه هذا ~~القرآن. لموجود في كتب السابقين. # قال الإمام ابن كثير : أخبر تعالى : بأن ذكر هذا القرآن والتنويه به ~~لموجود في كتب الأولين المأثورة عن أنبيائهم ، الذين بشروا به في قديم ~~الدهر وحديثه ، كما أخذ الله عليهم الميثاق بذلك ، حتى قام آخرهم خطيبا في ~~ملئه بالبشارة بأحمد : ( @QUR@05 وإذ قال عيسى ابن مريم PageV10P280 # @QUR@020 يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم. مصدقا لما بين يدي من ~~التوراة. ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد. ) @QUR@01 . (1). # والاستفهام في قوله ( @QUR@04 أولم يكن لهم آية. ) @QUR@01 . للإنكار ~~والتوبيخ. والواو للعطف على مقدر ، والتقدير : أغفلوا عن ذلك وجهلوه ، ولم ~~يكفهم للدلالة على صدقه وحقيقته أن يعلم ذلك علماء بنى إسرائيل ، ويتحدث ~~عنه عدولهم ، وينتظرون مبعث الرسول صلى الله ms4278 عليه وسلم ونزول القرآن عليه ~~صلى الله عليه وسلم . # قال تعالى : ( @QUR@026 ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم ، ~~وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ، ~~فلعنة الله على الكافرين ) (2). # وقال سبحانه : ( @QUR@017 الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ) (3). # ثم ذكر سبحانه طرفا من جحود الكافرين وعنادهم فقال : ( @QUR@011 ولو ~~نزلناه على بعض الأعجمين. فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين ) @QUR@01 . # والأعجمين : جمع أعجم ، وهو الذي لا يفصح وفي لسانه عجمة وإن كان عربي ~~النسب ، أو جمع أعجمى ، إلا أنه حذف منه ياء النسب تخفيفا ، كأشعر جمع أشعرى. # أى : ولو نزلنا هذا القرآن على رجل من الأعجمين ، الذين لا يحسنون النطق ~~بالعربية ، فقرأ هذا القرآن على قومك أيها الرسول الكريم قراءة صحيحة ~~لكفروا به عنادا ومكابرة مع أنهم في قرارة أنفسهم يعرفون صدقه ، وأنه ليس ~~من كلام البشر. # فالآيتان الكريمتان المقصود بهما تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما يراه ~~من إنكار المشركين لدعوته ، ومن وصفهم للقرآن تارة بأنه سحر ، وتارة بأنه ~~أساطير الأولين ، تصوير صادق لما وصل إليه أولئك المشركون من جحود وعناد ~~ومكابرة. # وشبيه بهاتين الآيتين قوله تعالى : ( @QUR@019 ولو أننا نزلنا إليهم ~~الملائكة ، وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ، ما كانوا ليؤمنوا إلا ~~أن يشاء الله. ) @QUR@01 . (4). # ثم بين سبحانه أنهم مع علمهم بأن هذا القرآن من عند الله ، وتأثرهم به ~~سيستمرون على كفرهم حتى يروا العذاب الأليم ، فقال تعالى : PageV10P281 # ( @QUR@05 كذلك سلكناه في قلوب المجرمين (200) @QUR@07 لا يؤمنون به حتى ~~يروا العذاب الأليم (201) @QUR@05 فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (202) ~~@QUR@04 فيقولوا هل نحن منظرون (203) @QUR@02 أفبعذابنا يستعجلون (204) ~~@QUR@04 أفرأيت إن متعناهم سنين (205) @QUR@05 ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ~~(206) @QUR@06 ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون (207) @QUR@07 وما أهلكنا من ~~قرية إلا لها منذرون (208) @QUR@04 ذكرى وما كنا ظالمين (209) @QUR@04 وما ~~تنزلت به الشياطين (210) @QUR@05 وما ينبغي لهم وما يستطيعون (211) @QUR@04 ~~إنهم عن السمع لمعزولون ) (212) # وقوله تعالى : ( @QUR@01 سلكناه ) من السلك بمعنى إدخال الشيء في الشيء ~~تقول ms4279 : سلكت الطريق إذا دخلت فيه. والضمير يعود إلى القرآن الكريم وقوله : ~~( @QUR@02 كذلك سلكناه ): نعت لمصدر محذوف. # أى : مثل ذلك الإدخال العجيب ، أدخلنا القرآن في قلوب المجرمين ، حيث ~~جعلناهم بسبب جحودهم وعنادهم مع تأثرهم به واعترافهم بفصاحته ، لا يؤمنون ~~به ، حتى يروا بأعينهم العذاب الأليم. # ومنهم من يرى أن الضمير في ( @QUR@01 سلكناه ) يعود إلى كفر الكافرين ~~وتكذيبهم. والمعنى كما يقول ابن كثير : كذلك سلكنا التكذيب والكفر والجحود ~~والعناد. أى : أدخلناه في قلوب المجرمين ، لا يؤمنون به. أى : بالحق ( ~~@QUR@04 حتى يروا العذاب الأليم ) حيث لا ينفع الظالمين معذرتهم ، ولهم ~~اللعنة ولهم سوء الدار. (1). # والرأيان متقاربان في المعنى ، لأن المراد بالتكذيب على الرأى الثاني ~~تكذيبهم بالقرآن ، إلا PageV10P282 # أن الرأى الأول أنسب بسياق الآيات ، وبانتظام الضمائر .. # ثم بين سبحانه أن نزول العذاب بالمجرمين سيكون مباغتا لهم فقال : ( ~~@QUR@01 فيأتيهم ) أى : العذاب ( @QUR@01 بغتة ) فجأة وعلى غير توقع ( ~~@QUR@03 وهم لا يشعرون ) أى : بإتيانه بعد أن يحيط بهم. # وعندئذ يقولون على سبيل التمني والتحسر ( @QUR@03 هل نحن منظرون ) أى : ~~ليتنا نمهل قليلا لكي نصلح ما أفسدناه من أقوال وأعمال. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى التعقيب في قوله : ( @QUR@06 ~~فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون فيقولوا. ) @QUR@01 .. # قلت : ليس المعنى ترادف رؤية العذاب ومفاجأته ، وسؤال النظرة فيه في ~~الوجود ، وإنما المعنى ترتبها في الشدة ، كأنه قيل : لا يؤمنون بالقرآن حتى ~~تكون رؤيتهم للعذاب ، فما هو أشد منها وهو لحوقه بهم مفاجأة ، فما هو أشد ~~منه وهو سؤالهم النظرة. # ومثال ذلك أن تقول لمن تعظه : إذا أسأت مقتك الصالحون ، فمقتك الله ، ~~فإنك ، لا تقصد بهذا الترتيب أن مقت الله يوجد عقيب مقت الصالحين ، وإنما ~~قصدك إلى ترتيب شدة الأمر على المسيء ، وأنه يحصل له بسبب الإساءة مقت ~~الصالحين ، فما هو أشد من مقتهم وهو مقت الله .. (1). # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@02 أفبعذابنا يستعجلون ) للتوبيخ ~~والتهكم بهؤلاء المجرمين. أبلغ الحمق والجهل بهؤلاء المجرمين أنهم استعجلوا ~~وقوع العذاب بهم ، وقالوا لنا : ( @QUR@017 اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ، أو ms4280 ائتنا بعذاب أليم ) @QUR@01 . # أى : إن من يستعجل هلاك نفسه ، ويسعى إلى حتفه بظلفه ، لا يكون من ~~العقلاء أبدا. # ثم بين سبحانه أن ما فيه هؤلاء المجرمون من متاع ونعمة ، سينسونه نسيانا ~~تاما عند ما يمسهم العذاب المعد لهم ، فقال تعالى : ( @QUR@015 أفرأيت إن ~~متعناهم سنين. ثم جاءهم ما كانوا يوعدون. ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ) ~~@QUR@01 . # وقوله : ( @QUR@01 أفرأيت ) معطوف على قوله : ( @QUR@01 فيقولوا .. ) ~~@QUR@01 . والاستفهام للتعجب من أحوالهم. # والمعنى : إن شأن هؤلاء المجرمين لموجب للعجب : إنهم قبل نزول العذاب بهم ~~يستعجلونه ، PageV10P283 # فإذا ما نزل بساحتهم قالوا على سبيل التحسر والندم : هل نحن منظرون. # اعلم أيها الرسول الكريم أننا حتى لو أمهلناهم وأخرناهم ، ثم جاءهم ~~عذابنا بعد ذلك ، فإن هذا التمتع الذي عاشوا فيه. وذلك التأخير الذي لو ~~شئنا لأجبناهم إليه .. كل ذلك لن ينفعهم بشيء عند حلول عذابنا ، بل عند ~~حلول عذابنا بهم سينسون ما كانوا فيه من متاع ومن نعيم ومن غيره. # قال الإمام ابن كثير : وفي الحديث الصحيح : يؤتى بالكافر فيغمس في النار ~~غمسة ثم يقال له : هل رأيت خيرا قط؟ هل رأيت نعيما قط؟ فيقول : لا والله يا ~~رب. ويؤتى بأشد الناس بؤسا كان في الدنيا ، فيصبغ في الجنة صبغة ، ثم يقال ~~له : هل رأيت بؤسا قط؟ فيقول : لا والله يا رب. # ولهذا كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يتمثل بهذا البيت : # كأنك لم تؤتر من الدهر ليلة %~% إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب (1) # ثم بين سبحانه سنته التي لا تتخلف فقال : ( @QUR@011 وما أهلكنا من قرية ~~إلا لها منذرون ، ذكرى وما كنا ظالمين ) @QUR@01 . # وقوله : ( @QUR@01 ذكرى ) مفعول لأجله ، فيكون المعنى : لقد اقتضت سنتنا ~~وعدالتنا. أننا لا نهلك قرية من القرى الظالم أهلها ، إلا بعد أن نرسل في ~~أهل تلك القرى رسلا منذرين ، لكي يذكروهم بالدين الحق .. وليس من شأننا أن ~~نكون ظالمين لأحد ، بل من شأننا العدالة والإنصاف ، وتقديم النصيحة ~~والإرشاد والإنذار للفاسقين عن أمرنا ، قبل أن ننزل بهم عذابنا. # وشبيه بهاتين الآيتين قوله تعالى : ( @QUR@06 وما كنا معذبين حتى نبعث ms4281 ~~رسولا ) (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@020 وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها ~~رسولا يتلوا عليهم آياتنا. وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ) (3). # ثم عادت السورة الكريمة إلى تأكيد أن هذا القرآن من عند الله تعالى وردت ~~شبهات المشركين بأسلوب منطقي رصين ، قال تعالى : ( @QUR@04 وما تنزلت به ~~الشياطين ) @QUR@01 . # أى : إن هذا القرآن الكريم ، ما تنزلت به الشياطين كما يزعم مشركو قريش ، حيث PageV10P284 # قالوا : إن لمحمد صلى الله عليه وسلم تابعا من الجن يخبره بهذا القرآن ~~ويلقيه عليه وإنما هذا القرآن نزل به الروح الأمين ، على قلبه ~~صلى الله عليه وسلم . # وإن الشياطين ( @QUR@03 ما ينبغي لهم ) ذلك إذ هم يدعون إلى الضلالة ~~والقرآن يدعو إلى الهداية ( @QUR@02 وما يستطيعون ) أن ينزلوا به ولا ~~يقدرون على ذلك أصلا ( @QUR@04 إنهم عن السمع لمعزولون ) أى : إن هؤلاء ~~الشياطين عن سماع القرآن الكريم لمعزولون عزلا تاما. فالشهب تحرقهم إذا ما ~~حاولوا الاستماع إليه. كما قال تعالى : ( @QUR@021 وأنا لمسنا السماء ~~فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا. وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع ~~الآن يجد له شهابا رصدا ) (1). # فأنت ترى أن الله تعالى قد صان كتابه عن الشياطين ، بأن بين بأنهم ما ~~نزلوا به ، ثم بين ثانيا أنهم ما يستقيم لهم النزول به لأن ما اشتمل عليه ~~من هدايات يخالف طبيعتهم الشريرة ، ثم بين ثالثا بأنهم حتى لو حاولوا ما ~~يخالف طبيعتهم لما استطاعوا ، ثم بين رابعا بأنه حتى لو انبغى واستطاعوا ~~حمله ، لما وصلوا إلى ذلك ، لأنهم بمعزل عن الاستماع إليه ، إذ ما يوحى به ~~سبحانه إلى أنبيائه ، فالشياطين محجوبون عن سماعه ، وهكذا صان الله تعالى ~~كتابه صيانة تامة. وحفظه حفظا جعله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. # ثم نهى سبحانه عن الشرك بأبلغ وجه ، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يجهر ~~بدعوته ، وبأن يتوكل عليه وحده سبحانه فقال : # ( @QUR@09 فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين (213) @QUR@03 ~~وأنذر عشيرتك الأقربين (214) @QUR@06 واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ~~(215) @QUR@07 فإن عصوك فقل إني بريء ms4282 مما تعملون (216) @QUR@04 وتوكل على ~~العزيز الرحيم (217) @QUR@04 الذي يراك حين تقوم (218) @QUR@03 وتقلبك في ~~الساجدين (219) @QUR@04 إنه هو السميع العليم ) (220) PageV10P285 # والفاء في قوله تعالى ( @QUR@02 فلا تدع. ) @QUR@01 . فصيحة ، والخطاب ~~للرسول صلى الله عليه وسلم على سبيل طلب الازدياد من إخلاص العبادة لله تعالى . # أى : إذا علمت أيها الرسول الكريم ما أخبرناك به ، فأخلص العبادة لنا ، ~~واحذر أن تعبد مع الله تعالى إلها آخر ، فتكون من المعذبين. # وخوطب صلى الله عليه وسلم بهذه الآية وأمثالها ، مع أنه أخلص الناس في ~~عبادته لله تعالى ، لبيان أن الشرك أقبح الذنوب وأكبرها وأنه لو انحرف إليه ~~على سبيل الفرض أشرف الخلق وأكرمهم عند الله تعالى لعذبه سبحانه على ذلك ، ~~فكيف يكون حال غيره ممن هم ليسوا في شرفه ومنزلته. # لا شك أن عذابهم سيكون أشد ، وعقابهم سيكون أكبر. # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن ينذر أقرب الناس إليه ، ~~ليكونوا قدوة لغيرهم. وليعلموا أن قرابتهم للرسول صلى الله عليه وسلم لن ~~تنجيهم من عذاب الله ، ما استمروا على شركهم ، فقال تعالى : ( @QUR@03 ~~وأنذر عشيرتك الأقربين ) @QUR@01 . # والعشيرة : أهل الرجل الذين يتكثر بهم ، و ( @QUR@01 الأقربين ) هم أصحاب ~~القرابة القريبة كالآباء والأبناء والإخوة والأخوات ، والأعمام والعمات وما ~~يشبه ذلك. # وقد ذكر المفسرون أحاديث متعددة ، فيما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعد نزول هذه الآية ، منها : ما أخرجه الشيخان عن ابن عباس قال : لما أنزل ~~الله تعالى هذه الآية : أتى النبي صلى الله عليه وسلم الصفا فصعد عليه ثم نادى ~~: يا صباحاه ، وهي كلمة يقولها المستغيث أو المنذر لقومه فاجتمع الناس إليه ~~، بين رجل يجيء إليه ، وبين رجل يبعث رسوله ، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : يا بنى عبد المطلب ، يا بنى فهر ، يا بنى لؤي ، أرأيتم ~~لو أخبرتكم أن خيلا بسفح الجبل تريد أن تغير عليكم ، أكنتم مصدقي؟ قالوا : ~~نعم. قال : «فإنى نذير لكم بين يدي عذاب شديد». # فقال أبو لهب : تبا لك سائر اليوم ، أما دعوتنا إلا لهذا ، وأنزل الله : ~~( @QUR@05 تبت يدا أبي لهب وتب ms4283 ) (1). # قال الآلوسى : ووجه تخصيص عشيرته الأقربين بالذكر مع عموم رسالته ~~صلى الله عليه وسلم : دفع توهم المحاباة ، وأن الاهتمام بشأنهم أهم ، وأن ~~البداءة تكون بمن يلي ثم من بعده .. (2). PageV10P286 # أى : أن هذه الآية الكريمة ، لا تتعارض مع عموم رسالته صلى الله عليه وسلم ~~للناس جميعا ، لأن المقصود بها : البدء بإنذار عشيرته الأقربين ، ليكونوا ~~أسوة لغيرهم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ) إرشاد منه ~~سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم إلى كيفية معاملته لأتباعه. # وخفض الجناح : كناية عن التواضع. واللين ، والرفق ، في صورة حسية مجسمة ، ~~إذ من شأن الطائر حين يهبط أو حين يضم صغاره إليه أن يخفض جناحه ، كما أن ~~رفع الجناح يطلق على التكبر والتعالي ، ومنه قول الشاعر : # وأنت الشهير بخفض الجنا %~% ح فلا تك في رفعه أجدلا (1) # أى : وكن أيها الرسول الكريم متواضعا لين الجانب ، لمن اتبعك من المؤمنين ~~، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم سيد المتواضعين مع أصحابه ، إلا أن الآية ~~الكريمة تعلم المسلمين في كل زمان ومكان وخصوصا الرؤساء منهم كيف يعامل ~~بعضهم بعضا. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : المتبعون للرسول صلى الله عليه وسلم هم ~~المؤمنون ، والمؤمنون هم المتبعون للرسول صلى الله عليه وسلم فما معنى قوله : ~~( @QUR@04 لمن اتبعك من المؤمنين )؟ # قلت : فيه وجهان : أن يسميهم قبل الدخول في الإيمان مؤمنين لمشارفتهم ذلك ~~، وأن يراد بالمؤمنين المصدقين بألسنتهم ، وهم صنفان : صنف صدق الرسول ~~واتبعه فيما جاء به : وصنف ما وجد منه إلا التصديق فحسب. ثم إما أن يكونوا ~~منافقين أو فاسقين ، والمنافق والفاسق لا يخفض لهما الجناح .. (2). # ويبدو لنا أنه لا داعي إلى هذه التقسيمات التي ذهب إليها صاحب الكشاف ~~رحمه الله ، وأن المقصود بقوله : ( @QUR@04 لمن اتبعك من المؤمنين ) تأكيد ~~الأمر بخفض الجناح ، وللإشعار بأن جميع أتباعه من المؤمنين ، ومثل هذا ~~الأسلوب كثير في القرآن الكريم ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@02 يقولون ~~بأفواههم. ) @QUR@01 . ومن المعلوم أن الأقوال لا تكون إلا بالأفواه ، ~~وقوله تعالى ( @QUR@04 ولا طائر يطير بجناحيه. ) @QUR@01 . ومن المعروف أن ~~الطائر لا يطير إلا ms4284 بجناحيه. # ثم بين سبحانه لنبيه كيف يعامل العصاة فقال : ( @QUR@07 فإن عصوك فقل إني ~~بريء مما تعملون ). # قال الآلوسى : الظاهر أن الضمير المرفوع في ( @QUR@01 عصوك ) عائد على من ~~أمر صلى الله عليه وسلم PageV10P287 # بإنذارهم ، وهم العشيرة. أى : فإن عصوك ولم يتبعوك بعد إنذارهم ، فقل إنى ~~برىء من عملكم ، أو من دعائكم مع الله إلها آخر. وجوز أن يكون عائدا على ~~الكفار المفهوم من السياق. # وقيل : هو عائد على من اتبع من المؤمنين. أى : فإن عصوك يا محمد في ~~الأحكام وفروع الإسلام ، بعد تصديقك والإيمان بك وتواضعك لهم ، فقل إنى ~~برىء مما تعملون من المعاصي .. (1). # وكان هذا في مكة ، قبل أن يؤمر صلى الله عليه وسلم بقتال المشركين. # ثم أمره سبحانه بالتوكل عليه وحده فقال : ( @QUR@04 وتوكل على العزيز ~~الرحيم ) أى : اخفض جناحك لأتباعك المؤمنين ، وقل لمن عصاك بعد إنذاره إنى ~~برىء من أعمالكم ، واجعل توكلك واعتمادك على ربك وحده ، فهو سبحانه صاحب ~~العزة والغلبة ، والقهر ، وصاحب الرحمة التي وسعت كل شيء. # وهو عز وجل ( @QUR@04 الذي يراك حين تقوم ) إلى عبادته وإلى صلاته دون أن ~~يكون معك أحد. # وهو سبحانه الذي يرى ( @QUR@03 تقلبك في الساجدين ) أى : يراك وأنت تصلى ~~مع المصلين ، فتؤمهم وتنتقل بهم من ركن إلى ركن ، ومن سنة إلى سنة حال ~~صلاتك ، والتعبير بقوله ( @QUR@01 تقلبك ) يشعر بحرصه صلى الله عليه وسلم على ~~تعهد أصحابه ، وعلى تنظيم صفوفهم في الصلاة ، وعلى غير ذلك مما هم في حاجة ~~إليه من إرشاد وتعليم. # وعبر عن المصلين بالساجدين ، لأن العبد أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد ، ~~فهذا التعبير من باب التشريف والتكريم لهم. # ( @QUR@01 إنه ) سبحانه ( @QUR@02 هو السميع ) لكل ما يصح تعلق السمع به ~~( @QUR@01 العليم ) بكل الظواهر والبواطن ، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا ~~السماء. # ثم ختم سبحانه السورة الكريم ببيان أن الشياطين من المحال أن تتنزل على ~~الرسول صلى الله عليه وسلم الصادق الأمين .. وإنما تتنزل على الكاذبين ~~الخائنين ، فقال تعالى : PageV10P288 # ( @QUR@06 هل أنبئكم على من تنزل الشياطين (221) @QUR@05 تنزل على كل ~~أفاك أثيم (222) @QUR@04 يلقون ms4285 السمع وأكثرهم كاذبون (223) @QUR@03 ~~والشعراء يتبعهم الغاوون (224) @QUR@07 ألم تر أنهم في كل واد يهيمون (225) ~~@QUR@05 وأنهم يقولون ما لا يفعلون (226) @QUR@019 إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا ~~أي منقلب ينقلبون ) (227) # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@02 هل أنبئكم .. ) @QUR@01 . للتقرير ~~، والخطاب للمشركين الذين اتهموا النبي صلى الله عليه وسلم تارة بأنه كاهن ، ~~وتارة بأنه ساحر أو شاعر. # أى : ألا تريدون أن تعرفوا أيها المشركون على من تتنزل الشياطين؟! إنهم ~~لا يتنزلون على الرسول صلى الله عليه وسلم ، لأن طبعه يتباين مع طبائعهم ، ~~ومنهجه يتعارض مع مسالكهم ، فهو يدعو إلى الحق وهم يدعون إلى الباطل. # إنما تتنزل الشياطين ( @QUR@03 على كل أفاك ) أى : كثير الإفك والكذب ( ~~@QUR@01 أثيم ) أى : كثير الارتكاب للآثام والسيئات ، كأولئك الكهنة الذين ~~يأكلون أموال الناس بالباطل. # والضمير في قوله ( @QUR@04 يلقون السمع وأكثرهم كاذبون ) يجوز أن يعود ~~إلى كل أفاك أثيم ، وهم الكهان وأشباههم ، والجملة صفة لهم ، أو مستأنفة. # والمراد بإلقائهم السمع : شدة الإنصات ، وقوة الإصغاء للتلقي. # والمعنى : تتنزل الشياطين على كل أفاك أثيم. وهؤلاء الأفاكون الآثمون ، ~~منصتون إنصاتا شديدا إلى الشياطين ليسمعوا منهم ، وأكثر هؤلاء الكهنة ~~كاذبون فيا يقولونه للناس ، وفيما يخبرون به عن الشياطين. # روى البخاري عن عائشة رضى الله عنها قالت : سأل الناس النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن الكهان ، فقال : إنهم ليسوا بشيء ، قالوا : يا رسول ~~الله ، فإنهم يحدثون بالشيء يكون حقا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم «تلك ~~الكلمة من الحق يخطفها الجنى فيقرقرها أى : فيرددها في أذن وليه كقرقرة ~~الدجاجة فيخلطون معها أكثر من مائة كذبة» (1). PageV10P289 # ويجوز أن يعود الضمير على الشياطين. وتكون الجملة حالية أو مستأنفة ، ~~ومعنى إلقائهم السمع : إنصاتهم إلى الملأ الأعلى ليسترقوا شيئا من السماء. # فيكون المعنى : تتنزل الشياطين على كل أفاك أثيم ، حالة كون الشياطين ~~ينصتون إلى الملأ الأعلى. ليسترقوا شيئا من السماء ، وأكثر هؤلاء الشياطين ~~كاذبون فيما ينقلونه إلى الأفاكين والآثمين من الكهان. # ويصح أن يكون السمع بمعنى المسموع. أى : يلقى كل من الشياطين والكهنة ms4286 ما ~~يسمعونه إلى غيرهم. # قال الجمل : قوله : ( @QUR@02 وأكثرهم كاذبون ) الأظهر أن الأكثرية ~~باعتبار أقوالهم ، على معنى أن هؤلاء قلما يصدقون فيما يحكون عن الجنى. أو ~~المعنى : وأكثر أقوالهم كاذبة لا باعتبار ذواتهم حتى يلزم من نسبة الكذب ~~إلى أكثرهم كون أقلهم صادقا على الإطلاق .. فالكثرة في المسموع لا في ذوات ~~القائلين. # وقال بعضهم. المراد بالأكثر الكل ... (1). # والمقصود من هذه الآيات الكريمة إبطال ما زعمه المشركون من أن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم قد تلقى هذا القرآن عن الشياطين أو عن غيرهم ، وإثبات أن ~~هذا القرآن ما نزل إلا من عند الله تعالى بواسطة الروح الأمين. # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 والشعراء يتبعهم الغاوون ) إبطال لشبهة أخرى من ~~شبهاتهم وهي زعمهم أنه صلى الله عليه وسلم شاعر. # والشعراء : جمع شاعر كعالم وعلماء. والغاوون : جمع غاو وهو الضال عن طريق الحق. # أى : ومن شأن الشعراء أن الذين يتبعونهم من البشر ، هم الضالون عن الصراط ~~المستقيم ، وعن جادة الحق والصواب. # وقوله تعالى : ( @QUR@012 ألم تر أنهم في كل واد يهيمون. وأنهم يقولون ما ~~لا يفعلون ) تأكيد لما قبله ، من كون الشعراء يتبعهم الغاوون. والخطاب لكل ~~من تتأتى منه الرؤية والمعرفة. # والوادي : هو المكان المتسع. والمراد به هنا : فنون القول وطرقه. # ويهيمون : من الهيام وهو أن يذهب المرء على وجهه دون أن يعرف له جهة ~~معينة يقصدها. # يقال : هام فلان على وجهه ، إذا لم يكن له مكان معين يقصده. والهيام داء ~~يستولى على PageV10P290 # الإبل فيجعلها تشرد عن صاحبها بدون وقوف في مكان معين ، ومنه قوله تعالى ~~: ( @QUR@03 فشاربون شرب الهيم ) أى : الجمال العطاش الشاردة. # والمعنى : ألم تر أيها العاقل أن هؤلاء الشعراء في كل فن من فنون الكذب ~~في الأقوال يخوضون ، وفي كل فج من فجاج الباطل والعبث والفحش يتكلمون ، ~~وأنهم فوق ذلك يقولون ما لا يفعلون ، فهم يحضون غيرهم على الشيء ولا ~~يفعلونه ، وهم يقولون فعلنا كذا وفعلنا كذا على سبيل التباهي والتفاخر مع ~~أنهم لم يفعلوا. # قال صاحب الكشاف : ذكر الوادي والهيوم : فيه تمثيل لذهابهم في كل ms4287 شعب من ~~القول واعتسافهم وقلة مبالاتهم بالغلو في المنطق ومجاوزة حد القصد فيه ، ~~حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة وأشحهم على حاتم ، وأن يبهتوا البريء ، ~~ويفسقوا التقى (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@013 إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله ~~كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا .. ) @QUR@01 . استثناء من الشعراء ~~المذمومين الذين يتبعهم الغاوون ، والذين هم في كل واد يهيمون. # أى : إلا الشعراء الذين آمنوا بالله تعالى وعملوا الأعمال الصالحات ~~وذكروا الله كثيرا بحيث لم يشغلهم شعرهم عن طاعة الله ، وانتصروا من بعد ما ~~ظلموا من أعدائهم الكافرين ، بأن ردوا على أباطيلهم ، ودافعوا عن الدين الحق. # إلا هؤلاء ، فإنهم لا يكونون من الشعراء المذمومين ، بل هم من الشعراء ~~الممدوحين. # قال ابن كثير : لما نزل قوله تعالى : ( @QUR@03 والشعراء يتبعهم الغاوون ~~) جاء حسان بن ثابت ، وعبد الله بن رواحة ، وكعب بن مالك إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهم يبكون وقالوا. قد علم الله تعالى أنا شعراء ، فتلا ~~عليهم النبي صلى الله عليه وسلم : « ( @QUR@05 إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات ) قال : أنتم. ( @QUR@03 وذكروا الله كثيرا ) قال : أنتم ( ~~@QUR@05 وانتصروا من بعد ما ظلموا ) قال : أنتم» (2). # فالشعراء : منهم المذمومون وهم الذين في كل واد يهيمون ويقولون ما لا ~~يفعلون .. # ومنهم الممدوحون وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وذكروا الله كثيرا ~~وانتصروا من بعد ما ظلموا. # والشعر في ذاته كلام : حسنه حسن ، وقبيحه قبيح ، فخذ الحسن ، واترك ~~القبيح. PageV10P291 # وقد تكلم العلماء هنا كلاما طويلا يتعلق بتفسير هذه الآيات التي تحدثت عن ~~الشعراء فارجع إليه إن شئت (1). # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بقوله تعالى ( @QUR@06 وسيعلم الذين ظلموا ~~أي منقلب ينقلبون ) @QUR@01 . # والمنقلب : المرجع والمصير ، وهو مفعول مطلق. أى : ينقلبون أى انقلاب ~~والجملة الكريمة مشتملة على أشد ألوان التهديد والوعيد للظالمين. # قال القرطبي : ومعنى : ( @QUR@03 أي منقلب ينقلبون ) أى مصير يصيرون ، ~~وأى مرجع يرجعون ، لأن مصيرهم إلى النار ، وهو أقبح مصير ، ومرجعهم إلى ~~العقاب وهو شر مرجع والفرق بين المنقلب والمرجع : أن المنقلب : الانتقال ~~إلى ضد ما هو فيه ، والمرجع : العود من حال هو فيها ms4288 ، إلى حال كان عليها ، ~~فصار كل مرجع منقلبا ، وليس كل منقلب مرجعا (2). # وقال الإمام ابن كثير : والصحيح أن هذه الآية عامة في كل ظالم .. وعن ~~عائشة رضى الله عنها قالت : كتب أبى وصيته من سطرين : بسم الله الرحمن ~~الرحيم. هذا ما أوصى به أبو بكر بن أبى قحافة ، عند خروجه من الدنيا ، حين ~~يؤمن الكافر. وينتهى الفاجر ، ويصدق الكاذب. إنى استخلفت عليكم عمر بن ~~الخطاب ، فإن يعدل فذاك ظني به ، ورجائي فيه ، وإن يظلم ويبدل فلا أعلم ~~الغيب ( @QUR@06 وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) @QUR@01 . # وبعد : فهذه سورة الشعراء ، وهذا تفسير محرر لها ، نسأل الله تعالى أن ~~يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده. # والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # القاهرة مدينة نصر # ظهر الأحد 19 من جمادى الأولى 1405 ه # الموافق 10 / 2 / 1985 م ||د. محمد سيد طنطاوى| PageV10P292 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة النمل PageV10P293 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة النمل ، من السور المكية : وهي السورة السابعة والعشرون في ترتيب ~~المصحف ، وكان نزولها بعد سورة الشعراء. # قال القرطبي : سورة النمل ، مكية كلها في قول الجميع (1). # 2 وسميت بسورة النمل ، لقوله تعالى : ( @QUR@08 حتى إذا أتوا على واد ~~النمل قالت نملة ) @QUR@01 . # قال الآلوسى : «وتسمى أيضا كما في الدر المنثور سورة سليمان ، وعدد ~~آياتها خمس وتسعون آية عند الحجازيين ، وأربع وتسعون عند البصريين وثلاث ~~وتسعون عند الكوفيين » (2). # 3 وقد افتتحت سورة النمل بالثناء على القرآن الكريم ، وعلى المؤمنين ~~الذين يحافظون على فرائض الله تعالى ، ويوقنون بالآخرة وما فيها من ثواب أو ~~عقاب ... # أما الذين لا يؤمنون بالآخرة ، فقد أنذرتهم بسوء المصير ( @QUR@010 أولئك ~~الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون ) @QUR@01 . # 4 ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن جانب من قصة موسى عليه السلام فذكرت لنا ما ~~قاله موسى لأهله عند ما آنس من جانب الطور نارا ، وما قاله الله تعالى له ~~عند ما جاءها ، وما أمره سبحانه به ، في قوله تعالى : ( @QUR@020 وألق عصاك ~~فلما رآها ms4289 تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب. يا موسى لا تخف إني لا يخاف ~~لدي المرسلون ) @QUR@01 . # 5 ثم تحدثت السورة بعد ذلك عما منحه الله تعالى لداود وسليمان ~~عليهما السلام من علم واسع ، ومن عطاء كبير ، وحكت ما قالته نملة عند ما رأت ~~سليمان وجنوده ، كما حكت ما دار بين سليمان عليه السلام وبين الهدهد ، وما ~~دار بينه عليه السلام PageV10P295 # وبين ملكة سبأ من كتب ومحاورات انتهت بإسلام ملكة سبأ ، حيث قالت : ( ~~@QUR@010 رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ) @QUR@01 . # ثم ساقت السورة جانبا من قصة صالح عليه السلام مع قومه ، فتحدثت عن الرهط ~~التسعة الذين كانوا يفسدون في الأرض ولا يصلحون ، والذين بيتوا السوء ~~لنبيهم صالح وللمؤمنين معه ، فكانت نتيجة مكر هؤلاء المفسدين الخسار ~~والهلاك. كما قال تعالى : ( @QUR@021 ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا ~~يشعرون. فانظر كيف كان عاقبة مكرهم ، أنا دمرناهم وقومهم أجمعين. فتلك ~~بيوتهم خاوية بما ظلموا .. ) @QUR@01 . # 7 وبعد أن ساقت السورة جانبا من قصة لوط عليه السلام مع قومه. أتبعت ذلك ~~بالحديث عن وحدانية الله تعالى وقدرته ، فذكرت ألوانا من الأدلة على ذلك ، ~~وقد قال سبحانه في أعقاب كل دليل ( @QUR@03 أإله مع الله )، وكرر ذلك خمس ~~مرات ، في خمس آيات. # 8 وبعد هذا الحديث المتنوع عن مظاهر وحدانية الله وقدرته سبحانه ، أخذت ~~السورة الكريمة في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وفي تثبيت فؤاده ، وفي ~~بيان أن هذا القرآن هداية ورحمة. # قال تعالى : ( @QUR@031 إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم ~~فيه يختلفون. وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين. إن ربك يقضي بينهم بحكمه وهو ~~العزيز العليم. فتوكل على الله إنك على الحق المبين ) @QUR@01 . # 9 ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بالحديث عن علامات الساعة وأهوالها ، وعن ~~عاقبة المؤمنين ، وعاقبة الكافرين ، وعن المنهج الذي اتبعه الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وأمر غيره باتباعه ، فقال تعالى : ( @QUR@043 إنما أمرت أن ~~أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها ، وله كل شيء ، وأمرت أن أكون من المسلمين. ~~وأن أتلوا القرآن ms4290 فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ، ومن ضل فقل إنما أنا من ~~المنذرين. وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها ، وما ربك بغافل عما ~~تعملون ) @QUR@01 . # 10 وبعد : فهذا عرض مجمل لسورة النمل. ومنه نرى أن السورة الكريمة زاخرة ~~بالحديث عن أدلة وحدانية الله تعالى وقدرته ، وعن مظاهر فضله تعالى على ~~عباده. وعن علمه سبحانه المحيط بكل شيء ، وعن آياته الكونية التي يكشف منها ~~للناس ما يشاء كشفه وبيانه. # كما نرى أن السورة الكريمة قد اشتمل القصص على جانب كبير منها ، خصوصا قصص PageV10P296 # بعض أنبياء بنى إسرائيل ، فقد حدثتنا عن جانب من قصة موسى ، وداود ، ~~وسليمان. ثم بينت أن على بنى إسرائيل المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يعودوا إلى القرآن ، ليعرفوا منه الأمر الحق في كل ما اختلفوا فيه ، قال ~~تعالى : ( @QUR@012 إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه ~~يختلفون ) @QUR@01 . # كما نراها تجمع في توجيهاتها وإرشاداتها بين الترغيب والترهيب ، وبين ~~التذكير بنعم الله التي نشاهدها في هذا الكون ، وبين التحذير من أهوال يوم ~~القيامة ، وتختم بهذه الآية الجامعة : ( @QUR@011 وقل الحمد لله سيريكم ~~آياته فتعرفونها ، وما ربك بغافل عما تعملون ) @QUR@01 . # والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # د / محمد سيد طنطاوى # القاهرة مدينة نصر # 26 من جمادى الأولى 1405 ه # الموافق : 16 / 2 / 1985 م PageV10P297 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@06 طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين (1) @QUR@03 هدى وبشرى للمؤمنين ~~(2) @QUR@09 الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون (3) ~~@QUR@010 إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون (4) ~~@QUR@010 أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون (5) ~~@QUR@07 وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم ) (6) # سورة النمل : من السور التي افتتحت ببعض الحروف المقطعة ، وهو قوله تعالى ~~( @QUR@01 طس ) @QUR@01 . # وقد ذكرنا آراء العلماء في هذه الحروف المقطعة بشيء من التفصيل عند ~~تفسيرنا لسور : البقرة ، وآل عمران ، والأعراف ، ويونس ، وهود ، ويوسف ... إلخ. # وقلنا ما خلاصته : لعل أقرب الأقوال إلى الصواب ms4291 ، أن هذه الحروف المقطعة. ~~قد وردت في افتتاح بعض السور ، على سبيل الإيقاظ والتنبيه ، للذين تحداهم ~~القرآن. # فكأن الله تعالى يقول لأولئك الكافرين الذين زعموا أن هذا القرآن ليس من ~~عنده تعالى : هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه ~~كلامكم ، ومنظوما من حروف هي من جنس الحروف الهجائية ، التي تنظمون منها ~~حروفكم ، فإن كنتم في PageV10P299 # شك في أنه من عند الله تعالى فهاتوا مثله ، أو هاتوا عشر سور من مثله ، ~~أو هاتوا سورة واحدة من مثله. # فعجزوا وانقلبوا خاسرين ، وثبت أن هذا القرآن من عند الله عز وجل واسم ~~الإشارة ( @QUR@01 تلك ) يعود إلى الآيات القرآنية التي تضمنتها هذه السورة ~~الكريمة. أو إلى جميع آيات القرآن التي نزلت قبل ذلك. # وهو أى لفظ ( @QUR@01 تلك ) مبتدأ وخبره قوله سبحانه ( @QUR@02 آيات ~~القرآن ) @QUR@01 . أى : تلك الآيات الحكيمة التي أنزلناها إليك أيها ~~الرسول الكريم هي آيات القرآن ، الذي أنزلناه إليك لتخرج الناس به من ظلمات ~~الكفر إلى نور الإيمان. # فإضافة الآيات إلى القرآن لتعظيم شأنها ، وسمو منزلتها. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 وكتاب مبين ) معطوف على القرآن من باب عطف إحدى ~~الصفتين على الأخرى ، كقولهم هذا فعل فلان السخي والجواد الكريم. # قال الآلوسى : «والمبين : إما من أبان المتعدى ، أى : مظهر ما في تضاعيفه ~~من الحكم والأحكام وأحوال القرون الأولى ... وإما من أبان اللازم ، بمعنى ~~بان. أى : ظاهر الإعجاز ... وهو على الاحتمالين ، صفة مادحة لكتاب ، مؤكدة ~~لما أفاده التنوين من الفخامة ...» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@03 هدى وبشرى للمؤمنين ) في حيز النصب على الحالية ~~من قوله ( @QUR@01 آيات ) ولفظ ( @QUR@01 هدى ) مصدر هداه هدى وهداية ، ~~ومعناه : الدلالة الموصلة إلى البغية. # و ( @QUR@01 بشرى ): الخبر السار. فهي أخص من مجرد الخبر ، وسمى الخبر ~~السار بشرى ، لأن أثره يظهر على البشرة ، وهي ظاهر جلد الإنسان. # أى : أنزلنا إليك أيها الرسول الكريم هذه الآيات القرآنية ، حالة كونها ~~هداية للمؤمنين إلى طريق السعادة والفلاح ، وبشارة لهم بما يشرح صدورهم ، ~~ويدخل الفرح والسرور على نفوسهم. # وخص سبحانه المؤمنين بذلك ، لأنهم المنتفعون بهذه الهداية والبشارة ، دون ms4292 ~~سواهم من الكافرين والمنافقين. # قال تعالى : ( @QUR@020 قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ، والذين لا يؤمنون ~~في آذانهم وقر وهو عليهم عمى ، أولئك ينادون من مكان بعيد ) (2). PageV10P300 # وقال سبحانه : ( @QUR@018 وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته ~~هذه إيمانا. فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون ) (1). # ثم وصف سبحانه هؤلاء المؤمنين بثلاث صفات جامعة بين خيرى الدنيا والآخرة ~~فقال : ( @QUR@03 الذين يقيمون الصلاة ) أى : يؤدونهما في أوقاتها المقدرة ~~لها ، مستوفية لواجباتها وسننها وآدابها وخشوعها. # ( @QUR@02 ويؤتون الزكاة ) التي كلفهم الله تعالى بإيتائها ، بإخلاص وطيب نفس. # ( @QUR@04 وهم بالآخرة هم يوقنون ) والآخرة تأنيث الآخر. والمراد بها ~~الدار الآخرة ، وسميت بذلك لأنها تأتى بعد الدنيا التي هي الدار الأولى. # وقوله : ( @QUR@01 يوقنون ) من الإيقان. وهو الاعتقاد الجازم المطابق ~~للواقع ، بحيث لا يطرأ عليه شك ، أو تحوم حوله شبهة. يقال : يقن الماء ، ~~إذا سكن وظهر ما تحته. # ويقال : يقنت من هذا الشيء يقنا ، وأيقنت ، وتيقنت ، واستيقنت ، اعتقدت ~~اعتقادا جازما من وجوده أو صحته. # أى : وهم بالدار الآخرة وما فيها من حساب وعقاب ، يوقنون إيقانا قطعيا ، ~~لا أثر فيه للادعاءات الكاذبة ، والأوهام الباطلة. # قال الجمل : ولما كان إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، مما يتكرر ويتجدد في ~~أوقاتهما ، أتى بهما فعلين ، ولما كان الإيقان بالآخرة أمرا ثابتا مطلوبا ~~دوامه ، أتى به جملة اسمية. # وجعل خبرها مضارعا ، للدلالة على أن إيقانهم يستمر على سبيل التجدد» (2). # وبعد أن مدح سبحانه المؤمنين بتلك الصفات الطيبة ، أتبع ذلك ببيان ما ~~عليه غيرهم من ضلال وحيرة فقال : ( @QUR@010 إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون ) @QUR@01 . # وقوله : ( @QUR@01 زينا ) من التزيين ، بمعنى التحسين والتجميل. # و ( @QUR@01 يعمهون ) من العمه بمعنى التحير والتردد. يقال : عمه فلان ~~كفرح ومنع إذا تحير وتردد في أمره. # والمعنى : إن الذين لا يؤمنون بالدار الآخرة وما فيها من ثواب وعقاب ، ( ~~@QUR@03 زينا لهم أعمالهم ) أى : حسناها لهم ، وحببناها إليهم ، بسبب ~~استحبابهم العمى على الهدى ، والغي PageV10P301 # على الرشد ( @QUR@02 فهم يعمهون ) أى : فهم يتحيرون ويتخبطون ويرتكبون ما ~~يرتكبون من قبائح ، ظنا منهم أنها محاسن. # وصدق ms4293 الله إذ يقول : ( @QUR@015 أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا ، فإن ~~الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء .. ) @QUR@01 . (1). # ثم بين سبحانه قبح عاقبتهم فقال : ( @QUR@05 أولئك الذين لهم سوء العذاب ~~) @QUR@01 . # أى : أولئك الذين لم يؤمنوا بالآخرة ، لهم أشد أنواع العذاب الذي يذلهم ~~ويؤلمهم في الدنيا ( @QUR@05 وهم في الآخرة هم الأخسرون ) أى : وهم في ~~الآخرة أشد خسارة منهم في الدنيا إذ عذاب الدنيا له نهاية. أما عذاب الآخرة ~~فلا نهاية له. # وقوله تعالى : ( @QUR@07 وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم ) كلام ~~مستأنف سيق بعد بيان بعض صفات القرآن الكريم ، تمهيدا لما سيأتى بعد ذلك من ~~قصص وآداب وأحكام وهدايات. # وقوله ( @QUR@01 لتلقى ) من التلقي بمعنى الأخذ عن الغير ، والمراد به ~~جبريل عليه السلام . # أى : وإنك أيها الرسول الكريم لتتلقى القرآن الكريم بواسطة جبريل ~~عليه السلام من لدن ربك الذي يفعل كل شيء بحكمة ليس بعدها حكمة ، ويدبر كل ~~أمر بعلم شامل لكل شيء. # وصدرت هذه الآية الكريمة بحرفى التأكيد وهما إن ولام القسم للدلالة على ~~كمال العناية بمضمونه. # والتعبير بقوله ( @QUR@01 لتلقى ) يشعر بمباشرة الأخذ عن جبريل ~~عليه السلام بأمر الله تعالى الحكيم العليم ، كما يشعر بقوته وشدته ، كما في ~~قوله سبحانه : ( @QUR@05 إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ) @QUR@01 . # وجاء الأسلوب بالبناء للمفعول في قوله : «تلقى» وحذف الفاعل وهو جبريل ~~للتصريح به في آيات أخرى منها قوله تعالى ( @QUR@09 نزل به الروح الأمين. ~~على قلبك لتكون من المنذرين ) (2). # وجمع سبحانه في وصفه لذاته بين الحكمة والعلم ، للدلالة على أن هذا ~~القرآن تتجلى فيه كل صفات الإتقان والإحكام ، لأنه كلام الحكيم في أفعاله ، ~~العليم بكل شيء. PageV10P302 # وبعد أن بين سبحانه أن هذا القرآن ، قد تلقاه الرسول صلى الله عليه وسلم من ~~لدن حكيم عليم أتبع ذلك بجانب من قصة موسى عليه السلام لتكون بمثابة التسلية ~~للرسول صلى الله عليه وسلم عن موقف كفار مكة منه عليه الصلاة والسلام ، فقال ~~تعالى : # ( @QUR@016 إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم ~~بشهاب قبس لعلكم تصطلون (7) @QUR@014 فلما جاءها ms4294 نودي أن بورك من في النار ~~ومن حولها وسبحان الله رب العالمين (8) @QUR@07 يا موسى إنه أنا الله ~~العزيز الحكيم (9) @QUR@020 وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ~~ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون (10) @QUR@011 إلا من ~~ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم (11) @QUR@019 وأدخل يدك في جيبك ~~تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين ~~(12) @QUR@08 فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين (13) @QUR@011 ~~وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ) (14) # هذا جانب من قصة موسى عليه السلام كما جاءت في هذه السورة ، وقد جاءت في ~~سور أخرى بصورة أوسع ، كسور : البقرة ، والأعراف ، ويونس ، والشعراء ، ~~والقصص ... # وقد افتتحت هنا بقوله تعالى : ( @QUR@07 إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا ~~) @QUR@01 . # والظرف «إذ» متعلق بمحذوف تقديره : اذكر. # و «موسى» عليه السلام هو ابن عمران ، وينتهى نسبه إلى يعقوب بن إسحاق ابن ~~إبراهيم عليه السلام ، وكانت بعثته على الراجح في القرن الحادي عشر أو ~~الثاني عشر قبل الميلاد. PageV10P303 # والمراد بأهله : زوجته. وهي ابنة الشيخ الكبير الذي قال له بعد أن سقى ~~لابنتيه غنمهما : ( @QUR@012 إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن ~~تأجرني ثماني حجج .. ) @QUR@01 . (1). # قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : «وكان ذلك بعد أن قضى موسى الأجل الذي ~~بينه وبين صهره ، في رعاية الغنم ، وسار بأهله ، قيل : قاصدا بلاد مصر بعد ~~ما طالت الغيبة عنها أكثر من عشر سنين ، ومعه زوجته فأضل الطريق ، وكانت ~~ليلة شاتية ، ونزل منزلا بين شعاب وجبال ... فبينما هو كذلك إذ آنس من جانب ~~الطور نارا ...» (2). # وقوله : ( @QUR@01 آنست ) من الإيناس ، بمعنى الإبصار الواضح الجلى يقال ~~: آنس فلان الشيء إذا أبصره وعلمه وأحس به. # أى : واذكر أيها الرسول الكريم وذكر أتباعك ليعتبروا ويتعظوا ، وقت أن ~~قال موسى لأهله ، وهو في طريقه من جهة مدين إلى مصر. # إنى أبصرت إبصارا لا شبهة فيه نارا. فامكثوا في مكانكم ، فإنى ( @QUR@03 ~~سآتيكم منها بخبر ) أى : سآتيكم من ms4295 جهتها بخبر ينفعنا في رحلتنا هذه ، ~~ونسترشد به في الوصول إلى أهدى الطرق التي توصلنا إلى المكان الذي نريده. # و ( @QUR@01 أو ) في قوله سبحانه : ( @QUR@06 أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم ~~تصطلون ) مانعة خلو. # قال القرطبي : ما ملخصه : «قرأ عاصم وحمزة والكسائي : ( @QUR@02 بشهاب ~~قبس ) بتنوين ( @QUR@01 بشهاب ) وقرأ الباقون بدون تنوين على الإضافة ، أى ~~: بشعلة نار ، من إضافة النوع إلى جنسه كخاتم فضة. والشهاب : كل ذي نور ، ~~نحو الكواكب ، والعود الموقد. والقبس : اسم لما يقتبس من جمر وما أشبهه ، ~~فالمعنى بشهاب من قبس ... ومن قرأ ( @QUR@02 بشهاب قبس )، بالتنوين جعله ~~بدلا منه ، أو صفة له. على تأويله بمعنى المقبوس ...» (3). # وقوله : ( @QUR@01 تصطلون ) أى : تستدفئون ، والاصطلاء : الدنو من النار ~~لتدفئة البدن عند الشعور بالبرد. قال الشاعر. # النار فاكهة الشتاء فمن يرد %~% أكل الفواكه شاتيا فليصطل # والمعنى : قال موسى عليه السلام لأهله عند ما شاهد النار : امكثوا في ~~مكانكم ، فإنى PageV10P304 # ذاهب إليها ، لكي آتيكم من جهتها بخبر في رحلتنا فإن لم يكن ذلك ، فإنى ~~آتيكم بشعلة مقتطعة منها ومقتبسة من أصلها ، لعلكم تستدفئون بها في تلك ~~الليلة الشديدة البرودة. # قال صاحب الكشاف : «فإن قلت : قوله تعالى : هنا ( @QUR@03 سآتيكم منها ~~بخبر ) مع قوله تعالى في سورة القصص (1) ( @QUR@04 لعلي آتيكم منها بخبر ) ~~كالمتدافعين. لأن أحدهما ترج ، والآخر تيقن. قلت : قد يقول الراجي إذا قوى ~~رجاؤه : سأفعل كذا ، وسيكون كذا ، مع تجويزه الخيبة. # فإن قلت : كيف جاء بسين التسويف هنا ؟ قلت : عدة لأهله أنه يأتيهم وإن ~~أبطأ ، أو كانت المسافة بعيدة. # فإن قلت : فلم جاء بأو دون الواو؟ قلت : بنى الرجاء على أنه إن لم يظفر ~~بحاجتيه جميعا لم يعدم واحدة منهما : إما هداية الطريق ، وإما اقتباس النار ~~، ثقة بعادة الله أنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده ...» (2). # ثم بين سبحانه ما حدث لموسى عند ما اقترب من النار فقال : ( @QUR@010 ~~فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها .. ) @QUR@01 . و ( @QUR@01 ~~أن ) هنا مفسرة ، لما في النداء من معنى القول. # وقوله : ( @QUR@01 بورك ) من البركة ، بمعنى ثبوت الخير وكثرته. والخير ms4296 ~~هنا يتمثل في تكليم الله تعالى لنبيه موسى. وفي ندائه له. وتشريفه برسالته ~~، وتأييده بالمعجزات. # والمراد بمن في النار : من هو قريب منها ، وهو موسى عليه السلام . # والمراد بمن حولها : الملائكة الحاضرون لهذا النداء ، أو الأماكن ~~المجاورة لها. # أى : فلما وصل موسى عليه السلام إلى القرب من مكان النار ، نودي موسى من ~~قبل الله عز وجل على سبيل التكريم والتحية : أن قدس وطهر واختير للرسالة من ~~هو بالقرب منها وهو موسى عليه السلام ومن حولها من الملائكة ، أو الأماكن ~~القريبة منها. # قال الآلوسى : «قوله : ( @QUR@05 من في النار ومن حولها ) ذهب جماعة إلى ~~أن في الكلام مضافا مقدرا في موضعين. أى : من في مكان النار ، ومن حول ~~مكانها قالوا : ومكانها البقعة التي حصلت فيها ، وهي البقعة المباركة ، ~~المذكورة في قوله تعالى : ( @QUR@02 فلما أتاها ) أى النار ( @QUR@010 نودي ~~من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة .. ) @QUR@01 . (3). PageV10P305 # وقيل : من في النار : موسى عليه السلام ، ومن حولها : الملائكة الحاضرون ~~... وقيل الأول الملائكة ، والثاني موسى ، واستغنى بعضهم عن تقدير المضاف ~~بجعل الظرفية مجازا عن القرب التام ... وأيا ما كان فالمراد بذلك بشارة ~~موسى عليه السلام » (1). # وقال الشوكانى : «ومذهب المفسرين أن المراد بالنار هنا النور» (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@04 وسبحان الله رب العالمين ) من تتمة النداء ، ~~وخبر منه تعالى لموسى بالتنزيه. لئلا يتوهم من سماع كلامه تعالى التشبيه ~~بما للبشر من كلام. # أى : وتنزه الله عز وجل وتقدس رب العالمين عن كل سوء ونقص ومماثلة ~~للحوادث. # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم ) إعلام ~~منه عز وجل لعبده موسى بأن المخاطب له ، إنما هو الله تعالى الذي عز كل شيء ~~وقهره وغلبه. والذي أحكم كل شيء خلقه. # والضمير في قوله ( @QUR@01 إنه ) للشأن. وجملة ( @QUR@02 أنا الله ) ~~مبتدأ وخبر والعزيز الحكيم صفتان لذاته عز وجل . # أى : يا موسى إن الحال والشأن إنى أنا الله العزيز الحكيم ، الذي أخاطبك ~~وأناجيك. فتنبه لما سآمرك به. ونفذ ما سأكلفك بفعله. # ثم حكى سبحانه بعد ذلك بعض ما أمر به موسى عليه ms4297 السلام فقال : ( @QUR@02 ~~وألق عصاك ) @QUR@01 . # والجملة الكريمة معطوفة على ما تضمنه النداء. # أى : نودي أن بورك من في النار ومن حولها ... ونودي أن ألق عصاك التي بيدك. # وقوله : ( @QUR@09 فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب. ) ~~@QUR@01 . معطوف على كلام مقدر. # أى : فاستجاب موسى عليه السلام لأمر ربه فألقى عصاه فصارت حية ، فلما رآها ~~تهتز. أى : تضطرب وتتحرك بسرعة شديدة حتى لكأنها ( @QUR@01 جان ) في شدة ~~حركتها وسرعة تقلبها ( @QUR@02 ولى مدبرا ) عنها من الخوف ( @QUR@02 ولم ~~يعقب ) أى : ولم يرجع على عقبه. بل استمر في إدباره عنها دون أن يفكر في ~~الرجوع إليها. يقال : عقب المقاتل. إذا كر على عدوه بعد الفرار منه. # والجان : الحية الصغيرة السريعة الحركة. أو الحية الكبيرة ، والمراد هنا ~~: التشبيه بها في PageV10P306 # شدة الحركة وسرعتها مع عظم حجمها. # وإنما ولى موسى مدبرا عنها ، لأنه لم يخطر بباله أن عصاه التي بيده ، ~~يحصل منها ما رآه بعينه ، من تحولها إلى حية تسعى وتضطرب وتتحرك بسرعة ~~كأنها جان ، ومن طبيعة الإنسان أنه إذا رأى أمرا غريبا اعتراه الخوف منه ، ~~فما بالك بعصا تتحول إلى حية تسعى. # ثم بين سبحانه ما نادى به موسى على سبيل التثبيت وإدخال الطمأنينة على ~~قلبه ، فقال : ( @QUR@04 يا موسى لا تخف ) @QUR@01 . # أى : فلما ولى موسى ولم يعقب عند ما ألقى عصاه فانقلبت حية ، ناداه ربه ~~تعالى بقوله : ( @QUR@04 يا موسى لا تخف ) مما رأيت ؛ أو من شيء غيرى ما ~~دمت في حضرتى. # وجملة ( @QUR@05 إني لا يخاف لدي المرسلون ) تعليل للنهى عن الخوف ، أى ~~إنى لا يخاف عندي من اخترته لحمل رسالتي ، وتبليغ دعوتي. # وقوله سبحانه : ( @QUR@011 إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور ~~رحيم ) استثناء منقطع مما قبله. # أى : إنى يا موسى لا يخاف لدى المرسلون ، لكن من ظلم وارتكب فعلا سيئا من ~~عبادي ، ثم تاب إلى توبة صادقة ، بأن ترك الظلم إلى العدل والشر إلى الخير. ~~والمعصية إلى الطاعة ، فإنى أغفر له ما فرط منه ، لأنى أنا وحدي الواسع ~~المغفرة والرحمة. # قال ابن كثير : هذا ms4298 استثناء منقطع ، وفيه بشارة عظيمة للبشر ، وذلك أن من ~~كان على شيء ثم أقلع عنه وتاب وأناب ، فإن الله يتوب عليه ، كما قال تعالى ~~( @QUR@09 وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ) وقال تعالى ( ~~@QUR@013 ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله ، يجد الله غفورا ~~رحيما ) (1) وقيل : إن الاستثناء متصل ، فيكون المعنى : لا يخاف لدى ~~المرسلون ، إلا من ظلم منهم بأن وقع في الصغائر التي لا يسلم منها أحد ، ثم ~~تاب منها وأقلع عنها ، فإنى غفور رحيم. # قال الآلوسى : «والظاهر هنا انقطاع الاستثناء ، والأوفق بشأن المرسلين ، ~~أن يراد بمن ظلم : من ارتكب ذنبا كبيرا أو صغيرا من غيرهم. و ( @QUR@01 ثم ~~) يحتمل أن تكون للتراخي الزمانى فتفيد الآية المغفرة لمن بدل على الفور من ~~باب أولى. ويحتمل أن تكون للتراخي الرتبى ، وهو ظاهر بين الظلم والتبديل ~~...» (2). PageV10P307 # وعبر سبحانه عن ترك الظلم بالتبديل ، للإشارة إلى الإقلاع التام عن هذا ~~الظلم ، وإلى أن هذا الظلم قد حل محله العدل والطاعة والانقياد لأمره تعالى . # ثم أرشد سبحانه موسى عليه السلام إلى معجزة أخرى. لتكون دليلا على صدقه في ~~رسالته إلى من سيرسله إليهم فقال : ( @QUR@09 وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء ~~من غير سوء ) @QUR@01 . # والمراد بجيبه : فتحة ثوبه أو قميصه عند مدخل رأسه ، أو عند جانبه الأيمن ~~، وأصل الجيب : القطع. يقال : جاب الشيء إذا قطعه. # والمعنى : وأدخل يا موسى يدك اليمنى في فتحة ثوبك ، ثم أخرجها تراها تخرج ~~بيضاء من غير سوء. أى : تخرج منيرة مشرقة واضحة البياض دون أن يكون بها أى ~~سوء من مرض أو برص أو غيرهما ، وإنما يكون بياضها بياضا مشرقا مصحوبا ~~بالسلامة بقدرة الله تعالى وإرادته. # قال الحسن البصري : أخرجها والله كأنها مصباح ، فعلم موسى أنه قد لقى ربه. # وقوله : ( @QUR@01 تخرج ) جواب الأمر في قوله : ( @QUR@01 وأدخل )، و ( ~~@QUR@01 بيضاء ) حال من فاعل تخرج ، و ( @QUR@03 من غير سوء ) يجوز أن يكون ~~حالا أخرى. أو صفة لبيضاء. # والمراد باليد هنا : كف يده اليمنى. والسوء : الرديء والقبيح من كل شيء ، ~~وهو هنا ms4299 كناية عن البرص لشدة قبحه. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 في تسع آيات إلى فرعون وقومه ) يصح أن يكون حالا ~~ثالثة من فاعل ( @QUR@01 تخرج ) فيكون المعنى : وأدخل يا موسى يدك في جيبك ~~تخرج حالة كونها بيضاء. وحالة كونها من غير سوء ، وحالة كونها مندرجة أو ~~معدودة في ضمن تسع آيات زودناك بها ، لتكون معجزات لك أمام فرعون وقومه ، ~~على أنك صادق فيما تبلغه عن ربك. # قال الجمل «وقوله : ( @QUR@03 في تسع آيات ) فيه وجوه : أحدها : أنه حال ~~ثالثة يعنى من فاعل تخرج ، أى : آية في تسع آيات. الثاني : أنه متعلق ~~بمحذوف أى : اذهب في تسع آيات ...» (1). # والمراد بالآيات التسع التي أعطاها الله تعالى لموسى عليه السلام : العصا ~~، واليد ، والسنون ، والبحر ، والطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، ~~والدم. كما جاء ذلك عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم. PageV10P308 # وقد جاء الحديث عن هذه الآيات في مواضع أخرى من القرآن الكريم منها قوله ~~تعالى : ( @QUR@012 فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين. ونزع يده فإذا هي بيضاء ~~للناظرين ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@010 ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات ~~لعلهم يذكرون ) (2). وقوله عز وجل : ( @QUR@013 فأوحينا إلى موسى أن اضرب ~~بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ) (3). # وقال تعالى : ( @QUR@07 فأرسلنا عليهم الطوفان ، والجراد ، والقمل ، ~~والضفادع ، والدم. ) @QUR@01 . (4). # وتحديد الآيات بالتسع ، لا ينفى أن هناك معجزات أخرى ، أعطاها الله تعالى ~~لموسى عليه السلام إذ من المعروف عند علماء الأصول أن تحديد العدد بالذكر ، ~~لا يدل على نفى الزائد عنه. # قال ابن كثير : «ولقد أوتى موسى عليه السلام آيات أخرى كثيرة ، منها ضربه ~~الحجر بالعصا ، وخروج الماء منه .. وغير ذلك. مما أوتوه بنو إسرائيل بعد ~~خروجهم من مصر. ولكن ذكر هنا هذه الآيات التسع التي شاهدها فرعون وقومه ، ~~وكانت حجة عليهم فخالفوها وعاندوها كفرا وجحودا» (5). # وقوله تعالى : ( @QUR@04 إنهم كانوا قوما فاسقين ) استئناف مسوق لبيان ~~سبب إرسال موسى إلى فرعون وقومه. # أى : هذه الآيات التسع أرسلناك بها يا موسى إلى فرعون وقومه ، لأنهم ~~كانوا قوما فاسقين عن أمرنا ، وخارجين على شرعنا ، وعابدين لغيرنا من ~~مخلوقاتنا. # ثم ms4300 بين سبحانه موقف فرعون وقومه من هذه المعجزات الدالة على صدق موسى فقال : # ( @QUR@019 فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين. وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا. فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ) @QUR@01 . # وقوله ( @QUR@01 مبصرة ) من الإبصار والظهور. وهو اسم فاعل بمعنى اسم ~~المفعول ، للإشعار PageV10P309 # بشدة وضوحها وإنارتها ، حتى لكأنها تبصر نفسها لو كانت مما يبصر ، كما ~~يقال : ماء دافق بمعنى مدفوق. # وقوله : ( @QUR@02 وجحدوا بها ) من الجحود. وهو إنكار الحق مع العلم بأنه ~~حق ، يقال : جحد فلان حق غيره ، إذا أنكره مع علمه به. # وقوله : ( @QUR@01 واستيقنتها ) من الإيقان وهو الاعتقاد الجازم الذي لا ~~يطرأ عليه شك وجيء بالسين لزيادة التأكيد. # والمعنى : وذهب موسى عليه السلام ومعه المعجزات الدالة على صدقه ، إلى ~~فرعون وقومه ليدعوهم إلى إخلاص العبادة لله تعالى وحده ، فلما جاءهم موسى ~~بتلك المعجزات المضيئة الواضحة للدلالة على صدقه ، قالوا على سبيل العناد ~~والغرور ، هذا الذي نراه منك يا موسى ، سحر بين وظاهر في كونه سحرا. # وجحد فرعون وقومه هذه المعجزات التي جاء بها موسى من عند ربه تعالى ، مع ~~أن أنفسهم قد علمت علما لا شك معه أنها معجزات وليست سحرا ، ولكنهم خالفوا ~~علمهم ويقينهم ( @QUR@01 ظلما ) للآيات حيث أنزلوها عن منزلتها الرفيعة ~~وسموها سحرا ( @QUR@01 وعلوا ) أى : ترفعا واستكبارا عن الإيمان بها. # ( @QUR@01 فانظر ) أيها العاقل ( @QUR@04 كيف كان عاقبة المفسدين )؟ لقد ~~كانت عاقبتهم أن أغرقهم الله جميعا ، بسبب كفرهم وظلمهم وجحودهم وفسادهم في الأرض. # وفي التعبير بقوله : ( @QUR@03 فلما جاءتهم آياتنا. ) @QUR@01 . إشعار ~~بأن هذه الآيات الدالة على صدق موسى عليه السلام قد وصلت إليهم بدون أن ~~يتعبوا أنفسهم في الذهاب إليها ، فهي جاءتهم إلى بيوتهم لكي تهديهم إلى ~~الصراط المستقيم ، ولكنهم قابلوا ذلك بالكفر والجحود. # وأسند سبحانه المجيء إلى الآيات وأضافها إلى ذاته تعالى للإشارة إلى أنها ~~خارجة عن أن تكون من صنع موسى ، وإنما هي من صنع الله تعالى ومن فعله ، ~~وموسى ما هو إلا منفذ لما أمره ربه ، ومؤيد بما منحه إياه من معجزات دالة ~~على صدقه فيما يبلغه عنه. ms4301 # وقوله : ( @QUR@02 ظلما وعلوا ) منصوبان على أنهما مفعولان لأجله ، أو ~~على أنهما حالان من فاعل جحدوا. # أى : جحدوا الآيات مع تيقنهم أنها من عند الله ، من أجل الظلم لها ~~والتعالي على من جاء بها ، أو : جحدوا بها حالة كونهم ظالمين لها ، ~~ومستكبرين عنها. # وفي قوله سبحانه : ( @QUR@05 فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ) تسلية عظمى للرسول PageV10P310 # صلى الله عليه وسلم عما أصابه من الكافرين. # فهم كانوا كفرعون وقومه في جحود الحق الذي جاءهم به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم مع يقينهم بأنه حق ، ولكن حال بينهم وبين الدخول أسباب ~~متعددة ، على رأسها العناد ، والحسد ، والعكوف على ما كان عليه الآباء ، ~~والكراهية لتغيير الأوضاع التي تهواها نفوسهم ، وزينتها لهم شهواتهم ... # وبعد أن ساق سبحانه هذا الجانب من قصة موسى عليه السلام ، أتبع ذلك ~~بالحديث عن جانب من النعم التي أنعم بها على نبيين كريمين من أنبيائه ، ~~وهما داود وسليمان عليهما السلام فقال تعالى : # ( @QUR@015 ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على ~~كثير من عباده المؤمنين (15) @QUR@019 وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس ~~علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين (16) @QUR@09 ~~وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون (17) @QUR@020 حتى ~~إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم ~~سليمان وجنوده وهم لا يشعرون (18) @QUR@024 فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب ~~أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه ~~وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ) (19) # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 ولقد آتينا داود وسليمان علما ) كلام مستأنف ~~مسوق لتقرير قوله تعالى : ( @QUR@07 وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم ) ~~إذ القرآن الكريم هو الذي قص PageV10P311 # الله تعالى فيه أخبار السابقين ، بالصدق والحق. # وداود هو ابن يسى ، من سبط يهوذا من بنى إسرائيل ، وكانت ولادته في بيت ~~لحم سنة 1085 ق. م تقريبا ، وهو الذي قتل جالوت ، كما قال تعالى : ( ~~@QUR@013 فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة ~~وعلمه مما يشاء .. ) @QUR@01 . (1). وكانت ms4302 وفاته سنة 1000 ق م تقريبا. # وسليمان هو ابن داود عليهما السلام ولد بأورشليم حوالى سنة 1043 ق م وتوفى ~~سنة 975 ق م. # وقد جاء ذكرهما في سورتي الأنبياء وسبأ وغيرهما. # ويعتبر عهدهما أزهى عهود بنى إسرائيل ، فقد أعطاهما الله تعالى نعما جليلة. # والمعنى : والله لقد أعطينا داود وابنه سليمان علما واسعا من عندنا ، ~~ومنحناهما بفضلنا وإحساننا معرفة غزيرة بعلوم الدين والدنيا. # أما داود فقد أعطاه سبحانه علم الزبور ، فكان يقرؤه بصوت جميل ، كما علمه ~~صناعة الدروع .. قال تعالى : ( @QUR@013 ولقد آتينا داود منا فضلا ، يا ~~جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد ) (2). # وأما سليمان فقد آتاه سبحانه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ، وعلمه منطق ~~الطير ، ورزق الحكم السديد بين الناس. قال تعالى : ( @QUR@06 ففهمناها ~~سليمان وكلا آتينا حكما وعلما ) (3). # وقوله سبحانه ( @QUR@010 وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده ~~المؤمنين ) بيان لموقفهما من نعم الله تعالى عليهما ، وهو موقف يدل على حسن ~~شكرهما لخالقهما. # والواو في قوله ( @QUR@01 وقالا ) للعطف على محذوف ، أى : آتيناهما علما ~~غزيرا فعملا بمقتضاه وشكرا الله عليه ، وقالا : الحمد لله الذي فضلنا بسبب ~~ما آتانا من علم ونعم ، على كثير من عباده المؤمنين ، الذين لم ينالوا ما ~~نلنا من خيره وبره سبحانه . # قال صاحب الكشاف : «وفي الآية دليل على شرف العلم ، وإنافة محله. وتقدم حملته PageV10P312 # وأهله ، وأن نعمة العلم من أجل النعم ، وأجزل القسم ، وأن من أوتيه فقد ~~أوتى فضلا على كثير من عباد الله ..» (1). # وفي التعبير بقوله تعالى ( @QUR@03 فضلنا على كثير .. ) @QUR@01 . دلالة ~~على حسن أدبهما ، وتواضعهما ، حيث لم يقولا فضلنا على جميع عباده. # والمراد بالوراثة في قوله تعالى : ( @QUR@03 وورث سليمان داود .. ) ~~@QUR@01 . وراثة العلم والنبوة والملك. أى : وورث سليمان داود في نبوته ~~وعلمه وملكه. # قال ابن كثير : «وقوله : ( @QUR@03 وورث سليمان داود ) @QUR@01 . أى : في ~~الملك والنبوة وليس المراد وراثة المال ، إذ لو كان كذلك ، لم يخص سليمان ~~وحده من بين سائر أولاد داود .. ولكن المراد بذلك وراثة الملك والنبوة فإن ~~الأنبياء لا تورث أموالهم ، أخبر بذلك ms4303 رسول الله صلى الله عليه وسلم : «نحن ~~معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» (2). # ثم حكى سبحانه ما قاله سليمان على سبيل التحدث بنعم الله عليه ، فقال ~~تعالى : ( @QUR@011 وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء ~~.. ) @QUR@01 . # أى : وقال سليمان عليه السلام على سبيل الشكر لله تعالى : يا أيها الناس : ~~علمنا الله تعالى بفضله وإحسانه فهم ما يريده كل طائر إذا صوت أو صاح ، ~~وأعطانا سبحانه من كل شيء نحتاجه وننتفع به في ديننا أو دنيانا. # وقدم نعمة تعليمه منطق الطير ، لأنها نعمة خاصة لا يشاركه فيها غيره ، ~~وتعتبر من معجزاته عليه السلام . # وقيل : إنه علم منطق جميع الحيوانات. وإنما ذكر الطير لأنه أظهر في ~~النعمة ، ولأن الطير كان جندا من جنده ، يسير معه لتظليله من الشمس. # قال الآلوسى : «والجملتان علمنا منطق الطير ، وأوتينا من كل شيء كالشرح ~~للميراث. # وعن مقاتل : أنه أريد بما أوتيه النبوة والملك وتسخير الجن والإنس ~~والشياطين والريح. # وعن ابن عباس : هو ما يريده من أمر الدنيا والآخرة» (3). # وعبر عن نعم الله تعالى عليه بنون العظمة فقال ( @QUR@01 أوتينا ) ولم ~~يقل أوتيت ، PageV10P313 # للإشعار بأنه عبد من عباد الله المطاعين ، الذين سخر لهم جنودا من الجن ~~والإنس والطير ، ليكونوا في خدمته ، وليستعملهم في وجوه الخير لا في وجوه ~~الشر ، فهو لم يقل ذلك على سبيل التباهي والتعالي ، وإنما قاله على سبيل ~~التحدث بنعمة الله. # واسم الإشارة في قوله تعالى : ( @QUR@05 إن هذا لهو الفضل المبين ) يعود ~~إلى ما أعطاه الله تعالى إياه من العلم والملك وغيرهما. # أى : إن هذا الذي أعطانا إياه من العلم والملك ، وكل شيء تدعو إليه ~~الحاجة ، لهو الفضل الواضح ، والإحسان الظاهر منه عز وجل ثم تنتقل السورة ~~الكريمة إلى الحديث عن مظاهر ملك سليمان عليه السلام فتقول : ( @QUR@09 وحشر ~~لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون ) @QUR@01 . # والحشر : الجمع. يقال : حشر القائد جنده إذا جمعهم لأمر من الأمور التي تهمه. # وقوله : ( @QUR@01 يوزعون ) من الوزع بمعنى الكف والمنع. يقال : وزعه عن ~~الظلم وزعا ، إذا كفه ms4304 عنه. # ومنه قول عثمان بن عفان رضى الله عنه : «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع ~~بالقرآن». # ومنه قول الشاعر : # ولا يزع النفس اللجوج عن الهوى %~% من الناس ، إلا وافر العقل كامله # والمعنى : وجمع لسليمان عليه السلام عساكره وجنوده من الجن والإنس والطير ~~( @QUR@02 فهم يوزعون ) أى : فهم محبوسون ومجموعون بنظام وترتيب ، بحيث لا ~~يتجاوز أحدهم مكانه أو منزلته أو وظيفته المسئول عنها. # فالتعبير بقوله ( @QUR@01 يوزعون ) يشعر بأن هؤلاء الجنود مع كثرتهم ، ~~لهم من يزعهم عن الفوضى والاضطراب ، إذ الوازع في الحرب ، هو من يدير أمور ~~الجيش ، وينظم صفوفه ، ويرد من شذ من أفراده إلى جادة الصواب. # ولقد ذكر بعض المفسرين هنا أقوالا في عدد جيش سليمان ، رأينا أن نضرب ~~عنها صفحا ، لضعفها ويكفينا أن نعلم أن الله تعالى قد سخر لسليمان جندا من ~~الجن والإنس والطير ، إلا أن عدد هؤلاء الجنود مرد علمه إلى الله تعالى ~~وحده ، وإن كان التعبير القرآنى يشعر بأن هؤلاء الجند المجموعين ، يمثلون ~~موكبا عظيما ، وحشدا كبيرا. # ثم حكى سبحانه ما قاتله نملة عند ما رأت هذا الجيش العظيم المنظم ، فقال PageV10P314 # تعالى : ( @QUR@020 حتى إذا أتوا على واد النمل ، قالت نملة يا أيها ~~النمل ادخلوا مساكنكم ، لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون ) @QUR@01 . # و ( @QUR@01 حتى ) هنا ابتدائية. أى : يبتدأ بها الكلام ، وقوله ( ~~@QUR@02 قالت نملة ) جواب إذا. # وقوله : ( @QUR@02 لا يحطمنكم ) من الحطم ، وأصله : كسر الشيء .. يقال : ~~حطم فلان الشيء إذا كسره ، والمراد به هنا : الإهلاك والقتل. # والمعنى : وحشر لسليمان جنوده ، فسار هؤلاء الجنود في قوة ونظام ، ( ~~@QUR@06 حتى إذا أتوا على واد النمل ) أى : على مكان يعيش فيه النمل في ~~مملكة سليمان ( @QUR@02 قالت نملة ) على سبيل النصح والتحذير بعد أن رأت ~~سليمان وجنوده : ( @QUR@05 يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ) أى : ادخلوا ~~أماكن سكناكم ، وابتعدوا عن طريق هذا الجيش الكبير ، وانجوا بأنفسكم ، كي ~~لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون بكم. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم عدى ( @QUR@01 أتوا ) بعلى؟ قلت : يتوجه ~~على معنين : أحدهما : أن إتيانهم كان من فوق ، فأتى ms4305 بحرف الاستعلاء ... ~~والثاني : أن يراد قطع الوادي وبلوغ آخره ، من قولهم أتى على الشيء إذا ~~أنفده وبلغ آخره .. # فإن قلت : ( @QUR@02 لا يحطمنكم ) ما هو؟ قلت : يحتمل أن يكون جوابا ~~للأمر ، وأن يكون نهيا بدلا من الأمر. والذي جوز أن يكون بدلا منه : أنه في ~~معنى : لا تكونوا حيث أنتم فيحطمكم ، على طريقة : لا أرينك هاهنا» (1). # أى : لا تحضر ها هنا بحيث أراك. # ثم بين سبحانه ما فعله سليمان بعد أن أدرك ما قالته النملة لأفراد جنسها ~~، فقال تعالى : ( @QUR@04 فتبسم ضاحكا من قولها ) أى : فسمع قولها السابق ~~فاهتزت نفسه ، وتبسم ضاحكا من قولها ، لفطنتها إلى تحذير أبناء جنسها ، ~~ولسروره بما قالته عنه وعن جيشه ، حيث وصفتهم بأنهم لا يقدمون على إهلاك ~~النمل ، إلا بسبب عدم شعورهم بهم. # وقوله ( @QUR@01 ضاحكا ) حال مؤكدة لأنه قد فهم الضحك من التبسم. وقيل : ~~هو حال مقدرة ؛ لأن التبسم أول الضحك. # ثم حكى سبحانه ما نطق به سليمان بعد ذلك فقال : ( @QUR@011 وقال رب ~~أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي ... ) @QUR@01 . PageV10P315 # أى : وقال سليمان : يا رب ألهمنى المداومة على شكرك والامتناع عن جحود ~~نعمك ، والكف عن كل ما يؤدى إلى كفران مننك التي أفضتها على وعلى والدي. # ووفقني كذلك لأن ( @QUR@01 أعمل ) عملا ( @QUR@02 صالحا ترضاه ) عنى ~~وتقبله منى ( @QUR@01 وأدخلني ) يا إلهى ( @QUR@01 برحمتك ) وإحسانك ( ~~@QUR@03 في عبادك الصالحين ) الذين رضيت عنهم ورضوا عنك. # وهكذا جمع سليمان عليه السلام في هذا الدعاء البليغ المؤثر ، أسمى ألوان ~~الخشية من الله تعالى والشكر له سبحانه على نعمه ، والرجاء في رضاه وعطائه ~~الجزيل. # ثم تحكى السورة الكريمة بعد ذلك ما دار بين سليمان عليه السلام وبين جندي ~~من جنود مملكته وهو الهدهد ، فقال تعالى : # ( @QUR@012 وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين ~~(20) @QUR@09 لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين (21) ~~@QUR@014 فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين ~~(22) @QUR@011 إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم (23) ~~@QUR@017 وجدتها وقومها يسجدون ms4306 للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم ~~فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون (24) @QUR@014 ألا يسجدوا لله الذي يخرج ~~الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون (25) @QUR@08 الله لا ~~إله إلا هو رب العرش العظيم ) (26) # والتفقد : تطلب الشيء ومعرفة أحواله ، ومنه قولهم : تفقد القائد جنوده ، ~~أى : تطلب أحوالهم ليعرف حاضرهم من غائبهم. PageV10P316 # والطير : اسم جنس لكل ما يطير ، ومفردة طائر ، والمراد بالهدهد هنا : ~~طائر معين وليس الجنس. # و ( @QUR@01 أم ) منقطعة بمعنى بل. # أى : وأشرف سليمان عليه السلام على أفراد مملكته ليعرف أحوالها ، فقال بعد ~~أن نظر في أحوال الطير : ( @QUR@05 ما لي لا أرى الهدهد ) أى : ما الذي حال ~~بيني وبين رؤية الهدهد ثم تأكد من غيابه فقال بل هو من الغائبين. # قال الآلوسى : «والظاهر أن قوله عليه السلام ذلك ، مبنى على أنه ظن حضوره ~~ومنع مانع له من رؤيته ، أى : عدم رؤيتي إياه مع حضوره ، لأى سبب؟ الساتر ~~أم لغيره. ثم لاح له أنه غائب ، فأضرب عن ذلك وأخذ يقول : ( @QUR@04 أم كان ~~من الغائبين ) كأنه يسأل عن صحة ما لاح له. فأم هي المنقطعة ، كما في قولهم ~~: إنها لإبل أم شاء ... (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@09 لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني ~~بسلطان مبين ) بيان للحكم الذي أصدره سليمان عليه السلام على الهدهد بسبب ~~غيابه بدون إذن. # أى : لأعذبن الهدهد عذابا شديدا يؤلمه ، أو لأذبحنه ، أو ليأتينى بحجة ~~قوية توضح سبب غيابه. وتقنعنى بالصفح عنه ، وبترك تعذيبه ، أو ذبحه. # فأنت ترى أن سليمان عليه السلام وهو النبي الملك الحكيم العادل يقيد تعذيب ~~الهدهد أو ذبحه. بعدم إتيانه بالعذر المقبول عن سبب غيابه ، أما إذا أتى ~~بهذا العذر فإنه سيعفو عنه ، ويترك عقابه. # فكأنه عليه السلام يقول : هذا الهدهد الغائب إما أن أعذبه عذابا شديدا ~~وإما أن أذبحه بعد حضوره ، وإما أن يأتينى بعذر مقبول عن سبب غيابه ، وفي ~~هذه الحالة فأنا سأعفو عنه. # ثم يحكى القرآن بعد ذلك ما كان من الهدهد ، فقال : ( @QUR@03 فمكث غير ~~بعيد ) أى فمكث الهدهد زمانا غير ms4307 بعيد من تهديد سليمان له ، ثم أتاه فقال ~~له : ( @QUR@05 أحطت بما لم تحط به ) أى : علمت أشياء أنت لم تعلمها. ~~وابتدأ كلامه بهذه الجملة التي فيها ما فيها من المفاجآت لترغيبه في ~~الإصغاء إليه ، ولاستمالة قلبه لقبول عذره بعد ذلك. # قال صاحب الكشاف : «ألهم الله الهدهد فكافح سليمان بهذا الكلام ، على ما ~~أوتى من فضل النبوة والحكمة والعلوم الجمة ، والإحاطة بالمعلومات الكثيرة ، ~~ابتلاء له في علمه ، PageV10P317 # وتنبيها على أن في أدنى خلقه وأضعفه من أحاط علما بما لم يحط به ، ~~لتتحافر إليه نفسه ، ويتصاغر إليه علمه ، ويكون لطفا له في ترك الإعجاب ~~الذي هو فتنة العلماء ...» (1). # وقوله : ( @QUR@05 وجئتك من سبإ بنبإ يقين ) تفسير وتوضيح لقوله قبل ذلك ~~: أحطت بما لم تحط به ، وسبأ في الأصل : اسم لسبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ~~، ثم صار بعد ذلك اسما لحى من الناس سموا باسم أبيهم ، أو صار اسما للقبيلة ~~، أو لمدينة تعرف بمأرب باليمن. بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث ليال. # وقد قرأ بعضهم هذا اللفظ بالتنوين باعتباره اسم رجل ، وقرأه آخرون بغير ~~تنوين لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. # أى : قال الهدهد لسليمان بادئا حديثه بما يشير إلى قبول عذره : علمت شيئا ~~أنت لم تعلمه ، وجئتك من جهة قبيلة سبأ بنبإ عظيم خطير ، أنا متيقن من صدقه. # ثم قص عليه ما رآه فقال : ( @QUR@04 إني وجدت امرأة تملكهم ) والمراد ~~بهذه المرأة : بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن ريان ... ورثت الملك عن أبيها. # أى : إنى وجدت قبيلة سبأ تحكمها امرأة ، وتتصرف في أمورهم دون أن يعترض ~~عليها معترض ، أو ينافسها منافس. # وقوله ( @QUR@04 وأوتيت من كل شيء ) معطوف على ما قبله. أى : وبين يديها ~~جميع الأشياء التي تحتاجها لتصريف شئون مملكتها ، والمحافظة على قوتها ~~واستقرارها ... # وفضلا عن كل ذلك ( @QUR@03 لها عرش عظيم ) أى : لها سرير ملك فخم ضخم يدل ~~على غناها وترفها ، ورقى مملكتها في الصناعة وغيرها. # والمراد أن لها عرشا عظيما بالنسبة إلى أمثالها من الدنيا. # ثم أضاف إلى ذلك قوله : ( @QUR@07 وجدتها وقومها ms4308 يسجدون للشمس من دون ~~الله ... ) @QUR@01 . # أى : والأهم من كل ذلك أنى وجدت هذه المرأة ومعها قومها يتركون عبادة ~~الله تعالى ، ويعبدون الشمس التي هي من مخلوقاته عز وجل . # ( @QUR@04 وزين لهم الشيطان أعمالهم ) التي هي عبادتهم للشمس ، وما ~~يشبهها من ألوان الكفر والفسوق عن أمر الله تعالى . # ( @QUR@01 فصدهم ) أى فمنعهم الشيطان ( @QUR@02 عن السبيل ) الحق ( ~~@QUR@01 فهم ) بسبب ذلك PageV10P318 # ( @QUR@02 لا يهتدون ) إلى عبادة الله تعالى الذي لا معبود بحق سواه. # وقوله : ( @QUR@09 ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ) ~~بيان لما ترتب على إغواء الشيطان لهم. وقد قرأ عامة القراء ( @QUR@01 ألا ) ~~بتشديد اللام و ( @QUR@01 يسجدوا ) فعل مضارع منصوب بأن المدغمة في لفظه لا ~~، وهو مع ناصبه في تأويل مصدر ، في محل نصب على أنه مفعول لأجله. # والمعنى : وزين لهم الشيطان أعمالهم من أجل أن يتركوا السجود لله تعالى ( ~~@QUR@03 الذي يخرج الخبء ) أى : الذي يظهر الشيء المخبوء في السموات والأرض ~~، كائنا ما كان هذا الشيء ، لأنه سبحانه لا يخفى عليه شيء فيهما. # قال الآلوسى : وقوله تعالى : ( @QUR@03 ألا يسجدوا لله ) أى : لئلا ~~يسجدوا لله واللام للتعليل ، وهو متعلق بصدهم أو بزين. والفاء في ( @QUR@01 ~~فصدهم ) لا يلزم أن تكون سببية لجواز كونها تفريعية أو تفصيلية ، أى : ~~فصدهم عن ذلك لأجل أن لا يسجدوا لله عز وجل . أو زين لهم ذلك لأجل أن لا ~~يسجدوا له تعالى . # ثم قال : وقرأ الكسائي : ( @QUR@01 ألا ) بتخفيف اللام على أنها حرف ~~استفتاح وتنبيه (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@05 ويعلم ما تخفون وما تعلنون ) معطوف على ما قبله. # والمعنى : زين لهم الشيطان أعمالهم لئلا يسجدوا لله الذي يعلم المخبوء ~~والمستور في السموات والأرض ، ويعلم ما تخفون من أسرار ، وما تعلنون من أقوال. # قال بعض العلماء : «واعلم أن التحقيق أن آية النمل هذه ، محل سجدة على ~~كلتا القراءتين ، لأن قراءة الكسائي فيها الأمر بالسجود ، وقراءة الجمهور ~~فيها ذم تارك السجود وتوبيخه» (2). # وقوله تعالى ( @QUR@08 الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم ) في معنى ~~التعليل لحقيقة السجود لله تعالى وحده. # أى : اجعلوا سجودكم لله تعالى وحده ms4309 ، واتركوا السجود لغيره ، لأنه سبحانه ~~لا إله بحق سواه ، وهو سبحانه صاحب العرش العظيم ، الذي لا يدانيه ولا ~~يشبهه شيء مما يطلق عليه هذا اللفظ. PageV10P319 # ثم تحكى السور بعد ذلك ما كان من سليمان عليه السلام وما كان من ملكة سبأ ~~بعد أن وصلها كتابه ، فقال تعالى : # ( @QUR@07 قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين (27) @QUR@012 اذهب بكتابي ~~هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ما ذا يرجعون (28) @QUR@09 قالت يا أيها ~~الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم (29) @QUR@08 إنه من سليمان وإنه بسم الله ~~الرحمن الرحيم (30) @QUR@05 ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين (31) @QUR@013 ~~قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون (32) ~~@QUR@013 قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ما ذا ~~تأمرين (33) @QUR@013 قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة ~~أهلها أذلة وكذلك يفعلون (34) @QUR@08 وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم ~~يرجع المرسلون ) (35) # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 قال سننظر .. ) @QUR@01 . حكاية لما قاله ~~سليمان عليه السلام في رده على الهدهد ، الذي قال له في تبرير عذره : ( ~~@QUR@05 أحطت بما لم تحط به. ) @QUR@01 . إلخ. # والفعل «ننظر» من النظر بمعنى التأمل في الأمور ، والتدبر في أحوالها ، ~~والسين للتأكيد. # أى : قال سليمان للهدهد بعد أن استمع إلى حجته : سننظر أيها الهدهد في ~~أقوالك ، ونرى أكنت صادقا فيها ، أم أنت من الكاذبين. # وهكذا نرى نبي الله سليمان وهو العاقل الحكيم لا يتسرع في تصديق الهدهد ~~أو تكذيبه ، ولا يخرجه النبأ العظيم الذي جاءه به الهدهد ، عن اتزانه ~~ووقاره ، وإنما يبنى أحكامه على ما سيسفر عنه تحققه من صدق خبره أو كذبه. PageV10P320 # وهذا هو اللائق بشأن النبي الكريم سليمان ، الذي آتاه الله تعالى النبوة ~~والملك والحكمة. # قال القرطبي «وقوله : ( @QUR@01 سننظر ) من النظر الذي هو التأمل ~~والتصفح. ( @QUR@05 أصدقت أم كنت من الكاذبين ) أى : في مقالتك. و ( ~~@QUR@01 كنت ) بمعنى أنت وقال : ( @QUR@02 سننظر أصدقت ) ولم يقل سننظر في ~~أمرك ، لأن الهدهد لما صرح بفخر العلم في قوله : ( @QUR@05 أحطت بما لم تحط ~~به ) صرح له سليمان بقوله : سننظر أصدقت أم كذبت ms4310 ، فكان ذلك كفاء لما قاله» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@012 اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ، ثم تول عنهم ، ~~فانظر ما ذا يرجعون ) بيان لما أمر به سليمان عليه السلام الهدهد ، بعد أن ~~قال له : سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين. # أى : خذ أيها الهدهد كتابي هذا. فاذهب به إلى هؤلاء القوم من أهل سبأ ، ( ~~@QUR@03 ثم تول عنهم ) أى : ثم انصرف عنهم إلى مكان قريب منهم ( @QUR@04 ~~فانظر ما ذا يرجعون ) أى : فتأمل ماذا يقول بعضهم لبعض ، وبما ذا يراجع ~~بعضهم بعضا ، ثم أخبرنى بذلك. # قال ابن كثير : وذلك أن سليمان عليه السلام كتب كتابا إلى بلقيس وقومها ، ~~وأعطاه لذلك الهدهد فحمله ... وذهب به إلى بلادهم ، فجاء في قصر بلقيس. إلى ~~الخلوة التي كانت تختلى فيها بنفسها ، فألقاه إليها من كوة هنالك بين ~~يديها. ثم تولى ناحية أدبا ، فتحيرت مما رأت. وهالها ذلك ، ثم عمدت إلى ~~الكتاب فأخذته ، ففتحت ختمه وقرأته ...» (2). # وقال صاحب الكشاف : «فإن قلت : لم قال : فألقه إليهم. على لفظ الجمع؟ قلت ~~: لأنه قال : ( @QUR@04 وجدتها وقومها يسجدون للشمس ) فقال : فألقه إلى ~~الذين هذا دينهم ، اهتماما منه بأمر الدين ، واشتغالا به عن غيره. وبنى ~~الخطاب في الكتاب على لفظ الجمع لذلك» (3). # ثم بين سبحانه ما فعلته ملكة سبأ ، بعد أن جاءها كتاب سليمان عليه السلام ~~، فقال تعالى : ( @QUR@022 قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم ، ~~إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم. ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين ) ~~@QUR@01 . # أى : قالت لحاشيتها بعد أن قرأت الكتاب وفهمت ما فيه : ( @QUR@03 يا أيها ~~الملأ ) أى : يا أيها الأشراف من قومي ( @QUR@05 إني ألقي إلي كتاب كريم ) ~~@QUR@01 . PageV10P321 # وصفته بالكرم لاشتماله على الكلام الحكيم ، والأسلوب البديع ، والتوجيه ~~الحسن ، ولجمال هيئته ، وعجيب أمره. # ثم أفصحت عن مصدره فقالت : ( @QUR@03 إنه من سليمان ) وعن مضمونه فقالت : ~~( @QUR@05 وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ) وفي ذلك إشارة إلى وصفه بالكرم ، ~~حيث اشتمل على اسم الله تعالى وعلى بعض صفاته ، وعلى ترك التكبر ، وعلى ~~الدخول وعلى الدخول في الدين الحق ، كما يدل عليه قوله تعالى : ( @QUR@03 ~~ألا ms4311 تعلوا علي ) أى : ألا تتكبروا على كما يفعل الملوك الجبابرة ( @QUR@02 ~~وأتوني مسلمين ) منقادين طائعين لشريعة الله وحده ، التي توجب عليكم إخلاص ~~العبادة له ، دون أحد سواه ، إذ هو سبحانه الخالق لكل شيء ، وكل معبود سواه ~~فهو باطل. # فالكتاب مع إيجازه متضمن لفنون البلاغة. ولمظاهر القوة الحكيمة العادلة ، ~~التي اتبعها سليمان في رسالته إلى ملكة سبأ وقومها. # وبعد أن بلغت حاشيتها بمصدر الكتاب ومضمونه ، استأنفت حديثها فقالت : ( ~~@QUR@06 يا أيها الملأ أفتوني في أمري ) والفتوى : الجواب على المستفتى ~~فيما سأل عنه ، والمراد بها هنا : المشورة وإبداء الرأى. # أى : قالت يا أيها الأشراف والقادة من قومي ، أشيروا على ماذا سأفعل في ~~أمر هذا الكتاب الذي جاءني من سليمان ، والذي يطلب منا فيه ما سمعتم؟ # ثم أضافت إلى ذلك قولها : ( @QUR@06 ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون ) أى : ~~أنتم تعلمون أنى لا أقطع أمرا يتعلق بشئون المملكة إلا بعد استشارتكم ، ~~وأخذ رأيكم. # وفي قولها هذا دليل على حسن سياستها ، ورجاحة عقلها ، حيث جمعت رءوس ~~مملكتها ، واستشارتهم في أمرها ، وأعلمتهم أن هذه عادة مطردة عندها. وبذلك ~~طابت نفوسهم ، وزادت ثقتهم فيها. # فقد قالوا لها : ( @QUR@03 نحن أولوا قوة ) أى : أصحاب قوة في الأجساد ، ~~( @QUR@03 وأولوا بأس شديد ) أى : وأصحاب بلاء شديد في القتال. # ( @QUR@02 والأمر إليك ) أى : موكول إلى رأيك ، وإلى ما تطمئن إليه نفسك ~~من قرار. # ( @QUR@04 فانظري ما ذا تأمرين ) فتأملى وتفكري فيما تأمريننا به بالنسبة ~~لهذا الكتاب ، فنحن سنطيعك في كل ما تطلبينه منا. # وهنا يحكى لنا القرآن الكريم ما كانت عليه تلك المرأة من دهاء وكياسة ، ~~وإيثار للسلم على الحرب ، واللين على الشدة ، فقال تعالى : ( @QUR@03 قالت ~~إن الملوك ) من شأنهم أنهم ( @QUR@01 إذا PageV10P322 # @QUR@02 دخلوا قرية ) من القرى. أو مدينة من المدن ، بعد تغلبهم على ~~أهلها عن طريق الحرب والقتال .. ( @QUR@01 أفسدوها ) أى : أشاعوا فيها ~~الفساد والخراب والدمار. # وفوق كل ذلك : ( @QUR@04 وجعلوا أعزة أهلها أذلة ) أى : أهانوا أشرافها ~~ورؤساءها ، وجعلوهم أذلة بعد أن كانوا أعزة. ليكونوا عبرة لغيرهم. # ( @QUR@02 وكذلك يفعلون ) أى : وهذه هي عادتهم التي يفعلونها عند دخولهم ~~قرية ms4312 من القرى ، عن طريق القهر والقسر والقتال. # والمقصود من قولها هذا : التلويح لقومها بأن السلم أجدى من الحرب ، وأن ~~الملاينة مع سليمان عليه السلام أفضل من المجابهة والمواجهة بالقوة. # ثم صرحت لهم بما ستفعله معه فقالت : ( @QUR@08 وإني مرسلة إليهم بهدية ~~فناظرة بم يرجع المرسلون ) @QUR@01 . وقوله : ( @QUR@01 فناظرة ) معطوف على ~~( @QUR@01 مرسلة ) وهو من الانتظار بمعنى الترقب. # أى : وإنى قد قررت أن أرسل إلى سليمان وجنوده هدية ثمينة تليق بالملوك ~~أصحاب الجاه والقوة والسلطان ، وإنى لمنتظرة ماذا سيقول سليمان لرسلي عند ~~ما يرى تلك الهدية. وماذا سيفعل معهم. # قال ابن عباس : قالت لقومها إن قبل الهدية فهو ملك فقاتلوه ، وإن لم ~~يقبلها فهو نبي فاتبعوه. # وقال قتادة : رحمها الله ورضى عنها ما كان أعقلها في إسلامها وفي شركها!! ~~لقد علمت أن الهدية تقع موقعا من الناس (1). # ثم حكى سبحانه بعد ذلك ما كان من سليمان عند ما رأى الهدية ، فقال تعالى : # ( @QUR@016 فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما ~~آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون (36) @QUR@013 ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا ~~قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون ) (37) PageV10P323 # وفي الكلام حذف يفهم من السياق ، وتقتضيه بلاغة القرآن الكريم والتقدير : ~~وهيأت ملكة سبأ الهدية الثمينة لسليمان عليه السلام . وأرسلتها مع من ~~اختارتهم من قومها لهذه المهمة ، فلما جاء سليمان ، أى : فلما وصل الرسل ~~إلى سليمان ومعهم هدية ملكتهم إليه. # فلما رآها قال على سبيل الإنكار والاستخفاف بتلك الهدية : ( @QUR@02 ~~أتمدونن بمال ) أى : أتقدمون إلى هذا المال الزائل والمتمثل في تلك الهدية ~~لأكف عن دعوتكم إلى إتيانى وأنتم مخلصون العبادة لله تعالى وحده. وتاركون ~~لعبادة غيره؟ # كلا لن ألتفت إلى هديتكم ( @QUR@03 فما آتاني الله ) من النبوة والملك ~~الواسع ( @QUR@03 خير مما آتاكم ) من أموال من جملتها تلك الهدية. # فالجملة الكريمة تعليل لإنكاره لهديتهم ، ولاستخفافه بها ، وسخريته منها. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 بل أنتم بهديتكم تفرحون ) إضراب عما ذكره من ~~إنكاره لتلك الهدية وتعليله لهذا الإنكار ، إلى بيان ما هم عليه من ضيق في ~~التفكير ، حيث أوهموا أن ms4313 هذه الهدية ، قد تفيد في صرف سليمان عن دعوتهم إلى ~~وحدانية الله تعالى ، وقد تحمله على تركهم وشأنهم. # أى : افهموا أيها الرسل وقولوا لمن أرسلكم بتلك الهدية : إن سليمان ما ~~آتاه الله من خير ، أفضل مما آتاكم ، وإنه يقول لكم جميعا : انتفعوا أنتم ~~بهديتكم وافرحوا بها ، لأنكم لا تفكرون إلا في متع الحياة الدنيا ، أما أنا ~~ففي غنى عن هداياكم ولا يهمني إلا إيمانكم. # ثم أتبع سليمان عليه السلام هذا الاستنكار بالتهديد فقال : كما حكى القرآن ~~عنه : ( @QUR@02 ارجع إليهم ) @QUR@01 . # أى : قال سليمان لمن أرسلته بلقيس بالهدية : عد من حيث أتيت ومعك هديتك. # ( @QUR@06 فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ) أى : فو الله لنأتينهم بجنود ~~لا قدرة لهم على مقاومتهم ، ولا طاقة لهم على قتالهم. # ( @QUR@05 ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون ) أى : وو الله لنخرجن هذه ~~الملكة وقومها من بلاد سبأ ، حالة كونهم أذلة ، وحالة كونهم مهزومين ~~مقهورين ، بعد أن كانوا في عزة وقوة. # وعاد الرسل بهديتهم إلى الملكة ، دون أن يهتم القرآن بما جرى لهم بعد ذلك ~~، لأن القرآن لا يهتم إلا بالجوهر واللباب فيما يقصه من أحداث. # ثم يحكى القرآن بعد ذلك ما طلبه سليمان عليه السلام من جنوده فيقول : PageV10P324 # ( @QUR@011 قال يا أيها الملؤا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ~~(38) @QUR@016 قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني ~~عليه لقوي أمين (39) @QUR@038 قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل ~~أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر ~~أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم ) (40) # قال ابن كثير ما ملخصه : فلما رجعت الرسل إلى ملكة سبأ بما قاله سليمان ، ~~قالت : قد والله عرفت ما هذا بملك ، وما لنا به من طاقة .. وبعثت اليه : ~~إنى قادمة إليك بملوك قومي ، لأنظر في أمرك وما تدعونا إليه من دينك .. ثم ~~شخصت إليه في اثنى عشر ألف رجل من أشراف قومها بعد أن أقفلت الأبواب ms4314 على ~~عرشها فجعل سليمان يبعث الجن يأتونه بمسيرها ومنتهاها كل يوم وليلة ، حتى ~~إذا دنت جمع من عنده من الإنس والجن ممن تحت يده فقال : ( @QUR@010 يا أيها ~~الملؤا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ) @QUR@01 . # أى : قال سليمان لجنوده : أى واحد منكم يستطيع أن يحضر لي عرش هذه الملكة ~~قبل أن تحضر إلى هي وقومها مسلمين ، أى : منقادين طائعين مستسلمين لما ~~أمرتهم به. # ولعل سليمان عليه السلام قد طلب إحضار عرشها من بلاد اليمن إلى بيت المقدس ~~حيث مقر مملكته ، ليطلعها على عظيم قدرة الله تعالى ، وعلى ما أعطاه سبحانه ~~له من ملك عريض ، ومن نعم جليلة ، ومن قوة خارقة ، حيث سخر له من يحضر له ~~عرشها من مكان بعيد في زمن يسير. # ولعل كل ذلك يقودها هي وقومها إلى الإيمان بالله رب العالمين .. # وبعد أن قال سليمان لجنده أيكم يأتينى بعرشها قبل أن يأتونى مسلمين ، رد ~~عليه عفريت من الجن بقوله : ( @QUR@08 أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك ) ~~@QUR@01 . # والعفريت : هو المارد القوى من الشياطين ، الذين سخرهم الله تعالى لخدمة ~~سليمان ، PageV10P325 # وللقيام بأداء ما يكلفهم به. ويقال له : عفريت ، وعفريتة بكسر العين ~~وسكون الفاء . # أى : قال عفريت من الجن لسليمان : أنا آتيك بعرش هذه الملكة ، قبل أن ~~تقوم من مقامك ، أى : قبل أن تقوم من مجلسك هذا الذي تجلس فيه للقضاء بين ~~الناس. أو قبل أن تقف من جلوسك. # ( @QUR@04 وإني عليه لقوي أمين ) أى : وإنى على حمله وإحضاره من تلك ~~الأماكن البعيدة إليك ، لقوى على ذلك ، بحيث لا يثقل على حمله ، ولأمين على ~~إحضاره دون أن يضيع منه شيء. # وكأن سليمان قد استبطأ إحضاره عرش تلك المملكة في هذه الفترة التي حددها ~~ذلك العفريت القوى ، فنهض جندي آخر من جنوده ، ذكره القرآن بقوله : ( ~~@QUR@014 قال الذي عنده علم من الكتاب ، أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ~~) @QUR@01 . قالوا : والمراد بهذا الذي عنده علم من الكتاب : آصف بن برخيا ~~، وهو رجل من صلحاء بنى إسرائيل ، آتاه الله تعالى من لدنه ms4315 علما ، وكان ~~وزيرا لسليمان. # قالوا : وكان يعلم اسم الله الأعظم ، الذي إذا دعى به سبحانه أجاب الداعي ~~، وإذا سئل به تعالى أجاب السائل. # قيل : المراد به سليمان نفسه ، ويكون الخطاب على هذا العفريت ، فكأنه ~~استبطأ ما قاله العفريت فقال له : على سبيل التحقير أنا آتيك به قبل أن ~~يرتد إليك طرفك. # وقيل : المراد به جبريل. والأول هو المشهور عند المفسرين. # أى : قال الرجل الذي عنده علم من كتاب الله تعالى يا سليمان أنا آتيك ~~بعرش بلقيس ، قبل أن تغمض عينك وتفتحها ، وهو كناية عن السرعة الفائقة في ~~إحضاره. # وفي ذلك ما فيه من الدلالة على شرف العلم وفضله وشرف حامليه وفضلهم وأن ~~هذه الكرامة التي وهبها الله تعالى لهذا الرجل ، كانت بسبب ما آتاه سبحانه ~~من علم. # وجاء عرش الملكة لسليمان من بلاد اليمن إلى بلاد الشام ، بتلك السرعة ~~الفائقة ( @QUR@04 فلما رآه مستقرا عنده ) أى : فلما رأى سليمان العرش ~~المذكور حاضرا لديه ، وكائنا بين يديه ... لم يغتر ولم يتكبر ، ولم يأخذه ~~الزهو والعجب. بل قال كما حكى القرآن عنه : ( @QUR@08 هذا من فضل ربي ~~ليبلوني أأشكر أم أكفر ) @QUR@01 . # أى : قال سليمان : هذا الذي أراه من إحضار العرش بتلك السرعة من فضل ربي ~~وعطائه ، لكي يمتحننى أأشكره على نعمه أم أجحد هذه النعم. PageV10P326 # ( @QUR@02 ومن شكر ) الله تعالى على نعمه ( @QUR@03 فإنما يشكر لنفسه ) ~~حيث يزيده سبحانه منها. # ( @QUR@02 ومن كفر ) نعم الله تعالى وجحدها ( @QUR@03 فإن ربي غني ) عن ~~خلقه ( @QUR@01 كريم ) في معاملته لهم ، حيث لم يعاجلهم بالعقوبة ، بل يعفو ~~ويصفح عن كثير من ذنوبهم. # ثم ختم سبحانه هذه القصة البديعة ، ببيان ما فعله سليمان بالعرش ، وبما ~~قاله لملكة سبأ بعد أن قدمت إليه ، وبما انتهى إليه أمرها ، فقال تعالى : # ( @QUR@012 قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون ~~(41) @QUR@014 فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو وأوتينا العلم من ~~قبلها وكنا مسلمين (42) @QUR@012 وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت ~~من قوم كافرين (43) @QUR@028 قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته ms4316 لجة ~~وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت ~~مع سليمان لله رب العالمين ) (44) # وقوله : ( @QUR@03 نكروا لها عرشها ) من التنكير الذي هو ضد التعريف ، ~~وهو جعل الشيء على هيئة تخالف هيئته السابقة حتى لا يعرف. # أى : قال سليمان لجنوده ، بعد أن استقر عنده عرش بلقيس : غيروا لهذه ~~الملكة عرشها ، كأن تجعلوا مؤخرته في مقدمته ، وأعلاه أسفله .. # وافعلوا ذلك لكي ( @QUR@01 ننظر ) ونعرف ( @QUR@01 أتهتدي ) إليه بعد هذا ~~التغيير ، أو إلى الجواب اللائق بالمقام عند ما تسأل ( @QUR@06 أم تكون من ~~الذين لا يهتدون ) إلى معرفة الشيء بعد تغيير معالمه المميزة له. أو إلى ~~الجواب الصحيح عند ما تسأل عنه. # فالمقصود بتغيير هيئة عرشها : اختبار ذكائها وفطنتها ، وحسن تصرفها ، عند ~~مفاجأتها PageV10P327 # باطلاعها على عرشها الذي خلفته وراءها في بلادها. وإيقافها على مظاهر ~~قدرة الله تعالى وعلى ما وهبه لسليمان عليه السلام من معجزات. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 فلما جاءت .. ) @QUR@01 . شروع في بيان ما قالته ~~عند ما عرض عليها سليمان عرشها. # أى : فلما وصلت بلقيس إلى سليمان عليه السلام عرض عليها عرشها بعد تغيير ~~معالمه. ثم قيل لها من جهته عليه السلام : ( @QUR@02 أهكذا عرشك ) أى : أمثل ~~هذا العرش الذي ترينه الآن ، عرشك الذي خلفته وراءك في بلادك. # فالهمزة للاستفهام والهاء للتنبيه والكاف حرف جر ، وذا اسم إشارة مجرور ~~بها ، والجار والمجرور خبر مقدم ، وعرشك مبتدأ مؤخر. # ولم يقل لها : أهذا عرشك ، لئلا يكون إرشادا لها إلى الجواب ، فيفوت ~~المقصود من اختبار ذكائها وحسن تصرفها. # ولا شك أن هذا القول يدعوها للدهشة والمفاجأة بما لم يكن في حسبانها ، ~~وإلا فأين هي من عرشها الذي تركته خلفها على مسافة بعيدة ، بينها وبين ~~مملكة سليمان عشرات الآلاف من الأميال. # ولكن الملكة الأريبة العاقلة ، هداها تفكيرها إلى جواب ذكى ، فقالت كما ~~حكى القرآن عنها : ( @QUR@02 كأنه هو ) أى : هذا العرش الذي غيرت هيئته ~~كأنه عرشي الذي تركته في بلادي ، فهي لم تثبت أنه هو ، ولم تنف أنه غيره ، ~~وإنما تركت الأمر مبنيا على الظن والتشبيه ms4317 ، لكي يناسب الجواب السؤال. # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين ) يرى بعض ~~المفسرين أنه من تتمة كلام بلقيس ، وكأنها عند ما استشعرت مما شاهدته ~~اختبار عقلها قالت : وأوتينا العلم من قبلها ، أى : من قبل تلك الحالة التي ~~شاهدناها ، بصحة نبوة سليمان وكنا مسلمين ، طائعين لأمره. # ومنهم من يرى أنه من سليمان ، وتكون الجملة معطوفة على كلام مقدر وجيء ~~بها من قبيل التحدث بنعمة الله تعالى . # والمعنى : قال سليمان : لقد أصابت بلقيس في الجواب ، وعرفت الحق ، ولكننا ~~نحن الذين أوتينا العلم من قبلها أى من قبل حضور ملكة سبأ وكنا مسلمين لله ~~تعالى وجوهنا. # ويبدو لنا أن كون هذه الجملة ، حكاها القرآن على أنها من تتمة كلامها ~~أقرب إلى PageV10P328 # الصواب ، لأنه هو الظاهر من سياق الكلام. # قال الآلوسي ما ملخصه : قوله : ( @QUR@06 وأوتينا العلم من قبلها وكنا ~~مسلمين ) من تتمة كلامها على ما اختاره جمع من المفسرين. كأنها استشعرت مما ~~شاهدته اختبارها ، وإظهار معجزة لها. ولما كان الظاهر من السؤال هو الأول ، ~~سارعت إلى الجواب بما أنبأ عن كمال عقلها ، ولما كان إظهار المعجزة دون ذلك ~~في الظهور ، ذكرت ما يتعلق به آخرا وهو قولها : ( @QUR@02 وأوتينا العلم ) ~~وفيه دلالة على كمال عقلها أيضا . # والمعنى : وأوتينا العلم بكمال قدرة الله ، وصحة نبوتك من قبل هذه ~~المعجزة أو من قبل هذه الحالة ، بما شاهدناه من أمر الهدهد. وما سمعناه من ~~رسلنا إليك ، وكنا مؤمنين من ذلك الوقت ، فلا حاجة إلى إظهار هذه المعجزة (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@07 وصدها ما كانت تعبد من دون الله .. ) @QUR@01 . ~~بيان للأسباب التي منعتها من الدخول في الإسلام قبل ذلك. و ( @QUR@01 ما ) ~~موصولة على أنها فاعل «صد». # أى : وصدها ومنعها الذي كانت تعبده من دون الله تعالى وهو الشمس عن عبادة ~~الله تعالى وحده ، وعن المسارعة إلى الدخول في الإسلام. # ويصح أن تكون ( @QUR@01 ما ) مصدرية ، والمصدر هو الفاعل. أى. وصدها ~~عبادة الشمس ، عن المسارعة إلى الدخول في الإسلام. # وجملة ( @QUR@05 إنها كانت من قوم كافرين ) تعليل لسببية عبادتها لغير ~~الله تعالى ms4318 . # أى : إن هذه المرأة كانت من قوم كافرين بالله تعالى ، جاحدين لنعمه ، ~~عابدين لغيره ، منذ أزمان متطاولة ، فلم يكن في مقدورها إظهار إسلامها ~~بسرعة وهي بينهم. # فالجملة الكريمة كأنها اعتذار لها عن سبب تأخرها في الدخول في الإسلام. # ثم ختم سبحانه هذه القصة ببيان ما فاجأها به سليمان ، لتزداد يقينا ~~بوحدانية الله تعالى ، وبعظم النعم التي أعطاها سبحانه له فقال : ( ~~@QUR@011 قيل لها ادخلي الصرح ، فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها ) ~~@QUR@01 . # والصرح : القصر ويطلق على كل بناء مرتفع. ومنه قوله تعالى : ( @QUR@010 ~~وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب ) (2). PageV10P329 # ويطلق أيضا على صحن الدار وساحته. يقال : هذه صرحة الدار. أى : ساحتها ~~وعرصتها. # وكان سليمان عليه السلام قد بنى هذا الصرح ، وجعل بلاطه من زجاج نقى صاف ~~كالبلور. بحيث يرى الناظر ما يجرى تحته من ماء. # أى : قال سليمان لملكة سبأ بعد أن سألها : أهكذا عرشك ، وبعد أن أجابته ~~بما سبق بيانه. قال لها : ادخلى هذا القصر ، فلما رأت هذا الصرح وما عليه ~~من جمال وفخامة ، حسبته لجة. أى : ظنته ماء غزيرا كالبحر. # ( @QUR@03 وكشفت عن ساقيها ) لئلا تبتل بالماء أذيال ثيابها. # وهنا قال سليمان مزيلا لما اعتراها من دهشة : ( @QUR@01 إنه ) أى : ما ~~حسبته لجة ( @QUR@04 صرح ممرد من قوارير ) أى : قصر مملس من زجاج لا يحجب ~~ما وراءه. # فقوله ( @QUR@01 ممرد ) بمعنى مملس ، مأخوذ من قولهم : شجرة مرداء إذا ~~كانت عارية من الورق ، وغلام أمرد ، إذا لم يكن في وجهه شعر والتمريد في ~~البناء ، معناه : التمليس والتسوية والنعومة. # والقوارير : جمع قارورة ، وهي إناء من زجاج ، وتطلق القارورة على المرأة ~~، لأن الولد يقر في رحمها ، أو تشبيها لها بآنية الزجاج من حيث ضعفها ، ~~ومنه الحديث الشريف : «رفقا بالقوارير». والمراد بالقوارير هنا. المعنى الأول. # ثم حكى سبحانه ما قالته بلقيس بعد أن رأت جانبا من عجائب صنع الله فقال : ~~( @QUR@05 قالت رب إني ظلمت نفسي ) أى : بسبب عبادتي لغيرك قبل هذا الوقت ~~.. ( @QUR@03 وأسلمت مع سليمان ) طائعة مختارة ، وإسلامى إنما هو ( @QUR@03 ~~لله رب العالمين ) وليس ms4319 لأحد سواه. # وبعد ، فهذا تفسير محرر لتلك القصة ، وقد أعرضنا عن كثير من الإسرائيليات ~~التي حشا بها بعض المفسرين تفاسيرهم ، عند حديثهم عن الآيات التي وردت في ~~هذه القصة ، ومن ذلك ما يتعلق بسليمان عليه السلام وبجنوده من الطير. ~~وبمحاورة النملة له ، وبالهدية التي أرسلتها ملكة سبأ إليه ، وبما قالته ~~الشياطين لسليمان عن هذه المرأة .. إلخ وقد اشتملت هذه القصة على عبر وعظات ~~وأحكام وآداب ، من أهمها ما يأتى : # 1 أن الله تعالى قد أعطى بفضله وإحسانه داود وسليمان عليهما السلام نعما ~~عظيمة ، على رأسها نعمة النبوة ، والملك ، والعلم النافع. # وأنهما قد قابلا هذه النعم بالشكر لله تعالى واستعمالها فيما خلقت له. PageV10P330 # ونرى ذلك في قوله تعالى : ( @QUR@015 ولقد آتينا داود وسليمان علما ، ~~وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين ) @QUR@01 . # وفي قوله تعالى : ( @QUR@019 رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي ~~وعلى والدي ، وأن أعمل صالحا ترضاه ، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ) ~~@QUR@01 . # وفي قوله سبحانه : ( @QUR@019 هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ، ~~ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ، ومن كفر فإن ربي غني كريم ) @QUR@01 . # 2 أن سليمان عليه السلام قد أقام دولته على الإيمان بالله تعالى وعلى ~~العلم النافع ، وعلى القوة العادلة. # أما الإيمان بالله تعالى وإخلاص العبادة له سبحانه ، فهو كائن له ~~عليه السلام بمقتضى نبوته التي اختاره الله لها ، وبمقتضى دعوته غيره إلى ~~وحدانية الله عز وجل فقد حكى القرآن عنه أنه قال في رسالته إلى ملكة سبأ : ( ~~@QUR@013 إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم. ألا تعلوا علي وأتوني ~~مسلمين ) @QUR@01 . # وأما العلم النافع ، فيكفى أن القصة الكريمة قد افتتحت بقوله تعالى : ( ~~@QUR@05 ولقد آتينا داود وسليمان علما .. ) @QUR@01 . # واشتملت على قوله سبحانه : ( @QUR@010 وورث سليمان داود وقال يا أيها ~~الناس علمنا منطق الطير ... ) @QUR@01 . # وعلى قوله عز وجل : ( @QUR@014 قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به ~~قبل أن يرتد إليك طرفك ) @QUR@01 . # وأما القوة ، فنراها في قوله تعالى : ( @QUR@09 وحشر لسليمان جنوده من ~~الجن والإنس والطير فهم يوزعون ) @QUR@01 . # وفي قوله ms4320 سبحانه ( @QUR@013 ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ، ~~ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون ) @QUR@01 . # 3 أن سليمان عليه السلام كانت رسالته الأولى نشر الإيمان بالله تعالى في ~~الأرض ، وتطهيرها من كل معبود سواه. # والدليل على ذلك أن الهدهد عند ما أخبره بحال الملكة التي كانت هي وقومها ~~يعبدون الشمس من دون الله .. # ما كان من سليمان عليه السلام إلا أن حمله كتابا قويا بليغا يأمرهم فيه ~~بترك التكبر PageV10P331 # والغرور ، وبإسلام وجوههم لله وحده : ( @QUR@05 ألا تعلوا علي وأتوني ~~مسلمين ) @QUR@01 . # 4 أن سليمان عليه السلام كان يمثل الحاكم اليقظ المتنبه لأحوال رعيته ، ~~حيث يعرف شئونها الصغيرة والكبيرة ، ويعرف الحاضر من أفرادها والغائب ، حتى ~~ولو كان الغائب طيرا صغيرا ، من بين آلاف الخلائق الذين هم تحت قيادته. # ولقد صور القرآن ما كان عليه سليمان عليه السلام من يقظة ودراية بأفراد ~~رعيته أبدع تصوير فقال : وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من ~~الغائبين. # قال الإمام القرطبي رحمه الله : في هذه الآية دليل على تفقد الإمام أحوال ~~رعيته ، والمحافظة عليهم ، فانظر إلى الهدهد مع صغره ، كيف لم يخف على ~~سليمان حاله ، فكيف بعظام الملك .. # ثم يقول رحمه الله على سبيل التفجع والشكوى عن حال الولاة في عهده : فما ~~ظنك بوال تذهب على يديه البلدان ، وتضيع الرعية ويضيع الرعيان .. ورحم الله ~~القائل : # وهل أفسد الدين إلا الملوك %~% وأحبار سوء ورهبانها (1) # 5 أن سليمان عليه السلام كان بجانب تعهده لشئون رعيته ، يمثل الحاكم ~~الحازم العادل ، الذي يحاسب المهمل ، ويتوعد المقصر ، ويعاقب من يستحق ~~العقاب ، وفي الوقت نفسه يقبل عذر المعتذر متى اعتذر عذرا مشروعا ومقنعا. # انظر إليه وهو يقول كما حكى القرآن عنه عند ما تفقد الهدهد فلم يجده : ( ~~@QUR@09 لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين ) @QUR@01 . # إن الجيوش الجرارة التي تحت قيادة سليمان عليه السلام لا تؤثر فيها غياب ~~هدهد منها .. ولكن سليمان القائد الحازم ، كأنه يريد أن يعلم جنوده ، أن ~~لكل جندي رسالته التي يجب عليه أن يؤديها على الوجه الأكمل ms4321 سواء أكان هذا ~~الجندي صغيرا أم كبيرا ، وأن من فرط في الأمور الصغيرة ، لا يستبعد منه أن ~~يفرط في الأمور الكبيرة. # 6 أن الجندي الصغير في الأمة التي يظلها العدل والحرية والأمان .. لا ~~يمنعه صغره من أن يرد على الحاكم الكبير ، بشجاعة وقوة .. # انظر إلى الهدهد مع صغره يحكى عنه القرآن ، أنه رد على نبي الله سليمان ~~الذي آتاه الله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده بقوله : ( @QUR@010 أحطت بما لم ~~تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين .. ) @QUR@01 . PageV10P332 # ونجد سليمان عليه السلام لا يؤاخذه على هذا القول ، بل يضع قوله موضع ~~التحقيق والاختبار فيقول له : ( @QUR@06 سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين ) ~~@QUR@01 . # وهكذا الأمم العاقلة الرشيدة ، لا يهان فيها الصغير ، ولا يظلم فيها ~~الكبير. # 7 أن حكمة الله تعالى قد اقتضت أن تتألف الأمم من حاكمين ومحكومين ، وأن ~~كل فريق له حقوق وعليه واجبات ، وأن الأمم لا تصلح بدون حاكم يحكمها ويرعى ~~شئونها ، ويحق الحق ويبطل الباطل. # قال القرطبي عند تفسيره لقوله تعالى : ( @QUR@09 وحشر لسليمان جنوده من ~~الجن والإنس والطير فهم يوزعون ): في الآية دليل على اتخاذ الإمام والحكام ~~وزعة أى ولاة ، أو قضاة يكفون الناس ويمنعونهم من تطاول بعضهم على بعض ... # قال ابن عون : سمعت الحسن يقول وهو في مجلس قضائه : والله ما يصلح هؤلاء ~~الناس إلا وزعة (1). # ومن الأقوال الحكيمة لأمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى الله عنه «إن الله ~~ليزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن». # 8 أن الحاكم العاقل هو الذي يستشير من هو أهل للاستشارة في الأمور التي ~~تهم الأمة. # فها هي ذي ملكة سبأ عند ما جاءها كتاب سليمان عليه السلام جمعت وجوه قومها ~~، وقالت لهم كما حكى القرآن عنها : ( @QUR@012 يا أيها الملأ أفتوني في ~~أمري ، ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون ... ) @QUR@01 . # قال القرطبي : وفي هذه الآية دليل على صحة المشاورة .. وقد قال الله ~~تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ( @QUR@03 وشاورهم في الأمر ) وقد مدح الله ~~الفضلاء بقوله : ( @QUR@03 وأمرهم شورى بينهم ) والمشاورة من الأمر القديم ~~وخاصة في الحرب ms4322 ، فهذه بلقيس امرأة جاهلية كانت تعبد الشمس من دون الله ~~قالت : ( @QUR@06 يا أيها الملأ أفتوني في أمري .. ) @QUR@01 . لتختبر ~~عزمهم على مقاومة عدوهم. وربما كان في استبدادها برأيها وهن في طاعتها ، ~~وكان في مشاورتهم وأخذ رأيهم عون على ما تريده من شوكتهم ، وشدة مدافعتهم ، ~~ألا ترى إلى قولهم في جوابهم : ( @QUR@012 نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد ~~والأمر إليك فانظري ما ذا تأمرين. ) @QUR@01 . (2). PageV10P333 # 9 أن الهدية إذا لمس المهدى إليه من ورائها ، عدم الإخلاص في إهدائها. ~~وأن المقصد منها صرفه عن حق يقيمه ، أو عن باطل يزيله .. فإن الواجب عليه ~~أن يرد هذه الهدية لصاحبها. وأن يمتنع عن قبولها .. # ألا ترى إلى سليمان عليه السلام قد رد الهدية الثمينة التي أهدتها بلقيس ~~إليه ، حين أحس أن من وراء هذه الهدية شيئا. يتنافى مع تبليغ وتنفيذ رسالة ~~الله تعالى التي أمره بتبليغها وتنفيذها ، ألا وهي : الأمر بإخلاص العبادة ~~لله تعالى والنهى عن الإشراك به ، وبلقيس إنما كانت تقصد بهديتها ، اختبار ~~سليمان ، أنبى هو أم ملك ، كما سبق أن أشرنا .. # لذا وجدنا القرآن يحكى عن سليمان عليه السلام أنه رد هذه الهدية مع من ~~جاءوا بها ، وقال : ( @QUR@012 أتمدونن بمال ، فما آتاني الله خير مما ~~آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون ). # 10 أن ملكة سبأ دل تصرفها على أنها كانت ملكة عاقلة رشيدة ، حكيمة ، فقد ~~استشارت خاصتها في كتاب سليمان عليه السلام ، ولوحت لهم بقوته وبما سيترتب ~~على حربه ، وآثرت أن تقدم له هدية على سبيل الامتحان ، واستحبت المسالمة ~~على المحاربة .. وكان عندها الاستعداد لقبول الحق والدخول فيه ، وما أخرها ~~عن المسارعة إليه إلا لكونها كانت من قوم كافرين .. # وعند ما التقت بسليمان ، وانكشفت لها الحقائق سارعت إلى الدخول في الدين ~~الحق ، وقالت : ( @QUR@010 رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب ~~العالمين ) @QUR@01 . # هذه بعض العبر والعظات التي تؤخذ من هذه القصة .. ثم ساق سبحانه بعد ذلك ~~جانبا من قصة صالح عليه السلام مع قومه ، فقال تعالى : # ( @QUR@013 ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله ms4323 فإذا هم ~~فريقان يختصمون (45) @QUR@014 قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة ~~لو لا تستغفرون الله لعلكم ترحمون (46) @QUR@013 قالوا اطيرنا بك وبمن معك ~~قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون (47) @QUR@010 وكان في المدينة ~~تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون (48) @QUR@01 قالوا PageV10P334 # @QUR@013 تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك ~~أهله وإنا لصادقون (49) @QUR@07 ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون ~~(50) @QUR@09 فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين (51) ~~@QUR@011 فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون (52) ~~@QUR@05 وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون ) (53) # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا .. ) @QUR@01 ~~. معطوف على قوله تعالى : ( @QUR@05 ولقد آتينا داود وسليمان علما ) ~~@QUR@01 . # واللام في قوله ( @QUR@02 ولقد أرسلنا .. ) @QUR@01 . جواب لقسم محذوف ، ~~و ( @QUR@01 ثمود ) اسم للقبيلة التي منها صالح عليه السلام ، سميت باسم ~~جدها ثمود. وقيل : سميت بذلك لقلة مائها ، لأن الثمد هو الماء القليل .. # وكانت مساكنهم بالحجر بكسر الحاء وسكون الجيم ، وهو مكان بين الحجاز ~~والشام ، وما زلت مساكنهم تعرف بمدائن صالح إلى اليوم. وقد مر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بديارهم ، وهو ذاهب إلى غزوة تبوك ، سنة تسع بعد الهجرة. # وصالح عليه السلام هو نبيهم ، وكان واحدا منهم ، وينتهى نسبه إلى نوح ~~عليه السلام وقبيلة ثمود تسمى عادا الثانية ، أما قبيلة عاد فتسمى عادا ~~الأولى ، ونبيهم هود عليه السلام قالوا : وكان بين القبيلتين زهاء مائة عام. # والمعنى : وبالله لقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود ، أخاهم صالحا عليه السلام ، ~~فقال لهم ما قاله كل نبي لقومه : ( @QUR@03 أن اعبدوا الله ) تعالى وحده ، ~~ولا تشركوا معه آلهة أخرى. # و «إذا» في قوله تعالى : ( @QUR@04 فإذا هم فريقان يختصمون ) هي الفجائية ~~و ( @QUR@01 يختصمون ) من المخاصمة بمعنى المجادلة والمنازعة. PageV10P335 # أى : أرسلنا نبينا صالحا إلى قومه ، فكانت المفاجأة أن انقسم قومه إلى ~~قسمين : قسم آمن به وهم الأقلون ، وقسم كفر به وهم الأكثرون. # وهذه الخصومة بين الفريقين ، قد أشار إليها القرآن في قوله تعالى : ( ~~@QUR@031 قال الملأ الذين استكبروا من قومه ، للذين استضعفوا ، لمن آمن ~~منهم ، أتعلمون ms4324 أن صالحا مرسل من ربه؟ قالوا : إنا بما أرسل به مؤمنون. قال ~~الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@08 قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة .. ) ~~@QUR@01 . بيان لما وجهه صالح إلى الكافرين من قومه ، من نصائح حكيمة .. # أى : قال صالح عليه السلام للمكذبين لرسالته من قومه بأسلوب رقيق حكيم : ~~يا قوم لما ذا كلما دعوتكم إلى الحق أعرضتم عن دعوتي ، وآثرتم الكفر على ~~الإيمان ، واستعجلتم عقوبة الله تعالى التي حذرتكم منها ، قبل أن تتضرعوا ~~إليه سبحانه بطلب الهداية والرحمة. # وقوله : ( @QUR@06 لو لا تستغفرون الله لعلكم ترحمون ) حض منه على ~~الإقلاع عما هم فيه من عناد وضلال. # أى : هلا استغفرتم الله تعالى وأخلصتم له العبادة ، واتبعتمونى فيما ~~أدعوكم إليه ، لكي يرحمكم ربكم ويعفو عنكم. # فالمراد بالسيئة : العذاب الذي تعجلوه ، والذي أشار إليه سبحانه في قوله ~~: ( @QUR@016 فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما ~~تعدنا إن كنت من المرسلين ) (2). # ثم حكى سبحانه ما رد به هؤلاء المتكبرون على نبيهم فقال تعالى ( @QUR@05 ~~قالوا اطيرنا بك وبمن معك .. ) @QUR@01 . # وقوله : ( @QUR@01 اطيرنا ) أصله تطيرنا ، فأدغمت التاء في الطاء ، وزيدت ~~همزة الوصل ، ليتأتى الابتداء بالكلمة. والتطير : التشاؤم. # قال الآلوسى : وعبر عنه بذلك ، لأنهم كانوا إذا خرجوا مسافرين فيمرون ~~بطائر يزجرونه فإن مر سانحا بأن مر من ميامن الشخص إلى مياسره تيمنوا ، وإن ~~مر بارحا بأن مر PageV10P336 # من المياسر إلى الميامن تشاءموا. فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر ، ~~استعير لما كان سببا لهما من قدر الله تعالى وقسمته عز وجل أو من عمل العبد ~~الذي هو سبب الرحمة والنعمة (1). # أى قال المكذبون من قوم صالح في الرد عليه : أصابنا الشؤم والنحس بسبب ~~وجودك فينا ، وبسبب المؤمنين الذين استجابوا لدعوتك. حيث أصبنا بالقحط بعد ~~الرخاء والضراء بعد السراء. # ولا شك أن قولهم هذا يدل على جهلهم المطبق ، وعلى سوء تفكيرهم ، لأن ~~السراء والضراء من عند الله تعالى وحده. ولا صلة لهما بوجود صالح والذين ~~آمنوا معه بينهم ولذا رد عليهم صالح عليه السلام ms4325 بقوله ( @QUR@03 طائركم عند ~~الله .. ) @QUR@01 . # أى : قال لهم موبخا وزاجرا : ليس الأمر كما زعمتم أن وجودنا بينكم هو ~~السبب فيما أصابكم من شر ، بل الحق أن ما يصيبكم من شر وقحط هو من عند الله ~~، بسبب أعمالكم السيئة ، وإصراركم على الكفر ، واستحبابكم المعصية على ~~الطاعة. والعقوبة على المغفرة. # ثم زاد صالح عليه السلام الأمر توضيحا وتبيانا فقال لهم : ( @QUR@04 بل ~~أنتم قوم تفتنون ) @QUR@01 . # أى قال لهم : ليس ما أصابكم بسببنا. بل أنتم قوم «تفتنون» أى تختبرون ~~وتمتحنون بما يقع عليكم من شر ، حتى تتوبوا إلى خالقكم ، قبل أن ينزل بكم ~~العذاب الماحق ، إذا ما بقيتم على كفركم. # فأنت ترى أن صالحا عليه السلام قد رد على جهالتهم بأسلوب قوى رصين ، بين ~~لهم فيه ، أن تشاؤمهم في غير محله ، وأن حظهم ومستقبلهم ومصيرهم بيد الله ~~تعالى وحده ، وأن ما أصابهم من بلاء وقحط ، إنما هو لون من امتحان الله ~~تعالى لهم ، لكي يتنبهوا ويستجيبوا لدعوة الحق ، قبل أن يفاجئهم الله تعالى ~~بالعذاب الذي يهلكهم. # ولكن هذا النصح الحكيم الذي وجهه صالح إلى المكذبين من قومه ، لم يجد ~~أذنا صاغية منهم ، بل قابله زعماؤهم بالتكبر وبالإصرار على التخلص من صالح ~~عليه السلام ومن أهله ، وقد حكى القرآن ذلك في قوله تعالى : ( @QUR@024 وكان ~~في المدينة تسعة رهط ، يفسدون في الأرض ولا يصلحون. قالوا : تقاسموا بالله ~~، لنبيتنه وأهله. ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ) ~~@QUR@01 . PageV10P337 # والمراد بالمدينة : مدينة قوم صالح عليه السلام وهي الحجر بكسر الحاء ~~وإسكان الجيم . # قال الجمل : قوله : «تسعة رهط» أى تسعة أشخاص ، وبهذا الاعتبار وقع ~~تمييزا للتسعة ، لا باعتبار لفظه ، وهم الذين سعوا في عقر الناقة ، وباشره ~~منهم قدار بن سالف ، وكانوا من أبناء أشراف قوم صالح ، والإضافة بيانية. أى ~~: تسعة رهط. وفي المصباح : الرهط دون العشرة من الرجال ، ليس فيهم امرأة (1). # ووصفهم بأنهم يفسدون في الأرض ولا يصلحون. للإشارة إلى أن نفوسهم قد ~~تمحضت للفساد وللإفساد ، ولا مكان فيها للصلاح وللإصلاح. # وقوله : ( @QUR@01 تقاسموا ) فعل أمر محكي بالقول ، بمعنى : احلفوا ms4326 بالله ~~، ويجوز أن يكون فعلا ماضيا مفسرا لقالوا ، فكأنه قيل : ما الذي قالوه؟ ~~فكان الجواب : تقاسموا أى : أقسموا. # وقوله : ( @QUR@01 لنبيتنه ) من البيات وهو مباغتة العدو ليلا لقتله. ~~يقال بيت القوم العدو ، إذا أوقعوا به ليلا. # والمراد بوليه : المطالبون بدمه من أقاربه ، وفي ذلك إشارة إلى أن هؤلاء ~~الظالمين لم يكونوا ليستطيعوا قتل صالح عليه السلام علانية ، خوفا من مناصرة ~~أقاربه له. # و ( @QUR@01 مهلك ) بفتح الميم وكسر اللام بزنة مرجع مصدر ميمى ، من هلك ~~الثلاثي ، وقرأ بعضهم ( @QUR@01 مهلك ) بضم الميم وفتح اللام من أهلك ~~الرباعي ، فهو أيضا مصدر ميمى من أهلك ، ويجوز أن يكونا اسم زمان أو مكان. # والمعنى : وكان في المدينة التي يسكنها صالح عليه السلام وقومه ، تسعة ~~أشخاص ، دأبهم وديدنهم ، الإفساد في الأرض ، وعدم الإصلاح فيها ، بأى حال ~~من الأحوال. # وقد تعاهد هؤلاء التسعة. وأكدوا ما تعاهدوا عليه بالأيمان المغلظة. على ~~أن يباغتوا نبيهم وأهله ليلا ، فيقتلوهم جميعا ، ثم ليقولن بعد جريمتهم ~~الشنعاء لأقارب صالح عليه السلام : ما حضرنا هلاك أهله وهلاك صالح معهم ، ~~ولا علم عندنا بما حل بهم وبه من قتل ، وإنا لصادقون في كل ما قلناه. # وهكذا المفسدون في الأرض ، يرتكبون أبشع الجرائم وأشنعها ، ثم يبررونها ~~بالحيل الساذجة الذميمة ثم بعد ذلك يحلفون بأغلظ الأيمان أنهم يريئون من ~~تلك الجرائم. PageV10P338 # ومن العجيب أن هؤلاء المجرمين الغادرين يقولون فيما بينهم : ( @QUR@02 ~~تقاسموا بالله ) أى : احلفوا بالله ، على أن تنفذوا ما اتفقنا عليه من قتل ~~صالح وأهله ليلا غيلة وغدرا. فهم يؤكدون إصرارهم على الإجرام بالحلف بالله ~~، مع أن الله تعالى برىء منهم ومن غدرهم. # وقولهم : ( @QUR@04 ما شهدنا مهلك أهله ) نفى منهم لحضور قتلهم ، فضلا عن ~~مباشرة قتلهم ، كأنهم أرادوا بهذه الجملة الإتيان بحيلة يبررون بها كذبهم ، ~~أى : أننا قتلناهم في الظلام ، فلم نشاهد أشخاصهم ، وإنا لصادقون في ذلك. # ولكن هذا المكر السيئ ، والتحايل القبيح قد أبطله الله تعالى وجعله يحيق ~~بهم وبأشياعهم ، فقد قال تعالى ( @QUR@02 ومكروا مكرا ) أى بهذا الحلف فيما ~~بينهم على قتل صالح وأهله غدرا ( @QUR@02 ومكرنا ms4327 مكرا ) أى : ودبرنا لصالح ~~عليه السلام ولمن آمن به ، تدبيرا محمودا محكما ( @QUR@03 وهم لا يشعرون ) ~~أى : وهم لا يشعرون بتدبيرنا الحكيم ، حيث أنجينا صالحا ومن معه من ~~المؤمنين ، وأهلكنا أعداءه أجمعين. # ثم بين سبحانه الآثار التي ترتبت على مكرهم السيئ ، وعلى تدبيره المحكم ~~فقال تعالى : # ( @QUR@09 فانظر كيف كان عاقبة مكرهم ، أنا دمرناهم وقومهم أجمعين ) أى : ~~فانظر أيها العاقل وتأمل واعتبر فيما آل إليه أمر هؤلاء المفسدين ، لقد ~~دمرناهم وأبدناهم ، وأبدنا معهم جميع الذين كفروا بنبينا صالح عليه السلام . # قال بعض العلماء ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@04 أنا دمرناهم وقومهم ~~أجمعين ) قرأه الجمهور بكسر همزة ( @QUR@01 أنا ) على الاستئناف ، وقرأه ~~عاصم وحمزة والكسائي : ( @QUR@02 أنا دمرناهم ) بفتح الهمزة وفي إعراب ~~المصدر المنسبك من أن وصلتها أوجه منها : أنه بدل من ( @QUR@02 عاقبة مكرهم ~~) ومنها : أنه خبر مبتدأ محذوف ، وتقديره : هي أى : عاقبة مكرهم تدميرنا ~~إياهم .. (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا. ) @QUR@01 . مقرر ~~ومؤكد لما قبله من تدمير المفسدين وإهلاكهم. # أى : إن كنت أيها المخاطب تريد دليلا على تدميرهم جميعا ، فتلك هي بيوتهم ~~خاوية وساقطة ومتهدمة على عروشها ، بسبب ظلمهم وكفرهم ومكرهم. # ( @QUR@03 إن في ذلك ) الذي فعلناه بهم من تدمير وإهلاك ( @QUR@01 لآية ) ~~بينة ، وعبرة واضحة ، PageV10P339 # ( @QUR@02 لقوم يعلمون ) أى : يتصفون بالعلم النافع الذي يتبعه العمل ~~الصالح. # ثم ختم سبحانه هذه القصة بتأكيد سنته التي لا تتخلف فقال : ( @QUR@01 ~~وأنجينا ) أى : بفضلنا وإحساننا ، ( @QUR@02 الذين آمنوا ) وهم نبينا صالح ~~وأتباعه ( @QUR@02 وكانوا يتقون ) أى : وكانوا يتقون الله تعالى ويخافون عذابه. # وبذلك تكون السورة الكريمة قد ساقت لنا جانبا من قصة صالح مع قومه هذا ~~الجانب فيه ما فيه من عظات وعبر لقوم يعقلون. # ثم ساق سبحانه بعد ذلك طرفا من قصة لوط مع قومه ، فقال تعالى : # ( @QUR@08 ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون (54) @QUR@011 ~~أإنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون (55) @QUR@015 ~~فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ~~(56) @QUR@07 فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين (57) @QUR@06 ~~وأمطرنا عليهم مطرا ms4328 فساء مطر المنذرين ) (58) # وقصة لوط عليه السلام قد ذكرت في سور متعددة منها الأعراف ، وهود ، والحجر .. # وهنا تتعرض السورة الكريمة ، لإبراز ما كان عليه أولئك القوم من فجور ، ~~وما هددوا به نبيهم. # قال ابن كثير رحمه الله : ولوط هو ابن هاران بن آزر ، وهو ابن أخى إبراهيم ~~عليه السلام وكان لوط قد آمن مع ابراهيم ، وهاجر معه إلى أرض الشام ، فبعثه ~~الله تعالى إلى أهل «سدوم» ، وما حولها من القرى ، يدعوهم إلى عبادة الله ~~وحده ، وينهاهم عما يرتكبونه من المآثم والمحارم والفواحش التي اخترعوها ، ~~دون أن يسبقهم إليها PageV10P340 # أحد من بنى آدم .. (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@01 ولوطا .. ) @QUR@01 . منصوب بفعل مضمر محذوف ، ~~والتقدير : واذكر أيها العاقل وقت أن أرسلنا لوطا إلى قومه. فقال لهم على ~~سبيل الزجر والتوبيخ : # ( @QUR@04 أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون ) أى : أتأتون الفاحشة التي لم ~~يسبقكم إليها أحد ، وهي إتيان الذكور دون الإناث ، وأنتم تبصرون بأعينكم ~~أنها تتنافى مع الفطرة السوية حتى بالنسبة للحيوان الأعجم فأنتم ترون ~~وتشاهدون أن الذكر من الحيوان لا يأتى الذكر ، وإنما يأتى الأنثى ، حيث ~~يتأتى عن طريقها التوالد والتناسل وعمارة الكون. # فقوله سبحانه : ( @QUR@02 وأنتم تبصرون ) جملة حالية المقصود بها زيادة ~~تبكيتهم وتوبيخهم ، لأنهم يشاهدون تنزه الحيوان عنها ، كما يعلمون سوء ~~عاقبتها ، وسوء عاقبة الذين خالفوا أنبياءهم من قبلهم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 أإنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء .. ) ~~@QUR@01 . تأكيد للإنكار السابق ، وتوضيح للفاحشة التي كانوا يأتونها. # والإتيان : كناية عن الاستمتاع والجماع ، مأخوذ من أتى المرأة إذا ~~جامعها. # أى : أإنكم أيها الممسوخون في فطرتكم وطبائعكم لتصبون شهوتكم التي ركبها ~~الله تعالى فيكم في الرجال دون النساء اللاتي جعلهن الله تعالى محل شهوتكم ~~ومتعتكم. # قال الآلوسى : والجملة الكريمة تثنية للإنكار ، وبيان لما يأتونه من ~~الفاحشة بطريق التصريح بعد الإبهام وتحلية الجملة بحرفى التأكيد ، للإيذان ~~بأن مضمونها مما لا يصدق وقوعه أحد ، لكمال شناعته ، وإيراد المفعول بعنوان ~~الرجولية دون الذكورية ، لزيادة التقبيح والتوبيخ .. (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@04 بل أنتم قوم تجهلون ) إضراب عن الإنكار إلى ~~الإخبار عن الأسباب التي جعلتهم يرتكبون هذه ms4329 القبائح ، وهي أنهم قوم دينهم ~~الجهل والسفاهة والمجون وانطماس البصيرة. # وقد حكى القرآن أن لوطا قد قال لهم في سورة الأعراف : ( @QUR@04 بل أنتم ~~قوم مسرفون ). وقال لهم في سورة الشعراء : ( @QUR@04 بل أنتم قوم عادون ) ~~وقال لهم هنا : ( @QUR@04 بل أنتم قوم تجهلون ) ومجموع الآيات يدل على أنهم ~~كانوا مصابين بفساد العقل ، وانحراف الفطرة ، PageV10P341 # وتجاوز كل الحدود التي ترتضيها النفوس الكريمة. # ثم حكى القرآن بعد ذلك جوابهم السيئ على نبيهم فقال : ( @QUR@012 فما كان ~~جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم. ) @QUR@01 .. # والفاء للتفريع ، والاستثناء مفرغ من أعم الأشياء. # أى : هكذا نصح لوط قومه وزجرهم ، فما كان جوابهم شيئا من الأشياء سوى قول ~~بعضهم لبعض أخرجوا لوطا والمؤمنين معه من قريتكم التي يساكنونكم فيها. # وفي التعبير بقولهم : ( @QUR@02 من قريتكم ) إشارة إلى غرورهم وتكبرهم ~~فكأنهم يعتبرون لوطا وأهله المؤمنين دخلاء عليهم ، ولا مكان لهم بين هؤلاء ~~المجرمين لأن القرية وهي سدوم هي قريتهم وحدهم ، دون لوط وأهله. # وقوله تعالى حكاية عنهم : ( @QUR@03 إنهم أناس يتطهرون ) تعليل للإخراج ، ~~وبيان لسببه ، أى أخرجوهم من قريتكم لأنهم أناس يتنزهون عن الفعل الذي ~~نفعله ، وينفرون من الشهوة التي نشتهيها وهي إتيان الرجال .. # وما أعجب العقول عند ما تنتكس ، والنفوس عند ما ترتكس ، إنها تأبى أن ~~يبقى معها الأطهار ، بل تحرض على طردهم ، ليبقى معها الممسوخون والمنحرفون ~~الذين انحطت طباعهم ، وزين لهم الشيطان سوء أعمالهم فرأوه حسنا. # ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال : وقولهم : ( @QUR@03 إنهم أناس يتطهرون ) ~~سخرية بهم وبتطهرهم من الفواحش ، وافتخارا بما كانوا فيه من القذارة ، كما ~~يقول الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم : أبعدوا عنا هذا المتقشف وأريحونا من ~~هذا المتزهد (1). # ثم بين سبحانه ما آل إليه أمر الفريقين فقال : ( @QUR@013 فأنجيناه وأهله ~~إلا امرأته قدرناها من الغابرين ، وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين ). # والغابر : الباقي. يقال : غبر الشيء يغبر غبورا. إذا بقي. # أى : فكانت عاقبة تلك المحاورة التي دارت بين لوط وقومه ، أن أنجينا لوطا ~~وأهله الذين آمنوا معه ، ( @QUR@02 إلا امرأته ) فإننا لم ننجها لخبثها ~~وعدم ms4330 إيمانها ، فبقيت مع القوم الكافرين ، حيث قدرنا عليها ذلك بسبب كفرها ~~وممالأتها لقومها. # ( @QUR@01 وأمطرنا ) على هؤلاء المجرمين ( @QUR@01 مطرا ) عظيما هائلا ~~عجيبا أمره وهو حجارة من سجيل دمرتهم تدميرا ( @QUR@03 فساء مطر المنذرين ) ~~أى : فبئس العذاب عذابهم. PageV10P342 # وهكذا تكون عاقبة كل من آثر الكفر على الإيمان ، والرذيلة على الفضيلة. # وبعد هذا الحديث المتنوع عن قصص بعض الأنبياء ، ساق سبحانه ما يدل على ~~وحدانيته ، وكمال قدرته ، وسعة فضله على عباده ، فقال تعالى : # ( @QUR@012 قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما ~~يشركون (59) @QUR@027 أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء ~~فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم ~~قوم يعدلون (60) @QUR@021 أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها ~~رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون (61) ~~@QUR@016 أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله ~~مع الله قليلا ما تذكرون (62) @QUR@020 أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ~~ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون ~~(63) @QUR@019 أمن يبدؤا الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله ~~مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) (64) # قال صاحب البحر المحيط : لما فرغ سبحانه من قصص هذه السورة ، أمر رسوله PageV10P343 # صلى الله عليه وسلم بحمده تعالى والسلام على المصطفين ، وأخذ في مباينة واجب ~~الوجود وهو الله تعالى ومباينة الأصنام والأديان التي أشركوها مع الله ~~وعبدوها ، وابتدأ في هذا التقرير لقريش وغيرهم بالحمد لله ، وكأنها صدر ~~خطبة ، لما يلقى من البارهين الدالة على الوحدانية والعلم والقدرة. وقد ~~اقتدى بذلك المسلمون في تصانيف كتبهم ، وخطبهم ، ووعظهم ، فافتتحوا بتحميد ~~الله ، والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم وتبعهم المتراسلون في أوائل كتب ~~الفتوح والتهاني والحوادث التي لها شأن (1). # والمعنى : قل أيها الرسول الكريم للناس : ( @QUR@02 الحمد لله ) تعالى ~~وحده ، فهو سبحانه صاحب النعم والمنن على عباده ، وهو عز وجل الذي له الخلق ~~والأمر وليس لأحد سواه. # وقل ms4331 أيضا ( @QUR@05 سلام على عباده الذين اصطفى ) أى : أمان وتحية لعباده ~~الذين اصطفاهم واختارهم سبحانه لحمل رسالته وتبليغ دعوته ، والاستجابة ~~لأمره ونهيه ، والطاعة له في السر والعلن. # والاستفهام في قوله ( @QUR@04 آلله خير أما يشركون ) للإنكار والتقريع ، ~~والألف منقلبة عن همزة الاستفهام. # أى : وقل لهم أيها الرسول الكريم آلله الذي له الخلق والأمر ، والذي أنعم ~~عليكم بالنعم التي لا تحصى ، خير ، أم الآلهة الباطلة التي لا تنفع ولا تضر ~~، والتي يعبدها المشركون من دون الله تعالى . إن كل من عنده عقل ، لا يشك ~~في أن المستحق للعبادة والطاعة ، هو الله رب العالمين. # ولفظ ( @QUR@01 خير ) ليس للتفضيل ، وإنما هو من باب التهكم بهم ، إذ لا ~~خير في عبادة الأصنام أصلا. وقد حكى عن العرب أنهم يقولون : السعادة أحب ~~إليك أم الشقاوة ، مع أنه لا خير في الشقاوة إطلاقا. # قال الآلوسى : وقوله ( @QUR@01 آلله ) بالمد لقلب همزة الاستفهام ألفا ، ~~والأصل أألله؟ ( @QUR@03 خير أما يشركون ) والظاهر أن ما موصولة ، والعائد ~~محذوف أى : آلله الذي ذكرت شئونه العظيمة خير أم الذي يشركونه من الأصنام و ~~( @QUR@01 خير ) أفعل تفضيل ، ومرجع الترديد إلى التعريض بتبكيت الكفرة من ~~جهته عز وجل وتسفيه آرائهم الركيكة ، والتهكم بهم ، إذ PageV10P344 # من البين أنه ليس فيما أشركوه به سبحانه شائبة خير ، حتى يمكن أن يوازن ~~بينه وبين من هو خير محض .. (1). # ثم ساق سبحانه خمس آيات ، وكل آية فيها ما يدل على كمال قدرته وعلمه ، ~~وختم كل آية بقوله : ( @QUR@03 أإله مع الله )؟ فقال تعالى ( @QUR@04 أمن ~~خلق السماوات والأرض. ) @QUR@01 . وأم هنا منقطعة بمعنى بل الإضرابية ~~والاستفهام للإنكار والتوبيخ. # أى : بل قولوا لنا إن كنتم تعقلون أيها الضالون من الذي خلق السموات ~~والأرض ، وأوجدهما على هذا النحو البديع ، والتركيب المحكم. # ( @QUR@05 وأنزل لكم من السماء ماء ) وهو المطر ، الذي لا غنى لكم عنه في ~~شئون حياتكم. # ( @QUR@05 فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ) والحدائق : جمع حديقة ، وهي في ~~الأصل اسم البستان المحاط بالأسوار ، من أحدق بالشيء إذا أحاط به ، ثم توسع ~~فيها فصارت تطلق على كل بستان سواء أكان ms4332 مسورا بسور أم لا. # أى : وأنزل سبحانه بقدرته من السماء ماء مباركا ، فأنبتنا لكم بسبب هذا ~~الماء حدائق وبساتين وجنات ذات منظر حسن ، يشرح الصدور ، ويدخل السرور على ~~النفوس. # وقال سبحانه : ( @QUR@01 فأنبتنا. ) @QUR@01 . بصيغة الالتفات من الغيبة ~~إلى التكلم. لتأكيد أن القادر على هذا الإنبات هو الله تعالى وحده ، ~~وللإيذان بأن إنبات هذه الحدائق مع اختلاف ألوانها ، وأشجارها ، وطعومها. ~~لا يقدر عليه إلا هو سبحانه . # ولذا أتبع عز وجل هذه الجملة بقوله : ( @QUR@06 ما كان لكم أن تنبتوا ~~شجرها ) أى : ما كان في إمكانكم أيها الناس بحال من الأحوال ، أن تنبتوا ~~أشجار هذه الحدائق ، فضلا عن إيجاد ثمارها ، وإخراجها من العدم إلى الوجود. # قال الإمام الرازي : يقال : ما حكمة الالتفات في قوله : ( @QUR@01 ~~فأنبتنا .. ) @QUR@01 . والجواب : أنه لا شبهة في أن خالق السموات والأرض ، ~~ومنزل الماء من السماء ، ليس إلا الله تعالى . # ولكن ربما عرضت الشبهة في أن منبت الشجرة هو الإنسان ، فإن الإنسان قد ~~يقول : أنا الذي ألقى البذر في الأرض ، وأسقيها الماء .. وفاعل السبب ، ~~فاعل للمسبب ، فأنا المنبت للشجرة .. # فلما كان هذا الاحتمال قائما. لا جرم أزال سبحانه هذا الاحتمال. لأن ~~الإنسان قد يأتى بالبذر والسقي .. ولا يأتى الزرع على وفق مراده .. فلهذه ~~النكتة جاء الالتفات .. (2). PageV10P345 # وقوله تعالى : ( @QUR@03 أإله مع الله ) أى : أإله آخر كائن مع الله ~~تعالى هو الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء .. كلا ، لا شربك مع ~~الله تعالى في خلقه وقدرته ، وإيجاده لهذه الكائنات ( @QUR@04 بل هم قوم ~~يعدلون ). # أى : بل إن هؤلاء المشركين قوم يعدلون عمدا عن الحق الواضح وهو التوحيد ، ~~إلى الباطل البين وهو الشرك. # فقوله : ( @QUR@01 يعدلون ) مأخوذ من العدول بمعنى الانحراف عن الحق إلى ~~الباطل. أو من العدل والمساواة ، فيكون المعنى : بل هم قوم لجهلهم يساوون ~~بالله تعالى غيره من آلهتهم. # والجملة الكريمة : انتقال من تبكيتهم بطريق الخطاب ، إلى توبيخهم ، ~~وتجهيلهم ، وبيان سوء تفكيرهم ، وانطماس بصائرهم. # ثم انتقلت السورة الكريمة إلى لفت أنظارهم إلى حقائق كونية أخرى ~~يشاهدونها بأعينهم ، ويحسونها بحواسهم. فقال تعالى : ( @QUR@04 أمن جعل ms4333 ~~الأرض قرارا ) والقرار : المكان الذي يستقر فيه الإنسان ، ويصلح لبناء ~~حياته عليه. # أى : بل قولوا لنا أيها المشركون : من الذي جعل هذه الأرض التي تعيشون ~~عليها ، مكانا صالحا لاستقراركم ، ولحرثكم ، ولتبادل المنافع فيما بينكم ، ~~ومن الذي دحاها وسواها وجعلها بهذه الطريقة البديعة. # ومن الذي ( @QUR@02 جعل خلالها ) أى : جعل فيما بينها ( @QUR@01 أنهارا ) ~~تجرى بين أجزائها ، لتنتفعوا بمياه هذه الأنهار في شربكم ، وفي غير ذلك من ~~شئون حياتكم. ومن الذي ( @QUR@03 جعل لها رواسي ) أى : جعل لصلاح حالها ~~جبالا ثوابت ، تحفظها من أن تضطرب بكم. # ومن الذي : ( @QUR@03 جعل بين البحرين ) أى : جعل بين البحر العذب والبحر ~~الملح ( @QUR@01 حاجزا ) يجعلهما لا يختلطان ولا يمتزجان. # ثم يأتى الاستفهام الإنكارى ( @QUR@03 أإله مع الله )؟ أى : أإله مع ~~الله تعالى هو الذي فعل ذلك؟ كلا ، ليس مع الله تعالى آلهة أخرى فعلت ذلك. # ( @QUR@04 بل أكثرهم لا يعلمون ) أى : بل أكثر هؤلاء المشركين ، لا ~~يعلمون الأمور على وجهها الصحيح ، لجهلهم ، وعكوفهم على ما ورثوه عن آبائهم ~~بدون تفكير أو تدبر. # وعبر بأكثرهم ، لأن هناك قلة منهم تعلم الحق ، لكنها تنكره جحودا وعنادا. # ثم تنتقل السورة للمرة الثالثة إلى لفت أنظارهم إلى الحقيقة التي هم ~~يحسونها في PageV10P346 # خاصة أنفسهم ، وفي حنايا قلوبهم فتقول : ( @QUR@07 أمن يجيب المضطر إذا ~~دعاه ويكشف السوء ). # والمضطر : اسم مفعول من الاضطرار الذي هو افتعال من الضرورة. # والمراد به : الإنسان الذي نزلت به شدة من الشدائد. جعلته يرفع أكف ~~الضراعة إلى الله تعالى لكي يكشفها عنه. # أى : وقولوا لنا أيها المشركون : من الذين يجيب دعوة الداعي المكروب الذي ~~نزلت به المصائب والرزايا؟ ومن الذي يكشف عنه وعن غيره السوء والبلاء؟ إنه ~~الله وحده ، هو الذي يجيب دعاء من التجأ إليه ، وهو وحده سبحانه الذي يكشف ~~السوء عن عباده ، على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته. # وقولوا لنا أيضا : من الذي ( @QUR@03 يجعلكم خلفاء الأرض ) أى : من الذي ~~يجعلكم يخلف بعضكم بعضا. قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل ( @QUR@03 أإله مع ~~الله ) هو الذي فعل ذلك. # كلا ، بل الله وحده عز ms4334 وجل هو الذي يجيب المضطر ، وهو الذي يكشف السوء ، ~~وهو الذي يجعلكم خلفاء الأرض ، ولكنكم ( @QUR@03 قليلا ما تذكرون ) أى : ~~ولكنكم زمانا قليلا هو الذي تتذكرون فيه نعم الله تعالى عليكم ، ورحمته بكم. # وختم سبحانه هذه الآية بتلك الجملة الحكيمة ، لأن الإنسان من شأنه إلا من ~~عصم الله أنه يذكر الله تعالى عند الشدائد ، وينساه عند الرخاء. # وصدق الله إذ يقول : ( @QUR@013 وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى ~~بجانبه ، وإذا مسه الشر ، فذو دعاء عريض ) (1). # ثم انتقلت السورة الكريمة للمرة الرابعة إلى لفت أنظارهم إلى نعمه سبحانه ~~عليهم في أسفارهم فقال تعالى : ( @QUR@06 أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ). # أى : وقولوا لنا أيها المشركون : من الذي يرشدكم في أسفاركم إلى المكان ~~الذي تريدون الذهاب إليه ، عند ما تلتبس عليكم الطرق ، وأنتم بين ظلمات ~~البحر وأمواجه ، أو وأنتم في متاهات الأرض وفجاجها. # وقولوا لنا : ( @QUR@07 من يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ) أى : ومن ~~الذي يرسل لكم الرياح لتكون مبشرات بقرب نزول المطر ، الذي هو رحمة من الله ~~تعالى لكم ، بعد أن أصابكم اليأس والقنوط؟ PageV10P347 # ( @QUR@03 أإله مع الله ) هو الذي فعل ذلك ، كلا ، فما فعل ذلك أحد سواه. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 تعالى الله عما يشركون ) تأكيد لوحدانيته ~~وقدرته وتنزيه له تعالى عن الشرك والشركاء. # أى : تنزه الله وتقدس عن شرك هؤلاء المشركين ، فهو الواحد الأحد في ذاته ~~، وفي صفاته ، وفي أفعاله. # ثم انتقلت السورة الكريمة للمرة الخامسة إلى لفت أنظارهم إلى نعمة أخروية ~~، بعد أن ساقت ما ساقت من النعم الدنيوية ، فقال تعالى : ( @QUR@05 أمن ~~يبدؤا الخلق ثم يعيده ) أى : قولوا لنا أيها المشركون من الذي في قدرته أن ~~يوجد الخلق في الأرحام من نطفة ، ثم يحولها إلى علقة ، ثم إلى مضغة .. ثم ~~يعيد هذه المخلوقات جميعها بعد موتها ، إلى الحياة مرة أخرى؟ لا شك أنه لا ~~يقدر على ذلك أحد سوى الله تعالى . # ثم قولوا لنا ( @QUR@05 ومن يرزقكم من السماء والأرض ) بالمطر والنبات ~~والأموال ، وبغير ذلك من ألوان النعم التي لا تحصى؟. # ( @QUR@03 أإله مع الله ) هو ms4335 الذي فعل ذلك؟ كلا ، لم يفعل ذلك سوى الله ~~تعالى وحده ثم لقن الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم الجواب الذي يخرس ~~ألسنتهم عند المعارضة أو المجادلة فقال : ( @QUR@06 قل هاتوا برهانكم إن ~~كنتم صادقين ). # أى : قل لهم أيها الرسول الكريم عند معارضتهم لك ، أحضروا حجتكم وهاتوا ~~برهانا عقليا أو نقليا ، على أن لله تعالى شريكا في ملكه ، إن كنتم صادقين ~~فيما انغمستم فيه من جهل وشرك وكفر به عز وجل . # قال الإمام الرازي ما ملخصه : اعلم أنه تعالى لما عدد نعم الدنيا ، أتبع ~~ذلك بنعم الآخرة فقال : ( @QUR@05 أمن يبدؤا الخلق ثم يعيده )، لأن نعم ~~الله بالثواب لا تتم إلا بالإعادة بعد الابتداء. فإن قيل : كيف قيل لهم : ( ~~@QUR@05 أمن يبدؤا الخلق ثم يعيده ) وهم منكرون للإعادة؟. # فالجواب : أنهم كانوا معترفين بالابتداء ، ودلالة الابتداء على الإعادة ~~دلالة ظاهرة قوية ، فلما كان الكلام مقرونا بالدلالة الظاهرة ، صاروا كأنهم ~~لم يبق لهم عذر في الإنكار .. (1). # وبذلك ترى هذه الآيات الكريمة. قد أقامت أوضح الأدلة وأقواها ، على ~~وحدانية الله تعالى ، وعلى كمال قدرته ، وشمول علمه ، وانفراده بالخلق ~~والتدبير .. PageV10P348 # ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن علم الله تعالى الذي ~~غيبه عن عباده ، وعن أقوال المشركين في شأن البعث والحساب ، وعن توجيهات ~~الله تعالى لنبيه في الرد عليهم .. فقال تعالى : # ( @QUR@014 قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون ~~أيان يبعثون (65) @QUR@014 بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل ~~هم منها عمون (66) @QUR@09 وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا وآباؤنا أإنا ~~لمخرجون (67) @QUR@012 لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير ~~الأولين (68) @QUR@09 قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين ~~(69) @QUR@09 ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون (70) @QUR@07 ~~ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (71) @QUR@09 قل عسى أن يكون ردف لكم ~~بعض الذي تستعجلون (72) @QUR@010 وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا ~~يشكرون (73) @QUR@08 وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون (74) @QUR@010 ~~وما من ms4336 غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين ) (75) # ذكر بعض المفسرين أن كفار مكة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن وقت قيام ~~الساعة ، فنزل قوله تعالى : ( @QUR@010 قل لا يعلم من في السماوات والأرض ~~الغيب إلا الله. ) @QUR@01 .. # والغيب : مصدر غاب يغيب ، وكثيرا ما يستعمل بمعنى الغائب ، ومعناه : ما ~~لا تدركه الحواس ، ولا يعلم ببداهة العقل. PageV10P349 # و «من» اسم موصول في محل رفع على أنه فاعل «يعلم» و «الغيب» مفعوله فيكون ~~المعنى : قل أيها الرسول الكريم لكل من سألك عن موعد قيام الساعة : لا يعلم ~~أحد من المخلوقات الكائنة في السموات والأرض ، الغيب إلا الله تعالى وحده ، ~~فإنه هو الذي يعلمه. # ويجوز أن يكون لفظ «من» في محل نصب على المفعولية و «الغيب» بدل منه ، ~~ولفظ الجلالة «الله» فاعل «يعلم» فيكون المعنى : قل لا يعلم الأشياء التي ~~تحدث في السموات والأرض الغائبة عنا ، إلا الله تعالى . # قال القرطبي : وفي صحيح مسلم عن عائشة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال : «من زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم يعلم ما في غد ، فقد أعظم على الله ~~الفرية» (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 وما يشعرون أيان يبعثون ) تأكيد لانفراد الله ~~تعالى بعلم الغيوب ، ولفظ «أيان» ظرف زمان متضمن معنى متى. # أى : وما يشعر هؤلاء الكافرون الذين سألوا عن وقت قيام الساعة ، ولا ~~غيرهم ، متى يكون بعثهم من قبورهم للحساب ، إذ علم وقت قيام الساعة لا ~~يعلمه إلا الله وحده. # فالجملة الكريمة تنفى عنهم العلم بموعد قيام الساعة في أدق صورة وأخفاها ~~، فهم لا يشعرون ولا يحسون بقيام الساعة ، ( @QUR@010 بل تأتيهم بغتة ~~فتبهتهم ، فلا يستطيعون ردها ، ولا هم ينظرون ) (2). # ثم بين سبحانه حقيقة أمرهم في الآخرة بصورة أكثر تفصيلا. فقال : ( ~~@QUR@05 بل ادارك علمهم في الآخرة. ) @QUR@01 . # وقوله تعالى : ( @QUR@02 بل ادارك .. ) @QUR@01 . قرأه الجمهور بكسر ~~اللام وتشديد الدال وبعدها ألف وأصله تدارك ، بزنة تفاعل. # وللعلماء في تفسير هذه الآية أقوال أشهرها : أن التدارك بمعنى الاضمحلال ~~والفناء ، وأصله التتابع والتلاحق. يقال : تدارك بنو فلان ، إذا تتابعوا في ~~الهلاك ، و ms4337 «في» بمعنى الباء. # أى : بل تتابع علم هؤلاء المشركين بشئون البعث حتى اضمحل وفنى ، ولم يبق ~~لهم علم بشيء مما سيكون فيها قطعا مع توافر أسبابه ومباديه من الدلائل. # والمقصود : أن أسباب علمهم بأحوال الآخرة مع توافرها ، قد تساقطت من ~~اعتبارهم PageV10P350 # لكفرهم بها ، فأجرى ذلك مجرى تتابعها في الانقطاع. # ومنهم من يرى أن التدارك هنا التكامل ، فيكون المعنى : بل تكامل علمهم ~~بشئون الآخرة ، حين يعاينون ما أعد لهم فيها من عذاب ، بعد أن كانوا ينكرون ~~البعث والحساب في الدنيا .. # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( @QUR@05 بل ادارك علمهم في الآخرة ) ~~إضراب عما تقدم على وجه يفيد تأكيده وتقريره .. والمعنى : بل تتابع علمهم ~~في شأن الآخرة ، التي ما ذكر من البعث حال من أحوالها ، حتى انقطع وفنى ، ~~ولم يبق لهم علم بشيء مما سيكون فيها قطعا ، مع توفر أسبابه ، فهو ترق من ~~وصفهم بجهل فاحش إلى وصفهم بجهل أفحش .. وجوز أن يكون «ادارك» بمعنى استحكم ~~وتكامل .. (1). # ويبدو لنا أن الآية الكريمة تتسع للقولين ، على معنى أن المشركين اضمحل ~~علمهم بالآخرة لكفرهم بها في الدنيا ، فإذا ما بعثوا يوم القيامة وشاهدوا ~~العذاب ، أيقنوا بحقيقتها ، وتكامل علمهم واستحكم بأن ما كانوا ينكرونه في ~~الدنيا. قد صار حقيقة لا شك فيها ، ولا مفر لهم من عذابها .. # ومن الآيات التي توضح هذا المعنى قوله تعالى : ( @QUR@012 لقد كنت في ~~غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) (2) أى : علمك بما كنت ~~تنكره في الدنيا قد صار في نهاية القوة والوضوح. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : بل أدرك علمهم في الآخرة بسكون اللام من بل. ~~وهمزة قطع مفتوحة مع سكون الدال في «أدرك» فهو بزنة أفعل. # أى : بل كمل علمهم في الآخرة ، وذلك بعد أن شاهدوا أهوالها ، ورأوها ~~بأعينهم ، وقد كانوا مكذبين بها في الدنيا. # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 بل هم في شك منها. بل هم منها عمون ) بيان ~~لأحوالهم في الدنيا. # أى : أن هؤلاء المشركين كانوا في الدنيا يشكون في الآخرة ، بل كانوا في ~~عمى عنها ، بحيث لا ms4338 يفتحون بصائرهم أو أبصارهم ، عما قال لهم الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بشأنها. # فأنت ترى أن الآية الكريمة قد انتقلت في تصوير كفر هؤلاء المشركين ~~بالآخرة ، من حالة شنيعة إلى حالة أخرى أشد منها في الشناعة والجحود. PageV10P351 # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : هذه الإضرابات الثلاثة ما معناها؟ قلت : ما ~~هي إلا تنزيل لأحوالهم ؛ وصفهم أولا بأنهم لا يشعرون وقت البعث ، ثم لا ~~يعلمون بأن القيامة كائنة ، ثم إنهم يخبطون في شك ومرية ، فلا يزيلونه مع ~~أن الإزالة مستطاعة .. ثم بما هو أسوأ حالا وهو العمى ، وأن يكون مثل ~~البهيمة قد عكف همه على بطنه وفرجه ، لا يخطر بباله حق ولا باطل ، ولا يفكر ~~في عاقبة (1). # ثم حكى سبحانه بعد ذلك أقوالهم الباطلة ، التي جعلتهم في عمى عن الآخرة ~~فقال : ( @QUR@09 وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا وآباؤنا أإنا لمخرجون ). # أى : وقال الذين كفروا على سبيل الإنكار للبعث والحساب : أإذا متنا وصرنا ~~مثل التراب ، وصار آباؤنا كذلك مثل التراب ، أنبعث ونخرج إلى الحياة مرة ~~أخرى بعد أن صرنا جميعا عظاما نخرة وأجسادا بالية؟ # يقولون هذا ، وينسون لجهلهم وانطماس بصائرهم أن الله تعالى أوجدهم بقدرته ~~ولم يكونوا شيئا مذكورا. # والاستفهام للإنكار والنفي ، والعامل في «إذا» محذوف ، دل عليه «مخرجون» ~~وقوله : ( @QUR@01 وآباؤنا ) معطوف على اسم كان ، أى : أنبعث ونخرج نحن ~~وآباؤنا إذا كنا كذلك؟ # ثم يتبعون قولهم هذا ، بقول أشد منه في الإنكار والتهكم فيقولون : ( ~~@QUR@012 لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل ، إن هذا إلا أساطير الأولين ). # والأساطير : جمع أسطورة ، كأحاديث وأحدوثة ، وأكاذيب وأكذوبة. # ومرادهم بها : الخرافات والتخيلات التي لا حقيقة لها. # أى : لقد وعدنا الإخراج والإعادة إلى الحياة ، نحن وآباؤنا من قبل ، أى : ~~من قبل أن يخربنا محمد صلى الله عليه وسلم بذلك ، فنحن وآباؤنا ما زلنا نسمع ~~من القصاص أن هناك بعثا وحسابا ، ولكن لا نرى لذلك حقيقة ولا وقوعا .. # وما هذا الذي نسمعه من محمد صلى الله عليه وسلم في شأن الآخرة إلا أكاذيب ~~الأولين ، وخرافاتهم التي لا مكان لها في ms4339 عقولنا. # وهكذا يؤكدون إنكارهم للآخرة ، بشتى ألوان المؤكدات ، المصحوبة بالتهكم ~~والاستخفاف. PageV10P352 # وهنا يلفت القرآن أنظارهم إلى مصارع المكذبين من قبلهم ، ويأمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يحذرهم من سوء مصير هذا الإنكار والاستهزاء ، فيقول : ( ~~@QUR@09 قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين ). # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الجاحدين : سيروا في الأرض لتروا ~~بأعينكم مصارع المكذبين بما جاءهم به الرسل من قبلكم. ولتعتبروا بما أصابهم ~~بسبب إجرامهم ، وإنكارهم للبعث والحساب يوم القيامة. # فالآية الكريمة توجههم إلى ما من شأنه أن يفتح مغاليق قلوبهم المتحجرة ~~وأن يزيل عن نفوسهم قسوتها وعنادها. # وبعد هذا التوجيه الحكيم تأخذ السورة الكريمة في تسلية الرسول ~~صلى الله عليه وسلم عما أصابه من حزن بسبب كفرهم فتقول : ( @QUR@09 ولا تحزن ~~عليهم ، ولا تكن في ضيق مما يمكرون ) والحزن : اكتئاب نفسي يحدث للإنسان من ~~أجل وقوع ما يكرهه. # والمقصود بالنهى عن الحزن : النهى عن لوازمه ، كالإكثار من محاولة تجديد ~~شأن المصائب ، وتعظيم أمرها ، وبذلك تتجدد الآلام ، ويصعب نسيانها. # والمكر : التدبير المحكم. أو صرف الغير عما يريده بحيلة ، لقصد إيقاع ~~الأذى به. # أى : ولا تحزن أيها الرسول الكريم على هؤلاء المشركين ، بسبب إصرارهم على ~~الكفر والجحود ولا يضيق صدرك ، ويمتلئ هما وغما بسبب مكرهم فإن الله تعالى ~~عاصمك منهم ، وناصرك عليهم. # ثم تعود السورة إلى سرد أباطيلهم فتقول : ( @QUR@07 ويقولون متى هذا ~~الوعد إن كنتم صادقين ) أى : ويقول هؤلاء المشركون للرسول صلى الله عليه وسلم ~~ولأصحابه : متى يحصل هذا الوعد الذي توعدتمونا به ، وهو أن عذابا سيصيبنا ~~إذا لم نؤمن بما أنتم مؤمنون به. # إن كنتم صادقين في وعدكم لنا بهذا العذاب ، فأنزلوه بنا ، فنحن قد طال ~~انتظارنا له. وهكذا الأشرار يتعجلون مصيرهم الأليم ، ويبحثون عن حتفهم ~~بظلفهم ، وذلك لإيغالهم في الغرور والعناد. # ولذا جاء الرد عليهم ، يحمل في طياته العذاب الشديد ، والتهكم المرير ، ~~فيقول تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم بالرد عليهم : ( @QUR@09 قل عسى أن ~~يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون ). # والرديف كما يقول صاحب المصباح ms4340 الذي تحمله خلفك على ظهر الدابة .. ومنه ردف PageV10P353 # المرأة ، وهو عجزها ، والجمع أرادف .. وترادف القوم : إذا تتابعوا ، وكل ~~شيء تبع شيئا فهو ردفه. (1). # أى : قل لهم أيها الرسول الكريم لا نتعجلوا العذاب فعسى ما تستعجلونه من ~~عذاب ، بعضه قد لحقكم ونزل بكم ، وبعضه في طريقه إليكم ، وأنتم لا تشعرون ~~بذلك ، لشدة غفلتكم ، وتبلد مشاعركم. # والتعبير بقوله : ( @QUR@02 ردف لكم ) يشعر بأن العذاب ليس بعيدا عنهم ، ~~وإنما هو قريب منهم ، كقرب الراكب فوق الدابة ممن هو ردفه أى خلفه عليها. # ولقد لحقهم شيء من هذا العذاب الذي تعجلوه في مكة ، عند ما أصيبوا بالقحط ~~والجدب ، ولحقهم شيء منه بعد ذلك في بدر ، عند ما قتل المسلمون أكثر ~~زعمائهم ، كأبى جهل ، وغيره .. ولعذاب الآخرة أشد وأبقى. # ثم بين سبحانه بعض مظاهر فضله على الناس ، فقال : ( @QUR@010 وإن ربك لذو ~~فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون ) @QUR@01 . # أى : وإن ربك أيها الرسول الكريم لذو فضل عظيم ، وإنعام كبير على الناس. ~~ومن مظاهر ذلك : أنه لم يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم وعصيانهم ، ولكن أكثر ~~هؤلاء الناس لا يشكرونه سبحانه على فضله وإنعامه. # والتعبير «بأكثر» للإشعار بأن هناك قلة مؤمنة من الناس ، ملازمة لشكر ~~الله تعالى في السراء والضراء ، والعسر واليسر. # ثم بين سبحانه شمول علمه لكل شيء فقال : ( @QUR@02 وإن ربك ) أيها الرسول ~~الكريم ( @QUR@01 ليعلم ) علما تاما ( @QUR@03 ما تكن صدورهم ) أى : ما ~~تخفيه وتستره صدورهم من أسرار ، ويعلم أيضا ( @QUR@02 ما يعلنون ) أى : ما ~~يظهرونه من أقوال وأفعال. # ( @QUR@06 وما من غائبة في السماء والأرض ) أى : وما من شيء غائب عن علم ~~الخلق سواء أكان في السماء أو في الأرض. # ( @QUR@01 إلا ) وهو عندنا ( @QUR@03 في كتاب مبين ) أى : إلا وهو عندنا ~~في كتاب واضح لمن يطالعه بإذن ربه ، وهذا الكتاب المبين هو اللوح المحفوظ ~~الذي سجل سبحانه فيه أحوال خلقه. # ومادام الأمر كذلك ، فلا تحزن أيها الرسول الكريم لما عليه هؤلاء ~~المشركون من PageV10P354 # جحود وعناد ، بل فوض إلينا أمرهم ، فأنت عليك البلاغ ، ونحن علينا ~~الحساب. # ثم مدحت السورة الكريمة القرآن الكريم ms4341 ، وساقت المزيد من التسلية للنبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال تعالى : # ( @QUR@012 إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون ~~(76) @QUR@04 وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين (77) @QUR@08 إن ربك يقضي بينهم ~~بحكمه وهو العزيز العليم (78) @QUR@07 فتوكل على الله إنك على الحق المبين ~~(79) @QUR@011 إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين ~~(80) @QUR@014 وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا ~~فهم مسلمون ) (81) # قال الإمام الرازي : اعلم انه سبحانه لما تمم الكلام في إثبات المبدأ ~~والمعاد. ذكر بعد ذلك ما يتعلق بالنبوة ، ولما كانت الدلالة الكبرى في ~~إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم هو القرآن ، لا جرم بين الله تعالى أولا ~~كونه معجزة .. (1). # أى : إن هذا القرآن من معجزاته الدالة على أنه من عند الله تعالى ، أنه ~~يقص على بنى إسرائيل ، الذين هم حملة التوراة والإنجيل ، أكثر الأشياء التي ~~اختلفوا فيها ، ويبين لهم وجه الحق والصواب فيما اختلفوا فيه. # ومن بين ما اختلف فيه بنو إسرائيل : اختلافهم في شأن عيسى عليه السلام ، ~~فاليهود كفروا به ، وقالوا على أمه ما قالوا من الكذب والبهتان ، والنصارى ~~قالوا فيه إنه الله ، أو هو ابن الله ، فجاء القرآن ليبين لهم القول الحق ~~في شأن عيسى عليه السلام PageV10P355 # فقال : من بين ما قال : ( @QUR@013 إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ~~، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. ) @QUR@01 . (1). # وقال سبحانه : ( @QUR@09 يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون ) ~~للإشارة إلى أن القرآن ترك أشياء اختلفوا فيها دون أن يحكيها ، لأنه لا ~~يتعلق بذكرها غرض هام يستدعى الحديث عنها ، ولأن في عدم ذكرها سترا لهم ، ~~عما وقعوا فيه من أخطاء .. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين ) صفة أخرى من صفات ~~القرآن الكريم الدالة على أنه من عند الله تعالى : # أى : وإن هذا القرآن لمن صفاته أيضا أننا جعلناه هداية للمؤمنين إلى ~~الصراط المستقيم ، ورحمة لهم ينالون بسببها العفو والمغفرة من الله. # وخص هدايته ورحمته بالمؤمنين ، لأنهم هم الذين آمنوا به ، وصدقوا بما ms4342 فيه ~~، وعملوا بأوامره ، واجتنبوا نواهيه ، وطبقوا على أنفسهم أحكامه ، وآدابه. ~~وتشريعاته .. # ثم بين سبحانه أن مرد القضاء بين المختلفين إليه وحده فقال : ( @QUR@05 ~~إن ربك يقضي بينهم بحكمه .. ) @QUR@01 . # أى : إن ربك أيها الرسول الكريم يقضى بين بنى إسرائيل الذين اختلفوا فيما ~~بينهم اختلافا كبيرا ، بحكمه العادل ، كما يقضى بين غيرهم ، فيجازى الذين ~~أساؤوا بما عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. # ( @QUR@01 وهو ) سبحانه ( @QUR@01 العزيز ) الذي لا يغالب ( @QUR@01 ~~العليم ) بكل شيء في هذا الوجود ، والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@03 فتوكل ~~على الله .. ) @QUR@01 . للتفريع. أى : ما دمت قد عرفت ذلك أيها الرسول ~~الكريم ففوض أمرك إلى العزيز العليم وحده ، وتوكل عليه دون سواه ، وبلغ ~~رسالته دون أن تخشى أحدا إلا إياه. # وجملة «إنك على الحق المبين» تعليل للتوكل على الله وحده. # أى : توكل على الله تعالى وحده ، لأنك أيها الرسول الكريم على الحق ~~الواضح البين ، الذي لا تحوم حوله شبهة من باطل. # وقوله تعالى : ( @QUR@011 إنك لا تسمع الموتى ، ولا تسمع الصم الدعاء إذا ~~ولوا مدبرين .. ) @QUR@01 . تعليل آخر لوجوب التوكل على الله تعالى . # وقد شبه سبحانه أولئك المشركين ، بالأموات الذين فقدوا الحياة ، وبالصم الذين PageV10P356 # فقدوا السمع ، وبالعمى الدين فقدوا البصر ، وذلك لأنهم لم ينتفعوا بهذه ~~الحواس ، فصاروا كالفاقدين لها. # أى : دم أيها الرسول الكريم على توكلك على الله تعالى وحده ، وإنك لا ~~تستطيع أن تسمع هؤلاء المشركين. ما يردهم عن شركهم ، لأنهم كالموتى الذين ~~لا حس لهم ولا عقل ، ولأنهم كالصم الذين فقدوا نعمة السمع. # وقوله : ( @QUR@03 إذا ولوا مدبرين ) لتتميم التشبيه. وتأكيد نفى السماع. ~~أى : إذا أعرضوا عن الحق إعراضا تاما ، وأدبروا عن الاستماع إليك. # قال الجمل : فإن قلت : ما معنى قوله ( @QUR@01 مدبرين ) والأصم لا يسمع ~~سواء أقبل أو أدبر؟. # قلت : هو تأكيد ومبالغة للأصم. وقيل : إن الأصم إذا كان حاضرا قد يسمع ~~رفع الصوت ، أو يفهم بالإشارة ، فإذا ولى لم يسمع ولم يفهم. # ومعنى الآية : إنهم لفرط إعراضهم عما يدعون إليه كالميت ، الذي لا سبيل ~~إلى إسماعه ، وكالأصم الذي لا يسمع ولا يفهم .. (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 وما ms4343 أنت بهادي العمي عن ضلالتهم. ) @QUR@01 . ~~أى : وما أنت أيها الرسول الكريم بقادر على أن تصرف العمى عن طريق الضلال ~~الذي انغمسوا فيه ، لأن الهداية الى طريق الحق ، مردها إلى الله تعالى وحده. # ثم بين سبحانه في مقابل ذلك ، من هم أهل السماع والبصر فقال : ( @QUR@08 ~~إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون ) @QUR@01 . # أى : أنت أيها الرسول الكريم ما تستطيع أن تسمع إسماعا مجديا نافعا ، إلا ~~لمن يؤمن بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ، لأن هؤلاء هم المطيعون ~~لأمرنا ، المسلمون وجوههم لنا. # وبذلك ترى الآيات الكريمة قد ساقت الكثير من وسائل التسلية للرسول ~~صلى الله عليه وسلم عما أصابه من المشركين ، كما ساقت ما يدل على أن هذا ~~القرآن من عند الله تعالى : وعلى أنه سبحانه هو الحكم العدل بين عباده. # ثم أخذت السورة الكريمة تسوق في أواخرها بعض أشراط الساعة وعلاماتها ، ~~وأهوالها ، لكي تعتبر النفوس ، وتخشع لله تعالى ، فقال عز وجل : PageV10P357 # ( @QUR@016 وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن ~~الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون (82) @QUR@011 ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن ~~يكذب بآياتنا فهم يوزعون (83) @QUR@014 حتى إذا جاؤ قال أكذبتم بآياتي ولم ~~تحيطوا بها علما أما ذا كنتم تعملون (84) @QUR@08 ووقع القول عليهم بما ~~ظلموا فهم لا ينطقون (85) @QUR@015 ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه ~~والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (86) @QUR@018 ويوم ينفخ في ~~الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين ~~(87) @QUR@018 وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي ~~أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون ) (88) # قال الإمام ابن كثير : هذه الدابة تخرج في آخر الزمان عند فساد الناس ، ~~وتركهم أوامر الله ، وتبديلهم الدين الحق ، يخرج الله لهم دابة من الأرض ~~قيل : من مكة ، وقيل من غيرها. # ثم ذكر رحمه الله جملة من الأحاديث في هذا المعنى منها : ما رواه مسلم عن ~~حذيفة بن أسيد الغفاري قال : أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من ms4344 ~~غرفته ، ونحن نتذاكر أمر الساعة فقال : لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات : ~~طلوع الشمس من مغربها ، والدخان ، والدابة ، وخروج يأجوج ومأجوج ، ونزول ~~عيسى بن مريم ، والدجال ، وثلاثة خسوف : خسف بالمغرب ، وخسف بالمشرق ، وخسف ~~بجزيرة العرب ، ونار تخرج من قعر عدن ، تسوق أو تحشر الناس ، تبيت معهم حيث ~~باتوا وتقيل معهم حيث قالوا (1). PageV10P358 # والدابة : اسم لكل حيوان ذي روح ، سواء أكان ذكرا أم أنثى ، عاقلا أم غير ~~عاقل ، من الدبيب وهو في الأصل : المشي الخفيف ، واختصت في العرف بذوات ~~القوائم الأربع. # والمراد بوقوع القول عليهم : قرب قيام الساعة ، وانتهاء الوقت الذي يقبل ~~فيه الإيمان من الكافر. أو الذي تنفع فيه التوبة. # والمعنى إذا دنا وقت قيام الساعة. وانتهى الوقت الذي ينفع فيه الإيمان أو ~~التوبة .. أخرجنا للناس بقدرتنا وإرادتنا ، دابة من الأرض تكلمهم ، فيفهمون ~~كلامها ، ويعرفون أن موعد قيام الساعة قد اقترب. و ( @QUR@02 أن الناس ) أى ~~: الكافرين ( @QUR@02 كانوا بآياتنا ) الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ( ~~@QUR@02 لا يوقنون ) بها ، ولا يصدقون أن هناك بعثا وحسابا. # فخروج الدابة علامة من علامات الساعة الكبرى ، يخرجها الله عز وجل ليعلم ~~الناس قرب انتهاء الدنيا وأن الحساب العادل للمؤمنين والكافرين ، آت لا شك ~~فيه ، وأن التوبة لن تقبل في هذا الوقت ، لأنها جاءت في غير وقتها المناسب. # وقد ذكر بعض المفسرين أوصافا كثيرة ، منها أن طولها ستون ذراعا وأن رأسها ~~رأس ثور ، وأذنها أذن فيل ، وصدرها صدر أسد .. إلخ. # ونحن نؤمن بأن هناك دابة تخرج في آخر الزمان ، وأنها تكلم الناس بكيفية ~~يعلمها الله عز وجل أما ما يتعلق بالمكان الذي تخرج منه هذه الدابة ، ~~وبالهيئة التي تكون عليها من حيث الطول والقصر ، فنكل ذلك إلى علمه سبحانه ~~حيث لم يرد حديث صحيح يعتمد عليه في بيان ذلك. # وقوله سبحانه : ( @QUR@011 ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا ~~فهم يوزعون ) بيان إجمالى لحال المكذبين بالساعة عند قيامها ، بعد بيان بعض ~~أشراطها. # والظرف متعلق بمحذوف. والحشر : الجمع ، قالوا والمراد بهذا الحشر : حشر ~~الكافرين إلى النار ، بعد حشر ms4345 الخلائق جميعها ، والفصل بينهم. # والفوج : يطلق في الأصل على الجماعة التي تسير بسرعة ، ثم توسع فيه فصار ~~يطلق على كل جماعة ، وإن لم يكن معها مرور أو إسراع. # وقوله : ( @QUR@01 يوزعون ) من الوزع. بمعنى الكف والمنع ، يقال : وزعه ~~عن الشيء ، إذا كفه عنه ، ومنعه من غشيانه ، والوازع في الحرب ، هو الموكل ~~بتنظيم الصفوف ، ومنع الاضطراب فيها. # والمعنى : واذكر أيها العاقل لتعتبر وتتعظ يوم ( @QUR@04 نحشر من كل أمة ~~) من الأمم ( @QUR@01 فوجا ) @QUR@01 . PageV10P359 # أى : جماعة من الذين كانوا يكذبون في الدنيا بآياتنا الدالة على ~~وحدانيتنا وقدرتنا ( @QUR@02 فهم يوزعون ) أى : فهم يقفون بين أيدينا ، ~~داخرين صاغرين ، بحيث لا يتقدم أحد منهم على أحد ، وإنما يتحركون ويساقون ~~إلى حيث نريد منهم ، ويتجمعون جميعا ليلقوا مصيرهم المحتوم. # وأفرد سبحانه هؤلاء المكذبين بالذكر. مع أن الحشر يشمل الناس جميعا ~~لإبراز الحال السيئة التي يكونون عليها عند ما يجمعون للحساب دون أن يشذ ~~منهم أحد ، ودون أن يتحرك أولهم حتى يجتمع معه آخرهم .. # ثم بين سبحانه أحوالهم بعد ذلك فقال : ( @QUR@03 حتى إذا جاؤ ) أى : حتى ~~إذا ما وصلوا إلى موقف الحساب قال الله تعالى لهم على سبيل التأنيب ~~والتوبيخ ( @QUR@02 أكذبتم بآياتي ) الدالة على وحدانيتي وعلى أن الآخرة ~~حق. وأن الحساب حق وجملة ، «ولم تحيطوا بها علما» حالية ، لزيادة التشنيع ~~عليهم. والتجهيل لهم. # أى : أكذبتم بآياتى الدالة على أن البعث حق ، دون أن تتفكروا فيها ، ودون ~~أن يكون عندكم أى علم أو دليل على صحة هذا التكذيب. # ثم أضاف سبحانه إلى هذا التوبيخ لهم ، توبيخا أشد وأعظم ، فقال : ( ~~@QUR@04 أما ذا كنتم تعملون ) @QUR@01 . # أى : إذا لم تكونوا قد كذبتم بآياتى ، فقولوا لنا ماذا كنتم تعملون ، ~~فإننا لا يخفى علينا شيء منها ، ولا نعاقبكم إلا عليها. # ولا شك أن هذا التساؤل المقصود منه تأنيبهم وتقريعهم ، والاستهزاء بهم ، ~~لأنه من المعروف أنهم كذبوا بآيات الله ، وأنهم قد قضوا حياتهم في الكفر ~~والضلال ، ولذا وقفوا واجمين لا يحيرون جوابا ، فكانت النتيجة كما قال ~~تعالى بعد ذلك : ( @QUR@08 ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون ms4346 ) ~~@QUR@01 . أى : وحل العذاب عليهم بسبب ظلمهم وجحودهم ، فاستقبلوه باستسلام ~~وذلة ، دون أن يستطيعوا النطق بكلمة تنفعهم. أو بحجة يدافعون بها عن أنفسهم .. # فالمقصود بوقوع القول عليهم : إقامة الحجة عليهم ، ونزول العذاب بهم ~~واستحقاقهم له بسبب ظلمهم وكفرهم. # وبعد هذا التوبيخ لهم وهم في ساحة الحشر ، انتقلت السورة إلى توبيخهم على ~~فعلتهم حين كانوا في الدنيا. فتقول : ( @QUR@09 ألم يروا أنا جعلنا الليل ~~ليسكنوا فيه ، والنهار مبصرا ) @QUR@01 . # أى : أبلغت الغفلة والجهالة بهؤلاء المكذبين أنهم يعيشون في هذا الكون ~~ليأكلوا ويشربوا ويتمتعوا ، دون أن يعتبروا أو يتفكروا. PageV10P360 # لقد أوجدنا لهم ليلا يسكنون فيه ، وأوجدنا لهم نهارا يبتغون فيه أرزاقهم ~~، وجعلنا الليل والنهار بهذا المقدار ، لتتيسر لهم أسباب الحياة والراحة ، ~~فكيف لم يهتدوا إلى أن لهذا الكون خالقا حكيما قادرا؟ # ( @QUR@03 إن في ذلك ) الذي جعلناه ، لهم ، من وجود الليل والنهار بهذه ~~الطريقة ( @QUR@01 لآيات ) بينات واضحات على وحدانيتنا وقدرتنا ( @QUR@02 ~~لقوم يؤمنون ) بأن الله تعالى هو الخالق لكل شيء وهو الإله الحق لا إله سواه. # وذلك ، لأن من تأمل في تعاقب الليل والنهار بتلك الصورة البديعة المطردة ~~، وفي اختلافهما طولا وقصرا ، وظلمة وضياء .. أيقن بأن لهذا الكون إلها ~~واحدا قادرا على إعادة الحياة إلى الأموات ، ليحاسبهم على أعمالهم. # قال الآلوسى : وقوله : ( @QUR@02 والنهار مبصرا ) أى : ليبصروا بما فيه ~~من الإضاءة ، وطرق التقلب في أمور معاشهم ، فبولغ حيث جعل الإبصار الذي هو ~~حال الناس حالا له ، ووصفا من أوصافه التي جعل عليها بحيث لم ينفك عنها ، ~~ولم يسلك في الليل هذا المسلك. لما أن تأثير ظلام الليل في السكون ، ليس ~~بمثابة تأثير ضوء النهار في الإبصار (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@015 ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن ~~في الأرض إلا من شاء الله .. ) @QUR@01 . معطوف على قوله تعالى قبل ذلك ( ~~@QUR@06 ويوم نحشر من كل أمة فوجا ) والصور ، القرن الذي ينفخ فيه نفخة ~~الصعق والبعث ، وذلك يكون عند النفخة الثانية .. والنافخ : إسرافيل ~~عليه السلام . # قال القرطبي ما ملخصه : والصحيح في الصور أنه قرن من نور ، ينفخ فيه ~~إسرافيل. # والصحيح أيضا ms4347 في النفخ في الصور أنهما نفختان. وأن نفخة الفزع إنما تكون ~~راجعة إلى نفخة الصعق لأن الأمرين لازمان لهما .. والمراد هنا النفخة ~~الثانية أى : يحيون فزعين ، يقولون : «من بعثنا من مرقدنا» ويعاينون من ~~الأمر ما يهولهم ويفزعهم : (2) والمعنى واذكر أيها العاقل يوم ينفخ إسرافيل ~~في الصور بإذن الله تعالى وأمره ( @QUR@07 ففزع من في السماوات ومن في ~~الأرض ) أى : خافوا وانزعجوا ، وأصابهم الرعب ، لشدة ما يسمعون ، وهول ما ~~يشاهدون ، في هذا اليوم الشديد. # وقوله : ( @QUR@04 إلا من شاء الله ) استثناء ممن يصيبهم الفزع. PageV10P361 # أى : ونفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ~~تعالى لهم عدم الفزع والخوف. # والمراد بهؤلاء الذين لا يفزعون ، قيل : الأنبياء ، وقيل : الشهداء ، ~~وقيل : الملائكة. # ولعل الأنسب أن يكون المراد ما يعم هؤلاء السعداء وغيرهم ، ممن رضى الله ~~عنهم ورضوا عنه ، لأنه لم يرد نص صحيح يحددهم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 وكل أتوه داخرين ) أى : وكل واحد من هؤلاء ~~الفزعين المبعوثين عند النفخة ، أتوا إلى موقف الحشر ، للوقوف بين يدي الله ~~تعالى ( @QUR@01 داخرين ) أى : صاغرين أذلاء. # يقال : دخر فلان كمنع وفرح دخرا ودخورا. إذا صغر وذل. # وقوله تعالى : ( @QUR@08 وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب. ) ~~@QUR@01 . معطوف على قوله سبحانه قبل ذلك : ( @QUR@03 ينفخ في الصور ) ~~@QUR@01 . # أى : في هذا اليوم الهائل الشديد ، يفزع من في السموات ومن في الأرض إلا ~~من شاء الله ، وترى الجبال الراسيات الشامخات ، ( @QUR@02 تحسبها جامدة ) ~~أى ثابتة في أماكنها ، والحال أنها تمر في الجو مر السحاب ، الذي تسيره ~~الرياح سيرا حثيثا. # وهكذا تصور الآيات الكريمة أهوال ذلك اليوم هذا التصوير البديع المعجز ~~المؤثر ، فالناس جميعا إلا من شاء الله فزعون وجلون ، والجبال كذلك كأنها ~~قد أصابها ما أصاب الناس ، حتى لكأنها وهي تسرع الخطا . السحاب في خفته ~~ومروقه وتناثره ، ثم يعقب سبحانه على كل ذلك بقوله ( @QUR@06 صنع الله الذي ~~أتقن كل شيء ) @QUR@01 . # ولفظ ( @QUR@01 صنع ) يجوز أن يكون منصوبا على الإغراء أى : انظروا صنع ~~الله تعالى الذي أتقن كل شيء فقد أحسن سبحانه ms4348 ما خلقه وأحكمه ، وجعله في ~~أدق صورة ، وأكمل هيئة ، وصدق الله تعالى إذ يقول ( @QUR@05 وخلق كل شيء ~~فقدره تقديرا ) @QUR@01 . # قال صاحب فتح القدير : وانتصاب «صنع» على المصدرية ، أى : صنع الله ذلك ~~صنعا. وقيل هو مصدر مؤكد لقوله : ( @QUR@04 ويوم ينفخ في الصور ) وقيل ~~منصوب على الإغراء (1). # وجملة : ( @QUR@04 إنه خبير بما تفعلون ) تعليل لما قبله. أى : صنع الله ~~ما خلقه على هذا PageV10P362 # الإحكام العجيب ، والإتقان البديع ، لأنه سبحانه خبير بما تفعلونه ومطلع ~~على ما تخفونه وما تعلنونه. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة ببيان جزاء من أحسن ، وبيان جزاء من أساء ، ~~وببيان منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته فقال تعالى : # ( @QUR@011 من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون (89) ~~@QUR@013 ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم ~~تعملون (90) @QUR@017 إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل ~~شيء وأمرت أن أكون من المسلمين (91) @QUR@015 وأن أتلوا القرآن فمن اهتدى ~~فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين (92) @QUR@011 وقل ~~الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون ) (93) # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 من جاء بالحسنة فله خير منها ) بيان وتفصيل ~~لمظاهر علم الله تعالى لكل ما يفعله الناس ، الذي أشير إليه قبل ذلك بقوله ~~: ( @QUR@04 إنه خبير بما تفعلون ) @QUR@01 . # والمراد بالحسنة : كل ما يقوله أو يفعله المسلم من قول طيب ، ومن عمل ~~صالح ، فيشمل النطق بالشهادتين ، وأداء ما كلف الله الإنسان بأدائه من ~~فرائض وواجبات ، واجتناب السيئات والشبهات. # أى : من جاء بالفعلة الحسنة ، فله من الله تعالى ما هو خير منها من ثواب ~~وعطاء حسن ، كما قال تعالى في آية أخرى : ( @QUR@06 من جاء بالحسنة فله عشر ~~أمثالها ) @QUR@01 . # فالمراد بما هو خير منها : الثواب الذي يمنحه الله تعالى لمن أتى بها. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 وهم من فزع يومئذ آمنون ) تقرير لما قبله ، ~~وبشارة للمؤمنين الذين جاءوا بالحسنات ، بالأمان والاطمئنان. PageV10P363 # أى : وهم من الفزع الكائن للناس في يوم البعث والحساب ، آمنون مطمئنون ، ~~كما قال سبحانه : ( @QUR@011 لا يحزنهم الفزع ms4349 الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا ~~يومكم الذي كنتم توعدون ) (1) وكما قال تعالى ( @QUR@011 أفمن يلقى في ~~النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة ) (2). # ثم بين سبحانه سوء عاقبة من يأتى بالسيئات فقال : ( @QUR@07 ومن جاء ~~بالسيئة فكبت وجوههم في النار ) @QUR@01 . # قال ابن كثير : قال ابن مسعود : وأبو هريرة ، وابن عباس ، وأنس بن مالك ، ~~وعطاء ، وسعيد بن جبير ، وغيرهم : ( @QUR@03 من جاء بالسيئة ) أى الشرك. # ولعل مما يؤيد أن المراد بالسيئة هنا : الشرك. قوله تعالى : ( @QUR@04 ~~فكبت وجوههم في النار ) لأن هذا الجزاء الشديد ، يتناسب مع رذيلة الشرك ~~والعياذ بالله . # أى : ومن جاء بالفعلة الشنيعة في السوء ، وهي الإشراك بالله ( @QUR@04 ~~فكبت وجوههم في النار ) أى : فألقوا بسبب شركهم في النار على وجوههم ~~منكوسين. # يقال : كب فلان فلانا على وجهه ، وأكبه ، إذا نكسه وقلبه على وجهه. # وفي كبهم على وجوههم في النار ، زيادة في إهانتهم وإذلالهم لأن الوجه هو ~~مجمع المحاسن ، ومحل المواجهة للغير. # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@06 هل تجزون إلا ما كنتم تعملون ) ~~لزيادة توبيخهم وتقريعهم والجملة بإضمار قول محذوف. # أى : والذين جاءوا بالأفعال السيئة في دنياهم ، يكبون على وجوههم في ~~النار يوم القيامة ، ويقال لهم على سبيل الزجر والتأنيب : ما حل بكم من ~~عذاب هو بسبب أعمالكم وشرككم. # وكون المراد بالسيئة هنا الشرك ، لا يمنع من أن الذي يرتكب السيئات من ~~المسلمين ، يعاقب عليها ما لم يتب منها فالله تعالى يقول : ( @QUR@020 ليس ~~بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب. من يعمل سوءا يجز به ، ولا يجد له من دون ~~الله وليا ولا نصيرا ) (3). # ثم يأمر الله تعالى نبيه أن يعلن للناس منهجه في دعوته فيقول : ( ~~@QUR@012 إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها. وله كل شيء .. ) ~~@QUR@01 . PageV10P364 # والمراد بالبلدة الذي حرمها : مكة المكرمة التي عظم الله تعالى حرمتها ، ~~فجعلها حرما آمنا ، لا يسفك فيها دم ، ولا يصاد فيها صيد ، ولا يعضد فيها ~~شجر. وقوله : ( @QUR@02 الذي حرمها ) صفة للرب. # وخصت مكة بالذكر : تشريفا لها ، ففيها البيت الحرام الذي هو أول بيت وضع ~~في الأرض. # أى : قل أيها ms4350 الرسول الكريم للناس : إن الله تعالى أمرنى أن أخلص لله ~~سبحانه عبادتي ، فهو رب البلد الحرام مكة ، ورب كل شيء ، وله جميع ما في ~~هذا الكون خلقا ، وملكا ، وتصرفا. # ( @QUR@08 وأمرت أن أكون من المسلمين. وأن أتلوا القرآن ) أى : وأمرنى ~~كذلك أن أكون من الثابتين على دينه ، المنقادين لأمره ، المسلمين له وجوههم ~~، وأمرنى أيضا أن أتلو القرآن على مسامعكم ، لأنه هو معجزتي الدالة على صدقى. # ( @QUR@02 فمن اهتدى ) إلى الحق الذي جئته به ، وبينته له ( @QUR@03 ~~فإنما يهتدي لنفسه ) أى : فإن منافع هدايته تعود إلى نفسه. # ( @QUR@02 ومن ضل ) عن طريق الحق ، وأعرض عن دعوتي ، ( @QUR@05 فقل إنما ~~أنا من المنذرين ) @QUR@01 . # أى : ومن ضل عن الهدى بعد أن نصحته وأرشدته ، فقد أمرنى ربي أن أقول له : ~~إنما أنا من المنذرين للضالين بسوء العاقبة ، ولست عليهم بحفيظ ، أو بمكره ~~إياهم على الإيمان. # ثم ختم السورة الكريمة بهذا التوجيه الكريم ، للرسول صلى الله عليه وسلم ~~فقال تعالى : ( @QUR@03 وقل الحمد لله ) @QUR@01 . # أى : وقل أيها الرسول الكريم للناس : الثناء كله ، والفضل كله ، لله ~~تعالى وحده. وهو سبحانه ( @QUR@02 سيريكم آياته ) الدالة على وحدانيته ~~وقدرته ( @QUR@01 فتعرفونها ) أى : فتعرفون صدقها .. # وصدق الله عز وجل ففي كل يوم ، بل في كل ساعة ، يرى عباده بعض آياته ~~الدالة على وحدانيته وقدرته ، في أنفسهم ، وفي آفاق هذا الكون وما أحكم ~~قوله تعالى : ( @QUR@011 سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم ~~أنه الحق ) @QUR@01 . # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بهذه الجملة التي تحمل طابع التهديد ~~والوعيد لمن خالف أمره ، فقال تعالى : ( @QUR@05 وما ربك بغافل عما تعملون ~~) @QUR@01 . PageV10P365 # أى : وما ربك أيها الرسول الكريم بغافل عما يعمله الناس ، وما يقولونه لك ~~، وما يتهمونك به ، فسر في طريقك ، وبلغ ما أمرك سبحانه بتبليغه ، فإن ~~العاقبة لك ولأتباعك المؤمنين ، أما الكافرون والمنافقون فنحن الذي سنتولى ~~حسابهم .. # وبعد : فهذا تفسير لسورة «النمل» نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه ، ~~ونافعا لعباده. # والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # القاهرة مدينة نصر |مساء الخميس ms4351 15 من جمادى الآخرة 1405 ه الموافق 7 / 3 / 1985 م|د. محمد ~~سيد طنطاوى| PageV10P366 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة القصص PageV10P367 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة القصص ، هي السورة الثامنة والعشرون في ترتيب المصحف ، وكان ~~نزولها بعد سورة النمل. فترتيب نزولها موافق لترتيبها في المصحف. وعدد ~~آياتها ثمانون آية. # 2 قال القرطبي : وهي مكية كلها في قول الحسن ، وعكرمة ، وعطاء. وقال ابن ~~عباس وقتادة : إلا آية نزلت بين مكة والمدينة. وقال ابن سلام : بالجحفة في ~~وقت هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، وهي قوله تعالى : ( @QUR@08 ~~إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد .. ) @QUR@01 . (1). # فعن نحيى بن سلام قال : بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم حين هاجر ، نزل ~~عليه جبريل بالجحفة وهو متوجه من مكة إلى المدينة فقال له : أتشتاق يا محمد ~~إلى بلدك التي ولدت فيها؟ قال : نعم ، فقرأ عليه : ( @QUR@08 إن الذي فرض ~~عليك القرآن لرادك إلى معاد .. ) @QUR@01 . (2). # 3 والمتدبر لهذه السورة الكريمة ، يرى أكثر من نصفها ، في الحديث عن قصة ~~موسى عليه السلام . # فهي تبدأ بقوله تعالى : ( @QUR@014 طسم. تلك آيات الكتاب المبين ، نتلوا ~~عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون .. ) @QUR@01 . # 4 ثم تحدثت السورة الكريمة بعد ذلك ، عما ألهم الله تعالى به أم موسى بعد ~~ولادتها له ، وعن حالتها النفسية بعد أن عرفت أن ابنها قد التقطه من اليم ~~أعداؤها. وعما قالته لأخته ، وعن فضل الله تعالى عليها ورحمته بها ، حيث ~~أعاد إليها ابنها موسى ، قال تعالى : ( @QUR@017 فرددناه إلى أمه كي تقر ~~عينها ولا تحزن ، ولتعلم أن وعد الله حق ، ولكن أكثرهم لا يعلمون ) @QUR@01 . PageV10P369 # 5 ثم بين سبحانه جانبا من مظاهر فضله على موسى عليه السلام بعد أن بلغ ~~أشده واستوى ، وبعد أن قتل رجلا من أعدائه ، وكيف أنه خرج من المدينة خائفا ~~يترقب ، قال : ( @QUR@05 رب نجني من القوم الظالمين ) @QUR@01 . # وقد أجاب الله تعالى له دعاءه ، فنجاه منهم ، ويسر له الوصول إلى جهة ~~مدين ، فعاش هناك عشر سنين ، أجيرا عند شيخ كبير من أهلها ، وتزوج ms4352 موسى ~~عليه السلام بعد انقضاء تلك المدة ، بإحدى ابنتي هذا الشيخ الكبير. # قال تعالى حاكيا بعض ما قاله هذا الشيخ لموسى : ( @QUR@044 قال إني أريد ~~أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج ، فإن أتممت عشرا فمن ~~عندك ، وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين. قال ذلك بيني ~~وبينك ، أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي ، والله على ما نقول وكيل ) ~~@QUR@01 . # 6 ثم بين سبحانه بعد ذلك ، أن موسى بعد أن قضى المدة التي تعاقد عليها مع ~~الرجل الصالح ، وبعد أن تزوج ابنته ، سار بها متجها إلى مصر ، وفي الطريق ~~رأى نارا ، فلما ذهب إليها ، أمره ربه تعالى بأن يذهب إلى فرعون وقومه ~~ليأمرهم بإخلاص العبادة له عز وجل وذهب موسى عليه السلام إليهم ، وبلغهم ~~رسالة ربه ، ولكنهم كذبوه ، فكانت عاقبتهم كما قال تعالى : ( @QUR@010 ~~فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين .. ) ~~@QUR@01 . # 7 وبعد هذا الحديث المفصل عن قصة موسى عليه السلام أخذت السورة الكريمة في ~~تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من قومه ، فذكرت له ما يدل على أن ~~هذا القرآن من عند الله تعالى وأمرته أن يتحدى المشركين به ، وبينت له أنه ~~عليه الصلاة والسلام لا يستطيع أن يهدى من يحبه ولكن الله هو الذي يهدى من ~~يشاء هدايته ، وحكت جانبا من أقوال المشركين وردت عليها ، كما حكت جانبا من ~~المصير السيئ الذي سيكونون عليه يوم القيامة ، فقال تعالى : ( @QUR@014 ~~ويوم يناديهم فيقول ما ذا أجبتم المرسلين ، فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم ~~لا يتساءلون .. ) @QUR@01 . # ( @QUR@025 ويوم يناديهم فيقول : أين شركائي الذين كنتم تزعمون. ونزعنا ~~من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم ، فعلموا أن الحق لله ، وضل عنهم ما ~~كانوا يفترون ) @QUR@01 . # 8 ثم عادت السورة بعد ذلك للحديث عن قصة تتعلق برجل كان من قوم موسى : ~~وهو قارون ، فأخبرتنا بجانب من النعم التي أنعم الله تعالى بها عليه ، وكيف ~~أنه قابل هذه النعم بالجحود والكنود ، دون أن يستمع إلى نصح الناصحين ، أو ~~وعظ ms4353 الواعظين ، وكيف أن PageV10P370 # الذين يريدون الحياة الدنيا تمنوا أن يكونوا مثله ، وكيف أن الذين أوتوا ~~العلم قالوا لهم على سبيل الزجر : ( @QUR@012 ويلكم ثواب الله خير لمن آمن ~~وعمل صالحا ، ولا يلقاها إلا الصابرون ) وكيف أن الذين يريدون الحياة ~~الدنيا قالوا بعد أن رأوا مصرع قارون : ( @QUR@08 لو لا أن من الله علينا ~~لخسف بنا .. ) @QUR@01 . # ثم ختم سبحانه هذه القصة ، ببيان سنة من سننه التي لا تتخلف فقال تعالى : ~~( @QUR@014 تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا ~~فسادا ، والعاقبة للمتقين ) @QUR@01 . # 9 وبعد أن انتهت السورة الكريمة ، عن الحديث المتنوع من قصص السابقين ، ~~ومن التعقيبات الحكيمة عليها .. # بعد كل ذلك ، جاء الأمر من الله تعالى بإخلاص العبادة له ، والنهى عن ~~الإشراك به فقال سبحانه ( @QUR@019 ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو ~~، كل شيء هالك إلا وجهه ، له الحكم وإليه ترجعون ) @QUR@01 . # 10 وبعد ، فهذا عرض مجمل لما اشتملت عليه سورة القصص من مقاصد وأهداف ، ~~ومن هذا العرض ، ترى أن السورة الكريمة قد اهتمت بأمور من أهمها ما يأتى : # (أ) تثبيت المؤمنين ، وتقوية عزائمهم ، وتبشيرهم بأن العاقبة لهم ، وبأن ~~الله تعالى سيجعل من ضعفهم قوة ، ومن قلتهم كثرة ، كما جعل من موسى وقومه ~~أمة منتصرة بعد أن كانت مهزومة ، وغالبة بعد أن كانت مغلوبة. # ترى هذه التقوية والبشارة في مثل قوله تعالى : ( @QUR@024 ونريد أن نمن ~~على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين. ونمكن لهم في ~~الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ) @QUR@01 . # (ب) أن السورة الكريمة تعطينا صورة زاخرة بالمعاني الكريمة والمؤثرة ، عن ~~حياة موسى عليه السلام فهي تحكى لنا حالة أمه. وأحاسيسها ، وخلجات قلبها ، ~~وخوفها ، عند ولادته ، وبعد ولادته ، وبعد إلقائه في اليم ، وبعد أن علمت ~~بالتقاط آل فرعون له ، وبعد رد الله تعالى إليها ابنها ، فضلا منه سبحانه ورحمة. # كما تحكى لنا ما جبل عليه موسى عليه السلام من مروءة عالية جعلته يأبى أن ~~يرى مظلوما فلا ينصره ، ومحتاجا فلا يعينه. # فعند ما ms4354 رأى امرأتين عاجزتين عن سقى غنمهما ، قال لهما : ( @QUR@013 ما ~~خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء ، وأبونا شيخ كبير ، فسقى لهما .. ) ~~@QUR@01 . PageV10P371 # وعند ما رأى مظلوما يستنصره ، ما كان منه إلا أن نصره ، وقال : ( @QUR@08 ~~رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين ) @QUR@01 . # (ج) تأكيد أن هذا القرآن من عند الله ، بدليل أن هذا القرآن قد قص على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الناس ، قصصا لا علم لهم بحقيقتها قبل أن يقصها عليهم. # قال تعالى : ( @QUR@013 وما كنت بجانب الغربي ، إذ قضينا إلى موسى الأمر ~~، وما كنت من الشاهدين ) @QUR@01 . # ( @QUR@020 وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ، ولكن رحمة من ربك ، لتنذر ~~قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون ) @QUR@01 . # (د) اهتمت السورة اهتماما واضحا ، ببيان مظاهر قدرة الله تعالى في هذا ~~الكون ، هذه القدرة التي نراها في إهلاك الظالمين والمغرورين ، حتى ولو ~~ساندتهم جميع قوى الأرض. # كما نراها في الرد على كفار مكة الذين زعموا ، أن اتباعهم للحق يؤدى إلى ~~تخطفهم والاعتداء عليهم ( @QUR@062 وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من ~~أرضنا ، أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ، ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون ، وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها ، فتلك مساكنهم ~~لم تسكن من بعدهم إلا قليلا ، وكنا نحن الوارثين ، وما كان ربك مهلك القرى ~~حتى يبعث في أمها رسولا يتلوا عليهم آياتنا ، وما كنا مهلكي القرى إلا ~~وأهلها ظالمون ) @QUR@01 .. # والخلاصة ، أن سورة القصص على رأس السور المكية ، التي حضت المؤمنين على ~~الثبات والصبر ، وساقت لهم من أخبار السابقين ، ما يزيدهم إيمانا على ~~إيمانهم. ويقينا على يقينهم ، بأن الله تعالى سيجعل العاقبة لهم .. # القاهرة مدينة نصر # صباح السبت : 2 من رجب سنة 1405 ه # 23 / 2 / 1985 م ||المؤلف د. محمد سيد طنطاوى| PageV10P372 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@01 طسم (1) @QUR@04 تلك آيات الكتاب المبين (2) @QUR@09 نتلوا ~~عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون (3) @QUR@019 إن فرعون علا في ~~الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح ms4355 أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه ~~كان من المفسدين (4) @QUR@012 ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ~~ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين (5) @QUR@012 ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون ~~وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ) (6) # سورة القصص من السور التي افتتحت ببعض الحروف الهجائية .. # وقد رجحنا أن هذه الحروف ، قد افتتحت بها بعض سور القرآن الكريم ، ~~للإيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن الكريم. # فكأن الله تعالى يقول لهؤلاء المعارضين في أن القرآن من عند الله تعالى : ~~هاكم القرآن ترونه مؤلفا من حروف هي من جنس الحروف الهجائية ، ومنظوما من ~~كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم. # فإن كنتم في شك في كون هذا القرآن من عند الله ، فهاتوا مثله ، أو عشر ~~سور من مثله PageV10P373 # أو سورة واحدة من مثله وادعوا من شئتم من الخلق لكي يعاونكم في ذلك. # فلما عجزوا وهم أهل الفصاحة والبيان ثبت أن غيرهم أعجز ، وأن هذا القرآن ~~من عند الله تعالى . # و ( @QUR@01 تلك ) اسم إشارة ، والمشار إليه الآيات. والمراد بها آيات ~~القرآن الكريم ، ويندرج فيها آيات هذه السورة التي معنا. # ( @QUR@01 الكتاب ): مصدر كتب كالكتب. وأصله ضم أديم إلى آخر بالخياطة ، ~~واستعمل عرفا في ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط. والمراد به : القرآن ~~الكريم. # و ( @QUR@01 المبين ): أى : الواضح المظهر للحق من الباطل ، من أبان ~~بمعنى أظهر. # أى : تلك الآيات التي أنزلناها عليك أيها الرسول الكريم هي آيات الكتاب ~~المظهر للحق من الباطل ، والموضح للخير من الشر ، والكاشف عن حقائق الأمور ~~، وعن قصص الأولين. # ثم بين سبحانه : ما سيقصه على رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه السورة ~~فقال : ( @QUR@09 نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون ) ~~@QUR@01 . # وقوله تعالى ( @QUR@01 نتلوا ) من التلاوة بمعنى القراءة المرتلة التي ~~يقصد منها التذكير والإرشاد. # والنبأ : الخبر العظيم المشتمل على أمور من شأنها أن يهتم الناس بها. # وموسى عليه السلام : هو ابن عمران بن يصهر بن ماهيث بن لاوى بن يعقوب ~~عليه السلام وكانت ولادة موسى في حوالى القرن الثالث عشر قبل الميلاد. # وفرعون : اسم ms4356 كان يطلق في القديم على كل ملك لمصر ، كما يقال لملك الروم ~~: قيصر ، ولملك اليمن : تبع. # ويرى كثير من المؤرخين أن فرعون مصر ، الذي ولد وبعث في عهده موسى ~~عليه السلام هو منفتاح ابن الملك رمسيس الثاني. # قال الآلوسى ما ملخصه : والظاهر أن ( @QUR@01 من ) في قوله ( @QUR@06 ~~نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون .. ) @QUR@01 . تبعيضية. والجار والمجرور ~~متعلق بمحذوف وقع صفة لمفعول ( @QUR@01 نتلوا ) المحذوف. وقوله ( @QUR@01 ~~بالحق ) حال من فاعل ( @QUR@01 نتلوا ) أى : نتلو ملتبسين بالحق ، أو من ~~مفعوله ، أى : نتلو شيئا من نبئهما ملتبسا بالحق ... (1). PageV10P374 # والمعنى : نتلو عليك أيها الرسول الكريم تلاوة كلها حق وصدق ، شيئا عجيبا ~~، وخبرا هاما ، يتعلق بقصة موسى عليه السلام ، وبقصة فرعون. # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 لقوم يؤمنون ) أى : نتلو عليك هذه الآيات ، ~~لقوم يؤمنون بها ، وينتفعون بما اشتملت عليه من هدايات وعبر وعظات. # وقوله تعالى : ( @QUR@08 إن فرعون علا في الأرض ، وجعل أهلها شيعا .. ) ~~@QUR@01 . كلام مستأنف لتفصيل ما أجمله من النبأ. # وقوله ( @QUR@03 علا في الأرض ) أى تكبر فيها وطغى ، من العلو بمعنى ~~الارتفاع. والمقصود أنه جاوز كل حد في غروره وظلمه وعدوانه. والمراد بالأرض ~~: أرض مصر وما يتبعها من بلاد. # و ( @QUR@01 شيعا ) جمع شيعة ، وهم الأتباع والجماعات ، وكل قوم اجتمعوا ~~على أمر فهم شيعته. # أى : إن فرعون طغى وبغى وتجبر في الأرض ، وجعل أهلها شيعا وأتباعا له ، ~~وصار يستعمل كل طائفة منهم ، فيما يريده من أمور دولته ، فهذه الطائفة ~~للبناء ، وتلك للسحر ، وثالثة لخدمته ومناصرته على ما يريد .. # وجملة ( @QUR@03 يستضعف طائفة منهم ) لبيان حال الذين جعلهم شيعا ~~وأحزابا. # والمراد بهذه الطائفة : بنو إسرائيل. # أى : أنه بعد أن جعل أهل مملكته شيعا وأحزابا اختص طائفة منهم بالإذلال ~~والقهر والظلم ، فصار يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم. أى : يذبح الذكور من ~~بنى إسرائيل بمجرد ولادتهم ، ويترك الإناث أحياء. # قال الإمام الرازي ما ملخصه : وفي ذبح الذكور دون الإناث مضرة من وجوه : # أحدها : أن ذبح الأبناء يقتضى فناء الرجال. وذلك يقتضى انقطاع النسل .. # ثانيها : أن هلاك الذكور يقتضى فساد مصالح النساء في المعيشة ، فإن ~~المرأة لتتمنى ms4357 الموت إذا انقطع عنها تعهد الرجال .. # ثالثها : أن قتل الذكور عقب الحمل الطويل ، وتحمل الكد ، والرجاء القوى ~~في الانتفاع به ، من أعظم العذاب .. # رابعها : أن بقاء النساء بدون الذكران من أقاربهن ، يؤدى إلى صيرورتهن ~~مستفرشات للأعداء ، وذلك نهاية الذل والهوان (1). PageV10P375 # قالوا : وإنما كان فرعون يذبح الذكور من بنى إسرائيل دون الإناث ، لأن ~~الكهنة أخبروه ، بأن مولودا سيولد من بنى إسرائيل ، يكون ذهاب ملك فرعون ~~على يده. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 إنه كان من المفسدين ) تعليل وتأكيد لما كان ~~عليه فرعون من تجبر وطغيان. # أى : إن فرعون كان من الراسخين في الفساد والإفساد ، ولذلك فعل ما فعل من ~~ظلم لغيره ، ومن تطاول جعله يقول للناس : ( @QUR@03 أنا ربكم الأعلى ) ~~@QUR@01 . # ثم بين سبحانه ما اقتضته إرادته وحكمته ، من تنفيذ وعيده في القوم ~~الظالمين ، مهما احتاطوا وحذروا ، ومن إنقاذه للمظلومين بعد أن أصابهم من ~~الظلم ما أصابهم فقال : ( @QUR@024 ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في ~~الأرض ، ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ، ونمكن لهم في الأرض ، ونري فرعون ~~وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ) @QUR@01 . # وقوله ( @QUR@01 نمن ) من المن بمعنى التفضل ، ومنه قوله تعالى : ( ~~@QUR@05 لقد من الله على المؤمنين .. ) @QUR@01 . أى : لقد تفضل عليهم ، ~~وأحسن إليهم. # وقوله : ( @QUR@04 ونمكن لهم في الأرض ) من التمكين ، وأصله : أن نجعل ~~للشيء مكانا يستقر فيه ، ويحل به. ثم استعير للتسليط وللحصول على القوة بعد ~~الضعف ، وللعز بعد الذل. # وقوله : ( @QUR@01 يحذرون ) من الحذر ، بمعنى الاحتراس والاحتراز من ~~الوقوع في الأمر المخيف. يقال : حذر فلان فلانا ، إذا خافه واحترس منه. # قال الشوكانى : والواو ، في قوله ( @QUR@03 ونريد أن نمن ) للعطف على ~~جملة ، ( @QUR@05 إن فرعون علا في الأرض ) لأن بينهما تناسبا من حيث إن كل ~~واحدة منهما ، للتفسير والبيان للنبأ. ويجوز أن تكون حالا من فاعل ( ~~@QUR@01 يستضعف ) بتقدير مبتدأ. أى : ونحن نريد أن نمن على الذين استضعفوا ~~في الأرض .. والأول أولى (1). # والمعنى : لقد طغا فرعون وبغى ، ونحن بإرادتنا وقدرتنا ( @QUR@03 نريد أن ~~نمن ) ونتفضل على بنى إسرائيل ، الذين استضعفوا في الأرض ، بأن ننجيهم من ~~ظلمه ، وننقذهم من قهره وبغيه. # ( @QUR@02 ونجعلهم ms4358 الوارثين ) للأرض المباركة ، التي نعطيهم إياها متى ~~آمنوا وأصلحوا ، كما قال تعالى : ( @QUR@026 وأورثنا القوم الذين كانوا ~~يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها ، وتمت كلمت ربك الحسنى ~~على بني إسرائيل بما صبروا ، ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه PageV10P376 # @QUR@03 وما كانوا يعرشون ) @QUR@01 . (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@04 ونمكن لهم في الأرض ) أى : ونجعلهم أقوياء راسخى ~~الأقدام في الأرض التي نورثهم إياها ، بعد القوم الظالمين. # ( @QUR@04 ونري فرعون وهامان وجنودهما ) أى : ونطلع فرعون وهامان وهو ~~وزير فرعون وجنودهما التابعين لهما ( @QUR@01 منهم ) أى : من بنى إسرائيل ~~المستضعفين في الأرض ( @QUR@03 ما كانوا يحذرون ) أى ما كانوا يحاولون دفعه ~~واتقاءه ، فقد كان فرعون وجنده يقتلون الذكور من بنى إسرائيل ، خوفا من ~~ظهور غلام منهم يكون هلاك فرعون على يده. # قال ابن كثير : أراد فرعون بحوله وقوته ، أن ينجو من موسى. فما نفعه ذلك ~~، بل نفذ الله تعالى حكمه. بأن يكون إهلاك فرعون على يد موسى ، بل يكون هذا ~~الغلام الذي احترزت من وجوده يا فرعون ، وقتلت بسببه ألوفا من الولدان ، ~~إنما منشؤه ومرباه على فراشك وفي دارك ... وهلاكك وهلاك جندك على يديه ، ~~لتعلم أن رب السموات العلا ، هو القاهر الغالب العظيم ، الذي ما شاء كان ، ~~وما لم يشأ لم يكن (2). # وهكذا تعلن السورة الكريمة في مطلعها ، أن ما أراده الله تعالى لا بد أن ~~يتم ، أمام أعين فرعون وجنده ، مهما احتاطوا ومهما احترسوا ، ( @QUR@09 ~~والله غالب على أمره ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) @QUR@01 . # * * * # ثم فصل سبحانه الحديث عن موسى عليه السلام فذكر ما ألهمه لأمه عند ولادته. ~~وما قالته امرأة فرعون له عند التقاط آل فرعون لموسى ، وما كانت عليه أم ~~موسى من حيرة وقلق ، وما قالته لأخته ، وكيف رد الله تعالى بفضله وكرمه ~~موسى إلى أمه .. # لنستمع إلى السورة الكريمة ، وهي تفصل هذه الأحداث ، بأسلوبها البديع ~~المؤثر فتقول : # ( @QUR@022 وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ~~ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين (7) PageV10P377 # @QUR@013 فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون ms4359 وهامان ~~وجنودهما كانوا خاطئين (8) @QUR@018 وقالت امرأت فرعون قرت عين لي ولك لا ~~تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون (9) @QUR@018 وأصبح فؤاد ~~أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لو لا أن ربطنا على قلبها لتكون من ~~المؤمنين (10) @QUR@010 وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون ~~(11) @QUR@016 وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت ~~يكفلونه لكم وهم له ناصحون (12) @QUR@017 فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا ~~تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون ) (13) # قال الإمام الرازي : اعلم أنه تعالى لما قال : ( @QUR@06 ونريد أن نمن ~~على الذين استضعفوا ) ابتدأ بذكر أوائل نعمه في هذا الباب فقال : ( @QUR@06 ~~وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه ) (1). # والوحى إلى أم موسى ، يجوز أن يكون عن طريق الإلهام ، كما في قوله تعالى ~~: ( @QUR@04 وأوحى ربك إلى النحل .. ) @QUR@01 . أو عن طريق المنام ، أو عن ~~طريق إرسال ملك أخبرها بذلك. # قال الآلوسى : والظاهر أن الإيحاء إليها كان بإرسال ملك ، ولا ينافي ذلك ~~الإجماع على PageV10P378 # عدم نبوتها ، لما أن الملائكة عليهم السلام قد ترسل إلى غير الأنبياء ~~وتكلمهم. # والظاهر أيضا أن هذا الإيحاء كان بعد الولادة .. وقيل : كان قبلها ... (1). # و ( @QUR@01 أن ) في قوله ( @QUR@02 أن أرضعيه ) مفسرة ، لأن الوحى فيه ~~معنى القول دون حروفه. # والخوف : حالة نفسية تعترى الإنسان ، فتجعله مضطرب المشاعر ، لتوقعه حصول ~~أمر يكرهه. # والحزن : اكتئاب نفسي يحدث للإنسان من أجل وقوع ما يكرهه ، كموت عزيز ~~لديه. أو فقده لشيء يحبه .. # وفي الكلام حذف يعرف من السياق ، والتقدير : وحملت أم موسى به في الوقت ~~الذي كان فرعون يذبح الأبناء ، ويستحيى النساء ، وأخفت حملها عن غيرها ، ~~فلما وضعته أصابها ما أصابها من خوف وفزع على مصير ابنها ، وهنا ألهمناها ~~بقدرتنا وإرادتنا. وقذفنا في قلبها أن أرضعيه في خفاء وكتمان ( @QUR@03 ~~فإذا خفت عليه ) من فرعون وحاشيته أن يقتلوه كما قتلوا غيره من أبناء بنى ~~إسرائيل. # ( @QUR@03 فألقيه في اليم ) أى : في البحر والمراد به نهر النيل ، وسمى ~~بحرا لاتساعه ، وإن كان الغالب إطلاق ms4360 البحر على المياه غير العذبة. # ( @QUR@04 ولا تخافي ولا تحزني ) أى : ولا تخافي عليه من حصول مكروه له ، ~~ولا تحزني لمفارقته لك ، فهو في رعايتنا وحمايتنا ، ومن رعاه الله تعالى ~~وحماه ، فلا خوف عليه ولا حزن. # وجملة ( @QUR@06 إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ) تعليل للنهى عن ~~الخوف والحزن ، وتبشير لها بأن ابنها سيعود إليها ، وسيكون من رسل الله ~~عز وجل . # قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما المراد بالخوفين في الآية حتى أوجب أحدهما ~~ونهى عن الآخر؟. # قلت : أما الأول ، فالخوف عليه من القتل ، لأنه كان إذا صاح خافت أن يسمع ~~الجيران صوته ، فينموا عليه. وأما الثاني : فالخوف عليه من الغرق ومن ~~الضياع ، ومن الوقوع في يد بعض العيون المبثوتة من قبل فرعون في تطلب ~~الولدان. # فإن قلت : ما الفرق بين الخوف والحزن؟ قلت : الخوف ، غم يلحق الإنسان ~~لشيء متوقع. PageV10P379 # والحزن : غم يلحقه لشيء وقع ، فنهيت عنهما جميعا وأومنت بالوحي إليها ، ~~ووعدت بما يسليها ، ويطمئن قلبها ، ويملؤها غبطة وسرورا ، وهو رده إليها. ~~وجعله من المرسلين .. (1). # وهكذا نجد الآية الكريمة قد اشتملت على أبلغ الأساليب وأبدعها ، في بيان ~~قدرة الله تعالى ورعايته لمن يريد رعايته. # قالوا : مدح الأصمعى امرأة لإنشادها شعرا حسنا ، فقرأت هذه الآية الكريمة ~~ثم قالت له : أبعد هذه الآية فصاحة ، لقد اشتملت على أمرين وهما ( @QUR@02 ~~أرضعيه فألقيه ) ونهيين وهما ( @QUR@04 لا تخافي ولا تحزني ) وخبرين ( ~~@QUR@06 إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ) وبشارتين في ضمن الخبرين ~~وهما : الرد والجعل المذكوران. # والفاء في قوله : ( @QUR@07 فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا. ) ~~@QUR@01 . هي الفصيحة. # والالتقاط : وجود الشيء والحصول عليه من غير طلب ولا قصد. # والمراد بآل فرعون : جنوده وأتباعه الذين عثروا على التابوت الذي به موسى ~~، وحملوه إلى فرعون. والحزن بالتحريك ، وبضم فسكون نقيض السرور ، وفعله كفرح. # يقال : حزنه الأمر وأحزنه. أى : جعله حزينا. # واللام في قوله : ( @QUR@01 ليكون .. ) @QUR@01 . هي لام العاقبة ~~والصيرورة. # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@07 فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا ~~وحزنا ) لما كان التقاطهم إياه يؤدى إلى كونه عدوا لهم وحزنا ، فاللام ms4361 في ( ~~@QUR@01 ليكون ) لام العاقبة والصيرورة ، لأنهم إنما أخذوه ليكون لهم قرة ~~عين ، فكان عاقبة ذلك أن كان لهم عدوا وحزنا ، فذكر الحال بالمآل كما في ~~قول الشاعر : # وللمنايا تربى كل مرضعة %~% ودورنا لخراب الدهر نبنيها # أى : فعاقبة البناء : الخراب ، وإن كان في الحال مفروحا به (2). # ويرى بعضهم أن اللام هنا يصح أن تكون للتعليل ، بمعنى ، أن الله تعالى ~~سخر بمشيئته وإرادته فرعون وآله. لالتقاط موسى ، ليجعله لهم عدوا وحزنا ، ~~فكأنه سبحانه يقول : قدرنا عليهم التقاطه بحكمتنا وإرادتنا ، ليكون لهم ~~عدوا وحزنا. # إلى هذا المعنى أشار الإمام ابن كثير بقوله : قال محمد بن إسحاق وغيره ~~اللام هنا لام العاقبة لا لام التعليل ، لأنهم لم يريدوا بالتقاطه ذلك أى : ~~لم يريدوا بالتقاطه العداوة PageV10P380 # والحزن ، ولا شك أن ظاهر اللفظ يقتضى ما قالوا. ولكن إذا نظرنا إلى معنى ~~السياق ، فإنه تبقى اللام للتعليل ، لأن معناه : أن الله تعالى قيضهم ~~لالتقاطه ليجعله لهم عدوا وحزنا ، فيكون أبلغ في إبطال حذرهم منه (1). # ومع وجاهة الرأيين ، إلا أننا نميل إلى الرأى الثاني ، لأنه كما قال ~~الإمام ابن كثير أبلغ في إبطال حذرهم منه ، ولأن قوله تعالى : ( @QUR@06 إن ~~فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين ) يشير إلى أن اللام للتعليل .. # والمعنى : ونفذت أم موسى ما أوحيناه إليها ، فأرضعت ابنها موسى. وألقته ~~في اليم حين خافت عليه القتل ، فالتقطه آل فرعون من اليم ، ليكون لهم عدوا ~~وحزنا ، وليعلموا أن ما أردناه لا بد أن يتم مهما احترسوا واحتاطوا وحذروا ~~، فما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين ) تعليل ~~لما قبله ، و ( @QUR@01 خاطئين ) أى : مرتكبين للخطيئة التي هي الذنب ~~العظيم ، كقوله تعالى في قوم نوح عليه السلام : ( @QUR@05 مما خطيئاتهم ~~أغرقوا فأدخلوا نارا ... ) @QUR@01 . # وكقوله سبحانه في شأن الكافرين ( @QUR@013 بلى من كسب سيئة وأحاطت به ~~خطيئته. فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) (2). # أى : فعلنا ما فعلنا من جعل موسى عدوا وحزنا لفرعون وآله ، لأن فرعون ~~ووزيره هامان ، وجنودهما الذين يناصرونهما ، كانوا مرتكبين للذنوب العظيمة ms4362 ~~في كل ما يأتون ويذرون ، ومن مظاهر ذلك قتلهم لذكور بنى إسرائيل ، وإبقاؤهم ~~لإناثهم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@015 وقالت امرأت فرعون قرت عين لي ولك ، لا تقتلوه ~~عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا .. ) @QUR@01 . بيان لما أنطق الله به امرأة ~~فرعون للدفاع عن موسى عليه السلام . # قال الجمل : وامرأة فرعون هي : آسيا بنت مزاحم ، وكانت من خيار النساء ، ~~ومن بنات الأنبياء ، وكانت أما للمساكين ترحمهم وتتصدق عليهم (3). # ويكفى في مدحها قوله تعالى : ( @QUR@024 وضرب الله مثلا للذين آمنوا ~~امرأت فرعون إذ قالت : رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ~~، ونجني من القوم الظالمين ) (4). PageV10P381 # أى : وقالت امرأة فرعون بعد أن أخرج موسى من التابوت ، ورأته بين أيدى ~~فرعون وآله : ( @QUR@04 قرت عين لي ولك ) أى : هذا الطفل هو قرة عين لي ولك ~~، أى : هو محل السرور والفرح لعيني ولعينك يا فرعون. # فالجملة الكريمة كناية عن السرور به ، إذ لفظ ( @QUR@01 قرت ) مأخوذ من ~~القرار بمعنى الاستقرار ، وذلك لأن العين إذا رأت ما تحبه ، استقر نظرها ~~عليه ، وانشغلت به عن غيره. # ثم أضافت إلى ذلك قولها ( @QUR@02 لا تقتلوه ) والخطاب لفرعون وجنده. # ثم عللت النهى عن قتله بقولها : ( @QUR@03 عسى أن ينفعنا ) في مستقبل ~~حياتنا ، فنجني من ورائه خيرا. # ( @QUR@03 أو نتخذه ولدا ) لنا ، فإن هيئته وصورته تدل على النجابة ~~والجمال واليمن وهكذا شاءت إرادة الله تعالى ، أن تجعل امرأة فرعون ، سببا ~~في إنقاذ موسى من القتل ، وفي أن يعيش في بيت فرعون ، ليكون له في المستقبل ~~عدوا وحزنا. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 وهم لا يشعرون ) جملة حالية ، أى : فعلوا ما ~~فعلوا والحال أنهم لا يشعرون أن هلاكهم سيكون على يديه. # والظاهر أن هذه الجملة من كلام الله تعالى ، وليست حكاية لما قالته امرأة فرعون. # ثم صورت السورة الكريمة تصويرا بديعا مؤثرا ، ما كانت عليه أم موسى من ~~لهفة وقلق ، بعد أن فارقها ابنها ، فقال تعالى : ( @QUR@05 وأصبح فؤاد أم ~~موسى فارغا .. ) @QUR@01 . أى : وبعد أن ألقت أم موسى به في اليم ، والتقطه ~~آل فرعون ، وعلمت بذلك أصبح قلبها وفؤادها خاليا ms4363 من التفكير في أى شيء في ~~هذه الحياة ، إلا في شيء واحد وهو مصير ابنها موسى عليه السلام . # وفي هذا التعبير ما فيه من الدقة في تصوير حالتها النفسية ، حتى لكأنها ~~صارت فاقدة لكل شيء في قلبها سوى أمر ابنها وفلذة كبدها. # قال ابن كثير : قوله تعالى : ( @QUR@05 وأصبح فؤاد أم موسى فارغا ) من كل ~~شيء من أمور الدنيا إلا من موسى. قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، وسعيد ~~بن جبير ، والحسن البصري ، وقتادة .... وغيرهم (1). # و ( @QUR@01 إن ) في قوله تعالى : ( @QUR@04 إن كادت لتبدي به ) هي ~~المخففة من الثقيلة واسمها PageV10P382 # ضمير الشأن ، وتبدى بمعنى تظهر ، من بدا الشيء يبدو بدوا وبداء إذا ظهر ~~ظهورا واضحا. # والضمير في ( @QUR@01 به ) يعود إلى موسى عليه السلام . # أى : وصار فؤاد أم موسى فارغا من كل شيء سوى التفكير في مصيره ، وإنها ~~كادت لتصرح للناس بأن الذي التقطه آل فرعون ، هو ابنها ، وذلك لشدة دهشتها ~~وخوفها عليه من فرعون وجنده. # وجواب الشرط في قوله تعالى : ( @QUR@06 لو لا أن ربطنا على قلبها ) محذوف ~~دل عليه ما قبله. # أى : لو لا أن ربطنا على قلبها بقدرتنا وإرادتنا. بأن ثبتناه وقويناه ، ~~لأظهرت للناس أن الذي التقطه آل فرعون هو ابنها. # وأصل الربط : الشد والتقوية للشيء. ومنه قولهم فلان رابط الجأش ، أى : ~~قوى القلب. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 لتكون من المؤمنين ) علة لتثبيت قلبها وتقويته ، ~~فهو متعلق بقوله : ( @QUR@01 ربطنا ) @QUR@01 . # أى : ربطنا على قلبها لتكون من المصدقين بوعد الله تعالى ، وأنه سيرد ~~إليها ابنها ، كي تقر عينها ولا تحزن. # ثم بين سبحانه ما فعلته أم موسى بعد ذلك فقال : ( @QUR@03 وقالت لأخته ~~قصيه. ) @QUR@01 . أى لم تسكت أم موسى بعد أن علمت بالتقاط آل فرعون له ، ~~بل قالت لأخت موسى ( @QUR@01 قصيه ) أى تتبعى أثره وخبره وما آل إليه أمره. ~~يقال : قص فلان أثر فلان فهو يقصه ، إذا تتبعه ، ومنه القصص للأخبار ~~المتتبعة. # والفاء في قوله سبحانه : ( @QUR@04 فبصرت به عن جنب ) هي الفصيحة. والجنب ~~: الجانب. # أى : فقصت أخت موسى أثره ، فأبصرته عن جانب منها ، وكأنها لا تريد أن ms4364 ~~تطلع أحدا على أنها تبحث عن أخيها. وتتبع أثره والجار والمجرور حال من ~~الفاعل ، أى : بصرت به مستخفية كائنة عن جنب. # قال الآلوسى : ( @QUR@02 عن جنب ) أى عن بعد ، وقيل عن شوق إليه .. وقال ~~الكرماني ( @QUR@01 جنب ) صفة لموصوف محذوف ، أى عن مكان جنب بعيد وكأنه من ~~الأضداد ، فإنه يكون بمعنى القريب أيضا كالجار الجنب. وقيل على جانب .. ~~وقيل : النظر عن جنب ، أن PageV10P383 # تنظر الشيء كأنك لا تريده (1). # والتعبير بقوله تعالى ( @QUR@04 فبصرت به عن جنب ) يشعر بأن أخت موسى ~~أبصرت أخاها إبصارا فيه مخادعة لآل فرعون ، حتى لا تجعلهم يشعرون بأنها ~~تبحث عنه. # ويشهد لذلك قوله تعالى : ( @QUR@03 وهم لا يشعرون ) أى : وهم أى آل فرعون ~~لا يشعرون أنها أخته تبحث عنه وتتبع أخباره. # ثم بين سبحانه مظهرا من مظاهر حكمته وقدرته وتدبيره لأمر موسى كي يعود ~~إلى أمه ، فقال تعالى . ( @QUR@05 وحرمنا عليه المراضع من قبل ... ) ~~@QUR@01 . # والمراد بالتحريم هنا : المنع ، والمراضع : جمع مرضع بضم الميم وكسر ~~الضاد وهي المرأة التي ترضع. # أى : ومنعنا موسى بقدرتنا وحكمتنا من أن يرضع من المرضعات وكان ذلك من ~~قبل أن تعلم بخبره أمه وأخته. # قال ابن كثير : قوله تعالى : ( @QUR@05 وحرمنا عليه المراضع من قبل ) أى ~~: تحريما قدريا ، وذلك لكرامة الله له ، صانه عن أن يرتضع غير ثدي أمه ، ~~لأنه سبحانه جعل ذلك سببا إلى رجوعه إلى أمه ، لترضعه وهي آمنة بعد أن كانت ~~خائفة .. (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@011 فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم ~~له ناصحون ) حكاية لما قالته أخت موسى لفرعون وحاشيته ، والاستفهام ~~للتحضيض. # أى : وبعد أن بصرت أخت موسى به عن جنب ، ورأت رفضه للمراضع ، وبحثهم عمن ~~يرضعه ، قالت : ( @QUR@07 هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم ) أى : يقومون ~~بتربيته وإرضاعه من أجل راحتكم وراحته ، ( @QUR@03 وهم له ناصحون ) أى : ~~وهم لا يمنعونه ما ينفعه في تربيته وغذائه ، ولا يقصرون فيما يعود عليه ~~بالخير والعافية. # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ) معطوف ~~على كلام محذوف ، والتقدير : فسمعوا منها ما قالت ، ودلتهم على ms4365 أمه ، ~~فرددناه إليها ، كي يطمئن قلبها وتقر عينها برجوع ولدها إليها ، ولا تحزن ~~لفراقه. # ولتعلم أن وعد الله تعالى حق ، أى : أن وعده سبحانه لا خلف فيه ، بل هو ~~كائن لا محالة. PageV10P384 # ( @QUR@04 ولكن أكثرهم لا يعلمون ) أى : ولكن أكثر الناس لا يعلمون هذه ~~الحقيقة حق العلم ، ولذا يستعجلون الأمور ، دون أن يفطنوا إلى حكمته سبحانه ~~في تدبير أمر خلقه. # وبذلك نرى هذه الآيات قد صاغت لنا بأبلغ أسلوب ، جانبا من حياة موسى ~~عليه السلام ، ومن رعاية الله تعالى له ، وهو ما زال في سن الرضاعة. # * * * # ثم قص علينا سبحانه جانبا من حياة موسى عليه السلام بعد أن بلغ أشده ~~واستوى ، فقال تعالى : # ( @QUR@010 ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين ~~(14) @QUR@038 ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان ~~هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه ~~موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين (15) @QUR@013 قال ~~رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم (16) @QUR@09 قال ~~رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين (17) @QUR@016 فأصبح في المدينة ~~خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين ~~(18) @QUR@033 فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد ~~أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما ~~تريد أن تكون من المصلحين (19) PageV10P385 # @QUR@019 وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ~~ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين (20) @QUR@010 فخرج منها خائفا يترقب قال ~~رب نجني من القوم الظالمين ) (21) # وقوله سبحانه ( @QUR@04 ولما بلغ أشده واستوى ) بيان لجانب من النعم التي ~~أنعم الله تعالى بها على موسى في تلك المرحلة من حياته. # و ( @QUR@01 لما ) ظرف بمعنى حين. والأشد : قوة الإنسان ، واشتعال حرارته ~~من الشدة بمعنى القوة والارتفاع يقال : شد النهار إذا ارتفع. وهو مفرد جاء ~~بصيغة الجمع ولا واحد له ms4366 من لفظه. # وقوله : ( @QUR@01 واستوى ) من الاستواء بمعنى الاكتمال وبلوغ الغاية ~~والنهاية. # أى وحين بلغ موسى عليه السلام منتهى شدته وقوته ، واكتمال عقله ، قالوا : ~~وهي السن التي كان فيها بين الثلاثين والأربعين. # ( @QUR@01 آتيناه ) بفضلنا وقدرتنا ( @QUR@01 حكما ) أى : حكمة وهي ~~الإصابة في القول والفعل ، وقيل : النبوة. # ( @QUR@01 وعلما ) أى : فقها في الدين ، وفهما سليما للأمور ، وإدراكا ~~قويما لشئون الحياة. # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 وكذلك نجزي المحسنين ) بيان لسنة من سننه تعالى ~~التي لا تتخلف. # أى : ومثل هذا الجزاء الحسن ، والعطاء الكريم ، الذي أكرمنا به موسى وأمه ~~نعطى ونجازي المحسنين ، الذين يحسنون أداء ما كلفهم الله تعالى به. فكل من ~~أحسن في أقواله وأعماله ، أحسن الله تعالى جزاءه ، وأعطاه الكثير من آلائه. # ثم حكى سبحانه بعض الأحداث التي تعرض لها موسى عليه السلام في تلك الحقبة ~~من عمره فقال : ( @QUR@07 ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها ) @QUR@01 . # والمراد بالمدينة : مصر ، وقيل : ضاحية من ضواحيها ، كعين شمس ، أو منف. # وجملة ( @QUR@05 على حين غفلة من أهلها ) حال من الفاعل. أى : دخلها ~~مستخفيا. # قيل : والسبب في دخوله على هذه الحالة ، أنه بدت منه مجاهرة لفرعون وقومه بما PageV10P386 # يكرهون ، فخافهم وخافوه. فاختفى وغاب ، فدخلها متنكرا (1). # أى : وفي يوم من الأيام ، وبعد أن بلغ موسى سن القوة والرشد ، دخل ~~المدينة التي يسكنها فرعون وقومه : ( @QUR@05 على حين غفلة من أهلها ) أى : ~~دخلها مستخفيا في وقت كان أهلها غافلين عما يجرى في مدينتهم من أحداث ، ~~بسبب راحتهم في بيوتهم في وقت القيلولة ، أو ما يشبه ذلك. # ( @QUR@01 فوجد ) موسى ( @QUR@01 فيها ) أى في المدينة ( @QUR@02 رجلين ~~يقتتلان ) أى : يتخاصمان ويتنازعان في أمر من الأمور. # ( @QUR@03 هذا من شيعته ) أى : أحد الرجلين كان من طائفته وقبيلته. أى : ~~من بنى إسرائيل : ( @QUR@03 وهذا من عدوه ) أى : والرجل الثاني كان من ~~أعدائه وهم القبط الذين كانوا يسيمون بنى إسرائيل سوء العذاب. # ( @QUR@08 فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه ) أى : فطلب الرجل ~~الإسرائيلى من موسى ، أن ينصره على الرجل القبطي. # والاستغاثة : طلب الغوث والنصرة ، ولتضمنه معنى النصرة عدى بعلى. # ( @QUR@04 فوكزه موسى فقضى ms4367 عليه ) والفاء هنا فصيحة. والوكز : الضرب ~~بجميع الكف. # قال القرطبي : والوكز واللكز واللهز بمعنى واحد ، وهو الضرب بجميع الكف (2). # أى : فاستجاب موسى لمن استنصر به ، فوكز القبطي ، أى : فضربه بيده مضمومة ~~أصابعها في صدره ، ( @QUR@02 فقضى عليه ) أى : فقتله. وهو لا يريد قتله ، ~~وإنما كان يريد دفعه ومنعه من ظلم الرجل الإسرائيلى. # والتعبير بقوله تعالى : ( @QUR@04 فوكزه موسى فقضى عليه ) يشير إلى أن ~~موسى عليه السلام كان على جانب عظيم من قوة البدن ، كما يشير أيضا إلى ما ~~كان عليه من مروءة عالية. حملته على الانتصار للمظلوم بدون تقاعس أو تردد. # ولكن موسى عليه السلام بعد أن رأى القبطي جثة هامدة ، استرجع وندم ، وقال ~~: ( @QUR@04 هذا من عمل الشيطان ) أى : قال موسى : هذا الذي فعلته وهو قتل ~~القبطي ، من عمل الشيطان ومن وسوسته. ومن تزيينه. PageV10P387 # ( @QUR@01 إنه ) أى : الشيطان ( @QUR@01 عدو ) للإنسان ( @QUR@01 مضل ) ~~له عن طريق الحق ( @QUR@01 مبين ) أى : ظاهر العداوة والإضلال. # ثم أضاف إلى هذا الندم والاسترجاع ، ندما واستغفارا آخر فقال : ( @QUR@08 ~~رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي ، فغفر له ). # أى : قال موسى عليه السلام بعد قتله القبطي بدون قصد مكررا الندم ~~والاستغفار : يا رب إنى ظلمت نفسي ، بتلك الضربة التي ترتب عليها الموت ، ~~فاغفر لي ذنبي ، ( @QUR@01 فغفر ) الله تعالى ( @QUR@01 له ) ذنبه ، ( ~~@QUR@01 إنه ) سبحانه ( @QUR@03 هو الغفور الرحيم ) ثم أكد موسى عليه السلام ~~للمرة الثالثة ، توبته إلى ربه ، وشكره إياه على نعمه ، فقال : ( @QUR@08 ~~رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين ). # والظهير : المعين لغيره والناصر له. يقال : ظاهر فلان فلانا إذا أعانه. ~~ويطلق على الواحد والجمع. ومنه قوله تعالى : ( @QUR@04 والملائكة بعد ذلك ~~ظهير ). # قال صاحب الكشاف : قوله ( @QUR@03 بما أنعمت علي ) يجوز أن يكون قسما ~~جوابه محذوف ، تقديره : أقسم بإنعامك على بالمغفرة لأتوبن ( @QUR@04 فلن ~~أكون ظهيرا للمجرمين ) وأن يكون استعطافا ، كأنه قال : رب اعصمني بحق ما ~~أنعمت على من المغفرة فلن أكون إن عصمتني ظهيرا للمجرمين. # وأراد بمظاهرة المجرمين إما صحبة فرعون وانتظامه في جملته ، وتكثيره ~~سواده ، حيث كان يركب بركوبه ، كالولد مع الوالد. وكان يسمى ابن ms4368 فرعون. ~~وإما مظاهرة من أدت مظاهرته إلى الجرم والإثم ، كمظاهرة الإسرائيلى المؤدية ~~إلى القتل الذي لم يحل له .. (1). # وهذه الضراعة المتكررة إلى الله تعالى من موسى عليه السلام ، تدل على نقاء ~~روحه ، وشدة صلته بربه ، وخوفه منه ، ومراقبته له سبحانه ، فإن من شأن ~~الأخيار في كل زمان ومكان ، أنهم لا يعينون الظالمين ، ولا يقفون إلى ~~جانبهم. # قال القرطبي : ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من مشى مع مظلوم ~~ليعينه على مظلمته ، ثبت الله قدميه على الصراط يوم القيامة ، يوم تزل ~~الأقدام ، ومن مشى مع ظالم ليعينه على ظلمه ، أزل الله قدميه على الصراط ~~يوم تدحض فيه الأقدام (2). # ثم بين سبحانه ما كان من أمر موسى بعد هذه الحادثة فقال : ( @QUR@05 ~~فأصبح في المدينة خائفا يترقب ). PageV10P388 # أى : واستمر موسى عليه السلام بعد قتله للقبطي ، يساوره القلق ، فأصبح ~~يسير في طرقات المدينة التي حدث فيها القتل ، ( @QUR@01 خائفا ) من وقوع ~~مكروه به ( @QUR@01 يترقب ) ما سيسفر عنه هذا القتل من اتهامات وعقوبات ~~ومساءلات. # والتعبير بقوله ( @QUR@02 خائفا يترقب ) يشعر بشدة القلق النفسي الذي ~~أصاب موسى عليه السلام في أعقاب هذا الحادث ، كما يشعر أيضا بأنه عليه السلام ~~لم يكن في هذا الوقت على صلة بفرعون وحاشيته ، لأنه لو كان على صلة بهم ، ~~ربما دافعوا عنه ، أو خففوا المسألة عليه. # و ( @QUR@01 فإذا ) في قوله تعالى ( @QUR@05 فإذا الذي استنصره بالأمس ~~يستصرخه ) فجائية. # ويستصرخه : أى : يستغيث به ، مأخوذ من الصراخ وهو رفع الصوت ، لأن من ~~عادة المستغيث بغيره أن يرفع صوته طالبا النجدة والعون. # أى : وبينما موسى على هذه الحالة من الخوف والترقب ، فإذا بالشخص ~~الإسرائيلى الذي نصره موسى بالأمس ، يستغيث به مرة أخرى من قبطى آخر ويطلب ~~منه أن يعينه عليه. # وهنا قال موسى عليه السلام لذلك الإسرائيلى المشاكس : ( @QUR@03 إنك لغوي ~~مبين ). # والغوى : فعيل من أغوى يغوى ، وهو بمعنى مغو ، كالوجيع والأليم بمعنى : ~~الموجع والمؤلم. والمراد به هنا : الجاهل أو الخائب أو الضال عن الصواب. # أى : قال له موسى بحدة وغضب : إنك لضال بين الضلال ms4369 ولجاهل واضح الجهالة ، ~~لأنك تسببت في قتلى لرجل بالأمس ، وتريد أن تحملني اليوم على أن أفعل ما ~~فعلته بالأمس ، ولأنك لجهلك تنازع من لا قدرة لك على منازعته أو مخاصمته. # ومع أن موسى عليه السلام قد قال للإسرائيلى ( @QUR@03 إنك لغوي مبين ) إلا ~~أن همته العالية ، وكراهيته للظلم ، وطبيعته التي تأبى التخلي عن المظلومين ~~كل ذلك دفعه إلى إعداد نفسه لتأديب القبطي ، ويحكى القرآن ذلك فيقول : ( ~~@QUR@09 فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما. ) @QUR@01 .. # والبطش : هو الأخذ بقوة وسطوة. يقال : بطش فلان بفلان إذا ضربه بعنف وقسوة. # أى : فحين هيأ موسى عليه السلام نفسه للبطش بالقبطي الذي هو عدو لموسى ~~وللإسرائيلى ، حيث لم يكن على دينهما. # ( @QUR@024 قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس ، إن تريد ~~إلا أن تكون جبارا في الأرض ، وما تريد أن تكون من المصلحين ). PageV10P389 # ويرى بعض المفسرين ، أن القائل لموسى هذا القول ، هو الإسرائيلى ، الذي ~~طلب من موسى النصرة والعون ، وسبب قوله هذا : أنه توهم أن موسى يريد أن ~~يبطش به دون القبطي ، عند ما قال له : ( @QUR@03 إنك لغوي مبين ). # فيكون المعنى : قال الإسرائيلي لموسى بخوف وفزع : يا موسى أتريد أن ~~تقتلني كما قتلت نفسا هي نفس القبطي بالأمس ، وما تريد بفعلك هذا إلا أن ~~تكون ( @QUR@03 جبارا في الأرض ) أى : ظالما قتالا للناس في الأرض ، ( ~~@QUR@06 وما تريد أن تكون من المصلحين ) الذين يصلحون ، بين الناس ، فتدفع ~~التخاصم بالتي هي أحسن. # ويرى بعضهم أن القائل لموسى هذا القول هو القبطي ، لأنه فهم من قول موسى ~~للإسرائيلى ( @QUR@03 إنك لغوي مبين ) أنه أى : موسى هو الذي قتل القبطي ~~بالأمس. # وقد رجح الإمام الرازي هذا الوجه الثاني فقال : والظاهر هذا الوجه ، لأنه ~~تعالى قال : ( @QUR@012 فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا ~~موسى ) فهذا القول إذن منه أى من القبطي لا من غيره وأيضا قوله : ( @QUR@08 ~~إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض ) لا يليق إلا بأن يكون قولا من كافر ~~وهو القبطي . # وما رجحه ms4370 الإمام الرازي هو الذي نميل إليه ، وإن كان أكثر المفسرين قد ~~رجحوا الرأى الأول ، وسبب ميلنا إلى الرأى الثاني ، أن السورة الكريمة قد ~~حكت ما كان عليه فرعون وملؤه من علو وظلم واضطهاد لبنى إسرائيل ، ومن شأن ~~الظالمين أنهم يستكثرون الدفاع عن المظلومين ، بل ويتهمون من يدافع عنهم ~~بأنه جبار في الأرض ، لذا نرى أن القائل هذا القول لموسى ، هو القبطي ، ~~وليس الإسرائيلى والله أعلم بمراده . # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى. ) @QUR@01 . ~~معطوف على كلام محذوف يرشد إليه السياق. # والتقدير : وانتشر خبر قتل موسى للقبطي بالمدينة ، فأخذ فرعون وقومه في ~~البحث عنه لينتقموا منه .. وجاء رجل قيل هو مؤمن من آل فرعون من أقصى ~~المدينة ، أى : من أطرافها وأبعد مكان فيها ( @QUR@01 يسعى ) أى : يسير ~~سيرا سريعا نحو موسى ، فلما وصل إليه قال له : ( @QUR@04 يا موسى إن الملأ ~~) وهم زعماء قوم فرعون. # ( @QUR@03 يأتمرون بك ليقتلوك ) أى : يتشاورون في أمرك ليقتلوك ، أو يأمر ~~بعضهم بعضا بقتلك ، وسمى التشاور بين الناس ائتمارا ، لأن كلا من ~~المتشاورين يأمر الآخر ، ويأتمر بأمره. # ومنه قوله تعالى : ( @QUR@03 وأتمروا بينكم بمعروف ) أى : وتشاوروا بينكم ~~بمعروف. PageV10P390 # وقوله : ( @QUR@05 فاخرج إني لك من الناصحين ) أى : قال الرجل لموسى : ~~مادام الأمر كذلك يا موسى فاخرج من هذه المدينة ، ولا تعرض نفسك للخطر ، ~~إنى لك من الناصحين بذلك ، قبل أن يظفروا بك ليقتلوك. # واستجاب موسى لنصح هذا الرجل ( @QUR@02 فخرج منها ) أى : من المدينة ، ~~حالة كونه ( @QUR@01 خائفا ) من الظالمين ( @QUR@01 يترقب ) التعرض له منهم ~~، ويعد نفسه للتخفى عن أنظارهم. # وجعل يتضرع إلى ربه قائلا : ( @QUR@02 رب نجني ) بقدرتك وفضلك ( @QUR@03 ~~من القوم الظالمين ) بأن تخلصني من كيدهم ، وتحول بينهم وبيني ، فأنا ما ~~قصدت بما فعلت ، إلا دفع ظلمهم وبغيهم. # وإلى هنا تكون السورة الكريمة ، قد قصت علينا هذا الجانب من حياة موسى ، ~~بعد أن بلغ أشده واستوى ، وبعد أن دفع بهمته الوثابة ظلم الظالمين ، وخرج ~~من مدينتهم خائفا يترقب ، ملتمسا من خالقه عز وجل النجاة من مكرهم. # * * * # ثم حكت لنا السورة الكريمة بعد ذلك ، ما ms4371 كان منه عند ما توجه إلى جهة ~~مدين ، وما حصل له في تلك الجهة من أحداث ، فقال تعالى : # ( @QUR@011 ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل (22) ~~@QUR@027 ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم ~~امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ ~~كبير (23) @QUR@015 فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي ~~من خير فقير (24) @QUR@026 فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي ~~يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من ~~القوم الظالمين (25) @QUR@02 قالت إحداهما PageV10P391 # @QUR@09 يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين (26) @QUR@029 ~~قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت ~~عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين (27) ~~@QUR@015 قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما ~~نقول وكيل ) (28) # ولفظ ( @QUR@01 تلقاء ) في قوله تعالى : ( @QUR@04 ولما توجه تلقاء مدين ~~) منصوب على الظرفية المكانية ، وهو في الأصل اسم مصدر. يقال دارى تلقاء ~~دار فلان ، إذا كانت محاذية لها. # و ( @QUR@01 مدين ) اسم لقبيلة شعيب عليه السلام أو لقريته التي كان يسكن ~~فيها ، سميت بذلك نسبة إلى مدين بن إبراهيم عليه السلام . # وإنما توجه إليها موسى عليه السلام ، لأنها لم تكن داخلة تحت سلطان فرعون وملئه. # أى : وبعد أن خرج موسى من مصر خائفا يترقب ، صرف وجهه إلى جهة قرية مدين ~~التي على أطراف الشام جنوبا ، والحجاز شمالا. # صرف وجهه إليها مستسلما لأمر ربه ، متوسلا إليه بقوله : ( @QUR@06 عسى ~~ربي أن يهديني سواء السبيل ). # أى : قال على سبيل الرجاء في فضل الله تعالى وكرمه : عسى ربي الذي خلقني ~~بقدرته ، وتولاني برعايته وتربيته ، أن يهديني ويرشدني إلى أحسن الطرق التي ~~تؤدى بي إلى النجاة من القوم الظالمين. # فالمراد بسواء السبيل : الطريق المستقيم السهل المؤدى. إلى النجاة ، من ~~إضافة الصفة إلى الموصوف أى : عسى ms4372 أن يهديني ربي إلى الطريق الوسط الواضح. # وأجاب الله تعالى دعاءه ، ووصل موسى بعد رحلة شاقة مضنية إلى أرض مدين ، PageV10P392 # ويقص علينا القرآن ما حدث له بعد وصوله إليها فيقول : ( @QUR@015 ولما ~~ورد ماء مدين ، وجد عليه أمة من الناس يسقون ، ووجد من دونهم امرأتين ~~تذودان ). # قال القرطبي : ووروده الماء : معناه بلغه ، لا أنه دخل فيه. ولفظة الورود ~~قد تكون بمعنى الدخول في المورود ، وقد تكون بمعنى الاطلاع عليه والبلوغ ~~إليه وإن لم يدخل ، فورود موسى هذا الماء كان بالوصول إليه .. (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@01 تذودان ) من الذود بمعنى الطرد والدفع والحبس. ~~يقال : ذاد فلان إبله عن الحوض ، ذودا وذيادا إذا حبسها ومنعها من الوصول إليه. # والمعنى وحين وصل موسى عليه السلام إلى الماء الذي تستقي منه قبيلة مدين ~~وجد أمة أى جماعة كثيرة ( @QUR@03 من الناس يسقون ) أى : يسقون إبلهم ~~وغنمهم ، ودوابهم المختلفة. # ( @QUR@03 ووجد من دونهم ) أى : ووجد بالقرب منهم. أو في جهة غير جهتهم. # ( @QUR@02 امرأتين تذودان ) أى : امرأتين تطردان وتمنعان أغنامهما أو ~~مواشيهما عن الماء ، حتى ينتهى الناس من السقي ، ثم بعد ذلك هما تسقيان ~~دوابهما ، لأنهما لا قدرة لهما على مزاحمة الرجال. # وهنا قال لهما موسى صاحب الهمة العالية ، والمروءة السامية ، والنفس ~~الوثابة نحو نصرة المحتاج قال لهما بما يشبه التعجب : ( @QUR@02 ما خطبكما ~~)؟ أى : ما شأنكما؟ وما الدافع لكما إلى منع غنمكما من الشرب من هذا الماء ~~، مع أن الناس يسقون منه؟ # وهنا قالتا له على سبيل الاعتذار وبيان سبب منعهما لمواشيهما عن الشرب : ~~( @QUR@08 لا نسقي حتى يصدر الرعاء ، وأبونا شيخ كبير ). # ويصدر : من أصدر والصدر عن الشيء : الرجوع عنه ، وهو ضد الورود. يقال : ~~صدر فلان عن الشيء. إذا رجع عنه. # قال الشوكانى : قرأ الجمهور «يصدر» بضم الياء وكسر الدال مضارع أصدر ~~المتعدى بالهمزة ، وقرأ ابن عامر وأبو عمرو «يصدر» بفتح الياء وضم الدال من ~~صدر يصدر اللازم ، فالمفعول على القراءة الأولى محذوف. أى : يرجعون مواشيهم ~~.. (2) و ( @QUR@01 الرعاء ) جمع الراعي ، مأخوذ من الرعي بمعنى الحفظ. PageV10P393 # أى : قالتا لموسى عليه السلام : إن ms4373 من عادتنا أن لا نسقى. مواشينا حتى ~~يصرف الرعاء دوابهم عن الماء ، ويصبح الماء خاليا لنا ، لأننا لا قدرة لنا ~~على المزاحمة ، وليس عندنا رجل يقوم بهذه المهمة ، وأبونا شيخ كبير في السن ~~لا يقدر أيضا على القيام بمهمة الرعي والمزاحمة على السقي. # وبعد أن سمع موسى منهما هذه الإجابة ، سارع إلى معاونتهما شأن أصحاب ~~النفوس الكبيرة ، والفطرة السليمة ، وقد عبر القرآن عن هذه المسارعة بقوله ~~: ( @QUR@02 فسقى لهما ). # أى : فسقى لهما مواشيهما سريعا. من أجل أن يريحهما ويكفيهما عناء ~~الانتظار وفي هذا التعبير إشارة إلى قوته ، حيث إنه استطاع وهو فرد غريب ~~بين أمة من الناس يسقون أن يزاحم تلك الكثرة من الناس ، وأن يسقى للمرأتين ~~الضعيفتين غنمهما. دون أن يصرفه شيء عن ذلك. # رحم الله صاحب الكشاف. فقد أجاد عند عرضه لهذه المعاني. فقال ما ملخصه : ~~«قوله : ( @QUR@02 فسقى لهما ) أى : فسقى غنمهما لأجلهما. وروى أن الرعاة ~~كانوا يضعون على رأس البئر حجرا لا يقله إلا سبعة رجال .. فأقله وحده. # وإنما فعل ذلك رغبة في المعروف وإغاثة للملهوف والمعنى : أنه وصل إلى ذلك ~~الماء ، وقد ازدحمت عليه أمة من الناس ، متكافئة العدد ، ورأى الضعيفتين من ~~ورائهم ، مع غنمهما مترقبتين لفراغهم. فما أخطأت همته في دين الله تلك ~~الفرصة ، مع ما كان به من النصب والجوع ، ولكنه رحمهما فأغاثهما ، بقوة ~~قلبه ، وبقوة ساعده. # فإن قلت : لم ترك المفعول غير مذكور في قوله ( @QUR@01 يسقون ) و ( ~~@QUR@01 تذودان ) قلت : لأن الغرض هو الفعل لا المفعول. ألا ترى أنه إنما ~~رحمهما لأنهما كانتا على الذياد وهم على السقي ، ولم يرحمهما لأن مذودهما ~~غنم ومسقيهم إبل مثلا. # فإن قلت : كيف طابق جوابهما سؤاله؟ قلت : سألهما عن سبب الذود فقالتا : ~~السبب في ذلك أننا امرأتان ضعيفتان مستورتان لا نقدر على مزاحمة الرجال ، ~~فلا بد لنا من تأخير السقي إلى أن يفرغوا ، وما لنا رجل يقوم بذلك ، وأبونا ~~شيخ كبير ، فقد أضعفه الكبر ، فلا يصلح للقيام به ، فهما قد أبدتا إليه ~~عذرهما في توليهما السقي بأنفسهما. # فإن قلت ms4374 : كيف ساغ لنبي الله الذي هو شعيب عليه السلام أن يرضى لا بنتيه ~~بسقى الماشية؟ قلت ، الأمر في نفسه ليس بمحظور ، فالدين لا يأباه ، وأما ~~المروءة فالناس مختلفون في ذلك. والعادات متباينة فيه .. وأحوال العرب فيه ~~خلاف أحوال العجم. ومذهب أهل البدو PageV10P394 # غير مذهب أهل الحضر ، خصوصا إذا كانت الحالة حالة ضرورة .. (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@04 ثم تولى إلى الظل ) فقال : ( @QUR@08 رب إني لما ~~أنزلت إلي من خير فقير ) بيان لما فعله موسى وقاله بعد أن سقى للمرأتين ~~غنمهما. # أى : فسقى موسى للمرأتين غنمهما ، ثم أعرض عنهما متجها إلى الظل الذي كان ~~قريبا منه في ذلك المكان ، قيل كان ظل شجرة وقيل ظل جدار. # فقال : على سبيل التضرع إلى ربه : يا ربي : إنى فقير ومحتاج إلى أى خير ~~ينزل منك على سواء أكان هذا الخير طعاما أم غيره. # قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله : ( @QUR@06 فقال رب إني لما أنزلت إلي ) ~~أى : لأى شيء تنزله من خزائن كرمك إلى ( @QUR@02 من خير ) جل أو قل ، ( ~~@QUR@01 فقير ) أى : محتاج ، وهو خبر إن. وعدى باللام لتضمنه معنى ~~الاحتياج. وما نكرة موصوفة ، والجملة بعدها صفتها. والرابط محذوف ، و ( ~~@QUR@02 من خير ) بيان لها والتنوين فيه للشيوع ، والكلام تعريض لما يطعمه ~~، بسبب ما ناله من شدة الجوع. # يدل لذلك ما أخرجه ابن مردويه عن أنس بن مالك : قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : # «لما سقى موسى للجاريتين ، ثم تولى إلى الظل ، فقال : رب إنى لما أنزلت ~~إلى من خير فقير ، وإنه يومئذ فقير إلى كف من تمر» (2). # واستجاب الله تعالى لموسى دعاءه. وأرسل إليه الفرج سريعا ، يدل لذلك قوله ~~تعالى بعد هذا الدعاء من موسى : ( @QUR@014 فجاءته إحداهما تمشي على ~~استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا. ) @QUR@01 .. # وفي الكلام حذف يفهم من السياق وقد أشار إليه ابن كثير بقوله : لما رجعت ~~المرأتان سراعا بالغنم إلى أبيهما ، أنكر حالهما ومجيئهما سريعا ، فسألهما ~~عن خبرهما فقصتا عليه ما فعل موسى عليه السلام . فبعث إحداهما إليه لتدعوه ~~إلى أبيها ms4375 ، كما قال تعالى : ( @QUR@05 فجاءته إحداهما تمشي على استحياء ) ~~أى : مشى الحرائر ، كما روى عن عمر بن الخطاب أنه قال : كانت مستترة بكم ~~درعها. أى قميصها. # ثم قال ابن كثير : وقد اختلف المفسرون في هذا الرجل من هو؟ على أقوال : ~~أحدها أنه شعيب النبي عليه السلام الذي أرسله الله إلى أهل مدين ، وهذا هو ~~المشهور عند كثيرين وقد قاله الحسن البصري وغير واحد ورواه ابن أبى حاتم. PageV10P395 # وقد روى الطبراني عن مسلمة بن سعد العنزي أنه وفد على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال له : مرحبا بقوم شعيب ، وأختان موسى. # وقال آخرون. بل كان ابن أخى شعيب. وقيل : رجل مؤمن من آل شعيب. # ثم قال رحمه الله ثم من المقوى لكونه ليس بشعيب ، أنه لو كان إياه لأوشك ~~أن ينص على اسمه في القرآن هاهنا. وما جاء في بعض الأحاديث من التصريح ~~بذكره في قصة موسى لم يصح إسناده (1). # والمعنى : ولم يطل انتظار موسى للخير الذي التمسه من خالقه عز وجل فقد ~~جاءته إحدى المرأتين اللتين سقى لهما ، حالة كونها ( @QUR@03 تمشي على ~~استحياء ) أى : على تحشم وعفاف شأن النساء الفضليات. # ( @QUR@01 قالت ) بعبارة بليغة موجزة : ( @QUR@03 إن أبي يدعوك ) للحضور ~~إليه ( @QUR@05 ليجزيك أجر ما سقيت لنا ) أى : ليكافئك على سقيك لنا غنمنا. # واستجاب موسى لدعوة أبيها وذهب معها للقائه ( @QUR@02 فلما جاءه )، أى : ~~فلما وصل موسى إلى بيت الشيخ الكبير ، ( @QUR@03 وقص عليه القصص )، أى : ~~وقص عليه ما جرى له قبل ذلك ، من قتله القبطي ، ومن هروبه إلى أرض مدين. # فالقصص هنا مصدر بمعنى اسم المفعول ، أى : المقصوص. # ( @QUR@01 قال ) أى : الشيخ الكبير لموسى ( @QUR@06 لا تخف نجوت من القوم ~~الظالمين ) أى : لا تخف يا موسى من فرعون وقومه ، فقد أنجاك الله تعالى ~~منهم ومن كل ظالم. # وهذا القول من الشيخ الكبير لموسى ، صادف مكانه ، وطابق مقتضاه ، فقد كان ~~موسى عليه السلام أحوج ما يكون في ذلك الوقت إلى نعمة الأمان والاطمئنان ، ~~بعد أن خرج من مصر خائفا يترقب. # ثم يحكى القرآن بعد ذلك ، ما أشارت ms4376 به إحدى الفتاتين على أبيها : فقال ~~تعالى : ( @QUR@02 قالت إحداهما ) ولعلها التي جاءت إلى موسى على استحياء ~~لتقول له : ( @QUR@08 إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ). # ( @QUR@03 يا أبت استأجره ) أى : قالت لأبيها بوضوح واستقامة قصد شأن ~~المرأة السليمة الفطرة النقية العرض القوية الشخصية يا أبت استأجر هذا ~~الرجل الغريب ليكفينا تعب الرعي ، ومشقة العمل خارج البيت. PageV10P396 # ثم عللت طلبها بقولها : ( @QUR@06 إن خير من استأجرت القوي الأمين ) أى : ~~استأجره ليرعى غنمنا ، فإنه جدير بهذه المهمة ، لقوته وأمانته ، ومن جمع في ~~سلوكه وخلقه بين القوة والأمانة ، كان أهلا لكل خير ، ومحلا لثقة الناس به ~~على أموالهم وأعراضهم. # قال ابن كثير : قال عمر ، وابن عباس ، وشريح القاضي ، وأبو مالك ، وقتادة ~~.. وغير واحد : لما قالت : ( @QUR@06 إن خير من استأجرت القوي الأمين ) قال ~~لها أبوها : وما علمك بذلك؟ قالت : إنه رفع الصخرة التي لا يطيق حملها إلا ~~عشرة رجال ، وأنه لما جئت معه تقدمت أمامه ، فقال لي : كوني من ورائي ، ~~فإذا اجتنبت الطريق فاحذفى أى فارمى بحصاة أعلم بها كيف الطريق لأهتدى إليه (1). # واستجاب الشيخ الكبير لما اقترحته عليه ابنته ، وكأنه أحس بصدق عاطفتها ، ~~وطهارة مقصدها وسلامة فطرتها ، فوجه كلامه إلى موسى قائلا : ( @QUR@07 إني ~~أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين ). # أى : قال الشيخ الكبير لموسى مستجيبا لاقتراح ابنته : يا موسى إنى أريد ~~أن أزوجك إحدى ابنتي هاتين. # ولعله أراد بإحداهما ، تلك التي قالت له : يا أبت استأجره ، لشعوره وهو ~~الشيخ الكبير ، والأب العطوف ، الحريص على راحة ابنته بأن هناك عاطفة شريفة ~~تمت بين قلب ابنته ، وبين هذا الرجل القوى الأمين ، وهو موسى عليه السلام . # وفي هذه الآيات ما فيها من الإشارة إلى رغبة المرأة الصالحة ، في الرجل ~~الصالح ، وإلى أنه من شأن الآباء العقلاء أن يعملوا على تحقيق هذه الرغبة. # قال الشوكانى : في هذه الآية مشروعية عرض ولى المرأة لها على الرجل ، ~~وهذه سنة ثابتة في الإسلام ، كما ثبت من عرض عمر لابنته حفصة على أبى بكر ~~وعثمان ، وغير ذلك مما وقع في أيام الصحابة ms4377 أيام النبوة ، وكذلك ما وقع من ~~عرض المرأة لنفسها على رسول الله صلى الله عليه وسلم (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 على أن تأجرني ثماني حجج ) بيان لما اشترطه ~~الشيخ الكبير على موسى عليه السلام . PageV10P397 # أى قال له بصيغة التأكيد : إنى أريد أن أزوجك إحدى ابنتي هاتين ، بشرط أن ~~تعمل أجيرا عندي لرعى غنمي ( @QUR@02 ثماني حجج ) أى : ثماني سنين. # قال الجمل : وقوله : ( @QUR@03 على أن تأجرني ) في محل نصب على الحال ، ~~إما من الفاعل أو من المفعول. # أى : مشروطا على أو عليك ذلك .. و ( @QUR@01 تأجرني ) مفعوله الثاني ~~محذوف أى : تأجرنى نفسك و ( @QUR@02 ثماني حجج ) ظرف له .. (1). # وقوله : ( @QUR@05 فإن أتممت عشرا فمن عندك ) أى : فإن أتممت عشر سنين ~~كأجير عندي لرعاية غنمي ، أى : فهذا الإتمام من عندك على سبيل التفضل ~~والتكرم فإنى لا أشترط عليك سوى ثماني حجج. # وقوله ( @QUR@011 وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين ) ~~بيان لحسن العرض الذي عرضه الشيخ على موسى. # أى : وما أريد أن أشق عليك أو أتعبك في أمر من الأمور خلال استئجارى لك ، ~~بل ستجدني إن شاء الله تعالى من الصالحين ، في حسن المعاملة ، وفي لين ~~الجانب ، وفي الوفاء بالعهد. # وقال : ( @QUR@04 ستجدني إن شاء الله. ) @QUR@01 . للدلالة على أنه من ~~المؤمنين. الذين يفوضون أمورهم إلى الله تعالى ويرجون توفيقه ومعونته على الخير. # ثم حكى سبحانه ما رد به موسى فقال : ( @QUR@015 قال ذلك بيني وبينك أيما ~~الأجلين قضيت فلا عدوان علي ، والله على ما نقول وكيل ). # أى : ( @QUR@01 قال ) موسى في الرد على الشيخ الكبير ( @QUR@03 ذلك بيني ~~وبينك ) أى : ذلك الذي قلته لي واشترطته على ، كائن وحاصل بيني وبينك ، ~~وكلانا مطالب بالوفاء به فاسم الإشارة مبتدأ ، وبيني وبينك خبره ، والإشارة ~~مرجعها إلى ما تعاقدا عليه ، وأى في قوله : ( @QUR@02 أيما الأجلين ) شرطية ~~، وجوابها ، ( @QUR@03 فلا عدوان علي ) وما مزيدة للتأكيد. # والمعنى : أى الأجلين ، أى الثمانية الأعوام أو العشرة الأعوام ( @QUR@01 ~~قضيت ) أى : وفيت به ، وأديته معك أجيرا عندك ( @QUR@03 فلا عدوان علي ) أى ~~: فلا ظلم على ، وأصل العدوان : تجاوز الحد. # قال صاحب ms4378 الكشاف ما ملخصه : أى قال موسى : ذلك الذي قلته .. قائم بيننا جميعا PageV10P398 # لا يخرج كلانا عنه لا أنا عما اشترطت على ولا أنت عما اشترطت على نفسك .. ~~ثم قال : أى أجل من الأجلين قضيت أطولهما أو أقصرهما ( @QUR@03 فلا عدوان ~~علي ) أى : فلا يعتدى على في طلب الزيادة عليه. فإن قلت : تصور العدوان ~~إنما هو في أحد الأجلين الذي هو الأقصر ، وهو المطالبة بتتمة العشر ، فما ~~معنى تعليق العدوان بهما جميعا؟ # قلت : معناه ، كما أنى إن طولبت بالزيادة على العشر كان عدوانا لا شك فيه ~~، فكذلك إن طولبت بالزيادة على الثماني. أراد بذلك تقرير أمر الخيار ، وأنه ~~ثابت مستقر ، وأن الأجلين على السواء إما هذا وإما هذا من غير تفاوت بينهما ~~في القضاء ، وأما التتمة فهي موكولة إلى رأيى. إن شئت أتيت بها ، وإلا لم ~~أجبر عليها .. (1). # والمقصود بقوله : ( @QUR@05 والله على ما نقول وكيل ) توثيق العهد ~~وتأكيده ، وأنه لا سبيل لواحد منهما على الخروج عنه أصلا. # أى : والله تعالى شهيد ووكيل ورقيب على ما اتفقنا عليه ، وتعاهدنا على ~~تنفيذه ، وكفى بشهادته سبحانه شهادة. # وقد ساق الإمام ابن كثير جملة من الآثار التي تدل على أن موسى عليه السلام ~~قد قضى أطول الأجلين. ومن ذلك ما جاء عن ابن عباس أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : سألت جبريل : أى الأجلين قضى موسى؟ قال : «أكملهما ~~وأتمهما ، وفي رواية : أبرهما وأوفاهما» (2). # هذا ، والمتأمل في هذه الآيات الكريمة ، يرى فيها بجلاء ووضوح ، ما جبل ~~عليه موسى عليه السلام من صبر على بأساء الحياة وضرائها ومن همة عالية تحمله ~~في كل موطن على إعانة المحتاج ، ومن طبيعة إيجابية تجعله دائما لا يقف أمام ~~مالا يرضيه مكتوف اليدين ، ومن عاطفة رقيقة تجعله في كل الأوقات دائم ~~التذكر لخالقه ، كثير التضرع إليه بالدعاء. # كما يرى فيها الفطرة السوية ، والصدق مع النفس ، والحياء ، والعفاف ، ~~والوضوح ، والبعد عن التكلف والالتواء ، كل ذلك متمثل في قصة هاتين ~~المرأتين اللتين سقى لهما موسى غنمهما ، واللتين جاءته إحداهما تمشى على ~~استحياء ms4379 ، ثم قالت لأبيها : يا أبت استأجره. # كما يرى فيها ما كان يتحلى به ذلك الشيخ الكبير من عقل راجح ، ومن قول ~~طيب حكيم ، يدخل الأمان والاطمئنان على قلب الخائف ، ومن أبوة حانية رشيدة ~~، تستجيب PageV10P399 # للعواطف الشريفة ، وتعمل على تحقيق رغباتها عن طريق الزواج الذي شرعه ~~الله تعالى . # ومضت السنوات العشر ، التي قضاها موسى أجيرا عند الشيخ الكبير في مدين ، ~~ووفى كل واحد منهما بما وعد به صاحبه ، وتزوج موسى بإحدى ابنتي الشيخ ~~الكبير ، وقرر الرجوع بأهله إلى مصر ، فماذا حدث له في طريق عودته؟ يحكى ~~لنا القرآن الكريم بأسلوبه البديع ما حدث لموسى عليه السلام بعد ذلك فيقول : # ( @QUR@027 فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال ~~لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم ~~تصطلون (29) @QUR@020 فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة ~~المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين (30) @QUR@020 وأن ~~ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا ~~تخف إنك من الآمنين (31) @QUR@025 اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء ~~واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملائه إنهم ~~كانوا قوما فاسقين (32) @QUR@09 قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون ~~(33) @QUR@014 وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني ~~أخاف أن يكذبون (34) PageV10P400 # @QUR@015 قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما ~~بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون ) (35) # والمراد بالأجل في قوله تعالى : ( @QUR@04 فلما قضى موسى الأجل. ) ~~@QUR@01 . المدة التي قضاها موسى أجيرا عند الشيخ الكبير ، بجهة مدين. # والمعنى : ومكث موسى عشر سنين في مدين ، فلما قضاها وتزوج بإحدى ابنتي ~~الشيخ الكبير ، استأذن منه ( @QUR@02 وسار بأهله ) أى وسار بزوجته متجها ~~إلى مصر ليرى أقاربه وذوى رحمه ، أو إلى مكان آخر قيل : هو بيت المقدس. # ( @QUR@05 آنس من جانب الطور نارا ) ولفظ ( @QUR@01 آنس ) من الإيناس ، ~~وهو إبصار الشيء ورؤيته بوضوح لا التباس معه ms4380 ، حتى لكأنه يحسه بجانب رؤيته له. # أى : وخلال سيره بأهله إلى مصر ، رأى بوضوح وجلاء ( @QUR@04 من جانب ~~الطور نارا ). # أى : رأى من الجهة التي تلى جبل الطور نارا عظيمة. # قال الآلوسى : «استظهر بعضهم أن المبصر كان نورا حقيقة ، إلا أنه عبر عنه ~~بالنار ، اعتبارا لاعتقاد موسى عليه السلام ، وقال بعضهم : كان المبصر في ~~صور النار الحقيقة ، وأما حقيقته ، فوراء طور العقل ، إلا أن موسى ~~عليه السلام ظنه النار المعروفة» (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@06 قال لأهله امكثوا إني آنست نارا. ) @QUR@01 . ~~حكاية لما قاله موسى عليه السلام لزوجته ومن معها عند ما أبصر النار. # أى : عند ما أبصر موسى النار بوضوح وجلاء ( @QUR@03 قال لأهله امكثوا ) ~~في مكانكم ( @QUR@03 إني آنست نارا ) على مقربة منى وسأذهب إليها. # ( @QUR@04 لعلي آتيكم منها بخبر ) ينفعنا في مسيرتنا ، ( @QUR@01 أو ) ~~أقتطع لكم منها ( @QUR@05 جذوة من النار لعلكم تصطلون ). # قال الجمل : قرأ حمزة : ( @QUR@02 أو جذوة ) بضم الجيم. وقرأ عاصم بالفتح ~~، وقرأ الباقون بالكسر ، وهي لغات في العود الذي في رأسه نار ، هذا هو ~~المشهور. وقيده بعضهم فقال : في رأسه نار من غير لهب ، وقد ورد ما يقتضى ~~وجود اللهب فيه ، وقيل : الجذوة العود الغليظ سواء أكان في رأسه نار أم لم ~~يكن. وليس المراد هنا إلا ما في رأسه نار. (2). PageV10P401 # وقوله : ( @QUR@01 تصطلون ) من الاصطلاء بمعنى الاقتراب من النار ~~للاستدفاء بها من البرد. والطاء فيه مبدلة من تاء الافتعال. # أى : قال موسى لأهله امكثوا في مكانكم حتى أرجع إليكم ، فإنى أبصرت نارا ~~سأذهب إليها ، لعلى آتيكم من جهتها بخبر يفيدنا في رحلتنا ، أو أقتطع لكم ~~منها قطعة من الجمر ، كي تستدفئوا بها من البرد. # قال ابن كثير ما ملخصه : وكان ذلك بعد ما قضى موسى الأجل الذي كان بينه ~~وبين صهره في رعاية الغنم ، وسار بأهله. قيل : قاصدا بلاد مصر بعد أن طالت ~~الغيبة عنها أكثر من عشر سنين ، ومعه زوجته ، فأضل الطريق ، وكانت ليلة ~~شاتية. ونزل منزلا بين شعاب وجبال ، في برد وشتاء ، وسحاب وظلام وضباب وجعل ~~يقدح بزند معه ليورى نارا ms4381 أى : ليخرج نارا كما جرت العادة به ، فجعل لا ~~يقدح شيئا ، ولا يخرج منه شرر ولا شيء ، فبينما هو كذلك إذ آنس من جانب ~~الطور نارا .. (1). # ثم بين سبحانه : ما حدث لموسى بعد أن وصل إلى الجهة التي فيها النار فقال ~~تعالى : ( @QUR@020 فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة ~~المباركة من الشجرة ، أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين ). # والضمير في «أتاها» ، يعود إلى النار التي رآها. وشاطئ الوادي : جانبه ، ~~والأيمن : صفته. # أى : فحين أتى موسى عليه السلام إلى النار التي أبصرها ، ( @QUR@05 نودي ~~من شاطئ الواد الأيمن ) أى سمع نداء من الجانب الأيمن بالنسبة له ، أى : ~~لموسى وهو يسير إلى النار التي رآها ، فمن لابتداء الغاية. # ويرى بعضهم أن المراد بالأيمن. أى : المبارك ، مأخوذ من اليمن بمعنى ~~البركة. # وقوله : ( @QUR@03 في البقعة المباركة ) متعلق بقوله ( @QUR@01 نودي ) أو ~~بمحذوف حال من الشاطئ. # وقوله : ( @QUR@02 من الشجرة ) بدل اشتمال من شاطئ الوادي ، فإنه كان ~~مشتملا عليها. # والبقعة : اسم للقطعة من الأرض التي تكون غير هيئة القطعة المجاورة لها ~~وجمعها بقع بضم الباء وفتح القاف وبقاع. # ووصفت بالبركة : لما وقع فيها من التكليم والرسالة لموسى ، وإظهار ~~المعجزات والآيات على يديه. PageV10P402 # أى : فلما اقترب موسى من النار ، نودي من ذلك المكان الطيب ، الكائن على ~~يمينه وهو يسير إليها. والمشتمل على البقعة المباركة من ناحية الشجرة. # ولعل التنصيص على الشجرة ، للإشارة إلى أنها كانت الوحيدة في ذلك المكان. # و ( @QUR@01 أن ) في قوله تعالى : ( @QUR@08 أن يا موسى إني أنا الله رب ~~العالمين ) تفسيرية ، لأن النداء قول. # أى : نودي أن يا موسى تنبه وتذكر إنى أنا الله رب العالمين. # قال الإمام ابن كثير : وقوله تعالى : ( @QUR@08 أن يا موسى إني أنا الله ~~رب العالمين ) أى : الذي يخاطبك ويكلمك هو رب العالمين ، الفعال لما يشاء ~~لا إله غيره. ولا رب سواه ، تعالى وتقدس وتنزه عن مماثلة المخلوقات في ذاته ~~وصفاته وأقواله سبحانه : (1). # «قوله سبحانه : ( @QUR@03 وأن ألق عصاك ) معطوف على قوله ( @QUR@03 أن يا ~~موسى ) فكلاهما مفسر للنداء ، والفاء في ms4382 قوله ( @QUR@03 فلما رآها تهتز ) فصيحة. # والمعنى : نودي أن يا موسى إنى أنا الله رب العالمين ، ونودي أن ألق عصاك ~~، فألقاها. ( @QUR@03 فلما رآها تهتز ) أى تضطرب بسرعة ( @QUR@02 كأنها جان ~~) أى : كأنها في سرعة حركتها وشدة اضطرابها ( @QUR@01 جان ) أى : ثعبان يدب ~~بسرعة ويمرق في خفة ولى مدبرا ولم يعقب. أى : ولى هاربا خوفا منها ، دون أن ~~يفكر في العودة إليها. ليتبين ماذا بها ، وليتأمل ما حدث لها. # يقال : عقب المقاتل إذا كر راجعا إلى خصمه ، بعد أن فر من أمامه. # وهنا جاءه النداء مرة أخرى ، في قوله تعالى : ( @QUR@08 يا موسى أقبل ولا ~~تخف إنك من الآمنين ). # أى : يا موسى أقبل نحو المكان الذي كنت فيه ، ولا تخف مما رأيته ، إنك من ~~عبادنا الآمنين عندنا ، المختارين لحمل رسالتنا. # ثم أمره سبحانه بأمر آخر فقال : ( @QUR@09 اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء ~~من غير سوء. ) @QUR@01 .. # ولفظ ( @QUR@01 اسلك ) من السلك بتشديد السين مع الفتح بمعنى إدخال الشيء ~~في الشيء. # أى : أدخل يدك يا موسى في فتحة ثوبك ، تخرج بيضاء من غير سوء مرض أو عيب ~~( @QUR@05 واضمم إليك جناحك من الرهب ) والجناح : اليد ، والرهب : الخوف ~~والفزع. PageV10P403 # والمقصود بالجملة الكريمة ( @QUR@05 واضمم إليك جناحك من الرهب ) إرشاد ~~موسى إلى ما يدخل الطمأنينة على قلبه ، ويزيل خوفه. # والمعنى : افعل يا موسى ما أمرناك به ، فإذا أفزعك أمر يدك وما تراه من ~~بياضها وشعاعها ، فأدخلها في فتحة ثوبك ، تعد إلى حالتها الأولى. # وإذا انتابك خوف عند معاينة الحية ، فاضمم يدك إلى صدرك ، يذهب عنك الخوف. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما معنى قوله : ( @QUR@05 واضمم إليك جناحك من ~~الرهب )؟ قلت : فيه معنيان ، أحدهما : أن موسى عليه السلام لما قلب الله ~~العصا حية فزع واضطرب ، فاتقاها بيده ، كما يفعل الخائف من الشيء ، فقيل له ~~: إن اتقاءك بيدك فيه غضاضة أى منقصة عند الأعداء فإذا ألقيتها فعند ما ~~تنقلب حية ، فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها ، ثم أخرجها بيضاء ليحصل ~~الأمران : اجتناب ما هو غضاضة عليك ، وإظهار معجزة أخرى. # والثاني : أن يراد بضم ms4383 جناحه إليه ، تجلده وضبط نفسه ، وتشدده عند انقلاب ~~العصا حية ، حتى لا يضطرب ولا يرهب ... (1). # واسم الإشارة في قوله ، فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه .. يعود ~~إلى العصا واليد. والتذكير لمراعاة الخبر وهو ( @QUR@01 برهانان ) والبرهان ~~: الحجة الواضحة النيرة التي تلجم الخصم ، وتجعله لا يستطيع معارضتها. أى : ~~فهاتان المعجزتان اللتان أعطيناك إياهما يا موسى ، وهما العصا واليد ، ~~حجتان واضحتان كائنتان ( @QUR@02 من ربك ) فاذهب بهما إلى ( @QUR@02 فرعون ~~وملائه ) لكي تبلغهم رسالتنا ، وتأمرهم بإخلاص العبادة لنا. # ( @QUR@01 إنهم ) أى : فرعون وملئه ( @QUR@03 كانوا قوما فاسقين ) أى : ~~خارجين من الطاعة إلى المعصية. ومن الحق إلى الباطل. # وهنا تذكر موسى ما كان بينه وبين فرعون وقومه من عداوة ، فقال : ( ~~@QUR@08 رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون ) إذا ذهبت إليهم بهذه ~~الآيات. وهو عليه السلام لا يقول ذلك ، هروبا من تبليغ رسالة الله تعالى ~~وإنما ليستعين برعايته عز وجل وبحفظه. عند ما يذهب إلى هؤلاء الأقوام ~~الفاسقين. # ثم أضاف إلى ذلك قوله : ( @QUR@06 وأخي هارون هو أفصح مني لسانا ) أى هو ~~أقدر منى على المدافعة عن الدعوة وعلى تبيان الحق وتوضيحه. PageV10P404 # ( @QUR@08 فأرسله معي ردءا يصدقني ، إني أخاف أن يكذبون ) والردء : العون ~~والنصير. # يقال : ردأته على عدوه وأردأته ، إذا أعنته عليه. وردأت الجدار إذا قويته ~~بما يمنعه من أن ينقض. # أى : فأرسل أخى هارون معى إلى هؤلاء القوم ، لكي يساعدني ويعينني على ~~تبليغ رسالتك. ويصدقني فيما سأدعوهم إليه ، ويخلفني إذا ما اعتدى على. ( ~~@QUR@04 إني أخاف أن يكذبون ) إذا لم يكن معى أخى هارون يعينني ويصدقني. # والمتأمل في هذا الكلام الذي ساقه الله تعالى على لسان موسى عليه السلام ~~يرى فيه إخلاصه في تبليغ رسالة ربه ، وحرصه على أن يؤتى هذا التبليغ ثماره ~~الطيبة على أكمل صورة ، وأحسن وجه. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت تصديق أخيه ما الفائدة فيه؟ # قلت : ليس الغرض بتصديقه أن يقول له صدقت ، أو يقول للناس صدق أخى ، ~~وإنما هو أن يلخص بلسانه الحق ، ويبسط القول فيه ، ويجادل به الكفار كما ~~يصدق القول بالبرهان. وفضل ms4384 الفصاحة إنما يحتاج إليه لذلك ، لا لقوله : صدقت ~~، فإن سحبان وباقلا يستويان فيه (1). # ثم حكى القرآن بعد ذلك ، أن الله تعالى قد أجاب لموسى رجاءه فقال : ( ~~@QUR@04 قال سنشد عضدك بأخيك ). # شد العضد : كناية عن التقوية له ، لأن اليد تشتد وتقوى ، بشدة العضد ~~وقوته. وهو من المرفق إلى الكتف. # أى قال سبحانه لقد استجبنا لرجائك يا موسى ، وسنقويك ونعينك بأخيك ( ~~@QUR@02 ونجعل لكما ) بقدرتنا ومشيئتنا ( @QUR@01 سلطانا ) أى : حجة ~~وبرهانا وقوة تمنع الظالمين ( @QUR@03 فلا يصلون إليكما ) بأذى ولا يتغلبان ~~عليكما بحجة. # وقوله ( @QUR@01 بآياتنا ) متعلق بمحذوف. أى : فوضا أمركما إلى ، واذهبا ~~إلى فرعون وقومه بآياتنا الدالة على صدقكما. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 أنتما ومن اتبعكما الغالبون ) مؤكد لمضمون ما ~~قبله. من تقوية قلب موسى ، وتبشيره بالغلبة والنصر على أعدائه. # أى : أجبنا طلبك يا موسى ، وسنقويك بأخيك ، فسيرا إلى فرعون وقومه ، ~~فسنجعل لكما PageV10P405 # الحجة عليهم. وستكونان أنتما ومن اتبعكما من المؤمنين أصحاب الغلبة ~~والسلطان على فرعون وجنده. # ونفذ موسى وهارون عليهما السلام أمر ربهما عز وجل فذهبا إلى فرعون ليبلغاه ~~دعوة الحق ، وليأمراه بإخلاص العبادة لله تعالى . # وتحكى الآيات الكريمة بعد ذلك ما دار بين موسى وبين فرعون وقومه من ~~محاورات ومجادلات ، انتهت بانتصار الحق ، وهلاك الباطل .. تحكى الآيات كل ~~ذلك فتقول : # ( @QUR@017 فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى ~~وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين (36) @QUR@018 وقال موسى ربي أعلم بمن ~~جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون (37) ~~@QUR@029 وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا ~~هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من ~~الكاذبين (38) @QUR@012 واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم ~~إلينا لا يرجعون (39) @QUR@010 فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف ~~كان عاقبة الظالمين (40) @QUR@09 وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم ~~القيامة لا ينصرون (41) @QUR@010 وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم ~~القيامة هم من المقبوحين (42) @QUR@02 ولقد آتينا PageV10P406 # @QUR@014 موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى ms4385 بصائر للناس وهدى ~~ورحمة لعلهم يتذكرون ) (43) # والمراد بالآيات في قوله تعالى ( @QUR@05 فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات ~~): العصا واليد. وجمعهما تعظيم لشأنهما ، ولاشتمال كل واحدة منهما على ~~دلائل متعددة على صدق موسى عليه السلام فيما جاء به من عند ربه تعالى . # والمعنى : ووصل موسى إلى فرعون وقومه ، ليأمرهم بعبادة الله وحده ، فلما ~~جاءهم بالمعجزات التي أيدناه بها ، والتي تدل على صدقه دلالة واضحة. # ( @QUR@01 قالوا ) له على سبيل التبجح والعناد ( @QUR@05 ما هذا إلا سحر ~~مفترى ) أى : قالوا له : ما هذا الذي جئت به يا موسى إلا سحر أتيت به من ~~عند نفسك. # ثم أكدوا قولهم الباطل هذا بآخر أشد منه بطلانا ، فقالوا كما حكى القرآن ~~عنهم : ( @QUR@06 وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ). # أى : وما سمعنا بهذا الذي جئتنا به يا موسى ، من الدعوة إلى عبادة الله ~~وحده ومن إخبارك لنا بأنك نبي .. ما سمعنا بشيء من هذا كائنا أو واقعا في ~~عهد آبائنا الأولين وقولهم هذا يدل على إعراضهم عن الحق ، وعكوفهم على ما ~~ألفوه بدون تفكر أو تدبر وقد رد عليهم موسى ردا منطقيا حكيما ، حكاه القرآن ~~في قوله : ( @QUR@09 وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده. ) @QUR@01 .. # أى : وقال موسى في رده على فرعون وملئه : ربي الذي خلقني وخلقكم ، أعلم ~~منى ومنكم بمن جاء بالهدى والحق من عنده ، وسيحكم بيني وبينكم بحكمه ~~العادل. # ولم يصرح موسى عليه السلام بأنه يريد نفسه ، بالإتيان بالهداية لهم من عند ~~الله تعالى ليكفكف من عنادهم وغرورهم ، وليرخى لهم حبل المناقشة ، حتى يخرس ~~ألسنتهم عن طريق المعجزات التي أيده الله تعالى بها. # وقوله : ( @QUR@05 ومن تكون له عاقبة الدار ) معطوف على ما قبله. # أى : وربي أيضا أعلم منى ومنكم بمنى تكون له النهاية الحسنة ، والعاقبة ~~الحميدة. # قال الآلوسي : وقوله : ( @QUR@05 ومن تكون له عاقبة الدار ) وهي الدنيا ، ~~وعاقبتها أن يختم للإنسان بها ، بما يفضى به إلى الجنة بفضل الله تعالى ~~وكرمه. (1) PageV10P407 # وقوله سبحانه ( @QUR@04 إنه لا يفلح الظالمون ) تذييل قصديه ببان سنة من ~~سننه تعالى التي لا تتخلف ms4386 أى إنه سبحانه قد اقتضت سنته أن لا يفوز الظالمون ~~بمطلوب بل الذين يفوزون بالعاقبة الحميدة هم الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا. # ولكن هذا الرد المهذب الحكيم من موسى عليه السلام ، لم يعجب فرعون ~~المتطاول المغرور فأخذ في إلقاء الدعاوى الكاذبة ، التي حكاها القرآن عنه ~~في قوله : ( @QUR@011 وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري ). # أى : وقال فرعون لقومه على سبيل الكذب والفجور يا أيها الأشراف من ~~أتباعى. إنى ما علمت لكم من إله سواي. # وقوله هذا يدل على ما بلغه من طغيان وغرور ، فكأنه يقول لهم : إنى لم ~~أعلم بأن هناك إلها لكم سواي ، ومالا أعلمه فلا وجود له. # وقد قابل قومه هذا الهراء والهذيان ، بالسكوت والتسليم ، شأن الجهلاء ~~الجبناء وصدق الله إذ يقول : ( @QUR@07 فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا ~~قوما فاسقين ) (1) ثم تظاهر بعد ذلك بأنه جاد في دعواه أمام قومه بأنه لا ~~إله لهم سواه ، وأنه حريص على معرفة الحقيقة ، فقال لوزيره هامان : ( ~~@QUR@014 فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله ~~موسى ). # والصرح : البناء الشاهق المرتفع. أى : فاصنع لي يا هامان من الطين آجرا ~~قويا ، ثم هيئ لي منه بناء عاليا مكشوفا. أصعد عليه ، لعلى أرى إله موسى من ~~فوقه. والمراد بالظن في قوله : ( @QUR@04 وإني لأظنه من الكاذبين ) اليقين. ~~أى : وإنى لمتيقن أن موسى من الكاذبين في دعواه أن هناك إلها غيرى .. في ~~هذا الكون. # وهكذا. استخف فرعون بعقول قومه الجاهلين الجبناء ، فأفهمهم أنه لا إله ~~لهم سواه ، وأن موسى كاذب فيما ادعاه. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى ( @QUR@033 وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا ~~لعلي أبلغ الأسباب. أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى. وإني لأظنه كاذبا ~~وكذلك زين لفرعون سوء عمله ، وصد عن السبيل. وما كيد فرعون إلا في تباب ). ~~(2) قال ابن كثير : وذلك لأن فرعون ، بنى هذا الصرح ، الذي لم ير في الدنيا ~~بناء أعلى منه ، PageV10P408 # وإنما أراد بهذا أن يظهر لرعيته ، تكذيب موسى فيما قاله من ms4387 أن هناك إلها ~~غير فرعون. ولهذا قال : ( @QUR@04 وإني لأظنه من الكاذبين ) أى : في قوله ~~إن ثم ربا غيرى. (1) ثم بين سبحانه الأسباب التي حملت فرعون على هذا القول ~~الساقط الكاذب ، فقال : ( @QUR@012 واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق ، ~~وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون ). # والاستكبار : التعالي والتطاول على الغير بحمق وجهل. أى : وتعالى فرعون ~~وجنوده في الأرض التي خلقناها لهم ، دون أن يكون لهم أى حق في هذا التطاول ~~والتعالي ، وظنوا واعتقدوا أنهم إلينا لا يرجعون ، لمحاسبتهم ومعاقبتهم يوم ~~القيامة. # فماذا كانت نتيجة ذلك التطاول والغرور ، والتكذيب بالبعث والحساب؟ لقد ~~كانت نتيجته كما قال تعالى بعد ذلك : ( @QUR@05 فأخذناه وجنوده فنبذناهم في ~~اليم ). # والنبذ : الطرح والإهمال للشيء لحقارته وتفاهته. # أى : فأخذنا فرعون وجنوده بالعقاب الأليم أخذا سريعا حاسما فألقينا بهم ~~في البحر ، كما يلقى بالنواة أو الحصاة التي لا قيمة لها ، ولا اعتداد بها. # ( @QUR@01 فانظر ) أيها العاقل نظر تدبر واعتبار ( @QUR@04 كيف كان عاقبة ~~الظالمين )؟ لقد كانت عاقبتهم الإغراق الذي أزهق أرواحهم واستأصل باطلهم. # ( @QUR@01 وجعلناهم ) أى : فرعون وجنوده ، ( @QUR@01 أئمة ) في الكفر ~~والفسوق والعصيان بسبب أنهم ( @QUR@01 يدعون )، غيرهم إلى ما يوصل ( ~~@QUR@02 إلى النار ) وسعيرها والاحتراق بها. # ( @QUR@04 ويوم القيامة لا ينصرون ) أى : ويوم القيامة لا يجدون من ~~ينصرهم ، بأن يدفع العذاب عنهم بأية صورة من الصور. # ( @QUR@04 وأتبعناهم في هذه الدنيا ) التي قضوا حياتهم فيها في الكفر ~~والضلال ، أتبعناهم فيها ( @QUR@01 لعنة ) أى : طردا وإبعادا عن رحمتنا. # ( @QUR@05 ويوم القيامة هم من المقبوحين ) والشيء المقبوح : هو المطرود ~~المبعد عن كل خير. أى : وهم يوم القيامة أيضا من المبعدين عن رحمتنا ، بسبب ~~كفرهم وفسوقهم. # والتعبير بقوله سبحانه : ( @QUR@05 ويوم القيامة هم من المقبوحين ) ~~يتناسب كل التناسب مع ما كانوا عليه في الدنيا من تطاول وغرور واستعلاء. PageV10P409 # فهؤلاء الذين كانوا في الدنيا كذلك ، صاروا في الآخرة محل الازدراء وقبح ~~الهيئة والاشمئزاز من كل عباد الله المخلصين. # ثم ختم سبحانه قصة موسى ببيان جانب مما منحه عز وجل له من نعم فقال : ( ~~@QUR@04 ولقد آتينا موسى الكتاب ) أى آتيناه التوراة لتكون هداية ونورا ms4388 ( ~~@QUR@06 من بعد ما أهلكنا القرون الأولى ) أى : أنزلنا التوراة على موسى ، ~~من بعد إهلاكنا للقرون الأولى من الأقوام المكذبين ، كقوم نوح وهود وصالح ~~وغيرهم. # قال الآلوسى : «والتعرض لبيان كون إيتائها بعد إهلاكهم للإشعار بأنها ~~نزلت بعد مساس الحاجة إليها ، تمهيدا لما يعقبه من بيان الحاجة الداعية إلى ~~إنزال القرآن الكريم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن إهلاك القرون ~~الأولى. من موجبات اندراس معالم الشرائع ، وانطماس آثارها ، المؤديين إلى ~~اختلال نظام العالم وفساد أحوال الأمم وكل ذلك يستدعى تشريعا جديدا. (1) # وقوله تعالى ( @QUR@04 بصائر للناس وهدى ورحمة ) منصوب على أنه مفعول ~~لأجله أو حال أى : آتيناه التوراة من أجل أن تكون أنوارا لقلوبهم يبصرون ~~بها الحقائق ، كما يبصرون بأعينهم المرئيات ، ومن أجل أن تكون هداية لهم ~~إلى الصراط المستقيم ، ورحمة لهم من العذاب. # وقوله سبحانه ( @QUR@02 لعلهم يتذكرون ) تعليل لهذا الإيتاء ، وحض لهم ~~على الشكر. # أى آتيناهم الكتاب الذي عن طريقه يعرفون الحق من الباطل .. كي يكونوا ~~دائما متذكرين لنعمنا ، وشاكرين لنا على هدايتنا لهم ورحمتنا بهم. # وإلى هنا نرى السورة الكريمة ، قد حدثتنا عن جوانب متعددة من حياة موسى ~~عليه السلام . # حدثتنا عن رعاية الله تعالى له حيث أراد له أن يعيش في بيت فرعون وأن ~~يحظى برعاية امرأته ، وأن يعود بعد ذلك إلى أمه كي تقر عينها به ، دون أن ~~يصيبه أذى من فرعون الذي كان يذبح الذكور من بنى إسرائيل ويستحيى نساءهم. # ثم حدثتنا عن رعاية الله تعالى له ، بعد أن بلغ أشده واستوى ، حيث نجاه ~~من القوم الظالمين ، بعد أن قتل واحدا منهم. # ثم حدثتنا عن رعاية الله تعالى له ، بعد أن خرج من مصر خائفا يترقب متجها إلى PageV10P410 # قرية مدين ، التي قضى فيها عشر سنين أجيرا عند شيخ كبير من أهلها. # ثم حدثتنا عن رعاية الله تعالى له ، بعد أن قضى تلك المدة ، وسار بأهله ~~متجها إلى مصر ، وكيف أن الله تعالى أمره بتبليغ رسالته إلى فرعون وقومه ، ~~وأنه عليه السلام ؛ قد لبى أمر ربه سبحانه ms4389 وبلغ رسالته على أتم وجه وأكمله ، ~~فكانت العاقبة الطيبة له ولمن آمن به ، وكانت النهاية الأليمة لفرعون ~~وجنوده. # وهكذا طوفت بنا السورة الكريمة مع قصة موسى عليه السلام ذلك التطواف الذي ~~نرى فيه رعاية الله تعالى لموسى ، وإعداده لحمل رسالته ، كما نرى فيه نماذج ~~متنوعة لأخلاقه الكريمة ، ولهمته العالية ، ولصبره على تكاليف الدعوة ، ~~ولسنن الله تعالى في خلقه ، تلك السنن التي لا تتخلف في بيان أن العاقبة ~~الحسنة للمتقين ، والعاقبة القبيحة للكافرين والفاسقين. # ثم بدأت السورة بعد ذلك في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ، وفي بيان أن ~~هذا القرآن من عند الله ، وفي بيان جانب من شبهات المشركين ، ثم تلقين ~~الرسول صلى الله عليه وسلم الرد المزهق لها .. لنستمع إلى الآيات الكريمة التي ~~تحكى لنا بأسلوبها البليغ ، هذه المعاني وغيرها فتقول : # ( @QUR@013 وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من ~~الشاهدين (44) @QUR@018 ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ~~ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين (45) @QUR@020 وما ~~كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير ~~من قبلك لعلهم يتذكرون (46) @QUR@020 ولو لا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت ~~أيديهم فيقولوا ربنا لو لا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من ~~المؤمنين (47) @QUR@06 فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا PageV10P411 # @QUR@021 لو لا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل ~~قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون (48) @QUR@013 قل فأتوا بكتاب من ~~عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين (49) @QUR@023 فإن لم ~~يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من ~~الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين (50) @QUR@06 ولقد وصلنا لهم القول ~~لعلهم يتذكرون ) (51) # والخطاب في قوله تعالى : ( @QUR@04 وما كنت بجانب الغربي. ) @QUR@01 . ~~للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد بجانب الغربي : الجانب الغربي لجبل الطور ~~الذي وقع فيه الميقات ، وفيه تلقى موسى التوراة من ربه تعالى . # أى : وما كنت أيها الرسول الكريم حاضرا ms4390 في هذا المكان ، ( @QUR@05 إذ ~~قضينا إلى موسى الأمر ) أى ، وقت أن كلفناه بحمل رسالتنا ، وأنزلنا إليه ~~التوراة ، لتكون هداية ونورا له ولقومه. # ( @QUR@02 وما كنت ) أيضا أيها الرسول الكريم ( @QUR@02 من الشاهدين ) ~~لذلك ، حتى تعرف حقيقة ما كلفنا به أخاك موسى ، فتبلغه للناس عن طريق ~~المشاهدة. # فالمقصود بالآية بيان أن ما بلغه الرسول صلى الله عليه وسلم للناس عن أخبار ~~الأولين ، إنما بلغه عن طريق الوحى الذي أوحاه الله تعالى إليه ، وليس عن ~~طريق آخر. # قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : يقول تعالى منبها على برهان ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حيث أخبر بالغيوب الماضية خبرا كأن سامعه شاهد ~~وراء لما تقدم ، وهو رجل أمى لا يقرأ شيئا من الكتب ، نشأ بين قوم لا ~~يعرفون شيئا من ذلك ، كما أنه لما أخبره عن مريم وما كان من أمرها ، قال ~~تعالى : ( @QUR@014 وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت ~~لديهم إذ يختصمون ) (1). PageV10P412 # ثم قال تعالى : ( @QUR@016 تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ، ما كنت ~~تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر ). (1) # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر ) بيان ~~للأسباب التي من أجلها قص الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم أخبار الأمم ~~السابقة. # أى : أنت أيها الرسول الكريم لم تكن معاصرا لتلك الأحداث ولكن أخبرناك ~~بها عن طريق الوحى ، والسبب في ذلك أن بينك وبين موسى وغيره من الأنبياء ~~أزمانا طويلة ، تغيرت فيه الشرائع والأحكام ، وعميت على الناس الأنباء ، ~~فكان من الخير والحكمة أن نقص عليك أخبار السابقين بالحق الذي لا يحوم حوله ~~باطل ، حتى يعرف الناس الأمور على وجهها الصحيح. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف يتصل قوله : ( @QUR@03 ولكنا أنشأنا ~~قرونا ) بهذا الكلام؟ # قلت : اتصاله به وكونه استدراكا له ، من حيث إن معناه : ولكنا أنشأنا بعد ~~عهد الوحى إلى عهدك قرونا طويلة ( @QUR@01 فتطاول ) على آخرهم : وهو القرن ~~الذي أنت فيهم ( @QUR@01 العمر ). # أى : أمد انقطاع الوحى ، واندرست العلوم ، فوجب إرسالك إليهم ، فأرسلناك ~~وأكسبناك أى ms4391 : وأعطيناك العلم بقصص الأنبياء .. فذكر سبب الوحى الذي هو ~~إطالة الفترة ودل به على المسبب ، على عادة الله تعالى في اختصاراته (2) ~~وقوله سبحانه : ( @QUR@09 وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ) ~~مؤكدة لمضمون ما قبله. من عدم معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم لأخبار ~~السابقين إلا عن طريق الوحى. # وقوله : ( @QUR@01 ثاويا ) من الثواء بمعنى الإقامة. يقال : ثوى فلان ~~بالمكان يثوى ثواء فهو ثاو ، إذا أقام فيه. والمثوى : المنزل ، ومنه الأثر ~~القائل : أصلحوا مثاويكم ، أى : منازلكم. # أى : وما كنت أيها الرسول الكريم مقيما في أهل مدين ، وقت تلاوتك على أهل ~~مكة المكرمة ، قصة موسى والشيخ الكبير وما جرى بينهما ، حتى تنقلها إليهم ~~بطريق المشاهدة وإنما أنت أخبرتهم بها عن طريق وحينا الصادق المتمثل فيما ~~أنزلناه عليك من آيات القرآن البينات. PageV10P413 # فالضمير في قوله ( @QUR@02 تتلوا عليهم ) يعود على أهل مكة. والجملة حالية. # ويرى أكثر المفسرين أن الضمير لأهل مدين ، أى وما كنت مقيما في أهل مدين ~~، تقرأ عليهم آياتنا ، وتتعلم منهم ، والجملة حالية أيضا أو خبر ثان. # وعلى كلا التفسيرين فالمقصود بالجملة الكريمة إثبات أن ما أخبر به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم عن الأولين ، إنما هو عن طريق الوحى ليس غير. # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 ولكنا كنا مرسلين ) أى : ولكنا كنا مرسلين لك ، ~~وموحين إليك بتلك الآيات وفيها ما فيها عن أخبار الأولين. لإحقاق الحق ~~وإبطال الباطل. # ثم ساق سبحانه ما يؤكد هذه المعاني تأكيدا قويا ، حتى يخرس ألسنة ~~الكافرين ، فقال تعالى : ( @QUR@06 وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ). # أى وما كنت أيضا أيها الرسول الكريم بجانب الجبل المسمى بالطور وقت أن ~~نادينا موسى ، وكلفناه بحمل رسالتنا ، وأعطيناه التوراة ، وأوحينا إليه بما ~~أوحينا من أحكام وتشريعات. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 ولكن رحمة من ربك ) أى : ولكن فعلنا ما فعلنا ، ~~بأن أرسلناك إلى الناس ، وقصصنا عليك ما نريده من أخبار الأولين ، من أجل ~~رحمتنا بك وبالناس ، حتى يعتبروا ويتعظوا بأحوال السابقين ، فالعاقل من ~~اتعظ بغيره. # فقوله تعالى : ( @QUR@01 رحمة ) منصوب على أنه مفعول لأجله ، أو على ~~المصدرية. ms4392 # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك ) متعلق ~~بالفعل المعلل بالرحمة ، والمراد بالقوم : أهل مكة وغيرهم ممن بعث الرسول ~~صلى الله عليه وسلم إليهم. # وجملة ( @QUR@06 ما أتاهم من نذير من قبلك ) صفة لقوله ( @QUR@01 قوما ) ~~و ( @QUR@01 ما ) موصولة مفعول ثان لتنذر ، وقوله : ( @QUR@02 من نذير ) متعلق. # أى : أرسلناك رحمة ، لتنذر قوما العقاب الذي أتاهم من نذير من قبلك ، ~~وكما قال تعالى : ( @QUR@07 وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ). # ويصح أن تكون ( @QUR@01 ما ) نافية و ( @QUR@01 من ) في قوله ( @QUR@02 ~~من نذير ) للتأكيد ، فيكون المعنى : أرسلناك رحمة لتنذر هؤلاء المشركين من ~~أهل مكة الذين لم يأتهم نذير من قبلك منذ أزمان متطاولة. إذ الفترة التي ~~بينك وبين أبيهم إسماعيل تزيد على ألفى سنة. # ورسالة إسماعيل إليهم قد اندرست معالمها ، فكانت الحكمة والرحمة تقتضيان ~~إرسالك إليهم لتنذرهم سوء عاقبة الشرك. PageV10P414 # أما معظم الرسل من قبلك كموسى وعيسى وزكريا ويحيى وداود وسليمان فكانت مع ~~تباعد زمانها عنك أيضا إلى غيرهم من بنى إسرائيل ، ومن الأمم الأخرى. ~~المتناثرة في أطراف الجزيرة العربية. # فالمراد بالقوم على هذا الرأى : العرب المعاصرون له صلى الله عليه وسلم كما ~~قال تعالى : ( @QUR@07 لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون ). # ولعل هذا الرأى أقرب إلى سياق الآيات ، وإلى إقامة الحجة على مشركي قريش ~~، الذين وقفوا من الرسول صلى الله عليه وسلم موقف المكذب لرسالته ، المعادى ~~لدعوته. # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 لعلهم يتذكرون ) تذييل قصد به حضهم على التذكر ~~والاعتبار. # أى : أرسلناك إليهم كي يتذكروا ما ترشدهم إليه ، ويعتبروا بما جئتهم به ، ~~ويخشوا سوء عاقبة مخالفة إنذارك لهم. # ثم أبطل سبحانه ما يتعللون به من معاذير فقال : ( @QUR@020 ولو لا أن ~~تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم ، فيقولوا ربنا لو لا أرسلت إلينا رسولا ~~فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين ). # و ( @QUR@02 لو لا ) الأولى : امتناعية ، تدل على امتناع الجواب لوجود ~~الشرط ، وجوابها محذوف لدلالة الكلام عليه ، و «أن» وما في حيزها في محل رفع ~~بالابتداء. # و ( @QUR@02 لو لا ) الثانية : تحضيضية ، وجوابها قوله ( @QUR@02 فنتبع ~~آياتك. ) @QUR@01 . وجملة ( @QUR@01 فيقولوا ) عطف ms4393 على ( @QUR@02 أن تصيبهم ~~) ومن جملة ما في حيز ( @QUR@02 لو لا ) الأولى. # والمعنى : ولو لا أن تصيب هؤلاء المشركين ( @QUR@01 مصيبة ) أى عقوبة ~~شديدة. بسبب اقترافهم الكفر والمعاصي ( @QUR@01 فيقولوا ) على سبيل التعلل ~~عند نزول العقوبة بهم ( @QUR@01 ربنا ) أى : يا ربنا هلا أرسلت إلينا رسولا ~~من عندك ( @QUR@02 فنتبع آياتك ) الدالة على صدقه ( @QUR@03 ونكون من ~~المؤمنين ) به وبما جاء به من آيات من عندك. # أى : ولو لا قولهم هذا ، وتعللهم بأنهم ما حملهم على الكفر ، إلا عدم ~~مجيء رسول إليهم يبشرهم وينذرهم .. لو لا ذلك لما أرسلناك إليهم ، ولكنا ~~أرسلناك إليهم لنقطع حجتهم ، ونزيل تعللهم ، ونثبت لهم أن استمرارهم على ~~كفرهم بعد إرسالك إليهم ، كان بسبب عنادهم وجحودهم ، واستحواذ الشيطان عليهم. # قال الإمام ابن كثير : قوله تعالى : ( @QUR@05 ولو لا أن تصيبهم مصيبة ) ~~أى : وأرسلناك إليهم يا محمد لتقيم عليهم الحجة ، ولتقطع عذرهم إذا جاءهم ~~عذاب من الله بسبب كفرهم ، فيحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول ولا نذير ، كما قال ~~تعالى بعد ذكره إنزال كتابه PageV10P415 # المبارك وهو القرآن : ( @QUR@031 أن تقولوا : إنما أنزل الكتاب على ~~طائفتين من قبلنا ، وإن كنا عن دراستهم لغافلين. أو تقولوا : لو أنا أنزل ~~علينا الكتاب لكنا أهدى منهم ، فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة ).. (1) ~~ثم بين سبحانه بعد ذلك موقفهم بعد مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم فقال ~~: ( @QUR@013 فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا : لو لا أوتي مثل ما أوتي ~~موسى ). # أى : ظل مشركو قريش أزمانا متطاولة دون أن يأتيهم رسول ينذرهم ويبشرهم ( ~~@QUR@05 فلما جاءهم الحق من عندنا ) متمثلا في رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ~~وفيما أيدناه به من معجزات دالة على صدقه ، وعلى رأسها القرآن الكريم. # لما جاءهم هذا الرسول الكريم ( @QUR@01 قالوا ) على سبيل التعنت والجحود ~~: هلا أوتى هذا الرسول مثل ما أوتى موسى ، من توراة أنزلت عليه جملة واحدة ~~ومن معجزات حسية منها العصا واليد والطوفان ، والجراد ... إلخ. # وقوله عز وجل : ( @QUR@07 أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل. ) @QUR@01 . ~~رد عليهم لبيان أن ما قالوه هو من باب ms4394 العناد والتعنت ، والاستفهام لتقرير ~~كفرهم وتأكيده. # أى : قالوا ما قالوا على سبيل الجحود ، والحال أن هؤلاء المشركين كفروا ~~كفرا صريحا بما أعطاه الله تعالى لموسى من قبلك يا محمد من معجزات ، كما ~~كفروا بالمعجزات التي جئت بها من عند ربك ، فهم دينهم الكفر بكل حق. # ثم حكى سبحانه بعض أقوالهم الباطلة فقال : ( @QUR@07 قالوا سحران تظاهرا ~~، وقالوا إنا بكل كافرون ). # وقوله : ( @QUR@01 سحران ) خبر لمبتدأ محذوف. أى : قالوا ما يقوله كل ~~مجادل بغير علم : هما أى ما جاء به موسى وما جاء به محمد عليهما الصلاة ~~والسلام ، ( @QUR@02 سحران تظاهرا ) أى : تعاونا على إضلالنا ، وإخراجنا عن ~~ديننا ، وقالوا أيضا ( @QUR@02 إنا بكل ) أى بكل واحد مما جاءوا به ( ~~@QUR@01 كافرون ) كفرا لا رجوع معه إلى ما جاء به هذان النبيان عليهما ~~الصلاة والسلام . # قال الآلوسى : وقوله : ( @QUR@01 قالوا ) استئناف مسوق لتقرير كفرهم ~~المستفاد من الإنكار السابق ، وبيان كيفيته ، و ( @QUR@01 سحران )، يعنون ~~بهما ما أوتى نبينا وما أوتى موسى .. PageV10P416 # ( @QUR@01 تظاهرا ) أى : تعاونا بتصديق كل واحد منهما الآخر ، وتأييده ~~إياه ، وذلك أن أهل مكة بعثوا رهطا منهم إلى رؤساء اليهود في عيد لهم ، ~~فسألوهم عن شأنه صلى الله عليه وسلم فقالوا : إنا نجده في التوراة بنعته وصفته ~~، فلما رجع الرهط وأخبروهم بما قالت اليهود. قالوا ذلك. # وقرأ الأكثرون قالوا ساحران تظاهرا وأرادوا بهما محمد وموسى عليهما ~~الصلاة والسلام (1). # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتحداهم ، وأن يفحمهم بما ~~يخرس ألسنتهم فقال : ( @QUR@013 قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما ~~أتبعه إن كنتم صادقين ). # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الجاحدين : لقد أنزل الله تعالى على ~~موسى التوراة. وأنزل القرآن على ، وأنا مؤمن بهما كل الإيمان ، فإن كنتم ~~أنتم مصرون على كفركم ( @QUR@08 فأتوا بكتاب من عند الله ، هو أهدى منهما ) ~~أى هو أوضح منهما وأبين في الإرشاد إلى الطريق المستقيم. # وقوله ( @QUR@01 أتبعه ) مجزوم في جواب الأمر المحذوف ، أى : إن تأتوا به ~~أتبعه .. ( @QUR@03 إن كنتم صادقين ) في زعمكم أن القرآن والتوراة نوع من السحر. # فالآية ms4395 الكريمة تتهكم بهم ، وتسخر منهم ، بأسلوب بديع معجز ، لأنه من ~~المعروف لكل عاقل أنهم ليس في استطاعتهم ولا في استطاعة غيرهم أن يأتوا ~~بكتاب. أهدى من الكتابين اللذين أنزلهما سبحانه على نبيين كريمين من ~~أنبيائه ، هما موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام . # ولذا قال صاحب الكشاف ما ملخصه : وهذا الشرط يأتى به المدل بالأمر ~~المتحقق لصحته ، لأن امتناع الإتيان بكتاب أهدى من الكتابين. أمر معلوم ~~متحقق. لا مجال فيه للشك ، ويجوز أن يقصد بحرف الشك التهكم بهم (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 فإن لم يستجيبوا لك ) زيادة في تثبيت قلب النبي ~~صلى الله عليه وسلم وتسليته عما أصابه منهم من أذى. # أى : فإن لم يفعلوا ما تحديتهم به ، من الإتيان بكتاب هو أهدى من ~~الكتابين. # ( @QUR@01 فاعلم ) أيها الرسول الكريم ( @QUR@03 أنما يتبعون أهواءهم ) ~~الباطلة ، وشهواتهم الزائفة ، عند ما يجادلونك في شئون دعوتك. PageV10P417 # والاستفهام في قوله : ( @QUR@09 ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله. ~~) @QUR@01 . للنفي والإنكار. # أى : ولا أحد أضل ممن اتبع هواه وشيطانه ، دون أن تكون معه هداية من الله ~~تعالى تهديد إلى طريق الحق ، لأن هذا الضال قد استحب العمى على الهدى. وآثر ~~الغواية على الرشد. # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) تذييل مبين ~~لسنة الله تعالى في خلقه. # أى : إنه سبحانه جرت سنته أن لا يهدى القوم الظالمين إلى طريق الحق بسبب ~~إصرارهم على الباطل ، وتجاوزهم لكل حدود الحق والخير. # ثم أكد سبحانه قطع أعذارهم وحججهم بقوله : ( @QUR@06 ولقد وصلنا لهم ~~القول ، لعلهم يتذكرون ). # وقوله. ( @QUR@01 وصلنا ) من الوصل الذي هو ضد القطع ، والتضعيف فيه ~~للتكثير. # أى : ولقد أنزلنا هذا القرآن عليك أيها الرسول الكريم متتابعا ، وأنت ~~أوصلته إليهم كذلك ، ليتصل تذكيرك لهم ، عن طريق ما اشتمل عليه من عقائد ~~وآداب وأحكام وقصص. # ( @QUR@02 لعلهم يتذكرون ) أى : ليكون ذلك أقرب إلى تذكرهم وتعقلهم ~~وتدبرهم ، لأن استماعهم في كل يوم. أو بين الحين والحين إلى جديد منه ، ~~أدعى إلى تذكرهم واعتبارهم. # فالمقصود بالآية الكريمة. قطع كل حجة لهم ، وبيان أن القرآن الكريم قد ~~أنزله ms4396 سبحانه متتابعا ولم ينزله جملة واحدة ، لحكم من أعظمها اتصال التذكير ~~بهداياته بين حين وآخر ، على حسب ما يجد في المجتمع من أحداث. # وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد أقامت ألوانا من الحجج والبراهين ، على ~~صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه ، وعلى أن هذا القرآن من عند ~~الله ، كما حكت جانبا من شبهات المشركين ، وردت عليها بما يبطلها. # ثم تمدح السورة الكريمة بعد ذلك ، طائفة من أهل الكتاب ، استقامت قلوبهم ~~، وخلصت نفوسهم من العناد ، فاستقبلوا آيات الله تعالى ومن جاء بها ~~استقبالا يدل على صدق إيمانهم ، فقال تعالى : PageV10P418 # ( @QUR@08 الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون (52) @QUR@015 وإذا ~~يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين (53) ~~@QUR@012 أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ومما ~~رزقناهم ينفقون (54) @QUR@015 وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا ~~أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين ) (55) # ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات منها : أنها نزلت في سبعين ~~من القسيسين بعثهم النجاشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما قدموا عليه ، ~~قرأ عليهم سورة يس ، فجعلوا يبكون وأسلموا. # وقيل : نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه الذين أسلموا من اليهود. # وقيل : نزلت في نصارى نجران. # وعلى أية حال فالآيات الكريمة تمدح قوما من أهل الكتاب أسلموا ، وتعرض ~~بالمشركين الذين أعرضوا عن دعوة الإسلام ، مع أن في اتباعها سعادتهم ~~ورشدهم. # والضمير في قوله ( @QUR@02 من قبله ) يعود إلى القرآن الكريم ، أو إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم والمراد بالموصول من آمن من أهل الكتاب ، والمراد ~~بالكتاب التوراة والإنجيل. # أى : الذين آتيناهم الكتاب من اليهود والنصارى من قبل نزول القرآن عليك ~~أيها الرسول الكريم هم به يؤمنون ، لأنهم يرون فيه الحق الذي لا باطل معه ، ~~والهداية التي لا ننشوبها ضلالة. # ( @QUR@02 وإذا يتلى ) عليهم هذا القرآن ( @QUR@01 قالوا ) بفرح وسرور ( ~~@QUR@02 آمنا به ) بأنه كلام الله تعالى ( @QUR@04 إنه الحق من ربنا ) أى : ~~إنه الكتاب المشتمل على الحق الكائن من عند ms4397 ربنا وخالقنا ( @QUR@04 إنا كنا ~~من قبله ) أى : من قبل نزوله ( @QUR@01 مسلمين ) وجوهنا لله تعالى ، ~~ومخلصين له العبادة. PageV10P419 # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : أى فرق بين الاستئنافين ( @QUR@01 إنه ) و ( ~~@QUR@01 إنا )؟ # قلت : الأول تعليل للإيمان به ، لأن كونه حقا من الله حقيق بأن يؤمن به. ~~والثاني : بيان لقوله : ( @QUR@02 آمنا به ) لأنه يحتمل أن يكون إيمانا ~~قريب العهد وبعيده ، فأخبروا أن إيمانهم به متقادم ، لأن آباءهم القدماء ~~قرءوا في الكتب الأول ذكره ؛ وأبناءهم من بعدهم ، (1). # ثم بين سبحانه ما أعده لهؤلاء الأخيار من ثواب فقال : ( @QUR@06 أولئك ~~يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ). # أى : أولئك الموصوفون بتلك الصفات الكريمة يؤتون أجرهم مضاعفا بسبب صبرهم ~~على مغالبة شهواتهم ، وبسبب صبرهم على ما يستلزمه اتباع الحق من تكاليف. # قال القرطبي : قوله تعالى ( @QUR@06 أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ) ~~ثبت في صحيح مسلم عن أبى موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «ثلاثة ~~يؤتون أجرهم مرتين : رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ، وأدرك النبي ~~صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران ، وعبد مملوك أدى حق الله ~~عز وجل وحق سيده فله أجران ، ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن تغذيتها ، ثم ~~أدبها فأحسن تأديبها ، ثم أعتقها وتزوجها ، فله أجران». # قال علماؤنا : لما كان كل واحد من هؤلاء مخاطبا بأمرين من جهتين استحق كل ~~واحد منهم أجرين ، فالكتابى كان مخاطبا من جهة نبيه ، ثم إنه خوطب من جهة ~~نبينا ، فأجابه واتبعه فله أجر الملتين» (2). # وقوله تعالى ( @QUR@03 ويدرؤن بالحسنة السيئة ) بيان لصفة أخرى من صفاتهم ~~الحسنة. # و ( @QUR@01 يدرؤن ) من الدرء بمعنى الدفع ومنه الحديث الشريف : «ادرءوا ~~الحدود بالشبهات». # أى : لا يقابلون السيئة بمثلها ، وإنما يعفون ويصفحون ، ويقابلون الكلمة ~~الخبيثة بالكلمة الحسنة. # ( @QUR@03 ومما رزقناهم ينفقون ) أى : ومما أعطيناهم من مال يتصدقون ، ~~بدون إسراف أو تقتير. # ( @QUR@05 وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ) أى : وإذا سمعوا الكلام الساقط ~~الذي لا خير فيه. # انصرفوا عنه تكرما وتنزها. PageV10P420 # ( @QUR@01 وقالوا ) لمن تطاول عليهم وآذاهم ، لنا أعمالنا ، التي ~~سيحاسبنا الله تعالى عليها ( @QUR@01 ولكم ) أيضا ms4398 أعمالكم ، التي سيحاسبكم ~~الله تعالى عليها. # ( @QUR@02 سلام عليكم ) أى : سلام متاركة منا عليكم ، وإعراض عن سفاهتكم ~~، فليس المراد بالسلام هنا : سلام التحية ، وإنما المقصود به سلام المتاركة ~~والإعراض. # ( @QUR@03 لا نبتغي الجاهلين ) أى : إن ديننا ينهانا عن طلب صحبة ~~الجاهلين ، وعن المجادلة معهم. # قال ابن كثير ما ملخصه : لما انتهى وقد أهل الكتاب من لقائه مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، وآمنوا به ، وقاموا عنه ، اعترضهم أبو جهل في نفر من ~~قريش ، فقالوا لهم : خيبكم الله من ركب ، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ، ~~ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل ، فلم تكد تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم ~~دينكم ، وصدقتموه فيما قال ، ما نعلم وفدا أحمق منكم .. فقالوا لهم : سلام ~~عليكم ، لا نجاهلكم ، لنا ما نحن عليه ، ولكم ما أنتم عليه ، (1). # * * * # ثم بين سبحانه بعد ذلك أن الهداية منه وحده ، ورد على أقوال المشركين ، ~~وبين سنة من سننه في خلقه ، كما بين أن ما عنده سبحانه أفضل وأبقى ، من ~~شهوات الدنيا وزينتها ، فقال تعالى : # ( @QUR@013 إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم ~~بالمهتدين (56) @QUR@025 وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم ~~نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون (57) @QUR@017 وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم ~~تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين (58) @QUR@04 وما كان ربك مهلك PageV10P421 # @QUR@016 القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلوا عليهم آياتنا وما كنا مهلكي ~~القرى إلا وأهلها ظالمون (59) @QUR@015 وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة ~~الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون (60) @QUR@017 أفمن ~~وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم ~~القيامة من المحضرين ) (61) # والمعنى : ( @QUR@01 إنك ) أيها الرسول الكريم ( @QUR@04 لا تهدي من ~~أحببت ) أى : لا تستطيع بقدرتك الخاصة أن تهدى إلى الإيمان من تريد هدايته إليه. # ( @QUR@05 ولكن الله يهدي من يشاء ) أى : ولكن الله تعالى وحده ، هو الذي ~~يملك هداية من يشاء هدايته إلى الإيمان ، فهو ms4399 سبحانه الخالق لكل شيء ، ~~وقلوب العباد تحت تصرفه تعالى يهدى من يشاء منها ويضل من يشاء ، على حسب ~~مشيئته وحكمته ، التي تخفى على الناس. # ( @QUR@01 وهو ) سبحانه ( @QUR@02 أعلم بالمهتدين ) أى : بالقابلين ~~للهداية المستعدين لها. # فبلغ أيها الرسول الكريم ما كلفناك به ، ثم اترك بعد ذلك قلوب الناس إلى ~~خالقهم ، فهو سبحانه الذي يصرفها كيف يشاء. # قال بعض العلماء : وإن الإنسان ليقف أمام هذا الخبر ، مأخوذا بصرامة هذا ~~الدين واستقامته ، فهذا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكافله وحاميه ~~والذائد عنه ، لا يكتب الله له الإيمان ، على شدة حبه لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وشدة حب الرسول له أن يؤمن. (1) ذلك أنه إنما قصد إلى ~~عصبية القرابة وحب الأبوة ، ولم يقصد إلى العقيدة ، وقد علم الله منه ذلك ~~فلم يقدر له ما كان يحبه له صلى الله عليه وسلم ويرجوه ، فأخرج هذا الأمر أى ~~الهداية من خاصة رسوله صلى الله عليه وسلم وجعله خاصا بإرادته سبحانه وتقديره. ~~وما على الرسول PageV10P422 # إلا البلاغ ، وما على الداعين بعده إلا النصيحة ، والقلوب بعد ذلك بين ~~أصابع الرحمن والهدى والضلال وفق ما يعلمه من قلوب العباد ، واستعدادهم ~~للهدى والضلال (1). # ثم حكى سبحانه جانبا من الاعتذارات الواهية التي تذرع بها المشركون في ~~عدم الدخول في الإسلام. # فقال تعالى : ( @QUR@08 وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا ) ~~والتخطف : الانتزاع بسرعة. يقال : فلان اختطفه الموت. إذا أخذه بغتة بدون إمهال. # وقد ذكروا في سبب نزولها ، أن بعض المشركين أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال له : يا محمد ، نحن نعلم أنك على الحق ، ولكنا نخشى إن اتبعناك ، ~~وخالفنا العرب ، أن يتخطفونا من أرضنا ، وإنما نحن أكلة رأس أى : قليلون لا ~~نستطيع مقاومة العرب. # وقد رد الله تعالى على تعللهم هذا بقوله : ( @QUR@017 أولم نمكن لهم حرما ~~آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا. ولكن أكثرهم لا يعلمون ). # وقوله : ( @QUR@02 يجبى إليه ) أى : يحمل إليه ، يقال جبى فلان الماء في ~~الحوض إذا جمعه فيه ، وحمله إليه. # والاستفهام لتقريعهم ms4400 على قولهم هذا الذي يخالف الحقيقة. # أى : كيف قالوا ذلك ، مع أننا قد جعلنا لهم حرما ذا أمان يعيشون من حوله ~~، وتأتيهم خيرات الأرض من كل مكان ، وقد فعلنا ذلك معهم وهم مشركون ، فكيف ~~نعرضهم للخطف وهم مؤمنون. # قال صاحب الكشاف : وكانت العرب في الجاهلية حولهم أى حول أهل مكة ~~يتغاورون ويتناحرون وهم آمنون مطمئنون في حرمهم ، وبحرمة البيت هم قارون ~~بواد غير ذي زرع ، والثمرات والأرزاق تجبى إليهم من كل مكان ، فإذا خولهم ~~الله ما خولهم من الأمن والرزق بحرمة البيت وحدها ، وهم كفرة عبدة أصنام ، ~~فكيف يستقيم أن يعرضهم للتخطف والخوف ، ويسلبهم الأمن ، إذا ضموا إلى حرمة ~~البيت حرمة ، الإسلام .. (2). # والتعبير بقوله سبحانه : ( @QUR@06 يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا ) ~~للإشعار بكثرة الخيرات والثمرات ، التي تأتى إلى أهل مكة من كل جانب من ~~جوانب الأرض ، ومن كل نوع من أنواع ثمارها. والجملة الكريمة صفة من صفات الحرم. PageV10P423 # وقوله تعالى : ( @QUR@02 من لدنا ) أى : من جهتنا ومن عندنا وليس من عند ~~غيرنا الذين تخشون غضبهم أو تخطفهم لكم ، إن اتبعتم الرسول صلى الله عليه وسلم . # فالمقصود بهذه الجملة الكريمة بيان سعة فضل الله تعالى ، وأنه هو القادر ~~على كل شيء. # وقوله تعالى ( @QUR@04 ولكن أكثرهم لا يعلمون ) متعلق بقوله ( @QUR@05 ~~أولم نمكن لهم حرما آمنا ). # أى : لقد جعلنا لهم حرما ذا أمن ، وأفضنا عليهم من خيرات الأرض ، ولكن ~~أكثرهم يجهلون هذه الحقيقة ، ويجهلون أن اتباعهم للدين الحق ، يؤدى إلى ~~سعادتهم في حياتهم وبعد مماتهم. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@015 أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ~~ويتخطف الناس من حولهم ، أفبالباطل يؤمنون ، وبنعمة الله يكفرون ) (1). # ثم بين سبحانه الأسباب الحقيقية التي تؤدى إلى زوال النعم ، التي من ~~بينها نعمة الأمان والاطمئنان ، فقال تعالى : ( @QUR@06 وكم أهلكنا من قرية ~~بطرت معيشتها ). # وكم هنا خبرية للتكثير ، و ( @QUR@01 بطرت ) من البطر ، بمعنى الأشر ~~والغرور واستعمال نعم الله تعالى في غير ما خلقت له. # أى : وكثيرا من أهل قرى كانت أحوالهم كحال أهل مكة في الأمن وسعة الرزق ، ~~فلما ms4401 بطروا معيشتهم ، واستعملوا نعمنا في الشر لا في الخير ، وفي الفسوق لا ~~في الطاعة ، أخذناهم أخذ عزيز مقتدر ، بأن دمرناهم وقراهم تدميرا. # إذا فبطر النعمة وعدم الشكر عليها ، هو السبب الحقيقي في الهلاك ، وليس ~~اتباع الهدى ، كما زعم أولئك المشركون الجاهلون. # قال القرطبي : «بين سبحانه لمن توهم ، أنه لو آمن لقاتلته العرب وتخطفته ~~، أن الخوف في ترك الإيمان أكثر ، فكم من قوم كفروا ثم حل بهم البوار. ~~والبطر : الطغيان بالنعمة». # و ( @QUR@01 معيشتها ) أى : في معيشتها ، فلما حذف «في» تعدى الفعل ، كما ~~في قوله تعالى : ( @QUR@05 واختار موسى قومه سبعين رجلا ) (2). PageV10P424 # ثم بين سبحانه مآل مساكن هؤلاء الطاغين فقال : ( @QUR@08 فتلك مساكنهم لم ~~تسكن من بعدهم إلا قليلا ). # أى : فتلك مساكن هؤلاء الطغاة ترونها يا أهل مكة في أسفاركم إنها لم تسكن ~~من بعدهم إلا زمانا قليلا ، كالذي يرتاح بها وهو مسافر ثم يتركها إلى غير ~~عودة إليها ، لأنها صارت غير صالحة لذلك لشؤمها. # ( @QUR@03 وكنا نحن الوارثين ) أى : وكنا نحن وحدنا الوارثين لها منهم ، ~~لأنهم لم يتركوا أحدا يرث منازلهم وأموالهم ، أو لأنها صارت خرابا لا تصلح للسكن. # ثم بين سبحانه مظهرا من مظاهر عدالته ، وسنة من سننه التي كتبها على نفسه ~~فقال تعالى : ( @QUR@013 وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا ~~يتلوا عليهم آياتنا. ) @QUR@01 .. # والمراد ب ( @QUR@01 أمها ) أكبرها وأعظمها كمكة بالنسبة للجزيرة ~~العربية. # أى : إن حكمة الله تعالى وعدالته قد اقتصت ، أن لا يهلك قرية من القرى ~~التي كفر أهلها ، حتى يبعث في كبرى تلك القرى وأصلها رسولا من رسله الكرام ~~، يتلو على أهلها آياته ، ويبلغهم دعوته ، ويبين لهم الحق من الباطل. # وحكمة إرسال الرسول في كبرى تلك القرى ، لأنها المركز والعاصمة ، التي ~~تبلغ الرسالة إلى القرى التابعة لها ، ولأنها في العادة المكان المختار ~~لسكنى وجهاء القوم ورؤسائهم. # قال ابن كثير ما ملخصه : وفي هذه الآية دلالة على أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم المبعوث من أم القرى وهي مكة ، رسول إلى جميع القرى من عرب ~~وأعجام ، كما قال تعالى ms4402 : ( @QUR@010 وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر ~~أم القرى ومن حولها. ) @QUR@01 . ، وقال تعالى : ( @QUR@09 قل يا أيها ~~الناس إني رسول الله إليكم جميعا ). وثبت في الصحيحين أنه قال : بعثت إلى ~~الأحمر والأسود ، ولذا ختم به الرسالة والنبوة ، فلا نبي بعده ، ولا رسول ، ~~بل شرعه باق بقاء الليل والنهار إلى يوم القيامة ، (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ) معطوف ~~على ما قبله. وهو قوله : ( @QUR@05 وما كان ربك مهلك القرى ) ومؤكد له. # أى : وما كنا في حال من الأحوال بمهلكى هذه القرى ، إلا في حال ظلم أهلها ~~لأنفسهم ، عن طريق تكذيبهم لرسلنا وإعراضهم عن آياتنا ، وإيثارهم الكفر على ~~الإيمان. PageV10P425 # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى ( @QUR@08 وما كان ربك ليهلك القرى بظلم ~~وأهلها مصلحون ). # ثم بين سبحانه أن هذه الدنيا وما فيها من متاع ، هي شيء زهيد وضئيل ~~بالنسبة لما ادخره عز وجل لعباده الصالحين من خيرات ، فقال : ( @QUR@08 وما ~~أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها ). # أى : وما أعطيتموه أيها الناس من خير ، وما أصبتموه من مال فهو متاع زائل ~~من أعراض الحياة الدنيا الزائلة وحطامها الذي لا دوام له ، ومهما كثر فهو ~~إلى نفاد ، ومهما طال فله نهاية ، فأنتم تتمتعون بزينة الحياة الدنيا ثم ~~تتركونها لغيركم. # ( @QUR@03 وما عند الله ) تعالى من ثواب وعطاء جزيل في الآخرة ، هو في ~~نفسه ( @QUR@02 خير وأبقى ) لأن لذته خالصة من الشوائب والأكدار وبهجته لا ~~تنتهي ولا تزول. # ( @QUR@02 أفلا تعقلون ) هذه التوجيهات الحكيمة ، وتعملون بمقتضاها ، فإن ~~من شأن العقلاء أن يؤثروا الباقي على الفاني ، والذي هو خير على الذي هو أدنى. # ثم نفى سبحانه التسوية بين أهل الجنة وأهل النار بأبلغ أسلوب فقال : ( ~~@QUR@011 أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه ، كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ). # فالاستفهام للإنكار ونفى المساواة بين الفريقين ، والمراد بالوعد : ~~الموعود به وهو الجنة ونعيمها. # أى : إنه لا يستوي في عرف أى عاقل ، حال المؤمنين الذين وعدناهم وعدا ~~حسنا بالجنة ونعيمها ، وهم سيظفرون بما وعدناهم به لا محالة ، وحال أولئك ~~الكافرين والفاسقين الذين متعناهم إلى حين ms4403 بمتاع الدنيا الزائلة. # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 ثم هو يوم القيامة من المحضرين ) معطوف على ( ~~@QUR@01 متعناه ) وداخل معه في حيز الصلة ، ومؤكد لإنكار المساواة. # أى : ثم هو هذا الذي متعناه بمتاع الحياة الدنيا الزائل ، من المحضرين ~~لعذابنا في النار ، والمحضرين : جمع محضر. اسم مفعول من أحضره. # وهذا التعبير يشعر بإحضاره إلى النار وهو مكره خائف ، من العذاب المهين ~~الذي أعد له ، فالآية الكريمة قد نفت بأبلغ أسلوب المساواة بين المؤمنين ~~والكافرين. # * * * PageV10P426 # ثم حكى سبحانه جانبا من أقوال المشركين يوم القيامة ، ومن أحوالهم السيئة ~~، ورد أمرهم وأمر غيرهم إليه وحده عز وجل فقال : # ( @QUR@08 ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون (62) ~~@QUR@018 قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما ~~غوينا تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون (63) @QUR@013 وقيل ادعوا شركاءكم ~~فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون (64) @QUR@07 ~~ويوم يناديهم فيقول ما ذا أجبتم المرسلين (65) @QUR@07 فعميت عليهم الأنباء ~~يومئذ فهم لا يتساءلون (66) @QUR@011 فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن ~~يكون من المفلحين (67) @QUR@014 وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم ~~الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون (68) @QUR@07 وربك يعلم ما تكن صدورهم ~~وما يعلنون (69) @QUR@015 وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى ~~والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون ) (70) # والظرف في قوله سبحانه : ( @QUR@02 ويوم يناديهم ) منصوب بفعل مقدر ، ~~ونداؤهم نداء إهانة وتحقير. والنداء صادر عن الله تعالى . # أى : واذكر أيها المخاطب لتتعظ وتعتبر ، حال أولئك الظالمين ، يوم ~~يناديهم الله تعالى فيقول لهم : ( @QUR@05 أين شركائي الذين كنتم تزعمون ) ~~أى : أين شركائى الذين كنتم في الدنيا تزعمونهم شركائى ، لكي ينصروكم أو ~~يدفعوا عنكم العذاب. PageV10P427 # فمفعولا ( @QUR@01 تزعمون ) محذوفان ، لدلالة الكلام عليهما. والمقصود ~~بهذا الاستفهام ( @QUR@02 أين شركائي ) الخزي والفضيحة ، إذ من المعلوم أنه ~~لا شركاء لله تعالى لا في ذاته ولا في صفاته. # والمراد بالذين حق عليهم القول في قوله تعالى : ( @QUR@05 قال الذين حق ~~عليهم القول .. ) @QUR@01 . رؤساؤهم في الكفر ، ودعاتهم إليه كالشياطين ، ~~ومن يشبهونهم في التحريض على الضلال. # أى قال : رؤساؤهم ودعاتهم إلى ms4404 الكفر ، الذين ثبت عليهم العذاب بسبب ~~إصرارهم على الفسوق والجحود. # ( @QUR@04 ربنا هؤلاء الذين أغوينا ) أى : يا ربنا هؤلاء هم أتباعنا ~~الذين أضللناهم. # ( @QUR@03 أغويناهم كما غوينا ) أى : دعوناهم إلى الضلالة التي كنا عليها ~~فأطاعونا فيما دعوناهم إليه. # قال صاحب الكشاف ما ملخصه : قوله : ( @QUR@01 هؤلاء ) مبتدأ ، و ( ~~@QUR@02 الذين أغوينا ) صفته ، والراجع إلى الموصول محذوف و ( @QUR@01 ~~أغويناهم ) الخبر. والكاف صفة لمصدر محذوف تقديره : أغويناهم فغووا غيا مثل ~~ما غوينا ، يعنون أنا لم نغو إلا باختيارنا ، لا أن فوقنا مغوين أغوونا ~~بقسر منهم وإلجاء. أودعونا إلى الغي وسولوه لنا ، فهؤلاء كذلك غووا ~~باختيارهم ، لأن إغواءنا لهم ، لم يكن إلا وسوسة وتسويلا. لا قسرا أو إلجاء ~~«فلا فرق إذا بين غينا وغيهم ..» (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@06 تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون ) من كلام ~~الرؤساء والشياطين ، فهو مقرر لما قبله ، ومؤكد له. # أى : تبرأنا إليك منهم ، ومن ادعائهم أننا أجبرناهم على الضلالة والغواية ~~، والحق أنهم ما كانوا يعبدوننا ، بل كانوا يعبدون ما سولته لهم أهواؤهم ~~وشهواتهم الباطلة. # فالآية الكريمة تحكى تبرؤ رءوس الكفر من أتباعهم يوم القيامة ، ومن ~~الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله تعالى : ( @QUR@027 وقال الشيطان لما ~~قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من ~~سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم. ) @QUR@01 . (2). PageV10P428 # وقوله سبحانه : ( @QUR@014 واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا ~~سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا ) (1). # ثم وجه سبحانه إليهم توبيخا آخر فقال : ( @QUR@013 وقيل ادعوا شركاءكم ~~فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون ). # أى : وقيل لهؤلاء الكافرين على سبيل الفضيحة والتقريع : اطلبوا من ~~شركائكم الذين توهمتم فيهم النفع والضر أن يشفعوا لكم ، أو أن ينقذوكم مما ~~أنتم فيه من عذاب ، فطلبوا منهم ذلك لشدة حيرتهم وذلتهم ( @QUR@03 فلم ~~يستجيبوا لهم ) ولم يلتفتوا إليهم. # ( @QUR@02 ورأوا العذاب ) أى : ورأى الشركاء والمشركون العذاب ماثلا أمام ~~أعينهم. # و ( @QUR@01 لو ) في قوله : ( @QUR@04 لو أنهم كانوا يهتدون ) شرطية ، ~~وجوابها محذوف. والتقدير : لو أنهم كانوا في الدنيا مهتدين إلى ms4405 طريق الحق. ~~لما أصابهم هذا العذاب المهين. # ويجوز أن تكون للتمني فلا تحتاج إلى جواب ، ويكون المعنى. ورأوا العذاب. ~~فتمنوا أن لو كانوا ممن هداهم الله تعالى إلى الصراط المستقيم في الدنيا. # ثم وجه سبحانه إليهم نداء آخر لا يقل عن سابقه في فضيحتهم وتقريعهم فقال ~~تعالى : ويوم يناديهم فيقول : ( @QUR@04 ما ذا أجبتم المرسلين ). # أى : واذكر أيها العاقل حال هؤلاء الكافرين يوم يناديهم المنادى من قبل ~~الله عز وجل فيقول لهم : ما الذي أجبتم به رسلكم عند ما أمروكم بإخلاص ~~العبادة لله تعالى ونهوكم عن الإشراك والكفر؟ # فالمقصود من السؤال الأول : توبيخهم على إشراكهم ، والمقصود من السؤال ~~الثاني ، توبيخهم على تكذيبهم لرسلهم ، ولذا وقفوا من هذه الأسئلة موقف ~~الحائر المذهول المكروب ، كما قال تعالى : ( @QUR@07 فعميت عليهم الأنباء ~~يومئذ فهم لا يتساءلون ). # أى : فخفيت عليهم الحجج التي يجيبون بها على هذه الأسئلة ، وصاروا لفرط ~~دهشتهم وذهولهم عاجزين عن أن يسأل بعضهم بعضا عن الإجابة. # وعدى ( @QUR@01 فعميت ) بعلى ، لتضمنه معنى الخفاء قال سبحانه ( @QUR@03 ~~فعميت عليهم الأنباء ) ولم يقل : فعموا عن الأنباء ، للمبالغة في بيان ~~ذهولهم وصمتهم المطبق في ذلك اليوم العسير ، حتى لكأنما الأنباء والأخبار ~~عمياء لا تصل إليهم ، ولا تعرف شيئا عنهم. PageV10P429 # والتعبير بقوله سبحانه ( @QUR@03 فهم لا يتساءلون ) يشعر بزيادة حيرتهم ~~وفرط دهشتهم فهم جميعا قد صاروا في حالة من الإبلاس والحيرة ، جعلتهم ~~يتساوون في العجز والجهل. # وكعادة القرآن الكريم في الجمع بين حال الكافرين وحال المؤمنين ، أتبع ~~الحديث عن الكافرين ، بالحديث عن المؤمنين فقال : ( @QUR@07 فأما من تاب ~~وآمن وعمل صالحا فعسى ) هذا التائب المؤمن المواظب على الأعمال الصالحة ( ~~@QUR@04 أن يكون من المفلحين ) أى من الفائزين بالمطلوب. # قال ابن كثير : وعسى من الله عز وجل موجبة ، فإن هذا واقع بفضل الله ومنه ~~أى وعطائه لا محالة (1). # ثم بين سبحانه أن مرد الأمور جميعها إليه ، وأنه هو صاحب الخلق والأمر ~~فقال : ( @QUR@05 وربك يخلق ما يشاء ويختار ). # أى : وربك أيها الرسول الكريم يخلق ما يشاء أن يخلقه ، ويختار من يختار ~~من عباده لحمل ms4406 رسالته ، ولتبليغ دعوته. ( @QUR@06 لا يسئل عما يفعل وهم ~~يسئلون ). # و ( @QUR@01 ما ) في قوله تعالى ( @QUR@04 ما كان لهم الخيرة ) نافية ~~والخيرة من التخير وهي بمعنى الاختيار ، والجملة مؤكدة لما قبلها من أنه ~~سبحانه يخلق ما يشاء ويختار. # أى : وربك وحده يخلق ما يشاء خلقه ويختار ما يشاء اختياره لشئون عباده ، ~~وما صح وما استقام لهؤلاء المشركين أن يختاروا شيئا لم يختره الله تعالى أو ~~لم يرده ، إذ كل شيء في هذا الوجود خاضع لإرادته وحده عز وجل ولا يملك أحد ~~كائنا من كان أن يقترح عليه شيئا ولا أن يزيد أو ينقص في خلقه شيئا. # وليس لهؤلاء المشركين أن يختاروا للنبوة أو لغيرها أحدا لم يختره الله ~~تعالى لذلك ، فالله عز وجل أعلم حيث يجعل رسالته. # قال القرطبي ما ملخصه : قوله : ( @QUR@04 ما كان لهم الخيرة ) أى : ليس ~~يرسل من اختاروه هم. # وقيل : يجوز أن تكون ( @QUR@01 ما ) في موضع نصب بيختار ، ويكون المعنى ، ~~ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة. # والصحيح الأول لإطباقهم الوقف على قوله ( @QUR@01 ويختار )، و ( @QUR@01 ~~ما ) نفى عام لجميع الأشياء ، أن يكون للعبد فيها شيء سوى اكتسابه بقدرة ~~الله عز وجل . PageV10P430 # وقال الثعلبي : و ( @QUR@01 ما ) نفى ، أى ليس لهم الاختيار على الله. ~~وهذا أصوب ، كقوله تعالى : ( @QUR@016 وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى ~~الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. ) @QUR@01 . (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@05 سبحان الله وتعالى عما يشركون ) تنزيه له عز وجل ~~عن الشرك والشركاء. # أى تنزه الله تعالى وتقدس بذاته وصفاته عن إشراك المشركين ، وضلاك ~~الضالين. # ثم بين سبحانه أن علمه شامل لكل شيء فقال : ( @QUR@07 وربك يعلم ما تكن ~~صدورهم وما يعلنون ). # أى : وربك أيها الرسول الكريم يعلم علما تاما ما تخفيه صدور هؤلاء ~~المشركين من أسرار ، وما تعلنه من أقوال ، وسيحاسبهم على كل ذلك حسابا لا ~~يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. # ( @QUR@02 وهو الله ) سبحانه لا إله إلا هو يستحق العبادة والخضوع ( ~~@QUR@05 له الحمد في الأولى والآخرة ). # أى : في الدنيا ، وله الحمد أيضا في الآخرة ، وله وحده ms4407 ( @QUR@01 الحكم ) ~~النافذ ( @QUR@01 وإليه ) وحده ( @QUR@01 ترجعون ) للحساب لا إلى غيره. # * * * # ثم أمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكر الناس بمظاهر قدرته سبحانه ~~في هذا الكون ، وأن يوقظ مشاعرهم للتأمل في ظاهرتين كونيتين ، هما الليل ~~والنهار ، فإن التدبر فيما اشتملتا عليه من تنظيم دقيق ، من شأنه أن يبعث ~~على الإيمان بقدرة موجدهما ، وهو الله عز وجل . قال تعالى : # ( @QUR@019 قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من ~~إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون (71) @QUR@09 قل أرأيتم إن جعل الله ~~عليكم النهار سرمدا إلى PageV10P431 # @QUR@012 يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا ~~تبصرون (72) @QUR@013 ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ~~ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (73) @QUR@08 ويوم يناديهم فيقول أين ~~شركائي الذين كنتم تزعمون (74) @QUR@017 ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا ~~هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون ) (75) # السرمد : الدائم الذي لا ينقطع ، والمراد به هنا : دوام الزمان من ليل أو نهار. # والمعنى : قل أيها الرسول الكريم للناس ليعتبروا ويتعظوا وينتبهوا إلى ~~مظاهر قدرتنا ورحمتنا ، أخبرونى ماذا كان يحصل لكم إن جعل الله تعالى عليكم ~~الزمان ليلا دائما إلى يوم القيامة ، ( @QUR@04 من إله غير الله ) تعالى ( ~~@QUR@02 يأتيكم بضياء ) تبصرون عن طريقه عجائب هذا الكون ، وتقضون فيه ~~حوائجكم ( @QUR@02 أفلا تسمعون ) ما أرشدناكم إليه سماع تدبر وتفهم واعتبار ~~يهديكم إلى طاعة الله تعالى وشكره على نعمه. # ثم قال لهم : أخبرونى بعد ذلك ، لو جعل الله تعالى عليكم الزمان ضياء ~~دائما إلى يوم القيامة ( @QUR@04 من إله غير الله ) تعالى ( @QUR@04 يأتيكم ~~بليل تسكنون فيه ) أى : تستريحون فيه من عناء العمل والكد والتعب بالنهار ( ~~@QUR@02 أفلا تبصرون ) أى : أفلا تبصرون هذه الدلائل الساطعة الدالة على ~~قدرة الله تعالى ورأفته بكم. # إن دوام الزمان على هيئة واحدة من ليل أو نهار ، يؤدى إلى اختلال الحياة ~~، وعدم توفر أسباب المعيشة السليمة لكم ، بل ربما أدى إلى هلاككم. # إن المشاهد من أحوال الناس ، أنهم مع وجود الليل لساعات محدودة ، يشتاقون ~~لطلوع ms4408 الفجر ، لقضاء مصالحهم ، ومع وجود النهار لساعات محدودة أيضا يتطلعون ~~إلى حلول الليل ، ليستريحوا فيه من عناء العمل. # وختم سبحانه الآية الأولى بقوله : ( @QUR@02 أفلا تسمعون ) لأن حاسة ~~السمع فيما لو PageV10P432 # كان الليل سرمدا هي أكثر الحواس استعمالا في تلك الحالة المفترضة ، وختم ~~الآية الثانية بقوله : ( @QUR@02 أفلا تبصرون )، لأن حاسة البصر فيما لو ~~كان النهار سرمدا من أكثر الحواس استعمالا في هذه الحالة. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : هلا قيل : بنهار تتصرفون فيه ، كما قيل ~~«بليل تسكنون فيه ،؟ # قلت ذكر الضياء هو ضوء الشمس لأن المنافع التي تتعلق به متكاثرة ، ليس ~~التصرف في المعاش وحده ، والظلام ليس بتلك المنزلة (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@013 ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ~~، ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ) بيان لمظاهر فضل الله تعالى على الناس ~~، حيث جعل الليل والنهار على تلك الحالة التي يعيشون فيها. # أى : ومن رحمته بكم أيها الناس أنه سبحانه لم يجعل زمان الليل سرمدا ، ~~ولا زمان النهار ، بل جعلهما متعاقبين ، وجعل لكل واحد منهما زمانا محددا ~~مناسبا لمصالحكم ومنافعكم ، فالليل تسكنون فيه وتريحون فيه أبدانكم ، ~~والنهار تنتشرون فيه لطلب الرزق من الله تعالى. # وقد فعل سبحانه ذلك لمصلحتكم ، كي تشكروه على نعمه ، وتخلصوا له العبادة ~~والطاعة. # وبعد هذا الحديث عن مشاهد الكون ، عادت السورة للمرة الثالثة إلى الحديث ~~عن أحوال المجرمين يوم القيامة ، فقال تعالى : ( @QUR@08 ويوم يناديهم ~~فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون ). # أى : كن متذكرا أيها العاقل لتعتبر وتتعظ ، حال المجرمين يوم القيامة ، ~~يوم يناديهم الله تعالى على سبيل التقريع والتأنيب فيقول لهم : أين شركائى ~~الذين كنتم في دنياكم تزعمون أنهم شركائى في العبادة والطاعة. # إنهم لا وجود لهم إلا في عقولكم الجاهلة ، وأفكاركم الباطلة ، وتقاليدكم ~~السقيمة. # قال تعالى : ( @QUR@029 ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ، وتركتم ~~ما خولناكم وراء ظهوركم ، وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم ~~شركاء ، لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون ) (2). PageV10P433 # وقوله تعالى : ( @QUR@05 ونزعنا من كل أمة شهيدا ) أى : أخرجنا بسرعة من ~~كل ms4409 أمة من الأمم شهيدا يشهد عليهم ، والمراد به الرسول الذي أرسله سبحانه ~~إلى تلك الأمة المشهود عليها. ( @QUR@03 فقلنا هاتوا برهانكم ) أى : فقلنا ~~لهؤلاء المشركين بعد أن شهد عليهم أنبياؤهم بأنهم قد بلغوهم رسالة الله ~~قلنا لهم : هاتوا برهانكم وأدلتكم على صحة ما كنتم عليه من شرك وكفر في ~~الدنيا : والأمر هنا للتعجيز والإفضاح. # ولذا عقب سبحانه عليهم بقوله : ( @QUR@04 فعلموا أن الحق لله ) أى : ~~فعجزوا عن الإتيان بالبرهان ، وعلموا أن العبادة الحق إنما هي لله تعالى ~~وحده. ( @QUR@05 وضل عنهم ما كانوا يفترون ) أى : وغاب عنهم ما كانوا ~~يفترونه في حياتهم ، من أن معبوداتهم الباطلة ستشفع لهم يوم القيامة. # وبعد هذا البيان المتنوع عن دعاوى المشركين والرد عليها ، وعن أحوالهم ~~يوم القيامة ، وعن أحوال المؤمنين الصادقين .. بعد كل ذلك ، ختم سبحانه قصة ~~موسى عليه السلام التي جاء الحديث عنها في كثير من آيات هذه السورة ختمها ~~بقصة قارون الذي كان من قوم موسى عليه السلام فقال تعالى : # ( @QUR@029 إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن ~~مفاتحه لتنوأ بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب ~~الفرحين (76) @QUR@026 وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من ~~الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب ~~المفسدين (77) @QUR@028 قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد ~~أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسئل عن ذنوبهم ~~المجرمون (78) @QUR@03 فخرج على قومه PageV10P434 # @QUR@018 في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما ~~أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم (79) @QUR@016 وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ~~ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون (80) @QUR@017 ~~فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من ~~المنتصرين (81) @QUR@027 وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله ~~يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لو لا أن ms4410 من الله علينا لخسف بنا ~~ويكأنه لا يفلح الكافرون (82) @QUR@014 تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا ~~يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين (83) @QUR@018 من جاء ~~بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما ~~كانوا يعملون ) (84) # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@06 إن قارون كان من قوم موسى ) لما ~~قال تعالى : ( @QUR@08 وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها ) ~~بين أن قارون أوتيها واغتر بها. ولم تعصمه من عذاب الله ، كما لم تعصم ~~فرعون ولستم أيها المشركون بأكثر عددا ومالا من قارون وفرعون ، فلم ينفع ~~فرعون جنوده وأمواله ، ولم ينفع قارون قرابته من موسى ولا كنوزه. # قال النخعي وقتادة وغيرهما : كان قارون ابن عم موسى .. وقيل كان ابن ~~خالته .. (1). PageV10P435 # وقوله ( @QUR@02 فبغى عليهم ) من البغي وهو مجاوزة الحد في كل شيء. يقال ~~: بغى فلان على غيره بغيا ، إذا ظلمه واعتدى عليه. وأصله من بغى الجرح ، ~~إذا ترامى إليه الفساد. # والمعنى : إن قارون كان من قوم موسى ، أى : من بنى إسرائيل الذين أرسل ~~إليهم موسى كما أرسل إلى فرعون وقومه. # ( @QUR@02 فبغى عليهم ) أى : فتطاول عليهم ، وتجاوز الحدود في ظلمهم وفي ~~الاعتداء عليهم. # ولم يحدد القرآن كيفية بغيه أو الأشياء التي بغى عليهم فيها ، للإشارة ~~إلى أن بغيه قد شمل كل ما من شأنه أن يسمى بغيا من أقوال أو أفعال. # وقوله تعالى : ( @QUR@010 وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوأ بالعصبة ~~أولي القوة ) بيان لما أعطى الله تعالى لقارون من نعم. # والكنوز : جمع كنز وهو المال الكثير المدخر ، و ( @QUR@01 ما ) موصولة. ~~وهي المفعول الثاني لآتينا. # وصلتها ( @QUR@01 إن ) وما في حيزها. وقوله : ( @QUR@01 مفاتحه ) جمع ~~مفتح بكسر الميم وفتح التاء وهو الآلة التي يفتح بها أو جمع مفتح بفتح ~~الميم والتاء بمعنى الخزائن التي تجمع فيها الأموال. # وهو أى لفظ مفاتحه اسم إن ، والخبر : ( @QUR@04 لتنوأ بالعصبة أولي القوة ). # وقوله ( @QUR@01 لتنوأ ). أى لتعجز أو لتثقل. يقال : ناء فلان بحمل هذا ~~الشيء ، إذا أثقله حمله وأتعبه : والباء في قوله ( @QUR@01 بالعصبة ) ~~للتعدية والعصبة : الجماعة من ms4411 الناس من غير تعيين بعدد معين ، سموا بذلك ~~لأنهم يتعصب بعضهم لبعض ومنهم من خصها في العرف ، بالعشرة إلى الأربعين. # والمعنى : وآتينا قارون بقدرتنا وفضلنا من الأموال الكثيرة ، ما يثقل حمل ~~مفاتح خزائنها ، العصبة من الرجال الأقوياء ، بحيث تجعلهم شبه عاجزين عن حملها. # قال صاحب الكشاف : وقد بولغ في ذكر ذلك أى في كثرة أمواله بلفظ الكنوز ، ~~والمفاتح ، والنوء ، والعصبة ، وأولى القوة (1). # والمراد بالفرح في قوله سبحانه : ( @QUR@06 إذ قال له قومه لا تفرح ): ~~البطر والأشر والتفاخر على الناس ، والاستخفاف بهم واستعمال نعم الله تعالى ~~في السيئات والمعاصي. PageV10P436 # وجملة : ( @QUR@05 إن الله لا يحب الفرحين ) تعليل للنهى عن الفرح ~~المذموم. # أى : لقد أعطى الله تعالى قارون نعما عظيمة ، فلم يشكر الله عليها ، بل ~~طغى وبغى ، فقال له العقلاء من قومه : لا تفرح بهذا المال الذي بين يديك ~~فرح البطر الفخور ، المستعمل لنعم الله في الفسوق والمعاصي ، فإن الله ~~تعالى لا يحب من كان كذلك. # ثم قالوا له أيضا على سبيل النصح والإرشاد : ( @QUR@06 وابتغ فيما آتاك ~~الله الدار الآخرة ) أى : واطلب فيما أعطاك الله تعالى من أموال عظيمة ، ~~ثواب الدار الآخرة ، عن طريق إنفاق جزء من مالك في وجوه الخير ، كالإحسان ~~إلى الفقراء والمحتاجين. # ( @QUR@05 ولا تنس نصيبك من الدنيا ) أى : اجعل مالك زادا لآخرتك ، ولا ~~تترك التنعم بنعم الله في دنياك ، فإن لربك عليك حقا ، ولنفسك عليك حقا ، ~~ولأهلك عليك حقا ، ولضيفك عليك حقا ، فأعط كل ذي حق حقه. # ( @QUR@05 وأحسن كما أحسن الله إليك ) أى : وأحسن إلى عباد الله بأن تترك ~~البغي عليهم ، وتعطيهم حقوقهم. مثل ما أحسن الله إليك بنعم كثيرة. # ( @QUR@05 ولا تبغ الفساد في الأرض ) أى : ولا تطلب الفساد في الأرض عن ~~طريق البغي والظلم ( @QUR@05 إن الله لا يحب المفسدين ) كما أنه سبحانه لا ~~يحب الفرحين المختالين. # وهكذا ساق العقلاء من قوم قارون النصائح الحكيمة له ، والتي من شأن من ~~اتبعها أن ينال السعادة في دنياه وأخراه. # ولكن قارون قابل هذه النصائح ، بالغرور وبالإصرار على الفساد والجحود ~~فقال كما حكى القرآن ms4412 عنه ( @QUR@05 إنما أوتيته على علم عندي ). # أى : قال قارون في الرد على ناصحيه : إن هذا المال الكثير الذي تحت يدي ، ~~إنما أوتيته بسبب علمي وجدي واجتهادي .. فكيف تطلبون منى أن أتصرف بمقتضى ~~نصائحكم؟ لا. لن أتبع تلك النصائح التي وجهتموها إلى ، فإن هذا المال مالي ~~ولا شأن لكم بتصرفى فيه ، كما أنه لا شأن لكم بتصرفاتى الخاصة ، ولا بسلوكى ~~في حياتي التي أملكها. # وهذا القول يدل على أن قارون ، كان قد بلغ الذروة في الغرور والطغيان ~~وجحود النعمة. # ولذا جاءه التهديد المصحوب بالسخرية منه ومن كنوزه ، في قوله تعالى : ( ~~@QUR@017 أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة ~~وأكثر جمعا ). # والمقصود بهذا الاستفهام التعجيب من حاله ، والتأنيب له على جهله وغروره. # أى : أبلغ الغرور والجهل بقارون أنه يزعم أن هذا المال الذي بين يديه ~~جمعه بمعرفته PageV10P437 # واجتهاده ، مع أنه يعلم حق العلم عن طريق التوراة وغيرها ، أن الله تعالى ~~قد أهلك من قبله. من أهل القرون السابقة عليه من هو أشد منه في القوة ، ~~وأكثر منه في جمع المال واكتنازه. # فالمقصود بالجملة الكريمة تهديده وتوبيخه على غروره وبطره. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون ) جملة حالية. أى ~~: والحال أنه لا يسأل عن ذنوبهم المجرمون سؤال استعتاب واستعلام ، لأن الله ~~تعالى لا يخفى عليه شيء. وإنما يسألون كما جاء في قوله تعالى ( @QUR@04 فو ~~ربك لنسئلنهم أجمعين ) سؤال توبيخ وإفضاح. # فالمراد بالنفي في قوله سبحانه ( @QUR@02 ولا يسئل. ) @QUR@01 . سؤال ~~الاستعلام والاستعتاب ، والمراد بالإثبات في قوله : ( @QUR@01 فلنسئلن ) أو ~~في قوله : ( @QUR@03 فو ربك لنسئلنهم ) سؤال التقريع والتوبيخ. # أو نقول : إن في يوم القيامة مواقف ، فالمجرمون قد يسألون في موقف ، ولا ~~يسألون في موقف آخر ، وبذلك يمكن الجمع بين الآيات التي تنفى السؤال ~~والآيات التي تثبته. # ثم حكى القرآن بعد ذلك مظهرا آخر من مظاهر غرور قارون وبطره فقال : ( ~~@QUR@05 فخرج على قومه في زينته ) والجملة الكريمة معطوفة على قوله قبل ذلك ~~( @QUR@06 قال إنما أوتيته على علم عندي ) وما بينهما ms4413 اعتراض. والزينة : ~~اسم ما يتزين به الإنسان من حلى أو ثياب أو ما يشبههما. # أى : قال ما قال قارون على سبيل الفخر والخيلاء ، ولم يكتف بهذا القول بل ~~خرج على قومه في زينة عظيمة. وأبهة فخمة ، فيها ما فيها من ألوان الرياش ~~والخدم. # وقد ذكر بعض المفسرين روايات متعددة ، في زينته التي خرج فيها ، رأينا أن ~~نضرب عنها صفحا لضعفها ، ويكفى أن نعلم أنها زينة فخمة ، لأنه لم يرد نص في ~~تفاصيلها. # وأمام هذه الزينة الفخمة التي خرج فيها قارون ، انقسم الناس إلى فريقين ، ~~فريق استهوته هذه الزينة ، وتمنى أن يكون له مثلها ، وقد عبر القرآن عن هذا ~~الفريق بقوله : ( @QUR@016 قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ~~ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم ). # أى : خرج قارون على قومه في زينته ، فما كان من الذين يريدون الحياة ~~الدنيا وزخارفها من قومه ، إلا أن قالوا على سبيل التمني والانبهار .. يا ~~ليت لنا مثل ما أوتى قارون من مال وزينة ورياش ، إنه لذو حظ عظيم ، ونصيب ~~ضخم ، من متاع الدنيا وزينتها. PageV10P438 # هكذا قال الذين يريدون الحياة الدنيا. وهم الفريق الأول من قوم قارون. ~~أما الفريق الثاني المتمثل في أصحاب الإيمان القوى ، والعلم النافع ، فقد ~~قابلوا أصحاب هذا القول بالزجر والتعنيف ، وقد حكى القرآن ذلك عنهم فقال : ~~( @QUR@016 وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ، ثواب الله خير لمن آمن وعمل ~~صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون ). # وكلمة ( @QUR@01 ويلكم ) أصلها الدعاء بالهلاك ، وهي منصوبة بمقدر. أى : ~~ألزمكم الله الويل. # ثم استعملت في الزجر والتعنيف والحض على ترك ما هو قبيح ، وهذا الاستعمال ~~هو المراد هنا. # أى : وقال الذين أوتوا العلم النافع من قوم قارون. لمن يريدون الحياة ~~الدنيا : كفوا عن قولكم هذا ، واتركوا الرغبة في أن تكونوا مثله ، فإن ( ~~@QUR@02 ثواب الله ) في الآخرة ( @QUR@01 خير ) مما تمنيتموه ، وهذا الثواب ~~إنما هو ( @QUR@04 لمن آمن وعمل صالحا ) فلا تتمنوا عرض الدنيا الزائل. # وهذه المثوبة العظمى التي أعدها الله تعالى لمن آمن وعمل صالحا ( @QUR@02 ~~ولا يلقاها ) أى : لا يظفر ms4414 بها ، ولا يوفق للعمل لها ( @QUR@02 إلا ~~الصابرون ) على طاعة الله تعالى وعلى ترك المعاصي والشهوات. # قال صاحب الكشاف : والراجع في ( @QUR@02 ولا يلقاها ) للكلمة التي تكلم ~~بها العلماء ، أو للثواب ، لأنه في معنى المثوبة أو الجنة ، أو للسيرة ~~والطريقة وهي الإيمان والعمل الصالح (1). # ثم جاءت بعد ذلك العقوبة لقارون ، بعد أن تجاوز الحدود في البغي والفخر ~~والإفساد في الأرض. وقد حكى سبحانه هذه العقوبة في قوله : ( @QUR@04 فخسفنا ~~به وبداره الأرض ). # وقوله تعالى ( @QUR@01 فخسفنا ) من الخسف وهو النزول في الأرض ، يقال : ~~خسف المكان خسفا من باب ضرب إذا غار في الأرض. ويقال : خسف القمر ، إذا ذهب ~~ضوؤه ، وخسف الله بفلان الأرض ، إذا غيبه فيها. # قال ابن كثير لما ذكر الله تعالى اختيال قارون في زينته ، وفخره على قومه ~~وبغيه عليهم ، عقب ذلك بأنه خسف به وبداره الأرض ، كما ثبت في الصحيح عند ~~البخاري من حديث الزهري عن سالم أن أباه حدثه : أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : «بينا رجل يجر إزاره إذ خسف به ، فهو يتجلجل في ~~الأرض إلى يوم القيامة» (2). PageV10P439 # أى. تمادى قارون في بغيه ، ولم يستمع لنصح الناصحين ، فغيبناه في الأرض ~~هو وداره ، وأذهبناهما فيها إذهابا تاما. # ( @QUR@09 فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله ) أى : فما كان لقارون ~~من جماعة أو عصبة تنصره من عذاب الله ، بأن تدفعه عنه ، أو ترحمه منه. # ( @QUR@02 وما كان ) قارون ( @QUR@02 من المنتصرين ) بل كان من الأذلين ~~الذين تلقوا عقوبة الله تعالى باستسلام وخضوع وخنوع ، دون أن يستطيع هو أو ~~قومه رد عقوبة الله تعالى . # ثم بين سبحانه ما قاله الذين كانوا يتمنون أن يكونوا مثل قارون فقال ~~تعالى : ( @QUR@027 وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط ~~الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر ، لو لا أن من الله علينا لخسف بنا ، ويكأنه ~~لا يفلح الكافرون ). # ولفظ «وى» اسم فعل بمعنى أعجب ، ويكون أيضا للتحسر والتندم ، وكان الرجل ~~من العرب إذا أراد أن يظهر ندمه وحسرته على أمر فائت يقول : وى. # وقد ms4415 يدخل هذا اللفظ على حرف «كأن» المشددة كما في الآية وعلى المخففة. # قال الجمل ما ملخصه قوله : ( @QUR@02 ويكأن الله ) في هذا اللفظ مذاهب : ~~أحدها : أن وى كلمة برأسها ، وهي اسم فعل معناها أعجب ، أى : أنا ، والكاف ~~للتعليل ، وأن وما في حيزها مجرورة بها ، أى : أعجب لأن الله تعالى يبسط ~~الرزق لمن يشاء ويقدر .. وقياس هذا القول أن يوقف على «وى» وحدها ، وقد فعل ~~ذلك الكسائي. # الثاني : أن كأن هنا للتشبيه إلا أنه ذهب معناه وصارت للخبر واليقين ، ~~وهذا أيضا يناسبه الوقف على وى. # الثالث : أن «ويك» كلمة برأسها ، والكاف حرف خطاب ، و «أن» معمولة لمحذوف. ~~أى : أعلم أن الله يبسط .. وهذا يناسب الوقف على ويك وقد فعله أبو عمرو. # الرابع : أن أصل الكلمة ويلك ، فحذفت اللام وهذا يناسب الوقف على الكاف ~~أيضا كما فعل أبو عمرو. # الخامس : أن ( @QUR@01 ويكأن ) كلها كلمة مستقلة بسيطة ومعناها : ألم تر ~~.. ولم يرسم في القرآن إلا ( @QUR@01 ويكأن ) ويكأنه متصلة في الموضعين .. ~~ووصل هذه الكلمة عند القراءة لا خلاف بينهم فيه. # والمعنى : وبعد أن خسف الله تعالى الأرض بقارون ومعه داره ، أصبح الذين ~~تمنوا أن يكونوا مثله ( @QUR@01 بالأمس ) أى : منذ زمان قريب ، عند ما خرج ~~عليهم في زينته ، أصبحوا PageV10P440 # يقولون بعد أن رأوا هلاكه : ( @QUR@09 ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من ~~عباده ويقدر ) أى : صاروا يقولون ما أعجب قدرة الله تعالى في إعطائه الرزق ~~لمن يشاء من عباده وفي منعه عمن يشاء منهم ، وما أحكمها في تصريف الأمور ، ~~وما أشد غفلتنا عند ما تمنينا أن نكون مثل قارون ، وما أكثر ندمنا على ذلك. # لو لا أن الله تعالى قد من علينا ، بفضله وكرمه لخسف بنا الأرض كما خسفها ~~بقارون وبداره. # ( @QUR@04 ويكأنه لا يفلح الكافرون ) أى : ما أعظم حكمة الله تعالى في ~~إهلاكه للقوم الكافرين ، وفي إمهاله لهم ثم يأخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر. # ثم ختم سبحانه قصة قارون ببيان سنة من سننه التي لا تتخلف فقال : ( ~~@QUR@012 تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في ms4416 الأرض ولا فسادا ). # واسم الإشارة ( @QUR@01 تلك ) مبتدأ ، والدار الآخرة صفة له ، ونجعلها .. ~~خبره ، وجاءت الإشارة بهذه الصيغة المفيدة للبعد ، للإشعار بعظم هذه الدار ~~وعلو شأنها. # أى : تلك الدار الآخرة وما فيها من جنات ونعيم ، نجعلها خالصة لعبادنا ~~الذين لا يريدون بأقوالهم ولا بأفعالهم ( @QUR@03 علوا في الأرض ) أى : ~~تطاولا وتعاليا فيها ( @QUR@02 ولا فسادا ) أى : ظلما أو بغيا أو عدوانا ~~على أحد. # ( @QUR@01 والعاقبة ) الطيبة الحسنة ، إنما هي ( @QUR@01 للمتقين ) الذين ~~صانوا أنفسهم عن كل سوء وقبيح. # ( @QUR@02 من جاء ) في دنياه ( @QUR@01 بالحسنة ) أى بالأعمال الحسنة ( ~~@QUR@01 فله ) في مقابلها عندنا بفضلنا وإحساننا ( @QUR@02 خير منها ) أى : ~~فله عندنا خير مما جاء به من حسنات ، بأن نضاعفها ، وتثيبه عليها ثوابا ~~عظيما لا يعلم مقداره أحد. # ( @QUR@07 ومن جاء بالسيئة ، فلا يجزى الذين عملوا ) الأعمال ( @QUR@05 ~~السيئات إلا ما كانوا يعملون ) أى : فلا يجزون إلا الجزاء الذي يناسب ~~أعمالهم في القبح والسوء. # وهكذا يسوق لنا القرآن في قصصه العبر والعظات ، لقوم يتذكرون ، فمن قصة ~~قارون نرى أن كفران النعم يؤدى إلى زوالها ، وأن الغرور والبغي والتفاخر كل ~~ذلك يؤدى إلى الهلاك ، وأن خير الناس من يبتغى فيما آتاه الله من نعم ثواب ~~الآخرة ، دون أن يهمل نصيبه من الدنيا ، وأن العاقل هو من يستجيب لنصح ~~الناصحين ، وأن الناس في كل زمان ومكان ، منهم الذين يريدون زينة الحياة ~~الدنيا ، ومنهم الأخيار الأبرار الذين يفضلون ثواب الآخرة ، على PageV10P441 # متع الحياة الدنيا ، وأن العاقبة الحسنة قد جعلها سبحانه لعباده المتقين ~~، وأنه سبحانه يجازى الذين أساءوا بما عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا ~~بالحسنى. # * * * # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة ، ببشارة النبي صلى الله عليه وسلم ، وبتثبيت ~~قلبه ، وبأمره بالمضي في تبليغ رسالة ربه بدون خوف أو وجل .. فقال تعالى : # ( @QUR@019 إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء ~~بالهدى ومن هو في ضلال مبين (85) @QUR@015 وما كنت ترجوا أن يلقى إليك ~~الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين (86) @QUR@016 ولا يصدنك ~~عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا ms4417 تكونن من المشركين (87) ~~@QUR@019 ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له ~~الحكم وإليه ترجعون ) (88) # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@08 إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى ~~معاد. ) @QUR@01 . ختم سبحانه السورة ببشارة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ~~برده إلى مكة قاهرا لأعدائه. وقيل : هو بشارة له بالجنة. والأول أكثر. وهو ~~قول جابر بن عبد الله ، وابن عباس ، ومجاهد ، وغيرهم. # قال القتبى : معاد الرجل بلده ، لأنه ينصرف عنه ثم يعود إليه .. وقيل إلى ~~معاد. أى : إلى الموت. (1). # قال الآلوسى : وقد يقال : أطلق سبحانه المعاد على مكة ، لأن العرب كانت ~~تعود إليها في كل سنة ، لمكان البيت فيها ، وهذا وعد منه عز وجل لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم وهو بمكة أنه عليه الصلاة والسلام يهاجر منها ثم يعود ~~إليها. وروى عن غير واحد أن الآية نزلت PageV10P442 # بالجحفة بعد أن خرج صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجرا واشتاق إليها ، ووجه ~~ارتباطها بما تقدمها : تضمنها الوعد بالعاقبة الحسنى في الدنيا ، كما تضمن ~~ما قبلها الوعد بالعاقبة الحسنى في الآخرة (1). # والمعنى : ( @QUR@05 إن الذي فرض عليك القرآن ) أيها الرسول الكريم ، بأن ~~أنزله إليك ، وكلفك بحفظه وتلاوته على الناس ، والعمل بأوامره ونواهيه. # ( @QUR@03 لرادك إلى معاد ) أى : لرادك إلى المكان الذي أنت فيه وهو مكة ~~، بعد أن تهاجر منه. # تعود إليه ظاهرا منتصرا ، بعد أن خرجت منه وأنت مطارد من أعدائك. # تعود إليه ومعك الآلاف من أتباعك بعد أن خرجت منه وليس معك سوى صاحبك أبى ~~بكر الصديق رضى الله عنه . # وقد حقق الله تعالى هذا الوعد لنبيه صلى الله عليه وسلم فقد عاد الرسول إلى ~~مكة ومعه أصحابه المؤمنون ، بعد سنوات قليلة من هجرتهم منها. # قال صاحب الكشاف : «ووجه تنكيره أى لفظ المعاد أنها كانت في ذلك اليوم ~~معادا له شأن ، ومرجعا له اعتداد ، لغلبة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها ~~، وقهره لأهلها ، لظهور عز الإسلام وأهله ، وذل الشرك وحزبه (2). # ثم أرشد سبحانه نبيه إلى ما يرد به ms4418 على دعاوى المشركين فقال : ( @QUR@011 ~~قل ربي أعلم من جاء بالهدى ، ومن هو في ضلال مبين ). # أى : قل أيها الرسول الكريم لمن خالفك وكذبك ، ربي وحده هو الأعلم ~~بالمهتدى وبالضال منى ومنكم ، وسيجازى كل فريق بما يستحقه ، وستعلمون أيها ~~المشركون لمن عقبى الدار. # ثم ذكره سبحانه بنعمة اختصاصه بالنبوة وحمل الرسالة ، فقال : ( @QUR@011 ~~وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك ). # أى : وما كنت أيها الرسول الكريم قبل وحينا إليك بالرسالة ، تتوقع أو تظن ~~أننا سنكلفك بها ، لكننا كلفناك بها وشرفناك بحملها رحمة منا بالناس فأنت ~~الرحمة المهداة والنعمة المسداة إليهم ، لإخراجهم من ظلمات الكفر إلى نور ~~الإيمان. # وما دام الأمر كذلك ، فأكثر من شكر الله تعالى وامض في طريقك فلا تكونن PageV10P443 # ( @QUR@01 ظهيرا ) أى : معينا ونصيرا ( @QUR@01 للكافرين ). # ( @QUR@02 ولا يصدنك ) الصادون ( @QUR@01 عن ) تبليغ ( @QUR@02 آيات الله ~~) تعالى وعن العمل بها ( @QUR@04 بعد إذ أنزلت إليك ) من ربك. # ( @QUR@01 وادع ) الناس جميعا ( @QUR@01 إلى ) دين ( @QUR@01 ربك ) وإلى ~~طريقه ( @QUR@04 ولا تكونن من المشركين ) الذين أشركوا مع الله تعالى آلهة ~~أخرى في العبادة والطاعة. # ( @QUR@04 ولا تدع مع الله ) تعالى ( @QUR@02 إلها آخر ) أى : واحذر أن ~~تعبد مع الله تعالى إلها آخر ، فإن الحال والشأن والحق أنه ( @QUR@02 لا ~~إله ) مستحق للعبادة ( @QUR@02 إلا هو ) وحده عز وجل . # ( @QUR@02 كل شيء ) في هذا الوجود ( @QUR@01 هالك ) ومعدوم وزائل ( ~~@QUR@02 إلا وجهه ) عز وجل . # ( @QUR@01 له ) سبحانه ( @QUR@01 الحكم ) النافذ الذي لا مرد له. # ( @QUR@01 وإليه ) وحده ( @QUR@01 ترجعون ) أيها الناس فيحاسبكم على ما ~~قدمتم وما أخرتم ( @QUR@09 يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله ). # وبعد : فهذه سورة القصص ، وهذا تفسير لها ، نسأل الله تعالى أن يجعله ~~خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # القاهرة مدينة نصر # صباح السبت 2 من رجب سنة 1405 ه # الموافق 23 / 3 1985 م ||د. محمد سيد طنطاوى| PageV10P444 ### ||| * فهرس إجمالى لتفسير سورة «المؤمنون» # مقدمة وتمهيد.......................................................... ~~.......... 5 # 1 قد أفلح ~~المؤمنون............................................................ 11 # 12 ولقد خلقنا الإنسان من ~~سلالة.............................................. 16 # 17 ولقد خلقنا فوقكم سبع ~~طرائق.............................................. 19 # 23 ms4419 ولقد أرسلنا نوحا إلى ~~قومه.................................................. 23 # 31 ثم أنشأنا من بعدهم قرنا ~~آخرين............................................. 30 # 42 ثم أنشأنا من بعدهم قرونا ~~آخرين............................................ 35 # 53 فتقطعوا أمرهم ~~بينهم....................................................... 41 # 57 إن الذين هم من خشية ربهم ~~مشفقون........................................ 43 # 63 بل قلوبهم في غمرة من ~~هذا................................................. 46 # 68 أفلم يدبروا ~~القول.......................................................... 49 # 75 ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ~~ضر.......................................... 54 # 78 وهو الذي أنشأ لكم السمع ~~والأبصار........................................ 56 # 81 بل قالوا مثل ما قال ~~الأولون................................................. 57 # 90 بل أتيناهم بالحق وإنهم ~~لكاذبون............................................. 60 # 93 قل رب إما تريني ما ~~يوعدون................................................ 61 # 99 حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ~~ارجعون.................................. 63 # 112 قال كم لبثتم في الأرض عدد ~~سنين........................................ 67 PageV10P445 ### ||| * فهرس إجمالى لتفسير سورة «النور» # مقدمة ~~وتمهيد.................................................................. 73 # 1 سورة أنزلناها ~~وفرضناها....................................................... 77 # 2 الزانية والزاني ~~فاجلدوا........................................................ 78 # 4 والذين يرمون ~~المحصنات...................................................... 85 # 6 والذين يرمون ~~أزواجهم....................................................... 88 # 11 إن الذين جاءوا ~~بالإفك.................................................... 92 # 19 إن الذين يحبون أن تشيع ~~الفاحشة........................................... 99 # 23 إن الذين يرمون ~~المحصنات................................................. 103 # 27 يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا ~~بيوتا.......................................... 108 # 30 قل للمؤمنين يغضوا من ~~أبصارهم........................................... 114 # 32 وأنكحوا الأيامى ~~منكم................................................... 120 # 35 الله نور السموات ~~والأرض................................................. 126 # 39 والذين كفروا أعمالهم ~~كسراب.............................................. 132 # 41 ألم تر أن الله يسبح له من في ~~السموات..................................... 135 # 43 ألم تر أن الله يزجى ~~سحابا................................................ 137 # 46 لقد أنزلنا آيات ~~مبينات................................................... 141 # 55 وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا ~~الصالحات................................ 146 # 58 يا أيها الذين آمنوا ~~ليستأذنكم............................................. 150 # 61 ليس على الأعمى ~~حرج................................................... 154 # 62 إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله........................................ 158 PageV10P446 ### ||| * فهرس إجمالى لتفسير «سورة الفرقان» # مقدمة ~~وتمهيد................................................................. 165 # 1 تبارك الذي نزل الفرقان على ~~عبده........................................... 169 # 4 وقال الذين كفروا إن هذا إلا ~~إفك........................................... 172 # 7 وقالوا مال هذا الرسول يأكل ~~الطعام.......................................... 174 # 12 إذا رأتهم من مكان ~~بعيد.................................................. 177 # 17 ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون ~~الله...................................... 180 # 20 وما أرسلنا قبلك من ~~المرسلين.............................................. 183 ms4420 # 21 وقال الذين لا يرجون ~~لقاءنا............................................... 185 # 30 وقال الرسول يا رب إن ~~قومي.............................................. 192 # 35 ولقد آتينا موسى ~~الكتاب................................................. 195 # 41 وإذا رأوك إن يتخذونك إلا ~~هزوا........................................... 199 # 45 ألم تر إلى ربك كيف مد ~~الظل............................................. 202 # 55 ويعبدون من دون الله مالا ~~ينفعهم.......................................... 211 # 63 وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض ~~هونا................................ 216 # 77 قل ما يعبأ بكم ربي لو لا ~~دعاؤكم......................................... 223 PageV10P447 ### ||| * فهرس إجمالى لتفسير «سورة الشعراء» # مقدمة ~~وتمهيد................................................................. 229 # 1 طسم ، تلك آيات الكتاب ~~المبين............................................ 231 # 10 وإذ نادى ربك ~~موسى.................................................... 235 # 18 قال ألم نربك فينا ~~وليدا................................................... 238 # 34 قال للملأ حوله إن ~~هذا.................................................. 243 # 42 قال لهم موسى ~~ألقوا...................................................... 246 # 52 وأوحينا إلى ~~موسى....................................................... 248 # 69 واتل عليهم نبأ ~~إبراهيم.................................................... 253 # 90 وأزلفت الجنة ~~للمتقين..................................................... 258 # 105 كذبت قوم نوح ~~المرسلين................................................. 261 # 123 كذبت عاد ~~المرسلين.................................................... 264 # 141 كذبت ثمود ~~المرسلين.................................................... 268 # 160 كذبت قوم لوط ~~المرسلين................................................ 271 # 176 كذب أصحاب الأيكة.................................................. 274 # 192 وإنه لتنزيل رب ~~العالمين.................................................. 279 # 200 كذلك سلكناه في قلوب ~~المجرمين.......................................... 282 # 213 فلا تدع مع الله إلها ~~آخر................................................ 285 # 221 هل أنبئكم على من تنزل ~~الشياطين....................................... 289 PageV10P448 ### ||| * فهرس إجمالى لتفسير «سورة النمل» # مقدمة ~~وتمهيد................................................................. 295 # 1 طس ، تلك آيات ~~القرآن................................................... 299 # 7 إذ قال موسى لأهله إنى آنست ~~نارا.......................................... 303 # 15 ولقد آتينا داود وسليمان ~~علما............................................. 311 # 20 وتفقد الطير فقال مالي لا أرى ~~الهدهد...................................... 316 # 27 قال سننظر أصدقت أم كنت من ~~الكاذبين.................................. 320 # 36 فلما جاء سليمان ، قال أتمدونن ~~بمال....................................... 323 # 38 قال يا أيها الملأ أيكم يأتينى ~~بعرشها........................................ 325 # 41 قال نكروا لها ~~عرشها...................................................... 327 # 45 ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم ~~صالحا......................................... 334 # 54 ولوطا إذ قال ~~لقومه...................................................... 340 # 59 قل الحمد لله وسلام على عباده الذين ~~اصطفى............................... 343 # 65 قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا ~~الله........................... 349 # 76 إن هذا القرآن يقص على بنى ~~إسرائيل...................................... 355 # 82 وإذا وقع القول عليهم ، أخرجنا ms4421 لهم ~~دابة.................................... 358 # 89 من جاء بالحسنة فله خير ~~منها............................................. 363 PageV10P449 ### ||| * فهرس إجمالى لتفسير «سورة القصص» # مقدمة ~~وتمهيد................................................................. 369 # 1 طسم ، تلك آيات الكتاب ~~المبين............................................ 373 # 7 وأوحينا إلى أم ~~موسى....................................................... 377 # 14 ولما بلغ أشده ~~واستوى.................................................... 385 # 22 ولما توجه تلقاء ~~مدين..................................................... 391 # 29 فلما قضى موسى ~~الأجل.................................................. 400 # 36 فلما جاءهم موسى ~~بآياتنا................................................. 406 # 44 وما كنت بجانب ~~الغربي................................................... 411 # 52 الذين آتيناهم ~~الكتاب.................................................... 419 # 56 إنك لا تهدى من ~~أحببت................................................. 421 # 62 ويوم يناديهم ~~فيقول...................................................... 427 # 71 قل أرأيتم إن جعل ~~الله.................................................... 431 # 76 إن قارون كان من قوم ~~موسى.............................................. 434 # 85 إن الذي فرض عليك ~~القرآن.............................................. 442 PageV10P450 ![](https://books.rafed.net/Books/3951_altafsir-alwasit-11/images/image001.gif) PageV11P001 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * ( @QUR@07 ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ) (127) PageV11P003 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة العنكبوت هي السورة التاسعة والعشرون في ترتيب المصحف ، وكان ~~نزولها بعد سورة الروم ، أى : أنها من أواخر السور المكية في النزول ، إذ ~~أن ترتيبها في النزول الثالثة والثمانون من بين السور المكية ، ولم ينزل ~~بعدها قبل الهجرة سوى سورة المطففين (1) وعدد آياتها تسع وستون آية. # 2 وجمهور العلماء على أنها مكية ، ومنهم من يرى أن فيها آيات مدنية. # قال الآلوسى : عن ابن عباس أنها مكية وذهب إلى ذلك أيضا الحسن وجابر ~~وعكرمة. وعن بعضهم أنها آخر ما نزل بمكة ... وقال يحيى بن سلام : هي مكية ، ~~إلا من أولها إلى قوله تعالى : ( @QUR@06 وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن ~~المنافقين. ) @QUR@01 .. (2). # والذي تطمئن إليه النفس أن سورة العنكبوت كلها مكية ، وليس هناك روايات ~~يعتمد عليها في كون بعض آياتها مدنية. # 3 وقد افتتحت سورة العنكبوت ببعض الحروف المقطعة ( @QUR@01 الم )، ثم ~~تحدثت عن تكاليف الإيمان ، وأنه يستلزم الامتحان والاختبار ، ليميز الله ~~الخبيث من الطيب ، وعن الحسنة التي أعدها سبحانه لعباده المؤمنين الصادقين. ~~قال تعالى : ( @QUR@07 والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين ). # 4 ثم حكت جانبا من أقوال المشركين ، ومن دعاواهم الكاذبة ، وردت عليهم ~~بما يبطل أقوالهم ، وبما يزيد المؤمنين إيمانا على إيمانهم ... # قال تعالى : ( @QUR@029 وقال ms4422 الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ~~ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون ، وليحملن ~~أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ، وليسئلن يوم القيامة عما كانوا يفترون ). PageV11P005 # 5 ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك ، إلى الحديث عن قصص بعض الأنبياء مع ~~أقوامهم ، فأشارت إلى قصة نوح مع قومه ، ثم ذكرت بشيء من التفصيل جانبا من ~~قصة إبراهيم مع قومه ، ومن قصة لوط مع قومه ، وأتبعت ذلك بإشارات مركزة ~~تتعلق بقصة شعيب وهود وصالح وموسى مع أقوامهم ... # ثم اختتمت هذه القصص ببيان العاقبة السيئة التي صار إليها المكذبون ~~لرسلهم ، فقال تعالى : ( @QUR@028 فكلا أخذنا بذنبه ، فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا ، ومنهم من أخذته الصيحة ، ومنهم من خسفنا به الأرض ، ومنهم من ~~أغرقنا ، وما كان الله ليظلمهم ، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ). # 6 ثم ضربت السورة الكريمة مثلا لحال الذين أشركوا مع الله تعالى آلهة ~~أخرى في العبادة ، فشبهت ما هم عليه من كفر وشرك في ضعفه وهوانه وهلهلته ~~ببيت العنكبوت ، وأمرت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، أن يزدادوا ثباتا ~~على ثباتهم ، وأن يستعينوا على ذلك ، بتلاوة القرآن الكريم ، وبإقامة ~~الصلاة ، وبالإكثار من ذكر الله تعالى . # قال سبحانه : ( @QUR@021 اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة ، إن ~~الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، ولذكر الله أكبر ، والله يعلم ما تصنعون ). # 7 ثم أمرت السورة الكريمة المؤمنين بأن يجادلوا أهل الكتاب بالتي هي أحسن ~~، إلا الذين ظلموا منهم ، وأرشدتهم إلى ما يقولونه لهم ، ومدحت من يستحق ~~المدح منهم ، وذمت من يستحق الذم ، وأقامت الأدلة الساطعة على أن هذا ~~القرآن من عند الله تعالى . # قال سبحانه : ( @QUR@046 وكذلك أنزلنا إليك الكتاب ، فالذين آتيناهم ~~الكتاب يؤمنون به ، ومن هؤلاء من يؤمن به ، وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون* ~~وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ، ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون* بل ~~هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ، وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون ). # 8 ثم وجه سبحانه نداء إلى المؤمنين ، حضهم فيه على الهجرة من أرض ms4423 الكفر ~~إلى دار الإيمان ، ورغبهم في ذلك بوسائل ، منها : إخبارهم بأن الآجال بيد ~~الله تعالى وحده ، وكذلك الأرزاق بيده وحده ، وأن من استجاب لما أمره الله ~~تعالى به ، أعطاه سبحانه الكثير من خيره وفضله. # قال تعالى ( @QUR@016 يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون* ~~كل نفس ذائقة الموت ، ثم إلينا ترجعون ). PageV11P006 # 9 ثم ساق سبحانه في أواخر السورة ، ألوانا من تناقضات المشركين ، حيث ~~إنهم إذا سألهم سائل عمن خلق السموات والأرض ... قالوا : الله تعالى هو ~~الذي خلقهما ، ومع ذلك فهم يشركون معه في العبادة آلهة أخرى ، وإذا أحاط ~~بهم الموج وهم في السفن ... ( @QUR@012 دعوا الله مخلصين له الدين ، فلما ~~نجاهم إلى البر إذا هم يشركون )، وهم يعيشون في حرم آمن ، والناس يتخطفون ~~من حولهم .. ومع ذلك فهم بالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون. # هذا شأنهم ، أما المؤمنون الصادقون فقد وعدهم الله تعالى بما يقر أعينهم ~~فقال في ختام السورة : ( @QUR@09 والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ، وإن ~~الله لمع المحسنين ). # 10 وهكذا نرى هذه السورة الكريمة ، وقد حدثتنا من بين ما حدثتنا عن ~~الإيمان وتكاليفه ، وعن سنن الله في خلقه ، وعن قصص بعض الأنبياء مع ~~أقوامهم ، وعن هوان الشرك والشركاء ، وعما يعين المؤمن على طاعة الله ، وعن ~~علاقة المؤمنين بغيرهم ، وعن البراهين الساطعة الناطقة بأن هذا القرآن من ~~عند الله ، وعن أن المؤمن لا يليق به أن يقيم في مكان لا يستطيع فيه أن ~~يؤدى شعائر دينه ، وعن سوء عاقبة الأشرار ، وحسن عاقبة الأخبار ... نسأل ~~الله تعالى أن يجعلنا جميعا من عباده الأخيار. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ||المؤلف د. محمد سيد طنطاوى| PageV11P007 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة العنكبوت PageV11P009 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@01 الم (1) @QUR@010 أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون (2) @QUR@011 ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا ~~وليعلمن الكاذبين (3) @QUR@010 أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ~~ما يحكمون (4) @QUR@012 من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو ~~السميع العليم ms4424 (5) @QUR@010 ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن ~~العالمين (6) @QUR@012 والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ~~ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون ) (7) # سورة العنكبوت من السور التي افتتحت ببعض حروف التهجي ( @QUR@01 الم )، ~~ويبلغ عدد السور التي افتتحت بحروف التهجي ، تسعا وعشرين سورة. # وقد سبق أن قلنا : لعل أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف المقطعة ~~قد وردت في افتتاح بعض السور ، على سبيل الإيقاظ والتنبيه ، للذين تحداهم ~~القرآن الكريم ، فكأن الله تعالى يقول لأولئك المعارضين في أن القرآن من ~~عند الله : هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه ~~كلامكم ، ومنظوما من حروف هي من جنس الحروف الهجائية التي تنظمون منها ~~حروفكم ، فإن كنتم في شك من كونه منزلا من عند الله ، فهاتوا مثله ، وادعوا ~~من شئتم من الخلق لكي يعاونكم في ذلك ... PageV11P011 # والاستفهام في قوله سبحانه : ( @QUR@010 أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ~~آمنا وهم لا يفتنون ) للإنكار و ( @QUR@01 حسب ) من الحسبان بمعنى الظن. ~~وقوله : ( @QUR@01 يفتنون ) من الفتن ، بمعنى الاختبار والامتحان. # يقال : فتنت الذهب بالنار ، أى : أدخلته فيها لتعلم الجيد منه من الخبيث. # وجملة «أن يتركوا» سدت مسد مفعولي حسب ، وجملة «أن يقولوا» في موضع نصب ، ~~على معنى : لأن يقولوا ، وهي متعلقة بقوله : ( @QUR@01 يتركوا ). وجملة ~~«وهم لا يفتنون» في موضع الحال من ضمير «يتركوا». # والمعنى : أظن الناس أن يتركوا بدون امتحان ، واختبار ، وابتلاء ، وبدون ~~نزول المصائب بهم ، لأنهم نطقوا بكلمة الإيمان؟ إن ظنهم هذا ظن باطل ، ووهم ~~فاسد ، لأن الإيمان ليس كلمة تقال باللسان فقط ، بل هو عقيدة تكلف صاحبها ~~الكثير من ألوان الابتلاء والاختبار ، عن طريق التعرض لفقد الأموال والأنفس ~~والثمرات ، حتى يتميز قوى الإيمان من ضعيفه. # قال القرطبي : والمراد بالناس قوم من المؤمنين كانوا بمكة ، وكان الكفار ~~من قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الإسلام ، كسلمة بن هشام ، وعياش بن ربيعة ، ~~والوليد بن الوليد .. فكانت صدورهم تضيق بذلك ، وربما استنكروا أن يمكن ~~الله الكفار من المؤمنين. قال مجاهد وغيره : فنزلت هذه الآية مسلية ومعلمة ~~أن هذه ms4425 هي سيرة الله في عباده ، اختبار للمؤمنين وفتنة. # قال ابن عطية : وهذه الآية وإن كانت نزلت بهذا السبب أو ما في معناه من ~~الأقوال ، فهي باقية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، موجود حكمها بقية الدهر ~~...» (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@011 ولقد فتنا الذين من قبلهم ، فليعلمن الله ~~الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) مؤكد لما قبله من أن ظن الناس أن يتركوا ~~بدون ابتلاء ، لقولهم آمنا ، هذا الظن في غير محله ، لأن سنة الله قد اقتضت ~~أن يدفع الناس بعضهم ببعض ، وأن يجعل الكافرين يتصارعون مع المؤمنين ، إلا ~~أن العاقبة في النهاية للمؤمنين. # والمقصود بقوله تعالى : ( @QUR@01 فليعلمن ) @QUR@01 .. إظهار علمه ~~سبحانه ، أو المجازاة على الأعمال. # أى : ولقد فتنا الذين من قبل هؤلاء المؤمنين من أصحابك أيها الرسول ~~الكريم ، ( @QUR@04 فليعلمن الله الذين صدقوا. ) @QUR@01 .. أى فليظهرن ~~الله تعالى في عالم الواقع حال الذين صدقوا في إيمانهم ، من حال الكاذبين ~~منهم ، حتى ينكشف للناس ما هو غائب عن علمهم. PageV11P012 # أو المعنى : ولقد فتنا الذين من قبلهم من المؤمنين السابقين ، كأتباع نوح ~~وهود وصالح وغيرهم ، فليجزين الذين صدقوا في إيمانهم بما يستحقون من ثواب ، ~~وليجزين الكاذبين بما يستحقون من عقاب ، ولترتب المجازاة على العلم ، أقيم ~~السبب مقام المسبب. # قال الإمام ابن جرير : قوله : ( @QUR@04 فليعلمن الله الذين صدقوا. ) ~~@QUR@01 .. أى : فليعلمن الله الذين صدقوا منهم في قولهم آمنا ، وليعلمن ~~الكاذبين منهم في قولهم ذلك ، والله عالم بذلك منهم ، قبل الاختبار ، وفي ~~حال الاختبار ، وبعد الاختبار ، ولكن معنى ذلك : وليظهرن الله صدق الصادق ~~منهم في قوله آمنا بالله ، من كذب الكاذب منهم ... # وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من المسلمين ، عذبهم المشركون ، ففتن ~~بعضهم ، وصبر بعضهم على أذاهم ، حتى أتاهم الله بفرج من عنده» (1). # وفي معنى هاتين الآيتين وردت آيات كثيرة منها قوله تعالى : ( @QUR@013 أم ~~حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ) ~~(2) وقوله تعالى : ( @QUR@020 أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين ~~جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة .. ) (3). # وقوله ms4426 سبحانه : ( @QUR@08 ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ~~ونبلوا أخباركم ) (4). # وقد ساق الإمام القرطبي عند تفسيره لهاتين الآيتين من سورة العنكبوت عددا ~~من الأحاديث النبوية ، منها قوله : روى البخاري عن خباب بن الأرت قالوا : ~~شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة ، ~~فقلنا له : ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال : «قد كان من قبلكم يؤخذ ~~فيحفر له في الأرض ، فيجعل فيها ، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه ، فيجعل ~~نصفين ويمشط بأمشاط الحديد لحمه وعظمه ، فما يصرفه ذلك عن دينه ، والله ~~ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ، لا يخاف إلا الله ~~والذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون» (5). # والخلاصة ، أن المقصود من الآيتين تنبيه الناس في كل زمان ومكان ، إلى أن ~~ظن بعض الناس بأن الإيمان يتعارض مع الابتلاء بالبأساء والضراء ، ظن خاطئ ، ~~وإلى أن هذا الابتلاء سنة ماضية في السابقين وفي اللاحقين إلى يوم القيامة. PageV11P013 # ثم بين سبحانه أن عقابه للمرتكبين السيئات واقع بهم ، وأنهم إذا ظنوا ~~خلاف ذلك ، فظنهم من باب الظنون السيئة القبيحة ، فقال تعالى : ( @QUR@010 ~~أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ، ساء ما يحكمون ). # و «أم» هنا منقطعة بمعنى بل ، والاستفهام للإنكار والتوبيخ ، وقوله : ( ~~@QUR@02 أن يسبقونا ) سد مسد مفعولي حسب ، وأصل السبق : الفوت والتقدم على ~~الغير. والمراد به هنا : التعجيز ، والمعنى : بل أحسب الذين يعملون الأعمال ~~السيئات كالكفر والمعاصي ، «أن يسبقونا» أى : أن يعجزونا فلا نقدر على ~~عقابهم ، أو أن في إمكانهم أن يهربوا من حسابنا لهم؟ إن كانوا يظنون ذلك ~~فقد : «ساء ما يحكمون» أى : بئس الظن ظنهم هذا ، وبئس الحكم حكمهم على ~~الأمور. # ثم ساق سبحانه بعد ذلك ما يدخل السرور والاطمئنان على قلوب عباده ~~المؤمنين الصادقين فقال تعالى : ( @QUR@012 من كان يرجوا لقاء الله ، فإن ~~أجل الله لآت ، وهو السميع العليم ). أى : من كان من الناس يرجو لقاء الله ~~تعالى يوم القيامة لقاء يسره ويرضيه ، ويطمعه في ثوابه وعطائه ، فليثبت على ~~إيمانه ، وليواظب على العمل الصالح ، «فإن ms4427 أجل الله لآت». أى : فإن الأجل ~~الذي حدده الله تعالى لموت كل نفس وللبعث والحساب ، لآت لا محالة في وقته ~~الذي حدده سبحانه «وهو السميع» لأقوال خلقه «العليم» بما يخفونه وما ~~يعلنونه. # فالرجاء في لقاء الله ، بمعنى الطمع في ثوابه ، ومنهم من فسره بمعنى ~~الخوف من حسابه سبحانه . # قال صاحب الكشاف : لقاء الله : مثل للوصول إلى العاقبة ، من تلقى ملك ~~الموت ، والبعث ، والحساب ، والجزاء ، مثلت تلك الحال بحال عبد قدم على ~~سيده بعد عهد طويل ، وقد اطلع مولاه على ما كان يأتى ويذر ، فإما أن يلقاه ~~ببشر وترحيب ، لما رضى من أفعاله ، أو بضد ذلك لما سخطه منها ... وقيل : ~~«يرجو» يخاف ، كما في قول الشاعر : # إذا لسعته الدبر لم يرج لسعها ..» (1) %~% أى : إذا لسعته النحل لم يخف لسعها # وعلى كلا التفسيرين للرجاء ، فإن الآية الكريمة تبشر المؤمنين بما يدخل ~~السرور على نفوسهم ، وتعدهم بأنهم متى ثبتوا على إيمانهم ، وأحسنوا أعمالهم ~~، فإن ثوابهم سيظفرون به كاملا غير منقوص ، بفضل الله وإحسانه. PageV11P014 # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه ) معطوف على ما ~~قبله ، ومؤكد لمضمونه. أى : ومن جاهد في طاعة الله ، وفي سبيل إعلاء كلمته ~~، ونصرة دينه ، فإنما يعود ثواب جهاده ونفعه لنفسه لا لغيره. # ( @QUR@02 إن الله ) تعالى ( @QUR@03 لغني عن العالمين ) جميعا ، لأنه ~~سبحانه لا تنفعه طاعة مطيع ، كما لا تضره معصية عاص ، وإنما لنفسه يعود ~~ثواب المطيع وعليها يرجع عقاب المسيء. # ثم وضح سبحانه ما أعده للمؤمنين الصادقين من ثواب جزيل فقال : ( @QUR@07 ~~والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم. ) @QUR@01 .. أى : ~~لنسترن عنهم سيئاتهم ، ولنزيلنها بفضلنا وإحساننا من صحائف أعمالهم. # ثم بعد ذلك ( @QUR@05 ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون ) أى : ولنجزينهم ~~بأحسن الجزاء على أعمالهم الصالحة التي كانوا يعملونها في الدنيا ، بأن ~~نعطيهم على الحسنة عشر أمثالها. # قال الجمل ما ملخصه : قوله : ( @QUR@04 والذين آمنوا وعملوا الصالحات ) ~~@QUR@01 .. يجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء ، والخبر جملة القسم المحذوفة ، ~~وجوابها أى : والله لنكفرن. ويجوز أن يكون منصوبا بفعل مضمر على الاشتغال. ~~أى : ونخلص الذين آمنوا من سيئاتهم ms4428 ... # وقال ( @QUR@01 أحسن ) لأنه سبحانه إذا جازاهم بالأحسن ، جازاهم بما هو ~~دونه. فهو من التنبيه على الأدنى بالأعلى» (1). # ثم بين سبحانه أن طاعة الله تعالى يجب أن تقدم على كل طاعة ، فقال : # ( @QUR@021 ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك ~~به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (8) @QUR@07 والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين ) (9) PageV11P015 # وقد ذكر المفسرون في سبب نزول الآية الأولى روايات منها ما أخرجه الترمذي ~~، من أنها نزلت في سعد بن أبى وقاص ، وذلك أنه حين أسلم ، قالت له أمه حمنة ~~بنت سفيان : # يا سعد بلغني أنك صبأت ، فو الله لا يظلني سقف بيت ، وإن الطعام والشراب ~~على حرام ، حتى تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ... فجاء سعد إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فشكى إليه ما قالته أمه. # فنزلت هذه الآية .. فجاء سعد إليها فقال لها : يا أماه لو كانت لك مائة ~~نفس ، فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني ، فكلي إن شئت ، وإن شئت فلا تأكلى ، ~~فلما يئست منه أكلت وشربت ...» (1) وقوله : ( @QUR@01 حسنا ) منصوب على أنه ~~نعت لمصدر محذوف. أى : ووصينا الإنسان بوالديه إيصاء حسنا ، وعبر بالمصدر ~~للمبالغة في وجوب الإحسان إليهما ، بأن يكون بارا بهما ، وعطوفا عليهما ، ~~وسخيا معهما. # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 وإن جاهداك ) معطوف على ما قبله بإضمار القول : ~~أى : ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ، وقلنا له ( @QUR@02 إن جاهداك ) أى : ~~إن حملاك وأمراك ( @QUR@02 لتشرك بي ) في العبادة أو الطاعة ( @QUR@07 ما ~~ليس لك به علم فلا تطعهما ) في ذلك ، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 ما ليس لك به علم ) بيان للواقع ، فهذا القيد ~~لا مفهوم له ، لأنه ليس هناك من إله في هذا الكون ، سوى الله عز وجل . # وقوله تعالى : ( @QUR@06 إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون ) تذييل ~~المقصود به التحذير من معصيته سبحانه . # أى : إلى مرجعكم جميعا أيها الناس يوم القيامة ، فأحاسبكم على أعمالكم ~~حسابا دقيقا ، وأجازى الذين أساءوا بما عملوا ، وأجازى الذين أحسنوا ~~بالحسنى. # ( @QUR@03 والذين آمنوا وعملوا ) الأعمال ms4429 ( @QUR@02 الصالحات لندخلنهم ) ~~بفضلنا وإحساننا ( @QUR@02 في الصالحين ) أى في زمرة الأقوام ( @QUR@01 ~~الصالحين ) الذين رضينا عنهم ، ورضوا عنا. # * * * # ثم يرسم القرآن الكريم بعد ذلك صورة واضحة لأصحاب القلوب المريضة ، ~~والنفوس الضعيفة ، ويحكى جانبا من أقوالهم الفاسدة ، ودعاواهم الكاذبة ~~فيقول : PageV11P016 # ( @QUR@031 ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة ~~الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أوليس الله ~~بأعلم بما في صدور العالمين (10) @QUR@06 وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن ~~المنافقين (11) @QUR@018 وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ~~ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون (12) ~~@QUR@011 وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسئلن يوم القيامة عما ~~كانوا يفترون ) (13) # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 ومن الناس من يقول آمنا بالله ) @QUR@01 .. ~~بيان لحال قوم ضعف إيمانهم ، واضطراب يقينهم ، بعد بيان حال المؤمنين ~~الصادقين في قوله : ( @QUR@07 والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في ~~الصالحين )... # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@06 ومن الناس من يقول آمنا بالله. ) ~~@QUR@01 .. قال مجاهد : نزلت في ناس من المنافقين بمكة ، كانوا يؤمنون ، ~~فإذا أوذوا رجعوا إلى الشرك. وقال عكرمة : كان قوم قد أسلموا فأكرههم ~~المشركون على الخروج معهم إلى بدر ، فقتل بعضهم» (1). # والمعنى : ( @QUR@04 ومن الناس من يقول ) بلسانه دون أن يواطئ هذا القول ~~قلبه ( @QUR@02 آمنا بالله ). # وقوله ( @QUR@09 فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ) بيان ~~لحال هذا البعض من الناس عند ما تنزل بهم المصائب والنكبات. # أى : فإذا أوذى هذا البعض بعد قوله آمنا بالله من أجل هذا القول ومن أجل تركه PageV11P017 # الدين الباطل ، ودخوله في الدين الحق ( @QUR@03 جعل فتنة الناس ) له أى ~~جعل عذابهم له ، وإيذاءهم إياه ( @QUR@02 كعذاب الله ) أى بمنزلة عذاب الله ~~في الشدة والألم ، فيترتب على ذلك أن يتزلزل إيمانه ، ويضعف يقينه ، بل ~~ربما رجع إلى الكفر بعد الإيمان. # وفي جعل هذا البعض ( @QUR@04 فتنة الناس كعذاب الله ) دليل واضح على ضعف ~~إيمانه ، وفساد تفكيره ، لأن عذاب الناس له دافع ، أما عذاب الله فلا دافع ~~له ، ولأن عذاب الناس يترتب عليه ثواب عظيم ، أما عذاب الله ms4430 فهو بسبب غضب ~~الله سبحانه على من عصاه ، ولأن عذاب الناس معروف أمده ونهايته أما عذاب ~~الله فلا يعرف أحد مداه أو نهايته. # ثم بين سبحانه حال هذا الفريق إذا ما من الله تعالى على المؤمنين ~~الصادقين بنصر ، فقال : ( @QUR@09 ولئن جاء نصر من ربك ، ليقولن إنا كنا ~~معكم ). # والضمير في قوله : ( @QUR@01 ليقولن ) بضم اللام يعود إلى ( @QUR@01 من ) ~~في قوله : ( @QUR@02 من يقول ). باعتبار معناها ، كما أن إفراد الضمائر ~~العائدة إليها باعتبار لفظها ، أى : هكذا حال ضعاف الإيمان ، عند الشدائد ~~يساوون عذاب الناس بعذاب الله ، ولا يثبتون على إيمانهم أما إذا جاءكم ~~النصر أيها الرسول الكريم فإن هؤلاء الضعاف في إيمانهم ، يقولون بكل ثقة ~~وتأكيد : إنا كنا معكم مشايعين ومؤيدين ، ونحن إنما أكرهنا على ما قلنا ، ~~ومادام الأمر كذلك فأشركونا معكم فيما ترتب على النصر من مغانم وخيرات. # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين ) رد ~~عليهم في دعواهم الإيمان ، وفي قولهم للمؤمنين : ( @QUR@03 إنا كنا معكم ) ~~والاستفهام لإنكار ما زعموه ، ولتقرير علم الله تعالى الشامل للسر ~~والعلانية. # أى : إن الله تعالى عالم بما في صدور العالمين جميعا من خير وشر ، وإيمان ~~وكفر. وإن هؤلاء الذين يقولون آمنا ، ليس الله تعالى في حاجة إلى قولهم ، ~~فهو سبحانه يعلم السر وأخفى ( @QUR@02 وليعلمن الله ) تعالى علما تاما ( ~~@QUR@02 الذين آمنوا ) به حق الإيمان ( @QUR@01 وليعلمن ) حال المنافقين ، ~~علما لا يخفى عليه شيء من حركاتهم وسكناتهم. وسيجازيهم بما يستحقون من ~~عقاب. وأكد سبحانه علمه بلام القسم وبنون التوكيد ، للرد على دعاوى ضعاف ~~الإيمان بأقوى أسلوب ، وأبلغه ، حتى يقلعوا عن نفاقهم ، ويتبعوا المؤمنين ~~الصادقين في ثباتهم. # ثم حكى سبحانه بعد ذلك ما زعمه أئمة الكفر من دعاوى باطلة ، ورد عليها ~~فقال : ( @QUR@09 وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل ~~خطاياكم ). # أى : وقال الذين كفروا للذين آمنوا على سبيل التضليل والإغراء : اتبعوا ~~سبيلنا أى PageV11P018 # طريقنا الذي وجدنا عليه آباءنا ، وهو عبادة الأصنام ، ولنحمل عنكم ~~خطاياكم يوم القيامة ، إن كان هناك بعث وحساب. # واللام في قوله : ( @QUR@01 ولنحمل ) لام الأمر ms4431 ، كأنهم آمرين أنفسهم ~~بذلك ، ليغروا المؤمنين باتباعهم. # أى : اطمئنوا إلى أننا لن نتخلى عنكم ، ولن ننقض عهودنا معكم في حمل ~~خطاياكم لو اتبعتمونا ، أو هو أمر في تأويل الشرط والجزاء. أى : إن تتبعوا ~~سبيلنا نحمل خطاياكم. # وقد رد الله تعالى زعمهم هذا بقوله : ( @QUR@09 وما هم بحاملين من ~~خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون ) أى : وما هؤلاء الكافرون بحاملين لشيء من ~~خطايا غيرهم التي زعموا حملها يوم القيامة ، وإنهم لكاذبون في كل أقوالهم. # و ( @QUR@01 من ) الأولى بيانية ، والثانية لنفى حمل أى خطايا مهما صغرت. ~~وقد جاء التكذيب لهم بهذا الأسلوب المؤكد ، حتى يخرس ألسنتهم ، ويمحو كل ~~أثر من أقوالهم من الأذهان. # ثم بين سبحانه أن الأمر على عكس ما زعموه فقال : ( @QUR@05 وليحملن ~~أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ). أى : ليس الأمر كما زعموا من أنهم يحملون ~~خطايا المؤمنين ، بل الحق أن أئمة الكفر هؤلاء سيحملون خطاياهم كاملة غير ~~منقوصة ، وسيحملون فوقها خطايا أخرى ، هي خطايا تسببهم في إضلال غيرهم ، ~~وصرفه عن الطريق الحق. # وعبر عن الخطايا بالأثقال ، للإشعار بغاية ثقلها ، وفداحة حملها ، وعظم ~~العذاب الذي يترتب عليها. # ( @QUR@03 وليسئلن يوم القيامة ) سؤال تأنيب وتوبيخ ( @QUR@03 عما كانوا ~~يفترون ) أى : عما كانوا يختلقونه في الدنيا من أكاذيب ، وأباطيل ، أدت بهم ~~إلى سوء المصير. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@015 ليحملوا أوزارهم كاملة يوم ~~القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ، ألا ساء ما يزرون ) (1). # قال الإمام ابن كثير : وفي الصحيح : «من دعا إلى هدى ، كان له من الأجر ~~مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ، ومن ~~دعا إلى ضلالة ، كان عليه من الإثم ، مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة ، ~~من غير أن ينقص من آثامهم شيئا» (2). # * * * PageV11P019 # وبعد هذا الحديث عن انواع الناس ، وعن اقوال المشركين الفاسدة ، وعن سوء ~~عاقبتهم ، ساق سبحانه جانبا من قصة نوح وإبراهيم عليهما السلام فقال تعالى : # ( @QUR@016 ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ~~فأخذهم الطوفان وهم ظالمون (14) @QUR@06 فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها ms4432 ~~آية للعالمين (15) @QUR@013 وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم ~~خير لكم إن كنتم تعلمون (16) @QUR@027 إنما تعبدون من دون الله أوثانا ~~وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند ~~الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون ) (17) # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@05 ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه ). شروع في ~~بيان افتتان الأنبياء عليهم السلام بأذية أممهم ، إثر بيان افتتان المؤمنين ~~بأذية الكفار تأكيدا للإنكار على الذين يحسبون أن يتركوا بمجرد الإيمان بلا ~~ابتلاء ، وحثا لهم على الصبر ، فإن الأنبياء عليهم السلام حيث ابتلوا بما ~~أصابهم من جهة أممهم من فنون المكاره وصبروا عليها ، فلأن يصبر هؤلاء ~~المؤمنون أولى وأحرى ...» (1). # و «نوح» عليه السلام ينتهى نسبه إلى شيث بن آدم ، وقد ذكر نوح في القرآن في ~~ثلاث وأربعين موضعا ، وجاءت قصته مع قومه بصورة فيها شيء من التفصيل ، في ~~سور : هود والأعراف ، والمؤمنون ، ونوح. # وقوم الرجل : أقر باؤه الذين يجتمعون معه في جد واحد. وقد يقيم الرجل بين ~~الأجانب فيسميهم قومه مجازا للمجاورة. PageV11P020 # وكان قوم نوح يعبدون الأصنام ، فأرسل الله تعالى إليهم نبيهم نوحا ، ~~ليدلهم على طريق الحق والرشاد. # والمعنى : ولقد أرسلنا نبينا نوحا عليه السلام إلى قومه ، لكي يأمرهم ~~بإخلاص العبادة لنا ، وينهاهم عن عبادة غيرنا ( @QUR@07 فلبث فيهم ألف سنة ~~إلا خمسين عاما ) يدعوهم إلى الدين الحق ، ليلا ونهارا ، وسرا وعلانية. # قالوا : بعث الله نوحا وهو في سن الأربعين من عمره ، ولبث يدعو قومه إلى ~~عبادة الله تعالى وحده ، ألف سنة إلا خمسين عاما ، وعاش بعد الطوفان ستين ~~سنة ، فيكون عمره كله ألف سنة وخمسين سنة. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : فلم جاء المميز أولا بالسنة ، وثانيا ~~بالعام؟ قلت : لأن تكرير اللفظ الواحد ، حقيق بالاجتناب في البلاغة ، إلا ~~إذا وقع ذلك لأجل غرض يبتغيه المتكلم من تفخيم أو تهويل أو تنويه أو نحو ~~ذلك» (1). # والمقصود بذكر هذه المدة الطويلة التي قضاها نوح عليه السلام مع قومه ، ~~تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وتثبيته ، فكأن الله تعالى يقول ms4433 له : يا محمد ~~لقد لبث أخوك نوح تلك المدة الطويلة ، ومع ذلك لم يؤمن معه إلا قليل ، ~~فعليك أن تقتدى به في صبره ، وفي مطاولته لقومه. # وقوله سبحانه ( @QUR@04 فأخذهم الطوفان وهم ظالمون ) بيان لسوء عاقبة ~~المكذبين لنوح عليه السلام بعد أن مكث فيهم تلك المدة الطويلة. # والطوفان : قد يطلق على كل ما يطوف بالشيء على كثرة وشدة من السيل والريح ~~والظلام ، وقد غلب إطلاقه على طوفان الماء ، وهو المراد هنا. # أى مكث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى إخلاص العبادة لله ~~تعالى ولكنهم كذبوه ، فأخذهم الطوفان ، والحال أنهم كانوا مستمرين على ~~الظلم والكفر ، دون أن تؤثر فيهم مواعظ نبيهم ونذره. # ثم بين سبحانه حسن عاقبة نوح ومن آمن معه فقال : ( @QUR@03 فأنجيناه ~~وأصحاب السفينة ): أى : فأنجينا نوحا ومن آمن معه ، وهم الذين ركبوا معه ~~في السفينة. قيل : كان عدد هؤلاء الذين آمنوا به ثمانين ما بين ذكر وأنثى ، ~~وقيل كانوا أقل من ذلك. PageV11P021 # والضمير في قوله سبحانه : ( @QUR@03 وجعلناها آية للعالمين ) للسفينة ، ~~أو للحادثة والقصة. # أى : فأنجينا نوحا ومن ركب معه في السفينة ، وجعلناها أى هذه الحادثة ~~عبرة وعظة للعالمين ، حيث شاهدوا سوء عاقبة الكفر والظلم على ممر الأيام ~~والأعوام. # قالوا : ومن مظاهر وجوه العبرة في قصة نجاة نوح ومن معه : أن السفينة ~~التي حملتهم وأقلتهم بقيت مدة طويلة ، وهي مستقرة على جبل الجودي ، الذي ~~يرى كثير من المؤرخين ان مكانه بشمال العراق ، بالقرب من مدينة الموصل. # ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن جانب من قصة إبراهيم عليه السلام ~~مع قومه ، فقال تعالى : ( @QUR@07 وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله ~~واتقوه. ) @QUR@01 .. . # ولفظ ( @QUR@01 إبراهيم ) منصوب بفعل مضمر. أى : واذكر أيها المخاطب ~~إبراهيم عليه السلام وقت أن قال لقومه : اعبدوا الله تعالى وحده ، وصونوا ~~أنفسكم عن كل ما يغضبه ( @QUR@01 ذلكم ) الذي أمرتكم به من العبادة والتقوى ~~( @QUR@02 خير لكم ) من الشرك ، ومن كل شيء في هذه الحياة ( @QUR@03 إن ~~كنتم تعلمون ) أى : إن كنتم من ذوى العلم والفهم بما هو خير وبما ms4434 هو شر. # فأنت ترى أن إبراهيم عليه السلام قد بدأ دعوته لقومه يأمرهم بإخلاص ~~العبادة لله تعالى ، وبالخوف من عقابه ، ثم ثنى بتحبيب هذه الحقيقة إلى ~~قلوبهم ، ببيان أن إيمانهم خير لهم ، ثم ثلث بتهييج عواطفهم نحو العلم ~~النافع ، الذي يتنافى مع الجهل .. # ثم بعد ذلك نفرهم من فساد ما هم عليه من باطل ، فقال كما حكى القرآن عنه ~~: ( @QUR@08 إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا. ) @QUR@01 .. . # والأوثان : جمع وثن. وتطلق الأوثان على التماثيل والأصنام التي كانوا ~~يصنعونها بأيديهم من الحجارة أو ما يشبهها ، ثم يعبدونها من دون الله تعالى . # وقوله : ( @QUR@02 وتخلقون إفكا ) أى : وتكذبون كذبا واضحا ، حيث سميتم ~~هذه الأوثان آلهة ، مع أنها لا تضر ولا تنفع ، ولا تغنى عنكم ولا عن نفسها شيئا. # أو يكون قوله ( @QUR@01 وتخلقون ) بمعنى وتصنعون وتنحتون. أى : وتصنعون ~~بأيديكم هذه الأوثان صنعا ، من أجل الإفك والكذب والانصراف عن كل ما هو حق ~~إلى كل ما هو باطل. # ثم بين لهم تفاهة هذه الأوثان فقال : ( @QUR@06 إن الذين تعبدون من دون ~~الله ) من أوثان وأصنام ( @QUR@04 لا يملكون لكم رزقا ) أى : لا يملكون لكم ~~شيئا من الرزق حتى ولو كان غاية في القلة. # وما دام الأمر كذلك : ( @QUR@03 فابتغوا عند الله ) تعالى وحده ( @QUR@01 ~~الرزق ) الذي يكفيكم PageV11P022 # ويغنيكم ( @QUR@01 واعبدوه ) وحده سبحانه ( @QUR@02 واشكروا له ) نعماءه ~~ومننه وعطاياه. # فأنتم وجميع الخلق ( @QUR@01 إليه ) وحده ( @QUR@01 ترجعون ) لا إلى غيره ~~، فيجازيكم على أعمالكم وهكذا نرى إبراهيم عليه السلام قد سلك في دعوته قومه ~~إلى الحق أبلغ الأساليب وأحكمها ، حيث أمرهم بعبادة الله وتقواه ، وبين لهم ~~منافع ذلك ، وحرضهم على سلوك طريق العلم لا طريق الجهل ، ونفرهم من عبادة ~~الأوثان ، حيث بين لهم تفاهتها وحقارتها وعجزها ، وحضهم على طلب الرزق ممن ~~يملكه وهو الله عز وجل الذي إليه المرجع والمآب. # ثم أخذ سيدنا إبراهيم عليه السلام يحذر قومه من الاستمرار في تكذيبه ويلفت ~~أنظارهم إلى أن هناك حسابا وثوابا وعقابا وبعثا ، وأن عليهم أن يتعظوا بمن ~~قبلهم ، فقال تعالى : # ( @QUR@013 وإن تكذبوا فقد كذب أمم من ms4435 قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ ~~المبين (18) @QUR@013 أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على ~~الله يسير (19) @QUR@019 قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ~~ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير (20) @QUR@08 يعذب من يشاء ~~ويرحم من يشاء وإليه تقلبون (21) @QUR@017 وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا ~~في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (22) @QUR@013 والذين كفروا ~~بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم ) (23) # قال صاحب الكشاف : وهذه الآية وهي قوله تعالى : ( @QUR@02 وإن تكذبوا ) ~~والآيات التي بعدها إلى قوله : ( @QUR@04 فما كان جواب قومه ) @QUR@01 .. ~~محتملة أن تكون من جملة قول إبراهيم PageV11P023 # صلوات الله عليه لقومه ، وأن تكون آيات وقعت معترضة في شأن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وشأن قريش ، بين أول قصة إبراهيم وآخرها. # فإن قلت : إذا كانت من قول إبراهيم ، فما المراد بالأمم من قبله؟ قلت : ~~المراد بهم قوم شيث وإدريس ونوح وغيرهم ، وكفى بقوم نوح أمة في معنى أمم ~~جمة مكذبة ...» (1). # وقال الإمام ابن كثير : والظاهر من السياق أن كل هذه الآيات ، من كلام ~~إبراهيم الخليل عليه السلام ، يحتج عليهم لإثبات المعاد ، لقوله بعد هذا كله ~~: ( @QUR@04 فما كان جواب قومه ) (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 وإن تكذبوا. ) @QUR@01 .. معطوف على محذوف ، ~~والتقدير : إن تطيعوني أيها الناس فقد فزتم ونجوتم ، وإن تكذبوني فيما ~~أخبرتكم به ، فلستم بدعا في ذلك ، فقد كذب أمم من قبلكم رسلهم ، فكانت ~~عاقبة المكذبين خسرا. # ثم بين لهم إبراهيم عليه السلام وظيفته فقال : ( @QUR@06 وما على الرسول ~~إلا البلاغ المبين ) أى : لقد بلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ، وتلك هي وظيفتي ~~التي كلفنى بها ربي ، وليس على سواها ، أما الحساب والجزاء فمرده إلى الله ~~تعالى وحده. # ثم ساق سبحانه ما يدل على أن البعث حق ، وأنه تعالى لا يعجزه شيء ، فقال ~~: ( @QUR@08 أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده ). # والاستفهام لتوبيخهم على إنكارهم هذه الحقيقة ، وعدم تعقلهم لما يدل ~~عليها دلالة واضحة ، والواو للعطف على مقدر. # والمعنى : ألم ms4436 ينظر هؤلاء المشركون المنكرون للبعث ، ويعلموا كيف خلق ~~الله تعالى الخلق ابتداء ، ليستدلوا بذلك على قدرته على الإعادة ، وهي أهون عليه. # إنهم ليرون كيف يبدئ الله الخلق في النبتة النامية ، وفي الشجرة الباسقة ~~، وفي كل ما لم يكن ، ثم بعد ذلك يكون ، فكيف أنكروا إعادة هذا المخلوق إلى ~~الحياة مرة أخرى ، مع أنه من المسلم عند كل ذي عقل ، أن الإعادة أيسر من ~~الخلق ابتداء؟ # فالآية الكريمة تقرعهم على إنكارهم البعث ، وتسوق لهم الأدلة الواضحة على ~~إمكانيته. # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@05 إن ذلك على الله يسير ) يعود إلى ما ~~ذكر من الأمرين وهما : بدء الخلق ، وإعادته إلى الحياة مرة أخرى. PageV11P024 # أى : إن ذلك الذي ذكرناه لكم من خلقكم ابتداء ، ثم إعادتكم إلى الحياة ~~بعد موتكم ، يسير وهين على الله ، لأنه سبحانه لا يعجزه شيء. # ثم أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يلفت أنظار قومه إلى التأمل ~~والتدبر في أحوال هذا الكون ، لعل هذا التأمل يهديهم إلى الحق فقال : ( ~~@QUR@013 قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ، ثم الله ينشئ النشأة ~~الآخرة. ) @QUR@01 .. . # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء المنكرين للبعث : سيحوا في الأرض ، ~~وتتبعوا أحوال الخلق ، وتأملوا كيف خلقهم الله تعالى ابتداء على أطوار ~~مختلفة ، وطبائع متمايزة. وأحوال شتى ... ثم قل لهم بعد كل ذلك ، الله الذي ~~خلق الخلق ابتداء على تلك الصور المتنوعة والمتكاثرة ، هو وحده الذي ( ~~@QUR@03 ينشئ النشأة الآخرة ) أى : هو وحده الذي ينشئهم ويخلقهم ويعيدهم ~~إلى الحياة مرة أخرى ، بعد أن أوجدهم في المرة الأولى. # فجملة ( @QUR@05 ثم الله ينشئ النشأة الآخرة ) معطوفة على قوله : ( ~~@QUR@01 سيروا. ) @QUR@01 .. وداخلة معها في حيز القول .. # والكيفية في هذه الآية باعتبار بدء الخلق على أطوار شتى ، وصور متعددة ... # وفي الآية السابقة وهي قوله : ( @QUR@08 أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ~~ثم يعيده ) باعتبار بدء الخلق من مادة وغيرها. # والمقصود بالأمر بالسير : التدبر والتأمل والاعتبار ، لأن من شأن التنقل ~~في جنبات الأرض ، أنه يوقظ الحس ، ويبعث على التفكير ، ويفتح العين والقلب ~~على المشاهد الجديدة ms4437 التي لم تألفها العين ، ولم يتأملها القلب قبل ذلك. # وجاء الأمر بالسير عاما ، لأن كل إنسان في كل زمان ومكان يأخذ من وجوه ~~العبرة والعظة عن طريق هذا السير ما يتناسب مع عقله ، وثقافته ، وبيئته ، ~~وفكره ، ومستواه المادي ، والاجتماعى ، والحضارى ... # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 إن الله على كل شيء قدير ) تعليل لما قبله. أى ~~: هو سبحانه قادر على النشأة الأولى ، وعلى النشأة الآخرة ، لأن قدرته لا ~~يعجزها شيء ولا يحول دون نفاذها حائل. # وهو سبحانه ( @QUR@03 يعذب من يشاء ) ويرحم من يشاء برحمته ، ( @QUR@01 ~~وإليه ) وحده لا إلى غيره ( @QUR@01 تقلبون ) أى : ترجعون جميعا فيحاسبكم ~~على أعمالكم. PageV11P025 # ( @QUR@08 وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء ) أى : وما أنتم أيها ~~الناس بقادرين على أن تفلتوا أو تهربوا من لقاء الله تعالى ومن حسابه ، ~~سواء كنتم في الأرض ، أم كنتم في السماء ، إذ ليست هناك قوة في هذا الوجود ~~تحول بينكم وبين الانقلاب إليه سبحانه والوقوف بين يديه للحساب والجزاء. # قال الشوكانى : ( @QUR@08 وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء ) قال ~~الفراء : ولا من في السماء بمعجزين الله فيها ... والمعنى : أنه لا يعجزه ~~سبحانه أهل الأرض ولا أهل السماء في السماء لو كنتم فيها ، كما تقول : لا ~~يفوتني فلان هاهنا ولا بالبصرة. يعنى : ولا بالبصرة لو صار إليها ...» (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ) مؤكد ~~لما قبله. أى : لستم بقادرين على الهرب من لقاء الله تعالى . في الآخرة. ~~وليس سواه من ناصر ينصركم ، أو من قريب يدفع عنكم حكمه وقضاءه سبحانه . # ثم بين سبحانه مصير الكافرين فقال : ( @QUR@04 والذين كفروا بآيات الله ) ~~الدالة على وحدانيته وقدرته ، وعلى ذاته وصفاته .. وكفروا أيضا بالأدلة ~~الدالة على ( @QUR@01 لقائه ) بأن أنكروا البعث والحساب والجزاء ( @QUR@01 ~~أولئك ) الذين كفروا بكل ذلك ( @QUR@03 يئسوا من رحمتي ) أى : انقطع أملهم ~~في رحمتي إياهم انقطاعا تاما وعبر سبحانه بالماضي لدلالة علمه التام على ~~تحقق وقوع هذا اليأس ، وفقدان الأمل عند هؤلاء الكافرين وقت أن يقفوا بين ~~يديه للحساب ، بسبب كفرهم وسوء أعمالهم. # وأضاف ms4438 عز وجل الرحمة إليه ، للإشارة إلى سبقها لغضبه ، وأنها تشمل عبادة ~~المؤمنين. # ( @QUR@01 وأولئك ) أى : الذين كفروا بآيات الله وبلقائه ( @QUR@03 لهم ~~عذاب أليم ) لا يعلم مقدار شدته وفظاعته إلا هو سبحانه . # ثم قص سبحانه بعد ذلك ما قاله قوم إبراهيم له ، وما رد به عليهم. فقال ~~تعالى : PageV11P026 # ( @QUR@020 فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله ~~من النار إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (24) @QUR@027 وقال إنما اتخذتم من ~~دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ~~ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين (25) @QUR@012 فآمن ~~له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم (26) @QUR@018 ووهبنا ~~له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا ~~وإنه في الآخرة لمن الصالحين ) (27) # فقوله تعالى : ( @QUR@04 فما كان جواب قومه. ) @QUR@01 .. بيان لما رد به ~~الظالمون على نبيهم إبراهيم عليه السلام بعد أن وعظهم ونصحهم وأقام لهم أوضح ~~الأدلة على صدقه فيما يبلغه عن ربه. # ولفظ «جواب» بالنصب ، خبر كان ، واسمها قوله : إلا أن قالوا اقتلوه أو ~~حرقوه .. # والمراد بقتله : إزهاق روحه بسيف ونحوه ، لتظهر المقابلة بين الإحراق ~~والقتل. # وجاء هنا الترديد بين الأمرين ، للاشعار بأن من قومه من أشار بقتله ، ~~ومنهم من أشار بإحراقه ، ثم اتفقوا جميعا على الإحراق ، كما جاء في قوله ~~تعالى : ( @QUR@07 قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين ). # والمعنى : فما كان جواب قوم إبراهيم له ، بعد أن نصحهم وظهرت حجته عليهم ~~، إلا أن قالوا فيما بينهم ، اقتلوه بالسيف ، أو أحرقوه بالنار ، لتستريحوا ~~منه ، وتريحوا آلهتكم من عدوانه عليها ، وتحطيمه لها ... PageV11P027 # وقولهم هذا الذي حكاه القرآن عنهم ، يدل على إسرافهم في الظلم والطغيان ~~والجهالة ... # والفاء في قوله تعالى ( @QUR@04 فأنجاه الله من النار ) فصيحة. أى : ~~فاتفقوا على إحراقه بالنار ، وألقوه فيها بعد اشتعالها ، فأنجاه الله تعالى ~~منها ، بأن جعلها بردا وسلاما عليه ... # ( @QUR@06 إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ).. أى : إن في ذلك الذي فعلناه ~~بقدرتنا مع إبراهيم عليه السلام حيث ms4439 أخرجناه سليما من النار ( @QUR@01 لآيات ~~) بينات على وحدانيتنا وقدرتنا ، لقوم يؤمنون ، بأن الله تعالى هو رب ~~العالمين ، وأنه له الخلق والأمر. # وجمع سبحانه الآيات لأن في نجاة إبراهيم ، دلالات متعددة على قدرة الله ~~تعالى لا دلالة واحدة ، فنجاته من النار وتحويلها عليه إلى برد وسلام آية ، ~~وعجز المشركين جميعا عن أن يلحقوا به ضررا آية ثانية ، وإصرارهم على كفرهم ~~مع ما شاهدوه ، آية ثالثة على أن القلوب الجاحدة تبقى على جحودها حتى مع ~~وجود المعجزات الدالة على صدق من جاء بها من عند الله تعالى . # ولذا خص سبحانه هذه الآيات ، لأنهم هم وحدهم المنتفعون بها. # ثم حكى سبحانه ما قاله إبراهيم عليه السلام لقومه بعد أن نجاه الله من ~~شرورهم فقال : ( @QUR@021 وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا ، مودة ~~بينكم في الحياة الدنيا ، ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ، ويلعن بعضكم ~~بعضا ). # ولفظ «مودة» وردت فيه قراءات : فقد قرأه بعض القراء السبعة بالنصب ، على ~~أنه مفعول به لقوله : ( @QUR@01 اتخذتم ) أو على أنه مفعول لأجله ، فيكون ~~المعنى : # وقال إبراهيم لقومه : يا قوم إنكم لم تتخذوا هذه الأوثان معبودات لكم عن ~~عقيدة واقتناع بأحقية عبادتها. وإنما اتخذتموها معبودات من أجل المودة فيما ~~بينكم ، ومن أجل أن يجامل بعضكم بعضا في عبادتها ، على حساب الحق والهدى. # وهذا شأنكم في الدنيا ، أما في يوم القيامة ، فهذه المودة ستزول لأنها ~~مودة باطلة ، وسيكفر بعضكم ببعض ، ويلعن بعضكم بعضا ، حيث يتبرأ القادة من ~~الأتباع ، والأتباع من القادة. ( @QUR@02 ومأواكم النار ) أى : ومنزلكم ~~الذي تأوون إليه أنتم وأصنامكم يوم القيامة النار ( @QUR@04 وما لكم من ~~ناصرين ) يخلصونكم من هذه النار ، أو يخففون سعيرها عنكم. # وبعض القراء السبعة قرأ لفظ ( @QUR@01 مودة ) بالرفع على أنه خبر لمبتدأ ~~محذوف : أى : أن ما اتخذتموه من عبادة الأوثان ، هو مودة بينكم في الحياة ~~الدنيا ، أما في الآخرة فسيكفر بعضكم PageV11P028 # ببعض ، ويلعن بعضكم بعضا. # والمقصود من الآية الكريمة ، بيان أن هؤلاء المشركين لم يتخذوا الأصنام ~~آلهة ، وهم يعتقدون صحة ذلك اعتقادا جازما ، وإنما اتخذوها في ms4440 الدنيا آلهة ~~تارة على سبيل التواد فيما بينهم ، وتارة على سبيل التقليد والمسايرة ~~لغيرهم .. أما في الآخرة فستتحول تلك المودات والمسايرات والتقاليد إلى ~~عداوات ومقاطعات وملاعنات ... # وقوله تعالى : ( @QUR@03 فآمن له لوط. ) @QUR@01 .. بيان للثمرة الطيبة ~~التي ترتبت على دعوة إبراهيم لقومه ، إلى عبادة الله تعالى وحده ، بعد أن ~~مكث فيهم مدة لا يعلمها إلا الله ، وبعد أن أقام لهم ألوانا من الأدلة على ~~أن ما جاءهم به هو الحق ، وما هم عليه هو الباطل. # والتعبير بقوله سبحانه : ( @QUR@03 فآمن له لوط ) يشعر بأن لوطا ~~عليه السلام وحده ، هو الذي لبى دعوة إبراهيم ، وصدقه في كل ما أخبر به. # ولوط عليه السلام يرى كثير من العلماء أنه ابن أخى إبراهيم عليه السلام فهو ~~لوط بن هاران بن آزر. # والضمير في قوله سبحانه : ( @QUR@05 وقال إني مهاجر إلى ربي. ) @QUR@01 ~~.. يرى بعضهم أنه يعود إلى لوط ، لأنه أقرب مذكور. أى : فآمن لوط لإبراهيم ~~وصدقه في كل ما جاء به ، وقال : إنى مهاجر إلى الجهة التي أمرنى ربي ~~بالهجرة إليها ، لأبلغ دعوته ، فهو لم يهاجر من أجل منفعة دنيوية ، وإنما ~~هاجر من أجل تبليغ أمر ربه ، وإعلاء كلمته. # ويرى آخرون أن الضمير يعود إلى إبراهيم عليه السلام ، لأن الحديث عنه. # قال الآلوسى ما ملخصه : ( @QUR@05 وقال إني مهاجر إلى ربي ) أى : وقال ~~إبراهيم : إنى مهاجر ، أى : من قومي ، إلى ربي .. أى إلى الجهة التي أمرنى ~~بأن أهاجر إليها ( @QUR@01 إنه ) عز وجل ( @QUR@02 هو العزيز ) الغالب على ~~أمره ... ( @QUR@01 الحكيم ) الذي لا يفعل فعلا إلا وفيه حكمة ومصلحة .. # وقيل : الضمير في ( @QUR@01 وقال ) للوط عليه السلام ، وليس بشيء لما يلزم ~~عليه من التفكيك» (1). # ثم بين سبحانه بعض النعم التي أنعم بها على نبيه إبراهيم ، بعد أن هاجر ~~من العراق إلى بلاد الشام لتبليغ رسالة ربه إلى الناس فقال : ( @QUR@09 ~~ووهبنا له إسحاق ويعقوب ، وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب. ) @QUR@01 .. . PageV11P029 # أى : ووهبنا لإبراهيم بعد أن هاجر ومعه زوجه «سارة» وابن أخيه «لوط» ~~وهبنا له ابنه إسحاق ، ووهبنا لإسحاق يعقوب ، وجعلنا بفضلنا ورحمتنا ، في ~~ذرية إبراهيم ms4441 النبوة ، إذ من نسله جميع الأنبياء من بعده ، كما جعلنا في ~~ذريته أيضا الكتب التي أنزلناها على الأنبياء من بعده ، كالتوراة ، ~~والإنجيل ، والزبور ، والقرآن. # فالمراد بالكتاب هنا : الكتب السماوية التي أنزلها سبحانه على موسى وعيسى ~~وداود ومحمد صلوات الله عليه ، وهم جميعا من نسل إبراهيم. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما بال إسماعيل لم يذكر ، وذكر إسحاق ~~ويعقوب؟ # قلت : قد دل عليه في قوله : ( @QUR@05 وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب ) ~~وكفى الدليل لشهرة أمره ، وعلو قدره. # فإن قلت : ما المراد بالكتاب؟ قلت : قصد به جنس الكتاب ، حتى دخل تحته ما ~~نزل على ذريته من الكتب الأربعة ، التي هي : التوراة ، والزبور ، والإنجيل ~~، والقرآن» (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 وآتيناه أجره في الدنيا ) بيان لنعمة أخرى أنعم ~~بها سبحانه على نبيه إبراهيم عليه السلام . # أى : وهبنا له الذرية الصالحة ، وجعلنا في ذريته النبوة والكتب السماوية ~~، وآتيناه أجره على أعماله الصالحة في الدنيا ، بأن رزقناه الزوجة الصالحة ~~، والذكر الحسن بعد وفاته. # ( @QUR@05 وإنه في الآخرة لمن الصالحين ) الذين نعطيهم فيها أجزل العطاء ~~وأوفاه. # وهكذا جمع الله تعالى بفضله وإحسانه ، لنبيه إبراهيم ، خيرى الدنيا ~~والآخرة ، جزاء إيمانه العميق ، وعمله الصالح ، ووفائه في تبليغ رسالة ربه. # وبمناسبة الحديث عن قصة إبراهيم مع قومه ، جاء بعد ذلك الحديث عن جانب من ~~قصة لوط مع قومه. لوط عليه السلام الذي آمن بإبراهيم وهاجر معه إلى بلاد ~~الشام .. # قال تعالى : # ( @QUR@014 ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد ~~من العالمين (28) PageV11P030 # @QUR@023 أإنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر ~~فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين (29) ~~@QUR@06 قال رب انصرني على القوم المفسدين (30) @QUR@015 ولما جاءت رسلنا ~~إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين ~~(31) @QUR@016 قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا ~~امرأته كانت من الغابرين (32) @QUR@023 ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم ~~وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا ms4442 امرأتك كانت من ~~الغابرين (33) @QUR@012 إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما ~~كانوا يفسقون (34) @QUR@07 ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون ) (35) # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 ولوطا إذ قال لقومه ) @QUR@01 .. منصوب بالعطف ~~على إبراهيم في قوله تعالى : ( @QUR@04 وإبراهيم إذ قال لقومه ) @QUR@01 .. ~~أو بفعل مضمر. # أى : واذكر أيها العاقل لتعتبر وتتعظ نبينا لوطا عليه السلام وقت أن قال ~~لقومه على سبيل الزجر والتوبيخ والإنكار لما هم عليه من فعل قبيح : # ( @QUR@010 إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين ) أى : ~~إنكم لتفعلون الفعلة PageV11P031 # البالغة أقصى دركات القبح والفحش ، والتي ما فعلها أحد قبلكم ، بل أنتم ~~أول من ابتدعها ، وهي إتيان الذكور دون الإناث. # قال عمر بن دينار : ما نزا ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط. # وقال الوليد بن عبد الملك : لو لا أن الله تعالى قد قص علينا خبر قوم لوط ~~، ما ظننت أن ذكرا يعلو ذكرا. # وجاء قوله عليه السلام مؤكدا بجملة من المؤكدات ، لتسجيل هذه الفاحشة ~~عليهم بأقوى أسلوب ، وبأنهم لم يسبقهم أحد إلى ارتكابها. # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 أإنكم لتأتون الرجال ، وتقطعون السبيل ، وتأتون ~~في ناديكم المنكر. ) @QUR@01 .. بيان لتلك الفاحشة التي كانوا يقترفونها ، ~~والاستفهام للتأنيب والتقريع. # والسبيل : الطريق. والنادي : اسم جنس للمكان الذي يجتمع فيه الناس لأمر ~~من الأمور ، أى : أإنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء ، وتقطعون الطريق ~~على المارة ، بأن تنتهبوا أموالهم ، أو بأن تكرهوهم إكراها على ارتكاب ~~الفاحشة معهم ، أو بأن تعتدوا عليهم بأى صورة من الصور ، وفضلا عن كل ذلك ~~فإنكم ترتكبون المنكرات في مجالسكم الخاصة ، وفي نواديكم التي تتلاقون فيها. # فأنت ترى أن نبيهم عليه السلام قد وصفهم بأوصاف ، كل صفة أقبح من سابقتها ~~، والباعث لهم على ارتكاب تلك المنكرات ، هو انتكاس فطرتهم ، وفساد نفوسهم ~~، وشذوذ شهواتهم. # فماذا كان جوابهم على نبيهم عليه السلام ؟ لقد كان جوابهم في غاية التبجح ~~والسفاهة ، وقد حكاه القرآن في قوله : ( @QUR@014 فما كان جواب قومه إلا أن ~~قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين ). # أى : فما كان جواب ms4443 قوم لوط عليه ، إلا أن قالوا له على سبيل الاستخفاف ~~بوعظه وزجره : ائتنا يا لوط بعذاب الله الذي تتوعدنا به ، إن كنت صادقا في ~~دعواك أنك رسول ، وفي دعواك أن عذابا سينزل علينا ، بسبب أفعالنا هذه التي ~~ألفناها وأحببناها. # وهكذا نرى أن هؤلاء المجرمين ، قد قابلوا نصح نبيهم تارة بالاستخفاف ~~والاستهزاء كما هنا ، وتارة بالتهديد والوعيد ، كما في قوله تعالى : ( ~~@QUR@08 أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ) (1). PageV11P032 # ولذا لجأ لوط عليه السلام إلى ربه ، يلتمس منه النصرة والعون فقال : ( ~~@QUR@05 رب انصرني على القوم المفسدين )، أى : انصرني بأن تنزل عذابك على ~~هؤلاء القوم المفسدين ، الذين مردوا على ارتكاب فواحش ، لم يسبقهم بها من ~~أحد من العالمين. # وأجاب الله تعالى دعاء نبيه لوط عليه السلام ، وأرسل سبحانه ملائكته لنبيه ~~إبراهيم ليبشروه بابنه إسحاق. قبل أن ينفذوا عذاب الله في قوم لوط ، قال ~~تعالى : # ( @QUR@011 ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه ~~القرية ) أى : وحين جاء الملائكة إلى إبراهيم ليبشروه بابنه إسحاق : قالوا ~~له : يا إبراهيم ، إنا مرسلون من ربك لإهلاك أهل هذه القرية وهي قرية سدوم ~~التي يسكنها قوم لوط ، والسبب في ذلك ( @QUR@04 إن أهلها كانوا ظالمين )، ~~حيث أتوا بفاحشة لم يسبقهم إليها أحد ، وقطعوا الطريق على الناس ، واقترفوا ~~في مجالسهم المنكرات. # وهنا قال لهم إبراهيم عليه السلام بخشيته وشفقته : ( @QUR@03 إن فيها لوطا ~~) أى : إن في هذه القرية التي جئتم لإهلاكها لوطا ، وهو نبي من أنبياء الله ~~الصالحين فكيف تهلكونها وهو معهم فيها؟ وهنا رد عليه الملائكة بما يزيل ~~خشيته فقالوا : ( @QUR@04 نحن أعلم بمن فيها ) من الأخيار ومن الأشرار ، ~~ومن المؤمنين ومن الكافرين. # ( @QUR@07 لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين ) أى : اطمئن يا ~~إبراهيم فإن الله تعالى قد أمرنا أن ننجي لوطا وأن ننجي معه من الهلاك أهله ~~المؤمنين ، إلا امرأته فستبقى مع المهلكين ، لأنها منهم ، بسبب خيانتها ~~للوط عليه السلام حيث كانت تقر جرائم قومها ، ولا تعمل على إزالتها وإنكارها ~~، كما هو شأن الزوجات الصالحات. # والغابر : الباقي. يقال ms4444 : غبر الشيء يغبر غبورا ، أى : بقي ، وقد يستعمل ~~فيما مضى أيضا فيكون من الأضداد. ومنه قولهم : هذا الشيء حدث في الزمن ~~الغابر. أى : الماضي. # ثم بين سبحانه حال لوط عليه السلام بعد أن وصل إليه الملائكة لينفذوا قضاء ~~الله تعالى في قومه ، فقال عز وجل : ( @QUR@010 ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء ~~بهم. وضاق بهم ذرعا ). # و «أن» هنا مزيدة لتأكيد المجيء. و «سىء بهم» أى : اعترته المساءة والأحزان ~~بسبب مجيئهم ، لخوفه من اعتداء قومه عليهم. PageV11P033 # قال القرطبي : والذرع مصدر ذرع. وأصله أن يذرع البعير بيديه في سيره ذرعا ~~، على قدر سعة خطوه ، فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق عن ذلك ، وضعف ومد ~~عنقه. فضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع ... وإنما ضاق ذرعه بهم ، لما رأى من ~~جمالهم ، وما يعلمه من فسوق قومه ..» (1). أى : وحين جاءت الملائكة إلى ~~لوط عليه السلام ورآهم ، ساءه وأحزنه مجيئهم ، لأنه كان لا يعرفهم ، ويعرف ~~أن قومه قوم سوء ، فخشي أن يعتدى قومه عليهم. وهو لا يستطيع الدفاع عن ~~هؤلاء الضيوف. # والتعبير بقوله سبحانه ( @QUR@03 وضاق بهم ذرعا ): تعبير بليغ ، وتصوير ~~بديع لنفاد حيلته ، واغتمام نفسه ، وعجزه عن وجود مخرج للمكروه الذي حل به. ~~و «ذرعا» تمييز محول عن الفاعل ، أى : ضاق بأمرهم ذرعه. # ولاحظ الملائكة عليهم السلام على لوط قلقه وخوفه ، فقالوا له على سبيل ~~التبشير وإدخال الطمأنينة على نفسه ، يا لوط : ( @QUR@04 لا تخف ولا تحزن ) ~~أى : لا تخف علينا من قومك ، ولا تحزن لمجيئنا إليك بتلك الصورة المفاجئة. # ثم أفصحوا له عن مهمتهم فقالوا : ( @QUR@08 إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك ~~كانت من الغابرين ). # أى : إنا منجوك وأهلك المؤمنين من العذاب الذي ننزله بقومك ، إلا امرأتك ~~فسيدركها العذاب مع قومك ، وستهلك مع الهالكين بسبب تواطئها معهم ، ورضاها ~~بأفعالهم القبيحة. # ثم أخبروه بالكيفية التي ينزل بها العذاب على قومه فقالوا : ( @QUR@012 ~~إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ). # والرجز : العذاب الذي يزعج المعذب به ويجعله في حالة اضطراب وهلع. يقال : ~~ارتجز فلان ، إذا ms4445 اضطرب وانزعج. # أى : إنا منزلون بأمر الله تعالى وإرادته ، على أهل هذه القرية وهي قرية ~~سدوم التي كان يسكنها قوم لوط ( @QUR@03 رجزا من السماء ) أى : عذابا شديدا ~~كائنا من السماء ، بحيث لا يملكون دفعه أو النجاة منه ، بسبب فسوقهم عن أمر ~~ربهم ، وخروجهم عن طاعته. # ثم بين سبحانه أن حكمته قد اقتضت. أن يجعل آثار هؤلاء الظالمين باقية ~~بعدهم ، لتكون عبرة وعظة لغيرهم فقال : ( @QUR@07 ولقد تركنا منها آية بينة ~~لقوم يعقلون ). PageV11P034 # أى : ولقد تركنا من هذه القرية بعد تدميرها ، علامة بينة ، وآية واضحة. ~~تدل على هلاك أهلها ، حتى تكون عبرة لقوم يستعملون عقولهم في التدبر ~~والتفكر. # قال ابن كثير : وذلك أن جبريل عليه السلام اقتلع قراهم من قرار الأرض ، ثم ~~رفعها إلى عنان السماء ، ثم قلبها عليهم ، وأرسل الله عليهم حجارة من سجيل ~~منضود ، مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد ، وجعل مكانها. بحيرة ~~خبيثة منتنة ، وجعلهم عبرة إلى يوم التناد ، وهم من أشد الناس عذابا يوم ~~المعاد ، ولهذا قال : ( @QUR@07 ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون ) ~~كما قال : ( @QUR@07 وإنكم لتمرون عليهم مصبحين. وبالليل أفلا تعقلون ) (1). # * * * # ثم ساق سبحانه جانبا من قصة شعيب وهود وصالح عليهم السلام مع أقوامهم ، ~~وكيف أن هؤلاء الأقوام قد كانت عاقبتهم خسرا ، بسبب تكذيبهم لأنبيائهم ، ~~فقال تعالى : # ( @QUR@017 وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم ~~الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين (36) @QUR@07 فكذبوه فأخذتهم الرجفة ~~فأصبحوا في دارهم جاثمين (37) @QUR@016 وعادا وثمود وقد تبين لكم من ~~مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين (38) ~~@QUR@013 وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في ~~الأرض وما كانوا سابقين (39) @QUR@08 فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا ~~عليه حاصبا PageV11P035 # @QUR@020 ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا ~~وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) (40) # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 وإلى مدين أخاهم شعيبا ) @QUR@01 .. معطوف على ~~مقدر محذوف ، لدلالة ما قبله عليه. ومدين : اسم للقبيلة التي تنسب إلى مدين ~~بن إبراهيم عليه السلام . وكانوا ms4446 يسكنون في المنطقة التي تسمى معان بين حدود ~~الحجاز والشام. # وقد أرسل الله تعالى إليهم شعيبا عليه السلام ليأمرهم بعبادة الله تعالى ~~وحده ، ولينهاهم عن الرذائل التي كانت منتشرة فيهم ، والتي من أبرزها ~~التطفيف في المكيال والميزان. # والمعنى : وكما أرسلنا نوحا إلى قومه ، وإبراهيم إلى قومه ، أرسلنا إلى ~~أهل مدين ، رسولنا شعيبا عليه السلام . # ( @QUR@05 فقال يا قوم اعبدوا الله ) أى : فقال لهم ناصحا ومرشدا ، ~~الكلمة التي قالها كل نبي لأمته : يا قوم اعبدوا الله تعالى وحده ، واتركوا ~~ما أنتم عليه من شرك. # وقال لهم أيضا : وارجوا النجاة من أهوال يوم القيامة ، بأن تستعدوا له ~~بالإيمان والعمل الصالح ، ولا تعثوا في الأرض مفسدين ، فإن الإفساد في ~~الأرض ليس من شأن العقلاء ، وإنما هو من شأن الجهلاء الجاحدين لنعم الله ~~تعالى . يقال : عثى فلان في الأرض يعثو ويعثى كقال وتعب ، إذا ارتكب أشد ~~أنواع الفساد فيها. # فأنت ترى أن شعيبا عليه السلام وهو خطيب الأنبياء كما جاء في الحديث ~~الشريف ، قد أمر قومه بإخلاص العبادة لله ، وبالعمل الصالح الذي ينفعهم في ~~أخراهم ، ونهاهم عن الإفساد في الأرض ، فماذا كان موقفهم منه؟ # كان موقفهم منه : التكذيب والإعراض ، كما قال سبحانه : ( @QUR@01 فكذبوه ~~) أى : فيما أمرهم به ، وفيما نهاهم عنه. # ( @QUR@02 فأخذتهم الرجفة ) أى : فأهلكهم الله تعالى بسبب تكذيبهم لنبيهم ~~بالرجفة ، وهي الزلزلة الشديدة. يقال : رجفت الأرض ، إذا اضطربت اضطرابا شديدا. PageV11P036 # ولا تعارض هنا بين قوله تعالى : ( @QUR@02 فأخذتهم الرجفة ) وبين قوله ~~سبحانه في سورة هود : ( @QUR@04 وأخذ الذين ظلموا الصيحة ) لأنه يجوز أن ~~الله تعالى جعل لإهلاكهم سببين : الأول : أن جبريل عليه السلام صاح بهم صيحة ~~شديدة أذهلتهم ، ثم رجفت بهم الأرض فأهلكتهم. وبعضهم قال : إن الرجفة ~~والصيحة بمعنى واحد. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 فأصبحوا في دارهم جاثمين ) بيان لما آل إليه ~~أمرهم بعد هلاكهم. # والمراد بدارهم : مساكنهم التي يسكنونها ، أو قريتهم التي يعيشون بها ~~وقوله : ( @QUR@01 جاثمين ) من الجثوم ، وهو للناس والطيور بمنزلة البروك ~~للإبل. يقال : جثم الطائر يجثم جثما وجثوما فهو جاثم من باب ضرب ، إذا وقع ~~على ms4447 صدره ولزم مكانه فلم يبرحه. # أى : فأصبحوا في مساكنهم هامدين ميتين لا تحس لهم حركة ، ولا تسمع لهم ركزا. # ثم أشار سبحانه بعد ذلك إلى مصارع عاد وثمود فقال : ( @QUR@016 وعادا ~~وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم ، وزين لهم الشيطان أعمالهم ، فصدهم عن ~~السبيل وكانوا مستبصرين ). # وعاد : هم قوم هود عليه السلام وكانوا يسكنون بالأحقاف في جنوب الجزيرة ~~العربية ، بالقرب من حضرموت. # وثمود : هم قوم صالح عليه السلام وكانت مساكنهم بشمال الجزيرة العربية ، ~~وما زالت مساكنهم تعرف حتى الآن بقرى صالح. # أى : وأهلكنا عادا وثمود بسبب كفرهم وعنادهم ، كما أهلكنا غيرهم ، والحال ~~أنه قد تبين لكم يا أهل مكة وظهر لكم بعض مساكنهم ، وأنتم تمرون عليهم في ~~رحلتي الشتاء والصيف. # فقوله سبحانه : ( @QUR@05 وقد تبين لكم من مساكنهم ) المقصود منه غرس ~~العبرة والعظة في نفوس مشركي مكة ، عن طريق المشاهدة لآثار المهلكين ، فإن ~~مما يحمل العقلاء على الاعتبار ، مشاهدة آثار التمزيق والتدمير ، بعد القوة ~~والتمكين. # ( @QUR@04 وزين لهم الشيطان أعمالهم ) السيئة. بسبب وسوسته وتسويله ، ( ~~@QUR@03 فصدهم عن السبيل ) الحق ، وعن الطريق المستقيم. # ( @QUR@01 وكانوا ) أى : عادا وثمود ( @QUR@01 مستبصرين ) أى : وكانت لهم ~~عقول يستطيعون التمييز بها بين الحق والباطل ، وبين الخير والشر ، ولكنهم ~~لم يستعملوها فيما خلقت له ، وإنما استحبوا العمى على الهدى ، وآثروا الغي ~~على الرشد ، فأخذهم الله تعالى أخذ عزيز مقتدر. PageV11P037 # وقوله تعالى : ( @QUR@01 مستبصرين ) من الاستبصار ، بمعنى التمكن من تعقل ~~الأمور ، وإدراك خيرها من شرها ، وحقها من باطلها. # ثم أشار سبحانه إلى ما حل بقارون وفرعون وهامان فقال : ( @QUR@03 وقارون ~~وفرعون وهامان ) أى : وأهلكنا أيضا قارون ، وهو الذي كان من قوم موسى فبغى ~~عليهم ، كما أهلكنا فرعون الذي قال لقومه : ( @QUR@03 أنا ربكم الأعلى ) ~~وهامان الذي كان وزيرا لفرعون وعونا له في الكفر والظلم والطغيان. # قال الآلوسى : وتقديم قارون ، لأن المقصود تسلية النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيما لقى من قومه لحسدهم له ، وقارون كان من قوم موسى عليه السلام وقد لقى ~~منه ما لقى. أو لأن حال قارون أوفق بحال عاد وثمود ، فإنه كان من ms4448 أبصر ~~الناس وأعلمهم بالتوراة ، ولكنه لم يفده الاستبصار شيئا ، كما لم يفدهم ~~كونهم مستبصرين شيئا .. (1). # ثم بين سبحانه ما جاءهم به موسى عليه السلام وموقفهم منه فقال : ( @QUR@04 ~~ولقد جاءهم موسى بالبينات ) أى : جاءهم جميعا بالمعجزات الواضحات الدالة ~~على صدقه. # ( @QUR@03 فاستكبروا في الأرض ) أى : فاستكبر قارون وفرعون وهامان في ~~الأرض. وأبوا أن يؤمنوا بموسى ، بل وصفوه بالسحر وبما هو برىء منه. # ( @QUR@03 وما كانوا سابقين ) أى : وما كانوا بسبب استكبارهم وغرورهم هذا ~~، هاربين أو ناجين من قضائنا فيهم ، ومن إهلاكنا لهم. # فقوله : ( @QUR@01 سابقين ) من السبق ، بمعنى التقدم على الغير. يقال ~~فلان سبق طالبه ، إذا تقدم عليه دون أن يستطيع هذا الطالب إدراكه. # والمراد أن قارون وفرعون وهامان ، لم يستطيعوا رغم قوتهم وغنائهم أن ~~يفلتوا من عقابنا ، بل أدركهم عذابنا إدراكا تاما فأبادهم وقضى عليهم. # ثم ختم سبحانه الحديث عن هؤلاء المكذبين ، ببيان سنة من سننه التي لا ~~تتخلف ، فقال : ( @QUR@03 فكلا أخذنا بذنبه ). # أى : فكلا من هؤلاء المذكورين كقوم نوح وإبراهيم ولوط وشعيب وهود وصالح ، ~~وكقارون وفرعون وهامان وأمثالهم : كلا من هؤلاء الظالمين أخذناه وأهلكناه ~~بسبب ذنوبه التي أصر عليها دون أن يرجع عنها. PageV11P038 # ( @QUR@05 فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ) أى : فمن هؤلاء الكافرين من ~~أهلكناه ، بأن أرسلنا عليه ريحا شديدة رمته بالحصباء فأهلكته. # قال القرطبي : قوله : ( @QUR@05 فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ) يعنى قوم ~~لوط. والحاصب ريح يأتى بالحصباء ، وهي الحصى الصغار. وتستعمل في كل عذاب (1). # ( @QUR@04 ومنهم من أخذته الصيحة ) كما حدث لقوم صالح وقوم شعيب ~~عليهما السلام . # ( @QUR@05 ومنهم من خسفنا به الأرض ) وهو قارون. # ( @QUR@03 ومنهم من أغرقنا ) كما فعلنا مع قوم نوح ومع فرعون وقومه. # ( @QUR@04 وما كان الله ليظلمهم ) أى : وما كان الله تعالى مريدا لظلمهم ~~، لأنه سبحانه اقتضت رحمته وحكمته ، أن لا يعذب أحدا بدون ذنب ارتكبه. # ( @QUR@04 ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) أى : ما ظلم الله تعالى هؤلاء ~~المهلكين ، ولكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم ، وعرضوها للدمار ، بسبب إصرارهم ~~على كفرهم ، واتباعهم للهوى والشيطان. # وبذلك نرى الآيات قد قصت على الناس مصارع الغابرين ، الذين ms4449 كذبوا الرسل ، ~~وحاربوا دعوة الحق ، ليكون في هذا القصص عبرة للمعتبرين ، وذكرى للمتذكرين. # ثم ضرب الله مثلا ، لمن يتخذ آلهة من دونه : وتوعد من يفعل ذلك بأشد ~~أنواع العذاب ، فقال تعالى : # ( @QUR@019 مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت ~~بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون (41) @QUR@012 إن الله ~~يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم (42) @QUR@08 وتلك الأمثال ~~نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون (43) PageV11P039 # والمثل والمثل : النظير والشبيه ، ثم أطلق المثل على القول السائر ~~المعروف ، لمماثلة مضربه وهو الذي يضرب فيه لمورده وهو الذي ورد فيه أولا ~~ولا يكون إلا فيما فيه غرابة ثم استعير للصفة أو الحال أو القصة ، إذا كان ~~لها شأن عجيب ، وفيها غرابة. وعلى هذا المعنى يحمل المثل هنا. # وإنما تضرب الأمثال لإيضاح المعنى الخفى ، وتقريب الشيء المعقول من الشيء ~~المحسوس ، وعرض الغائب في صورة الحاضر ، فيكون المعنى الذي ضرب له المثل ، ~~أوقع في القلوب ، وأثبت في النفوس. # والعنكبوت : حشرة معروفة ، تنسج لنفسها في الهواء بيتا رقيقا ضعيفا ، لا ~~يغنى عنها شيئا ، وتطلق هذه الكلمة على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ~~والغالب في استعمالها التأنيث. والواو والتاء زائدتان ، كما في لفظ طاغوت. # والمعنى : حال هؤلاء المشركين الذين اتخذوا من دون الله تعالى أصناما ~~يعبدونها ، ويرجون نفعها وشفاعتها ... كحال العنكبوت في اتخاذها بيتا ضعيفا ~~مهلهلا ، لا ينفعها لا في الحر ولا في القر ، ولا يدفع عنها شيئا من الأذى. # فالمقصود من المثل تجهيل المشركين وتقريعهم ، حيث عبدوا من دون الله ~~تعالى آلهة ، هي في ضعفها ووهنها تشبه بيت العنكبوت ، وأنهم لو كانوا من ~~ذوى العلم لما عبدوا تلك الآلهة. # قال صاحب الكشاف : الغرض تشبيه ما اتخذوه متكلا ومعتمدا في دينهم ، ~~وتولوه من دون الله ، بما هو مثل عند الناس في الوهن وضعف القوة. وهو نسج ~~العنكبوت. ألا ترى إلى مقطع التشبيه ، وهو قوله : ( @QUR@05 وإن أوهن ~~البيوت لبيت العنكبوت ). # فإن قلت : ما معنى قوله : ( @QUR@03 لو كانوا يعلمون ) وكل أحد يعلم وهن ~~بيت العنكبوت؟ ms4450 # قلت : معناه ، لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم ، وأن أمر دينهم بالغ هذه ~~الغاية من الوهن ...» (1). # وقال الآلوسى : قوله : ( @QUR@03 لو كانوا يعلمون ) أى : لو كانوا يعلمون ~~شيئا من الأشياء ، لعلموا أن هذا مثلهم ، أو أن أمر دينهم بالغ هذه الغاية ~~من الوهن. و «لو» شرطية ، وجوابها محذوف ، وجوز بعضهم كونها للتمني فلا جواب ~~لها ، وهو غير ظاهر» (2). PageV11P040 # ثم بين سبحانه أن علمه شامل لكل شيء ، وأنه سيجازى هؤلاء المشركين بما ~~يستحقونه من عقاب فقال : ( @QUR@012 إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء ~~، وهو العزيز الحكيم ). # و «ما» موصولة ، وهي مفعول يعلم ، والعائد محذوف ، و «من شيء» بيان لما. # أى : إن الله تعالى يعلم علما تاما الذي يعبده هؤلاء المشركون من دونه ، ~~سواء أكان ما يعبدونه من الجن أم من الإنس أم من الجمادات أم من غير ذلك ، ~~( @QUR@01 وهو ) سبحانه ( @QUR@01 العزيز ) أى : الغالب على كل شيء ( ~~@QUR@01 الحكيم ) في أقواله وأفعاله. # ( @QUR@02 وتلك الأمثال ) التي سقناها في كتابنا العزيز ، والتي من بينها ~~المثال السابق. # ( @QUR@02 نضربها للناس ) على سبيل الإرشاد والتنبيه والتوضيح. # ( @QUR@04 وما يعقلها إلا العالمون ) أى : وما يعقل هذه الأمثال ، ويفهم ~~صحتها وحسنها ، إلا الراسخون في العلم ، المتدبرون في خلق الله تعالى ، ~~الفاقهون لما يتلى عليهم. # ثم ذكر سبحانه ما يدل على عظيم قدرته ، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم ~~بالإكثار من تلاوة القرآن الكريم ، ومن الصلاة ، فقال تعالى : # ( @QUR@010 خلق الله السماوات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين (44) ~~@QUR@021 اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون ) (45) # أى : خلق الله تعالى السموات والأرض بالحق الذي لا باطل معه ، وبالحكمة ~~التي لا يشوبها عبث أو لهو ، حتى يكون هذا الخلق متفقا مع مصالح عبادنا ~~ومنافعهم .. # ومن مظاهر ذلك ، أنك لا ترى أيها العاقل في خلق الرحمن من تفاوت أو تصادم ~~، أو اضطراب. # واسم الإشارة في قوله تعالى : ( @QUR@05 إن في ذلك لآية للمؤمنين ) يعود ~~إلى خلق السموات والأرض ، وما اشتملتا عليه ms4451 من بدائع وعجائب. PageV11P041 # أى : إن في ذلك الذي خلقناه بقدرتنا ، من سماوات مرتفعة بغير عمد ، ومن ~~أرض مفروشة بنظام بديع ، ومن عجائب لا يحصيها العد في هذا الكون ، إن في كل ~~ذلك لآية بينة ، وعلامة واضحة ، على قدرة الله عز وجل . # وخص المؤمنين بالذكر ، لأنهم هم المتدبرون في هذه الآيات والدلائل ، وهم ~~المنتفعون بها في التعرف على وحدانية الله وقدرته ، وعلى حسن عبادته ~~وطاعته. # والمقصود بالتلاوة في قوله تعالى : ( @QUR@06 اتل ما أوحي إليك من الكتاب ~~): القراءة المصحوبة بضبط الألفاظ ، وبتفهم المعاني. والخطاب للرسول ~~صلى الله عليه وسلم ويشمل كل من آمن به. أى : اقرأ أيها الرسول الكريم ما ~~أوحينا إليك من آيات هذا القرآن قراءة تدبر واعتبار واتعاظ ، وداوم على ذلك ~~، ومر أتباعك أن يقتدوا بك في المواظبة على هذه القراءة الصحيحة النافعة. # ( @QUR@02 وأقم الصلاة ) أى : وواظب على إقامة الصلاة في أوقاتها بخشوع ~~وإخلاص واطمئنان ، وعلى المؤمنين أن يقتدوا بك في ذلك. # وقوله : ( @QUR@06 إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) تعليل للأمر ~~بالمحافظة على إقامة الصلاة بخشوع وإخلاص. أى : داوم أيها الرسول الكريم ~~على إقامة الصلاة بالطريقة التي يحبها الله تعالى ، فإن من شأن الصلاة التي ~~يؤديها المسلم في أوقاتها بخشوع وإخلاص ، أن تنهى مؤديها عن ارتكاب الفحشاء ~~وهي كل ما قبح قوله وفعله ، وعن المنكر وهو كل ما تنكره الشرائع والعقول ~~السليمة . # قال الجمل : «ومعنى نهيها عنهما ، أنها سبب الانتهاء عنهما ، لأنها ~~مناجاة لله تعالى ، فلا بد أن تكون مع إقبال تام على طاعته ، وإعراض كلى عن ~~معاصيه. # قال ابن مسعود : في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصى الله ، فمن لم تأمره ~~صلاته بالمعروف ، ولم تنهه عن المنكر ، لم يزدد من الله إلا بعدا .. # وروى عن أنس رضى الله عنه أن فتى من الأنصار ، كان يصلى مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم ثم يأتى الفواحش ، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن ~~صلاته ستنهاه ، فلم يلبث أن تاب وحسن حاله» (1). # والخلاصة : أن من شأن الصلاة المصحوبة بالإخلاص والخشوع وبإتمام سننها ms4452 ~~وآدابها ، أن تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر ، فإن وجدت إنسانا يؤدى ~~الصلاة ، ولكنه مع ذلك يرتكب PageV11P042 # بعض المعاصي ، فأقول لك : إن الذنب ليس ذنب الصلاة ، وإنما الذنب ذنب هذا ~~المرتكب للمعاصي ، لأنه لم يؤد الصلاة أداء مصحوبا بالخشوع والإخلاص ... ~~وإنما أداها دون أن يتأثر بها قلبه .. ولعلها تنهاه في يوم من الأيام ببركة ~~مداومته عليها ، كما جاء في الحديث الشريف : «إن الصلاة ستنهاه». # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 ولذكر الله أكبر ) أى : ولذكر الله تعالى بجميع ~~أنواعه من تسبيح وتحميد وتكبير وغير ذلك من ألوان العبادة والذكر ، أفضل ~~وأكبر من كل شيء آخر ، لأن هذا الذكر لله تعالى في كل الأحوال ، دليل على ~~صدق الإيمان ، وحسن الصلة بالله تعالى . # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@03 ولذكر الله أكبر )، قال ~~ابن عباس ، وابن مسعود ، وابن عمر .. أى : ولذكر الله تعالى إياكم ، أكبر ~~من ذكركم إياه سبحانه .. # وروى عن جماعة من السلف أن المعنى : ولذكر العبد لله تعالى ، أكبر من ~~سائر الأعمال. # أخرج الإمام أحمد عن معاذ بن جبل قال : ما عمل ابن آدم عملا أنجى له من ~~عذاب الله يوم القيامة ، من ذكر الله تعالى .. # وقيل : المراد بذكر الله : الصلاة. كما في قوله تعالى : ( @QUR@04 فاسعوا ~~إلى ذكر الله )، أى : إلى الصلاة ، فيكون المعنى : وللصلاة أكبر من سائر ~~الطاعات ، وإنما عبر عنها به ، للإيذان بأن ما فيها من ذكر الله تعالى هو ~~العمدة في كونها مفضلة على الحسنات ، ناهية عن السيئات» (1). # ويبدو لنا أن المراد بذكر الله تعالى هنا : ما يشمل كل قول طيب وكل فعل ~~صالح ، يأتيه المسلم بإخلاص وخشوع ، وعلى رأس هذه الأقوال والأفعال : ~~التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل ، والصلاة وما اشتملت عليه من أقوال ~~وأفعال .. # وأن المسلم متى أكثر من ذكر الله تعالى ، كان ثوابه سبحانه له ، وثناؤه ~~عليه ، أكبر وأعظم من كل قول ومن كل فعل. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 والله يعلم ما تصنعون ) تذييل قصد به الترغيب ~~في إخلاص العبادة لله ، والتحذير من الرياء فيها. PageV11P043 # أى : داوموا أيها المؤمنون. على تلاوة القرآن الكريم ms4453 ، بتدبر واعتبار ، ~~وأقيموا الصلاة في أوقاتها بخشوع وخضوع ، وأكثروا من ذكر الله تعالى في كل ~~أحوالكم ، فإن الله تعالى يعلم ما تفعلونه وما تصنعونه من خير أو شر ، ~~وسيجازى سبحانه الذين أساءوا بما عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى .. # ثم أمر الله تعالى رسوله والمؤمنين. أن يجادلوا أهل الكتاب بالتي هي أحسن ~~، ما داموا لم يرتكبوا ظلما ، وأقام سبحانه الأدلة على أن هذا القرآن من ~~عنده وحده ، فقال : # ( @QUR@025 ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا ~~منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له ~~مسلمون (46) @QUR@019 وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب ~~يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون (47) ~~@QUR@013 وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب ~~المبطلون (48) @QUR@014 بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما ~~يجحد بآياتنا إلا الظالمون ) (49) # (1) والمجادلة : المخاصمة. يقال : جادل فلان فلانا ، إذا خاصمه ، وحرص كل ~~واحد منهما على أن يغلب صاحبه بقوة حجته. أى : ولا تجادلوا أيها المؤمنون ~~غيركم من أهل الكتاب ، وهم اليهود والنصارى ، إلا بالطريقة التي هي أحسن ، ~~بأن ترشدوهم إلى طريق PageV11P044 # الحق بأسلوب لين كريم ، كما قال تعالى في آية أخرى : ( @QUR@011 ادع إلى ~~سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ، وجادلهم بالتي هي أحسن ) @QUR@01 .. (1). # وقوله : ( @QUR@04 إلا الذين ظلموا منهم ) استثناء من الذين يجادلون ~~بالتي هي أحسن. # أى : ناقشوهم وأرشدوهم إلى الحق بالتي هي أحسن ، إلا الذين ظلموا منهم. ~~بأن أساءوا إليكم ، ولم يستعملوا الأدب في جدالهم ، فقابلوهم بما يليق ~~بحالهم من الإغلاظ والتأديب. # وعلى هذا التفسير يكون المقصود بالآية الكريمة ، دعوة المؤمنين إلى ~~استعمال الطريقة الحسنى في مجادلتهم لأهل الكتاب عموما ، ما عدا الظالمين ~~منهم فعلى المؤمنين أن يعاملوهم بالأسلوب المناسب لردعهم وزجرهم وتأديبهم. # وقيل : المراد بأهل الكتاب هنا : المؤمنون منهم ، والمراد بالذين ظلموا : ~~من بقي على الكفر منهم. # فيكون المعنى : ولا تجادلوا أيها المؤمنون من آمن من أهل الكتاب إلا ~~بالتي هي أحسن ، إلا الذين ms4454 بقوا على كفرهم فعاملوهم بما يليق بحالهم من ~~التأديب والإغلاظ عليهم. # ويبدو لنا أن التفسير الأول هو الأرجح والأظهر ، لأن الآية مسوقة لتعليم ~~المؤمنين كيف يجادلون من بقي على دينه من أهل الكتاب ، ولأن من ترك كفره ~~منهم ودخل في الإسلام أصبح مسلما وليس من أهل الكتاب ، وما دام الأمر كذلك ~~فليس المسلمون في حاجة إلى إرشادهم إلى كيفية مجادلته ، ولأن قوله تعالى ~~بعد ذلك : ( @QUR@07 وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم. ) @QUR@01 ~~.. يرجح أن المراد بأهل الكتاب هنا من بقي على دينه منهم. # أى : جادلوهم بالطريقة الحسنى ماداموا لم يظلموكم ، وقولوا لهم على سبيل ~~التعليم والإرشاد «آمنا بالذي أنزل إلينا» وهو القرآن ، وآمنا بالذي أنزل ~~إليكم من التوراة والإنجيل. # قال الشوكانى : أى : آمنا بأنهما منزلان من عند الله ، وأنهما شريعة ~~ثابتة إلى قيام الشريعة الإسلامية ، والبعثة المحمدية ولا يدخل في ذلك ما ~~حرفوه وبدلوه ، (2). # ( @QUR@03 وإلهنا وإلهكم واحد ) لا شريك له لا في ذاته ولا في صفاته ( ~~@QUR@01 ونحن ) جميعا معاشر المؤمنين ( @QUR@02 له مسلمون ) أى : مطيعون ~~وعابدون له وحده ، ولا نتخذ أربابا من دونه عز وجل . PageV11P045 # قال القرطبي ما ملخصه : اختلف العلماء في قوله تعالى : ( @QUR@04 ولا ~~تجادلوا أهل الكتاب ) @QUR@01 .. فقال مجاهد : هي محكمة ، فيجوز مجادلة أهل ~~الكتاب بالتي هي أحسن ، على معنى الدعاء لهم إلى الله عز وجل ، والتنبيه على ~~حججه وآياته ... وقوله : ( @QUR@04 إلا الذين ظلموا منهم ) أى ظلموكم .. # وقيل : هذه الآية منسوخة بآية القتال وهي قوله : ( @QUR@05 قاتلوا الذين ~~لا يؤمنون بالله ) @QUR@01 .. . # وقول مجاهد : حسن ، لأن أحكام الله عز وجل لا يقال فيها إنها منسوخة إلا ~~بخبر يقطع العذر ، أو حجة من معقول ...» (1). # ثم بين سبحانه موقف الناس من هذا الكتاب الذي أنزله على نبيه ~~صلى الله عليه وسلم فقال : ( @QUR@09 وكذلك أنزلنا إليك الكتاب ، فالذين ~~آتيناهم الكتاب يؤمنون به ) @QUR@01 .. . # والكاف بمعنى مثل : واسم الإشارة يعود إلى المصدر المفهوم من أنزلنا. أى ~~: ومثل ذلك الإنزال المعجز البديع ، أنزلنا إليك الكتاب أيها الرسول الكريم ~~ليكون هداية للناس ، فالذين آتيناهم الكتاب الشامل للتوراة والإنجيل وعقلوه ms4455 ~~وفتحوا قلوبهم للحق ، يؤمنون بهذا الكتاب الذي نزل عليك ، وهو القرآن. # فالمراد بالذين أوتوا الكتاب : المؤمنون منهم كعبد الله بن سلام وأمثاله. ~~والمراد بالكتاب جنسه. والضمير في «به» يعود إلى القرآن الكريم الذي أنزله ~~الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وخص هؤلاء المؤمنين منهم بإيتاء ~~الكتاب ، على سبيل المدح لهم. لأنهم انتفعوا بما أوتوه من علم وعملوا ~~بمقتضاه ، أما غيرهم ممن بقي على كفره ، فلكونه لم ينتفع بما في الكتاب من ~~هدايات ، فكأنه لم يره أصلا. # وقوله : ( @QUR@05 ومن هؤلاء من يؤمن به ) أى : ومن هؤلاء العرب الذين ~~أرسلت إليهم أيها الرسول الكريم من يؤمن بهذا القرآن الذي أنزلناه إليك. # و «من» للتبعيض ، لأنهم لم يؤمنوا جميعا ، وإنما آمن منهم من هداه الله ~~تعالى إلى الصراط المستقيم. # ( @QUR@03 وما يجحد بآياتنا ) الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ، وعلى صدقك ~~فيما تبلغه عنا ، ( @QUR@02 إلا الكافرون ) أى : إلا الموغلون في الكفر ، ~~المصرون عليه إصرارا تاما. # والجحود : إنكار الحق مع معرفة أنه حق. PageV11P046 # وعبر عن الكتاب بالآيات ، للإشعار بأنها في غاية الظهور والدلالة على ~~كونها من عند الله تعالى ، وأنه ما يكذب بها إلا من غطى الحق بالباطل عن ~~تعمد وإصرار. # فأنت ترى أن الآية الكريمة قد بينت أن من الناس من قابل هذا القرآن ~~بالتصديق والإذعان ، ومنهم من قابله بالجحود والنكران. # ثم ساق سبحانه أبلغ الأدلة وأوضحها على أن هذا القرآن من عنده تعالى ، ~~فقال : ( @QUR@013 وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ، ولا تخطه بيمينك ، إذا ~~لارتاب المبطلون ). # أى : أنت أيها الرسول الكريم ما كنت في يوم من الأيام قبل أن ننزل عليك ~~هذا القرآن تاليا لكتاب من الكتب ، ولا عارفا للكتابة ، ولو كنت ممن يعرف ~~القراءة والكتابة ، لارتاب المبطلون في شأنك ، ولقالوا إنك نقلت هذا القرآن ~~بخطك من كتب السابقين. # و ( @QUR@01 من ) في قوله ( @QUR@02 من كتاب ) لتأكيد نفى كونه ~~صلى الله عليه وسلم قارئا لأى كتاب من الكتب قبل نزول القرآن عليه. # وقوله : ( @QUR@03 ولا تخطه بيمينك ) لتأكيد نفى كونه صلى الله عليه وسلم ms4456 ~~يعرف الكتابة أو الخط. # قال الإمام ابن كثير : وهكذا صفته صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة ، ~~كما قال تعالى : ( @QUR@012 الذين يتبعون الرسول النبي الأمي ، الذي يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ) @QUR@01 .. وهكذا كان صلوات الله ~~وسلامه عليه إلى يوم القيامة ، لا بحسن الكتابة ، ولا يخط سطرا ولا حرفا ~~بيده ، بل كان له كتاب يكتبون بين يديه الوحى والرسائل إلى الأقاليم ...» (1). # والمراد بالمبطلين ، كل من شك في كون هذا القرآن من عند الله تعالى ، ~~سواء أكان من مشركي مكة أم من غيرهم. # وسماهم سبحانه مبطلين ، لأن ارتيابهم ظاهر بطلانه ومجانبته للحق ، لأن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم قد لبث فيهم قبل النبوة أربعين سنة ، يعرفون حسبه ~~ونسبه ، ويعلمون حق العلم أنه أمى لا يعرف الكتابة والقراءة. # ثم بين سبحانه حقيقة هذا الكتاب المعجز فقال : ( @QUR@09 بل هو آيات ~~بينات في صدور الذين أوتوا العلم. ) @QUR@01 .. . PageV11P047 # أى : هذا الكتاب ليس أساطير الأولين اكتتبها الرسول صلى الله عليه وسلم كما ~~زعم المبطلون ، بل هو آيات بينات واضحات راسخات ، في صدور المؤمنين به ، ~~الذين حفظوه وتدبروه وعملوا بتوجيهاته وإرشاداته ، وعملوا بما فيه من حكم ~~وأحكام وعقائد وآداب. # ووصف الله تعالى المؤمنين بهذا القرآن بالعلم على سبيل المدح لهم ، ~~والإعلاء من شأنهم ، حيث استطاعوا عن طريق ما وهبهم سبحانه من علم نافع ، ~~أن يوقنوا بأن هذا من عند الله ، ولو كان من عند غير الله ، لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون ) تذييل المقصود ~~به ذم الذين تجاوزوا كل حق وصدق في أحكامهم وتصرفاتهم. # أى : وما يجحد آياتنا مع وضوحها وسطوعها ، وينكر كونها من عند الله تعالى ~~، إلا الظالمون المتجاوزون لكل ما هو حق ، ولكل ما هو صدق. # ثم قصت علينا السورة الكريمة بعد ذلك طرفا من أقوال المشركين الفاسدة ~~وأمرت الرسول صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم بما يزهق باطلهم ، كما قصت ~~علينا لونا من ألوان جهالاتهم ، حيث استعجلوا العذاب الذي لا يستعجله عاقل. ~~فقال تعالى : # ( @QUR@017 وقالوا لو لا أنزل ms4457 عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله ~~وإنما أنا نذير مبين (50) @QUR@015 أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى ~~عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون (51) @QUR@019 قل كفى بالله بيني ~~وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا ~~بالله أولئك هم الخاسرون (52) @QUR@013 ويستعجلونك بالعذاب ولو لا أجل مسمى ~~لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون (53) @QUR@02 يستعجلونك ~~بالعذاب PageV11P048 # @QUR@04 وإن جهنم لمحيطة بالكافرين (54) @QUR@013 يوم يغشاهم العذاب من ~~فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون ) (55) # ومرادهم بالآيات في قوله تعالى : ( @QUR@08 وقالوا لو لا أنزل عليه آيات ~~من ربه ) الآيات الكونية ، كعصا موسى ، وناقة صالح. ولو لا حرف تحضيض بمعنى هلا. # أى : وقال المبطلون للنبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التعنت والعناد ، هلا ~~جئتنا يا محمد بمعجزات حسية كالتي جاء بها بعض الأنبياء من قبلك ، لكي نؤمن ~~بك ونتبعك؟ # وقوله : ( @QUR@09 قل إنما الآيات عند الله ، وإنما أنا نذير مبين ) ~~إرشاد من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم إلى ما يرد به عليهم. # أى : قل أيها الرسول الكريم في ردك على هؤلاء الجاهلين ، إنما الآيات ~~التي تريدونها عند الله تعالى وحده ، ينزلها حسب إرادته وحكمته ، أما أنا ~~فإن وظيفتي الإنذار الواضح بسوء مصير من أعرض عن دعوتي ، وليس من وظيفتي أن ~~أقترح على الله تعالى شيئا. # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ~~) @QUR@01 .. كلام مستأنف من جهته تعالى لتوبيخهم على جهالاتهم ، ~~والاستفهام للإنكار ، والواو للعطف على مقدر. # والمعنى : أقالوا ما قالوا من باطل وجهل ، ولم يكفهم أنا أنزلنا عليك هذا ~~الكتاب الناطق بالحق ، يتلى على مسامعهم صباح مساء ، ويهديهم إلى ما فيه ~~سعادتهم ، لو تدبروه وآمنوا به ، واتبعوا أوامره ونواهيه؟ # والتعبير بقوله سبحانه : ( @QUR@02 يتلى عليهم )، يشير إلى أن هذه ~~التلاوة متجددة عليهم ، وغير منقطعة عنهم ، وكان في إمكانهم أن ينتفعوا بها ~~لو كانوا يعقلون. # ولذا ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@07 إن في ذلك لرحمة وذكرى ~~لقوم يؤمنون ). # أى : إن في ذلك الكتاب الذي ms4458 أنزلناه عليك أيها الرسول الكريم ، والذي ~~تتلوه عليهم صباح مساء ، لرحمة عظيمة ، وذكرى نافعة ، لقوم يؤمنون بالحق ، ~~ويفتحون عقولهم للرشد ، لا للتعنت والجحود والعناد. PageV11P049 # ثم أرشده سبحانه إلى جواب آخر يرد به عليهم فقال : ( @QUR@06 قل كفى ~~بالله بيني وبينكم شهيدا ). أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الجاهلين : ~~يكفيني كفاية تامة أن يكون الله تعالى وحده ، هو الشهيد بيني وبينكم على ~~أنى صادق فيما أبلغه عنه ، وعلى أن هذا القرآن من عنده. # وهو سبحانه ( @QUR@05 يعلم ما في السماوات والأرض ) علما لا يعزب عنه شيء ~~، وسيجازينى بما أستحقه من ثواب ، وسيجازيكم بما تستحقونه من عقاب. # ( @QUR@03 والذين آمنوا بالباطل ) وأعرضوا عن الحق ( @QUR@02 وكفروا ~~بالله ) تعالى مع وضوح الأدلة على أنه سبحانه هو المستحق للعبادة والطاعة. # الذين فعلوا ذلك : ( @QUR@03 أولئك هم الخاسرون ) خسارة ليس بعدها خسارة ~~، حيث آثروا الغي على الرشد ، واستحبوا العمى على الهدى ، وسيكون أمرهم ~~فرطا في الدنيا والآخرة. # وقوله عز وجل : ( @QUR@02 ويستعجلونك بالعذاب. ) @QUR@01 .. بيان للون آخر ~~من ألوان انطماس بصيرة هؤلاء الكافرين ، ومن سفاهاتهم وجهالاتهم. أى : أن ~~هؤلاء المشركين لم يكتفوا بتكذيبك أيها الرسول الكريم بل أضافوا إلى ذلك ، ~~التطاول عليك ، لسوء أدبهم ، وعدم فهمهم لوظيفتك. بدليل أنهم يطلبون منك أن ~~تنزل عليهم العذاب بعجلة وبدون إبطاء ، على سبيل التحدي لك. كما قالوا في ~~موطن آخر : ( @QUR@018 ... اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) (1). # ثم يبين الله تعالى حكمته في تأخير عذابه عنهم إلى حين فيقول : ( @QUR@06 ~~ولو لا أجل مسمى لجاءهم العذاب. ) @QUR@01 .. . أى : يستعجلك المشركون يا ~~محمد في نزول العذاب بهم ، والحق أنه لو لا أجل مسمى ، ووقت معين ، حدده ~~الله تعالى في علمه لنزول العذاب بهم ، لجاءهم العذاب في الوقت الذي طلبوه ~~، بدون إبطاء أو تأخير. # ومع ذلك فقل لهم أيها الرسول الكريم إن هذا العذاب آت لا ريب فيه في ~~الوقت الذي يشاؤه الله تعالى ، وإن هذا العذاب المدمر المهلك : ( @QUR@05 ~~ليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون ). أى : ليحلن عليهم فجأة وبدون ms4459 مقدمات ، ~~والحال أنهم لا يشعرون به ، بل يأتيهم بغتة فيبهتهم ، ويستأصل شأفتهم. # ثم كرر سبحانه أقوالهم على سبيل التعجيب من حالهم ، والتسلية للرسول ~~صلى الله عليه وسلم عما لقيه منهم. فقال : ( @QUR@06 يستعجلونك بالعذاب وإن ~~جهنم لمحيطة بالكافرين ). PageV11P050 # أى : يستعجلونك أيها الرسول الكريم بالعذاب ، الذي لا يطلبه أحد في ذهنه ~~مثقال ذرة من عقل ، والحال أن ما استعجلوه سينزل بهم لا محالة ، وستحيط بهم ~~جهنم من كل جانب. # ثم بين سبحانه كيفية إحاطة جهنم بهم فقال : ( @QUR@03 يوم يغشاهم العذاب ). # أى : ستحيط بهم جهنم من كل جانب. يوم يحل بهم العذاب ( @QUR@05 من فوقهم ~~ومن تحت أرجلهم ) أى : من جميع جهاتهم. # ( @QUR@01 ويقول ) سبحانه لهم ، على سبيل التقريع والتأنيب ( @QUR@04 ~~ذوقوا ما كنتم تعملون ) أى : تذوقوا العذاب المهين الذي كنتم تستعجلونه في ~~الدنيا والذي أحاط بكم من كل جانب بسبب أعمالكم القبيحة ، وأقوالكم ~~الباطلة. # وبعد أن بين سبحانه سوء عاقبة المكذبين ، الذين استعجلوا العذاب لجهلهم ~~وعنادهم ، أتبع ذلك بتوجيه نداء إلى المؤمنين أمرهم فيه بالثبات على الحق ، ~~فقال تعالى : # ( @QUR@09 يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون (56) ~~@QUR@07 كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون (57) @QUR@017 والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~نعم أجر العاملين (58) @QUR@05 الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (59) ~~@QUR@012 وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع ~~العليم ) (60) # قال الإمام ابن كثير : قوله تعالى : ( @QUR@07 يا عبادي الذين آمنوا إن ~~أرضي واسعة. ) @QUR@01 .. : هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين ، ~~بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين ، إلى أرض الله ~~الواسعة ، حيث يمكن إقامة الدين ، بأن يوحدوا الله ويعبدوه كما أمرهم ... # روى الإمام أحمد عن أبى يحيى مولى الزبير بن العوام قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «البلاد بلاد الله ، والعباد عباد الله ، فحيثما أصبت ~~خيرا فأقم». PageV11P051 # ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم بها ، خرجوا مهاجرين إلى أرض ~~الحبشة ، ليأمنوا على دينهم هناك .. ثم بعد ذلك ، هاجر الرسول ~~صلى الله ms4460 عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة المنورة ...» (1). # وفي ندائهم بقوله : ( @QUR@02 يا عبادي ) وفي وصفهم بالإيمان ، تكريم ~~وتشريف لهم ، حيث أضافهم سبحانه إلى ذاته ، ونعتهم بالنعت المحبب إلى ~~قلوبهم. # وقوله : ( @QUR@03 إن أرضي واسعة ) تحريض لهم على الهجرة من الأرض التي ~~لا يتمكنون فيها من إقامة شعائر دينهم ، فكأنه سبحانه يقول لهم : ليس هناك ~~ما يجبركم على الإقامة في تلك الأرض التي لا قدرة لكم فيها على إظهار دينكم ~~، بل اخرجوا منها فإن أرضى واسعة ، ومن خرج من أجل كلمة الله ، رزقه الله ~~تعالى من حيث لا يحتسب. # ومن المفسرين الذين أجادوا في شرح هذا المعنى ، صاحب الكشاف رحمه الله فقد ~~قال : ومعنى الآية : أن المؤمن إذا لم يتسهل له العبادة في بلد هو فيه ، ~~ولم يتمش له أمر دينه كما يحب ، فليهاجر عنه إلى بلد يقدر أنه فيه أسلم ~~قلبا ، وأصح دينا ، وأكثر عبادة ... # ولعمري إن البقاع تتفاوت في ذلك التفاوت الكثير ، ولقد جربنا وجرب أولونا ~~، فلم نجد فيما درنا وداروا : أعون على قهر النفس ، وعصيان الشهوة ، وأجمع ~~للقلب المتلفت ، وأضم للهم المنتشر ، وأحث على القناعة ، وأطرد للشيطان ، ~~وأبعد عن الفتن ... من سكنى حرم الله ، وجوار بيت الله ، فلله الحمد على ما ~~سهل من ذلك وقرب ...» (2). # والفاء في قوله تعالى ( @QUR@02 فإياي فاعبدون ) بمعنى الشرط ، وإياى ~~منصوب بفعل مضمر ، قد استغنى عنه بما يشبهه. أى : فاعبدوا إياى فاعبدون. # والمعنى : إن ضاق بكم مكان ، فإياى فاعبدوا ، لأن أرضى واسعة ، ولن تضيق بكم. # ثم رغبهم بأسلوب آخر في الهجرة من الأرض الظالم أهلها ، بأن بين لهم بأن ~~الموت سيدركهم في كل مكان ، فقال تعالى : ( @QUR@07 كل نفس ذائقة الموت ، ~~ثم إلينا ترجعون ). # أى : كل نفس سواء أكانت في وطنها الذي عاشت فيه أم في غيره ، ذائقة ~~لمرارة الموت ، ومتجرعة لكأسه ، ثم إلينا بعد ذلك ترجعون جميعا لنحاسبكم ~~على أعمالكم. # ثم بين سبحانه ما أعده للمؤمنين الصادقين من جزاء طيب فقال : ( @QUR@08 ~~والذين آمنوا وعملوا الصالحات ، لنبوئنهم من الجنة غرفا. ) @QUR@01 .. . PageV11P052 # أى : والذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات ، لننزلنهم من ms4461 الجنة غرفا ~~عالية فخمة. هذه الغرف من صفاتها أنها ( @QUR@04 تجري من تحتها الأنهار ) ~~زيادة في إكرام أصحابها ، وفضلا عن ذلك فقد جعلناهم ( @QUR@02 خالدين فيها ~~) خلودا أبديا. # والمخصوص بالمدح في قوله : ( @QUR@03 نعم أجر العاملين ) محذوف. أى : نعم ~~أجر العاملين ، أجر هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات. # وقوله : ( @QUR@05 الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ) صفة لهؤلاء العاملين. # أى : من مناقبهم الجليلة أنهم يصبرون على طاعة الله ، وعلى كل ما يحسن ~~معه الصبر ، وأنهم يفوضون أمورهم إلى خالقهم لا إلى غيره. # ثم رغبهم سبحانه في الهجرة لإعلاء كلمة الله بأسلوب ثالث ، حيث بين لهم ~~أن هجرتهم لن تضيع شيئا من رزقهم الذي كتبه الله لهم ، فقال سبحانه : ( ~~@QUR@012 وكأين من دابة لا تحمل رزقها ، الله يرزقها وإياكم وهو السميع ~~العليم ). # روى أن بعض الذين أسلموا بمكة عند ما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالهجرة إلى المدينة قالوا : كيف نهاجر إلى بلدة ليس لنا فيها معيشة ، ~~فنزلت هذه الآية. # وكلمة «كأين» : مركبة من كاف التشبيه وأى الاستفهامية المنونة ، ثم هجر ~~معنى جزأيها وصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية الدالة على التكثير. ويكنى ~~بها عن عدد مبهم فتفتقر إلى تمييز بعدها. وهي مبتدأ. و «من دابة» تمييز لها. # وجملة : «لا تحمل رزقها» صفة لها ، وجملة «الله يرزقها» هي الخبر. # والدابة : اسم لكل نفس تدب على وجه الأرض سواء أكانت من العقلاء أم من ~~غير العقلاء. أى : وكثير من الدواب التي خلقها الله تعالى بقدرته ، لا ~~تستطيع تحصيل رزقها ، ولا تعرف كيف توفره لنفسها ، لضعفها أو عجزها ... ومع ~~هذا فالله تعالى برحمته وفضله يرزقها ولا يتركها تموت جوعا ، ويرزقكم أنتم ~~أيضا ، لأنه لا يوجد مخلوق مهما اجتهد ودأب يستطيع أن يخلق رزقه. # ( @QUR@01 وهو ) سبحانه ( @QUR@01 السميع ) لكل شيء ( @QUR@01 العليم ) ~~بما تسرون وما تعلنون. # وقدم سبحانه رزق الدابة التي لا تستطيع تحصيله ، على رزقهم فقال : ( ~~@QUR@03 الله يرزقها وإياكم ) لينفى من قلوب الناس القلق على الرزق ، ~~وليشعرهم بأن الأسباب ليست هي كل شيء ، فإن واهب الأسباب ، لا يترك أحدا ~~بدون رزق ms4462 ، ولإزالة ما قد يخطر في النفوس من أن الهجرة من أجل إعلاء كلمة ~~الله قد تنقص الرزق .. PageV11P053 # وهكذا يسوق سبحانه من المرغبات في الهجرة في سبيله ، ما يقنع النفوس ، ~~ويهدى القلوب ، ويجعل المؤمنين يقبلون على تلبية ندائه ، وهم آمنون مطمئنون ~~على أرواحهم ، وعلى أرزاقهم ، وعلى حاضرهم ومستقبلهم ، فسبحان من هذا كلامه. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة ببيان ما عليه المشركون من تناقض في ~~أفكارهم وفي تصوراتهم ، وببيان حال هذه الحياة الدنيا. وببيان جانب من ~~النعم التي أنعم بها على أهل مكة ، وببيان ما أعده للمجاهدين في سبيله من ~~ثواب ، فقال تعالى : # ( @QUR@013 ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن ~~الله فأنى يؤفكون (61) @QUR@014 الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر ~~له إن الله بكل شيء عليم (62) @QUR@022 ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء ~~فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون ~~(63) @QUR@015 وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي ~~الحيوان لو كانوا يعلمون (64) @QUR@016 فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله ~~مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون (65) @QUR@06 ليكفروا ~~بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون (66) @QUR@015 أولم يروا أنا جعلنا حرما ~~آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون (67) ~~@QUR@010 ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق PageV11P054 # @QUR@07 لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين (68) @QUR@09 والذين جاهدوا ~~فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ) (69) # وقوله سبحانه : ( @QUR@011 ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ، وسخر ~~الشمس والقمر ، ليقولن الله ) @QUR@01 .. بيان لما كان عليه مشركو العرب من ~~اعتراف بأن المستقل بخلق هذا الكون هو الله تعالى . # أى : ولئن سألت أيها الرسول الكريم هؤلاء المشركين ، من الذي أوجد هذه ~~السموات وهذه الأرض ، ومن الذي ذلل وسخر لمنفعتكم الشمس والقمر ، ليقولن ~~بدون تردد : الله تعالى هو الذي فعل ذلك بقدرته. # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 فأنى يؤفكون ) تعجيب من تناقضهم في أفعالهم ، ~~ومن انحراف في تفكيرهم ، ومن تركهم العمل بموجب ما تقتضيه أقوالهم. # أى ms4463 : إذا كنتم معترفين بأن الله وحده هو الخالق للسموات والأرض ، والمسخر ~~للشمس والقمر ، فلما ذا أشركتم معه في العبادة آلهة أخرى؟ ولما ذا تنصرفون ~~عن الإقرار بوحدانيته عز وجل ؟ # ثم بين سبحانه أن الأرزاق جميعها بيده ، يوسعها لمن يشاء ويضيقها على من ~~يشاء فقال : ( @QUR@09 الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له ) ~~@QUR@01 .. . # والضمير في قوله : ( @QUR@01 له ) يعود على ( @QUR@01 من ) على حد قولك : ~~عندي درهم ونصفه. أى : ونصف درهم آخر. # أى : الله تعالى وحده هو الذي يوسع الرزق لمن يشاء أن يوسعه عليه من ~~عباده ، وهو وحده الذي يضيق الرزق على من يشاء أن يضيقه عليه من عباده. ~~لأنه سبحانه لا يسأل عما يفعل ، وأفعاله كلها خاضعة لمشيئته وحكمته ، وكل ~~شيء عنده بمقدار. # ويجوز أن يكون المعنى : الله تعالى وحده هو الذي بقدرته أن يوسع الرزق ~~لمن يشاء من عباده تارة ، وأن يضيقه عليهم تارة أخرى. # فعلى المعنى الأول : يكون البسط في الرزق لأشخاص ، والتضييق على آخرين ، ~~وعلى المعنى الثاني يكون البسط والتضييق للأشخاص أنفسهم ولكن في أوقات ~~مختلفة. # والله تعالى قادر على كل هذه الأحوال ، لأنه سبحانه لا يعجزه شيء. PageV11P055 # ( @QUR@05 إن الله بكل شيء عليم ) فيعلم ما فيه صلاح عباده وما فيه ~~فسادهم ، ويعلم من يستحق أن يبسط له في رزقه ، ومن يستحق التضييق عليه في رزقه. # ثم أكد سبحانه للمرة الثانية اعتراف هؤلاء المشركين بقدرة الله تعالى ~~فقال : ( @QUR@07 ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء ) أى : ماء كثيرا ( ~~@QUR@06 فأحيا به الأرض من بعد موتها ) أى : فجعل الأرض بسبب نزول الماء ~~عليها تصبح خضراء بالنبات بعد أن كانت جدباء قاحلة. # لئن سألتهم من فعل ذلك ( @QUR@02 ليقولن الله ) هو الذي فعل ذلك. # ( @QUR@03 قل الحمد لله ) أى : قل أيها الرسول الكريم على سبيل الثناء ~~على الله تعالى : الحمد لله الذي أظهر حجته ، وجعلهم ينطقون بأنك على الحق ~~المبين ، ويعترفون بأن إشراكهم إنما هو من باب العناد والجحود. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 بل أكثرهم لا يعقلون ) إضراب عما هم عليه من ~~انحراف وتناقض ، إلى ms4464 بيان حقيقة حالهم ، وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما ~~يعتريه بسببهم من حزن. # أى : بل أكثرهم لا يعقلون شيئا مما يجب أن يكون عليه العقلاء من فهم سليم ~~للأمور ، ومن العمل بمقتضى ما تنطق به الألسنة. # وفي التعبير بأكثرهم ، إنصاف لقلة منهم عقلت الحق فاتبعته ، وآمنت به ~~وصدقته ، ثم بين سبحانه هوان هذه الحياة الدنيا ، بالنسبة للدار الآخرة ~~فقال : ( @QUR@015 وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب ، وإن الدار الآخرة ~~لهي الحيوان لو كانوا يعلمون ). # واللهو : اشتغال الإنسان بما لا يعنيه ولا يهمه. أو هو الاستمتاع بملذات ~~الدنيا. # واللعب : العبث. وهو فعل لا يقصد به مقصد صحيح. # أى : أن هذه الحياة الدنيا ، وما فيها من حطام ، تشبه في سرعة انقضائها ~~وزوال متعها ، الأشياء التي يلهو بها الأطفال ، يجتمعون عليها وقتا ، ثم ~~ينفضون عنها. # أما الدار الآخرة ، فهي دار الحياة الدائمة الباقية ، التي لا يعقبها موت ~~، ولا يعتريها فناء ولا انقضاء. # ولفظ «الحيوان» مصدر حي. سمى به ذو الحياة ، والمراد به هنا : نفس الحياة الحقة. # وقوله : ( @QUR@03 لو كانوا يعلمون ) أى : لو كانوا يعلمون حق العلم ، ~~لما آثروا متع الدنيا الفانية على خيرات الآخرة الباقية. # ثم بين سبحانه حالهم عند ما يحيط بهم البلاء فقال تعالى : ( @QUR@03 فإذا ~~ركبوا في PageV11P056 # @QUR@06 الفلك دعوا الله مخلصين له الدين ) @QUR@01 .. . أى : أن من صفات ~~هؤلاء الجاحدين ، أنهم إذا ركبوا السفن ، وجرت بهم بريح طيبة وفرحوا بها ، ~~ثم جاءتهم بعد ذلك ريح عاصف ، وظنوا أن الغرق قد اقترب منهم ، تضرعوا إلى ~~الله تعالى مخلصين له العبادة والدعاء. # ( @QUR@04 فلما نجاهم إلى البر ) بفضله وكرمه ، وأنقذهم من الغرق المحقق ~~( @QUR@03 إذا هم يشركون ) مع الله تعالى غيره في العبادة والطاعة. # وقد فعلوا ذلك : ( @QUR@03 ليكفروا بما آتيناهم ) من نعم ، وبما منحناهم ~~من فضل ورحمة. # ( @QUR@01 وليتمتعوا ) بمتع هذه الحياة وزينتها إلى حين ( @QUR@02 فسوف ~~يعلمون ) عما قريب عاقبة هذا الكفران لنعم الله ، وهذا التمتع بزينة الحياة ~~الدنيا دون أن يعملوا شيئا ينفعهم في أخراهم. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@04 ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا ): ~~الظاهر أن اللام ms4465 في الموضعين لام كي ، أى : يشركون ليكونوا كافرين بما ~~آتيناهم من نعمة النجاة بسبب شركهم ، وليتمتعوا باجتماعهم على عبادة ~~الأصنام. فالشرك سبب لهذا الكفران. وأدخلت لام كي على مسببه ، لجعله كالغرض ~~لهم منه ، فهي لام العاقبة في الحقيقة. # وقيل : اللام فيهما لام الأمر ، والأمر بالكفران والتمتع ، مجاز في ~~التخلية والخذلان والتهديد ، كما تقول عند الغضب على من يخالفك : «افعل ما ~~شئت» (1). # ثم ذكرهم سبحانه بنعمة الحرم الآمن ، الذي يعيشون في جواره مطمئنين ، ~~فقال : ( @QUR@010 أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ). # أى : أجهل هؤلاء قيمة النعمة التي هم فيها ، ولم يدركوا ويشاهدوا أنا ~~جعلنا بلدهم مكة حرما آمنا ، يأمنون فيه على أموالهم وأنفسهم وأعراضهم ، ~~والحال أن الناس من حولهم يقتل بعضهم بعضا ، ويعتدى بعضهم على بعض بسرعة ~~وشدة. والتخطف : الأخذ بسرعة. # قال صاحب الكشاف : كانت العرب حول مكة يغزو بعضهم بعضا ، ويتغاورون ، ~~ويتناهبون ، وأهل مكة قارون فيها آمنون لا يغار عليهم مع قلتهم وكثرة العرب ~~، فذكرهم الله بهذه النعمة الخاصة بهم» (2). # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@05 أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله ~~يكفرون ) للتعجب من حالهم ، وللتوبيخ لهم على هذا الجحود والكفر لنعم الله ~~تعالى . أى : أفبعد هذه النعمة PageV11P057 # الجليلة يؤمنون بالأصنام وبنعمة الله التي تستدعى استجابتهم للحق يكفرون. # فالآية الكريمة قد اشتملت على ما لا يقادر قدره ، من تعجب وتوبيخ وتقريع. # وقوله تعالى : ( @QUR@012 ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق ~~لما جاءه ). # أى : لا أحد أشد ظلما ممن افترى على الله كذبا ، بأن زعم بأن لله تعالى ~~شريكا ، أو كذب بالحق الذي جاءه به الرسول صلى الله عليه وسلم بأن أعرض عنه ، ~~وأبى أن يستمع إليه. # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@05 أليس في جهنم مثوى للكافرين ) ~~للتقرير ، والمثوى : المكان الذي يثوى فيه الشخص ، ويقيم به ، ويستقر فيه. # أى : أليس في جهنم مأوى ومكانا يستقر فيه هؤلاء الكافرون لنعم الله تعالى ~~؟ بل إن فيها مكانا لاستقرارهم ، وبئس المكان ، فإنها ساءت مستقرا ومقاما. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بقوله تعالى ms4466 : ( @QUR@09 والذين جاهدوا ~~فينا لنهدينهم سبلنا ، وإن الله لمع المحسنين ). # أى : هذا الذي ذكرناه سابقا من سوء مصير ، هو للمشركين الذين يؤمنون ~~بالباطل ويتركون الحق ، أما الذين بذلوا جهدهم في سبيل إعلاء ديننا ، ~~وقدموا أنفسهم وأموالهم في سبيل رضائنا وطاعتنا ، وأخلصوا لنا العبادة ~~والطاعة ، فإننا لن نتخلى عنهم ، بل سنهديهم إلى الطريق المستقيم ، ونجعل ~~العاقبة الطيبة لهم ، فقد اقتضت رحمتنا وحكمتنا أن نكون مع المحسنين في ~~أقوالهم وفي أفعالهم ، وتلك سنتنا التي لا تتخلف ولا تتبدل. # وبعد فهذا تفسير لسورة «العنكبوت» نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه ~~، ونافعا لعباده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ||كتبه الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى| PageV11P058 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الروم PageV11P059 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة الروم هي السورة الثلاثون في ترتيب المصحف أما ترتيبها في النزول ~~فهي السورة الثانية والثمانون ، وقد كان نزولها بعد سورة الانشقاق. # 2 وقد افتتحت بالحديث عن قصة معينة ، وهي قصة الحروب التي دارت بين الفرس ~~والروم ، والتي انتهت في أول الأمر بانتصار الفرس ، ثم كان النصر بعد ذلك للروم. # قال تعالى : ( @QUR@031 الم. غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم ~~سيغلبون. في بضع سنين ، لله الأمر من قبل ومن بعد ، ويومئذ يفرح المؤمنون ~~بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم ). # 3 ثم وبخت السورة الكريمة الكافرين ، لعدم تفكرهم في أحوال أنفسهم ، وفي ~~أحوال السابقين الذين كانوا أشد منهم قوة وأكثر جمعا ، وتوعدتهم بسوء ~~المصير بسبب انطماس بصائرهم ، وإعراضهم عن دعوة الحق ، ووعدت المؤمنين بحسن ~~الجزاء. # قال تعالى : ( @QUR@025 ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون. فأما الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون. وأما الذين كفروا وكذبوا ~~بآياتنا ولقاء الآخرة ، فأولئك في العذاب محضرون ). # 4 ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك اثنى عشر دليلا على وحدانية الله تعالى ~~وقدرته ، وقد بدئت هذه الأدلة بقوله تعالى : ( @QUR@058 ومن آياته أن خلقكم ~~من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ، ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم ms4467 أزواجا ~~لتسكنوا إليها ، وجعل بينكم مودة ورحمة ، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون. ~~ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ، إن في ذلك لآيات ~~للعالمين. ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك ~~لآيات لقوم يسمعون ). # 5 وبعد أن أقام سبحانه هذه الأدلة المتعددة على وحدانيته وقدرته ، أتبع ~~ذلك بأن أمر الناس باتباع الدين الحق ، وبالإنابة إليه تعالى فقال : ( ~~@QUR@04 فأقم وجهك للدين حنيفا PageV11P061 # @QUR@027 فطرت الله التي فطر الناس عليها ، لا تبديل لخلق الله ، ذلك ~~الدين القيم ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. منيبين إليه واتقوه وأقيموا ~~الصلاة ولا تكونوا من المشركين ). # 6 ثم بين سبحانه أحوال الناس في السراء والضراء ، ودعاهم إلى التعاطف ~~والتراحم ، ونفرهم من تعاطى الربا ، فقال تعالى : ( @QUR@038 فآت ذا القربى ~~حقه والمسكين وابن السبيل ، ذلك خير للذين يريدون وجه الله ، وأولئك هم ~~المفلحون. وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله ، ~~وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون ). # 7 ثم ساق سبحانه بعد ذلك ألوانا من نعمه على عباده ، وبين الآثار السيئة ~~التي تترتب على جحود هذه النعم ، ودعا الناس للمرة الثانية إلى اتباع الدين ~~القيم ، الذي لا يقبل الله تعالى دينا سواه ، فقال تعالى : ( @QUR@025 فأقم ~~وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون. من ~~كفر فعليه كفره ، ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون ). # 8 ثم عادت السورة الكريمة إلى الحديث عن نعمة الله في الرياح وفي إرسال ~~الرسل ، وأمر كل عاقل أن يتأمل في آثار هذه النعم ، ليزداد إيمانا على ~~إيمانه ، فقال تعالى ( @QUR@019 فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض ~~بعد موتها ، إن ذلك لمحي الموتى ، وهو على كل شيء قدير ). # 9 ثم ختم سبحانه السورة الكريمة ببيان أهوال الساعة ، وحكى أقوال أهل ~~العلم والإيمان ، في ردهم على المجرمين عند ما يقسمون أنهم ما لبثوا في هذه ~~الدنيا سوى ساعة واحدة ، وأمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أن ms4468 يصبر على أذى ~~أعدائه ، فقال تعالى : ( @QUR@010 فاصبر إن وعد الله حق ، ولا يستخفنك ~~الذين لا يوقنون ). # 10 وهكذا نجد أن سورة «الروم» قد أفاضت في الحديث عن الأدلة المتعددة ، ~~التي تشهد بوحدانية الله تعالى وقدرته ، كما تشهد بأن هذا القرآن من عند ~~الله ، وبأن يوم القيامة حق وصدق ، كما ساقت آيات متعددة في المقارنة بين ~~مصير الأخيار ، ومصير الأشرار ، ودعت الناس إلى الثبات على الدين الحق ، ~~وهو دين الإسلام ، كما حضت على التعاطف والتراحم بين المسلمين ، ونهت عن ~~تعاطى الربا ، لأنه لا يربو عند الله تعالى ، وإنما الذي يعطى من صدقات هو ~~الذي يربو عند الله عز وجل كما ذكرت أنواعا من النعم التي أنعم الله تعالى ~~بها على عباده ، وأمرتهم بشكره سبحانه عليها ، لكي يزيدهم من فضله. PageV11P062 # هذه أهم المقاصد التي اشتملت عليها السورة الكريمة ، وهناك مقاصد أخرى ~~يراها من يتدبر هذه السورة الكريمة ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله ~~وصحبه وسلم. ||د. محمد سيد طنطاوى| PageV11P063 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@01 الم (1) @QUR@02 غلبت الروم (2) @QUR@08 في أدنى الأرض وهم من ~~بعد غلبهم سيغلبون (3) @QUR@012 في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ~~ويومئذ يفرح المؤمنون (4) @QUR@08 بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز ~~الرحيم (5) @QUR@011 وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~(6) @QUR@010 يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ) (7) # سورة الروم من السور التي افتتحت ببعض حروف التهجي ، وقد ذكرنا في أكثر ~~من سورة آراء العلماء في هذه الحروف ، ورجحنا أن هذه الحروف قد ذكرها ~~سبحانه في افتتاح بعض السور القرآنية ، للتنبيه إلى أن هذا القرآن من عند ~~الله ، لأن الله تعالى قد أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم بمثل الحروف ~~التي ينطق بها المشركون ، ومع ذلك فهم أعجز من أن يأتوا بسورة من مثله. # وقد ذكر المفسرون في سبب نزول قوله تعالى : ( @QUR@05 غلبت الروم. في ~~أدنى الأرض ) @QUR@01 .. روايات منها ، ما رواه ابن جرير بإسناده عن عبد ~~الله بن مسعود ms4469 رضى الله عنه قال : كانت فارس ظاهرة على الروم. وكان ~~المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم ، وكان المسلمون يحبون أن تظهر ~~الروم على فارس ، لأنهم أهل كتاب ، وهم أقرب إلى دينهم ، فلما نزلت : ( ~~@QUR@06 الم. غلبت الروم في أدنى الأرض ) @QUR@01 .. قالوا : يا أبا بكر. PageV11P065 # إن صاحبك يقول : إن الروم تظهر على فارس في بضع سنين : قال : صدق. قالوا ~~: هل لك أن نقامرك؟ أى : نراهنك وكان ذلك قبل تحريم الرهان فبايعوه على ~~أربع قلائص جمع قلوص ، وهي من الإبل : الشابة إلى سبع سنين. فمضت السبع ولم ~~يكن شيء. ففرح المشركون بذلك ، فشق على المسلمين ، فذكر للنبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال : ما بضع سنين عندكم؟ قالوا : دون العشر. # قال : اذهب فزايدهم ، وازدد سنتين في الأجل. قال : فما مضت السنتان حتى ~~جاءت الركبان بظهور الروم على فارس ، ففرح المؤمنون بذلك. (1). # وقال بعض العلماء : اتفق المؤرخون من المسلمين وأهل الكتاب على أن ملك ~~فارس كان قد غزا بلاد الشام مرتين : في سنة 613 ، وفي سنة 614 ، أى : قبل ~~الهجرة بسبع سنين ، فحدث أن بلغ الخبر مكة. ففرح المشركون ، وشمتوا في ~~المسلمين .. فنزلت هذه الآيات. # فلم يمض من البضع وهو ما بين الثلاث إلى التسع سبع سنين ، إلا وقد انتصر ~~الروم على الفرس ، وكان ذلك سنة 621 م. أى : قبل الهجرة بسنة (2). # وأدنى بمعنى أقرب. والمراد بالأرض : أرض الروم. # أى : غلبت الروم في أقرب أرضها من بلاد الفرس. # قال ابن كثير : وكانت الواقعة الكائنة بين فارس والروم ، حين غلبت الروم ~~، بين أذرعات وبصرى ، على ما ذكره ابن عباس وعكرمة وغيرهما ، وهي طرف بلاد ~~الشام مما يلي الحجاز. # وقال مجاهد : كان ذلك في الجزيرة ، وهي أقرب بلاد الروم من فارس (3). # وقال الآلوسى : والمراد بالأرض : أرض الروم ، على أن «أل» نائبة مناب ~~الضمير المضاف إليه ، والأقربية بالنظر إلى أهل مكة ، لأن الكلام معهم. أو ~~المراد بها أرض مكة ونواحيها ، لأنها الأرض المعهودة عندهم ، والأقربية ~~بالنظر إلى الروم (4). # وقوله تعالى : ( @QUR@08 وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع ms4470 سنين ) بشارة ~~من الله تعالى للمؤمنين ، بأن الله تعالى سيحقق لهم ما يرجونه من انتصار ~~الروم على الفرس. PageV11P066 # أى وهم أى الروم من بعد هزيمتهم من الفرس ، سينتصرون عليهم ، خلال بضع سنين. # والتعبير بقوله تعالى : ( @QUR@04 سيغلبون. في بضع سنين )، لتأكيد هذا ~~الوعد ، وبيان أن نصر الروم على فارس سيتم خلال سنوات قليلة من عمر الأمم ، ~~وقد تحقق هذا الوعد على أكمل صورة وأتمها ، فقد انتصر الروم على الفرس نصرا ~~عظيما ، وثبت أن هذا القرآن من عند الله تعالى حيث أخبر عن أمور ستقع في ~~المستقبل ، وقد وقعت كما أخبر. # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 لله الأمر من قبل ومن بعد ) جملة معترضة لبيان ~~قدرة الله تعالى التامة النافذة ، في كل وقت وآن. أى : لله تعالى وحده ~~الأمر النافذ من قبل انتصار الفرس على الروم ، ومن بعد انتصار الروم على ~~الفرس : وكلا الفريقين كان نصره أو هزيمته بإرادة الله ومشيئته ، وليس لأحد ~~من الخلق أن يخرج عما قدره سبحانه وأراده. # ( @QUR@01 ويومئذ ) أى : ويوم أن يتغلب الروم على الفرس ( @QUR@04 يفرح ~~المؤمنون بنصر الله ) حيث نصر أهل الكتاب وهم الروم ، على من لا كتاب لهم ~~وهم الفرس ، الذين كانوا يعبدون النار فأبطل سبحانه بهذا النصر شماتة ~~المشركين في المسلمين ، وازداد المؤمنون ثباتا على ثباتهم. # قال ابن كثير : وقد كانت نصرة الروم على فارس ، يوم وقعة بدر ، في قول ~~طائفة كبيرة من العلماء ... فلما انتصرت الروم على فارس ، فرح المؤمنون ~~بذلك ، لأن الروم أهل كتاب في الجملة ، فهم أقرب إلى المؤمنين من المجوس (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم ) مؤكد لما ~~قبله. أى : ينصر سبحانه من يريد نصره ، ويهزم من يريد هزيمته ، وهو ، ~~العزيز الذي لا يغلبه غالب ، الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء. # ثم زاد سبحانه هذا الأمر تأكيدا وتقوية فقال : ( @QUR@06 وعد الله لا ~~يخلف الله وعده ). # ولفظ «وعد» منصوب بفعل محذوف. # أى : وعد الله المؤمنين بالنصر وبالفرح وعدا مؤكدا ، وقد اقتضت سنته ~~سبحانه أنه لا يخلف وعده. # ( @QUR@05 ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ذلك ms4471 ، لانطماس بصائرهم ، ~~ولاستيلاء الجهل على عقولهم ، ولاستحواذ الشيطان عليهم. PageV11P067 # والضمير في قوله تعالى : ( @QUR@05 يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ) يعود ~~للأكثر من الناس. أى : هؤلاء الأكثرون من الناس ، من أسباب جهلهم بسنن الله ~~تعالى في خلقه ، أنهم لا يهتمون إلا بملاذ الحياة الدنيا ومتعها وشهواتها ، ~~ووسائل المعيشة فيها. # ( @QUR@03 وهم عن الآخرة ) وما فيها من حساب وثواب وعقاب ( @QUR@02 هم ~~غافلون ) لأنهم آثروا الدار العاجلة ، على الدار الباقية ، فهم كما قال ~~تعالى : ( @QUR@07 ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون ). # قال صاحب الكشاف ما ملخصه : وقوله : ( @QUR@02 يعلمون ظاهرا ) بدل من ~~قوله : ( @QUR@05 ولكن أكثر الناس لا يعلمون ). # وفي هذا الإبدال من النكتة أنه أبدله منه ، وجعله بحيث يقوم مقامه ، ويسد ~~مسده. ليعلمك أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل ، وبين وجود العلم ~~الذي لا يتجاوز الدنيا .. وفي تنكير قوله : ( @QUR@01 ظاهرا ) إشارة إلى ~~أنهم لا يعلمون إلا ظاهرا واحدا من جملة ظواهر الحياة الدنيا (1). # فالآية الكريمة تنعى على هؤلاء الكافرين وأشباههم ، انهماكهم في شئون ~~الدنيا انهماكا تاما ، جعلهم غافلين عما ينتظرهم في أخراهم من حساب وعقاب. ~~ورحم الله القائل : # ومن البلية أن ترى لك صاحبا %~% في صورة الرجل السميع المبصر فطن بكل مصيبة في ماله %~% وإذا يصاب بدينه لم يشعر # ثم حضهم سبحانه على التفكر في خلق أنفسهم ، وعلى التفكير في ملكوت ~~السموات والأرض ، لعل هذا التفكر والتدبر يهديهم إلى الصراط المستقيم ، ~~فقال تعالى : # ( @QUR@022 أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما ~~بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون (8) ~~@QUR@015 أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا ~~أشد منهم قوة PageV11P068 # @QUR@017 وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات ~~فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (9) @QUR@013 ثم كان عاقبة ~~الذين أساؤا السواى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤن ) (10) # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@015 أولم يتفكروا في أنفسهم ، ما خلق ~~الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى ) @QUR@01 .. لتوبيخ ~~أولئك الكافرين الذين ms4472 يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ، وهم عن الآخرة هم ~~غافلون ، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام. و ( @QUR@01 ما ) في قوله ( ~~@QUR@02 ما خلق ) للنفي ، والباء في قوله ( @QUR@02 إلا بالحق ) للملابسة. ~~وقوله : ( @QUR@02 وأجل مسمى ) معطوف على الحق. # والمعنى : أبلغ الجهل بهؤلاء الكافرين ، أنهم اكتفوا بالانهماك في متع ~~الحياة الدنيا ، ولم يتفكروا في أحوال أنفسهم وفي أطوار خلقها ، لأنهم لو ~~تفكروا لعلموا وأيقنوا ، أن الله تعالى : ما خلق السموات والأرض وما بينهما ~~، إلا ملتبسة بالحق الذي لا يشوبه باطل ، وبالحكمة التي لا يحوم حولها عبث ~~، وقد قدر سبحانه لهذه المخلوقات جميعها أجلا معينا تنتهي عنده ، وهو وقت ~~قيام الساعة ، يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات. # فالآية الكريمة تنعى على هؤلاء الأشقياء ، غفلتهم عن الدار الآخرة وما ~~فيها من حساب ، وتحضهم على التفكر في تكوين أنفسهم ، وفي ملكوت السموات ~~والأرض ، لأن هذا التفكر من شأنه أن يهدى إلى الحق ، كما تلفت أنظارهم إلى ~~أن لهذا الكون كله نهاية ينتهى عندها ، وقت أن يأذن الله تعالى بذلك ، ~~وبقيام الساعة. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة ببيان موقف الأكثرية من الناس من قضية البعث ~~والجزاء فقال : ( @QUR@07 وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون ). # أى : وإن كثيرا من الناس لفي انشغال تام بدنياهم عن آخرتهم ، ولا يؤمنون ~~بما في الآخرة من حساب وثواب وعقاب ، بل يقولون : ما الحياة إلا حياتنا ~~الدنيا وما نحن بمبعوثين ، وعلى رأس هذا الصنف من الناس مشركو مكة الذين ~~أرسل النبي صلى الله عليه وسلم فيهم ، لإخراجهم من الظلمات إلى النور. PageV11P069 # وقال سبحانه : ( @QUR@04 وإن كثيرا من الناس ) @QUR@01 .. للإشعار بان ~~هناك عددا قليلا من الناس بالنسبة لهؤلاء الكثيرين قد آمنوا بلقاء ربهم ، ~~واستعدوا لهذا اللقاء عن طريق العمل الصالح الذي يرضى خالقهم عز وجل . # ثم قرعهم سبحانه للمرة الثانية على عدم اتعاظهم بأحوال السابقين من الأمم ~~قبلهم ، فقال تعالى : ( @QUR@011 أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان ~~عاقبة الذين من قبلهم ) @QUR@01 .. . # أى : أقعد مشركو مكة في ديارهم ، ولم يسيروا في الأرض سير المتأملين ~~المتفكرين المعتبرين فينظروا ms4473 كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ، من الأمم ~~الماضية ، كقوم عاد وثمود ، وقوم لوط. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 كانوا أشد منهم قوة ) بيان لحال هؤلاء الأقوام ~~السابقين ( @QUR@02 وأثاروا الأرض ) أى : كان أولئك السابقون أقوى من أهل ~~مكة في كل مجال من مجالات القوة ، وكانوا أقدر منهم على حراثة الأرض ، ~~وتهيئتها للزراعة ، واستخراج خيراتها من باطنها. # ( @QUR@04 وعمروها أكثر مما عمروها ) أى : حرثوا الأرض وشقوا عن باطنها ، ~~وعمروها عمارة أكثر من عمارة أهل مكة لها ، لأن أولئك الأقوام السابقين ~~كانوا أقوى من كفار مكة ، وكانوا أكثر دراية بعمارة الأرض. # وهؤلاء الأقوام السابقون : ( @QUR@03 جاءتهم رسلهم بالبينات ) أى : ~~بالمعجزات الواضحات ، وبالحجج الساطعات ، ولكن هؤلاء الأقوام كذبوا رسلهم ، ~~فأهلكهم الله تعالى ( @QUR@04 فما كان الله ليظلمهم ) أى : فما كان الله ~~تعالى من شأنه أن يعذبهم بدون ذنب. # ( @QUR@04 ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) حيث ارتكبوا من الكفر والمعاصي ما ~~كان سببا في هلاكهم. # ثم بين سبحانه المصير السيئ ، الذي حل بهؤلاء الكافرين فقال : ( @QUR@06 ~~ثم كان عاقبة الذين أساؤا السواى ). # ولفظ «عاقبة» قرأه ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي بفتح التاء على أنه خبر ~~«كان» قدم على اسمها ، وهو لفظ «السوأى» الذي هو تأنيث الأسوأ ، كالحسنى ~~تأنيث الأحسن. وجرد الفعل «كان» من التاء مع أن السوأى مؤنث ، لأن التأنيث ~~غير حقيقى. # فيكون المعنى : ثم كانت العقوبة السيئة وهي العذاب في جهنم ، عاقبة الذين ~~عملوا في دنياهم الأعمال السيئات. PageV11P070 # وقرأ الباقون برفع لفظ «عاقبة» على أنه اسم كان ، وخبرها لفظ «السوأى» أى ~~: ثم كانت عاقبة هؤلاء الكافرين الذين أساءوا في دنياهم ، أسوأ العقوبات ~~وأقبحها ، أو كانت عاقبتهم العاقبة السوأى وهي الإلقاء بهم في النار وبئس ~~القرار. # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤن ) ~~تعليل لما آل إليه أمرهم من عاقبة سيئة ، أى : لأن كذبوا ، أو بأن كذبوا ~~بحذف حرف الجر. # أى ؛ كانت عاقبتهم في الآخرة أسوأ العقوبات وأقبحها وهي العذاب في جهنم ، ~~لأنهم في الدنيا كذبوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وعلى صدق نبينا ~~صلى الله عليه وسلم وكانوا بها يستهزئون. # ثم ms4474 ساق سبحانه ما يدل على قدرته ، وبين أحوال الناس وأقسامهم يوم القيامة ~~، فقال تعالى : # ( @QUR@08 الله يبدؤا الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون (11) @QUR@05 ويوم ~~تقوم الساعة يبلس المجرمون (12) @QUR@09 ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء ~~وكانوا بشركائهم كافرين (13) @QUR@05 ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون (14) ~~@QUR@09 فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون (15) ~~@QUR@011 وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب ~~محضرون ) (16) # أى : ( @QUR@01 الله ) تعالى وحده هو ( @QUR@02 يبدؤا الخلق ) أى : ينشئه ~~ويوجده على غير مثال سابق ، ( @QUR@02 ثم يعيده ) أى : إلى الحياة مرة أخرى ~~يوم القيامة ( @QUR@03 ثم إليه ترجعون ) للحساب والجزاء ، فيجازى سبحانه كل ~~إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب. # وأفرد سبحانه : الضمير في ( @QUR@01 يعيده ) باعتبار لفظ الخلق. وجمعه في ~~قوله : ( @QUR@01 ترجعون ) باعتبار معناه. PageV11P071 # ثم ذكر سبحانه حال المجرمين يوم القيامة فقال : ( @QUR@05 ويوم تقوم ~~الساعة يبلس المجرمون ) و ( @QUR@01 يبلس ) من الإبلاس بمعنى السكوت ~~والذهول وانقطاع الحجة ، يقال : أبلس الرجل ، إذا وقف ساكتا حائرا مبهوتا ~~لا يجد كلاما ينقذه مما هو فيه من بلاء. # أى : ويوم تقوم الساعة ، ويشاهد المجرمون أهوالها ، يصابون بالذهول ~~والحيرة والسكوت المطبق ، لانقطاع حجتهم ، وشدة حزنهم وهمهم ، ويأسهم من ~~النجاة يأسا تاما. # ( @QUR@03 ولم يكن لهم ) في هذا اليوم ( @QUR@02 من شركائهم ) الذين ~~عبدوهم في الدنيا ( @QUR@01 شفعاء ) يشفعون لهم ، ويجيرونهم من عذاب الله. # ( @QUR@03 وكانوا بشركائهم كافرين ) أى : أنهم في هذا اليوم العسير لم ~~يكن لهم من شفعاء يشفعون لهم. بل إنهم صاروا في هذا اليوم الشديد ، كافرين ~~بشركائهم الذين توهموا منهم الشفاعة ، لأنهم يوم القيامة تتجلى لهم الحقائق ~~، ويعرفون أن هؤلاء الشركاء لا يرجى منهم نفع ، ولا يخشى منهم ضر. # ثم كرر سبحانه هذا المعنى على سبيل التأكيد والتهويل من شأنه فقال : ( ~~@QUR@05 ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون ). # والضمير في قوله : ( @QUR@01 يتفرقون ) للناس جميعا. والمراد بتفرقهم أن ~~كل طائفة منهم تتجه إلى الجهة التي أمرهم سبحانه بالتوجه إليها ، لينال كل جزاءه. # ثم بين سبحانه كيفية هذا التفرق فقال : ( @QUR@09 فأما الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون ). # والروضة : تطلق على كل ms4475 مكان مرتفع زاخر بالنبات الحسن. والمراد بها هنا : الجنة. # ويحبرون : من الحبور بمعنى الفرح والسرور والابتهاج. # أى : ويوم تقوم الساعة ، في هذا اليوم يتفرق الناس إلى فريقين ، فأما ~~فريق الذين آمنوا وعملوا في دنياهم الأعمال الصالحات ، فسيكونون في الآخرة ~~في جنة عظيمة ، يسرون بدخولها سرورا عظيما ، وينعمون فيها نعيما لا يحيط به الوصف. # ( @QUR@03 وأما الذين كفروا ) بالله وبرسله وباليوم الآخر ( @QUR@02 ~~وكذبوا بآياتنا ) الدالة على وحدانيتنا وصدق أنبيائنا ( @QUR@01 فأولئك ) ~~الكافرون ( @QUR@03 في العذاب محضرون ) أى : مقيمون فيه ، ومجموعون إليه ، ~~بحيث لا يستطيعون الهروب منه والعياذ بالله. # وبعد هذا البيان المؤثر لأهوال يوم القيامة ، ولأحوال الناس فيه .. ساق سبحانه PageV11P072 # أنواعا متعددة من الأدلة والبراهين على وحدانيته عز وجل وقدرته ، ورحمته ~~بخلقه ، فقال تعالى : # ( @QUR@06 فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون (17) @QUR@08 وله الحمد في ~~السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون (18) @QUR@014 يخرج الحي من الميت ويخرج ~~الميت من الحي ويحي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون (19) @QUR@011 ومن آياته ~~أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون (20) @QUR@020 ومن آياته أن خلق ~~لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات ~~لقوم يتفكرون (21) @QUR@013 ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم ~~وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين (22) @QUR@014 ومن آياته منامكم بالليل ~~والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون (23) @QUR@021 ومن ~~آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد ~~موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (24) @QUR@016 ومن آياته أن تقوم السماء ~~والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون (25) @QUR@04 وله ~~من في السماوات PageV11P073 # @QUR@04 والأرض كل له قانتون (26) @QUR@018 وهو الذي يبدؤا الخلق ثم ~~يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز ~~الحكيم ) (27) # قالوا الإمام الرازي : لما بين سبحانه عظمته في الابتداء بقوله ( ~~@QUR@011 ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى )، ~~وعظمته في الانتهاء ، بقوله : ( @QUR@03 ويوم تقوم الساعة ) وأن الناس ~~يتفرقون فريقين ، ويحكم عز وجل على البعض بأن هؤلاء للجنة ولا ms4476 أبالى ، ~~وهؤلاء للنار ولا أبالى ، بعد كل ذلك أمر بتنزيهه عن كل سوء ، وبحمده على ~~كل حال ، فقال : ( @QUR@04 فسبحان الله حين تمسون ) (1). # والفاء في قوله : ( @QUR@01 فسبحان ) @QUR@01 .. لترتيب ما بعدها على ما ~~قبلها ، ولفظ «سبحان» اسم مصدر ، منصوب بفعل محذوف. والتسبيح : تنزيه الله ~~تعالى : عن كل ما لا يليق بجلاله. والمعنى : إذا علمتم ما أخبرتكم به قبل ~~ذلك ، فسبحوا الله تعالى ونزهوه عن كل نقص ( @QUR@02 حين تمسون ) أى : حين ~~تدخلون في وقت المساء ، ( @QUR@02 وحين تصبحون ) أى : تدخلون في وقت ~~الصباح. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 وله الحمد في السماوات والأرض ) جملة معترضة ~~لبيان أن جميع الكائنات تحمده على نعمه ، وأن فوائد هذا الثناء تعود عليهم ~~لا عليه سبحانه . # وقوله ( @QUR@01 وعشيا ) معطوف على ( @QUR@02 حين تمسون ) أى : سبحوا ~~الله تعالى : حين تمسون ، وحين تصبحون ، وحين يستركم الليل بظلامه. وحين ~~تكونون في وقت الظهيرة ، فإنه سبحانه هو المستحق للحمد والثناء من أهل ~~السموات ومن أهل الأرض ، ومن جميع المخلوقات. # قال ابن كثير : وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «ألا أخبركم لم ~~سمى الله إبراهيم خليله الذي وفي؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وأمسى ، سبحان ~~الله حين تمسون وحين تصبحون. # وفي حديث آخر : «من قال حين يصبح : فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون .. ~~أدرك ما فاته في يومه ، ومن قالها حين يمسي ، أدرك ما فاته في ليلته (2)». PageV11P074 # ثم بين سبحانه مظهرا من مظاهر قدرته فقال : ( @QUR@04 يخرج الحي من الميت ~~) كإخراجه الإنسان من النطفة ، والنبات من الحب ، والمؤمن من الكافر ( ~~@QUR@04 ويخرج الميت من الحي ) كما في عكس هذه الأمور ، كإخراجه النطفة من ~~الإنسان ، والحب من النبات ، والكافر من المؤمن. # ( @QUR@02 ويحي الأرض ) بالنبات ( @QUR@02 بعد موتها ): أى : بعد قحطها ~~وجدبها ، كما قال سبحانه : ( @QUR@014 وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها ~~الماء اهتزت وربت ، وأنبتت من كل زوج بهيج )، وقوله تعالى : ( @QUR@02 ~~وكذلك تخرجون ) تذييل قصد به تقريب إمكانية البعث من العقول والأفهام. أى : ~~ومثل هذا الإخراج البديع للنبات من الأرض ، وللحي من الميت ، نخرجكم أيها ~~الناس من قبوركم يوم القيامة ms4477 ، للحساب والجزاء. # ثم أورد سبحانه بعد ذلك أنواعا من الأدلة على قدرته التي لا يعجزها شيء ، ~~فقال تعالى ( @QUR@011 ومن آياته أن خلقكم من تراب ، ثم إذا أنتم بشر ~~تنتشرون ). # والآيات : جمع آية ، وتطلق على الآية القرآنية ، وعلى الشيء العجيب ، كما ~~في قوله تعالى : ( @QUR@05 وجعلنا ابن مريم وأمه آية ).. والمراد بها هنا ~~: الأدلة الواضحة ، والبراهين الساطعة ، الدالة على وحدانية الله تعالى ~~وقدرته. # والمعنى : ومن آياته سبحانه الدالة على عظمته ، وعلى كمال قدرته ، أنه ~~خلقكم من تراب ، أى : خلق أباكم آدم من تراب ، وأنتم فروع عنه. # و «إذا» في قوله : ( @QUR@05 ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ) هي الفجائية. # أى : خلقكم بتلك الصورة البديعة من مادة التراب التي لا يرى فيها رائحة ~~للحياة ، ثم صرتم بعد خلقنا إياكم في أطوار متعددة ، بشرا تنشرون في الأرض ~~، وتمشون في مناكبها ، وتتقلبون فيها تارة عن طريق الزراعة ، وتارة عن طريق ~~التجارة ، وتارة عن طريق الأسفار .. كل ذلك طلبا للرزق ، ولجمع الأموال. # وعبر سبحانه بثم المفيدة للتراخي ، لأن انتشارهم في الأرض لا يتأتى إلا ~~بعد مرورهم بأطوار متعددة ، منها أطوار خلقهم في بطون أمهاتهم ، وأطوار ~~طفولتهم وصباهم ، إلى أن يبلغوا سن الرشد. # قال الشوكانى : وإذا الفجائية وإن كانت أكثر ما تقع بعد الفاء ، لكنها ~~وقعت هنا بعد ثم ، بالنسبة إلى ما يليق بهذه الحالة الخاصة ، وهي أطوار ~~الإنسان ، كما حكاها الله تعالى في PageV11P075 # مواضع ، من كونه نطفة ، ثم علقة ، ثم مضغة ، ثم عظما مكسوا لحما. (1). # ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان آية ثانية ، دالة على كمال قدرته ~~ورأفته بعباده ، فقال : ( @QUR@08 ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ) ~~أى : ومن آياته الدالة على رحمته بكم ، أنه سبحانه خلق لكم ( @QUR@02 من ~~أنفسكم ) أى : من جنسكم في البشرية والإنسانية أزواجا. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@03 من أنفسكم أزواجا ) فإن خلق أصل أزواجكم ~~حواء من ضلع آدم عليه السلام متضمن لخلقهن من أنفسكم «فمن» للتبعيض والأنفس ~~بمعناها الحقيقي ، ويجوز أن تكون «من» ابتدائية ، والأنفس مجاز عن الجنس ، ~~أى : خلق لكم من جنسكم لا ms4478 من جنس آخر ، قيل : وهو الأوفق لما بعد (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 لتسكنوا إليها ) بيان لعلة خلقهم على هذه ~~الطريقة. أى : خلق لكم من جنسكم أزواجا ، لتسكنوا إليها ، ويميل بعضكم إلى ~~بعض ، فإن الجنس إلى الجنس أميل ، والنوع إلى النوع أكثر ائتلافا وانسجاما ~~( @QUR@01 وجعل ) سبحانه ( @QUR@01 بينكم ) يا معشر الأزواج والزوجات ( ~~@QUR@02 مودة ورحمة ) أى : محبة ورأفة ، لم تكن بينكم قبل ذلك ، وإنما حدثت ~~عن طريق الزواج الذي شرعه سبحانه بين الرجال والنساء ، والذي وصفه تعالى ~~بهذا الوصف الدقيق ، في قوله عز وجل : ( @QUR@06 هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ). # ( @QUR@03 إن في ذلك ) الذي ذكرناه لكم قبل ذلك ( @QUR@01 لآيات ) عظيمة ~~تهدى إلى الرشد وإلى الاعتبار ( @QUR@02 لقوم يتفكرون ) في مظاهر قدرة الله ~~تعالى ورحمته بخلقه. # ثم ذكر سبحانه آية ثالثة فقال : ( @QUR@05 ومن آياته خلق السماوات والأرض ~~) أى : ومن آياته الدالة على قدرته التامة على كل شيء ، خلقه للسموات ~~والأرض بتلك الصورة البديعة ( @QUR@02 واختلاف ألسنتكم ) أى : واختلاف ~~لغاتكم فهذا يتكلم بالعربية ، وآخر بالفارسية وثالث بالرومية .. إلى غير ~~ذلك مما لا يعلم عدده من اللغات ، بل إن الأمة الواحدة تجد فيها عشرات ~~اللغات التي يتكلم بها أفرادها ، ومئات اللهجات ( @QUR@01 وألوانكم ) أى : ~~ومن آياته كذلك ، اختلاف ألوانكم ، فهذا أبيض ، وهذا أسود ، وهذا أصفر ، ~~وهذا أشقر .. مع أن الجميع من أب واحد وأم واحدة وهما آدم وحواء. بل إنك لا ~~تجد شخصين يتطابقان تطابقا تاما في خلقتهما وشكلهما. PageV11P076 # قال صاحب الكشاف : الألسنة : اللغات. او أجناس النطق واشكاله. خالف عز وجل ~~بين هذه الأشياء حتى لا تكاد تسمع منطقين متفقين في همس واحد ، ولا جهارة ، ~~ولا حدة ، ولا رخاوة ، ولا فصاحة .. ولا غير ذلك من صفات النطق وأحواله ، ~~وكذلك الصور وتخطيطها ، والألوان وتنويعها ، ولاختلاف ذلك وقع التعارف ، ~~ولو اتفقت وتشاكلت ، وكانت ضربا واحدا ، لوقع التجاهل والالتباس ، ولتعطلت ~~مصالح كثيرة ... وهم على الكثرة التي لا يعلمها إلا الله مختلفون متفاوتون (1). # ( @QUR@03 إن في ذلك ) الذي وضحناه لكم ( @QUR@01 لآيات ) بينات ( ~~@QUR@01 للعالمين ) بفتح اللام وهي قراءة الجمهور ، أى : إن في ذلك لآيات ~~لجميع أصناف العالم ms4479 من بار وفاجر ، ومؤمن وكافر. # وقرأ حفص بكسر اللام أى : إن في ذلك لآيات لأولى العلم والفهم من الناس. # ثم ذكر سبحانه آية رابعة فقال : ( @QUR@03 ومن آياته منامكم ) أى : نومكم ~~( @QUR@02 بالليل والنهار ) لراحة أبدانكم وأذهانكم ، ( @QUR@03 وابتغاؤكم ~~من فضله ) أى : وطلبكم أرزاقكم فيهما من فضل الله وعطائه الواسع. # قال الجمل : قيل في الآية تقديم وتأخير ، ليكون كل واحد مع ما يلائمه ، ~~والتقدير : ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار ، فحذف حرف ~~الجر لاتصاله بالليل ، وعطف عليه ، لأن حرف العطف قد يقوم مقام الجار ، ~~والأحسن أن يجعل على حاله ، والنوم بالنهار مما كانت العرب تعده نعمة من ~~الله ولا سيما في أوقات القيلولة في البلاد الحارة» (2). # ( @QUR@03 إن في ذلك ) كله ( @QUR@03 لآيات لقوم يسمعون ) هذه التوجيهات ~~سماع تدبر وتفكر واعتبار فيعملون بما يسمعون. # ثم ساق سبحانه آية خامسة فقال : ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا. # أى : ومن آياته سبحانه الدالة على قدرته ، أنه يريكم البرق ، فتارة ~~تخافون مما يحدث بعده من صواعق متلفة ، وأمطار مزعجة ، وتارة ترجون من ~~ورائه المطر النافع ، والغيث المدرار. # وانتصاب «خوفا وطمعا» على أنهما مفعول لأجله ، أى : يريكم ذلك من أجل ~~الخوف والطمع ، إذ بهما يعيش المؤمن حياته بين الخوف والرجاء ، فلا يبطر ~~ولا ييأس من رحمة الله. ( @QUR@04 وينزل من السماء ماء ) كثيرا ( @QUR@02 ~~فيحيي به ) أى : بسبب هذا الماء ( @QUR@02 الأرض بعد PageV11P077 # @QUR@01 موتها ) أى : بأن يحولها من أرض جدباء هامدة إلى أرض خضراء زاخرة ~~بالنبات ( @QUR@06 إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) هذه الإرشادات ، ~~ويستعملون عقولهم في الخير لا في الشر ، وفي الحق لا في الباطل ، وفي ~~استنباط المعاني الدالة على كمال قدرة الله تعالى ورحمته. # ثم ذكر سبحانه آية سادسة فقال : ( @QUR@07 ومن آياته أن تقوم السماء ~~والأرض بأمره ) والمراد بقيامهما : ثباتهما وبقاؤهما بتلك الصورة العجيبة ~~البديعة. # أى : ومن آياته سبحانه الدالة على كمال قدرته ، خلقه للسموات وللأرض ، ~~وإبقاؤه لهما على هذه الصورة البديعة ، وقيامهما وثباتهما واستمساكهما على ~~تلك الهيئة العجيبة ، وذلك كله بإرادته وأمره ومشيئته. # قال ابن كثير : وشبيه ms4480 بذلك قوله تعالى : ( @QUR@08 ويمسك السماء أن تقع ~~على الأرض إلا بإذنه ). وقوله : ( @QUR@07 إن الله يمسك السماوات والأرض ~~أن تزولا ). وكان عمر بن الخطاب. رضى الله عنه إذا اجتهد في اليمين قال : ~~لا ، والله الذي تقوم السماء والأرض بأمره ، أى : هي قائمة ثابتة بأمره ~~وتسخيره إياها (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@09 ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ) ~~بيان لامتثالهم لأمره بدون تقاعس ، عند ما يدعوهم الداعي للخروج من قبورهم ~~للبعث والحساب. و «ثم» بعدها كلام محذوف ، و «إذا» الأولى شرطية ، والثانية ~~فجائية ، والداعي هو إسرافيل بأمر الله تعالى : وقوله : ( @QUR@02 من الأرض ~~) متعلق بقوله ( @QUR@01 دعاكم ). # أى : ثم بعد موتكم ووضعكم في قبوركم ، إذا دعاكم الداعي دعوة واحدة من ~~الأرض التي أنتم مستقرون فيها ، إذا أنتم تخرجون من قبوركم مسرعين بدون ~~تلبث أو توقف ، كما يجيب المدعو المطيع دعوة الداعي المطاع. # قال صاحب الكشاف : وإنما عطف هذه الجملة على قيام السموات والأرض بثم ، ~~بيانا لعظم ما يكون من ذلك الأمر ، واقتداره سبحانه على مثله وهو أن يقول : ~~يا أهل القبور قوموا ، فلا تبقى نسمة من الأولين والآخرين إلا قامت تنظر ، ~~كما قال تعالى : ( @QUR@08 ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ) (2). # وكما في قوله سبحانه : ( @QUR@07 فإنما هي زجرة واحدة. فإذا هم بالساهرة ~~) (3) وكما في قوله عز وجل : ( @QUR@09 يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده. وتظنون ~~إن لبثتم إلا قليلا ) (4). PageV11P078 # ثم ختم سبحانه هذه الآيات ، بآية جامعة لكل معاني القدرة والإيجاد ~~والهيمنة على هذا الكون فقال : ( @QUR@05 وله من في السماوات والأرض ) أى ~~من الملائكة والجن والإنس ، خلقا ، وملكا ، وتصرفا ، كل ذلك له وحده سبحانه ~~لا لأحد غيره. # وقوله : ( @QUR@03 كل له قانتون ) مؤكد لما قبله ومقرر له ، أى : كل ~~الخلائق له لا لغيره طائعون خاضعون ، خاشعون ، طوعا وكرها ، إذ لا يمتنع ~~عليه سبحانه شيء يريد فعله بهم ، من حياة أو موت ، ومن صحة أو مرض ، ومن ~~غنى أو فقر. # هذا ، والمتأمل في هذه الآيات الكريمة ، يرى أكثر من عشرة أدلة ، على ~~وحدانية الله تعالى وعلى انفراده بالخلق ، وعلى ms4481 إمكانية البعث ، ومن هذه ~~الأدلة خلق الإنسان من تراب ، وصيرورته بعد تقلبه في أطوار التكوين بشرا ~~سويا ، وإيجاده سبحانه للذكور والإناث ، حتى يبقى النوع الإنسانى إلى الوقت ~~المقدر في علمه تعالى : وإيجاده للناس على هذه الصورة التي اختلفت معها ~~ألسنتهم وألوانهم ، مع أن أصلهم واحد ، وجعله تعالى الليل مناما لراحة ~~الناس ، والنهار معاشا لابتغاء الرزق ، وإنزاله المطر من السماء لإحياء ~~الأرض بالنبات ، وبقاء السموات والأرض على هذه الصورة العجيبة بأمره ~~وتدبيره .. إلى غير ذلك من الأدلة المبثوثة في الأنفس والآفاق. # ثم أكد سبحانه ما يدل على إمكانية البعث ، فقال تعالى : ( @QUR@06 وهو ~~الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده ) @QUR@01 .. . # أى : وهو سبحانه الذي يبدأ الخلق بدون مثال سابق ، ثم يعيد هذه المخلوقات ~~بعد موتها إلى الحياة مرة أخرى للحساب والجزاء. # والضمير في قوله : ( @QUR@03 وهو أهون عليه ) للإعادة المفهومة من قوله ( ~~@QUR@02 ثم يعيده ) والتذكير للضمير باعتبار المعنى ، أى : والعود أو الرد ~~، أو الإرجاع أهون عليه. # أى : وهو سبحانه وحده الذي يخلق المخلوقات من العدم ، ثم يعيدها إلى ~~الحياة مرة أخرى في الوقت الذي يريده ، وهذه الإعادة للأموات أهون عليه ، ~~أى : أسهل عليه من البدء. # وهذه الأسهلية على طريقة التمثيل والتقريب ، بما هو معروف عند الناس من ~~أن إعادة الشيء من مادته الأولى أسهل من ابتدائه. # ورحم الله صاحب الكشاف ، فقد وضح هذا المعنى فقال : قوله : ( @QUR@03 وهو ~~أهون عليه ) أى : فيما يجب عندكم ، وينقاس على أصولكم ، ويقتضيه معقولكم ~~لأن من أعاد منكم صنعة PageV11P079 # شيء كانت أسهل عليه وأهون من إنشائها ، وتعتذرون للصانع إذا خطئ في بعض ~~ما ينشئه بقولكم : أول الغزل أخرق ، وتسمون الماهر في صناعته معاودا ، ~~تعنون أنه عاودها كرة بعد أخرى ، حتى مرن عليها وهانت عليه. # فإن قلت لم أخرت الصلة في قوله : ( @QUR@03 وهو أهون عليه ) وقدمت في ~~قوله ( @QUR@03 هو علي هين )؟ قلت. هناك قصد الاختصاص وهو محزه ، فقيل : ~~هو عليه هين ، وان كان مستصعبا عندكم أن يولد بين همل أى : شيخ فان وعاقر. ~~وأما هنا فلا معنى للاختصاص ، كيف والأمر مبنى على ms4482 ما يعقلون ، من أن ~~الإعادة أسهل من الابتداء ، فلو قدمت الصلة لتغير المعنى ..» (1). # ومنهم من يرى أن أهون هنا بمعنى هين ، أى : إرجاعكم إلى الحياة بعد موتكم ~~هين عليه. # والعرب تجعل أفعل بمعنى فاعل في كثير من كلامهم ، ومنه قول الشاعر : # إن الذي سمك السماء بنى لنا %~% بيتا دعائمه أعز وأطول # أى : بنى لنا بيتا دعائمه عزيزة طويلة ومنه قولهم : الله أكبر أى : كبير. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 وله المثل الأعلى في السماوات والأرض ) @QUR@01 ~~.. أى : وله سبحانه الوصف الأعلى الذي ليس لغيره مثله ، لا في السموات ولا ~~في الأرض ، إذ لا يشاركه أحد في ذاته أو صفاته فهو سبحانه ليس كمثله شيء. # ( @QUR@02 وهو العزيز ) الذي يغلب ولا يغلب ( @QUR@01 الحكيم ) في كل ~~أقواله وأفعاله وتصرفاته. # وبعد هذا التطواف المتنوع في آفاق الأنفس ، وفي أعماق هذا الكون ، ضرب ~~سبحانه مثلا لا مجال للجدل فيه ، لوضوحه واعتماده على المنطق السليم ، وأمر ~~رسوله صلى الله عليه وسلم أن يمضى في طريقه المستقيم ، كما أمر المؤمنين بأن ~~يلتجئوا إليه سبحانه وحده ، وأن يصونوا أنفسهم عن كل ما يغضبه ، فقال تعالى : # ( @QUR@021 ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء ~~في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم PageV11P080 # @QUR@06 أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون (28) @QUR@016 بل اتبع ~~الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين (29) ~~@QUR@022 فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل ~~لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (30) @QUR@09 منيبين ~~إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين (31) @QUR@011 من الذين ~~فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ) (32) # و ( @QUR@01 من ) في قوله سبحانه : ( @QUR@05 ضرب لكم مثلا من أنفسكم ) ~~ابتدائية ، والجار والمجرور في محل نصب ، صفة لقوله : ( @QUR@01 مثلا ). # أى : ضرب لكم أيها الناس مثلا ، يظهر منه بطلان الشرك ظهورا واضحا ، وهذا ~~المثل كائن من أحوال أنفسكم ، التي هي أقرب شيء لديكم. # قال القرطبي : والآية نزلت في كفار قريش ، كانوا يقولون في ms4483 التلبية : ~~«لبيك لا شريك لك ، إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك ..» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@011 هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما ~~رزقناكم ) تصوير وتفصيل للمثل ، والاستفهام للإنكار والنفي. و ( @QUR@01 من ~~) الأولى للتبعيض ، والثانية لتأكيد النفي ، وقوله ( @QUR@01 شركاء ) مبتدأ ~~، وخبره ( @QUR@01 لكم ) وقوله : ( @QUR@04 من ما ملكت أيمانكم ) متعلق ~~بمحذوف حال من شركاء. # وقوله : ( @QUR@03 فأنتم فيه سواء ) جواب للاستفهام الذي هو بمعنى النفي. ~~والجملة مبتدأ PageV11P081 # وخبر. وقوله : ( @QUR@01 تخافونهم ) خبر ثان لأنتم ، وقوله : ( @QUR@02 ~~كخيفتكم أنفسكم ) صفة لمصدر محذوف ، أى : تخافونهم خيفة كائنة مثل خيفتكم ~~من هو من نوعكم. # والمعنى : ضرب الله تعالى لكم أيها الناس مثلا منتزعا من أنفسكم التي هي ~~أقرب شيء إليكم ، وبيان هذا المثل : أنكم لا ترضون أن يشارككم في أموالكم ~~التي رزقناكم إياها ، عبيدكم وإماؤكم ، مع أنهم مثلكم في البشرية ، ونحن ~~الذين خلقناهم كما خلقناكم ، بل إنكم لتخافون على أموالكم منهم ، أن ~~يشاركوكم فيها ، كما تخافون عليها من الأحرار المشابهين لكم في الحرية وفي ~~جواز التصرف في تلك الأموال. فإذا كان هذا شأنكم مع عبيدكم الذين هم مثلكم ~~في البشرية ، والذين لم تخلقوهم بل نحن الذين خلقناكم وخلقناهم فكيف أجزتم ~~لأنفسكم أن تشركوا مع الله تعالى آلهة أخرى في العبادة ، مع أنه سبحانه هو ~~الخالق لكم ولهم ، والرازق لكم ولهم؟!!. # إن تصرفكم هذا ظاهر التناقض والبطلان ، لأنكم لم ترضوا أن يشارككم غيركم ~~في أموالكم ، ورضيتم أن تشركوا مع الله تعالى : غيره في العبادة ، مع أنه ~~سبحانه هو الخالق والرازق لكل شيء. # فالمقصود من الآية الكريمة ، إبطال الشرك بأبلغ أسلوب ، وأوضح بيان ، ~~وأصدق حجة ، وأقوى دليل. # ولذا ختمها سبحانه بقوله : ( @QUR@05 كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون ) أى ~~: مثل ذلك التفصيل الجلى الواضح ، نفصل الآيات الدالة على وحدانيتنا ، لقوم ~~يعقلون هذه الأمثال ، وينتفعون بها في إخلاص العبادة لله الواحد القهار. # قال الإمام القرطبي : قال بعض العلماء : هذه الآية أصل في الشركة بين ~~المخلوقين ، لافتقار بعضهم إلى بعض ، ونفيها عن الله سبحانه وذلك أنه قال ~~سبحانه : ( @QUR@05 ضرب لكم مثلا من أنفسكم ms4484 ) فيجب أن يقولوا : ليس عبيدنا ~~شركاءنا فيما رزقتنا ، فيقال لهم : فكيف يتصور أن تنزهوا أنفسكم عن مشاركة ~~عبيدكم ، وتجعلوا عبيدي شركائى في خلقي ، فهذا حكم فاسد ، وقلة نظر وعمى قلب!! # فإذا أبطلت الشركة بين العبيد وساداتهم فيما يملكه السادة ، والخلق كلهم ~~عبيد الله تعالى فيبطل أن يكون شيء من العالم شريكا لله تعالى في شيء من ~~أفعاله. # ثم قال رحمه الله : وهذه المسألة أفضل للطالب ، من حفظ ديوان كامل في ~~الفقه ، PageV11P082 # لأن جميع العبادات البدنية ، لا تصح إلا بتصحيح هذه المسألة في القلب ~~فافهم ذلك (1). # ثم بين سبحانه بعد ذلك أن هؤلاء المشركين لم ينتفعوا بهذه الأمثال ~~لاستيلاء الجهل والعناد عليهم فقال : ( @QUR@07 بل اتبع الذين ظلموا ~~أهواءهم بغير علم ) @QUR@01 .. . # أى : لم ينتفع هؤلاء الظالمون بهذا المثل الجلى في إبطال الشرك ، بل لجوا ~~في كفرهم ، واتبعوا أهواءهم الزائفة ، وأفكارهم الفاسدة ، وجهالاتهم ~~المطبقة دون أن يصرفهم عن ذلك علم نافع ( @QUR@05 فمن يهدي من أضل الله ) ~~أى : إذا كان هذا هو حالهم ، فمن الذي يستطيع أن يهدى إلى الحق ، من أضله ~~الله تعالى : عنه بسبب زيفه واستحبابه العمى على الهدى. # إنه لا أحد يستطيع ذلك ( @QUR@04 وما لهم من ناصرين ) ينصرونهم من عقابه ~~سبحانه لهم. # ثم أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يثبت على الحق الذي هداه عز وجل ~~إليه فقال : ( @QUR@04 فأقم وجهك للدين حنيفا ) @QUR@01 .. والفاء هي ~~الفصيحة ، وقوله : ( @QUR@01 فأقم ) من الإقامة على الشيء والثبات عليه ، ~~وعدم التحول عنه. # قوله : ( @QUR@01 حنيفا ) من الحنف ، وهو الميل من الباطل إلى الحق ، ~~وضده الجنف ، و ( @QUR@01 حنيفا ) حال من فاعل ( @QUR@01 فأقم ). # أى : إذا كان الأمر كما ذكرت لك أيها الرسول الكريم من بطلان الشرك فاثبت ~~على ما أنت عليه من إخلاص العبادة لله تعالى وحده ، وأقبل على هذا الدين ~~الذي أوحاه الله إليك ، بدون التفات عنه ، أو ميل إلى سواه. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@04 فأقم وجهك للدين حنيفا ) أى : فقوم ~~وجهك له وعدله ، غير ملتفت عنه يمينا أو شمالا ، وهو تمثيل لإقباله على ~~الدين واستقامته عليه ms4485 وثباته ، واهتمامه بأسبابه ، فإن من اهتم بالشيء عقد ~~عليه طرفه ، وسدد إليه نظره ، وقوم له وجهه ، مقبلا به عليه. # والمراد بالفطرة في قوله تعالى : ( @QUR@05 فطرت الله التي فطر الناس ) ~~الملة. أى : ملة الإسلام والتوحيد. # أو المراد بها : قابلية الدين الحق ، والتهيؤ النفسي لإدراكه. والأصل ~~فيها أنها بمعنى الخلقة. PageV11P083 # أى : اثبت أيها الرسول الكريم على هذا الدين الحق ، والزموا أيها الناس ~~فطرة الله ، وهي ملة الحق ، التي فطر الناس عليها ، وخلقهم قابلين لها. # قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : يقول تعالى : فسدد وجهك واستمر على ~~الدين الذي شرعه الله لك ، من الحنيفية ملة إبراهيم ، وأنت مع ذلك لازم ~~فطرتك السليمة ، التي فطر الله الخلق عليها ، فإنه تعالى : فطر خلقه على ~~معرفته وتوحيده. # وفي الحديث : «إنى خلقت عبادي حنفاء ، فاجتالتهم أى حولتهم الشياطين عن ~~دينهم». # وروى البخاري عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «ما من ~~مولود يولد إلا على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ، كما ~~تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول : فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها ..» (1). # وقال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم وحد الخطاب أولا ، ثم جمع؟ قلت : خوطب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أولا ، وخطاب الرسول خطاب لأمته ، مع ما فيه من ~~التعظيم للإمام ، ثم جمع بعد ذلك للبيان والتلخيص (2). # وقوله : ( @QUR@04 لا تبديل لخلق الله ) تعليل لما قبله من الأمر بلزوم ~~الفطرة التي فطر سبحانه الناس عليها. # أى : الزموا فطرة الله التي هي دين الإسلام ، وقبول تعاليمه والعمل بها ، ~~لأن هذا الدين قد ارتضاه الله تعالى لكم ، ولا تبديل ولا تغيير لما فطركم ~~عليه وارتضاه لكم. # و ( @QUR@01 ذلك ) الدين الذي اختاره سبحانه لكم ، هو ( @QUR@02 الدين ~~القيم ) أى : القويم المستقيم ، الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف. # فاسم الإشارة يعود إلى الدين الذي أمرنا سبحانه بالثبات عليه ، في قوله : ~~( @QUR@04 فأقم وجهك للدين حنيفا ). # وقوله تعالى : ( @QUR@05 ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) استدراك لبيان موقف ~~الناس من هذا الدين القيم. ms4486 # أى : ذلك الدين الذي ارتضيته لكم هو الدين القيم ، ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون هذه PageV11P084 # الحقيقة ، بسبب استحواذ الشيطان عليهم ، واتباعهم للأهواء الزائفة ، ~~والتقاليد الفاسدة. # ثم حرضهم سبحانه على الاستمرار في اتباع توجيهات هذا الدين القيم فقال : ~~( @QUR@05 منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ). # قال القرطبي : وفي أصل الإنابة قولان : أحدهما : أنه القطع. ومنه أخذ اسم ~~الناب لأنه قاطع ، فكأن الإنابة هي الانقطاع إلى الله عز وجل بالطاعة. ~~والثاني : أن أصله الرجوع ، مأخوذ من ناب ينوب إذا رجع مرة بعد أخرى ، ومنه ~~النوبة لأنها الرجوع إلى عادة ، ولفظ ( @QUR@01 منيبين ) منصوب على الحال (1). # والمعنى : أقيموا وجوهكم أيها الناس لخالقكم وحده ، حالة كونكم راجعين ~~إليه بالتوبة والطاعة ، ومقبلين إليه بالاستغفار والعبادة ، ومتقين له في ~~كل أحوالكم ، ومداومين على إقامة الصلاة في أوقاتها بخشوع واطمئنان. # ( @QUR@04 ولا تكونوا من المشركين ) المبدلين لفطرة الله تعالى المتبعين ~~لأهوائهم وشهواتهم. # وقوله ( @QUR@06 من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ) بدل مما قبله. # أى : ولا تكونوا من المشركين ، الذين اختلفوا في شأن دينهم اختلافات شتى ~~على حسب أهوائهم ، وصاروا شيعا وفرقا وأحزابا متنازعة. # ( @QUR@05 كل حزب بما لديهم فرحون ) أى : كل حزب منهم صار مسرورا بما ~~لديه من دين باطل ، وملة فاسدة ، وعقيدة زائفة ، وهذا الفرح بالباطل سببه ~~جهلهم ، وانطماس بصائرهم عن الانقياد للحق. # ثم بين سبحانه أحوال الناس في السراء والضراء وعند ما يوسع الله تعالى في ~~أرزاقهم ، وعند ما يضيق عليهم هذه الأرزاق ، فقال تعالى : # ( @QUR@018 وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه ~~رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون (33) @QUR@06 ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا ~~فسوف تعلمون (34) @QUR@03 أم أنزلنا عليهم PageV11P085 # @QUR@07 سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون (35) @QUR@015 وإذا أذقنا ~~الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون (36) ~~@QUR@015 أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات ~~لقوم يؤمنون ) (37) # أى : ( @QUR@04 وإذا مس الناس ضر ) من قحط أو مصيبة في المال أو الولد ، ~~( @QUR@04 دعوا ربهم منيبين إليه ) أى : إذا نزل بهم الضر ms4487 ، أسرعوا بالدعاء ~~إلى الله تعالى متضرعين إليه أن يكشف عنهم ما نزل بهم من بلاء. # هذا حالهم عند الشدائد والكروب ، أما حالهم عند العافية والغنى وتفريج ~~الهموم ، فقد عبر عنه سبحانه بقوله : ( @QUR@010 ثم إذا أذاقهم منه رحمة ~~إذا فريق منهم بربهم يشركون ). # و ( @QUR@01 إذا ) الأولى شرطية ، والثانية فجائية. # أى : هم بمجرد نزول الضر بهم يلجئون إلى الله تعالى لإزالته ، ثم إذا ما ~~كشفه عنهم ، وأحاطهم برحمته ، أسرع فريق منهم بعبادة غيره سبحانه . # وقوله تعالى : ( @QUR@03 إذا فريق منهم ): إنصاف وتشريف لفريق آخر من ~~الناس ، من صفاتهم أنهم يذكرون الله تعالى في كل الأحوال ، ويصبرون عند ~~البلاء ، ويشكرون عند الرخاء. # والتنكير في قوله سبحانه «ضر ، ورحمة» للإشارة إلى أن هذا النوع من الناس ~~، يجزعون عند أقل ضر ، ويبطرون ويطغون لأدنى رحمة ونعمة. # واللام في قوله تعالى : ( @QUR@03 ليكفروا بما آتيناهم ) هي العاقبة. أى ~~: فعلوا ما فعلوا من الجزع عند الضر ، ومن البطر عند النعم ، ليكون مآل ~~حالهم إلى الكفر والجحود لنعم الله ، وإلى سوء العاقبة والمصير. # ثم التفت إليهم سبحانه بالخطاب مهددا ومتوعدا فقال : ( @QUR@03 فتمتعوا ~~فسوف تعلمون ) أى : فتمتعوا أيها الجاحدون لنعم الله بهذا المتاع الزائل من ~~متع الحياة الدنيا ، فسوف تعلمون ما يترتب على ذلك من عذاب مهين. # وقوله تعالى : ( @QUR@010 أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به ~~يشركون ) التفات PageV11P086 # من الخطاب إلى الغيبة ، على سبيل التحقير لهم ، والتهوين من شانهم. ~~والاستفهام للنفي والتوبيخ. # والسلطان : الحجة والبرهان. # أى : هؤلاء الذين أشركوا معنا غيرنا في العبادة ، هل نحن أنزلنا عليهم ~~حجة ذات قوة وسلطان تشهد لهم بأن شركهم لا يخالف الحق ، وتنطق بأن كفرهم لا ~~غبار عليه؟ # كلا ، إننا ما أنزلنا عليهم شيئا من ذلك ، وإنما هم الذين وقعوا في الشرك ~~، بغير علم ، ولا هدى ولا كتاب منير. # فالآية الكريمة تتهكم بهم لسفههم وجهلهم ، وتنفى أن يكون شركهم مبنيا على ~~دليل أو ما يشبه الدليل ، أو أن يكون هناك من أمرهم به سوى تقاليدهم ~~الباطلة ، وأهوائهم الفاسدة وأفكارهم الزائفة. # ثم عادت الصورة ms4488 الكريمة إلى الحديث عن أحوال بعض النفوس البشرية في حالتي ~~العسر واليسر ، فقال تعالى : ( @QUR@04 وإذا أذقنا الناس رحمة ) من صحة أو ~~غنى أو أمان ( @QUR@02 فرحوا بها ) أى : فرحوا بها فرح البطر الأشر ، الذي ~~لا يقابل نعم الله تعالى بالشكر ، ولا يستعملها فيما خلقت له. # فالمراد بالفرح هنا : الجحود والكفران للنعم ، وليس مجرد السرور بالحصول ~~على النعم. # ( @QUR@03 وإن تصبهم سيئة ) شدة أو مصيبة ( @QUR@03 بما قدمت أيديهم ) أى ~~: بسبب شؤم معاصيهم ، وإهمالهم لشكر الله تعالى على نعمه ( @QUR@03 إذا هم ~~يقنطون ) أى : أسرعوا باليأس من رحمة الله ، وقنطوا من فرجه ، واسودت ~~الدنيا في وجوههم ، شأن الذين لا يعرفون سنن الله تعالى في خلقه ، والذين ~~يعبدون الله على حرف ، فهم عند السراء جاحدون مغرورون .. وعند الضراء ~~قانطون يائسون. # وعبر سبحانه في جانب الرحمة بإذا ، وفي جانب المصيبة بإن ، للإشعار بأن ~~رحمته تعالى بعباده متحققة في كل الأحوال. وأن ما ينزل بالناس من مصائب ، ~~هو بسبب ما اجترحوه من ذنوب. # ونسب سبحانه الرحمة إلى ذاته فقال : ( @QUR@04 وإذا أذقنا الناس رحمة ) ~~دون السيئة فقد قال : ( @QUR@03 وإن تصبهم سيئة ) لتعليم العباد الأدب مع ~~خالقهم عز وجل ، وإن كان الكل بيده سبحانه وبمشيئته ، وشبيه بهذا قوله تعالى ~~: ( @QUR@013 وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض ، أم أراد بهم ربهم رشدا ). PageV11P087 # والتعبير بإذا الفجائية في قوله ( @QUR@03 إذا هم يقنطون )، للإشارة إلى ~~سرعة يأسهم من رحمة الله تعالى حتى ولو كانت المصيبة هينة بسيرة ، وذلك ~~لضعف يقينهم وإيمانهم. إذ القنوط من رحمة الله ، يتنافى مع الإيمان الحق. # ثم عقب سبحانه على أحوالهم هذه ، بالتعجيب من شأنهم ، وبالتقريع لهم على ~~جهلهم ، فقال : ( @QUR@09 أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ). # أى : أجهل هؤلاء الناس الذين لم يخالط الإيمان قلوبهم ، ولم يشاهدوا ~~بأعينهم أن الله تعالى بمقتضى حكمته ، يوسع الرزق لمن يشاء من عباده. ~~ويضيقه على من يشاء منهم ، لا راد لقضائه ، ولا معقب لحكمه ، ولا يسأل عما يفعل. # إن واقع الناس يشهد ويعلن : أن الله تعالى يبسط الرزق لمن يشاء ms4489 ويقدر ، ~~فما لهؤلاء القوم ينكرون هذا الواقع بأفعالهم القبيحة ، حيث إنهم يبطرون ~~عند السراء ، ويقنطون عند الضراء؟ فالمقصود بالآية الكريمة توبيخهم على عدم ~~فهمهم لسنن الله في خلقه. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@06 إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ) أى ~~: إن في ذلك الذي ذكرناه لكم من أحوال الناس ، ومن قدرتنا على كل شيء ( ~~@QUR@01 لآيات ) واضحات ، وعبر بينات ، لقوم يؤمنون بما أرشدناهم إليه ، ~~ويعملون بما يقتضيه إيمانهم. # ثم بين سبحانه بعد ذلك ما يجب على المسلم بالنسبة للمال الذي وهبه الله ~~إياه ، فقال تعالى : # ( @QUR@016 فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون ~~وجه الله وأولئك هم المفلحون (38) @QUR@022 وما آتيتم من ربا ليربوا في ~~أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك ~~هم المضعفون (39) @QUR@011 الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من PageV11P088 # @QUR@011 شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون ) (40) # والخطاب في قوله تعالى : ( @QUR@04 فآت ذا القربى حقه ) @QUR@01 .. للنبي ~~صلى الله عليه وسلم ولكل من يصلح له من أمته. والفاء : لترتيب ما بعدها على ما قبلها. # والمعنى : إذا كان الأمر كما ذكرت لكم ، من أن بسط الأرزاق وقبضها بيدي ~~وحدي ، فأعط أيها الرسول الكريم ذا القربى حقه من المودة والصلة والإحسان ، ~~وليقتد بك في ذلك أصحابك وأتباعك. # وأعط أيضا ( @QUR@01 المسكين ) الذي لا يملك شيئا ذا قيمة ، حقه من ~~الصدقة والبر ، وكذلك ( @QUR@02 ابن السبيل ) وهو المسافر المنقطع عن ماله ~~في سفره ، ولو كان غنيا في بلده. # وقدم سبحانه الأقارب ، لأن دفع حاجتهم واجب من الواجبات التي جعلها ~~سبحانه للقريب على قريبه. # قال القرطبي : واختلف في هذه الآية ، فقيل : إنها منسوخة بآية المواريث. ~~وقيل : لا نسخ ، بل للقريب حق لازم في البر على كل حال ، وهو الصحيح ، قال ~~مجاهد وقتادة : صلة الرحم فرض من الله عز وجل ، حتى قال مجاهد : لا تقبل ~~صدقة من أحد ورحمه محتاجة (1). # وقال الجمل في حاشيته : وعدم ذكر بقية الأصناف المستحقين للزكاة ، يدل ms4490 ~~على أن ذلك في صدقة التطوع ، وقد احتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية على ~~وجوب نفقة المحارم ، والشافعى رحمه الله قاس سائر الأقارب ما عدا الفروع ~~والأصول على ابن العم ، لأنه لا ولادة بينهم. # ثم قال : وهؤلاء الثلاثة يجب الإحسان إليهم وإن لم يكن للإنسان مال زائد ~~، لأن المقصود هنا : الشفقة العامة ، والفقير داخل في المسكين ..» (2). # ثم بين سبحانه الآثار الطيبة المترتبة على هذا البر والعطاء فقال : ( ~~@QUR@09 ذلك خير للذين يريدون وجه الله ، وأولئك هم المفلحون ). PageV11P089 # أى : ذلك الإيتاء لهؤلاء الثلاثة ، خير وأبقى عند الله تعالى للذين ~~يريدون بصدقتهم وإحسانهم وجه الله ، وأولئك المتصفون بتلك الصفات الحميدة ، ~~هم الكاملون في الفلاح ، والظفر بالخير في الدنيا والآخرة. # وبعد أن حضهم على صلة الأقارب والمساكين وابن السبيل ، نفرهم من تعاطى ~~الربا فقال : ( @QUR@012 وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا ~~عند الله ). # والربا : الزيادة مطلقا. يقال : ربا الشيء يربو إذا زاد ونما ، ومنه قوله ~~تعالى : ( @QUR@09 وترى الأرض هامدة ، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ~~). أى : زادت. # قال الآلوسى ما ملخصه : والظاهر أن المراد بالربا هنا ، الزيادة المعروفة ~~في المعاملة التي حرمها الشارع. ويشهد لذلك ما روى عن السدى ، من أن الآية ~~نزلت في ربا ثقيف ، كانوا يرابون ، وكذلك كانت قريش تتعاطى الربا. # وعن ابن عباس وغيره : أن المراد به هنا العطية التي يتوقع بها مزيد ~~مكافأة ، وعليه فتسميتها ربا مجاز ، لأنها سبب للزيادة (1). # ويبدو لنا أن المراد بالربا هنا ، الربا الذي حرمه الله تعالى بعد ذلك ~~تحريما قاطعا ، وأن المقصود من الآية التنفير منه على سبيل التدرج ، حتى ~~إذا جاء التحريم النهائى له ، تقبلته نفوس الناس بدون مفاجأة لهذا التحريم. # قال صاحب الكشاف : هذه الآية في معنى قوله تعالى ( @QUR@05 يمحق الله ~~الربا ويربي الصدقات ) @QUR@01 . سواء بسواء. يريد : وما أعطيتم أكلة الربا ~~( @QUR@04 من ربا ليربوا في ) أموالهم ، أى : ليزيد ويزكو في أموالهم ، فلا ~~يزكو عند الله ولا يبارك فيه (2). # ثم حض سبحانه على التصدق في سبيله فقال : ( @QUR@04 وما آتيتم من ms4491 زكاة ) ~~أى من صدقة تتقربون بها إلى الله ، و ( @QUR@01 تريدون ) بأدائها ( @QUR@02 ~~وجه الله ) أى : رضاه وثوابه. # ( @QUR@01 فأولئك ) الذين يفعلون ذلك ( @QUR@02 هم المضعفون ) أى : ذوو ~~الأضعاف المضاعفة من الثواب والعطاء الكريم ، فالمضعفون جمع مضعف بكسر ~~العين على أنه اسم فاعل من أضعف ، إذا صار ذا ضعف بكسر فسكون كأقوى وأيسر ، ~~إذا صار ذا قوة ويسار. # وقال سبحانه : ( @QUR@03 فأولئك هم المضعفون ) ولم يقل : فأنتم المضعفون ~~، لأنه رجع PageV11P090 # من المخاطبة إلى الغيبة ، كأنه قال لملائكته : فأولئك الذين يريدون وجهى ~~بصدقاتهم ، هم المضعفون ، فهو أمدح لهم من أن يقول : فأنتم المضعفون. # ثم بين سبحانه بعد ذلك مظاهر فضله على الناس فقال : ( @QUR@03 الله الذي ~~خلقكم ) على غير مثال سابق ( @QUR@02 ثم رزقكم ) من فضله بأنواع من الرزق ~~الذي لا غنى لكم عنه في معاشكم ( @QUR@02 ثم يميتكم ) بعد انقضاء أعماركم ~~في هذه الحياة ( @QUR@02 ثم يحييكم ) يوم القيامة للحساب والجزاء. # والاستفهام في قوله سبحانه : ( @QUR@09 هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من ~~شيء ) للإنكار والنفي. أى : ليس من شركائكم الذين عبدتموهم من يستطيع أن ~~يفعل شيئا من ذلك ، فكيف اتخذتموهم آلهة وأشركتموهم معى في العبادة؟ إن ~~الله تعالى وحده هو الخالق وهو الرازق وهو المحيي وهو المميت. # ( @QUR@04 سبحانه وتعالى عما يشركون ) تنزه وتقدس عن شرك هؤلاء المشركين ~~وعن جهل أولئك الجاهلين. # وبعد هذا التوجيه الحكيم ، يسوق سبحانه الآثار السيئة التي تترتب على ~~الكفر والمعاصي ، ويأمر بالاعتبار بالسابقين ، ويبين عاقبة الأشرار وعاقبة ~~الأخيار فيقول : # ( @QUR@015 ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض ~~الذي عملوا لعلهم يرجعون (41) @QUR@014 قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان ~~عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين (42) @QUR@016 فأقم وجهك للدين القيم ~~من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون (43) @QUR@09 من كفر ~~فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون (44) @QUR@011 ليجزي الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين ) (45) PageV11P091 # قال ابن كثير ما ملخصه : قال ابن عباس وغيره : المراد بالبر هاهنا ، ~~الفيافي. وبالبحر : الأمصار والقرى ، ما كان منها على ms4492 جانب نهر. # وقال آخرون : بل المراد بالبر هو البر المعروف. وبالبحر : البحر المعروف. # والقول الأول أظهر ، وعليه الأكثر ، ويؤيده ما ذكره ابن إسحاق في السيرة ~~: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح ملك أيلة ، وكتب له ببحره يعنى ببلده (1). # والمعنى : ظهر الفساد في البر والبحر ، ومن مظاهر ذلك انتشار الشرك ~~والظلم ، والقتل وسفك الدماء ، والأحقاد والعدوان ، ونقص البركة في الزروع ~~والثمار والمطاعم والمشارب ، وغير ذلك مما هو مفسدة وليس بمنفعة .. # قال ابن كثير رحمه الله : وقال أبو العالية : من عصى الله في الأرض فقد ~~أفسد فيها ، لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة ، ولهذا جاء في الحديث الذي ~~رواه أبو داود : «الحد يقام في الأرض ، أحب إلى أهلها من أن يمطروا أربعين ~~صباحا». # والسبب في هذا أن الحدود إذا أقيمت ، انكف الناس ، أو أكثرهم ، أو كثير ~~منهم ، عن تعاطى المحرمات. وإذا ارتكبت المعاصي كان سببا في محق البركات .. ~~وكلما أقيم العدل كثرت البركات والخيرات. وقد ثبت في الحديث الصحيح : «إن ~~الفاجر إذا مات تستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب» (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@04 بما كسبت أيدي الناس ) @QUR@01 .. بيان لسبب ~~ظهور الفساد. أى : عم الفساد وطم في البر والبحر ، بسبب اقتراف الناس ~~للمعاصي. وانهماكهم في الشهوات ، وتفلتهم من كل ما أمرهم الله تعالى به ، ~~أو نهاهم عنه. كما قال تعالى : ( @QUR@010 وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم ويعفوا عن كثير ). # فظهور الفساد وانتشاره ، لا يتم عبثا أو اعتباطا ، وإنما يتم بسبب إعراض ~~الناس عن طاعة الله تعالى ، وارتكابهم للمعاصي ... # ثم بين سبحانه ما ترتب على الوقوع في المعاصي من بلاء واختبار ، فقال : ( ~~@QUR@06 ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ). # واللام في «ليذيقهم» للتعليل وهي متعلقة بظهر. أى : ظهر الفساد ... ليذيق ~~سبحانه الناس نتائج بعض أعمالهم السيئة ، كي يرجعوا عن غيهم وفسقهم ، ~~ويعودوا إلى الطاعة والتوبة. PageV11P092 # ويجوز ان تكون متعلقة بمحذوف ، اى : عاقبهم بانتشار الفساد بينهم ، ~~ليجعلهم يحسون بسوء عاقبة الولوغ في المعاصي ، ولعلهم يرجعون عنها ، إلى ~~الطاعة والعمل الصالح. # ثم يلفت سبحانه أنظار الناس إلى ms4493 سوء عاقبة من ارتكس في الشرك والظلم ، ~~فيقول : ( @QUR@014 قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل ~~، كان أكثرهم مشركين ). أى : قل أيها الرسول الكريم للناس : سيروا في ~~الأرض سير المتأملين المعتبرين ، لتروا بأعينكم ، كيف كانت عاقبة الظالمين ~~من قبلكم ... # لقد كانت عاقبتهم الدمار والهلاك ، بسبب إصرار أكثرهم على الشرك والكفر ، ~~وانغماس فريق منهم في المعاصي والفواحش. # فالمراد بالسير ، ما يترتب عليه من عظات وعبر ، حتى لا تكون عاقبة ~~اللاحقين ، كعاقبة السابقين ، في الهلاك والنكال. # ثم أكد سبحانه ما سبق أن أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم من ثبات على الحق ~~فقال : ( @QUR@04 فأقم وجهك للدين القيم ) @QUR@01 .. أى : إذا كان الأمر ~~كما ذكرت لك أيها الرسول الكريم من سوء عاقبة الأشرار ، وحسن عاقبة ~~الأخيار. فاثبت على هذا الدين القويم ، الذي أوحيناه إليك ، ولا تتحول عنه ~~إلى جهة ما. # ( @QUR@010 من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ) أى : اثبت على هذا ~~الدين القيم ، من قبل أن يأتى يوم القيامة ، الذي لا يقدر أحد على رده أو ~~دفع عذابه إلا الله تعالى وحده. # ثم بين سبحانه أحوال الناس في هذا اليوم فقال : ( @QUR@02 يومئذ يصدعون ). # أى : يتفرقون. وأصله يتصدعون ، فقلبت تاؤه صادا وأدغمت. والتصدع التفرق : ~~يقال : تصدع القوم إذا تفرقوا ، ومنه قول الشاعر : # وكنا كندمانى جذيمة حقبة %~% من الدهر حتى قيل لن يتصدعا # أى : لن يتفرقا. # والمعنى : اثبت على هذا الدين ، من قبل أن يأتي يوم القيامة ، الذي يتفرق ~~فيه الناس إلى فريقين ثم بين سبحانه الفريق الأول فقال : ( @QUR@04 من كفر ~~فعليه كفره ) أى : من كفر من الناس ، فعاقبة كفره واقعة عليه لا على غيره ، ~~وسيتحمل وحده ما يترتب على ذلك من عذاب مهين. # قال صاحب الكشاف : قوله ( @QUR@02 فعليه كفره ) كلمة جامعة لما لا غاية ~~وراءه من المضار ، PageV11P093 # لأن من كان ضاره كفره ، فقد أحاطت به كل مضرة» (1). # ثم بين سبحانه الفريق الثاني فقال : ( @QUR@05 ومن عمل صالحا فلأنفسهم ~~يمهدون ) أى : ومن عمل في دنياه عملا صالحا ، فإنه بسبب هذا ms4494 العمل يكون قد ~~مهد وسوى لنفسه مكانا مريحا يستقر فيه في الآخرة. # والمهاد : الفراش. ومنه مهاد الصبى أى فراشه. ويقال مهدت الفراش مهدا ، ~~أى : بسطته ووطأته. ومهدت الأمور. أى : سويتها وأصلحتها. # فالجملة الكريمة تصوير بديع للثمار الطيبة التي تترتب على العمل الصالح ~~في الدنيا ، حتى لكأن من يعمل هذا العمل ، يعد لنفسه في الآخرة مكانا معبدا ~~، ومضجعا هنيئا ، ينزل فيه وهو في أعلى درجات الراحة والنعيم : # قال ابن جرير : قوله تعالى ( @QUR@02 فلأنفسهم يمهدون ) أى : فلأنفسهم ~~يستعدون ، ويسوون المضجع ، ليسلموا من عقاب ربهم ، وينجوا من عذابه ، كما ~~قال الشاعر : # أمهد لنفسك ، حان السقم والتلف %~% ولا تضيعن نفسا مالها خلف (2) # ثم بين سبحانه ما اقتضته حكمته وعدالته فقال : ( @QUR@011 ليجزي الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات من فضله ، إنه لا يحب الكافرين ). # أى : فعل ما فعل سبحانه من تقسيم الناس إلى فريقين ، ليجزي الذين آمنوا ~~وعملوا الأعمال الصالحات ، الجزاء الحسن الذي يستحقونه ، وليعطيهم العطاء ~~الجزيل من فضله ، لأنه بحبهم ، أما الكافرون ، فإنه سبحانه لا يحبهم ولا ~~يرضى عنهم. # ثم تعود السورة الكريمة إلى الحديث عن آيات الله تعالى الدالة على قدرته ~~، وعن مظاهر فضله على الناس ورحمته بهم ، وعن الموقف الجحودى الذي وقفه ~~بعضهم من هذه النعم .. قال تعالى : # ( @QUR@017 ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري ~~الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (46) @QUR@08 ولقد أرسلنا من ~~قبلك رسلا إلى قومهم فجاؤهم PageV11P094 # @QUR@010 بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين ~~(47) @QUR@028 الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف ~~يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده ~~إذا هم يستبشرون (48) @QUR@010 وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله ~~لمبلسين (49) @QUR@019 فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد موتها ~~إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل شيء قدير (50) @QUR@09 ولئن أرسلنا ريحا ~~فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون (51) @QUR@011 فإنك لا تسمع الموتى ولا ~~تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (52) @QUR@014 وما أنت بهاد العمي ms4495 عن ~~ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون ) (53) # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات. ) @QUR@01 .. ~~بيان لأنواع أخرى من الظواهر الكونية الدالة على قدرته عز وجل . # أى : ومن الآيات والبراهين الدالة على وحدانية الله تعالى ونفاذ قدرته ، ~~أنه سبحانه يرسل بمشيئته وإرادته الرياح ، لتكون بشارة بأن من ورائها ~~أمطارا ، فيها الخير الكثير للناس. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@05 ومن آياته أن يرسل الرياح ) أى : الجنوب ~~، ومهبها من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا ، والصبا : ومهبها من مطلع الثريا ~~إلى بنات نعش. والشمال : ومهبها من بنات نعش إلى مسقط النسر الطائر ، فإنها ~~رياح الرحمة. أما الدبور ومهبها من مسقط النسر الطائر إلى مطلع سهيل ، فريح ~~العذاب ...» (1). PageV11P095 # وقوله : ( @QUR@09 وليذيقكم من رحمته ، ولتجري الفلك بأمره ، ولتبتغوا من ~~فضله ) @QUR@01 .. بيان للفوائد التي تعود على الناس من إرسال الرياح التي ~~تعقبها الأمطار ، وهو متعلق بقوله ( @QUR@01 يرسل ). # أى : يرسل الرياح مبشرات بالأمطار ويرسلها ليمنحكم من رحمته الخصب ~~والنماء لزرعكم ، ولتجرى الفلك عند هبوبها في البحر بإذنه تعالى ولتبتغوا ~~أرزاقكم من فضله سبحانه عن طريق الأسفار ، والانتقال من مكان إلى آخر ، ~~ولكي تشكروا الله تعالى على هذه النعم : فإنكم إذا شكرتموه سبحانه على نعمه ~~زادكم منها. # وقوله تعالى : ( @QUR@09 ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاؤهم ~~بالبينات. ) @QUR@01 .. كلام معترض بين الحديث عن نعمة الرياح ، لتسلية ~~الرسول صلى الله عليه وسلم عما لحقه من قومه من أذى. # أى ولقد أرسلنا من قبلك أيها الرسول الكريم رسلا كثيرين ، إلى قومهم ~~ليهدوهم إلى الرشد ، وجاء كل رسول إلى قومه بالحجج الواضحات التي تدل على صدقه. # وقوله ( @QUR@04 فانتقمنا من الذين أجرموا ) معطوف على كلام محذوف. أى : ~~أرسلناهم بالحجج الواضحات ، فمن أقوامهم من آمن بهم ، ومنهم من كذبهم ، ~~فانتقمنا من المكذبين لرسلهم. # ( @QUR@05 وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) أى : وكان نصر المؤمنين حقا ~~أوجبناه على ذاتنا ، فضلا منا وكرما ، وتكريما وإنصافا لمن آمن بوحدانيتنا ~~، وأخلص العبادة لنا. # «وحقا» خبر كان ، و «نصر المؤمنين» اسمها و «علينا متعلق بقوله حقا. # قال ابن كثير : قوله ms4496 ( @QUR@05 وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) هو حق ~~أوجبه على نفسه الكريمة ، تكرما وتفضلا ، كقوله : ( @QUR@05 كتب ربكم على ~~نفسه الرحمة ). # وعن أبى الدرداء قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «ما من ~~امرئ مسلم يرد عن عرض أخيه ، إلا كان حقا على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم ~~القيامة : ثم تلا صلى الله عليه وسلم هذه الآية» (1). # ثم تعود السورة مرة أخرى إلى الحديث عن الرياح وما يترتب عليها من منافع ~~فتقول : ( @QUR@04 الله الذي يرسل الرياح ) بقدرته ومشيئته. # ( @QUR@02 فتثير سحابا ) أى : هذه الرياح التي يرسلها الله تعالى تتحرك ~~في الجو وفق PageV11P096 # إرادته سبحانه وتحرك السحاب وتنشره من مكان إلى آخر. # ( @QUR@05 فيبسطه في السماء كيف يشاء ): أى فيبسط الله تعالى هذا السحاب ~~في طبقات الجو ، بالكيفية التي يختارها سبحانه ويريدها ، بأن يجعله تارة ~~متكاثفا ، وتارة متناثرا ، وتارة من جهة الشمال ، وتارة من جهات غيرها. # ( @QUR@02 ويجعله كسفا ) أى : ويجعله قطعا بعضها فوق بعض تارة أخرى. ~~والكسف : جمع كسفه ، وهي القطعة من السحاب. # ( @QUR@02 فترى الودق ) أى : المطر ( @QUR@03 يخرج من خلاله ) أى يخرج ~~ويتساقط من خلال هذا السحاب ، ومن بين ذراته. ( @QUR@03 فإذا أصاب به )، ~~أى : بهذا المطر ( @QUR@02 من يشاء ) إصابته به ( @QUR@02 من عباده ) بأن ~~ينزله على أراضيهم وعلى بلادهم ( @QUR@03 إذا هم يستبشرون ) أى : يفرحون ~~بذلك ، لأنه يكون سببا في حياتهم وحياة دوابهم وزروعهم .. # وأعرف الناس بنعمة المطر ، أولئك الذين يعيشون في الأماكن البعيدة عن ~~الأنهار. كأهل مكة ومن يشبهونهم ممن تقوم حياتهم على مياه الأمطار. # ثم بين سبحانه حالهم قبل نزول تلك الأمطار عليهم فقال : ( @QUR@010 وإن ~~كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين ). # وإن مخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير الشأن المحذوف ، والضمير في ( ~~@QUR@01 ينزل ) يعود للمطر ، وفي قوله ( @QUR@02 من قبله ) يعود لنزول ~~المطر أيضا على سبيل التأكيد. وقوله : ( @QUR@01 لمبلسين ) خبر كان. ~~والإبلاس : اليأس من الخير ، والسكوت ، والانكسار غما وحزنا. يقال : أبلس ~~الرجل ، إذا سكت على سبيل اليأس والذل والانكسار. # أى : هم عند نزول الأمطار يستبشرون ويفرحون ، ولو رأيت حالهم قبل ms4497 نزول ~~الأمطار لرأيتهم في غاية الحيرة والقنوط والإبلاس ، لشدة حاجتهم إلى الغيث ~~الذي طال انتظارهم له وتطلعهم إليه دون أن ينزل. # قال صاحب الكشاف : وقوله ( @QUR@02 من قبله ) من باب التكرير والتوكيد ، ~~كقوله تعالى : ( @QUR@07 فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها ) (1) ~~«ومعنى التوكيد فيه الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول وبعد ، فاستحكم ~~يأسهم ، وتمادى إبلاسهم ، فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك» (2). PageV11P097 # ثم لفت سبحانه أنظار الناس إلى ما يترتب على نعمة المطر من آثار عظيمة ~~فقال : ( @QUR@05 فانظر إلى آثار رحمت الله ) @QUR@01 .. والفاء للدلالة ~~على سرعة الانتقال من حالة اليأس إلى الاستبشار. أى : فانظر أيها العاقل ~~نظرة تعقل واتعاظ واستبصار ، إلى الآثار المترتبة على نزول المطر ، وكيف أن ~~نزوله حول النفوس من حالة الحزن إلى حالة الفرح ، وجعل الوجوه مستبشرة بعد ~~أن كانت عابسة يائسة. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 كيف يحي الأرض بعد موتها ) في محل نصب على تقدير ~~الخافض. أى : فانظر إلى آثار رحمة الله بعد نزول المطر ، وانظر وتأمل كيف ~~يحيى الله تعالى بقدرته ، الأرض بعد موتها بأن يجعلها خضراء ويانعة ، بعد ~~أن كانت جدباء قاحلة. # واسم الإشارة في قوله تعالى ( @QUR@04 إن ذلك لمحي الموتى ) يعود على ~~الله تعالى . أى : إن ذلك الإله العظيم الذي أحيا الأرض بعد موتها ، لقادر ~~على إحياء الموتى ، إذ لا فرق بينهما بالنسبة لقدرة الله التي لا يعجزها ~~شيء. ( @QUR@01 وهو ) سبحانه ( @QUR@04 على كل شيء قدير ) ومن جملة الأشياء ~~المقدور عليها ، إحياء الموتى. # وهكذا يسوق القرآن الكريم الأدلة على البعث ، بأسلوب منطقي ، منتزع من ~~واقع الناس ، ومن المشاهد التي يرونها في حياتهم. # وبعد أن صور سبحانه أحوال الناس عند رؤيتهم للرياح التي تثير السحب ~~المحملة بالأمطار ، وأنهم عند رؤيتها يفرحون ويستبشرون. بعد أن صور ذلك ~~بأسلوب بديع ، أتبع ذلك بتصوير حالهم عند ما يرون ريحا تحمل لهم الرمال ~~والأتربة ، وتضر بمزروعاتهم فقال تعالى ( @QUR@09 ولئن أرسلنا ريحا فرأوه ~~مصفرا لظلوا من بعده يكفرون ). # والضمير في «رأوه» يعود إلى النبات المفهوم من السياق. أى : هذا حال ~~الناس عند ما ms4498 يرون الرياح التي تحمل لهم الأمطار ، أما إذا أرسلنا عليهم ~~ريحا معها الأتربة والرمال ، فرأوا نباتهم وزروعهم قد اصفرت واضمحلت ~~وأصابها ما يضرها أو يتلفها .. فإنهم يظلون من بعد إرسال تلك الريح عليهم ، ~~يكفرون بنعم الله ، ويجحدون آلاءه السابقة ، ويقابلون ما أرسلناه عليهم ~~بالسخط والضيق ، لا بالاستسلام لقضائنا ، وملازمة طاعتنا. # قال الآلوسى ما ملخصه : واللام في قوله : ( @QUR@01 ولئن ) موطئة للقسم ~~دخلت على حرف الشرط ، والفاء في «فرأوه» فصيحة ، واللام في قوله «لظلوا» ~~لام جواب القسم الساد مسد الجوابين ، والماضي بمعنى المستقبل .. وفيما ذكر ~~سبحانه من ذمهم على عدم تثبتهم ما لا يخفى ، حيث كان من الواجب عليهم أن ~~يتوكلوا على الله تعالى في كل حال ، ويلجئوا إليه بالاستغفار ، إذا احتبس ~~منهم المطر ، ولا ييأسوا من روح الله تعالى PageV11P098 # ويبادروا إلى الشكر بالطاعة ، إذا أصابهم برحمته ، وأن يصبروا على بلائه ~~إذا اعترى زرعهم آفة ، فعكسوا الأمر ، وأبوا ما يجديهم ، وأتوا بما يؤذيهم ~~...» (1). # ثم سلى سبحانه نبيه عما لحقه منهم من أذى ، بعد أن ذكر له جانبا من تقلب ~~أحوالهم ، فقال تعالى : ( @QUR@011 فإنك لا تسمع الموتى ، ولا تسمع الصم ~~الدعاء إذا ولوا مدبرين ). أى : فاصبر أيها الرسول لحكم ربك ، واثبت على ~~ما أنت عليه من حق ( @QUR@04 فإنك لا تسمع الموتى ) إذا ناديتهم ( @QUR@04 ~~ولا تسمع الصم الدعاء ) إذا ما دعوتهم أو وعظتهم. # وقوله ( @QUR@03 إذا ولوا مدبرين ) بيان لإعراضهم عن الحق ، بعد بيان ~~كونهم كالأموات وكالصم. # ثم وصفهم بالعمى فقال : ( @QUR@06 وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم ) بسبب ~~فقدهم الانتفاع بأبصارهم ، كما فقدوا الانتفاع ببصائرهم. # ( @QUR@06 إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا ) أى : ما تستطيع أن تسمع إلا من ~~يؤمن بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ( @QUR@02 فهم مسلمون ) أى : ~~منقادون للحق ومتبعون له. # فالآيتان الكريمتان تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من هؤلاء ~~المشركين ، وعن إخفاق جهوده مع كثير منهم ، لانطماس بصائرهم ، حيث شبههم ~~سبحانه بالموتى وبالصم وبالعمى ، في عدم انتفاعهم بالوعظ والإرشاد .. # وبعد هذا التطواف في أعماق الأنفس والآفاق. أخذت السورة الكريمة في ~~أواخرها ms4499 ، تذكر الناس بمراحل حياتهم ، وبأحوالهم يوم القيامة ، وبفضائل ~~القرآن الكريم ، وبأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر والثبات .. قال تعالى : # ( @QUR@024 الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد ~~قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير (54) @QUR@09 ويوم تقوم ~~الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة PageV11P099 # @QUR@03 كذلك كانوا يؤفكون (55) @QUR@020 وقال الذين أوتوا العلم ~~والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم ~~لا تعلمون (56) @QUR@09 فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم ~~يستعتبون (57) @QUR@019 ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن ~~جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون (58) @QUR@08 كذلك يطبع ~~الله على قلوب الذين لا يعلمون (59) @QUR@010 فاصبر إن وعد الله حق ولا ~~يستخفنك الذين لا يوقنون ) (60) # قال القرطبي ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@05 الله الذي خلقكم من ضعف ) ~~@QUR@01 .. استدلال آخر على قدرته تعالى ومعنى ( @QUR@02 من ضعف ) من نطفة ~~ضعيفة ، أو في حال ضعف ، وهو ما كانوا عليه في الابتداء من الطفولة والصغر ~~.. وقرأ الجمهور بضم الضاد ، وقرأ عاصم وحمزة بفتحها ، والضعف بالضم والفتح ~~خلاف القوة ، وقيل بالفتح في الرأى ، وبالضم في الجسد ...» (1). # وقال سبحانه : ( @QUR@03 خلقكم من ضعف ) ولم يقل خلقكم ضعافا .. للإشعار ~~بأن الضعف هو مادتهم الأولى التي تركب منها كيانهم ، فهو شامل لتكوينهم ~~الجسدى ، والعقلي ، والعاطفى ، والنفسي ... إلخ. أى : الله تعالى بقدرته ، ~~هو الذي خلقكم من ضعف ترون جانبا من مظاهره في حالة طفولتكم وحداثة سنكم ... # ( @QUR@02 ثم جعل ) سبحانه ( @QUR@04 من بعد ضعف قوة ) أى : ثم جعل لكم ~~من بعد مرحلة الضعف مرحلة أخرى تتمثل فيها القوة بكل صورها الجسدية ~~والعقلية والنفسية .. # ( @QUR@07 ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة ) أى : ثم جعل من بعد مرحلة ~~القوة ، مرحلة ضعف PageV11P100 # آخر ، تعقبه مرحلة أخرى أشد منه في الضعف ، وهي مرحلة الشيب والهرم ~~والشيخوخة التي هي أرذل العمر ، وفيها يصير الإنسان أشبه ما يكون بالطفل ~~الصغير في كثير من أحواله .. # ( @QUR@01 يخلق ) سبحانه ( @QUR@02 ما يشاء ) خلقه ( @QUR@02 وهو العليم ~~) بكل ms4500 شيء ( @QUR@01 القدير ) على كل شيء. # فأنت ترى أن هذه الآية قد جمعت مراحل حياة الإنسان بصورها المختلفة. # ثم بين سبحانه ما يقوله المجرمون عند ما يبعثون من قبورهم للحساب فقال : ~~( @QUR@09 ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة ). # والمراد بالساعة : يوم القيامة ، وسميت بذلك لأنها تقوم في آخر ساعة من ~~عمر الدنيا ، أو لأنها تقع بغتة ، والمراد بقيامها : حصولها ووجودها ، ~~وقيام الخلائق في ذلك الوقت للحساب أى : وحين تقوم الساعة ؛ ويرى المجرمون ~~أنفسهم وقد خرجوا من قبورهم للحساب بسرعة ودهشة ، يقسمون بأنهم ما لبثوا في ~~قبورهم أو في دنياهم ، غير وقت قليل من الزمان. # قال ابن كثير : يخبر الله تعالى عن جهل الكفار في الدنيا والآخرة ، ففي ~~الدنيا فعلوا ما فعلوا من عبادة الأصنام ، وفي الآخرة يكون منهم جهل عظيم ~~أيضا فمنه إقسامهم بالله أنهم ما لبثوا في الدنيا إلا ساعة واحدة. ومقصودهم ~~بذلك عدم قيام الحجة عليهم ، وأنهم لم ينظروا حتى يعذر إليهم (1). # وقوله : ( @QUR@03 كذلك كانوا يؤفكون ) تذييل قصد به بيان ما جبلوا عليه ~~من كذب. # ويؤفكون من الإفك بمعنى الكذب. يقال : أفك الرجل ، إذا صرف عن الخير ~~والصدق أى : مثل هذا الكذب الذي تفوهوا به في الآخرة كانوا يفعلون في ~~الدنيا ، فهم في الدارين لا ينفكون عن الكذب وعن اختلاق الباطل. # ثم حكى سبحانه ما قاله أهل العلم والإيمان في الرد عليهم ، فقال : ( ~~@QUR@013 وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم ~~البعث ). # أى : وقال الذين أوتوا العلم والإيمان من الملائكة والمؤمنين الصادقين في ~~الرد على هؤلاء المجرمين : لقد لبثتم في علم الله وقضائه بعد مفارقتكم ~~الدنيا إلى يوم البعث ، أى : إلى الوقت الذي حدده سبحانه لبعثكم ، والفاء ~~في قوله تعالى : ( @QUR@03 فهذا يوم البعث ) هي PageV11P101 # الفصيحة. اى : إن كنتم منكرين للبعث ، فهذا يومه تشاهدونه بأعينكم. ولا ~~تستطيعون إنكاره الآن كما كنتم تنكرونه في الدنيا. # فالجملة الكريمة ، المقصود بها توبيخهم وتأنيبهم على إنكارهم ليوم ~~الحساب. # وقوله ( @QUR@04 ولكنكم كنتم لا تعلمون ) زيادة في تقريعهم. أى : فهذا ms4501 ~~يوم البعث ماثل أمامكم. ولكنكم كنتم في الدنيا لا تعلمون أنه حق وصدق. بل ~~كنتم بسبب كفركم وعنادكم تستخفون به وبمن يحدثكم عنه ، فاليوم تذوقون سوء ~~عاقبة إنكاركم له ، واستهزائكم به. # ولذا قال سبحانه بعد ذلك : ( @QUR@01 فيومئذ ) أى : فيوم أن تقوم الساعة ~~ويقف الناس للحساب. ( @QUR@05 لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ) أى لا ينفعهم ~~الاعتذار ، ولا يفيدهم علمهم بأن الساعة حق. ( @QUR@03 ولا هم يستعتبون ) ~~أى : ولا هم يقبل منهم الرجوع إلى الله تعالى بالتوبة والعمل الصالح. # قال الآلوسى : والاستعتاب : طلب العتبى ، وهي الاسم من الإعتاب ، بمعنى ~~إزالة العتب. أى : لا يطلب منهم إزالة عتب الله تعالى وغضبه عليهم ، لأنهم ~~قد حق عليهم العذاب ..» (1). # ثم بين سبحانه موقفهم من القرآن الكريم ، وأنهم لو اتبعوا توجيهاته لنجوا ~~من العذاب المهين ، فقال تعالى : ( @QUR@09 ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن ~~من كل مثل ) @QUR@01 .. . # أى : وبالله لقد ضربنا للناس في هذا القرآن العظيم ، كل مثل حكيم ، من ~~شأنه أن يهدى القلوب إلى الحق ، ويرشد النفوس إلى ما يسعدها ... # ( @QUR@03 ولئن جئتهم بآية ) أى ولئن جئت أيها الرسول هؤلاء المشركين ~~بآية بينة تدل على صدقك فيما تبلغه عن ربك. # ( @QUR@01 ليقولن ) على سبيل التطاول والتبجح ( @QUR@04 إن أنتم إلا ~~مبطلون ) أى : ما أنتم إلا متبعون للباطل أيها المؤمنون بما يدعوكم إليه ~~الرسول صلى الله عليه وسلم . # ثم يعقب سبحانه على هذا التطاول والغرور بقوله : ( @QUR@08 كذلك يطبع ~~الله على قلوب الذين لا يعلمون ). والطبع : الختم على الشيء حتى لا يخرج ~~منه ما هو بداخله ، ولا يدخل فيه ما هو خارج عنه. # أى : مثل هذا الطبع العجيب ، يطبع الله تعالى على قلوب هؤلاء الذين لا ~~يعلمون ، PageV11P102 # ولا يعملون على إزالة جهلهم ، لتوهمهم أنهم ليسوا بجهلاء ، وهذا أسوأ ~~أنواع الجهل ، لأنه جهل مركب ، إذ صاحبه يجهل أنه جاهل. فهو كما قال الشاعر : # قال حمار الحكيم يوما %~% لو أنصفونى لكنت أركب لأننى جاهل بسيط %~% وصاحبي جاهل مركب # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة ، بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر على ~~هؤلاء الجاهلين ، فقال : ( @QUR@010 فاصبر ms4502 إن وعد الله حق ، ولا يستخفنك ~~الذين لا يوقنون ). # أى : إذا كان الأمر كما وصفنا لك من أحوال هؤلاء المشركين ، فاصبر على ~~أذاهم ، وعلى جهالاتهم ، فإن وعد الله تعالى بنصرك عليهم حق لا شك في ذلك. # ( @QUR@02 ولا يستخفنك ) أى : ولا يزعجنك ويحملنك على عدم الصبر ، الذين ~~لا يوقنون بصحة ما تتلو عليهم من آيات ، ولا بما تدعوهم إليه من رشد وخير. # وهكذا ختمت السورة الكريمة بالوعد بالنصر ، كما افتتحت بالوعد به ، ~~للمؤمنين الصادقين ( @QUR@011 وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون ). # وبعد : فهذه هي سورة الروم ، وهذا تفسير محرر لها ، نسأل الله تعالى أن ~~يجعله خالصا لوجهه ونافعا لعباده. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ||كتبه الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى| PageV11P103 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة لقمان PageV11P105 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة # 1 سورة لقمان هي السورة الحادية والثلاثون في ترتيب المصحف ، أما ترتيبها ~~في النزول فهي السورة السادسة والخمسون من بين السور المكية ، وكان نزولها ~~بعد سورة الصافات (1). # وعدد آياتها : أربع وثلاثون آية. وقد ذكر الإمام ابن كثير وغيره أنها ~~مكية ، دون أن يستثنى شيئا منها. # وقال الآلوسى ما ملخصه : أخرج ابن الضريس ، وابن مردويه ، عن ابن عباس ~~أنه قال : أنزلت سورة لقمان بمكة ... وفي رواية عنه : أنها مكية إلا ثلاث ~~آيات تبدأ بقوله تعالى : ( @QUR@08 ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ) (2). # 2 وتبدأ السورة الكريمة ، بالثناء على القرآن الكريم ، وعلى المؤمنين ~~الذين يقيمون الصلاة ، ويؤتون الزكاة ، وهم بالآخرة هم يوقنون. # ثم تنتقل إلى الحديث عن جانب من صفات المشركين ، الذين يستهزئون بآيات ~~الله تعالى ، ويعرضون عنها ، ( @QUR@016 وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا ~~كأن لم يسمعها ، كأن في أذنيه وقرا ، فبشره بعذاب أليم ). # ثم ساقت أدلة متعددة على وحدانية الله تعالى وقدرته ، قال تعالى : ( ~~@QUR@042 خلق السماوات بغير عمد ترونها ، وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ~~، وبث فيها من كل دابة ، وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج ~~كريم. هذا خلق ms4503 الله فأروني ما ذا خلق الذين من دونه ، بل الظالمون في ضلال ~~مبين ). # 3 ثم قص علينا سبحانه تلك الوصايا الحكيمة ، التي أوصى بها لقمان ابنه ، ~~والتي اشتملت على ما يهدى إلى العقيدة السليمة ، وإلى الأخلاق الكريمة ، ~~وإلى مراقبة الخالق عز وجل وإلى أداء العبادات التي كلفنا سبحانه بها. # ومن هذه الوصايا قوله سبحانه : ( @QUR@08 يا بني أقم الصلاة ، وأمر ~~بالمعروف وانه عن PageV11P107 # @QUR@037 المنكر ، واصبر على ما أصابك ، إن ذلك من عزم الأمور. ولا تصعر ~~خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا ، إن الله لا يحب كل مختال فخور. واقصد في ~~مشيك ، واغضض من صوتك ، إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ). # 4 ثم بين سبحانه ألوانا من نعمه على عباده ، منها ما يتعلق بخلق السموات ~~، ومنها ما يتعلق بخلق الأرض ، كما بين عز وجل أن علمه محيط بكل شيء ، وأنه ~~لا نهاية له .. قال تعالى : ( @QUR@033 ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ~~والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ، ما نفدت كلمات الله ، إن الله عزيز حكيم. ~~ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ، إن الله سميع بصير ). # 5 ثم ختم سبحانه السورة الكريمة ، بدعوة الناس جميعا إلى تقواه عز وجل ~~وإلى بيان الأمور الخمسة التي لا يعلمها إلا هو سبحانه فقال : ( @QUR@059 ~~يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ، ولا مولود هو ~~جاز عن والده شيئا ، إن وعد الله حق ، فلا تغرنكم الحياة الدنيا ، ولا ~~يغرنكم بالله الغرور. إن الله عنده علم الساعة ، وينزل الغيث ، ويعلم ما في ~~الأرحام ، وما تدري نفس ما ذا تكسب غدا ، وما تدري نفس بأي أرض تموت ، إن ~~الله عليم خبير ). # 6 هذا ، والمتأمل في هذه السورة الكريمة ، يراها قد خاطبت النفس البشرية ~~، بما من شأنه أن يسعدها ويحييها حياة طيبة. # إنها قد بينت أوصاف المؤمنين الصادقين ، وأوصاف أعدائهم : وبينت عاقبة ~~الأخيار وعاقبة الأشرار ، ووضحت تلك الوصايا الحكيمة التي أوصى بها لقمان ~~ابنه وأحب الناس إليه ، وساقت أنواعا من النعم التي أنعم ms4504 بها سبحانه على ~~عباده ، وبينت أن هناك أمورا لا يعلمها إلا الله تعالى وحده. # وقد ساقت السورة ما ساقت من هدايات ، بأسلوب بليغ مؤثر ، يرضى العواطف ، ~~ويقنع العقول .. # نسأل الله تعالى أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا ، وأنس نفوسنا. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV11P108 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@01 الم (1) @QUR@04 تلك آيات الكتاب الحكيم (2) @QUR@03 هدى ورحمة ~~للمحسنين (3) @QUR@09 الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم ~~يوقنون (4) @QUR@08 أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ) (5) # سورة لقمان من السور التي بدئت ببعض حروف التهجي ... # وقد فصلنا القول في معانيها ، عند تفسيرنا لسور : البقرة ، وآل عمران ~~وغيرهما. # وقلنا في نهاية سردنا لأقوال العلماء في ذلك : ولعل أقرب الأقوال إلى ~~الصواب أن يقال : إن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت في افتتاح بعض السور ، ~~للإشعار بأن هذا القرآن الذي تحدى الله به المشركين ، هو من جنس الكلام ~~المركب من هذه الحروف التي يعرفونها. فإذا عجزوا عن الإتيان بسورة من مثله ~~، فذلك لبلوغه في الفصاحة والحكمة ، مرتبة يقف فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها ~~بمراحل شاسعة .. # واسم الإشارة في قوله سبحانه : ( @QUR@04 تلك آيات الكتاب الحكيم ) يعود ~~إلى آيات القرآن الكريم ، ويندرج فيها آيات السورة التي معنا. # والمراد بالكتاب : القرآن الكريم على الصحيح. لأنه هو المتحدث عنه. # قال الآلوسى : وأما حمله على الكتب التي خلت قبل القرآن .. فهو في غاية ~~البعد (1)، والحكيم بزنة فعيل مأخوذ من الفعل حكم بمعنى منع ، تقول : حكمت ~~الفرس ، إذا وضعت الحكمة في فمها لمنعها من الجموح والشرود. PageV11P109 # والمقصود ، أن هذا القرآن ممتنع أن يتطرق إليه الفساد ، ومبرأ من الخلل ~~والتناقض والاختلاف. # قال الإمام الرازي ما ملخصه : وفي وصف الكتاب بكونه حكيما وجوه ، منها : ~~أن الحكيم هو ذو الحكمة ، بمعنى اشتماله على الحكمة ، فيكون الوصف للنسبة ~~كلابن وتامر. ومنها أن الحكيم بمعنى الحاكم ، بدليل قوله تعالى : ( ~~@QUR@010 وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ). ~~ومنها أن الحكيم بمعنى المحكم .. «أى المبرأ من الكذب والتناقض» (1). # والمعنى : تلك الآيات ms4505 السامية ، المنزلة عليك يا محمد ، هي آيات الكتاب ، ~~المشتمل على الحكمة والصواب ، المحفوظ من كل تحريف أو تبديل الناطق بكل ما ~~يوصل إلى السعادة الدنيوية والأخروية. # وصحت الإشارة إلى آيات الكتاب مع أنها لم تكن قد نزلت كلها لأن الإشارة ~~إلى بعضها كالإشارة إلى جميعها ، حيث كانت بصدد الإنزال ، ولأن الله تعالى ~~قد وعد رسوله صلى الله عليه وسلم بنزول القرآن عليه ، كما في قوله تعالى : ( ~~@QUR@05 إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ) ووعد الله تعالى لا يتخلف. # وقوله ( @QUR@02 هدى ورحمة ) منصوبان على الحالية من ( @QUR@01 آيات ). # أى : هذا الكتاب أنزلنا عليك يا محمد آياته ، لتكون هداية ورحمة للمحسنين ~~في أقوالهم وفي أفعالهم ، وفي كل أحوالهم. # ثم وصف سبحانه هؤلاء المحسنين ، بصفات كريمة فقال : ( @QUR@03 الذين ~~يقيمون الصلاة ) أى : يؤدونها في أوقاتها المحددة لها ، مستوفية لواجباتها ~~، وسننها ، وآدابها وخشوعها ، فإن الصلاة التامة هي تلك التي يصحبها ~~الإخلاص ، والخشوع ، والأداء الصحيح المطابق لما ورد عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم . # ( @QUR@02 ويؤتون الزكاة ) أى : ويعطون الزكاة التي أوجبها الله تعالى في ~~أموالهم لمستحقيها ( @QUR@04 وهم بالآخرة هم يوقنون ) والمراد بالآخرة : ~~الدار الآخرة ، وسميت بذلك لأنها تأتى بعد الدنيا التي هي الدار الدنيا. # وقوله ( @QUR@01 يوقنون ) من الإيقان ، وهو الاعتقاد الجازم المطابق ~~للواقع ، بحيث لا يطرأ عليه شك ، ولا تحوم حوله شبهة .. PageV11P110 # أى : أن من صفات هؤلاء المحسنين ، أنهم يؤدون الصلاة بخشوع وإخلاص ، ~~ويقدمون زكاة أموالهم لمستحقيها ، وهم بالآخرة وما فيها من حساب وثواب ~~وعقاب ، يوقنون إيقانا قطعيا ، لا أثر فيه للادعاءات الكاذبة ، والأوهام ~~الباطلة. # وفي إيراد «هم» قبل لفظ الآخرة. وقبل لفظ يوقنون : تعريض بغيرهم ممن كان ~~اعتقادهم في أمر الآخرة غير مطابق للحقيقة ، أو غير بالغ مرتبة اليقين. # ثم بين سبحانه بعد ذلك الثمار الطيبة التي ترتبت على تلك الصفات الكريمة ~~، فقال تعالى : ( @QUR@08 أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ). # والمفلحون : من الفلاح وهو الظفر والفوز بدرك البغية. وأصله من الفلح ~~بسكون اللام وهو الشق والقطع ، ومنه فلاحة الأرض وهو شقها للحرث ، واستعمل ~~منه الفلاح في ms4506 الفوز ، كأن الفائز شق طريقه وفلحه ، للوصول إلى مبتغاه ، أو ~~انفتحت له طريق الظفر وانشقت. # والمعنى : أولئك المتصفون بما تقدم من صفات كريمة ، على هداية عظيمة من ~~ربهم توصلهم إلى المطلوب ، وأولئك هم الفائزون بكل مرغوب. # والتنكير في قوله ( @QUR@02 على هدى ) للتعظيم ، وأتى بلفظ «على» للاشارة ~~إلى التمكن والرسوخ ، ووصفه بأنه ( @QUR@02 من ربهم ) لأنه سبحانه هو الذي ~~وفقهم إليه ، ويسر لهم أسبابه. # ثم بين سبحانه حال طائفة أخرى من الناس ، كانوا على النقيض من سابقيهم ، فقال : # ( @QUR@018 ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ~~ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (6) @QUR@016 وإذا تتلى عليه آياتنا ولى ~~مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم ) (7) # وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هاتين الآيتين روايات اشهرها ، أنهما نزلتا ~~في النضر بن الحارث. اشترى قينة أى مغنية ، وكان لا يسمع بأحد يريد الإسلام ~~إلا انطلق به إلى PageV11P111 # قينته ، فيقول لها : أطعميه واسقيه وغنيه ، فهذا خير مما يدعوك إليه محمد ~~صلى الله عليه وسلم من الصلاة والصيام ، وأن تقاتل بين يديه. (1). # و ( @QUR@02 لهو الحديث ): باطله ، ويطلق على كل كلام يلهى القلب ، ~~ويشغله عن طاعة الله تعالى ، كالغناء ، والملاهي ، وما يشبه ذلك مما يصد عن ~~ذكر الله تعالى : # وقد فسره كثير من العلماء بالغناء ، والأفضل تفسيره بكل حديث لا يثمر خيرا. # و ( @QUR@01 من ) في قوله ( @QUR@02 ومن الناس ) للتبعيض ، أى : ومن ~~الناس من يترك القول الذي ينفعه ، ويشترى الأحاديث الباطلة ، والخرافات ~~الفاسدة. # قال القرطبي ما ملخصه : هذه إحدى الآيات التي استدل بها العلماء على ~~كراهة الغناء والمنع منه. ولا يختلف في تحريم الغناء الذي يحرك النفوس ، ~~ويبعثها على الغزل والمجون .. فأما ما سلم من ذلك ، فيجوز القليل منه في ~~أوقات الفرح ، كالعرس والعيد وعند التنشيط على الأعمال الشاقة ، كما كان في ~~حفر الخندق .. (2). # وقوله : ( @QUR@08 ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا ) @QUR@01 .. ~~تعليل لاشتراء لهو الحديث. والمراد بسبيل الله تعالى : دينه وطريقه الذي ~~اختاره لعباده. # وقد قرأ الجمهور : ( @QUR@01 ليضل ) بضم ms4507 الياء أى : يشترى لهو الحديث ~~ليضل غيره عن صراط الله المستقيم ، حالة كونه غير عالم بسوء عاقبة ما يفعله ~~، ولكي يتخذ آيات الله تعالى مادة لسخريته واستهزائه. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ( @QUR@01 ليضل ) بفتح الياء فيكون المعنى : ~~يشترى لهو الحديث ليزداد رسوخا في ضلاله. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : القراءة بالضم بينة ، لأن النضر كان غرضه ~~باشتراء اللهو ، أن يصد الناس عن الدخول في الإسلام واستماع القرآن ، ~~ويضلهم عنه ، فما معنى القراءة بالفتح؟. # قلت : فيه معنيان ، أحدهما : ليثبت على ضلاله الذي كان عليه ، ولا يصدف ~~عنه ، ويزيد فيه ويمده ، فإن المخذول كان شديد الشكيمة في عداوة الدين وصد ~~الناس عنه. والثاني : أن PageV11P112 # يوضع ليضل موضع ليضل ، من قبل أن من أضل كان ضالا لا محالة ، فدل بالرديف ~~على المردوف .. (1). # وقوله : ( @QUR@04 أولئك لهم عذاب مهين ) بيان لسوء عاقبة من يؤثر ~~الضلالة على الهداية. # أى : أولئك الذين يشترون لهو الحديث ، ليصرفوا الناس عن دين الله تعالى ، ~~وليستهزئوا بآياته ، لهم عذاب يهينهم ويذلهم ، ويجعلهم محل الاحتقار ~~والهوان. # ثم فصل سبحانه حال هذا الفريق الشقي فقال : ( @QUR@03 وإذا تتلى عليه ) ~~أى : على النضر وأمثاله ( @QUR@01 آياتنا ) الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ، ~~وعلى صدق نبينا صلى الله عليه وسلم . # ( @QUR@02 ولى مستكبرا ) أى : أعرض عنها بغرور واستعلاء. ( @QUR@03 كأن ~~لم يسمعها ) أى : كأن حاله في استكباره عن سماع الآيات ، كحال الذي لم ~~يسمعها إطلاقا. # ( @QUR@04 كأن في أذنيه وقرا ) أى : كأن في أذنيه صمما وثقلا ومرضا يحول ~~بينه وبين السماع. # والجملتان الكريمتان حال من قوله ( @QUR@01 مستكبرا ) والمقصود بهما ~~توبيخ هذا الشقي وأمثاله ، وذمهم ذما موجعا لإعراضهم عن الحق. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 فبشره بعذاب أليم ) تهكم به ، واستخفاف ~~بتصرفاته. # أى : فبشر هذا الشقي الذي اشترى لهو الحديث ، وأعرض عن آياتنا بالعذاب ~~الأليم ، الذي يناسب غروره واستكباره. # ثم أكدت السورة الجزاء الحسن الذي أعده الله تعالى للمؤمنين ، وذكرت ~~جانبا من مظاهر قدرته سبحانه ، ورحمته بعباده ، فقال تعالى : # ( @QUR@08 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم (8) @QUR@08 ~~خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم (9) @QUR@023 خلق ms4508 السماوات ~~بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة ~~وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها PageV11P113 # @QUR@04 من كل زوج كريم (10) @QUR@015 هذا خلق الله فأروني ما ذا خلق ~~الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين ) (11) # أى : إن الذين آمنوا بالله تعالى إيمانا حقا ، وعملوا الأعمال الصالحات ( ~~@QUR@01 لهم ) في مقابلة ذلك ( @QUR@02 جنات النعيم ) أى : لهم جنات عالية ~~يتنعمون فيها بما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر. # ( @QUR@02 خالدين فيها ) خلودا أبديا ( @QUR@03 وعد الله حقا ) أى : هم ~~خالدون في تلك الجنات خلودا أبدا ، فقد وعدهم سبحانه بذلك ، ووعده حق وصدق ~~، ولن يخلفه سبحانه تفضلا منه وكرما. # قال الجمل. وقوله ( @QUR@01 وعد ) مصدر مؤكد لنفسه ، لأن قوله : ( ~~@QUR@03 لهم جنات النعيم ) في معنى وعدهم الله ذلك. وقوله ( @QUR@01 حقا ) ~~مصدر مؤكد لغيره. أى : لمضمون تلك الجملة الأولى وعاملهما مختلف ، فتقدير ~~الأولى : وعد الله ذلك وعدا. وتقدير الثانية ، وحقه حقا. (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@03 وهو العزيز الحكيم ) أى : وهو سبحانه العزيز ~~الذي لا يغلبه غالب. الحكيم في كل أفعاله وتصرفاته. # ثم بين سبحانه جانبا من مظاهر قدرته وعزته وحكمته فقال : ( @QUR@05 خلق ~~السماوات بغير عمد ترونها ) @QUR@01 .. . # والعمد : جمع عماد. وهو ما تقام عليه القبة أو البيت. وجملة «ترونها» في ~~محل نصب حال من السموات. # أى هو : سبحانه وحده ، الذي رفع هذه السموات الهائلة في صنعها وفي ~~ضخامتها ، بغير مستند يسندها. وبغير أعمدة تعتمد عليها. وأنتم ترون ذلك ~~بأعينكم بدون لبس أو خفاء. ولا شك أن خلقها على هذه الصورة من أكبر الأدلة ~~على أن لهذا الكون خالقا مدبرا قادرا حكيما ، هو المستحق للعبادة والطاعة. # وقوله تعالى : ( @QUR@07 وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ) بيان لنعمة ~~ثانية مما أنعم به سبحانه على عباده. # والرواسي : جمع راسية. والمراد بها الجبال الشوامخ الثابتة. PageV11P114 # أى : ومن رحمته بكم ، وفضله عليكم ، أن ألقى سبحانه في الأرض جبالا ثوابت ~~كراهة أن تميد وتضطرب بكم ، وأنتم عليها. # ( @QUR@05 وبث فيها من كل دابة ) أى : وأوجد ونشر في الأرض ms4509 التي تعيشون ~~فوقها ، من كل دابة من الدواب التي لا غنى لكم عنها والتي فيها منفعتكم ~~ومصلحتكم. # والبث : معناه : النشر والتفريق. يقال : بث القائد خيله إذا نشرها ~~وفرقها. # ثم بين سبحانه نعمة ثالثة فقال : ( @QUR@01 وأنزلنا ) أى : بقدرتنا ( ~~@QUR@03 من السماء ماء ) أى : ماء كثيرا هو المطر ، ( @QUR@02 فأنبتنا فيها ~~) أى : فأنبتنا في الأرض بسبب نزول المطر عليها. ( @QUR@03 من كل زوج ) أى ~~: صنف ( @QUR@01 كريم ) أى حسن جميل كثير المنافع. # والإشارة في قوله : ( @QUR@03 هذا خلق الله ) @QUR@01 .. تعود إلى ما ~~ذكره سبحانه من مخلوقات قبل ذلك. والخلق بمعنى المخلوق. # هذا الذي ذكرناه لكم من خلق السموات والأرض والجبال ... هو من مخلوقنا ~~وحدنا ، دون أن يشاركنا فيما خلقناه مشارك. # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@07 فأروني ما ذا خلق الذين من دونه ) ~~واقعة في جواب شرط مقدر ، أى : إذا علمتم ذلك فأرونى وأخبرونى ، ماذا خلق ~~الذين اتخذتموهم آلهة من دونه سبحانه إنهم لم يخلقوا شيئا ما ، بل هم ~~مخلوقون لله تعالى . # فالمقصود بهذه الجملة الكريمة تحدى المشركين ، وإثبات أنهم في عبادتهم ~~لغير الله ، قد تجاوزوا كل حد في الجهالة والضلالة. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 بل الظالمون في ضلال مبين ) إضراب عن تبكيتهم ~~وتوبيخهم ، إلى تسجيل الضلال الواضح عليهم. # أى : بل الظالمون في ضلال بين واضح ، لأنهم يعبدون آلهة لا تضر ولا تنفع ~~، ويتركون عبادة الله تعالى الخلاق العليم. # ثم ساق سبحانه على لسان عبد صالح من عباده ، جملة من الوصايا الحكيمة ، ~~لتكون عظة وعبرة للناس ، فقال تعالى : # ( @QUR@018 ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر ~~لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد (12) @QUR@02 وإذ قال PageV11P115 # @QUR@013 لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ~~(13) @QUR@017 ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في ~~عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير (14) @QUR@029 وإن جاهداك على أن ~~تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل ~~من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (15) @QUR@025 يا بني ~~إنها إن ms4510 تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت ~~بها الله إن الله لطيف خبير (16) @QUR@018 يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف ~~وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور (17) @QUR@016 ولا ~~تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور (18) ~~@QUR@011 واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ) (19) # قال ابن كثير رحمه الله : اختلف السلف في لقمان ، هل كان نبيا أو عبدا ~~صالحا من غير نبوة؟ والأكثرون على أنه لم يكن نبيا. # وعن ابن عباس وغيره : كان لقمان عبدا حبشيا نجارا .. # قال له مولاه : اذبح لنا شاة وجئني بأخبث ما فيها؟ فذبحها وجاءه بلسانها ~~وقلبها. ثم قال له مرة ثانية : اذبح لنا شاة وجئني بأحسن ما فيها؟ فذبحها ~~وجاءه أيضا بقلبها ولسانها ، فقال له مولاه ما هذا؟ فقال لقمان : إنه ليس ~~من شيء أطيب منهما إذا طابا ، وليس من شيء أخبث منهما إذا خبثا. PageV11P116 # وقال له رجل : ألست عبد فلان؟ فما الذي بلغ بك ما أرى من الحكمة؟ فقال ~~لقمان : قدر الله وأداء الأمانة ، وصدق الحديث ، وتركي ما لا يعنيني (1). # ومن أقواله لابنه : يا بنى اتخذ تقوى الله لك تجارة ، يأتك الربح من غير بضاعة. # يا بنى ، لا تكن أعجز من هذا الديك الذي يصوت بالأسحار ، وأنت نائم على فراشك. # يا بنى ، اعتزل الشر كما يعتزلك ، فإن الشر للشر خلق. # يا بنى ، عليك بمجالس العلماء ، وبسماع كلام الحكماء ، فإن الله تعالى ~~يحيى القلب الميت بنور الحكمة. # يا بنى ، إنك منذ نزلت الدنيا استدبرتها ، واستقبلت الآخرة ، ودار أنت ~~إليها تسير ، أقرب من دار أنت عنها ترتحل .. (2). # وقال الآلوسى ما ملخصه : ولقمان : اسم أعجمى لا عربي وهو ابن باعوراء. ~~قيل : كان في زمان داود عليه السلام وقيل : كان زمانه بين عيسى وبين محمد ~~عليهما الصلاة والسلام . # ثم قال الآلوسى : وإنى أختار أنه كان رجلا صالحا حكيما ، ولم يكن نبيا (3). # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 ولقد آتينا لقمان ms4511 الحكمة. ) @QUR@01 .. كلام ~~مستأنف مسوق لإبطال الإشراك بالله تعالى عن طريق النقل ، بعد بيان إبطاله ~~عن طريق العقل ، في قوله سبحانه قبل ذلك : ( @QUR@010 هذا خلق الله فأروني ~~ما ذا خلق الذين من دونه. ) @QUR@01 .. . # والحكمة : اكتساب العلم النافع والعمل به. أو هي : العقل والفهم. أو هي ~~الإصابة في القول والعمل. # والمعنى : والله لقد أعطينا بفضلنا وإحساننا عبدنا لقمان العلم النافع ~~والعمل به. # وقوله سبحانه ( @QUR@03 أن اشكر لله ) بيان لما يقتضيه إعطاء الحكمة. أى ~~: آتيناه الحكمة وقلنا له أن اشكر لله على ما أعطاك من نعم لكي يزيدك منها. # قال الشوكانى : قوله : ( @QUR@03 أن اشكر لله ) أن هي المفسرة : لأن في ~~إيتاء الحكمة معنى القول. وقيل التقدير : قلنا له أن اشكر لي .. وقيل : بأن ~~اشكر لي فشكر ، فكان حكيما بشكره. PageV11P117 # والشكر لله : الثناء عليه في مقابلة النعمة واستعمالها فيما خلقت له ، ~~وطاعته فيما أمر به (1). # ثم بين سبحانه حسن عاقبة الشكر وسوء عاقبة الجحود فقال : ( @QUR@011 ومن ~~يشكر فإنما يشكر لنفسه ، ومن كفر فإن الله غني حميد ). # أى : ومن يشكر الله تعالى على نعمه ، فإن نفع شكره إنما يعود إليه ، ومن ~~جحد نعم الله تعالى واستحب الكفر على الإيمان ، فالله تعالى غنى عنه وعن ~~غيره ، حقيق بالحمد من سائر خلقه لإنعامه عليهم بالنعم التي لا تعد ولا ~~تحصى : فحميد بمعنى محمود. # فالجملة الكريمة المقصود بها ، بيان غنى الله تعالى عن خلقه ، وعدم ~~انتفاعه بطاعتهم ، لأن منفعتها راجعة إليهم ، وعدم تضرره بمعصيتهم. وإنما ~~ضرر ذلك يعود عليهم. وعبر سبحانه في جانب الشكر بالفعل المضارع ، للإشارة ~~إلى أن من شأن الشاكرين أنهم دائما على تذكر لنعم الله تعالى ، وإذا ما ~~غفلوا عن ذلك لفترة من الوقت ، عادوا إلى طاعته سبحانه وشكره. # وعبر في جانب الكفر بالفعل الماضي ، للإشعار بأنه لا يصح ولا ينبغي من أى ~~عاقل ، بل كل عاقل عليه أن يهجر ذلك هجرا تاما ، وأن يجعله في خبر كان. # وجواب الشرط محذوف ، وقد قام مقامه قوله تعالى : ( @QUR@04 فإن الله غني ~~حميد ) والتقدير : ومن كفر فضرر كفره ms4512 راجع إليه. لأن الله تعالى غنى حميد. # ثم حكى سبحانه ما قاله لقمان لابنه على سبيل النصيحة والإرشاد فقال تعالى ~~: ( @QUR@015 وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه ، يا بني لا تشرك بالله ، إن ~~الشرك لظلم عظيم ). # وقوله ( @QUR@01 يعظه ) من الوعظ ، وهو الزجر المقترن بالتخويف. وقيل : ~~هو التذكير بوجوه الخير بأسلوب يرق له القلب. # قالوا : واسم ابنه «ثاران» أو «ماثان» أى : واذكر أيها العاقل لتعتبر ~~وتنتفع ، وقت أن قال لقمان لابنه وهو يعظه ، ويرشده إلى وجوه الخير بألطف ~~عبارة : يا بنى ( @QUR@03 لا تشرك بالله ) تعالى لا في عبادتك ، ولا في ~~قولك ، ولا في عملك ، بل أخلص كل ذلك لخالقك عز وجل . PageV11P118 # وفي ندائه بلفظ ( @QUR@02 يا بني ) إشفاق عليه. ومحبة له ، فالمراد ~~بالتصغير إظهار الحنو عليه ، والحرص على منفعته. # قيل : وكان ابنه كافرا فما زال يعظه حتى أسلم. وقيل : بل كان مسلما ، ~~والنهى عن الشرك المقصود به ، المداومة على ما هو عليه من إيمان وطاعة لله ~~رب العالمين. # وجملة ( @QUR@04 إن الشرك لظلم عظيم ) تعليل للنهى. أى : يا بنى حذار أن ~~تشرك بالله في قولك أو فعلك ، إن الشرك بالله تعالى لظلم عظيم ، لأنه وضع ~~للأمور في غير موضعها الصحيح ، وتسوية في العبادة بين الخالق والمخلوق. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 ووصينا الإنسان بوالديه ) @QUR@01 .. كلام ~~مستأنف ، جيء به على سبيل الاعتراض في أثناء وصية لقمان لابنه ، لبيان سمو ~~منزلة الوالدين ، ولأن القرآن كثيرا ما يقرن بين الأمر بوحدانية الله تعالى ~~، والأمر بالإحسان إلى الوالدين. # ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@08 وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين ~~إحسانا ) @QUR@01 .. (1). # وقوله عز وجل : ( @QUR@013 قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ، ألا تشركوا ~~به شيئا ، وبالوالدين إحسانا ) @QUR@01 .. (2). أى : أمرنا كل إنسان أن ~~يكون بارا بأبويه ، وأن يحسن إليهما ، وأن يطيع أمرهما في المعروف. # ثم بين سبحانه ما بذلته الأم من جهد يوجب الإحسان إليها فقال : ( @QUR@05 ~~حملته أمه وهنا على وهن ) أى : حملته أمه في بطنها وهي تزداد في كل يوم ~~ضعفا على ضعف ، بسب زيادة وزنه ، وكبر حجمه ، وتعرضها لألوان من التعب ms4513 خلال ~~حمله ووضعه. # والوهن : الضعف. يقال : وهن فلان يهن وهنا. إذا ضعف. ولفظ «وهنا» حال من ~~أمه بتقدير مضاف. أى : حملته أمه ذات وهن ، أو مصدر مؤكد لفعل هو الحال. أى ~~: تهن وهنا. وقوله : ( @QUR@02 على وهن ) متعلق بمحذوف صفة للمصدر. أى : ~~وهنا كائنا على وهن. وقوله : ( @QUR@03 وفصاله في عامين ) بيان لمدة ~~إرضاعه. والفصال : الفطام عن الرضاع. # أى : وفطام المولود عن الرضاعة يتم بانقضاء عامين من ولادته ، كما قال ~~تعالى : ( @QUR@010 والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم ~~الرضاعة. ) @QUR@01 .. (3). PageV11P119 # وهاتان الجملتان ( @QUR@08 حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين ) ~~جاءتا بعد الوصية بالوالدين عموما ، تأكيدا لحق الأم ، وبيانا لما تبذله من ~~جهد شاق في سبيل أولادها ، تستحق من أجله كل رعاية وتكريم وإحسان. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : فقوله : ( @QUR@08 حملته أمه وهنا على وهن ~~وفصاله في عامين ) كيف اعترض به بين المفسر والمفسر؟ # قلت : لما وصى بالوالدين : ذكر ما تكابده الأم وتعانيه من المشاق ~~والمتاعب في حمله وفصاله هذه المدة المتطاولة ، إيجابا للتوصية بالوالدة ~~خصوصا وتذكيرا بحقها العظيم مفردا ، ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لمن قال له : من أبر؟ قال : «أمك ثم أمك ثم أمك ، ثم قال بعد ذلك : «ثم ~~أباك» (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير ) بيان لما ~~تستلزمه الوصية بالوالدين أى : وصينا الإنسان بوالديه حسنا ، وقلنا له : ~~اشكر لخالقك فضله عليك ، بأن تخلص له العبادة والطاعة ، واشكر لوالديك ما ~~تحملاه من أجلك من تعب ، بأن تحسن إليهما ، واعلم أن مصيرك إلى خالقك عز وجل ~~وسيحاسبك على أعمالك ، وسيجازيك عليها بما تستحقه من ثواب أو عقاب. # ثم بين سبحانه حدود الطاعة للوالدين فقال : ( @QUR@013 وإن جاهداك على أن ~~تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ).. # والجملة الكريمة معطوفة على قوله ( @QUR@01 ووصينا. ) @QUR@01 .. بإضمار ~~القول. أى : ووصينا الإنسان بوالديه. وقلنا له : ( @QUR@02 وإن جاهداك ) أى ~~: وإن حملاك ( @QUR@04 على أن تشرك بي ) في العبادة أو الطاعة ، ( @QUR@07 ~~ما ليس لك به علم فلا تطعهما ) في ذلك ، فإنه ms4514 لا طاعة لمخلوق في معصية ~~الخالق. # وجملة ( @QUR@05 ما ليس لك به علم ) لبيان الواقع ، فلا مفهوم لها ، إذ ~~ليس هناك من إله يعلم سوى الله عز وجل . # ثم أمر سبحانه بمصاحبتهما بالمعروف حتى مع كفرهما فقال : ( @QUR@04 ~~وصاحبهما في الدنيا معروفا ). # أى : إن حملاك على الشرك. فلا تطعهما ، ومع ذلك فصاحبهما في الأمور ~~الدنيوية التي لا تتعلق بالدين مصاحبة كريمة حسنة ، يرتضيها الشرع ، ~~وتقتضيها مكارم الأخلاق. PageV11P120 # وقوله ( @QUR@01 معروفا ) صفة لمصدر محذوف. أى : صحابا معروفا. أو منصوب ~~بنزع الخافض. أى : بالمعروف. # ثم أرشد سبحانه إلى وجوب اتباع أهل الحق فقال : ( @QUR@05 واتبع سبيل من ~~أناب إلي ) @QUR@01 .. . أى : واتبع أيها العاقل طريق الصالحين من عبادي ، ~~الذين رجعوا إلى بالتوبة والإنابة والطاعة والإخلاص. # ( @QUR@03 ثم إلي مرجعكم ) جميعا يوم القيامة أيها الناس ( @QUR@04 ~~فأنبئكم بما كنتم تعملون ) في الدنيا ، وأجازى كل إنسان على حسب عمله : ( ~~@QUR@012 فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ). # قال القرطبي ما ملخصه : وهاتان الآيتان نزلتا في شأن سعد بن أبى وقاص لما ~~أسلم ، وأن أمه حلفت أن لا تأكل طعاما حتى تموت .. وفيهما دليل على صلة ~~الأبوين الكافرين ، بما أمكن من المال إن كانا فقيرين .. وقد قالت أسماء ~~بنت أبى بكر الصديق ، للنبي صلى الله عليه وسلم وقد قدمت عليها خالتها وقيل : ~~أمها من الرضاعة : يا رسول الله ، إن أمى قدمت على وهي راغبة أفأصلها؟ قال ~~: «نعم» وراغبة قيل معناه : عن الإسلام ، أو راغبة في الصلة (1). # ثم ذكر سبحانه بقية الوصايا التي أوصى بها لقمان ابنه فقال : ( @QUR@021 ~~يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل ، فتكن في صخرة ، أو في السماوات ، أو ~~في الأرض ، يأت بها الله ).. # والضمير في قوله : ( @QUR@01 إنها ) يعود إلى الفعلة التي يفعلها من خير ~~أو شر. و ( @QUR@01 تك ) مجزوم بسكون النون المحذوفة ، وهو فعل الشرط. ~~والجواب : «يأت بها الله» والمثقال : أقل ما يوزن به الشيء. والخردل : في ~~غاية الصغر والدقة. # والمعنى : يا بنى إن ما تفعله من حسنة أو سيئة ، سواء أكان في ms4515 نهاية ~~القلة والصغر ، كمثال حبة من خردل ، أم كان هذا الشيء القليل مخبوءا في ~~صخرة من الصخور الملقاة في فجاج الأرض ، أم كان في السموات أم في الأرض ، ~~فإن الله تعالى يعلمه ويحضره ويجازى عليه ( @QUR@02 إن الله ) تعالى لطيف ~~خبير أى : محيط بجميع الأشياء جليلها وحقيرها ، عظيمها وصغيرها. # فالمقصود من الآية الكريمة ، غرس الهيبة والخشية والمراقبة لله تعالى : ~~لأنه سبحانه لا يخفى عليه شيء في هذا الكون ، مهما دق وقل وتخفى في أعماق ~~الأرض أو السماء. PageV11P121 # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@020 ونضع الموازين القسط ليوم ~~القيامة فلا تظلم نفس شيئا ، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها ، وكفى ~~بنا حاسبين ) (1). # ثم أمره بالمحافظة على الصلاة وبالأمر بالمعروف ، وبالنهى عن المنكر ~~وبالصبر على الأذى ، فقال : ( @QUR@04 يا بني أقم الصلاة ) أى : واظب على ~~أدائها في أوقاتها بخشوع وإخلاص لله رب العالمين. # ( @QUR@02 وأمر بالمعروف ) أى بكل ما حض الشرع على قوله أو فعله ( ~~@QUR@03 وانه عن المنكر ) أى : عن كل ما نهى الشرع عن قوله أو فعله. # ( @QUR@04 واصبر على ما أصابك ) من الأذى ، فإن الحياة مليئة بالشدائد ~~والمحن والراحة إنما هي في الجنة فقط. # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@05 إن ذلك من عزم الأمور ) يعود إلى ~~الطاعات المذكورة قبله. # وعزم الأمور : أعاليها ومكارمها. أو المراد بها ما أوجبه الله تعالى على ~~الإنسان. # قال صاحب الكشاف : ( @QUR@02 إن ذلك ) مما عزمه الله من الأمور ، أى : ~~قطعه قطع إيجاب وإلزام .. ومنه الحديث : «إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما ~~يحب أن يؤخذ بعزائمه» ومنه عزمات الملوك ، وذلك أن يقول الملك لبعض من تحت ~~يده ، عزمت عليك إلا فعلت كذا. فإذا قال ذلك لم يكن للمعزوم عليه بد من ~~فعله ، ولا مندوحة في تركه. # وناهيك بهذه الآية مؤذنة بقدم هذه الطاعات ، وأنها كانت مأمورا بها في ~~سائر الأمم ، وأن الصلاة لم تزل عظيمة الشأن ، سابقة القدم على ما سواها (2). # ثم نهاه عن التكبر والغرور والتعالي على الناس فقال : ( @QUR@04 ولا تصعر ~~خدك للناس ) @QUR@01 .. . # والصعر في الأصل : مرض يصيب البعير ms4516 فيجعله معوج العنق ، والمراد به هنا ، ~~التكبر واحتقار الناس ، ومنه قول الشاعر : # وكنا إذا الجبار صعر خده %~% مشينا إليه بالسيوف نعاتبه # أى : ولا تمل صفحة وجهك عن الناس ، ولا تتعالى عليهم كما يفعل المتكبرون ~~والمغرورون ، بل كن هينا لينا متواضعا ، كما هو شأن العقلاء .. # ( @QUR@05 ولا تمش في الأرض مرحا ) أى : ولا تمش في الأرض مشية المختالين ~~المعجبين PageV11P122 # بأنفسهم. و ( @QUR@01 مرحا ) مصدر وقع موقع الحال على سبيل المبالغة ، أو ~~هو مفعول مطلق لفعل محذوف. أى : تمرح مرحا. والجملة في موضع الحال. أو ~~مفعول لأجله. أى : من أجل المرح. # وقوله : ( @QUR@07 إن الله لا يحب كل مختال فخور ) تعليل للنهى. والمختال ~~: المتكبر الذي يختال في مشيته ، ومنه قولهم : فلان يمشى الخيلاء. أى يمشى ~~مشية المغرور المعجب بنفسه. # والفخور : المتباهى على الناس بماله أو جاهه أو منصبه .. يقال فخر فلان ~~كمنع فهو فاخر وفخور ، إذا تفاخر بما عنده على الناس ، على سبيل التطاول ~~عليهم ، والتنقيص من شأنهم. # أى : إن الله تعالى لا يحب من كان متكبرا على الناس ، متفاخرا بماله أو جاهه. # ثم أمر بالقصد والاعتدال في كل أموره فقال : ( @QUR@03 واقصد في مشيك ) ~~أى وكن معتدلا في مشيك ، بحيث لا تبطئ ولا تسرع. من القصد وهو التوسط في ~~الأمور. # ( @QUR@03 واغضض من صوتك ) واخفض من صوتك فلا ترفعه إلا إذا استدعى الأمر ~~رفعه ، فإن غض الصوت عند المحادثة فيه أدب وثقة بالنفس ، واطمئنان إلى صدق ~~الحديث واستقامته. # وكان أهل الجاهلية يتفاخرون بجهارة الصوت وارتفاعه ، فنهى المؤمنون عن ~~ذلك ، ومدح سبحانه الذين يخفضون أصواتهم في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال : ( @QUR@017 إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ، أولئك الذين ~~امتحن الله قلوبهم للتقوى ، لهم مغفرة وأجر عظيم ). # وقوله تعالى ( @QUR@05 إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ) تعليل للأمر بخفض ~~الصوت ، وللنهى عن رفعه بدون موجب. # أى : إن أقبح الأصوات وأبشعها لهو صوت الحمير ، فالجملة الكريمة حض على ~~غض الصوت بأبلغ وجه وآكده ، حيث شبه سبحانه الرافعين لأصواتهم في غير حاجة ~~إلى ذلك ، بأصوات الحمير التي ms4517 هي مثار السخرية مع النفور منها. # وهكذا نجد أن لقمان قد أوصى ابنه بجملة من الوصايا السامية النافعة ، فقد ~~أمره أولا بإخلاص العبادة لله تعالى ثم غرس في قلبه الخوف من الله عز وجل ، ~~ثم حضه على إقامة الصلاة ، وعلى الأمر بالمعروف ، والنهى عن المنكر ، وعلى ~~الصبر على الأذى ، ثم نهاه عن الغرور والتكبر والافتخار ، وعن رفع الصوت ~~بدون مقتض لذلك. # وبتنفيذ هذه الوصايا ، يسعد الأفراد ، وترقى المجتمعات. PageV11P123 # ثم ذكر سبحانه بعض النعم التي أنعم بها على الناس ، ودعا المنحرفين عن ~~الحق إلى ترك المجادلة بالباطل ، وإلى مخالفة الشيطان ، فقال تعالى : # ( @QUR@030 ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ ~~عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا ~~كتاب منير (20) @QUR@021 وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ~~ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير ) (21) # والخطاب في قوله تعالى : ( @QUR@012 ألم تروا أن الله سخر لكم ما في ~~السماوات وما في الأرض ) @QUR@01 .. لأولئك المشركين الذين استحبوا العمى ~~على الهدى ، واشتروا لهو الحديث ليضلوا غيرهم عن طريق الحق. # وسخر : من التسخير ، بمعنى التذليل والتكليف ، يقال : سخر فلان فلانا ~~تسخيرا ، إذا كلفه عملا بلا أجرة ، والمراد به هنا : الإعداد والتهيئة لما ~~يراد الانتفاع به. # والاستفهام لتقرير الواقع وتأكيده. أى : لقد رأيتم أيها الناس وشاهدتم أن ~~الله تعالى سخر لمنفعتكم ومصلحتكم ما في السموات من شمس وقمر ونجوم .. وما ~~في الأرض من زرع وأشجار وحيوانات وجبال .. وما دام الأمر كذلك فاشكروا الله ~~تعالى على هذا التسخير ، وأخلصوا له العبادة والطاعة. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ) معطوف على ما قبله. # وقوله : ( @QUR@01 وأسبغ ) بمعنى أتم وأكمل عليكم نعمه : وهي ما ينتفع به ~~الإنسان ويستلذه من الحلال. # والنعمة الظاهرة : هي النعمة المشاهدة المحسوسة كنعمة السمع والبصر وحسن ~~الهيئة والمال ، والجاه ، وما يشبه ذلك مما يراه الإنسان ويشاهده. # والنعمة الباطنة : هي النعمة الخفية التي يجد الإنسان أثرها في نفسه ms4518 دون ~~أن يراها. كنعمة الإيمان بالله تعالى وإسلام الوجه له عز وجل ، والاتجاه إلى ~~مكارم الأخلاق ، والبعد عن رذائلها وسفسافها. PageV11P124 # وفي تفسير النعم الظاهرة والباطنة أقوال أخرى ، نرى أن ما ذكرناه أوجهها ~~وأجمعها (1). # ثم بين سبحانه ما عليه بعض الناس من جدال بالباطل فقال : ( @QUR@013 ومن ~~الناس من يجادل في الله بغير علم ، ولا هدى ، ولا كتاب منير ). # وقوله : ( @QUR@01 يجادل ) من الجدال بمعنى المفاوضة على سبيل المخاصمة ~~والمنازعة والمغالبة. مأخوذ من جدلت الحبل ، إذا أحكمت فتله ، فكأن ~~المتجادلين يحاول كل واحد منهما أن يقوى رأيه ، ويضعف رأى صاحبه. # والمراد من المجادلة في الله : المجادلة في ذاته وصفاته وتشريعاته .. # وقوله : ( @QUR@02 بغير علم ) حال من الفاعل في ( @QUR@01 يجادل )، وهي ~~حال موضحة لما تشعر به المجادلة هنا من الجهل والعناد. أى : ومن الناس قوم ~~استولى عليهم الجهل والعناد ، لأنهم يجادلون وينازعون في ذات الله ، وفي ~~صفاته ، وفي وحيه ، وفي تشريعاته .. بغير مستند من علم عقلي أو نقلي ، ~~وبغير «هدى» يهديه ويرشده إلى الحق ، وبغير ( @QUR@02 كتاب منير ) أى : ~~وبغير وحى ينير عقله وقلبه ، ويوضح له سبيل الرشاد. # فأنت ترى أن الآية الكريمة قد جردت هذا المجادل ، من أى مستند يستند إليه ~~في جداله ، سواء أكان هذا المستند عقليا أم نقليا ، بل أثبتت له الجهالة من ~~كل الجهات. # ثم بين سبحانه أن هؤلاء المجادلين بالباطل ، لم يكتفوا بذلك ، بل أضافوا ~~إلى رذائلهم السابقة رذائل أخرى منها العناد والتقليد الأعمى ، فقال ( ~~@QUR@07 وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله ) @QUR@01 .. . أى : وإذا قيل ~~لهؤلاء المجادلين بالباطل اتبعوا ما أنزله الله تعالى على نبيه ~~صلى الله عليه وسلم من قرآن كريم ، ومن وحى حكيم. # ( @QUR@01 قالوا ) على سبيل العناد والتقليد الأعمى ( @QUR@06 بل نتبع ما ~~وجدنا عليه آباءنا ) من عبادة الأصنام والأوثان ، والسير على طريقتهم التي ~~كانوا يسيرون عليها. # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير ) رد ~~عليهم ، وبيان لبطلان الاعتماد في العقيدة على مجرد تقليد الآباء. # والهمزة للاستفهام الإنكارى ، والواو للحال. أى : أيتبعون ما كان عليه ~~آباؤهم ، والحال أن ms4519 هذا الاتباع هو من وحى الشيطان الذي يقودهم إلى ما يؤدى ~~إلى عذاب السعير. # قال الآلوسى : وفي الآية دليل على المنع من التقليد لمن قدر على النظر. ~~وأما اتباع الغير PageV11P125 # في الدين بعد العلم بدليل ما أنه محق ، فاتباع في الحقيقة لما أنزل الله ~~تعالى وليس من التقليد المذموم في شيء ، وقد قال سبحانه : ( @QUR@07 فسئلوا ~~أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) (1). # ثم فصل سبحانه بعد ذلك حسن عاقبة الأخيار ، وسوء عاقبة الأشرار الذين لا ~~يحسنون التدبر في أنفسهم ، أو فيما حولهم ، فقال تعالى : # ( @QUR@015 ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى ~~وإلى الله عاقبة الأمور (22) @QUR@015 ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم ~~فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور (23) @QUR@07 نمتعهم قليلا ثم ~~نضطرهم إلى عذاب غليظ (24) @QUR@015 ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (25) @QUR@010 لله ما في ~~السماوات والأرض إن الله هو الغني الحميد ) (26) # وقوله تعالى : ( @QUR@07 ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن ) أى : ومن ~~يتجه إلى الله تعالى ويذعن لأمره ، ويخلص له العبادة ، وهو محسن في أقواله ~~وأفعاله. # من يفعل ذلك ( @QUR@04 فقد استمسك بالعروة الوثقى ) والعروة في أصل ~~معناها : تطلق على ما يتعلق بالشيء من عراه ، أى من الجهة التي يجب تعليقه ~~منها. وتجمع على عرا. # والعروة من الدلو مقبضه ، ومن الثوب : مدخل زره. # والوثقى : تأنيث الأوثق ، وهو الشيء المحكم الموثق. يقال : وثق بالضم ~~وثاقه ، أى : قوى وثبت فهو وثيق ، أى : ثابت محكم. # والمعنى : ومن يستسلم لأمر الله تعالى ويأتى بالأقوال والأفعال على وجه ~~حسن ، فقد PageV11P126 # ثبت أمره ، واستقام على الطريقة المثلى ، وأمسك من الدين بأقوى سبب ، ~~وأحكم رباط. # فقد شبه سبحانه المتوكل عليه في جميع أموره ، المحسن في أفعاله ، بمن ~~ترقى في حبل شاهق ، وتدلى منه ، فاستمسك بأوثق عروة ، من حبل متين مأمون ~~انقطاعه. # وخص سبحانه الوجه بالذكر ، لأنه أكرم الأعضاء وأعظمها حرمة ، فإذا خضع ~~الوجه الذي هو أكرم الأعضاء ، فغيره أكثر خضوعا. # وقوله : ( @QUR@04 وإلى الله عاقبة ms4520 الأمور ) أى : وإلى الله تعالى وحده ~~تصير الأمور ، وترجع إليه ، وتخضع لحكمه وإرادته. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 ومن كفر فلا يحزنك كفره. ) @QUR@01 .. تسلية ~~للرسول صلى الله عليه وسلم ، عما أصابه من حزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم. # أى : ومن استمر أيها الرسول على كفره بعد أن بلغته رسالتنا ودعوتنا ، فلا ~~يحزنك بعد ذلك بقاؤه على كفره وضلاله ، فأنت عليك البلاغ ، ونحن علينا ~~الحساب ، وإنك لا تهدى من أحببت ، ولكن الله يهدى من يشاء. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 إلينا مرجعهم ، فننبئهم بما عملوا. ) @QUR@01 ~~.. بيان لسوء مصيرهم. # أى : إلينا وحدنا مرجع هؤلاء الكافرين ، فنخبرهم بما عملوه في الدنيا من ~~أعمال سيئة ، ونجازيهم عليها بما يستحقونه من عقاب. # ( @QUR@02 إن الله ) تعالى ( @QUR@01 عليم ) علما تاما ( @QUR@02 بذات ~~الصدور ) أى : بمكنونات الصدور وخفاياها .. # ( @QUR@02 نمتعهم قليلا ) في هذه الحياة الدنيا. أى نمتعهم تمتيعا قليلا ~~في دنياهم ، بأن نعطيهم الأموال والأولاد على سبيل الاستدراج. # ( @QUR@05 ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ ) أى نعطيهم في حياتهم القصيرة ما ~~يتمتعون به من مال وصحة ... ثم نلجئهم وندفعهم دفعا يوم القيامة الى عذاب ~~مروع فظيع ، لضخامة ثقله ، وشدة وقعه. # والمراد بالاضطرار : الإلجاء والقسر والإلزام ، أى : أنهم لا يستطيعون ~~التفلت أو الانفكاك عن هذا العذاب الذي أعد لهم. # ووصف سبحانه العذاب بالغلظ ، لزيادة تهويله وشدته. فهو ثقيل عليهم ثقل ~~الأجرام الضخمة التي تهوى على رأس الإنسان ، فتشل حركته وتهلكه. # ثم بين سبحانه ما كان عليه هؤلاء الكافرون من تناقض بين أقوالهم وأفعالهم فقال : PageV11P127 # ( @QUR@02 ولئن سألتهم ) أيها الرسول الكريم ( @QUR@04 من خلق السماوات ~~والأرض ) وأوجدهما على هذا النظام البديع .. ( @QUR@01 ليقولن ) في الجواب ~~( @QUR@01 الله ) أى : الله تعالى هو الذي خلقهما ، وهو الذي أوجدهما. # ( @QUR@03 قل الحمد لله ) قل أيها الرسول الكريم الحمد لله تعالى وحده ، ~~حيث اعترفتم بأن خالقهما هو الله ، وما دام الأمر كذلك ، فكيف أشركتم معه ~~في العبادة غيره؟ إن قولكم هذا الذي تؤيده الفطرة ، ليتنافى مع ما أنتم ~~عليه من كفر وضلال. # وقوله سبحانه ( @QUR@04 بل أكثرهم لا يعلمون ) إضراب عن أقوالهم إلى بيان ~~واقعهم ، أى : بل أكثرهم لا يعلمون ms4521 الحقائق علما سليما ، وإنما هم يقولون ~~بألسنتهم ، وما يتباين تباينا تاما مع أفعالهم ، وهذا شأن الجاهلين ، الذين ~~انطمست بصائرهم .. # ثم بين سبحانه ما يدل على عظيم قدرته ، وشمول ملكه فقال : ( @QUR@05 لله ~~ما في السماوات والأرض ). أى : لله تعالى وحده ، ما في السموات وما في ~~الأرض ، خلقا ، وملكا ، وتصرفا .. # ( @QUR@04 إن الله هو الغني ) عن كل ما سواه ( @QUR@01 الحميد ) أى : ~~المحمود من أهل الأرض والسماء ، لأنه هو الخالق لكل شيء ، والرازق لكل شيء. # ثم ساق تعالى بعد ذلك ما يدل على شمول علمه ، ونفاذ قدرته ، فقال سبحانه : # ( @QUR@022 ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة ~~أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم (27) @QUR@011 ما خلقكم ولا ~~بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير ) (28) # قال ابن كثير : قال قتادة : قال المشركون : إنما هذا كلام يوشك أن ينفد ، ~~فقال تعالى ( @QUR@08 ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ) @QUR@01 .. . # وعن ابن عباس أن أحبار يهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم أرأيت قولك : ( ~~@QUR@06 وما أوتيتم من العلم إلا قليلا )؟ إيانا تريد أم قومك؟ فقال ~~صلى الله عليه وسلم : «كلا عنيت» فقالوا : ألست PageV11P128 # تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان لكل شيء؟ فقال ~~صلى الله عليه وسلم : «إنها في علم الله قليل ، وعندكم من ذلك ما يكفيكم» ~~وأنزل الله فيما سألوه عنه من ذلك : ( @QUR@08 ولو أن ما في الأرض من شجرة ~~أقلام ) (1). # و «لو» شرطية ، وجوابها «ما نفدت كلمات الله ..» و «من» في قوله ( @QUR@02 ~~من شجرة ) للبيان ، وفي الآية الكريمة كلام محذوف يدل عليه السياق. # والمعنى : ولو أن ما في الأرض من أشجار تحولت بغصونها وفروعها إلى أقلام ~~، ولو أن البحر أيضا تحول إلى مداد لتلك الأقلام ، وأمد هذا البحر بسبعة ~~أبحر أخرى. وكتبت بتلك الأقلام ، وبذلك المداد كلمات الله التي يحيط بها ~~علمه تعالى .. # لنفدت الأقلام ، ولنفد ماء البحر ، لتناهى كل ذلك ، وما نفدت كلمات الله ~~تعالى ولا معلوماته ، لعدم تناهيها. # ( @QUR@03 إن الله عزيز ) لا يعجزه ms4522 شيء ، ولا يغلبه غالب ( @QUR@01 حكيم ~~) في كل أقواله وأفعاله. # فالآية الكريمة المقصود منها بيان أن علم الله تعالى لا نهاية له ، وأن ~~مشيئته لا يقف أمامها شيء ، وكلماته لا أول لها ولا آخر. # وقال سبحانه ( @QUR@02 من شجرة ) بالإفراد ، لأن المراد تفصيل الشجر ~~واستقصاؤه شجرة فشجرة ، حتى لا تبقى واحدة من أنواع الأشجار إلا وتحولت إلى أقلام. # وجمع سبحانه الأقلام ، للتكثير ، أى : أقلام كثيرة يصعب عدها. # والمراد بالبحر : البحر المحيط بالأرض ، لأنه المتبادر من التعريف ، إذ ~~هو الفرد الكامل. # وإنما ذكرت السبعة بعد ذلك على وجه المبالغة دون إرادة الحصر ، وإلا فلو ~~اجتمعت عشرات البحار ما نفدت كلمات الله. # قال صاحب الكشاف فإن قلت : مقتضى الكلام أن يقال : ولو أن الشجر أقلام ، ~~والبحر مداد؟ قلت : أغنى عن ذكر المداد قوله ( @QUR@01 يمده ) لأنه من قولك ~~: مد الدواة وأمدها. جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة ، وجعل الأبحر السبعة ~~مملوءة مدادا ، فهي تصب فيه مدادها أبدا صبا لا ينقطع. # فإن قلت : الكلمات جمع قلة ، والموضع موضع التكثير لا التقليل ، فهلا قيل ~~: كلم الله؟. # قلت : معناه أن كلماته لا تفي بكتابتها البحار فكيف بكلمة؟ (2). PageV11P129 # وقال الآلوسى : والمراد بكلماته تعالى كلمات علمه سبحانه وحكمته. وقيل : ~~المراد بها : مقدوراته وعجائب خلقه ، والتي إذا أراد سبحانه شيئا منها قال ~~له : ( @QUR@02 كن فيكون ) (1). # ثم أتبع سبحانه ذلك بيان نفاذ قدرته فقال : ( @QUR@07 ما خلقكم ولا بعثكم ~~إلا كنفس واحدة. ) @QUR@01 .. . أى : ما خلقكم أيها الناس جميعا ، ولا ~~بعثكم يوم القيامة ، إلا كخلق نفس واحدة أو بعثها ، لأن قدرته عز وجل يتساوى ~~معها القليل والكثير ، والصغير والكبير ، قال تعالى ( @QUR@010 إنما أمره ~~إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ). # وقال سبحانه : ( @QUR@06 وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ). # ( @QUR@02 إن الله ) تعالى : ( @QUR@01 سميع ) لكل شيء ( @QUR@01 بصير ) ~~بأحوال خلقه لا يخفى عليه شيء منهم. # ثم ذكر سبحانه الناس بجانب من مظاهر قدرته ونعمه عليهم ، لكي يخلصوا له ~~العبادة والطاعة ، فقال تعالى : # ( @QUR@025 ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ~~وسخر الشمس والقمر ms4523 كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير (29) ~~@QUR@016 ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو ~~العلي الكبير (30) @QUR@019 ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله ~~ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (31) @QUR@022 وإذا غشيهم ~~موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما ~~يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور ) (32) PageV11P130 # والاستفهام في قوله سبحانه : ( @QUR@08 ألم تر أن الله يولج الليل في ~~النهار. ) @QUR@01 .. للتقرير. والخطاب لكل من يصلح له ليعتبر ويتعظ ، ~~ويخلص العبادة لله تعالى . # وقوله ( @QUR@01 يولج ) من الإيلاج بمعنى الإدخال. يقال : ولج فلان منزله ~~، إذا دخله ... # ثم استعير لزيادة زمان النهار في الليل وعكسه ، بحسب المطالع. # أى : لقد رأيت وشاهدت أيها العاقل أن الله تعالى ، يدخل الليل في النهار ~~، ويدخل النهار في الليل ، ويزيد في أحدهما وينقص من الآخر ، على حسب ~~مشيئته وحكمته .. # وأنه سبحانه ( @QUR@03 سخر الشمس والقمر ) @QUR@01 .. أى : ذللهما ~~وجعلهما لمنفعة الناس ومصلحتهم ، كما جعلهما يسيران هما والليل والنهار ، ~~بنظام بديع لا يتخلف. # وقوله : ( @QUR@05 كل يجري إلى أجل مسمى ) كل من الشمس والقمر يجريان في ~~مدارهما بنظام ثابت محكم ، إلى الوقت الذي حدده سبحانه لنهاية سيرهما ، وهو ~~يوم القيامة. قال ابن كثير : قوله : ( @QUR@03 إلى أجل مسمى ) قيل : إلى ~~غاية محدودة. # وقيل : إلى يوم القيامة ، وكلا المعنيين صحيح. ويستشهد للقول الأول بحديث ~~أبى ذر الذي في الصحيحين ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «يا أبا ذر ~~، أتدرى أين تذهب هذه الشمس؟ قلت : الله ورسوله أعلم. قال : فإنها تذهب ~~فتسجد تحت العرش ، ثم تستأذن ربها ، فيوشك أن يقال لها : ارجعي من حيث جئت» (1). # وقال الجمل : قوله : ( @QUR@03 إلى أجل مسمى ) قاله هنا بلفظ ( @QUR@01 ~~إلى )، وفي سورتي فاطر والزمر ، بلفظ «لأجل» ، لأن ما هنا وقع بين آيتين ~~دالتين على غاية ما ينتهى إليه الخلق ، وهما قوله : ( @QUR@04 ما خلقكم ولا ~~بعثكم. ) @QUR@01 .. الآية. وقوله ( @QUR@04 اتقوا ربكم واخشوا يوما ) ~~@QUR@01 .. الآية ، فناسب هنا ذكر إلى الدالة على الانتهاء ms4524 ، وما في فاطر ~~والزمر خال عن ذلك. إذ ما في فاطر لم يذكر مع ابتداء خلق ولا انتهائه ، وما ~~في الزمر ذكر مع ابتدائه ، فناسب ذكر اللام ، والمعنى يجرى كل كما ذكر ~~لبلوغ أجل مسمى (2). # وجملة ( @QUR@05 وأن الله بما تعملون خبير ) معطوفة على قوله : ( @QUR@03 ~~أن الله يولج ) @QUR@01 .. أى : لقد علمت أن الله تعالى قد فعل ذلك ، وأنه ~~سبحانه خبير ومطلع على كل عمل تعملونه أيها الناس دون أن يخفى عليه شيء منها. PageV11P131 # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@05 ذلك بأن الله هو الحق ) @QUR@01 .. ~~يعود إلى ما تقدم ذكره من إيلاج الليل في النهار ، وتسخير الشمس والقمر. ~~وهو مبتدأ. وقوله ( @QUR@04 بأن الله هو الحق ) خبره. والباء للسببية. أى : ~~ذلك الذي فعلناه سببه ، أن الله تعالى هو الإله الحق ، الذي لا إله سواه ، ~~وأن ما يدعون من دونه من آلهة أخرى هو ( @QUR@01 الباطل ) الذي لا يصح أن ~~يسمى بهذا الاسم ، لأنه مخلوق زائل متغير ، لا يضر ولا ينفع. # ثم ذكر سبحانه الناس بنعمة أخرى من نعمه التي لا تحصى فقال : ( @QUR@012 ~~ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله ليريكم من آياته ) @QUR@01 .. . # أى : ولقد علمت أيضا وشاهدت أيها العاقل حال السفن ، وهي تجرى في البحر ، ~~بمشيئة الله وقدرته ، وبلطفه ورحمته وإحسانه. ليطلعكم على بعض آياته الدالة ~~على باهر قدرته ، وسمو حكمته وسابغ نعمته. # ( @QUR@03 إن في ذلك ) الذي شاهدتموه وانتفعتم به من السفن وغيرها ( ~~@QUR@01 لآيات ) واضحات على قدرة الله تعالى ورحمته لعباده ( @QUR@02 لكل ~~صبار ) أى : لكل إنسان كثير الصبر ( @QUR@01 شكور ). أى : كثير الشكر لله ~~تعالى على نعمه ورحمته. # ثم بين سبحانه بعد ذلك أحوال الناس عند ما تحيط بهم المصائب وهم في وسط ~~البحر فقال : ( @QUR@09 وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين ). # وقوله ( @QUR@01 غشيهم ) من الغشاء بمعنى : الغطاء. فيقال : غشى الظلام ~~المكان ، إذا حل به وأصل «الموج» الحركة والازدحام. ومنه قولهم : ماج البحر ~~إذا اضطرب وارتفع ماؤه. والظلل : جمع ظلة كغرفة وغرف ، وهي ما أظل غيره من ~~سحاب أو جبل أو غيرهما. # أى ms4525 : وإذا ما ركب الناس في السفن ، وأحاطت بهم الأمواج من كل جانب ، ~~وأوشكت أن تعلوهم وتغطيهم ... في تلك الحالة لجئوا إلى الله تعالى وحده ، ~~يدعونه بإخلاص وطاعة وتضرع ، أن ينجيهم مما هم فيه من بلاء .. # ( @QUR@02 فلما نجاهم ) سبحانه بفضله وإحسانه ، وأوصلهم ( @QUR@02 إلى ~~البر ) انقسموا إلى قسمين ، أما القسم الأول ، فقد عبر عنه سبحانه بقوله : ~~( @QUR@02 فمنهم مقتصد ) أى : فمنهم من هو مقتصد ، أى : متوسط في عبادته ~~وطاعته ، يعيش حياته بين الخوف والرجاء. # قال ابن كثير : قال ابن زيد : هو المتوسط في العمل ، ثم قال ابن كثير : ~~وهذا الذي قاله ابن زيد هو المراد في قوله تعالى : ( @QUR@015 ثم أورثنا ~~الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ، فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ، ومنهم ~~سابق بالخيرات ) فالمقتصد هاهنا هو المتوسط في العمل. ويحتمل أن يكون مرادا ~~هنا أيضا ويكون من باب الإنكار على من شاهد تلك PageV11P132 # الأهوال ، والأمور العظام ، والآيات الباهرات في البحر ، ثم بعد ما أنعم ~~الله عليه من الخلاص ، كان ينبغي أن يقابل ذلك بالعمل التام ، والمبادرة ~~إلى الخيرات ، فمن اقتصد بعد ذلك كان مقصرا ، والحالة هذه (1). # وأما القسم الثاني فقد عبر عنه سبحانه بقوله : ( @QUR@07 وما يجحد ~~بآياتنا إلا كل ختار كفور ). # والختار : من الختر ، وهو أبشع وأقبح الغدر والخديعة. يقال : فلان خاتر ~~وختار وختير ، إذا كان شديد الغدر والنقض لعهوده ، ومنه قول الشاعر : # وإنك لو رأيت أبا عمير %~% ملأت يديك من غدر وختر # والكفور : هو الشديد الكفران والجحود لنعم الله تعالى . # أى : وما يجحد بآياتنا الدالة على قدرتنا ورحمتنا ، إلا من كان كثير ~~النقض لعهودنا ، شديد النكران لنعمنا. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بدعوة الناس إلا الاستعداد ليوم الحساب ~~وإلى مراقبة الله تعالى في كل أحوالهم ، لأنه سبحانه لا يخفى عليه شيء ~~منها. فقال : # ( @QUR@031 يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ~~ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ~~ولا يغرنكم بالله الغرور (33) @QUR@028 إن الله عنده علم الساعة وينزل ~~الغيث ويعلم ms4526 ما في الأرحام وما تدري نفس ما ذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي ~~أرض تموت إن الله عليم خبير ) (34) # والمعنى : ( @QUR@05 يا أيها الناس اتقوا ربكم ) بأن تطيعوه ولا تعصوه ، ~~وبأن تشكروه ولا تكفروه ، واخشوا يوما ، أى : وخافوا أهوال يوم عظيم. PageV11P133 # ( @QUR@05 لا يجزي والد عن ولده ) أى : لا يستطيع والد أن ينفع ولده بشيء ~~من النفع في هذا اليوم. أو أن يقضى عنه شيئا من الأشياء. # ( @QUR@07 ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ) أى : ولا يستطيع المولود ~~أيضا أن يدفع عن والده شيئا مما يحتاجه منه. # وخص سبحانه الوالد والمولود بالذكر ، لأن رابطة المحبة والمودة بينهما هي ~~أقوى الروابط وأوثقها ، فإذا انتفى النفع بينهما في هذا اليوم ، كان ~~انتفاؤه بالنسبة لغيرهما من باب أولى. # وقوله : ( @QUR@04 إن وعد الله حق ) أى : إن ما وعد الله تعالى به عباده ~~من البعث والحساب والثواب والعقاب ، حق وثابت ثبوتا لا يقبل الشك أو ~~التخلف. # وما دام الأمر كذلك ( @QUR@04 فلا تغرنكم الحياة الدنيا ) أى : فلا ~~تخدعنكم الحياة الدنيا بزخارفها وشهواتها ومتعها ، ولا تشغلنكم عن طاعة ~~الله تعالى وعن حسن الاستعداد لهذا اليوم الهائل الشديد. فإن الكيس الفطن ~~هو الذي يتزود لهذا اليوم بالإيمان الحق ، والعمل الصالح النافع. # ( @QUR@04 ولا يغرنكم بالله الغرور ) أى : ولا يصرفنكم الشيطان عن طاعة ~~الله ، وعن امتثال أمره. فالمراد بالغرور : الشيطان. أو كل ما يصرفك عن ~~طاعة الله تعالى. # قال الآلوسى : ( @QUR@04 ولا يغرنكم بالله الغرور ) أى : الشيطان ، كما ~~روى عن ابن عباس وغيره. بأن يحملكم على المعاصي بتزيينها لكم ... وعن أبى ~~عبيدة : كل شيء غرك حتى تعصى الله تعالى فهو غرور سواء أكان شيطانا أم غيره ~~وعلى ذلك ذهب الراغب فقال : الغرور كل ما يغر الإنسان من مال أو جاه أو ~~شهوة أو شيطان .. وأصل الغرور : من غر فلان فلانا ، إذا أصاب غرته ، أى : ~~غفلته ، ونال منه ما يريد. والمراد به الخداع .. # والظاهر أن «بالله» صلة «يغرنكم» أى : لا يخدعنكم بذكر شيء من شئونه ~~تعالى ، يجركم بها على معاصيه سبحانه (1). # ثم بين ms4527 سبحانه جانبا من الأمور التي استأثر عز وجل بعلمها فقال : ( ~~@QUR@05 إن الله عنده علم الساعة ) أى : عنده وحده علم وقتها ، وعلم قيامها ~~، كما قال تعالى : PageV11P134 # ( @QUR@015 يسئلونك عن الساعة أيان مرساها ، قل إنما علمها عند ربي ، لا ~~يجليها لوقتها إلا هو ) @QUR@01 .. (1). # ( @QUR@02 وينزل الغيث ) أى : وينزل بقدرته المطر ، ويعلم وحده وقت ~~نزوله. ( @QUR@04 ويعلم ما في الأرحام ) أى : ويعلم ما في أرحام الأمهات من ~~ذكر أو أنثى. # ( @QUR@03 وما تدري نفس ) من النفوس كائنة من كانت ( @QUR@04 ما ذا تكسب ~~غدا ) من خير أو شر ، ومن رزق قليل أو كثير ، لأنها لا تملك عمرها إلى الغد. # ( @QUR@03 وما تدري نفس ) من النفوس أيضا كائنة من كانت ( @QUR@03 بأي ~~أرض تموت ) أى : بأى مكان ينتهى أجلها. # ( @QUR@02 إن الله ) تعالى ( @QUR@01 عليم ) بكل شيء ( @QUR@01 خبير ) ~~بما يجرى في نفوس عباده. وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ، ~~جملة من الأحاديث والآثار ، منها ما رواه الإمام أحمد عن ابن عمر رضى الله ~~عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن ~~إلا الله ، ثم قرأ هذه الآية» .. # وعن مجاهد قال : جاء رجل من أهل البادية فقال للنبي صلى الله عليه وسلم : ~~«إن امرأتي حبلى فأخبرنى ما تلد؟ وبلادنا جدبة فأخبرنى متى ينزل الغيث؟ وقد ~~علمت متى ولدت فأخبرنى متى أموت؟ فأنزل الله الآية» (2). # وهذه الأمور الخمسة من الأمور التي استأثر الله تعالى بها على سبيل العلم ~~اليقيني الشامل المطابق للواقع .. # ولا مانع من أن يطلع الله تعالى بفضله وكرمه ، بعض أصفيائه على شيء منها. # وليست المغيبات محصورة في هذه الخمسة ، بل كل غيب لا يعلمه إلا الله ~~تعالى داخل فيما استأثر الله تعالى بعلمه ، وإنما خصت هذه الخمسة بالذكر ~~لأنها من أهم المغيبات ، أو لأن السؤال كان عنها. # وما يخبر به المنجم والطيب وعلماء الأرصاد الجوية من الأمور التي لم ~~تتكشف بعد ، فمبناه على الظن لا على اليقين ، وعلى احتمال الخطأ والصواب. # أما علم الله تعالى بهذه الأمور وغيرها ، فهو علم يقيني قطعى شامل. ms4528 لا ~~يحتمل الظن أو الشك أو الخطأ. PageV11P135 # وصدق الله إذ يقول : ( @QUR@011 وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ، وما ننزله ~~إلا بقدر معلوم ). # وبعد : فهذا تفسير محرر لسورة «لقمان» نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا ~~لوجهه ، ونافعا لعباده ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .. # القاهرة مدينة نصر PageV11P136 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة السجدة PageV11P137 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة # 1 سورة «السجدة» هي السورة الثانية والثلاثون في ترتيب المصحف ، وكان ~~نزولها بعد سورة «المؤمنون» ، أى : أنها من أواخر السور المكية. # قال الآلوسى ما ملخصه : وتسمى أيضا بسورة «المضاجع». وهي مكية ، كما روى ~~عن ابن عباس. # وروى عنه أنها مكية سوى ثلاث آيات ، تبدأ بقوله تعالى : ( @QUR@06 أفمن ~~كان مؤمنا كمن كان فاسقا. ) @QUR@01 .. وهي تسع وعشرون آية في البصري. ~~وثلاثون آية في المصاحف الباقية ...» (1). # ومن فضائل هذه السورة ما رواه الشيخان عن أبى هريرة قال : كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر يوم الجمعة ( @QUR@02 الم. تنزيل. ) @QUR@01 ~~.. السجدة. و ( @QUR@04 هل أتى على الإنسان. ) @QUR@01 .. . # وروى الإمام أحمد عن جابر قال : «كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى ~~يقرأ هذه السورة ، وسورة تبارك» (2). # 2 وتبدأ هذه السورة الكريمة ، بالثناء على القرآن الكريم ، وببيان أنه من ~~عند الله تعالى ، وبالرد على الذين زعموا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ~~افتراه من عند نفسه ... # ثم تسوق ألوانا من نعم الله تعالى على عباده ، ومن مظاهر قدرته ، وبديع ~~خلقه ، وشمول إرادته ، وإحسانه لكل شيء خلقه ( @QUR@016 ذلك عالم الغيب ~~والشهادة العزيز الرحيم. الذي أحسن كل شيء خلقه ، وبدأ خلق الإنسان من طين ). # 3 ثم تذكر السورة الكريمة بعد ذلك جانبا من شبهات المشركين حول البعث ~~والحساب ، وترد عليها بما يبطلها ، وتصور أحوالهم عند ما يقفون أمام خالقهم ~~للحساب تصويرا مؤثرا مرعبا قال تعالى : ( @QUR@016 ولو ترى إذ المجرمون ~~ناكسوا رؤسهم عند ربهم ، ربنا أبصرنا وسمعنا ، فارجعنا نعمل صالحا إنا ~~موقنون ). PageV11P139 # 4 وبعد أن تذكر السورة الكريمة ما أعده الله تعالى للمؤمنين من ثواب لا ~~تعلمه نفس من ms4529 الأنفس ، وما أعده للكافرين من عقاب .. بعد كل ذلك تبين أن ~~عدالته تعالى قد اقتضت عدم المساواة بين الأخيار والأشرار وإنما يجازى كل ~~إنسان على حسب عمله. # قال تعالى : ( @QUR@08 أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا ، لا يستوون ). # 5 ثم تشير السورة الكريمة بعد ذلك إلى ما أعطاه الله تعالى لنبيه موسى ~~عليه السلام من نعم ، وما منحه للصالحين من قومه من منن ، لكي يتأسى بهم ~~المؤمنون ( @QUR@024 ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه ، ~~وجعلناه هدى لبني إسرائيل. وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ، ~~وكانوا بآياتنا يوقنون ). # 6 ثم حضت السورة الكريمة المشركين على التدبر والتفكر في آيات الله تعالى ~~، ونهتهم عن الجحود والعناد ، وحكت جانبا من سفاهاتهم ، وأمرت النبي ~~صلى الله عليه وسلم بأن يرد عليهم ، وأن يمضى في طريقه دون أن يعير سفاهاتهم ~~اهتماما. # قال تعالى : ( @QUR@023 ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين. قل يوم ~~الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون. فأعرض عنهم وانتظر إنهم ~~منتظرون ). # 7 وبعد فهذا عرض إجمالى لسورة «السجدة» ومنه نرى أنها زاخرة بالأدلة على ~~وحدانية الله تعالى وقدرته ، وعلى أن القرآن حق ، والبعث حق ، والحساب حق ، ~~والجزاء حق .. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ||كتبه الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى| PageV11P140 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@01 الم (1) @QUR@08 تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (2) ~~@QUR@018 أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير ~~من قبلك لعلهم يهتدون (3) @QUR@024 الله الذي خلق السماوات والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع ~~أفلا تتذكرون (4) @QUR@017 يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في ~~يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون (5) @QUR@06 ذلك عالم الغيب والشهادة ~~العزيز الرحيم (6) @QUR@010 الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ~~(7) @QUR@08 ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين (8) @QUR@014 ثم سواه ms4530 ونفخ ~~فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ) (9) PageV11P141 # سورة السجدة من السور التي افتتحت ببعض حروف التهجي ، وقد سبق أن ذكرنا ~~آراء العلماء في ذلك بشيء من التفصيل عند تفسيرنا لسورة : البقرة ، وآل ~~عمران ، والأعراف ... # وقلنا ما ملخصه : إن أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف المقطعة ، ~~قد وردت في افتتاح بعض السور ، على سبيل الإيقاظ والتنبيه إلى إعجاز ~~القرآن. # فكأن الله تعالى يقول لأولئك الكافرين المعارضين في أن القرآن من عند ~~الله : هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم ~~ومنظوما من حروف ، وهي من جنس الحروف الهجائية التي تنظمون منها حروفكم. # فإن كنتم في شك من كونه منزلا من عند الله فهاتوا مثله ، وادعوا من شئتم ~~من الخلق لكي يعاونكم في ذلك ، أو هاتوا عشر سور من مثله ، أو سورة من مثله ... # ومع كل هذا التساهل في التحدي. فقد عجزوا وانقلبوا خاسرين ، وثبت بذلك أن ~~القرآن من عند الله تعالى وحده. # وقوله تعالى : ( @QUR@08 تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين ) بيان ~~لمصدر القرآن الكريم وأنه لا شك في كونه من عند الله عز وجل . # وقوله : ( @QUR@02 تنزيل الكتاب ) مبتدأ. وخبره ( @QUR@03 من رب العالمين ~~) وجملة ( @QUR@03 لا ريب فيه ) معترضة بينهما ، أو حال من الكتاب .. (1). # أى : تنزيل هذا الكتاب عليك أيها الرسول الكريم كائن من رب العالمين ، ~~وهذا أمر لا شك فيه ، ولا يخالطه ريب أو تردد عند كل عاقل. # وعجل سبحانه بنفي الريب ، حيث جعله بين المبتدأ والخبر ، لبيان أن هذه ~~القضية ليست محلا للشك أو الريب ، وأن كل منصف يعلم أن هذا القرآن من رب ~~العالمين. # و «أم» في قوله تعالى : ( @QUR@03 أم يقولون افتراه ) هي المنقطعة التي ~~بمعنى بل والهمزة. والاستفهام للتعجيب من قولهم وإنكاره. # والافتراء : الاختلاق. يقال : فلان افترى الكذب ، أى : اختلقه. وأصله من ~~الفري بمعنى قطع الجلد ، وأكثر ما يكون للإفساد. # والمعنى : بل أيقول هؤلاء المشركون ، إن محمدا صلى الله عليه وسلم ، قد ~~افترى هذا القرآن ، واختلقه ms4531 من عند نفسه ...؟ PageV11P142 # وقوله عز وجل : ( @QUR@05 بل هو الحق من ربك ) رد على أقوالهم الباطلة. # أى : لا تستمع أيها الرسول الكريم إلى أقاويلهم الفاسدة ، فإن هذا القرآن ~~هو الحق الصادر إليك من ربك عز وجل . # ثم بين سبحانه الحكمة في إرساله صلى الله عليه وسلم وفي إنزال القرآن عليه ~~فقال : ( @QUR@010 لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون ). # والإنذار : هو التخويف من ارتكاب شيء تسوء عاقبته. و «ما» نافية. و «نذير» ~~فاعل «أتاهم» و «من» مزيدة للتأكيد. # أى : هذا القرآن يا محمد هو معجزتك الكبرى ، وقد أنزلناه إليك لتنذر قوما ~~لم يأتهم نذير من قبلك بما جئتهم به من هدايات وإرشادات وآداب. # وقد فعلنا ذلك رجاء أن يهتدوا إلى الصراط المستقيم ، ويستقبلوا دعوتك ~~بالطاعة والاستجابة لما تدعوهم إليه. # ولا يقال : إن إسماعيل عليه السلام قد أرسل إلى آباء هؤلاء العرب الذين ~~أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم ، لأن رسالة إسماعيل قد اندرست بطول ~~الزمن ، ولم ينقلها الخلف عن السلف ، فكانت رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~إلى قومه ، جديدة في منهجها وأحكامها وتشريعاتها. # ثم أثنى سبحانه على ذاته ، بما يستحقه من إجلال وتعظيم وتقديس فقال : ( ~~@QUR@010 الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام. ) @QUR@01 .. . # والأيام جمع يوم ، واليوم في اللغة : مطلق الوقت ، أى : في ستة أوقات لا ~~يعلم مقدارها إلا الله تعالى . # وهو سبحانه قادر على أن يخلق السموات والأرض وما بينهما في لمحة أو لحظة ~~، ولكنه عز وجل خلقهن في تلك الأوقات ، لكي يعلم عباده التأنى والتثبت في ~~الأمور. # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@02 ستة أيام ) قال الحسن : من أيام ~~الدنيا. وقال ابن عباس : إن اليوم من الأيام الستة ، التي خلق الله فيها ~~السموات والأرض ، مقداره ألف سنة من سنى الدنيا .. (1). # وقال بعض العلماء ما ملخصه : وليست هذه الأيام من أيام هذه الأرض التي ~~نعرفها ، إذ PageV11P143 # أيام هذه الأرض ، مقياس زمنى ناشئ من دورة هذه الأرض حول نفسها أمام ~~الشمس مرة ، تؤلف ليلا ونهارا على هذه ms4532 الأرض .. وهو مقياس يصلح لنا نحن ~~أبناء هذه الأرض الصغيرة الضئيلة. أما حقيقة هذه الأيام الستة المذكورة في ~~القرآن ، فعلمها عند الله. ولا سبيل لنا إلى تحديدها وتعيين مقدارها ، فهي ~~من أيام الله التي يقول عنها : ( @QUR@08 وإن يوما عند ربك كألف سنة مما ~~تعدون ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 ثم استوى على العرش ) إشارة إلى استعلائه ~~وهيمنته على شئون خلقه. # وقال بعض العلماء : وعرش الله تعالى مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم .. ~~وقد ذكر في إحدى وعشرين آية. وذكر الاستواء على العرش في سبع آيات. # أما الاستواء على العرش ، فذهب سلف الأمة ، إلى أنه صفة الله تعالى بلا ~~كيف ولا انحصار ولا تشبيه ولا تمثيل ، لاستحالة اتصافه سبحانه بصفات ~~المحدثين ، ولوجوب تنزيهه عما لا يليق به : ( @QUR@06 ليس كمثله شيء وهو ~~السميع البصير ). # وأنه يجب الإيمان بها كما وردت ، وتفويض العلم بحقيقتها إليه تعالى . # قال الإمام مالك : الكيف غير معقول ، والاستواء غير مجهول ، والإيمان به ~~واجب ، والسؤال عنه بدعة. # وقال محمد بن الحسن : اتفق الفقهاء جميعا على الإيمان بالصفات ، من غير ~~تفسير ولا تشبيه. # وقال الإمام الرازي : إن هذا المذهب هو الذي نقول به ونختاره ونعتمد عليه ~~..» (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@010 ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون ~~) أى : ليس لكم أيها الناس إذا تجاوزتم حدوده عز وجل ( @QUR@02 من ولي ) أى ~~: من ناصر ينصركم إن أراد عقابكم ، ( @QUR@02 ولا شفيع ) يشفع لكم عنده لكي ~~يعفو عنكم ، أفلا تعقلون هذه المعاني الواضحة ، وتسمعون هذه المواعظ ~~البليغة ، التي من شأنها أن تحملكم على التذكر والاعتبار والطاعة التامة ~~لله رب العالمين. # فالآية الكريمة جمعت في توجيهاتها الحكيمة ، بين مظاهر قدرة الله تعالى ، ~~وبين الترهيب من معصيته ومخالفة أمره ، وبين الحض على التذكر والاعتبار. PageV11P144 # ثم أضاف سبحانه إلى ما سبق أن وصف به ذاته ، صفات أخرى تليق بجلاله ، ~~فقال : ( @QUR@017 يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ، ثم يعرج إليه في يوم ~~كان مقداره ألف سنة مما تعدون ). # وقوله تعالى : ( @QUR@01 يدبر ) من التدبير بمعنى الإحكام والإتقان ، ~~والمراد به هنا : إيجاد ms4533 الأشياء على هذا النحو البديع الحكيم الذي نشاهده ، ~~وأصل التدبير : النظر في أعقاب الأمور محمودة العاقبة. # وقوله : ( @QUR@01 يعرج ) من العروج بمعنى الصعود والارتفاع والصيرورة ~~إليه تعالى . # والضمير في «إليه» يعود إلى الأمر الذي دبره وأحكمه سبحانه . # أى : أن الله تعالى هو الذي يحكم شئون الدنيا السماوية والأرضية إلى أن ~~تقوم الساعة ، وهو الذي يجعلها على تلك الصورة البديعة المتقنة ، ثم تصعد ~~إليه تعالى تلك الأمور والشئون المدبرة ، في يوم ، عظيم هو يوم القيامة ( ~~@QUR@06 كان مقداره ألف سنة مما تعدون ) من أيام الدنيا. # قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله : ( @QUR@04 من السماء إلى الأرض ) متعلقان ~~بقوله : ( @QUR@01 يدبر ) ومن ابتدائية ، وإلى انتهائية. أى : يريده تعالى ~~على وجه الإتقان ومراعاة الحكمة ، منزلا له من السماء إلى الأرض. وإنزاله ~~من السماء باعتبار أسبابه ، فإن أسبابه سماوية من الملائكة وغيرهم. # وقوله ( @QUR@03 ثم يعرج إليه ) أى : ذلك الأمر بعد تدبيره. وهذا العروج ~~مجاز عن ثبوته في علمه .. أو عن كتابته في صحف الملائكة بأمره تعالى (1). # وقال بعض العلماء : وقد ذكر سبحانه هنا أنه ( @QUR@017 يدبر الأمر من ~~السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ). ~~وذكر في سورة الحج ( @QUR@08 وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ). وذكر ~~في سورة المعارج ( @QUR@011 تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره ~~خمسين ألف سنة ) والجمع بين هذه الآيات من وجهين : # الأول : ما جاء عن ابن عباس من أن يوم الألف في سورة الحج ، هو أحد ~~الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض. ويوم الألف في سورة ~~السجدة ، هو مقدار سير الأمر وعروجه إليه تعالى ، ويوم الخمسين ألفا في ~~سورة المعارج هو يوم القيامة. PageV11P145 # الثاني : أن المراد بجميعها يوم القيامة ، وأن الاختلاف باعتبار حال ~~المؤمن والكافر ويدل لهذا الوجه قوله تعالى : ( @QUR@08 فذلك يومئذ يوم ~~عسير ، على الكافرين غير يسير ) (1). # أى : أن يوم القيامة يتفاوت طوله بحسب اختلاف الشدة ، فهو يعادل في حالة ~~ألف سنة من سنى الدنيا ، ويعادل في حالة أخرى خمسين ألف سنة. # واسم ms4534 الإشارة في قوله ( @QUR@06 ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم ) ~~يعود إلى الله تعالى ، وهو مبتدأ ، وما بعده أخبار له عز وجل . # أى : ذلك الذي اتصف بتلك الصفات الجليلة ، وفعل تلك الأفعال المتقنة ~~الحكيمة ، هو الله تعالى ، ( @QUR@03 عالم الغيب والشهادة ) أى : عالم كل ~~ما غاب عن الحس ، وكل ما هو مشاهد له ، لا يخفى عليه شيء مما ظهر أو بطن ( ~~@QUR@01 العزيز ) الذي لا يغلبه غالب ( @QUR@01 الرحيم ) بعباده. # ( @QUR@05 الذي أحسن كل شيء خلقه ) أى : الذي أحكم وأتقن كل شيء خلقه ~~وأوجده في هذا الكون ، لأنه سبحانه أوجده على النحو الذي تقتضيه حكمته ، ~~وتستدعيه مصلحة عباده. # قال الشوكانى : وقرأ الجمهور ( @QUR@01 خلقه ) بفتح اللام على أنه فعل ~~ماض صفة لشيء ، فهو في محل جر. أو صفة للمضاف فيكون في محل نصب. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ابن عامر : ( @QUR@01 خلقه ) بسكون اللام وفي ~~نصبه أوجه : الأول : أن يكون بدلا من ( @QUR@02 كل شيء ) بدل اشتمال ، ~~والضمير عائد على كل شيء ، وهذا هو المشهور ... (2). # والمراد بالإنسان في قوله تعالى : ( @QUR@05 وبدأ خلق الإنسان من طين ) ~~آدم عليه السلام ، أى وبدأ خلق أبيكم آدم من طين ، فصار على أحسن صورة ، ~~وأبدع شكل ( @QUR@03 ثم جعل نسله ) أى : ذريته ، وسميت بذلك لأنها تنسل ~~وتنفصل منه. # ( @QUR@02 من سلالة ) أى : من خلاصة ، وأصلها ما يسل ويخلص بالتصفية. # ( @QUR@03 من ماء مهين ) أى : ممتهن لا يهتم بشأنه ، ولا يعتنى به ، ~~والمقصود به : المنى الذي يخرج من الرجل. PageV11P146 # ( @QUR@02 ثم سواه ) أى : هذا المخلوق الذي أوجده من طين ، أو من ماء ~~مهين. والمراد : ثم عدل خلقه ، وسوى شكله ، وناسب بين أعضائه ، وأتمه في ~~أحسن صورة ... # ( @QUR@02 ونفخ فيه ) سبحانه ( @QUR@02 من روحه ) أى : من قدرته ورحمته ، ~~التي صار بها هذا الإنسان إنسانا كاملا في أحسن تقويم. # وإضافة الروح إليه تعالى للتشريف والتكريم لهذا المخلوق ، كما في قولهم ~~بيت الله. # ( @QUR@02 وجعل لكم ) بعد ذلك ( @QUR@01 السمع ) الذي تسمعون به ( ~~@QUR@01 والأبصار ) التي تبصرون بها ، ( @QUR@01 والأفئدة ) التي تعقلون ~~بها ، وتحسون الأشياء بواسطتها. # وقوله : ( @QUR@03 قليلا ما تشكرون ) بيان لموقف بنى آدم من هذه النعم ms4535 ~~المتكاثرة والمتنوعة. ولفظ «قليلا» منصوب على أنه صفة لمحذوف وقع معمولا ~~لتشكرون. # أى : شكرا قليلا تشكرون ، أو زمانا قليلا تشكرون. # وهكذا بنو آدم إلا من عصم الله ، أوجدهم الله تعالى بقدرته ، وسخر ~~لمنفعتهم ومصلحتهم ما سخر من مخلوقات ، وصانهم في كل مراحل خلقهم بأنواع من ~~الصيانة والحفظ ... ومع ذلك فقليل منهم هم الذين يشكرونه عز وجل على نعمه. ~~وصدق سبحانه حيث يقول : ( @QUR@04 وقليل من عبادي الشكور ). # ثم حكى سبحانه شبهات المشركين ورد عليها ، وصور أحوالهم الأليمة عند ما ~~تقبض الملائكة أرواحهم ، فقال تعالى : # ( @QUR@014 وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ~~ربهم كافرون (10) @QUR@011 قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ~~ترجعون (11) @QUR@016 ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ربنا ~~أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون (12) @QUR@09 ولو شئنا لآتينا ~~كل نفس هداها ولكن حق القول PageV11P147 # @QUR@07 مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين (13) @QUR@014 فذوقوا ~~بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون ) (14) # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@05 وقالوا أإذا ضللنا في الأرض ) هذا ~~قول منكري البعث أى : هلكنا وبطلنا وصرنا ترابا. وأصله من قول العرب : ضل ~~الماء في اللبن إذا ذهب. والعرب تقول للشيء غلب عليه غيره حتى خفى فيه أثره ~~: قد ضل ..» (1). # أى : وقال الكافرون على سبيل الإنكار ليوم القيامة وما فيه من حساب أإذا ~~صارت أجسادنا كالتراب واختلطت به ، أنعاد إلى الحياة مرة أخرى ، ونخلق خلقا ~~جديدا ...؟ # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 بل هم بلقاء ربهم كافرون ) إضراب وانتقال من ~~حكاية كفرهم بالبعث والحساب إلى حكاية ما هو أشنع من ذلك وهو كفرهم بلقاء ~~الله تعالى الذي خلقهم ورزقهم وأحياهم وأماتهم ... أى : بل هم لانطماس ~~بصائرهم ، واستيلاء العناد والجهل عليهم ، بلقاء ربهم يوم القيامة ، كافرون ~~جاحدون ، لأنهم قد استبعدوا إعادتهم إلى الحياة بعد موتهم ، مع أن الله ~~تعالى قد أوجدهم ولم يكونوا شيئا مذكورا. # ثم بين سبحانه بعد ذلك أن مردهم إليه لا محالة بعد أن يقبض ملك الموت ~~أرواحهم ms4536 فقال : ( @QUR@011 قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ، ثم إلى ~~ربكم ترجعون ). # وقوله ( @QUR@01 يتوفاكم ) من التوفي. وأصله أخذ الشيء وافيا تاما. يقال ~~: توفاه الله ، أى : استوفى روحه وقبضها ، وتوفيت مالي بمعنى استوفيته ~~والمراد بملك الموت : عزرائيل. # أى : قل أيها الرسول الكريم في الرد على هؤلاء الجاحدين : سيتولى قبض ~~أرواحكم عند انتهاء آجالكم ملك الموت الذي كلفه الله تعالى بذلك ثم إلى ~~ربكم ترجعون ، فيجازيكم بما تستحقونه من عقاب ، بسبب كفركم وجحودكم. # وأسند سبحانه هنا التوفي إلى ملك الموت ، لأنه هو المأمور بقبض الأرواح. ~~وأسنده إلى الملائكة في قوله تعالى ( @QUR@04 فكيف إذا توفتهم الملائكة ) ~~لأنهم أعوان ملك الموت الذين كلفهم الله بذلك. PageV11P148 # وأسنده سبحانه إلى ذاته في قوله : ( @QUR@05 الله يتوفى الأنفس حين موتها ~~) لأن كل شيء كائنا ما كان ، لا يكون إلا بقضائه وقدره. # ثم صور سبحانه أحوال هؤلاء الكافرين ، عند ما يقفون للحساب ، تصويرا ~~مرعبا مخيفا فقال : ( @QUR@08 ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ). # وجواب «لو» محذوف ، والتقدير : لرأيت شيئا تقشعر من هوله الأبدان. # وقوله : ( @QUR@01 ناكسوا ) من النكس ، وهو قلب الشيء على رأسه كالتنكيس ~~.. وفعله من باب نصر والخطاب يصح أن يكون للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل من ~~يصلح له. # أى : ولو ترى أيها الرسول الكريم حال أولئك المجرمين الذين أنكروا البعث ~~والجزاء ، وهم يقفون أمام خالقهم بذلة وخزي ، لحسابهم على أعمالهم .. لو ~~ترى ذلك لرأيت شيئا ترتعد له الفرائص ، وتهتز منه القلوب. # وقوله : ( @QUR@08 ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون ) ~~حكاية لما يقولونه في هذا الموقف العصيب. أى : يقولون بذلة وندم : يا ربنا ~~نحن الآن نبصر مصيرنا ، ونسمع قولك ونندم على ما كنا فيه من كفر وضلال ، ( ~~@QUR@01 فارجعنا ) إلى الدنيا ، لكي ( @QUR@01 نعمل ) عملا ( @QUR@03 صالحا ~~إنا موقنون ) الآن بأن ما جاءنا به رسولك هو الحق ، وأن البعث حق. وأن ~~الجزاء حق ، وأن الجنة حق ، وأن النار حق. # ولكن هذا الإيقان والاعتراف منهم ، قد جاء في غير أوانه ، ولذا لا يقبله ~~سبحانه منهم ، ولذا عقب سبحانه على ms4537 ما قالوه بقوله : ( @QUR@06 ولو شئنا ~~لآتينا كل نفس هداها. ) @QUR@01 .. . أى : ولو شئنا أن نؤتى كل نفس رشدها ~~وهداها وتوفيقها إلى الإيمان ، لفعلنا ، لأن إرادتنا نافذة ، وقدرتنا لا ~~يعجزها شيء. # ( @QUR@04 ولكن حق القول مني ) أى : ولكن ثبت وتحقق قولي. # ( @QUR@04 لأملأن جهنم من الجنة ) أى من الجن وسموا بذلك لاستتارهم عن ~~الأنظار. # ومن ( @QUR@02 الناس أجمعين ) بسبب فسوقهم عن أمرنا ، وتكذيبهم لرسلنا. # فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن قدرة الله تعالى لا يعجزها شيء ، إلا ~~أن حكمته سبحانه قد اقتضت أن الذين سبق في علمه أنهم يؤثرون الضلالة على ~~الهداية ، لسوء استعدادهم ، يكون مصيرهم إلى النار ، وأما الذين آثروا ~~الهداية على الضلالة لنقاء نفوسهم ، وكمال استعدادهم ، فيكون مصيرهم إلى ~~جنة عرضها السموات والأرض. # كما أن حكمته سبحانه قد اقتضت أن يميز الإنسان على غيره ، بأن يجعل له طبيعة PageV11P149 # خاصة يملك معها اختيار طريق الهدى أو طريق الضلال. كما قال تعالى ( ~~@QUR@017 إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا. إنا ~~هديناه السبيل ، إما شاكرا وإما كفورا ). # ثم بين سبحانه ما يقال لهؤلاء المجرمين عند ما يلقى بهم في جهنم فقال ~~تعالى : ( @QUR@014 فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم ، وذوقوا ~~عذاب الخلد بما كنتم تعملون ). # والذوق حقيقة إدراك المطعومات. والأصل فيه أن يكون في أمر مرغوب في ذوقه ~~وطلبه. والتعبير به هنا عن ذوق العذاب من باب التهكم بهم. # والفاء في قوله : ( @QUR@01 فذوقوا ) لترتيب الأمر بالذوق على ما قبله ~~والباء للسببية. والمراد بالنسيان لازمه ، وهو الترك والإهمال. # أى : ويقال لهؤلاء المجرمين عند ما يلقى بهم في النار : ذوقوا لهيبها ~~وسعيرها بسبب نسيانكم وإهمالكم وجحودكم ليوم القيامة وما فيه من حساب. ~~وإننا من جانبنا قد أهملناكم وتركناكم. بسبب إصراركم على كفركم ، وذوقوا ~~العذاب الذي أنتم مخلدون فيه بسبب أعمالكم القبيحة في الدنيا «جزاء وفاقا». # وكرر سبحانه لفظ ( @QUR@01 فذوقوا ) على سبيل التأكيد ، وزيادة التقريع ~~والتأنيب. # ثم تترك السورة الكريمة هؤلاء المجرمين يذوقون العذاب ، وتنتقل إلى ~~الحديث عن مشهد آخر ، عن مشهد يشرح النفوس ، ويبهج ms4538 القلوب ، إنه مشهد ~~المؤمنين الصادقين ، وما أعد الله تعالى من ثواب قال تعالى : # ( @QUR@015 إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ~~ربهم وهم لا يستكبرون (15) @QUR@011 تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم ~~خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون (16) @QUR@013 فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من ~~قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ) (17) PageV11P150 # أى : ( @QUR@02 إنما يؤمن ) ويصدق ( @QUR@01 بآياتنا ) الدالة على قدرتنا ~~ووحدانيتنا ، أصحاب النفوس النقية الصافية ، الذين إذ ذكروا بها ، أى : ~~بهذه الآيات. # ( @QUR@02 خروا سجدا ) لله تعالى من غير تردد ( @QUR@03 وسبحوا بحمد ربهم ~~) أى : ونزهوه عن كل ما لا يليق به عز وجل ( @QUR@03 وهم لا يستكبرون ) عن ~~طاعته سبحانه ، وعن الانقياد لأمره ونهيه. # ثم صور سبحانه أحوالهم في عبادتهم وتقربهم إلى الله ، تصويرا بديعا فقال ~~: ( @QUR@08 تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ). # والتجافي : التحرك إلى جهة أعلى. وأصله من جفا فلان السرج عن فرسه ، إذا ~~رفعه. ويقال تجافى فلان عن مكانه ، إذا انتقل عنه. # والجنوب : جمع جنب. وأصله الجارحة ، والمراد به الشخص. # والمضاجع : جمع مضجع ، وهو مكان الاتكاء للنوم. # والمعنى : أن هؤلاء المؤمنين الصادقين ، تتنحى وترتفع أجسامهم ، عن أماكن ~~نومهم ، وراحتهم ، حالة كونهم يدعون ربهم بإخلاص وإنابة ( @QUR@01 خوفا ) ~~من سخطه عليهم ، ( @QUR@01 وطمعا ) في رضاه عنهم. # ( @QUR@02 ومما رزقناهم ) من فضلنا وخيرنا ( @QUR@01 ينفقون ) في وجوه ~~البر والخير. # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين. ) ~~@QUR@01 .. بيان للعطاء الجزيل ، والثواب العظيم. أى : فلا تعلم نفس من ~~النفوس سواء أكانت لملك مقرب ، أم لنبي مرسل ، ما أخفاه الله تعالى لهؤلاء ~~المؤمنين المتهجدين بالليل والناس نيام ، من ثواب تقر به أعينهم ، وتسعد به ~~قلوبهم ، وتبتهج له نفوسهم .. # وهذا العطاء الجزيل إنما هو بسبب أعمالهم الصالحة في الدنيا. # وهكذا نرى في هذه الآيات الكريمة صورة مشرقة لعباد الله الصالحين ، ~~وللثواب الذي لا تحيط به عبارة ، والذي أكرمهم الله تعالى به. # وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات ، عددا من الأحاديث ~~الواردة في فضل قيام الليل ، منها ما رواه الإمام أحمد عن ms4539 معاذ بن جبل رضى ~~الله عنه قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر ، فأصبحت يوما قريبا ~~منه. ونحن نسير ، فقلت : يا نبي الله ، أخبرنى بعمل يدخلني الجنة ، ~~ويباعدني من النار. فقال : «لقد سألت عن عظيم ، وأنه ليسير PageV11P151 # على من يسره الله عليه ، تعبد الله ولا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة ، ~~وتصوم رمضان ، وتحج البيت. ثم قال : ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة ، ~~والصدقة تطفئ الخطيئة ، وصلاة الرجل في جوف الليل شعار الصالحين ، ثم قرأ ~~صلى الله عليه وسلم : تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ...» ~~وعن أسماء بنت يزيد قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا جمع الله ~~الأولين والآخرين يوم القيامة ، جاء مناد فنادى بصوت يسمع الخلائق : سيعلم ~~أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم. ثم يرجع فينادى : ليقم الذين كانت تتجافى ~~جنوبهم عن المضاجع». # وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ~~تعالى قال : «أعددت لعبادي الصالحين ، ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا ~~خطر على قلب بشر» (1). # ثم بين سبحانه بعد ذلك أن عدالته قد اقتضت عدم التسوية بين الأخيار ~~والأشرار ، وأن كل إنسان إنما يجازى يوم القيامة على حسب عمله فقال تعالى . # ( @QUR@08 أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون (18) @QUR@012 أما ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون (19) ~~@QUR@021 وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها ~~أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون (20) @QUR@09 ~~ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون (21) @QUR@013 ~~ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون ) (22) PageV11P152 # والاستفهام في قوله : ( @QUR@03 أفمن كان مؤمنا ) @QUR@01 .. للإنكار ، ~~والفسوق : الخروج عن طاعة الله. # أى : أفمن كان في هذه الدنيا مؤمنا بالله حق الإيمان ، كمن كان فيها ~~فاسقا وخارجا عن طاعة الله تعالى وعن دينه الذي ارتضاه لعباده؟ # كلا ، إنهم لا يستوون لا في سلوكهم وأعمالهم ، ولا في ms4540 جزائهم الدنيوي أو ~~الأخروى. # وقد ذكروا أن هذه الآية نزلت في شأن الوليد بن عقبة ، وعلى بن أبى طالب ~~رضى الله عنه ، حيث قال الوليد لعلى : أنا أبسط منك لسانا ، وأحد سنانا ، ~~وأملأ في الكتيبة جسدا ، فقال له على : اسكت ، فإنما أنت فاسق ، فنزلت هذه ~~الآية (1). # ثم فصل سبحانه حسن عاقبة المؤمنين ، وسوء عاقبة الفاسقين ، فقال : ( ~~@QUR@03 أما الذين آمنوا ) بالله حق الإيمان ( @QUR@01 وعملوا ) الأعمال ( ~~@QUR@01 الصالحات ). # ( @QUR@03 فلهم جنات المأوى ) أى : فلهم الجنات التي يأوون إليها ، ~~ويسكنون فيها ( @QUR@04 نزلا بما كانوا يعملون ) والنزل : أصله ما يهيأ ~~للضيف النازل من الطعام والشراب والصلة ، ثم عمم في كل عطاء. أى : فلهم ~~جنات المأوى ينزلون فيها نزولا مصحوبا بالتكريم والتشريف جزاء أعمالهم ~~الصالحة التي عملوها في الدنيا. # ( @QUR@03 وأما الذين فسقوا ) أى : خرجوا عن طاعتنا ، وعن دعوة رسولنا ~~صلى الله عليه وسلم ( @QUR@02 فمأواهم النار ) أى : فمنزلتهم ومسكنهم ومستقرهم ~~النار وبئس القرار. # ( @QUR@05 كلما أرادوا أن يخرجوا منها ) هربا من لهيبها وسعيرها وعذابها. # ( @QUR@02 أعيدوا فيها ) مرغمين مكرهين ، وردوا إليها مهانين مستذلين. # ( @QUR@02 وقيل لهم ) على سبيل الزجر والتأنيب وزيادة الحسرة في قلوبهم. # ( @QUR@07 ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون ) في الدنيا ، وتستهزءون ~~بمن ينذركم به ، ويخوفكم منه. # ( @QUR@04 ولنذيقنهم من العذاب الأدنى ) أى الأهون والأقرب والأقل وهو ~~عذاب الدنيا ، عن طريق ما ننزله بهم من أمراض وأسقام ومصائب متنوعة. # ( @QUR@03 دون العذاب الأكبر ) أى : الأشد والأعظم والأبقى ، وهو عذاب ~~الآخرة. PageV11P153 # ( @QUR@02 لعلهم يرجعون ) عما هم فيه من شرك وكفر وفسوق وعصيان. # ثم بين سبحانه حال من يدعى إلى الهدى فيعرض عنه ، فقال : ( @QUR@09 ومن ~~أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها ). # أى : لا أحد أشد ظلما وكفرا ممن ذكره المذكر بالآيات الدالة على وحدانية ~~الله تعالى وقدرته ، وعلى أن دين الإسلام هو الحق ، ثم أعرض عنها جحودا ~~وعنادا. # ( @QUR@04 إنا من المجرمين منتقمون ) أى : إنا من أهل الإجرام والجحود ~~لآياتنا منتقمون انتقاما يذلهم ويهينهم. # قال صاحب الكشاف : «ثم» في قوله ( @QUR@03 ثم أعرض عنها ) للاستبعاد. # والمعنى : أن الإعراض عن مثل آيات الله ، في وضوحها ms4541 وإنارتها وإرشادها ~~إلى سواء السبيل ، والفوز بالسعادة العظمى بعد التذكير بها مستبعد في العقل ~~والعدل. كما تقول لصاحبك : وجدت مثل تلك الفرصة ثم لم تنتهزها ، استبعادا ~~لتركه الانتهاز. ومنه «ثم» في بيت الحماسة : # لا يكشف الغماء إلا ابن حرة %~% يرى غمرات الموت ثم يزورها # استبعد أن يزور غمرات الموت بعد أن رآها واستيقنها واطلع على شدتها. # فإن قلت : هلا قيل : إنا منه منتقمون؟ قلت : لما جعله أظلم كل ظالم ، ثم ~~توعد المجرمين عامة بالانتقام منهم ، فقد دل على إصابة الأظلم بالنصيب ~~الأوفر من الانتقام ، ولو قاله بالضمير لم يفد هذه الإفادة (1). # ثم أشارت السورة الكريمة بعد ذلك إلى ما أعطاه الله تعالى لنبيه موسى ~~عليه السلام من نعم. وما منحه للصالحين من قومه من منن ، فقال تعالى : # ( @QUR@014 ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه هدى ~~لبني إسرائيل (23) @QUR@04 وجعلنا منهم أئمة يهدون PageV11P154 # @QUR@06 بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون (24) @QUR@011 إن ربك هو ~~يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) (25) # والمراد بالكتاب في قوله تعالى : ( @QUR@04 ولقد آتينا موسى الكتاب ) ~~التوراة التي أنزلها سبحانه لتكون هداية لبنى إسرائيل. # قالوا : وإنما ذكر موسى لقربه من النبي صلى الله عليه وسلم ووجود من كان على ~~دينه إلزاما لهم. إنما لم يختر عيسى عليه السلام للذكر وللاستدلال ، لأن ~~اليهود ما كانوا يوافقون على نبوته ، وأما النصارى فكانوا يعترفون بنبوة ~~موسى عليه السلام (1). # والضمير المجرور في قوله : ( @QUR@06 فلا تكن في مرية من لقائه ) يعود ~~إلى موسى على أرجح لأقوال أو إلى الكتاب. # أى : آتينا موسى الكتاب فلا تكن أيها الرسول الكريم في مرية أو شك من ~~لقاء موسى للكتاب الذي أوحيناه إليه ، بقبول ورضا وتحمل لتكاليف الدعوة به ~~، فكن مثله في لك ، وبلغ ما أنزل إليك من ربك دون أن تخشى أحدا سواه. # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( @QUR@04 ولقد آتينا موسى الكتاب ) أى : ~~جنس الكتاب ( @QUR@04 فلا تكن في مرية ) أى : شك ( @QUR@02 من لقائه ) أى : ~~من لقائك ذلك الجنس. # وحمل بعضهم ( @QUR@01 الكتاب ) على العهد ms4542 ، أى الكتاب المعهود وهو ~~التوراة. # ونهيه صلى الله عليه وسلم عن أن يكون في شك ، المقصود به أمته ، والتعريض ~~بمن اتصف بذلك. # وقيل الكتاب ، المراد به التوراة ، وضمير ، لقائه ، عائد إليه من غير ~~تقدير مضاف. ولقاء مصدر مضاف إلى مفعوله ، وفاعله موسى ، أى : فلا تكن في ~~مرية من لقاء موسى الكتاب ، ومضاف إلى فاعله ، ومفعوله موسى. أى : من لقاء ~~الكتاب موسى ووصوله إليه .. (2). # وهذا الرأى الأخير الذي عبر عنه الآلوسى رحمه الله بقوله «وقيل» وهو في ~~رأينا رجح الآراء ، وأقربها إلى الصواب ، لبعده عن التكلف. # قال الجمل في حاشيته ، بعد أن ساق ستة أقوال في عودة الضمير في قوله ( ~~@QUR@02 من لقائه ): وأظهرها أن الضمير إما لموسى وإما للكتاب. أى : لا ~~ترتب في أن موسى لقى الكتاب أنزل عليه» (3). PageV11P155 # قال صاحب الكشاف : والضمير في «لقائه» له أى لموسى ، ومعناه : إنا آتينا ~~موسى عليه السلام مثل ما آتيناك من الكتب ، ولقيناه مثل ما لقيناك من الوحى ~~، فلا تكن في شك من أنك لقيت مثله ، ولقيت نظيره كقوله تعالى : ( @QUR@013 ~~فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك ، فسئل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@04 وجعلناه هدى لبني إسرائيل ) أى : وجعلنا الكتاب ~~الذي أنزلناه على نبينا موسى عليه السلام هداية لبنى إسرائيل إلى طريق الحق ~~والسداد. # ( @QUR@07 وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ) والأئمة : جمع إمام ~~، وهو من يقتدى به في الأمور المختلفة. والمراد بهم هنا : من يقتدى بهم في ~~وجوه الخير والبر. # أى : وجعلنا من بنى إسرائيل أئمة في الخير والصلاح ، يهدون غيرهم إلى ~~الطريق الحق ، بأمرنا وإرادتنا وفضلنا ، وقد وفقناهم لذلك حين صبروا على ~~أداء ما كلفناهم به من عبادات ، وحين تحملوا الشدائد والمحن في سبيل إعلاء ~~كلمتنا. # وأنت ترى أن جعلهم أئمة في الخير لم يكن اعتباطا ، وإنما كان بسبب صبرهم ~~على الأذى ، وعلى مشاق الدعوة إلى الحق ، وعلى كل أمر يستلزم الصبر وحبس النفس. # وفي ذلك إرشاد وتعليم للمسلمين ، بأن يسلكوا طريق الأئمة الصالحين ، ممن ~~كانوا قبلهم ، وأن يبلغوا دعوة ms4543 الله إلى غيرهم بصبر ويقين. # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 وكانوا بآياتنا يوقنون ) زيادة في مدحهم ، وفي ~~تقرير أنهم أهل للإمامة في الخير. أى : وكانوا بسبب إدراكهم السليم لمعانى ~~آياتنا : يوقنون إيقانا جازما بأنهم على الحق الذي لا يحوم حوله باطل ~~وبأنهم متبعون لشريعة الله تعالى التي لا يضل من اتبعها وسار على نهجها. # ثم أشار سبحانه إلى أن بنى إسرائيل جميعا لم يكونوا كذلك ، وإنما كان ~~منهم الأخيار والأشرار ، وأنه تعالى سيحكم بين الجميع يوم القيامة بحكمه ~~العادل ، فقال : ( @QUR@011 إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا ~~فيه يختلفون ). # أى : إن ربك أيها الرسول الكريم هو وحده الذي يتولى القضاء والحكم بين ~~المؤمنين والكافرين يوم القيامة ، فيما كانوا يختلفون فيه في الدنيا من ~~أمور متنوعة. على رأسها ما يتعلق بالأمور الدينية. PageV11P156 # ثم يسوق سبحانه في أواخر السورة ما من شأنه أن يهدى الضالين إلى الصراط ~~المستقيم ، وما يرشدهم إلى مظاهر نعمه عليهم ، وما يزيد النبي ~~صلى الله عليه وسلم ثباتا على ثباته ، ويقينا على يقينه ، فيقول عز وجل : # ( @QUR@018 أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم ~~إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون (26) @QUR@017 أولم يروا أنا نسوق الماء إلى ~~الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون (27) ~~@QUR@07 ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين (28) @QUR@011 قل يوم الفتح ~~لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون (29) @QUR@05 فأعرض عنهم وانتظر ~~إنهم منتظرون ) (30) # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@05 أولم يهد لهم كم أهلكنا. ) @QUR@01 ~~.. لإنكار عدم اهتدائهم إلى ما ينفعهم مع وضوح أسباب هذا الاهتداء. والواو ~~للعطف على مقدر يقتضيه المقام. والخطاب للمشركين وعلى رأسهم كفار مكة. ~~و «كم» خبرية بمعنى كثير. في محل نصب لأهلكنا. # والمعنى : أغفل هؤلاء المشركون عما أصاب الظالمين من قبلهم ، ولم يتبين ~~لهم لانطماس بصائرهم أننا قد أهلكنا كثيرا من أهل الأزمان السابقة من قبلهم ~~، بسبب تكذيبهم لأنبيائهم ، وإيثارهم الكفر على الإيمان. # وقوله تعالى ( @QUR@03 يمشون في مساكنهم ) حال من الضمير في ( @QUR@01 ~~لهم )، لتسجيل أقصى أنواع ms4544 الجهالة والعناد عليهم. أى : أبلغ بهم الجهل ~~والعناد أنهم لم يعتبروا بالقرون المهلكة من قبلهم ، مع أنهم يمشون في ~~مساكن هؤلاء السابقين ، ويمرون على ديارهم مصبحين وممسين ، ويرون بأعينهم ~~آثارهم الدارسة ، وبيوتهم الخاوية على عروشها. PageV11P157 # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بما يزيد في تبكيتهم وتقريعهم فقال : ( ~~@QUR@06 إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون ). # أى : إن في ذلك الذي يرونه من مصارع الغابرين ، وآثار الماضين ، لآيات ~~بينات ، وعظات بليغات ، فهلا تدبروا في ذلك ، واستمعوا إلى صوت الحق بتعقل وتفهم؟ # فقوله تعالى : ( @QUR@02 أفلا يسمعون ) حض لهم على الاستماع إلى الآيات ~~الدالة على سوء عاقبة الظالمين ، بتدبر وتعقل واتعاظ ، وتحول من الباطل إلى ~~الحق ، قبل أن يحل بهم ما حل بأهل الأزمنة الغابرة. # ثم نبههم سبحانه إلى نعمة من نعمه الكثيرة فقال : ( @QUR@017 أولم يروا ~~أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز ، فنخرج به زرعا ، تأكل منه أنعامهم ~~وأنفسهم أفلا يبصرون ) والأرض الجرز : هي الأرض اليابسة التي جرز نباتها ~~وقطع ، إما لعدم نزول الماء عليها ، وإما لرعيه منها. # قال القرطبي ما ملخصه : والأرض الجرز هي التي جرز نباتها أى : قطع ، إما ~~لعدم الماء ، وإما لأنه رعى وأزيل ، ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ جرز. # وهو مشتق من قولهم : رجل جروز إذا كان لا يبقى شيئا إلا أكله ، وكذلك ~~ناقة جروز : إذا كانت تأكل كل شيء تجده ، وسيف جراز ، أى : قاطع ...» (1). # أى : أعموا ولم يشاهدوا بأعينهم ( @QUR@02 أنا نسوق ) بقدرتنا ورحمتنا ( ~~@QUR@01 الماء ) الذي تحمله السحب ( @QUR@03 إلى الأرض الجرز ) أى : ~~اليابسة الخالية من النبات ، فينزل عليها. # ( @QUR@02 فنخرج به ) أى : فنخرج بهذا الماء النازل على الأرض القاحلة ( ~~@QUR@01 زرعا ) كثيرا نافعا ( @QUR@02 تأكل منه ) أى : من هذا الزرع ( ~~@QUR@01 أنعامهم ) أى : تأكل منه ما يصلح لأكلها كالأوراق والأغصان وما ~~يشبه ذلك. # وقوله ( @QUR@01 وأنفسهم ) معطوف على أنعامهم. أى : تأكل أنعامهم من ~~الزرع ما يناسبها ، ويأكل منه الناس ما يناسبهم كالبقول والحبوب. # وقدم سبحانه الأنعام على بنى آدم للترقي من الأدنى إلى الأشرف. # وقوله تعالى ( @QUR@02 أفلا يبصرون ) حض لهم على التأمل في هذه النعم ، ~~والحرص ms4545 على شكر المنعم عليها ، وإخلاص العبادة له. PageV11P158 # ثم حكى سبحانه ما كان عليه المشركون من غرور واستخفاف بالوعيد فقال : ( ~~@QUR@07 ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين ). # والمراد بالفتح : الحكم والقضاء والفصل في الخصومة بين المتخاصمين ، ومنه ~~قوله تعالى حكاية عن شعيب عليه السلام : ( @QUR@09 ربنا افتح بيننا وبين ~~قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ). أى : «احكم بيننا وبين قومنا بالحق ، ~~وأنت خير الحاكمين». # أى : ويقول المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه على سبيل الاستهزاء ~~، واستعجال العقاب : متى هذا الذي تحدثوننا عنه من أن الله تعالى سيفصل ~~بيننا وبينكم ، ويجعل لكم النصر ولنا الهزيمة؟ # لقد طال انتظارنا لهذا اليوم الذي يتم فيه الحكم بيننا وبينكم ، فإن كنتم ~~صادقين في قولكم ، فادعوا ربكم أن يعجل بهذا اليوم. # وهنا يأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم بما يخرسهم ~~فيقول : ( @QUR@011 قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ~~ينظرون ). أى : قل أيها الرسول في الرد على هؤلاء الجاهلين المغرورين : إن ~~يوم الفصل بيننا وبينكم قريب ، وهو آت لا محالة في الوقت الذي يحدده الله ~~تعالى ويختاره ، سواء أكان هذا اليوم في الدنيا ، عند ما تموتون على الكفر ~~، أم في الآخرة عند ما يحل بكم العذاب ، ولا ينفعكم إيمانكم ، ولا أنتم ~~تمهلون أو تنظرون ، بل سينزل بكم العذاب سريعا وبدون مهلة. # وما دام الأمر كما ذكرنا لك أيها الرسول الكريم ( @QUR@05 فأعرض عنهم ~~وانتظر إنهم منتظرون ). أى : فأعرض عن هؤلاء المشركين ، وعن أقوالهم ~~الفاسدة دون أن تلتفت إليها ، وامض في طريقك أنت وأتباعك ، وانتظر النصرة ~~عليهم بفضلنا وإرادتنا ، إنهم أيضا منتظرون ما سيئول إليه أمرك ، وسيكون ~~أمرك بخلاف ما يمكرون وما ينتظرون. # وبعد : فهذا تفسير وسيط لسورة السجدة ، نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا ~~لوجهه ، ونافعا لعباده. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV11P159 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الأحزاب PageV11P161 ### ||| * مقدمة # 1 سورة الأحزاب هي السورة الثالثة والثلاثون في ترتيب المصحف وهي من ~~السور المدنية ، وكان نزولها بعد سورة آل عمران ، أى ms4546 : أنها من أوائل السور ~~المدنية ، إذ لم يسبقها في النزول بعد الهجرة سوى سور : البقرة والأنفال ~~وآل عمران. # ويبدو : أن نزولها كان في الفترة التي أعقبت غزوة بدر ، إلى ما قبل صلح ~~الحديبية. وعدد آياتها ثلاث وسبعون آية. # 2 وقد افتتحت سورة الأحزاب بنداء من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ، ~~نهته فيه عن طاعة المنافقين والكافرين ، وأمرته بالمداومة على طاعة الله ~~تعالى وحده ، وباتباع أمره ، وبالتوكل عليه سبحانه . # قال تعالى : ( @QUR@032 يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين إن الله كان عليما حكيما. واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله ~~كان بما تعملون خبيرا* وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ). # 3 ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان حكم الله تعالى في بعض التقاليد ~~والأوضاع الاجتماعية التي كانت سائدة في المجتمع في ذلك الوقت ، فأبطلت ~~التبني ، كما أبطلت ما كان سائدا في المجتمع من عادة الظهار ، وهو أن يقول ~~الرجل لزوجته : أنت على كظهر أمى ، فتصير محرمة عليه حرمة مؤبدة. # قال تعالى : ( @QUR@034 ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ، وما جعل ~~أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم ، وما جعل أدعياءكم أبناءكم ، ذلكم ~~قولكم بأفواهكم ، والله يقول الحق ، وهو يهدي السبيل. ادعوهم لآبائهم هو ~~أقسط عند الله ). # 4 ثم بين سبحانه بعد ذلك بعض الأحكام التشريعية الأخرى ، كوجوب طاعة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة تفوق طاعتهم لأنفسهم ، ولوجوب تعظيم المسلمين ~~لزوجاته صلى الله عليه وسلم كتعظيم أمهاتهم ، وكوجوب التوارث بين الأقارب ~~بالطريقة التي بينها PageV11P163 # سبحانه في آيات أخرى ، وإبطال التوارث عن طريق المؤاخاة التي تمت بعد ~~الهجرة بين المهاجرين والأنصار. # قال تعالى : ( @QUR@029 النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، وأزواجه ~~أمهاتهم ، وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين ~~والمهاجرين ، إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا ، كان ذلك في الكتاب ~~مسطورا ). # 5 ثم وجه سبحانه نداء إلى المؤمنين ، ذكرهم فيه بجانب من نعمه عليهم ، ~~حيث دفع عنهم جيوش الأحزاب ، وأرسل على تلك الجيوش جنودا من عنده لم ms4547 يروها ~~، وكشف عن رذائل المنافقين التي ارتكبوها في تلك الغزوة ، ومدح المؤمنين ~~الصادقين على وفائهم بعهودهم ، وكافأهم على ذلك بأن أورثهم أرض أعدائهم ~~وديارهم. # قال تعالى : ( @QUR@045 ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا ، ~~وكفى الله المؤمنين القتال. وكان الله قويا عزيزا. وأنزل الذين ظاهروهم من ~~أهل الكتاب من صياصيهم. وقذف في قلوبهم الرعب ، فريقا تقتلون وتأسرون ~~فريقا. وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤها وكان الله على كل ~~شيء قديرا ). # وبعد هذا الحديث المفصل عن غزوة الأحزاب ، والذي استغرق ما يقرب من عشرين ~~آية ، انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأمرت النبي صلى الله عليه وسلم أن يخيرهن بين التسريح بإحسان ، وبين الصبر ~~على شظف العيش ، ليظفرن برضا الله تعالى كما وجهت نداء إليهن أمرتهن فيه ، ~~بالتزام الآداب الدينية التي تليق بهن. لأنهن في مكان القدوة لسائر النساء. # كما أمرتهن بالبقاء في بيوتهن ، فلا يخرجن لغير حاجة مشروعة. ومثلهن في ~~ذلك مثل سائر نساء المسلمين. حتى يتفرغن لرعاية شئون بيوتهن التي هي من ~~خصائصهن وليست من خصائص الرجال. # ثم ختم سبحانه تلك التوجيهات الحكيمة ببيان الثواب الجزيل الذي أعده ~~للمؤمنين والمؤمنات ، فقال تعالى : ( @QUR@030 إن المسلمين والمسلمات. ~~والمؤمنين والمؤمنات. والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات ، والصابرين ~~والصابرات والخاشعين والخاشعات. والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات ~~والحافظين فروجهم والحافظات. والذاكرين الله كثيرا والذاكرات. أعد الله لهم ~~مغفرة وأجرا عظيما ). # 7 ثم أشارت السورة بعد ذلك إلى قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم بالسيدة ~~زينب بنت جحش. وإلى الحكمة من ذلك. وإلى تطليق زيد بن حارثة لها. وإلى أن ~~ما فعله PageV11P164 # رسول صلى الله عليه وسلم بالنسبة لهذه الحادثة. كان بأمر الله تعالى وإذنه. # قال تعالى : ( @QUR@052 ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له ، سنة ~~الله في الذين خلوا من قبل. وكان أمر الله قدرا مقدورا* الذين يبلغون ~~رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا. ما كان ~~محمد أبا أحد من رجالكم ، ولكن ms4548 رسول الله وخاتم النبيين ، وكان الله بكل ~~شيء عليما ) # ثم وجهت السورة الكريمة نداء إلى المؤمنين أمرتهم فيه بالإكثار من ذكر ~~الله تعالى ومن تسبيحه وتنزيهه. كما وجهت نداء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~بينت له فيه وظيفته ، قال تعالى : ( @QUR@054 يا أيها الذين آمنوا اذكروا ~~الله ذكرا كثيرا. وسبحوه بكرة وأصيلا. هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم ~~من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما. تحيتهم يوم يلقونه سلام ، وأعد ~~لهم أجرا كريما ، يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا. وداعيا ~~إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا ). # 9 ثم تحدثت السورة بعد ذلك بشيء من التفصيل عن بعض الأحكام التي تتعلق ~~بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبعلاقته صلى الله عليه وسلم بهن من حيث القسم ~~وغيره ، ومن حيث الزواج بغيرهن. # كما تحدثت عن الآداب التي يجب على المؤمنين أن يلتزموها عند دخولهم بيوت ~~النبي صلى الله عليه وسلم بدعوة منه. لأجل تناول طعام ، أو لأجل أمر من الأمور ~~الأخرى التي تتعلق بدينهم أو دنياهم. # ثم ختمت هذه الآيات بقوله تعالى ( @QUR@022 يا أيها النبي قل لأزواجك ~~وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ، ذلك أدنى أن يعرفن فلا ~~يؤذين وكان الله غفورا رحيما ). # 10 وبعد هذا البيان المفصل لكثير من الأحكام والآداب ، أخذت السورة ~~الكريمة في أواخرها ، في تهديد المنافقين الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في ~~الذين آمنوا ، وفي بيان أن سنن الله في خلقه لا تتخلف ، وأن علم وقت قيام ~~الساعة إلى الله تعالى وحده ، وأن الإصرار على الكفر يؤدى إلى سوء العاقبة ~~، وأن السير على طريق الحق. يؤدى إلى مغفرة الذنوب. وأن الإنسان قد ارتضى ~~حمل الأمانة. التي عجزت عن حملها السموات والأرض والجبال. # قال تعالى : ( @QUR@033 إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال ~~فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا. ليعذب ~~الله المنافقين والمنافقات ، والمشركين والمشركات ، ويتوب الله على ~~المؤمنين والمؤمنات ، وكان الله غفورا رحيما ). PageV11P165 # 11 ms4549 ومن هذا العرض المجمل لآيات سورة الأحزاب ، نرى أنها قد اهتمت ~~بموضوعات من أبرزها ما يلي : # (أ) كثرة التوجيهات والإرشادات ، من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~إلى أفضل الأحكام ، وأقوم الآداب ، وأهدى السبل. # وهذه التوجيهات والإرشادات. نراها في كثير من آيات سورة الأحزاب لا سيما ~~التي نادت الرسول صلى الله عليه وسلم بوصف النبوة. # ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@09 يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين ). # وقوله سبحانه ( @QUR@011 يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة ~~الدنيا وزينتها ). # وقوله عز وجل : ( @QUR@08 يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ). # وقوله تعالى : ( @QUR@010 يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي ~~آتيت أجورهن ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@012 يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء ~~المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ). # (ب) أمر المؤمنين بطاعة الله تعالى ، وبطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ~~ونهيهم عن كل مأمن شأنه أن يتعارض مع تشريعات الإسلام ومع آدابه. # وهذه الأوامر والنواهي ، نراها في كثير من آيات هذه السورة الكريمة. # ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@017 يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله ~~عليكم ، إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@011 يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا ، ~~وسبحوه بكرة وأصيلا ). # وقوله عز وجل : ( @QUR@019 يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ، فما لكم عليهن من عدة تعتدونها. ) @QUR@01 .. . # وقوله تعالى : ( @QUR@013 يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا ~~موسى ، فبرأه الله مما قالوا ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا ~~سديدا ). # (ج) هذه السورة الكريمة تعتبر على رأس السور القرآنية التي اهتمت ببيان ~~فضل نساء النبي صلى الله عليه وسلم وحقوقهن ، وواجباتهن وخصائصهن. PageV11P166 # ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله تعالى : ( @QUR@012 يا نساء ~~النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين. ) @QUR@01 .. . # وقوله سبحانه : ( @QUR@012 يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن ~~، فلا تخضعن بالقول. ) @QUR@01 .. . # وقوله عز وجل : ( @QUR@015 وقرن في بيوتكن ولا ms4550 تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ~~، وأقمن الصلاة ، وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله. ) @QUR@01 .. . # وقوله سبحانه : ( @QUR@019 لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من ~~أزواج ، ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك. ) @QUR@01 .. # وقوله تعالى : ( @QUR@015 ... وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن ~~تنكحوا أزواجه من بعده أبدا. ) @QUR@01 .. # وقوله عز وجل : ( @QUR@07 النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم ~~) @QUR@01 .. . # (د) هذه السورة تعتبر من أجمع السور القرآنية التي تعرضت لكثير من ~~الأحكام الشرعية ، والآداب الاجتماعية ، التي لا تتغير بتغير الزمان أو ~~المكان. # ومن ذلك حديثها عن الظهار ، وعن التبني. وعن التوارث بين الأقارب دون ~~غيرهم ، وعن وجوب تقديم طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم على طاعة الإنسان ~~لنفسه ، وعن وجوب التأسى به ، وعن وجوب الابتعاد عن كل ما يؤذيه أو يجرح ~~شعوره ، وعن وجوب الخضوع لحكم الله تعالى ولحكم رسوله صلى الله عليه وسلم . # قال تعالى : ( @QUR@024 وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله ~~أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا ~~مبينا ). # (ه) السورة الكريمة فصلت الحديث عن غزوة الأحزاب ، التي وقعت في السنة ~~الخامسة من الهجرة بين المسلمين وأعدائهم. # فبدأت حديثها عن تلك الغزوة بتذكير المؤمنين بفضل الله تعالى عليهم في ~~هذه الغزوة ، ثم صورت أحوالهم عند إحاطة جيوش الأحزاب بالمدينة المنورة. # قال تعالى : ( @QUR@038 يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم ، إذ ~~جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها ، وكان الله بما تعملون ~~بصيرا. إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم ، وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب ~~الحناجر ، وتظنون بالله الظنونا ). PageV11P167 # ثم حكت أقوال المنافقين القبيحة ، وأفعالهم الذميمة ، وردت عليهم بما ~~يفضحهم ، وبما يكشف عن سوء أخلاقهم. # قال تعالى : ( @QUR@035 أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك ~~تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت ، فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد ~~أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم ، وكان ذلك على الله ~~يسيرا ). # ثم مدحت المؤمنين الصادقين لوفائهم بعهودهم ، ولشجاعتهم ms4551 في مواجهة ~~أعدائهم. # قال سبحانه : ( @QUR@036 ولما رأ المؤمنون الأحزاب قالوا : هذا ما وعدنا ~~الله ورسوله ، وصدق الله ورسوله ، وما زادهم إلا إيمانا وتسليما. من ~~المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ، ومنهم من ~~ينتظر ، وما بدلوا تبديلا ). # وكما بدأت السورة حديثها عن غزوة الأحزاب بتذكير المؤمنين بنعم الله ~~عليهم ختمته أيضا بهذا التذكير ، لكي يزدادوا شكرا له عز وجل . # قال تعالى : ( @QUR@045 ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا ، ~~وكفى الله المؤمنين القتال ، وكان الله قويا عزيزا. وأنزل الذين ظاهروهم من ~~أهل الكتاب من صياصيهم ، وقذف في قلوبهم الرعب ، فريقا تقتلون وتأسرون ~~فريقا. وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤها ، وكان الله على كل ~~شيء قديرا ). # (و) والخلاصة أن المتأمل في سورة الأحزاب ، يراها زاخرة بالأحكام الشرعية ~~، وبالآداب الاجتماعية ، وبالتوجيهات الربانية ، تارة من الله تعالى لرسوله ~~صلى الله عليه وسلم وتارة لأزواجه صلى الله عليه وسلم ، وتارة للمؤمنين. # كما يراها تهتم اهتماما واضحا بتنظيم المجتمع الإسلامى تنظيما حكيما ، من ~~شأنه أن يأخذ بيد المتبعين له إلى السعادة الدنيوية والأخروية. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV11P168 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@014 يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله ~~كان عليما حكيما (1) @QUR@012 واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما ~~تعملون خبيرا (2) @QUR@06 وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ) (3) # افتتحت سورة الأحزاب بهذا النداء لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم وبهذا الوصف ~~الكريم ، وهو الوصف بالنبوة ، على سبيل التشريف والتعظيم. # قال صاحب الكشاف : جعل سبحانه نداءه بالنبي والرسول في قوله : ( @QUR@03 ~~يا أيها النبي ). ( @QUR@03 يا أيها الرسول ) وترك نداءه باسمه ، كما قال ~~: يا آدم ، يا موسى ، يا عيسى ، يا داود : كرامة له وتشريفا ، وتنويها بفضله. # فإن قلت : إن لم يوقع اسمه في النداء. فقد أوقعه في الإخبار ، في قوله : ~~( @QUR@03 محمد رسول الله )؟ # قلت : ذلك لتعليم الناس بأنه رسول ، وتلقين لهم أن يسموه بذلك ويدعوه به (1). # والمراد بأمره بتقوى ms4552 الله : المداومة على ذلك ، والازدياد من هذه التقوى. # أى : واظب أيها النبي الكريم على تقوى الله ، وعلى مراقبته ، وعلى الخوف ~~منه ، وأكثر من ذلك ، فإن تقوى الله ، على رأس الفضائل التي يحبها سبحانه . PageV11P169 # قال ابن كثير : هذا تنبيه بالأعلى على الأدنى ، فإنه تعالى إذا كان يأمر ~~عبده ورسوله بهذا ، فلأن يأتمر من دونه بذلك بطريق الأولى والأحرى. # وقد قال خلف بن حبيب : التقوى أن تعمل بطاعة الله ، على نور من الله ، ~~ترجو ثواب الله (1). # وبعد الأمر بالتقوى ، جاء النهى عن طاعة غير المؤمنين ، فقال تعالى : ( ~~@QUR@04 ولا تطع الكافرين والمنافقين ). أى : واظب أيها النبي الكريم على ~~تقوى الله ، واجتنب طاعة الكافرين الذين جحدوا نعم الله عليهم ، وعبدوا معه ~~آلهة أخرى ، واجتنب كذلك طاعة المنافقين الذين يظهرون الإسلام ويخفون الكفر. # وفي إيراد هذا النهى بعد الأمر بتقوى الله ، إشارة وإيحاء إلى ما كان ~~يبذله هؤلاء الكافرون والمنافقون من جهود عنيفة ، لزحزحة النبي ~~صلى الله عليه وسلم عما هو عليه من حق ، ولصرفه عن دعوتهم إلى الإسلام. # وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية روايات منها : أن جماعة من أهل مكة ، ~~طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع عن قوله ، وأن يعطوه شطر أموالهم ، ~~وأن المنافقين واليهود بالمدينة هددوه بالقتل إن لم يرجع عن دعوتهم إلى ~~الإسلام ، فنزلت (2). # وقوله تعالى ( @QUR@05 إن الله كان عليما حكيما ): تعليل الأمر والنهى ، ~~أى : اتبع ما أمرناك به ، وما نهيناك عنه ، لأن الله تعالى عليم بكل شيء ، ~~وحكيم في كل أقواله وأفعاله. # ثم أمره سبحانه باتباع ما يوحيه إليه فقال : ( @QUR@06 واتبع ما يوحى ~~إليك من ربك ) @QUR@01 .. # أى : واظب على تقوى الله ، وابتعد عن طاعة أعدائك ، واتبع في كل ما تأتى ~~وتذر ، كل ما نوحيه إليك من عندنا اتباعا تاما. # فالجملة الكريمة معطوفة على ما قبلها. من قبيل عطف العام على الخاص. # وفي النص على أن الوحى إليه صلى الله عليه وسلم وأن هذا الوحى من ربه الذي ~~تولاه بالتربية والرعاية ، إشعار بوجوب الاتباع التام الذي لا ms4553 يشوبه انحراف ~~أو تردد. # ثم أكد سبحانه هذا الأمر تأكيدا قويا فقال : ( @QUR@06 إن الله كان بما ~~تعملون خبيرا ) أى : إنه تعالى خبير ومحيط بحركات النفوس وبخفايا القلوب ، ~~وكل من يخالف PageV11P170 # ما أمرناه به ، أو نهيناه عنه ، فلا يخفى علينا أمره ، وسنجازيه يوم ~~القيامة بما يستحقه. # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 وتوكل على الله ) أى : وفوض أمرك إليه عز وجل وحده. # ( @QUR@03 وكفى بالله وكيلا ) أى : وكفى بربك حافظا لك ، وكفيلا بتدبير أمرك. # فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد تضمنت ثلاثة أوامر : تقوى الله ، ~~واتباع وحيه ، والتوكل عليه تعالى وحده. كما تضمنت نهيه صلى الله عليه وسلم عن ~~طاعة الكافرين والمنافقين. وباتباع هذه الأوامر والنواهي ، يسعد الأفراد ، ~~وتسعد الأمم. # ثم أبطل سبحانه بعض العادات التي كان متفشية في المجتمع ، وكانت لا ~~تتناسب مع شريعة الإسلام وآدابه ، فقال تعالى : # ( @QUR@028 ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي ~~تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله ~~يقول الحق وهو يهدي السبيل (4) @QUR@028 ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ~~فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما ~~أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما ) (5) # قال القرطبي ما ملخصه : قوله تعالى ( @QUR@08 ما جعل الله لرجل من قلبين ~~في جوفه ) نزلت في رجل من قريش اسمه جميل بن معمر الفهري ، كان حفاظا لما ~~يسمع ، وكان يقول : لي قلبان أعقل بهما أفضل من عقل محمد. فلما هزم ~~المشركون يوم بدر ، ومعهم هذا الرجل ، رآه أبو سفيان وهو معلق إحدى نعليه ~~في يده والأخرى في رجله من شدة الهلع ، فقال له أبو سفيان : ما حال الناس؟ ~~قال : انهزموا. فقال له : فما بال إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك؟ قال ~~: ما شعرت إلا أنهما في رجلي. فعرفوا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسى ~~نعله في يده. PageV11P171 # وقيل سبب نزولها أن بعض المنافقين قال : إن محمدا صلى الله عليه وسلم له ~~قلبان ، لأنه ربما كان في شيء ms4554 فنزع في غيره نزعة ثم عاد إلى شأنه الأول ، ~~فأكذبهم الله بقوله : ( @QUR@08 ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ) (1). # ويرى بعضهم : أن هذه الجملة الكريمة ، مثل ضربه الله تعالى للمظاهر من ~~امرأته ، والمتبنى ولد غيره ، تمهيدا لما بعده. # أى : كما أن الله تعالى لم يخلق للإنسان قلبين في جوفه ، كذلك لم يجعل ~~المرأة الواحدة زوجا للرجل وأما له في وقت واحد ، وكذلك لم يجعل المرء دعيا ~~لرجل وابنا له في زمن واحد. # وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : أى : ما جمع الله قلبين في جوف ~~، ولا زوجية وأمومة في امرأة ، ولا بنوة ودعوة في رجل .. لأن الأم مخدومة ~~مخفوض لها الجناح ، والزوجة ليست كذلك. # ولأن البنوة أصالة في النسب وعراقة فيه ، والدعوة : إلصاق عارض بالتسمية ~~لا غير. # فإن قلت : أى فائدة في ذكر الجوف؟ قلت : الفائدة فيه كالفائدة في قوله ~~تعالى : ( @QUR@06 ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) وذلك ما يحصل للسامع ~~من زيادة التصور والتجلي للمدلول عليه ، لأنه إذا سمع به ، صور لنفسه جوفا ~~يشتمل على قلبين فكان أسرع إلى الإنكار (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم ) ~~إبطال لما كان سائدا من أن الرجل كان إذا قال لزوجته أنت على كظهر أمى حرمت عليه. # يقال. ظاهر فلان من امرأته وتظهر وظهر منها ، إذا قال لها : أنت على كظهر ~~أمى ، يريد أنها محرمة عليه كحرمة أمه. # وقد جاء الكلام عن الظهار ، وعن حكمه ، وعن كفارته ، في سورة المجادلة ، ~~في قوله تعالى : ( @QUR@041 قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ، وتشتكي ~~إلى الله ، والله يسمع تحاوركما ، إن الله سميع بصير. الذين يظاهرون منكم ~~من نسائهم ما هن أمهاتهم ، إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم ، وإنهم ليقولون ~~منكرا من القول وزورا ، وإن الله لعفو غفور ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 وما جعل أدعياءكم أبناءكم ) إبطال لعادة أخرى ~~كانت موجودة ، وهي عادة التبني. PageV11P172 # والأدعياء : جمع دعى. وهو الولد الذي يدعى ابنا لغير أبيه وكان الرجل ~~يتبنى ولد غيره ، ويجرى عليه أحكام البنوة النسبية ms4555 ، ومنها حرمة زواج الأب ~~بزوجة ابنه بالتبني بعد طلاقها ، ومنها التوارث فيما بينهما. # قال ابن كثير : وقوله : ( @QUR@04 وما جعل أدعياءكم أبناءكم ) هذا هو ~~المقصود بالنفي ، فإنها نزلت في شأن زيد بن حارثة ، مولى النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، فقد كان صلى الله عليه وسلم قد تبناه قبل النبوة ، وكان ~~يقال له زيد بن محمد. فأراد الله تعالى أن يقطع هذا الإلحاق ، وهذه النسبة ~~بقوله : ( @QUR@04 وما جعل أدعياءكم أبناءكم )، كما قال في أثناء السورة : ~~( @QUR@012 ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) (1). # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@03 ذلكم قولكم بأفواهكم ) يعود إلى ما سبق ~~ذكره من التلفظ بالظهار ، ومن إجراء التبني على ولد الغير ، وهو مبتدأ ، ~~وما بعده خبر. # أى : ذلكم الذي تزعمونه من تشبيه الزوجة بالأم في التحريم ، ومن نسبة ~~الأبناء إلى غير آبائهم الشرعيين ، هو مجرد قول باللسان لا يؤيده الواقع ، ~~ولا يسانده الحق. # قال ابن جرير : وقوله : ( @QUR@03 ذلكم قولكم بأفواهكم ) يقول تعالى ذكره ~~هذا القول ، وهو قول الرجل لامرأته : أنت على كظهر أمى ، ودعاؤه من ليس ~~بابنه أنه ابنه ، إنما هو قولكم بأفواهكم ، لا حقيقة له ، ولا يثبت بهذه ~~الدعوى نسب الذي ادعيت بنوته ، ولا تصير الزوجة أما بقول الرجل لها : أنت ~~على كظهر أمى (2). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@06 والله يقول الحق وهو يهدي ~~السبيل ) أى : والله تعالى يقول الحق الثابت الذي لا يحوم حوله باطل ، وهو ~~سبحانه دون غيره يهدى ويرشد إلى السبيل القويم الذي يوصل إلى الخير ~~والصلاح. وما دام الأمر كذلك فاتركوا عاداتكم وتقاليدكم التي ألفتموها. ~~والتي أبطلها الله تعالى بحكمته ، واتبعوا ما يأمركم به سبحانه . # ثم أرشدهم إلى الطريقة السليمة في معاملة الابن المتبنى فقال : ( @QUR@06 ~~ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ) أى : انسبوا هؤلاء الأدعياء إلى آبائهم ~~، فإن هذا النسب هو أقسط وأعدل عند الله تعالى . # قال الآلوسى : أخرج الشيخان عن ابن عمر رضى الله عنهما أن زيد بن حارثة مولى PageV11P173 # رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنا ms4556 ندعوه إلا زيد بن محمد. حتى نزل القرآن ~~: ( @QUR@02 ادعوهم لآبائهم ) فقال صلى الله عليه وسلم : «أنت زيد بن حارثة بن ~~شراحيل» (1). # وكان زيد قد أسر في بعض الحروب ، ثم بيع في مكة ، واشتراه حكيم بن حزام ، ~~ثم أهداه إلى عمته السيدة خديجة ، ثم أهدته خديجة رضى الله عنها إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وصار الناس يقولون : زيد بن محمد حتى نزلت الآية. # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ~~ومواليكم ) إرشاد إلى معاملة هؤلاء الأدعياء في حالة عدم معرفة آبائهم. # أى : انسبوا هؤلاء الأدعياء إلى آبائهم الحقيقيين ، فإن ذلك أعدل عند ~~الله تعالى ، وأشرف للآباء والأبناء ، فإن لم تعلموا آباءهم الحقيقيين لكي ~~تنسبوهم إليهم ، فهؤلاء الأدعياء هم إخوانكم في الدين والعقيدة ، وهم ~~مواليكم ، فقولوا لهم ، يا أخى أو يا مولاي ، واتركوا نسبتهم إلى غير ~~آبائهم الشرعيين. # وفي هذه الجملة الكريمة إشارة إلى ما كان عليه المجتمع الجاهلى من تخلخل ~~في العلاقات الجنسية ، ومن اضطراب في الأنساب ، وقد عالج الإسلام كل ذلك ~~بإقامة الأسرة الفاضلة ، المبنية على الطهر والعفاف ، ووضع الأمور في ~~مواضعها السليمة. # ثم بين سبحانه جانبا من مظاهر اليسر ورفع الحرج في تشريعاته فقال : ( ~~@QUR@014 وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ، ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله ~~غفورا رحيما ). # أى. انسبوا أيها المسلمون الأبناء إلى آبائهم الشرعيين ، فإن لم تعرفوا ~~آباءهم فخاطبوهم ونادوهم بلفظ : يا أخى أو يا مولاي. ومع كل ذلك فمن رحمتنا ~~بكم أننا لم نجعل عليكم جناحا أو إثما ، فيما وقمتم فيه من خطأ غير مقصود ~~بنسبتكم بعض الأبناء الأدعياء إلى غير آبائهم ، ولكننا نؤاخذكم ونعاقبكم ~~فيما تعمدته قلوبكم من نسبة الأبناء إلى غير آبائهم. # و ( @QUR@04 كان الله غفورا رحيما ) وما زال واسع المغفرة والرحمة لمن ~~يشاء من عباده. # هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هاتين الآيتين : حرص شريعة ~~الإسلام على إعطاء كل ذي حق حقه ، ومن مظاهر ذلك إبطال الظهار الذي كان ~~يجعل المرأة محرمة على الرجل ، ثم تبقى بعد ذلك معلقة ms4557 ، لا هي مطلقة فتتزوج ~~غير زوجها ، ولا هي زوجة فتحل له فشرع الإسلام كفارة الظهار إنصافا للمرأة ~~، وحرصا على كرامتها. PageV11P174 # ومن مظاهر ذلك أيضا : إبطال عادة التبني ، حتى ينتسب الأبناء إلى آبائهم ~~الشرعيين ، وحتى تصير العلاقات بين الآباء والأبناء قائمة على الأسس ~~الحقيقية والواقعية. # ولقد حذر الإسلام من دعوى الإبن إلى غير أبيه تحذيرا شديدا. ونفر من ذلك. # قال القرطبي : جاء في الحديث الصحيح عن سعد بن أبى وقاص وأبى بكرة ، ~~كلاهما قال : سمعته أذناى ووعاه قلبي ، محمدا صلى الله عليه وسلم يقول : «من ~~ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام» وفي حديث أبى ~~ذر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : «ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو ~~يعلمه إلا كفر» (1). # ثم بين سبحانه ما يجب على المؤمنين نحو نبيهم صلى الله عليه وسلم ونحو ~~أزواجه ، وما يجب للأقارب فيما بينهم ، فقال تعالى : # ( @QUR@029 النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن ~~تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا ) (6) # أى : النبي صلى الله عليه وسلم أحق بالمؤمنين بهم من أنفسهم وأولى في المحبة ~~والطاعة ، فإذا ما دعاهم إلى أمر ، ودعتهم أنفسهم إلى خلافه ، وجب أن ~~يؤثروا ما دعاهم إليه ، على ما تدعوهم إليه أنفسهم ، لأنه صلى الله عليه وسلم ~~لا يدعوهم إلا إلى ما ينفعهم ، أما أنفسهم فقد تدعوهم إلى ما يضرهم. # وفي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم عن أبى هريرة ، أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : إنما مثلي ومثل أمتى ، كمثل رجل استوقد نارا ، فجعلت ~~الدواب والفراش يقعن فيه أى في الشيء المستوقد وأنا آخذ بحجزكم أى : وأنا ~~آخذ بما يمنعكم من السقوط كملابسكم ومعاقد الإزار وأنتم تقحمون فيه» أى : ~~وأنتم تحاولون الوقوع فيما يحرقكم . PageV11P175 # قال القرطبي : قال العلماء : الحجزة : السراويل ، والمعقد للإزار ، فإذا ~~أراد الرجل إمساك من يخاف سقوطه أخذ بذلك الموضع منه ، وهذا مثل ms4558 لاجتهاد ~~نبينا صلى الله عليه وسلم في نجاتنا ، وحرصه على تخليصنا من الهلكات التي بين ~~أيدينا ، فهو أولى بنا من أنفسنا (1). # وقال الإمام ابن كثير. قد علم الله تعالى شفقة رسوله صلى الله عليه وسلم على ~~أمته ، ونصحه لهم : فجعله أولى بهم من أنفسهم ، وحكمه فيهم مقدما على ~~اختيارهم لأنفسهم. # وفي الصحيح «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه ~~وماله وولده والناس أجمعين». # وروى البخاري عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «ما من مؤمن ~~إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة. اقرءوا إن شئتم : ( @QUR@05 ~~النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من ~~كانوا ، فإن ترك دينا أو ضياعا فليأتنى فأنا مولاه». # وروى الإمام أحمد عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : أنا ~~أولى بكل مؤمن من نفسه فأيما رجل مات وترك دينا فإلى ، ومن ترك مالا ~~فلورثته (2). # وقال الآلوسى : وإذا كان صلى الله عليه وسلم بهذه المثابة في حق المؤمنين ، ~~يجب عليهم أن يكون أحب إليهم من أنفسهم ، وحكمه عليه الصلاة والسلام عليهم ~~أنفذ من حكمها ، وحقه آثر لديهم من حقوقها ، وشفقتهم عليه أقدم من شفقتهم عليها. # وسبب نزول الآية على ما قيل ما روى من أنه صلى الله عليه وسلم أراد غزوة ~~تبوك ، فأمر الناس بالخروج : فقال أناس منهم : نستأذن آباءنا وأمهاتنا ~~فنزلت. ووجه دلالتها على السبب أنه صلى الله عليه وسلم إذا كان أولى من أنفسهم ~~، فهو أولى من الأبوين بالطريق الأولى (3). # ثم بين سبحانه منزلة أزواجه صلى الله عليه وسلم بالنسبة للمؤمنين فقال : ( ~~@QUR@02 وأزواجه أمهاتهم ) أى : وأزواجه صلى الله عليه وسلم بمنزلة أمهاتكم ~~أيها المؤمنون في الاحترام والإكرام ، وفي حرمة الزواج بهن. # قالوا : وأما ما عدا ذلك كالنظر إليهن ، والخلوة بهن ، وإرثهن. فهن ~~كالأجنبيات. # ثم بين سبحانه أن التوارث إنما يكون بين الأقارب فقال تعالى ( @QUR@022 ~~وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا ~~أن تفعلوا ms4559 إلى أوليائكم معروفا ، كان ذلك في الكتاب مسطورا ). PageV11P176 # والمراد بأولى الأرحام : الأقارب الذين تربط بينهم رابطة الرحم كالآباء ~~والأبناء ، والإخوة ، والأخوات. # وقوله : ( @QUR@03 في كتاب الله ) متعلق بقوله ( @QUR@01 أولى ) أو ~~بمحذوف على أنه حال من الضمير في ( @QUR@01 أولى ). # والمراد بالمؤمنين والمهاجرين. من لا تربط بينهم وبين غيرهم رابطة قرابة. # قال ابن كثير : وقد أورد ابن أبى حاتم عن الزبير بن العوام قال : أنزل ~~الله عز وجل فينا خاصة معشر قريش والأنصار : ( @QUR@05 وأولوا الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض ) وذلك أنا معشر قريش ، لما قدمنا المدينة قدمنا ولا أموال لنا ، ~~فوجدنا الأنصار نعم الإخوان ، فواخيناهم ووارثناهم ... حتى أنزل الله هذه ~~الآية فينا معشر قريش والأنصار خاصة ، فرجعنا إلى مواريثنا (1). # وشبيه بهذه الآية في وجوب أن يكون التوارث بحسب قرابة الدم ، قوله تعالى ~~في آخر آية من سورة الأنفال : ( @QUR@022 والذين آمنوا من بعد وهاجروا ~~وجاهدوا معكم فأولئك منكم ، وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ، ~~إن الله بكل شيء عليم ). # والاستثناء في قوله سبحانه : ( @QUR@06 إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم ~~معروفا ) رجح بعضهم أنه استثناء منقطع. وقوله ( @QUR@02 أن تفعلوا ) مبتدأ ~~، وخبره محذوف. # والمراد بالكتاب في قوله ( @QUR@05 كان ذلك في الكتاب مسطورا ) القرآن ~~الكريم ، أو اللوح المحفوظ. # والمعنى : وأولو الأرحام وهم الأقارب ، بعضهم أولى ببعض في التوارث فيما ~~بينهم ، وفي تبادل المنافع بعضهم مع بعض ، وهذه الأولوية والأحقية ثابتة في ~~كتاب الله تعالى حيث بين لكم في آيات المواريث التي بسورة النساء ، كيفية ~~تقسيم التركة بين الأقارب ، وهم بهذا البيان أولى في ميراث الميت من ~~المؤمنين والمهاجرين الذين لا تربطهم بالميت صلة القرابة. # هذا هو حكم الشرع فيما يتعلق بالتوارث ، لكن إذا أردتم أيها المؤمنون أن ~~تقدموا إلى غير أقاربكم من المؤمنين معروفا ، كأن توصوا له ببعض المال فلا ~~بأس ، ولا حرج عليكم في ذلك. # وهذا الحكم الذي بيناه لكم فيما يتعلق بالتوارث بين الأقارب ، كان مسطورا ~~ومكتوبا في PageV11P177 # اللوح المحفوظ ، وفي آيات القرآن التي سبق نزولها ، فاعملوا بما شرعناه ~~لكم ، واتركوا ما نهيناكم عنه. # قال ms4560 الشوكانى ما ملخصه : قوله : ( @QUR@06 إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم ~~معروفا ) هذا الاستثناء إما متصل من أعم العام ، والتقدير : وأولو الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض في كل شيء من الإرث وغيره ، إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم ~~معروفا ، من صدقة أو وصية ، فإن ذلك جائز. # وإما منقطع. والمعنى : لكن فعل المعروف للأولياء لا بأس به. # والإشارة بقوله : ( @QUR@02 كان ذلك ) تعود إلى ما تقدم ذكره. أى : كان ~~نسخ الميراث بالهجرة والمحالفة والمعاقدة ، ورده إلى ذوى الأرحام من ~~القرابات ( @QUR@03 في الكتاب مسطورا ) أى : في اللوح المحفوظ ، أو في ~~القرآن مكتوبا (1). # وبذلك نرى الآية الكريمة قد وضحت ما يجب على المؤمنين نحو نبيهم ، وما ~~يجب عليهم نحو أزواجه ، وما يجب عليهم نحو أقاربهم فيما يتعلق بالتوارث. # ثم ذكر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالعهد الذي أخذه عليه وعلى ~~الأنبياء من قبله ، فقال تعالى : # ( @QUR@017 وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى ~~وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (7) @QUR@08 ليسئل الصادقين عن ~~صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما ) (8) # والميثاق : العهد الموثق المؤكد ، مأخوذ من لفظ وثق ، المتضمن معنى الشد ~~والربط على الشيء بقوة وإحكام. # أى : واذكر أيها الرسول الكريم وقت أن أخذنا من جميع النبيين العهد ~~الوثيق ، على أن يبلغوا ما أوحيناه إليهم من هدايات للناس ، وعلى أن ~~يأمروهم بإخلاص العبادة لنا ، وعلى أن يصدق بعضهم بعضا في أصول الشرائع ~~ومكارم الأخلاق .. كما أخذنا هذا العهد الوثيق منك ، ومن أنبيائنا نوح ~~وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم. PageV11P178 # وخص هؤلاء الأنبياء بالذكر ، للتنويه بفضلهم ، فهم أولو العزم من الرسل ، ~~وهم الذين تحملوا في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى أكثر مما تحمل غيرهم. # وقدم صلى الله عليه وسلم عليهم في قوله ( @QUR@03 ومنك ومن نوح ) لمزيد فضله ~~صلى الله عليه وسلم على جميع الأنبياء. # قال الآلوسى : ولا يضر تقديم نوح عليه السلام في سورة الشورى ، أعنى قوله ~~تعالى : ( @QUR@011 شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ، والذي أوحينا إليك ) ~~إذ لكل مقام مقال. والمقام في سورة الشورى وصف ms4561 دين الإسلام بالأصالة. ~~والمناسب فيه تقديم نوح ، فكأنه قيل : شرع لكم الدين الأصيل الذي بعث عليه ~~نوح في العهد القديم ، وبعث عليه محمد صلى الله عليه وسلم في العهد الحديث ، ~~وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ) معطوف على ما قبله ~~وهو ( @QUR@04 أخذنا من النبيين ميثاقهم )، لإفادة تفخيم شأن هذا الميثاق ~~المأخوذ على الأنبياء ، وبيان أنه عهد في أقصى درجات الأهمية والشدة. # أى : وأخذنا من هؤلاء الأنبياء عهدا عظيم الشأن ، بالغ الخطورة ، رفيع ~~المقدار. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : فما ذا أراد بالميثاق الغليظ؟ # قلت : أراد به ذلك الميثاق بعينه. إذ المعنى : وأخذنا منهم بذلك الميثاق ~~ميثاقا غليظا. # والغلظ استعارة في وصف الأجرام. والمراد : عظم الميثاق وجلالة شأنه في بابه. # وقيل : المراد بالميثاق الغليظ : اليمين بالله على الوفاء بما حملوا (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 ليسئل الصادقين عن صدقهم ) متعلق بقوله : ( ~~@QUR@01 أخذنا )، أو بمحذوف. والمراد بالصادقين : الأنبياء الذين أخذ الله ~~عليهم الميثاق. # أى : فعل سبحانه ذلك ليسأل يوم القيامة أنبياءه عن كلامهم الصادق الذي ~~قالوه لأقوامهم ، وعن موقف هؤلاء الأقوام منهم. # والحكمة من هذا السؤال تشريف هؤلاء الرسل وتكريمهم ، وتوبيخ المكذبين لهم ~~فيما جاءوهم به من كلام صادق ومن إرشاد حكيم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 وأعد للكافرين عذابا أليما ) معطوف على ما دل ~~عليه قوله ، ليسأل الصادقين. PageV11P179 # أى : أثاب عز وجل الأنبياء الكرام بسبب صدقهم في تبليغ رسالته وأعد ~~للكافرين الذين أعرضوا عن دعوة أنبيائهم عذابا أليما ، بسبب هذا الإعراض. # وهكذا جمعت الآية الكريمة بين ما أعده سبحانه من ثواب عظيم للصادقين. ومن ~~عذاب أليم للكافرين. # وبعد هذا البيان الحكيم لبعض الأحكام الشرعية. انتقلت السورة الكريمة إلى ~~الحديث عن غزوة الأحزاب ، وعن فضل الله تعالى على المؤمنين فيها ، فقال ~~سبحانه : # ( @QUR@022 يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود ~~فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا (9) ~~@QUR@016 إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب ~~الحناجر وتظنون بالله الظنونا (10) @QUR@06 هنالك ms4562 ابتلي المؤمنون وزلزلوا ~~زلزالا شديدا (11) @QUR@013 وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما ~~وعدنا الله ورسوله إلا غرورا (12) @QUR@026 وإذ قالت طائفة منهم يا أهل ~~يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة ~~وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا (13) @QUR@014 ولو دخلت عليهم من أقطارها ~~ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا (14) @QUR@013 ولقد كانوا ~~عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤلا ) (15) # وغزوة الأحزاب ، من الغزوات الشهيرة في تاريخ الدعوة الإسلامية ، وكانت ~~على الراجح في شهر شوال من السنة الخامسة بعد الهجرة. PageV11P180 # وملخصها كما ذكر الإمام ابن كثير أن نفرا من اليهود على رأسهم حيي بن ~~أخطب خرجوا إلى مكة ، واجتمعوا بأشراف قريش وألبوهم على حرب المسلمين ، ~~فأجابوهم إلى ذلك. # ثم خرجوا إلى قبيلة غطفان فدعوهم لحرب المسلمين ، فاستجابوا لهم ايضا . # وخرجت قريش في أحابيشها ومن تابعها ، والجميع في جيش قريب من عشرة آلاف رجل. # وعند ما علم الرسول صلى الله عليه وسلم بمقدمهم ، أمر بحفر خندق حول ~~المدينة. # ووصلت جيوش الأحزاب إلى مشارف المدينة ، فوجدوا الخندق قد حفر ، وأنه ~~يحول بينهم وبين اقتحامها. كما أن المسلمين كانوا لهم بالمرصاد. # وخلال هذه الفترة العصيبة ، نقض يهود بنى قريظة عهودهم مع المسلمين ، ~~وانضموا إلى جيوش الأحزاب ، فزاد الخطب على المسلمين. # ومكث الأعداء محاصرين للمدينة قريبا من شهر. ثم جاء نصر الله تعالى ، بأن ~~أرسل على جيوش الأحزاب ريحا شديدة ، وجنودا من عنده ، فتصدعت جبهات الأحزاب ~~، وانكفأت خيامهم ، وملأ الرعب قلوبهم ، ( @QUR@012 ورد الله الذين كفروا ~~بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال ) (1). # وقد ابتدأ الله تعالى الحديث عن هذه الغزوة ، بنداء وجهه إلى المؤمنين ، ~~ذكرهم فيه بفضله عليهم ، وبرحمته بهم فقال : ( @QUR@017 يا أيها الذين ~~آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم ، إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا ~~لم تروها ). # والمعنى : يا من آمنتم بالله حق الإيمان ، ( @QUR@01 اذكروا ) على سبيل ~~الشكر والاعتبار ( @QUR@03 نعمة الله عليكم ) ورحمته بكم. # ( @QUR@03 إذ جاءتكم جنود ) كثيرة ، هي جنود جيوش ms4563 الأحزاب ( @QUR@03 ~~فأرسلنا عليهم ريحا ) شديدة زلزلتهم ، وجعلتهم يرحلون عنكم بخوف وفزع. # كما أرسلنا عليهم ( @QUR@03 جنودا لم تروها ) وهم الملائكة ، الذين ألقوا ~~الرعب في قلوب أعدائكم. # قالوا : روى أن الله تعالى بعث عليهم ريحا باردة في ليلة باردة ، فألقت ~~التراب في PageV11P181 # وجوههم ، وأمر الملائكة فقلعت أوتاد خيامهم ، وأطفأت نيرانهم وقذفت في ~~قلوبهم الرعب .. فقال كل سيد قوم لقومه : يا بنى فلان : النجاء النجاء (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 وكان الله بما تعملون بصيرا ) تذييل قصد به ~~بيان مظهر آخر من مظاهر فضله تعالى عليهم. # أى : جاءتكم تلك الجنود الكثيرة. فأرسلنا عليهم ريحا شديدة ، وأرسلنا ~~عليهم من عندنا جنودا لم تروها ، وكنا فوق كل ذلك مطلعين على أعمالكم من ~~حفر الخندق وغيره وسامعين لدعائكم ، وقد أجبناه لكم ، حيث رددنا أعداءكم ~~عنكم دون أن ينالوا خيرا. # ثم فصل سبحانه ما حدث للمؤمنين في هذه الغزوة ، بعد هذا الإجمال ، فقال : ~~( @QUR@04 إذ جاؤكم من فوقكم ) أى : من أعلى الوادي من جهة المشرق. والجملة ~~بدل من قوله ( @QUR@03 إذ جاءتكم جنود ). والمراد بالذين جاءوا من تلك ~~الجهة : قبائل غطفان وهوازن .. وانضم إليهم بنو قريظة بعد أن نقضوا عهودهم. # ( @QUR@03 ومن أسفل منكم ) أى : ومن أسفل الوادي من جهة المغرب ، وهم ~~قريش ومعهم أحابيشهم وحلفاؤهم. # وقوله : ( @QUR@03 وإذ زاغت الأبصار ) معطوف على ما قبله ، داخل معه في ~~حيز التذكير. # أى : واذكروا وقت أن زاغت أبصاركم ، ومالت عن كل شيء حولها ، وصارت لا ~~تنظر إلا إلى أولئك الأعداء. يقال : زاغ البصر يزيغ زيغا وزيغانا إذا مال ~~وانحرف. ويقال أيضا : زاغ البصر ، إذا مل وتعب بسبب استدامة شخوصه من شدة الهول. # وقوله ( @QUR@03 وبلغت القلوب الحناجر ) بيان آخر لما أصاب المسلمين من ~~بلاء بسبب إحاطة جيوش الأحزاب بهم. # والحناجر : جمع حنجرة ، وهي جوف الحلقوم ، والمراد أن قلوبكم فزعت فزعا ~~شديدا ، حتى لكأنها قد انتقلت من أماكنها إلى أعلى ، حتى قاربت أن تخرج من ~~أفواهكم. # فالآية تصور ما أصاب المسلمين من فزع وكرب في غزوة الأحزاب ، تصويرا ~~بديعا مؤثرا ، يرسم حركات القلوب ، وملامح الوجوه ، وخلجات النفوس. # وقوله ms4564 سبحانه ( @QUR@03 وتظنون بالله الظنونا ) بيان لما دار في عقولهم ~~من أفكار ، حين رأوا الأحزاب وقد أحاطوا بالمدينة. PageV11P182 # والظنون جمع الظن. وهو مصدر يطلق على القليل والكثير منه. وجاء بصيغة ~~الجمع لتعدد أنواعه ، واختلافه باختلاف قوة الإيمان وضعفه. # أى : وتظنون أيها المؤمنون بالله تعالى الظنون المختلفة ، فمنكم من ازداد ~~يقينا على يقينه ، وازداد ثقة بوعد الله تعالى وبنصره ، ومنكم من كان أقل ~~من ذلك في ثباته ويقينه ، ومنكم من كان يظهر أمامكم الإيمان والإسلام ، ~~ويخفى الكفر والعصيان ، وهم المنافقون وهؤلاء ظنوا الظنون السيئة ، بأن ~~اعتقدوا بأن الدائرة ستدور عليكم : # قال ابن كثير : قوله ( @QUR@03 وتظنون بالله الظنونا ) قال الحسن : ظنون ~~مختلفة ، ظن المنافقون أن محمدا وأصحابه يستأصلون ، وأيقن المؤمنون أن ما ~~وعد الله ورسوله حق ، وأنه سبحانه سيظهر دينه على الدين كله ولو كره ~~المشركون. # عن أبى سعيد قال : قلنا يوم الخندق : يا رسول الله ، هل من شيء نقول ، ~~فقد بلغت القلوب الحناجر؟ فقال صلى الله عليه وسلم : نعم. قولوا : اللهم استر ~~عوراتنا ، وآمن روعاتنا. # قال : فضرب الله تعالى وجوه أعدائه بالريح فهزمهم (1). # ولفظ ( @QUR@01 هنالك ) في قوله تعالى : ( @QUR@03 هنالك ابتلي المؤمنون ~~): ظرف مكان للبعيد ، وهو منصوب بقوله ( @QUR@01 ابتلي ) والابتلاء : ~~الاختبار والامتحان بالشدائد والمصائب. # أى : في ذلك المكان الذي أحاط به الأحزاب من كل جانب ، امتحن الله تعالى ~~المؤمنين واختبرهم ، ليتميز قوى الإيمان من ضعيفه. # ( @QUR@03 وزلزلوا زلزالا شديدا ) أى : واضطربوا اضطرابا شديدا ، من شدة ~~الفزع ، لأن الأعداء حاصروهم ، ولأن بنى قريظة نقضوا عهودهم. # ولقد بلغ انشغال المسلمين بعدوهم انشغالا عظيما ، حتى أنهم لم يستطيعوا ~~أن يؤدوا بعض الصلوات في أوقاتها ، وقال بعض الصحابة : يا رسول الله ، ما ~~صلينا ، فقال لهم صلى الله عليه وسلم : «ولا أنا ، والله ما صليت ثم قال : ~~شغلنا المشركون عن الصلاة الوسطى ، صلاة العصر ، ملأ الله أجوافهم وقلوبهم نارا». # وخرجت طليعتان للمسلمين ليلا ، فالتقتا دون أن تعرف إحداهما الأخرى ~~فتقاتلا. وحدث بينهم ما حدث من جراح وقتل ، ولم يشعروا أنهم من المسلمين ، ~~حتى تنادوا بشعار الإسلام : «حم. لا ينصرون» ms4565 ، فكف بعضهم عن بعض. PageV11P183 # فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم : «جراحكم في سبيل الله ~~ومن قتل منكم فإنه شهيد». # ومما زاد في بلاء المسلمين وحزنهم. ما ظهر من أقوال قبيحة من المنافقين. ~~حكاها سبحانه في قوله : ( @QUR@013 إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ~~، ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ) أى : واذكروا أيضا أيها المؤمنون وقت ~~أن كشف المنافقون وأشباههم عن نفوسهم الخبيثة وطباعهم الذميمة ، وقلوبهم ~~المريضة ، فقالوا لكم وأنتم في أشد ساعات الحرج والضيق : ( @QUR@04 ما ~~وعدنا الله ورسوله ) بالنصر والظفر ( @QUR@02 إلا غرورا ) أى : إلا وعدا ~~باطلا ، لا يطابق الواقع الذي نعيش فيه. # وقال أحدهم : إن محمدا كان يعدنا أن نأخذ كنوز كسرى وقيصر ، وأحدنا اليوم ~~لا يستطيع أن يذهب إلى الغائط. # ( @QUR@011 وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ) ~~@QUR@01 .. . # أى : واذكروا كذلك أيها المؤمنون وقت أن قالت لكم طائفة من هؤلاء ~~المنافقين : ( @QUR@03 يا أهل يثرب ) أى : يا أهل المدينة ، لا مقام لكم في ~~هذا المكان الذي تقيمون فيه بجوار الخندق لحماية بيوتكم ومدينتكم ، فارجعوا ~~إلى مساكنكم ، واستسلموا لأعدائكم. # قال الشوكانى : وذلك أن المسلمين خرجوا في غزوة الخندق ، فجعلوا ظهورهم ~~إلى جبل سلع ، وجعلوا وجوههم إلى العدو ، وجعلوا الخندق بينهم وبين القوم. ~~فقال هؤلاء المنافقون : ليس ها هنا موضع إقامة وأمروا الناس بالرجوع إلى ~~منازلهم بالمدينة (1). # ثم بين سبحانه أن هؤلاء المنافقين لم يكتفوا بهذا القول الذميم ، بل ~~كانوا يهربون من الوقوف إلى جانب المؤمنين ، فقال تعالى : ( @QUR@015 ~~ويستأذن فريق منهم النبي ، يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون ~~إلا فرارا ). # أى : أنهم كانوا يحرضون غيرهم على ترك مكانه في الجهاد ، ولا يكتفون بذلك ~~، بل كان كل فريق منهم يذهب إلى النبي صلى الله عليهم فيستأذنه في الرجوع ~~إلى بيوتهم ، قائلين له : يا رسول الله : ( @QUR@03 إن بيوتنا عورة ) أى : ~~خالية ممن يحرسها. يقال : دار ذات عورة إذا سهل دخولها لقلة حصانتها. # وهنا يكشف القرآن عن حقيقتهم ويكذبهم في دعواهم فيقول ( @QUR@03 وما هي ms4566 ~~بعورة ) أى : PageV11P184 # والحال أن بيوتهم ليست كما يزعمون ، وإنما الحق أنهم يريدون الفرار من ~~ميدان القتال ، لضعف إيمانهم ، وجبن نفوسهم. # روى أن بنى حارثة بعثوا أحدهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقول له : ~~إن بيوتنا عورة ، وليست دار من دور الأنصار مثل دورنا ، ليس بيننا وبين ~~غطفان أحد يردهم عنا ، فأذن لنا كي نرجع إلى دورنا ، فمنع ذرارينا ونساءنا. ~~فأذن لهم صلى الله عليه وسلم . # فبلغ سعد بن معاذ ذلك فقال : يا رسول الله ، لا تأذن لهم ، إنا والله ما ~~أصابنا وإياهم شدة إلا فعلوا ذلك .. فردهم. # ثم بين سبحانه أن هؤلاء المنافقين جمعوا لأنفسهم كل نقيض ، فهم يسرعون ~~إلى ما يؤذى المؤمنين ، ويبطئون عما ينفعهم ، فقال تعالى : ( @QUR@014 ولو ~~دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها ، وما تلبثوا بها إلا يسيرا ). # والضمير في قوله تعالى ( @QUR@01 دخلت ) للبيوت أو للمدينة. وفاعل الدخول ~~من يدخل هذه البيوت أو المدينة من أهل الكفر والفساد. وأسند سبحانه الدخول ~~إلى بيوتهم ، للإشعار بأن الأعداء يدخلونها وهم قابعون فيها. # والأقطار : جمع قطر بمعنى الناحية والجانب والجهة. # والمراد بالفتنة هنا ، الردة عن الإسلام أو قتال المسلمين. # وقوله ( @QUR@01 لآتوها ) قرأه الجمهور بالمد بمعنى لأعطوها. وقرأه نافع ~~وابن كثير لأتوها بالقصر ، بمعنى لجاءوها وفعلوها والتلبث : الإبطاء ~~والتأخر. # والمعنى إن هؤلاء المنافقين الذين يزعمون أن بيوتهم عورة ، هم كاذبون في ~~زعمهم ، وهم أصحاب نيات خبيثة ، ونفوس عارية عن كل خير. # والدليل على ذلك ، أن بيوتهم هذه التي يزعمون أنها عورة ، لو اقتحمها ~~عليهم مقتحم من المشركين وهم قابعون فيها ، ثم طلب منهم أن ينضم إليهم في ~~مقاتلة المسلمين ، لسارعوا إلى تلبية طلبه ، ولكانوا مطيعين له كل الطاعة ، ~~وما تأخروا عن تلبية طلبه إلا لمدة قليلة ، يعدون العدة خلالها لقتالكم ~~أيها المسلمون ، وللانسلاخ عن كل رابطة تربطكم بهم. لأن عقيدتهم واهنة ، ~~ونفوسهم مريضة خائرة. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@03 ولو دخلت عليهم ) أى : المدينة. وقيل ~~: بيوتهم. من قولك : دخلت على فلان داره ( @QUR@02 من أقطارها ) أى. من ~~جوانبها. يريد : ولو ms4567 دخلت هذه العساكر المتحزبة التي يفرون منها مدينتهم من ~~نواحيها كلها وانثالت على أهاليهم PageV11P185 # وأولادهم ناهبين سابين ، ثم سئلوا عند ذلك الفزع وتلك الرجفة ، ( @QUR@01 ~~الفتنة ) أى : الردة والرجعة إلى الكفر ، ومقاتلة المسلمين ، لأتوها ، أى : ~~لجاءوها ولفعلوها. وقرئ. لآتوها ، أى لأعطوها ( @QUR@05 وما تلبثوا بها إلا ~~يسيرا ) ريثما يكون السؤال والجواب من غير توقف. أو ما لبثوا بالمدينة بعد ~~ارتدادهم إلا يسيرا ، فإن الله يهلكهم (1). # ثم بين سبحانه بعد ذلك ، أن من الصفات اللازمة للمنافقين ، نقضهم لعهودهم ~~فقال تعالى : ( @QUR@013 ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار ~~وكان عهد الله مسؤلا ). # أى : ولقد كان هؤلاء المنافقون قد حلفوا من قبل غزوة الأحزاب ، أنهم ~~سيكونون معكم في الدفاع عن الحق وعن المدينة المنورة التي يساكنونكم فيها ، ~~ولكنهم لم يفوا بعهودهم. # ( @QUR@04 وكان عهد الله مسؤلا ) أى : مسئولا عنه صاحبه الذي عاهد الله ~~تعالى على الوفاء ، وسيجازى سبحانه كل ناقض لعهده ، بما يستحقه من عقاب. # ثم واصلت السورة الكريمة حديثها عن هؤلاء المنافقين ، فوبختهم على سوء ~~فهمهم ، وعلى جبنهم وخورهم ، وعلى سلاطة ألسنتهم .. فقال تعالى : # ( @QUR@015 قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا ~~تمتعون إلا قليلا (16) @QUR@024 قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم ~~سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا (17) ~~@QUR@014 قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا ~~يأتون البأس إلا قليلا (18) @QUR@019 أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ~~ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم PageV11P186 # @QUR@016 بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم ~~وكان ذلك على الله يسيرا (19) @QUR@023 يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت ~~الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسئلون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ~~ما قاتلوا إلا قليلا ) (20) # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء المنافقين : ( @QUR@09 لن ينفعكم ~~الفرار إن فررتم من الموت أو القتل )، لأن كل إنسان لا بد له من نهاية ~~تنتهي عندها حياته ، سواء ms4568 أكانت تلك النهاية عن طريق القتل بالسيف ، أم عن ~~طريق الموت على الفراش. # وما دام الأمر كذلك ، فعلى هؤلاء المنافقين أن يعلموا : أن الجبن لا يؤخر ~~الحياة ، وأن الشجاعة لا تقدمها عن موعدها. وصدق الله إذ يقول : ( @QUR@011 ~~ولكل أمة أجل ، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ). # وقوله : ( @QUR@02 إن فررتم ) @QUR@01 .. جوابه محذوف لدلالة ما سبق ~~عليه. أى : إن فررتم لن ينفعكم فراركم. # وقوله : ( @QUR@05 وإذا لا تمتعون إلا قليلا ) تذييل قصد به زجرهم عن ~~الجبن الذي استولى عليهم. # أى : إن فراركم من الموت أو القتل ، إن نفعكم على سبيل الفرض لفترة من ~~الوقت ، فلن ينفعكم طويلا ، لأنكم لن تتمتعوا بالحياة بعد هذا الفرار إلا ~~وقتا قليلا ، ثم ينزل بكم قضاء الله تعالى الذي لا مرد لكم منه ، فما تفرون ~~منه هو نازل بكم قطعا. # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقرعهم بحجة أخرى لا ~~يستطيعون الرد عليها ، فقال : ( @QUR@015 قل من ذا الذي يعصمكم من الله ، ~~إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ). # أى : قل أيها الرسول لهؤلاء الجاهلين : من هذا الذي يملك أن يدفع ما ~~يريده الله PageV11P187 # تعالى بكم من خير أو شر ، ومن نعمة أو نقمة ، ومن موت أو حياة. # إن أحدا لا يستطيع أن يمنع قضاء الله عنكم. فالاستفهام للإنكار والنفي. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف جعلت الرحمة قرينة السوء في العصمة ، ~~ولا عصمة إلا من السوء؟ # قلت : معناه ، أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة ، فاختصر الكلام وأجرى ~~مجرى قول : «متقلدا سيفا ورمحا» أى : «متقلدا سيفا وحاملا رمحا» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@09 ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا ) ~~معطوف على ما قبله. أى : لا يجدون من يعصمهم مما يريده الله تعالى بهم ، ~~ولا يجدون من دونه سبحانه وليا ينفعهم ، أو نصيرا ينصرهم ، إذ هو وحده ~~سبحانه الناصر والمغيث والمجير. # قال تعالى : ( @QUR@019 ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ، وما ~~يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم ms4569 ). # ثم بين سبحانه أن علمه محيط بهؤلاء المنافقين ، وأنهم لن يفلتوا من عقابه ~~، فقال : ( @QUR@014 قد يعلم الله المعوقين منكم ، والقائلين لإخوانهم هلم ~~إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا ). # قال الآلوسى ما ملخصه : قال ابن السائب : الآية في عبد الله بن أبى ~~وأمثاله ممن رجع من المنافقين من الخندق إلى المدينة. كانوا إذا جاءهم ~~المنافق قالوا له : ويحك اجلس ولا تخرج ، ويكتبون إلى إخوانهم في العسكر ، ~~أن ائتونا فإنا ننتظركم. # وكان بعضهم يقول لبعض : ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس ، ولو كانوا لحما ~~لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه ، فخلوهم (2). # و «قد» للتحقيق ، لأن الله تعالى لا يخفى عليه شيء. و «المعوقين» من العوق ~~وهو المنع والصرف ، يقال : عاق فلان فلانا ، إذا صرفه عن الجهة التي ~~يريدها. # و «من» في قوله ( @QUR@01 منكم ) للبيان. والمراد بالأخوة : التطابق ~~والتشابه في الصفات الذميمة ، والاتجاهات القبيحة. التي على رأسها كراهيتهم ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه. # و «هلم» اسم فعل أمر بمعنى أقبل. PageV11P188 # والمعنى : إن الله تعالى لا يخفى عليه حال أولئك المنافقين. الذين يخذلون ~~ويثبطون ويصرفون إخوانهم في النفاق والشقاق ، عن الاشتراك مع المؤمنين ، في ~~حرب جيوش الأحزاب ، ويقولون لهم : ( @QUR@02 هلم إلينا ) أى : أقبلوا نحونا ~~، وتعالوا إلى جوارنا ، ولا تنضموا إلى صفوف المسلمين. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 ولا يأتون البأس إلا قليلا ) ذم لهم على جبنهم ~~وخورهم. # أى : أن من صفاتهم الأصيلة أنهم جبناء ، ولا يقبلون على الحرب والقتال ، ~~إلا إقبالا قليلا. فهم تارة يخرجون مع المؤمنين ، لإيهامهم أنهم معهم ، أو ~~يخرجون معهم على سبيل الرياء والطمع في غنيمة. # ثم أخذت السورة الكريمة في تصوير ما جبلوا عليه من سوء تصويرا معجزا ، ~~فقال تعالى ( @QUR@02 أشحة عليكم )، جمع شحيح من الشح وهو البخل في أقبح ~~صوره. ولفظ ( @QUR@01 أشحة ) منصوب على الحال من الضمير في قوله : ( ~~@QUR@05 ولا يأتون البأس إلا قليلا ). # أى : أن من صفات هؤلاء المنافقين الجبن والخور ، حالة كونهم بخلاء بكل ~~خير يصل إليكم أيها المؤمنون فهم لا يعاونونكم في حفر الخندق ، ولا في ~~الدفاع عن الحق والعرض ms4570 والشرف ولا في أى شيء فيه منفعة لكم. # ( @QUR@03 فإذا جاء الخوف )، أى فإذا اقترب الوقت الذي يتوقع فيه اللقاء ~~بينكم وبين أعدائكم. ( @QUR@01 رأيتهم ) أيها الرسول الكريم ( @QUR@02 ~~ينظرون إليك ) بجبن وهلع ( @QUR@02 تدور أعينهم ) في مآقيهم يمينا وشمالا. # وحالهم كحال الذي ( @QUR@04 يغشى عليه من الموت ) أى : كحال الذي أحاط به ~~الموت من كل جانب ، فصار في أقصى دركات الوهن والخوف والفزع. # هذه هي حالهم عند ما يتوقعون الشدائد والمخاوف ، أما حالهم عند الأمان ~~وذهاب الخوف ، فهي كما قال تعالى ( @QUR@06 فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة ~~حداد ). # وقوله ( @QUR@01 سلقوكم ) من السلق. وأصله بسط العضو ومده للأذى ، سواء ~~أكان هذا العضو يدا أو لسانا. والمراد به الإيذاء بالكلام السيئ القبيح. # أى : أنهم عند الشدائد جبناء بخلاء ، فإذا ما ذهب الخوف وحل الأمان ، ~~سلطوا عليكم ألسنتهم البذيئة بالأذى والسوء ، ورموكم بألسنة ماضية حادة ، ~~تؤثر تأثير الحديد في الشيء ، وارتفعت أصواتهم بعد أن كانوا إذا ما ذكر ~~القتال أمامهم ، صار حالهم كحال المغشى عليه من الموت. PageV11P189 # ثم هم بعد كل ذلك ( @QUR@03 أشحة على الخير ) أى بخلاء بكل خير ، فهم ~~يحرصون على جمع الغنائم ، وعلى الأموال بكل وسيلة ، ولكنهم لا ينفقون شيئا ~~منها في وجه من وجوه الخير والبر. # قال ابن كثير قوله ( @QUR@03 أشحة على الخير ) أى : ليس فيهم خير ، قد ~~جمعوا الجبن والكذب وقلة الخير ، فهم كما قال في أمثالهم الشاعر : # أفي السلم أعيارا جفاء وغلظة %~% وفي الحرب أمثال النساء العوارك # أى : هم في حال المسالمة كأنهم الحمير الأعيار. والأعيار جمع عير وهو ~~الحمار. وفي الحرب كأنهم النساء الحيض (1). # ثم بين سبحانه سوء مصيرهم فقال : ( @QUR@011 أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله ~~أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا ). # أى : أولئك المنافقون الموصوفون بما سبق من الصفات السيئة ( @QUR@02 لم ~~يؤمنوا ) بما يجب الإيمان به إيمانا صادقا ، بل قالوا بألسنتهم قولا تكذبه ~~قلوبهم وأفعالهم ( @QUR@03 فأحبط الله أعمالهم ) بأن أبطلها وجعلها هباء ~~منثورا ، وكان ذلك الإحباط على الله سبحانه هينا يسيرا. # وخص سبحانه يسر إحباط عملهم بالذكر مع أن كل شيء يسير ms4571 عليه تعالى لبيان ~~أن أعمالهم جديرة بالإحباط والإفساد ، لصدورها عن قلوب مريضة ، ونفوس خبيثة. # قال صاحب الكشاف : وهل يثبت للمنافقين عمل حتى يرد عليه الإحباط؟ # قلت : لا ، لكنه تعليم لمن عسى يظن أن الإيمان باللسان إيمان ، وإن لم ~~يوطئه القلب ، وان ما يعمل المنافق من الأعمال يجدي عليه ، فبين أن إيمانه ~~ليس بإيمان ، وأن كل عمل يوجد منه باطل ، وفيه بعث على إتقان المكلف أساس ~~أمره وهو الإيمان الصحيح ، وتنبيه على أن الأعمال الكثيرة من غير تصحيح ~~المعرفة كالبناء من غير أساس ، وأنها مما يذهب عند الله هباء منثورا (2). # ثم ختم سبحانه هذا الحديث الجامع عن صفات المنافقين عند الشدائد والمحن ~~فقال : ( @QUR@04 يحسبون الأحزاب لم يذهبوا ). # أى : أن هؤلاء المنافقين بلغ بهم الجبن والخور ، أنهم حتى بعد رحيل ~~الأحزاب عن المدينة ، PageV11P190 # ما زالوا يحسبون ويظنون أنهم لم يذهبوا عنها ، فهم يأبون أن يصدقوا أن ~~الله تعالى قد رد الذين كفروا بغيظهم دون أن ينالوا خيرا. # وفي هذه الجملة ما فيها من التهكم بالمنافقين ، حيث وصفتهم بأنهم حتى بعد ~~ذهاب أسباب الخوف ، ما زالوا في جبنهم يعيشون. # ثم بين سبحانه حالهم فيما لو عاد الأحزاب على سبيل الفرض والتقدير فقال : ~~( @QUR@03 وإن يأت الأحزاب ). # أى : إلى المدينة مرة ثانية. # ( @QUR@06 يودوا لو أنهم بادون في الأعراب ) أى : وإن تعد جيوش الأحزاب ~~إلى مهاجمة المدينة مرة ثانية ، يتمنى هؤلاء المنافقون ، أن يكونوا غائبين ~~عنها ، نازلين خارجها مع أهل البوادي من الأعراب ، حتى لا يعرضوا أنفسهم ~~للقتال. # فقوله : ( @QUR@01 بادون ) جمع باد وهو ساكن البادية. يقال : بدا القوم ~~بدا ، إذا نزحوا من المدن إلى البوادي. # والأعراب : جمع أعرابى وهو من يسكن البادية. # ثم بين سبحانه تلهفهم على سماع الأخبار السيئة عن المؤمنين فقال : ( ~~@QUR@010 يسئلون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا ). # أى : هؤلاء المنافقون يسألون القادمين من المدينة ، والذاهبين إليها عن ~~أخباركم أيها المؤمنون حتى لكأنهم غير ساكنين فيها. # ولو كانوا فيكم عند ما يعود الكافرون إلى المدينة على سبيل الفرض ما ~~قاتلوا معكم ms4572 إلا قتالا قليلا حتى لا ينكشف أمرهم انكشافا تاما. فهم لا ~~يقاتلون عن رغبة ، وإنما يقاتلون رياء ومخادعة. # وهكذا نجد الآيات الكريمة قد أفاضت في شرح الأحوال القبيحة التي كان ~~عليها المنافقون عند ما هاجمت جيوش الأحزاب المدينة ، ووصفتهم بأبشع الصفات ~~وأبغضها إلى كل نفس كريمة ، حتى يحذرهم المؤمنون. # وكعادة القرآن الكريم في المقارنة بين الأخيار والأشرار ، ساقت السورة ~~بعد ذلك صورة مشرقة مضيئة للمؤمنين الصادقين ، الذين عند ما رأوا جيوش ~~الأحزاب قالوا : ( @QUR@08 هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله ) ~~والذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه دون أن يبدلوا تبديلا. PageV11P191 # لنستمع إلى القرآن الكريم وهو يصور لنا موقف المؤمنين في غزوة الأحزاب ، ~~كما يحكى جانبا من فضل الله عليهم ، ومن لطفه بهم فيقول سبحانه : # ( @QUR@017 لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله ~~واليوم الآخر وذكر الله كثيرا (21) @QUR@018 ولما رأ المؤمنون الأحزاب ~~قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا ~~وتسليما (22) @QUR@018 من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم ~~من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا (23) @QUR@016 ليجزي الله ~~الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا ~~رحيما (24) @QUR@016 ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله ~~المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا (25) @QUR@016 وأنزل الذين ظاهروهم ~~من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا ~~(26) @QUR@013 وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤها وكان الله ~~على كل شيء قديرا ) (27) # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@08 لقد كان لكم في رسول الله أسوة ~~حسنة ) أى : كان لكم قدوة في النبي صلى الله عليه وسلم حيث بذل نفسه لنصرة دين ~~الله ، في خروجه إلى الخندق. PageV11P192 # والأسوة : القدوة. وقرأ عاصم ( @QUR@01 أسوة ) بضم الهمزة. والباقون ~~بكسرها. والجمع أسى وإسى بضم الهمزة وكسرها (1). # يقال : فلان ائتسى بفلان ، إذا اقتدى به ، وسار على نهجه وطريقته. # وقال الإمام ابن كثير : هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسى برسول الله ms4573 ~~صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله ولهذا أمر الناس بالتأسى بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب ، في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته ~~وانتظاره الفرج من ربه تعالى .. (2). # والذي يقرأ السيرة النبوية الشريفة. يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في ~~هذه الغزوة بصفة خاصة ، وفي غيرها بصفة عامة القدوة الحسنة الطيبة في كل ~~أقواله وأفعاله وأحواله صلى الله عليه وسلم . # لقد شارك أصحابه في حفر الخندق ، وفي الضرب بالفأس. وفي حمل التراب بل ~~وشاركهم في أراجيزهم وأناشيدهم ، وهم يقومون بهذا العمل الشاق المتعب. # وشاركهم في تحمل آلام الجوع ، وآلام السهر .. بل كان صلى الله عليه وسلم هو ~~القائد الحازم الرحيم ، الذي يلجأ إليه أصحابه عند ما يعجزون عن إزالة عقبة ~~صادفتهم خلال حفرهم للخندق. # قال ابن إسحاق ما ملخصه : وعمل المسلمون فيه أى في الخندق حتى أحكموه ، ~~وارتجزوا فيه برجل من المسلمين يقال له «جعيل» سماه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عمرا ، فقالوا : # سماه من بعد جعيل عمرا %~% وكان للبائس يوما ظهرا # فإذا مروا بعمرو ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «عمرا» وإذا مروا بظهر ~~قال : «ظهرا». # ثم قال ابن إسحاق : وكان في حفر الخندق أحاديث بلغتني فيها تحقيق نبوته ~~صلى الله عليه وسلم فكان فيما بلغني أن جابر بن عبد الله كان يحدث ، أنهم ~~اشتدت عليهم في بعض الخندق كدية أى صخرة عظيمة ، فشكوا ذلك إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فدعا بإناء من ماء فتفل فيه ، ثم دعا بما شاء الله أن يدعو ~~به ، ثم نضح ذلك الماء على تلك الكدية ، فيقول من PageV11P193 # حضرها : فو الذي بعثه بالحق نبيا لانهالت أى : لتفتت حتى عادت كالكثيب أى ~~كالرمل المتجمع لا ترد فأسا ولا مسحاة (1). # وهذه الآية الكريمة وإن كان نزولها في غزوة الأحزاب ، إلا أن المقصود بها ~~وجوب الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم في جميع أقواله وأفعاله ، كما قال ~~تعالى : ( @QUR@08 وما آتاكم الرسول فخذوه ، وما نهاكم عنه فانتهوا ). # والجار والمجرور في قوله ms4574 سبحانه : ( @QUR@06 لمن كان يرجوا الله واليوم ~~الآخر ) متعلق بمحذوف صفة لقوله ( @QUR@01 حسنة )، أو بهذا اللفظ نفسه وهو ~~( @QUR@01 حسنة ). # والمراد بمن كان يرجو الله واليوم الآخر : المؤمنون الصادقون الذين وفوا ~~بعهودهم. # أى : لقد كان لكم أيها الناس قدوة حسنة في نبيكم صلى الله عليه وسلم ، وهذه ~~القدوة الحسنة كائنة وثابتة للمؤمنين حق الإيمان. الذين يرجون ثواب الله ~~تعالى ، ويؤملون رحمته يوم القيامة ، إذ هم المنتفعون بالتأسى برسولهم ~~صلى الله عليه وسلم وقوله : ( @QUR@03 وذكر الله كثيرا ) معطوف على ( @QUR@01 ~~كان )، أى : هذه الأسوة الحسنة بالرسول صلى الله عليه وسلم ثابتة لمن كان ~~يرجو الله واليوم والآخر ، ولمن ذكر الله تعالى ذكرا كثيرا ، لأن الملازمة ~~لذكر الله تعالى توصل إلى طاعته والخوف منه سبحانه . # وجمع سبحانه بين الرجاء والإكثار من ذكره ، لأن التأسى التام بالرسول ~~صلى الله عليه وسلم لا يتحقق إلا بهما. # ثم بين سبحانه بعد ذلك على سبيل التشريف والتكريم ما قاله المؤمنون ~~الصادقون عند ما شاهدوا جيوش الأحزاب ، فقال تعالى : ( @QUR@018 ولما رأ ~~المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله ، وصدق الله ورسوله ، وما ~~زادهم إلا إيمانا وتسليما ). # واسم الإشارة ( @QUR@01 هذا ) يعود إلى ما رأوه من الجيوش التي جاء بها ~~المشركون ، أو إلى ما حدث لهم من ضيق وكرب بسبب ذلك. # أى : وحين رأى المؤمنون الصادقون جيوش الأحزاب وقد أقبلت نحو المدينة ، ~~لم يهنوا ولم يجزعوا ، بل ثبتوا على إيمانهم وقالوا ( @QUR@01 هذا ) الذي ~~نراه من خطر داهم ، هو ما وعدنا به الله ورسوله ، وأن هذا الخطر سيعقبه ~~النصر ، وهذا الضيق سيعقبه الفرج ، وهذا العسر سيأتى بعده اليسر. PageV11P194 # قال الآلوسى ما ملخصه : وأرادوا بقولهم ذلك ، ما تضمنه قوله تعالى في ~~سورة البقرة : ( @QUR@030 أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين ~~خلوا من قبلكم ، مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين ~~آمنوا معه متى نصر الله ، ألا إن نصر الله قريب ). # وكان نزول هذه الآية قبل غزوة الخندق بحول كما جاء عن ابن عباس. # وفي رواية عن ابن عباس أيضا أن ms4575 الرسول صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : إن ~~الأحزاب سائرون إليكم تسعا أو عشرا ، أى : في آخر تسع ليال أو عشر ، أى : ~~من وقت الاخبار ، أو من غرة الشهر فلما رأوهم قد أقبلوا في الموعد الذي ~~حدده صلى الله عليه وسلم قالوا ذلك (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@03 وصدق الله ورسوله ) داخل في حيز ما قالوه. # أى : قالوا عند ما شاهدوا جيوش الأحزاب : هذا ما وعدنا الله ورسوله ، ~~وقالوا أيضا على سبيل التأكيد وقوة اليقين والتعظيم لذات الله ، ولشخصية ~~رسوله : وصدق الله ورسوله ، أى : وثبت صدق الله تعالى في أخباره ، وصدق ~~رسوله صلى الله عليه وسلم في أقواله. # والضمير في قوله : ( @QUR@05 وما زادهم إلا إيمانا وتسليما ) يعود إلى ما ~~رأوه من جيوش الأحزاب ، ومن شدائد نزلت بهم بسبب ذلك. # أى وما زادهم ما شاهدوه من جيوش الأحزاب ، ومن بلاء أحاط بهم بسبب ذلك ، ~~إلا إيمانا بقدرة الله تعالى وتسليما لقضائه وقدره ، وأملا في نصره ~~وتأييده. # ثم أضاف سبحانه إلى هذا المديح لهم ، مديحا آخر فقال : ( @QUR@018 من ~~المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، فمنهم من قضى نحبه ، ومنهم من ~~ينتظر ، وما بدلوا تبديلا ) والنحب : النذر ، وهو أن يلتزم الإنسان الوفاء ~~بأمر تعهد به. # وقضاؤه : الفراغ منه ، والوفاء به على أكمل وجه. # وكان رجال من الصحابة قد نذروا ، أنهم إذا صاحبوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في حرب ، أن يثبتوا معه ، وأن لا يفروا عنه. # والمعنى : من المؤمنين رجال كثيرون ، وفوا أكمل وفاء بما عاهدوا الله ~~تعالى عليه ، من التأييد لرسوله صلى الله عليه وسلم ومن الثبات معه في كل موطن. # ( @QUR@04 فمنهم من قضى نحبه ) أى : فمنهم من وفى بوعده حتى أدركه أجله ~~فمات شهيدا PageV11P195 # كحمزة بن عبد المطلب ، ومصعب ابن عمير وغيرهما رضى الله عنهم أجمعين . # ( @QUR@03 ومنهم من ينتظر ) أى : ومنهم من هو مستمر على الوفاء ، وينتظر ~~الشهادة في سبيل الله تعالى في الوقت الذي يريده سبحانه ويختاره ، كبقية ~~الصحابة الذين نزلت هذه الآية وهم ما زالوا على قيد الحياة. # قال الامام ms4576 ابن كثير : قال الامام أحمد : حدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا ~~سليمان بن المغيرة ، عن ثابت قال أنس : غاب عمى أنس بن النضر سميت به لم ~~يشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ، فشق عليه وقال : أول مشهد ~~شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه ، لئن أرانى الله مشهدا فيما بعد ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرين الله ما أصنع. قال : فهاب أن يقول ~~غيرها. فشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد. # فاستقبل سعد بن معاذ ، فقال له أنس : يا أبا عمرو ، أين واها (1) لريح ~~الجنة أجده دون أحد. # قال : فقاتلهم حتى قتل : قال : فوجد في جسده بضع وثمانون من ضربة وطعنة ~~ورمية. فقالت أخته عمتي الربيع ابنة النضر فما عرفت أخى إلا ببنانه. # قال : فنزلت هذه الآية : ( @QUR@03 من المؤمنين رجال ) فكانوا يرون أنها ~~نزلت فيه وفي أصحابه رضى الله عنهم ، ورواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث ~~سليمان بن المغيرة (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@03 وما بدلوا تبديلا ) معطوف على ( @QUR@01 صدقوا ) ~~أى : هؤلاء الرجال صدقوا صدقا تاما في عهودهم مع الله تعالى حتى آخر لحظة ~~من لحظات حياتهم ، وما غيروا ولا بدلوا شيئا مما عاهدوا الله تعالى عليه. # ثم بين سبحانه الحكمة من هذا الابتلاء والاختبار فقال : ( @QUR@04 ليجزي ~~الله الصادقين بصدقهم ). # أى : فعل سبحانه ما فعل في غزوة الأحزاب من أحداث ، ليجزي الصادقين في ~~إيمانهم الجزاء الحسن الذي يستحقونه بسبب صدقهم ووفائهم. # ( @QUR@04 ويعذب المنافقين إن شاء ) أى : إن شاء تعذيبهم بسبب موتهم على ~~نفاقهم. # ( @QUR@03 أو يتوب عليهم ) من نفاقهم بفضله وكرمه فلا يعذبهم. PageV11P196 # قال الجمل : وقوله : ( @QUR@04 ويعذب المنافقين إن شاء ) جوابه محذوف ، ~~وكذلك مفعول ( @QUR@01 شاء ) محذوف أيضا أى : إن شاء تعذيبهم عذبهم. # والمراد بتعذيبهم إماتتهم على النفاق ، بدليل العطف في قوله ( @QUR@03 أو ~~يتوب عليهم ) (1). # ( @QUR@02 إن الله ) تعالى ( @QUR@01 كان ) وما زال ( @QUR@02 غفورا ~~رحيما ) أى : واسع المغفرة والرحمة لمن يشاء من عباده. # ثم بين سبحانه المصير السيئ الذي انتهى إليه الكافرون فقال : ( @QUR@08 ~~ورد الله الذين كفروا ms4577 بغيظهم لم ينالوا خيرا ). # أى : ورد الله تعالى بفضله وقدرته الذين كفروا عنكم أيها المؤمنون حالة ~~كونهم متلبسين بغيظهم وحقدهم. دون أن ينالوا أى خير من إتيانهم إليكم ، بل ~~رجعوا خائبين خاسرين. # فقوله ( @QUR@01 بغيظهم ) حال من الموصول ، والباء للملابسة ، وجملة ( ~~@QUR@03 لم ينالوا خيرا ) حال ثانية من الموصول أيضا. # وقوله : ( @QUR@04 وكفى الله المؤمنين القتال ) بيان للمنة العظمى التي ~~امتن بها سبحانه عليهم. # أى : وأغنى الله تعالى بفضله وإحسانه المؤمنين عن متاعب القتال وأهواله ~~بأن أرسل على جنود الأحزاب ريحا شديدة ، وجنودا من عنده. # ( @QUR@02 وكان الله ) تعالى ( @QUR@01 قويا ) على إحداث كل أمر يريده ( ~~@QUR@01 عزيزا ) أى : غالبا على كل شيء. # قال ابن كثير : وفي قوله ( @QUR@04 وكفى الله المؤمنين القتال ) إشارة ~~إلى وضع الحرب بينهم وبين قريش. وهكذا وقع بعدها ، لم يغزهم المشركون ، بل ~~غزاهم المسلمون في بلادهم. # قال محمد بن إسحاق : لما انصرف أهل الخندق عن الخندق ، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا : «لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا ، ولكنكم ~~تغزونهم» فلم تغز قريش بعد ذلك المسلمين ، وكان صلى الله عليه وسلم هو الذي ~~يغزوهم بعد ذلك ، حتى فتح الله عليه مكة. # وروى الإمام أحمد عن سليمان بن صرد قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول يوم PageV11P197 # الأحزاب : «الآن نغزوهم ولا يغزونا» (1). # ثم ختم سبحانه الحديث عن غزوة الأحزاب ، ببيان ما حل ببني قريظة من عذاب ~~مهين ، بسبب نقضهم لعهودهم فقال : ( @QUR@08 وأنزل الذين ظاهروهم من أهل ~~الكتاب من صياصيهم ). # والصياصي : جمع صيصية وهي كل ما يتحصن به من الحصون وغيرها. ومنه قيل ~~لقرن الثور صيصية لأنه يدفع به عن نفسه. # أى : وبعد أن رحلت جيوش الأحزاب عنكم أيها المؤمنون أنزل الله تعالى ~~بقدرته الذين ظاهروهم وناصروهم عليكم ، وهم يهود بنى قريظة ، أنزلهم من ~~حصونهم ، ومكنكم من رقابهم. # ( @QUR@04 وقذف في قلوبهم الرعب ) الشديد منكم ، بحيث صاروا مستسلمين لكم ~~، ونازلين على حكمكم. # ( @QUR@01 فريقا ) منهم ( @QUR@01 تقتلون ) وهم الرجال. وتأسرون فريقا ~~آخر وهم الذرية والنساء. # ( @QUR@02 وأورثكم أرضهم ) أى : وأورثكم الله تعالى أرض هؤلاء ms4578 اليهود ~~وزروعهم كما أورثكم ( @QUR@01 ديارهم ) أى حصونهم ( @QUR@01 وأموالهم ) ~~التي تركوها من خلفهم ، كنقودهم ومواشيهم. # كما أورثكم ( @QUR@03 أرضا لم تطؤها ) بعد يقصد القتال وهي أرض خيبر ، أو ~~أرض فارس والروم. # وفي هذه الجملة الكريمة ( @QUR@03 وأرضا لم تطؤها ) بشارة عظيمة للمؤمنين ~~، بأن الله تعالى سينصرهم على أعدائهم. # ( @QUR@06 وكان الله على كل شيء قديرا ) لأنه سبحانه لا يعجزه شيء. # أخرج الشيخان عن عائشة رضى الله عنها قالت : «لما رجع النبي ~~صلى الله عليه وسلم من الخندق ، ووضع السلاح واغتسل ، أتاه جبريل فقال : يا ~~محمد قد وضعت السلاح ، والله ما وضعناه فاخرج إليهم فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : فإلى أين؟ قال : هاهنا. وأشار إلى بنى قريظة. فخرج النبي ~~صلى الله عليه وسلم إليهم». # وعن ابن عمر رضى الله عنهما قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب ~~، لا يصلين أحد العصر إلا في بنى قريظة ، فأدرك بعضهم العصر في الطريق ، فقال PageV11P198 # بعضهم : لا نصلى حتى نأتيها ، وقال بعضهم : بل نصلى ، فذكر ذلك للنبي ~~صلى الله عليه وسلم فلم يعنف أحدا (1). # وبعد أن حاصر المسلمون بنى قريظة خمسا وعشرين ليلة ، نزلوا بعدها على حكم ~~سعد بن معاذ رضى الله عنه فحكم بقتل رجالهم ، وتقسيم أموالهم ، وسبى نسائهم ~~وذراريهم. # وقال الرسول صلى الله عليه وسلم له : «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع ~~سماوات» (2). # وإلى هنا نجد السورة الكريمة قد حدثتنا حديثا جامعا حكيما عن غزوة ~~الأحزاب ، فقد ذكرت المؤمنين أولا بنعم الله تعالى عليهم ، ثم صورت أحوالهم ~~عند ما أحاطت بهم جيوش الأحزاب من فوقهم ومن أسفل منهم. # ثم حكت ما قاله المنافقون في تلك الساعات العصيبة ، وما أشاروا به على ~~أشباههم في النفاق ، وما اعتذروا به من أعذار باطلة ، وما جبلوا عليه من ~~أخلاق قبيحة ، على رأسها الجبن والخور وضعف العزيمة وفساد النية. # ثم انتقلت إلى الحديث عن المواقف المشرقة الكريمة التي وقفها المؤمنون ~~الصادقون عند ما رأوا الأحزاب ، وكيف أنهم ازدادوا إيمانا على إيمانهم ، ~~ووفوا بعهودهم مع الله تعالى دون ms4579 أن يبدلوا تبديلا. # وكما بدئت الآيات بتذكير المؤمنين بنعم الله تعالى عليهم ، ختمت أيضا ~~بهذا التذكير حيث رد الله أعداءهم عنهم دون أن ينالوا خيرا ، ومكنهم من ~~معاقبة الغادرين من اليهود. # ثم عادت السورة الكريمة مرة أخرى بعد هذا الحديث عن غزوة الخندق إلى بيان ~~التوجيهات الحكيمة التي وجهها الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم وإلى ~~أزواجه ، فقال سبحانه : PageV11P199 # ( @QUR@016 يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ~~فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا (28) @QUR@014 وإن كنتن تردن الله ~~ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما ) (29) # ففي هاتين الآيتين يأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخير أزواجه ~~بين أن يعشن معه معيشة الكفاف والزهد في زينة الحياة الدنيا وبين أن ~~يفارقهن ليحصلن على ما يشتهينه من زينة الحياة الدنيا. # قال الإمام القرطبي ما ملخصه : قال علماؤنا : هذه الآية متصلة بمعنى ما ~~تقدم من المنع من إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد تأذى ببعض الزوجات. ~~قيل : سألنه شيئا من عرض الدنيا. وقيل : سألنه زيادة في النفقة. # روى البخاري ومسلم واللفظ لمسلم عن جابر بن عبد الله قال : دخل أبو بكر ~~يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد الناس جلوسا ببابه لم يؤذن لأحد ~~منهم ، قال : فأذن لأبى بكر فدخل ، ثم جاء عمر فاستأذن فأذن له ، فوجد ~~النبي صلى الله عليه وسلم جالسا حوله نساؤه. # قال : فقال عمر ، والله لأقولن شيئا يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~: يا رسول الله ، لو رأيت بنت زيد زوجة عمر سألتنى النفقة فقمت إليها فوجأت ~~عنقها : فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : «هن حولي كما ترى يسألننى ~~النفقة». # فقام أبو بكر إلى ابنته عائشة ليضربها ، وقام عمر إلى ابنته حفصة ليضربها ~~وكلاهما يقول : تسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده. # فقلن : والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا أبدا ليس عنده. # ثم نزلت هاتان ms4580 الآيتان. فبدأ صلى الله عليه وسلم بعائشة فقال لها : «يا ~~عائشة ، إنى أريد أن أعرض عليك أمرا ، أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيرى ~~أبويك». # قالت : وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها هاتين الآيتين. فقالت : أفيك يا ~~رسول الله أستشير أبوى!! بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة. PageV11P200 # وفعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما فعلت عائشة (1). # وقال الإمام ابن كثير بعد أن ساق جملة من الأحاديث في هذا المعنى وكان ~~تحته يومئذ تسع نسوة ، خمس من قريش : عائشة وحفصة ، وأم حبيبة وسودة ، وأم سلمة. # وأربع من غير قريش وهن : صفية بنت حيي النضرية ، وميمونة بنت الحارث ~~الهلالية ، وزينب بنت جحش الأسدية ، وجويرية بنت الحارث المصطلقية رضى الله عنهن. # وقال الإمام الآلوسى : فلما خيرهن واخترن الله ورسوله والدار الآخرة ، ~~مدحهن الله تعالى على ذلك ، إذ قال سبحانه : ( @QUR@015 لا يحل لك النساء ~~من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن ) @QUR@01 .. فقصره الله ~~تعالى عليهن ، وهن التسع اللاتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة» (2). # والمعنى : ( @QUR@05 يا أيها النبي قل لأزواجك ) اللائي في عصمتك ( ~~@QUR@06 إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ). # أى : إن كنتن تردن سعة الحياة الدنيا وبهجتها وزخارفها ومتعها من مأكل ~~ومشرب وملبس ، فوق ما أنتن فيه عندي من معيشة مقصورة على ضروريات الحياة ، ~~وقائمة على الزهد في زينتها. # إن كنتن تردن ذلك : ( @QUR@05 فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا ). # قال الجمل : وقوله : ( @QUR@01 فتعالين ) فعل أمر مبنى على السكون ، ونون ~~النسوة فاعل. وأصل هذا الأمر أن يكون الآمر أعلى مكانا من المأمور ، فيدعوه ~~أن يرفع نفسه إليه ، ثم كثر استعماله حتى صار معناه أقبل. وهو هنا كناية عن ~~الاختيار والإرادة. والعلاقة هي أن المخبر يدنو إلى من يخبره (3). # وقوله : ( @QUR@01 أمتعكن ) مجزوم في جواب الأمر. والمتعة : ما يعطيه ~~الرجل للمرأة التي طلقها ، زيادة على الحقوق المقررة لها شرعا ، وقد جعلها ~~سبحانه حقا على المحسنين الذين يبغون رضا الله تعالى وحسن ثوابه. # وقوله ( @QUR@01 وأسرحكن ) معطوف على ما قبله ، والتسريح : إرسال الشيء ، ~~ومنه ms4581 تسريح الشعر ليخلص بعضه من بعض. ويقال : سرح فلان الماشية ، إذا ~~أرسلها لترعى. PageV11P201 # والمراد به هنا : طلاق الرجل للمرأة ، وتركها لعصمته. # أى : قل أيها الرسول الكريم لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ~~، ولا تستطعن الصبر على المعيشة معى ، فلكن أن تخترن مفارقتي ، وإنى على ~~استعداد أن أعطيكن المتعة التي ترضينها ، وأن أطلقكن طلاقا لا ضرر فيه ، ~~ولا ظلم معه ، لأنى سأعطيكن ما هو فوق حقكن. # ( @QUR@02 وإن كنتن ) لا تردن ذلك ، وإنما ( @QUR@05 تردن الله ورسوله ~~والدار الآخرة ). # أى : وإنما تردن ثواب الله تعالى والبقاء مع رسوله صلى الله عليه وسلم ، ~~وإيثار شظف الحياة على زينتها ، وإيثار ثواب الدار الآخرة على متع الحياة ~~الدنيا. # إن كنتن تردن ذلك فاعلمن أن ( @QUR@01 الله ) تعالى ( @QUR@03 أعد ~~للمحسنات منكن )، بسبب إيمانهن وإحسانهن ( @QUR@02 أجرا عظيما ) لا يعلم ~~مقداره إلا الله تعالى . # وبهذا التأديب الحكيم ، والإرشاد القويم ، أمر الله تعالى رسوله ~~صلى الله عليه وسلم أن يؤدب نساءه ، وأن يرشدهن إلى ما فيه سعادتهن ، وأن يترك ~~لهن حرية الاختيار. # ثم وجه سبحانه الخطاب إلى أمهات المؤمنين ، فأدبهن أكمل تأديب وأمرهن ~~بالتزام الفضائل ، وباجتناب الرذائل ، لأنهن القدوة لغيرهن من النساء ، ~~ولأنهن في بيوتهن ينزل الوحى على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى : # ( @QUR@017 يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ~~ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا (30) @QUR@014 ومن يقنت منكن لله ورسوله ~~وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما (31) @QUR@020 يا ~~نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في ~~قلبه مرض وقلن قولا معروفا (32) @QUR@09 وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج ~~الجاهلية الأولى وأقمن PageV11P202 # @QUR@016 الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب ~~عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (33) @QUR@014 واذكرن ما يتلى في ~~بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا ) (34) # فقوله سبحانه ( @QUR@012 يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف ~~لها العذاب ضعفين ) @QUR@01 .. نداء من الله تعالى لهن ، على سبيل الوعظ ~~والإرشاد والتأديب ms4582 ، والعناية بشأنهن لأنهن القدوة لغيرهن ، والفاحشة : ما ~~قبح من الأقوال والأفعال. # والمعنى : يا نساء النبي صلى الله عليه وسلم من يأت منكن بمعصية ظاهرة القبح ~~، يضاعف الله تعالى لها العقاب ضعفين ، لأن المعصية من رفيع الشأن تكون أشد ~~قبحا ، وأعظم جرما. # قال صاحب الكشاف : وإنما ضوعف عذابهن ، لأن ما قبح من سائر النساء ، كان ~~أقبح منهن وأقبح ، لأن زيادة قبح المعصية ، تتبع زيادة الفضل والمرتبة .. ~~وليس لأحد من النساء ، مثل فضل نساء النبي صلى الله عليه وسلم ولا على أحد ~~منهن مثل ما لله عليهن من النعمة .. ولذلك كان ذم العقلاء للعاصي العالم : ~~أشد منه للعاصي الجاهل ، لأن المعصية من العالم أقبح (1). # وقد روى عن زين العابدين بن على بن الحسين رضى الله عنهم أنه قال له رجل ~~: إنكم أهل بيت مغفور لكم ، فغضب ، وقال : نحن أحرى أن يجرى فينا ، ما أجرى ~~الله تعالى على نساء نبيه صلى الله عليه وسلم من أن لمسيئنا ضعفين من العذاب ، ~~ولمحسننا ضعفين من الأجر. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 من يأت منكن بفاحشة ) @QUR@01 .. جملة شرطية. ~~والجملة الشرطية لا تقتضي وقوع الشرط ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@011 ~~ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ) @QUR@01 .. ~~وكما في قوله سبحانه : ( @QUR@07 ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة ببيان أن منزلتهن رضى الله عنهن لا تمنع من ~~وقوع العذاب بهن في حالة ارتكابهن لما نهى الله تعالى عنه ، فقال : ( ~~@QUR@03 وكان ذلك على PageV11P203 # @QUR@02 الله يسيرا ) أى : وكان ذلك التضعيف للعذاب لهن ، يسيرا وهينا ~~على الله ، لأنه سبحانه لا يصعب عليه شيء. # هذا هو الجزاء في حالة ارتكابهن على سبيل الفرض لما نهى الله تعالى عنه ، ~~أما في حالة طاعتهن ، فقد بين سبحانه جزاءهن بقوله : ( @QUR@014 ومن يقنت ~~منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين ، وأعتدنا لها رزقا كريما ). # والقنوت : ملازمة الطاعة لله تعالى ، والخضوع والخشوع لذاته. # أى : ومن يقنت منكن يا نساء النبي لله تعالى ، ويلازم طاعته ، ويحرص على ~~مرضاة رسوله صلى الله ms4583 عليه وسلم ، وتعمل عملا صالحا. # من يفعل ذلك منكن ، نؤتها أجرها الذي تستحقه مضاعفا ، فضلا منا وكرما ، ( ~~@QUR@02 وأعتدنا لها ) أى : وهيأنا لها زيادة على ذلك ( @QUR@02 رزقا كريما ~~) لا يعلم مقداره إلا الله تعالى . # وهكذا نرى أن الله تعالى قد ميز أمهات المؤمنين ، فجعل حسنتهن كحسنتين ~~لغيرهن ، كما جعل سيئتهن بمقدار سيئتين لغيرهن أيضا وذلك لعظم مكانتهن ، ~~ومشاهدتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا يشاهده غيرهن ، من سلوك كريم ~~، وتوجيه حكيم. # ثم وجه سبحانه إليهن نداء ثانيا فقال : ( @QUR@09 يا نساء النبي لستن ~~كأحد من النساء إن اتقيتن ). # أى : يا نساء النبي ، لقد أعطاكن الله تعالى من الفضل ومن سمو المنزلة ما ~~لم يعط غيركن ، فأنتن في مكان القدوة لسائر النساء ، وهذا الفضل كائن لكن ~~إن اتقيتن الله تعالى وصنتن أنفسكن عن كل ما نهاكن سبحانه عنه. # قال صاحب الكشاف : أحد في الأصل بمعنى وحد ، وهو الواحد ، ثم وضع في ~~النفي العام مستويا فيه المذكر والمؤنث والواحد وما وراءه. ومعنى قوله ( ~~@QUR@04 لستن كأحد من النساء ): لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء. أى : ~~إذا استقصيت أمة النساء جماعة جماعة ، لم توجد منهن جماعة واحدة تساويكن في ~~الفضل والسابقة (1). # وجواب الشرط في قوله ( @QUR@02 إن اتقيتن ) محذوف لدلالة ما قبله عليه. ~~أى : إن اتقيتن فلستن كأحد من النساء. # قال الآلوسى : قوله ( @QUR@02 إن اتقيتن ) شرط لنفى المثلية وفضلهن على ~~النساء ، وجوابه PageV11P204 # محذوف دل عليه المذكور .. والمفعول محذوف. أى : إن اتقيتن مخالفة حكم ~~الله تعالى ورضا رسوله صلى الله عليه وسلم والمراد إن دمتن على اتقاء ذلك. ~~والمراد به التهييج بجعل طلب الدنيا والميل إلى ما تميل إليه النساء لبعده ~~من مقامهن ، بمنزلة الخروج من التقوى (1). # فالمقصود بالجملة الكريمة بيان أن ما وصلن إليه من منزلة كريمة ، هو بفضل ~~تقواهن وخشيتهن لله تعالى وليس بفضل شيء آخر. # ثم نهاهن سبحانه عن النطق بالكلام الذي يطمع فيهن من في قلبه نفاق وفجور ~~فقال : ( @QUR@08 فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض ). # أى : فلا ترققن الكلام ms4584 ، ولا تنطقن به بطريقة لينة متكسرة تثير شهوة ~~الرجال ، وتجعل مريض القلب يطمع في النطق بالسوء معكن فإن من محاسن خصال ~~المرأة أن تنزه خطابها عن ذلك ، لغير زوجها من الرجال. # وهكذا يحذر الله تعالى أمهات المؤمنين وهن الطاهرات المطهرات عن الخضوع ~~بالقول ، حتى يكون في ذلك عبرة وعظة لغيرهن في كل زمان ومكان فإن مخاطبة ~~المرأة لغير زوجها من الرجال بطريقة لينة مثيرة للشهوات والغرائز ، تؤدى ~~إلى فساد كبير ، وتطمع من لا خلاق لهم فيها. # ثم أرشدهن سبحانه إلى القول الذي يرضيه فقال : ( @QUR@03 وقلن قولا ~~معروفا ). # أى : اتركن الكلام بطريقة تطمع الذي في قلبه مرض فيكن ، وقلن قولا حسنا ~~محمودا ، وانطقن به بطريقة طبيعية ، بعيدة عن كل ريبة أو انحراف عن الحق ~~والخلق الكريم. # ثم أمرهن سبحانه بعد ذلك بالاستقرار في بيوتهن ، وعدم الخروج منها إلا ~~لحاجة شرعية فقال ( @QUR@03 وقرن في بيوتكن ). # قال القرطبي ما ملخصه : قوله ( @QUR@01 وقرن ) قرأه الجمهور بكسر القاف ~~من القرار تقول : قررت بالمكان بفتح الراء أقر بكسر القاف إذا نزلت فيه ~~والأصل : اقررن بكسر الراء فحذفت الراء الأولى تخفيفا .. ونقلوا حركاتها ~~إلى القاف ، واستغنى عن ألف الوصل لتحرك القاف .. فصارت الكلمة ( @QUR@01 ~~قرن ) بكسر القاف . # وقرأ عاصم ونافع وقرن بفتح القاف من قررت في المكان بكسر الراء إذا أقمت ~~فيه .. والأصل اقررن بفتح الراء فحذفت الراء الأولى لثقل التضعيف ، PageV11P205 # وألقيت حركتها على القاف .. فتقول : ( @QUR@01 قرن ) بالفتح للقاف (1). # والمعنى : الزمن يا نساء النبي صلى الله عليه وسلم بيوتكن ، ولا تخرجن منها ~~إلا لحاجة مشروعة ، ومثلهن في ذلك جميع النساء المسلمات ، لأن الخطاب لهن ~~في مثل هذه الأمور ، هو خطاب لغيرهن من النساء المؤمنات من باب اولى ، ~~وإنما خاطب سبحانه أمهات المؤمنين على سبيل التشريف ، واقتداء غيرهن بهن. # قال بعض العلماء : والحكمة في هذا الأمر : أن ينصرفن إلى رعاية شئون ~~بيوتهن ، وتوفير وسائل الحياة المنزلية التي هي من خصائصهن ، ولا يحسنها ~~الرجال ، وإلى تربية الأولاد في عهد الطفولة وهي من شأنهن. وقد جرت السنة ~~الإلهية بأن أمر الزوجين ms4585 قسمة بينهما ، فللرجال أعمال من خصائصهم لا يحسنها ~~النساء ، وللنساء أعمال من خصائصهن لا يحسنها الرجال ، فإذا تعدى أحد ~~الفريقين عمله ، اختل النظام في البيت والمعيشة (2). # وقال صاحب الظلال ما ملخصه : والبيت هو مثابة المرأة التي تجد فيها نفسها ~~على حقيقتها كما أرادها الله تعالى ولكي يهيئ الإسلام للبيت جوه السليم ، ~~ويهيئ للفراخ الناشئة فيه رعايتها ، أوجب على الرجل النفقة ، وجعلها فريضة ~~، كي يتاح للأم من الجهد ومن الوقت ومن هدوء البال ، ما تشرف به على هذه ~~الفراخ الزغب ، وما تهيء به للمثابة نظامها وعطرها وبشاشتها. # فالأم المكدودة بالعمل وبمقتضياته وبمواعيده .. لا يمكن أن تهيء للبيت ~~جوه وعطره ، ولا يمكن أن تهيء للطفولة النابتة فيه حقها ورعايتها. # إن خروج المرأة للعمل كارثة على البيت قد تبيحها الضرورة ، أما أن يتطوع ~~بها الناس وهم قادرون على اجتنابها ، فتلك هي اللعنة التي تصيب الأرواح ~~والضمائر والعقول ، في عصور الانتكاس والشرور والضلال (3). # وهذه الجملة الكريمة ليس المقصود بها ملازمة البيوت فلا يبرحنها إطلاقا ~~وإنما المقصود بها أن يكون البيت هو الأصل في حياتهن ، ولا يخرجن إلا لحاجة ~~مشروعة ، كأداء الصلاة في المسجد ، وكأداء فريضة الحج وكزيارة الوالدين ~~والأقارب ، وكقضاء مصالحهن التي لا تقضى إلا بهن .. بشرط أن يكون خروجهن ~~مصحوبا بالتستر والاحتشام وعدم التبذل. # ولذا قال سبحانه بعد هذا الأمر ، ( @QUR@05 ولا تبرجن تبرج الجاهلية ~~الأولى ). PageV11P206 # وقوله : ( @QUR@01 تبرجن ) مأخوذ من البرج بفتح الباء والراء وهو سعة ~~العين وحسنها ، ومنه قولهم : سفينة برجاء ، أى : متسعة ولا غطاء عليها. # والمراد به هنا : إظهار ما ينبغي ستره من جسد المرأة ، مع التكلف والتصنع ~~في ذلك. # والجاهلية الأولى ، بمعنى المتقدمة ، إذ يقال لكل متقدم ومتقدمة : أول وأولى. # أو المراد بها : الجاهلية الجهلاء التي كانت ترتكب فيها الفواحش بدون تحرج. # وقد فسروها بتفسيرات متعددة ، منها : قول مجاهد : كانت المرأة تخرج فتمشى ~~بين يدي الرجال ، فذلك تبرج الجاهلية. # ومنها قول قتادة : كانت المرأة في الجاهلية تمشى مشية فيها تكسر. # ومنها قول مقاتل : والتبرج : أنها تلقى الخمار على رأسها ، ولا تشده ms4586 ~~فيواري قلائدها وعنقها. # ويبدو لنا أن التبرج المنهي عنه في الآية الكريمة ، يشمل كل ذلك ، كما ~~يشمل كل فعل تفعله المرأة ، ويكون هذا الفعل متنافيا مع آداب الإسلام ~~وتشريعاته. # والمعنى : الزمن يا نساء النبي بيوتكن ، فلا تخرجن إلا لحاجة مشروعة ، ~~وإذا خرجتن فاخرجن في لباس الحشمة والوقار ، ولا تبدى إحداكن شيئا أمرها ~~الله تعالى بستره وإخفائه ، واحذرن التشبيه بنساء أهل الجاهلية الأولى ، ~~حيث كن يفعلن ما يثير شهوة الرجال ، ويلفت أنظارهم إليهن. # ثم أتبع سبحانه هذا النهى بما يجعلهن على صلة طيبة بخالقهن عز وجل فقال : ~~( @QUR@02 وأقمن الصلاة ) أى : داومن على إقامتها في أوقاتها بخشوع وإخلاص. ~~( @QUR@02 وآتين الزكاة ) التي فرضها الله تعالى عليكن. وخص سبحانه هاتين ~~الفريضتين بالذكر من بين سائر الفرائض ، لأنهما أساس العبادات البدنية ~~والمالية. # ( @QUR@03 وأطعن الله ورسوله ) أى ؛ في كل ما تأتين وتتركن ، لا سيما ~~فيما أمرتن به ، ونهيتن عنه. # وقوله : ( @QUR@010 إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا ) تعليل لما أمرن به من طاعات ، ولما نهين عنه من سيئات. # والرجس في الأصل : يطلق على كل شيء مستقذر. وأريد به هنا : الذنوب ~~والآثام وما يشبه ذلك من النقائص والأدناس. # وقوله ( @QUR@02 أهل البيت ) منصوب على النداء ، أو على المدح. ويدخل في ~~أهل البيت هنا PageV11P207 # دخولا أوليا : نساؤه صلى الله عليه وسلم بقرينة سياق الآيات. # أى : إنما يريد الله تعالى بتلك الأوامر التي أمركن بها ، وبتلك النواهي ~~التي نهاكن عنها ، أن يذهب عنكن الآثام والذنوب والنقائص ، وأن يطهركن من ~~كل ذلك تطهيرا تاما كاملا. # قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : قوله : ( @QUR@08 إنما يريد الله ليذهب ~~عنكم الرجس أهل البيت .. ). هذا نص في دخول أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~في أهل البيت ها هنا ، لأنهن سبب نزول هذه الآية .. # وقد وردت أحاديث تدل على أن المراد أعم من ذلك ، فقد روى الإمام أحمد ~~بسنده عن أنس بن مالك قال : «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمر بباب ~~فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر ms4587 ، يقول : الصلاة يا أهل البيت : ثم ~~يتلو هذه الآية ..» (1). # وقال بعض العلماء : والتحقيق إن شاء الله أنهن داخلات في الآية ، بدليل ~~السياق ، وإن كانت الآية تتناول غيرهن من أهل البيت .. # ونظير ذلك من دخول الزوجات في اسم أهل البيت ، قوله تعالى في زوجة ~~إبراهيم : ( @QUR@011 قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم ~~أهل البيت ). # وأما الدليل على دخول غيرهن في الآية ، فهو أحاديث جاءت عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال في على وفاطمة والحسن والحسين رضى الله عنهم : ~~«إنهم أهل البيت» ودعا الله أن يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيرا. # وبما ذكرنا تعلم أن الصواب شمول الآية الكريمة لأزواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولعلى وفاطمة والحسن والحسين. # فإن قيل : الضمير في قوله : ( @QUR@03 ليذهب عنكم الرجس ) وفي قوله : ( ~~@QUR@02 ويطهركم تطهيرا ) ضمير الذكور ، فلو كان المراد أزواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم لقيل ليذهب عنكن ويطهركن؟. # فالجواب : ما ذكرناه من أن الآية تشملهن وتشمل فاطمة وعلى والحسن والحسين ~~، وقد أجمع أهل اللسان العربي على تغليب الذكور على الإناث في الجموع ~~ونحوها .. # ومن أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن ، أن زوجة الرجل يطلق ~~عليها أهل ، PageV11P208 # وباعتبار لفظ الأهل تخاطب مخاطبة الجمع المذكر ، ومنه قوله تعالى في موسى ~~( @QUR@03 فقال لأهله امكثوا ) وقوله ( @QUR@01 سآتيكم ) والمخاطب امرأته ~~كما قاله غير واحد .. # وقال بعض أهل العلم : إن أهل البيت في الآية هم من تحرم عليهم الصدقة (1). # ثم ختم سبحانه هذه التوجيهات الحكيمة بقوله عز وجل : ( @QUR@09 واذكرن ما ~~يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة ) @QUR@01 .. . # أى : واذكرن في أنفسكن ذكرا متصلا ، وذكرن غيركن على سبيل الإرشاد ، بما ~~يتلى في بيوتكن من آيات الله البينات الجامعة بين كونها معجزات دالة على ~~صدق النبي صلى الله عليه وسلم ، وبين كونها مشتملة على فنون الحكم والآداب ~~والمواعظ .. # ويصح أن يكون المراد بالآيات : القرآن الكريم ، وبالحكمة : أقوال النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته .. # وفي الآية الكريمة إشارة إلى أنهن وقد خصهن الله تعالى بجعل بيوتهن موطنا ~~لنزول ms4588 القرآن ، ولنزول الحكمة أحق بهذا التذكير ، وبالعمل الصالح من غيرهن. # ( @QUR@05 إن الله كان لطيفا خبيرا ) أى : لا يخفى عليه شيء من أحوالكم ، ~~وقد أنزل عليكم ما فيه صلاح أموركم في الدنيا والآخرة. # وبعد هذه التوجيهات الحكيمة لأمهات المؤمنين ، ساق سبحانه توجيها جامعا ~~لأمهات الفضائل ، وبشر المتصفين بهذه الفضائل بالمغفرة والأجر العظيم فقال ~~تعالى : # ( @QUR@030 إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين ~~والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات ~~والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات ~~والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما ) (35) PageV11P209 # ورد في سبب نزول هذه الآية روايات منها : ما أخرجه الإمام أحمد والنسائي ~~وغيرهما ، عن أم سلمة رضى الله عنها قالت : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم : ~~مالنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال؟ قالت : فلم يرعني منه ~~صلى الله عليه وسلم ذات يوم إلا نداؤه على المنبر ، وهو يتلو هذه الآية : ( ~~@QUR@03 إن المسلمين والمسلمات. ) @QUR@01 .. . # وأخرج الترمذي وغيره عن أم عمارة الأنصارية أنها أتت النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقالت : ما أرى كل شيء إلا للرجال ، وما أرى النساء يذكرن ~~بشيء ، فنزلت هذه الآية. # وأخرجه ابن جرير عن قتادة قال : دخل نساء على أزواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقلن : قد ذكركن الله تعالى في القرآن ، وما يذكرنا بشيء ~~أما فينا ما يذكر ، فأنزل الله تعالى هذه الآية (1). # والمعنى : ( @QUR@03 إن المسلمين والمسلمات ) والإسلام : الانقياد لأمر ~~الله تعالى وإسلام الوجه له سبحانه وتفويض الأمر إليه وحده. # ( @QUR@02 والمؤمنين والمؤمنات ) والإيمان : هو التصديق القلبي ، ~~والإذعان الباطني ، لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم . # ( @QUR@02 والقانتين والقانتات ) والقنوت : هو المواظبة على فعل الطاعات ~~عن رضا واختيار. # ( @QUR@02 والصادقين والصادقات ) والصدق : هو النطق بما يطابق الواقع ، ~~والبعد عن الكذب والقول الباطل .. # ( @QUR@02 والصابرين والصابرات ) والصبر : هو توطين النفس على احتمال ~~المكاره والمشاق في سبيل الحق ، وحبس النفس عن الشهوات. # ( @QUR@02 والخاشعين والخاشعات ) والخشوع : صفة تجعل القلب والجوارح في ~~حالة انقياد تام لله تعالى ومراقبة له ، واستشعار لجلاله وهيبته. # ( @QUR@02 والمتصدقين والمتصدقات ) والتصدق : تقديم الخير إلى ms4589 الغير ~~بإخلاص ، دفعا لحاجته ، وعملا على عونه ومساعدته. # ( @QUR@02 والصائمين والصائمات ) والصوم : هو تقرب إلى الله تعالى ، ~~واستعلاء على مطالب الحياة ولذائذها ، من أجل التقرب إليه سبحانه بما يرضيه. # ( @QUR@03 والحافظين فروجهم والحافظات ) وحفظ الفرج : كناية عن التعفف ~~والتطهر والتصون عن أن يضع الإنسان شهوته في غير الموضع الذي أحله الله ~~تعالى . PageV11P210 # ( @QUR@04 والذاكرين الله كثيرا والذاكرات ) وذكر الله تعالى يتمثل في ~~النطق بما يرضيه كقراءة القرآن الكريم ، والإكثار من تسبيحه عز وجل وتحميده ~~وتكبيره .. # وفي شعور النفس في كل لحظة بمراقبته سبحانه . # هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات من الرجال والنساء ( @QUR@02 أعد الله ) ~~تعالى ( @QUR@02 لهم مغفرة ) واسعة لذنوبهم ( @QUR@02 وأجرا عظيما ) لا ~~يعلم مقداره إلا هو عز وجل . # وهكذا نجد القرآن الكريم يسوق الصفات الكريمة ، التي من شأن الرجل ~~والمرأة إذا ما اتصفا بها ، أن يسعدا في دنياهما وفي أخراهما ، وأن يسعد ~~بهما المجتمع الذي يعيشان فيه ... # إنها صفات نظمت علاقة الإنسان بربه ، وبنفسه ، وبغيره ، تنظيما حكيما ، ~~يهدى الى الرشد ، ويوصل إلى الظفر والنجاح. # ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن الحقوق الواجبة على المسلم نحو ~~خالقه عز وجل ونحو رسوله صلى الله عليه وسلم ، وعن تأكيد إبطال عادة التبني ~~التي كانت منتشرة قبل نزول هذه السورة ، وعن بيان الحكمة لهذا الإبطال ، ~~وعن علاقة الرسول صلى الله عليه وسلم بغيره من أتباعه .. فقال تعالى : # ( @QUR@024 وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون ~~لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا (36) @QUR@048 ~~وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي ~~في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها ~~وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا ~~منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا (37) @QUR@013 ما كان على النبي من حرج ~~فيما فرض الله له سنة الله في PageV11P211 # @QUR@09 الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا (38) @QUR@013 ~~الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا ms4590 يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله ~~حسيبا (39) @QUR@017 ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم ~~النبيين وكان الله بكل شيء عليما ) (40) # ذكر المفسرون في سبب نزول قوله تعالى : ( @QUR@05 وما كان لمؤمن ولا ~~مؤمنة ) روايات منها : أنها نزلت في زينب بنت جحش رضى الله عنها خطبها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لزيد ابن حارثة فاستنكفت ، وقالت : أنا خير منه حسبا ~~، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وفي رواية أنها قالت : يا رسول الله ، لست بناكحته ، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «بل فانكحيه» فقالت : يا رسول الله ، أؤامر في نفسي؟ ~~فبينما هما يتحادثان ، أنزل الله تعالى هذه الآية. فقالت : يا رسول الله ، ~~قد رضيته لي زوجا؟ قال : نعم. قالت : إذا لا أعصى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قد زوجته نفسي. # وذكر بعضهم أنها نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط ، وكانت أول من ~~هاجر من النساء .. يعنى بعد صلح الحديبية ، فوهبت نفسها للنبي ~~صلى الله عليه وسلم ، فزوجها من مولاه زيد بن حارثة ، بعد فراقه لزينب فسخطت ~~هي وأخوها وقالا : إنما أردنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجنا عبده ، ~~فنزلت الآية بسبب ذلك ، فأجابا إلى تزويج زيد (1). # قال ابن كثير : هذه الآية عامة في جميع الأمور. وذلك أنه إذا حكم الله ~~ورسوله بشيء ، فليس لأحد مخالفته ، ولا اختيار لأحد هاهنا ولا رأى ولا قول ~~، كما قال تعالى : ( @QUR@019 فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم ، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ). # وفي الحديث الشريف : «والذي نفسي بيده ، لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه ~~تبعا لما جئت به». # والمعنى : لا يصح ولا يحل لأى مؤمن ولا لأية مؤمنة ( @QUR@04 إذا قضى ~~الله ورسوله ) أى : إذا أراد الله ورسوله أمرا ، من الأمور. PageV11P212 # وقال سبحانه : ( @QUR@05 إذا قضى الله ورسوله أمرا ) للإشعار ، بأن ما ~~يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يفعله بأمر الله تعالى لأنه ~~صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن ms4591 الهوى. # وقوله : ( @QUR@06 أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ) أى : لا يصح لمؤمن أو ~~مؤمنة إذا أراد الله ورسوله أمرا ، أن يختاروا ما يخالف ذلك ، بل يجب عليهم ~~أن يذعنوا لأمره صلى الله عليه وسلم وأن يجعلوا رأيهم تابعا لرأيه في كل شيء. # وكلمة الخيرة : مصدر من تخير ، كالطيرة مصدر من تطير. وقوله : ( @QUR@02 ~~من أمرهم ) متعلق بها ، أو بمحذوف وقع حالا منها. # وجاء الضمير في قوله ( @QUR@01 لهم ) وفي قوله ( @QUR@02 من أمرهم ) ~~بصيغة الجمع : رعاية للمعنى إذ أن لفظي مؤمن ومؤمنة وقعا في سياق النفي ، ~~فيعمان كل مؤمن وكل مؤمنة. # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ) بيان ~~لسوء عاقبة من يخالف أمر الله ورسوله. # أى : ومن يعص الله ورسوله في أمر من الأمور ، فقد ضل عن الحق والصواب ~~ضلالا واضحا بينا. # ثم ذكر سبحانه قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم من السيدة زينب بنت جحش ، ~~وما ترتب على هذا الزواج من هدم لعادات كانت متأصلة في الجاهلية فقال تعالى ~~: ( @QUR@06 وإذ تقول للذي أنعم الله عليه ) @QUR@01 .. أى : واذكر أيها ~~الرسول الكريم وقت أن قلت للذي أنعم الله تعالى عليه بنعمة الإيمان ، وهو ~~زيد بن حارثة رضى الله عنه . # وأنعمت عليه ، بنعمة العتق ، والحرية ، وحسن التربية ، والمحبة ، ~~والإكرام .. # ( @QUR@05 أمسك عليك زوجك واتق الله ) أى : اذكر وقت قولك له : أمسك عليك ~~زوجك زينب بنت جحش ، فلا تطلقها ، واتق الله في أمرها ، واصبر على ما بدر ~~منها في حقك .. # وكان زيد رضى الله عنه قد اشتكى للنبي صلى الله عليه وسلم من تطاولها عليه ، ~~وافتخارها بحسبها ونسبها ، وتخشينها له القول ، وقال : يا رسول الله ، إنى ~~أريد أن أطلقها. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 وتخفي في نفسك ما الله مبديه ) معطوف على ( ~~@QUR@01 تقول ). أى : تقول له ذلك وتخفى في نفسك الشيء الذي أظهره الله ~~تعالى لك ، وهو إلهامك بأن زيدا سيطلق زينب ، وأنت ستتزوجها بأمر الله ~~عز وجل . # قال الآلوسى : والمراد بالموصول ( @QUR@01 ما ) على ما أخرج الحكيم ~~الترمذي وغيره عن على PageV11P213 # ابن الحسين ما أوحى ms4592 الله تعالى به إليه من أن زينب سيطلقها زيد. ويتزوجها ~~هو صلى الله عليه وسلم . # وإلى هذا ذهب أهل التحقيق من المفسرين ، كالزهرى ، وبكر بن العلاء ، ~~والقشيري ، والقاضي أبى بكر بن العربي ، وغيرهم (1). # وقال بعض العلماء ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@06 وتخفي في نفسك ما ~~الله مبديه ) جملة : الله مبديه صلة الموصول الذي هو ( @QUR@01 ما ). وما ~~أبداه سبحانه هو زواجه صلى الله عليه وسلم بزينب ، وذلك في قوله تعالى : ( ~~@QUR@06 فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ) وهذا هو التحقيق في معنى الآية ~~، الذي دل عليه القرآن ، وهو اللائق بجنابه صلى الله عليه وسلم . # وبه تعلم أن ما قاله بعض المفسرين ، من أن ما أخفاه في نفسه ~~صلى الله عليه وسلم وأبداه الله تعالى ، هو وقوع زينب في قلبه صلى الله عليه وسلم ~~ومحبته لها ، وهي زوجة لزيد ، وأنها سمعته يقول عند ما رآها : سبحان مقلب ~~القلوب .. إلى آخر ما قالوا ... كله لا صحة له .. (2). # وقال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : ذكر ابن جرير وابن أبى ~~حاتم وغيرهما هاهنا آثارا عن بعض السلف ، أحببنا أن نضرب عنها صفحا ، لعدم ~~صحتها. فلا نوردها .. (3). # هذا ، ولفضيلة شيخنا الجليل الدكتور أحمد السيد الكومى رأى في معنى هذه ~~الجملة الكريمة ، وهو أن ما أخفاه الرسول في نفسه : هو علمه بإصرار زيد على ~~طلاقه لزينب ، لكثرة تفاخرها عليه ، وسماعه منها ما يكرهه. وما لا يستطيع ~~معه الصبر على معاشرتها. # وما أبداه الله تعالى : هو علم الناس بحال زيد معها ، ومعرفتهم بأن زينب ~~تخشن له القول ، وتسمعه ما يكره ، وتفخر عليه بنسبها .. # فيكون المعنى : تقول للذي أنعم الله عليه ، وأنعمت عليه ، أمسك عليك زوجك ~~واتق الله ، وتخفى في نفسك أن زيدا لن يستطيع الصبر على معاشرة زوجه زينب ~~لوجود التنافر بينهما .. مع أن الله تعالى قد أظهر ذلك ، عن طريق كثرة شكوى ~~زيد منها ، وإعلانه أنه حريص على طلاقها ، ومعرفة كثير من الناس بهذه ~~الحقيقة .. # ومما يؤيد هذا الرأى أنه لم يرد لا في الكتاب ولا في ms4593 السنة ما يدل دلالة ~~صريحة على أن الله PageV11P214 # قد أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن زيدا سيطلق زينب ، وأنه ~~صلى الله عليه وسلم سيتزوجها ، وكل ما ورد في ذلك هي تلك الرواية التي سبق أن ~~ذكرناها عن على بن الحسين رضى الله عنهما . # قال صاحب الظلال : وهذا الذي أخفاه النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه ، وهو ~~يعلم أن الله مبديه ، هو ما ألهمه الله أن سيفعله. ولم يكن أمرا صريحا من ~~الله. وإلا ما تردد فيه ولا أخره ولا حاول تأجيله. ولجهر به في حينه مهما ~~كانت العواقب التي يتوقعها من إعلانه. ولكنه صلى الله عليه وسلم كان أمام ~~إلهام يجده في نفسه ، ويتوجس في الوقت ذاته من مواجهته ومواجهة الناس به ~~حتى أذن الله بكونه. فطلق زيد زوجه في النهاية. وهو لا يفكر لا هو ولا زينب ~~فيما سيكون بعد .. (1). # وهذه الأقوال جميعها تهدم هدما تاما كل الروايات التي رويت عن هذا الحادث ~~، والتي تشبث بها أعداء الإسلام في كل زمان ومكان ، وصاغوا حولها الأساطير ~~والمفتريات. # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ) معطوف على ما ~~قبله ، ومؤكد لمضمونه. # أى : تقول له ما قلت ، وتخفى في نفسك ما أظهره الله ، وتخشى أن تواجه ~~الناس بما ألهمك الله تعالى به من أمر زيد وزينب ، مع أن الله تعالى أحق ~~بالخشية من كل ما سواه. # فالجملة الكريمة عتاب رقيق من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وإرشاد ~~له إلى أفضل الطرق ، وأحكم السبل ، لمجابهة أمثال هذه الأمور ، وحلها حلا سليما. # ثم بين سبحانه الحكمة من زواجه صلى الله عليه وسلم بزينب فقال : ( @QUR@023 ~~فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ، لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ~~أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا ، وكان أمر الله مفعولا ). # والوطر : الحاجة. وقضاء الوطر : بلوغ منتهى ما تريده النفس من الشيء ، ~~يقال : قضى فلان وطره من هذا الشيء : إذا أخذ أقصى حاجته منه. # والمراد هنا : أن زيدا قضى حاجته من زينب ms4594 ، ولم يبق عنده أدنى رغبة فيها ~~، بل صارت رغبته العظمى في مفارقتها. # أى : فلما قضى زيد حاجته من زينب ، وطلقها ، وانقضت عدتها ، زوجناكها ، ~~أى : جعلناها زوجة لك ، ( @QUR@06 لكي لا يكون على المؤمنين حرج ) أو ضيق ~~أو مشقة ( @QUR@03 في أزواج أدعيائهم ) أى : في الزواج من أزواج أدعيائهم ، ~~الذين تبنوهم ( @QUR@04 إذا قضوا منهن وطرا ) PageV11P215 # أى : إذا طلق هؤلاء الأدعياء أزواجهم ، وانقضت عدة هؤلاء الأزواج ، فلا ~~حرج على الذين سبق لهم تبنى هؤلاء الأدعياء أن يتزوجوا بنسائهم ، ولهم في ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة. # ( @QUR@04 وكان أمر الله مفعولا ) أى : وكان ما يريده الله تعالى حاصلا ~~لا محالة. # قال الإمام ابن كثير : قوله : ( @QUR@06 فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ~~) @QUR@01 .. أى : لما فرغ منها وفارقها زوجناكها ، وكان الذي ولى تزويجها ~~منه هو الله عز وجل . بمعنى : أنه أوحى إليه أن يدخل بها بلا ولى ولا مهر ~~ولا عقد ولا شهود من البشر .. # روى الإمام أحمد عن أنس قال : لما انقضت عدة زينب رضى الله عنها قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة : «اذهب فاذكرها على» فانطلق حتى آتاها ~~وهي تخمر عجينها. قال : فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر ~~إليها. وجعلت أقول وقد وليتها ظهري ، ونكصت على عقبى يا زينب. أبشرى. ~~أرسلنى رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك قالت : ما أنا بصانعة شيئا حتى ~~أؤامر ربي أى : أستشيره في أمرى ، فقامت إلى مسجدها. ونزل القرآن. وجاء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير إذن ... # وروى البخاري عن أنس بن مالك ، أن زينب بنت جحش كانت تفخر على أزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم فتقول : زوجكن أهاليكن ، وزوجني الله من فوق سبع ~~سماوات .. (1). # وقال الإمام الشوكانى : وقوله : ( @QUR@09 لكي لا يكون على المؤمنين حرج ~~في أزواج أدعيائهم .. ). # أى : في التزوج بأزواج من يجعلونه ابنا ، كما كانت تفعله العرب ، فإنهم ~~كانوا يتبنون من يريدون .. وكانوا يعتقدون أنه يحرم عليهم نساء من تبنوه ، ~~كما تحرم نساء أبنائهم ms4595 على الحقيقة. والأدعياء : جمع دعى ، وهو الذي يدعى ~~ابنا من غير أن يكون ابنا على الحقيقة. فأخبرهم الله تعالى أن نساء ~~الأدعياء حلال لهم بعد انقضاء العدة بخلاف الأبناء من الصلب ، فإن نساءهم ~~تحرم على الآباء بنفس العقد عليها .. (2). # وبعد أن بين سبحانه الحكمة من زواج النبي صلى الله عليه وسلم بالسيدة زينب ~~بنت جحش ، التي كانت قبل ذلك زوجة لزيد بن حارثة الذي كان الرسول قد تبناه ~~وأعتقه بعد كل ذلك أخذت السورة الكريمة في تقرير هذه الحكمة وتأكيدها ، ~~وإزالة كل ما علق بالأذهان بشأنها ، فقال تعالى : ( @QUR@010 ما كان على ~~النبي من حرج فيما فرض الله له. ) @QUR@01 .. PageV11P216 # أى : ما كان على النبي صلى الله عليه وسلم من حرج أو لوم أو مؤاخذة ، في فعل ~~ما أحله الله له ، وقدره عليه ، وأمره به من زواجه بزينب بعد أن طلقها ابنه ~~بالتبني زيد بن حارثة فقوله : ( @QUR@04 فيما فرض الله له ) أى : فيما قسمه ~~له ، وقدره عليه ، مأخوذ من قولهم : فرض فلان لفلان كذا ، أى : قدر له هذا ~~الشيء ، وجعله حلالا له. # وقوله تعالى : ( @QUR@012 سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله ~~قدرا مقدورا ) زيادة في تأكيد هذه الحكمة ، وفي تقرير صحة ما فرضه الله ~~تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم . # أى : ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم من زواجه بزينب بعد طلاقها من زيد ، ~~قد جعله الله تعالى سنة من سننه في الأمم الماضية ، وكان أمر الله تعالى ~~قدرا مقدورا. أى : واقعا لا محالة. # والقدر : إيجاد الله تعالى للأشياء على قدر مخصوص حسبما تقتضي حكمته. # ويقابله القضاء : وهو الإرادة الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه. ~~وقد يستعمل كل منهما بمعنى الآخر. والأظهر أن قدر الله تعالى هنا بمعنى قضائه. # ولفظ ( @QUR@01 مقدورا ) وصف جيء به للتأكيد ، كما في قولهم : ظل ظليل ، ~~وليل أليل ، ثم مدح سبحانه هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين يبلغون دعوته دون ~~أن يخشوا أحدا سواه فقال : ( @QUR@04 الذين يبلغون رسالات الله ) للذين ~~يكلفهم سبحانه بتبليغها لهم. والموصول ms4596 في محل جر صفة للذين خلوا. أو منصوب ~~على المدح. # ( @QUR@01 ويخشونه ) أى : ويخافونه وحده ( @QUR@05 ولا يخشون أحدا إلا ~~الله ) عز وجل في كل ما يأتون وما يذرون ، وما يقولون وما يفعلون. # ( @QUR@03 وكفى بالله حسيبا ) أى : وكفى بالله تعالى محاسبا لعباده على ~~نيات قلوبهم وأفعال جوارحهم ، وأقوال ألسنتهم. # ثم حدد سبحانه وظيفة رسوله صلى الله عليه وسلم وأثنى عليه بما هو أهله ، ~~فقال تعالى : ( @QUR@07 ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ) أى : لم يكن محمد ~~صلى الله عليه وسلم أبا لأحد من رجالكم أبوة حقيقية ، تترتب عليها آثارها ~~وأحكامها من الإرث ، والنفقة والزواج ... وزيد كذلك ليس ابنا له ~~صلى الله عليه وسلم فزواجه صلى الله عليه وسلم بزينب التي طلقها زيد لا حرج فيه ، ~~ولا شبهة في صحته ، وقوله : ( @QUR@05 ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) ~~استدراك لبيان وظيفته وفضله. # أى : لم يكن صلى الله عليه وسلم أبا لأحدكم على سبيل الحقيقة ، ولكنه كان ~~رسولا من عند الله تعالى ليخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان وكان أيضا ~~خاتم النبيين ، بمعنى PageV11P217 # أنهم ختموا به ، فلا نبي بعده ، فهو كالخاتم والطابع لهم. ختم الله تعالى ~~به الرسل والأنبياء ، فلا رسول ولا نبي بعده إلى قيام الساعة. # قال القرطبي : قرأ الجمهور ( @QUR@01 وخاتم ) بكسر التاء بمعنى أنه ختمهم ~~، أى : جاء آخرهم. # وقرأ عاصم ( @QUR@01 وخاتم ) بفتح التاء بمعنى أنهم ختموا به ، فهو ~~كالخاتم والطابع لهم. # وقيل : الخاتم والخاتم بالفتح والكسر لغتان ، مثل طابع وطابع .. # وقد روى الإمام مسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «مثلي ~~ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى دارا فأتمها وأكملها ، إلا موضع لبنة ، ~~فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون منها ويقولون : ما أجمل هذه الدار ، هلا وضعت ~~هذه اللبنة؟ قال صلى الله عليه وسلم فأنا موضع اللبنة جئت فختمت الأنبياء» (1). # وقد ذكر الإمام ابن كثير عددا من الأحاديث في هذا المعنى منها ما رواه ~~الإمام مسلم عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «فضلت على ~~الأنبياء ms4597 بست : أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب ، وأحلت لي الغنائم ، وجعلت ~~لي الأرض طهورا ومسجدا ، وأرسلت إلى الخلق كافة ، وختم بي النبيون». # ثم قال رحمه الله بعد أن ذكر هذا الحديث وغيره : والأحاديث في هذا كثيرة ، ~~فمن رحمة الله تعالى بالعباد إرسال محمد صلى الله عليه وسلم إليهم ، ثم من ~~تشريفه له ختم الأنبياء والمرسلين به ، وإكمال الدين الحنيف له ، وقد أخبر ~~تعالى في كتابه ، وأخبر رسوله في السنة المتواترة عنه ، أنه لا نبي بعده ، ~~ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك دجال ضال مضل ، ولو ~~تخرق وشعبذ ، وأتى بأنواع السحر والطلاسم .. (2). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@05 وكان الله بكل شيء عليما ). # أى : وكان عز وجل وما زال ، هو العليم علما تاما بأحوال خلقه ، وبما ~~ينفعهم ويصلحهم ، ولذا فقد شرع لكم ما أنتم في حاجة إليه من تشريعات ، ~~واختار رسالة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم لتكون خاتمة الرسالات ، فعليكم أن ~~تقابلوا ذلك بالشكر والطاعة ، ليزيدكم سبحانه من فضله وإحسانه. PageV11P218 # ثم جاءت الآيات الكريمة بعد ذلك لتؤكد هذا المعنى وتقرره ، فأمرت ~~المؤمنين بالإكثار من ذكر الله تعالى ومن تسبيحه وتحميده وتكبيره ، فقال ~~سبحانه : # ( @QUR@08 يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا (41) @QUR@03 ~~وسبحوه بكرة وأصيلا (42) @QUR@013 هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من ~~الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما (43) @QUR@08 تحيتهم يوم يلقونه ~~سلام وأعد لهم أجرا كريما ) (44) # والمقصود بذكر الله تعالى في قوله : ( @QUR@08 يا أيها الذين آمنوا ~~اذكروا الله ذكرا كثيرا ) ما يشمل التهليل والتحميد والتكبير وغير ذلك من ~~الأقوال والأفعال التي ترضيه عز وجل . # أى : يا من آمنتم بالله حق الإيمان ، أكثروا من التقرب إلى الله تعالى ~~بما يرضيه ، في كل أوقاتكم وأحوالكم ، فإن ذكر الله تعالى هو طب النفوس ~~ودواؤها ، وهو عافية الأبدان وشفاؤها ، به تطمئن القلوب ، وتنشرح الصدور .. # والتعبير بقوله : ( @QUR@04 اذكروا الله ذكرا كثيرا ) يشعر بأن من شأن ~~المؤمن الصادق في إيمانه ، أن يواظب على هذه الطاعة مواظبة تامة. # ومن الأحاديث التي وردت في الحض ms4598 على الإكثار من ذكر الله ، ما رواه ~~الإمام أحمد عن أبى الدرداء .. رضى الله عنه .. قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «ألا أنبئكم بخير أعمالكم ، وأزكاها عند مليككم ، ~~وأرفعها في درجاتكم ، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق أى : الفضة ، وخير ~~لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ، ويضربوا أعناقكم ، قالوا : وما هو ~~يا رسول الله؟ قال : ذكر الله عز وجل ». # وعن عمرو بن قيس قال : سمعت عبد الله بن بسر يقول : جاء أعرابيان إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما : يا رسول الله ، أى الناس خير؟ قال ~~: «من طال عمره وحسن عمله». # وقال الآخر : يا رسول الله ، إن شرائع الإسلام قد كثرت علينا ، فمرني ~~بأمر أتشبث به. قال : «لا يزال لسانك رطبا بذكر الله». PageV11P219 # وقال ابن عباس : لم يفرض الله تعالى فريضة إلا جعل لها حدا معلوما ، ثم ~~عذر أهلها في حال العذر ، غير الذكر ، فإن الله تعالى لم يجعل له حدا ينتهى ~~إليه ، ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله ، وأمرهم به في الأحوال ~~كلها. فقال تعالى : ( @QUR@07 الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ~~) @QUR@01 .. وقال سبحانه : ( @QUR@09 فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله ~~قياما وقعودا وعلى جنوبكم ) @QUR@01 .. أى : بالليل وبالنهار ، في البر ~~والبحر ، وفي السفر والحضر ، والغنى والفقر ، والسقم والصحة ، والسر ~~والعلانية ، وعلى كل حال .. (1). # وقوله : ( @QUR@03 وسبحوه بكرة وأصيلا ) معطوف على ( @QUR@01 اذكروا. ) ~~@QUR@01 .. والتسبيح : التنزيه. مأخوذ من السبح ، وهو المر السريع في الماء ~~أو في الهواء. فالمسبح مسرع في تنزيه الله وتبرئته من السوء. والبكرة : أول ~~النهار. والأصيل : آخره. # أى : أكثروا أيها المؤمنون من ذكر الله تعالى في كل أحوالكم ، ونزهوه ~~سبحانه عن كل ما لا يليق به ، في أول النهار وفي آخره. # وتخصيص الأمر بالتسبيح في هذين الوقتين ، لبيان فضلهما ، ولمزيد الثواب ~~فيهما ، وهذا لا يمنع أن التسبيح في غير هذين الوقتين له ثوابه العظيم عند ~~الله تعالى . # وأيضا خص سبحانه التسبيح بالذكر مع دخوله في عموم الذكر ، للتنبيه على ~~مزيد فضله وشرفه .. # قال صاحب ms4599 الكشاف : والتسبيح من جملة الذكر. وإنما اختصه تعالى من بين ~~أنواعه اختصاص جبريل وميكائيل من بين الملائكة ، ليبين فضله على سائر ~~الأذكار ، لأن معناه تنزيه ذاته عما لا يجوز عليه من الصفات والأفعال .. (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 هو الذي يصلي عليكم وملائكته ) @QUR@01 .. ~~استئناف جار مجرى التعليل لما قبله ، من الأمر بالإكثار من الذكر ومن ~~التسبيح. # والصلاة من الله تعالى على عباده معناها : الرحمة بهم ، والثناء عليهم ، ~~كما أن الصلاة من الملائكة على الناس معناها : الدعاء لهم بالمغفرة ~~والرحمة. # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@05 هو الذي يصلي عليكم وملائكته ).. ~~قال ابن عباس : لما نزل : ( @QUR@06 إن الله وملائكته يصلون على النبي. ) ~~@QUR@01 .. قال المهاجرون والأنصار : هذا لك يا رسول الله خاصة ، وليس لنا ~~فيه شيء ، فأنزل الله هذه الآية. PageV11P220 # ثم قال القرطبي : قلت : وهذه نعمة من الله تعالى على هذه الأمة من أكبر ~~النعم ، ودليل على فضلها على سائر الأمم. وقد قال : ( @QUR@05 كنتم خير أمة ~~أخرجت للناس ). # والصلاة من الله على العبد هي رحمته له ، وبركته لديه. وصلاة الملائكة : ~~دعاؤهم للمؤمنين واستغفارهم لهم ، كما قال تعالى : ( @QUR@013 الذين يحملون ~~العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ، ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ) (1). # وقوله : ( @QUR@05 ليخرجكم من الظلمات إلى النور ) متعلق بقوله : ( ~~@QUR@01 يصلي ) أى : يرحمكم سبحانه برحمته الواسعة ، ويسخر ملائكته للدعاء ~~لكم ، لكي يخرجكم بفضله ومنته ، من ظلمات الضلال والكفر إلى النور والهداية ~~والإيمان. # ( @QUR@01 وكان ) سبحانه وما زال ( @QUR@02 بالمؤمنين رحيما ) رحمة عظيمة ~~واسعة ، تشمل الدنيا والآخرة. # أما رحمته لهم في الدنيا فمن مظاهرها : هدايته إياهم إلى الصراط ~~المستقيم. # وأما رحمته سبحانه لهم في الآخرة فمن مظاهرها : أنهم يأمنون من الفزع ~~الأكبر. # وفي صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم رأى امرأة من السبي قد أخذت صبيا لها فألصقته إلى صدرها ~~وأرضعته فقال : «أترون هذه تلقى ولدها في النار وهي تقدر على ذلك؟ قالوا : ~~لا. قال : فو الله لله أرحم بعباده من هذه بولدها». # ثم بين عز وجل ما أعده للمؤمنين في الآخرة ms4600 فقال : ( @QUR@04 تحيتهم يوم ~~يلقونه سلام ). # والتحية : أن يقول قائل للشخص : حياك الله ، أى : جعل لك حياة طيبة. # وهذه التحية للمؤمنين في الآخرة ، تشمل تحية الله تعالى لهم ، كما في ~~قوله سبحانه : ( @QUR@05 سلام قولا من رب رحيم ) (2). # وتشمل تحية الملائكة لهم ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@013 والملائكة ~~يدخلون عليهم من كل باب. سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ) (3). # كما تشمل تحية بعضهم لبعض كما في قوله عز وجل : ( @QUR@014 دعواهم فيها ~~سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام ، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) (4). PageV11P221 # أى : تحية المؤمنين يوم يلقون الله تعالى في الآخرة ، أو عند قبض أرواحهم ~~، سلام وأمان لهم من كل ما يفزعهم أو يخيفهم أو يزعجهم .. # ( @QUR@02 وأعد لهم ) سبحانه يوم القيامة ( @QUR@02 أجرا كريما ) هو ~~الجنة التي فيها مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر. # ثم وجه سبحانه نداء إلى النبي صلى الله عليه وسلم حدد له فيه وظيفته ، وأمره ~~بتبشير المؤمنين بما يسرهم ، ونهاه عن طاعة الكافرين والمنافقين فقال : # ( @QUR@08 يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (45) @QUR@06 ~~وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا (46) @QUR@08 وبشر المؤمنين بأن لهم من ~~الله فضلا كبيرا (47) @QUR@012 ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم ~~وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ) (48) # وقوله : ( @QUR@01 ومبشرا ) من التبشير ، وهو الإخبار بالأمر السار لمن ~~لا علم له بهذا الأمر. # وقوله : ( @QUR@01 ونذيرا ) من الإنذار ، وهو الإخبار بالأمر المخيف لكي ~~يجتنب ويحذر. # والمعنى : يا أيها النبي الكريم ( @QUR@02 إنا أرسلناك ) إلى الناس ( ~~@QUR@01 شاهدا ) أى : شاهدا لمن آمن منهم بالإيمان ، ولمن كفر منهم بالكفر ~~، بعد أن بلغتهم رسالة ربك تبليغا تاما كاملا. # ( @QUR@01 ومبشرا ) أى : ومبشرا المؤمنين منهم برضا الله تعالى . # ( @QUR@01 ونذيرا ) أى : ومنذرا للكافرين بسوء العاقبة ، بسبب إعراضهم عن ~~الحق الذي جئتهم به من عند الخالق عز وجل . # وقدم سبحانه التبشير على الإنذار ، تكريما للمؤمنين المبشرين ، وإشعارا ~~بأن الأصل في رسالته صلى الله عليه وسلم التبشير ، فقد أرسله الله تعالى رحمة ~~للعالمين. # وقوله : ( @QUR@04 وداعيا إلى الله بإذنه ) أى : وأرسلناك أيضا داعيا ~~للناس إلى ms4601 عبادة الله تعالى وحده ، وهذه الدعوة لهم منك كائنة بإذنه سبحانه ~~وبأمره وبتيسيره. PageV11P222 # فالتقييد بقوله ( @QUR@01 بإذنه ) لبيان أنه صلى الله عليه وسلم لم يدع ~~الناس إلى ما دعاهم إليه من وجوب إخلاص العبادة له سبحانه ، من تلقاء نفسه ~~، وإنما دعاهم إلى ذلك بأمر الله تعالى وإذنه ومشيئته ، وللإشارة إلى أن ~~هذه الدعوة لا تؤتى ثمارها المرجوة منها إلا إذا صاحبها إذن الله تعالى ~~للنفوس بقبولها. # وقوله : ( @QUR@02 وسراجا منيرا ) معطوف على ما قبله. والسراج : المصباح ~~الذي يستضاء به في الظلمات. # أى : وأرسلناك أيها الرسول الكريم بالدين الحق ، لتكون كالسراج المنير ~~الذي يهتدى به الضالون ، ويخرجون بسببه من الظلمات إلى النور. # ووصف السراج بالإنارة ، لأن من المصابيح ما لا يضيء إذا لم يوجد به ما ~~يضيئه من زيت أو ما يشبهه. # قال صاحب الكشاف : جلى الله تعالى بنبيه صلى الله عليه وسلم ظلمات الشرك ، ~~فاهتدى به الضالون ، كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير ويهتدى به. أو أمد ~~الله بنور نبوته نور البصائر ، كما يمد بنور السراج نور الأبصار. ووصفه ~~بالإنارة لأن من السراج ما لا يضيء إذا قل سليطه أى : زيته ودقت فتيلته .. (1). # وبعد أن وصف الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بهذه الصفات الكريمة ، ~~اتبع ذلك بأمره بتبشير المؤمنين برضا الله عنهم ، وبنهيه عن طاعة الكافرين ~~، فقال تعالى : ( @QUR@02 وبشر المؤمنين. ) @QUR@01 .. أى : انظر أيها ~~الرسول الكريم إلى أحوال الناس وإلى موقفهم من دعوتك. وبشر المؤمنين منهم ( ~~@QUR@04 بأن لهم من الله ) تعالى ( @QUR@02 فضلا كبيرا ) أى : عطاء كبيرا ، ~~وأجرا عظيما ، ومنزلة سامية بين الأمم. # ( @QUR@04 ولا تطع الكافرين والمنافقين ) فيا يشيرون به عليك من ترك ~~الناس وما يعبدون ، أو من عدم بيان ما هم عليه من باطل وجهل ، بل اثبت على ~~ما أنت عليه من حق ، وامض في تبليغ دعوتك دون أن تخشى أحدا إلا الله تعالى . # ( @QUR@02 ودع أذاهم ) أى : ولا تبال بما ينزلونه بك من أذى ، بسبب دعوتك ~~إياهم إلى ترك عبادة الأصنام والأوثان ، واصبر على ما يصيبك منهم حتى يحكم ~~الله تعالى ms4602 بحكمه العادل بينك وبينهم. PageV11P223 # ( @QUR@03 وتوكل على الله ) في كل أمورك ( @QUR@02 وكفى بالله ) تعالى ( ~~@QUR@01 وكيلا ) توكل إليه الأمور ، وترد إليه الشئون .. # هذا ، ومن الأحاديث النبوية التي اشتملت على بعض المعاني التي اشتملت ~~عليها هذه الآيات ، ما رواه الإمام البخاري والإمام أحمد عن عطاء بن يسار ~~قال : لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت له : أخبرنى عن صفة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في التوراة؟ قال : والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته ~~في القرآن : ( @QUR@08 يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ) ~~وحرزا للمؤمنين ، أنت عبدى ورسولي ، سميتك المتوكل ، لست بفظ ولا غليظ ولا ~~صخاب في الأسواق ، ولا يدفع السيئة بالسيئة ، ولكن يعفو ويصفح ، ولن يقبضه ~~الله تعالى حتى يقيم به الملة العوجاء ، ويفتح به أعينا عميا ، وآذانا صما ~~، وقلوبا غلفا (1). # ثم عادت السورة الكريمة بعد هذا الحديث الجامع عن وظيفة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وعن فضله إلى الحديث عن جانب من أحكام الزواج والطلاق ، ~~فقال تعالى : # ( @QUR@023 يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل ~~أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا ) (49) # والمراد بالنكاح هنا في قوله ( @QUR@02 إذا نكحتم ) العقد ، لأن الحديث ~~في حكم المرأة التي تم طلاقها قبل الدخول بها. # وهذا الحكم شامل للمؤمنات ولغيرهن كالكتابيات ، إلا أن الآية الكريمة خصت ~~المؤمنات بالذكر ، للتنبيه على أن من شأن المؤمن أن لا ينكح إلا مؤمنة ~~تخيرا للنطفة. # والعدة : هي الشيء المعدود. وعدة المرأة معناها : المدة التي بانقضائها ~~يحل لها الزواج من شخص آخر ، غير الذي كان زوجا لها. # والمعنى : يا من آمنتم بالله تعالى حق الإيمان ، ( @QUR@03 إذا نكحتم ~~المؤمنات ) أى : إذا عقدتم عليهن عقد النكاح ، ولم يبق بينكم وبينهن سوى ~~الدخول بهن. PageV11P224 # ( @QUR@06 ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ) أى : ثم طلقتموهن من قبل أن ~~تجامعوهن. # قال الآلوسى : وفائدة المجيء بثم مع أن الحكم ثابت لمن تزوج امرأة وطلقها ~~على الفور كثبوته لمن تزوجها وطلقها بعد مدة مديدة ، إزاحة ما عسى ms4603 يتوهم أن ~~تراخى الطلاق ، له دخل في إيجاب العدة ، لاحتمال الملاقاة والجماع سرا .. (1). # أى : أن الحكم الذي اشتملت عليه الآية الكريمة ، ثابت سواء تم الطلاق بعد ~~عقد الزواج مباشرة ، أم بعده بمدة طويلة. # وفي التعبير عن الجماع بالمس كناية لطيفة. من شأنها أن تربى في الإنسان ~~حسن الأدب ، وسلامة التعبير ، وتجنب النطق بالألفاظ التي تخدش الحياء. # وقوله : ( @QUR@06 فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ) جواب إذا ، وبيان ~~للحكم المترتب على طلاق المرأة قبل الدخول بها. # أى : إذا طلقتموهن قبل الدخول بهن ، فلا عدة عليهن ، بل من حقهن أن ~~يتزوجن بغيركم ، بعد طلاقكم لهن بدون التقيد بأية مدة من الزمان. # قال الجمل : وقوله : ( @QUR@01 تعتدونها ) صفة لعدة. وتعتدونها تفتعلونها ~~، إما عن العد ، وإما عن الاعتداد ، أى ، تحسبونها أو تستوفون عددها ، من ~~قولك : عد فلان الدراهم فاعتدها ، أى : فاستوفى عددها .. (2). # فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن المطلقة قبل الدخول بها لا عدة عليها ~~إطلاقا بنص الكتاب وإجماع الأمة ، أما المطلقة بعد الدخول بها فعليها العدة ~~إجماعا. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا ) بيان لما يجب ~~على المؤمنين أن يفعلوه ، بالنسبة لمن طلقت قبل الدخول بها. # وأصل المتعة والمتاع ، ما ينتفع به الإنسان من مال أو كسوة أو غير ذلك. ~~ثم أطلقت المتعة على ما يعطيه الرجل للمرأة من مال أو غيره عند طلاقها منه ~~، لتنتفع به ، جبرا لخاطرها ، وتعويضا لها عما نالها بسبب هذا الفراق. # وأصل التسريح : أن ترعى الإبل السرح ، وهو شجر له ثمرة ، ثم أطلق على كل ~~إرسال في الرعي ، ثم على كل إرسال وإخراج. PageV11P225 # والتسريح الجميل : هو الذي لا ضرر معه. وإنما معه الكلام الطيب ، والفعل الحسن. # والمعنى : إذا طلقتموهن قبل الدخول بهن ، فأعطوهن من المال ما يجبر ~~خاطرهن ، وما يكون عوضا عن فراقهن .. وأطلقوا سراحهن ليستأنفن حياة جديدة ~~مع غيركم ، وساعدوهن على ذلك إن استطعتم ، فإن من شأن العقلاء أن يعاشروا ~~أزواجهن بالمعروف ، وأن يفارقوهن أيضا بالمعروف. # ومن العلماء من يرى أن المتعة واجبة للمرأة على الرجل في حال مفارقتها ms4604 ~~قبل الدخول بها ، لأن الآية الكريمة قد أمرت بذلك ، والأمر يقتضى الوجوب. # وقد بينا ذلك بالتفصيل عند تفسيرنا لقوله تعالى في سورة البقرة : ( ~~@QUR@060 لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ~~، ومتعوهن ، على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ، متاعا بالمعروف حقا على ~~المحسنين ، وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما ~~فرضتم إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح ، وأن تعفوا أقرب ~~للتقوى ، ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير ) (1). # والملاحظ أن الآية الكريمة التي معنا ، قد أضافت حكما جديدا ، وهو أنه لا ~~عدة على المطلقة قبل الدخول بها. # ومن مجموع هذه الآيات ، نرى أحكم التشريعات ، وأسمى التوجيهات. # ثم بين سبحانه بعد ذلك جانبا من مظاهر فضله عليه. وتكريمه له حيث خصه ~~بأمور تتعلق بالنكاح لم يخص بها أحدا غيره. فقال تعالى : # ( @QUR@039 يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ~~ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات ~~خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي ~~أن يستنكحها PageV11P226 # @QUR@023 خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم ~~وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما (50) @QUR@035 ~~ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ~~ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في ~~قلوبكم وكان الله عليما حليما (51) @QUR@025 لا يحل لك النساء من بعد ولا ~~أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل ~~شيء رقيبا ) (52) # والمراد بالأجور في قوله سبحانه : ( @QUR@010 يا أيها النبي إنا أحللنا ~~لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن. ) @QUR@01 .. المهور التي دفعها ~~صلى الله عليه وسلم لأزواجه. # قال ابن كثير : يقول تعالى مخاطبا نبيه صلوات الله وسلامه عليه بأن قد ~~أحل له من النساء أزواجه اللائي أعطاهن ms4605 مهورهن ، وهي الأجور هاهنا ، كما ~~قاله مجاهد وغير واحد. # وقد كان مهره صلى الله عليه وسلم لنسائه : اثنتي عشرة أوقية ونصف أوقية. ~~فالجميع خمسمائة درهم إلا أم حبيبة بنت أبى سفيان فإنه أمهرها عنه النجاشي ~~رحمه الله بأربعمائة دينار ، وإلا صفية بنت حيي فإنه اصطفاها من سبى خيبر ، ~~ثم أعتقها وجعل عتقها صداقها. وكذلك جويرية بنت الحارث المصطلقية ، أدى ~~عنها كتابتها إلى ثابت بن قيس وتزوجها. # وفي قوله : ( @QUR@02 آتيت أجورهن ) إشارة إلى أن إعطاء المهر كاملا ~~للمرأة دون إبقاء شيء منه ، هو الأكمل والأفضل ، وأن تأخير شيء منه إنما هو ~~أمر مستحدث ، لم يكن معروفا عند السلف الصالح. PageV11P227 # وأطلق على المهر أجر لمقابلته الاستمتاع الدائم بما يحل الاستمتاع به من ~~الزوجة ، كما يقابل الأجر بالمنفعة. # وقوله : ( @QUR@07 وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك ) بيان لنوع آخر ~~مما أحله الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم . # والمعنى : يا أيها النبي إنا أحللنا لك بفضلنا على سبيل التكريم والتشريف ~~لك ، الاستمتاع بأزواجك الكائنات عندك ، واللاتي أعطيتهن مهورهن كعائشة ~~وحفصة وغيرهما ، لأنهن قد اخترنك على الحياة الدنيا وزينتها. # كما أحللنا لك التمتع بما ملكت يمينك من النساء اللائي دخلن في ملكك عن ~~طريق الغنيمة في الحرب ، كصفية بنت حيي بن أخطب ، وجويرية بنت الحارث. # ثم بين سبحانه نوعا ثالثا أحله سبحانه له فقال : ( @QUR@011 وبنات عمك ~~وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك ). # أى : وأحللنا لك أيضا الزواج بالنساء اللائي تربطك بهن قرابة من جهة الأب ~~، أو قرابة من جهة الأم. # وقوله ( @QUR@03 اللاتي هاجرن معك ) إشارة إلى ما هو أفضل ، وللإيذان ~~بشرف الهجرة وشرف من هاجر. # والمراد بالمعية هنا. الاشتراك في الهجرة. لا المصاحبة فيها ، لما في ~~قوله تعالى حكاية عن ملكة سبأ : ( @QUR@011 قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت ~~مع سليمان لله رب العالمين ). # قال بعض العلماء : وقد جاء في الآية الكريمة عدة قيود ، ما أريد بواحد ~~منها إلا التنبيه على الحالة الكريمة الفاضلة. # منها : وصف النبي صلى الله عليه وسلم باللاتى ms4606 آتى أجورهن ، فإنه تنبيه على ~~الحالة الكاملة ، فإن الأكمل إيتاء المهر كاملا دون أن يتأخر منه شيء. # ومنها : أن تخصيص المملوكات بأن يكن من الفيء ، فإن المملوكة إذا كانت ~~غنيمة من أهل الحرب كانت أحل وأطيب مما يشترى من الجلب ، لأن المملوكة عن ~~طريق الغنيمة تكون معروفة الحال والنشأة. # ومنها : قيد الهجرة في قوله : ( @QUR@03 اللاتي هاجرن معك )، ولا شك أن ~~من هاجرت مع النبي صلى الله عليه وسلم أولى بشرف زوجية النبي صلى الله عليه وسلم ~~ممن عداها (1). PageV11P228 # ثم بين سبحانه نوعا رابعا من النساء ، أحله لنبيه صلى الله عليه وسلم فقال : ~~( @QUR@016 وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي ، إن أراد النبي أن يستنكحها ~~خالصة لك من دون المؤمنين ). # والجملة الكريمة معطوفة على مفعول ( @QUR@01 أحللنا ). # وقد اشتملت هذه الجملة على شرطين ، الثاني منهما قيد للأول ، لأن هبتها ~~نفسها له صلى الله عليه وسلم لا توجب حلها له إلا بقبوله الزواج منها. # وقوله ( @QUR@01 يستنكحها ) بمعنى ينكحها. يقال : نكح واستنكح ، بمعنى ~~عجل واستعجل : ويجوز أن يكون بمعنى طلب النكاح. # وقوله : ( @QUR@01 خالصة ) منصوب على الحال من فاعل ( @QUR@01 وهبت ) أى ~~: حال كونها خالصة لك دون غيرك. أو نعت لمصدر مقدر. أى : هبة خالصة .. # والمعنى وأحللنا لك كذلك امرأة مؤمنة ، إن ملكتك نفسها بدون مهر وإن أنت ~~قبلت ذلك عن طيب خاطر منك ، وهذا الإحلال إنما هو خاص بك دون غيرك من ~~المؤمنين ، لأن غيرك من المؤمنين لا تحل لهم من وهبت نفسها لواحد منهم إلا ~~بولي ومهر. # وقد ذكروا ممن وهبن أنفسهن له صلى الله عليه وسلم خولة بنت حكيم ، وأم شريك ~~بنت جابر ، وليلى بنت الحطيم .. # وقد اختلف العلماء في كونه صلى الله عليه وسلم قد تزوج بواحدة من هؤلاء ~~الواهبات أنفسهن له أم لا. # والأرجح أنه صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بواحدة منهن ، وإنما زوجهن لغيره. ~~ويشهد لذلك ما رواه الشيخان عن سهل بن سعد الساعدي ، أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة فقالت : يا رسول الله ، إنى قد وهبت ms4607 نفسي لك. ~~فقامت قياما طويلا ، فقام رجل فقال : يا رسول الله ، زوجنيها إن لم يكن لك ~~بها حاجة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل عندك من شيء تصدقها إياه؟ ~~فقال : ما عندي إلا إزارى هذا. فقال صلى الله عليه وسلم : إن أعطيتها إزارك ~~جلست لا إزار لك ، فالتمس شيئا. فقال : لا أجد شيئا. فقال : التمس ولو ~~خاتما من حديد ، فقام الرجل فلم يجد شيئا. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ~~هل معك من القرآن شيء؟ قال نعم. سورة كذا وسورة كذا لسور يسميها فقال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : زوجتكها بما معك من القرآن (1). PageV11P229 # وإلى هنا يتضح لنا أن المقصود بالإحلال في الآية الكريمة : الإذن العام ~~والتوسعة عليه صلى الله عليه وسلم في الزواج من هذه الأصناف ، والإباحة له في ~~أن يختار منهن من تقتضي الحكمة الزواج منها ، واختصاصه صلى الله عليه وسلم ~~بأمور تتعلق بالنكاح ، لا تحل لأحد سواه. # ولهذا قال سبحانه بعد ذلك : ( @QUR@010 قد علمنا ما فرضنا عليهم في ~~أزواجهم وما ملكت أيمانهم ) @QUR@01 .. فإن هذه الجملة الكريمة معترضة ~~ومقررة لمضمون ما قبلها ، من اختصاصه صلى الله عليه وسلم بأمور في النكاح لا ~~تحل لغيره ، كحل زواجه ممن تهبه نفسها بدون مهر ، إن قبل ذلك العرض منها. # أى : هذا الذي أحللناه لك أيها الرسول الكريم هو خاص بك ، أما بالنسبة ~~لغيرك من المؤمنين فقد علمنا ما فرضناه عليهم في حق أزواجهم من شرائط العقد ~~وحقوقه ، فلا يجوز لهم الإخلال بها ، كما لا يجوز لهم الاقتداء بك فيما خصك ~~الله تعالى به ، على سبيل التوسعة عليك ، والتكريم لك ، فهم لا يجوز لهم ~~التزوج إلا بعقد وشهود ومهر ، كما لا يجوز لهم أن يجمعوا بين أكثر من أربع نسوة. # وعلمنا أيضا ما فرضناه عليهم بالنسبة لما ملكت أيمانهم ، من كونهن ممن ~~يجوز سبيه وحربه ، لا ممن لا يجوز سبيه ، أو كان له عهد مع المسلمين. # وقوله : ( @QUR@04 لكيلا يكون عليك حرج ) متعلق بقوله : ( @QUR@01 أحللنا ~~) وهو راجع إلى ms4608 جميع ما ذكر ، فيكون المعنى : # أحللنا من آتيت أجورهن من النساء ، والمملوكات ، والأقارب ، والواهبة ~~نفسها لك ، لندفع عنك الضيق والحرج ، ولتتفرغ لتبليغ ما أمرناك بتبليغه. # وقيل : إنه متعلق بخالصة ، أو بعاملها ، فيكون المعنى : خصصناك بنكاح من ~~وهبت نفسها لك بدون مهر ، لكي لا يكون عليك حرج في البحث عنه. # ويرى بعضهم أنه متعلق بمحذوف ، أى : بينا لك ما بينا من أحكام خاصة بك ، ~~حتى تخرج من الحرج ، وحتى يكون منا تفعله هو بوحي منا وليس من عند نفسك. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@04 وكان الله غفورا رحيما ) أى : ~~وكان الله تعالى وما زال واسع المغفرة والرحمة لعباده المؤمنين. # وقوله عز وجل ( @QUR@08 ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ) شروع في ~~بيان جانب آخر من التوسعة التي وسعها سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم في ~~معاشرته لنسائه ، بعد بيان ما أحله له من النساء. PageV11P230 # وقوله : ( @QUR@01 ترجي ) من الإرجاء بمعنى التأخير والتنحية ، وقرئ ~~مهموزا وغير مهموز. تقول : أرجيت الأمر وأرجأته ، إذا أخرته ، ونحيته جانبا ~~حتى يحين موعده المناسب. # وقوله : ( @QUR@01 وتؤوي ) من الإيواء بمعنى الضم والتقريب ، ومنه قوله ~~تعالى : ( @QUR@07 ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه ) @QUR@01 .. أى : ~~ضمه إليه وقربه منه. # والضمير في قوله ( @QUR@01 منهن ) يعود إلى زوجاته صلى الله عليه وسلم ~~اللائي كن في عصمته. # قال القرطبي ما ملخصه : واختلف العلماء في تأويل هذه الآية ، وأصح ما قيل ~~فيها : التوسعة على النبي صلى الله عليه وسلم في ترك القسم ، فكان لا يجب عليه ~~القسم بين زوجاته. # وهذا القول هو الذي يناسب ما مضى ، وهو الذي ثبت معناه في الصحيح ، عن ~~عائشة رضى الله عنها قالت : كنت أغار على اللائي وهبن أنفسهن لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأقول : أو تهب المرأة نفسها لرجل؟ فلما أنزل الله تعالى : ~~( @QUR@04 ترجي من تشاء منهن. ) @QUR@01 .. . # قالت : قلت : والله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. # قال ابن العربي : هذا الذي ثبت في الصحيح هو الذي ينبغي أن يعول عليه. ~~والمعنى المراد : هو أن النبي صلى ms4609 الله عليه وسلم كان مخيرا في أزواجه ، إن ~~شاء أن يقسم قسم ، وإن شاء أن يترك القسم ترك. لكنه كان يقسم من جهة نفسه ، ~~تطييبا لنفوس أزواجه. # وقيل كان القسم واجبا عليه ثم نسخ الوجوب بهذه الآية. # وقيل : الآية في الطلاق. أى : تطلق من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء. # وقيل : المراد بالآية : الواهبات أنفسهن له صلى الله عليه وسلم . # ثم قال القرطبي : وعلى كل معنى ، فالآية معناها التوسعة على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والإباحة ، وما اخترناه أصح والله أعلم (1). # أى : لقد وسعنا عليك أيها الرسول الكريم في معاشرة نسائك ، فأبحنا لك أن ~~تؤخر المبيت عند من شئت منهن ، وأن تضم إليك من شئت منهن ، بدون التقيد ~~بوجوب القسم بينهن ، كما هو الشأن بالنسبة لأتباعك حيث أوجبنا عليهم العدل ~~بين الأزواج في البيتوتة وما يشبهها. PageV11P231 # ومع هذا التكريم من الله تعالى لنبيه ، إلا أنه صلى الله عليه وسلم كان يقسم ~~بينهن إلى أن لحق بربه؟ عدا السيدة سودة ، فإنها قد وهبت ليلتها لعائشة .. # أخرج البخاري عن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن نزلت هذه الآية ترجى من تشاء منهن .. # فقيل لها : ما كنت تقولين؟ فقالت : كنت أقول : إن كان ذاك إلى فإنى لا ~~أريد يا رسول الله أن أوثر عليك أحدا (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@07 ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ). زيادة في ~~التوسعة عليه صلى الله عليه وسلم وفي ترك الأمر لإرادته واختياره. # أى : أبحنا لك أيها الرسول الكريم أن تقسم بين نسائك ، وأن تترك القسمة ~~بينهن ، وأبحنا لك أيضا أن تعود إلى طلب من اجتنبت مضاجعتها إذ لا حرج عليك ~~في كل ذلك. بعد أن فوضنا الأمر إلى مشيئتك واختيارك. # فالابتغاء بمعنى الطلب ، وعزلت بمعنى اجتنبت واعتزلت وابتعدت ، ومن شرطية ~~، وجوابها : ( @QUR@03 فلا جناح عليك ) أى : فلا حرج ولا إثم عليك في عدم ~~القسمة بين أزواجك ، وفي طلب إيواء من سبق لك أن اجتنبتها. # قال ms4610 الشوكانى : والحاصل أن الله سبحانه فوض الأمر إلى رسوله ~~صلى الله عليه وسلم كي يصنع مع زوجاته ما شاء ، من تقديم وتأخير ، وعزل وإمساك ~~، وضم من أرجأ ، وإرجاء من ضم إليه ، وما شاء في أمرهن فعل توسعة عليه ، ~~ونفيا للحرج عنه (2). # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@011 ذلك أدنى أن تقر أعينهن ، ولا يحزن ~~ويرضين بما آتيتهن كلهن ) @QUR@01 .. يعود إلى ما تضمنه الكلام السابق من ~~تفويض أمر الإرجاء والإيواء إلى النبي صلى الله عليه وسلم . # وأدنى بمعنى أقرب. و ( @QUR@02 تقر أعينهن ) كناية عن تقبل ما يفعله معهن ~~برضا وارتياح نفس. يقال قرت عين فلان ، إذا رأت ما ترتاح لرؤيته ، مأخوذ من ~~القرار بمعنى الاستقرار والسكون .. # وقوله : ( @QUR@02 ولا يحزن ) معطوف على ( @QUR@02 أن تقر ) وقوله ( ~~@QUR@01 ويرضين ) معطوف عليه أيضا . PageV11P232 # والمعنى ، ذلك الذي شرعناه لك من تفويض الأمر إليك في شأن أزواجك ، أقرب ~~إلى رضا نفوسهن لما تصنعه معهن ، وأقرب إلى عدم حزنهن وإلى قبولهن لما ~~تفعله معهن ، لأنهن يعلمن أن ما تفعله معهن إنما هو بوحي من الله تعالى ~~وليس باجتهاد منك ، ومتى علمن ذلك طابت نفوسهن سواء سويت بينهن في القسم ~~والبيتوتة والمجامعة ... أم لم تسو. # قال القرطبي : قال قتادة وغيره : أى : ذلك التخيير الذي خيرناك في صحبتهن ~~أدنى إلى رضاهن ، إذ كان من عندنا لا من عندك ، لأنهن إذا علمن أن الفعل من ~~الله قرت أعينهن بذلك ورضين .. # وكان عليه الصلاة والسلام مع هذا يشدد على نفسه في رعاية التسوية بينهن ، ~~تطييبا لقلوبهن ويقول : «اللهم هذه قدرتي فيما أملك ، فلا تلمني فيما تملك ~~ولا أملك» (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 والله يعلم ما في قلوبكم ) خطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم ولأزواجه ، ويندرج فيه جميع المؤمنين والمؤمنات وجمع بجمع ~~الذكور للتغليب. # أى : والله تعالى يعلم ما في قلوبكم من حب وبغض ، ومن ميل إلى شيء ، ومن ~~عدم الميل إلى شيء آخر. # قال صاحب الكشاف : وفي هذه الجملة وعيد لمن لم ترض منهن بما دبر الله ~~تعالى من ذلك ، وبعث على تواطؤ قلوبهن والتصافي بينهن ، والتوافق ms4611 على طلب ~~رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما فيه طيب نفسه (2). # ( @QUR@02 وكان الله ) تعالى ( @QUR@01 عليما ) بكل ما تظهره القلوب وما ~~تسره ( @QUR@01 حليما ) حيث لم يعاجل عباده بالعقوبة قبل الإرشاد والتعليم. # ثم كرم سبحانه أمهات المؤمنين بعد تكريمه لنبيه صلى الله عليه وسلم فقال : ( ~~@QUR@06 لا يحل لك النساء من بعد. ) @QUR@01 .. . # أى : لا يحل لك ، أيها الرسول الكريم أن تتزوج بنساء أخريات من بعد التسع ~~اللائي في عصمتك اليوم ، لأنهن قد اخترنك وآثرنك على زينة الحياة الدنيا ، ~~ورضين عن طيب نفس أن يعشن معك وتحت رعايتك ، مهما كان في حياتك معهن من شظف ~~العيش ، والزهد في متع الدنيا. PageV11P233 # وقوله : ( @QUR@013 ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ~~ملكت يمينك ) معطوف على ما قبله. # أى : لا يحل لك الزواج بعد اليوم بغير من هن في عصمتك ، كما لا يحل لك ~~أيضا أن تطلق واحدة منهن وتتزوج بأخرى سواها ، حتى ولو أعجبك جمال من تريد ~~زواجها من غير نسائك اللائي في عصمتك عند نزول هذه الآية. # فالآية الكريمة قد اشتملت على حكمين : أحدهما : حرمة الزواج بغير التسع ~~اللائي كن في عصمته عند نزولها. والثاني : حرمة تطليق واحدة منهن ، للزواج ~~بأخرى بدلها. # وقوله : ( @QUR@01 بعد ) ظرف مبنى على الضم لحذف المضاف اليه. أى : من ~~بعد اليوم. و ( @QUR@01 أزواج ) مفعول به ، و ( @QUR@01 من ) مزيدة ~~لاستغراق الجنس. أى : ولا أن تبدل بهن أزواجا أخريات مهما كان شأن هؤلاء ~~الأخريات. # وجملة : ( @QUR@03 ولو أعجبك حسنهن ) في موضع الحال من الفاعل وهو الضمير ~~في ( @QUR@01 تبدل ). أى : لا يحل لك الزيادة عليهن ، ولا أن تتبدل بهن ~~أزواجا غيرهن في أية حالة من الأحوال ، حتى ولو في حال إعجابك بغيرهن ويصح ~~أن تكون هذه الجملة شرطية ، وقد حذف جوابها لفهمه من الكلام ، ويكون المعنى ~~: ولو أعجبك حسنهن لا يحل لك نكاحهن. # وقوله : ( @QUR@04 إلا ما ملكت يمينك ) استثناء من هذا الحكم. أى : لا ~~يحل لك الزيادة عليهن ، ولا استبدال غيرهن بهن ، ولكن يحل لك أن تضيف إليهن ~~ما شئت ms4612 من النساء اللائي تملكهن عن طريق السبي. # وهذا الذي سرنا عليه من أن الآية الكريمة في شأن أزواجه صلى الله عليه وسلم ~~هو الذي سار عليه جمهور المفسرين. # قال ابن كثير : ذكر غير واحد من العلماء كابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، ~~وغيرهم أن هذه الآية الكريمة نزلت مجازاة لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~ورضا الله عنهن على حسن صنيعهن ، في اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة ، ~~لما خيرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم ، فلما اخترن رسول الله ، ~~كان جزاؤهن أن قصره عليهن ، وحرم عليه أن يتزوج بغيرهن ، أو يستبدل بهن ~~أزواجا غيرهن ، ولو أعجبه حسنهن ، إلا الإماء والسرائر ، فلا حجر عليه فيهن. # ثم إنه سبحانه رفع عنه الحجر في ذلك ، ونسخ حكم هذه الآية ، وأباح له ~~التزوج ، ولكنه لم يقع منه بعد ذلك زواج لغيرهن ، لتكون المنة للرسول ~~صلى الله عليه وسلم عليهن. روى الإمام PageV11P234 # أحمد عن عائشة قالت : ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له ~~النساء (1). # ومن العلماء من يرى أن قوله تعالى ( @QUR@02 من بعد ) المراد به : من بعد ~~من أحللنا لك الزواج بهن ، وهن الأصناف الأربعة اللائي سبق الحديث عنهن في ~~قوله تعالى : ( @QUR@021 يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت ~~أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك ، وبنات عمك وبنات عماتك ) ~~@QUR@01 .. . # وهذا الرأى الثاني وإن كان أشمل من سابقه ، إلا أننا نرجح أن الآية ~~الكريمة مسوقة لتكريم أمهات المؤمنين اللائي اخترن الله ورسوله والدار ~~الآخرة على الحياة الدنيا وزينتها. # هذا ، والنساء التسع اللائي حرم الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم ~~الزيادة عليهن ، والاستبدال بهن ، هن : عائشة بنت أبى بكر ، وحفصة بنت عمر ~~، وأم حبيبة بنت أبى سفيان ، وسودة بنت زمعة ، وأم سلمة بنت أبى أمية ، ~~وصفية بنت حيي بن أخطب ، وميمونة بنت الحارث ، وزينب بنت جحش ، وجويرية بنت ~~الحارث (2). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@06 وكان الله على كل شيء ~~رقيبا ). # أى : وكان الله تعالى وما ms4613 زال ، مطلعا على كل شيء من أحوالكم أيها الناس ~~فاحذروا أن تتجاوزوا ما حده الله تعالى لكم ، لأن هذا التجاوز يؤدى إلى عدم ~~رضا الله سبحانه عنكم. # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة ، قد ذكرت ألوانا متعددة من مظاهر تكريم ~~الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ومن توسعته عليه في شأن أزواجه ، وفي شأن ~~ما أحله له من عدم التقيد في القسم بينهن ، وفي تقديم أو تأخير من شاء منهن .. # كما أنها قد كرمت أمهات المؤمنين تكريما عظيما. لاختيارهن الله ورسوله ~~والدار الآخرة على الحياة الدنيا وزينتها. # ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك ألوانا من التشريعات الحكيمة ، والآداب ~~القويمة. التي تتعلق بدخول بيوت النبي صلى الله عليه وسلم ، وبحقوق أزواجه ~~صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد مماته ، وبوجوب احترامه وتوقيره ~~صلى الله عليه وسلم فقال تعالى : PageV11P235 # ( @QUR@070 يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ~~إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا ~~مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من ~~الحق وإذا سألتموهن متاعا فسئلوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ~~وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم ~~كان عند الله عظيما (53) @QUR@011 إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل ~~شيء عليما ) (54) # ذكر المفسرون في سبب نزول قوله تعالى : ( @QUR@08 يا أيها الذين آمنوا لا ~~تدخلوا بيوت النبي. ) @QUR@01 .. روايات متعددة منها ، ما ثبت في الصحيحين ~~عن عمر بن الخطاب أنه قال : وافقت ربي في ثلاث. فقلت : يا رسول الله ، لو ~~اتخذت من مقام إبراهيم مصلى ، فأنزل الله تعالى : ( @QUR@05 واتخذوا من ~~مقام إبراهيم مصلى ) وقلت : يا رسول الله ، إن نساءك يدخل عليهن البر ~~والفاجر ، فلو حجبتهن ، فأنزل الله آية الحجاب. وقلت لأزواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما تمالأن عليه في الغيرة ( @QUR@09 عسى ربه إن طلقكن أن ~~يبدله أزواجا خيرا منكن ) فنزل كذلك. # وروى البخاري ms4614 عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال : لما تزوج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش ، دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون ، فإذا ~~هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا. فلما رأى ذلك قام ، فلما قام ~~صلى الله عليه وسلم قام معه من قام ، وقعد ثلاثة نفر. فجاء النبي ~~صلى الله عليه وسلم ليدخل ، فإذا القوم جلوس ، ثم إنهم قاموا ، فانطلقت فجئت ~~فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد انطلقوا. فجاء حتى دخل ، فذهبت أدخل ~~، فألقى الحجاب بيني وبينه ، فأنزل الله تعالى ؛ ( @QUR@08 يا أيها الذين ~~آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي. ) @QUR@01 .. الآية. # قال ابن كثير : وكان وقت نزولها في صبيحة عرس رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بزينب بنت PageV11P236 # جحش : التي تولى الله تعالى تزويجها بنفسه ، وكان ذلك في ذي القعدة من ~~السنة الخامسة ، في قول قتادة والواقدي وغيرهما (1). # والمراد ببيوت النبي : المساكن التي أعدها صلى الله عليه وسلم لسكنى أزواجه. # والاستثناء في قوله تعالى : ( @QUR@09 إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ~~ناظرين إناه ) استثناء مفرغ من أعم الأحوال. # وقوله : ( @QUR@02 غير ناظرين ). حال من ضمير ( @QUR@01 تدخلوا ) و ( ~~@QUR@01 إناه ) أى : نضجه وبلوغه الحد الذي يؤكل معه. يقال : أنى الطعام ~~يأنى أنيا وإنى كقلى يقلى إذا نضج وكان معدا للأكل. # والمعنى : يا من آمنتم بالله تعالى حق الإيمان ، لا تدخلوا بيوت النبي ~~صلى الله عليه وسلم في حال من الأحوال ، إلا في حال الإذن لكم بدخولها من أجل ~~حضور طعام تدعون إلى تناوله ، وليكن حضوركم في الوقت المناسب لتناوله ، لا ~~قبل ذلك بأن تدخلوا قبل إعداده بفترة طويلة ، منتظرين نضجه وتقديمه إليكم ~~للأكل منه. # قالوا : وكان من عادة بعضهم في الجاهلية أنهم يلجون البيوت بدون استئذان ~~، فإذا وجدوا طعاما يعد ، انتظروا حتى ينضج ليأكلوا منه. # فالنهي في الآية الكريمة مخصوص بمن دخل من غير دعوة ، وبمن دخل بدعوة ~~ولكنه مكث منتظرا للطعام حتى ينضج ، دون أن تكون هناك حاجة لهذا الانتظار. ~~أما إذا كان الدخول بدعوة أو لحضور طعام بدون ms4615 انتظار مقصود لوقت نضجه ، فلا ~~يتناوله النهى. # قال الآلوسى : والآية على ما ذهب إليه جمع من المفسرين ، خطاب لقوم كانوا ~~يتحينون طعام النبي صلى الله عليه وسلم فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه ، فهي ~~مخصوصة بهم وبأمثالهم ممن يفعل مثل فعلهم في المستقبل. فالنهي مخصوص بمن ~~دخل بغير دعوة ، وجلس منتظرا للطعام من غير حاجة فلا تفيد النهى عن الدخول ~~بإذن لغير طعام ، ولا من الجلوس واللبث بعد الطعام لمهم آخر (2). # وقوله سبحانه ( @QUR@04 ولكن إذا دعيتم فادخلوا ) استدراك على ما فهم من ~~النهى عن الدخول بغير إذن ، وفيه إشعار بأن الإذن متضمن معنى الدعوة. # أى : لا تدخلوا بدون إذن ، فإذا أذن لكم ودعيتم إلى الطعام فادخلوا ~~لتناوله وقوله PageV11P237 # تعالى ( @QUR@06 فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث ) بيان للون آخر ~~من ألوان الآداب الحكيمة التي شرعها الإسلام في تناول الطعام عند الغير. # أى : إذا دعيتم لحضور طعام في بيت النبي صلى الله عليه وسلم فادخلوا ، فإذا ~~ما انتهيتم من طعامكم عنده ، فتفرقوا ولا تمكثوا في البيت مستأنسين لحديث ~~بعضكم مع بعض ، أو لحديثكم مع أهل البيت. # فقوله ( @QUR@01 مستأنسين ) مأخوذ من الأنس بمعنى السرور والارتياح ~~للشيء. تقول : أنست ، لحديث فلان ، إذا سررت له ، وفرحت به. # وأطلق سبحانه نفى الاستئناس للحديث ، من غير بيان صاحب الحديث ، للإشعار ~~بأن المكث بعد الطعام غير مرغوب فيه على الإطلاق ، مادام ليس هناك من حاجة ~~إلى هذا المكث. وهذا أدب عام لجميع المسلمين. # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@07 إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم ) ~~يعود إلى الانتظار والاستئناس للحديث ، والدخول بغير إذن. والجملة بمثابة ~~التعليل لما قبلها. # أى : إن ذلكم المذكور كان يؤذى النبي صلى الله عليه وسلم ويدخل الحزن على ~~قلبه ، لأنه يتنافى مع الأدب الإسلامى الحكيم ، ولكنه صلى الله عليه وسلم كان ~~يستحيى أن يصرح لكم بذلك ، لسمو خلقه ، وكمال أدبه ، كما أنه ~~صلى الله عليه وسلم كان يستحيى أن يقول لكم كلاما تدركون منه أنه يريد ~~انصرافكم. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 والله لا يستحيي من الحق ) أى : والله تعالى ms4616 لا ~~يستحيى من إظهار الحق ومن بيانه ، بل من شأنه سبحانه أن يقول الحق ، ولا ~~يسكت عن ذلك. # وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد منعه حياؤه من أن يقول قولا تفهمون ~~منه ضجره من بقائكم في بيته بعد تناول طعامكم عنده .. فإن الله تعالى وهو ~~خالقكم لا يمتنع عن بيان الحق في هذه الأمور وفي غيرها ، حتى تتأدبوا بأدب ~~دينه القويم. ثم ذكر سبحانه بعض الآداب التي يجب عليهم أن يلتزموها مع نساء ~~نبيهم صلى الله عليه وسلم فقال : ( @QUR@011 وإذا سألتموهن متاعا فسئلوهن من ~~وراء حجاب ، ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ) @QUR@01 .. # أى : وإذا طلبتم أيها المؤمنون من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ~~يتمتع به سواء أكان هذا الشيء حسيا كالطعام أم معنويا كمعرفة بعض الأحكام ~~الشرعية .. إذا سألتموهن شيئا من ذلك فليكن سؤالكم لهن من وراء حجاب ساتر ~~بينكم وبينهن .. # لأن سؤالكم إياهن بهذه الطريقة ، أطهر لقلوبكم وقلوبهن ، وأبعد عن الوقوع في PageV11P238 # الهواجس الشيطانية التي قد تتولد عن مشاهدتكم لهن ، ومشاهدتهن لكم .. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@020 وما كان لكم أن تؤذوا ~~رسول الله ، ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا ، إن ذلكم كان عند الله ~~عظيما ). # أى : وما صح وما استقام لكم أيها المؤمنون أن تؤذوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بأى لون من ألوان الأذى ، سواء أكان بدخول بيوته بغير إذنه ~~، أم بحضوركم إليها انتظارا لنضج الطعام أم بجلوسكم بعد الأكل بدون مقتض ~~لذلك ، أم بغير ذلك مما يتأذى به صلى الله عليه وسلم . # كما أنه لا يصح لكم بحال من الأحوال أن تنكحوا أزواجه من بعده ، أى : من ~~بعد وفاته. # ( @QUR@02 إن ذلكم ) أى : إيذاءه ونكاح أزواجه من بعده ( @QUR@03 كان عند ~~الله ) تعالى ذنبا ( @QUR@01 عظيما ) وإثما جسيما ، لا يقادر قدره. # ثم حذرهم سبحانه من مخالفة أمره ، بأن بين لهم بأنه سبحانه لا يخفى عليه ~~شيء ، من أمرهم ، فقال : ( @QUR@03 إن تبدوا شيئا ) بأن تظهروه على ألسنتكم ~~( @QUR@02 أو تخفوه ) بأن تضمروه في قلوبكم ، فإنه في ms4617 الحالين لا يعزب عن ~~علمنا ، وسنحاسبكم عليه ، ( @QUR@02 فإن الله ) تعالى ( @QUR@04 كان بكل ~~شيء عليما ) بحيث لا يخفى عليه شيء ، في الأرض ولا في السماء. # هذا وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة التي تسمى بآية الحجاب ، جملة ~~من الأحكام والآداب منها : # 1 وجوب الاستئذان عند دخول البيوت لتناول طعام ، ووجوب الخروج بعد تناوله ~~إلا إذا كانت هناك ضرورة تدعو للبقاء ، كما أن من الواجب الحضور إلى الطعام ~~في الوقت المناسب له ، وليس قبله انتظارا لنضجه وتقديمه. # 2 حرمة الاختلاط بين الرجال والنساء سواء أكان ذلك في الطعام أم في غيره ~~، فقد أمر سبحانه المؤمنين ، إذا سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ~~أن يسألوهن من وراء حجاب ، وعلل ذلك بأن سؤالهن بهذه الطريقة ، يؤدى إلى ~~طهارة القلوب ، وعفة النفوس ، والبعد عن الريبة وخواطر السوء .. # وحكم نساء المؤمنين في ذلك كحكم أمهات المؤمنين ، لأن قوله سبحانه ( ~~@QUR@04 ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ) علة عامة تدل على تعميم الحكم ، إذ ~~جميع الرجال والنساء في كل زمان ومكان في حاجة إلى ما هو أطهر للقلوب ، ~~وأعف للنفوس .. # قال بعض العلماء ما ملخصه : وقوله : ( @QUR@04 ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ~~) قرينة واضحة على إرادة تعميم الحكم ، إذ لم يقل أحد من العقلاء ، إن غير ~~ازواج النبي صلى الله عليه وسلم لا حاجة PageV11P239 # بهن إلى أطهرية قلوبهن ، وقلوب الرجال من الريبة منهن .. # فالجملة الكريمة فيها الدليل الواضح على أن وجوب الحجاب حكم عام في جميع ~~النساء ، لا خاص بأمهات المؤمنين ، وإن كان أصل اللفظ خاصا بهن ، لأن عموم ~~علته دليل على عموم الحكم فيه .. (1). # 3 كذلك أخذ العلماء من هذه الآية أنه لا يجوز للرجل الأجنبى أن يصافح ~~امرأة أجنبية عنه. ولا يجوز له أن يمس شيء من بدنه شيئا من بدنها. # والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أن قال : «إنى لا ~~أصافح النساء» والله تعالى يقول : ( @QUR@08 لقد كان لكم في رسول الله أسوة ~~حسنة ).. فيلزمنا أن لا نصافح النساء الأجنبيات اقتداء به ms4618 صلى الله عليه وسلم (2). # 4 تكريم الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ودفاعه عنه ، وإلزام المؤمنين ~~بالعمل على كل ما يرضيه ولا يؤذيه ، وبعدم نكاح أزواجه من بعده أبدا ... # ثم استثنت السورة الكريمة بعض الأصناف الذين يجوز للمرأة أن تظهر أمامهم ~~بدون حجاب ، وبينت سمو منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأكدت التحذير من ~~إيذائه ، ومن إيذاء المؤمنين والمؤمنات ، وأمرت النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يرشد أزواجه وبناته ونساء المؤمنين إلى وجوب الاحتشام في ملابسهن .. فقال ~~تعالى : # ( @QUR@030 لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء ~~إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن ~~الله كان على كل شيء شهيدا (55) @QUR@014 إن الله وملائكته يصلون على النبي ~~يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما (56) @QUR@03 إن الذين يؤذون PageV11P240 # @QUR@011 الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا ~~(57) @QUR@012 والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد ~~احتملوا بهتانا وإثما مبينا (58) @QUR@022 يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ~~ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان ~~الله غفورا رحيما ) (59) # قال القرطبي : لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ونحن أيضا نكلمهن من وراء حجاب؟ فنزلت هذه الآية : ~~( @QUR@05 لا جناح عليهن في آبائهن ) @QUR@01 .. (1). # فالآية الكريمة مسوقة لبيان من لا يجب على النساء أن يحتجبن منه. # أى : لا حرج ولا إثم على أمهات المؤمنين ولا على غيرهن من النساء ، في ~~ترك الحجاب بالنسبة لآبائهن ، أو أبنائهن أو إخوانهن ، أو أبناء إخوانهن أو ~~أبناء أخواتهن ، أو نسائهن اللاتي تربطهن بهن رابطة قرابة أو صداقة ، أو ما ~~ملكت أيمانهن من الذكور أو الإناث. # فهؤلاء يجوز للمرأة أن تخاطبهم بدون حجاب ، وأن تظهر أمامهم بدون ساتر. ~~وهذا لون من ألوان اليسر والسماحة في شريعة الإسلام. # ولم يذكر سبحانه العم والخال ، لأنهما يجريان مجرى الوالدين ، وقد يسمى ~~العم أبا. كما في قوله تعالى حكاية عن يعقوب ms4619 : ( @QUR@027 أم كنتم شهداء إذ ~~حضر يعقوب الموت ، إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي ، قالوا نعبد إلهك وإله ~~آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ، ونحن له مسلمون ) وإسماعيل كان ~~عما ليعقوب لا أبا له. # قال الجمل : وقوله : ( @QUR@02 ولا نسائهن ) أى : ولا جناح على زوجات ~~النبي صلى الله عليه وسلم في عدم الاحتجاب عن نسائهن ، أى : عن النساء ~~المسلمات وإضافتهن لهن من حيث المشاركة في الوصف ، وهو الإسلام ، وأما ~~النساء الكافرات فيجب على أزواج النبي الاحتجاب عنهن ، PageV11P241 # كما يجب على سائر المسلمات. أى : ما عدا ما يبدو عند المهنة ، أما هو فلا ~~يجب على المسلمات حجبه وستره عن الكافرات (1). # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : في سورة النور : ( @QUR@015 ولا يبدين ~~زينتهن إلا لبعولتهن ، أو آبائهن ، أو آباء بعولتهن ، أو أبنائهن ، أو ~~أبناء بعولتهن. ) @QUR@01 .. الآية. # ثم عقب. سبحانه هذا الترخيص والتيسير بقوله : ( @QUR@09 واتقين الله إن ~~الله كان على كل شيء شهيدا ). # والجملة الكريمة معطوفة على محذوف ، والتقدير : لقد أبحت لكن يا معشر ~~النساء مخاطبة هؤلاء الأصناف بدون حجاب : فامتثلن أمرى ، واتقين الله تعالى ~~في كل أحوالكن ، واحرصن على العفاف والتستر والاحتشام ، لأن الله تعالى ~~مطلع على كل ما يصدر عنكن ، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب. # ثم أثنى الله تعالى على نبيه ثناء كبيرا وأمر المؤمنين بأن يعظموه ~~ويوقروه فقال : ( @QUR@014 إن الله وملائكته يصلون على النبي ، يا أيها ~~الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ). # قال القرطبي ما ملخصه : هذه الآية شرف الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم في ~~حياته وموته ، وذكر منزلته منه .. والصلاة من الله رحمته ورضوانه ، ومن ~~الملائكة الدعاء والاستغفار ، ومن الأمة الدعاء والتعظيم لأمره .. # والضمير في ( @QUR@01 يصلون ) لله تعالى ولملائكته. وهذا قول من الله شرف ~~به ملائكته .. # أو في الكلام حذف. والتقدير : إن الله يصلى وملائكته يصلون (2). # وقال ابن كثير : والمقصود من هذه الآية الكريمة ، أن الله تعالى أخبر ~~عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى : بأنه يثنى عليه عند ~~الملائكة المقربين وأن الملائكة تصلى ms4620 عليه ، ثم أمر الله أهل العالم السفلى ~~بالصلاة والتسليم عليه. ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلى ~~جميعا (3). # والمعنى : إن الله تعالى يثنى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ويرضى عنه ، ~~وإن الملائكة تثنى عليه صلى الله عليه وسلم وتدعو له بالظفر بأعلى الدرجات ~~وأسماها. # ( @QUR@06 يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه ) أى : عظموه ووقروه وادعوا له ~~بأرفع الدرجات ( @QUR@02 وسلموا تسليما ) أى : وقولوا : السلام عليك أيها ~~النبي. والسلام : مصدر بمعنى السلامة. PageV11P242 # أى : السلامة من النقائص والآفات ملازمة لك. # والتعبير بالجملة الاسمية في صدر الآية ، للإشعار بوجوب المداومة ~~والاستمرار على ذلك. # وخص المؤمنين بالتسليم ، لأن الآية وردت بعد النهى عن إيذاء النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، والإيذاء له صلى الله عليه وسلم إنما يكون من البشر. # وقد ساق المفسرون وعلى رأسهم ابن كثير والقرطبي والآلوسى أحاديث متعددة ~~في فضل الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي كيفية الصلاة ~~عليه .. # ومنها : ما رواه الإمام أحمد وابن ماجة عن عامر بن ربيعة قال : سمعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول : «من صلى على صلاة لم تزل الملائكة تصلى عليه ~~ما صلى على ، فليقل عبد من ذلك أو ليكثر». # ومنها ما رواه الشيخان وغيرهما عن كعب بن عجرة قال : لما نزلت هذه الآية ~~قلنا : يا رسول الله ، قد علمنا السلام ، فكيف الصلاة عليك ، قال : قولوا : ~~اللهم صل على محمد ، وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ~~، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم ~~وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد (1). # والآية الكريمة تدل على وجوب الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنون الصادقون هم الذين يكثرون من ذلك. قال صاحب الكشاف ما ملخصه : ~~فإن قلت : الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم واجبة أم مندوب إليها؟ قلت ~~: بل واجبة ، وقد اختلفوا في حال وجوبها ، فمنهم من أوجبها كلما جرى ذكره ~~صلى الله عليه وسلم ومنهم من قال تجب ms4621 في كل مجلس مرة ، وإن تكرر ذكره. # ومنهم من أوجبها في العمر مرة .. والذي يقتضيه الاحتياط : الصلاة عليه ~~عند كل ذكر .. لما ورد من الأخبار في ذلك. # ومنها : «رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل على» (2). # ثم توعد سبحانه الذين يسيئون إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بأى لون من ألوان ~~الإساءة فقال : ( @QUR@014 إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في ~~الدنيا والآخرة ، وأعد لهم عذابا مهينا ). # والمراد بأذى الله ورسوله : ارتكاب ما يبغضان ويكرهان من الكفر والفسوق ~~والعصيان ، PageV11P243 # ويشمل ذلك ما قاله اليهود : عزير ابن الله ، ويد الله مغلولة ، وما قاله ~~النصارى : من أن المسيح ابن الله ، كما يشمل ما قاله الكافرون في الرسول ~~صلى الله عليه وسلم من أنه كاهن أو ساحر أو شاعر .. # وقيل : إن المقصود بالآية هنا : إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم خاصة ، ~~وذكر الله تعالى معه للتشريف ، وللإشارة إلى أن ما يؤذى الرسول يؤذى الله ~~تعالى ، كما جعلت طاعة الرسول ، طاعة لله. # قال ابن كثير : والظاهر أن الآية عامة في كل من آذى الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بشيء ، فإن من آذاه فقد آذى الله ، ومن أطاعه فقد أطاع ~~الله ، ففي الحديث الشريف : «الله الله في أصحابى ، لا تتخذوهم غرضا بعدي ، ~~فمن أحبهم فبحبي أحبهم ، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ، ومن آذاهم فقد آذاني ، ~~ومن آذاني فقد آذى الله ، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه» (1). # أى : إن الذين يؤذون الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، بارتكاب مالا ~~يرضياه من كفر أو شرك أو فسوق أو عصيان .. # ( @QUR@05 لعنهم الله في الدنيا والآخرة ) أى : طرد الله تعالى هؤلاء ~~الذين ارتكبوا الأذى من رحمته ، وأبعدهم من رضاه في الدنيا والآخرة. # ( @QUR@02 وأعد لهم ) سبحانه في الآخرة ( @QUR@02 عذابا مهينا ) أى : ~~عذابا يهينهم ويجعلهم محل الاحتقار والازدراء من غيرهم. # وبعد هذا الوعيد الشديد لمن آذى الله ورسوله ، جاء وعيد آخر لمن آذى ~~المؤمنين والمؤمنات ، فقال تعالى : ( @QUR@012 والذين يؤذون المؤمنين ~~والمؤمنات بغير ما اكتسبوا ، فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ). # أى : والذين ms4622 يرتكبون في حق المؤمنين والمؤمنات ما يؤذيهم في أعراضهم أو ~~في أنفسهم أو في غير ذلك مما يتعلق بهم ، دون أن يكون المؤمنون أو المؤمنات ~~قد فعلوا ما يوجب أذاهم .. # ( @QUR@05 فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ) أى : فقد ارتكبوا إثما شنيعا ~~، وفعلا قبيحا ، وذنبا ظاهرا بينا ، بسبب إيذائهم للمؤمنين والمؤمنات. # وقال سبحانه هنا ( @QUR@03 بغير ما اكتسبوا ) ولم يقل ذلك في الآية ~~السابقة عليها ، لأن الناس بطبيعتهم يدفع بعضهم بعضا ، ويعتدى بعضهم على ~~بعض ، ويؤذى بعضهم بعضا ، أما PageV11P244 # الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فلا يتصور منهما ذلك. # وجمع سبحانه في ذمهم بين البهتان والإثم المبين ، للدلالة على فظاعة ما ~~ارتكبوه في حق المؤمنين والمؤمنات ، إذ البهتان هو الكذب الصريح الذي لا ~~تقبله العقول ، بل يحيرها ويدهشها لشدته وبعده عن الحقيقة. # والإثم المبين : هو الذنب العظيم الظاهر البين ، الذي لا يخفى قبحه على أحد. # روى ابن أبى حاتم عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه ~~: «أى الربا أربى عند الله؟. # قالوا : الله ورسوله أعلم. قال : أربى الربا عند الله ، استحلال عرض امرئ ~~مسلم» ثم قرأ صلى الله عليه وسلم هذه الآية (1). # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمر أزواجه وبناته ونساء ~~المؤمنين عامة ، بالاحتشام والتستر في ملابسهن فقال تعالى : ( @QUR@012 يا ~~أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين ، يدنين عليهن من جلابيبهن. ) ~~@QUR@01 .. . # قال الآلوسى : روى عن غير واحد أنه كانت الحرة والأمة ، تخرجان ليلا ~~لقضاء الحاجة في الغيطان وبين النخيل ، من غير تمييز بين الحرائر والإماء ، ~~وكان في المدينة فساق يتعرضون للإماء ، وربما تعرضوا للحرائر ، فإذا قيل ~~لهم قالوا : حسبناهن إماء ، فأمرت الحرائر أن يخالفن الإماء في الزي ~~والتستر فلا يطمع فيهن .. (2). # وقوله : ( @QUR@01 يدنين ) من الإدناء بمعنى التقريب ، ولتضمنه معنى ~~السدل والإرخاء عدى بعلى. وهو جواب للأمر ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@06 ~~قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة. ) @QUR@01 .. . # والجلابيب : جمع جلباب ، وهو ثوب يستر جميع البدن ، تلبسه المرأة ، فوق ~~ثيابها. # والمعنى : يا أيها النبي قل ms4623 لأزواجك اللائي في عصمتك ، وقل لبناتك اللائي ~~هن من نسلك ، وقل لنساء المؤمنين كافة ، قل لهن : إذا ما خرجن لقضاء حاجتهن ~~، فعليهن أن يسدلن الجلابيب عليهن ، حتى يسترن أجسامهن سترا تاما ، من ~~رءوسهن إلى أقدامهن ، زيادة في التستر والاحتشام ، وبعدا عن مكان التهمة ~~والريبة. # قالت أم سلمة رضى الله عنها : لما نزلت هذه الآية ، خرج نساء الأنصار كأن ~~على رءوسهن الغربان من السكينة وعليهن أكسية سود يلبسنها. PageV11P245 # وقوله : ( @QUR@06 ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ) بيان للحكمة من الأمر ~~بالتستر والاحتشام. # أى : ذلك التستر والاحتشام والإدناء عليهن من جلابيبهن يجعلهن أدنى وأقرب ~~إلى أن يعرفن ويميزن عن غيرهن من الإماء ، فلا يؤذين من جهة من في قلوبهم مرض. # قال بعض العلماء : وقد يقال إن تأويل الآية على هذا الوجه ، وقصرها على ~~الحرائر ، قد يفهم منه أن الشارع قد أهمل أمر الإماء ، ولم يبال بما ينالهن ~~من الإيذاء ممن ضعف إيمانهم ، مع أن في ذلك من الفتنة ما فيه ، فهلا كان ~~التصون والتستر عاما في جميع النساء؟ # والجواب ، أن الإماء بطبيعة عملهن يكثر خروجهن وترددهن في الأسواق ، فإذا ~~كلفن أن يتقنعن ويلبسن الجلباب السابغ كلما خرجن ، كان في ذلك حرج ومشقة ~~عليهن ، وليس كذلك الحرائر فإنهن مأمورات بعدم الخروج من البيوت إلا لضرورة ~~ومع ذلك فإن القرآن الكريم قد نهى عن إيذاء المؤمنين والمؤمنات جميعا ، ~~سواء الحرائر والإماء ، وتوعد المؤذين بالعذاب المهين .. والشارع أيضا لم ~~يحظر على الإماء التستر والتقنع ، ولكنه لم يكلفهن بذلك دفعا للحرج والعسر ~~، فللأمة أن تلبس الجلباب السابغ متى تيسر لها ذلك .. (1). # هذا ، ويرى الإمام أبو حيان أن الأرجح أن المراد بنساء المؤمنين ، ما ~~يشمل الحرائر والإماء وأن الأمر بالتستر يشمل الجميع ، وأن الحكمة من وراء ~~هذا الأمر بإسدال الجلابيب عليهن ، درء التعرض لهن بسوء من ضعاف الإيمان. # فقد قال رحمه الله : والظاهر أن قوله : ( @QUR@02 ونساء المؤمنين ) يشمل ~~الحرائر والإماء ، والفتنة بالإماء أكثر لكثرة تصرفهن ، بخلاف الحرائر ، ~~فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح .. ( @QUR@04 ذلك أدنى أن ms4624 ~~يعرفن ) لتسترهن بالعفة فلا يتعرض لهن ، ولا يلقين بما يكرهن ، لأن المرأة ~~إذا كانت في غاية التستر والانضمام لم يقدم عليها بخلاف المتبرجة فإنها ~~مطموع فيها (2). # ويبدو لنا أن هذا الرأى الذي اتجه إليه أبو حيان رحمه الله أولى بالقبول ~~من غيره ، لتمشيه مع شريعة الإسلام التي تدعو جميع النساء إلى التستر ~~والعفاف. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@04 وكان الله غفورا رحيما ) أى : ~~وكان الله تعالى وما زال واسع المغفرة والرحمة لمن تاب إليه توبة صادقة مما ~~وقع فيه من أخطاء وسيئات. PageV11P246 # ثم هدد سبحانه المنافقين وأشباههم بسوء المصير ، إذا ما استمروا في ~~إيذائهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين والمؤمنات. وبين عز وجل أن ~~وقت قيام الساعة مرد علمه إليه وحده. وأن الكافرين عند قيامها سيندمون ولكن ~~لن ينفعهم الندم ، فقال تعالى : # ( @QUR@019 لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في ~~المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا (60) @QUR@06 ملعونين ~~أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا (61) @QUR@012 سنة الله في الذين خلوا من ~~قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (62) @QUR@015 يسئلك الناس عن الساعة قل إنما ~~علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا (63) @QUR@07 إن الله لعن ~~الكافرين وأعد لهم سعيرا (64) @QUR@08 خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا ~~نصيرا (65) @QUR@012 يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله ~~وأطعنا الرسولا (66) @QUR@08 وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا ~~فأضلونا السبيلا (67) @QUR@08 ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا ~~كبيرا ) (68) # والمنافقون : جمع منافق ، وهو الذي يظهر الإسلام ويخفى الكفر. # والذين في قلوبهم مرض : هم قوم ضعاف الإيمان ، قليلو الثبات على الحق. # والمرجفون في المدينة : هم الذين كانوا ينشرون أخبار السوء عن المؤمنين ~~ويلقون الأكاذيب الضارة بهم ويذيعونها بين الناس. وأصل الإرجاف : التحريك ~~الشديد للشيء ، مأخوذ من الرجفة التي هي الزلزلة. ووصف به الأخبار الكاذبة ~~، لكونها في ذاتها متزلزلة غير ثابتة ، أو لإحداثها الاضطراب في قلوب الناس. PageV11P247 # وقد سار بعض المفسرين ، على أن هذه الأوصاف الثلاثة ، كل وصف منها لطائفة ~~معينة ، وسار ms4625 آخرون على أن هذه الأوصاف لطائفة واحدة هي طائفة المنافقين ، ~~وأن العطف لتغاير الصفات مع اتحاد الذات. # قال القرطبي : قوله : ( @QUR@011 لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم ~~مرض ، والمرجفون في المدينة. ) @QUR@01 .. أهل التفسير على أن الأوصاف ~~الثلاثة لشيء واحد ... والواو مقحمة كما في قول الشاعر : # إلى الملك القرم وابن الهما %~% م وليث الكتيبة في المزدحم # أراد إلى الملك القرم ابن الهمام ليث الكتيبة. # وقيل : كان منهم قوم يرجفون ، وقوم يتبعون النساء للريبة ، وقوم يشككون ~~المسلمين .. (1). # وقد سار صاحب الكشاف على أن هذه الأوصاف لطوائف متعددة من الفاسقين ، ~~فقال : ( @QUR@04 والذين في قلوبهم مرض ) قوم كان فيهم ضعف إيمان ، وقلة ~~ثبات عليه .. # ( @QUR@03 والمرجفون في المدينة ) ناس كانوا يرجفون بأخبار السوء عن ~~سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون : هزموا وقتلوا وجرى عليهم كيت ~~وكيت ، فيكسرون بذلك قلوب المؤمنين. # والمعنى : لئن لم ينته المنافقون عن عدائكم وكيدكم ، والفسقة عن فجورهم ، ~~والمرجفون عما يؤلفون من أخبار السوء ، لنأمرنك بأن تفعل بهم الأفاعيل التي ~~تسوؤهم وتنوؤهم (2). # وقوله : ( @QUR@02 لنغرينك بهم ) جواب القسم. أى : لنسلطنك عليهم ~~فتستأصلهم بالقتل والتشريد ، يقال : أغرى فلان فلانا بكذا ، إذا حرضه على فعله. # وقوله : ( @QUR@06 ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ) معطوف على جواب ~~القسم. أى : لنغرينك بهم ثم لا يبقون بعد ذلك مجاورين لك فيها إلا زمانا ~~قليلا ، يرتحلون بعده بعيدا عنكم ، لكي تبتعدوا عن شرورهم. # وجاء العطف بثم في قوله : ( @QUR@03 ثم لا يجاورونك ) للإشارة إلى أن ~~إجلاءهم عن المدينة نعمة عظيمة بالنسبة للمؤمنين ، ونقمة كبيرة بالنسبة ~~لهؤلاء المنافقين وأشباههم. وقوله : ( @QUR@03 ملعونين أينما ثقفوا ) أى : ~~مطرودين من رحمة الله تعالى ومن فضله ، أينما وجدوا وظفر بهم المؤمنون. PageV11P248 # و ( @QUR@01 ملعونين ) منصوب على الحال من فاعل ( @QUR@01 يجاورونك ) و ( ~~@QUR@01 ثقفوا ) بمعنى وجدوا. تقول ثقفت الرجل في الحرب أثقفه ، إذا أدركته ~~وظفرت به. # وقوله : ( @QUR@03 أخذوا وقتلوا تقتيلا ) بيان لما يحيق بهم من عقوبات ~~عند الظفر بهم. # أى : هم ملعونون ومطرودون من رحمة الله بسبب سوء أفعالهم ، فإذا ما ~~أدركوا وظفر بهم ، أخذوا أسارى أذلاء ، وقتلوا ms4626 تقتيلا شديدا ، وهذا حكم ~~الله تعالى فيهم حتى يقلعوا عن نفاقهم وإشاعتهم قالة السوء في المؤمنين ، ~~وإيذائهم للمسلمين والمسلمات. # ثم بين سبحانه أن سنته قد اقتضت تأديب الفجار والفسقة حتى يقلعوا عن ~~فجورهم وفسقهم فقال : ( @QUR@07 سنة الله في الذين خلوا من قبل. ) @QUR@01 ~~.. وقوله : ( @QUR@01 لسنة ) منصوب على أنه مصدر مؤكد. أى : سن الله تعالى ~~ذلك سنة ، في الأمم الماضية من قبلكم أيها المؤمنون بأن جعل تأديب الذين ~~يسعون في الأرض بالفساد ، ويؤذون أهل الحق ، سنة من سننه التي لا تتخلف. # ( @QUR@02 ولن تجد ) أيها الرسول الكريم ( @QUR@02 لسنة الله ) الماضية ~~في خلقه ( @QUR@01 تبديلا ) أو تحويلا ، لقيامها على الإرادة الحكيمة ، ~~والعدالة القويمة. # ثم بين سبحانه أن وقت قيام الساعة لا يعلمه إلا هو فقال : ( @QUR@015 ~~يسئلك الناس عن الساعة ، قل إنما علمها عند الله ، وما يدريك لعل الساعة ~~تكون قريبا ). # والسائلون هنا قيل : هم اليهود ، وسؤالهم عنها كان بقصد التعنت والإساءة ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم . # أى : يسألك اليهود وأشباههم في الكفر والنفاق عن وقت قيام الساعة ، على ~~سبيل التعنت والامتحان لك. # ( @QUR@01 قل ) لهم أيها الرسول الكريم ( @QUR@01 إنما ) علم وقت قيامها ~~عند الله تعالى وحده ، دون أى أحد سواه. # ( @QUR@02 وما يدريك ) أى : وما يعلمك ( @QUR@04 لعل الساعة تكون قريبا ) ~~أى. لعل قيامها وحصولها يتحقق في وقت قريب ؛ ولكن هذا الوقت مهما قرب لا ~~يعلمه إلا علام الغيوب سبحانه . # ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : «بعثت أنا والساعة كهاتين» ويشير ~~إلى إصبعيه السبابة والوسطى. PageV11P249 # ثم بين تعالى ما أعده للكافرين من عقاب فقال : ( @QUR@04 إن الله لعن ~~الكافرين ) بأن طردهم من رحمته ، وأبعدهم عن مغفرته. # ( @QUR@02 وأعد لهم ) فوق ذلك في الآخرة ( @QUR@01 سعيرا ) أى : نارا ~~شديدة الاشتعال والاتقاد. # ( @QUR@03 خالدين فيها أبدا ) أى : خالدين فيها خلودا أبديا لا خروج لهم ~~منها معه. # ( @QUR@05 لا يجدون وليا ولا نصيرا ) أى لا يجدون من يحول بينهم وبين ~~الدخول في هذه النار المسعرة ، كما لا يجدون من يخلصهم من عذابها وسعيرها. # ثم بين سبحانه حسراتهم عند ما يحل بهم العذاب في ms4627 الآخرة فقال : يوم تقلب ~~وجوههم في النار ، يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا. # و ( @QUR@01 يوم ) ظرف لعدم الوجدان لمن يدافع عنهم أو ينصرهم أى : لا ~~يجدون من يدفع عنهم العذاب : يوم تقلب وجوههم في النار تارة إلى جهة ، ~~وتارة إلى جهة أخرى ، كما يقلب اللحم عند شوائه. # وحينئذ يقولون على سبيل التحسر والتفجع : يا ليتنا أطعنا الله تعالى فيما ~~أمرنا به ، وأطعنا رسوله فيما جاءنا به من عند ربه. # قال صاحب الكشاف : وقوله : ( @QUR@01 تقلب ) بمعنى تتقلب ، ومعنى تقليبها ~~: تصريفها في الجهات ، كما ترى البيضة تدور في القدر إذا غلت ، فترامى بها ~~الغليان من جهة إلى جهة. أو تغييرها عن أحوالها وتحويلها عن هيئاتها ، أو ~~طرحها في النار مقلوبة منكوسة. # وخصت الوجوه بالذكر ، لأنه الوجه أكرم موضع على الإنسان من جسده ويجوز أن ~~يكون الوجه عبارة عن الجملة (1). # ( @QUR@08 وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا )، أى ~~: وقال هؤلاء الكافرون بعد هذا التحسر والتفجع يا ربنا إنا أطعنا في الدنيا ~~( @QUR@02 سادتنا وكبراءنا ) أى : ملوكنا ورؤساءنا وزعماءنا ، فجعلونا في ~~ضلال عن الصراط المستقيم ، وعن السبيل الحق. # ( @QUR@05 ربنا آتهم ضعفين من العذاب ) أى : يا ربنا أنزل بهؤلاء السادات ~~والكبراء عذابا مضاعفا ، بسبب ضلالهم في أنفسهم ، وبسبب إضلالهم لغيرهم. # ( @QUR@03 والعنهم لعنا كبيرا ) أى واطردهم من رحمتك ، وأبعدهم عن مغفرتك ~~، إبعادا شديدا عظيما ، فهم الذين كانوا سببا لنا في هذا العذاب المهين ~~الذي نزل بنا. PageV11P250 # وهكذا نرى الآيات الكريمة ، تصور لنا أحوال الكافرين في الآخرة هذا ~~التصوير المؤثر ، ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيى من حي عن بينة. # وبعد أن فصلت السورة الكريمة ما فصلت من أحكام ، وأرشدت إلى ما أرشدت من ~~آداب ، وقصت ما قصت من أحداث .. بعد كل ذلك وجهت في أواخرها نداءين إلى ~~المؤمنين ، أمرتهم فيهما بتقوى الله تعالى وبالاقتداء بالأخيار من عباده ، ~~وباجتناب سلوك الأشرار ، كما ذكرتهم بثقل الأمانة التي رضوا بحملها ، وبحسن ~~عاقبة الصالحين وسوء عاقبة المكذبين ، قال تعالى : # ( @QUR@017 يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه ms4628 الله ~~مما قالوا وكان عند الله وجيها (69) @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله وقولوا قولا سديدا (70) @QUR@014 يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ~~ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما (71) @QUR@018 إنا عرضنا الأمانة ~~على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان ~~إنه كان ظلوما جهولا (72) @QUR@015 ليعذب الله المنافقين والمنافقات ~~والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا ~~رحيما ) (73) # والمراد بالذين آذوا موسى عليه السلام في قوله تعالى : ( @QUR@09 يا أيها ~~الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى. ) @QUR@01 .. قومه الذين أرسله ~~الله إليهم. # فقد حكى القرآن الكريم ألوانا من إيذائهم له ، ومن ذلك قولهم له : ( ~~@QUR@08 يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. ) @QUR@01 .. وقولهم : ( ~~@QUR@07 لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ). PageV11P251 # ومن إيذائهم له عليه السلام ما رواه الإمام البخاري والترمذي عن أبى هريرة ~~قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يرى ~~من جلده شيء ، فآذاه من آذاه من بنى إسرائيل ، وقالوا : ما يستتر هذا الستر ~~إلا من عيب بجلده ، إما برص ، وإما آفة. وإن الله تعالى أراد أن يبرئه مما ~~قالوا ، وإن موسى خلا يوما وحده فوضع ثيابه على حجر ثم اغتسل ، فلما فرغ ~~أقبل على ثيابه ليأخذها ، وإن الحجر عدا بثوبه ، وأخذ موسى عصاه وطلب الحجر ~~، فجعل يقول : ثوبي حجر ، ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ بنى إسرائيل ، فرأوه ~~عريانا أحسن ما خلق الله تعالى ، وأبرأه الله تعالى مما يقولون .. فذلك ~~قوله تعالى ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى. ) ~~@QUR@01 .. (1). # والمعنى : يا من آمنتم بالله تعالى حق الإيمان ، التزموا الأدب والطاعة ~~والاحترام لنبيكم صلى الله عليه وسلم واحذروا أن تسلكوا معه المسلك الذي سلكه ~~بنو إسرائيل مع نبيهم موسى عليه السلام حيث آذوه بشتى أنواع الأذى. # وقولهم : ( @QUR@05 لن نصبر على طعام واحد. ) @QUR@01 .. واتخاذهم العجل ~~إلها من دون الله في غيبة نبيهم موسى عليه السلام .. # ( @QUR@04 فبرأه الله مما قالوا ) أى : فأظهر الله تعالى براءته من كل ms4629 ما ~~نسبوه إليه من سوء. # ( @QUR@04 وكان عند الله وجيها ) أى : وكان عند الله تعالى ذا جاه عظيم ، ~~ومكانة سامية ، ومنزلة عالية ، حيث نصره سبحانه عليهم ، واصطفاه لحمل ~~رسالته .. # يقال : وجه الرجل يوجه وجاهة فهو وجيه ، إذا كان ذا جاه وقدر .. # ثم أمرهم سبحانه بمراقبته وبالخوف منه ، بعد أن نهاهم عن التشبه ببني ~~إسرائيل في إيذائهم لنبيهم فقال : ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله وقولوا قولا سديدا ) @QUR@01 .. . # والقول السديد : هو القول الصادق الصحيح الخالي من كل انحراف عن الحق ~~والصواب ، مأخوذ من قولك : سدد فلان سهمه يسدده ، إذا وجهه بإحكام الى ~~المرمى الذي يقصده فأصابه. ومنه قولهم : سهم قاصد. إذا أصاب الهدف. # أى : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وراقبوه وخافوه في كل ما تأتون وما ~~تذرون ، وفي كل ما تقولون وما تفعلون ، وقولوا قولا كله الصدق والصواب. PageV11P252 # فإنكم إن فعلتم ذلك ( @QUR@01 يصلح ) الله تعالى ( @QUR@02 لكم أعمالكم ) ~~بأن يجعلها مقبولة عنده ( @QUR@03 ويغفر لكم ذنوبكم ) التي فرطت منكم ، بأن ~~يمحوها عنكم ببركة استقامتكم في أقوالكم وأفعالكم. # ( @QUR@04 ومن يطع الله ورسوله ) في كل الأقوال والأعمال ( @QUR@02 فقد ~~فاز ) في الدارين ( @QUR@02 فوزا عظيما ) لا يقادر قدره ، ولا يعلم أحد ~~كنهه وعلو منزلته. # ثم بين سبحانه ضخامة التبعة التي حملها الإنسان فقال : ( @QUR@014 إنا ~~عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان ) @QUR@01 .. . # وأرجح الأقوال وأجمعها في المراد بالأمانة هنا : أنها التكاليف والفرائض ~~الشرعية التي كلف الله تعالى بها عباده ، من إخلاص في العبادة ، ومن أداء ~~للطاعات ، ومن محافظة على آداب هذا الدين وشعائره وسننه. # وسمى سبحانه ما كلفنا به أمانة ، لأن هذه التكاليف حقوق أمرنا سبحانه بها ~~، وائتمننا عليها ، وأوجب علينا مراعاتها والمحافظة عليها ، وأداءها بدون ~~إخلال بشيء منها. # والمراد بالإنسان : آدم عليه السلام أو جنس الإنسان. # والمراد بحمله إياها : تقبله لحمل هذه التكاليف والأوامر والنواهي مع ~~ثقلها وضخامتها. # وللعلماء في تفسير هذه الآية اتجاهات ، فمنهم من يرى أن الكلام على ~~حقيقته ، وأن الله تعالى قد عرض هذه التكاليف الشرعية المعبر عنها ms4630 بالأمانة ~~، على السموات والأرض والجبال ( @QUR@03 فأبين أن يحملنها ) لثقلها ~~وضخامتها ( @QUR@02 وأشفقن منها ) أى : وخفن من عواقب حملها أن ينشأ لهن من ~~ذلك ما يؤدى بهن إلى عذاب الله وسخطه بسبب التقصير في أداء ما كلفن بأدائه. # ( @QUR@02 وحملها الإنسان ) أى : وقبل الإنسان حمل هذه الأمانة عند عرضها ~~عليه ، بعد أن أبت السموات والأرض والجبال حملها ، وأشفقن منها. # ( @QUR@04 إنه كان ظلوما جهولا ) أى : إنه كان مفرطا في ظلمه لنفسه ، ~~ومبالغا في الجهل ، لأن هذا الجنس من الناس لم يلتزموا جميعا بأداء ما ~~كلفهم الله تعالى بأدائه. وإنما منهم من أداها على وجهها وهم الأقلون ، ~~ومنهم من لم يؤدها وإنما عصى ما أمره به ربه ، وخان الأمانة التي التزم ~~بأدائها. # فالضمير في قوله ( @QUR@01 إنه ) يعود على بعض أفراد جنس الإنسان ، وهم ~~الذين لم يؤدوا PageV11P253 # حقوق هذه الامانة التي التزموا بحملها. # قال الآلوسى : ( @QUR@04 إنه كان ظلوما جهولا ) أى : بحسب غالب أفراده ~~الذين لم يعملوا بموجب فطرتهم السليمة ، دون من عداهم من الذين لم يبدلوا ~~فطرة الله ويكفى في صدق الحكم على الجنس بشيء ، وجوده في بعض أفراده ، فضلا ~~عن وجوده في غالبها .. (1). # وقال بعض العلماء : ورجوع الضمير إلى مجرد اللفظ دون اعتبار المعنى ~~التفصيلي معروف في اللغة التي نزل بها القرآن. # وقد جاء فعلا في آية من كتاب الله ، وهي قوله تعالى : ( @QUR@011 وما ~~يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب. ) @QUR@01 .. لأن الضمير في ~~قوله : ( @QUR@04 ولا ينقص من عمره ) راجع إلى لفظ المعمر دون معناه ~~التفصيلي ، كما هو ظاهر. # وهذه المسألة هي المعروفة عند علماء العربية بمسألة : عندي درهم ونصفه. ~~أى : ونصف درهم آخر (2). # وأصحاب هذا الاتجاه يقولون : لا مانع إطلاقا من أن يخلق الله تعالى ~~إدراكا ونطقا للسموات والأرض والجبال ، ولكن هذا الإدراك والنطق لا يعلمه ~~إلا هو سبحانه . # ومما يشهد لذلك قوله تعالى : ( @QUR@021 تسبح له السماوات السبع والأرض ~~ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ، ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان ~~حليما غفورا ) (3). # قال الجمل : وكان هذا العرض عليهن ms4631 أى على السموات والأرض والجبال تخييرا ~~لا إلزاما ، ولو ألزمهن لم يمتنعن عن حملها. والجمادات كلها خاضعة لله ~~تعالى مطيعة لأمره ، ساجدة له. # قال بعض أهل العلم : ركب الله تعالى فيهن العقل والفهم حين عرض عليهن ~~الأمانة ، حتى عقلن الخطاب ، وأجبن بما أجبن (4). # ويرى بعضهم أن العرض في الآية الكريمة من قبيل ضرب المثل ، أو من قبيل ~~المجاز. # قال الإمام القرطبي ما ملخصه : لما بين تعالى في هذه السورة من الأحكام ~~ما بين ، أمر بالتزام أوامره ، والأمانة تعم جميع وظائف الدين ، على الصحيح ~~من الأقوال ، وهو قول الجمهور .. PageV11P254 # ويصح أن يكون عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال على سبيل الحقيقة .. # وقال القفال وغيره : العرض في هذه الآية ضرب مثل ، أى : أن السموات ~~والأرض والجبال على كبر أجرامها ، لو كانت بحيث يجوز تكليفها ، لثقل عليها ~~تقلد الشرائع ، لما فيها من الثواب والعقاب. # أى : أن التكليف أمر حقه أن تعجز عنه السموات والأرض والجبال ، وقد حمله ~~الإنسان وهو ظلوم جهول لو عقل. وهذا كقوله : ( @QUR@012 لو أنزلنا هذا ~~القرآن على جبل ، لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله. ) @QUR@01 .. . # وقال قوم : إن الآية من المجاز : أى : أنا إذا قايسنا ثقل الأمانة بقوة ~~السموات والأرض والجبال ، رأينا أنها لا تطيقها ، وأنها لو تكلمت لأبت ~~وأشفقت ، فعبر عن هذا بعرض الأمانة. كما تقول : عرضت الحمل على البعير ~~فأباه ، وأنت تريد : قايست قوته بثقل الحمل فرأيت أنها تقصر عنه .. # وقيل : ( @QUR@01 عرضنا ) يعنى عارضنا الأمانة بالسموات والأرض والجبال ، ~~فضعفت هذه الأشياء عن الأمانة. ورجحت الأمانة بثقلها عليها .. (1). # ويبدو لنا أن حمل الكلام على الحقيقة أولى بالقبول ، لأنه ما دام لم يوجد ~~مانع يمنع منه ، فلا داعي لصرفه عن ذلك. # ومما لا شك أن قدرة الله تعالى لا يعجزها أن تخلق في السموات والأرض ~~والجبال إدراكا وتمييزا ونطقا لا يعلمه إلا هو سبحانه. # واللام في قوله سبحانه : ( @QUR@04 ليعذب الله المنافقين والمنافقات ) ~~@QUR@01 .. متعلقة بقوله : ( @QUR@02 وحملها الإنسان. ) @QUR@01 .. . # أى : وحملها الإنسان ليعذب الله تعالى بعض أفراده الذين لم يراعوها ولم ~~يؤدوا ما التزموا ms4632 بحمله وهم المنافقون والمنافقات والمشركون والمشركات ( ~~@QUR@05 ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات ) أى : ويقبل الله تعالى توبة ~~المؤمنين والمؤمنات ، بأن يكفر عنهم سيئاتهم وخطاياهم. # ( @QUR@02 وكان الله ) تعالى وما زال ( @QUR@02 غفورا رحيما ) أى : واسع ~~المغفرة والرحمة لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى. PageV11P255 # أما بعد : فهذا تفسير لسورة (الأحزاب) نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا ~~لوجهه ، ونافعا لعباده .. # والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # القاهرة مدينة نصر # مساء الخميس : 18 من رمضان سنة 1405 ه # 6 / 6 / 1985 م ||كتبه الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى| PageV11P256 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة سبأ PageV11P257 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة سبأ هي السورة الرابعة والثلاثون في ترتيب المصحف ، أما في ترتيب ~~النزول فهي السورة السابعة والخمسون ، وكان نزولها بعد سورة لقمان. # 2 وسورة سبأ من السور المكية الخالصة ، وقيل هي مكية إلا الآية السادسة ~~منها وهي قوله تعالى : ( @QUR@011 ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك ~~من ربك هو الحق ). # 3 وعدد آياتها خمس وخمسون آية في المصحف الشامي ، وأربع وخمسون آية في ~~غيره. وسميت بهذا الاسم ، لاشتمالها على قصة أهل سبأ ، وما أصابهم من نقم ~~بسبب عدم شكرهم لنعم الله تعالى عليهم. # 4 وتبدأ سورة سبأ بالثناء على الله تعالى : ( @QUR@035 الحمد لله الذي له ~~ما في السماوات وما في الأرض ، وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير ، ~~يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها ، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ~~وهو الرحيم الغفور ). # ثم تحكى السورة الكريمة جانبا من أقوال الكافرين في تكذيبهم ليوم القيامة ~~، كما تحكى أيضا بعض أقوالهم الباطلة التي قالوها في شأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ثم ترد عليهم بما يخرس ألسنتهم. # 5 ثم تنتقل السورة الكريمة إلى الحديث عن جانب من قصة داود وسليمان ~~عليهما السلام ، فتحكى ما آتاهم الله تعالى إياه من خير وقوة وكيف أنهما ~~قابلا نعم الله تعالى بالشكر والطاعة ، فزادهما سبحانه من فضله وعطائه ms4633 : ( ~~@QUR@08 اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور ). # وكعادة القرآن الكريم في جمعه بين الترغيب والترهيب ، وبين حسن عاقبة ~~الشاكرين ، وسوء عاقبة الجاحدين .. جاءت في أعقاب قصة داود وسليمان ~~عليهما السلام ، قصة قبيلة سبأ ، وكيف أنهم قابلوا نعم الله الوفيرة بالجحود ~~والإعراض ، فمحقها سبحانه من بين أيديهم ، كما قال تعالى : ( @QUR@08 ذلك ~~جزيناهم بما كفروا ، وهل نجازي إلا الكفور ). PageV11P259 # 6 ثم ساقت السورة بعد ذلك بأسلوب تلقيني ألوانا من الأدلة على وحدانية ~~الله تعالى وقدرته ، وعلى وجوب إخلاص العبادة له. # نرى ذلك في قوله تعالى : ( @QUR@016 قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله ، ~~لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ) @QUR@01 .. # وفي قوله تعالى : ( @QUR@06 قل من يرزقكم من السماوات والأرض ). # وفي قوله عز وجل : ( @QUR@012 قل أروني الذين ألحقتم به شركاء ، كلا بل هو ~~الله العزيز الحكيم ). # 7 ثم تنتقل السورة الكريمة إلى الحديث عن وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم ( ~~@QUR@07 وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ). # وعن أحوال الكافرين السيئة عند ما يقفون أمام ربهم للحساب ، وكيف أن كل ~~فريق منهم يلقى التبعة على غيره ( @QUR@037 ولو ترى إذ الظالمون موقوفون ~~عند ربهم ، يرجع بعضهم إلى بعض القول ، يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا ~~لو لا أنتم لكنا مؤمنين. قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم ~~عن الهدى بعد إذ جاءكم ، بل كنتم مجرمين ). # 8 ثم ترد السورة الكريمة على أولئك المترفين ، الذين زعموا أن أموالهم ~~وأولادهم ستنفعهم يوم القيامة ، فتقرر أن ما ينفع يوم القيامة إنما هو ~~الإيمان والعمل الصالح ، وأن الله تعالى هو صاحب الإعطاء والمنع والإغناء ~~والإفقار. # قال تعالى : ( @QUR@044 وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين ~~، قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وما ~~أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ، إلا من آمن وعمل صالحا ، ~~فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا ، وهم في الغرفات آمنون ). # 9 وبعد أن ساقت السورة ما ساقت من شبهات المشركين حول دعوة الرسول ~~صلى الله عليه ms4634 وسلم وردت عليهم بما يزيد المؤمنين ثباتا على ثباتهم ، ويقينا ~~على يقينهم ، أتبعت ذلك بدعوة هؤلاء الكافرين إلى التفكير والتدبر على ~~انفراد ، في شأن دعوة هذا الرسول الكريم الذي يدعوهم إلى الحق ، لعل هذا ~~التفكر يهديهم إلى الرشد. # قال تعالى : ( @QUR@024 قل إنما أعظكم بواحدة ، أن تقوموا لله مثنى ~~وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة ، إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب ~~شديد ). PageV11P260 # ثم ختمت السورة الكريمة بتهديدهم بسوء العاقبة إذا ما استمروا في كفرهم ~~وعنادهم ، وأنهم سيندمون إذا ما استمروا على كفرهم ولن ينفعهم الندم. # قال تعالى : ( @QUR@015 وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من ~~قبل ، إنهم كانوا في شك مريب ). # 10 وهكذا نرى سورة سبأ قد ساقت أنواعا من الأدلة على وحدانية الله تعالى ~~، وعلى أن يوم القيامة حق ، وعلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق فيما ~~يبلغه عن ربه .. كما أنها حكت شبهات المشركين ، وردت عليهم بما يبطلها ، ~~والحمد لله حمدا كثيرا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ||كتبه الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى| PageV11P261 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@017 الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في ~~الآخرة وهو الحكيم الخبير (1) @QUR@018 يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها ~~وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور (2) @QUR@032 وقال ~~الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه ~~مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب ~~مبين (3) @QUR@010 ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق ~~كريم (4) @QUR@011 والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز ~~أليم ) (5) # افتتحت سورة سبأ بتقرير الحقيقة الأولى في كل دين ، وهي أن المستحق للحمد ~~المطلق ، والثناء الكامل ، هو الله رب لعالمين. # والحمد : هو الثناء باللسان على الجميل الصادر عن اختيار من نعمة أو غيرها. # وأل في الحمد للاستغراق ، بمعنى أن ms4635 المستحق لجميع المحامد ، ولكافة ألوان ~~الثناء ، هو الله تعالى . PageV11P262 # وإنما كان الحمد مقصورا في الحقيقة عليه وحده سبحانه ، لأن كل ما يستحق ~~أن يقابل بالثناء ، فهو صادر عنه ، ومرجعه إليه ، إذ هو الخالق لكل شيء ، ~~وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم ، هو في الحقيقة حمد له تعالى ~~، لأنه سبحانه هو الذي وفقهم لذلك ، وأعانهم عليه. # وقد اختار سبحانه افتتاح هذه السورة بصفة الحمد ، دون المدح أو الشكر ، ~~لأنه وسط بينهما ، إذ المدح أعم من الحمد ، لأن المدح يكون للعاقل وغيره ، ~~فقد يمدح الإنسان لعقله ، وتمدح اللؤلؤة لجمالها ، أما الحمد فإنه لا يحصل ~~إلا للفاعل المختار على ما يصدر عنه من إحسان. # والحمد أخص من الشكر ، لأن الشكر يكون من أجل نعمة وصلت إليك أما الحمد ~~فيكون من أجل نعمة وصلت إليك أو إلى غيرك (1). # وفي القرآن الكريم خمس سور اشتركت في الافتتاح بقوله تعالى : ( @QUR@02 ~~الحمد لله .. ) وهي سورة الفاتحة ، والأنعام ، والكهف ، وسبأ ، وفاطر. # ولكن لكل سورة من هذه السور ، منهج خاص في بيان أسباب أن الحمد لله تعالى وحده. # وقد أحسن القرطبي رحمه الله عند ما قال : فإن قيل : قد افتتح غيرها أى : ~~سورة الأنعام بالحمد لله ، فكان الاجتزاء بواحدة يغنى عن سائره؟ فالجواب أن ~~لكل واحدة منه معنى في موضعه ، لا يؤدى عن غيره ، من أجل عقده بالنعم ~~المختلفة ، وأيضا فلما فيه من الحجة في هذا الموضع على الذين هم بربهم ~~يعدلون (2). # والمعنى : الحمد الكامل الشامل لله تعالى وحده ، لأنه هو ، الذي له ما في ~~السموات وما في الأرض ، خلقا وملكا وتصرفا ، بحيث لا يخرج شيء فيهما عن ~~إرادته ومشيئته. # قوله : وله الحمد في الآخرة ، تنبيه إلى أن حمده عز وجل ليس مقصورا على ~~الدنيا ، بل يشمل الدنيا والآخرة. # فالمؤمنون يحمدونه في الدنيا على ما وهبهم من نعم الإيمان والإحسان ، ~~ويحمدونه في الآخرة على ما منحهم من جنة عرضها السموات والأرض ، ويقولون : ~~( @QUR@015 الحمد لله الذي صدقنا وعده ، وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث ~~نشاء فنعم أجر ms4636 العاملين ) (3). PageV11P263 # قال صاحب الكشاف : ولما قال سبحانه : الحمد لله ، ثم وصف ذاته بالإنعام ~~بجميع النعم الدنيوية ، كان معناه : أنه المحمود على نعم الدنيا ، تقول : ~~احمد أخاك الذي كساك وحملك ، تريد : احمده على كسوته وحملانه. # ولما قال : ( @QUR@04 وله الحمد في الآخرة ) علم أنه المحمود على نعم ~~الآخرة وهو الثواب (1). # وقال الآلوسى : والفرق بين الحمدين مع كون نعم الدنيا ونعم الآخرة بطريق ~~التفضل ، أن الأول على نهج العبادة ، والثاني على وجه التلذذ والاغتباط وقد ~~ورد في الخبر أن أهل الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس (2). # وقال الجمل : فإن قلت : الحمد مدح للنفس ، ومدحها مستقبح فيما بين الخلق ~~، فما وجه ذلك؟ # فالجواب : ان هذا المدح دليل على أن حاله تعالى بخلاف حال الخلق ، وأنه ~~يحسن منه ما يقبح من الخلق ، وذلك يدل على أنه تعالى مقدس عن أن تقاس ~~أفعاله ، على أفعال العباد (3). # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@03 وهو الحكيم الخبير ) أى : وهو ~~تعالى الذي أحكم أمور الدارين ، ودبرها بحكمته ، وهو العليم بظواهر عباده ~~وبواطنهم ، لا يخفى عليه شيء من أحوالهم. # ثم فصل سبحانه بعض مظاهر علمه فقال : ( @QUR@05 يعلم ما يلج في الأرض )، ~~والولوج الدخول ، يقال : ولج فلان منزله ، فهو يلجه ولجا وولوجا ، إذا دخله. # أى : أنه سبحانه يعلم ما يلج في الأرض وما يدخل فيها من ماء نازل من ~~السماء ، ومن جواهر دفنت في طياتها ، ومن بذور ومعادن في جوفها. # ويعلم أيضا ( @QUR@03 ما يخرج منها ) من نبات وحبوب وكنوز ، وغير ذلك من ~~أنواع الخيرات. # ويعلم كذلك ( @QUR@04 ما ينزل من السماء ) من أمطار ، وثلوج ، وبرد ، ~~وصواعق ، وبركات ، من عنده تعالى لأهل الأرض. PageV11P264 # ( @QUR@03 وما يعرج فيها ) أى : ويعلم ما يصعد فيها من الملائكة والأعمال ~~الصالحة ، كما قال تعالى : ( @QUR@07 إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه ). # وعدى العروج بفي لتضمنه معنى الاستقرار ، وهو في الأصل يعدى بإلى قال ~~تعالى : ( @QUR@011 تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف ~~سنة ). # وقوله : ( @QUR@01 يعرج ) من العروج ، وهو الذهاب في صعود. والسماء جهة ~~العلو مطلقا. # ( @QUR@03 وهو الرحيم الغفور ms4637 ) أى : وهو سبحانه صاحب الرحمة الواسعة ، ~~والمغفرة العظيمة ، لمن يشاء من عباده. # وهذه الآية الكريمة مع وجازة ألفاظها تصور تصويرا بديعا معجزا ، مظاهر ~~علم الله تعالى ، ولو أن أهل الأرض جميعا حاولوا إحصاء ( @QUR@014 ما يلج ~~في الأرض وما يخرج منها ، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ) لما استطاعوا ~~أن يصلوا إلى إحصاء بعض تلك الحشود الهائلة من خلق الله تعالى في أرضه أو سمائه. # ولكن هذه الحشود العجيبة في حركاتها ، وأحجامها ، وأنواعها ، وأجناسها ، ~~وصورها ، وأحوالها .. قد أحصاها علم الله تعالى الذي لا يخفى عليه شيء. # ثم حكى سبحانه ما قاله الكافرون في شأن يوم القيامة ، فقال تعالى ( ~~@QUR@06 وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة ). # أى : وقال الذين كفروا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، لا ~~تأتينا الساعة بحال من الأحوال ، وإنما نحن نموت ونحيا وما يهلكنا إلا ~~الدهر ، وإذا متنا فإن الأرض تأكل أجسادنا ، ولا نعود إلى الحياة مرة أخرى. # وعبروا عن إنكارهم لها بقولهم : ( @QUR@03 لا تأتينا الساعة ) مبالغة في ~~نفيها نفيا كليا ، فكأنهم يقولون : لا تأتينا الساعة في حال من الأحوال ، ~~لأننا ننكر وجودها أصلا ، فضلا عن إتيانها. # وقد أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم بما يؤكد وجودها ~~وإتيانها تأكيدا قاطعا فقال : ( @QUR@04 قل بلى وربي لتأتينكم ). # و «بلى» حرف جواب لرد النفي ، فتفيد إثبات المنفي قبلها ، ثم أكد سبحانه ~~ذلك بجملة القسم. # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء المنكرين لإتيان الساعة : ليس الأمر ~~كما زعمتم ، بل هي ستأتيكم بغتة ، وحق ربي الذي أوجدنى وأوجدكم. PageV11P265 # فالجملة الكريمة قد اشتملت على جملة من المؤكدات التي تثبت أن الساعة ~~آتية لا ريب فيها ، ومن ذلك التعبير ب ( @QUR@01 بلى ) وبالجملة القسمية. # قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ؛ هذه إحدى الآيات الثلاث التي لا ~~رابع لهن ، مما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقسم بربه العظيم على ~~وقوع المعاد ، لما أنكره من أنكره من أهل الكفر والعناد : فإحداهن في سورة ~~يونس ، وهي قوله تعالى : ( @QUR@011 ويستنبئونك أحق ms4638 هو؟ قل إي وربي إنه لحق ~~وما أنتم بمعجزين ). # والثانية : هذه الآية التي معنا. والثالثة : في سورة التغابن وهي قوله ~~تعالى : ( @QUR@010 زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا ، قل بلى وربي لتبعثن ) ~~@QUR@01 .. (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@022 عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ~~ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ) تقوية لتأكيد ~~إتيان الساعة. # قالوا : لأن تأكيد القسم بجلائل نعوت المقسم به يؤذن بفخامة شأن المقسم ~~عليه ، وقوة إثباته ، وصحته ، لما أن ذلك في حكم الاستشهاد على الأمر (2). # وقوله ( @QUR@01 يعزب ) بمعنى يغيب ويخفى ، وفعله من باب «قتل وضرب». ~~يقال : عزب الشيء يعزب بضم الزاى وكسرها إذا غاب وبعد. # والمعنى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء المنكرين لإتيان الساعة : كذبتم ~~في إنكاركم وحق الله تعالى لتأتينكم ، والذي أخبرنى بذلك هو الله تعالى ( ~~@QUR@02 عالم الغيب ) أى : عالم ما غاب وخفى عن حسكم ، وهو سبحانه لا يغيب ~~عن علمه مقدار أو وزن مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ، ولا أصغر من ذلك ~~المثقال ، ولا أكبر منه ، إلا وهو مثبت وكائن في علمه تعالى الذي لا يغيب ~~عنه شيء ، أو في اللوح المحفوظ الذي فيه تسجل أحوال الخلائق وأقوالهم ~~وأفعالهم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 عالم الغيب ) قرأه بعضهم بكسر الميم على أنه ~~نعت لقوله ( @QUR@01 ربي ). # أى : قل بلى وربي عالم الغيب لتأتينكم الساعة. # وقرأه آخرون بضم الميم على أنه مبتدأ ، وخبره جملة : ( @QUR@03 لا يعزب ~~عنه )، أو هو خبر لمبتدأ محذوف. أى : هو عالم الغيب. PageV11P266 # وقوله : ( @QUR@05 لا يعزب عنه مثقال ذرة ) تمثيل لقلة الشيء ، ودقته ، ~~والمراد انه لا يغيب عن علمه شيء ما ، مهما دق أو صغر ، إذ المثقال : مفعال ~~من الثقل ، ويطلق على الشيء البالغ النهاية في الصغر ، والذرة تطلق على ~~النملة ، وعلى الغبار الذي يتطاير من التراب عند النفخ. # وفي قوله سبحانه : ( @QUR@04 ولا أصغر من ذلك ) إعجاز علمي بليغ للقرآن ~~الكريم ، إذ كان من المعروف إلى عهد قريب ، أن الذرة أصغر الأجسام ، فأشار ~~القرآن إلى أن هناك ما هو أصغر ms4639 منها ، وهذا ما اكتشفه العلم الحديث بعد ~~تحطيم الذرة ، وتقسيمها إلى جزئيات. # قال الجمل : وقوله : ( @QUR@04 ولا أصغر من ذلك ) العامة على رفع أصغر ~~وأكبر ، وفيه وجهان : # أحدهما : الابتداء ، والخبر إلا في كتاب ، والثاني : العطف على ( @QUR@01 ~~مثقال )، وعلى هذا فيكون قوله : ( @QUR@03 إلا في كتاب ) تأكيد للنفي في ( ~~@QUR@02 لا يعزب ) كأنه قال : لكنه في كتاب مبين. # فإن قيل : فأى حاجة إلى ذكر الأكبر ، فإن من علم ما هو أصغر من الذرة لا ~~بد وأن يعلم الأكبر؟ فالجواب : لما كان الله تعالى أراد بيان إثبات الأمور ~~في الكتاب ، فلو اقتصر على الأصغر لتوهم متوهم أنه يثبت الصغائر لكونها محل ~~النسيان ، وأما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته ، فقال : الإثبات في ~~الكتاب ليس كذلك فإن الأكبر مكتوب أيضا (1). # واللام في قوله تعالى ( @QUR@05 ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) ~~@QUR@01 .. متعلقة بقوله ( @QUR@01 لتأتينكم ) وهي للتعليل ولبيان الحكمة ~~في إتيانها. # أى : لتأتينكم الساعة أيها الكافرون ، والحكمة في ذلك ليجزي سبحانه الذي ~~آمنوا وعملوا الصالحات الجزاء الحسن الذي يستحقونه. # ( @QUR@01 أولئك ) الموصوفون بصفتى الإيمان والعمل الصالح ( @QUR@02 لهم ~~مغفرة ) عظيمة من ربهم لذنوبهم ( @QUR@01 و ) لهم كذلك ( @QUR@02 رزق كريم ~~) تنشرح له صدورهم ، وتقر به عيونهم. # ( @QUR@05 والذين سعوا في آياتنا معاجزين ) أى : والذين سعوا في إبطال ~~آياتنا ، وفي تكذيب رسلنا ( @QUR@01 معاجزين ) أى مسابقين لنا ، لتوهمهم ~~أننا لا نقدر عليهم ، وأنهم يستطيعون الإفلات من عقابنا. يقال : عاجز فلان ~~فلانا وأعجزه إذا غالبه وسبقه. # ( @QUR@01 أولئك ) الذين يفعلون ذلك ( @QUR@05 لهم عذاب من رجز أليم ) أى ~~: لهم عذاب من أسوأ أنواع العذاب وأشده ألما وإهانة. PageV11P267 # وهكذا نرى الآيات الكريمة بعد ثنائها على الله تعالى بما هو أهله ، وبعد ~~إثباتها لعلمه الذي لا يعزب عنه شيء ، وبعد حكايتها لأقوال المشركين وردها عليهم. # بعد كل ذلك تصرح بأن الحكمة من إتيان الساعة ، مجازاة الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات بما يستحقون من ثواب ، ومجازاة الذين كفروا وسعوا في آيات الله ~~بالقدح فيها وصد الناس عنها. بما يستحقون من عقاب. # ثم بين سبحانه موقف أهل العلم النافع مما جاء به الرسول ms4640 صلى الله عليه وسلم ~~من عند ربه ، وموقف الكافرين من ذلك ، ورد سبحانه على هؤلاء الكافرين بما ~~يثبت ضلالهم وجهلهم ، فقال تعالى : # ( @QUR@016 ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي ~~إلى صراط العزيز الحميد (6) @QUR@016 وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ~~ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد (7) @QUR@016 أفترى على الله ~~كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد (8) ~~@QUR@029 أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ ~~نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب ) (9) # والمراد بالرؤية في قوله تعالى : ( @QUR@04 ويرى الذين أوتوا العلم ) ~~المعرفة والعلم واليقين. والمراد بالذين أوتوا العلم : المؤمنون الصادقون ~~الذين اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما جاءهم به من عند ربه ، سواء ~~أكانوا من العرب أم من غيرهم ، كمؤمنى أهل الكتاب من اليهود والنصارى. PageV11P268 # والجملة الكريمة مستأنفة لمدح هؤلاء العلماء العقلاء على إيمانهم بالحق ، ~~أو معطوفة على يجزى في قوله تعالى قبل ذلك : ( @QUR@05 ليجزي الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات ). # والمراد ب ( @QUR@05 الذي أنزل إليك من ربك ) القرآن الكريم. # والمعنى : لا تحزن أيها الرسول الكريم لما يقوله الكافرون بشأنك ولما ~~يفعلونه لإبطال دعوتك ، فإن الذين أوتوا العلم وهم أتباعك الصادقون ، ~~يعلمون ويعتقدون أن ما أنزل إليك من ربك هو الحق الذي لا يحوم حوله باطل ، ~~وهو الصدق الذي لا يشوبه كذب ، وهو الكتاب الذي يهدى من اتبعه وأطاع ~~توجيهاته إلى دين الله تعالى ، العزيز ، الذي يقهر ولا يقهر ( @QUR@01 ~~الحميد ) أى المحمود في جميع شئونه. # والمفعول الأول ليرى قوله : ( @QUR@02 الذي أنزل ).. والمفعول الثاني ~~«الحق» و «هو» ضمير فصل متوسط بين المفعولين و «يهدى» معطوف على المفعول ~~الثاني من باب عطف الفعل على الاسم لتأويله به ، أى : يرونه حقا وهاديا. # وعبر سبحانه عن إيمان أهل العلم بما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بقوله : ( @QUR@01 ويرى )، للإشعار بأنهم قد آمنوا هذا الإيمان الجازم ms4641 عن ~~إدراك ومشاهدة ويقين ، وأنهم قد صاروا لا يشكون في كون هذا المنزل عليه من ~~ربه ، هو الحق الهادي إلى الصراط المستقيم. # وفي وصفهم بقوله : ( @QUR@02 أوتوا العلم ) ثناء عظيم عليهم ، لأنهم ~~انتفعوا بعلمهم وسخروه لخدمة الحق ، وللشهادة له بأنه حق ، ويهدى إلى ~~السعادة الدينية والدنيوية والأخروية. # وهكذا العلماء العاملون بمقتضى علمهم النافع. يكونون أنصارا للحق والهدى ~~في كل زمان ومكان. # ثم حكى سبحانه ما قاله أولئك الكافرون فيما بينهم ، على سبيل الاستهزاء ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال تعالى : ( @QUR@012 وقال الذين كفروا هل ندلكم ~~على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق ... ). # وتمزيق الشيء : تخريقه وجعله قطعا قطعا. يقال : ثوب ممزق ومزيق. إذا كان ~~مقطعا مخرقا. والمراد بالرجل : الرسول صلى الله عليه وسلم . # أى : وقال الذين كفروا بعضهم لبعض ، ألا تريدون أن ندلكم ونرشدكم إلى رجل ~~، هذا الرجل يخبركم ويحدثكم ، بأنكم إذا متم ، وفرقت أجسامكم في الأرض كل ~~تفريق ، وصرتم رفاتا وعظاما ، وأصبحتم طعاما في بطون الطيور والوحوش. PageV11P269 # ( @QUR@04 إنكم لفي خلق جديد ) أى : إنكم بعد هذا التمزيق والتفريق ، ~~تخلقون خلقا جديدا ، وتعودون إلى الحياة مرة أخرى ، للحساب على أعمالكم ~~التي عملتموها في حياتكم. # وقالوا : ( @QUR@04 هل ندلكم على رجل ) وهو صلى الله عليه وسلم أشهر من نار ~~على علم بينهم ، لقصد تجاهل أمره ، والاستخفاف بشأنه ، والاستهزاء بدعوته. # ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال : فإن قلت : كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مشهورا علما في قريش ، وكان إنباؤه بالبعث شائعا بينهم ، ~~فما معنى قولهم : ( @QUR@05 هل ندلكم على رجل ينبئكم ) فنكروه لهم ، وعرضوا ~~عليهم الدلالة عليه كما يدل على مجهول في أمر مجهول؟ # قلت : كانوا يقصدون بذلك الطنز أى : الاستخفاف والسخرية فأخرجوه مخرج ~~التحلي ببعض الأحاجى التي يتحاجى بها للضحك والتلهي ، متجاهلين به وبأمره (1). # وقال الآلوسى رحمه الله : وقوله : ( @QUR@01 ينبئكم ) أى يحدثكم بأمر ~~مستغرب عجيب ... وإذا في قوله : ( @QUR@02 إذا مزقتم ) شرطية ، وجوابها ~~محذوف لدلالة ما بعده عليه. # أى : تبعثون أو تحشرون ، وهو العامل في «إذا» على قول الجمهور. والجملة ~~الشرطية بتمامها معمولة لقوله ms4642 : ( @QUR@01 ينبئكم ) لأنه في معنى يقول لكم ~~إذا مزقتم كل ممزق تبعثون ، ثم أكد ذلك بقوله تعالى : ( @QUR@04 إنكم لفي ~~خلق جديد ) (2). # وقوله سبحانه بعد ذلك : ( @QUR@07 أفترى على الله كذبا أم به جنة ) حكاية ~~لقول آخر من أقوالهم الباطلة ، التي قالوها بشأن ما جاءهم به النبي ~~صلى الله عليه وسلم . # والاستفهام لتعجبهم مما قاله صلى الله عليه وسلم لأن قوله لهم : إنكم ~~ستبعثون وتحاسبون يوم القيامة ، جعلهم لجهلهم وانطماس عقولهم يستنكرون ذلك ~~، ويرجعون قوله صلى الله عليه وسلم إلى أمرين : إما افتراء الكذب واختلاقه على ~~الله تعالى وإما إصابته بالجنون الذي جعله يقول قولا لا يدرى معناه. # وقد رد الله تعالى بما ينفى عن رسوله صلى الله عليه وسلم ما اتهموه به ، ~~وبما يثبت جهلهم وغباءهم فقال. ( @QUR@09 بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في ~~العذاب والضلال البعيد ). # أى : ليس الأمر كما زعم هؤلاء الكافرون ، من أن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~الذي أخبرهم بأن هناك بعثا وحسابا ، به جنة أو افترى على الله كذبا ، بل ~~الحق أن هؤلاء الكافرين الذين PageV11P270 # لا يؤمنون بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب ، غارقون في العذاب الذي لا ~~نهاية له. وفي الضلال البعيد عن الحق غاية البعد. # ثم هددهم سبحانه بسوء العاقبة ، إذا ما استمروا في ضلالهم وجهالاتهم ~~وذكرهم بما يشاهدونه من عجائب قدرته فقال : ( @QUR@011 أفلم يروا إلى ما ~~بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض ). # والاستفهام للتعجب من حالهم ، ومن ذهولهم عن التفكر والتدبر ، والفاء ~~للعطف على مقدر يقتضيه المقام. # والمعنى : أعمى هؤلاء الكافرون فلم يعتبروا ولم يتعظوا بما يشاهدونه من ~~مظاهر قدرته عز وجل المحيطة بهم من كل جانب والمنتشرة في آفاق السموات وفي ~~جوانب الأرض؟ # إن تأملهم في مظاهر قدرتنا الواضحة أمام أعينهم ، من شأنه أن يهديهم إلى ~~الحق الذي جاءهم به رسولنا صلى الله عليه وسلم ومن شأنه أن يجعلهم يوقنون ~~بأننا ( @QUR@05 إن نشأ نخسف بهم الأرض ) كما فعلنا بقارون. # ( @QUR@01 أو ) إن نشأ ( @QUR@05 نسقط عليهم كسفا من السماء ) والكسف جمع ~~كسفة بمعنى قطعة أى ms4643 : لا يعجزنا أن نخسف بهم الأرض. كما لا يعجزنا أيضا أن ~~ننزل عليهم قطعا من العذاب الكائن من السماء فنهلكهم ، كما أنزلناها على ~~أصحاب الأيكة فأهلكناهم بسبب تكذيبهم وجحودهم. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@07 إن في ذلك لآية لكل عبد ~~منيب ). # أى : إن في ذلك الذي ذكرناه من مظاهر قدرتنا الواضحة بين أيديهم ، لآية ~~بينة ، وعبرة ظاهرة ، لكل عبد ( @QUR@01 منيب ) أى : راجع إلى الله تعالى ~~بالتوبة الصادقة ، وبالطاعة الخالصة لما جاءه به نبينا صلى الله عليه وسلم . # ثم ساق سبحانه نموذجين من الناس ، أولهما : أعطاه الله تعالى الكثير من ~~نعمه وفضله وإحسانه ، فوقف من كل ذلك موقف المعترف بنعم الله الشاكر لفضله. # وثانيهما : أعطاه الله تعالى النعم فوقف منها موقف الجاحد البطر الكنود. # أما النموذج الأول فنراه في شخص النبيين الكريمين داود وسليمان ~~عليهما السلام فقد قال سبحانه في شأنهما : PageV11P271 # ( @QUR@013 ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له ~~الحديد (10) @QUR@012 أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما ~~تعملون بصير (11) @QUR@027 ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له ~~عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه ~~من عذاب السعير (12) @QUR@019 يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان ~~كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور (13) ~~@QUR@027 فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل ~~منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب ~~المهين ) (14) # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 ولقد آتينا داود منا فضلا ) بيان لما من الله ~~تعالى به على عبده داود عليه السلام من خير وبركة. # أى : ولقد آتينا عبدنا داود فضلا عظيما ، وخيرا وفيرا ، وملكا كبيرا ، ~~بسبب إنابته إلينا ، وطاعته لنا. # ثم فصل سبحانه مظاهر هذا الفضل فقال : ( @QUR@04 يا جبال أوبي معه ) ~~والتأويب الترديد والترجيع. يقال : أوب فلان تأويبا إذا رجع مع غيره ما يقوله. # والجملة مقول لقول محذوف : أى : وقلنا يا جبال رددى ورجعي ms4644 مع عبدنا داود ~~تسبيحه لنا ، وتقديسه لذاتنا ، وثناءه علينا ، كما قال تعالى : ( @QUR@07 ~~إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق ). PageV11P272 # وقوله : ( @QUR@01 والطير ) بالنصب عطفا على قوله ( @QUR@01 فضلا ) أى : ~~وسخرنا له الطير لتسبح معه بحمدنا. أو معطوف على محل ( @QUR@02 يا جبال ) ~~أى : ودعونا الجبال والطير إلى التسبيح معه. # قال الإمام ابن كثير رحمه الله : يخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله ~~داود عليه السلام مما آتاه من الفضل المبين ، وجمع له بين النبوة والملك ~~المتمكن ، والجنود ذوى العدد والعدد ، وما أعطاه ومنحه من الصوت العظيم ، ~~الذي كان إذا سبح به ، تسبح معه الجبال الراسيات ، الصم الشامخات ، وتقف له ~~الطيور السارحات. والغاديات الرائحات ، وتجاوبه بأنواع اللغات. # وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوت أبى موسى الأشعرى يقرأ ~~من الليل ، فوقف فاستمع لقراءته ثم قال : «لقد أوتى هذا مزمارا من مزامير ~~آل داود» (1). # وقال صاحب الكشاف : فإن قلت : أى فرق بين هذا النظم وبين أن يقال : ~~«وآتينا داود منا فضلا» تأويب الجبال معه والطير؟ # قلت : كم بينهما من الفرق؟ ألا ترى إلى ما فيه من الفخامة التي لا تخفى ، ~~من الدلالة على عزة الربوبية وكبرياء الألوهية ، حيث جعلت الجبال منزلة ~~منزلة العقلاء ، الذين إذا أمرهم أطاعوا وأذعنوا ، وإذا دعاهم سمعوا ~~وأجابوا ، إشعارا بأنه ما من حيوان وجماد وناطق وصامت إلا وهو منقاد ~~لمشيئته ، غير ممتنع على إرادته (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@03 وألنا له الحديد )، بيان لنعمة أخرى من النعم ~~التي أنعم بها سبحانه عليه. # أى : وصيرنا الحديد لينا في يده ، بحيث يصبح مع صلابته وقوته كالعجين في ~~يده ، يشكله كيف يشاء ، من غير أن يدخله في نار ، أو أن يطرقه بمطرقة. # فالجملة الكريمة معطوفة على قوله ( @QUR@01 آتينا )، وهي من جملة الفضل ~~الذي منحه سبحانه لنبيه داود عليه السلام . # و ( @QUR@01 أن ) في قوله : ( @QUR@03 أن اعمل سابغات ) مصدرية على حذف ~~حرف الجر. وسابغات صفة لموصوف محذوف. PageV11P273 # أى : ألنا له الحديد ، لكي يعمل منه دروعا سابغات. والدرع السابغ ، هي ~~الدرع الواسعة التامة. يقال : سبغ ms4645 الشيء سبوغا ، إذا كان واسعا تاما كاملا. ~~ومنه قولهم : نعمة سابغة ، إذا كانت تامة كاملة. # قال تعالى : ( @QUR@017 ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في ~~الأرض ، وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ) (1). # وقوله : ( @QUR@03 وقدر في السرد ) والتقدير هنا بمعنى الإحكام والإجادة ~~وحسن التفكير في عمل الشيء. والسرد : نسج الدروع وتهيئتها لوظيفتها. # أى : آتينا داود كل هذا الفضل الذي من جملته إلانة الحديد في يده ، وقلنا ~~له يا داود : اصنع دروعا سابغات تامات ، وأحكم نسج هذه الدروع ، بحيث تكون ~~في أكمل صورة ، وأقوى هيئة. # روى أن الدروع قبل عهد داود كانت تعمل بطريقة تثقل الجسم ، ولا تؤدى ~~وظيفتها في الدفاع عن صاحبها ، فألهم الله تعالى داود عليه السلام أن يعملها ~~بطريقة لا تثقل الجسم ولا تتعبه ، وفي الوقت نفسه تكون محكمة إحكاما تاما ~~بحيث لا تنفذ منها الرماح ، ولا تقطعها السيوف ، وكان الأمر كله من باب ~~الإلهام والتعليم من الله تعالى لعبده داود عليه السلام . # ثم أمر سبحانه داود وأهله بالعمل الصالح فقال : ( @QUR@06 واعملوا صالحا ~~إني بما تعملون بصير ). # أى : واعملوا عملا صالحا يرضيني ، فإنى مطلع ومحيط ومبصر لكل ما تعملونه ~~من عمل ، وسأجازيكم عليه يوم القيامة بالجزاء الذي تستحقونه. # قال القرطبي : وفي هذه الآية دليل على تعلم أهل الفضل الصنائع ، وأن ~~التحرف بها لا ينقص من مناصبهم. بل ذلك زيادة في فضلهم وفضائلهم ، إذ يحصل ~~لهم التواضع في أنفسهم ، والاستغناء عن غيرهم ، وكسب الحلال الخالي عن ~~الامتنان. وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «إن خير ما أكل المرء ~~من عمل يده ، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده» (2). # هذا ما أعطاه الله تعالى لنبيه داود من فضل ، أما نبيه سليمان بن داود ، فقد PageV11P274 # أعطاه سبحانه أفضالا أخرى ، عبر عنها في قوله تعالى : ( @QUR@06 ولسليمان ~~الريح غدوها شهر ورواحها شهر ). # والغدوة والغداة : أول النهار إلى الزوال. والرواح : من الزوال إلى ~~الغروب. # والمعنى : وسخرنا لنبينا سليمان بن داود عليهما السلام الريح ، تجرى بأمره ~~في الغدوة الواحدة ms4646 مسيرة شهر ، وتعود بأمره في الروحة الواحدة مسيرة شهر. ~~أى : أنها لسرعتها تقطع في مقدار الغدوة الواحدة ما يقطعه الناس في شهر من ~~الزمان ، وكذلك الحال بالنسبة للروحة الواحدة ، وهي في كل مرة تسير بأمر ~~سليمان ، ووفق إرادته التي منحه الله تعالى إياها. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@010 ولسليمان الريح عاصفة تجري ~~بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب ) (2). # ثم بين تعالى نعمة ثانية من النعم التي أنعم بها على سليمان فقال : ( ~~@QUR@04 وأسلنا له عين القطر ). # والقطر : هو النحاس المذاب. مأخوذ من قطر الشيء يقطر قطرا وقطرانا ، إذا سال. # أى : كما ألنا لداود الحديد ، أسلنا لابنه سليمان النحاس وجعلناه مذابا ، ~~فكان يستعمله في قضاء مصالحه ، كما يستعمل الماء ، وهذا كله بفضلنا ~~وقدرتنا. # ثم بين سبحانه نعمة ثالثة أنعم بها على سليمان عليه السلام فقال : ( ~~@QUR@08 ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ). # أى : وسخرنا له من الجن من يكونون في خدمته ، ومن يعملون بين يديه ما ~~يريده منهم ، وهذا كله بأمرنا ومشيئتنا وقدرتنا. # ( @QUR@05 ومن يزغ منهم عن أمرنا ) أى : من ينحرف من هؤلاء الجن عما ~~أمرناه به من طاعة سليمان ، ( @QUR@04 نذقه من عذاب السعير ) أى : ننزل به ~~عذابنا الأليم ، الذي يذله ويخزيه في الدنيا والآخرة. PageV11P275 # ثم بين سبحانه بعض الأشياء التي كان الجن يعملونها لسليمان عليه السلام ~~فقال : ( @QUR@011 يعملون له ما يشاء من محاريب ، وتماثيل وجفان كالجواب ، ~~وقدور راسيات ). # والمحاريب : جمع محراب. وهو كل مكان مرتفع ، ويطلق على المكان الذي يقف ~~فيه الإمام في المسجد ، كما يطلق على الغرفة التي يصعد إليها ، وعلى أشرف ~~أماكن البيوت. # قالوا والمراد بها : أماكن العبادة ، والقصور المرتفعة. # والتماثيل : جمع تمثال وقد يكون من حجر أو خشب أو نحاس أو غير ذلك. # قال القرطبي ما ملخصه : والتماثيل جمع تمثال. وهو كل ما صور على مثل صورة ~~حيوان أو غير حيوان. وقيل : كانت من زجاج ونحاس ورخام ، تماثيل أشياء ليست ~~بحيوان. # وذكر أنها صور الأنبياء والعلماء ، وكانت ms4647 تصور في المساجد ليراها الناس. ~~فيزدادوا عبادة واجتهادا. # وهذا يدل على أن ذلك كان مباحا في زمانهم ، ونسخ ذلك بشرع محمد ~~صلى الله عليه وسلم (1). # والجفان : جمع جفنة. وهي الآنية الكبيرة. والجواب : جمع جابية ، وهي ~~الحوض الكبير الذي يجبى فيه الماء ويجمع لتشرب منه الدواب. # والقدور : جمع قدر. وهو الآنية التي يطبخ فيها الطعام من نحاس أو فخار أو ~~غيرهما. # وراسيات : جمع راسية بمعنى ثابتة لا تتحرك. # أى : أن الجن يعملون لسليمان عليه السلام ما يشاء من مساجد وقصور ، ومن ~~صور متنوعة ، ومن قصاع كبار تشبه الأحواض الضخمة ، ومن قدور ثابتات على ~~قواعدها ، بحيث لا تحرك لضخامتها وعظمها. # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور ) ~~مقول لقول محذوف. # أى : أعطينا سليمان كل هذه النعم ، وقلنا له ولأهله : اعملوا يا آل داود ~~عملا صالحا ، شكرا لله تعالى على فضله وعطائه ، وقليل من عبادي هو الذي ~~يشكرني شكرا خالصا على نعمى وفضلي وإحسانى. # وقوله ( @QUR@01 شكرا ) يجوز أن يكون مفعولا لأجله. أى : اعملوا من أجل ~~الشكر ، أو مصدرا واقعا موقع الحال. أى : اعملوا شاكرين. PageV11P276 # و ( @QUR@01 قليل ) خبر مقدم. و ( @QUR@02 من عبادي ) صفة له. و، ( ~~@QUR@01 الشكور ) مبتدأ مؤخر. وهكذا يختم القرآن هذه النعم بهذا التعقيب ~~الذي يكشف عن طبيعة الناس في كل زمان ومكان ، حتى يحملهم على أن يخالفوا ~~أهواءهم ونفوسهم ، ويكثروا من ذكر الله تعالى وشكره. # وحقيقة الشكر : الاعتراف بالنعمة للمنعم ، والثناء عليه لإنعامه ، ~~واستعمال نعمه سبحانه فيما خلقت له. # والإنسان الشكور : هو المتوفر على أداء الشكر ، الباذل قصارى جهده في ذلك ~~، عن طريق قلبه ولسانه وجوارحه. # ثم ختم سبحانه النعم التي أنعم بها على داود وسليمان ، ببيان مشهد وفاة ~~سليمان ، فقال : ( @QUR@013 فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا ~~دابة الأرض تأكل منسأته ). # والمراد بدابة الأرض : قيل هي الأرضة التي تأكل الخشب وتتغذى به ، يقال : ~~أرضت الدابة الخشب أرضا من باب ضرب ، إذا أكلته. فإضافة الدابة إلى الأرض ~~بمعنى الأكل والقطع من إضافة الشيء إلى فعله. # و ( @QUR@01 منسأته ms4648 ) أى : عصاه التي كان مستندا عليها. وسميت العصا بذلك ~~لأنها تزجر بها الأغنام إذا جاوزت مرعاها. من نسأ البعير كمنع إذا زجره ~~وساقه ، أو إذا أخره ودفعه. # والمعنى : فلما حكمنا على سليمان عليه السلام بالموت ، وأنفذناه فيه ، ~~وأوقعناه عليه ، ( @QUR@02 ما دلهم ) أى : الجن الذين كانوا في خدمته ( ~~@QUR@02 على موته ) بعد أن مات وظل واقفا متكئا على عصاه ( @QUR@05 إلا ~~دابة الأرض تأكل منسأته ). # أى : انهم لم يدركوا أنه مات ، واستمروا في أعمالهم الشاقة التي كلفهم ~~بها ، حتى جاءت الدابة التي تفعل الأرض أى الأكل والقطع فأكلت شيئا من عصاه ~~التي كان متكئا عليها ، فسقط واقعا بعد أن كان واقفا. # ( @QUR@02 فلما خر ) أى : فلما سقط سليمان على الأرض ( @QUR@02 تبينت ~~الجن ) أى : ظهر لهم ظهورا جليا ( @QUR@05 أن لو كانوا يعلمون الغيب ) كما ~~يزعم بعضهم. # ( @QUR@05 ما لبثوا في العذاب المهين ) أى : ما بقوا في الأعمال الشاقة ~~التي كلفهم بها سليمان. # وذلك أن الجن استمروا فيما كلفهم به سليمان من أعمال شاقة ، ولم يدركوا ~~أنه قد مات ، PageV11P277 # حتى جاءت الأرضة فأكلت شيئا من عصاه ، فسقط على الأرض وهنا فقط علموا أنه ~~قد مات. # قال ابن كثير : يذكر تعالى في هذه الآية كيفية موت سليمان عليه السلام ~~وكيف عمى الله موته على الجان المسخرين له في الأعمال الشاقة ، فإنه مكث ~~متوكئا على عصاه ، وهي منسأته مدة طويلة نحوا من سنة ، فلما أكلتها دابة ~~الأرض ، وهي الأرضة ضعف وسقط إلى الأرض ، وعلم أنه قد مات قبل ذلك بمدة ~~طويلة تبينت الجن والإنس أيضا أن الجن لا يعلمون الغيب ، كما كانوا يتوهمون ~~ويواهمون الناس ذلك» (1). # هذا هو النموذج الأول الذي ساقه الله تعالى للشاكرين ، متمثلا في موقف ~~داود وسليمان عليهما السلام مما أعطاهما سبحانه من نعم جزيله .. # أما النموذج الثاني الذي جاء في أعقاب سابقه فقد ساقه سبحانه لسوء عاقبة ~~الجاحدين ، متمثلا في قصة قبيلة سبأ ، وكيف أنهم قابلوا نعم الله بالبطر ، ~~فمحقها سبحانه من بين أيديهم وفي شأنهم يقول عز وجل : # ( @QUR@020 لقد كان لسبإ في مسكنهم آية ms4649 جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ~~ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور (15) @QUR@016 فأعرضوا فأرسلنا عليهم ~~سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ~~(16) @QUR@08 ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور (17) @QUR@017 ~~وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير ~~سيروا فيها ليالي وأياما آمنين (18) @QUR@08 فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا ~~وظلموا أنفسهم فجعلناهم PageV11P278 # @QUR@011 أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (19) ~~@QUR@010 ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين (20) ~~@QUR@021 وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها ~~في شك وربك على كل شيء حفيظ ) (21) # و ( @QUR@01 لسبإ ) في الأصل اسم لرجل ، وهو : سبأ بن يشجب بن يعرب بن ~~قحطان بن هود ، وهو أول ملك من ملوك اليمن .. # والمراد به هنا : الحي أو القبيلة المسماة باسمه ، فيصرف على الأول ويترك ~~صرفه على الثاني. # وكانوا يسكنون بمأرب باليمن ، على مسيرة ثلاثة أيام من صنعاء وكانت أرضهم ~~مخصبة ذات بساتين وأشجار متنوعة ، وزاد خيرهم ونعيمهم بعد أن أقاموا سدا ، ~~ليأخذوا من مياه الأمطار على قدر حاجتهم ، وكان هذا السد يعرف بسد مأرب ، ~~ولكنهم لم يشكروا الله تعالى على هذه النعم ، فسلبها سبحانه منهم. # قال ابن كثير : كانت سبأ ملوك اليمن وأهلها ، وكانت التبابعة منهم ، ~~وبلقيس منهم ، وكانوا في نعمة وغبطة ، وبعث الله إليهم الرسل تأمرهم أن ~~يأكلوا من رزقه ، ويشكروه بتوحيده وعبادته فكانوا كذلك ما شاء الله ، ثم ~~أعرضوا عما أمروا به ، فعوقبوا بإرسال السيل والتفرق في البلاد. # أخرج الإمام أحمد بسنده عن ابن عباس قال : إن رجلا سأل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن سبأ : ما هو؟ رجل أم امرأة أم أرض؟ فقال ~~صلى الله عليه وسلم : بل هو رجل. كان له عشرة أولاد ، سكن اليمن منهم ستة ، ~~وهم : مذحج ، وكنده ، والأزد ، والأشعريون ، وأنمار ، وحمير. وسكن الشام ~~منهم أربعة وهم : لخم ، وجذام ، وعاملة ، وغسان .. # وإنما سمى «سبأ» لأنه أول من سبأ ms4650 في العرب أى : جمع السبايا ، وكان يقال ~~له الرائش ، لأنه أول من غنم في الغزو فأعطى قومه ، فسمى الرائش ، والعرب ~~تسمى المال ريشا ورياشا ، وذكروا أنه بشر برسول الله صلى الله عليه وسلم ، في ~~زمانه المتقدم» (1). PageV11P279 # والمعنى : والله لقد كان لقبيلة سبأ في مساكنهم التي يعيشون فيها ( ~~@QUR@01 آية ) بينة واضحة ، وعلامة ظاهرة تدل على قدرة الله تعالى وعلى ~~فضله على خلقه وعلى وجوب شكره على نعمه ، وعلى سوء عاقبة الجاحدين لهذه النعم. # فالمراد بالآية : العلامة الواضحة الدالة على وحدانية الله تعالى وقدرته ~~وبديع صنعه ، ووجوب شكره ، والتحذير من معصيته. # ثم وضح سبحانه هذه الآية فقال : ( @QUR@04 جنتان عن يمين وشمال ) أى : ~~كانت لأهل سبأ طائفتان من البساتين والجنان : طائفة من يمين بلدهم ، وطائفة ~~أخرى عن شماله. # وهذه البساتين المحيطة بهم كانت زاخرة بما لذ وطاب من الثمار. # قالوا : كانت المرأة تمشى تحت أشجار تلك البساتين وعلى رأسها المكتل ، ~~فيمتلئ من أنواع الفواكه التي تتساقط في مكتلها دون جهد منها. # ولفظ ( @QUR@01 جنتان ) مرفوع على البدل من ( @QUR@01 آية ) أو على أنه ~~مبتدأ ، وخبره قوله : ( @QUR@03 عن يمين وشمال ). # وقوله تعالى : ( @QUR@06 كلوا من رزق ربكم واشكروا له. ) @QUR@01 .. مقول ~~لقول محذوف. # أى : وقلنا لهم على ألسنة رسلنا ، وعلى ألسنة الصالحين منهم ، كلوا من ~~الأرزاق الكريمة ، والثمار الطيبة ، التي أنعم بها ربكم عليكم ، واشكروا له ~~سبحانه هذا العطاء ، فإنكم إذا شكرتموه زادكم من فضله وإحسانه. # وقوله : ( @QUR@04 بلدة طيبة ورب غفور ) كلام مستأنف لبيان موجبات الشكر. # أى : هذه البلدة التي تسكنونها بلدة طيبة لاشتمالها على كل ما تحتاجونه ~~من خيرات ، وربكم الذي أعطاكم هذه النعم ، رب واسع المغفرة والرحمة لمن تاب ~~إليه وأناب ، ويعفو عن كثير من ذنوب عباده بفضله وإحسانه. # ثم بين سبحانه ما أصابهم بسبب جحودهم وبطرهم فقال : ( @QUR@016 فأعرضوا ~~فأرسلنا عليهم سيل العرم ، وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط ، وأثل ~~وشيء من سدر قليل ). # والعرم : اسم للوادي الذي كان يأتى منه السيل. وقيل : هو المطر الشديد ~~الذي لا يطاق. # فيكون من إضافة الموصوف إلى الصفة. أى ms4651 : أرسلنا عليهم السيل الشديد ~~المدمر. # ويرى بعضهم أن المراد بالعرم : السدود التي كانت مبنية لحجز الماء من ~~خلفها ، ويأخذون منها لزروعهم على قدر حاجتهم ، فلما أصيبوا بالترف والجحود ~~تركوا العناية بإصلاح هذه PageV11P280 # السدود ، فتصدعت ، واجتاحت المياه أراضيهم فأفسدتها ، واكتسحت مساكنهم ، ~~فتفرقوا عنها ، ومزقوا شر ممزق ، وضربت بهم الأمثال التي منها قولهم : ~~تفرقوا أيدى سبأ. وهو مثل يضرب لمن تفرق شملهم تفرقا لا اجتماع لهم معه. # وهذا ما حدث لقبيلة سبأ ، فقد تفرق بعضهم إلى المدينة المنورة كالأوس ~~والخزرج ، وذهب بعضهم إلى عمان كالأزد ، وذهب بعضهم إلى الشام كقبيلة غسان. # وقوله : ( @QUR@03 ذواتي أكل خمط ) الأكل : هو الثمر ، ومنه قوله تعالى : ~~( @QUR@03 فآتت أكلها ضعفين ) أى : ثمرها. والخمط : هو ثمر الأراك أو هو ~~النبت المر الذي لا يمكن أكله. # و (الأثل) هو نوع من الشجر يشبه شجر الطرفاء. أو هو نوع من الشجر كثير ~~الشوك و (السدر) هو ما يعرف بالنبق. أو هو نوع من الثمار التي يقل الانتفاع بها. # والمعنى : فأعرض أهل سبأ عن شكرنا وطاعتنا ... فكانت نتيجة ذلك ، أن ~~أرسلنا عليهم السيل الجارف ، الذي اجتاح أراضيهم ، فأفسد مزارعهم ، وأجلاهم ~~عن ديارهم ، ومزقهم شر ممزق .. وبدلناهم بالجنان اليانعة التي كانوا يعيشون ~~فيها ، بساتين أخرى قد ذهبت ثمارها الطيبة اللذيذة ، وحلت محلها ثمار مرة ~~لا تؤكل ، وتناثرت في أماكنهم الأشجار التي لا تسمن ولا تغنى من جوع ، بدلا ~~من تلك الأشجار التي كانت تحمل لهم ما لذ وطاب ، وعظم نفعه. # فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن الجحود والبطر ، يؤديان إلى الخراب ~~والدمار ، وإلى زوال النعم وتحويلها إلى نقم. # ولذا جاء التعقيب بعد هذه الآية بقوله تعالى : ( @QUR@08 ذلك جزيناهم بما ~~كفروا وهل نجازي إلا الكفور ). # أى : ذلك الذي فعلناه بهم من تبديل جنتيهم ، بجنتين ذواتي أكل خمط .. هو ~~الجزاء العادل لهم بسبب جحودهم وترفهم وفسوقهم عن أمرنا. # وإننا من شأننا ومن سنتنا أننا لا نعاقب ولا نجازي هذا الجزاء الرادع ~~الشديد ، إلا لمن جحد نعمنا ، وكفر بآياتنا ، وآثر الغي على الرشد ، ~~والعصيان على الطاعة. ms4652 # فاسم الإشارة يعود إلى التبديل الذي تحدثت عنه الآية السابقة. وهو ~~المفعول الثاني لجزيناهم مقدم عليه. أى : جزيناهم ذلك التبديل لا غيره. ~~والمراد بالجزاء هنا : العقاب. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@04 وهل نجازي إلا الكفور ) بمعنى : وهل يعاقب. # وهو الوجه الصحيح. وليس لقائل أن يقول : لم قيل : وهل يجازى إلا الكفور ، ~~على اختصاص الكفور بالجزاء ، والجزاء عام للمؤمن والكافر ، لأنه لم يرد ~~الجزاء العام وإنما أريد PageV11P281 # الخاص وهو العقاب (1). # ثم بين سبحانه نقمة أخرى أصابتهم بسبب جهلهم وحمقهم ، وكيف أن هذه النقمة ~~قد حلت محل نعمة كانوا فيها ، فقال تعالى : ( @QUR@017 وجعلنا بينهم وبين ~~القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة ، وقدرنا فيها السير ، سيروا فيها ليالي ~~وأياما آمنين ). # أى : وجعلنا بقدرتنا ورحمتنا بين أهل سبأ ( @QUR@05 وبين القرى التي ~~باركنا فيها ) كمكة في الجزيرة العربية ، وكبيت المقدس في بلاد الشام ، ~~جعلنا بينهم وبين تلك القرى المباركة ، ( @QUR@02 قرى ظاهرة ) أى : قرى ~~متقاربة متواصلة ، بحيث يرى من في إحداها غيرها. # ( @QUR@03 وقدرنا فيها السير ) أى : وجعلنا زمن السير من قرية إلى أخرى ~~مقدرا محددا ، بحيث لا يتجاوز مدة معينة قد تكون نصف يوم أو أقل. # وقالوا : كان المسافر يخرج من قرية ، فيدخل الأخرى قبل حلول الظلام بها. # وقوله : ( @QUR@05 سيروا فيها ليالي وأياما آمنين ) مقول لقول محذوف. أى ~~: وقلنا لهم : سيروا في تلك القرى المتقاربة العامرة بالخيرات ، والتي ~~توصلكم إلى القرى المباركة .. سيروا فيها ليالي وأياما آمنين من كل شر سواء ~~سرتم بالليل أم بالنهار ، فإن الأمن فيها مستتب في كل الأوقات : وفي كل ~~الأحوال. # فالآية الكريمة تحكى نعمة عظمى أخرى أنعم الله تعالى بها على أهل سبأ ، ~~وهي نعمة تيسير سبل السفر لهم إلى القرى المباركة ، وتهيئة الأمان ~~والاطمئنان لهم خلال سفرهم ، وهي نعمة عظمى لا يدرك ضخامتها إلا من مارس ~~الأسفار من مكان إلى آخر. # ولكنهم لم يقدروا هذه النعمة ، بل بلغ بهم الجهل والحمق والبطر ، أنهم ~~دعوا الله تعالى بقولهم كما حكى القرآن عنهم : ( @QUR@05 فقالوا ربنا باعد ~~بين أسفارنا ). # أى : مع أننا بفضلنا وإحساننا ms4653 قد أعطيناهم تلك النعمة ، ومكانهم منها ، ~~وهي نعمة تيسير وسائل السفر ، ومنحهم الأمان والاطمئنان خلاله .. إلا أنهم ~~لشؤمهم وضيق تفكيرهم وشقائهم تضرعوا إلينا وقالوا : يا ربنا اجعل بيننا ~~وبين القرى المباركة ، مفاوز وصحارى متباعدة الأقطار ، بدل تلك القرى ~~العامرة المتقاربة ، فهم كما يقول صاحب الكشاف : بطروا النعمة ، وبشموا. أى ~~: سئموا من طيب العيش ، وملوا العافية ، فطلبوا النكد والتعب ، كما طلب بنو ~~إسرائيل البصل والثوم ، مكان المن والسلوى (2). PageV11P282 # وفي هذه الجملة الكريمة قراءات متعددة ذكرها القرطبي فقال ما ملخصه : ~~فقراءة العامة ( @QUR@01 ربنا ) بالنصب على أنه نداء مضاف .. ( @QUR@01 ~~باعد ) بزنة فاعل سألوا المباعدة في أسفارهم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ( ~~@QUR@01 ربنا ) كذلك على الدعاء بعد بتشديد العين من التبعيد. # وقرأ يعقوب وغيره ربنا بالرفع ( @QUR@01 باعد ) بفتح العين والدال على ~~الخبر. أى : لقد باعد ربنا ( @QUR@02 بين أسفارنا ) (1). # وقوله : ( @QUR@02 وظلموا أنفسهم ) أى : قالوا ذلك القول السيئ ، وظلموا ~~أنفسهم بسببه ، حيث أجيب دعاؤهم ، فكان نقمة عليهم ، لأنهم بعد أن كانوا ~~يسافرون بيسر وأمان ، صاروا يسافرون بمشقة وخوف. # وقوله : ( @QUR@05 فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق ) بيان لما آل إليه أمرهم. # والأحاديث : جمع أحدوثة ، وهي ما يتحدث به الناس على سبيل التلهي والتعجب ~~أى : قالوا ما قالوا من سوء وفعلوا ما فعلوا من منكر ، فكانت نتيجة ذلك. أن ~~صيرناهم أحاديث يتلهى الناس بأخبارهم ، ويضربون بهم المثل ، فيقولون : ~~تفرقوا أيدى سبأ ، ومزقناهم كل ممزق في البلاد المتعددة ، فمنهم من ذهب إلى ~~الشام ، ومنهم من ذهب إلى العراق ... بعد أن كانوا أمة متحدة ، يظلها ~~الأمان والاطمئنان ، والغنى والجاه ... # ( @QUR@03 إن في ذلك ) الذي فعلناه بهم بسبب جهلهم وفسوقهم وبطرهم ( ~~@QUR@01 لآيات ) واضحات بينات ( @QUR@02 لكل صبار ) على طاعة الله تعالى ( ~~@QUR@01 شكور ) له سبحانه على نعمه. # وخص سبحانه الصبار والشكور بالذكر. لأنهما هما المنتفعان بآياته وعبره ~~ومواعظه. # ثم بين عز وجل الأسباب التي أدت إلى جحودهم وفسوقهم فقال : ( @QUR@010 ~~ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين ). # ولفظ ( @QUR@01 صدق ) قرأه بعض القراء السبعة بتشديد الدال المفتوحة ، ~~وقرأه البعض الآخر بفتح الدال بدون تشديد. ms4654 وقوله : ( @QUR@01 عليهم ) متعلق بصدق. # وقوله ( @QUR@01 ظنه ) مفعول به على قراءة التشديد ، ومنصوب بنزع الخافض ~~على القراءة بالتخفيف ، وضمير الجمع في ( @QUR@01 عليهم ) وفي ( @QUR@01 ~~فاتبعوه ) يعود إلى قوم سبأ. # والمعنى على القراءة بالتشديد : ولقد صدق عليهم إبليس ظنه في قدرته على ~~إغوائهم ، وحقق ما كان يريده منهم من الانصراف عن طاعة الله تعالى وشكره ، ~~فاتبعوا خطوات الشيطان ، PageV11P283 # بسبب انغماسهم في الفسوق والعصيان ، إلا فريقا من المؤمنين ، لم يستطع ~~إبليس إغواءهم لأنهم أخلصوا عبادتهم لخالقهم عز وجل ، واستمسكوا بالعروة ~~الوثقى التي لا انفصام لها. # والمعنى على القراءة بالتخفيف : ولقد صدق إبليس في ظنه أنه إذا أغواهم ~~اتبعوه ، لأنه بمجرد أن زين لهم المعاصي أطاعوه ، إلا فريقا من المؤمنين لم ~~يطيعوه. # قال القرطبي ما ملخصه : وقوله : ( @QUR@04 إلا فريقا من المؤمنين ) نصب ~~على الاستثناء وفيه قولان : أحدهما : أنه يراد به بعض المؤمنين فتكون من ~~للتبعيض ، لأن كثيرا من المؤمنين يذنبون وينقادون لإبليس في بعض المعاصي. ~~أى : ما سلم من المؤمنين أيضا إلا فريق ، وهو المقصود بقوله تعالى : ( ~~@QUR@06 إن عبادي ليس لك عليهم سلطان. ) @QUR@01 .. . # والثاني : أن المراد بهم جميع المؤمنين ، فعن ابن عباس أنه قال : هم ~~المؤمنون كلهم. # وعلى هذا تكون ( @QUR@01 من ) للبيان لا للتبعيض .. (1). # ثم بين سبحانه أن إغواء الشيطان لأهل سبأ ولأشباههم من بنى آدم ، لم يكن ~~عن قسر وإكراه ، وإنما كان عن اختيار منهم ليتميز الخبيث من الطيب فقال ~~تعالى : ( @QUR@016 وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ~~ممن هو منها في شك ) @QUR@01 .. . # والمراد بالسلطان هنا : التسلط بالقهر والغلبة والإكراه. والمراد بالعلم ~~في قوله تعالى ( @QUR@02 إلا لنعلم ) إظهار هذا العلم للناس ليتميز قوى ~~الإيمان من غيره. # أى : وما كان لإبليس عليهم من سلطان قاهر يجعلهم لا يملكون دفعه ، وإنما ~~كان له عليهم الوسوسة التي يملكون صرفها ودفعها متى حسنت صلتهم بنا ، ونحن ~~ما أبحنا لإبليس الوسوسة لبنى آدم ، إلا لنظهر في عالم الواقع حال من يؤمن ~~بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب وحساب ، ولنميزه عمن هو منها في شك وريب ms4655 ~~وإنكار ... # قال الشوكانى رحمه الله : والاستثناء في قوله ( @QUR@010 إلا لنعلم من ~~يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك ) منقطع أى : لا سلطان له عليهم ، ولكن ~~ابتليناهم بوسوسته لنعلم. # وقيل : هو متصل مفرغ من أعم العلل. أى : ما كان له عليهم من تسلط بحال من ~~الأحوال ، ولا لعلة من العلل ، إلا ليتميز من يؤمن ومن لا يؤمن ، لأنه ~~سبحانه قد علم ذلك علما أزليا. وقال الفراء : إلا لنعلم ذلك عندكم. والأولى ~~حمل العلم هنا على التمييز والإظهار (2). PageV11P284 # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@05 وربك على كل شيء حفيظ ) ~~أى : وربك أيها الرسول الكريم على كل شيء رقيب وحفيظ ، بحيث لا يخرج شيء عن ~~حفظه وهيمنته وعلمه وقدرته. # وهكذا نجد القرآن قد ساق لنا قصتين متعاقبتين ، إحداهما تدل على أن طاعة ~~الله تعالى وشكره ، وإخلاص العبادة له ، وحسن الصلة به سبحانه ، كل ذلك ~~يؤدى إلى المزيد من نعمه تعالى ، كما حدث لداود وسليمان عليهما السلام . # وأما الثانية فتدل على أن الجحود والبطر والانغماس في المعاصي والشهوات. ~~كل ذلك يؤدى إلى زوال النعم ، كما حدث لقبيلة سبأ. # وصدق الله إذ يقول : ( @QUR@023 لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما ~~كان حديثا يفترى ، ولكن تصديق الذي بين يديه ، وتفصيل كل شيء ، وهدى ورحمة ~~لقوم يؤمنون ) (1). # ثم نجد السورة الكريمة بعد ذلك ، تلقن النبي صلى الله عليه وسلم الحجج التي ~~تؤيد ما هو عليه من حق وصدق ، وتزهق ما عليه أعداؤه من باطل وكذب .. فتقول : # ( @QUR@026 قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير (22) ~~@QUR@023 ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم ~~قالوا ما ذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير (23) @QUR@017 قل من ~~يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ~~(24) @QUR@01 قل PageV11P285 # @QUR@08 لا تسئلون عما أجرمنا ولا نسئل عما تعملون (25) @QUR@011 قل يجمع ~~بيننا ربنا ثم ms4656 يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم (26) @QUR@012 قل أروني ~~الذين ألحقتم به شركاء كلا بل هو الله العزيز الحكيم ) (27) # والأمر بالدعاء في قوله سبحانه : ( @QUR@07 قل ادعوا الذين زعمتم من دون ~~الله ) @QUR@01 .. للتوبيخ والتعجيز. ومفعولا ( @QUR@01 زعمتم ) محذوفان. # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء المشركين على سبيل التقريع والتعجيز : ~~هؤلاء آلهتكم الذين زعمتموهم آلهة من دون الله ، اطلبوا منهم أن ينفعوكم أو ~~أن يرفعوا عنكم ضرا نزل بكم ، إنهم بالقطع لن يستطيعوا شيئا من ذلك. # ولذا جاء التأكيد على عجز هذه الآلهة المزعومة بعد ذلك في قوله تعالى : ( ~~@QUR@09 لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ) @QUR@01 .. . # أى : هؤلاء الشركاء لا يملكون شيئا ما قل أو كثر لا في السموات ولا في ~~الأرض ، بل الذي يملك كل شيء ، هو الله تعالى وحده. # فالجملة الكريمة مستأنفة لبيان حال هذه الآلهة ، وللكشف عن حقيقتها. # والتعبير بعدم ملكيتهم لمثقال ذرة ، المقصود به أنهم لا يملكون شيئا على ~~الإطلاق ، لأن مثقال الذرة أقل ما يتصور في الحقارة والقلة. # وذكر سبحانه السموات والأرض لقصد التعميم ، إذ هما محل الموجودات ~~الخارجية. # أى : لا يملكون شيئا ما في هذا الكون العلوي والسفلى. # وبعد أن نفى عن الشركاء الملكية الخالصة لأى شيء في هذا الكون ، أتبع ذلك ~~بنفي ملكيتهم لشيء ولو على سبيل المشاركة ، فقال تعالى : ( @QUR@010 وما ~~لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ). # أى : أن هؤلاء الذين زعمتموهم شركاء لله تعالى في العبادة ، لا يملكون ~~شيئا ما في هذا الكون ملكية خاصة ، ولا يملكون شيئا ما أيضا على سبيل ~~المشاركة لغيرهم. وليس لله PageV11P286 # تعالى أحد يعينه أو يظاهره فيما يريد من إيجاد أو إعدام ، بل الأمر كله ~~إليه وحده. # فأنت ترى أن الآية الكريمة قد نفت عن تلك الآلهة المزعومة ، ملكية أى شيء ~~في هذا الكون ، سواء أكانت ملكية خالصة ، أم ملكية على سبيل المشاركة ، ~~وأثبتت أن المالك والمتصرف في هذا الكون إنما هو الله تعالى وحده ، دون أن ~~يكون في حاجة إلى عون من تلك الآلهة أو ms4657 من غيرها. # ثم نفى سبحانه أن تكون هناك شفاعة من أحد لأحد إلا بإذنه تعالى فقال : ( ~~@QUR@08 ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ). # والشفاعة : من الشفع الذي هو ضد الوتر أى : الفرد ، ومعناها : انضمام ~~الغير إلى الشخص ليدفع عنه ما يمكن دفعه من ضر. # أى : ولا تنفع الشفاعة عند الله تعالى من أحد لأحد ، إلا لمن أذن الله ~~تعالى له في ذلك. # قال الآلوسى ما ملخصه : والمراد نفى شفاعة الأصنام لعابديها ، لكنه ~~سبحانه ذكر ذلك على وجه عام ، ليكون طريقا برهانيا. أى : لا تنفع الشفاعة ~~في حال من الأحوال ، أو كائنة لمن كانت ، إلا كائنة لشافع أذن له فيها من ~~النبيين والملائكة ونحوهم من المستأهلين لمقام الشفاعة. ومن البين أنه لا ~~يؤذن في الشفاعة للكفار ، فقد قال تعالى : ( @QUR@09 لا يتكلمون إلا من أذن ~~له الرحمن وقال صوابا ) والشفاعة لهم بمعزل عن الصواب ، وعدم الإذن للأصنام ~~أبين وأبين ، فتبين حرمان هؤلاء الكفرة منها بالكلية ... (1). # وقوله : ( @QUR@012 حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ما ذا قال ربكم قالوا ~~الحق ) @QUR@01 .. بيان لما يكون عليه المنتظرون للشفاعة ، من لهفة وقلق. # والتضعيف في قوله ( @QUR@01 فزع ) للسلب. كما في قولهم : مرضت المريض إذا ~~عملت على إزالة مرضه. # فمعنى : ( @QUR@03 فزع عن قلوبهم ): كشف الفزع عنها ، وهدأت أحوالها بعد ~~أن أصابها ما أصابها من هول وخوف في هذا اليوم الشديد ، وهو يوم القيامة. # و ( @QUR@01 حتى ) غاية لما فهم من الكلام قبلها ، من أن هناك تلهفا ~~وترقبا من الراجين للشفاعة ومن الشفعاء ، إذ الكل منتظر بقلق لما يؤول إليه ~~أمره من قبول الشفاعة أو عدم قبولها. # والمعنى : ولا تقبل الشفاعة يوم القيامة من أحد إلا لمن أذن الله تعالى ~~له في ذلك ، وفي PageV11P287 # هذا اليوم الهائل الشديد ، يقف الناس في قلق ولهفة منتظرين قبول الشفاعة ~~فيهم. حتى إذا كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم ، بسبب إذن الله ~~تعالى في قبولها ممن يشاء ولمن يشاء ، واستبشر الناس وقال بعضهم لبعض ، أو ~~قالوا للملائكة : ( @QUR@04 ما ذا قال ربكم ) أى : ماذا ms4658 قال ربكم في شأننا ~~ومصيرنا. # وهنا تقول لهم الملائكة ، أو يقول بعضهم لبعض : ( @QUR@02 قالوا الحق ) ~~أى : يقولون قال ربنا القول الحق وهو الإذن في الشفاعة لمن ارتضى. # فلفظ ( @QUR@01 الحق ) منصوب بفعل مضمر. أى : قالوا قال ربنا الحق أو صفة ~~لموصوف محذوف. أى : قالوا : قال ربنا القول الحق. # ( @QUR@01 وهو ) سبحانه ( @QUR@01 العلي ) أى : المتفرد بالعلو فوق خلقه ~~( @QUR@01 الكبير ) أى : المتفرد بالكبرياء والعظمة. # قال صاحب الكشاف رحمه الله : فإن قلت : بم اتصل قوله : ( @QUR@05 حتى إذا ~~فزع عن قلوبهم )، ولأى شيء وقعت حتى غاية؟. # قلت : اتصل بما فهم من هذا الكلام ، من أن ثم انتظارا للإذن ، وتوقعا ~~وتمهلا وفزعا من الراجين للشفاعة والشفعاء ، هل يؤذن لهم أولا؟ وأنه لا ~~يطلق الإذن إلا بعد ملى من الزمان ، وطول التربص ... # كأنه قيل : ينتظرون ويتوقفون كليا فزعين وهلين ، حتى إذا كشف الفزع عن ~~قلوب الشافعين والمشفوع لهم ، بكلمة يتكلم بها رب العزة في إطلاق الإذن : ~~تباشروا بذلك وسأل بعضهم بعضا ( @QUR@05 ما ذا قال ربكم ، قالوا ) قال ( ~~@QUR@01 الحق ) أى : القول الحق ، وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى .. (1). # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يسألهم للمرة الثانية على ~~سبيل التنبيه والتوبيخ ، من الذي يملك أن يرزقهم ، فقال سبحانه : ( @QUR@06 ~~قل من يرزقكم من السماوات والأرض ) @QUR@01 .. . # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء المشركين : من الذي يرزقكم من السماء ~~بالمطر وغيره ، ويرزقكم من الأرض بالنباتات والمعادن وغير ذلك من المنافع. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 قل الله ) جواب على هذا السؤال ، وهو جواب لا ~~يملكون إلا الاعتراف به. PageV11P288 # أى : قل لهم منبها ولافتا أنظارهم إلى ما هم فيه من جهل : الله وحده هو ~~الذي يرزقكم بما لا يحصى من الأرزاق التي بعضها من السموات ، وبعضها من الأرض. # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ) داخل ~~في حيز الأمر السابق ، ولكن بأسلوب فيه ما فيه من الحكمة والتلطف ، ومن حمل ~~المخاطب على التفكر والتدبر حتى يعود إلى الرشد والصواب. # أى : وقل لهم أيضا أيها الرسول الكريم لقد علمتم يا ms4659 معشر المشركين أن ~~المستحق للعبادة هو الله تعالى وحده ، لأنه هو الذي خلقكم ورزقكم من ~~السموات والأرض ... # وإن أحدنا لا بد أن يكون على الهدى والآخر على الضلال. وسنترك تحديد من ~~هو المهتدى ومن هو الضال لعقولكم وضمائركم. # وستعلمون علم اليقين بعد التفكر والتدبر أننا نحن المسلمين على الحق ، ~~وأنتم يا معشر المشركين على الباطل .. # فالجملة الكريمة لون من ألوان الدعوة إلى الله تعالى بأسلوب مهذب حكيم ، ~~من شأنه أن يحمل القلوب النافرة عن الحق ، إلى الاستسلام له ، والدخول فيه .. # قال القرطبي : وقوله : ( @QUR@09 وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ~~) هذا على وجه الإنصاف في الحجة ، كما يقول القائل لغيره : أحدنا كاذب ، ~~وهو يعلم أنه صادق ، وأن صاحبه كاذب ، والمعنى : ما نحن وأنتم على أمر واحد ~~، بل على أمرين متضادين ، وأحد الفريقين مهتد وهو نحن ، والآخر ضال وهو ~~أنتم ، فكذبهم بأحسن من تصريح التكذيب. # والمعنى : أنتم الضالون حين أشركتم بالله الذي يرزقكم من السموات والأرض ~~... (1). # وقوله : ( @QUR@02 أو إياكم ) معطوف على اسم إن ، وخبرها هو المذكور. ~~وحذف خبر الثاني للدلالة عليه. # أى : وإنا لعلى هدى أو في ضلال مبين ، وإنكم لعلى هدى أو في ضلال مبين. # ثم أتبع سبحانه هذا الكرم الحكيم في الدعوة إلى الحق ، بكلام لا يقل عنه ~~حكمة وبلاغة فقال : ( @QUR@09 قل لا تسئلون عما أجرمنا ولا نسئل عما تعملون ~~) أى : وقل لهم للمرة الثالثة أيها الرسول الكريم أنتم أيها المشركون لا ~~تسألون يوم القيامة عن إجرامنا في حق أنفسنا إن كنا قد أجرمنا وأخطأنا في ~~حقها ، ونحن أيضا لا يسألنا الله تعالى PageV11P289 # عن سبب بقائكم في الكفر وفي الأعمال السيئة ، لأننا قد بلغناكم رسالة ~~ربكم عز وجل ، ونصحناكم بالإقلاع عن الشرك والمعاصي. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى ، ( @QUR@015 وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم ~~عملكم ، أنتم بريئون مما أعمل ، وأنا بريء مما تعملون ) (1). # ثم أمره سبحانه أن يذكرهم بيوم القيامة وما فيه من حساب دقيق ، فقال : ( ~~@QUR@011 قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم ms4660 ). # أى : وقل لهم أيها الرسول الكريم إن الله تعالى بقدرته سيجمعنا وإياكم ~~يوم القيامة ، ثم يحكم بيننا جميعا بحكمه العادل ، وهو سبحانه ( @QUR@02 ~~الفتاح العليم ) أى : الحاكم في كل أمر بالحكم الحق ، المطلع على جميع ~~أحوال عباده. # ثم ختم سبحانه هذه الآيات بتوجيه رسوله صلى الله عليه وسلم إلى أن يقول لهم ~~قولا يخرس به ألسنتهم ، ويبطل حججهم فقال : ( @QUR@06 قل أروني الذين ~~ألحقتم به شركاء ) والرؤية هنا بصرية. ومفعولها الأول الياء ، ومفعولها ~~الثاني الاسم الموصول ، ولفظ شركاء : حال. # أى : وقل لهم أيضا للمرة الخامسة على سبيل إلزامهم الحجة : أرونى ~~وأطلعونى على أصنامكم التي ألحقتموها بالله تعالى في العبادة ، واتخذتموها ~~شركاء له في الطاعة ... إنها ما هي إلا أشياء لا تضر ولا تنفع ، وأنتم ~~تعرفون ذلك عنها ، وها هي أمامكم واقعها وحالها ينبئ بعجزها التام ، فكيف ~~أشركتموها مع الله تعالى في العبادة والطاعة؟ # فالمقصود من الرؤية إشهادهم على عجزها ، وتبكيتهم على جهالاتهم ، وحضهم ~~على نبذ الشركاء ، وإخلاص العبادة لله الواحد القهار. # ويحتمل أن تكون الرؤية هنا علمية ، فيكون لفظ ( @QUR@01 شركاء ) هو ~~المفعول الثالث. # أى : عرفوني الأصنام والأوثان التي جعلتموها شركاء لله تعالى في العبادة. # ثم زجرهم سبحانه عن هذا الضلال فقال : ( @QUR@06 كلا بل هو الله العزيز ~~الحكيم ) أى : كلا ليس الأمر كما زعمتم من أن لله تعالى شركاء ، بل هو ~~سبحانه العزيز الذي لا يغلبه غالب ، الحكيم في كل أقواله وأفعاله. # وهكذا نجد الآيات الكريمة قد لقنت النبي صلى الله عليه وسلم الحجج التي يرد ~~بها على المشركين ، والتي من شأنها أن تحملهم على اعتناق الحق ، واجتناب ~~الباطل ، لو كانوا يعقلون. PageV11P290 # ثم بين سبحانه وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم ورد على شبهات المشركين فقال : # ( @QUR@012 وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون (28) @QUR@07 ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (29) @QUR@010 ~~قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون ) (30) # قال الآلوسى : المتبادر أن ( @QUR@01 كافة ) حال من الناس ، قدم «إلا» ~~عليه للاهتمام ؛ وأصله من الكف بمعنى المنع ، وأريد ms4661 به العموم لما فيه من ~~المنع من الخروج ، واشتهر في ذلك حتى قطع فيه النظر عن معنى المنع بالكلية. ~~فمعنى جاء الناس كافة : جاءوا جميعا .. # قال ابن عباس : أرسل الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم إلى العرب والعجم ~~، فأكرمهم على الله تعالى أطوعهم له ... (1). # أى : وما أرسلناك أيها الرسول الكريم إلا إلى الناس جميعا ، لتبشر المؤمن ~~منهم بحسن الثواب ، وتنذر من أعرض عن الحق الذي جئت به بسوء العقاب. ( ~~@QUR@05 ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) هذه الحقيقة ، وهي عموم رسالتك وكونك ~~بشيرا ونذيرا. # ( @QUR@01 ويقولون ) أى : المشركون على سبيل الاستهزاء بما جئتهم به ( ~~@QUR@03 متى هذا الوعد ) الذي تعدنا به وهو قيام الساعة ، وما فيها من حساب ~~وثواب وعقاب. # أخبرونا عنه أيها المؤمنون ( @QUR@03 إن كنتم صادقين ) فيما تحدثوننا عنه ~~، وفيما تدعوننا إليه من إيمان. # وهنا أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم ردا فيه كل ~~معاني التهديد والوعيد فقال : ( @QUR@010 قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ~~ساعة ولا تستقدمون ) و ( @QUR@01 ميعاد ) يجوز أن يكون مصدرا مرادا به ~~الوعد ، وأن يكون اسم زمان ، والإضافة للبيان. # والمراد بالساعة الوقت الذي هو في غاية القلة. وليس ما اصطلح عليه الناس ~~من كونها ستين دقيقة. PageV11P291 # اى : قل لهم أيها الرسول الكريم لا تتعجلوا ايها الكافرون ما أخبرتكم عنه ~~من أن يوم القيامة آت لا ريب فيه ، ومن أن العاقبة الطيبة ستكون لنا لا لكم ~~؛ فإن لكم ميقاتا محددا ، وموعدا معلوما ، عند ما يأذن الله تعالى بحلوله ~~وبانتهاء حياتكم ويبعثكم .. # ( @QUR@04 لا تستأخرون عنه ساعة ) من الزمان ( @QUR@02 ولا تستقدمون ) ~~عنه ساعة كما قال تعالى : ( @QUR@010 إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم ~~تعلمون ) (1). # وكما قال سبحانه : ( @QUR@015 وما نؤخره إلا لأجل معدود. يوم يأت لا تكلم ~~نفس إلا بإذنه ، فمنهم شقي وسعيد ) (2). # ثم حكى سبحانه بعض الأقوال الباطلة التي قالها المشركون في شأن القرآن ~~الكريم ، وصور أحوالهم السيئة يوم العرض والحساب ، وكيف أن كل فريق منهم ~~صار يلقى التبعة على غيره ، قال تعالى : # ( @QUR@033 وقال ms4662 الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ولو ~~ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين ~~استضعفوا للذين استكبروا لو لا أنتم لكنا مؤمنين (31) @QUR@015 قال الذين ~~استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم ~~مجرمين (32) @QUR@034 وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل ~~والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما ~~رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا ~~يعملون ) (33) PageV11P292 # والمراد بالذي بين يديه في قوله تعالى : ( @QUR@011 وقال الذين كفروا لن ~~نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ) @QUR@01 .. : الكتب السماوية ~~السابقة كالتوراة والإنجيل. # قالوا : وذلك لأن المشركين سألوا بعض أهل الكتاب ، عن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فأخبروهم بأن صفاته في التوراة والإنجيل ، فغضبوا وقالوا ~~ما قالوا .. (1). # أى : وقال الذين كفروا بإصرار وعناد وجحود لكل ما هو حق : قالوا لن نؤمن ~~بهذا القرآن الذي جئت به يا محمد صلى الله عليه وسلم من عند ربك ، ولا نؤمن ~~أيضا بالكتب السماوية الأخرى التي تؤيد أنك رسول من عند الله تعالى فالآية ~~الكريمة تحكى ما جبل عليه هؤلاء الكافرون من تصميم على الباطل ، ومن نبذ ~~للحق مهما تعددت مصادره. # قال الإمام الرازي : لما بين سبحانه الأمور الثلاثة ، من التوحيد ~~والرسالة والحشر ، وكانوا بالكل كافرين ، بين كفرهم العام بقوله : ( ~~@QUR@011 وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ، ولا بالذي بين يديه ) ~~وقوله : ( @QUR@04 ولا بالذي بين يديه ) المشهور أنه التوراة والإنجيل ، ~~وعلى هذا فالمراد بالذين كفروا ، المشركون المنكرون للنبوات والحشر. # ويحتمل أن يكون المعنى : لن نؤمن بهذا القرآن ولا بما فيه من الأخبار ~~والآيات والدلائل فيكون المراد بالذي بين يديه ما اشتمل عليه من أخبار ~~وأحكام ويكون المراد بالذين كفروا عموم الكافرين بما فيهم أهل الكتاب لأن ~~الجميع لا يؤمن بالقرآن ولا بما اشتمل عليه (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@012 ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم ، يرجع ~~بعضهم إلى بعض القول ) بيان لأحوالهم السيئة يوم القيامة ms4663 ، ولإصرارهم على الكفر. # و ( @QUR@01 لو ) شرطية ، وجوابها محذوف كما أن مفعول ( @QUR@01 ترى ) ~~محذوف أيضا و ( @QUR@01 موقوفون ) أى محبوسون للحساب يوم القيامة. # يقال : وقفت الرجل عن فعل هذا الشيء ، إذا منعته وحجزته عن فعله. # أى : ولو ترى أيها المخاطب حال الظالمين وقت احتباسهم عند ربهم يوم ~~القيامة ، وهم يتحاورون ويتجادلون فيما بينهم بالأقوال السيئة وكل فريق ، ~~يلقى التبعة على غيره. # لو ترى ذلك لرأيت أمرا عجيبا ، وحالا فظيعة ، تنفطر لها القلوب ، وترتعد ~~من هولها النفوس. PageV11P293 # والتعبير بقوله سبحانه : ( @QUR@01 موقوفون ) يشعر بذلتهم وبؤسهم ، فهم ~~محبوسون للحساب على غير إرادة منهم ، كما يحبس المجرم في سجنه انتظارا ~~لمصيره السيئ. # وقوله : ( @QUR@02 عند ربهم ) تبكيت وتوبيخ لهم ، على ما كانوا يفعلونه ~~في الدنيا من إنكار لليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب وحساب. # وقوله سبحانه : ( @QUR@010 يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا ، لو لا ~~أنتم لكنا مؤمنين ) تفصيل لجانب من محاوراتهم فيما بينهم ، ولما كانوا ~~يراجعون فيه القول بعضهم مع بعض. # والمراد بالذين استضعفوا : الأتباع والعامة من الناس ، والمراد بالذين ~~استكبروا : الزعماء والقادة والرؤساء. # أى : يقول الأتباع من الكافرين لقادتهم ورؤسائهم بغيظ وحسرة : لو لا أنتم ~~منعتمونا عن اتباع الحق لكنا مؤمنين به ، ومتبعين لما جاء به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم . # إنهم يقولون لهم في موقف الحساب يوم القيامة ، ما كانوا عاجزين عن قوله ~~في الدنيا. عند ما كانوا مستذلين لهم ، وخاضعين لسلطانهم. # وهنا يرد الزعماء باستنكار وضيق ، ويحكى ذلك القرآن فيقول : ( @QUR@05 ~~قال الذين استكبروا للذين استضعفوا ) على سبيل التوبيخ والتقريع ( @QUR@07 ~~أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم ) كلا ، إننا ما فعلنا ذلك ، ولسنا نحن ~~الذين حلنا بينكم وبين اتباع الحق. # ( @QUR@01 بل ) أنتم الذين ( @QUR@02 كنتم مجرمين ) في حق أنفسكم ، حيث ~~اتبعتمونا باختياركم ، ورضيتم عن طواعية منكم أن تتبعوا غيركم بدون تفكر أو ~~تدبر للأمور. # ولم يقتنع الأتباع بما رد به عليهم السادة والكبراء ، بل حكى القرآن ~~للمرة الثانية ردهم عليهم فقال : ( @QUR@05 وقال الذين استضعفوا للذين ~~استكبروا ) في الرد عليهم بحسرة وألم : ( @QUR@04 بل مكر الليل والنهار ) ~~أى ms4664 قالوا لهم أنتم لستم صادقين في قولكم لنا : إنكم لم تصدونا عن اتباع ~~الهدى بعد إذ جاءنا بل إن مكركم بنا الليل والنهار وإغراءكم لنا بالبقاء ~~على الكفر. وتهديدكم إيانا بالقتل أو التعذيب إذا ما خالفناكم ، وأمركم لنا ~~بأن نكفر بالله تعالى ونجعل له أندادا ، أى شركاء في العبادة والطاعة. كل ~~ذلك هو الذي حال بيننا وبين اتباع الحق الذي جاءنا به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم . # والمكر : هو الاحتيال والخديعة. يقال مكر فلان بفلان ، إذا خدعه وأراد به شرا. # وهو هنا فاعل لفعل محذوف والتقدير : بل الذي صدنا عن الإيمان مكركم بنا ~~في الليل PageV11P294 # والنهار ، فحذف المضاف إليه وأقيم مقامه الظرف اتساعا. # وقوله : ( @QUR@02 إذ تأمروننا ) @QUR@01 .. ظرف للمكر. أى : بل مكركم ~~الدائم بنا وقت أمركم لنا بأن نكفر بالله ونجعل له أشباها ونظراء نعبدها من ~~دونه تعالى هو الذي حال بيننا وبين اتباع الحق والهدى. # قال الجمل : وقوله ( @QUR@04 بل مكر الليل والنهار ) يجوز رفع ( @QUR@01 ~~مكر ) من ثلاثة أوجه : أحدها : على الفاعلية بتقدير : بل صدنا مكركم في ~~هذين الوقتين ، الثاني ان يكون مبتدأ خبره محذوف. أى : مكر الليل صدنا عن ~~اتباع الحق. الثالث : العكس ، أى : سبب كفرنا مكركم. وإضافة المكر إلى ~~الليل والنهار إما على الإسناد المجازى كقولهم : ليل ماكر ، فيكون مصدرا ~~مضافا لمرفوعه وإما على الاتساع في الظرف ، فجعل كالمفعول به فيكون مضافا ~~لمنصوبه (1). # والضمير المرفوع في قوله سبحانه : ( @QUR@05 وأسروا الندامة لما رأوا ~~العذاب ) يعود إلى الأتباع والزعماء. وأسروا من الإسرار بمعنى الكتمان ~~والإخفاء. # أى : وأضمر الذين استضعفوا والمستكبرون الندامة والحسرة حين شاهدوا ~~العذاب المعد لهم جميعا ، وذلك لأنهم بهتوا وشهدوا حين عاينوه ، ودفنت ~~الكلمات في صدورهم فلم يتمكنوا من النطق بها وأصابهم ما أصابهم من الكمد ~~الذي يجعل الشفاه لا تتحرك ، والألسنة لا تنطق. # فالمقصود من إسرار الندامة : بيان عجزهم الشديد عن النطق بما يريدون ~~النطق به لفظاعة ما شهدوه من عذاب غليظ قد أعد لهم. # وقيل إن ( @QUR@02 أسروا الندامة ) بمعنى أظهروها : لأن لفظ أسر من ~~الأضداد. # قال الآلوسى ms4665 ما ملخصه : ( @QUR@01 وأسروا ) أى : أضمر الظالمون من ~~الفريقين ( @QUR@01 الندامة ) على ما كان منهم في الدنيا .. ( @QUR@03 لما ~~رأوا العذاب ) لأنهم بهتوا لما عاينوه فلم يقدروا على النطق. # وقيل : أسروا الندامة. بمعنى أظهروها ، فإن لفظ «أسر» من الأضداد ، إذ ~~الهمزة تصلح للإثبات وللسلب ، فمعنى أسره : جعله سره ، أو أزال سره .. (2). # ثم بين سبحانه ما حل بهم من عذاب بسبب كفرهم فقال : ( @QUR@012 وجعلنا ~~الأغلال في أعناق الذين كفروا ، هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ). PageV11P295 # والأغلال. جمع غل وهي القيود التي يقيد بها المجرمون. # أى : وجعلنا القيود في أعناق الذين كفروا جميعا ، سواء منهم من كان تابعا ~~أم متبوعا. وما جزيناهم بهذا الجزاء المهين الأليم ، إلا بسبب أعمالهم ~~السيئة. وأقوالهم القبيحة. # وهكذا نرى الآيات الكريمة تصور لنا تصويرا مؤثرا بديعا ، ما يكون عليه ~~الكافرون يوم القيامة من حسرة وندم ، ومن عداوة وبغضاء ، ومن تهم يلقيها كل ~~فريق على الآخر ، بدون احترام من المستضعفين لزعمائهم الذين كانوا يذلونهم ~~في الدنيا ، بعد أن سقطت وزالت الهيبة الزائفة التي كان الزعماء يحيطون بها ~~أنفسهم في الحياة الدنيا ، وأصبح الجميع يوم الحساب في الذلة سواء ( ~~@QUR@08 ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا ). # ثم تحكى السورة الكريمة بعد ذلك جانبا من الأقوال الزائفة ، التي كان ~~المترفون يتذرعون بها للبقاء على كفرهم ، ومن الإجابات التي لقنها سبحانه ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم لكي يخرس بها ألسنتهم ، ويزيل بها شبهاتهم قال تعالى : # ( @QUR@014 وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم ~~به كافرون (34) @QUR@08 وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين ~~(35) @QUR@013 قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون (36) @QUR@023 وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا ~~من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون ~~(37) @QUR@09 والذين يسعون في آياتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون (38) ~~@QUR@020 قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من ~~شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين ) (39) PageV11P296 # قال ms4666 صاحب الكشاف عند تفسيره لقوله تعالى : ( @QUR@014 وما أرسلنا في قرية ~~من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون. ) @QUR@01 .. : هذه ~~تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما منى به من قومه من التكذيب والكفر ~~بما جاء به ، والمنافسة بكثرة الأموال والأولاد ، والتكبر بذلك على ~~المؤمنين .. وأنه سبحانه لم يرسل قط إلى أهل قرية من نذير ، إلا قالوا له ~~مثل ما قال أهل مكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم (1). # والمعنى : وما أرسلنا في قرية ، من القرى ( @QUR@02 من نذير ) ينذر أهلها ~~بسوء العاقبة إذا ما استمروا على كفرهم وضلالهم. ( @QUR@03 إلا قال مترفوها ~~) أى : إلا قال أغنياؤها ورؤساؤها وجبابرتها المتسعون في النعم فيها ، لمن ~~جاءوا لإنذارهم وهدايتهم إلى الحق. # ( @QUR@04 إنا بما أرسلتم به ) من الدعوة إلى عبادة الله تعالى ( @QUR@01 ~~كافرون ) بما نحن عليه من شرك وتقليد للآباء مؤمنون. # فالآية الكريمة تحكى موقف المترفين في كل أمة ، من الرسل الذين جاءوا ~~لهدايتهم ، وأن هؤلاء المترفين في كل زمان ومكان ، كانوا أعداء للأنبياء ~~وللمصلحين ، لأن الترف من شأنه أن يفسد الفطرة ، ويبعث على الغرور والتطاول ~~، ويحول بين الإنسان وبين التمسك بالفضائل والقيم العليا ، ويهدى إلى ~~الانغماس في الرذائل والشهوات الدنيا. # ثم يحكى القرآن الكريم أن هؤلاء المترفين لم يكتفوا بإعلان كفرهم ، ~~وتكذيبهم للأنبياء والمصلحين ، بل أضافوا إلى ذلك التبجح والتعالي على ~~المؤمنين. فقال تعالى : ( @QUR@01 وقالوا ) أى المترفون الذين أبطرتهم ~~النعمة للمؤمنين الفقراء ( @QUR@04 نحن أكثر أموالا وأولادا ) منكم أيها ~~المؤمنون ، إذ أموالنا أكثر من أموالكم ، وأولادنا أكثر من أولادكم ، ولو ~~لا أننا أفضل عند الله منكم ، لما أعطانا. مالا يعطيكم ... # فنحن نعيش حياتنا في أمان واطمئنان ( @QUR@03 وما نحن بمعذبين ) بشيء من ~~العذاب الذي تعدوننا به لا في الدنيا ولا في الآخرة. # قال الامام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : افتخر المترفون بكثرة ~~الأموال والأولاد ، واعتقدوا أن ذلك دليل على محبة الله لهم ، واعتنائه بهم ~~، وأنه ما كان ليعطيهم هذا في الدنيا ، ثم يعذبهم في الآخرة ، وهيهات لهم ~~ذلك. قال تعالى : ( @QUR@017 فلا تعجبك أموالهم ms4667 ولا أولادهم ، إنما يريد ~~الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا ، وتزهق أنفسهم وهم كافرون ) (2). PageV11P297 # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يصحح لهؤلاء المترفين خطأهم ~~، وأن يكشف لهم عن جهلهم ، وأن يبين لهم أن مسألة الغنى والفقر بيد الله ~~تعالى وحده ، وأن الثواب والعقاب لا يخضعان للغنى أو للفقر ، وإنما يتبعان ~~الإيمان أو الكفر ، فقال تعالى ( @QUR@013 قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ~~ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون ). # وبسط الرزق : سعته وكثرته. وتقديره : تقليله وتضييقه. # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الجاهلين ( @QUR@02 إن ربي ) وحده هو ~~الذي ( @QUR@04 يبسط الرزق لمن يشاء ) أن يبسطه له ( @QUR@01 ويقدر ) أى : ~~ويقتر الرزق ويضيقه على من يشاء أن يضيقه عليه. والأمر في كلتا الحالتين ~~مرده إلى الله تعالى وحده ، على حسب ما تقتضيه حكمته في خلقه. # وربما يوسع رزق العاصي ويضيق رزق المطيع. أو العكس ، وربما يوسع على شخص ~~في وقت ويضيق عليه في وقت آخر ، ولا ينقاس على ذلك أمر الثواب والعقاب ، ~~لأن مناطهما الطاعة وعدمها. # ( @QUR@05 ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) هذه الحقيقة التي اقتضتها حكمة ~~الله تعالى وإرادته ، فزعموا أن بسط الرزق دليل الشرف والكرامة ، وأن ضيق ~~الرزق دليل الهوان والذل ، ولم يدركوا لجهلهم وانطماس بصائرهم أن بسط الرزق ~~قد يكون للاستدراج ، وأن تضييقه قد يكون للابتلاء والاختبار ، ليتميز قوى ~~الإيمان من ضعيفه. # ثم زاد سبحانه هذه القضية توضيحا وتبيينا فقال : ( @QUR@08 وما أموالكم ~~ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ). # الزلفى : مصدر كالقربى ، وانتصابه على المصدرية من معنى العامل. أى ليست ~~كثرة أموالكم ، ولا كثرة أولادكم بالتي من شأنها أن تقربكم إلينا قربى ، ~~لأن هذه الكثرة ليست دليل محبة منا لكم ، ولا تكريم منا لكم ، وإنما الذي ~~يقربكم منا هو الإيمان والعمل الصالح. # كما وضح سبحانه هذه الحقيقة في قوله بعد ذلك : ( @QUR@015 إلا من آمن ~~وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون ). # أى : ليس الأمر كما زعمتم أيها المترفون من أن كثرة الأموال والأولاد ~~ستنجيكم ms4668 من العذاب ، ولكن الحق والصدق أن الذي ينجيكم من ذلك ويقربكم منا ، ~~هو الإيمان والعمل الصالح. فهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحة لهم ~~عند الله تعالى الجزاء الحسن المضاعف ، وهم في غرفات الجنات آمنون مطمئنون. PageV11P298 # قال الشوكانى ما ملخصه : قوله : ( @QUR@05 إلا من آمن وعمل صالحا ) هو ~~استثناء منقطع فيكون محله النصب. أى : لكن من آمن وعمل صالحا .. والإشارة ~~بقوله : ( @QUR@01 فأولئك ) إلى ( @QUR@01 من ) والجمع باعتبار المعنى. وهو ~~مبتدأ. وخبره ( @QUR@03 لهم جزاء الضعف ) أى : فأولئك يجازيهم الله الضعف ، ~~وهو من إضافة المصدر إلى المفعول. أو فأولئك لهم الجزاء المضاعف فيكون من ~~إضافة الموصوف إلى الصفة .. (1). # ثم بين سبحانه سوء عاقبة المصرين على كفرهم فقال : ( @QUR@09 والذين ~~يسعون في آياتنا معاجزين ، أولئك في العذاب محضرون ). # أى : والذين يسعون في إبطال آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ، ( ~~@QUR@01 معاجزين ). # أى : زاعمين سبقهم لنا ، وعدم قدرتنا عليهم ( @QUR@01 أولئك ) الذين ~~يفعلون ذلك ( @QUR@03 في العذاب محضرون ) أى : في عذاب جهنم مخلدون ، حيث ~~تحضرهم ملائكة العذاب بدون شفقة أو رحمة ، وتلقى بهم فيها. # وقوله سبحانه : ( @QUR@011 قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر ~~له ) تأكيد وتقرير لتلك الحقيقة التي سبق الحديث عنها ، وهي أن التوسع ~~والتضييق في الرزق بيد الله تعالى وحده. # والضمير في قوله تعالى ( @QUR@01 له ) يعود إلى الشخص الموسع عليه أو ~~المضيق عليه في رزقه. أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء المترفين على سبيل ~~التأكيد وإزالة ما هم عليه من جهل : إن ربي عز وجل يبسط الرزق لمن يشاء من ~~عباده ، ويضيق هذا الرزق على من يشاء أن يضيقه منهم ، وليس في ذلك ما يدل ~~على السعادة أو الشقاوة ، لأن هذه الأمور خاضعة لحكمته في خلقه سبحانه . # ( @QUR@02 وما أنفقتم ) أيها المؤمنون ( @QUR@02 من شيء ) في سبيل الله ~~تعالى وفي أوجه طاعته ( @QUR@01 فهو ) سبحانه ( @QUR@01 يخلفه ) أى : يعوضه ~~لكم بما هو خير منه. يقال : فلان أخلف لفلان وأخلف عليه ، إذا أعطاه العوض ~~والبدل. # ( @QUR@03 وهو خير الرازقين ) أى : وهو سبحانه خير رازق لعباده لأن كل ~~رزق يصل إلى الناس إنما هو ms4669 بتقديره وإرادته ، وقد جرت سنته سبحانه أن يزيد ~~الأسخياء من فضله وكرمه. # وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «ما من يوم يصبح ~~العباد فيه ، PageV11P299 # إلا ملكان ينزلان ، فيقول أحدهما : اللهم اعط منفقا خلفا ، ويقول الآخر : ~~اللهم اعط ممسكا تلفا. # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكت جانبا من شبهات المشركين ، ومن أقوالهم ~~الباطلة ، وردت عليهم بما يزهق باطلهم ، ويمحو شبهاتهم ، لكي يزداد ~~المؤمنون إيمانا على إيمانهم. # ثم بين سبحانه حال أولئك المشركين يوم القيامة ، وكيف أن الملائكة ~~يكذبونهم في مزاعمهم ، فقال تعالى : # ( @QUR@010 ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا ~~يعبدون (40) @QUR@013 قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون ~~الجن أكثرهم بهم مؤمنون (41) @QUR@018 فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ~~ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون ) (42) # أى : واذكر أيها العاقل لتعتبر وتتعظ ( @QUR@03 يوم يحشرهم جميعا ) أى : ~~يجمع الله سبحانه الكافرين جميعا. الذين استضعفوا في الدنيا والذين ~~استكبروا. # ( @QUR@02 ثم يقول ) عز وجل ( @QUR@01 للملائكة ) على سبيل التبكيت ~~والتقريع للمشركين ( @QUR@01 أهؤلاء ) الكافرون ( @QUR@03 إياكم كانوا ~~يعبدون ) أى : أهؤلاء كانوا يعبدونكم في الدنيا. وأنتم رضيتم بذلك. # و ( @QUR@01 هؤلاء ) مبتدأ ، وخبره «كانوا يعبدون» و ( @QUR@01 إياكم ) ~~مفعول يعبدون. # وتخصيص الملائكة بالخطاب مع أن من الكفار من كان يعبد الأصنام ، ومن كان ~~يعبد غيرها ، لأن المقصود من الخطاب حكاية ما يقوله الملائكة في الرد عليهم. # قال صاحب الكشاف : هذا الكلام خطاب للملائكة. وتقريع للكفار وارد على ~~المثل السائر : إياك أعنى واسمعي يا جارة ، ونحوه قوله تعالى لعيسى : ( ~~@QUR@09 أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ) وقد علم سبحانه ~~كون الملائكة وعيسى ، منزهين برآء مما وجه عليهم من السؤال ، والغرض أن ~~يقول ويقولوا ، ويسأل ويجيبوا ، فيكون التقريع PageV11P300 # للمشركين أشد ، والتعبير أبلغ ، وهوانهم ألزم. (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@06 قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم ) حكاية لأقوال ~~الملائكة. # أى : قال الملائكة في الإجابة على سؤال خالقهم. ( @QUR@01 سبحانك ) أى : ~~ننزهك ونقدسك عن أن يكون لك شريك في عبادتك وطاعتك ( @QUR@04 أنت ولينا من ms4670 ~~دونهم ) أى : أنت الذي نواليك ونتقرب إليك وحدك بالعبادة ، وليس بيننا وبين ~~هؤلاء المشركين أى موالاة أو قرب ، ولا دخل لنا في عبادتهم لغيرك. # ثم صرحوا بما كان المشركون يعبدونه في الدنيا فقالوا : ( @QUR@07 بل ~~كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ). # أى : إن هؤلاء المشركين لا علم لنا بأنهم كانوا يعبدوننا ، ونبرأ من ذلك ~~إن كانوا قد عبدونا ، وهم إنما كانوا يعبدون في الدنيا ( @QUR@01 الجن ) أى ~~الشياطين ، وكان أكثر هؤلاء المشركين يؤمنون بعبادة الشياطين ، ويطيعونهم ~~فيما يأمرونهم به ، أو ينهونهم عنه. # فقوله تعالى ( @QUR@04 بل كانوا يعبدون الجن ) إضراب انتقالي ، لبيان ~~السبب في شرك هؤلاء المشركين ، وتصريح بمن كانوا يعبدونهم في الدنيا. # قال الجمل : فإن قيل جميعهم كانوا متابعين للشياطين ، فما وجه قوله تعالى ~~( @QUR@03 أكثرهم بهم مؤمنون ) فإنه يدل على أن بعضهم لم يؤمن بالجن ولم يطعهم؟ # فالجواب من وجهين : أحدهما : أن الملائكة احترزوا عن دعوى الإحاطة بهم ، ~~فقالوا أكثرهم ، لأن الذين رأوهم واطلعوا على أحوالهم كانوا يعيدون الجن ، ~~ولعل في الوجود من لم يطلع الله الملائكة على حاله من الكفار. # الثاني : هو أن العبادة عمل ظاهر ، والإيمان عمل باطن ، فقالوا : بل ~~كانوا يعبدون الجن لاطلاعهم على أعمالهم ، وقالوا : أكثرهم بهم مؤمنون عند ~~عمل القلب ، لئلا يكونوا مدعين اطلاعهم على ما في القلوب ، فإن القلب لا ~~يطلع على ما فيه إلا الله (2). # ثم بين سبحانه بعد ذلك أن الملك في يوم الحساب له وحده فقال : ( @QUR@08 ~~فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ). # أى : فاليوم لا يملك أحد من المعبودين أن ينفع أحدا من العابدين ، أو أن ~~يضره ، بل الذي يملك كل ذلك هو الله تعالى وحده. PageV11P301 # فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن مرد النفع والضر في هذا اليوم إلى ~~الله تعالى. وحده ، فالعابدون لا يملكون شيئا ، والمعبودون كذلك لا يملكون شيئا. # ( @QUR@010 ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون ) ~~أى : ونقول في هذا اليوم الهائل الشديد للذين ظلموا أنفسهم وظلموا الحق ~~بعبادتهم لغيرنا ، نقول لهم ( @QUR@01 ذوقوا ) فظاعة وشدة عذاب ms4671 النار التي ~~كنتم تكذبون بها في الدنيا ، وتنكرون أن يكون هناك بعث أو حساب أو ثواب أو عقاب. # ثم تعود السورة الكريمة إلى الحديث عن جانب من أقوال هؤلاء المشركين في ~~شأن النبي صلى الله عليه وسلم وفي شأن القرآن الكريم ، وتهددهم بسوء المصير ~~إذا استمروا في طغيانهم وجهلهم فتقول : # ( @QUR@034 وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن ~~يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى وقال الذين كفروا ~~للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين (43) @QUR@011 وما آتيناهم من كتب ~~يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير (44) @QUR@014 وكذب الذين من قبلهم ~~وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف كان نكير ) (45) # وقوله : ( @QUR@01 تتلى ) من التلاوة ، وهي قراءة الشيء بتدبر وتفهم. # أى : وإذا ما تليت آياتنا الدالة دلالة واضحة على وحدانيتنا وقدرتنا ، ~~وعلى صدق رسولنا صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عنا. # ( @QUR@012 قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم ) أى ~~: قالوا على سبيل الإنكار والاستهزاء ، ما هذا التالي لتلك الآيات إلا رجل ~~يريد أن يمنعكم عن عبادة الآلهة التي كان يعبدها آباؤكم الأقدمون. PageV11P302 # ويعنون بقولهم «ما هذا إلا رجل» : الرسول صلى الله عليه وسلم ويقصدون ~~بالإشارة إليه ، الاستخفاف به ، والتحقير من شأنه صلى الله عليه وسلم . # وقالوا : ( @QUR@07 يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم ) لإثارة حمية ~~الجاهلية فيهم فكأنهم يقولون لهم : احذروا اتباع هذا الرجل ، لأنه يريد أن ~~يجعلكم من أتباعه ، وأن يقطع الروابط التي تربط بينكم وبين آبائكم الذين ~~أنتم قطعة منهم. # ولم يكتفوا بالتشكيك في صدق الرسول صلى الله عليه وسلم بل أضافوا إلى ذلك ~~التكذيب للقرآن الكريم ، ويحكى سبحانه ذلك فيقول : ( @QUR@06 وقالوا ما هذا ~~إلا إفك مفترى ). # أى : وقالوا في شأن القرآن الكريم : ما هذا الذي يتلوه محمد ~~صلى الله عليه وسلم علينا ، إلا ( @QUR@01 إفك ) أى : كلام مصروف عن وجهه ، ~~وكذب في ذاته ( @QUR@01 مفترى ) أى : مختلق على الله تعالى من حيث نسبته إليه. # فقوله ( @QUR@01 مفترى ms4672 ) صفة أخرى وصفوا بها القرآن الكريم ، فكأنهم ~~يقولون قبحهم الله ما هذا القرآن إلا كذب في نفسه ، ونسبته إلى الله تعالى ~~ليست صحيحة. # ثم أضافوا إلى تكذيبهم للرسول صلى الله عليه وسلم وللقرآن ، تكذيبا عاما لكل ~~ما جاءهم به الرسول من حق ، فقالوا كما حكى القرآن عنهم : ( @QUR@011 وقال ~~الذين كفروا للحق لما جاءهم ، إن هذا إلا سحر مبين ). # أى : وقال الكافرون في شأن كل حق جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم : ما ~~هذا الذي جئتنا به إلا سحر واضح. # وهكذا نراهم لعنادهم وجهلهم قد كذبوا الرسول صلى الله عليه وسلم وكذبوا ~~القرآن. وكذبوا كل توجيه قويم ، وإرشاد حكيم ، أرشدهم إليه صلى الله عليه وسلم ~~إذ اسم الإشارة الأول يعود إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والثاني يعود إلى ~~القرآن ، والثالث يعود إلى تعاليم الإسلام كلها. # ثم بين سبحانه أن أقوالهم هذه لا تستند إلى دليل أو ما يشبه الدليل ، ~~وإنما هم يهرفون بما لا يعرفون ، فقال تعالى : ( @QUR@011 وما آتيناهم من ~~كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير ). # أى : أن هؤلاء الذين قالوا ما قالوا من باطل وزور ، لم نأتهم بكتب ~~يدرسونها ويقرءونها ليعرفوا منها أن الشرك حق ، فيكون لهم عذرهم في التمسك ~~به ، وكذلك لم نرسل إليهم قبلك أيها الرسول الكريم نذيرا يدعوهم إلى عبادة ~~الأصنام ، ويخوفهم من ترك عبادتها. # وما دام الأمر كذلك ، فمن أين أتوا بهذا التصميم على شركهم ، وبهذا ~~الإنكار للحق الذي PageV11P303 # جاءهم؟ إن أمرهم هذا لهو في غاية الغرابة والعجب. # فالمقصود من الآية الكريمة تجهيلهم والتهكم بهم ، ونفى أن يكون عندهم حتى ~~ما يشبه الدليل على صحة ما هم فيه من شرك. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@010 أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو ~~يتكلم بما كانوا به يشركون ) وقوله عز وجل : ( @QUR@08 أم آتيناهم كتابا من ~~قبله فهم به مستمسكون ). # ثم بين لهم سبحانه بعد ذلك هوان أمرهم. وتفاهة شأنهم بالنسبة لمن سبقوهم ~~، فقال : ( @QUR@014 وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم ، ~~فكذبوا رسلي ، فكيف ms4673 كان نكير ). # والمعشار بمعنى العشر وهو لغة فيه. تقول : عندي عشر دينار ومعشار دينار ، ~~قال أبو حيان : والمعشار مفعال من العشر ، ولم يبن على هذا الوزن من ألفاظ ~~العدد غيره وغير المرباع. ومعناهما : العشر والربع .. (1). # والضمير في قوله ( @QUR@02 وما بلغوا ) يعود لكفار مكة ، وقوله : ( ~~@QUR@02 ما آتيناهم ) وفي قوله : ( @QUR@02 فكذبوا رسلي ) يعود إلى الأمم ~~السابقة. # والنكير : مصدر كالإنكار ، وهو من المصادر التي جاءت على وزن فعيل. # والمعنى : لا تحزن أيها الرسول الكريم لتكذيب قومك لك ، فقد كذب الذين من ~~قبلهم من الأمم رسلهم ، وإن قومك لم يبلغوا من القوة والغنى والكثرة .. عشر ~~ما كان عليه سابقوهم ، ولكن لما كذب أولئك السابقون أنبياءهم ، أخذتهم أخذ ~~عزيز مقتدر ، بأن دمرناهم جميعا. # والاستفهام في قوله تعالى ( @QUR@03 فكيف كان نكير ) للتهويل. والجملة ~~الكريمة معطوفة على مقدر والمعنى : فحين تمادوا في تكذيب رسلي ، جاءهم ~~إنكارى بالتدمير ، فكيف كان إنكارى عليهم بالتدمير والإهلاك؟ لقد كان شيئا ~~هائلا فظيعا تركهم في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها ، فعلى قومك أن ~~يحذروا من أن يصيبهم مثله. # وجعل سبحانه التدمير إنكارا ، تنزيلا للفعل منزلة القول ، كما في قول ~~بعضهم : ونشتم بالأفعال لا بالتكلم. # ويرى بعضهم أن الضمير في قوله ( @QUR@02 وما بلغوا ) يعود على الذين من ~~قبلهم ، وفي قوله ( @QUR@01 آتيناهم ) يعود إلى كفار مكة. PageV11P304 # وقد رجح الإمام الرازي هذا الرأى فقال ما ملخصه : قال المفسرون : معنى ~~الآية : ما بلغ هؤلاء المشركون معشار ما آتينا المتقدمين .. ثم إن الله أخذ ~~هؤلاء المتقدمين ، دون أن تنفعهم قوتهم ، لما كذبوا رسلهم ، فكيف حال هؤلاء ~~الضعفاء وهم قومك. # ثم قال رحمه الله : وعندي وجه آخر في معنى الآية ، وهو أن يقال : وكذب ~~الذين من قبلهم ، وما بلغوا معشار ما آتيناهم ، أى : الذين من قبلهم ما ~~بلغوا معشار ما آتينا قومك من البيان والبرهان. وذلك لأن كتابك يا محمد ~~أكمل من سائر الكتب. # فإذا كنت قد أنكرت على المتقدمين لما كذبوا رسلهم مع أنهم لم يؤتوا معشار ~~ما أوتى قومك من البيان ، فكيف لا أنكر على ms4674 قومك بعد تكذيبهم لأوضح الكتب ، ~~وأفصح الرسل .. (1) ويبدو لنا أن المعنى الأول الذي عبر عنه الإمام الرازي ~~بقوله : قال المفسرون ، هو الأرجح لأنه هو المتبادر من معنى الآية الكريمة ~~، لأنه يفيد التقليل من شأن مشركي مكة ، بالنسبة لمن سبقهم من الأمم ، من ~~ناحية القوة والغنى. # وفي القرآن الكريم آيات متعددة تؤيد هذا المعنى ، منها قوله تعالى : ( ~~@QUR@032 أولم يسيروا في الأرض ، فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ، ~~كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها ، وجاءتهم رسلهم ~~بالبينات ، فما كان الله ليظلمهم ، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) (2). # وبعد هذا الحديث عن أقوال المشركين في شأن الرسول صلى الله عليه وسلم وفي ~~شأن القرآن .. وبعد هذا الرد الملزم لهم ، والمزهق لباطلهم. بعد كل ذلك لقن ~~الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم الحجج القاطعة ، والأقوال الحكيمة ، التي ~~تهدى إلى الرشد بأبلغ أسلوب ، وأصدق بيان ، فقال تعالى : # ( @QUR@024 قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ~~ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد (46) PageV11P305 # @QUR@017 قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل ~~شيء شهيد (47) @QUR@07 قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب (48) @QUR@08 قل ~~جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد (49) @QUR@016 قل إن ضللت فإنما أضل على ~~نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب ) (50) # وقوله تعالى ( @QUR@01 أعظكم ) من الوعظ ، وهو تذكير الغير بالخير والبر ~~بكلام مؤثر رقيق يقال : وعظه يعظه وعظا وعظة ، إذا أمره بالطاعة ووصاه بها. # وقوله ( @QUR@01 بواحدة ) صفة لموصوف محذوف. # والتقدير : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء المشركين الذين قالوا الكذب في ~~شأنك وفي شأن ما جئت به ، قل لهم : إنما أعظكم وآمركم وأوصيكم بكلمة واحدة ~~، أو بخصلة واحدة. # ثم فسر سبحانه هذه الكلمة بقوله : ( @QUR@05 أن تقوموا لله مثنى وفرادى ) ~~. والمراد بالقيام هنا : التشمير عن ساعد الجد ، وتلقى ما جاءهم به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بقلب مفتوح. وعقل واع ، ونفس خالية من التعصب والحقد ms4675 ~~والعكوف على التقليد. # و ( @QUR@02 مثنى وفرادى ) أى : متفرقين اثنين اثنين ، وواحدا واحدا ، ~~وهما منصوبان على الحال. # ( @QUR@02 ثم تتفكروا ) بعد ذلك في أمر هذا الرسول صلى الله عليه وسلم وفي ~~أمر رسالته ، وفي أمر ما جاء به من عند ربه ، فعند ذلك ترون أنه على الحق ، ~~وأنه قد جاءكم بما يسعدكم. # فالآية الكريمة تأمرهم أن يفكر كل اثنين بموضوعية وإنصاف في أمر الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ثم يعرض كل واحد منهما حصيلة تفكيره على صاحبه ، وأن يفكر ~~كل واحد منهم على انفراد أيضا في شأن هذا الرسول ، من غير تعصب وهوى. # وقدم الاثنين في القيام على المنفرد ، لأن تفكير الاثنين في الأمور ~~بإخلاص واجتهاد وتقدير ، أجدى في الوصول إلى الحق من تفكير الشخص الواحد ~~ولم يأمرهم بأن يتفكروا في جماعة ، لأن العقلية الجماعية كثيرا ما تتبع ~~الانفعال الطارئ ، وقلما تتريث في الحكم على الأمور. PageV11P306 # ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : والمعنى : إنما ~~أعظكم بواحدة إن فعلتموها ، أصبتم الحق ، وتخلصتم من الباطل ، وهي : أن ~~تقوموا لوجه الله خالصا ، متفرقين اثنين اثنين ، وواحدا واحدا ، ( @QUR@02 ~~ثم تتفكروا ) في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به. # أما الاثنان : فيتفكران ويعرض كل واحد منهما محصول فكره على صاحبه ، ~~وينظران فيه متصادقين متناصفين ، لا يميل بهما اتباع هوى ، ولا ينبض لهما ~~عرق عصبية ، حتى يهجم بهما الفكر الصالح ، والنظر الصحيح على جادة الحق. # وكذلك الفرد : يفكر في نفسه بعدل ونصفة من غير أن يكابرها ، ويعرض فكره ~~على عقله وذهنه ، وما استقر عنده من عادات العقلاء ، ومجاري أحوالهم. والذي ~~أوجب تفرقهم مثنى وفرادى ، أن الاجتماع مما يشوش الخواطر ، ويعمى البصائر ، ~~ويمنع من الروية ، ويخلط القول. ومع ذلك يقل الإنصاف ويكثر الاعتساف : ~~ويثور عجاج التعصب (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 ما بصاحبكم من جنة ) كلام مستأنف جيء به لتنزيه ~~ساحته صلى الله عليه وسلم عما افتراه عليه المفترون من كونه قد أصيب بالجنون. # أى : اجتمعوا اثنين اثنين ، أو واحدا واحدا ، ثم تفكروا بإخلاص وروية ~~فترون ms4676 بكل تأكيد أن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس به شيء من الجنون ، إنما هو ~~أرجح الناس عقلا ، وأصدقهم قولا ، وأفضلهم علما ، وأحسنهم عملا ، وأزكاهم ~~نفسا ، وأنقاهم قلبا ، وأجمعهم لكل كمال يشرى. # وقوله تعالى ( @QUR@09 إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد ) بيان ~~لوظيفته صلى الله عليه وسلم أى : ليس به صلى الله عليه وسلم من جنون ، وإنما هو ~~نذير لكم ، يحذركم ويخوفكم من العذاب الشديد الذي سينزل بكم يوم القيامة ، ~~إذا ما بقيتم على شرككم وكفركم ، وهذا العذاب ليس بعيدا عنكم. # قال الإمام ابن كثير : قال الامام أحمد : حدثنا بشير بن المهاجر ، حدثني ~~عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ~~فنادى ثلاث مرات فقال : «أيها الناس أتدرون ما مثلي ومثلكم»؟ قالوا : الله ~~ورسوله أعلم فقال : «إنما مثلي ومثلكم كمثل قوم خافوا عدوا يأتيهم. فبعثوا ~~رجلا يتراءى لهم ، فبينما هو كذلك أبصر العدو ، فأقبل لينذرهم وخشي أن ~~يدركه العدو قبل أن ينذر قومه ، فأهوى بثوبه وقال : أيها الناس أوتيتم. ~~أيها الناس أوتيتم ...» PageV11P307 # وبهذا الاسناد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بعثت أنا والساعة جميعا ، ~~إن كادت لتسبقني» (1). # ثم أمره سبحانه للمرة الثانية أن يصارحهم بأنه لا يريد منهم أجرا على ~~دعوته إياهم إلى ما يسعدهم فقال : ( @QUR@017 قل ما سألتكم من أجر فهو لكم ~~إن أجري إلا على الله ، وهو على كل شيء شهيد ). # أى : وقل لهم أيها الرسول الكريم. بعد أن دعوتهم إلى التفكير الهادئ ، ~~المتأنى في أمرك : إنى ما طلبت منكم أجرا على دعوتي إياكم إلى الحق والخير ~~، وإذا فرض وطلبت فهو مردود عليكم. لأنى لا ألتمس أجرى إلا من الله تعالى ~~وحده ، وهو سبحانه على كل شيء شهيد ورقيب ، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا ~~في السماء. # قال الآلوسى قوله : قل ما سألتكم من أجر ، أى : مهما سألتكم من نفع على ~~تبليغ الرسالة ( @QUR@02 فهو لكم ) والمراد نفى السؤال رأسا ، كقولك لصاحبك ~~إن أعطيتنى شيئا فخذه ، وأنت ms4677 تعلم أنه لم يعطك شيئا : فما شرطية. مفعول ( ~~@QUR@01 سألتكم ) وقوله ( @QUR@02 فهو لكم ) الجواب وقيل هي موصولة ، ~~والعائد محذوف ، ومن للبيان ودخلت الفاء في الخبر لتضمنها معنى الشرط. أى : ~~الذي سألتكموه من الأجر فهو لكم ، وثمرته تعود إليكم (2). # ثم أمره سبحانه للمرة الثالثة ، أن يبين لهم أنهم لا قدرة لهم على ~~مجادلته أو محاربته ، لأن الله تعالى قد سلحه بما ينصره عليهم فقال : ( ~~@QUR@07 قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب ) وأصل القذف : الرمي بقوة وشدة ~~والمراد به هنا : ما يوحيه الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم من قرآن ~~وتوجيهات وإلهامات ، والباء في قوله ( @QUR@01 بالحق ) للسببية. # أى : قل لهم أيها الرسول الكريم إن ربي يلقى الوحى إلى وإلى أنبيائه ، ~~بسبب الحق الذي كلفهم بتبليغه إلى الناس ، وهو سبحانه وحده علام الغيوب. # قال الجمل : ما ملخصه قوله : ( @QUR@02 يقذف بالحق ) يجوز أن يكون مفعوله ~~محذوفا ، لأن القذف في الأصل الرمي ، وعبر به هنا عن الإلقاء. أى : يلقى ~~الوحى إلى أنبيائه بالحق ، أى : بسبب الحق ، أو متلبسا الحق. # ويجوز أن يكون التقدير : يقذف الباطل بالحق ، كما قال تعالى ( @QUR@06 بل ~~نقذف بالحق على الباطل فيدمغه ). PageV11P308 # ويجوز أن يكون المعنى : قل إن ربي يقضى ويحكم بالحق ، بتضمين «يقذف» معنى ~~يقضى ويحكم (1). # ثم أمره عز وجل للمرة الرابعة أن يبين لهم أن باطلهم سيزول لا محالة ~~وسينتهي أمره انتهاء لن تقوم له بعد قائمة فقال تعالى ( @QUR@08 قل جاء ~~الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد ) والإبداء : هو فعل الأمر ابتداء. والإعادة ~~: فعله مرة أخرى ، ولا يخلو الحي منهما ، فعدمهما كناية عن هلاكه. كما يقول ~~: فلان لا يأكل ولا يشرب ، كناية عن هلاكه. # أى : قل أيها الرسول لهؤلاء الكافرين ، لقد جاء الحق المتمثل في دين ~~الإسلام الذي أرسلنى به إليكم ربي ، ومادام الإسلام قد جاء ، فإن الباطل ~~المتمثل في الكفر الذي أنتم عليه ، قد آن له أن يذهب وأن يزول ، وأن لا ~~يبقى له إبداء أو إعادة ، فقد اندثر وأهيل عليه بالتراب إلى غير رجعة. # ثم أمره سبحانه ms4678 للمرة الخامسة أن يصارحهم بأنه مسئول أمام الله عما ~~يرشدهم إليه ، وأنهم ليسوا مسئولين عن هدايته أو ضلاله ، فقال تعالى : ( ~~@QUR@013 قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي ، وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي ) ~~@QUR@01 . # أى : وقل لهم أيها الرسول الكريم على سبيل الإرشاد والتنبيه ، إنى إن ~~ضللت عن الصراط المستقيم ، وعن اتباع الحق ، فإنما إثم ضلالي على نفسي ~~وحدها لا عليكم ، وإن اهتديت إلى طريق الحق والصواب ، فاهتدائى بسبب ما ~~يوحيه الله تعالى إلى من توجيهات حكيمة ، وإرشادات قويمة ، ( @QUR@01 إنه ) ~~سبحانه ( @QUR@01 سميع ) لكل شيء ( @QUR@01 قريب ) منى ومنكم. # وهكذا نجد هذه الآيات الكريمة قد أمرت الرسول صلى الله عليه وسلم خمس مرات ، ~~أن يخاطب المشركين بما يقطع عليهم كل طريق للتشكيك في شأن دعوته ، وبما ~~يوصلهم إلى طريق الهداية والسعادة لو كانوا يعقلون : # وأخيرا نرى سورة «سبأ» تختتم بهذه الآيات ، التي تصور تصويرا مؤثرا ، ~~حالة الكافرين عند ما يخرجون من قبورهم للبعث والحساب ، يعلوهم الهلع ~~والفزع ، ويحال بينهم وبين ما يشتهون ، لأن توبتهم جاءت في غير أوانها ... ~~قال تعالى : PageV11P309 # ( @QUR@010 ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب (51) @QUR@09 ~~وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد (52) @QUR@010 وقد كفروا به ~~من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد (53) @QUR@015 وحيل بينهم وبين ما ~~يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب ) (54) # وجواب ( @QUR@01 لو ) محذوف. وكذلك مفعول ( @QUR@01 ترى ). والفزع : ~~حالة من الخوف والرعب تعترى الإنسان عند ما يشعر بما يزعجه ويخيفه. والفوت ~~: النجاة والمهرب. # وهذا الفزع للكافرين يكون عند خروجهم من قبورهم للبعث والحساب ، أو عند ~~قبض أرواحهم. # أى : ولو ترى أيها العاقل حال الكافرين ، وقت خروجهم من قبورهم للحساب ، ~~وقد اعتراهم الفزع والهلع .. لرأيت شيئا هائلا ، وأمرا عظيما ... # وقوله ( @QUR@02 فلا فوت ) أى : فلا مهرب لهم ولا نجاة يومئذ من الوقوف ~~بين يدي الله تعالى للحساب ، ولمعاقبتهم على كفرهم وجحودهم ... # وقوله : ( @QUR@04 وأخذوا من مكان قريب ) معطوف على ( @QUR@01 فزعوا ) أى ~~: فزعوا دون أن ينفعهم هذا الفزع ، وأخذوا ليلقوا مصيرهم السيئ من مكان ms4679 ~~قريب من موقف الحساب. # قال الآلوسى : والمراد بذكر قرب المكان ، سرعة نزول العذاب بهم ~~والاستهانة بهم وبهلاكهم ، وإلا فلا قرب ولا بعد بالنسبة إلى الله عز وجل ~~...» (1). # ( @QUR@03 وقالوا آمنا به ) أى : وقال هؤلاء الكافرون عند ما رأوا العذاب ~~المعد لهم في الآخرة : آمنا بالله تعالى وبأنه هو الواحد الأحد الفرد الصمد ~~، الذي لا معبود بحق سواه ، وآمنا بهذا الدين الذي جاءنا به رسوله محمد ~~صلى الله عليه وسلم . # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 وأنى لهم التناوش من مكان بعيد ) بيان لعدم ~~انتفاعهم بما قالوه من إظهار الإيمان في هذا الوقت. PageV11P310 # والتناوش : التناول. يقال : فلان ناش الشيء ينوشه نوشا إذا تناوله. ومنه ~~قولهم : تناوشوا بالرماح ، أى : تناول بعضهم بعضا بها. # أى : لقد قالوا بعد البعث آمنا بهذا الدين ، ومن أين لهم في الآخرة تناول ~~الإيمان والتوبة من الكفر ، وكان ذلك قريبا منهم في الدنيا فضيعوه ، وكيف ~~يظفرون به في الآخرة وهي بعيدة عن دار الدنيا التي هي محل قبول الإيمان. # فالجملة الكريمة تمثيل لحالهم في طلب الخلاص بعد أن فات أوانه ، وأن هذا ~~الطلب في نهاية الاستبعاد كما يدل عليه لفظ ( @QUR@01 أنى ). # قال صاحب الكشاف : والتناوش والتناول أخوان. إلا أن التناوش تناول سهل ~~لشيء قريب ... # وهذا تمثيل لطلبهم ما لا يكون ، وهو أن ينفعهم إيمانهم في هذا الوقت ، ~~كما ينفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا. مثلت حالهم بحال من يريد أن يتناول ~~الشيء من غلوة أى : من مكان بعيد ، كما يتناوله الآخر من قيس ذراع تناولا ~~سهلا لا تعب فيه ...» (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@05 وقد كفروا به من قبل ) أى : قالوا آمنا بأن يوم ~~القيامة حق ، والحال أنهم قد كفروا به من قبل في الدنيا ، عند ما دعاهم إلى ~~الإيمان به رسول الله صلى الله عليه وسلم . # وقوله تعالى : ( @QUR@05 ويقذفون بالغيب من مكان بعيد ) بيان لما كانوا ~~عليه في الدنيا من سفاهة في القول ، وجرأة في النطق بالباطل ، وفيما لا علم ~~لهم به. # والعرب تقول لكل من تكلم فيما لا يعلمه : هو يقذف ويرجم بالغيب ، والجملة ~~الكريمة ms4680 معطوفة على قوله : ( @QUR@05 وقد كفروا به من قبل ). # أى : لقد كفروا بهذا الدين في الدنيا ، وكانوا ينطقون بأقوال لا علم لهم ~~بها ، وبينها وبين الحق والصدق مسافات بعيدة. فقد نسبوا إلى الله تعالى ~~الولد والشريك ، ويقولون في الرسول صلى الله عليه وسلم إنه ساحر ... ، وفي شأن ~~البعث : إنه لا حقيقة له ، وفي شأن القرآن : إنه أساطير الأولين. # فالمقصود بالآية تقريعهم وتجهيلهم ، على ما كانوا يتفوهون به من كلام ~~ساقط ، بينه وبين الحقيقة مسافات بعيدة. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة ببيان حرمانهم التام مما يشتهونه فقال : ( ~~@QUR@01 وحيل PageV11P311 # @QUR@014 بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك ~~مريب ). # وقوله ( @QUR@01 حيل ) فعل مبنى للمجهول مأخوذ من الحول بمعنى المنع ~~والحجز. تقول حال الموج بيني وبين فلان. أى : منعني من الوصول إليه ، ومنه ~~قوله تعالى : ( @QUR@06 وحال بينهما الموج فكان من المغرقين ). # أى : وحجز وفصل بين هؤلاء المشركين يوم القيامة ( @QUR@03 وبين ما يشتهون ~~) ويتمنون من قبول إيمانهم في هذا اليوم ، أو من العفو عنهم في هذا اليوم ، ~~أو من العفو عنهم ورجوعهم إلى الدنيا .. حيل بينهم وبين كل ذلك ، ( @QUR@05 ~~كما فعل بأشياعهم من قبل ) أى : كما هو الحال بالنسبة لأمثالهم ونظرائهم ~~الذين سبقوهم في الكفر. # ( @QUR@02 إنهم كانوا ) جميعا على نمط واحد ( @QUR@02 في شك ) من أمر هذا ~~الدين ( @QUR@01 مريب ) أى : موقع في الريبة. # وبعد : فهذا تفسير وسيط لسورة «سبأ» نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا ~~لوجهه ، ونافعا لعباده. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وصلى الله على ~~سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. PageV11P312 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة فاطر PageV11P313 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة فاطر هي السورة الخامسة والثلاثون في ترتيب المصحف ، وكان نزولها ~~بعد سورة الفرقان كما ذكر صاحب الإتقان (1). # وهي من السور المكية الخالصة ، وتسمى أيضا بسورة «الملائكة». # قال القرطبي : هي مكية في قول الجميع. وهي خمس وأربعون آية (2). # 2 سورة فاطر هي آخر السور التي افتتحت بقوله تعالى : ( @QUR@02 الحمد لله ~~) وقد سبقها في هذا الافتتاح سور ms4681 : الفاتحة ، والأنعام ، والكهف ، وسبأ. # قال سبحانه في افتتاح سورة فاطر : ( @QUR@024 الحمد لله فاطر السماوات ~~والأرض ، جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع ، يزيد في الخلق ~~ما يشاء إن الله على كل شيء قدير ). # 3 ثم تحدث سبحانه بعد ذلك عن مظاهر نعمه على عباده ورحمته بهم ، فقال : ( ~~@QUR@019 ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ، وما يمسك فلا مرسل له ~~من بعده ، وهو العزيز الحكيم. ) @QUR@01 .. . # 4 ثم توجه السورة الكريمة نداءين إلى الناس ، تأمرهم في أولهما بشكر الله ~~تعالى على نعمه ، وتنهاهم في ثانيهما عن الاغترار بزينة الحياة الدنيا وعن ~~اتباع خطوات الشيطان .. # قال سبحانه : ( @QUR@016 يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم ، هل من ~~خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض ) @QUR@01 .. . وقال جل شأنه : ( ~~@QUR@015 يا أيها الناس إن وعد الله حق ، فلا تغرنكم الحياة الدنيا ، ولا ~~يغرنكم بالله الغرور ). PageV11P315 # 5 وبعد أن تسلى السورة الكريمة الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من ~~أعدائه ، تأخذ في بيان مظاهر قدرة الله تعالى في خلقه ، فتذكر قدرته سبحانه ~~في إرسال الرياح والسحب ، وفي خلقه للإنسان من تراب ، وفي إيجاده للبحرين : ~~أحدهما عذب فرات سائغ شرابه ، والثاني : ملح أجاج ، وفي إدخاله الليل في ~~النهار ، والنهار في الليل ، وفي تسخيره الشمس والقمر .. # قال تعالى : ( @QUR@056 وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ~~ملح أجاج ، ومن كل تأكلون لحما طريا ، وتستخرجون حلية تلبسونها ، وترى ~~الفلك فيه مواخر ، لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون. يولج الليل في النهار ~~ويولج النهار في الليل ، وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ، ذلكم الله ~~ربكم له الملك ، والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ). # 6 ثم وجه سبحانه نداء ثالثا إلى الناس ، بين لهم فيه : افتقارهم اليه ~~تعالى وحاجتهم إلى عونه وعطائه ، وتحمل كل إنسان لمسئولياته ولنتائج أعماله .. # كما بين لهم سبحانه أن الفرق بين الهدى والضلال ، كالفرق بين الإبصار ~~والعمى ، وبين النور والظلمات ، وبين الحياة والموت ، وبين الظل والحرور. # قال تعالى : ( @QUR@028 وما يستوي الأعمى والبصير ms4682 ، ولا الظلمات ولا ~~النور ، ولا الظل ولا الحرور. وما يستوي الأحياء ولا الأموات ، إن الله ~~يسمع من يشاء ، وما أنت بمسمع من في القبور ). # 7 ثم عادت السورة الكريمة إلى الحديث عن مظاهر قدرة الله تعالى ورحمته ~~بعباده ، وعن الثواب العظيم الذي أعده سبحانه لمن يتلون كتابه ولمن يحافظون ~~على فرائضه وعن عقابه الأليم للكافرين الجاحدين لنعمه .. # قال تعالى : ( @QUR@055 ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء ، فأخرجنا به ~~ثمرات مختلفا ألوانها ، ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها ، وغرابيب ~~سود. ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك ، إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء ، إن الله عزيز غفور. إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا ~~الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ، يرجون تجارة لن تبور ). # ثم قال سبحانه : ( @QUR@018 والذين كفروا لهم نار جهنم ، لا يقضى عليهم ~~فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور ). # 8 ثم انتقلت السورة الكريمة في أواخرها إلى الحديث عن جهالات المشركين ، ~~حيث عبدوا من دون الله تعالى مالا يملك لهم ضرا ولا نفعا ، وعن مكرهم السيئ ~~الذي لا يحيق PageV11P316 # إلا بأهله ، وعن نقضهم لعهودهم حيث ( @QUR@019 أقسموا بالله جهد أيمانهم ~~لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم ، فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا ~~نفورا ) @QUR@01 .. . # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة ببيان سعة رحمته بالناس فقال : ( @QUR@025 ~~ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ، ما ترك على ظهرها من دابة ، ولكن يؤخرهم ~~إلى أجل مسمى ، فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا ). # 9 وهكذا نرى سورة فاطر قد طوفت بالنفس الإنسانية في أرجاء هذا الكون ، ~~وأقامت الأدلة على وحدانية الله تعالى وقدرته. عن طريق نعم الله تعالى ~~المبثوثة في الأرض وفي السماء ، وفي الليل وفي النهار ، وفي الشمس وفي ~~القمر : وفي الرياح وفي السحب ، وفي البر وفي البحر .. وفي غير ذلك من ~~النعم التي سخرها سبحانه لعباده. # كما نراها قد حددت وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم وساقت له ما يسليه ~~ويزيده ثباتا على ثباته ، وما يرشد ms4683 كل عاقل إلى حسن عاقبة الأخيار ، وسوء ~~عاقبة الأشرار. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .. PageV11P317 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@024 الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي ~~أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير (1) ~~@QUR@019 ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من ~~بعده وهو العزيز الحكيم (2) @QUR@022 يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم ~~هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون ) (3) # افتتحت سورة «فاطر» كما سبق أن ذكرنا عند تفسيرنا لسورة «سبأ» بتقرير ~~الحقيقة الأولى في كل دين ، وهي أن المستحق للحمد المطلق ، والثناء الكامل ~~، هو الله رب العالمين. # والحمد : هو الثناء باللسان على الجميل الصادر عن اختيار من نعمة وغيرها. # و «أل» في الحمد للاستغراق. بمعنى أن المستحق لجميع المحامد ، ولكافة ~~ألوان الثناء هو الله تعالى (1). # وقوله : ( @QUR@03 فاطر السماوات والأرض ) أى خالقهما وموجدهما على غير ~~مثال يحتذي ، إذ المراد بالفطر هنا : الابتداء والاختراع للشيء الذي لم ~~يوجد ما يشبهه من قبل. PageV11P318 # قال القرطبي : والفاطر : الخالق ، والفطر بفتح الفاء : الشق عن الشيء. ~~يقال : فطرته فانفطر. ومنه : فطر ناب البعير ، أى : طلع. وتفطر الشيء ، أى ~~: تشقق ... # والفطر : الابتداء والاختراع. قال ابن عباس : كنت لا أدرى ما ( @QUR@03 ~~فاطر السماوات والأرض ) حتى أتى أعرابيان يختصمان في بئر ، فقال أحدهما : ~~أنا فطرتها ، أى : أنا ابتدأتها .. # والمراد بذكر السموات والأرض : العالم كله. ونبه بهذا على أن من قدر على ~~الابتداء ، قادر على الإعادة (1). # والمعنى : الحمد المطلق والثناء التام الكامل لله تعالى وحده ، فهو ~~سبحانه الخالق للسموات والأرض ، ولهذا الكون بأسره ، دون أن يسبقه إلى ذلك ~~سابق ، أو يشاركه فيما خلق وأوجد مشارك. # وقوله تعالى : ( @QUR@08 جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع ~~) بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته تعالى التي لا يعجزها شيء. # والملائكة : جمع ملك. والتاء لتأنيث الجمع ، وأصله ملاك. وهم جند من خلق ms4684 ~~الله تعال وقد وصفهم سبحانه بصفات متعددة ، منها : أنهم ( @QUR@05 يسبحون ~~الليل والنهار لا يفترون ) وأنهم ( @QUR@02 عباد مكرمون ). ( @QUR@08 لا ~~يعصون الله ما أمرهم ، ويفعلون ما يؤمرون ). # قال الجمل : وقوله : جاعل الملائكة ، أى : بعضهم. إذ ليس كلهم رسلا كما ~~هو معلوم. وقوله : ( @QUR@02 أولي أجنحة ) نعت لقوله ( @QUR@01 رسلا )، ~~وهو جيد لفظا لتوافقهما تنكيرا. أو هو نعت للملائكة ، وهو جيد معنى إذ كل ~~الملائكة لها أجنحة ، فهي صفة كاشفة .. (2). # وقوله : ( @QUR@03 مثنى وثلاث ورباع ) أسماء معدول بها عن اثنين اثنين ، ~~وثلاثة ثلاثة ، وأربعة أربعة ، وهي ممنوعة من الصرف ، للوصفية والعدل عن ~~المكرر وهي صفة لأجنحة. # أى : الحمد لله الذي خلق السموات والأرض بقدرته ، والذي جعل الملائكة ~~رسلا إلى أنبيائه. وإلى من يشاء من عباده ، ليبلغوهم ما يأمرهم سبحانه ~~بتبليغه إليهم .. # وهؤلاء الملائكة المكرمون ، ذوو أجنحة عديدة. منهم من له جناحان ومنهم من ~~له ثلاثة ، ومنهم من له أربعة ، ومنهم من له أكثر من ذلك ، لأن المراد بهذا ~~الوصف ، بيان كثرة الأجنحة لا حصرها. PageV11P319 # قال الآلوسى ما ملخصه قوله : ( @QUR@03 جاعل الملائكة رسلا ) @QUR@01 .. ~~معناه : جاعل الملائكة وسائط بينه وبين أنبيائه والصالحين من عباده ، ~~يبلغون إليهم رسالته بالوحي والإلهام والرؤيا الصادقة ، أو جاعلهم وسائط ~~بينه وبين خلقه يوصلون إليهم آثار قدرته وصنعه ، كالأمطار والرياح وغيرهما. # وقوله : ( @QUR@03 مثنى وثلاث ورباع ) معناه : أن من الملائكة من له ~~جناحان ومنهم من له ثلاثة ، ومنهم من له أربعة ، ولا دلالة في الآية على ~~نفى الزائد ، وما ذكر من عد للدلالة على التكثير والتفاوت ، لا للتعيين ولا ~~لنفى النقصان عن اثنين .. # فقد أخرج الشيخان عن ابن مسعود في قوله تعالى ( @QUR@06 لقد رأى من آيات ~~ربه الكبرى ) أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى جبريل وله ستمائة جناح .. (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@05 يزيد في الخلق ما يشاء ) استئناف مقرر لمضمون ما ~~قبله ، من كمال قدرته ، ونفاذ إرادته. # أى يزيد سبحانه في خلق كل ما يزيد خلقه ما يشاء أن يزيده من الأمور التي ~~لا يحيط بها الوصف ، ومن ذلك أجنحة الملائكة فيزيد فيها ما يشاء ، وكذلك ms4685 ~~ينقص في الخلق ما يشاء ، والكل جاء على مقتضى الحكمة والتدبير. # قال صاحب الكشاف : قوله ( @QUR@05 يزيد في الخلق ما يشاء ) أى : يزيد في ~~خلق الأجنحة ، وفي غيره ما تقتضيه مشيئته وحكمته. # والآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق : من طول قامة ، واعتدال صورة ، ~~وتمام الأعضاء ، وقوة في البطش ، وحصافة في العقل ، وجزالة في الرأى ، ~~وجرأة في القلب ، وسماحة في النفس ، وذلاقة في اللسان ، ولباقة في التكلم ، ~~وحسن تأن في مزاولة الأمور ، وما أشبه ذلك مما لا يحيط به الوصف .. (2). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@06 إن الله على كل شيء قدير ~~) أى : إن الله تعالى لا يعجزه شيء يريده ، لأنه قدير على فعل كل شيء ، ~~فالجملة الكريمة تعليل لما قبلها من كونه سبحانه يزيد في الخلق ما يشاء ، ~~وينقص منه ما يشاء. # وقوله تعالى : ( @QUR@09 ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها. ) ~~@QUR@01 .. بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته وفضله على عباده. PageV11P320 # والمراد بالفتح هنا : الإطلاق والإرسال على سبيل المجاز. بعلاقة السببية ~~لأن فتح الشيء المغلق ، سبب لإطلاق ما فيه وإرساله. # أى : ما يرسل الله تعالى بفضله وإحسانه للناس من رحمة متمثلة في الأمطار ~~، وفي الأرزاق ، وفي الصحة .. وفي غير ذلك ، فلا أحد يقدر على منعها عنهم. # ( @QUR@07 وما يمسك فلا مرسل له من بعده ) أى : وما يمسك من شيء لا يريد ~~إعطاءه لهم ، فلا أحد من الخلق يستطيع إرساله لهم. بعد أن منعه الله تعالى عنهم. # ( @QUR@01 وهو ) سبحانه ( @QUR@01 العزيز ) الذي لا يغلبه غالب ( @QUR@01 ~~الحكيم ) في كل أقواله وأفعاله. # وعبر سبحانه في جانب الرحمة بالفتح ، للإشعار بأن رحمته سبحانه من أعظم ~~النعم وأعلاها ، حتى لكأنها بمنزلة الخزائن المليئة بالخيرات ، والتي متى ~~فتحت أصاب الناس منها ما أصابوا من نفع وبر. # و ( @QUR@01 من ) في قوله ( @QUR@02 من رحمة ) للبيان. وجاء الضمير في ~~قوله : ( @QUR@03 فلا ممسك لها ) مؤنثا ، لأنه يعود إليها وحدها. # وجاء مذكرا في قوله ( @QUR@03 فلا مرسل له ) لأنه يشملها ويشمل غيرها. أى ~~: وما يمسك من رحمة أو غيرها عن عباده فلا يستطيع ms4686 أحد أن يرسل ما أمسكه ~~سبحانه . # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@015 وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف ~~له إلا هو. وإن يردك بخير فلا راد لفضله ) @QUR@01 .. (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@017 وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو. وإن ~~يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير ) (2). # قال ابن كثير : وثبت في صحيح مسلم عن أبى سعيد الخدري. أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول : سمع الله لمن حمده. ~~اللهم ربنا لك الحمد. ملء السموات والأرض. وملء ما شئت من شيء بعد .. اللهم ~~لا مانع لما أعطيت. ولا معطى لما منعت. ولا ينفع ذا الجد منك الجد (3) أى : ~~ولا ينفع صاحب الغنى غناه وإنما الذي ينفعه عمله الصالح .. PageV11P321 # ثم وجه سبحانه نداء الى الناس. أمرهم فيه بذكره وشكره فقال : ( @QUR@016 ~~يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم ، هل من خالق غير الله يرزقكم من ~~السماء والأرض ) @QUR@01 .. . # والمراد من ذكر النعمة : ذكرها باللسان وبالقلب ، وشكر الله تعالى عليها ~~، واستعمالها فيما خلقت له. # والمراد بالنعمة هنا : النعم الكثيرة التي أنعم بها سبحانه على الناس. ~~كنعمة خلقهم ، ورزقهم ، وتسخير كثير من الكائنات لهم. # والاستفهام في قوله : ( @QUR@06 هل من خالق غير الله يرزقكم ) للنفي ~~والإنكار ، أى : يا أيها الناس اذكروا بألسنتكم وقلوبكم ، نعم الله تعالى ~~عليكم ، واشكروه عليها. واستعملوها في الوجوه التي أمركم باستعمالها فيها ، ~~واعلموا أنه لا خالق غير الله تعالى يرزقكم من السماء بالمطر وغيره ، ~~ويرزقكم من الأرض بالنبات والزروع والثمار وما يشبه ذلك من الأرزاق التي ~~فيها حياتكم وبقاؤكم. # وقوله تعالى ( @QUR@04 لا إله إلا هو ) جملة مستأنفة لتقرير النفي ~~المستفاد مما قبله أى : لا إله مستحق للعبادة والطاعة إلا الله تعالى ، إذ ~~هو الخالق لكم ، وهو الذي أعطاكم النعم التي لا تعد ولا تحصى. # ( @QUR@02 فأنى تؤفكون ) أى : ومادام الأمر كذلك : فكيف تصرفون عن إخلاص ~~العبادة لخالقكم ورازقكم ، إلى الشرك في عبادته. # فقوله ( @QUR@01 تؤفكون ) من الأفك بالفتح بمعنى الصرف والقلب يقال : ~~أفكه عن الشيء ، إذا صرفه عنه ، ومنه ms4687 قوله تعالى : ( @QUR@07 قالوا أجئتنا ~~لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا ) @QUR@01 .. أى : لتصرفنا عما وجدنا عليه ~~آباءنا. # وبعد هذا البيان المعجز لمظاهر قدرة الله تعالى ورحمته بعباده ، وهيمنته ~~على شئون خلقه .. أخذت السورة الكريمة في تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وفي ~~دعوة الناس إلى اتباع ما جاءهم به هذا النبي الكريم ، وفي بيان مصير ~~المؤمنين ومصير الكافرين ، فقال تعالى : # ( @QUR@011 وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور (4) ~~@QUR@011 يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا PageV11P322 # @QUR@04 ولا يغرنكم بالله الغرور (5) @QUR@013 إن الشيطان لكم عدو ~~فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير (6) @QUR@013 الذين ~~كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير (7) ~~@QUR@025 أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من ~~يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون ) (8) # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@07 وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك ) تسلية ~~له صلى الله عليه وسلم بعموم البلية ، والوعد له صلى الله عليه وسلم والوعيد ~~لأعدائه. # والمعنى : وإن استمروا على أن يكذبوك فيما بلغت إليهم من الحق المبين .. ~~فتأس بأولئك الرسل في الصبر ، فقد كذبهم قومهم فصبروا على تكذيبهم. فجملة ( ~~@QUR@05 فقد كذبت رسل من قبلك ) قائمة مقام جواب الشرط ، والجواب في ~~الحقيقة تأس. وأقيمت تلك الجملة مقامه ، اكتفاء بذكر السبب عن ذكر المسبب ~~.. (1). # وجاء لفظ الرسل بصيغة التنكير ، للإشعار بكثرة عددهم ، وسمو منزلتهم. # أى : وإن يكذبك أيها الرسول الكريم قومك ، فلا تحزن ، ولا تبتئس ، فإن ~~إخوانك من الأنبياء الذين سبقوك ، قد كذبهم أقوامهم ، فأنت لست بدعا في ذلك. # ومن الآيات الكثيرة التي وردت في هذا المعنى قوله تعالى : ( @QUR@010 ما ~~يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك ).. (2). # وقوله عز وجل : ( @QUR@017 ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا ~~وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ) @QUR@01 .. (3). PageV11P323 # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بما يزيد في تسليته صلى الله عليه وسلم فقال : ~~( @QUR@04 وإلى الله ترجع ms4688 الأمور ). # أى : وإلى الله تعالى وحده ترجع أمور الناس وأحوالهم وأعمالهم وأقوالهم. ~~وسيجازى سبحانه الذين أساءوا بما عملوا ، وسيجازى الذين أحسنوا بالحسنى. # ثم وجه سبحانه نداء ثانيا إلى الناس. بين لهم فيه أن البعث حق ، وأن من ~~الواجب عليهم أن يستعدوا لاستقبال هذا اليوم بالإيمان والعمل الصالح فقال ~~تعالى ( @QUR@07 يا أيها الناس إن وعد الله حق. ) @QUR@01 .. . # أى : إن ما وعدكم الله تعالى به من البعث والحساب والثواب والعقاب ، حق ~~لا ريب فيه ، وما دام الأمر كذلك ، ( @QUR@04 فلا تغرنكم الحياة الدنيا ) ~~أى : فلا تخدعنكم بمتعها ، وشهواتها ، ولذائذها ، فإنها إلى زوال وفناء ، ~~ولا تشغلنكم هذه الحياة الدنيا من أداء ما كلفكم سبحانه بأدائه من فرائض ~~وتكاليف. # ( @QUR@04 ولا يغرنكم بالله الغرور ) أى : ولا يخدعنكم عن طاعة ربكم ، ~~ومالك أمركم ( @QUR@01 الغرور ). # أى : الشيطان المبالغ في خداعكم ، وفي صرفكم عن كل ما هو خير وبر. # فالمراد بالغرور هنا : الشيطان الذي أقسم بالأيمان المغلظة ، بأنه لن يكف ~~عن إغواء بنى آدم ، وعن تزيين الشرور والآثام لهم. # فالمقصود بالآية الكريمة تذكير الناس بيوم القيامة وما فيه من أهوال. ~~وتحذيرهم من اتباع خطوات الشيطان ، فإنه لا يأمر إلا بالفحشاء والمنكر. # ثم أكد سبحانه هذا التحذير بقوله : ( @QUR@04 إن الشيطان لكم عدو ) يا ~~بنى آدم ، عداوة قديمة وباقية إلى يوم القيامة. # وما دام الأمر كذلك ( @QUR@02 فاتخذوه عدوا ) أى : فاتخذوه أنتم عدوا لكم ~~في عقائدكم. وفي عباداتكم. وفي كل أحوالكم ، بأن تخالفوا وسوسته وهمزاته ~~وخطواته .. # وقوله : ( @QUR@07 إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ) تقرير ~~وتأكيد لهذه العداوة. # أى : اتخذوا يا بنى آدم الشيطان عدوا لكم ، لأنه لا يدعو أتباعه ومن هم ~~من حزبه إلى خير أبدا ، وإنما يدعوهم الى العقائد الباطلة. والأقوال ~~الفاسدة ، والأفعال القبيحة التي تجعلهم يوم القيامة من أهل النار الشديدة ~~الاشتعال .. # ثم بين سبحانه أقسام الناس يوم القيامة فقال : ( @QUR@02 الذين كفروا ) ~~بكل ما يجب PageV11P324 # الإيمان به ( @QUR@03 لهم عذاب شديد ) بسبب كفرهم وفسوقهم عن أمر خالقهم ~~عز وجل واتباعهم للشيطان .. # ( @QUR@03 والذين آمنوا وعملوا ) الأعمال ( @QUR@02 الصالحات لهم ) من ~~ربهم ( @QUR@01 مغفرة ms4689 ) عظيمة ( @QUR@02 وأجر كبير ) لا يعلم مقداره إلا ~~الله تعالى . # ثم بين سبحانه الفرق الشاسع بين المؤمن والكافر ، والمطيع ، والعاصي ، ~~فقال : ( @QUR@07 أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا ) @QUR@01 .. . # والاستفهام للإنكار. و «من» موصولة في موضع رفع على الابتداء. والجملة ~~بعدها صلتها ، والخبر محذوف لدلالة الكلام عليه ، و ( @QUR@01 زين ) من ~~التزيين بمعنى التحسين. وقوله ( @QUR@02 سوء عمله ) أى : عمله السيئ ، فهو ~~من إضافة الصفة إلى الموصوف. # والمعنى : أفمن زين له الشيطان عمله السيئ ، فرآه حسنا ، كمن ليس كذلك؟ ~~كلا إنهما لا يستويان في عرف أى عاقل ، فإن الشخص الذي ارتكب الأفعال ~~القبيحة التي زينها له الشيطان ، أو نفسه الأمارة بالسوء ، أو هواه .. ~~مصيره إلى الشقاء والتعاسة. # أما الشخص الذي خالف الشيطان ، والنفس الأمارة بالسوء ، والهوى المردى .. ~~فمصيره إلى السعادة والفلاح. # وقد صرح سبحانه بالأمرين في آيات منها قوله تعالى ( @QUR@013 أفمن كان ~~على بينة من ربه ، كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم )؟ # وجملة ( @QUR@08 فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ) تعليل لسببية ~~التزيين لرؤية القبيح حسنا .. # أى : هؤلاء الذين يعملون الأعمال السيئة ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، ~~لا قدرة لك على هدايتهم أيها الرسول الكريم فإن الله تعالى وحده ، هو الذي ~~يضل من يشاء إضلاله ، ويهدى من يشاء هدايته. # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@05 فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ) للتفريع. ~~والحسرات جمعه حسرة ، وهي أشد ما يعترى الإنسان من ندم على أمر قد مضى ~~وانتهى والجار والمجرور «عليهم» متعلق بقوله «حسرات». # أى : إذا كان الأمر كما أخبرناك أيها الرسول الكريم فامض في طريقك وبلغ ~~رسالة ربك ، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، ولا تهلك نفسك هما وغما وحزنا ~~من أجل هؤلاء الذين أعرضوا عن الحق ، واعتنقوا الباطل ، وظنوا أنهم بذلك ~~يحسنون صنعا .. PageV11P325 # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بما يزيد في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فقال تعالى : ( @QUR@05 إن الله عليم بما يصنعون ). # أى : إن الله تعالى لا يخفى عليه شيء مما يفعله هؤلاء الجاهلون من أفعال ~~قبيحة ، وسيجازيهم يوم القيامة بما يستحقونه ms4690 من عقاب. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@06 لعلك باخع نفسك ألا يكونوا ~~مؤمنين ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@011 فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا ~~الحديث أسفا ) (2). # وبعد هذه التسلية من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم وبعد هذا التحذير ~~من وسوسة الشيطان ومن خداعه ، وبعد هذا البيان لسوء عاقبة الكافرين ، وحسن ~~عاقبة المؤمنين ، بعد كل ذلك .. ساقت السورة الكريمة ألوانا من نعم الله ~~تعالى على عباده ، ومن رحمته بهم ، نرى ذلك في الرياح وفي السحب ، وفي ~~البحار والأنهار ، وفي الليل نهار ، وفي الشمس القمر .. وفي غير ذلك من ~~النعم الظاهرة والباطنة في هذا الكون. ### ||| ** قال تعالى : # ( @QUR@017 والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت ~~فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور (9) @QUR@024 من كان يريد العزة ~~فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون ~~السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور (10) @QUR@022 والله خلقكم من ~~تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما ~~يعمر من معمر PageV11P326 # @QUR@012 ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير (11) ~~@QUR@028 وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل ~~تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من ~~فضله ولعلكم تشكرون (12) @QUR@028 يولج الليل في النهار ويولج النهار في ~~الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين ~~تدعون من دونه ما يملكون من قطمير (13) @QUR@018 إن تدعوهم لا يسمعوا ~~دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك ~~مثل خبير ) (14) # قال أبو حيان رحمه الله لما ذكر سبحانه أشياء من الأمور السماوية ، وإرسال ~~الملائكة ، أتبع ذلك بذكر أشياء من الأمور الأرضية كالرياح وإرسالها ، وفي ~~هذا احتجاج على منكري البعث ، دلهم على المثال الذي يعاينونه ، وهو وإحياء ~~الموتى سيان. وفي الحديث أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف يحيى ~~الله الموتى وما آية ms4691 ذلك في خلقه؟ فقال : «هل مررت بوادي أهلا محلا أى ~~مجدبا لا نبات فيه ثم مررت به يهتز خضرا؟ فقالوا : نعم ، فقال : فكذلك يحيى ~~الله الموتى ، وتلك آيته في خلقه» (1). # فقوله تعالى : ( @QUR@06 والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا ) بيان ~~لمظهر آخر من مظاهر قدرته عز وجل ومن سعة رحمته بعباده. PageV11P327 # وقوله : ( @QUR@01 فتثير ) من الإثارة بمعنى التهييج والتحريك من حال إلى حال. # أى : والله تعالى وحده ، هو الذي أرسل الرياح ، فجعلها بقدرته النافذة ~~تحرك السحب من مكان إلى مكان ، فتذهب بها تارة إلى جهة الشمال ، وتارة إلى ~~جهة الجنوب ، وتارة إلى غير ذلك. # وقوله : ( @QUR@04 فسقناه إلى بلد ميت ) بيان للحكمة من هذه الإثارة. ~~والمراد بالبلد الميت : الأرض الجدباء التي لا نبات فيها. والضمير في ( ~~@QUR@01 فسقناه ) يعود إلى السحاب. # وقوله : ( @QUR@05 فأحيينا به الأرض بعد موتها ) أى : فأحيينا بالمطر ~~النازل من السحاب الأرض الجدباء ، فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج. # فالضمير في قوله ( @QUR@01 به ) يعود إلى المطر ، لأن السحاب يدل عليه ~~لما بينهما من تلازم ، ويصح أن يعود إلى السحاب لأنه سبب نزول الأمطار. # وقال سبحانه ( @QUR@01 فتثير ) بصيغة المضارع. استحضارا لتلك الصورة ~~البديعة الدالة على قدرة الله تعالى ، والتي من شأنها أن تغرس العظات ~~والعبر في النفوس. # وقال سبحانه : ( @QUR@02 فسقناه فأحيينا ) بنون العظمة ، وبالفعل الماضي ~~، للدلالة على تحقق قدرته ورحمته بعباده. # قال صاحب الكشاف ما ملخصه : فإن قلت : لم جاء ( @QUR@01 فتثير ) على ~~المضارعة دون ما قبله وما بعده؟. # قلت : ليحكى الحال التي تقع فيها إثارة الرياح للسحاب ، وتستحضر تلك ~~الصور البديعة الدالة على القدرة الربانية ، وهكذا يفعلون بكل فعل فيه نوع ~~تمييز وخصوصية .. # ولما كان سوق السحاب إلى البلد الميت ، وإحياء الأرض بالمطر بعد موتها ، ~~من الدلائل على القدرة الباهرة قيل : فسقنا ، وأحيينا ، معدولا بهما عن لفظ ~~الغيبة ، إلى ما هو أدخل في الاختصاص وأدل عليه .. (1). # والكاف في قوله تعالى : ( @QUR@02 كذلك النشور ) بمعنى مثل ، وهي في محل ~~رفع على الخبرية. أى : مثل ذلك الإحياء الذي تشاهدونه للأرض بعد نزول المطر ~~عليها ، يكون ms4692 إحياء الأموات منكم. # قال الإمام الرازي : فإن قيل ما وجه التشبيه بقوله : ( @QUR@02 كذلك ~~النشور )؟ فالجواب من وجوه : PageV11P328 # أحدها : أن الأرض الميتة لما قبلت الحياة اللائقة بها ، كذلك الأعضاء ~~تقبل الحياة. # ثانيها : كما أن الريح يجمع القطع السحابية ، كذلك يجمع سبحانه بين أجزاء ~~الأعضاء .. # ثالثها : كما أنا نسوق الريح والسحاب إلى البلد الميت ، كذلك نسوق الروح ~~والحياة إلى البدن الميت (1). # والنشور : الإحياء والبعث بعد الموت. يقال : أنشر الله تعالى الموتى ~~ونشرهم ، إذا أحياهم بعد موتهم. ونشر الراعي غنمه ، إذا بثها بعد أن آواها. # ثم بين سبحانه أن العزة الكاملة إنما هي لله تعالى وحده فقال : ( @QUR@07 ~~من كان يريد العزة فلله العزة جميعا. ) @QUR@01 .. . # والمراد بالعزة : الشرف والمنعة والاستعلاء ، من قولهم : أرض عزاز ، أى : ~~صلبة قوية. و ( @QUR@01 من ) شرطية ، وجواب الشرط محذوف. وقوله : ( @QUR@03 ~~فلله العزة جميعا ) تعليل للجواب المحذوف. # والمعنى من كان من الناس يريد العزة التي لا ذلة معها. فليطع الله ~~وليعتمد عليه وحده فلله تعالى العزة كلها في الدنيا والآخرة ، وليس لغيره ~~منها شيء. # وفي هذا رد على المشركين وغيرهم ممن يطلبون العزة من الأصنام أو من غيرها ~~من المخلوقات قال تعالى : ( @QUR@014 واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم ~~عزا. كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا ) (2). # وقال سبحانه : ( @QUR@014 الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ~~، أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا ) (3). # قال القرطبي ما ملخصه : يريد سبحانه في هذه الآية ، أن ينبه ذوى الأقدار ~~والهمم ، من أين تنال العزة ومن أين تستحق ، فمن طلب العزة من الله تعالى ~~وجدها عنده ، إن شاء الله ، غير ممنوعة ولا محجوبة عنه .. ومن طلبها من ~~غيره وكله إلى من طلبها عنده. وقال صلى الله عليه وسلم مفسرا لهذه الآية : «من ~~أراد عز الدارين فليطع العزيز» ، ولقد أحسن القائل. # وإذا تذللت الرقاب تواضعا %~% منا إليك فعزها في ذلها PageV11P329 # فمن كان يريد العزة لينال الفوز الأكبر ، فليعتز بالله تعالى ، فإن من ~~اعتز بغير الله ، أذله الله ، ومن اعتز به سبحانه أعزه (1). # ولا تنافى بين هذه الآية ms4693 وبين قوله تعالى : ( @QUR@04 ولله العزة ولرسوله ~~وللمؤمنين ) لأن العزة الكاملة لله تعالى وحده ، أما عزة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فمستمدة من قربه من الله تعالى ، كما أن عزة المؤمنين ~~مستمدة من إيمانهم بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم . # والخلاصة أن هذه الآية الكريمة ترشد المؤمنين إلى الطريق الذي يوصلهم إلى ~~السعادة الدنيوية والأخروية. ألا وهو طاعة الله تعالى ، والاعتماد عليه ~~والاعتزاز به. # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) ~~حض للمؤمنين على النطق بالكلام الحسن ، وعلى الإكثار من العمل الصالح. # و ( @QUR@01 يصعد ) من الصعود بمعنى الارتفاع إلى أعلى والعروج من مكان ~~منخفض إلى مكان مرتفع. يقال صعد في السلم ويصعد صعودا إذا ارتقاه وارتفع فيه. # و ( @QUR@01 الكلم ) اسم جنس جمعى واحده كلمة. # والمراد بالكلم الطيب : كل كلام يرضى الله تعالى من تسبيح وتحميد وتكبير. ~~وأمر بالمعروف ، ونهى عن المنكر ، وغير ذلك من الأقوال الحسنة. # والمراد بصعوده : قبوله عند الله تعالى ورضاه عن صاحبه ، أو صعود صحائف ~~هذه الأقوال الطيبة. # والمعنى : إليه تعالى وحده ، لا إلى غيره يصعد الكلم الطيب ، أى : يقبل ~~عنده ، ويكون مرضيا لديه ، أو إليه وحده ترفع صحائف أعمال عباده ، الصادقين ~~فيجازيهم بما يستحقون من ثواب ، والعمل الصالح الصادر عن عباده المؤمنين ~~يرفعه الله تعالى إليه ، ويقبله منهم ، ويكافئهم عليه. # فالفاعل لقوله ( @QUR@01 يرفعه ) ضمير يعود على الله تعالى ، والضمير ~~المنصوب يعود إلى العمل الصالح أى : يرفع الله تعالى العمل الصالح إليه ، ~~ويقبله من أصحابه. # ومنهم من يرى أن الفاعل لقوله ( @QUR@01 يرفعه ) هو العمل الصالح. ~~والضمير المنصوب يعود إلى الكلم الطيب. أى : أن العمل الصالح هو الذي يرفع ~~الكلم الطيب. بأنه يجعله مقبولا عند الله تعالى . PageV11P330 # ومنهم من يرى العكس. أى : أن الكلم الطيب هو الذي يرفع العمل الصالح. # قال الشوكانى ما ملخصه : ومعنى : ( @QUR@03 والعمل الصالح يرفعه ) أن ~~العمل الصالح يرفع الكلم الطيب. كما قال الحسن وغيره. ووجهه أنه لا يقبل ~~الكلم الطيب إلا من العمل الصالح وقيل : إن فاعل ( @QUR@01 يرفعه ) هو ~~الكلم الطيب ، ومفعوله ms4694 العمل الصالح. ووجهه أن العمل الصالح لا يقبل إلا مع ~~التوحيد والإيمان وقيل : إن فاعل ( @QUR@01 يرفعه ) ضمير يعود إلى الله ~~تعالى . # والمعنى : أن الله تعالى يرفع العمل الصالح على الكلم الطيب ، لأن العمل ~~يحقق الكلام. وقيل : والعمل الصالح هو الذي يرفع صاحبه. (1). # ويبدو لنا أن أرجح هذه الأقوال ، أن يكون الفاعل لقوله ( @QUR@01 يرفعه ) ~~هو الله تعالى ، وأن الضمير المنصوب عائد إلى العمل الصالح لأن الله تعالى ~~هو الذي يقبل الأقوال الطيبة ، وهو سبحانه الذي يرفع الأعمال الصالحة ~~ويقبلها عنده من عباده المؤمنين. # ثم بين تعالى بعد ذلك سوء عاقبة الذين يمكرون السوء فقال : ( @QUR@010 ~~والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ، ومكر أولئك هو يبور ). # والمكر : التدبير المحكم. أو صرف غيرك عما يريده بحيلة. وهو مذموم إن ~~تحرى به صاحبه الشر والسوء كما في الآية الكريمة ، ومحمود إن تحرى به صاحبه ~~الخير والنفع و ( @QUR@01 السيئات ) جمع سيئة وهي صفة لموصوف محذوف. # وقوله ( @QUR@01 يبور ) أى : يبطل ويفسد ، من البوار : يقال : بار المتاع ~~بوارا إذا كسد وصار في حكم الهالك. # أى : والذين يمكرون المكرات السيئات من المشركين والمنافقين وأشباههم ، ~~لهم عذاب شديد من الله تعالى ، ومكر أولئك الماكرين المفسدين ، مصيره إلى ~~الفساد والخسران ، لأن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله. # ويدخل في هذا المكر السيئ ما فعله المشركون مع الرسول صلى الله عليه وسلم في ~~دار الندوة ، حيث بيتوا قتله ، ولكن الله تعالى نجاه من شرورهم ، كما دخل ~~فيه غير ذلك من أقوالهم القبيحة ، وأفعالهم الذميمة ، ونياتهم الخبيثة. # ثم ساق سبحانه بعد ذلك دليلا آخر على صحة البعث والنشور ، وعلى كمال ~~قدرته تعالى فقال : ( @QUR@04 والله خلقكم من تراب ) أى : خلقكم ابتداء في ~~ضمن خلق أبيكم آدم PageV11P331 # من تراب ( @QUR@03 ثم من نطفة ) وأصلها الماء الصافي أو الماء القليل ~~الذي يبقى في الدلو أو القربة ، وجمعها : نطف ونطاف. يقال : نطفت القربة ~~إذا قطرت. # والمراد بها هنا : المنى الذي هو مادة التلقيح من الرجل للمرأة. # ( @QUR@03 ثم جعلكم أزواجا ) أى : أصنافا ذكرانا وإناثا ، كما قال تعالى ~~: ( @QUR@04 أو يزوجهم ms4695 ذكرانا وإناثا ). أو المراد : ثم جعلكم تتزاوجون ، ~~فالرجل يتزوج المرأة ، والمرأة تتزوج الرجل. ( @QUR@08 وما تحمل من أنثى ~~ولا تضع إلا بعلمه ) أى : لا يحصل من الأنثى حمل ، كما لا يحصل منها وضع ~~لما في بطنها ، إلا والله تعالى عالم به علما تاما لأنه سبحانه لا يخفى ~~عليه شيء. # ( @QUR@011 وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب ) والمراد ~~بالعمر الشخص الذي يطيل الله تعالى عمره. # والضمير في قوله ( @QUR@02 من عمره ) يعود إلى شخص آخر ، فيكون المعنى : ~~ما يمد سبحانه في عمر أحد من الناس ، ولا ينقص من عمر أحد آخر ، إلا وكل ~~ذلك كائن وثابت في كتاب عنده تعالى وهذا الكتاب هو اللوح المحفوظ ، أو ~~صحائف أعمال العباد أو علم الله الأزلى. # ومنهم من يرى أن الضمير في قوله ( @QUR@02 من عمره ) يعود إلى الشخص ذاته ~~وهو المعمر فيكون المعنى : وما يمد الله تعالى في عمر إنسان ، ولا ينقص من ~~عمره بمضى أيام حياته ، إلا وكل ذلك ثابت في علمه سبحانه . # قال بعض العلماء : وقد أطال بعضهم الكلام في ذلك ومحصله : أنه اختلف في ~~معنى ( @QUR@01 معمر ) فقيل : هو المزاد عمره بدليل ما يقابله من قوله ولا ~~ينقص ، وقيل : المراد بقوله ( @QUR@01 معمر ) من يجعل له عمر. وهل هو شخص ~~واحد أو شخصان؟ # فعلى رأى من قال بأن المعمر ، هو من يجعل له عمر يكون شخصا واحدا بمعنى ~~انه يكتب عمره مائة سنة مثلا ، ثم يكتب تحته مضى يوم ، مضى يومان ، وهكذا ~~فكتابة الأصل هي التعمير .. والكتابة بعد ذلك هو النقص كما قيل : # حياتك أنفاس تعد فكلما %~% مضى نفس منها انتقصت به جزءا # والضمير حينئذ راجع إلى المذكور. والمعمر على هذا هو الذي جعل الله تعالى ~~له عمرا طال هذا العمر أو قصر. # وعلى رأى من قال بأن المعمر هو من يزاد في عمره ، يكون من ينقص في عمره ~~غير الذي PageV11P332 # يزاد في عمره فهما شخصان. والضمير في «عمره» على هذا الرأى يعود إلى شخص ~~آخر ، إذ لا يكون المزيد في ms4696 عمره منقوصا من عمره ..» (1). # وقد رجح ابن جرير رحمه الله الرأى الأول وهو أن الضمير في قوله ( @QUR@02 ~~من عمره ) يعود إلى شخص آخر فقال : وأولى التأويلين في ذلك عندي بالصواب ، ~~التأويل الأول ، وذلك أن ذلك هو أظهر معنييه ، وأشبههما بظاهر التنزيل (2). # واسم الإشارة في قوله ( @QUR@05 إن ذلك على الله يسير ) يعود إلى الخلق ~~من تراب وما بعده. # أى : إن ذلك الذي ذكرناه لكم من خلقكم من تراب ، ثم من نطفة .. يسيروهين ~~على الله تعالى لأنه سبحانه لا يعجزه شيء على الإطلاق. # ثم ذكر سبحانه نوعا آخر من أنواع بديع صنعه ، وعجيب قدرته ، فقال : ( ~~@QUR@011 وما يستوي البحران ، هذا عذب فرات سائغ شرابه ، وهذا ملح أجاج ) ~~@QUR@01 .. . # والماء العذب الفرات : هو الماء السائغ للشرب ، الذي يشعر الإنسان عند ~~شربه باللذة وهو ماء الأنهار. وسمى فراتا لأنه يفرت العطش ، أى : يقطعه ~~ويزيله ويكسره. # والماء الملح الأجاج : هو الشديد الملوحة والمرارة وهو ماء البحار. سمى ~~أجاجا من الأجيج وهو تلهب النار ، لأن شربه يزيد العطشان عطشا وتعبا. # قالوا : والآية الكريمة مثل للمؤمن والكافر. فالبحر العذب : مثل للمؤمن ، ~~والبحر الملح : مثل للكافر. # فكما أن البحرين اللذين أحدهما عذب فرات سائغ شرابه. والآخر ملح أجاج. لا ~~يتساويان في طعمهما ومذاقهما. وإن اشتركا في بعض الفوائد فكذلك المؤمن ~~والكافر ، لا يتساويان في الخاصية العظمى التي خلقا من أجلها ، وهي إخلاص ~~العبادة لله الواحد القهار ، وإن اشتركا في بعض الصفات الأخرى كالسخاء ~~والشجاعة لأن المؤمن استجاب لفطرته فآمن بالحق ، أما الكافر فقد عاند فطرته ~~، فأصر على الكفر. # وقوله : ( @QUR@05 ومن كل تأكلون لحما طريا ) بيان لبعض النعم التي وهبها ~~سبحانه لعباده من وجود البحرين. # أى : ومن كل واحد منهما تأكلون لحما طريا ، أى : غضا شهيا مفيدا لأجسادكم ~~، عن طريق ما تصطادونه منهما من أسماك وما يشبهها. PageV11P333 # قال بعض العلماء. وفي وصفه بالطراوة ، تنبيه إلى أنه ينبغي المسارعة إلى ~~أكله ، لأنه يسرع إليه الفساد والتغيير. وقد أثبت الطب أن تناوله بعد ذهاب ~~طراوته من أضر المأكولات فسبحان الخبير بشئون خلقه .. # وفيه ms4697 أيضا إيماء إلى كمال قدرته تعالى حيث أوجد هذا اللحم الطري النافع ~~في الماء الملح الأجاج الذي لا يشرب. # وقد كره العلماء أكل الطافي منه على وجه الماء ، وهو الذي يموت حتف أنفه ~~في الماء فيطفو على وجهه ، لحديث جابر بن عبد الله ، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : «ما نضب عنه الماء فكلوه. وما لفظه الماء فكلوه ~~، وما طفا على وجه الماء فلا تأكلوه». # فالمراد من ميتة البحر في حديث : «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» ما لفظه ~~البحر لا ما مات فيه من غير آفة» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@03 وتستخرجون حلية تلبسونها ) بيان لنعمة ثانية من ~~النعم التي تصل إلى الناس عن طريق البحرين. # والحلية بكسر الحاء : اسم لما يتحلى به الناس ، ويتزينون بلبسه ، وجمع ~~حلية : حلى وحلى بكسر الحاء وضمها يقال : تحلت المرأة إذا لبست الحلي. # أى : ومن النعم التي تصل إليكم عن طريق البحرين ، استخراجكم منهما ما ~~ينفعكم ، وما تتحلى به نساؤكم ، كاللؤلؤ والمرجان وغيرهما. # والتعبير بقوله : ( @QUR@01 وتستخرجون ) يشير إلى كثرة الإخراج. فالسين ~~والتاء للتأكيد. كما يشير بأن من الواجب على المسلمين ، أن يباشروا بأنفسهم ~~استخراج ما في البحرين من كنوز نافعة ، وأن لا يتركوا ذلك لأعدائهم. # وأسند سبحانه لباس الحلية إلى ضمير جمع الذكور ، فقال ( @QUR@01 تلبسونها ~~) على سبيل التغليب ، وإلا فإن هذه الحلية يلبسها النساء في الأعم الأغلب ~~من الأحوال. # قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله : ( @QUR@01 تلبسونها ) أى : تلبسها نساؤكم ~~وأسند الفعل إلى ضمير الرجال ، لاختلاطهم بهن ، وكونهم متبوعين ، أو لأنهم ~~سبب لتزينهن فإن النساء يتزين في الغالب ليحسن في أعين الرجال ..» (2). PageV11P334 # وقال بعض العلماء : وفي الآية دليل قرآنى واضح على بطلان دعوى بعض ~~العلماء من أن اللؤلؤ والمرجان ، لا يستخرجان إلا من البحر الملح خاصة» (1). # وقوله تعالى ( @QUR@04 وترى الفلك فيه مواخر ) بيان لنعمة ثالثة من نعمه ~~تعالى عن طريق وجود البحار في الأرض. # وأصل المخر : الشق. يقال مخرت السفينة البحر إذا شقته وسارت بين أمواجه ، ~~ومخر الماء الأرض إذا شقها. # أى : وترى أيها العاقل ببصرك السفن ms4698 في كل من البحرين ( @QUR@01 مواخر ) ~~أى تشق الماء بمقدماتها ، وتسرع السير فيه من جهة إلى جهة .. # والضمير في قوله ( @QUR@01 فيه ) يعود إلى البحر الملح ، لأن أمر الفلك ~~فيه أعظم من أمرها في البحر العذب ، وإن كانت السفن تجرى في البحرين. # ويجوز أن يكون الضمير في قوله ( @QUR@01 فيه ) يعود إلى جنس البحر. أى : ~~وترى السفن تشق كل بحر ، لتسير فيه من مكان إلى مكان .. # واللام في قوله تعالى : ( @QUR@05 لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ) ~~متعلقة بمحذوف دل عليه الكلام السابق. # أى : أوجدنا البحرين ، وسخرناهما لمنفعتكم ، لتطلبوا أرزاقكم فيهما ، ~~وهذه الأرزاق هي من فضل الله تعالى عليكم ، ومن رحمته بكم ، ولعلكم بعد ذلك ~~تشكروننا على آلائنا ونعمنا ، فإن من شكرنا زدناه من خيرنا وعطائنا. # ثم بين سبحانه نعما أخرى تتجلى في الليل وفي النهار ، وفي الشمس والقمر ، ~~فقال : ( @QUR@015 يولج الليل في النهار ، ويولج النهار في الليل وسخر ~~الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ).. # أى : ومن مظاهر فضله عليكم ، ورحمته بكم ، أنه أوجد لكم الليل والنهار ~~بهذا النظام البديع ، بأن أدخل أحدهما في الآخر ، وجعلهما متعاقبين ، مع ~~زيادة أحدهما عن الآخر في الزمان ، على حسب اختلاف المطالع ، والمغارب ، ~~وأوجد أيضا بفضله ورحمته الشمس والقمر لمنفعتكم ، وكل واحد منهما يسير ~~بنظام بديع محكم ، إلى الأجل والوقت الذي حدده الله تعالى لانتهاء عمر هذه ~~الدنيا .. PageV11P335 # والإشارة في قوله : ( @QUR@05 ذلكم الله ربكم له الملك. ) @QUR@01 .. ~~تعود إلى الخالق والموجد لتلك الكائنات العجيبة البديعة ، وهو الله عز وجل . # أى : ذلكم الذي أوجد كل هذه المخلوقات لمنفعتكم ، هو الله تعالى ربكم وهو ~~وحده الذي له ملك هذا الكون ، لا يشاركه فيه مشارك ، ولا ينازعه في ملكيته ~~منازع ( @QUR@04 والذين تدعون من دونه ) أى : والذين تعبدونهم من دون الله ~~تعالى ، وتصفونهم بأنهم آلهة. # ( @QUR@04 ما يملكون من قطمير ) والقطمير : القشرة البيضاء الرقيقة ~~الملتفة على النواة. # أو هو النقطة في ظهر النواة ، ويضرب مثلا لأقل شيء وأحقره. # أى : والذين تعبدونهم من دون الله تعالى لا يملكون معه سبحانه شيئا ، ولو ~~كان هذا الشيء في ms4699 نهاية القلة والحقارة والصغر ، كالنكتة التي تكون في ظهر ~~النواة. # ثم أكد سبحانه هذا المعنى وقرره فقال : ( @QUR@05 إن تدعوهم لا يسمعوا ~~دعاءكم. ) @QUR@01 .. . # أى : إن هذه المعبودات الباطلة لا تملك من شيء مع الله تعالى ، بدليل ~~أنكم إن تدعوهم لنفعكم ، لن يسمعوا دعاءكم ، وإن تستغيثوا بهم عند المصائب ~~والنوائب ، لن يلبوا استغاثتكم .. # ( @QUR@02 ولو سمعوا ) على سبيل الفرض والتقدير ( @QUR@03 ما استجابوا ~~لكم ) لأنهم لا قدرة لهم على هذه الاستجابة لعجزهم عن ذلك. # ( @QUR@02 ويوم القيامة ) الذي تتجلى فيه الحقائق ، وتنكشف الأمور ( ~~@QUR@02 يكفرون بشرككم ). # أى : يتبرءون من عبادتكم لهم ، ومن إشراككم إياهم العبادة مع الله تعالى ~~، فضلا عن عدم استجابتهم لكم إذا دعوتموهم لنصرتكم. # ( @QUR@02 ولا ينبئك ) أى : ولا يخبرك بهذه الحقائق التي لا تقبل الشك أو الريب. # ( @QUR@02 مثل خبير ) أى : مثل من هو خبير بأحوال النفوس وبظواهرها ~~وببواطنها. وهو الله عز وجل ، فإنه سبحانه هو الذي يعلم السر وأخفى. # وبهذا نرى الآيات الكريمة ، قد طوفت بنا في أرجاء هذا الكون ، وساقت لنا ~~ألوانا من نعم الله تعالى على الناس ، كالرياح ، والسحاب ، والأمطار ~~والبحار ، والليل والنهار ، والشمس والقمر ... وهي نعم تدل على وحدانية ~~المنعم بها ، وعلى قدرته عز وجل وفي كل ذلك هداية إلى الحق لكل عبد منيب. # ثم وجه سبحانه نداء ثالثا إلى الناس ، نبههم فيه إلى فقرهم إليه سبحانه ، ~~وإلى غناه عنهم ، وإلى مسئولية كل إنسان عن نفسه ، وإلى وظيفة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم الذي PageV11P336 # أرسله إليهم ، وإلى الفرق الشاسع بين الإيمان والكفر ، وإلى سوء مصير ~~المكذبين ، فقال تعالى : # ( @QUR@011 يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد ~~(15) @QUR@06 إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد (16) @QUR@05 وما ذلك على الله ~~بعزيز (17) @QUR@034 ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا ~~يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا ~~الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير (18) @QUR@04 وما ~~يستوي الأعمى والبصير (19) @QUR@04 ولا الظلمات ولا النور (20) @QUR@04 ولا ~~الظل ولا الحرور (21) @QUR@016 وما يستوي الأحياء ولا الأموات ms4700 إن الله يسمع ~~من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور (22) @QUR@04 إن أنت إلا نذير (23) ~~@QUR@012 إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ~~(24) @QUR@013 وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات ~~وبالزبر وبالكتاب المنير (25) @QUR@07 ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير ) (26) # وقوله تعالى : ( @QUR@07 يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله. ) @QUR@01 ~~.. نداء منه سبحانه للناس ، يعرفهم فيه حقيقة أمرهم ، ولأنهم لا غنى لهم عن ~~خالقهم عز وجل . # أى : يا أيها الناس أنتم المحتاجون إلى الله تعالى في كل شئونكم الدنيوية ~~والأخروية ( @QUR@01 والله ) تعالى وحده هو الغنى ، عن كل مخلوق سواه ، وهو ~~( @QUR@01 الحميد ) أى : PageV11P337 # المحمود من جميع الموجودات ، لأنه هو الخالق لكل شيء ، وهو المنعم عليكم ~~وعلى غيركم بالنعم التي لا تحصى. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم عرف الفقراء؟ قلت : قصد بذلك أن يريهم ~~أنه لشدة افتقارهم إليه هم جنس الفقراء ، وإن كانت الخلائق كلهم مفتقرين ~~إليه من الناس وغيرهم ، لأن الفقر مما يتبع الضعف ، وكلما كان الفقير أضعف ~~كان أفقر ، وقد شهد الله سبحانه على الإنسان بالضعف في قوله : ( @QUR@03 ~~وخلق الإنسان ضعيفا ) ولو نكر لكان المعنى : أنتم بعض الفقراء» (1). # وجمع سبحانه في وصف ذاته بين الغنى والحميد ، للإشعار بأنه تعالى بجانب ~~غناه عن خلقه ، هو الذي يفيض عليهم من نعمه ، وهو الذي يعطيهم من خيره ~~وفضله ، ما يجعلهم يحمدونه بألسنتهم وقلوبهم. # قال الآلوسى : قوله ( @QUR@01 الحميد ) أى : المنعم على جميع الموجودات ، ~~المستحق بإنعامه للحمد ، وأصله المحمود ، وأريد به ذلك عن طريق الكناية ، ~~ليناسب ذكره بعد فقرهم ، إذ الغنى لا ينفع الفقير إلا إذا كان جوادا منعما ~~، ومثله مستحق للحمد ، وهذا كالتكميل لما قبله ..» (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ) بيان لمظهر من ~~مظاهر غناه عن الناس. # أى : إن يشأ سبحانه يهلككم ويزيلكم من هذا الوجود ، ويأت بأقوام آخرين ~~سواكم ، فوجودكم في هذه الحياة متوقف على مشيئته وإرادته. # واسم الإشارة في قوله ( @QUR@05 وما ذلك على الله بعزيز ) يعود على ~~الإذهاب بهم ، والإتيان بغيرهم. # وما ms4701 ذلك الذي ذكرناه لكم من إفنائكم والإتيان بغيركم ، بعزيز ، أى : بصعب ~~أو عسير أو ممتنع على الله تعالى ، لأن قدرته تعالى لا يعجزها شيء. # ثم بين سبحانه أن كل نفس تتحمل نتائج أعمالها وحدها فقال : ( @QUR@05 ولا ~~تزر وازرة وزر أخرى ). # وقوله : ( @QUR@01 تزر ) من الوزر بمعنى الحمل. يقال : فلان وزر هذا ~~الشيء إذا حمله. وفعله PageV11P338 # من باب «وعد» ، وأكثر ما يكون استعمالا في حمل الآثام. # وقوله ( @QUR@01 وازرة ): صفة لموصوف محذوف. أى : ولا تحمل نفس آثمة ، ~~إثم نفس أخرى ، وإنما كل نفس مسئولة وحدها عن أفعالها وأقوالها التي ~~باشرتها ، أو تسببت فيها. # وقوله : ( @QUR@013 وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا ~~قربى ) مؤكد لمضمون ما قبله ، من مسئولية كل نفس عن أفعالها. # وقوله : ( @QUR@01 مثقلة ) صفة لموصوف محذوف ، والمفعول محذوف أيضا للعلم به. # وقوله ( @QUR@01 حملها ) أى : ما تحمله من الذنوب والآثام ، إذ الحمل ~~بكسر الحاء ما يحمله الإنسان من أمتعة على ظهره أو رأسه أو كتفه. # والمعنى : لا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى ، وإن تطلب نفس مثقلة بالذنوب ~~من نفس أخرى ، أن تحمل عنها شيئا من ذنوبها التي أثقلتها ، لا تجد استجابة ~~منها ، ولو كانت تلك النفس الأخرى من أقربائها وذوى رحمها. # قال تعالى : ( @QUR@019 يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي ~~والد عن ولده ، ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ) @QUR@01 .. . # وقال سبحانه : ( @QUR@015 يوم يفر المرء من أخيه. وأمه وأبيه. وصاحبته ~~وبنيه. لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ). # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : هلا قيل : ولا تزر نفس وزر أخرى؟ قلت : لأن ~~المعنى أن النفوس الوازرات لا ترى واحدة منهن إلا حاملة وزرها ، لا وزر غيرها. # فإن قلت : كيف توفق بين هذا ، وبين قوله : ( @QUR@05 وليحملن أثقالهم ~~وأثقالا مع أثقالهم )؟ # قلت : تلك الآية في الضالين المضلين ، وأنهم يحملون أثقال إضلالهم لغيرهم ~~، مع أثقالهم ، وذلك كله أوزارهم ، ما فيها شيء من وزر غيرهم. # فإن قلت : فما الفرق بين معنى ( @QUR@05 ولا تزر وازرة وزر أخرى ) وبين ~~معنى : ( @QUR@09 وإن تدع ms4702 مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ) @QUR@01 .. ؟ # قلت : الأول في الدلالة على عدل الله تعالى في حكمه ، وأنه تعالى لا ~~يؤاخذ نفسا بغير ذنبها. # والثاني : في أنه لا غياث يومئذ لمن استغاث .. وإن كان المستغاث به بعض ~~قرابتها من أب أو ولد أو أخ ... PageV11P339 # فإن قلت : إلام أسند كان في قوله ( @QUR@04 ولو كان ذا قربى )؟ قلت : ~~إلى المدعو المفهوم من قوله : ( @QUR@03 وإن تدع مثقلة ). # فإن قلت : فلم ترك ذكر المدعو؟ قلت : «ليعم ويشمل كل مدعو ..» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@08 إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا ~~الصلاة ). # كلام مستأنف مسوق لبيان من هم أهل للاتعاظ والاستجابة للحق. # أى : أنت أيها الرسول الكريم إنما ينفع وعظك وإنذارك. أولئك العقلاء ~~الذين يخشون ربهم عز وجل دون أن يروه ، أو يروا عذابه ، والذين يؤدون الصلاة ~~في مواقيتها بإخلاص وخشوع واطمئنان. # ثم حض سبحانه على تزكية النفوس وتطهيرها فقال : ( @QUR@08 ومن تزكى فإنما ~~يتزكى لنفسه وإلى الله المصير ) أى : ومن تطهر من دنس الكفر والفسوق ~~والعصيان. وحصن نفسه بالإيمان ، والعمل الصالح ، والتوبة النصوح ، فإن ثمرة ~~تطهره إنما تعود إلى نفسه وحدها ، وإليها يرجع الأجر والثواب ، والله تعالى ~~إليه وحده مصير العباد لا إلى غيره. # فالجملة الكريمة دعوة من الله تعالى للناس ، إلى تزكية النفوس وتطهيرها ~~من كل سوء ، بعد بيان أن كل نفس مسئولة وحدها عن نتائج أفعالها ، وأن أحدا ~~لن يلبى طلب غيره في أن يحمل شيئا عنه من أوزاره. # ثم ساق سبحانه أمثلة ، لبيان الفرق الشاسع بين المؤمن والكافر ، وبين ~~الحق والباطل ، وبين العلم والجهل .. فقال تعالى : ( @QUR@017 وما يستوي ~~الأعمى والبصير. ولا الظلمات ولا النور. ولا الظل ولا الحرور. وما يستوي ~~الأحياء ولا الأموات ) @QUR@01 .. . # والحرور : هو الريح الحارة التي تلفح الوجوه من شدة حرها ، فهو فعول من الحر. # أى : وكما أنه لا يستوي في عرف أى عاقل الأعمى والبصير ، كذلك لا يستوي ~~الكافر والمؤمن ، وكما لا تصلح المساواة بين الظلمات والنور ، كذلك لا تصلح ~~المساواة بين الكفر والإيمان ، وكما لا يتساوى المكان الظليل مع المكان ms4703 ~~الشديد الحرارة ، كذلك لا يستوي أصحاب الجنة وأصحاب النار. # فأنت ترى أن الآيات الكريمة قد مثلت الكافر في عدم اهتدائه بالأعمى ، ~~والمؤمن بالبصير ، كما مثلت الكفر بالظلمات والإيمان بالنور ، والجنة بالظل ~~الظليل ، والنار بالريح الحارة التي تشبه السموم. PageV11P340 # وكرر سبحانه لفظ ( @QUR@01 لا ) أكثر من مرة ، لتأكيد نفى الاستواء ، ~~بأية صورة من الصور. # وقوله : ( @QUR@05 وما يستوي الأحياء ولا الأموات ) تمثيل آخر للمؤمنين ~~الذين استجابوا للحق ، وللكافرين الذين أصروا على باطلهم. أو هو تمثيل ~~للعلماء والجهلاء قال الإمام ابن كثير : يقول تعالى كما لا تستوي هذه ~~الأشياء المتباينة المختلفة ، كالأعمى والبصير لا يستويان ، بل بينهما فرق ~~وبون كثير ، وكما لا تستوي الظلمات ولا النور ، ولا الظل ولا الحرور ، كذلك ~~لا يستوي الأحياء ولا الأموات. وهذا مثل ضربه الله للمؤمنين الأحياء ، ~~وللكافرين وهم الأموات ، كقوله تعالى : ( @QUR@018 أومن كان ميتا فأحييناه ~~وجعلنا له نورا يمشي به في الناس ، كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ) ~~@QUR@01 .. . # وقال تعالى : ( @QUR@09 مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع ، ~~هل يستويان مثلا ) فالمؤمن سميع بصير في نور يمشى .. والكافر أعمى أصم ، في ~~ظلمات يمشى ، ولا خروج له منها ، حتى يفضى به ذلك إلى الحرور والسموم ~~والحميم ..» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@011 إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في ~~القبور ) بيان لنفاذ قدرة الله تعالى ، ومشيئته. # أى : إن الله تعالى يسمع من يشاء أن يسمعه ، ويجعله مدركا للحق ، ~~ومستجيبا له أما أنت أيها الرسول الكريم فليس في استطاعتك أن تسمع هؤلاء ~~الكافرين المصرين على كفرهم وباطلهم ، والذين هم أشبه ما يكونون بالموتى في ~~فقدان الحس ، وفي عدم السماع لما تدعوهم إليه. # فالجملة الكريمة تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من هؤلاء ~~الجاحدين. # ثم حدد الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وظيفته فقال : ( @QUR@04 إن أنت ~~إلا نذير ). # أى : ما أنت أيها الرسول الكريم إلا منذر للناس من حلول عذاب الله تعالى ~~بهم ، إذا ما استمروا على كفرهم ، أما الهداية والضلال فهما بيد الله تعالى وحده. # ( @QUR@02 إنا أرسلناك ) أيها الرسول ms4704 الكريم إرسالا ملتبسا ( @QUR@01 ~~بالحق ) الذي لا يحوم حوله الباطل ( @QUR@02 بشيرا ونذيرا ) أى : أرسلناك ~~بالحق مبشرا المؤمنين بحسن الثواب ، ومنذرا الكافرين بأشد ألوان العقاب. # ( @QUR@07 وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ) أى : وما من أمة من الأمم ~~الماضية ، إلا وجاءها PageV11P341 # نذير ينذرها من سوء عاقبة الكفر ، ويدعوها إلى إخلاص العبادة لله تعالى . # فمن أفراد هذه الأمة من أطاعوا هذا النذير فسعدوا وفازوا ، ومنهم من ~~استحب العمى على الهدى ، والكفر على الإيمان فشقوا وخابوا. # ثم أضاف سبحانه إلى تسليته لرسوله صلى الله عليه وسلم تسلية أخرى فقال : ( ~~@QUR@07 وإن يكذبوك ، فقد كذب الذين من قبلهم. ) @QUR@01 .. . # أى : وإن يكذبك قومك يا محمد فلا تحزن ، فإن الأقوام السابقين قد كذبوا ~~إخوانك الذين أرسلناهم إليهم ، كما كذبك قومك. # وإن هؤلاء السابقين قد ( @QUR@03 جاءتهم رسلهم بالبينات ) أى : بالمعجزات ~~الواضحات ( @QUR@01 وبالزبر ) أى : وبالكتب المنزلة من عند الله تعالى جمع ~~زبور وهو المكتوب ، كصحف إبراهيم وموسى. # ( @QUR@02 وبالكتاب المنير ) أى : وبالكتاب الساطع في براهينه وحججه ، ~~كالتوراة التي أنزلناها على موسى ، والإنجيل الذي أنزلناه على عيسى. # قال الشوكانى : قيل : الكتاب المنير داخل تحت الزبر ، وتحت البينات ، ~~والعطف لتغير المفهومات ، وإن كانت متحدة في الصدق. والأولى تخصيص البينات ~~بالمعجزات. والزبر بالكتب التي فيها مواعظ ، والكتاب بما فيه شرائع وأحكام» (1). # ( @QUR@04 ثم أخذت الذين كفروا ) بالعذاب الشديد ، بسبب إصرارهم على ~~كفرهم ، وتكذيبهم لرسلهم. # ووضع الظاهر موضع ضميرهم ، لذمهم وللأشعار بعلة الأخذ. # والاستفهام في قوله تعالى ( @QUR@03 فكيف كان نكير ) للتهويل. أى : فانظر ~~أيها العاقل كيف كان إنكارى عليهم ، لقد كان إنكارا مصحوبا بالعذاب الأليم ~~الذي دمرهم تدميرا ، واستأصلهم عن آخرهم. # ثم ذكر سبحانه بعد ذلك أدلة أخرى على عظيم قدرته. وبين من هم أولى الناس ~~بخشيته ، ومدح الذين يكثرون من تلاوة كتابه ، ويحافظون على أداء فرائضه ، ~~ووعدهم على ذلك بالأجر الجزيل فقال تعالى : PageV11P342 # ( @QUR@022 ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ~~ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود (27) @QUR@017 ~~ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله ms4705 من عباده ~~العلماء إن الله عزيز غفور (28) @QUR@016 إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا ~~الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور (29) @QUR@08 ~~ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور (30) @QUR@016 والذي أوحينا ~~إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير ) (31) # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@08 ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء ).. # لتقرير ما قبله ، من أن اختلاف الناس في عقائدهم وأحوالهم أمر مطرد ، وأن ~~هذا الاختلاف موجود حتى في الحيوان والحجارة والنبات .. # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@02 ألم تر ) @QUR@01 .. هذه ~~الكلمة قد تذكر لمن تقدم علمه فتكون للتعجب ، وقد تذكر لمن لا يكون كذلك ، ~~فتكون لتعريفه وتعجيبه ، وقد اشتهرت في ذلك حتى أجريت مجرى المثل في هذا ~~الباب ، بأن شبه من لم ير الشيء ، بحال من رآه. في أنه لا ينبغي أن يخفى ~~عليه ، ثم أجرى الكلام معه. كما يجرى مع من رأى ، قصدا إلى المبالغة في ~~شهرته ..» (1). PageV11P343 # والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ، أو لكل من يتأتى له الخطاب ، بتقرير ~~دليل من أدلة القدرة الباهرة. # والمعنى : لقد علمت أيها العاقل علما لا يخالطه شك ، أن الله تعالى أنزل ~~من السماء ماء كثيرا ، فأخرج بسببه من الأرض ، ثمرات مختلفا ألوانها. ~~فبعضها أحمر ، وبعضها أصفر ، وبعضها أخضر .. وبعضها حلو المذاق ، وبعضها ~~ليس كذلك ، مع أنها جميعا تسقى بماء واحد ، كما قال تعالى : ( @QUR@027 وفي ~~الأرض قطع متجاورات ، وجنات من أعناب وزرع ونخيل ، صنوان وغير صنوان يسقى ~~بماء واحد ، ونفضل بعضها على بعض في الأكل. إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) (1). # وجاء قوله ( @QUR@01 فأخرجنا ) @QUR@01 .. على أسلوب الالتفات من الغيبة ~~إلى التكلم ، لإظهار كمال الاعتناء بالفعل لما فيه من الصنع البديع المنبئ ~~عن كمال القدرة والحكمة ، ولأن المنة بالإخراج أبلغ من إنزال الماء. # وقوله ( @QUR@01 مختلفا ) صفة لثمرات ، وقوله ( @QUR@01 ألوانها ) فاعل به. # وقوله تعالى : ( @QUR@09 ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب ~~سود ) معطوف على ما قبله ، لبيان مظهر آخر من مظاهر قدرته عز وجل . # قال ms4706 القرطبي ما ملخصه : «الجدد جمع جدة بضم الجيم وهي الطرائق المختلفة ~~الألوان» .. والجدة : الخطة التي في ظهر الحمار تخالف لونه. والجدة : ~~الطريقة والجمع جدد .. أى : طرائق تخالف لون الجبل ، ومنه قولهم : ركب فلان ~~جدة من الأمر ، إذا رأى فيه رأيا» (2). # وغرابيب : جمع غربيب ، وهو الشيء الشديد السواد ، والعرب تقول للشيء ~~الشديد السواد ، أسود غربيب. # وقوله : ( @QUR@01 سود ) بدل من ( @QUR@01 غرابيب ). # أى : أنزلنا من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ، وجعلنا ~~بقدرتنا من الجبال قطعا ذات ألوان مختلفة ، فمنها الأبيض ، ومنها الأحمر ، ~~ومنها ما هو شديد السواد ، ومنها ما ليس كذلك ، مما يدل على عظيم قدرتنا. ~~وبديع صنعنا .. PageV11P344 # ثم بين سبحانه أن هذا الاختلاف ليس مقصورا على الجبال فقال : ( @QUR@07 ~~ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك ) @QUR@01 .. . # وقوله : ( @QUR@01 مختلف ) صفة لموصوف محذوف. وقوله ( @QUR@01 كذلك ) صفة ~~أيضا لمصدر محذوف ، معمول لمختلف. # أى : ليس اختلاف الألوان مقصورا على قطع الجبال وطرقها وأجزائها ، بل ~~أيضا من الناس والدواب والأنعام ، أصناف وأنواع مختلف ألوانها اختلافا ، ~~كذلك الاختلاف الكائن في قطع الجبال ، وفي أنواع الثمار. # وإنما ذكر سبحانه هنا اختلاف الألوان في هذه الأشياء ، لأن هذا الاختلاف ~~من أعظم الأدلة على قدرة الله تعالى وعلى بديع صنعه. # ثم بين سبحانه أولى الناس بخشيته فقال : ( @QUR@06 إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء ) أى : إنما يخاف الله تعالى ويخشاه ، العالمون بما يليق ~~بذاته وصفاته ، من تقديس وطاعة وإخلاص في العبادة ، أما الجاهلون بذاته ~~وصفاته تعالى ، فلا يخشونه ولا يخافون عقابه ، لانطماس بصائرهم ، واستحواذ ~~الشيطان عليهم ، وكفى بهذه الجملة الكريمة مدحا للعلماء ، حيث قصر سبحانه ~~خشيته عليهم. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : هل يختلف المعنى إذا قدم المفعول في هذا ~~الكلام أو أخر؟ قلت : لا بد من ذلك ، فإنك إذا قدمت اسم الله ، وأخرت ~~العلماء ، كان المعنى. إن الذين يخشون الله من عباده هم العلماء دون غيرهم ~~، وإذا عملت على العكس انقلب المعنى إلى أنهم لا يخشون إلا الله ، كقوله ~~تعالى : ( @QUR@05 ولا يخشون أحدا إلا الله ) وهما معنيان مختلفان. # فإن قلت ms4707 : ما وجه اتصال هذا الكلام بما قبله؟ # قلت : لما قال ( @QUR@02 ألم تر ) بمعنى ألم تعلم أن الله أنزل من السماء ~~ماء ، وعدد آيات الله ، وأعلام قدرته ، وآثار صنعته .. أتبع ذلك بقوله : ( ~~@QUR@06 إنما يخشى الله من عباده العلماء ) كأنه قال : إنما يخشاه مثلك ومن ~~على صفتك ممن عرفه حق معرفته ، وعلمه كنه علمه. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «أنا أرجو أن أكون أتقاكم لله ~~وأعلمكم به» (1). # وقوله : ( @QUR@04 إن الله عزيز غفور ) تعليل لوجوب الخشية ، لدلالته على ~~أنه يعاقب على المعصية ، ويغفر الذنوب لمن تاب من عباده توبة نصوحا. PageV11P345 # ثم مدح سبحانه المكثرين من تلاوة كتابه ، المحافظين على أداء فرائضه فقال ~~: ( @QUR@05 إن الذين يتلون كتاب الله. ) @QUR@01 .. . # أى : إن الذين يداومون على قراءة القرآن الكريم بتدبر لمعانيه ، وعمل ~~بتوجيهاته ، ( @QUR@02 وأقاموا الصلاة ) بأن أدوها في مواقيتها بخشوع ~~وإخلاص. # ( @QUR@05 وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ) أى : وبذلوا مما رزقناهم من ~~خيرات ، تارة في السر وتارة في العلانية. # وجملة ( @QUR@04 يرجون تجارة لن تبور ) في محل رفع خبر إن. والمراد ~~بالتجارة : ثواب الله تعالى ومغفرته. # وقوله : ( @QUR@01 تبور ) بمعنى تكسد وتهلك. يقال : بار الشيء يبور بورا ~~وبوارا ، إذا هلك وكسد. # أى : هؤلاء الذين يكثرون من قراءة القرآن الكريم ، ويؤدون ما أوجبه الله ~~تعالى عليهم ، يرجون من الله تعالى الثواب الجزيل ، والربح الدائم ، لأنهم ~~جمعوا في طاعتهم له تعالى بين الإكثار من ذكره ، وبين العبادات البدنية ~~والمالية. # واللام في قوله : ( @QUR@05 ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ) @QUR@01 .. ~~متعلقة بقوله ( @QUR@02 لن تبور ) على معنى ، يرجون تجارة لن تكسد لأجل أن ~~يوفيهم أجورهم التي وعدهم بها ، ويزيدهم في الدنيا والآخرة من فضله ونعمه ~~وعطائه. # أو متعلقة بمحذوف ، والتقدير : فعلوا ما فعلوا ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من ~~فضله ( @QUR@01 إنه ) سبحانه ( @QUR@01 غفور ) أى : واسع المغفرة ( @QUR@01 ~~شكور ) أى : كثير العطاء لمن يطيعه ويؤدى ما كلفه به. # ثم ختم سبحانه هذه الآيات الكريمة ، بتثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~وتسليته عما أصابه من أعدائه فقال : ( @QUR@05 والذي أوحينا إليك من الكتاب ~~) أى القرآن الكريم ( @QUR@02 هو الحق ms4708 ) الثابت الذي لا يحوم حوله باطل. # ( @QUR@04 مصدقا لما بين يديه ) أى : أن من صفات هذا القرآن أنه مصدق لما ~~تقدمه من الكتب السماوية. كالتوراة والإنجيل. # ( @QUR@05 إن الله بعباده لخبير بصير ) أى : إن الله تعالى لمحيط إحاطة ~~تامة بأحوال عباده ، مطلع على ما يسرونه وما يعلنونه من أقوال أو أفعال. # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أقامت ألوانا من الأدلة على وحدانية الله تعالى PageV11P346 # وقدرته ، وأثنت على العلماء ، وعلى التالين للقرآن الكريم ، والمحافظين ~~على أداء ما كلفهم الله تعالى ثناء عظيما. # ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان أقسام الناس في هذه الحياة. ووعدت ~~المؤمنين الصادقين بجنات النعيم ، فقال تعالى : # ( @QUR@021 ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ~~ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير (32) ~~@QUR@013 جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم ~~فيها حرير (33) @QUR@011 وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا ~~لغفور شكور (34) @QUR@014 الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها ~~نصب ولا يمسنا فيها لغوب ) (35) # و «ثم» في قوله تعالى : ( @QUR@07 ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من ~~عبادنا ) للتراخي الرتبى. و ( @QUR@01 أورثنا ) أى أعطينا ومنحنا ، إذ ~~الميراث عطاء يصل للإنسان عن طريق غيره. # والمراد بالكتاب : القرآن الكريم ، وما اشتمل عليه من عقائد وأحكام وآداب ~~وتوجيهات سديدة .. وهو المفعول الثاني لأورثنا ، وقدم على المفعول الأول ، ~~وهو الموصول للتشريف. # و ( @QUR@01 اصطفينا ) بمعنى اخترنا واستخلصنا ، واشتقاقه من الصفو ، ~~بمعنى الخلوص من الكدر والشوائب. # والمراد بقوله : ( @QUR@02 من عبادنا ) الأمة الإسلامية التي جعلها الله ~~خير أمة أخرجت للناس. # والمعنى : ثم جعلنا هذا القرآن الذي أوحيناه إليك أيها الرسول الكريم ~~ميراثا منك PageV11P347 # لأمتك ، التي اصطفيناها على سائر الأمم ، وجعلناها أمة وسطا. وقد ورثناها ~~هذا الكتاب لتنتفع بهداياته .. وتسترشد بتوجيهاته ، وتعمل بأوامره ونواهيه. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@04 الذين اصطفينا من عبادنا ) هم كما قال ~~ابن عباس وغيره أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن الله تعالى اصطفاهم على ~~سائر الأمم ..» (1). # وفي التعبير بالاصطفاء ، تنويه بفضل هؤلاء العباد ، وإشارة ms4709 إلى فضلهم على ~~غيرهم ، كما أن التعبير بالماضي يدل على تحقق هذا الاصطفاء. # ثم قسم سبحانه هؤلاء العباد إلى ثلاثة أقسام فقال : ( @QUR@010 فمنهم ~~ظالم لنفسه ، ومنهم مقتصد. ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ) @QUR@01 .. . # وجمهور العلماء على أن هذه الأقسام الثلاثة ، تعود إلى أفراد هذه الأمة ~~الإسلامية. # وأن المراد بالظالم لنفسه ، من زادت سيئاته على حسناته. # وأن المراد بالمقتصد : من تساوت حسناته مع سيئاته. # وأن المراد بالسابقين بالخيرات : من زادت حسناتهم على سيئاتهم. # وعلى هذا يكون الضمير في قوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@03 جنات عدن ~~يدخلونها ) @QUR@01 .. يعود إلى تلك الأقسام الثلاثة ، لأنهم جميعا من أهل ~~الجنة بفضل الله ورحمته. # ومن العلماء من يرى أن المراد بالظالم لنفسه : الكافر ، وعليه يكون ~~الضمير في قوله : ( @QUR@01 يدخلونها ) يعود إلى المقتصد والسابق بالخيرات ~~، وأن هذه الآية نظير قوله تعالى في سورة الواقعة : ( @QUR@015 وكنتم ~~أزواجا ثلاثة. فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة. وأصحاب المشئمة ما أصحاب ~~المشئمة ، والسابقون السابقون ) @QUR@01 .. . # ومن المفسرين الذين رجحوا القول الأول ابن كثير فقد قال ما ملخصه : يقول ~~تعالى ثم جعلنا القائمين بالكتاب العظيم ... وهم هذه الأمة على ثلاثة أقسام ~~: ( @QUR@03 فمنهم ظالم لنفسه ) وهو المفرط في بعض الواجبات المرتكب لبعض ~~المحرمات. ( @QUR@02 ومنهم مقتصد ) وهو المؤدى للواجبات التارك للمحرمات ~~وقد يترك بعض المستحبات ، ويفعل بعض المكروهات. # ( @QUR@05 ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ) وهو الفاعل للواجبات ~~والمستحبات. # قال ابن عباس : هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ورثهم الله تعالى كل كتاب ~~أنزله. فظالمهم يغفر له ، ومقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا ، وسابقهم يدخل الجنة ~~بغير حساب. PageV11P348 # وفي رواية عنه : السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب ، والمقتصد يدخل ~~الجنة برحمة الله تعالى ، والظالم لنفسه يدخل الجنة بشفاعة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم . # وفي الحديث الشريف : «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتى» .. # وقال آخرون : الظالم لنفسه : هو الكافر. # والصحيح أن الظالم لنفسه من هذه الأمة ، وهذا اختيار ابن جرير كما هو ~~ظاهر الآية ، وكما جاءت به الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق ~~يشد بعضها بعضا. # ثم أورد الإمام ms4710 ابن كثير بعد ذلك جملة من الأحاديث منها : ما أخرجه ~~الإمام أحمد عن أبى سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه ~~الآية : «هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة ، وكلهم في الجنة». # ومعنى قوله «بمنزلة واحدة» أى : في أنهم من هذه الأمة ، وأنهم من أهل ~~الجنة ، وإن كان بينهم فرق في المنازل في الجنة» (1). # وقال الإمام ابن جرير : فإن قال لنا قائل : إن قوله ( @QUR@01 يدخلونها ) ~~إنما عنى به المقتصد والسابق بالخيرات؟ # قيل له : وما برهانك على أن ذلك كذلك من خبر أو عقل؟ فإن قال : قيام ~~الحجة أن الظالم من هذه الأمة سيدخل النار ، ولو لم يدخل النار من هذه ~~الأصناف الثلاثة أحد ، وجب أن لا يكون لأهل الإيمان وعيد. # قيل : إنه ليس في الآية خبر أنهم لا يدخلون النار ، وإنما فيها إخبار من ~~الله تعالى أنهم يدخلون جنات عدن : وجائز أن يدخلها الظالم لنفسه بعد عقوبة ~~الله إياه على ذنوبه التي أصابها في الدنيا ... ثم يدخلون الجنة بعد ذلك ، ~~فيكون ممن عمه خبر الله تعالى بقوله : ( @QUR@03 جنات عدن يدخلونها ) (2). # وقال الشوكانى : والظالم لنفسه : هو الذي عمل الصغائر. وقد روى هذا القول ~~عن عمر ، وعثمان ، وابن مسعود ، وأبى الدرداء ، وعائشة. وهذا هو الراجح ، ~~لأن عمل الصغائر لا ينافي الاصطفاء ، ولا يمنع من دخول صاحبه مع الذين ~~يدخلون الجنة يحلون فيها من أساور ... ووجه كونه ظالما لنفسه ، أنها نقصها ~~من الثواب بما فعل من الصغائر المغفورة له ، فإنه لو عمل مكان تلك الصغائر ~~طاعات ، لكان لنفسه فيها من الثواب حظا عظيما .. (3). PageV11P349 # قالوا : وتقديم الظالم لنفسه على المقتصد وعلى السابق بالخيرات. لا يقتضى ~~تشريفا ، كما في قوله تعالى ( @QUR@06 لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة ) ~~@QUR@01 .. . # ولعل السر في مجيء هذه الأقسام بهذا الترتيب ، أن الظالمين لأنفسهم أكثر ~~الأقسام عددا ، ويليهم المقتصدون ، ويليهم السابقون بالخيرات ، كما قال ~~تعالى ( @QUR@04 وقليل من عبادي الشكور ). # وقوله : ( @QUR@02 بإذن الله ) أى : بتوفيقه وإرادته وفضله. # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@04 ذلك هو الفضل الكبير ) يعود إلى ما ~~تقدم من ms4711 توريث الكتاب ومن الاصطفاء. # أى : ذلك الذي أعطيناه أيها الرسول الكريم لأمتك من الاصطفاء ومن توريثهم ~~الكتاب ، هو الفضل الواسع الكبير ، الذي لا يقادر قدره ، ولا يعرف كنهه إلا ~~الله تعالى . # ثم بين سبحانه مظاهر هذا الفضل فقال : ( @QUR@03 جنات عدن يدخلونها ) ~~والضمير للأنواع الثلاثة. # أى : هؤلاء الظالمون لأنفسهم والمقتصدون والسابقون بالخيرات ، ندخلهم ~~بفضلنا ورحمتنا ، الجنات الدائمة التي يخلدون فيها خلودا أبديا. # يقال : عدن فلان بالمكان ، إذا أقام به إقامة دائمة. # ( @QUR@010 يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير ) أى ~~أنهم يدخلون الجنات دخولا دائما ، وهم في تلك الجنات يتزينون بأجمل الزينات ~~، وبأفخر الملابس ، حيث يلبسون في أيديهم أساور من ذهب ولؤلؤا ، أما ثيابهم ~~فهي من الحرير الخالص. # ثم حكى سبحانه ما يقولونه بعد فوزهم بهذا النعيم فقال : ( @QUR@07 وقالوا ~~الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ). # والحزن : غم يعترى الإنسان لخوفه من زوال نعمة هو فيها. والمراد به هنا : ~~جنس الحزن الشامل لجميع أحزان الدين والدنيا والآخرة. # أى : وقالوا عند دخولهم الجنات الدائمة ، وشعورهم بالأمان والسعادة ~~والاطمئنان : الحمد لله الذي أذهب عنا جميع ما يحزننا من أمور الدنيا أو ~~الآخرة. # ( @QUR@02 إن ربنا ) بفضله وكرمه ( @QUR@02 لغفور شكور ) أى : لواسع ~~المغفرة لعباده ولكثير العطاء للمطيعين ، حيث أعطاهم الخيرات الوفيرة في ~~مقابل الأعمال القليلة. ( @QUR@03 الذي أحلنا دار PageV11P350 # @QUR@03 المقامة من فضله ) أى : الحمد لله الذي أذهب عنا الأحزان بفضله ~~ورحمته ، والذي ( @QUR@01 أحلنا ) أى : أنزلنا ( @QUR@02 دار المقامة ) أى ~~: الدار التي لا انتقال لنا منها ، وإنما نحن سنقيم فيها إقامة دائمة وهي ~~الجنة التي منحنا إياها بفضله وكرمه. # وهذه الدار ( @QUR@04 لا يمسنا فيها نصب ) أى : لا يصيبنا فيها تعب ولا ~~مشقة ولا عناء. يقال : نصب فلان كفرح إذا نزل به التعب والإعياء. # ( @QUR@04 ولا يمسنا فيها لغوب ) أى : ولا يصيبنا فيها كلال وإعياء بسبب ~~التعب والهموم ، يقال : لغب فلان لغبا ولغوبا. إذا اشتد به الإعياء ~~والهزال. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما الفرق بين النصب واللغوب؟ # قلت : النصب ، التعب والمشقة ، التي تصيب المنتصب للأمر ، المزاول له. # وأما ms4712 اللغوب ، فما يلحقه من الفتور بسبب النصب. فالنصب : نفس المشقة ~~والكلفة. واللغوب : نتيجة ما يحدث منه من الكلال والفتور» (1). # وبعد هذا البيان البليغ الذي يشرح الصدور لحسن عاقبة المفلحين ، ساقت ~~السورة الكريمة حال الكافرين ، وما هم فيه من عذاب مهين ، فقال تعالى : # ( @QUR@018 والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف ~~عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور (36) @QUR@025 وهم يصطرخون فيها ربنا ~~أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ~~وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير (37) @QUR@010 إن الله عالم غيب ~~السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور ) (38) PageV11P351 # اى : ( @QUR@02 والذين كفروا ) في الدنيا بكل ما يجب الإيمان به ( ~~@QUR@01 لهم ) في الآخرة ( @QUR@02 نار جهنم ) يعذبون فيها تعذيبا أليما. # ثم بين سبحانه حالهم في جهنم فقال : ( @QUR@09 لا يقضى عليهم فيموتوا ولا ~~يخفف عنهم من عذابها ) أى : لا يحكم عليهم فيها بالموت مرة أخرى كما ماتوا ~~بعد انقضاء آجالهم في الدنيا ، وبذلك يستريحون من العذاب. ولا يخفف عنهم من ~~عذاب جهنم ، بل هي كلما خبت أو هدأ لهيبها ، عادت مرة أخرى إلى شدتها ، ~~وازدادت سعيرا. # والمراد أنهم باقون في العذاب الأليم بدون موت ، أو حياة يستريحون فيها. # ( @QUR@04 كذلك نجزي كل كفور ) أى : مثل هذا الجزاء الرادع الفظيع ، نجزى ~~في الآخرة ، كل شخص كان في الدنيا شديد الجحود والكفران لآيات ربه ، الدالة ~~على وحدانيته وقدرته .. # وقوله تعالى : ( @QUR@011 وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير ~~الذي كنا نعمل ) بيان لما يجأرون به إلى ربهم وهم ملقون في نار جهنم. # ويصطرخون ، بمعنى يستغيثون ويضجون بالدعاء رافعين أصواتهم ، افتعال من ~~الصراخ ، وهو الصياح الشديد المصحوب بالتعب والمشقة ، ويستعمل كثيرا في ~~العويل والاستغاثة. وأصله يصترخون ، فأبدلت التاء طاء. # وجملة ( @QUR@02 ربنا أخرجنا. ) @QUR@01 .. مقول لقول محذوف. # أى : وهم بعد أن ألقى بهم في نار جهنم ، أخذوا يستغيثون ويضجون بالدعاء ~~والعويل ويقولون : يا ربنا أخرجنا من هذه النار ، وأعدنا إلى الحياة الدنيا ~~، لكي نؤمن بك وبرسولك ، ونعمل أعمالا صالحة أخرى ترضيك ، غير التي ms4713 كنا ~~نعملها في الدنيا. # وقولهم هذا يدل على شدة حسرتهم ، وعلى اعترافهم بجرمهم ، وبسوء أعمالهم ~~التي كانوا يعملونها في الدنيا. # وهنا يأتيهم من ربهم الرد الذي يخزيهم فيقول سبحانه ( @QUR@09 أولم ~~نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ، وجاءكم النذير. ) @QUR@01 .. . # والاستفهام للتوبيخ والتقريع ، والكلام على إضمار القول ، وقوله ( ~~@QUR@01 نعمركم ) من التعمير بمعنى الإبقاء والإمهال في الحياة الدنيا إلى ~~الوقت الذي كان يمكنهم فيه الإقلاع عن الكفر إلى الإيمان. # و ( @QUR@01 ما ) في قوله ( @QUR@03 ما يتذكر فيه ) نكرة موصوفة بمعنى ~~مدة. والضمير في قوله ( @QUR@01 فيه ) يعود إلى عمرهم الذي قضوه في الدنيا. PageV11P352 # والمعنى : أن هؤلاء الكافرين عند ما يقولون بحسرة وضراعة : يا ربنا ~~أخرجنا من النار وأعدنا إلى الدنيا لنعمل عملا صالحا غير الذي كنا نعمله ~~فيها ، يرد عليهم ربهم بقوله لهم على سبيل الزجر والتأنيب : أو لم نمهلكم ~~في الحياة الدنيا ، ونعطيكم العمر والوقت الذي كنتم تتمكنون فيه من التذكر ~~والاعتبار واتباع طريق الحق ، وفضلا عن كل ذلك فقد جاءكم النذير الذي ~~ينذركم بسوء عاقبة إصراركم على كفركم ، ولكنكم كذبتموه وأعرضتم عن دعوته. # والمراد بالنذير : جنسه فيتناول كل رسول أرسله الله تعالى إلى قومه ، ~~فكذبوه ولم يستجيبوا لدعوته ، وعلى رأس هؤلاء المنذرين سيدنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم . # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@05 فذوقوا فما للظالمين من نصير ) لترتيب ~~الأمر بالذوق على ما قبلها من التعمير ومجيء النذير. # أى : إذا كان الأمر كما ذكرنا لكم ، فاخسئوا في جهنم ، واتركوا الصراخ ~~والعويل ، وذوقوا عذابها الذي كنتم تكذبون به في الدنيا ، فليس للمصرين على ~~كفرهم من نصير ينصرهم ، أو يدفع عنهم شيئا من العذاب الذي يستحقونه. # ثم ختم سبحانه الآيات الكريمة ببيان سعة علمه. فقال : ( @QUR@010 إن الله ~~عالم غيب السماوات والأرض ، إنه عليم بذات الصدور ). # أى : إن الله تعالى لا يخفى عليه شيء سواء أكان هذا الشيء في السموات أم ~~في الأرض ، إنه سبحانه عليم بما تضمره القلوب ، وما تخفيه الصدور ، وما ~~توسوس به النفوس. # ثم بين سبحانه بعد ذلك جانبا من مظاهر فضله على ms4714 عباده ، وأقام الأدلة على ~~وحدانيته وقدرته ، فقال تعالى : # ( @QUR@024 هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد ~~الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا (39) ~~@QUR@019 قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ما ذا خلقوا من ~~الأرض أم لهم شرك في السماوات PageV11P353 # @QUR@015 أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه بل إن يعد الظالمون بعضهم ~~بعضا إلا غرورا (40) @QUR@019 إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن ~~زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا ) (41) # وقوله تعالى : ( @QUR@06 هو الذي جعلكم خلائف في الأرض ) @QUR@01 .. بيان ~~لجانب من فضله تعالى على بنى آدم. # و ( @QUR@01 خلائف ) جمع خليفة ، وهو من يخلف غيره. # أى : هو سبحانه الذي جعلكم خلفاء في أرضه ، وملككم كنوزها وخيراتها ~~ومنافعها ، لكي تشكروه على نعمه ، وتخلصوا له العبادة والطاعة. # أو جعلكم خلفاء لمن سبقكم من الأمم البائدة ، فاعتبروا بما أصابهم من ~~النقم بسبب إعراضهم عن الهدى ، واتبعوا ما جاءكم به رسولكم صلى الله عليه وسلم . # وقوله ( @QUR@04 فمن كفر فعليه كفره ) أى : فمن كفر بالحق الذي جاءه به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم واستمر على ذلك ، فعلى نفسه يكون وبال كفره لا على غيره. # ( @QUR@08 ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ) أى : لا يزيدهم ~~إلا بغضا شديدا من ربهم لهم ، واحتقارا لحالهم وغضبا عليهم ... # فالمقت : مصدر بمعنى البغض والكراهية ، وكانوا يقولون لمن يتزوج امرأة ~~أبيه وللولد الذي يأتى عن طريق هذا الزواج ، المقتى ، أى : المبغوض. # ( @QUR@06 ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا ) أى : ولا يزيدهم إصرارهم ~~على كفرهم إلا خسارا وبوارا وهلاكا في الدنيا والآخرة. # فالآية الكريمة تنفر أشد التنفير من الكفر ، وتؤكد سوء عاقبته ، تارة عن ~~طريق بيان أنه مبغوض من الله تعالى ، وتارة عن طريق بيان أن المتلبس به ، ~~لن يزداد إلا خسرانا وبوارا. # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتحدى هؤلاء المشركين ، وأن ~~يوبخهم على PageV11P354 # عنادهم وجحودهم فقال : ( @QUR@014 قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من ms4715 دون ~~الله أروني ما ذا خلقوا من الأرض. ) @QUR@01 .. . # أى : قل أيها الرسول الكريم على سبيل التبكيت والتأنيب لهؤلاء المشركين. ~~أخبرونى وأنبئونى عن حال شركائكم الذين عبدتموهم من دون الله ، ماذا فعلوا ~~لكم من خير أو شر ، وأرونى أى جزء خلقوه من الأرض حتى استحقوا منكم ~~الألوهية والشركة مع الله تعالى في العبادة؟ # إنهم لم يفعلوا ولن يفعلوا شيئا من ذلك ، فكيف أبحتم لأنفسكم عبادتهم؟ # وقوله ( @QUR@05 أم لهم شرك في السماوات ) تبكيت آخر لهم. أى : وقل لهم : ~~إذا كانوا لم يخلقوا شيئا من الأرض ، فهل لهم معنا شركة في خلق السموات أو ~~في التصرف فيها ، حتى يستحقوا لذلك مشاركتنا في العبادة والطاعة. # وقوله : ( @QUR@07 أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه ) تبكيت ثالث لهم. ~~أى : وقل لهم إذا كانوا لم يخلقوا شيئا من الأرض ، ولم يشاركونا في خلق ~~السموات ، فهل نحن أنزلنا عليهم كتابا أقررنا لهم فيه بمشاركتنا ، فتكون ~~لهم الحجة الظاهرة البينة على صدق ما يدعون؟ # والاستفهام في جميع أجزاء الآية الكريمة للإنكار والتوبيخ. # والمقصود بها قطع كل حجة يتذرعون بها في شركهم ، وإزهاق باطلهم بألوان من ~~الأدلة الواضحة التي تثبت جهالاتهم ، حيث أشركوا مع الله تعالى ما لا يضر ~~ولا ينفع ، وما لا يوجد دليل أو ما يشبه الدليل على صحة ما ذهبوا إليه من ~~كفر وشرك. # ولذا ختمت الآية الكريمة بالإضراب عن أوهامهم وبيان الأسباب التي حملتهم ~~على الشرك ، فقال تعالى : ( @QUR@08 بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا ~~غرورا ). # أى : أن هؤلاء الشركاء لم يخلقوا شيئا لا من الأرض ولا من السماء ، ولم ~~نؤتهم كتابا بأنهم شركاء لنا في شيء ، بل الحق أن الظالمين يخدع بعضهم بعضا ~~، ويعد بعضهم بعضا بالوعود الباطلة ، بأن يقول الزعماء لأتباعهم : إن هؤلاء ~~الآلهة هم شفعاؤنا عند الله ، وأننا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ~~، فيترتب على قولهم هذا ، أن ينساق الأتباع وراءهم كما تنساق الأنعام وراء ~~راعيها. # وبعد أن بين سبحانه ما عليه المعبودات الباطلة من عجز وضعف ، أتبع ذلك ~~ببيان جانب ms4716 من عظيم قدرته ، وعميم فضله فقال : ( @QUR@015 إن الله يمسك ~~السماوات والأرض أن تزولا ، ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده ) ~~@QUR@01 .. . PageV11P355 # أى : إن الله تعالى بقدرته وحدها ، يمسك السموات والأرض كراهة أن تزولا ، ~~أو يمنعهما ويحفظهما من الزوال أو الاضمحلال أو الاضطراب ، ولئن زالتا على ~~سبيل الفرض والتقدير فلن يستطيع أحد أن يمسكهما ويمنعهما عن هذا الزوال سوى ~~الله تعالى ( @QUR@01 إنه ) سبحانه ( @QUR@01 ان ) وما زال ( @QUR@01 حليما ~~) بعباده ( @QUR@01 غفورا ) لمن تاب إليه وأناب ، كما قال تعالى : ( ~~@QUR@09 وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ). # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@02 ولئن زالتا ) أى : إن أشرفتا على الزوال ~~على سبيل الفرض والتقدير ، ( @QUR@02 إن أمسكهما ) أى : ما أمسكهما ( ~~@QUR@04 من أحد من بعده ) أى : من بعد إمساكه تعالى أو من بعد الزوال ، ~~والجملة جواب القسم المقدر قبل لام التوطئة في ( @QUR@01 لئن )، وجواب ~~الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه ... و ( @QUR@01 من ) الأولى مزيدة ~~لتأكيد العموم. والثانية للابتداء (1). # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بما كان عليه المشركون من نقض العهود ، ومن ~~مكر سىء حاق بهم ، ودعاهم سبحانه إلى الاعتبار بمن سبقهم ، وبين لهم جانبا ~~من مظاهر فضله عليهم. ورأفته بهم فقال تعالى : # ( @QUR@019 وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من ~~إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا (42) @QUR@026 استكبارا في ~~الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنت ~~الأولين فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا (43) @QUR@021 ~~أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد ~~منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء PageV11P356 # @QUR@09 في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا (44) @QUR@025 ولو ~~يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل ~~مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا ) (45) # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@012 وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن ~~جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم ) @QUR@01 .. : هم قريش أقسموا قبل ~~أن يبعث الله رسوله محمدا صلى ms4717 الله عليه وسلم حين بلغهم أن أهل الكتاب ، كذبوا ~~رسلهم ، فلعنوا من كذب نبيه منهم ..» (1). # و ( @QUR@02 جهد أيمانهم ) أى : أقوى أيمانهم وأغلظها والجهد : الطاقة ~~والوسع والمشقة. # يقال : جهد نفسه يجهدها في الأمر ، إذا بلغ بها أقصى وسعها وطاقتها فيه. # والمراد : أنهم أكدوا الأيمان ووثقوها ، بكل ألفاظ التوكيد والتوثيق. # أى : أن كفار مكة ، أقسموا بالله تعالى قسما مؤكدا موثقا مغلظا ، ( ~~@QUR@03 لئن جاءهم نذير ) أى : نبي ينذرهم بأن الكفر باطل وأن الإيمان ~~بالله هو الحق. # ( @QUR@02 ليكونن أهدى ) سبيلا ( @QUR@03 من إحدى الأمم ) أى : ليكونن ~~أهدى من اليهود ومن النصارى ومن غيرهم في اتباعهم وطاعتهم ، لهذا الرسول ~~الذي يأتيهم من عند ربهم لهدايتهم إلى الصراط المستقيم. # ( @QUR@03 فلما جاءهم نذير ) وهو محمد صلى الله عليه وسلم . الذي هو أشرف الرسل. # ( @QUR@04 ما زادهم إلا نفورا ) أى : ما زادهم مجيئه لهم إلا نفورا عن ~~الحق ، وتباعدا عن الهدى. أى : أنهم قبل مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا ~~يتمنون أن يكون الرسول منهم ، لا من غيرهم ، وأقسموا بالله بأنهم سيطيعونه ~~فلما جاءهم الرسول صلى الله عليه وسلم نفروا عنه ولم يؤمنوا به. # وإنما كان القسم بالله تعالى غاية أيمانهم ، لأنهم كانوا يحلفون بآبائهم ~~وبأصنامهم ، فإذا اشتد عليهم الحال ، وأرادوا تحقيق الحق ، حلفوا بالله ~~تعالى . # وقوله ( @QUR@01 ليكونن ) جواب للقسم المقدر. وقوله : ( @QUR@04 ما زادهم ~~إلا نفورا ) جواب لما. PageV11P357 # وقوله تعالى : ( @QUR@03 استكبارا في الأرض ) بدل من ( @QUR@01 نفورا ) ~~أو مفعول لأجله ( @QUR@02 ومكر السيئ ) معطوف على استكبارا. # والمراد بمكرهم السيئ : تصميمهم على الشرك ، وتكذيبهم للرسول ~~صلى الله عليه وسلم ، من أجل المعاندة للحق ، والاستكبار عنه ، ومن أجل المكر ~~السيئ الذي استولى على نفوسهم ، والحقد الدفين الذي في قلوبهم. # وقوله ( @QUR@01 السيئ ) صفة لموصوف محذوف. وأصل التركيب : وأن مكروا ~~المكر السيئ ، فأقيم المصدر مقام أن والفعل ، وأضيف إلى ما كان صفة له. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ) بيان لسوء ~~عاقبة مكرهم ، وأن شره ما نزل إلا بهم. # وقوله : ( @QUR@01 يحيق ) بمعنى يحيط وينزل. يقول : حاق بفلان الشيء ، ~~إذا أحاط ونزل به. أى ms4718 : ولا ينزل ولا يحيط شر ذلك المكر السيئ إلا بأهله ~~الماكرين. # قال صاحب الكشاف : لقد حاق بهم يوم بدر. وعن النبي صلى الله عليه وسلم : لا ~~تمكروا ولا تعينوا ماكرا ، فإن الله تعالى يقول : ( @QUR@06 ولا يحيق المكر ~~السيئ إلا بأهله ) ولا تبغوا ولا تعينوا باغيا ، فإن الله تعالى يقول : ( ~~@QUR@07 يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم ) (1). # وقال الآلوسى رحمه الله : والآية عامة على الصحيح ، والأمور بعواقبها ، ~~والله تعالى يمهل ولا يهمل ، ووراء الدنيا الآخرة ، وسيعلم الذين ظلموا أى ~~منقلب ينقلبون. # وبالجملة : من مكر به غيره ، ونفذ فيه المكر عاجلا في الظاهر ، ففي ~~الحقيقة هو الفائز ، والماكر هو الهالك (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@05 فهل ينظرون إلا سنت الأولين ) حض لهم على ~~الاستجابة للحق ، وترك المكر والمخادعة والعناد. والسنة : الطريقة .. # أى : إذا كان الأمر كما ذكرنا ، فهل ينتظر هؤلاء الماكرون ، إلا طريقتنا ~~في الماكرين من قبلهم. وهي إهلاكهم ونزول العذاب والخسران بهم؟ إنهم ما ~~ينتظرون إلا ذلك. # وقوله سبحانه : ( @QUR@010 فلن تجد لسنت الله تبديلا ، ولن تجد لسنت الله ~~تحويلا ) تأكيد لثبات سنته تعالى في خلقه ، وتعليل لما يفيده الحكم ~~بانتظارهم العذاب. PageV11P358 # أى : هذه سنتنا وطريقتنا في الماكرين والمكذبين لرسلهم ، أننا نمهلهم ولا ~~نهملهم ، ونجعل العاقبة السيئة لهم. ولن تجد لسنة الله تعالى في خلقه ~~تبديلا بأن يضع غيرها مكانها ، ولن تجد لها تحويلا عما سارت عليه وجرت به. # قال الجمل ما ملخصه : قوله : ( @QUR@05 فهل ينظرون إلا سنت الأولين ) ~~مصدر مضاف لمفعوله تارة كما هنا ، ولفاعله أخرى كقوله ( @QUR@05 فلن تجد ~~لسنت الله تبديلا ) لأنه تعالى سنها بهم ، فصحت إضافتها للفاعل وللمفعول. ~~والفاء في قوله ( @QUR@02 فلن تجد ) لتعليل ما يفيده الحكم بانتظارهم ~~العذاب. ونفى وجدان التبديل والتحويل ، عبارة عن نفى وجودهما بالطريق ~~البرهاني ، وتخصيص كل منهما بنفي مستقل لتأكيد انتفائهما. # والمراد : بعدم التبديل. أن العذاب لا يبدل بغيره. وبعدم التحويل : أنه ~~لا يحول عن مستحقه إلى غيره. وجمع بينهما هنا : تعميما لتهديد المسيء لقبح ~~مكره (1). # ثم ساق لهم سبحانه ما يؤكد عدم تغيير سنته في خلقه ms4719 ، بأن حضهم على ~~الاعتبار بأحوال المهلكين من قبلهم ، والذين يرون بأعينهم آثارهم ، فقال ~~تعالى : ( @QUR@015 أولم يسيروا في الأرض ، فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم وكانوا أشد منهم قوة ). # أى أعمى هؤلاء الماكرون عن التدبر ، ولم يسيروا في الأرض ، فيروا بأعينهم ~~في رحلاتهم إلى الشام أو إلى اليمن أو إلى غيرهما ، كيف كانت عاقبة ~~المكذبين من قبلهم ، لقد دمرناهم تدميرا ، مع أنهم كانوا أشد من مشركي مكة ~~قوة ، وأكثر جمعا ( @QUR@011 وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا ~~في الأرض ) أى وما كان من شأن الله تعالى أن يعجزه شيء من الأشياء ، سواء ~~أكان في السموات أم في الأرض. بل كل شيء تحت أمره وتصرفه. # ( @QUR@01 إنه ) سبحانه ( @QUR@02 كان عليما ) بكل شيء ( @QUR@01 قديرا ) ~~على كل شيء. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة ببيان جانب من رحمته بعباده فقال ( @QUR@06 ~~ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ) من الذنوب أو الخطايا. # ( @QUR@04 ما ترك على ظهرها ) أى : على ظهر الأرض ( @QUR@02 من دابة ) من ~~الدواب التي تدب عليها. ( @QUR@05 ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ) وهو يوم ~~القيامة. # ( @QUR@03 فإذا جاء أجلهم ) الذي حدده سبحانه لحسابهم ، جازاهم بما ~~يستحقون ( @QUR@05 فإن الله كان بعباده بصيرا ) أى : لا يخفى عليه شيء من ~~أحوالهم. PageV11P359 # وبعد : فهذا لسورة فاطر. نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا ~~لعباده. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV11P360 ### ||| * فهرس إجمالى لسورة «العنكبوت» # المقدمة والتمهيد...................................................... ~~............ 5 # 1 الم. أحسب الناس أن ~~يتركوا.................................................. 11 # 8 ووصينا الإنسان ~~بوالديه...................................................... 15 # 10 ومن الناس من يقول آمنا ~~بالله............................................... 17 # 14 ولقد أرسلنا نوحا إلى ~~قومه.................................................. 20 # 18 وإن تكذبوا فقد كذب ~~أمم................................................. 23 # 24 فما كان جواب ~~قومه....................................................... 27 # 28 ولوطا إذ قال ~~لقومه........................................................ 30 # 36 وإلى مدين أخاهم ~~شعيبا.................................................... 35 # 41 مثل الذين اتخذوا من دون ~~الله............................................... 39 # 44 خلق الله السموات ~~والأرض................................................. 41 # 46 ولا تجادلوا أهل ~~الكتاب.................................................... 44 # 50 وقالوا لو لا أنزل عليه ~~آيات................................................. 48 # 57 يا عبادي الذين آمنوا إن ~~أرضى.............................................. 51 # 61 ms4720 ولئن سألتهم من خلق السموات ~~والأرض..................................... 64 PageV11P361 ### ||| * فهرس إجمالى لسورة «الروم» # المقدمة............................................................... ~~......... 61 # 1 الم................................................................. ~~....... 65 # 8 أولم يتفكروا في ~~أنفسهم...................................................... 68 # 11 الله يبدأ الخلق ثم ~~يعيده..................................................... 71 # 17 فسبحان الله حين ~~تمسون................................................... 73 # 28 ضرب لكم ~~مثلا........................................................... 80 # 23 وإذا مس الناس ~~ضر....................................................... 85 # 38 فآت ذا القربى ~~حقه........................................................ 88 # 41 ظهر الفساد في البر ~~والبحر................................................. 91 # 46 ومن آياته أن ~~يرسل........................................................ 94 # 54 الله الذي خلقكم من ~~ضعف................................................ 99 PageV11P362 ### ||| * فهرس إجمالى لتفسير سورة «لقمان» # المقدمة............................................................... ~~....... 107 # 1 الم................................................................. ~~...... 109 # 6 ومن الناس من يشترى لهو ~~الحديث........................................... 111 # 8 إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات............................................ 113 # 12 ولقد آتينا لقمان ~~الحكمة.................................................. 115 # 20 ألم تروا أن الله سخر ~~لكم................................................. 124 # 22 ومن يسلم وجهه إلى الله وهو ~~محسن........................................ 126 # 27 ولو أن ما في الأرض من ~~شجرة............................................ 128 # 29 ألم تر أن الله ~~يولج........................................................ 130 # 33 يا أيها الناس اتقوا ~~ربكم................................................... 133 PageV11P363 ### ||| * فهرس إجمالى لتفسير سورة «السجدة» # المقدمة............................................................... ~~....... 139 # 1 الم................................................................. ~~...... 141 # 10 وقالوا أإذا ضللنا في ~~الأرض................................................ 147 # 15 إنما يؤمن بآياتنا ~~الذين.................................................... 150 # 18 أفمن كان مؤمنا كمن كان ~~فاسقا........................................... 152 # 23 ولقد آتينا موسى ~~الكتاب................................................. 154 # 26 أو لم يهد لهم كم ~~أهلكنا.................................................. 157 PageV11P364 ### ||| * فهرس إجمالى لتفسير سورة «الأحزاب» # المقدمة............................................................... ~~....... 163 # 1 يا أيها النبي اتق ~~الله........................................................ 169 # 4 ما جعل الله لرجل من ~~قلبين................................................. 171 # 6 النبي أولى ~~بالمؤمنين......................................................... 175 # 7 وإذ أخذنا من ~~النبيين...................................................... 178 # 9 يا أيها الذين آمنوا ~~اذكروا................................................... 180 # 16 قل لن ينفعكم ~~الفرار..................................................... 186 # 21 لقد كان لكم في رسول ~~الله................................................ 192 # 28 يا أيها النبي قل ~~لأزواجك................................................. 200 # 30 يا نساء النبي من يأت ~~منكن.............................................. 202 # 35 إن المسلمين ~~والمسلمات................................................... 209 # 36 وما كان لمؤمن ولا ~~مؤمنة.................................................. 211 # 41 يا أيها الذين آمنوا اذكروا ~~الله.............................................. 219 # 45 يا أيها النبي إنا ~~أرسلناك................................................... 222 # 49 يا أيها الذين آمنوا إذا ~~نكحتم............................................. 224 # 50 يا أيها النبي إنا أحللنا ~~لك................................................. 226 ms4721 # 53 يا أيها الذين آمنوا لا ~~تدخلوا.............................................. 236 # 55 لا جناح عليهن في ~~آبائهن................................................. 240 # 60 لئن لم ينته ~~المنافقون...................................................... 247 # 69 يا أيها الذين آمنوا لا ~~تكونوا............................................... 251 PageV11P365 ### ||| * فهرس إجمالى لتفسير سورة «سبأ» # المقدمة............................................................... ~~....... 259 # 1 الحمد لله الذي له ما في ~~السموات........................................... 262 # 6 ويرى الذين أوتوا ~~العلم..................................................... 268 # 10 ولقد آتينا داود منا ~~فضلا................................................. 272 # 15 لقد كان لسبأ في ~~مسكنهم................................................ 278 # 22 قل ادعوا الذين ~~زعمتم.................................................... 285 # 28 وما أرسلناك إلا ~~كافة..................................................... 291 # 31 وقال الذين كفروا لن ~~نؤمن................................................ 292 # 34 وما أرسلنا في قرية من ~~نذير................................................ 296 # 40 ويوم يحشرهم ~~جميعا...................................................... 300 # 43 وإذا تتلى عليهم ~~آياتنا.................................................... 302 # 46 قل إنما أعظكم ~~بواحدة................................................... 305 # 51 ولو ترى إذ ~~فزعوا........................................................ 310 PageV11P366 ### ||| * فهرس إجمالى لتفسير سورة «فاطر» # المقدمة............................................................... ~~....... 315 # 1 الحمد لله فاطر السموات ~~والأرض............................................ 318 # 4 وإن يكذبوك فقد ~~كذبت................................................... 322 # 9 والله الذي أرسل ~~الرياح..................................................... 326 # 15 يا أيها الناس أنتم ~~الفقراء.................................................. 337 # 27 ألم تر أن الله ~~أنزل........................................................ 343 # 32 ثم أورثنا ~~الكتاب......................................................... 347 # 36 والذين كفروا لهم نار ~~جهنم................................................ 351 # 39 هو الذي جعلكم خلائف................................................ 353 # 42 وأقسموا بالله جهد ~~أيمانهم................................................. 356 PageV11P367 ![](https://books.rafed.net/Books/3952_altafsir-alwasit-12/images/image001.gif) PageV12P001 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * ( @QUR@07 ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم (127)) PageV12P003 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة يس PageV12P005 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة # 1 سورة «يس» من السور التي يحفظها كثير من الناس ، لاشتهارها فيما بينهم ~~، وهي السورة السادسة والثلاثون في ترتيب المصحف ، وكان نزولها بعد سورة ~~«الجن». # قال القرطبي : وهي مكية بإجماع ، وهي ثلاث وثمانون آية. إلا أن فرقة قالت ~~: إن قوله تعالى : ( @QUR@04 ونكتب ما قدموا وآثارهم ... ) نزلت في بنى ~~سلمة من الأنصار ، حين أرادوا أن يتركوا ديارهم ، وينتقلوا إلى جوار مسجد ~~الرسول صلى الله عليه وسلم (1). # 2 وقد ذكروا في فضلها كثيرا من الآثار ، إلا أن معظم هذه الآثار ضعفها ~~المحققون من العلماء ، لذا نكتفي بذكر ما هو مقبول منها. # قال ابن كثير ما ملخصه : أخرج الحافظ أبو يعلى عن أبى هريرة قال ms4722 : سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «من قرأ «يس» في ليلة أصبح مغفورا له» ... # وأخرج ابن حيان في صحيحه ، عن جندب بن عبد الله قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «من قرأ «يس» في ليلة ابتغاء وجه الله غفر له». # وأخرج الإمام أحمد في مسنده ، عن معقل بن يسار ، أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : «البقرة سام القرآن ، ويس قلب القرآن. لا يقرأها رجل ~~يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له ، واقرءوها على موتاكم» أى : في ساعات ~~الاحتضار وعند خروج الروح. # قال الإمام أحمد : حدثنا أبو المغيرة ، حدثنا صفوان. قال : كان المشيخة ~~يقولون : إذا قرئت يعنى يس عند الميت ، خفف عنه بها (2). # وقال الآلوسى ما ملخصه : صح من حديث الإمام أحمد ، وأبى داود ، وابن ماجة ~~، والطبراني ، وغيرهم عن معقل بن يسار ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~: «يس قلب القرآن». PageV12P007 # وذكر أنها تسمى المعمة ، والمدافعة ، والقاضية ، ومعنى المعمة : التي تعم ~~صاحبها بخير الدنيا والآخرة. ومعنى المدافعة التي تدفع عن صاحبها كل سوء ، ~~ومعنى القاضية : التي تقضى له كل حاجة بإذن الله وفضله (1). # 3 وقد افتتحت سورة «يس» بتأكيد صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ~~ربه ، وبتكذيب أعدائه الذين أعرضوا عن دعوته ، وبتسليته عما أصابه منهم من أذى. # قال تعالى : ( @QUR@027 يس والقرآن الحكيم. إنك لمن المرسلين. على صراط ~~مستقيم. تنزيل العزيز الرحيم. لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون. لقد ~~حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون ). # 4 ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك قصة أصحاب القرية ، وما جرى بينهم وبين ~~الرسل الذين جاءوا إليهم لهدايتهم ، وكيف أهلك الله تعالى المكذبين لرسله ... # قال سبحانه : ( @QUR@045 واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون. ~~إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون. ~~قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا ، وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون. ~~قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون. وما علينا إلا البلاغ المبين ). # 5 ms4723 ثم تسوق السورة الكريمة بعد ذلك ، ألوانا من مظاهر قدرة الله تعالى ، ~~ومن نعمه على عباده ، تلك النعم التي نراها في الأرض التي نعيش عليها ، وفي ~~الخيرات التي تخرج منها ، كما نراها في الليل والنهار. وفي الشمس وفي القمر ~~، وفي غير ذلك من مظاهر نعمه التي لا تحصى. # قال تعالى ( @QUR@041 وآية لهم الأرض الميتة أحييناها ، وأخرجنا منها حبا ~~فمنه يأكلون. وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب ، وفجرنا فيها من العيون. ~~ليأكلوا من ثمره ، وما عملته أيديهم أفلا يشكرون. سبحان الذي خلق الأزواج ~~كلها مما تنبت الأرض ، ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ). # 6 وبعد هذا البيان الحكيم لمظاهر قدرة الله تعالى ، وفضله على عباده ، ~~حكت السورة الكريمة جانبا من دعاوى المشركين الباطلة ، وردت عليهم بما يخرس ~~ألسنتهم ، وصورت أحوالهم عند ما يخرجون من قبورهم مسرعين ، ليقفوا بين يدي ~~الله تعالى للحساب والجزاء ... PageV12P008 # قال تعالى : ( @QUR@044 ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ~~ينسلون. قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ، هذا ما وعد الرحمن وصدق ~~المرسلون. إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون. فاليوم لا ~~تظلم نفس شيئا ، ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون ). # 7 وبعد أن تحكى السورة الكريمة ما أعده الله تعالى بفضله وكرمه لعباده ~~المؤمنين ، من جنات النعيم ، ومن خير عميم ، تعود فتحكى ما سيكون عليه ~~الكافرون من هم وغم ، وكرب وبلاء ، بسبب كفرهم ، وتكذيبهم للحق الذي جاءهم ~~به نبيهم صلى الله عليه وسلم . # قال تعالى : ( @QUR@037 ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان ~~، إنه لكم عدو مبين. وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم. ولقد أضل منكم جبلا ~~كثيرا أفلم تكونوا تعقلون. هذه جهنم التي كنتم توعدون. اصلوها اليوم بما ~~كنتم تكفرون ). # 8 ثم تنزه السورة الكريمة النبي صلى الله عليه وسلم عما اتهمه به أعداؤه ، ~~من أنه شاعر ، وتسليه عما أصابه منهم ، وتبين للناس أن وظيفته ~~صلى الله عليه وسلم إنما هي الإنذار والبلاغ. # قال تعالى : ( @QUR@020 وما علمناه الشعر وما ينبغي له ms4724 ، إن هو إلا ذكر ~~وقرآن مبين. لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين ). # إلى أن يقول سبحانه : ( @QUR@09 فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما ~~يعلنون ). # 9 ثم تختتم السورة الكريمة بحكاية ما قاله أحد الأشقياء منكرا للبعث ~~والحساب ، وردت عليه وعلى أمثاله برد جامع حكيم ، برشد كل عاقل إلى إمكانية ~~البعث ، وأنه حق لا شك فيه ... # قال تعالى : ( @QUR@075 أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم ~~مبين. وضرب لنا مثلا ونسي خلقه ، قال من يحي العظام وهي رميم. قل يحييها ~~الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم. الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا ~~فإذا أنتم منه توقدون. أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق ~~مثلهم ، بلى وهو الخلاق العليم. إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون. فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون ). # 10 وبعد. فهذا عرض مجمل لسورة «يس» ومنه نرى ، أن هذه السورة الكريمة ، ~~قد اهتمت بإقامة الأدلة على وحدانية الله تعالى وعلى كمال قدرته كما اهتمت ~~بإبراز الأدلة المتعددة على أن البعث حق ، وعلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~صادق فيما يبلغه عن ربه ... # كما اهتمت بضرب الأمثال لبيان حسن عاقبة الأخيار ، وسوء عاقبة الأشرار. # كل ذلك بأسلوب بليغ مؤثر ، يغلب عليه قصر الآيات ، وإيراد الشواهد ~~المتنوعة على قدرة PageV12P009 # الله تعالى ، عن طريق مخلوقاته المبثوثة في هذا الكون ، والتي من شأن ~~المتأمل فيها بعقل. سليم ، أن يهتدى إلى الحق ، وإلى الصراط المستقيم. # وصدق الله تعالى في قوله : ( @QUR@013 سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما ~~تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ). # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # د. محمد سيد طنطاوى # القاهرة مدينة نصر # صباح الخميس : 23 من شوال سنة 1405 ه # 11 / 7 / 1985 م PageV12P010 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@01 يس (1) @QUR@02 والقرآن الحكيم (2) @QUR@03 إنك لمن المرسلين ~~(3) @QUR@03 على صراط مستقيم (4) @QUR@03 تنزيل العزيز الرحيم (5) @QUR@07 ~~لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم ms4725 غافلون (6) @QUR@08 لقد حق القول على أكثرهم ~~فهم لا يؤمنون (7) @QUR@010 إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان ~~فهم مقمحون (8) @QUR@012 وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم ~~فهم لا يبصرون (9) @QUR@08 وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ~~(10) @QUR@012 إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة ~~وأجر كريم (11) @QUR@014 إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل ~~شيء أحصيناه في إمام مبين ) (12) # قوله تعالى يس من الألفاظ التي اختلف المفسرون في معناها ، فمنهم من يرى ~~أن هذه الكلمة اسم للسورة ، أو للقرآن ، أو للرسول صلى الله عليه وسلم . # ومنهم من يرى أن معناها : يا رجل ، أو يا إنسان. # ولعل أرجح الأقوال أن هذه الكلمة من الألفاظ المقطعة التي افتتحت بها بعض ~~السور القرآنية ، للإشارة إلى إعجاز القرآن الكريم ، وللتنبيه إلى أن هذا ~~القرآن المؤلف من جنس الألفاظ التي ينطقون بها ، هو من عند الله تعالى ، ~~وأنهم ليس في إمكانهم أو إمكان غيرهم PageV12P011 # أن يأتوا بمثله ، أو بعشر سور من مثله ، أو بسورة من مثله ... # قال الآلوسى : قوله تعالى : ( @QUR@01 يس ): الكلام فيه كالكلام في ~~«ألم» ونحوه من الحروف المقطعة في أوائل بعض السور ، إعرابا ومعنى عند ~~الكثيرين. # وظاهر كلام بعضهم أن «يس» بمجموعه ، اسم من أسمائه صلى الله عليه وسلم . # وقرأ جمع بسكون النون مدغمة في الواو ، وقرأ آخرون بسكونها مظهرة ، ~~والقراءتان سبعيتان ... (1). # قوله تعالى : ( @QUR@02 والقرآن الحكيم ) قسم منه تعالى بكتابه ذي الحكمة ~~العالية. والهدايات السامية ، والتوجيهات السديدة ، والتشريعات القويمة ، ~~والآداب الحميدة ... # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 إنك لمن المرسلين ) جواب لهذا القسم. # أى : وحق هذا القرآن الحكيم ، إنك أيها الرسول الكريم لمن عبادنا الذين ~~اصطفيناهم لحمل رسالتنا ، وتبليغ دعوتنا إلى الناس ، لكي يخلصوا العبادة ~~لنا ، ولا يشركوا معنا في ذلك غيرنا. # وجاء هذا الجواب مشتملا على أكثر من مؤكد ، للرد على أولئك المشركين ~~الذين استنكروا رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا في شأنه : «لست مرسلا». # قال بعض العلماء : واعلم أن الأقسام الواقعة في القرآن. وإن وردت في صورة ~~تأكيد ms4726 المحلوف عليه ، إلا أن المقصود الأصلى بها تعظيم المقسم به ؛ لما فيه ~~من الدلالة على اتصافه تعالى بصفات الكمال ، أو على أفعاله العجيبة ، أو ~~على قدرته الباهرة فيكون المقصود من الحلف : الاستدلال به على عظم المحلوف ~~عليه ، وهو هنا عظم شأن الرسالة. كأنه قال : إن من أنزل القرآن وهو من هو ~~في عظم شأنه هو الذي أرسل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم ومثل ذلك يقال له في ~~الأقسام التي في السور الآتية ... (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@03 على صراط مستقيم ) خبر ثان لحرف «إن» في قوله ~~تعالى قبل ذلك : ( @QUR@03 إنك لمن المرسلين ). # أى : إنك يا محمد لمن أنبيائنا المرسلين ، على طريق واضح قويم ، لا ~~اعوجاج فيه ولا اضطراب ، ولا ارتفاع فيه ولا انخفاض ، بل هو في نهاية ~~الاعتدال والاستقامة. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@03 على صراط مستقيم ) خبر بعد خبر ، أو ~~صلة للمرسلين. PageV12P012 # فإن قلت : أى حاجة إليه خبرا كان أو صلة ، وقد علم أن المرسلين لا يكونون ~~إلا على صراط مستقيم؟ # قلت : ليس الغرض بذكره ما ذهبت إليه من تمييز من أرسل على صراط مستقيم عن ~~غيره ممن ليس على صفته. وإنما الغرض وصفه ، ووصف ما جاء به من الشريعة ، ~~فجمع بين الوصفين في نظام واحد ، كأنه قال : إنك لمن المرسلين الثابتين على ~~طريق ثابت ، وأيضا فإن التنكير فيه دل على أنه أرسل من بين الصراط ~~المستقيمة ، على صراط مستقيم لا يكتنه وصفه أى : في التضخيم والتعظيم (1). # ثم مدح سبحانه كتابه بمدائح أخرى فقال : ( @QUR@03 تنزيل العزيز الرحيم ) ~~وقد قرأ بعض القراء السبعة : ( @QUR@01 تنزيل ) بالنصب على المدح ، أو على ~~المصدرية لفعل محذوف. أى : نزل الله تعالى القرآن تنزيل العزيز الرحيم. # وقرأ البعض الآخر : ( @QUR@01 تنزيل ) بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. ~~أى : هذا القرآن هو تنزيل العزيز الذي لا يغلبه غالب ، الرحيم أى الواسع ~~الرحمة بعباده. # ثم بين سبحانه الحكمة من إرساله لنبيه صلى الله عليه وسلم فقال : ( @QUR@07 ~~لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون ). # واللام في قوله : ( @QUR@01 لتنذر ) متعلقة بفعل مضمر يدل عليه ms4727 قوله : ( ~~@QUR@03 إنك لمن المرسلين ). # والإنذار : إخبار معه تخويف في مدة تتسع للتحفظ من الخوف. فإن لم تتسع له ~~فهو إعلام وإشعار لا إنذار. وأكثر ما يستعمل في القرآن في التخويف من عذاب ~~الله تعالى . # والمراد بالقوم : كفار مكة الذين بعث النبي صلى الله عليه وسلم لإنذارهم ، ~~وهذا لا يمنع أن رسالته عامة إلى الناس جميعا ، كما قال تعالى : ( @QUR@09 ~~قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ... ) و ( @QUR@01 ما ) نافية. ~~والمراد بآبائهم : آباؤهم الأقربون ، لأن آباءهم الأبعدون قد أرسل الله ~~تعالى إليهم إسماعيل عليه السلام . # أى : أرسلناك يا محمد بهذه الرسالة من لدنا ، لتنذر قوما ، وهم قريش ~~المعاصرون لك ، لم يسبق لهم أو لآبائهم أن جاءهم نذير منا يحذرهم من سوء ~~عاقبة الإشراك بالله تعالى فهم لذلك غافلون عما يجب عليهم نحو خالقهم من ~~إخلاص العبادة له ، وطاعته في السر والعلن. PageV12P013 # قال ابن كثير : قوله ( @QUR@07 لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون ) ~~يعنى بهم العرب ، فإنه ما أتاهم من نذير من قبله. وذكرهم وحدهم لا ينفى من ~~عداهم كما أن ذكر بعض الأفراد لا ينفى العموم ، الذي وردت به الآيات ~~والأحاديث المتواترة ... (1). # وقال الجمل ما ملخصه : قوله ( @QUR@02 لتنذر قوما ... ) أى العرب وغيرهم ~~وقوله ( @QUR@03 ما أنذر آباؤهم ) أى الأقربون ، وإلا فآباؤهم الأبعدون قد ~~أنذروا فآباء العرب الأقدمون أنذروا بإسماعيل ، وآباء غيرهم أنذروا بعيسى ~~.. و «ما» نافية ، لأن قريشا لم يبعث إليهم نبي قبل نبينا صلى الله عليه وسلم ~~فالجملة صفة لقوله «قوما» أى : قوما لم تنذروا. وقوله ( @QUR@02 فهم غافلون ~~) مرتب على الإنذار ... (2). # ثم بين سبحانه مصير هؤلاء الغافلين ، الذين استمروا في غفلتهم وكفرهم بعد ~~أن جاءهم النذير ، فقال : ( @QUR@08 لقد حق القول على أكثرهم ، فهم لا ~~يؤمنون ). # والجملة جواب لقسم محذوف. ومعنى ( @QUR@01 حق ) ثبت ووجب. # والمراد بالقول : العذاب الذي أعده الله تعالى لهم بسبب إصرارهم على كفرهم. # أى : والله لقد ثبت وتحقق الحكم أولا بالعذاب على أكثر هؤلاء المنذرين ~~بسبب عدم إيمانهم برسالتك ، وجحودهم الحق الذي جئتهم به ، وإيثارهم ~~باختيارهم الغي على ms4728 الرشد ، والضلال على الهدى ... # وقال سبحانه ( @QUR@02 على أكثرهم ) لأن قلة منهم اتبعت الحق ، وآمنت به ~~، وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@016 إن الذين حقت عليهم كلمت ربك ~~لا يؤمنون. ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ) (3). # ثم صور سبحانه انكبابهم على الكفر ، وإصرارهم عليه ، تصويرا بليغا فقال : ~~( @QUR@010 إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون ). # والأغلال : جمع غل بضم الغين ، وهو القيد الذي تشد به اليد إلى العنق ~~بقصد التعذيب والأذقان : جمع ذقن بفتح الذال وهو أسفل الفم. # ومقمحون. من الإقماح ، وهو رفع الرأس مع غض البصر. يقال : قمح البعير ~~قموحا إذا رفع رأسه عن الحوض ولم يشرب. والفاء في قوله ( @QUR@01 فهي ) وفي ~~قوله ( @QUR@01 فهم ): للتقريع. PageV12P014 # أى : إنا جعلنا في أعناق هؤلاء الجاحدين قيودا عظيمة ، فهي أى هذه القيود ~~واصلة إلى أذقانهم ، فهم بسبب ذلك مرفوعة رءوسهم ، مع غض أبصارهم ، بحيث لا ~~يستطيعون أن يخفضوها ، لأن القيود التي وصلت إلى أذقانهم منعتهم من خفض ~~رءوسهم. # فقد شبه سبحانه في هذه الآية ، حال أولئك الكافرين ، المصرين على جحودهم ~~وعنادهم ، بحال من وضعت الأغلال في عنقه ووصلت إلى ذقنه ، ووجه الشبه أن ~~كليهما لا يستطيع الانفكاك عما هو فيه. # ثم أكد سبحانه هذا الإصرار من الكافرين على كفرهم فقال : ( @QUR@012 ~~وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون ). أى : ~~أننا لم نكتف بجعل الأغلال في أعناقهم ، بل أضفنا إلى ذلك أننا جعلنا من ~~أمامهم حاجزا عظيما ، ومن خلفهم كذلك حاجزا عظيما. ( @QUR@01 فأغشيناهم ) ~~أى : فجعلنا على أبصارهم غشاوة وأغطية تمنعهم من الرؤية ( @QUR@03 فهم لا ~~يبصرون ) شيئا بسبب احتجاب الرؤية عنهم. # فالآية الكريمة تمثيل آخر لتصميمهم على كفرهم ، حيث شبههم سبحانه بحال من ~~أحاطت بهم الحواجز من كل جانب ، فمنعتهم من الرؤية والإبصار. # ولذا قال صاحب الكشاف عند تفسيره لهاتين الآيتين : ثم مثل تصميمهم على ~~الكفر ، وأنه لا سبيل الى ارعوائهم ، بأن جعلهم كالمغلولين المقمحين في ~~أنهم لا يلتفتون إلى الحق ، ولا يعطفون أعناقهم نحوه ، ولا يطأطئون رءوسهم ~~له ms4729 ، وكالحاصلين بين سدين لا يبصرون ما قدامهم ولا ما خلفهم في أن لا تأمل ~~لهم ولا تبصر ، وأنهم متعامون عن النظر في آيات الله» (1). # وقد ذكروا في سبب نزول هاتين الآيتين روايات منها ما أخرجه ابن جرير عن ~~عكرمة ، أن أبا جهل قال : لئن رأيت محمدا لأفعلن ولأفعلن ، فأنزل الله ~~تعالى قوله : ( @QUR@05 إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا ... ) فكانوا يقولون ~~لأبى جهل : هذا محمد صلى الله عليه وسلم فيقول : أين هو؟ ولا يبصره (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@08 وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) ~~بيان لما وصل إليه هؤلاء الجاحدون من عناد وانصراف عن الحق. # وقوله ( @QUR@01 سواء ) اسم مصدر بمعنى الاستواء ، والمراد به اسم ~~الفاعل. أى : مستو. # أى : أن هؤلاء الذين جعلنا في أعناقهم أغلالا ... وجعلنا من بين أيديهم ~~سدا ومن خلفهم PageV12P015 # سدا ، مستو عندهم إنذارك إياهم وعدمه ، فهم لسوء استعدادهم وفساد فطرهم ~~لا يؤمنون بالحق الذي جئتهم به سواء دعوتهم إليه أم لم تدعهم إليه ، وسواء ~~خوفتهم بالعذاب أم لم تخوفهم به ، لأنهم ماتت قلوبهم ، وصارت لا تتأثر بشيء ~~مما تدعوهم إليه .. # ثم بين سبحانه من هم أهل للتذكير فقال : ( @QUR@05 إنما تنذر من اتبع ~~الذكر ). # أى : إنما تنذر أيها الرسول الكريم إنذارا نافعا ، أولئك الذين اتبعوا ~~إرشادات القرآن الكريم وأوامره ونواهيه ... # وينفع إنذارك أيضا مع من ( @QUR@03 خشي الرحمن بالغيب ) أى : مع من خاف ~~عقاب الرحمن دون أن يرى هذا العقاب ، ودون أن يرى الله تعالى الذي له الخلق ~~والأمر. # هؤلاء هم الذين ينفع معهم الإنذار والتذكير والإرشاد ، لأنهم فتحوا ~~قلوبهم للحق ، واستجابوا له. # والفاء في قوله : ( @QUR@04 فبشره بمغفرة وأجر كريم ) لترتيب البشارة أو ~~الأمر بها ، على ما قبلها من اتباع الذكر والخشية. # أى : فبشر أيها الرسول الكريم هذا النوع من الناس ، بمغفرة عظيمة منا ~~لذنوبهم ، وبأجر كريم لا يعلم مقداره أحد سوانا. # ثم أكد سبحانه أن البعث حق ، وأن الجزاء حق ، لكي لا يغفل عنهما الناس ، ~~ولكي يستعدوا لهما بالإيمان والعمل الصالح فقال : ( @QUR@04 إنا نحن نحي ~~الموتى ... ). # أى : إنا نحن بقدرتنا ms4730 وحدها نحيى الموتى بعد موتهم ، ونعيدهم إلى الحياة ~~مرة أخرى لكي نحاسبهم على أعمالهم. # ( @QUR@04 ونكتب ما قدموا وآثارهم ) أى : وإنا نحن الذين نسجل عليهم ~~أعمالهم التي عملوها في الدنيا سواء أكانت هذه الأعمال صالحة أم غير صالحة. # ونسجل لهم أيضا آثارهم التي تركوها بعد موتهم سواء أكانت صالحة كعلم نافع ~~، أو صدقة جارية ... أم غير صالحة كدار للهو واللعب ، وكرأى من الآراء ~~الباطلة التي اتبعها من جاء بعدهم ، وسنجازيهم على ذلك بما يستحقون من ثواب ~~أو عقاب ( @QUR@06 وكل شيء أحصيناه في إمام مبين ) أى : وكل شيء أثبتناه ~~وبيناه في أصل عظيم ، وفي كتاب واضح عندنا. ألا وهو اللوح المحفوظ ، أو ~~علمنا الذي لا يعزب عنه شيء. # قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : وفي قوله : ( @QUR@01 آثارهم ) قولان : # أحدهما : ونكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم ، وآثارهم التي أثروها أى ~~تركوها من PageV12P016 # بعدهم ، فنجزيهم على ذلك أيضا ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر. كقوله ~~صلى الله عليه وسلم من سن في الإسلام سنة حسنة ، فله أجرها وأجر من عمل بها من ~~بعده ، من غير أن ينقص من أجورهم شيء ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة ، كان ~~عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده ، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء .. # والثاني : أن المراد بقوله ( @QUR@01 وآثارهم ) أى : آثار خطاهم إلى ~~الطاعة أو المعصية. فقد روى مسلم والإمام أحمد عن جابر بن عبد الله قال : ~~خلت البقاع حول المسجد ، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد فبلغ ذلك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم : «إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا ~~إلى المسجد؟ قالوا : نعم يا رسول الله ، قد أردنا ذلك ، فقال : يا بنى سلمة ~~، دياركم تكتب آثاركم ، دياركم تكتب آثاركم». # ثم قال ابن كثير : ولا تنافى بين هذا القول والذي قبله ، بل في القول ~~الثاني تنبيه ودلالة على ذلك بطريق الأولى والأحرى ، فإنه إذا كانت هذه ~~الآثار تكتب ، فلأن تكتب التي فيها قدوة بهم من خير أو شر بطريق الأولى (1). # هذا ، وتلك الرواية ms4731 الصحيحة تشير إلى أن هذه الآية ليست مدنية كما قيل ، ~~لأن هذه الرواية تصرح بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال لبنى سلمة ، ~~«دياركم تكتب آثاركم» أى : ألزموا دياركم تكتب آثاركم .. دون إشارة إلى سبب ~~النزول. # قال الآلوسى ما ملخصه : والأحاديث التي فيها أن الله تعالى أنزل هذه ~~الآية ، حين أراد بنو سلمة أن ينتقلوا من ديارهم. معارضة بما في الصحيحين ~~من أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ لهم هذه الآية ، ولم يذكر أنها نزلت فيهم ~~، وقراءته صلى الله عليه وسلم لا تنافى تقدم النزول. أى : أن الآية مكية كبقية ~~السورة (2). # وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد أثبتت صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما ~~يبلغه عن ربه ، وبينت الحكمة من رسالته ، كما بينت أن يوم القيامة آت لا ~~ريب فيه. # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقرأ على الناس ليعتبروا ~~ويتعظوا قصة أصحاب القرية ، وما جرى بينهم وبين الرسل الذين جاءوا لهدايتهم ~~وإرشادهم إلى الطريق المستقيم فقال تعالى . PageV12P017 # ( @QUR@08 واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون (13) @QUR@011 ~~إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون (14) ~~@QUR@015 قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا ~~تكذبون (15) @QUR@06 قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون (16) @QUR@05 وما ~~علينا إلا البلاغ المبين (17) @QUR@012 قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا ~~لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم (18) @QUR@09 قالوا طائركم معكم أإن ذكرتم ~~بل أنتم قوم مسرفون ) (19) # قال القرطبي ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@05 واضرب لهم مثلا أصحاب ~~القرية ) وهذه القرية هي «أنطاكية» في قول جميع المفسرين ... والمرسلون : ~~قيل : هم رسل من الله على الابتداء. وقيل : إن عيسى بعثهم إلى أنطاكية ~~للدعاء إلى الله تعالى (1). # ولم يرتض ابن كثير ما ذهب إليه القرطبي والمفسرون من أن المراد بالقرية ~~«أنطاكية» كما أنه لم يرتض الرأى القائل بأن الرسل الثلاثة كانوا من عند ~~عيسى عليه السلام فقد قال رحمه الله ما ملخصه : وقد تقدم عن كثير من السلف ، ~~أن هذه ms4732 القرية هي أنطاكية ، وأن هؤلاء الثلاثة كانوا رسلا من عيسى ~~عليه السلام وفي ذلك نظر من وجوه : # أحدها : أن ظاهر القصة يدل على أن هؤلاء كانوا رسل الله عز وجل لا من جهة ~~عيسى ، كما قال تعالى : ( @QUR@07 إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا ~~بثالث ... ) # الثاني : أن أهل أنطاكية آمنوا برسل عيسى إليهم ، وكانوا أول مدينة آمنت ~~بالمسيح عليه السلام ، ولهذا كانت عند النصارى ، إحدى المدن الأربعة التي ~~فيها بتاركة أى ، علماء بالدين المسيحي .. PageV12P018 # الثالث : أن قصة أنطاكية مع الحواريين أصحاب عيسى ، كانت بعد نزول ~~التوراة ، وقد ذكر أبو سعيد الخدري وغيره ، أن الله تعالى بعد إنزاله ~~التوراة لم يهلك أمة من الأمم عن آخرهم بعذاب يبعثه عليهم ، بل أمر ~~المؤمنين بعد ذلك بقتال المشركين ... # فعلى هذا يتعين أن هذه القرية المذكورة. قرية أخرى غير أنطاكية .. فإن ~~هذه القرية المشهورة بهذا الاسم لم يعرف أنها أهلكت ، لا في الملة ~~النصرانية ولا قبل ذلك (1). # والذي يبدو لنا أن ما ذهب إليه الإمام ابن كثير هو الأقرب إلى الصواب وأن ~~القرآن الكريم لم يذكر من هم أصحاب القرية ، لأن اهتمامه في هذه القصة ~~وأمثالها ، بالعبر والعظات التي تؤخذ منها. # وضرب المثل في القرآن الكريم كثيرا ما يستعمل في تطبيق حالة غريبة ، ~~بأخرى تشبهها ، كما في قوله تعالى ( @QUR@027 ضرب الله مثلا للذين كفروا ~~امرأت نوح وامرأت لوط ، كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما ، فلم ~~يغنيا عنهما من الله شيئا. وقيل ادخلا النار مع الداخلين ). # فيكون المعنى : واجعل أيها الرسول الكريم حال أصحاب القرية ، مثلا لمشركي ~~مكة في الإصرار على الكفر والعناد ، وحذرهم من أن مصيرهم سيكون كمصير هؤلاء ~~السابقين ، الذين كانت عاقبتهم أن أخذتهم الصيحة فإذا هم خامدون ، لأنهم ~~كذبوا المرسلين. # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 إذ جاءها المرسلون ) بدل اشتمال من ( @QUR@02 ~~أصحاب القرية ). # والمراد بالمرسلين : الذين أرسلهم الله إلى أهل تلك القرية ، لهدايتهم ~~إلى الحق. # وقوله : ( @QUR@05 إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما ... ) بيان لكيفية ~~الإرسال ولموقف أهل القرية ممن جاءوا لإرشادهم إلى الدين الحق. # أى : إن ms4733 موقف المشركين منك أيها الرسول الكريم ، يشبه موقف أصحاب القرية ~~من الرسل الذين أرسلناهم لهدايتهم ، إذ أرسلنا إلى أصحاب هذه القرية اثنين ~~من رسلنا ، فكذبوهما. وأعرضوا عن دعوتهما. # والفاء في قوله ( @QUR@01 فكذبوهما ) للإفصاح ، أى : أرسلنا إليهم اثنين ~~لدعوتهم إلى إخلاص العبادة لنا فذهبا إليهم فكذبوهما. # وقوله : فعززنا بثالث أى : فقو بنا الرسالة برسول ثالث ، من التعزيز ~~بمعنى التقوية ، ومنه PageV12P019 # قولهم : تعزز لحم الناقة ، إذا اشتد وقوى. وعزز المطر الأرض ، إذا قواها ~~وشدها. وأرض عزاز ، إذا كانت صلبة قوية. # ومفعول ( @QUR@01 فعززنا ) محذوف لدلالة ما قبله عليه أى : فعززناهما ~~برسول ثالث ( @QUR@01 فقالوا ) أى الرسل الثلاثة لأصحاب القرية : ( @QUR@03 ~~إنا إليكم مرسلون ) لا إلى غيركم ، فأطيعونا فيما ندعوكم إليه من إخلاص ~~العبادة لله تعالى ، ونبذ عبادة الأصنام. # ثم حكى سبحانه ما دار بين الرسل وأصحاب القرية من محاورات فقال : ( ~~@QUR@015 قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا ، وما أنزل الرحمن من شيء ، إن أنتم ~~إلا تكذبون ). # أى : قال أصحاب القرية للرسل على سبيل الاستنكار والتطاول : أنتم لستم ~~إلا بشرا مثلنا في البشرية ، ولا مزية لكم علينا ، وكأن البشرية في زعمهم ~~تتنافى مع الرسالة ، ثم أضافوا إلى ذلك قولهم : وما أنزل الرحمن من شيء مما ~~تدعوننا إليه. # ثم وصفوهم بالكذب فقالوا لهم : ما أنتم إلا كاذبون ، فيما تدعونه من أنكم ~~رسل إلينا. # وهكذا قابل أهل القرية رسل الله ، بالإعراض عن دعوتهم وبالتطاول عليهم ، ~~وبالإنكار لما جاءوا به ، وبوصفهم بالكذب فيم يقولونه. # ولكن الرسل قابلوا كل ذلك بالأناة والصبر ، شأن الواثق من صدقه ، فقالوا ~~لأهل القرية : ( @QUR@010 ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون. وما علينا إلا ~~البلاغ المبين ). # أى : قالوا لهم بثقة وأدب : ربنا وحده يعلم إنا إليكم لمرسلون ، وكفى ~~بعلمه علما ، وبحكمه حكما ، وما علينا بعد ذلك بالنسبة لكم إلا أن نبلغكم ~~ما كلفنا بتبليغه إليكم تبليغا واضحا ، لا غموض فيه ولا التباس. # فأنت ترى أن الرسل لم يقابلوا سفاهة أهل القرية بمثلها ، وإنما قابلوا ~~تكذيبهم لهم. بالمنطق الرصين ، وبتأكيد أنهم رسل الله ، وأنهم صادقون في ~~رسالتهم ، لأن قولهم ms4734 ( @QUR@05 ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون ) جار مجرى ~~القسم في التوكيد. # وقولهم : ( @QUR@05 وما علينا إلا البلاغ المبين ) تحديد للوظيفة التي ~~أرسلهم الله تعالى من أجلها. # ولكن أهل القرية لم يقتنعوا بهذا المنطق السليم ، بل ردوا على الرسل ردا ~~قبيحا ، فقالوا لهم : ( @QUR@011 إنا تطيرنا بكم ، لئن لم تنتهوا لنرجمنكم ~~، وليمسنكم منا عذاب أليم ) والتطير : التشاؤم. أى قالوا في الرد عليهم : ~~إنا تشاءمنا من وجودكم بيننا ، وكرهنا النظر إلى PageV12P020 # وجوهكم ، وإذا لم ترحلوا عنا ، وتكفوا عن دعوتكم لنا إلى ما لا نريده ، ~~لنرجمنكم بالحجارة ، وليمسنكم منا عذاب شديد الألم قد ينتهى بقتلكم ~~وهلاككم. # قال صاحب الكشاف : قوله ( @QUR@02 تطيرنا بكم ) أى : تشاءمنا بكم ، وذلك ~~أنهم كرهوا دينهم ، ونفرت منه نفوسهم ، وعادة الجهال أن يتيمنوا بكل شيء ~~مالوا إليه ، واشتهوه وآثروه وقبلته طباعهم ، ويتشاءموا مما نفروا عنه ~~وكرهوه ، فإن أصابهم خير أو بلاء ، قالوا : ببركة هذا وبشؤم هذا .. (1). # ولكن الرسل قابلوا هذا التهديد أيضا بالثبات ، والمنطق الحكيم فقالوا لهم ~~: ( @QUR@08 طائركم معكم ، أإن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون ). # أى : قال الرسل لأهل القرية : ليس الأمر كما ذكرتم من أننا سبب شؤمكم ، ~~بل الحق أن شؤمكم معكم ، ومن عند أنفسكم ، بسبب إصراركم على كفركم ، ~~وإعراضكم عن الحق الذي جئناكم به من عند خالقكم. # وجواب الشرط لقوله : ( @QUR@02 أإن ذكرتم ) محذوف ، والتقدير : أئن وعظتم ~~وذكرتم بالحق ، وخوفتم من عقاب الله .. تطيرتم وتشاءمتم. # وقوله : ( @QUR@04 بل أنتم قوم مسرفون ) إضراب عما يقتضيه الاستفهام ~~والشرط من كون التذكير سببا للشؤم. # أى : ليس الأمر كما ذكرتم من أن وجودنا بينكم هو سبب شؤمكم ، بل الحق ~~أنكم قوم عادتكم الإسراف في المعاصي ، وفي إيثار الباطل على الحق ، والغي ~~على الرشد ، والتشاؤم على التيامن. # ثم بين سبحانه بعد تلك المحاورة التي دارت بين أهل القرية وبين الرسل ، ~~والتي تدل على أن أهل القرية كانوا مثلا في السفاهة والكراهة للخير والحق. # بين سبحانه بعد ذلك ما دار بين أهل القرية ، وبين رجل صالح منهم ساءه أن ~~يرى من قومه تنكرهم لرسل الله تعالى وتطاولهم عليهم ، وتهديدهم ms4735 لهم بالرجم ~~: فقال تعالى : PageV12P021 # ( @QUR@011 وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين ~~(20) @QUR@07 اتبعوا من لا يسئلكم أجرا وهم مهتدون (21) @QUR@08 وما لي لا ~~أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون (22) @QUR@015 أأتخذ من دونه آلهة إن يردن ~~الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون (23) @QUR@05 إني إذا لفي ~~ضلال مبين (24) @QUR@04 إني آمنت بربكم فاسمعون (25) @QUR@08 قيل ادخل ~~الجنة قال يا ليت قومي يعلمون (26) @QUR@07 بما غفر لي ربي وجعلني من ~~المكرمين (27) @QUR@013 وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما ~~كنا منزلين (28) @QUR@08 إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون (29) ~~@QUR@012 يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن (30) ~~@QUR@011 ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون (31) ~~@QUR@06 وإن كل لما جميع لدينا محضرون ) (32) # (1) وقوله سبحانه : ( @QUR@06 وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى ... ) معطوف ~~على كلام محذوف يفهم من سياق القصة ، والتقدير : # وانتشر خبر الرسل بين أصحاب القرية ، وعلم الناس بتهديد بعضهم لهم ( ~~@QUR@04 وجاء من أقصا المدينة ) أى من أبعد مواضعها ( @QUR@02 رجل يسعى ) ~~أى : رجل ذو فطرة سليمة ، يسرع PageV12P022 # الخطا لينصح قومه ، وينهاهم عن إيذاء الرسل ويأمرهم باتباعهم. # قالوا : وهذا الرجل كان اسمه حبيب النجار ، لأنه كان يشتغل بالنجارة. # وقد أكثر بعض المفسرين هنا من ذكر صناعته وحاله قبل مجيئه ، ونحن نرى أنه ~~لا حاجة إلى ذلك ، لأنه لم يرد نص صحيح يعتمد عليه فيما ذكروه عنه. # ويكفيه فخرا هذا الثناء من الله تعالى عليه بصرف النظر عن اسمه أو صنعته ~~أو حاله ، لأن المقصود من هذه القصة وأمثالها في القرآن الكريم هو الاعتبار ~~والافتداء بأهل الخير. # وعبر هنا بالمدينة بعد التعبير عنها في أول القصة بالقرية للإشارة إلى ~~سعتها ، وإلى أن خبر هؤلاء الرسل قد انتشر فيها من أولها إلى آخرها. # والتعبير بقوله : ( @QUR@01 يسعى ): يدل على صفاء نفسه ، وسلامة قلبه ، ~~وعلو همته ، ومضاء عزيمته ، حيث أسرع بالحضور إلى الرسل وإلى قومه ، ليعلن ~~أمام الجميع كلمة الحق ، ولم يرتض أن يقبع في بيته كما يفعل الكثيرون ms4736 بل ~~هرول نحو قومه ، ليقوم بواجبه في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 قال يا قوم اتبعوا المرسلين ) بيان لما بدأ ينصح ~~قومه به بعد وصوله إليهم. # أى : ( @QUR@01 قال ) لقومه على سبيل الإرشاد والنصح ( @QUR@04 يا قوم ~~اتبعوا المرسلين ) الذين جاءوا لهدايتكم إلى الصراط المستقيم ، ولإنقاذكم ~~من الضلال المبين الذي انغمستم فيه. # ثم أكد هذه الدعوة بقوله : ( @QUR@07 اتبعوا من لا يسئلكم أجرا وهم ~~مهتدون ) اتبعوا هؤلاء الرسل الذين جاءوا بأمر ربكم إليكم ، ليرشدوكم الى ~~الطريق الحق ، والحال أنهم في أنفسهم ثابتون على الهدى ، راسخون في التمسك ~~بالعقيدة السليمة. # ثم أخذ بعد ذلك في حض قومه على اتباع الحق ، عن طريق بيان الأسباب التي ~~حملته على الإيمان ، حتى يستثير قلوبهم نحو الهدى ، فقال كما حكى القرآن ~~عنه : ( @QUR@032 وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون. أأتخذ من دونه ~~آلهة؟ إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون. إني إذا لفي ~~ضلال مبين. إني آمنت بربكم فاسمعون ). # أى : قال الرجل الصالح لقومه : وأى مانع يمنعني من أن أعبد الله تعالى ~~وحده ، لأنه هو الذي خلقني ولم أكن قبل ذلك شيئا مذكورا ، وهو الذي إليه ~~يكون مرجعكم بعد مماتكم ، فيحاسبكم على أعمالكم في الدنيا ، ويجازيكم عليها ~~بما تستحقون من ثواب أو عقاب. PageV12P023 # والاستفهام في قوله : ( @QUR@04 أأتخذ من دونه آلهة .. ) للإنكار والنفي. # أى : لا يصح ولا يجوز أن اتخذ معه في العبادة آلهة أخرى ، كائنة ما كانت ~~هذه الآلهة ، لأنه ( @QUR@09 إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ) ~~من النفع ، حتى ولو كان هذا النفع في نهاية القلة والحقارة. # ( @QUR@02 ولا ينقذون ): ولا تستطيع هذه الآلهة إنقاذى وتخليصي مما ~~يصيبني من ضر أراد الرحمن أن ينزله بي. # ( @QUR@02 إني إذا ) لو اتخذت هذه الآلهة شريكا مع الله في العبادة ( ~~@QUR@03 لفي ضلال مبين ) أى : لأكونن في ضلال واضح لا يخفى على أحد من ~~العقلاء. # ثم ختم حديثه معهم بإعلان إيمانه بكل صراحة وقوة فقال : ( @QUR@03 إني ~~آمنت بربكم )، الذي خلقكم ورزقكم ( @QUR@01 فاسمعون ) أى : فاسمعوا ms4737 ما ~~نطقت به ، واشهدوا لي بأنى آمنت بربكم الذي خلقكم وخلقني ، وكفرت بهؤلاء ~~الشركاء ، ولن أشرك معه سبحانه في العبادة أحدا. مهما كانت النتائج. # وهكذا نرى الرجل الصالح الذي استقر الإيمان في قلبه ومشاعره ووجدانه ~~يدافع عن الحق الذي آمن به دفاعا قويا دون أن يخشى أحدا إلا الله ، ويدعو ~~قومه بشتى الأساليب إلى اتباعه ويقيم لهم ألوانا من الأدلة على صحة ما يدعو إليه. # ثم يصارحهم في النهاية ، ويشهدهم على هذه المصارحة ، بأنه قد آمن بما جاء ~~به الرسل إيمانا لا يقبل الشك أو التردد ، ولا يثنيه عنه وعد أو وعيد أو ~~إيذاء أو قتل. # ورحم الله صاحب الكشاف ، فقد أجاد في تصوير هذه المعاني فقال ما ملخصه : ~~قوله : ( @QUR@07 اتبعوا من لا يسئلكم أجرا وهم مهتدون ) كلمة جامعة في ~~الاستجابة لدعوة الرسل ، أى : لا تخسرون معهم شيئا من دنياكم ، وتربحون صحة ~~دينكم ، فينتظم لكم خير الدنيا وخير الآخرة. # ثم أبرز الكلام في معرض المناصحة لنفسه ، وهو يريد مناصحتهم ، وليتلطف ~~بهم ويداريهم .. فقال : ( @QUR@08 وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون ). # ثم قال : ( @QUR@04 إني آمنت بربكم فاسمعون ) يريد فاسمعوا قولي وأطيعونى ~~، فقد نهيتكم على الصحيح الذي لا معدل عنه ، أن العبادة لا تصح إلا لمن منه ~~مبتدؤكم وإليه مرجعكم .. (1). PageV12P024 # ولكن هذه النصائح الغالية الحكيمة من الرجل الصالح لقومه ، لم تصادف أذنا ~~واعية بل إن سياق القصة بعد ذلك ليوحى بأن قومه قتلوه ، فقد قال تعالى بعد ~~أن حكى نصائح هذا الرجل لقومه ، ( @QUR@03 قيل ادخل الجنة ... ). # أى : قالت الملائكة لهذا الرجل الصالح عند موته على سبيل البشارة : ادخل ~~الجنة بسبب إيمانك وعملك الطيب. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@03 قيل ادخل الجنة .. ) استئناف لبيان ما ~~وقع له بعد قوله ذلك. # والظاهر أن الأمر المقصود به الإذن له بدخول الجنة حقيقة ، وفي ذلك إشارة ~~إلى أن الرجل قد فارق الحياة ، فعن ابن مسعود أنه بعد أن قال ما قال قتلوه .. # وقيل : الأمر للتبشير لا للإذن بالدخول حقيقة ، أى : قالت ملائكة الموت ~~وذلك على سبيل البشارة ms4738 له بأنه من أهل الجنة يدخلها إذا دخلها المؤمنون بعد ~~البعث (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@012 قال يا ليت قومي يعلمون. بما غفر لي ربي وجعلني ~~من المكرمين ) استئناف بيانى لبيان ما قاله عند البشارة. # أى : قيل له ادخل الجنة بسبب إيمانك وعملك الصالح ، فرد وقال : يا ليت ~~قومي الذين قتلوني ولم يسمعوا نصحى ، يعلمون بما نلته من ثواب من ربي ، فقد ~~غفر لي سبحانه ، وجعلني من المكرمين عنده ، بفضله وإحسانه .. # قال ابن كثير : ومقصوده من هذا القول أنهم لو اطلعوا على ما حصل عليه من ~~ثواب ونعيم مقيم ، لقادهم ذلك إلى اتباع الرسل ، ف رحمه الله ورضى عنه ، ~~فلقد كان حريصا على هداية قومه. # روى ابن أبى حاتم أن عروة بن مسعود الثقفي ، قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ~~ابعثني إلى قومي أدعوهم إلى الإسلام ، فقال له صلى الله عليه وسلم «إنى أخاف ~~أن يقتلوك» ، فقال : يا رسول الله ، لو وجدوني نائما ما أيقظونى. فقال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «انطلق إليهم» فانطلق إليهم ، فمر على اللات ~~والعزى فقال : لأصبحنك غدا بما يسوؤك ، فغضبت ثقيف فقال لهم : يا معشر ثقيف ~~: أسلموا تسلموا ثلاث مرات . فرماه رجل منهم فأصاب أكحله فقتله والأكحل : ~~عرق في وسط الذراع فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : «هذا مثله ~~كمثل صاحب يس ( @QUR@012 قال يا ليت قومي يعلمون. بما غفر لي ربي وجعلني من ~~المكرمين ) (2). PageV12P025 # وقال صاحب الكشاف ما ملخصه : وقوله : ( @QUR@04 يا ليت قومي يعلمون .. ) ~~إنما تمنى علم قومه بحاله ، ليكون علمهم بها سببا لاكتساب مثلها لأنفسهم ، ~~بالتوبة عن الكفر ، والدخول في الإيمان .. وفي حديث مرفوع : «نصح قومه حيا ~~وميتا». # وفيه تنبيه عظيم على وجوب كظم الغيظ والحلم عن أهل الجهل والترؤف على من ~~أدخل نفسه في غمار الأشرار وأهل البغي ، والتشمر في تخليصه ، والتلطف في ~~افتدائه ، والاشتغال بذلك عن الشماتة به ، والدعاء عليه ، ألا ترى كيف تمنى ~~الخير لقتلته ، وللباغين له الغوائل وهم كفرة وعبدة أصنام .. (1). # ثم بين سبحانه ما نزل بأصحاب القرية ms4739 من عذاب أهلكهم فقال : ( @QUR@06 وما ~~أنزلنا على قومه من بعده ): أى : من بعد موته. # ( @QUR@04 من جند من السماء ) لأنهم كانوا أحقر وأهون من أن نفعل معهم ذلك. # ( @QUR@03 وما كنا منزلين ) أى : وما صح وما استقام في حكمتنا أن ننزل ~~عليهم جندا من السماء ، لهوان شأنهم ، وهوان قدرهم. # ( @QUR@05 إن كانت إلا صيحة واحدة ) أى : ما كانت عقوبتنا لهم إلا صيحة ~~واحدة صاحها بهم جبريل بأمرنا. # ( @QUR@03 فإذا هم خامدون ) أى : هامدون ميتون ، شأنهم في ذلك كشأن النار ~~التي أصابها الخمود والانطفاء ، بعد أن كانت مشتعلة ملتهبة ، يقال. خمدت ~~النار تخمد خمودا. إذا سكن لهيبها ، وانطفأ شررها ، وخمد الرجل كقعد إذا ~~مات وانقطعت أنفاسه. # وهكذا كانت نهاية الذين كذبوا المرسلين ، وقتلوا المصلحين ، فقد نزلت بهم ~~عقوبة الله تعالى فجعلتهم في ديارهم جاثمين. # وبعد أن بين سبحانه سوء مصارع المكذبين ، أتبع ذلك بدعوة الناس إلى ~~الاتعاظ بذلك من قبل فوات الأوان ، فقال تعالى : ( @QUR@012 يا حسرة على ~~العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن ). # والحسرة : الغم والحزن على ما فات ، والندم عليه ندما لا نفع من ورائه ، ~~كأن المتحسر قد انحسرت عنه قواه وذهبت ، وصار في غير استطاعته إرجاعها. # و «يا» حرف نداء. و «حسرة» منادى ونداؤها على المجاز بتنزيلها منزلة ~~العقلاء. PageV12P026 # والمراد بالعباد : أولئك الذين كذبوا الرسل ، وآثروا العمى على الهدى ، ~~ويدخل فيهم دخولا أوليا أصحاب تلك القرية المهلكة. # والمقصود من الآية الكريمة ، التعجب من حال هؤلاء المهلكين ، وبيان أن ~~حالهم تستحق التأثر والتأسف والاعتبار ، لأنها حالة تدل على بؤسهم وظلمهم ~~لأنفسهم وجهلهم. # والمعنى : يا حسرة على العباد الذين أهلكوا بسبب إصرارهم على كفرهم احضرى ~~فهذا أوان حضورك ، فإن هؤلاء المهلكين كانوا في دنياهم ما يأتيهم من رسول ~~من الرسل ، إلا كانوا به يستهزئون ، ويتغامزون ، ويستخفون به وبدعوته ، مع ~~أنهم لو كانوا يعقلون. لقابلوا دعوة رسلهم بالطاعة والانقياد. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@04 يا حسرة على العباد ... ) نداء ~~للحسرة عليهم ، كأنما قيل لها : تعالى يا حسرة فهذه من أحوالك التي حقك أن ~~تحضرى ms4740 فيها ، وهي حال استهزائهم بالرسل. # والمعنى : أنهم أحقاء بأن يتحسر عليهم المتحسرون ، ويتلهف عليهم ~~المتلهفون. أو هم متحسر عليهم من جهة الملائكة والمؤمنين من الثقلين. # وقرئ : يا حسرة العباد ، على الإضافة إليهم لاختصاصها بهم ، من حيث إنها ~~موجهة إليهم (1). # أى : يا حسرة العباد منهم على أنفسهم ، بسبب تكذيبهم لرسلهم ، واستهزائهم بهم. # ثم وبخ سبحانه كفار مكة ، بسبب عدم اعتبارهم بمن سبقهم فقال : ( @QUR@011 ~~ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون ). # والقرون : جمع قرن. وهم القوم المقترنون في زمن واحد. و «كم» خبرية بمعنى كثير. # أى : ألم يعلم كفار مكة أننا أهلكنا كثيرا من الأمم السابقة عليهم ، بسبب ~~إصرارهم على كفرهم ، واستهزائهم برسلهم ، وأن هؤلاء المهلكين لا يرجعون ~~إليهم ليخبروهم بما جرى لهم ، لأنهم لن يستطيعوا ذلك في الدنيا ، لحكمة ~~أرادها الله تعالى . # ولكن الجميع سيعودون إليه سبحانه وسيبعثهم يوم القيامة من قبورهم للحساب ~~والجزاء ، كما قال تعالى : ( @QUR@06 وإن كل لما جميع لدينا محضرون ). # و «إن» حرف نفى ، و «كل» مبتدأ ، والتنوين فيه عوض عن المضاف إليه PageV12P027 # و «لما» بمعنى إلا. و «جميع» خبر المبتدأ. و «محضرون» خبر ثان. # أى : لقد علم أهل مكة وغيرهم أننا أهلكنا كثيرا من القرى الظالم أهلها. ~~وأن هؤلاء المهلكين لن يرجعوا إلى أهل مكة في الدنيا ، ولكن الحقيقة التي ~~لا شك فيها أنه ما من أمة من الأمم ، أو جماعة من الجماعات المتقدمة أو ~~المتأخرة إلا ومرجعها إلينا يوم القيامة ، لنحاسبها على أعمالها ، ~~ولنجازيها بالجزاء الذي تستحقه. # كما قال سبحانه في آية أخرى : ( @QUR@010 وإن كلا لما ليوفينهم ربك ~~أعمالهم إنه بما يعملون خبير ) (1). # ثم ساق سبحانه بعد ذلك ألوانا من الأدلة الدالة على وحدانيته وقدرته ، ~~وهذه الأدلة منها ما هو أرضى ، ومنها ما هو سماوي ، ومنها ما هو بحرى ، ~~وكلها تدل أيضا على فضله ورحمته ، قال تعالى : # ( @QUR@010 وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون ~~(33) @QUR@010 وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون (34) ~~@QUR@08 ليأكلوا من ثمره وما عملته ms4741 أيديهم أفلا يشكرون (35) @QUR@013 سبحان ~~الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون (36) ~~@QUR@09 وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون (37) @QUR@08 ~~والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم (38) @QUR@07 والقمر ~~قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم (39) @QUR@015 لا الشمس ينبغي لها أن ~~تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون (40) PageV12P028 # @QUR@08 وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون (41) @QUR@06 وخلقنا ~~لهم من مثله ما يركبون (42) @QUR@09 وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ~~ينقذون (43) @QUR@06 إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين ) (44) # قال الإمام الرازي ما ملخصه قوله : ( @QUR@05 وآية لهم الأرض الميتة ~~أحييناها ) وجه تعلقه بما قبله ، أنه سبحانه لما قال : ( @QUR@06 وإن كل ~~لما جميع لدينا محضرون ) كان ذلك إشارة إلى الحشر ، فذكر ما يدل على إمكانه ~~قطعا لإنكارهم واستبعادهم ، وعنادهم فقال : ( @QUR@05 وآية لهم الأرض ~~الميتة أحييناها .. ) أى : وكذلك نحيى الموتى ... (1). # والمراد بالآية هنا : العلامة والبرهان والدليل. # والمراد بالأرض الميتة : الأرض الجدباء التي لا نبات فيها. # والمراد بالحب : جنسه من حنطة وشعير وغيرهما. # أى : ومن العلامات الواضحة لهؤلاء المشركين على قدرتنا على إحياء الموتى ~~، أننا ننزل الماء على الأرض الجدباء. فتهتز وتربو ، وتخرج ألوانا وأصنافا ~~من الحبوب التي يعيشون عليها. ويأكلون منها. # ونكر سبحانه لفظ ( @QUR@01 آية ) للإشعار بأنها آية عظيمة ، كان ينبغي ~~لهؤلاء المشركين أن يلتفتوا إليها ، لأنهم يشاهدون بأعينهم الأرض القاحلة ~~السوداء ، كيف تتحول إلى أرض خضراء بعد نزول المطر عليها. # والله تعالى الذي قدر على ذلك ، قادر أيضا على إحياء الموتى وإعادتهم إلى ~~الحياة. # وقوله : ( @QUR@01 أحييناها ) كلام مستأنف مبين لكيفية كون الأرض الميتة آية. # وقدم سبحانه الجار والمجرور في قوله ( @QUR@02 فمنه يأكلون ) للدلالة على ~~أن الحب هو الشيء الذي تكون منه معظم المأكولات التي يعيشون عليها ، وأن ~~قلته تؤدى الى القحط والجوع. PageV12P029 # ثم بين سبحانه بعض النعم الأخرى التي تحملها الأرض لهم فقال : ( @QUR@010 ~~وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب ، وفجرنا فيها من العيون ). # والآية الكريمة معطوفة على قوله ( @QUR@01 أحييناها )، ونخيل : جمع نخل ~~، كعبيد جمع عبد ، وأعناب ms4742 : جمع عنب : والعيون ، جمع عين. والمراد بها ~~الآبار التي تسقى بها الزروع. # أى : أحيينا هذه الأرض الميتة بالماء .. وجعلنا فيها بقدرتنا ورحمتنا ~~بساتين كثيرة من نخيل وأعناب ، وفجرنا وشققنا فيها كثيرا من الآبار والعيون ~~التي تسقى بها تلك الزروع والثمار. # وخص النخيل والأعناب بالذكر ، لأنها أشهر الفواكه المعروفة لديهم ، ~~وأنفعها عندهم. # واللام في قوله : ( @QUR@03 ليأكلوا من ثمره ) متعلق بقوله : ( @QUR@01 ~~وجعلنا .... ). # والضمير في قوله : ( @QUR@02 من ثمره ) يعود إلى المذكور من الجنات ~~والنخيل والأعناب. أو إلى الله تعالى . # أى : وجعلنا في الأرض ما جعلنا من جنات ومن نخيل ومن أعناب ، ليأكلوا ~~ثمار هذه الأشياء التي جعلناها لهم ، وليشكرونا على هذه النعم. # و «ما» في قوله : ( @QUR@05 وما عملته أيديهم أفلا يشكرون ) الظاهر أنها ~~نافية والجملة حالية ، والاستفهام للحض على الشكر. # أى : جعلنا لهم في الأرض جنات من نخيل وأعناب ، ليأكلوا من ثمار ما ~~جعلناه لهم ، وإن هذه الثمار لم تصنعها أيديهم ، وإنما الذي أوجدها وصنعها ~~هو الله تعالى بقدرته ومشيئته. # وما دام الأمر كذلك ، فهلا شكرونا على نعمنا ، وأخلصوا العبادة لنا. # قال ابن كثير : وقوله : ( @QUR@03 وما عملته أيديهم ) أى : وما ذاك كله ~~إلا من رحمتنا بهم ، لا بسعيهم ولا كدهم ، ولا بحولهم وقوتهم. قاله ابن ~~عباس وقتادة. ولهذا قال : ( @QUR@02 أفلا يشكرون ) أى : فهلا يشكرونه على ~~ما أنعم به عليهم من هذه النعم التي لا تعد ولا تحصى (1). # ويصح أن تكون «ما» هنا موصولة فيكون المعنى : ليأكلوا من ثمره ومن الذي ~~عملته أيديهم من هذه الثمار كالعصير الناتج منها ، وكغرسهم لتلك الأشجار ~~وتعهدها بالسقى وغيره ، إلى أن آتت أكلها. PageV12P030 # قال الشوكانى : وقوله : ( @QUR@03 وما عملته أيديهم ) معطوف على ثمره ، ~~أى : ليأكلوا من ثمره ، ويأكلوا مما عملته أيديهم كالعصير والدبس ونحوهما ~~وكذلك ما غرسوه وحفروه على أن «ما» موصولة ، وقيل : هي نافية ، والمعنى : ~~لم يعملوه بأيديهم ، بل العامل له هو الله .. (1). # ثم أثنى سبحانه على ذاته بما هو أهل له من ثناء فقال : ( @QUR@013 سبحان ~~الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ، ومن أنفسهم ، ومما لا يعلمون ms4743 ). # ولفظ : ( @QUR@01 سبحان ) اسم مصدر منصوب على أنه مفعول مطلق بفعل محذوف ~~، والتقدير : سبحت الله سبحانا : أى : تسبيحا. بمعنى نزهته تنزيها عن كل ~~سوء ، وعظمته تعظيما. # و «من» في الآية الكريمة للبيان. # أى : ننزه الله تعالى تنزيها عن كل سوء. ونعظمه تعظيما لا نهاية له ، فهو ~~عز وجل ( @QUR@04 الذي خلق الأزواج كلها ) أى : الأنواع ، والأصناف كلها ~~ذكورا وإناثا. # ( @QUR@03 مما تنبت الأرض ) أى : خلق الأصناف كلها التي تنبت في الأرض من ~~حبوب وغيرها. # ( @QUR@02 ومن أنفسهم ) أى : وخلقها من أنفسهم إذ الذكر من الأنثى ، ~~والأنثى من الذكر. # ( @QUR@03 ومما لا يعلمون ) أى : وخلق هذه الأصناف كلها من أشياء لا علم ~~لهم بها ، وإنما مرد علمها إليه وحده تعالى كما قال سبحانه ( @QUR@04 ويخلق ~~ما لا تعلمون ). # فالمقصود من الآية الكريمة بيان لمظهر من مظاهر قدرته تعالى وبديع خلقه ، ~~حيث خلق الأصناف كلها ، نرى بعضها نابتا في الأرض ، ونرى بعضها متمثلا في ~~الإنسان المكون من ذكر وأنثى ، وهناك مخلوقات أخرى لا يعلمها إلا الله ~~تعالى . # وبعد أن بين سبحانه مظاهر قدرته عن طريق التأمل في الأرض التي نعيش عليها ~~، عقب ذلك ببيان مظاهر قدرته عن طريق التأمل في تقلب الليل والنهار ، ~~وتعاقب الشمس والقمر ، فقال تعالى : ( @QUR@09 وآية لهم الليل نسلخ منه ~~النهار. فإذا هم مظلمون ). # وقوله : ( @QUR@01 نسلخ ) من السلخ بمعنى الكشط والإزالة ، يقال : سلخ ~~فلان جلد الشاة ، إذا أزاله عنها. # والمراد هنا : إزالة ضوء النهار عن الليل ، ليبقى لليل ظلمته. # قال صاحب الكشاف : سلخ جلد الشاة ، إذا كشطه عنها وأزاله. ومنه : سلخ الحية PageV12P031 # لخرشائها أى : لجلدها فاستعير ذلك لإزالة الضوء وكشفه عن مكان الليل ، ~~وملقى ظله (1). # أى : ومن البراهين والعلامات الواضحة ، الدالة على وحدانية الله ، وقدرته ~~على إحياء الموتى ، وجود الليل والنهار بهذه الطريقة التي نشاهدها ، حيث ~~ينزع سبحانه عن الليل النهار ، فيبقى لليل ظلامه ، ويصير الناس في ليل مظلم ~~، بعد أن كانوا في نهار مضيء. # فمعنى : ( @QUR@03 فإذا هم مظلمون ): فإذا هم داخلون في الظلام ، بعد أن ~~كانوا بعيدين عنه. يقال : أظلم القوم. إذا دخلوا في ms4744 الظلام. وأصبحوا ، إذا ~~دخلوا في وقت الصباح. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 والشمس تجري لمستقر لها ) بيان لدليل آخر على ~~قدرته تعالى وهو معطوف على قوله تعالى قبل ذلك : ( @QUR@03 وآية لهم الليل ... ) # قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله : ( @QUR@02 لمستقر لها ) أى لحد معين ~~تنتهي إليه .. شبه بمستقر المسافر إذا انتهى من سيره ، والمستقر عليه اسم ~~مكان ، واللام بمعنى إلى .. # ويصح أن يكون اسم زمان ، على أنها تجرى إلى وقت لها لا تتعداه ، وعلى هذا ~~فمستقرها : انتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا .. (2). # والمعنى : وآية أخرى لهم على قدرتنا ، وهي أن الشمس تجرى إلى مكان معين ~~لا تتعداه ، وإلى زمن محدد لا تتجاوزه ، وهذا المكان وذلك الزمان ، كلاهما ~~لا يعلمه إلا الله تعالى . # قال بعض العلماء : قوله تعالى : ( @QUR@04 والشمس تجري لمستقر لها ) أى : ~~والشمس تدور حول نفسها ، وكان المظنون أنها ثابتة في موضعها الذي تدور فيه ~~حول نفسها. ولكن عرف أخيرا أنها ليست مستقرة في مكانها ، وإنما هي تجرى ~~فعلا .. تجرى في اتجاه واحد ، في هذا الفضاء الكونى الهائل بسرعة حسبها ~~الفلكيون باثنى عشر ميلا في الثانية. # والله ربها الخبير بجريانها وبمصيرها يقول : إنها تجرى لمستقر لها ، هذا ~~المستقر الذي ستنتهى إليه لا يعلمه إلا هو سبحانه ولا يعلم موعده سواه. # وحين نتصور أن حجم هذه الشمس يبلغ نحو مليون ضعف لحجم أرضنا هذه ، وأن ~~هذه الكتلة الهائلة تتحرك أو تجرى في الفضاء لا يسندها شيء ، حين نتصور ذلك ~~، ندرك طرفا من صفة القدرة التي تصرف هذا الوجود عن قوة وعن علم (3). PageV12P032 # وقد ساق القرطبي عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث فقال : وفي صحيح ~~مسلم عن أبى ذر قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى : ( ~~@QUR@04 والشمس تجري لمستقر لها ) قال مستقرها تحت العرش. # ولفظ البخاري عن أبى ذر قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لي حين غربت ~~الشمس. «تدرى أين تذهب»؟ قلت : الله ورسوله أعلم. قال : فإنها تذهب حتى ~~تسجد تحت العرش ، فتستأذن فيؤذن لها ، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها ms4745 ، ~~وتستأذن فلا يؤذن لها. فقال لها : ارجعي من حيث جئت. فتطلع من مغربها. فذلك ~~قوله تعالى : ( @QUR@04 والشمس تجري لمستقر لها ) (1). # واسم الإشارة في قوله ( @QUR@04 ذلك تقدير العزيز العليم ) يعود الى ~~الجري المفهوم من «تجرى». # أى : ذلك الجريان البديع العجيب المقدر الشمس ، تقدير الله تعالى العزيز ~~الذي لا يغلبه غالب ، العليم بكل شيء في هذا الكون علما لا يخفى معه قليل ~~أو كثير من أحوال هذا الكون. # ثم ذكر سبحانه آية أخرى تتعلق بكمال قدرته فقال : ( @QUR@03 والقمر ~~قدرناه منازل .. ). # ولفظ القمر قرأه جمهور القراء بالنصب على أنه مفعول لفعل محذوف يفسره ما بعده. # والمنازل جمع منزل. والمراد بها أماكن سيره في كل ليلة ، وهي ثمان وعشرون ~~منزلا ، تبدأ من أول ليلة في الشهر ، إلى الليلة الثامنة والعشرين منه. ثم ~~يستتر القمر ليلتين إن كان الشهر تاما. ويستتر ليلة واحدة إن كان الشهر ~~تسعا وعشرين ليلة. # أى : وقدرنا سير القمر في منازل ، بأن ينزل في كل ليلة في منزل لا يتخطاه ~~ولا يتقاصر عنه ، إذ كل شيء عندنا بمقدار .. # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو «والقمر» بالرفع على الابتداء ، وخبره ~~جملة «قدرناه». # قال الآلوسى ما ملخصه. قوله : ( @QUR@02 والقمر قدرناه ) بالنصب أى : ~~وصيرنا سيره ، أى : محله الذي يسير فيه «منازل» فقدر بمعنى صير الناصب ~~لمفعولين. والكلام على PageV12P033 # حذف مضاف ، والمضاف المحذوف مفعوله الأول و ( @QUR@01 منازل ) مفعوله ~~الثاني. # وقرأ الحرميان وأبو عمرو : ( @QUR@01 والقمر ) بالرفع ، على الابتداء ، ~~وجملة ( @QUR@01 قدرناه ) خبره. # والمنازل : جمع منزل ، والمراد به المسافة التي يقطعها القمر في يوم ~~وليلة (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 حتى عاد كالعرجون القديم ) تصوير بديع لحالة ~~القمر وهو في آخر منازله. # والعرجون : هو قنو النخلة ما بين الشماريخ إلى منبته منها ، وهو الذي ~~يحمل ثمار النخلة سواء أكانت تلك الثمار مستوية أم غير مستوية. وسمى عرجونا ~~من الانعراج ، وهو الانعطاف والتقوس ، شبه به القمر في دقته وتقوسه ~~واصفراره. # أى : وصيرنا سير القمر في منازل لا يتعداها ولا يتقاصر عنها ، فإذا صار ~~في آخر منازله ، أصبح في دقته وتقوسه كالعرجون القديم ms4746 ، أى : العتيق ~~اليابس. # قال بعض العلماء : والذي يلاحظ القمر ليلة بعد ليلة. يدرك ظل التعبير ~~القرآنى العجيب ( @QUR@04 حتى عاد كالعرجون القديم ) وبخاصة ظل ذلك اللفظ ~~«القديم». فالقمر في لياليه الأولى هلال. وفي لياليه الأخيرة هلال. ولكنه ~~في لياليه الأولى يبدو وكأن فيه نضارة وقوة. وفي لياليه الأخيرة يطلع ~~وكأنما يغشاه سهوم ووجوم ، ويكون فيه شحوب وذبول. ذبول العرجون القديم. ~~فليست مصادفة أن يعبر القرآن عنه هذا التعبير الموحى العجيب (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@015 لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ، ولا الليل ~~سابق النهار ، وكل في فلك يسبحون ) بيان لدقة نظامه سبحانه في كونه ، وأن ~~هذا الكون الهائل يسير بترتيب في أسمى درجات الدقة ، وحسن التنظيم. # أى : لا يصح ولا يتأتى للشمس أن تدرك القمر في مسيره فتجتمع معه بالليل. # وكذلك لا يصح ولا يتأتى الليل أن يسبق النهار ، بأنه يزاحمه في محله أو ~~وقته ، وإنما كل واحد من الشمس والقمر ، والليل والنهار ، يسير ، في هذا ~~الكون بنظام بديع قدره الله تعالى له ، بحيث لا يسبق غيره ، أو يزاحمه في سيره. # قال الإمام ابن كثير : قوله تعالى : ( @QUR@07 لا الشمس ينبغي لها أن ~~تدرك القمر ) قال PageV12P034 # مجاهد : لكل منهما حد لا يعدوه ، ولا يقصر دونه ، إذا جاء سلطان هذا ذهب ~~هذا ، وإذا ذهب سلطان هذا جاء سلطان هذا .. # وقال عكرمة : يعنى أن لكل منهما سلطانا فلا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل. # وقوله : ( @QUR@04 ولا الليل سابق النهار ) يقول : لا ينبغي إذا كان ~~الليل أن يكون ليل آخر ، حتى يكون النهار .. (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@04 وكل في فلك يسبحون ) التنوين في «كل» عوض عن ~~المضاف إليه .. # قال الآلوسى : والفلك : مجرى الكواكب ، سمى بذلك لاستدارته ، كفلكة ~~المغزل ، وهي الخشبة المستديرة في وسطه ، وفلكة الخيمة ، وهي الخشبة ~~المستديرة التي توضع على رأس العمود لئلا تتمزق الخيمة (2). # أى : وكل من الشمس والقمر ، والليل والنهار ، في أجزاء هذا الكون يسيرون ~~بانبساط وسهولة ، لأن قدرة الله تعالى تمنعهم من التصادم أو التزاحم أو ~~الاضطراب. # ثم ذكر سبحانه نوعا آخر من النعم التي ms4747 امتن بها على عباده فقال : ( ~~@QUR@08 وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون ). # وللمفسرين في تفسير هذه الآية أقوال منها : أن الضمير في «لهم» يعود إلى ~~أهل مكة ، والمراد بذريتهم : أولادهم صغارا أو كبارا ، والمراد بالفلك ~~المشحون : جنس السفن. # فيكون المعنى : ومن العلامات الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ، أننا حملنا ~~بفضلنا ورحمتنا أولادهم صغارا وكبارا في السفن المملوءة بما ينفعهم دون أن ~~يصيبهم أذى ، وسخرنا لهم هذه السفن لينتقلوا فيها من مكان إلى آخر. # ويرى بعضهم أن الضمير في «لهم» يعود إلى الناس عامة ، والمراد بذريتهم ~~آباؤهم الأقدمون ، والمراد بالفلك المشحون : سفينة نوح عليه السلام التي ~~أنجاه الله تعالى فيها بمن معه من المؤمنين ، الذين لم يبق على وجه الأرض ~~من ذرية آدم غيرهم. # فيكون المعنى : وعلامة ودليل واضح للناس جميعا على قدرتنا ، أننا حملنا ~~بفضلنا ورحمتنا آباءهم الأقدمين الذين آمنوا بنوح عليه السلام في السفينة ~~التي أمرناه بصنعها ، والتي كانت مليئة ومشحونة ، بما ينتفعون به في ~~حياتهم. PageV12P035 # قال الجمل : وإطلاق الذرية على الأصول صحيح ، فإن لفظ الذرية مشترك بين ~~الضدين ، الأصول والفروع ؛ لأن الذرية من الذرء بمعنى الخلق. والفروع ~~مخلوقون من الأصول ، والأصول خلقت منها الفروع. فاسم الذرية يقع على الآباء ~~كما يقع على الأولاد (1). # وهذا الرأى الثاني قد اختاره الإمام ابن كثير ولم يذكر سواه ، فقد قال ~~رحمه الله : يقول تعالى : ودلالة لهم أيضا على قدرته تعالى تسخيره البحر ~~ليحمل السفن ، فمن ذلك بل أوله سفينة نوح التي أنجاه الله فيها بمن معه من ~~المؤمنين ، ولهذا قال : ( @QUR@05 وآية لهم أنا حملنا ذريتهم ) أى : ~~آباءهم. # ( @QUR@03 في الفلك المشحون ) أى : في السفينة المملوءة بالأمتعة ~~والحيوانات ، التي أمره الله أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@06 وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ) بيان لنعمة أخرى ~~من نعمه تعالى على عباده. # والضمير في قوله تعالى : ( @QUR@02 من مثله ) يعود على السفن المشبهة ~~لسفينة نوح عليه السلام . # قال القرطبي : ما ملخصه قوله تعالى : ( @QUR@06 وخلقنا لهم من مثله ما ~~يركبون ) والأصل ما يركبونه ... والضمير ms4748 في «من مثله» للإبل. خلقها لهم ~~للركوب في البر ، مثل السفن المركوبة في البحر ، والعرب تشبه الإبل بالسفن. ~~وقيل إنه للإبل والدواب وكل ما يركب. # والأصح أنه للسفن. أى : خلقنا لهم سفنا أمثالها ، أى : أمثال سفينة نوح ~~يركبون فيها. # قال الضحاك وغيره : هي السفن المتخذة بعد سفينة نوح عليه السلام (3). # ثم بين سبحانه مظهرا آخر من مظاهر فضله على الناس فقال : ( @QUR@015 وإن ~~نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون. إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين ). # الصريخ : المغيث. أى : فلا مغيث لهم. أو فلا إغاثة لهم ، على أنه مصدر ~~كالصراخ ، لأن المستغيث الخائف ينادى من ينقذه ، فيصرخ المغيث له قائلا : ~~جاءك الغوث والعون. # والاستثناء هنا مفرغ من أعم العلل. # أى : وإن نشأ أن نغرق هؤلاء المحمولين في السفن أغرقناهم ، دون أن يجدوا ~~من يغيثهم PageV12P036 # منا ، أو من ينقذهم من الغرق ، سوى رحمتنا بهم ، وفضلنا عليهم ، وتمتيعنا ~~إياهم بالحياة إلى وقت معين تنقضي عنده حياتهم. # فالآيتان الكريمتان تصوران مظاهر قدرة الله ورحمته بعباده أكمل تصوير ؛ ~~وذلك لأن السفن التي تجرى في البحر مهما عظمت تصير عند ما تشتد أمواجه في ~~حالة شديدة من الاضطراب ، ويغشى الراكبين فيها من الهول والفزع ما يغشاهم ، ~~وفي تلك الظروف العصيبة لا نجاة لهم مما هم فيه إلا عن طريق رعاية الله ~~تعالى ورحمته بهم. # ثم ذكر سبحانه جانبا من رد المشركين السيئ على من يدعوهم إلى الخير ، ومن ~~جهالاتهم حيث تعجلوا العذاب الذي لا محيص لهم عنه ، ومن أحوالهم عند قيام ~~الساعة ، فقال تعالى : # ( @QUR@011 وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون ~~(45) @QUR@011 وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (46) ~~@QUR@024 وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا ~~أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين (47) @QUR@07 ~~ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (48) @QUR@08 ما ينظرون إلا صيحة ~~واحدة تأخذهم وهم يخصمون (49) @QUR@07 فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم ~~يرجعون (50) @QUR@010 ونفخ في الصور ms4749 فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون ~~(51) @QUR@013 قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق ~~المرسلون (52) @QUR@04 إن كانت إلا صيحة PageV12P037 # @QUR@06 واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون (53) @QUR@011 فاليوم لا تظلم ~~نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون ) (54) # وقوله تعالى : ( @QUR@09 وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم .. ~~) حكاية لموقف المشركين من الناصحين لهم ، وكيف أنهم صموا آذانهم عن سماع ~~الآيات التنزيلية ، بعد صممهم عن التفكر في الآيات التكوينية. # أى : وإذا قال قائل لهؤلاء المشركين على سبيل النصح والإرشاد : ( @QUR@06 ~~اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم ) أى : احذروا ما تقدم من ذنوبكم وما تأخر ، ~~وصونوا أنفسكم عن ارتكاب المعاصي التي ارتكبها الظالمون من قبلكم ، فأهلكوا ~~بسببها وأبيدوا ، وآمنوا بالله ورسوله واعملوا العمل الصالح ، لعلكم بسبب ~~ذلك تنالون الرحمة من الله تعالى . # وجواب «إذا» محذوف دل عليه ما بعده ، والتقدير : إذا قيل لهم ذلك أعرضوا ~~عن الناصح ، واستخفوا به ، وتطاولوا عليه. # ويشهد لهذا الجواب المحذوف قوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@011 وما تأتيهم ~~من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين ). # و «من» الأولى مزيدة لتأكيد إعراضهم وصممهم عن سماع الحق ، والثانية ~~للتبعيض. # أى : ولقد بلغ الجحود والجهل والعناد عند هؤلاء المشركين ، أنهم ما ~~تأتيهم آية من الآيات التي تدل على وحدانية الله تعالى وقدرته ، وعلى أن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم صادق في دعوته ، إلا كانوا عن كل ذلك معرضين إعراضا ~~تاما ، شأنهم في ذلك شأن الجاحدين من قبلهم. # وأضاف سبحانه إليه الآيات التي أتتهم ، لتفخيم شأنها ، وبيان أنها آيات ~~عظيمة ، كان من شأنهم لو كانوا يعقلون أن يتدبروها ، ويتبعوا من جاء بها. # ثم حكى سبحانه موقفا آخر ، من مواقفهم القبيحة ممن نصحهم وأرشدهم إلى ~~الصواب ، فقال تعالى : ( @QUR@018 وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله ، ~~قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ... ). # وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية روايات منها : أن أبا بكر الصديق رضى ~~الله عنه كان يطعم مساكين المسلمين ، فلقيه أبو ms4750 جهل فقال له : يا أبا بكر : ~~أتزعم أن الله قادر على إطعام هؤلاء؟. PageV12P038 # قال نعم. قال : فما باله لم يطعمهم؟ قال أبو بكر : ابتلى سبحانه قوما ~~بالفقر ، وقوما بالغنى ، وأمر الفقراء بالصبر ، وأمر الأغنياء بالإعطاء. # فقال أبو جهل : والله يا أبا بكر : إن أنت إلا في ضلال ، أتزعم أن الله ~~قادر على إطعام هؤلاء وهو لا يطعمهم ، ثم تطعمهم أنت .. فنزلت هذه الآية. # وقيل : كان العاصي بن وائل السهمي ، إذا سأله المسكين قال له : اذهب إلى ~~ربك فهو أولى منى بك. ثم يقول : قد منعه الله فأطعمه أنا .. (1). # والمعنى. وإذا قال قائل من المؤمنين لهؤلاء الكافرين : أنفقوا على ~~المحتاجين شيئا من الخير الكثير الذي رزقكم الله تعالى إياه. # قال الكافرون على سبيل الاستهزاء والسخرية للمؤمنين : هؤلاء الفقراء ~~الذين طلبتم منا أن ننفق عليهم ، لو شاء الله لأطعمهم ولأغناهم كما أغنانا. # ( @QUR@02 إن أنتم ) أيها المؤمنون ( @QUR@04 إلا في ضلال مبين ) في ~~أمركم لنا بالإنفاق عليهم أو على غيرهم. # قال الشوكانى ما ملخصه : وقوله : ( @QUR@06 أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ~~) حكاية لتهكم الكافرين ، وقد كانوا سمعوا المؤمنين يقولون : إن الرزاق هو ~~الله ، وإنه يغنى من يشاء ، ويفقر من يشاء ، فكأنهم حاولوا بهذا القول ~~الإلزام للمؤمنين ، وقالوا : نحن نوافق مشيئة الله فلا نطعم من لم يطعمه ~~الله. وهذا غلط منهم ومكابرة ومجادلة بالباطل ، فإن الله سبحانه أغنى بعض ~~خلقه وأفقر بعضا ، وأمر الغنى أن يطعم الفقير ، وابتلاه به فيما فرض له من ~~ماله من الصدقة ، وقولهم : ( @QUR@05 من لو يشاء الله أطعمه ) هو وإن كان ~~كلاما صحيحا في نفسه ، ولكنهم لما قصدوا به الإنكار لقدرة الله ، وإنكار ~~جواز الأمر بالإنفاق مع قدرة الله ، كان احتجاجهم من هذه الحيثية باطلا. # وقوله : ( @QUR@06 إن أنتم إلا في ضلال مبين ) من تتمة كلام الكفار. وقيل ~~: هو رد من الله عليهم .. (2). # ثم يحكى القرآن إنكارهم للبعث ، واستهزاءهم بمن يؤمن به فيقول : ( ~~@QUR@07 ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ). # أى : ويقول الكافرون للمؤمنين على سبيل الاستهزاء والتكذيب بالبعث ( ~~@QUR@02 متى هذا PageV12P039 # @QUR@01 الوعد ms4751 ) الذي تعدوننا به من أن هناك بعثا ، وحسابا وجزاء ... ~~أحضروه لنا ( @QUR@03 إن كنتم صادقين ) فيما تعدوننا به. # وهنا يجيء الرد الذي يزلزلهم ، عن طريق بيان بعض مشاهد يوم القيامة ، ~~فيقول سبحانه : ( @QUR@015 ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون. ~~فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ). # المراد بالصيحة هنا : النفخة الأولى التي ينفخها إسرافيل بأمر الله تعالى ~~فيموت جميع الخلائق. # وقوله ( @QUR@01 يخصمون ) أى : يختصمون في أمور دنياهم. وفي هذا اللفظ ~~عدة قراءات سبعية. # منها قراءة أبو عمرو وابن كثير : ( @QUR@02 وهم يخصمون ) بفتح الياء ~~والخاء وتشديد الصاد مع الفتح ومنها قراءة عاصم والكسائي : ( @QUR@02 وهم ~~يخصمون ) بفتح الياء وكسر الخاء وتشديد الصاد مع الكسر. # ومنها قراءة حمزة ( @QUR@01 يخصمون ) بإسكان الخاء وكسر الصاد مع ~~التخفيف. # أى : أن هؤلاء الكافرين الذين يستنكرون قيام الساعة ، ويستبعدون حصولها ، ~~جاهلون غافلون ، فإن الساعة آتية لا ريب فيها ، وستحل بهم بغتة فإنهم ما ~~ينتظرون ( @QUR@03 إلا صيحة واحدة ) يصيحها إسرافيل بأمرنا ، فتأخذهم هذه ~~الصيحة وتصعقهم وتهلكهم ( @QUR@02 وهم يخصمون ) أى : وهم يتخاصمون ~~ويتنازعون في أمور دنياهم. # وعند ما تنزل بهم هذه الصيحة ، لا يستطيع بعضهم أن يوصى بعضا بما يريد أن ~~يقول له ولا يستطيعون جميعا الرجوع إلى أهليهم ، لأنهم يصعقون في أماكنهم ~~التي يكونون فيها عند حدوث هذه الصيحة. # فأنت ترى أن الآيتين الكريمتين قد اشتملتا على أبلغ تصوير لأهوال علامات ~~يوم القيامة ، ولسرعة مجيء هذه الأهوال. # أخرج الشيخان عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~«لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما ، فلا يتبايعانه ، ولا ~~يطويانه ، ولتقومن الساعة والرجل يليط حوضه أى يسده بالطين فلا يسقى منه ، ~~ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن ناقته فلا يطعمه ، ولتقومن الساعة وقد ~~رفع أكلته إلى فمه فلا يطعمها» (1). PageV12P040 # ثم بين سبحانه حالهم عند النفخة الثانية فقال : ( @QUR@010 ونفخ في الصور ~~فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون ).. # والمراد بالنفخ هنا : النفخة الثانية التي يكون معها البعث والحساب. # والصور : القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ، ولا يعلم كيفيته سوى الله ms4752 تعالى ~~: والأجداث : جمع جدث بفتحتين كفرس وأفراس وهي القبور. # وينسلون : أى : يسرعون بطريق الجبر والقهر لا بطريق الاختيار ، والنسلان ~~: الإسراع في السير. # أى : ونفخ في الصور النفخة الثانية ، فإذا بهؤلاء الكافرين الذين كانوا ~~يستبعدون البعث وينكرونه ، يخرجون من قبورهم سراعا وبدون اختيار منهم ~~متجهين إلى ربهم ومالك أمرهم ليقضى فيهم بقضائه العادل. # ( @QUR@01 قالوا ) بعد خروجهم من قبورهم بسرعة وفزع ( @QUR@02 يا ويلنا ) ~~أى : يا هلاكنا احضر فهذا أوان حضورك. # ثم يقولون بفزع أشد : ( @QUR@04 من بعثنا من مرقدنا ) أى من أثارنا من ~~رقادنا ، وكأنهم لهول ما شاهدوا قد اختلطت عقولهم ، وأصيبت بالهول ، ~~فتوهموا أنهم كانوا نياما. # قال ابن كثير رحمه الله ( @QUR@07 قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ) ~~يعنون قبورهم التي كانوا يعتقدون في الدار الدنيا أنهم لا يبعثون منها ، ~~فلما عاينوا ما كذبوه في محشرهم قالوا : يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ، ~~وهذا لا ينفى عذابهم في قبورهم ، لأنه بالنسبة إلى ما بعده في الشدة ~~كالرقاد. # وقوله : ( @QUR@06 هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ) رد من الملائكة أو ~~من المؤمنين عليهم. أو هو حكاية لكلام الكفرة في رد بعضهم على بعض على سبيل ~~الحسرة واليأس. # و «ما» موصولة والعائد محذوف ، أى : هذا الذي وعده الرحمن والذي صدقه ~~المرسلون. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : إذا جعلت «ما» مصدرية ، كان المعنى : هذا ~~وعد الرحمن ، وصدق المرسلين ، على تسمية الموعود والمصدق فيه بالوعد والصدق ~~، فما وجه قوله : ( @QUR@02 وصدق المرسلون )؟ إذا جعلتها موصولة؟. # قلت : تقديره : هذا الذي وعده الرحمن ، والذي صدقه المرسلون ، بمعنى : ~~والذي صدق فيه المرسلون ، من قولهم : صدقوهم الحديث والقتال ... PageV12P041 # ثم بين سبحانه سرعة امتثالهم وحضورهم للحساب فقال : ( @QUR@010 إن كانت ~~إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون ). # أى : ما كانت النفخة التي حكيت عنهم آنفا ( @QUR@03 إلا صيحة واحدة ) ~~صاحها إسرافيل بإذننا وأمرهم فيها بالقيام من قبورهم ( @QUR@03 فإذا هم ~~جميع ) دون أن يتخلف أحد منهم لدينا محضرون ومجموعون للحساب والجزاء. # ( @QUR@01 فاليوم ) وهو يوم القيامة ( @QUR@04 لا تظلم نفس شيئا ) من ~~الظلم ، وإنما كل نفس توفى ms4753 حقها. # وقوله تعالى ( @QUR@06 ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون ) أى : ولا تجزون ~~إلا جزاء ما كنتم تعملونه في الدنيا ، فالجملة الكريمة تأكيد وتقرير لما قبلها. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@020 ونضع الموازين القسط ليوم ~~القيامة فلا تظلم نفس شيئا ، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا ~~حاسبين ) (1). # وبعد هذا الحديث المتنوع عن أحوال الكافرين يوم القيامة ، جاء الحديث عما ~~أعده الله تعالى بفضله وكرمه للمؤمنين ، وعما يقال للكافرين في هذا اليوم ~~من تبكيت وتأنيب فقال تعالى : # ( @QUR@07 إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون (55) @QUR@07 هم وأزواجهم ~~في ظلال على الأرائك متكؤن (56) @QUR@06 لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون (57) ~~@QUR@05 سلام قولا من رب رحيم (58) @QUR@04 وامتازوا اليوم أيها المجرمون ~~(59) @QUR@014 ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو ~~مبين (60) @QUR@05 وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم (61) @QUR@08 ولقد أضل منكم ~~جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون (62) @QUR@05 هذه جهنم التي كنتم توعدون ~~(63) @QUR@05 اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون ) (64) PageV12P042 # فقوله تعالى : ( @QUR@07 إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون ) بيان ~~لأحوالهم الطيبة ، بعد بيان أحوال الكافرين السيئة. # والشغل : الشأن الذي يشغل الإنسان عما سواه من الشئون ، لكونه أهم عنده ~~من غيره ، وما فيه من التنكير للتفخيم ، كأنه قيل : في شغل أى شغل. # وفاكهون. أى : متنعمون متلذذون في النعمة التي تحيط بهم ، مأخوذ من ~~الفكاهة بفتح الفاء وهي طيب العيش مع النشاط. يقال : فكه الرجل فكها وفكاهة ~~فهو فكه وفاكه ، إذا طاب عيشه ، وزاد سروره ، وعظم نشاطه وسميت الفاكهة ~~بذلك لتلذذ الإنسان بها. # أى : يقال للكافرين في يوم الحساب والجزاء زيادة في حسرتهم إن أصحاب ~~الجنة اليوم في شغل عظيم ، يتلذذون فيه بما يشرح صدورهم ، ويرضى نفوسهم ، ~~ويقر عيونهم ، ويجعلهم في أعلى درجات التنعم والغبطة. # وعبر عن حالهم هذه بالجملة الاسمية المؤكدة ، للإشعار بأن هذه الحال ~~ثابتة لهم ثبوتا تاما ، بفضل الله تعالى وكرمه. # ثم بين سبحانه جانبا من كيفية هذا التمتع بالجنة ونعيمها فقال : ( ~~@QUR@07 هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكؤن ). # و «هم» مبتدأ ، و ms4754 «أزواجهم» معطوف عليه. و «متكئون» خبر المبتدأ. # قال الامام الرازي. ولفظ الأزواج هنا يحتمل وجهين : # أحدهما : أشكالهم في الإحسان. وأمثالهم في الإيمان ، كما قال تعالى : ( ~~@QUR@04 وآخر من شكله أزواج ). # وثانيهما : الأزواج هم المفهومون من زوج المرأة وزوجة الرجل ، كما في ~~قوله تعالى : ( @QUR@07 إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ... ) (1). # ويبدو أن المراد بالأزواج هنا : حلائلهم اللاتي أحلهن الله لهم ، زيادة ~~في مسرتهم وبهجتهم ، وعلى هذا سار عامة المفسرين. # والظلال : جمع ظل أو ظلة ، وهي ما يظل الإنسان ويقيه من الحر. # والأرائك : جمع أريكة وهي ما يجلس عليه الإنسان من سرير ونحوه للراحة ~~والمتعة. # أى : أن أصحاب الجنة هم وحلائلهم يجلسون على الأرائك متكئين في متعة ولذة. PageV12P043 # ( @QUR@02 لهم فيها ) أى في الجنة ( @QUR@01 فاكهة ) كثيرة متنوعة ( ~~@QUR@03 ولهم ما يدعون ) أى : ولهم فوق ذلك جميع ما يطلبونه من مطالب وما ~~يتمنونه من أمنيات. # فقوله : ( @QUR@01 يدعون ) يصح أن يكون من الدعاء بمعنى الطلب ، كما يصح ~~أن يكون من الادعاء بمعنى التمني. # يقال : ادع على ما شئت أى : تمن على ما شئت. ويقال : فلان في خير ما يدعى ~~، أى : في خير ما يتمنى. # ثم ختم سبحانه هذا العطاء الجزيل للمؤمنين بقوله : ( @QUR@05 سلام قولا ~~من رب رحيم ). # وللمفسرين في إعراب قوله : ( @QUR@01 سلام ) أقوال منها : أنه مبتدأ خبره ~~الناصب للفظ ( @QUR@01 قولا ) أى : سلام يقال لهم قولا ... (1). # وقد أشار صاحب الكشاف إلى بعض هذه الأقوال فقال : وقوله : ( @QUR@01 سلام ~~) بدل من قوله ( @QUR@02 ما يدعون ) كأنه قال لهم : سلام يقال لهم قولا من ~~جهة رب رحيم. # والمعنى : أن الله تعالى يسلم عليهم بواسطة الملائكة ، أو بغير واسطة ، ~~مبالغة في تكريمهم ، وذلك غاية متمناهم .. (2). # وقد ذكر الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية بعض الأحاديث ، منها ما ~~رواه ابن أبى حاتم بسنده عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «بينما أهل الجنة في نعيمهم ، إذ سطح لهم نور ، فرفعوا ~~رءوسهم فإذا الرب تعالى قد أشرف عليهم من فوقهم ، فقال : السلام عليكم يا ~~أهل الجنة. فذلك ms4755 قوله : ( @QUR@05 سلام قولا من رب رحيم ) قال : فينظر ~~إليهم وينظرون إليه ، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ماداموا ينظرون إليه. ~~حتى يحتجب عنهم ، ويبقى نوره وبركته عليهم وفي ديارهم» (3). # والمتأمل في هذه الآيات الكريمة كما يقول الإمام الفخر الرازي يراها تشير ~~إلى أن أصحاب الجنة ليسوا في تعب ، كما تشير إلى وحدتهم ، وإلى حسن المكان ~~، وإلى إعطائهم كل ما يحتاجونه ، وإلى تلذذهم بالنعيم وإلى تلقيهم لأجمل ~~تحية ..» (4). # هذا هو حال المؤمنين ، وهذا بعض ما يقال لهم من ألفاظ التكريم ، فما ذا ~~يقال للمجرمين. PageV12P044 # لقد بين سبحانه بعد ذلك ما يقال للمجرمين فقال : ( @QUR@04 وامتازوا ~~اليوم أيها المجرمون ) أى : ويقال للمجرمين في هذا اليوم على سبيل الزجر ~~والتأنيب انفردوا أيها المجرمون عن المؤمنين ، واتجهوا إلى ما أعد لكم من ~~عذاب في جهنم ، بسبب كفركم وجحودكم للحق. # يقال : امتاز وتميز القوم بعضهم عن بعض ، إذا انفصل كل فريق عن غيره. # قال تعالى : ( @QUR@025 ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون. فأما الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون. وأما الذين كفروا وكذبوا ~~بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون ) (1). # وقوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@010 ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا ~~تعبدوا الشيطان ) من جملة ما يقال لهم أيضا على سبيل التقريع والتوبيخ. # والعهد بالشيء : الوصية به ، والمراد به هنا : وصية الله تعالى للناس على ~~ألسنة رسله ، أن يخلصوا له العبادة والطاعة ، وأن يخالفوا : ما يوسوس لهم ~~به الشيطان من شرك ومعصية قال الآلوسى : والمراد بالعهد هنا. ما كان منه ~~تعالى على ألسنة الرسل عليهم السلام من الأوامر والنواهي التي من جملتها ~~قوله تعالى ( @QUR@011 يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من ~~الجنة ... ). # وقيل : هو الميثاق المأخوذ عليهم في عالم الذر ، إذ قال سبحانه ( @QUR@04 ~~ألست بربكم قالوا بلى ). # وقيل : هو ما نصب لهم من الحجج العقلية والسمعية الآمرة بعبادة الله ~~تعالى الزاجرة عن عبادة غيره ... # والمراد بعبادة الشيطان : طاعته فيما يوسوس به إليهم ، ويزينه لهم ، عبر ~~عنها بالعبادة لزيادة التحذير والتنفير عنها (2). # والمعنى ms4756 : لقد عهدت إليكم يا بنى آدم عهدا مؤكدا على ألسنة رسلي ، أن لا ~~تعبدوا الشيطان وأن لا تستمعوا لوسوسته ، وأن لا تتبعوا خطواته ، لأنه لكم ~~عدو ظاهر العداوة ، بحيث لا تخفى عداوته على أحد من العقلاء. # فجملة ( @QUR@04 إنه لكم عدو مبين ) تعليل لوجوب الانتهاء عن طاعة ~~الشيطان. PageV12P045 # وقوله : ( @QUR@05 وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ) بيان لما يجب عليهم أن ~~يفعلوه بعد النهى عما يجب عليهم أن يجتنبوه. # و «أن» في قوله ( @QUR@03 أن لا تعبدوا ) وفي قوله ( @QUR@02 وأن اعبدوني ~~) مفسرة ، والجملة الثانية معطوفة على الأولى. # أى : لقد عهدت إليكم بأن تتركوا عبادة الشيطان ، وعهدت إليكم أن تعبدونى ~~وحدي دون غيرى. # والإشارة في قوله : ( @QUR@03 هذا صراط مستقيم ) تعود إلى إخلاص العبادة ~~لله تعالى . # أى : هذا الذي أمرتكم به من إخلاص العبادة والطاعة لي هو الطريق الواضح ~~المستقيم ، الذي يوصلكم إلى عز الدنيا ، وسعادة الآخرة. # وقوله سبحانه ( @QUR@08 ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون ) ~~استئناف مسوق لتأكيد النهى عن طاعة الشيطان. ولتشديد التوبيخ لمن اتبع ~~خطواته. # «وجبلا كثيرا» بمعنى : خلقا كثيرا حتى إنهم لكثرتهم كالجبل العظيم. # ولفظ «جبلا» قرأه نافع وعاصم بكسر الجيم والباء ، وقرأه ابن كثير وحمزة ~~والكسائي ( @QUR@01 جبلا ) بضم الجيم وتسكين الباء مع تخفيف اللام وجميع ~~القراءات بمعنى واحد. أى : ولقد أغوى الشيطان منكم يا بنى آدم خلقا كثيرا ، ~~فهل عقلتم ذلك ، واتعظتم بما فعله مع كثير من أبناء جنسكم ، وأخلصتم لنا ~~العبادة والطاعة ، واتخذتم الشيطان عدوا لكم كما صرح بعداوتكم. وبالعمل على ~~إغوائكم. # قال تعالى : ( @QUR@013 إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا ، إنما يدعوا ~~حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ) (1). # وقال سبحانه حكاية عنه. ( @QUR@08 قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين. إلا عبادك ~~منهم المخلصين ) (2). # وبعد هذا التوبيخ لمن أطاعوا الشيطان ، يقال لهم في النهاية : ( @QUR@05 ~~هذه جهنم التي كنتم توعدون ). # أى : هذه جهنم ماثلة أمام أعينكم أيها الكافرون ، وهي التي كنتم توعدون ~~بها في الدنيا. وكنتم تقابلون ذلك بالسخرية والتكذيب. PageV12P046 # ( @QUR@05 اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون ) أى : ذوقوا حرها ولهيبها ~~وسعيرها ، بسبب كفركم في الدنيا ، وموتكم ms4757 على هذا الكفر. # والأمر في قوله تعالى : ( @QUR@01 اصلوها ) للتحقير والإهانة ، كما في ~~قوله تعالى : ( @QUR@05 ذق إنك أنت العزيز الكريم ) والذين يأمرونهم بذك هم ~~خزنة النار ، بأمر من الله تعالى ثم تنتقل السورة الكريمة فتحكى لنا جانبا ~~آخر من أحوال الكافرين في هذا اليوم العصيب ، كما تحكى لنا جانبا من مظاهر ~~قدرة الله تعالى فتقول : # ( @QUR@011 اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما ~~كانوا يكسبون (65) @QUR@09 ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط ~~فأنى يبصرون (66) @QUR@010 ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا ~~مضيا ولا يرجعون (67) @QUR@07 ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون ) (68) # والمراد باليوم في قوله تعالى : ( @QUR@04 اليوم نختم على أفواههم ... ) ~~يوم القيامة. # وقوله : ( @QUR@01 نختم ) من الختم ، والختم الوسم على الشيء بطابع ~~ونحوه. مأخوذ من وضع الخاتم على الشيء وطبعه فيه للاستيثاق ، لكي لا يخرج ~~منه ما هو بداخله ، ولا يدخله ما هو خارج عنه. # أى : في يوم القيامة نختم على أفواه الكافرين فنجعلها لا تنطق ، وإنما ~~تكلمنا أيديهم ، وتشهد عليهم أرجلهم بما كانوا يكسبونه في الدنيا من أقوال ~~باطلة ، وأفعال قبيحة. # قالوا : وسبب الختم على أفواههم ، أنهم أنكروا أنهم كانوا مشركين في ~~الدنيا ، كما حكى عنهم سبحانه ذلك في قوله تعالى : ( @QUR@012 ثم لم تكن ~~فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ) (1). PageV12P047 # أو ليكونوا معروفين لأهل الموقف في ذلك اليوم العصيب ، أو لأن إقرار غير ~~الناطق أبلغ في الحجة من إقرار الناطق ، أو ليعلموا أن أعضاءهم التي ارتكبت ~~المعاصي في الدنيا ، قد صارت شهودا عليهم في الآخرة. # وجعل سبحانه ما تنطق به الأيدى كلاما ، وما تنطق به الأرجل شهادة ، لأن ~~مباشرة المعاصي غالبا تكون بالأيدى ، أما الأرجل فهي حاضرة لما ارتكب ~~بالأيدى من سيئات ، وقول الحاضر على غيره شهادة بما له ، أما قول الفاعل ~~فهو إقرار ونطق بما فعله. # قال الجمل : وقال الكرخي : أسند سبحانه فعل الختم إلى نفسه ، وأسند ~~الكلام والشهادة إلى الأيدى والأرجل ، لئلا يكون فيه احتمال أن ذلك منهم ~~كان جبرا ، أو قهرا. والإقرار مع الإجبار ms4758 غير مقبول. فقال : تكلمنا أيديهم ~~وتشهد أرجلهم ، أى باختيارها بعد إقدار الله لها على الكلام ، ليكون أدل ~~على صدور الذنب منهم (1). # وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات جملة من الأحاديث. التي ~~صرحت بأن أعضاء الإنسان تشهد عليه يوم القيامة بما ارتكبه في الدنيا من ~~سيئات. ومن تلك الأحاديث ما جاء عن أنس بن مالك رضى الله عنه أنه قال : كنا ~~عند النبي صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه ، ثم قال : «أتدرون مم ~~أضحك؟ قلنا : الله ورسوله أعلم. قال من مجادلة العبد ربه يوم القيامة. # يقول : رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول : بلى ، فيقول : لا أجيز على إلا ~~شاهدا من نفسي ، فيقول الله تعالى له : كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ، ~~وبالكرام الكاتبين شهودا. # قال : فيختم على فيه ، ويقال لأركانه أى لأعضائه : انطقى. فتنطق بما عمله ~~، ثم يخلى بينه وبين الكلام ، فيقول : بعدا وسحقا فعنكن كنت أناضل». (2). # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@020 ويوم يحشر أعداء الله إلى ~~النار فهم يوزعون. حتى إذا ما جاؤها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما ~~كانوا يعملون ) (3). ثم بين سبحانه أن هؤلاء الكافرين هم في قبضته في كل ~~وقت فقال : ( @QUR@09 ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى ~~يبصرون ). PageV12P048 # وقوله : ( @QUR@01 لطمسنا ) الطمس إزالة أثر الشيء عن طريق محوه. يقال : ~~طمست الشيء طمسا من باب ضرب بمعنى محوته وأزلت أثره ، والمطموس والطميس ~~الأعمى. ومفعول المشيئة محذوف. والصراط : الطريق وهو منصوب بنزع الخافض. # أى : ولو نشاء طمس أعينهم بأن نمحو عنها الرؤية والإبصار لفعلنا ، ولكنا ~~لم نفعل بهم ذلك فضلا منا عليهم ، ورحمة بهم ، فكان من الواجب عليهم أن ~~يقابلوا نعمنا بالشكر لا بالكفر. # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 فاستبقوا الصراط ) معطوف على ( @QUR@01 لطمسنا ~~) على سبيل الفرض. # أى : لو نشاء محو أبصارهم لمحوناها ، فلو أرادوا في تلك الحالة المبادرة ~~إلى الطريق ليسيروا فيه ، أو ليعبروه لما استطاعوا ذلك. لأنهم كيف يستطيعون ~~ذلك وهم لا يبصرون شيئا. # فالاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@02 فأنى يبصرون ) لاستبعاد اجتيازهم ~~الطريق ، ونفى قدرتهم ms4759 على التصرف. # وقوله سبحانه : ( @QUR@010 ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم ، فما استطاعوا ~~مضيا ولا يرجعون ) والمسخ : تبديل الخلقة وتحويلها من حال إلى حال ، ومن ~~هيئة إلى هيئة. # أى : وفي قدرتنا إذا شئنا ، أن نغير صورهم الإنسانية إلى صور أخرى قبيحة ~~، كأن نحولهم إلى قردة أو حيوانات وهم ( @QUR@02 على مكانتهم ) أى : وهم في ~~مكانهم الذي يقيمون فيه ( @QUR@02 فما استطاعوا ) بسبب هذا المسخ ( @QUR@01 ~~مضيا ) أى : ذهابا إلى مقاصدهم ( @QUR@02 ولا يرجعون ) أى : ولما استطاعوا ~~أيضا إذا ذهبوا أن يرجعوا. # أى : في إمكاننا أن نمسخهم وهم جالسون في أماكنهم ، فلا يقدرون أن يمضوا ~~إلى الأمام ، أو أن يعودوا إلى الخلف. # فالمقصود بالآيتين الكريمتين تهديدهم على استمرارهم في كفرهم ، وبيان ~~أنهم تحت قدرة الله تعالى وفي قبضته ، وأنه سبحانه قادر على أن يفعل بهم ما ~~يشاء من طمس للأبصار ، ومن مسخ للصور ، ومن غير ذلك مما يريده تعالى . # ثم بين سبحانه أحوال الإنسان عند ما يتقدم به العمر فقال : ( @QUR@07 ومن ~~نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون ). # وقوله : ( @QUR@01 نعمره ) من التعمير ، بمعنى إطالة العمر. # قال القرطبي : وقوله : ( @QUR@01 ننكسه ) قرأه عاصم وحمزة بضم النون ~~الأولى وتشديد PageV12P049 # الكاف من التنكيس. وقرأه الباقون : ( @QUR@01 ننكسه ) بفتح النون الأولى ~~وضم الكاف من نكست الشيء أنكسه نكسا إذا قلبته على رأسه فانتكس. # قال قتادة : المعنى : أنه يصير إلى حال الهرم الذي يشبه حال الصبا ... ~~قال الشاعر : # من عاش أخلقت الأيام جدته %~% وخانه ثقتاه السمع والبصر # فطول العمر يصير الشباب هرما ، والقوة ضعفا ، والزيادة نقصا .. وقد ~~استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من أن يرد إلى أرذل العمر ..» (1). # والمعنى : «ومن نطل عمره ننكسه في الخلق» أى : نرده إلى أرذل العمر ، ~~فنجعله بقدرتنا ضعيفا بعد أن كان قويا ، وشيخا بعد أن كان شابا فتيا ، ~~وناقص العقل بعد أن كان مكتمله ... ( @QUR@02 أفلا يعقلون ) ذلك أيها الناس ~~مع أنه من الأمور المشاهدة أمام أبصاركم ، وتعرفون أن من قدر على تحويل ~~الإنسان من ضعف إلى قوة ، ومن قوة إلى ضعف .. قادر أيضا على إعادته إلى ~~الحياة مرة أخرى ms4760 بعد موته. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@024 الله الذي خلقكم من ضعف ، ثم ~~جعل من بعد ضعف قوة ، ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة ، يخلق ما يشاء وهو ~~العليم القدير ) (2). # وقوله سبحانه ( @QUR@012 ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد ~~علم شيئا ) (3). # وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد هددت الكافرين بسوء المصير إذا استمروا في ~~كفرهم ، وبينت جانبا من فضل الله تعالى عليهم ، لعلهم يفيئون إلى رشدهم ، ~~ويشكرونه على نعمه. # ثم رد سبحانه على الكافرين الذين وصفوا النبي صلى الله عليه وسلم بأنه شاعر ~~، كما قالوا عن القرآن أنه شعر ، فقال تعالى : # ( @QUR@012 وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين (69) ~~@QUR@08 لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين ) (70) PageV12P050 # أى : وما علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم الشعر وإنما الذي علمناه إياه هو ~~القرآن الكريم ، المشتمل على ما يسعد الناس في دنياهم وفي آخرتهم. # فالمقصود من هذه الجملة الكريمة ، نفى أن يكون القرآن شعرا بأبلغ وجه لأن ~~الذي علمه الله تعالى لنبيه هو القرآن وليس الشعر ، وما دام الأمر كذلك ~~فالقرآن ليس شعرا. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 وما ينبغي له ). أى : ما علمناه الشعر ، وإنما ~~علمناه القرآن ، فقد اقتضت حكمتنا أن لا نعجل الشعر في طبعه ~~صلى الله عليه وسلم ولا في سليقته ، فحتى لو حاوله على سبيل الفرض فإنه لا ~~يتأتى له ، ولا يسهل عليه ولا يستقيم مع فطرته صلى الله عليه وسلم . # والضمير في قوله تعالى : ( @QUR@06 إن هو إلا ذكر وقرآن مبين ) يعود إلى ~~القرآن الكريم : # أى : ما هذا القرآن الكريم إلا ذكر من الأذكار النافعة ، والمواعظ ~~الناجحة ، والتوجيهات الحكيمة ، وهو في الوقت نفسه ( @QUR@02 قرآن مبين ) ~~أى : كتاب مقروء من الكتب السماوية الواضحة ، التي لا تختلط ولا تلتبس ~~بكلام البشر. # وقد أنزلناه على الرسول الكريم ( @QUR@01 لينذر ) به ( @QUR@03 من كان ~~حيا ). # أى : من كان مؤمنا عاملا ذا قلب حي ، ونفس نقية ، وأذن واعية ، لأن من ~~كانت هذه صفاته انتفع بالإنذار والتذكير. # ( @QUR@04 ويحق القول على الكافرين ) أى ms4761 : أن من كان ذا قلب فإنه ينتفع ~~بالإنذار ، أما من كان مصرا على كفره وضلاله ، فإن كلمة العذاب قد حقت عليه ~~، وصارت نهايته الإلقاء به في جهنم وبئس القرار. # وقد تكلم المفسرون هنا كلاما مفصلا. عن كون القرآن ليس شعرا ، وكون ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ليس شاعرا ، وعلى رأسهم صاحب الكشاف فقد قال ما ~~ملخصه : كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنه شاعر. فرد عليهم ~~بقوله : ( @QUR@03 وما علمناه الشعر ) أى : أن القرآن ليس بشعر ، وأين هو ~~من الشعر. والشعر إنما هو كلام موزون مقفى يدل على معنى ، فأين الوزن؟ وأين ~~التقفية؟ # وأين المعاني التي ينتحيها الشعراء من معانيه؟ وأين نظم كلامهم من نظمه ~~وأساليبه ... # ( @QUR@03 وما ينبغي له ) أى : وما يصح له ، ولا يتطلبه إن طلبه ، أى : ~~جعلناه بحيث لو أراد قرض الشعر لم يتأت له ، ولم يتسهل كما جعلناه أميا .. ~~لتكون الحجة أثبت ، والشبهة أدحض ... PageV12P051 # فإن قلت : فقوله : # أنا النبي لا كذب %~% أنا ابن عبد المطلب # قلت : ما هو إلا كلام من جنس كلامه صلى الله عليه وسلم الذي كان يرمى به على ~~السليقة. من غير صنعة ولا تكلف ، إلا أنه اتفق ذلك من غير قصد إلى ذلك ، ~~ولا التفات منه إذا جاء موزونا ، كما يتفق في كثير من إنشاءات الناس في ~~خطبهم ورسائلهم ، أشياء موزونة ، ولا يسميها أحد شعرا ، ولا يخطر ببال ~~السامع ولا المتكلم أنها شعر ...» (1). # ثم ذكر سبحانه المشركين ببعض النعم التي أسبغها عليهم ، والتي يرونها ~~بأعينهم ، ويعلمونها بعقولهم ، وسلى النبي صلى الله عليه وسلم عما لقيه منهم ، ~~فقال تعالى : # ( @QUR@012 أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها ~~مالكون (71) @QUR@06 وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون (72) @QUR@06 ~~ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون (73) @QUR@07 واتخذوا من دون الله آلهة ~~لعلهم ينصرون (74) @QUR@07 لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون (75) ~~@QUR@09 فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون) (76) # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@09 أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت ~~أيدينا أنعاما ... ) للإنكار والتعجب من أحوال ms4762 هؤلاء المشركين ، والواو ~~للعطف على مقدر يقتضيه المقام. # والأنعام : جمع نعم : وهي الإبل والبقر والغنم. # والمعنى : أعمى هؤلاء المشركون عن مظاهر قدرتنا ، ولم يروا بأعينهم ، ولم ~~يعلموا بعقولهم. أنا خلقنا لهم مما عملته أيدينا. وصنعته قدرتنا. أنعاما ~~كثيرة هم لها مالكون يتصرفون فيها تصرف المالك في ملكه. # وأسند سبحانه العمل إلى الأيدى ، للإشارة إلى أن خلق هذه الأنعام كان بقدرته PageV12P052 # تعالى وحده دون أن يشاركه في ذلك مشارك ، أو يعاونه معاون. كما يقول ~~القائل : هذا الشيء فعلته بيدي وحدي ، للدلالة على تفرده بفعله. # والتعبير بقوله تعالى ( @QUR@01 لهم ) للإشعار بأن خلق هذه الأنعام إنما ~~حدث لمنفعتهم ومصلحتهم. # وما في قوله ( @QUR@02 مما عملت ) موصولة. والعائد محذوف. أى : مما عملته ~~أيدينا. # وقوله : ( @QUR@03 فهم لها مالكون ) بيان لإحدى المنافع المترتبة على خلق ~~هذه الأنعام لهم. # أما المنافع الأخرى فقد جاءت بعد ذلك في قوله : ( @QUR@02 وذللناها لهم ~~... ) أى : وجعلنا هذه الأنعام مذللة ومسخرة لهم ، بحيث أصبحت في أيديهم ~~سهلة القيادة ، مطواعة لما يريدونه منها ، يقودونها فتنقاد للصغير والكبير. ~~كما قال القائل : # لقد عظم البعير بغير لب %~% فلم يستغن بالعظم البعير يصرفه الصبى بكل وجه %~% ويحبسه على الخسف الجرير (1) وتضربه الوليدة بالهراوى %~% فلا غير لديه ولا نكير (2) # ففي هذه الجملة الكريمة تذكير لهم بنعمة تسخير الأنعام لهم ، ولو شاء ~~سبحانه لجعلها وحشية بحيث ينفرون منها. # والفاء في قوله : ( @QUR@04 فمنها ركوبهم ومنها يأكلون ) تفريع على ما ~~تقدم وركوب بمعنى مركوب. # أى : وصيرنا هذه الأنعام مذللة ومسخرة لهم ، فمنها ما يستعملونه في ~~ركوبهم والانتقال عليها من مكان إلى آخر ، ومنها ما يستعملونه في مآكلهم عن ~~طريق ذبحه. # وفضلا عن كل ذلك ، فإنهم «لهم» في تلك الأنعام «منافع» أخرى غير الركوب ~~وغير الأكل كالانتفاع بها في الحراثة وفي نقل الأثقال ... ولهم فيها أيضا ~~«مشارب» حيث يشربون من ألبانها. # والاستفهام في قوله : ( @QUR@02 أفلا يشكرون ) للتخصيص على الشكر ، أى : ~~فهلا يشكرون الله تعالى على هذه النعم ، ويخلصون له العبادة والطاعة. # ثم بين سبحانه موقفهم الجحودى من هذه النعم فقال : ( @QUR@07 واتخذوا من ms4763 ~~دون الله آلهة لعلهم ينصرون ). PageV12P053 # أى : إن هؤلاء الكافرين لم يقابلوا نعمنا عليهم بالشكر ، وإنما قابلوها ~~بالجحود والبطر. فقد تركوا عبادتنا ، واتخذوا من دوننا آلهة أخرى لا تنفع ~~ولا تضر ، متوهمين أنها تنصرهم عند ما يطلبون نصرها. وراجين أن تدفع عنهم ~~ضرا عند التماس ذلك منها. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 لا يستطيعون نصرهم .. ) دفع لما توهموه من نصرهم ~~ونفى لما توقعوه من نفعهم. # أى : هذه الآلهة المزعومة ، لا يستطيعون نصر هؤلاء الكافرين. لأنهم أعجز ~~من أن ينصروا أنفسهم ، فضلا عن نصرهم لغيرهم. # وقال سبحانه : ( @QUR@02 لا يستطيعون ) بالواو والنون على طريقة جمع ~~العقلاء بناء على زعم المشركين أن هذه الأصنام تنفع أو تضر أو تعقل. # والضمير «هم» في قوله تعالى : ( @QUR@04 وهم لهم جند محضرون ) يعود إلى ~~المشركين ، والضمير في قوله ( @QUR@01 لهم ) يعود إلى الآلهة المزعومة. # أى : وهؤلاء الكفار لجهالتهم وانطماس بصائرهم قد صاروا في الدنيا بمنزلة ~~الجند الذين أعدوا أنفسهم لخدمة هذه الآلهة والدفاع عنها. والحضور عندها ~~لخدمتها ، ورعايتها وحفظها. # ويرى بعضهم أن الضمير «هم» للآلهة ، والضمير في «لهم» للمشركين ، عكس ~~القول الأول ، فيكون المعنى : وهؤلاء الآلهة لا يستطيعون نصر المشركين وهم ~~أى الآلهة «لهم» أى : للمشركين ، «جند محضرون» أى : جند محضرون معهم إلى ~~النار ، ليلقوا فيها كما يلقى الذين عبدوهم ، كما قال تعالى : ( @QUR@011 ~~يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة ). # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@03 فلا يحزنك قولهم ) للإفصاح. أى : إذا ~~كان حال هؤلاء المشركين كما ذكرنا لك أيها الرسول الكريم من الجهالة ~~والغفلة ، فأعرض عنهم ، ولا تحزن عليهم ، ولا تبال بأقوالهم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون ) تعليل للنهى عن ~~الحزن بسبب أقوالهم. أى لا تحزن أيها الرسول الكريم بسبب أقوالهم الباطلة ، ~~فإنا نعلم علما تاما ما يسرونه من حقد عليك ، وما يعلنونه من أعمال قبيحة ، ~~وسنعاقبهم على كل ذلك العقاب الذي يستحقونه. # فالآية الكريمة تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما كان يلقاه من هؤلاء ~~المشركين. PageV12P054 # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة ، بإقامة الأدلة الساطعة على ms4764 أن البعث حق ، ~~وعلى أن قدرته تعالى لا يعجزها شيء ، فقال تعالى : # ( @QUR@011 أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين (77) ~~@QUR@011 وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم (78) ~~@QUR@010 قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم (79) @QUR@011 ~~الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون (80) @QUR@014 ~~أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق ~~العليم (81) @QUR@010 إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (82) ~~@QUR@08 فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون ) (83) # وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآيات ، أن أبى بن خلف جاء إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وفي يده عظم رميم ، وهو يفتته ويذريه في الهواء ويقول : يا ~~محمد ، أتزعم أن الله يبعث هذا؟ فقال صلى الله عليه وسلم : نعم. يميتك الله ~~تعالى ثم يبعثك ، ثم يحشرك إلى النار». ونزلت هذه الآيات إلى آخر السورة ... # والمراد بالإنسان : جنسه. ويدخل فيه المنكرون للبعث دخولا أوليا. # وأصل النطفة : الماء القليل الذي يبقى في الدلو أو القربة. وجمعها نطف ~~ونطاف. يقال : نطفت القربة ، إذا تقاطر ماؤها بقلة. # والمراد بها هنا : المنى الذي يخرج من الرجل ، إلى رحم المرأة. # والخصيم : الشديد الخصام والجدال لغيره ، والمراد به هنا : الكافر ~~والمجادل بالباطل. # والمعنى : أبلغ الجهل بهذا الإنسان ، أنه لم يعلم أنا خلقناه بقدرتنا ، ~~من ذلك الماء المهين PageV12P055 # الذي يخرج من الرجل فيصب في رحم المرأة ، وأن من أوجده من هذا الماء قادر ~~على أن يعيده إلى الحياة بعد الموت. # لقد كان من الواجب عليه أن يدرك ذلك ، ولكنه لغفلته وعناده ، بادر ~~بالمبالغة في الخصومة والجدل الباطل. وجاهر بذلك مجاهرة واضحة ، مع علمه ~~بأصل خلقته. # قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله تعالى : ( @QUR@07 أولم ير الإنسان أنا ~~خلقناه من نطفة ) كلام مستأنف مسوق لبيان بطلان إنكارهم البعث ، بعد ما ~~شاهدوا في أنفسهم ما يوجب التصديق به ... والهمزة للإنكار والتعجب من ~~أحوالهم ، وإيراد الإنسان مورد الضمير ، لأن مدار الإنكار متعلق بأحواله ms4765 من ~~حيث هو إنسان. والمراد بالإنسان الجنس. والخصيم إنما هو الكافر المنكر ~~للبعث مطلقا. # وقوله : ( @QUR@04 فإذا هو خصيم مبين ) عطف على الجملة المنفية ، داخل في ~~حيز الإنكار والتعجب كأنه قيل : أو لم ير أنا خلقناه من أخس الأشياء ~~وأمهنها ، فأظهر الخصومة في أمر يشهد بصحته مبدأ فطرته شهادة بينة ...» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@011 وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي ~~رميم ) معطوف على الكلام المتقدم ، وداخل في حيز الإنكار. # أى : أن هذا الإنسان الجاهل المجادل بالباطل ، لم يكتف بذلك ، بل ضرب لنا ~~مثلا هو في غاية الغرابة ، حيث أنكر قدرتنا على إحياء الموتى ، وعلى بعثهم ~~يوم القيامة ، فقال : دون أن يفطن إلى أصل خلقته من يحيى العظام وهي رميم ، ~~أى : وهي بالية أشد البلى. فرميم بزنة فعيل بمعنى فاعل. من رم اللازم بمعنى ~~بلى ، أو بمعنى مفعول ، من رم المتعدى بمعنى أبلى. يقال : رمه إذا أبلاه. ~~فيستوى فيه المذكر والمؤنث. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم سمى قوله : ( @QUR@05 من يحي العظام وهي ~~رميم ) مثلا؟ # قلت : لما دل عليه من قصة عجيبة شبيهة بالمثل ، وهي إنكار قدرة الله ~~تعالى على إحياء الموتى .. مع أن ما أنكر من قبيل ما يوصف الله تعالى ~~بالقدرة عليه ، بدليل النشأة الأولى .. (2). # ثم لقن الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم الجواب الذي يخرس ألسنة ~~المنكرين للبعث فقال : ( @QUR@010 قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل ~~خلق عليم )... PageV12P056 # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الجاهلين المنكرين لإعادة الحياة إلى ~~الأجساد بعد موتها ، قل لهم : يحيى هذه الأجسام والأجساد البالية ، الله ~~تعالى الذي أوجدها من العدم دون أن تكون شيئا مذكورا ، ومن قدر على إيجاد ~~الشيء من العدم قادر من باب أولى على إعادته بعد هلاكه. وهو سبحانه بكل شيء ~~في هذا الوجود عليم علما تاما ، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، ~~سواء أكان هذا الشيء صغيرا أم كبيرا ، مجموعا أم مفرقا. # قال الشوكانى : وقد استدل أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعى بهذه الآية ms4766 على ~~أن العظام مما تحله الحياة أى أنها بعد الموت تكون نجسة. # وقال الشافعى : لا تحله الحياة ، وأن المراد بقوله : ( @QUR@03 من يحي ~~العظام ) من يحيى أصحاب العظام على تقدير مضاف محذوف. ورد بأن هذا التقدير ~~خلاف الظاهر» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@011 الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم ~~منه توقدون ) دليل آخر على إمكانية البعث وهو بدل من قوله تعالى قبل ذلك : ~~( @QUR@04 الذي أنشأها أول مرة ... ). # والمراد بالشجر الأخضر : الشجر الندى الرطب ، كشجر المرخ والعفار وهما ~~نباتان أخضران إذا ضرب أحدهما بالآخر اتقدت منهما شرارة نار بقدرة الله ~~تعالى . # قال ابن كثير ؛ المراد بذلك سرح أى : شجر المرخ والعفار. ينبت بأرض ~~الحجاز فيأتى من أراد قدح نار وليس معه زناد ، فيأخذ منه عودين أخضرين ، ~~ويقدح أحدهما بالآخر ، فتتولد النار من بينهما ، كالزناد سواء سواء. # روى هذا عن ابن عباس رضى الله عنهما وفي المثل : «لكل شجر نار ، واستمجد ~~المرخ والعفار» (2). # أى : لكل شجر حظ من النار ، ولكن أكثر الأشجار حظا من النار : المرخ ~~والعفار. فهو مثل يضرب في تفضيل بعض الشيء على بعض. # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء المنكرين للبعث ، يحيى الأجساد ~~البالية الله تعالى الذي أنشأها أول مرة ، والذي جعل لكم بفضله ورحمته ~~وقدرته من الشجر الأخضر الرطب نارا ، فإذا أنتم من هذا الشجر الأخضر توقدون ~~النار. وتنتفعون بها في كثير PageV12P057 # من أحوال حياتكم. # وإذا فمن قدر على إحداث النار من الشجر الأخضر مع ما فيه من المائية ~~المضادة لها كان أقدر على إعادة الأجساد بعد فنائها. # ثم أضاف سبحانه إلى توبيخهم على جهلهم وكفرهم توبيخا آخر. فقال : ( ~~@QUR@010 أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ). # والاستفهام كسابقه للإنكار والتعجيب من جهالاتهم ، والواو للعطف على مقدر ~~يقتضيه المقام والضمير في «مثلهم» يعود إلى المنكرين للبعث. # والمعنى : إن من قدر على خلق السموات والأرض وهما في غاية العظم قادر من ~~باب أولى على إعادة خلق البشر ، الذي هو صغير الشكل ، ضعيف القوة. # وجملة : ( @QUR@04 بلى وهو الخلاق العليم ms4767 ) جواب من جهته تعالى وتصريح ~~بما أفاده الاستفهام الإنكارى ، من تقرير ما بعد النفي ، وتأكيد قدرته ~~سبحانه على الخلق والإعادة. لأن «بلى» حرف جواب ، يؤتى به لإثبات فعل ورد ~~قبله منفيا. # أى : بلى إنه لقادر سبحانه على أن يخلق مثلهم ، وعلى أن يعيدهم للحياة ~~مرة أخرى ، وهو سبحانه «الخلاق» أى : الكثير المخلوقات «العليم» أى : ~~الكثير العلم بحيث لا يخفى عليه شيء. # ثم أكد سبحانه شمول قدرته لكل شيء فقال : ( @QUR@010 إنما أمره إذا أراد ~~شيئا أن يقول له كن فيكون ). # أى : إنما شأنه سبحانه في إيجاد الشيء ، أنه إذا أراد إحداثه ، أن يقول ~~له كن ، أى : كن موجودا فيكون ، أى : فهذا الشيء يكون ويوجد في الحال ... ~~قال الشاعر : # إذا ما أراد الله أمرا فإنما %~% يقول له «كن» قولة فيكون # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بتنزيهه تعالى عن كل نقص ، فقال ( @QUR@08 ~~فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون ). # أى : فتنزه الله تعالى الذي له ملك كل شيء ملكا تاما ، والذي إليه المرجع ~~والمآب ، عن كل ما يقوله الكافرون من عدم قدرته على إحياء الموتى. # فهو سبحانه لا يعجزه شيء ، ولا يخفى على علمه شيء ، ولا يحول دون قدرته ~~شيء ( @QUR@08 ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ). PageV12P058 # وبعد : فهذا تفسير محرر لسورة «يس» نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه ~~، ونافعا لعباده. # والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ~~آله وصبحه وسلم. # كتبه الراجي عفو ربه # د. محمد سيد طنطاوى. # القاهرة مدينة نصر : صباح الثلاثاء 5 من ذي القعدة سنة 1405 ه الموافق 23 ~~/ 7 / 1985 م PageV12P059 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الصافات PageV12P061 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة الصافات هي السورة السابعة والثلاثون في ترتيب المصحف ، وكان ~~نزولها كما ذكر صاحب الإتقان بعد سورة «الأنعام» (1). # ومعنى ذلك أن نزولها كان في السنة الرابعة أو الخامسة من البعثة ، لأننا ~~قد سبق أن قلنا عند تفسيرنا لسورة الأنعام ، أنه يغلب على الظن أن نزولها ~~كان في السنة الرابعة ms4768 من البعثة (2). # 2 قال الآلوسى : هي مكية ولم يحكوا في ذلك خلافا. وهي مائة وإحدى وثمانون ~~آية عند البصريين ، ومائة واثنتان وثمانون آية عند غيرهم (3). # وتعتبر هذه السورة من حيث عدد الآيات السورة الثالثة من بين السور المكية ~~، ولا يفوقها في ذلك سوى سورتي الأعراف والشعراء. # 3 وسميت بهذا الاسم لافتتاحها بقوله تعالى : ( @QUR@02 والصافات صفا ). ~~وقد سماها بعض العلماء بسورة «الذبيح» ، وذلك لأن قصة الذبيح لم تأت في سور ~~أخرى سواها. # 4 وقد افتتحت سورة «الصافات» بقسم من الله تعالى بجماعات من خلقه على أن ~~الألوهية والربوبية الحقة إنما هي لله تعالى وحده ، ثم أقام سبحانه بعد ذلك ~~ألوانا من الأدلة على صدق هذه القضية ، منها خلقه للسموات والأرض وما ~~بينهما ، ومنها تزيينه لسماء الدنيا بالكواكب. # قال تعالى : ( @QUR@027 والصافات صفا فالزاجرات زجرا. فالتاليات ذكرا. إن ~~إلهكم لواحد. رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق. إنا زينا السماء ~~الدنيا بزينة الكواكب. وحفظا من كل شيطان مارد ). # 5 ثم حكى سبحانه بعض الشبهات التي تذرع بها المشركون في إنكارهم للبعث PageV12P063 # والحساب ، ورد عليها بما يمحقها ، فقال تعالى : ( @QUR@026 وقالوا إن هذا ~~إلا سحر مبين. أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون. أوآباؤنا ~~الأولون. قل نعم وأنتم داخرون. فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون ). # 6 وبعد أن بين سبحانه سوء عاقبة هؤلاء المشركين ، وتوبيخ الملائكة لهم ، ~~وإقبال بعضهم على بعض للتساؤل والتخاصم .. بعد كل ذلك بين سبحانه حسن عاقبة ~~المؤمنين ، فقال تعالى . ( @QUR@038 وما تجزون إلا ما كنتم تعملون : إلا ~~عباد الله المخلصين. أولئك لهم رزق معلوم. فواكه وهم مكرمون. في جنات ~~النعيم. على سرر متقابلين. يطاف عليهم بكأس من معين. بيضاء لذة للشاربين. ~~لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون ). # 7 ثم حكى سبحانه جانبا من المحاورات التي تدور بين أهل الجنة وأهل النار ~~، وكيف أن أهل الجنة يتوجهون بالحمد والشكر لخالقهم ، حيث أنعم عليهم بنعمة ~~الإيمان ، ولم يجعلهم من أهل النار الذين يأكلون من شجرة الزقوم. # قال تعالى : ( @QUR@035 إن هذا لهو الفوز ms4769 العظيم. لمثل هذا فليعمل ~~العاملون. أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم. إنا جعلناها فتنة للظالمين. إنها ~~شجرة تخرج في أصل الجحيم ، طلعها كأنه رؤس الشياطين. فإنهم لآكلون منها ~~فمالؤن منها البطون ). # 8 ثم ساق سبحانه بعد ذلك جانبا من قصة نوح مع قومه ، ومن قصة إبراهيم مع ~~قومه. ومع ابنه إسماعيل عليهما السلام . # ومن قصة موسى وهارون وإلياس ولوط ويونس عليهم الصلاة والسلام . # 9 ثم أخذت السورة الكريمة في أواخرها في توبيخ المشركين الذين جعلوا بين ~~الله سبحانه وبين الملائكة نسبا ، ونزه سبحانه ذاته عن ذلك. وهدد أولئك ~~الكافرين بأشد ألوان العذاب بسبب كفرهم وأقوالهم الباطلة. # وبين بأن عباده المؤمنين هم المنصورون ، وختم سبحانه السورة الكريمة ~~بقوله : ( @QUR@013 سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين. ~~والحمد لله رب العالمين ). # 10 والمتأمل في هذه السورة الكريمة بعد هذا العرض المجمل لآياتها يراها ~~بأنها قد اهتمت بإقامة الأدلة على وحدانية الله تعالى ، وعلى أن البعث حق ، ~~وعلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق فيما يبلغه عن ربه ، وذلك لكي تغرس ~~العقيدة السليمة في النفوس .. كما يراها تهتم بحكاية أقوال المشركين ~~وشبهاتهم .. ثم ترد على تلك الأقوال والشبهات بما يزهقها ويبطلها. PageV12P064 # كما يراها كذلك تسوق ألوانا من المحاورات التي تدور بين المشركين فيما ~~بينهم عند ما يحيط بهم العذاب يوم القيامة ، وألوانا من المحاورات التي ~~تدور بينهم وبين أهل الجنة الذين نجاهم الله تعالى من النار وسعيرها. # كما يراها أيضا تسوق لنا نماذج من قصص الأنبياء مع أقوامهم ، تارة بشيء ~~من التفصيل كما في قصة إبراهيم مع قومه ، وتارة بشيء من التركيز والإجمال ~~كما في بقية قصص الأنبياء الذين ورد الحديث عنهم فيها. # وتمتاز بعرضها للمعاني والأحداث بأسلوب مؤثر. ترى فيه قصر الفواصل وكثرة ~~المشاهد ، والمواقف. مما يجعل القارئ لآياتها في شوق إلى ما تسوقه من نتائج. # نسأل الله تعالى أن يجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وأنس نفوسنا. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # كتبه الراجي عفو ربه ms4770 # د. محمد سيد طنطاوى # القاهرة مدينة نصر # مساء الجمعة 8 من ذي القعدة سنة 1405 ه # 26 / 7 / 1985 PageV12P065 ### ||| * «تفسير» ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@02 والصافات صفا (1) @QUR@02 فالزاجرات زجرا (2) @QUR@02 ~~فالتاليات ذكرا (3) @QUR@03 إن إلهكم لواحد (4) @QUR@07 رب السماوات والأرض ~~وما بينهما ورب المشارق ) (5) # والواو في قوله تعالى : ( @QUR@01 والصافات ) للقسم. وجوابه قوله : ( ~~@QUR@03 إن إلهكم لواحد ). # و «الصافات» من الصف ، وهو أن تجعل الشيء على خط مستقيم. تقول : صففت ~~القوم فاصطفوا ، إذا أقمتهم على خط مستقيم. سواء أكانوا في الصلاة ، أم في ~~الحرب ، أم في غير ذلك. # و «الزاجرات» : من الزجر ، وهو الدفع بقوة. تقول : زجرت الإبل زجرا من باب ~~قتل إذا منعتها من الدخول في شيء ودفعتها إلى غيره. # و «التاليات» : من التلاوة ، بمعنى القراءة في تدبر وتأمل. # وأكثر المفسرين على أن المراد بالصافات والزاجرات والتاليات : جماعة من ~~الملائكة. موصوفة بهذه الصفات. # فيكون المعنى : وحق الملائكة الذين يصفون أنفسهم صفا لعبادة الله تعالى ~~وطاعته ، أو الذين يصفون أجنحتهم في السماء انتظارا لأمر الله ، والذين ~~يزجرون غيرهم عن ارتكاب المعاصي ، أو يزجرون السحاب إلى الجهات التي كلفهم ~~الله تعالى بدفعه إليها ، والذين يتلون آيات الله المنزلة على أنبيائه ~~تقربا إليه تعالى وطاعة له. # وقد جاء وصف الملائكة بأنهم صافون في قوله تعالى في السورة نفسها : ( ~~@QUR@06 وإنا لنحن الصافون. وإنا لنحن المسبحون ). PageV12P066 # كما جاء وصفهم بذلك فيما رواه مسلم في صحيحه عن حذيفة قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «فضلنا على الناس بثلاث : جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة ~~، وجعلت لنا الأرض مسجدا. وجعلت لنا تربتها طهورا إذا لم نجد الماء» (1). # وفي حديث آخر رواه مسلم وغيره عن جابر بن سمره قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم»؟ قلنا : وكيف تصف ~~الملائكة عند ربهم؟ قال : «يتمون الصفوف المتقدمة ، ويتراصون في الصف» (2). # وجاء وصفهم بما يدل على أنهم يلقون الذكر على غيرهم من الأنبياء ، لأجل ~~الإعذار والإنذار به. كما في قوله تعالى في أوائل المرسلات : ( @QUR@05 ~~فالملقيات ms4771 ذكرا. عذرا أو نذرا ). # قال الإمام ابن كثير : قوله : ( @QUR@02 فالتاليات ذكرا ) هم الملائكة ~~يجيئون بالكتاب والقرآن من عند الله إلى الناس ، وهذه الآية كقوله تعالى : ~~( @QUR@05 فالملقيات ذكرا. عذرا أو نذرا ) (3) ومنهم من يرى أن المراد ~~بالصافات والزاجرات والتاليات هنا : العلماء الذين يصفون أقدامهم عند ~~الصلاة وغيرها من الطاعات ، ويزجرون غيرهم عن المعاصي ، ويتلون كلام الله ~~تعالى . # ومنهم من يرى أن المراد بالصافات : الطيور التي تصف أجنحتها في الهواء ~~وبالزاجرات وبالتاليات : جماعات الغزاة في سبيل الله ، الذين يزجرون أعداء ~~الله تعالى : ويكثرون من ذكره. # ويبدو لنا أن القول الأول هو الأظهر والأرجح ، لأن الآيات القرآنية ~~والأحاديث النبوية التي سقناها قبل ذلك تؤيده ، ويؤيده أيضا ما يجيء بعد ~~ذلك من أوصاف للملائكة كما في قوله تعالى : ( @QUR@09 لا يسمعون إلى الملإ ~~الأعلى ويقذفون من كل جانب ) والمراد بالملإ الأعلى هنا. الملائكة. # ولأن هذا القول هو المأثور عن جماعة من الصحابة والتابعين ، كابن مسعود ~~وابن عباس ، ومسروق ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ومجاهد. # وإنما أقسم الله تعالى هنا بالملائكة ، لشرفهم ، وسمو منزلتهم وامتثالهم ~~لأوامره PageV12P067 # سبحانه امتثالا تاما وله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه ، تنويها بشأن ~~المقسم ، ولفتا لأنظار الناس إلى ما فيه من منافع. # ولفظ «الصافات» مفعوله محذوف. والتقدير ، وحق الملائكة الصافات نفوسها أو ~~أجنحتها طاعة وامتثالا لأمر الله تعالى . # والترتيب بالفاء في هذه الصفات ، على سبيل الترقي ، إذ الأولى كمال ، ~~والثانية أكمل ، لتعدى منفعتها إلى الغير ، والثالثة أكمل وأكمل ، لتضمنها ~~الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والتخلي عن الرذائل ، والتحلي بالفضائل. # وقوله «صفا ، وزجرا ، وذكرا» مصادر مؤكدة لما قبلها. # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 إن إلهكم لواحد ) جواب للقسم ، وهو المقسم ~~عليه. أى : وحق الملائكة الذين تلك صفاتهم ، إن ربكم أيها الناس لواحد لا ~~شريك له في ذاته ، ولا في صفاته ولا في أفعاله ، ولا في خلقه. # وقوله : ( @QUR@07 رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق ) بدل من ~~قوله ( @QUR@01 لواحد ) أو خبر بعد خبر لمبتدأ محذوف. # أى : إن إلهكم أيها الناس لواحد : هو سبحانه رب السموات والأرض ms4772 ، ورب ما ~~بينهما من مخلوقات كالهواء وغيره ، ورب المشارق التي تشرق منها الشمس في كل ~~يوم على مدار العام ، إذ لها في كل يوم مشرق معين تشرق منه. ولها في كل يوم ~~أيضا مغرب تغرب فيه. # واكتفى هنا بذكر المشارق عن المغارب ، لأن كل واحد منهما يستلزم الآخر ، ~~ولأن الشروق أدل على القدرة ، وأبلغ في النعمة ، ولأن الشروق سابق على ~~الغروب ، وقد قال تعالى في آية أخرى : ( @QUR@09 رب المشرق والمغرب لا إله ~~إلا هو فاتخذه وكيلا ) (1). # والمراد بهما هنا جنسهما ، فهما صادقان على كل مشرق من مشارق الشمس التي ~~هي ثلاثمائة وستون مشرقا كما يقول العلماء وعلى كل مغرب من مغاربها التي هي كذلك. # وقال في سورة الرحمن : ( @QUR@04 رب المشرقين ورب المغربين ) أى : مشرق ~~الشتاء ومشرق الصيف ومغربهما ، أو مشرق الشمس والقمر ومغربهما. # وبذلك يتبين أنه لا تعارض بين مجيء هذه الألفاظ تارة مفردة ، وتارة على ~~سبيل التثنية ، PageV12P068 # وتارة على سبيل الجمع. # قال بعض العلماء : قوله ( @QUR@02 ورب المشارق ) أى : ولكل نجم مشرق ، ~~ولكل كوكب مشرق فهي مشارق كثيرة في كل جانب من جوانب السموات الفسيحة. # وللتعبير دلالة أخرى دقيقة في التعبير عن الواقع في هذه الأرض التي نعيش ~~عليها كذلك. فالأرض في دورتها أمام الشمس تتوالى المشارق على بقاعها ~~المختلفة كما تتوالى المغارب ، فكلما جاء قطاع منها أمام الشمس ، كان هناك ~~مشرق على هذا القطاع. وكان هناك مغرب على القطاع المقابل له في الكرة ~~الأرضية .. وهي حقيقة ما كان يعرفها الناس في زمان نزول القرآن الكريم ، ~~أخبرهم الله تعالى بها في ذلك الزمان القديم .. (1). # ثم بين سبحانه بعد ذلك بعض مظاهر قدرته في خلقه لهذه السموات وكيف أنه ~~تعالى قد زين السماء الدنيا بالكواكب. وحفظها من تسلل أى شيطان إليها فقال ~~تعالى : # ( @QUR@06 إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب (6) @QUR@05 وحفظا من كل ~~شيطان مارد (7) @QUR@09 لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب (8) ~~@QUR@04 دحورا ولهم عذاب واصب (9) @QUR@07 إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ~~ثاقب ) (10) # وقوله تعالى : ( @QUR@01 زينا ) من التزيين بمعنى التحسين ms4773 والتجميل. ~~والمراد بالسماء الدنيا : السماء التي هي أقرب سماء إلى الأرض. فالدنيا ~~مؤنث أدنى بمعنى أقرب. # والكواكب : جمع كوكب وهو النجم الذي يرى في السماء. # وقوله : ( @QUR@02 بزينة الكواكب ) فيه ثلاث قراءات سبعية ، فقد قرأ ~~الجمهور بإضافة زينة إلى الكواكب. أى : بلا تنوين في لفظ «بزينة». وقرأ ~~بعضهم بتنوين لفظ «زينة» وخفض لفظ الكواكب على أنه بدل منه. وقرأ بعضهم ~~بتنوين لفظ ( @QUR@01 بزينة ) ونصب لفظ الكواكب ، على أنه مفعول لفعل محذوف ~~أى : أعنى الكواكب. # والمعنى : إنا بقدرتنا وفضلنا زينا السماء الدنيا التي ترونها بأعينكم ~~أيها الناس بالكواكب ، فجعلناها مضيئة بحيث تهتدون بها في سيركم من مكان ~~إلى مكان. PageV12P069 # كما قال تعالى في آية أخرى : ( @QUR@08 ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح ~~وجعلناها رجوما للشياطين ) (1). # ومما لا شك أن منظر السماء وهي مليئة بالنجوم ، يشرح الصدور ، ويؤنس ~~النفوس ، وخصوصا للسائرين في فجاج الأرض ، أو ظلمات البحر. # قوله سبحانه : ( @QUR@05 وحفظا من كل شيطان مارد ) بيان لما أحاط به ~~سبحانه السماء الدنيا من حفظ ورعاية. # ولفظ «حفظا» منصوب على المصدرية بإضمار فعل قبله. أى وحفظناها حفظا ، أو ~~معطوف على محل «بزينة». # والشيطان : كل متمرد من الجن والإنس والدواب. والمراد به هنا : المتمرد ~~من الجن. # والمارد : الشديد العتو والخروج عن طاعة الله تعالى المتعرى من كل خير. # أى : إنا جعلنا السماء الدنيا مزينة بالكواكب وضيائها ، وجعلناها كذلك ~~محفوظة من كل شيطان متجرد من الخير ، خارج عن طاعتنا ورحمتنا. # وقوله سبحانه : ( @QUR@013 لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ، ويقذفون من كل ~~جانب. دحورا ولهم عذاب واصب ) جملة مستأنفة لبيان حالهم عند حفظ السماء ، ~~وبيان كيفية الحفظ ، وما يصيبهم من عذاب وهلاك إذا ما حاولوا استراق السمع منها. # ولفظ «يسمعون» بتشديد السين وأصله يتسمعون. فأدغمت التاء في السين ~~والضمير للشياطين ، وقرأ الجمهور ( @QUR@02 لا يسمعون ) بإسكان السين. # قال صاحب الكشاف : الضمير في «لا يسمعون» لكل شيطان ، لأنه في معنى ~~الشياطين ، وقرئ بالتخفيف والتشديد. وأصله «يتسمعون». والتسمع : تطلب ~~السماع. يقال : تسمع فسمع. أو فلم يسمع. # فإن قلت : أى فرق بين سمعت فلانا يتحدث ms4774 ، وسمعت إليه يتحدث. وسمعت حديثه ~~، وإلى حديثه؟ # قلت : المعدى بنفسه يفيد الإدراك ، والمعد بإلى يفيد الإصغاء مع الإدراك (2). # والملأ في الأصل : الجماعة يجتمعون على أمر فيملئون النفوس هيبة ، ~~والمراد بالملإ الأعلى هنا : الملائكة الذين يسكنون السماء. PageV12P070 # وسموا بذلك لشرفهم ، ولأنهم في جهة العلو ، بخلاف غيرهم فإنهم يسكنون الأرض. # وقوله : ( @QUR@01 ويقذفون ) من القذف بمعنى الرجم والرمي ، و ( @QUR@01 ~~دحورا ) مفعولا لأجله ، أى : يقذفون لأجل الدحور ، وهو الطرد والإبعاد ، ~~مصدر دحره يدحره دحرا ودحورا : إذا طرده وأبعده. # والواصب : الدائم ، من الوصوب بمعنى الدوام ، يقال : وصب الشيء يصب وصوبا ~~، إذا دام وثبت ، ومنه قوله : ( @QUR@03 وله الدين واصبا ) أى : دائما ثابتا. # والمعنى : إنا زينا السماء الدنيا بنور الكواكب ، وحفظناها بقدرتنا ~~ورعايتنا من كل شيطان متجرد من الخير ، فإن هذا الشيطان وأمثاله كلما ~~حاولوا الاستماع إلى الملائكة في السماء ، لم نمكنهم من ذلك ، بل قذفناهم ~~ورجمناهم بالشهب والنيران من كل جانب من جوانب السماء ، من أجل أن ندمرهم ~~ونطردهم ونبعدهم عنها ، ولهم منا فوق كل ذلك عذاب دائم ثابت لا نهاية له. # وقوله : ( @QUR@04 إلا من خطف الخطفة ) استثناء من الواو في «يسمعون» ~~و «من» في محل بدل من الواو. # والخطف : الأخذ للشيء بسرعة وخفية واختلاس وغفلة من المأخوذ منه. # أى : لا يسمع الشياطين إلى الملأ الأعلى ، إلا الشيطان الذي خطف الخطفة ~~من كلام الملائكة بسرعة وخفة ، فيما يتفاوضون فيه من أحوال البشر دون ما ~~يتعلق بالوحي فإنه في هذه الحالة يتبع هذا الشيطان ويلحقه ( @QUR@02 شهاب ~~ثاقب ) أى : شعلة من النار تثقب الجو بضوئها فتهلكه وتحرقه وتثقبه وتمزقه. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@021 وأنا لمسنا السماء فوجدناها ~~ملئت حرسا شديدا وشهبا. وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع. فمن يستمع الآن ~~يجد له شهابا رصدا ) (1). # ومما يدل على أن استراقهم للسمع ، واختطافهم للخطفة ، إنما يكون في غير ~~الوحى ، قوله تعالى ( @QUR@04 إنهم عن السمع لمعزولون ) (2). # وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال : كانت للشياطين مقاعد في السماء فكانوا ~~يستمعون الوحى قال : وكانت النجوم لا تجرى ، وكانت الشياطين لا ترمى. ms4775 قال : ~~فإذا سمعوا الوحى نزلوا إلى الأرض ، فزادوا في الكلمة تسعا. قال : فلما بعث رسول PageV12P071 # الله صلى الله عليه وسلم جعل الشيطان إذا قعد مقعده ، جاءه شهاب فلم يخطئه ~~حتى يحرقه (1). # ثم أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوبخ المنكرين للبعث والحساب ، ~~وحكى جانبا من أقوالهم الباطلة حول هذه القضية ، ورد عليهم ردا يزهق باطلهم ~~.. فقال تعالى : # ( @QUR@012 فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب ~~(11) @QUR@03 بل عجبت ويسخرون (12) @QUR@04 وإذا ذكروا لا يذكرون (13) ~~@QUR@04 وإذا رأوا آية يستسخرون (14) @QUR@06 وقالوا إن هذا إلا سحر مبين ~~(15) @QUR@07 أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون (16) @QUR@02 ~~أوآباؤنا الأولون (17) @QUR@04 قل نعم وأنتم داخرون (18) @QUR@07 فإنما هي ~~زجرة واحدة فإذا هم ينظرون (19) @QUR@06 وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين ~~(20) @QUR@07 هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون ) (21) # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@01 فاستفتهم .. ) هي الفصيحة ، والاستفتاء ~~: الاستخبار عن الشيء ومعرفة وجه الصواب فيه. # والمراد من الاستفهام في الآية : توبيخ المشركين على إصرارهم على شركهم ~~وجهلهم. وتعجيب العقلاء من أحوالهم. # واللازب : أى : الملتصق بعضه ببعض. يقال : لزب الشيء يلزب لزبا ولزوبا ، ~~إذا تداخل بعضه في بعض ، والتصق بعضه ببعض. والطين اللازب : هو الذي يلزق ~~باليد مثلا إذا ما التقت به قال النابغة الذبياني : # فلا تحسبون الخير لا شر بعده %~% ولا تحسبون الشر ضربة لازب # أى : ضربة ملازمة لا مفارقة لها. # والمعنى : إذا كان الأمر كما أخبرناك أيها الرسول الكريم من أن كل شيء في هذا PageV12P072 # الكون يشهد بوحدانيتنا وقدرتنا ، فاسأل هؤلاء المشركين «أهم أشد خلقا» أى ~~: أهم أقوى خلقة وأمتن بنية ، وأضخم أجسادا .. «أم من خلقنا» من ملائكة ~~غلاظ شداد ، ومن سماوات طباق ، ومن أرض ذات فجاج. # لا شك أنهم لن يجدوا جوابا يردون به عليك ، سوى قولهم : إن خلق الملائكة ~~والسموات والأرض. أشد من خلقنا. # وقوله تعالى ( @QUR@05 إنا خلقناهم من طين لازب ) إشارة إلى المادة ~~الأولى التي خلقوا منها في ضمن خلق أبيهم آدم عليه السلام . # أى : إنا خلقناهم من طين ملتصق بعضه ببعض ، ومتداخل بعضه في ms4776 بعض. # فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ساقت دليلين واضحين على صحة البعث الذي ~~أنكره المشركون. # أما الدليل الأول فهو ما يعترفون به من أن خلق السموات والأرض والملائكة ~~.. أعظم وأكبر منهم ... ومن كان قادرا على خلق الأعظم والأكبر كان من باب ~~أولى قادرا على خلق الأقل والأصغر. # وقد ذكر سبحانه هذه الحقيقة في آيات كثيرة منها قوله تعالى ( @QUR@012 ~~لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) (1). # وأما الدليل الثاني فهو قوله تعالى : ( @QUR@05 إنا خلقناهم من طين لازب ~~) وذلك لأن من خلقهم أولا من طين لازب ، قادر على أن يعيدهم مرة أخرى بعد ~~أن يصيروا ترابا وعظاما. # إذ من المعروف لدى كل عاقل أن الإعادة أيسر من الابتداء. وقد قرر سبحانه ~~هذه الحقيقة في آيات منها قوله تعالى : ( @QUR@018 وهو الذي يبدؤا الخلق ثم ~~يعيده ، وهو أهون عليه ، وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز ~~الحكيم ) (2). # ثم بين سبحانه أن حال هؤلاء المشركين تدعو إلى العجب فقال : ( @QUR@03 بل ~~عجبت ويسخرون ). # قال الجمل : وقوله : ( @QUR@02 بل عجبت ) إضراب إما عن مقدر دل عليه قوله ~~: ( @QUR@01 فاستفتهم ) أى : هم لا يقرون بل عجبت ، وإما عن الأمر ~~بالاستفتاء ، أى : PageV12P073 # لا تستفتهم فإنهم معاندون ، بل انظر إلى تفاوت حالك وحالهم (1). # أى : بل عجبت أيها الرسول الكريم ومن حقك أن تعجب ، من إنكار هؤلاء ~~الجاحدين لإمكانية البعث ، مع هذه الأدلة الساطعة التي سقناها لهم على أن ~~البعث حق. # وجملة «يسخرون» حالية. أى : والحال أنهم يسخرون من تعجبك ومن إنكارك ~~عليهم ذلك ، ومن إيمانك العميق بهذه الحقيقة ، حتى إنك لترددها على مسامعهم ~~صباح مساء. # قال الآلوسى : وقرأ حمزة والكسائي : ( @QUR@02 بل عجبت ) بضم التاء .. ~~وأولت هذه القراءة بأن ذلك من باب الفرض ، أى : لو كان العجب مما يجوز على ~~لعجبت من هذه الحال. # ثم قال : والذي يقتضيه كلام السلف أن العجب فينا انفعال يحصل للنفس عند ~~الجهل للسبب ، ولذا قيل : إذا ظهر السبب بطل العجب ، وهو في الله تعالى ~~بمعنى يليق لذاته تعالى وهو سبحانه ms4777 أعلم به ، فلا يعينون معناه (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@08 وإذا ذكروا لا يذكرون. وإذا رأوا آية يستسخرون ) ~~بيان لشدة تماديهم في الباطل ، وإصرارهم عليه. # أى : أن هؤلاء القوم من دأبهم ومن صفاتهم الملازمة لهم ، أنهم إذا وعظوا ~~بما ينفعهم لا يتعظون ، وإذا رأوا آية واضحة في دلالتها على الحق ( @QUR@01 ~~يستسخرون ) أى : يبالغون في السخرية وفي الاستهزاء بها ، يقال : استسخر ~~القوم من الشيء ، إذا استدعى بعضهم بعضا للاستهزاء به. # ثم بين سبحانه أنهم لا يكتفون بالسخرية ، بل قالوا أقوالا تدل على جحودهم ~~وجهلهم ، فقال تعالى ( @QUR@06 وقالوا إن هذا إلا سحر مبين ). # أى : وقالوا على سبيل الجحود والعناد ما هذا الذي أتانا به محمد ~~صلى الله عليه وسلم إلا سحر واضح بين ، ولا يشك أحد منا في كونه كذلك. # ( @QUR@09 أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون ، أوآباؤنا الأولون ). # أى : أنهم لم يكتفوا بقولهم : إن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم سحر ~~واضح ، بل أضافوا إلى ذلك على سبيل المبالغة في الإنكار لما جاءهم به قولهم ~~: أإذا متنا وانتهت حياتنا ووضعنا في قبورنا ، وصرنا ترابا وعظاما أإنا ~~لمبعوثون ومعادون إلى الحياة مرة أخرى؟ وهل آباؤنا الأولون الذين صاروا من ~~قبلنا عظاما ورفاتا يبعثون أيضا؟. PageV12P074 # ولا شك أن قولهم هذا دليل واضح على انطماس بصائرهم ، وعلى شدة غفلتهم عن ~~آثار قدرة الله تعالى التي لا يعجزها شيء. والتي من آثارها إيجادهم من العدم. # ولذا لقن الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم الجواب الذي يخرس ألسنتهم فقال ~~: ( @QUR@04 قل نعم وأنتم داخرون ). # أى : قل لهم أيها الرسول الكريم ستبعثون أنتم وآباؤكم الأقدمون ، وأنتم ~~جميعا ( @QUR@01 داخرون ) أى : صاغرون مستسلمون ، لا تستطيعون التأخر أو ~~التردد .. يقال : دخر الشخص يدخر بفتح الخاء دخورا ، إذا ذل وصغر وهان. # ثم بين سبحانه أن بعثهم من قبورهم إنما يقع بصيحة واحدة فقال : ( @QUR@07 ~~فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون ). # والزجرة واحدة من الزجر ، يقال : زجر الراعي غنمه إذا صاح عليها ، ومنعها ~~من شيء معين. والضمير راجع إلى البعثة المدلول عليها بسياق ms4778 الكلام ، والفاء ~~: هي الفصيحة. # أى : إذا كان الأمر كما ذكرنا. فإنما بعثهم من مرقدهم يكون بصيحة واحدة ~~يصيحها إسرافيل فيهم بأمرنا ، فإذا هم قيام من قبورهم ينظرون إلى ما حولهم ~~في ذهول ، وينتظرون في استسلام وذلة حكم الله تعالى فيهم. # والمراد بهذه الزجرة : النفخة الثانية التي يقوم بها إسرافيل بأمر الله ~~تعالى كما قال تعالى : ( @QUR@022 ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن ~~في الأرض إلا من شاء الله ، ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ) (1). # والتعبير عن الصيحة بالزجرة للدلالة على شدتها وعنفها على هؤلاء المشركين ~~، وأنها قد أتتهم ممن لا يستطيعون معصية أمره. # ثم بين سبحانه أحوالهم بعد هذه الزجرة فقال : ( @QUR@03 وقالوا يا ويلنا ~~) أى : وقالوا بعد أن خرجوا من قبورهم في ذهول : ( @QUR@02 يا ويلنا ) أى : ~~يا هلاكنا احضر فهذا أوان حضورك. # وقوله : ( @QUR@03 هذا يوم الدين ) يصح أن يكون من كلام بعضهم مع بعض بعد ~~أن رأوا أن ما كانوا ينكرونه ، قد أصبح حقيقة واقعة أمام أعينهم. # أى : قال بعضهم لبعضهم في ذعر وفزع : يا ويلنا هذا يوم الجزاء على ~~الأعمال. الذي كنا ننكره في الدنيا ، قد أصبح حقيقة ماثلة أمام أعيننا. PageV12P075 # ويصح أن يكون هو وما بعده ، وهو قوله تعالى : ( @QUR@07 هذا يوم الفصل ~~الذي كنتم به تكذبون ) من كلام الملائكة على سبيل التأنيب لهم. # أى : تقول لهم الملائكة : اطلبوا ما شئتم من الويل والهلاك ، فهذا اليوم ~~هو يوم الجزاء على الأعمال ، وهو يوم الفصل والقضاء الذي كنتم تكذبون به في ~~الدنيا ، وتستهزءون ممن يأمركم بحسن الاستعداد له ، وينذركم بسوء المصير ~~إذا ما سرتم في طريق الكفر به ، والإنكار له. # ثم بين سبحانه حكمه العادل فيهم ، وصور أحوالهم البائسة تصويرا تقشعر من ~~هوله الجلود ، وحكى جانبا من حسراتهم خلال تساؤلهم فيما بينهم فقال تعالى : # ( @QUR@07 احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون (22) @QUR@07 من ~~دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم (23) @QUR@03 وقفوهم إنهم مسؤلون (24) ~~@QUR@04 ما لكم لا تناصرون (25) @QUR@04 بل هم اليوم مستسلمون (26) @QUR@05 ~~وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (27) @QUR@06 قالوا إنكم كنتم ms4779 تأتوننا عن ~~اليمين (28) @QUR@05 قالوا بل لم تكونوا مؤمنين (29) @QUR@010 وما كان لنا ~~عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين (30) @QUR@06 فحق علينا قول ربنا إنا ~~لذائقون (31) @QUR@04 فأغويناكم إنا كنا غاوين (32) @QUR@05 فإنهم يومئذ في ~~العذاب مشتركون (33) @QUR@04 إنا كذلك نفعل بالمجرمين (34) @QUR@010 إنهم ~~كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون (35) @QUR@06 ويقولون أإنا ~~لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون (36) @QUR@05 بل جاء بالحق وصدق المرسلين (37) ~~@QUR@04 إنكم لذائقوا العذاب الأليم (38) @QUR@06 وما تجزون إلا ما كنتم ~~تعملون ) (39) # وقوله تعالى : ( @QUR@01 احشروا ) من الحشر بمعنى الجمع مع السوق يقال : ~~حشر القائد جنده حشرا من باب قتل إذا جمعهم. والمحشر : المكان الذي يجتمع ~~فيه الخلائق. PageV12P076 # والمراد بالذين ظلموا : المشركون الذين أشركوا مع الله تعالى آلهة أخرى ~~في العبادة ، ومن الآيات التي وردت وأطلق فيها الظلم على الشرك والكفر ، ~~قوله تعالى : ( @QUR@04 إن الشرك لظلم عظيم ) وقوله سبحانه ( @QUR@03 ~~والكافرون هم الظالمون ). # وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الظلم بالشرك في ~~قوله تعالى : ( @QUR@011 الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم ~~الأمن وهم مهتدون ) (1). # والمراد بأزواجهم : أشباههم ، ونظراؤهم وأمثالهم في الشرك والكفر ، وهذا ~~التفسير مأثور عن عدد من الصحابة والتابعين ، منهم عمر بن الخطاب ، ~~والنعمان بن بشير ، وابن عباس ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ومجاهد ، وأبو ~~العالية. # وقيل المراد بأزواجهم. قرناؤهم من الشياطين ، بأن يحشر كل كافر مع ~~شيطانه. # وقيل المراد بهم : نساؤهم اللائي كن على دينهم ، بأن كن مشركات في الدنيا ~~كأزواجهن ، ويبدو لنا أن جميع من ذكروا محشور. والعياذ بالله. إلى جهنم ، ~~إلا أن تفسير الأزواج هنا : بالأشباه والنظائر والأصناف أولى ، خصوصا وأن ~~إطلاق الأزواج على الأصناف والأشباه جاء كثيرا في القرآن الكريم ، ومن ذلك ~~قوله تعالى : ( @QUR@013 سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ، ومن ~~أنفسهم ، ومما لا يعلمون ). # والمراد بما كانوا يعبدونه : الآلهة الباطلة التي كانوا في الدنيا ~~يعبدونها من دون الله ، كالأصنام والأوثان. # والأمر من الله تعالى للملائكة في هذا اليوم الشديد ، وهو يوم القيامة. # أى : احشروا واجمعوا الذين كانوا مشركين في الدنيا ، واجمعوا معهم ms4780 كل من ~~كان على شاكلتهم في الكفر والضلال ، ثم اجمعوا معهم أيضا آلهتهم الباطلة ~~التي عبدوها من دون الله تعالى ثم ألقوا بها جميعا في جهنم ، ليذوقوا ~~سعيرها وحرها. # وفي حشر الآلهة الباطلة مع عابديها ، زيادة تحسير وتخجيل لهؤلاء العابدين ~~لأنهم رأوا بأعينهم بطلان وخسران ما كانوا يفعلونه في الدنيا. # والضمير في قوله : ( @QUR@04 فاهدوهم إلى صراط الجحيم ) يعود إلى ~~المشركين وأشباههم وآلهتهم. وقوله : ( @QUR@01 فاهدوهم ) من الهداية بمعنى ~~الدلالة على الشيء والإرشاد إليه. # أى : احشروهم جميعا إلى جهنم ، وعرفوهم طريقها إن كانوا لا يعرفونه ، ~~وأروهم إياه إن كانوا لا يرونه. PageV12P077 # والتعبير بالهداية والصراط فيه ما فيه من التهكم بهم ، والتأنيب لهم ~~فكأنه سبحانه يقول : بما أنهم لم يهتدوا في الدنيا إلى الخير وإلى الحق ، ~~وإلى الصراط المستقيم ، فليهتدوا في الآخرة إلى صراط الجحيم. # وقوله سبحانه ( @QUR@03 وقفوهم إنهم مسؤلون ) زيادة في توبيخهم وإذلالهم ~~، والوقف هنا : بمعنى الحبس. # قال القرطبي : يقال : وقفت الدابة أقفها وقفا فوقفت هي وقوفا .. أى : ~~احبسوهم ، وهذا يكون قبل السوق إلى الجحيم ، وفيه تقديم وتأخير أى : قفوهم ~~للحساب ثم سوقوهم إلى النار .. (1) أى : واحبسوهم في موقف الحساب ، لأنهم ~~مسئولون عما كانوا يقترفونه في الدنيا من عقائد زائفة ، وأفعال منكرة ، ~~وأقوال باطلة. # ولا تعارض بين هذه الآية وأمثالها من الآيات التي صرحت بأن المجرمين ~~يسألون يوم القيامة ، وبين آيات أخرى صرحت بأنهم لا يسألون كما في قوله ~~تعالى : ( @QUR@08 فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان ). # أقول لا تعارض بين هذه الآيات ، لأن في يوم القيامة مواقف متعددة ، فقد ~~يسألون في موقف ولا يسألون في آخر .. أو أن السؤال المثبت هو سؤال التوبيخ ~~والتقريع والسؤال المنفي هو سؤال الاستعلام والاستخبار. # قوله تعالى : ( @QUR@04 ما لكم لا تناصرون ) تقريع آخر لهم ، أى : ما ~~الذي جعلكم في هذا اليوم عاجزين عن التناصر فيما بينكم أيها الكافرون مع ~~أنكم في الدنيا كنتم تزعمون أنكم جميع منتصر؟ # ثم أضرب سبحانه عما تقدم إلى بيان حالهم يوم القيامة فقال : ( @QUR@04 بل ~~هم اليوم مستسلمون ). # والاستسلام : أصله طلب ms4781 السلامة ، والمراد به هنا : الانقياد التام ، ~~والخضوع المطلق. يقال : استسلم العدو لعدوه ، إذا انقاد له وخضع لأمره. # أى : ليسوا في هذا اليوم بقادرين على التناصر ، بل هم اليوم خاضعون ~~ومستسلمون ، لعجزهم عن أى حيلة تنقذهم مما هم فيه من بلاء. # ثم يحكى سبحانه ما يدور بينهم من مجادلات يوم القيامة فيقول : ( @QUR@05 ~~وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ). PageV12P078 # ويبدو أن التساؤل والتجادل هنا ، يكون بين الأتباع والمتبوعين ، أو بين ~~العامة والزعماء. # كما تدل عليه آيات منها قوله تعالى : ( @QUR@022 ولو ترى إذ الظالمون ~~موقوفون عند ربهم ، يرجع بعضهم إلى بعض القول ، يقول الذين استضعفوا للذين ~~استكبروا ، لو لا أنتم لكنا مؤمنين ) (1). # ثم حكى سبحانه ما قاله الضعفاء للزعماء فقال : ( @QUR@06 قالوا إنكم كنتم ~~تأتوننا عن اليمين ) وللمفسرين في تأويل معنى اليمين هنا اتجاهات منها : # أن المراد باليمين هنا : الجهة التي هي جهة الخير واليمن : أى : قال ~~الضعفاء للرؤساء : إنكم كنتم في الدنيا توهموننا وتخدعوننا بالبقاء على ما ~~نحن عليه من عبادة الأصنام والأوثان ، لأن بقاءنا على ذلك فيه الخير واليمن ~~والسلامة. فأين مصداق ما قلتموه لنا وقد نزل بنا ما نزل من أهوال وآلام؟ # فالمقصود بالآية الكريمة بيان ما يقوله الأتباع للمتبوعين على سبيل ~~الحسرة والندامة ، لأنهم خدعوا بوسوستهم ، وأصيبوا بالخيبة بسبب اتباعهم لهم. # وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : اليمين لما كانت أشرف العضوين ~~وأمتنهما ، وكانوا يتيمنون بها ، فبها يصافحون ، ويماسحون ، ويناولون ~~ويتناولون ، ويزاولون أكثر الأمور. # لما كانت كذلك استعيرت لجهة الخير وجانبه ، فقيل : أتاه عن اليمين ، أى ~~من الخير وناحيته .. (2). # ومنهم من يرى أن المراد باليمين هنا : اليمين الشرعية التي هي القسم ، ~~وعن بمعنى الباء. # أى : قالوا لهم : إنكم كنتم في الدنيا تأتوننا بالأيمان المغلظة على أننا ~~وأنتم على الحق فصدقناكم ، فأين نحن وأنتم الآن من هذه الأيمان المغلظة؟ ~~لقد ظهر كذبها وبطلانها ، وأنتم اليوم مسئولون عما نحن فيه من كرب. # ومنهم من يرى أن المراد باليمين هنا : القوة والغلبة. أى : أنكم كنتم في ~~الدنيا تجبروننا وتقسروننا على اتباعكم لأننا كنا ms4782 ضعفاء وكنتم أقوياء. # والذي نراه أن الآية الكريمة تسع كل هذه الأقوال ، لأن الرؤساء أوهموا ~~الضعفاء بأنهم على PageV12P079 # الحق ، وأقسموا لهم على ذلك ، وهددوهم بالقتل أو الطرد إن هم اتبعوا ما ~~جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم . # ومقصود الضعفاء من هذا القول ، إلقاء المسئولية كاملة على الرؤساء ، ~~توهما منهم أن هذا الإلقاء سيخفف عنهم شيئا من العذاب. # ثم يحكى القرآن بعد ذلك : أن الرؤساء قد ردوا عليهم بخمسة أجوبة. # أولها : ( @QUR@05 قالوا بل لم تكونوا مؤمنين ) أى : قال الرؤساء للأتباع ~~: نحن لم نتسبب في كفركم في الدنيا ، بل أنتم الذين أبيتم الإيمان ~~باختياركم ، وآثرتم عليه الكفر باختياركم أيضا فكفركم نابع من ذواتكم ، ~~وليس من شيء خارج عنكم ، ولم يدخل الإيمان قلوبكم في وقت من الأوقات. # فالجملة الكريمة إضراب إبطالى من المتبوعين ، عما ادعاه التابعون. # وثانيها : يتجلى في قوله تعالى : ( @QUR@06 وما كان لنا عليكم من سلطان ) ~~أى : وما كان لنا عليكم من قوة أو غلبة تجبركم على البقاء في الكفر والضلال ~~، ولكنكم أنتم الذين رضيتم بالكفر عن اختيار واقتناع منكم به. # وثالثها قوله تعالى : ( @QUR@04 بل كنتم قوما طاغين ) أى : نحن لم يكن ~~لنا سلطان عليكم ، بل أنتم الذين كنتم في الدنيا قوما طاغين وضالين مثلنا. ~~والطغيان مجاوزة الحد في كل شيء. # ورابعها : نراه في قوله سبحانه : ( @QUR@06 فحق علينا قول ربنا إنا ~~لذائقون ) والفاء للتفريع على ما تقدم ، من كون الرؤساء لم يجبروا الضعفاء ~~على البقاء في الكفر. أى : نحن وأنتم لم تكونوا مؤمنين أصلا. فكانت نتيجتنا ~~جميعا ، أن استحققنا العذاب ، وأن لزمنا ما توعدنا به خالقنا من ذوق العذاب ~~، جزاء كفرنا وشركنا به تعالى . # وخامس هذه الأجوبة : بينه سبحانه في قوله حكاية عنهم : ( @QUR@04 ~~فأغويناكم إنا كنا غاوين ). # أى : فدعوناكم للغواية والضلالة دعوة غير ملجئة ، فاستجبتم لنا باختياركم ~~الغي على الرشد ( @QUR@03 إنا كنا غاوين ) مثلكم ، فلا تلومونا ولوموا ~~أنفسكم فنحن ما أجبرناكم على اتباعنا ولكن أنتم الذين اتبعتمونا باختياركم. # وهكذا رد الرؤساء على الضعفاء فيما اتهموهم به من أنهم السبب فيما حل ms4783 بهم ~~من عذاب أليم يوم القيامة. PageV12P080 # وهنا يبين سبحانه حكمه العادل في الجميع ، في الرؤساء والأتباع فيقول ( ~~@QUR@05 فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون ). # أى : كما كانوا متشاركين في الدنيا في الغواية والضلالة ، فإنهم في ~~الآخرة مشتركون جميعا في حلول العذاب بهم ، وذوقهم لآلامه وسعيره. # فالضمير في قوله ( @QUR@01 فإنهم ) يعود للتابعين والمتبوعين ، لأنهم ~~جميعا مستحقون للعذاب. # ثم بين سبحانه الأسباب التي أدت بالكافرين جميعا إلى هذا المصير السيئ ~~فقال : ( @QUR@04 إنا كذلك نفعل بالمجرمين ) أى : مثل هذا العذاب الأليم ~~نفعل بالمجرمين ، لأنهم أشركوا معنا غيرنا في العبادة ، وآذوا رسلنا الذين ~~جاءوا لهدايتهم وإرشادهم. # ( @QUR@02 إنهم كانوا ) في الدنيا ( @QUR@03 إذا قيل لهم ) على سبيل ~~النصيحة والدعوة إلى الحق ( @QUR@05 لا إله إلا الله يستكبرون ) عن قبول ~~هذه النصيحة ، ويعرضون عنها ، ويصرون على كفرهم وجحودهم للحق ، ويستكبرون ~~عن النطق بكلمة الإيمان. # ( @QUR@01 ويقولون ) لمن نصحهم : ( @QUR@05 أإنا لتاركوا آلهتنا لشاعر ~~مجنون ). # أى : ويقولون باستهزاء وغرور لمن دعاهم إلى الإيمان وإلى قول لا إله إلا ~~الله ، يقولون له أتدعونا إلى أن نترك ما عليه آباؤنا وأجدادنا من عقائد ~~وأفعال ، وإلى أن نتبع ما جاءنا به هذا الشاعر المجنون. # ويعنون بالشاعر المجنون قبحهم الله رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أرسله ~~الله تعالى لهدايتهم. # ولذا رد الله تعالى عليهم بقوله : ( @QUR@05 بل جاء بالحق وصدق المرسلين ). # أى : ليس الرسول صلى الله عليه وسلم شاعرا أو مجنونا ، كما زعمتم أيها ~~الجاهلون ، بل هو رسول صادق فيما يبلغه عن ربه ، وقد جاءكم بالحق وهو دين ~~التوحيد الذي دعا إليه جميع الرسل ، فكان مصدقا لهم في الدعوة إليه. فكيف ~~تزعمون أنه شاعر مجنون؟ # ( @QUR@01 إنكم ).. أيها المشركون بسبب هذه المزاعم ( @QUR@01 لذائقوا ) ~~في هذا اليوم ( @QUR@02 العذاب الأليم ) الذي يذلكم ويخزيكم ويجعلكم في حزن دائم. # ( @QUR@06 وما تجزون إلا ما كنتم تعملون ) أى : وما نجازيكم بهذا الجزاء ~~الموجع المؤلم. إلا بسبب أعمالكم القبيحة في الدنيا. # وهكذا نجد الآيات الكريمة قد بينت لنا بأسلوب مؤثر بديع ، سوء عاقبة ~~الكافرين ، بسبب PageV12P081 # إعراضهم عن الحق. واستكبارهم عن الدخول فيه ، ووصفهم للرسول ms4784 ~~صلى الله عليه وسلم بما هو برىء منه. # وكعادة القرآن الكريم في المقارنة بين مصير الأشرار ومصير الأخيار ليهلك ~~من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة أتبع سبحانه الحديث عن سوء عاقبة ~~الكافرين بالحديث عن حسن عاقبة المؤمنين ، فقال تعالى : # ( @QUR@04 إلا عباد الله المخلصين (40) @QUR@04 أولئك لهم رزق معلوم (41) ~~@QUR@03 فواكه وهم مكرمون (42) @QUR@03 في جنات النعيم (43) @QUR@03 على ~~سرر متقابلين (44) @QUR@05 يطاف عليهم بكأس من معين (45) @QUR@03 بيضاء لذة ~~للشاربين (46) @QUR@07 لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون (47) @QUR@04 وعندهم ~~قاصرات الطرف عين (48) @QUR@03 كأنهن بيض مكنون ) (49) # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( @QUR@04 إلا عباد الله المخلصين ) ~~استثناء منقطع من ضمير «ذائقو» وما بينهما اعتراض جيء به مسارعة إلى تحقيق ~~الحق. ببيان أن ذوقهم العذاب ليس إلا من جهتهم لا من جهة غيرهم أصلا. فإلا ~~مؤولة بلكن. # فالمعنى : إنكم أيها المشركون لذائقو العذاب الأليم ، لكن عباد الله ~~المخلصين ليسوا كذلك أولئك لهم رزق معلوم .. (1). # ولفظ ( @QUR@01 المخلصين ) قرأه بعض القراء السبعة بفتح اللام ، أى : لكن ~~عباد الله تعالى الذين أخلصهم الله تعالى لطاعته وتوحيده ليسوا كذلك. # وقرأه البعض الآخر بكسر اللام. أى : لكن عباد الله الذين أخلصوا له ~~العبادة والطاعة ، لا يذوقون حر النار كالمشركين. # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@04 أولئك لهم رزق معلوم ) يعود إلى هؤلاء ~~العباد المخلصين. # أى : أولئك العباد المتصفون بتلك الصفة الكريمة وهي الإخلاص ، لهم رزق ~~عظيم معلوم في وقته ، كما قال تعالى : ( @QUR@05 ولهم رزقهم فيها بكرة ~~وعشيا ). ومعلوم في خصائصه الكريمة PageV12P082 # وصفاته الحسنة ككونه لذيذ الطعم ، حسن المنظر ، غير مقطوع ولا ممنوع إلى ~~غير ذلك من الصفات التي تجعله محل الرغبة والاشتهاء. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 فواكه وهم مكرمون ) بدل مما قبله ، أو خبر ~~لمبتدأ محذوف ، أى هذا الرزق المعلوم ، هو فواكه. # والمراد بهذه الفواكه : ما يأكله الآكل على سبيل التلذذ والتفكه ، وجميع ~~ما يأكله أهل الجنة كذلك حتى اللحم والخبز ، لأنهم في الجنة في غنى عن ~~القوت الذي يحفظون به حياتهم. وخصت الفاكهة بالذكر لأنها أطيب ما يأكله ~~الآكلون. # وفضلا عن كل ذلك فهم فيها ms4785 منعمون مكرمون ، لا يحتاجون إلى شيء إلا ~~ويجدونه بين أيديهم ، بفضل الله تعالى ورحمته. # ثم بين سبحانه مكانهم وهيئتهم فقال : ( @QUR@06 في جنات النعيم ، على سرر ~~متقابلين ). # أى : هم في جنات ليس فيها إلا النعيم الدائم ، وهم في الوقت نفسه يجلسون ~~على سرر متقابلين ، بأن تكون وجوههم متقابلة لا متدابرة ، فإن من شأن ~~المتصافين أن يجلسوا متقابلين. # ( @QUR@05 يطاف عليهم بكأس من معين ) والكأس. هو الإناء الذي فيه شراب ، ~~فإن لم يكن فيه شراب فهو قدح ، وقد يسمى الشراب ذاته كأسا ، فيقال : شربت ~~كأسا ، وذلك من باب تسمية الشيء باسم محله. # و «معين» اسم فاعل من معن وهو صفة لكأس مأخوذ من عان الماء إذا نبع وظهر ~~على الأرض. أى : يطاف على هؤلاء العباد المخلصين وهم في الجنة ، بكأس ملئ ~~بخمر لذة للشاربين ، نابعة من العيون ، وظاهرة للأبصار ، تجرى في أنهار ~~الجنة كما تجرى المياه في الأنهار. # فالتعبير بقوله تعالى ( @QUR@03 بكأس من معين ) يشعر بكثرتها ، وقربها ~~ممن يريدها. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 بيضاء لذة للشاربين ) صفتان للكأس باعتبار ما فيه. # أى هذه الخمر التي يطاف بها عليهم ، بيضاء اللون ، لذيذة الطعم والرائحة ~~عند الشاربين. # ( @QUR@03 لا فيها غول ) أى : أذى أو مضرة ، والغول. إهلاك الشيء على غرة وغفلة. # يقال : غاله يغوله غولا ، واغتاله اغتيالا ، إذا قضى عليه بغتة ، وأخذه ~~من حيث لا يشعر. # أى : أن خمر الآخرة ليس فيها ما يضر أو يؤذى ، كما هو الحال بالنسبة لخمر ~~الدنيا. PageV12P083 # ( @QUR@04 ولا هم عنها ينزفون ) وعن هنا للسببية ، فهي بمعنى الباء ، أى ~~: ولا هم بسبب شربها تذهب عقولهم ، وتختل أفكارهم ، كما هو الحال في خمر ~~الدنيا. # وأصل النزف : نزع الشيء من مكانه وإذهابه بالتدريج ، يقال : نزف فلان ماء ~~البئر ينزفه من باب ضرب إذا نزحه شيئا فشيئا إلى نهايته ، ويقال : نزف ~~الرجل كعنى إذا سكر حتى اختل عقله ، وخصت هذه المفسدة بالذكر مع عموم ما ~~قبلها ، لكونها من أعظم مفاسد الخمر. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 وعندهم قاصرات الطرف عين ) بيان لمتعة أخرى من ~~المتع التي أحلها الله تعالى لهم. ms4786 # وقاصرات : من القصر بمعنى الحبس ، وعين ، جمع عيناء ، وهي المرأة الواسعة ~~العين في جمال. أى وفضلا عن ذلك ، فقد متعنا هؤلاء العباد بمتع أخرى. وهي ~~أننا جعلنا عندهم للمؤانسة نساء قصرن أبصارهن على أزواجهن لا يمدونها إلى ~~غيرهم ، لشدة محبتهن لهم ، ومن صفات هؤلاء النساء أيضا أنهن جميلات العيون. # ( @QUR@01 كأنهن ) أى : هؤلاء النسوة ( @QUR@02 بيض مكنون )، أى : كأنهن ~~كبيض النعام. الذي أخفاه الريش في العش ، فلم تمسه الأيدى ، ولم يصبه ~~الغبار ، في صفاء البشرة ، ونقاء الجسد. # وشبههن ببيض النعام ، لأن لونه مع بياضه وصفائه يخالطه شيء من الصفرة وهو ~~لون محبوب في النساء عند العرب ولذا قالوا في النساء الجميلات : بيضات ~~الخدور. # وإلى هنا تجد الآيات الكريمة قد بشرت عباد الله المخلصين. بالعطاء ~~المتنوع الجزيل ، الذي تنشرح له الصدور ، وتقر به العيون ، وتبتهج له ~~النفوس. # ثم حكى سبحانه بعض المحاورات التي تدور بين عباده المخلصين ، بعد أن رأوا ~~ما أعده سبحانه لهم من نعيم مقيم .. فقال تعالى : # ( @QUR@05 فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (50) @QUR@07 قال قائل منهم إني ~~كان لي قرين (51) @QUR@04 يقول أإنك لمن المصدقين (52) @QUR@07 أإذا متنا ~~وكنا ترابا وعظاما أإنا لمدينون (53) @QUR@04 قال هل أنتم مطلعون (54) ~~@QUR@05 فاطلع فرآه في سواء الجحيم (55) @QUR@05 قال تالله إن كدت لتردين ~~(56) @QUR@04 ولو لا نعمة ربي PageV12P084 # @QUR@03 لكنت من المحضرين (57) @QUR@03 أفما نحن بميتين (58) @QUR@06 إلا ~~موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين (59) @QUR@05 إن هذا لهو الفوز العظيم (60) ~~@QUR@04 لمثل هذا فليعمل العاملون ) (61) # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : علام عطف قوله : ( @QUR@04 فأقبل بعضهم على ~~بعض )؟ # قلت ؛ هو معطوف على قوله تعالى قبل ذلك : ( @QUR@05 يطاف عليهم بكأس من ~~معين ) والمعنى : يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشاربين. # قال الشاعر : # وما بقيت من اللذات إلا %~% أحاديث الكرام على المدام # فيقبل بعضهم على بعض ( @QUR@01 يتساءلون ) عما جرى لهم وعليهم في الدنيا. ~~إلا أنه جيء به ماضيا على عادة الله في أخباره (1). # أى : أن هؤلاء العباد المخلصين ، بعد أن أعطاهم الله ما أعطاهم من النعم ~~، أقبل بعضهم على بعض ( @QUR@01 يتساءلون ) فيما بينهم عن ذكرياتهم ، وإذا ~~بواحد منهم يقول لإخوانه من ms4787 باب التحدث بنعمة الله : # ( @QUR@04 إني كان لي قرين ) أى : إنى في الدنيا كان لي صديق ملازم لي ، ~~ينهاني عن الإيمان بالبعث والحساب ، ويقول لي بأسلوب التهكم والاستهزاء : # ( @QUR@03 أإنك لمن المصدقين ) أى : أإنك أيها الرجل لمن المصدقين بأن ~~هناك بعثا وحسابا ، وثوابا وعقابا ، وجنة ونارا. # ثم يضيف إلى ذلك قوله : ( @QUR@02 أإذا متنا ) وانتهت حياتنا في هذه ~~الدنيا ، ووضعنا في قبورنا ( @QUR@03 وكنا ترابا وعظاما ) أى : وصارت ~~أجسادنا مثل التراب ومثل العظام البالية. ( @QUR@02 أإنا لمدينون ) أى : ~~أإنا بعد كل ذلك لمبعوثون ومعادون إلى الحياة مرة أخرى ، ومجزيون بأعمالنا. ~~فقوله تعالى : ( @QUR@01 لمدينون ) من الدين بمعنى الجزاء ، ومنه قوله ~~تعالى : ( @QUR@03 مالك يوم الدين ) والاستفهام : للاستبعاد والإنكار من ~~ذلك القرين للبعث والحساب. PageV12P085 # وهنا يعرض هذا المؤمن على إخوانه ، أن يشاركوه في الاطلاع على مصير هذا ~~القرين الكافر بالبعث فيقول لهم : ( @QUR@03 هل أنتم مطلعون ) أى : هل أنتم ~~مطلعون معى على أهل النار لنرى جميعا حال ذلك القرين الذي حكيت لكم حاله؟ ~~والاستفهام للتخصيص ، أى : هيا صاحبونى في الاطلاع على هذا القرين الكافر. # ( @QUR@01 فاطلع ) ذلك الرجل المؤمن ومعه إخوانه على أهل النار. فرآه في ~~سواء الجحيم ، أى : فرأى ذلك الرجل الذي كان قرينه وصاحبه الملازم له في ~~الدنيا ، ملقى به في «سواء الجحيم» أى : في وسط النار ، وسمى الوسط سواء ~~لاستواء المسافة منه إلى باقى الجوانب. # قال الآلوسى : واطلاع أهل الجنة على أهل النار ، ومعرفة من فيها ، مع ما ~~بينهما من التباعد غير بعيد بأن يخلق الله تعالى فيهم حدة النظر ، ويعرفهم ~~من أرادوا الاطلاع عليه. # ولعلهم إن أرادوا ذلك وقفوا على الأعراف. فاطلعوا على من أرادوا الاطلاع ~~عليه من أهل النار. وقبل : إن لهم طاقات في الجنة ينظرون منها من علو إلى ~~أهل النار ، وعلم القائل بأن القرين من أهل النار ، لأنه كان منكرا للبعث (1). # ثم يحكى القرآن بعد ذلك ما قاله ذلك الرجل المؤمن لقرينه في الدنيا بعد ~~أن رآه في وسط الجحيم فيقول. ( @QUR@012 قال تالله إن كدت لتردين ، ولو لا ~~نعمة ربي لكنت من المحضرين ms4788 ). # وقوله : ( @QUR@01 تالله ) قسم فيه معنى التعجب ، و ( @QUR@01 إن ) مخففة ~~من الثقيلة. واللام في قوله : ( @QUR@01 لتردين ) هي الفارقة بين إن ~~المخففة والنافية ، والجملة جواب القسم ، وتردين : أى تهلكني يقال : أردى ~~فلان فلانا إذا أهلكه. وردى فلان من باب رضى إذا هلك. # و ( @QUR@01 المحضرين ) من الإحضار ، يقال : أحضر المجرم ليلقى جزاءه ، ~~وهذا اللفظ يستعمل عند الإطلاق في الشر ، إذ يدل على السوق مع الإكراه ~~والقسر. # أى : قال الرجل المؤمن لقرينه الملقى في وسط جهنم. وحق الله تعالى لقد ~~كدت أيها القرين أن تهلكني بصدك إياى عن الإيمان بالبعث والحساب ولو لا ~~نعمة ربي على ، حيث عصمنى من طاعتك ، ووفقني للإيمان ... لكنت اليوم من ~~الذين أحضروا للعذاب مثلك ومثل أشباهك ، ولساقنى ملائكة العذاب إلى هذا ~~المصير الأليم الذي أنت فيه اليوم ، فحمدا لله تعالى على الإيمان والهداية. # وقوله تعالى : ( @QUR@09 أفما نحن بميتين. إلا موتتنا الأولى وما نحن ~~بمعذبين ) بيان لما PageV12P086 # يقوله هذا الرجل المؤمن لأصحابه الذين معه في الجنة ، وبعد أن انتهى من ~~كلامه مع قرينه. # وهذا الكلام يقوله على سبيل التلذذ والتحدث بنعمة الله عليهم. # والاستفهام للتقرير ، والفاء للعطف على مقدر يستدعيه المقام ، والمعطوف ~~عليه محذوف. # والمعنى : أنحن مخلدون في هذا النعيم ، ولن يلحقنا موت مرة أخرى بعد ~~موتتنا الأولى التي لحقتنا في الدنيا ، ولن يصيبنا شيء من العذاب كما أصاب غيرنا؟ # إننا لنشعر جميعا بأننا لن نموت مرة أخرى ، وسنبقى في هذا النعيم الدائم ~~بفضل الله ورحمته. # وبعضهم يرى أن هذا السؤال من أهل الجنة للملائكة حين يذبح الموت. # قال القرطبي : قوله : ( @QUR@06 أفما نحن بميتين. إلا موتتنا الأولى ): ~~هو من قول أهل الجنة للملائكة حين يذبح الموت ، ويقال : «يا أهل الجنة خلود ~~بلا موت ، ويا أهل النار خلود بلا موت» (1). # والإشارة في قوله تعالى : ( @QUR@05 إن هذا لهو الفوز العظيم ) لما سبق ~~الإخبار به من نفى الموت والعذاب عن أهل الجنة. وهذا القول أيضا حكاية لما ~~يقوله ذلك المؤمن لمن معه في الجنة ، أى : إن هذا النعيم الدائم الذي نحن ~~فيه يا ms4789 أهل الجنة لهو الفوز العظيم ، الذي لا يدانيه فوز ، ولا يقاربه فلاح. # ثم يقول لهم أيضا : ( @QUR@04 لمثل هذا فليعمل العاملون ) أى : لمثل هذا ~~العطاء الجزيل ، والنعيم المقيم ، فليعمل العاملون ، لا لغير ذلك من ~~الأعمال الدنيوية الزائلة الفانية. # ثم ساق سبحانه ما يدل على البون الشاسع. بين النعيم المقيم الذي يعيش فيه ~~عباد الله المخلصون. وبين الشقاء الدائم الذي يعيش فيه الكافرون ، فقال ~~تعالى : # ( @QUR@06 أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم (62) @QUR@04 إنا جعلناها فتنة ~~للظالمين (63) @QUR@06 إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم (64) @QUR@04 طلعها ~~كأنه رؤس الشياطين (65) @QUR@06 فإنهم لآكلون منها فمالؤن منها البطون (66) ~~@QUR@03 ثم إن لهم PageV12P087 # @QUR@04 عليها لشوبا من حميم (67) @QUR@05 ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم (68) ~~@QUR@04 إنهم ألفوا آباءهم ضالين (69) @QUR@04 فهم على آثارهم يهرعون (70) ~~@QUR@05 ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين (71) @QUR@04 ولقد أرسلنا فيهم منذرين ~~(72) @QUR@05 فانظر كيف كان عاقبة المنذرين (73) @QUR@04 إلا عباد الله ~~المخلصين ) (74) # واسم الإشارة «ذلك» في قوله تعالى : ( @QUR@06 أذلك خير نزلا أم شجرة ~~الزقوم ) يعود إلى نعيم الجنة الذي سبق الحديث عنه ، والذي يشمل الرزق ~~المعلوم وما عطف عليه. # والاستفهام للتوبيخ والتأنيب. والنزل : ما يقدم للضيف وغيره من طعام ~~ومكان ينزل به. # و «ذلك» مبتدأ ، و «خير» خبره ، و «نزلا» : تمييز لخير ، والخيرية بالنسبة ~~لما اختاره الكفار على غيره. والجملة مقول لقول محذوف. # وشجرة الزقوم هي شجرة لا وجود لها في الدنيا ، وإنما يخلقها الله تعالى ~~في النار ، كما يخلق غيرها من أصناف العذاب كالحيات والعقارب. # وقيل : هي شجرة سامة متى مست جسد أحد تورم ومات ، وتوجد في الأراضي ~~المجدية المجاورة للصحراء. # والزقوم : من التزقم ، وهو ابتلاع الشيء الكريه ، بمشقة شديدة. # والمعنى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الكافرين أذلك النعيم الدائم ~~الذي ينزل به المؤمنون في الجنة خير ، أم شجرة الزقوم التي يتبلغ بها ~~الكافرون وهم في النار ، فلا يجدون من ورائها إلا الغم والكرب لمرارة طعمها ~~، وقبح رائحتها وهيئتها. # ومعلوم أنه لا خير في شجرة الزقوم ، ولكن المؤمنين لما اختاروا ما أدى ~~بهم إلى نعيم الجنة وهو الإيمان والعمل الصالح ، واختار الكافرون ما أدى ms4790 ~~بهم إلى النار وبئس القرار ، قيل لهم ذلك على سبيل التوبيخ والتقريع ، لسوء ~~اختيارهم. # ثم بين سبحانه شيئا عن هذه الشجرة فقال : ( @QUR@04 إنا جعلناها فتنة ~~للظالمين ) أى : إنا جعلنا هذه الشجرة محنة وابتلاء وامتحانا لهؤلاء ~~الكافرين الظالمين ، لأنهم لما أخبرهم PageV12P088 # رسولنا صلى الله عليه وسلم بوجود هذه الشجرة في النار. كذبوه واستهزءوا به ، ~~فحق عليهم عذابنا بسبب هذا التكذيب والاستهزاء. # قال القرطبي ما ملخصه قوله تعالى ( @QUR@04 إنا جعلناها فتنة للظالمين ) ~~أى ، المشركين. وذلك أنهم قالوا. كيف تكون في النار شجرة ، مع أن النار ~~تحرق الشجر ..؟ # وكان هذا القول جهلا منهم ، إذ لا يستحيل في العقل أن يخلق الله في النار ~~شجرا من جنسها لا تأكله النار ، كما يخلق الله فيها الأغلال والقيود ~~والحيات والعقارب .. (1). # ثم بين سبحانه أصل هذه الشجرة ومنبتها فقال : ( @QUR@06 إنها شجرة تخرج ~~في أصل الجحيم ) أى : منبتها وأصلها يخرج من أسفل الجحيم ، أما أغصانها ~~وفروعها فترتفع إلى دركاتها. # ثم بين سبحانه ثمرها فقال : ( @QUR@04 طلعها كأنه رؤس الشياطين ) أى : ~~ثمرها الذي يخرج منها ، وحملها الذي يتولد عنها ، يشبه في تناهى قبحه ~~وكراهيته ، رؤوس الشياطين التي هي أقبح ما يتصوره العقل ، وأبغض شيء يرد ~~على الخاطر. # قال صاحب الكشاف ما ملخصه : شبه حمل شجرة الزقوم برءوس الشياطين ، ~~للدلالة على تناهيه في الكراهة وقبح المنظر ، لأن الشيطان مكروه مستقبح في ~~طباع الناس ، لاعتقادهم أنه شر محض لا يخالطه خير ، فيقولون في القبيح ~~الصورة : كأنه وجه شيطان ، أو كأنه رأس شيطان ، وإذا صوره المصورون صوروه ~~على أقبح صورة. # كما أنهم اعتقدوا في الملك أنه خير محض لا شر فيه ، فشبهوا به الصورة ~~الحسنة ، قال الله تعالى : ( @QUR@08 ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم ). ~~وهذا تشبيه تخييلى. # وقيل : الشيطان حية عرفاء لها صورة قبيحة المنظر .. فجاء التشبيه بها .. (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@06 فإنهم لآكلون منها فمالؤن منها البطون ) تفريع ~~على ما تقدم من كونها فتنة لهم. # أى : هذا هو حال تلك الشجرة ، وهذا هو أصلها وثمرها ، وإن هؤلاء الكفار ~~الذين يستهزئون بمن يحدثهم ms4791 عنها لآكلون من ثمارها حتى تمتلئ بطونهم ، رغما ~~عنهم ، وإذلالا لهم. # ( @QUR@04 ثم إن لهم عليها ) أى : على ما يأكلونه منها ( @QUR@03 لشوبا ~~من حميم ) أى : لشرابا مخلوطا بماء شديد الحرارة يقطع الأحشاء ، كما قال ~~تعالى : ( @QUR@05 وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم ). PageV12P089 # فالشوب : الخلط يقال : شاب فلان طعامه ، إذا خلطه بغيره. # والحميم : الماء الذي بلغ الغاية في الحرارة. فطعامهم والعياذ بالله قد ~~اجتمع فيه مرارة الزقوم وحرارة الماء وهذا أشنع ما يكون عليه الطعام. # ثم بين سبحانه مصيرهم الدائم فقال. ( @QUR@05 ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم ) ~~أى : ثم إن مرجعهم ومصيرهم ومقرهم الدائم بعد كل ذلك لإلى دركات الجحيم لا ~~إلى غيرها. # ثم بين سبحانه بعد ذلك الأسباب التي أدت بهم إلى هذا المصير السيئ فقال ~~تعالى : ( @QUR@08 إنهم ألفوا آباءهم ضالين : فهم على آثارهم يهرعون ). # وقوله : ( @QUR@01 ألفوا ) من الإلف للشيء بمعنى التعود عليه بعد وجوده ~~وحصوله. # وقوله : ( @QUR@01 يهرعون ) من الإهراع بمعنى الإسراع الشديد ، أو ~~الإسراع الذي تصحبه رعدة وفزع ، يقال : هرع وأهرع بالبناء للمجهول فيهما ~~إذا استحث وأزعج ، ويقال : فلان يهرع بضم الياء إذا جاء مسرعا في غضب أو ~~ضعف أو خوف. # أى : إن ما أصاب هؤلاء الكافرين من عذاب أليم ، سببه أنهم وجدوا آباءهم ~~مقيمين على الضلال ، فاقتدوا بهم اقتداء أعمى ، وساروا خلفهم وعلى آثارهم ~~بسرعة وبغير تدبر أو تعقل ، كما يسير الأعمى خلف من يذهب به إلى طريق هلاكه. # فالآيتان الكريمتان توبيخ شديد لهؤلاء الكافرين ، لأنهم لم يكتفوا بتقليد ~~آبائهم في الضلال ، بل أسرعوا إلى ذلك إسراعا لا تمهل معه ولا تدبر. # ثم بين سبحانه أحوال السابقين عليهم فقال : ( @QUR@05 ولقد ضل قبلهم أكثر ~~الأولين ). # أى : ولقد ضل قبل هؤلاء الظالمين من قومك أيها الرسول الكريم أكثر ~~الأقوام السابقين الذين أرسلنا إليهم رسلنا لهدايتهم. # وفي التعبير بقوله : ( @QUR@01 أكثر ) إنصاف ومدح للقلة المؤمنة التي ~~اتبعت الحق. # ( @QUR@04 ولقد أرسلنا فيهم منذرين ) أى : ولقد أرسلنا في هؤلاء الأقوام ~~السابقين أنبياء كثيرين ينذرونهم ويخوفونهم من عاقبة الكفر والشرك ، ولكن ~~أكثر هؤلاء الأقوام لم يستجيبوا للحق. # ( @QUR@01 فانظر ) أيها ms4792 الرسول الكريم ( @QUR@04 كيف كان عاقبة المنذرين ~~) أى : فانظر وتأمل كيف كانت عاقبة هؤلاء الذين أنذروا فلم يستجيبوا للحق ، ~~لقد كانت عاقبتهم أن دمرناهم تدميرا ( @QUR@04 إلا عباد الله المخلصين ) أى ~~: دمرنا هؤلاء الأقوام إلا عبادنا الذين أخلصوا لنا العبادة والطاعة فقد ~~أنجيناهم بفضلنا ورحمتنا. # ثم ذكر سبحانه بعد ذلك قصص بعض الأنبياء السابقين مع أقوامهم لتثبيت فؤاد PageV12P090 # النبي صلى الله عليه وسلم وتسليته عما أصابه من قومه ، وابتدأ تلك القصص ~~ببيان جانب من قصة نوح عليه السلام مع قومه فقال تعالى : # ( @QUR@05 ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون (75) @QUR@05 ونجيناه وأهله من ~~الكرب العظيم (76) @QUR@04 وجعلنا ذريته هم الباقين (77) @QUR@04 وتركنا ~~عليه في الآخرين (78) @QUR@05 سلام على نوح في العالمين (79) @QUR@04 إنا ~~كذلك نجزي المحسنين (80) @QUR@04 إنه من عبادنا المؤمنين (81) @QUR@03 ثم ~~أغرقنا الآخرين ) (82) # وقصة نوح عليه السلام قد وردت في القرآن الكريم في سور متعددة منها : سورة ~~الأعراف ، وسورة هود ، وسورة نوح ، وسورة المؤمنون. # وهنا يحدثنا القرآن عن جانب من النعم التي أنعم بها الله تعالى على نبيه ~~نوح عليه السلام حيث أجاب له دعاءه ، ونجاه وأهله من الكرب العظيم وأهلك ~~أعداءه المكذبين. # واللام في قوله : ( @QUR@03 ولقد نادانا نوح ... ) واقعة في جواب قسم ~~محذوف والمراد بالنداء الدعاء الذي تضرع به نوح عليه السلام وطلب منا أن ~~ننصره على قومه الكافرين فاستجبنا له أحسن إجابة ، ونعم المجيبون نحن ، فقد ~~أهلكنا أعداءه بالطوفان. # أخرج ابن مردويه عن عائشة قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى في ~~بيتي فمر بهذه الآية ، قال : «صدقت ربنا ، أنت أقرب من دعى ، وأقرب من بغى ~~أى طلب لإجابة الدعاء فنعم المدعو أنت ، ونعم المعطى أنت. ونعم المسئول أنت ~~ربنا ونعم النصير» (1). # والمراد بأهله في قوله تعالى : ( @QUR@05 ونجيناه وأهله من الكرب العظيم ~~) الذين آمنوا معه. # أى : ونجيناه وأهله الذين آمنوا معه بفضلنا وإحساننا من الكرب العظيم ، ~~الذي حل بأعدائه الكافرين ، حيث أغرقناهم أجمعين. PageV12P091 # ( @QUR@04 وجعلنا ذريته هم الباقين ) أى : وجعلنا ذريته من بعده هم الذين ~~بقوا وبقي نسلهم من بعدهم ، وذلك لأن الله تعالى أهلك جميع ms4793 الكافرين من ~~قومه ، أما من كان معه من المؤمنين من غير ذريته ، فقد قيل إنهم ماتوا ، ~~ولم يبق سوى أولاده. # قال ابن كثير : قوله تعالى : ( @QUR@04 وجعلنا ذريته هم الباقين ): قال ~~ابن عباس : لم تبق إلا ذرية نوح. # وقال قتادة : الناس كلهم من ذرية نوح. # وروى الترمذي وابن جرير وابن أبى حاتم عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~في قوله : ( @QUR@04 وجعلنا ذريته هم الباقين ) قال : «هم سام ، وحام ، ~~ويافث». # وروى الإمام أحمد بسنده عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «سام ~~أبو العرب ، وحام أبو الحبش ، ويافث أبو الروم» (1). # ( @QUR@09 وتركنا عليه في الآخرين. سلام على نوح في العالمين ) أى : ~~وأبقينا عليه في الأمم التي ستأتى من بعده إلى يوم القيامة ، الذكر الحسن ، ~~والكلمة الطيبة ألا وهي قولهم : سلام على نوح في العالمين ، أى : تحية ~~وأمان وثناء جميل على نوح في العالمين. # وقوله : ( @QUR@08 إنا كذلك نجزي المحسنين. إنه من عبادنا المؤمنين ) ~~تعليل لما منحه سبحانه لعبده نوح من نعم وفضل وإجابة دعاء. # أى : مثل ذلك الجزاء الكريم الذي جازينا به نوحا عليه السلام نجازي كل من ~~كان محسنا في أقواله وأفعاله. وإن عبدنا نوحا قد كان من عبادنا الذين بلغوا ~~درجة الكمال في إيمانهم وإحسانهم. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@04 وتركنا عليه في الآخرين ) أى من ~~الأمم هذه الكلمة ، وهي : «سلام على نوح» يعنى : يسلمون عليه تسليما ويدعون ~~له. فإن قلت : فما معنى قوله : ( @QUR@02 في العالمين ). # قلت : معناه الدعاء بثبوت هذه التحية فيهم جميعا ، وأن لا يخلو أحد منهم ~~منها ، كأنه قيل : ثبت الله التسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين ، ~~يسلمون عليه عن آخرهم. # علل سبحانه مجازاة نوح بتلك التكرمة السنية ، من تبقية ذكره ، وتسليم ~~العالمين عليه إلى آخر الدهر ، بأنه كان محسنا ، ثم علل كونه محسنا ، بأنه ~~كان عبدا مؤمنا ، ليريك جلالة PageV12P092 # محل الإيمان ، وأنه القصارى من صفات المدح والتعظيم ، ويرغبك في تحصيله ~~وفي الازدياد منه (1). # ثم ختم سبحانه القصة بقوله : ( @QUR@03 ثم أغرقنا الآخرين ) أى : لقد ms4794 ~~أضفنا إلى تلك النعم التي أعطيناها لنبينا نوح عليه السلام أننا أغرقنا ~~أعداءه الذين آذوه ، وأعرضوا عن دعوته. # وتلك سنتنا لا تتخلف ، أننا ننجي المؤمنين ، ونهلك الكافرين. # وجاءت بعد قصة نوح عليه السلام قصة إبراهيم عليه السلام وقد حكى الله تعالى ~~ما دار بين إبراهيم وبين قومه ، كما حكى بعض النعم التي أنعمها سبحانه عليه ~~، بسبب إيمانه وإحسانه ، فقال تعالى : # ( @QUR@04 وإن من شيعته لإبراهيم (83) @QUR@05 إذ جاء ربه بقلب سليم (84) ~~@QUR@07 إذ قال لأبيه وقومه ما ذا تعبدون (85) @QUR@05 أإفكا آلهة دون الله ~~تريدون (86) @QUR@04 فما ظنكم برب العالمين (87) @QUR@04 فنظر نظرة في ~~النجوم (88) @QUR@03 فقال إني سقيم (89) @QUR@03 فتولوا عنه مدبرين (90) ~~@QUR@06 فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون (91) @QUR@04 ما لكم لا تنطقون ~~(92) @QUR@04 فراغ عليهم ضربا باليمين (93) @QUR@03 فأقبلوا إليه يزفون ~~(94) @QUR@04 قال أتعبدون ما تنحتون (95) @QUR@04 والله خلقكم وما تعملون ~~(96) @QUR@07 قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم (97) @QUR@05 فأرادوا ~~به كيدا فجعلناهم الأسفلين (98) @QUR@06 وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين (99) ~~@QUR@05 رب هب لي من الصالحين (100) PageV12P093 # @QUR@03 فبشرناه بغلام حليم (101) @QUR@029 فلما بلغ معه السعي قال يا ~~بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ما ذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ~~ستجدني إن شاء الله من الصابرين (102) @QUR@04 فلما أسلما وتله للجبين ~~(103) @QUR@04 وناديناه أن يا إبراهيم (104) @QUR@07 قد صدقت الرؤيا إنا ~~كذلك نجزي المحسنين (105) @QUR@05 إن هذا لهو البلاء المبين (106) @QUR@03 ~~وفديناه بذبح عظيم (107) @QUR@04 وتركنا عليه في الآخرين (108) @QUR@03 ~~سلام على إبراهيم (109) @QUR@03 كذلك نجزي المحسنين (110) @QUR@04 إنه من ~~عبادنا المؤمنين (111) @QUR@05 وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين (112) ~~@QUR@010 وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين ) (113) # والضمير في قوله : ( @QUR@04 وإن من شيعته لإبراهيم ) يعود على نوح ~~عليه السلام وشيعة الرجل : أعوانه وأنصاره وأتباعه ، وكل جماعة اجتمعوا على ~~أمر واحد أو رأى واحد فهم شيعة ، والجمع شيع مثل سدرة وسدر. # قال القرطبي : الشيعة : الأعوان ، وهو مأخوذ من الشياع ، وهو الحطب ~~الصغار الذي يوقد مع الكبار حتى يستوقد. (1). # والمعنى : وإن من شيعة نوح لإبراهيم عليهما السلام لأنه تابعه في الدعوة ~~إلى الدين الحق ، وفي الصبر على الأذى من أجل إعلاء كلمة ms4795 الله تعالى ونصرة ~~شريعته .. وهكذا جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام اللاحق منهم يؤيد ~~السابق ، ويناصره في دعوته التي جاء بها من عند ربه ، وإن اختلفت شرائعهم ~~في التفاصيل والجزئيات ، فهي متحدة في الأصول والأركان. PageV12P094 # وكان بين نوح وإبراهيم ، نبيان كريمان هما : هود ، وصالح عليهما السلام ~~والظرف في قوله تعالى : ( @QUR@05 إذ جاء ربه بقلب سليم ) متعلق بمحذوف ~~تقديره : اذكر أى : اذكر أيها العاقل لتعتبر وتتعظ وقت أن جاء إبراهيم إلى ~~ربه بقلب سليم من الشرك ومن غيره من الآفات كالحسد والغل والخديعة والرياء. # والمراد بمجيئه ربه بقلبه : إخلاص قلبه لدعوة الحق ، واستعداده لبذل نفسه ~~وكل شيء يملكه في سبيل رضا ربه عز وجل . # فهذا التعبير يفيد الاستسلام المطلق لربه والسعى الحثيث في كل ما يرضيه. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى المجيء بقلبه ربه؟ قلت : معناه أنه ~~أخلص لله قلبه ، وعرف ذلك منه فضرب المجيء مثلا لذلك (1). # وقوله : ( @QUR@07 إذ قال لأبيه وقومه ما ذا تعبدون ) شروع في حكاية ما ~~دار بينه وبين أبيه وقومه. والجملة بدل من الجملة السابقة عليها ، أو هي ~~ظرف لقوله ( @QUR@01 سليم ) أى : لقد كان إبراهيم عليه السلام سليم القلب ، ~~نقى السريرة ، صادق الإيمان ، وقت أن جادل أباه وقومه قائلا لهم : أى شيء ~~هذا الذي تعبدونه من دون الله تعالى ثم أضاف إلى هذا التوبيخ لهم توبيخا ~~آخر فقال لهم : ( @QUR@05 أإفكا آلهة دون الله تريدون )؟. والإفك أسوأ ~~الكذب. يقال أفك فلان يأفك إفكا فهو أفوك .. إذا اشتد كذبه. وهو مفعول به ~~لقوله ( @QUR@01 تريدون ) وقوله ( @QUR@01 آلهة ) بدل منه. وجعلت الآلهة ~~نفس الإفك على سبيل المبالغة. # أى : أتريدون إفكا آلهة دون الله؟ إن إرادتكم هذه يمجها ويحتقرها كل عقل سليم. # ثم حذرهم من السير في طريق الشرك فقال : ( @QUR@04 فما ظنكم برب العالمين ). # والاستفهام للإنكار والتحذير من سوء عاقبتهم إذا ما استمروا في عبادتهم ~~لغيره تعالى . أى : فما الذي تظنون أن يفعله بكم خالقكم ورازقكم إذا ما ~~عبدتم غيره؟ إنه لا شك سيحاسبكم على ذلك حسابا عسيرا ، ويعذبكم عذابا أليما ms4796 ~~، وما دام الأمر كذلك فاتركوا عبادة هذه الآلهة الزائفة. وأخلصوا عبادتكم ~~لخالقكم ورازقكم. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@04 فما ظنكم برب العالمين ) أى : أى شيء ~~ظنكم بمن هو حقيق بالعبادة ، لكونه ربا للعالمين؟ أشككتم فيه حتى تركتم ~~عبادته سبحانه بالكلية ، أو أعلمتم أى شيء هو حتى جعلتم الأصنام شركاءه أو ~~أى شيء ظنكم بعقابه عز وجل حتى اجترأتم على الإفك عليه ، ولم تخافوا عذابه. (2). PageV12P095 # وعلى أية حال فالآية تدل دلالة واضحة على استنكاره لما كان عليه أبوه ~~وقومه من عبادة لغير الله تعالى وعلى نفور فطرته لما هم عليه من باطل. # ويهمل القرآن الكريم هنا ردهم عليه لتفاهته. وتنتقل السورة للإشارة إلى ~~ما أضمره إبراهيم عليه السلام لتلك الآلهة الباطلة فتقول : ( @QUR@010 فنظر ~~نظرة في النجوم. فقال إني سقيم. فتولوا عنه مدبرين ). # قالوا : كان قوم إبراهيم يعظمون الكواكب ، ويعتقدون تأثيرها في العالم .. ~~وتصادف أن حل أوان عيد لهم. فدعوه إلى الخروج معهم كما هي عادتهم في ذلك العيد. # فتطلع إلى السماء ، وقلب نظره في نجومها ، ثم قال لهم معتذرا عن الخروج ~~معهم ليخلوا بالأصنام فيحطمها : ( @QUR@02 إني سقيم ) أى مريض مرضا يمنعني ~~من مصاحبتكم. ( @QUR@03 فتولوا عنه مدبرين ). أى : فتركوه وحده وانصرفوا ~~إلى خارج بلدتهم. # قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : وإنما قال إبراهيم لقومه ذلك ليقيم في ~~البلد إذا ذهبوا إلى عيدهم ، فإنه كان قد أزف خروجهم إلى عيد لهم ، فأحب أن ~~يختلى بآلهتهم ليكسرها ، فقال لهم كلاما هو حق في نفس الأمر فهموا منه أنه ~~سقيم على ما يعتقدونه ، فتولوا عنه مدبرين. # قال قتادة : والعرب تقول لمن تفكر في أمر : نظر في النجوم ، يعنى قتادة : ~~أنه نظر في السماء متفكرا فيما يلهيهم به فقال ( @QUR@02 إني سقيم ) أى : ضعيف. # وقول النبي صلى الله عليه وسلم لم يكذب إبراهيم غير ثلاث كذبات : اثنتين في ~~ذات الله ، قوله : «إنى سقيم» وقوله : «بل فعله كبيرهم هذا» وقوله في سارة ~~«هي أختى». # ليس المراد بالكذب هنا الكذب الحقيقي الذي يذم فاعله ، حاشا وكلا ، وإنما ~~أطلق الكذب على هذا ms4797 تجوزا ، وإنما هو من المعاريض في الكلام لمقصد شرعي ~~ديني ، كما جاء في الحديث : إن من المعاريض لمندوحة عن الكذب. # وقيل قوله «إنى سقيم» أى : بالنسبة لما يستقبل ، يعنى مرض الموت. # وقيل : أراد بقوله : «إنى سقيم» أى ، مريض القلب من عبادتكم للأوثان من ~~دون الله تعالى ... (1). # ويبدو لنا أى نظر إبراهيم عليه السلام في النجوم ، إنما هو نظر المؤمن ~~المتأمل في ملكوت الله تعالى المستدل بذلك على وحدانية الله وقدرته ، وأنه ~~إنما فعل ذلك أمامهم PageV12P096 # وهم قوم يعظمون النجوم ليقنعهم بصدق اعتذاره عن الخروج معهم ، ويتم له ما ~~يريده من تحطيم الأصنام. # كما يبدو لنا أن قوله : «إنى سقيم» المقصود منه : إنى سقيم القلب بسبب ما ~~أنتم فيه من كفر وضلال ، فإن العاقل يقلقه ويزعجه ويسقمه ما أنتم فيه من ~~عكوف على عبادة الأصنام. # وقال لهم ذلك ليتركوه وشأنه ، حتى ينفذ ما أقسم عليه بالنسبة لتلك ~~الأصنام. # فكلام إبراهيم حق في نفس الأمر كما قال الإمام ابن كثير وقد ترك لقومه أن ~~يفهموه على حسب ما يعتقدون. # ثم حكى سبحانه ما فعله إبراهيم بالأصنام بعد أن انفرد بها فقال : ( ~~@QUR@06 فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون ). # وأصل الروغ : الميل إلى الشيء بسرعة على سبيل الاحتيال. يقال : راغ فلان ~~نحو فلان. إذا مال إليه لأمر يريده منه على سبيل الاحتمال. # أى : فذهب إبراهيم مسرعا إلى الأصنام بعد أن تركها القوم وانصرفوا إلى ~~عيدهم ، فقال لها على سبيل التهكم والاستهزاء : أيتها الأصنام ألا تأكلين ~~تلك الأطعمة التي قدمها لك الجاهلون على سبيل التبرك؟ # وخاطبها كما يخاطب من يعقل فقال : «ألا تأكلون» ، لأن قومه أنزلوها تلك ~~المنزلة. وقوله : «ما لكم لا تنطقون» زيادة في السخرية بتلك الأصنام ، وفي ~~إظهار الغيظ منها ، والضيق بها ، والغضب عليها. # هذا الغضب الذي كان من آثاره ما بينه القرآن في قوله : ( @QUR@04 فراغ ~~عليهم ضربا باليمين ) أى : فمال عليهم ضاربا إياهم بيده اليمنى ، حتى حطمهم ~~كما قال تعالى في آية أخرى : ( @QUR@08 فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم ~~إليه يرجعون ). # وقال ms4798 سبحانه : ( @QUR@02 ضربا باليمين ) للدلالة على أن إبراهيم ~~عليه السلام لشدة حنقه وغضبه على الأصنام قد استعمل في تحطيمها أقوى جارحة ~~يملكها وهي يده اليمنى. وقيل : يجوز أن يراد باليمين : اليمين التي حلفها ~~حين قال : ( @QUR@07 وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين ). # وانتهى إبراهيم من تحطيم الأصنام ، وارتاحت نفسه لما فعله بها ، وشفى ~~قلبه من الهم والضيق الذي كان يجده حين رؤيتها ... # وجاء قومه من رحلتهم ، ووجدوا أصنامهم قد تحطمت ، ويترك القرآن هنا ما قالوه PageV12P097 # لإبراهيم عند ما رأوا منظر آلهتهم بهذه الصورة المفزعة لهم ، مكتفيا ~~بإبراز حالهم فيقول : «فأقبلوا إليه يزفون». # أى : فحين رأوا آلهتهم بهذه الصورة. أقبلوا نحو إبراهيم يسرعون الخطا ~~ولهم جلية وضوضاء تدل على شدة غضبهم لما أصاب آلهتهم. # يقال : زف النعام يزف زفا وزفيفا ، إذا جرى بسرعة حتى لكأنه يطير. # ولم يأبه إبراهيم عليه السلام لهياج قومه ، وإقبالهم نحوه بسرعة وغضب ، بل ~~رد عليهم ردا منطقيا سليما ، فقال لهم : ( @QUR@07 أتعبدون ما تنحتون. ~~والله خلقكم وما تعملون ). # أى : قال لهم مؤبخا ومؤنبا : أتعبدون أصناما أنتم تنحتونها وتقطعونها من ~~الحجارة أو من الخشب بأيديكم ، وتتركون عبادة الله تعالى الذي خلقكم وخلق ~~الذي تعملونه من الأصنام وغيرها. # قال القرطبي ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@04 والله خلقكم وما تعملون ) ~~«ما» في موضع نصب ، أى : خلقكم وخلق ما تعملونه من الأصنام ، يعنى الخشب ~~والحجارة وغيرها. # وقيل إن «ما» استفهام ، ومعناه : التحقير لعملهم. وقيل : هي نفى أى : ~~أنتم لا تعملون ذلك لكن الله خالقه والأحسن أن تكون «ما» مع الفعل مصدرا. ~~والتقدير : والله خلقكم وعملكم ، وهذا مذهب أهل السنة ، أن الأفعال خلق لله ~~عز وجل واكتساب للعباد. # وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «إن الله خالق كل ~~صانع وصنعته» (1). # ولكن هذا المنطق الرصين من إبراهيم ، لم يجد أذنا واعية من قومه ، بل ~~قابلوا قوله هذا بالتهديد والوعيد الذي حكاه سبحانه في قوله : ( @QUR@07 ~~قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم ) أى قالوا فيما بينهم : ابنوا ~~لإبراهيم بنيانا ، ثم املئوه ms4799 بالنار المشتعلة ، ثم ألقوا به فيها فتحرقه ~~وتهلكه. # فالمراد بالجحيم : النار الشديدة التأجج. وكل نار بعضها فوق بعض فهي جحيم ~~، وهذا اللفظ مأخوذ من الجحمة وهي شدة التأجج والاتقاد يقال : جحم فلان ~~النار كمنع إذا أوقدها وأشعلها ، واللام فيه عوض عن المضاف إليه أى ألقوه ~~في جحيم ذلك البنيان المليء بالنار. # وبنوا البنيان ، وأضرموه بالنار ، وألقوا بإبراهيم فيها ، فماذا كانت ~~النتيجة؟ PageV12P098 # كانت كما قال سبحانه بعد ذلك : ( @QUR@03 فأرادوا به كيدا ) أى : شرا ~~وهلاكا عن طريق إحراقه بالنار ( @QUR@01 فجعلناهم ) بقدرتنا التي لا يعجزها ~~شيء الأسفلين أى : الأذلين المقهورين ، حيث أبطلنا كيدهم. وحولنا النار إلى ~~برد وسلام على عبدنا إبراهيم عليه السلام . # وهكذا رعاية الله تعالى تحرس عباده المخلصين ، وتجعل العاقبة لهم على ~~القوم الكافرين. # ثم تسوق لنا السورة الكريمة بعد ذلك جانبا آخر من قصة إبراهيم عليه السلام ~~هذا الجانب يتمثل في هجرته من أجل نشر دعوة الحق وفي تضرعه إلى ربه أن ~~يرزقه الذرية الصالحة ، فتقول : ( @QUR@011 وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين. ~~رب هب لي من الصالحين .. ). # أى : قال إبراهيم بعد أن نجاه الله تعالى من كيد أعدائه ( @QUR@04 إني ~~ذاهب إلى ربي ) أى : إلى المكان الذي أمرنى ربي بالسير إليه ، وهو بلاد ~~الشام ، وقد تكفل سبحانه بهدايتى إلى ما فيه صلاح ديني ودنياى. # قال القرطبي : «هذه الآية أصل في الهجرة والعزلة. وأول من فعل ذلك ~~إبراهيم عليه السلام وذلك حين خلصه الله من النار ( @QUR@05 قال إني ذاهب ~~إلى ربي ) أى : مهاجر من بلد قومي ومولدي ، إلى حيث أتمكن من عبادة ربي ، ~~فإنه ( @QUR@01 سيهدين ) فيما نويت إلى الصواب (1). # قال مقاتل : هو أول من هاجر من الخلق مع لوط وسارة. إلى الأرض المقدسة ~~وهي أرض الشام ..» (2). # والسين في قوله ( @QUR@01 سيهدين ) لتأكيد وقوع الهداية في المستقبل ، ~~بناء على شدة توكله ، وعظيم أمله في تحقيق ما يرجوه من ربه ، لأنه ما هاجر ~~من موطنه إلا من أجل نشر دينه وشريعته سبحانه . # ثم أضاف إلى هذا الأمل الكبير في هداية الله تعالى له ، أملا آخر ms4800 وهو ~~منحه الذرية الصالحة فقال : ( @QUR@05 رب هب لي من الصالحين ). # أى : وأسألك يا ربي بجانب هذه الهداية إلى الخير والحق ، أن تهب لي ولدا ~~هو من عبادك الصالحين ، الذين أستعين بهم على نشر دعوتك ، وعلى إعلاء كلمتك. PageV12P099 # وأجاب الله تعالى دعاء عبده إبراهيم ، كما حكى ذلك في قوله : ( @QUR@03 ~~فبشرناه بغلام حليم ). # أى : فاستجبنا لإبراهيم دعاءه فبشرناه على لسان ملائكتنا بغلام موصوف ~~بالحلم وبمكارم الأخلاق. # قال صاحب الكشاف : وقد انطوت البشارة على ثلاثة : على أن الولد غلام ذكر ~~، وأنه يبلغ أوان الحلم ، وأنه يكون حليما (1). # وهذا الغلام الذي بشره الله تعالى به. المقصود به هنا إسماعيل عليه السلام . # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@04 فلما بلغ معه السعي ) فصيحة ، أى : ~~بشرناه بهذا الغلام الحليم ، ثم عاش هذا الغلام حتى بلغ السن التي في ~~إمكانه أن يسعى معه فيها ، ليساعده في قضاء مصالحه. # قيل : كانت سن إسماعيل في ذلك الوقت ثلاث عشرة سنة. # ( @QUR@013 قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ما ذا ترى ). # أى : فلما بلغ الغلام مع أبيه هذه السن ، قال الأب لابنه : يا بنى إنى ~~رأيت في منامي أنى أذبحك ، فانظر ماذا ترى في شأن نفسك. # قال الآلوسى ما ملخصه : يحتمل أنه عليه السلام رأى في منامه أنه فعل ذلك ~~.. ويحتمل أنه رأى ما تأويله ذلك ، ولكنه لم يذكره وذكر التأويل ، كما يقول ~~الممتحن وقد رأى أنه راكب سفينة : رأيت في المنام أنى ناج من هذه المحنة. # ورؤيا الأنبياء وحى كالوحى في اليقظة ، وفي رواية أنه رأى ذلك في ليلة ~~التروية فأخذ يفكر في أمره ، فسميت بذلك ، فلما رأى ما رآه سابقا عرف أن ~~هذه الرؤيا من الله ، فسمى بيوم عرفة ، ثم رأى مثل ذلك في الليلة الثالثة ~~فهم بنحره فسمى بيوم النحر. # ولعل السر في كونه مناما لا يقظة ، أن تكون المبادرة إلى الامتثال ، أدل ~~على كمال الانقياد والإخلاص .. (2). # وإنما شاوره بقوله : ( @QUR@04 فانظر ما ذا ترى ) مع أنه سينفذ ما أمره ~~الله تعالى به في منامه سواء رضى ms4801 إسماعيل أم لم يرض ، لأن في هذه المشاورة ~~إعلاما له بما رآه ، لكي يتقبله بثبات وصبر ، وليكون نزول هذا الأمر عليه ~~أهون ، وليختبر عزمه وجلده. PageV12P100 # وقوله : ( @QUR@012 قال يا أبت افعل ما تؤمر ، ستجدني إن شاء الله من ~~الصابرين ) حكاية لما رد به إسماعيل على أبيه إبراهيم عليهما السلام وهو رد ~~يدل على علو كعبه في الثبات ، وفي احتمال البلاء ، وفي الاستسلام لقضاء ~~الله وقدره. # أى : قال الابن لأبيه : يا أبت افعل ما تؤمر به من قبل الله تعالى ولا ~~تتردد في ذلك وستجدني إن شاء الله من الصابرين على قضائه. # وفي هذا الرد ما فيه من سمو الأدب ، حيث قدم مشيئة الله تعالى ، ونسب ~~الفضل إليه ، واستعان به سبحانه في أن يجعله من الصابرين على البلاء. # وهكذا الأنبياء عليهم السلام يلهمهم الله تعالى في جميع مراحل حياتهم ما ~~يجعلهم في أعلى درجات السمو النفسي ، واليقين القلبي ، والكمال الخلقي. # ثم بين سبحانه بعد ذلك ما كان من الابن وأبيه فقال : ( @QUR@04 فلما ~~أسلما وتله للجبين ) وأسلما : بمعنى استسلما وانقادا لأمر الله ، فالفعل ~~لازم ، أو بمعنى : سلم الذبيح نفسه وسلم الأب ابنه ، فيكون متعديا والمفعول محذوف. # وقوله ( @QUR@01 وتله ) أى : صرعه وأسقطه ، وأصل التل : الرمي على التل ~~وهو الرمل الكثيف المرتفع ، ثم عمم في كل رمى ودفع ، يقال : تل فلان فلانا ~~إذا صرعه وألقاه على الأرض. # والجبين : أحد جانبي الجبهة ، وللوجه جبينان ، والجبهة بينهما. # أى : فلما استسلم الأب والابن لأمر الله تعالى وصرع الأب ابنه على شقه ، ~~وجعل جبينه على الأرض ، واستعد الأب لذبح ابنه .. كان ما كان منا من رحمة ~~بهما. ومن إكرام لهما ، ومن إعلاء لقدرهما. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : أين جواب لما؟ قلت : هو محذوف تقديره : فلما ~~أسلما وتله للجبين «وناديناه أن يا إبراهيم. قد صدقت الرؤيا» كان ما كان ~~مما تنطق به الحال ، ولا يحيط به الوصف من استبشارهما واغتباطهما ، وحمدهما ~~لله ، وشكرهما على ما أنعم به عليهما من دفع البلاء العظيم بعد حلوله ، وما ~~اكتسبا في تضاعيفه من ms4802 الثواب ، ورضوان الله الذي ليس وراءه مطلوب .. (1). # وقد ذكروا هنا آثارا منها أن إسماعيل عليه السلام لما هم أبوه بذبحه قال ~~له : يا أبت اشدد رباطى حتى لا أضطرب ، واكفف عنى ثيابك حتى لا يتناثر ~~عليها شيء من دمى فتراه أمى فتحزن ، وأسرع مر السكين على حلقى ليكون أهون ~~للموت على ، فإذا أتيت أمى فاقرأ PageV12P101 # عليها السلام منى .. وكان ذلك عند الصخرة التي بمنى .. (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 وناديناه أن يا إبراهيم ، قد صدقت الرؤيا ) أى ~~: وعند ما صرع إبراهيم ابنه ليذبحه ، واستسلما لأمرنا .. نادينا إبراهيم ~~بقولنا ( @QUR@05 يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ) أى : قد فعلت ما أمرناك به ، ~~ونفذت ما رأيته في رؤياك تنفيذا كاملا ، يدل على صدقك في إيمانك ، وعلى قوة ~~إخلاصك. # قال الجمل : فإن قلت : كيف قال الله تعالى لإبراهيم : قد صدقت الرؤيا وهو ~~إنما رأى أن يذبح ابنه ، وما كان تصديقها إلا لو حصل منه الذبح؟ # قلت : جعله الله مصدقا لأنه بذل جهده ووسعه ، وأتى بما أمكنه ، وفعل ما ~~يفعله الذابح ، فأتى بالمطلوب ، وهو انقيادهما لأمر الله (2). # وجملة «إنا كذلك نجزى المحسنين» تعليل لما قبلها. أى : فعلنا ما فعلنا من ~~تفريج الكرب عن إبراهيم وإسماعيل ، لأن سنتنا قد اقتضت أن نجازي المحسنين ~~الجزاء الذي يرفع درجاتهم ، ويفرج كرباتهم ، ويكشف الهم والغم عنهم. # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@05 إن هذا لهو البلاء المبين ) يعود إلى ~~ما ابتلى الله تعالى نبيه إبراهيم وإسماعيل. # أى : إن هذا الذي ابتلينا به هذين النبيين الكريمين ، لهو البلاء الواضح ~~، والاختبار الظاهر ، الذي به يتميز قوى الإيمان من ضعيفه ، والذي لا ~~يحتمله إلا أصحاب العزائم العالية ، والقلوب السليمة ، والنفوس المخلصة لله ~~رب العالمين. # ثم بين سبحانه مظاهر فضله على هذين النبيين الكريمين فقال : ( @QUR@03 ~~وفديناه بذبح عظيم ) والذبح بمعنى المذبوح فهو مصدر بمعنى اسم المفعول ~~كالطحن بمعنى المطحون. # أى : وفدينا إسماعيل عليه السلام بمذبوح عظيم في هيئته ، وفي قدره ، لأنه ~~من عندنا ، وليس من عند غيرنا. # قيل : افتداه الله تعالى بكبش أبيض ، أقرن ، عظيم القدر. # ( @QUR@014 وتركنا عليه في ms4803 الآخرين. سلام على إبراهيم. كذلك نجزي ~~المحسنين. إنه من عبادنا المؤمنين ). # أى : ومن مظاهر فضلنا وإحساننا وتكريمنا لنبينا إبراهيم أننا أبقينا ذكره ~~الحسن في الأمم التي ستأتى من بعده ، وجعلنا التحية والسلام منا ومن ~~المؤمنين عليه إلى يوم الدين ، ومثل هذا PageV12P102 # الجزاء نجزى المحسنين ، إنه عليه السلام من عبادنا الصادقين في إيمانهم. # ثم بين سبحانه مظهرا آخر من مظاهر فضله على نبيه إبراهيم فقال : ( ~~@QUR@015 وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين. وباركنا عليه وعلى إسحاق ، ومن ~~ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين ). # أى : ومن مظاهر تكريمنا لإبراهيم ، أننا بشرناه بولد آخر هو إسحاق ، الذي ~~جعلناه نبيا من أنبيائنا الصالحين لحمل رسالتنا ، وأفضنا على إبراهيم وعلى ~~إسحاق الكثير من بركاتنا الدينية والدنيوية ، بأن جعلنا عددا كبيرا من ~~الأنبياء من نسلهما. # ومع ذلك فقد اقتضت حكمتنا أن نجعل من ذريتهما من هو محسن في قوله وعمله ، ~~ومن هو ظالم لنفسه بالكفر والمعاصي ظلما واضحا بينا ، وسنجازى كل فريق بما ~~يستحقه من ثواب أو عقاب. # هذا ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى : # 1 أن الرسل جميعا قد جاءوا من عند الله تعالى بدين واحد في أصوله ، وأن ~~كل واحد منهم قد سار على نهج سابقه في الدعوة إلى وحدانية الله ، وإلى ~~مكارم الأخلاق ، وقد بين سبحانه في مطلع هذه القصة ، أن إبراهيم كان من ~~شيعة نوح عليه السلام أى : من أتباعه الذين ساروا على سنته في دعوة الناس ~~إلى عبادة الله وحده. # وقد أمر عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقتدى بإخوانه السابقين من ~~الأنبياء ، فقال : ( @QUR@06 أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ). # 2 أن تعاطى الحيل الشرعية من أجل إزالة المنكر ، أمر مشروع ، فإن إبراهيم ~~عليه السلام لكي يقضى على الأصنام ، اعتذر لقومه عن الخروج معهم في يوم ~~عيدهم ، وقال لهم : إنى سقيم بعد أن نظر في النجوم. # وكان مقصده من وراء ذلك ، أن يختلى بالأصنام ليحطمها ، ويثبت لقومه أنها ~~لا تصلح للألوهية. # 3 أن سنة الله تعالى قد ms4804 اقتضت أن يراعى بفضله وكرمه عباده المخلصين ، وأن ~~ينصرهم على أعدائهم ، الذين يبيتون لهم الشرور والسوء. # ونرى ذلك جليا في هذه القصة ، فقد أضمر الكافرون لإبراهيم الكيد ~~والإهلاك. فأنجاه الله تعالى من مكرهم ، كما قال تعالى : ( @QUR@05 فأرادوا ~~به كيدا فجعلناهم الأسفلين ). # 4 أن على المؤمن إذا لم يتمكن من نشر دعوة الحق في مكان معين أن ينتقل ~~منه إلى مكان PageV12P103 # آخر متى كان قادرا على ذلك. # وهذا ما فعله إبراهيم عليه السلام فقد قال لقومه بعد أن يئس من صلاحهم ، ~~وبعد أن نجاه الله من كيدهم : ( @QUR@05 إني ذاهب إلى ربي سيهدين ). # 5 أن الدعاء متى صدر من نفس عامرة بالإيمان والتقوى ، ومن قلب سليم من ~~الهوى .. كان جديرا بالإجابة. # فلقد تضرع إبراهيم إلى ربه أن يرزقه الذرية الصالحة ، فأجاب الله دعاءه. # كما حكى سبحانه ذلك في قوله : ( @QUR@08 رب هب لي من الصالحين ، فبشرناه ~~بغلام حليم ). # ثم قال سبحانه بعد ذلك : ( @QUR@05 وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين ). # 6 أن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام قد ضربا أروع الأمثال في صدق الإيمان ~~، وفي الاستسلام لأمر الله تعالى وفي الرضاء بقضائه. # فكافأهما عز وجل على ذلك مكافأة جزيلة ، بأن جعل الذكر الحسن باقيا ~~لإبراهيم إلى يوم القيامة ، وبأن افتدى الذبيح بذبح عظيم. # قال تعالى : ( @QUR@017 وفديناه بذبح عظيم. وتركنا عليه في الآخرين. سلام ~~على إبراهيم. كذلك نجزي المحسنين. إنه من عبادنا المؤمنين ). # 7 أن الذبيح الذي ورد ذكره في هذه القصة ، والذي افتداه الله تعالى بذبح ~~عظيم ، هو إسماعيل عليه السلام وعلى ذلك سار جمهور العلماء ، ومن أدلتهم على ~~ما ذهبوا إليه ما يأتى : # (أ) أن سياق القصة يدل دلالة واضحة على أن الذبيح إسماعيل ، لأن الله ~~تعالى حكى عن إبراهيم أنه تضرع إليه تعالى بقوله : ( @QUR@05 رب هب لي من ~~الصالحين ) فبشره سبحانه ( @QUR@02 بغلام حليم )، وهذا الغلام عند ما بلغ ~~السن التي يمكنه معها مساعدة أبيه في أعماله. قال له أبوه : ( @QUR@012 يا ~~بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ما ذا ترى ) ثم افتدى الله ms4805 تعالى ~~هذا الغلام بذبح عظيم. # ثم قال تعالى بعد كل ذلك : ( @QUR@05 وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين ). # وهذا يدل على أن المبشر به الأول وهو إسماعيل ، غير المبشر به الثاني وهو إسحاق. # (ب) أن البشارة بمولد إسحاق عليه السلام قد جاء الحديث عنها مفصلا في سورة PageV12P104 # هود. وظروف هذه البشارة وملابساتها ، تختلف عن الظروف والملابسات التي ~~وردت هنا في سورة الصافات ، وقد أشار إلى ذلك الإمام السيوطي فقال : # وتأملت القرآن فوجدت فيه ما يقتضى القطع أو ما يقرب منه على أن الذبيح ~~إسماعيل ، وذلك لأن البشارة وقعت مرتين : # مرة في قوله تعالى ( @QUR@021 رب هب لي من الصالحين. فبشرناه بغلام حليم. ~~فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك ... ). # فهذه الآية قاطعة في أن المبشر به هو الذبيح. # ومرة في قوله في سورة هود : ( @QUR@05 وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها ~~بإسحاق ). # فقد صرح فيها بأن المبشر به إسحاق ، ولم يكن بسؤال من إبراهيم ، بل قالت ~~امرأته إنها عجوز ، وأنه شيخ ، وكان ذلك في بلاد الشام ، لما جاءت الملائكة ~~إليه ، بسبب قوم لوط ، وكان إبراهيم في آخر عمره. # أما البشارة الأولى فكانت حين انتقل من العراق إلى الشام ، وحين كان سنه ~~لا يستغرب فيه الولد ، ولذلك سأله ، فعلمنا بذلك أنهما بشارتان في وقتين ~~بغلامين ، أحدهما بغير سؤال ، وهو إسحاق ، والثانية قبل ذلك بسؤال وهو غيره ~~، فقطعنا بأنه إسماعيل وهو الذبيح (1). # ج أن القول بأن الذبيح إسماعيل قد ورد كما قال الإمام ابن القيم عن كثير ~~من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وأما القول بأنه إسحاق فباطل بأكثر من ~~عشرين وجها. # ثم قال الإمام ابن القيم : وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول : ~~هذا القول إنما هو متلقى عن أهل الكتاب ، مع أنه باطل بنص كتابهم فإن فيه : ~~إن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه «بكره» وفي لفظ «وحيده» ، ولا يشك أهل ~~الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاد إبراهيم (2). # ومن العلماء الذين فصلوا القول في هذه المسألة ، الإمام ابن ms4806 كثير ، فقد ~~قال رحمه الله : «وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق ، وحكى ~~ذلك عن طائفة من السلف ، حتى نقل عن بعض الصحابة أيضا وليس ذلك في كتاب ولا ~~سنة ، وما أظن ذلك تلقى إلا عن أحبار أهل الكتاب ، وهذا كتاب الله شاهد ~~ومرشد إلى أنه إسماعيل ، فإنه PageV12P105 # ذكر البشارة بالغلام الحليم ، وذكر أنه الذبيح ، ثم قال بعد ذلك : ( ~~@QUR@05 وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين ). # ولما بشرت الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا ( @QUR@04 إنا نبشرك بغلام عليم ~~) وقال تعالى : ( @QUR@06 فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ) أى : ~~يولد له في حياتهما ولد يسمى يعقوب ، فيكون من ذريته عقب ونسل. # وقد قدمنا أنه لا يجوز بعد ذلك أن يؤمر بذبحه وهو صغير ، لأن الله قد ~~وعدهما بأنه سيعقب ، ويكون له نسل ، فكيف يمكن بعد هذا أن يؤمر بذبحه صغيرا ~~، وإسماعيل وصف هنا بالحلم ، لأنه مناسب لهذا المقام» (1). # قال الآلوسى رحمه الله بعد أن ساق أقوال العلماء في ذلك بالتفصيل : «والذي ~~أميل إليه أنه أى الذبيح إسماعيل عليه السلام ، بناء على أن ظاهر الآية ~~يقتضيه ، وأنه المروي عن كثير من أئمة أهل البيت ، ولم أتيقن صحة حديث ~~مرفوع يقتضى خلاف ذلك ، وحال أهل الكتاب لا يخفى على ذوى الألباب» (2). # هذه بعض الأحكام والآداب التي يمكن أن نأخذها من هذه القصة ، التي حكاها ~~سبحانه عن نبيه إبراهيم عليه السلام في هذه السورة الكريمة ، وهناك أحكام ~~وآداب أخرى يستطيع أن يستخلصها المتدبر في هذه الآيات الكريمة. # ثم ذكر سبحانه جانبا من قصة موسى وهارون عليهما السلام وهما من ذرية ~~إبراهيم وإسحاق ، فقال تعالى : # ( @QUR@05 ولقد مننا على موسى وهارون (114) @QUR@05 ونجيناهما وقومهما من ~~الكرب العظيم (115) @QUR@04 ونصرناهم فكانوا هم الغالبين (116) @QUR@03 ~~وآتيناهما الكتاب المستبين (117) @QUR@03 وهديناهما الصراط المستقيم (118) ~~@QUR@04 وتركنا عليهما في الآخرين (119) @QUR@04 سلام على موسى وهارون PageV12P106 # (120) @QUR@04 إنا كذلك نجزي المحسنين (121) @QUR@04 إنهما من عبادنا ~~المؤمنين ) (122) # وموسى : هو ابن عمران بن يصهر بن ماهيث بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق ، ~~وكانت ولادته في حوالى القرن الثالث عشر ق م. # وهارون : أخو ms4807 موسى ، قيل كان شقيقا له ، وقيل كان أخا له لأمه .. # والمعنى : لقد أنعمنا على موسى وهارون عليهما السلام بنعمة النبوة ، ~~وبغيرها من النعم الأخرى. # والتي من بينها أننا نجيناهما وقومهما المؤمنين ، من استعباد فرعون إياهم ~~، ومن ظلمه لهم. # ( @QUR@04 ونصرناهم فكانوا هم الغالبين ) أى : ونصرنا موسى وهارون ومن ~~آمن بهما. فكانوا بسبب هذا النصر الذي منحناهم إياه ، هم الغالبين لأعدائهم ~~، بعد أن كانوا تحت أسرهم وقهرهم. # ( @QUR@01 وآتيناهما ) بعد كل ذلك ( @QUR@02 الكتاب المستبين ) أى : ~~الكتاب المبين الواضح وهو التوراة. # يقال : استبان الشيء ، إذا ظهر ووضح وضوحا تاما. # ( @QUR@03 وهديناهما الصراط المستقيم )، أى : وهديناهما وأرشدناهما ~~بفضلنا وإحساننا إلى الطريق الواضح الذي لا عوج فيه. # ( @QUR@08 وتركنا عليهما في الآخرين. سلام على موسى وهارون ) أى : ~~وأبقينا عليهما في الأمم المتأخرة الثناء الجميل ، والذكر الحسن. # ( @QUR@04 إنا كذلك نجزي المحسنين ) أى : مثل هذا التكريم نجازي عبادنا ~~المحسنين ( @QUR@04 إنهما من عبادنا المؤمنين ) أى الذين صدقوا في إيمانهم ~~، وفي طاعتهم لنا. # ثم ساق سبحانه جانبا من قصة إلياس عليه السلام وهو أيضا من ذرية إبراهيم ~~وإسحاق ، فقال تعالى : # ( @QUR@04 وإن إلياس لمن المرسلين (123) @QUR@05 إذ قال لقومه ألا تتقون ~~(124) @QUR@04 أتدعون بعلا وتذرون أحسن PageV12P107 # @QUR@01 الخالقين (125) @QUR@05 الله ربكم ورب آبائكم الأولين (126) ~~@QUR@03 فكذبوه فإنهم لمحضرون (127) @QUR@04 إلا عباد الله المخلصين (128) ~~@QUR@04 وتركنا عليه في الآخرين (129) @QUR@04 سلام على إل ياسين (130) ~~@QUR@04 إنا كذلك نجزي المحسنين (131) @QUR@04 إنه من عبادنا المؤمنين ) (132) # وإلياس عليه السلام هو ابن فنحاص بن العيزار بن هارون عليه السلام فهو ~~ينتهى نسبه أيضا إلى إبراهيم وإسحاق. # ويعرف إلياس في كتب الإسرائيليين باسم إيليا وقد أرسله الله تعالى إلى ~~قوم كانوا يعبدون صنما يسمونه بعلا. # ويقال : إن رسالته كانت في عهد «آحاب» أحد ملوك بنى إسرائيل في حوالى ~~القرن العاشر ق م. # والمعنى : ( @QUR@04 وإن إلياس لمن المرسلين ) الذين أرسلناهم إلى الناس ~~ليخرجونهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. # وقوله : ( @QUR@05 إذ قال لقومه ألا تتقون ) شروع في بيان ما نصح به ~~إلياس قومه ، والظرف مفعول لفعل محذوف ، والتقدير اذكر وقت أن قال لقومه ~~ألا تتقون الله. وتخشون عذابه ونقمته. ms4808 والاستفهام للحض على تقوى الله تعالى ~~واجتناب ما يغضبه. # ثم أنكر عليهم عبادتهم لغيره سبحانه فقال : ( @QUR@05 أتدعون بعلا وتذرون ~~أحسن الخالقين ). # والبعل : اسم للصنم الذي كان يعبده قومه ، وهو صنم قيل : سميت باسمه ~~مدينة بعلبك بالشام ، وكان قومه يسكنون فيها ، وقيل : البعل : الرب بلغة اليمن. # أى : قال لهم على سبيل التوبيخ والزجر : أتعبدون صنما لا يضر ولا ينفع ~~وتتركون عبادة أحسن من يقال له خالق ، وهو الله عز وجل الذي خلقكم ورزقكم. # ولفظ الجلالة في قوله : ( @QUR@05 الله ربكم ورب آبائكم الأولين ) بدل من ~~( @QUR@02 أحسن الخالقين ). PageV12P108 # أى : أتعبدون صنما صنعتموه بأيديكم ، وتذرون عبادة الله تعالى الذي هو ~~ربكم ورب آبائكم الأولين. # وقرأ غير واحد من القراء السبعة ( @QUR@01 الله ) بالرفع على أنه مبتدأ ، ~~و ( @QUR@01 ربكم ) خبره. # والتعرض لذكر ربوبيته تعالى لآبائهم الأولين ، الغرض منه التأكيد على ~~بطلان عبادتهم لغيره سبحانه فكأنه يقول لهم : إن الله تعالى الذي أدعوكم ~~لعبادته وحده ليس هو ربكم وحدكم بل أيضا رب آبائكم الأولين ، الذين من ~~طريقهم أتيتم إلى هذه الحياة. # وقوله تعالى ( @QUR@03 فكذبوه فإنهم لمحضرون ) بيان لموقفهم من نبيهم ، ~~ولما حل بهم من عذاب بسبب إعراضهم عن دعوته. # أى : دعا إلياس قومه إلى عبادة الله تعالى وحده ، فكذبوه وأعرضوا عن ~~دعوته ، وسيترتب على تكذيبهم هذا ، إحضارهم إلى جهنم إحضارا فيه ذلهم ~~وهوانهم. # ( @QUR@04 إلا عباد الله المخلصين ) فإنهم ناجون من الإحضار الأليم ، ~~لأنهم سيكونون يوم القيامة محل تكريمنا وإحساننا. # ( @QUR@04 وتركنا عليه في الآخرين ) أى : وأبقينا على إلياس في الأمم ~~الآخرين ( @QUR@04 سلام على إل ياسين ) أى : أمان وتحية منا ومنهم على ~~إلياس ومن آمن معه. # ( @QUR@08 إنا كذلك نجزي المحسنين. إنه من عبادنا المؤمنين ). # ثم ساق سبحانه بعد ذلك جانبا من قصة لوط مع قومه. فقال تعالى : # ( @QUR@04 وإن لوطا لمن المرسلين (133) @QUR@04 إذ نجيناه وأهله أجمعين ~~(134) @QUR@04 إلا عجوزا في الغابرين (135) @QUR@03 ثم دمرنا الآخرين (136) ~~@QUR@04 وإنكم لتمرون عليهم مصبحين (137) @QUR@03 وبالليل أفلا تعقلون ) (138) # ولوط عليه السلام هو ابن أخ لسيدنا إبراهيم عليه السلام وكان قد آمن به ~~وهاجر معه ، كما في قوله تعالى ms4809 : ( @QUR@08 فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ~~ربي ). PageV12P109 # وقد أرسل الله تعالى لوطا إلى قرية سدوم من قرى الشام وكان أهلها يعبدون ~~الأصنام ويرتكبون الفاحشة التي لم يسبقهم إليها أحد من العالمين. # أى : ( @QUR@02 وإن لوطا ) عليه السلام ( @QUR@02 لمن المرسلين ) الذين ~~أرسلناهم لهداية الناس ، ( @QUR@04 إذ نجيناه وأهله أجمعين ) أى : اذكر ~~أيها العاقل وقت أن نجيناه وجميع المؤمنين معه ، بفضلنا ورحمتنا. # ( @QUR@04 إلا عجوزا في الغابرين ) والمراد بالعجوز : امرأته التي بقيت ~~على كفرها وكانت تفشى أسرار زوجها. أى : نجينا لوطا والمؤمنين معه من أهله ~~، إلا عجوزا بقيت في العذاب مع القوم الغابرين أى : مع الباقين في العذاب. # ( @QUR@03 ثم دمرنا الآخرين ) أى : ثم دمرنا القوم الآخرين الباقين على ~~كفرهم ، كما دمرنا من بقي على كفره من أهل لوط ، كامرأته التي أعرضت عن ~~دعوة الحق ، وانحازت إلى قومها المفسدين. # ثم وجه سبحانه الخطاب لمشركي قريش فقال : ( @QUR@07 وإنكم لتمرون عليهم ~~مصبحين. وبالليل أفلا تعقلون )؟. # أى : وإنكم يا أهل مكة لتمرون على مساكن قوم لوط المهلكين ، وأنتم سائرون ~~إلى بلاد الشام ، تارة تمرون عليهم وأنتم داخلون في وقت الصباح ، وتارة ~~تمرون عليهم وأنتم داخلون في وقت الليل ، وترون بأعينكم ما حل بهم من دمار. # وقوله ( @QUR@02 أفلا تعقلون ) معطوف على مقدر ، أى : أتشاهدون ذلك فلا ~~تعقلون ، فالاستفهام للتوبيخ والحض على الاعتبار بأحوال الماضين. # ثم ختم سبحانه هذه القصص ، بذكر جانب من قصة يونس عليه السلام فقال : # ( @QUR@04 وإن يونس لمن المرسلين (139) @QUR@05 إذ أبق إلى الفلك المشحون ~~(140) @QUR@04 فساهم فكان من المدحضين (141) @QUR@04 فالتقمه الحوت وهو ~~مليم (142) @QUR@06 فلو لا أنه كان من المسبحين (143) @QUR@06 للبث في بطنه ~~إلى يوم يبعثون (144) PageV12P110 # @QUR@04 فنبذناه بالعراء وهو سقيم (145) @QUR@05 وأنبتنا عليه شجرة من ~~يقطين (146) @QUR@06 وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون (147) @QUR@04 فآمنوا ~~فمتعناهم إلى حين ) (148) # ويونس عليه السلام : هو ابن متى ، وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : «ما ينبغي لعبد أن يقول : أنا خير من يونس بن متى». # وملخص قصته أن الله تعالى أرسله إلى أهل نينوى بالعراق ، وفي حوالى القرن ~~الثامن ms4810 قبل الميلاد ، فدعاهم إلى إخلاص العبادة لله تعالى فاستعصوا عليه ، ~~فضاق بهم ذرعا ، وأخبرهم أن العذاب سيأتيهم خلال ثلاثة أيام ، فلما كان ~~اليوم الثالث خرج يونس من بلدة قومه ، قبل أن يأذن الله له بالخروج ، فلما ~~افتقده قومه ، آمنوا وتابوا ، وتضرعوا بالدعاء إلى الله قبل أن ينزل بهم ~~العذاب. # فلما لم ير يونس نزول العذاب ، استحى أن يرجع إليهم وقال : لا أرجع إليهم ~~كذابا أبدا ، ومضى على وجهه فأتى سفينة فركبها فلما وصلت اللجة وقفت ولم تتحرك. # فقال صاحبها : ما يمنعها أن تسير إلا أن فيكم رجلا مشئوما ، فاقترعوا ~~ليلقوا في البحر من وقعت عليه القرعة ، فكانت على يونس ثم أعادوها فوقعت ~~عليه ، فلما رأى ذلك ألقى بنفسه في البحر ، فالتقمه الحوت .. (1). # والمعنى : وإن يونس عليه السلام لمن المرسلين الذين اصطفيناهم لحمل ~~رسالتنا وتبليغها إلى الناس. # ( @QUR@02 إذ أبق ) أى : هرب من قومه بغير إذن من ربه يقال : أبق العبد ~~كضرب ومنع إذا هرب من سيده فهو آبق. # ( @QUR@03 إلى الفلك المشحون ) أى : هرب من قومه إلى الفلك المليء بالناس ~~والأمتعة ( @QUR@01 فساهم ) أى : فقارع من في السفينة بالسهام ، يقال : ~~استهم القوم إذا اقترعوا ( @QUR@03 فكان من المدحضين ). # أى : من المغلوبين حيث وقعت عليه القرعة دون سواء. يقال : دحضت حجة فلان ~~، إذا بطلت وخسرت. PageV12P111 # ( @QUR@04 فالتقمه الحوت وهو مليم ) أى بعد أن وقعت القرعة عليه ، ألقى ~~بنفسه في البحر ، «فالتقمه الحوت» أى : ابتلعه بسرعة : يقال : لقم فلان ~~الطعام كسمع والتقمه ، إذا ابتلعه بسرعة ، وتلقمه إذا ابتلعه على مهل. # وجملة «وهو مليم» حالية في محل نصب ، أى : فالتقمه الحوت وهو مكتسب من ~~الأفعال ما يلام عليه ، حيث غادر قومه بدون إذن من ربه. # يقال : رجل مليم ، إذا أتى من الأقوال أو الأفعال ما يلام عليه ، وهو اسم ~~فاعل من آلام الرجل ، إذا أتى ما يلام عليه. # ( @QUR@012 فلو لا أنه كان من المسبحين. للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ) ~~أى : فلو لا أن يونس عليه السلام كان من المسبحين لله تعالى المداومين على ~~ذكره. لو لا هذا ms4811 التسبيح للبث يونس في بطن الحوت إلى يوم القيامة. # فهاتان الآيتان تدلان دلالة واضحة على أن الإكثار من ذكر الله تعالى ~~وتسبيحه .. سبب في تفريج الكروب ، وإزالة الهموم ، بإذن الله ورحمته. وفي ~~الحديث الشريف : «تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة». # ورحم الله الإمام القرطبي فقد قال : «أخبر الله عز وجل أن يونس كان من ~~المسبحين ، وأن تسبيحه كان سبب نجاته ، ولذا قيل : إن العمل الصالح يرفع ~~صاحبه إذا عثر. # وفي الحديث الشريف : «من استطاع منكم أن تكون له خبيئة من عمل صالح ~~فليفعل» فليجتهد العبد ، ويحرص على خصلة من صالح عمله ، يخلص فيها بينه ~~وبين ربه ، ويدخرها ليوم فاقته وفقره ، ويسترها عن خلق الله ، لكي يصل إليه ~~نفعها وهو أحوج ما يكون إليه (1). # فنبذناه بالعراء وهو سقيم ، والنبذ : الطرح ، والعراء : الخلاء. # أى : أن يونس عليه السلام بعد أن التقمه الحوت أخذ في الإكثار من تسبيحنا ~~ومن دعائنا ، فاستجبنا له دعاءه ، وأمرنا الحوت بطرحه في الفضاء الواسع من الأرض. # وجملة «وهو سقيم» حالية. أى : ألقيناه بالأرض الفضاء حالة كونه عليلا ~~سقيما ، لشدة ما لحقه من تعب وهو في بطن الحوت. # ( @QUR@05 وأنبتنا عليه شجرة من يقطين ) أى : ومن مظاهر رحمتنا به ، أننا ~~جعلنا فوقه شجرة من يقطين لكي تظلل عليه وتمنع عنه الحر. PageV12P112 # واليقطين : يطلق على كل شجر لا يقوم على ساق ، كالبطيخ والقثاء والقرع ~~وهو مأخوذ من قطن بالمكان إذا أقام به. # وقد قالوا إن المراد بهذه الشجرة ، هي شجرة القرع ، وقيل غير ذلك. # ( @QUR@010 وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون. فآمنوا فمتعناهم إلى حين ) ~~أى : وبعد أن تداركته رحمتنا ، وأخرجناه من بطن الحوت ، ورعيناه برعايتنا ، ~~أرسلناه إلى مائة ألف من الناس أو يزيدون على ذلك في نظر الناظر إليهم ، ~~فآمنوا جميعا ( @QUR@01 فمتعناهم ) بالحياة ( @QUR@02 إلى حين ) انتهاء ~~آجالهم. # قال الإمام ابن كثير : ولا مانع من أن يكون الذين أرسل إليهم أولا ، أمر ~~بالعودة إليهم بعد خروجه من بطن الحوت ، فصدقوه كلهم ، وآمنوا به. وحكى ~~البغوي أنه أرسل إلى أمة أخرى ms4812 بعد خروجه من الحوت ، كانوا مائة ألف أو ~~يزيدون (1). # هذا ومن العبر التي نأخذها من هذه القصة ، أن رحمة الله تعالى قريب من ~~المحسنين ، وأن العبد إذا تاب توبة صادقة نصوحا ، وفي الوقت الذي تقبل فيه ~~التوبة ، قبل الله تعالى توبته ، وفرج عنه كربه ، وأن التسبيح يكون سببا في ~~رفع البلاء. # وبعد هذه الجولة مع قصص بعض الأنبياء ، أمر الله تعالى رسوله ~~صلى الله عليه وسلم أن يسأل هؤلاء المشركين ، سؤال توبيخ وتأنيب ، عما قالوه ~~في شأن الملائكة من باطل وزور ، وأن يرد على أكاذيبهم ردا يخرص ألسنتهم ~~فقال تعالى : # ( @QUR@05 فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون (149) @QUR@06 أم خلقنا ~~الملائكة إناثا وهم شاهدون (150) @QUR@05 ألا إنهم من إفكهم ليقولون (151) ~~@QUR@04 ولد الله وإنهم لكاذبون (152) @QUR@04 أصطفى البنات على البنين ~~(153) @QUR@04 ما لكم كيف تحكمون (154) @QUR@02 أفلا تذكرون (155) @QUR@04 ~~أم لكم سلطان مبين (156) @QUR@05 فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين (157) ~~@QUR@04 وجعلوا بينه وبين الجنة PageV12P113 # @QUR@06 نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون (158) @QUR@04 سبحان الله عما ~~يصفون (159) @QUR@04 إلا عباد الله المخلصين (160) @QUR@03 فإنكم وما ~~تعبدون (161) @QUR@04 ما أنتم عليه بفاتنين (162) @QUR@05 إلا من هو صال ~~الجحيم (163) @QUR@06 وما منا إلا له مقام معلوم (164) @QUR@03 وإنا لنحن ~~الصافون (165) @QUR@03 وإنا لنحن المسبحون (166) @QUR@03 وإن كانوا ليقولون ~~(167) @QUR@06 لو أن عندنا ذكرا من الأولين (168) @QUR@04 لكنا عباد الله ~~المخلصين (169) @QUR@04 فكفروا به فسوف يعلمون ) (170) # وقوله تعالى ( @QUR@01 فاستفتهم .. ) معطوف على قوله تعالى في أوائل ~~السورة : ( @QUR@07 فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا .. ) عطف جملة على ~~جملة. والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والاستفتاء : الاستخبار والاستفهام ~~وطلب الفتيا من المفتي. # أى : أسأل أيها الرسول هؤلاء المشركين سؤال تقريع وتأنيب : ( @QUR@04 ~~ألربك البنات ولهم البنون ) أى : أسألهم بأى وجه من وجوه القسمة جعلوا لربك ~~البنات وجعلوا لأنفسهم البنين؟ إن قسمتهم هذه لهى قسمة جائرة وفاسدة عند كل ~~عاقل ، لأنه لا يليق في أى عقل أن يجعلوا لله تعالى الجنس الأدنى وهو جنس ~~الإناث ، بينما يجعلون لأنفسهم الجنس الأعلى. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى ( @QUR@08 ألكم الذكر وله الأنثى. تلك إذا ~~قسمة ضيزى ) (1). # قال صاحب الكشاف : ( @QUR@01 فاستفتهم ) معطوف على مثله في أول ms4813 السورة ، ~~وإن تباعدت بينهما المسافة ، أمر رسوله صلى الله عليه وسلم باستفتاء قريش عن ~~وجه إنكارهم البعث أولا. ثم ساق الكلام موصولا بعضه ببعض ، ثم أمره ~~باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى التي قسموها ، حيث جعلوا لله الإناث ~~ولأنفسهم الذكور ، في قولهم الملائكة بنات الله ، مع كراهتهم الشديدة لهن. ~~ولقد ارتكبوا في ذلك ثلاثة أنواع من الكفر : # أحدها : التجسيم ، لأن الولادة مختصة بالأجسام. PageV12P114 # والثاني : تفضيل أنفسهم على ربهم ، حيث جعلوا أوضع الجنسين له ، وأرفعهما لهم. # والثالث : أنهم استهانوا بأكرم خلق الله ، وأقربهم إليه ، حيث أنثوهم. ~~ولو قيل لأقلهم وأدناهم : فيك أنوثة ، أو شكلك شكل النساء ، للبس لقائله ~~جلد النمور ، ولا تقلبت حماليقه أى : أجفان عينيه. (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون )، تقريع ~~آخر لهم على جهالاتهم وسفههم ، حيث أضرب سبحانه عن الكلام الأول إلى ما هو ~~أشد منه في التبكيت والتأنيب. # أى : إنهم زعموا أن لربك البنات ولهم البنون ، فهل كانوا حاضرين وقت أن ~~خلقنا الملائكة حتى يعرفوا أنهم إناث؟ كلا إنهم لم يكونوا حاضرين وإنما هم ~~يهرفون بما لا يعرفون. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@012 وجعلوا الملائكة الذين هم عباد ~~الرحمن إناثا ، أشهدوا خلقهم ، ستكتب شهادتهم ويسئلون ) (2). # قال صاحب الكشاف فإن قلت : لم قال : ( @QUR@02 وهم شاهدون ) فخص علم ~~المشاهدة؟ # قلت : ما هو إلا الاستهزاء بهم وتجهيل .. وذلك لأنهم كما لم يعلموا ذلك ~~بطريق المشاهدة ، لم يعلموه بخلق علمه في قلوبهم ، ولا بإخبار صادق ، ولا ~~بطريق استدلال ونظر (3). # ثم أخبر سبحانه عن كذبهم فقال : ( @QUR@09 ألا إنهم من إفكهم ليقولون. ~~ولد الله وإنهم لكاذبون ) والإفك : أشنع الكذب وأقبحه. يقال : أفك فلان ~~كضرب وعلم إفكا وأفكا ، إذا كذب كذبا فاحشا. # أى : ألا إن هؤلاء الكافرين. من شدة كذبهم ، وشناعة جهلهم ليقولون زورا ~~وبهتانا : ( @QUR@02 ولد الله ) أى : اتخذ الله ولدا ( @QUR@02 وإنهم ~~لكاذبون ) في ذلك كذبا ( @QUR@09 تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا ). # وافتتحت الآية الكريمة بأداة الاستفتاح «ألا» لتأكيد قولهم ، وأنهم كانوا ~~مصرين على هذا القول الذي لا نهاية لبطلانه. ms4814 # ثم كرر سبحانه توبيخهم وتقريعهم فقال : ( @QUR@04 أصطفى البنات على ~~البنين ) والاصطفاء : الاختيار والانتقاء. والاستفهام للإنكار والنفي ، أى ~~: هل اختار الله البنات على PageV12P115 # البنين في زعمهم؟ كلا إن الله تعالى لم : يفعل شيئا من ذلك لأنه سبحانه ~~غنى عن العالمين. # ( @QUR@04 ما لكم كيف تحكمون ) أى : أى شيء حدث لكم ، وكيف أصدرتم هذه ~~الأحكام الظاهرة البطلان عند كل من كان عنده أثر من عقل. # وقوله : ( @QUR@02 أفلا تذكرون ). معطوف على كلام محذوف والتقدير : ~~أتجهلون هذه الأمور الواضحة ، فلا تعقلون ولا تتذكرون ولا تعتبرون. # وقوله تعالى : ( @QUR@09 أم لكم سلطان مبين. فأتوا بكتابكم إن كنتم ~~صادقين ) إضراب وانتقال من توبيخهم على جهالاتهم ، إلى تحديهم وإثبات كذبهم. # أى : بل ألكم حجة واضحة على صحة هذا القول الذي قلتموه من أن الملائكة ~~بنات الله؟ إن كانت عندكم هذه الحجة فأتوا بها إن كنتم صادقين فيما زعمتم. # فالمقصود بالآيتين الكريمتين تعجيزهم وإثبات المزيد من جهالاتهم ~~وأكاذيبهم. # ثم حكى سبحانه زعما آخر من زعمهم في شأن الملائكة فقال : ( @QUR@010 ~~وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ، ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون ). # والمراد بالجنة هنا : الملائكة. سمو بذلك لاجتنانهم واستتارهم عن الأعين. # أى : أن المشركين لم يكتفوا بما قالوا في الآيات السابقة ، بل أضافوا إلى ~~ذلك جريمة أخرى ، وهي أنهم جعلوا بين الله تعالى وبين الملائكة نسبا ، ولقد ~~علمت الجنة ، أى الملائكة ، «إنهم» أى القائلون لهذه المقالة الباطلة ~~«لمحضرون» أى : إلى العذاب يوم القيامة. ليذوقوا سوء عاقبة كذبهم. # قال القرطبي : أكثر أهل التفسير أن الجنة هاهنا الملائكة. عن مجاهد قال : ~~قالوا يعنى كفار قريش الملائكة بنات الله ، فقال لهم أبو بكر : فمن ~~أمهاتهن؟ قالوا : مخدرات الجن ... ومعنى «نسبا» : مصاهرة. وقال قتادة : ~~قالت اليهود إن الله صاهر الجن فكانت الملائكة من بينهن. # وقال الحسن : أشركوا الشيطان في عبادة الله ، فهو النسب الذي جعلوه (1). # ثم نزه سبحانه ذاته عما افتروه فقال : ( @QUR@04 سبحان الله عما يصفون ) ~~أى : تنزه الله تعالى وتقدس عما يقوله هؤلاء الجاهلون. PageV12P116 # وقوله : ( @QUR@04 إلا عباد الله المخلصين ) استثناء منقطع من قوله ( ~~@QUR@01 لمحضرون ) وما ms4815 بينهما جملة معترضة لتنزيه الله تعالى وتقديسه. # أى : والله لقد علمت الملائكة أن المشركين القائلين بهذا القول الفاسد ~~لمحضرون إلى النار ، ويدعون إليها دعا ، لكن عباد الله الذين أخلصوا له ~~العبادة والطاعة ليسوا كذلك ، بل هم ناجون من عذاب جهنم ، لتنزيههم الخالق ~~عز وجل عما لا يليق به. # ثم حقر سبحانه من شأن المشركين ، ومن شأن آلهتهم المزعومة فقال : ( ~~@QUR@012 فإنكم وما تعبدون. ما أنتم عليه بفاتنين. إلا من هو صال الجحيم ). # وهذا الكلام يجوز أن يكون حكاية لما رد به الملائكة على المشركين الذين ~~قالوا الإفك والزور قبل ذلك ، ويجوز أن يكون كلاما مستأنفا من الله تعالى ~~على سبيل الاستخفاف والتهكم بالمشركين وبآلهتهم. # والفاء في قوله ( @QUR@01 فإنكم ) واقعة في جواب شرط مقدر. و «الواو» في ~~قوله ( @QUR@02 وما تعبدون ) للعطف على اسم إن ، أو بمعنى مع. و «ما» موصولة ~~أو مصدرية. و «ما» في قوله : ( @QUR@04 ما أنتم عليه بفاتنين ) نافية ~~والضمير في «عليه» يعود على الله عز وجل والجار والمجرور متعلق «بفاتنين». ~~والمراد بالفتن : هنا الإفساد ، من قولهم : فلان فتن على فلان خادمه. إذا ~~أفسده. وجملة «ما أنتم عليه بفاتنين» خبر إن. # و «صال» بكسر اللام اسم فاعل منقوص كقاض مضاف إلى ما بعده. وحذفت ياؤه ~~لالتقاء الساكنين. # والمعنى : إذا أدركتم أيها المشركون ما قلناه لكم. فثقوا أنكم أنتم ~~وآلهتكم لن تستطيعوا أن تضلوا أحدا هداه الله تعالى لكنكم تستطيعون أن ~~تضلوا من كان من أهل الجحيم مثلكم. # فالمقصود بهذه الآيات الكريمة ، الاستخفاف بالمشركين وبآلهتهم ، وبيان أن ~~من هداه الله ، تعالى لا سلطان لهم عليه في إغوائه أو إضلاله. # قال صاحب الكشاف : والضمير في «عليه» لله تعالى ومعناه : فإنكم ومعبوديكم ~~ما أنتم وهم جميعا بفاتنين على الله ، إلا أصحاب النار الذين سبق في علمه ~~أنهم لسوء أعمالهم يستوجبون أن يصلوها. # فإن قلت : كيف يفتنونهم على الله؟ قلت : يفسدونهم عليه بإغوائهم ~~واستهوائهم. PageV12P117 # من قولك : فتن فلان على فلان امرأته ، كما تقول : أفسدها وخيبها عليه .. (1). # ثم بين سبحانه أن الملائكة معترفون اعترافا تاما ms4816 بطاعتهم لله تعالى ~~وبمداومتهم على عبادته وتسبيحه فقال : ( @QUR@012 وما منا إلا له مقام ~~معلوم. وإنا لنحن الصافون. وإنا لنحن المسبحون ). # أى : لقد اعترف الملائكة بطاعتهم الكاملة لله تعالى وقالوا : وما منا أحد ~~إلا له مقام معلوم في عبادة الله تعالى وطاعته ، وإنا لنحن الصافون أنفسنا ~~في مواقف العبودية والطاعة لله عز وجل وإنا لنحن المسبحون والمنزهون له ~~تعالى عن كل مالا يليق به. # وقد ذكر الإمام ابن كثير هنا جملة من الأحاديث منها أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال يوما لجلسائه : «أطت السماء وحق لها أن تئط أى سمع لها ~~صوت شديد ليس فيها موضع قدم إلا عليه ملك راكع أو ساجد ، ثم قرأ : ( ~~@QUR@06 وإنا لنحن الصافون : وإنا لنحن المسبحون ) (2). # ثم أخبر سبحانه عن حال المشركين قبل أن يأتيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال : ( @QUR@017 وإن كانوا ليقولون لو أن عندنا ذكرا من الأولين. لكنا ~~عباد الله المخلصين. فكفروا به فسوف يعلمون ). # و «إن» في قوله ( @QUR@02 وإن كانوا .. ) هي المخففة من الثقيلة ، واسمها ~~ضمير محذوف. # والقائلون هم كفار مكة ، والفاء في قوله ( @QUR@02 فكفروا به ) وهي ~~الفصيحة الدالة على محذوف مقدر. # والمعنى إن حال هؤلاء الكافرين وشأنهم ، أنهم كانوا يقولون قبل مجيء ~~الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم «لو أن عندنا ذكرا من الأولين» أى : لو أن ~~عندنا كتابا من كتب الأولين كالتوراة والإنجيل. لكنا عباد الله المخلصين أى ~~: لكنا بسبب وجود هذا الكتاب من عباد الله الذين يخلصون له العبادة ~~والطاعة. # فجاءهم محمد صلى الله عليه وسلم بالكتاب المبين كما تمنوا وطلبوا ، فكانت ~~النتيجة أن كفروا به ، فسوف يعلمون سوء عاقبة هذا الكفر ، ( @QUR@013 يوم ~~يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون ) (3). PageV12P118 # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة ببشارة المؤمنين بنصره ، وبتسلية النبي ~~صلى الله عليه وسلم عما أصابه من أعدائه ، فقال تعالى : # ( @QUR@05 ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين (171) @QUR@03 إنهم لهم ~~المنصورون (172) @QUR@04 وإن جندنا لهم الغالبون (173) @QUR@04 فتول عنهم ~~حتى حين (174) @QUR@03 وأبصرهم فسوف يبصرون (175) @QUR@02 أفبعذابنا ~~يستعجلون ms4817 (176) @QUR@06 فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين (177) @QUR@04 ~~وتول عنهم حتى حين (178) @QUR@03 وأبصر فسوف يبصرون (179) @QUR@06 سبحان ~~ربك رب العزة عما يصفون (180) @QUR@03 وسلام على المرسلين (181) @QUR@04 ~~والحمد لله رب العالمين ) (182) # والمراد بكلمتنا في قوله : ( @QUR@03 ولقد سبقت كلمتنا .. ) ما وعد الله ~~تعالى به رسله وعباده الصالحين من جعل العاقبة الطيبة لهم. # ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله تعالى : ( @QUR@011 إنا لننصر ~~رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) (1) وقوله سبحانه ~~( @QUR@09 كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز ) (2). # أى : والله لقد سبق وعدنا لعبادنا المرسلين بالنصر والفوز ( @QUR@03 إنهم ~~لهم المنصورون ). # على أعدائهم ( @QUR@04 وإن جندنا لهم الغالبون ) لمن عاداهم وناوأهم. # وهذا الوعد بالنصر لا يتعارض مع هزيمتهم في بعض المواطن كيوم أحد مثلا ~~لأن هذه الهزيمة إنما هي لون من الابتلاء الذي اقتضته حكمة الله تعالى ~~ليتميز قوى الإيمان من ضعيفه ، أما النصر في النهاية فهو للمؤمنين وهذا ما ~~حكاه لنا التاريخ الصحيح ، فقد تم فتح مكة ، ودخل الناس في دين الله أفواجا ~~، بعد أن جاهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهزموا PageV12P119 # الكافرين ، ولم يفارق الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الدنيا إلا بعد أن صارت ~~كلمة الله هي العليا ، وكلمة الذين كفروا هي السفلى. # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن المشركين ، وبالصبر ~~على أذاهم ، فقال : ( @QUR@04 فتول عنهم حتى حين ) أى : فأعرض عنهم إلى ~~الوقت الذي يأذن الله لك فيه بقتالهم ( @QUR@03 وأبصرهم فسوف يبصرون ) أى : ~~وانظر إليهم وراقبهم عند ما ينزل بهم عذابنا ، فسوف يبصرون هم ذلك في ~~دنياهم وفي آخرتهم. # والأمر بمشاهدة ذلك : إشعار بأن نصره صلى الله عليه وسلم عليهم ، آت لا ريب ~~فيه حتى لكأنه واقع بين يديه ، مشاهد أمامه. # والاستفهام في قوله سبحانه : ( @QUR@02 أفبعذابنا يستعجلون ) للتوبيخ ~~والتأنيب. # أى أبلغ الجهل وانطماس البصيرة بهؤلاء المشركين ، أنهم يستعجلون عذابنا. # عن ابن عباس رضى الله عنهما أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : ~~يا محمد أرنا العذاب الذي تخوفنا به ، فنزلت هذه الآية. # ثم ms4818 بين سبحانه حالهم عند ما ينزل بهم هذا العذاب الذي استعجلوا نزوله ~~فقال ( @QUR@06 فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين ). # والساحة في الأصل تطلق على الفناء الواسع للدار والمراد بها هنا القوم ~~الذين يكونون فيها والمخصوص بالذم محذوف. # أى : فإذا نزل العذاب بهؤلاء المشركين. فبئس الصباح صباحهم. ولن ينفعهم ~~حينئذ ندم أو توبة ، وخص الصباح بالذكر ، لأن العذاب كان يأتيهم فيه في ~~الغالب. # أخرج الشيخان عن أنس ، رضى الله عنه. قال : صبح رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خيبر ، فلما خرجوا بفئوسهم ومساحيهم ورأوا الجيش ، رجعوا ~~يقولون : محمد والله ، محمد والخميس أى : والجيش فقال صلى الله عليه وسلم : ~~«الله أكبر خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين». # ثم كرر سبحانه تهديده ووعيده لهم على سبيل التأكيد لعلهم يعتبرون فقال : ~~( @QUR@07 وتول عنهم حتى حين. وأبصر فسوف يبصرون ) أى : وأعرض عنهم حتى حين ~~، وأبصر ما توعدناهم به من عذاب أليم ، فسوف يبصرون هم ذلك. # ( @QUR@06 سبحان ربك رب العزة عما يصفون ) أى. تنزه وتقدس ربك أيها ~~الرسول الكريم عما وصفه به الواصفون الجاهلون من صفات لا تليق بذاته. PageV12P120 # وقوله ( @QUR@02 رب العزة ) بدل من ربك : أى هو صاحب العزة والغلبة ~~والقوة التي لا يقف أمام قوتها شيء والتي لا يملكها أحد سواه. # ( @QUR@03 وسلام على المرسلين ) أى : وسلام وأمان وتحية منا على المرسلين ~~( @QUR@04 والحمد لله رب العالمين ) أى : والثناء الكامل لله تعالى رب ~~العالمين جميعا وخالقهم ورازقهم ، ومحييهم ومميتهم. # وبعد فهذا تفسير لسورة الصافات ، نسأل الله أن يجعله خالصا لوجهه ، ~~ونافعا لعباده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟ # كتبه الراجي عفو ربه # د. محمد سيد طنطاوى # القاهرة مدينة نصر # الأربعاء : 20 من ذي القعدة 1405 ه # 7 / 8 / 1985 م PageV12P121 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة ص PageV12P123 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة # 1 سورة «ص» هي السورة الثامنة والثلاثون في ترتيب المصحف ، وكان نزولها ~~بعد سورة «القمر» وهي من السور المكية الخالصة. ويقال لها سورة «داود». # قال الآلوسى : هي مكية كما روى عن ابن ms4819 عباس وغيره وهي ثمان وثمانون آية ~~في المصحف الكوفي. وست وثمانون في الحجازي والبصري والشامي ... وهي ~~كالمتممة لسورة الصافات التي قبلها ، من حيث إنه ذكر فيها ما لم يذكر في ~~تلك من الأنبياء ، كداود وسليمان ...» (1). # 2 وقد افتتحت سورة «ص» بقسم من الله تعالى بالقرآن الكريم ، على صدق ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ، فيما يبلغه عن ربه. # ثم حكى سبحانه ما قاله المشركون فيما بينهم ، لإنكار نبوة النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، ولإنكار يوم القيامة وما فيه من ثواب وعقاب ، ورد عليهم ~~بما يثبت جهلهم وغفلتهم واستكبارهم عن قبول الحق .. # قال تعالى : ( @QUR@054 وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم ~~إن هذا لشيء يراد. ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق. أأنزل ~~عليه الذكر من بيننا ، بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب. أم عندهم ~~خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب. أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما ~~فليرتقوا في الأسباب ). # 3 ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ~~عما لحقه منهم من أذى وكيد ، فحكت له أن أقوام الرسل السابقين قد قابلوا ~~رسلهم بالتكذيب ، وأمرته بالصبر على جهالاتهم ، وساقت جانبا من قصة داود ~~عليه السلام فذكرت بعض النعم التي أنعم الله تعالى بها عليه ، كما ذكرت ما ~~دار بينه وبين الخصوم الذين تسوروا عليه المحراب. # قال تعالى : ( @QUR@08 كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد. ) ~~وثمود وقوم لوط PageV12P125 # وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب. إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب. وما ينظر ~~هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق. وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم ~~الحساب. اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب)... # 4 وبعد هذا الحديث الذي فيه شيء من التفصيل عن وجوه النعم التي أنعم بها ~~سبحانه على عبده داود ، وعن لون من ألوان الامتحانات التي امتحنه تعالى بها ~~، وعن الإرشادات الحكيمة التي أرشده الله عز وجل إليها ... # بعد كل ذلك ms4820 ساق سبحانه أنواعا من الأدلة على وحدانيته وقدرته ، وبين أن ~~حكمته قد اقتضت عدم المساواة بين الأخيار والفجار. # قال تعالى : ( @QUR@022 أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين ~~في الأرض ، أم نجعل المتقين كالفجار. كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا ~~آياته ، وليتذكر أولوا الألباب ). # 5 ثم أثنى سبحانه بعد ذلك على نبيه سليمان عليه السلام وبين بعض النعم ~~التي منحها له ، كما بين موقفه مما اختبره تعالى به ... # قال تعالى : ( @QUR@036 ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم ~~أناب. قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب. ~~فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب. والشياطين كل بناء وغواص ). # 6 ثم مدح سبحانه نبيه أيوب عليه السلام على صبره ، وعلى كثرة تضرعه إلى ~~ربه ، وكيف أنه تعالى قد كافأه على ذلك بما يستحقه. # قال تعالى : ( @QUR@041 واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان ~~بنصب وعذاب ، اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب. ووهبنا له أهله ومثلهم معهم ~~رحمة منا وذكرى لأولي الألباب ، وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث ، إنا ~~وجدناه صابرا ، نعم العبد ، إنه أواب ). # 7 ثم أثنى سبحانه على أنبيائه : إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، وإسماعيل واليسع ~~وذا الكفل ، وبين ما أعده لهم ولأمثالهم من عباده الأخيار ، كما بين ما ~~توعد به الفجار من عذاب أليم .. # قال تعالى : ( @QUR@039 هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب. جنات عدن مفتحة ~~لهم الأبواب. متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب. وعندهم قاصرات ~~الطرف أتراب. هذا ما توعدون ليوم الحساب. إن هذا لرزقنا ما له من نفاد. هذا ~~، وإن للطاغين لشر مآب ). PageV12P126 # 8 ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بالحديث عن قصة آدم وإبليس وكيف أن ~~الملائكة جميعا سجدوا لآدم إلا إبليس فإنه أبى واستكبر وقال أنا خير منه ~~خلقتني من نار وخلقته من طين. فكانت عاقبته الطرد من رحمة الله تعالى . # 9 ومن هذا العرض المجمل لسورة «ص» نرى أنها قد اهتمت اهتماما واضحا ، ~~بإقامة الأدلة على وحدانية الله تعالى ms4821 وقدرته. وعلى صدق النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه ، وعلى أن يوم القيامة حق ، كما اهتمت ~~بحكاية شبهات المشركين ثم الرد عليها ، كما ذكرت جانبا من قصص بعض الأنبياء ~~ليعتبر بقصصهم كل ذي عقل سليم ، كما أنها قد اهتمت ببيان حسن عاقبة الأخيار ~~وسوء عاقبة الأشرار ، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة. # والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ~~آله وصحبه وسلم. # د. محمد سيد طنطاوى # القاهرة مدينة نصر # الخميس 21 من ذي القعدة سنة 1405 ه # الموافق 8 / 8 / 1985 م PageV12P127 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@04 ص والقرآن ذي الذكر (1) @QUR@06 بل الذين كفروا في عزة وشقاق ~~(2) @QUR@010 كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص (3) @QUR@010 ~~وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب (4) @QUR@08 أجعل ~~الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب (5) @QUR@012 وانطلق الملأ منهم أن ~~امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد (6) @QUR@010 ما سمعنا بهذا في ~~الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق (7) @QUR@015 أأنزل عليه الذكر من بيننا بل ~~هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب (8) @QUR@07 أم عندهم خزائن رحمة ربك ~~العزيز الوهاب (9) @QUR@010 أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما ~~فليرتقوا في الأسباب (10) @QUR@06 جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب ) (11) # سورة «ص» من السور القرآنية التي افتتحت ببعض حروف التهجي ، وقد سبق أن ~~بينا بشيء من التفصيل آراء العلماء في هذه المسألة ، عند تفسيرنا لسورة ~~البقرة ، وآل عمران ، والأعراف. ويونس .. # وقلنا ما خلاصته : لعل أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف المقطعة ~~قد وردت في بعض السور القرآنية على سبيل الإيقاظ والتنبيه للذين تحداهم ~~القرآن. PageV12P128 # فكأن الله تعالى يقول لأولئك المعارضين في أن القرآن من عند الله هاكم ~~القرآن ترونه مؤلفا من كلام من جنس ما تؤلفون منه كلامكم ، ومنظوما من حروف ~~هي من جنس الحروف الهجائية التي تنظمون منها حروفكم. # فإن كنتم في شك من كونه منزلا من عند ms4822 الله فهاتوا مثله ، وادعوا من شئتم ~~من الخلق لكي يعاونكم في ذلك ، أو في الإتيان بعشر سور من مثله ، أو بسورة ~~واحدة من مثله. # فعجزوا وانقلبوا خاسرين. وثبت أن هذا القرآن من عند الله تعالى . # والواو في قوله تعالى : ( @QUR@03 والقرآن ذي الذكر ) للقسم. والمقسم به ~~القرآن الكريم. وجواب القسم محذوف ، لدلالة ما بعده عليه. # والذكر ، يطلق على الشرف ونباهة الشأن ، يقال فلان مذكور ، أى : صاحب شرف ~~ونباهة. ومنه قوله تعالى : ( @QUR@04 وإنه لذكر لك ولقومك ). # ويطلق وبراد به التذكير على أنه مصدر ، لأن القرآن مشتمل على المواعظ ~~والأحكام وقصص الأنبياء. وغير ذلك مما يسعد الناس في دينهم ودنياهم. # وهذان الإطلاقان ينطبقان على القرآن الكريم ، فيكون المعنى : وحق القرآن ~~الكريم ذي الشرف العظيم ، وذي التذكير الحكيم المشتمل على ما ينفع الناس في ~~دنياهم وآخرتهم .. # إنك أيها الرسول الكريم لصادق في كل ما تبلغه عن ربك ولم يصدر منك إطلاقا ~~ما يخالف الحق الذي أمرناك بتبليغه للناس. # قال بعض العلماء ما ملخصه : اعلم أنهم اختلفوا في تعيين الشيء الذي أقسم ~~الله تعالى عليه في قوله : ( @QUR@03 والقرآن ذي الذكر ). # فقال بعضهم إن المقسم عليه مذكور ، وهو قوله تعالى : ( @QUR@06 إن ذلك ~~لحق تخاصم أهل النار ) أو قوله تعالى : ( @QUR@07 إن هذا لرزقنا ما له من ~~نفاد ) أو قوله تعالى : ( @QUR@06 كم أهلكنا من قبلهم من قرن ).. # والحق أن القول بأن المقسم عليه مذكور ظاهر السقوط. # وقال آخرون إن المقسم عليه محذوف ، واختلفوا في تقديره ، فقال صاحب ~~الكشاف : التقدير : «والقرآن ذي الذكر» إنه لمعجز. وقدره ابن عطية فقال : ~~والتقدير : والقرآن ذي الذكر ليس الأمر كما يقول الكفار .. (1). PageV12P129 # وقوله تعالى : ( @QUR@06 بل الذين كفروا في عزة وشقاق ) انتقال من القسم ~~والمقسم به ، إلى بيان حال الكفار وما هم عليه من غرور وعناد. # والمراد بالعزة هنا : الحمية والاستكبار عن اتباع الحق ، كما في قوله ~~تعالى : ( @QUR@012 وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ~~ولبئس المهاد ) (1). # وليس المراد بها القهر والغلبة كما في قوله تعالى : ( @QUR@08 ولله العزة ~~ولرسوله وللمؤمنين ، ولكن ms4823 المنافقين لا يعلمون ) (2). # وأصل الشقاق : المخالفة والمنازعة بين الخصمين حتى لكأن كل واحد منهما في ~~شق غير الذي فيه الآخر. والمراد به هنا : مخالفة المشركين لما جاءهم به ~~النبي صلى الله عليه وسلم . # والمعنى : وحق القرآن الكريم ذي الشرف وسمو القدر. إنك أيها الرسول ~~الكريم لصادق فيما تبلغه عن ربك ، ولست كما يقول أعداؤك في شأنك. بل الحق ~~أن هؤلاء الكافرين في حمية واستكبار عن قبول الهداية التي جئتهم بها من عند ~~ربك ، وفي مخالفة ومعارضة لكل ما لا يتفق مع ما وجدوا عليه آباءهم من عبادة ~~للأصنام ، ومن عكوف على عاداتهم الباطلة. # والتعبير بفي في قوله ( @QUR@03 في عزة وشقاق ) للإشعار بأن ما هم عليه ~~من عناد ومن مخالفته للحق ، قد أحاط بهم من كل جوانبهم ، كما يحيط الظرف ~~بالمظروف. # ثم خوفهم سبحانه بما أصاب الأمم من قبلهم ، وحذرهم من أن يكون مصيرهم ~~كمصير المكذبين السابقين فقال : ( @QUR@010 كم أهلكنا من قبلهم من قرن ~~فنادوا ولات حين مناص ). # «وكم» هنا خبرية. ومعناها : الإخبار عن عدد كثير. وهي في محل نصب على ~~أنها مفعول به لأهلكنا. # وصيغة الجمع في أهلكنا للتعظيم. و «من» في قوله ( @QUR@02 من قبلهم ) ~~لابتداء الغاية ، وفي قوله : ( @QUR@02 من قرن ) مميزة لكم. والقرن : يطلق ~~على الزمان الذي يعيش فيه جيل من الناس ، ومدته على الراجح مائة سنة ~~والمراد به هنا أهل الزمان. # والمراد بالنداء في قوله تعالى : ( @QUR@01 فنادوا ) الاستغاثة والضراعة ~~إلى الله أن يكشف عنهم العذاب. PageV12P130 # و ( @QUR@01 لات ) هي لا المشبهة بليس وهذا رأى سيبويه فهي حرف نفى زيدت ~~فيه التاء لتأكيد هذا النفي. # وأشهر أقوال النحويين فيها أنها تعمل عمل ليس ، وأنها لا تعمل إلا في ~~الحين خاصة ، أو في لفظ الحين ونحوه من الأزمنة ، كالساعة والأوان ، وأنها ~~لا بد أن يحذف اسمها أو خبرها ، والأكثر حذف المرفوع منهما وإثبات المنصوب. # والحين : ظرف مبهم يتخصص بالإضافة. # وقوله : ( @QUR@01 مناص ) مصدر ميمى بمعنى الفرار والخلاص. يقال : ناص ~~فلان من عدوه من باب قال فهو ينوص نوصا ومناصا ، إذا فر منه ms4824 ، وهرب من لقائه. # أو بمعنى النجاة والفوت. يقال : ناصه ينوصه إذا فاته ونجا منه. # والمراد بقوله تعالى : ( @QUR@01 أهلكنا ) الشروع في الإهلاك بدليل قوله ~~تعالى بعد ذلك ( @QUR@01 فنادوا ) إذ من المعروف أن من هلك بالفعل لا ~~يستغيث ولا ينادى. # والمعنى : إن هؤلاء الكافرين المستكبرين عن طاعتنا وعبادتنا ، قد علموا ~~أننا أهلكنا كثيرا من السابقين أمثالهم ، وأن هؤلاء السابقين عند ما رأوا ~~أمارات العذاب ومقدماته ، جأروا إلينا بالدعاء أن نكشفه عنهم ، واستغاثوا ~~استغاثة جاءت في غير وقتها ، ولقد قلنا لهم عند ما استغاثوا بنا عند فوات ~~الأوان : ( @QUR@03 ولات حين مناص ). # أى : ليس الوقت الذي استغثتم بنا فيه وقت نجاة وفرار من العقاب ، بل هو ~~وقت تنفيذ العقوبة فيكم ، بعد أن تماديتم في كفركم ، وأعرضتم عن دعوة الحق ~~بدون إنابة أو ندم. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@019 فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا ~~بالله وحده ، وكفرنا بما كنا به مشركين. فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا ~~بأسنا .. ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@015 حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون. ~~لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون ) (2). # ثم حكى سبحانه بعد ذلك جانبا من أكاذيب المشركين الناتجة عن استكبارهم ~~وشقاقهم فقال : ( @QUR@030 وعجبوا أن جاءهم منذر منهم ، وقال الكافرون هذا ~~ساحر كذاب. أجعل الآلهة إلها واحدا ، إن هذا لشيء عجاب. وانطلق الملأ منهم ~~أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ).. PageV12P131 # وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات منها : أن جماعة من قريش ~~اجتمعوا في نفر من مشيخة قريش ، فقال بعضهم لبعض : انطلقوا بنا إلى أبى ~~طالب ، لنكلمه في شأن ابن أخيه ... فلما دخلوا على أبى طالب قالوا له : أنت ~~كبيرنا وسيدنا ، فأنصفنا من ابن أخيك ، فمره فليكف عن شتم آلهتنا ، وندعه وإلهه. # فقال أبو طالب للنبي صلى الله عليه وسلم يا ابن أخى هؤلاء مشيخة قريش ، وقد ~~سألوك أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك. # فقال صلى الله عليه وسلم : «يا عم ، أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم؟ قال : ~~وإلام تدعوهم؟ قال : أدعوهم ms4825 أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب ، ويملكون ~~بها العجم». # فقال أبو جهل من بين القوم : ما هي وأبيك؟ لنعطينها لك وعشرة أمثالها ، ~~فقال صلى الله عليه وسلم : «تقولون : لا إله إلا الله». # فنفر أبو جهل وقال : سلنا غير هذا. # فقال صلى الله عليه وسلم : «لو جئتمونى بالشمس حتى تضعوها في يدي ، ما ~~سألتكم غيرها». # فقاموا غضابا. وقالوا : والله لنشتمنك وإلهك الذي أرسلك بهذا. (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@01 وعجبوا ... ) مأخوذ من العجب ، وهو تغير في ~~النفس من أمر لا ترتاح إليه ، وتخفى لديها أسبابه. # أى : وعجب هؤلاء الكافرون من مجيء منذر منهم ينذرهم بسوء عاقبة الشرك. ~~ويأمرهم بعبادة الله تعالى وحده. # ( @QUR@01 وقال ) هؤلاء ( @QUR@01 الكافرون ) عند ما دعاهم الرسول ~~صلى الله عليه وسلم إلى الدين الحق. # ( @QUR@03 هذا ساحر كذاب ) أى : قالوا : هذا الرسول ساحر لأنه يأتينا ~~بخوارق لم نألفها ، وكذاب فيما يسنده إلى الله تعالى من أنه سبحانه أرسله إلينا. # وقال سبحانه : ( @QUR@02 وقال الكافرون ) بالإظهار دون الإضمار ، لتسجيل ~~الكفر والجحود عليهم. وللإيذان بأن كفرهم هو الباعث لهم على وصف الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بما هو منزه عنه من السحر والكذب. # ثم أضافوا إلى هذا القول الباطل ، أقوالا أخرى لا تقل عن غيرها في ~~البطلان والفساد. فقالوا كما حكى القرآن : ( @QUR@04 أجعل الآلهة إلها ~~واحدا ). PageV12P132 # والاستفهام للإنكار. أى : أجعل محمد صلى الله عليه وسلم الآلهة المتعددة ، ~~إلها واحدا. وطلب منا أن ندين له بالعبادة والطاعة؟. # ( @QUR@04 إن هذا لشيء عجاب ) أى : إن هذا الذي طلبه منا ، ودعانا إليه ، ~~لشيء قد بلغ النهاية في العجب والغرابة ومجاوزة ما يقبله العقل. # و ( @QUR@01 عجاب ) أبلغ من عجيب. لأنك تقول في الرجل الذي فيه طول : هذا ~~رجل طويل ، بينما تقول في الرجل الذي تجاوز الحد المعقول في الطول : هذا ~~رجل طوال. # فلفظ ( @QUR@01 عجاب ) صيغة مبالغة سماعية ، وقد حكاها سبحانه عنهم ~~للإشعار بأنهم كانوا يرون لجهلهم وعنادهم أن ما جاءهم به الرسول ؛ هو شيء ~~قد تجاوز الحد في العجب والغرابة. # واسم الإشارة يعود إلى جعله صلى الله عليه وسلم الآلهة ms4826 إلها واحدا ، لأنهم ~~يرون لانطماس بصائرهم أن ذلك مخالف مخالفة تامة لما ورثوه عن آبائهم ~~وأجدادهم من عبادة للأصنام. # وما كان مخالفا لما ورثوه عن آبائهم فهو في زعمهم متجاوز الحد في العجب. # ثم صور سبحانه حرصهم على صرف الناس عن دعوة الحق. تصويرا بديعا ، فقال : ~~( @QUR@08 وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم ). # أى : وانطلق الأشراف من قريش عن مجلس أبى طالب ، بعد أن سمعوا من الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ما أغضبهم وخيب آمالهم. # انطلقوا يقولون : أن امشوا في طريقكم التي كان عليها آباؤكم واصبروا على ~~عبادة آلهتكم مهما هون محمد صلى الله عليه وسلم من شأنها ، ومهما نهى عن ~~عبادتها. # ( @QUR@04 إن هذا لشيء يراد ) أى : إن هذا الذي يدعونا إليه محمد ~~صلى الله عليه وسلم من عبادة الله تعالى وحده وترك عبادة آلهتنا لشيء يراد من ~~جهته هو ، وهو مصمم عليه كل التصميم ، ونحن من جانبنا يجب أن نقابل تصميمه ~~على دعوته ، بتصميم منا على عبادة آلهتنا. # وعلى هذا المعنى تكون الإشارة هنا عائدة إلى ما يدعوهم إليه النبي ~~صلى الله عليه وسلم من عبادة الله وحده. # ويصح أن تكون الإشارة إلى دينهم هم ، فيكون المعنى : إن هذا الدين الذي ~~نحن عليه لشيء يراد لنا ، وقد وجدنا عليه آباءنا ، ومادام الأمر كذلك فلن ~~نتركه مهما كرهنا فيه محمد صلى الله عليه وسلم . # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@04 إن هذا لشيء يراد ) تعليل للأمر بالصبر ، ~~والإشارة إلى PageV12P133 # ما وقع وشاهدوه من أمر النبي صلى الله عليه وسلم وتصلبه في أمر التوحيد ، ~~ونفى ألوهية آلهتهم .. # أى : إن هذا لشيء عظيم يراد من جهته صلى الله عليه وسلم إمضاؤه وتنفيذه. ~~فاقطعوا أطماعكم عن استنزاله إلى إرادتكم ، واصبروا على عبادة آلهتكم. وقيل ~~: إن هذا الأمر لشيء من نوائب الدهر يراد بنا ، فلا حيلة إلا تجرع مرارة الصبر. # وقيل : إن هذا أى : دينكم يطلب لينتزع منكم ويطرح ويراد إبطاله .. (1). # ثم يضيفون إلى ذلك قولهم : ( @QUR@06 ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة ... ~~) أى : ما سمعنا بهذا ms4827 الدين الذي يدعونا إليه محمد صلى الله عليه وسلم في ملة ~~العرب التي أدركنا عليها آباءنا ، أو ما سمعنا بهذا الذي يقوله محمد ~~صلى الله عليه وسلم في الملة الآخرة ، وهي ملة عيسى عليه السلام فإن أتباعه ~~يقولون بالتثليث ، ويقولون بأنه الدين الذي جاء به عيسى. # وعلى هذين القولين يكون قوله ( @QUR@03 في الملة الآخرة ) متعلق بسمعنا. # ويصح أن يكون المعنى : ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه محمد ~~صلى الله عليه وسلم كائنا في الملة التي تكون في آخر الزمان ، والتي حدثنا. ~~عنها الكهان وأهل الكتاب. # وعلى هذا الرأى يكون قوله ( @QUR@03 في الملة الآخرة ) حالا من اسم ~~الإشارة وليس متعلقا بسمعنا. # ثم أكدوا نفيهم لعدم سماعهم لما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم بقولهم ~~: ( @QUR@04 إن هذا إلا اختلاق ). أى : ما سمعنا شيئا مما يقوله ، وما ~~يقوله ما هو إلا كذب وتخرص اختلقه من عند نفسه ، دون أن يسبقه إليه أحد. # يقال : اختلق فلان هذا القول ، إذا افتراه واصطنعه واخترعه من عند نفسه ، ~~دون أن يكون له أصل من الواقع. # ثم صرحوا في نهاية المطاف بالسبب الحقيقي الذي حال بينهم وبين الإيمان ، ~~ألا وهو الحقد والحسد ، وإنكار أن يختص الله تعالى رسوله من بينهم بالرسالة ~~، فقالوا كما حكى القرآن عنهم : ( @QUR@05 أأنزل عليه الذكر من بيننا؟ ... ). # والاستفهام للإنكار والنفي. أى : كيف يدعى محمد صلى الله عليه وسلم أنه قد ~~أنزل عليه القرآن من بيننا ، ونحن السادة الأغنياء العظماء ، وهو دوننا في ~~ذلك؟ إننا ننكر وننفى دعواه النبوة من بيننا. # قال صاحب الكشاف : أنكروا أن يختص بالشرف من بين أشرافهم ورؤسائهم وينزل عليه PageV12P134 # الكتاب من بينهم ، كما قالوا : ( @QUR@010 لو لا نزل هذا القرآن على رجل ~~من القريتين عظيم ) وهذا الإنكار ترجمة عما كانت تغلى به صدورهم من الحسد ~~على ما أوتى من شرف النبوة من بينهم. (1). # ولقد حكى القرآن أحقادهم هذه على النبي صلى الله عليه وسلم في آيات كثيرة ~~ورد عليها بما يبطلها ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@018 وإذا جاءتهم آية ~~قالوا لن ms4828 نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ، الله أعلم حيث يجعل رسالته ~~... ) (2). # ولقد صرح أبو جهل بهذا الحسد للنبي صلى الله عليه وسلم فعند ما سأله سائل ، ~~أتظن محمدا على حق أم على باطل؟ كان جوابه : إن محمدا لعلى حق ولكن متى كنا ~~لبنى هاشم تبعا. أى : متى كانت أسرتنا تابعة لبنى هاشم!!. # وفي رواية أنه قال : تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف : أطعموا فأطعمنا ، ~~وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا تحاذينا على الركب ، وكنا كفرسي ~~رهان ، قالوا : منا نبي يأتيه الوحى من السماء ، فمتى ندرك هذه؟ والله لا ~~نؤمن به أبدا ولا نصدقه. # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 بل هم في شك من ذكري ) إضراب عن كلام يفهم من ~~السياق. وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم من أذى. # أى : هؤلاء الجاحدون الحاقدون لم يقطعوا برأى في شأنك أيها الرسول الكريم ~~وفي شأن ما جئتهم به ، ولم يستندوا في أقوالهم إلى دليل أو ما يشبه الدليل ~~، وإنما هم في شك من هذا القرآن الذي أيدناك به ، بدليل أنك تراهم يصفونك ~~تارة بالسحر ، وتارة بالكهانة ، وتارة بالشعر ، ولو عقلوا وأنصفوا لآمنوا ~~بك وصدقوك. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 بل لما يذوقوا عذاب ) إضراب عن مجموع الكلامين ~~السابقين المشتملين على الحسد والشك. # أى : لا تحزن أيها الرسول الكريم من مسالكهم الخبيثة ، وأقوالهم الفاسدة. ~~فإنهم ما فعلوا ذلك إلا لأنهم لم يذوقوا عذابي بعد ، فإذا ذا قوة زال حسدهم ~~وشكهم ، وتيقنوا بأنك على الحق المبين ، وهم على الباطل الذي لا يحوم حوله حق. # وفي التعبير بقوله ( @QUR@01 لما ) إشارة إلى أن نزول العذاب بهم وتذوقهم ~~له ، قريب الحصول. # ثم أنكر عليهم سبحانه بعد ذلك اعتراضهم على اختيار نبيه صلى الله عليه وسلم ~~للرسالة ، وساق هذا الإنكار بأسلوب توبيخي تهكمى فقال تعالى : ( @QUR@05 أم ~~عندهم خزائن رحمة ربك PageV12P135 # @QUR@02 العزيز الوهاب ). أى : أنهم لم يملكوا خزائن رحمة ربك أيها ~~الرسول الكريم حتى يعطوا منها من يشاءون ويمنعوها عمن يشاءون ، ويتخيروا ~~للنبوة صناديدهم ويترفعوا بها عنك .. وإنما المالك لكل ذلك ms4829 هو الله تعالى ~~العزيز الذي لا يغلبه غالب الوهاب ، أى : الكثير العطاء لعباده. # والمراد بالعندية في قوله ( @QUR@01 عندهم ): الملك والتصرف. وتقديم ~~الظرف «عند» لأنه محل الإنكار. وفي إضافة الرب عز وجل إلى الضمير العائد إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم تشريف وتكريم له صلى الله عليه وسلم وجيء بصفة «العزيز» ~~للرد على ما كانوا يزعمونه لأنفسهم وآلهتهم من ترفع وتكبر. # كما جيء بصفة «الوهاب» للإشارة إلى أن النبوة هبة من الله تعالى لمن ~~يختاره من عباده ، وهو سبحانه أعلم حيث يجعل رسالته. # وقوله عز وجل : ( @QUR@07 أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما ... ) ~~تأكيد لما أفادته الآية السابقة من عدم ملكيتهم لشيء من خزائن الله تعالى . ~~أى : أن هؤلاء الكافرين ليست عندهم خزائن ربك أيها الرسول الكريم وليسوا ~~بمالكين شيئا أى شيء من هذه العوالم العلوية أو السفلية ، وإنما هم خلق ~~صغير من خلقنا العظيم الكبير. # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 فليرتقوا في الأسباب ) تعجيز لهم ، وتهكم بهم ، ~~واستخفاف بأقوالهم ومزاعمهم ، والأسباب : جمع سبب وهو كل ما يتوصل به إلى ~~غيره من حبل أو نحوه. # والفاء جواب لشرط محذوف. والتقدير : إن كان عندهم خزائن رحمتنا ، ولهم ~~شيء من ملك السموات والأرض وما بينهما ، فليصعدوا في الطرق التي توصلهم إلى ~~ما نملكه حتى يستولوا عليه ، ويدبروا أمره ، وينزلوا الوحى على من يختارونه ~~للنبوة من أشرافهم وصناديدهم. # فالجملة الكريمة قد اشتملت على نهاية التعجيز لهم ، والتهكم بهم ~~وبأقوالهم ، حيث بين سبحانه أنهم أدعياء فيما يزعمون ، وأنهم يهرفون بما لا ~~يعرفون .. # ثم بشر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالنصر عليهم فقال : ( @QUR@06 ~~جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب ). # ولفظ «جند» خبر لمبتدأ محذوف. و «ما» مزيدة للتقليل والتحقير ، نحو قولك : ~~أكلت شيئا ما. أى : شيئا قليلا ، وقيل : هي للتكثير والتهويل كقولهم : لأمر ~~ما جدع قصير أنفه. PageV12P136 # أى : لأمر عظيم .. وعلى كلا المعنيين فالمقصود أنهم لا وزن لهم بجانب ~~قدرة الله تعالى . # و «هنالك» صفة لجند ، أو ظرف لمهزوم. وهو إشارة إلى المكان البعيد. # و «مهزوم» خبر ms4830 ثان للمبتدأ المقدر ، وأصل الهزم : غمز الشيء اليابس حتى ~~يتحطم ويكسر. # يقال : تهزمت القربة ، بمعنى يبست. وتكسرت. وهزم الجيش بمعنى غلب وكسر. # والمعنى : هؤلاء المشركون أيها الرسول الكريم لا تهتم بأمرهم ، ولا تكترث ~~بجموعهم ، فهم سواء أكانوا قليلين أم كثيرين ، لا قيمة لهم بجانب قوتنا ~~التي لا يقف أمامها شيء ، ومهما تحزبوا عليك فهم جند مهزومون ومغلوبون أمام ~~قوة المؤمنين في مواطن متعددة. # فالآية الكريمة بشارة للمؤمنين بالنصر على أعدائهم كما قال تعالى : ( ~~@QUR@04 سيهزم الجمع ويولون الدبر ). # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@06 جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب ) ~~يريد ما هم إلا جيش من الكفار المتحزبين على رسل الله مهزوم مكسور عما قريب ~~، فلا تبال بما يقولون ، ولا تكترث لما به يهذون ، و «ما» مزيدة ، وفيها ~~معنى الاستعظام ... إلا أنه على سبيل الاستهزاء بهم. و ( @QUR@01 هنالك ) ~~إشارة حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل ذلك القول العظيم ، من قولهم ~~لمن ينتدب لأمر ليس من أهله : لست هنالك (1). # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكت أقوال المشركين ، وردت عليها ردا يكبتهم ~~ويزهق باطلهم ، وختمت بما يبشر المؤمنين بالنصر عليهم. # ثم ساق سبحانه جانبا مما أصاب السابقين من دمار حين كذبوا رسلهم لكي ~~يعتبر المشركون المعاصرون للنبي صلى الله عليه وسلم ولكي يقلعوا عن شركهم حتى ~~لا يصيبهم ما أصاب أمثالهم من المتقدمين عليهم ، فقال تعالى : # ( @QUR@08 كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد (12) @QUR@07 وثمود ~~وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب (13) @QUR@05 إن كل إلا كذب الرسل PageV12P137 # @QUR@02 فحق عقاب (14) @QUR@010 وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من ~~فواق (15) @QUR@08 وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب ) (16) # فقوله تعالى : ( @QUR@04 كذبت قبلهم قوم نوح ... ) استئناف مقرر لوعيد ~~قريش بالهزيمة. ولوعد المؤمنين بالنصر. وتأنيث قوم باعتبار المعنى ، وهو ~~أنهم أمة وطائفة. # أى : ليس قومك يا محمد هم أول المكذبين لرسلهم ، فقد سبقهم إلى هذا ~~التكذيب قوم نوح ، فكانت عاقبتهم الإغراق بالطوفان. # وسبقهم أيضا إلى هذا التكذيب قوم عاد ، فقد كذبوا نبيهم هودا ، فكانت ~~عاقبتهم الإهلاك بالريح العقيم. ms4831 التي ما أتت على شيء إلا جعلته كالرميم. # وقوله : ( @QUR@03 وفرعون ذو الأوتاد ) معطوف على ما قبله أى : وكذب أيضا ~~فرعون رسولنا موسى عليه السلام . # وقوله : ( @QUR@02 ذو الأوتاد ) صفة لفرعون. والأوتاد : جمع وتد ، وهو ما ~~يدق في الأرض لتثبيت الشيء وتقويته. # والمراد بها هنا : المبانى الضخمة العظيمة ، أو الجنود الذين يثبتون ملكه ~~كما تثبت الأوتاد البيت ، أو الملك الثابت ثبوت الأوتاد. # قال الآلوسى ما ملخصه : والأصل إطلاق ذي الأوتاد على البيت المشدود ~~والمثبت بها ، فشبه هنا فرعون في ثبات ملكه .. ببيت ثابت ذي عماد وأوتاد .. # أو المراد بالأوتاد الجنود : لأنهم يقوون ملكه كما يقوى الوتد الشيء. أو ~~المراد بها المبانى العظيمة الثابتة. # ويصح أن تكون الأوتاد على حقيقتها فقد قيل إنه كان يربط من يريد قتله بين ~~أوتاد متعددة ، ويتركه مشدودا فيها حتى يموت .. (1). # أى : وفرعون صاحب المبانى العظيمة ، والجنود الأقوياء ، والملك الوطيد ~~... كذب رسولنا موسى عليه السلام ، فكانت عاقبة هذا التكذيب أن أغرقناه ومن ~~معه جميعا من جنوده الكافرين. PageV12P138 # وكذب أيضا قوم ثمود نبيهم صالحا ، وقوم لوط نبيهم لوطا ، وأصحاب الأيكة ~~وهم قوم شعيب. كذبوه كذلك فكانت نتيجة هذا التكذيب الإهلاك لهؤلاء المكذبين ~~كما قال تعالى : ( @QUR@028 فكلا أخذنا بذنبه ، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ~~، ومنهم من أخذته الصيحة ، ومنهم من خسفنا به الأرض ، ومنهم من أغرقنا ، ~~وما كان الله ليظلمهم ، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) (1). # والإشارة في قوله تعالى : ( @QUR@02 أولئك الأحزاب ) تعود إلى هؤلاء ~~الأقوام المكذبين لرسلهم وسموا بالأحزاب ، لأنهم تحزبوا ضد رسلهم ، وانضم ~~بعضهم إلى بعض في تكذيبهم ، ووقفوا جميعا موقف المحارب لهؤلاء الرسل ~~الكرام. # وقوله سبحانه ( @QUR@07 إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب ) استئناف مقرر لما ~~قبله من تكذيب هؤلاء الأقوام لرسلهم ، وبيان للأسباب التي أدت إلى عقاب ~~المكذبين. # و «إن» هنا نافية ، ولا عمل لها لانتقاض النفي بإلا. و «إلا» أداة استثناء ~~مفرغ من أعم الصفات أو الأحكام : وجملة «كذب الرسل» في محل رفع خبر «كل». # أى : ليس لهؤلاء الأقوام من صفات سوى تكذيب الرسل ، فكانت نتيجة هذا ms4832 ~~التكذيب أن حل بهم عقابي وثبت عليهم عذابي. الذي دمرهم تدميرا. # والإخبار عن كل حزب من هذه الأحزاب بأنه كذب الرسل ، إما لأن تكذيب كل ~~حزب لرسوله يعتبر من باب التكذيب لجميع الرسل لأن دعوتهم واحدة ، وإما من ~~قبيل مقابلة الجمع بالجمع ، والمقصود تكذيب كل حزب لرسوله. # وقد جاء تكذيبهم في الآية السابقة بالجملة الفعلية «كذبت قبلهم ...» وجاء ~~في هذه الآية بالجملة الاسمية : لبيان إصرارهم على هذا التكذيب ، ومداومتهم ~~عليه ، وإعراضهم عن دعوة الرسل لهم إعراضا تاما. # وقوله سبحانه : ( @QUR@010 وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق ~~). بيان للعذاب المعد للمشركين المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم بعد بيان ~~العقاب الذي حل بالسابقين. # والمراد بالصيحة هنا : النفخة الثانية التي ينفخها إسرافيل في الصور ، ~~فيقوم الخلائق من قبورهم للحساب والجزاء. # وقيل المراد بها النفخة الأولى ، وضعف هذا القول بأنهم لن يكونوا موجودين ~~وقتها حتى يصعقوا بها .. PageV12P139 # وينظرون هنا بمعنى ينتظرون. وجعلهم سبحانه منتظرين للعقاب مع أنهم لم ~~ينتظروه على سبيل الحقيقة للإشعار بتحقق وقوعه ، وأنهم بصدد لقائه ، فهم ~~لذلك في حكم المنتظرين له. # أى : وما ينتظر هؤلاء المشركون الذين هم أمثال المهلكين من قبلهم ، ( ~~@QUR@03 إلا صيحة واحدة ) أى : نفخة واحدة ينفخها إسرافيل ( @QUR@07 فإذا ~~هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون )، وهذه النفخة ( @QUR@04 ما لها من فواق ) ~~أى : ليس لها من توقف وانتظار حتى ولو بمقدار فواق ناقة وهو الزمن الذي ~~يكون بين الحلبتين ، أو الزمن الذي يكون فيه رجوع اللبن في الضرع بعد الحلب. # والمقصود بيان أن هذه الصيحة سريعة الوقوع ، وأنها لن تتأخر عن وقتها ، ~~وأنها صيحة واحدة فقط يتم بعدها كل شيء يتعلق بالبعث والجزاء. # قال الجمل في حاشيته ما ملخصه : قوله : ( @QUR@04 ما لها من فواق ) يجوز ~~أن يكون قوله ( @QUR@01 لها ) رافعا لقوله : ( @QUR@02 من فواق ) على ~~الفاعلية لاعتماده على النفي. # وأن يكون جملة من مبتدأ وخبر ، وعلى التقديرين فالجملة المنفية صفة لصيحة ~~، ومن مزيدة .. # والفواق بفتح الفاء وضمها الزمان الذي بين حلبتى الحالب ورضعتى الراضع ~~والمعنى : ما لها ms4833 من توقف قدر فواق ناقة. وفي الحديث : «العيادة قدر فواق ~~ناقة» .. (1). # ثم ختم سبحانه هذه الآيات الكريمة ، ببيان ما جبل عليه هؤلاء المشركون من ~~جهالات وسفاهات ، حيث تعجلوا العقاب قبل وقوعه بهم ، فقال تعالى : ( ~~@QUR@08 وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب ). # والقط : النصيب والقطعة من الشيء. مأخوذ من قط الشيء إذا قطعه وفصله عن ~~غيره. فهم قد أطلقوا القطعة من العذاب على عذابهم ، باعتبار أنها مقتطعة من ~~العذاب الكلى المعد لهم ولغيرهم. # أى : وقال هؤلاء المشركون الجاهلون يا ربنا ( @QUR@03 عجل لنا قطنا ) أى ~~عجل لنا نصيبنا من العذاب الذي توعدتنا به ، ولا تؤخره إلى يوم الحساب. # وتصدير دعائهم بنداء الله تعالى بصفة الربوبية ، يشعر بشدة استهزائهم ~~بهذا العذاب الذي توعدهم الله تعالى به على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم . PageV12P140 # ونسب سبحانه القول إليهم جميعا مع أن القائل هو النضر بن الحارث ، أو أبو ~~جهل .. لأنهم قد رضوا بهذا القول ، ولم يعترضوا على قائله. # وقيل المراد بقوله تعالى : ( @QUR@03 عجل لنا قطنا .. ) أى : صحائف ~~أعمالنا لننظر فيها قبل يوم الحساب. # وقيل المراد به : نصيبهم من الجنة أى : عجل لنا نصيبنا من الجنة التي وعد ~~رسولك بها أتباعه ، وأعطنا هذا النصيب في الدنيا قبل يوم الحساب لأننا لا ~~نؤمن بوقوعه. # وعلى جميع الأقوال ، فالمراد بيان أنهم قوم قد بلغ بهم التطاول والغرور ~~منتهاه ، حيث استهزءوا بيوم الحساب ، وطلبوا تعجيل نزول العذاب بهم في ~~الدنيا ، بعد أن سمعوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن عقوبتهم مؤجلة إلى ~~الآخرة .. # قال تعالى : ( @QUR@012 وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ، وما كان الله ~~معذبهم وهم يستغفرون ) (1). # وقال سبحانه : ( @QUR@014 ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده ، وإن ~~يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ) (2). # ثم واصلت السورة الكريمة تسليتها للرسول صلى الله عليه وسلم حيث أمرته ~~بالصبر ، وذكرت له بشيء من التفصيل قصص بعض الأنبياء عليهم السلام وبدأت ~~بقصة داود عليه السلام الذي آتاه الله الملك والنبوة قال تعالى : # ( @QUR@011 اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا ms4834 الأيد إنه أواب (17) ~~@QUR@07 إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق (18) @QUR@05 والطير ~~محشورة كل له أواب (19) @QUR@06 وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب ~~(20) @QUR@07 وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب (21) @QUR@09 إذ دخلوا ~~على داود ففزع منهم قالوا لا تخف PageV12P141 # @QUR@014 خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى ~~سواء الصراط (22) @QUR@015 إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة ~~فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب (23) @QUR@032 قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى ~~نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب ~~(24) @QUR@09 فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب (25) @QUR@031 يا ~~داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ~~فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا ~~يوم الحساب ) (26) # والخطاب في قوله تعالى : ( @QUR@04 اصبر على ما يقولون ... ) للنبي ~~صلى الله عليه وسلم . # أى : اصبر أيها الرسول الكريم على ما قاله أعداؤك فيك وفي دعوتك لقد ~~قالوا عنك إنك ساحر ومجنون وكاهن وشاعر .. وقالوا عن القرآن الكريم : إنه ~~أساطير الأولين .. وقالوا في شأن دعوتك إياهم إلى وحدانية الله تعالى ( ~~@QUR@010 ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق ).. # وقالوا غير ذلك مما يدل على جهلهم وجحودهم للحق ، وعليك أيها الرسول ~~الكريم أن تصبر على ما صدر منهم من أباطيل ، فإن الصبر مفتاح الفرج ، وهو ~~الطريق الذي سلكه كل نبي من قبلك .. # وقال سبحانه : ( @QUR@04 اصبر على ما يقولون ) بصيغة المضارع ، لاستحضار ~~الصورة الماضية. وللإشعار بأن ما قالوه في الماضي سيجددونه في الحاضر وفي ~~المستقبل فعليه أن بعد PageV12P142 # نفسه لاستقبال هذه الأقوال الباطلة بصبر وسعة صدر حتى يحكم الله تعالى ~~بحكمه العادل ، بينه وبينهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@07 واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب ) معطوف على ~~جملة «اصبر» .. # وداود عليه السلام : هو ابن يسى من سبط «يهوذا» بن يعقوب بن إسحاق بن ~~إبراهيم وكانت ms4835 ولادة داود في حوالى القرن الحادي عشر قبل الميلاد. وقد منحه ~~الله تعالى النبوة والملك. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 ذا الأيد ) صفة لداود ، والأيد : القوة. يقال : ~~آد الرجل يئيد أيدا وإيادا ، إذا قوى واشتد عوده ، فهو أيد. ومنه قولهم في ~~الدعاء : أيدك الله. أى : قواك و ( @QUR@01 أواب ) صيغة مبالغة من آب إذا رجع. # أى : اصبر أيها الرسول الكريم على أذى قومك حتى يحكم الله بينك وبينهم ~~واذكر لتزداد ثباتا وثقة قصة وحال عبدنا داود ، صاحب القوة الشديدة في ~~عبادتنا وطاعتنا وفي دحر أعدائنا .. ( @QUR@02 إنه أواب ) أى : كثير الرجوع ~~إلى ما يرضينا. # ثم بين سبحانه بعض مظاهر فضله ونعمه على عبده داود عليه السلام فقال : ( ~~@QUR@07 إنا سخرنا الجبال معه ، يسبحن بالعشي والإشراق ... ). # والعشى : الوقت الذي يكون من الزوال إلى الغروب أو إلى الصباح. والإشراق ~~: وقت إشراق الشمس ، أى : سطوعها وصفاء ضوئها ، قالوا : وهو وقت الضحى .. # فالإشراق غير الشروق ، لأن الشروق هو وقت طلوع الشمس. وهو يسبق الإشراق ~~أى : إن من مظاهر فضلنا على عبدنا داود ، أننا سخرنا وذللنا الجبال معه ، ~~بأن جعلناها بقدرتنا تقتدى به فتسبح بتسبيحه في أوقات العشى والإشراق. # وقال سبحانه ( @QUR@01 معه ) للإشعار بأن تسبيحها كان سبيل الاقتداء به ~~في ذلك. # أى : أنها إذا سمعته يسبح الله تعالى ويقدسه وينزهه ، رددت معه ما يقوله. # وهذا التسبيح من الجبال لله تعالى إنما هو على سبيل الحقيقة ولكن بكيفية ~~لا يعلمها إلا هو عز وجل بدليل قوله سبحانه : ( @QUR@021 تسبح له السماوات ~~السبع والأرض ومن فيهن ، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ~~، إنه كان حليما غفورا ) (1). PageV12P143 # والقول بأن تسبيح الجبال كان بلسان الحال ضعيف لأمور منها : المخالفة ~~لظاهر ما تدل عليه الآية من أن هناك تسبيحا حقيقيا بلسان المقال ، ومنها : ~~أن تقييد التسبيح بكونه بالعشي والإشراق. وبكونه مع داود ، يدل على أنه ~~تسبيح بلسان المقال ، إذ التسبيح بلسان الحال موجود منها في كل وقت ، ولا ~~يختص بكونه في هذين الوقتين أو مع داود. # وخص سبحانه وقتى العشى والإشراق بالذكر. للإشارة ms4836 إلى مزيد شرفهما ، وسمو ~~درجة العبادة فيهما. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 والطير محشورة ... ) معطوف على الجبال وكلمة ~~محشورة : بمعنى مجموعة. وهي حال من الطير. والعامل قوله ( @QUR@01 سخرنا ). # أى : إنا سخرنا الجبال لتسبح مع داود عند تسبيحه لنا ، كما سخرنا الطير ~~وجمعناها لتردد معه التسبيح والتقديس لنا. # والتعبير بقوله ( @QUR@01 محشورة ) يشير إلى أن الطير قد حبست وجمعت لغرض ~~التسبيح معه ، حتى لكأنها تحلق فوقه ولا تكاد تفارقه من شدة حرصها على ~~تسبيح الله تعالى وتقديسه. # وجملة «كل له أواب» مقررة لمضمون ما قبلها من تسبيح الجبال والطير. # واللام في «له» للتعليل ، والضمير يعود إلى داود عليه السلام . # أى : كل من الجبال والطير. من أجل تسبيح داود ، كان كثير الرجوع إلى ~~التسبيح. ويصح أن يكون الضمير يعود إلى الله تعالى فيكون المعنى : كل من ~~داود والجبال والطير ، كان كثير التسبيح والتقديس والرجوع إلى الله تعالى ~~بما يرضيه. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 وشددنا ملكه ) أى : قوينا ملك داود ، عن طريق ~~كثرة الجند التابعين له ، وعن طريق ما منحناه من هيبة ونصرة وقوة .. # ( @QUR@02 وآتيناه الحكمة ) أى : النبوة ، وسعة العلم ، وصالح العمل ، ~~وحسن المنطق. # ( @QUR@02 وفصل الخطاب ) أى : وآتيناه أيضا الكلام البليغ الفاصل بين ~~الحق والباطل ، وبين الصواب والخطأ ، ووفقناه للحكم بين الناس بطريقة ~~مصحوبة بالعدل ، وبالحزم الذي لا يشوبه تردد أو تراجع. # ثم ساق سبحانه ما يشهد لعبده داود بذلك فقال : ( @QUR@07 وهل أتاك نبأ ~~الخصم إذ تسوروا المحراب ). # والاستفهام للتعجيب والتشويق لما يقال بعده ، لكونه أمرا غريبا تتطلع إلى ~~معرفته النفس. # والنبأ : الخبر الذي له أهمية في النفوس .. PageV12P144 # والخصم : أى المتخاصمين أو الخصماء. وهو في الأصل مصدر خصمه أى : غلبه في ~~المخاصمة والمجادلة والمنازعة ، ولكونه في الأصل مصدرا صح إطلاقه على ~~المفرد والمثنى والجمع ، والمذكر والمؤنث .. قالوا : وهو مأخوذ من تعلق كل ~~واحد من المتنازعين بخصم الآخر. # أى : بجانبه .. # والظرف في قوله : ( @QUR@03 إذ تسوروا المحراب ) متعلق بمحذوف. والتسور : ~~اعتلاء السور ، والصعود فوقه ، إذ صيغة التفعل تفيد العلو والتصعد. كما ~~يقال تسنم فلان الجمل ، إذ علا فوق سنامه. # والمحراب : المكان ms4837 الذي كان يجلس فيه داود عليه السلام للتعبد وذكر الله ~~تعالى . # والمعنى : وهل وصل إلى علمك أيها الرسول الكريم ذلك النبأ العجيب ، ألا ~~وهو نبأ أولئك الخصوم ، الذين تسلقوا على داود غرفته ، وقت أن كان جالسا ~~فيها لعبادة ربه ، دون إذن منه ، ودون علم منه بقدومهم .. # إن كان هذا النبأ العجيب لم يصل إلى علمك ، فها نحن نقصه عليك. # وقوله : ( @QUR@06 إذ دخلوا على داود ففزع منهم ... ) بدل مما قبله. ~~والفزع : انقباض في النفس يحدث للإنسان عند توقع مكروه. # أى : أن هؤلاء الخصوم بعد أن تسوروا المحراب ، دخلوا على داود ، فخاف ~~منهم ، لأنهم أتوه من غير الطريق المعتاد للإتيان وهو الباب ، ولأنهم أتوه ~~في غير الوقت الذي حدده للقاء الناس وللحكم بينهم ، وإنما أتوه في وقت ~~عبادته. # ومن شأن النفس البشرية أن تفزع عند ما تفاجأ بحالة كهذه الحالة. # قال القرطبي : فإن قيل : لم فزع داود وهو نبي ، وقد قويت نفسه بالنبوة ~~واطمأنت بالوحي ، ووثقت بما آتاه الله من المنزلة ، وأظهر على يديه من ~~الآيات ، وكان من الشجاعة في غاية المكانة؟ # قيل له : ذلك سبيل الأنبياء قبله ، لم يأمنوا القتل والأذية ، ومنهما كان يخاف. # ألا ترى إلى موسى وهارون عليهما السلام كيف قالا : ( @QUR@08 إننا نخاف أن ~~يفرط علينا أو أن يطغى ) أى : فرعون ، فقال الله لهما : ( @QUR@06 لا تخافا ~~إنني معكما أسمع وأرى .. ) (1). PageV12P145 # ثم بين سبحانه ما قاله أولئك الخصوم لداود عند ما شاهدوا عليه أمارات ~~الوجل والفزع ، فقال : ( @QUR@017 قالوا لا تخف. خصمان بغى بعضنا على بعض ، ~~فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط ، واهدنا إلى سواء الصراط ).. # والبغي : الجور والظلم ... وأصله من بغى الجرح إذا ترامى إليه الفساد. # والشطط : مجاوزة الحد في كل شيء. يقال : شط فلان على فلان في الحكم واشتط ~~.. إذا ظلم وتجاوز الحق إلى الباطل. # وقوله : ( @QUR@01 خصمان ) خبر لمبتدأ محذوف أى : نحن خصمان. والجملة ~~استئناف معلل للنهى في قولهم : «لا تخف». أى : قالوا لداود : لا تخف ، نحن ~~خصمان بغى بعضنا على بعض ، فاحكم بيننا بالحكم الحق ، ولا تتجاوزه إلى غيره ms4838 ~~، ( @QUR@04 واهدنا إلى سواء الصراط ) أى : وأرشدنا إلى الطريق الوسط ، وهو ~~طريق الحق والعدل. # وإضافة سواء الصراط ، من إضافة الصفة الى الموصوف. # ثم أخذا في شرح قضيتهما فقال أحدهما : «إن هذا أخى له تسع وتسعون نعجة ~~ولى نعجة واحدة ، فقال أكفلنيها وعزنى في الخطاب». # والمراد بالأخوة هنا : الأخوة في الدين أو في النسب ، أو فيهما وفي ~~غيرهما كالصحبة والشركة. # والنعجة : الأنثى من الضأن. وتطلق على أنثى البقر. # وقوله : ( @QUR@01 أكفلنيها ) أى : ملكني إياها ، وتنازل لي عنها ، بحيث ~~تكون تحت كفالتى وملكيتى كبقية النعاج التي عندي ، ليتم عددها مائة. # وقوله : ( @QUR@03 وعزني في الخطاب ) أى : غلبني في المحاجة والمخاطبة ~~لأنه أفصح وأقوى منى .. يقال : فلان عز فلانا في الخطاب ، إذا غلبه. ومنه ~~قولهم في المثل : من عز بز. أى : من غلب غيره سلبه حقه. أى : قال أحدهما ~~لداود عليه السلام : إن هذا الذي يجلس معى للتحاكم أمامك أخى. وهذا الأخ له ~~تسع وتسعون نعجة ، أما أنا فليس لي سوى نعجة واحدة ، فطمع في نعجتى وقال لي ~~: «أكفلنيها» أى : ملكنيها وتنازل عنها «وعزنى في الخطاب». # أى : وغلبني في مخاطبته لي ، لأنه أقوى وأفصح منى. # وأمام هذه القضية الواضحة المعالم ، وأمام سكوت الأخ المدعى عليه أمام ~~أخيه المدعى ، PageV12P146 # وعدم اعتراضه على قوله .. أمام كل ذلك. لم يلبث أن قال داود في حكمه : ( ~~@QUR@06 لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه .. ). # واللام في قوله : ( @QUR@01 لقد ... ) جواب لقسم محذوف. # وإضافة «سؤال» إلى «نعجتك» من إضافة المصدر إلى مفعوله ، والفاعل محذوف. # أى : بسؤاله ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@06 لا يسأم الإنسان من دعاء ~~الخير ) أى : من دعائه. # وقوله ( @QUR@01 نعاجه ) متعلق بسؤال على تضمينه معنى الضم. # أى : قال داود عليه السلام بعد فراغ المدعى من كلامه ، وبعد إقرار المدعى ~~عليه بصدق أخيه فيما ادعاه والله إن كان ما تقوله حقا أيها المدعى فإن أخاك ~~في هذه الحالة يكون قد ظلمك بسبب طلبه منك أن تتنازل له عن نعجتك لكي يضمها ~~إلى نعاجه الكثيرة. # وإنما قلنا إن داود عليه السلام قد قال ذلك بعد ms4839 إقرار المدعى عليه بصحة ~~كلام المدعى ، لأنه من المعروف أن القاضي لا يحكم إلا بعد سماع حجة الخصوم ~~أو الخصمين حتى يتمكن من الحكم بالعدل. # ولم يصرح القرآن بأن داود عليه السلام قد قال حكمه بعد سماع كلام المدعى ~~عليه ، لأنه مقرر ومعروف في كل الشرائع ، وحذف ما هو مقرر ومعلوم جائز عند ~~كل ذي عقل سليم. # ثم أراد داود عليه السلام وهو الذي آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب أراد أن ~~يهون المسألة عن نفس المشتكى ، وأن يخفف من وقع ما قاله أخوه الغنى له ، ~~وما فعله معه ، فقال : ( @QUR@016 وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على ~~بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم ... ). # أى : قال داود للمشتكى على سبيل التسلية له : وإن كثيرا من الخلطاء ، أى ~~الشركاء جمع خليط ، وهو من يخلط ماله بمال غيره. # ( @QUR@04 ليبغي بعضهم على بعض ) أى : ليعتدى بعضهم على بعض ، ويطمع ~~بعضهم في مال الآخر ( @QUR@05 إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) فإنهم لا ~~يفعلون ذلك لقوة إيمانهم ، ولبعدهم عن كل ما لا يرضى خالقهم. فالجملة ~~الكريمة منصوبة المحل على الاستثناء ، لأن الكلام قبلها تام موجب. # وقوله : ( @QUR@03 وقليل ما هم ) بيان لقلة عدد المؤمنين الصادقين الذين ~~يعدلون في أحكامهم. PageV12P147 # ولفظ «قليل» خبر مقدم و «ما» مزيدة للإبهام وللتعجب من قلتهم. و «هم» مبتدأ مؤخر. # فكأنه سبحانه يقول : ما أقل هؤلاء المؤمنين الذين يعملون الصالحات ~~ويحرصون على إعطاء كل ذي حق حقه ، والجملة الكريمة اعتراض تذييلى. # وبهذا نرى أن داود عليه السلام قد قضى بين الخصمين ، بما يحق الحق ويبطل ~~الباطل. # ثم بين سبحانه ما حاك بنفس داود عليه السلام بعد أن دخل عليه الخصمان ، ~~وبعد أن حكم بينهما بالحكم السابق فقال : ( @QUR@09 وظن داود أنما فتناه ، ~~فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب ). # والظن معناه : ترجيح أحد الأمرين على الآخر. # وفتناه : بمعنى امتحناه واختبرناه وابتليناه ، مأخوذ من الفتن بمعنى ~~الابتلاء والاختبار. # أى : وظن داود عليه السلام أن دخول الخصمين عليه بهذه الطريقة ، إنما هو ~~لأجل الاعتداء عليه. وأن ذلك ms4840 لون من ابتلاء الله تعالى له ، وامتحانه لقوة ~~إيمانه ، ولكن لما لم يتحقق هذا الظن ، وإنما الذي تحقق هو القضاء بينهما ~~بالعدل ، استغفر ربه من ذلك الظن ، «وخر راكعا» أى : ساجدا لله تعالى وعبر ~~عنه بالركوع لأنه في كل منهما انحناء وخضوع لله عز وجل «وأناب» أى : ورجع ~~داود إلى الله تعالى بالتوبة وبالمداومة على العبادة والطاعة. # واسم الإشارة في قوله تعالى : ( @QUR@03 فغفرنا له ذلك ... ) يعود إلى ~~الظن الذي استغفر منه ربه ، وهو ظنه بأن حضور الخصمين إليه بهذه الطريقة ~~غير المألوفة ، القصد منها الاعتداء عليه ، فلما ظهر له أنهما حضرا إليه في ~~خصومة بينهما ليحكم فيها ، استغفر ربه من ذلك الظن السابق ، فغفر الله ~~تعالى له. # فقوله : تعالى : ( @QUR@03 فغفرنا له ذلك ) أى : فغفرنا له ذلك الظن الذي ~~استغفر منه .. ( @QUR@04 وإن له عندنا لزلفى ) أى : لقربة منا ومكانة سامية ~~( @QUR@02 وحسن مآب ) أى : وحسن مرجع في الآخرة وهو الجنة. # ثم ختم سبحانه هذه القصة ، بتلك التوجيهات الحكيمة ، والآداب القويمة ، ~~التي وجهها سبحانه إلى كل حاكم في شخص داود عليه السلام فقال : ( @QUR@07 يا ~~داود إنا جعلناك خليفة في الأرض .. ). والخليفة : هو من يخلف غيره وينوب ~~منابه. فهو فعيل بمعنى PageV12P148 # فاعل. والتاء فيه للمبالغة. أى : يا داود إنا جعلناك بفضلنا ومنتنا خليفة ~~ونائبا عنا في الأرض ، لتتولى سياسة الناس ، ولترشدهم إلى الصراط المستقيم. # والجملة الكريمة مقولة لقول محذوف معطوفة على ما سبقتها. أى : فغفرنا له ~~ذلك وقلنا له يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض. ويصح أن تكون مستأنفة ~~لبيان مظاهر الزلفى والمكانة الحسنة التي وهبها سبحانه لداود؟ حيث جعله ~~خليفة في الأرض. # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@07 فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ~~... ) للتفريع ، أو هي جواب لشرط مقدر. والهوى : ميل النفس إلى رغباتها ~~بدون تحر للعدل والصواب. # أى : إذا كان الأمر كما أخبرناك فاحكم يا داود بين الناس بالحكم الحق ~~الذي أرشدك الله تعالى إليه ، وواظب على ذلك في جميع الأزمان والأحوال : ~~ولا تتبع هوى النفس وشهواتها ، فإن النفس أمارة بالسوء. ms4841 # وقوله سبحانه ( @QUR@04 فيضلك عن سبيل الله ... ) بيان للمصير السيئ الذي ~~يؤدى إليه اتباع الهوى في الأقوال والأحكام. # وقوله ( @QUR@01 فيضلك ) منصوب بأن المضمرة بعد فاء السببية ، على أنه ~~جواب للنهى السابق. أى : ولا تتبع الهوى ، فإن اتباعك له ، يؤدى بك إلى ~~الضلال عن طريق الحق ، وعن مخالفة شرع الله تعالى ودينه. # ثم بين سبحانه عاقبة الذين يضلون عن سبيله فقال : ( @QUR@013 إن الذين ~~يضلون عن سبيل الله ، لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب ). # أى : إن الذين يضلون عن دين الله وعن طريقه وشريعته ، بسبب اتباعهم للهوى ~~، لهم عذاب شديد لا يعلم مقداره إلا الله تعالى لأنهم تركوا الاستعداد ليوم ~~الحساب ، وما فيه من ثواب وعقاب. # هذا ، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى : # 1 سمو منزلة داود عليه السلام عند ربه ، فقد افتتحت هذه الآيات ، بأن أمر ~~الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتذكر ما حدث لأخيه داود. ليكون هذا ~~التذكير تسلية له عما أصابه من المشركين وعونا له على الثبات والصبر. # ثم وصف سبحانه عبده داود بأنه كان قويا في دينه ، ورجاعا إلى ما يرضى ربه ~~، وأنه سبحانه قد وهبه نعما عظيمة ، وآتاه الحكمة وفصل الخطاب. # ثم ختمت هذه الآيات أيضا بالثناء على داود عليه السلام حيث قال PageV12P149 # سبحانه : ( @QUR@06 وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ). وببيان أنه تعالى قد ~~جعله خليفة في الأرض. # ومن الأحاديث التي وردت في فضله عليه السلام ما أخرجه البخاري في تاريخه ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذكر داود ، وحدث عنه قال : «كان أعبد ~~البشر». # وأخرجه الديلمي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا ~~ينبغي لأحد أن يقول إنى أعبد من داود». # 2 أن قصة الخصمين اللذين تسورا على داود المحراب ، قصة حقيقية ، وأن ~~الخصومة كانت بين اثنين من الناس في شأن غنم لهما ، وأنهما حين دخلا عليه ~~بتلك الطريقة الغريبة التي حكاها القرآن الكريم ، فزع منها داود عليه السلام ~~وظن ms4842 أنهما يريدان الاعتداء عليه ، وأن الله تعالى يريد امتحانه وثباته أمام ~~أمثال هذه الأحداث. # فلما تبين لداود بعد ذلك أن الخصمين لا يريدان الاعتداء عليه ، وإنما ~~يريدان التحاكم إليه في مسألة معينة ، استغفر ربه من ذلك الظن السابق أى ظن ~~الاعتداء عليه فغفر الله تعالى له .. # والذي يتدبر الآيات الكريمة يراها واضحة وضوحا جليا في تأييد هذا المعنى. # قال أبو حيان ما ملخصه بعد أن ذكر جملة من الآراء : والذي أذهب إليه ما ~~دل عليه ظاهر الآية من أن المتسورين للمحراب كانوا من الإنس ، دخلوا عليه ~~من غير المدخل ، وفي غير وقت جلوسه للحكم وأنه فزع منهم ظانا أنهم يغتالونه ~~، إذ كان منفردا في محرابه لعبادة ربه ، فلما اتضح له أنهم جاءوا في حكومته ~~، وبرز منهم اثنان للتحاكم ... وأن ما ظنه غير واقع ، استغفر من ذلك الظن ، ~~حيث اختلف ولم يقع مظنونه ، وخر ساجدا منيبا إلى الله تعالى فغفر الله له ~~ذلك الظن ، ولذلك أشار بقوله : ( @QUR@03 فغفرنا له ذلك ) ولم يتقدم سوى ~~قوله تعالى : ( @QUR@04 وظن داود أنما فتناه ) ويعلم قطعا أن الأنبياء ~~معصومون من الخطايا ، ولا يمكن وقوعهم في شيء منها ، ضرورة أننا لو جوزنا ~~عليهم شيئا من ذلك لبطلت الشرائع ، ولم نثق بشيء مما يذكرون أنه أوحى الله ~~به إليهم ، فما حكى الله تعالى في كتابه. يمر على ما أراده تعالى ، وما حكى ~~القصاص مما فيه غض من منصب النبوة ، طرحناه .. (1). # 2 ومع أن ما ذكرناه سابقا ، وما نقلناه عن الإمام أبى حيان ، هو المعنى ~~الظاهر من الآيات ، وهو الذي تطمئن إليه النفس ، لأنه يتناسب مع مكانة داود ~~عليه السلام ، ومع ثناء الله تعالى عليه وتكريمه له. PageV12P150 # أقول مع كل ذلك ، إلا أننا وجدنا كثيرا من المفسرين عند حديثهم عن قصة ~~الخصوم الذين تسوروا على داود المحراب ، يذكرون قصصا في نهاية النكارة ، ~~وأقوالا في غاية البطلان والفساد. # فمثلا نرى ابن جرير وغيره يذكرون قصة مكذوبة ملخصها : «أن داود ~~عليه السلام كان يصلى في محرابه .. ثم تطلع من نافذة المكان ms4843 الذي كان يصلى ~~فيه ، فرأى امرأة جميلة فأرسل إليها فجاءته ، فسألها عن زوجها فأخبرته بأن ~~زوجها ، اسمه «أوريا» وأنه خرج مع الجيش الذي يحارب الأعداء .. فأمر داود ~~عليه السلام قائد الجيش أن يجعله في المقدمة لكي يكون عرضة للقتل .. وبعد ~~قتله تزوج داود بتلك المرأة .. (1). # ونرى صاحب الكشاف بعد أن يذكر هذه القصة ، ثم يعلق عليها بقوله : «فهذا ~~ونحوه مما يقبح أن يحدث به عن بعض المتسمين بالصلاح من أبناء المسلمين ، ~~فضلا عن بعض أعلام الأنبياء ..» نراه يذكر معها قصصا أخرى ملخصها : أن داود ~~عليه السلام لم يعمل على قتل «أوريا» وإنما سأله أن يتنازل له عن امرأته ، ~~فانصاع لأمره وتنازل له عنها .. أو أنه خطبها بعد أن خطبها «أوريا». فآثر ~~أهلها داود على «أوريا». # قال صاحب الكشاف : كان أهل زمان داود عليه السلام يسأل بعضهم بعضا أن ينزل ~~له عن امرأته ، فيتزوجها إذا أعجبته ، وكان لهم عادة في المواساة بذلك قد ~~اعتادوها .. فاتفق أن عين داود وقعت على امرأة رجل يقال له «أوريا». فأحبها ~~، فسأله النزول عنها ، فاستحيا أن يرده ، ففعل ، فتزوجها ، وهي أم سليمان ~~عليه السلام .. وقيل : خطبها «أوريا» ثم خطبها داود فآثر أهلها داود على ~~أوريا .. (2). # والذي نراه أن هذه الأقوال وما يشبهها عارية عن الصحة ، وينكرها النقل ~~والعقل ، ولا يليق بمؤمن أن يقبل شيئا منها .. # ينكرها النقل : لأنها لم تثبت من طريق يعتد به ، بل الثابت أنها مكذوبة. # قال ابن كثير : قد ذكر المفسرون هاهنا قصة ، أكثرها مأخوذ من ~~الإسرائيليات ، ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه ، ولكن روى ابن ~~أبى حاتم هنا حديثا لا يصح سنده ، لأنه من رواية يزيد الرقاشي ، عن أنس ~~ويزيد وإن كان من الصالحين لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة .. (3). PageV12P151 # وقال السيوطي : القصة التي يحكونها في شأن المرأة وأنها أعجبته ، وأنه ~~أرسل زوجها مع البعث حتى قتل ، أخرجها ابن أبى حاتم من حديث أنس مرفوعا ، ~~وفي إسناده ابن لهيعة ، وحاله معروف عن ابن صخر ، عن زيد الرقاشي ، وهو ~~ضعيف .. # وقال البقاعي ms4844 : وتلك القصة وأمثالها من كذب اليهود وقد أخبرنى بعض من ~~أسلم منهم أنهم يتعمدون ذلك في حق داود عليه السلام لأن عيسى عليه السلام من ~~ذريته ، ليجدوا سبيلا إلى الطعن فيه (1). # إذا فهذه القصص وتلك الأقوال غير صحيحة من ناحية النقل ، لأن رواتها ~~معروفون بالضعف. وبالنقل عن الإسرائيليات. # ويروى أن الإمام عليا رضى الله عنه قال : «من حدث بحديث داود على ما ~~يرويه القصاص جلدته مائة وستين جلدة ، وهو حد الفرية على الأنبياء» (2). # وهي غير صحيحة من ناحية العقل ، لأنه ليس من المعقول أن يمدح الله تعالى ~~نبيه داود هذا المدح في أول الآيات وفي آخرها كما سبق أن أشرنا ، ثم نرى ~~بعد ذلك من يتهمه بأنه أعجب بامرأة ، ثم تزوجها بعد أن احتال لقتل زوجها ، ~~بغير حق. أو طلب منه التنازل له عنها ، أو خطبها على خطبته. # إن هذه الأفعال يتنزه عنها كثير من الناس الذين ليسوا بأنبياء ، فكيف ~~يفعلها واحد من أعلام الأنبياء. هو داود عليه السلام . الذي مدحه الله تعالى ~~بالقوة في دينه. # وبكثرة الرجوع إلى ما يرضى الله تعالى ، وبأنه سبحانه آتاه الحكمة وفصل ~~الخطاب. وبأن له عند ربه «زلفى وحسن مآب». # والخلاصة : أن كل ما قيل عند تفسير هذه الآيات ، مما يتصل بزواج داود ~~بتلك المرأة أو بزوجها لا أساس له من الصحة. لأنه لم يقم عليه دليل أو ما ~~يشبه الدليل. بل قام الدليل على عدم صحته إطلاقا. لأنه يتنافى مع عصمة ~~الأنبياء. الذين صانهم الله تعالى من ارتكاب ما يخدش الشرف والمروءة قبل ~~النبوة وبعدها. # قال الإمام ابن حزم ما ملخصه : «ما حكاه الله تعالى عن داود قول صادق ~~صحيح. لا يدل على شيء مما قاله المستهزئون الكاذبون المتعلقون بخرافات ~~ولدها اليهود. # وإنما كان ذلك الخصم قوما من بنى آدم بلا شك. مختصمين في نعاج من الغنم. PageV12P152 # ومن قال إنهم كانوا ملائكة معرضين بأمر النساء. فقد كذب على الله تعالى ~~ما لم يقل ، وزاد في القرآن ما ليس فيه .. لأن الله تعالى يقول ms4845 : ( @QUR@04 ~~وهل أتاك نبأ الخصم ) فقال هو : لم يكونوا خصمين. ولا بغى بعضهم على بعض. ~~ولا كان لأحدهما تسع وتسعون نعجة. ولا كان للآخر نعجة واحدة ولا قال له : ( ~~@QUR@01 أكفلنيها ... ) (1). # 4 هذا : وهناك أقوال أخرى ذكرها المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآيات. منها ~~: أن استغفار داود عليه السلام إنما كان سببه أنه قضى لأحد الخصمين قبل أن ~~يسمع حجة الآخر. # قال الإمام الرازي ما ملخصه : لم لا يجوز أن يقال إن تلك الزلة التي جعلت ~~داود يستغفر ربه إنما حصلت لأنه قضى لأحد الخصمين ، قبل أن يسمع كلام الخصم ~~الآخر ، فإنه لما قال له : «لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ..» فحكم عليه ~~بكونه ظالما بمجرد دعوى الخصم بغير بينة لكون هذا الخصم مخالفا للصواب ، ~~فعند هذا اشتغل داود بالاستغفار والتوبة ، إلا أن هذا من باب ترك الأولى ~~والأفضل (2). # والذي نراه أن هذا القول بعيد عن الصواب ، ولا يتناسب مع منزلة داود ~~عليه السلام الذي آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب ، وذلك لأن من أصول القضاء ~~وأولياته ، أن لا يحكم القاضي بين الخصمين أو الخصوم إلا بعد سماع حججهم ~~جميعا ، فكيف يقال بعد ذلك أن داود قضى لأحد الخصمين قبل أن يستمع إلى كلام الآخر. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف سارع داود إلى تصديق أحد الخصمين ، حتى ~~ظلم الآخر قبل استماع كلامه؟. # قلت : ما قال داود ذلك إلا بعد اعتراف صاحبه ، ولكنه لم يحك في القرآن ~~لأنه معلوم. ويروى أنه قال : أريد أخذها منه وأكمل نعاجى مائة فقال داود : ~~إن رمت ذلك ضربنا منك هذا وهذا. وأشار إلى طرف الأنف والجبهة .. (3). # ومنهم من يرى ، أن استغفار داود عليه السلام كان سببه : أن قوما من ~~الأعداء أرادوا قتله ، فتسوروا عليه المحراب ، فلما دخلوا عليه لقصد قتله ~~وجدوا عنده أقواما. فلم يستطيعوا تنفيذ ما قصدوه ، وتصنعوا هذه الخصومة ~~فعلم داود قصدهم ، وعزم على الانتقام PageV12P153 # منهم ، ثم عفا عنهم ، واستغفر ربه مما كان قد عزم عليه ، لأنه كان يرى أن ~~الأليق به العفو لا الانتقام (1). # وهذا ms4846 القول وإن كان لا بأس به من حيث المعنى إلا أن الرأى الذي سقناه ~~سابقا ، والذي ذهب إليه الإمام أبو حيان ، أرجح وأقرب إلى ما هو ظاهر من ~~معنى الآيات. # وملخصه : أن الخصومة حقيقية بين اثنين من البشر ، واستغفار داود ~~عليه السلام سببه أنه ظن أنهم جاءوا لاغتياله ولإيذائه ، وأن هذا ابتلاء من ~~الله تعالى ابتلاه به ، ثم تبين له بعد ذلك أنهم ما جاءوا للاعتداء عليه ~~وإنما جاءوا ليقضى بينهم في خصومة ، فاستغفر ربه من ذلك الظن. فغفر الله ~~تعالى له. # ولعلنا بهذا البيان نكون قد وفقنا للصواب ، في تفسير هذه الآيات الكريمة ~~، التي ذكر بعض المفسرين عند تفسيرها أقوالا وقصصا لا يؤيدها عقل أو نقل ، ~~ولا يليق بمسلم أن يصدقها ، لأنها تتنافى مع عصمة الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام الذين اختارهم الله تعالى لتبليغ دعوته ، وحمل رسالته. وإرشاد ~~الناس إلى إخلاص العبادة له سبحانه وإلى مكارم الأخلاق ، وحميد الخصال. # ثم بين سبحانه أنه لم يخلق السموات والأرض عبثا ، وأن حكمته اقتضت عدم ~~المساواة بين الأخيار والأشرار ، وأن هذا القرآن قد أنزله سبحانه لتدبير ~~آياته ، والعمل بتوجيهاته فقال تعالى : # ( @QUR@016 وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا ~~فويل للذين كفروا من النار (27) @QUR@013 أم نجعل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار (28) @QUR@09 كتاب ~~أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب ) (29) PageV12P154 # والمراد بالباطل في قوله تعالى : ( @QUR@07 وما خلقنا السماء والأرض وما ~~بينهما باطلا ... ) العبث واللهو واللعب وما يخالف الحق ، والجملة الكريمة ~~مستأنفة لتقرير أن يوم القيامة حق ، وأن كفر الكافرين به ضلال وجهل. وقوله ~~( @QUR@01 باطلا ) صفة لمصدر محذوف ، أو مفعول لأجله. أى : وما خلقنا ~~بقدرتنا التي لا يعجزها شيء السموات والأرض وما بينهما من مخلوقات لا ~~يعلمها إلا الله تعالى ... ما خلقنا ذلك خلقا باطلا لا حكمة فيه ، أو ما ~~خلقناه من أجل متابعة الهوى وترك العدل والصواب. # وإنما خلقنا هذا الكون خلقا مشتملا على الحكم الباهرة ، وعلى المصالح ~~الجمة والأسرار البليغة ، والمنافع التي ms4847 لا يحصيها العد ، والهيئات ~~والكيفيات التي تهدى من يتفكر فيها إلى اتباع الحق والرشاد. # واسم الإشارة في قوله سبحانه : ( @QUR@04 ذلك ظن الذين كفروا ... ) يعود ~~إلى ما نفاه سبحانه من خلقه للسموات والأرض وما بينهما على سبيل اللهو ~~والعبث. # أى : نحن ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا خلقا مشتملا على الحكم ~~الباهرة .. ولكن الذين كفروا هم الذين يظنون ويعتقدون أننا خلقنا هذه ~~الكائنات من أجل الباطل واللهو واللعب .. وسبب هذا الظن والاعتقاد الفاسد ~~منهم ، كفرهم بالحق ، وجحودهم ليوم القيامة وما فيه من حساب وثواب وعقاب ، ~~وإعراضهم عما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم من هدايات وإرشادات. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 فويل للذين كفروا من النار ) بيان للعاقبة ~~السيئة التي حلت بهم بسبب هذا الظن الفاسد .. فالفاء : للتفريع على ظنهم ~~الباطل والويل : الهلاك والدمار. # و ( @QUR@01 من ) ابتدائية أو بيانية أو تعليلية. # أى : القول بأن خلق هذا الكون خال من الحكمة ، هو ظن واعتقاد الذين كفروا ~~وحدهم ، ومادام هذا مظنونهم ومعتقدهم فهلاك لهم كائن من النار التي نسلطها ~~عليهم فتحرق أجسادهم ، وتجعلهم يذوقون العذاب المهين. # وقال سبحانه ( @QUR@03 فويل للذين كفروا ... ) بالإظهار في مقام الإضمار ~~، للإشعار بعلية صلة الموصول للحكم أى : أن هذا الويل والهلاك كائن لهم ~~بسبب كفرهم. # وقال سبحانه : ( @QUR@03 فويل للذين كفروا ) ولم يقل للذين ظنوا للإشارة ~~إلى أن ظنهم القبيح هذا ، ما هو إلا نتيجة كفرهم وجحودهم للحق. # ثم بين سبحانه أن حكمته قد اقتضت استحالة المساواة بين الأخيار والفجار ، فقال PageV12P155 # تعالى : ( @QUR@013 أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في ~~الأرض ، أم نجعل المتقين كالفجار ). # و «أم» في الآية الكريمة منقطعة بمعنى بل الإضرابية ، والهمزة للاستفهام ~~الإنكارى. # والإضراب هنا انتقالي من تقرير أن هذا الكون لم يخلقه الله تعالى عبثا ~~إلى تقرير استحالة المساواة بين المؤمنين والكافرين. # والمعنى : وكما أننا لم نخلق هذا الكون عبثا ، كذلك اقتضت حكمتنا ~~وعدالتنا .. استحالة المساواة أيضا بين المتقين والفجار. # وذلك لأن المؤمنين المتقين ، قد قدموا لنا في دنياهم ما يرضينا ، ~~فكافأناهم على ذلك بما يرضيهم ms4848 ، ويسعدهم ويشرح صدورهم ، ويجعلهم يوم ~~القيامة خالدين في جنات النعيم. # أما المفسدون الفجار ، فقد قدموا في دنياهم ما يغضبنا ويسخطنا عليهم ، ~~فجازيناهم على ذلك بما يستحقون من عذاب السعير. # وربك أيها العاقل «لا يضيع أجر من أحسن عملا» «ولا يظلم الناس شيئا ولكن ~~الناس أنفسهم يظلمون». # فالمقصود بالآية الكريمة إعلان استحالة التسوية في الآخرة بين المؤمنين ~~والكافرين ، لأن التسوية بينهما ظلم ، وهو محال عليه تعالى ، وما كان البعث ~~والجزاء والثواب والعقاب يوم القيامة إلا ليجزي سبحانه الذين أساءوا بما ~~عملوا ، ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى. # ومن الآيات التي تشبه في معناها هذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@017 أم ~~حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ، سواء ~~محياهم ومماتهم ، ساء ما يحكمون ) (1). # ثم مدح سبحانه القرآن الكريم الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم وبين ~~حكمة إنزاله ، فقال : ( @QUR@09 كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ~~وليتذكر أولوا الألباب ). # وقوله : ( @QUR@01 كتاب ) خبر لمبتدأ محذوف. والمقصود به القرآن الكريم. # أى : هذا كتاب ( @QUR@02 أنزلناه إليك ) بقدرتنا ورحمتنا أيها الرسول ~~الكريم ، ومن صفاته أنه ( @QUR@01 مبارك ) أى : كثير الخيرات والبركات .. # وجعلناه كذلك ( @QUR@02 ليدبروا آياته ) أى ليتفكروا فيما اشتملت عليه ~~آياته من أحكام PageV12P156 # حكيمة ، وآداب قويمة ، وتوجيهات جامعة لما يسعدهم في دنياهم وآخرتهم .. # ( @QUR@03 وليتذكر أولوا الألباب ) أى : وليتعظ أصحاب العقول السليمة بما ~~جاء فيه من قصص وعبر عن السابقين ، كما قال سبحانه : ( @QUR@023 لقد كان في ~~قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ، ولكن تصديق الذي بين يديه ، ~~وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) (1). # ثم ذكر سبحانه جانبا من قصة سليمان عليه السلام فمدحه لكثرة رجوعه إلى ~~الله ، وذكر بعض النعم التي منحها إياه ، كما ذكر اختباره له. وكيف أن ~~سليمان عليه السلام طلب من ربه المغفرة والملك ، فأعطاه سبحانه ما طلبه. قال ~~تعالى : # ( @QUR@07 ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب (30) @QUR@06 إذ عرض ~~عليه بالعشي الصافنات الجياد (31) @QUR@011 فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ~~ربي حتى توارت بالحجاب (32) @QUR@06 ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق ~~(33) @QUR@09 ولقد فتنا ms4849 سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب (34) ~~@QUR@015 قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب ~~(35) @QUR@08 فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب (36) @QUR@04 ~~والشياطين كل بناء وغواص (37) @QUR@04 وآخرين مقرنين في الأصفاد (38) ~~@QUR@07 هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب (39) @QUR@06 وإن له عندنا ~~لزلفى وحسن مآب ) (40) # في هذه الآيات الكريمة مسألتان ذكر بعض المفسرين فيهما كلاما غير مقبول. # أما المسألة الأولى فهي مسألة : عرض الخيل على سيدنا سليمان والمقصود به. PageV12P157 # وأما المسألة الثانية فهي مسألة المقصود بقوله تعالى : ( @QUR@03 ولقد ~~فتنا سليمان .. ) # وسنسير في تفسير هذه الآيات على الرأى الذي تطمئن إلى صحته نفوسنا ، ثم ~~نذكر بعده بعض الأقوال التي قيلت في هذا الشأن ، ونرد على ما يستحق الرد ~~منه ، فنقول وبالله التوفيق : # المخصوص بالمدح في قوله تعالى : ( @QUR@02 نعم العبد ) محذوف ، والمقصود ~~به سليمان عليه السلام . أى : ووهبنا بفضلنا وإحساننا لعبدنا داود ابنه ~~سليمان عليهما السلام ونعم العبد سليمان في دينه وفي خلقه وفي شكره لخالقه ~~تعالى . # وجملة «إنه أواب» تعليل لهذا المدح من الله تعالى لسليمان عليه السلام أى ~~: إنه رجاع إلى ما يرضى الله تعالى مأخوذ من آب الرجل إلى داره ، إذا رجع إليها. # و «إذ» في قوله : ( @QUR@06 إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد ) منصوب ~~بفعل تقديره : اذكر ، و «عليه» متعلق بعرض و «العشى» يطلق على الزمان الكائن ~~من زوال الشمس إلى آخر النهار. وقيل إلى مطلع الفجر. # والصافنات : جمع صافن ، والصافن من الخيل : الذي يقف على ثلاثة أرجل ~~ويرفع الرابعة فيقف على مقدم حافرها. # والجياد : جمع جواد ، وهو الفرس السريع العدو ، الجيد الركض ، سواء أكان ~~ذكرا أم أنثى ، يقال : جاد الفرس يجود جودة فهو جواد ، إذا كان سريع الجري ~~، فاره المظهر .. # أى : اذكر أيها العاقل ما كان من سليمان عليه السلام وقت أن عرض عليه ~~بالعشي الخيول الجميلة الشكل. السريعة العدو .. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت. ما معنى وصفها بالصفون؟ قلت : الصفون لا يكاد ~~يوجد في الهجن ، وإنما هو في الخيل العراب الخلص ms4850 وقيل : وصفها بالصفون ~~والجودة ، ليجمع لها بين الوصفين المحمودين : واقفة وجارية ، يعنى إذا وقفت ~~كانت ساكنة مطمئنة في مواقفها ، وإذا جرت كانت سراعا خفافا في جريها .. (1). # ثم حكى سبحانه ما قاله سليمان عليه السلام خلال استعراضه للخيول الصافنات ~~الجياد على سبيل الشكر لربه ، فقال تعالى : ( @QUR@011 فقال إني أحببت حب ~~الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب ). PageV12P158 # والخير : يطلق كثيرا على المال الوفير ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@04 ~~وإنه لحب الخير لشديد ). والمراد به هنا : الخيل الصافنة الجيدة ، والعرب ~~تسمى الخيل خيرا ، لتعلق الخير بها ، روى البخاري عن أنس رضي الله عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم ~~القيامة». # و ( @QUR@01 عن ) هنا تعليلية. والمراد ب ( @QUR@02 ذكر ربي ) طاعته ~~وعبادته والضمير في قوله ( @QUR@02 حتى توارت ) يعود إلى الخيل الصافنات ~~الجياد ، والمراد بالحجاب : ظلام الليل الذي يحجب الرؤية. # والمعنى : فقال سليمان وهو يستعرض الخيل أو بعد استعراضه لها : إنى أحببت ~~استعراض الصافنات الجياد ، وأحببت تدريبها وإعدادها للجهاد ، من أجل ذكر ~~ربي وطاعته وإعلاء كلمته ، ونصرة دينه ، وقد بقيت حريصا على استعراضها ~~وإعدادها للقتال في سبيل الله ، حتى توارت واختفت عن نظري بسبب حلول الظلام ~~الذي يحجب الرؤية ( @QUR@02 ردوها علي ) أى : قال سليمان لجنده ردوا ~~الصافنات الجياد على مرة أخرى ، لأزداد معرفة بها ، وفهما لأحوالها .. # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@04 فطفق مسحا بالسوق والأعناق ) فصيحة تدل ~~على كلام محذوف يفهم من السياق. و «طفق» فعل من أفعال الشروع يرفع الاسم ~~وينصب الخبر ، واسمه ضمير يعود على سليمان. و «مسحا» مفعول مطلق لفعل محذوف. ~~والسوق والأعناق : جمع ساق وعنق. # أى : قال سليمان لجنده : ردوا الصافنات الجياد على ، فردوها عليه ، فأخذ ~~في مسح سيقانها وأعناقها إعجابا بها ، وسرورا بما هي عليه من قوة هو في ~~حاجة إليها للجهاد في سبيل الله تعالى . # هذا هو التفسير الذي تطمئن إليه نفوسنا لهذه الآيات ، لخلوه من كل ما ~~يتنافى مع سمو منزلة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . # ولكن كثيرا من المفسرين نهجوا نهجا آخر ms4851 ، معتمدين على قصة ملخصها : أن ~~سليمان عليه السلام جلس يوما يستعرض خيلا له ، حتى غابت الشمس دون أن يصلى ~~العصر ، فحزن لذلك وأمر بإحضار الخيل التي شغله استعراضها عن الصلاة ، فأخذ ~~في ضرب سوقها وأعناقها بالسيف ، قربة لله تعالى . # فهم يرون أن الضمير في قوله تعالى ( @QUR@03 حتى توارت بالحجاب ) يعود ~~إلى الشمس. أى : حتى استترت الشمس بما يحجبها عن الأبصار. # وأن المراد بقوله تعالى ( @QUR@04 فطفق مسحا بالسوق والأعناق ) الشروع في ضرب PageV12P159 # سوق الخيل وأعناقها بالسيف لأنها شغلته عن صلاة العصر. # قال الجمل : ( @QUR@04 فطفق مسحا بالسوق والأعناق ) أى : جعل يضرب سوقها ~~وأعناقها بالسيف. هذا قول ابن عباس وأكثر المفسرين (1). # ولم يرتض الإمام الرازي رحمه الله هذا التفسير الذي عليه أكثر المفسرين ، ~~وإنما ارتضى أن الضمير في ( @QUR@01 توارت ) يعود إلى الصافنات الجياد وأن ~~المقصود بقوله تعالى : ( @QUR@04 فطفق مسحا بالسوق والأعناق ) الإعجاب بها ~~والمسح عليها بيده حبا لها .. # فقد قال ما ملخصه : إن رباط الخيل كان مندوبا إليه في دينهم ، كما أنه ~~كذلك في دين الإسلام ، ثم إن سليمان عليه السلام احتاج إلى الغزو. فجلس وأمر ~~بإحضار الخيل وأمر بإجرائها. وذكر أنى لا أحبها لأجل الدنيا وإنما أحبها ~~لأمر الله ، وطلب تقوية دينه. وهو المراد من قوله : ( @QUR@03 عن ذكر ربي ) ~~. ثم إنه عليه السلام أمر بإعدائها وتسييرها حتى توارت بالحجاب أى : غابت عن بصره. # ثم أمر الرائضين بأن يردوا تلك الخيل إليه ، فلما عادت طفق يمسح سوقها ~~وأعناقها. # والغرض من ذلك : التشريف لها لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدو ... ~~وإظهار أنه خبير بأحوال الخيل وأمراضها وعيوبها فكان يمتحنها ويمسح سوقها ~~وأعناقها ، حتى يعلم هل فيها ما يدل على المرض .. (2). # وقال بعض العلماء نقلا عن ابن حزم : تأويل الآية على أنه قتل الخيل إذ ~~اشتغل بها عن الصلاة ، خرافة موضوعة .. قد جمعت أفانين من القول ؛ لأن فيها ~~معاقبة خيل لا ذنب لها والتمثيل بها. وإتلاف مال منتفع به بلا معنى. ونسبة ~~تضييع الصلاة إلى نبي مرسل. ثم يعاقب الخيل على ذنبه لا على ms4852 ذنبها .. # وإنما معنى الآية أنه أخبر أنه أحب حب الخير ، من أجل ذكر ربه حتى توارت ~~الشمس أو تلك الصافنات بحجابها. # ثم أمر بردها. فطفق مسحا بسوقها وأعناقها بيده ، برابها ، وإكراما لها ، ~~هذا هو ظاهر الآية الذي لا يحتمل غيره ، وليس فيها إشارة أصلا إلى ما ذكروه ~~من قتل الخيل ، وتعطيل الصلاة .. (3). PageV12P160 # والحق أن ما ذهب إليه كثير من المفسرين من أن سليمان عليه السلام شغل ~~باستعراض الخيل عن صلاة العصر ، وأنه أمر بضرب سوقها وأعناقها .. لا دليل ~~عليه لا من النقل الصحيح ولا من العقل السليم .. # وأن التفسير المقبول للآية هو ما ذكره الإمام الرازي والإمام ابن حزم ، ~~وما سبق أن ذكرناه من أن المقصود بقوله تعالى : ( @QUR@04 فطفق مسحا بالسوق ~~والأعناق ) إنما هو تكريمها .. # وأن الضمير في قوله : ( @QUR@02 حتى توارت ) يعود إلى الصافنات لأنه أقرب مذكور. # ثم تحدثت الآيات الكريمة بعد ذلك عن فتنة سليمان عليه السلام فقال تعالى : ~~( @QUR@09 ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب .. ). # وقوله : ( @QUR@01 فتنا ) من الفتن بمعنى الابتلاء والاختبار والامتحان. ~~تقول : فتنت الذهب بالنار ، أى : اختبرته لتعلم جودته .. # قال الآلوسى : وأظهر ما قيل في فتنة سليمان عليه السلام أنه قال : لأطوفن ~~الليلة على سبعين امرأة. تأتى كل واحدة بفارس يجاهد في سبيل الله تعالى ولم ~~يقل إن شاء الله. فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة وجاءت بشق رجل. # وقد روى ذلك الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة مرفوعا ، وفيه : «فو الذي نفس ~~محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا فرسانا». # ولكن الذي في صحيح البخاري أربعين بدل سبعين. وأن الملك قال له : قل إن ~~شاء الله ، فلم يقل أى فلم يقل ذلك على سبيل النسيان .. # والمراد بالجسد ذلك الشق الذي ولدته له. ومعنى إلقائه على كرسيه : وضع ~~القابلة له عليه ليراه (1). # وقد ذكروا أن سليمان : إنما قال : «تحمل كل امرأة فارسا يجاهد في سبيل ~~الله» على سبيل التمني للخير ، وطلب الذرية الصالحة المجاهدة في سبيل الله. # ومعنى «فلم يقل» أى : بلسانه على سبيل ms4853 النسيان ، والنسيان معفو عنه ، إلا ~~أن سليمان عليه السلام لسمو منزلته اعتبر ذلك ذنبا يستحق الاستغفار منه ، ~~فقال بعد ذلك «رب اغفر لي ...». PageV12P161 # وقوله : «لأطوفن الليلة ...» كناية عن الجماع. قالوا : ولعل المقصود. ~~طوافه عليهن ابتداء من تلك الليلة ، ولا مانع من أن يستغرق طوافه بهن عدة ليال. # وقد استنبط العلماء من هذا الحديث أن فتنة سليمان ، هي تركه تعليق ما ~~طلبه على مشيئة الله ، وأن عقابه على ذلك كان عدم تحقق ما طلبه. # وهذا الرأى في تقديرنا هو الرأى الصواب في تفسير الآية الكريمة لأنه ~~مستند إلى حديث صحيح ثابت في الصحيحين وفي غيرهما ، ولأنه يتناسب مع عصمة ~~الأنبياء وسمو منزلتهم ، فإن النسيان الذي لا يترتب عليه ترك شيء من ~~التكاليف التي كلفهم الله تعالى بها جائز عليهم. # وقد ذكرنا عند تفسيرنا لقوله تعالى : ( @QUR@011 ولا تقولن لشيء إني فاعل ~~ذلك غدا إلا أن يشاء الله ) أن الوحى مكث فترة لم ينزل على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لأنه نسى أن يقول عند ما سأله المشركون عن بعض الأشياء إن ~~شاء الله ، وقال سأجيبكم على ما سألتمونى عنه غدا. (1). # ومن العلماء من آثر عدم تعيين الفتنة التي اختبر الله تعالى بها سيدنا ~~سليمان عليه السلام ، بتركه المشيئة ، فقال بعد أن ذكر الحديث السابق : ~~وجائز أن تكون هذه الفتنة التي تشير إليها الآيات هنا وأن يكون الجسد هو ~~هذا الوليد الشق ، ولكن هذا مجرد احتمال. # ثم قال : وكل ما نخرج به هو أنه كان هناك ابتلاء من الله وفتنة لنبي الله ~~سليمان عليه السلام في شأن يتعلق بتصرفاته في الملك والسلطان ، كما يبتلى ~~الله أنبياءه ليوجههم ويرشدهم. ويبعد خطاهم عن الزلل ، وأن سليمان أناب إلى ~~ربه ورجع. وطلب المغفرة ، واتجه إلى الله بالرجاء والدعاء .. (2). # ونرى أنه رأى لا بأس به ، وإن كنا نؤثر عليه الرأى السابق لاستناده في ~~استنباط المراد من الفتنة هنا إلى الحديث الصحيح. # هذا. وهناك أقوال أخرى ذكروها في المقصود بفتنة سليمان وبالجسد الذي ~~ألقاه الله على كرسي ms4854 سليمان ، وهي أقوال ساقطة ، تتنافى مع عصمة الأنبياء ~~عليهم السلام . # ومن هذه الأقوال قول بعضهم : إن الجسد الذي ألقى على كرسي سليمان ، عبارة ~~عن شيطان تمثل له في صورة إنسان ، ثم أخذ من سليمان خاتمه الذي كان يصرف به ~~ملكه. وقعد PageV12P162 # ذلك الشيطان على كرسي سليمان ، ولم يعد لسليمان ملكه إلا بعد أن عثر على خاتمه. # وقول بعضهم : إن سبب فتنة سليمان عليه السلام هو سجود إحدى زوجاته لتمثال ~~أبيها الذي قتله سليمان في إحدى الحروب ، وقد بقيت على هذه الحال هي ~~وجواريها أربعين ليلة ، دون أن تعلم سليمان بذلك. # وقول بعضهم : إن سبب فتنة سليمان أنه ولد له ولد فخاف عليه من الشياطين ، ~~فأمر السحاب بحفظه وتغذيته. ولكن هذا الولد وقع ميتا على كرسي سليمان ، ~~فاستغفر سليمان ربه لأنه لم يعتمد عليه في حفظ ابنه. إلى غير ذلك من ~~الأقوال الساقطة الباطلة ، التي تتنافى مع عصمة الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام . وتتنافى أيضا مع كل عقل سليم ، ولا مستند لها إلا النقل عن ~~الإسرائيليات وعن القصاص الذين يأتون بقصص ما أنزل الله بها من سلطان (1). # قال أبو حيان رحمه الله : نقل المفسرون في هذه الفتنة وفي إلقاء الجسد ~~أقوالا يجب براءة الأنبياء منها ، يوقف عليها في كتبهم ، وهي مما لا يحل ~~نقلها ، وهي إما من أوضاع اليهود ، أو الزنادقة ، ولم يبين الله تعالى ~~الفتنة ما هي ، ولا الجسد الذي ألقاه على كرسي سليمان. # وأقرب ما قيل فيه ، أن المراد بالفتنة كونه لم يستثن في الحديث الذي قال ~~فيه : لأطوفن الليلة على سبعين امرأة .. والجسد الملقى هو المولود شق رجل ~~.. (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@012 قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من ~~بعدي ... ) بيان لما قاله سليمان عليه السلام بعد الابتلاء والاختبار من ~~الله تعالى له. # أى : قال سليمان عليه السلام يا رب اغفر لي ما فرط منى من ذنوب وزلات .. # ( @QUR@03 وهب لي ملكا ) عظيما ( @QUR@05 لا ينبغي لأحد من بعدي ) أى : ~~لا يحصل مثله لأحد من الناس من بعدي ( @QUR@02 إنك ms4855 أنت ) يا إلهى ( @QUR@01 ~~الوهاب ) أى : الكثير العطاء لمن تريد عطاءه. # وقدم سليمان عليه السلام طلب المغفرة على طلب الملك ، للإشارة إلى أنها هي ~~الأهم عنده. # قال الإمام الرازي رحمه الله : دلت هذه الآية على أنه يجب تقديم مهم الدين ~~على مهم الدنيا ، لأن سليمان طلب المغفرة أولا ، ثم بعدها طلب المملكة ، ~~وأيضا الآية تدل على أن PageV12P163 # طلب المغفرة من الله تعالى سبب لانفتاح أبواب الخيرات في الدنيا ، لأن ~~سليمان طلب المغفرة أولا ، ثم توسل به إلى طلب المملكة (1). # ولا يقال كيف طلب سليمان عليه السلام الدنيا والملك مع حقارتهما إلى جانب ~~الآخرة وما فيها من نعيم دائم ؛ لأن سليمان عليه السلام ما طلب ذلك إلا من ~~أجل خدمة دينه وإعلاء كلمة الله في الأرض ، والتمكن من أداء الحقوق ~~لأصحابها ، ونشر العدالة بين الناس ، وإنصاف المظلوم ، وإعانة المحتاج. ~~وتنفيذ شرع الله تعالى على الوجه الأكمل. # فهو عليه السلام لم يطلب الملك للظلم أو البغي .. وإنما طلبه للتقوى به ~~على تنفيذ شريعة الله تعالى في الأرض. # ولقد وضح الإمام القرطبي هذا المعنى فقال : كيف أقدم سليمان على طلب ~~الدنيا ، مع ذمها من الله تعالى ...؟ # فالجواب : أن ذلك محمول عند العلماء على أداء حقوق الله تعالى وسياسة ~~ملكه ، وترتيب منازل خلقه ، وإقامة حدوده. والمحافظة على رسومه وتعظيم ~~شعائره ، وظهور عبادته ، ولزوم طاعته ... وحوشي سليمان عليه السلام أن يكون ~~سؤاله طلبا لنفس الدنيا. لأنه هو والأنبياء ، أزهد خلق الله فيها ، وإنما ~~سأل مملكتها لله. كما سأل نوح دمارها وهلاكها لله ، فكانا محمودين مجابين ~~إلى ذلك. # ومعنى قوله ( @QUR@05 لا ينبغي لأحد من بعدي ) أى : أن يسأله. فكأنه سأل ~~منع السؤال بعده ، حتى لا يتعلق به أمل أحد ، ولم يسأل منع الإجابة .. (2). # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@08 فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث ~~أصاب ) للتفريع على ما تقدم من طلب سليمان من ربه أن يهبه ملكا لا ينبغي ~~لأحد من بعده. والتسخير : التذليل والانقياد. أى : دعانا سليمان عليه السلام ~~والتمس منا أن نعطيه ملكا لا ينبغي ms4856 لأحد من بعده ، فاستجبنا له دعاءه. ~~وذللنا له الريح ، وجعلناها منقادة لأمره بحيث تجرى بإذنه رخية لينة ، إلى ~~حيث يريدها أن تجرى. # وقوله : ( @QUR@01 تجري ) حال من الريح. وقوله ( @QUR@01 بأمره ) من ~~إضافة المصدر لفاعله. أى : بأمره إياها. ولا تنافى بين هذه الآية وبين قوله ~~تعالى في آية أخرى : ( @QUR@010 ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض ~~التي باركنا فيها ... ) (3) لأن المقصود من الآيتين بيان أن PageV12P164 # الريح تجرى بأمر سليمان ، فهي تارة تكون لينة وتارة تكون عاصفة ، وفي ~~كلتا الحالتين هي تسير بأمره ورغبته. # وقوله : ( @QUR@04 والشياطين كل بناء وغواص ) معطوف على الريح أي : سخرنا ~~له الريح تجرى بأمره .. وسخرنا له الشياطين. بأن جعلناهم منقادين لطاعته ، ~~فمنهم من يقوم ببناء المبانى العظيمة التي يطلبها سليمان منهم. ومنهم ~~الغواصون الذين يغوصون في البحار ليستخرجوا له منها اللؤلؤ والمرجان ، وغير ~~ذلك من الكنوز التي اشتملت عليها البحار. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 وآخرين مقرنين في الأصفاد ) معطوف على كل بناء ~~، داخل معه في حكم البدل من الشياطين. # أى : أن الشياطين المسخرين لسليمان كان منهم البناءون ، وكان منهم ~~الغواصون ، وكان منهم المقيدون بالسلاسل والأغلال ، لتمردهم وكثرة شرورهم. # فمعنى «مقرنين» : مقرونا بعضهم ببعض بالأغلال والقيود. والأصفاد : جمع ~~صفد وهو ما يوثق به الأسير من قيد وغل. # ثم بين سبحانه أنه أباح لسليمان عليه السلام أن يتصرف في هذا الملك الواسع ~~كما يشاء فقال : ( @QUR@02 هذا عطاؤنا ) أى : منحنا هذا الملك العظيم ~~لعبدنا سليمان عليه السلام وقلنا له : هذا عطاؤنا لك ( @QUR@05 فامنن أو ~~أمسك بغير حساب ) أى : فأعط من شئت منه. وأمسك عمن شئت. فأنت غير محاسب منا ~~لا على العطاء ولا على المنع. # ثم بين سبحانه ما أعده لسليمان عليه السلام في الآخرة ، فقال : ( @QUR@03 ~~وإن له عندنا ) أى في الآخرة ( @QUR@01 لزلفى ) لقربى وكرامة ( @QUR@02 ~~وحسن مآب ) أى : وحسن مرجع إلينا يوم القيامة. # ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن أيوب عليه السلام فذكرت نداءه ~~لربه ، واستجابة الله تعالى له وما وهبه من نعم جزاء صبره ، فقال تعالى : # ( @QUR@011 واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه ms4857 أني مسني الشيطان بنصب وعذاب ~~(41) @QUR@06 اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب (42) @QUR@010 ووهبنا له ~~أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب (43) PageV12P165 # @QUR@014 وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد ~~إنه أواب ) (44) # قال الإمام الرازي : اعلم أن قصة أيوب هي القصة الثالثة من القصص ~~المذكورة في هذه السورة ، واعلم أن داود وسليمان كانا ممن أفاض الله عليه ~~أصناف الآلاء والنعماء ، وأيوب كان ممن خصه الله بأنواع البلاء ، والمقصود ~~من جميع هذه القصص الاعتبار. # فكأن الله تعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم : اصبر على سفاهة قومك ، ~~فإنه ما كان في الدنيا أكثر نعمة ومالا من داود وسليمان ، وما كان أكثر ~~بلاء ومحنة من أيوب ، فتأمل في أحوال هؤلاء لتعرف أن أحوال الدنيا لا تنظم ~~لأحد ، وأن العاقل لا بد له من الصبر على المكاره .. (1). # وأيوب عليه السلام هو ابن أموص بن برزاح ، وينتهى نسبه إلى إسحاق بن ~~ابراهيم عليهما السلام وكانت بعثته على الراجح بين موسى ويوسف عليهما السلام . # وكان صاحب أموال كثيرة ، وله أولاد .. فابتلى في ماله وولده وجسده ، وصبر ~~على كل ذلك صبرا جميلا ، فكافأه الله تعالى على صبره ، بأن أجاب دعاءه ، ~~وآتاه أهله ومثلهم معهم .. # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 واذكر عبدنا أيوب ... ) معطوف على قوله تعالى ~~قبل ذلك : ( @QUR@03 واذكر عبدنا داود ... ). # و «النصب» بضم فسكون وقرأ حفص ونافع بضم النون والصاد : التعب والمشقة ~~مأخوذ من قولهم أنصبنى الأمر ، إذا شق عليه وأتعبه. والعذاب : الآلام ~~الشديدة التي يحس بها الإنسان في بدنه. أى : واذكر أيها الرسول الكريم حال ~~أخيك أيوب عليه السلام حين دعا ربه تعالى فقال : يا رب أنت تعلم أنى مسنى ~~الشيطان بالهموم الشديدة ، وبالآلام المبرحة التي حلت بجسدي فجعلتني في ~~نهاية التعب والمرض. # وجمع سبحانه في بيان ما أصابه بين لفظي النصب والعذاب ، للإشارة إلى أنه ~~قد أصيب بنوعين من المكروه : الغم الشديد بسبب زوال الخيرات التي كانت بين ~~يديه ، وهو PageV12P166 # ما يشير إليه لفظ «النصب» والألم الكثير الذي حل بجسده بسبب الأمراض ~~والأسقام ms4858 ، والعلل ، وهو ما يشير إليه لفظ «العذاب» .. # ونسب ما مسه من نصب وعذاب إلى الشيطان تأدبا منه مع ربه عز وجل حيث أبى أن ~~ينسب الشر إليه سبحانه ، وإن كان الكل من خلق الله تعالى . # وفي هذا النداء من أيوب لربه ، أسمى ألوان الأدب والإجلال ، إذ اكتفى في ~~تضرعه بشرح حاله دون أن يزيد على ذلك ، ودون أن يقترح على خالقه عز وجل شيئا ~~معينا ، أو يطلب شيئا معينا. # قال صاحب الكشاف : ألطف أيوب عليه السلام في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب ~~الرحمة .. ولم يصرح بالمطلوب. # ويحكى أن عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت له : يا أمير المؤمنين ~~، مشت جرذان أي فئران بيتي على العصا!! فقال لها : ألطفت في السؤال ، لا ~~جرم لأجعلنها تثب وثب الفهود ، وملأ بيتها حبا (1).. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى في سورة الأنبياء : ( @QUR@010 وأيوب إذ ~~نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ). # وقد ذكر بعض المفسرين هنا قصصا وأقوالا في غاية السقوط والفساد ، حيث ~~ذكروا أن أيوب عليه السلام مرض زمنا طويلا ، وأن الديدان تناثرت من جسده ، ~~وأن لحمه قد تمزق (2). # وهذه كلها أقوال باطلة ، لأن الله تعالى عصم أنبياءه من الأمراض المنفرة ~~، التي تؤدى إلى ابتعاد الناس عنهم ، سواء أكانت أمراضا جسدية أم عصبية أم ~~نفسية .. # والذي يجب اعتقاده أن الله تعالى قد ابتلى عبده أيوب ببعض الأمراض التي ~~لا تتنافى مع منصب النبوة ، وقد صبر أيوب على ذلك حتى ضرب به المثل في ~~الصبر ، فكانت عاقبة صبره أن رفع الله تعالى عنه الضر والبلاء ، وأعطاه من ~~فضله الكثير من نعمه. # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ) حكاية لما ~~قيل له بعد ندائه لربه ، أو مقول لقول محذوف معطوف على قوله ( @QUR@01 نادى ). PageV12P167 # وقوله : ( @QUR@01 اركض ) بمعنى الدفع والتحريك للشيء. يقال : ركض فلان ~~الدابة برجله إذا دفعها وحركها بها. # والمغتسل : اسم للمكان الذي يغتسل فيه ، والمراد به هنا : الماء الذي ~~يغتسل به. # وقوله : ( @QUR@02 هذا مغتسل ) مقول لقول محذوف. # والمعنى : لقد نادانا عبدنا ms4859 أيوب بعد أن أصابه من الضر ما أصابه ، والتمس ~~منا الرحمة والشفاء مما نزل به من مرض ، فاستجبنا له دعاءه ، وأرشدناه الى ~~الدواء ، بأن قلنا له : «اركض برجلك» أى : اضرب بها الأرض ، فضربها فنبعت ~~من تحت رجله عين الماء ، فقلنا له : هذا الماء النابع من العين إذا اغتسلت ~~به وشربت منه ، برئت من الأمراض ، ففعل ما أمرناه به ، فبرئ بإذننا من كل داء. # ثم بين سبحانه أنه بفضله وكرمه لم يكتف بمنح أيوب الشفاء من مرضه ، بل ~~أضاف إلى ذلك أن وهب له الأهل والولد فقال تعالى : ( @QUR@010 ووهبنا له ~~أهله ومثلهم معهم ، رحمة منا وذكرى لأولي الألباب ). # والآية الكريمة معطوفة على كلام مقدر يفهم من السياق أى : استجاب أيوب ~~لتوجيهنا ، فاغتسل وشرب من الماء ، فكشفنا عنه ما نزل به من بلاء ، وعاد ~~أيوب معافى ، ولم نكتف بذلك بل وهبنا له أهله. ووهبنا له ( @QUR@02 مثلهم ~~معهم ) أى : بأن رزقناه بعد الشفاء أولادا كعدد الأولاد الذين كانوا معه ~~قبل شفائه من مرضه ، فصار عددهم مضاعفا. # وذلك كله ( @QUR@02 رحمة منا ) أى من أجل رحمتنا به ( @QUR@03 وذكرى ~~لأولي الألباب ) أى : ومن أجل أن يتذكر ذلك أصحاب العقول السليمة ، فيصبروا ~~على الشدائد كما صبر أيوب ، ويلجئوا إلى الله تعالى كما لجأ ، فينالوا منا ~~الرحمة والعطاء الجزيل. # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( @QUR@03 ووهبنا له أهله ) الجمهور على ~~أنه تعالى أحيا له من مات من أهله ، وعافى المرضى ، وجمع له من تشتت منهم ، ~~وقيل وإليه أميل وهبه من كان حيا منهم ، وعافاه من الأسقام ، وأرغد لهم ~~العيش فتناسلوا حتى بلغ عددهم عدد من مضى ، ومثلهم معهم ، فكان له ضعف ما ~~كان ، والظاهر أن هذه الهبة كانت في الدنيا (1). # ثم بين سبحانه منة أخرى من المنن التي من بها على عبده أيوب فقال : ( ~~@QUR@014 وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث ، إنا وجدناه صابرا نعم العبد ~~إنه أواب ). PageV12P168 # والجملة الكريمة معطوفة على قوله قبل ذلك : ( @QUR@01 اركض ) أو على ( ~~@QUR@01 وهبنا ) بتقدير : وقلنا له. # والضغث في اللغة : القبضة من الحشيش اختلط ms4860 فيها الرطب باليابس. وقيل : هي ~~قبضة من عيدان مختلفة يجمعها أصل واحد. # والحنث : يطلق على الإثم وعلى الخلف في اليمين. # والآية الكريمة تفيد أن أيوب عليه السلام قد حلف أن يضرب شيئا وأن عدم ~~الضرب يؤدى إلى حنثه في يمينه ، أى : إلى عدم وفائه فيما حلف عليه ، فنهاه ~~الله تعالى عن الحنث في يمينه ، وأوجد له المخرج الذي يترتب عليه البر في ~~يمينه دون أن يتأذى المضروب بأى أذى يؤلمه. # وقد ذكروا فيمن وقع عليه الضرب وسبب هذا الضرب ، روايات لعل أقربها إلى ~~الصواب ، أن أيوب أرسل امرأته في حاجة له فأبطأت عليه ، فأقسم أنه إذا برىء ~~من مرضه ليضربنها مائة ضربة ، وبعد شفائه رخص له ربه أن يأخذ حزمة صغيرة ~~وهي المعبر عنها بالضغث وبها مائة عود ، ثم يضرب بها مرة واحدة ، وبذلك ~~يكون قد جمع بين الوفاء بيمينه ، وبين الرحمة بزوجته التي كانت تحسن خدمته ~~خلال مرضه ، وتقوم بواجبها نحوه خير قيام. # والمعنى : وهبنا له بفضلنا ورحمتنا أهله ومثلهم معهم ، وقلنا له بعد ~~شفائه خذ بيدك حزمة صغيرة من الحشيش فيها مائة عود ، فاضرب بها من حلفت أن ~~تضربه مائة ضربة ، وبذلك تكون غير حانث في يمينك. # هذا وقد تكلم العلماء عن هذه الرخصة. أهي خاصة بأيوب ، أم هي عامة ~~للناس؟. # فقال بعضهم : إذا حلف الشخص أن يضرب فلانا مائة جلدة ، أو أن يضربه ضربا ~~غير شديد ، فيكفيه مثل هذا الضرب المذكور الذي جاء في الآية ؛ لأن شرع من ~~قبلنا شرع لنا. # وقال آخرون : هذه الرخصة خاصة بأيوب عليه السلام ولا تنسحب إلى غيره ، لأن ~~الخطاب إليه وحده. ولأن الله تعالى لم يبين لنا في الآية كيفية اليمين ، ~~ولا من يقع عليه الضرب (1). # ثم بين سبحانه أنه جعل لعبده أيوب هذا المخرج لصبره وكثرة رجوعه إلى ما ~~يرضيه تعالى فقال : ( @QUR@07 إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب ). PageV12P169 # أى : إنا وجدنا عبدنا أيوب صابرا على ما أصبناه به من بلاء ، ونعم العبد ~~هو. إنه كثير الرجوع إلينا في كل ms4861 أحواله. # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت لنا جانبا من فضائل أيوب عليه السلام ~~ومن النعم التي أنعم الله تعالى بها عليه جزاء صبره وطاعته لربه. # وبعد أن عرض سبحانه قصص داود وسليمان وأيوب بشيء من التفصيل. أتبع ذلك ~~بالحديث عن عدد من الأنبياء على سبيل الإجمال ، فقال تعالى : # ( @QUR@08 واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار (45) ~~@QUR@05 إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار (46) @QUR@05 وإنهم عندنا لمن ~~المصطفين الأخيار (47) @QUR@08 واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من ~~الأخيار ) (48) # أى : واذكر أيها الرسول الكريم حال عبادنا إبراهيم وإسحاق ، ويعقوب. ~~أصحاب القوة في الطاعة ، وأصحاب البصيرة المشرقة الواعية في أمور الدين. # فالأيدى مجاز مرسل عن القوة ، والأبصار جمع بصر بمعنى بصيرة على سبيل ~~المجاز أيضا ويصح أن يكون المراد بقوله : ( @QUR@03 أولي الأيدي والأبصار ) ~~أى : أصحاب الأعمال الجليلة ، والعلوم الشريفة ، فيكون ذكر الأيدى من باب ~~ذكر السبب وإرادة المسبب ، والأبصار بمعنى البصائر ، لأن عن طريقها تكون ~~العلوم النافعة. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@03 أولي الأيدي والأبصار ) يريد : أولى ~~الأعمال والفكر ، كأن الذين لا يعملون أعمال الآخرة ، ولا يجاهدون في الله ~~، ولا يفكرون أفكار ذوى الديانات ، ولا يستبصرون ، كأن هؤلاء في حكم الزمنى ~~أى المرضى الذين لا يقدرون على إعمال جوارحهم. والمسلوبى العقول الذين لا ~~استبصار بهم. وفيه تعريض بكل من لم يكن من عمال الله ، ولا من المستبصرين ~~في دين الله ، وتوبيخ على تركهم المجاهدة والتأمل ، مع كونهم متمكنين منهما (1).. PageV12P170 # ثم بين سبحانه أسباب وصفهم بتلك الأوصاف الكريمة ، فقال تعالى : ( ~~@QUR@05 إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار ... ). # ومعنى : ( @QUR@01 أخلصناهم ) خالصين لطاعتنا وعبادتنا. والباء في قوله ( ~~@QUR@01 بخالصة ) للسببية. وخالصة اسم فاعل. والتنوين فيها للتفخيم ، وهي ~~صفة لمحذوف. # و ( @QUR@02 ذكرى الدار ) بيان لها بعد إبهامها للتفخيم. أو محلها النصب ~~بإضمار أعنى .. أو الرفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف أى : هي. # و ( @QUR@01 ذكرى ) مصدر مضاف لمفعوله ، وتعريف الدار للعهد. أى : الدار ~~الآخرة. # والمعنى : إنا جعلنا هؤلاء العباد وهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب خالصين ~~لطاعتنا وعبادتنا ، متبعين لأوامرنا ونواهينا ، لا تصافهم بخصلة خالصة من ms4862 ~~كل ما لا يرضينا ، وهي تذكرهم للدار الآخرة وما فيها من ثواب وعقاب. # وقرأ نافع ( @QUR@01 بخالصة ) بدون تنوين على الإضافة لذكرى. من إضافة ~~الصفة إلى الموصوف. أو المصدر لفاعله إن جعلت خالصة مصدرا كالعاقبة. # أى : أخلصناهم بأن خلصت لهم ذكرى الدار. # ثم أثنى عليهم سبحانه بثناء آخر فقال : ( @QUR@05 وإنهم عندنا لمن ~~المصطفين الأخيار ). # أى : وإن هؤلاء العباد ، لهم عندنا ممن اصطفيناهم لحمل رسالتنا ، ~~واخترناهم لتبليغ دعوتنا. ومن العباد الأخيار. أى : الذين يفضلون على غيرهم ~~في المناقب الحميدة ، والصفات الكريمة. جمع خير بإسكان الياء أفعل تفضيل. # ثم أثنى سبحانه على عدد آخر من عباده الصالحين فقال : ( @QUR@08 واذكر ~~إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار ). # وإسماعيل هو ابن إبراهيم عليهما السلام ، ولم يذكر فيما سبق مع أبيه ومع ~~أخيه إسحاق ، ومع ابن أخيه يعقوب ، اعتناء بشأنه ، وللإشارة إلى عراقته في ~~الصبر وفي تحمل الشدائد. # واليسع : هو ابن شافاط أو أخطوب : قيل استخلفه إلياس من بعده على بنى ~~إسرائيل ، ثم منحه الله تعالى النبوة. وكانت وفاته في حوالى سنة 840 ق. م ~~ودفن بالسامرة. # وذا الكفل : هو ابن أيوب. بعثه الله تعالى بعد أبيه ، وكان مقيما بالشام. ~~والأكثرون على أنه نبي لذكره معهم. PageV12P171 # وقيل هو رجل صالح من بنى إسرائيل. ولم يكن نبيا ، وسمى بذلك لأنه تكفل ~~لأحد أنبيائهم بالقيام بالطاعات فوفى بذلك. # والتنوين في قوله تعالى : ( @QUR@03 وكل من الأخيار ) عوض عن المضاف ~~إليه. أى : وكل هؤلاء العباد الذين ذكرناهم ، من أهل الخير والفضل والصلاح ~~والصبر على الأذى. # ثم عقبت السورة الكريمة على ذلك ، بعقد مقارنة بين عاقبة المؤمنين ~~الصادقين ، وعاقبة الكافرين الجاحدين ، وذكرت جانبا مما يدور بين أهل النار ~~من مجادلات .. فقال تعالى : # ( @QUR@06 هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب (49) @QUR@05 جنات عدن مفتحة لهم ~~الأبواب (50) @QUR@07 متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب (51) ~~@QUR@04 وعندهم قاصرات الطرف أتراب (52) @QUR@05 هذا ما توعدون ليوم الحساب ~~(53) @QUR@07 إن هذا لرزقنا ما له من نفاد (54) @QUR@05 هذا وإن للطاغين ~~لشر مآب (55) @QUR@04 جهنم يصلونها فبئس المهاد (56) @QUR@04 هذا فليذوقوه ~~حميم وغساق (57) @QUR@04 وآخر من ms4863 شكله أزواج (58) @QUR@010 هذا فوج مقتحم ~~معكم لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار (59) @QUR@011 قالوا بل أنتم لا مرحبا ~~بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار (60) @QUR@011 قالوا ربنا من قدم لنا هذا ~~فزده عذابا ضعفا في النار (61) @QUR@010 وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا ~~نعدهم من الأشرار (62) @QUR@06 أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار (63) ~~@QUR@06 إن ذلك لحق تخاصم أهل النار ) (64) PageV12P172 # قال الآلوسى : «هذا» إشارة إلى ما تقدم من الآيات الناطقة بمحاسنهم «ذكر» ~~أى : شرف لهم ... والمراد أن في ذكر قصصهم ... شرف عظيم لهم. # أو المعنى : هذا المذكور من الآيات نوع من الذكر الذي هو القرآن ، وذكر ~~ذلك للانتقال من نوع من الكلام إلى آخر ، كما يقول الجاحظ في كتبه : فهذا ~~باب ، ثم يشرع في باب آخر. # ويقول الكاتب إذا فرغ من فصل من كتابه وأراد الشروع في آخر : هذا ، وكان ~~كيت وكيت ، ويحذف على ما قيل الخبر في مثل ذلك كثيرا ، وعليه ( @QUR@05 هذا ~~وإن للطاغين لشر مآب .. ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@04 وإن للمتقين لحسن مآب ) بيان لما أعده لهم ~~سبحانه في الآخرة من عطاء جزيل ، وثواب عظيم. # والمآب : اسم مكان من آب فلان يؤوب إذا رجع ، والمراد بالمتقين : كل من ~~تحققت فيه صفة التقوى والخوف من الله تعالى وعلى رأسهم الأنبياء الذين ~~اصطفاهم الله تعالى واختارهم لتبليغ رسالته. أى : وإن للمتقين في الآخرة ~~لمنزل كريم يرجعون إليه في الآخرة. فيجدون فيه ما لا عين رأت. ولا أذن ~~سمعت. ولا خطر على قلب بشر. # واسم الإشارة في قوله تعالى : ( @QUR@02 هذا ذكر ) يعود إلى ما ذكره ~~سبحانه في الآيات السابقة ، عن هؤلاء الأنبياء من ثناء وتكريم. والذكر : ~~الشرف والفضل. # أى : هذا الذي ذكرناه عن هؤلاء الأنبياء شرف لهم ، وذكر جميل يذكرون به ~~إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. # ثم فصل سبحانه ما أعده لهم في الآخرة من تكريم فقال : ( @QUR@05 جنات عدن ~~مفتحة لهم الأبواب ). # والعدن في اللغة : الإقامة الدائمة في المكان. يقال : عدن فلان بمكان كذا ~~، إذا أقام به إقامة دائمة. وجنات : بدل اشتمال من قوله : ( @QUR@02 لحسن ms4864 ~~مآب ). # أى : هؤلاء المتقون أكرمناهم في الدنيا بالذكر الحسن. ونكرمهم في الآخرة ~~بأن ندخلهم جنات عظيمة دخولا دائما مؤبدا ، وقد فتحت أبوابها على سبيل ~~التكريم لهم. والحفاوة بمقدمهم. PageV12P173 # ( @QUR@02 متكئين فيها .. ) أى : في تلك الجنات. وانتصب لفظ «متكئين» على ~~الحال من ضمير «لهم» والعامل فيه قوله ( @QUR@01 مفتحة ). # وقوله : ( @QUR@05 يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب ) استئناف لبيان حالهم ~~في الجنات ، أو حال أيضا من ضمير «لهم». # أى : أن المتقين لهم جنات عظيمة. فاتحة لهم أبوابها على سبيل التكريم ~~ويجلسون فيها جلسة الآمن المطمئن المنعم ، حيث يتكئون ويستندون على الأرائك ~~، ويطلبون أنواعا كثيرة من الفاكهة اللذيذة ، ومن الشراب الطيب ، فيلبي ~~طلبهم في الحال. # ثم يضاف إلى هذه الفاكهة والشراب ، ما بينه سبحانه في قوله : ( @QUR@04 ~~وعندهم قاصرات الطرف أتراب ). أى : وعندهم فضلا عن كل ما تقدم نساء ذوات ~~حياء ، قد قصرن أعينهن على أرواحهن فلا يتطلعن إلى غيرهم. لشدة محبتهن لهم. ~~وهن متساويات في السن والجمال والأخلاق الكريمة. # فمعنى أتراب : أنهن متساويات في السن والجمال والشباب. مأخوذ من التراب. ~~لأن التراب يمسهن في وقت واحد لاتحاد مولدهن : أو من الترائب وهي عظام ~~الصدر المتماثلة. # ثم بين سبحانه أن هذا العطاء العظيم مقابل عملهم الصالح في الدنيا فقال : ~~( @QUR@05 هذا ما توعدون ليوم الحساب ). # واللام في قوله ( @QUR@01 ليوم ) للتعليل. أى : هذا الذي ذكرناه لكم من ~~نعيم الجنات. هو جزاء إيمانكم وعملكم الصالح من أجل يوم الحساب. # ثم ختم سبحانه جزاءهم ببيان أنه جزاء خالد لا ينقطع ولا ينقص فقال : ( ~~@QUR@07 إن هذا لرزقنا ما له من نفاد ). # أى : إن هذا الذي ذكرناه لكم أيها المتقون من الجنات وما اشتملت عليه من ~~نعيم ، هو رزقنا الدائم لكم. وليس له من نفاذ أو انقطاع أو انتقاص. يقال ~~نفد الشيء نفادا ونفدا ، إذا فنى وهلك وذهب. # ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله تعالى : ( @QUR@09 إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون ) (1). أى غير مقطوع. # وبعد هذا الحديث الذي يشرح الصدور عن المؤمنين وحسن عاقبتهم. جاء الحديث عن PageV12P174 # الكافرين ms4865 وسوء مصيرهم كما هي عادة القرآن الكريم في قرن الترغيب بالترهيب ~~فقال تعالى : ( @QUR@05 هذا وإن للطاغين لشر مآب ). # واسم الإشارة خبر لمبتدأ محذوف. أى الأمر هذا ، أو مبتدأ محذوف الخبر أى ~~: هذا للمؤمنين. # وجملة «وإن للطاغين لشر مآب» معطوفة على جملة «هذا» على التقديرين. # أى : الأمر كما ذكرنا لك أيها الرسول الكريم بالنسبة للمتقين ، أما ~~الطاغون الذين تجاوزوا الحدود في الكفر والجحود والإعراض عن الحق ، فإن ~~مرجعهم إلينا سيكون شر مرجع ، بسبب إصرارهم على كفرهم. # ( @QUR@04 جهنم يصلونها فبئس المهاد ) أى : إذا كان المتقون يدخلون ~~الجنات التي فتحت لهم أبوابها ، فإن الطاغين تستقبلهم جهنم بسعيرها ولهيبها ~~فيلقون فيها ويفترشون نارها ، وبئست هي فراشا ومهادا. # ( @QUR@04 هذا فليذوقوه حميم وغساق ) واسم الإشارة هنا مرفوع على ~~الابتداء ، وخبره قوله ( @QUR@02 حميم وغساق )، وما بينهما اعتراض. # والحميم : الماء الذي بلغ النهاية في الحرارة. والغساق : صديد يسيل من ~~أجساد أهل النار. مأخوذ من قولهم غسق الجرح كضرب وسمع غسقانا إذا سال منه ~~الصديد وما يشبهه. أى : هذا هو عذابنا الذي أعددناه لهم ، يتمثل في ماء بلغ ~~الغاية في الحرارة ، وفي قيح وصديد يسيلان من أجسادهم ، فليذوقوا كل ذلك ~~جزاء كفرهم وجحودهم. # ( @QUR@04 وآخر من شكله أزواج ) أى : ليس عذابهم مقصورا على الحميم ~~والغساق بل لهم أنواع أخرى من العذاب ، تشبه في شكلها وفي فظاعتها وفي ~~شدتها ، الحميم والغساق. # فقوله ( @QUR@01 وآخر ) مبتدأ ، وقوله ( @QUR@02 من شكله ) صفته ، وقوله ~~: ( @QUR@01 أزواج ) خبره. # والآية الكريمة معطوفة على الآية التي قبلها. # ثم حكى سبحانه بعد ذلك ما يقوله أهل النار بعضهم لبعض على سبيل الندم ~~والتحسر والتقريع. فقال : ( @QUR@010 هذا فوج مقتحم معكم ، لا مرحبا بهم ~~إنهم صالوا النار ). # والفوج : الجمع الكثير من الناس ، والاقتحام : ركوب الشدة والدخول فيها. ~~يقال : قحم فلان نفسه في الأمر ، إذا رمى نفسه فيه من غير روية. # أى : قال الكفار بعضهم لبعض بعد أن رأوا غيرهم يلقى في النار معهم ، أو ~~قالت الملائكة لهم على سبيل التقريع والتأنيب : ( @QUR@02 هذا فوج ) أى جمع ~~كثير من أتباعكم وإخوانكم في PageV12P175 # الضلال. ( @QUR@02 مقتحم معكم ms4866 ) أى داخل معكم النار وعلى غير اختيار منه. ~~وإنما يساق إليها سوقا في ذلة ومهانة. # وهنا يقول زعماء الكفر : ( @QUR@06 لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار ) أى : ~~لا مرحبا ولا أهلا بهؤلاء الداخلين في النار معنا ، لأنهم سيصلون سعيرها ~~مثلنا ، ولن يستطيعوا أن يدفعوا شيئا من حرها عنا ... # فقوله ( @QUR@01 مرحبا ) مفعول به لفعل محذوف وجوبا ، والتقدير : أتوا ~~معنا لا مرحبا بهم. والجملة دعائية لا محل لها من الإعراب أى : لا أتوا ~~مكانا رحبا بل ضيقا ، وهنا يحكى القرآن رد الفوج المقتحم للنار معهم فيقول ~~: ( @QUR@06 قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم .. ). # أى : قال الداخلون في النار وهم الأتباع لرؤسائهم : بل أنتم الذين لا ~~مرحبا بكم ، وإنما الضيق والهلاك لكم. # ( @QUR@05 أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار ) أى : لا مرحبا بكم لأنكم أنتم ~~أيها الزعماء الذين تسببتم لنا دخول النار معكم ، إذ دعوتمونا في الدنيا ~~إلى الكفر فاتبعناكم ، فبئس القرار والمنزل لنا ولكم جهنم. # فالجملة الكريمة تعليل لأحقية الرؤساء بدخول النار ، ويقولها الأتباع على ~~سبيل التشفي منهم. ثم يضيفون إلى ذلك قولهم : ( @QUR@010 ربنا من قدم لنا ~~هذا فزده عذابا ضعفا في النار ). # أى : يا ربنا من كان سببا في نزول هذا العذاب بنا ، فزده عذابا مضاعفا في ~~النار ، لأننا لو لا هؤلاء الرؤساء وإضلالهم لنا ، لما صرنا إلى هذا المصير ~~الأليم. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى حكاية عنهم : ( @QUR@016 وقالوا ربنا إنا ~~أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا. ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم ~~لعنا كبيرا ) (1). # ثم حكى سبحانه ما يقوله أئمة الكفر ، عند ما يدورون بأعينهم في النار ، ~~فلا يرون المؤمنين الذين كانوا يستهزئون بهم في الدنيا فقال : ( @QUR@010 ~~وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار .. ). أى : وقال رؤساء ~~الكفر على سبيل التحسر والتعجب وهم ملقون في النار ما لنا لا نرى معنا في ~~جهنم رجالا من فقراء المؤمنين ، كنا نعدهم في الدنيا من الأراذل الأخساء ، ~~لسوء حالهم ، وقلة ذات يدهم. # قال القرطبي : قال ابن عباس : يريدون أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقول ms4867 ~~أبو جهل : أين PageV12P176 # بلال؟ أين صهيب؟ أين عمار؟ أولئك في الفردوس ، وا عجبا لأبى جهل! مسكين ~~أسلم ابنه عكرمة ، وابنته جويرية ، وأسلمت أمه ، وأسلم أخوه. وكفر هو. قال : # ونورا أضاء الأرض شرقا ومغربا %~% وموضع رجلي منه أسود مظلم (1) # ثم حكى القرآن ما سأله هؤلاء المشركون لأنفسهم عند ما تلفتوا في النار ، ~~فلم يجدوا أحدا من المؤمنين الذين كانوا يصفونهم بأنهم من الأشرار فقال : ( ~~@QUR@06 أتخذناهم سخريا ، أم زاغت عنهم الأبصار ). # أى : إنهم بعد أن دخلوا النار أخذوا يدورون بأعينهم فيها فلم يروا ~~المؤمنين الذين كانوا يستهزئون بهم في الدنيا ، فقالوا فيما بينهم : ما ~~بالنا لا نرى الرجال الذين كنا نسخر منهم في الدنيا ، ألم يدخلوا معنا ~~النار؟ أم دخلوها ولكن أبصارنا لا تراهم وزاغت عنهم؟. # فهم يتحسرون على أحوالهم البائسة بعد أن وجدوا أنفسهم في النار ، وليس ~~معهم من كانوا يسخرون منهم في الدنيا وهم فقراء المؤمنين. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@02 أتخذناهم سخريا ) قرئ بلفظ الإخبار ~~على أنه صفة لقوله ( @QUR@01 رجالا ) مثل قوله ( @QUR@04 كنا نعدهم من ~~الأشرار ). وقرئ بهمزة الاستفهام على أنه إنكار على أنفسهم وتأنيب لها في ~~الاستسخار منهم. # وقوله : ( @QUR@04 أم زاغت عنهم الأبصار ) له وجهان من الاتصال : أحدهما ~~: أن يتصل بقوله : ( @QUR@02 ما لنا ). أى : ما لنا لا نراهم في النار؟ ~~كأنهم ليسوا فيها ، بل أزاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها؟ قسموا أمرهم ~~بين أن يكونوا من أهل الجنة وبين أن يكونوا من أهل النار إلا أنهم خفى ~~عليهم مكانهم. # الوجه الثاني : أن يتصل بقوله : ( @QUR@02 أتخذناهم سخريا ... ) على معنى ~~أى الفعلين فعلنا بهم : الاستسخار منهم ، أم الازدراء بهم والتحقير ، وأن ~~أبصارنا كانت تعلو عنهم وتقتحمهم ، على معنى إنكار الأمرين جميعا على ~~أنفسهم ...» (2). # واسم الإشارة في قوله تعالى : ( @QUR@06 إن ذلك لحق تخاصم أهل النار ) ~~يعود إلى التخاصم الذي حكى عنهم. # وقوله : ( @QUR@01 لحق ) خبر إن. وقوله : ( @QUR@01 تخاصم ) خبر لمبتدأ ~~محذوف ، والجملة بيان لاسم الإشارة ، وفي الإبهام أولا والتبيين ثانيا مزيد ~~تقرير له. PageV12P177 # أى : إن ذلك الذي قصصناه عليك أيها الرسول الكريم ms4868 من تخاصم أهل النار ~~فيما بينهم وتلاعنهم .. حق لا شك فيه ، وثابت ثبوتا لا يختلف عليه عاقلان. # وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ساقت بأبلغ بيان ما أعده الله تعالى ~~للمتقين من ثواب ، وما أعده للطاغين من عقاب. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة ، بتلقين رسوله صلى الله عليه وسلم الرد الذي ~~يرد به على المشركين المعترضين على دعوته ، وببيان موقف إبليس من أمر الله ~~تعالى له بالسجود لآدم ، وببيان ما أعده سبحانه لإبليس وجنده من عذاب. فقال ~~تعالى : # ( @QUR@011 قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار (65) ~~@QUR@07 رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار (66) @QUR@04 قل هو ~~نبأ عظيم (67) @QUR@03 أنتم عنه معرضون (68) @QUR@09 ما كان لي من علم ~~بالملإ الأعلى إذ يختصمون (69) @QUR@08 إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين ~~(70) @QUR@09 إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين (71) @QUR@09 فإذا ~~سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (72) @QUR@04 فسجد الملائكة كلهم ~~أجمعون (73) @QUR@06 إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين (74) @QUR@015 قال ~~يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين (75) ~~@QUR@010 قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (76) @QUR@05 قال ~~فاخرج منها فإنك رجيم (77) @QUR@06 وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين (78) ~~@QUR@06 قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (79) @QUR@04 قال فإنك من المنظرين ~~(80) @QUR@04 إلى يوم الوقت المعلوم (81) @QUR@04 قال فبعزتك لأغوينهم ~~أجمعين (82) @QUR@04 إلا عبادك منهم المخلصين (83) PageV12P178 # @QUR@04 قال فالحق والحق أقول (84) @QUR@07 لأملأن جهنم منك وممن تبعك ~~منهم أجمعين (85) @QUR@010 قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ~~(86) @QUR@05 إن هو إلا ذكر للعالمين (87) @QUR@04 ولتعلمن نبأه بعد حين ) (88) # والمعنى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء المشركين : إنما وظيفتي الإنذار ~~والتخويف لكم من عذاب شديد ، إذا بقيتم على كفركم ، وأعرضتم عن دعوتي. # واقتصر على الإنذار مع أنه مبشر أيضا لأنه المناسب لردهم عن شركهم ، وعن ~~وصفهم له تارة بأنه ساحر ، وأخرى بأنه كاهن .. إلخ. # وقوله سبحانه : ( @QUR@014 وما من إله إلا الله الواحد القهار. رب ~~السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار ) نفى لكل شريك مع الله ms4869 تعالى في ~~ذاته ، أو صفاته ، أو في خلقه لهذا الكون. أى : ليس هناك من إله سوى الله ~~تعالى في هذا الكون ، وهو سبحانه الواحد الأحد ، القاهر فوق عباده ، الموجد ~~للسموات والأرض وما بينهما ، الغالب لكل شيء ، الكثير المغفرة لمن يشاء من عباده. # فأنت ترى أنه سبحانه قد وصف ذاته في هاتين الآيتين بخمس صفات ؛ تليق ~~بذاته وببيان أن الشرك به سبحانه في العبادة أو الطاعة ظلم عظيم وجهل فاضح. # ثم أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم أن ما جاءهم به من عند ~~ربه أمر عظيم ، لا يليق بعاقل أن يعرض عنه فقال : ( @QUR@07 قل هو نبأ ~~عظيم. أنتم عنه معرضون ). # أى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين : إن ما جئتكم به من عند ربي من قرآن ~~كريم ، ومن هدايات بها تسعدون في دنياكم وآخرتكم ، هو خبر عظيم ، يجب أن ~~تلقوا إليه أسماعكم ، وأن تهيئوا نفوسكم لقبوله .. ولكنكم قابلتموه ~~بالإعراض والصدود ، لفرط غفلتكم ، وشدة جهالتكم ، وتماديكم في كفركم. # فالآية الأولى دعوة هامة لهم لكي يقلعوا عن شركهم ، والآية الثانية توبيخ ~~لهم على عنادهم حيث تركوا ما ينفعهم ، وعكفوا على ما يضرهم. # ثم نفى صلى الله عليه وسلم عن نفسه أن يكون عنده علم بشيء من أخبار الملأ ~~الأعلى ، إلا عن طريق الوحى فقال كما حكى القرآن عنه : ( @QUR@08 ما كان لي ~~من علم بالملإ الأعلى إذ PageV12P179 # @QUR@01 يختصمون ). والمراد بالملإ الأعلى : عالم السموات وما فيه من ~~ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ، ويفعلون ما يؤمرون. # قال القرطبي : الملأ الأعلى هم الملائكة في قول ابن عباس والسدى. اختصموا ~~في أمر آدم حين خلق ، فقالوا : ( @QUR@07 أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك ~~الدماء .. ) وقال إبليس : ( @QUR@09 أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من ~~طين ). # وفي هذا بيان أن محمدا صلى الله عليه وسلم أخبر عن قصة آدم وغيره وذلك لا ~~يتصور إلا بتأييد إلهى ...» (1). # وقال ابن كثير : وقوله : ( @QUR@09 ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ ~~يختصمون ) أى : لو لا الوحى من أين كنت ms4870 أدرى باختلاف الملأ الأعلى. يعنى في ~~شأن آدم ، وامتناع إبليس من السجود له ، ومحاجته ربه في تفضيله عليه ..؟» ~~(2). فالآية تنفى عن الرسول صلى الله عليه وسلم علم شيء من أخبار الملأ ~~الأعلى إلا عن طريق الوحى. # وجملة «إن يوحى إلى إلا أنما أنا نذير مبين» معترضة بين إيراد اختصامهم ~~على سبيل الإجمال ، ثم إيراده في الآيات الآتية بعد ذلك على سبيل التفصيل. # و «إن» نافية. ونائب فاعل «يوحى» ضمير تقديره هو يعود على المفهوم مما ~~سبق. وهو شأن الملأ الأعلى ، و «أنما» بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل. # أى : ليس لي من علم بما يدور في الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى ، وهذا ~~الوحى لا ينزل على إلا من أجل أنى رسول من عند الله تعالى أنذركم بما ~~يكلفني به إنذارا واضحا بينا. # ثم فصل سبحانه هذا التخاصم الذي أشار إليه سبحانه قبل ذلك في قوله : ( ~~@QUR@09 ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون )، فقال : ( @QUR@018 ~~إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ~~فقعوا له ساجدين ). # و «إذ» في قوله ( @QUR@03 إذ قال ربك ... ) بدل من قوله ( @QUR@02 إذ ~~يختصمون )، لاشتمال ما في حيزها على تفصيل تلك الخصومة. وقيل : هي منصوبة ~~بتقدير اذكر. # قالوا : والمراد بالملائكة هنا ، ما يشمل إبليس ، بدليل أن الأمر بالسجود ~~لآدم كان للجميع ، وأنهم جميعا امتثلوا لأمر الله تعالى ما عدا إبليس. PageV12P180 # والمراد بالبشر : آدم عليه السلام مأخوذ من مباشرته للأرض ، أو من كونه ~~ظاهر البشرة ، أى الجلد والهيئة. أى : لم يكن لي من علم بالملإ الأعلى وقت ~~اختصامهم ، حين قال الله تعالى للملائكة ومعهم إبليس : ( @QUR@05 إني خالق ~~بشرا من طين ) هو آدم عليه السلام . فإذا صورته على صورة البشر ، وأفضت عليه ~~ما به الحياة من الروح التي هي من أمرى ولا علم لأحد بها سواي ، فاسجدوا له ~~سجود تحية وتكريم. # ولا تعارض بين وصف آدم هنا بأنه خلق من طين ، وبين وصفه في آيات أخرى ~~بأنه خلق من تراب ms4871 ، أو من صلصال من حمأ مسنون ، فإن المادة التي خلق منها ~~آدم وإن كانت واحدة ، إلا أنها مرت بمراحل متعددة ، وكل آية تتحدث عن مرحلة معينة. # وأضاف سبحانه الروح إلى ذاته ، للإشعار بأن هذه الروح لا يملكها إلا هو ~~تعالى ، وأن مرد كنهها وكيفية هذا النفخ ، مما استأثر سبحانه به ، ولا سبيل ~~لأحد إلى معرفته ، كما قال تعالى : ( @QUR@014 ويسئلونك عن الروح قل الروح ~~من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) (1). # والفاء في قوله : ( @QUR@02 فقعوا له ... ) جواب إذا. والمراد بالوقوع : ~~السقوط أى : فاسقطوا وخروا له حالة كونكم ساجدين له بأمرى وإذنى ، على سبيل ~~التحية له ، لأن السجود بمعنى العبادة لا يكون لغير الله تعالى . # ثم بين سبحانه ما كان بعد ذلك فقال : ( @QUR@010 فسجد الملائكة كلهم ~~أجمعون. إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين ). # أى : امتثل الملائكة لأمر الله تعالى فسجدوا جميعا لآدم في وقت واحد ، ~~إلا إبليس فإنه أبى الامتثال لأمر ربه ، واستكبر عن طاعته ، وصار بسبب ذلك ~~من الكافرين الجاحدين لأمر الله تعالى . # قال صاحب الكشاف : ولفظ «كل» للإحاطة و «أجمعون» : للاجتماع ، فأفادا معا ~~أنهم سجدوا عن آخرهم ، ما بقي منهم ملك إلا سجد ، وأنهم سجدوا جميعا في وقت ~~واحد ، غير متفرقين في أوقات. # فإن قلت : كيف ساغ السجود لغير الله؟ قلت : الذي لا يسوغ هو السجود لغير ~~الله على PageV12P181 # وجه العبادة فأما على وجه التكرمة والتبجيل ، فلا يأباه العقل ، إلا أن ~~يعلم الله تعالى فيه مفسدة فينهى عنه (1). # ثم حكى سبحانه ما قاله لإبليس حين عصى أمره فقال : ( @QUR@010 قال يا ~~إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ... ). # ومذهب السلف في مثل هذا التعبير ، أن اليد مفردة أو غير مفردة إذا وصف ~~الله تعالى بها ذاته ، فهي ثابتة له ، على الوجه الذي يليق بكماله ، مع ~~تنزهه سبحانه عن مشابهته للحوادث. # ومذهب الخلف : تأويل اليد بالقدرة أو النعمة. والتثنية في يدي ، للتأكيد ~~الدال على مزيد القدرة في خلقه. أى : قال الله تعالى لإبليس على سبيل ~~التأنيب والتقريع : يا إبليس ms4872 ما الذي منعك من السجود لآدم الذي خلقته بيدي؟ # ( @QUR@05 أستكبرت أم كنت من العالين ). أى : أمنعك من السجود لآدم ~~تكبرك من غير موجب لهذا التكبر ، أم كنت ممن علا على غيره بدون حق؟ ~~والاستفهام للتوبيخ والإنكار. # ( @QUR@04 قال أنا خير منه ) أى : قال إبليس في الجواب على ربه تعالى : ~~أنا خير من آدم. # ( @QUR@06 خلقتني من نار وخلقته من طين ) فهو لعنه الله يرى أن النار ~~أفضل من الطين ، ولا يصح سجود الفاضل للمفضول. # ولا شك أن هذا التعليل من إبليس في نهاية سوء الأدب ، لأنه بعدم سجوده قد ~~عصى رب العالمين ، وفضلا عن ذلك فإن هذه العلة لا تقتضي صحة المدعى ، لأن ~~النار ليست خيرا من الطين حتى يكون المخلوق منها أفضل ، إذ النار يطفئها ~~الطين .. # وقد رد سبحانه على هذا التطاول من إبليس بقوله : ( @QUR@010 فاخرج منها ~~فإنك رجيم. وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين ). # والفاء في قوله ( @QUR@01 فاخرج ) لترتيب الأمر بالطرد على ما حدث منه. ~~والضمير في «منها» يعود إلى السماء ، أو إلى الجنة ، لأنه كان فيهما. # أى : قال تعالى لإبليس على سبيل الزجر : مادمت يا إبليس قد عصيت أمرى ، ~~فاخرج من الجنة ومن كل مكان فيه تكريم لك ، فإنك رجيم ، أى : مطرود من ~~رحمتي. وإن عليك لعنتي وغضبى إلى يوم القيامة ، فإذا ما جاء هذا اليوم ~~ازدادت لعنتي عليك. PageV12P182 # ( @QUR@03 قال رب فأنظرني ) أى : فأمهلنى ( @QUR@03 إلى يوم يبعثون ) أى ~~: فأخرنى ولا تمتنى إلى يوم البعث ، لأتمكن من إغواء ذرية آدم. # ( @QUR@08 قال فإنك من المنظرين. إلى يوم الوقت المعلوم ) أى : قال ~~سبحانه قد أجبت لك ما تقتضيه حكمتى ، وهو أنى سأؤخر إهلاكك إلى الوقت الذي ~~حددته لفناء الخلائق وهو وقت النفخة الأولى ، لا إلى وقت البعث الذي طلبه إبليس. # ( @QUR@01 قال ) أى : إبليس ( @QUR@01 فبعزتك ) أى : فبحق سلطانك وقهرك ( ~~@QUR@02 لأغوينهم أجمعين ) أى : لأغوين بنى آدم جميعا بالمعاصي ، ولأضلنهم ~~ولأمنينهم ( @QUR@04 إلا عبادك منهم المخلصين ) فلا يتأثرون بإغوائى ، لأنى ~~لا قدرة لي عليهم. # ( @QUR@011 قال فالحق والحق أقول. لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ). # وقوله ms4873 ( @QUR@01 فالحق ) مبتدأ محذوف الخبر أى : فالحق قسمي لأملأن .. ~~وقوله : ( @QUR@02 والحق أقول ) لفظ الحق منصوب هنا على أنه مفعول لأقول ، ~~قدم عليه لإفادة الحصر. # والجملة من الفاعل والمفعول معترضة بين القسم والمقسم عليه لتقرير مضمون ~~الجملة القسمية. أى : قال الله تعالى في رده على إبليس : فالحق قسمي ويميني ~~ولا أقول إلا الحق لأملأن جهنم من جنسك يا إبليس ، وممن تبعك من الناس ~~جميعا ، لأن هذا جزاء من عصاني. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة ، بأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين ~~للناس ، أنه لا يريد من وراء دعوته عرضا زائلا من أعراض الدنيا فقال ( ~~@QUR@019 قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين. إن هو إلا ذكر ~~للعالمين. ولتعلمن نبأه بعد حين ). # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء المشركين وغيرهم : إنى لا أسألكم أجرا ~~على تبليغكم ما أمرنى الله بتبليغه إليكم ، وما أنا من الذين يتكلفون ~~ويتصنعون القول أو الفعل الذي لا يحسنونه ، بل أنا رسول من عند الله وصادق ~~فيما أبلغه عنه. # وما هذا القرآن الذي جئتكم به من عند ربي ، إلا وعظ بليغ للثقلين ، وشرف ~~عظيم لهما في اتباع أوامره ونواهيه. # لتعلمن أيها الناس صدق ما أخبركم به من وعد ومن وعيد بعد وقت محدد في علم ~~الله تعالى . PageV12P183 # وبعد : فهذا تفسير لسورة «ص» نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه ، ~~ونافعا لعباده. # والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله ~~وصحبه وسلم؟. # كتبه الراجي عفو ربه # محمد سيد طنطاوى # القاهرة مدينة نصر # صباح الثلاثاء 4 من ذي الحجة سنة 1405 ه الموافق 20 / 8 / 1985 م PageV12P184 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الزمر PageV12P185 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة # 1 سورة «الزمر» هي السورة التاسعة والثلاثون في ترتيب المصحف أما ترتيبها ~~في النزول فهي السورة الثامنة والخمسون من السور المكية ، وكان نزولها بعد ~~سورة سبأ. # وقد ذكر صاحب الإتقان أنها تسمى أيضا سورة «الغرف» ، لقوله تعالى : ( ~~@QUR@010 لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية ). # 2 ms4874 ويرى المحققون أن السورة بكاملها مكية. # قال الآلوسى : عن ابن عباس أنها نزلت بمكة ولم يستثن ، وأخرج النحاس عنه ~~أنه قال : نزلت سورة الزمر بمكة سوى ثلاث آيات نزلت بالمدينة في وحشي قاتل ~~حمزة ، وهي قوله تعالى : ( @QUR@012 قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ~~لا تقنطوا من رحمة الله ). # 3 وآياتها خمس وسبعون آية في المصحف الكوفي ، وثلاث وسبعون في المصحف ~~الشامي ، واثنتان وسبعون في غيرهما (1). # 4 وتبدأ السورة الكريمة بالثناء على الله تعالى الذي أنزل القرآن بالحق ~~على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم والذي خلق السموات والأرض بالحق والذي خلق ~~الناس جميعا من نفس واحدة ، قال تعالى : ( @QUR@020 تنزيل الكتاب من الله ~~العزيز الحكيم ، إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ، فاعبد الله مخلصا له ~~الدين. ألا لله الدين الخالص .. ). # 5 ثم تنتقل السورة إلى الحديث عن حالة الإنسان عند ما ينزل به الضر ، وعن ~~الجزاء الحسن الذي أعده سبحانه للصابرين ، وعن العقاب الأليم الذي أعده ~~للخاسرين. # ( @QUR@047 قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه ~~الدنيا حسنة ، وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب. قل إني ~~أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين. وأمرت لأن أكون أول المسلمين. قل إني ~~أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم. قل الله PageV12P187 # @QUR@023 أعبد مخلصا له ديني. فاعبدوا ما شئتم من دونه ، قل إن الخاسرين ~~الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ، ألا ذلك هو الخسران المبين ). # 6 ثم بين سبحانه مظاهر قدرته في هذا الكون عن طريق إنزاله الماء من ~~السماء ، وعن طريق إنزاله أحسن الحديث. كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود ~~الذين يخشون ربهم. # قال تعالى : ( @QUR@031 ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع ~~في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ، ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله ~~حطاما ، إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب ). # 7 ثم دعا سبحانه الناس بعد ذلك إلى تدبر آيات القرآن ، المشتمل على ~~الهدايات والإرشادات والأمثال ، وإلى اتباع الرسول صلى الله عليه ms4875 وسلم الذي ~~جاءهم بالصدق ، لأن هذا الاتباع يؤدى إلى تكفير سيئاتهم ، ورفع درجاتهم عند ربهم. # قال تعالى : ( @QUR@018 ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم ~~يتذكرون. قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون ). # 8 وبعد أن عادت السورة الكريمة إلى الحديث عن مظاهر قدرة الله تعالى في ~~قبضه للأرواح ، وفي كشفه الضر عن خلقه .. أتبعت ذلك بمحاجة المشركين ، ~~وببيان ما هم عليه من ضلال ، وبيان أحوالهم عند ما يذكر الله تعالى وحده ، ~~وببيان سوء عاقبتهم. # قال تعالى : ( @QUR@035 وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة ، وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون. قل اللهم فاطر السماوات ~~والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون ). # 9 ثم ساق سبحانه لعباده ما يدل على سعة رحمته بهم ، ودعاهم إلى الإنابة ~~إليه ، من قبل أن يأتى اليوم الذي لا ينفع فيه الندم. # قال تعالى : ( @QUR@034 قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا ~~من رحمة الله ، إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم. وأنيبوا ~~إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون ). # 10 ثم تحدثت السورة في أواخرها عن أحوال السعداء والأشقياء يوم القيامة ، ~~وعن أهوال هذا اليوم. # قال تعالى : ( @QUR@022 ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض ~~إلا من شاء الله ، ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ). PageV12P188 # وختمت ببيان ما أعده سبحانه للكافرين من شديد العقاب ، وما أعده للمتقين ~~من كريم الثواب. # قال تعالى : ( @QUR@053 وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا ، حتى إذا ~~جاؤها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين. ~~وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ، وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء ~~، فنعم أجر العاملين. وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم ~~وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين ). # 11 هذا ، والمتأمل في سورة «الزمر» بعد هذا العرض المجمل لها. يراها قد ~~اشتملت على ms4876 مقاصد متنوعة من أهمها ما يأتى : # (أ) إقامة الأدلة المتعددة على وحدانية الله تعالى وعلى وجوب إخلاص ~~العبادة له ، تارة عن طريق خلق السموات والأرض ، وتكوين الليل والنهار ، ~~وتسخير الشمس والقمر ، وخلق الناس جميعا من نفس واحدة ... وتارة عن طريق ~~لجوء المشركين إليه وحده عند الشدائد ، وتارة عن طريق توفى الأنفس حين ~~موتها ، وتارة عن طريق ضرب الأمثال ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@019 ضرب ~~الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل ، هل يستويان مثلا. ~~الحمد لله ، بل أكثرهم لا يعلمون ). # (ب) تذكير الناس بأهوال الآخرة وما فيها من ثواب وعقاب. وبعث ونشور ، ~~وفرح يعلو وجوه المتقين ، وكآبة تجلل وجوه الكافرين. # نرى ذلك في مثل قوله تعالى : ( @QUR@025 ويوم القيامة ترى الذين كذبوا ~~على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين. وينجي الله الذين ~~اتقوا بمفازتهم ، لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون ). # وفي مثل قوله تعالى : ( @QUR@046 ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن ~~في الأرض إلا من شاء الله ، ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون. وأشرقت ~~الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء ، وقضي بينهم بالحق ~~وهم لا يظلمون. ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون ). # (ج) تلقين الرسول صلى الله عليه وسلم الحجج والإجابات التي يرد بها على ~~شبهات المشركين ، وعلى دعاواهم الباطلة ، فقد تكرر لفظ «قل» في هذه السورة ~~كثيرا ، ومن ذلك قوله تعالى : # ( @QUR@09 قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين )... ( @QUR@016 ... ~~قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره ... ). PageV12P189 # ( @QUR@018 قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من يأتيه ~~عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم ). ( @QUR@07 قل أفغير الله تأمروني أعبد ~~أيها الجاهلون ). # ( @QUR@011 قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون ). # (د) الإكثار من المقارنة بين عاقبة الأخيار وعاقبة الأشرار ، بأسلوب يغلب ~~عليه طابع الاستفهام الإنكارى ، الذي حذف فيه الخبر للعلم به من سياق ~~الكلام. # ومن ذلك قوله تعالى ms4877 : ( @QUR@020 أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما ~~يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه ، قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ). # وقوله تعالى : ( @QUR@010 أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في ~~النار ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@016 أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ~~ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ). # وقوله عز وجل : ( @QUR@013 أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة ، وقيل ~~للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون ). # هذه بعض المقاصد التي اشتملت عليها السورة الكريمة ، وهناك مقاصد أخرى ~~يدركها القارئ لهذه السورة الكريمة بتدبر وتفكر. # نسأل الله تعالى أن يجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وأنس نفوسنا. والحمد ~~لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # كتبه الراجي عفو ربه # د. محمد سيد طنطاوى # القاهرة مدينة نصر # صباح الجمعة 28 من ذي الحجة سنة 1405 ه # 13 / 9 / 1985 م PageV12P190 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@06 تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (1) @QUR@010 إنا أنزلنا ~~إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين (2) @QUR@033 ألا لله الدين ~~الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ~~إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ~~(3) @QUR@016 لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو ~~الله الواحد القهار ) (4) # افتتحت سورة «الزمر» بالثناء على القرآن الكريم ، وببيان مصدره ، قال ~~تعالى : ( @QUR@06 تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ). # أى : هذا الكتاب وهو القرآن الكريم. قد نزل عليك يا محمد من لدن الله ~~تعالى ( @QUR@01 لعزيز ) أى : الغالب على كل شيء ( @QUR@01 الحكيم ) في كل ~~تصرفاته وأفعاله ، وليس هذا القرآن قولا مفترى كما زعم الجاحدون الذين ~~انطمست بصائرهم ، واستحبوا العمى على الهدى. # والذي يتتبع آيات القرآن الكريم ، يرى أن الله تعالى إذا ذكر تنزيله ~~لكتابه أتبع ذلك ببعض أسمائه الحسنى ، المتضمنة لصفاته الجليلة. # ففي أول سورة غافر نجد قوله تعالى : ( @QUR@07 حم ، تنزيل الكتاب من الله ~~العزيز العليم ms4878 ). PageV12P191 # وفي أول سورة الجاثية نجد قوله تعالى : ( @QUR@07 حم. تنزيل الكتاب من ~~الله العزيز الحكيم ). # وفي أول سورة الأحقاف نجد مثل هذا الافتتاح. # وفي أول سورة فصلت نجد قوله تعالى : ( @QUR@05 حم. تنزيل من الرحمن ~~الرحيم ). # وفي صدر سورة «يس» نجد قوله سبحانه : ( @QUR@08 تنزيل العزيز الرحيم. ~~لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم .. ). # ولا يخفى أن ذكره سبحانه لبعض أسمائه الحسنى ، بعد ذكره لتنزيل هذا ~~القرآن على قلب رسوله صلى الله عليه وسلم فيه ما فيه من الثناء على القرآن ~~الكريم ، ومن بيان أنه قد نزل من عند الله تعالى وحده ، الذي له الخلق ~~والأمر. تبارك الله رب العالمين. # ثم ساق سبحانه بعد ذلك ما يدعو الناس إلى قبول هذا الكتاب ، وإلى العمل ~~بهداياته ، فقال تعالى : ( @QUR@05 إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ... ). # أى : هذا الكتاب هو تنزيل من عند الله تعالى الغالب على كل شيء. والحكيم ~~في أقواله وأفعاله. وقد أنزله سبحانه عليك يا محمد تنزيلا ملتبسا بالحق ~~الذي لا يحوم حوله باطل ، أو ما يشبه الباطل ، وذلك يوجب قبوله والعمل بكل ~~ما فيه. # قال الآلوسى : قوله تعالى : ( @QUR@05 إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ) ~~بيان لكونه نازلا بالحق ، وتوطئة لما يذكر بعد ... أو شروع في بيان المنزل ~~إليه ، وما يجب عليه إثر بيان شأن المنزل ... والباء متعلقة بالإنزال ، وهي ~~للسببية ، أى : أنزلناه بسبب الحق. أى : إثباته وإظهاره. أو بمحذوف وقع ~~حالا من المفعول وهي للملابسة. أى : أنزلناه ملتبسا بالحق والصواب. # والمراد أن كل ما فيه موجب للعمل والقبول حتما (1). # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@05 فاعبد الله مخلصا له الدين ) لترتيب ما ~~بعدها على ما قبلها. والعبادة : أقصى درجات التذلل والخضوع للمعبود عز وجل ~~والإخلاص معناه : أن يقصد المسلم بعبادته وقوله وعمله وجه الله تعالى . # أى : أنزلنا إليك أيها الرسول الكريم هذا الكتاب بالحق الذي لا يشوبه ~~باطل ، وما دام الأمر كذلك فعليك أن تخلص لربك عبادتك وطاعتك ودينك إخلاصا ~~تاما ، لا يحوم حوله PageV12P192 # رياء أو تفاخر ، أو غير ذلك مما يتنافى مع إخلاص الخضوع لله تعالى وحده. ms4879 # قال الشوكانى : وفي الآية دليل على وجوب النية ، وإخلاصها من الشوائب لأن ~~الإخلاص من الأمور القلبية التي لا تكون إلا بأعمال القلب ، وقد جاءت السنة ~~الصحيحة أن ملاك الأمر في الأقوال والأفعال النية ، كما في حديث : «إنما ~~الأعمال بالنيات» وحديث : «لا قول ولا عمل إلا بنية» (1). # وجملة ( @QUR@04 ألا لله الدين الخالص ) مؤكدة ومقررة لمضمون ما قبلها من ~~وجوب إفراد العبادة والطاعة لله تعالى : وزادها تأكيدا وتقريرا لما قبلها ~~تصديرها بأداة الاستفتاح ( @QUR@01 ألا ) واشتمالها على أسلوب القصر. # أى : ألا إن لله تعالى وحده وليس لأحد سواه الدين الخالص من شوائب الشرك ~~والرياء. والعبادة لوجهه وحده ، والخضوع لقدرته التي لا يعجزها شيء. # ثم بين سبحانه ما عليه المشركون من ضلال فقال : ( @QUR@016 والذين اتخذوا ~~من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ، إن الله يحكم بينهم ... ) # فالمراد بالموصول المشركون ، ومحله الرفع على الابتداء ، وخبره قوله ~~تعالى بعد ذلك : ( @QUR@04 إن الله يحكم بينهم ) وجملة ( @QUR@07 ما نعبدهم ~~إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) في محل نصب على الحال بتقدير القول ، ~~والاستثناء مفرغ من أعم العلل. والزلفى : اسم أقيم مقام المصدر الذي يتلاقى ~~معه في المعنى ، والمأخوذ من قوله ( @QUR@01 ليقربونا ). # أى : لله تعالى وحده الدين الخالص ، والمشركون الذين اتخذوا معبودات ~~باطلة ليعبدوها من دون الله ، كانوا يقولون في الرد على من ينهاهم عن ذلك : ~~إننا ما نعبد هذه المعبودات إلا من أجل أن نتوسل بها ، لكي تقربنا إلى الله ~~قربى ، ولتكون شفيعة لنا عنده حتى يرفع عنا البلاء والمحن. # ( @QUR@04 إن الله يحكم بينهم ) أى : بين هؤلاء المشركين وبين غيرهم من ~~المؤمنين الذين أخلصوا لله تعالى العبادة والطاعة ( @QUR@05 في ما هم فيه ~~يختلفون ) من أمر التوحيد والشرك ، بأن يجازى المؤمنين بحسن الثواب ، ~~ويجازى الكافرين بسوء العقاب. # ( @QUR@02 إن الله ) تعالى ( @QUR@02 لا يهدي ) أى : لا يوفق للاهتداء ~~للحق ( @QUR@04 من هو كاذب كفار ). PageV12P193 # أى : من كان دائم الكذب على دين الله ، شديد الجحود لآيات الله وبراهينه ~~الدالة على وحدانيته ، وعلى أنه لا رب لهذا الكون سواه. # ثم أبطل سبحانه ms4880 كل تصور للشرك والشركاء ، بأن نزه تعالى ذاته عن اتخاذ ~~الولد فقال : ( @QUR@016 لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما ~~يشاء ، سبحانه هو الله الواحد القهار ). # أى : لو أراد الله تعالى على سبيل الفرض والتقدير أن يتخذ ولدا ، لاختار ~~من خلقه ما يريده هو ، لا ما يريده الضالون ، لكنه سبحانه لم يختر أحدا ~~ليكون ولدا له ، فدل ذلك على بطلان زعم الزاعمين بأن الملائكة بنات الله ، ~~أو بأن عزيرا ابن الله ، أو بأن المسيح ابن الله. # ( @QUR@05 سبحانه هو الله الواحد القهار ) أى : تنزه عز وجل عن كل شيء من ~~ذلك ، فإنه هو الله الواحد في ذاته وفي صفاته ، القهار لكل مخلوقاته. # قال الإمام ابن كثير : بين تعالى في هذه الآية أنه لا ولد له كما يزعمه ~~جهلة المشركين في الملائكة ، والمعاندون من اليهود والنصارى في العزيز ~~وعيسى فقال : ( @QUR@011 لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما ~~يشاء ) أى. لكان الأمر على خلاف ما يزعمون. # وهذا شرط لا يلزم وقوعه ولا جوازه ، بل هو محال ، وإنما قصد تجهيلهم فيما ~~ادعوه وزعموه ، كما قال : ( @QUR@011 لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من ~~لدنا إن كنا فاعلين ) وكما قال : ( @QUR@08 قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول ~~العابدين ). # كل هذا من باب الشرط ، ويجوز تعليق الشرط على المستحيل لقصد المتكلم (1). # وقال بعض العلماء ما ملخصه : إرادة اتخاذ الولد هنا ممتنعة ، لأن الإرادة ~~لا تتعلق إلا بالممكنات ، واتخاذ الولد محال ، كما ثبت بالبرهان القطعي ~~فتستحيل إرادته. وجعلها في الآية شرطا وتعليق الجواب عليها ، لا يقتضى ~~إمكانها فضلا عن وقوعها ، وقد عرف في فصيح الكلام : تعليق المحال على ~~المحال جوازا ووقوعا. # على أن الوالدية تقتضي التجانس بين الوالد والولد. إذ هو قطعة منه. وقد ~~ثبت أن كل ما عداه سبحانه مخلوق له. فيلزم بموجب التجانس أن يكون المخلوق ~~من جنس الخالق ، وهو يستلزم حدوث الخالق ، أو قدم المخلوق ، وكلاهما محال (2). PageV12P194 # ثم أقام سبحانه المزيد من الأدلة على وحدانيته وقدرته ، عن طريق التأمل ~~في ms4881 ملكوت السموات والأرض ، وفي ظاهرة الليل والنهار ، وفي تسخير الشمس ~~والقمر ، وفي خلق بنى آدم من نفس واحدة ... فقال تعالى : # ( @QUR@023 خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور ~~النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز ~~الغفار (5) @QUR@036 خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من ~~الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ~~ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون (6) @QUR@031 إن ~~تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا ~~تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم ~~بذات الصدور ) (7) # فقوله تعالى : ( @QUR@04 خلق السماوات والأرض بالحق ) تفصيل لبعض أفعاله ~~الدالة على وحدانيته سبحانه وقدرته. # أى : الله وحده هو الذي أوجد هذه السموات وتلك الأرض ، إيجادا ملتبسا ~~بالحق والحكمة والمصلحة التي تعود عليكم أيها الناس بالخير والمنفعة ومن ~~كان شأنه كذلك ، استحال أن يكون له شريك أو ولد. # ثم ساق سبحانه دليلا ثانيا على وحدانيته فقال : ( @QUR@08 يكور الليل على ~~النهار ، ويكور النهار على الليل ). PageV12P195 # والتكوير في اللغة : طرح الشيء بعضه على بعض. يقال : كور فلان المتاع ، ~~إذا ألقى بعضه على بعض ، ومنه كور العمامة. أى : انضمام بعض أجزائها على بعض. # والمقصود أن الليل والنهار كلاهما يكر على الآخر فيذهبه ويحل محله ، ~~بطريقة متناسقة محكمة لا اختلال معها ولا اضطراب. # قال صاحب الكشاف : «والتكوير : اللف واللى. يقال : كار العمامة على رأسه ~~وكورها. # وفيه أوجه ، منها : أن الليل والنهار خلفة يذهب هذا ويأتى مكانه هذا ، ~~وإذا غشى مكانه ، فكأنما ألبسه ولف عليه ، كما يلف اللباس على اللابس. # ومنها : أن كل واحد منهما يغيب الآخر إذا طرأ عليه ، فشبه في تغييبه إياه ~~بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن مطامح الأبصار. # ومنها : أن هذا يكر على هذا كرورا متتابعا ، فشبه ذلك بتتابع أكوار ~~العمامة بعضها على إثر بعض» (1). # قال بعض العلماء ما ملخصه : «والتعبير ms4882 بقوله «يكور ..» تعبير عجيب ، يقسر ~~الناظر فيه قسرا على الالتفات إلى ما كشف حديثا عن كروية الأرض فهو يصور ~~حقيقة مادية ملحوظة على وجه الأرض ، فالأرض الكروية تدور حول نفسها في ~~مواجهة الشمس ، فالجزء الذي يواجه الشمس من سطحها المكور يغمره الضوء ويكون ~~نهارا. ولكن هذا الجزء لا يثبت لأن الأرض تدور. وكلما تحركت بدأ الليل يغمر ~~السطح الذي كان عليه النهار. وهذا السطح مكور ، فالنهار كان عليه مكورا ، ~~والليل يتبعه مكورا كذلك ، وبعد فترة يبدأ النهار من الناحية الأخرى يتكور ~~على الليل ، وهكذا في حركة دائبة «يكور سبحانه الليل على النهار ويكور ~~النهار على الليل». # واللفظ يرسم الشكل ، ويحدد الوضع ، ويعين نوع طبيعة الأرض وحركتها. ~~وكروية الأرض ودورانها ، يفسران هذا التعبير تفسيرا أدق من أى تفسير آخر لا ~~يستصحب هذه النظرية» (2). # ثم ذكر سبحانه دليلا ثالثا على وحدانيته وقدرته فقال : ( @QUR@07 وسخر ~~الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ). PageV12P196 # والتسخير : التذليل والانقياد والطاعة التامة. أى : وجعل سبحانه الشمس ~~والقمر منقادين لأمره انقيادا تاما وكلاهما يجرى في مداره إلى الوقت المحدد ~~في علم الله تعالى لنهاية دورانه ، وانقطاع حركته. # وهما في جريانهما يسيران بنظام محكم دقيق غاية الدقة ، كما قال تعالى : ( ~~@QUR@015 لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ، ولا الليل سابق النهار. وكل ~~في فلك يسبحون ). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله ( @QUR@04 ألا هو العزيز الغفار ). # وفي تصدير الجملة الكريمة بأداة الاستفتاح ( @QUR@01 ألا ) إشارة إلى ~~كمال الاعتناء بمضمونها ، وإلى وجوب التدبر فيما اشتملت عليه. # أى : ألا إن الله تعالى : وحده هو الخالق لكل تلك المخلوقات ، وهو وحده ~~المتصرف فيها ، والمهيمن عليها ، وهو وحده ( @QUR@01 العزيز ) الغالب على ~~كل ما سواه ، الكثير المغفرة لذنوب عباده التائبين إليه توبة نصوحا. # ثم ساق سبحانه أدلة أخرى على وحدانيته فقال : ( @QUR@08 خلقكم من نفس ~~واحدة ثم جعل منها زوجها ). # أى خلقكم سبحانه من نفس واحدة هي نفس أبيكم آدم ثم خلق من هذه النفس ~~الواحدة ، زوجها وهي أمكم حواء. # قال الشوكانى : والتعبير بالجعل دون الخلق مع العطف بثم. ms4883 للدلالة على أن ~~خلق حواء من ضلع آدم ، أدخل في كونه آية باهرة دالة على كمال القدرة ؛ لأن ~~خلق آدم هو على عادة الله المستمرة في خلقه ، وخلق حواء على الصفة المذكورة ~~لم تجربه عادة لكونه تعالى لم يخلق أنثى من ضلع رجل غيرها (1). # وقال الجمل : فإن قلت كيف عطف بثم مع أن خلق حواء من آدم سابق على خلقنا ~~منه؟ أجيب بأن ثم هنا للترتيب في الإخبار لا في الإيجاد. أو المعطوف متعلق ~~بمعنى واحدة ، فثم عاطفة عليه لا على خلقكم ، فمعناه : خلقكم من نفس واحدة ~~أفردت بالإيجاد ، ثم شفعت بزوجة. أو هو معطوف على خلقكم ، لكن المراد ~~بخلقهم ، خلقهم يوم أخذ الميثاق دفعة لا على هذا الخلق ، الذي هم فيه الآن ~~بالتوالد والتناسل (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@06 وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ) بيان لبعض آخر من PageV12P197 # أفعاله تعالى الدالة على وحدانيته وقدرته. والجملة الكريمة معطوفة على ما ~~قبلها وهي قوله : ( @QUR@01 خلقكم ). # أى : وأنزل لكم من كل من الإبل والبقر والغنم والمعز زوجين : ذكرا وأنثى ~~يتم بهما التناسل وبقاء النوع. # قالوا : وعبر سبحانه عن الخلق بالإنزال ، لما يروى أنه تعالى خلق هذه ~~الأنواع في الجنة ثم أنزلها. فيكون الإنزال على سبيل الحقيقة. # أو أن الكلام على سبيل المجاز ، لأن هذه الأنعام لا تعيش إلا عن طريق ما ~~تأكله من نبات ، والنبات لا يخرج إلا بالماء النازل من السماء فكأن الأنعام ~~نازلة من السماء ، لأن سبب سببها منزل منها .. أو أن «أنزل» هنا بمعنى أنشأ ~~وأوجد. أو لأن الخلق إنما يكون بأمر من السماء. # وقوله تعالى ( @QUR@011 يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ~~ثلاث ) بيان لكيفية خلق ما خلقه الله من الأناسى والأنعام بتلك الطريقة ~~العجيبة. # أى أنه تعالى يخلقكم أيها الناس بقدرته في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق ~~، بأن يحولكم من نطفة إلى علقة إلى مضغة ، إلى عظام مكسوة باللحم ، ثم ~~يحولكم بعد ذلك إلى خلق آخر ، وهذه المراحل كلها تتم وأنتم في ظلمات بطون ~~أمهاتكم ms4884 ، وظلمات الأرحام التي بداخل البطون وظلمات الغشاء الذي بداخل ~~الأرحام والبطون ، وذلك كله من أقوى الأدلة على قدرة الله تعالى ورعايته لخلقه. # وصدق الله إذ يقول : ( @QUR@015 ألم نخلقكم من ماء مهين. فجعلناه في قرار ~~مكين. إلى قدر معلوم. فقدرنا فنعم القادرون ) (1). # واسم الإشارة في قوله تعالى ( @QUR@011 ذلكم الله ربكم له الملك ، لا إله ~~إلا هو فأنى تصرفون ) يعود إليه سبحانه باعتبار أفعاله السابقة. وتصرفون : ~~من الصرف بمعنى الابتعاد عن الشيء إلى غيره. # أى : ذلكم العظيم الشأن الذي ذكرنا لكم بعض مظاهر قدرته ، هو الله ربكم ~~الذي له ملك كل شيء ، والذي لا معبود بحق سواه ، فكيف تصرفون عن عبادته إلى ~~عبادة غيره؟ وكيف تزعمون أن له شريكا أو ولدا ... مع توفر الأدلة على بطلان ذلك. # والمتأمل في هاتين الآيتين يراهما قد ذكرتا ألوانا من البراهين على ~~وحدانية الله تعالى وقدرته ، كخلق السموات والأرض بالحق ، وتكوير الليل على ~~النهار ، والنهار على الليل ، وتسخير الشمس والقمر لمنافع الناس ، وخلق ~~الناس جميعا من نفس واحدة ، ورعايتهم بلطفه PageV12P198 # وإحسانه في مراحل حياتهم ، وإيجاد الأنعام التي تنفعهم في شئونهم ~~المختلفة. # ثم بين سبحانه أنه غنى عن خلقه ، وأنهم هم الفقراء إليه فقال : ( ~~@QUR@014 إن تكفروا فإن الله غني عنكم ، ولا يرضى لعباده الكفر ، وإن ~~تشكروا يرضه لكم ). # أى : إن تكفروا أيها الناس بعد أن سقنا لكم من الأدلة ما سقنا على صحة ~~الإيمان وفساد الكفر ، فإن الله تعالى غنى عنكم وعن إيمانكم وعبادتكم وعن ~~الخلق أجمعين. # ومع ذلك فإنه سبحانه لرحمته بكم ، لا يرضى لعباده الكفر ، أى : لا يحبه ~~منهم ولا يحمده لهم ، ولا يجازى الكافر المجازاة التي يجازى بها المؤمن فإن ~~المؤمن له جنات النعيم ، أما الكافر فله نار الجحيم. # وإن تشكروا الله على نعمه أيها الناس بأن تخلصوا له العبادة والطاعة ~~وتستعملوا نعمه فيما خلقت له ، يرض لكم هذا الشكر ، ويكافئكم عليه مكافأة ~~جزيلة. بأن يزيدكم من نعمه وإحسانه وخيره. # ( @QUR@05 ولا تزر وازرة وزر أخرى ) أى : ولا تحمل نفس يوم القيامة حمل ~~أخرى ، وإنما ms4885 كل نفس تجازى على حسب أعمالها في الدنيا. # ( @QUR@04 ثم إلى ربكم مرجعكم ) يوم القيامة ( @QUR@01 فينبئكم ) أى : ~~فيخبركم ( @QUR@03 بما كنتم تعملون ) في دنياكم ، ويجازى الذين أساءوا بما ~~عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. # ( @QUR@01 إنه ) سبحانه ( @QUR@03 عليم بذات الصدور ) أى : عليم بما ~~تخفيه الصدور من أسرار ، وبما تضمره القلوب من أقوال وأفعال ... لا يخفى ~~عليه شيء في الأرض ولا في السماء. # قال الجمل في حاشيته : قوله : ( @QUR@04 ولا يرضى لعباده الكفر ) معنى ~~عدم الرضا به ، لا يفعل فعل الراضي ، بأن يأذن فيه ويقر عليه ، ويثيب فاعله ~~ويمدحه ، بل يفعل فعل الساخط بأن ينهى عنه ، ويذم عليه ، ويعاقب مرتكبه وإن ~~كان بإرادته ، إذ لا يخرج شيء عنها. # أو المعنى : ولا يرضى لعباده المؤمنين الكفر ، وهم الذين قال الله تعالى ~~في شأنهم : ( @QUR@06 إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) فيكون الكلام عاما في ~~اللفظ خاصا في المعنى ، كقوله تعالى : ( @QUR@05 عينا يشرب بها عباد الله ) ~~أى بعض العباد (1). PageV12P199 # وبذلك ترى هذه الآية الكريمة قد أقامت الأدلة المتعددة على وحدانية الله ~~تعالى وعلى كمال قدرته ، وعلى أن من شكر الله تعالى على نعمه ، فإن عاقبة ~~هذا الشكر تعود على الشاكر بالخير الجزيل ، أما من جحد نعم الله تعالى ~~وأشرك معه في العبادة غيره ، فإن عاقبة هذا الجحود ، تعود على الجاحد بالشر ~~الوبيل ، وبالشقاء في الدنيا والآخرة. # وبعد أن أقام سبحانه الأدلة المتعددة على وحدانيته وكمال قدرته ، أتبع ~~ذلك بالحديث عن طبيعة الإنسان في حالتي السراء والضراء ، ونفى سبحانه ~~المساواة بين المؤمنين والكافرين ، والعلماء والجهلاء فقال تعالى : # ( @QUR@034 وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه ~~نسي ما كان يدعوا إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك ~~قليلا إنك من أصحاب النار (8) @QUR@024 أمن هو قانت آناء الليل ساجدا ~~وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا ~~يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب ) (9) # والمراد بالإنسان هنا : الكافر ، بدليل قوله تعالى ( @QUR@06 وجعل لله ~~أندادا ليضل عن سبيله ). # والمراد بالضر ms4886 : ما يصيب الإنسان من مصائب في نفسه أو ماله أو أهله. # أى : وإذا نزل بالإنسان ضر من مرض أو غيره من المكاره ( @QUR@04 دعا ربه ~~منيبا إليه ) أي : أسرع إلى الله تعالى بالدعاء والإنابة والتضرع ، وترك ~~الآلهة التي كان يدعوها في حالة الرخاء. # كما قال تعالى : ( @QUR@012 بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء ~~وتنسون ما تشركون ). # وقوله تعالى : ( @QUR@012 ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعوا إليه من ~~قبل .. ) بيان لحالة هذا الإنسان بعد أن كشف الله تعالى عنه الضر. PageV12P200 # وخوله من التخويل بمعنى الإعطاء مرة بعد أخرى ، ومنه الحديث الشريف : كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا أى : ~~يتعهدنا بها وقتا بعد وقت. # و ( @QUR@01 ما ) في قوله ( @QUR@07 نسي ما كان يدعوا إليه من قبل ) ~~موصولة مرادا بها الضر ، أو مرادا بها الباري عز وجل . # أى : هذا هو حال ذلك الإنسان عند نزول الضر به ، فإذا ما كشفنا عنه ضره ، ~~وأعطيناه نعما عظيمة على سبيل التفضل منا .. نسى الضر الذي كان يتضرع إلينا ~~من قبل لنزيله عنه ، أو نسى الخالق عز وجل الذي كشف عنه بقدرته ذلك الضر. # ولم يكتف بهذا النسيان ، بل جعل لله تعالى أندادا أى : أمثالا وأشباها ~~ونظائر يعبدها من دونه. # واللام في قوله تعالى : ( @QUR@03 ليضل عن سبيله ) للتعليل. أى فعل ما ~~فعل من جعله شركاء لله تعالى في العبادة ، ليضل الناس بذلك الفعل عن سبيل ~~الله وعن دينه الذي ارتضاه لعباده. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ( @QUR@01 ليضل ) بفتح الياء. أى : ليزداد ضلالا ~~على ضلاله. # وقوله تعالى : ( @QUR@08 قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار )، ~~بيان لسوء عاقبة هذا الإنسان المشرك. # أى : قل أيها الرسول الكريم لهذا الإنسان الذي جعل لله شركاء في العبادة ~~... قل له تمتع بكفرك تمتعا قليلا ، أو زمانا قليلا إنك من أصحاب النار ~~الملازمين لها ، والخالدين فيها. # ثم نفى سبحانه المساواة بين هذا الإنسان المشرك وبين الإنسان الملازم ~~لطاعة ربه فقال : ( @QUR@012 أمن هو قانت آناء الليل ms4887 ساجدا وقائما يحذر ~~الآخرة ويرجوا رحمة ربه .. ). # وكلمة «أمن» أصلها «أم» التي بمعنى بل وهمزة الاستفهام. و «من» التي هي ~~اسم موصول وهي هنا مبتدأ وخبره محذوف. والقانت : من القنوت بمعنى ملازمة ~~الطاعة والمواظبة عليها بخشوع وإخلاص. # وآناء الليل : ساعاته : والاستفهام للإنكار والنفي. # أى : بل أمن هو قائم ساعات الليل لعبادة الله ساجدا وقائما يحذر عذاب ~~الآخرة ، ويرجو رحمة ربه ، كمن هو جاعل لله تعالى شركاء في العبادة؟ # مما لا شك أنهما لا يستويان في عرف أى عاقل ، وفي نظر أى ناظر. PageV12P201 # ويصح أن تكون «أم» متصلة. وقد حذف معادلها ثقة بدلالة الكلام عليه ، ~~فيكون المعنى : # أهذا الكافر الذي جعل لله أندادا ليضل عن سبيله أحسن حالا ، أم الذي هو ~~ملازم للطاعات آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه؟ # ووصف القنوت بأنه في آناء الليل ، لأن العبادة في تلك الأوقات أقرب إلى ~~القبول وقدم السجود على القيام ، لأن السجود أدخل في معنى العبادة. # قال الآلوسى ما ملخصه : وقد ذكروا أن هذه الآية نزلت في عثمان بن عفان ، ~~وقيل في عمار بن ياسر .. والظاهر أن المراد المتصف بذلك من غير تعيين ، ولا ~~يمنع من ذلك نزولها فيمن علمت ، وفيها دليل على فضل الخوف والرجاء. # وقد أخرج الترمذي والنسائي وابن ماجة عن أنس قال : دخل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على رجل وهو في الموت ، فقال له : كيف تجدك؟ # قال : أرجو وأخاف. فقال صلى الله عليه وسلم : «لا يجتمعان في قلب عبد في مثل ~~هذا الموطن إلا أعطاه الذي يرجو ، وآمنه الذي يخاف» (1). # ثم نفى سبحانه أيضا المساواة بين العالم والجاهل فقال : ( @QUR@08 قل هل ~~يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ). # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء المشركين الذين جعلوا لله أندادا : ~~إنه لا يستوي عند الله تعالى المشرك والمؤمن ، ولا يستوي عنده أيضا الذين ~~يعلمون الحق ، ويعملون بمقتضى علمهم ، والذين لا يعلمونه ويعملون بمقتضى ~~جهلهم وضلالهم ، ويعرضون عن كل من يدعوهم إلى الحق وإلى الصراط المستقيم. # ثم ختم سبحانه ms4888 الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@04 إنما يتذكر أولوا الألباب ~~) أى : إنما يعتبر ويتعظ بهذه التوجيهات والإرشادات ، أصحاب العقول السليمة ~~والمدارك القويمة. ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يذكر ~~المؤمنين بأن يواظبوا على إخلاص العبادة لله تعالى وأن يهاجروا إلى الأرض ~~التي يتمكنون فيها من نشر دينه وإعلاء كلمته ، وأن ينذر المشركين بسوء ~~المصير إذا ما استمروا في كفرهم وضلالهم .. فقال تعالى : PageV12P202 # ( @QUR@022 قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه ~~الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (10) ~~@QUR@09 قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين (11) @QUR@05 وأمرت لأن ~~أكون أول المسلمين (12) @QUR@09 قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ~~(13) @QUR@06 قل الله أعبد مخلصا له ديني (14) @QUR@019 فاعبدوا ما شئتم من ~~دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو ~~الخسران المبين (15) @QUR@017 لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك ~~يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون ) (16) # والمعنى : قل أيها الرسول الكريم لعبادي المؤمنين الصادقين : داوموا على ~~الخوف من ربكم ، وعلى صيانة أنفسكم من كل ما يغضبه. # وفي التعبير بقوله تعالى : ( @QUR@05 قل يا عباد الذين آمنوا ) دون قوله ~~: قل لعبادي الذين آمنوا .. تكريم وتشريف لهم ، لأنه سبحانه أمر رسوله ~~صلى الله عليه وسلم أن يناديهم بهذا النداء الذي فيه ما فيه من التكريم لهم ، ~~حيث أضافهم إلى ذاته تعالى وجعل وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هي ~~التبليغ عنه عز وجل . # قال الآلوسى : قوله تعالى : ( @QUR@07 قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم ~~): أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يذكر المؤمنين ويحملهم على التقوى ~~والطاعة ، إثر تخصيص التذكر بأولى الألباب ، وفيه إيذان بأنهم هم. # أى : قل لهم قولي هذا بعينه ، وفيه تشريف لهم بإضافتهم إلى ضمير الجلالة ~~ومزيد اعتناء بشأن المأمور به ، فإن نقل عين أمر الله تعالى أدخل في إيجاب ~~الامتثال به (1). PageV12P203 # وجملة ( @QUR@06 للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ) تعليل لوجوب الامتثال ~~لما أمروا ms4889 به من تقوى الله تعالى والاستجابة لإرشاداته. # وقوله : ( @QUR@02 للذين أحسنوا ) متعلق بمحذوف خبر مقدم ، وقوله ( ~~@QUR@03 في هذه الدنيا ) متعلق بقوله : أحسنوا ، وقوله ( @QUR@01 حسنة ) ~~مبتدأ مؤخر. # أى : للذين أحسنوا في هذه الدنيا أقوالهم وأعمالهم .. حسنة عظيمة في ~~الآخرة ، ألا وهي جنة عرضها السموات والأرض. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 وأرض الله واسعة ) جملة معترضة لإزاحة ما عسى أن ~~يتعللوا به من أعذار ، إذا ما حملهم البقاء في أوطانهم على التفريط في أداء ~~حقوق الله. # قال صاحب الكشاف : ومعنى : ( @QUR@03 وأرض الله واسعة ) أن لا عذر ~~للمفرطين في الإحسان ألبتة ، حتى إن اعتلوا بأوطانهم وبلادهم ، وأنهم لا ~~يتمكنون فيها من التوفر على الإحسان ، وصرف الهمم إليه قيل لهم : فإن أرض ~~الله واسعة ، وبلاده كثيرة ، فلا تجتمعوا مع العجز ، وتحولوا إلى بلاد أخر ~~، واقتدوا بالأنبياء والصالحين في مهاجرتهم إلى غير بلادهم ليزدادوا إحسانا ~~إلى إحسانهم ، وطاعة إلى طاعتهم (1). # ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله تعالى : ( @QUR@016 يا عبادي ~~الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون. كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ~~ترجعون ). # ثم بين سبحانه حسن عاقبة الصابرين فقال : ( @QUR@06 إنما يوفى الصابرون ~~أجرهم بغير حساب ) أى : إنما يوفى الصابرون على مفارقة الأوطان ، وعلى تحمل ~~الشدائد والمصائب في سبيل إعلاء كلمة الله ... يوفون أجرهم العظيم على كل ~~ذلك بغير حساب من الحاسبين. لأنهم لا يستطيعون معرفة ما أعده سبحانه لهؤلاء ~~الصابرين من عطاء جزيل ، ومن ثواب عظيم ، وإنما الذي يعرف ذلك هو الله ~~تعالى وحده. # قال الإمام الشوكانى : أى : يوفيهم الله أجرهم في مقابلة صبرهم بما لا ~~يقدر على حصره حاصر ، ولا يستطيع حسبانه حاسب. # والحاصل أن الآية تدل على أن ثواب الصابرين وأجرهم لا نهاية له ، لأن كل ~~شيء يدخل تحت الحساب فهو متناه ، وما كان لا يدخل تحت الحساب فهو غير ~~متناه. وهي فضيلة عظيمة ومثوبة جليلة ، تقتضي أن على كل راغب في ثواب الله ~~، وطامع فيما عنده من الخير ، أن يتوفر PageV12P204 # على الصبر ، ويزم نفسه بزمامه ، ويقيدها بقيده ، فإن الجزع لا يرد قضاء ~~قد ms4890 نزل ، ولا يجلب خيرا قد سلب ، ولا يدفع مكروها قد وقع .. (1). # ثم أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس ما أمره به خالقه ~~فقال : ( @QUR@08 إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين ). # أى : قل لهم يا محمد إنى أمرت من قبل الله عز وجل أن أعبده عبادة خالصة لا ~~مجال معها للشرك أو الرياء ، أو غير ذلك مما يتنافى مع الطاعة التامة ~~لخالقي سبحانه . # ( @QUR@05 وأمرت لأن أكون أول المسلمين ) أى : أمرنى ربي بأن أخلص له ~~العبادة إخلاصا تاما وكاملا ، لكي أكون على رأس المسلمين وجوههم له ، حتى ~~يقتدى بي الناس في إخلاصى وطاعتي له عز وجل . # قال تعالى : ( @QUR@017 قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ~~، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ) بيان ~~لسوء عاقبة الشرك والمشركين. # أى : وقل لهم أيها الرسول الكريم إنى أخاف إن عصيت ربي ، فلم أخلص له ~~العبادة والطاعة ، عذاب يوم عظيم الأهوال : شديد الحساب ، وهو يوم القيامة ~~، ولذلك فأنا لشدة خوفي من عذاب خالقي ، أكثرهم إخلاصا له عز وجل وامتثالا ~~لأمره ، ومحافظة على طاعته. # ( @QUR@06 قل الله أعبد مخلصا له ديني ) أى. وقل لهم أيضا : الله تعالى ~~وحده هو الذي أعبده عبادة لا يحوم حولها شرك ، ولا يخالطها شيء من الرياء ~~أو التكلف. # فأنت ترى أن الله تعالى قد أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلن للناس ~~بأساليب متنوعة ، أنه لن يتراجع عن طاعته التامة لربه ، وأن عليهم أن ~~يتأسوا به في ذلك. # قال الجمل : أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أولا : بأن يخبرهم ~~بأنه مأمور بالعبادة والإخلاص فيها. وثانيا : بأن يخبرهم بأنه مأمور بأن ~~يكون أول من أطاع وانقاد وأسلم. وثالثا : بأن يخبرهم بخوفه من العذاب على ~~تقدير العصيان. ورابعا : بأن يخبرهم بأنه امتثل الأمر وانقاد وعبد الله ~~تعالى وأخلص له الدين على أبلغ وجه وآكده ، إظهارا لتصلبه في PageV12P205 # الدين ، وحسما لأطماعهم الفارغة ، وتمهيدا لتهديدهم ms4891 بقوله : ( @QUR@05 ~~فاعبدوا ما شئتم من دونه ... ) (1). # فالأمر في قوله تعالى : ( @QUR@05 فاعبدوا ما شئتم من دونه ... ) للتهديد ~~والتقريع والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها. # والمعنى. إذا كان الأمر كما ذكرت لكم أيها المشركون من أنى أول المسلمين ~~وجوههم لله تعالى وحده ، فاعبدوا ما شئتم أن تعبدوه من دونه عز وجل فسترون ~~عما قريب سوء عاقبة شرككم وجحودكم لنعم الله تعالى . # وقوله : ( @QUR@09 قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم ~~القيامة ) بيان لسوء عاقبة من أعرض عن دعوة الحق ، وقوله : ( @QUR@02 الذين ~~خسروا .. ) خبر إن. # أى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين : ليس الخاسرون هم الذين أخلصوا عبادتهم ~~لله تعالى وحده كما زعمتم وإنما الخاسرون هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم ~~يوم القيامة ، بسبب إلقائهم في النار ، وحرمانهم من النعيم الذين أعده الله ~~تعالى لعباده المؤمنين. # وقال سبحانه خسروا أنفسهم وأهليهم للإشعار بأن هؤلاء المشركين لم يخسروا ~~أنفسهم فقط بسبب دخلوهم النار ، وإنما خسروا فوق ذلك أهليهم لأنهم حيل ~~بينهم وبين أهليهم ، لأن أهليهم إن كانوا من أهل النار فقد خسروهم كما ~~خسروا أنفسهم ، وإن كانوا من أهل الجنة فقد ذهبوا عنهم ذهابا لا رجوع بعده. # وجملة : ( @QUR@05 ألا ذلك هو الخسران المبين ) مستأنفة لتأكيد ما قبلها ~~، وتصديرها بحرف التنبيه ، للإشعار بأن هذا الخسران الذي حل بهم قد بلغ ~~الغاية والنهاية في بابه. # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ... ) ~~تفصيل لهذا الخسران بعد تهويله عن طريق الإبهام والإجمال. # والظلل : جمع ظلة ، وأصلها السحابة التي تظل ما تحتها ، والمراد بها هنا ~~طبقات النار التي تكون من فوقهم ومن تحتهم. وأطلق عليها هذا الاسم من باب ~~التهكم بهم ، إذ الأصل في الظلل أنها تقى من الحر ، بينما الظلل التي فوق ~~المشركين وتحتهم محرقة. # أى : لهؤلاء المشركين طبقات من النار من فوقهم ، وطبقات أخرى من النار من ~~تحتهم ، فهم محاطون بها من كل جانب ، ولا يستطيعون التفلت منها. PageV12P206 # قال الجمل في حاشيته : «فإن قلت : الظلة ما فوق الإنسان فكيف سمى ما تحته ~~بالظلة؟. ms4892 # قلت : فيه وجوه : الأول : أنه من باب إطلاق اسم أحد الضدين على الآخر. ~~الثاني : أن الذي تحته من النار يكون ظلة لآخر تحته في النار لأنها دركات. ~~الثالث : أن الظلة التحتانية إذا كانت مشابهة الفوقانية في الإيذاء ~~والحرارة ، سميت باسمها لأجل المماثلة والمشابهة» (1). # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@05 ذلك يخوف الله به عباده ... ) يعود إلى ~~العذاب الشديد الذي أعده سبحانه لأولئك المشركين. # أى : ذلك العذاب الشديد يخوف الله تعالى به عباده ، حتى يحذروا ما يوصل ~~إليه ، ويجتنبوا كل قول أو فعل من شأنه أن يفضى إلى النار. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 يا عباد فاتقون ) نداء منه تعالى للناس يدل على ~~رحمته بهم ، وفضله عليهم ، أى : عليكم يا عبادي أن تلتزموا طاعتي ، ~~وتجتنبوا معصيتي ، لكي تنالوا رضائى وجنتي ، وتبتعدوا عن سخطى وناري. # وإلى هنا نرى هذه الآيات الكريمة قد بشرت الصابرين بالعطاء الذي لا يعلم ~~مقدار فضله إلا الله تعالى ، وأمرت بإخلاص العبادة لله سبحانه بأساليب ~~متنوعة ، وحذرت المشركين من سوء المصير إذا ما استمروا في شركهم وكفرهم. # وبعد أن بين سبحانه ما أعده للخاسرين من عذاب أليم ، أتبع ذلك ببيان ما ~~أعده للمتقين من نعيم مقيم ، فقال تعالى : # ( @QUR@012 والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم ~~البشرى فبشر عباد (17) @QUR@013 الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك ~~الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب (18) @QUR@010 أفمن حق عليه كلمة ~~العذاب أفأنت تنقذ من في النار (19) PageV12P207 # @QUR@020 لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها ~~الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد ) (20) # الطاغوت : يطلق على كل معبود سوى الله تعالى كالشيطان والأصنام وما ~~يشبههما ، مأخوذ من الطغيان ، وهو مجاوزة الحد في كل شيء. ويستعمل في ~~الواحد والجمع والمذكر والمؤنث. # والاسم الموصول مبتدأ. وجملة «أن يعبدوها» بدل اشتمال من الطاغوت ، وجملة ~~«لهم البشرى» هي الخبر. # والمعنى : والذين اجتنبوا عبادة الطاغوت ، وكرهوا عبادة غير الله تعالى ~~أيا كان هذا المعبود ، وأقبلوا على الخضوع والخشوع له وحده عز وجل . # أولئك الذين يفعلون ذلك «لهم البشرى» ms4893 العظيمة في حياتهم ، وعند مماتهم ، ~~وحين يقفون بين يدي الله تعالى : ( @QUR@02 فبشر عباد ) أى : فبشر أيها ~~الرسول الكريم عبادي الذين هذه مناقبهم ، وتلك صفاتهم .... # ثم وصفهم سبحانه بما يدل على صفاء عقولهم ، وطهارة قلوبهم ، فقال : ( ~~@QUR@05 الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ... ). # وللعلماء في تفسير هذه الجملة الكريمة أقوال منها : أن المراد بالقول ~~الذي يتبعون أحسنه. ما يشمل تعاليم الإسلام كلها النابعة من الكتاب والسنة. # والمراد بالأحسن الواجب والأفضل ، مع جواز الأخذ بالمندوب والحسن. # فهم يتركون العقاب مع أنه جائز ، ويأخذون بالعفو لأنه الأفضل ، كما قال ~~تعالى ( @QUR@04 وأن تعفوا أقرب للتقوى ... ). # وكما قال سبحانه : ( @QUR@012 وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ، ~~ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ). # فيكون المعنى : الذين يستمعون الأقوال الحسنة والأشد حسنا فيأخذون بما هو ~~أشد حسنا .... # ومنها أن المراد بالقول هنا ما يشمل الأقوال كلها سواء أكانت طيبة أم غير ~~طيبة. فهم يستمعون من الناس إلى أقوال متباينة ، فيتبعون الطيب منها ، ~~وينبذون غيره. PageV12P208 # قال صاحب الكشاف ما ملخصه : قوله : ( @QUR@05 الذين يستمعون القول ~~فيتبعون أحسنه. ) هم الذين اجتنبوا وأنابوا لا غيرهم ، وإنما أراد بهم أن ~~يكونوا مع الاجتناب والإنابة على هذه الصفة ... وأراد أن يكونوا نقادا في ~~الدين ، مميزين بين الحسن والأحسن ، والفاضل والأفضل ، فإذا اعترضهم أمران ~~: واجب ومندوب ، اختاروا الواجب ... فهم حريصون على فعل ما هو أكثر ثوابا ~~عند الله .. # وقيل : يستمعون القرآن وغيره فيتبعون القرآن. وقيل : يستمعون أوامر الله ~~فيتبعون أحسنها. نحو القصاص والعفو ، والانتصار والإغضاء .. # وعن ابن عباس : هو الرجل يجلس مع القوم فيسمع الحديث فيه محاسن ومساوئ ، ~~فيحدث بأحسن ما سمع ، ويكف عما سواه. (1). # ويبدو لنا أن هذا القول الأخير المأثور عن ابن عباس رضى الله عنهما هو ~~أقرب الأقوال إلى الصواب ، لأنه هو الظاهر من معنى الجملة الكريمة. # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا ~~الألباب ) ثناء آخر من الله تعالى على هؤلاء المؤمنين الذين اجتنبوا عبادة ~~الطاغوت ، وأخلصوا لله تعالى العبادة. # أى : أولئك الذين هداهم الله تعالى إلى دينه الحق ، وإلى الصراط ms4894 المستقيم ~~، وأولئك هم أصحاب العقول السليمة ، والمدارك القويمة ، والقلوب الطاهرة ~~النقية .. # قال الآلوسى : وفي الآية دلالة على حط قدر التقليد المحض ، ولذا قيل : # شمر وكن في أمور الدين مجتهدا %~% ولا تكن مثل عير قيد فانقادا # واستدل بها على أن الهداية تحصل بفعل الله تعالى وقبول النفس لها ... (2) ~~. ثم بين سبحانه أن من أحاطت به خطيئته ، لن يستطيع أحد إنقاذه من العذاب. ~~فقال تعالى ( @QUR@010 أفمن حق عليه كلمة العذاب ، أفأنت تنقذ من في النار ). # والاستفهام للنفي ، والتقدير : أفمن وجب عليه العذاب بسبب إصراره على ~~كفره حتى النهاية ، أفتستطيع أنت أيها الرسول الكريم أن تنقذه من هذا ~~المصير الأليم؟ لا أيها الرسول الكريم إنك لا تستطيع ذلك. لأن من سبق عليه ~~قضاؤنا بأنه من أهل النار ، بسبب استحبابه الكفر على الإيمان لن تستطيع أنت ~~أو غيرك إنقاذه منها. PageV12P209 # وقوله تعالى : ( @QUR@010 لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف ~~مبنية ... ) بيان لحسن عاقبة المؤمنين ، بعد بيان سوء عاقبة من حقت عليهم ~~كلمة العذاب .. # والغرف جمع غرفة ، وتطلق على الحجرة التي تكون مرتفعة عن الأرض. # أى : هذا حال الذين حقت عليهم كلمة العذاب ، أما حال الذين اتقوا ربهم ~~فيختلف اختلافا تاما عن غيرهم ، فإن الله تعالى قد أعد لهم على سبيل ~~التكريم والتشريف غرفا من فوقها غرف أخرى مبنية .. # ووصفت بذلك للإشارة إلى أنها معدة ومهيأة لنزولهم فيها ، قبل أن يقدموا ~~عليها ، زيادة في تكريمهم وحسن لقائهم. # وهذه الغرف جميعها «تجرى من تحتها الأنهار» ليكون ذلك أدعى إلى زيادة ~~سرورهم. # وقوله تعالى ( @QUR@06 وعد الله لا يخلف الله الميعاد ) تذييل مؤكد ~~لمضمون ما قبله من كون المتقين لهم تلك الغرف المبنية. ولفظ «وعد» مصدر ~~منصوب بفعل مقدر. # أى : وعدهم تعالى بذلك وعدا لا يخلفه ، لأنه سبحانه ليس من شأنه أن يخلف ~~الموعد الذي يعده لعباده. # وقد ذكر الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية بعض الأحاديث ، منها ما ~~رواه الإمام أحمد عن أبى مالك الأشعرى ، قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «إن ms4895 في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها ~~، أعدها الله لمن أطعم الطعام ، وألان الكلام ، وتابع الصيام ، وصلى والناس ~~نيام» (1). # وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة قد بشرت المتقين بأحسن البشارات وأكرمها ، ~~وتوعدت المصرين على كفرهم وفجورهم باستحالة إنقاذهم من عذاب النار. # ثم ضرب سبحانه مثلا لسرعة زوال الحياة الدنيا ، وقرب اضمحلال بهجتها. كما ~~بين حال من شرح الله صدره للإسلام فقال تعالى :. # ( @QUR@023 ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم ~~يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم PageV12P210 # @QUR@08 يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب (21) @QUR@020 أفمن ~~شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ~~أولئك في ضلال مبين ) (22) # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@08 ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء ~~... ) للتقرير. # والينابيع : جمع ينبوع ، وهو المنبع أو المجرى الذي يكون في باطن الأرض ، ~~والذي يحمل الكثير من المياه الجارية أو المخزونة في جوف الأرض. # والمعنى : لقد علمت أيها العاقل أن الله تعالى أنزل من السحب المرتفعة في ~~جو السماء ، ماء كثيرا ، فأدخله بقدرته في عيون ومسارب في الأرض ، هذه ~~العيون والمسارب تارة تكون ظاهرة على وجه الأرض ، وتارة تكون في باطنها ، ~~وكل ذلك من أعظم الأدلة على قدرة الله تعالى ورحمته بعباده. # ثم بين سبحانه مظهرا آخر من مظاهر قدرته فقال : ( @QUR@06 ثم يخرج به ~~زرعا مختلفا ألوانه ... ). # أى : هذا الماء الذي أنزله سبحانه بقدرته من السماء ، قد سلكه ينابيع في ~~الأرض ، ثم يخرج بسبب هذا الماء زرعا مختلفا في ألوانه وفي أشكاله ، فمنه ~~ما هو أخضر ومنه ما هو أصفر ، ومنه ما ليس كذلك مما يدل على كمال قدرة الله ~~تعالى . # وقوله تعالى : ( @QUR@07 ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما ) بيان ~~لمظهر ثالث من مظاهر قدرته عز وجل . # والفعل «يهيج» مأخوذ من الهيج بمعنى اليبس والجفاف. يقال : هاج النبات ~~هيجا وهياجا ، إذا يبس وأصفر. أو مأخوذ من الهيج بمعنى شدة الحركة. يقال : ~~هاج ms4896 الشيء يهيج ، إذا ثار لمشقة أو ضرر ، ثم يعقب ذلك الهيجان الجفاف ~~واليبس. # أى : ثم يصاب هذا الزرع المختلف الألوان بالجفاف والضمور ، فتراه مصفرا ~~من بعد اخضراره ونضارته ، ثم يجعله سبحانه «حطاما» أى : فتاتا متكسرا. يقال ~~: حطم الشيء حطما من باب تعب إذا تكسر وتفتت وتحطم. # ( @QUR@03 إن في ذلك ) الذي ذكرناه من إنزال الماء من السماء ، ومن سلكه ~~ينابيع في الأرض ، ومن إخراج النبات المختلف الألوان بسببه ( @QUR@01 لذكرى ~~) عظيمة ( @QUR@02 لأولي الألباب ). PageV12P211 # أى : لأصحاب العقول السليمة ، والأفكار القويمة. # والمقصود من هذه الآية الكريمة ، التحذير من الانهماك في الحياة الدنيا ~~ومتعها ، حيث شبهها سبحانه في سرعة زوالها وقرب اضمحلالها بالزرع الذي يبدو ~~مخضرا وناضرا ... ثم يعقب ذلك الجفاف والذبول والاضمحلال. # وفي هذا المعنى وردت آيات كثيرة ، منها قوله تعالى : ( @QUR@023 واضرب ~~لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض ، ~~فأصبح هشيما تذروه الرياح ، وكان الله على كل شيء مقتدرا ) (1). # ثم نفى سبحانه المساواة بين المؤمن والكافر ، وبين المهتدى والضال فقال : ~~( @QUR@010 أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه .. ). # أى : أفمن شرح الله تعالى صدره للإسلام ، وجعله مستعدا لقبول الحق فهو ~~بمقتضى هذا الشرح والقبول صار على نور وهداية من ربه ، كمن قسا قلبه وغلظ ، ~~وأصبح أسيرا للظلمات والأوهام .. # لا شك أنهما لا يستويان في عقل أى عاقل. # فالاستفهام للإنكار والنفي ، و «من» اسم موصول مبتدأ ، والخبر محذوف ~~لدلالة قوله تعالى ( @QUR@06 فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ) عليه. # أى : فهلاك وخزي لأولئك المشركين الذين قست قلوبهم من أجل ذكر الله تعالى ~~، الذي من شأنه أن تلين له القلوب ، ولكن هؤلاء الكافرين إذا ما ذكر الله ~~تعالى ، اشمأزت قلوبهم ، وقست نفوسهم ، لانطماس بصائرهم. واستحواذ الشيطان عليهم. # ومنهم من جعل «من» في قوله ( @QUR@03 من ذكر الله ) بمعنى عن. أى : فويل ~~للقاسية قلوبهم عن قبول ذكر الله وطاعته وخشيته. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@03 من ذكر الله ) أى : من أجل ذكره ، أى ~~: إذا ذكر الله عندهم أو آياته اشمأزوا ، وازدادت قلوبهم قساوة ms4897 ، كقوله ~~تعالى : ( @QUR@04 فزادتهم رجسا إلى رجسهم ) وقرئ : عن ذكر الله. # فإن قلت : ما الفرق بين من وعن في هذا؟ قلت : إذا قلت قسا قلبه من ذكر ~~الله ، فالمعنى ما ذكرت ، من أن القسوة من أجل الذكر وبسببه. وإذا قلت : عن ~~ذكر الله ، فالمعنى : غلظ PageV12P212 # عن قبول الذكر وجفا عنه. ونظيره : سقاه من العيمة. أى : من أجل عطشه. ~~وسقاه عن العيمة ، إذا أرواه حتى أبعده عن العطش» (1). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة ببيان مآل هؤلاء الذين قست قلوبهم فقال : ( ~~@QUR@04 أولئك في ضلال مبين ). # أى : أولئك المتصفون بتلك الصفات الذميمة في ضلال واضح عن الصراط ~~المستقيم. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@028 فمن يرد الله أن يهديه يشرح ~~صدره للإسلام ، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء ~~، كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ) (2). # ثم مدح سبحانه كتابه مدحا يليق به ، وبين حال المؤمنين الصادقين عند ~~سماعه ، وسلى نبيه صلى الله عليه وسلم عما أصابه من أعدائه. فقال تعالى : # ( @QUR@034 الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود ~~الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي ~~به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد (23) @QUR@013 أفمن يتقي بوجهه سوء ~~العذاب يوم القيامة وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون (24) @QUR@010 كذب ~~الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (25) @QUR@012 فأذاقهم الله ~~الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ) (26) PageV12P213 # وقوله تعالى : «مثاني» جمع مثنى من التثنية بمعنى التكرار والإعادة ولذا ~~سميت سورة الفاتحة بالسبع المثاني ، لأنها تكرر وتعاد مع كل صلاة. # أى : الله تعالى نزل بفضله ورحمته عليك يا محمد أحسن الحديث «كتابا ~~متشابها» أى : يشبه بعضه بعضا في فصاحته وبلاغته ، وفي نظمه وإعجازه ، وفي ~~صحة معانيه وأحكامه ، وفي صدقه وهداياته وإرشاداته إلى ما يسعد الناس في ~~دنياهم وآخرتهم ... # «مثاني» أى : تثنى وتكرر فيه القصص والمواعظ ، والأمثال والأحكام والوعد ~~والوعيد ، كما تثنى وتكرر قراءته فلا تمل على كثرة ms4898 الترداد ، وإنما يزداد ~~المؤمنون حبا وتعلقا بتلاوته كلما أكثروا من هذه التلاوة. # وسمى سبحانه كتابه حديثا ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحدث به قومه ، ~~ويخبرهم بما كان ينزل عليه منه. فلفظ الحديث هنا بمعنى المحدث به لا بمعنى ~~كونه مقابلا للقديم. # ولفظ «كتابا» بدل من قوله ( @QUR@02 أحسن الحديث ). وقوله : ( @QUR@02 ~~متشابها مثاني ) صفتان للكتاب. # ووصف بهما وهو مفرد وكلمة «مثاني» جمع ، باعتبار اشتماله على الكثير من ~~السور والآيات والقصص والمواعظ والأحكام .. # أى : الله تعالى أنزل أحسن الحديث كتابا مشتملا على السور والآيات ~~والمواعظ .. التي يشبه بعضها في الإعجاز ... والتي تثنى وتكرر فلا تمل على ~~كثرة التكرار. # ورحم الله صاحب الكشاف فقد أجاد عند تفسيره لهذه الآية فقال ما ملخصه : ~~«وإيقاع اسم الله مبتدأ ، وبناء «نزل» عليه ، فيه تفخيم لأحسن الحديث ورفع ~~منه ، واستشهاد على حسنه ، وتأكيد لاستناده إلى الله ، وأنه من عنده ، وأن ~~مثله لا يجوز أن يصدر إلا عنه ، وتنبيه على أنه وحى معجز مباين لسائر ~~الأحاديث. # فإن قلت : كيف وصف الواحد بالجمع؟ قلت : إنما صح ذلك لأن الكتاب جملة ذات ~~تفاصيل ، وتفاصيل الشيء هي جملته لا غير ، ألا تراك تقول : القرآن سور ~~وآيات ... كما تقول الإنسان عظام وعروق ، فإن قلت : ما فائدة التثنية ~~والتكرير؟ قلت : النفوس أنفر شيء عن حديث الوعظ والنصيحة ، فما لم يكرر ~~عليها عودا عن بدء لم يرسخ فيها ، ولم يعمل عمله ، ومن ثم كانت عادة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يكرر عليهم ما كان يعظ به وينصح ثلاث مرات ، ~~ليركزه في قلوبهم ، كي يغرسه في صدورهم ... (1). PageV12P214 # وقوله تعالى : ( @QUR@013 تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ، ثم تلين ~~جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ... ). # استئناف مسوق لبيان آثار هذا القرآن الكريم في نفوس قارئيه وسامعيه بعد ~~بيان أوصافه في ذاته. # وقوله «تقشعر» من الاقشعرار ، وهو الانقباض الشديد للبدن. يقال : اقشعر ~~جسد فلان ، إذا انقبض جلده واهتز ... وهو هنا كناية عن الخوف الشديد من ~~الله تعالى . # أى : أن هذا الكتاب العظيم عند ما يقرؤه أو ms4899 يسمعه المؤمنون الصادقون ~~الذين يخشون ربهم تقشعر جلودهم من شدة ما اشتمل عليه من زواجر ونذر. ثم ~~تلين جلودهم وقلوبهم إذا ما قرءوا أو استمعوا إلى آيات الرحمة والمغفرة. # قال الجمل : «فإن قلت : لم ذكرت الجلود وحدها أولا ثم قرنت القلوب بها ~~ثانيا؟. # قلت : ذكر الخشية التي تحملها القلوب مستلزم لذكر القلوب ، فكأنه قيل : ~~تقشعر جلودهم وتخشى قلوبهم في أول الأمر ، فإذا ذكروا الله تعالى وذكروا ~~رحمته وسعتها ، استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم ، وبالقشعريرة لينا في ~~جلودهم .. (1). # والخلاصة أن من صفات هؤلاء المؤمنين الصادقين ، أنهم يجمعون عند قراءتهم ~~أو سماعهم للقرآن الكريم بين الخوف والرجاء ، الخوف من عذاب الله تعالى ~~والرجاء في رحمته ومغفرته ، إذ أن اقشعرار الجلود كناية عن الخوف الشديد ، ~~ولين الجلود والقلوب كناية عن السرور والارتياح ، وعدى الفعل «تلين» بإلى ~~لتضمينه معنى تسكن وتطمئن. # ومفعول «ذكر الله» محذوف للعلم به ، أى : ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر ~~الله رحمته وثوابه وجنته. # قال ابن كثير ما ملخصه : هؤلاء المؤمنون يخالفون غيرهم من وجوه : # أحدها : أن سماع هؤلاء تلاوة الآيات ، وسماع أولئك نغمات الأبيات. # الثاني : أنهم إذا تليت عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا ، بأدب وخشية ~~ورجاء ومحبة وفهم وعلم ، ولم يكونوا كغيرهم متشاغلين لاهين عنها. # الثالث : أنهم يلزمون الأدب عند سماعها ... ولم يكونوا يتصارخون ويتكلفون ~~ما ليس فيهم. PageV12P215 # قال قتادة عند قراءته لهذه الآية : هذا نعت أولياء الله ، نعتهم الله ~~بأنهم تقشعر جلودهم وتبكى أعينهم ، وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله ، ولم ~~ينعتهم بذهاب عقولهم ، والغشيان عليهم ، إنما هذا في أهل البدع. وهذا من ~~الشيطان ... (1). # واسم الإشارة في قوله تعالى : ( @QUR@014 ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ~~ومن يضلل الله فما له من هاد ) يعود إلى الكتاب الذي مرت أوصافه ، وأوصاف ~~القارئين له والمستمعين إليه. # أى : ذلك الكتاب العظيم المشتمل على أحسن الإرشادات وأحكمها ، هدى الله ~~الذي يهدى بسببه من يشاء من عباده إلى الصراط المستقيم ، ومن يضلله سبحانه ~~عن طريق الحق ، فما له من هاد يهديه إلى هذا ms4900 الطريق القويم. # ثم نفى سبحانه المساواة بين هؤلاء الذين يخشون ربهم ، وبين غيرهم ممن قست ~~قلوبهم ، وانحرفت نفوسهم عن الحق ، فقال تعالى : ( @QUR@013 أفمن يتقي ~~بوجهه سوء العذاب يوم القيامة ، وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون ). # والاستفهام : للنفي والإنكار ، و «من» اسم موصول مبتدأ ، والخبر محذوف أى ~~: أفمن كان يوم القيامة مصيره إلى النار المحرقة التي يتقيها ويحاول درأها ~~عن نفسه بوجهه الذي هو أشرف أعضائه ، كمن يأتى يوم القيامة آمنا مطمئنا ~~بعيدا عن النار وسعيرها؟. # وفي الآية الكريمة ما فيها من تهويل عذاب يوم القيامة ، إذ جرت عادة ~~الإنسان أن يتقى الآلام بيديه وجوارحه ، فإذا ما اتقاها بوجهه الذي هو أشرف ~~أعضائه ، كان ذلك دليلا على أن ما نزل به في نهاية الفظاعة والشدة. # وفي قوله تعالى : ( @QUR@02 سوء العذاب ) مبالغة أخرى ، إذ نفس العذاب ~~سوء ، فإذا ما وصف بعد ذلك بالسوء ، كان أشد في الفظاعة والإهانة والألم. # وجملة : «وقيل للظالمين ...» عطف على «يتقى ...» أى : هذا هو مصير ~~الظالمين ، إنهم يتقون النار بوجوههم التي هي أشرف أعضائهم ، وهذا الاتقاء ~~لن يفيدهم شيئا ، بل ستغشاهم النار بلهبها ، ويقال لهم : ذوقوا العذاب ~~الأليم بسبب ما كنتم تكسبون في الدنيا من أقوال باطلة ، وأفعال قبيحة. # ( @QUR@04 كذب الذين من قبلهم ) من أمم الكفر والضلال ( @QUR@02 فأتاهم ~~العذاب ) المقدر لكل أمة من أمم الكفر. PageV12P216 # ( @QUR@04 من حيث لا يشعرون ) أى : من الجهة التي لا تخطر لهم على بال ، ~~أن العذاب يأتيهم منها ، فيكون وقعه عليهم أشد وأفظع. # ( @QUR@06 فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ) أى : العذاب الذي يذلهم ~~ويخزيهم في الحياة الدنيا ( @QUR@02 ولعذاب الآخرة ). المعد لهم ( @QUR@01 ~~أكبر ) كيفا وكما ( @QUR@03 لو كانوا يعلمون ) أى : لو كانوا من أهل العلم ~~والفهم لما ارتكبوا ما ارتكبوا من كفر وفسوق وعصيان ، أدى بهم إلى العذاب ~~المهين. # ثم كرر سبحانه مدحه للقرآن الكريم ، بأن بين أنه مشتمل على كل مثل نافع ~~للناس ، وأنه لا لبس فيه ولا اختلاف ، وساق مثلا للمشرك الذي يعبد آلهة ~~كثيرة ، وللمؤمن الذي يعبد إلها واحدا ، وبين أن جميع الناس ms4901 سيعمهم الموت. ~~وأنهم جميعا سيرجعون إلى الله للحساب ، فقال تعالى :. # ( @QUR@011 ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون (27) ~~@QUR@07 قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون (28) @QUR@019 ضرب الله مثلا ~~رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل ~~أكثرهم لا يعلمون (29) @QUR@04 إنك ميت وإنهم ميتون (30) @QUR@07 ثم إنكم ~~يوم القيامة عند ربكم تختصمون ) (31) # واللام في قوله تعالى : ( @QUR@03 ولقد ضربنا للناس ... ) موطئة للقسم. # أى : والله لقد ضربنا وكررنا بأساليب متنوعة في هذا القرآن العظيم ، من ~~كل مثل يحتاج إليه الناس في أمورهم وشئونهم ، وينتفعون به في دنياهم ~~ودينهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 لعلهم يتذكرون ) تعليل لضرب المثل. أى فعلنا ذلك ~~في كتابنا الذي هو أحسن الحديث ، كي يتعظوا ويعتبروا ويتذكروا ما أمرناهم ~~به ، أو نهيناهم عنه. # فلعل هنا بمعنى كي التعليلية ، وهذا التعليل إنما هو بالنسبة إلى غيره ~~تعالى . PageV12P217 # وقوله سبحانه ( @QUR@05 قرآنا عربيا غير ذي عوج ... ) ثناء آخر منه تعالى ~~على كتابه الكريم. # والجملة الكريمة حال مؤكدة من قوله قبل ذلك : ( @QUR@02 هذا القرآن ... ). # أى : هذا القرآن قرآنا عربيا لا لبس فيه ولا اختلاف ولا اضطراب ولا تناقض. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@02 قرآنا عربيا ) حال مؤكدة كقولك : ~~جاءني زيد رجلا صالحا ، وإنسانا عاقلا. ويجوز أن ينتصب على المدح ( @QUR@03 ~~غير ذي عوج ) أى : مستقيما بريئا من التناقض والاختلاف. # فإن قلت : فهلا قيل مستقيما ، أو غير معوج؟ قلت : فيه فائدتان : # إحداهما : نفى أن يكون فيه عوج قط ، كما قال : ( @QUR@04 ولم يجعل له ~~عوجا ). # والثانية : أن لفظ العوج مختص بالمعاني دون الأعيان ... وقيل : المراد ~~بالعوج : الشك واللبس ، وأنشد : # وقد أتاك يقين غير ذي عوج %~% من الإله وقول غير مكذوب (1) # وقوله : ( @QUR@02 لعلهم يتقون ) علة أخرى لاشتمال القرآن على الأمثال ~~المتكررة المتنوعة. # أى : كررنا الأمثال النافعة في هذا القرآن للناس ، كي يتقوا الله تعالى ~~ويخشوا عقابه. # ثم ضرب سبحانه مثلا للعبد المشرك وللعبد المؤمن ، فقال : ( @QUR@010 ضرب ~~الله مثلا ، رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل ... ). # وقوله ( @QUR@01 مثلا ) مفعول ثان لضرب ، و ( @QUR@01 رجلا ) مفعوله ~~الأول. ms4902 وأخر عن المفعول الثاني للتشويق إليه ، وليتصل به ما هو من تتمته ، ~~وهو التمثيل لحال الكافر والمؤمن. # وقوله ( @QUR@01 متشاكسون ) من التشاكس بمعنى التنازع والتخاصم وسوء ~~الخلق ، يقال : رجل شكس وشكس بفتح الشين مع إسكان الكاف أو كسرها وفعله من ~~باب كرم إذا كان صعب الطباع ، عسر الخلق. # وقوله سلما» بفتح السين واللام مصدر وصف به على سبيل المبالغة. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : «سالما» : أى خالصا لسيده دون أن ينازعه فيه ~~منازع. والمعنى : إن مثل المشرك الذي يعبد آلهة متعددة ، كمثل عبد مملوك ~~لجماعة متشاكسين PageV12P218 # متنازعين لسوء أخلاقهم وطباعهم ، وهذا العبد موزع وممزق بينهم ، لأن ~~أحدهم يطلب منه شيئا معينا ، والثاني يطلب منه شيئا يباين ما طلبه الأول ، ~~والثالث يطلب منه ما يتناقض مع ما طلبه الأول والثاني ... وهو حائر بينهم ~~جميعا ، لا يدرى أيطيع ما أمره به الأول أم الثاني أم الثالث ...؟ لأنه لا ~~يملك أن يطيع أهواءهم المتنازعة التي تمزق أفكاره وقواه. # هذا هو مثل المشرك في حيرته وضلاله وانتكاس حاله. # أما مثل المؤمن فهو كمثل عبد مملوك لسيد واحد ، وخالص لفرد واحد ، وليس ~~لغيره من سبيل إليه ، فهو يخدم سيده بإخلاص وطاعة ، لأنه يعرف ماله وما ~~عليه ، وفي راحة تامة من الحيرة والمتاعب التي انغمس فيها ذلك العبد الذي ~~يملكه الشركاء المتشاكسون. # فالمقصود بهذين المثلين بيان ما عليه العبد المشرك من ضلال وتحير وتمزق ، ~~وما عليه العبد المؤمن من هداية واستقرار واطمئنان. # واختار سبحانه الرجل لضرب المثلين ، لأنه أتم معرفة من غيره لما يتعبه ~~ولما يريحه ولما يسعده ولما يشقيه. # قال صاحب الكشاف رحمه الله عند تفسيره لهذه الآية : واضرب يا محمد لقومك ~~مثلا وقول لهم : ما تقولون في رجل من المماليك قد اشترك فيه شركاء ، بينهم ~~اختلاف وتنازع. كل واحد منهم يدعى أنه عبده ، فهم يتجاذبونه ، ويتعاورونه ~~في مهن شتى ، وإذا عنت له حاجة تدافعوه ، فهو متحير في أمره ، قد تشعبت ~~الهموم قلبه ، وتوزعت أفكاره ، لا يدرى أيهم يرضى بخدمته ، وعلى أيهم يعتمد ~~في حاجاته. # وفي ms4903 آخر : قد سلم لمالك واحد وخلص له ، فهو معتتق لما لزمه من خدمته ، ~~معتمد عليه فيما يصلحه ، فهمه واحد ، وقلبه مجتمع ، أى هذين العبدين أحسن ~~وأجمل شأنا؟. # والمراد تمثيل حال من يثبت آلهة شتى .. ويبقى متحيرا ضائعا لا يدرى أيهم ~~يعبد ، وممن يطلب رزقه؟ فهمه شعاع بفتح الشين أى : متفرق ، وقلبه أوزاع ، ~~وحال من لم يثبت إلا إلها واحدا ، فهو قائم بما كلفه ، عارف بما أرضاه وما ~~أسخطه ، متفضل عليه في عاجله ، مؤمل للثواب في آجله ، (1). # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@03 هل يستويان مثلا ) للإنكار ~~والاستبعاد. # أى : لا يستوي الرجل الذي فيه شركاء متشاكسون ، والرجل الذي سلم لرجل آخر ، PageV12P219 # في رأى أى ناظر ، وفي عقل أى عاقل ، فالأول في حيرة من أمره ، والثاني ~~على بينة من شأنه. # وساق سبحانه هذا المعنى في صورة الاستفهام ، للإشعار بأن ذلك من الجلاء ~~والوضوح بحيث لا يخفى على كل ذي عقل سليم. # وانتصب لفظ «مثلا» على التمييز المحول عن الفاعل ، لأن الأصل هل يستوي ~~مثلهما وحالهما؟. # وجملة ( @QUR@02 الحمد لله ) تقرير وتأكيد لما قبلها من نفى الاستواء ~~واستبعاده ، وتصريح بأن ما عليه المؤمنون من إخلاص في العبودية لله تعالى ~~يستحق منهم كل شكر وثناء على الله عز وجل حيث وفقهم لذلك. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 بل أكثرهم لا يعلمون ) إضراب وانتقال من بيان ~~عدم الاستواء على الوجه المذكور ، إلى بيان أن أكثر الناس وهم المشركون لا ~~يعلمون هذه الحقيقة مع ظهورها ووضوحها لكل ذي عينين يبصرهما ، وعقل يعقل به. # ثم أخبر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن الموت سينزل به كما سينزل ~~بأعدائه الذين يتربصون به ريب المنون ، ولكن في الوقت الذي يشاؤه الله ~~تعالى فقال : ( @QUR@04 إنك ميت وإنهم ميتون ). # أى : إنك أيها الرسول الكريم سيلحقك الموت ، كما أنه سيلحق هؤلاء ~~المشركين لا محالة ، وما دام الأمر كذلك فأى موجب لتعجل الموت الذي يعم ~~الخلق جميعا. # وجاء الحديث عن حلول الموت به صلى الله عليه وسلم وبأعدائه ، بأسلوب التأكيد ~~، للإيذان بأنه لا معنى لاستبطائهم لموته صلى الله ms4904 عليه وسلم ولا للشماتة به ~~صلى الله عليه وسلم إذا ما نزل به الموت ، إذ لا يشمت الفاني في الفاني مثله. # ثم بين سبحانه ما يكون بينه وبينهم يوم القيامة فقال ؛ ( @QUR@07 ثم إنكم ~~يوم القيامة عند ربكم تختصمون ). # أى : ثم إنكم جميعا يوم القيامة عند ربكم وخالقكم تختصمون وتحتكمون ، ~~فتقيم عليهم أيها الرسول الكريم الحجة ، بأنك قد بلغت الرسالة ، وهم ~~يعتذرون بالأباطيل والتعليلات الكاذبة ، والأقوال الفاسدة ، وسينتقم ربك من ~~الظالم للمظلوم ، ومن المبطل للمحق. # هذا ، وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ، جملة من الأحاديث ~~والآثار فقال PageV12P220 # ما ملخصه : ثم إن هذه الآية وإن كان سياقها في المؤمنين والكافرين ، وذكر ~~الخصومة بينهم في الدار الآخرة فإنها شاملة لكل متنازعين في الدنيا ، فإنه ~~تعاد عليهم الخصومة في الدار الآخرة. # روى ابن أبى حاتم عن الزبير بن العوام رضى الله عنه قال : لما نزلت هذه ~~الآية قلت : يا رسول الله أتكرر علينا الخصومة؟ قال : نعم. قلت : إن الأمر ~~إذا لشديد. # وروى الإمام أحمد عن أبى سعيد الخدري قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ؛ «والذي نفسي بيده إنه ليختصم حتى الشاتان فيما انتطحتا». # وقال ابن عباس : يخاصم الصادق الكاذب ، والمظلوم الظالم ، والمهدى الضال ~~، والضعيف المستكبر (1). # ثم بين سبحانه أنه لا أحد أشد ظلما ممن كذب على الله تعالى وكذب بالصدق ~~إذ جاءه ، وأن من صفات المتقين أنهم يؤمنون بالحق ، ويدافعون عنه ، وأنه ~~سبحانه سيكفر عنهم سيئاتهم ... فقال تعالى :. # ( @QUR@015 فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم ~~مثوى للكافرين (32) @QUR@08 والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون ~~(33) @QUR@08 لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك جزاء المحسنين (34) @QUR@012 ليكفر ~~الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون (35) ~~@QUR@010 أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل PageV12P221 # @QUR@05 الله فما له من هاد (36) @QUR@012 ومن يهد الله فما له من مضل ~~أليس الله بعزيز ذي انتقام (37)) (2) # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@06 فمن أظلم ممن كذب على الله ... ) ~~لترتيب ms4905 ما بعدها على ما قبلها ، والاستفهام للإنكار والنفي. # أى مادام الأمر كما ذكرنا لك أيها الرسول الكريم من أنك ستموت وهم ~~سيموتون ، وأنكم جميعا ستقفون أمام ربكم للحساب والجزاء .. فلا أحد أشد ~~ظلما من هؤلاء المشركين الذين كذبوا على الله ، بأن عبدوا من دونه آلهة ~~أخرى ، ونسبوا إليه الشريك أو الولد ، ولم يكتفوا بكل ذلك ، بل كذبوا ~~بالأمر الصدق وقت أن جئتهم به من عند ربك. # والتعبير بقوله : ( @QUR@04 وكذب بالصدق إذ جاءه ) يدل على أنهم بادروا ~~بتكذيب ما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند ربه ، بمجرد أن سمعوه ، ~~ودون أن يتدبروه أو يفكروا فيه. # وتكذيبهم بالصدق ، يشمل تكذيبهم للقرآن الكريم ، ولكل ما جاءهم به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم والاستفهام في قوله تعالى ( @QUR@05 أليس في جهنم مثوى ~~للكافرين ) للتقرير. # والمثوى : المكان مأخوذ من قولهم ثوى فلان بمكان كذا ، إذا أقام به. يقال ~~: ثوى يثوى ثواء ، كمضى يمضى مضاء ... # أى : أليس في جهنم مكانا يكفى لإهانة الكافرين وإذلالهم وتعذيبهم؟ بل إن ~~فيها لمكانا يذلهم ويذوقون فيه سوء العذاب. # ثم بين سبحانه حسن عاقبة أهل الصدق والإيمان فقال : ( @QUR@08 والذي جاء ~~بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون ). # والمراد بالذي جاء بالصدق : رسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد بالذي صدق ~~به : ما يشمل الرسول صلى الله عليه وسلم ويشمل كل من آمن به واتبعه فيما جاء ~~به ، كأبى بكر الصديق وغيره من الصحابة. # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@05 والذي جاء بالصدق وصدق به ~~) الموصول عبارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخرجه ابن جرير وغيره عن ~~ابن عباس ... والمؤمنون داخلون بدلالة السياق وحكم التبعية ، دخول الجند في ~~قولك : نزل الأمير موضع كذا ... PageV12P222 # والجمع في قوله تعالى : ( @QUR@03 أولئك هم المتقون ) باعتبار دخول ~~الأتباع تباعا : ومراتب التقوى متفاوتة ، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أعلاها ... (1). # ثم بين سبحانه ما أعده لهؤلاء المتقين من نعيم فقال ( @QUR@05 لهم ما ~~يشاؤن عند ربهم ... ). # أى : لهؤلاء المتقين كل ما يشاءونه عند ربهم ومالك ms4906 أمرهم ، بسبب تصديقهم ~~للحق ، واتباعهم لما جاءهم به رسولهم صلى الله عليه وسلم . # وفي قوله : «عند ربهم» تكريم وتشريف لهم. # وقوله : ( @QUR@03 ذلك جزاء المحسنين ) أى : ذلك الذي ذكرناه من حصولهم ~~على ما يشتهونه ، جزاء من أحسنوا في أقوالهم وأفعالهم. # ثم بين سبحانه جانبا من مظاهر تكريمه لهم ، ورحمته بهم فقال : ( @QUR@012 ~~ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ، ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون ). # واللام في قوله : «ليكفر ...» متعلقة بمحذوف ، أى : أعطاهم سبحانه ما ~~أعطاهم من فضله ورحمته ليكفر عنهم أسوأ الذنوب التي عملوها ، كالكفر قبل ~~الإسلام ، بأن يغفر لهم ذلك ولا يؤاخذهم عليه. # وإذا غفر الله تعالى لهؤلاء المتقين أسوأ أعمالهم ، غفر لهم بفضله ورحمته ~~ما هو دونه بالطريق الأولى. # «ويجزيهم أجرهم» أى : ويعطيهم ثواب أعمالهم «بأحسن الذي كانوا يعملون» أى ~~: يعطيهم في مقابل عملهم الصالح في الدنيا جنات فيها ما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر. # وعلى هذا التفسير يكون قوله تعالى : أسوأ وأحسن ، أفعل تفضيل حيث كفر ~~سبحانه عنهم أسوأ أعمالهم ، وكافأهم على أعمالهم بما هو أحسن منها وهو الجنة. # وهذا منتهى الفضل والإحسان من الله تعالى لعباده المتقين ، حيث عاملهم ~~بالفضل ولم يعاملهم بالعدل. # ومنهم من يرى أن قوله : أسوأ وأحسن ، بمعنى السيئ والحسن ، فيكون أفعل ~~التفضيل ليس على بابه ، وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : ما معنى ~~إضافة الأسوأ والأحسن إلى الذي عملوا؟ وما معنى التفضيل فيهما؟. PageV12P223 # قلت : أما الإضافة فما هي من إضافة أفعل إلى الجملة التي يفضل عليها ، ~~ولكن من إضافة الشيء إلى ما هو بعضه من غير تفضيل. كقولك : الأشج أعدل بنى مروان. # وأما التفضيل فإيذان بأن السيئ الذي يفرط منهم من الصغائر والزلات ~~المكفرة ، هو عندهم الأسوأ لاستعظامهم المعصية ، والحسن الذي يعملونه هو ~~عند الله الأحسن ؛ لحسن إخلاصهم فيه ، فلذلك ذكر سيئهم بالأسوإ ، وحسنهم ~~بالأحسن» (1). # ثم بين سبحانه عصمته لنبيه صلى الله عليه وسلم بأبلغ وجه وأتمه فقال ( ~~@QUR@08 أليس الله بكاف عبده ، ويخوفونك بالذين من دونه ). # وقراءة ms4907 الجمهور : ( @QUR@01 عبده ) بالإفراد وقرأ حمزة والكسائي : عباده ~~، والاستفهام للتقرير. # قال القرطبي : وذلك أنهم خوفوا النبي صلى الله عليه وسلم مضرة الأوثان ~~فقالوا له : أتسب آلهتنا لئن لم تنته عن ذكرها لتصيبنك بالسوء. # وقال قتادة : مشى خالد بن الوليد إلى العزى ليكسرها بالفأس ، فقال له ~~سادنها : أحذرك منها يا خالد ، فإن لها شدة لا يقوم لها شيء. فعمد خالد إلى ~~العزى فهشم أنفها حتى كسرها ، وتخويفهم لخالد تخويف للنبي صلى الله عليه وسلم ~~لأنه هو الذي أرسله. ويدخل في الآية تخويفهم النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة ~~جمعهم وقوتهم ..» (2). # والمعنى : أليس الله تعالى بكاف عبده محمدا صلى الله عليه وسلم من كل سوء؟ ~~وكاف عباده المؤمنين الصادقين من أعدائهم؟ بلى إنه سبحانه لعاصم نبيه ~~صلى الله عليه وسلم من أعدائه ، ولناصر عباده المتقين على من ناوأهم. # والحال أن هؤلاء المشركين يخوفونك أيها الرسول الكريم من أصنامهم التي ~~يعبدونها من دونه تعالى ، مع أن هذه الآلهة الباطلة أتفه من أن تدافع عن ~~نفسها فضلا عن غيرها. # ( @QUR@03 ومن يضلل الله ) أى : من يضلله الله تعالى ( @QUR@04 فما له من ~~هاد ) يهديه إلى الصراط المستقيم. # ( @QUR@03 ومن يهد الله ) أى : ومن يهده الله تعالى إلى طريق الحق ~~والصواب. # ( @QUR@04 فما له من مضل ) أى : فما له من أحد كائنا من كان يستطيع ~~إضلاله. PageV12P224 # ( @QUR@05 أليس الله بعزيز ذي انتقام ) بلى إنه سبحانه لعزيز إذ لا يغلبه ~~غالب ، ولا يمانعه مانع ، ولا ينازعه منازع. ولذو انتقام شديد من أعدائه ، ~~ولا يستطيع أحد أن يمنع انتقامه منهم. # ثم حكى سبحانه ما كان عليه هؤلاء المشركون من تناقض بين أقوالهم ~~وأفعالهم. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يهددهم بسوء المصير إذا ما ~~استمروا على كفرهم ... فقال تعالى # ( @QUR@036 ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ~~ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة ~~هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون (38) @QUR@010 قل يا ~~قوم اعملوا على مكانتكم إني ms4908 عامل فسوف تعلمون (39) @QUR@08 من يأتيه عذاب ~~يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (40) @QUR@018 إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس ~~بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنت عليهم بوكيل (41) ~~@QUR@026 الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي ~~قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ~~(42) @QUR@014 أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ~~ولا يعقلون (43) PageV12P225 # @QUR@011 قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون ) (44) # والمعنى : ولئن سألت أيها الرسول الكريم هؤلاء المشركين : من الذي خلق ~~هذه السموات التي ترونها بأعينكم ، وخلق هذه الأرض التي فوقها تعيشون ... # لئن سألتهم هذا السؤال ، لا يملكون في الإجابة عليه إلا أن يقولوا : ~~خلقهم الله ، فلفظ الله فاعل لفعل محذوف. # وقولهم هذا دليل واضح على تناقضهم مع أنفسهم. لأنهم يعترفون بأن الخالق ~~هو الله ، ولكنهم يشركون معه في العبادة آلهة أخرى لا تنفع ولا تضر .. # ولذا أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم مبكتا وموبخا : ( ~~@QUR@022 قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله ، إن أرادني الله بضر هل هن ~~كاشفات ضره. أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته )؟. # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الجاهلين : إذا كان الأمر كما ذكرتم ~~من أن الخالق لهذا الكون هو الله ، فأخبرونى عن هذه الآلهة التي تعبدونها ~~من دونه سبحانه : أتستطيع أن تدفع ضرا أراده الله تعالى بي؟ أم تستطيع أن ~~تمنع رحمة أو خيرا أعطاه الله لي؟ كلا إنها لا تستطيع شيئا من ذلك ، ~~وعبادتكم لها إنما هي نوع من السفه والحماقة. # وقال سبحانه : ( @QUR@02 هل هن .. ) بالتأنيث على سبيل التحقير لتلك ~~الآلهة المزعومة ، ولأنهم كانوا يسمونها بأسماء الإناث ، كاللات ، والعزى ، ~~ومناة. إلخ. # وقدم الضر لأن دفعه أهم ، وعلق سبحانه إرادة الضر والرحمة بذاته ~~صلى الله عليه وسلم فقال : ( @QUR@04 إن أرادني الله بضر ... ) ليرد عليهم ردا ~~يخرس ألسنتهم ، حيث خوفوه صلى الله عليه وسلم منها وزعموا أنه لو استمر في ms4909 ~~تحقيرها فإنها ستؤذيه. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم فرض المسألة في نفسه دونهم؟ قلت : لأنهم ~~خوفوه مضرة الأوثان وتخبيلها ، فأمر بأن يقررهم أولا بأن خالق العالم هو ~~الله وحده ، ثم يقول لهم بعد التقرير : فإذا أرادنى خالق العالم الذي ~~أقررتم به بضر من مرض أو فقر أو غير ذلك من النوازل ، أو برحمة من صحة أو ~~غنى أو نحوهما. هل هؤلاء اللائي خوفتمونى إياهن كاشفات عنى ضره ، أو ممسكات ~~رحمته ، حتى إذا ألقمهم الحجر وقطعهم ، حتى لا يحيروا ببنت شفة قال : ( ~~@QUR@02 حسبي الله ) كافيا لمضرة أوثانكم ( @QUR@03 عليه يتوكل المتوكلون ) ~~وفيه تهكم. PageV12P226 # ويروى أنه صلى الله عليه وسلم سألهم فسكتوا ، فنزل : ( @QUR@03 قل حسبي الله ~~... ) (1). # أى : قل أيها الرسول الكريم في الرد عليهم وفي السخرية من آلهتهم : الله ~~تعالى الخالق لكل شيء ، كافينى في جميع أمورى ، وعاصمنى من كيدكم وكيد من ~~تتوهمون كيده ، وعليه وحده لا على غيره يتوكل المتوكلون ، لعلمهم أن كل ما ~~سواه تحت ملكوته وقدرته. # ثم أمره سبحانه مرة أخرى أن يتحداهم وأن يتهددهم فقال : ( @QUR@06 قل يا ~~قوم اعملوا على مكانتكم ). أى : وقل لهم للمرة الثالثة : اعملوا ما شئتم ~~عمله من العداوة لي ، والتهديد بآلهتكم. # والمكانة مصدر مكن ككرم ، يقال : مكن فلان من الشيء مكانة ، إذا تمكن منه ~~أبلغ تمكن. # أى : اعملوا ما في إمكانكم عمله معى. والأمر للتهديد والوعيد. # ( @QUR@02 إني عامل ) أى : إنى سأقابل عملكم السيئ بعمل أحسن من جانبي ، ~~وهو الدعوة إلى وحدانية الله ، وإلى مكارم الأخلاق. # ( @QUR@02 فسوف تعلمون ) من منا الذي ينجح في عمله ، ومن منا يأتيه عذاب ~~يخزيه ويفضحه ويهينه في الدنيا ، ومن منا الذي يحل عليه عذاب مقيم في ~~الآخرة. فالمراد بالعذاب المخزى عذاب الدنيا ، والمراد بالعذاب المقيم عذاب ~~الآخرة. # ولقد تحقق ما توعدهم سبحانه به ، حيث أنزل عليهم عقابه في بدر وفي غيرها ~~فأخزاهم وهزمهم ، أما عذاب الآخرة فهو أشد وأبقى. # ثم أخذت السورة الكريمة في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم ~~، فقال تعالى : ( @QUR@06 إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس ms4910 بالحق ... ). # أى : إنا أنزلنا عليك أيها الرسول الكريم القرآن لأجل منفعة الناس ~~ومصلحتهم ، وقد أنزلناه متلبسا بالحق الذي لا يحوم حوله باطل. # ( @QUR@02 فمن اهتدى ) إلى الصراط المستقيم ، وإلى الحق المبين فهدايته ~~تعود إلى نفسه ( @QUR@02 ومن ضل ) عن الطريق المستقيم ، فإثم ضلاله. إنما ~~يعود على نفسه وحدها. # ( @QUR@03 وما أنت عليهم ) يا محمد ( @QUR@01 بوكيل ) أى : بمكلف ~~بهدايتهم ، وبإجبارهم على اتباعك ، وإنما أنت عليك البلاغ ، ونحن علينا ~~الحساب. PageV12P227 # ثم ساق سبحانه ما يدل على كمال قدرته ، ونفاذ مشيئته فقال تعالى : ( ~~@QUR@05 الله يتوفى الأنفس حين موتها ... ) # أى : الله بقدرته وحدها يقبض أرواح مخلوقاته حين انتهاء آجالها بأن يقطع ~~تعلقها بالأجسام قطعا كليا ، ويسلب هذه الأجسام والأبدان ما به قوام حياتها ~~، بأن تصير أجساما هامدة لا إدراك لها. ولا حركة فيها. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 والتي لم تمت في منامها ) معطوف على الأنفس ، أى ~~: يسلب الحياة عن الأنفس التي انتهى أجلها سلبا ظاهرا وباطنا ، ويسلب ~~الحياة عنها سلبا ظاهرا فقط في حال نومها. إذ أنها في حالة النوم تشبه ~~الموتى من حيث عدم التمييز والتصرف. # فالآية الكريمة تشير إلى أن التوفي للأنفس أعم من الموت ، إذ أن هناك ~~وفاتين. وفاة كبرى وتكون عن طريق الموت ، ووفاة صغرى وتكون عن طريق النوم. ~~كما قال تعالى ( @QUR@04 وهو الذي يتوفاكم بالليل .. ) أى : يجعلكم تنامون ~~فيه نوما يشبه الموت في انقطاع الإدراك والإحساس .. # وقوله تعالى : ( @QUR@010 فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى ~~أجل مسمى ) بيان لحالة الأنفس التي انتهى أجلها ، والتي لم ينته أجلها بعد. # أى : الله تعالى وحده هو الذي يتوفى الأنفس حين الموت ، وحين النوم ، أما ~~الأنفس التي انتهى أجلها فيمسك سبحانه أرواحها إمساكا تاما بحيث لا تعود ~~إلى أبدانها مرة أخرى ، وأما التي لم يحن وقت موتها ، فإن الله تعالى ~~يعيدها إلى أبدانها عند اليقظة من نومها ، وتستمر على هذه الحالة إلى أجل ~~مسمى في علمه تعالى فإذا ما انتهى أجلها الذي حدده سبحانه لها ، خرجت تلك ~~الأرواح من أبدانها خروجا تاما ، كما هو الشأن في الحالة ms4911 الأولى. # ولا شك أن الله تعالى الذي قدر على ذلك ، قادر أيضا على إعادة الأرواح ~~إلى أجسادها عند البعث والنشور يوم القيامة. # فالآية الكريمة مسوقة لبيان كمال قدرة الله تعالى ولبيان أن البعث حق ، ~~وأنه يسير على قدرة الله التي لا يعجزها شيء. # ولا منافاة بين هذه الآية التي صرحت بأن الله تعالى هو الذي يتوفى الأنفس ~~عند موتها ، وبين قوله تعالى : ( @QUR@04 قل يتوفاكم ملك الموت .. ) وقوله ~~تعالى ( @QUR@07 حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا ... ) لأن المتوفى في ~~الحقيقة هو الله تعالى وملك الموت PageV12P228 # إنما يقبض الأرواح بإذنه سبحانه ولملك الموت أعوان وجنود من الملائكة ~~ينتزعون الأرواح بأمره المستمد من أمر الله عز وجل . # قال القرطبي : «فإذا يقبض الله الروح في حالين : في حالة النوم وحالة ~~الموت ، فما قبضه في حال النوم فمعناه أنه يغمره بما يحبسه عن التصرف فكأنه ~~شيء مقبوض. وما يقبضه في حال الموت فهو يمسكه ولا يرسله إلى يوم القيامة. # وفي الآية تنبيه على عظيم قدرته ، وانفراده بالألوهية ، وأنه يفعل ما ~~يشاء ويحيى ويميت ، ولا يقدر على ذلك سواه. (1). # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@06 إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) يعود ~~إلى المذكور من التوفي والإمساك والإرسال. # أى : إن في ذلك الذي ذكرناه لكم من قدرتنا على توفى الأنفس وإمساكها ~~وإرسالها ، لآيات بينات على وحدانيتنا وقدرتنا ، لقوم يحسنون التأمل ~~والتفكير والتدبر ، فيما أرشدناهم إليه وأخبرناهم به. # ثم نعى سبحانه على الكفار غفلتهم وعدم تفكرهم فقال : ( @QUR@014 أم ~~اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون ). # و «أم» هنا بمعنى بل والهمزة ، والاستفهام للإنكار ، والمراد بالشفعاء تلك ~~الأصنام التي زعموا أنها ستشفع لهم يوم القيامة. # والمعنى : لقد ترك هؤلاء المشركون التفكر والتدبر في دلائل وحدانيته ~~وقدرته سبحانه ولم يلتفتوا إلى ما ينفعهم ، بل اتخذوا الأصنام آلهة لينالوا ~~بواسطتها الشفاعة عند الله. # قل لهم أيها الرسول الكريم مرشدا ومنبها : أتفعلون ذلك ولو كانت هذه ~~الآلهة لا تملك شيئا من أمرها ، ولا تعقل شيئا مما يتوجهون ms4912 به إليها؟ # ثم أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم أن الله تعالى هو مالك ~~الشفاعة كلها ، وأنه لن يستطيع أحد أن يشفع إلا بإذنه ، فقال : ( @QUR@04 ~~قل لله الشفاعة جميعا .. ). # أى : قل لهم : الله تعالى هو المالك للشفاعة كلها ، وآلهتكم هذه لا تملك ~~شيئا من ذلك ، بل أنتم وآلهتكم أيها المشركون ستكونون وقودا لنار جهنم. # وهو سبحانه : ( @QUR@04 له ملك السماوات والأرض ) ملكا تاما لا تصرف لأحد ~~في شيء منهما معه ، ولا شفاعة لأحد إلا بإذنه. PageV12P229 # ( @QUR@03 ثم إليه ترجعون ) يوم القيامة فيحاسبكم على أعمالكم ، ويجازى ~~الذين أساءوا بما عملوا ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. # ثم بين سبحانه أحوال هؤلاء المشركين ، عند ما يذكر سبحانه وحده دون أن ~~تذكر معه آلهتهم ، كما بين أحوالهم السيئة يوم القيامة ، وكيف أنهم يندمون ~~ولا ينفعهم الندم ، وكيف أنهم لو ملكوا في هذا اليوم ما في الأرض جميعا ~~ومثله معه ، لقدموه فداء لأنفسهم من أهوال عذاب يوم القيامة .. فقال تعالى : # ( @QUR@018 وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ~~ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون (45) @QUR@017 قل اللهم فاطر السماوات ~~والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون ~~(46) @QUR@025 ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به ~~من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون (47) ~~@QUR@011 وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (48) ~~@QUR@022 فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته ~~على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون (49) @QUR@011 قد قالها الذين من ~~قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (50) @QUR@012 فأصابهم سيئات ما كسبوا ~~والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا PageV12P230 # @QUR@03 وما هم بمعجزين (51) @QUR@015 أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق ~~لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ) (52) # وقوله تعالى : ( @QUR@01 اشمأزت .. ) أى : نفرت وانقبضت وذعرت ، مأخوذ من ~~الشمز ، وهو نفور النفس مما تكرهه. # قال الإمام الرازي : اعلم أن ms4913 هذا نوع آخر من الأعمال القبيحة للمشركين ~~وهو أنك إذا ذكرت الله وحده .. ظهرت آثار النفرة في وجوههم وقلوبهم ، وإذا ~~ذكرت الأصنام والأوثان ظهرت آثار الفرح .. وذلك يدل على الجهل والحماقة ، ~~لأن ذكر الله رأس السعادة ، وعنوان الخيرات ، وأما ذكر الأصنام فهو رأس ~~الحماقات ..» (1). # أى : إنك أيها الرسول الكريم إذا ذكرت الله تعالى وحده ، ونسبت إليه ما ~~يليق به سبحانه من وحدانيته وقدرته .. دون أن تذكر معه الأصنام اشمأزت ~~وانقبضت وذعرت نفوس هؤلاء المشركين الجهلاء ، أما إذا ذكرت آلهتهم سواء ~~أذكرت الله تعالى معها أم لم تذكره ، إذا هم يستبشرون ويبتهجون .. # والتعبير بالاشمئزاز والاستبشار ، يشعر بأنهم قد بلغوا الغاية في الأمرين ~~، فهم عند ذكر الله تعالى تمتلئ قلوبهم إلى نهايتها غما وهما وانقباضا ~~وذعرا. وعند ذكر أصنامهم تمتلئ قلوبهم إلى نهايتها أيضا بهجة وسرورا حتى ~~لتظهر آثار ذلك على بشرتهم ... # وحالهم هذا يدل على أنهم قد بلغوا الغاية أيضا في الجهالة والسفاهة ~~والغفلة .. # وهذا الذي ذكرته الآية الكريمة من اشمئزاز الكافرين عند ذكر الله تعالى ~~واستبشارهم عند ذكر غيره ، نرى ما يشبهه عند كثير من الناس .. # فكم من أناس إذا حدثتهم عن ذات الله تعالى وصفاته ، وعن سلامة دينه ~~وتشريعاته ، وعن آداب قرآنه وهداياته ، وعن كل ما يتعلق بوجوب تنفيذ أوامره ~~ونواهيه .. انقبضت نفوسهم ، واكفهرت وجوههم ، وتمنوا لو أنك تركت الحديث عن ذلك. # أما إذا سمعوا ما يتعلق بالتشريعات والنظم التي هي من صنع البشر استبشرت ~~نفوسهم ، وابتهجت أساريرهم .. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@019 وجعلنا على قلوبهم أكنة أن ~~يفقهوه وفي آذانهم وقرا ، وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ، ولوا على أدبارهم ~~نفورا ) (2). PageV12P231 # قال الآلوسى : وقد رأينا كثيرا من الناس على نحو هذه الصفة التي وصف الله ~~تعالى بها المشركين ، يهشون لذكر أموات يستغيثون بهم ويطلبون منهم ، ~~ويطربون من سماع حكايات كاذبة عنهم .. وينقبضون من ذكر الله تعالى وحده ~~ونسبة الاستقلال بالتصرف إليه عز وجل وسرد ما يدل على مزيد عظمته وجلاله. ~~وينفرون ممن يفعل ذلك كل النفرة ، وينسبونه إلى ms4914 ما يكره ..» (1). # ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يلتجئ إلى خالقه وحده من شرور ~~هؤلاء المشركين ، وأن يفوض أمره إليه ، فقال تعالى ( @QUR@017 قل اللهم ~~فاطر السماوات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك في ما ~~كانوا فيه يختلفون ). # ولفظ : ( @QUR@01 اللهم ) أصله يا الله. فلما استعمل دون حرف النداء. عوض ~~عنه بالميم المشددة التي في آخره. # ولفظ «فاطر ، وعالم» منصوبان على النداء. # أى : قل أيها الرسول الكريم على سبيل الاستعاذة والاعتزال لما عليه هؤلاء ~~المشركون من جهل وسفه ، يا الله ، يا خالق السموات والأرض ويا عالم الغائب ~~والمشاهد. والخفى والظاهر من أمور خلقك ، أنت وحدك الذي تحكم بين عبادك ~~فيما كانوا فيه يختلفون في الدنيا ، فتجازى كل نفس بما تستحقه من ثواب أو عقاب. # وما دام الأمر كذلك ، فاهدني إلى صراطك المستقيم ، وجنبني الشرك ~~والمشركين. # فالمقصود بالآية الكريمة تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما فعله المشركون ~~معه ، وإرشاده إلى ما يعصمه من كيدهم. وتعليم العباد وجوب الالتجاء إلى ~~الله تعالى وحده لدفع كيد أعدائه عنهم. # وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث ، منها ~~ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبى سلمة بن عبد الرحمن قال : سألت عائشة ~~: بأى شيء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ # قالت : كان إذا قام من الليل افتتح صلاته بقوله : «اللهم رب جبريل ~~وميكائيل وإسرافيل ، فاطر السموات والأرض. عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم ~~بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، ~~إنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم ..» (2). PageV12P232 # وقال صاحب الكشاف : «بعل بكسر العين أى : دهش وفزع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من شدة شكيمتهم في الكفر ، فقيل له : «ادع الله بأسمائه ~~الحسنى ، وقل : أنت وحدك تقدر على الحكم بيني وبينهم ، ولا حيلة لغيرك ~~فيهم». وفيه وصف لحالهم ، وإعذار لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتسلية له ، ~~ووعيد لهم .. (1). # وبعد هذه التسلية ms4915 من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بين سبحانه لهؤلاء ~~الذين إذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوبهم .. بين لهم ما لهم من سوء المصير ~~فقال : ( @QUR@017 ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه ، ~~لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة .. ). # أى : أن العذاب المعد لهؤلاء المشركين شيء رهيب ، ولو أن لهم جميع ما أعد ~~في الأرض من خيرات ، ولهم أيضا مثل ذلك منضما إليه ، لقدموه فداء لأنفسهم ، ~~أملا في النجاة من سوء العذاب الذي ينتظرهم يوم القيامة. # فالآية الكريمة وعيد لهم ليس بعده وعيد ، وتيئيس لهم من النجاة ليس بعده تيئيس. # ومن الآيات الكثيرة التي وردت في هذا المعنى قوله تعالى ( @QUR@036 إن ~~الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم ~~القيامة ، ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم. يريدون أن يخرجوا من النار وما هم ~~بخارجين منها ، ولهم عذاب مقيم ) (2). # ثم هددهم سبحانه بتهديد آخر فقال : ( @QUR@08 وبدا لهم من الله ما لم ~~يكونوا يحتسبون ). # أى : وظهر لهم يوم القيامة من ألوان العقوبات ، ومن فنون الآلام ، ما لم ~~يكونوا في الدنيا يظنون أنه سيقع بهم ، وما لم يكن واردا في حسبانهم. # قال صاحب الكشاف : وقوله تعالى ( @QUR@04 وبدا لهم من الله .. ) وعيد لهم ~~بعذاب ما دروا كنهه لفظاعته وشدته ، وهو نظير قوله تعالى في الوعد : ( ~~@QUR@09 فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين .. ). # والمعنى : وظهر من سخط الله وعذابه ، ما لم يكن قط في حسابهم ، وما لم ~~يحدثوا به أنفسهم. # وقيل : عملوا أعمالا حسبوها حسنات ، فإذا هي سيئات. # وعن سفيان الثوري أنه قرأها فقال : ويل لأهل الرياء. ويل لأهل الرياء. PageV12P233 # وجزع بعض الصالحين عند موته ، فسئل عن سبب ذلك فقال : أخشى أن يبدو لي من ~~الله ما لم أحتسبه ، ثم قرأ هذه الآية» (1). # ثم تهديد ثالث يتمثل في قوله تعالى : ( @QUR@011 وبدا لهم سيئات ما كسبوا ~~وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن ) والمراد بسيئات ما كسبوا : الأعمال السيئة ~~التي اكتسبوها في دنياهم ms4916 ، وهذا البدو والظهور يكون عند عرض صحائف أعمالهم ~~عليهم. و «ما» موصولة أو مصدرية. # أى : وظهر لهم عند عرض صحائف أعمالهم عليهم يوم القيامة ، الذي عملوه ~~واكتسبوه في الدنيا من رذائل ( @QUR@02 وحاق بهم ) أى : وأحاط ونزل بهم ~~العذاب الذي كانوا يستهزئون به في حياتهم ويتهكمون بمن كان يحذرهم منه في ~~الدنيا. # وبعد هذا التصوير الرهيب لمصير هؤلاء المشركين يوم القيامة ، عادت السورة ~~إلى بيان تناقضهم مع أنفسهم ، فهم إن سئلوا عمن خلق السموات والأرض ، قالوا ~~: إن خالقهما هو الله ، ومع ذلك يعبدون غيره وتشمئز قلوبهم عند ذكره وحده. # وهم يتقربون إلى آلهتهم بالطاعات ، ومع ذلك فهم عند نزول الشدائد بهم ، ~~ينسون تلك الآلهة ويتجهون إلى الله تعالى وحده بالدعاء. # لنستمع إلى السورة الكريمة وهي تحكى أحوالهم في السراء والضراء فتقول : ( ~~@QUR@015 فإذا مس الإنسان ضر دعانا ، ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما ~~أوتيته على علم ... ). # والمراد بالإنسان هنا هو جنس الكفار ، بدليل سياق ، الآيات وسباقها ويصح ~~أن يراد به جنس الإنسان عموما ، ويدخل فيه الكفار دخولا أوليا. # أى : فإذا أصاب الإنسان ضر ، من مرض أو فقر أو نحوهما ، دعانا قاعدا أو ~~قائما. لكي نكشف عنه ما نزل به من بلاء. # ( @QUR@05 ثم إذا خولناه نعمة منا .. ) أى : ثم إذا أجبنا لهذا الإنسان ~~دعوته وكشفنا عنه الضر وأعطيناه على سبيل التفضل والإحسان نعمة من عندنا ، ~~بأن حولنا مرضه إلى صحة ، وفقره إلى غنى. # ( @QUR@01 قال ) هذا الإنسان الظلوم الكفار ( @QUR@04 إنما أوتيته على ~~علم ) منى بوجوه المكاسب ، أو على علم منى بأن سأعطى هذه النعمة ، بسبب ~~استعدادي واجتهادي وتفوقى في مباشرة PageV12P234 # الأسباب التي توصل إلى الغنى والجاه. # وقال سبحانه : ( @QUR@01 خولناه ) لأن التخويل معناه العطاء بدون مقابل ، ~~مع تكراره مرة بعد مرة. # وجاء الضمير في قوله ( @QUR@01 أوتيته ) مذكرا مع أنه يعود إلى النعمة. ~~لأنها بمعنى الإنعام. أى : إذا خولناه شيئا من الإنعام الذي تفضلنا به عليه ~~، قال إنما أوتيته على علم وتبوغ عندي. # وقوله تعالى ( @QUR@03 بل هي فتنة ) رد لقوله ذلك ، وزجر لهذا الجاحد عما ms4917 ~~تفوه به. # أى : ليس الأمر كما زعم هذا الجاحد ، فإننا ما أعطيناه هذه النعم بسبب ~~علمه كما زعم وإنما أعطيناه ما أعطيناه على سبيل الإحسان منا عليه ، وعلى ~~سبيل الابتلاء والاختبار له ، ليتبين قوى الإيمان من ضعيفه ، وليتميز ~~الشاكر من الجاحد. # ( @QUR@04 ولكن أكثرهم لا يعلمون ) أى : ولكن أكثر الناس لا يعلمون هذه ~~الحقائق ، ولا يفطن إليها إلا من استنارت بصيرته ، وطهرت سريرته. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما السبب في عطف هذه الآية بالفاء ، وعطف ~~مثلها في أول السورة بالواو؟ قلت : السبب في ذلك أن هذه وقعت مسببة من ~~قوله. ( @QUR@010 إذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة ) ~~. على معنى أنهم يشمئزون من ذكر الله ، ويستبشرون بذكر الآلهة. فإذا مس ~~أحدهم ضر دعا من اشمأز من ذكره ، دون من استبشر بذكره ، وما بينهما من الآي ~~اعتراض .. (1). # ثم بين سبحانه المصير السيئ للجاحدين السابقين ليعتبر بهم اللاحقون فقال ~~: ( @QUR@011 قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ). # والضمير في قوله ( @QUR@01 قالها ) يعود إلى ما حكاه سبحانه عن هذا ~~الإنسان الجاحد من قوله : ( @QUR@04 إنما أوتيته على علم ). # فهذه الكلمة قد قالها قارون عند ما نصحه الناصحون ، فقد رد عليهم بقوله ( ~~@QUR@05 إنما أوتيته على علم عندي ) فكانت نهايته أن خسف الله به وبداره الأرض. # أى : قد قال هذه الكلمة الدالة على الجحود والغرور ، بعض الأقوام الذين ~~سبقوا قومك. والذين يشبهونهم في البطر والكنود ، فكانت نتيجة ذلك أن أخذهم ~~الله تعالى أخذ عزيز مقتدر ، ولم ينفعهم شيئا ما جمعوه من حطام الدنيا ، ~~وما اكتسبوه من متاعها. PageV12P235 # ( @QUR@04 فأصابهم سيئات ما كسبوا .. ) أى : فأصاب هؤلاء السابقين ، ~~العقاب الذي يستحقونه بسبب سيئاتهم التي اكتسبوها واقترفوها في دنياهم. # فالكلام على حذف مضاف. أى : فأصابهم جزاء سيئات كسبهم بأن أنزل الله ~~تعالى بهم العقوبة التي يستحقونها بسبب إصرارهم على الكفر والمعاصي. # ( @QUR@04 والذين ظلموا من هؤلاء ) أى : من هؤلاء المشركين المعاصرين لك ~~أيها الرسول الكريم . # ( @QUR@01 سيصيبهم ) أيضا سيئات ما كسبوا ، كما أصاب الذين من قبلهم. # ( @QUR@03 وما ms4918 هم بمعجزين ) أى : وما هم بفائتين أو هاربين من عذابنا. # ( @QUR@09 أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) أى : أعموا عن ~~التفكر والإبصار ، ولم يشاهدوا بأعينهم أن الله تعالى يوسع الرزق لمن يشاء ~~من عباده ، ويضيقه على من يشاء أن يضيقه عليه منهم ، إذ أن ذلك مرجعه إلى ~~مشيئته وحكمته سبحانه إذ سعة الرزق ليست دليلا على رضاه ، كما أن ضيقه ليس ~~دليلا على غضبه. # ( @QUR@03 إن في ذلك ) الذي ذكرناه ( @QUR@01 لآيات ) واضحات ( @QUR@02 ~~لقوم يؤمنون ) بالحق ويستجيبون له ، وينتفعون بالهدايات التي نسوقها لهم. # وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة ، قد صورت حال المشركين أكمل تصوير ، كما ~~بينت ما أعد لهم من عذاب مقيم ، بسبب إصرارهم على كفرهم ، وإعراضهم عن دعوة الحق. # ثم فتح سبحانه لعباده باب رحمته ، ونهاهم عن اليأس من مغفرته ، وأمرهم أن ~~يتوبوا إليه توبة صادقة نصوحا ، قبل أن يفاجئهم الموت والحساب ، فقال تعالى : # ( @QUR@021 قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ~~إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (53) @QUR@013 وأنيبوا إلى ~~ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون (54) @QUR@016 ~~واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا ~~تشعرون (55) @QUR@05 أن تقول نفس يا حسرتى PageV12P236 # @QUR@010 على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين (56) @QUR@09 أو ~~تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين (57) @QUR@012 أو تقول حين ترى ~~العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين (58) @QUR@010 بلى قد جاءتك آياتي ~~فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين ) (59) # ذكر المفسرون في سبب نزول قوله تعالى ( @QUR@07 قل يا عبادي الذين أسرفوا ~~على أنفسهم ). روايات منها : ما رواه محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن ~~أبيه عمر بن الخطاب قال : لما اجتمعنا على الهجرة. تواعدت أنا وهشام بن ~~العاص بن وائل السهمى وعياش بن أبى ربيعة بن عتبة ، فقلنا : الموعد أضاة ~~بنى غفار أى : غدير بنى غفار وقلنا : من تأخر منا فقد حبس فليمض صاحبه ~~فأصبحت أنا ms4919 وعياش بن عتبة ، وحبس عنا هشام ، وإذا به قد فتن فافتتن ، فكنا ~~نقول بالمدينة : هؤلاء قد عرفوا الله عز وجل وآمنوا برسوله صلى الله عليه وسلم ~~، ثم افتتنوا لبلاء لحقهم لا نرى لهم توبة ، وكانوا هم أيضا يقولون هذا في ~~أنفسهم. فأنزل الله عز وجل في كتابه : ( @QUR@07 قل يا عبادي الذين أسرفوا ~~على أنفسهم .. ) إلى قوله تعالى ( @QUR@05 أليس في جهنم مثوى للمتكبرين ). # قال عمر : فكتبتها بيدي ، ثم بعثتها إلى هشام. قال هشام : فلما قدمت على ~~خرجت بها إلى ذي طوى فقلت : اللهم فهمنيها ، فعرفت أنها نزلت فينا ، فرجعت ~~فجلست على بعيري فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم (1). # والأمر في قوله تعالى : ( @QUR@012 قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ~~لا تقنطوا من رحمة الله ) موجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإضافة العباد ~~إلى الله تعالى للتشريف والتكريم. # والإسراف : تجاوز الحد في كل شيء ، وأشهر ما يكون استعمالا في الإنفاق ، ~~كما في قوله تعالى : ( @QUR@012 يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا ~~واشربوا ولا تسرفوا ). PageV12P237 # والمراد بالإسراف هنا : الإسراف في اقتراف المعاصي والسيئات ، والخطاب ~~للمؤمنين المذنبين. وعدى الفعل «أسرفوا» بعلى ، لتضمنه معنى الجناية ، أى ~~جنوا على أنفسهم. # والقنوط : اليأس ، وفعله من بابى ضرب وتعب. يقال : فلان قانط من الحصول ~~على هذا الشيء ، أى يائس من ذلك ولا أمل له في تحقيق ما يريده. # والمعنى : قل أيها الرسول الكريم لعبادي المؤمنين الذين جنوا على أنفسهم ~~بارتكابهم للمعاصي ، قل لهم : لا تيأسوا من رحمة الله تعالى ومن مغفرته لكم. # وجملة «إن الله يغفر الذنوب جميعا» تعليلية. أى : لا تيأسوا من رحمة الله ~~تعالى لأنه هو الذي تفضل بمحو الذنوب جميعها. لمن يشاء من عباده المؤمنين ~~العصاة. # ( @QUR@01 إنه ) سبحانه ( @QUR@03 هو الغفور الرحيم ) أى : هو الواسع ~~المغفرة والرحمة لمن يشاء من عباده المؤمنين ، فهم إن تابوا من ذنوبهم قبل ~~سبحانه توبتهم كما وعد تفضلا منه وكرما ، وإن ماتوا دون أن يتوبوا ، فهم ~~تحت رحمته ومشيئته ، إن شاء غفر لهم ، وإن شاء عذبهم ، ثم ms4920 أدخلهم الجنة ~~بفضله وكرمه. # أما غير المؤمنين ، فإنهم إن تابوا من كفرهم ودخلوا في الإسلام ، غفر ~~سبحانه ما كان منهم قبل الإسلام لأن الإسلام يجب ما قبله. # وإن ماتوا على كفرهم فلن يغفر الله تعالى لهم ، لقوله : ( @QUR@013 إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ). # قال الإمام الشوكانى : واعلم أن هذه الآية أرجى آية في كتاب الله ، ~~لاشتمالها على أعظم بشارة ، فإنه أولا : أضاف العباد إلى نفسه لقصد تشريفهم ~~، ومزيد تبشيرهم. ثم وصفهم بالإسراف في المعاصي .. ثم عقب على ذلك بالنهى ~~عن القنوط من الرحمة .. ثم جاء بما لا يبقى بعده شك ولا يتخالج القلب عند ~~سماعه ظن فقال : ( @QUR@04 إن الله يغفر الذنوب .. ) فالألف واللام قد صيرت ~~الجمع الذي دخلت عليه للجنس الذي يستلزم استغراق أفراده ، فهو في قوة إن ~~الله يغفر كل ذنب كائنا ما كان ، إلا ما أخرجه النص القرآنى وهو الشرك. # ثم لم يكتف بما أخبر به عباده من مغفرة كل ذنب ، بل أكد ذلك بقوله ( ~~@QUR@01 جميعا ) فيا لها من بشارة ترتاح لها النفوس .. وما أحسن تعليل هذا ~~الكلام بقوله : ( @QUR@04 إنه هو الغفور الرحيم .. ) (1). # وقال الجمل في حاشيته ما ملخصه : وفي هذه الآية من أنواع المعاني والبيان ~~أشياء حسنة ، PageV12P238 # منها إقباله عليهم ، ونداؤهم ، ومنها : إضافتهم إليه إضافة تشريف ، ومنها ~~: الالتفات من التكلم إلى الغيبة ، في قوله : ( @QUR@03 من رحمة الله )، ~~ومنها : إضافة الرحمة لأجل أسمائه الحسنى ، ومنها : إعادة الظاهر بلفظه في ~~قوله : ( @QUR@03 إن الله يغفر ) ومنها : إبراز الجملة من قوله : ( @QUR@04 ~~إنه هو الغفور الرحيم ) مؤكدة بإن ، والفصل ، وبإعادة الصفتين اللتين ~~تضمنتهما الجملة السابقة. # وقال عبد الله بن مسعود وغيره : هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى (1). # وبعد أن فتح سبحانه لعباده باب رحمته فتحا واسعا كريما .. أتبع ذلك بحضهم ~~على التوبة والإنابة إليه ، حتى يزيدهم من فضله وإحسانه فقال : ( @QUR@013 ~~وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون ). # أى قل لهم أيها الرسول الكريم لا تقنطوا من رحمة الله ms4921 إن الله يغفر ~~الذنوب جميعا ، وارجعوا إليه بالتوبة والإنابة ، وأخلصوا له العبادة ، من ~~قبل أن ينزل بكم العذاب الذي لا تستطيعون دفعه ثم لا تجدون من ينجيكم منه. # فأنت ترى أن الآية الأولى بعد أن فتحت للعصاة باب رحمة الله على مصراعيه ~~، جاءت الآية الثانية فحثتهم على التوبة الصادقة النصوح ، حتى تكون رحمة ~~الله تعالى بهم أكمل وأتم وأوسع ، فإن التوبة النصوح سبب في تحويل السيئات ~~إلى حسنات. # كما قال تعالى : ( @QUR@016 إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل ~~الله سيئاتهم حسنات ، وكان الله غفورا رحيما ) (2). # ثم أمرهم باتباع أوامر القرآن الكريم ونواهيه فقال : ( @QUR@07 واتبعوا ~~أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ). # أى : واتبعوا هذا القرآن الكريم ، الذي هو أحسن ما أنزله سبحانه إليكم ، ~~بسبب ما اشتمل عليه من هدايات سامية ، ومن تشريعات حكيمة. ومن آداب قويمة. # فإن اتباع ما اشتمل عليه هذا القرآن من توجيهات. يؤدى إلى السعادة في ~~الدنيا والآخرة. # وقوله : ( @QUR@09 من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون ) متعلق ~~بالأمر بالاتباع ، وإرشاد إلى وجوب الامتثال بدون تأخير أو تسويف. PageV12P239 # أى : سارعوا إلى اتباع إرشادات وتشريعات وآداب هذا القرآن ، من قبل أن ~~ينزل بكم العذاب فجأة وبدون مقدمات ، بحيث لا تشعرون بإتيانه إلا عند نزوله. # فالآية الكريمة تقرير وتأكيد لما قبلها : من الدعوة إلى المسارعة بالتوبة ~~وبالعمل الصالح. # وقوله : ( @QUR@011 أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ) في ~~موضع المفعول لأجله بتقدير مضاف محذوف. # أى : اتبعوا ما أمرناكم به ، واحذروا ما نهيناكم عنه ، كراهة أن تقول نفس ~~يوم القيامة ( @QUR@02 يا حسرتى ) أى : يا ندامتي ( @QUR@06 على ما فرطت في ~~جنب الله ... ) أى : بسبب تفريطي وتقصيرى في طاعة الله ، وفي حقه تعالى . # وأصل الجنب والجانب : الجهة المحسوسة للشيء ، وأطلق على الطاعة على سبيل ~~المجاز ، حيث شبهت بالجهة. بجامع تعلق كل منهما أى الجانب والطاعة بصاحبه. ~~إذ الطاعة لها تعلق بالله تعالى . كما أن الجهة لها تعلق بصاحبها. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم نكرت «نفس».؟ قلت ms4922 : لأن المراد بها بعض ~~الأنفس وهي نفس الكافر. ويجوز أن يكون نفس متميزة من الأنفس : إما بلجاج في ~~الكفر شديد ، أو بعذاب عظيم ، ويجوز أن يراد التكثير ، كما قال الأعشى : # دعا قومه حولي فجاءوا لنصره %~% وناديت قوما بالمسناة غيبا ورببقيع لو هتفت بجوه %~% أتانى كريم ينفض الرأس مغضبا # وهو يريد : أفواجا من الكرام ينصرونه ، لا كريما واحدا .. (1). # وجملة : ( @QUR@04 وإن كنت لمن الساخرين ) في محل نصب على الحال. أى : ~~فرطت في جنب الله وطاعته ، والحال أنى لم أكن إلا من الساخرين بدينه ، ~~المستهزئين بأتباع هذا الدين الحق. # قال قتادة : لم يكفه أنه ضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها. # ثم ذكر سبحانه مقالة أخرى مما تقوله تلك النفس فقال : ( @QUR@06 أو تقول ~~لو أن الله هداني ) إلى طاعته واتباع دينه ( @QUR@03 لكنت من المتقين ) ~~للشرك والمعاصي ، ومن الذين صانوا أنفسهم عما يغضبه سبحانه ولا يرضيه. # ثم ذكر سبحانه مقالة ثالثة لها فقال : ( @QUR@02 أو تقول ) هذه النفس ( ~~@QUR@03 حين ترى العذاب ). في الآخرة ( @QUR@04 لو أن لي كرة ) أى رجعة ~~إلى الدنيا ( @QUR@01 فأكون ) فيها ( @QUR@01 من PageV12P240 # @QUR@01 المحسنين ) لأقوالهم وأفعالهم ، وعقائدهم ، بحيث أخلص العبادة ~~لله تعالى وأطيعه في السر والعلن. # وهكذا يصور القرآن الكريم أحوال النفوس في الآخرة ، تصويرا مؤثرا بليغا ، ~~يحمل كل عاقل على الإيمان الصالح الذي ينفعه في ذلك اليوم الهائل الشديد. # وقوله سبحانه : ( @QUR@010 بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت ~~من الكافرين ) رد منه عز وجل على هذا القائل : ( @QUR@07 لو أن الله هداني ~~لكنت من المتقين ) وتكذيب له في هذه الدعوى. # والمراد بالآيات : الحجج والبراهين الدالة على حقيقة دين الإسلام ، وعلى ~~رأسها آيات القرآن الكريم. # أى ليس الأمر كما ذكرت أيها النادم على ما فرط منه ، من أن الله لم يهدك ~~إلى الطريق القويم ، بل الحق أن الله تعالى قد أرشدك إليه عن طريق إرسال ~~رسوله ، وإنزال كتابه ، ولكنك كذبت رسوله ، واستكبرت عن سماع آيات الله وعن ~~اتباعها ، وكنت في دنياك من الكافرين بها ، الجاحدين لصدقها ، فأصابك ما ~~أصابك من عذاب في الآخرة بسبب ms4923 أعمالك القبيحة في الدنيا. # قال الشوكانى : وجاء سبحانه بخطاب المذكر في قوله : «جاءتك ، وكذبت ~~واستكبرت ، وكنت» لأن النفس تطلق على المذكر والمؤنث. قال المبرد : تقول ~~العرب. نفس واحد. أى ، إنسان واحد .. (1). # ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن أحوال الكافرين والمؤمنين يوم ~~القيامة ، وعن مظاهر قدرة الله تعالى وعن تلقين الله تعالى لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم الجواب الذي يرد به على المشركين. وعن أحوال الناس عند ~~النفخ في الصور .. قال تعالى . # ( @QUR@014 ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في ~~جهنم مثوى للمتكبرين (60) @QUR@011 وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا ~~يمسهم السوء ولا هم يحزنون (61) @QUR@01 الله PageV12P241 # @QUR@08 خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل (62) @QUR@011 له مقاليد ~~السماوات والأرض والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون (63) @QUR@07 ~~قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون (64) @QUR@014 ولقد أوحي إليك ~~وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين (65) ~~@QUR@06 بل الله فاعبد وكن من الشاكرين (66) @QUR@017 وما قدروا الله حق ~~قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه ~~وتعالى عما يشركون (67) @QUR@022 ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في ~~الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون (68) @QUR@015 ~~وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم ~~بالحق وهم لا يظلمون (69) @QUR@09 ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما ~~يفعلون ) (70) # فقوله تعالى : ( @QUR@09 ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم ~~مسودة .. ) بيان لحالة الكافرين يوم القيامة ، ولما تكون عليه هيئتهم من ~~خزي وهوان. # أى : وفي يوم القيامة إذا نظرت أيها الرسول الكريم أو أيها العاقل إلى ~~وجوه الذين كذبوا على الله ، بأن أشركوا معه في العبادة آلهة أخرى ، أو ~~جعلوا له صاحبة أو ولدا .. إذا نظرت إليها رأيتها مسودة مكفهرة بسبب ما ~~أحاط بهم من عذاب ، وما شاهدوه من أهوال. # وقوله : ( @QUR@02 وجوههم مسودة ) جملة من مبتدأ وخبر ، وهي في محل نصب ~~على الحال من PageV12P242 # الذين كذبوا .. والاستفهام في قوله : ( @QUR@05 أليس في جهنم مثوى ms4924 ~~للمتكبرين ) للتقرير. والمثوى : المكان والمقام. # يقال : ثوى فلان بالمكان وأثوى فيه ، إذا أقام به ، فهو ثاو ومنه قوله ~~تعالى : ( @QUR@06 وما كنت ثاويا في أهل مدين ). # أى : أليس في جهنم مكانا ومقرا لإهانة المتكبرين وإذلالهم ، بسبب تطاولهم ~~على غيرهم ، وتكذيبهم لآيات الله؟ بلى إن بها ما يجعلهم يذوقون العذاب ~~الأليم. # ثم بين سبحانه حال المؤمنين يوم القيامة ، بعد بيانه لحال الذين كذبوا ~~على الله ، فقال : ( @QUR@011 وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم ~~السوء ولا هم يحزنون ). # ومفازتهم : اسم مصدر. أو مصدر ميمى. من فاز فلان بكذا ، إذا ظفر به ، ~~ونال مراده منه. # أى : وينجى الله تعالى بفضله ورحمته ، ( @QUR@02 الذين اتقوا ) الشرك ~~والمعاصي من عذاب جهنم ، ( @QUR@01 بمفازتهم ) أى : بسبب فوزهم برضا الله ~~تعالى ورحمته ، جزاء إيمانهم وتقواهم ، وقرأ حمزة والكسائي بمفازاتهم ~~بالجمع. # ويصح أن تكون الباء في قوله : ( @QUR@01 بمفازتهم ) للملابسة ، والجار ~~والمجرور متعلق بمحذوف هو حال من الذين اتقوا. أى ينجيهما حالة كونهم ~~متلبسين. # وقوله : ( @QUR@06 لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون ) يجوز أن يكون تفسيرا ~~لذلك الفوز ، كأنه قيل : وما مظاهر فوزهم فكان الجواب : لا يمسهم السوء ~~الذي يصيب غيرهم من الكافرين والعصاة ، ولا هم يحزنون على شيء تركوه خلفهم ~~في الدنيا. # ويجوز أن يكون حالا من الذين اتقوا. أي : ينجيهم بسبب مفازتهم ، حال ~~كونهم لا يمسهم السوء ، أى : لا يمسهم شيء مما يكره لا في الحال ولا في ~~الاستقبال ، ولا هم يحزنون على ما كان منهم في الماضي. # فأنت ترى أن الله تعالى قد كرم المتقين تكريما عظيما ، حيث نجاهم من عذاب ~~جهنم ، وجعلهم آمنين من كل ما يغمهم في كل زمان أو مكان. # قال الإمام الرازي ما ملخصه : هذه آية جامعة ، لأن الإنسان إذا علم أنه ~~لا يمسه السوء ، كان فارغ البال بحسب الحال ، وإذا علم أنه لا يحزن كان ~~هادئ النفس عما وقع في قلبه بسبب فوات الماضي ، فحينئذ يظهر أنه سلم عن كل ~~الآفات. PageV12P243 # وقد دلت الآية على أن المؤمنين لا ينالهم الخوف والرعب في القيامة ، ~~وتأكد هذا ms4925 بقوله : ( @QUR@04 لا يحزنهم الفزع الأكبر .. ) (1). # ثم ساق سبحانه ما يدل على كمال قدرته فقال : ( @QUR@09 الله خالق كل شيء ~~وهو على كل شيء وكيل ). # أى : الله تعالى هو وحده الخالق لكل شيء في هذا الكون ، وهو سبحانه ~~المتصرف في كل شيء في هذا الوجود ، بحيث لا يخرج مخلوق عن إذنه ومشيئته. # ( @QUR@04 له مقاليد السماوات والأرض ) أى : له وحده مفاتيح خزائنهما ، ~~والمقاليد جمع مقلاد ، أو اسم جمع لا واحد له من لفظه ، مأخوذ من التقليد ~~بمعنى الإلزام. أى : أنه لا يملك أمر السموات والأرض ، ولا يتمكن من التصرف ~~فيهما غيره تعالى . # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@04 له مقاليد السماوات والأرض ): أى : ~~هو مالك أمرهما وحافظهما ؛ لأن حافظ الخزائن ومدبر أمرها ، هو الذي يملك ~~مقاليدها ، ومنه قولهم : فلان ألقيت إليه مقاليد الملك ، وهي المفاتيح ، ~~ولا واحد لها من لفظها وقيل : جمع مقليد .. والكلمة أصلها فارسية. # فإن قلت : ما للكتاب العربي المبين وللفارسية؟ # قلت : التعريب أحالها عربية ، كما أخرج الاستعمال المهمل عن كونه مهملا ، (2). # ثم بين سبحانه مصير الكافرين فقال : ( @QUR@07 والذين كفروا بآيات الله ~~أولئك هم الخاسرون ) أى : والذين كفروا بآيات الله التنزيلية والكونية ~~الدالة على وحدانيته ، أولئك هم البالغون أقصى الدرجات في الخسران. # وهذه الآية الكريمة معطوفة على قوله تعالى قبل ذلك : ( @QUR@04 وينجي ~~الله الذين اتقوا ) وما بينهما اعتراض للدلالة على هيمنة الله تعالى على ~~شئون خلقه .. أى : وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم .. والذين كفروا بآيات ~~الله أولئك هم الكاملون في الخسران. # وهذه المقابلة فيها ما فيها من تأكيد الثواب العظيم للمتقين ، والعقاب ~~الأليم للكافرين. ثم أمر الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوبخ ~~الكافرين على جهالاتهم. فقال : ( @QUR@07 قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها ~~الجاهلون ). PageV12P244 # وقد ذكروا في سبب نزولها أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم استلم ~~بعض آلهتنا ونؤمن بإلهك. # والاستفهام للإنكار والتوبيخ ، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام ، ~~و «غير» منصوب بقوله : ( @QUR@01 أعبد )، وأعبد معمول لتأمرونى على تقدير ~~أن المصدرية ، فلما حذفت بطل عملها. # والمعنى : قل يا ms4926 أيها الرسول الكريم لهؤلاء المشركين على سبيل التوبيخ ~~والتأنيب : أبعد أن شاهدتهم ما شاهدتم من الآيات الدالة على وحدانية الله ~~تعالى ، وعلى صدقى فيما أبلغه عنه ، أبعد كل ذلك تأمرونى أن أعبد غير الله ~~تعالى أيها الجاهلون بكل ما يجب لله تعالى من تنزيه وتقديس. # ووصفهم هنا بالجهل ، لأن هذا الوصف هو الوصف المناسب للرد على ما طلبوه. ~~منه صلى الله عليه وسلم من إشراك آلهتهم في العبادة. # ثم حذر سبحانه من الشرك أبلغ تحذير فقال : ( @QUR@020 ولقد أوحي إليك ~~وإلى الذين من قبلك ، لئن أشركت ليحبطن عملك ، ولتكونن من الخاسرين. بل ~~الله فاعبد وكن من الشاكرين ). # قال الجمل : قوله : ( @QUR@03 ولقد أوحي إليك ... ) هذه اللام دالة على ~~قسم مقدر وقوله ( @QUR@02 لئن أشركت ). هذه اللام أيضا دالة على قسم مقدر ~~، وقوله : ( @QUR@05 ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ) كل من هذين اللامين ~~واقعة في جواب القسم الثاني. والثاني وجوابه جواب الأول. وأما جواب الشرط ~~في قوله : ( @QUR@02 لئن أشركت ) فمحذوف ، لدخول جواب القسم عليه ، فهو من ~~قبيل قول ابن مالك : # واحذف لدى اجتماع شرط وقسم %~% جواب ما أخرت فهو ملتزم (1) # وقوله ( @QUR@01 أوحي ) مسلط على ( @QUR@01 إليك ) وعلى ( @QUR@03 الذين ~~من قبلك ) فيكون المعنى : ولقد أوحى إليك أيها الرسول الكريم وأوحى إلى ~~الرسل الذين من قبلك أيضا لئن أشركت ، بالله تعالى على سبيل الفرض ( ~~@QUR@02 ليحبطن عملك )، أى ليفسدن عملك فسادا تاما ( @QUR@03 ولتكونن من ~~الخاسرين ) خسارة ليس بعدها خسارة في الدنيا والآخرة. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : الموحى إليهم ، جماعة ، فكيف قال : ( ~~@QUR@02 لئن أشركت ) على التوحيد؟ PageV12P245 # قلت : معناه. أوحى إليك لئن أشركت ليحبطن عملك ، وإلى الذين من قبلك مثله ~~، أو أوحى إليك وإلى كل واحد منهم : لئن أشركت ليحبطن عملك. كما تقول : ~~فلان كسانا حلة. أى : كل واحد منا. # فإن قلت : هو على سبيل الفرض. والمحالات يصح فرضها .. (1). # والآية الكريمة تحذر من الشرك بأسلوب فيه ما فيه من التنفير منه ومن ~~التقبيح له ، لأنه إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم لو وقع في شيء منه على ~~سبيل الفرض ms4927 حبط عمله ، وكان من الخاسرين. فكيف بغيره من أفراد أمته؟ # وقوله تعالى : ( @QUR@06 بل الله فاعبد وكن من الشاكرين ) أمر منه تعالى ~~بالثبات على عبادة الله تعالى وحده ، وبالمداومة على شكره ، ونهى عن طاعة ~~المشركين ، ولفظ الجلالة منصوب بقوله ( @QUR@01 فاعبد ) والفاء جزائية في ~~جواب شرط مقدر. # أى : لا تطع أيها الرسول الكريم المشركين فيما طلبوه منك ، بل اجعل ~~عبادتك لله تعالى وحده ، وكن من الشاكرين له على نعمه التي لا تحصى. # ثم بين سبحانه أن هؤلاء المشركين بعبادتهم لغير الله تعالى قد تجاوزوا ~~حدودهم معه عز وجل ، ولم يعطوه ما يستحقه من تنزيه وتقديس فقال : ( @QUR@05 ~~وما قدروا الله حق قدره ). # أى : أن هؤلاء المشركين بعبادتهم لغيره تعالى ، ما عظموه حق تعظيمه ، وما ~~أعطوه ما يستحقه سبحانه من تقديس وتكريم وتنزيه وطاعة. # ثم ساق سبحانه ما يدل على وحدانيته. وكمال قدرته. فقال : ( @QUR@08 ~~والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ، والسماوات مطويات بيمينه ). # والقبضة : المرة من القبض ، وتطلق على المقدار المقبوض بالكف. ومطويات أى ~~: مجموعات تحت قدرته وملكه ، كما يجمع الكتاب المطوى ، والجملة الكريمة حال ~~من لفظ الجلالة ، فيكون المعنى : إن هؤلاء المشركين لم يعظموا الله حق ~~تعظيمه ، حيث أشركوا معه في العبادة آلهة أخرى هي من مخلوقاته ، والحال أنه ~~سبحانه هو المتولى لإبقاء السموات والأرض على حالهما في الدنيا ، وهو ~~المتولى لتبديلهما أو إزالتهما في الآخرة ، فالأرض كلها مع عظمتها PageV12P246 # وكثافتها تكون يوم القيامة في قبضته وتحت قدرته ، كالشىء الذي يقبض عليه ~~القابض ، والسموات كذلك مع ضخامتها واتساعها ، تكون مطويات بيمينه وتحت ~~قدرته وتصرفه ، كما يطوى الواحد منا الشيء الهين القليل بيمينه ، وما دام ~~الأمر كذلك فكيف يشركون معه غيره في العبادة؟ # فالمقصود من الآية الكريمة بيان وحدانيته وعظمته وقدرته سبحانه وبيان ما ~~عليه المشركون من جهالة وانطماس بصيرة حين أشركوا معه في العبادة غيره. # قال صاحب الكشاف : والغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته ~~ومجموعته ، تصوير عظمته ، والتوقيف على كنه جلاله لا غير ، من غير ذهاب ~~بالقبضة ولا باليمين إلى جهة ms4928 حقيقة أو جهة مجاز ... (1). # وقال الآلوسى : والكلام في هذه الآية عند كثير من الخلف ، تمثيل لحال ~~عظمته تعالى ونفاذ قدرته .. بحال من يكون له قبضة فيها الأرض جميعا ، ويمين ~~بها يطوى السموات ، أو بحال من يكون له قبضة فيها الأرض والسموات ، ويمين ~~بها يطوى السموات. # والسلف يقولون : إن الكلام هنا تنبيه على مزيد جلالته تعالى . إلا أنهم ~~لا يقولون إن القبضة مجاز عن الملك أو التصرف ، ولا اليمين مجاز عن القدرة ~~، بل ينزهون الله تعالى عن الأعضاء والجوارح ، ويؤمنون بما نسبه تعالى : ~~إلى ذاته بالمعنى اللائق به الذي أراده سبحانه وكذا يفعلون في الأخبار ~~الواردة في هذا المقام. # فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال : جاء حبر من الأحبار الى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد. إنا نجد الله يحمل السموات يوم القيامة ~~على إصبع ، والأرضين على إصبع ، والشجر على إصبع ، والماء والثرى على إصبع ~~، وسائر الخلق على إصبع. فيقول : أنا الملك. فضحك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر ، ثم قرأ هذه الآية .. (2). # وقدم سبحانه الأرض على السموات لمباشرتهم لها ، ومعرفتهم بحقيقتها. # وخص يوم القيامة بالذكر ، وإن كانت قدرته عامة وشاملة لدار الدنيا أيضا ~~لأن الدعاوى تنقطع في ذلك اليوم. كما قال تعالى ( @QUR@03 والأمر يومئذ لله ). # روى الشيخان عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ~~«يطوى الله PageV12P247 # السموات يوم القيامة ، ثم يأخذهن بيده اليمنى ، ثم يقول أنا الملك ، أين ~~الجبارون ، أين المتكبرون ، أين ملوك الأرض». # وقوله تعالى : ( @QUR@04 سبحانه وتعالى عما يشركون ) تنزيه له تعالى : ~~عما افتراه المفترون. # أى : تنزه وتقدس الله تعالى عن شرك المشركين ، وعن ضلال الضالين. # ثم بين سبحانه حال الناس عند النفخة الأولى والثانية فقال : ( @QUR@014 ~~ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ). # والصور : اسم للقرن الذي ينفخ فيه إسرافيل بأمر الله تعالى وحقيقته لا ~~يعلمها إلا هو سبحانه وقوله ( @QUR@01 فصعق ) من الصعق بمعنى الموت أو ~~بمعنى ms4929 الصوت الشديد الذي يجعل الإنسان في حالة ذهول شديد حتى لكأنه قد فارق ~~الحياة. # أى : ونفخ في الصور بأمر الله تعالى النفخة الأولى ، فخر ميتا كل من كان ~~حيا في السموات أو في الأرض. # ( @QUR@04 إلا من شاء الله ) له الحياة من أهلهما ، قالوا : والمستثنى من ~~الصعق جبريل وإسرافيل وميكائيل. ولم يرد حديث صحيح يعتمد عليه في تعيين من ~~استثناء الله تعالى : من ذلك ، فالأولى تفويض من استثناه الله من الصعق إلى ~~علمه عز وجل . # ( @QUR@04 ثم نفخ فيه أخرى ) أى : ثم نفخ في الصور نفخة أخرى وهي النفخة ~~الثانية التي يكون بعدها البعث والنشور. # ( @QUR@04 فإذا هم قيام ينظرون ) أى : فإذا بهؤلاء الذين صعقوا بعد ~~النفخة الأولى قيام من قبورهم ، ينظرون حولهم بدهشة وحيرة ماذا يفعل بهم ، ~~أو ينظرون على أى حال يكون مصيرهم. # فالآية الكريمة تفيد أن النفخ في الصور يكون مرتين : المرة الأولى يكون ~~بعدها الصعق والموت لجميع الأحياء ، والنفخة الثانية يكون بعدها البعث ~~والنشور وإعادة الحياة مرة أخرى. # والمراد بالأرض في قوله تعالى : بعد ذلك : ( @QUR@04 وأشرقت الأرض بنور ~~ربها .. ) أرض المحشر. # وأصل الإشراق : الإضاءة. يقال : أشرقت الشمس إذا أضاءت ، وشرقت : إذا طلعت. # قال ابن كثير : وقوله : ( @QUR@04 وأشرقت الأرض بنور ربها ) أى : أضاءت ~~الأرض يوم PageV12P248 # القيامة ، إذا تجلى الحق تبارك وتعالى للخلائق لفصل القضاء (1). # والمراد بالكتاب في قوله تعالى : ( @QUR@02 ووضع الكتاب ) صحائف الأعمال ~~التي تكون في أيدى أصحابها. # فالمراد بالكتاب جنسه ، أى : أعطى كل واحد كتابه إما بيمينه. وإما ~~بشماله. وقيل المراد بالكتاب هنا : اللوح المحفوظ الذي فيه أعمال الخلق. # ( @QUR@03 وجيء بالنبيين والشهداء ) أى : وبعد أن أعطى كل إنسان صحائف ~~أعماله جيء بالنبيين لكي يشهدوا على أممهم أنهم بلغوهم ما كلفهم الله ~~بتبليغه إليهم ، وجيء بالشهداء وهم الملائكة الذين يسجلون على الناس ~~أعمالهم من خير وشر ، كما قال تعالى : ( @QUR@06 وجاءت كل نفس معها سائق ~~وشهيد ). وقيل المراد بهم : من استشهدوا في سبيل الله. # ثم بين سبحانه مظاهر عدالته في جمل حكيمة فقال : ( @QUR@03 وقضي بينهم ~~بالحق ) أى : وقضى سبحانه بين الجميع ms4930 بقضائه العادل ( @QUR@03 وهم لا ~~يظلمون ) أى : نوع من الظلم. # ( @QUR@05 ووفيت كل نفس ما عملت ) من خير أو شر ( @QUR@04 وهو أعلم بما ~~يفعلون ) أى : وهو سبحانه عليم بما يفعلونه من طاعة أو معصية ، لا يخفى ~~عليه شيء من أحوال خلقه ، بل هو تعالى يعلم السر وأخفى. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة ببيان مصير الكافرين ، وببيان مصير ~~المتقين. وببيان ما يقوله المتقون عند ما يرون النعيم المقيم الذي أعده ~~سبحانه لهم ، فقال تعالى : # ( @QUR@034 وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤها فتحت أبوابها ~~وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء ~~يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين (71) @QUR@09 قيل ~~ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (72) @QUR@05 وسيق ~~الذين اتقوا ربهم إلى PageV12P249 # @QUR@015 الجنة زمرا حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام ~~عليكم طبتم فادخلوها خالدين (73) @QUR@016 وقالوا الحمد لله الذي صدقنا ~~وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين (74) ~~@QUR@017 وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم ~~بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين ) (75) # وقوله تعالى ( @QUR@01 وسيق ) من السوق بمعنى الدفع ، والمراد به هنا ~~الدفع بعنف مع الإهانة و ( @QUR@01 زمرا ) أى : جماعات متفرقة بعضها في إثر ~~بعض. جمع زمرة وهي الجماعة القليلة ، أى : وسيق الذين كفروا إلى نار جهنم ~~جماعات جماعات ، وأفواجا أفواجا. # ( @QUR@05 حتى إذا جاؤها فتحت أبوابها ) لتستقبلهم بحرها وسعيرها ، ~~وكأنها قبل مجيئهم إليها كانت مغلقة كما تغلق أبواب السجون ، فلا تفتح إلا ~~لمن هم أهل لها بسبب جرائمهم. # ( @QUR@03 وقال لهم خزنتها ) على سبيل الزجر والتأنيب ( @QUR@04 ألم ~~يأتكم رسل منكم ) أى : من جنسكم تفهمون عنهم ما يقولونه لكم. # وهؤلاء الرسل ( @QUR@04 يتلون عليكم آيات ربكم ) المنزلة لمنفعتكم ( ~~@QUR@04 وينذرونكم لقاء يومكم هذا ) أى : ويخوفونكم من أهوال يومكم هذا وهو ~~يوم القيامة. # ( @QUR@08 قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين ) أى : قالوا في ~~جوابهم على سائليهم : بلى قد أتانا الرسل وبلغونا رسالة الله ، ولكننا لم ~~نطعهم ، فحقت كلمة العذاب ms4931 علينا ، ووجبت علينا كلمة الله التي قال فيها : ( ~~@QUR@06 لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ). # وهنا رد عليهم السائلون بقولهم : ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها ، خلودا ~~أبديا ( @QUR@03 فبئس مثوى المتكبرين ) أى : فبئس المكان المعد للمتكبرين جهنم. # وبعد هذا البيان المرعب لمصير الكافرين ، جاء البيان الذي يشرح الصدور ~~بالنسبة لحال المتقين فقال تعالى : ( @QUR@07 وسيق الذين اتقوا ربهم إلى ~~الجنة زمرا ) أى : جماعات. # قال الآلوسى : أى : جماعات مرتبة حسب ترتب طبقاتهم في الفضل. PageV12P250 # وفي صحيح مسلم وغيره عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~«أول زمرة تدخل الجنة من أمتى على صورة القمر ليلة البدر». # والمراد بالسوق هنا : الحث على المسير للإسراع إلى الإكرام بخلافه فيما ~~تقدم فإنه لإهانة الكفرة ، وتعجيلهم إلى العقاب والآلام ، واختير للمشاكلة ~~.. (1). # ثم بين سبحانه ما أعده لهؤلاء المتقين من نعيم مقيم فقال : ( @QUR@013 ~~حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها ~~خالدين ). # والواو في قوله ( @QUR@01 وفتحت ) للحال ، والجملة حالية بتقدير قد ، ~~وجواب ( @QUR@01 إذا ) مقدر بعد قوله ( @QUR@01 خالدين ). # أى : حتى إذا جاءوها ، وقد فتحت أبوابها على سبيل التكريم لهم ، وقال لهم ~~خزنتها بفرح وحبور : سلام عليكم من جميع المكاره ، طبتم من دنس المعاصي ، ~~فادخلوها خالدين أى : حتى إذا جاءوها وقالوا لهم ذلك سعدوا وابتهجوا. # قال صاحب الكشاف ما ملخصه : وحتى هنا هي التي تحكى بعدها الجمل. والجملة ~~المحكية بعدها هي الشرطية ، إلا أن جزاءها محذوف لأنه صفة ثواب أهل الجنة ، ~~فدل بحذفه على أنه شيء لا يحبط به الوصف. وحق موقعه ما بعد «خالدين». # وقيل : حتى إذا جاءوها ، وفتحت أبوابها. أى : مع فتح أبوابها .. (2). # ثم بين سبحانه ما يقوله المتقون عند دخولهم الجنة على سبيل الشكر لله ~~تعالى : فقال : ( @QUR@06 وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ) بأن بعثنا من ~~مرقدنا ، ومنحنا المزيد من عطائه ونعمه ( @QUR@02 وأورثنا الأرض ) أى : أرض ~~الجنة التي استقروا فيها. # ( @QUR@05 نتبوأ من الجنة حيث نشاء ) أى : ينزل كل واحد منا من جنته ~~الواسعة حيث يريد ، دون أن يزاحمه فيها مزاحم ms4932 ، أو ينازعه منازع. # ( @QUR@03 فنعم أجر العاملين ) الجنة التي منحها سبحانه لعباده المتقين. # ( @QUR@06 وترى الملائكة حافين من حول العرش ) أى : محدقين محيطين بالعرش ~~مصطفين بحافته وجوانبه. جمع حاف وهو المحدق بالشيء. يقال : حففت بالشيء إذا ~~أحطت به ، مأخوذ من الحفاف وهو الجانب للشيء. PageV12P251 # ( @QUR@03 يسبحون بحمد ربهم ) أى : يمجدون ربهم بكل خير ، وينزهونه عن كل سوء. # ( @QUR@03 وقضي بينهم بالحق ) أى : وقضى سبحانه بين العباد بالحق الذي لا ~~يحوم حوله باطل. ( @QUR@05 وقيل الحمد لله رب العالمين ) على قضائه بالحق ، ~~وعلى مجازاته الذين أساءوا بما عملوا ، ومجازاته الذين أحسنوا بالحسنى. # وبعد. فهذا تفسير محرر لسورة «الزمر» نسأل الله تعالى : أن يجعله خالصا ~~لوجهه ، ونافعا لعباده. # والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله ~~وصحبه وسلم. # كتبه الراجي عفو ربه # د. محمد سيد طنطاوى # القاهرة مدينة نصر # مساء الخميس 27 من ذي الحجة سنة 1405 ه # الموافق 12 / 9 / 1985 م. PageV12P252 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة غافر PageV12P253 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «غافر» هي السورة الأربعون في ترتيب المصحف أما ترتيبها في النزول ~~فهي السورة التاسعة والخمسون من السور المكية ، وكان نزولها بعد سورة ~~«الزمر». # ويبدو والله أعلم أن الحواميم ، كان نزولها على حسب ترتيبها في المصحف ، ~~فقد ذكر صاحب الإتقان عند حديثه عن المكي والمدني من القرآن ، وعن ترتيب ~~السور على حسب النزول .. # ذكر سورة الزمر ، ثم غافر ، ثم فصلت ، ثم الشورى ، ثم الزخرف ، ثم الدخان ~~، ثم الجاثية ، ثم الأحقاف (1). # 2 والمحققون من العلماء على أن سورة «غافر» من السور المكية الخالصة ، ~~وقد حكى أبو حيان الإجماع على ذلك ، كما أن الإمام ابن كثير قال عنها بأنها ~~مكية دون أن يستثنى منها شيئا. # وقيل : كلها مكية إلا قوله تعالى : ( @QUR@017 إن الذين يجادلون في آيات ~~الله بغير سلطان أتاهم ، إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه ... ) الآية. # ولكن هذا القيل وغيره لم تنهض له حجة يعتمد عليها ، فالرأى الصحيح أنها ~~جميعها مكية. # 3 وهذه السورة تسمى أيضا بسورة «المؤمن» ms4933 لاشتمالها على قصة مؤمن آل ~~فرعون. كما تسمى بسورة «الطول» لقوله تعالى في أوائلها : ( @QUR@08 غافر ~~الذنب ، وقابل التوب ، شديد العقاب ، ذي الطول ... ). # وعدد آياتها خمس وثمانون آية في المصحف الكوفي والشامي ، وأربع وثمانون ~~في الحجازي ، واثنتان وثمانون في البصري .. # 4 وسورة «غافر» هي أول السور السبعة التي تبدأ بقوله تعالى ( @QUR@01 حم ~~) والتي يطلق عليها لفظ «الحواميم». PageV12P255 # وقد ذكر الإمام ابن كثير جملة من الآثار في فضل هذه السور ، منها : ما ~~روى عن ابن مسعود أنه قال : «آل حم» ديباج القرآن .. ومنها ما روى عن ابن ~~عباس أنه قال : «إن لكل شيء لبابا ، ولباب القرآن آل حم» أو قال «الحواميم» (1). # 5 وقد افتتحت السورة الكريمة بالثناء على الله تعالى ، وبتسلية الرسول ~~صلى الله عليه وسلم عما لقيه من أذى المشركين ومن جدالهم ، وببيان وظيفة ~~الملائكة الذين يحملون عرشه تعالى ، وأن منها الاستغفار للمؤمنين ، والدعاء ~~لهم بقولهم كما حكى القرآن عنهم : ( @QUR@043 ... ربنا وسعت كل شيء رحمة ~~وعلما ، فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ، وقهم عذاب الجحيم. ربنا وأدخلهم ~~جنات عدن التي وعدتهم ، ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ، إنك أنت ~~العزيز الحكيم. وقهم السيئات ، ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته ، وذلك هو ~~الفوز العظيم ). # 6 ثم دعا سبحانه عباده إلى إخلاص الطاعة له ، وذكرهم بأهوال يوم القيامة ~~، وأن الملك في هذا اليوم إنما هو لله تعالى وحده. # قال تعالى : ( @QUR@039 فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ، ~~رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم ~~التلاق. يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء ، لمن الملك اليوم لله ~~الواحد القهار ). # 7 وبعد أن وبخ سبحانه الغافلين على عدم اعتبارهم بسوء عاقبة من سبقهم من ~~الكافرين ، أتبع ذلك بجانب من قصة موسى عليه السلام مع فرعون وهامان وقارون ~~، وحكى ما دار بين موسى عليه السلام وبين هؤلاء الطغاة من محاورات. # كما حكى ما وجهه الرجل المؤمن من آل فرعون إلى قومه من نصائح حكيمة ، ~~منها قوله ms4934 كما حكى القرآن عنه : ( @QUR@048 وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف ~~عليكم مثل يوم الأحزاب. مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ، وما ~~الله يريد ظلما للعباد. ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد. يوم تولون ~~مدبرين ما لكم من الله من عاصم ، ومن يضلل الله فما له من هاد ). # 8 وبعد أن ساق سبحانه تلك التوجيهات الحكيمة التي وجهها ذلك الرجل المؤمن ~~الذي يكتم إيمانه إلى قومه .. أتبع ذلك بحكاية جانب من المحاورات التي تدور ~~بين الضعفاء والمتكبرين بعد أن ألقى بهم جميعا في النار. PageV12P256 # كما حكى سبحانه ما يقولونه لخزنة جهنم على سبيل الاستعطاف والتذلل فقال : ~~( @QUR@029 وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من ~~العذاب. قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما ~~دعاء الكافرين إلا في ضلال ). # 9 ثم ساق سبحانه بعد ذلك ألوانا من نعمه على عباده ، لكي يشكروه عليها ، ~~ومن تلك النعم : إيجاده الليل والنهار ، وجعله الأرض قرارا والسماء بناء ، ~~وتصويره الناس في أحسن تقويم ، وتحليله لهم الطيبات ، وخلقه لهم في أطوار ~~متعددة. # قال تعالى : ( @QUR@030 هو الذي خلقكم من تراب ، ثم من نطفة ، ثم من علقة ~~، ثم يخرجكم طفلا ، ثم لتبلغوا أشدكم ، ثم لتكونوا شيوخا ، ومنكم من يتوفى ~~من قبل ، ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون ). # 10 ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن الذين يجادلون في آيات الله ~~بغير علم ، فوبختهم على جهالاتهم وعنادهم ، وهددتهم بسوء المصير ، وأمرت ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يصبر على أذاهم ، وذكرته بأحوال الرسل السابقين ~~مع أقوامهم ، وأنذرت مشركي مكة بأن مصيرهم سيكون كمصير المشركين من قبلهم ، ~~إذ ما استمروا في طغيانهم وكفرهم ، وأنهم لن ينفعهم الإيمان عند حلول ~~العذاب بهم. # قال تعالى : ( @QUR@029 فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ، وكفرنا ~~بما كنا به مشركين. فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ، سنت الله التي ~~قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون ). # 11 هذا ، والمتدبر في سورة «غافر» بعد هذا ms4935 العرض المجمل لآياتها يراها قد ~~أقامت أنصع الأدلة وأقواها على وحدانية الله تعالى وقدرته ، كما يراها قد ~~ساقت ألوانا من التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما لحقه من قومه ، تارة عن ~~طريق قصص الأنبياء السابقين مع أقوامهم ، وتارة عن طريق التصريح بأن ~~العاقبة ستكون له ولأتباعه ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@011 إنا لننصر ~~رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ). # كما يراها قد فصلت الحديث عن تكريم الله تعالى لعباده المؤمنين ، تارة عن ~~طريق استغفار الملائكة لهم ، وتضرعهم إلى خالقهم أن يبعد الذين آمنوا عن ~~عذاب الجحيم. # قال تعالى : ( @QUR@027 الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ، ~~ويؤمنون به ، ويستغفرون للذين آمنوا ، ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما ، فاغفر ~~للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ). # وتارة عن طريق وعدهم بإجابة دعائهم ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@013 ~~وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ، إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم ~~داخرين ). PageV12P257 # كما يرها قد اهتمت بالحديث عن مصارع الغابرين ، بأسلوب يغرس الخوف في ~~القلوب ، ويبعث على التأمل والتدبر. # كما في قوله تعالى : ( @QUR@021 كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم ، ~~وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه ، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ، فأخذتهم ~~، فكيف كان عقاب ). # وكما في قوله تعالى : ( @QUR@030 أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان ~~عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم ~~الله بذنوبهم ، وما كان لهم من الله من واق ). # كما يراها قبل كل ذلك وبعد كل ذلك لها أسلوبها البليغ المؤثر في إحقاق ~~الحق وإبطال الباطل ، وفي تثبيت المؤمن وزلزلة الكافر ، وفي تعليم الدعاة ~~كيف يخاطبون غيرهم بأسلوب مؤثر حكيم ، نراه متمثلا في تلك النصائح الغالية ~~التي وجهها مؤمن آل فرعون إلى قومه ، والتي حكاها القرآن في قوله ( ~~@QUR@039 وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه ، أتقتلون رجلا أن يقول ~~ربي الله ، وقد جاءكم بالبينات من ربكم ، وإن يك كاذبا فعليه كذبه ، وإن يك ~~صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم ، إن الله لا ms4936 يهدي من هو مسرف كذاب ). # نسأل الله تعالى أن ينفعنا بتوجيهات القرآن الكريم ، وصلى الله على سيدنا ~~محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # د. محمد سيد طنطاوى # القاهرة مدينة نصر # مساء الجمعة : 28 من ذي الحجة سنة 1405 ه / 13 / 9 / 1985 م PageV12P258 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@01 حم (1) @QUR@06 تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم (2) ~~@QUR@014 غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه ~~المصير (3) @QUR@013 ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك ~~تقلبهم في البلاد (4) @QUR@021 كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت ~~كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان ~~عقاب (5) @QUR@010 وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار ) (6) # سورة «غافر» من السور التي افتتحت ببعض الحروف المقطعة ، وهو قوله تعالى ~~: ( @QUR@01 حم ). # وقد ذكرنا آراء العلماء في تلك الحروف المقطعة بشيء من التفصيل ، عند ~~تفسيرنا لسور : البقرة ، وآل عمران ، والأعراف ، ويونس .. # وقلنا ما خلاصته : لعل أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف المقطعة ~~، قد جيء بها في افتتاح بعض السور : على سبيل الإيقاظ والتنبيه للذين ~~تحداهم القرآن. # فكأنه سبحانه يقول لهؤلاء المعاندين والمعارضين في أن القرآن من عند الله ~~: ها كم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم ، ~~ومنظوما من حروف هي PageV12P259 # من جنس الحروف الهجائية التي تنظمون منها حروفكم ، فإن كنتم في شك في أنه ~~من عند الله تعالى فهاتوا مثله ، أو عشر سور من مثله ، أو سورة واحدة من ~~مثله ، فعجزوا وانقلبوا خاسرين ، وثبت أن هذا القرآن من عند الله ، ولو كان ~~من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 تنزيل الكتاب من الله ) جملة من مبتدأ وخبر ، أى ~~: هذا الكتاب منزل عليك أيها الرسول الكريم من الله تعالى وحده ، وليس من ~~عند أحد غيره. # ثم وصف سبحانه ذاته بثماني صفات تليق بذاته فقال : ( @QUR@01 العزيز ) أى ~~: الغالب لكل من سواه ، من العز بمعنى القوة والغلبة. ms4937 يقال : عز فلان يعز ~~من باب تعب فهو عزيز ، إذا كان معروفا بالقوة والمنعة ، ومنه قولهم : أرض ~~عزاز إذا كانت صلبة قوية. # ( @QUR@01 العليم ) أى : المطلع على أحوال خلقه دون أن يخفى عليه شيء منها. # ( @QUR@02 غافر الذنب ) أى : ساتر لذنوب عباده ، ومزيل لأثرها عنهم بفضله ~~ورحمته. # فلفظ ( @QUR@01 غافر ) من الغفر بمعنى الستر والتغطية ، يقال : غفر الله ~~تعالى ذنب فلان غفرا ومغفرة وغفرانا ، إذا غطاه وستره وعفا عنه. # ولفظ الذنب : يطلق على كل قول أو فعل تسوء عاقبته ، مأخوذ من ذنب الشيء ، ~~أى : نهايته ( @QUR@02 وقابل التوب ) والتوب مصدر بمعنى الرجوع عن الذنب ~~والتوبة منه. يقال : تاب فلان عن الذنب توبة وتوبا إذا رجع عنه. # أى : أنه سبحانه يغفر ذنوب عباده ، ويقبل توبتهم فضلا منه وكرما. # قال صاحب الكشاف : ما بال الواو في قوله ( @QUR@02 وقابل التوب )؟ # قلت : فيها نكتة جليلة ، وهي إفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين : بين ~~أن يقبل توبته فيكتبها له طاعة من الطاعات ، وأن يجعلها محاءة للذنوب ، ~~كأنه لم يذنب. كأنه قال : جامع المغفرة والقبول .. (1). # ( @QUR@02 شديد العقاب ) أى : لمن أشرك به ، وأعرض عن الحق الذي جاء به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ( @QUR@02 ذي الطول ) أى : ذي الفضل والثواب ~~والإنعام على من يشاء من عباده. # والطول : السعة والغنى والزيادة ، يقال : لفلان على فلان طول ، أى زيادة ~~وفضل ، ومنه الطول في الجسم لأنه زيادة فيه. قال تعالى : ( @QUR@05 ومن لم ~~يستطع منكم طولا .. ) أى : غنى وسعة. PageV12P260 # ( @QUR@04 لا إله إلا هو ) أى : لا إله بحق وصدق إلا هو سبحانه . # ( @QUR@02 إليه المصير ) أى : إليه المرجع والمآب يوم القيامة ، ليحاسبكم ~~على أعمالكم في الدنيا. # قال القرطبي : روى عن عمر بن الخطاب رضى عنه أنه افتقد رجلا ذا بأس شديد ~~من أهل الشام فلما سأل عنه قيل له : تتابع في هذا الشراب. # فقال عمر لكاتبه : اكتب من عمر بن الخطاب إلى فلان ، سلام عليك ، وأنا ~~أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو ( @QUR@011 بسم الله الرحمن الرحيم ، حم ~~تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ) إلى قوله تعالى ms4938 : ( @QUR@02 إليه ~~المصير ). # ثم ختم الكتاب وقال لرسوله : لا تدفعه إليه حتى تجده صاحيا. ثم أمر من ~~عنده بالدعاء له بالتوبة. فلما وصل الكتاب إلى الرجل جعل يقرؤه ويقول : قد ~~وعدني الله أن يغفر لي ، وحذرني عقابه ، فلم يبرح يرددها حتى بكى ، ثم نزع ~~فأحسن النزع وحسنت توبته. # فلما بلغ عمر ذلك قال : هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أحدكم قد زل زلته فسددوه ~~وادعوا الله له أن يتوب عليه ، ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه (1). # ثم هون سبحانه على نبيه صلى الله عليه وسلم من شأن الكافرين ، وأخبره بأنهم ~~أتفه من أن يغتر بهم فقال : ( @QUR@013 ما يجادل في آيات الله إلا الذين ~~كفروا ، فلا يغررك تقلبهم في البلاد ). # والمراد بالجدال هنا : الجدال بالباطل ، وأما الجدال من أجل الوصول إلى ~~الحق فمحمود. # وقوله : ( @QUR@02 فلا يغررك ) جواب لشرط محذوف. والتقلب : التنقل من ~~مكان إلى آخر من أجل الحصول على المنافع والمكاسب. # أى : ما يجادل في آيات الله الدالة على وحدانيته وقدرته ، عن طريق ~~التكذيب بها والطعن فيها .. إلا الذين كفروا بالحق لما جاءهم ، وإذا تقرر ~~ذلك ، فلا يغررك أيها الرسول الكريم تقلبهم في البلاد ، وتصرفهم فيها عن ~~طريق التجارات الرابحة ، وجمع الأموال الكثيرة ، فإن ما بين أيديهم من ~~أموال إنما هو لون من الاستدراج ، وعما قريب ستزول هذه الأموال من بين ~~أيديهم ، وستكون عليهم حسرة .. # ( @QUR@02 كذبت قبلهم ) أى : قبل هؤلاء الكافرين المجادلين بالباطل ~~ليدحضوا به الحق ( @QUR@02 قوم نوح ) الذين أغرقناهم بسبب هذا التكذيب ~~لنبيهم. PageV12P261 # ( @QUR@03 والأحزاب من بعدهم ) أى : وكذلك الأقوام الآخرون الذين جاءوا ~~من بعد قوم نوح ، قد تحزبوا على أنبيائهم ، وأجمعوا على تكذيبهم ، كما فعل ~~قوم عاد مع نبيهم هود ، وكما فعل قوم ثمود مع نبيهم صالح ، وكما فعل أهل ~~مدين مع نبيهم شعيب .. # فالضمير في قوله تعالى : ( @QUR@02 من بعدهم ) يعود إلى قوم نوح. وأفردهم ~~سبحانه بالذكر لأنهم أول قوم كذبوا رسولهم بعد أن مكث فيهم ألف سنة إلا ~~خمسين عاما. ولم يزدهم دعاؤه لهم إلا عتوا ونفورا. # وقوله تعالى : ( @QUR@010 وهمت كل أمة برسولهم ms4939 ليأخذوه وجادلوا بالباطل ~~ليدحضوا به الحق ) بيان لما فعله هؤلاء الأقوام الظالمون مع أنبيائهم الذين ~~جاءوا لهدايتهم .. # أى : أن هؤلاء الأقوام المجرمين ، لم يكنفوا بالتكذيب لأنبيائهم ، بل إن ~~كل أمة منهم قد مكرت بنبيها ، وأرادت به السوء ، وحاولت أن تتمكن منه ~~بالأسر أو بالقتل ، وجادلته بالجدال الباطل ، لتزيل به الحق الذي جاء به من ~~عند ربه وتبطله. # والتعبير بقوله : ( @QUR@01 ليأخذوه ) يشعر بأن هؤلاء المجرمين كانوا ~~حريصين على التمكن من إيذاء نبيهم ومن الاعتداء عليه ، كما يحرص الشخص على ~~أخذ عدوه وأسره ليفعل به ما يشاء. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 فأخذتهم فكيف كان عقاب ) بيان لما آل إليه مكرهم ~~وجدالهم بالباطل. # أى : هموا بما هموا ، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ، وحاولوا أن ~~يجعلوا رسولهم بمنزلة الأسير فيهم. فكانت نتيجة كل ذلك أن أخذناهم أخذ عزيز ~~مقتدر ، بأن دمرناهم تدميرا فكيف كان عقابي لهم؟ لقد كان عقابا مدمرا ، ~~جعلهم أثرا بعد عين ، وترك آثار مساكنهم تشهد بهلاكهم واستئصالهم. # ثم بين سبحانه سنة من سننه التي لا تتخلف فقال : ( @QUR@010 وكذلك حقت ~~كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار ). # أى : وكما حقت كلمة ربك أيها الرسول الكريم ووجبت بإهلاك الأمم الماضية ~~التي كذبت أنبياءها ، وجعلهم وقودا للنار ، فكذلك تكون سنتنا مع المكذبين ~~لك من قومك ، إذا ما استمروا في تكذيبهم لك ، ولم يعودوا إلى طريق الحق. # فالآيات الكريمة تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتحذير لمشركي قريش من ~~الاستمرار في غيهم. # ثم بين سبحانه مظهرا من مظاهر رحمته بالمؤمنين ، وتكريمهم ، فذكر أن حملة عرشه PageV12P262 # من وظائفهم الاستغفار للمؤمنين ، والدعاء لهم بالخير فقال تعالى : # ( @QUR@027 الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ~~ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا ~~واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم (7) @QUR@016 ربنا وأدخلهم جنات عدن التي ~~وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم (8) ~~@QUR@012 وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز ~~العظيم ) (9) # والمراد بالذين يحملون العرش : عدد من الملائكة ms4940 المقربين إلى الله تعالى ~~ولا يعلم عددهم أحد سوى الله تعالى لأنه لم يرد نص صحيح في تحديد عددهم. # والمراد بمن حوله : عدد آخر من الملائكة يطوفون بالعرش مهللين مسبحين ~~مكبرين لله تعالى كما قال تعالى : ( @QUR@09 وترى الملائكة حافين من حول ~~العرش يسبحون بحمد ربهم ... ). # وعرش الله تعالى كما قال الراغب مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم ، فعلينا ~~أن نؤمن بان لله تعالى عرشا عظيما ، أما كيفيته وهيئته فنفوض معرفتها إلى ~~الخالق عز وجل . # وقد ذكر هذا اللفظ في القرآن الكريم في إحدى وعشرين آية. # والاسم الموصول في قوله تعالى : ( @QUR@03 الذين يحملون العرش ) مبتدأ. ~~وخبره قوله : ( @QUR@01 يسبحون .. ). # والجملة الكريمة مستأنفة ومسوقة لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم ببيان أن ~~هؤلاء الملائكة الذين هم PageV12P263 # أقرب الملائكة إلى الله تعالى يضمون إلى تسبيحهم لذاته سبحانه ، ~~الاستغفار للمؤمنين ، والدعاء لهم. # وقد ذكر كثير من المفسرين كلاما طويلا في صفة هؤلاء الملائكة وفي صفة ~~العرش. رأينا أن نضرب عنه صفحا لضعفه وقلة فائدته. # أى : الملائكة الكرام المقربون إلينا ، والحاملون لعرشنا ، والحافون به ، ~~من صفاتهم أنهم ( @QUR@03 يسبحون بحمد ربهم ) أى : ينزهون الله تعالى عن كل ~~نقص ، ويلهجون بحمده وبالثناء عليه بما يليق به. # ( @QUR@02 ويؤمنون به ) تعالى إيمانا تاما لا يشوبه ما يتنافى مع هذا ~~الإيمان والإذعان لله الواحد القهار. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما فائدة قوله تعالى : ( @QUR@02 ويؤمنون به ~~) ولا يخفى أن حملة العرش ومن حوله مؤمنون؟. # قلت : فائدته إظهار شرف الإيمان وفضله ، والترغيب فيه ، كما وصف الأنبياء ~~في غير موضع من كتابه بالصلاح كذلك ، كما عقب أعمال الخير بقوله تعالى : ( ~~@QUR@05 ثم كان من الذين آمنوا ) فأبان بذلك فضل الإيمان (1). # ويستغفرون للذين آمنوا ، أى : أنهم بجانب تسبيحهم وحمدهم لربهم ، ~~وإيمانهم به ، يتضرعون إليه سبحانه أن يغفر للذين آمنوا ذنوبهم. # وفي هذا الاستغفار منهم للمؤمنين ، إشعار بمحبتهم لهم ، وعنايتهم بشأنهم ~~، لأنهم مثلهم في الإيمان بوحدانية الله تعالى وفي وجوب إخلاص العبادة ~~والطاعة له. # ثم حكى سبحانه كيفية استغفارهم للمؤمنين فقال : ( @QUR@06 ربنا وسعت كل ~~شيء رحمة ms4941 وعلما ). # والجملة الكريمة على تقدير قول محذوف ، وهذا القول في محل نصب على الحال ~~من فاعل ( @QUR@01 يستغفرون ) وقوله ( @QUR@02 رحمة وعلما ) منصوبان على ~~التمييز. # أى : أنهم يستغفرون للذين آمنوا ، حالة كونهم قائلين : يا ربنا يا من ~~وسعت رحمتك ووسع علمك كل شيء ، تقبل دعاءنا. PageV12P264 # ( @QUR@01 فاغفر ) بمقتضى سعة رحمتك وعلمك ( @QUR@02 للذين تابوا ) إليك ~~توبة صادقة نصوحا ( @QUR@02 واتبعوا سبيلك ) الحق ، وصراطك المستقيم. # ( @QUR@03 وقهم عذاب الجحيم ) أى : وصنهم يا ربنا واحفظهم من الوقوع في ~~جهنم لأن عذابها كرب عظيم. # يا ( @QUR@04 ربنا وأدخلهم جنات عدن ) أى : وأدخلهم جناتك دخولا دائما لا ~~انقطاع معه. يقال : عدن فلان بالمكان يعدن عدنا ، إذا لزمه وأقام فيه دون ~~أن يبرحه ، ومنه سمى الشيء المخزون في باطن الأرض بالمعدن ، لأنه مستقر ~~بداخلها. # ( @QUR@02 التي وعدتهم ) فضلا منك وكرما. # وأدخل معهم ( @QUR@02 من صلح ) لدخولها بسبب إيمانهم وعملهم الطيب ( ~~@QUR@06 من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت ) يا مولانا ( @QUR@01 العزيز ~~) أى : الغالب لكل شيء ( @QUR@01 الحكيم ) في كل تصرفاتك وأفعالك. # فالمراد بالصلاح في قوله تعالى : ( @QUR@04 ومن صلح من آبائهم ): من كان ~~منهم مؤمنا بالله ، وعمل عملا صالحا ، ودعوا لهم بذلك. ليتم سرورهم وفرحهم ~~إذ وجود الآباء والأزواج والذرية مع الإنسان في الجنة ، يزيد سروره ~~وانشراحه. # ( @QUR@01 وقهم ) يا ربنا ( @QUR@01 السيئات ) أى : احفظهم يا ربنا من ~~ارتكاب الأعمال السيئات ، ومن العقوبات التي تترتب على ذلك ، بأن تتجاوز عن ~~خطاياهم. # ( @QUR@04 ومن تق السيئات يومئذ ) أى : في يوم القيامة الذي تجازى فيه كل ~~نفس مما كسبت ( @QUR@02 فقد رحمته ) أى : فقد رحمته برحمتك الواسعة من كل سوء. # ( @QUR@01 وذلك ) الذي تقدم من رحمتهم ومن إدخالهم الجنة ، ومن وقايتهم السوء. # ( @QUR@03 هو الفوز العظيم ) الذي لا يضارعه فوز ، والظفر الكبير الذي لا ~~يقاربه ظفر ، والأمل الذي لا مطمع وراءه لطامع. # وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة ، قد أخبرتنا أن الملائكة المقربين يدعون ~~للمؤمنين بما يسعدهم في دنياهم وآخرتهم. # وكعادة القرآن الكريم في قرن الترغيب بالترهيب أو العكس : جاء الحديث بعد ~~ذلك عن الكافرين. مبينا انقطاعهم عن كل من يشفع لهم ، أو يدعو لهم بخير كما ms4942 ~~دعا الملائكة للمؤمنين فقال تعالى : PageV12P265 # ( @QUR@015 إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ ~~تدعون إلى الإيمان فتكفرون (10) @QUR@013 قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا ~~اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل (11) @QUR@015 ذلكم بأنه إذا ~~دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير ) (12) # والمقت أشد أنواع البغض والغضب. يقال : مقته مقتا ، إذا غضب عليه غضبا ~~شديدا ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@017 ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ~~إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا ) (1). # والمنادى لهؤلاء الكافرين : هم الملائكة خزنة النار ، أو المؤمنون. وهذا ~~النداء إنما يكون يوم القيامة ، يوم توفى كل نفس ما كسبت. # أى : إن الذين كفروا بعد أن أحاطت بهم النار ، وبعد أن عادوا على أنفسهم ~~بأشد ألوان الندامة والحسرة والمقت. لإيثارها الكفر على الإيمان. # بعد كل ذلك ( @QUR@01 ينادون ) بأن يقال لهم : إن مقت الله تعالى لكم ~~بسبب إصراركم على الكفر حتى هلكتم .. أشد وأعظم من مقتكم لأنفسكم مهما بلغ ~~مقتكم لها وكراهيتكم لها. # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله ( @QUR@01 ينادون ) المنادى لهم الخزنة أو ~~المؤمنون يقولون إعظاما لحسرتهم : ( @QUR@06 لمقت الله أكبر من مقتكم ~~أنفسكم ) وهذا معمول للنداء لتضمنه معنى القول ، كأنه قيل : ينادون مقولا ~~لهم : لمقت .. ومقت مصدر مضاف إلى الاسم الجليل : إضافة المصدر لفاعله ، ~~وكذا إضافة المقت الثاني إلى ضمير الخطاب .. (2). PageV12P266 # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون ) تعليل لمقت ~~الله أى : لغضب الله تعالى عليكم ، أشد من غضبكم على أنفسكم الأمارة بالسوء ~~وذلك لأنكم جاءتكم دعوة الحق على ألسنة رسلكم ، فأعرضتم عنها ، وصممتم على ~~الكفر والفسوق والعصيان ، حتى أدرككم الموت ، وها أنتم اليوم تجزون ما كنتم ~~تعملونه في الدنيا. # ثم يحكى سبحانه ما يقوله الكافرون بعد أن أنزل بهم سبحانه عقابه العادل ~~فيقول : ( @QUR@06 قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ... ). # وأرادوا بالموتة الأولى : خلقهم من مادة لا روح فيها وهم في بطون أمهاتهم ~~.. وأرادوا بالثانية : قبض أرواحهم عند انقضاء آجالهم. # وأرادوا بالحياة الأولى : نفخ أرواحهم في أجسادهم وهي في ms4943 الأرحام ، ~~وأرادوا بالثانية إعادتهم إلى الحياة يوم البعث ، للحساب والجزاء. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@010 كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا ~~فأحياكم ، ثم يميتكم ثم يحييكم .. ) (1). # ( @QUR@02 فاعترفنا بذنوبنا ) أى : أنت يا ربنا الذي بقدرتك وحدها أمتنا ~~إماتتين اثنتين ، وأحييتنا إحياءتين اثنتين ، وها نحن قد اعترفنا بذنوبنا ~~التي وقعت منا في الدنيا ، وندمنا على ما كان منا أشد الندم .. # ( @QUR@05 فهل إلى خروج من سبيل ) أى : فهل بعد هذا الاعتراف ، في ~~الإمكان أن تخرجنا من النار ، وأن تعيدنا إلى الحياة الدنيا ، لنؤمن بك حق ~~الإيمان. ونعمل غير الذي كنا نعمل. # فأنت ترى أن الآية تصور ذلهم وحسرتهم أكمل تصوير ، وأنهم يتمنون العودة ~~إلى الدنيا ليتداركوا ما فاتهم ، ولكن هذا التمني والتلهف جاء بعد فوات ~~الأوان. # قال ابن كثير ما ملخصه : هذه الآية كقوله تعالى : ( @QUR@010 كيف تكفرون ~~بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ... ) وهذا هو الصواب الذي ~~لا شك فيه ولا مرية. # وقال السدى : أميتوا في الدنيا ثم أحيوا في قبورهم فخوطبوا ، ثم أميتوا ~~ثم أحيوا يوم القيامة. # وقال ابن زيد : أحيوا حين أخذ عليهم الميثاق من صلب آدم ، ثم خلقهم في ~~الأرحام. ثم أماتهم يوم القيامة. # وهذا القولان ضعيفان لأنه يلزمهما على ما قالا ثلاث إحياءات وإماتات. PageV12P267 # والمقصود من هذا كله أن الكفار يسألون الرجعة وهم وقوف بين يدي الله ، ~~كما قال تعالى ( @QUR@016 ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ، ~~ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون ) (1). # ثم بين سبحانه أن تذللهم هذا لن يجديهم ، وأن ما هم فيه من عذاب سببه ~~إعراضهم عن دعوة الحق في الدنيا ، فقال : ( @QUR@015 ذلكم بأنه إذا دعي ~~الله وحده كفرتم ، وإن يشرك به تؤمنوا ، فالحكم لله العلي الكبير ). # أى : ذلكم الذي نزل بكم من عذاب سببه ، أنكم كنتم في الدنيا إذا عبد الله ~~تعالى وحده ، وطلب منكم ذلك كفرتم به عز وجل ، وإن يشرك به غيره من الأصنام ~~أو غيرها آمنتم ، ومادام هذا حالكم في الدنيا ، فاخسئوا في النار ولا ~~تؤملوا في الخروج ms4944 منها ، بحال من الأحوال ، فالحكم لله وحده دون غيره ، وهو ~~سبحانه الذي حكم عليكم بما حكم .. # وهو سبحانه ( @QUR@01 العلي ) أى : المتعالي عن أن يكون له مماثل في ذاته ~~أو صفاته ( @QUR@01 الكبير ) أى : العظيم الذي هو أعظم وأكبر من أن يكون له ~~شريك أو صاحبة أو ولد. # وجمع سبحانه لذاته بين هذين الوصفين للدلالة على كبريائه وعظمته. # ثم ساق سبحانه بعد ذلك ما يدل على فضله ورحمته بعباده ، وعلى وحدانيته ~~وكمال قدرته ، وعلى أن يوم القيامة آت لا ريب فيه ، وعلى أن كل نفس ستجازى ~~في هذا اليوم بما كسبت بدون ظلم أو محاباة ، لأن القضاء فيه لله الواحد ~~القهار. فقال تعالى : # ( @QUR@014 هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا ~~من ينيب (13) @QUR@08 فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون (14) ~~@QUR@016 رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده ~~لينذر يوم التلاق (15) @QUR@05 يوم هم بارزون لا يخفى PageV12P268 # @QUR@010 على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار (16) ~~@QUR@013 اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب ~~(17) @QUR@015 وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما ~~للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع (18) @QUR@06 يعلم خائنة الأعين وما تخفي ~~الصدور (19) @QUR@015 والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء ~~إن الله هو السميع البصير (20) @QUR@030 أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف ~~كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض ~~فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق (21) @QUR@013 ذلك بأنهم ~~كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب ) (22) # والمقصود بآياته عز وجل في قوله : ( @QUR@04 هو الذي يريكم آياته ... ) ~~الدلائل الدالة على وحدانيته وقدرته ، كخلقه للشمس والقمر والليل والنهار ، ~~والبحار والأنهار ، والسماء والأرض ، والمطر والرعد ، والنجوم والرياح ، ~~والأشجار الكبيرة والصغيرة .. إلى غير ذلك من آياته التي لا تحصى في هذا ~~الوجود .. # أى : هو سبحانه الذي يريكم آياته الدالة على وحدانيته وقدرته ، لتزدادوا ~~أيها ms4945 المؤمنون إيمانا على إيمانكم ، وثباتا على ثباتكم ، ويقينا على يقينكم ~~، بأن المستحق للعبادة والطاعة هو الله الواحد القهار. PageV12P269 # وقد ساق سبحانه في كتابه عشرات الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته ، ومن ~~ذلك قوله تعالى : # ( @QUR@011 إن في خلق السماوات والأرض ، واختلاف الليل والنهار لآيات ~~لأولي الألباب ) (1). # وقوله عز وجل : ( @QUR@08 ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من ~~فضله ... ) (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@014 إن في اختلاف الليل والنهار ، وما خلق الله في ~~السماوات والأرض ، لآيات لقوم يتقون ) (3). # والمراد بالرزق في قوله : ( @QUR@05 وينزل لكم من السماء رزقا ).. ~~الأمطار التي تنزل من السماء على الأرض ، فتحييها بعد موتها ، بأن تحولها ~~من أرض جدباء يابسة ، إلى أرض خضراء بشتى الزروع والثمار. # وأطلق سبحانه على المطر رزقا. لأنه سبب فيه ، وأفرده بالذكر مع كونه من ~~جملة الآيات التي يريها تعالى لعباده لتفرده بعنوان كونه من آثار رحمته ، ~~وجلائل نعمه ، الموجبة لشكره عز وجل ، ولوجوب إخلاص العبادة له. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 وما يتذكر إلا من ينيب ) بيان لمن هو أهل ~~للانتفاع بهذه الآيات. # أى : وما يتذكر وينتفع بهذه الآيات إلا من يرجع عن المعصية إلى الطاعة ~~وعن الكفر إلى الإيمان ، وعن العناد والجحود ، إلى التفكر والتدبر بقلب سليم. # فقوله ( @QUR@01 ينيب ) من الإنابة ، ومعناها الرجوع عن الكفر والمعاصي : ~~إلى الإيمان والطاعة. # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@05 فادعوا الله مخلصين له الدين .. ) ~~للإفصاح عن شرط مقدر. أى : إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من أن كل شيء في هذا ~~الوجود يدل على وحدانية الله تعالى فأخلصوا له العبادة والطاعة ( @QUR@03 ~~ولو كره الكافرون ) منكم ذلك أيها المؤمنون فلا تلتفتوا إلى كراهيتهم ، ~~وامضوا في طريق الحق ، ودعوهم يموتوا بغيظهم .. # وقد أخذ العلماء من هذا الآية الكريمة ، وجوب إخلاص العبادة لله تعالى ~~ووجوب الإكثار من التضرع إليه بالدعاء. PageV12P270 # ومن الأحاديث التي أوردها الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ، ما ~~رواه الإمام مسلم وأبو داود ، والنسائي ، وأحمد ، عن أبى الزبير محمد بن ~~مسلم المكي قال : كان عبد الله بن الزبير يقول في دبر كل صلاة حين يسلم : ~~لا ms4946 إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء ~~قدير ، لا حول ولا قوة إلا بالله ، لا إله إلا الله ، ولا نعبد إلا إياه ، ~~له النعمة وله الفضل ، وله الثناء الحسن ، لا إله إلا الله ، مخلصين له ~~الدين ولو كره الكافرون قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلل بهن دبر ~~كل صلاة (1). # ثم يذكر سبحانه بعد ذلك من صفاته العظمى ، ما يزيد المؤمنين في إخلاص ~~العبادة له ، فيقول : ( @QUR@04 رفيع الدرجات ذو العرش .. ) أى : هو تعالى ~~وحده صاحب الرفعة والمقام العالي ، وهو وحده صاحب العرش العظيم ، الذي لا ~~يعلم مقدار عظمته إلا هو .. # قال الآلوسى قوله : ( @QUR@02 رفيع الدرجات ) رفيع صفة مشبهة أضيفت الى ~~فاعلها من رفع الشيء إذا علا .. والدرجات : مصاعد الملائكة إلى أن يبلغوا ~~العرش ، أى : رفيع درجات ملائكته ومعارجهم إلى عرشه .. ويجوز أن يكون كناية ~~عن رفعة شأنه وسلطانه عز شأنه كما أن قوله تعالى : ( @QUR@02 ذو العرش ) ~~كناية عن ملكه جل جلاله .. (2). # والمراد بالروح في قوله تعالى : ( @QUR@09 يلقي الروح من أمره على من ~~يشاء من عباده ): الوحى الذي يوحى به على أنبيائه ، وأمين هذا الوحى جبريل ~~عليه السلام . # أى : هو وحده سبحانه الذي يلقى الوحى. حالة كون هذا الوحى ناشئا من أمره ~~وقضائه على من يختاره لهذا الإلقاء من عباده الصالحين. فقوله ( @QUR@02 من ~~أمره ) متعلق بمحذوف حال من الروح. # وسمى الوحى روحا ، لأن الأرواح تحيا به ، كما أن الأجساد تحيا بالغذاء. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 لينذر يوم التلاق ) بيان للوظيفة الخاصة بمن ~~يختاره سبحانه من عباده لإلقاء الوحى عليه. # والإنذار : الإعلام المقترن بالتخويف والتحذير ، فكل إنذار إعلام ، وليس ~~كل إعلام إنذارا. # والمراد بيوم التلاق : يوم القيامة ، وسمى بيوم التلاق لأنه يتلاقى فيه ~~الأولون والآخرون والمؤمنون والكافرون ، والظالمون والمظلومون .. الكل ~~يتلاقى في ساحة المحشر ليقضى الله PageV12P271 # تعالى فيهم بقضائه العادل. # أى : يلقى سبحانه بوحيه على أنبيائه ، لينذروا الناس ويحذروهم من سوء ~~العذاب يوم القيامة ، إذا ما استمروا في كفرهم وعصيانهم لخالقهم. # ثم صور سبحانه ms4947 أحوال الناس في هذا اليوم العصيب ، فقال : ( @QUR@09 يوم ~~هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء ... ). # وهذه الجملة الكريمة بدل من قوله ( @QUR@02 يوم التلاق )، أى : يلقى ~~سبحانه على من يشاء من عباده ، لكي ينذر الناس من أهوال ذلك اليوم الذي ~~تلتقي فيه الخلائق ، والذي يظهرون فيه ظهورا تاما ، دون أن يخفى منهم شيء ~~على الله تعالى . # والله تعالى لا يخفى عليه شيء من أمرهم لا في هذا اليوم ولا في غيره ، ~~ولكنه سبحانه ذكر بروزهم وعدم خفائهم عليه في هذا اليوم ، لأنهم لجهلهم ~~كانوا يتوهمون في الدنيا أنهم يستطيعون التستر عنه ، كما أشار سبحانه إلى ~~ذلك في قوله تعالى ( @QUR@019 ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ، ألا ~~حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون ، إنه عليم بذات الصدور ). # ورحم الله صاحب الكشاف ، فقد قال : قوله : ( @QUR@03 يوم هم بارزون ) أى ~~: ظاهرون لا يسترهم شيء من جبل أو أكمة أو بناء ، لأن الأرض بارزة قاع صفصف ~~، ولا عليهم ثياب ، إنما هم عراة مكشوفون ، كما جاء في الحديث : «يحشرون ~~عراة حفاة غرلا» ( @QUR@06 لا يخفى على الله منهم شيء ) أى : من أعمالهم ~~وأحوالهم ... # فإن قلت : قوله : ( @QUR@06 لا يخفى على الله منهم شيء ) بيان وتقرير ~~لبروزهم ، والله تعالى لا يخفى عليه منهم شيء برزوا أم لم يبرزوا ، فما معناه؟ # قلت : معناه أنهم كانوا يتوهمون في الدنيا أنهم إذا استتروا بالحيطان ~~والحجب ، أن الله لا يراهم وتخفى عليه أعمالهم ، فهم اليوم صائرون من ~~البروز والانكشاف إلى حال لا يتوهمون فيها مثل ما كانوا يتوهمونه قال تعالى ~~: ( @QUR@09 ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون .. ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@06 لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ) السائل ~~والمجيب هو الله تعالى . PageV12P272 # أى : ينادى الله تعالى في المخلوقات في ذلك اليوم ، لمن الملك في هذا ~~اليوم الهائل الشديد؟ ثم يجيب سبحانه على هذا السؤال بقوله : ( @QUR@03 لله ~~الواحد القهار ). # قال القرطبي ما ملخصه : قال الحسن : هو السائل تعالى وهو المجيب ، لأنه ~~يقول ذلك حين لا أحد يجيبه ، فيجيب نفسه سبحانه فيقول ms4948 : ( @QUR@03 لله ~~الواحد القهار ). # وعن ابن مسعود قال : يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة ، لم يعص الله ~~جل وعلا عليها ، فيأمر مناديا ينادى : ( @QUR@03 لمن الملك اليوم ) فيقول ~~العباد مؤمنهم وكافرهم : ( @QUR@03 لله الواحد القهار ). # فيقول المؤمنون هذا الجواب سرورا وتلذذا ، ويقوله الكافرون غما وانقيادا ~~وخضوعا. # ثم قال : والقول الأول ظاهر جدا ، لأن المقصود إظهار انفراده تعالى ~~بالملك عند انقطاع دعاوى المدعين ، وانتساب المنتسبين ، إذ قد ذهب كل ملك ~~وملكة (1). # وبعد أن قرر سبحانه أن الملك في هذا اليوم له وحده. أتبع ذلك ببيان ما ~~يحدث في هذا اليوم فقال : ( @QUR@06 اليوم تجزى كل نفس بما كسبت .. ). # أى : في هذا اليوم الهائل الشديد تجازى كل نفس من النفوس المؤمنة ~~والكافرة ، والبارة والفاجرة. بما كسبت في دنياها من خير أو شر ، ومن طاعة ~~أو معصية. # ( @QUR@03 لا ظلم اليوم ) ولا جور ولا محاباة ولا وساطات .. وإنما تعطى ~~كل نفس ما تستحقه من ثواب أو عقاب. # ( @QUR@04 إن الله سريع الحساب ) لأنه سبحانه لا يحتاج إلى تفكير عند ~~محاسبته لخلقه ، بل هو سبحانه قد أحاط بكل شيء علما ، كما قال تعالى : ( ~~@QUR@022 عالم الغيب ، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ، ~~ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ). # ثم يوجه الله تعالى أمره إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأن يحذر كفار قريش ~~من أهوال هذا اليوم فيقول : ( @QUR@08 وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى ~~الحناجر كاظمين .. ). # والآزفة : القيامة. وأصل معنى الآزفة : القريبة ، وسميت القيامة بذلك ~~لقربها ، يقال : أزف بزنة فرح يوم الرحيل. إذا دنا وقرب. # والحناجر : جمع حنجرة وهي الحلقوم. PageV12P273 # وكاظمين : حال من أصحاب القلوب على المعنى. فإن ذكر القلوب يدل على ذكر ~~أصحابها. # وأصل الكظم : الحبس والإمساك للشيء. يقال : كظم القربة إذا ملأها بالماء ~~، وسد فاها ، حتى لا يخرج منها شيء من الماء. # والمعنى : وأنذر أيها الرسول الكريم الناس ، وحذرهم من أهوال يوم عظيم ~~قريب الوقوع ، هذا اليوم تكون قلوبهم فيه مرتفعة عن مواضعها من صدورهم. ~~ومتشبثة بحناجرهم ، ويكونون كاظمين عليها ms4949 وممسكين بها حتى لا تخرج مع ~~أنفاسهم. كما يمسك صاحب القربة فمها لكي لا يتسرب منها الماء. # فالآية الكريمة تصوير يديع لما يكون عليه الناس في هذا اليوم من فزع شديد ~~، وكرب عظيم. وخوف ليس بعده خوف. # والحديث عن قرب يوم القيامة قد جاء في آيات كثيرة منها قوله تعالى : ( ~~@QUR@04 اقتربت الساعة وانشق القمر ... ) # وقوله سبحانه ( @QUR@07 اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ). # والظاهر أن قوله هنا ( @QUR@02 يوم الآزفة ) هو المفعول الثاني للإنذار ~~ليس ظرفا له. لأن الإنذار والتخويف من أهوال يوم القيامة واقع في دار ~~الدنيا. # وقوله : ( @QUR@02 إذ القلوب ) بدل من يوم الآزفة. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت «كاظمين» بم انتصب؟ قلت : هو حال من أصحاب ~~القلوب على المعنى ، لأن المعنى : إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها. ~~ويجوز أن يكون حالا من القلوب ، وأن القلوب ، كاظمة على غم وكرب فيها مع ~~بلوغها الحناجر. # وإنما جمع جمع السلامة ، لأنه وصفها بالكظم الذي هو من أفعال العقلاء ، ~~كما قال تعالى : ( @QUR@05 والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ... ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@07 ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ) نفى لكون ~~هؤلاء الظالمين يوجد في هذا اليوم من ينفعهم أو يدافع عنهم. # والحميم : هو الإنسان الذي يحبك ويشفق عليك ويهتم بأمرك ، ومنه قيل لخاصة ~~الرجل : حامته. PageV12P274 # والشفيع : من الشفع ، بمعنى الانضمام ، يقال شفع فلان لفلان إذا انضم ~~إليه ليدافع عنه. # أى : ليس للظالمين في هذا اليوم قريب أو محب يعطف عليهم ، ولا شفيع ~~يطيعهم في الشفاعة لهم ، لأنهم في هذا اليوم يكونون محل غضب الجميع ونقمتهم ~~، بسبب ظلمهم وإصرارهم على كفرهم. # فالآية الكريمة نفت عنهم الصديق الذي يهتم بأمرهم ، والشفيع الذي يشفع ~~لهم ، والإنسان الذي تكون له أية كلمة تسمع في شأنهم. # ثم أكد سبحانه شمول علمه لكل شيء فقال : ( @QUR@06 يعلم خائنة الأعين وما ~~تخفي الصدور ). # والمراد بخائنة الأعين : النظرة الخائنة التي يتسلل بها المتسلل ليطلع ~~على ما حرم الله الاطلاع عليه. # والجملة خبر لمبتدأ محذوف. والإضافة في قوله ( @QUR@02 خائنة الأعين ) ~~على معنى من ، وخائنة : نعت ms4950 لمصدر محذوف. # أى : هو سبحانه يعلم النظرة الخائنة من الأعين ، وهي التي يوجهها صاحبها ~~في تسلل وخفية إلى محارم الله تعالى كما يعلم سبحانه الأشياء التي يخفيها ~~الناس في صدورهم ، وسيجازيهم على ذلك في هذا اليوم بما يستحقون. # قال القرطبي : ولما جيء بعبد الله بن أبى سرح إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بعد ما اطمأن أهل مكة ، وطلب له الأمان عثمان بن عفان ، ~~صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا ، ثم قال : «نعم». # فلما انصرف قال صلى الله عليه وسلم لمن حوله : «ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم ~~فيضرب عنقه». # فقال رجل من الأنصار : فهلا اومأت إلى يا رسول الله؟ فقال : «إن النبي لا ~~تكون له خائنة أعين» (1). # ثم بين سبحانه أن القضاء الحق في هذا اليوم مرده إليه وحده فقال : ( ~~@QUR@03 والله يقضي بالحق ... ). # أى : والله تعالى يقضى بين عباده قضاء ملتبسا بالحق الذي لا يحوم حوله باطل. # ( @QUR@07 والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء .. ) أى : والآلهة الذين ~~يعبدهم الكفار من PageV12P275 # دون الله تعالى لا يقضون بشيء أصلا ، لأنهم لا يعلمون شيئا ، ولا يقدرون ~~على شيء ، وإذا فهم أعجز وأتفه من أن يلتفت إليهم. # ( @QUR@02 إن الله ) تعالى ( @QUR@02 هو السميع ) لكل شيء ( @QUR@01 ~~البصير ) بكل شيء ، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. # ثم وبخ سبحانه هؤلاء الظالمين على عدم اعتبارهم واتعاظهم بمن كان قبلهم ~~فقال : ( @QUR@030 أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا ~~من قبلهم ، كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما ~~كان لهم من الله من واق ). # أى : أبلغت الجهالة والغفلة وانطماس البصيرة بهؤلاء المشركين من قومك يا ~~محمد أنهم لم يعتبروا ولم يتعظوا بالظالمين السابقين الذين دمرناهم تدميرا. # إنهم يمرون عليهم مصبحين وبالليل ، وإنهم ليشاهدون آثارهم ماثلة أمام ~~أعينهم ، يشاهدون آثار قوم صالح ، ويشاهدون آثار غيرهم. # ولقد كان هؤلاء السابقون الظالمون ، أشد من مشركي قريش في القوة والبأس ، ~~وأشد منهم في إقامة المبانى الفارهة ، والحصون الحصينة .. # فلما ms4951 استمروا في جحودهم وكفرهم ، أخذهم الله تعالى أخذ عزيز مقتدر ، بسبب ~~ذنوبهم. وما كان لهم من دون الله تعالى من يدفع عنهم عذابه ، أو يقيهم من بأسه. # ( @QUR@01 ذلك ) الأخذ من أسبابه ( @QUR@05 بأنهم كانت تأتيهم رسلهم ~~بالبينات ) أى : بالدلائل الواضحات على صدقهم فيما يبلغونهم عن ربهم. # ( @QUR@01 فكفروا ) أى : بالرسل وبما جاءوهم به ( @QUR@02 فأخذهم الله ) ~~أى : فأهلكهم سبحانه ( @QUR@04 إنه قوي شديد العقاب ) أى : إنه سبحانه قوى ~~لا يحول بين ما يريد أن يفعله حائل ، شديد العقاب لمن كفر به ، وأعرض عن ~~دعوة رسله. # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت لنا أنواعا متعددة من مظاهر قدرة الله ~~، ومن أهوال يوم القيامة ، ومن علمه الشامل لكل شيء ، ومن قضائه العادل ومن ~~أخذه للظالمين أخذ عزيز مقتدر. # ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن جانب من قصة موسى عليه السلام مع ~~فرعون. فذكرت جانبا من التهديدات التي وجهها فرعون إلى موسى وقومه ، وكيف ~~أن موسى عليه السلام رد عليه ردا قويا حكيما ، فقال تعالى : PageV12P276 # ( @QUR@06 ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين (23) @QUR@07 إلى فرعون ~~وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب (24) @QUR@019 فلما جاءهم بالحق من عندنا ~~قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا ~~في ضلال (25) @QUR@018 وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن ~~يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد (26) @QUR@013 وقال موسى إني عذت ~~بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب ) (27) # والمراد بآياتنا في قوله : ( @QUR@04 ولقد أرسلنا موسى بآياتنا ) تلك ~~الآيات التسع التي أعطاها الله تعالى لموسى ، لتكون معجزات له دالة على ~~صدقة ، وهي : العصا ، واليد ، والسنون ، والبحر ، والطوفان ، والجراد ، ~~والقمل والضفادع ، والدم. # قال تعالى ( @QUR@06 ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ). # والمراد بالسلطان المبين : الحجة القاهرة الظاهرة التي تغلب بها في ~~الحجاج والجدال على فرعون. # أى : والله لقد منحنا موسى عليه السلام بفضلنا وقدرتنا معجزات باهرات ، ~~ومنحناه أيضا حجة قوية واضحة ، يدمر بها حجج أعدائه. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 إلى فرعون وهامان وقارون ... ) بيان لمن أرسله ~~الله تعالى إليهم. # وفرعون : لقب ms4952 لكل ملك من ملوك مصر في تلك العهود السابقة ، والمراد به ~~هنا : ذلك PageV12P277 # الملك الجبار الظالم الذي أرسل في عهده موسى عليه السلام ، ويقال إنه ~~«منفتاح» بن رمسيس الثاني. # و ( @QUR@01 هامان ) هو وزير فرعون و ( @QUR@01 قارون ) هو الذي كان من ~~قوم موسى فبغى عليهم. وأعطاه الله تعالى الكثير من الأموال .. ثم خسف به ~~وبداره الأرض. # وخص سبحانه هؤلاء الثلاثة بالذكر ، مع أن رسالة موسى كانت لهم ولأتباعهم ~~، لأنهم هم الزعماء البارزون ، الذين كانوا يدبرون المكايد ضد موسى ~~عليه السلام فيتبعهم العامة من أقوامهم. # وقوله : ( @QUR@03 فقالوا ساحر كذاب ) أرسلناه إلى هؤلاء الطغاة ومعه ~~آياتنا الدالة على صدقه ، فكان جوابهم على دعوته إياهم الى عبادة الله ~~تعالى وحده. أن قالوا في شأنه ، إنه ساحر يموه على الناس بسحره ، وأنه كذاب ~~في دعواه أنه رسول من رب العالمين. # وهكذا كانت نتيجة أول لقاء بين موسى عليه السلام وبين هؤلاء الطغاة ~~الظالمين. أنهم وصفوه بالسحر والكذب ، وهو المؤيد بآيات الله ، وبحججه ~~الظاهرة. وما وصفوه بذلك إلا من أجل الحسد والعناد ، والحرص على دنياهم ~~وملكهم. # ثم لم يكتفوا بهذا القول ، بل انتقلوا إلى مرحلة أخرى أشد وأطغى ، فقالوا ~~كما حكى القرآن عنهم : ( @QUR@013 فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا ~~أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم ... ). # أى : فحين وصل إليهم موسى عليه السلام بدعوته. وخاطبهم بما أمره الله ~~تعالى أن يخاطبهم به ، وجابههم بالحق الذي زوده الله تعالى به. # ما كان منهم إلا أن قالوا على سبيل التهديد والوعيد : اقتلوا الذكور من ~~أبناء الذين آمنوا مع موسى ، ودخلوا في دينه ، واتركوا الإناث بدون قتل ~~لخدمتكم ، وليكون ذلك أبلغ في إذلالهم. إذ بقاء النساء بدون رجال فتنة ~~كبيرة. وذل عظيم. # والتعبير بقوله. ( @QUR@05 فلما جاءهم بالحق من عندنا ) يشعر بأن هؤلاء ~~الظالمين قد جاءهم الحق إلى بيوتهم ومساكنهم ، وأنهم لم يخرجوا لطلبه ، ~~وإنما هو الذي جاءهم عن طريق موسى ، المؤيد بآيات الله تعالى . # والقائلون : ( @QUR@07 اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم ) ~~هم الملأ من قوم فرعون الذين كانوا ms4953 يزينون له الظلم والعدوان. إرضاء له. ~~وإرهابا لموسى عليه السلام ولمن آمن معه. PageV12P278 # قال الإمام الرازي : والصحيح أن هذا القتل كان غير القتل الذي وقع في وقت ~~ولادة موسى ، لأن القتل في ذلك الوقت كان بسبب أن المنجمين قد أخبروا فرعون ~~بولادة عدو له يظهر عليه ، فأمر بقتل الأبناء في ذلك الوقت. وأما في هذا ~~الوقت. فموسى عليه السلام كان قد جاءه وأظهر المعجزات. فعند ذلك أمر بقتل ~~أبناء الذين آمنوا معه ، لئلا ينشئوا على دين موسى ، فيقوى بهم. وهذه العلة ~~مختصة بالبنين دون البنات. فلهذا السبب أمر بقتل الأبناء .. (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@06 وما كيد الكافرين إلا في ضلال ) توهين لشأن ~~الكافرين في كل زمان ومكان ، وتشجيع للمؤمنين على أن يسيروا في طريق الحق ~~دون أن يرهبهم وعد أو وعيد. فإن النصر سيكون في النهاية لهم. # أى : وما كيد الكافرين ومكرهم وعدوانهم ، إلا مصيره إلى الضلال والضياع ~~والبطلان. يقال : ضل فلان الطريق إذا ضاع منه الرشد. والتبست عليه السبل. ~~وصار تائها لا يعرف له طريقا يوصله إلى ما يريد. # ثم بين سبحانه لونا آخر من ألوان فجور فرعون وبغيه فقال : ( @QUR@05 وقال ~~فرعون ذروني أقتل موسى .. ) # والجملة الكريمة معطوفة على قوله : ( @QUR@06 قالوا اقتلوا أبناء الذين ~~آمنوا معه ) وجملة ( @QUR@06 وما كيد الكافرين إلا في ضلال ) اعتراضية ، ~~جيء بها مسارعة لبيان خسرانهم وضلالهم. # أى : وقال فرعون لحاشيته ومستشاريه وخاصته : اتركوني لأقتل موسى ~~عليه السلام وأتخلص منه ومن أقواله التي فيها ما فيها من الضرر بي وبكم. # ويبدو من أسلوب الآية الكريمة أن اتجاه فرعون لقتل موسى كان يجد معارضة ~~مستشاريه. لأنهم يرون أن قتله لا ينهى المتاعب ، بل قد يزيدها اشتعالا لأن ~~عامة الناس سيفهمون أن قتل موسى كان بسبب أنه على الحق ، فتثور ثائرتهم ~~لقتله ، أو لأنهم كانوا يخافون أن قتله سيؤدي إلى نزول العذاب بهم ، غضبا ~~من رب موسى ، ولعل بعضهم كان يعتقد أن موسى على حق ولكن الخوف منعه من ~~الجهر بذلك ، أو لأنهم كانوا يرون أن قتل موسى سيؤدي إلى ms4954 تفرغ فرعون لهم ، ~~وهم لا يريدون هذا التفرغ ، لأنه يؤدى إلى ضياع الكثير من منافعهم. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@03 ذروني أقتل موسى ) كانوا إذا هم ~~بقتله كفوه بقولهم : ليس موسى بالذي تخافه. وهو أقل من ذلك وأضعف وما هو ~~إلا بعض السحرة .. وإنك إذا PageV12P279 # قتلته أدخلت الشبهة على الناس. واعتقدوا أنك قد عجزت عن معارضته بالحجة. # والظاهر أن فرعون لعنه الله كان قد استيقن أن موسى نبيا. وأن ما جاء به ~~آيات وما هو بسحر ، ولكن الرجل كان قتالا سفاكا للدماء في أهون شيء ، فكيف ~~لا يقتل من أحس منه بأنه هو الذي يثل عرشه. ويهدم ملكه. ولكنه كان يخاف إن ~~هم بقتله. أن يعاجل بالهلاك .. (1). # وقوله : ( @QUR@02 وليدع ربه ) تظاهر من فرعون بأنه لا يبالى بما يكون من ~~وراء قتله لموسى. وأنه غير مكترث لا بموسى ولا برب موسى. # فالجملة الكريمة بيان لما جبل عليه هذا الطاغية من فجور وتكبر واستهزاء ~~بالحق فكأنه يقول : إنى قاتل لموسى وليدع ربه لكي يخلصه منى ..!! # ثم نرى فرعون بعد ذلك يتظاهر أمام حاشيته ، أنه ما حمله على إرادة قتل ~~موسى ، إلا الحرص على منفعتهم. فيقول : ( @QUR@011 إني أخاف أن يبدل دينكم ~~أو أن يظهر في الأرض الفساد ). # أى : اتركوني لأقتل موسى. وليدع ربه لكي يخلصه منى. إن كان في إمكانه ~~ذلك. فإنى أخاف إن لم أقتله أن يبدل دينكم الذي أنتم عليه بدين آخر أو بأن ~~يظهر في الأرض التي تعيشون عليها الفساد ، عن طريق بث الفتن بينكم وإيقاد ~~نار العداوة في صفوفكم. والعمل على اضطراب أمر دنياكم ومعاشكم. # وهكذا الطغاة الماكرون في كل زمان ومكان : يضربون الحق بكل سلاح من ~~أسلحتهم الباطلة. ثم يزعمون بعد ذلك أمام العامة والبسطاء والمغلوبين على ~~أمرهم .. أنهم ما فعلوا ذلك إلا من أجل الحرص على مصالحهم الدينية ~~والدنيوية!! # قال الإمام الرازي : والمقصود من هذا الكلام ، بيان السبب لقتل موسى ، ~~وهو أن وجوده يوجب إما فساد الدين أو فساد الدنيا ، أما فساد الدين فلأن ~~القوم اعتقدوا أن الدين ms4955 الصحيح هو الذي كانوا عليه. فلما كان موسى ساعيا في ~~إفساده كان في اعتقادهم أنه ساع في إفساد الدين الحق. # وأما فساد الدنيا فهو أنه لا بد وأن يجتمع عليه قوم ، ويصير ذلك سببا ~~لوقوع الخصومات وإثارة الفتن. PageV12P280 # ولما كان حب الناس لأديانهم فوق حبهم لأموالهم ، لا جرم بدأ فرعون يذكر ~~الدين فقال : ( @QUR@05 إني أخاف أن يبدل دينكم ) ثم أتبعه بذكر فساد ~~الدنيا فقال : ( @QUR@06 أو أن يظهر في الأرض الفساد ) (1). # ثم حكى سبحانه ما قاله موسى عليه السلام بعد أن سمع من فرعون تهديداته له ~~، وتطاوله عليه ، فقال تعالى : ( @QUR@013 وقال موسى إني عذت بربي وربكم من ~~كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب ). # وقوله ( @QUR@01 عذت ) بمعنى استجرت ولجأت. يقال : عاذ فلان بفلان ~~واستعاذ به ، إذا لجأ إليه. واستجار به. # أى : وقال موسى عليه السلام لقومه على سبيل التثبيت لهم على الحق يا قوم. ~~إنى استجرت وتحصنت بربي وربكم من شر كل مستكبر عن الإيمان بالحق ، كافر ~~بيوم الحساب وما فيه من ثواب وعقاب. # وفي هذا القول الذي قاله موسى لقومه : يتجلى صدق إيمانه ، وقوة يقينه ~~ووثوقه برعاية الله تعالى له ، كما يتجلى فيه حرصه على نصحه لقومه بالثبات ~~على الحق ، لأن الله تعالى الذي هو ربه وربهم ، كفيل برعايته ورعايتهم ~~وبانجائه وبإنجائهم من فرعون وملئه ، كما يتجلى فيه أن الاستكبار عن اتباع ~~الحق ، والتكذيب بالبعث ، على رأس الأسباب التي تعين على قسوة القلب ، ~~وفساد النفس. # قال صاحب الكشاف : وقوله : ( @QUR@01 وربكم ) فيه بعث لهم على أن يقتدوا ~~به ، فيعوذوا بالله عياذه ، ويعتصموا بالتوكل عليه اعتصامه ، وقال : ( ~~@QUR@03 من كل متكبر ) لتشمل استعاذته من فرعون وغيره من الجبابرة ، وليكون ~~على طريقة التعريض ، فيكون أبلغ. وأراد بالتكبر : الاستكبار عن الإذعان ~~للحق ، وهو أقبح استكبار وأدله على دناءة صاحبه ، ومهانة نفسه ، وعلى فرط ~~ظلمه وعسفه. # وقال : ( @QUR@04 لا يؤمن بيوم الحساب ) لأنه إذا اجتمع في الرجل التجبر ~~والتكذيب بالجزاء وقلة المبالاة بالعاقبة ، فقد استكمل أسباب القسوة ~~والجراءة على الله وعباده. ولم يترك عظيمة إلا ارتكبها .. (2). PageV12P281 # وخلال هذا ms4956 الوعيد والتهديد من فرعون وملئه لموسى عليه السلام ، قيض الله ~~تعالى لموسى رجلا مؤمنا من آل فرعون كان يخفى إيمانه. هذا الرجل أخذ يدافع ~~عن موسى دفاعا حكيما مؤثرا ، يحمل الترغيب تارة والترهيب أخرى ، والإرشاد ~~تارة والتأنيب أخرى .. ويحكى القرآن ذلك بأسلوبه البليغ فيقول : # ( @QUR@039 وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ~~ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا ~~يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب (28) @QUR@027 يا ~~قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال ~~فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد (29) @QUR@011 وقال ~~الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب (30) @QUR@014 مثل دأب قوم ~~نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد (31) @QUR@07 ~~ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد (32) @QUR@016 يوم تولون مدبرين ما لكم ~~من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد (33) @QUR@020 ولقد جاءكم ~~يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن ~~يبعث الله PageV12P282 # @QUR@010 من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب (34) @QUR@023 ~~الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين ~~آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار ) (35) # قال الإمام الرازي : اعلم أنه تعالى لما حكى عن موسى عليه السلام أنه ما ~~زاد في دفع مكر فرعون وشره على الاستعاذة بالله ، بين أنه تعالى قيض إنسانا ~~أجنبيا غير موسى حتى ذب عنه على أحسن الوجوه ، وبالغ في تسكين تلك الفتنة ، ~~واجتهد في إزالة ذلك الشر. # ثم قال رحمه الله : يقول مصنف هذا الكتاب : ولقد جربت في أحوال نفسي أنه ~~كلما قصدني شرير بشر ولم أتعرض له ، وأكتفى بتفويض ذلك الأمر إلى الله ، ~~فإنه سبحانه يقيض أقواما لا أعرفهم ألبتة. يبالغون في دفع ذلك الشر .. (1). # وظاهر الآية الكريمة ms4957 يفيد أن هذا الرجل المؤمن كان من حاشية فرعون بدليل ~~قوله تعالى : ( @QUR@03 من آل فرعون ) ولم يكن من بنى إسرائيل. # وقد رجح ابن جرير رحمه الله ذلك فقال : وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي ~~: القول الذي قاله السدى من أن الرجل المؤمن كان من آل فرعون ، ولذا فقد ~~أصغى لكلامه واستمع منه ما قاله ، وتوقف عن قتل موسى عند نهيه عن قتله .. ~~ولو كان إسرائيليا لكان حريا أن يعاجل هذا القائل له ولملئه بالعقوبة على ~~قوله ، لأنه لم يكن يستنصح بنى إسرائيل لاعتداده إياهم أعداء له .. ولكنه ~~لما كان من ملأ قومه ، استمع إليه ، وكف فرعون عما كان قد هم به من قتل ~~موسى .. (2). # قالوا : وهذا الرجل المؤمن هو الذي نصح موسى عليه السلام بقوله : ( ~~@QUR@010 إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك ، فاخرج إني لك من الناصحين ). PageV12P283 # وكان اسمه «حزقيل» أو «حبيب». # أى : وقال رجل مؤمن من آل فرعون وحاشيته ، وكان يكتم إيمانه عنهم ، حتى ~~لا يصيبه أذى منهم ، فعند ما سمع فرعون يقول : ( @QUR@03 ذروني أقتل موسى ) ~~. قال لهم : ( @QUR@011 أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ، وقد جاءكم ~~بالبينات من ربكم ). # أى : أتقتلون رجلا لأنه يقول ربي الله وحده ، وقد جاءكم بالحجج البينات ، ~~وبالمعجزات الواضحة من عند ربكم ، كدليل على صدقه فيما يبلغه عنه. # فقوله : ( @QUR@04 أن يقول ربي الله ) في موضع المفعول لأجله. أى : ~~أتقتلونه من أجل قوله هذا. وجملة ( @QUR@05 وقد جاءكم بالبينات من ربكم ) ~~حالية من فاعل يقول وهو موسى عليه السلام . # والمقصود بهذا الاستفهام : الإنكار عليهم والتبكيت لهم ، حيث قصدوا قتل ~~رجل كل ذنبه أنه عبد الله تعالى وحده وقد جاءهم بالمعجزات الواضحات الدالة ~~على صحة فعله وقوله. # قال الإمام ابن كثير : وقد كان هذا الرجل يكتم إيمانه عن قومه القبط ، ~~فلم يظهر إلا هذا اليوم حين قال فرعون ( @QUR@03 ذروني أقتل موسى ) فأخذت ~~الرجل غضبة لله تعالى و «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر» اللهم إلا ما ~~رواه البخاري في صحيحه حيث قال : # حدثنا على بن عبد الله ، حدثنا الوليد ms4958 بن مسلم ، حدثنا الأوزاعى ، حدثني ~~عروة بن الزبير قال : قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص : أخبرنى بأشد شيء ~~صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : بينا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بفناء الكعبة ، إذ أقبل عقبة بن أبى معيط فأخذ بمنكب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه ، فخنقه خنقا شديدا. فأقبل أبو بكر ~~رضى الله عنه فأخذ بمنكبه ودفع عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال : أتقتلون ~~رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم (1). # وقال القرطبي : وعن على رضى الله عنه قال : اجتمعت قريش بعد وفاة أبى ~~طالب بثلاث : فأرادوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل هذا يجؤه أى ~~يضربه ، وهذا يتلتله أى : يحركه تحريكا شديدا فلم يغثه أحد إلا أبو بكر وله ~~ضفيرتان ، فأقبل يجأ هذا ويتلتل ذا ، ويقول بأعلى صوته : ويلكم .. أتقتلون ~~رجلا أن يقول ربي الله ، والله إنه لرسول PageV12P284 # الله ، فقطعت إحدى ضفيرتى أبى بكر يومئذ (1). # ثم يحكى القرآن الكريم أن ذلك الرجل المؤمن ، لم يكتف بالإنكار على قومه ~~قصدهم موسى بالقتل بل أخذ في محاولة إقناعهم بالعدول عن هذا القصد بشتى ~~الأساليب والحجج فقال : ( @QUR@012 وإن يك كاذبا فعليه كذبه ، وإن يك صادقا ~~يصبكم بعض الذي يعدكم .. ). # أى : أنه قال لهم : إن كان موسى على سبيل الفرض كاذبا فيما يقوله ويفعله ~~فعليه وحده يقع ضرر كذبه ، وليس عليكم منه شيء ، وإن كان صادقا فيما يقوله ~~ويفعله ، فلا أقل من أن يصيبكم بعض الذي يعدكم به من سوء عاقبة مخالفة ما ~~أتاكم به من عند ربه .. # فأنت ترى أن الرجل كان في نهاية الحكمة والإنصاف وحسن المنطق ، في ~~مخاطبته لقومه ، حيث بين لهم أن الأمر لا يخرج عن فرضين ، وكلاهما لا يوجب ~~قصد موسى عليه السلام بالقتل. # ورحم الله صاحب الكشاف. فقد أجاد عند تفسيره لهذه الآية فقال ما ملخصه : ~~وقوله : ( @QUR@06 أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ... ) هذا إنكار عظيم منه ~~، وتبكيت شديد لهم ms4959 ، كأنه قال : أترتكبون الفعلة الشنعاء التي هي قتل نفس ~~محرمة ، وما لكم علة قط في ارتكابها إلا كلمة الحق التي نطق بها وهي قوله ( ~~@QUR@02 ربي الله ).. # ثم أخذ في الاحتجاج عليهم على طريقة التقسيم فقال : لا يخلو من أن يكون ~~كاذبا أو صادقا ، فإن يك كاذبا فعليه يعود كذبه ولا يتخطاه ضرره ، وإن يك ~~صادقا يصبكم بعض ما يعدكم به إن تعرضتم له. # فإن قلت : لم قال : ( @QUR@03 بعض الذي يعدكم ) وهو أى موسى نبي صادق ، ~~لا بد لما يعدهم أن يصيبهم كله لا بعضه؟ # قلت : لأنه احتجاج في مقاولة خصوم موسى ومنا كريه ، إلى أن يلاوصهم أى ~~يحايلهم ويداريهم ، ويسلك معهم طريق الإنصاف في القول ويأتيهم من جهة ~~المناصحة ، فجاء بما علم أنه أقرب إلى تسليمهم لقوله ، وأدخل في تصديقهم له ~~وقبولهم منه ، فقال ( @QUR@07 وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم ) وهو ~~كلام المصنف في مقاله ، غير المشتط فيه ، ليسمعوا منه ولا يردوا عليه ، ~~وذلك أنه حين فرضه صادقا ، فقد أثبت أنه صادق في جميع ما يعد ، ولكنه أردفه ~~بقوله : ( @QUR@04 يصبكم بعض الذي يعدكم ) ليهضمه بعض حقه في ظاهر الكلام ، ~~فيريهم أنه ليس PageV12P285 # بكلام من أعطاه حقه وافيا ، فضلا عن أن يتعصب له ، وتقديم الكاذب على ~~الصادق أيضا من هذا القبيل .. (1). # ثم أرشد الرجل المؤمن الحصيف قومه إلى سنة من سنن الله التي لا تتغير ~~فقال : ( @QUR@08 إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ). # أى : إن سنة الله تعالى قد اقتضت أنه سبحانه لا يهدى الى الحق والصواب ، ~~من كان مسرفا في أموره ، متجاوزا الحدود التي شرعها الله تعالى ومن كان ~~كذابا في إخباره عن الله تعالى ، ولو كان موسى مسرفا أو كذابا ، لما أيده ~~الله تعالى بالمعجزات الباهرة. وبالحجج الساطعة الدالة على صدقه. # فالجملة الكريمة إرشاد لهم عن طريق خفى إلى صدق موسى فيما يبلغه عن ربه ، ~~وتعريض بما عليه فرعون من ظلم وكذب. # قال الجمل في حاشيته : فالجملة الكريمة كلام ذو وجهين نظرا لموسى وفرعون. # الوجه الأول : أن ms4960 هذا إشارة الى الرمز والتعريض بعلو شأن موسى ، والمعنى ~~: إن الله هدى موسى إلى الإتيان بالمعجزات الباهرة ، ومن هداه الله إلى ذلك ~~لا يكون مسرفا ولا كذابا. # الوجه الثاني : أن يكون المراد أن فرعون مسرف في عزمه على قتل موسى. ~~وكاذب في ادعائه الألوهية ، والله لا يهدى من كان كذلك .. (2). # ثم أخذ في تذكيرهم بنعم الله عليهم ، وفي تحذيرهم من نقمه فقال : ( ~~@QUR@015 يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض ، فمن ينصرنا من بأس الله ~~إن جاءنا ). # أى : وقال الرجل المؤمن لقومه أيضا : يا قوم ، أى : يا أهلى ويا عشيرتي ، ~~أنتم اليوم لكم الملك ، حالة كونكم ظاهرين ، أى : غالبين ومنتصرين في أرض ~~مصر ، عالين فيها على بني إسرائيل قوم موسى. # وإذا كان أمرنا كذلك ، فمن يستطيع أن ينصرنا من عذاب الله ، إن أرسله ~~علينا ، بسبب عدم شكرنا له ، واعتدائنا على خلقه. # وإنما نسب إليهم ما يسرهم من الملك والظهور في الأرض دون أن يسلك نفسه ~~معهم ، وسلك نفسه معهم في موطن التحذير ، تطييبا لقلوبهم ، وإيذانا بأنه ~~ناصح أمين لهم ، وأنه لا PageV12P286 # يهمه سوى منفعتهم ومصلحتهم .. # وهنا نجد القرآن الكريم يخبرنا بأن فرعون بعد أن استمع إلى نصيحة الرجل ~~المؤمن ، أخذته العزة بالإثم ، وقال ما يقوله كل طاغية معجب بنفسه : ( ~~@QUR@010 ما أريكم إلا ما أرى ، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ). # أى : قال فرعون لقومه ، في رده على نصيحة الرجل المؤمن : يا قوم لا أشير ~~عليكم ولا أخبركم إلا بما أراه صوابا وخيرا ، وهو أن أقتل موسى عليه السلام ~~وما أهديكم برأيى هذا إلا إلى طريق السداد والرشاد. # وغرض فرعون بهذا القول ، التدليس والتمويه على قومه. وأنه ما يريد إلا ~~منفعتهم ، مع أن الدافع الحقيقي لقوله هذا ، هو التخلص من موسى حتى يخلو له ~~الجو في تأليه نفسه على جهلة قومه ، فإنهم كانوا كما قال تعالى في شأنهم : ~~( @QUR@07 فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين ). # ولكن الرجل المؤمن لم يسكت أمام هذا التدليس والتمويه الذي نطق به فرعون ~~، بل استرسل في نصحه ms4961 لقومه. وحكى القرآن عنه ذلك فقال : ( @QUR@011 وقال ~~الذي آمن يا قوم ، إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب .. ). # أى قال لهم : يا قوم إنى أخاف عليكم إذا تعرضتم لموسى عليه السلام بالقتل ~~أو بالتكذيب ، أن ينزل بكم عذاب مثل العذاب الذي نزل على الأمم الماضية ~~التي تحزبت على أنبيائها ، وأعرضت عن دعوتهم ، فكانت عاقبتها خسرا .. # فالمراد بالأحزاب : تلك الأمم السابقة التي وقفت من أنبيائها موقف العداء ~~والبغضاء. وكأن تلك الأمم من حزب ، والأنبياء من حزب آخر .. # والمراد باليوم هنا : الأحداث والوقائع والعقوبات التي حدثت فيه. فالكلام ~~على حذف مضاف. # أى : أخاف عليكم مثل حادث يوم الأحزاب. # وقوله : ( @QUR@09 مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ... ) بدل ~~أو عطف بيان من قوله ( @QUR@03 مثل يوم الأحزاب ). # والدأب : العادة الدائمة المستمرة يقال : دأب فلان على كذا ، إذا داوم ~~عليه وجد فيه ، ثم غلب استعماله في الحال والشأن والعادة. # أى : أخاف عليكم أن يكون حالكم وشأنكم كحال قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم PageV12P287 # كقوم لوط ، فهؤلاء الأقوام كذبوا أنبياءهم فدمرهم الله تعالى تدميرا ، ~~فاحذروا أن تسيروا على نهجهم بأن تقصدوا موسى عليه السلام بالقتل أو الإيذاء ~~، فينزل بكم العذاب مثل ما نزل بهم. # ( @QUR@02 وما الله ) تعالى ( @QUR@03 يريد ظلما للعباد ) أى : فما أنزله ~~سبحانه بهم من عذاب ، إنما هو بسبب إصرارهم على شركهم. وعلى الإعراض عن ~~دعوة أنبيائهم ، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. # ثم يواصل الرجل المؤمن تذكير قومه بأهوال يوم القيامة فيقول : ( @QUR@07 ~~ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد ). # أخاف عليكم يوم القيامة الذي يكثر فيه نداء أهل الجنة لأهل النار. ونداء ~~أهل النار لأهل الجنة ، ونداء الملائكة لأهل السعادة وأهل الشقاوة. # فلفظ «التناد» بتخفيف الدال وحذف الياء تفاعل من النداء ، يقال : تنادى ~~القوم ، إذا نادى بعضهم بعضا .. # وقوله : ( @QUR@09 يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ... ) بدل من ~~يوم التناد. أى : أخاف عليكم من أهوال يوم القيامة ، يوم تنصرفون عن موقف ~~الحساب والجزاء فتتلقاكم النار بلهيبها وسعيرها ، وتحاولون الهرب ms4962 منها فلا ~~تستطيعون. لأنه لا عاصم لكم ولا مانع في هذا اليوم من عذاب الله تعالى ~~وعقابه. # ( @QUR@07 ومن يضلل الله فما له من هاد ) أى : ومن يضلله الله تعالى عن ~~طريق الحق بسبب سوء استعداده ، واستحبابه العمى على الهدى. فما له من هاد ~~يهديه إلى الصراط المستقيم. # وهكذا نجد الرجل المؤمن بعد أن خوف قومه من العذاب الدنيوي ، أتبع ذلك ~~بتخويفهم من العذاب الأخروى. # ثم ذكرهم بعد ذلك بما كان من أسلافهم مع أحد أنبيائهم فقال : ( @QUR@023 ~~ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به ، حتى إذا ~~هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا ). # والذي عليه المحققون أن المراد بيوسف هنا : يوسف بن يعقوب عليهما السلام ~~والمراد بمجيئه إليهم : مجيئه إلى آبائهم ، إذ بين يوسف وموسى عليهما السلام ~~أكثر من أربعة قرون ، فالتعبير في الآية الكريمة من باب نسبة أحوال الآباء ~~إلى الأبناء لسيرهم على منوالهم وعلى طريقتهم في الإعراض عن الحق. PageV12P288 # أى : ولقد جاء يوسف عليه السلام إلى آبائكم من قبل مجيء موسى إليكم ، وكان ~~مجيئه إلى آبائكم مصحوبا بالمعجزات والبينات ، والآيات الواضحات الدالة على صدقه. # ( @QUR@07 فما زلتم في شك مما جاءكم به ) أى : فما زال آباؤكم في شك مما ~~جاءهم به من البينات والهدى ، كشأنكم أنتم مع نبيكم موسى عليه السلام . # ( @QUR@03 حتى إذا هلك ) أى : مات يوسف عليه السلام . # ( @QUR@01 قلتم ) أى : قال آباؤكم الذين أنتم من نسلهم ( @QUR@06 لن يبعث ~~الله من بعده رسولا ) فهم قد كذبوا رسالته في حياته ، وكفروا بمن بعده من ~~الرسل بعد موته ، لأنهم نفوا أن يكون هناك رسول من بعده. # فأنت ترى أن الرجل المؤمن يحذر قومه من أن يسلكوا مسلك آبائهم ، في تكذيب ~~رسل الله ، وفي الإعراض عن دعوتهم. # قال ابن كثير : قوله تعالى : ( @QUR@06 ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات ~~) يعنى : أهل مصر ، قد بعث الله فيهم رسولا من قبل موسى ، وهو يوسف ~~عليه السلام ، كان عزيز أهل مصر ، وكان رسولا يدعو إلى الله أمته القبط ، ~~فما أطاعوه ms4963 تلك الساعة إلا لمجرد الوزارة. والجاه الدنيوي. ولهذا قال : ( ~~@QUR@017 فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من ~~بعده رسولا ) أى : يئستم فقلتم طامعين : ( @QUR@06 لن يبعث الله من بعده ~~رسولا ) وذلك لكفرهم وتكذيبهم (1). # وقوله : ( @QUR@07 كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب ) أى : مثل ذلك ~~الإضلال الفظيع ، يضل الله تعالى من هو مسرف في ارتكاب الفسوق والعصيان ، ~~ومن هو مرتاب في دينه. شاك في صدق رسوله ، لاستيلاء الشيطان والهوى على قلبه. # ثم بين لهم أن غضب الله تعالى شديد ، على الذين يجادلون في آياته الدالة ~~على وحدانيته وعلى كمال قدرته ، وعلى صدق أنبيائه ، بغير حجة أو دليل فقال ~~( @QUR@015 الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم ، كبر مقتا عند ~~الله وعند الذين آمنوا ... ). # وقوله : ( @QUR@02 الذين يجادلون ... ) مبتدأ ، وخبره قوله تعالى : ( ~~@QUR@02 كبر مقتا .. ) والفاعل ضمير يعود إلى الجدال المفهوم من قوله ( ~~@QUR@01 يجادلون ) أى : كبر جدالهم و ( @QUR@01 مقتا ) تمييز محول عن ~~الفاعل ، أى : عظم بغضا جدالهم عند الله وعند المؤمنين. PageV12P289 # أى : الذين يجادلون في آيات الله الدالة على وحدانيته ، وعلى صدق أنبيائه ~~بغير دليل أو برهان أتاهم من الله تعالى عن طريق رسله ، هؤلاء الذين يفعلون ~~ذلك ، كبر وعظم بغضا جدالهم عند الله تعالى وعند الذين آمنوا. # قال الجمل : وهذه الصفة وهي الجدال بالباطل بدون برهان موجودة في فرعون ~~وقومه ، ويكون الرجل المؤمن قد عدل عن مخاطبتهم إلى الاسم الغائب ، لحسن ~~محاورته لهم ، واستجلاب قلوبهم. وأبرز ذلك في صورة تذكرهم فلم يخصهم ~~بالخطاب. # وفي قوله : ( @QUR@01 كبر ) ضرب من التعجب والاستعظام لجدالهم (1). # وقوله : ( @QUR@08 كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار ) أى : مثل ذلك ~~الطبع العجيب ، يطبع الله تعالى ويختم بالكفر والعمى على قلب كل إنسان ~~متكبر عن الاستماع للحق ، متطاول ومتجبر على خلق الله تعالى بالعدوان ~~والإيذاء. # ومع هذا النصح الزاخر بالحكم الحكيمة ، والتوجيهات السليمة ، والإرشادات ~~القويمة من الرجل المؤمن لقومه .. ظل فرعون سادرا في غيه ، مصرا على كفره ~~وضلاله .. إلا أن الرجل المؤمن لم ييأس من ms4964 توجيه النصح بل أخذ يذكر وينذر ~~ويبشر .. ويحكى القرآن الكريم كل ذلك فيقول : # ( @QUR@010 وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب (36) ~~@QUR@023 أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين ~~لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب (37) @QUR@09 ~~وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد (38) @QUR@010 يا قوم إنما ~~هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي PageV12P290 # @QUR@02 دار القرار (39) @QUR@023 من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن ~~عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير ~~حساب (40) @QUR@010 ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار ~~(41) @QUR@015 تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم ~~إلى العزيز الغفار (42) @QUR@022 لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في ~~الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار (43) ~~@QUR@012 فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد ~~(44) @QUR@010 فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب (45) ~~@QUR@013 النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون ~~أشد العذاب ) (46) # والمراد بالصرح في قوله تعالى : ( @QUR@07 وقال فرعون يا هامان ابن لي ~~صرحا ... ) البناء العالي المكشوف للناس ، الذي يرى الناظر من فوقه ما يريد ~~أن يراه ، مأخوذ من التصريح بمعنى الكشف والإيضاح. # والأسباب : جمع سبب ، وهو كل ما يتوصل به إلى الشيء ، والمراد بها هنا : ~~أبواب السماء وطرقها ، التي يصل منها إلى ما بداخلها. # أى : وقال فرعون لوزيره هامان : يا هامان ابن لي بناء ظاهرا عاليا مكشوفا ~~لا يخفى على PageV12P291 # الناظر وإن كان بعيدا عنه ، لعلى عن طريق الصعود على هذا البناء الشاهق ~~أبلغ الأبواب الخاصة بالسموات ، فأدخل منها فأنظر الى إله موسى. # والمراد بالظن في قوله ( @QUR@03 وإني لأظنه كاذبا ) اليقين لقوله تعالى ~~في آية أخرى : ( @QUR@029 وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله ~~غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى ms4965 إله موسى ~~وإني لأظنه من الكاذبين ) (1). # فقوله كما حكى القرآن عنه : ( @QUR@06 ما علمت لكم من إله غيري ) قرينة ~~قوية على أن المراد بالظن في الآيتين : اليقين والجزم ، بسبب غروره ~~وطغيانه. # أى : وإنى لأعتقد وأجزم بأن موسى كاذبا في دعواه أن هناك إلها غيرى لكم ، ~~وفي دعواه أنه رسول إلينا. # وكرر لفظ الأسباب لأن اللفظ الثاني يدل على الأول ، والشيء إذا أبهم ثم ~~أوضح ، كان تفخيما لشأنه ، فلما أراد تفخيم ما أمل بلوغه من أسباب السموات ~~أبهمها ثم أوضحها. # وقوله : ( @QUR@01 فأطلع ) قرأه الجمهور بالرفع عطفا على ( @QUR@01 أبلغ ~~) فيكون في حيز الترجي. # وقرأه بعض القراء السبعة بالنصب فيكون جوابا للأمر في قوله : ( @QUR@03 ~~ابن لي صرحا .. ). # ولا شك أن قول فرعون هذا بجانب دلالته على أنه بلغ الغاية في الطغيان ~~والفجور والاستخفاف بالعقول ، يدل أيضا على شدة خداعه ، إذ هو يريد أن ~~يتوصل من وراء هذا القول إلى أنه ليس هناك إله سواه ولو كان هناك إله سواه ~~لشاهده هو وغيره من الناس. # قال الإمام ابن كثير : وذلك لأن فرعون بنى هذا الصرح ، الذي لم ير في ~~الدنيا بناء أعلى منه ، وإنما أراد بهذا أن يظهر لرعيته تكذيب موسى فيما ~~قاله ، من أن هناك إلها غير فرعون .. (2). # وقال الجمل في حاشيته ما ملخصه : وقول فرعون هذا المقصود منه التلبيس ~~والتمويه والتخليط على قومه توصلا لبقائهم على الكفر ، وإلا فهو يعرف حقيقة ~~الإله ، وأنه ليس في جهة ، ولكنه أراد التلبيس ، فكأنه يقول لهم : لو كان ~~إله موسى موجودا لكان له محل ، ومحله إما الأرض وإما السماء ، ولم نره في ~~الأرض ، فيبقى أن يكون في السماء ، والسماء لا يتوصل PageV12P292 # إليها إلا بسلم .. (1). # ثم بين سبحانه أن مكر فرعون هذا مصيره إلى الخسران فقال : ( @QUR@014 ~~وكذلك زين لفرعون سوء عمله ، وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب ). # والتباب : الهلاك والخسران ، يقال : تب الله تعالى فلانا ، أى : أهلكه ، ~~وتبت يدا فلان ، أى : خسرتا ومنه قوله سبحانه : ( @QUR@05 تبت يدا أبي لهب ~~وتب ... ). # أى : ومثل ذلك التزيين القبيح ms4966 ، زين لفرعون سوء عمله ، فرآه حسنا ، ~~لفجوره وطغيانه ، وصد عن سبيل الهدى والرشاد ، لأنه استحب العمى على الهدى. ~~وما كيد فرعون ومكره وتلبيسه واحتياله في إبطال الحق ، إلا في هلاك وخسران ~~وانقطاع. # ثم حكى القرآن الكريم أن الرجل المؤمن قد تابع حديثه ونصائحه لقومه ، بعد ~~أن استمع إلى ما قاله فرعون من باطل وغرور فقال : ( @QUR@06 وقال الذي آمن ~~يا قوم اتبعون .. ) أى : فيما أنصحكم به ، وأرشدكم إليه. # ( @QUR@03 أهدكم سبيل الرشاد ) أى : اتبعونى فيما نصحتكم به ، فإن في ~~اتباعكم لي هدايتكم إلى الطريق الذي كله صلاح وسعادة وسداد. أما اتباعكم ~~لفرعون فيؤدى بكم إلى طريق الغي والضلال. # ( @QUR@07 يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع ... ) أى : هذه الدنيا ~~متاع زائل مهما طالت أيامه .. # ( @QUR@02 وإن الآخرة ) وحدها ( @QUR@03 هي دار القرار ) أى : هي الدار ~~التي فيها البقاء والدوام والخلود. # ( @QUR@03 من عمل سيئة ) في هذه الدنيا ( @QUR@02 فلا يجزى ) في الآخرة ( ~~@QUR@02 إلا مثلها ) كرما من الله تعالى وعدلا. # ( @QUR@09 ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ) بالله تعالى إيمانا حقا. # ( @QUR@01 فأولئك ) المؤمنون الصادقون ( @QUR@06 يدخلون الجنة يرزقون ~~فيها بغير حساب ) أى : يرزقون فيها رزقا واسعا هنيئا ، لا يعلم قدره إلا ~~الله تعالى ، ولا يحاسبهم عليه محاسب. فقد تفضل سبحانه على عباده. أن يضاعف ~~لهم الحسنات دون السيئات. # ثم استنكر موقف قومه منه فقال : ( @QUR@07 ويا قوم ما لي أدعوكم إلى ~~النجاة ) من العذاب PageV12P293 # الدنيوي والأخروى ، بأن آمركم بالإيمان والعمل الصالح ، وأنهاكم عن قتل ~~رجل يقول ربي الله ، وقد جاءكم بالبينات من ربكم ، وهو موسى عليه السلام . # وأنتم ( @QUR@03 تدعونني إلى النار ) أى : تدعونني لما يوصل إلى النار ~~وهو عبادة غير الله تعالى ، والموافقة على قتل الصالحين أو إيذائهم .. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم كرر نداء قومه؟ ولم جاء بالواو في النداء ~~الثالث دون الثاني؟. # قلت : أما تكرير النداء ففيه زيادة تنبيه لهم ، وإيقاظ عن سنة الغفلة ، ~~وفيه : أنهم قومه وعشيرته .. ونصيحتهم عليه واجبة ، فهو يتحزن لهم ، ويتلطف ~~بهم ، ويستدعى بذلك أن لا يتهموه فإن سرورهم سروره ، وغمهم ms4967 غمه وأن ينزلوا ~~على تنصيحه لهم ، كما كرر إبراهيم عليه السلام في نصيحة أبيه قوله : ( ~~@QUR@02 يا أبت ) في سورة مريم. # وأما المجيء بالواو العاطفة في النداء الثالث دون الثاني ، فلأن الثاني ~~داخل على كلام هو بيان للمجمل ، وتفسير له فأعطى الداخل عليه حكمه في ~~امتناع دخول الواو. وأما الثالث : فداخل على كلام ليس بتلك المثابة (1). # وقوله : ( @QUR@010 تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم ... ) ~~بدل من قوله : ( @QUR@03 وتدعونني إلى النار ) وتفسير وبيان له. # أى : أنا أدعوكم إلى النجاة من النار ، وأنتم تدعونني إلى الإشراك بالله ~~تعالى وإلى الكفر به ، مع أنى أعلم علم اليقين أنه سبحانه لا شريك له ، لا ~~في ذاته ولا في صفاته. # وقوله : ( @QUR@05 وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار ) بيان للفرق الشاسع ~~بين دعوته لهم ودعوتهم له. # فهم يدعونه إلى الشرك والكفر ، وإلى عبادة آلهة قد قام الدليل القاطع على ~~بطلانها ، وهو يدعوهم إلى عبادة الله تعالى وحده ، الغالب لكل ما سواه ، ~~الواسع المغفرة لمن تاب إليه بعد أن عصاه .. # ثم يؤكد لهم بصورة لا تقبل الشك أو التردد أن ما يطلبونه منه هو الباطل ~~وأن ما يطلبه منهم هو الحق فيقول : ( @QUR@013 لا جرم أنما تدعونني إليه ، ~~ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة ... ). PageV12P294 # وجرم : فعل ماض بمعنى حق وثبت ووجب. وقد وردت هذه الكلمة في القرآن في ~~خمسة مواضع ، وفي كل موضع جاءت متلوة بأن واسمها. # وجمهور النحاة على أنها مركبة من «لا» و «جرم» تركيب خمسة عشر. ومعناها ~~بعد هذا التركيب معنى الفعل حق وثبت ، والجملة بعدها هي الفاعل لهذا الفعل .. # ومن النحاة من يرى أن «لا» نافية للجنس ، و «جرم» اسمها ، وما بعدها خبرها. # أى : حق وثبت لدى بما لا يقبل الشك ، أن آلهتكم التي تدعونني لعبادتها ~~آلهة باطلة ، لا وزن لها ولا قيمة لا في الدنيا ولا في الآخرة .. # ( @QUR@02 وأن مردنا ) جميعا ( @QUR@02 إلى الله ) تعالى وحده ( @QUR@02 ~~وأن المسرفين ) أى : المستكثرين من المعاصي في الدنيا ( @QUR@03 هم أصحاب ~~النار ) في الآخرة. # ثم نصح ms4968 نصائحه الحكيمة الغالية بقوله : فستذكرون يا قوم ما أقول لكم من ~~حق وصدق. # ( @QUR@04 وأفوض أمري إلى الله ) تعالى وحده لكي يعصمني من كل سوء. # ( @QUR@02 إن الله ) تعالى ( @QUR@02 بصير بالعباد ) لا يخفى عليه شيء من ~~أقوالهم أو أفعالهم ، وسيجازى يوم القيامة كل نفس بما كسبت. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 فوقاه الله سيئات ما مكروا ) بيان للعاقبة ~~الطيبة التي أكرمه الله سبحانه بها بعد صدوعه بكلمة الحق أمام فرعون وجنده .. # أى : فكانت نتيجة إيمان هذا الرجل ، وجهره بكلمة الحق ، ونصحه لقومه ، أن ~~وقاه الله تعالى ما أراده الظالمون به من أذى وعدوان ومن مكر سيئ .. # ( @QUR@03 وحاق بآل فرعون ) أى : ونزل وأحاط بفرعون وقومه ( @QUR@02 سوء ~~العذاب ) بأن أغرقهم الله تعالى في اليم ، وجعلهم عبرة لمن يعتبر. # ثم بين سبحانه سوء مصيرهم بعد موتهم ، وعند قيام الساعة ، فقال : ( ~~@QUR@013 النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون ~~أشد العذاب ).. والغدو : أول النهار. والعشى : آخره ، وجملة : ( @QUR@03 ~~النار يعرضون عليها .. ) بدل من قوله تعالى ( @QUR@02 سوء العذاب ). بعرض ~~أرواح فرعون وملئه على النار بعد موتهم وهم في قبورهم في الصباح والمساء ، ~~( @QUR@03 ويوم تقوم الساعة ) يقال لملائكة العذاب : ( @QUR@05 أدخلوا آل ~~فرعون أشد العذاب ) وهو عذاب جهنم وبئس المصير مصيرهم. # قال القرطبي : والجمهور على أن هذا العرض في البرزخ واحتج بعض أهل العلم ~~في تثبيت عذاب القبر بقوله تعالى : ( @QUR@05 النار يعرضون عليها غدوا ~~وعشيا ) مادامت الدنيا .. PageV12P295 # قال مجاهد وغيره : هذه الآية تدل على عذاب القبر في الدنيا ألا تراه يقول ~~سبحانه عن عذاب الآخرة : ( @QUR@05 أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ). # وفي الحديث عن ابن مسعود : إن أرواح آل فرعون ومن كان مثلهم من الكفار ، ~~تعرض على النار بالغداة والعشى ، فيقال : هذه داركم .. (1). # هذا ، والمتأمل في هذه الآية الكريمة ، يرى أن القرآن قد ساق على لسان ~~مؤمن آل فرعون ، أسمى الأساليب وأحكمها في الدعوة إلى الحق ، فقد بدأ نصحه ~~بنهي قومه عن قتل موسى عليه السلام ثم ذكرهم بنعم الله عليهم ، وبسوء عاقبة ~~الظالمين ، وبأن نعيم الدنيا زائل ، أما نعيم الآخرة ms4969 فباق ، وبأن ما يدعوهم ~~إليه هو الحق ، وبأن ما يدعونه إليه هو الباطل. # ثم ختم تلك النصائح الغالية بتفويض أمره إلى الله فقال : ( @QUR@012 ~~فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله ، إن الله بصير بالعباد ) فكانت ~~نتيجة هذا التفويض ، أن وقاه الله تعالى من سوء مكر أعدائه ، ونجاه من ~~شرورهم ، وأن جعل مكرهم السيئ يحيق بهم. # ثم حكى سبحانه جانبا مما يدور بين أهل النار من مجادلات ، وكيف أن كل ~~فريق منهم يطلب من الملائكة تخفيف العذاب عنه ، ولكن لا يجابون إلى طلبهم ، ~~ولا تقبل معذرتهم ، وأن سنة الله قد اقتضت أن ينصر عباده الصالحين في ~~الدنيا والآخرة قال تعالى : # ( @QUR@019 وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا ~~لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار (47) @QUR@012 قال الذين ~~استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد (48) @QUR@05 وقال الذين ~~في النار لخزنة PageV12P296 # @QUR@08 جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب (49) @QUR@016 قالوا ~~أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين ~~إلا في ضلال (50) @QUR@011 إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ~~ويوم يقوم الأشهاد (51) @QUR@010 يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ~~ولهم سوء الدار (52) @QUR@08 ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل ~~الكتاب (53) @QUR@04 هدى وذكرى لأولي الألباب (54) @QUR@012 فاصبر إن وعد ~~الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار ) (55) # و ( @QUR@01 إذ ) في قوله تعالى : ( @QUR@04 وإذ يتحاجون في النار ) ~~متعلق بمحذوف تقديره : اذكر ، أى : واذكر أيها الرسول الكريم لقومك ~~ليعتبروا ويتعظوا وقت أن يتخاصم أهل النار فيما بينهم. # ( @QUR@02 فيقول الضعفاء ) منهم ( @QUR@02 للذين استكبروا ) في الدنيا ~~وكانوا رؤساء وقادة : # ( @QUR@04 إنا كنا لكم تبعا ) أى إنا كنا في الدنيا تابعين لكم ، ~~ومنقادين لهواكم ومسخرين لخدمتكم .. والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@07 ~~فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار ) للطلب المصحوب بالرجاء والاستجداء .. # أى : هذا هو حالنا أمامكم ، وقد كنا في الدنيا منقادين لكم انقياد العبد ~~لسيده ، فادفعوا عنا شيئا من هذا العذاب المهين الذي نزل بنا ، فطالما ~~دافعنا عنكم ms4970 في الدنيا وسرنا وراءكم بدون تفكير أو معارضة .. PageV12P297 # وقوله ( @QUR@01 نصيبا ) منصوب بفعل مقدر يدل عليه قوله ( @QUR@01 مغنون ~~) أى : فهل أنتم تدفعون عنا جزءا من العذاب الذي نحن فيه ، وتحملون عنا ~~نصيبا منه. # وهنا يرد عليهم المستكبرون ، بضيق وملل. ويحكى القرآن ذلك فيقول ( ~~@QUR@03 قال الذين استكبروا ) أى للضعفاء. # ( @QUR@03 إنا كل فيها ) أى : إنا نحن وأنتم جميعا في جهنم ، فكيف ندفع ~~عنكم شيئا من العذاب ، وإننا لو كانت عندنا القدرة على دفع شيء من العذاب ، ~~لدفعناه عن أنفسنا. # ولفظ ( @QUR@01 كل ) مبتدأ ، وفيها متعلق بمحذوف خبر ، والجملة من ~~المبتدأ والخبر ، خبر إن. # وجملة : ( @QUR@06 إن الله قد حكم بين العباد ) من جملة الرد ، أى : إن ~~الله تعالى قد حكم بين العباد بحكمه العادل ، فجعل للمؤمنين الجنة ، وجعل ~~للكافرين النار وقدر لكل منا ومنكم عذابا لا تغنى فيه نفس عن نفس شيئا. # وبعد أن يئس الكل من نصرة بعضهم لبعض ، اتجهوا جميعا نحو خزنة جهنم لعلهم ~~يشفعون لهم عند ربهم ، ويحكى القرآن : ذلك فيقول : ( @QUR@06 وقال الذين في ~~النار ، لخزنة جهنم ) وهم الملائكة المكلفون بتعذيب الكافرين. # قالوا لهم : ( @QUR@07 ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب ) أى : ادعوا ~~ربكم أن يخفف عنا يوما واحدا من الأيام الكثيرة التي ينزل علينا العذاب ~~فيها بدون انقطاع ، لعلنا في هذا اليوم نستطيع أن نلتقط أنفاسنا التي مزقها ~~العذاب الدائم. # وهنا يرد عليهم خزنة جهنم بقولهم : ( @QUR@05 أولم تك تأتيكم رسلكم ~~بالبينات ) أى : قالوا لهم على سبيل التوبيخ والتأنيب : أو لم تك رسلكم في ~~الدنيا تنذركم بسوء مصير الكافرين ، وتأتيكم بالمعجزات الواضحات الدالة على صدقهم. # ( @QUR@02 قالوا بلى ) أى : الكافرون لخزنة جهنم : بلى أتونا بكل ذلك ~~فكذبناهم. # وهنا رد عليهم الخزنة بقولهم : مادام الأمر كما ذكرتم من أن الرسل قد ~~نصحوكم ولكنكم أعرضتم عنهم ( @QUR@01 فادعوا ) ما شئتم فإن الدعاء والطلب ~~والرجاء لن ينفعكم شيئا. # ( @QUR@06 وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ) أى : وما دعاء الكافرين ~~وتضرعهم إلا في ضياع وخسران. # ثم بين سبحانه سنة من سننه التي لا تتخلف فقال : ( @QUR@011 إنا لننصر ~~رسلنا ، والذين ms4971 آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ). # والأشهاد : جمع شاهد ، وعلى رأسهم الأنبياء الذين يشهدون على أممهم يوم ~~القيامة بأنهم PageV12P298 # قد بلغوهم دعوة الله ، والملائكة الذين يشهدون للرسل بالتبليغ ، ~~وللمؤمنين بالإيمان وللكافرين بالكفر ، وكل من يقوم يوم القيامة للشهادة ~~على غيره يكون من الأشهاد. # أى : لقد اقتضت سنتنا التي لا تتخلف أن ننصر رسلنا والمؤمنين في الدنيا ~~بالحجة الدامغة التي تزهق باطل أعدائهم ، وبالتغلب عليهم ، وبالانتقام منهم. # وأن ننصرهم في الآخرة كذلك بأن نجعل لهم الجنة ، والنار لأعدائهم. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@06 في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ~~) أى : في الدنيا والآخرة ، يعنى أنه ينصرهم في الدارين جميعا بالحجة ~~والظفر على أعدائهم ، وإن غلبوا في الدنيا في بعض الأحايين امتحانا من الله ~~، فالعاقبة لهم ، ويتيح الله من يقتص من أعدائهم ولو بعد حين (1). # وما ذكره صاحب الكشاف فإننا نراه واقعا في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وفي سيرة أتباعه فلقد هاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة وليس معه سوى أبى ~~بكر الصديق ، وعاد إليها بعد ثماني سنوات فاتحا غازيا ظافرا ، ومن حوله ~~الآلاف من أصحابه. # والمؤمنون قد يغلبون أحيانا ويعتدى عليهم .. ولكن العاقبة لا بد أن تكون ~~لهم. متى داوموا على التمسك بما يقتضيه إيمانهم من الثبات على الحق ، ومن ~~العمل الصالح .. # وعبر سبحانه عن يوم القيامة ، بيوم يقوم الأشهاد ، للإشعار بأن نصر الرسل ~~والمؤمنين في هذا اليوم سيكون نصرا مشهودا معلوما من الأولين والآخرين ، لا ~~ينكره منكر. ولا ينازع فيه منازع. # وقوله : ( @QUR@05 يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ). أى : وننصرهم يوم ~~القيامة يوم يقدم الظالمون أعذارهم لكي نعفو عنهم. فلا يقبل منهم عذر واحد ~~، لأنها أعذار ساقطة. وجاءت في غير وقتها. # ولا منافاة بين هذه الآية وبين قوله تعالى : ( @QUR@04 ولا يؤذن لهم ~~فيعتذرون ) لأن المقصود منها واحد. وهو أنهم ليس لهم عذر مقبول حتى يلتفت ~~إليهم ، وإنما عذرهم مرفوض رفضا تاما. # ( @QUR@02 ولهم اللعنة ) من الله تعالى ومن عباده المؤمنين ( @QUR@01 ~~ولهم ) أيضا ( @QUR@02 سوء الدار ) وهي جهنم وسوؤها ما ms4972 يسوء فيها من العذاب ~~، فالإضافة من باب إضافة الصفة إلى الموصوف. أى : ولهم الدار السوءى. PageV12P299 # وفي هاتين الآيتين ما فيهما من البشارة السارة العظيمة للمؤمنين ومن ~~الإهانة التي ليس بعدها إهانة للكافرين. # ثم ساق سبحانه مثالا من نصره لرسله ولعباده المؤمنين. فقال تعالى : ( ~~@QUR@012 ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب ، هدى وذكرى ~~لأولي الألباب ). # أى : والله لقد آتينا عبدنا ونبينا موسى ما يهتدى به من المعجزات والصحف ~~والشرائع. وأورثنا من بعده قومه بنى إسرائيل الكتاب وهو التوراة. لكي ~~ينتفعوا بإرشاداته وأحكامه وتوجيهاته. # وفعلنا ما فعلنا من أجل أن يكون ذلك الكتاب هداية وذكرى لأصحاب العقول ~~السليمة فقوله تعالى ( @QUR@02 هدى وذكرى ) مفعول لأجله. أو هما مصدران في ~~موضع الحال. أى : وأورثنا بنى إسرائيل الكتاب ، حالة كونه هاديا ومذكرا ~~لأولى الألباب. لأنهم هم الذين ينتفعون بالهدايات. وهم الذين يتذكرون ~~ويعتبرون دون غيرهم. # ثم ختم سبحانه الآيات الكريمة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر على أذى ~~أعدائه. فقال : ( @QUR@05 فاصبر إن وعد الله حق .. ). # أى : إذا كان الأمر كما ذكرنا لك أيها الرسول الكريم من أننا سننصر رسلنا ~~والذين آمنوا في الحياة الدنيا ( @QUR@03 ويوم يقوم الأشهاد .. ) فاصبر على ~~ما أصابك من أعدائك ، فإن ما وعدك الله تعالى به من النصر ثابت لا شك فيه ، ~~وحق لا باطل معه. # ( @QUR@02 واستغفر لذنبك ) فإن استغفارك هذا وأنت المعصوم من كل ما ~~يغضبنا يجعل أمتك تقتدى بك في ذلك ، وتسير على نهجك في الإكثار من فعل ~~الطاعات. # ( @QUR@05 وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار ) أى : وبجانب استغفارك من ~~الذنوب ، أكثر من تسبيح ربك ومن تنزيهه عن كل ما لا يليق به عند حلول الليل ~~، وعند تباكير الصباح ، فإن هذا الاستغفار ، وذلك التسبيح ، خير زاد للوصول ~~إلى السعادة والفوز في الدنيا والآخرة. # قال الإمام الرازي ما ملخصه : واعلم أن مجامع الطاعات محصورة في قسمين : ~~التوبة عما لا ينبغي ، والاشتغال بما ينبغي ، والأول مقدم على الثاني بحسب ~~الرتبة الذاتية. فوجب أن يكون مقدما عليه في الذكر .. # أما التوبة عما لا ms4973 ينبغي ، فنراها في قوله تعالى : ( @QUR@02 واستغفر ~~لذنبك ). # وأما الاشتغال بما ينبغي ، فنراه في قوله تعالى ( @QUR@05 وسبح بحمد ربك ~~بالعشي والإبكار ). PageV12P300 # والتسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى عن كل ما لا يليق به ، والعشى ~~والإبكار ، قيل صلاة العصر وصلاة الفجر. وقيل : الإبكار عبارة عن أول ~~النهار إلى النصف. والعشى عبارة عن النصف إلى آخر النهار ، فيدخل فيه كل ~~الأوقات ، وبالجملة فالمراد منه المواظبة على ذكر الله. وأن لا يفتر اللسان ~~عنه .. (1). # ثم تعود السورة الكريمة مرة أخرى إلى توبيخ الذين يجادلون في آيات الله ~~بغير حجة أو برهان ، وتبين الأسباب التي حملتهم على ذلك ، وترشد إلى العلاج ~~من شرورهم ، وتنفى المساواة بين الكافر والمؤمن ، وتدعو المؤمنين إلى ~~الإكثار من التضرع إلى الله تعالى فتقول : # ( @QUR@023 إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم ~~إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير (56) @QUR@012 ~~لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون (57) ~~@QUR@013 وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا ~~المسيء قليلا ما تتذكرون (58) @QUR@011 إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن ~~أكثر الناس لا يؤمنون (59) @QUR@013 وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين ~~يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ) (60) PageV12P301 # والمراد بالمجادلة في قوله تعالى : ( @QUR@09 إن الذين يجادلون في آيات ~~الله بغير سلطان أتاهم .. ) المجادلة بالباطل بدون حجة أو دليل ، أما ~~المجادلة لإحقاق الحق والكشف عنه .. فهي محمودة ، لأنها تهدى إلى الخير ~~والصلاح. # قال صاحب الكشاف : فأما الجدال في آيات الله ، لإيضاح ملتبسها ، وحل ~~مشكلها ، ومقادحة أهل العلم في استنباط معانيها ورد أهل الزيغ عنها ، فأعظم ~~جهاد في سبيل الله .. (1). # وجملة ( @QUR@08 إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه ) خبر إن ، والكبر ~~بمعنى التكبر والتعالي والتعاظم على الغير. # والمعنى : إن الذين يجادلون في آيات الله تعالى الدالة على وحدانيته وصدق ~~رسله ، وليس عندهم دليل أو برهان على صحة دعواهم .. # هؤلاء المجادلون بالباطل ما حملهم على ذلك إلا التكبر والتعاظم والتطلع ~~إلى الرياسة وإلى أن تكون ms4974 النبوة فيهم أو فيمن يميلون إليهم .. وهم جميعا ~~لن يصلوا إلى شيء من ذلك ، ولن يبلغوا ما تتوق إليه نفوسهم المريضة ، لأن ~~العطاء والمنع بيد الله تعالى وحده. # وصدق الله إذ يقول : ( @QUR@019 ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ~~، وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم ) (2). # فالآية الكريمة تبين أن على رأس الأسباب التي حملت هؤلاء المجادلين ~~بالباطل على جدالهم. هو حبهم للتكبر والتعالي ... # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@03 بغير سلطان أتاهم ... ) أى : بغير حجة في ~~ذلك أتتهم من جهته تعالى وتقييد المجادلة بذلك مع استحالة إتيان الحجة ، ~~للإيذان بأن المتكلم في أمر الدين ، لا بد من استناده إلى حجة واضحة وبرهان ~~مبين ، وهذا عام في كل مجادل مبطل .. # وقوله : ( @QUR@03 ما هم ببالغيه ) صفة لقوله ( @QUR@01 كبر ) أى ما هم ~~ببالغي موجب الكبر ومقتضية ، وهو متعلق إرادتهم من دفع الآيات أو من ~~الرياسة أو النبوة .. (3). # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير ). إرشاد ~~منه تعالى إلى ما يقي من شرور هؤلاء المجادلين بالباطل. # أى : هذا هو حال المجادلين بالباطل وهذا هو الدافع إلى جدالهم ، وما دام ~~هذا هو حالهم ، PageV12P302 # فالتجئ إلى الله تعالى أيها الرسول الكريم لكي يحفظك من شرورهم وكيدهم ، ~~إنه تعالى هو السميع لكل شيء ، البصير بما ظهر وخفى من شئون عباده. # ثم بين سبحانه للناس من طريق المشاهدة صغر حجمهم بالنسبة إلى بعض خلقه ~~تعالى فيقول : ( @QUR@012 لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ، ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون ). # أى : لخلق السموات والأرض ابتداء وبدون مثال سابق ، أكبر وأعظم من خلق ~~الناس. ومما لا شك فيه أن من قدر على خلق الأعظم ، فهو على خلق ما هو أقل ~~منه أقدر وأقدر ، ولكن أكثر الناس لاستيلاء الغفلة والهوى عليهم ، لا ~~يعلمون هذه الحقيقة الجلية. وقوله تعالى ( @QUR@04 أكبر من خلق الناس ) ~~إنما هو من باب تقريب الأشياء إلى الفهم. فمن المعروف بين الناس أن معالجة ~~الشيء الكبير أشد من معالجة الشيء الصغير. وإن كان الأمر بالنسبة إلى ms4975 الله ~~تعالى لا تفاوت بين خلق الكبير وخلق الصغير ، إذ كل شيء خاضع لإرادته كما ~~قال سبحانه : ( @QUR@010 إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ). # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف اتصل قوله ( @QUR@03 لخلق السماوات ~~والأرض .. ) بما قبله؟. # قلت : إن مجادلتهم في آيات الله كانت مشتملة على إنكار البعث. وهو أصل ~~المجادلة ومدارها ، فحجوا بخلق السموات والأرض لأنهم كانوا مقرين بأن الله ~~خالقهم ، وبأنهما خلق عظيم لا يقادر قدره ، وخلق الناس بالقياس إلى خلقهما ~~شيء قليل ، فمن قدر على خلقهما مع عظمهما. كان على خلق الإنسان مع ضآلته ~~أقدر .. (1). # وقوله تعالى ( @QUR@010 وما يستوي الأعمى والبصير ، والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات ولا المسيء ... ) نفى لعدم المساواة بين الأخيار والأشرار. ~~والمتقين والفجار .. # أى : كما أنه لا يصح في عرف أى عاقل المساواة بين الأعمى والبصير. كذلك ~~لا تصح المساواة بين المؤمنين الذين قدموا في دنياهم العمل الصالح ، وبين ~~الكافرين والفاسقين الذين لطخوا حياتهم بالعمل السيئ ، والفعل القبيح .. # ولفظ «قليلا» في قوله تعالى ( @QUR@03 قليلا ما تتذكرون ) مفعول مطلق ، ~~وهو صفة لموصوف محذوف ، و «ما» مزيدة للتأكيد. أى تذكرا قليلا تتذكرون. PageV12P303 # ثم أكد سبحانه مجيء الساعة في الوقت الذي يختاره تعالى فقال : ( @QUR@06 ~~إن الساعة لآتية لا ريب فيها ) أى : لا ريب ولا شك في مجيئها في الوقت الذي ~~يشاؤه عز وجل ( @QUR@05 ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ) بذلك لغفلتهم وقصور ~~نظرهم ، واستحواذ الشيطان عليهم .. # ثم أمر سبحانه عباده المؤمنين أن يكثروا من التضرع اليه بالدعاء فقال : ( ~~@QUR@05 وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ... ). # أى : وقال ربكم أيها المؤمنون تضرعوا إلى بالدعاء ، وتقربوا إلى بالطاعات ~~، أستجب لكم ، ولا أخيب لكم رجاء. # ولا تنافى بين تفسير الدعاء هنا بالسؤال والتضرع إلى الله تعالى ، وبين ~~تفسيره بالعبادة ، لأن الدعاء هو لون من العبادة ، بل هو مخها كما جاء في ~~الحديث الشريف. # والإنسان الذي التزم في دعائه الآداب والشروط المطلوبة ، كان دعاؤه جديرا ~~بالإجابة ، فقد حكى لنا القرآن الكريم في آيات كثيرة ، أن الأنبياء ~~والصالحين ، عند ما دعوا الله تعالى ms4976 أجاب لهم دعاءهم ، ومن ذلك قوله تعالى ~~( @QUR@012 ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له ، فنجيناه وأهله من الكرب ~~العظيم ) (1). # ثم بين سبحانه سوء عاقبة الذين يتكبرون عن طاعة الله وعن دعائه فقال : ( ~~@QUR@08 إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ) أى : إن الذين ~~يستكبرون عن طاعتي ، وعن التقرب إلى بما يرضيني ، سيدخلون يوم القيامة نار ~~جهنم حالة كونهم أذلاء صاغرين. # فقوله : ( @QUR@01 داخرين ) من الدخور بمعنى الانقياد والخضوع يقال : دخر ~~فلان يدخر دخورا إذا ذل وهان. # هذا ، وقد ذكر الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث ~~التي تتصل بموضوع الدعاء فارجع إليه إن شئت (2). # وبعد أن بين سبحانه مصير الذين يستكبرون عن عبادته ، أتبع ذلك ببيان ~~ألوان من النعم التي أنعم بها على عباده ، كنعمة السماء والأرض ، ونعمة خلق ~~الإنسان ورزقه من PageV12P304 # الطيبات ، ونعمة الليل والنهار .. فقال تعالى : # ( @QUR@020 الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله ~~لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (61) @QUR@012 ذلكم الله ربكم ~~خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (62) @QUR@07 كذلك يؤفك الذين كانوا ~~بآيات الله يجحدون (63) @QUR@021 الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء ~~بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب ~~العالمين (64) @QUR@014 هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين ~~الحمد لله رب العالمين (65) @QUR@020 قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من ~~دون الله لما جاءني البينات من ربي وأمرت أن أسلم لرب العالمين (66) ~~@QUR@030 هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم ~~لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ~~ولعلكم تعقلون (67) @QUR@012 هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول ~~له كن فيكون ) (68) PageV12P305 # فقوله تعالى : ( @QUR@09 الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار ~~مبصرا ) بيان لنعمتي الليل والنهار اللتين أنعم بهما سبحانه على الناس. # أى : الله تعالى هو وحده الذي جعل لكم أيها الناس الليل لتسكنوا فيه ms4977 ، ~~وتستريحوا من عناء العمل بالنهار وهيأه لهذه الاستراحة بأن جعله مظلما ~~ساكنا ... # وجعل لكم بقدرته وفضله النهار مبصرا ، أى : جعله مضيئا مسفرا ، بحيث ~~تبصرون فيه ما تريدون إبصاره من الأشياء المتنوعة. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@01 مبصرا ) هو من الإسناد المجازى لأن ~~الإبصار في الحقيقة لأهل النهار. # فإن قلت : لم قرن الليل بالمفعول له ، والنهار بالحال؟ وهلا كانا حالين ~~أو مفعولا لهما. فيراعى حق المقابلة؟ # قلت : هما متقابلان من حيث المعنى ، لأن كل واحد منهما يؤدى مؤدى الآخر ، ~~ولأنه لو قال : لتبصروا فيه فاتت الفصاحة التي في الإسناد المجازى ، ولو ~~قيل : ساكنا والليل يجوز أن يوصف بالسكون على الحقيقة ، الا ترى إلى قولهم ~~: ليل ساج وساكن لا ريح فيه لم تتميز الحقيقة من المجاز (1). # وقوله : ( @QUR@011 إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ~~) بيان لموقف أكثر الناس من نعم الله تعالى عليهم. # أى : إن الله تعالى لصاحب فضل عظيم على الناس جميعا ، ولكن أكثرهم لا ~~يشكرونه على آلائه ونعمه ، لغفلتهم وجهلهم واستيلاء الأهواء والشهوات عليهم. # وقال سبحانه ( @QUR@02 لذو فضل ) بالتنكير للإشعار بأنه فضل لا تحيط به ~~عبارة أو وصف. # واسم الإشارة في قوله تعالى : ( @QUR@010 ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو ~~خالق كل شيء .. ) يعود إلى من سبقت صفاته ونعمه وهو الله عز وجل . # و ( @QUR@01 ذلكم ) مبتدأ ، وما بعده أخبار متعددة. # أى : ذلكم الذي أعطاكم من النعم ما أعطاكم هو الله تعالى ربكم خالق كل ~~شيء في هذا الوجود. لا إله إلا هو في هذا الكون .. PageV12P306 # وقوله تعالى : ( @QUR@02 فأنى تؤفكون ) تعجيب من انصرافهم بعد هذه النعم ~~عن الحق إلى الباطل ، وعن الشكران إلى الكفران. # أى : فكيف تنقلبون عن عبادته سبحانه إلى عبادة غيره ، مع أنه عز وجل هو ~~الخالق لكل شيء ، وهو صاحب تلك النعم التي تتمتعون بها. # وقوله تعالى : ( @QUR@07 كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون ) بيان ~~لحال الذين وقفوا من نعم الله تعالى موقف الجحود والكفران. # ويؤفك هنا : بمعنى القلب والصرف عن الشيء ، من الأفك بالفتح ms4978 مصدر أفكه عن ~~الشيء بمعنى صرفه عنه وبابه ضرب ومنه قوله تعالى : ( @QUR@05 قالوا أجئتنا ~~لتأفكنا عن آلهتنا ... ) أى : لتصرفنا عن عبادتها. # والمعنى : مثل ذلك الصرف العجيب من الحق إلى الباطل ، ينصرف وينقلب كل ~~أولئك الذين انتكست عقولهم ، والذين كانوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا ~~وقدرتنا يجحدون ويكفرون. # وبعد أن بين سبحانه مظاهر نعمه عن طريق الزمان الليل والنهار أتبع ذلك ~~ببيان نعمه عن طريق المكان الأرض والسماء فقال : ( @QUR@06 الله الذي جعل ~~لكم الأرض قرارا ) أى : جعل لكم الأرض مكانا لاستقراركم عليها ، والسعى فيها. # ( @QUR@02 والسماء بناء ) أى : وجعل لكم السماء بمنزلة القبة المبنية ~~المضروبة فوق رءوسكم ، فأنتم ترونها بأعينكم مرفوعة فوقكم بغير عمد. # قال الآلوسى قوله : ( @QUR@02 والسماء بناء ) أى : قبة ، ومنه أبنية ~~العرب لقبابهم التي تضرب. وإطلاق ذلك على السماء على سبيل التشبيه ، وهو ~~تشبيه بليغ. وفيه إشارة لكرويتها. وهذا بيان لفضله تعالى المتعلق بالمكان ~~بعد بيان فضله المتعلق بالزمان (1). # وقوله : ( @QUR@03 وصوركم فأحسن صوركم ) بيان لفضله تعالى المتعلق ~~بذواتهم. # أى : جعل لكم الأرض مستقرا ، والسماء بناء ، وصور أشكالكم في أحسن تقويم. ~~وأجمل هيئة. كما قال تعالى : ( @QUR@06 لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ). # ( @QUR@03 ورزقكم من الطيبات ) أى : ورزقكم من الرزق الطيب الحلال ~~المستلذ. # ( @QUR@07 ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين ) أى : ذلكم الذي ~~أعطاكم تلك النعم المتعلقة PageV12P307 # بزمانكم. ومكانكم. وذواتكم. ومطعمكم ومشربكم. هو الله ربكم الذي تولاكم ~~بتربيته ورعايته في جميع أطوار حياتكم. فتبارك الله تعالى وتعاظم في ذاته ~~وفي صفاته. فهو رب العالمين ومالك أمرهم. # ( @QUR@02 هو الحي ) أى : هو سبحانه المنفرد بالحياة الدائمة الباقية .. # ( @QUR@04 لا إله إلا هو ) إذ لا موجود يدانيه لا في ذاته ولا في صفاته ~~ولا في أفعاله. # ( @QUR@08 فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين ) أى : فاعبدوه ~~عبادة خالصة لوجهه الكريم ، وأطيعوه طاعة لا مكان معها للتردد أو التكاسل ، ~~حالة كونكم قائلين : الحمد لله رب العالمين. # قال ابن جرير : كان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال لا إله إلا الله ، ~~أن يتبعها بقوله : ( @QUR@04 الحمد لله رب العالمين ms4979 ) عملا بهذه الآية (1). # ثم لقن الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم الرد الذي يوبخ به المشركين فقال ~~: ( @QUR@015 قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني ~~البينات من ربي ... ). # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء المشركين الذين يطلبون منك مشاركتهم ~~في عبادة آلهتهم : قل لهم إنى نهيت من ربي وخالقي ومالك أمرى عن عبادة غيره ~~تعالى ، والسبب في ذلك أن كل الدلائل والبراهين التي أكرمنى سبحانه بها ، ~~تشهد وتصرح بأن المستحق للعبادة هو الله تعالى وحده. # فقوله : ( @QUR@05 لما جاءني البينات من ربي ) بيان السبب الذي من أجله ~~نهاه ربه عن عبادة غيره ، وهذه البينات تشمل دلائل التوحيد العقلية ~~والنقلية. # وقوله ( @QUR@05 وأمرت أن أسلم لرب العالمين ) أى : إنى بعد أن نهاني ربي ~~عن عبادة غيره ، أمرنى بأن أسلم وجهى إليه بالعبادة والطاعة ، إذ هو وحده ~~رب العالمين ومالك أمرهم. # ثم بين سبحانه مظاهر قدرته في خلق الإنسان في أطوار مختلفة ، فقال تعالى ~~: ( @QUR@05 هو الذي خلقكم من تراب ) أى : خلق أباكم آدم من تراب ، وأنتم ~~فرع عنه. # ( @QUR@03 ثم من نطفة ) وأصل النطفة : الماء الصافي. أو القليل من الماء ~~الذي يبقى في الدلو أو القربة ، وجمعها نطف ونطاف. يقال : نطفت القربة إذا ~~تقاطر ماؤها بقلة. PageV12P308 # والمراد بها هنا : المنى الذي يخرج من الرجل ، ويصب في رحم المرأة ، ( ~~@QUR@03 ثم من علقة ) والعلقة قطعة من الدم المتجمد. # ( @QUR@03 ثم يخرجكم طفلا ) أى : ثم يخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالا صغارا ~~، بعد أن تكامل خلقكم فيها. فقوله : ( @QUR@01 طفلا ) اسم جنس يصدق على ~~القليل والكثير. # ثم ( @QUR@02 لتبلغوا أشدكم ) بعد ذلك ، بعد أن تنتقلوا من مرحلة الطفولة ~~إلى المرحلة التي تكتمل فيها أجسامكم وعقولكم. # ( @QUR@03 ثم لتكونوا شيوخا ) بعد ذلك ، بأن تصلوا إلى السن التي تتناقص ~~فيها قوتكم والجملة الكريمة معطوفة على قوله ( @QUR@01 لتبلغوا )، أو ~~معمولة لمحذوف كالجمل التي تقدمتها ، أى : ثم يبقيكم لتكونوا شيوخا. # ( @QUR@05 ومنكم من يتوفى من قبل ) أى : ومنكم من يدركه الموت من قبل أن ~~يدرك سن الشيخوخة ، أو سن الشباب ، أو سن الطفولة. ms4980 # وقوله تعالى : ( @QUR@03 ولتبلغوا أجلا مسمى ) معطوف على مقدر. أى : فعل ~~ذلك بكم لكي تعيشوا ، ولتبلغوا أجلا مسمى تنتهي عنده حياتكم ، ثم تبعثون ~~يوم القيامة للحساب. والجزاء. # وقوله : ( @QUR@02 ولعلكم تعقلون ) أى : ولعلكم تعقلون عن ربكم أنه هو ~~الذي يحييكم يوم القيامة كما أماتكم ، وكما أنشأكم من تلك الأطوار المتعددة ~~وأنتم لم تكونوا قبل ذلك شيئا مذكورا. # ثم ختم سبحانه هذه الآيات الزاخرة بكثير من النعم بقوله تعالى ( @QUR@03 ~~هو الذي يحيي ) من يريد إحياءه ( @QUR@01 ويميت ) من يشاء إماتته. # ( @QUR@03 فإذا قضى أمرا ) أى : فإذا أراد إبراز أمر من الأمور إلى هذا ~~الوجود ( @QUR@03 فإنما يقول له ) أى لهذا الأمر ( @QUR@02 كن فيكون ) في ~~الحال بدون توقف على سبب من الأسباب ، أو علة من العلل. # ثم ساق سبحانه بعد ذلك ما يسلى النبي صلى الله عليه وسلم عما أصابه من ~~المشركين ، بأن بين له سوء عاقبتهم يوم القيامة ، وبأن أمره بالصبر على ~~كيدهم ، وبشره بأن العاقبة ستكون له ولأتباعه .. فقال تعالى : PageV12P309 # ( @QUR@010 ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون (69) ~~@QUR@09 الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون (70) ~~@QUR@06 إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون (71) @QUR@06 في الحميم ثم ~~في النار يسجرون (72) @QUR@07 ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون (73) @QUR@017 ~~من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا كذلك يضل الله ~~الكافرين (74) @QUR@011 ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم ~~تمرحون (75) @QUR@08 ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين ~~(76) @QUR@014 فاصبر إن وعد الله حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ~~فإلينا يرجعون (77) @QUR@032 ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ~~ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء ~~أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون ) (78) # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@08 ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات ~~الله ... ) للتعجب من أحوال هؤلاء المشركين. حيث أنكروا الحق الواضح ~~وانساقوا وراء الأوهام والأباطيل. # والمعنى : انظر أيها الرسول الكريم إلى أحوال المشركين ، وتعجب من ms4981 سلوكهم PageV12P310 # الذميم ، حيث جادلوا في الآيات الدالة على وحدانية الله وقدرته بدون علم ~~أو حجة. # وقوله : ( @QUR@02 أنى يصرفون ) أى : انظر كيف يصرفون عن آيات الله ~~الموجبة للإيمان بها. إلى الجحود والتكذيب والجدال بالباطل فيها؟ # لقد كان من المنتظر منهم أن يهتدوا إلى الحق بعد أن وصل إليهم .. ولكنهم ~~عموا وصموا عنه. لانطماس بصائرهم ، واستحواذ الشيطان عليهم. # وقوله : ( @QUR@03 الذين كذبوا بالكتاب .. ) بدل من قوله ( @QUR@05 الذين ~~يجادلون في آيات الله ). # أى : تعجب من هؤلاء الذين كذبوا بالقرآن الكريم. الذي أنزلناه إليك يا ~~محمد لتخرجهم به من الظلمات إلى النور. # وكذبوا أيضا ( @QUR@04 بما أرسلنا به رسلنا ) من سائر الكتب والمعجزات. ~~فهم لم يكتفوا بالتكذيب بك بل أضافوا إلى ذلك تكذيبهم بكل كتاب ورسول. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 فسوف يعلمون ) وعيد شديد لهم على تكذيبهم بالرسل ~~وبكتبهم ، أى : فسوف يعلمون سوء عاقبة تكذيبهم لأنبياء الله تعالى ولكتبه ~~التي أنزلها عليهم. # ثم فصل سبحانه هذا الوعيد ، وبين ما أعده لهم من عذاب فقال : ( @QUR@012 ~~إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون. في الحميم ثم في النار يسجرون ). # و «إذ» هنا ظرف بمعنى «إذا» وهو متعلق بيعلمون ، وعبر سبحانه بالظرف الدال ~~على المضي ، للدلالة على تحقق الخبر ، حتى لكأن العذاب قد نزل بهم فعلا. # والأغلال : جمع غل بضم الغين وهو القيد يوضع في اليد والعنق فيجمعهما. # والسلاسل : جمع سلسلة ، وهي ما يربط بها الجاني على سبيل الإذلال له. # والحميم : الماء البالغ أقصى درجات الحرارة. # ويسجرون : مأخوذ من سجر التنور ، إذا ملأه بالوقود. # والمعنى : فسوف يعلمون سوء عاقبة تكذيبهم وجدالهم بالباطل يوم القيامة ، ~~وقت أن توضع الأغلال والقيود في أعناقهم ، ثم يسحبون ويجرون إلى الحميم ~~بعنف وإهانة ، ثم يلقى بهم في النار التي تمتلئ بهم ، ويكونون وقودا لها. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : وهل قوله : ( @QUR@04 فسوف يعلمون. إذ ~~الأغلال .. ) إلا مثل قولك : سوف أصوم أمس؟. PageV12P311 # قلت : المعنى على إذا ، إلا أن الأمور المستقبلة لما كانت في أخبار الله ~~تعالى متيقنة مقطوعا بها ، عبر عنها بلفظ ما كان ووجد. والمعنى على ~~الاستقبال ms4982 .. (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@07 ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون ) تبكيت وتأنيب لهم. # أى : ثم قيل بعد هذا العذاب المهين لهم : أين تلك الآلهة التي كنتم ~~تعبدونها من دون الله ، لكي تدفع عنكم شيئا من العذاب الأليم الذي نزل بكم؟. # وقوله ( @QUR@010 قالوا ضلوا عنا ، بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا ... ) ~~حكاية لجوابهم الذي يدل على حسرتهم وبؤسهم. # أى : قالوا : ذهبوا وضاعوا وغابوا عنا ولم نعد نعرف لهم طريقا ، ولا هم ~~يعرفون عنا طريقا ، ثم أضربوا عن هذا القول توهما منهم أن هذا الإضراب ~~ينفعهم فقالوا : بل لم نكن نعبد من قبل في الدنيا شيئا يعتد به ، وإنما ~~كانت عبادتنا لتلك الآلهة أوهاما وضلالا .. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 كذلك يضل الله الكافرين ) أى مثل هذا الضلال ~~البين والتخبط الواضح ، يضل الله تعالى الكافرين ، ويجعلهم يتخبطون في ~~إجابتهم على السائلين لهم. # ثم بين سبحانه الأسباب التي أدت بهم الى هذا العذاب المهين فقال : ( ~~@QUR@019 ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق ، وبما كنتم تمرحون ، ~~ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها ، فبئس مثوى المتكبرين ) وقوله : ( @QUR@01 ~~تمرحون ) من المرح وهو التوسع في الفرح مع الأشر والبطر. # أى : ذلكم الذي نزل بكم من العذاب ، بسبب فرحكم وبطركم في الأرض بالباطل ~~، وبسبب مرحكم وأشركم وغروركم فيها. # وحق عليكم أن يقال لكم بسبب ذلك : ادخلوا أبواب جهنم المفتوحة أمامكم ، ~~حالة كونكم خالدين فيها خلودا أبديا ، فبئس ( @QUR@01 مثوى ) أى : مكان ( ~~@QUR@01 المتكبرين ) عن قبول الحق جهنم. # وقال سبحانه ( @QUR@03 فبئس مثوى المتكبرين ) ولم يقل فبئس مدخل ~~المتكبرين ، للإشارة إلى خلودهم في جهنم ، إذ الثواء معناه الإقامة الدائمة ~~، مأخوذ من ثوى فلان بالمكان إذا أقام به إقامة دائمة. # ثم ذكر الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم الوصية بالصبر فقال : ( @QUR@05 ~~فاصبر إن وعد الله حق ، PageV12P312 # @QUR@09 فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون ). # وقوله : ( @QUR@02 فإما نرينك ) أصله : فإن نرك ، فزيدت «ما» لتوكيد «إن» ~~الشرطية ، وجوابها محذوف ، وقوله ( @QUR@02 أو نتوفينك ) جوابه ( @QUR@02 ~~فإلينا يرجعون ). # والمعنى : إذا كان حال هؤلاء المشركين كما ذكرنا لك يا محمد ms4983 ، فاصبر على ~~جدالهم بالباطل ، إن وعد الله تعالى بتعذيبهم وبنصرك عليهم حق. # فإن نرك بعض الذي نعدهم به من القتل والأسر والهزيمة فبها ونعمت ، أو ~~نتوفينك قبل ذلك فإلينا مرجعهم يوم القيامة ، فنجازيهم بما يستحقون من عقاب. # فالآية الكريمة تأمر النبي صلى الله عليه وسلم بمداومة الصبر ، وتحض على ~~تبليغ ما أنزل إليه من ربه بدون كلل أو ملل ، ثم بعد ذلك يترك النتائج لله ~~تعالى يسيرها كيف يشاء ، فإما أن يطلعه على ما توعد به أعداءه ، وإما أن ~~يتوفاه قبل ذلك. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@013 وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم ~~أو نتوفينك ، فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ) (1). # ثم ساق سبحانه تسلية أخرى للرسول صلى الله عليه وسلم فقال : ( @QUR@03 ولقد ~~أرسلنا رسلا ... ) أى : رسلا كثيرين ( @QUR@02 من قبلك ) أى من قبل إرسالك ~~إلى الناس. # ( @QUR@04 منهم من قصصنا عليك ) كنوح وهود وصالح وإبراهيم. وغيرهم. # ( @QUR@05 ومنهم من لم نقصص عليك ) أخبارهم وأحوالهم لأن حكمتنا قد اقتضت ذلك. # كما قال تعالى في آية أخرى : ( @QUR@014 ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ~~ورسلا لم نقصصهم عليك ، وكلم الله موسى تكليما ) (2). # والمراد بالآية في قوله تعالى ( @QUR@09 وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا ~~بإذن الله ) المعجزة الخارقة الدالة على صدقه فيما يبلغه عن ربه. # أى : وما صح وما استقام لرسول من الرسل أن يأتى بمعجزة من عند نفسه ، ~~وإنما يأتى بها بإذن الله تعالى ومشيئته ، إذ المعجزات جميعا عطايا من الله ~~تعالى لرسله لتأييدهم في دعوتهم. PageV12P313 # ( @QUR@04 فإذا جاء أمر الله ) أى : فإذا جاء الوقت الذي حدده سبحانه ~~لعذاب أعدائه ( @QUR@02 قضي بالحق ) أى : قضى بين الناس جميعا بالحق ، ~~فينجى سبحانه بقضائه العادل عباده المؤمنين. # ( @QUR@03 وخسر هنالك المبطلون ) أى : وخسر عند مجيء أمر الله ، عند ~~القضاء بين خلقه المبطلون ، وهم الذين ماتوا مصرين على كفرهم أو فسوقهم عن أمره. # وكما قال تعالى في آيات أخرى منها قوله تعالى : ( @QUR@010 ولله ملك ~~السماوات والأرض ، ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون ). # ثم بين سبحانه في أواخر هذه السورة الكريمة ، جانبا ms4984 آخر من نعمه على ~~عباده ، ووبخ الفاسقين على عدم اعتبارهم بأحوال من سبقهم من الأمم ، وهددهم ~~بأنهم عند مجيء العذاب إليهم لن ينفعهم إيمانهم .. فقال تعالى : # ( @QUR@09 الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون (79) ~~@QUR@012 ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك ~~تحملون (80) @QUR@06 ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون (81) @QUR@025 أفلم ~~يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم ~~وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (82) @QUR@015 ~~فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به ~~يستهزؤن (83) @QUR@011 فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به PageV12P314 # @QUR@01 مشركين (84) @QUR@017 فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت ~~الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون ) (85) # وقوله تعالى ( @QUR@05 الله الذي جعل لكم الأنعام .. ) بيان لنعمة أخرى ~~من نعمه التي تتعلق بما سخره سبحانه لخدمة الإنسان من دواب ، بعد بيانه قبل ~~لكثير من النعم التي تتعلق بالليل والنهار ، والسماء والأرض ... إلخ. # والأنعام : جمع نعم ، وأطلق على الإبل والبقر والغنم ، قالوا والمراد بها ~~هنا : الإبل خاصة : لأن معظم المنافع التي ذكرت هنا توجد فيها. # أى : الله تعالى هو الذي خلق لكم بقدرته الإبل ( @QUR@04 لتركبوا منها ~~ومنها تأكلون ) أى لتركبوا بعضا منها ، ولتأكلوا بعضا آخر منها. فمن في ~~الموضعين للتبعيض. # ( @QUR@03 ولكم فيها منافع ) أخرى غير الأكل وغير الركوب ، كالانتفاع ~~بألبانها وأوبارها وجلودها ... # ( @QUR@05 ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم ) أى : ومن منافعها أيضا أنكم ~~تستعملونها في الأمور الهامة كحمل الأثقال ، والانتقال عليها من مكان إلى ~~مكان .. # كما قال تعالى ( @QUR@014 وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا ~~بشق الأنفس إن ربكم لرؤف رحيم ) (1). # ( @QUR@04 وعليها وعلى الفلك تحملون ) أى : وعلى هذه الإبل في البر وعلى ~~السفن في البحر تحملون. # كما قال تعالى : ( @QUR@011 والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك ~~والأنعام ما تركبون ) (2). # هذا ، ولا مانع من أن يكون المراد بالأنعام هنا ما يشمل الإبل والبقر ~~والغنم ، وإلى هذا المعنى ms4985 ذهب الإمام ابن كثير ، فقد قال : يقول تعالى ~~ممتنا على عباده بما خلق لهم من الأنعام! وهي : الإبل والبقر والغنم ، ~~فالإبل تركب وتؤكل وتحلب ، ويحمل عليها الأثقال في PageV12P315 # الأسفار والرحال إلى البلاد النائية ، والأقطار الشاسعة ، والبقر تؤكل ~~ويشرب لبنها ، وتحرث عليها الأرض ، والغنم تؤكل ويشرب لبنها ، والجميع تجز ~~أوبارها وأصوافها وأشعارها. فيتخذ منه الأثاث والثياب والأمتعة ..» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@06 ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون ) تعجب من ~~غفلتهم عن هذه الآيات المبثوثة في الكون. والتي تدل جميعها على وحدانية ~~الله تعالى وقدرته. # ولفظ «أى» منصوب بقوله «تنكرون» وقدم وجوبا لأن له صدر الكلام. # أى : أنه سبحانه في كل وقت وحين يريكم آياته الدالة على قدرته ووحدانيته ~~، فقولوا لي. أية تلك الآيات تنكرون دلالتها على ذلك. # إنها جميعا تنطق وتصرح بوجوب إخلاص العبادة لله عز وجل فكيف جحدتموها أو ~~غفلتم عنها مع وضوحها؟ # فالآية الكريمة توبيخ شديد لأولئك الذين استحبوا العمى على الهدى مع أن ~~كل شيء في هذا الكون يدعوهم إلى الإيمان بالله الواحد القهار. # ثم وبخهم سبحانه مرة أخرى لعدم اتعاظهم بمصارع الغابرين فقال : ( ~~@QUR@011 أفلم يسيروا في الأرض ، فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم .. ). # أى : أقبعوا في بيوتهم. فلم يسيروا في أقطار الأرض. فينظروا كيف كانت ~~عاقبة الأمم المكذبة من قبلهم ، كقوم صالح وقوم لوط ، وقوم شعيب وغيرهم. # فالاستفهام للتوبيخ والتأنيب ، والفاء في قوله : ( @QUR@01 أفلم .. ) ~~للعطف على مقدر. # ثم فصل سبحانه حال الذين كانوا من قبل كفار مكة فقال : ( @QUR@03 كانوا ~~أكثر منهم ) أى : في العدد ( @QUR@02 وأشد قوة ) أى في الأبدان والأجسام ( ~~@QUR@03 وآثارا في الأرض ) أى : وكانوا أظهر منهم في العمران والحضارة ~~والغنى. # ( @QUR@06 فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ) أى أن هؤلاء الغابرين عند ما ~~حل بهم عذابنا لم تغن عنهم شيئا كثرتهم أو قوتهم أو أموالهم ... بل أخذناهم ~~أخذ عزيز مقتدر في زمن يسير. # ثم بين سبحانه موقف هؤلاء الجاحدين من رسلهم فقال : ( @QUR@09 فلما ~~جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم .. ). # أى : فحين جاء الرسل إلى هؤلاء الجاهلين ms4986 ، فرحوا بما لديهم من العلوم ~~الدنيوية كالتجارة PageV12P316 # والزراعة .. واغتروا بتلك القشور التي كانوا يسمعونها ممن كانوا يزعمون ~~أنهم على شيء من العلم الديني ، واستهزءوا بما جاءهم به الرسل من علوم تهدى ~~إلى الرشد ، وتدعو إلى إخلاص العبادة لله. واعتقدوا لغبائهم وانطماس ~~بصائرهم أنه لا علم أنفع من علومهم ففرحوا بها .. # ورحم الله صاحب الكشاف فقد فصل القول عند تفسيره لهذه الآية فقال : قوله ~~: ( @QUR@05 فرحوا بما عندهم من العلم ) فيه وجوه : # منها : أنه أراد العلم الوارد على سبيل التهكم في قوله تعالى : ( @QUR@05 ~~بل ادارك علمهم في الآخرة ) وعلمهم في الآخرة أنهم كانوا يقولون لا نبعث ~~ولا نعذب. # ومنه : أن يريد علم الفلاسفة والدهريين عن بنى يونان ، وكانوا إذا سمعوا ~~بوحي الله : دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم. # ويجوز أن يريد بما فرحوا به من العلم : علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم ~~بتدبيرها ، كما قال تعالى ( @QUR@010 يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن ~~الآخرة هم غافلون ) فلما جاءهم الرسل بعلوم الديانات .. لم يلتفتوا إليها ~~وصغروها واستهزءوا بها ، واعتقدوا أنه لا أنفع وأجلب للفوائد من علمهم ، ~~ففرحوا به» (1). # ويبدو لنا أن هذا الرأى الأخير الذي ذكره صاحب الكشاف ، هو أقرب الآراء ~~إلى الصواب. # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن ) بيان لما نزل ~~بهم من عذاب بسبب تكذيبهم لرسلهم ، واستهزائهم بهم. أى : ونزل بهؤلاء ~~الكافرين العذاب الأليم بسبب استهزائهم برسلهم ، وإعراضهم عن دعوتهم. # ثم بين سبحانه حالهم عند ما أحاط بهم العذاب فقال : ( @QUR@03 فلما رأوا ~~بأسنا ) أى عاينوا عذابنا النازل بهم. # ( @QUR@01 قالوا ) بفزع وخوف ( @QUR@08 آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا ~~به مشركين ) أى : وكفرنا بما كنا به مشركين في الدنيا من عبادة لغير الله ~~تعالى واعتماد على سواه. # وقد بين سبحانه أن إيمانهم هذا لن ينفعهم لأنه جاء في غير وقته فقال ( ~~@QUR@04 فلم يك ينفعهم إيمانهم ) شيئا من النفع لأنه إيمان جاء عند معاينة ~~العذاب ، والإيمان الذي يدعى في هذا PageV12P317 # الوقت لا قيمة له ، لأنه جاء في وقت الاضطرار لا في وقت الاختيار. # ولفظ ms4987 «سنة» في قوله تعالى : ( @QUR@07 سنت الله التي قد خلت في عباده .. ~~) منصوب على أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف. # أى : سن الله تعالى ذلك ، وهو عدم نفع الإيمان عند حلول العذاب سنة ماضية ~~في الناس ، بحيث لا تتخلف في أى زمان أو مكان. # ( @QUR@03 وخسر هنالك الكافرون ) أى : في هذا الوقت الذي ينزل الله تعالى ~~فيه العذاب على الكافرين يخسرون كل شيء ، بحيث لا تنفعهم لا أموالهم ولا ~~أولادهم ولا آلهتهم التي كانوا يتوهمون شفاعتها. # وبعد : فهذا تفسير وسيط لسورة «غافر» نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا ~~لوجهه ، ونافعا لعباده : # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم # كتبه الراجي عفو ربه # د. محمد سيد طنطاوى # القاهرة مدينة نصر مساء الثلاثاء # 9 من المحرم سنة 1406 # 24 / 9 / 1985 م PageV12P318 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة فصلت PageV12P319 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «فصلت» هي السورة الحادية والأربعون في ترتيب المصحف ، أما ~~ترتيبها في النزول فكان بعد سورة «غافر». # وهي من السور المكية الخالصة ، وعدد آياتها ثنتان وخمسون آية في المصحف ~~البصري والشامي ، وثلاث وخمسون في المصحف المكي والمدني ، وأربع وخمسون في ~~المصحف الكوفي. وسورة «فصلت» تسمى أيضا بسورة السجدة ، وحم السجدة ، وبسورة ~~المصابيح ، وبسورة الأقوات (1). # 2 والذي يقرأ هذه السورة الكريمة بتدبر وتأمل ، يراها في مطلعها تمدح ~~القرآن الكريم : وتذكر موقف المشركين منه ومن الرسول صلى الله عليه وسلم وتلقن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم الجواب الذي يكبتهم ، وتهددهم بالعذاب الأليم. # قال تعالى : ( @QUR@036 حم. تنزيل من الرحمن الرحيم. كتاب فصلت آياته ~~قرآنا عربيا لقوم يعلمون. بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون. وقالوا ~~قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ، ومن بيننا وبينك حجاب ~~فاعمل إننا عاملون ). # 3 ثم انتقلت السورة إلى الحديث عن مظاهر قدرة الله تعالى ، عن طريق بيان ~~خلقه للأرض وما اشتملت عليه من جبال وأقوات ، وعن طريق خلق السماء بطبقاتها ~~المتعددة ، وعن طريق تزيين السماء الدنيا بمصابيح وحفظها. # قال تعالى : ( @QUR@045 قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض ms4988 في يومين ، ~~وتجعلون له أندادا ، ذلك رب العالمين. وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها ~~، وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين. ثم استوى إلى السماء وهي ~~دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ). # 4 وبعد أن هدد الله تعالى مشركي مكة بالعذاب الذي أصاب من قبلهم قوم عاد PageV12P321 # وثمود ، وفصل لهم موقف هؤلاء الأقوام من رسلهم وكيف أنهم عند ما كذبوا ~~رسلهم واستحبوا العمى على الهدى ، أخذتهم صاعقة العذاب الهون .. # بعد كل ذلك تحدثت عن أحوالهم السيئة يوم يحشرون للحساب يوم القيامة ، ~~وكيف أن حواسهم تشهد عليهم في هذا اليوم العصيب. # ولنتدبر قوله تعالى : ( @QUR@038 ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم ~~يوزعون. حتى إذا ما جاؤها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا ~~يعملون. وقالوا لجلودهم : لم شهدتم علينا ، قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل ~~شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون ). # 5 وكعادة القرآن الكريم في قرنه الترغيب بالترهيب أو العكس ، وفي بيان ~~عاقبة الأخيار والأشرار ، أتبعت السورة الحديث عن المشركين وسوء عاقبتهم ، ~~بالحديث عن المؤمنين وحسن مصيرهم ، فقال تعالى : ( @QUR@039 إن الذين قالوا ~~ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا ~~بالجنة التي كنتم توعدون. نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، ولكم ~~فيها ما تشتهي أنفسكم ، ولكم فيها ما تدعون. نزلا من غفور رحيم ). # 6 ثم ساقت سورة «فصلت» أنواعا من الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته ، ~~قال تعالى : ( @QUR@019 ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا ~~للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون ). # ( @QUR@022 ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت ~~وربت إن الذي أحياها لمحي الموتى ، إنه على كل شيء قدير ). # 7 ثم أخذت السورة في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وفي إقامة الأدلة ~~الساطعة على أن هذا القرآن من عند الله. # قال تعالى : ( @QUR@049 ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك ، إن ربك ~~لذو مغفرة وذو ms4989 عقاب أليم. ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا : لو لا فصلت ~~آياته ، ء أعجمي وعربي ، قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ، والذين لا يؤمنون ~~في آذانهم وقر ، وهو عليهم عمى ، أولئك ينادون من مكان بعيد ). # 8 ثم ختم سبحانه السورة الكريمة ، ببيان أن مرد علم قيام الساعة إليه ~~تعالى وحده ، وببيان طبيعة الإنسان في حالتي اليسر والعسر ، وببيان أن ~~حكمته سبحانه اقتضت أن يطلع الناس في كل وقت على بعض من آياته الدالة على ~~وحدانيته وقدرته. قال PageV12P322 # تعالى ( @QUR@031 سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه ~~الحق ، أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد. ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ~~، ألا إنه بكل شيء محيط ). # 9 وبعد : فهذا عرض إجمالى لسورة فصلت ، ومنه نرى : أنها اهتمت بإقامة ~~الأدلة على وحدانية الله تعالى وقدرته ، وبأن هذا القرآن من عند الله تعالى ~~، وبأن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق فيما يبلغه عن ربه ، وبأن يوم القيامة ~~حق لا ريب فيه. # كما اهتمت بالحديث عن مصارع الغابرين الذين استحبوا العمى على الهدى ~~وببيان أحوالهم يوم القيامة ... وببشارة الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، ~~وأحسنوا القول والدعوة إلى الله ... بأحسن البشارات وأفضلها .. # والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات : وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ~~آله وصحبه وسلم. # القاهرة مدينة نصر # صباح الأربعاء : 10 من المحرم 1406 ه # 25 / 9 / 1985 م # د. محمد سيد طنطاوى PageV12P323 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@01 حم (1) @QUR@04 تنزيل من الرحمن الرحيم (2) @QUR@07 كتاب فصلت ~~آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون (3) @QUR@07 بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم ~~لا يسمعون (4) @QUR@017 وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا ~~وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون (5) @QUR@016 قل إنما أنا بشر ~~مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل ~~للمشركين (6) @QUR@08 الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون (7) ~~@QUR@09 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون ) (8) # سورة «فصلت» من السور التي بدئت ببعض حروف التهجي. # والرأى الراجح ms4990 في هذه الحروف أنها جيء بها للإيقاظ والتنبيه على أن هذا ~~القرآن من عند الله تعالى ، بدليل أنه مؤلف من جنس الحروف التي يتخاطب بها ~~المشركون ، ومع ذلك فقد عجزوا عن أن يأتوا بسورة من مثله. # وقوله : ( @QUR@04 تنزيل من الرحمن الرحيم ) بيان لمصدر هذا القرآن ، ~~وقوله ( @QUR@01 تنزيل ) خبر لمبتدأ محذوف. PageV12P324 # أى : هذا القرآن ليس أساطير الأولين كما زعم الجاحدون الجاهلون وإنما هو ~~منزل من عند الله تعالى صاحب الرحمة العظيمة الدائمة. # إذ لفظ «الرحمن» بمعنى عظيم الرحمة ، لأن فعلان صيغة مبالغة في كثرة ~~الشيء وعظمته ، أما صيغة فعيل فتستعمل في الصفات الدائمة ككريم ، فكأنه ~~تعالى يقول : هذا الكتاب منزل من الله تعالى العظيم الرحمة الدائمة. # قال بعض العلماء : وإنما خص هذان الوصفان بالذكر ، لأن الخلق في هذا ~~العالم كالمرضى المحتاجين ، والقرآن مشتمل على كل ما يحتاج إليه المرضى من ~~الأدوية ، وعلى كل ما يحتاج إليه الأصحاء من الأغذية. فكان أعظم النفع من ~~الله على هذا العالم إنزال القرآن الناشئ عن رحمته ولطفه بخلقه (1). # ثم أثنى سبحانه على هذا القرآن الذي أنزله بمقتضى رحمته وحكمته فقال : ( ~~@QUR@09 كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون ، بشيرا ونذيرا ). # ومعنى : ( @QUR@02 فصلت آياته ): ميزت في ألفاظها بفواصل ومقاطع ، وميزت ~~في معانيها لاشتمالها على أنواع متعددة من المعاني الحكيمة. # وقوله ( @QUR@01 قرآنا ) منصوب على المدح ، أو على الحال من كتاب ، و ( ~~@QUR@01 عربيا ) صفة للقرآن. # وقوله ( @QUR@02 لقوم يعلمون ) متعلق بفصلت. # أى : هذا القرآن منزل من عند الله تعالى الذي وسعت رحمته كل شيء ، وهو ~~كتاب فصلت آياته ووضحت وميزت من حيث ألفاظها تفصيلا بليغا ، إذ اشتملت على ~~فواصل ومقاطع فيما بينها ليسهل فهمه وحفظه. # وفصلت آياته من حيث معانيها تفصيلا حكيما. إذ بعضها جاء لبيان ذاته ~~وصفاته وأفعاله تعالى ، وبعضها اشتمل على ألوان من نعمه التي لا تحصى ، ~~وبعضها جاء بأسمى أنواع الهدايات والآداب والأحكام والقصص والمواعظ ، ~~وبعضها جاء لتبشير المؤمنين بحسن الثواب ، ولإنذار الكافرين بسوء العقاب. # وخص سبحانه الذين يعلمون بالذكر ، لأنهم هم الذين ينتفعون بما اشتمل عليه ms4991 ~~هذا الكتاب من تفصيل لآياته شامل لألفاظها ومعانيها. PageV12P325 # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@02 لقوم يعلمون ) أى لقوم عرب يعلمون ما ~~نزل عليهم من الآيات المفصلة المبينة بلسانهم العربي ، لا يلتبس عليهم شيء منه. # فإن قلت : بم يتعلق قوله : ( @QUR@02 لقوم يعلمون )؟ # قلت : يجوز أن يتعلق بتنزيل ، أو بفصلت ، أى : تنزيل من الله لأجلهم. أو ~~فصلت آياته لهم. وأجود أن يكون صفة مثل ما قبله وما بعده ، أى : قرآنا ~~عربيا كائنا لقوم عرب ؛ لئلا يفرق بين الصلات والصفات .. (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@05 فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون ) بيان لموقف الناس ~~من هذا القرآن المنزل من الرحمن الرحيم. # والمراد بالأكثر هنا : الكافرون الذين لا ينتفعون بهدايات القرآن الكريم. # أى : هذا القرآن أنزلناه إليك لتخرج الناس به من الظلمات إلى النور ، ~~فأعرض أكثرهم عن هداياته لاستحواذ الشيطان عليهم ، فهم لا يسمعون سماع تدبر ~~واتعاظ ، وإنما يسمعون بقلوب قاسية ، وعقول خالية من إدراك معانيه ، ومن ~~الاستجابة له. # ونفى سبحانه سماعهم له ، مع أنهم كانوا يسمعون من الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ومن أصحابه ، لأنهم لما سمعوه ولم يؤمنوا به .. صار سماعهم بمنزلة عدمه. # ثم حكى سبحانه أقوالهم التي تدل على توغلهم في الكفر والعناد فقال : ( ~~@QUR@017 وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ، وفي آذاننا وقر ، ومن ~~بيننا وبينك حجاب ، فاعمل إننا عاملون )، والأكنة : جمع كنان وهو الغطاء ~~للشيء. و ( @QUR@01 وقر ) الصمم الذي يحول بين الإنسان وبين سماع ما يقال له. # والحجاب : من الحجب بمعنى الستر لأنه يمنع المشاهدة ، ومنه قيل للبواب ~~حاجب ، لأنه يمنع من الدخول. # أى : وقال الكافرون للنبي صلى الله عليه وسلم على سبيل تيئيسه من إيمانهم : ~~إن قلوبنا قد كستها أغطية متكاثفة جعلتها لا تفقه ما تقوله لنا ، وما ~~تدعونا إليه ، وإن آذاننا فيها صمم يحول بيننا وبين سماع حديثك ، وإن من ~~بيننا ومن بينك حاجزا غليظا يحجب التواصل والتلاقي بيننا وبينك ، وما دام ~~حالنا وحالك كذلك فاعمل ما شئت فيما يتعلق بدينك ، ونحن من جانبنا سنعمل ما ~~شئنا فيما يتعلق بديننا. PageV12P326 # وهذه الأقوال التي ms4992 حكاها القرآن عنهم ، تدل على أنهم قوم قد بلغوا أقصى ~~درجات الجحود والعناد : فقلوبهم قد أغلقت عن إدراك الحق ، وأسماعهم قد صمت ~~عن سماعه ، وأشخاصهم قد أبت الاقتراب من شخص الرسول صلى الله عليه وسلم الذي ~~يحمل لهم الخير والنور ، وما حملهم على ذلك إلا اتباعهم للهوى والشيطان. # وصدق الله إذ يقول : ( @QUR@010 فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا ~~يهدي القوم الفاسقين ). # ثم لقن الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم الجواب الذي يرد به عليهم فقال ~~: ( @QUR@011 قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد ). # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الجاحدين : إنما أنا بشر مثلكم في ~~الصفات البشرية أوجدنى الله تعالى بقدرته كما أوجدكم ، وينتهى نسبي ونسبكم ~~إلى آدم عليه السلام إلا أن الله تعالى قد اختصني بوحيه ورسالته وهو أعلم ~~حيث يجعل رسالته وأمرنى أن أبلغكم أن إلهكم وخالقكم .. هو إله واحد لا شريك ~~له ، فعليكم أن تخلصوا له العبادة والطاعة. # وقوله : ( @QUR@03 فاستقيموا إليه واستغفروه ) أى : فالزموا الاستقامة في ~~طريقكم إليه تعالى بالإيمان به وطاعته والإخلاص في عبادته. # وقوله تعالى : ( @QUR@011 .. وويل للمشركين. الذين لا يؤتون الزكاة وهم ~~بالآخرة هم كافرون ) تهديد لهم بسوء المصير إذا استمروا على عنادهم وشركهم. # والويل : لفظ دال على الشر أو الهلاك ، وهو مصدر لا فعل له من لفظه ، ~~والمراد به هنا : الدعاء عليهم بالخزي والهلاك. # أى : فهلاك وخزي وعقاب شديد لهؤلاء المشركين ، الذين لا يؤتون الزكاة ، ~~أى : لا يؤمنون بها ، ولا يخرجونها إلى مستحقيها ، ولا يعملون على تطهير ~~أنفسهم بأدائها .. وفضلا عن كل ذلك فهم بالآخرة وما فيها من حساب وثواب ~~وعقاب كافرون. # قال ابن كثير : والمراد بالزكاة ها هنا : طهارة النفس من الأخلاق ~~المرذولة .. # وقال قتادة : يمنعون زكاة أموالهم ، واختاره ابن جرير .. # وفيه نظر ، لأن إيجاب الزكاة إنما كان في السنة الثانية من الهجرة ، وهذه ~~الآية مكية. اللهم إلا أن يقال : لا يبعد أن يكون أصل الزكاة وهو الصدقة ~~كان مأمورا به في ابتداء البعثة ، كقوله تعالى : ( @QUR@04 وآتوا حقه ms4993 يوم ~~حصاده ) فأما الزكاة ذات النصب والمقادير فإنما بين PageV12P327 # أمرها في المدينة ، ويكون هذا جمعا بين القولين .. (1). # وقال بعض العلماء : قد استدل بعض علماء الأصول بهذه الآية الكريمة على أن ~~الكفار مخاطبون بفروع الشريعة ، لأنه تعالى صرح في هذه الآية الكريمة ، ~~بأنهم مشركون ، وأنهم كافرون بالآخرة ، وقد توعدهم سبحانه بالويل على كفرهم ~~بالآخرة ، وعدم إيتائهم الزكاة ، سواء أقلنا إن الزكاة في الآية هي زكاة ~~المال المعروفة ، أو زكاة الأبدان عن طريق فعل الطاعات ، واجتناب المعاصي. # ورجع بعضهم أن المراد بالزكاة هنا زكاة الأبدان لأن السورة مكية وزكاة ~~المال المعروفة إنما فرضت في السنة الثانية من الهجرة. # وعلى أية حال فالآية تدل على خطاب الكفار بفروع الإسلام. # أعنى امتثال أوامره واجتناب نواهيه ، وما دلت عليه هذه الآية من أنهم ~~مخاطبون بذلك ، وأنهم يعذبون على الكفر والمعاصي ، جاء موضحا في آيات أخر ~~كقوله تعالى : ( @QUR@017 ما سلككم في سقر. قالوا لم نك من المصلين. ولم نك ~~نطعم المسكين ، وكنا نخوض مع الخائضين .. ) (2). # وخص سبحانه من بين أوصاف المشركين منع الزكاة مقرونا بالكفر بالآخرة. لأن ~~أحب شيء إلى الإنسان ماله ، وهو شقيق روحه ، فإذا بذله للمحتاجين ، فذلك ~~أقوى دليل على استقامته ، وصدق نيته. # وقوله تعالى : ( @QUR@09 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ~~ممنون ) بيان لحسن عاقبة المؤمنين ، بعد بيان سوء عاقبة الكافرين. # أى : إن الذين آمنوا إيمانا حقا وعملوا الأعمال الصالحات ، لهم أجر عظيم ~~غير ( @QUR@01 ممنون ) أى غير مقطوع عنهم ، من مننت الحبل إذا قطعته ، أو ~~غير منقوص عما وعدهم الله به ، أو غير ممنون به عليهم ، بل يعطون ما يعطون ~~من خيرات جزاء أعمالهم الصالحة في الدنيا ، فضلا من الله تعالى وكرما. # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوبخ هؤلاء المشركين على ~~إصرارهم على PageV12P328 # كفرهم ، مع أن مظاهر قدرة الله تعالى الماثلة أمام أعينهم تدعوهم إلى ~~الإيمان ، فقال تعالى : # ( @QUR@014 قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ~~ذلك رب العالمين (9) @QUR@015 وجعل فيها رواسي من فوقها ms4994 وبارك فيها وقدر ~~فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين (10) @QUR@016 ثم استوى إلى ~~السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ~~(11) @QUR@019 فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا ~~السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم ) (12) # قال الإمام الرازي ما ملخصه : اعلم أنه تعالى لما أمر نبيه ~~صلى الله عليه وسلم أن يقول للناس : ( @QUR@07 قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي ~~... ) أردفه بما يدل على أنه لا يجوز إثبات الشركة بينه تعالى وبين هذه ~~الأصنام في الإلهية والمعبودية ، وذلك بأن بين كمال قدرته وحكمته في خلق ~~السموات والأرض في مدة قليلة .. والاستفهام في قوله ( @QUR@02 أإنكم ~~لتكفرون ... ) بمعنى الإنكار ، وهو لإنكار شيئين : الكفر بالله .. وجعل ~~الأنداد له (1). # والمعنى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء المشركين على سبيل الإنكار ~~لأفعالهم : أإنكم لتكفرون بالله تعالى الذي خلق الأرض في يومين. # قال الآلوسى : وإن واللام في قوله ( @QUR@02 أإنكم لتكفرون ) لتأكيد ~~الإنكار .. وعلق سبحانه كفرهم بالاسم الموصول لتفخيم شأنه تعالى واستعظام ~~كفرهم به. PageV12P329 # واليوم في المشهور عبارة عن زمان كون الشمس فوق الأفق ، وأريد منه ها هنا ~~الوقت مطلقا ، لأنه لا يتصور ذلك قبل خلق السماء والكواكب والأرض نفسها ، ~~ثم إن ذلك الوقت يحتمل أن يكون بمقدار اليوم المعروف ، ويحتمل أن يكون أقل ~~منه أو أكثر ، والأقل أنسب بالمقام .. (1). # قال سعيد بن جبير رضى الله عنه إن الله تعالى قادر على أن يخلق هذا الكون ~~كله في لحظة ، ولكنه خلق السموات والأرض في ستة أيام ، ليعلم خلقه التثبت ~~والتأنى في الأمور. # وقوله : ( @QUR@03 وتجعلون له أندادا ) معطوف على قوله ( @QUR@01 لتكفرون ~~) وداخل معه في حكم الإنكار. # والأنداد : جمع ند وهو مثل الشيء يضاده وينافره ويتباعد عنه. وأصله من ند ~~البعير إذا نفر وذهب على وجهه شاردا. # أى : وتجعلون له أمثالا ونظراء تعبدونها من دونه ، وتسمونها زورا وكذبا ~~آلهة ، وجمع سبحانه الأنداد باعتبار واقعهم ، لأنهم كانوا يعبدون آلهة شتى ~~، فمنهم من عبد الأصنام ، ومنهم من عبد الملائكة ، ومنهم من عبد ms4995 الكواكب. # واسم الإشارة في قوله ( @QUR@03 ذلك رب العالمين ) يعود إلى الموصول ~~باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة. # أى : ذلك الموصوف بتلك القدرة الباهرة ، رب العالمين جميعا ، وخالق جميع ~~المخلوقات ، والمتولى لتربيتها دون سواه. # وقوله : ( @QUR@05 وجعل فيها رواسي من فوقها .. ) معطوف على ( @QUR@04 ~~خلق الأرض في يومين ). # والرواسي : جمع راس من الرسو بفتح الراء وسكون السين بمعنى الثبات ~~والاستقرار في المكان ، يقال : رسا الشيء إذا ثبت واستقر. وهو صفة لموصوف محذوف. # أى : وجعل فيها جبالا رواسى من فوقها ، لكي تستقر وتثبت ، ولا تميد أو ~~تضطرب بكم. وقال تعالى : ( @QUR@02 من فوقها ) لبيان الواقع ، إذ وجود ~~الجبال من فوق الأرض ، ومشاهدة الإنسان لذلك بعينيه ، يزيده اقتناعا بقدرة ~~الله تعالى الباهرة وحكمته البليغة. PageV12P330 # ( @QUR@02 وبارك فيها ) أى : وجعلها مباركة زاخرة بأنواع الخيرات ~~والمنافع ، عن طريق الزروع والثمار المبثوثة فوقها ، والمياه التي تخرج من ~~جوفها. والكنوز التي تحصل من باطنها. # ( @QUR@03 وقدر فيها أقواتها ) والأقوات : جمع قوت. والمراد بها أرزاق ~~أهل الأرض وما يصلحهم. # أى : وجعل أقوات أهلها التي يحتاجون إليها في معايشهم ومنافعهم ، على ~~مقادير محددة معينة ، بحيث نشر في كل قطر من أقطارها أقواتا تناسب أهله ، ~~وبذلك يتبادل الناس المنافع فيما بينهم ، فيعمر الكون ، ويزيد الاتصال ~~والتعارف فيما بينهم. # قال ابن جرير : بعد أن ذكر جملة من الأقوال في معنى هذه الآية : والصواب ~~من القول في ذلك أن يقال : إن الله تعالى أخبر أنه قدر في الأرض أقوات ~~أهلها ، وذلك ما يقوتهم من الغذاء ، ويصلحهم من المعاش. ولم يخصص جل ثناؤه ~~بقوله ( @QUR@03 وقدر فيها أقواتها ) أنه قدر فيها قوتا دون قوت ، بل عم ~~الخبر عن تقديره جميع الأقوات .. (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@03 في أربعة أيام ) متعلق بمحذوف يدل ، عليه ما قبله. # أى : خلق الأرض ، وجعل فيه رواسى من فوقها ، وبارك فيها. وقدر فيها ~~أقواتها في تمام أربعة أيام ، فتكون المدة التي خلق فيها الأرض وما عليها ~~أربعة أيام. # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 سواء للسائلين ) تأكيد لما دلت عليه الآية ~~الكريمة من أن خلق كل من الأرض وما فيها وما عليها ms4996 قد حدث في أربعة أيام. # قال الآلوسى : وقيدت الأيام الأربعة بقوله : ( @QUR@01 سواء ) فإنه مصدر ~~مؤكد لمضمر هو صفة الأيام. أى : في أربعة أيام استوت سواء ، أى : استواء. # وقوله تعالى : ( @QUR@01 للسائلين ) متعلق بمحذوف وقع خبرا لمبتدأ محذوف ~~، أى : هذا الحصر في أربعة ، كائن للسائلين عن مدة خلق الأرض ، وما فيها .. (2). # وقال الجمل في حاشيته : فإن قيل لم جعلت مدة خلق الأرض بما فيها ، ضعف ~~مدة خلق السموات ، مع كون السماء أكبر من الأرض وأكثر مخلوقات وعجائب؟ # قلت : للتنبيه على أن الأرض هي المقصودة بالذات لما فيها من الثقلين ومن ~~كثرة المنافع ، فزادت مدتها ليكون ذلك أدخل في المنة على ساكنيها ، ~~وللاعتناء بشأنهم وشأنها أيضا PageV12P331 # زادت مدتها لما فيها من الابتلاء بالمعاصي والمجاهدات والمعالجات .. (1). # ثم بين سبحانه جانبا من مظاهر قدرته في خلق السماء ، فقال : ( @QUR@06 ثم ~~استوى إلى السماء وهي دخان .. ). # ومعنى استوائه سبحانه إلى السماء ، ارتفاعه إليها بلا كيف أو تشبيه أو ~~تحديد ، لأنه سبحانه منزه عن ذلك. # والدخان : ما ارتفع من لهب النار. والمراد به هنا : ما يرى من بخار الأرض ~~أو بخار الماء ويصح أن يكون معنى : ( @QUR@04 ثم استوى إلى السماء ): ~~تعلقت إرادته تعالى بخلقها. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@04 ثم استوى إلى السماء ) أى : قصد إليها ~~وتوجه ، دون إرادة تأثير في غيرها ، من قولهم : استوى إلى مكان كذا ، إذا ~~توجه إليه لا يلوى على غيره .. # وقوله : ( @QUR@02 وهي دخان ) أى أمر ظلماني ، ولعله أريد بها مادتها ~~التي منها تركبت. (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@07 فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها ... ) بيان ~~لما وجهه سبحانه إليهما من أوامر. # والمراد بإتيانهما : انقيادهما التام لأمره تعالى . # أى : فقال سبحانه للسماء وللأرض أخرجا ما خلقت فيكما من المنافع لمصالح ~~العباد ، فأنت يا سماء ، أبرزى ما خلقت فيك من شمس وقمر ونجوم .. وأنت يا ~~أرض أخرجى ما خلقت فيك من نبات وأشجار وكنوز. # قال الفخر الرازي : والمقصود من هذا القول : إظهار كمال القدرة ، أى : ~~ائتيا شئتما أم أبيتما ، كما يقول الجبار لمن تحت يده : لتفعلن هذا شئت أم ms4997 ~~لم تشأ ، ولتفعلنه طوعا أو كرها ، وانتصابهما على الحال ، بمعنى طائعين أو ~~مكرهين .. (3). # وقوله : ( @QUR@03 قالتا أتينا طائعين ) بيان لامتثالهما التام لأمره ~~تعالى . # أى : قالتا : فعلنا ما أمرتنا به منقادين خاضعين مستجيبين لأمرك ، فأنت ~~خالقنا وأنت مالك أمرنا. PageV12P332 # قال القرطبي : وقوله : ( @QUR@03 قالتا أتينا طائعين ) فيه وجهان : أنه ~~تمثيل لظهور الطاعة منهما ، حيث انقادا وأجابا فقام مقام قولهما. ومنه قول ~~الراجز : # امتلأ الحوض وقال قطني %~% مهلا رويدا ملأت بطني # يعنى : ظهر ذلك فيه. # وقال أكثر أهل العلم : بل خلق الله تعالى فيهما الكلام فتكلمتا كما أراد ~~سبحانه (1). # وجمعهما سبحانه جمع من يعقل ، لخطابهما بما يخاطب به العقلاء. # ثم فصل سبحانه بديع صنعه في خلق السموات فقال : ( @QUR@05 فقضاهن سبع ~~سماوات في يومين ... ). أى : ففرغ من خلقهن وتسويتهن على أبدع صورة وأحكم ~~صنع في مقدار يومين. # والضمير في قوله ( @QUR@01 فقضاهن ) إما راجع إلى السماء على المعنى ~~لأنها سبع سموات ، وإما مبهم يفسره ما بعده وهو سبع سموات. # وقوله : ( @QUR@05 وأوحى في كل سماء أمرها ) أى : وأوحى في كل منها ما ~~أراده وما أمر به ، وخلق فيها ما اقتضته حكمته من الملائكة ومن خلق لا ~~يعلمه إلا هو سبحانه . # وقوله : ( @QUR@05 وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ) أى : وزينا ~~السماء الدنيا أى القريبة منكم بكواكب مضيئة ، وحفظناها حفظا عظيما من ~~الاختلال والاضطراب والسقوط ( @QUR@01 ذلك ) الذي ذكرناه لكم من خلق ~~السموات والأرض ، وخلق ما فيهما. # ( @QUR@03 تقدير العزيز العليم ) أى : تقدير الله القاهر لكل شيء. ~~والعليم بما ظهر وبما بطن في هذا الكون. # وقد أخذ العلماء من هذه الآيات الكريمة أن خلق الأرض وما عليها من جبال ~~ومن أقوات للعباد قد تم في أربعة أيام ، وأن خلق السموات كان في يومين ~~فيكون مجموع الأيام التي خلق الله تعالى فيها السموات والأرض وما بينهما ~~ستة أيام. # وقد جاء ذلك في آيات متعددة ، منها قوله تعالى : ( @QUR@010 إن ربكم الله ~~الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ).. (2). PageV12P333 # وقوله سبحانه ( @QUR@013 ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام وما مسنا من لغوب .. ) (1). # كما ms4998 أخذ العلماء منها أيضا : أن خلق الأرض متقدم على خلق السموات بدليل ~~قوله تعالى بعد حديثه عن خلق الأرض ، ثم استوى إلى السماء وهي دخان. # وبدليل قوله تعالى في آية أخرى : ( @QUR@015 هو الذي خلق لكم ما في الأرض ~~جميعا ، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات ) (2). # وعلى هذا الرأى سار جمهور العلماء ، وردوا على من قال بأن خلق السموات ~~متقدم على خلق الأرض ، لأن الله تعالى يقول في سورة النازعات : ( @QUR@017 ~~أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها. رفع سمكها فسواها ، وأغطش ليلها وأخرج ~~ضحاها. والأرض بعد ذلك دحاها ) أى : بسطها. # ردوا عليهم بما روى عن ابن عباس من أنه سئل عن الجمع بين الآيات التي ~~معنا ، وبين آيات سورة النازعات فقال : إنه تعالى خلق الأرض أولا غير مدحوة ~~ثم خلق السماء ، ثم دحا الأرض بعد ذلك ، وجعل فيها الرواسي والأنهار ~~وغيرهما. # أى : أن أصل خلق الأرض كان قبل خلق السماء ، ودحوها بجبالها وأشجارها كان ~~بعد خلق السماء ، وردوا عليهم أيضا بأن لفظ «بعد» في قوله تعالى ( @QUR@04 ~~والأرض بعد ذلك دحاها ) بمعنى مع أى : والأرض مع ذلك بسطها ومهدها لسكنى ~~أهلها فيها. وردوا عليهم أيضا بأنه تعالى لما خلق الأرض غير مدحوة ، وهي ~~أهل لكل ما فيها كان كل ما فيها كأنه قد خلق بالفعل لوجود أصله فيها. # قال بعض العلماء : والدليل من القرآن على أن وجود الأصل يمكن به إطلاق ~~الخلق على الفرع ، وإن لم يكن موجودا بالفعل قوله تعالى : ( @QUR@09 ولقد ~~خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ... ). # فقوله : ( @QUR@03 خلقناكم ثم صورناكم ) أى : بخلقنا وتصويرنا لأبيكم آدم ~~الذي هو أصلكم (3). # كما أخذ منها العلماء أن وجود هذا الكون ، بتلك الصورة البديعة ، ~~المتمثلة في هذه الأرض PageV12P334 # وما أقلت. وفي هذه السموات وما أظلت .. من أكبر الأدلة التي تحمل العقلاء ~~على إخلاص العبادة لله الواحد القهار. # وبعد هذا الحديث المتنوع عن مظاهر قدرة الله في هذا الكون ، انتقلت ~~السورة إلى تهديد المشركين ، وإنذارهم بأن عاقبتهم ستكون كعاقبة الظالمين ~~الذين سبقوهم ، فقال تعالى ms4999 : # ( @QUR@09 فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود (13) ~~@QUR@023 إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله ~~قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون (14) @QUR@025 ~~فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن ~~الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون (15) @QUR@019 ~~فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة ~~الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون (16) @QUR@014 وأما ثمود فهديناهم ~~فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون ~~(17) @QUR@05 ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون ) (18) # ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآيات والتي قبلها روايات تتعلق بما بين ~~النبي صلى الله عليه وسلم وبين بعض المشركين ، منها ما ذكره محمد بن كعب ~~القرظي قال : حدثت أن عتبة بن ربيعة قال يوما لقريش ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده : يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد ~~فأكلمه ، وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها. PageV12P335 # فقالوا : بلى يا أبا الوليد ، فقم إليه فكلمه. فقام إليه عتبة فقال : «يا ~~محمد ، يا بن أخى ، إنك منا حيث قد علمت من السلطة أى من الشرف في العشيرة ~~وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم ، فرقت به جماعتهم ، وسفهت به أحلامهم ، وعبت ~~به آلهتهم ودينهم ، وكفرت به من مضى من آبائهم ، فاسمع منى أعرض عليك أمورا ~~تنظر فيها لعلك تقبل بعضها. # ثم قال : إن كنت يا بن أخى تريد ما لا أعطيناك من المال حتى تكون أكثرنا ~~مالا ، وإن كنت تريد ملكا جعلناك ملكا علينا .. وإن كان الذي يأتيك رئيا ~~تراه أى ترى بعض الجن طلبنا لك الطب حتى تبرأ. # فلما فرغ عتبة قال صلى الله عليه وسلم : «أفرغت يا أبا الوليد؟» قال : نعم. ~~قال : «فاسمع منى» قال : افعل. فتلا عليه النبي صلى الله عليه وسلم من أول ~~سورة «فصلت». # وفي رواية أنه لما بلغ قوله تعالى : ( @QUR@09 فإن أعرضوا فقل أنذرتكم ~~صاعقة مثل صاعقة عاد ms5000 وثمود ... ) قال له عتبة : حسبك ما عندك غير هذا. # ثم عاد عتبة إلى أصحابه ، فقال بعضهم لبعض : لقد جاءكم عتبة بوجه غير ~~الذي ذهب به ، فلما جلس إليهم قالوا له : ما وراءك يا أبا الوليد؟ # فقال : لقد سمعت من محمد صلى الله عليه وسلم قولا ما سمعت مثله قط ، والله ~~ما هو بالسحر ، ولا بالشعر ، ولا بالكهانة. يا معشر قريش ، أطيعونى ~~واجعلوها لي ، خلوا بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه ، فو الله ليكونن ~~لقوله الذي سمعت نبأ. # فقالوا : لقد سحرك محمد صلى الله عليه وسلم فقال : «هذا رأيى فيه فاصنعوا ما ~~بدا لكم» (1). # فقوله تعالى : ( @QUR@09 فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد ~~وثمود ) تهديد لهؤلاء المشركين ، بعد أن وضح الحق لهم في أكمل صورة .. # والصاعقة كما يقول ابن جرير : كل أمر هائل رآه الرائي أو عاينه أو أصابه. ~~حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل ، يكون مصعوقا .. (2). # والمراد بها هنا : العذاب الشديد الذي أنزله الله تعالى على قوم عاد ثمود ~~فصعقهم وأهلكهم. PageV12P336 # والمعنى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء المشركين لقد أقمت لكم الأدلة ~~الناصعة على وحدانية الله تعالى وعلى عظيم قدرته ، وعلى أنى رسول من عنده ، ~~وصادق فيما أبلغه عنه. # ( @QUR@02 فإن أعرضوا ) عن دعوتك ، ولجوا في طغيانهم ، واستمروا في كفرهم ~~وعنادهم. # ( @QUR@01 فقل ) لهم على سبيل التحذير : لقد ( @QUR@06 أنذرتكم صاعقة مثل ~~صاعقة عاد وثمود ). # وخص سبحانه عادا وثمود بالذكر ، لأن مشركي قريش يعرفون ما جرى لهؤلاء ~~الظالمين. إذ قوم عاد كانوا بالأحقاف أى بالمكان المرتفع الكثير الرمال في ~~جنوب الجزيرة العربية ورسولهم هو هود عليه السلام . # وأما ثمود فهم قوم صالح عليه السلام ، ومساكنهم كانت بشمال الجزيرة ~~العربية ، وما زالت آثارهم باقية ، وأهل مكة كانوا يمرون عليها في طريقهم ~~إلى بلاد الشام للتجارة. # والضمير في قوله تعالى : ( @QUR@012 إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن ~~خلفهم ، ألا تعبدوا إلا الله ... ) يعود إلى قوم عاد وثمود. # والمراد بالرسل : هود وصالح عليهما السلام من باب إطلاق الجمع على ms5001 الاثنين ~~، أو من باب إدخال من آمن بهما معهما في المجيء إلى هؤلاء الأقوام لدعوتهم ~~إلى عبادة الله وحده. # وقوله : ( @QUR@03 إذ جاءتهم الرسل ... ) حال من قوله ( @QUR@03 صاعقة ~~عاد وثمود ) وقوله ( @QUR@05 من بين أيديهم ومن خلفهم ) متعلق بجاءتهم. # والمراد بالجملة الكريمة : أن الرسل بذلوا كل جهدهم في إرشاد قوم عاد ~~وثمود إلى الحق ولم يتركوا وسيلة إلا اتبعوها معهم وبينوا لهم بأساليب ~~متعددة حسن عاقبة المؤمنين وسوء عاقبة الكافرين. # وقوله : ( @QUR@05 أن لا تعبدوا إلا الله ) بيان لما نصح به الرسل ~~أقوامهم و «أن» يصح أن تكون مصدرية ، أى : بأن لا تعبدوا إلا الله ، ويصح أن ~~تكون مخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير شأن محذوف. أو تفسيرية لأن مجيء الرسل ~~يتضمن قولا. # أى جاء الرسل إلى قوم عاد وثمود بكل دليل واضح على وجوب إخلاص العبادة ~~لله ، ولم يتركوا وسيلة إلا اتبعوها معهم ، وقالوا لهم : اجعلوا عبادتكم ~~لله تعالى وحده. # قال صاحب الكشاف ما ملخصه : قوله : ( @QUR@08 إذ جاءتهم الرسل من بين ~~أيديهم ومن خلفهم ... ). PageV12P337 # أى : أتوهم من كل جانب ، واجتهدوا بهم ، واعملوا فيهم كل حيلة ، فلم يروا ~~منهم إلا العتو والإعراض ، كما حكى الله تعالى عن الشيطان أنه قال : ( ~~@QUR@07 ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم ... ) يعنى لآتينهم من كل جهة ~~، ولأعملن فيهم كل حيلة. # وعن الحسن : أنذروهم بعذاب الله الدنيوي والأخروى. # وقيل معناه : إذ جاءتهم الرسل من قبلهم ومن بعدهم ، بمعنى أن هودا وصالحا ~~قد أمروهم بالإيمان بهما وبجميع الرسل الذين من قبلهم والذين من بعدهم ، ~~فكأن الرسل جميعا قد جاءوهم (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@011 قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما ~~أرسلتم به كافرون ) حكاية للرد السيئ الذي رد به قوم عاد وثمود على رسلهم. # ومفعول المشيئة محذوف أى : قال هؤلاء الكافرون لرسلهم على سبيل التكذيب ~~لهم ، والتهكم بهم. أنتم لستم رسلا ، ولو شاء الله تعالى أن يرسل إلينا ~~رسلا لأرسل ملائكة ، ومادام الأمر كذلك فإنا بما أرسلتم به أيها الرسل ~~كافرون ، وإلى ما تدعونا إليه مكذبون. # والسبب الذي حمل هؤلاء الجاهلين ms5002 على هذا القول : زعمهم أن الرسل لا ~~يكونون من البشر ، مع أن كل عقل سليم يؤيد أن الرسول لا يكون إلا من البشر ~~كما قال تعالى : ( @QUR@09 وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم .. ). # ثم فصل سبحانه بعد ذلك حال كل فريق منهم ، وبين ما نزل به من عذاب مهين ~~فقال : ( @QUR@012 فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد ~~منا قوة ... ) # أى. هذا هو قولهم على سبيل الإجمال لرسلهم ، وإليك جانبا من حال قوم عاد ~~، ومن أقوالهم الباطلة. # إنهم قد استكبروا في الأرض بغير الحق. واغتروا بما بين أيديهم من نعم ، ~~وقالوا على سبيل التباهي والتفاخر والتكبر : من أشد منا قوة. # وقيد استكبارهم في الأرض بأنه بغير الحق. لبيان واقعهم ، حيث كانوا كما ~~وصفهم الله تعالى في آيات أخرى متجبرين متعالين على غيرهم ، ومن ذلك قوله ~~تعالى : PageV12P338 # ( @QUR@013 أتبنون بكل ريع آية تعبثون. وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون. وإذا ~~بطشتم بطشتم جبارين ). # الاستفهام في قوله تعالى الذي حكاه عنهم ( @QUR@04 من أشد منا قوة ) ~~للإنكار والنفي. # أى : لا أحد أقوى منا ، فنحن في استطاعتنا أن ندفع كل عذاب ينزل بنا ، ~~وهذا هو الشعور الكاذب الذي يشعر به الطغاة الجاهلون في كل زمان ومكان. # وقد رد الله تعالى عليهم وعلى أمثالهم ردا منطقيا حكيما يخرس ألسنتهم ~~فقال : ( @QUR@013 أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة ، وكانوا ~~بآياتنا يجحدون ). # أى : أعموا وصموا عن الحق ، ولم يعلموا أن الله تعالى الذي أوجدهم من ~~العدم ، هو سبحانه أشد منهم قوة وبأسا. # إنهم لغرورهم وجهالاتهم نسوا كل ذلك ، وكانوا بآياتنا الدالة على قدرتنا ~~ووحدانيتنا يجحدون ، ويعاندون وينكرون الحق الذي جاءتهم به رسلهم. # ثم حكى سبحانه ما نزل بهم من عذاب بسبب إصرارهم على كفرهم ، وبسبب غرورهم ~~وبطرهم فقال : ( @QUR@013 فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات ، ~~لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ... ). # ولفظ «صرصرا» من الصر بفتح الصاد وهو شدة الحر ، أو من الصر بكسر الصاد ~~وهو شدة البرد الذي يقبض البدن ، أو من ms5003 الصرة التي هي الصيحة المزعجة ، ~~ومنه قوله تعالى ( @QUR@04 فأقبلت امرأته في صرة ... ) أى : في صيحة. # ولا مانع من أن تكون هذه الريح التي أرسلها الله تعالى عليهم ، قد اجتمع ~~فيها الصوت الشديد المزعج ، والبرد الشديد القاتل. # وقوله : ( @QUR@01 نحسات ) جمع نحسة بفتح النون وكسر الحاء صفة مشبهة من ~~نحس كفرح وكرم ضد سعد. # أى : فأرسلنا على قوم عاد ريحا شديدة الهبوب والصوت ، وشديدة البرودة أو ~~الحرارة في أيام نحسات أو مشئومات نكدات عليهم بسبب إصرارهم على كفرهم ~~وفعلنا ذلك معهم لنذيقهم العذاب المخزى لهم في الحياة الدنيا. # ( @QUR@03 ولعذاب الآخرة أخزى ) أى : أشد خزيا وإهانة لهم من عذاب ~~الدنيا. # ( @QUR@03 وهم لا ينصرون ) أى : وهم لا يجدون أحدا يدفع عنهم هذا العذاب ~~بحال من الأحوال. PageV12P339 # ثم بين سبحانه بعد ذلك ، حال ثمود وما نزل بهم من عذاب فقال : ( @QUR@03 ~~وأما ثمود فهديناهم ... ). # أى : وأما قوم ثمود الذين أرسلنا إليهم نبينا صالحا ، فبينا لهم عن طريقه ~~سبيل الرشاد وسبيل الغي. فالمراد بالهداية هنا : البيان والإرشاد والدلالة ~~على الخير. # ( @QUR@04 فاستحبوا العمى على الهدى ) أى : فاختاروا الكفر على الإيمان ، ~~وآثروا الغي على الرشد. # فالمراد بالعمى هنا الكفر والضلال ، والمراد بالهداية الإيمان والطاعة. # ( @QUR@07 فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون ) أى : فكانت ~~نتيجة إيثارهم الكفر على الإيمان ، وتصميمهم على ذلك .. أن أنزلنا عليهم ~~الصاعقة التي أهلكتهم ، والعذاب المبين الذي أبادهم ، بسبب ما اكتسبوه من ~~ذنوب وقبائح. # وقد حكى سبحانه ما أنزله بعاد وثمود من عذاب في آيات كثيرة ، منها قوله ~~تعالى : ( @QUR@029 كذبت ثمود وعاد بالقارعة. فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية. ~~وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية. سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام ~~حسوما. فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية ) (1). # وقد ذكر بعضهم أن الأيام النحسات التي نزل فيها العذاب على قوم عاد ، ~~كانت في أواخر شهر شوال ، وأن أولها كان في يوم الأربعاء ، وآخرها أيضا كان ~~في يوم الأربعاء ، ولذا صار بعض الناس يتشاءم من هذا اليوم. # والحق أن ما ذكروه في هذا الشأن لا دليل عليه ms5004 ، ولا يلتفت إليه ، وأن ما ~~أصاب هؤلاء إنما كان بشؤم كفرهم ومعاصيهم. # قال بعض العلماء بعد أن ذكر بعض الآثار التي ذكروها في أن يوم الأربعاء ~~يوم نحس : «فهذه الروايات وأمثالها لا تدل على شؤم يوم الأربعاء على من لم ~~يكفر بالله ولم يعصه ، لأن أغلبها ضعيف ، وما صح معناه منها فالمراد بنحسه ~~شؤمه على أولئك الكفرة العصاة الذين أهلكهم الله فيه بسبب كفرهم ومعاصيهم» (2). # ثم بين سبحانه فضله على المؤمنين ، ورحمته بهم فقال : ( @QUR@03 ونجينا ~~الذين آمنوا .. ) أى ونجينا الذين آمنوا من عذاب الدنيا ومن عذاب الآخرة. PageV12P340 # ( @QUR@02 وكانوا يتقون ) أى : يتقون الله تعالى ، ويصونون أنفسهم عن كل ~~ما لا يرضيه. # ثم بين سبحانه بعد ذلك جانبا من أحوال الظالمين يوم القيامة ، يوم تشهد ~~عليهم أسماعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون ، يوم يعلمون أن ما جاءهم ~~به رسلهم حق لا ريب فيه ، فقال تعالى : # ( @QUR@08 ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون (19) @QUR@012 حتى ~~إذا ما جاؤها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون (20) ~~@QUR@018 وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل ~~شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون (21) @QUR@020 وما كنتم تستترون أن ~~يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا ~~مما تعملون (22) @QUR@09 وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من ~~الخاسرين (23) @QUR@011 فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من ~~المعتبين ) (24) # والظرف في قوله : ( @QUR@08 ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون ) ~~متعلق بمحذوف تقديره : اذكر. # وقوله ، ( @QUR@01 يوزعون ) من الوزع وأصله الكف ، تقول : وزع فلان فلانا ~~عن الشيء ، أى : كفه ومنعه عنه. ومنه قول الشاعر : # ولن يزع النفس اللجوج عن الهوى %~% من الناس ، إلا وافر العقل كامله # والمراد هنا : أن يكف أولهم ويمنع عن التحرك حتى يرد آخرهم فيلحق بأولهم ، بحيث PageV12P341 # يجتمعون جميعا للحساب ثم يدعون إلى نار جهنم. # والمعنى : واذكر أيها العاقل يوم يحشر أعداء الله جميعا إلى النار ، بعد ~~أن حوسبوا على أعمالهم السيئة ( @QUR@02 فهم يوزعون ) أى : فهم ms5005 يحبسون في ~~هذا اليوم العصيب حتى يلحق آخرهم بأولهم ، ويكفون جميعا عن الحركة حتى يقضى ~~الله تعالى بقضائه العادل فيهم. # والتعبير بقوله : ( @QUR@02 أعداء الله ) يدل على ذمهم ، وعلى أن ما أبهم ~~من عذاب مهين. إنما هو بسبب عداوتهم لله تعالى ولرسله صلوات الله عليهم ، ~~حيث أعرضوا عن الحق الذي جاءهم به الرسل من عند ربهم. # والتعبير بقوله ( @QUR@01 يوزعون ) يشعر بأنهم يحبسون ويمنعون عن الحركة ~~بغلظة وزجر. # ثم بين سبحانه أحوالهم عند ما يعرضون على النار فقال : ( @QUR@012 حتى ~~إذا ما جاؤها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون ). # والمراد بشهادة هذه الأعضاء عليهم : أنها تنطق بإذن الله تعالى وتخبر بما ~~اجترحوه من سيئات ، وبما فعلوه من قبائح. # قال صاحب الكشاف ما ملخصه : «فإن قلت «ما» في قوله : ( @QUR@04 حتى إذا ~~ما جاؤها ) ما هي؟. # قلت : مزيدة للتأكيد ، ومعنى التأكيد فيها : أن وقت مجيئهم النار لا ~~محالة أن يكون وقت الشهادة عليهم ، ولا وجه لأن يخلو منها ... # فإن قلت : كيف تشهد عليهم أعضاؤهم وكيف تنطق؟. # قلت : الله عز وجل ينطقها ... بأن يخلق فيها كلاما .. # وشهادة الجلود بالملامسة للحرام ، وما أشبه ذلك مما يفضى إليها من ~~المحرمات. وقيل : المراد بالجلود الجوارح وقيل : هو كناية عن الفروج ..» (1). # ثم حكى سبحانه ما يقوله هؤلاء الكافرون لجوارحهم على سبيل التوبيخ ~~والتعجيب فقال : ( @QUR@05 وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا .. ). # أى : وقال هؤلاء الكافرون لجلودهم التي تشمل جميع جوارحهم بتعجب وذهول : ~~لما ذا شهدتم علينا مع أننا ما دافعنا إلا عنكم. لكي ننقذكم من النار؟. PageV12P342 # وهنا ترد عليهم جوارحهم بقولها كما حكى سبحانه عنها ( @QUR@07 قالوا ~~أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء .. ). # أى : قالوا في الرد عليهم : أنطقنا الله تعالى الذي أنطق كل شيء بقدرته ~~التي لا يعجزها شيء ( @QUR@01 وهو ) سبحانه الذي ( @QUR@03 خلقكم أول مرة ) ~~ولم تكونوا شيئا مذكورا. # ( @QUR@01 وإليه ) وحده ( @QUR@01 ترجعون ) فيحاسبكم على أعمالكم ، ويحكم ~~فيكم بحكمه العادل. # وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية عددا من الأحاديث ، منها ~~ما جاء عن أنس ابن مالك رضى الله ms5006 عنه قال : ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ذات يوم وتبسم فقال : «ألا تسألون عن أى شيء ضحكت»؟ قالوا : يا رسول الله ، ~~من أى شيء ضحكت؟ قال : «عجبت من مجادلة العبد ربه يوم القيامة ، يقول : أى ~~ربي ، أليس قد وعدتني أن لا تظلمني؟ قال : بلى. فيقول : فإنى لا أقبل على ~~شاهدا إلا من نفسي. فيقول الله تعالى : أو ليس كفى بي شهيدا. وبالملائكة ~~الكرام الكاتبين؟ قال : فيردد هذا الكلام مرارا قال : فيختم على فيه ، ~~وتتكلم أركانه بما كان يعمل. فيقول : بعدا لكن وسحقا ، فعنكن كنت أجادل» (1). # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@011 اليوم نختم على أفواههم ~~وتكلمنا أيديهم ، وتشهد أرجلهم ، بما كانوا يكسبون ) (2). # ثم حكى سبحانه ما يقال لهؤلاء الكافرين يوم القيامة من جهته تعالى أو من ~~جهة جوارحهم التي شهدت عليهم فقال تعالى : ( @QUR@020 وما كنتم تستترون أن ~~يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ، ولكن ظننتم أن الله لا يعلم ~~كثيرا مما تعملون ). # وقوله : ( @QUR@01 تستترون ) من الاستتار بمعنى الاستخفاء ، «وما» نافية. ~~وقوله : ( @QUR@03 أن يشهد عليكم .. ) في موضع نصب على نزع الخافض أى : من ~~أن يشهد عليكم .. أو مفعول لأجله. # أى : مخافة أو خشية أن يشهد عليكم سمعكم. # والمعنى : أن جوارحهم تقول لهم يوم القيامة على سبيل التبكيت : أنتم أيها ~~الكافرون لم تكونوا في الدنيا تخفون أعمالكم السيئة ، خوفا من أن نشهد ~~عليكم ولكنكم كنتم تخفونها PageV12P343 # لاعتقادكم أن الله تعالى لا يعلم ما تخفونه من أعمالكم ، ولكنه يعلم ما ~~تظهرونه منها. # وما حملكم على هذا الاعتقاد الباطل إلا جهلكم بصفات الله تعالى وكفركم ~~باليوم الآخر وما فيه من حساب وجزاء ، واستبعادكم أننا سنشهد عليكم. # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@07 وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم ~~سمعكم ... ) يجوز أن يكون هذا من قول الجوارح لهم ، ويجوز أن يكون من قول ~~الله تعالى لهم ، أو الملائكة. # وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال : اجتمع عند البيت ثلاثة نفر ، قرشيان ~~وثقفى ، أى شخص من قبيلة ثقيف أو ثقفيان وقرشي ، قليل فقه قلوبهم ، كثير ~~شحم ms5007 بطونهم. فقال أحدهم : أترون الله تعالى يسمع ما نقول : فقال الآخر : ~~يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا. # فأنزل الله عز وجل : ( @QUR@07 وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ). # فالآية الكريمة تنعى على المشركين جهالاتهم الفاضحة ، حيث ظنوا أن الله ~~تعالى لا يعلم الكثير من أعمالهم ، وتنبه المؤمنين إلى أن من الواجب عليهم ~~أن يعلموا أن الله تعالى معهم ، ولا يخفى عليه شيء من أقوالهم أو أفعالهم ، ~~وأنه سبحانه يعلم السر ، وأخفى ورحم الله من قال : # إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل %~% خلوت. ولكن قل : على رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة %~% ولا أن ما يخفى عليك ، يغيب # ثم بين سبحانه سوء عاقبة ظن هؤلاء الكافرين الجاهلين فقال : ( @QUR@06 ~~وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم ). # و ( @QUR@01 ذلكم ) اسم إشارة يعود إلى ظنهم السابق ، وهو مبتدأ ، وقوله ~~( @QUR@01 أرداكم ) خبره. # أى : وذلكم الظن الذي ظننتموه بربكم ، وهو أنه سبحانه لا يعلم كثيرا مما ~~تعملونه سرا ، هذا الظن ( @QUR@01 أرداكم ) أى : أهلككم ، يقال ردى فلان ~~كصدى إذا هلك ( @QUR@01 فأصبحتم ) أيها الكافرون من الخاسرين لكل شيء في ~~دنياكم. # ( @QUR@02 فإن يصبروا ) عن العذاب ( @QUR@03 فالنار مثوى لهم ) أى : ~~فالنار هي المكان المعد لثوائهم فيه ، ولبقائهم به بقاء أبديا. يقال : ثوى ~~فلان بالمكان إذا أقام به إقامة دائمة. ( @QUR@06 وإن يستعتبوا فما هم من ~~المعتبين ) أى : وإن يطلبوا الرضا عنهم ، فما هم من المرضى عنهم ، وإنما هم ~~من المغضوب عليهم ، أو وإن يطلبوا منا الرجوع إلى ما يرضينا بأن نعيدهم PageV12P344 # إلى الدنيا ، فما هم من المجابين إلى ذلك. # قال القرطبي : وأصل الكلمة من العتب بفتح العين وسكون التاء وهي الموجدة ~~، يقال : عتب عليه يعتب كضرب يضرب إذا وجد عليه. فإذا فاوضه فيما عتب عليه ~~فيه ، قيل : عاتبه ، فإذا رجع إلى مسرتك فقد أعتب. والاسم العتبى ، وهو ~~رجوع المعتوب عليه إلى ما يرى العاتب قال الشاعر : # فإن أك مظلوما فعبدا ظلمته %~% وإن تك ذا عتبى فمثلك يعتب (1) # وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة ، قد بينت الأحوال السيئة التي يكون عليها ~~الكافرون ms5008 يوم القيامة ، والمجادلات التي تدور بينهم وبين جوارحهم في هذا ~~اليوم العسير عليهم. # ثم بين سبحانه جانبا من الأسباب التي أوقعتهم في هذا المصير الأليم ، ومن ~~الأقوال السيئة التي كانوا يتواصون بها فيما بينهم ، وعن عاقبة هذا التواصي ~~الأثيم فقال تعالى : # ( @QUR@025 وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق ~~عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين (25) ~~@QUR@011 وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ~~(26) @QUR@010 فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا ~~يعملون (27) @QUR@014 ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء ~~بما كانوا بآياتنا يجحدون (28) @QUR@016 وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين ~~أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين ) (29) PageV12P345 # قال الجمل ما ملخصه : قوله : ( @QUR@01 وقيضنا ... ) أى : سببنا وهيأنا ~~وبعثنا لهم قرناء يلازمونهم ويستولون عليهم استيلاء القيض على البيض. ~~والقيض قشر البيض .. # والتقييض أيضا التيسير والتهيئة ، تقول قيضت لفلان الشيء ، أى : هيأته ~~ويسرته له .. (1). # والقرناء : جمع قرين ، وهو الصديق الملازم للشخص الذي لا يكاد يفارقه ، ~~وله تأثير عليه والمراد بما بين أيديهم : شهوات الدنيا وسيئاتها. والمراد ~~بما خلفهم : ما يتعلق بالآخرة من بعث وحساب وثواب وعقاب. # والمعنى : إن حكمتنا قد اقتضت أن نهيئ ونسبب لهؤلاء المشركين قرناء سوء ، ~~هؤلاء القرناء يزينون لهم القبيح من أعمال الدنيا التي يعيشون فيها ، كما ~~يزينون لهم إنكار ما يتعلق بما خلفهم من أمور الآخرة ، كتكذيبهم بالبعث ~~والحساب والجزاء. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@018 ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له ~~شيطانا فهو له قرين. وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون ) (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@012 وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من ~~الجن والإنس ... ) بيان لما ترتب على استجابتهم لقرناء السوء ، وانقيادهم ~~لهم انقياد التابع للمتبوع. # أى : وثبت عليهم القول الذي قاله سبحانه لإبليس ، وتحقق مقتضاه وهو قوله ~~تعالى : ( @QUR@07 لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ) (3). # وقوله : ( @QUR@02 في أمم ) في محل نصب على الحال من الضمير ms5009 في ( @QUR@01 ~~عليهم ) أى : وثبت عليهم العذاب. حالة كونهم داخلين في جملة أمم كافرة ~~جاحدة ، قد مضت من قبلهم ، وهذه الأمم منها ما هو من الجن ، ومنها ما هو من الإنس. # وجملة ( @QUR@03 إنهم كانوا خاسرين ) تعليل لاستحقاقهم العذاب. والضمير ~~لكفار قريش ولغيرهم من الأمم السابقة التي هلكت على الكفر. # ثم حكى سبحانه ما تواصى به المشركون فيما بينهم فقال : ( @QUR@011 وقال ~~الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ). PageV12P346 # وقوله : ( @QUR@02 والغوا فيه ) من اللغو ، وهو الكلام الساقط الذي لا ~~فائدة فيه يقال : لغا فلان في كلامه يلغو ، إذا نطق بكلام ساقط لا خير فيه. # ويبدو أن هذا الكلام قد قاله الزعماء من كفار مكة لأتباعهم ، فقد ورد عن ~~ابن عباس أنه قال : قال أبو جهل لأتباعه : إذا قرأ محمد فصيحوا في وجهه ، ~~حتى لا يدرى ما يقول. # أى : وقال زعماء الكفر لأتباعهم : لا تسمعوا لهذا القرآن الذي يقرأه محمد ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ولا تنصتوا إليه ، بل ابتعدوا عن قارئيه ، ~~والغوا فيه أى : وأظهروا عند قراءته أصواتكم باللغو من القول ، كالتشويش ~~على القارئ ، والتخليط عليه في قراءته بالتصفيق وبرفع الصوت بالخرافات ~~والهذيان .. # ( @QUR@02 لعلكم تغلبون ) أى : لعلكم بعملكم هذا تتغلبون على المسلمين ، ~~وتجعلونهم ينصرفون عن قراءة القرآن. # ولا شك أن قولهم هذا دليل واضح على خوفهم من تأثير القرآن في القلوب ، ~~هذا التأثير الذي حمل كثيرا منهم عند سماعه على الدخول في الإسلام ونبذ ~~الكفر والكافرين. # كما يدل على أنهم لعجزهم عن معارضته ، وعن الإتيان بسورة من مثله ، لجئوا ~~إلى تلك الأساليب السخيفة ، لصرف الناس عن سماع القرآن الكريم. # وقد رد سبحانه على فعلهم هذا بما يناسبه من تهديد فقال : ( @QUR@010 ~~فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ، ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون ). # أى : فو الله لنجعلن الذين كفروا بهذا القرآن والذين شوشوا على قارئيه ~~بالصياح والاستهزاء ، لنجعلنهم يذوقون العذاب الذي يهينهم ، ويحسون به ~~إحساسا أليما. ولنجزينهم في الآخرة الجزاء المناسب لقبح أعمالهم التي ~~عملوها في الدنيا. # قال الآلوسى : قوله تعالى : ( @QUR@05 ولنجزينهم أسوأ ms5010 الذي كانوا يعملون ~~) أى : جزاء سيئات أعمالهم التي هي في أنفسها أسوأ ، فأفعل للزيادة المطلقة ~~وقيل : إنه سبحانه لا يجازيهم بمحاسن أعمالهم كإغاثة الملهوف ، وصلة ~~الأرحام. وإكرام الضيف ... لأن هذه الأعمال قد حبطت بسبب كفرهم .. (1). # وقال الجمل في حاشيته : وفي هذا تعريض بمن لا يكون عند سماعه لكلام الله ~~خاضعا خاشعا متفكرا متدبرا. وتهديد ووعيد شديد لمن يصدر عنه عند سماعه ما ~~يشوش على القارئ PageV12P347 # ويخلط عليه القراءة ، فانظر إلى عظمة القرآن المجيد ، وتأمل في هذا ~~التغليظ والتشديد ، واشهد لمن عظمه وأجل قدره ، وألقى إليه السمع وهو شهيد ~~، بالفوز العظيم .. (1). # واسم الإشارة في قوله تعالى : ( @QUR@04 ذلك جزاء أعداء الله ... ) يعود ~~إلى ما تقدم من العذاب الشديد المعد لهؤلاء الكافرين ، وهو مبتدأ ، وجملة ( ~~@QUR@03 جزاء أعداء الله ) خبره. # وقوله ( @QUR@01 النار ) بدل أو عطف بيان. # أى : ذلك العذاب الشديد الذي نذيقه للكافرين جزاء عادل لأعداء الله ، ~~وهذا العذاب الشديد يتمثل في النار التي أعدها سبحانه لهم. # وجملة : ( @QUR@04 لهم فيها دار الخلد ) مؤكدة لما قبلها. أى : لهم في ~~تلك النار الإقامة الدائمة الباقية المستمرة ، فهي بمثابة الدار المهيأة ~~لسكنهم الدائم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون ) بيان لحكم ~~الله العادل فيهم. # أى : نجازيهم جزاء أليما بسبب جحودهم لآياتنا الدالة على وحدانيتنا وعلى ~~صدق رسلنا. # ثم صور سبحانه أحوالهم وهم يتقلبون في النار وحكى بعض أقوالهم التي ~~يقولونها وهم في ذلك العذاب الأليم فقال : ( @QUR@03 وقال الذين كفروا ) ~~على من أضلوهم. # ( @QUR@07 ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس ... ) أى : قالوا يا ~~ربنا أطلعنا على الفريقين اللذين زينوا لنا الكفر والفسوق والعصيان من ~~أفراد الجن والإنس ( @QUR@06 نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين ) أى ~~: أرنا إياهم لننتقم منهم ، بأن ندوسهما بأقدامنا احتقارا لهم ، وغضبا ~~عليهم ، ليكونا بذلك في أسفل مكان من النار ، وفي أحقره وأكثرهم سعيرا. ~~وهكذا تتحول الصداقة التي كانت بين الزعماء والأتباع في الدنيا ، إلى عداوة ~~تجعل كل فريق يحتقر صاحبه ، ويتمنى له أسوأ العذاب. # وكعادة القرآن في المقارنة بين عاقبة الأشرار وعاقبة الأخيار ، جاء ms5011 ~~الحديث عن حسن عاقبة المؤمنين ، بعد الحديث عن سوء مصير الكافرين ، فقال ~~تعالى : # ( @QUR@016 إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ~~ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة PageV12P348 # @QUR@03 التي كنتم توعدون (30) @QUR@016 نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا ~~وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون (31) @QUR@04 ~~نزلا من غفور رحيم (32) @QUR@013 ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل ~~صالحا وقال إنني من المسلمين (33) @QUR@017 ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ~~ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم (34) ~~@QUR@011 وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم (35) ~~@QUR@011 وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم ) (36) # والمعنى : إن الذين قالوا بكل صدق وإخلاص ربنا الله تعالى وحده ، لا شريك ~~له لا في ذاته ولا في صفاته. # ( @QUR@02 ثم استقاموا ) أى : ثم ثبتوا على هذا القول ، وعملوا بما ~~يقتضيه هذا القول من طاعة الله تعالى في المنشط والمكره ، وفي العسر واليسر ~~، ومن اقتداء برسوله صلى الله عليه وسلم في كل أحواله. # قال صاحب الكشاف : و ( @QUR@01 ثم ) لتراخى الاستقامة عن الإقرار في ~~المرتبة وفضلها عليه. لأن الاستقامة لها الشأن كله. ونحوه قوله تعالى : ( ~~@QUR@09 إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ) والمعنى : ~~ثم ثبتوا على الإقرار ومقتضياته (1). # ولقد بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الاستقامة على أمر الله جماع ~~الخيرات ، ففي صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال : قلت : يا رسول ~~الله «قل لي في الإسلام قولا لا أسأل PageV12P349 # عنه أحدا بعدك». قال : «قل آمنت بالله ثم استقم ...» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@07 تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا ) ~~بيان للآثار الطيبة التي تترتب على هذا القول المؤيد بالثبات على طاعة الله ~~تعالى : # وتنزل الملائكة عليهم بهذه البشارات يشمل ما يكون في حياتهم عن طريق ~~إلهامهم بما يشرح صدورهم ، ويطمئن نفوسهم ، كما يشمل تبشيرهم بما يسرهم عند ~~موتهم وعند بعثهم. # قال الآلوسى : قوله تعالى : ( @QUR@03 تتنزل عليهم الملائكة ) قال مجاهد ~~: عند موتهم. وعن ms5012 زيد بن أسلم : عند الموت ، وعند القبر ، وعند البعث ، ~~وقيل : معنى ( @QUR@02 تتنزل عليهم ) يمدونهم فيما يعن ويطرأ لهم من الأمور ~~الدينية والدنيوية بما يشرح صدورهم ، ويدفع عنهم الخوف والحزن بطريق ~~الإلهام كما أن الكفرة يغريهم ما قيض لهم من قرناء السوء بتزيين القبائح. ~~(2) والخوف : غم يلحق النفس لتوقع مكروه في المستقبل. # والحزن : غم يلحقها لفوات نفع في الماضي. # أى : إن الذين قالوا ربنا الله باعتقاد جازم ، ثم استقاموا على طاعته في ~~جميع الأحوال ، تتنزل عليهم من ربهم الملائكة ، لتقول لهم في ساعة احتضارهم ~~وعند مفارقتهم الدنيا ، وفي كل حال من أحوالهم : لا تخافوا أيها المؤمنون ~~الصادقون مما أنتم قادمون عليه في المستقبل ، ولا تحزنوا على ما فارقتموه ~~من أموال أو أولاد. # ( @QUR@01 وأبشروا ) عما قريب ، بالجنة التي كنتم توعدون بها في الدنيا. # ثم يقولون لهم أيضا على سبيل الزيادة في المسرة : ( @QUR@07 نحن أولياؤكم ~~في الحياة الدنيا وفي الآخرة ). # أى : نحن نصراؤكم على الخير ، وأعوانكم على الطاعة في الحياة الدنيا التي ~~توشكون على مفارقتها ، وفي الآخرة التي هي الدار الباقية ، سنتلقاكم فيها ~~بالتكريم والترحاب. # ( @QUR@02 ولكم فيها ) أى : في الدار الآخرة ، ما تشتهي أنفسكم ، من ~~أنواع الطيبات التي أعدها لكم خالقكم في جناته. PageV12P350 # ( @QUR@04 ولكم فيها ما تدعون ) أى : ما تتمنوه وتطلبونه ، فقوله ( ~~@QUR@01 تدعون ) افتعال من الدعاء بمعنى الطلب. # قوله تعالى : ( @QUR@04 نزلا من غفور رحيم ) حال من قوله : ( @QUR@02 ما ~~تدعون )، وأصل النزل : ما يقدم للضيف عند نزوله على المضيف من مأكل طيب ، ~~ومشرب حسن ، ومكان فيه راحته. # أى : لكم في الدار الآخرة جميع ما تطلبونه وما تدعونه ، حال كون هذا ~~المعطى لكم رزقا وضيافة مهيأة لكم من ربكم الواسع المغفرة والرحمة. # ثم سمت السورة الكريمة بعد ذلك بمنازل الذين يقومون بالدعوة إلى الحق ~~بحكمة وإخلاص فقال تعالى : ( @QUR@013 ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل ~~صالحا وقال إنني من المسلمين ). # أى. لا أحد أحسن قولا ، وأعظم منزلة ، ممن دعا غيره إلى طاعة الله تعالى ~~وإلى المحافظة على أداء ما كلفه به. # ولم يكتف بهذه ms5013 الدعوة لغيره ، بل أتبع ذلك بالعمل الصالح الذي يجعل ~~المدعوين يزدادون استجابة له. # ( @QUR@01 وقال ): بعد كل ذلك على سبيل السرور والابتهاج والتحدث بنعمة ~~الله ( @QUR@03 إنني من المسلمين ). # أى : من الذين أسلموا وجوههم لله تعالى وأخلصوا له القول والعمل. # قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية ، أى : وهو في نفسه مهتد بما يقوله ، ~~فنفعه لنفسه لازم ومتعد ، وليس هو من الذين يأمرون بالمعروف ولا يأتونه ، ~~وينهون عن المنكر ويأتونه .. وهذه الآية عامة في كل من دعا إلى خير ، وهو ~~في نفسه مهتد. # وقيل المراد بها المؤذنون الصلحاء ... والصحيح أن الآية عامة في المؤذنين ~~وفي غيرهم» (1). # ثم أرشد سبحانه إلى ما ينمى روح المحبة والمودة .. بين الداعي والمدعوين ~~بصفة خاصة ، وبين المسلم وغيره بصفة عامة ، فقال : ( @QUR@05 ولا تستوي ~~الحسنة ولا السيئة ). # أى : ولا تستوي الخصلة الحسنة ولا الخصلة السيئة ، لا في ذواتهما ولا في ~~الآثار التي تترتب PageV12P351 # عليهما ، إذ الخصلة الحسنة جميلة في ذاتها ، وعظيمة في الآثار الطيبة ~~التي تنتج عنها ، أما الخصلة السيئة فهي قبيحة في ذاتها وفي نتائجها. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 ادفع بالتي هي أحسن ) إرشاد منه تعالى إلى ما ~~يجب أن يتحلى به عباده المؤمنون. # أى : ما دامت الخصلة الحسنة لا تتساوى مع الخصلة السيئة ، فعليك أيها ~~المسلم أن تدفع السيئة إذا جاءتك من المسيء ، بأحسن ما يمكن دفعها به من ~~الحسنات ، بأن تقابل ذنبه بالعفو ، وغضبه بالصبر ، وقطعه بالصلة وفظاظته ~~بالسماحة. # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) ~~بيان للآثار الجميلة التي تترتب على دفع السيئة بالحسنة. # والولي : هو الصديق المحب الشفيق عليك ، من الولي بمعنى القرب. # والحميم : يطلق في الأصل على الماء الحار ... والمراد به هنا : الصديق ~~الصدوق معك. # أى : أنت إذا دفعت السيئة بالحسنة ، صار عدوك الذي أساء إليك ، كأنه قريب ~~منك ، لأن من شأن النفوس الكريمة أنها تحب من أحسن إليها ، ومن عفا عنها ، ~~ومن قابل شرها بالخير ، ومنعها بالعطاء. # ولما كانت هذه الأخلاق تحتاج إلى مجاهدة للنفس .. عقب سبحانه على هذه ~~التوجيهات ms5014 السامية بقوله : ( @QUR@011 وما يلقاها إلا الذين صبروا. وما ~~يلقاها إلا ذو حظ عظيم ). # والضمير في ( @QUR@01 يلقاها ) يعود إلى تلك الخصال الكريمة السابقة ، ~~التي على رأسها الدفع بالتي هي أحسن. # أى : وما يستطيع القيام بتلك الأخلاق العظيمة التي على رأسها الدعوة إلى ~~الله ومقابلة السيئة بالحسنة .. إلا الذين صبروا على المكاره وعلى الأذى. # وما يستطيعها أيضا إلا صاحب الحظ الوافر ، والنصيب الكبير ، من توفيق ~~الله تعالى له إلى مكارم الأخلاق. # والمتأمل في هذه الآيات الكريمة يراها قد رسمت للمسلم أحكم الطرق ، وأفضل ~~الوسائل ، التي ترفع درجته عند خالقه تعالى . # ثم أرشد سبحانه عباده إلى ما يبعدهم عن كيد الشيطان ، فقال : ( @QUR@011 ~~وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم ). PageV12P352 # والنزغ والنخس والغرز بمعنى واحد. وهو إدخال الإبرة أو طرف العصا في ~~الجلد. المراد به هنا : وسوسة الشيطان وكيده للإنسان. # والمعنى : وإن تعرض لك من الشيطان وسوسة تثير غضبك ، وتحملك على خلاف ما ~~أمرك الله تعالى به .. فاستعذ بالله ، أى : فالتجئ إلى حماه واستجر به من ~~كيد الشيطان ( @QUR@01 إنه ) سبحانه هو السميع لدعائك ، العليم بكل أحوالك ~~، القادر على دفع كيد الشيطان عنك. # فالآية الكريمة ترشد المؤمن إلى العلاج الذي يحميه من وسوسة الشيطان ~~وكيده ، ألا وهو الاستعاذة بالله السميع لكل شيء ، العليم بكل شيء القادر ~~على كل شيء. # وبعد هذه البشارات الكريمة ، والتوجيهات الحكيمة للمؤمنين .. ساق سبحانه ~~أنواعا من الأدلة الكونية الدالة على وحدانيته وقدرته ، فقال تعالى : # ( @QUR@019 ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا ~~للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون (37) @QUR@012 فإن ~~استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون (38) ~~@QUR@022 ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت ~~وربت إن الذي أحياها لمحي الموتى إنه على كل شيء قدير ) (39) # والمراد بالآيات في قوله تعالى : ( @QUR@02 ومن آياته .. ) العلامات ~~الدالة دلالة واضحة على وحدانية الله تعالى وقدرته. # أى : ومن آياته على وحدانيته وقدرته تعالى وعلى وجوب إخلاص العبادة له ، وجود PageV12P353 # الليل ms5015 والنهار والشمس والقمر بتلك الطريقة البديعة ، حيث إن الجميع يسير ~~بنظام محكم ، ويؤدى وظيفته أداء دقيقا. كما قال تعالى : ( @QUR@015 لا ~~الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ، ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ). # وقوله تعالى ( @QUR@09 لا تسجدوا للشمس ولا للقمر ، واسجدوا لله الذي ~~خلقهن .. ) نهى عن السجود لغيره تعالى وأمر بالسجود له وحده. # أى : لا تسجدوا أيها الناس للشمس ولا للقمر ، لأنهما كغيرهما من جملة ~~مخلوقات الله تعالى ، واجعلوا طاعتكم وعبادتكم لله الذي خلق كل شيء في هذا ~~الكون ، إن كنتم حقا تريدون أن تكون عبادتكم مقبولة عنده عز وجل . # فالآية الكريمة تقيم الأدلة على وجوب إخلاص العبادة لله عز وجل وتنهى عن ~~عبادة غيره تعالى . # قال الجمل : هذا رد على قوم عبدوا الشمس والقمر ، وإنما تعرض للأربعة مع ~~أنهم لم يعبدوا الليل والنهار ، للإيذان بكمال سقوط الشمس والقمر عن رتبة ~~السجودية لهما ، بنظمهما في المخلوقية في سلك الأعراض التي لا قيام لها ~~بذاتها ، وهذا هو السر في نظم الكل في سلك آياته. # وإنما عبر عن الأربع بضمير الإناث مع أن فيها ثلاثة مذكرة ، والعادة ~~تغليب المذكر على المؤنث لأنه لما قال : ومن آياته ، فنظم الأربعة في سلك ~~الآيات ، صار كل واحد منها آية فعبر عنها بضمير الإناث في قوله ( @QUR@01 ~~خلقهن ) (1). # ثم بين سبحانه أن استكبار الجاهلين عن عبادة الله تعالى وحده ، لن ينقص ~~من ملكه شيئا فقال : ( @QUR@012 فإن استكبروا ، فالذين عند ربك يسبحون له ~~بالليل والنهار وهم لا يسأمون ). # أى : فإن تكبر هؤلاء الكافرون عن إخلاص العبادة لله تعالى فلا تحزن أيها ~~الرسول الكريم فإن الذين عند ربك من الملائكة. ينزهونه تعالى ويعبدونه ~~عبادة دائمة بالليل والنهار وهم لا يسأمون ولا يملون ، لاستلذاذهم لتلك ~~العبادة والطاعة ، وخوفهم من مخالفة أمره عز وجل . # فالآية الكريمة تهون من شأن هؤلاء الكافرين ، وتبين أنه تعالى في غنى ~~عنهم وعن عبادتهم ؛ لأن عنده من مخلوقاته الكرام من يعبده بالليل والنهار ~~بدون سأم أو كلل. PageV12P354 # والمراد بالعندية في قوله تعالى ( @QUR@02 عند ربك ) عندية ms5016 المكانة ~~والتشريف لا عندية المكان. # وقوله ( @QUR@03 فالذين عند ربك ) تعليل لجواب الشرط المقدر ، أى : فإن ~~استكبروا فدعهم وشأنهم فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@018 وله من في السماوات والأرض ، ~~ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون. يسبحون الليل والنهار لا ~~يفترون ) (1). # ثم بين سبحانه آية أخرى من آياته الدالة على وجوب إخلاص العبادة له فقال ~~: ( @QUR@012 ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة ، فإذا أنزلنا عليها الماء ~~اهتزت وربت .. ). # و ( @QUR@01 خاشعة ) أى ، يابسة جدبة ، خشعت الأرض ، إذا أجدبت لعدم نزول ~~المطر عليها وقوله : ( @QUR@01 اهتزت ) أى : تحركت بالنبات قبل بروزه منها ~~وبعد ظهوره على سطحها و ( @QUR@01 ربت ) أى : انتفخت وعلت ، لأن النبات إذا ~~قارب الظهور ترى الأرض ، ارتفعت له ، ثم تشققت عنه. يقال : ربا الشيء إذا ~~زاد وعلا وارتفع ، ومنه الربوة للمكان المرتفع من الأرض. # أى : ومن آياته تعالى الدالة على وجوب العبادة له وحده ، أنك أيها العاقل ~~ترى الأرض يابسة جامدة ، فإذا أنزلنا عليها بقدرتنا المطر ، تحركت بالنبات ~~، وارتفعت بسببه ، ثم تصدعت عنه. # وعنى سبحانه هنا بقوله ( @QUR@01 خاشعة ) لأن الحديث عن وجوب السجود لله ~~تعالى وحده ، والحديث عن السجود والطاعة يناسبه الخشوع. # وفي سورة الحج قال سبحانه : ( @QUR@03 وترى الأرض هامدة .. ) لأن الحديث ~~هناك كان عن البعث ، وعن إمكانيته ، فناسب أن يعبر بالهمود الذي يدل على ~~فقدان الحياة. # قال تعالى ( @QUR@013 يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب .. ) (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@010 إن الذي أحياها لمحي الموتى ، إنه على كل شيء ~~قدير ) بيان لمظاهر قدرته عز وجل . PageV12P355 # أى : إن الذي أحياها بنزول المطر عليها ، ويخرج النبات منها ، لقادر عن ~~أن يحيى الموتى عن طريق البعث والنشور ، إنه سبحانه على كل شيء قدير. # وبعد هذا الحديث عن مظاهر قدرة الله في هذا الكون ، جاءت الآيات بعد ذلك ~~لتهديد الذين يلحدون في آياته تعالى ولتمدح القرآن الكريم ، ولتسلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم عما لقيه من أعدائه ، ولتبين أن من عمل صالحا فثمار عمله ~~لنفسه ms5017 ، ومن عمل سيئا فعلى نفسه وحده يجنى .. قال تعالى : # ( @QUR@026 إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار ~~خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير (40) ~~@QUR@09 إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز (41) @QUR@013 لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد (42) @QUR@017 ما ~~يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم (43) ~~@QUR@031 ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لو لا فصلت آياتهء أعجمي وعربي قل ~~هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى ~~أولئك ينادون من مكان بعيد (44) @QUR@019 ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف ~~فيه ولو لا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب (45) ~~@QUR@011 من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد ) (46) PageV12P356 # وقوله تعالى ( @QUR@01 يلحدون ) من الإلحاد وهو الميل عن الاستقامة ، ~~والعدول عن الحق. # يقال ألحد فلان في كلامه إذا مال عن الصواب ، ومنه اللحد في القبر ، لأنه ~~أميل إلى ناحية منه دون الأخرى. # والمعنى : إن الذين يميلون عن الحق في شأن آياتنا بأن يؤولوها تأويلا ~~فاسدا ، أو يقابلوها باللغو فيها وعدم التدبر لما اشتملت عليه من توجيهات ~~حكيمة .. # هؤلاء الذين يفعلون ذلك : ( @QUR@03 لا يخفون علينا ) أى ليسوا بغائبين ~~عن علمنا ، بل هم تحت بصرنا وقدرتنا ، وسنجازيهم بما يستحقون من عقاب مهما ~~ألحدوا ومالوا عن الحق والصواب. # فالجملة تهديد لهم على تحريفهم الباطل لآيات الله تعالى . # ثم بين سبحانه البون الشاسع بين عاقبة المؤمنين وعاقبة الكافرين ، فقال : ~~( @QUR@011 أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة )؟. # والغرض من هذا الاستفهام بيان أن الذين يلحدون في آيات الله سيكون مصيرهم ~~الإلقاء في النار ، وأن الذين استجابوا للحق وساروا على طريقه وهم المؤمنون ~~، سيأتون آمنين من الفزع يوم القيامة. # قال الآلوسى : «وكان الظاهر أن يقابل الإلقاء في النار بدخول الجنة ، ~~لكنه عدل عنه إلى ما في النظم ms5018 الجليل ، اعتناء بشأن المؤمنين ، لأن الأمن ~~من العذاب أعم وأهم ، ولذا عبر عن الأول بالإلقاء الدال على القهر والقسر ، ~~وعبر عن الثاني بالإتيان الدال على أنه بالاختيار والرضا ، مع الأمن ودخول ~~الجنة ..» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@07 اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير ) تهديد آخر ~~لهم على إلحادهم. # أى : اعملوا أيها الملحدون ما شئتم من أعمال قبيحة ، فإنها لا تخفى على ~~خالقكم عز وجل ، لأنه بصير بكم ، ومطلع على أفعالكم ، وسيجازيكم عليها ~~الجزاء العادل الذي تستحقونه. # فالمقصود من الأمر في قوله تعالى ( @QUR@01 اعملوا ) التهديد والوعيد. # ثم أضاف سبحانه إلى ما سبق تهديدا ثالثا فقال : ( @QUR@06 إن الذين كفروا ~~بالذكر لما جاءهم ). # وخبر «إن» هنا محذوف للعلم به مما سبق ، أى : إن الذين كفروا بالقرآن ~~الكريم حين PageV12P357 # جاءهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خاسرون أو هالكون أو معذبون ~~عذابا شديدا. ( @QUR@01 وإنه ) أى : هذا القرآن الكريم هو الحق الذي جاءهم ~~به صلى الله عليه وسلم ، لعل هذا التدبر يوصلهم إلى الهداية والرشاد ( @QUR@02 ~~لكتاب عزيز ). أى : لكتاب منيع معصوم بعصمة الله تعالى له من كل تحريف أو تبديل. # ثم أكد سبحانه هذا المعنى فقال : ( @QUR@09 لا يأتيه الباطل من بين يديه ~~ولا من خلفه ) أى : لا يستطيع الباطل أن يتطرق إليه من أى جهة من الجهات ، ~~لا من جهة لفظه ولا من جهة معناه لأن الله تعالى تكفل بحفظه وصيانته ، كما ~~قال تعالى ( @QUR@07 إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ). # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : أما طعن فيه الطاعنون وتأوله المبطلون؟ # قلت : بلى ، ولكن الله قد تكفل بحمايته عن تعلق الباطل به ، بأن قيض قوما ~~عارضوهم بإبطال تأويلهم ، وإفساد أقاويلهم. فلم يخلوا طعن طاعن إلا ممحوقا ~~، ولا قول مبطل إلا مضمحلا. (1). # وقوله : ( @QUR@04 تنزيل من حكيم حميد ) أى : هذا الكتاب منزل من لدن ~~الله الحكيم في أقواله وأفعاله ، المحمود على ما أسدى لعباده من نعم لا تحصى. # ثم سلى سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم عما أصابه من أعدائه فقال : ( ~~@QUR@010 ما يقال لك إلا ما ms5019 قد قيل للرسل من قبلك ). # أى : لا تحزن أيها الرسول الكريم من الأقوال الباطلة التي قالها المشركون ~~في حقك ، فإن ما قالوه في شأنك قد قاله السابقون عليهم في حق رسلهم. # فالآية الكريمة من أبلغ الآيات في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم لأنها ~~كأنها تقول له ، إن ما أصابك من أذى قد أصاب إخوانك ، فاصبر كما صبروا. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@019 كذلك ما أتى الذين من قبلهم من ~~رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون. أتواصوا به ، بل هم قوم طاغون ) (2). # ثم علل سبحانه هذه التسلية وهذا التوجيه بقوله : ( @QUR@07 إن ربك لذو ~~مغفرة وذو عقاب أليم ). PageV12P358 # أى : ما يقال لك إلا مثل ما قيل لإخوانك من قبلك ، ومادام الأمر كذلك. ~~فاصبر كما صبروا ، إن ربك الذي تولاك بتربيته ورعايته ، لذو مغفرة عظيمة ~~لعباده المؤمنين وذو عقاب أليم للكفار المكذبين. # ثم رد سبحانه على بعض الشبهات التي أثاروها حول القرآن الكريم ردا يخرس ~~ألسنتهم فقال : ( @QUR@011 ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لو لا فصلت ~~آياتهء أعجمي وعربي .. ). # والأعجمي : يطلق على الكلام الذي لا يفهمه العربي ، كما يطلق على من لا ~~يحسن النطق بالعربية. وقوله : ( @QUR@03 ء أعجمي وعربي ) خبر لمبتدأ محذوف. # أى : ولو أنزلنا هذا القرآن بلغة العجم كما قالوا : هلا أنزل هذا القرآن ~~بلغة العجم. # لو فعلنا ذلك كما أرادوا لقالوا مرة أخرى على سبيل التعجب : هلا فصلت ~~ووضحت آيات هذا الكتاب بلغة نفهمها؟ ثم لأضافوا إلى التعجب والإنكار ، ~~تعجبا آخر فقالوا : أقرآن أعجمى ورسول عربي؟. # ومقصدهم من هذه الشبهة الداحضة ، إنما هو إنكار الإيمان به سواء أنزل ~~بلغة العرب أم بلغة العجم. # فهم عند نزوله عربيا قالوا من بين ما قالوا : لا تسمعوا لهذا القرآن ~~والغوا فيه ، ولو نزل بلسان أعجمى ، لاعترضوا وقالوا : هلا نزل بلسان عربي نفهمه. # ولو جعلنا بعضه أعجميا وبعضه عربيا لقالوا : أقرآن أعجمى ورسول عربي. # وهكذا المعاندون الجاحدون لا يقصدون من وراء جدالهم إلا التعنت والسفاهة. # ثم أمر الله تعالى رسول صلى الله عليه وسلم أن ms5020 يرد عليهم بالرد الذي يكبتهم ~~فقال : ( @QUR@06 قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء .. ). # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الجاحدين : هذا القرآن هو للذين آمنوا ~~إيمانا حقا هداية إلى الصراط المستقيم ، وشفاء لما في الصدور من أسقام. # كما قال سبحانه في آية أخرى : ( @QUR@08 وننزل من القرآن ما هو شفاء ~~ورحمة للمؤمنين .. ). # ثم بين سبحانه موقف الكافرين من هذا الكتاب فقال : ( @QUR@03 والذين لا ~~يؤمنون ) أى : بهذا الكتاب ، وبمن نزل عليه الكتاب. # ( @QUR@03 في آذانهم وقر ) أى : في آذانهم صمم عن سماع ما ينفعهم. PageV12P359 # ( @QUR@03 وهو عليهم عمى ) أى : وهذا القرآن عميت قلوبهم عن تدبره وعن ~~الاهتداء به. # وقوله تعالى ( @QUR@05 أولئك ينادون من مكان بعيد ) ذم شنيع لهم على ~~إعراضهم عن هذا القرآن الذي ما أنزله الله تعالى إلا لإخراجهم من الظلمات ~~إلى النور. # أى : أولئك الكافرون الذين لم ينتفعوا بالقرآن مثلهم في صممهم وانطماس ~~بصائرهم ، كمثل من يناديه مناد من مكان بعيد ، فهو لا يسمع منه شيئا ، ولا ~~يعقل عنه شيئا ، لوجود المسافة الشاسعة بين المنادى ، وبين من وقع عليه ~~النداء. # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@05 أولئك ينادون من مكان بعيد ) يقال ~~ذلك لمن لا يفهم من التمثيل. # وحكى أهل اللغة أنه يقال للذي يفهم : أنت تسمع من قريب ، ويقال للذي لا ~~يفهم : أنت تنادى من بعيد أى : كأنه ينادى من موضع بعيد منه ، فهو لا يسمع ~~النداء ولا يفهمه. وقال الضحاك : ( @QUR@01 ينادون ) يوم القيامة بأقبح ~~أسمائهم ( @QUR@03 من مكان بعيد ) فيكون ذلك لتوبيخهم وفضيحتهم .. (1). # ومن يتدبر هذه الآية الكريمة يرى مصداقها في كل زمان ومكان ، فهناك من ~~ينتفع بهذا القرآن قراءة وسماعا وتطبيقا .. وهناك من يستمعون إلى هذا ~~القرآن ، فلا يزيدهم إلا صمما ، ورجسا إلى رجسهم وعمى على عماهم. # ثم بين سبحانه زيادة في التسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم ، أن اختلاف ~~الأمم في شأن ما جاء به الرسل شيء قديم فقال تعالى : ( @QUR@06 ولقد آتينا ~~موسى الكتاب فاختلف فيه .. ). # أى : ولقد آتينا نبينا موسى عليه السلام كتابه التوراة ليكون هداية ونورا ~~لقومه ، فاختلفوا في شأن ms5021 هذا الكتاب ، فمنهم من آمن به ، ومنهم من صد عنه. # ( @QUR@06 ولو لا كلمة سبقت من ربك ) أيها الرسول الكريم وهي ألا يعذب ~~المكذبين من أمتك في الدنيا عذابا يستأصلهم ويهلكهم. # لو لا ذلك ( @QUR@02 لقضي بينهم ) أى : لأهلكهم كما أهلك السابقين من قبلهم. # ( @QUR@01 وإنهم ) أى : كفار قومك ( @QUR@04 لفي شك منه مريب ) أى : لفي ~~شك من هذا القرآن وريبة من أمره ، جعلهم يعيشون في قلق واضطراب. PageV12P360 # ثم بين سبحانه سنة من سننه التي لا تتخلف فقال : ( @QUR@07 من عمل صالحا ~~فلنفسه ، ومن أساء فعليها .. ). # أى : من عمل عملا صالحا بأن آمن بالله ، وصدق بما جاء به رسله ، فثمرة ~~عمله الصالح لنفسه. # ( @QUR@03 ومن أساء فعليها ) أى : ومن عمل عملا سيئا ، فضرر هذا العمل ~~واقع عليها وحدها ( @QUR@04 وما ربك بظلام للعبيد ) أى : وليس ربك أيها ~~الرسول الكريم بذي ظلم لعباده الذين خلقهم بقدرته ، ورباهم بنعمته. # فقوله ( @QUR@01 بظلام ) صيغة نسب كثمار وخباز وليس صيغة مبالغة. # قال بعض العلماء ما ملخصه : «وفي هذه الآية وأمثالها سؤال معروف ، وهو أن ~~لفظة «ظلام» فيها صيغة مبالغة. ومعلوم أن نفى المبالغة لا يستلزم نفى أصل ~~الفعل. فقولك مثلا : زيد ليس بقتال للرجال لا ينفى إلا مبالغته في قتلهم ، ~~فلا ينافي أنه ربما قتل بعض الرجال. # ومعلوم أن المراد بنفي المبالغة وهي لفظ ظلام في هذه الآية وأمثالها ~~المراد به نفى الظلم من أصله. # وقد أجابوا عن هذا الإشكال بإجابات منها : أن نفى صيغة المبالغة هنا ، قد ~~جاء في آيات كثيرة ما دل على أن المراد به نفى الظلم من أصله ، ومن ذلك ~~قوله تعالى : ( @QUR@04 ولا يظلم ربك أحدا ) وقوله تعالى : ( @QUR@06 إن ~~الله لا يظلم الناس شيئا .. ). # ومنها : أن المراد بالنفي في الآية ، نفى نسبة الظلم إليه. لأن صيغة فعال ~~تستعمل مرادا بها النسبة ، فتغنى عن ياء النسب .. كقولهم «لبان» أى : ذو ~~لبن ، ونبال أى صاحب نبل ..» (1). # ثم بين سبحانه في أواخر هذه السورة الكريمة ، أن علم قيام الساعة إليه ~~تعالى وحده ، وأن الإنسان لا يسأم من طلب المزيد من الخير ms5022 فإذا مسه الشر ~~يئس وقنط. وأن حكمته تعالى قد اقتضت أن يقيم للناس الأدلة على قدرته ~~ووحدانيته من أنفسهم وعن طريق هذا الكون الذي يعيشون فيه فقال تعالى : PageV12P361 # ( @QUR@028 إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل ~~من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ويوم يناديهم أين شركائي قالوا آذناك ما منا من ~~شهيد (47) @QUR@012 وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا ما لهم من محيص ~~(48) @QUR@011 لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيؤس قنوط (49) ~~@QUR@032 ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن ~~الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما ~~عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ (50) @QUR@013 وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ~~ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض (51) @QUR@017 قل أرأيتم إن كان ~~من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد (52) @QUR@019 سنريهم ~~آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على ~~كل شيء شهيد (53) @QUR@012 ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء ~~محيط ) (54) # (1) وقوله تعالى : ( @QUR@018 إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من ~~أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه .. ) بيان لانفراد الخالق ~~عز وجل بوقت قيام الساعة ، وبإحاطة PageV12P362 # علمه تعالى بكل شيء ، وإرشاد للمؤمنين إلى ما يقولونه إذا ما سئلوا عن ذلك. # والأكمام : جمع كم بكسر الكاف وهو الوعاء الذي تكون الثمرة بداخله. # أى : إلى الله تعالى وحده مرجع علم قيام الساعة ، وما تخرج ثمرات من ~~أوعيتها الكائنة بداخلها ، وما تحمل من أنثى حملا ولا تضعه إلا بعلمه ~~وإرادته عز وجل و «من» في قوله ( @QUR@02 من ثمرات ) وفي قوله ( @QUR@02 من ~~أنثى ) مزيدة لتأكيد الاستغراق. وفي قوله ( @QUR@02 من أكمامها ) ابتدائية. # قال الجمل : «فإن قلت : قد يقول الرجل الصالح قولا فيصيب فيه ، وكذلك ~~الكهان والمنجمون. # قلت : أما قول الرجل الصالح فهو من إلهام الله ، فكان من علمه تعالى الذي ms5023 ~~يرد إليه ، وأما الكهان والمنجمون فلا يمكنهم القطع والجزم في شيء ما ~~يقولونه ألبتة ، وإنما غايته ادعاء ظن ضعيف قد لا يصيب. وعلم الله تعالى هو ~~العلم اليقين المقطوع به الذي لا يشركه فيه أحد (1). # ثم بين سبحانه تبرأ المشركين من آلهتهم يوم القيامة فقال : ( @QUR@022 ~~ويوم يناديهم أين شركائي قالوا آذناك ما منا من شهيد. وضل عنهم ما كانوا ~~يدعون من قبل ، وظنوا ما لهم من محيص ). # والظرف «يوم» منصوب بفعل مقدر ، ومعنى «آذناك» أعلمناك وأخبرناك ، آذن ~~فلان غيره يؤذنه ، إذا أعلمه بما يريد إعلامه به. # والنداء والسؤال إنما لتوبيخهم والتهكم بهم في هذا الموقف العظيم. # والظن هنا بمعنى اليقين. # أى : واذكر أيها العاقل لتعتبر وتتعظ يوم ينادى الله تعالى المشركين ~~فيقول لهم يوم القيامة : أين شركائى الذين كنتم تعبدونهم من دوني ليقربوكم ~~إلى أو ليشفعوا لكم عندي؟ # ( @QUR@01 قالوا ) على سبيل التحسر والتذلل : يا ربنا لقد ( @QUR@01 ~~آذناك ) أى : لقد أعلمناك بأنه ما منا أحد يشهد بأن لك شريكا ، فقد انكشفت ~~عنا الحجب ، واعترفنا بأنك أنت الواحد القهار. PageV12P363 # ( @QUR@02 وضل عنهم ) أى : وغاب عن هؤلاء المشركين ، ما كانوا يدعون من ~~قبل أى : ما كانوا يعبدونه في الدنيا من أصنام وغيرها. # ( @QUR@05 وظنوا ما لهم من محيص ) أى : وأيقنوا بأنه لا مهرب ولا منجى ~~لهم من العذاب. # يقال : حاص يحيص حيصا ومحيصا إذا هرب. # وقوله تعالى : ( @QUR@011 لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر ~~فيؤس قنوط ) بيان لما جبل عليه الإنسان من حب للمال وغيره من ألوان النعم. ~~ومن ضيقه بما يخالف ذلك. # ويبدو أن المراد بالإنسان في هذه الآية وأمثالها جنسه الغالب ، وإلا ~~فهناك مؤمنون صادقون ، إذا رزقهم الله النعم شكروا ، وإذا ابتلاهم بالمحن صبروا. # والمراد بالخير ما يشمل المال والصحة والجاه والسلطان وما إلى ذلك مما يشتهى. # والسأم : الملل ، يقال سئم فلان هذا الشيء ، إذا مله وضاق به وانصرف عنه. # واليأس : أن ينقطع قلب الإنسان عن رجاء الحصول على الشيء ، يقال : يئس ~~فلان من كذا من باب فهم ، إذا فقد الرجاء ms5024 في الظفر به. # والقنوط : أن يظهر أثر ذلك اليأس على وجهه وهيئته ، بأن يبدو منكسرا ~~متضائلا مهموما. # فكأن اليأس شيء داخل من أعمال القلب بينما القنوط من الآثار الخارجية ~~التي تظهر علاماتها على الإنسان. # أى : لا يسأم الإنسان ولا يمل ولا يهدأ من طلب الخير والسعة في النعم. # ( @QUR@03 وإن مسه الشر ) من عسر أو مرض ( @QUR@02 فيؤس قنوط ) أى : فهو ~~كثير اليأس والقنوط من رحمة الله تعالى وفضله ، بحيث تنكسر نفسه ، ويظهر ~~ذلك على هيئته. # وعبر سبحانه بيئوس وقنوط وهما من صيغ المبالغة ، للإشارة إلى شدة حزنه ~~وجزعه عند ما يعتريه الشر. # ثم بين سبحانه حالة أخرى من حالات هذا الإنسان فقال ( @QUR@023 ولئن ~~أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ، ~~ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى ... ). # أى : ولئن أعطينا هذا الإنسان الجحود نعمة منا تتعلق بالمال أو بالصحة أو ~~بغيرهما ، من بعد أن كان فقيرا أو مريضا ... ليقولن على سبيل الغرور والبطر ~~: هذا الذي أعطيته شيء استحقه ، لأنه جاءني بسبب جهدي وعلمي. PageV12P364 # ثم يضيف إلى ذلك قوله : ( @QUR@04 وما أظن الساعة قائمة ) أى : وما أعتقد ~~أن هناك بعثا أو حسابا أو جزاء. # ( @QUR@04 ولئن رجعت إلى ربي ) على سبيل الفرض والتقدير ( @QUR@04 إن لي ~~عنده للحسنى ) أى : إن لي عنده ما هو أحسن وأفضل مما أنا فيه من نعم في ~~الدنيا. # وقوله تعالى ( @QUR@09 فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب ~~غليظ ) بيان للعاقبة السيئة التي يكون عليها هذا الإنسان الجاحد. # أى : فلنعلمن هؤلاء الكافرين بأعمالهم السيئة ، ولنرينهم عكس ما اعتقدوه ~~بأن ننزل بهم الذل والهوان بدل الكرامة والحسنى التي أيقنوا أنهم سيحصلون ~~عليها ، ولنذيقنهم عذابا غليظا ، لا يمكنهم الفكاك منه أو التفصى عنه لشدته ~~وإحاطته بهم من كل جانب ، فهو كالوثاق الغليظ الذي لا يمكن للإنسان أن يخرج منه. # ثم أكد سبحانه ما ذكره من حالات الإنسان فقال : ( @QUR@04 وإذا أنعمنا ~~على الإنسان ) بنعمة من نعمنا التي توجب عليه شكرنا وطاعتنا. # ( @QUR@03 أعرض ونأى بجانبه ) أى ms5025 : أعرض عن شكرنا وطاعتنا ، وتكبر وتفاخر ~~على غيره وادعى أن هذه النعمة من كسبه واجتهاده. # وقوله ( @QUR@02 ونأى بجانبه ) كناية عن الانحراف والتكبر والصلف والبطر. # والنأى البعد. يقال : نأى فلان عن مكان كذا ، إذا تباعد عنه. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض ) بيان لحالة هذا ~~الإنسان في حالة الشدة والضر. # أى : هكذا حالة هذا الإنسان الجاحد ، في حالة إعطائنا النعمة له يتكبر ~~ويغتر ويجحد. # وفي حالة إنزال الشدائد به يتضرع ويتذلل إلينا بالدعاء الكثير الواسع. # وفي معنى هذه الآيات الكريمة ، جاءت آيات كثيرة ، منها قوله تعالى : ( ~~@QUR@07 كلا إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى ). # وقوله تعالى : ( @QUR@012 إن الإنسان خلق هلوعا ، إذا مسه الشر جزوعا ، ~~وإذا مسه الخير منوعا ). # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوبخ هؤلاء الكافرين على ~~جحودهم وجهالاتهم فقال : ( @QUR@010 قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم ~~به ... ). PageV12P365 # أى قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الجاحدين : أخبرونى إن كان هذا القرآن ~~من عند الله تعالى وحده ، ثم كفرتم به مع ظهور الأدلة والبراهين على وجوب ~~الإيمان به. # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@07 من أضل ممن هو في شقاق بعيد ) ~~للنفي والإنكار أى : لا أحد أكثر ضلالا منكم أيها الكافرون بسبب معاداتكم ~~للحق ، وابتعادكم عنه ، ونفوركم منه نفورا شديدا. # والشقاق والمشاقة بمعنى المخالفة والمعاداة. من الشق أى : الجانب فكأن كل ~~واحد من المتعاديين أو المتخالفين : صار في شق غير شق صاحبه. # ووصف سبحانه شقاقهم بالبعد ، للإشارة بأنهم قد بلغوا في هذا الضلال مبلغا ~~كبيرا ، وشوطا بعيدا. # فالآية الكريمة تجهيل لهؤلاء الكافرين ، وحث لهم على التأمل والتدبر. # ثم بين سبحانه أن حكمته قد اقتضت أن يطلع الناس في كل زمان ومكان على ~~دلائل وحدانيته وقدرته ، وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم فيما بلغه عنه ، ~~فقال : ( @QUR@011 سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه ~~الحق .. ). # والمراد بالآيات في قوله ( @QUR@01 آياتنا ): الدلائل والبراهين الدالة ~~على وحدانيته سبحانه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم . # والآفاق : جمع ms5026 أفق كأعناق جمع عنق وهو الناحية والجهة ، يقال : أفق فلان ~~يأفق كضرب يضرب إذا سار في آفاق الأرض وجهاتها المتعددة. # والمعنى : سنطلع الناس على دلائل وحدانيتنا وقدرتنا في أقطار السموات ~~والأرض ، من شمس وقمر ونجوم ، وليل ونهار ، ورياح وأمطار ، وزرع وثمار ، ~~ورعد وبرق وصواعق ، وجبال وبحار. # سنطلعهم على مظاهر قدرتنا في هذه الأشياء الخارجية التي يرونها بأعينهم ، ~~كما سنطلعهم على آثار قدرتنا في أنفسهم عن طريق ما أودعنا فيهم من حواس ~~وقوى ، وعقل ، وروح ، وعن طريق ما يصيبهم من خير وشر ، ونعمة ونقمة. # ولقد صدق الله تعالى وعده ، ففي كل يوم بل في كل ساعة ، يطلع الناس على ~~أسرار جديدة في هذا الكون الهائل ، وفي أنفسهم .. وكلها تدل على وحدانيته ، ~~تعالى وقدرته ، وعلى صحة دين الإسلام الذي جاء به الرسول عليه الصلاة ~~والسلام. # وقوله تعالى : ( @QUR@08 أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ) استئناف ~~مسوق لتوبيخ PageV12P366 # الكافرين على عنادهم مع ظهور الأدلة على أن ما جاء به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم من عند ربه هو الحق المبين. # والهمزة للإنكار ، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام ، والباء مزيدة ~~للتأكيد ، وقوله ( @QUR@01 بربك ) فاعل كفى. # والمعنى : ألم يغن هؤلاء الجاحدين عن الآيات الموعودة الدالة على صحة هذا ~~الدين ، أن ربك أيها الرسول الكريم شهيد على كل شيء ، وعلى أنك صادق فيما ~~تبلغه عنه .. بلى. إن في شهادة ربك وعلمه بكل شيء ما يغنيك عن كل شيء سواه. # ثم بين سبحانه في ختام السورة حقيقة أمر أولئك الكافرين فقال : ( ~~@QUR@012 ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ، ألا إنه بكل شيء محيط ). # أى : ألا إن هؤلاء المشركين في مرية وشك وريبة من لقاء ربهم يوم القيامة ~~، لإنكارهم البعث والحساب والجزاء ... # ألا إنه سبحانه بكل شيء محيط إحاطة تامة لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا ~~في السماء. # وسيجمعهم يوم القيامة للحساب والجزاء ، ولن يستطيعوا النجاة من ذلك. # وبعد : فهذا تفسير لسورة «فصلت» نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه ، ~~ونافعا لعباده ، والحمد لله الذي ms5027 بنعمته تتم الصالحات. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # القاهرة مدينة نصر # صباح الخميس 25 من المحرم 1406 ه # 10 / 10 / 1985 م # كتبه الراجي عفو ربه # د. محمد سيد طنطاوى PageV12P367 ### ||| * فهرس إجمالي لتفسير «سورة يس» # المقدمة............................................................... ~~........... 7 # 1 يس.................................................................. ~~..... 11 # 13 واضرب اهم ~~مثلا.......................................................... 18 # 20 وجاء من أقصى ~~المدينة..................................................... 22 # 33 وآية لهم الأرض الميتة ~~أحييناها............................................... 28 # 45 واذا قيل لهم ~~اتقوا.......................................................... 37 # 55 إن اصحاب ~~الجنة.......................................................... 42 # 65 اليوم نختم على ~~أفواههم.................................................... 47 # 69 وما علمناه ~~الشعر.......................................................... 50 # 71 أو لم يروا أنا ~~خلقنا........................................................ 52 # 77 أو لم ير الإنسان أنا ~~خلقناه................................................. 55 PageV12P369 ### ||| * فهرس إجمالي لتفسير «سورة الصافات» # مقدمة ~~وتمهيد.................................................................. 63 # 1 والصافات ~~صفا............................................................. 66 # 6 إنا زينا السماء الدنيا بزينة ~~الكواكب........................................... 69 # 11 فاستفتهم أهم أشد ~~خلقا................................................... 72 # 22 احشروا الذين ظلموا ~~وأزواجهم............................................... 76 # 40 إلا عباد الله المخلصين أولئك لهم رزق ~~معلوم.................................. 82 # 50 فأقبل بعضهم على بعض ~~ينساءلون.......................................... 84 # 63 أذلك خير نزلا أم شجرة ~~الزقوم.............................................. 87 # 75 ولقد نادانا نوح فلنعم ~~المجيبون............................................... 91 # 83 وان من شيعته ~~لإبراهيم..................................................... 93 # 113 ولقد مننا على موسى ~~وهارون............................................ 106 # 123 وإن إلياس لمن ~~المرسلين.................................................. 107 # 133 وان لوطا لمن ~~المرسلين................................................... 109 # 139 وإن يونس لمن ~~المرسلين.................................................. 110 # 149 فاستفتهم ألربك البنات ولهم ~~البنون....................................... 113 # 170 ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا ~~المرسلين....................................... 119 PageV12P370 ### ||| * فهرس إجمالي لتفسير «سورة ص» # مقدمة................................................................. ~~...... 125 # 1 ص والقرآن ذي ~~الذكر..................................................... 128 # 12 كذبت قبلهم قوم ~~نوح.................................................... 137 # 17 اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا ~~داود..................................... 141 # 27 وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما ~~باطلا................................. 154 # 30 ووهبنا لداود سليمان نعم ~~العبد............................................ 157 # 41 واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ~~ربه............................................ 165 # 45 واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب..................................... 170 # 49 هذا ذكر وان للمتقين لحسن ~~مآب......................................... 172 # 65 قل إنما أنا منذر وما من إله إلا ~~الله......................................... 178 PageV12P371 ### ||| * فهرس إجمالي لتفسير «سورة الزمر» # مقدمة................................................................. ~~...... 187 # 1 تنزيل الكتاب من ~~الله....................................................... 191 # 5 ms5028 خلق السموات والأرض ~~بالحق............................................... 195 # 8 واذا مس الإنسان ~~ضر...................................................... 200 # 10 قل يا عباد الذين ~~آمنوا.................................................... 203 # 17 والذين اجتنبوا ~~الطاغوت.................................................. 207 # 21 ألم تر أن الله أنزل من ~~السماء............................................. 210 # 23 الله نزل أحسن ~~الحديث................................................... 213 # 27 ولقد ضربنا ~~للناس........................................................ 217 # 33 فمن أظلم ممن كذب على ~~الله............................................. 221 # 38 ولئن سألتهم من ~~خلق.................................................... 225 # 45 وإذا ذكر الله ~~وحده...................................................... 230 # 53 قل يا عبادي الذين ~~أسرقوا................................................ 236 # 60 ويوم القيامه ~~ترى......................................................... 241 # 71 وسبق الذين ~~كفروا....................................................... 249 PageV12P372 ### ||| * فهرس إجمالي لتفسير «سورة غافر» # مقدمة ~~وتمهيد................................................................. 255 # 1 ~~حم...................................................................... 259 # 7 الذين يحملون ~~العرش....................................................... 263 # 10 إن الذين كفروا ~~ينادون.................................................... 266 # 13 هو الذي يريكم ~~آياته..................................................... 268 # 23 ولقد أرسلنا ~~موسى....................................................... 277 # 28 وقال رجل ~~مؤمن......................................................... 282 # 36 وقال فرعون يا ~~هامان..................................................... 290 # 47 واذ يتحاجون في ~~النار.................................................... 296 # 56 إن الذين يجادلون في آيات ~~الله............................................. 301 # 61 الله الذي جعل لكم ~~الليل................................................. 305 PageV12P373 # مقدمة ~~وتمهيد................................................................. 321 # 1 ~~حم...................................................................... 324 # 9 قل أئنكم ~~لتكفرون........................................................ 329 # 13 فإن أعرضوا فقل أنذرتكم ~~صاعقة.......................................... 335 # 19 ويوم يحشر أعداء ~~الله..................................................... 341 # 25 وقيضنا لهم قرناء فزينوا ~~لهم................................................. 345 # 30 إن الذين قالوا ربنا ~~الله.................................................... 348 # 37 ومن آياته الليل ~~والنهار................................................... 353 # 40 إن الذين ~~يلحدون....................................................... 356 # 47 إليه يرد علم ~~الساعة...................................................... 362 PageV12P374 ![](https://books.rafed.net/Books/3955_altafsir-alwasit-13/images/image001.gif) PageV13P001 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * ( @QUR@07 ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم (127)) PageV13P003 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الشورى PageV13P005 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة # 1 سورة «الشورى» هي السورة الثانية والأربعون في ترتيب المصحف ، وكان ~~نزولها بعد نزول سورة «فصلت». وعدد آياتها ثلاث وخمسون آية. # وتسمى أيضا سورة ( @QUR@02 حم عسق )، لافتتاحها بذلك. # والرأى الصحيح أن سورة الشورى من السور المكية الخالصة. وقيل هي مكية إلا ~~أربع آيات منها تبدأ من قوله تعالى : ( @QUR@09 قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا ~~المودة في القربى ). # ولكن هذا القيل لا يعتمد على دليل صحيح ، بل الصحيح أن السورة كلها مكية. # 2 وتبدأ سورة الشورى ببيان أن الله تعالى قد أوحى ms5029 إلى نبيه ~~صلى الله عليه وسلم كما أوحى إلى غيره من الأنبياء ، وببيان مظاهر قدرته عز وجل ~~، وأنه تعالى قادر على أن يجعل الناس أمة واحدة. # قال تعالى : ( @QUR@019 ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ، ولكن يدخل من ~~يشاء في رحمته ، والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير ). # 3 وبعد أن أنكر سبحانه على المشركين إشراكهم ، وساق الأدلة على بطلان هذا ~~الشرك ، وأمر بالرجوع إلى حكم الله تعالى فيما اختلفوا فيه. # بعد كل ذلك بين سبحانه أن الشريعة التي جاء بها الأنبياء واحدة في جوهرها ~~، وأن تفرق الناس في عقائدهم ، مرجعه إلى بغيهم وأهوائهم. # قال تعالى : ( @QUR@038 شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ، والذي أوحينا ~~إليك ، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ، أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا ~~فيه ، كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ، الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي ~~إليه من ينيب ). # 4 ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن مظاهر نعم الله تعالى على ~~عباده ، PageV13P007 # عن طريق ما أودع فيهم من عقول : وما أنزله لهم من شرائع ، وما حباهم به ~~من أرزاق ... # ووبخت الكافرين على كفرهم مع كل هذه النعم التي أنعم بها عليهم ، وبينت ~~ما سيكونون عليه يوم القيامة من حسرة وندامة ، وما سيكون عليه المؤمنون ~~الصادقون من فرح وحبور. # قال تعالى : ( @QUR@053 ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم ، ~~والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤن عند ربهم ، ذلك ~~هو الفضل الكبير. ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، ~~قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ، ومن يقترف حسنة نزد له فيها ~~حسنا ، إن الله غفور شكور ). # 5 ثم واصلت السورة حديثها عن مظاهر قدرة الله تعالى وعن ألوان نعمه على ~~خلقه ، فتحدثت عن فضله تعالى في قبوله لتوبة التائبين ، وعفوه عن سيئاتهم ، ~~وإجابته لدعائهم وإنزاله الغيث عليهم من بعد قنوطهم ويأسهم ، وخلقه السموات ~~والأرض وما فيهما من أجل مصلحة الناس ومنفعتهم ، ورعايته لهم وهم في سفنهم ~~داخل البحر. ms5030 # قال تعالى : ( @QUR@028 ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام. إن يشأ يسكن ~~الريح فيظللن رواكد على ظهره ، إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور. أو يوبقهن ~~بما كسبوا ويعف عن كثير ). # 6 ثم بين سبحانه صفات المؤمنين الصادقين ، وأثنى عليهم ثناء عاطرا ، يحمل ~~العقلاء على الاقتداء بهم ، وعلى التحلي بصفاتهم. # قال سبحانه : ( @QUR@050 والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ، وإذا ما ~~غضبوا هم يغفرون. والذين استجابوا لربهم ، وأقاموا الصلاة ، وأمرهم شورى ~~بينهم ومما رزقناهم ينفقون. والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ، وجزاء ~~سيئة سيئة مثلها ، فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين. ولمن ~~انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ). # 7 وكعادة القرآن في المقارنة بين عاقبة الأشرار وعاقبة الأخيار ، أتبع ~~القرآن هذه الصفات الكريمة للمؤمنين ، ببيان الأحوال السيئة التي سيكون ~~عليها الظالمون يوم القيامة ، ودعتهم إلى الدخول في الدين الحق من قبل فوات ~~الأوان. # قال تعالى : ( @QUR@021 استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من ~~الله ، ما لكم من ملجإ يومئذ وما لكم من نكير ). # 8 ثم ختم سبحانه السورة الكريمة ببيان جانب من مظاهر فضله على رسوله ~~صلى الله عليه وسلم فقال : PageV13P008 # ( @QUR@042 وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان ، ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ، وإنك لتهدي إلى ~~صراط مستقيم ، صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض. ألا إلى ~~الله تصير الأمور ). # 9 ومن هذا العرض الإجمالى لآيات سورة الشورى. نراها زاخرة بالحديث عن ~~الأدلة على وحدانية الله تعالى وقدرته ، وعلى صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فيما يبلغه عن ربه ، وعلى أن هذا القرآن من عند الله تعالى . # كما نراها زاخرة أيضا بالحديث عن نعم الله على عباده ، وعن حسن عاقبة ~~المؤمنين ، وسوء عاقبة المكذبين وعن مشاهد يوم القيامة وما فيه من أهوال. ~~وعن شبهات المشركين والرد عليها بما يدحضها. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ||المؤلف د. محمد ms5031 سيد طنطاوى 11 / 10 / 1985| PageV13P009 ### ||| * التفسير ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@01 حم (1) @QUR@01 عسق (2) @QUR@010 كذلك يوحي إليك وإلى الذين من ~~قبلك الله العزيز الحكيم (3) @QUR@010 له ما في السماوات وما في الأرض وهو ~~العلي العظيم (4) @QUR@019 تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون ~~بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم (5) ~~@QUR@012 والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم ~~بوكيل ) (6) # سورة «الشورى» من السور التي افتتحت ببعض حروف التهجي ، وقد سبق أن ذكرنا ~~أن أقرب الأقوال إلى الصواب في المقصود بهذه الحروف ، أنها وردت في افتتاح ~~بعض السور على سبيل الإيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن. # فكأن الله تعالى يقول لأولئك المعارضين في أن القرآن من عند الله : هاكم ~~القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم ، ومنظوما من ~~حروف هي من جنس الحروف الهجائية التي تنظمون منها حروفكم ، فإن كنتم في شك ~~من أنه منزل من عند الله ، فهاتوا مثله أو عشر سور من مثله ، أو سورة من ~~مثله .. فعجزوا وانقلبوا خاسرين ، وثبت أن هذا القرآن من عند الله تعالى : # وقد ذكر بعض المفسرين عند تفسيره لهذه السورة آثارا واهية ، رأينا أن ~~نذكر بعضها للتنبيه على سقوطها. # قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : وقد روى الإمام ابن جرير هاهنا أثرا ~~غريبا عجيبا منكرا ، فقال : جاء رجل إلى ابن عباس فقال له وعنده حذيفة بن ~~اليمان أخبرنى عن تفسير قول الله تعالى : ( @QUR@02 حم عسق ). فأطرق ابن ~~عباس ثم أعرض عنه. PageV13P011 # فقال حذيفة للرجل : أنا أنبئك بها ، قد عرفت لم كرهها؟ نزلت في رجل من ~~أهل بيته يقال له : «عبد الإله» أو عبد الله ، ينزل على نهر من أنهار الشرق ~~، تبنى عليه مدينتان ، يشق النهر بينهما شقا. فإذا أذن الله في زوال ملكهم ~~.. بعث الله على إحداهما نارا ليلا .. ثم يخسف الله تعالى بالأخرى فذلك ~~قوله ( @QUR@02 حم. عسق ). # يعنى : عزيمة من الله وفتنة وقضاء حم ( @QUR@01 حم )، وعين ، يعنى عدلا ~~منه ، وسين : يعنى سيكون. وق ، يعنى ms5032 : واقع بهاتين المدينتين .. (1). # والكاف في قوله تعالى : ( @QUR@01 كذلك ) بمعنى مثل ، واسم الإشارة يعود ~~إلى ما اشتملت عليه هذه السورة الكريمة من عقائد وأحكام وآداب. # أى : مثل ما في هذه السورة الكريمة من دعوة إلى وحدانية الله ، وإلى ~~مكارم الأخلاق ، أوحى الله به إليك وإلى الرسل من قبلك ، لتبلغوه للناس كي ~~يعتبروا ويتعظوا. # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@07 كذلك يوحي إليك وإلى ~~الذين من قبلك ) كلام مستأنف ، وارد لتحقيق أن مضمون السورة ، موافق لما في ~~تضاعيف الكتب المنزلة ، على سائر الرسل المتقدمين في الدعوة إلى التوحيد ~~والإرشاد إلى الحق. # والكاف مفعول ( @QUR@01 يوحي ) أى : يوحى مثل ما في هذه السورة من ~~المعاني. # وجيء بقوله : ( @QUR@01 يوحي ) بدل أوحى للدلالة على استمراره في الماضي ~~، وأن إيحاء مثله ، عادته تعالى : # و ( @QUR@02 العزيز الحكيم ) صفتان له عز وجل (2). # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@025 إنا أوحينا إليك كما أوحينا ~~إلى نوح والنبيين من بعده ، وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا ) (3). # ثم ذكر سبحانه صفات أخرى لذاته فقال : ( @QUR@010 له ما في السماوات وما ~~في الأرض وهو العلي العظيم ). # أى : لقد أوحى الله تعالى إليك أيها الرسول الكريم بهذا القرآن كما أوحى ~~إلى الرسل من قبلك بما شاء من وحى ، وهو سبحانه العزيز الذي لا يغلبه غالب ~~، الحكيم في PageV13P012 # كل أقواله وأفعاله ، والذي له جميع ما في السموات وما في الأرض خلقا ~~وملكا وتصرفا .. وهو سبحانه ( @QUR@01 العلي ) أى : المتعالي عن الأشباه ~~والأنداد والأمثال والأضداد. # ( @QUR@01 العظيم ) أى : في ذاته وفي صفاته ، وفي أفعاله. # ثم بين سبحانه بعض مظاهر علو شأنه وكمال عظمته وجلاله فقال : ( @QUR@05 ~~تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن ). # والفعل ( @QUR@01 تكاد ) مضارع «كاد» الذي هو من أفعال المقاربة. وقوله ( ~~@QUR@01 يتفطرن ) أى : يتشققن. والضمير في قوله تعالى : ( @QUR@02 من فوقهن ~~) يعود إلى السموات ، باعتبار أن كل سماء تنفطر فوق التي تليها. # وهذا التفطر سببه الخشية من الله تعالى ، والخوف من جلاله وعظمته فيكون ~~المعنى : تكاد السموات يتشققن فيسقطن مع عظمهن ( @QUR@02 من فوقهن ms5033 ) أى : ~~من أعلاهن ، خشية ورهبة من عظمته عز وجل ، كما قال تعالى ( @QUR@021 ولله ~~يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون. ~~يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ) ويصح أن يكون هذا التفطر سببه ، ~~شدة الفرية التي افتراها المشركون على الله تعالى حيث زعموا أن لله ولدا ، ~~كما قال سبحانه : ( @QUR@027 وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا. ~~تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا. أن دعوا للرحمن ~~ولدا. وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا ). # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم قال : ( @QUR@02 من فوقهن )؟ قلت : لأن ~~أعظم الآيات وأدلها على الجلال والعظمة : فوق السموات ، وهي : العرش ، ~~والكرسي ، وصفوف الملائكة ، المرتجة بالتسبيح والتقديس حول العرش ، وما لا ~~يعلم كنهه إلا الله تعالى من آثار ملكوته العظمى ، فلذا قال : ( @QUR@03 ~~يتفطرن من فوقهن ) أى : يبتدئ الانفطار من جهتهن الفوقانية. أو لأن كلمة ~~الكفر جاءت من الذين تحت السموات. فكان القياس أن يقال : من تحتهن ، من ~~الجهة التي جاءت منها الكلمة ، ولكنه بولغ في ذلك فجعلت مؤثرة في جهة ~~الفوق. كأنه قيل : يكدن يتفطرن من الجهة التي فوقهن ، ع الجهة التي تحتهن (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@04 والملائكة يسبحون بحمد ربهم ) مؤكد لما قبله من ~~بيان علو شأنه عز وجل ، وسمو عظمته وجلاله. PageV13P013 # أى : والملائكة ينزهون ربهم تعالى عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله ، خوفا ~~منه سبحانه ، ورهبة لذاته. # وقوله : ( @QUR@04 ويستغفرون لمن في الأرض ) معطوف على ( @QUR@01 يسبحون ~~). والمراد بمن في الأرض : المؤمنون بصفة خاصة ، لأنهم هم الذين يستحقون ~~ذلك ، كما قال تعالى في آية أخرى : ( @QUR@013 الذين يحملون العرش ومن حوله ~~يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ، ويستغفرون للذين آمنوا ). # أى : أن الملائكة ينزهون الله تعالى عما لا يليق به. ويطلبون للمؤمنين من ~~أهل الأرض عفو الله تعالى ورحمته وغفرانه. # وقوله : ( @QUR@06 ألا إن الله هو الغفور الرحيم ) تذييل قصد به الثناء ~~على الله تعالى بما هو أهله. # أى : ألا إن الله تعالى وحده ، هو الواسع المغفرة والرحمة لمن يشاء من ~~عباده ms5034 ، لا يمنعه من ذلك مانع ، ولا يحاسبه على ما يفعل محاسب. # ثم بين سبحانه سوء عاقبة المشركين فقال : ( @QUR@012 والذين اتخذوا من ~~دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل ). # أى : والذين اتخذوا من دون الله تعالى شفعاء وشركاء ليقربوهم إليه زلفى ، ~~الله تعالى وحده رقيب عليهم ، وسيجازيهم بما يستحقون من عقاب يوم القيامة ، ~~وما أنت أيها الرسول الكريم عليهم بحفيظ أو رقيب على أعمالهم ، وإنما أنت ~~عليك البلاغ ونحن علينا الحساب. # ثم بين سبحانه الحكمة من إنزال هذا القرآن على الرسول صلى الله عليه وسلم ~~كما بين أنواعا من الأدلة عن كمال قدرته ، ووجوب إفراده بالعبادة والخضوع ، ~~ووجوب التحاكم إلى شريعته عند الاختلاف والتنازع. فقال تعالى : # ( @QUR@022 وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها ~~وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير (7) @QUR@019 ~~ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما ~~لهم من ولي ولا نصير (8) PageV13P014 # @QUR@016 أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو يحي الموتى وهو ~~على كل شيء قدير (9) @QUR@015 وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم ~~الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب (10) @QUR@019 فاطر السماوات والأرض جعل ~~لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو ~~السميع البصير (11) @QUR@013 له مقاليد السماوات والأرض يبسط الرزق لمن ~~يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم ) (12) # والكاف في قوله تعالى : ( @QUR@05 وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا .. ) في ~~محل نصب على المصدرية ، واسم الإشارة يعود إلى مصدر ( @QUR@01 أوحينا ). # أى : ومثل ذلك الإيحاء البديع الواضح ، أوحينا إليك أيها الرسول الكريم ~~قرآنا عربيا ، لا لبس فيه ولا غموض. # وقوله سبحانه ( @QUR@05 لتنذر أم القرى ومن حولها ) تعليل لهذا الإيحاء. ~~والمراد بأم القرى : أهلها. # وسميت مكة بأم القرى ، لأنها مكان أول بيت وضع للناس ، ولأنها قبلة أهل ~~القرى كلها ومحجهم ، ولأنها أعظم القرى شأنا وغيرها كالتبع لها ، كما يتبع ~~الفرع الأصل ، أى : أوحينا إليك هذا القرآن لتنذر به أهل أم القرى ms5035 ، ولتنذر ~~به أيضا من حولها من أهل القرى الأخرى. # وخص أهل أم القرى ومن حولها بالذكر في الإنذار ، لأنهم أقرب الناس إليه ~~صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى في آية أخرى ( @QUR@03 وأنذر عشيرتك ~~الأقربين ). # وليس معنى هذا التخصيص أن رسالته صلى الله عليه وسلم كانت إليهم وحدهم ، لأن ~~هناك آيات أخرى كثيرة قد صرحت بأن رسالته صلى الله عليه وسلم كانت إلى الناس ~~كافة ، ومن هذه الآيات : وقوله تعالى : ( @QUR@09 قل يا أيها الناس إني ~~رسول الله إليكم جميعا ) وقوله سبحانه : ( @QUR@05 وما أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين ) وقوله عز وجل : ( @QUR@04 وأوحي إلي هذا القرآن PageV13P015 # @QUR@04 لأنذركم به ومن بلغ ). # فهذه الآيات وغيرها تنطق وتشهد بأن رسالته صلى الله عليه وسلم كانت للناس ~~جميعا ، بل للإنس وللجن ، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى : ( @QUR@018 وإذ ~~صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا ، فلما ~~قضي ولوا إلى قومهم منذرين ). # وجملة ( @QUR@06 وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه ) معطوفة على ما قبلها. ~~والمراد بيوم الجمع : يوم القيامة ، لأنه اليوم الذي يجتمع فيه الأولون ~~والآخرون بين يدي الله تعالى للحساب والجزاء ، والثواب والعقاب. # أى : أوحينا إليك هذا القرآن لتنذر به أهل مكة ومن حولها ، وتنذر الناس ~~جميعا وتخوفهم من أهوال يوم القيامة ، الذي يجتمع فيه الخلائق للحساب. # وقوله : ( @QUR@03 لا ريب فيه ) كلام معترض لتقرير ما قبله وتأكيده ، أو ~~صلة ليوم الجمع. # وقوله : ( @QUR@06 فريق في الجنة وفريق في السعير ) بيان للنتيجة التي ~~ترتبت على هذا الإنذار. # أى : بعد هذا الإنذار الذي أنذرته للناس أيها الرسول الكريم هناك فريق ~~آمن بك وصدقك فكان مصيره إلى الجنة ، وهناك فريق أعرض عنك وكذبك ، فكان ~~مصيره إلى النار. # وقوله تعالى ( @QUR@012 ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ، ولكن يدخل من ~~يشاء في رحمته ) بيان لكمال قدرته عز وجل . # أى : ولو شاء الله تعالى أن يجعل الناس أمة واحدة على الدين الحق لجعلهم ~~كذلك ، لأن قدرته لا يعجزها شيء ، ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك ليتميز الخبيث ~~من الطيب ، والمهتدى من الضال. ms5036 # أما المهتدون فهم أهل رحمته ورضوانه ، وأما الضالون فهم أهل عذابه وغضبه ~~فقوله تعالى ( @QUR@06 ولكن يدخل من يشاء في رحمته ) بيان لمن عرفوا الدين ~~الحق واتبعوه وقوله سبحانه : ( @QUR@07 والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير ) ~~بيان لمن استحبوا العمى على الهدى. # قال الآلوسى ما ملخصه : ( @QUR@06 ولكن يدخل من يشاء في رحمته ) أى : أنه ~~تعالى يدخل في رحمته من يشاء أن يدخله فيها ، ويدخل في عذابه من يشاء أن ~~يدخله فيه ، ولا ريب في أن مشيئته تعالى لكل من الإدخالين ، تابعة لاستحقاق ~~كل فريق لعمله. # وقال : ( @QUR@07 والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير ) ولم يقل ويدخل من ~~يشاء في عذابه ، للإيذان بأن الإدخال في العذاب ، بسبب سوء اختيار الداخلين ~~فيه (1). PageV13P016 # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@016 ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ~~، ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ) (2). # ثم أنكر سبحانه على أولئك الجاهلين اتخاذهم آلهة من دونه فقال : ( ~~@QUR@016 أم اتخذوا من دونه أولياء ، فالله هو الولي ، وهو يحي الموتى ، ~~وهو على كل شيء قدير ). # فأم بمعنى بل وهمزة الاستفهام الإنكارى ، لإنكار وقوع الشرك منهم ونفيه ~~بأبلغ وجه. # أى : أن ما فعله هؤلاء المشركون من اتخاذهم آلهة من دونه تعالى شيء منكر ~~بلغ النهاية في قبحه وفساده. # قال صاحب الكشاف : «معنى الهمزة في ( @QUR@01 أم ) الإنكار وقوله : ( ~~@QUR@03 فالله هو الولي ) أى : هو الذي يجب أن يتولى وحده ، ويعتقد أنه ~~المولى والسيد ، فالفاء في قوله ( @QUR@03 فالله هو الولي ) جواب شرط مقدر ~~، كأنه قيل بعد إنكار كل ولى سواه. أى : إن أرادوا وليا بحق ، فالله هو ~~الولي بالحق ، لا ولى سواه (3). # ( @QUR@02 وهو يحي ) الموتى أى : وهو سبحانه الذي في قدرته إعادة الحياة ~~إلى الموتى بعد موتهم. # ( @QUR@05 وهو على كل شيء قدير ) أى : وهو تعالى وحده الذي لا يعجز قدرته ~~شيء ، وما دام الأمر كذلك ، فكيف اتخذ أولئك الجاهلون أولياء من دونه. # ثم وجه سبحانه أمره إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ، بأن يرشد ms5037 المؤمنين إلى ~~وجوب تحاكمهم إلى شريعته تعالى إذا ما دب خلاف بينهم ، أو بينهم وبين ~~أعدائهم ، فقال : ( @QUR@08 وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ). # أى : عليكم أيها المؤمنون إذا ما اختلفتم في أمر من الأمور ، أن تحتكموا ~~فيه الى شريعة الله عز وجل ، وأن تقبلوا عن إذعان وطاعة حكمه تعالى . # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@018 فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى ~~الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ، ذلك خير وأحسن تأويلا .. ~~) (4). PageV13P017 # واسم الإشارة في قوله سبحانه : ( @QUR@07 ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه ~~أنيب ) يعود إلى الله تعالى الذي يجب أن يكون التحاكم إليه وحده عند ~~الاختلاف. # أى : ذلك الحاكم العادل الذي لا حاكم بحق سواه ( @QUR@01 ربي ) وخالقي ~~ورازقي .. ( @QUR@01 عليه ) وحده ( @QUR@01 توكلت ) واعتمدت في جميع شئونى ~~( @QUR@02 وإليه أنيب ) أى : وإليه وحده أرجع في كل أمورى. # ( @QUR@03 فاطر السماوات والأرض ) أى هو خالقهما وموجدهما على غير مثال ~~سابق ، من فطر الشيء إذا ابتدعه واخترعه دون أن يسبق إلى ذلك. # ( @QUR@08 جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا ) أى : جعل لكم ~~سبحانه بقدرته من جنس أنفسكم أزواجا ، أى : نساء تجمع بينكم وبينهن المودة ~~والرحمة ، كما قال تعالى : ( @QUR@014 ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم ~~أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 ومن الأنعام أزواجا ) معطوف على ما قبله. أى : ~~كما خلق لكم من أنفسكم أزواجا ، خلق أيضا للأنعام من جنسها إناثا ، ليحصل ~~التوالد والتناسل والتعمير لهذا الكون. # وقوله تعالى ( @QUR@02 يذرؤكم فيه ) بيان للحكمة من هذا الجعل والخلق ~~للأزواج. # والذرء : التكاثر والبث. يقال : ذرأ فلان الشيء ، إذا بثه وكثره. # والضمير المنصوب في قوله ( @QUR@01 يذرؤكم ) يعود إلى المخاطبين وإلى ~~الأنعام ، على سبيل التغليب للعقلاء على غيرهم. # والضمير في قوله ( @QUR@01 فيه ) يعود إلى التزاوج بين الذكور والإناث ~~المفهوم من قوله تعالى : ( @QUR@08 جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام ~~أزواجا ). # أى : يكثركم وينميكم بسبب هذا التزاوج الذي يحصل بين ذكوركم وإناثكم حيث ~~يتناسل أحيانا بين الذكر الواحد والأنثى الواحدة ، عدد كبير من الأولاد. ms5038 # وقال سبحانه ( @QUR@02 يذرؤكم فيه ) ولم يقل يذرؤكم به أى : بسببه ، ~~للأشعار بأن هذا التزاوج قد صار مثل المنبع والأصل للبث والتكثير. # قال تعالى : ( @QUR@018 يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس ~~واحدة وخلق منها زوجها ، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ). # قال بعض العلماء : فإن قيل : ما وجه إفراد الضمير المجرور في قوله ( ~~@QUR@02 يذرؤكم فيه ) مع PageV13P018 # أنه على ما ذكرتم ، يعود إلى الذكور والإناث من الآدميين والأنعام؟. # فالجواب : أن من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن ، رجوع الضمير ~~بصيغة الإفراد إلى المثنى أو الجمع باعتبار ما ذكر. # ومنه قوله تعالى : ( @QUR@016 قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم ~~على قلوبكم ، من إله غير الله يأتيكم به ) أى : يأتيكم بما ذكر من سمعكم ~~وأبصاركم وقلوبكم (1). # ثم نزه سبحانه ذاته عن الشبيه أو النظير .. فقال ( @QUR@03 ليس كمثله شيء ). # أى : ليس مثله شيء تعالى : لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ، ~~فالكاف مزيدة في خبر ( @QUR@01 ليس ) و ( @QUR@01 شيء ) اسمها. أى : ليس ~~شيء مثله. # أو أن الكاف أصلية. فيكون المعنى : ليس مثله تعالى أحد لا في الذات ولا ~~في الصفات ولا في الأفعال. # وذلك كقول العرب : مثلك لا يبخل ، يعنون : أنت لا تبخل على سبيل الكناية ~~، قصدا إلى المبالغة في نفى البخل عن المخاطب بنفيه عن مثله ، فيثبت ~~انتفاؤه عنه بدليله. # والمقصود من الجملة الكريمة على كل تفسير : تنزيهه تعالى عن مشابهة خلقه ~~في الذات أو الصفات أو الأفعال. # قال صاحب الكشاف : قالوا : مثلك لا يبخل ، فنفوا البخل عن مثله ، وهم ~~يريدون نفيه عن ذاته ، قصدوا المبالغة في ذلك فسلكوا به طريق الكناية ، ~~لأنهم إذا نفوه عمن يسد مسده ، وعمن هو على أخص أوصافه ، فقد نفوه عنه. # ونظيره قولك للعربي : العرب لا تخفر الذمم ، كان أبلغ من قولك : أنت لا ~~تخفر .. (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@03 وهو السميع البصير ) أى : وهو سبحانه السميع لكل ~~أقوال خلقه ، البصير بما يسرونه وما يعلنونه من أفعال. # ( @QUR@04 له مقاليد السماوات والأرض ) أى : له وحده مفاتيح خزائنهما ، ~~وله وحده ms5039 أيضا ملك هذه الخزائن ، لأن ملك مفاتيحها يستلزم ملكها. # والمقاليد : جمع مقلاد أو إقليد وهو المفتاح. PageV13P019 # ( @QUR@05 يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) أى : هو سبحانه الذي يوسع الرزق ~~لمن شاء أن يوسعه له ، ويضيقه على من يشاء أن يضيقه عليه. # ( @QUR@01 إنه ) تعالى : ( @QUR@03 بكل شيء عليم ) لا يخفى عليه شيء في ~~الأرض ولا في السماء. # وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة قد أقامت أوضح الأدلة وأقواها ، على ~~وحدانية الله تعالى وكمال قدرته. # ثم أكد سبحانه الحقيقة التي افتتحت بها السورة الكريمة ، وهي وحدة ~~الأديان في جوهرها وأصولها ، وبين الأسباب التي أدت إلى اختلاف الناس في ~~عقائدهم ، وأرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى أفضل الأساليب في الدعوة إلى ~~الحق ، فقال تعالى : # ( @QUR@038 شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا ~~به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ~~ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب (13) @QUR@031 ~~وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولو لا كلمة سبقت من ربك ~~إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب ~~(14) @QUR@034 فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما ~~أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم ~~أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير (15) PageV13P020 # @QUR@018 والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ~~ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد ) (16) # قال الفخر الرازي : أعلم أنه تعالى لما عظم وحيه إلى نبيه محمد ~~صلى الله عليه وسلم بقوله : ( @QUR@07 كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك ) ~~ذكر في هذه الآية تفصيل ذلك فقال : ( @QUR@08 شرع لكم من الدين ما وصى به ~~نوحا .. ). # أى : شرع الله لكم يا أصحاب محمد من الدين ما وصى به نوحا ومحمدا ~~وإبراهيم وموسى وعيسى .. وإنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر ، لأنهم ~~أكابر الأنبياء ، وأصحاب الشرائع العظيمة ، والأتباع الكثيرة (1). # والمراد ms5040 بما شرعه سبحانه على ألسنة هؤلاء الرسل : أصول الأديان التي لا ~~يختلف فيها دين عن دين ، أو شريعة عن شريعة ، كإخلاص العبادة لله تعالى ~~والإيمان بكتبه ورسله وملائكته واليوم الآخر ، والتحلي بمكارم الأخلاق ~~كالصدق والعفاف. # أما ما يتعلق بفروع الشرائع ، كتحليل بعض الطيبات لقوم على سبيل التيسير ~~لهم ، وتحريمها على قوم على سبيل العقوبة لهم فهذا لا يدخل في الأصول ~~الثابتة في جميع الأديان ، وإنما يختلف باختلاف الظروف والأحوال. # ويؤيد ذلك قوله تعالى : ( @QUR@05 لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) (2). # وقوله سبحانه حكاية عن عيسى عليه السلام ( @QUR@06 ولأحل لكم بعض الذي حرم ~~عليكم ) (3). # والمعنى : سن الله تعالى لكم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم من العقائد ~~ومكارم الأخلاق ، ما سنه لنوح عليه السلام الذي هو أول أولى العزم من الرسل ~~، وأول أصحاب الشرائع الجامعة. # وشرع الله تعالى لكم أيضا ما أوحاه إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم من ~~آداب وأحكام وأوامر ونواه. PageV13P021 # وشرع لكم كذلك ما وصى به سبحانه أنبياءه : إبراهيم وموسى وعيسى ، من ~~وصايا تتعلق بوجوب طاعة الله تعالى ، وإخلاص العبادة له ، والبعد عن كل ما ~~يتنافى مع مكارم الأخلاق ، ومحاسن الشيم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) تفصيل ~~وتوضيح لما شرعه سبحانه لهؤلاء الكرام ، ولما أوصاهم به. # والمراد بإقامة الدين : التزام أوامره ونواهيه ، وطاعة الرسل في كل ما ~~جاءوا به من عند ربهم طاعة تامة. # قال صاحب الكشاف : والمراد : إقامة دين الإسلام الذي هو توحيد الله تعالى ~~وطاعته ، والإيمان برسله وكتبه ، وبيوم الجزاء ، وسائر ما يكون الرجل ~~بإقامته مسلما ، ولم يرد الشرائع التي هي مصالح الأمم حسب أحوالها ، فإنها ~~مختلفة متفاوتة. قال الله تعالى ( @QUR@05 لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ). # ومحل ( @QUR@02 أن أقيموا ) إما النصب على أنه بدل من مفعول شرع ~~والمعطوفين عليه ، وإما الرفع على الاستئناف ، كأنه قيل : وما ذلك المشروع؟ ~~فقيل : هو إقامة الدين. (1). # أى : أوصاكم كما أوصى من قبلكم بالمحافظة على ما اشتمل عليه دين الإسلام ~~من عقائد وأحكام وآداب .. وأصول أجمعت عليها جميع ms5041 الشرائع الإلهية ، كما ~~أوصاكم بعدم الاختلاف في أحكامه التي لا تقبل الاختلاف أو التفرق. # ثم بين سبحانه موقف المشركين من الدين الحق فقال : ( @QUR@06 كبر على ~~المشركين ما تدعوهم إليه ). # أى : شق وعظم على المشركين دعوتكم إياهم إلى وحدانية الله تعالى ، وإلى ~~ترك ما ألفوه من شرك ، ومن تقاليد فاسدة ورثوها عن آبائهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@09 الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب ) ~~بيان لكمال قدرته تعالى ونفاذ مشيئته. والاجتباء : الاصطفاء والاختيار. أى ~~: الله تعالى بإرادته وحكمته يصطفى ويختار لرسالته من يشاء من عباده ، ~~ويهدى إلى الحق من ينيب إليه ، ويرجع إلى طاعته عز وجل ويقبل على عبادته. # ثم بين سبحانه الأسباب التي أدت إلى اختلاف المختلفين في أمر الدين ، ~~وإلى تفرقهم شيعا وأحزابا فقال. ( @QUR@010 وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم ~~العلم بغيا بينهم ). PageV13P022 # والاستثناء مفرغ من أعم الأوقات والأحوال والضمير في قوله ( @QUR@01 ~~تفرقوا ) يعود على كل الذين اختلفوا على أنبيائهم ، وأعرضوا عن دعوتهم. # وقوله ( @QUR@01 بغيا ) مفعول لأجله ، مبين السبب الحقيقي للتفرق ~~والاختلاف. # أى : وما تفرق المتفرقون في أمر الدين. وأعرضوا عما جاءتهم به رسلهم ، في ~~كل زمان ومكان ، إلا من بعد أن علموا الحق ، ووصل إليهم عن طريق أنبيائهم ، ~~ولم يحملهم على هذا التفرق والاختلاف إلا البغي الذي استولى على نفوسهم ، ~~والحسد لرسل الله تعالى على ما آتاهم الله من فضله. # فقوله تعالى : ( @QUR@06 إلا من بعد ما جاءهم العلم ) زيادة في ذمهم ، ~~فإن الاختلاف بعد العلم ، أدعى إلى الذم والتحقير ، لأنه يدل على أن هذا ~~الاختلاف لم يكن عن جهل ، وإنما كان عن علم وإصرار على الباطل. # وقوله تعالى ( @QUR@02 بغيا بينهم ) زيادة أخرى تحمل كل عاقل على ~~احتقارهم ونبذهم ، لأن هذه الجملة الكريمة تدل على أن اختلافهم لم يكن من ~~أجل الوصول إلى الحق ، وإنما كان الدافع إليه ، البغي والحسد والعناد. # أى : أن اختلافهم على أنبيائهم كان الدافع إليه الظلم وتجاوز الحد ، ~~والحرص على شهوات الدنيا ولذائذها ، والخوف على ضياع شيء منها من بين ~~أيديهم. # ثم بين سبحانه ms5042 بعض مظاهر فضله ورحمته بهذه الأمة فقال : ( @QUR@011 ولو ~~لا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم ). # والمراد بهذه الكلمة : ما وعد الله تعالى : نبيه صلى الله عليه وسلم من أنه ~~لن يهلك أمته بعذاب يستأصل شأفتهم ، كما أهلك قوم نوح وغيرهم ، ومن أنه ~~تعالى سيؤخر عذابهم إلى الوقت الذي يختاره ويشاؤه سبحانه . # أى : ولو لا كلمة سبقت من ربك أيها الرسول الكريم ، بعدم إهلاكهم بعقوبة ~~تستأصل شأفتهم ، وبتأخير العذاب عنهم إلى أجل مسمى في علمه تعالى لقضى ~~بينهم بقطع دابرهم بسبب هذا الاختلاف الذي أدى بهم إلى الإعراض عن دعوتك ، ~~وإلى عكوفهم على كفرهم. # ( @QUR@04 وإن الذين أورثوا الكتاب ) وهم أهل الكتاب المعاصرين لك من ~~اليهود والنصارى ( @QUR@02 من بعدهم ) أى : من بعد الذين سبقوهم في ~~الاختلاف على أنبيائهم. # ( @QUR@04 لفي شك منه مريب ) أى : لفي شك من هذا القرآن. ومن كل ما جئتهم ~~به من عند PageV13P023 # ربك ، هذا الشك أوقعهم في الريبة وقلق النفس واضطرابها وتذبذبها ، ولذلك ~~لم يؤمنوا بما جئتهم به من عند ربك. # ثم حض سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم على المضي في دعوته فقال : ( @QUR@02 ~~فلذلك فادع ). # واسم الإشارة يعود إلى ما سبق الحديث عنه من ذم التفرق ، ومن الأمر ~~بإقامة الدين ، أى : فلأجل ما أمرناك به من دعوة الناس إلى إقامة الدين ~~وإلى النهى عن الاختلاف والتفرق ، من أجل ذلك فادع الناس إلى الحق الذي ~~بعثناك به ، وإلى جمعهم على كلمة التوحيد ، التي تجعلهم يعيشون حياتهم ~~آمنين مطمئنين. # ( @QUR@03 واستقم كما أمرت ) أى : واستقم على الصراط الذي كلفناك بالسير ~~على نهجه ، والزم المنهج القويم الذي أمرناك بالتزامه. # ( @QUR@03 ولا تتبع أهواءهم ) أى : ولا تتبع شيئا من أهواء هؤلاء الذين ~~فرقوا دينهم وكانوا شيعا. # ( @QUR@01 وقل ) لهم بكل ثبات وقوة ( @QUR@06 آمنت بما أنزل الله من كتاب ~~) أى : آمنت بكل ما أنزله تعالى من كتب سماوية. فالمراد بالكتاب : جنسه. # ( @QUR@03 وأمرت لأعدل بينكم ) أى : وأمرنى ربي أن أعدل بينكم في الحكم ~~عند رفع قضاياكم إلي ، فإن العدل شريعة الله تعالى. # ( @QUR@03 الله ربنا ms5043 وربكم ) أى : الله تعالى وحده هو الخالق لنا ولكم ، ~~وهو المنعم علينا وعليكم بالنعم التي لا تحصى. # ( @QUR@04 لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ) أى : لنا أعمالنا التي سيحاسبنا ~~الله عليها يوم القيامة ، ولكم أنتم أعمالكم التي ستحاسبون عليها ، فنحن لا ~~نسأل عن أعمالكم وأنتم لا تسألون عن أعمالنا. # ( @QUR@04 لا حجة بيننا وبينكم ) أى : لا احتجاج ولا خصومة بيننا وبينكم ~~، لأن الحق قد ظهر ، فلم يبق للجدال أو الخصام حاجة بيننا وبينكم. # ( @QUR@05 الله يجمع بيننا وإليه المصير ) أى. الله تعالى يجمع بيننا ~~وبينكم يوم القيامة ، وإليه وحده ، مصيرنا ومصيركم ، وسيجازى كل فريق منا ~~ومنكم بما يستحقه من جزاء. # فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد اشتملت على عشر جمل ، هذه الجمل ~~الكريمة قد جاءت بأسمى ألوان الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة ~~الحسنة. # ثم بين سبحانه سوء عاقبة الذين يجادلون بالباطل فقال : ( @QUR@04 والذين ~~يحاجون في الله PageV13P024 # @QUR@09 من بعد ما استجيب له ، حجتهم داحضة عند ربهم ). # وقوله : ( @QUR@01 داحضة ) من الدحض بمعنى الزلل والزوال. وأصله : الطين ~~الذي لا تستقر عليه الأقدام. يقال : دحضت رجل فلان ، إذا زلت وزلقت. # أى : والذين يخاصمون في الله. أى : في دينه وشريعته ، ( @QUR@05 من بعد ~~ما استجيب له ) أى : من بعد أن استجاب العقلاء من الناس لهذا الدين الحق ، ~~واتبعوا رسوله. # ( @QUR@04 حجتهم داحضة عند ربهم ) أى : حجة هؤلاء المجادلين بالباطل ، ~~زائلة وزاهقة ( @QUR@02 وعليهم غضب ) لا يقادر قدره من ربهم ( @QUR@03 ولهم ~~عذاب شديد ) يوم القيامة. # ثم بين سبحانه حال الكافرين والمؤمنين بالنسبة ليوم القيامة ، كما بين ~~جانبا من فضله على عباده ، ومن رحمته بهم ، فقال تعالى : # ( @QUR@011 الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة ~~قريب (17) @QUR@022 يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون ~~منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد (18) ~~@QUR@09 الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز (19) @QUR@022 من ~~كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما ~~له في الآخرة من نصيب ) (20) # والمراد بالكتاب ms5044 في قوله تعالى : ( @QUR@06 الله الذي أنزل الكتاب بالحق ~~والميزان ) جنسه أى : جميع الكتب السماوية التي أنزلها على أنبيائه. # والمراد بالميزان : العدل والقسط الذي تضمنته شريعته عز وجل ، وأمر الناس ~~بإقامته بينهم في أمور معاشهم. PageV13P025 # وتسمية العدل بالميزان من باب تسمية الشيء باسم آلته ، لأن الميزان آلة ~~الإنصاف والقسط بين الناس في معاملاتهم. # قال تعالى : ( @QUR@011 لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب ~~والميزان ليقوم الناس بالقسط ) (1). # وقال سبحانه : ( @QUR@027 الرحمن. علم القرآن. خلق الإنسان علمه البيان. ~~الشمس والقمر بحسبان. والنجم والشجر يسجدان. والسماء رفعها ووضع الميزان. ~~ألا تطغوا في الميزان. وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان ). # أى : الله تعالى هو وحده الذي أنزل جميع الكتب السماوية لهداية الناس ~~ومنفعتهم ، وقد أنزلها سبحانه ملتبسة بالحق الذي لا يحوم حوله باطل ، وأنزل ~~كذلك شريعته العادلة ليتحاكم إليها الناس في قضاياهم ومعاملاتهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 وما يدريك لعل الساعة قريب ) إرشاد إلى أن وقت ~~قيام الساعة لا يعلمه إلا الله تعالى :. # أى : إن وقت قيام الساعة لا يعلمه إلا الله تعالى وحده ، وأى شيء يجعلك ~~عالما بوقتها إذا كان مرد علمها إلى الله وحده ، ومع ذلك لعل وقت قيامها قريب. # وقال : ( @QUR@01 قريب ) ولم يقل قريبة ، لأن تأنيث الساعة غير حقيقى ، ~~أو لأن لفظ فعيل يستوي فيه المذكر والمؤنث ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@06 ~~إن رحمت الله قريب من المحسنين ). # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@015 يسئلك الناس عن الساعة قل إنما ~~علمها عند الله ، وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا ) (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@010 يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ، والذين آمنوا ~~مشفقون منها .. ) بيان لموقف الكافرين والمؤمنين من الساعة. # أى : يستعجل الكافرون قيام الساعة ، استعجال استهزاء واستخفاف لجهلهم ~~وانطماس بصائرهم ، أما الذين آمنوا بالله واليوم الآخر. فهم خائفون مشفقون ~~من قيامها ، لما فيها من أهوال وحساب وثواب وعقاب ، ولأنهم لا يدرون ما ~~الذي سيفعله الله تعالى بهم. # فقوله تعالى ( @QUR@01 مشفقون ) من الإشفاق ، وهو عناية مشوبة بخوف ، لأن المشفق PageV13P026 # يحب المشفق عليه ، ويخاف ما يلحقه. فإذا عدى بحرف «من» فمعنى ms5045 الخوف فيه ~~أظهر ، وإذا عدى بحرف «في» فمعنى العناية فيه أظهر. # وقوله سبحانه ( @QUR@03 ويعلمون أنها الحق ) تأكيد لإيمان المؤمنين بها ، ~~ومدح لهم على هذا الإيمان. # أى : أن المؤمنين وجلون من الساعة لما فيها من حساب .. ومع ذلك فهم لصدق ~~يقينهم يعتقدون أنها آتية لا ريب فيها ، ويستعدون لاستقبالها بالإيمان ~~العميق ، وبالعمل الصالح الذي يرضى الله تعالى . # ثم وبخ سبحانه الذين يشكون في البعث والنشور فقال : ( @QUR@09 ألا إن ~~الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد ). # وقوله : ( @QUR@01 يمارون ) من المماراة بمعنى المجادلة والمخاصمة. يقال ~~: مارى فلان في الشيء يمارى مراء ومماراة ، إذا خاصم وجادل. # أى : ألا إن الذين يخاصمون في قيام الساعة خصام شك وريبة ، لفي ضلال بعيد ~~عن الحق ، وفي ذهول شديد عن الصواب ، لأن قدرة الله تعالى لا يعجزها شيء ، ~~ولأن حكمته قد اقتضت أن يجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب. # ثم بين سبحانه أنه رءوف رحيم بعباده فقال : ( @QUR@03 الله لطيف بعباده ) ~~أى : حفى بهم ، عطوف عليهم ، يفيض عليهم جميعا من صنوف بره ما لا تحصيه ~~العقول ، ومن مظاهر ذلك أنه لا يعاجلهم بالعقوبة ، مع مجاهرتهم بمعصيته ، ~~وأنه يرزقهم جميعا مع أن أكثرهم لا يشكرونه على نعمه. # وقوله ( @QUR@03 يرزق من يشاء ) أى : يبسط رزقه ويوسعه لمن يشاء من خلقه ~~( @QUR@01 وهو ) سبحانه ( @QUR@02 القوي العزيز ) أى : وهو العظيم القوة ~~الغالب على كل من سواه. # ثم حكى تعالى سنته التي لا تتخلف فقال : ( @QUR@09 من كان يريد حرث ~~الآخرة نزد له في حرثه ). # والحرث في الأصل : مصدر بمعنى إلقاء البذور في الأرض ، لتنبت ما ينفع ~~الناس من زرع. # والمراد به ثمرات الأعمال ونتائجها ، تشبيها لها بثمرات البذور. # والمعنى : من كان يريد من الناس بأعماله ثواب الآخرة ، ورضا الله تعالى ~~ضاعف الله عز وجل له الأجر والثواب والعطاء. # ( @QUR@05 ومن كان يريد حرث الدنيا ) أى : ومن كان يريد بعمله شهوات ~~الدنيا نؤته منها ، PageV13P027 # ما قدرناه له من حطامها وزخارفها. # ( @QUR@06 وما له في الآخرة من نصيب ) أى : وليس له في الآخرة نصيب من ~~خيراتها ms5046 الباقية ، ونعيمها الدائم. # وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله تعالى : ( @QUR@042 من كان يريد العاجلة ~~عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا. ~~ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا. كلا نمد ~~هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك ، وما كان عطاء ربك محظورا ) (1). # ثم انتقلت السورة الكريمة إلى توبيخ المشركين على إصرارهم على كفرهم ، ~~وقارنت بين مصيرهم السيئ ، وبين المصير الطيب الذي وعد الله به المؤمنين .. ~~فقال تعالى : # ( @QUR@023 أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولو لا ~~كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم (21) @QUR@024 ترى ~~الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في ~~روضات الجنات لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير (22) @QUR@029 ذلك ~~الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسئلكم عليه أجرا ~~إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور ~~(23) @QUR@022 أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشإ الله يختم على قلبك ~~ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور ) (24) PageV13P028 # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@03 أم لهم شركاء ) أى : ألهم ، والميم ~~صلة الهمزة للتقريع. # وهذا متصل بقوله : ( @QUR@08 شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ) وقوله ~~تعالى : ( @QUR@06 الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان ). كانوا لا ~~يؤمنون به ، فهل لهم آلهة شرعوا لهم الشرك الذي لم يأذن به الله؟ وإذا ~~استحال هذا فالله لم يشرع الشرك ، فمن أين يدينون به (1). # فالآية الكريمة تنكر عليهم شركهم بأبلغ أسلوب ، وتؤنبهم على جهالتهم حيث ~~أشركوا بالله تعالى : دون أن يكون عندهم دليل أو ما يشبه الدليل على صحة ما ~~وقعوا فيه من باطل. # والمراد بكلمة الفصل في قوله تعالى : ( @QUR@06 ولو لا كلمة الفصل لقضي ~~بينهم ) ما تفضل به سبحانه من تأخير العذاب الماحق عنهم. # أى : ولو لا حكمنا بتأخير العذاب عنهم فضلا منا وكرما لقضى الأمر بين ~~هؤلاء الكافرين وبين المؤمنين ms5047 ، بأن أهلكنا الكافرين واستأصلنا شأفتهم في ~~الدنيا ، ولكن شاء ربك أن يؤخر عذابهم إلى يوم القيامة. # ( @QUR@05 وإن الظالمين لهم عذاب أليم ) في الآخرة ، بسبب إصرارهم على ~~ظلمهم وموتهم على الكفر والشرك. # ثم صور سبحانه أحوالهم السيئة يوم القيامة تصويرا مؤثرا فقال : ( @QUR@08 ~~ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم ). # أى : ترى أيها العاقل هؤلاء الظالمين يوم القيامة ( @QUR@03 مشفقين مما ~~كسبوا ) أى خائفين خوفا شديدا ، بسبب ما اكتسبوه في الدنيا من سيئات على ~~رأسها الكفر ، وهذا الذعر الشديد لن ينفعهم ، فإن العذاب واقع بهم لا محالة ~~، سواء أخافوا أم لم يخافوا. # وقوله تعالى : ( @QUR@012 والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات ~~لهم ما يشاؤن عند ربهم .. ) بيان للثواب العظيم الذي أعده الله تعالى ~~لعباده المؤمنين. # والروضات : جمع روضة ، وهو أشرف بقاع الجنة وأطيبها وأعلاها. # أى : هذا هو مصير الظالمين يوم القيامة ، أما الذين آمنوا وعملوا في ~~دنياهم الأعمال PageV13P029 # الصالحات ، فهم يوم القيامة يكونون في أشرف بقاع الجنات وأطيبها وأسماها ~~منزلة ، حالة كونهم لهم ما يشاءون من خيرات عند ربهم. # ( @QUR@04 ذلك هو الفضل الكبير ) أى : الذي أعطيناه للمؤمنين من خيرات ، ~~هو الفضل الكبير الذي لا يعادله فضل ، ولا يماثله كرم. # واسم الإشارة في قوله تعالى : ( @QUR@09 ذلك الذي يبشر الله عباده الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات ). # أى : ذلك الفضل الكبير ، هو البشارة العظمى ؛ والعطاء الجزيل ، الذي ~~يمنحه الله تعالى يوم القيامة لعباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات. # قال الآلوسى قوله : ( @QUR@01 ذلك ) أى : الفضل الكبير ، أو الثواب ~~المفهوم من السياق ، هو ( @QUR@08 الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات ) أى : يبشر به فحذف الجار ثم العائد إلى الموصول ، كما هو عادتهم ~~في التدريج في الحذف ولا مانع من حذفهما دفعة. وجوز كون ( @QUR@01 ذلك ) ~~إشارة إلى التبشير المفهوم من «يبشر» .. أى : ذلك التبشير يبشره الله عباده ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات (1). # ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يؤكد لأولئك المشركين من قومه ~~، أنه لا يسألهم أجرا على دعوته ، وإنما يسألهم المودة والمعاملة الحسنة ~~لقرابته منهم ms5048 فقال : ( @QUR@09 قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى ). # والضمير المجرور في ( @QUR@01 عليه ) يعود إلى التبليغ والتبشير والإنذار ~~الذي يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم معهم و ( @QUR@01 القربى ) مصدر ~~كالقرابة والخطاب لكفار قريش. # وللعلماء في تفسير هذه الآية أقوال : أولها : أن المراد بالقربى : الصلة ~~والقرابة التي تربط بين الرسول وبين كفار قريش. # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الكافرين إنى لا أسألكم على التبليغ ~~أجرا ، لكن أسألكم أن تؤدونى لقرابتي فيكم ، فتكفوا عنى أذاكم ، وتمنعوا ~~عنى أذى غيركم ، وتستجيبوا لدعوتى ، فإن صلة القرابة والرحم التي بيني ~~وبينكم توجب عليكم ذلك. # فالقربى هنا : بمعنى القرابة وصلة الرحم. و ( @QUR@01 في ) للسببية بمعنى ~~لام التعليل كما جاء في الحديث الشريف : «دخلت امرأة النار في هرة». PageV13P030 # ولا شك أن منع أذاهم عنه صلى الله عليه وسلم بسبب قرابته فيهم ليس أجرا. # وثانيها : أن المراد بالقربى هنا : أقاربه وعشيرته وعترته فيكون المعنى ~~لا أسألكم أجرا على دعوتي لكم إلى الخير والحق ، ولكن أسألكم أن تحفظوني في ~~قرابتي وأهل بيتي ، بأن تحسنوا إليهم ولا تؤذوهم بأى نوع من الأذى. # ولا شك أيضا أن إحسانهم إلى أقاربه ، ليس أجرا منهم له على ذلك لأن ~~الإحسان إلى الناس ، شيء قررته جميع الشرائع وتقتضيه مكارم الأخلاق. # وثالثها : أن المراد بالقربى هنا : التقرب إلى الله تعالى بالإيمان ~~والعمل الصالح. # أى : لا أسألكم على التبليغ أجرا ، ولكن أسألكم أن تتقربوا إلى الله ~~تعالى بما يرضيه بأن تتركوا الكفر والفسوق والعصيان ، وتدخلوا في الإيمان ~~والطاعة لله تعالى . # وهذا الذي طلبه منهم ، ليس أجرا على التبليغ ، لأن التقرب إلى الله ~~بالطاعات فرض عليهم. وقد رجح العلماء القول الأول ، واستدلوا على هذا ~~الترجيح بأحاديث منها : ما رواه البخاري عن ابن عباس أنه سئل عن معنى قوله ~~تعالى ( @QUR@04 إلا المودة في القربى )، فقال سعيد بن جبير : «قربى آل ~~محمد» فقال ابن عباس : عجلت. إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش ~~إلا كان له فيهم قرابة. فقال : إلا أن تصلوا ما ms5049 بيني وبينكم من القرابة. # وقال ابن كثير بعد أن ساق هذا الحديث وغيره ، وبهذا الرأى قال مجاهد ~~وعكرمة ، وقتادة ، والسدى ، وأبو مالك ، وعبد الرحمن بن زيد ، وغيرهم (1). # وقال الإمام ابن جرير بعد أن ساق هذه الأقوال وأولى الأقوال في ذلك ~~بالصواب ، وأشبهها بظاهر التنزيل ، قول من قال معناه : لا أسألكم عليه أجرا ~~يا معشر قريش ، إلا أن تودوني في قرابتي منكم ، وتصلوا الرحم التي بيني ~~وبينكم. # وإنما قلت هذا التأويل أولى بتأويل الآية ، لدخول ( @QUR@01 في ) في قوله ~~: ( @QUR@04 إلا المودة في القربى ). # ولو كان معنى ذلك على ما قاله من قال إلا أن تودوا قرابتي ، أو تتقربوا ~~إلى الله ، لم يكن لدخول ( @QUR@01 في ) في الكلام في هذا الموضع وجه معروف ~~ولكان التنزيل إلا مودة القربى ، إن عنى به الأمر بمودة قرابة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أو إلا المودة بالقربى إن عنى به الأمر بالتودد والتقرب ~~إلى الله تعالى . PageV13P031 # وفي دخول ( @QUR@01 في ) في الكلام أوضح الدليل على أن معناه إلا مودتي ~~في قرابتي منكم (1). # ثم بين سبحانه جانبا من مظاهر فضله على عباده فقال : ( @QUR@011 ومن ~~يقترف حسنة نزد له فيها حسنا ، إن الله غفور شكور ). # وقوله ( @QUR@01 يقترف ) من القرف بفتح القاف وإسكان الراء. بمعنى الكسب ~~، يقال : فلان يقرف لعياله ، أى : يكسب لهم ما يكفيهم لأمور معاشهم. # ومن يكتسب حسنة يبغى بها التقرب إلى الله تعالى ، نضاعف له بفضلنا ~~وإحساننا ثوابها ، إن الله تعالى واسع المغفرة لعباده. كثير الشكر للطائعين ~~بأن يعطيهم من فضله أكثر مما يستحقون ويرجون. # ثم عادت السورة إلى توبيخ الكافرين على كذبهم وعنادهم ، فقال تعالى : ( ~~@QUR@06 أم يقولون افترى على الله كذبا ). # أى : بل أيقولون إن محمدا صلى الله عليه وسلم قد افترى على الله تعالى كذبا ~~فيما يدعونا إليه ، وفيما يتلوه علينا من قرآن؟ # ثم أجاب سبحانه عن افترائهم هذا بقوله : ( @QUR@06 فإن يشإ الله يختم على ~~قلبك ) أى : فإن يشأ الله تعالى يجعلك من المختوم على قلوبهم حتى تفترى ~~عليه الكذب ، لأن افتراء الكذب على الله لا ms5050 يكون إلا ممن طبع الله على ~~قلوبهم فهم لا يفقهون ، وأنت أيها الرسول الكريم مبرأ ومنزه عن ذلك. # فالمقصود من الجملة الكريمة تنزيه ساحة الرسول صلى الله عليه وسلم عما قاله ~~المشركون في شأنه ، وإثبات أن افتراء الكذب. إنما هو من شأنهم لا من شأنه ~~صلى الله عليه وسلم . # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@06 فإن يشإ الله يختم على قلبك ) أى : ~~فإن يشأ الله تعالى يجعلك من المختوم على قلوبهم ، حتى تفترى عليه الكذب ، ~~فإنه لا يجترئ على افتراء الكذب على الله إلا من كان في مثل حالهم. # وهذا الأسلوب مؤداه استبعاد الافتراء من مثله ، وأنه في البعد مثل الشرك ~~بالله ، والدخول في جملة المختوم على قلوبهم ومثال هذا : أن يخون بعض ~~الأمناء فيقول : لعل الله خذلنى ، لعل الله أعمى قلبي ، وهو لا يريد إثبات ~~الخذلان وعمى القلب ، وإنما يريد استبعاد أن يخون مثله ، والتنبيه على أنه ~~ركب من تخوينه أمر عظيم. (2). PageV13P032 # وقوله سبحانه : ( @QUR@010 ويمح الله الباطل ، ويحق الحق بكلماته ، إنه ~~عليم بذات الصدور ): كلام مستأنف غير داخل في جواب الشرط ، لأنه تعالى ~~يمحو الباطل مطلقا ، وسقطت الواو من الفعل ( @QUR@01 يمح ) لفظا لالتقاء ~~الساكنين ، وخطا حملا له على اللفظ ، كما كتبوا ( @QUR@02 سندع الزبانية ) ~~فهو مرفوع لا مجزوم ، ويؤيده عطف ( @QUR@01 ويحق ) المرفوع عليه. # أى : من شأن الله تعالى أن يمحو الباطل ، وأن يثبت الحق بكلماته الفاصلة ~~، وقضائه العادل ، كما قال تعالى : ( @QUR@09 بل نقذف بالحق على الباطل ~~فيدمغه فإذا هو زاهق ). # ( @QUR@01 إنه ) سبحانه ( @QUR@03 عليم بذات الصدور ) أى : مطلع على ما ~~تخفيه الصدور من أسرار ونوايا ، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، ~~وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر. # ثم تحدثت السورة الكريمة عن دلائل الإيمان في الأنفس والآفاق ، وعن آثار ~~القدرة فيما يحيط بالناس ، وفيما يتعلق بحياتهم ومعاشهم ، وفيما يتعلق ~~بمظاهر لطفه بهم ، وفضله عليهم ، فقال تعالى : # ( @QUR@012 وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ويعلم ما ~~تفعلون (25) @QUR@012 ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله ~~والكافرون ms5051 لهم عذاب شديد (26) @QUR@017 ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في ~~الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير (27) @QUR@013 وهو الذي ~~ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد (28) @QUR@016 ~~ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا ~~يشاء قدير (29) @QUR@05 وما أصابكم من مصيبة فبما PageV13P033 # @QUR@05 كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير (30) @QUR@014 وما أنتم بمعجزين في ~~الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (31) @QUR@06 ومن آياته الجوار ~~في البحر كالأعلام (32) @QUR@015 إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره ~~إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (33) @QUR@07 أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن ~~كثير (34) @QUR@09 ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص (35) ~~@QUR@017 فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى ~~للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ) (36) # قال الجمل في حاشيته : قوله تعالى : ( @QUR@06 وهو الذي يقبل التوبة عن ~~عباده ) قال ابن عباس : يريد أولياءه وأهل طاعته. والتوبة واجبة من كل ذنب ~~، فإن كان معصية بين العبد وربه فلها ثلاثة شروط : الإقلاع عن المعصية ، ~~والندم على فعلها ، والعزم على عدم العودة إليها. # وإن كانت المعصية تتعلق بحق آدمي ، أضيف إلى ذلك : أن يبرأ من حق صاحبها ~~.. (1) والمعنى : وهو سبحانه وحده الذي يقبل التوبة من عباده التائبين إليه ~~، شفقة عليهم ، ورحمة بهم ، بأن يكفر سيئاتهم ، ولا يعاقبهم عليها. # والقبول يعدى بعن ، لتضمنه معنى الإبانة والقطع ، ويعدى بمن لتضمنه معنى ~~الأخذ كما في قوله تعالى : ( @QUR@011 وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا ~~أنهم كفروا بالله وبرسوله ). # وعدى بعن هنا للإشارة إلى تجاوزه سبحانه عن خطايا عباده. # وقوله تعالى ( @QUR@03 ويعفوا عن السيئات ) تأكيد لما قبله وتقرير له أى ~~: أنه عز وجل يقبل التوبة من عباده التائبين ، وفضلا عن ذلك ، يعفو عن ~~سيئاتهم ، ويسترها عليهم ، بل PageV13P034 # ويحولها بفضله إلى حسنات ، كما قال تعالى ( @QUR@012 إلا من تاب وآمن ~~وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ). # وقوله سبحانه ( @QUR@03 ويعلم ما تفعلون ) تحذير من التمادي في تأخير ms5052 ~~التوبة ، وفي اقتراف ما نهى عنه ، فكأنه تعالى يقول : لقد فتحت لكم باب ~~التوبة والعفو ، فأقبلوا على طاعتي ، واتركوا معصيتي ، فإنى عليم بما ~~تفعلونه من خير أو شر ، وسأجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب. # و ( @QUR@01 ما ) في قوله ( @QUR@03 ويعلم ما تفعلون ) موصولة ، والعائد ~~محذوف. أى : ويعلم الذي تفعلونه دون أن يخفى عليه تعالى شيء منه. # وقوله تعالى : ( @QUR@08 ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من ~~فضله .. ) معطوف على قوله : ( @QUR@04 يقبل التوبة عن عباده ). # أى : ويستجيب سبحانه من الذين آمنوا دعاءهم ، ويزيدهم من فضله وإحسانه ، ~~بأن يعطيهم من النعم والخيرات أكثر مما سألوا. # قال الآلوسى ما ملخصه : والموصول مفعول بدون تقدير شيء ، بناء على أن ( ~~@QUR@01 يستجيب ) يتعدى بنفسه ، كما يتعدى باللام ، نحو شكرته وشكرت له ، ~~أو بتقدير اللام على أنه من باب الحذف والإيصال ، والأصل : ويستجيب للذين ~~آمنوا .. (1). # ( @QUR@04 والكافرون لهم عذاب شديد ) أى : هذا هو حال المؤمنين يجيب لهم ~~سبحانه دعاءهم ، ويزيدهم من فضله وإحسانه .. أما الكافرون الذين ستروا نعمه ~~، وجحدوا فضله ، فلهم عذاب شديد لا يعلم مقداره إلا هو سبحانه . # ثم بين سبحانه جانبا مما اقتضته حكمته في تدبير أمور عباده فقال : ( ~~@QUR@013 ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ، ولكن ينزل بقدر ما ~~يشاء ). # والبغي : تجاوز الحد في كل شيء يقال : بغى الجرح ، إذا أظهر ما يداخله من ~~دم أو غيره. # وبغى القوم ، إذا تجاوزوا حدودهم في العدوان على غيرهم. # أى : ولو بسط الله تعالى الرزق لعباده ، بأن وسعه عليهم جميعا توسعة فوق ~~حاجتهم ، ( @QUR@03 لبغوا في الأرض ) أى : لتجاوزوا حدودهم ، ولتكبروا فيها ~~، ولطغوا وعتوا وتركوا الشكر لنا ، وقالوا ما قاله قارون : ( @QUR@05 إنما ~~أوتيته على علم عندي ). PageV13P035 # وقوله : ( @QUR@05 ولكن ينزل بقدر ما يشاء ) بيان لما اقتضته حكمته تعالى ~~أى : أن حكمته تعالى قد اقتضت عدم التوسعة في الرزق لجميع عباده ، لأن هذه ~~التوسعة تحملهم على التكبر والغرور والبطر ، لذا أنزل الله تعالى لهم الرزق ~~بتقدير محدد اقتضته حكمته ومشيئته ، كما قال سبحانه : ( @QUR@011 وإن من ~~شيء إلا عندنا خزائنه ms5053 وما ننزله إلا بقدر معلوم ). # وقوله تعالى : ( @QUR@04 إنه بعباده خبير بصير ) تعليل لتنزيله الرزق على ~~عباده بتقدير وتحديد دقيق. # أى : فعل ما فعل سبحانه من إنزال الرزق على عباده بقدر ، لأنه تعالى خبير ~~بخفايا أحوال عباده ، وبطوايا نفوسهم ، بصير بما يقولونه وبما يفعلونه. # قال صاحب الكشاف : أى أنه تعالى يعلم ما يؤول إليه حالهم ، فيقدر لهم ما ~~هو أصلح لهم ، وأقرب إلى جمع شملهم ، فيفقر ويغنى ، ويمنع ويعطى ، ويقبض ~~ويبسط ، كما توجبه الحكمة الربانية ، ولو أغناهم جميعا لبغوا ، ولو أفقرهم ~~لهلكوا. # ولا شبهة في أن البغي مع الفقر أقل ، ومع البسط أكثر وأغلب ، وكلاهما سبب ~~ظاهر للإقدام على البغي والإحجام عنه ، فلو عم البسط ، لغلب البغي حتى ~~ينقلب الأمر إلى عكس ما هو عليه الآن (1). # ثم ساق سبحانه بعد ذلك ألوانا من نعمه على عباده ، وكلها تدل على ~~وحدانيته وكمال قدرته فقال تعالى : ( @QUR@08 وهو الذي ينزل الغيث من بعد ~~ما قنطوا ). # أى : وهو سبحانه الذي ينزل المطر على عباده ، من بعد أن انتظروه فترة ~~طويلة حتى ظهرت على ملامحهم علامات اليأس ، وبدأت على وجوههم أمارات ~~القنوط. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 وينشر رحمته ) معطوف على ( @QUR@01 ينزل ). أى ~~: ينزل الأمطار بعد يأس الناس من نزولها ، وينشر رحمته عليهم عن طريق ما ~~ينتج عن هذه الأمطار من خيرات وبركات وأرزاق. # ( @QUR@01 وهو ) سبحانه ( @QUR@01 الولي ) أى : الذي يتولى عباده برحمته ~~وإحسانه ( @QUR@01 الحميد ) أى : المحمود على فعله ، حيث أنزل على عباده ~~الغيث بعد أن يئسوا منه ، والمتأمل في هذه الآية الكريمة يراها تصور جانبا ~~من فضل الله على عباده بطريقة محسوسة ، فالتعبير بالغيث يشعر بالغوث ~~والنجدة بعد أن فقد الناس الأمل في ذلك ، والتعبير بالقنوط PageV13P036 # يشعر بأن آثار الضيق قد ظهرت على وجوههم ، والتعبير بقوله تعالى ( ~~@QUR@02 وينشر رحمته )، يشعر بانتشار الرجاء والفرح والانشراح على الوجوه ~~بعد أن حل بها القنوط. # والتعبير بقوله تعالى : ( @QUR@03 وهو الولي الحميد ) يشعر بقرب الله ~~تعالى من عباده ، وبوجوب شكره على ما أعطى بعد المنع ، وعلى ما فرج بعد الضيق. # ثم بين سبحانه لونا ms5054 آخر من ألوان كمال قدرته فقال : ( @QUR@010 ومن آياته ~~خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة ). # والمراد بالآيات هنا : الدلائل والعلامات الواضحة الدالة على كمال قدرته ~~عز وجل . # وقوله : ( @QUR@02 وما بث ) معطوف على ( @QUR@03 خلق السماوات والأرض ). # أى : ومن العلامات الناصعة الدالة على كمال قدرته تعالى خلقه للسموات ~~وللأرض بتلك الصورة الباهرة البديعة التي نشاهدها بأعيننا ، وخلقه أيضا لما ~~بث فيهما من دابة ، ولما نشر وفرق فيهما من دواب لا يعلم عددها إلا الله ~~تعالى . # والدابة : اسم لكل ما يدب على وجه الأرض أو غيرها. وظاهر الآية الكريمة ~~يفيد وجود دواب في السموات. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم قال : ( @QUR@03 فيهما من دابة ) والدواب ~~في الأرض وحدها؟. # قلت : يجوز أن ينسب الشيء إلى جميع المذكور وإن كان متلبسا ببعضه كما ~~يقال : بنو تميم فيهم شاعر مجيد ، أو شجاع بطل ، وإنما هو في فخذ من ~~أفخاذهم. # ويجوز أن يكون للملائكة عليهم السلام مشى مع الطيران ، فيوصفوا بالدبيب ~~كما يوصف به الأناسى ، ولا يبعد أن يخلق سبحانه في السموات حيوانا يمشى ~~فيها مشى الأناسى على الأرض ، سبحان الذي خلق ما نعلم وما لا نعلم من أصناف ~~الخلق. (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@06 وهو على جمعهم إذا يشاء قدير ) بيان لكمال قدرته ~~عز وجل . # أى : وهو سبحانه قادر قدرة تامة على جمع الخلائق يوم القيامة للحساب ~~والجزاء. # كما قال تعالى في آية أخرى : ( @QUR@09 قل إن الأولين والآخرين لمجموعون ~~إلى ميقات يوم معلوم ). PageV13P037 # ثم بين سبحانه أن ما يصيب الناس من بلاء إنما هو بسبب أعمالهم فقال : ( ~~@QUR@010 وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير ). # أى : وما أصابكم أيها الناس من بلاء ، كمرض وخوف وفقر فإنما هو بسبب ما ~~اكتسبتموه من ذنوب ، وما اقترفتموه من خطايا ، ويعفو سبحانه عن كثير من ~~السيئات التي ارتكبتموها ، فلا يحاسبكم عليها رحمة منه بكم. # قال تعالى ( @QUR@012 ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها ~~من دابة .. ) (1). # وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث ms5055 والآثار ~~منها ما رواه ابن أبى حاتم عن على بن أبى طالب رضى الله عنه قال : ألا ~~أخبركم بأفضل آية في كتاب الله ، وحدثنا بها رسول صلى الله عليه وسلم قال : # ( @QUR@07 وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ) وسأفسرها لك يا على : ~~ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا ، فبما كسبت أيديكم ، والله ~~تعالى أحلم من أن يثنى عليه العقوبة في الآخرة ، وما عفا الله عنه في ~~الدنيا فالله أكرم من أن يعود بعد عفوه» (2). # ثم حذر سبحانه الناس من عقابه فقال : ( @QUR@014 وما أنتم بمعجزين في ~~الأرض ، وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ). # أى : وما أنتم أيها الناس بقادرين على الهرب منا في أى مكان من الأرض أو ~~في غيرها ، لأن قدرتنا لا يعجزها أن تأتى بكم من أى مكان كنتم فيه ، وليس ~~لكم غير الله تعالى من ولى يتولى أموركم ، أو نصير يدفع عنكم عذابه. # قال تعالى : ( @QUR@019 ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ، وما ~~يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم ). # ثم ساق سبحانه بعد ذلك جانبا من دلائل قدرته عن طريق ما يشاهده الناس في ~~البحر ، فقال تعالى : ( @QUR@06 ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام ). # والجوار : جمع جارية والمراد بها السفينة لأنها تجرى في البحر ، وهي صفة ~~لموصوف محذوف. # والأعلام : جمع علم وهو الجبل الكبير ، وأصله الأثر الذي يعلم به الشيء ~~كعلم الطريق ، وعلم الجيش ، وسمى علما لأن الناس يسترشدون به في سيرهم. PageV13P038 # أى : ومن آياته سبحانه الدالة على كمال قدرته ، هذه السفن الجارية في ~~البحر ، حتى لكأنها من ضخامتها وعظمها الجبال الشاهقة. # ( @QUR@02 إن يشأ ) سبحانه ( @QUR@02 يسكن الريح ) التي بسببها تجرى ~~السفن في البحار ( @QUR@04 فيظللن رواكد على ظهره ) أى : فيصرن ثوابت على ~~ظهر البحر لا يجرين. يقال : ركد الماء ركودا من باب قعد إذا سكن ، فهو ~~راكد. وكل شيء ثابت في مكانه فهو راكد. # ( @QUR@03 إن في ذلك ) الذي ذكرناه لكم من السفن المسخرة في البحر بأمره ~~تعالى ( @QUR@01 لآيات ms5056 ) عظيمات ( @QUR@03 لكل صبار شكور ) أى : لكل إنسان ~~قد تحلى بصفتى الصبر والشكر لله تعالى ، حتى صارتا هاتان الصفتان سجية من ~~سجاياه .. ( @QUR@04 أو يوبقهن بما كسبوا ) أى أو يهلكهن ويغرقهن بسبب ما ~~اكتسبه الراكبون في هذه السفن من ذنوب وخطايا. # يقال : أوبق فلان فلانا إذا حبسه أو أهلكه. ووبق فلان كوعد ووجل ، وبوقا ~~إذا هلك. # وهو معطوف على قوله «يسكن» وكذلك قوله «ويعفو». # أى : إن يشأ سبحانه يسكن الريح فتظل السفن ساكنة على ظهر البحر ، أو إن ~~يشأ يرسل الريح عاصفة بتلك السفن بمن فيها ، أو إن يشأ ينج ناسا بالعفو عنهم. # قال صاحب الكشاف : «يوبقهن» يهلكهن. والمعنى : أنه إن يشأ يبتلى ~~المسافرين في البحر بإحدى بليتين : إما أن يسكن الريح فيركد الجواري على ~~ظهر البحر ، ويمنعهن من الجري ، وإما أن يرسل الريح عاصفة فيهلكن إغراقا ~~بسبب ما كسبوا من الذنوب ( @QUR@03 ويعف عن كثير ) منها. # فإن قلت : علام عطف «يوبقهن» قلت : على «يسكن» لأن المعنى : إن يشأ يسكن ~~الريح فيركدن ، أو يعصفها فيغرقن بعصفها. # فإن قلت : فما معنى إدخال العفو في حكم الإيباق حيث جزم جزمه؟ قلت : ~~معناه : أو إن يشأ يهلك ناسا وينج ناسا على طريق العفو عنهم. # فإن قلت : فمن قرأ «ويعفو»؟ قلت : قد استأنف الكلام» (1). # ثم بين سبحانه أن علمه شامل لكل شيء فقال : ( @QUR@09 ويعلم الذين ~~يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص ) والمحيص : المهرب والمنجى من العذاب. ~~يقال : حاص فلان عن الشيء ، إذا حاول الفرار منه. PageV13P039 # وقراءة الجمهور بنصب «يعلم» على أنه منصوب على فعل مقدر. أى : فعل ما فعل ~~سبحانه لينتقم من الظالمين ، وليعلم الذين يجادلون في آياتنا الدالة على ~~وحدانيتنا وقدرتنا .. أنهم لا محيص لهم ولا مهرب من عذابنا ، بسبب جدالهم ~~بالباطل ليدحضوا به الحق. # ثم بين سبحانه أن متاع الدنيا مهما كثر فهو إلى زوال ، فقال : ( @QUR@07 ~~فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا ... ) أى : فما أعطيتم من شيء من ~~متع الحياة الدنيا كالغنى والصحة والجاه. فإنما هو متاع زائل من متع الحياة ~~الدنيا. # ( @QUR@03 وما ms5057 عند الله ) من عطاء وثواب في الآخرة. خير وأبقى ، أى : هو ~~خير في ذاته من متاع الحياة الدنيا ، وأبقى منه زمانا حيث لا يزول ولا يفنى. # وقوله ( @QUR@05 للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ) متعلق بقوله ( @QUR@02 ~~خير وأبقى ) أى : هذا الذي ذكرناه لكم من نعم الآخرة خير وأبقى ، للذين ~~آمنوا بالله تعالى إيمانا حقا ؛ وللذين هم يتوكلون ولا يعتمدون إلا على ~~ربهم وحده ، لا على غيره أصلا. # * * * # وبعد هذا البيان المفصل للبراهين الدالة على وحدانية الله تعالى وقدرته ، ~~وللنعم التي أسبغها سبحانه على عباده ... بعد كل ذلك أخذت السورة الكريمة ~~في بيان الصفات الطيبة والمناقب الحميدة ، التي وفق الله تعالى عباده ~~المؤمنين للتحلى بها ، فقال : # ( @QUR@010 والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون ~~(37) @QUR@011 والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ~~ومما رزقناهم ينفقون (38) @QUR@06 والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون (39) ~~@QUR@014 وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب ~~الظالمين (40) @QUR@09 ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل (41) ~~@QUR@015 إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق ~~أولئك لهم عذاب أليم (42) @QUR@08 ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ) (43) PageV13P040 # وقوله تعالى ( @QUR@05 والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش .. ) معطوف ~~على قوله تعالى قبل ذلك : ( @QUR@010 وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا ~~وعلى ربهم يتوكلون ) أو بدل منه. # وكبائر الإثم : هي الذنوب الكبيرة التي يترتب عليها إقامة الحد على ~~فاعلها أو الوعيد الشديد من الله تعالى لمرتكبها ، كقتل النفس ، وتعاطى ~~الربا ، وما يشبه ذلك من الكبائر. # والفواحش : جمع فاحشة ، وهي من جملة كبائر الإثم ، إلا أن الله تعالى ~~خصها بالذكر من باب عطف الخاص على العام ، اهتماما وأكثر ما تطلق الفواحش ~~على جريمة الزنا. # كما قال تعالى : ( @QUR@08 ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا ). # والمعنى : وما عند الله تعالى من ثواب في الآخرة خير وأبقى للذين آمنوا ~~وعلى ربهم يتوكلون ، وللذين يجتنبون ارتكاب كبائر الآثام ، كقتل النفس ، ~~وأكل أموال الناس بالباطل ، ويجتنبون كذلك ما فحش ms5058 وعظم قبحه من الذنوب ، ~~كالزنا والبخل بما آتاهم الله من فضله .. # وليس المراد من هذه الآية الكريمة فتح الباب لارتكاب صغائر الآثام ~~والذنوب ، بل المراد بيان فضل الله تعالى على عباده ، ورحمته بهم ، وبيان ~~أن اجتناب كبائر الإثم والفواحش ، يؤدى بفضل الله وكرمه إلى غفران صغائر ~~الذنوب ، كما قال تعالى : ( @QUR@012 إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر ~~عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 وإذا ما غضبوا هم يغفرون ) صفة أخرى من صفاتهم ~~الكريمة. # أى : ما عند الله خير وأبقى ، للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ، وللذين ~~يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وللذين من صفاتهم أيضا أنهم يتجاوزون عن ~~الشخص الذي أغضبهم ، ويصفحون عنه ، ويحلمون عليه. # وخص حالة غضبهم بالغفران ، لأن هذه الحالة لا يقدر عليها إلا أصحاب ~~العزائم القوية ، إذ من المعروف أن الإنسان في حالة غضبه ، كثيرا ما يفقد ~~صوابه ، ويغلب عليه عدم السيطرة على مشاعره ، فإذا ما استطاع أن يكظم غيظه ~~في حالة غضبه ، كان ذلك دليلا على قوة إيمانه وعلى ملكه لنوازع نفسه. # قال صاحب الكشاف : «هم يغفرون» أى : هم الأخصاء بالغفران في حال الغضب ، ~~لا يغول الغضب أحلامهم كما يغول حلوم الناس. والمجيء بلفظ «هم» وإيقاعه ~~مبتدأ وإسناد PageV13P041 # «يغفرون» إليه ، لهذه الفائدة ، ومثله «هم ينتصرون» (1). # ثم ذكر سبحانه صفات كريمة لهم فقال : ( @QUR@03 والذين استجابوا لربهم ) ~~أى : أطاعوه في كل ما أمرهم به ، أو نهاهم عنه .. # ( @QUR@02 وأقاموا الصلاة ) أى : حافظوا عليها ، وأدوها في أوقاتها بخشوع ~~وإخلاص لله رب العالمين. # ( @QUR@03 وأمرهم شورى بينهم ) أى : شأنهم أنهم إذا حدث بينهم أمر هام ~~يحتاج إلى المراجعة والمناقشة ، تجمعوا وتشاوروا فيما هو أنفع وأصلح. # قال القرطبي ما ملخصه : «قوله تعالى : ( @QUR@03 وأمرهم شورى بينهم ) أى ~~: يتشاورون في الأمور. # والشورى مصدر شاورته والتشاور : استخراج الرأى من الغير .. # قال الحسن : ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمورهم. # وقال ابن العربي : الشورى : ألفة للجماعة ، ومسبار للعقول ، وسبب إلى ~~الصواب. # وقد قال الشاعر الحكيم : # إذا بلغ الرأى المشورة فاستعن %~% برأى لبيب أو نصيحة حازم ولا تجعل الشورى ms5059 عليك غضاضة %~% فإن الخوافي قوة للقوادم (2) # وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه في الأمور التي تتعلق ~~بالحروب وما يشبهها من الأمور الدنيوية ، ولم يكن يشاورهم في الأحكام لأنها ~~منزلة من عند الله تعالى . # فأما الصحابة فكانوا يتشاورون في الأحكام ، ويستنبطونها من الكتاب والسنة ~~، فقد تشاوروا في الخلافة بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم وفي ميراث الجد ، ~~وفي حروب المرتدين (3). # وقوله ( @QUR@03 ومما رزقناهم ينفقون ) أى ومن صفات هؤلاء المؤمنين ~~الصادقين أيضا أنهم مما أعطيناهم من الرزق ، يتصدقون على غيرهم من ~~المحتاجين. # ( @QUR@06 والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ) أى : أن من صفاتهم كذلك ~~أنهم إذا بغى عليهم باغ ، أو ظلمهم ظالم ، أو اعتدى على كرامتهم أو على ~~دينهم معتد ، فإنهم لا يخضعون له ، ولا يذلون أمامه ، وإنما هم ينتصرون ~~لدينهم ولكرامتهم ، بأن يقابلوا بغيه وعدوانه ، بما يردعه PageV13P042 # ويجعله يخشى إصابتهم بأذى. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 وجزاء سيئة سيئة مثلها .. ) بيان لوجوب عدم ~~تجاوز الحد عند دفع الظلم. # أى : أن الله تعالى يأمركم أنكم إذا أردتم الانتصار من الباغي فعليكم أن ~~تقابلوا بغيه وظلمه وعدوانه بمثله بدون زيادة منكم على ذلك ، كما قال تعالى ~~في آية أخرى : ( @QUR@012 وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم ~~لهو خير للصابرين ). # قال الشوكانى : «ذكر سبحانه المغفرة عند الغضب في معرض المدح فقال : ~~«وإذا ما غضبوا هم يغفرون» كما ذكر الانتصار على الباغي في معرض المدح أيضا ~~لأن التذلل لمن بغى ، ليس من صفات من جعل الله له العزة ، حيث قال سبحانه ( ~~@QUR@04 ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ). فالانتصار عند البغي فضيلة ، كما ~~أن العفو عند الغضب فضيلة. # قال النخعي : كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم السفهاء. # ولكن هذا الانتصار مشروط بالاقتصار على ما جعله الله تعالى له ، وعدم ~~مجاوزته ، كما بينه سبحانه عقب ذلك بقوله : ( @QUR@04 وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها ) فبين سبحانه أن العدل في الانتصار ، هو الاقتصار على المساواة ..» (1). # ثم بين سبحانه ما هو أسمى من مقابلة السيئة بمثلها فقال : ( @QUR@010 فمن ~~عفا وأصلح فأجره ms5060 على الله ، إنه لا يحب الظالمين ). # أى : فمن عفا عمن أساء إليه ، وأصلح فيما بينه وبين غيره فأجره كائن على ~~الله تعالى وحده ، وسيعطيه سبحانه من الثواب مالا يعلمه إلا هو عز وجل . # إنه تعالى لا يحب الظالمين بأى لون من ألوان الظلم. # وفي الحديث القدسي : «يا عبادي إنى حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم ~~محرما فلا تظالموا». # ثم أكد سبحانه ما سبق أن بينه من أن دفع بغى الباغي أمر محمود ، فقال ~~تعالى ( @QUR@09 ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ). # واللام في قوله ( @QUR@02 ولمن انتصر ) هي لام الابتداء ، وقوله ( ~~@QUR@02 بعد ظلمه ) مصدر مضاف لمفعوله و «من» شرطية ، وجوابها ( @QUR@05 ~~فأولئك ما عليهم من سبيل ) والمراد بالسبيل : المؤاخذة والحرج. PageV13P043 # أى : أن من انتصر لدينه وعرضه ، بعد ظلم الظالم له ، فأولئك الذين يفعلون ~~ذلك ، لا يؤاخذون من أحد ، ولا يلامون من غيرهم ، لأنهم باشروا حقهم الذي ~~شرعه الله تعالى لهم ، وهو مقابلة السيئة بمثلها. # ثم بين سبحانه على من تقع المؤاخذة والمعاقبة فقال : ( @QUR@011 إنما ~~السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق ). # أى : إنما المؤاخذة والمعاقبة كائنة على الذين يظلمون غيرهم من الناس ، ~~ويتكبرون ويتجاوزون حدودهم في الأرض بغير الحق. # وقيد سبحانه البغي في الأرض بكونه بغير الحق ، لبيان أنه لا يكون إلا ~~كذلك ، إذ معناه في اللغة تجاوز الحد. يقال : بغى الجرح ، إذ تجاوز الحد في ~~فساده ، فهذا القيد إنما هو لبيان الواقع ، وللتنفير منه. # ( @QUR@04 أولئك لهم عذاب أليم ) أى : أولئك الذين من صفاتهم الظلم ~~والبغي لهم عذاب أليم ، بسبب ما اجترحوه من ظلم وبغى. # ثم ختم سبحانه هذه الصفات الكريمة للمؤمنين فقال : ( @QUR@08 ولمن صبر ~~وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ). # أى : وللإنسان الصابر على الأذى الذي يصفح عمن أساء إليه ، الثواب الجزيل ~~، والعاقبة الحسنة ، لأن ذلك الصبر والمغفرة منه ، لمن الأمور التي تدل على ~~علو الهمة ، وقوة العزيمة .. # هذا ، والمتأمل في هذه الآيات الكريمة ، يراها قد مدحت المؤمنين الصادقين ~~بجملة من الصفات الحميدة ، التي تعتبر على ms5061 رأس الصفات الأساسية ، لكل أمة ~~تريد أن تنال الظفر والسعادة في دنياها وآخرتها. # وبعد هذا الحديث عن المؤمنين وعن صفاتهم الكريمة وعما أعده سبحانه لهم من ~~ثواب ، جاء الحديث عن الظالمين وما أعد لهم من عقاب ، وأمرهم سبحانه ~~بالاستجابة لدعوة الحق من قبل أن يأتى يوم الحساب ، الذي لا ينفعهم فيه ~~شفيع أو نصير ، فقال تعالى : # ( @QUR@020 ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده وترى الظالمين لما رأوا ~~العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل (44) @QUR@07 وتراهم يعرضون عليها خاشعين ~~من الذل ينظرون PageV13P044 # @QUR@020 من طرف خفي وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم ~~وأهليهم يوم القيامة ألا إن الظالمين في عذاب مقيم (45) @QUR@016 وما كان ~~لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله ومن يضلل الله فما له من سبيل (46) ~~@QUR@021 استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ما لكم من ~~ملجإ يومئذ وما لكم من نكير (47) @QUR@027 فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم ~~حفيظا إن عليك إلا البلاغ وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن ~~تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور ) (48) # وقوله تعالى : ( @QUR@09 ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده .. ) أى : ~~ومن يخذله الله تعالى ويبعده عن طريق الهداية بسبب زيغه وإيثاره الغي على ~~الرشد ، فليس لهذا الضال من ناصر ينصره بعد الله تعالى فالمراد بالضلال هنا ~~: ما هو ضد الهداية والتوفيق للخير. والضمير في قوله «من بعده» يعود إلى ~~الله عز وجل وقيل : يعود للخذلان المفهوم من قوله «يضلل». # ثم بين سبحانه حال الظالمين عند ما يعرضون على النار فقال : ( @QUR@011 ~~وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل ). # أى : وترى أيها العاقل الظالمين حين رأوا العذاب المعد لهم يوم القيامة ، ~~تراهم في نهاية الحسرة والذلة ، ويقولون في ندامة وانكسار : هل إلى ( ~~@QUR@01 مرد ) أى : مرجع إلى الدنيا من سبيل أو طريق ، فنعمل غير الذي كنا نعمل. # وقوله سبحانه ( @QUR@010 وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من ~~طرف خفي ) بيان ms5062 لحالهم عند ما يعرضون على النار بعد بيان ما يقولونه عند ~~رؤيتهم لها. PageV13P045 # أى : أنهم عند رؤيتهم لجهنم يقولون هل من طريق للهرب من هذا العذاب لكي ~~نرجع إلى الدنيا فنؤمن بالله تعالى ونعمل صالحا ، فلما وجدوا أنه لا طريق ~~إلى ذلك زاد انكسارهم وذلهم وتراهم أيها العاقل يعرضون على النار عرضا ~~مؤلما ، فهم خاضعون متضائلون من شدة ما أصابهم من ذل ، يسترقون النظر إلى ~~النار من طرف خفى ، أى : من عين لا تكاد تتحرك من شدة ضعفها وهوانها ... # قال صاحب الكشاف : ( @QUR@01 خاشعين ) متضائلين متقاصرين بما يلحقهم ، ~~وقوله ( @QUR@02 من الذل ) متعلق بخاشعين ( @QUR@04 ينظرون من طرف خفي ) أى ~~: يبتدئ نظرهم من تحريك لأجفانهم ضعيف خفى بمسارقته كما ترى المصبور أى ~~المحبوس للقتل ينظر إلى السيف ، وهكذا نظر الناظر إلى المكاره ، لا يقدر أن ~~يفتح أجفانه عليها ، ويملأ عينيه منها ، كما يفعل الناظر إلى الشيء المحبوب ~~...» (1). # ثم بين سبحانه ما يقوله المؤمنون الفائزون برضا الله تعالى بعد رؤيتهم ~~لأحوال هؤلاء الظالمين فقال : ( @QUR@017 وقال الذين آمنوا إن الخاسرين ~~الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ، ألا إن الظالمين في عذاب مقيم ). # أى : وقال المؤمنون على سبيل التحدث بنعمة الله عليهم بعد أن رأوا انكسار ~~الظالمين وذلتهم ... قالوا هؤلاء هم الخاسرون الذين خسروا أنفسهم يوم ~~القيامة بتعريضها للعذاب المهين ، وخسروا أهليهم لأنهم إن كانوا معهم في ~~النار فلن ينفعوهم بشيء ، وإن كانوا في الجنة فلن يستطيعوا الوصول إليهم ... # ألا إن ذلك العذاب المقيم الذي حل بهؤلاء الظالمين هو الخسران التام ~~الكامل الذي لا خسران أفظع منه. # ( @QUR@09 وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله .. ) أى : لم يكن ~~لهؤلاء الظالمين من نصراء أو شفعاء يحولون بينهم وبين العذاب الذي أعده ~~سبحانه لهم بسبب ظلمهم وكفرهم. # ( @QUR@03 ومن يضلل الله ) أى : ومن يضله الله تعالى عن طريق الهداية ~~والرشاد ( @QUR@04 فما له من سبيل ) أى فما له من طريق إلى الهدى أو ~~النجاة. # ثم يوجه سبحانه أمره إلى هؤلاء المعاندين ، يدعوهم إلى الاستجابة للحق من قبل أن PageV13P046 # يأتى ms5063 يوم القيامة الذي لا شك في مجيئه .. فيقول : ( @QUR@012 استجيبوا ~~لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله .. ). # أى استجيبوا أيها الناس لدعوة الحق التي دعاكم إليها ربكم وخالقكم ، عن ~~طريق الرسول الذي أرسله سبحانه إليكم ، ولتكن استجابتكم عاجلة في هذه ~~الدنيا ، من قبل أن يأتى يوم القيامة الذي لن يستطيع أحد أن يرده أو يدفعه ~~، بعد أن حكم سبحانه بمجيئه ، وجعل له أجلا محددا لا يتخلف عنه. # ثم بين سبحانه حالهم عند مجيء هذا اليوم فقال : ( @QUR@09 ما لكم من ملجإ ~~يومئذ وما لكم من نكير ). # والملجأ : هو المكان الذي يلجأ إليه الإنسان عند الشدائد والكروب ~~لاتقائها ، والنكير بمعنى الإنكار. # أى : ليس لكم في هذا اليوم ملجأ تلتجئون إليه من العذاب ، وليس لكم ~~القدرة على إنكار شيء مما اجترحتموه في الدنيا من الكفر والعصيان ، لأنه ~~مسجل عليكم ، فما نزل بكم من عذاب بسبب كفركم وإعراضكم عن الحق ، وشيء أنتم ~~تستحقونه ، ولن تجدوا يوم القيامة من ينكر استحقاقكم لهذا العذاب. # قال الآلوسى : قوله تعالى ( @QUR@04 وما لكم من نكير ) أى : إنكار على ~~أنه مصدر أنكر على غير القياس. ونفى ذلك مع قوله تعالى حكاية عنهم ( ~~@QUR@05 والله ربنا ما كنا مشركين ) تنزيلا لما يقع من إنكارهم منزلة العدم ~~، لعدم نفعه وقيام الحجة ، وشهادة الجوارح عليهم ، أو يقال : إن الأمرين ~~باعتبار تعدد الأحوال والمواقف ..» (1). # ثم بين سبحانه وظيفة رسوله صلى الله عليه وسلم فقال : ( @QUR@010 فإن أعرضوا ~~فما أرسلناك عليهم حفيظا ، إن عليك إلا البلاغ .. ). # أى : فإن أعرض هؤلاء الظالمون عن دعوتك أيها الرسول الكريم ، فلا تحزن ~~لذلك ، فإننا ما أرسلناك لتكون رقيبا على أعمالهم ، ومكرها لهم على الإيمان ~~، وإنما أرسلناك لتبلغ دعوة ربك إليهم ، ومن شاء بعد ذلك فليؤمن ومن شاء ~~فليكفر. # والمراد بالإنسان في قوله سبحانه : ( @QUR@08 وإنا إذا أذقنا الإنسان منا ~~رحمة فرح بها ) جنسه الشامل للجميع والمراد بالرحمة : ما يشمل الغنى والصحة ~~وغيرهما من النعم. PageV13P047 # أى : وإنا إذا أعطينا ومنحنا الإنسان بفضلنا وكرمنا نعمة كالمال والولد ~~والجاه. فرح بها وانشرح ms5064 لها. # ( @QUR@02 وإن تصبهم ) أى : الناس ( @QUR@01 سيئة ) من بلاء أو مرض أو ~~خوف أو فقر ( @QUR@03 بما قدمت أيديهم ) أى : بسبب ما اكتسبته أيديهم من ~~المعاصي والسيئات حزنوا وامتعضوا. # وقوله : ( @QUR@03 فإن الإنسان كفور ) تعليل لجواب الشرط المحذوف ، أى : ~~وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم نسوا نعمنا وقنطوا ، فإن الإنسان الكافر ~~كثير الكفر والجحود لنعم خالقه عز وجل أما من آمن وعمل صالحا فإنه يشكر ربه ~~عند النعم ، ويصبر عند البلاء والنقم. # * * * # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بالحديث عن مظاهر قدرته التي لا يعجزها شيء ~~، وعن نفاذ مشيئته وحكمته ، وعن فضله على نبيه صلى الله عليه وسلم حيث أوحى ~~إليه بما أوحى ، من هدايات للناس. فقال تعالى : # ( @QUR@015 لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ~~ويهب لمن يشاء الذكور (49) @QUR@011 أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء ~~عقيما إنه عليم قدير (50) @QUR@022 وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو ~~من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم (51) ~~@QUR@027 وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم (52) @QUR@015 صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا ~~إلى الله تصير الأمور ) (53) PageV13P048 # وقوله تعالى ( @QUR@07 لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء .. ) بيان ~~لكمال قدرته سبحانه ، ولنفاذ مشيئته. والملك بضم الميم الاستيلاء على الشيء ~~والتمكن من التصرف فيه. # أى : لله تعالى وحده ملك جميع ما في السموات والأرض ، وليس لأحد معه شيء ~~لا اشتراكا ولا استقلالا ، وهو سبحانه «يخلق ما يشاء» أن يخلقه ، من غير أن ~~يكون لأحد وصاية عليه ، أو اختيار لشيء معين .. # ثم فصل سبحانه بعض مظاهر هذه القدرة التامة ، والإرادة النافذة فقال : ( ~~@QUR@016 يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور ، أو يزوجهم ذكرانا ~~وإناثا ويجعل من يشاء عقيما ) فهذه الجملة الكريمة بدل مفصل من مجمل ، أو ~~بدل بعض من كل. وأحوال الناس بالنسبة للذرية لا تخلو ms5065 عن هذه الأقسام ~~الأربعة فهو سبحانه إما أن يهب لمن يشاء من عباده إناثا لا ذكور معهن ، ~~وإما أن يهب لهم ذكورا لا إناث معهم ، وإما أن يهب لبعضهم الإناث والذكور ~~معا وهذا معنى قوله تعالى ( @QUR@04 أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ) إذ التزويج ~~معناه الجمع بين البنين والبنات. # وإما أن يجعل بعضهم عقيما ، أى : لا ذرية له ، ذكرا كان أو أنثى. يقال ~~رجل عقيم وامرأة عقيم ، إذا كانا لا ذرية لهما. # وهذه الأحوال الأربعة كلها مشاهدة في حياة الناس ، فمنهم من معه الإناث ~~فقط ، ومنهم من معه الذكور فقط ومنهم من معه الذكور والإناث ومنهم من ليس ~~معه منهما شيء وهذا كله يدل على كمال قدرته سبحانه ، وعلى نفاذ إرادته ~~وحكمته ، إذ أعطى من يشاء إعطاءه بفضله ، ومنع من يشاء منعه لحكمة يعلمها ، ~~لا راد لقضائه ، ولا معقب لحكمه. # فالآية الكريمة مسوقة لبيان أن العطاء والمنع بيد الله تعالى وحده ، وأن ~~أحوال البشر بالنسبة للذرية خاضعة لمشيئته وحده ، وهو سبحانه يقدرها وفق ~~علمه وإرادته وحكمته ؛ ليس لأحد مدخل في اختيار نوع معين من الذرية ، وليس ~~عند أحد القدرة على إنجاب شيء منها ، إذا أراد الله منعه من ذلك. # قال صاحب الكشاف ما ملخصه : «فإن قلت : لم قدم الإناث أولا على الذكور مع ~~تقدمهم عليهن ، ثم رجع فقدمهم؟ ولم عرف الذكور بعد ما نكر الإناث؟ # قلت : قدم الإناث لبيان أنه سبحانه يفعل ما يشاء ، لا ما يشاؤه الإنسان ، ~~فكان ذكر الإناث اللاتي من جملة ما لا يشاؤه الإنسان أهم ، والأهم واجب ~~التقديم ... # وأخر سبحانه الذكور ، فلما أخرهم لذلك تدارك تأخيرهم ، وهم أحقاء ~~بالتقديم PageV13P049 # بتعريفهم ، لأن التعريف تنويه وتشهير ، فكأنه قال : ويهب لمن يشاء ~~الفرسان الأعلام المذكورين الذين لا يخفون عليكم ، ثم أعطى بذلك كلا ~~الجنسين حقه من التقديم والتأخير ، وعرف أن تقديمهن لم يكن لتقدمهن ، ولكن ~~لمقتض آخر ، فقال : ( @QUR@02 ذكرانا وإناثا )، كما قال : ( @QUR@05 إنا ~~خلقناكم من ذكر وأنثى .. ) (1). # وقوله تعالى ( @QUR@03 إنه عليم قدير ) تذييل قصد به تأكيد قدرته وحكمته. ~~أى : إنه سبحانه ms5066 واسع العلم بأحوال عباده وبما يصلحهم ، قدير على كل شيء ، ~~فهو يفعل ما يفعله عن قدرة واختيار ، لا مكره له ولا معقب لحكمه. # ثم بين سبحانه الطرق التي بها يقع التكليم منه تعالى للمختارين من عباده ~~فقال : ( @QUR@019 وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ، أو من وراء حجاب ~~أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء .. ). # فهذه الآية الكريمة قد دلت على أن تكليم الله تعالى للبشر وقع على ثلاثة أوجه : # الأول : عن طريق الوحى ، وهو الإعلام في خفاء وسرعة عن طريق الإلقاء في ~~القلب يقظة أو مناما ، ويشمل الإلهام والرؤيا المنامية. # والوحى مصدر أوحى ، وقد غلب استعماله فيما يلقى للمصطفين الأخيار من ~~الكلمات الإلهية. # والثاني : عن طريق الإسماع من وراء حجاب ، أى حاجز ، بأن يسمع النبي ~~كلاما دون أن يرى من يكلمه ، كما حدث لموسى. عليه السلام عند ما كلمه ربه ~~عز وجل ، وهذا الطريق هو المقصود بقوله تعالى : ( @QUR@04 أو من وراء حجاب ). # والثالث : عن طريق إرسال ملك ، وظيفته أن يبلغ الرسول ما أمره الله ~~بتبليغه له ، وهو المقصود بقوله تعالى ( @QUR@07 أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ~~ما يشاء ). # وهذا الطريق الثالث قد وضحه الحديث الذي رواه الإمام البخاري عن عائشة ~~رضى الله عنها أن الحارث بن هشام ، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ~~يا رسول الله ، كيف يأتيك الوحى؟ فقال صلى الله عليه وسلم أحيانا يأتينى مثل ~~صلصلة الجرس وهو أشده على أى : أحيانا يأتينى مشابها صوته وقوع الحديد بعضه ~~على بعض فيفصم عنى وقد وعيت عنه ما قال ، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا ~~فيكلمني فأعى ما يقول. # قالت عائشة : ولقد رأيته صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحى في اليوم ~~الشديد البرد ، فيفصم عنه ، PageV13P050 # وإن جبينه ليتفصد عرقا. # والمعنى : وما صح وما استقام لبشر أن يكلمه الله تعالى في من حال الأحوال ~~إلا موحيا إليه ، أو مسمعا إياه ما يريد إسماعه له من وراء حجاب أو يرسل ~~إليه ملكا ليبلغه ما يريده سبحانه منه. # وقوله تعالى ms5067 ( @QUR@03 إنه علي حكيم ) تعليل لما قبله ، أى : إنه سبحانه ~~متعال عن صفات النقص ، حكيم في كل أقواله وأفعاله. # ثم بين سبحانه جانبا من مظاهر فضله على نبيه صلى الله عليه وسلم فقال : ( ~~@QUR@013 وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان .. ). # والكاف في قوله «كذلك» بمعنى مثل واسم الإشارة يعود إلى ما أوحاه إلى ~~الرسل السابقين. # والمراد بالروح : القرآن وسماه سبحانه روحا ، لأن الأرواح تحيا به ، كما ~~تحيا الأبدان بالغذاء المادي. # أى : ومثل إيحائنا إلى غيرك من الرسل ، أوحينا إليك أيها الرسول الكريم ، ~~هذا القرآن ، الذي هو بمنزلة الأرواح للأجساد ، وقد أوحيناه إليك بأمرنا ~~وإرادتنا ومشيئتنا ، وأنت أيها الرسول الكريم ما كنت تعرف أو تدرك حقيقة ~~هذا الكتاب حتى عرفناك إياه ، وما كنت تعرف أو تدرك تفاصيل ، وشرائع وأحكام ~~هذا الذين الذي أوحيناه إليك بعد النبوة. # فالمقصود بهذه الآية الكريمة نفى علم الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا القرآن ~~قبل النبوة ، ونفى أن يكون أيضا عالما بتفاصيل وأحكام هذا الدين لا نفى أصل ~~الإيمان. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@015 وأنزل الله عليك الكتاب ~~والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم ، وكان فضل الله عليك عظيما ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@016 نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا ~~القرآن ، وإن كنت من قبله لمن الغافلين ) (2). # والضمير في قوله تعالى : ( @QUR@09 ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من ~~عبادنا ) يعود إلى القرآن الكريم ، الذي عبر عنه بالروح. # أى : ولكن جعلنا هذا القرآن العظيم نورا ساطعا ، نهدي به من نشاء هدايته ~~من عبادنا. PageV13P051 # ( @QUR@01 وإنك ) أيها الرسول الكريم ( @QUR@01 لتهدي ) من أرسلناك إليهم ~~( @QUR@03 إلى صراط مستقيم ) أى طريق واضح قويم لا اعوجاج فيه ولا التواء. # وقوله : ( @QUR@02 صراط الله ) بدل مما قبله ، وإضافته إلى الله تعالى ~~للتفخيم والتشريف. # أى : وإنك لترشد الناس إلى صراط الله ( @QUR@08 الذي له ما في السماوات ~~وما في الأرض ) ملكا وخلقا وتصرفا .. # ( @QUR@03 ألا إلى الله ) تعالى وحده ( @QUR@02 تصير الأمور ) أى : تنتهي ~~إليه الأمور وتصعد إليه وحده ، فيقضى فيها بقضائه العادل ms5068 ، وبحكمه النهائى ~~الذي لا معقب له. # وبعد : فهذا تفسير وسيط لسورة «الشورى» نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا ~~لوجهه ، ونافعا لعباده. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV13P052 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الزخرف PageV13P053 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «الزخرف» من السور المكية الخالصة ، وعدد آياتها تسع وثمانون آية ~~، وكان نزولها بعد سورة «الشورى». # 2 وقد افتتحت سورة «الزخرف» بالثناء على القرآن الكريم ، وبتسلية الرسول ~~صلى الله عليه وسلم عما أصابه من قومه ، وببيان جانب من مظاهر قدرته تعالى ، ~~ومن أنواع نعمه. # قال تعالى : ( @QUR@044 ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن ~~العزيز العليم ، الذي جعل لكم الأرض مهدا ، وجعل لكم فيها سبلا لعلكم ~~تهتدون. والذي نزل من السماء ماء بقدر ، فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون. ~~والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون .. ). # 3 ثم انتقلت السورة إلى الحديث عن جهالات المشركين ، وعن دعاواهم الكاذبة ~~، وعن أقوالهم الفاسدة عند ما يدعون إلى الدخول في الدين الحق. # قال تعالى : ( @QUR@027 وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ، ~~أشهدوا خلقهم ، ستكتب شهادتهم ويسئلون. وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ، ~~ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون )........ ( @QUR@07 فانتقمنا منهم ~~فانظر كيف كان عاقبة المكذبين ). # 4 وبعد أن ساقت السورة الكريمة جانبا من دعوة إبراهيم عليه السلام لقومه ، ~~واصلت حديثها عن موقف المشركين من دعوة الحق ، وعن اعتراضهم على نبوة النبي ~~صلى الله عليه وسلم ثم أخذت في تفنيد هذه الاعتراضات ، وفي تسلية الرسول ~~صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم ، وبينت سوء عاقبتهم في الدنيا والآخرة. # قال تعالى : ( @QUR@036 وقالوا لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين ~~عظيم. أهم يقسمون رحمت ربك ، نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ، ~~ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ، ورحمت ربك خير مما ~~يجمعون ). # ( @QUR@011 ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين .. ) PageV13P055 # 5 ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك جانبا من قصة ms5069 موسى عليه السلام وكيف أن ~~الله تعالى دمر فرعون وقومه ، بسبب بغيهم وإصرارهم على كفرهم. # قال تعالى : ( @QUR@058 ونادى فرعون في قومه ، قال يا قوم أليس لي ملك ~~مصر ، وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون. أم أنا خير من هذا الذي هو ~~مهين ولا يكاد يبين. فلو لا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة ~~مقترنين. فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين. فلما آسفونا انتقمنا ~~منهم فأغرقناهم أجمعين. فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين ). # 6 ثم أتبعت السورة حديثها عن جانب من قصة موسى مع فرعون وقومه ، بالحديث ~~عن موقف المشركين من عيسى عليه السلام الذي جاء قومه بالحق والحكمة ، فقال ~~تعالى : ( @QUR@033 ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون. وقالوا ~~أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا ، بل هم قوم خصمون. إن هو إلا عبد ~~أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل ). # 7 ثم وجه سبحانه نداء إلى عباده المؤمنين ، بشرهم فيه برضوانه وجنته ، ~~فقال تعالى : ( @QUR@034 يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون. ~~الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين. ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون. ~~يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم ~~فيها خالدون ). # 8 وكعادة القرآن الكريم في المقارنة بين عاقبة الأخيار والأشرار ، أتبع ~~القرآن حديثه عن ثواب المتقين ، بالحديث عن عقاب الكافرين ، فقال تعالى : ( ~~@QUR@027 إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون. لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون. ~~وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين. ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال ~~إنكم ماكثون ). # 9 ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بتلقين النبي صلى الله عليه وسلم الجواب ~~الذي يخرس به ألسنة المشركين ، ويسليه عن كيدهم ولجاجهم ويسلحه بالحق الذي ~~لا يحوم حوله باطل. # قال تعالى : ( @QUR@024 قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين. سبحان ~~رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون. فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا ~~يومهم الذي يوعدون ). # إلى أن يقول سبحانه : ( @QUR@022 ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى ~~يؤفكون. ms5070 وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون. فاصفح عنهم وقل سلام فسوف ~~يعلمون ). # 10 وبعد فهذا عرض إجمالى لبعض المقاصد التي اشتملت عليها سورة «الزخرف» ، PageV13P056 # ومنه نرى أن السورة الكريمة تهتم اهتماما واضحا بالحديث عن العقبات التي ~~وضعها المشركون في طريق الدعوة الإسلامية ، وكيف أن الله تعالى قد أعطى ~~نبيه صلى الله عليه وسلم السلاح الذي يهدم به هذه العقبات كما اهتمت ببيان ~~مظاهر قدرة الله تعالى ونعمه على خلقه ، وببيان جانب من قصص بعض الأنبياء. ~~كإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام لتسليته صلى الله عليه وسلم عما لحقه من أذى ~~المشركين ، كما اهتمت بالمقارنة بين عاقبة الأخيار والأشرار ، وبإقامة ~~البراهين الساطعة على وحدانية الله عز وجل إلى غير ذلك من المقاصد التي لا ~~مجال لتفصيل الحديث عنها في تلك المقدمة ، وإنما سنتحدث عنها بشيء من ~~التوضيح خلال تفسيرنا لآيات السورة الكريمة. # والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ~~آله وصحبه وسلم. # القاهرة : مدينة نصر # مساء الثلاثاء 8 من صفر سنة 1406 ه 12 / 10 / 1985 م # كتبه الراجي عفو ربه # د. محمد سيد طنطاوى PageV13P057 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@01 حم (1) @QUR@02 والكتاب المبين (2) @QUR@06 إنا جعلناه قرآنا ~~عربيا لعلكم تعقلون (3) @QUR@07 وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم (4) ~~@QUR@08 أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين (5) @QUR@06 وكم ~~أرسلنا من نبي في الأولين (6) @QUR@08 وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به ~~يستهزؤن (7) @QUR@07 فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين ) (8) # سورة «الزخرف» من السور التي افتتحت بالحروف المقطعة ، وقد سبق أن قلنا ~~في المراد بهذه الحروف ما خلاصته : هذه الحروف التي افتتحت بها بعض السور ، ~~يغلب على الظن أنه جيء بها للتنبيه إلى إعجاز القرآن ، لأنه مؤلف من كلام ~~هو من جنس كلامهم ، ومع ذلك فقد عجزوا عن أن يأتوا بسورة من مثله .. (1). # والواو في قوله تعالى : ( @QUR@02 والكتاب المبين ) للقسم ، والمقسم به ~~الكتاب ، وجواب القسم قوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@04 إنا جعلناه قرآنا ~~عربيا ... ). # أى : وحق هذا الكتاب ms5071 الواضح المرشد إلى طريق الحق والسعادة ، لقد جعلنا ~~بقدرتنا وحكمتنا هذا الكتاب قرآنا عربيا ( @QUR@02 لعلكم تعقلون ). # أى : جعلناه كذلك لكي تفهموه وتتعقلوا معانيه ، وتهتدوا إلى ما فيه من ~~الأحكام السامية ، والآداب العالية. PageV13P059 # قال صاحب الكشاف : أقسم سبحانه بالكتاب المبين وهو القرآن وجعل قوله : ( ~~@QUR@04 إنا جعلناه قرآنا عربيا ) جوابا للقسم ، وهو من الأيمان الحسنة ~~البديعة ، لتناسب القسم والمقسم عليه ، وكونهما من واد واحد .. و ( @QUR@01 ~~المبين ) أى : البين الذي أنزل بلغتهم وأساليبهم .. (1). # فقوله تعالى : ( @QUR@02 لعلكم تعقلون ) بيان للحكمة التي من أجلها أنزل ~~الله تعالى هذا القرآن بلسان عربي مبين. أى : جعلناه كذلك رجاء أن تعقلوا ~~وتفهموا أوامره ونواهيه ، وتوجيهاته وإرشاداته. # ثم بين سبحانه المنزلة السامية التي جعلها لهذا القرآن ، والصيانة التامة ~~التي أحاطه بها فقال : ( @QUR@07 وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم ). # والمراد بأم الكتاب : اللوح المحفوظ ، وسمى بذلك لأن جميع الكتب السماوية ~~منقولة عنه. كما قال تعالى : ( @QUR@07 بل هو قرآن مجيد. في لوح محفوظ ). # وقيل : المراد بأم الكتاب : علمه الأزلى عز وجل . # أى : وإن هذا القرآن المبين لثابت ، وكائن في اللوح المحفوظ ، وهو ( ~~@QUR@01 لدينا ) أى : عندنا ( @QUR@01 لعلي ) أى : لرفيع الشأن ، عظيم ~~القدر ( @QUR@01 حكيم ) أى : محكم النظم في أعلى طبقات البلاغة. فلا يضيره ~~تكذيب المكذبين ، ولا طعن الطاعنين. # فالآية الكريمة تدل دلالة واضحة على القيمة العظيمة التي جعلها سبحانه ~~لهذا القرآن ، في علمه تعالى وتقديره ، كما أن وصف هذا الكتاب بقوله ( ~~@QUR@02 لعلي حكيم ) يؤكد هذه المنزلة السامية ويقررها. # وبعد هذا البيان المشرف للقرآن الكريم ، أتبع سبحانه ذلك بالكشف عن مدى ~~الإسراف القبيح الذي ارتكبه المشركون حين أعرضوا عنه فقال تعالى : ( ~~@QUR@08 أفنضرب عنكم الذكر صفحا ، أن كنتم قوما مسرفين ). # والهمزة للاستفهام الإنكارى ، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام ، ~~والضرب هنا : بمعنى التنحي والابتعاد والإهمال ، تقول : ضربت عن فلان صفحا ~~، إذا أعرضت عنه وتركته ، والصفح : مصدر صفحت عنه ، إذا أعرضت عنه ، وذلك ~~بأن تعطيه صفحة وجهك أى : جانبه. وهو منصوب لنضرب من غير لفظه ، كما في ~~قولهم : قعدت جلوسا. أو على الحال من الفاعل ms5072 : على المصدرية أى : صافحين. PageV13P060 # والمراد بالذكر هنا : القرآن الكريم. # والمعنى : أنعرض عنكم ونهملكم فلا نذكركم بالقرآن الكريم ، ولا نرشدكم ~~إلى هداياته. بسبب إسرافكم على أنفسكم ، ومحاربتكم للحق ، وإيثاركم الغي ~~على الرشد؟!! لا لن نفعل ذلك ، بل سننزل هذا القرآن على نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم ومن شاء بعد ذلك فليؤمن ، ومن شاء فليكفر. # قال الشوكانى : قوله : ( @QUR@04 أن كنتم قوما مسرفين ) قرأ نافع وحمزة ~~والكسائي بكسر إن على أنها شرطية ، والجزاء محذوف لدلالة ما قبله عليه. ~~وقرأ الباقون بفتحها على التعليل ، أى : لأن كنتم قوما منهمكين في الإسراف ~~مصرين عليه. (1). # ثم سلى سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم عن مكرهم فقال : ( @QUR@06 وكم ~~أرسلنا من نبي في الأولين ) و ( @QUR@01 كم ) هنا خبرية لإفادة كثرة ~~الأنبياء والمرسلين وهي مفعول مقدم لأرسلنا. وقوله ( @QUR@02 من نبي ) ~~تمييز لها. # أى : ما أكثر الرسل الذين أرسلناهم في الأمم الأولين لهدايتهم ، فكان ~~موقف أكثر هؤلاء الأمم من رسلهم. يدل على إعراضهم عنهم ، وتكذيبهم لهم ، ~~فاصبر أيها الرسول الكريم على أذى قومك ، كما صبر الذين من قبلك. # ثم أكد سبحانه هذا المعنى فقال : ( @QUR@08 وما يأتيهم من نبي إلا كانوا ~~به يستهزؤن ) أى : أن هؤلاء السابقين لم يأتهم نبي من الأنبياء لهدايتهم ، ~~إلا استهزءوا به ، وسخروا منه ، وأعرضوا عنه. # فماذا كانت نتيجتهم؟ كانت نتيجة استهزائهم برسلهم كما قال تعالى : ( ~~@QUR@07 فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين ). # والضمير في قوله ( @QUR@01 منهم ) يعود إلى القوم المسرفين ، المخاطبين ~~بقوله تعالى : ( @QUR@04 أفنضرب عنكم الذكر صفحا ... ) وفي الآية التفات من ~~الخطاب الى الغيبة ، لأنه كان الظاهر أن يقال : فأهلكنا أشد منكم بطشا أيها ~~المشركون . # وقوله : ( @QUR@02 أشد منهم ) مفعول به لأهلكنا. وأصله نعت لمحذوف ، أى : ~~فأهلكنا قوما أشد منهم بطشا. والبطش : السطوة والقوة. يقال : فلان بطش ~~بفلان إذا أخذه بقوة وعنف ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@04 وإذا بطشتم بطشتم ~~جبارين ). # والمراد «بمثل الأولين» صفتهم المتمثلة في استئصال شأفتهم ، وقطع دابرهم. PageV13P061 # أى : هكذا كان موقف السابقين من رسلهم ، لقد استهزءوا برسلهم فأهلكناهم ، ~~وكانوا أشد قوة وبطشا من قومك ms5073 المسرفين أيها الرسول الكريم وقد اقتضت ~~حكمتنا أن نسوق لقومك قصص هؤلاء السابقين وصفاتهم وما حل بهم من نكبات ، ~~لكي يعتبروا بهم ، ولا ينهجوا نهجهم ، حتى لا يصيب قومك ما أصاب أولئك ~~السابقين المكذبين. # ومن الآيات الكثيرة التي وردت في هذا المعنى قوله تعالى : ( @QUR@030 ~~أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم ، كانوا ~~هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض ، فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من ~~الله من واق ) (1). # ثم ساق سبحانه بعد ذلك نماذج من تناقض هؤلاء المشركين مع أنفسهم ومن ~~مواقفهم الجحودية من نعم الله تعالى عليهم .. فقال تعالى : # ( @QUR@010 ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز ~~العليم (9) @QUR@011 الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم ~~تهتدون (10) @QUR@012 والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا ~~كذلك تخرجون (11) @QUR@011 والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك ~~والأنعام ما تركبون (12) @QUR@020 لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم ~~إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين (13) ~~@QUR@04 وإنا إلى ربنا لمنقلبون ) (14) # واللام في قوله تعالى : ( @QUR@06 ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ) ~~للقسم. وجوابه قوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@02 ليقولن خلقهن ... ). PageV13P062 # والمعنى : وحق الله الذي لا إله إلا هو ، لئن سألت أيها الرسول الكريم ~~هؤلاء المشركين عمن خلق هذا الكون ، ليقولن بدون تردد : الله تعالى المتصف ~~في نفس الأمر بالعزة والعلم. # فالآية الكريمة تدل دلالة صريحة على أن هؤلاء المشركين يعترفون بأن الله ~~هو الخالق لهذا العالم ، وأن معبوداتهم بعض خلقه تعالى ولكنهم لجهلهم ~~وانطماس بصائرهم أشركوها معه في العبادة ، وقالوا : ( @QUR@07 ما نعبدهم ~~إلا ليقربونا إلى الله زلفى .. ). # ويبدو أن هاتين الصفتين : ( @QUR@02 العزيز العليم ) ليستا من أقوالهم. ~~فهم كانوا يعترفون بأن الله هو الخالق لهذا الكون ، ولكنهم لم يكونوا ~~يعرفون الله بصفاته التي جاء بها القرآن الكريم. # ولذا قال بعض العلماء : الذي يظهر أن هذا الكلام مجزأ ، فبعضه من قولهم ~~وبعضه من قول الله تعالى ، فالذي هو من قولهم ms5074 ( @QUR@01 خلقهن )، وما بعده ~~من قول الله عز وجل ، وأصل الكلام أنهم قالوا : خلقهن الله ، ويدل عليه قوله ~~تعالى في آية أخرى : ( @QUR@08 ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن ~~الله ). # ثم لما قالوا : خلقهن الله وصف الله تعالى ذاته بهاتين الصفتين (1). # ثم وصف سبحانه ذاته بصفات أخرى فقال : ( @QUR@05 الذي جعل لكم الأرض مهدا ~~... ). # المهد والمهاد : الفراش الممهد المذلل الذي يستقر عليه من جلس فوقه. # أى : الخالق لهذا العالم هو الله العزيز العليم ، الذي جعل لكم الأرض ~~كالفراش الممهد ، حيث بسطها لكم ، وجعلها صالحة لسيركم عليها ، ولإنبات ~~الزروع فيها. # ( @QUR@04 وجعل لكم فيها سبلا ) أى : وجعل لكم فيها طرقا متعددة ، لكي ~~تسلكوها ، فتصلوا من بلد إلى آخر ، ومن قطر إلى قطر ، كما قال تعالى في آية ~~أخرى ( @QUR@09 والله جعل لكم الأرض بساطا ، لتسلكوا منها سبلا فجاجا ). # وقوله تعالى : ( @QUR@02 لعلكم تهتدون ) بيان للحكمة من جعل الأرض كذلك ، ~~أى : جعلها ممهدة كثيرة الطرق ، لعلكم تهتدون إلى ما تريدون الوصول إليه من ~~البلاد ، ومن المنافع المتعددة. # ثم وصف سبحانه ذاته بصفة ثانية فقال : ( @QUR@06 والذي نزل من السماء ماء ~~بقدر .. ). # أى : وهو تعالى الذي أنزل من السماء ماء بمقدار معين على قدر حاجتكم ~~ومصلحتكم ، PageV13P063 # فلا هو بالكثير الذي يغرقكم ، ولا هو بالقليل الذي لا يكفى حاجتكم ، بل ~~نزله بقدر كفايتكم ، كما قال سبحانه : ( @QUR@013 وأنزلنا من السماء ماء ~~بقدر ، فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون ). # وكقوله تعالى في آية ثانية : ( @QUR@011 وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ، ~~وما ننزله إلا بقدر معلوم ... ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 فأنشرنا به بلدة ميتا ) بيان للآثار المترتبة ~~على هذا الإنزال للماء. # أى : نحن الذين بقدرتنا أنزلنا من السماء ماء على قدر حاجتكم ، وحسبما ~~تقتضيه مصلحتكم ، فأحيينا بهذا الماء بلدة مجدبة ، لا نبات فيها ولا زرع. # فالمراد بالنشور : الإحياء للأرض عن طريق إنبات الزرع بها ، بعد أن كانت مجدبة. # وقوله : ( @QUR@02 كذلك تخرجون ) بيان لإمكانية إحياء الناس بعد موتهم. # أى : مثل ذلك الإحياء للأرض بعد موتها ، تخرجون أنتم من قبوركم أحياء يوم ~~القيامة. # قال الآلوسى ms5075 : وفي التعبير عن إخراج النبات بالإنشار الذي هو إحياء ~~الموتى ، وعن إحيائهم بالإخراج ، تفخيم الإنبات ، وتهوين لأمر البعث ، وفي ~~ذلك من الرد على منكريه ما فيه .. (1). # وشبيه بهذه الآية قوله : ( @QUR@029 وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي ~~رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء ، فأخرجنا ~~به من كل الثمرات ، كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون ) (2). # ثم وصف سبحانه ذاته بصفة ثالثة فقال : ( @QUR@04 والذي خلق الأزواج كلها ~~) أى : خلق أصناف وأنواع المخلوقات كلها. فالمراد بالأزواج هنا : الأصناف ~~المختلفة من الذكر والأنثى. ومن غير ذلك من أنواع مخلوقاته التي لا تحصى. # قال سبحانه ( @QUR@013 سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن ~~أنفسهم ، ومما لا يعلمون ). # وقوله تعالى : ( @QUR@07 وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون ) أى : ~~وسخر لكم بقدرته ورحمته من السفن التي تستعملونها في البحر ، ومن الإبل ~~التي تستعملونها في البر ، PageV13P064 # ما تركبونه وتحملون عليه أثقالكم ، وتنتقلون بواسطته من مكان إلى آخر. # فما في قوله ( @QUR@02 ما تركبون ) موصولة ، والعائد محذوف والجملة مفعول ~~( @QUR@01 جعل ) وقوله : ( @QUR@03 من الفلك والأنعام ) بيان له مقدم عليه. ~~أى : وجعل لكم ما تركبونه من الفلك والأنعام. # ثم بين سبحانه الحكمة من هذا التذليل والتسخير للفلك والأنعام فقال : ( ~~@QUR@03 لتستووا على ظهوره .. ) والضمير في ( @QUR@01 ظهوره ) يعود إلى ( ~~@QUR@01 ما ) في قوله ( @QUR@02 ما تركبون ) وجاء مفردا رعاية للفظ ( ~~@QUR@01 ما ) وجمع الظهور لأن المراد بالمركوب جنسه. # والاستواء : الاستعلاء على الشيء ، والتمكن منه ، أى : سخر لكم من السفن ~~والأنعام ما تركبونه ، ولتستعلوا على ظهوره استعلاء المالك على مملوكه. # ( @QUR@02 ثم تذكروا ) بعد كل هذا التمكن والاستعلاء ( @QUR@05 نعمة ربكم ~~إذا استويتم عليه ) أى : # على تلك السفن والأنعام التي تركبونها. # والضمير في ( @QUR@01 عليه ) يعود أيضا الى ( @QUR@01 ما ) في قوله ( ~~@QUR@02 ما تركبون ) باعتبار لفظه ( @QUR@01 وتقولوا ) على سبيل الشكر لله ~~تعالى والاعتراف بفضله ( @QUR@05 سبحان الذي سخر لنا هذا ). # أى : وتقولوا : جل شأن الله ، وتنزه عن الشريك والمثيل ، فهو الذي سخر ~~لنا هذا المركوب من الفلك والأنعام ، وجعله منقادا لنا ، طائعا لأمرنا. # ( @QUR@04 وما كنا له مقرنين ms5076 ) أى : والحال أننا ما كنا لهذا المركوب ~~الصعب بقادرين على التمكن منه ، لو لا أن الله تعالى سخره لنا ، وجعله ~~منقادا لأمرنا. # فقوله : ( @QUR@01 مقرنين ) أى : مطيقين وقادرين وضابطين ، من أقرن الشيء ~~، إذا أطاقه وقدر عليه ، حتى لكأنه صار له قرنا ، أى : مثله في الشدة ~~والقوة. # والمقصود : ما كنا بقادرين أو بمطيقين لتذليل هذه السفن والأنعام ، لو لا ~~أن الله تعالى قد جعلها منقادة لنا ، ومسخرة لخدمتنا. # ولا يخفى أن الجمل أقوى من الإنسان ، وأن البحر لو لم يذلله سبحانه لنا ، ~~لما قدرت السفن على الجري فيه. # قال القرطبي : قوله : ( @QUR@04 وما كنا له مقرنين ) أى : مطيقين .. أو ~~ضابطين وفي أصله قولان : أحدهما : أنه مأخوذ من الإقران ، يقال : أقرن يقرن ~~إقرانا إذا أطاق. وأقرنت كذا : أطقته وحكمته ، كأنه جعله في قرن أى : حبل ~~فأوثقه به وشده. PageV13P065 # والثاني : أنه مأخوذ من المقارنة ، وهو أن يقرن بعضها ببعض في السير يقال ~~: قرنت كذا بكذا إذا ربطته به ، وجعلته قرينه (1). # وقوله : ( @QUR@04 وإنا إلى ربنا لمنقلبون ) من جملة ما يقولونه أيضا عند ~~استوائهم على ظهور السفن والإبل. # أى : تقولون إذا استويتم عليه : سبحان الذي سخر لنا هذا المركب الصعب ، ~~وما كنا بقادرين على تذليله لو لا أن الله تعالى وفقنا لذلك ، وإنا إلى ~~ربنا وخالقنا لراجعون يوم القيامة ، لكي يحاسبنا على أعمالنا ، ويجازينا ~~عليها بجزائه العادل. # هذا ، وقد ذكر الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات ، جملة من ~~الأحاديث ، منها ما رواه مسلم وأبو داود والنسائي .. عن عبد الله بن عمر أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركب راحلته كبر ثلاثا ثم قال : ( @QUR@013 ~~سبحان الذي سخر لنا هذا ، وما كنا له مقرنين. وإنا إلى ربنا لمنقلبون ). ~~ثم يقول : اللهم إنى أسألك في سفري هذا البر والتقوى. ومن العمل ما ترضى ~~اللهم هون علينا السفر. واطولنا البعيد. اللهم أنت الصاحب في السفر. ~~والخليفة في الأهل. اللهم اصحبنا في سفرنا. وأخلفنا في أهلنا. (2). # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ذكرت أنواعا متعددة من مظاهر قدرة الله ~~تعالى ms5077 ، ومن رحمته بعباده ، لكي يخلصوا له العبادة والطاعة. # ثم حكى سبحانه ما افتراه المشركون على خالقهم ورازقهم من أكاذيب ورد ~~عليها بما يزهق باطلهم ، فقال تعالى : # ( @QUR@09 وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين (15) @QUR@07 ~~أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين (16) @QUR@012 وإذا بشر أحدهم بما ~~ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم (17) @QUR@09 أومن ينشؤا في الحلية ~~وهو في الخصام غير مبين (18) @QUR@02 وجعلوا الملائكة PageV13P066 # @QUR@010 الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسئلون ~~(19) @QUR@015 وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم ~~إلا يخرصون (20) @QUR@08 أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون (21) ~~@QUR@011 بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون (22) ~~@QUR@021 وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا ~~وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون (23) @QUR@014 قال أولو جئتكم ~~بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون (24) @QUR@07 ~~فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين ) (25) # والمراد بالجعل في قوله تعالى : ( @QUR@05 وجعلوا له من عباده جزءا ... ) ~~الاعتقاد الباطل ، والحكم الفاسد. والمراد بالجزء الولد. والمقصود به خصوص ~~البنات ، كما يدل عليه سياق الآيات. # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( @QUR@05 وجعلوا له من عباده جزءا .. ) ~~متصل بقوله تعالى قبل ذلك : ( @QUR@06 ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~... ) والمراد بيان تناقضهم مع أنفسهم ... حيث اعترفوا بأنه تعالى خالق ~~السموات والأرض ، ثم وصفوه بصفات المخلوقين .. # وعبر عن الولد بالجزء ، لأنه بضعة وفرع من والده ، كما قيل : أولادنا ~~أكبادنا .. وقيل الجزء : اسم للإناث ، يقال : أجزأت المرأة إذا ولدت أنثى ~~.. (1). # أى : أن هؤلاء المشركين بلغ من تناقضهم في أقوالهم وأفعالهم ، أنهم إذا ~~سألهم سائل عن PageV13P067 # خالق هذا الكون قالوا : الله. ومع ذلك فهم لجهالتهم اعتقدوا اعتقادا ~~باطلا بأن الملائكة بناته ، مع أن الملائكة من مخلوقاته التي يشملها هذا الكون. # فالمقصود من الآية الكريمة تجهيل هؤلاء المشركين ، وتعجيب كل عاقل من ~~سفاهتهم. # والظاهر أن المراد بالإنسان في قوله تعالى : ( @QUR@04 إن الإنسان لكفور ~~مبين ) الكافر ms5078 والفاسق من بنى آدم ، لأن الإنسان المؤمن لا يجحد نعم الله ، ~~وإنما يشكره تعالى عليها. # أى : إن الإنسان الكافر والفاسق عن أمر ربه ، لشديد الجحود لنعم ربه ، ~~مظهرا ذلك في أقواله وفي أفعاله. # ثم ساق سبحانه ما يدل على السخرية منهم ومن أحوالهم الشاذة فقال : ( ~~@QUR@07 أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين ) فالاستفهام للتوبيخ ~~والإنكار. # و ( @QUR@01 أصفاكم ) أى : آثركم واختصكم. يقال : أصفى فلان فلانا بالشيء ~~، إذا اختصه به. ومنه قولهم لما يختص السلطان به نفسه من الأشياء النفيسة : ~~الصوافي. # أى : لقد زعمتم أن الملائكة بنات الله ، فخبروني بربكم هل يعقل أن يتخذ ~~الله تعالى أولاده من البنات اللائي هن أقل منزلة من البنين في تقديركم ، ~~ويترك لكم الذكور؟ إن من شأن الذي يختار جنس الأولاد أن يختار أعلاهم منزلة ~~فبأى منطق زعمتم أن الملائكة بنات الله. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@04 أم اتخذ مما يخلق ... ) أى : بل آتخذ ~~والهمزة للإنكار ، تجهيلا لهم ، وتعجيبا من شأنهم ، حيث لم يرضوا بأن جعلوا ~~لله من عباده جزءا حتى جعلوا ذلك الجزء شر الجزءين. وهو الإناث دون الذكور .. # فكأنه قيل : هبوا أن إضافة اتخاذ الولد إليه تعالى جائزة فرضا وتمثيلا ~~أما تستحون من الشطط في القسمة ، ومن ادعائكم أنه آثركم على نفسه بخير ~~الجزءين ..؟ (1). # ثم أكد سبحانه جهلهم وغفلتهم عن المنطق السليم فقال : ( @QUR@012 وإذا ~~بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم .. ). # أى : أنهم قالوا الملائكة بنات الله ، والحال أن الواحد منهم إذا بشره ~~مبشر بأن امرأته قد ولدت له أنثى ، صار وجهه مسودا من شدة الحزن ، وظل ~~ممتلئا بالهم والكرب. # فالمراد بقوله : ( @QUR@04 بما ضرب للرحمن مثلا ) جنس البنات حيث قالوا : ~~الملائكة بنات الله. # قال الجمل : قوله : ( @QUR@03 وإذا بشر أحدهم ... ) استئناف مقرر لما ~~قبله. وقيل حال ، على PageV13P068 # معنى أنهم نسبوا إليه ما ذكر ، ومن حالهم أن أحدهم إذا بشر به اغتم ، ~~والالتفات إلى الغيبة للإيذان بأن قبائحهم اقتضت الإعراض عنهم ، وتحكى ~~لغيرهم ليتعجب منها. و ( @QUR@01 بما ) في قوله ( @QUR@04 بما ضرب للرحمن ~~مثلا ms5079 ) موصولة ومعناها البنات وضرب بمعنى جعل ، والمفعول الأول الذي هو ~~عائد الموصول محذوف. أى : ضربه ، ومثلا هو المفعول الثاني ، والمثل بمعنى ~~الشبه أى المشابه (1). # ثم أضاف سبحانه إلى تبكيتهم السابق تبكيتا آخر فقال : ( @QUR@09 أومن ~~ينشؤا في الحلية وهو في الخصام غير مبين ). # والاستفهام للإنكار. وكلمة ( @QUR@01 من ) عبارة عن جنس الإناث ، وهي في ~~محل نصب بمضمر معطوف على ( @QUR@01 جعلوا ) و ( @QUR@01 ينشؤا ) يربى ~~وينشأ. يقال : نشأ فلان في بنى فلان ، إذا شب وترعرع فيهم و ( @QUR@01 ~~الحلية ): اسم لما يتحلى ويتزين به. # أى : أيجترئون ويجعلون لله تعالى الإناث ، اللائي من شأنهن أن ينشأن في ~~الزينة ، لأن هذه الحياة هي المناسبة لهن ولتكوينهن الجسدى ، واللائي من ~~شأن معظمهن أنهن لا يقدرن على الدفاع عن أنفسهن لضعفهن وقصورهن في الجدال ~~وفي بيان الحجة التي ترد الخصم ، وتزيل الشبهة .. # فالمقصود من الآية الكريمة تأنيب هؤلاء المشركين على جهلهم وسوء أدبهم ، ~~حيث إنهم نسبوا إلى الله تعالى الإناث اللائي من شأنهن النشأة في الحلية ~~والدعة والنعومة ، فصرن بمقتضى هذه النشأة ، وبمقتضى تكوينهن البدني ~~والعقلي ، لا يقدرن على جدال أو قتال .. بينما نسبوا إلى أنفسهم الذكور ~~الذين هم قوامون على النساء. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@08 ألكم الذكر وله الأنثى. تلك إذا ~~قسمة ضيزى ). ثم توعدهم سبحانه بسوء المصير بسبب افترائهم الكذب فقال : ( ~~@QUR@09 وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ، أشهدوا خلقهم .. ) ~~والجعل هنا بمعنى القول والحكم على الشيء ، كما تقول جعلت زيدا أفضل الناس ~~، أى حكمت عليه بذلك. # أى : أن هؤلاء المشركين زعموا وحكموا بأن الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~، وصفوة خلقه ، وأهل طاعته ، زعموا أنهم إناث ، فهل كانوا حاضرين وقت أن ~~خلقناهم حتى حكموا عليهم بهذا الحكم الباطل؟ # كلا إنهم لم يكونوا حاضرين ، ولذا ( @QUR@02 ستكتب شهادتهم ) في صحائف ~~أعمالهم المليئة بالسيئات ( @QUR@01 ويسئلون ) عنها سؤال تأنيب وتوبيخ يوم ~~القيامة. PageV13P069 # فالمراد بالكتابة والسؤال : معاقبتهم على افترائهم الكذب. وتجهيلهم فيما ~~قالوه ، ثم حكى سبحانه لونا من ألوان معاذيرهم الكاذبة فقال : ( @QUR@06 ~~وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ). # أى : وقال هؤلاء ms5080 المشركون على سبيل الاحتجاج بالأعذار الباطلة : لو شاء ~~الرحمن عدم عبادتنا للملائكة أو للأصنام ما عبدناهم. # ثم يرد الله تعالى عليهم بما يخرس ألسنتهم ، ويهدم معاذيرهم فقال : ( ~~@QUR@09 ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون ). # أى. قالوا ما قالوه من غير علم أو برهان .. لأن مشيئة الله لا يعلمها أحد ~~سواه ، ولأنه سبحانه قد اقتضت حكمته ومشيئته. أن يجعل للإنسان القدرة على ~~اختيار طريق الحق أو طريق الباطل ، وهم قد اختاروا طريق الباطل ، واستحبوا ~~الكفر على الإيمان دون أن يكرههم على ذلك مكره ، فما قالوه ما هو إلا نوع ~~من أنواع خرصهم وكذبهم وظنونهم الفاسدة. # وقد فصلنا القول في مسألة المشيئة عند تفسيرنا لقوله تعالى في سورة ~~الأنعام : ( @QUR@08 سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ... ). # وعند تفسيرنا لقوله تعالى في سورة النحل : ( @QUR@015 وقال الذين أشركوا ~~لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا .. ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@08 أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون ) ~~إضراب عن نفى أن يكون لهم فيما ادعوه علم عن طريق العقل ، إلى إبطال أن ~~يكون لهم علم من جهة النقل. و ( @QUR@01 أم ) بمعنى بل والهمزة. والاستفهام ~~للإنكار والتوبيخ ، أى : بل أأعطيناهم كتابا من قبل القرآن ، فيه ما يشهد ~~بصحة أقوالهم فهم بهذا الكتاب مستمسكون؟ كلا إننا لم نعطهم شيئا من ذلك. # ثم بين سبحانه مستندهم الحقيقي فقال : ( @QUR@011 بل قالوا إنا وجدنا ~~آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون ). # أى : أنهم ليس لهم في الحقيقة مستند لا من العقل ولا من النقل ، وإنما ~~مستندهم الوحيد تقليدهم لآبائهم في جهالاتهم وسفاهاتهم وكفرهم. فقد قالوا ~~عند ما دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم الى الدين الحق : إنا وجدنا آباءنا ~~على أمة ، أى على دين وطريقة تؤم وتقصد ، وهي عبادة هذه الآلهة ( @QUR@03 ~~وإنا على آثارهم ) وطريقتهم ( @QUR@01 مهتدون ) أى : سائرون بدون تفكر أو ~~تدبر ، أو PageV13P070 # حجة أو دليل ، فهم أشبه ما يكونون بقطيع الأنعام الذي يسير خلف قائده دون ~~أن يعرف إلى أى طريق يسير ms5081 .. # وقوله سبحانه : ( @QUR@021 وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا ~~قال مترفوها ، إنا وجدنا آباءنا على أمة ، وإنا على آثارهم مقتدون ) تسلية ~~للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم من أذى ، ومن قول باطل. # والكاف بمعنى مثل. واسم الإشارة ذلك يعود إلى حال الكافرين من قبلهم. # أى : لا تحزن أيها الرسول الكريم لما تراه من إعراض المشركين عن دعوتك. ~~فإن شأنهم كشأن سابقيهم في الكفر والضلال ، فإننا ما أرسلنا من قبلك من ~~رسول في قرية من القرى ، أو في قوم من الأقوام ، إلا قال المنعمون منهم ، ~~والذين أبطرهم الترف لمن جاءهم بالحق : إنا وجدنا آباءنا على دين وطريقة ~~تؤم وتقصد ، وإنا على آثارهم ، وعلى نهجهم ، مقتدون. أى : مقتدون بهم في ~~عبادتهم وأفعالهم. # وخص المترفين بالذكر ، لأنهم القادة الذين صرفهم التنعم وحب الجاه ~~والسلطان ، عن النظر والتدبر والاستماع للحق ، وجعلهم يستحبون العمى على الهدى. # وهنا يحكى القرآن رد الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول : ( @QUR@08 قال أولو ~~جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم .. ) # أى : قال الرسول صلى الله عليه وسلم لقومه الذين أصروا على تقليد آبائهم في ~~الكفر والضلال : أتتبعون آباءكم وتقتدون بهم في الكفر ، حتى ولو جئتكم بدين ~~أهدى وأصوب مما كان عليه آباؤكم؟ # وقوله : تعالى : ( @QUR@03 قال أولو جئتكم ... ) قراءة ابن عامر وحفص عن ~~عاصم. وقرأ الجمهور قل أولو جئتكم ... على أن الأمر للرسول صلى الله عليه وسلم . # وقوله تعالى : ( @QUR@06 قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون ) أى : قال ~~المترفون في الرد على رسلهم : إنا بما أرسلتم به من الهدى والدعوة إلى ~~الدين الحق كافرون ، وباقون على الدين الذي كان عليه آباؤنا. # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين ) ~~بيان للعاقبة السيئة التي حاقت بهم بسبب إصرارهم على كفرهم وتقليدهم ~~لآبائهم. # أى : قالوا للرسل هذا القول الذي يدل على إيثارهم الغي على الرشد ، ~~فانتقمنا منهم. بأن أخذناهم أخذ عزيز مقتدر ، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ~~ومنهم من أخذته الصيحة. ومنهم PageV13P071 # من خسفنا به الأرض ، ومنهم من أغرقنا. ms5082 # ( @QUR@01 فانظر ) أيها العاقل وتأمل ( @QUR@04 كيف كان عاقبة المكذبين ) ~~لقد كانت عاقبتهم أن دمرناهم تدميرا. # هذا ، والمتأمل في هذه الآيات الكريمة ، يراها من أجمع الآيات القرآنية ~~التي حكت الأقوال الباطلة التي تفوه بها المشركون ، وردت عليهم ردا منطقيا ~~حكيما يهدمها من قواعدها. # لقد ذكرت أولا أنهم جعلوا لله تعالى من عباده جزءا ... ثم ردت عليهم ~~بأنهم جاحدون لنعم الله ، وأنهم لو كانوا يعقلون لما حكموا هذا الحكم الذي ~~يدل على جهلهم وغفلتهم ، لأنه لو كان الأمر كما ذكروا على سبيل الفرض ~~والتقدير لما اختار سبحانه لذاته جنس البنات ، وأعطاهم البنين .. # ثم ذكرت ثانيا حالهم عند ما يبشرون بالأنثى ، وتهكمت بهم حين نسبوا إلى ~~الله ( @QUR@09 من ينشؤا في الحلية وهو في الخصام غير مبين ) والمقصود بذلك ~~جنس البنات ، ثم ذكرت ثالثا أنهم حكموا على الملائكة بأنهم إناث ، وردت ~~عليهم بأن حكمهم هذا ساقط ، لأنهم لم يشهدوا خلقهم حتى يحكموا عليهم هذا ~~الحكم الفاسد ، وأنهم سيجازون على أحكامهم التي لا دليل عليها ، بما ~~يستحقون من عقاب. # ثم ذكرت رابعا معاذيرهم التي اعتذروا بها عند ما حاصرتهم الحجج الدامغة ، ~~فقد قالوا : ( @QUR@05 لو شاء الرحمن ما عبدناهم ) فرد سبحانه عليهم بقوله ~~: ( @QUR@09 ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون )، لأن قولهم هذا ما هو ~~إلا لون من ألوان الاحتيال على الحقيقة بالأقوال الساقطة. # ثم ذكرت خامسا أنهم في إصرارهم على كفرهم لم يستندوا إلى دليل عقلي أو ~~نقلي ، وإنما استندوا على شيء واحد هو التقليد لآبائهم في جهلهم وضلالهم .. # وهكذا ذكر القرآن أقوالهم وشبهاتهم .. ثم رد عليها بما يدحضها .. # وبعد هذا البيان الماحق لشبهات المشركين ولأقوالهم الباطلة .. أتبع ~~سبحانه ذلك بذكر جانب من قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه ، وبذكر جانب من ~~اعتراضاتهم على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى دعوته ، ورد عليها بما يخرس ~~ألسنتهم فقال تعالى : # ( @QUR@09 وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون (26) ~~@QUR@05 إلا الذي فطرني فإنه سيهدين (27) PageV13P072 # @QUR@07 وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون (28) @QUR@09 بل متعت ~~هؤلاء وآباءهم حتى ms5083 جاءهم الحق ورسول مبين (29) @QUR@09 ولما جاءهم الحق ~~قالوا هذا سحر وإنا به كافرون (30) @QUR@011 وقالوا لو لا نزل هذا القرآن ~~على رجل من القريتين عظيم (31) @QUR@025 أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا ~~بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم ~~بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون (32) @QUR@018 ولو لا أن يكون الناس ~~أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها ~~يظهرون (33) @QUR@05 ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكؤن (34) @QUR@012 ~~وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين ) (35) # أى : واذكر أيها الرسول الكريم لقومك حال جدك إبراهيم عليه السلام وقت أن ~~قال لأبيه آزر ، ولقومه الذين كانوا عاكفين على عبادة الأصنام ، مقلدين في ~~ذلك آباءهم .. # قال لهم : إننى برىء مما تعبدونه من هذه الأوثان. # وذكرهم سبحانه هنا بحال إبراهيم ، لأنه كان أعظم آبائهم ، ومحط فخرهم ، ~~والمجمع على محبته منهم. # فكأنه تعالى يقول لهم : هذا هو حال جدكم إبراهيم الذي تعتزون به فلما ذا ~~لم تقلدوه في إنكاره لعبادة الأصنام ، وفي هجره لما كان عليه أبوه وقومه ، ~~وإخلاصه العبادة لله تعالى وحده. PageV13P073 # وقوله : ( @QUR@01 براء ) مصدر وقع موقع الصفة وهي برىء ، على سبيل ~~المبالغة في التبري من عبادتهم لغير الله تعالى يقال : تبرأت من فلان ، ~~فأنا منه براء. # أى : كرهت قوله وفعله والقرب منه. # والاستثناء في قوله : ( @QUR@05 إلا الذي فطرني فإنه سيهدين ) منقطع ، أى ~~: أنا برىء من عبادة أصنامكم ، لكني أعبد الذي خلقني وفطرني بقدرته ، فإنه ~~هو الذي سيهدين إلى الصراط المستقيم. # ويصح أن يكون متصلا بناء على أنهم كانوا يعبدون الله تعالى ويشركون معه ~~في هذه العبادة أصنامهم. # أى : إننى برىء من عبادة أصنامكم ، إلا أنى لا أعبد إلا الله تعالى الذي فطرني. # أى : خلقني بقدرته على غير مثال سابق. # وقال هنا ( @QUR@01 سيهدين ) وقال في آية أخرى : ( @QUR@04 الذي خلقني ~~فهو يهدين )، للدلالة على ثقة إبراهيم عليه السلام بفضل ربه تعالى عليه ، ~~وأنه يهديه في الحال وفي الاستقبال ، وأن هذه الهداية مصاحبة له في كل وقت ms5084 ~~من أوقات حياته. # ومن الآيات الكثيرة التي تشبه هاتين الآيتين قوله تعالى حكاية عن نبيه ~~إبراهيم : ( @QUR@030 فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر ، فلما ~~أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون. إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات ~~والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ... ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@018 قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون. أنتم وآباؤكم ~~الأقدمون. فإنهم عدو لي إلا رب العالمين. الذي خلقني فهو يهدين. ) (2). # والضمير المنصوب في قوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@05 وجعلها كلمة باقية في ~~عقبه ... ) يعود إلى كلمة التوحيد ، المشتملة على البراءة من كل عبادة لغير ~~الله تعالى ، والمعبر عنها قبل ذلك بقوله تعالى : ( @QUR@04 إنني براء مما ~~تعبدون ). # وضمير الفاعل المستتر في قوله سبحانه : ( @QUR@01 وجعلها ... ) يعود إلى ~~الله تعالى . # أى : وجعل الله تعالى بفضله وكرمه ، كلمة التوحيد ، باقية في عقب ابراهيم ، وفي PageV13P074 # ذريته من بعده ، بأن جعل من ذريته الأنبياء والصالحين الذين قالوا ربنا ~~الله ثم استقاموا. # ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى في سورة الصافات : ( @QUR@025 سلام على ~~إبراهيم ، كذلك نجزي المحسنين. إنه من عبادنا المؤمنين. وبشرناه بإسحاق ~~نبيا من الصالحين. وباركنا عليه وعلى إسحاق ، ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه ~~مبين .. ). # ويصح أن يكون ضمير الفاعل يعود إلى إبراهيم عليه السلام ، على معنى أنه ~~أوصى ذريته من بعده بعبادة الله تعالى وحده ، وأنه دعا ربه أن يجعل في ~~ذريته من يعبده وحده. # فيكون المعنى : وجعل ابراهيم هذه الكلمة وهي كلمة التوحيد باقية في ذريته ~~حيث أوصاهم بعبادة الله وحده. # ويشهد لذلك قوله تعالى : ( @QUR@02 ووصى بها ) أى بكلمة التوحيد ( ~~@QUR@015 إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن ~~إلا وأنتم مسلمون ... ) (1). # ثم بين سبحانه الحكمة في ذلك الجعل فقال : ( @QUR@02 لعلهم يرجعون ) أى : ~~جعلها كذلك رجاء أن يرجع إلى كلمة التوحيد من أشرك من ذرية ابراهيم ، ببركة ~~دعائه لهم بالإيمان ودعاء من آمن منهم. # فلقد حكى القرآن عن إبراهيم أن دعا الله تعالى بقوله : ( @QUR@06 رب ~~اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ... ) وبقوله : ( @QUR@05 واجنبني وبني أن ~~نعبد الأصنام ). # وقوله ms5085 سبحانه : ( @QUR@09 بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول ~~مبين ) إضراب عن كلام محذوف ينساق إليه الكلام ، والمراد «بهؤلاء» أهل مكة ~~المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم وقوله : ( @QUR@01 متعت ) من التمتع بمعنى ~~إعطائهم ما يشتهون من المطاعم والمشارب والنعم المتعددة ، واشتغالهم بذلك ~~عن طاعة الله تعالى وشكره. # والمعنى : اقتضت حكمتنا أن نجعل كلمة التوحيد باقية في بعض ذرية إبراهيم ~~لعل من بقي من هذه الذرية على الشرك أن يرجع إليها ، ولكنهم لم يرجعوا بل ~~أصروا على كفرهم ، فلم أعاجلهم بالعقوبة ، بل متعت هؤلاء المشركين ~~المعاصرين لك أيها الرسول الكريم بأن أمددتهم بالنعم المتعددة هم وآباءهم ، ~~وبقيت تلك النعم فيهم : ( @QUR@03 حتى جاءهم الحق ) وهو دعوتك إياهم إلى ~~إخلاص العبادة لنا ، وجاءهم ( @QUR@02 رسول مبين ) هو أنت أيها الرسول ~~الكريم فإن رسالتك واضحة المعالم ، بينة المقاصد ، ليس فيها شيء من الغموض ~~الذي يحملهم على الإعراض عنها. PageV13P075 # فالمقصود من الآية الكريمة ، بيان أن الكلمة الباقية في عقب إبراهيم وهي ~~كلمة التوحيد ، لم يتبعها جميع أفراد ذريته ، بل اتبعها قوم وكفر بها آخرون ~~وأن هؤلاء الكافرين وعلى رأسهم كفار قريش لم يعاجلهم الله تعالى بالعقوبة ، ~~بل أعطاهم نعما متعددة ، فلم يشكروه تعالى عليها ، واستمروا على ذلك ، حتى ~~جاءهم الحق ، فلم يؤمنوا به ، ولا بمن حمله إليهم وهو الرسول المبين ~~صلى الله عليه وسلم . # ومن الآيات التي تدل على أن ذرية إبراهيم كان منها المؤمن ، وكان منها ~~الكافر. قوله تعالى : ( @QUR@014 ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم ، وجعلنا في ~~ذريتهما النبوة والكتاب ، فمنهم مهتد ، وكثير منهم فاسقون ) (1). # ثم بين سبحانه موقفهم من الحق الذي جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم فقال ~~: ( @QUR@09 ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون ). # أى : وحين جاءهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالحق من عند ربهم ، لكي يخرجهم ~~من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان .. قالوا على سبيل الجحود والعناد : هذا ~~الذي جئتنا به نوع من السحر ، وإنا به كافرون مكذبون. # والتعبير بقوله : ( @QUR@01 جاءهم ) يشعر بأن الحق قد وصل إليهم دون أن ~~يتعبوا ms5086 أنفسهم في البحث عنه ، ومع ذلك فقد استقبلوه بالجحود والإنكار. # ثم حكى سبحانه لونا آخر من ألوان حسدهم وعنادهم فقال : ( @QUR@011 وقالوا ~~لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ). # والمراد بالقريتين مكة أو الطائف. ومقصودهما إحداهما ، كالوليد بن ~~المغيرة من مكة ، وكعروة بن مسعود من الطائف .. # ويعنون بالعظم : كثرة المال ، والرئاسة في قومه. # أى : وقال هؤلاء المشركون على سبل العناد والحسد : هلا أنزل هذا القرآن ، ~~الذي يقرؤه علينا محمد صلى الله عليه وسلم على رجل عظيم في ماله وسلطانه ، ~~ويكون من إحدى هاتين القريتين ، وهما مكة أو الطائف. # فهم لجهلهم وانطماس بصائرهم ، استكثروا أن ينزل هذا القرآن على محمد ~~صلى الله عليه وسلم الذي وإن كان في القمة من الشرف والسمو بين قومه إلا أنه ~~لم يكن أكثرهم مالا وسلطانا ، وهم يريدون أن تكون النبوة في زعيم من ~~زعمائهم ، أو رئيس من رؤسائهم. PageV13P076 # وهذا منهم كما يقول الآلوسى لجهلهم بأن رتبة الرسالة ، إنما تستدعى عظيم ~~النفس ، بالتخلي عن الرذائل الدنية ، والتحلي بالكمالات والفضائل القدسية ، ~~دون التزخرف بالزخارف الدنيوية (1). # وقد وبخهم الله تعالى على جهلهم هذا بقوله : ( @QUR@04 أهم يقسمون رحمت ~~ربك .. ) فالاستفهام للإنكار والتهكم بهم ، والتعجب من تفكيرهم. # والمراد بالرحمة : ما يشمل النبوة ، وما أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم ~~من وحى ، وما منحه إياه من خلق كريم ، وخير عميم. # أى : كيف بلغ الجهل والغباء بهؤلاء المشركين إلى هذه الدرجة؟ إنهم ليس ~~بيدهم ولا بيد غيرهم عطاء ربك ، وليس عندهم مفاتيح الرسالة ليضعوها حيث ~~شاءوا ، وليختاروا لها من أرادوا. ومادام الأمر كذلك فكيف يعترضون على نزول ~~القرآن عليك أيها الرسول الكريم ؟. # ثم بين سبحانه مظاهر قدرته في خلقه فقال : ( @QUR@07 نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحياة الدنيا ... ) أى : نحن قسمنا بينهم أرزاقهم في هذه ~~الدنيا ، ولم نترك تقسيمها لأحد منهم ، ونحن الذين بحكمتنا تولينا تدبير ~~أسبابها ولم نكلها إليهم لعلمنا بعجزهم وقصورهم. ونحن الذين رفعنا بعضهم ~~فوق بعض درجات في الدنيا ، فهذا غنى وذاك فقير ، وهذا مخدوم ، وذاك خادم ms5087 ، ~~وهذا قوى ، وذاك ضعيف. # ثم ذكر سبحانه الحكمة من هذا التفاوت في الأرزاق فقال : ( @QUR@04 ليتخذ ~~بعضهم بعضا سخريا ). # أى : فعلنا ذلك ليستخدم بعضهم بعضا في حوائجهم ، ويعاون بعضهم بعضا في ~~مصالحهم ، وبذلك تنتظم الحياة ، وينهض العمران. ويعم الخير بين الناس ، ~~ويصل كل واحد إلى مطلوبه على حسب ما قدر الله تعالى له من رزق واستعداد .. # ولو أنا تركنا أمر تقسيم الأرزاق إليهم لتهارجوا وتقاتلوا ، وعم الخراب ~~في الأرض ، لأن كل واحد منهم يريد أن يأخذ ما ليس من حقه ، لأن الحرص ~~والطمع من طبيعته. # وإذا كان هذا هو حالهم بالنسبة لأمور دنياهم فكيف أباحوا لأنفسهم التحكم ~~في منصب النبوة ، وهو بلا شك أعلى شأنا ، وأبعد شأوا من أمور الدنيا. # وقوله ( @QUR@01 سخريا ) بضم السين من التسخير ، بمعنى تسخير بعضهم لبعض وخدمة PageV13P077 # بعضهم لبعض ، وعمل بعضهم لبعض ، فالغنى مثلا يقدم المال لغيره ، نظير ما ~~يقدمه له ذلك الغير من عمل معين .. # وبذلك تنتظم أمور الحياة ، وتسير في طريقها الذي رسمه سبحانه لها. # قال الجمل ما ملخصه : قوله : ( @QUR@04 ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ) أى : ~~ليستخدم بعضهم بعضا ، فيسخر الأغنياء بأموالهم ، الأجراء الفقراء بالعمل ، ~~فيكون بعضهم سببا لمعاش بعض ، هذا بماله ، وهذا بأعماله ، فيلتئم قوام ~~العالم ، لأن الأرزاق لو تساوت لتعطلت المعايش ، فلم يقدر أحد منهم أن ينفك ~~عما جعلناه إليه من هذا الأمر الدنىء ، فكيف يطمعون في الاعتراض في أمر ~~النبوة ، أيتصور عاقل أن نتولى قسم الناقص ، ونكل العالي إلى غيرنا ..؟ (1). # هذا ، والمتأمل في هذه الآية الكريمة يراها تقرر سنة من سنن الله تعالى ~~التي لا تغيير لها ولا تبديل ، والتي تؤيدها المشاهدة في كل زمان ومكان ، ~~فحتى الدول التي تدعى المساواة في كل شيء .. ترى سمة التفاوت في الأرزاق ~~وفي غيرها واضحة جلية ، وصدق الله في قوله : ( @QUR@05 ورفعنا بعضهم فوق ~~بعض درجات ). # ومن الآيات التي تشبه هذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@07 والله فضل بعضكم ~~على بعض في الرزق ... ) (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@011 انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ، وللآخرة أكبر ~~درجات ، وأكبر تفضيلا ) (3). # ثم ختم سبحانه ms5088 هذا التهوين لحطام الدنيا فقال : ( @QUR@018 ولو لا أن ~~يكون الناس أمة واحدة ، لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ، ~~ومعارج عليها يظهرون ). # و ( @QUR@02 لو لا ) حرف امتناع لامتناع. والكلام على حذف مضاف. والمراد ~~بالأمة الواحدة : أمة الكفر. والمعارج جمع معرج وهي المصاعد التي يصعد ~~عليها إلى أعلى. # أى : ولو لا كراهة أن يكون الناس جميعا أمة واحدة مجتمعة على الكفر حين ~~يشاهدون سعة الرزق ، ورفاهية العيش ، ظاهرة بين الكافرين .. # لو لا كراهية ذلك. لجعلنا بمشيئتنا وقدرتنا ، لمن يكفر بالرحمن ، الشيء ~~الكثير من حطام الدنيا ، بأن نجعل لبيوتهم سقفا من فضة ، ولجعلنا لهم مصاعد ~~فخمة عليها يرقون إلى أعلى مساكنهم. PageV13P078 # ولجعلنا أيضا لبيوتهم أبوابا جميلة ، وسررا ثمينة ( @QUR@02 عليها يتكؤن ~~) أى : على السرر يتكئون وهم جالسون فوقها. # ( @QUR@01 وزخرفا ) أى : ولجعلنا لهم زخرفا ، ليستعملوه في أسقف منازلهم ~~، وفي أبواب بيوتهم ، وفي غير ذلك من شئون حياتهم. # والزخرف : يطلق على الشيء الذي يتزين به. فيشمل الذهب والفضة ، وغيرهما ~~مما يستعمله الناس في تزيين بيوتهم. # وقوله : ( @QUR@011 وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا ، والآخرة عند ربك ~~للمتقين ) أى : وما كل ما ذكرناه من البيوت الموصوفة بما ذكرناه من الصفات ~~السابقة ، إلا شيء يتمتع به المتمتعون في الحياة ، التي أمرها إلى زوال ~~واضمحلال .. # أما الآخرة التي زينتها باقية لا تنتهي ولا تنقطع ، فهي عند ربك خاصة ~~بالمؤمنين الصادقين ، الذين آثروا النعيم الباقي على النعيم الفاني ، ~~فقدموا في دنياهم العمل الصالح ، الذي ينفعهم في أخراهم. # * * * # وبعد هذا الحديث الجامع عن هوان شأن الدنيا عند الله تعالى ، أتبع سبحانه ~~ذلك ببيان حال الذين يعرضون عن ذكر الله تعالى ، وأنهم يوم القيامة لن ~~ينفعهم ندمهم أو تحسرهم ، وسلى النبي صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم. فقال ~~تعالى : # ( @QUR@011 ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين (36) ~~@QUR@07 وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون (37) @QUR@012 حتى ~~إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين (38) @QUR@09 ~~ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون (39) @QUR@011 أفأنت ms5089 ~~تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين (40) @QUR@06 فإما نذهبن بك ~~فإنا منهم منتقمون (41) @QUR@03 أو نرينك الذي PageV13P079 # @QUR@04 وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون (42) @QUR@08 فاستمسك بالذي أوحي ~~إليك إنك على صراط مستقيم (43) @QUR@06 وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون ~~(44) @QUR@013 وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة ~~يعبدون ) (45) # وقوله سبحانه : ( @QUR@01 يعش ) أى : يعرض. يقال عشا فلان يعشو ، كدعا ~~يدعو ، وعشى يعشى ، كرضى يرضى ، إذا ضعف بصره ، ومنه قولهم : ناقة عشواء ، ~~إذا كانت لا تبصر إلا شيئا قليلا ، والمراد هنا : عمى البصيرة وضعف إدراكها ~~للخير. ومنه قولهم : ركب فلان العشواء ، إذا خبط أمره على غير هدى أو بصيرة. # والمعنى : ومن يتعام عن ذكر الرحمن ، ويعرض عن قرآنه ، ويتجاهل هدى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ( @QUR@03 نقيض له شيطانا ) أى ، نهيئ ونسبب له ~~شيطانا رجيما يستولى عليه ، ويستحوذ على قلبه وعقله. # ( @QUR@03 فهو له قرين ) أى : فذلك الشيطان يكون ملازما ومصاحبا لهذا ~~الإنسان الذي أعرض عن القرآن ، ملازمة القرين لقرينه ، والشيء لظله. # ومن الآيات التي تشبه هذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@025 وقيضنا لهم ~~قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم ، وحق عليهم القول في أمم قد خلت ~~من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين ) (1). # ثم بين سبحانه الآثار التي تترتب على مقارنة الشيطان للإنسان فقال : ( ~~@QUR@07 وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون ). # والضمير في ( @QUR@01 وإنهم ) يعود إلى الشيطان باعتبار جنسه ، وفي قوله ~~تعالى ( @QUR@01 ليصدونهم ) يعود إلى ( @QUR@01 ومن ) في قوله ( @QUR@02 ~~ومن يعش ... ) باعتبار معناها. # أى : ومن يعرض عن طاعة الله ، نهيئ له شيطانا ، فيكون ملازما له ملازمة ~~تامة ، وإن هؤلاء الشياطين وظيفتهم أنهم يصدون هؤلاء الفاسقين عن ذكر الله ~~تعالى ، وعن سبيله الحق وصراطه المستقيم. PageV13P080 # ( @QUR@01 ويحسبون ) أى : هؤلاء الكافرون ( @QUR@02 أنهم مهتدون ) إلى ~~السبيل الحق. فالضمائر في قوله ( @QUR@01 ويحسبون ) وما بعده يعود إلى ~~الكافرين. # ويصح أن يكون الضمير في قوله ( @QUR@01 ويحسبون ) يعود إلى الكفار ، وفي ~~قوله ( @QUR@02 أنهم مهتدون ) يعود إلى الشيطان ، فيكون المعنى : # ويظن هؤلاء الكافرون أن الشياطين مهتدون إلى الحق ، ولذلك اتبعوهم ms5090 ~~وأطاعوهم. # ثم بين سبحانه ما يكون بين هذا الإنسان الكافر وبين قرينه من الشياطين ~~يوم القيامة ، فقال تعالى : ( @QUR@012 حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني ~~وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ). # أى : لقد استمر هذا المعرض عن ذكر الله في غيه. ومات على ذلك حتى إذا ~~جاءنا يوم القيامة للحساب والجزاء ، ( @QUR@01 قال ) لقرينه الذي صده عن ~~طريق الحق .. # ( @QUR@06 يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين ) أى : أتمنى أن تكون المسافة ~~التي بيني وبينك من البعد والمفارقة ، كالمسافة التي بين المشرق والمغرب. # فالمراد بالمشرقين المشرق والمغرب فعبر سبحانه بالمشرقين على سبيل ~~التغليب لأحدهما على الآخر. # ( @QUR@02 فبئس القرين ) أى : فبئس القرين أنت أيها الشيطان فالمخصوص ~~بالذم محذوف. # ثم بين سبحانه بعد ذلك ما سيقال لهذا العاشى عن ذكر الله ولقرينه على ~~سبيل التأنيب والتوبيخ فقال : ( @QUR@05 ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم ... ). # والضمير في قوله : ( @QUR@01 ينفعكم ) يعود إلى التمني المذكور في قوله : ~~( @QUR@06 يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين ... ) و ( @QUR@01 إذ ) ظرف لما ~~مضى من الزمان ، بدل من ( @QUR@01 اليوم ). # أى : ولن ينفعكم ندمكم وتمنيكم اليوم شيئا ، بعد أن تبين لكم أنكم كنتم ~~ظالمين في الدنيا ، ومصرين على الكفر والضلال. # وقوله : ( @QUR@04 أنكم في العذاب مشتركون ) تعليل لما قبله. أى : ولن ~~ينفعكم اليوم تمنيكم وندمكم لأنكم في هذا اليوم أنتم وقرناءكم مشتركون في ~~العذاب ، كما كنتم في الدنيا مشتركين في سببه ، وهو الكفر والضلال. # قال صاحب الكشاف ما ملخصه : قوله : ( @QUR@04 أنكم في العذاب مشتركون ) ~~في محل الرفع على الفاعليه. يعنى : ولن ينفعكم كونكم مشتركين في العذاب كما ~~ينفع الواقعين في الأمر PageV13P081 # الصعب اشتراكهم فيه لتعاونهم في تحمل أعبائه. لأن كل واحد منكم ، به من ~~العذاب ما هو فوق طاقته .. # ولك أن تجعل الفاعل التمني في قوله : ( @QUR@04 يا ليت بيني وبينك ... ) ~~على معنى : ولن ينفعكم اليوم ما أنتم فيه من تمنى مباعدة القرين ، وقوله : ~~( @QUR@04 أنكم في العذاب مشتركون ) تعليل ، أى : ولن ينفعكم تمنيكم ، لأن ~~حقكم أن تشتركوا أنتم وقرناؤكم في العذاب ... وتقويه قراءة من قرأ ( ~~@QUR@01 أنكم ) بالكسر (1). # وبعد هذا التوبيخ ms5091 الشديد للمعرض عن ذكر الله ولشيطانه ، يوجه الله تعالى ~~خطابه لنبيه صلى الله عليه وسلم ليزيده تسلية وتثبيتا فيقول : ( @QUR@011 ~~أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين ). # والاستفهام للنفي أى : أفأنت أيها الرسول الكريم تستطيع أن تسمع الصم ~~صوتك ، أو أن تهدى الذين انطمست بصائرهم إلى الطريق الحق. أو أن تخرج من ~~كان في الضلال الواضح إلى الهدى والرشاد؟ # كلا إنك لن تستطيع ذلك ، لأن الهداية والإضلال ، من الله تعالى وحده. ~~وأنت أيها الرسول الكريم عليك البلاغ ونحن علينا الحساب. # فالمقصود من الآية الكريمة تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ونهيه من أن ~~يضيق صدره بسبب إعراضهم المستمر عن دعوة الحق ، وبيان أن الهداية والإضلال ~~بيد الله تعالى وحده. # وسماهم سبحانه صما وعميا ، مع أنهم يسمعون ويبصرون ، لأنهم بمنزلة الصم ~~والعمى في عدم انتفاعهم بالهدى والرشاد الذي جاءهم به صلى الله عليه وسلم . # وقوله تعالى : ( @QUR@05 ومن كان في ضلال مبين ) معطوف على العمى والصم ~~باعتبار تغاير الصفات. # أى : أنت أيها الرسول الكريم لن تستطيع هداية من كان أصم وأعمى ، ومن كان ~~مصرا على الضلال المبين وما دام الأمر كذلك فسر في طريقك ، دون أن تذهب ~~نفسك عليهم حسرات .. # وقوله سبحانه : ( @QUR@013 فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون ، أو نرينك ~~الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون ) زيادة في تسليته وتثبيته ~~صلى الله عليه وسلم . # أى : أن أمرك أيها الرسول الكريم مع هؤلاء الظالمين لا يخلو عن حالين : إما أن PageV13P082 # نتوفينك قبل أن ترى نقمتنا منهم .. وفي هذه الحالة فسنتولى نحن عذابهم ~~والانتقام منهم ، حسب إرادتنا ومشيئتنا ، وإما أن نبقى حياتك حتى ترى ~~بعينيك العذاب الذي توعدناهم به ، فإنا عليهم وعلى غيرهم مقتدرون على تنفيذ ~~ما نتوعد به من دون أن يستطيع أحد الإفلات من قبضتنا وقدرتنا. # قال ابن كثير : أى : نحن قادرون على هذا وعلى هذا. ولم يقبض الله تعالى ~~رسوله ، حتى أقر عينه من أعدائه ، وحكمه في نواصيهم ، وملكه ما تضمنته ~~صياصيهم (1). # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@013 وإن ما ms5092 نرينك بعض الذي نعدهم ~~أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ) (2). # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@04 فاستمسك بالذي أوحي إليك ... ) واقعة ~~جوابا لشرط مقدر. # أى : إذا كان الأمر كما ذكرنا لك من أن أمرك مع هؤلاء المشركين لا يخلو ~~عن حالين : فاستمسك أيها الرسول الكريم بما أوحينا إليك من هدايات وإرشادات ~~( @QUR@04 إنك على صراط مستقيم ) وطريق قويم لا عوج فيه ولا اضطراب. # ( @QUR@01 وإنه ) أى : هذا القرآن ( @QUR@03 لذكر لك ولقومك ) أى : لشرف ~~عظيم لك ولشرف عظيم لأهل مكة الذين بعثت فيهم بصفة خاصة ، ولغيرهم ممن آمن ~~بك بصفة عامة كما قال تعالى : ( @QUR@06 لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم ~~... ) أى : عزكم وشرفكم. # وقوله : ( @QUR@02 وسوف تسئلون ) تحذير من مخالفة ما اشتمل عليه هذا ~~القرآن من أحكام وآداب وتشريعات. # أى : وسوف تسألون يوم القيامة عنه ، وعن القيام بحقه ، وعن مقدار تمسككم ~~بأوامره ونواهيه وعن شكركم لله تعالى على منحكم لهذه النعمة. # ثم أضاف سبحانه إلى هذا التثبيت لنبيه صلى الله عليه وسلم تثبيتا آخر فقال : ~~( @QUR@013 وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة ~~يعبدون ). # والمقصود من الآية الكريمة بيان أن الرسل جميعا ، قد دعوا أقوامهم إلى ~~عبادة الله تعالى وحده ، كما قال سبحانه : ( @QUR@020 ولقد بعثنا في كل أمة ~~رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ، فمنهم من هدى الله ، ومنهم من حقت ~~عليه الضلالة ) (3). PageV13P083 # وكما قال تعالى : ( @QUR@015 وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) (1). # قال صاحب الكشاف ما ملخصه : ليس المراد بسؤال الرسل حقيقة السؤال ~~لاستحالته ، ولكنه مجاز عن النظر في أديانهم ، وأنهم ما جاءوا قط بعبادة ~~الأوثان ، وإنما جاءوا بالأمر بعبادة الله تعالى وحده .. # وقيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم جمع الله له الأنبياء ، في ليلة الإسراء ~~في بيت المقدس ، فصلى بهم إماما ، وقيل له سلهم : فلم يتشكك ولم يسأل. # وقيل معناه ، سل أمم من أرسلنا من قبلك ، وهم أهل الكتابين : التوراة ~~والإنجيل فإذا سألهم فكأنما سأل رسلهم فالكلام على حذف مضاف ms5093 (2). # فالآية الكريمة تقرر على كل الوجوه بأبلغ أسلوب ، أن جميع الرسل قد جاءوا ~~بعقيدة واحدة ، وبدين واحد ، هو عبادة الله تعالى ونبذ كل معبود سواه. # * * * # ثم تمضى السورة الكريمة في تسليتها للرسول صلى الله عليه وسلم وفي تثبيتها ~~للمؤمنين ، فتذكر جانبا من قصة موسى عليه السلام مع فرعون ، وكيف أن فرعون ~~سخر من دعوة موسى عليه السلام وتباهي على قومه بذلك ، وكيف أنه استخف بهم ~~فأطاعوه ، فكانت عاقبته وعاقبتهم أن أغرقهم الله جميعا. قال تعالى : # ( @QUR@012 ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فقال إني رسول رب ~~العالمين (46) @QUR@07 فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون (47) ~~@QUR@013 وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم ~~يرجعون (48) @QUR@06 وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا PageV13P084 # @QUR@06 ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون (49) @QUR@07 فلما كشفنا عنهم ~~العذاب إذا هم ينكثون (50) @QUR@018 ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس ~~لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون (51) @QUR@011 أم أنا ~~خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين (52) @QUR@012 فلو لا ألقي عليه ~~أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين (53) @QUR@07 فاستخف قومه ~~فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين (54) @QUR@06 فلما آسفونا انتقمنا منهم ~~فأغرقناهم أجمعين (55) @QUR@04 فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين ) (56) # وقصة موسى عليه السلام مع فرعون ومع بنى إسرائيل ، على رأس القصص التي ~~تكرر الحديث عنها في القرآن الكريم ، في سور متعددة ، وذلك لما فيها من ~~مساجلات ومحاورات بين أهل الحق وأهل الباطل ، ولما فيها من عبر وعظات لقوم ~~يعقلون. # لقد وردت هذه القصة في سور : البقرة ، والأعراف ، ويونس ، وهود ، ~~والإسراء ، وطه ، والقصص ، والصافات ، وغافر .. ولكن بأساليب متنوعة يكمل ~~بعضها بعضا. # وهنا تبدأ هذه القصة بقوله تعالى : ( @QUR@012 ولقد أرسلنا موسى بآياتنا ~~إلى فرعون وملائه ، فقال إني رسول رب العالمين ). # أى : والله لقد أرسلنا نبينا موسى عليه السلام ( @QUR@01 بآياتنا ) الدالة ~~على وحدانيتنا وقدرتنا ، والتي على رأسها اليد والعصا .. وأرسلناه بهذه ~~الآيات ( @QUR@03 إلى فرعون وملائه ) أى : أشراف قومه فقال لهم ناصحا ~~ومرشدا : ( @QUR@04 إني رسول رب العالمين ) إليكم ، لآمركم ms5094 بعبادة الله ~~تعالى : وحده ، وأنهاكم عن عبادة غيره. # ( @QUR@07 فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون ) أى : فحين جاء موسى ~~عليه السلام PageV13P085 # إلى فرعون وملئه بآياتنا الدالة على قدرتنا ، سارعوا إلى الضحك منها ، ~~والسخرية بها ، بدون تأمل أو تدبر ، شأن المغرورين الجهلاء. # فقوله تعالى : ( @QUR@04 إذا هم منها يضحكون ) جواب ( @QUR@01 فلما ) ~~والتعبير يشير إلى مسارعتهم إلى السخرية والاستخفاف بالآيات التي جاء بها ~~موسى عليه السلام ، مع أن هذه الآيات كانت تقتضي منهم التدبر والتفكر لو ~~كانوا يعقلون. # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها ... ) ~~بيان لقسوة قلوبهم ، وعدم تأثرها بالآيات والمعجزات. # أى : وما نريهم من آية دالة على صدق نبينا موسى ، إلا وتكون هذه الآية ~~أكبر من أختها السابقة عليها ، في الدلالة على ذلك ، مع كون الآية السابقة ~~عظيمة وكبيرة في ذاتها. # والمقصود بالجملة الكريمة ، بيان أن هؤلاء القوم لم يأتهم موسى ~~عليه السلام بآية واحدة تشهد بصدقه فيما جاءهم به من عند ربه ، وإنما أتاهم ~~بمعجزات متعددة ، وكل معجزة أدل على صدقه مما قبلها. # ويصح أن يكون المراد وصف الجميع بالكبر ، على معنى أن كل واحدة لكمالها ~~في ذاتها ، إذا نظر إليها الناظر ، ظنها أكبر من البواقي لاستقلالها بإفادة ~~الغرض الذي جاءت من أجله. # وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : والغرض بهذا الكلام ، أنهن ~~موصوفات بالكبر ، لا يكدن يتفاوتن فيه ، وكذلك العادة في الأشياء التي ~~تتلاقى في الفضل. وتتفاوت منازلها فيه التفاوت اليسير ، أن تختلف آراء ~~الناس في تفضيلها ، فيفضل بعضهم هذا ، وبعضهم ذاك ، فعلى ذلك بنى الناس ~~كلامهم فقالوا : رأيت رجالا بعضهم أفضل من بعض ، وربما اختلفت آراء الرجل ~~الواحد فيها ، فتارة يفضل هذا وتارة يفضل ذاك ، ومنه بيت الحماسة : من تلق ~~منهم تقل لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسرى بها السارى (1) وقوله تعالى : ( ~~@QUR@04 وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون ) بيان للمصير السيئ الذي آلوا إليه. # أى : وأخذناهم بسبب إصرارهم على الكفر والمعاصي ، بالعذاب الدنيوي الشديد ~~لكي يرجعوا عما هم عليه من كفر وفسوق ، ولكنهم لم يرجعوا. ms5095 # فالمراد بالعذاب هنا العذاب الدنيوي ، الذي أشار إليه سبحانه بقوله : ( ~~@QUR@01 فأرسلنا PageV13P086 # @QUR@012 عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ، آيات مفصلات ، ~~فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين .. ) (1). # ثم حكى سبحانه ما قالوه بعد أن نزل بهم العذاب ، فقال : ( @QUR@012 ~~وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون ). # وجمهور المفسرين على أن قولهم هذا ، كان على سبيل التعظيم لموسى ~~عليه السلام لأنهم كانوا يوقرون السحرة ، ويعتبرونهم العلماء. # قال ابن كثير : قوله ( @QUR@03 يا أيها الساحر ) أى : العالم ... وكان ~~علماء زمانهم هم السحرة ، ولم يكن السحر عندهم في زمانهم مذموما ، فليس هذا ~~منهم على سبيل الانتقاص ، لأن الحال حال ضرورة منهم إليه ، فهي تقتضي ~~تعظيمهم لموسى عليه السلام ... (2). # وما في قوله : ( @QUR@03 بما عهد عندك ) مصدرية : أى : بعهده عندك ، ~~والمراد بهذا العهد : النبوة. وسميت عهدا ، لأن الله تعالى عاهد نبيه أن ~~يكرمه بها ، أو لأن لها حقوقا تحفظ كما يحفظ العهد. # وقوله : ( @QUR@02 إننا لمهتدون ) مرتب على كلام محذوف. # أى : وحين أخذنا فرعون وقومه بالعذاب ، قالوا لموسى على سبيل التذلل ~~والتعظيم من شأنه يا أيها الساحر الذي غلبنا بسحره وعلمه ، ادع لنا ربك بحق ~~عهده إليك بالنبوة ، لئن كشف عنا ربك هذا العذاب الذي نزل بنا ( @QUR@02 ~~إننا لمهتدون ) أى إننا لمؤمنون ثابتون على ذلك ، متبعون لك في كل ما ~~تأمرنا به أو تنهانا عنه. # فدعا موسى عليه السلام ربه أن يكشف عنهم العذاب ، فأجاب الله دعوته بأن ~~كشف عنهم ، فماذا كانت النتيجة؟ كانت النتيجة أنهم نقضوا عهودهم ، واستمروا ~~على كفرهم ، كما قال تعالى : ( @QUR@04 فلما كشفنا عنهم العذاب ) أى : فحين ~~كشفنا عنهم العذاب الذي حل بهم ( @QUR@03 إذا هم ينكثون ) أى : إذا هم ~~ينقضون عهدهم بالإيمان فلا يؤمنون. يقال : نكث فلان عهده ونقضه ، إذا لم يف به. # ومن سوء أدبهم أنهم قالوا : ادع لنا ربك ، فكأن الله تعالى رب موسى وحده ~~، وليس ربا لهم. # وشبيه بهاتين الآيتين قوله تعالى : ( @QUR@09 ولما وقع عليهم الرجز قالوا ~~يا موسى ادع لنا PageV13P087 # @QUR@025 ربك بما عهد عندك ، لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ms5096 ، ولنرسلن معك ~~بني إسرائيل. فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون ) (1). # ثم حكى سبحانه جانبا من طغيان فرعون وفجوره ، واستخفافه بعقول قومه فقال ~~: ( @QUR@04 ونادى فرعون في قومه ... ) أى : أن فرعون جمع زعماء قومه ، ~~وأخبرهم بما يريد أن يقول لهم. # أو أنه أمر مناديا ينادى في قومه جميعا ، ليعلمهم بما يريد إعلامهم به ، ~~وأسند سبحانه النداء إلى فرعون ، لأنه هو الآمر به. # والتعبير بقوله : ( @QUR@02 في قومه ) يشعر بأن النداء قد وصل إليهم ~~جميعا ودخل في قلوبهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@014 قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري ~~من تحتي أفلا تبصرون ... ) حكاية لما قاله فرعون لقومه. # أى : أن فرعون جمع عظماء قومه ، وقال لهم بعد أن خشي إيمانهم بموسى : ( ~~@QUR@06 يا قوم أليس لي ملك مصر ) بحيث لا ينازعني في ذلك منازع ، ولا ~~يخالفني في ذلك مخالف ، فالاستفهام للتقرير. # وفضلا عن ذلك فإن هذه الأنهار التي ترونها متفرعة من النيل تجرى تحت قدمي ~~، أو من تحت قصرى. # ( @QUR@02 أفلا تبصرون ) ذلك ، وتستدلون به على قوة أمرى ، وسعة ملكي ، ~~وعظم شأنى فمفعول ( @QUR@01 تبصرون ) محذوف ، أى : أفلا تبصرون عظمتي. # و ( @QUR@01 أم ) في قوله : ( @QUR@011 أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ~~ولا يكاد يبين ) هي المنقطعة المقدرة بمعنى بل التي هي للاضراب ، والإشارة ~~بهذا تعود لموسى عليه السلام . # أى : بل أنا خير من هذا الذي هو فقير وليس صاحب ملك أو سطوة أو مال .. ~~وفي الوقت نفسه ( @QUR@03 لا يكاد يبين ) أى : لا يكاد يظهر كلامه لعقدة في لسانه. # ثم أضاف إلى ذلك قوله كما حكى القرآن عنه : ( @QUR@012 فلو لا ألقي عليه ~~أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين ). # والأسورة : جمع سوار ، وهو كناية عن تمليكه ، وكانوا إذا ملكوا رجلا ~~عليهم ، جعلوا في يديه سوارين ، وطوقوه بطوق من ذهب ، علامة على أنه ملكهم. PageV13P088 # أى : فهلا لو كان موسى ملكا أو رسولا ، أن يحلى نفسه بأساور من ذهب ، أو ~~جاء إلينا ومعه الملائكة محيطين به ، ومتقارنين معه ، لكي يعينوه ويشهدوا ~~له ms5097 بالنبوة. # ولا شك أن هذه الأقوال التي تفوه بها فرعون ، تدل على شدة طغيانه ، وعلى ~~عظم غروره ، وعلى استغلاله الضخم لغفلة قومه وسفاهتهم وضعفهم. # ورحم الله الإمام ابن كثير فقد قال ما ملخصه : وهذا الذي قاله فرعون لعنه ~~الله كذب واختلاق ، وإنما حملة على هذا الكفر والعناد ، وهو ينظر إلى موسى ~~عليه السلام بعين كافرة شقية ، وقد كان موسى من الجلالة والعظمة والبهاء في ~~صورة يبهر أبصار ذوى الألباب. # وقوله : ( @QUR@03 ولا يكاد يبين ) افتراء أيضا فإنه وإن كان قد أصاب ~~لسانه في حال صغره شيء من جهة تلك الجمرة ، فقد سأل ربه أن يحل عقدة من ~~لسانه ، فاستجاب الله تعالى له وفرعون إنما أراد بهذا الكلام ، أن يروج على ~~رعيته ، لأنهم كانوا جهلة أغبياء .. (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@07 فاستخف قومه فأطاعوه ، إنهم كانوا قوما فاسقين ) ~~بيان لما كان عليه فرعون من لؤم وخداع ، ولما كان عليه قومه من جبن وخروج ~~على طاعة الله تعالى . # أى : وبعد أن قال فرعون لقومه ما قال من تطاول على موسى عليه السلام طلب ~~منهم الخفة والسرعة والمبادرة إلى الاستجابة لما قاله لهم ، فأجابوه إلى ~~طلبه منهم ، لأنهم كانوا قوما خارجين على طاعتنا ، مؤثرين الغي على الرشد ، ~~والضلالة على الهداية .. # ثم بين سبحانه سوء عاقبتهم فقال : ( @QUR@010 فلما آسفونا انتقمنا منهم ~~فأغرقناهم أجمعين. فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين ). # وقوله : ( @QUR@01 آسفونا ) أى : أغضبونا أشد الغضب ، من أسف فلان أسفا ، ~~إذا اشتد غضبه و ( @QUR@01 سلفا ) أى : قدوة لمن بعدهم من الكفار في ~~استحقاق مثل عقوبتهم. وهو مصدر وصف به على سبيل المبالغة ، ولذا يطلق على ~~القليل والكثير. يقال : سلفه الشيء سلفا ، إذا تقدم ومضى. وفلان سلف له عمل ~~صالح ، أى : تقدم له عمل صالح ومنه : الأسلاف ، أى : المتقدمون على غيرهم. # أى : فلما أغضبنا فرعون وقومه أشد الغضب ، بسبب إصرارهم على الكفر ~~والفسوق والعصيان ، انتقمنا منهم انتقاما شديدا ، حيث أغرقناهم أجمعين في اليم. PageV13P089 # ( @QUR@02 فجعلناهم سلفا ) أى قدوة لمن بعدهم في الكفر في استحقاق مثل ~~عقوبتهم كما جعلناهم ( @QUR@01 مثلا ) أى : عبرة وموعظة ( @QUR@01 للآخرين ms5098 ~~) الذين يعملون مثل أعمالهم .. # وبذلك نرى في هذه الآيات الكريمة ، جانبا من قصة موسى عليه السلام مع ~~فرعون وملئه. # ويتجلى في هذا الجانب من القصة طغيان فرعون ، واستخفافه بعقول قومه ، ~~ومجاهرته بالكذب والفجور .. فكانت عاقبتهم جميعا الدمار والبوار. # ثم انتقلت السورة الكريمة من الحديث عن جانب من قصة موسى ، إلى الحديث عن ~~جانب من قصة عيسى عليه السلام فقال تعالى : # ( @QUR@09 ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون (57) @QUR@014 ~~وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون (58) ~~@QUR@010 إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل (59) ~~@QUR@08 ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون (60) @QUR@010 وإنه ~~لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم (61) @QUR@07 ولا ~~يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين (62) @QUR@017 ولما جاء عيسى بالبينات قال ~~قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون ~~(63) @QUR@09 إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (64) @QUR@011 ~~فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم (65) @QUR@010 ~~هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون ) (66) PageV13P090 # ذكر المفسرون في سبب نزول قوله تعالى : ( @QUR@05 ولما ضرب ابن مريم مثلا ~~... ) روايات منها : أنه لما نزل قوله تعالى : ( @QUR@07 وسئل من أرسلنا من ~~قبلك من رسلنا ... ) تعلق المشركون بأمر عيسى وقالوا : ما يريد محمد ~~صلى الله عليه وسلم إلا أن نتخذه إلها ، كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم ~~فأنزل الله تعالى ( @QUR@05 ولما ضرب ابن مريم مثلا ... ). # وقال الواحدي : أكثر المفسرين على أن هذه الآية ، نزلت في مجادلة ابن ~~الزبعرى قبل أن يسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لما نزل قوله تعالى : ( ~~@QUR@08 إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ... ). # قال ابن الزبعرى خصمتك يا محمد ورب الكعبة. أليست النصارى يعبدون المسيح ~~، واليهود يعبدون عزيرا ، وبنو مليح يعبدون الملائكة؟ فإن كان هؤلاء في ~~النار ، فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا في النار؟. # فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : «ما أجهلك بلغة قومك؟ أما ms5099 فهمت أن ما ~~لما لا يعقل»؟. وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال له : «إنهم يعبدون ~~الشيطان» وأنزل الله تعالى : ( @QUR@09 ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك ~~منه يصدون .. ) (1). # وكلمة ( @QUR@01 يصدون ) قرأها الجمهور بكسر الصاد. وقرأها ابن عامر ~~والكسائي بضم الصاد. وهما بمعنى واحد. ومعناهما : يضجون ويصيحون فرحا. يقال ~~: صد يصد بكسر الصاد وضمها بمعنى ضج كعكف بضم الكاف وكسرها. # ويرى بعضهم أن ( @QUR@01 يصدون ) بكسر الصاد بمعنى : يضجون ويصيحون ~~ويضحكون ... وأن ( @QUR@01 يصدون ) بضم الصاد بمعنى يعرضون. من الصد بمعنى ~~الإعراض عن الحق. # والمعنى : وحين ضرب ابن الزبعرى ، عيسى ابن مريم مثلا ، وحاجك بعبادة ~~النصارى له ، فاجأك قومك كفار قريش بسبب هذه المحاجة ، بالصياح والضجيج ~~والضحك ، فرحا منهم بما قاله ابن الزبعرى ، وظنا منهم أنه قد انتصر عليك في ~~الخصومة والمجادلة. # فمن في قوله ( @QUR@01 منه ) الظاهر أنها للسببية ، كما في قوله تعالى : ~~( @QUR@05 مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا ... ). # والمراد بالمثل هنا : الحجة والبرهان. # قال الآلوسى : والحجة لما كانت تسير مسير الأمثال شهرة ، قيل لها مثل. أو ~~المثل بمعنى PageV13P091 # المثال. أى : جعله مقياسا وشاهدا على إبطال قوله صلى الله عليه وسلم : إن ~~آلهتهم من حصب جهنم ، وجعل عيسى عليه السلام نفسه مثلا من باب : الحج عرفة (1). # ثم بين سبحانه أقوالهم التي بنوا عليها باطلهم فقال : ( @QUR@05 وقالوا ~~أآلهتنا خير أم هو ... )؟ والضمير ( @QUR@01 هو ) يعود إلى عيسى ~~عليه السلام . # ومرادهم بالاستفهام تفضيل عيسى عليه السلام على آلهتهم ، مجاراة للنبي ~~صلى الله عليه وسلم . # فكأنهم يقولون : لقد أخبرتنا بأن عيسى ابن مريم رسول من رسل الله تعالى ~~وأنه خير من آلهتنا .. فإن كان في النار يوم القيامة لأن الله تعالى يقول : ~~( @QUR@08 إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ) فقد رضينا أن نكون نحن ~~وآلهتنا في النار. # وقد أبطل الله زعمهم هذا بقوله : ( @QUR@05 ما ضربوه لك إلا جدلا ). # أى : لا تهتم أيها الرسول الكريم بما قالوه ، فإنهم ما ضربوا لك هذا ~~المثل بعيسى إلا من أجل مجادلتك بالباطل ، وليس من أجل الوصول إلى الحق. # وقوله ms5100 : ( @QUR@04 بل هم قوم خصمون ) مؤكد لما قبله من كونهم قالوا ذلك ~~لأجل الجدل بالباطل ، لا لطلب الحق ، وإضراب عن مزاعمهم وعن مجاراتهم في ~~خصومتهم. # أى : ذرهم أيها الرسول الكريم في باطلهم يعمهون ، فإنهم قوم مجبولون على ~~الخصومة ، وعلى اللجاج في الباطل. # فقوله : ( @QUR@01 خصمون ) جمع خصم بفتح فكسر وهو الإنسان المبالغ في ~~الجدل والخصومة ، دون أن يكون هدفه الوصول إلى الحق. # وجاء التعبير في قوله : ( @QUR@05 ما ضربوه لك إلا جدلا ) بصيغة الجمع ، ~~مع أن ضارب المثل واحد ، وهو ابن الزبعرى ، لأن إسناد فعل الواحد إلى ~~الجماعة ، من الأساليب المعروفة في اللغة العربية ، ومنه قول الشاعر : # فسيف بنى عبس وقد ضربوا به %~% نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد # فإنه قد نسب الضرب إلى جميع بنى عبس ، مع تصريحه بأن الضارب واحد ، وهو ~~ورقاء .. ولأنهم لما أيدوا ابن الزبعرى في قوله ، فكأنهم جميعا قد قالوه .. # ثم بين سبحانه حقيقة عيسى عليه السلام فقال : ( @QUR@010 إن هو إلا عبد ~~أنعمنا عليه ، وجعلناه مثلا لبني إسرائيل ). PageV13P092 # أى : ليس هو أى : عيسى عليه السلام إلا عبد من عبادنا الذين أنعمنا عليهم ~~بنعمة النبوة ( @QUR@02 وجعلناه مثلا ) أى : أمرا عجيبا ، جديرا بأن يسير ~~ذكره كالأمثال ( @QUR@02 لبني إسرائيل ) الذين أرسلناه إليهم ، حيث خلقناه ~~من غير أب ، وأعطيناه المعجزات الباهرات التي منها : إبراء الأكمة والأبرص ~~وإحياء الموتى بإذن الله ... وهذا كله دليل على وحدانيتنا ، وكمال قدرتنا ~~ونفاذ إرادتنا. # فالآية الكريمة ترفع من شأن عيسى عليه السلام ، وتحدد منزلته ، وتنفى عنه ~~غلو المغالين في شأنه ، وإنقاص المنقصين من قدره. # ثم أكد سبحانه كمال قدرته فقال : ( @QUR@08 ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة ~~في الأرض يخلفون ). # و «من» في قوله تعالى ( @QUR@01 منكم ) يصح أن تكون للبدلية ، فيكون ~~المعنى : ولو نشاء إهلاككم أيها الكافرون لفعلنا ولجعلنا بدلا منكم ملائكة ~~يخلفونكم بعد موتكم ، ولكنا لم نشأ ذلك لحكم نحن نعلمها. # ويصح أن تكون للتبعيض فيكون المعنى : ولو نشاء لجعلنا منكم يا رجال قريش ~~ملائكة ، بطريق التوليد منكم ، من غير واسطة نساء ، فهذا أمر سهل علينا ، ~~مع أنه ms5101 أعجب من حال عيسى الذي تستغربونه ، لأنه جاء من غير أب ، مع أن الأم ~~من طبيعتها الولادة. # فالمقصود بالآية الكريمة بيان أن قدرة الله تعالى لا يعجزها شيء ، وأن ما ~~تعجبوا منه ، الله تعالى قادر على أن يأتى بما هو أعجب منه. # قال صاحب الكشاف : قوله ( @QUR@02 ولو نشاء ) لقدرتنا على خلق عجائب ~~الأمور ، وبدائع الفطر ، ( @QUR@02 لجعلنا منكم ) أى : لولدنا منكم يا رجال ~~( @QUR@01 ملائكة ) يخلفونكم في الأرض ، كما يخلفكم أولادكم ، كما ولدنا ~~عيسى من أنثى من غير فحل ، لتعرفوا تميزنا بالقدرة الباهرة ، ولتعلموا أن ~~الملائكة أجسام .. وذات الله تعالى متعالية عن ذلك (1). # ثم بين سبحانه بعض ما يتعلق بعيسى عليه السلام فقال : ( @QUR@03 وإنه لعلم ~~للساعة ). # فالضمير في ( @QUR@01 إنه ) يعود إلى عيسى لأن السياق في شأنه ، وقيل ~~يعود إلى القرآن أو إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وضعف ذلك لأن الكلام في شأن عيسى. PageV13P093 # والمراد بالعلم : العلامة ، واللام في قوله ( @QUR@01 للساعة ) بمعنى ~~على. والكلام على حذف مضاف. # والمعنى : وإن عيسى عليه السلام عند نزوله من السماء في آخر الزمان حيا ، ~~ليكونن علامة على قرب قيام الساعة ، ودليلا على أن نهاية الدنيا توشك أن تقع .. # قال الآلوسى : ( @QUR@01 وإنه ) أى : عيسى عليه السلام ( @QUR@02 لعلم ~~للساعة ) أى : أنه بنزوله شرط من أشراطها. # وقد نطقت الأخبار بنزوله عليه السلام في آخر الزمان ، فقد أخرج البخاري ~~ومسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجة ، عن أبى هريرة قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : لينزلن ابن مريم ، حكما عدلا فليكسرن الصليب ، وليقتلن ~~الخنزير ، وليضعن الجزية ، وليذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد ، وليدعون ~~إلى المال فلا يقبله أحد (1). # وقال ابن كثير ما ملخصه : قوله : ( @QUR@03 إنه لعلم للساعة ) الصحيح أن ~~الضمير يعود على عيسى ، فإن السياق في ذكره ، ثم المراد بذلك نزوله قبل يوم ~~القيامة كما قال تعالى ( @QUR@09 وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ~~... ) أى : قبل موت عيسى. # وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنه أخبر بنزول عيسى ~~قبل يوم القيامة ، إماما عادلا ، وحكما مقسطا» ms5102 (2). # وقوله : ( @QUR@03 فلا تمترن بها ) أى : فلا تشكن في وقوعها في الوقت ~~الذي يشاؤه الله تعالى ، فقوله ( @QUR@01 تمترن ) من المرية بمعنى الشك ~~والريب. # وقوله : ( @QUR@04 واتبعون هذا صراط مستقيم ) أى : واتبعوا أيها الناس ما ~~جئتكم به من عند ربي ، فإن هذا الذي جئتكم به ، هو الطريق المستقيم الذي ~~يوصلكم إلى السعادة في الدنيا والآخرة. # ( @QUR@03 ولا يصدنكم الشيطان ) أى : ولا يمنعنكم الشيطان بسبب وسوسته ~~لكم ، عن طاعتي واتباعى ( @QUR@04 إنه لكم عدو مبين ) أى : إن الشيطان ~~عداوته لكم ظاهرة ، وكيده لكم واضح ، كما قال تعالى : ( @QUR@013 إن ~~الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا. إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ). # ثم حكى سبحانه ما قاله عيسى عليه السلام لقومه ، عند ما بعثه الله إليهم PageV13P094 # فقال : ( @QUR@08 ولما جاء عيسى بالبينات ، قال قد جئتكم بالحكمة ). # والبينات : جمع بينة. وهي صفة لموصوف محذوف ، والمراد بها : المعجزات ~~التي أيد الله تعالى بها عيسى عليه السلام . # والمراد بالحكمة : التشريعات والتكاليف والمواعظ التي أرشدهم إليها ، عن ~~طريق الكتاب الذي أنزله الله تعالى إليه ، وهو الإنجيل. # أى : وحين جاء عيسى عليه السلام إلى قومه ، قال لهم على سبيل النصح ~~والإرشاد : يا قوم لقد جئتكم بالمعجزات البينات الواضحة التي تشهد بصدقى ~~وجئتكم بالإنجيل المشتمل على ما تقتضيه الحكمة الإلهية من آداب وتشريعات ~~ومواعظ. # وقوله : ( @QUR@06 ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه ) متعلق بمحذوف ~~والتقدير : # قد جئتكم بالحكمة لأعلمكم إياها ، وجئتكم أيضا لأبين لكم ولأصحح لكم بعض ~~الأمور التي تختلفون فيها. # وقال سبحانه ( @QUR@06 ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه ) ولم يقل كل ~~الذي تختلفون فيه ، للإشعار بالرحمة بهم ، وبالستر عليهم ، حيث بين البعض ~~وترك البعض الآخر ، لأنه لا ضرورة تدعو إلى بيانه. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : هلا بين لهم كل الذي يختلفون فيه؟ قلت : ~~كانوا يختلفون في الديانات ، وما يتعلق بالتكليف ، وفيما سوى ذلك مما لم ~~يتعبدوا بمعرفته والسؤال عنه ، وإنما بعث ليبين لهم ما اختلفوا فيه مما ~~يعنيهم من أمر دينهم .. (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@012 فاتقوا الله وأطيعون. إن الله هو ربي وربكم ~~فاعبدوه هذا صراط ms5103 مستقيم ). # أى : إذا كان الأمر كما ذكرت لكم ، فاتقوا الله تعالى بأن تصونوا أنفسكم ~~عن كل ما يغضبه ، وبأن تطيعوني في كل ما آمركم به أو أنهاكم عنه. # وإن الله تعالى هو ربي وربكم فأخلصوا له العبادة والطاعة ، وهذا الذي ~~آمركم به أو أنهاكم عنه ، هو الطريق القويم ، الذي يوصلكم إلى السعادة ~~الدنيوية والأخروية. # ثم بين سبحانه موقف أهل الكتاب من دعوة عيسى عليه السلام فقال : ( @QUR@04 ~~فاختلف الأحزاب من بينهم ... ). PageV13P095 # والأحزاب : جمع حزب. والمراد بهم الفرق التي تحزبت وتجمعت على الباطل من ~~بعد عيسى. # وضمير الجمع في قوله ( @QUR@02 من بينهم ) يعود إلى من بعث إليهم عيسى ~~عليه السلام من اليهود والنصارى. # وقيل : يعود إلى النصارى خاصة ، لأنهم هم الذين اختلفوا في شأنه ، فمنهم ~~من قال : هو الله ومنهم من قال : هو ابن الله. ومنهم من قال : ثالث ثلاثة. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@02 فاختلف الأحزاب ) أى : الفرق المتحزبة ( ~~@QUR@02 من بينهم ) أى : من بين من بعث إليهم ، وخاطبهم بما خاطبهم من ~~اليهود والنصارى وهم أمة دعوته عليه السلام . # وقيل : المراد النصارى ، وهم أمة إجابته ، وقد اختلفوا فرقا : ملكانية ، ~~ونسطورية ، ويعقوبية (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@07 فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم ) بيان ~~للعقاب الشديد الذي أعده الله تعالى لهم ، بسبب اختلافهم وبغيهم ، ونسبتهم ~~إلى عيسى ما هو برىء منه. # أى : فهلاك وعذاب شديد للذين ظلموا أنفسهم بالكفر ، وبافترائهم على عيسى ~~عليه السلام ، وما أشد حسرتهم في هذا اليوم العصيب. # والاستفهام في قوله : ( @QUR@010 هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة ~~وهم لا يشعرون ) للنفي. # وينظرون بمعنى : ينتظرون. والخطاب لكفار مكة الذين أعرضوا عن دعوة الحق. # أى : ما ينتظر هؤلاء المشركون إلا قيام الساعة ، وهذا القيام سيأتيهم ~~فجأة ، وبدون شعور منهم بها ، وحينئذ يندمون ولن ينفعهم الندم ، ولو كانوا ~~عقلاء لاتبعوا الحق الذي جاءهم به رسولنا صلى الله عليه وسلم ، قبل فوات ~~الأوان. # فالآية الكريمة دعوة لهؤلاء المشركين إلى الاستجابة للرسول ~~صلى الله عليه وسلم إذا دعاهم لما يصلحهم ، من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ms5104 ولا خلال. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@015 فهل ينظرون إلا الساعة أن ~~تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها. فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم ). PageV13P096 # وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد وبخت المشركين على جدالهم بالباطل وردت ~~عليهم بما يخرس ألسنتهم ، وبينت الحق في شأن عيسى عليه السلام وتوعدت ~~المختلفين في أمره اختلافا يتنافى مع ما جاءهم به بالعذاب الشديد. # * * * # وبعد هذا الحديث عن جانب من قصة موسى ، وعن جانب من قصة عيسى ~~عليهما السلام ، وعن موقف أقوامهما منهما .. بعد كل ذلك رسمت السورة الكريمة ~~صورة واضحة لحسن عاقبة المؤمنين ، ولسوء عاقبة المكذبين ، ليهلك من هلك عن ~~بينة ، ويحيا من حي عن بينة ، فقال تعالى : # ( @QUR@07 الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين (67) @QUR@09 يا ~~عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون (68) @QUR@05 الذين آمنوا بآياتنا ~~وكانوا مسلمين (69) @QUR@05 ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون (70) ~~@QUR@015 يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ ~~الأعين وأنتم فيها خالدون (71) @QUR@07 وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم ~~تعملون (72) @QUR@06 لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون (73) @QUR@06 إن ~~المجرمين في عذاب جهنم خالدون (74) @QUR@06 لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون ~~(75) @QUR@06 وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين (76) @QUR@09 ونادوا يا ~~مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون (77) @QUR@07 لقد جئناكم بالحق ولكن ~~أكثركم للحق كارهون (78) @QUR@03 أم أبرموا أمرا PageV13P097 # @QUR@02 فإنا مبرمون (79) @QUR@011 أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم ~~بلى ورسلنا لديهم يكتبون ) (80) # وقوله تعالى : ( @QUR@01 الأخلاء ) جمع خليل بمعنى صديق. وسمى الأصدقاء ~~أخلاء ، لأن المودة التي بينهم تخللت قلوبهم واختلطت بنفوسهم. # أى : الأصدقاء في الدنيا ، يصير بعضهم لبعض يوم القيامة أعداء ، لأنهم ~~كانوا يجتمعون على الشرور والآثام في الدنيا ، وكانوا يتواصون بالبقاء على ~~الكفر والفسوق والعصيان فلما جاء يوم القيامة ، وانكشفت الحقائق .. انقلبت ~~صداقتهم إلى عداوة. # ( @QUR@02 إلا المتقين ) فإن صداقتهم في الدنيا تنفعهم في الآخرة ، لأنهم ~~أقاموها على الإيمان والعمل الصالح والطاعة لله رب العالمين. # فالآية الكريمة إنذار للكافرين الذين كانت صداقاتهم في الدنيا تقوم على ~~محاربة الحق ، ومناصرة الباطل ... وبشارة عظيمة للمتقين الذين بنوا صداقتهم ~~في الدنيا ms5105 على طاعة الله تعالى ونصرة دينه ، والعمل بشريعته. # ثم بشر الله تعالى عباده بجملة من البشارات الكريمة ، فقال تعالى : ( ~~@QUR@019 يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون. الذين آمنوا بآياتنا ~~وكانوا مسلمين. ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون ). # والخوف معناه : توقع ما يخشاه ويغتم له الإنسان في المستقبل. والحزن ~~معناه : غم يلحق الإنسان من أجل شيء مضى. # وقوله : ( @QUR@01 تحبرون ) أى : تفرحون وتسرون سرورا عظيما يظهر حباره ~~بفتح الحاء وكسرها أى : أثره الحسن على وجوهكم وأفئدتكم ، فهو من الحبر ~~بفتح الحاء والباء بمعنى الأثر. ويصح أن يكون من الحبر بسكون الباء بمعنى ~~الزينة وحسن الهيئة. # وبهذا ترى الآيات الكريمة قد نفت عنهم الخوف والحزن ، وفتحت لهم أبواب ~~الجنة ، وأعلمتهم بأنهم سيكونون هم وأزواجهم في سرور دائم. # أى : يقول الله تعالى لعباده المؤمنين يوم القيامة : يا عباد الذين ~~شرفتكم بالإضافة إلى ذاتى ، لا خوف عليكم اليوم من أمر المستقبل ، ولا أنتم ~~تحزنون على أمر مضى. # وقوله : ( @QUR@05 الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ) في محل نصب ، صفة ~~لقوله «يا عباد» أى : يا عباد الذين آمنوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا ~~وعلى صدق نبينا صلى الله عليه وسلم . وكانوا في PageV13P098 # الدنيا مخلصين وجوههم لنا ، وجاعلين أنفسهم سالمة لطاعتنا .. # ( @QUR@04 ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم ) أى : ونساؤكم المؤمنات ( @QUR@01 ~~تحبرون ) أى : تسرون وتتلذذون بتلك النعم التي أنعم بها سبحانه عليكم. # فالمراد بأزواجهم هنا : نساؤهم ، لأن في هذه الصحبة تلذذا أكثر ، ونعيما أكبر. # والإضافة في قوله ( @QUR@01 أزواجكم ) للاختصاص التام ، فتخرج الأزواج ~~غير المؤمنات. # ومنهم من يرى أن المراد بقوله ( @QUR@01 وأزواجكم ): نظراؤكم وأشباهكم ~~في الطاعة لله تعالى . # أى : ادخلوا الجنة أنتم وأشباهكم في الإيمان والطاعة ، دخولا لا تنالون ~~معه إلا الفرح الدائم ، والسرور الذي لا انقطاع له. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@014 إن أصحاب الجنة اليوم في شغل ~~فاكهون. هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكؤن ). # ثم بين سبحانه مظاهر أخرى لتكريمه لهؤلاء العباد فقال : ( @QUR@06 يطاف ~~عليهم بصحاف من ذهب وأكواب ... ). # والصحاف : جمع صحفة ، وهي الآنية الواسعة الكبيرة التي توضع فيها ~~الأطعمة. ms5106 # والأكواب : جمع كوب وهو ما يوضع فيه الشراب. # وفي الكلام حذف يعرف من السياق ، والتقدير : يقال لهم : ادخلوا الجنة ~~أنتم وأزواجكم تحبرون ، فإذا ما دخلوها واستقروا فيها ، يطاف عليهم بأطعمة ~~وأشربة في أوان من ذهب. # ولم تذكر الأطعمة والأشربة للعلم بها ، إذ لا معنى للطواف بالصحاف ~~والأكواب وهي فارغة .. # ( @QUR@06 وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ) أى : وفي الجنة التي ~~دخلوها كل ما تشتهيه الأنفس من أنواع المشتهيات ، وكل ما تتلذذ بين الأعين ~~وتسر برؤيته. # ( @QUR@01 وأنتم ) أيها المؤمنون ( @QUR@02 فيها خالدون ) خلودا أبديا لا ~~نهاية له. # ثم ختم سبحانه هذا التكريم لعباده بقوله : ( @QUR@013 وتلك الجنة التي ~~أورثتموها بما كنتم تعملون. لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون ). # واسم الإشارة ( @QUR@01 تلك ) مبتدأ وخبره ( @QUR@01 الجنة ) وما بعدهما ~~صفة الجنة .. وفي الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب على سبيل التشريف. PageV13P099 # وقال سبحانه ( @QUR@01 وتلك ) بالإفراد ، للإشعار بأن الخطاب لكل واحد من ~~أهل الجنة ، على سبيل العناية به ، والإعلاء من شأنه. # أى : ويقال لهم يوم القيامة على سبيل التشريف : وهذه الجنة التي ~~أورثتموها بسبب أعمالكم الصالحة في الدنيا ، لكم فيها فاكهة كثيرة ، وثمار ~~شهية لذيذة ، منها تأكلون أكلا هنيئا مريئا. # وعبر بقوله تعالى ( @QUR@01 أورثتموها ) للإشعار بأنها قد صارت إليهم ~~بفضل الله وكرمه ، كما يصير الميراث إلى الوارث. # وقوله ( @QUR@03 بما كنتم تعملون ) بيان للأسباب التي أوصلتهم إلى هذه ~~المنازل العالية ، فإن أعمالهم الطيبة التي تقبلها الله تعالى منهم ، ~~جعلتهم بفضله وإحسانه في أعلى الدرجات وأسماها. # وكعادة القرآن الكريم في المقارنة بين الأخيار والأشرار جاء الحديث عن ~~سوء عاقبة الكافرين بعد الحديث عن حسن عاقبة المؤمنين ، فقال تعالى ( ~~@QUR@06 إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون ). # أى : إن الكافرين بالحق ، الراسخين في الإجرام ، الكاملين فيه ، سيكونون ~~يوم القيامة ، في عذاب جهنم خالدين فيه خلودا أبديا. # ( @QUR@03 لا يفتر عنهم ) أى : لا يخفف عنهم العذاب ، فقوله ( @QUR@01 ~~يفتر ) مأخوذ من الفتور بمعنى الهدوء والسكون ، يقال : فترت الحمى ، إذا ~~خفت حدتها ، وفتر المرض إذا سكن قليلا. # ( @QUR@03 وهم فيه مبلسون ) أى : وهم في هذا العذاب في أقصى ms5107 درجات الحزن ~~والذلة واليأس يقال : أبلس فلان إبلاسا ، إذا سكت عن الكلام سكوتا مصحوبا ~~بالحزن وانقطاع الحجة. # ثم بين سبحانه أن ما نزل بهؤلاء المجرمين من عذاب كان بسبب كفرهم فقال ~~تعالى : ( @QUR@06 وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين ). # أى : نحن ما ظلمنا هؤلاء الكافرين بإنزال هذا العذاب المهين الدائم بهم ، ~~ولكن هم الذين ظلموا أنفسهم ، باستحبابهم العمى على الهدى ، وإيثارهم الغي ~~على الرشد. # ثم حكى سبحانه بعض أقوالهم بعد نزول العذاب بهم فقال : ( @QUR@06 ونادوا ~~يا مالك ليقض علينا ربك ). # والمراد بذلك سؤال مالك خازن النار ، واللام في قوله ( @QUR@01 ليقض ) ~~لام الدعاء. # أى : وبعد أن طال العذاب على هؤلاء الكافرين ، نادوا في ذلة واستجداء ~~قائلين لخازن PageV13P100 # النار : يا مالك ادع لنا ربك كي يقضى علينا ، بأن يميتنا حتى نستريح من ~~هذا العذاب. # فالمراد بالقضاء هنا : الإهلاك والإماتة ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@04 ~~فوكزه موسى فقضى عليه .. ) أى : فأهلكه. # وفي هذا النداء ما فيه من الكرب والضيق ، حتى إنهم ليتمنون الموت لكي ~~يستريحوا مما هم فيه من عذاب. # وهنا يجيئهم الرد بما يزيدهم غما على غمهم ، وهو قوله تعالى : ( @QUR@03 ~~قال إنكم ماكثون ) أى : قال مالك في الرد عليهم : إنكم ماكثون فيها بدون ~~موت يريحكم من عذابها ، وبدون حياة تجدون معها الراحة والأمان. # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون ) ~~تأكيد منه تعالى وتقرير لرد مالك عليهم ، ومبين لسبب مكثهم فيها .. # أى : لقد جئناكم أيها الكافرون بالحق على ألسنة رسلنا الذين لم يتركوا ~~وسيلة من الوسائل إلا وسلكوها معكم في الإرشاد إلى طريق الهدى ، ولكن ~~أكثركم كان كارها للحق والهدى ، معرضا عنهما إعراضا كليا ، مصرا على كفره وشركه. # وعبر سبحانه بالأكثر لأن قلة منهم لم تكن كارهة للحق ، ولكنها كانت ~~منقادة لأمر سادتها وكبرائها .. أما الذين كانوا يعرفون الحق ولكن يكرهونه ~~، فهم الزعماء والكبراء ، لأنهم يرون في اتباعه انتقاصا من شهواتهم وتصادما ~~مع أهوائهم. # ثم وبخهم سبحانه على مكرهم ، وبين أنه مكر بائر خائب فقال : ( @QUR@05 أم ~~أبرموا أمرا فإنا مبرمون ). # و ( @QUR@01 أم ) هنا ms5108 منقطعة بمعنى بل والهمزة ، والجملة الكريمة كلام ~~مستأنف مسوق لتأنيب المشركين على ما دبروه من كيد للرسول صلى الله عليه وسلم ~~وللمؤمنين. والإبرام : الإتقان للشيء والإحكام له ، وأصله الفتل المحكم. ~~يقال : أبرم فلان الحبل ، إذا أتقن فتله. # أى : بل أحكموا كيدهم للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه؟ إن كانوا يظنون ~~ذلك فقد خاب ظنهم ، لأن مكرنا أعظم من مكرهم ، وكيدنا يزهق كيدهم .. # فالمقصود بالآية الكريمة الانتقال من عدم إجابة ندائهم ، إلى تأنيبهم على ~~ما كان منهم في الدنيا من مكر بالحق وأهله ، وكيف أن هذا المكر السيئ كانت ~~نتيجته الخسران لهم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم ... ) ~~توبيخ آخر لهم على جهلهم وانطماس بصائرهم. PageV13P101 # والمراد بالسر هنا : حديثهم مع أنفسهم ، والمراد بنجواهم : ما تكلم به ~~بعضهم مع بعض دون أن يطلعوا عليه أحدا غيرهم. # أى : بل أيظن هؤلاء الجاهلون أننا لا نعلم ما يتحدثون به مع أنفسهم ، وما ~~يتحدثون به مع غيرهم في خفية واستتار. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 بلى ورسلنا لديهم يكتبون ) أى : إذا كانوا ~~يظنون ذلك فقد خابوا وخسروا ، فإننا نعلم سرهم ونجواهم. ورسلنا الذين ~~يحفظون عليهم أعمالهم ، ملازمون لهم ، ويسجلون عليهم كل صغيرة وكبيرة. # وبعد هذا التهديد والوعيد لأولئك الكافرين .. تأخذ السورة الكريمة في ~~تلقين الرسول صلى الله عليه وسلم الحجة التي يجابهم بها ، وفي تسليته عما ~~أصابه منهم ، وفي الثناء على الله تعالى بما هو أهله من تمجيد وتعظيم ، ثم ~~تختتم بهذا النداء الخاشع من الرسول صلى الله عليه وسلم لخالقه عز وجل فتقول : # ( @QUR@08 قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين (81) @QUR@08 سبحان رب ~~السماوات والأرض رب العرش عما يصفون (82) @QUR@08 فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى ~~يلاقوا يومهم الذي يوعدون (83) @QUR@011 وهو الذي في السماء إله وفي الأرض ~~إله وهو الحكيم العليم (84) @QUR@013 وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض ~~وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه ترجعون (85) @QUR@013 ولا يملك الذين ~~يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون (86) @QUR@08 ولئن ~~سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون (87) @QUR@08 وقيله يا ms5109 رب إن ~~هؤلاء قوم لا يؤمنون (88) @QUR@06 فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون ) (89) PageV13P102 # و ( @QUR@01 إن ) في قوله تعالى : ( @QUR@05 قل إن كان للرحمن ولد ... ) ~~يرى بعضهم أنها شرطية ، وأن الكلام مسوق على سبيل الفرض والتقدير. # والمعنى : قل أيها الرسول الكريم ردا على هؤلاء الكافرين الذين نسبوا ~~الولد إلى الله تعالى ، قل لهم : إن كان للرحمن ولد على سبيل الفرض ~~والتقدير فأنا أول العابدين لهذا الولد ، ولكن هذا الفرض قد ثبتت استحالته ~~يقينا لا شك معه ، فما أدى إليه ، وما ترتب عليه من نسبتكم الولد إلى الله ~~تعالى محال أيضا وإذا فأنا لا أعبد إلا الله تعالى وحده ، وأنزهه سبحانه عن ~~الولد أو الشريك. # ومن الآيات الكريمة التي نفت عن الله عز وجل الولد قوله تعالى : ( ~~@QUR@018 بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ، وخلق كل ~~شيء وهو بكل شيء عليم ) (1). # وقوله عز وجل : ( @QUR@027 وقالوا اتخذ الرحمن ولدا. لقد جئتم شيئا إدا. ~~تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا. أن دعوا للرحمن ~~ولدا. وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا ) (2). # ومن المفسرين الذين رجحوا أن تكون ( @QUR@01 إن ) هنا شرطية ، الإمام ابن ~~جرير ، فقد قال بعد أن ذكر بعض الأقوال في ذلك : وأولى الأقوال عندنا ~~بالصواب في ذلك ، قول من قال : معنى ( @QUR@01 إن ) الشرط الذي يقتضى ~~الجزاء. ومعنى الكلام : قل يا محمد لمشركي قومك ، الزاعمين أن الملائكة ~~بنات الله ، إن كان للرحمن ولد على سبيل الفرض فأنا أول العابدين. ولكنه لا ~~ولد له فأنا أعبده لأنه لا ينبغي أن يكون له ولد. # وإذا وجه الكلام إلى ما قلنا من هذا الوجه ، لم يكن على وجه الشك ، ولكن ~~على الإلطاف في الكلام ، وحسن الخطاب ، كما قال جل ثناؤه ( @QUR@09 وإنا أو ~~إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ) (3). # وقال الإمام ابن كثير : يقول تعالى : ( @QUR@01 قل ) يا محمد ( @QUR@07 ~~إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ). # أى : لو فرض هذا لعبدته على ذلك ، لأنى عبد من عبيده ، مطيع لجميع ما ~~أمرنى به ، ليس عندي ms5110 استكبار ولا إباء عن عبادته ، فلو فرض هذا كان هذا ، ~~ولكن هذا ممتنع في حقه PageV13P103 # تعالى ، والشرط لا يلزم منه الوقوع ولا الجواز أيضا كما قال تعالى : ( ~~@QUR@016 لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء ، سبحانه هو ~~الله الواحد القهار ) (1). # وقال صاحب الكشاف رحمه الله : قوله تعالى : ( @QUR@05 قل إن كان للرحمن ~~ولد .. ) وصح ذلك وثبت ببرهان صحيح .. ( @QUR@03 فأنا أول العابدين ) أى : ~~فأنا أول من يعظم ذلك الولد ، وأسبقكم إلى طاعته .. # وهذا كلام وارد على سبيل الفرض والتمثيل لغرض ، وهو المبالغة في نفى ~~الولد ، والإطناب فيه .. وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد ، وهي محال في ~~نفسها ، فكان المعلق بها محالا مثلها .. (2). # ويرى بعض العلماء أن ( @QUR@01 إن ) في الآية نافية بمعنى ما ، فيكون ~~المعنى : قل أيها الرسول لهؤلاء الكافرين : ما كان للرحمن من ولد ، وما صح ~~وما أمكن ذلك ، فهو مستحيل عقلا وشرعا ... وما دام الأمر كذلك ، فأنا أول ~~العابدين لله تعالى المنزهين له عن الولد والشريك وغيرهما. # قال الإمام القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@05 قل إن كان للرحمن ولد ... ) ~~اختلف في معناه. فقال ابن عباس والحسن والسدى : المعنى : ما كان للرحمن ~~ولد. ( @QUR@01 إن ) بمعنى ما ، ويكون الكلام على هذا تاما ، ثم تبتدى ~~بقوله تعالى ( @QUR@03 فأنا أول العابدين ). # وقيل المعنى : قل يا محمد ، إن ثبت له ولد ، فأنا أول من يعبد ولده ، ~~ولكن يستحيل أن يكون له ولد ، وهو كما تقول لمن تناظره : إن ثبت ما قلت ~~بالدليل ، فأنا أول من يعتقده ، وهذا مبالغة في الاستبعاد ، أى : لا سبيل ~~إلى اعتقاده .. # و ( @QUR@01 إن ) على هذا للشرط ، وهو الأجود. # وقيل إن معنى ( @QUR@01 العابدين ) الآنفين. وقال بعض العلماء لو كان ~~كذلك لكان العبدين .. بغير ألف ، يقال : عبد بكسر الباء يعبد عبدا بفتحها ~~إذا أنف وغضب فهو عبد ، والاسم العبدة ، مثل الأنفة .. (3). # ويبدو لنا أن الرأيين يؤديان إلى نفى أن يكون لله تعالى ولد وإن كان ~~الرأى الأول وهو أن حرف ( @QUR@01 إن ) للشرط هو المتبادر من معنى الآية ~~وعليه جمهور المفسرين. PageV13P104 # ثم نزه عز ms5111 وجل ذاته عن أقوال المفترين فقال : ( @QUR@08 سبحان رب السماوات ~~والأرض ، رب العرش عما يصفون ). # وسبحان : اسم مصدر بمعنى التنزيه والتقديس ، منصوب على أنه مفعول مطلق ~~بفعل محذوف ، أى : سبحت الله تعالى تسبيحا ، ونزهته تنزيها ، عن أن يكون له ~~ولد أو شريك ، فهو عز وجل رب السموات ، ورب الأرض رب العرش العظيم ، وهو ~~المتعالي عن كل ما وصفه الكافرون والفاسقون من صفات لا تليق بجلاله. # وجاء هذا التنزيه والتقديس بلفظ ( @QUR@01 سبحان )، لا بلفظ الفعل سبح ~~أو يسبح ، لأن النقص الذي أرادوا إلصاقه به شنيع ، فكان من المناسب أن يؤتى ~~بأقوى لفظ في التنزيه والتقديس. # وما في قوله : ( @QUR@02 عما يصفون ) مصدرية ، أى : عن وصفهم لله الولد ، ~~ويصح أن تكون موصولة والعائد محذوف. أى : عن الذي يصفونه به. # وفي إضافة رب إلى العرش ، مع أنه أعظم الأجرام ، تنبيه على أن جميع ~~المخلوقات تحت ملكوته وربوبيته ، فكيف يتخذ من خلقه ولدا؟. # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@03 فذرهم يخوضوا ويلعبوا .. ) للافصاح عن ~~شرط مقدر .. # أى : إذا كان الأمر كما ذكرنا لك أيها الرسول الكريم فاترك هؤلاء ~~الكافرين يخوضون في باطلهم ، وينهمكون في لعبهم .. # ( @QUR@05 حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ) وهو يوم القيامة ، الذي ~~سنحاسبهم فيه حسابا عسيرا ، ونعاقبهم بالعقوبة التي يستحقونها. # فالآية الكريمة تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما لحقه منهم من أذى ، ~~وتهديد لأولئك الكافرين على أقوالهم الباطلة ، وأفعالهم الشنيعة. # ثم أكد سبحانه أنه هو الإله الحق ، وأن كل ما عداه باطل ، فقال : ( ~~@QUR@011 وهو الذي في السماء إله ، وفي الأرض إله ، وهو الحكيم العليم ). # والجار والمجرور في قوله ( @QUR@02 في السماء ) و ( @QUR@02 في الأرض ) ~~متعلق بلفظ ( @QUR@01 إله )، لأنه بمعنى معبود أو بمعنى مستحق للعبادة ، ~~وهذا اللفظ الكريم خبر مبتدأ محذوف ، أى : هو إله .. # أى : وهو سبحانه وحده المعبود بحق في السماء ، والمعبود بحق في الأرض ، ~~لا إله غيره ، ولا رب سواه ، وهو عز وجل ( @QUR@01 الحكيم ) في كل أقواله ~~وأفعاله ( @QUR@01 العليم ) بكل شيء في هذا الوجود. PageV13P105 # فالآية الكريمة تدل على أن المستحق للعبادة من أهل السماء ومن ms5112 أهل الأرض ~~، هو الله تعال ، وكل معبود سواه فهو باطل. # قال الجمل ما ملخصه : قوله سبحانه : ( @QUR@05 وهو الذي في السماء إله .. ~~) الجار والمجرور متعلق بلفظ إله ، لأنه بمعنى معبود في السماء ومعبود في ~~الأرض .. # وبما تقرر من أن المراد بإله : معبود ، اندفع ما قيل من أن هذا يقتضى ~~تعدد الآلهة ، لأن النكرة إذا أعيدت نكرة تعددت ، كقولك : أنت طالق وطالق. # وإيضاح هذا الاندفاع ، أن الإله بمعنى المعبود ، وهو تعالى معبود فيهما. ~~والمغايرة إنما هي بين معبوديته في السماء ، ومعبوديته في الأرض ، لأن ~~المعبودية من الأمور الإضافية فيكفى التغاير فيها من أحد الطرفين ، فإذا ~~كان العابد في السماء غير العابد في الأرض ، صدق أن معبوديته في السماء غير ~~معبوديته في الأرض مع أن المعبود واحد ، وفيه دلالة على اختصاصه تعالى ~~باستحقاق الألوهية ، فإن التقديم يدل على الاختصاص .. (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@08 وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما ~~) ثناء منه سبحانه على ذاته بما هو أهله. # ولفظ ( @QUR@01 تبارك ) فعل ماض ، أى تعالى الله وتعظم ، وزاد خيره وكثر ~~إنعامه ، وهو مأخوذ من البركة بفتح الراء بمعنى الكثرة من كل خير .. أو من ~~البرك بسكون الراء بمعنى الثبوت والدوام .. وكل شيء ثبت ودام فقد برك. # أى : وتعالى الله وتقدس ، وثبت خيره ، وزاد إنعامه ، فهو سبحانه الذي له ~~ملك السموات والأرض ، وله ملك ما بينهما من مخلوقات أخرى لا يعملها أحد سواه. # ( @QUR@03 وعنده علم الساعة ) أى : وعنده وحده لا عند غيره العلم التام ~~بوقت قيام الساعة. # فالمصدر وهو ( @QUR@01 علم ) مضاف لمفعوله وهو ( @QUR@01 الساعة ) ~~والعالم بذلك هو الله تعالى . # والمراد بالساعة : يوم القيامة ، وسميت بذلك لسرعة قيامها ، كما قال ~~تعالى ( @QUR@013 ولله غيب السماوات والأرض ، وما أمر الساعة إلا كلمح ~~البصر أو هو أقرب ... ). # ( @QUR@02 وإليه ترجعون ) أى : وإليه وحده مرجعكم للحساب أو الجزاء ، ~~وليس إلى أحد سواه عز وجل . PageV13P106 # ثم بين سبحانه أنه لا شفاعة لأحد إلا بإذنه ، فقال : ولا يملك الذين ~~يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون. # والمراد بالموصول في قوله : ( @QUR@04 ولا ms5113 يملك الذين يدعون ... ) ~~الأصنام وغيرها مما عبد من دون الله تعالى ، وهو فاعل ، وجملة ( @QUR@01 ~~يدعون ) صلة لا محل لها من الإعراب ، والعائد محذوف. # والشفاعة من الشفع بمعنى الضم ، لأن الشفيع ينضم إلى المشفوع له ، فيصير ~~شفعا بعد أن كان فردا. # والاستثناء في قوله ( @QUR@04 إلا من شهد بالحق ) متصل ، لأن المستثنى ~~منه عام ، ثم استثنى منه الموحدون ، كعيسى ابن مريم. # والمعنى : ولا يملك المعبودون من دون الله تعالى الشفاعة لأحد من الناس ، ~~إلا من شهد بالحق منهم ، وأخلص العبادة لله تعالى وحده ، كعيسى ابن مريم ، ~~وعزير ، والملائكة ، فهؤلاء يملكونها إذا أذن الله سبحانه لهم بها. # ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعا ، إذا كان المستثنى منه خاصا بالأصنام ~~فيكون المعنى : ولا تملك الأصنام الشفاعة لأحد ، لكن من شهد بالحق ~~وبوحدانية الله كعيسى ابن مريم وغيره ، فإنه يملكها بإذن الله تعالى . # ويصح أن يكون المراد بقوله : ( @QUR@04 إلا من شهد بالحق ) المؤمن ~~المشفوع فيه فيكون المعنى : ولا يملك أحد الشفاعة لأحد. إلا لمن آمن بالله ~~تعالى وشهد الشهادة الحق وهو المؤمن ، فإنه تجوز الشفاعة له ، أما الكافر ~~فلا يملك أحد أن يشفع له. كما قال تعالى : ( @QUR@05 ولا يشفعون إلا لمن ~~ارتضى .. ) # وجملة ( @QUR@02 وهم يعلمون ) حالية. أى : والحال أنهم يعلمون علما يقينا ~~، أن المستحق للعباد هو الله تعالى . # وقيد سبحانه الشهادة بقوله ( @QUR@02 وهم يعلمون ) للإشعار بأن الشهادة ~~بالحق مع العلم بها هي المعتدة ، أما الشهادة بدون علم بالمشهود به فإنها ~~لا تكون كذلك. # وجمع سبحانه الضمير ( @QUR@01 هم ) باعتبار معنى ( @QUR@01 من )، وأفرده ~~في ضمير ( @QUR@01 شهد ) باعتبار لفظها. # ثم بين سبحانه ما كان عليه المشركون من تناقض بين أقوالهم وأفعالهم فقال ~~: ( @QUR@08 ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ، فأنى يؤفكون ). PageV13P107 # أى : والله لئن سألت يا محمد هؤلاء الكافرين عمن خلقهم وخلق من يعبدونهم ~~من دون الله ، ليقولن : الله هو الخالق لكل المخلوقات. # وقوله : ( @QUR@02 فأنى يؤفكون ) استفهام قصد به التعجب من أحوالهم ~~المتناقضة أى : ما دمتم قد اعترفتم بأن الخالق لكم ولغيركم هو الله ، فكيف ~~انصرفتم عن عبادة الله إلى ms5114 عبادة غيره. وكيف أشركتم معه غيره في ذلك مع ~~اعترافكم بأنه سبحانه هو الخالق لكل شيء. # يقال : أفك فلان فلانا يأفك إفكا من باب طرب وعلم إذا صرفه وقلبه عن ~~الشيء. وسميت قرى قوم لوط بالمؤتفكات لأن جبريل جعل عاليها سافلها بأمر ~~الله تعالى . # ثم حكى سبحانه ما تضرع به الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ربه فقال : ( ~~@QUR@08 وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون .. ). # والقيل ، والقال ، والقول ... كلها مصادر بمعنى واحد. والضمير يعود إلى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وقراءة الجمهور بفتح اللام وضم الهاء ، على أنه ~~معطوف على قوله تعالى قبل ذلك : ( @QUR@02 سرهم ونجواهم ) ويكون مقول القول ~~: ( @QUR@07 يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون ). # والمعنى : أيحسب هؤلاء الكافرون الجاهلون ، أننا لا نسمع سرهم ونجواهم ، ~~ونسمع تضرع رسولنا إلينا بقوله : ( @QUR@07 يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون )؟ # إن كانوا يحسبون ذلك الحسبان ، فقد كذبوا وخسروا ، لأننا نعلم ذلك وغيره ~~علما تاما. ويصح أن يكون قوله تعالى ( @QUR@01 وقيله ) منصوبا بفعل محذوف ~~والتقدير : ويعلم قيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون .. # وقرأ عاصم وحمزة ( @QUR@01 وقيله ) بكسر اللام والهاء ، عطفا على الساعة ~~أى : وعنده سبحانه علم الساعة ، وعلم قول الرسول صلى الله عليه وسلم يا رب إن ~~هؤلاء المشركين قوم لا يؤمنون. # والتعبير بالنداء بلفظ الرب ، يشعر بالقرب ، ويوحى بالإجابة ويفيد كمال ~~التضرع .. # كما أن التعبير بقوله ( @QUR@01 قوم ) يشير إلى أن كفرهم كان كفرا جماعيا ~~، لا كفرا فرديا. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون ) إرشاد وتسلية ~~من الله تعالى لنبيه. أى : فأعرض عنهم ، ولا تطمع في إيمانهم لشدة كفرهم ، ~~( @QUR@02 وقل سلام ) أى : وقل لهم : أمرى وشأنى الآن مسالمتكم ومتاركتكم ~~.. ( @QUR@02 فسوف يعلمون ) سوء عاقبة كفرهم وإصرارهم على باطلهم. PageV13P108 # وبعد : فهذا تفسير لسورة «الزخرف» نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه ~~، ونافعا لعباده. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV13P109 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الدخان PageV13P111 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «الدخان» من السور المكية ، وعدد آياتها : تسع ms5115 وخمسون آية في ~~المصحف الكوفي ، وسبع وخمسون في البصري ، وست وخمسون في غيرهما. وكان ~~نزولها بعد سورة «الزخرف». # 2 وقد افتتحت بالثناء على القرآن الكريم ، وأنه قد أنزله سبحانه في ليلة ~~مباركة ، قال تعالى : ( @QUR@013 إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا ~~منذرين. فيها يفرق كل أمر حكيم .. ). # 3 ثم تحدثت عن جانب من العقوبات الدنيوية التي عاقب الله تعالى بها كفار ~~قريش ، وذكرت ما تضرعوا به إلى الله لكي يكشف عنهم ما نزل بهم من بلاء ، ~~فلما كشفه تعالى عنهم عادوا إلى كفرهم وعنادهم ... # قال تعالى : ( @QUR@022 بل هم في شك يلعبون. فارتقب يوم تأتي السماء ~~بدخان مبين. يغشى الناس هذا عذاب أليم. ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون .. ). # 4 ثم ساقت جانبا من قصة فرعون مع موسى عليه السلام ، فبينت أن موسى دعا ~~فرعون وقومه إلى وحدانية الله تعالى ، ولكنهم أصروا على كفرهم ، فكانت ~~عاقبتهم الإغراق في البحر ، دون أن يحزن لهلاكهم أحد ، وأنهم قد تركوا من ~~خلفهم ما تركوا من جنات ونعيم .. # قال تعالى : ( @QUR@024 كم تركوا من جنات وعيون. وزروع ومقام كريم. ونعمة ~~كانوا فيها فاكهين. كذلك وأورثناها قوما آخرين. فما بكت عليهم السماء ~~والأرض وما كانوا منظرين .. ) # 5 وبعد أن هددت السورة الكريمة مشركي مكة على أقوالهم الباطلة في شأن ~~البعث ، وردت عليهم بما يدحض حجتهم ، أتبعت ذلك ببيان سوء عاقبة الكافرين ، ~~وحسن عاقبة المؤمنين ، وختمت بتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من ~~أذى ، ووعدته بالنصر على أعدائه ، قال تعالى : ( @QUR@08 فإنما يسرناه ~~بلسانك لعلهم يتذكرون. فارتقب إنهم مرتقبون ). # 6 هذا والمتدبر في هذه السورة الكريمة يراها تمتاز بقصر الآيات ، ~~وبأسلوبها الذي تبرز فيه PageV13P113 # ألوانا متعددة من تهديد المشركين ، تارة عن طريق تذكيرهم بالقحط الذي نزل ~~بهم ، وتارة عن طريق ما حل بالمكذبين من قبلهم ، وتارة عن طريق ما ينتظرهم ~~من عذاب مهين ، إذا ما استمروا على كفرهم ... # كما يراها تثنى على القرآن بألوان متعددة من الثناء ، وتبشر المتقين ~~ببشارات متنوعة ، وتطوف بالنفس الإنسانية في عوالم شتى ms5116 ، لتهديها إلى ~~الصراط المستقيم ، ولترشدها إلى طريق الحق واليقين. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # كتبه الراجي عفو ربه # د. محمد سيد طنطاوى # القاهرة : مدينة نصر # مساء الجمعة 25 من صفر سنة 1406 ه # 8 / 11 / 1985 م PageV13P114 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@01 حم (1) @QUR@02 والكتاب المبين (2) @QUR@08 إنا أنزلناه في ~~ليلة مباركة إنا كنا منذرين (3) @QUR@05 فيها يفرق كل أمر حكيم (4) @QUR@06 ~~أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين (5) @QUR@07 رحمة من ربك إنه هو السميع ~~العليم (6) @QUR@08 رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين (7) ~~@QUR@010 لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين ) (8) # سورة «الدخان» من السور المبدوءة بالحروف المقطعة ، وقد سبق أن قلنا إن ~~أقرب الآراء إلى الصواب في معناها : أن الله تعالى جاء بها في أوائل بعض ~~السور للتحدى والتعجيز والتنبيه إلى أن هذا القرآن من عند الله عز وجل فكأنه ~~تعالى يقول للمكذبين : هذا هو القرآن ، مؤلف من كلمات وحروف هي من جنس ما ~~تتخاطبون به ، فإن كنتم في شك في كونه من عنده تعالى فأتوا بسورة من مثله ~~.. فعجزوا وانقلبوا خاسرين ، وثبت أن هذا القرآن من عند الله تعالى . # والواو في قوله تعالى : ( @QUR@02 والكتاب المبين ) للقسم ، وجوابه ( ~~@QUR@05 إنا أنزلناه في ليلة مباركة .. ). # والمراد بالليلة المباركة : ليلة القدر ... # أى : وحق هذا القرآن الواضح الكلمات ، البين الأسلوب ، لقد ابتدأنا ~~إنزاله في ليلة كثيرة البركات والخيرات. PageV13P115 # فأنت ترى أن الله تعالى قد وصف هذه الليلة بأنها مباركة ، لزيادة خيرها ~~وفضلها ، ولما تتابع فيها من نعم دينية ودنيوية .. # ولله تعالى أن يفصل بعض الأزمنة على بعض وبعض الأمكنة على بعض وبعض الرسل ~~على بعض .. لا راد لفضله ، ولا معقب لحكمه ... # قال الإمام ابن كثير : «يقول الله تعالى «مخبرا عن هذا القرآن الكريم : ~~أنه أنزله في ليلة مباركة ، وهي ليلة القدر ، كما قال تعالى : ( @QUR@05 ~~إنا أنزلناه في ليلة القدر .. ) وكان ذلك في شهر رمضان ، كما قال تعالى : ( ~~@QUR@06 شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ).. # ومن قال بأنها أى : الليلة ms5117 المباركة ليلة النصف من شعبان كما روى عن ~~عكرمة فقد أبعد النجعة ، فإن نص القرآن أنها في رمضان» (1). # هذا وقد فصل بعضهم أدلة من قال بأن المراد بها ليلة القدر ، وأدلة من قال ~~بأن المراد بها ليلة النصف من شعبان (2). # والحق أن المراد بها ليلة القدر ، التي أنزل فيها القرآن من شهر رمضان ، ~~كما نصت على ذلك آية سورة البقرة التي تقول : ( @QUR@06 شهر رمضان الذي ~~أنزل فيه القرآن ... ). # والأحاديث التي أوردها بعضهم في أن المراد بها ليلة النصف من شعبان ، ~~أحاديث مرسلة أو ضعيفة ، أو لا أساس لها .. فثبت أن المراد بها ليلة القدر. # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 إنا كنا منذرين ) استئناف مبين لمقتضى الإنزال .. # والإنذار : إخبار فيه تخويف وترهيب ، كما أن التبشير إخبار فيه تأمين ~~وترغيب. # أى : أنزلنا هذا القرآن في تلك الليلة المباركة ، أو ابتدأنا إنزاله فيها ~~، لأن من شأننا أن نخوف بكتبنا ووحينا ، حتى لا يقع الناس في أمر نهيناهم ~~عن الوقوع فيه. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 فيها يفرق كل أمر حكيم ) جملة مستأنفة أيضا ~~لبيان وجه تخصيص هذه الليلة بإنزال القرآن فيها. # وقوله ( @QUR@01 يفرق ) أى : يفصل ويبين ويكتب. و ( @QUR@01 حكيم ) أى : ~~ذو حكمة ، أو محكم لا تغيير فيه. # أى : في هذه الليلة المباركة يفصل ويبين ويكتب ، كل أمر ذي حكمة باهرة ، ~~وهذا الأمر صادر عن الله تعالى ، الذي لا راد لقضائه ، ولا مبدل لحكمه. PageV13P116 # قال صاحب الكشاف ما ملخصه : فإن قلت : ( @QUR@08 إنا كنا منذرين. فيها ~~يفرق كل أمر حكيم ) ما موقع هاتين الجملتين؟ # قلت : هما جملتان مستأنفتان ، فسر بهما جواب القسم الذي هو قوله تعالى : ~~( @QUR@05 إنا أنزلناه في ليلة مباركة ) كأنه قيل : أنزلناه لأن من شأننا ~~الإنذار والتحذير من العقاب ، وكان إنزالنا إياه في هذه الليلة خصوصا ، لأن ~~إنزال القرآن من الأمور الحكيمة ، وهذه الليلة مفرق كل أمر حكيم. # ومعنى ( @QUR@01 يفرق ) يفصل ويكتب كل أمر حكيم من أرزاق العباد وآجالهم ~~وجميع أمورهم ..» (1). # ثم بين سبحانه أن مرد هذه الكتابة والتقدير للأشياء إليه وحده فقال : ( ~~@QUR@03 أمرا من عندنا .. ). # ولفظ ( @QUR@01 أمرا .. ) يرى ms5118 بعضهم أنه حال من ( @QUR@02 كل أمر .. ) أى ~~: يفرق في هذه الليلة المباركة كل أمر ذي حكمة ، حالة كون هذا الأمر من ~~عندنا وحدنا لا من عند غيرنا. # ويصح أن يكون منصوبا على الاختصاص ، وتنكيره للتفخيم ، أى : أعنى بهذا ~~الأمر الحكيم ، أمرا عظيما كائنا من عندنا وحدنا. وقد اقتضاه علمنا ~~وتدبيرنا. # وقوله : ( @QUR@06 إنا كنا مرسلين. رحمة من ربك .. ) بدل من قوله : ( ~~@QUR@03 إنا كنا منذرين ). # أى أنزلنا هذا القرآن ، في تلك الليلة المباركة لأن من شأننا إرسال ~~المرسلين إلى الناس ، لأجل الرحمة بهم ، والهداية لهم ، والرعاية لمصالحهم. # وقوله : ( @QUR@04 إنه هو السميع العليم ) تعليل لما قبله. أى : فعل ما ~~فعل من إنزال القرآن ، ومن إرسال الرسل ، لأنه سبحانه هو السميع لمن تضرع ~~إليه ، العليم بجميع أحوال خلقه. # ثم وصف سبحانه ذاته بما يدل على كمال قدرته ، ونفاذ إرادته فقال : ( ~~@QUR@05 رب السماوات والأرض وما بينهما .. ) من هواء ، ومن مخلوقات لا ~~يعلمها إلا الله تعالى . # ( @QUR@03 إن كنتم موقنين ) أى : إن كنتم على يقين في إقراركم حين تسألون ~~عمن خلق السموات والأرض وما بينهما. # وجواب الشرط محذوف ، أى : إن كنتم من أهل الإيقان علمتم بأن الله تعالى ~~وحده ، هو رب السموات والأرض وما بينهما. PageV13P117 # ( @QUR@04 لا إله إلا هو ) سبحانه ( @QUR@01 يحيي ) من يريد إحياءه ، ( ~~@QUR@01 ويميت ) من يريد إماتته ، هو تعالى ( @QUR@04 ربكم ورب آبائكم ~~الأولين ). # أى : هو سبحانه الذي تعهدكم بالرعاية والتربية والخلق ، كما فعل ذلك مع ~~آبائكم الأولين ، الذين أنتم من نسلهم .. # ثم بين سبحانه أحوال الكافرين ، وكيف أنهم عند ما ينزل يهم العذاب ، ~~يجأرون إلى الله تعالى أن يكشفه عنهم. فقال تعالى : # ( @QUR@05 بل هم في شك يلعبون (9) @QUR@06 فارتقب يوم تأتي السماء بدخان ~~مبين (10) @QUR@05 يغشى الناس هذا عذاب أليم (11) @QUR@06 ربنا اكشف عنا ~~العذاب إنا مؤمنون (12) @QUR@07 أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين (13) ~~@QUR@06 ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون (14) @QUR@06 إنا كاشفوا العذاب ~~قليلا إنكم عائدون (15) @QUR@06 يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون ) (16) # و ( @QUR@01 بل ) في قوله تعالى : ( @QUR@05 بل هم في شك يلعبون ) ~~للاضراب الإبطالى ، لأن المقصود من الآية الكريمة ms5119 ، نفى إيقانهم بأن خالق ~~السموات والأرض هو الله ، لعدم جريهم على ما يقتضيه هذا الإيقان ، لأنهم لو ~~كانوا موقنين حقا بذلك ، لأخلصوا لله تعالى العبادة والطاعة. # فيكون المعنى : إن هؤلاء الكفار لم يكونوا موقنين بأن رب السموات والأرض ~~وما بينهما هو الله ، بل قالوا ما قالوا في ذلك على سبيل الشك واللعب. # قال الآلوسى : «قوله : ( @QUR@04 بل هم في شك ... ) إضراب إبطالى ، أبطل ~~به إيقانهم لعدم جريهم على موجبه ، وتنوين ( @QUR@01 شك ) للتعظيم ، أى : ~~في شك عظيم. ( @QUR@01 يلعبون ) أى : لا يقولون ما يقولون عن جد وإذعان ، ~~بل يقولونه مخلوطا بهزء ولعب. وهذه الجملة خبر بعد خبر لهم .. والالتفات عن ~~خطابهم لفرط عنادهم ، وإهمال أمرهم ..» (1). PageV13P118 # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@06 فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين ) ~~لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، ولتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وأمره ~~بالصبر حتى يحكم الله بينه وبينهم. # والارتقاب : الانتظار ، وأكثر ما يستعمل الارتقاب في الأمر المكروه ~~والمراد باليوم مطلق الوقت ، وهو مفعول به لارتقب. # قال الآلوسى ما ملخصه : «والمراد بالسماء جهة العلو ، وإسناد الإتيان ~~بذلك إليها من قبيل الإسناد إلى السبب ، لأنه يحصل بعدم إمطارها ...». # أى : فارتقب يوم تأتى السماء بجدب ومجاعة ، فإن الجائع جدا يرى بينه وبين ~~السماء كهيئة الدخان ، وهي ظلمة تعرض للبصر لضعفه .. وإرادة الجدب والمجاعة ~~منه مجاز ، من باب ذكر المسبب وإرادة السبب .. وبعض العرب يسمى الشر الغالب ~~دخانا ، ووجه ذلك أن الدخان مما يتأذى به فأطلق على كل مؤذ يشبهه ، وأريد ~~به هنا الجدب ، ومعناه الحقيقي معروف» (1). # وللمفسرين في معنى هذه الآية اتجاهات أولها : ما ورد في الحديث الصحيح من ~~أن مشركي مكة ، لما أصروا على كفرهم وعلى إعراضهم عن الحق ، دعا عليهم ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : «اللهم أعنى عليهم بسبع كسبع يوسف ..» ~~فأصابهم القحط والبلاء والجوع .. # وكنى عن ذلك بالدخان ، لأن العرب يسمون الشر الغالب بالدخان ، فيقولون : ~~كان بيننا أمر ارتفع له دخان .. # والسبب فيه أن الإنسان إذا اشتد ضعفه ، أظلمت عيناه ، فيرى الدنيا ~~كالمملوءة بالدخان. # روى البخاري ms5120 وغيره عن ابن مسعود قال : إن قريشا لما أبطأت عن الإسلام ، ~~واستعصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بسنين كسنى يوسف ، ~~فأصابهم من الجهد والجوع حتى أكلوا العظام والميتة وجعلوا يرفعون أبصارهم ~~إلى السماء فلا يرون إلا الدخان ... # فقيل : يا رسول الله ، استسق الله لمضر فإنها قد هلكت ، فاستسقى لهم ~~فسقوا ، فأنزل الله : ( @QUR@06 إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون ). # قال ابن كثير : «وهذا الحديث مخرج في الصحيحين ، ورواه الإمام أحمد في ~~مسنده ، وهو عند الترمذي والنسائي في تفسيرهما ، وعند ابن جرير وابن أبى ~~حاتم من طرق متعددة» (2). # وعلى هذا الرأى يكون الدخان قد وقع فعلا ، بمعنى أن المشركين قد أصابهم ~~بلاء شديد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم . ثم كشف الله عنهم منه ما كشف ~~ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم . PageV13P119 # أما الاتجاه الثاني فيرى أصحابه ، أن المراد بالدخان ، ما يكون قبل يوم ~~القيامة من دخان يسبق ذلك ، كعلامة من علامات البعث والنشور .. # واستدل أصحاب هذا الاتجاه ، بأحاديث ذكرها المفسرون. # قال ابن كثير : «وقال آخرون : لم يمض الدخان بعد ، بل هو من أمارات ~~الساعة ، كما تقدم من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري. قال : أشرف علينا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من غرفته ونحن نتذاكر الساعة ، فقال : «لا تقوم ~~الساعة حتى تروا عشر آيات : طلوع الشمس من مغربها ، والدخان ، والدابة ، ~~وخروج يأجوج ومأجوج ، وخروج عيسى ابن مريم ، والدجال وثلاثة خسوف : خسوف ~~بالمشرق وخسوف بالمغرب ، وخسوف بجزيرة العرب ، ونار تخرج من قعر عدن تسوق ~~الناس أو تحشر الناس تبيت معهم حيث باتوا ، وتقيل حيث قالوا». # ثم ساق ابن كثير بعد ذلك أحاديث أخرى ، وقال في نهايتها : والظاهر أن ذلك ~~يوم القيامة» (1). # ويبدو لنا أن الاتجاه الأول أقرب إلى سياق الآيات التي ذكرها الله تعالى ~~في هذه السورة ، ولا يتعارض ذلك مع كون ظهور الدخان علامة من علامات قرب ~~يوم القيامة ، كما جاء في حديث حذيفة بن أسيد الغفاري ، الذي ذكره ابن كثير ~~رحمه الله وقال في ms5121 شأنه : تفرد بإخراجه مسلم في صحيحه. # ومن المفسرين الذين رجحوا الاتجاه الأول الإمام الطبري ، فقد قال بعد أن ~~ساق هذين القولين : وأولى القولين بالصواب في ذلك قول ابن مسعود ، من أن ~~الدخان الذي أمر الله تعالى نبيه أن يرتقبه ، هو ما أصاب قومه من الجهد ~~بدعائه عليهم. # وإنما قلت القول الذي قاله ابن مسعود رضى الله عنه هو أولى بتأويل الآية ~~، لأن الله تعالى توعد بالدخان مشركي قريش ... ولأن الأخبار قد تظاهرت بأن ~~ذلك كائن والمعنى : فانتظر يا محمد لمشركي قومك ، يوم تأتيهم السماء من ~~البلاء الذي يحل بهم ، بمثل الدخان المبين» (2). # ومنهم أيضا الإمام الآلوسى ، فقد قال رحمه الله : هذا ، والأظهر حمل ~~الدخان على ما روى عن ابن مسعود ، لأنه أنسب بالسياق ، لما أنه في كفار ~~قريش ، وبيان سوء حالهم» (3). PageV13P120 # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 يغشى الناس ) صفة ثانية للدخان ، والمراد بهم ~~كفار مكة وأمثالهم ممن أصابه الجوع والبلاء. # أى : ارتقب أيها الرسول الكريم يوم تأتى السماء لهؤلاء المشركين بعذاب من ~~صفاته أنه عذاب واضح ، يحسونه بحواسهم ، ويشعرون به شعورا جليا ، ومن صفاته ~~كذلك أنه يحيط بهم من كل جوانبهم ، ويجعلهم يتضرعون إلينا ويقولون : ( ~~@QUR@03 هذا عذاب أليم ) أى : شديد ألمه ، وعظيم هوله. # ثم يقولون أيضا : ( @QUR@06 ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون ) أى : يا ~~ربنا أزل عنا هذا العذاب المتمثل في الجوع والمرض وغيرهما ، فإنك إن رفعت ~~عنا ذلك آمنا برسولك صلى الله عليه وسلم ، واتبعنا دعوته ، ولكنهم بعد أن كشف ~~الله تعالى عنهم هذا العذاب ، نقضوا عهودهم ، وأصروا على كفرهم. # ولذا عقب الله تعالى على تضرعهم هذا بقوله : ( @QUR@03 أنى لهم الذكرى .. ~~) أى : كيف يتأتى لهم التذكر والاعتبار والاتعاظ ... # والحال أنهم ( @QUR@04 قد جاءهم رسول مبين ) هو محمد صلى الله عليه وسلم ، ~~الذي لم يترك بابا من أبواب الخير إلا وأرشدهم إليه ، ولم يترك وسيلة من ~~وسائل الهداية إلا وسلكها معهم .. # ولكنهم استحبوا العمى على الهدى ، ولذا أكد القرآن ذلك فقال : ( @QUR@06 ~~ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون ). # أى : كيف يتعظون والحال أنه قد جاءهم ms5122 رسول عظيم الشأن ، وضح الحق أكمل توضيح. # فما كان منهم بعد أن استمعوا إليه ، إلا الإعراض عن دعوته ، ولم يكتفوا ~~بهذا الإعراض والصدود ، بل قالوا في شأنه بجهالة وسوء أدب : ( @QUR@01 معلم ~~) أى : إنسان يعلمه غيره من البشر ، وقالوا في شأنه أيضا ( @QUR@01 مجنون ) ~~أى : مختلط في عقله. # ثم بين سبحانه جانبا من مظاهر فضله عليهم ، ورحمته بهم ، فقال : ( ~~@QUR@06 إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون ). # أى : إنا بفضلنا ورحمتنا كاشفو العذاب عنكم كشفا قليلا أيها المشركون ، ~~ولكنكم لم تقابلوا فضلنا عليكم ، ورحمتنا بكم ، بالشكر والطاعة بل قابلتم ~~ذلك بالإصرار على الكفر ، والثبات على الجحود. # فالمراد بقوله تعالى ( @QUR@02 إنكم عائدون ): عزمهم وإصرارهم على ~~الاستمرار على الكفر ، لأنهم لم يوجد منهم إيمان ، حتى يتركوه ويعودوا إلى ~~الكفر ، وإنما الذي وجد منهم هو PageV13P121 # الوعد بالإيمان إذا انكشف عنهم العذاب ، فلما انكشف عنهم ، نقضوا عهودهم ~~، واستمروا على كفرهم. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@019 وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ~~ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون. فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون ) (1). # ثم هددهم سبحانه تهديدا ترتعد له القلوب فقال : ( @QUR@06 يوم نبطش ~~البطشة الكبرى إنا منتقمون ). # وقوله ( @QUR@01 يوم ) منصوب بفعل مقدر. وقوله ( @QUR@01 نبطش ) من البطش ~~بمعنى الأخذ بقوة وعنف. يقال : بطش فلان بفلان يبطش به ، إذا نكل به تنكيلا شديدا. # أى : اذكر أيها العاقل لتعتبر وتتعظ يوم أن نأخذ هؤلاء الكافرين أخذ عزيز ~~مقتدر ، حيث ننتقم انتقاما يذلهم ويخزيهم. # وهذا البطش الشديد منا لهم سيكون جزءا منه في الدنيا ، كانتقامنا منهم ~~يوم بدر وسيكون أشده وأعظمه وأدومه عليهم ... يوم القيامة. # وبذلك نرى السورة الكريمة بعد أن مدحت القرآن الكريم مدحا عظيما ، وبينت ~~جانبا من مظاهر فضل الله تعالى على عباده ، أخذت في تسلية الرسول ~~صلى الله عليه وسلم عما أصابه من أعدائه ، وهددت هؤلاء الأعداء بسوء المصير في ~~الدنيا ، وفي الآخرة. # * * * # ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن جانب من قصة موسى عليه السلام مع ~~فرعون وملئه ، وكيف أن الله تعالى أجاب دعاء نبيه موسى ، فأهلك ms5123 فرعون وقومه ~~، ونجى موسى وبنى إسرائيل من شرورهم فقال تعالى : # ( @QUR@08 ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم (17) @QUR@09 أن ~~أدوا إلي عباد الله إني لكم رسول أمين (18) @QUR@09 وأن لا تعلوا على الله ~~إني آتيكم بسلطان مبين (19) @QUR@06 وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون (20) ~~@QUR@05 وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون (21) @QUR@01 فدعا PageV13P122 # @QUR@05 ربه أن هؤلاء قوم مجرمون (22) @QUR@05 فأسر بعبادي ليلا إنكم ~~متبعون (23) @QUR@06 واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون (24) @QUR@05 كم ~~تركوا من جنات وعيون (25) @QUR@03 وزروع ومقام كريم (26) @QUR@04 ونعمة ~~كانوا فيها فاكهين (27) @QUR@04 كذلك وأورثناها قوما آخرين (28) @QUR@08 ~~فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين (29) @QUR@07 ولقد نجينا بني ~~إسرائيل من العذاب المهين (30) @QUR@07 من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين ~~(31) @QUR@06 ولقد اخترناهم على علم على العالمين (32) @QUR@07 وآتيناهم من ~~الآيات ما فيه بلؤا مبين ) (33) # واللام في قوله تعالى : ( @QUR@05 ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون .. ) موطئة ~~للقسم. وقوله ( @QUR@01 فتنا ) من الفتن بمعنى الاختبار والامتحان. يقال : ~~فتنت الذهب بالنار ، إذا أدخلته فيها لتعرف جودته من رداءته. # والمراد به هنا : إخبارهم وامتحانهم ، بإرسال موسى عليه السلام وبالتوسعة ~~عليهم تارة ، وبالتضييق عليهم تارة أخرى. # والمعنى : والله لقد اختبرنا فرعون وقومه من قبل أن نرسلك أيها الرسول ~~الكريم إلى هؤلاء المشركين ، وكان اختبارنا وامتحاننا لهم عن طريق إرسال ~~نبينا موسى إليهم ، وعن طريق ابتلائهم بالسراء والضراء لعلهم يرجعون إلى ~~طاعتنا ، ولكنهم لم يرجعوا فأهلكناهم. # فالآية الكريمة المقصود بها تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من ~~قومه ، ببيان أن تكذيب الأقوام لرسلهم ، حاصل من قبله ، فعليه أن يتأسى ~~بالرسل السابقين في صبرهم. # والمراد بالرسول الكريم في قوله : تعالى : ( @QUR@03 وجاءهم رسول كريم ) ~~: موسى عليه السلام ، فقد أرسله سبحانه إلى فرعون وقومه ، فبلغهم رسالة ربه ~~، ولكنهم كذبوه وعصوه .. # ووصف سبحانه نبيه موسى بالكرم ، على سبيل التشريف له ، والإعلاء من قدره ~~، فقد كان عليه السلام كليما لربه ، ومطيعا لأمره ، ومتحليا بأسمى الأخلاق ~~وأفضلها. PageV13P123 # و ( @QUR@01 أن ) في قوله تعالى ( @QUR@05 أن أدوا إلي عباد الله .. ) ~~مفسرة لأن مجيء الرسول إليهم يتضمن معنى القول. وقوله : ( @QUR@02 أدوا إلي ~~) بمعنى سلموا إلى ms5124 ، أو ضموا إلى ... # قوله : ( @QUR@02 عباد الله ) مفعول به. والمراد بهم بنو إسرائيل. # والمعنى : جاء إلى فرعون وقومه رسول كريم ، هو موسى عليه السلام ، فقال ~~لهم : سلموا إلى بنى إسرائيل ، وأطلقوهم من الذل والهوان ، واتركوهم يعيشون ~~أحرارا في هذه الدنيا. # ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى في موضع آخر : ( @QUR@011 فأتياه فقولا إنا ~~رسولا ربك ، فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم .. ) (1). # ويصح أن يكون المراد بقوله ( @QUR@03 أن أدوا إلي .. ) بمعنى : أن ~~استجيبوا لدعوتى ، والمراد بالعباد : ما يشمل بنى إسرائيل وغيرهم ، ويكون ~~لفظ ( @QUR@02 عباد الله ) منصوب بحرف نداء محذوف. # وعليه يكون المعنى : أرسلنا إلى فرعون وقومه رسولا كريما ، فجاء إليهم ~~وقال لهم على سبيل النصح والإرشاد : يا عباد الله ، إنى رسول الله إليكم ، ~~فاستمعوا إلى قولي ، واتبعوا ما أدعوكم إليه من عبادة الله تعالى وحده ، ~~وترك عبادة غيره. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@05 أن أدوا إلي عباد الله .. ) أى : أطلقوهم ~~وسلموهم إلى ، والمراد بهم بنو إسرائيل الذين كان فرعون يستعبدهم ، ~~والتعبير عنهم بعباد الله ، للإشارة إلى أن استعباده إياهم ظلم منه لهم .. # أو أدوا إلى حق الله تعالى من الإيمان وقبول الدعوة يا عباد الله ، على ~~أن مفعول ( @QUR@01 أدوا ) محذوف ، وعباد منادى ، وهو عام لبنى إسرائيل ~~والقبط والأداء بمعنى الفعل للطاعة وقبول الدعوة ..» (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 إني لكم رسول أمين ) تعليل لما تقدم. أى : ~~استجيبوا لدعوتى ، وأطيعوا أمرى ، فإنى مرسل من الله تعالى إليكم ، وأمين ~~على الرسالة ، لأنى لم أبدل شيئا مما كلفنى به ربي. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 وأن لا تعلوا على الله .. ) معطوف على قوله : ( ~~@QUR@02 أن أدوا .. ) وداخل في حيز القول. PageV13P124 # أى : قال لهم : أرسلوا معى بنى إسرائيل ، واستجيبوا لدعوتى ، واحذروا أن ~~تتجبروا أو تتكبروا على الله تعالى ، بأن تستخفوا بوحيه أو تعرضوا عن رسوله ... # ( @QUR@04 إني آتيكم بسلطان مبين ) أى : إنى آتيكم من عنده تعالى بحجة ~~واضحة لا سبيل إلى إنكارها ، وببرهان ساطع يشهد بصدقى وأمانتى .. # ( @QUR@06 وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون ) أى : وإنى اعتصمت واستجرت ~~بربي وربكم من أن ترجمونى بالحجارة ، أو من أن تلحقوا بي ms5125 ما يؤذيني ، وهذا ~~الاعتصام بالله تعالى يجعلني لا أبالى بكم ، ولا أتراجع عن تبليغ دعوته ~~سبحانه بحال من الأحوال. # ( @QUR@05 وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون ) أى : وقال لهم أيضا في ختام نصحه ~~لهم : إنى لن أتراجع عن دعوتكم إلى الحق مهما وضعتم في طريقي من عقبات ~~وعليكم أن تؤمنوا بي ، فإن لم تؤمنوا بي. فكونوا بمعزل عنى بحيث تتركونى ~~وشأنى حتى أبلغ رسالة ربي ، فإنه لا موالاة ولا صلة بيني وبينكم ، مادمتم ~~مصرين على كفركم. # فأنت ترى أن موسى عليه السلام قد طلب من فرعون وقومه الاستجابة لدعوته ، ~~ونهاهم عن التكبر والغرور ، وبين لهم أنه رسول أمين على وحى الله تعالى ، ~~وأنه معتصم بربه من كيدهم ، وأن عليهم إذا لم يؤمنوا به أن يتركوه وشأنه ، ~~لكي يبلغ رسالة ربه ، ومن شاء بعد ذلك فليؤمن ومن شاء فليكفر. # ولكن الإرشادات الحكيمة من موسى لفرعون وقومه ، لم تجد أذنا صاغية ، فإن ~~الطغيان في كل زمان ومكان ، لا يعجبه منطق الحق والعدل والمسالمة ، ولكن ~~الذي يعجبه هو التكبر في الأرض بغير الحق ، وإيثار الغي على الرشد .. # ولذا نجد موسى عليه السلام يلجأ إلى ربه يطلب منه العون والنصرة فيقول كما ~~حكى القرآن عنه : ( @QUR@06 فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون ). # والآية الكريمة معطوفة على كلام محذوف ، يفهم من السياق ، والتقدير : ~~وبعد أن أمر موسى فرعون وقومه بإخلاص العبادة لله تعالى ونهاهم عن الإشراك ~~به .. بعد كل ذلك أصروا على تكذيبه ، وأعرضوا عن دعوته ، وآذوه بشتى ألوان ~~الأذى فدعا ربه دعاء حارا قال فيه : يا رب إن هؤلاء القوم وهم فرعون وشيعته ~~قوم راسخون في الكفر والإجرام ، فأنزل بهم عقابك الذي يستحقونه. # ثم حكت السورة الكريمة بعد ذلك ما يدل على أن الله تعالى قد أجاب دعاء ~~موسى عليه السلام ، وأنه سبحانه قد أرشده إلى ما يفعله فقال : ( @QUR@05 ~~فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون ). PageV13P125 # قال الجمل : «قوله : ( @QUR@01 فأسر ) قرأ الجمهور بقطع الهمزة وقرأ نافع ~~وابن كثير بوصلها ، وهما لغتان جيدتان : الأولى من أسريت والثانية من سريت. ~~قال ms5126 تعالى ( @QUR@04 سبحان الذي أسرى بعبده ) وقال : ( @QUR@03 والليل إذا ~~يسر ) والإسراء السير ليلا ، فذكر الليل هنا تأكيد له بغير اللفظ إذ ~~الإسراء والسرى : السير ليلا» (1). # والكلام على تقدير القول ، أى : فقال الله تعالى على سبيل التعليم ~~والإرشاد : سر يا موسى ببني إسرائيل وبمن آمن معك من القبط من مصر ، بقطع ~~من الليل ( @QUR@02 إنكم متبعون ) من جهة فرعون وملئه ، متى علموا بخروجكم. # ( @QUR@03 واترك البحر رهوا ... ) أى : ومتى وصلت إلى البحر أى : البحر ~~الأحمر فاضربه بعصاك ، ينفلق بإذن الله فسر فيه أنت ومن معك ، واتركه ساكنا ~~مفتوحا على حاله ، فإذا ما سار خلفك فرعون وجنوده أغرقناهم فيه. # يقال : رها البحر يرهو ، إذا سكن. وجاءت الخيل رهوا ، أى : ساكنة ، ويقال ~~أيضا : رها الرجل رهوا ، إذا فتح بين رجليه وفرق بينهما ، وهو حال من البحر. # قال الإمام الرازي : «وفي لفظ ( @QUR@01 رهوا ) قولان : # أحدهما : أنه الساكن ، يقال : عيش راه ، إذا كان خافضا وادعا ساكنا ... # والثاني : أن الرهو هو الفرجة الواسعة ، أى : ذا رهو ، أى : ذا فرجة حتى ~~يدخل فيها فرعون وقومه فيغرقوا .. وإنما أخبره سبحانه بذلك حتى يبقى فارغ ~~القلب من شرهم وإيذائهم» (2). # وقوله : ( @QUR@03 إنهم جند مغرقون ) تعليل للأمر بتركه رهوا ، أى : اترك ~~البحر على حاله ، فإن أعداءك سيغرقون فيه إغراقا يدمرهم ويهلكهم. # ثم بين سبحانه سوء مآلهم فقال : ( @QUR@05 كم تركوا من جنات وعيون ) و ( ~~@QUR@01 كم ) هنا خبرية للتكثير والتهويل ، أى : ما أكثر ما ترك هؤلاء ~~المغرقون خلفهم من بساتين ناضرة ، وعيون يخرج منها الماء النمير .. # ( @QUR@01 وزروع ) كثيرة متنوعة ( @QUR@02 ومقام كريم ) أى : ومحافل ~~ومنازل كانت مزينة بألوان من الزينة والزخرفة .. # ( @QUR@04 ونعمة كانوا فيها فاكهين ) أى : وتنعم وترفه كانوا فيه يتلذذون ~~، بما بين أيديهم من رغد العيش. وكثرة الفاكهة .. PageV13P126 # والنعمة بفتح النون بمعنى التنعم والتلذذ ، والنعمة بالكسر المنة ~~والإنعام بالشيء وتطلق على الجنس الصادق بالقليل والكثير. # وقوله : ( @QUR@01 كذلك ) في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف ، أى : الأمر كذلك. # قال الجمل ما ملخصه : «قوله : ( @QUR@01 كذلك .. ) خبر مبتدأ محذوف. أى : ~~الأمر كذلك. فالوقف يكون على هذا اللفظ ، وتكون الجملة اعتراضية ms5127 لتقرير ~~وتوكيد ما قبلها ... ويبتدأ بقوله : ( @QUR@03 وأورثناها قوما آخرين ) وهو ~~معطوف على ( @QUR@02 كم تركوا .. ) أى : تركوا أمورا كثيرة وأورثناها قوما ~~آخرين ، وهم بنو إسرائيل». # وقال الزمخشري : الكاف في محل نصب ، على معنى : مثل ذلك الإخراج أخرجناهم ~~منها ( @QUR@03 وأورثناها قوما آخرين ) ليسوا منهم. # فعلى هذا يكون قوله ( @QUR@01 وأورثناها ) معطوفا على تلك الجملة الناصبة ~~للكاف ، فلا يجوز الوقف على ( @QUR@01 كذلك ) حينئذ (1). # وقال الآلوسى : والمراد بالقوم الآخرين : بنو إسرائيل ، وهم مغايرون ~~للقبط جنسا ودينا. ويفسر ذلك قوله تعالى في سورة الشعراء : ( @QUR@04 كذلك ~~وأورثناها بني إسرائيل ) وهو ظاهر في أن بنى إسرائيل رجعوا إلى مصر ، بعد ~~هلاك فرعون وملكوها. # وقيل : المراد بالقوم الآخرين غير بنى إسرائيل ممن ملك مصر بعد هلاك ~~فرعون ، لأنه لم يرد في مشهور التواريخ أن بنى إسرائيل رجعوا إلى مصر ، ولا ~~أنهم ملكوها قط. # وما في سورة الشعراء من باب قوله تعالى : ( @QUR@011 وما يعمر من معمر ~~ولا ينقص من عمره إلا في كتاب ) أو من باب : عندي درهم ونصفه. فليس المراد ~~خصوص ما تركوه ، بل نوعه وما يشبهه. # وقيل : المراد من إيراثها إياهم : تمكينهم من التصرف فيها ، ولا يتوقف ~~ذلك على رجوعهم إلى مصر ، كما كانوا فيها أولا (2).. # والذي نراه كما سبق أن قلنا عند تفسير سورة الشعراء (3) أن الآية صريحة ~~في توريث بنى إسرائيل للجنات والعيون .. التي خلفها فرعون وقومه بعد غرقهم ~~، بمعنى أنهم عادوا إلى مصر بعد غرق فرعون ومن معه ، ولكن عودتهم كانت ~~لفترة معينة ، خرجوا بعدها إلى الأرض المقدسة التي دعاهم موسى عليه السلام ~~لدخولها كما جاء في قوله تعالى : ( @QUR@02 يا قوم PageV13P127 # @QUR@013 ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم. ولا ترتدوا على ~~أدباركم فتنقلبوا خاسرين .. ). # ثم بين سبحانه أن فرعون وقومه بعد أن غرقوا ، لم يحزن لهلاكهم أحد ، فقال ~~: ( @QUR@08 فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين ). # أى : أن هؤلاء المغرقين ، الذين كانوا ملء السمع والبصر ، وكانوا يذلون ~~غيرهم ، وكانوا يملكون الجنات والعيون ... هؤلاء الطغاة ، لم يحزن لهلاكهم ~~أحد من أهل السموات أو أهل الأرض ، ولم ms5128 يؤخر عذابهم لوقت آخر في الدنيا أو ~~في الآخرة ، بل نزل بهم الغرق والدمار بدون تأخير أو تسويف .. # فالمقصود من الآية الكريمة بيان هوان منزلة هؤلاء المغرقين ، وتفاهة ~~شأنهم ، وعدم أسف أحد على غرقهم ، لأنهم كانوا ممقوتين من كل عاقل .. # قال صاحب الكشاف ما ملخصه : كان العرب إذا مات فيهم رجل خطير قالوا في ~~تعظيم مهلكه : بكت عليه السماء والأرض وبكته الريح ، وأظلمت له الشمس .. # قال جرير في رثاء عمر بن العزيز : # نعى النعاة أمير المؤمنين لنا %~% يا خير من حج بيت الله واعتمرا حملت أمرا عظيما فاصطبرت له %~% وقمت فيه بأمر الله يا عمرا الشمس طالعة ليست بكاسفة %~% تبكى عليك نجوم الليل والقمرا # وقالت ليلى بنت طريف الخارجية ، ترثى أخاها الوليد : # أيا شجر الخابور مالك مورقا %~% كأنك لم تجزع على ابن طريف # وذلك على سبيل التمثيل والتخييل ، مبالغة في وجوب الجزع والبكاء عليه .. # وفي الآية تهكم بهم وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده ، فيقال فيه : ~~بكت عليه السماء والأرض. يعنى فما بكى عليهم أهل السماء والأرض ، بل كانوا ~~بهلاكهم مسرورين .. (1). # وقال الإمام أبن كثير : قوله : ( @QUR@05 فما بكت عليهم السماء والأرض .. ~~) أى : لم تكن لهم أعمال صالحة تصعد في أبواب السماء فتبكى على فقدهم ، ولا ~~لهم بقاع في أرض عبدوا الله فيها ففقدتهم فلهذا استحقوا أن لا ينظروا ولا ~~يؤخروا .. # ثم ساق رحمه الله جملة من الأحاديث منها ما أخرجه ابن جرير عن شريح بن ~~عبيد الحضرمي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الإسلام بدأ غريبا ~~، وسيعود غريبا ، ألا PageV13P128 # لا غربة على مؤمن. ما مات مؤمن في غربة غابت عنه فيها بواكيه. إلا بكت ~~عليه السماء والأرض. ثم قرأ صلى الله عليه وسلم هذه الآية. ثم قال : إنهما لا ~~يبكيان على كافر (1). # ثم بين سبحانه جانبا من نعمه على بنى إسرائيل فقال : ( @QUR@07 ولقد ~~نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين ). # أى : والله لقد نجينا بفضلنا ورحمتنا بنى إسرائيل من العذاب المهين ، ~~الذي كان ينزله بهم أعداؤهم ، كقتلهم للذكور ms5129 ، واستبقائهم للإناث .. # وقوله : ( @QUR@02 من فرعون ) بدل من العذاب على حذف المضاف ، والتقدير : ~~من عذاب فرعون .. أو على المبالغة كأن فرعون نفس العذاب ، لإفراطه في ~~تعذيبهم وإهانتهم. # ثم بين سبحانه حال فرعون فقال : ( @QUR@05 إنه كان عاليا من المسرفين ) ~~أى : نجيناهم من فرعون الذي كان متكبرا متجبرا ، ومن المسرفين في فعل ~~الشرور ، وفي ارتكاب القبائح .. # ثم بين سبحانه جانبا آخر من إكرامه لبنى إسرائيل فقال : ( @QUR@06 ولقد ~~اخترناهم على علم على العالمين ). # والاختيار : الاصطفاء على سبيل التشريف والتكريم ، أى : ولقد اصطفينا بنى ~~إسرائيل على عالمي زمانهم ، ونحن عالمون بذلك علما اقتضته حكمتنا ورحمتنا. # فقوله ( @QUR@02 على علم ) في موضع الحال من الفاعل ، والمراد بالعالمين ~~: أهل زمانهم المعاصرين لهم ، بدليل قوله تعالى في الأمة الإسلامية : ( ~~@QUR@05 كنتم خير أمة أخرجت للناس .. ). # وهذا الاصطفاء والاختيار ، إنما مرده إلى من يعمل منهم عملا صالحا ، أما ~~الذين لم يعملوا ذلك فلا مزية لهم ولا فضل ، ولذا نجد كثيرا من الآيات تذم ~~من يستحق الذم منهم. # ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@027 لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على ~~لسان داود وعيسى ابن مريم ، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون ~~عن منكر فعلوه ، لبئس ما كانوا يفعلون ) (2). # ثم بين سبحانه بعض المعجزات التي جاءتهم على أيدى رسلهم فقال : ( @QUR@07 ~~وآتيناهم من الآيات ما فيه بلؤا مبين ). # أى : وأعطيناهم من المعجزات الدالة على صدق رسلهم كموسى وعيسى وغيرهما ، ~~ما فيه بلاء مبين. PageV13P129 # أى : ما فيه اختبار وامتحان ظاهر ، ليتميز الخبيث من الطيب ، والكافر من ~~المؤمن. # ومن هذه الآيات : فلق البحر بالنسبة لموسى ، وإبراء الأكمه والأبرص ، ~~بالنسبة لعيسى. # ومن هذه الآيات الكريمة نرى جانبا من قصة موسى عليه السلام ، وكيف أنه بلغ ~~رسالة ربه على أكمل وجه ، وسلك مع فرعون وقومه أحكم السبل في الدعوة إلى ~~الحق .. # كما نرى فيها فضل الله تعالى على نبيه ، وعلى بنى إسرائيل ، حيث نجاهم من ~~ظلم فرعون وطغيانه ، وأهلكه ومن معه أمام أعينهم ، وأورثهم كنوز أعدائهم .. # * * * # وبعد هذا الحديث عن موسى عليه السلام وعن قومه ، وعن فرعون ms5130 وشيعته .. بعد ~~كل ذلك انتقلت السورة ، للحديث عن موقف المشركين من قضية البعث والنشور ، ~~وردت عليهم بما يدل على إمكانية البعث وصحته. وأنه واقع لا محالة ، وبينت ~~سوء عاقبة من ينكر ذلك ، ومن يصر على كفره وجحوده فقال الله تعالى : # ( @QUR@03 إن هؤلاء ليقولون (34) @QUR@08 إن هي إلا موتتنا الأولى وما ~~نحن بمنشرين (35) @QUR@05 فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين (36) @QUR@012 أهم ~~خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين (37) @QUR@07 ~~وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين (38) @QUR@08 ما خلقناهما إلا ~~بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون (39) @QUR@05 إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين ~~(40) @QUR@010 يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون (41) @QUR@08 ~~إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم (42) @QUR@03 إن شجرة الزقوم (43) ~~@QUR@02 طعام الأثيم (44) @QUR@04 كالمهل يغلي في البطون (45) @QUR@02 كغلي ~~الحميم (46) @QUR@05 خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم (47) @QUR@01 ثم PageV13P130 # @QUR@06 صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم (48) @QUR@05 ذق إنك أنت العزيز ~~الكريم (49) @QUR@06 إن هذا ما كنتم به تمترون ) (50) # واسم الإشارة في قوله تعالى : ( @QUR@03 إن هؤلاء ليقولون ) يعود إلى ~~مشركي مكة ، الذين سبق الحديث عنهم في قوله تعالى : ( @QUR@05 بل هم في شك ~~يلعبون ) إلخ. # وذكر سبحانه قصة فرعون وقومه في الوسط ، للإشارة إلى التشابه بين ~~الفريقين في التكذيب للحق ، وفي الإصرار على الضلال. # وكانت الإشارة للقريب ، لتحقيرهم والتهوين من شأنهم. # و ( @QUR@01 إن ) في قوله تعالى : ( @QUR@05 إن هي إلا موتتنا الأولى ... ~~) نافية. أى : إن هؤلاء الكافرين ليقولون على سبيل الجزم والتكذيب للبعث : ~~ما الموتة التي نموتها في نهاية حياتنا الدنيوية ، إلا الموتة النهائية لا ~~حياة بعدها ولا بعث ولا نشور. # ومرادهم من الأولى : السابقة المتقدمة على الموعد الذي يوعدونه للبعث ~~والنشور. # قال بعض العلماء : وذلك أنهم لما وعدوا بعد الحياة الدنيا حالتين أخريين. # الأولى منهما الموت ، والأخرى حياة البعث ، أثبتوا الحالة الأولى وهي ~~الموت ، ونفوا ما بعدها. # وسموها أولى مع أنهم اعتقدوا أنه لا شيء بعدها ، لأنهم نزلوا جحدهم على ~~الإثبات فجعلوها أولى على ما ذكرت لهم .. (1). # وقوله : ( @QUR@03 وما نحن بمنشرين ) تأكيد لما سبقه. أى : قالوا ليس هنا ~~من موت ms5131 سوى الموت المزيل لحياتنا ، ثم لا بعث ولا حساب ولا نشور بعد ذلك. # يقال : أنشر الله تعالى الموتى نشورا ، إذا أحياهم بعد موتهم ، فهم ~~منشرون. # ثم بين سبحانه مطالبهم المتعنتة ، وأدلتهم الباطلة فقال : ( @QUR@05 ~~فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين ). # والفاء للإفصاح ، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين الذين كانوا ~~يؤمنون بالبعث. # أى : إن هؤلاء الكافرين قالوا أيضا للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين : ~~إن كان الأمر PageV13P131 # كما تقولون من أن هناك بعثا وحسابا .. فأعيدوا الحياة إلى آبائنا الأولين ~~، واجعلوهم يخرجون إلينا مرة لنراهم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 أهم خير أم قوم تبع ... ) تهديد لهم على ~~جهالاتهم وإصرارهم على كفرهم. # والمراد بتبع : أبو كريب أسعد بن مليك ، ويسمى بتبع الحميرى. وهو أحد ~~ملوك حمير. # وكان مؤمنا ، وقومه كانوا كافرين فأهلكهم الله. وإليه ينسب الأنصار ، ~~ولفظ ( @QUR@01 تبع ) يعد لقبا لكل ملك من ملوك اليمن ، كما أن لقب فرعون ~~يعد لقبا لمن ملك مصر كافرا .. (1). # أى : إن هؤلاء الكافرين المعاصرين لك أيها الرسول الكريم ليسوا خيرا من ~~قوم تبع ، الذين كانوا أشد منهم قوة وأكثر جمعا ، فلما لجوا في طغيانهم ~~أهلكهم الله تعالى وإن مصير هؤلاء المشركين إذا ما استمروا في عنادهم سيكون ~~كمصير قوم تبع .. # فالمقصود من الآية الكريمة تحذير الكافرين من التمادي في الضلال ، لأن ~~هذا التمادي سيؤدي بهم الى الخسران ، كما هو حال قوم تبع الذين لا يخفى ~~أمرهم عليهم. # والمراد بمن قبلهم في قوله تعالى : ( @QUR@07 والذين من قبلهم أهلكناهم ~~إنهم كانوا مجرمين ): الأقوام السابقون على قوم تبع ، كقوم عاد وثمود ~~وغيرهم. أو على هؤلاء الكافرين المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم . # أى : والذين من قبل قوم تبع أو من قبل قومك من الظالمين ، أهلكناهم لأنهم ~~كانوا قوما مجرمين. # ثم لفت سبحانه أنظار الناس إلى التفكر في خلق السموات والأرض فقال : ( ~~@QUR@06 وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما .. ) من مخلوقات لا يعلمها ~~إلا الله تعالى ما خلقنا ذلك ( @QUR@01 لاعبين ) أى : عابثين أو لغير غرض صحيح. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 ما خلقناهما إلا بالحق ) استثناء مفرغ ms5132 من أعم ~~الأحوال. # أى : ما خلقناهما إلا خلقا ملتبسا بالحق مؤيدا بالحكمة .. # ( @QUR@04 ولكن أكثرهم لا يعلمون ) ذلك ، لانطماس بصائرهم ، واستحواذ ~~الشيطان عليهم. # ثم بين سبحانه أن يوم القيامة آت لا ريب فيه ، وسيحكم سبحانه في هذا ~~اليوم بين الناس بحكمه العادل فقال : ( @QUR@03 إن يوم الفصل ) وهو يوم ~~القيامة الذي يفصل فيه الله PageV13P132 # عز وجل بين المحق والمبطل ، وبين المهتدى والضال .. # هذا اليوم ( @QUR@02 ميقاتهم أجمعين ) أى : وقت اجتماعهم للحساب جميعا ~~دون أن يتخلف منهم أحد. # ثم وصف سبحانه هذا اليوم بقوله : ( @QUR@010 يوم لا يغني مولى عن مولى ~~شيئا ولا هم ينصرون ). # وقوله : ( @QUR@03 يوم لا يغني ... ) بدل من يوم الفصل. والمولى : يطلق ~~على القريب والصديق والناصر .. # أى : في هذا اليوم ، وهو يوم الفصل ، لن يستطيع قريب أن ينفع قريبه ، أو ~~صديق أن ينفع صديقه شيئا من النفع ، ولا هم ينصرون من عذاب الله تعالى إذا ~~ما أراد سبحانه إنزال عذابه بهم. # وقوله : ( @QUR@04 إلا من رحم الله ... ) في محل رفع على أنه بدل من ضمير ~~( @QUR@01 ينصرون ). أو في محل نصب على الاستثناء منه أى : لا يستطيع صديق ~~أن يدفع العذاب عن صديقه ، ولا قريب أن ينفع قريبه أو ينصره ، إلا من ~~رحمه الله تعالى ، وذلك بأن يعفو سبحانه عنه ، أو يقبل شفاعة غيره فيه. # ( @QUR@01 إنه ) سبحانه هو ( @QUR@01 العزيز ) الذي لا يغلب ( @QUR@01 ~~الرحيم ) الذي وسعت رحمته كل شيء. # ثم بين سبحانه طعام أهل النار وحالهم يوم القيامة فقال : ( @QUR@011 إن ~~شجرة الزقوم. طعام الأثيم. كالمهل يغلي في البطون ، كغلي الحميم .. ). # والمراد بشجرة الزقوم : الشجرة التي خلقها الله تعالى في جهنم ، وسماها ~~الشجرة الملعونة ، ليكون طعام أهل النار منها. # ولفظ الزقوم : اسم لتلك الشجرة ، أو من الزقم بمعنى الالتقام والابتلاع للشيء. # والأثيم : الكثير الآثام والسيئات. والمراد به الكافر لدلالة ما قبله عليه. # والمهل : هو النحاس المذاب ، أو رديء الزيت الحار. # أى : إن الشجرة الملعونة التي هي شجرة الزقوم ، خلقها الله تعالى لتكون ~~طعاما للإنسان الكافر ، الكثير الآثام والجرائم .. # فتنزل في بطنه كما ينزل النحاس الحار المذاب ms5133 ، فيغلي فيها كغلي الماء ~~البالغ نهاية الحرارة. # فقوله : ( @QUR@02 كغلي الحميم ) نعت لمصدر محذوف. أى : غليا كغلي ~~الحميم. PageV13P133 # وقوله سبحانه ( @QUR@017 خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم. ثم صبوا فوق رأسه ~~من عذاب الحميم ، ذق إنك أنت العزيز الكريم ... ) مقول لقول محذوف ، هذا ~~القول موجه من الله تعالى لملائكة العذاب. # وقوله سبحانه ( @QUR@01 فاعتلوه ) من العتل وهو الأخذ بمجامع الشيء ، ~~وجره بغلظة وقهر. # يقال : عتل فلان فلانا يعتله عتلا ، إذا جذبه جذبا شديدا ، وسار به إلى ~~ما يكره السير إليه. # أى : يقول الله تعالى لملائكة العذاب في هذا اليوم العسير : خذوا هذا ~~الكافر الأثيم ، فجروه بغلظة ، وسوقوه بشدة ( @QUR@03 إلى سواء الجحيم ) أى ~~: إلى وسطها. # ( @QUR@04 ثم صبوا فوق رأسه ) على سبيل التنكيل به ( @QUR@03 من عذاب ~~الحميم ) صبا يذله ويوجعه ويجعل رأسه تغلى من شدة حرارة هذا الماء. # ثم قولوا له بعد ذلك على سبيل التهكم به ، والتقريع له : ( @QUR@01 ذق ) ~~أى : تذوق شدة هذا العذاب فالأمر للإهانة. # ( @QUR@01 إنك ) كنت تزعم في الدنيا ، بأنك ( @QUR@03 أنت العزيز الكريم ). # ثم ختم سبحانه هذه الآيات بقوله : ( @QUR@06 إن هذا ما كنتم به تمترون ) ~~أى : إن هذا العذاب الذي نزل بكم أيها الكافرون ، هو ما كنتم بشأنه تجادلون ~~وتخاصمون في الدنيا ، فمنكم من كان ينكره ، ومنكم من كان يشكك في صحته. فها ~~هو ذا قد أصبح حقيقة واقعة فوق رءوسكم. # وهكذا نجد الآيات الكريمة ، قد وضحت أن يوم القيامة حق لا ريب فيه ، وأن ~~الكافرين به سيصيبهم عذاب شديد يذلهم ويخزيهم. # * * * # وبعد هذا الحديث عن الكافرين وسوء مصيرهم ، ختم سبحانه السورة الكريمة ~~بالحديث عن المتقين وحسن عاقبتهم فقال تعالى : # ( @QUR@05 إن المتقين في مقام أمين (51) @QUR@03 في جنات وعيون (52) ~~@QUR@05 يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين (53) PageV13P134 # @QUR@04 كذلك وزوجناهم بحور عين (54) @QUR@05 يدعون فيها بكل فاكهة آمنين ~~(55) @QUR@010 لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم ~~(56) @QUR@07 فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم (57) @QUR@05 فإنما يسرناه ~~بلسانك لعلهم يتذكرون (58) @QUR@03 فارتقب إنهم مرتقبون ) (59) # أى : إن الذين اتقوا الله تعالى وصانوا أنفسهم عن كل ما لا يرضيه سيكونون ~~يوم القيامة ms5134 ( @QUR@03 في مقام أمين ) أى : في مكان يأمن معه صاحبه من كل خوف. # فالمراد بالمقام بالفتح موضع القيام ، أى : الثبات والملازمة. وقرأ ابن ~~عامر ونافع ، ( @QUR@01 مقام ) بضم الميم أى : موضع الإقامة. والمراد أنهم ~~في مكان أو مجلس لا خوف فيه ولا مكروه. # وقوله : ( @QUR@03 في جنات وعيون ) بدل من ( @QUR@02 مقام أمين ) بإعادة ~~حرف الجر أى : هم في مكان آمن ، تتوسطه وتحيط به البساتين الناضرة ، وعيون ~~الماء المتفجرة. # ( @QUR@03 يلبسون من سندس ) والسندس هو أجود أنواع الحرير وأرقه ، واحده سندسة. # ( @QUR@01 وإستبرق ) وهو ما كان سميكا من الديباج والحرير. # ( @QUR@01 متقابلين ) أى : يجلسون في مجالس متقابلة ، بحيث ينظر بعضهم ~~إلى بعض. # ( @QUR@01 كذلك ) أى : الأمر كذلك. من أن المتقين لهم كل هذا النعيم. # ( @QUR@03 وزوجناهم بحور عين ) أى : وزوجناهم بنساء يحار الطرف فيهم ~~لجمالهن وحسنهن ، والحور : جمع حوراء .. وهي التي يحار الطرف فيها لفرط ~~جمالها. والعين : جمع عيناء. وهي التي اتسعت عينها في حسن وجمال. # ( @QUR@02 يدعون فيها ) أى : في الجنات ( @QUR@03 بكل فاكهة آمنين ). # أى : يطلبون ويأمرون غيرهم بأن يحضر لهم كل ما يشتهونه من فاكهة أو غيرها ~~، فيلبي طلبهم وهم آمنون في أماكنهم من كل خوف أو ضرر. # ثم بين سبحانه أن بقاءهم في تلك الجنات بقاء دائم فقال : ( @QUR@010 لا ~~يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ، ووقاهم عذاب الجحيم ). PageV13P135 # أى : هم باقون بقاء دائما في تلك الجنات ، بحيث لا يموتون فيها أبدا ، ~~إلا الموتة الأولى التي ذاقوها عند نهاية آجالهم في الدنيا ، ووقاهم سبحانه ~~بعدها عذاب الجحيم ، الذي حل بالكافرين. # قال الآلوسى : وقوله : ( @QUR@07 لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ~~) جملة مستأنفة أو حالية ، وكأنه أريد أن يقال : لا يذوقون فيها الموت ~~البتة ، فوضع الموتة الأولى موضع ذلك ، لأن الموتة الماضية محال ذوقها في ~~المستقبل فهو من باب التعليق بالمحال ، كأنه قيل : إن كانت الموتة الأولى ~~يستقيم ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها. ونظيره قول القائل لمن يستسقيه : ~~لا أسقيك إلا الجمر ، وقد علم أن الجمر لا يسقى (1). # وقوله ( @QUR@03 فضلا من ربك ) أى : أعطوا كل ذلك فضلا من ربك ms5135 ، فقوله ( ~~@QUR@01 فضلا ) منصوب على المصدرية بفعل محذوف. أو على أنه مفعول لأجله. أى ~~: لأجل الفضل منه سبحانه . # ( @QUR@01 ذلك ) الذي أعطيناهم إياه ( @QUR@03 هو الفوز العظيم ) الذي لا ~~يدانيه ولا يساميه فضل. # ( @QUR@03 فإنما يسرناه بلسانك ) أى : فإنما أنزلنا عليك يا محمد هذا ~~القرآن ، وجعلناه بلغتك ولغة قومك ( @QUR@02 لعلهم يتذكرون ) ما فيه من ~~هدايات ويعتبرون بما اشتمل عليه من عبر وعظات. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بقوله : ( @QUR@03 فارتقب إنهم مرتقبون ). # أى : فعلنا ذلك لعلهم يتذكرون ، فإن لم يتذكروا ويتعظوا ويؤمنوا بما ~~جئتهم به. فارتقب وانتظر ما يحل بهم من عذاب ، وما وعدناك به من النصر ~~عليهم ، إنهم أيضا منتظرون ومرتقبون ما يحل بك من موت أو غيره. # ونحن بفضلنا ورحمتنا سنحقق لك ما وعدناك به ، وسنخيب ظنونهم وآمالهم. # وبعد فهذا تفسير وسيط لسورة «الدخان». نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا ~~لوجهه ، ونافعا لعباده. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV13P136 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الجاثية PageV13P137 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «الجاثية» هي السورة الخامسة والأربعون في ترتيب المصحف. وكان ~~نزولها بعد سورة «الدخان». وعدد آياتها سبع وثلاثون آية في المصحف الكوفي ، ~~وست وثلاثون في غيره ، لاختلافهم في قوله تعالى ( @QUR@01 حم )، هل هو آية ~~مستقلة أولا. # 2 وقد افتتحت هذه السورة بالثناء على القرآن الكريم ، وبدعوة الناس إلى ~~التدبر والتأمل في هذا الكون العجيب ، وما اشتمل عليه من سموات وأرض ، ومن ~~ليل ونهار ، ومن أمطار ورياح .. فإن هذا التأمل من شأنه أن يهدى إلى الحق ، ~~وإلى أن لهذا الكون إلها واحدا قادرا حكيما ، هو الله رب العالمين. # قال تعالى : ( @QUR@021 تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم. إن في ~~السماوات والأرض لآيات للمؤمنين. وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم ~~يوقنون ). # 3 ثم توعد سبحانه بعد ذلك الأفاكين بأشد أنواع العذاب ، لإصرارهم على ~~كفرهم ، واتخاذهم آيات الله هزوا. # قال تعالى : ( @QUR@029 ويل لكل أفاك أثيم. يسمع آيات الله تتلى عليه ، ~~ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها ، فبشره بعذاب أليم. وإذا علم من آياتنا ms5136 شيئا ~~اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين ). # 4 ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان جانب من نعم الله تعالى على خلقه ، ~~تلك النعم التي تتمثل في البحر وما اشتمل عليه من خيرات ، وفي السموات ~~والأرض وما فيهما من منافع. # قال سبحانه : ( @QUR@030 الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ~~، ولتبتغوا من فضله ، ولعلكم تشكرون. وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض ~~جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ). # 5 ثم بين سبحانه موقف بنى إسرائيل من نعم الله تعالى ، وكيف أنهم قابلوا PageV13P139 # ذلك بالاختلاف والبغي ، ونهى سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم عن الاستماع ~~إليهم ، وبين أنه لا يستوي عنده عز وجل الذين اجترحوا السيئات ، والذين ~~عملوا الصالحات. # فقال تعالى : ( @QUR@030 أم حسب الذين اجترحوا السيئات ، أن نجعلهم ~~كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ، سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون. وخلق ~~الله السماوات والأرض بالحق ، ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون ). # ثم حكى بعض الأقوال الباطلة التي تفوه بها الكافرون ، ورد عليها بما ~~يزهقها ويثبت كذبها ، قال تعالى : ( @QUR@055 وقالوا ما هي إلا حياتنا ~~الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ، وما لهم بذلك من علم إن هم إلا ~~يظنون. وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا ~~بآبائنا إن كنتم صادقين. قل الله يحييكم ، ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم ~~القيامة لا ريب فيه. ولكن أكثر الناس لا يعلمون ). # 6 ثم أخذت السورة الكريمة في أواخرها ، في بيان أهوال يوم القيامة ، وفي ~~بيان عاقبة الأخيار وعاقبة الأشرار. # قال تعالى : ( @QUR@025 فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم ~~في رحمته ذلك هو الفوز المبين. وأما الذين كفروا ، أفلم تكن آياتي تتلى ~~عليكم ، فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين ). # 7 ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بالثناء على ذاته بما هو أهله ، فقال ~~تعالى : ( @QUR@016 فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض ، رب العالمين ، وله ~~الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ). # هذا ، والمتدبر في هذه السورة الكريمة ، يراها تدعو الناس إلى ms5137 التفكر ~~فيما اشتمل عليه هذا الكون من آيات دالة على وحدانية الله تعالى وكمال ~~قدرته ، كما أنه يراها تحكى بشيء من التفصيل أقوال المشركين وترد عليها ، ~~وتبين سوء عاقبتهم كما يراها تسوق ألوانا من نعم الله على خلقه ، وتدعو ~~المؤمنين إلى التمسك بكتاب ربهم ، وتبشرهم بأنهم متى فعلوا ذلك ظفروا ~~برضوان الله تعالى وثوابه. # فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ، ذلك هو الفوز ~~المبين ، كما يراها تهتم بتفصيل الحديث عن أهوال يوم القيامة ، لكي يفيء ~~الناس إلى رشدهم ، ويستعدوا لاستقبال هذا اليوم بالإيمان والعمل الصالح. # قال تعالى : ( @QUR@011 وترى كل أمة جاثية ، كل أمة تدعى إلى كتابها ، ~~اليوم تجزون PageV13P140 # @QUR@014 ما كنتم تعملون. هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ، إنا كنا نستنسخ ~~ما كنتم تعملون ). # نسأل الله تعالى أن ينجينا من أهوال هذا اليوم ، وأن يحشرنا مع النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. ذلك الفضل من الله ، وكفى ~~بالله عليما. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV13P141 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@01 حم (1) @QUR@06 تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) ~~@QUR@06 إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين (3) @QUR@09 وفي خلقكم وما ~~يبث من دابة آيات لقوم يوقنون (4) @QUR@020 واختلاف الليل والنهار وما أنزل ~~الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم ~~يعقلون ) (5) # سورة «الجاثية» من السور التي افتتحت ببعض حروف التهجي ، وقد سبق أن قلنا ~~، إن هذه الحروف الرأى الراجح في معناها ، أنها سيقت للتنبيه على إعجاز ~~القرآن ، وعلى أنه من عند الله عز وجل . # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ) بيان ~~لمصدر هذا القرآن ، وأنه من عند الله تعالى لا من عند غيره. # أى : هذا القرآن من الله تعالى صاحب العزة التي لا عزة سواها ، وصاحب ~~الحكمة التي لا تقاربها حكمة ، فهو سبحانه القاهر فوق عباده وهو الحكيم في ~~كل تصرفاته. # ثم ساق سبحانه ستة أدلة على وحدانيته ، وكمال قدرته ، وجلال عظمته ويتمثل ~~الدليل الأول في قوله تعالى : ( @QUR@06 إن ms5138 في السماوات والأرض لآيات ~~للمؤمنين ) أى : إن في خلق هذه السموات المزينة بالمصابيح ، والتي لا ترى ~~فيه من تفاوت ، والمرفوعة بغير عمد ... وفي خلق الأرض الممهدة المفروشة ~~المثبتة بالجبال .. في كل ذلك لبراهين ساطعة للمؤمنين ، على أن الخالق لهما ~~هو الله تعالى وحده ، المستحق للعبادة والطاعة. PageV13P143 # فالمراد بقوله تعالى : ( @QUR@04 إن في السماوات والأرض .. ) أى : إن في ~~خلقهما ، كما صرح سبحانه بذلك في آيات كثيرة ، منها قوله تعالى : ( ~~@QUR@011 إن في خلق السماوات والأرض ، واختلاف الليل والنهار ، لآيات لأولي ~~الألباب ) (1). # والمراد بالآيات : الدلائل والبراهين الدالة على قدرته سبحانه ووحدانيته. # والدليل الثاني والثالث قوله تعالى : ( @QUR@09 وفي خلقكم وما يبث من ~~دابة آيات لقوم يوقنون ). # قوله : ( @QUR@02 وفي خلقكم ) جار ومجرور خبر مقدم ، وقوله : ( @QUR@01 ~~آيات ) مبتدأ مؤخر. # أى : وفي خلقكم أيها الناس من نطفة ، فعلقة ، فمضغة .. إلى أن نخرجكم من ~~بطون أمهاتكم .. وفيما نبثه وننشره ونوجده من دواب لا تعد ولا تحصى على ظهر الأرض. # في كل ذلك ( @QUR@01 آيات ) بينات ، وعلامات واضحات ، على كمال قدرتنا ، ~~لقوم يوقنون بأن القادر على هذا الخلق ، إنما هو الله تعالى وحده. # والدليل الرابع قوله تعالى : ( @QUR@03 واختلاف الليل والنهار .. ) ~~والمراد باختلافهما : تفاوتهما طولا وقصرا ، وتعاقبهما دون أن يسبق أحدهما ~~الآخر كما قال تعالى : ( @QUR@015 لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ، ولا ~~الليل سابق النهار ، وكل في فلك يسبحون ) (2). # وكون الليل والنهار يسيران على هذا النظام الدقيق المطرد الذي لا ينخرم ، ~~دليل على أن هذا الاختلاف ، تدبير من إله قادر حكيم ، لا يدخل أفعاله تفاوت ~~أو اختلال. # والدليل الخامس قوله تعالى : ( @QUR@012 وما أنزل الله من السماء من رزق ~~فأحيا به الأرض بعد موتها ). # وقوله : ( @QUR@03 وما أنزل الله .. ) معطوف على ( @QUR@01 اختلاف )، ~~والمراد من السماء : جهة العلو. # والمراد بالرزق : المطر الذي ينزل من السحاب ، وسمى رزقا لأن المطر سبب ~~لأرزاق العباد. # أى : ومن الآيات الدالة على قدرته سبحانه : إنزاله المطر من السماء فينزل ~~على الأرض ، فتهتز وتربو وتنبت من كل زوج بهيج ، بعد أن كانت جدباء هامدة. PageV13P144 # وأما الدليل السادس فهو قوله تعالى ms5139 : ( @QUR@02 وتصريف الرياح ): ~~والمراد بتصريفها : تقليبها في الجهات المختلفة ، ونقلها من حال إلى حال ، ~~وتوجيهها على حسب مشيئته سبحانه ، فتارة تراها حارة ، وتارة تراها باردة. # أى : ومن الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته ، تقليبه سبحانه للرياح كما ~~يشاء ويختار. # وفي ذلك الذي بيناه لكم ( @QUR@01 آيات ) واضحات على قدرتنا ( @QUR@02 ~~لقوم يعقلون ) ذلك. # قال الجمل في حاشيته : وحاصل ما ذكر هنا من الدلائل ستة ، على ثلاث فواصل ~~: الأولى ( @QUR@01 للمؤمنين )، والثانية ( @QUR@01 يوقنون )، والثالثة ، ~~( @QUR@01 يعقلون ). # ووجه التغاير بينها ، أن المنصف من نفسه إذا نظر في السموات والأرض وأنه ~~لا بد لهما من صانع آمن ، وإذا نظر في خلق نفسه ونحوها ، ازداد إيمانا ~~فأيقن. وإذا نظر في سائر الحوادث عقل واستحكم علمه ، فاختلاف الفواصل ~~الثلاث ، لاختلاف الآيات في الدقة والظهور (1). # وما ذكر في هذه الآيات الكريمة من أدلة ساطعة على قدرة الله ووحدانيته ~~جاء في آيات كثيرة ، من أجمعها قوله تعالى : ( @QUR@043 إن في خلق السماوات ~~والأرض واختلاف الليل والنهار ، والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ~~، وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل ~~دابة ، وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض ، لآيات لقوم ~~يعقلون ) (2). # وبعد أن ذكر سبحانه هذه الأدلة الكونية الساطعة التي تحمل الناس على ~~إخلاص العبادة له وحده ، أتبع ذلك بتهديد الذين عموا عنها ، والذين اتخذوا ~~آيات الله هزوا .. فقال تعالى : # ( @QUR@012 تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته ~~يؤمنون (6) @QUR@04 ويل لكل أفاك أثيم (7) @QUR@014 يسمع آيات الله تتلى ~~عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم (8) PageV13P145 # @QUR@011 وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (9) ~~@QUR@019 من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون ~~الله أولياء ولهم عذاب عظيم (10) @QUR@011 هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم ~~لهم عذاب من رجز أليم ) (11) # والمراد بالآيات في قوله سبحانه : ( @QUR@06 تلك آيات الله نتلوها عليك ~~بالحق .. ) آيات القرآن الكريم ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@09 تلك آيات ~~الله نتلوها عليك ms5140 بالحق ، وإنك لمن المرسلين ) (1). # و ( @QUR@01 تلك ) مبتدأ ، و ( @QUR@02 آيات الله ) خبر و ( @QUR@02 ~~نتلوها عليك ) حال عاملها ما دل عليه ( @QUR@01 تلك ) من معنى الإشارة. # وقوله ( @QUR@01 بالحق ) حال من فاعل ( @QUR@01 نتلوها ) أو من مفعوله ، ~~أى : نتلوها محقين ، أو ملتبسة بالحق. # أى : تلك أيها الرسول الكريم آيات الله تعالى المنزلة إليك ، نتلوها عليك ~~تلاوة ملتبسة بالحق الذي لا يحوم حوله باطل. # وكانت الإشارة للبعيد ، لما في ذلك من معنى الاستقصاء للآيات ، ولعلو ~~شأنها ، وكمال معانيها ، والوفاء في مقاصدها. # وأضاف سبحانه الآيات إليه ، لأنه هو الذي أنزلها على نبيه ~~صلى الله عليه وسلم ، وفي هذه الإضافة ما فيها من التشريف لها ، والسمو ~~لمنزلتها. # وجعل سبحانه تلاوة جبريل للقرآن تلاوة له ، للإشعار بشرف جبريل ، وأنه ما ~~خرج في تلاوته عما أمره الله تعالى به ، فهو رسوله الأمين ، إلى رسله ~~المكرمين. # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون ) تعجيب من ~~حالهم ، حيث أصر هؤلاء الكافرون على كفرهم ، مع وضوح البراهين والأدلة على ~~بطلان ذلك. # أى : فبأى حديث بعد آيات الله المتلوة عليك يؤمن هؤلاء الجاهلون؟ إن عدم ~~إيمانهم بعد PageV13P146 # ظهور الأدلة والبراهين على وجوب الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ، ~~دليل على انطماس بصائرهم ، واستيلاء العناد والجحود على قلوبهم. # قال الآلوسى : وقوله : ( @QUR@06 فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون ) هو ~~من باب قولهم : أعجبنى زيد وكرمه ، يريدون أعجبنى كرم زيد ، إلا أنهم عدلوا ~~عنه للمبالغة في الإعجاب. # أى : فبأى حديث بعد هذه الآيات المتلوة بالحق يؤمنون ، وفيه دلالة على ~~أنه لا بيان أزيد من هذا البيان ، ولا آية أدل من هذه الآية. # وقال الواحدي : فبأى حديث بعد حديث الله ، أى : القرآن ، وقد جاء إطلاقه ~~عليه في قوله تعالى : ( @QUR@04 الله نزل أحسن الحديث .. ) وحسن الإضمار ~~لقرينة تقدم الحديث. # وقوله ( @QUR@01 وآياته ) عطف عليه لتغايرهما إجمالا وتفصيلا .. والفاء ~~في جواب شرط مقدر ، والظرف صفة ( @QUR@01 حديث ) (1). # ثم هدد تعالى هؤلاء المشركين بقوله : ( @QUR@04 ويل لكل أفاك أثيم ). # والويل : لفظ يدل على الشر أو الهلاك. وهو مصدر لا فعل له من لفظه ، وقد ms5141 ~~يستعمل بدون حرف النداء كما هنا ، وقد يستعمل معه كما في قوله تعالى : ( ~~@QUR@06 يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ). # والأفاك : هو الإنسان الكثير الإفك وهو أشنع الكذب وأقبحه. # والأثيم : هو الإنسان المرتكب للذنوب والآثام بقلبه وجوارحه ، فهو سيئ ~~الظاهر وسيئ الباطن. # أى : هلاك وعذاب وحسرة يوم القيامة لكل إنسان ينطق بأقبح الأكاذيب ويفعل ~~أسوأ السيئات. # هذا الإنسان أيضا من صفاته أنه ( @QUR@05 يسمع آيات الله تتلى عليه ) ~~صباح مساء. # ( @QUR@01 ثم ) بعد ذلك ( @QUR@01 يصر ) على كفره ( @QUR@01 مستكبرا ) أى ~~: متكبرا عن الإيمان. # ( @QUR@03 كأن لم يسمعها ) أى : كأنه لم يسمع هذه الآيات ، لأنها لم ~~توافق هواه أو شهواته. والتعبير بقوله : ( @QUR@03 ثم يصر مستكبرا ) ~~للتعجيب من حاله ، حيث يصر على كفره ، بعد سماع ما يدعو إلى التخلي عن ~~الكفر ، ويحمل على الدخول في الإيمان. PageV13P147 # والإصرار على الشيء : ملازمته ، وعدم الانفكاك عنه ، مأخوذ من الصر بفتح ~~الصاد وهو الشد ، ومنه صرة الدراهم ، لأنها مشدودة على ما بداخلها. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى ( @QUR@01 ثم ) في قوله : ( @QUR@03 ~~ثم يصر مستكبرا )؟ # قلت : كمعناه في قول القائل ، يرى غمرات الموت ثم يزورها. # وذلك أن غمرات الموت خليقة بأن ينجو رائيها بنفسه ، ويطلب الفرار عنها. # وأما زيارتها والإقدام على مزاولتها ، فأمر مستبعد ، فمعنى ( @QUR@01 ثم ~~): الإيذان بأن فعل المقدم عليها بعد ما رآها وعاينها ، شيء يستبعد في ~~الغايات والطباع. # وكذلك آيات الله الواضحة الناطقة بالحق ، من تليت عليه وسمعها : كان ~~مستبعدا في العقول إصراره على الضلالة عندها ، واستكباره عن الإيمان بها (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@03 فبشره بعذاب أليم ) تهكم بهذا الأفاك الأثيم .. ~~واستهزاء به ، لأن البشارة في الأصل إنما تكون من أجل الخبر السار ، الذي ~~تتهلل له البشرة. # أى : فبشره بعذاب أليم ، بسبب إصراره على كفره ، واستحبابه العمى على الهدى. # ثم بين سبحانه صفة أخرى من صفات هذا الأفاك الأثيم فقال : ( @QUR@07 وإذا ~~علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا ). # أى : وإذا بلغ هذا الإنسان شيء من آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ، ~~بادر إلى الاستهزاء بها والسخرية منها ، ولم يكتف بالاستهزاء بما سمعه ، بل ms5142 ~~استهزأ بالآيات كلها لرسوخه في الكفر والجحود. # والتعبير بقوله : ( @QUR@02 وإذا علم ) زيادة في تحقيره وتجهيله ، لأن ~~اتخاذه الآيات هزوا بعد علمه بمصدرها ، يدل على إيغاله في العناد والضلال. # وقوله : ( @QUR@04 أولئك لهم عذاب مهين ) بيان لسوء عاقبته. أى : أولئك ~~الذين يفعلون ذلك لهم في الآخرة عذاب يهينهم ويذلهم ، ويجعلهم محل سخرية ~~العقلاء واحتقارهم. ( @QUR@03 من ورائهم جهنم ) أى : من قدامهم جهنم لأنهم ~~يوجهون إليها بعد موتهم ، أو هي من خلفهم لأنهم معرضون عنها ، ومهملون لما ~~يبعدهم عن دخولها. # والوراء : اسم يستعمل بمعنى الأمام والخلف ، لأنه يطلق على الجهة التي ~~يواريها الشخص ، فتعم الخلف والأمام. PageV13P148 # ( @QUR@06 ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ) أى : ولا يدفع عنهم ما كسبوه في ~~الدنيا من أموال شيئا من العذاب ، ولو كان هذا الشيء يسيرا ، كما قال تعالى ~~: ( @QUR@016 إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله ~~شيئا ، وأولئك هم وقود النار ). # فقوله ( @QUR@02 ولا يغني ) من الغناء بفتح الغين بمعنى الدفع والنفع ، ~~ومنه قول الشاعر : # وقل غناء عنك مال جمعته %~% إذا صار ميراثا وواراك لاحد # ( @QUR@07 ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ) أى : ولا يغنى عنهم أيضا ~~ما اتخذوه من دون الله تعالى من معبودات باطلة. # و ( @QUR@01 ما ) في قوله ( @QUR@02 ما كسبوا ) و ( @QUR@02 ما اتخذوا ) ~~موصولة والعائد محذوف. ويصح أن تكون في الموضعين مصدرية. # ( @QUR@03 ولهم عذاب عظيم ) لا يعلم مقدار شدته وهوله إلا الله تعالى وحده. # والإشارة في قوله تعالى ( @QUR@02 هذا هدى ) تعود إلى القرآن الكريم. ~~والهدى مصدر هداه إلى الشيء إذا دله وأرشده إليه. # أى. هذا القرآن الذي أوحيناه إليك يا محمد ، في أعلى درجات الهداية ~~وأكملها. # ( @QUR@04 والذين كفروا بآيات ربهم ) الدالة على وجوب إخلاص العبادة له. # ( @QUR@05 لهم عذاب من رجز أليم ) والرجز : يطلق على أشد أنواع العذاب .. # أى : لهم أشد أنواع العذاب ، وأكثره إيلاما وإهانة. # وجمهور القراء قرأ ( @QUR@01 أليم ) بالخفض على أنه نعت لقوله ( @QUR@01 ~~رجز ) وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم ( @QUR@01 أليم ) بالرفع ، على أنه صفة لعذاب. # وهذه الآيات تهديد لكل من كانت فيه هذه ms5143 الصفات التي منها : كثرة الكذب ، ~~وكثرة اقتراف السيئات ، والإصرار على الباطل .. ويدخل في هذا التهديد دخولا ~~أوليا ، النضر بن الحارث ، الذي كان يشترى أحاديث الأعاجم ليشغل بها الناس ~~عن سماع القرآن ، والذي قيل إن هذه الآيات قد نزلت فيه. # ثم انتقلت السورة الكريمة بعد هذا التهديد الشديد للأفاكين .. إلى بيان ~~جانب من النعم التي أنعم بها سبحانه على عباده ، ودعت المؤمنين إلى الصبر ~~والصفح ، فقال تعالى : PageV13P149 # ( @QUR@014 الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من ~~فضله ولعلكم تشكرون (12) @QUR@016 وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض ~~جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (13) @QUR@014 قل للذين آمنوا ~~يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا يكسبون (14) ~~@QUR@011 من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون ) (15) # وقوله تعالى ( @QUR@01 سخر ) من التسخير بمعنى التذليل والتيسير. يقال : ~~سخر الله تعالى الإبل للإنسان ، إذا ذللها له ، وجعلها منقادة لأمره. # أى : الله تعالى وحده ، هو الذي بقدرته ورحمته ( @QUR@03 سخر لكم البحر ) ~~بأن جعلكم متمكنين من الانتفاع بخيراته ، وبأن جعله على هذه الصفة التي ~~تستطيعون منها استخراج ما فيه من خيرات. # وقوله : ( @QUR@07 لتجري الفلك فيه بأمره ، ولتبتغوا من فضله .. ) بيان ~~لبعض الأسباب التي من أجلها سخر الله تعالى البحر على هذه الصفة. # أى : جعل لكم البحر على هذه الصفة ، لكي تتمكن السفن من الجري فيه بأمره ~~تعالى وقدرته ، ولتطلبوا ما فيه من خيرات ، تارة عن طريق استخراج ما فيه من ~~كنوز ، وتارة عن طريق التجارة فيها .. وكل ذلك بتيسير الله تعالى وفضله ~~ورحمته بكم. # وقوله : ( @QUR@02 ولعلكم تشكرون ) متعلق بمحذوف. أى : أعطاكم ما أعطاكم ~~من النعم ، وجعل البحر على صفة تتمكنون معها من الجري فيه وأنتم في سفنكم ، ~~ومن استخراج ما فيه من خيرات .. لعلكم بعد ذلك تشكرون الله تعالى على هذه ~~النعم ، وتستعملونها فيما خلقت من أجله. # وقوله تعالى : ( @QUR@010 وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا ~~منه .. ) تعميم بعد تخصيص. # أى : يسر لكم الانتفاع بما في البحر من ms5144 خيرات ، ويسر لكم أيضا الانتفاع بكل PageV13P150 # ما في السموات والأرض من نعم لا تعد ولا تحصى ، وكلها منه تعالى وحده ، ~~لا من أحد سواه. # فقوله : ( @QUR@01 جميعا ) حال من ( @QUR@03 وما في الأرض )، أو تأكيد ~~له. والضمير في قوله تعالى ( @QUR@01 منه ) يعود إلى الله عز وجل ، والجار ~~والمجرور حال من ( @QUR@01 ما ) أيضا ، أى : جميعا كائنا منه تعالى لا من غيره. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى ( @QUR@01 منه ) في قوله : ( ~~@QUR@02 جميعا منه )؟ وما موقعها من الإعراب؟. # قلت : هي واقعة موقع الحال. والمعنى : أنه سخر هذه الأشياء كائنة منه ~~وحاصلة من عنده. يعنى أنه مكونها وموجدها بقدرته وحكمته ، ثم سخرها لخلقه. ~~ويجوز أن يكون خبر لمبتدأ محذوف تقديره : هي جميعا منه (1). # ( @QUR@03 إن في ذلك ) المذكور من تسخير البحر وما في السموات والأرض لكم ~~( @QUR@01 لآيات ) ساطعات ، وعلامات واضحات ، ودلائل بينات ، على وحدانية ~~الله تعالى وقدرته وفضله ( @QUR@02 لقوم يتفكرون ) في هذه النعم ، ويحسنون شكرها. # وخص المتفكرين بالذكر ، لأنهم هم الذين ينتفعون بما بين أيديهم من نعم ، ~~إذ بالتفكر السليم ينتقل العاقل من مرحلة الظن ، إلى مرحلة اليقين ، التي ~~يجزم معها بأن المستحق للعبادة والحمد ، إنما هو الله رب العالمين. # ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحض المؤمنين على التجاوز ~~والصفح ، عما يصدر من المشركين من كلمات بذيئة ، ومن أفعال قبيحة ، حتى ~~يأتى الله بأمره .. فقال تعالى : ( @QUR@09 قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا ~~يرجون أيام الله ). # وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها : ما روى عن ابن ~~عباس أنها نزلت في عمر بن الخطاب ، شتمه مشرك بمكة قبل الهجرة فهم أن يبطش ~~به ، فنزلت (2). # ومقول القول محذوف لأن الجواب دال عليه. والرجاء هنا : بمعنى الخوف. ~~والمراد بأيام الله : وقائعه بأعدائه. # أى : قل أيها الرسول الكريم لأتباعك المؤمنين ، على سبيل النصح والإرشاد ، قل PageV13P151 # لهم : اغفروا يغفروا للمشركين الذين لا يخافون من وقائع الله ونقمته ~~بأعدائه ، ولا يتوقعون أن هناك عذابا شديدا سينتظرهم ، وأن هناك ثوابا ~~عظيما سينتظر المؤمنين. # فالآية الكريمة ms5145 توجيه حكيم للمؤمنين إلى التسامح والصبر على كيد أعدائهم ~~، حتى يأتى الله تعالى بأمره ، الذي فيه النصر للمؤمنين ، والخسران ~~للكافرين. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 ليجزي قوما بما كانوا يكسبون ) علة للأمر ~~بالصفح والمغفرة ، وهو متعلق بما قبله ، والمراد بالقوم : المؤمنون الذين ~~أمروا بالتسامح والعفو .. والتنكير في لفظ ( @QUR@01 قوما ) للتعظيم. # أى : أمر الله المؤمنين بذلك ، ليجزيهم يوم القيامة بما كسبوا في الدنيا ~~من الأعمال الصالحة ، التي منها الصبر على أذى أعدائهم ، والإغضاء عنهم ، ~~واحتمال المكروه منهم. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@02 ليجزي قوما ) تعليل للأمر بالمغفرة ~~أى إنما أمروا بأن يغفروا ، لما أراده الله من توفيتهم جزاء مغفرتهم يوم ~~القيامة. # فإن قلت : قوله : ( @QUR@01 قوما ) ما وجه تنكيره ، وإنما أراد الذين ~~آمنوا وهم معارف؟ # قلت : هو مدح لهم وثناء عليهم ، كأنه قيل : ليجزي أيما قوم. أو قوما ~~مخصوصين ، لصبرهم وإغضائهم على أعدائهم من الكفار ، وعلى ما كانوا يجرعونهم ~~من الغصص (1). # ثم عقب سبحانه على ذلك بما يؤكد عدالة الجزاء ، واحتمال كل نفس لما تعمله ~~فقال : ( @QUR@07 من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ). # أى : من عمل عملا صالحا ، فثواب هذا العمل يعود إلى نفسه ، ومن عمل عملا ~~سيئا فعقاب هذا العمل يعود عليها أيضا . # ( @QUR@04 ثم إلى ربكم ترجعون ) يوم القيامة فترون ذلك رأى العين ، ~~وتشاهدون أن كل إنسان سوف يجازى على حسب عمله ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر. # ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن نعم الله سبحانه على بنى إسرائيل ~~، وعن موقفهم منها ، وأمرت النبي صلى الله عليه وسلم أن يتمسك بالشريعة التي ~~أنزلها الله سبحانه عليه .. فقال : PageV13P152 # ( @QUR@013 ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من ~~الطيبات وفضلناهم على العالمين (16) @QUR@024 وآتيناهم بينات من الأمر فما ~~اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم ~~القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (17) @QUR@013 ثم جعلناك على شريعة من ~~الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون (18) @QUR@015 إنهم لن يغنوا ~~عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين (19) ~~@QUR@07 هذا ms5146 بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون ) (20) # والمراد بإسرائيل : يعقوب عليه السلام وببنيه : ذريته من بعده. والمراد ~~بالكتاب : التوراة أو جنس الكتاب فيشمل التوراة والإنجيل والزبور. # أى : والله لقد أعطينا بنى إسرائيل ( @QUR@01 الكتاب ) ليكون هداية لهم ، ~~وآتيناهم أيضا ( @QUR@01 الحكم ) أى : الفقه والفهم للأحكام حتى يتمكنوا من ~~القضاء بين الناس ، وأعطيناهم كذلك ( @QUR@01 النبوة ) بأن جعلنا عددا ~~كبيرا من الأنبياء فيهم ومنهم. # وهكذا منحهم سبحانه نعما عظمى تتعلق بدينهم ، أما النعم التي تتعلق ~~بدنياهم فقد بينها سبحانه في قوله : ( @QUR@03 ورزقناهم من الطيبات ) أى : ~~ورزقناهم من المطاعم والمشارب الطيبات التي جعلناها حلالا لهم. # وقوله : ( @QUR@03 وفضلناهم على العالمين ) بيان لنعمة أخرى. وللمفسرين ~~في معنى هذه الجملة اتجاهان : أحدهما : أن المقصود بها فضلناهم على ~~العالمين بأمور معينة حيث جعلنا عددا من الأنبياء منهم ، وأنزلنا المن ~~والسلوى عليهم. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@03 وفضلناهم على العالمين ) حيث آتيناهم ما ~~لم نؤت غيرهم من فلق البحر ، وإضلال الغمام ، ونظائرهما ، فالمراد تفضيلهم ~~على العالمين مطلقا من بعض PageV13P153 # الوجوه ، لا من كلها ، ولا من جهة المرتبة والثواب فلا ينافي ذلك تفضيل ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم عليهم من وجه آخر ، ومن جهة المرتبة والثواب (1). # والثاني : أن المقصود بها : فضلناهم على عالمي زمانهم. # قال الإمام الرازي ، ما ملخصه : فإن قيل إن تفضيلهم على العالمين ، يقتضى ~~تفضيلهم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهذا باطل ، فكيف الجواب؟ # قلنا : الجواب من وجوه أقربها إلى الصواب أن المراد : فضلتكم على عالمي ~~زمانكم ، وذلك لأن الشخص الذي سيوجد بعد ذلك وهو الآن ليس بموجود ، لم يكن ~~من جملة العالمين حال عدمه ، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم لم تكن موجودة في ~~ذلك الوقت ، فلا يلزم من كون بنى إسرائيل أفضل العالمين في ذلك الوقت ، ~~أنهم أفضل من الأمة الإسلامية. (2). # وقال الشيخ الشنقيطى ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@03 وفضلناهم على ~~العالمين ). # ذكر سبحانه في هذه الآية أنه فضل بنى إسرائيل على العالمين ، كما ذكر ذلك ~~في آيات أخرى .. ولكن الله تعالى بين أن أمة محمد صلى الله ms5147 عليه وسلم خير من ~~بنى إسرائيل ، وأكرم على الله ، كما صرح بذلك في قوله : ( @QUR@05 كنتم خير ~~أمة أخرجت للناس ). # فخير صيغة تفضيل ، والآية نص صريح في أنهم خير من جميع الأمم ، بنى ~~إسرائيل وغيرهم. # ويؤيد ذلك من حديث معاوية بن حيدة القشيري ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال في أمته : أنتم توفون سبعين أمة ، أنتم خيرها وأكرمها على الله ، وقد ~~رواه عنه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم وهو حديث مشهور. # واعلم أن ما ذكرنا من كون الأمة الإسلامية أفضل من بنى إسرائيل وغيرهم ، ~~لا يعارض ما ورد من آيات في تفضيل بنى إسرائيل. # لأن ذلك التفضيل الوارد في بنى إسرائيل ، ذكر فيهم حال عدم وجود أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم والمعدوم في حال عدمه ليس بشيء حتى يفضل على غيره ، أو ~~يفضل غيره عليه. # ولكنه تعالى بعد وجود الأمة الإسلامية صرح بأنها خير الأمم ، فثبت أن كل ~~ما جاء في القرآن من تفضيل بنى إسرائيل ، إنما يراد به ذكر أحوال سابقة (3). PageV13P154 # وهذا الاتجاه الثاني هو الذي نرجحه ، لأن المقصود بالآية الكريمة ~~وأمثالها تذكير بنى إسرائيل المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم بنعم الله ~~عليهم وعلى آبائهم ، حتى يشكروه عليها. # ومن مظاهر هذا الشكر بل على رأسه إيمانهم بما جاءهم به النبي ~~صلى الله عليه وسلم . # ولكن بنى إسرائيل لم يقابلوا تلك النعم بالشكر ، بل قابلوها بالجحود ~~والحسد للنبي صلى الله عليه وسلم على ما آتاه الله تعالى من فضله ، فكانت ~~نتيجة ذلك أن لعنهم الله وغضب عليهم ، وجعل منهم القردة والخنازير وعبد ~~الطاغوت. # ولقد سبق أن قلنا عند تفسيرنا لقوله تعالى في سورة البقرة : ( @QUR@04 ~~وأني فضلتكم على العالمين ). # والعبرة التي نستخلصها من هذه الآية وأمثالها : أن الله تعالى فضل بنى ~~إسرائيل على غيرهم من الأمم السابقة على الأمة الإسلامية ، ومنحهم الكثير ~~من النعم ولكنهم لم يقابلوا ذلك بالشكر .. فسلب الله عنهم ما حباهم به من ~~نعم. ووصفهم في كتابه بنقض العهد ، وقسوة القلب. # وهذا مصير كل أمة ms5148 بدلت نعمة الله كفرا ، لأن الميزان عند الله للتقوى ~~والفعل الصالح ، وليس للجنس أو اللون أو النسب (1). # ثم بين سبحانه نعمة أخرى من النعم التي أنعم بها على بنى إسرائيل فقال : ~~( @QUR@04 وآتيناهم بينات من الأمر ) والبينات جمع بينة ، وهي الدليل ~~الواضح الصريح. و ( @QUR@01 من ) بمعنى في. # أى : وأعطيناهم فضلا عن كل ما سبق دلائل واضحة ، وشرائع بينة تتعلق بأمر ~~دينهم ، بأن فصلنا لهم الحلال والحرام ، والحسن والقبيح ، والحق والباطل ، ~~فصاروا بذلك على علم تام بشريعتهم ، بحيث لا يخفى عليهم شيء مما اشتملت ~~عليه من أوامر أو نواه ، أو حلال أو حرام. # فالمقصود من هذه الجملة الكريمة أن الله تعالى قد أعطاهم شريعة واضحة لا ~~غموض فيها ولا التباس ، ولا عوج فيها ولا انحراف. # بل إن شريعتهم قد أخبرتهم عن طريق رسلهم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم ~~وبوجوب إيمانهم به عند ظهوره ، ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@024 وإذ قال ~~عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم ، مصدقا لما بين يدي من ~~التوراة ، ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه PageV13P155 # @QUR@08 أحمد ، فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين ) (1). # ثم بين سبحانه الموقف القبيح الذي وقفه بنو إسرائيل من نعم الله عليهم ~~فقال : ( @QUR@010 فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ). # والبغي : تجاوز الحق إلى الباطل في كل شيء. يقال بغت المرأة إذا أتت مالا ~~يحل لها. وبغى فلان على فلان إذا اعتدى عليه ، ومنه قوله تعالى : ( ~~@QUR@013 فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر ~~الله ). # والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أو الأوقات ، وقوله : ( @QUR@01 بغيا ) ~~مفعول لأجله. # أى : أن بنى إسرائيل أنعمنا عليهم بتلك النعم الدينية والدنيوية ، فما ~~اختلفوا في أمور دينهم التي وضحناها لهم ، إلا عن علم لا عن جهل ، ولم يكن ~~خلافهم في حال من الأحوال إلا من أجل البغي والحسد فيما بينهم ، لا من أجل ~~الوصول إلى الحق. # فأنت ترى أن الجملة الكريمة توبخ بنى إسرائيل توبيخا شديدا ، لأنها بينت ~~أن خلافهم ms5149 لم يكن عن جهل ، وإنما كان عن علم ، والاختلاف بعد العلم بالحق ~~أقبح وأشنع ، وأن اختلافهم لم يكن من أجل الوصول إلى الحق ، وإنما كان سببه ~~البغي والحسد. # فهم قد اختلفوا في الحق مع علمهم به ، لأن العلم كالمطر ، لا تستفيد منه ~~إلا الأرض الطيبة النقية ، وكذلك لا يستفيد من العلم إلا أصحاب النفوس ~~الصافية ، والقلوب الواعية .. والنفوس عند ما يستولى عليها الهوى ، تحول ~~المقتضى إلى مانع. # ورحم الله الإمام الرازي فقد قال عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : ~~والمقصود من هذه الجملة ، التعجب من أحوالهم ، لأن حصول العلم يوجب ارتفاع ~~الخلاف. وهاهنا صار مجيء العلم سببا لحصول الاختلاف ، وذلك لأنهم لم يكن ~~مقصودهم من العلم نفس العلم ، وإنما المقصود منه طلب الرياسة والبغي (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@06 إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة ) بيان لحكم الله ~~العادل فيهم. # أى : إن ربك أيها الرسول الكريم يقضى بين هؤلاء المختلفين يوم القيامة ، ~~بقضائه العادل ، بأن ينزل بهم العقاب الذي يستحقونه بسبب ما كانوا يختلفون ~~فيه من أمر الدين ، الذي جعل الله أحكامه واضحة لهم ، ولا تحتمل الاختلاف ~~أو التنازع. # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتمسك بالدين الذي أوحاه ~~إليه ، فقال : PageV13P156 # ( @QUR@07 ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ). # والشريعة في الأصل تطلق على المياه والأنهار التي يقصدها الناس للشرب ~~منها ، والمراد بها هنا : الدين والملة ، لأن الناس يأخذون منهما ما تحيا ~~به أرواحهم ، كما يأخذون من المياه والأنهار ما تحيا به أبدانهم. # قال القرطبي : الشريعة في اللغة : المذهب والملة. ويقال لمشرعة الماء وهي ~~مورد الشاربة شريعة. ومنه الشارع لأنه طريق إلى المقصد. فالشريعة : ما شرع ~~الله لعباده من الدين ، والجمع الشرائع والشرائع في الدين المذاهب التي ~~شرعها الله تعالى لخلقه (1). # أى : ثم جعلناك أيها الرسول الكريم على شريعة ثابتة ، وسنة قويمة ، ~~وطريقة حميدة ، من أمر الدين الذي أوحيناه إليك ، ( @QUR@01 فاتبعها ) ~~اتباعا تاما لا انحراف عنه ( @QUR@06 ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ) من ~~أهل الكفر والضلال والجهل. # وقد ذكروا أن ms5150 كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ارجع إلى دين آبائك ~~، فإنهم كانوا أفضل منك ، فنزلت هذه الآية. # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا ) تعليل للنهى ~~عن اتباع أهوائهم. # أى : إنك أيها الرسول الكريم إن اتبعت أهواء هؤلاء الضالين ، صرت مستحقا ~~لمؤاخذتنا ، ولن يستطيع هؤلاء أو غيرهم ، أن يدفع عنك شيئا مما أراده الله ~~تعالى بك. # ( @QUR@05 وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض ) أى : بعضهم نصراء بعض في ~~الدنيا ، أما في الآخرة فولايتهم تنقلب إلى عداوة. # ( @QUR@01 والله ) تعالى هو ( @QUR@02 ولي المتقين ) الذين أنت إمامهم ~~وقدوتهم ، فاثبت على شريعتنا التي أوحيناها إليك ، لتنال ما أنت أهله من ~~رضانا وعطائنا. # ثم أثنى سبحانه على القرآن الكريم الذي أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم ~~فقال : ( @QUR@07 هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون ). # والبصائر : جمع بصيرة وهي للقلب بمنزلة البصر للعين. فهي النور الذي يبصر ~~به القلب هدايته ، كما أن البصر هو النور الذي تبصر به العين طريقها. # وقوله : ( @QUR@01 هذا ) مبتدأ ، وبصائر خبره ، وجمع الخبر باعتبار ما في ~~القرآن من تعدد الآيات والبراهين. PageV13P157 # أى هذا القرآن الذي أنزلناه إليك أيها الرسول الكريم ( @QUR@02 بصائر ~~للناس ) لأن ما فيه من حجج وبراهين ، تكشف للقلب طريق الحق ، كما تكشف ~~العين للإنسان مساره وهو أيضا ( @QUR@01 هدى ) أى : هداية عظيمة إلى الرشاد ~~والسعادة ( @QUR@01 ورحمة ) واسعة ( @QUR@02 لقوم يوقنون ) أى : لقوم من ~~شأنهم الإيقان بأنه من عند الله تعالى ، وبأنك أيها الرسول الكريم صادق ~~فيما تبلغه عن ربك. # وخص الموقنين بالذكر ، لأنهم هم الذين ينتفعون بحجج القرآن الكريم ، ~~وبهداياته ، أما الذين في قلوبهم مرض أوشك ، فإنهم لا ينتفعون بذلك. # قال تعالى : ( @QUR@030 وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه ~~إيمانا ، فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون .. وأما الذين في ~~قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ) (1). # وقال سبحانه : ( @QUR@020 قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ، والذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى ، أولئك ينادون من مكان بعيد ) (2). # ثم فرقت السورة الكريمة بين ms5151 حال الذين يجترحون السيئات ، وحال الذين ~~يعملون الصالحات ، وحكت جانبا من أقوال المشركين ، وردت عليهم بما يبطلها ، ~~فقال تعالى : # ( @QUR@017 أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون (21) @QUR@013 وخلق الله ~~السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون (22) @QUR@024 ~~أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على ~~بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون (23) @QUR@010 وقالوا ما هي ~~إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا PageV13P158 # @QUR@011 إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون (24) @QUR@016 ~~وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن ~~كنتم صادقين (25) @QUR@018 قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم ~~القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) (26) # و ( @QUR@01 أم ) في قوله تعالى : ( @QUR@05 أم حسب الذين اجترحوا ~~السيئات ) منقطعة ، وتقدر ببل والهمزة ، وما فيها من معنى بل للانتقال من ~~البيان الأول إلى الثاني ، والهمزة لإنكار الحسبان. # والاجتراح : الاكتساب ، ومنه الجارحة للأعضاء التي يكتسب بها كالأيدى. ~~ويقال : فلان جارحة أهله ، أى : هو الذي يكتسب لهم أرزاقهم. # وحسب : فعل ماض ، والذين فاعله ، وجملة ( @QUR@02 أن نجعلهم ) ساد مسد ~~المفعولين. # والمعنى : بل أحسب الذين اكتسبوا ما يسوء من الكفر والمعاصي ، أن نجعلهم ~~متساوين مع الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات في دار الدنيا أو في الدار ~~الآخرة؟ # كلا!! لا يستوون فيهما ، فإن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يحيون في ~~الدنيا حياة طيبة لا مكان فيها للهموم والأحقاد والإحن ببركة إيمانهم ، وفي ~~الآخرة ينالون رضا الله تعالى وحسن ثوابه. # أما الذين اجترحوا السيئات فهم في شقاء في الدنيا وفي الآخرة. # قال الشوكانى قرأ الجمهور ( @QUR@01 سواء ) بالرفع على أنه خبر مقدم. ~~والمبتدأ محياهم ومماتهم. والمعنى إنكار حسبانهم أن محياهم ومماتهم سواء. # وقرأ حمزة والكسائي وحفص ( @QUR@01 سواء ) بالنصب على أنه حال من الضمير ~~المستتر في الجار والمجرور في قوله : ( @QUR@04 كالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات ) أو على أنه مفعول ثان لحسب ms5152 (1). # وقوله : ( @QUR@03 ساء ما يحكمون ) أى بئس حكما حكمهم هذا الذي زعموا فيه ~~تسويتنا بين PageV13P159 # الذين اجترحوا السيئات ، والذين آمنوا وعملوا الصالحات. # فالمقصود بهذه الجملة الكريمة ، توبيخهم على أحكامهم الباطلة ، وأفكارهم ~~الفاسدة. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@03 ساء ما يحكمون ) أى : ساء حكمهم هذا ، ~~وهو الحكم بالتساوي ، فما مصدرية ، والكلام إخبار عن قبح حكمهم المعهود. # ويجوز أن يكون لإنشاء ذمهم على أن ( @QUR@01 ساء ) بمعنى بئس ، فتكون ~~كلمة ( @QUR@01 ما ) نكرة موصوفة ، وقعت تمييزا مفسرا لضمير الفاعل المبهم ~~والمخصوص بالذم محذوف أى : بئس شيئا حكموا به ذلك (1). # ثم أكد سبحانه عدم المساواة بين الفريقين فقال : ( @QUR@05 وخلق الله ~~السماوات والأرض بالحق ) أى خلقهما خلقا ملتبسا بالحق الذي لا يحوم حوله باطل. # وقوله ( @QUR@05 ولتجزى كل نفس بما كسبت ) معطوف على مقدر يفهم من سياق ~~الكلام. # أى : خلقهما بالحق ليبرهن بذلك على وحدانيته وقدرته. ولتجزى كل نفس يوم ~~القيامة بسبب ما اكتسبته من أعمال. # ويصح أن يكون معطوفا على قوله ( @QUR@01 بالحق ). أى : خلقهما بالحق ~~المقتضى للعدل بين العباد ، ولتجزى كل نفس بما كسبت ، فهو من عطف المسبب ~~على السبب. # ( @QUR@03 وهم لا يظلمون ) أى : الخلائق المدلول عليهم بقوله ( @QUR@02 ~~كل نفس ) لا يلحقهم شيء من الظلم يوم القيامة ، لأن الله تعالى قد كتب على ~~نفسه أنه لا يظلم أحدا. # والاستفهام في قوله سبحانه : ( @QUR@05 أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ) ~~للتعجب من حال هؤلاء المشركين ، ولتسلية النبي صلى الله عليه وسلم عما أصابه ~~منهم من أذى. # والمراد بهواه : ما يستحسنه من تصرفات ، حتى ولو كانت تلك التصرفات في ~~نهاية القبح والشناعة والجهالة. # والمعنى : انظر وتأمل أيها الرسول الكريم في أحوال هؤلاء الكافرين فإنك ~~لن ترى جهالة كجهالاتهم ، لأنهم إذا حسن لهم هواهم شيئا اتخذوه إلها لهم ، ~~مهما كان قبح تصرفهم ، وانحطاط تفكيرهم ، وخضعوا له كما يخضع العابد ~~لمعبوده. # قال ابن عباس : كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمانا. فإذا رأى ~~غيره أحسن منه عبد الثاني وترك الأول. PageV13P160 # وقوله : ( @QUR@04 وأضله الله على علم ) أى : وأضل الله تعالى هذا الشقي ~~، بأن خلق فيه ms5153 الضلالة ، على علم منه سبحانه بأن هذا الشقي أهل لذلك ~~لاستحبابه العمى على الهدى. # فيكون قوله ( @QUR@02 على علم ) حال من الفاعل ، أى أضله سبحانه حالة ~~كونه عالما بأنه من أهل الضلال. # ويصح أن يكون حالا من المفعول ، أى : وأضل الله تعالى هذا الشقي ، والحال ~~أن هذا الشقي عالم بطريق الإيمان ، ولكنه استحب الغي على الرشد. # وقوله ( @QUR@04 وختم على سمعه وقلبه ) والختم : الوسم بطابع ونحوه ، ~~مأخوذ من وضع الخاتم على الشيء ، وطبعه فيه للاستيثاق ، لكي لا يخرج منه ما ~~بداخله ولا يدخله ما هو خارج عنه. # أى : وطبع على سمعه وقلبه ، فجعله لا يسمع سماع تدبر وانتفاع ، ولا يفقه ~~ما فيه هدايته ورشده. # ( @QUR@04 وجعل على بصره غشاوة ) أى : وجعل على بصره غطاء ، يحجب عنه ~~الرؤية السليمة للأشياء وأصل الغشاوة ما يغطى به الشيء ، من غشاه إذا غطاه. # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@05 فمن يهديه من بعد الله ) للإنكار ~~والنفي. # أى : لا أحد يستطيع أن يهدى هذا الإنسان الذي اتخذ إلهه هواه من بعد أن ~~أضله الله عز وجل . # ( @QUR@02 أفلا تذكرون ) أى : أفلا تتفكرون وتتأملون فيما سقت لكم من ~~مواعظ وعبر ، تفكرا يهديكم إلى الرشد ، ويبعثكم على الإيمان. # فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة ، تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه ~~من المشركين ، وتعجيب من أحوالهم التي بلغت الغاية في الجهالة والضلالة. ~~ودعوة لهم إلى التذكر والاعتبار ، لأن ذلك ينقلهم من الكفر إلى الإيمان. # ثم حكى سبحانه بعد ذلك جانبا من أقوالهم الباطلة فقال : ( @QUR@012 ~~وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ). # أى : وقال هؤلاء المشركون على سبيل الجهل والعناد والجحود للحق ، ما ~~الحياة إلا هذه الحياة الدنيوية التي نحياها فيها ، وليس هناك حياة سواها ، ~~فنحن نموت ثم يحيا أولادنا من PageV13P161 # بعدنا أو يموت بعضنا ويحيا البعض الآخر إلى زمن معين ، أو نكون أمواتا في ~~أصلاب آبائنا ، ثم نحيا بعد ذلك عند الولادة. # ( @QUR@02 وما يهلكنا ) عند انتهاء آجالنا ( @QUR@02 إلا الدهر ) أى : ~~إلا مرور الزمان ، وكر الأعوام وتقلب الشهور ms5154 والأيام. # قال ابن كثير ما ملخصه «يخبر تعالى عن قول الدهرية من الكفار ، ومن ~~وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد : ( @QUR@08 وقالوا ما هي إلا ~~حياتنا الدنيا نموت ونحيا ... ) أى : ما ثم إلا هذه الدار ، يموت قوم ويعيش ~~آخرون ، وما ثم معاد ولا قيامة ... # ولهذا قالوا : ( @QUR@04 وما يهلكنا إلا الدهر ) أى : إلا مرور الأيام ~~والليالى فكابروا المعقول وكذبوا المنقول ... # وفي الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : يقول الله تعالى : يؤذيني ابن آدم ، يسب الدهر ، ~~وأنا الدهر ، بيدي الأمر ، أقلب ليله ونهاره. # والمقصود من هذا الحديث النهى عن سب الدهر ، لأن الله تعالى هو الخالق له ~~، فمن يسب الدهر ، فكأنما سب الله تعالى لأنه سبحانه هو الذي يقلب الليالى ~~والأيام. # وقد كان العرب في الجاهلية إذا ما أصابتهم شدة أو نكبة ، قالوا : يا خيبة ~~الدهر ، فيسندون تلك الأفعال والمصائب إلى الدهر ويسبونه (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@09 وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون ) رد عليهم ~~فيما قالوه من أقوال باطلة تتعلق بإنكارهم للبعث والحساب. # أى : وليس لهم فيما زعموه من إنكارهم للبعث من علم مستند إلى نقل أو عقل ~~، إن هم إلا يظنون ظنا مبنيا على الوهم والضلال. # ( @QUR@05 وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ) أى : وإذا تليت عليهم آيات ~~القرآن ، الواضحة في دلالتها على أن يوم القيامة حق ، وأن الحساب حق. # ( @QUR@011 ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين ) أى ~~: ما كان ردهم على من يذكرهم بالبعث إلا أن قالوا لهم : أعيدوا إلينا ~~آباءنا الذين ماتوا إن كنتم صادقين في قولكم : إن هناك بعثا وحسابا وثوابا ~~وعقابا. PageV13P162 # وقوله ( @QUR@01 حجتهم ) بالنصب خبر كان ، واسمها قوله : ( @QUR@03 إلا ~~أن قالوا ). # وسمى سبحانه أقوالهم مع بطلانها حجة ، على سبيل التهكم بهم ، والاستهزاء ~~بهذه الأقوال. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم سمى قولهم حجة وليس بحجة؟ # قلت : لأنهم أدلوا به كما يدلى المحتج بحجته ، وساقوه مساقها ، فسميت حجة ~~على سبيل التهكم ، أو لأنه ms5155 في حسبانهم وتقديرهم حجة ، أو لأنه في أسلوب قول ~~القائل : # تحية بينهم ضرب وجيع .. كأنه قيل : ما كان حجتهم إلا ما ليس بحجة. # والمراد : نفى أن تكون لهم حجة ألبتة (1). # ثم ختم سبحانه هذه الآية بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يرد عليهم بما ~~يخرس ألسنتهم فقال : ( @QUR@03 قل الله يحييكم ) أى : وأنتم في الدنيا ( ~~@QUR@02 ثم يميتكم ) عند انقضاء آجالكم في الدنيا ، ( @QUR@05 ثم يجمعكم ~~إلى يوم القيامة ) بأن يعيدكم إلى الحياة مرة أخرى للحساب والجزاء ، وهذا ~~اليوم وهو يوم القيامة آت ( @QUR@03 لا ريب فيه ) ولا شك في حدوثه. # ( @QUR@05 ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ذلك ، لاستيلاء الهوى والشيطان ~~على قلوبهم ، ولو عقلوا لعلموا أن من أنشأ الإنسان من العدم ، قادر على ~~إعادته بعد موته من باب أولى. # ثم أخذت السورة الكريمة في أواخرها في تذكير الناس بأهوال يوم القيامة ~~لكي يستعدوا للقاء هذا اليوم بالإيمان والعمل الصالح ، فذكرتهم بأحوال ~~الأخيار والأشرار في هذا اليوم العصيب ، وبينت لهم أن الندم لن ينفع في هذا ~~اليوم .. فقال تعالى : # ( @QUR@010 ولله ملك السماوات والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر ~~المبطلون (27) @QUR@014 وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم ~~تجزون ما كنتم تعملون (28) @QUR@011 هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا ~~نستنسخ ما كنتم تعملون (29) @QUR@05 فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات PageV13P163 # @QUR@08 فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز المبين (30) @QUR@012 وأما ~~الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين (31) ~~@QUR@022 وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما ~~الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين (32) @QUR@011 وبدا لهم سيئات ما ~~عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (33) @QUR@014 وقيل اليوم ننساكم كما ~~نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين (34) @QUR@016 ذلكم ~~بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم لا يخرجون منها ~~ولا هم يستعتبون (35) @QUR@08 فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب ~~العالمين (36) @QUR@08 وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ) (37) # قال الإمام الرازي : قوله : ( @QUR@04 ولله ملك ms5156 السماوات والأرض ): أنه ~~تعالى لما احتج بكونه قادرا على الإحياء في المرة الأولى ، وعلى كونه قادرا ~~على الإحياء في المرة الثانية في الآيات المتقدمة ، عمم بعد ذلك الدليل ~~فقال : ( @QUR@04 ولله ملك السماوات والأرض ) أى : لله تعالى القدرة على ~~جميع الممكنات سواء أكانت من السموات أم من الأرض (1). # أى : ( @QUR@01 لله ) تعالى وحده ( @QUR@03 ملك السماوات والأرض ) خلقا ~~وتصرفا وإحياء وإماتة لا راد لقضائه. ولا معقب لحكمه. # ثم بين سبحانه سوء عاقبة الكافرين يوم القيامة فقال : ( @QUR@06 ويوم ~~تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون ). # أى : ولله تعالى ملك السموات والأرض ، وله أيضا ملك وقت قيام الساعة ، PageV13P164 # لأنه لا يستطيع أحد أن يعلم وقت قيامها ، أو يتصرف فيه ، إلا هو عز وجل ~~وفي اليوم الذي تقوم فيه الساعة يخسر المبطلون ، أنفسهم وأهليهم ، ويصيرون ~~في حال شديدة من الهم والغم والكرب ، لأنهم كذبوا بهذا اليوم ، وكفروا به ~~وقالوا : ( @QUR@011 ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا ~~الدهر ). # قال الشوكانى وقوله : ( @QUR@06 ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون ) ~~أى : المكذبون الكافرون المتعلقون بالأباطيل ، يظهر في ذلك اليوم خسرانهم ~~لأنهم يصيرون إلى النار ، والعامل في ( @QUR@01 يوم ) هو الفعل ( @QUR@01 ~~يخسر ) ويومئذ بدل منه ، والتنوين للعوض عن المضاف إليه المدلول عليه بما ~~أضيف إليه المبدل منه ، فيكون التقدير : ( @QUR@03 ويوم تقوم الساعة ) يوم ~~تقوم الساعة ، فيكون بدلا توكيديا. # والأحسن أن يكون العامل في ( @QUR@01 يوم ) هو ( @QUR@01 ملك ) أى : ما ~~يدل عليه هذا اللفظ. # أى : ولله تعالى ملك السموات والأرض وملك يوم تقوم الساعة ، ويكون قوله ( ~~@QUR@01 يومئذ ) معمولا ليخسر .. (1). # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@09 فإذا جاء أمر الله قضي بالحق ~~وخسر هنالك المبطلون ) (2). # ثم يعرض سبحانه مشهدا من مشاهد هذا اليوم الهائل الشديد فيقول : ( ~~@QUR@04 وترى كل أمة جاثية ). # وقوله : سبحانه : ( @QUR@01 جاثية ) من الجثو وهو الجلوس على الركب بتحفز ~~وترقب وخوف. # يقال : جثا فلان على ركبتيه يجثو جثوا وجثيا ، إذا برك على ركبتيه ~~وأنامله في حالة تحفز ، كأنه منتظر لما يكرهه. # أى : وترى أيها العاقل في هذا اليوم الذي تشيب من هوله الولدان ، كل ms5157 أمة ~~من الأمم متميزة عن غيرها ، وجاثية على ركبها ، مترقبة لمصيرها في تلهف ~~وخوف فالجملة الكريمة تصور أهوال هذا اليوم ، وأحوال الناس فيه ، تصويرا ~~بليغا مؤثرا ، يبعث على الخوف الشديد من هذا اليوم ، وعلى تقديم العمل ~~الصالح الذي ينفع صاحبه ( @QUR@09 يوم لا تملك نفس لنفس شيئا ، والأمر ~~يومئذ لله ). PageV13P165 # وقوله ( @QUR@02 كل أمة ) مبتدأ ، وقوله ( @QUR@03 تدعى إلى كتابها ) ~~خبره. أى : كل أمة تدعى إلى سجل أعمالها الذي أمر الله تعالى ملائكته ~~بكتابته لتحاسب عليه. # وقوله : ( @QUR@05 اليوم تجزون ما كنتم تعملون ) مقول لقول مقدر. أى : ~~ويقال لهم جميعا في هذا الوقت : اليوم تجدون جزاء أعمالكم التي كنتم ~~تعملونها في الدنيا من خير أو شر. ويقال لهم أيضا : ( @QUR@05 هذا كتابنا ~~ينطق عليكم بالحق ). # أى : هذا كتابنا الذي سجلته عليكم الملائكة ، يشهد عليكم بالحق ، لأنه لا ~~زيادة فيما كتب عليكم ولا نقصان ، وإنما هي أعمالكم أحصيناها عليكم. # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@02 هذا كتابنا ) قيل من قول الله لهم. ~~وقيل من قول الملائكة. # ( @QUR@03 ينطق عليكم بالحق ) أى : يشهد. وهو استعارة ، يقال : نطق ~~الكتاب بكذا ، أى : بين. وقيل : إنهم يقرءونه فيذكرهم الكتاب ما عملوا ، ~~فكأنه ينطق عليهم. # دليله قوله تعالى : ( @QUR@013 ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا ~~يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ) وقوله سبحانه : ( @QUR@07 ولدينا كتاب ~~ينطق بالحق وهم لا يظلمون ). # وقوله : ( @QUR@01 ينطق ) في موضع الحال من الكتاب» (1). # وقال الجمل في حاشيته : فإن قيل : كيف أضيف الكتاب إليهم في قوله : ( ~~@QUR@05 كل أمة تدعى إلى كتابها ). # وأضيف هنا إلى الله تعالى فقال : ( @QUR@02 هذا كتابنا )؟ # فالجواب أنه لا منافاة بين الأمرين ، لأنه كتابهم بمعنى أنه مشتمل على ~~أعمالهم ، وكتاب الله ، بمعنى أنه سبحانه هو الذي أمر الملائكة بكتابته (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ) تعليل للنطق ~~بالحق ، أى : إنا كنا نأمر ملائكتنا بنسخ أعمالكم ، أى : بكتابتها وتثبيتها ~~عليكم في الصحف ، حسنة كانت أو سيئة ، فالمراد بالنسخ هنا : الإثبات لا ~~الإزالة. # ثم فصل سبحانه ما يترتب على ما سبق من أحكام فقال : ( @QUR@09 فأما الذين ~~آمنوا وعملوا ms5158 الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ) أى : فيدخلهم سبحانه في ~~جنته ورضوانه. PageV13P166 # ( @QUR@01 ذلك ) العطاء الجزيل ( @QUR@03 هو الفوز المبين ) الذي لا ~~يدانيه فوز. # ( @QUR@03 وأما الذين كفروا ) فيقال لهم على سبيل التوبيخ والتقريع ~~والزجر : # ( @QUR@05 أفلم تكن آياتي تتلى عليكم ) أى : أفلم تأتكم رسلي بآياتى ~~الدالة على وحدانيتي وعلى صدقهم فيما يبلغونه عنى؟ بلى لقد جاءكم رسلي ~~بآياتى. # ( @QUR@01 فاستكبرتم ) عن الاستماع إليهم ، وعن الاستجابة لهم ، واتباع ~~دعوتهم. # ( @QUR@03 وكنتم قوما مجرمين ) أى : وكنتم في الدنيا قوما عادتكم الإجرام ~~، واجتراح السيئات ، واقتراف المنكرات. # ( @QUR@02 وإذا قيل ) لكم في الدنيا ( @QUR@04 إن وعد الله حق ) أى : إن ~~ما وعد الله تعالى به من البعث والحساب حق وصدق ( @QUR@04 والساعة لا ريب ~~فيها ) أى : لا شك فيها. # ( @QUR@01 قلتم ) على سبيل العناد والجحود ( @QUR@04 ما ندري ما الساعة ) ~~أى : قلتم على سبيل الإنكار لها ، والاستبعاد لحصولها : لا نعرف أن هناك ~~شيئا اسمه الساعة ، ولا نعترف بها اعترافا يدل على إيماننا بها. # ( @QUR@07 إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين ) أى : كنتم في الدنيا ~~تقولون : لا نوقن ولا نؤمن بحدوث الساعة ، ولكنا نظن ونتوهم أن هناك شيئا ~~اسمه الساعة ، وما نحن بمستيقنين بإتيانها. # ولعل هذا الكلام الذي حكاه القرآن الكريم عنهم ، هو كلام الشاكين ~~المتحيرين من الكافرين أما الجاحدون منهم فهم الذين حكى القرآن عنهم أنهم ~~قالوا : ( @QUR@011 ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا ~~الدهر .. ). # ثم بين سبحانه ما ترتب على هذه الأقوال الباطلة من نتائج فقال : ( ~~@QUR@05 وبدا لهم سيئات ما عملوا ) أى : وظهر لهؤلاء الكافرين سيئات ~~أعمالهم على حقيقتها التي كانوا لا يتوقعونها. # ( @QUR@02 وحاق بهم ) أى : وأحاط ونزل بهم ( @QUR@04 ما كانوا به يستهزؤن ~~) أى : في الدنيا ، فقد كانوا في الدنيا ينكرون البعث والحساب والجزاء ~~ويستهزئون بمن يحدثهم عن ذلك. فنزل بهم العذاب المهين ، جزاء استهزائهم ~~وإنكارهم. # ( @QUR@01 وقيل ) لهم على سبيل التأنيب والزجر ( @QUR@02 اليوم ننساكم ) ~~أى : نهملكم ونترككم في النار ( @QUR@02 كما نسيتم ) أنتم في الدنيا ~~وأنكرتم ( @QUR@03 لقاء يومكم هذا ) وهو يوم القيامة ( @QUR@02 ومأواكم ~~النار ) أى : ومسكنكم الذي تأوون إليه النار وبئس القرار. ms5159 PageV13P167 # ( @QUR@04 وما لكم من ناصرين ) أى : وليس لكم من ناصرين ينصرونكم ، ~~ويخففون عنكم هذا العذاب الذي حل بكم. # ثم بين سبحانه الأسباب التي أدت بهم إلى هذا المصير السيئ فقال : ( ~~@QUR@06 ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا ). # أى : ذلكم العذاب المبين الذي نزل بكم سببه أنكم استهزأتم بآيات القرآن ~~الكريم ، وسخرتم منها ، وكذبتم من جاء بها. # ( @QUR@03 وغرتكم الحياة الدنيا ) أى : وخدعتكم الحياة الدنيا بزخارفها ~~ومتعها وشهواتها. # ( @QUR@04 فاليوم لا يخرجون منها ) أى : من النار. # ( @QUR@03 ولا هم يستعتبون ) أى : ولا هم يطلب منهم أن يرضوا ربهم ، بأن ~~يتوبوا إليه مما كان منهم من كفر وفسوق في الدنيا ، لأن التوبة قد فات ~~أوانها. # فقوله : ( @QUR@01 يستعتبون ) من العتب بفتح العين وسكون التاء وهي ~~الموجدة. يقال : عتب عليه يعتب ، إذا وجد عليه ، فإذا فاوضه فيما عتب عليه ~~فيه ، قيل : عاتبه. # والمقصود من الآية الكريمة أن هؤلاء الكافرين لا يقبل منهم في هذا اليوم ~~عذر أو توبة. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بقوله : ( @QUR@02 فلله الحمد ) أى : فلله ~~تعالى وحده الحمد والثناء ( @QUR@06 رب السماوات ورب الأرض رب العالمين ) ~~لا رب سواه ولا خالق غيره. # ( @QUR@02 وله الكبرياء ) أى : العظمة والسلطان والجلال ( @QUR@06 في ~~السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ). # قال ابن كثير : أى : هو العظيم الممجد الذي كل شيء خاضع لديه. فقير إليه ~~وفي الحديث الصحيح يقول الله تعالى : «العظمة إزارى ، والكبرياء ردائي ، ~~فمن نازعنى واحدا منهما أسكنته ناري». # ( @QUR@02 وهو العزيز ) أى : الذي لا يغالب ولا يمانع ، ( @QUR@01 الحكيم ~~) في أقواله وأفعاله (1). PageV13P168 # وبعد فهذا تفسير محرر لسورة «الجاثية» نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا ~~لوجهه ونافعا لعباده. # والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV13P169 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الأحقاف PageV13P171 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «الأحقاف» هي السورة السادسة والأربعون في ترتيب المصحف ، أما ~~ترتيبها في النزول فقد كان بعد سورة «الجاثية». # والذي يراجع ما كتبه العلماء في ترتيب سور القرآن الكريم ، يجد أن ~~الحواميم قد نزلت مرتبة كترتيبها في المصحف. # 2 وسورة «الأحقاف» عدد ms5160 آياتها خمس وثلاثون آية في المصحف الكوفي ، وأربع ~~وثلاثون آية في غيره ، وهي من السور المكية. # قال الآلوسى : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير أنها نزلت بمكة ، ~~فأطلق غير واحد القول بمكيتها من غير استثناء .. # واستثنى بعضهم قوله تعالى : ( @QUR@016 قل أرأيتم إن كان من عند الله ، ~~وكفرتم به ، وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ). # واستثنى بعضهم قوله تعالى : ( @QUR@013 والذي قال لوالديه أف لكما ~~أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي ... ) إلى قوله تعالى : ( @QUR@03 ~~إنهم كانوا خاسرين ). # 3 وقد افتتحت السورة الكريمة بالثناء على القرآن الكريم ، وبيان جانب من ~~مظاهر قدرة الله تعالى ، وبتلقين النبي صلى الله عليه وسلم الجواب السديد الذي ~~يرد به على المشركين ، فقال تعالى : ( @QUR@030 قل أرأيتم ما تدعون من دون ~~الله. أروني ما ذا خلقوا من الأرض ، أم لهم شرك في السماوات ، ائتوني بكتاب ~~من قبل هذا ، أو أثارة من علم إن كنتم صادقين ). # ثم تحكى السورة الكريمة بعض الأعذار الزائفة التي اعتذر بها الكافرون ~~وردت عليهم بما يبطلها ، فقال تعالى : ( @QUR@019 وقال الذين كفروا للذين ~~آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه ، وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك ~~قديم ... ). # 4 ثم انتقلت السورة إلى الحديث عن حسن عاقبة الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا ، وعن الوصايا الحكيمة التي أوصى الله تعالى بها الأبناء نحو ~~آبائهم ، وعن حسن عاقبة PageV13P173 # الذين يعملون بتلك الوصايا ، فقال تعالى : ( @QUR@018 أولئك الذين نتقبل ~~عنهم أحسن ما عملوا ، ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة ، وعد الصدق الذي ~~كانوا يوعدون ). # كما بينت السورة الكريمة سوء عاقبة الكافرين ، الذين أعرضوا عن دعوة الحق ~~، قال تعالى : ( @QUR@027 ويوم يعرض الذين كفروا على النار ، أذهبتم ~~طيباتكم في حياتكم الدنيا ، واستمتعتم بها ، فاليوم تجزون عذاب الهون بما ~~كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق ، وبما كنتم تفسقون ). # 5 ثم حذرت السورة المشركين من الإصرار على شركهم ، وذكرتهم بما حل ~~بالمشركين من قبلهم كقوم عاد وثمود ... وبينت لهم أن هؤلاء الكافرين لم تغن ~~عنهم أموالهم ولا قوتهم ms5161 شيئا ، عند ما حاق بهم عذاب الله تعالى ، فقال ~~سبحانه : ( @QUR@042 ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه ، وجعلنا لهم سمعا ~~وأبصارا وأفئدة ، فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء ، إذ ~~كانوا يجحدون بآيات الله ، وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن. ولقد أهلكنا ما ~~حولكم من القرى ، وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون ). # 6 ثم أخذت السورة الكريمة في أواخرها ، في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وفي إدخال السرور على قلبه بأن ذكرته بحضور نفر من الجن إليه ، للاستماع ~~إلى القرآن الكريم ، وكيف أنهم عند ما استمعوا إليه أوصى بعضهم بعضا ~~بالإنصات وحسن الاستماع ، وكيف أنهم عند ما عادوا إلى قومهم دعوهم إلى ~~الإيمان بالحق الذي استمعوا إليه ، وبالنبي الذي جاء به ، فقال تعالى حكاية ~~عنهم : ( @QUR@015 يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به ، يغفر لكم من ~~ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ). # ثم ختمت السورة الكريمة بأمره صلى الله عليه وسلم بالصبر على أذى قومه ، ~~فقال تعالى : ( @QUR@027 فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل ~~لهم. كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ، بلاغ ، فهل ~~يهلك إلا القوم الفاسقون ). # 7 والمتأمل في سورة «الأحقاف» يراها ، قد أقامت الأدلة على وحدانية الله ~~تعالى ، وعلى كمال قدرته. وعلى صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ~~ربه ، وعلى أن هذا القرآن من عند الله ، وعلى أن يوم القيامة حق. # أقامت الأدلة على كل ذلك ، بأبلغ الأساليب وأحكمها ، ومن ذلك أنها ساقت ~~ألوانا من مظاهر قدرة الله تعالى في خلقه ، كما ذكرت شهادة شاهد من بنى ~~إسرائيل على أن الإسلام هو الدين الحق ، كما طوفت بالناس في أعماق التاريخ ~~لتطلعهم على مصارع الغابرين ، الذين أعرضوا عن دعوة الحق ، كما عقدت عدة ~~مقارنات بين مصير الأخيار ومصير الأشرار .. PageV13P174 # وبذلك تكون السورة قد ساقت من الأدلة ما فيه الكفاية والإقناع لأولى ~~الألباب ، على أن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق فيما يبلغه عن ربه. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ms5162 آله وصحبه وسلم .. # القاهرة مدينة نصر # صباح السبت 10 من شهر ربيع الأول سنة 1406 ه # 23 / 11 / 1985 م # كتبة الراجي عفو ربه # د. محمد سيد طنطاوى PageV13P175 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@01 حم (1) @QUR@06 تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) ~~@QUR@015 ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين ~~كفروا عما أنذروا معرضون (3) @QUR@030 قل أرأيتم ما تدعون من دون الله ~~أروني ما ذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل ~~هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين (4) @QUR@018 ومن أضل ممن يدعوا من دون ~~الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون (5) @QUR@09 ~~وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ) (6) # سورة «الأحقاف» من السور التي افتتحت ببعض الحروف الهجائية ، وأقرب ~~الأقوال إلى الصواب في معناها أن يقال : إن هذه الحروف المقطعة قد وردت في ~~افتتاح بعض السور ، للإشعار بأن هذا القرآن الذي تحدى به الله تعالى ~~المشركين ، هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التي يعرفونها ، ويقدرون ~~على تأليف الكلام منها ، فإذا عجزوا عن الإتيان بسورة من مثله ، فذلك ~~لبلوغه في الفصاحة والحكمة مرتبة فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها بمراحل شاسعة. # وفضلا عن كل ذلك فإن تصدير بعض السور ، يمثل هذه الحروف المقطعة يجذب أنظار PageV13P177 # المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم إلى الإنصات والتدبر ، لأنه ~~يطرق أسماعهم في أول التلاوة بألفاظ غير مألوفة في مجاري كلامهم. # وذلك مما يلفت أنظارهم ، ليتبينوا ما يراد منها ، فيسمعوا حكما وحججا ~~ومواعظ من شأنها أنها تهديهم إلى الحق ، لو كانوا يعقلون. # وقد سبق أن بينا بشيء من التفصيل آراء العلماء في هذه الحروف المقطعة (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@06 تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ) بيان ~~لمصدر هذا القرآن ، وأنه من عند الله تعالى ، لا من عند غيره. # أى : أن هذا القرآن منزل من عند الله تعالى ( @QUR@01 العزيز ) أى : صاحب ~~العزة الغالبة ، والسلطان القاهر ( @QUR@01 الحكيم ) في كل أقواله وأفعاله ~~وتصريفه لشئون خلقه. ms5163 # ثم بين سبحانه أنه لم يخلق هذا الكون عبثا ، فقال : ( @QUR@010 ما خلقنا ~~السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى ... ). # وقوله : ( @QUR@02 إلا بالحق ) استثناء مفرغ من أهم الأحوال ، وهو صفة ~~لمصدر محذوف ، وقوله : ( @QUR@02 وأجل مسمى ) معطوف على «الحق» والكلام على ~~تقدير مضاف محذوف. # أى : ما خلقنا هذا الكون بسمائه وأرضه وما بينهما من مخلوقات لا يعلمها ~~إلا الله ، ما خلقنا كل ذلك إلا خلقا ملتبسا بالحق الذي لا يحوم حوله باطل ~~وبالحكمة التي اقتضتها إرادتنا ومشيئتنا .. # وما خلقنا كل ذلك أيضا إلا بتقدير أجل معين ، هو يوم القيامة الذي تفنى ~~عنده جميع المخلوقات. # فالمراد بالأجل المسمى : يوم القيامة الذي ينتهى عنده آجال الناس ، ~~ويقفون بين يدي الله تعال للحساب والجزاء. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@016 وما خلقنا السماء والأرض وما ~~بينهما باطلا. ذلك ظن الذين كفروا ، فويل للذين كفروا من النار ) (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@011 وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين. ~~ما خلقناهما إلا بالحق ... ) (3). PageV13P178 # ثم بين سبحانه موقف المشركين من خالقهم فقال : ( @QUR@05 والذين كفروا ~~عما أنذروا معرضون ) والإنذار : الإعلام المقترن بتهديد ، فكل إنذار إعلام ~~، وليس كل إعلام إنذار. # و «ما» في قوله : ( @QUR@02 عما أنذروا ) يصح أن تكون موصولة والعائد ~~محذوف ، ويصح أن تكون مصدرية. # والإعراض عن الشيء : الصدود عنه ، وعدم الإقبال عليه ، وأصله من العرض ~~بضم العين وهو الجانب ، لأن المعرض عن الشيء يعطيه جانب عنقه ، مبتعدا عنه. # أى : نحن الذين خلقنا بقدرتنا وحكمتنا ، السموات والأرض وما بينهما ، ~~بالحق الذي اقتضته مشيئتنا ، وبتقدير أمد معين ، عند انتهائه «تبدل الأرض ~~غير الأرض والسموات ..» ومع كل هذه الدلائل الساطعة الدالة على وحدانيتنا ~~وقدرتنا ، فالذين كفروا بالحق ، عن الذي أنذروه من الحساب والجزاء معرضون ، ~~وفي طغيانهم يعمهون .. # فالآية الكريمة قد وضحت أن هذا الكون لم يخلقه الله تعالى عبثا ، وأن ~~لهذا الكون نهاية ينتهى عندها ، وأن الكافرين لجهلهم وعنادهم لم يستجيبوا ~~لمن دعاهم إلى إخلاص العبادة لله الواحد القهار ، ولم يستعدوا لاستقبال يوم ~~القيامة بالإيمان والعمل الصالح. # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى ms5164 الله عليه وسلم أن يوبخ هؤلاء الكافرين على ~~جهالاتهم وعنادهم ، فقال : ( @QUR@018 قل أرأيتم ما تدعون من دون الله ، ~~أروني ما ذا خلقوا من الأرض ، أم لهم شرك في السماوات ... ). # وقوله : ( @QUR@01 أرأيتم ) بمعنى أخبرونى ، ومفعوله الأول قوله ( ~~@QUR@02 ما تدعون ) وجمله «ماذا خلقوا» سدت مسد مفعوله الثاني. # وجملة : «أرونى» مؤكدة لقوله : ( @QUR@01 أرأيتم ) لأنها أيضا بمعنى ~~أخبرونى. # والمعنى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء المشركين على سبيل التوبيخ ~~والتأنيب : أخبرونى عن هذه الآلهة التي تعبدونها من دول الله تعالى ، أى ~~شيء في الأرض أوجدته هذه الآلهة؟ إنها قطعا لم تخلق شيئا من الأرض. فالأمر ~~في قوله ( @QUR@01 أروني ) للتعجيز والتبكيت. # و «أم» في قوله ( @QUR@05 أم لهم شرك في السماوات ) للإضراب عن أن يكونوا ~~قد خلقوا شيئا ، إلى بيان أنهم لا مشاركة لهم مع الله في خلق السموات أو ~~الأرض أو غيرهما. فقوله : ( @QUR@01 شرك ) بمعنى مشاركة .. # أى : بل ألهم مشاركة من الله تعالى في خلق شيء من السموات؟ كلا ، لا مشاركة PageV13P179 # لهم في خلق أى شيء ، وإنما الخالق لكل شيء هو الله رب العالمين. # فالاستفهام للتوبيخ والتقريع. # فالمراد من الآية الكريمة نفى استحقاق معبوداتهم لأى لون من ألوان ~~العبادة بأبلغ وجه ، لأن هذه المعبودات لا مدخل لها في خلق أى شيء لا من ~~العوالم السفلية ولا من العوالم العلوية ، وإنما الكل مخلوق لله تعالى وحده. # ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله تعالى : ( @QUR@010 هذا خلق ~~الله فأروني ما ذا خلق الذين من دونه ) (1). # وبعد أن أفحمهم سبحانه من الناحية العقلية ، أتبع ذلك بإفحامهم بالأدلة ~~النقلية ، فقال تعالى : ( @QUR@012 ائتوني بكتاب من قبل هذا ، أو أثارة من ~~علم ، إن كنتم صادقين ). # والأمر في قوله تعالى ( @QUR@01 ائتوني ) للتعجيز والتهكم أيضا كما في ~~قوله : ( @QUR@01 أروني ). # وقوله : ( @QUR@03 أثارة من علم ) أى : بقية من علم يؤثر عن الأولين ، ~~وينسب إليهم. # قال القرطبي : وفي الصحاح : «أو أثارة من علم» أى : بقية منه. وكذلك ~~الأثرة بالتحريك ويقال : سمنت الإبل على أثارة ، أى : على بقية من شحم كان ~~فيها قبل ذلك .. # والأثارة : مصدر كالسماحة ms5165 والشجاعة ، وأصل الكلمة من الأثر ، وهي الرواية ~~، يقال : أثرت الحديث آثره أثرا وأثارة وأثرة فأنا آثر ، إذا ذكرته عن غيرك ~~، ومنه قيل : حديث مأثور ، أى نقله الخلف عن السلف (2). # أى : هاتوا لي أيها المشركون كتابا من قبل هذا القرآن يدل على صحة ما ~~أنتم عليه من شرك ، فإن لم تستطيعوا ذلك ولن تستطيعوا فأتونى ببقية من علم ~~يؤثر عن السابقين ، ويسند إليهم ، ويشهد لكم بصحة ما أنتم فيه من كفر. # ( @QUR@03 إن كنتم صادقين ) فيما تزعمونه من أنكم على الحق. # وهكذا أخذ عليهم القرآن الحجة ، وألزمهم ببطلان ما هم عليه من ضلال ، ~~بالأدلة العقلية المتمثلة في شهادة هذا الكون المفتوح ، وبالأدلة النقلية ~~المتمثلة في أنه لا يوجد عندهم كتاب أو ما يشبه الكتاب. يستندون إليه في ~~استحقاق تلك المعبودات للعبادة. PageV13P180 # والحق أن هذا الآية الكريمة على رأس الآيات التي تخرس أصحاب الأقوال التي ~~لا دليل على صحتها ، وتعلم الناس مناهج البحث الصحيح الذي يوصلهم إلى الحق ~~والعدل .. # ثم بين سبحانه أن هؤلاء المشركين قد بلغوا الذروة في ضلالهم وجهلهم فقال ~~: ( @QUR@014 ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم ~~القيامة ). # أى : لا أحد أشد ضلالا وجهلا من هؤلاء المشركين الذين يعبدون من دون الله ~~تعالى آلهة ، هذه الآلهة لا تسمع كلامهم ، ولا تعقل نداءهم ، ولا تشعر ~~بعبادتهم لها منذ أن عبدوها ، إلى أن تقوم الساعة. # فإذا ما قامت الساعة ، تحولت هذه الآلهة بجانب عدم شعورها بشيء إلى عدوة ~~لهؤلاء العابدين لها. # قال بعض العلماء : وفي قوله : ( @QUR@03 إلى يوم القيامة ) نكتة حسنة ، ~~وذلك أنه جعل يوم القيامة غاية لعدم الاستجابة ، ومن شأن الغاية انتهاء ~~المغيا عندها. لكن عدم الاستجابة مستمر بعد هذه الغاية ، لأنهم في يوم ~~القيامة لا يستجيبون لهم. # فالوجه والله أعلم أنها من الغايات المشعرة ، بأن ما بعدها وإن وافق ما ~~قبلها ، إلا أنه أزيد منه زيادة بينة تلحقه بالثاني ، حتى كأن الحالتين وإن ~~كانتا نوعا واحدا ، لتفاوت ما بينهما كالشىء وضده ، وذلك أن الحالة الأولى ms5166 ~~التي جعلت غايتها القيامة لا تزيد على عدم الاستجابة ، والحالة الثانية ~~التي في القيامة زادت على عدم الاستجابة ، بالعداوة بالكفر بعبادتهم إياهم (1). # ثم أكد سبحانه عدم إحساس الأصنام بعابديها فقال : ( @QUR@04 وهم عن ~~دعائهم غافلون ). # أى : وهذه الأصنام عن عبادة عابديها غافلة ، لا تدرك شيئا ، ولا تحس بمن حولها. # قال صاحب الكشاف : وإنما قيل «من» و «هم» لأنه أسند إليهم ما يسند إلى ~~أولى العلم من الاستجابة والغفلة ، ولأنهم كانوا يصفونهم بالتمييز جهلا ~~وغباوة. # ويجوز أن يريد : كل معبود من دون الله من الجن والإنس والأوثان (2). # ثم بين ما يكون بين العابدين والمعبودين من عداوة يوم القيامة فقال : ( ~~@QUR@09 وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ). PageV13P181 # أى : وإذا جمع الله تعالى الناس للحساب والجزاء يوم القيامة ، صار الكفار ~~مع من عبدوهم من دون الله أعداء ، يلعن بعضهم بعضا ، و ( @QUR@01 كانوا ) ~~أى : المعبودين ( @QUR@01 بعبادتهم ) أى بعبادة الكفرة إياهم ( @QUR@01 ~~كافرين ) أى : جاحدين مكذبين. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@014 واتخذوا من دون الله آلهة ~~ليكونوا لهم عزا. كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@027 وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة ~~بينكم في الحياة الدنيا ، ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ~~، ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ) (2). # ثم لقن الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أجوبه أخرى ، ليرد بها على ~~الأقوال الزائفة التي تفوه بها المشركون فقال تعالى : # ( @QUR@014 وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم ~~هذا سحر مبين (7) @QUR@025 أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي ~~من الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور ~~الرحيم (8) @QUR@024 قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ~~إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين (9) @QUR@024 قل أرأيتم إن ~~كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن ~~واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) (10) PageV13P182 # وقوله ( @QUR@01 تتلى ms5167 ) من التلاوة بمعنى القراءة بتمهل وترتيل. أى : ~~وإذا تتلى على هؤلاء الكافرين ، آياتنا الواضحة الدالة على وحدانيتنا ~~وقدرتنا ( @QUR@06 قال الذين كفروا للحق لما جاءهم ) أى : قالوا للآيات ~~المتلوة عليهم. والتي اشتملت على الحق الذي يهديهم إلى الصراط المستقيم. # ( @QUR@03 هذا سحر مبين ) أى : قالوا : هذا الذي جئتنا به يا محمد سحر ~~واضح ، وتمويه ظاهر. # والتعبير بقوله سبحانه : ( @QUR@06 قال الذين كفروا للحق لما جاءهم ): ~~يشعر بأن هؤلاء الجاحدين الجاهلين ، قد بادروا إلى وصف ما جاءهم به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بأنه سحر ، بدون تفكر أو تأمل أو انتظار. # وفي وصفهم لما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه سحر ، دليل على ~~عجزهم عن الإتيان بمثله ، أو بسورة من مثله. # ثم حكى سبحانه جانبا من أكاذيبهم فقال : ( @QUR@03 أم يقولون افتراه ... ~~) و «أم» هنا منقطعة بمعنى بل والهمزة ، وتفيد الإضراب والانتقال من حكاية ~~أقوالهم الباطلة السابقة. إلى أقوال أخرى أشد منها بطلانا وكذبا. ~~والاستفهام للإنكار والتعجب من حالهم. # والافتراء : أشنع الكذب. أى : بل أيقول هؤلاء الكافرون لك أيها الرسول ~~الكريم إنك افتريت هذا القرآن واختلقته من عند نفسك؟. # ثم لقن الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم الرد الذي يخرسهم فقال ( @QUR@09 ~~قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا ). # أى : قل لهم أيها الرسول الكريم في الرد على زعمهم أنك افتريت هذا القرآن ~~: إن كنت على سبيل الفرض والتقدير قد افتريته من عند نفسي ، عاقبني ربي ، ~~ولا تستطيعون أنتم أو غيركم أن تمنعوا عنى شيئا من عذابه وعقابه ، وما دام ~~الأمر كذلك فكيف أفتريه ، وأنا أعلم علم اليقين أن افتراء شيء منه يؤدى إلى عقابي؟ # فجواب «إن» في قوله : ( @QUR@02 إن افتريته ) محذوف ، وتقديره : عاجلني ~~بالعقوبة ، وقوله : ( @QUR@06 فلا تملكون لي من الله شيئا ) قام مقامه. # قال تعالى : ( @QUR@018 ولو تقول علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه ~~باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من أحد عنه حاجزين ) (1). PageV13P183 # وقوله : ( @QUR@05 هو أعلم بما تفيضون فيه ) أى : الله تعالى الذي زعمتم ~~أنى أفترى عليه الكذب ، هو أعلم ms5168 منى ومنكم ومن كل المخلوقات ، بما تندفعون ~~فيه من القدح في آياته ، والإعراض عن دعوته ، وسيجازيكم على ذلك بما ~~تستحقونه من عقاب. # فقوله : ( @QUR@01 تفيضون ) من الإفاضة ، وهي الأخذ في الشيء باندفاع ~~وعنف ، وأصله من فاض الإناء ، إذا سال بشدة. # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم ) ~~ترهيب لهم من الانسياق في كفرهم ، وترغيب لهم في الدخول في الإيمان لينالوا ~~مغفرة الله تعالى ورحمته. # أى : كفى بشهادة الله تعالى بيني وبينكم شهادة ، فهو الذي يعلم أنى صادق ~~فيما أبلغه عنه ، ويعلم أنكم الكاذبون فيما تزعمونه ، وهو سبحانه الواسع ~~المغفرة والرحمة ، لمن تاب إليه وأناب. # ثم أمره الله تعالى أن يبين لهم أن ما جاءهم به من هداية ، قد جاء بها ~~الرسل من قبله لأقوامهم ، وأنه رسول كسائر الرسل السابقين فقال تعالى : ( ~~@QUR@06 قل ما كنت بدعا من الرسل .. ). # والبدع من كل شيء : أوله ومبدؤه. يقال : فلان بدع في هذا الأمر ، أى : هو ~~أول فيه دون أن يسبقه فيه سابق ، من الابتداع بمعنى الاختراع. # أى : وقل لهم أيها الرسول الكريم إنى لست أول رسول أرسله الله تعالى إلى ~~الناس ، وإنما سبقني كثيرون أنتم تعرفون شيئا من أخبارهم ومن أخبار أقوامهم ~~، ومادام الأمر كذلك فكيف تنكرون نبوتي ، وتشككون في دعوتي؟. # وقوله سبحانه : ( @QUR@018 وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ، إن أتبع إلا ما ~~يوحى إلي ، وما أنا إلا نذير مبين ) بيان لوظيفته صلى الله عليه وسلم . أى : ~~وإننى وأنا رسول الله لا أعلم ما سيفعله الله تعالى بي أو بكم في المستقبل ~~من أمور الدنيا ، هل سأبقى معكم في مكة أو سأهاجر منها. وهل سيصيبكم العذاب ~~عاجلا أو آجلا؟ فإنى ما أفعل معكم ، ولا أقول لكم إلا ما أوحاه الله تعالى ~~إلي ، وما أنا إلا نذير مبين ، أوضح لكم الحق من الباطل ، وأخوفكم من سوء ~~المصير ، إذا ما بقيتم على كفركم وشرككم. # فالمقصود بقوله تعالى : ( @QUR@07 وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ) أى : في ~~دار الدنيا ، أما بالنسبة للآخرة ، فالله تعالى ms5169 قد بشره وبشر أتباعه ~~بالثواب العظيم في آيات كثيرة ، ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@04 ولسوف ~~يعطيك ربك فترضى ). وقوله سبحانه : ( @QUR@08 وبشر المؤمنين بأن لهم من ~~الله فضلا كبيرا ). PageV13P184 # قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : قال الحسن البصري في قوله : ( @QUR@07 ~~وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ) أى : في الدنيا ، أأخرج كما أخرجت الأنبياء ~~قبلي؟ أم أقتل كما قتلوا ، ولا أدرى أيخسف بكم أو ترمون بالحجارة؟ أما في ~~الآخرة فمعاذ الله ، قد علم أنه في الجنة. # وهذا القول هو الذي عول عليه ابن جرير ، وأنه لا يجوز غيره ، ولا شك أن ~~هذا هو اللائق به صلى الله عليه وسلم ، فإنه بالنسبة للآخرة ، جازم أنه يصير ~~إلى الجنة ومن اتبعه ، وأما في الدنيا فلم يدر ما كان يؤول إليه أمره وأمر ~~المشركين. أيؤمنون أم يكفرون فيعذبون فيستأصلون بكفرهم؟ (1). # والمتدبر في هذه الآية الكريمة ، يراها قد اشتملت على أسمى ألوان الأدب ~~من النبي صلى الله عليه وسلم مع خالقه عز وجل فقد فوض صلى الله عليه وسلم أمره إلى ~~خالقه ، وصرح بأنه لا يتبع إلا ما يوحيه إليه سبحانه وأنه لا علم له بالغيب ~~، وإنما علم ذلك إلى الله تعالى وحده. # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم مرة أخرى ، أن يذكرهم بإيمان ~~العقلاء من أهل الكتاب بهذا الدين ، لعلهم عن طريق هذا التذكير يقلعون عن ~~كفرهم وعنادهم فقال : ( @QUR@09 قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به ). # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الكافرين : أخبرونى إن كان هذا الذي ~~أوحاه الله تعالى إلي من قرآن ، هو من عنده تعالى وحده ، والحال أنكم كفرتم ~~به ألستم في هذه الحالة تكونون ظالمين لأنفسكم وللحق الذي جئتكم به من عند ~~خالقكم؟ لا شك أنكم في هذه الحالة تكونون ظالمين جاحدين. # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ، فآمن ~~واستكبرتم ... ) معطوف على ما قبله على سبيل التأكيد لظلمهم. # أى : أخبرونى إن كان هذا القرآن من عند الله ، والحال أنكم قد كفرتم به ، ~~مع ms5170 أن شاهدا من بنى إسرائيل الذين تثقون بشهادتهم ، قد شهد على مثل القرآن ~~بالصدق. لاتفاق التوراة والقرآن على وحدانية الله تعالى وعلى أن البعث حق ، ~~وعلى أن الجزاء حق .. فآمن هذا الشاهد بالقرآن وبمن جاء به وهو الرسول ~~صلى الله عليه وسلم واستكبرتم أنتم عن الإيمان .. # ألستم في هذه الحالة تكونون على رأس الظالمين الجاحدين لكل ما هو حق ~~وصدق؟! فجواب الشرط في الآية محذوف. أى : إذا كان الأمر كما ذكرنا ومع ذلك ~~لم تؤمنوا فقد PageV13P185 # كفرتم وظلمتم ، والله تعالى لا يهدى القوم الذين من شأنهم استحباب الظلم ~~على العدل ، والعمى على الهدى. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@017 قل أرأيتم إن كان من عند الله ~~ثم كفرتم به ، من أضل ممن هو في شقاق بعيد ) (1). # قال صاحب الكشاف رحمه الله : جواب الشرط محذوف تقديره. إن كان القرآن من ~~عند الله وكفرتم به ، ألستم ظالمين ، ويدل على هذا المحذوف قوله تعالى : ( ~~@QUR@06 إن الله لا يهدي القوم الظالمين ). # والشاهد من بنى إسرائيل : عبد الله بن سلام .. وفيه نزل : ( @QUR@07 وشهد ~~شاهد من بني إسرائيل على مثله ... ). # والضمير للقرآن. أى : على مثله في المعنى ، وهو ما في التوراة من المعاني ~~المطابقة لمعانى القرآن من التوحيد والوعد والوعيد وغير ذلك (2). # وعلى رأى صاحب الكشاف تكون الآية مدنية في سورة مكية ، لأن إيمان عبد ~~الله بن سلام رضى الله عنه كان بالمدينة ولم يكن بمكة. # ومن المفسرين من يرى أن الآية الكريمة نزلت في شأن كل من آمن من أهل ~~الكتاب ، وأنها لم تنزل في عبد الله بن سلام بصفة خاصة .. # قال الإمام ابن كثير : وهذا الشاهد اسم جنس ، يعم عبد الله بن سلام وغيره ~~، فإن هذه الآية مكية نزلت قبل إسلام عبد الله بن سلام ، وهذه كقوله تعالى ~~: ( @QUR@015 وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا ، إنا كنا من ~~قبله مسلمين ). # قال مسروق والشعبي : ليس بعبد الله بن سلام. هذه الآية مكية ، وإسلامه ~~كان بالمدينة .. # وقال مالك عن أبى النضر ، عن عامر بن ms5171 سعد ، عن أبيه قال : ما سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشى على الأرض : «إنه من أهل الجنة» إلا ~~لعبد الله بن سلام ، قال : وفيه نزلت : ( @QUR@07 وشهد شاهد من بني إسرائيل ~~على مثله ).. وكذا قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة .. (3). # وعلى أية حال فالمقصود من الآية الكريمة إثبات أن هذا القرآن من عند الله ~~تعالى ، PageV13P186 # وأن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق فيما يبلغه عن ربه ، وأن العقلاء من أهل ~~الكتاب قد شهدوا بذلك ، وآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فكان من الواجب ~~على المشركين لو كانوا يعقلون أن يقلعوا عن عنادهم ، وأن يتبعوا الحق الذي ~~جاءهم به النبي صلى الله عليه وسلم . # ثم حكى سبحانه بعض الأعذار الفاسدة ، التي اعتذر بها الكافرون عن عدم ~~دخولهم في الإسلام ، ورد عليهم بما يكبتهم ، وبشر المؤمنين الصادقين بما ~~يشرح صدورهم فقال : # ( @QUR@019 وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ ~~لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم (11) @QUR@016 ومن قبله كتاب موسى ~~إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين ~~(12) @QUR@013 إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون (13) @QUR@09 أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون ) (14) # وقد ذكر المفسرون في سبب نزول قوله تعالى : ( @QUR@05 وقال الذين كفروا ~~للذين آمنوا .. ) روايات منها : أن مشركي مكة حين رأوا أن أكثر المؤمنين من ~~الفقراء ، كعمار ، وبلال ، وعبد الله بن مسعود .. قالوا ذلك. # وسبب قولهم هذا ، اعتقادهم الباطل ، أنهم هم الذين لهم عند الله العظمة ~~والجاه والسبق إلى كل مكرمة ، لأنهم هم أصحاب المال والسلطان ، أما أولئك ~~الفقراء فلا خير فيهم ، ولا سبق لهم إلى خير .. # أى : وقال الذين كفروا للذين آمنوا على سبيل السخرية والاستخفاف بهم ، لو ~~كان هذا الذي أنتم عليه من الإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم حقا ~~وخيرا ، لما سبقتمونا إليه ، ولما سبقنا إليه غيركم من المؤمنين لأننا نحن ~~العظماء الأغنياء .. وأنتم الضعفاء الفقراء ms5172 .. # فهم لانطماس بصائرهم وغرورهم توهموا أنهم لغناهم وجاههم هم المستحقون للسبق PageV13P187 # إلى كل خير ، وأن غيرهم من الفقراء لا يعقل ما يعقلونه ، ولا يفهم ما ~~يفهمونه. # ومن الآيات الكريمة التي تشبه هذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@011 وكذلك ~~فتنا بعضهم ببعض ليقولوا : أهؤلاء من الله عليهم من بيننا .. ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم ) ~~تعجيب من غرورهم وعنادهم ، ورميهم الحق بما هو برىء منه. # و «إذ» ظرف لكلام محذوف دل عليه الكلام ، أى : وإذ لم يهتدوا بما جاء به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم من عند ربه ، ظهر عنادهم واستكبارهم وقالوا هذا ~~القرآن كذب قديم من أخبار السابقين ، نسبه محمد صلى الله عليه وسلم إلى ربه. # وشبيه بهذا الآية. قوله تعالى : ( @QUR@09 وقالوا أساطير الأولين اكتتبها ~~فهي تملى عليه بكرة وأصيلا .. ) (2). # ثم بين سبحانه أن هذا القرآن هو المهيمن على الكتب السماوية التي سبقته ~~فقال تعالى : ( @QUR@06 ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة .. ). # أى : ومن قبل هذا القرآن الذي أنزلناه على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~كان كتاب موسى وهو التوراة ( @QUR@01 إماما ) يهتدى به في الدين ( @QUR@01 ~~ورحمة ) من الله تعالى لمن آمن به. # وقوله : ( @QUR@02 ومن قبله ) خبر مقدم ، و ( @QUR@02 كتاب موسى ) مبتدأ ~~مؤخر ، وقوله : ( @QUR@02 إماما ورحمة ) حالان من ( @QUR@02 كتاب موسى ).. # والمقصود من هذه الجملة الكريمة ، الرد على قولهم في القرآن ( @QUR@03 ~~هذا إفك قديم ) فكأنه تعالى يقول لهم : كيف تصفون القرآن بذلك ، مع أنه قد ~~سبقه كتاب موسى الذي تعرفونه ، والذي وافق القرآن في الأمر بإخلاص العبادة ~~لله تعالى وحده ، وفي غير ذلك من أصول الشرائع .. # ثم مدح سبحانه هذا القرآن بقوله : ( @QUR@010 وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا ~~، لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين ). # أى : وهذا القرآن الذي أنزلناه على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مصدق ~~لكتاب موسى الذي هو إمام ورحمة ، ومصدق لغيره من الكتب السماوية السابقة ~~وأمين عليها ، وقد أنزلناه بلسان عربي مبين ، امتنانا منا على من بعث ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم وهم العرب. PageV13P188 # وقد اقتضت حكمتنا ms5173 أن نجعل من وظيفة هذا الكتاب : الإنذار للظالمين بسوء ~~المصير إذا ما أصروا على ظلمهم ، والبشارة للمحسنين بحسن عاقبتهم بسبب ~~إيمانهم وإحسانهم. # فاسم الإشارة في قوله : ( @QUR@01 وهذا ) يعود للقرآن الكريم ، وقوله ~~مصدق صفة لكتاب. # وقوله ( @QUR@02 لسانا عربيا ) حال من الضمير في «مصدق» الذي هو صفة ~~للكتاب والضمير في «لينذر» يعود إلى الكتاب ، و «الذين ظلموا» مفعوله. أى : ~~لينذر الكتاب الذين ظلموا ، وقوله : ( @QUR@02 وبشرى للمحسنين ) في محل نصب ~~عطفا على محل «لينذر». # وقال سبحانه في صفة هذا الكتاب ( @QUR@03 مصدق لسانا عربيا ) ولم يقل : ~~مصدق لكتاب موسى ، للتنبيه على أنه مصدق لكتاب موسى ولغيره من الكتب ~~السماوية السابقة. # والتعبير بقوله ( @QUR@02 لسانا عربيا ) فيه تكريم للعرب ، وتذكير لهم ~~بنعمة الله عليهم ، حيث جعل القرآن الذي هو أجمع الكتب السماوية للهدايات ~~والخيرات بلسانهم ، وهذا يقتضى إيمانهم به ، وحرصهم على اتباع إرشاداته. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين ) بيان لوظيفة ~~هذا الكتاب ، وتحديد لمصير كل فريق ، ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من من ~~حي عن بينة. # ثم فصل سبحانه ما أعده للمحسنين من جزيل الثواب فقال : ( @QUR@05 إن ~~الذين قالوا ربنا الله ... ) أى : قالوا ذلك بألسنتهم ، وصدقت هذا القول ~~قلوبهم ( @QUR@02 ثم استقاموا ) بعد ذلك على صراط الله المستقيم ، بأن ~~فعلوا بإخلاص وطاعة كل ما أمرهم سبحانه بفعله ، واجتنبوا بقوة كل ما أمرهم ~~باجتنابه ، وقوله : ( @QUR@06 فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) خبر «إن» ، ~~وجيء بالفاء في خبر الموصول لما فيه من معنى الشرط. # أى : إن الذين قالوا ذلك ، ثم استقاموا وثبتوا على طاعتنا فلا خوف عليهم ~~من لحوق مكروه بهم ، ولا هم يحزنون بسبب فوات محبوب لديهم ، وإنما هم في ~~سعادة مستمرة ، وفي سرور دائم ، لا يعكره خوف من مستقبل مجهول ، ولا حزن ~~على أمر قد مضى. # ( @QUR@01 أولئك ) الموصوفون بما ذكر من الإيمان والاستقامة ، هم ( ~~@QUR@04 أصحاب الجنة خالدين فيها ) خلودا أبديا. ( @QUR@04 جزاء بما كانوا ~~يعملون ) أى : يجزون هذا الجزاء الطيب بسبب أعمالهم الصالحة ، التي كانوا ~~يعملونها في الدنيا. # وبعد هذا الحديث عن حقيقة هذا الدين ms5174 ، وعن حسن عاقبة الذين قالوا ربنا ~~الله ثم PageV13P189 # استقاموا ، جاء الحديث عن وجوب الإحسان إلى الوالدين وعما يترتب عليه هذا ~~الإحسان من ثواب عظيم ، قال تعالى : # ( @QUR@045 ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها ~~وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني ~~أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ~~ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين (15) @QUR@018 أولئك الذين نتقبل عنهم ~~أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا ~~يوعدون ) (16) # قال الإمام ابن كثير : لما ذكر تعالى في الآية الأولى التوحيد له ، ~~وإخلاص العبادة والاستقامة إليه ، عطف بالوصية بالوالدين ، كما هو مقرون في ~~غير ما آية من القرآن ، كقوله : ( @QUR@08 وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا ) وقال : ( @QUR@06 أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير ) ~~إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا ... ) من ~~الإيصاء بالشيء بمعنى الأمر به. قال تعالى : ( @QUR@06 وأوصاني بالصلاة ~~والزكاة ما دمت حيا ) أى : أمرنى بالمحافظة على أدائهما .. # وقوله : ( @QUR@01 إحسانا ) قراءة عاصم وحمزة والكسائي. وقرأ غيرهم من ~~بقية السبعة حسنا وعلى القراءتين فانتصابهما على المصدرية. أى : ووصينا ~~الإنسان وأمرناه بأن يحسن إلى والديه إحسانا أو حسنا ، بأن يقدم إليهما كل ~~ما يؤدى إلى برهما وإكرامهما. # ويصح أن يكون وصينا بمعنى ألزمنا ، فيتعدى لاثنين ، فيكون المفعول الثاني ~~منهما ، قوله : # ( @QUR@01 إحسانا ) أو حسنا. PageV13P190 # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 حملته أمه كرها ووضعته كرها ) تعليل للإيصاء ~~المذكور ولفظ ( @QUR@01 كرها ) قرئ بضم الكاف وفتحها ، وهما قراءتان ~~سبعيتان ، قالوا : ومعناهما واحد كالضعف بتشديد الضاد وفتحها أو ضمها فهما ~~لغتان بمعنى واحد. # وهذا اللفظ منصوب على الحال من الفاعل. أى : حملته أمه ذات كره. ووضعته ~~ذات كره ، أو هو صفة لمصدر مقدر ، أى : حملته حملا ذا كره ، ووضعته كذلك. # ولا شك في أن الأم تعانى في أثناء حملها ووضعها لوليدها ، الكثير من ~~المشاق والآلام والمتاعب .. فكان من الوفاء أن يقابل ذلك منها بالإحسان ms5175 ~~والإكرام. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى في آية أخرى : ( @QUR@05 حملته أمه وهنا على ~~وهن .. ) (1). # أى : حملته أمه ضعفا على ضعف ، لأن الحمل كلما تزايد وعظم في بطنها ، ~~ازداد ضعفها .. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ) بيان لمدة الحمل ~~والفطام ، والكلام على حذف مضاف. والفصال : مصدر فاصل ، وهو بمعنى الفطام ، ~~وسمى الفطام فصالا ، لأن الطفل ينفصل عن ثدي أمه في نهاية الرضاع. # أى : ومدة حمل الطفل مع مدة فصاله عن ثدي أمه ، ثلاثون شهرا. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : المراد بيان مدة الرضاع لا الفطام ، فكيف ~~عبر عنه بالفصال .. قلت : لما كان الرضاع يليه الفصال ويلابسه ، لأنه ينتهى ~~به ويتم ، سمى فصالا .. وفيه فائدة ، وهي الدلالة على الرضاع التام المنتهى ~~بالفصال ووقته .. (2). # وقال الشوكانى : وقد استدل بهذه الآية على أن أقل الحمل ستة أشهر ، لأن ~~مدة الرضاع سنتان ، أى : مدة الرضاع الكامل ، كما في قوله تعالى : ( ~~@QUR@010 والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ) ~~فذكر سبحانه في هذه الآية أقل مدة الحمل ، وأكثر مدة الرضاع. # وفي هذه الآية إشارة إلى أن حق الأم ، آكد من حق الأب ، لأنها هي التي ~~حملت وليدها بمشقة ووضعته بمشقة ، وأرضعته هذه المدة بتعب ونصب .. (3). # وقوله تعالى : ( @QUR@018 حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب ~~أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي .. ) غاية لمحذوف يفهم من ~~سياق الكلام. PageV13P191 # والأشد : قوة الإنسان واشتعال حرارته ، من الشدة بمعنى القوة والارتفاع. ~~يقال : شد النهار ، إذا ارتفع ، وهو مفرد جاء بصيغة الجمع ، ولا واحد له من لفظه. # والمراد ببلوغ أشده : أن يصل سنه على الراجح إلى ثلاث وثلاثين سنة. # وقوله : ( @QUR@01 أوزعني ) أى : رغبني ووفقني ، من قولك : أوزعت فلانا ~~بكذا ، إذا أغريته وحببته في فعله. أى : أن هذا الإنسان بعد أن بقي في بطن ~~أمه ما بقي ، وبعد أن وضعته وأرضعته وفطمته وتولته برعايتها ، واستمرت ~~حياته «حتى إذا بلغ أشده» أى : حتى إذا بلغ زمن استكمال قوته ، وبلغ أربعين ~~سنة وهي تمام اكتمال العقل والقوة والفتوة. ms5176 # ( @QUR@01 قال ) على سبيل الشكر لخالقه ( @QUR@02 رب أوزعني ... ) أى : ~~يا رب وفقني وألهمنى ( @QUR@08 أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي ) ~~بأن وفقتني ووفقتهما إلى صراطك المستقيم ، وبأن رزقتهما العطف علي ، ~~ورزقتني الشكر لهما ، ووفقني أيضا ( @QUR@04 أن أعمل صالحا ترضاه ) منى ، ~~وتقبله عندك ( @QUR@04 وأصلح لي في ذريتي ) أى : واجعل يا إلهى الصلاح ~~راسخا في ذريتي ، وساريا فيها ، لأن صلاح الذرية فيه السعادة الغامرة ~~للآباء. # ( @QUR@03 إني تبت إليك ) توبة صادقة نصوحا وإنى من المسلمين الذين ~~أخلصوا نفوسهم لطاعتك ، وقلوبهم لمرضاتك. # فأنت ترى أن الآية الكريمة قد اشتملت على أسمى ألوان الدعوات ، التي عن ~~طريق إجابتها تتحقق السعادة الدنيوية والأخروية. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى «في» في قوله : ( @QUR@04 وأصلح لي ~~في ذريتي )؟ # قلت : معناه أن يجعل ذريته موقعا للصلاح ومظنته ، كأنه قال : هب لي ~~الصلاح في ذريتي ، وأوقعه فيهم. (1). # وفي الآية الكريمة : تنبيه للعقلاء ، إلى أن شأنهم خصوصا عند بلوغ سن ~~الأربعين. أن يكثروا من التضرع إلى الله بالدعاء ، وأن يتزودوا بالعمل ~~الصالح ، فإنها السن التي بعث الله تعالى فيها معظم الأنبياء ، والتي فيها ~~يكتمل العقل ، وتستجمع القوة ، ويرسخ فيها خلق الإنسان الذي تعوده وألفه ~~ورحم الله القائل : # إذا المرء وافى الأربعين ولم يكن %~% له دون ما يهوى حياء ولا ستر فدعه ، ولا تنفس عليه الذي مضى %~% وإن جر أسباب الحياة له العمر PageV13P192 # ثم بين سبحانه حسن عاقبة من يسلك هذا الطريق القويم فقال : ( @QUR@07 ~~أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا .. ). # واسم الإشارة يعود إلى الإنسان باعتبار الجنس. أى : أولئك الموصوفون بما ~~ذكر من الصفات الجميلة ، هم ( @QUR@06 الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ) من ~~الأعمال الطيبة المتقبلة عندنا .. ( @QUR@03 ونتجاوز عن سيئاتهم ) فلا ~~نعاقبهم عليها ، لكثرة توبتهم إلينا .. بل نجعلهم ( @QUR@01 في ) عداد ( ~~@QUR@02 أصحاب الجنة ) الخالدين فيها ، والمتنعمين بخيراتها. # فالجار والمجرور في قوله ( @QUR@02 أصحاب الجنة ) في محل نصب على الحال ، ~~على سبيل التشريف والتكريم ، كما تقول : أكرمنى الأمير في أصحابه ، أى : ~~حالة كوني معدودا من أصحابه. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 وعد الصدق الذي كانوا يوعدون ms5177 ) تذييل مؤكد لما ~~قبله. ولفظ ( @QUR@01 وعد ) مصدر لفعل مقدر. أى : وعدهم الله تعالى وعد ~~الصدق الذي كانوا يوعدون به على ألسنة الرسل في الدنيا. # هذا ، وقد ذكر بعض المفسرين أن هاتين الآيتين نزلتا في شأن أبى بكر ~~الصديق رضى الله عنه ، وقد استجاب الله دعاءه ، فأسلم أبواه وأولاده جميعا ~~.. (1). # وبعد أن ساق سبحانه هذه الصورة الوضيئة لأصحاب الجنة ، أتبع ذلك ببيان ~~صورة سيئة لنوع آخر من الناس ، فقال تعالى : # ( @QUR@028 والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون ~~من قبلي وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا ~~أساطير الأولين (17) @QUR@016 أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من ~~قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا PageV13P193 # @QUR@01 خاسرين (18) @QUR@09 ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم ~~لا يظلمون (19) @QUR@027 ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم ~~في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون ~~في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون ) (20) # والاسم الموصول في قوله تعالى : ( @QUR@05 والذي قال لوالديه أف لكما .. ~~) بمعنى الذين ، وهو مبتدأ وخبره قوله : ( @QUR@05 أولئك الذين حق عليهم ~~القول .. ) وهذا صريح في أن المراد بقوله : ( @QUR@01 والذي ) العموم وليس ~~الإفراد ، وهذا يدل أيضا على فساد قول من قال إن الآية نزلت في شأن عبد ~~الرحمن بن أبى بكر الصديق رضى الله عنهما ، والصحيح أنها في حق كل كافر عاق ~~لوالديه ، منكر للبعث. # قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : وهذا عام في كل من قال هذا ، ومن ~~زعم أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبى بكر ، فقوله ضعيف ، لأن عبد الرحمن ~~أسلم بعد ذلك ، وحسن إسلامه ، وكان من خيار أهل زمانه. # أخرج البخاري عن يوسف بن ماهك قال : كان مروان على الحجاز ، استعمله ~~معاوية بن أبى سفيان ، فخطب وجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه. # فقال له عبد الرحمن بن أبى بكر شيئا .. فقال مروان : إن هذا الذي أنزل ~~فيه : ( @QUR@05 والذي قال لوالديه أف لكما .. ). # فقالت ms5178 عائشة من وراء حجاب : ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن ، إلا أن ~~الله أنزل عذري. وفي رواية للنسائى أنها قالت : كذب مروان ، والله ما هو به ~~، ولو شئت أن أسمى الذي نزلت فيه لسميته .. (1). # ولفظ «أف» : اسم صوت ينبئ عن التضجر ، أو اسم فعل مضارع هو أتضجر. # والمقصود به هنا : إظهار الملل والتأفف والكراهية لما يقوله أبواه من نصح له. # وقوله : ( @QUR@01 أتعدانني ) فعل مضارع من وعد الماضي ، وحذف واوه في ~~المضارع مطرد. PageV13P194 # والنون الأولى نوع الرفع ، والثانية نون الوقاية. # وقوله : ( @QUR@02 أن أخرج ): أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر هو ~~المفعول الثاني لقوله : ( @QUR@01 أتعدانني ). أى : والذي قال لوالديه على ~~سبيل الإنكار والإعراض عن نصحهما ( @QUR@02 أف لكما ) أى : أقول بعدا وكرها ~~لقولكما ، أو إنى متضجر من قولكما. # ( @QUR@03 أتعدانني أن أخرج ) أى : أتعداننى الخروج من قبري بعد أن أموت ~~، لكي أبعث وأحاسب على عملي ، والحال أنه ( @QUR@02 قد خلت ) أى : مضت ( ~~@QUR@01 القرون ) الكثيرة ( @QUR@02 من قبلي ) دون أن يخرج أحد منهم من ~~قبره ، ودون أن يرجع بعد أن مات. # فالآية الكريمة تصور بوضوح ما كان عليه هذا الإنسان ، من سوء أدب مع ~~أبويه ، ومن إنكار صريح للبعث والحساب والجزاء. # ثم حكى سبحانه مارد به الأبوان فقال : ( @QUR@09 وهما يستغيثان الله ويلك ~~آمن ، إن وعد الله حق ... ). # وقوله : ( @QUR@02 يستغيثان الله ) أى : يلتمسان غوثه وعونه في هداية هذا ~~الإنسان إلى الصراط المستقيم ، والجملة في محل نصب على الحال. # ولفظ «ويلك» في الأصل ، يقال في الدعاء على شخص بالهلاك والتهديد. ~~والمراد به هنا : حض المخاطب على الإيمان والطاعة لله رب العالمين. # أى : هذا هو حال الإنسان العاق الجاحد ، أما حال أبواه ، فإنهما يفزعان ~~لما قاله وترتعش أفئدتهما لهذا التطاول والصدود عن الحق ، فيلجئان إلى الله ~~، ويلتمسان منه سبحانه الهداية لابنهما ، ويحضان هذا الابن على الإيمان ~~بوحدانية الله تعالى ، وبالبعث والحساب والجزاء ، فيقولان له : ( @QUR@06 ~~ويلك آمن إن وعد الله حق ) ولا خلف فيه ، ولا راد له .. # والمتأمل في هذه الجملة الكريمة يراها تصور لهفة الوالدين على إيمان ~~ولدهما ms5179 أكمل تصوير ، فهما يلتمسان من الله له الهداية ، ثم يهتفان بهذا ~~الابن العاق بفزع أن يترك هذا الجحود ، وأن يبادر إلى الإيمان بالحق .. # ولكن الابن العاق يصر على كفره ، ويلج في جحوده : ( @QUR@01 فيقول ) في ~~الرد على أبويه ( @QUR@05 ما هذا إلا أساطير الأولين ). أى : ما هذا الذي ~~تعدانني إياه من البعث والحساب والجزاء .. إلا أباطيل الأولين وخرافاتهم ~~التي سطروها في كتبهم. # فالأساطير : جمع أسطورة ، وهي ما سجله الأقدمون في كتبهم من خرافات ~~وأكاذيب. PageV13P195 # وقوله : ( @QUR@01 أولئك .. ) اسم الإشارة هذا يعود إلى العاقين المكذبين ~~بالبعث والجزاء المذكورين في قوله تعالى قبل ذلك : ( @QUR@05 والذي قال ~~لوالديه أف لكما .. ). # أى : أولئك القائلون ذلك ، هم ( @QUR@04 الذين حق عليهم القول ) أى : وجب ~~عليهم العذاب الذي حكم به سبحانه على أمثالهم في قوله تعالى لإبليس ( ~~@QUR@07 لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ) كما يفيده قوله سبحانه ~~بعد ذلك. ( @QUR@09 في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس ). أى : أولئك ~~الذين وجب عليهم العذاب ، حالة كونهم مندرجين في أمم قد مضت من قبلهم من ~~طائفة الجن ومن طائفة الإنس ( @QUR@01 إنهم ) جميعا ( @QUR@02 كانوا خاسرين ~~) لأنهم استحبوا الكفر على الإيمان. # ثم بين سبحانه مظهرا من مظاهر عدالته في حكمه بين عباده فقال : ( @QUR@09 ~~ولكل درجات مما عملوا. وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون ). # والتنوين في قوله ( @QUR@01 ولكل ) عوض عن المضاف إليه المحذوف ، والجار ~~والجرور في قوله ( @QUR@02 مما عملوا ) صفة لقوله ( @QUR@01 درجات )، ومن ~~بيانية ، وما موصولة. # وقوله : ( @QUR@02 وليوفيهم أعمالهم ) علة لمحذوف .. والمعنى : ولكل فريق ~~من الفريقين : فريق المؤمنين المعبر عنهم بقوله : تعالى : ( @QUR@07 أولئك ~~الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ... ) وفريق الكافرين المعبر عنهم بقوله ~~تعالى : ( @QUR@05 أولئك الذين حق عليهم القول .. ). لكل فريق من هؤلاء ~~وهؤلاء ( @QUR@01 درجات ) حاصلة من الذي عملوه من الخير والشر ، وقد فعل ~~سبحانه ذلك معهم ، ليوفيهم جزاء أعمالهم. # ( @QUR@01 وهم ) جميعا ( @QUR@02 لا يظلمون ) شيئا ، بل كل فريق منهم ~~يجازى على حسب عمله. كما قال تعالى : ( @QUR@012 فمن يعمل مثقال ذرة خيرا ~~يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ). # ثم بين سبحانه ما سيكون ms5180 عليه الكافرون يوم القيامة من حال سيئة فقال : ( ~~@QUR@011 ويوم يعرض الذين كفروا على النار ، أذهبتم طيباتكم في حياتكم ~~الدنيا .. ). # والظرف متعلق بمحذوف تقديره : اذكر. وقوله ( @QUR@01 يعرض ) من العرض ~~بمعنى الوقوف على الشيء ، وتلقى ما يترتب على هذا الوقوف على هذا الشيء من ~~خير أو شر. # والمراد بالعرض على النار هنا : مباشرة عذابها ، وإلقائهم فيها ، ويشهد ~~لهذا قوله تعالى بعد ذلك ( @QUR@018 ويوم يعرض الذين كفروا على النار ، ~~أليس هذا بالحق ، قالوا : بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ). PageV13P196 # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@06 ويوم يعرض الذين كفروا على النار ). أى ~~: يعذبون بها ، من قولهم : عرض بنو فلان على السيف ، إذا قتلوا به ، وهو ~~مجاز شائع .. (1). # وقوله : ( @QUR@01 أذهبتم ).. إلخ مقول لقول محذوف. وهذا اللفظ قرأه ابن ~~كثير وابن عامر أأذهبتم بهمزتين على الاستفهام الذي هو للتقريع والتوبيخ ، ~~وقرأه الجمهور ( @QUR@01 أذهبتم ) بهمزة واحدة على الخبر من غير استفهام. # أى : واذكر أيها العاقل لتعتبر وتتعظ ، يوم يقف الذين كفروا على النار ، ~~فيرون سعيرها ثم يلقون فيها ، ويقال لهم على سبيل الزجر والتأنيب ( @QUR@05 ~~أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ) أى : ضيعتم وأتلفتم الطيبات التي أنعم ~~الله بها عليكم في حياتكم الدنيا ، حيث ( @QUR@02 استمتعتم بها ) استمتاعا ~~دنيويا دون أن تدخروا للآخرة منها شيئا .. # ( @QUR@04 فاليوم تجزون عذاب الهون ) أى : تجزون عذاب الهون والخزي والذل. # ( @QUR@07 بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق ) أى : بسبب استكباركم ~~في الأرض بغير الحق .. # ( @QUR@03 وبما كنتم تفسقون ) أى : وبسبب خروجكم في الدنيا عن طاعة الله ~~تعالى ، وعن هدى أنبيائه. # وقيد سبحانه استكبارهم في الأرض بكونه بغير الحق ، ليسجل عليهم هذه ~~الرذيلة ، وليبين أنهم قوم دينهم التكبر والغرور وإيثار اتباع الباطل على الحق. # قال الجمل : والحاصل أنه تعالى علل ذلك العذاب بأمرين : # أحدهما : الاستكبار والترفع وهو ذنب القلب. # والثاني : الفسق وهو ذنب الجوارح ، وقدم الأول على الثاني ، لأن أحوال ~~القلب أعظم وقعا من أعمال الجوارح (2). # ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن مصارع الغابرين الذين ~~كانوا أشد قوة وأكثر جمعا من مشركي قريش ، لكي ms5181 يعتبروا بهم ، ويقلعوا عن ~~كفرهم ، حتى لا يكون مصيرهم كمصير من سبقوهم في الكفر والطغيان ، فقال ~~سبحانه : PageV13P197 # ( @QUR@025 واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين ~~يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (21) ~~@QUR@012 قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من ~~الصادقين (22) @QUR@013 قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكني ~~أراكم قوما تجهلون (23) @QUR@018 فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا ~~عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم (24) @QUR@014 تدمر ~~كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين ~~(25) @QUR@032 ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا ~~وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا ~~يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (26) @QUR@010 ولقد أهلكنا ~~ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون (27) @QUR@018 فلو لا نصرهم ~~الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا ~~يفترون ) (28) # والمقصود بقوله تعالى : ( @QUR@02 أخا عاد ): هود عليه السلام فقد أرسله ~~الله تعالى إلى قبيلة عاد ، ليأمرهم بعبادة الله تعالى ، وكانوا قوما ~~جبارين ، فلم يستمعوا إلى نصحه ، فكانت عاقبتهم الهلاك والتدمير. PageV13P198 # وقد وردت قصته معهم في سور متعددة ، منها : سورة الأعراف ، وسورة هود ، ~~وسورة الشعراء ، وسورة الحاقة .. # قال القرطبي ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@03 واذكر أخا عاد ) هو هود ~~بن عبد الله ابن رباح ، كان أخاهم في النسب لا في الدين ، إذ أنذر قومه ~~بالأحقاف ، والأحقاف : ديار عاد .. وهي جمع حقف بكسر الحاء ، وهو ما استطال ~~من الرمل العظيم واعوج ، ولم يبلغ أن يكون جبلا .. (1). # ويغلب على الظن أن مساكنهم كانت على مرتفعات من الأرض في شمال حضر موت ، ~~وعلى مقربة من المكان الذي يسمى الآن بالربع الخالي غربي عمان .. # والمعنى : واذكر أيها الرسول الكريم لقومك ليعتبروا ويتعظوا قصة هود ~~عليه السلام وقت أن أنذر قومه ، وهم يعيشون بتلك الأماكن المرتفعة المسماة ~~بالأحقاف. ms5182 # وقوله : ( @QUR@08 وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ) جملة حالية في ~~محل نصب. # أى : جاء هود إلى قومه فأمرهم بإخلاص العبادة لله تعالى وحده ، وخوفهم من ~~سوء عاقبة مخالفته ، والحال أنه قد أخبرهم بأن الرسل الذين سبقوه ، والذين ~~يأتون من بعده ، كليهم قد بعثهم الله تعالى لهداية أقوامهم ، ولعبادته ~~سبحانه وحده. # فالنذر : جمع نذير ، والمراد بهم الرسل الذين يخوفون أقوامهم من سوء ~~عاقبة الإشراك مع الله تعالى آلهة أخرى في العبادة. # والمراد بقوله : ( @QUR@05 من بين يديه ومن خلفه ) الرسل السابقون عليه ، ~~والمتأخرون عنه. # ثم ذكر سبحانه جانبا من نصائح هود لقومه فقال : ( @QUR@010 ألا تعبدوا ~~إلا الله ، إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ). # أى : أنذرهم قائلا لهم : إنى أحذركم من عبادة أحد سوى الله تعالى وآمركم ~~بإخلاص العبادة له تعالى وحده ، لأنى أخاف عليكم عذاب يوم هائل عظيم ، وهو ~~يوم القيامة ، ( @QUR@012 يوم لا ينفع مال ولا بنون ، إلا من أتى الله بقلب ~~سليم ). # فأنت ترى أن هودا عليه السلام بجانب أنه قد أمر قومه بما يسعدهم ، فإنه قد ~~بين لهم أيضا أنه ما حمله على هذا الأمر إلا خوفه عليهم ، وحرصه على نجاتهم ~~من عذاب يوم القيامة. PageV13P199 # ولكن قومه لم يقابلوا ذلك بالطاعة والإذعان ، بل قابلوا دعوة نبيهم لهم ~~بالإعراض والاستخفاف ، وقد حكى القرآن ذلك بقوله : ( @QUR@012 قالوا أجئتنا ~~لتأفكنا عن آلهتنا ، فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ). أى : قال قوم ~~هود له على سبيل الإنكار والسفاهة أجئتنا بهذه الدعوة ( @QUR@03 لتأفكنا عن ~~آلهتنا ) أى : لتصرفنا وتبعدنا عن عبادة آلهتنا التي ألفنا عبادتها يقال : ~~أفك فلان فلانا عن الشيء ، إذا صرفه عنه. # ثم أضافوا إلى هذا الإنكار ، إنكارا آخر مصحوبا بالتحدي والاستهزاء ~~فقالوا : ( @QUR@03 فأتنا بما تعدنا ). أى : إن كان الأمر كما تقول فأتنا ~~بما تعدنا به من العذاب العظيم ، ( @QUR@04 إن كنت من الصادقين ) فيما ~~أخبرتنا به. # وهكذا نلمس في ردهم سوء الظن ، وعدم الفهم ، واستعجال العذاب ، والإصرار ~~على الباطل الذي ألفوه .. # ولكن هودا عليه السلام قابل كل هذه الجهالات بالحلم والأناة ms5183 ، فرد عليهم ~~بقوله : ( @QUR@05 قال إنما العلم عند الله ... ). أى : قال لهم : إنما ~~علم وقت نزول العذاب بكم عند الله تعالى وحده ، ولا مدخل لي في ذلك. # وإنما أنا ( @QUR@04 أبلغكم ما أرسلت به ) إليكم من ربي وربكم ، وتلك هي ~~وظيفتي. # ثم عقب على هذا الرد بما يدل على حمقهم وغبائهم فقال : ( @QUR@04 ولكني ~~أراكم قوما تجهلون ). # أى : أنا لا علم لي بوقت نزول العذاب عليكم ، لأن رسالتي محصورة في ~~التبليغ والإنذار .. # وهذا كان يجب أن يكون مفهوما لديكم لوضوحه .. ولكني أراكم قوما تجهلون ما ~~هو واضح ، وتنكرون ما هو حق ، وتصرون على ما هو باطل ، وتطالبوننى بما لا أملكه. # ثم يجمل السياق بعد ذلك ما كان بين هود وقومه من جدال طويل ، ليصل إلى ~~العذاب الذي استعجلوه فيقول : ( @QUR@09 فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم ~~قالوا هذا عارض ممطرنا ... ) والفاء في قوله ( @QUR@02 فلما رأوه ... ) فصيحة. # والضمير في قوله ( @QUR@01 رأوه ) يعود إلى ما في قوله تعالى قبل ذلك : ( ~~@QUR@03 فأتنا بما تعدنا ) والمراد به العذاب. # قال الشوكانى : الضمير في «رأوه» يرجع إلى «ما» في قوله ( @QUR@02 بما ~~تعدنا ). وقال المبرد والزجاج : الضمير في «رأوه» يعود إلى غير مذكور ، ~~وبينه قوله ( @QUR@01 عارضا )، فالضمير يعود إلى السحاب. أى : فلما رأوا ~~السحاب عارضا ، فعارضا نصب على التكرير ، أى : PageV13P200 # التفسير. وسمى السحاب عارضا لأنه يبدو في عرض السماء. قال الجوهري : ~~العارض : السحاب يعترض في الأفق .. (1). # والمعنى : وأتى العذاب الذي استعجله قوم هود إليهم ، فلما رأوه بأعينهم ، ~~متمثلا في سحاب يظهر في أفق السماء ، ومتجها نحو أوديتهم ومساكنهم. # ( @QUR@01 قالوا ) وهم يجهلون أنه العذاب الذي استعجلوه ( @QUR@03 هذا ~~عارض ممطرنا ) أى : هذا سحاب ننتظر من ورائه المطر الذي ينفعنا .. # قيل : إنها حبس عنهم المطر لفترة طويلة ، فلما رأوا السحاب في أفق السماء ~~، استبشروا وفرحوا وقالوا : ( @QUR@03 هذا عارض ممطرنا ). # وهنا جاءهم الرد على لسان هود بأمر ربه ، فقال لهم : ( @QUR@09 بل هو ما ~~استعجلتم به ، ريح فيها عذاب أليم ... ). # أى : قال لهم هود عليه السلام ليس الأمر كما توقعتم من أن هذا العارض سحاب ~~تنزل منه ms5184 الأمطار عليكم ، بل الحق أن هذا العارض هو العذاب الذي استعجلتم ~~نزوله ، وهو يتمثل في ريح عظيمة تحمل العذاب المهلك الأليم لكم. # فقوله : ( @QUR@01 ريح ) يصح أن يكون بدلا من «ما» أو من «هو» في قوله ( ~~@QUR@05 بل هو ما استعجلتم به ) كما يصح أن يكون خبر المبتدأ محذوف ، وجملة ~~( @QUR@03 فيها عذاب أليم ) صفة لقوله : ( @QUR@01 ريح ). # ثم وصف سبحانه هذا الريح بصفة أخرى فقال : ( @QUR@05 تدمر كل شيء بأمر ~~ربها .. ). أى : هذه الريح التي أرسلها الله تعالى عليهم ، من صفاتها أنها ~~تدمر وتهلك كل شيء مرت به يتعلق بهؤلاء الظالمين من نفس أو مال أو غيرهما .. # والتعبير بقوله : ( @QUR@02 بأمر ربها ) لبيان أنها لم تأتهم من ذاتها ، ~~وإنما أتتهم بأمر الله تعالى وبقضائه وبمشيئته. # والفاء في قوله : ( @QUR@05 فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم ) فصيحة أيضا . ~~أى : هذه الريح أرسلناها عليهم فدمرتهم ، فصار الناظر إليهم لا يرى شيئا من ~~آثارهم سوى مساكنهم ، لتكون هذه المساكن عبرة لغيرهم. # قال الجمل : وقوله : ( @QUR@04 لا يرى إلا مساكنهم ) قرأ حمزة وعاصم ( ~~@QUR@02 لا يرى ) بضم الياء PageV13P201 # على البناء للمفعول ، ومساكنهم بالرفع لقيامه مقام الفاعل. والباقون من ~~السبعة بفتح تاء الخطاب ، على البناء للفاعل و ( @QUR@01 مساكنهم ) بالنصب ~~على أنه مفعول به .. (1). # وقوله : ( @QUR@04 كذلك نجزي القوم المجرمين ) أى : مثل ذلك الجزاء ~~المهلك المدمر ، نجازي القوم الذين من دأبهم الإجرام والطغيان. # وهكذا طوى سبحانه صفحة أولئك الظالمين من قوم هود عليه السلام وما ظلمهم ~~سبحانه ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. # ولم تكتف السورة الكريمة بعرض مصارع هؤلاء المجرمين ، الذين لا يخفى ~~أمرهم على المشركين المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم بل أخذت في تذكير ~~هؤلاء المشركين ، بما يحملهم على الزيادة من العظة والعبرة لو كانوا يعقلون ~~، فقال تعالى : ( @QUR@011 ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه ، وجعلنا لهم ~~سمعا وأبصارا وأفئدة ). # و «ما» في قوله : ( @QUR@04 فيما إن مكناكم فيه ) موصولة. و «إن» نافية. أى ~~: والله لقد مكنا قوم هود وغيرهم من الأقوام السابقين عليكم يا أهل مكة في ~~الذي لم نمكنكم فيه ، بأن جعلناهم أشد منكم قوة ms5185 ، وأكثر جمعا ، وأعطيناهم ~~من فضلنا أسماعا وأبصارا وأفئدة. # فالمقصود من الآية بيان أن المشركين السابقين ، أعطاهم الله تعالى من ~~الأموال والأولاد والقوة .. أكثر مما أعطى الكافرين المعاصرين للنبي ~~صلى الله عليه وسلم . # ولكن هؤلاء الطغاة السابقين لما لم يشكروا الله تعالى على نعمه كانت ~~عاقبتهم الهلاك ، كما يدل عليه قوله سبحانه بعد ذلك : ( @QUR@010 فما أغنى ~~عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء .. ). أى : أعطيناهم من النعم ~~ما لم نعطكم يا أهل مكة ، ولكنهم لما لم يشكرونا على نعمنا ، ولم يستعملوها ~~في طاعتنا ، أخذناهم أخذ عزيز مقتدر ، دون أن تنفعهم شيئا أسماعهم ولا ~~أبصارهم ولا أفئدتهم ، حين نزل بهم عذابنا ، بل كل ما بين أيديهم من قوة ~~ومن نعم ذهب أدراج الرياح وصار معهم هباء منثورا. # و «من» في قوله : ( @QUR@02 من شيء ) لتأكيد عدم الإغناء. أى : ما أغنت ~~عنهم شيئا حتى ولو كان هذا الشيء في غاية القلة والحقارة. # ثم بين سبحانه أن ما أصابهم من دمار كان بسبب جحودهم للحق واستهزائهم به ~~، فقال : ( @QUR@011 إذ كانوا يجحدون بآيات الله ، وحاق بهم ما كانوا به ~~يستهزؤن ). PageV13P202 # أى : هذا الهلاك والدمار الذي حاق بهم ، كان بسبب جحودهم لآيات الله ~~الدالة على وحدانيته وكمال قدرته ، واستهزائهم بما جاءهم به رسلهم من الحق. # ومن الآيات القرآنية التي وردت في هذا المعنى ، قوله تعالى : ( @QUR@07 ~~فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين ) (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@025 أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم ، كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض. فما أغنى عنهم ~~ما كانوا يكسبون ) (2). # ثم أضاف سبحانه إلى هذا التذكير والتخويف للمشركين ، تذكيرا وتخويفا آخر ~~، فقال : ( @QUR@06 ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى ) أى : والله لقد أهلكنا ~~ما حولكم يا أهل مكة من القرى الظالمة ، كقوم هود وصالح وغيرهم. # ( @QUR@02 وصرفنا الآيات ) أى : كررناها ونوعناها بأساليب مختلفة ( ~~@QUR@02 لعلهم يرجعون ) عما كانوا عليه من الشرك والفجور ، ولكنهم لم ~~يرجعوا عما كانوا فيه من ضلال وبغى ، فدمرناهم تدميرا .. # ( @QUR@010 فلو لا نصرهم الذين اتخذوا من دون ms5186 الله قربانا آلهة ) أى : ~~فهلا نصرهم ومنعهم من الهلاك. هؤلاء الآلهة الذين اتخذوهم من دون الله ~~قربانا يتقربون بهم إليه سبحانه كما قالوا ( @QUR@07 ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى ). # «فلولا» هنا حرف تحضيض بمعنى «هلا» والمفعول الأول لاتخذوا محذوف أى : ~~الذين اتخذوهم ، و ( @QUR@01 آلهة ) هو المفعول الثاني ، و «قربانا» حال. ~~وهو كل ما يتقرب به إلى الله تعالى من طاعة أو نسك. والجمع قرابين. # وقوله تعالى : ( @QUR@08 بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون ) ~~إضراب انتقالي عن نفى النصرة إلى ما هو أشد من ذلك. # أى : أن هؤلاء الآلهة لم يكتفوا بعدم نصر أولئك الكافرين ، بل غابوا عنهم ~~وتركوهم وحدهم ، ولم يحضروا إليهم .. وذلك الغياب الذي حدث من آلهتهم عنهم. ~~مظهر من مظاهر كذب هؤلاء الكافرين وافترائهم على الحق في الدنيا ، حيث ~~زعموا أن هذه الآلهة الباطلة ستشفع لهم يوم القيامة ، وقالوا كما حكى ~~القرآن عنهم : ( @QUR@04 هؤلاء شفعاؤنا عند الله ... ) وها هم اليوم لا ~~يرون آلهتهم ، ولا يجدون لهم شيئا من النفع. PageV13P203 # وبعد هذا التذكير والوعيد للكافرين ، بين سبحانه جانبا من مظاهر تكريمه ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم حيث أرسل له نفرا من الجن ، يستمعون القرآن ، ~~ويؤمنون به ، فقال تعالى : # ( @QUR@018 وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا ~~أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين (29) @QUR@020 قالوا يا قومنا إنا ~~سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق ~~مستقيم (30) @QUR@015 يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ~~ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم (31) @QUR@018 ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز ~~في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين ) (32) # قال القرطبي ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@06 وإذ صرفنا إليك نفرا من ~~الجن ... ) هذا توبيخ لمشركي قريش. أى : أن الجن سمعوا القرآن فآمنوا به ~~وعلموا أنه من عند الله ، وأنتم معرضون مصرون على الكفر .. # قال المفسرون : لما مات أبو طالب ، خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ~~، يلتمس ms5187 من أهلها النصرة ، ويدعوهم إلى الإيمان ... أغروا به سفهاءهم ~~وعبيدهم يسبونه ويضحكون به .. # فانصرف صلى الله عليه وسلم عنهم ، حتى إذا كان ببطن نخلة وهو موضع بين مكة ~~والطائف قام يصلى من الليل ، فمر به نفر من جن نصيبين وهو موضع قرب الشام ~~فاستمعوا إليه وقالوا : أنصتوا .. (1). # وهناك روايات أخرى كثيرة في عدد هؤلاء الجن ، وفي الأماكن التي التقوا ~~فيها مع النبي PageV13P204 # صلى الله عليه وسلم وفيما قرأ الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم ، وفيمن كان مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم خلال التقائه بهم .. (1). # ويبدو لنا من مجموع هذه الروايات أن لقاء النبي صلى الله عليه وسلم بالجن قد ~~تعدد ، وأن هذه الآيات تحكى لقاء معينا ، وسورة الجن تحكى لقاء آخر. # قال الآلوسى : وقد أخرج الطبراني في الأوسط ، وابن مردويه عن الحبر ، أى ~~: عن ابن عباس أنه قال : صرفت الجن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين. # وذكر الخفاجي أنه قد دلت الأحاديث ، على أن وفادة الجن كانت ست مرات ، ~~ويجمع بذلك اختلاف الروايات في عددهم ، وفي غير ذلك. (2). # و «النفر» على المشهور ما بين الثلاثة والعشرة من الرجال وهو مأخوذ من ~~النفير ، لأن الرجل إذا حزبه أمر نفر بعض الناس الذين يهتمون بأمره ~~لإغاثته. # والمعنى : واذكر أيها الرسول الكريم لقومك ، وقت أن صرفنا إليك ، ووجهنا ~~نحوك ، نفرا من الجن ، يستمعون القرآن منك. # ( @QUR@02 فلما حضروه ) أى : فحين حضروا القرآن عند تلاوته منك ، أو فحين ~~حضروا مجلسك ( @QUR@01 قالوا ) على سبيل التناصح ( @QUR@01 أنصتوا ) أى : ~~قال بعضهم لبعض : اسكتوا لأجل أن نستمع إلى هذا القرآن ، وهذا يدل على سمو ~~أدبهم وحرصهم على تلقى العلم. # ( @QUR@02 فلما قضي ) أى : فحين انتهى الرسول صلى الله عليه وسلم من قراءته. # ( @QUR@04 ولوا إلى قومهم منذرين ) أى : انصرفوا إلى قومهم ليخوفوهم من ~~عذاب الله تعالى إذا ما عصوه أو خالفوا أمره سبحانه . # ( @QUR@010 قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى ... ) أى : ~~وبعد أن انصرفوا إلى قومهم منذرين ، ووصلوا إليهم. قالوا لهم : يا قومنا ~~إنا سمعنا ms5188 كتابا عظيم الشأن ، جليل القدر ، أنزل من بعد نبي الله تعالى ~~موسى عليه السلام . # وهذا الكتاب ( @QUR@04 مصدقا لما بين يديه ) أى : مصدقا لما قبله من ~~الكتب وهو أيضا ( @QUR@03 يهدي إلى الحق ) الذي لا يحوم حوله الباطل ، ~~ويهدى أيضا ( @QUR@03 إلى طريق مستقيم ) أى : إلى طريق قويم واضح يصل ~~بأتباعه إلى السعادة. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@04 أنزل من بعد موسى ) ذكروه دون عيسى ~~عليهما السلام PageV13P205 # لأنه متفق عليه عند أهل الكتابين ، ولأن الكتاب المنزل عليه أجل الكتب ~~قبل القرآن ، وكان عيسى مأمورا بالعمل بمعظم ما فيه أو بكله. # وقال عطاء : لأنهم كانوا على اليهودية ، وهذا القول يحتاج إلى نقل صحيح. # وعن ابن عباس : أن الجن لم تكن سمعت بعيسى ، فلذا قالوا ذلك. وفي هذا ~~القول بعد ، فإن اشتهار أمر عيسى ، وانتشار أمر دينه ، أظهر من أن يخفى ، ~~لا سيما على الجن ، ومن هنا قال أبو حيان : إن هذا لا يصح عن ابن عباس (1). # ثم حكى سبحانه بعد ذلك ما يدل على إيمانهم بما سمعوه فقال : ( @QUR@05 يا ~~قومنا أجيبوا داعي الله ... ). # أى : وقالوا لقومهم أيضا : يا قومنا أجيبوا داعي الله الذي دعاكم الى ~~الحق وإلى طريق مستقيم. ( @QUR@02 وآمنوا به ) أى : وآمنوا بهذا الرسول ~~الكريم وبما جاء من عند ربه. # ( @QUR@04 يغفر لكم من ذنوبكم ) أى : أجيبوا داعي الله وآمنوا به ، يغفر ~~لكم ربكم من ذنوبكم التي وقعتم فيها ، ويبعدكم بفضله ورحمته من عذاب أليم. # والتعبير بقوله : ( @QUR@02 من ذنوبكم ) يدل على حسن أدبهم ، وعلى أنهم ~~يفوضون المغفرة إلى ربهم ، فهو سبحانه إن شاء غفرها جميعا ، وإن شاء غفر بعضها. # ثم ختموا الترغيب في الإيمان بالترهيب من الإصرار على الكفر والمعاصي ~~فقالوا كما حكى القرآن عنهم : ( @QUR@09 ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز ~~في الأرض ). # أى : قالوا لقومهم إنكم إذا أجبتم داعي الله ، غفر لكم سبحانه ذنوبكم أما ~~الذي يعرض عن هذا الداعي الصادق الأمين ، فإنه لن يستطيع أن يفلت من عذاب ~~الله ، ولن يقدر على الهرب من عقابه ، لأنه سبحانه لا يعجزه شيء ، ولا يخفى ~~عليه ms5189 شيء في الأرض ولا في السماء. # ( @QUR@05 وليس له من دونه أولياء ) أى : وليس لهذا المعرض من أنصار ~~يستطيعون دفع عذاب الله عنه. # ( @QUR@01 أولئك ) أى : الذين لم يجيبوا داعي الله ( @QUR@03 في ضلال ~~مبين ) أى : في ضلال واضح لا يخفى على أحد من العقلاء. # هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآيات : PageV13P206 # 1 أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم كانت إلى الإنس والجن ، لأن هذه الآيات ~~تحكى إيمان بعض الجن به صلى الله عليه وسلم ودعوتهم غيرهم إلى الإيمان به. # 2 أن هذه الآيات تدل على أن حكم الجن كحكم الإنس في الثواب والعقاب وفي ~~وجوب العمل بما أمرهم الله تعالى به وفي وجوب الانتهاء عما نهاهم عنه ، لأن ~~قوله تعالى : ( @QUR@033 يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ~~ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم. ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض ~~وليس له من دونه أولياء ، أولئك في ضلال مبين ). # أقول : هاتان الآيتان اللتان حكاهما الله تعالى على ألسنة بعض الجن تدلان ~~على ثواب المطيع ، وعذاب العاصي. # قال بعض العلماء ما ملخصه : وقد دلت آية أخرى على أن المؤمنين من الجن ~~يدخلون الجنة وهي : قوله تعالى في سورة الرحمن : ( @QUR@09 ولمن خاف مقام ~~ربه جنتان. فبأي آلاء ربكما تكذبان ). # ويستأنس لهذا أيضا بقوله تعالى : ( @QUR@06 لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ~~) فإنه يشير إلى أن في الجنة جنا يطمثون النساء كالإنس .. # وبهذا يعلم أن ما ذهب إليه بعض العلماء ، أنه يفهم من قوله تعالى : ( ~~@QUR@015 يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم ~~من عذاب أليم ) أن المؤمنين من الجن لا يدخلون الجنة ، وأن جزاء إيمانهم ، ~~وإجابتهم داعي الله ، هو الغفران وإجارتهم من العذاب الأليم فقط .. هذا ~~الفهم إنما هو خلاف التحقيق ، وأن المؤمنين من الجن يدخلون الجنة .. (1). # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة ، بتوبيخ المشركين على جهلهم وعدم تفكيرهم ~~، وبين ما سيكونون عليه من خزي يوم القيامة ، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم ~~بالصبر على ms5190 أذاهم. فقال : # ( @QUR@022 أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن ~~بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير (33) @QUR@06 ويوم يعرض ~~الذين كفروا على النار PageV13P207 # @QUR@012 أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكفرون (34) @QUR@027 فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم ~~كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا ~~القوم الفاسقون ) (35) # والهمزة في قوله : ( @QUR@04 أولم يروا أن الله ... ) للاستفهام الإنكارى ~~، والواو للعطف على مقدر يستدعيه المقام ... # أى : أبلغ العمى والجهل بهؤلاء الكافرين ، أنهم لم يروا ولم يعقلوا أن ~~الله تعالى الذي خلق السموات والأرض بقدرته ( @QUR@03 ولم يعي بخلقهن ) أى ~~: ولم يتعب ولم ينصب بسبب خلقهن ، من قولهم عيى فلان بالأمر كفرح إذا تعب ، ~~أو المعنى : ولم يعجز عن خلقهن ولم يتحير فيه ، مأخوذ من قولهم : عيى فلان ~~بأمره ، إذا تحير ولم يعرف ماذا يفعل. # وقوله : ( @QUR@05 بقادر على أن يحيي الموتى ) في محل رفع خبر ( @QUR@01 ~~أن )، والباء في قوله تعالى ( @QUR@01 بقادر ) مزيدة للتأكيد. # فالمقصود بالآية الكريمة توبيخ المشركين على جهلهم وانطماس بصائرهم ، حيث ~~لم يعرفوا أن الله تعالى الذي أوجد الكون ، قادر على أن يعيدهم الى الحياة ~~بعد موتهم. # وأورد القرآن ذلك في أسلوب الاستفهام الإنكارى ، ليكون تأنيبهم على جهلهم أشد. # وقوله : ( @QUR@06 بلى إنه على كل شيء قدير ) تقرير وتأكيد لقدرته تعالى ~~على إحياء الموتى ، لأن لفظ ( @QUR@01 بلى ) يؤتى به في الجواب لإبطال ~~النفي السابق ، وتقرير نقيضه ، بخلاف لفظ نعم فإنه يقرر النفي نفسه. # أى : بلى إنه سبحانه قادر على إحياء الموتى ، لأنه تعالى على كل شيء قدير. # ثم كرر سبحانه التذكير للناس بأحوال الكافرين يوم الحساب ليعتبروا ~~ويتعظوا فقال : ( @QUR@06 ويوم يعرض الذين كفروا على النار ... ) أى : ~~واذكر أيها العاقل يوم يلقى الذين كفروا في النار ، بعد مشاهدتها ورؤيتها .. PageV13P208 # ثم يقال لهم على سبيل الزجر والتهكم ( @QUR@03 أليس هذا بالحق ) أى : ~~أليس هذا العذاب كنتم تنكرونه في الدنيا ، قد ثبت عليكم ثبوتا لا مفر ms5191 لكم ~~منه ، ولا محيد لكم عنه .. # ( @QUR@03 قالوا بلى وربنا ) أى : قالوا في الجواب : بلى يا ربنا إن هذا ~~العذاب حق ، وإنكارنا له في الدنيا إنما كان عن جهل وغفلة وغرور منا .. # فهم قد اعترفوا بأن الحساب حق ، والجزاء حق .. في وقت لا ينفع فيه ~~الاعتراف. # ولذا جاء الرد عليهم بقوله تعالى : ( @QUR@01 قال ) سبحانه ( @QUR@02 ~~فذوقوا العذاب ) أى : فتذوقوا طعمه الأليم ، ووقعه المهين ( @QUR@03 بما ~~كنتم تكفرون ) أى : بسبب كفركم وجحودكم. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر على ~~مكرهم فقال : ( @QUR@07 فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ). أى : إذا ~~كان الأمر كما ذكرنا لك أيها الرسول الكريم فاصبر على أذى قومك ، كما صبر ~~إخوانك أولو العزم من الرسل ، أى : أصحاب الجد والثبات والصبر على الشدائد ~~والبلاء .. وهم على أشهر الأقوال : نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات ~~الله عليهم جميعا . # وقوله : ( @QUR@03 ولا تستعجل لهم ) نهى منه تعالى لنبيه عن استعجال ~~العذاب لهم. أى : ولا تستعجل لهم العذاب. فالمفعول محذوف للعلم به .. ثم ~~بين سبحانه ما يدعو إلى عدم الاستعجال فقال : ( @QUR@011 كأنهم يوم يرون ما ~~يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار .. ). أى : اصبر أيها الرسول على أذى ~~قومك كما صبر إخوانك أولو العزم من الرسل. ولا تستعجل العذاب لهؤلاء ~~الكافرين فإنه آتيهم لا ريب فيه ، وكأنهم عند ما يرون هذا العذاب ويحل بهم ~~، لم يلبثوا في الدنيا إلا وقتا قليلا وزمنا يسيرا ، لأن شدة هذا العذاب ~~تنسيهم كل متع الدنيا وشهواتها. # وقوله تعالى : ( @QUR@01 بلاغ ) خبر لمبتدأ محذوف أى : هذا الذي أنذرتكم ~~به ، أو هذا القرآن ، بلاغ كاف في وعظكم وإنذاركم إذا تدبرتم فيه ، وتبليغ ~~من الرسول صلى الله عليه وسلم إليكم. # ( @QUR@05 فهل يهلك إلا القوم الفاسقون ) كلا ، إنه لا يهلك بعذاب الله ~~تعالى إلا القوم الخارجون عن طاعته ، الواقعون في معصيته فالاستفهام للنفي .. # وبعد فهذا تفسير لسورة «الأحقاف» نسأل الله أن يجعله خالصا لوجهه ، ~~ونافعا لعباده. PageV13P209 # والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ms5192 آله وصحبه وسلم. PageV13P210 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة محمد PageV13P211 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة # 1 هذه السورة تسمى بسورة محمد صلى الله عليه وسلم لما فيها من الحديث عما ~~أنزل عليه صلى الله عليه وسلم وتسمى أيضا بسورة القتال ، لحديثها المستفيض عنه. # وهي من السور المدنية التي يغلب على الظن أن نزولها كان بعد غزوة بدر ~~وقبل غزوة الأحزاب ، وقد ذكروا أن نزولها كان بعد سورة «الحديد» (1). # وعدد آياتها أربعون آية في البصري ، وثمان وثلاثون في الكوفي ، وتسع ~~وثلاثون في غيرهما. # 2 وتفتتح السورة الكريمة ببيان سوء عاقبة الكافرين ، وحسن عاقبة المؤمنين ~~، ثم تحض المؤمنين على الإغلاظ في قتال الكافرين ، وفي أخذهم أسارى ، وفي ~~الإعلاء من منزلة المجاهدين في سبيل الله. # قال تعالى : ( @QUR@015 والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم ، ~~سيهديهم ويصلح بالهم ، ويدخلهم الجنة عرفها لهم .. ). # 3 ثم وجه سبحانه نداء إلى المؤمنين وعدهم فيه بالنصر متى نصروه وتوعد ~~الكافرين بالتعاسة والخيبة ، ووبخهم على عدم اعتبارهم واتعاظهم ، كما بشر ~~المؤمنين أيضا بجنة فيها ما فيها من نعيم. # قال تعالى : ( @QUR@044 مثل الجنة التي وعد المتقون ، فيها أنهار من ماء ~~غير آسن ، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ، وأنهار من خمر لذة للشاربين ، ~~وأنهار من عسل مصفى ، ولهم فيها من كل الثمرات ، ومغفرة من ربهم ، كمن هو ~~خالد في النار ، وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم ). # 4 ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن المنافقين ، فذكرت جانبا من ~~مواقفهم السيئة من النبي صلى الله عليه وسلم ومن دعوته ، ووبختهم على خداعهم ~~وسوء أدبهم. # قال تعالى : ( @QUR@012 ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا ~~للذين أوتوا PageV13P213 # @QUR@013 العلم ما ذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا ~~أهواءهم ). # 5 ثم صورت السورة الكريمة ما جبل عليه هؤلاء المنافقون من جبن وهلع ، ~~وكيف أنهم عند ما يدعون إلى القتال يصابون بالفزع الخالع. # قال سبحانه ( @QUR@040 ويقول الذين آمنوا لو لا نزلت سورة ، فإذا أنزلت ~~سورة محكمة وذكر فيها القتال ، رأيت الذين في قلوبهم مرض ms5193 ينظرون إليك نظر ~~المغشي عليه من الموت فأولى لهم. طاعة وقول معروف ، فإذا عزم الأمر فلو ~~صدقوا الله لكان خيرا لهم ). # 6 وبعد أن بينت السورة الكريمة أن نفاق المنافقين كان بسبب استحواذ ~~الشيطان عليهم ، وتوعدتهم بسوء المصير في حياتهم وبعد مماتهم. # بعد كل ذلك أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بأوصافهم الذميمة ، فقال تعالى : ~~( @QUR@023 أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم. ولو نشاء ~~لأريناكهم ، فلعرفتهم بسيماهم ، ولتعرفنهم في لحن القول ، والله يعلم ~~أعمالكم ). # 7 ثم عادت السورة إلى الحديث عن الكافرين وعن المؤمنين ، فتوعدت الكافرين ~~بحبوط أعمالهم. وأمرت المؤمنين بطاعة الله ورسوله. ونهتهم عن اليأس والقنوط ~~، وبشرتهم بالنصر والظفر ، وحذرتهم من البخل ، ودعتهم إلى الإنفاق في سبيل الله. # قال تعالى : ( @QUR@030 ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم ~~من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ، والله الغني وأنتم الفقراء ، وإن ~~تتولوا يستبدل قوما غيركم. ثم لا يكونوا أمثالكم ). # 8 هذا والمتدبر في هذه السورة الكريمة بعد هذا العرض الإجمالى لها يراها ~~تهتم بقضايا من أهمها ما يأتى : # (أ) تشجيع المؤمنين على الجهاد في سبيل الله تعالى : وعلى ضرب رقاب ~~الكافرين ، وأخذهم أسرى ، وكسر شوكتهم ، وإذلال نفوسهم .. كل ذلك بأسلوب قد ~~اشتمل على أسمى ألوان التحضيض على القتال. # نرى ذلك في قوله تعالى : ( @QUR@020 فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب. ~~حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق ، فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب ~~أوزارها ). # وفي قوله تعالى : ( @QUR@010 يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ~~ويثبت أقدامكم ). # (ب) بيان سوء عاقبة الكافرين في الدنيا والآخرة ، ودعوتهم إلى الدخول في ~~الدين الحق ، وإبراز الأسباب التي حملتهم على الجحود والعناد. PageV13P214 # نرى ذلك في آيات كثيرة منها قوله تعالى : ( @QUR@027 وكأين من قرية هي ~~أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم. أفمن كان على بينة من ~~ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم ). # (ج) كشفها عن أحوال المنافقين وأوصافهم بصورة تميزهم عن المؤمنين وتدعو ~~كل ms5194 عاقل إلى احتقارهم ونبذهم. بسبب خداعهم وكذبهم ، وجبنهم واستهزائهم ~~بتعاليم الإسلام. # ولقد توعدهم الله تعالى بأشد ألوان العذاب ، فقال : ( @QUR@07 أولئك ~~الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ). # نسأل الله تعالى أن يجعلنا من عباده المؤمنين الصادقين. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV13P215 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@08 الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم (1) @QUR@018 ~~والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم ~~كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم (2) @QUR@018 ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا ~~الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم ) (3) # افتتحت سورة القتال بهذا الذم الشديد للكافرين ، وبهذا الثناء العظيم على ~~المؤمنين. # افتتحت بقوله سبحانه : ( @QUR@026 الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل ~~أعمالهم. والذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق ~~من ربهم. كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم ). # وقوله : ( @QUR@02 الذين كفروا ).. مبتدأ ، خبره قوله سبحانه ( @QUR@02 ~~أضل أعمالهم ). # والمراد بهم كفار قريش ، الذين أعرضوا عن الحق وحرضوا غيرهم على الإعراض عنه. # فقوله : ( @QUR@01 صدوا ) من الصد بمعنى المنع ، والمفعول محذوف. # وقوله : ( @QUR@02 أضل أعمالهم ) أى : أبطلها وأحبطها وجعلها ضائعة ذاهبة ~~لا أثر لها ولا وجود ، والمراد بهذه الأعمال : ما كانوا يعملونه في الدنيا ~~من عمل حسن ، كإكرام الضيف ، وبر الوالدين ، ومساعدة المحتاج. أى : الذين ~~كفروا بالله تعالى وبكل ما يجب الإيمان به ، ومنعوا غيرهم من اتباع الدين ~~الحق الذي أمر الله تعالى باتباعه ( @QUR@01 أضل ) PageV13P217 # سبحانه أعمالهم ، بأن جعلها ذاهبة ضائعة غير مقبولة عنده. كما قال تعالى ~~: ( @QUR@09 وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ) (1). # قال صاحب الكشاف : ( @QUR@02 أضل أعمالهم ) أى : أبطلها وأحبطها : ~~وحقيقته ، جعلها ضالة ضائعة ليس لها من يتقبلها ويثيب عليها ، كالضالة من ~~الإبل ، التي هي مضيعة لا رب لها يحفظها ويعتنى بأمرها ، أو جعلها ضالة في ~~كفرهم ومعاصيهم ، ومغلوبة بها ، كما يضل الماء اللبن. وأعمالهم ما كانوا ~~يعملونه في كفرهم بما يسمونه مكارم : من صلة الأرحام ، وفك الأسرى. # وقيل : أبطل ما ms5195 عملوه من الكيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم والصد عن سبيل ~~الله ، بأن نصره عليهم وأظهر دينه على الدين كله (2). # ثم بين سبحانه بعد ذلك ما أعده للمؤمنين من ثواب فقال : ( @QUR@03 والذين ~~آمنوا وعملوا ) الأعمال ( @QUR@01 الصالحات ) التي توافر فيها الإخلاص ~~والاتباع لهدى الرسول صلى الله عليه وسلم وقوله : ( @QUR@05 وآمنوا بما نزل ~~على محمد ) من باب عطف الخاص على العام ، فقد أفرده بالذكر مع أنه داخل في ~~الإيمان والعمل الصالح ، للإشارة إلى أنه شرط في صحة الإيمان ، وللإشعار ~~بسمو مكانة هذا المنزل عليه صلى الله عليه وسلم وبعلو قدره. # وقوله : ( @QUR@04 وهو الحق من ربهم ) جملة معترضة ، لتأكيد حقية هذا ~~المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وتقرير كماله وصدقه. أى : وهذا المنزل ~~على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الحق الكائن من عند الله تعالى رب العالمين ~~، لا من عند أحد سواه. # وقوله : ( @QUR@03 كفر عنهم سيئاتهم ) خبر الموصول ، أى : والذين آمنوا ~~وعملوا الأعمال الصالحة ، محا عنهم سبحانه ما عملوه من أعمال سيئة ، ولم ~~يعاقبهم عليها ، فضلا منه وكرما. # فقوله : ( @QUR@01 كفر ) من الكفر بمعنى الستر والتغطية. يقال : كفر ~~الزارع زرعه إذا غطاه ، وستره حماية له مما يضره. والمراد به هنا : المحو ~~والإزالة على سبيل المجاز. # وقوله : ( @QUR@02 وأصلح بالهم ) معطوف على ما قبله. أى : محا عنهم بسبب ~~إيمانهم وعملهم الصالح ، ما اقترفوه من سيئات ، كما قال تعالى : ( @QUR@04 ~~إن الحسنات يذهبن السيئات ) ولم يكتف سبحانه بذلك ، بل وأصلح أحوالهم ~~وأمورهم وشئونهم. بأن وفقهم للتوبة الصادقة في الدنيا ، وبأن منحهم الثواب ~~الجزيل في الآخرة. PageV13P218 # فالمراد بالبال هنا : الحال والأمر والشأن. # قال القرطبي : والبال كالمصدر ، ولا يعرف منه فعل ، ولا تجمعه العرب إلا ~~في ضرورة الشعر ، فيقولون فيه بالات .. (1). # وهذه الجملة الكريمة وهي قوله : ( @QUR@02 وأصلح بالهم ) نعمة عظمى لا ~~يحس بها إلا من وهبه الله تعالى إياها ، فإن خزائن الأرض لا تنفع صاحبها ~~إذا كان مشتت القلب ، ممزق النفس ، مضطرب المشاعر والأحوال. أما الذي ينفعه ~~فهو راحة البان. وطمأنينة النفس ، ورضا القلب ، والشعور بالأمان والسلام. ms5196 # والإشارة في قوله : ( @QUR@06 ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل .. ) ~~تعود إلى ما مر من ذم الكافرين ، ومدح المؤمنين. # أى : ذلك الذين حكمنا به من ضلال أعمال الكافرين ، ومن إصلاح بال ~~المؤمنين ، سببه أن الذين كفروا اتبعوا في دنياهم الطريق الباطل الذي لا ~~خير فيه ولا فلاح. وأن الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحة في دنياهم ، ~~اتبعوا طريق الحق الكائن من ربهم. # فالمراد بالباطل هنا. الكفر وما يتبعه من أعمال قبيحة ، والمراد بالحق : ~~الإيمان والعمل الصالح. # وقوله ( @QUR@01 ذلك ) مبتدأ ، وخبره ما بعده. # وقوله : ( @QUR@05 كذلك يضرب الله للناس أمثالهم ) أى : مثل ذلك البيان ~~الرائع الحكيم ، يبين الله تعالى : للناس أحوال الفريقين ، وأوصافهما ~~الجارية في الغرابة مجرى الأمثال ، وهي اتباع المؤمنين الحق وفوزهم ، ~~واتباع الكافرين الباطل وخسرانهم. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : أين ضرب الأمثال؟ قلت : في جعل اتباع الباطل ~~مثلا لعمل الكفار ، واتباع الحق مثلا لعمل المؤمنين ، أو في أن جعل الإضلال ~~مثلا لخيبة الكفار ، وتكفير السيئات مثلا لفوز المؤمنين» (2). # ثم أرشد الله تعالى : المؤمنين إلى ما يجب عليهم فعله عند لقائهم ~~لأعدائهم ، وبعد انتصارهم عليهم ، كما بين لهم الحكمة من مشروعية القتال. ~~والجزاء الحسن الذي أعده للمجاهدين ، فقال تعالى : PageV13P219 # ( @QUR@038 فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا ~~الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله ~~لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل ~~أعمالهم (4) @QUR@03 سيهديهم ويصلح بالهم (5) @QUR@04 ويدخلهم الجنة عرفها ~~لهم ) (6) # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@02 فإذا لقيتم ) لترتيب ما بعدها من إرشاد ~~المؤمنين إلى ما يجب عليهم فعله عند قتل أعدائهم ، على ما قبلها وهو بيان ~~حال الكفار. # فالمراد باللقاء هنا : القتال لا مجرد اللقاء والرؤية. كما أن المراد ~~بالذين كفروا هنا المشركون وكل من كان على شاكلتهم ممن ليس بيننا وبينهم ~~عهد بل بيننا وبينهم حرب وقتال. # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 فضرب الرقاب ) أمر للمؤمنين بما يجب فعله عند ~~لقائهم لأعدائهم. وقوله : ( @QUR@01 فضرب ) منصوب على أنه مصدر لفعل محذوف. ~~أى ms5197 : فإذا كان حال الذين كفروا كما ذكرت لكم من إحباط أعمالهم بسبب اتباعهم ~~الباطل وإعراضهم عن الحق ، فإذا لقيتموهم للقتال ، فلا تأخذكم بهم رأفة ، ~~بل اضربوا رقابهم ضربا شديدا. # والتعبير عن القتل بقوله : ( @QUR@02 فضرب الرقاب )، لتصويره في أفظع ~~صوره. ولتهويل أمر هذا القتال ، ولإرشاد المؤمنين إلى ما يجب عليهم فعله. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@01 لقيتم ) من اللقاء وهو الحرب ( ~~@QUR@02 فضرب الرقاب ) أصله : فاضربوا الرقاب ضربا ، فحذف الفعل وقدم ~~المصدر ، فأنيب منابه مضافا إلى المفعول ، وفيه اختصار مع إعطاء معنى ~~التوكيد ، لأنك تذكر المصدر ، وتدل على الفعل بالنصبة التي فيه. # وضرب الرقاب : عبارة عن القتل .. وذلك أن قتل الإنسان أكثر ما يكون بضرب ~~رقبته ، فوقع عبارة عن القتل ، وإن ضرب بغير رقبته من المقاتل. # على أن في هذه العبارة من الغلظة والشدة ، ما ليس في لفظ القتل ، لما ~~فيها من تصوير PageV13P220 # القتل بأشنع صورة ، وهو حز العنق ، وإطارة العضو الذي هو رأس البدن (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق ) بيان لما ~~يكون من المؤمنين بعد مثل حركة أعدائهم ، وإنزال الهزيمة بهم. # وقوله : ( @QUR@01 أثخنتموهم ) من الإثخان بمعنى كثرة الجراح ، مأخوذ من ~~الشيء الثخين ، أى : الغليظ. يقال : أثخن الجيش في عدوه ، إذا بالغ في ~~إنزال الجراحة الشديدة به ، حتى أضعفه وأزال قوته. # والوثاق بفتح الواو وكسرها اسم للشيء الذي يوثق به الأسير كالرباط أى : ~~عند لقائكم أيها المؤمنون لأعدائكم ، فاضربوا أعناقهم ، فإذا ما تغلبتم ~~عليهم وقهرتموهم ، وأنزلتم بهم الجراح التي تجعلهم عاجزين عن مقاومتكم ، ~~فأحكموا قيد من أسرتموه منهم ، حتى لا يستطيع التفلت أو الهرب منكم. # وقوله سبحانه ( @QUR@05 فإما منا بعد وإما فداء ) إرشاد لما يفعلونه بعد ذلك. # والمن : الإطلاق بغير عوض ، يقال : من فلان على فلان إذا أنعم عليه بدون مقابل. # والفداء : ما يقدمه الأسير من أموال أو غيرها لكي يفتدى بها نفسه من الأسر. # وقوله : ( @QUR@01 منا ) و ( @QUR@01 فداء ) منصوبان على المصدرية بفعل ~~محذوف : أى : فإما تمنون عليهم بعد الأسر منا بأن تطلقوا سراحهم بدون مقابل ~~، وإما أن تفدوا فداء بأن ms5198 تأخذوا منهم فدية في مقابل إطلاق سراحهم. # وقوله سبحانه ( @QUR@04 حتى تضع الحرب أوزارها ) غاية لهذه الأوامر ~~والإرشادات. # وأوزار الحرب : آلاتها وأثقالها التي لا تقوم إلا بها ، كالسلاح وما يشبه. # قال الشاعر : # وأعددت للحرب أوزارها %~% رماحا طوالا وخيلا ذكورا # أى : افعلوا بهم ما أمرناكم بفعله ، واستمروا على ذلك حتى تنتهي الحرب ~~التي بينكم وبين أعدائكم بهزيمتهم وانتصاركم عليهم. # وسميت آلات الحرب وأحمالها بالأوزار ، لأن الحرب لما كانت لا تقوم إلا ~~بها ، فكأنها تحملها وتستقل بها ، فإذا انقضت الحرب فكأنها وضعت أحمالها ~~وانفصلت عنها. # ثم بين سبحانه الحكمة من مشروعية قتال الأعداء ، مع أنه سبحانه قادر على PageV13P221 # إهلاك هؤلاء الأعداء ، فقال : ( @QUR@010 ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ~~، ولكن ليبلوا بعضكم ببعض ). # واسم الإشارة : خبر لمبتدأ محذوف ، أى : الأمر ذلك ، أو في محل نصب على ~~المفعولية بفعل محذوف ، أى : افعلوا ذلك الذي أمرناكم به وأرشدناكم إليه ~~واعلموا أنه سبحانه لو يشاء الانتصار من هؤلاء الكافرين والانتقام منهم ~~لفعل ، أى : لو يشاء إهلاكهم لأهلكهم ، ولكنه سبحانه لم يفعل ذلك بل أمركم ~~بمحاربتهم ليختبر بعضكم ببعض ، فيتميز عن طريق هذا الاختبار والامتحان ، ~~قوى الإيمان من ضعيفه. كما قال تعالى : ( @QUR@08 ولنبلونكم حتى نعلم ~~المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم ). # ثم بين سبحانه بعد ذلك ما أعده للمجاهدين من ثواب عظيم فقال : ( @QUR@05 ~~والذين قتلوا في سبيل الله ) أى : والذين استشهدوا وهم يقاتلون من أجل ~~إعلاء كلمة الله. # ( @QUR@03 فلن يضل أعمالهم ) أى : فلن يضيع أعمالهم ولن يبطلها. # بل ( @QUR@01 سيهديهم ) أى : بل سيوصلهم إلى طريق السعادة والفلاح. # ( @QUR@02 ويصلح بالهم ) أى : ويصلح أحوالهم وشئونهم وقلوبهم. # ( @QUR@04 ويدخلهم الجنة عرفها لهم ) أى : ويدخلهم بعد كل ذلك الجنة يوم ~~القيامة ويهديهم إلى بيوتهم ومساكنهم فيها ، بحيث لا يخطئونها ، حتى لكأنهم ~~يقيمون فيها منذ خلقوا ، وذلك كله بإلهام من الله تعالى لهم. # قال الآلوسى ما ملخصه : ( @QUR@02 عرفها لهم ) هذا التعريف في الآخرة. ~~قال مجاهد : يهدى أهل الجنة إلى بيوتهم ومساكنهم ، وحيث قسم الله تعالى لهم ~~منها ، لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا .. وذلك بإلهام منه ms5199 عز وجل . # وورد في بعض الآثار أن حسناته تكون دليلا له على منزله فيها ، وقيل : إنه ~~تعالى : رسم على كل منزل اسم صاحبه وهو نوع من التعريف. # وقيل : معنى عرفها لهم. طيبها لهم من العرف وهو الرائحة الطيبة ، ومنه ~~طعام معرف ، أى مطيب. # وعن الجبائي أن التعريف في الدنيا ، وهو يذكر أوصافها ، والمراد أنه ~~سبحانه لم يزل يمدحها لهم ، حتى عشقوها ، فاجتهدوا في فعل ما يوصلهم إليها ~~.. (1). PageV13P222 # هذا ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى : # 1 وجوب قتال الكافرين بكل شدة وقوة ، حتى تضعف شوكتهم ، وتدول دولتهم ، ~~ويخضعوا لحكم شريعة الإسلام فيهم. # وفي هذه المعنى وردت آيات كثيرة ، منها قوله تعالى : ( @QUR@012 يا أيها ~~النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير ). # 2 أخذ بعض العلماء من قوله تعالى : ( @QUR@09 فإما منا بعد وإما فداء حتى ~~تضع الحرب أوزارها ) أن الأسير من الأعداء يدور أمره بين هاتين الحالتين ~~إما أن نطلق سراحه بدون مقابل ، وإما أن نطلق سراحه في مقابل فدية معينة ~~نأخذها منه ، وقد تكون هذه الفدية مالا ، أو عملا ، أو غير ذلك مما فيه ~~منفعة للمسلمين. # ويرى بعض العلماء أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : ( @QUR@014 فإذا ~~انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ، وخذوهم واحصروهم ~~واقعدوا لهم كل مرصد ) (1). # ويرى المحققون من العلماء أن هذه الآية ، وهي قوله تعالى : ( @QUR@05 ~~فإما منا بعد وإما فداء ). تحكى حالات معينة يكون أمر الأسرى فيها دائرا ~~بين المن والفداء ، لأنهما من مصلحة المسلمين ، وهناك حالات أخرى يكون ~~الأصلح فيها قتل الأعداء ، أو استرقاقهم. # فمسألة الأسرى من الأعداء ، يكون الحكم فيها على حسب ما تقتضيه مصلحة ~~المسلمين ، ومرجع الحكم فيها إلى البصراء بالحرب وبوضع خططها ، لأنهم أعرف ~~الناس بكيفية معاملة الأسرى. # وهذا الرأى الأخير هو الذي تطمئن إليه النفس ، لأنه الثابت من فعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ومن أفعال أصحابه ، ولأن ذكر المن والفداء لا ينافي ~~جواز غيره كالقتل مثلا لأن هذا الغير مفهوم من آيات أخرى ذكرت ms5200 هذا الحكم في ~~أوقات وحالات معينة. # وقد رجح هذا الرأى كثير من العلماء ، منهم الإمام ابن جرير ، فقد قال ما ~~ملخصه بعد أن ساق جملة من الأقوال : والصواب من القول عندنا في ذلك ، أن ~~هذه الآية محكمة غير منسوخة لأنه غير مستنكر أن يكون جعل الخيار في المن ~~والقتل والفداء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى القائمين بعده بأمر الأمة. ~~وإن لم يكن القتل مذكورا في هذه الآية ، لأنه قد أذن سبحانه بقتلهم في آيات ~~أخرى منها ( @QUR@04 فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ). PageV13P223 # وقد فعل الرسول صلى الله عليه وسلم كل ذلك ، مع الأسرى ففي بدر قتل عقبة بن ~~أبى معيط. # وأخذ الفداء من غيره .. ومن على ثمامة بن أثال الحنفي وهو أسير في يده (1). # وقال القرطبي بعد أن ذكر أربعة أقوال : الخامس : أن الآية محكمة ، ~~والإمام مخير في كل حال. # وبهذا قال كثير من العلماء منهم : ابن عمر ، والحسن وعطاء ، وهو مذهب ~~مالك والشافعى والثوري والأوزاعى .. وغيرهم ، وهو الاختيار ؛ لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين فعلوا كل ذلك. فقد قتل النبي ~~صلى الله عليه وسلم في بدر النضر بن الحارث. وأخذ الفداء من أسارى بدر .. وقد ~~من على سبى هوازن. وهذا كله ثابت في الصحيح (2). # وقال بعض العلماء ما ملخصه : وما نحسبنا مخطئين إذ قلنا إن الذي كان من ~~النبي صلى الله عليه وسلم من الأعمال المختلفة ، كان نزولا على مقتضى المصلحة ~~، ولذلك نراه كان يجتهد في تعرف وجوه المصلحة ، فيستشير أصحابه. # ولو كان الأمر أمر خطة مرسومة ، واحدا لا يتخطى. ما كان هناك معنى ~~للاستشارة ، ولا للنزول على رأى بعض أصحابه ، ولما خالف في الحرب الواحدة ~~بين أسير وأسير ، فقتل هذا ، وأخذ الفداء من هذا. ومن على هذا. # وإذا فالمصلحة العامة وحدها هي لمحكمة ، وهي الخطة التي تتبع في الحروب ، ~~خصوصا والحرب مكر وخديعة ، وما دامت مكرا أو خديعة فليترك للماكرين وضع خطط ~~المكر والخديعة ولا يرسم لهم كيف يمكرون ، وإلا ما كانوا ما كرين (3). # 3 بشارة ms5201 الشهداء بالثواب الجزيل ، وبالأجر العظيم ، ويكفى لذلك قوله ~~تعالى : ( @QUR@015 والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم ، سيهديهم ~~ويصلح بالهم ، ويدخلهم الجنة عرفها لهم ). # وقد ذكر الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات جملة من الأحاديث منها : ~~ما أخرجه الإمام أحمد عن قيس الجذامي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: «يعطى الشهيد ست خصال : عند أول قطرة من دمه يكفر عنه كل خطيئة ، ويرى ~~مقعده من الجنة ، ويزوج من PageV13P224 # الحور العين ، ويؤمن من الفزع الأكبر ، ومن عذاب القبر ، ويحلى حلة ~~الإيمان (1). # ثم وجه سبحانه نداء إلى المؤمنين بشرهم بنصره متى نصروا دينه ، وتوعد ~~الكافرين بالخيبة والخسران ، ووبخهم على عدم تدبرهم في مصير الذين من قبلهم ~~، وسلى النبي صلى الله عليه وسلم عما أصابه من أعدائه ، فقال تعالى : # ( @QUR@010 يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم (7) ~~@QUR@06 والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم (8) @QUR@08 ذلك بأنهم كرهوا ~~ما أنزل الله فأحبط أعمالهم (9) @QUR@016 أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف ~~كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها (10) @QUR@011 ~~ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم (11) @QUR@022 إن ~~الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار والذين ~~كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم (12) @QUR@014 ~~وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم ) (13) # والمراد بنصر المؤمنين لله تعالى نصرهم لدينه ، بأن يستقيموا على أمره ~~ويتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما أمرهم به أو نهاهم عنه. # والمعنى : يا من آمنتم بالله تعالى حق الإيمان ، إن تنصروا دين الله ~~عز وجل وتتبعوا رسوله ، ( @QUR@01 ينصركم ) سبحانه على أعدائكم ( @QUR@02 ~~ويثبت أقدامكم ) عند قتالكم إياهم ويوفقكم بعد ذلك للثبات على دينه ، ~~والشكر على نعمه. PageV13P225 # وفي معنى هذه الآية ، وردت آيات كثيرة ، منها قوله تعالى : ( @QUR@08 ~~ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) (2). # وقوله عز وجل : ( @QUR@011 إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ms5202 الدنيا ~~ويوم يقوم الأشهاد ) (3). # وبعد هذا النداء الذي يحمل أكرم البشارات للمؤمنين ، ذم سبحانه الكافرين ~~ذما شديدا ، فقال : ( @QUR@06 والذين كفروا ، فتعسا لهم وأضل أعمالهم ). # والاسم الموصول مبتدأ ، وخبره محذوف ، و ( @QUR@01 فتعسا ) منصوب على ~~المصدر بفعل مضمر من لفظه ، واللام في قوله ( @QUR@01 لهم ) لتبيين المخاطب ~~، كما في قولهم : سقيا له ، أى : أعنى له يقال : تعس فلان من باب منع وسمع ~~بمعنى هلك. # قال القرطبي ما ملخصه وقوله : ( @QUR@02 فتعسا لهم ) نصب على المصدر ~~بسبيل الدعاء ، مثل سقيا له .. وفيه عشرة أقوال : الأول : بعدا لهم. الثاني ~~: حزنا لهم ....... الخامس) هلاكا لهم .. # يقال : تعسا لفلان ، أى ألزمه الله هلاكا. # ومنه الحديث الشريف : «تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة. إن أعطى رضى ، ~~وإن لم يعط لم يرض». # وفي رواية : «تعس وانتكس ، وإذا شيك أى أصابته شوكة فلا انتقش» أى : فلا ~~شفى من مرضه (4). # والمعنى : والذين كفروا فتعسوا تعسا شديدا ، وهلكوا هلاكا مبيرا ، وأضل ~~الله تعالى أعمالهم ، بأن أحبطها ولم يقبلها منهم ، لأنها صدرت عن نفوس ~~أشركت مع خالقها ورازقها آلهة أخرى في العبادة. # فقوله : ( @QUR@02 وأضل أعمالهم ) معطوف على الفعل المقدر الذي نصب به ~~لفظ «تعسا» ودخلت الفاء على هذا اللفظ ، تشبيها للاسم الموصول بالشرط. # ثم بين سبحانه الأسباب التي أدت بهم إلى الخسران والضلال فقال : ( ~~@QUR@08 ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم ). PageV13P226 # أى : ذلك الذي حل بهم من التعاسة والإضلال بسبب أنهم كرهوا ما أنزله الله ~~تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم من قرآن يهدى إلى الرشد ، فكانت نتيجة هذه ~~الكراهية ، أن أحبط الله أعمالهم الحسنة التي عملوها في الدنيا كإطعام ~~الطعام وصلة الأرحام .. لأن هذه الأعمال لم تصدر عن قلب سليم ، يؤمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. # ثم وبخهم سبحانه على عدم اعتبارهم بما في هذا الكون من عبر وعظات فقال : ~~( @QUR@011 أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ). # والهمزة للاستفهام التقريعى ، والفاء معطوفة على مقدر ، أى : أقبعوا في ~~مساكنهم فلم يسيروا في جنبات الأرض ، فيشاهدوا كيف كانت عاقبة ms5203 المكذبين من ~~قبلهم كقوم عاد وثمود ولوط .. وغيرهم. # وقوله : ( @QUR@05 دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها ) جملة مستأنفة ، ~~كأنه قيل : كيف كانت عاقبة الذين من قبلهم؟ فكان الجواب : دمر الله تعالى ~~عليهم مساكنهم وأموالهم ، فالمفعول محذوف للتهويل والمبالغة في الإهلاك. ~~يقال : دمر الله تعالى الأعداء تدميرا ، إذا أهلكهم إهلاكا شديدا. ودمر ~~عليهم ، أى : أهلك ما يختص بهم ، وجاء هنا بكلمة «عليهم» لتضمين التدمير ~~معنى الإيقاع أو الهجوم. # وقوله : ( @QUR@02 وللكافرين أمثالها ) وعيد وتهديد لهؤلاء الكافرين ~~المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم . أى : هكذا كانت عاقبة المجرمين السابقين ~~، وللكافرين المعاصرين لك أيها الرسول الكريم السائرين على درب سابقيهم في ~~الكفر والضلال والطغيان ، أمثال تلك العاقبة السيئة. # فالضمير في قوله تعالى ( @QUR@01 أمثالها ) يعود إلى العاقبة المتقدمة. ~~وجمع سبحانه لفظ الأمثال باعتبار تعدد العذاب الذي نزل بالأمم المكذبة ~~السابقة. # واسم الإشارة في قوله سبحانه ( @QUR@011 ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا ، ~~وأن الكافرين لا مولى لهم ). أى : ذلك التدمير والإهلاك الذي حل بالمكذبين ~~، بسبب أن الله تعالى هو ولى المؤمنين وناصرهم ومؤيدهم .. أما الكافرون فلا ~~مولى لهم ينصرهم أو يدفع عنهم ما حل بهم من دمار وخسران. # فالمراد بالمولى هنا : الناصر والمعين ، وأن نصرته تعالى هي للمؤمنين ~~خاصة. ولا يناقض هذا قوله تعالى في آية أخرى : ( @QUR@06 ثم ردوا إلى الله ~~مولاهم الحق .. ) لأن المراد بقوله : ( @QUR@02 مولاهم الحق ): إلههم الحق ~~، ومالكهم الحق ، وخالقهم وخالق كل شيء. PageV13P227 # ثم بين سبحانه ما أعده للمؤمنين من ثواب عظيم ، وما أعده للكافرين من ~~عذاب أليم ، فقال : ( @QUR@015 إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~جنات تجري من تحتها الأنهار. والذين كفروا يتمتعون .. ) أى يتمتعون ~~وينتفعون بملاذ الدنيا أياما قليلة. # ( @QUR@01 ويأكلون ) مآكلهم بدون تفكر أو تحر للحلال أو شكر لله ( ~~@QUR@03 كما تأكل الأنعام ) طعامها الذي يلقيه إليها صاحبها. # فالمقصود بالجملة الكريمة ذم هؤلاء الكافرين ، لشبههم بالأنعام التي لا ~~تعقل ، في كونهم يأكلون طعامهم دون أن يشكروا الله تعالى عليه ، ودون أن ~~يفرقوا بين الحلال والحرام ، ودون أن يرتفعوا بإنسانيتهم عن مرتبة الحيوان ~~الأعجم. # قال ms5204 الآلوسى : والمعنى أن أكلهم مجرد عن الفكر والنظر ، كما تقول للجاهل ~~: تعيش كما تعيش البهيمة ، فأنت لا تريد التشبيه في مطلق العيش ، ولكن في ~~خواصه ولوازمه. وحاصله أنهم يأكلون غافلين عن عواقبهم ومنتهى أمورهم (1). # وقوله : ( @QUR@03 والنار مثوى لهم ) بيان لسوء عاقبتهم في الآخرة ، بعد ~~بيان صورتهم القبيحة في الدنيا. والمثوى : اسم مكان لمحل إقامة الإنسان. # أى : والنار هي المكان المعد لنزولهم فيه يوم القيامة. # ثم سلى سبحانه نبيه عما أصابه منهم من أذى فقال : ( @QUR@014 وكأين من ~~قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم ). # وكلمة ( @QUR@01 كأين ) مركبة من كاف التشبيه وأى الاستفهامية المنونة ، ~~ثم هجر معنى جزأيها وصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية الدالة على التكثير ~~، ويكنى بها عن عدد مبهم فتحتاج إلى تميز بعدها. وهي مبتدأ .. وقوله : ( ~~@QUR@01 أهلكناهم ) خبرها. و ( @QUR@02 من قرية ) تمييز لها. والمراد ~~بالقرية أهلها ، وهم مشركو قريش. # أى : وكم من أهل قرية هم أشد قوة من أهل قريتك التي أخرجوك منها أيها ~~الرسول الكريم فترتب على فعلهم هذا أن أهلكناهم دون أن ينصرهم من عقابنا ~~ناصر ، أو أن يجيرهم من عذابنا مجير. # قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : وهذا تهديد شديد ووعيد ~~أكيد لأهل PageV13P228 # مكة ، في تكذيبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد المرسلين ، وخاتم ~~النبيين. # روى ابن أبى حاتم ، بسنده عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج ~~من مكة إلى الغار ، التفت إليها وقال : يا مكة : أنت أحب بلاد الله إلى ~~الله وأنت أحب بلاد الله إلي ، ولو أن المشركين لم يخرجونى لم أخرج منك .. ~~فأنزل الله هذه الآية (1). # ثم واصلت السورة الكريمة حديثها في الموازنة والمقارنة بين حال المؤمنين ~~وحال الكافرين. فقال تعالى : # ( @QUR@013 أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا ~~أهواءهم (14) @QUR@044 مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير ~~آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل ms5205 ~~مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ~~ماء حميما فقطع أمعاءهم ) (15) # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@06 أفمن كان على بينة من ربه ) ~~للإنكار والنفي ، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه السياق ، و «من» مبتدأ ، ~~والخبر قوله ( @QUR@05 كمن زين له سوء عمله ). والبينة : ما يتبين به الحق ~~من كل شيء ، كالنصوص الصحيحة في النقليات والبراهين السليمة في العقليات. # والمراد بمن كان على بينة من ربه : الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه ، ~~والمراد بمن زين له سوء عمله ، واتبعوا أهواءهم : المشركون الذين استحبوا ~~العمى على الهدى. # والمعنى : أفمن كان على بينة من أمر ربه ، وعلى طريقة سليمة من هديه ، ~~يستوي مع من كان على ضلالة من أمره ، بأن ارتكب الموبقات مع توهمه بأنها ~~حسنات ، واتبع هواه دون أن يفرق بين القبيح والحسن؟ لا شك أنهما لا يستويان ~~في عقل أى عاقل. فإن الفريق الأول PageV13P229 # مهتد في منهجه وسلوكه ، والفريق الثاني في النقيض منه. # ثم أكد سبحانه هذا المعنى بأن بين مصير الفريقين فقال : ( @QUR@05 مثل ~~الجنة التي وعد المتقون ). # والمراد بالمثل هنا : الصفة. وهو مبتدأ ، والكلام على تقدير الاستفهام ~~الإنكارى ، وتقدير مضاف محذوف ، والخبر قوله تعالى : ( @QUR@05 كمن هو خالد ~~في النار ). أى : أمثل أهل الجنة كمثل من هو خالد في النار ، أو : أمثل ~~الجنة كمثل جزاء من هو خالد في النار ، وقدر الاستفهام في المبتدأ لأنه ~~مرتب على الإنكارى السابق في قوله : ( @QUR@06 أفمن كان على بينة من ربه ). # ورحم الله تعالى صاحب الكشاف ، فقد قال : فإن قلت ما معنى قوله تعالى : ( ~~@QUR@07 مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار ) كمن هو خالد في النار؟ # قلت : هو كلام في صورة الإثبات ، ومعناه النفي والإنكار ، لانطوائه تحت ~~حكم كلام مصدر بحروف الإنكار ، ودخوله في حيزه ، وانخراطه في سلكه ، وهو ~~قوله تعالى : ( @QUR@011 أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله .. ~~)؟ فكأنه قيل : أمثل الجنة كمن هو خالد في النار ، أى كمثل جزاء من هو ~~خالد في النار؟ # فإن ms5206 قلت : فلم عرى في حرف الإنكار؟ وما فائدة التعرية؟ # قلت : تعريته من حرف الإنكار فيها زيادة تصوير لمكابرة من يسوى بين ~~المتمسك بالبينة والتابع لهواه ، وأنه بمنزلة من يثبت التسوية بين الجنة ~~التي تجرى فيها الأنهار ، وبين النار التي يسقى أهلها الجحيم .. (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 فيها أنهار من ماء غير آسن ) تفسير مسوق لشرح ~~محاسن الجنة أى : صفة الجنة التي وعد الله تعالى بها عباده المتقين ، أنها ~~فيها أنهار من ماء ليس متغيرا في طعمه أو رائحته ، وإنما هو ماء طيب لذيذ ~~تشتهيه النفوس. # والماء الآسن : هو الماء الذي تغير طعمه وريحه ، لطول مكثه في مكان معين. ~~يقال : أسن الماء يأسن كضرب يضرب ، إذا تغير. # ( @QUR@06 وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ) أى : وفيها أيضا أنهار من لبن ~~لم يتغير طعمه لا بالحموضة ولا بغيرها مما يجرى على الألبان التي تشرب في ~~الدنيا. PageV13P230 # ( @QUR@05 وأنهار من خمر لذة للشاربين ) أى : وفيها كذلك أنهار من خمر هي ~~في غاية اللذة لمن يشربها ، إذ لا يعقبها ذهاب عقل ، ولا صداع. # وقال سبحانه ( @QUR@02 لذة للشاربين ) للإشعار بأنها لذيذة لجميع من ~~يشربونها بخلاف خمر الدنيا فإن من الناس من ينفر منها ويعافها حتى ولو كان ~~على غير دين الإسلام. # ( @QUR@04 وأنهار من عسل مصفى ) أى : وفيها أيضا أنهار من عسل لا يخالطه ~~ما يخالط عسل الدنيا من الشمع أو غيره. # ( @QUR@01 ولهم ) أى : للمؤمنين ( @QUR@01 فيها ) أى : في الجنة فضلا عن ~~كل ذلك ( @QUR@03 من كل الثمرات ) التي يشتهونها ، وأهم من كل ذلك أنهم لهم ~~فيها : ( @QUR@03 مغفرة من ربهم ) أى : لهم ثواب عظيم وفضل كبير من ربهم ، ~~حيث ستر لهم ذنوبهم ، وأزالها عنهم ، وحولها إلى حسنات بكرمه وإحسانه. # وقوله سبحانه : ( @QUR@010 كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع ~~أمعاءهم ) أى : أمثل جزاء المؤمنين الذي هو الجنة التي فيها ما فيها من ~~أنهار الماء واللبن والخمر والعسل .. كمثل عقاب الكافرين والمتمثل في نارهم ~~خالدين فيها أبدا ، وفي ماء في أشد درجات الحرارة ، يشربونه فيقطع أمعاءهم؟ # لا شك أن كل عاقل يرى ms5207 فرقا شاسعا ، بين حسن عاقبة المؤمنين ، وسوء عاقبة ~~الكافرين. # وبذلك نرى أن هاتين الآيتين قد فرقت بين الأخيار والأشرار في المنهج ~~والسلوك ، وفي المصير الذي يصير إليه كل فريق. # وبعد هذا الحديث المفصل عن حال المؤمنين وحال الكافرين وعن مصير كل فريق. ~~انتقلت السورة إلى الحديث عن المنافقين ، وعن موقفهم من النبي ~~صلى الله عليه وسلم ومن القرآن الكريم الذي أنزله الله تعالى عليه ، فقال ~~سبحانه : # ( @QUR@025 ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا ~~العلم ما ذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم ~~(16) @QUR@06 والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم (17) @QUR@03 فهل ~~ينظرون إلا PageV13P231 # @QUR@012 الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ~~ذكراهم (18) @QUR@014 فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم ) (19) # وضمير الجمع في قوله تعالى : ( @QUR@04 ومنهم من يستمع إليك ) يعود إلى ~~هؤلاء الكافرين الذين يأكلون كما تأكل الأنعام ، وذلك باعتبار أن المنافقين ~~فرقة من الكافرين ، إلا أنها تخفى هذا الكفر وتبطنه. # كما يحتمل أن يعود إلى كل من أظهر الإسلام ، باعتبار أن من بينهم قوما ~~قالوا كلمة الإسلام بأفواههم دون أن تصدقها قلوبهم. # وعلى كل حال فإن النفاق قد ظهر بالمدينة ، بعد أن قويت شوكة المسلمين ~~بها. وصاروا قوة يخشاها أعداؤهم ، هذه القوة جعلت بعض الناس يتظاهرون ~~بالإسلام على كره وهم يضمرون له ولأتباعه العداوة والبغضاء .. ويؤيدهم في ~~ذلك اليهود وغيرهم من الضالين. # أى : ومن هؤلاء الذين يناصبونك العداوة والبغضاء أيها الرسول الكريم قوم ~~يستمعون إليك بآذانهم لا بقلوبهم. # ( @QUR@05 حتى إذا خرجوا من عندك ) أى : من مجلسك الذي كانوا يستمعون ~~إليك فيه ، ( @QUR@01 قالوا ) على سبيل الاستهزاء والتهكم ( @QUR@03 للذين ~~أوتوا العلم ) من أصحابك ، الذين فقهوا كلامك وحفظوه. # ( @QUR@04 ما ذا قال آنفا ) أى : ماذا كان يقول محمد صلى الله عليه وسلم قبل ~~أن نفارق مجلسه. # فقوله : ( @QUR@01 آنفا ) اسم فاعل ، ولم يسمع له فعل ثلاثي ، بل سمع ~~ائتنف يأتنف واستأنف يستأنف بمعنى ابتدأ. # قال القرطبي : قوله : ( @QUR@04 ما ms5208 ذا قال آنفا ) أى : ماذا قال الآن .. ~~فآنفا يراد به الساعة التي هي أقرب الأوقات إليك ، من قولك استأنفت الشيء ~~إذا ابتدأت به ومنه قولهم : أمر أنف ، وروضة أنف ، أى : لم يرعها أحد (1). PageV13P232 # وقال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( @QUR@04 ومنهم من يستمع إليك ... ) هم ~~المنافقون ، وإفراد الضمير باعتبار اللفظ ، كما أن جمعه باعتبار المعنى. # قال ابن جريج ، كانوا يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسمعون ~~كلامه ولا يعونه ولا يراعونه حق رعايته تهاونا منهم. # ومقصودهم بقولهم : ( @QUR@04 ما ذا قال آنفا ) الاستهزاء وإن كان بصورة ~~الاستعلام. # و ( @QUR@01 آنفا ) اسم فاعل على غير القياس أو بتجريد فعله من الزوائد ~~لأنه لم يسمع له ثلاثي ، بل المسموع : استأنف وأتنف (1). # ثم بين سبحانه حالهم فقال : ( @QUR@08 أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ~~واتبعوا أهواءهم ). أى : أولئك المنافقون الذين قالوا هذا القول القبيح ، ~~هم الذين طبع الله تعالى على قلوبهم بأن جعلها بسبب استحبابهم الضلالة على ~~الهداية لا ينتفعون بنصح ، ولا يستجيبون لخير ، وهم الذين اتبعوا أهواءهم ~~وشهواتهم فصاروا لا يعقلون حقا ، ولا يفقهون حديثا. # فالآية الكريمة تصور تصويرا بليغا ما كان عليه هؤلاء المنافقون من مكر ~~وخداع ، ومن خبث وسوء طوية. وترد عليهم بهذا الذم الشديد الذي يناسب جرمهم. # ثم يعقب سبحانه على ذلك ببيان حال المؤمنين الصادقين فيقول : ( @QUR@06 ~~والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم ). # أى : هذا هو حال المنافقين ، وهذا هو الحكم الذي يناسبهم ، أما الذين ~~اهتدوا إلى الحق ، واستجابوا له ، وخالطت بشاشته قلوبهم ، فهم الذين زادهم ~~الله تعالى هداية على هدايتهم. وزادهم علما وبصيرة وفقها في الدين ، ومنحهم ~~بفضله وإحسانه خلق التقوى والخشية منه ، والطاعة لأمره ، وكافأهم على ذلك ~~بما يستحقون من ثواب جزيل. # ثم تعود السورة الكريمة إلى توبيخ هؤلاء المنافقين على غفلتهم وانطماس ~~بصائرهم ، فتقول : ( @QUR@015 فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة ، فقد ~~جاء أشراطها. فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم )؟. # فالاستفهام للإنكار والتعجب من حالهم ، وقوله ( @QUR@02 أن تأتيهم ) بدل ~~اشتمال من الساعة ، والأشراط جمع شرط بالتحريك مع الفتح وهو العلامة ms5209 ، ~~وأصله الإعلام عن الشيء. # يقال : أشرط فلان نفسه لكذا ، إذا أعلمها له وأعدها ، ومنه الشرطي كتركي PageV13P233 # والجمع شرط بضم ففتح سموا بذلك لأنهم أعلموا أنفسهم بعلامات يعرفون بها ، ~~وتميزهم عن غيرهم. # وقوله : ( @QUR@02 فأنى لهم ) خبر مقدم و ( @QUR@01 ذكراهم ) مبتدأ مؤخر ~~، والضمير في قوله ( @QUR@01 جاءتهم ) يعود إلى الساعة ، والكلام على حذف ~~مضاف قبل قوله ( @QUR@01 ذكراهم ) أى : فأنى لهم نفع ذكراهم؟ # والمعنى : ما ينتظر هؤلاء الجاهلون إلا الساعة ، التي سيفاجئهم مجيؤها ~~مفاجأة بدون مقدمات ، والحق أن علاماتها قد ظهرت دون أن يرفعوا لها رأسا ، ~~ودون أن يعتبروا بها أو يتعظوا لاستيلاء الأهواء عليهم. # ولكنهم عند ما تداهمهم الساعة بأهوالها ، ويقفون للحساب. يتذكرون ويؤمنون ~~بالله ورسله .. ولكن إيمانهم في ذلك الوقت لن ينفعهم ، لأنه جاء في غير ~~محله الذي يقبل فيه ، وتذكرهم واتعاظهم أيضا لن يفيدهم لأنه جاء بعد فوات ~~الأوان. # ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله تعالى : ( @QUR@07 فلم يك ~~ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@09 وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد ) (2). # وقوله عز وجل : ( @QUR@06 يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى ) (3). # قال الآلوسى : الظاهر أن المراد بأشراط الساعة هنا : علاماتها التي كانت ~~واقعة إذ ذاك ، وأخبروا أنها علامات لها ، كبعثة نبينا صلى الله عليه وسلم فقد ~~أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن أنس قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بالسبابة والوسطى». # وأراد صلى الله عليه وسلم مزيد القرب بين مبعثه والساعة ، فإن السبابة تقرب ~~من الوسطى. # وأخرج أحمد عن بريدة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «بعثت ~~أنا والساعة جميعا. وإن كادت لتسبقني» وهذا أبلغ في إفادة القرب. # وعدوا منها انشقاق القمر الذي وقع له صلى الله عليه وسلم والدخان الذي وقع ~~لأهل مكة ، أما أشراطها مطلقا فكثيرة ، ومنها ككون الحفاة العراة رعاء ~~الشاة يتطاولون في البنيان (4). PageV13P234 # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يداوم على استغفاره وطاعته ~~لله تعالى وأن يأمر اتباعه بالاقتداء ms5210 به في ذلك فقال : ( @QUR@06 فاعلم أنه ~~لا إله إلا الله ). # والفاء في قوله : ( @QUR@01 فاعلم ) للإفصاح عن جواب شرط معلوم مما مر من آيات. # والتقدير : إذا تبين لك ما سقناه عن حال السعداء والأشقياء ، فاعلم أنه ~~لا إله إلا الله ، واثبت على هذا العلم ، واعمل بمقتضاه ، واستمر على هذا ~~العمل ( @QUR@02 واستغفر لذنبك ) أى : واستغفر الله تعالى من أن يقع منك ~~ذنب ، واعتصم بحبله لكي يعصمك من كل مالا يرضيه. واستغفر أيضا ( @QUR@02 ~~للمؤمنين والمؤمنات ) بأن تدعو لهم بالرحمة والمغفرة ( @QUR@01 والله ) ~~تعالى بعد كل ذلك ( @QUR@03 يعلم متقلبكم ومثواكم ) أى يعلم كل متقلب وكل ~~إقامة لكم سواء أكانت في بر أم في بحر أم في غيرهما. # والمقصود : أنه تعالى يعلم جميع أحوالكم ولا يخفى عليه شيء منها ، ~~والمتقلب : المتصرف ، من التقلب وهو التصرف والانتقال من مكان إلى آخر. ~~والمثوى : المسكن الذي يأوى إليه الإنسان ، ويقيم به. # قال الإمام ابن كثير : وقوله : ( @QUR@06 فاعلم أنه لا إله إلا الله ) ~~هذا إخبار بأنه لا إله إلا الله ، ولا يتأتى كونه آمرا بعلم ذلك ، ولهذا ~~عطف عليه بقوله : ( @QUR@04 واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ). # وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : «اللهم اغفر لي ~~خطيئتي وجهلي ، وإسرافى في أمرى ، وما أنت أعلم به منى. اللهم اغفر لي هزلى ~~وجدي ، وخطئى وعمدي ، وكل ذلك عندي». # وفي الصحيح أنه كان يقول في آخر الصلاة : «اللهم اغفر لي ما قدمت وما ~~أخرت ، وما أسررت وما أعلنت ، وما أسرفت. وما أنت أعلم به منى ، أنت إلهى ~~لا إله إلا أنت». # وفي الصحيح أنه قال : «يا أيها الناس. توبوا إلى ربكم فإنى أستغفر الله ~~وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» (1). # ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة : وجوب المداومة ~~على استغفار الله تعالى والتوبة إليه توبة صادقة نصوحا. # لأنه إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الذي غفر الله له ما تقدم من ~~ذنبه وما تأخر قد أمره سبحانه بالاستغفار ، فأولى بغيره أن يواظب على ذلك ms5211 ، ~~لأن الاستغفار بجانب أنه PageV13P235 # ذكر لله تعالى فهو أيضا شكر له سبحانه على نعمه. # وقد توسع الإمام الآلوسى في الحديث عن معنى قوله تعالى : ( @QUR@02 ~~واستغفر لذنبك .. ) فارجع إليه إن شئت (1). # ثم بين سبحانه بعد ذلك حال المنافقين عند ما يدعون إلى القتال في سبيل ~~الله ، وكيف أنهم يستولى عليهم الذعر والهلع عند مواجهة هذا التكليف ، وكيف ~~سيكون مصيرهم إذا ما استمروا على هذا النفاق. فقال تعالى : # ( @QUR@028 ويقول الذين آمنوا لو لا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة ~~وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من ~~الموت فأولى لهم (20) @QUR@012 طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا ~~الله لكان خيرا لهم (21) @QUR@010 فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض ~~وتقطعوا أرحامكم (22) @QUR@07 أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ~~(23) @QUR@07 أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) (24) # قال الإمام الرازي ما ملخصه : لما بين الله حال المنافق والكافر ، ~~والمهتدى المؤمن عند استماع الآيات العلمية ، من التوحيد والحشر وغيرهما .. ~~أتبع ذلك ببيان حالهم في الآيات العملية ، فإن المؤمن كان ينتظر ورودها ، ~~ويطلب تنزيلها ، وإذا تأخر عنه التكليف كان يقول : هلا أمرت بشيء من ~~العبادة. # والمنافق كان إذا نزلت الآية أو السورة وفيها تكليف كره ذلك .. فذكر ~~سبحانه تباين حال الفريقين في العلم والعمل. فالمنافق لا يفهم العلم ولا ~~يريد العمل ، والمؤمن يعلم ويحب العمل .. (2). PageV13P236 # فقوله تعالى : ( @QUR@07 ويقول الذين آمنوا لو لا نزلت سورة ) حكاية ~~لتطلع المؤمنين الصادقين إلى نزول القرآن ، وتشوقهم إلى الاستماع إليه ، ~~والعمل بأحكامه. # أى : ويقول الذين آمنوا إيمانا حقا ، لرسوله صلى الله عليه وسلم : يا رسول ~~الله هلا نزلت سورة جديدة من هذا القرآن الكريم ، الذي نحبه ونحب العمل بما ~~فيه من هدايات وآداب وأحكام وجهاد في سبيل الله عز وجل . # قوله : ( @QUR@019 فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال ، رأيت الذين ~~في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت .. ) بيان لموقف ~~المنافقين من الجهاد في سبيل الله ، وتصوير بديع لما انطوت عليه نفوسهم ms5212 من ~~جبن خالع. # والمراد بقوله ( @QUR@01 محكمة ): أى : واضحة المعاني فيما سيقت له من ~~الأمر بالجهاد في سبيل الله ، بحيث لا يوجد مجال لتأويل معناها على الوجه ~~الذي سيقت له. # أى : هذا هو حال المؤمنين بالنسبة لحبهم للقرآن الكريم ، أما حال ~~المنافقين فإنك تراهم إذا ما أنزلت سورة فاصلة بينة تأمر أمرا صريحا ~~بالقتال لإعلاء كلمة الله تراهم ينظرون إليك كنظر من حضره الموت فصار بصره ~~شاخصا لا يتحرك من شدة الخوف والفزع. # والمقصود أنهم يوجهون أبصارهم نحو النبي صلى الله عليه وسلم بحدة وهلع ، ~~لشدة كراهتهم للقتال معه ، إذ في هذا القتال عز للإسلام ، ونصر للمؤمنين ، ~~والمنافقون يبغضون ذلك. # فالآية الكريمة ترسم صورة خالدة بليغة لكل نفس لئيمة خوارة ، مبتوتة عن ~~الإيمان ، وعن الفطرة السليمة ، متجردة عن الحياء الذي يستر مخازيها. # وقوله تعالى ( @QUR@02 فأولى لهم ) تهديد ووعيد لهم على جبنهم وخبث ~~طويتهم. # وقوله ( @QUR@01 فأولى ) يرى بعضهم أنه فعل ماض بمعنى قارب ، وفاعله ضمير ~~يعود إلى الموت ، أى : قاربهم ما يهلكهم وهو الموت الذي يرتعدون منه .. # ويرى آخرون أن قوله ( @QUR@01 فأولى ) اسم تفضيل بمعنى أحق وأجدر ، وأنه ~~خبر لمبتدأ محذوف ، واللام بمعنى الباء. أى : فالعقاب والهلاك أولى بهم ~~وأحق وأجدر. ويكون قوله تعالى بعد ذلك ( @QUR@03 طاعة وقول معروف ) كلام ~~مستأنف والخبر محذوف. # أى : طاعة وقول معروف منكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم خير لكم من هذا ~~السلوك الذميم. # ويصح أن يكون قوله سبحانه ( @QUR@01 فأولى ) مبتدأ. وقوله ( @QUR@01 لهم ~~) متعلق به. والخبر قوله ( @QUR@01 طاعة ). واللام في ( @QUR@01 لهم ) ~~أيضا. بمعنى الباء. # ويكون المعنى : أولى بهؤلاء المنافقين من أن ينظروا إليك نظر المغشى عليه ~~من الموت ، PageV13P237 # الطاعة التامة لك ، والقول المعروف أمامك .. لأن ذلك يحملهم متى أخلصوا ~~قلوبهم لله تعالى على الإقلاع عن النفاق. # ولعل هذا القول الأخير هو أقرب الأقوال إلى سياق الآيات ، لأن فيه إرشادا ~~لهم إلى ما يحميهم من تلك الأخلاق المرذولة التي على رأسها الخداع والجبن ~~والخور. # وقوله : ( @QUR@09 فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم ) متعلق ~~بما قبله. ms5213 # أى : أولى لهم الطاعة والقول المعروف ، وأولى لهم وأجدر بهم إذا جد الجد ~~، ووجب القتال ، أن يخلصوا لله تعالى نياتهم ، فإنهم لو صدقوا الله في ~~إيمانهم ، لكان صدقهم خيرا لهم ، من تلك المسالك الخبيثة التي سلكوها مع ~~نبيهم صلى الله عليه وسلم . # قال الشوكانى : قوله ( @QUR@03 فإذا عزم الأمر ) عزم الأمر أى جد الأمر ~~والقتال ووجب وفرض. # وأسند العزم إلى الأمر وهو لأصحابه على سبيل المجاز. وجواب ( @QUR@01 ~~فإذا ) قيل هو ( @QUR@03 فلو صدقوا الله ) وقيل محذوف والتقدير : كرهوه أى ~~: إذا جد الأمر ولزم القتال خالفوا وتخلفوا (1). # ثم بين سبحانه ما هو متوقع منهم ، ووجه الخطاب إليهم على سبيل الالتفات ~~ليكون أزجر لهم ، فقال : ( @QUR@010 فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في ~~الأرض وتقطعوا أرحامكم ). # قال الفخر الرازي ما ملخصه : وهذه الآية فيها إشارة إلى فساد قول قالوه ، ~~وهو أنهم كانوا يقولون : كيف نقاتل العرب وهم من ذوى أرحامنا وقبائلنا. # والاستفهام للتقرير المؤكد ، وعسى للتوقع ، وفي قوله ( @QUR@02 إن توليتم ~~) وجهان : أحدهما : أنه من الولاية ، يعنى : فهل يتوقع منكم أيها المنافقون ~~إن أخذتم الولاية وسار الناس بأمركم ، إلا الإفساد في الأرض وقطع الأرحام؟ # وثانيهما : أنه من التولي بمعنى الإعراض وهذا أنسب أى : إن كنتم تتركون ~~القتال ، وتقولون فيه الإفساد وقطع الأرحام ، لكون الكفار أقاربنا ، فإن في ~~هذه الحالة لا يتوقع منكم إلا الإفساد وقطع الأرحام كما كان حالكم في ~~الجاهلية (2). # وعلى كلا القولين فالمقصود من الآية توبيخهم على جبنهم وكراهتهم لما ~~يأمرهم به النبي صلى الله عليه وسلم من الجهاد في سبيل الله تعالى ، وتقريعهم ~~على أعذارهم الباطلة ، ببيان PageV13P238 # أنهم لو أعرضوا عن القتال وخالفوا تعاليم الإسلام فلن يكون منهم إلا ~~الإفساد وقطع الأرحام ، وكذلك سيكون حالهم لو تولوا أمور الناس ، وكانوا ~~حكاما لهم. # وقوله : ( @QUR@02 أن تفسدوا .. ) خبر عسى ، وقوله : ( @QUR@02 إن توليتم ~~.. ) جملة معترضة ، وجواب ( @QUR@01 إن ) محذوف لدلالة قوله : ( @QUR@02 ~~فهل عسيتم .. ) عليه. # أى : ما يتوقع منكم إلا الإفساد وقطع الأرحام ، إن أعرضتم عن تعاليم ~~الإسلام ، أو إن توليتم أمور الناس ، فاحذروا أن يكون منكم هذا ms5214 التولي الذي ~~سيفضى بكم إلى سوء المصير ، الذي بينه سبحانه في قوله : ( @QUR@04 أولئك ~~الذين لعنهم الله ) أى : طردهم من رحمته ( @QUR@03 فأصمهم وأعمى أبصارهم ) ~~بأن جعلهم بسبب إعراضهم عن الحق كالصم الذين لا يسمعون ، وكالعمى الذين لا ~~يبصرون ، لأنهم حين عطلوا أسماعهم وأبصارهم عن التدبر والتفكر صاروا بمنزلة ~~الفاقدين لتلك الحواس. # ثم ساق سبحانه ما يدعو إلى التعجيب من حالهم فقال : ( @QUR@03 أفلا ~~يتدبرون القرآن .. ) والفاء للعطف على جملة محذوفة ، والاستفهام للإنكار ~~والزجر. أى : أيعرضون عن كتاب الله تعالى فلا يتدبرونه مع أنه زاخر ~~بالمواعظ والزواجر والأوامر والنواهي. # ( @QUR@04 أم على قلوب أقفالها )، أى ، بل على قلوب هؤلاء المنافقين ~~أقفالها التي حالت بينهم وبين التدبر والتفكر. والأقفال : جمع قفل بضم ~~فسكون وهو الآلة التي تقفل بها الأبواب وما يشبهها ، والمراد : التسجيل ~~عليهم بأن قلوبهم مغلقة ، لا يدخلها الإيمان ، ولا يخرج منها الكفر ~~والنفاق. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم نكرت القلوب وأضيفت الأقفال إليها؟ # قلت : أما التنكير ففيه وجهان : أن يراد على قلوب قاسية مبهم أمرها في ~~ذلك. أو يراد على بعض القلوب وهي قلوب المنافقين. وأما إضافة الأقفال ، ~~فلأنه يريد الأقفال المختصة بها ، وهي أقفال الكفر التي استغلقت فلا تنفتح (1). # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@013 أفلا يتدبرون القرآن ، ولو كان ~~من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) (2). # وقد أخذ العلماء من هذه الآية وأمثالها ، وجوب التدبر والتفكر في آيات ~~القرآن الكريم ، والعمل بما فيها من هدايات وإرشادات ، وأوامر ونواه ، ~~وآداب وأحكام ، لأن عدم الامتثال PageV13P239 # لذلك يؤدى إلى قسوة القلوب وضلال النفوس ، كما هو الحال في المنافقين ~~والكافرين. # ثم تواصل السورة حديثها عن المنافقين ، فتفصح عن الأسباب التي حملتهم على ~~هذا النفاق ، وتصور أحوالهم السيئة عند ما تتوفاهم الملائكة ، وتهددهم بفضح ~~رذائلهم ، وهتك أسرارهم .. قال تعالى : # ( @QUR@016 إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى ~~الشيطان سول لهم وأملى لهم (25) @QUR@015 ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما ~~نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم (26) @QUR@07 فكيف إذا ~~توفتهم الملائكة يضربون ms5215 وجوههم وأدبارهم (27) @QUR@010 ذلك بأنهم اتبعوا ما ~~أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم (28) @QUR@011 أم حسب الذين في ~~قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم (29) @QUR@012 ولو نشاء لأريناكهم ~~فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم (30) @QUR@08 ~~ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم ) (31) # والمراد بارتدادهم على أدبارهم : رجوعهم إلى ما كانوا عليه من كفر وضلال. # أى : إن الذين رجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر والضلال ، وهم المنافقون ~~، الذين يتظاهرون بالإسلام ويخفون الكفر. # وقوله : ( @QUR@06 من بعد ما تبين لهم الهدى ) ذم لهم على هذا الارتداد ، ~~لأنهم لم يعودوا إلى الكفر عن جهالة ، وإنما عادوا إليه من بعد أن شاهدوا ~~الدلائل الظاهرة ، والبراهين الساطعة PageV13P240 # على أن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق فيما يبلغه عن ربه ، وعلى أن الإسلام ~~هو الدين الحق. # وقوله : ( @QUR@05 الشيطان سول لهم وأملى لهم ) جملة من مبتدأ وخبر ، وهي ~~خبر إن في قوله سبحانه : ( @QUR@03 إن الذين ارتدوا ). # وقوله : ( @QUR@01 سول ) من التسويل بمعنى التزيين والتسهيل. يقال : سولت ~~لفلان نفسه هذا الفعل ، أى : زينته وحسنته له ، وصورته له في صورة الشيء ~~الحسن مع أنه قبيح. # وقوله : ( @QUR@01 وأملى ) من الإملاء وهو الإبقاء ملاوة من الدهر ، أى : ~~زمنا منه أى : الشيطان زين لهؤلاء المنافقين سوء أعمالهم ، ومد لهم في ~~الأمانى الباطلة ، والآمال الفاسدة ، وأسباب الغواية والضلال. # وأسند سبحانه هذا التسويل والإملاء إلى الشيطان ، مع أن الخالق لذلك هو ~~الله تعالى لأن الشيطان هو السبب في هذا الضلال والخسران. # ثم بين سبحانه أسباب هذا الارتداء فقال : ( @QUR@012 ذلك بأنهم قالوا ~~للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر ). # أى : ذلك الارتداء عن الحق والتردي في الباطل. بسبب أن هؤلاء المنافقين ~~قالوا للذين كرهوا ما نزل الله من الهدى على نبيه صلى الله عليه وسلم وهم ~~اليهود ومن على شاكلتهم ، قالوا لهم : ( @QUR@04 سنطيعكم في بعض الأمر ) أى ~~: سنطيعكم في بعض أموركم وأحوالكم التي على رأسها : العداوة لهذا الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ولما جاء به من عند ربه. # كما قال تعالى حكاية عنهم ms5216 في آية أخرى : ( @QUR@028 ألم تر إلى الذين ~~نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب. لئن أخرجتم لنخرجن معكم ~~، ولا نطيع فيكم أحدا أبدا ، وإن قوتلتم لننصرنكم ، والله يشهد إنهم ~~لكاذبون ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 والله يعلم إسرارهم ) تهديد لهم على هذا الدس ~~والكيد والتآمر على الإسلام وأتباعه. أى : والله تعالى يعلم ما يسرونه من ~~أقوال سيئة ، ومن أفعال قبيحة ، وسيعاقبهم على ذلك عقابا شديدا. # وكلمة ( @QUR@01 إسرارهم ) بكسر الهمزة مصدر أسررت إسرارا ، بمعنى كتمت ~~الشيء وأخفيته وقرأ بعض القراء السبعة ( @QUR@01 إسرارهم ) بفتح الهمزة جمع ~~سر. أى : يعلم الأشياء التي يسرونها ويخفونها. PageV13P241 # ثم بين سبحانه حالهم عند ما تقبض الملائكة أرواحهم فقال : ( @QUR@07 فكيف ~~إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ). # والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، والاستفهام للاستعظام والتهويل ، ~~و «كيف» منصوب بفعل محذوف هو العامل في الظرف «إذا». # والمراد بوجوههم : كل ما أقبل منهم ، وبأدبارهم : كل ما أدبر من أجسامهم. # أى : هؤلاء الذين ارتدوا على أدبارهم ، وقالوا ما قالوا من كفر وضلال ، ~~كيف يكون حالهم إذا توفتهم الملائكة وقبضت أرواحهم؟ لا شك أن حالهم سيكون ~~أسوأ حال وأقبحه ، لأن ملائكة الموت يضربون عند قبض أرواحهم وجوه هؤلاء ~~المنافقين وأدبارهم ، ضربا أليما موجعا. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@013 ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا ~~الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ، وذوقوا عذاب الحريق ) (1). # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@08 ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا ~~رضوانه ) يعود إلى توفى الملائكة لهم ، وقبضهم لأرواح هؤلاء المنافقين. أى ~~: ذلك الضرب الأليم لهم من الملائكة عند قبضهم لأرواحهم بسبب أن هؤلاء ~~المنافقين قد اتبعوا ما يغضب الله تعالى من الكفر والمعاصي ، وبسبب أنهم ~~كرهوا ما يرضيه من الإيمان والطاعة. # ( @QUR@01 فأحبط ) سبحانه : ( @QUR@01 أعمالهم ) بأن أبطلها ولم يقبلها ~~منهم ، لأنها لم تصدر عن قلب سليم. # ثم هددهم سبحانه بكشف أستارهم ، وفضح أسرارهم فقال : ( @QUR@011 أم حسب ~~الذين في قلوبهم مرض ، أن لن يخرج الله أضغانهم ). # و «أم» منقطعة بمعنى بل والهمزة ، والاستفهام للتقريع والتوبيخ ، و «أن» ~~مخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير الشأن ms5217 محذوف ، والجملة بعدها خبرها ، وأن ~~وصلتها سادة مسد مفعولي حسب. # والأضغان : جمع ضغن ، وهو الحقد الشديد. يقال : ضغن صدر فلان ضغنا بزنة ~~تعب ، إذا اشتد حقده وغيظه ، والاسم الضغن ، بمعنى الالتواء والاعوجاج الذي ~~يكون في كل شيء ، ويقال : تضاغن القوم ، إذا انطوت قلوبهم على البغض ~~والحقد. PageV13P242 # أى : بل أحسب هؤلاء المنافقون الذين امتلأت قلوبهم بمرض الكفر والضلال ، ~~أن الله تعالى غير قادر على إظهار أحقادهم الشديدة لرسوله صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين؟ # إن حسبانهم هذا هو لون من جهالاتهم ومن غباوتهم وانطماس بصائرهم. # لأن الله تعالى لا يخفى عليه شيء ، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في ~~السماء. # ثم بين سبحانه بعض مظاهر قدرته فقال : ( @QUR@09 ولو نشاء لأريناكهم ~~فلعرفتهم بسيماهم ، ولتعرفنهم في لحن القول ). # والمراد بالإراءة هنا : التعريف والعلم الذي يقوم مقام الرؤية بالبصر ، ~~كما في قولهم : سأريك يا فلان ما أصنع بك. أى : سأعلمك بذلك. # والفاء في قوله : ( @QUR@02 فلعرفتهم بسيماهم ) لترتيب المعرفة على ~~الإراءة ، والمراد بسيماهم : علاماتهم. يقال : سوم فلان فرسه تسويما ، إذا ~~جعل له علامة يتميز بها. # وكررت اللام في قوله : ( @QUR@01 فلعرفتهم ) للتأكيد. # ولحن القول : أسلوب من أساليبه المائلة عن الطريق المعروفة ، كأن يقول ~~للقائل قولا يترك فيه التصريح إلى التعريض والإبهام ، يقال : لحنت لفلان ~~ألحن لحنا ، إذا قلت له قولا يفهمه عنك ويخفى على غيره. # قال الجمل : واللحن يقال على معنيين ، أحدهما : الكناية بالكلام حتى لا ~~يفهمه غير مخاطبك ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه في غزوة ~~الأحزاب : «وإن وجدتموهم أى : بنى قريظة على الغدر فالحنوا لي لحنا أعرفه». # والثاني : صرف الكلام من الإعراب إلى الخطأ أى : من النطق السليم إلى ~~النطق الخطأ . # ويقال من الأول : لحنت بفتح الحاء ألحن فأنا لاحن ، ويقال من الثاني : ~~لحن بكسر الحاء إذا لم ينطق نطقا سليما فهو لحن (1). # والمعنى : ولو نشاء إعلامك وتعريفك أيها الرسول الكريم بهؤلاء المنافقين ~~وبذواتهم وأشخاصهم لفعلنا ، لأن قدرتنا لا يعجزها شيء ( @QUR@02 فلعرفتهم ~~بسيماهم ) أى : بعلاماتهم الخاصة بهم ، والتي يتميزون بها عن غيرهم. ms5218 # ( @QUR@01 ولتعرفنهم ) أيضا ( @QUR@03 في لحن القول ) أى : ولتعرفنهم ~~بسبب أقوالهم المائلة عن PageV13P243 # الأساليب المعروفة في الكلام ، حيث يتخاطبون فيما بينهم بمخاطبات لا ~~يقصدون ظاهرها ، وإنما يقصدون أشياء أخرى فيها الإساءة إليك وإلى أتباعك. # قال الإمام ابن كثير : قوله تعالى : ( @QUR@05 ولو نشاء لأريناكهم ~~فلعرفتهم بسيماهم ) يقول تعالى : ولو نشاء يا محمد لأريناك أشخاصهم ، ~~فعرفتهم عيانا ، ولكن لم يفعل سبحانه ذلك في جميع المنافقين ، سترا منه على خلقه. # ( @QUR@04 ولتعرفنهم في لحن القول ) أى : فيما يبدون من كلامهم الدال على ~~مقاصدهم. كما قال عثمان رضى الله عنه : ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله ~~على صفحات وجهه ، وفلتات لسانه. وفي الحديث : «ما أسر أحد سريرة إلا كساه ~~الله جلبابها». # وعن أبى مسعود عقبة بن عمرو قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ~~فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : «إن منكم منافقين ، فمن سميت فليقم. ثم قال ~~: قم يا فلان ، قم يا فلان حتى سمى ستة وثلاثين رجلا ثم قال : إن فيكم أو ~~منكم فاتقوا الله» (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 والله يعلم أعمالكم ) ببان لعلمه الشامل سبحانه ~~وتهديد لمن يجترح السيئات ، أى : والله تعالى يعلم أعمالكم علما تاما كاملا ~~، وسيجازيكم عليها بما تستحقون من ثواب أو عقاب. # ثم بين سبحانه سنة من سننه في خلقه فقال : ( @QUR@08 ولنبلونكم حتى نعلم ~~المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم ). # أى : ولنعاملنكم أيها الناس معاملة المختبر لكم بالتكاليف الشرعية ~~المتنوعة ، حتى نبين ونظهر لكم المجاهدين منكم من غيرهم ، والصابرين منكم ~~وغير الصابرين ( @QUR@02 ونبلوا أخباركم ) أى : ونظهر أخباركم حتى يتميز ~~الحسن منها من القبيح. # فالمراد بقوله : ( @QUR@03 حتى نعلم المجاهدين .. ) إظهار هذا العلم ~~للناس ، حتى يتميز قوى الإيمان من ضعيفه ، وصحيح العقيدة من سقيمها. # وإلى هنا نجد الآيات الكريمة قد هددت المنافقين تهديدا شديدا ، ووبختهم ~~على مسالكهم الذميمة ، وفضحتهم على رءوس الأشهاد ، وحذرت المؤمنين من ~~شرورهم. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بالدعوة إلى صلاح الأعمال ، وبتهديد ~~الكافرين PageV13P244 # بالعذاب الشديد ، وبتبشير المؤمنين بالثواب الجزيل ، وبدعوتهم إلى ~~الإكثار من الإنفاق في سبيله .. فقال تعالى : # ( @QUR@021 إن ms5219 الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما ~~تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم (32) @QUR@011 يا أيها ~~الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم (33) @QUR@015 ~~إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم ~~(34) @QUR@012 فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن ~~يتركم أعمالكم (35) @QUR@013 إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا ~~وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسئلكم أموالكم (36) @QUR@06 إن يسئلكموها فيحفكم ~~تبخلوا ويخرج أضغانكم (37) @QUR@030 ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل ~~الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء ~~وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) (38) # والمراد بالذين كفروا في قوله : تعالى : ( @QUR@07 إن الذين كفروا وصدوا ~~عن سبيل الله ) جميع الكافرين ، كمشركي قريش ، والمنافقين ، وأهل الكتاب. # أى : إن الذين كفروا بكل ما يجب الإيمان به ، ( @QUR@01 وصدوا ) غيرهم عن ~~الإيمان بالحق. و «سبيل الله» الواضح المستقيم. PageV13P245 # ( @QUR@02 وشاقوا الرسول ) أى : عادوه وخالفوه وآذوه ، وأصل المشاقة : أن ~~تصير في شق وجانب ، وعدوك في شق وجانب آخر ، والمراد بها هنا : العداوة ~~والبغضاء. # وقوله : ( @QUR@05 من بعد ما تبين لهم ) ذم وتجهيل لهم ، حيث حاربوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من بعد أن ظهر لهم أنه على الحق ، وأنه صادق فيما ~~يبلغه عن ربه. # وقوله : ( @QUR@06 لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم ) بيان للآثار ~~السيئة التي ترتبت على هذا الصدود والعداوة. # أى : هؤلاء الذين كفروا ، وصدوا غيرهم عن سبيل الله ، وحاربوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم هؤلاء لن يضروا الله تعالى شيئا بسبب كفرهم وضلالهم ، ~~وسيبطل سبحانه أعمالهم التي عملوها في الدنيا ، وظنوها نافعة لهم ، كإطعام ~~الطعام ، وصلة الأرحام. # لأن هذه الأعمال قد صدرت من نفس كافرة ولن يقبل سبحانه عملا من تلك ~~النفوس ، كما قال تعالى : ( @QUR@09 وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه ~~هباء منثورا ). # وكما قال سبحانه : ( @QUR@05 إنما يتقبل الله من المتقين ). # ثم وجه سبحانه نداء إلى المؤمنين ، أمرهم فيه بالمداومة على ms5220 طاعته ~~ومراقبته فقال. ( @QUR@011 يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~ولا تبطلوا أعمالكم ). # أى : يا من آمنتم بالله تعالى حق الإيمان ، أطيعوا الله تعالى في كل ما ~~أمركم به. وأطيعوا رسوله صلى الله عليه وسلم ولا تبطلوا ثواب أعمالكم بسبب ~~ارتكابكم للمعاصي ، التي على رأسها النفاق والشقاق ، والمن والرياء ، وما ~~يشبه ذلك من ألوان السيئات. # عن أبى العالية قال : كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بظنون أنه لا يضر ~~مع «لا إله إلا الله» ذنب ، كما لا ينفع مع الشرك عمل ، فنزلت هذه الآية ، ~~فخافوا أن يبطل الذنب العمل. # وروى نافع عن ابن عمر قال : كنا معشر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نرى ~~أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبولا حتى نزلت هذه الآية ، فقلنا : ما هذا ~~الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا : الكبائر الموجبات والفواحش حتى نزل قوله تعالى ~~: ( @QUR@013 إن الله لا يغفر أن يشرك به ، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ). # فلما نزلت كففنا من القول في ذلك ، فكنا نخاف على من أصاب الكبائر ~~والفواحش ، ونرجو لمن لم يصبها (1). PageV13P246 # ثم بين سبحانه سوء مصير الذين استمروا على كفرهم حتى ماتوا عليه فقال : ( ~~@QUR@03 إن الذين كفروا ) بالله تعالى ، وبكل ما يجب الإيمان به. # ( @QUR@04 وصدوا عن سبيل الله ) أى : ومنعوا غيرهم عن الطريق التي توصلهم ~~إلى طاعة الله ورضاه. ( @QUR@02 ثم ماتوا ) جميعا ، ( @QUR@02 وهم كفار ) ~~دون أن يقلعوا عن كفرهم. # ( @QUR@04 فلن يغفر الله لهم ) شيئا من ذنوبهم ، لأن استمرارهم على الكفر ~~حال بينهم وبين المغفرة. # ومن الآيات الكثيرة التي تشبه هذه الآية في معناها قوله تعالى : ( ~~@QUR@024 إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار ، فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ~~ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين ) (1). # والفاء في قوله : ( @QUR@07 فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون ) ~~فصيحة ، والخطاب للمؤمنين على سبيل التبشير والتثبيت والحض على مجاهدة ~~المشركين. # أى : إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من أن الله تعالى لن يغفر للكافرين .. ( ~~@QUR@02 فلا تهنوا ) أى : فلا تضعفوا ms5221 أيها المؤمنون أمامهم. ولا تخافوا من ~~قتالهم .. من الوهن بمعنى الضعف ، وفعله وهن بمعنى ضعف ، ومنه قوله تعالى : ~~( @QUR@014 وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير ، فما وهنوا لما أصابهم في ~~سبيل الله ). # وقوله : ( @QUR@03 وتدعوا إلى السلم ) معطوف على ( @QUR@01 تهنوا ) داخل ~~في حيز النهى. # أى : فلا تضعفوا عن قتال الكافرين ، ولا تدعوهم إلى الصلح والمسالمة على ~~سبيل الخوف منهم ، وإظهار العجز أمامهم ، فإن ذلك نوع من إعطاء الدنية التي ~~تأباها تعاليم دينكم. # وقوله : ( @QUR@07 وأنتم الأعلون ، والله معكم ، ولن يتركم أعمالكم ) جمل حالية. # أى : لا تضعفوا ولا تستكينوا لأعدائكم والحال أنكم أنتم الأعلون ، أى : ~~الأكثر قهرا وغلبة لأعدائكم ، والله تعالى معكم بعونه ونصره وتأييده. # ( @QUR@03 ولن يتركم أعمالكم ) أى : ولن ينقصكم شيئا من أجور أعمالكم ، ~~يقال : وترت فلانا حقه من باب وعد إذ انقصته حقه ولم تعطه له كاملا ، وترت ~~الرجل ، إذا قتلت له قتيلا ، أو سلبت منه ماله. # قالوا : ومحل النهى عن الدعوة إلى صلح الكفار ومسالمتهم ، إذا كان هذا ~~الصلح أو تلك PageV13P247 # المسالمة تؤدى إلى إذلال المسلمين أو إظهارهم بمظهر الضعيف القابل لشروط ~~أعدائه .. أما إذا كانت الدعوة إلى السلم لا تضر بمصلحة المسلمين فلا بأس ~~من قبولها ، عملا بقوله تعالى : ( @QUR@08 وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل ~~على الله ). # ثم بين سبحانه ما يدل على هوان هذه الدنيا فقال : ( @QUR@05 إنما الحياة ~~الدنيا لعب ولهو ). # قال الجمل : يعنى كيف تمنعكم الدنيا عن طلب الآخرة ، وقد علمتم أن الدنيا ~~كلها لعب ولهو ، إلا ما كان منها في عبادة الله تعالى وطاعته. # واللعب : ما يشغل الإنسان وليس فيه منفعة في الحال أو المآل ، ثم إذا ~~استعمله الإنسان ولم ينتبه لأشغاله المهمة فهو اللعب ، وإن أشغله عن مهمات ~~نفسه فهو اللهو (1). # ( @QUR@02 وإن تؤمنوا ) إيمانا حقا ( @QUR@01 وتتقوا ) الله تعالى ( ~~@QUR@02 يؤتكم أجوركم ) كاملة غير منقوصة ، ( @QUR@03 ولا يسئلكم أموالكم ) ~~أى : ولا يأمركم سبحانه أن تخرجوا جميع أموالكم على سبيل دفعها في الزكاة ~~المفروضة ، أو في صدقة التطوع ، فالسؤال بمعنى الأمر والتكليف ويصح أن يكون ~~المعنى : ولا يسألكم رسولكم ms5222 صلى الله عليه وسلم شيئا من أموالكم ، على سبيل ~~الأجر له على تبليغ دعوة ربه ، كما قال تعالى : ( @QUR@010 قل ما أسئلكم ~~عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ). # فالضمير على المعنى الأول يعود إلى الله تعالى ، وعلى الثاني يعود إلى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ثم أشار سبحانه إلى جانب من حكمته في تشريعاته فقال ~~: ( @QUR@06 إن يسئلكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم ). # وقوله ( @QUR@01 فيحفكم ) من الإحفاء بمعنى الإلحاف : وهو المبالغة في ~~الطلب. يقال : أحفاه في المسألة ، إذا ألح عليه في طلبها إلحاحا شديدا ، ~~ومنه قوله تعالى ( @QUR@04 لا يسئلون الناس إلحافا ) وأصله من أحفيت البعير ~~، إذا أرهقته في المشي حتى انبرى ورق خفه. # أى : إن يكلفكم بأخراج جميع أموالكم ، ويبالغ في طلب ذلك منكم ، تبخلوا ~~بها فلا تعطوها ، وبذلك ( @QUR@02 يخرج أضغانكم ) أى : يظهر أحقادكم ~~وكراهيتكم لهذا التكليف ، لأن حبكم الجم للمال يجعلكم تكرهون كل تشريع ~~يأمركم بإخراج جميع أموالكم. # فقوله ( @QUR@01 فيحفكم ) عطف على فعل الشرط ، وقوله ( @QUR@01 تبخلوا ) ~~جواب الشرط ، وقوله : ( @QUR@02 ويخرج أضغانكم ) معطوف على هذا الجواب. PageV13P248 # ثم تختتم السورة الكريمة بالدعوة إلى الإنفاق في سبيل الله فقال : ( ~~@QUR@03 ها أنتم هؤلاء ) أيها المؤمنون ( @QUR@05 تدعون لتنفقوا في سبيل ~~الله ) أى : في وجوه الخير التي على رأسها الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله ~~، ونصرة دينه. # ( @QUR@03 فمنكم من يبخل ) أى : فمنكم أيها المخاطبون من يبخل بماله عن ~~الإنفاق في وجوه الخير ( @QUR@06 ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ) أى : ومن ~~يبخل فإنما يبخل عن داعي نفسه لا عن داعي ربه ، أو فإنما يبخل على نفسه. ~~يقال : بخل عليه وعنه كفرح وكرم بمعنى ، لأن البخل فيه معنى المنع والإمساك ~~ومعنى التضييق على من منع عنه المعروف ، فعدى بلفظ ( @QUR@01 عن ) نظرا ~~للمعنى الأول ، ولفظ على نظرا للمعنى الثاني. # ( @QUR@01 والله ) تعالى هو ( @QUR@03 الغني وأنتم الفقراء ) إليه ، ~~لاحتياجكم إلى عونه احتياجا تاما ، ( @QUR@02 وإن تتولوا ) أى : وإن تعرضوا ~~عن هذا الإرشاد الحكيم. # ( @QUR@03 يستبدل قوما غيركم ) أى : يخلق بدلكم قوما آخرين. # ( @QUR@04 ثم لا يكونوا أمثالكم ) أى : ثم لا يكونوا أمثالكم في الإعراض ~~عن ms5223 الخير ، وفي البخل بما آتاهم الله من فضله. # والمتأمل في هذه الآية يراها قد اشتملت على أسمى ألوان الدعوة إلى ~~الإيمان والسخاء ، والنهى عن الجحود والبخل. # وبعد فهذا تفسير وسيط لسورة محمد صلى الله عليه وسلم نسأل الله تعالى أن ~~يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV13P249 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الفتح PageV13P251 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة الفتح من السور المدنية ، وعدد آياتها تسع وعشرون آية ، وكان ~~نزولها في أعقاب صلح الحديبية. # قال ابن كثير رحمه الله : نزلت سورة «الفتح» لما رجع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من الحديبية في ذي القعدة سنة ست من الهجرة ، حين صده ~~المشركون عن الوصول إلى المسجد الحرام ، ليقضى عمرته فيه ، وحالوا بينه ~~وبين ذلك ، ثم مالوا إلى المصالحة والمهادنة ، وأن يرجع عامه هذا ثم يأتى ~~من قابل ، فأجابهم إلى ذلك على تكره من جماعة من الصحابة .. (1). # 2 والمتدبر للقرآن الكريم ، يرى كثيرا من آياته وسوره ، في أعقاب بعض ~~الغزوات ، ليتعلم المسلمون من تلك الآيات والسور ما ينفعهم وما يصلح من شأنهم. # فمثلا في أعقاب غزوة «بدر» نزلت سورة الأنفال التي سماها ابن عباس سورة بدر. # وفي أعقاب غزوة «أحد» نزلت عشرات الآيات في سورة آل عمران. # وفي أعقاب غزوة «بنى النضير» نزلت آيات من سورة الحشر. # وفي أعقاب غزوة «الأحزاب» نزلت آيات من سورة الأحزاب. # وفي أعقاب صلح الحديبية نزلت هذه السورة الكريمة ، التي تحكى الكثير من ~~الأحداث التي تتعلق بهذا الصلح. # 3 وقبل أن نبدأ في تفسير هذه السورة الكريمة ، نرى من الخير أن نعطى ~~للقارئ فكرة واضحة عن صلح الحديبية ، التي نزلت في أعقابه هذه السورة .. ~~فنقول وبالله التوفيق : رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه أنه قد دخل ~~المسجد الحرام هو وأصحابه ، وقد صرحت السورة الكريمة بذلك في قوله تعالى : ~~( @QUR@018 لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ، لتدخلن المسجد الحرام إن شاء ~~الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون ... ) فقص صلى ms5224 الله عليه وسلم هذه ~~الرؤيا على أصحابه ، ففرحوا بها. وكان المشركون قد منعوهم من دخول مكة ، ~~ومن الطواف بالمسجد الحرام. PageV13P253 # 4 وخرج صلى الله عليه وسلم ومعه حوالى أربعمائة وألف من أصحابه ، ليس معهم ~~من السلاح سوى السيوف في أغمادها ، وساقوا معهم الهدى الذي يتقربون بذبحه ~~إلى الله تعالى ليكون دليلا على أنهم لا يريدون حرب قريش ، وإنما يريدون ~~الطواف بالبيت الحرام. # وسار صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة ، فلما وصل إلى «عسفان» وهو ~~مكان بين مكة والمدينة جاءه بشر بن سفيان الكعبي وكان مكلفا من قبل النبي ~~صلى الله عليه وسلم لمعرفة أخبار قريش فقال : يا رسول الله ، هذه قريش قد سمعت ~~بمسيرك ، فخرجوا معهم العوذ المطافيل أى : ومعهم الإبل التي لم تلد ، ~~والإبل التي ولدت ، قد لبسوا جلود النمور أى : قد استعدوا لقتالك وقد نزلوا ~~بذي طوى وهو مكان بالقرب من مكة ، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا .. # فقال صلى الله عليه وسلم : «يا ويح قريش!! لقد أكلتهم الحرب ، ماذا عليهم لو ~~خلوا بيني وبين سائر العرب ، فإن هم أصابونى كان ذلك الذي أرادوا ، وإن ~~أظهرنى الله عليهم ، دخلوا في الإسلام وافرين ، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم ~~قوة ، فما تظن قريش؟ فو الله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به ، حتى ~~يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة» أى أو أن أقتل في سبيل الله. # ثم قال صلى الله عليه وسلم : «من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها»؟. # فقال رجل من قبيلة أسلم : أنا يا رسول الله ، فسلك بهم طريقا وعرا ، ~~انتهى بهم إلى «الحديبية» وهي قرية على بعد مرحلة من مكة ، أو هي بئر سمى ~~المكان بها. # 5 وفي هذا المكان بركت القصواء وهي الناقة التي كان يركبها النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال الناس : خلأت الناقة أى : حرنت وأبت المشي ، فقال ~~صلى الله عليه وسلم : «ما خلأت وما هو لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل عن ~~مكة. لا تدعوني قريش ms5225 إلى خطة يسألوننى فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها». # ثم أمر صلى الله عليه وسلم الناس بالنزول في هذا المكان .. # 6 وعلمت قريش بنزول الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الحديبية ، فبدءوا ~~يرسلون رسلهم لمعرفة الأسباب التي حملت المسلمين إلى المجيء إليهم. # وكان من بين الرسل بديل بن ورقاء الخزاعي .. فلما سأل الرسول ~~صلى الله عليه وسلم عن سبب مجيئه إلى مكة ، أخبره أنه لم يأت يريد حربا وإنما ~~جاء زائرا للبيت الحرام ، ومعظما لحرمته .. # وعاد بديل إلى مكة ، وأخبر المشركين بما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ولكنهم لم يقتنعوا ، وقالوا : وإن كان جاء ولا يريد قتالا. والله لا يدخلها ~~علينا عنوة أبدا ... PageV13P254 # 7 ثم أرسلت قريش رسلا آخرين إلى النبي صلى الله عليه وسلم كان من بينهم ، ~~عروة بن مسعود الثقفي .. فكان مما قاله للرسول صلى الله عليه وسلم : يا محمد ، ~~أجمعت أوشاب الناس أى : أخلاطهم ثم جئت بهم إلى أهلك .. إن قريشا قد تعاهدت ~~أنك لن تدخل عليهم مكة عنوة .. # وكان عروة خلال حديثه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يمد يده إلى لحيته ~~صلى الله عليه وسلم فكان المغيرة ابن شعبة يقرع يد عروة ويقول له : اكفف يدك ~~عن وجه رسول الله قبل أن لا تصل إليك. # وشاهد عروة ما شاهد من احترام المسلمين لرسولهم صلى الله عليه وسلم فعاد إلى ~~المشركين وقال لهم : يا معشر قريش ، إنى قد جئت كسرى في ملكه ، والنجاشي في ~~ملكه ، وإنى والله ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه ، ولقد رأيت ~~قوما لا يسلمونه لشيء أبدا ، فروا رأيكم .. # 8 ثم أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى قريش عثمان بن عفان رضى الله عنه ~~لكي يخبرهم بأن المسلمين ما جاءوا لحرب ، وإنما جاءوا للطواف بالبيت. # وذهب إليهم عثمان وأخبرهم بذلك ، ولكنهم صمموا على منع المسلمين من دخول ~~مكة ، قالوا لعثمان : إن شئت أنت أن تطوف بالبيت فطف. # فقال لهم : ما كنت لأفعل حتى يطوف رسول ms5226 الله صلى الله عليه وسلم . # وطال مكث عثمان عند قريش ، حتى أشيع بين المسلمين أنه قد قتله المشركون. # فقال صلى الله عليه وسلم حين بلغه أن عثمان قد قتل : «لا نبرح حتى نناجز ~~القوم» ودعا المسلمين إلى مبايعته على الموت ، فبايعه المسلمون على ذلك تحت ~~شجرة الرضوان ... # ثم جاء عثمان بعد ذلك دون أن يصيبه أذى ... # 9 وأخيرا أوفدت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا منهم اسمه سهيل بن ~~عمرو ، ليعقد صلحا مع المسلمين ، وقالوا له : ائت محمدا فصالحه ، ولا يكن ~~في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا ، فو الله لا تتحدث العرب عنا أنه دخلها ~~علينا عنوة أبدا .. # وعند ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم سهيلا مقبلا نحوه ، قال لأصحابه : لقد ~~سهل الله لكم من أمركم ، إن قريشا أرادت الصلح حين بعثت هذا الرجل. # وتم الصلح بين الفريقين على ما يأتى : # أولا : أن يرجع المسلمون دون زيارة البيت هذا العام ، فإذا كان العام ~~التالي : أخلت قريش لهم مكة ثلاثة أيام ، ليطوفوا بالبيت ، وليس معهم إلا ~~السيوف في غمدها .. PageV13P255 # ثانيا : أن تضع الحرب أوزارها بين الطرفين عشر سنوات. # ثالثا : من أتى الرسول صلى الله عليه وسلم من قريش مسلما بغير إذن وليه رده ~~إليهم ، ومن أتى قريشا من المسلمين لم يردوه. # رابعا : من أحب أن يدخل في عقد مع الرسول صلى الله عليه وسلم فله ما أراد. ~~ومن أحب أن يدخل في عهد قريش فله ذلك. # ولقد عز على بعض المسلمين قبول الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه الشروط ، ~~التي ظاهرها الظلم للمسلمين ، حتى قال عمر رضى الله عنه للرسول ~~صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ، ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ فقال ~~صلى الله عليه وسلم : «إنى رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري». # ثم أشار صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين أن يتحللوا من عمرتهم ، بأن ينحروا ~~هديهم ، وأن يحلقوا رءوسهم أو يقصروا. ولكنهم لم يسارعوا بالامتثال ، فدخل ~~صلى الله عليه وسلم على زوجه ms5227 أم سلمة رضى الله عنها ، وقد ظهر الغضب على وجهه. # فقالت له : يا رسول الله ، اعذرهم ، وابدأ بما تأمرهم به دون أن تكلم ~~منهم أحدا. # فقام صلى الله عليه وسلم فنحر هديه ، ودعا حالقه فحلق له ، فلما رأى ~~المسلمون ذلك من نبيهم ، قاموا فنحروا هديهم ، وجعل بعضهم يحلق بعضا. # ثم أقام المسلمون بعد ذلك عدة أيام بالحديبية ، ثم قفلوا راجعين إلى ~~المدينة ، وعند ما سمع صلى الله عليه وسلم بعضهم يقول : لقد رجعنا ولم نصنع ~~شيئا .. # قال صلى الله عليه وسلم «بل فتحتم أعظم الفتح». # وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله هذا. فقد كان صلح الحديبية فتحا ~~عظيما ، كما نبين ذلك عند تفسيرنا للسورة الكريمة. # وبهذا العرض المجمل لأحداث صلح الحديبية ، نكون قد أعطينا القارئ فكرة ~~مركزة عن هذا الصلح ، وعن الجو العام الذي نزلت في أعقابه سورة الفتح ، ومن ~~أراد المزيد لمعرفة أحداث صلح الحديبية فليرجع إلى كتب السيرة (1). # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .. PageV13P256 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@05 إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1) @QUR@015 ليغفر لك الله ما تقدم ~~من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما (2) @QUR@04 وينصرك ~~الله نصرا عزيزا (3) @QUR@019 هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ~~ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما ~~حكيما (4) @QUR@019 ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما (5) @QUR@021 ~~ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء ~~عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا (6) ~~@QUR@08 ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما ) (7) # افتتحت سورة «الفتح» بهذه البشارات السامية ، والمدائح العالية للنبي ~~صلى الله عليه وسلم افتتحت بقوله تعالى : ( @QUR@05 إنا فتحنا لك فتحا مبينا ). PageV13P257 # والفتح في الأصل : إزالة الأغلاق عن الشيء .. وفتح البلد : المقصود به ~~الظفر به ، ووقوعه تحت سيطرة الفاتح. # والذي عليه المحققون من العلماء أن المراد بالفتح هنا : صلح الحديبية ms5228 وما ~~ترتب عليه من خيرات كثيرة ، ومنافع جمة للمسلمين. # ويشهد لذلك أحاديث متعددة منها : ما أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي عن ~~ابن مسعود قال : أقبلنا من الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان ~~قد خرج إليها صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين هلال ذي القعدة ، فأقام بها بضعة ~~عشر يوما ، ثم قفل راجعا إلى المدينة ، فبينما نحن نسير إلى المدينة إذ ~~أتاه الوحى وكان إذا أتاه اشتد عليه فسرى عنه وبه من السرور ما شاء الله ، ~~فأخبرنا أنه أنزل عليه : ( @QUR@05 إنا فتحنا لك فتحا مبينا ). # وروى الإمام أحمد وأبو داود عن مجمع بن جارية الأوسى قال : شهدنا ~~الحديبية ، فلما انصرفنا منها وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا عند ~~كراع الغميم موضع بين مكة والمدينة وقد جمع الناس وقرأ عليهم : ( @QUR@05 ~~إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) الآيات. # فقال رجل : يا رسول الله ، أو فتح هو؟ فقال صلى الله عليه وسلم : أى والذي ~~نفسي بيده إنه لفتح (1). # ويرى بعضهم : أن المراد بالفتح هنا : فتح مكة ، والتعبير عنه بالماضي في ~~قوله : ( @QUR@05 إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) لتحقق الوقوع ، فهو من قبيل ~~قوله تعالى : ( @QUR@05 أتى أمر الله فلا تستعجلوه ... ) ويبدو لنا أن ~~المراد بالفتح هنا صلح الحديبية لوجود الآثار الصحيحة التي تشهد لذلك ، ~~ولأن هذا الصلح قد ترتب عليه من المنافع للدعوة الإسلامية ما يجعله من أعظم ~~الفتوح ، إن لم يكن أعظمها. # لقد ترتب عليه أن انتشر الأمان بين المسلمين والمشركين ، فاستطاع ~~المسلمون أن ينشروا دعوة الحق في مكة وفي غيرها ، كما استطاعوا أن ينتقلوا ~~من مكان إلى آخر للتبشير بدينهم ، فترتب على ذلك أن دخل في الإسلام عدد ~~كبير من الناس. # قال الزهري : لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية ، وذلك أن المشركين ~~اختلطوا بالمسلمين ، فسمعوا كلامهم ، وتمكن الإسلام من قلوبهم ، وأسلم خلق ~~كثير ، وكثر بهم سواد الإسلام. PageV13P258 # قال ابن هشام : والدليل على صحة قول الزهري ، أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة من ms5229 أصحابه ثم خرج إلى ~~مكة في عام الفتح بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف من أصحابه. # وقد أكد سبحانه هذا الفتح بثلاثة أنواع من المؤكدات ، وهي «إن» والمصدر ~~«فتحا» والوصف «مبينا» وذلك للمسارعة إلى تبشير المؤمنين بتحقق هذا الفتح ، ~~ولإدخال السرور على قلوبهم ، بعد تلك الشروط التي اشتمل عليها الصلح ، ~~والتي ظنها بعضهم أن فيها إجحافا بالمسلمين. # وأسند سبحانه الفعل إلى نون العظمة ( @QUR@01 فتحنا ) لتفخيم شأن المخبر ~~عز وجل وعلو شأن المخبر عنه وهو الفتح. # وقدم سبحانه الجار والمجرور ( @QUR@01 لك ) على المفعول المطلق ( @QUR@01 ~~فتحا ) للاهتمام وللإشعار بأن ذلك الفتح كان من أجله صلى الله عليه وسلم وفي ~~ذلك ما فيه من تعظيم أمره صلى الله عليه وسلم ومن وجوب طاعته ، والامتثال لأمره. # ثم ذكر سبحانه بعد ذلك مظاهر فضله على رسوله صلى الله عليه وسلم فقال : ( ~~@QUR@019 ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، ويتم نعمته عليك ، ~~ويهديك صراطا مستقيما. وينصرك الله نصرا عزيزا ). # واللام في قوله ( @QUR@01 ليغفر ) متعلقة بقوله : ( @QUR@01 فتحنا ) وهي ~~للتعليل. والمراد بما تقدم من ذنبه صلى الله عليه وسلم ما كان قبل النبوة ، ~~وبما تأخر منه ما كان بعدها. # والمراد بالذنب هنا بالنسبة له صلى الله عليه وسلم ما كان خلاف الأولى ، فهو ~~من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين ، أو المراد بالغفران : الحيلولة بينه ~~وبين الذنوب كلها ، فلا يصدر منه صلى الله عليه وسلم ذنب ، لأن غفران الذنوب ~~معناه : سترها وتغطيتها وإزالتها. # قال الشوكانى : وقوله تعالى : ( @QUR@09 ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك ~~وما تأخر ) اللام : متعلقة بفتحنا وهي لام العلة ، قال المبرد : هي لام كي ~~ومعناها : إنا فتحنا لك فتحا مبينا أى : ظاهرا واضحا مكشوفا لكي يجتمع لك ~~مع المغفرة تمام النعمة في الفتح ، فلما انضم إلى المغفرة شيء حادث واقع ~~حسن معنى كي. # وقال ابن عطية : المراد أن الله فتح لك لكي يجعل الفتح علامة لغفرانه لك ~~، فكأنها لام الصيرورة .. (1). PageV13P259 # وقال بعض العلماء : وقوله : ( @QUR@09 ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر ) هو ms5230 كناية عن عدم المؤاخذة. أو المراد بالذنب ما فرط منه ~~صلى الله عليه وسلم من خلاف الأولى بالنسبة لمقامه صلى الله عليه وسلم أو المراد ~~بالغفران : الحيلولة بينه وبين الذنوب كلها ، فلا يصدر منه ذنب. لأن الغفر ~~هو الستر ، والستر إما بين العبد والذنب ، وهو اللائق بمقام النبوة ، أو ~~بين الذنب وعقوبته ، وهو اللائق بغيره. # واللام في ( @QUR@01 ليغفر ) للعلة الغائية. أى : أن مجموع المتعاطفات ~~الأربعة غاية للفتح المبين ، وسبب عنه لا كل واحد منها. # والمعنى : يسرنا لك هذا الفتح لإتمام النعمة عليك ، وهدايتك إلى الصراط ~~المستقيم ، ولنصرك نصرا عزيزا. # ولما امتن الله عليه بهذه النعم ، صدرها بما هو أعظم ، وهو المغفرة ~~الشاملة ليجمع له بين عزى الدنيا والآخرة. فليست المغفرة مسببة عن الفتح (1). # ولقد كان صلى الله عليه وسلم مع هذه المغفرة من الله تعالى له ، أعبد الناس ~~لربه ، وأشدهم خوفا منه ، وأكثرهم صلة به. # قال ابن كثير : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان عن ~~زياد بن علاقة قال : سمعت المغيرة بن شعبة يقول : كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يصلى حتى ترم قدماه أى : تتورم فقيل له : أليس قد غفر الله ~~لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال : «أفلا أكون عبدا شكورا» .. # وعن عروة بن الزبير عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~صلى قام حتى تتفطر رجلاه أى : تتشقق فقالت له عائشة : يا رسول الله ، أتصنع ~~هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟. # فقال : «يا عائشة ، أفلا أكون عبدا شكورا ..» (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@03 ويتم نعمته عليك ) معطوف على ما قبله. أى : ويتم ~~سبحانه نعمه عليك أيها الرسول الكريم بأن يظهر دعوتك ، ويكتب لها النصر ، ~~والخلود ، ويعطيك من الخصائص والمناقب ما لم يعطه لأحد من الأنبياء ، فضلا ~~عن غيرهم. # ( @QUR@03 ويهديك صراطا مستقيما ) أى : ويهديك ويرشدك سبحانه بفضله وكرمه ، إلى PageV13P260 # الطريق القويم ، والدين الحق ، والأقوال الطيبة ، والأعمال الصالحة .. # ( @QUR@02 وينصرك الله ) تعالى ( @QUR@02 نصرا عزيزا ) أى : نصرا قويا ~~منيعا لا يغلبه غالب ms5231 ، ولا يدفعه دافع ، لأنه من خالقك الذي لا راد لقضائه ~~، ولا معقب لحكمه .. # هذا ، والمتأمل في هذه الآيات الكريمة ، يرى أن الله تعالى قد أكرم نبيه ~~صلى الله عليه وسلم إكراما لا يدانيه إكرام ، ومنحه من الخير والفضل ما لم ~~يمنحه لأحد سواه. # ثم بين سبحانه بعد ذلك جانبا من مظاهر فضله على المؤمنين فقال : ( ~~@QUR@011 هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ، ليزدادوا إيمانا مع ~~إيمانهم .. ).. # والسكينة : من السكون ، والمراد بها الثبات والطمأنينة التي أودعها ~~سبحانه في قلوب المؤمنين ، فترتب على ذلك أن أطاعوا الله ورسوله ، بعد أن ~~ظنوا أن في شروط صلح الحديبية ظلما لهم. وأن بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~على الموت بعد أن بلغهم أن عثمان رضى الله عنه قد قتله المشركون ، وفي ~~التعبير عن ذلك بالإنزال ، إشعار بعلو شأنها ، حتى لكأنها كانت مودعة في ~~خزائن رحمة الله تعالى ، ثم أنزلها بفضله في قلوبهم بعد ذلك .. # أى : هو سبحانه بفضله ورحمته ، الذي أنزل السكينة والطمأنينة والثبات في ~~قلوب المؤمنين ، فانشرحت صدورهم لهذا الصلح بعد أن ضاقت في أول الأمر. # وقوله : ( @QUR@04 ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ) تعليل لهذا الإنزال ~~للسكينة. # أى : أوجد السكينة وخلقها في قلوبهم ، ليزدادوا يقينا على يقينهم ، ~~وتصديقا إلى تصديقهم وثباتا على ثباتهم. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@06 إذا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا ) وقوله سبحانه : ( @QUR@018 وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا ، فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون ) (1). # وقد أخذ العلماء من هذه الآية وأمثالها ، أن الإيمان يزيد وينقص. # قال الآلوسى ما ملخصه : قال البخاري : لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء ~~بالأمصار ، فما رأيت أحدا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل ، ويزيد وينقص. # واحتجوا على ذلك بالعقل والنقل. أما العقل ، فلأنه لو لم تتفاوت حقيقة ~~الإيمان لكان إيمان آحاد الأمة المنهمكين في الفسوق والمعاصي ، مساويا ~~لإيمان الأنبياء ، واللازم باطل ، فكذا الملزوم .. PageV13P261 # وأما الثاني : فلكثرة النصوص في هذا المعنى ، ومنها الآية التي معنا ~~وأمثالها ، ومنها وما روى عن ms5232 ابن عمر قال : قلنا : يا رسول الله ، إن ~~الايمان يزيد وينقص ، قال : «نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى ~~يدخله النار». # وقال الإمام النووي وغيره : إن الايمان بمعنى التصديق القلبي ، يزيد ~~وينقص أيضا بكثرة النظر ، ووضوح الأدلة ، ولهذا كان إيمان الصديقين أقوى من ~~إيمان غيرهم .. (1). # ثم بين سبحانه شمول ملكه وقدرته فقال : ( @QUR@08 ولله جنود السماوات ~~والأرض وكان الله عليما حكيما ). أى : ولله تعالى وحده جنود السموات ~~والأرض من ملائكة وجن وإنس ، إذ الكل تحت قهره وسلطانه ، فهو سبحانه الذي ~~يدبر أمرهم كيف شاء ، ويدفع بعضهم ببعض كما تقتضي حكمته وإرادته ، وهو ~~تعالى العليم بكل شيء. الحكيم في جميع أفعاله ... # واللام في قوله سبحانه : ( @QUR@08 ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري ~~من تحتها الأنهار ... ) متعلقة بمحذوف أو بقوله : ( @QUR@01 فتحنا ).. # أى : فعل سبحانه ما فعل من جعل جنود السموات والأرض تحت سيطرته وملكه ، ~~ومن دفع الناس بعضهم ببعض ، ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجرى من تحتها ~~الأنهار. ( @QUR@02 خالدين فيها ) خلودا أبديا ( @QUR@03 ويكفر عنهم ~~سيئاتهم ) التي فعلوها في دنياهم ، بأن يغفرها لهم ، ويزيلها عنهم ، بل ~~ويحولها لمن شاء منهم بفضله وكرمه إلى حسنات. # ( @QUR@02 وكان ذلك ) الإدخال للمؤمنين الجنة ، وتكفير سيئاتهم .. # ( @QUR@02 عند الله ) تعالى ( @QUR@02 فوزا عظيما ) لا يقادر قدره ، لأنه ~~نهاية آمال المؤمنين ، وأقصى ما يتمناه العقلاء المخلصون. # ( @QUR@01 ويعذب ) سبحانه بعدله ( @QUR@08 المنافقين والمنافقات ، ~~والمشركين والمشركات ، الظانين بالله ظن السوء ... ). # أى : الظانين بالله تعالى وبرسوله وبالمؤمنين الظن السيئ بأن توهموا أن ~~الدائرة ستدور على المؤمنين وأنهم هم الذين سينتصرون. أو أنهم هم على الحق. ~~وأن الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه على الباطل. # فقوله : ( @QUR@01 السوء ) صفة لموصوف محذوف. أى : الظانين بالله ظن ~~الأمر السوء. PageV13P262 # وقوله تعالى ( @QUR@03 عليهم دائرة السوء ) دعاء عليهم بأن ينزل بهم ما ~~توقعوه للمؤمنين من سوء. أى : عليهم وحدهم ينزل ما يتمنونه للمؤمنين من شر وسوء. # والدائرة في الأصل : تطلق على الخط المحيط بالشيء. ثم استعملت في النازلة ~~المحيطة بمن نزلت به. وتستعمل أكثر ما تستعمل في المصائب والمكاره. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@03 عليهم ms5233 دائرة السوء ) أى : ما يظنونه ~~ويتوقعونه بالمؤمنين فهو حائق بهم ودائر عليهم. والسوء : الهلاك والدمار. # فإن قلت : هل من فرق بين السوء والسوء؟ قلت : هما كالكره والكره ، والضعف ~~والضعف : من ساء ، إلا أن المفتوح غالب في أن يضاف إليه ما يراد ذمه من كل ~~شيء ، وأما السوء بالضم ، فجار مجرى الشر الذي هو نقيض الخير (1). # ثم قال تعالى : ( @QUR@09 وغضب الله عليهم ولعنهم ، وأعد لهم جهنم وساءت ~~مصيرا ). # أى : ليس عليهم دائرة السوء فقط ، بل وفضلا عن ذلك فقد غضب الله تعالى ~~عليهم ، وطردهم من رحمته ، وأعد لهم في الآخرة نار جهنم ، وساءت هذه النار ~~مصيرا لهم. # ثم أكد سبحانه ملكيته لكل شيء فقال : ( @QUR@08 ولله جنود السماوات ~~والأرض وكان الله عزيزا حكيما )، أى : ولله تعالى وحده جنود السموات ~~والأرض ، وكان سبحانه وما زال غالبا على كل شيء ، حكيما في كل أوامره ~~ونواهيه. وفي كل تصرفاته وأفعاله. # ولما كان المقصود من ذكر الجنود هنا : تهديد المنافقين والمشركين ، وأنهم ~~في قبضته تعالى ، ناسب أن تذيل الآية هنا بقوله : ( @QUR@04 وكان الله ~~عزيزا حكيما ) لأن العزة تقتضي الغلبة للغير. # ولما كان المقصود من ذكر الجنود في الآية الرابعة ، بيان أن المدبر لهذا ~~الكون هو الله تعالى ناسب أن تذيل الآية هناك بقوله سبحانه : ( @QUR@04 ~~وكان الله عليما حكيما ). # ثم حدد الله تعالى الوظيفة التي كلف بها رسوله صلى الله عليه وسلم وبشر ~~المؤمنين الذين وفوا بعهودهم بالأجر العظيم فقال : # ( @QUR@05 إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (8) @QUR@03 لتؤمنوا بالله ورسوله PageV13P263 # @QUR@05 وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا (9) @QUR@025 إن الذين ~~يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على ~~نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ) (10) # وقوله : ( @QUR@01 مبشرا ) من التبشير ، وهو الإخبار بالأمر السار لمن لا ~~علم له بهذا الأمر. # وقوله : ( @QUR@01 ونذيرا ) من الإنذار ، وهو الإخبار بالأمر المخيف ، ~~لكي يجتنب ويحذر. # أى : ( @QUR@02 إنا أرسلناك ) أيها الرسول الكريم إلى الناس ، لتكون ( ~~@QUR@01 شاهدا ) لمن آمن منهم بالإيمان ، ولمن كفر منهم بالكفر ، بعد أن ~~بلغتهم رسالة ربك تبليغا ms5234 تاما كاملا. # ولتكون ( @QUR@01 مبشرا ) للمؤمنين منهم برضا الله عنهم ومغفرته لهم ( ~~@QUR@01 ونذيرا ) للكافرين وللعصاة بسوء المصير إذا ما استمروا على كفرهم ~~وعصيانهم. # والحكمة في جعله صلى الله عليه وسلم شاهدا مع أن الله تعالى لا يخفى عليه ~~شيء : إظهار العدل الإلهى للناس في صورة جلية واضحة ، وتكريم النبي ~~صلى الله عليه وسلم بهذه الشهادة. # وجمع سبحانه بين كونه صلى الله عليه وسلم ( @QUR@02 مبشرا ونذيرا ) لأن من ~~الناس من ينفعه الترغيب في الثواب ، ومنهم من لا يزجره إلا التخويف من ~~العقاب. وانتصاب ( @QUR@03 شاهدا ومبشرا ونذيرا ) على الحال المقدرة. # وفي معنى هذه الآية وردت آيات كثيرة ، منها قوله تعالى : ( @QUR@012 ~~وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ، ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا ... ) (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@014 ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم ~~وجئنا بك شهيدا على هؤلاء .. ) (2). # وقوله عز وجل : ( @QUR@08 يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ~~) (3). PageV13P264 # ثم بين سبحانه الحكمة من إرساله صلى الله عليه وسلم فقال : ( @QUR@08 ~~لتؤمنوا بالله ورسوله ، وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا ). # وقوله : ( @QUR@01 وتعزروه ) من التعزير بمعنى النصرة مع التعظيم ~~والتفخيم. # وقوله : ( @QUR@01 وتوقروه ) أى : تعظموه وتقدروه. # وقوله : ( @QUR@01 وتسبحوه ) من التسبيح بمعنى التنزيه. تقول : سبحت الله ~~تعالى ، أى : نزهته عما لا يليق به ، و ( @QUR@01 بكرة ) أول النهار ، و ( ~~@QUR@01 أصيلا ) آخره ، والمراد ظاهرهما ، أو جميع أوقات النهار ، كما يقال ~~: شرقا وغربا لجميع الجهات. # والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ولأمته ، كقوله تعالى : ( @QUR@06 يا ~~أيها النبي إذا طلقتم النساء ... ) والقراءة بتاء الخطاب ، هي قراءة ~~الجمهور من القراء. # قال الآلوسى : وهو من باب التغليب ، غلب فيه المخاطب على الغائب فيفيد أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم مخاطب بالإيمان برسالته كأمته .. (1). # أى : أرسلناك أيها الرسول الكريم شاهدا ومبشرا ونذيرا ، لتكون على رأس ~~المؤمنين بما أرسلناك به ، وليتبعك في ذلك أصحابك ومن سيأتى بعدهم ، بأن ~~يؤمنوا بالله ورسوله إيمانا حقا ، ولينصروك ويعظموك ، وليسبحوا الله تعالى ~~في الصباح والمساء. وعلى هذا يكون الضمير في قوله تعالى : ( @QUR@02 ~~وتعزروه وتوقروه ) يعود إلى الرسول صلى الله عليه ms5235 وسلم وفي قوله ( @QUR@01 ~~وتسبحوه ) يعود إلى الله تعالى . # قال القرطبي ما ملخصه : قرأ ابن كثير وأبو عمرو ليؤمنوا وكذلك يعزروه ~~ويوقروه ويسبحوه كله بالياء على الخبر .. # وقرأ الباقون بالتاء في الخطاب ... والهاء في قوله : ( @QUR@02 وتعزروه ~~وتوقروه ) للنبي صلى الله عليه وسلم وهنا وقف تام. ثم تبتدئ بقوله : ( @QUR@01 ~~وتسبحوه ) أى : تسبحوا الله بكرة وأصيلا. # وقيل : الضمائر كلها لله تعالى فعلى هذا يكون تأويل : ( @QUR@02 تعزروه ~~وتوقروه ) أى : تثبتوا له صحة الربوبية ، وتنفوا عنه أن يكون له ولد أو ~~شريك .. (2). # ثم مدح سبحانه الذين عاهدوا الرسول صلى الله عليه وسلم ووفوا بعهودهم أكمل ~~وفاء ، فقال : ( @QUR@06 إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله .. ) PageV13P265 # وقوله سبحانه : ( @QUR@01 يبايعونك ) من المبايعة أو من البيعة ، بمعنى ~~المعاهدة أو العهد ، وسميت المعاهدة مبايعة ، لاشتمال كل واحدة منهما على ~~معنى المبادلة ، وعلى وجوب الصدق والوفاء. # والمراد بهذه المبايعة ، ما كان من المؤمنين في صلح الحديبية ، عند ما ~~عاهدوا الرسول صلى الله عليه وسلم على الثبات وعلى مناجزة المشركين بعد أن ~~أشيع أنهم قتلوا عثمان رضى الله عنه . أى : إن الذين يبايعونك على الموت أو ~~على عدم الفرار عند لقاء المشركين ، إنما يبايعون ويعاهدون الله تعالى على ~~ذلك قبل أن يبايعوك أنت ، لأن المقصود من هذه البيعة إنما هو طاعته سبحانه ~~وامتثال أمره ، كما قال تعالى : ( @QUR@06 من يطع الرسول فقد أطاع الله ). ~~فالمقصود بقوله : ( @QUR@03 إنما يبايعون الله ) تأكيد وجوب الوفاء بما ~~عاهدوا الرسول صلى الله عليه وسلم عليه من الثبات وعدم الفرار ، والطاعة له في ~~كل ما يأمرهم به. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 يد الله فوق أيديهم ) زيادة في تأكيد وجوب ~~الوفاء. # ومذهب السلف في هذه الآية وأمثالها من آيات الصفات : أنه يجب الإيمان بها ~~، وتفويض علم معناها المراد منها إلى الله تعالى وترك تأويلها مع تنزيهه ~~تعالى عن حقيقتها ، لاستحالة مشابهته تعالى بالحوادث ، كما قال سبحانه : ( ~~@QUR@06 ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ). # أما الخلف فمذهبهم تأويل هذه الصفات على معنى يليق بجلاله ، فيؤولون اليد ~~هنا بالقوة أو القدرة. أى : قوة الله تعالى وقدرته ms5236 ونصرته فوق قوتهم ~~ونصرتهم ، كما يقال : اليد في هذه المسألة لفلان ، أى : الغلبة والنصرة له. # أو المعنى : يد الله تعالى بالوفاء بما وعدهم من الخير والنصرة فوق ~~أيديهم .. # والمقصود بهذه الجملة كما أشرنا زيادة التأكيد على وجوب الوفاء والثبات. # قال صاحب الكشاف : لما قال سبحانه : ( @QUR@03 إنما يبايعون الله ) أكده ~~تأكيدا على سبيل التمثيل ، فقال : ( @QUR@04 يد الله فوق أيديهم ) يريد أن ~~يد رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تعلو أيدى المبايعين : هي يد الله ، ~~والله تعالى منزه عن الجوارح وعن صفات الأجسام .. # وإنما المعنى : تقرير أن عقد الميثاق من الرسول صلى الله عليه وسلم كعقده مع ~~الله تعالى (1). # ثم بين سبحانه سوء عاقبة الناكثين فقال : ( @QUR@06 فمن نكث فإنما ينكث ~~على نفسه ) PageV13P266 # أى : فمن نقض العهد بعد إبرامه وتوثيقه ، فإنما عاقبة نقضه يعود وبالها ~~وشؤمها عليه. # فقوله ( @QUR@01 نكث ) مأخوذ من النكث بكسر النون وهو فك الخيوط المغزولة ~~بعد غزلها ، وقوله : ( @QUR@09 ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا ~~عظيما ) أى : ومن ثبت على الوفاء بما عاهد الله تعالى عليه فسيعطيه سبحانه ~~من فضله أجرا عظيما على ذلك. # والهاء في قوله : ( @QUR@01 عليه ) قرأها حفص بالضم ، توصلا إلى تفخيم ~~لفظ الجلالة ، الملائم لتفخيم أمر العهد المشعر به الكلام ، وقرأها الجمهور ~~بالكسر. # هذا ، وقد وردت أحاديث متعددة ، تصرح بأن الذين كانوا مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية قد بايعوا جميعا النبي صلى الله عليه وسلم ~~على الموت أو على عدم الفرار ، سوى جماعة من المنافقين ، امتنعوا عن هذه ~~البيعة ، لمرض قلوبهم ، وسوء طويتهم .. # ومن هذه الأحاديث ما أخرجه الشيخان عن سلمة بن الأكوع قال : بايعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ، قيل : على أى شيء؟ قال : على الموت. # وروى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله أنه سئل : كم كان عددكم يوم ~~الحديبية؟ قال : كنا أربع عشرة مائة ، فبايعنا الرسول صلى الله عليه وسلم على ~~أن لا نفر سوى الجد بن قيس فإنه اختفى تحت بطن بعيره ، ولم ms5237 يسرع مع القوم .. # وهكذا فاز المؤمنون الصادقون بشرف هذه البيعة وحرم منها المنافقون لمرض ~~قلوبهم. # ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن المتخلفين ، الذين لم يخرجوا مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى صلح الحديبية ، فتحكى أعذارهم الزائفة ، وتفضحهم ~~على رءوس الأشهاد ، وترد على أقوالهم الباطلة ، وتأمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنهم ، وإهمال أمرهم ، فهم قوم استحوذ عليهم ~~الشيطان فأنساهم ذكر الله .. # ( @QUR@037 سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر ~~لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن ~~أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا (11) @QUR@08 ~~بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى PageV13P267 # @QUR@012 أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما ~~بورا (12) @QUR@09 ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا ~~(13) @QUR@014 ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان ~~الله غفورا رحيما (14) @QUR@031 سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم ~~لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال ~~الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا (15) ~~@QUR@028 قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم ~~أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل ~~يعذبكم عذابا أليما (16) @QUR@027 ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ~~ولا على المريض حرج ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ~~ومن يتول يعذبه عذابا أليما ) (17) # قال الإمام الرازي ما ملخصه : لما بين سبحانه حال المنافقين ، ذكر ~~المتخلفين بعد ذلك فإن قوما من الأعراب امتنعوا عن الخروج مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى مكة ، لظنهم أنه يهزم ، فإنهم قالوا : أهل مكة قاتلوه ~~على باب المدينة .. فكيف يذهب إليهم .. واعتذروا عن الخروج معه ~~صلى الله عليه وسلم (1). PageV13P268 # والمخلفون : جمع مخلف ، وهو المتروك في مكان خلف الخارجين من البلد ~~كالنساء والصبيان ، فإنهم في العادة لا يخرجون ms5238 مع الرجال للجهاد ، وعبر ~~عنهم بالمخلفين على سبيل الذم لهم. # والأعراب : اسم جنس لبدو العرب ، واحده أعرابى ، والأنثى أعرابية ، ~~والمقصود بهم هنا سكان البادية من قبائل غفار ، ومزينة ، وجهينة ، وأشجع ، ~~وأسلم ، والديل ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد دعاهم إلى الخروج معه إلى ~~مكة ، ليساعدوه على إقناع قريش في الإذن بدخول مكة للطواف بالبيت الحرام .. ~~ولكنهم اعتذروا. # وقوله سبحانه سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا ~~فاستغفر لنا .. إعلام من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بما سيقوله ~~هؤلاء المتخلفون له ، بعد عودته إليهم من صلح الحديبية. # أى : سيقول المخلفون لك أيها الرسول الكريم : إننا ما تخلفنا عنك ~~باختيارنا ، ولكن انشغالنا بحفظ ورعاية أموالنا ونسائنا وأولادنا الصغار ، ~~حال بيننا وبين الخروج معك إلى الحديبية ، وما دام الأمر كذلك ( @QUR@02 ~~فاستغفر لنا ) الله تعالى لكي يغفر لنا ذنوبنا التي وقعنا فيها بسبب هذا ~~التخلف الذي لم يكن عن تكاسل أو معصية لك. # ولما كان قولهم هذا لم يكن صحيحا ، فقد رد الله تعالى عليهم بقوله : ( ~~@QUR@06 يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ). أى : هم ليسوا صادقين فيما ~~يقولون ، والحق أنهم يقولون قولا من أطراف ألسنتهم ، دون أن تؤيده قلوبهم ، ~~فإن السبب الحقيقي لعدم خروجهم معك ، هو ضعف إيمانهم ، ومرض قلوبهم ، ~~وتذبذب نفوسهم. # فالجملة الكريمة تكذيب لهم فيما قالوه ، وفضيحة لهم على رءوس الأشهاد. # ثم أمر الله تعالى أن يجابههم بقوله : ( @QUR@015 قل فمن يملك لكم من ~~الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا ).. والاستفهام للإنكار ~~والنفي. # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء المتخلفين من الأعراب لا أحد يستطيع ~~أن يمنع عنكم قضاء الله تعالى ، إن أراد بكم ما يضركم من قتل أو هزيمة ، أو ~~إن أراد بكم ما ينفعكم ، من نصر أو غنيمة ؛ لأن قضاء الله تعالى لا دافع له ~~، كما قال سبحانه : ( @QUR@016 ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ، ~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده ) (1).. PageV13P269 # ثم أضرب سبحانه عن ذلك وقال : ( @QUR@06 بل كان الله ms5239 بما تعملون خبيرا ) ~~أى : إن تخلفكم ليس سببه ما زعمتم ، بل الحق أن تخلفكم كان بسبب ضعف ~~إيمانكم ، والله تعالى مطلع على أحوالكم اطلاعا تاما ، وسيجازيكم بما ~~تستحقون. # ثم أكد سبحانه كذبهم بإضراب آخر عن أقوالهم فقال : ( @QUR@020 بل ظننتم ~~أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا ، وزين ذلك في قلوبكم ، ~~وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا ) والبور في الأصل : مصدر كالهلك ، يوصف ~~به المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث. # وهو هنا مستعمل بمعنى اسم الفاعل. وقيل : هو جمع بائر ، كحائل وحول. # قال صاحب الكشاف والبور من بار ، كالهلك من هلك بناء ومعنى ، ولذلك وصف ~~به الواحد والجمع والمذكر والمؤنث. ويجوز أن يكون جمع بائر كعائذ وعوذ .. (1). # والمعنى : ليس الأمر كما زعمتم أيها المخلفون من أن أموالكم وأولادكم هي ~~التي شغلتكم عن الخروج مع رسولكم صلى الله عليه وسلم ولكن الحق أنكم ظننتم أن ~~العدو سيستأصل شأفة المؤمنين بالقتل والإهلاك. وأنهم لن يعودوا بعد ذلك إلى ~~أهليهم أبدا .. # وزين الشيطان هذا الظن الفاسد في قلوبكم ، ومكنه من نفوسكم فقبعتم في ~~دياركم ، وظننتم ، في كل ما يتعلق بالرسول صلى الله عليه وسلم وبأتباعه ~~الصادقين ( @QUR@02 ظن السوء ) أى : الظن الذي كله سوء وشر ومنكر .. # ( @QUR@01 وكنتم ) في علم الله تعالى وحكمه ( @QUR@02 قوما بورا ) أى : ~~قوما هالكين فاسدين ، لا تصلحون لشيء من الخير ، ولا تستحقون إلا الخزي ~~والعقاب. # فأنت ترى أن الله تعالى قد ذم هؤلاء المتخلفين وفضحهم وتوعدهم بسوء ~~المصير ، لأسباب متعددة ، منها : سوء ظنهم بالله تعالى وبرسوله ، ~~صلى الله عليه وسلم فقد توهموا أن الرسول والمؤمنين سيقتلون على يد أعدائهم ، ~~وأنهم لن يعودوا إلى أهليهم أبدا. # ومنها : اعتذارهم الكاذب ، بانشغالهم بأموالهم وأهليهم .. # ومنها : تعمدهم الكذب. وتفوههم بالكلام الذي لا تؤيده قلوبهم. # ثم ختم سبحانه هذا الذم والتهديد للمتخلفين بقوله : ( @QUR@09 ومن لم ~~يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا ). # أى : ومن لم يؤمن بالله تعالى إيمانا حقا ، وبصدق الرسول صلى الله عليه وسلم ~~في كل ما جاء PageV13P270 # به من عند ربه ، ويطيعه في كل ms5240 ما أمر به أو نهى عنه ، عاقبناه عقابا ~~شديدا ، فإنا قد هيأنا للكافرين نارا مسعرة ، تحرق الأبدان ، وتشوى الوجوه .. # ثم بين سبحانه أنه هو المالك لكل شيء فقال : ( @QUR@04 ولله ملك السماوات ~~والأرض ) خلقا وتصرفا ( @QUR@03 يغفر لمن يشاء ) أن يغفر له ( @QUR@03 ~~ويعذب من يشاء ) أن يعذبه. # ( @QUR@01 وكان ) سبحانه وما زال ( @QUR@01 غفورا ) أى : واسع المغفرة ( ~~@QUR@01 رحيما ) أى : واسع الرحمة. # ثم عادت السورة الكريمة إلى حكاية أقوال هؤلاء المنافقين ، وإلى الرد ~~عليها ، فقال تعالى : ( @QUR@09 سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم ~~لتأخذوها ذرونا نتبعكم .. ). # والمراد بالمخلفين هنا : السابقون الذين وصفوا بأنهم من الأعراب ، فاللام للعهد. # أى : سيقول المخلفون عن الخروج معك يا محمد إلى مكة بعد أن خاب ظنهم ~~فرجعتم سالمين إليهم بعد صلح الحديبية ، سيقولون لك ولأصحابك : ( @QUR@02 ~~ذرونا نتبعكم ) أى : اتركونا لنسير معكم ، لنشارككم في جمع الغنائم التي ~~تنالونها من أعدائكم. # فقوله ( @QUR@01 ذرونا ) بمعنى اتركونا ودعونا. # قال الآلوسى : والمراد بالمغانم هنا : مغانم خيبر كما عليه عامة المفسرين ~~ولم نقف على خلاف في ذلك ، وأيد بأن السين تدل على القرب ، وخيبر أقرب ~~المغانم التي انطلقوا إليها من الحديبية كما علمت ، فإرادتها كالمتعينة ، ~~وقد جاء في الأخبار الصحيحة أن الله تعالى وعد أهل الحديبية أن يعوضهم من ~~مغانم مكة مغانم خيبر ، إذا قفلوا موادعين لا يصيبون شيئا» (1). # وقد كان رجوع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من صلح الحديبية في ذي الحجة ~~من السنة السادسة ، وخروجهم إلى خيبر كان في المحرم من السنة السابعة ، وقد ~~أصاب المسلمون من خيبر غنائم كثيرة ، وقد جعلها صلى الله عليه وسلم لمن شهد ~~معه صلح الحديبية دون غيرهم. # وقوله : ( @QUR@05 يريدون أن يبدلوا كلام الله ) أى : يريد هؤلاء ~~المخلفون بقولهم ( @QUR@02 ذرونا نتبعكم ) أن يغيروا حكم الله تعالى الذي ~~حكم به ، وهو أن غنائم خيبر خاصة لمن شهد صلح الحديبية ، أما هؤلاء ~~المخلفون فلا نصيب لهم فيها. PageV13P271 # ثم لقن الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم الرد الذي يخرسهم فقال : ( ~~@QUR@08 قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل ... ) أى : قل أيها ms5241 الرسول ~~الكريم لهؤلاء المخلفين على سبيل الإقناط والتيئيس والزجر لا تتبعونا ونحن ~~متجهون إلى خيبر لفتحها. فالنفي في قوله ( @QUR@02 لن تتبعونا ) بمعنى ~~النهى للمبالغة في منعهم من الخروج مع المؤمنين إلى خيبر. # وقوله : ( @QUR@05 كذلكم قال الله من قبل ) أى : مثل هذا النهى الصادر ~~منى قد قاله الله تعالى من قبل رجوعنا من الحديبية ، فقد أمرنى بمنعكم من ~~الخروج معى إلى خيبر ، وبحرمانكم من غنائمها ، عقابا لكم على معصيتكم لي ، ~~وعلى سوء ظنكم بي وبأصحابى .. ثم حكى سبحانه ما سيقوله هؤلاء المنافقون بعد ~~مجابهتهم بتلك الحقيقة فقال : ( @QUR@09 فسيقولون بل تحسدوننا ، بل كانوا ~~لا يفقهون إلا قليلا ). # أى : فسيقولون لك أيها الرسول الكريم بعد منعك إياهم من الخروج معكم إلى ~~خيبر ، وبعد أن ذكرت لهم حكم الله فيهم .. سيقولون لك على سبيل السفاهة ~~وسوء الأدب : أنتم أيها المؤمنون تريدون بسبب هذا المنع من الخروج معكم إلى ~~خيبر ، أن تحسدونا وتمنعونا حقنا في الغنيمة ، والله تعالى لم يأمركم ~~بمنعنا ، وإنما أنتم الذين فعلتموه حسدا لنا. # وقوله : ( @QUR@06 بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا ) إضراب عن قولهم هذا ~~على سبيل التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم أى : ليس الحق كما زعموا ، بل ~~الحق أنهم قوم دأبهم الحمق والجهالة ، ولا يفقهون من أمور الدين إلا فقها ~~قليلا ، لا يسمن ولا يغنى من جوع. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما الفرق بين حرفى الإضراب؟ قلت : الأول ~~إضراب معناه : رد أن يكون حكم الله أن لا يتبعوهم وإثبات الحسد. والثاني : ~~إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين ، إلى وصفهم بما هو أطم منه ، ~~وهو الجهل وقلة الفقه .. (1). # ثم فتح سبحانه أمام هؤلاء المخلفين من الأعراب باب التوبة ، فأمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يدعوهم إلى الجهاد معه ، فإن صدقوا أفلحوا ، وإن أعرضوا ~~خسروا فقال : ( @QUR@013 قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس ~~شديد ، تقاتلونهم أو يسلمون ). # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء المخلفين من الأعراب عن الخروج معك ، ~~ستدعون في المستقبل إلى القتال معى لقوم أصحاب ms5242 قوة وشدة في الحرب ، فيكون ~~بينكم وبينهم أمران لا ثالث لهما : إما قتالكم لهم ، وإما الإسلام منهم. # «فأو» في قوله ( @QUR@02 أو يسلمون ) للتنويع والحصر. وجملة «تقاتلونهم ~~أو يسلمون» PageV13P272 # مستأنفة للتعليل ، كما في قوله : سيدعوك الأمير للقائه يكرمك أو يخزى عدوك. # وقد اختلف المفسرون في المراد بهؤلاء القوم أولى البأس الشديد ، فمنهم من ~~قال : فارس والروم ، ومنهم من قال : بنو حنيفة أتباع مسيلمة الكذاب. # والذي عليه المحققون من العلماء أن المقصود بهم : هوازن وثقيف الذين ~~التقى بهم المسلمون في غزوة حنين بعد فتح مكة. # وذلك لأن عددا كبيرا من تلك القبائل المتخلفة قد اشتركت في تلك الغزوة ، ~~حتى لقد بلغ عدد المسلمين فيها ما يقرب من اثنى عشر ألفا ، ولأن أهل هوازن ~~وثقيف قد كانوا يجيدون الرماية والكر والفر ، فاستطاعوا في أول المعركة بعد ~~أن اغتر المسلمون بقوتهم أن يفرقوا بعض صفوف المسلمين ، ثم تجمع المسلمون ~~بعد ذلك وانتصروا عليهم ، ثم كانت النتيجة أن انتهت تلك الغزوة بإسلام ~~هوازن وثقيف. كما هو معروف في كتب السيرة. # ولقد أشار القرآن الكريم إلى ما كان بين المسلمين وبين هوازن وثقيف من ~~قتال في قوله تعالى : ( @QUR@053 لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين ~~إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ، وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ، ثم ~~وليتم مدبرين. ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ، وأنزل جنودا ~~لم تروها ، وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين. ثم يتوب الله من بعد ذلك ~~على من يشاء ، والله غفور رحيم ) (1). # وقد رجح فضيلة شيخنا الدكتور أحمد السيد الكومى أن يكون المقصود بالقوم ~~أولى البأس الشديد هوازن وثقيف ، فقال ما ملخصه : وتكاد تنفق كتب السيرة ~~على أن الجيش الذي ذهب لفتح مكة ، ثم ذهب بعد ذلك إلى غزو هوازن وثقيف يوم ~~حنين ، كان يضم بين جوانحه العدد الكثير من قبائل أسلم وأشجع وجهينة وغفار ~~ومزينة. # وإذن فالأمر المحقق أن القبائل المتخلفة يوم الحديبية ، ساهمت في الجهاد ~~بقسط وافر يوم فتح مكة ، ويوم حنين .. # وقد أقام المسلمون ms5243 بمكة بعد أن فتحوها بدون قتال يذكر خمسة عشر يوما .. ~~ثم ذهبوا لقتال هوازن وثقيف .. وكانوا رماة مهرة ذوى مهارة حربية ، ودراية ~~بفنون القتال فهزموا المسلمين في أول الأمر ، ثم هزمهم المسلمون. # ومن كل ذلك يترجح الحكم بأن هؤلاء القوم هم هوازن ، وأن كثيرا من ~~المخلفين أسلم PageV13P273 # إسلاما خالصا ، وحسنت توبته .. (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@015 فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا ، وإن تتولوا ~~كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما ) بيان للثواب العظيم الذي أعده ~~سبحانه للطائفين ، وللعذاب الأليم الذي توعد به الفاسقين. # أى : فإن تطيعوا أيها المخالفون رسولكم صلى الله عليه وسلم يؤتكم الله من ~~فضله أجرا حسنا ، وإن تتولوا وتعرضوا عن الطاعة ، كما أعرضتم من قبل في صلح ~~الحديبية عن طاعته ، يعذبكم سبحانه عذابا أليما. # ثم ختم سبحانه هذه الآيات برفع الحرج عن الذين تخلفوا لأعذار حقيقة فقال ~~: ( @QUR@012 ليس على الأعمى حرج ، ولا على الأعرج حرج ، ولا على المريض ~~حرج .. ). # أى : ليس على هؤلاء إثم في التخلف عن الجهاد ، لما بهم من الأعذار ~~والعاهات المرخصة لهم في التخلف عنه. # ( @QUR@04 ومن يطع الله ورسوله ) فيما أمرا به أو نهيا عنه ، ( @QUR@08 ~~يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ، ومن يتول ) عن طاعتهما ( @QUR@01 يعذبه ~~) الله تعالى ( @QUR@02 عذابا أليما ) لا يقادر قدره. # ثم بشر الله تعالى المؤمنين الصادقين ببشارات متنوعة ، ومدحهم مدحا عظيما ~~، وبين سبحانه أن سنته في خلقه لن تتخلف ، فقال تعالى : # ( @QUR@019 لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في ~~قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا (18) @QUR@07 ومغانم كثيرة ~~يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما (19) @QUR@017 وعدكم الله مغانم كثيرة ~~تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا PageV13P274 # @QUR@01 مستقيما (20) @QUR@014 وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها ~~وكان الله على كل شيء قديرا (21) @QUR@012 ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا ~~الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا (22) @QUR@012 سنة الله التي قد خلت من ~~قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (23) @QUR@019 وهو الذي كف أيديهم عنكم ~~وأيديكم عنهم ببطن مكة من ms5244 بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا ) (24) # واللام في قوله تعالى : ( @QUR@09 لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك ~~تحت الشجرة ... ) # هي الموطئة للقسم ، وتسمى هذه البيعة بيعة الرضوان. # والشجرة : كانت بالحديبية ، وقد جلس صلى الله عليه وسلم تحتها ليبايع أصحابه ~~على الموت أو على عدم الفرار ، فبايعوه على ذلك ما عدا بعض المنافقين ، وقد ~~كان الناس بعد ذلك يترددون على تلك الشجرة ويصلون تحتها ، ويدعون الله ~~تعالى .. فأمر عمر رضى الله عنه قطعها خشية الافتتان بها. أى : والله لقد ~~رضى الله تعالى عن المؤمنين الذين بايعوك أيها الرسول الكريم تحت الشجرة ، ~~على الموت من أجل إعلاء كلمة ربهم. # وفي هذه الجملة أسمى وأعلى ما يتمناه إنسان ، وهو رضا الله تعالى عنه ~~ودخوله في زمرة العباد الذين ظفروا بمغفرته سبحانه ورحمته. # قال الآلوسى رحمه الله : والتعبير بالمضارع لاستحضار صورة هذه المبايعة. ~~وقوله سبحانه : ( @QUR@02 تحت الشجرة ) متعلق بيبايعونك ... وفي التقييد ~~بذلك إشارة إلى مزيد وقع تلك المبايعة في النفوس. ولذا استوجبت رضا الله ~~تعالى الذي لا يعادله شيء ، ويستتبع مالا يكاد يخطر على البال. # ويكفى فيما ترتب على ذلك ما أخرجه أحمد عن جابر ، ومسلم عن أم بشر ، عنه ~~، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت ~~الشجرة» .. # وصح برواية الشيخين وغيرهما في أولئك المؤمنين من حديث جابر ، أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال لهم PageV13P275 # «أنتم خير أهل الأرض ..» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@010 فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم ، ~~وأثابهم فتحا قريبا ) بشارة أخرى لهؤلاء المؤمنين الصادقين. # أى : لقد رضى سبحانه عن الذين بايعوك تحت الشجرة أيها الرسول الكريم حيث ~~علم ما في قلوبهم من الصدق والإخلاص وإيثار الآخرة على الأولى ، فأنزل ~~السكينة والطمأنينة والأمان عليهم ، ( @QUR@01 وأثابهم ) أى : وأعطاهم ~~ومنحهم فتحا قريبا ، وهو فتح خيبر ، الذي كان بعد صلح الحديبية بأقل من شهرين. # وقيل المراد به : فتح مكة ، والأول أرجح ، لأن فتح خيبر لم يكن فتح أقرب ~~منه ، ولأن المسلمين قد أصابوا من فتح ms5245 خيبر غنائم كثيرة. # وقد أشار سبحانه بعد ذلك إلى تلك الغنائم فقال : ( @QUR@03 ومغانم كثيرة ~~يأخذونها ... ). # أى : وأثابكم مغانم كثيرة تأخذونها من خيبر. ( @QUR@02 وكان الله ) تعالى ~~وما زال ( @QUR@01 عزيزا ) أى : غالبا ( @QUR@01 حكيما ) في كل أفعاله ~~وأحكامه. # ( @QUR@05 وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها ... ) أيها المؤمنون من ~~أعدائكم في مستقبل أيامكم. # وقد صدق الله تعالى وعده معهم ، فلقد غنموا بعد ذلك من بلاد فارس والروم ~~وغيرهما. # والإشارة في قوله ( @QUR@03 فعجل لكم هذه ) تعود إلى مغانم خيبر ، كما ~~روى عن مجاهد وعليه يكون المراد بالناس في قوله : ( @QUR@04 وكف أيدي الناس ~~عنكم ) أهل خيبر وحلفاءهم من بنى أسد وغطفان حين جاءوا لنصرة يهود خيبر ، ~~فألقى الله الخوف في قلوبهم جميعا. # ويرى بعض المفسرين أن الإشارة في قوله : ( @QUR@03 فعجل لكم هذه ) إلى ~~صلح الحديبية وقد روى ذلك عن ابن عباس. # وعليه يكون المراد بالناس في قوله : ( @QUR@04 وكف أيدي الناس عنكم ) ~~مشركي قريش ، أى : منعهم من حربكم ، بأن قذف في قلوبهم الرعب منكم. # ويبدو لنا أن هذا الرأى الذي قاله ابن عباس رضى الله عنهما هو الأقرب إلى ~~الصواب ، لأنه يتسق مع سياق الآيات ، ولأنه يؤكد أن صلح الحديبية كان فتحا ~~ومغنما ، كان فتحا بدليل قول الرسول صلى الله عليه وسلم لمن شك في ذلك : «أى ~~والذي نفسي بيده إنه لفتح» PageV13P276 # وكان مغنما لأن المسلمين غنموا من ورائه انتشار الدعوة الإسلامية في آفاق الأرض. # واللام في قوله : ( @QUR@03 ولتكون آية للمؤمنين ) متعلقة بمحذوف ، أى ~~فعل ما فعل من التعجيل والكف لتكون تلك النعم والبشارات علامات للمؤمنين ~~على رعاية الله تعالى لهم ، ورضاه عنهم. # ( @QUR@01 ويهديكم ) أيها المؤمنون ( @QUR@02 صراطا مستقيما ) أى : طريقا ~~واضحا قويما ، به تصلون إلى ما تبغونه من عزة وأمان. # وقوله : ( @QUR@08 وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها ... ) معطوف ~~على ( @QUR@01 هذه ). # أى : فعجل لكم هذه المغانم ، وعجل لكم مغانم أخرى ، لم تقدروا على الحصول ~~عليها قبل ذلك لبعدها عن أن تنالها أيديكم. وقد أحاط الله بها لأنه سبحانه ~~لا يعجزه شيء ( @QUR@06 وكان الله على كل شيء قديرا ). # وتختلف ms5246 الأقوال في هذه المغانم الأخرى فمنهم من يرى أنها فتح مكة ، ومنهم ~~من يرى أنها فتح خيبر. ومنهم من يرى أنها مغانم هوازن وثقيف ، ومنهم من يرى ~~أنها مغانم المسلمين من الفرس والروم. # ويبدو لنا أن أرجح هذه الأقوال أولها ، لأنه ترتب على هذا الصلح في ~~الحديبية أن فتحت مكة بعد سنتين منه ، بسبب نقض المشركين له ، وقد تم فتحا ~~بدون قتال يذكر ، بعد أن حدث ما حدث بين المسلمين وبين مشركي مكة من قتال ~~انتصر فيه المسلمون تارة كغزوة بدر ، وانتصر فيه المشركون أخرى كغزوة أحد ... # فالمسلمون لم يقدروا على دخول مكة إلا في عام الفتح ، وبعد أن أحاط الله ~~تعالى بها بقدرته التي لا يغلبها شيء ، وبعد أن استعصت على المسلمين زمنا ~~طويلا ، وقد سلمها سبحانه لهم بأقل أنواع القتال ( @QUR@06 وكان الله على ~~كل شيء قديرا ). # والذي يتأمل في هذه الآيات الكريمة يرى الله تعالى ، قد بشر المسلمين ~~الذين شهدوا صلح الحديبية ببشارات متعددة. # بشرهم أولا برضاه عنهم وهذه أسمى بشارة وأعلاها .. # وبشرهم ثانيا بتفضله عليهم بمنحهم السكينة والطمأنينة التي تجعلهم في ~~ثبات وأمان .. # وبشرهم ثالثا بفتوحات وغنائم منها القريب العاجل ، ومنها الآجل المتحقق ، ~~الذي يكاد لتحققه أن يشاهدوه بأعينهم لأن الله تعالى وعد به ووعده لا يتخلف. PageV13P277 # ثم بشرهم رابعا بأنهم هم المنصورون لأن سنته قد اقتضت ذلك ، فقال : ( ~~@QUR@06 ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ... ) وتولية الأدبار كناية ~~عن الهزيمة ، لأن المنهزم يعطى ظهره لمن انتصر عليه. أى : ولو قاتلكم الذين ~~كفروا وأنتم على تلك الحالة من قوة الإيمان ، وصدق العهد ، وإخلاص النية ، ~~وحسن الاستعداد ، ومباشرة الأسباب .. لولوا الأدبار أمامكم ( @QUR@04 ثم لا ~~يجدون وليا ) يعينهم ( @QUR@02 ولا نصيرا ) لنصرهم. # وقوله ( @QUR@07 سنة الله التي قد خلت من قبل .. ) زيادة في تثبيتهم وفي ~~إدخال السرور على قلوبهم .. ولفظ ( @QUR@01 سنة ) منصوب على المصدرية بفعل ~~محذوف. أى : سن الله انتصار أهل الحق على أهل الباطل سنة قديمة وممتدة إلى ~~أن يرث الله الأرض ومن عليها. # ( @QUR@02 ولن تجد ) أيها العاقل ( @QUR@02 لسنة الله ) تعالى ms5247 ( @QUR@01 ~~تبديلا ) أو تغييرا أو تحويلا. # وفي هذا المعنى وردت آيات كثيرة ، منها قوله تعالى : ( @QUR@012 ولقد ~~سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين. إنهم لهم المنصورون. وإن جندنا لهم الغالبون ~~) (1). # ثم ذكرهم سبحانه بنعمة من نعمه التي أنعمها عليهم في رحلتهم هذه التي ~~انتهت بصلح الحديبية فقال : ( @QUR@014 وهو الذي كف أيديهم عنكم ، وأيديكم ~~عنهم ، ببطن مكة ، من بعد أن أظفركم عليهم .. ). # والمراد ببطن مكة : الحديبية ، وسميت بذلك لأنها قريبة من مكة. أى : وهو ~~سبحانه الذي منع المشركين بقدرته وحكمته من مهاجمتكم والاعتداء عليكم ، ~~ومنعكم من مهاجمتهم وقتالهم ، في هذا المكان القريب من مكة ، وكان ذلك بعد ~~أن نصركم عليهم ، وجعلكم أعلى منهم في القوة والحجة والثبات ، وكان سبحانه ~~وما زال ( @QUR@03 بما تعملون بصيرا ). # وقد ذكروا في هذا الظفر روايات منها ما أخرجه الإمام مسلم وغيره عن أنس ~~قال : لما كان يوم الحديبية ، هبط على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ~~ثمانون رجلا من أهل مكة في السلاح ، من قبل جبل التنعيم ، يريدون غرة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فدعا عليهم ، فأخذوا فعفا عنهم ، فنزلت هذه الآية» (2). # فالآية الكريمة تذكير من الله تعالى لعباده المؤمنين ، بجانب من نعمه ~~عليهم ، ورحمته بهم. وهو تذكير يتعلق بأمور شاهدوها بأعينهم ، وعاشوا ~~أحداثها ، وعند ما يأتى التذكير بالأمور المشاهدة المحسوسة ، يكون أدعى إلى ~~الشكر لله عز وجل . PageV13P278 # ثم ذكرهم سبحانه بنعمة أخرى من نعمه عليهم ، وكشف لهم عن جانب من حكمته ~~في منع القتال بينهم وبين مشركي مكة ، وفي هدايتهم إلى هذا الصلح فقال : # ( @QUR@041 هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن ~~يبلغ محله ولو لا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم فتصيبكم ~~منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين ~~كفروا منهم عذابا أليما (25) @QUR@028 إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية ~~حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة ~~التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليما ) (26) # والمراد بالذين كفروا في ms5248 قوله تعالى : ( @QUR@04 هم الذين كفروا وصدوكم ) ~~مشركو قريش ، الذين منعوا النبي صلى الله عليه وسلم من دخول مكة ، ومن الطواف ~~بالبيت الحرام. # والهدى : مصدر بمعنى المفعول ، أى : المهدى ، والمقصود به ما يهدى إلى ~~بيت الله الحرام من الإبل والبقر والغنم ، ليذبح تقربا إلى الله تعالى وكان ~~مع المسلمين في رحلتهم هذه التي تم فيها صلح الحديبية سبعون بدنة على ~~المشهور . ولفظ الهدى قرأه الجمهور بالنصب عطفا على الضمير المنصوب في قوله ~~: ( @QUR@01 صدوكم ) وقرأه أبو عمرو بالجر عطفا على المسجد .. # وقوله : ( @QUR@01 معكوفا ) أى : محبوسا. يقال : عكفه يعكفه عكفا ، إذا ~~حبسه ومنه الاعتكاف في المسجد ، بمعنى الاحتباس فيه ، وهو حال من الهدى. # وقوله : ( @QUR@03 أن يبلغ محله ) منصوب بنزع الخافض ، أى : عن أن يبلغ ~~محله ، أى : مكانه الذي يذبح فيه وهو منى. PageV13P279 # والتعبير بقوله : ( @QUR@03 هم الذين كفروا .. ) تصريح بذمهم وتوبيخهم ~~على موقفهم المشين من المؤمنين ، الذين لم يأتوا إلى مكة لحرب ، وإنما أتوا ~~لأداء شعيرة من شعائر الله. # أى : هم في ميزان الله واعتباره الكافرون حقا. لأنهم صدوكم ومنعوكم أيها ~~المؤمنون عن دخول المسجد الحرام ، وعن الطواف به ، ولم يكتفوا بذلك ، بل ~~منعوا الهدى المحبوس من أجل ذبحه على سبيل التقرب به إلى الله تعالى من ~~الوصول إلى محله الذي يذبح فيه في العادة وهو منى. # قال القرطبي ما ملخصه : «قوله : ( @QUR@02 والهدي معكوفا ) أى : محبوسا ~~..... ( @QUR@03 أن يبلغ محله ). أى : منحره .. والمحل بالكسر غاية الشيء ~~، وبالفتح : هو الموضع الذي يحله الناس ، وكان الهدى سبعين بدنة ، ولكن ~~الله تعالى بفضله جعل ذلك الموضع وهو الحديبية له محلا. # وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال : نحرنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عام الحديبية البدنة عن سبعة ، والبقرة عن سبعة ... # وفي البخاري عن ابن عمر قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~معتمرين ، فحال كفار قريش دون البيت فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدنة ~~وحلق رأسه ..» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@015 ولو لا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن ~~تطؤهم فتصيبكم ms5249 منهم معرة بغير علم ... ) بيان لحكمة الله تعالى في منع ~~الحرب بين الفريقين. # وجواب «لو لا» محذوف لدلالة الكلام عليه. والمراد بالرجال المؤمنين ~~وبالنساء المؤمنات : سبع رجال وامرأتان كانوا بمكة. # قال الآلوسى : «وكانوا على ما أخرج أبو نعيم بسند جيد وغيره عن أبى جمعة ~~جنبذ بن سبع تسعة نفر : سبعة رجال وهو منهم وامرأتين. # وجملة ( @QUR@02 لم تعلموهم ) صفة رجال ونساء على تغليب المذكر على ~~المؤنث. # وقوله ( @QUR@02 أن تطؤهم ) بدل اشتمال من رجال ونساء ، والوطء الدوس ، ~~والمراد به هنا الإهلاك. وقوله : ( @QUR@01 معرة ) أى : مكروه وأذى. يقال : ~~عره يعره عرا ، إذا أصابه بمكروه ، وأصله من العر وهو الجرب. # والمراد به هنا : تعيير الكفار للمؤمنين بقولهم : لقد قتلتم من هم على دينكم. PageV13P280 # والمعنى : ولو لا كراهة أن تهلكوا أيها المؤمنين أناسا مؤمنين موجودين في ~~مكة بين كفارها ، وأنتم لا تعرفونهم ، فيصيبكم بسبب إهلاكهم مكروه ، لو لا ~~كل ذلك لما كف أيديكم عن كفار مكة ، بل لسلطكم عليهم لكي تقتلوهم. # واللام في قوله سبحانه : ( @QUR@06 ليدخل الله في رحمته من يشاء ) متعلقة ~~بما يدل عليه جواب لو لا المقدر. # أى : لو لا ذلك لما كف أيديكم عن كفار مكة ، ولكنه سبحانه كف أيديكم عنهم ~~، ليدخل في رحمته بسبب هذا الكف من يشاء من عباده ، وعلى رأس هؤلاء العباد ~~، المؤمنون والمؤمنات الذين كانوا في مكة ، والذين اقتضت رحمته أن يتمم لهم ~~أجورهم بإخراجهم من بين ظهراني الكفار ، ويفك أسرهم ، ويرفع ما كان ينزل ~~بهم من العذاب ... # كذلك قد شملت رحمته تعالى بعض كفار مكة ، الذين تركوا بعد ذلك الكفر ~~ودخلوا في الإسلام ، كأبى سفيان وغيره من الذين أسلموا بعد فتح مكة أو بعد ~~صلح الحديبية. # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما ~~) تأكيد لما دل عليه الكلام السابق ، من أن حكمته تعالى قد اقتضت كف أيدى ~~المؤمنين عن الكافرين ، رحمة بالمؤمنين الذين يعيشون في مكة مع هؤلاء ~~الكافرين. # وقوله ( @QUR@01 تزيلوا ) أى : تميزوا. يقال : زلته زيلا ، أى : مزته ، ~~وزيله فتزيل أى : فرقه فتفرق أى ms5250 : لو تميز هؤلاء المؤمنون والمؤمنات الذين ~~يعيشون في مكة عن كفارها وفارقوهم وخرجوا منها ، وانعزلوا عنهم ، لعذبنا ~~الذين كفروا منهم عذابا أليما ، تارة عن طريق إهلاكهم ، وتارة عن طريق ~~إذلالهم وأخذهم أسرى ، و «من» في قوله ( @QUR@01 منهم ) للبيان لا للتبعيض. # ثم بين سبحانه ما كان عليه المشركون من جهالات وحماقات استولت على نفوسهم ~~فقال : ( @QUR@09 إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ). # والظرف ( @QUR@01 إذ ) منصوب بفعل مقدر. والحمية : الأنفة والتكبر ~~والغرور والتعالي بغير حق. يقال : حمى أنفه من الشيء كرضى إذا غضب منه ، ~~وأعرض عنه. # أى : واذكر أيها العاقل وقت أن تمسك الكافرون وقيدوا أنفسهم بالحمية ~~الباطلة ، التي هي حمية الملة الجاهلية ، حيث منعوا المسلمين من دخول مكة ، ~~ومن الطواف بالمسجد الحرام ، وحيث منعوا الهدى من أن يبلغ محله ، وحيث أبوا ~~أن يكتب في الصحيفة التي عقدت بينهم وبين المسلمين ، بسم الله الرحمن ~~الرحيم ، أو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ... فهذا كله من حميتهم ~~الجاهلية التي لا أساس لها من علم أو خلق أو دين .... PageV13P281 # وقوله : ( @QUR@010 فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم ~~كلمة التقوى .. ) معطوف على ما قبله ، للمقابلة بين حال الفريقين ، مقابلة ~~تتجلى فيها رعايته سبحانه للمؤمنين ، وغضبه على الكافرين. أى : هذا هو حال ~~الكافرين ، رسخت الجهالات في قلوبهم حتى صرفتهم عن سبيل الرشد ، أما حال ~~المؤمنين فإنهم قابلوا تصرفات هؤلاء الكافرين بالاحتقار والازدراء ومبايعة ~~رسولهم صلى الله عليه وسلم على الموت إذا لزم الأمر ذلك. # فأنزل الله تعالى طمأنينته وسكينته على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعلى قلوب أصحابه ، حيث لم يجعلهم يقابلون سفاهات المشركين بسفاهات مثلها ... # ( @QUR@03 وألزمهم كلمة التقوى ) أى : وجعلهم ملتزمين بما تقتضيه كلمة ~~التقوى ، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، من أناة ~~وسكون وثبات ووقار وخلق كريم وإخلاص في الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله. # ( @QUR@04 وكانوا أحق بها وأهلها ) أى : وكان المؤمنون أحق بهذه الكلمة ~~من الكفار ، وكانوا أهلا لها دون الكفار ، لأن ms5251 المؤمنين استجابوا للحق. أما ~~الكافرون فقد أنفوا منه ، وتطاولوا عليه ، بمقتضى حميتهم الجاهلية ... ( ~~@QUR@01 وكان ) سبحانه وما زال ( @QUR@03 بكل شيء عليما ) لا يخفى عليه أمر ~~، ولا يغيب عن علمه شيء ، والمتأمل في هذه الآية الكريمة يرى ألوانا من ~~المقابلات التي تدل على مدح الله تعالى للمؤمنين ، وعلى احتقاره للكافرين. # فقد عبر سبحانه في جانب الكافرين بكلمة جعل التي تشعر بأن الكافرين كأنهم ~~قد ألقوا هذه الحمية الجاهلية في قلوبهم إلقاء بدون تعقل أو تدبر ، بينما ~~عبر في جانب المؤمنين بكلمة أنزل التي تشعر كأن السكينة كانت في خزائنه ~~تعالى ثم أنزلها بعد ذلك على قلب رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى قلوب المؤمنين ~~، ليزدادوا إيمانا على إيمانهم .. # ونرى الفاعل لجعل هو الذين كفروا ، بينما الفاعل لأنزل هو الله عز وجل . # ونرى المفعول لجعل هو الحمية ، وهي كلمة مشتعلة منفرة ، وقد كررها سبحانه ~~ليزداد العقلاء نفورا منها .. ونرى المفعول لأنزل هو السكينة وهي كلمة فيها ~~ما فيها من الوقار والسكون والثبات والطمأنينة. # ونرى الحمية قد أضيفت إلى الجاهلية ، بينما السكينة أضيفت إلى الله تعالى . # ونرى أن الله تعالى قد أضاف كل ذلك مدحا عظيما لعباده المؤمنين حيث ~~ألزمهم كلمة التقوى ، وجعلهم أحق بها وأهلا لها دون أعدائهم الذين آثروا ~~الغي على الرشد ، والباطل على الحق ... وفي ذلك ما فيه من الثناء على ~~المؤمنين والتحقير للكافرين. PageV13P282 # ثم أكد الله تعالى صدق ما شاهده النبي صلى الله عليه وسلم في رؤياه ، وبين ~~الحكمة التي من أجلها أرسله إلى الناس كافة فقال تعالى : # ( @QUR@028 لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء ~~الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ~~ذلك فتحا قريبا (27) @QUR@014 هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره ~~على الدين كله وكفى بالله شهيدا ) (28) # قال الآلوسى ما ملخصه : «رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام قبل ~~خروجه إلى الحديبية ، أنه هو وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين ، وقد حلقوا ~~وقصروا ، فقص الرؤيا على ms5252 أصحابه ، ففرحوا واستبشروا ، وظنوا أنهم سيدخلونها ~~في عامهم هذا ، وقالوا : إن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم حق ، فلما تأخر ~~ذلك قال بعض المنافقين على سبيل التشكيك والاعتراض والله ما حلقنا ولا ~~قصرنا ، ولا رأينا المسجد الحرام ، فنزلت هذه الآية. # وقد روى عن عمر رضى الله عنه أنه قال نحو ذلك على سبيل الفهم والاستكشاف ~~ليزداد يقينه ... # والصدق يكون بالقول ويكون بالفعل ، وما في الآية صدق بالفعل ، وهو ~~التحقيق ، أى حقق سبحانه للرسول رؤيته ..» (1). # وقوله ( @QUR@01 بالحق ) صفة لمصدر محذوف ، أى : صدقا ملتبسا بالحق ، أو ~~بمحذوف على أنه حال من الرؤيا ، أى : رؤيا ملتبسة بالحق. # والمعنى : والله لقد أرينا رسولنا محمدا صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصادقة ~~التي لا تتخلف ، ولا يحوم حولها ريب أو شك ، وحققنا له ما اشتملت عليه هذه ~~الرؤيا من بشارات سارة ، وعطايا كريمة ، على حسب ما اقتضته حكمتنا ~~وإرادتنا. # وقوله : ( @QUR@010 لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤسكم ~~ومقصرين PageV13P283 # @QUR@02 لا تخافون .. ) جواب لقسم محذوف ، وقوله : ( @QUR@01 آمنين ) وما ~~بعده ، حال من فاعل ( @QUR@01 لتدخلن ).. أى : والله لتدخلن أيها المؤمنون ~~المسجد الحرام في عامكم المقبل إن شاء الله ، حالة كونكم آمنين من كل فزع ، ~~وحالة كونكم بعضكم يحلق شعر رأسه كله ، وبعضكم يكتفى بقص جزء منه ، وحالة ~~كونكم لا تخافون أذى المشركين بعد ذلك. # وقوله : ( @QUR@03 إن شاء الله ) فيه ما فيه من الإشعار بأن الرؤيا مع ~~صدقها ، تحقيقها موكول إلى مشيئة الله تعالى وإلى قدرته ، لا إلى أحد سواه ~~، وفيه ما فيه من تعليم الناس وإرشادهم إلى أنهم يجب عليهم أن يقولوا ذلك ~~ويعتقدوه عند إرادتهم لفعل من الأفعال ، كما قال تعالى ( @QUR@011 ولا ~~تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله .. ). # قال بعض العلماء : «إن الله تعالى استثنى فيما يعلم ، ليستثني الخلق فيما ~~لا يعلمون. # ويرى بعضهم : أن الاستثناء هنا لتحقيق الخبر وتأكيده. # واستدل بعضهم بهذه الآية على أن الحلق غير متعين في النسك ، بل يجزئ عنه ~~التقصير ، إلا أن الحلق أفضل ، فقد أخرج الشيخان ms5253 وغيرهما عن أبى هريرة قال ~~: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اللهم اغفر للمحلقين» قالوا : يا رسول ~~الله ، والمقصرين ، قال اللهم اغفر للمحلقين ، قالوا : يا رسول الله ، ~~والمقصرين ، قال اللهم اغفر للمحلقين .. ثم قال بعد الثالثة : والمقصرين». # واستدل بها أيضا على أن التقصير للرأس دون اللحية ، ودون سائر شعر البدن ~~، إذ الظاهر أن المراد : ومقصرين شعر رءوسكم» (1). # وقوله : ( @QUR@02 لا تخافون ) تأكيد وتقرير لقوله ( @QUR@01 آمنين ) أى ~~: آمنين عند دخولكم مكة للعمرة ولا تخافون بعد إتمامها ، لأن عناية الله ~~تعالى ورعايته معكم ... # وقوله : ( @QUR@010 فعلم ما لم تعلموا ، فجعل من دون ذلك فتحا قريبا ) ~~بيان للحكمة في تأخير دخولهم مكة عام الحديبية ، وتمكينهم من دخولها في ~~العام الذي يليه. # والجملة الكريمة معطوفة على قوله : ( @QUR@04 لقد صدق الله رسوله ... ) ~~أى : والله لقد حقق الله تعالى لرسوله رؤياه في دخول مكة ، ولكن في الوقت ~~الذي يشاؤه ويختاره وتقتضيه حكمته ، لأنه تعالى علم ما لم تعلموه أنتم من ~~أن المصلحة في عدم دخولكم مكة في عام صلح الحديبية ، وأن هذا الصلح هو خير ~~لكم من دخولها ، لما يترتب عليه من منافع كثيرة لكم ، وقد جعل سبحانه بفضله ~~وإحسانه ( @QUR@03 من دون ذلك ) أى : من قبل دخولكم مكة ، وطوافكم بالمسجد ~~الحرام ( @QUR@02 فتحا قريبا ) هو فتح خيبر الذي خرجتم منه بالغنائم ~~الوفيرة ، أو فتح PageV13P284 # خيبر ومعه صلح الحديبية ، الذي قال فيه الزهري لا فتح في الإسلام كان ~~أعظم من صلح الحديبية ... # هذا ، وقد بسط الإمام ابن كثير ما أصابه المسلمون بعد صلح الحديبية من ~~خيرات فقال ما ملخصه : «ورجع الرسول صلى الله عليه وسلم من الحديبية في ذي ~~القعدة من السنة السادسة .. ثم خرج في المحرم من السنة السابعة إلى خيبر ، ~~ففتحها الله تعالى عليه ... # فلما كان في ذي القعدة من السنة السابعة ، خرج إلى مكة معتمرا ، هو وأهل ~~الحديبية ، فأحرم من ذي الحليفة ، وساق معه الهدى ... وسار إلى مكة بالسيوف ~~مغمدة في قربها. فدخلها وبين يديه أصحابه يلبون ، وعبد الله بن رواحه آخذ ~~بزمام ناقة الرسول صلى ms5254 الله عليه وسلم وينشد ويقول : # خلوا بنى الكفار عن سبيله %~% إنى شهيد أنه رسوله # وخرج المشركون من مكة لكي لا يروا الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، أما ~~النساء والأطفال فقد جلسوا على الطرق ينظرون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وإلى المؤمنين .. # ومكث الرسول وأصحابه بمكة ثلاثة أيام اعتمر خلالها هو وأصحابه ، ثم عادوا ~~إلى المدينة» (1). # وهكذا تحققت رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي أراده سبحانه ~~ثم بين سبحانه الحكمة من إرساله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فقال : ( ~~@QUR@011 هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ، ليظهره على الدين كله ).. # أى : هو عز وجل وحده ، الذي أرسل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم إرسالا ~~ملتبسا بالهدى ، أى : بالدليل الواضح والبرهان الساطع الذي يهدى للطريق ~~التي هي أقوم .. # وأرسله أيضا بالدين الحق وهو دين الإسلام ، الذي هو خاتم الأديان وأكملها ~~، ( @QUR@04 ليظهره على الدين كله ) أى : من أجل أن يظهره ويعليه على جميع ~~الأديان ، لما فيه من هدايات ، وعبادات ، وآداب ، وأحكام ، وتشريعات ، قد ~~جمعت محاسن الأديان السابقة التي جاء بها الأنبياء ، وأضافت إليها جديدا ~~اقتضته حكمة الله تعالى ورحمته بهذه الأمة التي أرسل رسوله محمدا إليها. # وقد بين سبحانه أن هذا الدين هو المقبول عنده دون سواه ، فقال ( @QUR@013 ~~ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ، وهو في الآخرة من الخاسرين ). PageV13P285 # ولقد ظهر هذا الدين فعم المشارق والمغارب ، وسيبقى بإذن الله ظاهرا على ~~الأديان كلها بقوة حجته ، ونصاعة براهينه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. # والباء في قوله : ( @QUR@03 وكفى بالله شهيدا ) مزيدة لتأكيد هذا ~~الإظهار. # أى : وكفى بشهادة الله تعالى شهادة على حقية هذا الدين ، وعلى هذا ~~الإظهار الذي تكفل الله تعالى به لدين الإسلام. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بهذه الآية التي فيها ما فيها من الثناء ~~على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه ، الذين رضى عنهم وأرضاهم فقال : # ( @QUR@054 محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ~~تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا ms5255 من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر ~~السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره ~~فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما ) (29) # وقوله تعالى : ( @QUR@03 محمد رسول الله ) مبتدأ وخبر ، أو ( @QUR@01 ~~محمد ) خبر لمبتدأ محذوف ، و ( @QUR@02 رسول الله ) بدل أو عطف بيان من ~~الاسم الشريف. أى : هذا الرسول الذي أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق ، ~~هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ( @QUR@02 والذين معه ) وهم أصحابه وعلى ~~رأسهم من شهد معه صلح الحديبية ، وبايعه تحت الشجرة من صفاتهم أنهم ( ~~@QUR@03 أشداء على الكفار ) أى : غلاظ عليهم ، وأنهم ( @QUR@02 رحماء بينهم ). # أى : أنهم مع إخوانهم المؤمنين يتوادون ويتعاطفون ويتعاونون على البر ~~والتقوى ... # وقوله تعالى ( @QUR@03 محمد رسول الله ) فيه أسمى التكريم للرسول ~~صلى الله عليه وسلم حيث شهد له سبحانه بهذه الصفة ، وكفى بشهادته عز وجل شهادة ~~، وحيث قدم الحديث عنه بأنه أرسله بالهدى ودين الحق ، ثم أخر اسمه الشريف ~~على سبيل التنويه بفضله ، والتشويق إلى اسمه. PageV13P286 # وفي وصف أصحابه بأنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم ، مدح عظيم لهم ، ~~وجمع بين الوصفين على سبيل الاحتراس ، فهم ليسوا أشداء مطلقا ، ولا رحماء ~~مطلقا ، وإنما شدتهم على أعدائهم ، ورحمتهم لإخوانهم في العقيدة ، وشبيه ~~بهذه الآية قوله تعالى ( @QUR@029 يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن ~~دينه ، فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ، أذلة على المؤمنين ، أعزة على ~~الكافرين ، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ... ) (1). # قال صاحب الكشاف : «وعن الحسن أنه قال : «بلغ من تشددهم على الكفار أنهم ~~كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم ، ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم ، ~~وبلغ من تراحمهم فيما بينهم ، أنه كان لا يرى مؤمن مؤمنا إلا صافحه ..» (2). # وأسمى من هذا كله في بيان تراحمهم قوله تعالى : ( @QUR@07 ويؤثرون على ~~أنفسهم ولو كان بهم خصاصة .. ). # ثم وصفهم بوصف آخر فقال : ( @QUR@08 تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ~~ورضوانا ). # أى : تراهم وتشاهدهم أيها العاقل راكعين ms5256 ساجدين محافظين على الصلاة ولا ~~يريدون من وراء ذلك إلا التقرب إلى الله تعالى والظفر برضاه وثوابه .. # ثم وصفهم بوصف ثالث فقال : ( @QUR@06 سيماهم في وجوههم من أثر السجود .. ~~) أى : علامتهم وهو نور يجعله الله تعالى في وجوههم يوم القيامة ، وحسن سمت ~~يعلو وجوههم وجباههم في الدنيا ، من أثر كثرة سجودهم وطاعتهم لله رب ~~العالمين. # فالمقصود بهذه الجملة بيان أن الوضاءة والإشراق والصفاء .. يعلو وجوههم ~~من كثرة الصلاة والعبادة لله ، وليس المقصود أن هناك علامة معينة كالنكتة ~~التي تكون في الوجه كما قد يتبادر إلى بعض الأذهان. # واختار سبحانه لفظ السجود ، لأنه يمثل أعلى درجات العبودية والإخلاص لله ~~تعالى . # قال الآلوسى : «أخرج ابن مردويه بسند حسن عن أبى بن كعب قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : «في قوله تعالى : ( @QUR@06 سيماهم في وجوههم من ~~أثر السجود ) النور يوم القيامة». # ثم قال الآلوسى : ولا يبعد أن يكون النور علامة على وجوههم في الدنيا ~~والآخرة للآثار PageV13P287 # السابقة لكنه لما كان في الآخرة أظهر وأتم خصه النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالذكر ...» (1). # واسم الإشارة في قوله تعالى : ( @QUR@04 ذلك مثلهم في التوراة ) يعود إلى ~~جميع أوصافهم الجليلة السابقة. والمثل هو الصفة العجيبة والقصة ذات الشأن. ~~أى : ذلك الذي ذكرناه عن هؤلاء المؤمنين الصادقين من صفات كريمة تجرى مجرى ~~الأمثال ، صفتهم في التوراة التي أنزلها الله تعالى على نبيه موسى ~~عليه السلام . # ثم بين سبحانه صفتهم في الإنجيل فقال : ( @QUR@013 ومثلهم في الإنجيل : ~~كزرع أخرج شطأه فآزره ، فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع .. ). # وقوله : ( @QUR@03 ومثلهم في الإنجيل ) معطوف على ما قبله وهو مثلهم في ~~التوراة ، والإنجيل : هو الكتاب الذي أنزله الله تعالى على نبيه عيسى ~~عليه السلام . # والشط : فروع الزرع ، وهو ما خرج منه وتفرع على شاطئيه. أى : جانبيه. ~~وجمعه : أشطاء ، وشطوء ، يقال : شطأ الزرع وأشطأ ، إذا أخرج فروعه التي ~~تتولد عن الأصل. # وقوله ( @QUR@01 فآزره ) أى : فقوت تلك الفروع أصولها ، وآزرتها ، ~~وجعلتها مكينة ثابتة في الأرض. وأصله من شد الإزار. تقول : أزرت فلانا ، ~~إذا شددت إزاره ms5257 عليه. وتقول آزرت البناء بالمد والقصر إذا قويت أساسه ~~وقواعده. # ومنه قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام : ( @QUR@010 واجعل لي وزيرا ~~من أهلي. هارون أخي. اشدد به أزري ). # وقوله : ( @QUR@01 فاستغلظ ) أى : فصار الزرع غليظا بعد أن كان رقيقا. # وقوله : ( @QUR@03 فاستوى على سوقه ) أى : فاستقام وتكامل على سيقانه ~~التي يعلو عليها. # وقوله : ( @QUR@02 يعجب الزراع ) أى : يعجب الخبراء بالزراعة لقوته وحسن هيئته. # والمعنى : أن صفة المؤمنين في الإنجيل ، أنهم كالزرع ، يظهر في أول أمره ~~رقيقا ضعيفا متفرقا ، ثم ينبت بعضه حول بعض ، ويغلظ ويتكامل حتى يقوى ويشتد ~~، وتعجب جودته أصحاب الزراعة ، العارفين بها. # فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، كانوا في أول الأمر في قلة وضعف ، ~~ثم لم يزالوا يكثرون ويزدادون قوة ، حتى بلغوا ما بلغوا في ذلك. PageV13P288 # وصدق الله إذ يقول : ( @QUR@019 واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض ~~، تخافون أن يتخطفكم الناس ، فآواكم وأيدكم بنصره ، ورزقكم من الطيبات. ~~لعلكم تشكرون ) (1). # قال صاحب الكشاف : «وهذا مثل ضربه الله تعالى لبدء أمر الإسلام وترقيه في ~~الزيادة إلى أن قوى واستحكم. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قام وحده ، ثم قواه ~~الله تعالى بمن معه. كما يقوى الطاقة الأولى من الزرع ما يحتف بها مما ~~يتولد منها ، حتى يعجب الزراع» (2). # وعلى هذا التفسير الذي سرنا عليه يكون وصفهم في التوراة ، هو المعبر عنه ~~بقوله تعالى : ( @QUR@05 أشداء على الكفار رحماء بينهم .. ) ويكون وصفهم في ~~الإنجيل هو المعبر عنه بقوله سبحانه : ( @QUR@03 كزرع أخرج شطأه ... ). # ولا شك أن هذه الأوصاف كانت موجودة في الكتابين قبل أن يحرفا ويبدلا ، بل ~~بعض هذه الأوصاف موجودة في الكتابين ، حتى بعد تحريفهما. # فقد أخرج بن جرير وعبد بن حميد عن قتادة قال : «مكتوب في الإنجيل سيخرج ~~قوم ينبتون نبات الزرع ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ..» (3). # ويرى بعض المفسرين أن المذكور في التوراة والإنجيل شيء واحد ، وهو الوصف ~~المذكور إلى نهاية قوله : ( @QUR@03 ومثلهم في الإنجيل ) وعلى هذا الرأى ~~يكون الوقف تاما على هذه الجملة ، وما بعدها وهو قوله : ( @QUR@03 كزرع ~~أخرج شطأه ms5258 .. ) كلام مستأنف. # قال القرطبي : «قوله تعالى : ( @QUR@07 ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في ~~الإنجيل .. ) قال الفراء : فيه وجهان : إن شئت قلت : المعنى : ذلك مثلهم في ~~التوراة وفي الإنجيل أيضا ، كمثلهم في القرآن ، فيكون الوقف على «الإنجيل». # وإن شئت قلت : تمام الكلام : ذلك مثلهم في التوراة. ثم ابتدأ فقال : ~~ومثلهم في الإنجيل. # وكذا قال ابن عباس وغيره : هما مثلان ، أحدهما في التوراة ، والآخر في ~~الإنجيل ...» (4). # والذي نراه أن ما ذهب إليه ابن عباس من كونهما مثلين ، أحدهما مذكور في ~~التوراة والآخر في الإنجيل ، هو الرأى الراجح ، لأن ظاهر الآية يشهد له. # وفي هذه الصفات ما فيها من رسم صورة مشرقة مضيئة لهؤلاء المؤمنين ~~الصادقين. PageV13P289 # وقوله تعالى : ( @QUR@03 ليغيظ بهم الكفار ) تعليل لما يعرب عنه الكلام ، ~~من إيجاده تعالى لهم على هذه الصفات الكريمة. # أى : جعلهم سبحانه كذلك بأن وفقهم لأن يكونوا أشداء على الكفار ، ولأن ~~يكونوا رحماء فيما بينهم ، ولأن يكونوا مواظبين على أداء الطاعات .. لكي ~~يغيظ بهم الكفار ، فيعيشوا وفي قلوبهم حسرة مما يرونه من صفات سامية ~~للمؤمنين. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بهذا الوعد الجميل ، فقال : ( @QUR@010 وعد ~~الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما ). # و «من» في قوله ( @QUR@01 منهم ) الراجح أنها للبيان والتفسير ، كما في ~~قوله تعالى ( @QUR@04 فاجتنبوا الرجس من الأوثان .. ). # أى : وعد الله تعالى بفضله وإحسانه ، الذين آمنوا وعملوا الصالحات. وهم ~~أهل بيعة الرضوان ، ومن كان على شاكلتهم في قوة الإيمان .. وعدهم جميعا ~~مغفرة لذنوبهم ، وأجرا عظيما لا يعلم مقداره إلا هو سبحانه . # ويجوز أن تكون من هنا للتبعيض ، لكي يخرج من هؤلاء الموعودين بالمغفرة ~~والأجر العظيم أولئك الذين أظهروا الإسلام وأخفوا الكفر ، وهم المنافقون ~~الذين أبوا مبايعة الرسول صلى الله عليه وسلم وأبوا الخروج معه للجهاد ، ~~والذين من صفاتهم أنهم كانوا إذا لقوا المؤمنين قالوا آمنا ، ( @QUR@010 ~~وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن .. ). # هذا ، وقد أخذ العلماء من هذه الآية وأمثالها : وجوب احترام الصحابة ~~وتوقيرهم ، والثناء عليهم ، لأن الله تعالى قد مدحهم ووعدهم بالمغفرة ms5259 ~~وبالأجر العظيم. # قال القرطبي : «روى أبو عروة الزبيري من ولد الزبير أنه قال : كنا عند ~~مالك بن أنس ، فذكروا رجلا ينتقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ ~~مالك هذه الآية : ( @QUR@010 محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار ~~رحماء بينهم .. ). فقال مالك : من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية. ثم قال الإمام ~~القرطبي رحمه الله : قلت : لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله ، فمن ~~نقص واحدا منهم أو طعن عليه في روايته ، فقد رد على الله رب العالمين ، ~~وأبطل شرائع المسلمين» .. (1). # وبعد : فهذا تفسير لسورة «الفتح» تلك السورة التي بشرت الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه PageV13P290 # بألوان من البشارات العالية ، وأدبتهم بأنواع من الآداب السامية ، ~~وعرفتهم بأعدائهم من المنافقين والكافرين ، وحكت الكثير من مظاهر فضل الله ~~تعالى ورحمته بعباده المؤمنين .. # نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV13P291 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الحجرات PageV13P293 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «الحجرات» من السور المدنية الخالصة ، وعدد آياتها ثماني عشرة آية ~~، وكان نزولها بعد سورة «المجادلة». # 2 والذي يتدبر هذه السورة الكريمة ، يراها قد اشتملت على أسمى الآداب ، ~~وأبلغ العظات ، وأحكم الهدايات ، فهي تبدأ بنداء للمؤمنين ، تعلمهم فيه ما ~~يجب عليهم نحو خالقهم سبحانه ، ونحو نبيهم صلى الله عليه وسلم من أدب. # قال تعالى : ( @QUR@039 يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ~~ورسوله ، واتقوا الله إن الله سميع عليم. يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا ~~أصواتكم فوق صوت النبي ، ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ، أن تحبط ~~أعمالكم وأنتم لا تشعرون. ). # 3 ثم وجهت إليهم نداء ثالثا أمرتهم من خلاله بالتثبت من صحة الأخبار التي ~~تصل إلى مسامعهم ، وبينت لهم جانبا من مظاهر فضل الله عليهم. # قال تعالى : ( @QUR@053 يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا ~~أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ms5260 ما فعلتم نادمين. واعلموا أن فيكم رسول ~~الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ، ولكن الله حبب إليكم الإيمان ، ~~وزينه في قلوبكم ، وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ، أولئك هم الراشدون. ~~فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم ). # 4 ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عما يجب على المؤمنين نحو إخوانهم ~~في العقيدة ، إذا ما دب بينهم نزاع أو قتال ، فأمرت بالإصلاح بينهم ، ~~وبمقاتلة الفئة الباغية إذا ما أبت الصلح ، وأصرت على بغيها .. # قال سبحانه : ( @QUR@040 وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ~~، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ، ~~فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا ، إن الله يحب المقسطين. إنما ~~المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ، واتقوا الله لعلكم ترحمون ). # 5 ثم وجهت بعد ذلك إلى المؤمنين نداء رابعا نهتهم فيه عن أن يسخر بعضهم ~~من بعض ، PageV13P295 # أو أن يلمز بعضهم بعضا. ونداء خامسا أمرتهم فيه باجتناب الظن السيئ ~~بالغير ، دون أن يكون هناك مبرر لذلك ، ونهتهم عن التجسس وعن الغيبة. # قال تعالى : ( @QUR@072 يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن ~~يكونوا خيرا منهم ، ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ، ولا تلمزوا ~~أنفسكم ، ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ، ومن لم يتب ~~فأولئك هم الظالمون. يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض ~~الظن إثم ولا تجسسوا ، ولا يغتب بعضكم بعضا ، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ~~ميتا فكرهتموه ، واتقوا الله إن الله تواب رحيم ). # 6 وبعد هذه النداءات المتكررة للمؤمنين ، وجهت نداء إلى الناس جميعا ، ~~بينت لهم فيه أنهم جميعا قد خلقوا من ذكر وأنثى ، وأن أكرمهم عند الله هو ~~أتقاهم وأخشاهم لله تعالى . # ثم ردت على الأعراب الذين قالوا آمنا دون أن يستقر الإيمان في قلوبهم ~~ووضحت صفات المؤمنين الصادقين ، وأمرت كل مؤمن أن يشكر الله تعالى على نعمة ~~الإيمان. # قال سبحانه : ( @QUR@029 يمنون عليك أن أسلموا ، قل لا تمنوا علي إسلامكم ~~، بل الله ms5261 يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين. إن الله يعلم غيب ~~السماوات والأرض ، والله بصير بما تعملون ). # 7 وهكذا نجد السورة الكريمة قد رسمت للمؤمنين طريق الحياة السعيدة ، حيث ~~عرفتهم بما يجب عليهم نحو خالقهم سبحانه وبما يجب عليهم نحو نبيهم ~~صلى الله عليه وسلم وبما يجب عليهم نحو أنفسهم ، وربما يجب عليهم نحو إخوانهم ~~في العقيدة ، وبما يجب عليهم نحو أفراد المجتمع الإسلامى بصفة عامة. # وقد وضحت لهم كل ذلك بأسلوب بليغ مؤثر ، من شأنه أن يغرس في النفوس ~~الخشوع والطاعة لله رب العالمين. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # كتبه الراجي عفو ربه # د. محمد سيد طنطاوى # القاهرة مدينة نصر # 19 من شهر ربيع الآخر 1406 ه # 31 / 12 / 1985 م PageV13P296 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@016 يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا ~~الله إن الله سميع عليم (1) @QUR@023 يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا ~~أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط ~~أعمالكم وأنتم لا تشعرون (2) @QUR@017 إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول ~~الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم (3) ~~@QUR@09 إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون (4) @QUR@012 ~~ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم ) (5) # افتتحت سورة «الحجرات» بهذا النداء المحبب إلى القلوب ، ألا وهو الوصف ~~بالإيمان ، الذي من شأن المتصفين به ، أن يمتثلوا لما يأمرهم الله تعالى به ~~، ويجتنبوا ما ينهاهم عنه. # افتتحت بقوله تعالى ( @QUR@010 يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي ~~الله ورسوله ). # وقوله ( @QUR@01 تقدموا ) مضارع قدم اللازم بمعنى تقدم ، ومنه مقدمة ~~الجيش ومقدمة الكتاب بكسر الدال فيهما وهو اسم فاعل فيهما بمعنى تقدم. PageV13P297 # ويصح أن يكون مضارع قدم المتعدى ، تقول : قدمت فلانا على فلان ، إذا ~~جعلته متقدما عليه ، وحذف المفعول لقصد التعميم. # وقوله : ( @QUR@04 بين يدي الله ورسوله ) تشبيه لمن يتعجل في إصدار حكم ~~من أحكام الدين بغير استناد إلى ms5262 حكم الله ورسوله ، بحالة من يتقدم بين يدي ~~سيده أو رئيسه ، بأن يسير أمامه في الطريق ، أو على يمينه أو شماله. وحقيقة ~~الجلوس بين يدي الشخص : أن يجلس بين الجهتين المقابلتين ليمينه أو شماله ~~قريبا منه أو أمامه. # قال الجمل قوله : ( @QUR@04 بين يدي الله ورسوله ) جرت هذه العبارة هنا ~~على سنن من المجاز ، وهو الذي يسميه أهل البيان تمثيلا ، أى : استعارة ~~تمثيلية ، شبه تعجل الصحابة في إقدامهم على قطع الحكم في أمر من أمور الدين ~~، بغير إذن الله ورسوله ، بحالة من تقدم بين يدي متبوعه إذا سار في طريق ، ~~فإنه في العادة مستهجن .. والغرض تصوير كمال الهجنة ، وتقبيح قطع الحكم ~~بغير إذن الله ورسوله. # أو المراد : بين يدي رسول الله ، وذكر لفظ الجلالة على سبيل التعظيم ~~للرسول صلى الله عليه وسلم وإشعار بأنه من الله بمكان يوجب إجلاله (1). # والمعنى : يا من آمنتم بالله تعالى حق الإيمان : احذروا أن تتسرعوا في ~~الأحكام ، فتقولوا قولا ، أو تفعلوا فعلا يتعلق بأمر ديني ، دون أن تستندوا ~~في ذلك إلى الله تعالى وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم ( @QUR@02 واتقوا الله ) ~~تعالى في كل ما تأتون وتذرون ، إن الله سميع لأقوالكم ، عليم بجميع ~~أحوالكم. # قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : هذه آداب أدب الله تعالى ~~بها عباده المؤمنين ، فيما يعاملون به الرسول صلى الله عليه وسلم من التوقير ~~والاحترام والتبجيل والإعظام. # فقال : ( @QUR@010 يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ). # أى : لا تسرعوا في الأشياء بين يديه. أى : قبله ، بل كونوا تبعا له في ~~جميع الأمور ، حتى يدخل في عموم هذا الأدب الشرعي ، حديث معاذ ، إذ قال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن : «بم تحكم؟ قال بكتاب الله ، ~~قال : فإن لم تجد؟ قال فبسنة رسول الله ، قال : فإن لم تجد؟ قال : أجتهد رأيى». # فالغرض منه أنه أخر رأيه ونظره واجتهاده ، إلى ما بعد الكتاب والسنة ، ~~ولو قدمه قبل PageV13P298 # البحث عنهما لكان من باب التقديم بين يدي الله ورسوله ms5263 (1). # وقال الإمام القرطبي ما ملخصه : قوله : ( @QUR@06 لا تقدموا بين يدي الله ~~ورسوله ) أى : لا تقدموا قولا ولا فعلا بين يدي الله ، وقول رسوله وفعله ، ~~فيما سبيله أن تأخذوه عنه من أمر الدين والدنيا .. # واختلف في سبب نزول هذه الآية على ستة أقوال منها : # ما ذكره الواحدي من حديث ابن جريج قال : حدثني ابن أبى مليكة أن عبد الله ~~بن الزبير أخبره أنه قدم ركب من بنى تميم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال أبو بكر : يا رسول الله ، أمر عليهم القعقاع بن معبد. وقال عمر : يا ~~رسول الله ، أمر الأقرع بن حابس ، فقال أبو بكر لعمر : ما أردت إلا خلافي. ~~وقال عمر ما أردت خلافك ، فتماديا حتى ارتفعت أصواتهما ، فنزلت هذه الآية. # وقال قتادة : إن ناسا كانوا يقولون : لو أنزل في كذا ، فنزلت هذه الآية. # وقال الحسن : نزلت في قوم ذبحوا أضحيتهم قبل أن يصلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن يعيدوا الذبح (2). وعلى أية حال فالعبرة بعموم ~~اللفظ لا بخصوص السبب ، والمقصود من الآية الكريمة نهى المؤمنين في كل زمان ~~ومكان عن أن يقولوا قولا أو يفعلوا فعلا يتعلق بأمر شرعي ، دون أن يعودوا ~~فيه إلى حكم الله ورسوله. # ثم وجه سبحانه نداء ثانيا إلى المؤمنين ، أكد فيه وجوب احترامهم للرسول ~~صلى الله عليه وسلم فقال : ( @QUR@017 يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم ~~فوق صوت النبي ، ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ). # قال الآلوسى : هذه الآية شروع في النهى عن التجاوز في كيفية القول عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعد النهى عن التجاوز في نفس القول والفعل. وإعادة ~~النداء مع قرب العهد به ، للمبالغة في الإيقاظ والتنبيه ، والإشعار ~~باستقلال كل من الكلامين باستدعاء الاعتناء بشأنه (3). # أى : يا من آمنتم بالله واليوم الآخر .. واظبوا على توقيركم واحترامكم ~~لرسولكم صلى الله عليه وسلم ولا ترفعوا أصواتكم فوق صوته عند مخاطبتكم له. ولا ~~تجعلوا أصواتكم مساوية PageV13P299 # لصوته صلى الله عليه وسلم حين الكلام معه ، ولا تنادوه باسمه ms5264 مجردا بأن ~~تقولوا له يا محمد ، ولكن قولوا له : يا رسول الله ، أو يا نبي الله. # والكاف في قوله : ( @QUR@03 كجهر بعضكم لبعض ) في محل نصب على أنها نعت ~~لمصدر محذوف أى : ولا تجهروا له بالقول جهرا مثل جهر بعضكم لبعض. # قال القرطبي : وفي هذا دليل على أنهم لم ينهوا عن الجهر مطلقا ، حتى لا ~~يسوغ لهم إلا أن يكلموه بالهمس والمخافتة ، وإنما نهوا عن جهر مخصوص مقيد ~~بصفته ، أعنى الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منهم فيما بينهم ، وهو ~~الخلو من مراعاة أبهة النبوة ، وجلالة مقدارها ، وانحطاط سائر الرتب وإن ~~جلت عن رتبتها (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ) بيان لما ~~يترتب على رفع الصوت عند مخاطبته صلى الله عليه وسلم من خسران. # والجملة تعليل لما قبلها ، وهي في محل نصب على أنها مفعول لأجله. أى : ~~نهاكم الله تعالى عن رفع أصواتكم فوق صوت النبي ، وعن أن تجهروا له بالقول ~~كجهر بعضكم لبعض ، كراهة أو خشية أن يبطل ثواب أعمالكم بسبب ذلك ، وأنتم لا ~~تشعرون بهذا البطلان. # قال ابن كثير : وقوله : ( @QUR@06 أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ) أى ~~: إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده صلى الله عليه وسلم خشية أن يغضب من ذلك ، ~~فيغضب الله لغضبه ، فيحبط الله عمل من أغضبه وهو لا يدرى. وقال العلماء : ~~يكره رفع الصوت عند قبره ، كما كان يكره في حياته ، لأنه محترم حيا وفي ~~قبره (2). # ولقد امتثل الصحابة لهذه الإرشادات امتثالا تاما ، فهذا أبو بكر يروى عنه ~~أنه لما نزلت هذه الآية قال : يا رسول الله ، والله لا أكلمك إلا كأخى ~~السرار أى : كالذي يتكلم همسا. وهذا ثابت بن قيس ، كان رفيع الصوت ، فلما ~~نزلت هذه الآية قال : أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنا من أهل النار ، حبط عملي ، وجلس في أهل بيته حزبنا ... ~~فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ما قاله ثابت ، قال لأصحابه : «لا. بل هو ~~من أهل الجنة» (3). # قال بعض العلماء ms5265 : وما تضمنته هذه الآية من لزوم توقير النبي ~~صلى الله عليه وسلم جاء مبينا في PageV13P300 # آيات أخرى ، منها قوله تعالى : ( @QUR@08 لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم ~~كدعاء بعضكم بعضا ). # وقد دلت آيات من كتاب الله على أن الله تعالى لم يخاطبه في كتابه باسمه ، ~~وإنما يخاطبه بما يدل على التعظيم كقوله سبحانه : ( @QUR@07 يا أيها ~~النبي. * يا أيها الرسول ). ( @QUR@03 يا أيها المدثر ). # مع أنه سبحانه قد نادى غيره من الأنبياء بأسمائهم ، كقوله تعالى : ( ~~@QUR@03 وقلنا يا آدم ). وقوله عز وجل : ( @QUR@07 وناديناه أن يا إبراهيم ~~قد صدقت الرؤيا ). # أما النبي صلى الله عليه وسلم فلم يذكر اسمه في القرآن في خطاب ، وإنما ذكر ~~في غير ذلك ، كقوله تعالى ( @QUR@09 وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله ~~الرسل ) (1). # ثم مدح سبحانه الذين يغضون أصواتهم في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم فقال ~~: إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ، أولئك الذين امتحن الله قلوبهم ~~للتقوى. # وقوله : ( @QUR@01 يغضون ) بمعنى يخفضون. يقال : غض فلان من صوته ومن ~~طرفه إذا خفضه. وكل شيء كففته عن غيره فقد غضضته. # وقوله : ( @QUR@01 امتحن ) أى : اختبر وأخلص ، وأصله من امتحان الذهب ~~وإذابته ليخلص جيده من خبيثة ، والمراد به هنا : إخلاص القلوب لمراقبة الله ~~وتقواه. # أى : إن الذين يخفضون أصواتهم في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند ~~مخاطبتهم له. أولئك الذين يفعلون ذلك ، هم الذين أخلص الله تعالى قلوبهم ~~لتقواه وطاعته ، وجعلها خالصة من أى شيء سوى هذه الخشية والطاعة. # قال صاحب الكشاف : «امتحن الله قلوبهم للتقوى» من قولك : امتحن فلان لأمر ~~كذا وجرب له ، ودرب للنهوض به ، فهو مضطلع به غير وان عنه ، والمعنى : أنهم ~~صبروا على التقوى ، أقوياء على احتمال مشاقها. أو وضع الامتحان موضع ~~المعرفة ، لأن تحقق الشيء باختباره ، كما يوضع الخبر موضعها ، فكأنه قيل : ~~عرف الله قلوبهم للتقوى (2). # وقوله : ( @QUR@04 لهم مغفرة وأجر عظيم ) بشارة عظيمة من الله تعالى لهم. ~~أى : لهؤلاء الغاضين أصواتهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مغفرة لذنوبهم ~~، وأجر كبير لا يعرف مقداره ms5266 أحد سوى الله تعالى . PageV13P301 # ولقد التزم المسلمون بهذا الأدب في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد ~~مماته ، فقد سمع عمر بن الخطاب رضى الله عنه رجلا يرفع صوته في المسجد ~~النبوي : فقال له : من أين أنت أيها الرجل ؟ فقال : من الطائف ، فقال له : ~~لو كنت من أهل المدينة لأوجعتك ضربا. # ثم أشار سبحانه إلى ما فعله بعض الناس من رفع أصواتهم عند ندائهم للنبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال : ( @QUR@021 إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ، ~~أكثرهم لا يعقلون. ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم ، والله ~~غفور رحيم ). # وقد ذكروا في سبب نزول هاتين الآيتين أن جماعة من بنى تميم أتوا إلى ~~المدينة في عام الوفود في السنة التاسعة ، فوقفوا بالقرب من منزل النبي ~~صلى الله عليه وسلم في ساعة القيلولة وأخذوا يقولون : يا محمد اخرج إلينا .. ~~فكره النبي صلى الله عليه وسلم منهم ذلك. # والمراد بالحجرات : حجرات نسائه صلى الله عليه وسلم جمع حجرة وهي القطعة من ~~الأرض المحجورة ، أى : المحددة بحدود لا يجوز تخطيها ، ويمنع الدخول فيها ~~إلا بإذن. # أى : إن الذين ينادونك أيها الرسول الكريم ( @QUR@03 من وراء الحجرات ). # أى : خلف حجرات أزواجك وخارجها ، أكثرهم لا يجرون على ما تقتضيه العقول ~~السليمة ، والآداب القويمة من مراعاة الاحترام والتوقير لمن يخاطبونه من ~~الناس ، فضلا عن أفضلهم ، وأشرفهم ، وذلك لأنهم من الأعراب الذين لم يحسنوا ~~مخاطبة الناس ، لجفائهم وغلظ طباعهم. # وقال سبحانه ( @QUR@01 أكثرهم ) للإشعار بأن قلة منهم لم تشارك هذه ~~الكثرة في هذا النداء الخارج عن حدود الأدب واللياقة. # قال صاحب الكشاف ما ملخصه : وورود الآية على النمط الذي وردت عليه ، فيه ~~ما لا يخفى على الناظر من إكبار للنبي صلى الله عليه وسلم وإجلال لمقامه. # ومن ذلك : مجيئها على النظم سجل على الصائحين به السفه والجهل بسبب ما ~~أقدموا عليه. ومن ذلك : التعبير بلفظ الحجرات وإيقاعها كناية عن موضع خلوته ~~ومقيله مع بعض نسائه ، والمرور على لفظها بالاقتصار على القدر الذي يظهر به ~~موضع الاستنكار عليهم. ms5267 # ومن ذلك : شفع ذمهم باستجفائهم واستركاك عقولهم ، وقلة ضبطهم لمواضع ~~التمييز في المخاطبات ، تهوينا للخطب ، وتسلية له صلى الله عليه وسلم (1). PageV13P302 # ثم أرشدهم سبحانه إلى السلوك الأفضل فقال تعالى : ( @QUR@09 ولو أنهم ~~صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم ). # أى : ولو أن هؤلاء الذين ينادونك أيها الرسول الكريم من وراء الحجرات ، ~~صبروا عليك حتى تخرج إليهم ولم يتعجلوا بندائك بتلك الصورة الخالية من ~~الأدب ، لكان صبرهم خبرا لهم ( @QUR@01 والله ) تعالى ( @QUR@02 غفور رحيم ~~) أى : واسع المغفرة والرحمة. # قال صاحب الكشاف : يحكى عن أبى عبيد العالم الزاهد الثقة أنه قال : ما ~~دققت باب عالم قط ، حتى يخرج في وقت خروجه. # وقوله : ( @QUR@02 أنهم صبروا ) في موضع رفع على الفاعلية ، لأن المعنى : ~~ولو ثبت صبرهم. # فإن قلت : هل من فرق بين قوله ( @QUR@02 حتى تخرج ) وإلى أن تخرج؟ # قلت : إن «حتى» مختصة بالغاية المضروبة. تقول : أكلت السمكة حتى رأسها ، ~~ولو قلت : حتى نصفها ، أو صدرها ، لم يجز ، و «إلى» عامة في كل غاية ، فقد ~~أفادت «حتى» بوضعها : أن خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم غاية قد ~~ضربت لصبرهم ، فما كان لهم أن يقطعوا أمرا دون الانتهاء إليه. # فإن قلت : فأى فائدة في قوله ( @QUR@01 إليهم )؟ قلت : فيه أنه لو خرج ~~ولم يكن خروجه إليهم ولأجلهم ، للزمهم أن يصبروا إلى أن يعلموا أن خروجه ~~إليهم (1). # هذا والمتدبر في هذه الآيات الكريمة ، يراها قد رسمت للمؤمنين أسمى ألوان ~~الأدب في مخاطبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي إلزامهم بألا يقولوا ~~قولا أو يفعلوا فعلا ، يتعلق بشأن من شئون دينهم إلا بعد معرفتهم بأن هذا ~~القول أو الفعل يستند إلى حكم شرعي ، شرعه الله تعالى ورسوله ~~صلى الله عليه وسلم . # كما أنه يراها قد مدحت الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، وذمت الذين لا يلتزمون هذا الأدب عند مخاطبته أو ندائه. # ثم وجهت السورة نداء ثالثا إلى المؤمنين أمرتهم فيه بالتثبت من صحة ~~الأخبار التي تصل إليهم ، وأرشدتهم إلى مظاهر فضل الله تعالى ms5268 عليهم ؛ لكي ~~يواظبوا على شكره ، فقال تعالى : PageV13P303 # ( @QUR@018 يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا ~~قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (6) @QUR@028 واعلموا أن فيكم ~~رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان ~~وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون (7) ~~@QUR@07 فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم ) (8) # ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات منها ما روى عن ابن عباس قال ~~: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث الوليد بن عقبة إلى بنى المصطلق ~~ليأخذ منهم الصدقات ، وإنهم لما أتاهم الخبر فرحوا وخرجوا يتلقون رسول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم . # فرجع الوليد ظنا منه أنهم يريدون قتله فقال يا رسول الله : إن بنى ~~المصطلق قد منعوا الصدقة ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك غضبا ~~شديدا ، فبينما هو يحدث نفسه أن يغزوهم إذ أتاه الوفد فقالوا : يا رسول ~~الله ، إنا بلغنا أن رسولك رجع من نصف الطريق ، وإنا خشينا أن ما رده كتاب ~~جاء منك لغضب غضبته علينا ، وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله. فأنزل ~~الله تعالى الآية (1). # والفاسق : هو الخارج عن الحدود الشرعية التي يجب التزامها ، مأخوذ من ~~قولهم : فسقت الرطبة ، إذا خرجت عن قشرتها ، وسمى بذلك لانسلاخه عن الخير ~~والرشد. # وقرأ الجمهور : ( @QUR@01 فتبينوا ) وقرأ حمزة والكسائي فتثبتوا ومعناهما ~~واحد ، إذ هما بمعنى التأنى وعدم التعجل في الأمور حتى تظهر الحقيقة فيما ~~أخبر به الفاسق. # أى : يا من آمنتم بالله حق الإيمان ، إن جاءكم فاسق بخبر من الأخبار ، ~~ولا سيما الأخبار الهامة ، فلا تقبلوه بدون تبين أو تثبت ، بل تأكدوا ~~وتيقنوا من صحته قبل قبوله منه. # والتعبير «بإن» المفيدة للشك ، للإشعار بأن الغالب في المؤمن أن يكون ~~يقظا ، يعرف PageV13P304 # مداخل الأمور ، وما يترتب عليها من نتائج ، ويحكم عقله فيما يسمع من ~~أنباء ، فلا يصدق خبر الفاسق إلا بعد التثبت من صحته. # قال صاحب الكشاف : وفي تنكير الفاسق والنبأ : شياع ms5269 في الفساق والأنباء ، ~~كأنه قال : # أى فاسق جاءكم بأى نبأ فتوقفوا فيه ، وتطلبوا بيان الأمر ، وانكشاف ~~الحقيقة ولا تعتمدوا على قول الفاسق ، لأن من لا يتحامى جنس الفسوق لا ~~يتحامى الكذب الذي هو نوع منه (1). # وقال القرطبي : وفي الآية دليل على قبول خبر الواحد إذا كان عدلا ، لأنه ~~إنما أمر فيها بالتثبت عند نقل خبر الفاسق ، ومن ثبت فسقه بطل قوله في ~~الأخبار إجماعا ، لأن الخبر أمانة والفسق قرينة يبطلها (2). # وقوله : ( @QUR@04 أن تصيبوا قوما بجهالة )... تعليل للأمر بالتبين ، ~~بتقدير لام التعليل ، أو بتقدير ما هو بمعنى المفعول لأجله. والجهالة بمعنى ~~الجهل بحقيقة الشيء. # أى : تثبتوا أيها المؤمنون من صحة خبر الفاسق ، لئلا تصيبوا قوما بما ~~يؤذيهم ، والحال أنكم تجهلون حقيقة أمرهم ، أو خشية أن تصيبوا قوما بجهالة ~~، لظنكم أن النبأ الذي جاء به الفاسق حقا. # وقوله : ( @QUR@05 فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) بيان للنتائج السيئة ~~التي تترتب على تصديق خبر الفاسق ، و ( @QUR@01 فتصبحوا ) بمعنى تصيروا ، ~~والندم : غم يلحق الإنسان لأمور وقعت منه ، ثم صار يتمنى بعد فوات الأوان ~~عدم وقوعها. أى : فتصيروا على ما فعلتم مع هؤلاء القوم نادمين ندما شديدا ، ~~بسبب تصديقكم لخبر الفاسق بدون تبين أو تثبت. # فالآية الكريمة ترشد المؤمنين في كل زمان ومكان إلى كيفية استقبال ~~الأخبار استقبالا سليما ، وإلى كيفية التصرف معها تصرفا حكيما ، فتأمرهم ~~بضرورة التثبت من صحة مصدرها ، حتى لا يصاب قوم بما يؤذيهم بسبب تصديق ~~الفاسق في خبره ، بدون تأكد أو تحقق من صحة ما قاله .. وبهذا التحقق من صحة ~~الأخبار ، يعيش المجتمع الإسلامى في أمان واطمئنان ، وفي بعد عن الندم ~~والتحسر على ما صدر منه من أحكام. # ثم أرشد سبحانه المؤمنين إلى جانب من نعمه عليهم ، ورحمته بهم فقال : ( ~~@QUR@012 واعلموا أن فيكم رسول الله ، لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ). PageV13P305 # والعنت : الوقوع في الأمر الشاق المؤلم ، يقال : عنت فلان بزنة فرح إذا ~~وقع في أمر يؤدى إلى هلاكه أو تعبه أو إيذائه. # ويفهم من الآية الكريمة أن بعض المسلمين ، صدقوا الوليد ms5270 بن عقبة ، ~~وأشاروا على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعجل بعقاب بنى المصطلق. # والمراد بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لهم : أخذه برأيهم ، وتنفيذه لما ~~يريدونه منه. # والمراد بالكثير من الأمر : الكثير من الأخبار والأحكام التي يريدون ~~تنفيذها حتى ولو كانت على غير ما تقتضيه المصلحة والحكمة. # أى : واعلموا أيها المؤمنون أن فيكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ~~أرسله سبحانه لكي يهديكم إلى الحق وإلى الطريق القويم .. وهو عليه الصلاة ~~والسلام لو يطيعكم في كثير من الأخبار التي يسمعها منكم ، وفي الأحكام التي ~~تحبون تطبيقها عليكم أو على غيركم .. لو يطيعكم في كل ذلك لأصابكم العنت ~~والمشقة ، ولنزل بكم ما قد يؤدى إلى هلاككم وإتلاف أموركم. # قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله : ( @QUR@05 واعلموا أن فيكم رسول الله ) ~~عطف على ما قبله ، و «أن» بما في حيزها ساد مسد مفعولي «اعلموا» باعتبار ما ~~قيد به من الحال ، وهو قوله : ( @QUR@07 لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ). # وتقديم خبر «أن» للحصر المستتبع زيادة التوبيخ ، وصيغة المضارع ~~للاستمرار. # و ( @QUR@01 لو ) لامتناع استمرار طاعته عليه الصلاة والسلام لهم في كثير ~~مما يعن لهم من الأمور. # وفي الكلام إشعار بأنهم زينوا للرسول صلى الله عليه وسلم الإيقاع ببني ~~المصطلق. # وفي هذا التعبير مبالغات منها : إيثار «لو» ليدل على الفرض والتقدير. ~~ومنها : ما في العدول إلى المضارع من تصوير ما كانوا عليه ، وتهجينه. ومنها ~~: ما في التعبير بالعنت من الدلالة على أشد المحذور ، فإنه الكسر بعد الجبر ~~، والرمز الخفى على أنه ليس بأول بادرة منهم (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@013 ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ~~وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ) استدراك على ما يقتضيه الكلام السابق ~~، وبيان لمظاهر فضله عليهم ورحمته سبحانه بهم. أى : ولكنه صلى الله عليه وسلم ~~لا يطيعكم في كل ما يعن لكم ، وإنما يتبين PageV13P306 # الأمور والأخبار ويتثبت من صحتها ثم يحكم ، وقد حبب الله تعالى إلى كثير ~~منكم الإيمان المصحوب بالعمل الصالح والقول الطيب وزينه وحببه في قلوبكم ، ~~وكره وبغض ms5271 إليكم الكفر والفسوق والعصيان لكل ما أمر به أو نهى عنه. # ورحم الله صاحب الكشاف فقد أجاد عند تفسير هذه الآية ، فقال ما ملخصه : ~~قوله : ( @QUR@07 لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ) أى : لوقعتم في العنت ~~والهلاك .. وهذا يدل على أن بعض المؤمنين زينوا للرسول صلى الله عليه وسلم ~~الإيقاع ببني المصطلق ... وأن بعضهم كانوا يتصونون ويزعهم جدهم في التقوى ~~عن الجسارة على ذلك ، وهم الذين استثناهم سبحانه بقوله : ( @QUR@05 ولكن ~~الله حبب إليكم الإيمان ) أى إلى بعضكم ، ولكنه أغنت عن ذكر البعض صفتهم ~~المفارقة لصفة غيرهم ، وهذا من إيجازات القرآن ، ولمحاته اللطيفة ، التي لا ~~يفطن لها إلا الخواص. # فإن قلت : كيف موقع ( @QUR@01 لكن ) وشريطتها مفقودة من مخالفة ما بعدها ~~لما قبلها نفيا وإثباتا؟ # قلت : هي مفقودة من حيث اللفظ ، حاصلة من حيث المعنى ، لأن الذين حبب ~~إليهم الإيمان قد غايرت صفتهم المتقدم ذكرهم ، فوقعت لكن في موقعها من ~~الاستدراك (1). # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@03 أولئك هم الراشدون ) يعود إلى المؤمنين ~~الصادقين ، الذين حبب الله تعالى إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم. # أى : أولئك المتصفون بتلك الصفات الجليلة ، هم الثابتون على دينهم ، ~~المهتدون إلى طريق الرشد والصواب ، إذ الرشد هو الاستقامة على طريق الحق ، ~~مع الثبات عليه ، والتصلب فيه ، والتمسك به في كل الأحوال. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 فضلا من الله ونعمة .. ) تعليل لما من به ~~سبحانه عليهم من تزيين الإيمان في قلوبهم. أى : فعل ما فعل من تحبيب ~~الإيمان إليكم ، ومن تبغيض الكفر إلى قلوبكم ، لأجل فضله عليكم ، ورحمته ~~بكم ، وإنعامه عليكم بالنعم التي لا تحصى. # ( @QUR@01 والله ) تعالى ( @QUR@01 عليم ) بكل شيء ( @QUR@01 حكيم ) في ~~كل أفعاله وأقواله وتصرفاته. # وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد رسمت للمؤمنين أحكم الطرق في تلقى الأخبار ~~، وأرشدتهم إلى مظاهر فضله عليهم ، لكي يستمروا على شكرهم له وطاعتهم لرسله. PageV13P307 # ثم انتقلت السورة إلى دائرة أوسع وأرحب ، فدعت المؤمنين إلى التدخل بين ~~الطوائف المتنازعة لعقد المصالحة بينها ، وإلى قتال الفئة الباغية حتى ترجع ~~إلى حكم الله تعالى فقال سبحانه : # ( @QUR@030 وإن طائفتان من المؤمنين ms5272 اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت ~~إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت ~~فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (9) @QUR@010 إنما ~~المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون ) (10) # وقد ذكروا في سبب نزول هاتين الآيتين روايات منها : ما رواه الإمام أحمد ~~عن أنس قال : قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : لو أتيت عبد الله بن أبى؟ فانطلق ~~إليه النبي صلى الله عليه وسلم وركب حمارا ، وانطلق المسلمون يمشون ، وهي أرض ~~سبخة ، فلما انطلق إليه عليه الصلاة والسلام قال : إليكم عنى ، فو الله لقد ~~آذاني ريح حمارك. فقال رجل من الأنصار : والله لحمار رسول الله أطيب ريحا منك. # قال : فغضب لعبد الله رجال من قومه ، وغضب للأنصارى أصحابه. قال : فكان ~~بينهم ضرب بالجريد والأيدى .. فبلغنا أنه أنزلت فيهم ( @QUR@04 وإن طائفتان ~~من المؤمنين ... ) (1). # والخطاب في الآية لأولى الأمر من المسلمين ، والأمر في قوله ( @QUR@01 ~~فأصلحوا ) للوجوب ، والطائفة : الجماعة من الناس. # أى : وإن حدث قتال بين طائفتين من المؤمنين ، فعليكم يا أولى الأمر من ~~المؤمنين أن تتدخلوا بينهما بالإصلاح ، عن طريق بذل النصح ، وإزالة أسباب ~~الخلاف. # والتعبير «بإن» للإشعار بأنه لا يصح أن يقع قتال بين المؤمنين ، فإن وقع ~~على سبيل الندرة ، فعلى المسلمين أن يعملوا بكل وسيلة على إزالته. PageV13P308 # وجاء «اقتتلوا» بلفظ الجمع ، لأن لفظ الطائفة وإن كان مفردا في اللفظ إلا ~~أنه جمع في المعنى ، فروعى فيه المعنى هنا. وروعي فيه اللفظ في قوله ( ~~@QUR@01 بينهما ). # قالوا : والنكتة في ذلك أنهم في حال القتال يكونون مختلطين فلذا جاء ~~الأسلوب بصيغة الجمع ، وفي حال الصلح يكونون متميزين متفرقين فلذا جاء ~~الأسلوب بصيغة التثنية. # ثم بين سبحانه حكمه في حال اعتداء إحداهما على الأخرى فقال : ( @QUR@013 ~~فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ). # والبغي : التعدي وتجاوز الحد والامتناع عن قبول الصلح المؤدى إلى الصواب. # أى : فإن بغت إحدى الطائفتين على الأخرى ، وتجاوزت حدود العدل والحق ، ~~فقاتلوا أيها المؤمنون الفئة الباغية ، حتى تفيء ms5273 وترجع إلى حكم الله تعالى ~~وأمره ، وحتى تقبل الصلح الذي أمرناكم بأن تقيموه بينهم. # وقوله : ( @QUR@06 فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا ) بيان لما ~~يجب على المؤمنين أن يفعلوه مع الفئة الباغية ، إذا ما قبلت الصلح ورجعت ~~إلى حكم الله تعالى . # أى : فإن رجعت الفئة الباغية عن بغيها ، وقبلت الصلح ، وأقلعت عن القتال ~~، فأصلحوا بين الطائفتين إصلاحا متسما بالعدل التام وبالقسط الكامل. # وقيد سبحانه الإصلاح بالعدل. ثم أكد ذلك بالأمر بالقسط حتى يلتزم الذين ~~يقومون بالصلح بينهما العدالة التي لا يشوبها أى حيف أو جور على إحدى ~~الطائفتين. # وقوله : ( @QUR@04 إن الله يحب المقسطين ) تذييل المقصود به حض المؤمنين ~~على التقيد بالعدل في أحكامهم ، لأن الله تعالى يحب من يفعل ذلك. # وقوله : ( @QUR@06 إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم .. ) استئناف ~~مقرر لمضمون ما قبله من الأمر بوجوب الإصلاح بين المتخاصمين. # أى : إنما المؤمنون إخوة في الدين والعقيدة ، فهم يجمعهم أصل واحد وهو ~~الإيمان ، كما يجمع الإخوة أصل واحد وهو النسب ، وكما ان أخوة النسب داعية ~~إلى التواصل والتراحم والتناصر في جلب الخير ، ودفع الشر ، فكذلك الأخوة في ~~الدين تدعوكم إلى التعاطف والتصالح ، وإلى تقوى الله وخشيته ، ومتى تصالحتم ~~واتقيتم الله تعالى كنتم أهلا لرحمته ومثوبته. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : فلم خص الاثنان بالذكر دون الجمع في قوله : ~~فأصلحوا بين أخويكم ؟ PageV13P309 # قلت : لأن أقل من يقع بينهم الشقاق اثنان ، فإذا لزمت المصالحة بين الأقل ~~، كانت بين الأكثر ألزم ، لأن الفساد في شقاق الجمع أكثر منه في شقاق ~~الاثنين (1). # هذا ، وقد أخذ العلماء من هاتين الآيتين جملة من الأحكام منها : # أن الأصل في العلاقة بين المؤمنين أن تقوم على التواصل والتراحم ، لا على ~~التنازع والتخاصم ، وأنه إذا حدث نزاع بين طائفتين من المؤمنين ، فعلى بقية ~~المؤمنين أن يقوموا بواجب الإصلاح بينهما حتى يرجعا إلى حكم الله تعالى . # قال الشوكانى : إذا تقاتل فريقان من المسلمين ، فعلى المسلمين أن يسعوا ~~بالصلح بينهم ، ويدعوهم إلى حكم الله فإن حصل بعد ذلك التعدي من إحدى ~~الطائفتين على الأخرى ms5274 ، ولم تقبل الصلح ولا دخلت فيه ، كان على المسلمين أن ~~يقاتلوا هذه الطائفة الباغية ، حتى ترجع إلى أمر الله وحكمه ، فإن رجعت تلك ~~الطائفة الباغية عن بغيها ، وأجابت الدعوة إلى كتاب الله وحكمه ، فعلى ~~المسلمين أن يعدلوا بين الطائفتين في الحكم ، ويتحروا الصواب المطابق لحكم ~~الله ، ويأخذوا على يد الطائفة الظالمة ، حتى تخرج من الظلم ، وتؤدى ما يجب ~~عليها نحو الأخرى (2). # ثم وجه سبحانه إلى المؤمنين نداء رابعا ، نهاهم فيه عن أن يسخر بعضهم من ~~بعض ، أو أن يعيب بعضهم بعضا فقال : # ( @QUR@040 يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا ~~منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا ~~بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ) (11) # وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية روايات منها : أنها نزلت في قوم من بنى ~~تميم ، سخروا من بلال ، وسلمان ، وعمار ، وخباب .. لما رأوا من رثاثة حالهم ~~، وقلة ذات يدهم. PageV13P310 # ومن المعروف بين العلماء ، أن العبرة بعموم اللفظ ، لا بخصوص السبب. # وقوله : ( @QUR@01 يسخر ) من السخرية ، وهي احتقار الشخص لغيره بالقول أو ~~بالفعل ، يقال : سخر فلان من فلان ، إذا استهزأ به ، وجعله مثار الضحك ، ~~ومنه قوله تعالى حكاية عن نوح مع قومه : ( @QUR@010 .. قال إن تسخروا منا ~~فإنا نسخر منكم كما تسخرون ) (1). # قال صاحب الكشاف : والقوم : الرجال خاصة ، لأنهم القوام بأمور النساء .. ~~واختصاص القوم بالرجال صريح في الآية ، وفي قول الشاعر : أقوم آل حصن أم نساء. # وأما قولهم في قوم فرعون وقوم عاد : هم الذكور والإناث ، فليس لفظ القوم ~~بمتعاطف للفريقين ، ولكن قصد ذكر الذكور ، وترك ذكر الإناث لأنهن توابع ~~لرجالهن (2). # أى : يا من آمنتم بالله حق الإيمان ، لا يحتقر بعضكم بعضا ولا يستهزئ ~~بعضكم من بعض. # وقوله : ( @QUR@05 عسى أن يكونوا خيرا منهم ) تعليل للنهى عن السخرية. أى ~~: عسى أن يكون المسخور منه خيرا عند الله تعالى من الساخر ، إذ أقدار الناس ~~عنده تعالى ليست على حسب المظاهر والأحساب .. وإنما ms5275 هي على حسب قوة الإيمان ~~، وحسن العمل. # وقوله : ( @QUR@09 ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ). معطوف على ~~النهى السابق ، وفي ذكر النساء بعد القوم قرينة على أن المراد بالقوم ~~الرجال خاصة. # أى : عليكم يا معشر الرجال أن تبتعدوا عن احتقار غيركم من الرجال ، ~~وعليكن يا جماعة النساء أن تقلعن إقلاعا تاما عن السخرية من غيركن. # ونكر سبحانه لفظ ( @QUR@01 قوم ) و ( @QUR@01 نساء )، للإشعار بأن هذا ~~النهى موجه إلى جميع الرجال والنساء ، لأن هذه السخرية منهى عنها بالنسبة ~~للجميع. # وقد جاء النهى عن السخرية موجها إلى جماعة الرجال والنساء ، جريا على ما ~~كان جاريا في الغالب ، من أن السخرية كانت تقع في المجامع والمحافل ، وكان ~~الكثيرون يشتركون فيها على سبيل التلهي والتلذذ. # ثم قال تعالى ( @QUR@03 ولا تلمزوا أنفسكم ) أى : ولا يعب بعضكم بعضا ~~بقول أو إشارة سواء أكان على وجه يضحك أم لا ، وسواء كان بحضرة الملموز أم ~~لا ، فهو أعم من السخرية PageV13P311 # التي هي احتقار الغير بحضرته ، فالجملة الكريمة من باب عطف العام على الخاص. # يقال : لمز فلان فلانا ، إذا عابه وانتقصه ، وفعله من باب ضرب ونصر. # ومنهم من يرى أن اللمز ما كان سخرية ولكن على وجه الخفية ، وعليه يكون ~~العطف من باب عطف الخاص على العام ، مبالغة في النهى عنه حتى لكأنه جنس آخر. # أى : ولا يعب بعضكم بعضا بأى وجه من وجوه العيب. سواء أكان ذلك في حضور ~~الشخص أم في غير حضوره. # وقال سبحانه ( @QUR@03 ولا تلمزوا أنفسكم ) مع أن اللامز يلمز غيره ، ~~للإشارة إلى أن من عاب أخاه المسلم ، فكأنما عاب نفسه ، كما قال تعالى : ( ~~@QUR@013 ... فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم ، تحية من عند الله ~~مباركة طيبة ) (1). # وقوله : ( @QUR@03 ولا تنابزوا بالألقاب ) أى : ولا يخاطب أحدكم غيره ~~بالألفاظ التي يكرهها ، بأن يقول له يا أحمق ، أو يا أعرج ، أو يا منافق .. ~~أو ما يشبه ذلك من الألقاب السيئة التي يكرهها الشخص. # فالتنابز : التعاير والتداعي بالألقاب المكروهة ، يقال : نبزه ينبزه ~~كضربه يضربه إذا ناداه بلقب يكرهه ، سواء ms5276 أكان هذا اللقب للشخص أم لأبيه أم ~~لأمه أم لغيرهما. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ) تعليل للنهى عن ~~هذه الرذائل والمراد بالاسم : ما سبق ذكره من السخرية واللمز والتنابز ~~بالألقاب ، والمخصوص بالذم محذوف. أى : بئس الفعل فعلكم أن تذكروا إخوانكم ~~في العقيدة بما يكرهونه وبما يخرجهم عن صفات المؤمنين الصادقين ، بعد أن ~~هداهم الله تعالى وهداكم إلى الإيمان. # وعلى هذا فالمراد من الآية نهى المؤمنين أن ينسبوا إخوانهم في الدين إلى ~~الفسوق بعد اتصافهم بالإيمان. # قال صاحب الكشاف : الاسم هاهنا بمعنى الذكر ، من قولهم : فلان طار اسمه ~~في الناس بالكرم أو باللؤم ، كما يقال : طار ثناؤه وصيته .. كأنه قيل : بئس ~~الذكر المرتفع للمؤمنين .. أن يذكروا بالفسق (2). # ويصح أن يكون المراد من الآية الكريمة نهى المؤمنين عن ارتكابهم لهذه ~~الرذائل ، لأن PageV13P312 # ارتكابهم لهذه الرذائل ، يؤدى بهم إلى الفسوق والخروج عن طاعة الله تعالى ~~بعد أن اتصفوا بصفة الإيمان. # وقد أشار إلى هذا المعنى الإمام ابن جرير فقال ما ملخصه : وقوله ( ~~@QUR@05 بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ). يقول تعالى : ومن فعل ما نهينا ~~عنه ، وتقدم على معصيتنا بعد إيمانه ، فسخر من المؤمنين ، ولمز أخاه المؤمن ~~ونبزه بالألقاب ، فهو فاسق ، بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ، يقول : فلا ~~تفعلوا فتستحقوا إن فعلتموه. أن تسموا فساقا بعد أن وصفتهم بصفة الإيمان (1). # وقال الإمام الفخر الرازي ما ملخصه : هذا أى قوله تعالى ( @QUR@05 بئس ~~الاسم الفسوق بعد الإيمان ) من تمام الزجر كأنه تعالى يقول : يا أيها الذين ~~آمنوا لا يسخر قوم من قوم ، ولا تلمزوا أنفسكم ، ولا تنابزوا فإن من يفعل ~~ذلك يفسق بعد إيمانه ، والمؤمن يقبح منه أن يأتى بعد إيمانه بفسوق .. ويصير ~~التقدير : بئس الفسوق بعد الإيمان (2). # ويبدو لنا أن هذا الرأى أنسب للسياق ، إذ المقصود من الآية الكريمة نهى ~~المؤمنين عن السخرية أو اللمز أو التنابز بالألقاب ، لأن تعودهم على ذلك ~~يؤدى بهم إلى الفسوق عن طاعة الله تعالى والخروج عن آدابه ، وبئس الوصف ~~وصفهم بذلك أى : بالفسق بعد الإيمان. # ثم ختم سبحانه ms5277 الآية بقوله : ( @QUR@06 ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ) ~~أى : ومن لم يتب عن ارتكاب هذه الرذائل ، فأولئك هم الظالمون لأنفسهم ، حيث ~~وضعوا العصيان موضع الطاعة ، والفسوق في موضع الإيمان. # هذا ، ومن الإحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآية : وجوب ~~الابتعاد عن أن يعيب المسلم أخاه المسلم ، أو يحتقره ، أو يناديه بلقب سيئ. # قال الآلوسى : اتفق العلماء على تحريم تلقيب الإنسان بما يكره ، سواء كان ~~صفة له أم لأبيه أم لأمه أم لغيرهما. (3) ويستثنى من ذلك نداء الرجل بلقب ~~قبيح في نفسه ، لا على قصد الاستخفاف به ، كما إذا دعت له الضرورة لتوقف ~~معرفته ، كقول المحدثين : سليمان الأعمش ، وواصل الأحدب PageV13P313 # ثم وجه سبحانه إلى عباده المؤمنين نداء خامسا ، نهاهم فيه عن أن يظن ~~بعضهم ببعض ظنا سيئا بدون مبرر ، كما نهاهم عن التجسس وعن الغيبة ، حتى ~~تبقى للمسلم حرمته وكرامته .. فقال تعالى . # ( @QUR@032 يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ~~ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ~~واتقوا الله إن الله تواب رحيم ) (12) # وقوله تعالى ( @QUR@01 اجتنبوا ) من الاجتناب يقال : اجتنب فلان فلانا ~~إذا ابتعد عنه ، حتى لكأنه في جانب والآخر في جانب مقابل. # والمراد بالظن المنهي عنه هنا : الظن السيئ بأهل الخير والصلاح بدون دليل ~~أو برهان. # قال بعض العلماء ما ملخصه : والظن أنواع : منه ما هو واجب ، ومنه ما هو ~~محرم ، ومنه ما هو مباح. # فالمحرم : كسوء الظن بالمسلم المستور الحال ، الظاهر العدالة ، ففي ~~الحديث الشريف : «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ..» وفي حديث آخر : «إن ~~الله حرم من المسلم دمه وعرضه وأن يظن به ظن السوء». # وقلنا : كسوء الظن بالمسلم المستور الحال ... لأن من يجاهر بارتكاب ~~الخبائث .. لا يحرم سوء الظن به ، لأن من عرض نفسه للتهم كان أهلا لسوء ~~الظن به. # والظن الواجب يكون فيما تعبدنا الله تعالى بعلمه ، ولم ينصب عليه دليلا ~~قاطعا ، فهنا يجب الظن للوصول إلى المعرفة الصحيحة ، كقبول شهادة العدل ، ~~وتحرى القبلة ms5278 .. # والظن المباح مثلوا له بالشك في الصلاة حين استواء الطرفين ... # وحرمة سوء الظن بالناس ، إنما تكون إذا كان لسوء الظن أثر يتعدى إلى ~~الغير ، وأما أن تظن شرا لتتقيه ، ولا يتعدى أثر ذلك إلى الغير فذلك محمود ~~غير مذموم ، وهو محمل ما ورد PageV13P314 # من أن «من الحزم سوء الظن ..» (1). # أى : يا من آمنتم بالله تعالى إيمانا حقا ، ابتعدوا ابتعادا تاما عن ~~الظنون السيئة بأهل الخير من المؤمنين ، لأن هذه الظنون السيئة التي لا ~~تستند إلى دليل أو أمارة صحيحة إنما هي مجرد تهم ، تؤدى إلى تولد الشكوك ~~والمفاسد .. فيما بينكم .. # وجاء سبحانه بلفظ «كثيرا» منكرا لكي يحتاط المسلم في ظنونه ، فيبتعد عما ~~هو محرم منها ، ولا يقدم إلا على ما هو واجب أو مباح منها كما سبق أن أشرنا . # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 إن بعض الظن إثم ) تعليل للأمر باجتناب الظن. ~~والإثم : الذنب الذي يستحق فاعله العقوبة عليه. يقال : أثم فلان كعلم يأثم ~~إثما فهو آثم إذا ارتكب ذنبا. والمراد بهذا البعض المذموم من الظن ما عبر ~~عنه سبحانه قبل ذلك بقوله : ( @QUR@04 اجتنبوا كثيرا من الظن ). # أى : إن الكثير من الظنون يؤدى بكم إلى الوقوع في الذنوب والآثام ~~فابتعدوا عنه. # قال ابن كثير : ينهى الله عباده المؤمنين عن كثير من الظن ، وهو التهمة ~~والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله ، لأن بعض ذلك يكون إثما محضا ، ~~فليجتنب كثيرا منه احتياطا .. عن حارثة بن النعمان قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : ثلاث لازمات لأمتى : «الطيرة والحسد وسوء الظن» : فقال ~~رجل : ما الذي يذهبن يا رسول الله من هن فيه؟ قال : «إذا حسدت فاستغفر الله ~~، وإذا ظننت فلا تحقق ، وإذا تطيرت فامض» (2). # وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن سعيد بن المسيب قال : كتب إلى بعض ~~إخوانى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ضع أمر أخيك على أحسنه ، ما ~~لم يأتك ما يغلبك ، ولا تظنن بكلمة خرجت من امرئ مسلم شرا وأنت تجد لها في ~~الخير محملا ، ومن عرض نفسه ms5279 للتهم فلا يلومن إلا نفسه ... (3). # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 ولا تجسسوا ) أى : خذوا ما ظهر من أحوال الناس ~~ولا تبحثوا عن بواطنهم أو أسرارهم. أو عوراتهم ومعايبهم ، فإن من تتبع ~~عورات الناس فضحه الله تعالى . PageV13P315 # فالتجسس مأخوذ من الجس ، وهو البحث عما خفى من أمور الناس ، وقرأ الحس ~~وأبو رجاء : ولا تحسسوا من الحس ، وهما بمعنى واحد. وقيل هما متغايران ~~التجسس بالجيم معرفة الظاهر ، وأن التحسس بالحاء تتبع البواطن وقيل بالعكس .. # وعلى أية حال فالمراد هنا من التجسس والتحسس : النهى عن تتبع عورات ~~المسلمين ، أخرج أبو داود وغيره عن أبى برزة الأسلمى قال : خطبنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال : يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه. لا ~~تتبعوا عورات المسلمين ، فإن من تتبع عورات المسلمين ، فضحه الله تعالى في ~~قعر بيته». # وعن معاوية بن أبى سفيان قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : «إنك ~~إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم» (1). # ثم نهى سبحانه بعد ذلك عن الغيبة فقال : ( @QUR@04 ولا يغتب بعضكم بعضا ) ~~والغيبة بكسر الغين أن تذكر غيرك في غيابه بما يسوءه يقال : اغتاب فلان ~~فلانا ، إذا ذكره بسوء في غيبته ، سواء أكان هذا الذكر بصريح اللفظ أم ~~بالكناية ، أم بالإشارة ، أم بغير ذلك. # روى أبو داود وغيره عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~«أتدرون ما الغيبة؟ قالوا : الله ورسوله أعلم. قال : ذكرك أخاك بما يكره. ~~قيل : أرأيت إن كان في أخى ما أقول؟ قال : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، ~~وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته (2). # ثم ساق سبحانه تشبيها ينفر من الغيبة أكمل تنفير فقال : ( @QUR@08 أيحب ~~أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ). والاستفهام للتقرير لأنه من ~~الأمور المسلمة أن كل إنسان يكره أكل لحم أخيه حيا ، فضلا عن أكله ميتا. # والضمير في قوله : ( @QUR@01 فكرهتموه ) يعود على الأكل المفهوم من قوله ~~( @QUR@01 يأكل ) و ( @QUR@01 ميتا ) حال من اللحم أو من الأخ. # أى : اجتنبوا أن تذكروا ms5280 غيركم بسوء في غيبته ، فإن مثل من يغتاب أخاه ~~المسلم كمثل من يأكل لحمه وهو ميت ، ولا شك أن كل عاقل يكره ذلك وينفر منه ~~أشد النفور. # ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الجملة : قوله تعالى : ( ~~@QUR@01 أيحب PageV13P316 # @QUR@03 أحدكم أن يأكل .. ) تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من عرض غيره ~~على أفظع وجه وأفحشه. # وفيه مبالغات شتى : منها الاستفهام الذي معناه التقرير ، ومنها : جعل ما ~~هو الغاية في الكراهة موصولا بالمحبة ، ومنها : إسناد الفعل إلى أحدكم ، ~~والإشعار بأن أحدا من الأحدين لا يحب ذلك ، ومنها : أنه سبحانه لم يقتصر ~~على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان ، وإنما جعله أخا ، ومنها : أنه لم ~~يقتصر على أكل لحم الأخ وإنما جعله ميتا .. # وانتصب «ميتا» على الحال من اللحم أو من الأخ ... وقوله : ( @QUR@01 ~~فكرهتموه ) فيه معنى الشرط. أى : إن صح هذا فقد كرهتموه فلا تفعلوه وهي ~~الفاء الفصيحة (1). # والحق أن المتأمل في هذه الآية الكريمة يراها قد نفرت من الغيبة بأبلغ ~~أسلوب وأحكمه ، لأنها من الكبائر والقبائح التي تؤدى إلى تمزق شمل المسلمين ~~، وإيقاد نار الكراهية في الصدور. # قال الآلوسى ما ملخصه : وقد أخرج العلماء أشياء لا يكون لها حكم الغيبة ، ~~وتنحصر في ستة أسباب : # الأول : التظلم ، إذ من حق المظلوم أن يشكو ظالمه إلى من تتوسم فيه إزالة ~~هذا الظلم. # الثاني : الاستعانة على تغيير المنكر بذكره لمن يظن قدرته على إزالته. # الثالث : الاستفتاء ، إذ يجوز للمستفتى أن يقول للمفتي : ظلمني فلان بكذا .. # الرابع : تحذير المسلمين من الشر ، كتجريح الشهود والرواة والمتصدين ~~للإفتاء بغير علم. # الخامس : المجاهرون بالمعاصي وبارتكاب المنكرات ، فإنه يجوز ذكرهم بما ~~تجاهروا به .. # السادس : التعريف باللقب الذي لا يقصد به الإساءة كالأعمش والأعرج (2). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بدعوة المؤمنين إلى التوبة والإنابة فقال : ~~( @QUR@06 واتقوا الله إن الله تواب رحيم ). أى : واتقوا الله أيها ~~المؤمنون بأن تصونوا أنفسكم عن كل ما أمركم سبحانه باجتنابه ، إن الله ~~تعالى كثير القبول لتوبة عباده ، الذين يتوبون من قريب ، ويرجعون إلى طاعته ~~رجوعا مصحوبا ms5281 بالندم على ما فرط منهم من ذنوب ، ومقرونا بالعزم على عدم ~~العودة إلى تلك الذنوب لا في الحال ولا في الاستقبال ، ومستوفيا لكل ما ~~تستلزمه التوبة الصادقة من شروط. PageV13P317 # وهو أيضا واسع الرحمة لعباده المؤمنين ، المستقيمين على أمره. # وبذلك نرى هذه الآية الكريمة قد نهت المسلمين عن رذائل ، يؤدى تركها إلى ~~سعادتهم ونجاحهم ، وفتحت لهم باب التوبة لكي يقلع عنها من وقع فيها .. # وبعد هذه النداءات الخمسة للمؤمنين ، التي اشتملت على الآداب النفسية ~~والاجتماعية .. # وجه سبحانه نداء إلى الناس جميعا ، ذكرهم فيه بأصلهم وبميزان قبولهم عنده ~~، فقال سبحانه : # ( @QUR@021 يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا ~~وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ) (13) # وقد ورد في سبب نزول هذه الآية روايات منها : أن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أمر بنى بياضة أن يزوجوا امرأة منهم لأبى هند وكان حجاما للنبي ~~صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله ، نزوج بناتنا موالينا أى : عبيدنا ~~، فأنزل الله تعالى هذه الآية (1). # والمراد بالذكر والأنثى : آدم وحواء. أى : خلقناكم جميعا من أب واحد ومن ~~أم واحدة ، فأنتم جميعا تنتسبون إلى أصل واحد ، ويجمعكم وعاء واحد ، وما ~~دام الأمر كذلك فلا وجه للتفاخر بالأحساب والأنساب. # قال الآلوسى : أى خلقناكم من آدم وحواء ، فالكل سواء في ذلك ، فلا وجه ~~للتفاخر بالنسب ، كما قال الشاعر : # الناس في عالم التمثيل أكفاء %~% أبوهم آدم والأم حواء # وجوز أن يكون المراد هنا : إنا خلقنا كل واحد منكم من أب وأم ، ويبعده ~~عدم ظهور ترتب ذم التفاخر بالنسب عليه ، والكلام مساق له .. (2). # وقوله : ( @QUR@04 وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا .... ) بيان لما ترتب ~~على خلقهم على تلك الصورة ، وللحكمة من ذلك. PageV13P318 # والشعوب : جمع شعب ، وهو العدد الكثير من الناس يجمعهم في الغالب أصل واحد. # والقبائل : جمع قبيلة وتمثل جزءا من الشعب ، إذ أن الشعب مجموعة من ~~القبائل. # قال صاحب الكشاف : والشعب الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها العرب. # وهي : الشعب ، والقبيلة ، والعمارة ، والبطن ، والفخذ ، والفصيلة .. ~~وسميت الشعوب ms5282 بذلك ، لأن قبائل تشعبت منها .. (1). # والمعنى : خلقناكم أيها الناس من ذكر وأثنى ، وجعلناكم شعوبا وقبائل ( ~~@QUR@01 لتعارفوا ) أى : ليعرف بعضكم نسب بعض ، فينتسب كل فرد إلى آبائه ، ~~ولتتواصلوا فيما بينكم وتتعاونوا على البر والتقوى ، لا ليتفاخر بعضكم على ~~بعض بحسبه أو نسبه أو جاهه. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) تعليل لما يدل ~~عليه الكلام من النهى عن التفاخر بالأنساب. # أى : إن أرفعكم منزلة عند الله ، وأعلاكم عنده سبحانه درجة .. هو أكثركم ~~تقوى وخشية منه تعالى فإن أردتم الفخر ففاخروا بالتقوى وبالعمل الصالح. # ( @QUR@03 إن الله عليم ) بكل أحوالكم ( @QUR@01 خبير ) بما ترونه ~~وتعلنونه من أقوال وأفعال. # وقد ساق الإمام ابن كثير رحمه الله عند تفسيره لهذه الآية. جملة من ~~الأحاديث التي تنهى عن التفاخر ، وتحض على التقوى ، فقال : فجميع الناس في ~~الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء سواء ، وإنما يتفاضلون بالأمور ~~الدينية ، وهي طاعة الله ورسوله .. # روى البخاري بسنده عن أبى هريرة قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أى ~~الناس أكرم؟ قال : «أكرمهم أتقاهم قالوا : ليس عن هذا نسألك قال : فأكرم ~~الناس يوسف نبي الله ، ابن خليل الله ، قالوا : ليس عن هذا نسألك. قال : ~~فعن معادن العرب تسألونى؟ قالوا : نعم. قال : فخياركم في الجاهلية خياركم ~~في الإسلام إذا فقهوا». # وروى مسلم عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله ~~لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم. # وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس ~~يوم فتح مكة فقال : «يا أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية أى ~~تكبرها ، وتعظمها بآبائها ، فالناس رجلان : رجل يرتقى كريم على الله ، ~~وفاجر شقي هين على الله. إن الله تعالى PageV13P319 # يقول : ( @QUR@08 يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى .. ) ثم قال : ~~«أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم» (1). # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بالرد على الأعراب الذين قالوا آمنا ، دون ~~أن يدركوا حقيقة الإيمان ، وبين من ms5283 هم المؤمنون الصادقون. # فقال تعالى : # ( @QUR@027 قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل ~~الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن ~~الله غفور رحيم (14) @QUR@018 إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم ~~لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون (15) ~~@QUR@016 قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ~~والله بكل شيء عليم (16) @QUR@019 يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي ~~إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين (17) @QUR@010 ~~إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما تعملون ) (18) # والأعراب : اسم جنس لبدو العرب ، واحده أعرابى ، وهم الذين يسكنون ~~البادية. # والمراد بهم هنا جماعة منهم لا كلهم ، لأن منهم ، ( @QUR@021 من يؤمن ~~بالله واليوم الآخر ، ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ، ألا ~~إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته ) (2). PageV13P320 # قال الآلوسى : قال مجاهد : نزلت هذه الآيات في بنى أسد ، وهم قبيلة كانت ~~تسكن بجوار المدينة ، أظهروا الإسلام ، وقلوبهم دغلة ، إنما يحبون المغانم ~~وعرض الدنيا .. ويروى أنهم قدموا المدينة في سنة مجدبة ، فأظهروا الشهادتين ~~، وكانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم : جئناك بالأثقال والعيال ، ~~ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان .. يمنون بذلك على النبي صلى الله عليه وسلم (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 قالت الأعراب آمنا ) من الإيمان ، وهو التصديق ~~القلبي ، والإذعان النفسي والعمل بما يقتضيه هذا الإيمان من طاعة لله تعالى ~~ولرسوله صلى الله عليه وسلم . # وقوله : ( @QUR@01 أسلمنا ) من الإسلام بمعنى الاستسلام والانقياد ~~الظاهري بالجوارح ، دون أن يخالط الإيمان شغاف قلوبهم. أى : قالت الأعراب ~~لك أيها الرسول الكريم آمنا وصدقنا بقلوبنا لكل ما جئت به ، وامتثلنا لما ~~تأمرنا به وتنهانا عنه. # قل لهم ( @QUR@02 لم تؤمنوا ) أى : لم تصدقوا تصديقا صحيحا عن اعتقاد قلب ~~وخلوص نية .. ( @QUR@03 ولكن قولوا أسلمنا ) أى : ولكن قولوا نطقنا بكلمة ~~الإسلام ، واستسلمنا لما تدعونا إليه استسلاما ظاهريا طمعا في الغنائم ، أو ~~خوفا من القتل. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما وجه قوله ms5284 تعالى : ( @QUR@06 قل لم تؤمنوا ~~ولكن قولوا أسلمنا ) والذي يقتضيه نظم الكلام أن يقال : قل لا تقولوا آمنا ~~، ولكن قولوا أسلمنا ... # قلت : أفاد هذا النظم تكذيب دعواهم أولا ، ودفع ما انتحلوه ، فقيل : قل ~~لم تؤمنوا ، وروعي في هذا النوع من التكذيب أدب حسن حين لم يصرح بلفظه ، ~~حيث لم يقل : كذبتم ، ووضع ، «لم تؤمنوا» الذي هو نفى ما ادعوا إثباته ~~موضعه .. # واستغنى بالجملة التي هي «لم تؤمنوا» عن أن يقال : لا تقولوا آمنا ، ~~لاستهجان أن يخاطبوا بلفظ مؤداه النهى عن القول بالإيمان .. (2). # وقوله : ( @QUR@05 ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ) جملة حالية من ضمير ، ~~«قولوا» و «لما» لفظ يفيد توقع حصول الشيء الذي لم يتم حصوله. # أى : قولوا أسلمنا والحال أنه لم يستقر الإيمان في قلوبكم بعد ، فإنه لو ~~استقر في قلوبكم لما سلكتم هذا المسلك ، ولما مننتم على الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بإسلامكم. # قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : وقد استفيد من هذه الآية الكريمة : أن ~~الإيمان أخص من PageV13P321 # الإسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة ، ويدل عليه حديث جبريل ، حين ~~سأل عن الإسلام. ثم عن الإيمان .. فترقى من الأعم إلى الأخص. # كما يدل على ذلك حديث الصحيحين عن سعد بن أبى وقاص ، أن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم أعطى رجلا ولم يعط آخر. فقال سعد : يا رسول الله ، مالك عن ~~فلان إنى لأراه مؤمنا ، فقال : «أو مسلما» .. # فقد فرق صلى الله عليه وسلم بين المؤمن والمسلم. فدل على أن الإيمان أخص من ~~الإسلام. # كما دل هنا عن أن هؤلاء الأعراب المذكورين في هذه الآية ، إنما هم مسلمون ~~لم يستحكم الإيمان في قلوبهم. فادعوا لأنفسهم مقاما أعلى مما وصلوا إليه ، ~~فأدبوا بذلك .. (1). # ثم أرشدهم سبحانه إلى ما يكمل إيمانهم فقال : ( @QUR@013 وإن تطيعوا الله ~~ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم ). # ومعنى : «لا يلتكم» لا ينقصكم. يقال : لات فلان فلانا حقه كباع إذا نقصه. # أى : وإن تطيعوا الله تعالى ورسوله ، بأن تخلصوا العبادة ، وتتركوا المن ~~والطمع ، لا ينقصكم سبحانه ms5285 من أجور أعمالكم شيئا ، إن الله تعالى واسع ~~المغفرة والرحمة لعباده التائبين توبة صادقة نصوحا. # ثم بين سبحانه صفات عباده المؤمنين الصادقين فقال : ( @QUR@018 إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~في سبيل الله أولئك هم الصادقون ). # أى : إنما المؤمنون حق الإيمان وأكمله ، هم الذين آمنوا بالله تعالى ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم ( @QUR@03 ثم لم يرتابوا ) أى : لم يدخل قلوبهم شيء ~~من الريبة أو الشك فيما أخبرهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم . # وأتى سبحانه بثم التي للتراخي ، للتنبيه على أن نفى الريب عنهم ليس ~~مقصورا على وقت إيمانهم فقط ، بل هو مستمر بعد ذلك إلى نهاية آجالهم ، ~~فكأنه سبحانه يقول : إنهم آمنوا عن يقين ، واستمر معهم هذا اليقين إلى ~~النهاية. # ثم أتبع ذلك ببيان الثمار الطيبة التي ترتبت على هذا الإيمان الصادق فقال ~~: ( @QUR@06 وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ). # أى : وبذلوا من أجل إعلاء كلمة الله تعالى ، ومن أجل دينه أموالهم ~~وأنفسهم. PageV13P322 # قال الآلوسى : وتقديم الأموال على الأنفس من باب الترقي من الأدنى إلى ~~الأعلى. ويجوز بأن يقال : قدم الأموال لحرص الكثيرين عليها ، حتى إنهم ~~يهلكون أنفسهم بسببها .. (1) ( @QUR@03 أولئك هم الصادقون ) أى : أولئك ~~الذين فعلوا ذلك هم الصادقون في إيمانهم. # ثم أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخبرهم بأن الله تعالى لا يخفى ~~عليه شيء من أحوالهم فقال : ( @QUR@04 قل أتعلمون الله بدينكم ). # وقوله : ( @QUR@01 أتعلمون ) من الإعلام بمعنى الإخبار ، فلذا تعدى ~~بالتضعيف لواحد بنفسه ، وإلى الثاني بحرف الجر. أى : قل أيها الرسول الكريم ~~لهؤلاء الأعراب على سبيل التوبيخ : أتخبرون الله تعالى بما أنتم عليه من ~~دين وتصديق حيث قلتم آمنا ، على سبيل التفاخر والتباهي .. والحال أن الله ~~تعالى ( @QUR@07 يعلم ما في السماوات وما في الأرض ) دون أن يخفى عليه شيء ~~من أحوال المخلوقات الكائنة فيهما. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 والله بكل شيء عليم ) مقرر لما قبله ومؤكد له. # ثم أشار تعالى إلى نوع آخر من جفائهم وقلة إدراكهم فقال : ( @QUR@04 ~~يمنون عليك أن أسلموا ... ). # والمن : تعداد النعم ms5286 على الغير ، وهو مذموم من الخلق ، محمود من الله ~~تعالى أى : هؤلاء الأعراب يعدون إيمانهم بك منة عليك ، ونعمة أسدوها إليك ~~حيث قالوا لك : جئناك بالأموال والعيال. وقاتلك الناس ولم نقاتلك .. # وقوله : ( @QUR@02 أن أسلموا ) في موضع المفعول لقوله : ( @QUR@01 يمنون ~~) لتضمينه معنى الاعتداد ، أو هو بتقدير حرف الجر فيكون المصدر منصوبا بنزع ~~الخافض أو مجرورا بالحرف المقدر. أى : يمنون عليك بإسلامهم .. # ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم بما يدل على غفلتهم ~~فقال : ( @QUR@05 قل لا تمنوا علي إسلامكم ... ). # أى : قل لهم لا تتفاخروا علي بسبب إسلامكم ، لأن ثمرة هذا الإسلام يعود ~~نفعها عليكم لا علي. # ثم بين سبحانه أن المنة له وحده فقال : ( @QUR@07 بل الله يمن عليكم أن ~~هداكم للإيمان ... ). PageV13P323 # أى : قل لهم أيها الرسول الكريم ليس الأمر كما زعمتم من أن إسلامكم يعتبر ~~منه علي ، بل الحق أن الله تعالى هو الذي يمن عليكم أن أرشدكم إلى الإيمان ~~، وهداكم إليه ، وبين لكم طريقه ، فادعيتم أنكم آمنتم مع أنكم لم تؤمنوا ~~ولكنكم أسلمتم فقط. # قال صاحب الكشاف : وسياق هذه الآية فيه لطف ورشاقة ، وذلك أن الكائن من ~~الأعاريب قد سماه الله إسلاما ، ونفى أن يكون كما زعموا إيمانا فلما منوا ~~على الرسول صلى الله عليه وسلم بما كان منهم ، قال الله تعالى لرسوله : إن ~~هؤلاء يعتدون عليك بما ليس جديرا بالاعتداد به .. # ثم قال : بل الله يعتد عليكم أن أمدكم بتوفيقه ، حيث هداكم للإيمان على ~~ما زعمتم وادعيتم أنكم أرشدتم إليه ، ووفقتم له إن صح زعمكم ، وصدقت دعواكم ~~.. وفي إضافة الإسلام عليهم ، وإيراد الإيمان غير مضاف ، ما لا يخفى على ~~المتأمل ... (1). # وجواب الشرط في قوله : ( @QUR@03 إن كنتم صادقين ) محذوف ، يدل عليه ما ~~قبله. أى : إن كنتم صادقين في إيمانكم فاعتقدوا ، أن المنة إنما هي لله ~~تعالى عليكم ، حيث أرشدكم إلى الطريق الموصل إلى الإيمان الحق. # وشبيه في المعنى بهذه الآية قول الرسول صلى الله عليه وسلم للأنصار في إحدى ~~خطبه : «يا معشر الأنصار ، ألم أجدكم ضلالا ms5287 فهداكم الله بي ، وكنتم متفرقين ~~فألفكم الله بي ، وكنتم عالة فأغناكم الله بي؟» وكان صلى الله عليه وسلم كلما ~~قال شيئا ، قالوا : الله ورسوله أمن. # والحق أن هداية الله تعالى لعبده إلى الإيمان تعتبر منة منه سبحانه لا ~~تدانيها منة ، ونعمة لا تقاربها نعمة ، وعطاء ساميا جليلا منه تعالى لا ~~يساميه عطاء فله عز وجل الشكر الذي لا تحصيه عبارة على هذه النعمة ، ونسأله ~~تعالى أن يديمها علينا حتى نلقاه. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بقوله : ( @QUR@06 إن الله يعلم غيب ~~السماوات والأرض ... ) أى : إنه تعالى يعلم ما خفى وغاب عن عقول الناس من ~~أحوال السموات والأرض ( @QUR@04 والله بصير بما تعملون ) أيها الناس لا ~~يعزب عنه شيء من أقوالكم أو أفعالكم. # وبعد : فهذا تفسير وسيط لسورة «الحجرات» تلك السورة التي رسمت للناس ~~معالم عالم PageV13P324 # كريم ، تشع فيه الآداب السامية ، والأخلاق العالية ، والقيم الجليلة ، ~~وتختفى فيه ما يتعارض مع هذه المعاني كالحقد والغيبة والتقاتل والتفاخر ~~بالأحساب والأنساب. # نسأل الله تعالى أن يجعل القرآن ربيع نفوسنا ، وأنس قلوبنا. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV13P325 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة ق PageV13P327 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «ق» هي السورة الخمسون في ترتيب المصحف ، أما ترتيبها في النزول ~~فكان بعد سورة «المرسلات». # ويبدو أن نزولها كان في أوائل العهد المكي ، إذ من يراجع ترتيب السور على ~~حسب النزول يرى أنها لم يسبقها سوى اثنتين وثلاثين سورة ، ومعظم السور التي ~~سبقتها كانت من الجزء الأخير من القرآن الكريم (1). # وهي من السور المكية الخالصة ، وعدد آياتها خمس وأربعون آية ، وتسمى أيضا ~~بسورة «الباسقات». # 2 وقد ذكر الإمام ابن كثير في مقدمة تفسيره لها جملة من الأحاديث في ~~فضلها ، منها ما رواه مسلم وأهل السنن ، عن أبى واقد الليثي ، أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيد بسورة «ق» وبسورة ( @QUR@02 اقتربت ~~الساعة ... ). # وروى الإمام أحمد عن أم هشام بنت حارثة قالت : ما أخذت ( @QUR@03 ق ~~والقرآن المجيد ) إلا على لسان رسول الله صلى ms5288 الله عليه وسلم ، كان يقرؤها كل ~~يوم جمعة إذا خطب الناس. # ثم قال ابن كثير : والقصد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بهذه ~~السورة في المجامع الكبار ، كالعيد والجمع ، لاشتمالها على ابتداء الخلق ~~والبعث والنشور ، والمعاد والقيام ، والحساب ، والجنة والنار ، والثواب ~~والعقاب ، والترغيب والترهيب .. (2). # 3 والحق ، أن المتأمل في هذه السورة الكريمة يراها قد اشتملت على ما ذكره ~~الإمام ابن كثير ، بأسلوب بليغ بديع. # فهي تبدأ بالثناء على القرآن الكريم ، ثم تذكر دعاوى المشركين وترد عليهم ~~بما يخرس ألسنتهم ، ثم توبخهم على عدم تفكرهم في أحوال هذا الكون الزاخر ~~بالآيات والكائنات الدالة على وحدانية الله تعالى وقدرته. PageV13P329 # قال تعالى : ( @QUR@028 أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم ، كيف بنيناها ~~وزيناها ، وما لها من فروج. والأرض مددناها ، وألقينا فيها رواسي ، وأنبتنا ~~فيها من كل زوج بهيج ، تبصرة وذكرى لكل عبد منيب ). # 4 ثم تذكرهم أيضا بسوء عاقبة المكذبين من قبلهم ، كقوم نوح وعاد وثمود ، ~~وقوم فرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة .. # ثم تتبع ذلك بتذكيرهم بعلم الله تعالى الشامل لكل شيء ، وبسكرات الموت ~~وما يتبعها من بعث وحساب ، وثواب وعقاب .. # قال تعالى : ( @QUR@033 وجاءت سكرة الموت بالحق ، ذلك ما كنت منه تحيد. ~~ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد ، وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد. لقد كنت في ~~غفلة من هذا ، فكشفنا عنك غطاءك ، فبصرك اليوم حديد ). # 5 ثم تختتم السورة الكريمة ، بتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من ~~قومه ، وترشده إلى العلاج الذي يعينه على مداومة الصبر ، كما تحكى له ~~أحوالهم يوم القيامة ليزداد يقينا على يقينه ، وتأمره بالمواظبة على ~~تبليغهم ، بما أمره الله تعالى بتبليغه. # لنستمع إلى قوله تعالى : ( @QUR@059 فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك ~~قبل طلوع الشمس وقبل الغروب. ومن الليل فسبحه وأدبار السجود. واستمع يوم ~~يناد المناد من مكان قريب ، يوم يسمعون الصيحة بالحق ، ذلك يوم الخروج. إنا ~~نحن نحيي ونميت وإلينا المصير. يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا ~~يسير. نحن أعلم بما يقولون وما ms5289 أنت عليهم بجبار ، فذكر بالقرآن من يخاف ~~وعيد ). # وهكذا تطوف بنا السورة الكريمة في أعماق هذا الكون ، وفي أعماق النفس ~~الإنسانية ، منذ ولادتها ، إلى بعثها ، إلى حسابها ، إلى جزائها .. وذلك ~~كله بأسلوب مؤثر بديع ، يشهد بأن هذا القرآن من عند الله ، ولو كان من عند ~~غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .. # القاهرة مدينة نصر # 6 من جمادى الأولى 1406 ه 17 / 1 / 1986 م # د. محمد سيد طنطاوى PageV13P330 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@03 ق والقرآن المجيد (1) @QUR@011 بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم ~~فقال الكافرون هذا شيء عجيب (2) @QUR@07 أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد ~~(3) @QUR@09 قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ (4) @QUR@09 بل ~~كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج (5) @QUR@012 أفلم ينظروا إلى ~~السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج (6) @QUR@011 والأرض ~~مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج (7) @QUR@05 تبصرة ~~وذكرى لكل عبد منيب (8) @QUR@010 ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به ~~جنات وحب الحصيد (9) @QUR@05 والنخل باسقات لها طلع نضيد (10) @QUR@08 رزقا ~~للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج ) (11) # سورة «ق» من السور القرآنية ، التي افتتحت ببعض حروف التهجي ، وأقرب ~~الأقوال إلى الصواب في معنى هذه الحروف ، أنها جيء بها على سبيل الإيقاظ ~~والتنبيه للذين تحداهم القرآن. فكأن الله تعالى يقول لهؤلاء المعارضين في ~~أن القرآن من عند الله : ها كم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما ~~تؤلفون منه كلامكم ، ومنظوما من حروف هي PageV13P331 # من جنس الحروف الهجائية التي تنظمون منها حروفكم. # فإن كنتم في شك في كونه منزلا من عند الله تعالى فهاتوا مثله ، أو عشر ~~سور من مثله ، أو سورة واحدة من مثله. # فعجزوا وانقلبوا خاسرين ، وثبت أن هذا القرآن من عند الله سبحانه . # وهذا الرأى وهو كون «ق» من الحروف الهجائية ، هو الذي نطمئن إليه ، وهناك ~~أقوال أخرى في معنى هذا الحرف ، تركناها لضعفها كقول بعضهم إن «ق» ms5290 اسم جبل ~~محيط بجميع الأرض .. وهي أقوال لم يقم دليل نقلي أو عقلي على صحتها. # قال ابن كثير : وقد روى عن بعض السلف ، أنهم قالوا «ق» جبل محيط بالأرض ، ~~يقال له جبل «ق» وكأن هذا والله أعلم من خرافات بنى إسرائيل التي أخذها ~~عنهم بعض الناس .. (1). # والواو في قوله تعالى : ( @QUR@02 والقرآن المجيد ) للقسم ، والمقسم به ~~القرآن الكريم ، وجواب القسم محذوف لدلالة ما بعده عليه ، وهو استبعادهم ~~لبعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم للبعث والحساب .. # وقوله : ( @QUR@01 المجيد ) صفة للقرآن. أى : ذي المجد والشرف وكثرة الخير. # ولفظ المجيد مأخوذ من المجد ، بمعنى السعة والكرم ، وأصله من مجدت الإبل ~~وأمجدت ، إذا وقعت في مرعى مخصب ، واسع ، الجنبات ، كثير الأعشاب. # والمعنى : أقسم بالقرآن ذي المجد والشرف ، وذي الخير الوفير الذي يجد فيه ~~كل طالب مقصوده ، إنك أيها الرسول الكريم لصادق فيما تبلغه عن ربك من أن ~~البعث حق والحساب حق ، والجزاء حق ... ولكن الجاحدين لم يؤمنوا بذلك. # ( @QUR@06 بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم ) وهو أنت يا محمد ، فلم يؤمنوا ~~بك ، بل قابلوا دعوتك بالإنكار والتعجب. # ( @QUR@05 فقال الكافرون هذا شيء عجيب ) أى : هذا البعث الذي تخبرنا عنه ~~يا محمد شيء يتعجب منه ، وتقف دونه أفهامنا حائرة. # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@06 بل عجبوا أن جاءهم منذر ~~منهم ... ) بل للإضراب عما ينبئ عنه جواب القسم المحذوف ، فكأنه قيل إنا ~~أنزلنا هذا القرآن لتنذر به PageV13P332 # الناس ، فلم يؤمنوا به ، بل جعلوا كلا من المنذر والمنذر به عرضة للتكبر ~~والتعجب ، مع كونهما أوفق شيء لقضية العقول ، وأقربه إلى التلقي بالقبول .. # وقوله : ( @QUR@02 أن جاءهم ) بتقدير لأن جاءهم ، ومعنى «منهم» أى : من ~~جنسهم ، وضمير الجمع يعود إلى الكفار .. # وقوله : ( @QUR@05 فقال الكافرون هذا شيء عجيب ) تفسير لتعجبهم .. ~~وإضمارهم أولا ، للإشعار بتعينهم بما أسند إليهم ، وإظهارهم ثانيا ، لتسجيل ~~الكفر عليهم .. (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد ) تقرير ~~للتعجب ، وتأكيد للإنكار الصادر عنهم ، والعامل في «إذا» مضمر لدلالة ما ~~بعده عليه .. # أى : أحين نموت ونصير ترابا وعظاما نرجع ms5291 إلى الحياة مرة أخرى ، كما يقول ~~محمد صلى الله عليه وسلم ، وكما يقول القرآن الذي نزل عليه. # لا ، إننا لن نبعث ولن نعود إلى الحياة مرة أخرى ، وما يخبرنا به محمد ~~صلى الله عليه وسلم من أن الرجوع إلى الحياة مرة أخرى حق ، كلام بعيد عن ~~عقولنا وأفهامنا. # فاسم الإشارة «ذلك» يعود إلى محل النزاع وهو الرجوع إلى الحياة مرة أخرى ~~، والبعث بعد الموت. والرجع بمعنى الرجوع. يقال : رجعته أرجعه رجعا ورجوعا ~~، بمعنى أعدته .. ومنه قوله تعالى : ( @QUR@06 فإن رجعك الله إلى طائفة ~~منهم ). # أى : ذلك الرجوع إلى الحياة مرة أخرى بعيد عن الأفهام ، وعن العادة ، وعن ~~الإمكان. # وبعد هذا التصوير الأمين لحججهم وأقوالهم ، ساق سبحانه الرد الذي يدفع ~~تلك الحجج والأقوال فقال : ( @QUR@06 قد علمنا ما تنقص الأرض منهم ). # أى : قد علمنا علما تاما دقيقا ما تأكله الأرض من أجسادهم بعد موتهم ، ~~ومن علم ذلك لا يعجزه أن يعيدهم إلى الحياة مرة أخرى. # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 وعندنا كتاب حفيظ ) تأكيد وتقرير لما قبله. # أى : وعندنا بجانب علمنا الشامل الدقيق. كتاب حافظ لجميع أحوال العباد ، ~~ومسجلة فيه أقوالهم وأفعالهم ، والمراد بهذا الكتاب : اللوح المحفوظ. # ثم كشف سبحانه عن حقيقة أحوالهم ، وعن الأسباب التي دفعتهم إلى إيثار ~~الباطل على الحق فقال : ( @QUR@09 بل كذبوا بالحق لما جاءهم ، فهم في أمر ~~مريج ). أى : إن هؤلاء PageV13P333 # الكافرين لم يكتفوا بإنكارهم للبعث .. بل جاءوا بما هو أشنع وأفظع منه ، ~~وهو تكذيبهم لنبوتك أيها الرسول الكريم تلك النبوة الثابتة بالمعجزات ~~الناصعة ، ومن مظاهر هذا التكذيب أنهم تارة يقولون عنك ساحر ، وتارة يقولون ~~عنك كاهن وتارة يصفونك بالجنون. # فهم في أمر مريج ، أى : مضطرب مختلط. بحيث لا يستقرون على حال. يقال : ~~مرج الأمر بزنة طرب إذا اختلط وتزعزع ، وفقد الثبات والاستقرار والصلاح .. ~~ومنه قولهم : مرجت أمانات الناس ، إذا فسدت وعمتهم الخيانة ، ومرج الخاتم ~~في إصبع فلان ، إذا تخلخل واضطرب لشدة هزال صاحبه. # وفي هذا الرد عليهم تصوير بديع معجز ، حيث بين سبحانه بأنه عليم بما ~~تأكله الأرض من أجسادهم المغيبة ms5292 فيها ، وبتناقص هذه الأجساد رويدا رويدا ، ~~وأن كل أحوالهم مسجلة في كتاب حفيظ ، وأنهم عند ما فارقوا الحق الثابت ~~وكذبوه ، مادت الأرض من تحتهم واضطربت ، واختلطت عليهم الأمور والتبست ، ~~فصاروا يلقون التهم جزافا دون أن يستقروا على رأى ، أو يجتمعوا على كلمة .. # ثم شرعت السورة الكريمة في بيان الأدلة على قدرة الله تعالى وعلى أن ~~البعث حق ، وعلى أن استبعادهم له إنما هو لون من جهالاتهم وانطماس بصائرهم ~~، فقال تعالى : # ( @QUR@012 أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من ~~فروج ). والاستفهام للإنكار والتعجيب من جهلهم ، والهمزة متعلقة بمحذوف ، ~~والفاء عاطفة عليه أى : أأعرضوا عن آيات الله في هذا الكون ، فلم ينظروا ~~إلى السماء فوقهم. كيف بنيناها هذا البناء العجيب ، بأن رفعناها بدون عمد ، ~~وزيناها بالكواكب ، وحفظناها من أى تصدع أو تشقق أو تفتق. فقوله : ( ~~@QUR@01 فروج ) جمع فرج ، وهو الشق بين الشيئين. والمراد سلامتها من كل عيب وخلل. # ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله تعالى : ( @QUR@028 الذي خلق ~~سبع سماوات طباقا ، ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ، فارجع البصر هل ترى من ~~فطور ، ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير ) (1). # ثم بين سبحانه مظاهر قدرته في بسط الأرض ، بعد بيان مظاهر قدرته في رفع ~~السماء فقال : ( @QUR@02 والأرض مددناها ) أى : والأرض بسطناها ومددناها ~~بقدرتنا ، وجعلناها مترامية الأطراف والمناكب ، كما تشاهدون ذلك بأعينكم. PageV13P334 # قالوا : وامتدادها واتساعها لا ينافي كرويتها ، لأن عظم سطحها يجعل ~~الناظر إليها يراها كأنها مسطحة ممدودة. # ( @QUR@03 وألقينا فيها رواسي ) أى : وألقينا فيه جبالا ثوابت تمنعها من ~~الاضطراب .. # فقوله ( @QUR@01 رواسي ) جمع راسية بمعنى ثابتة وهو صفة لموصوف محذوف. # ( @QUR@02 وأنبتنا فيها ) أى : في الأرض ( @QUR@04 من كل زوج بهيج ) أى : ~~وأنبتنا فيها من كل صنف حسن يبهج ويسر الناظرين إليه ، مأخوذ من البهجة ~~بمعنى الحسن يقال : بهج الشيء كظرف فهو بهيج أى : حسن جميل. # وقوله : ( @QUR@02 تبصرة وذكرى .. ) علتان لما تقدم من الكلام ، وهما ~~منصوبتان بفعل مقدر. # أى : فعلنا ما فعلنا من مد الأرض ، ومن تثبيتها بالجبال ms5293 ، ومن إنبات كل ~~صنف حسن من النبات فيها ، لأجل أن نبصر عبادنا بدلائل وحدانيتنا وقدرتنا ، ~~ونذكرهم بما يجب عليهم نحو خالقهم من شكر وطاعة. # وقوله : ( @QUR@03 لكل عبد منيب ) متعلق بكل من المصدرين السابقين وهما : ~~التبصرة والذكرى. أى : هذه التبصرة والذكرى كائنة لكل عبد منيب ، أى : كثير ~~الرجوع إلى ربه بالتدبر في بدائع صنعته ، ودلائل قدرته. # ثم انتقلت الآيات إلى بيان مظاهر قدرته في إنزال المطر ، بعد بيان مظاهر ~~قدرته في خلق السموات والأرض وما اشتملتا عليه من كائنات ، فقال تعالى : ( ~~@QUR@05 ونزلنا من السماء ماء مباركا ) أى : ماء كثير المنافع والخيرات ~~للناس والدواب والزروع. # ( @QUR@02 فأنبتنا به ) أى : بذلك الماء ( @QUR@01 جنات ) أى : بساتين ~~كثيرة زاخرة بالثمار .. # ( @QUR@02 وحب الحصيد ) أى : وحب النبات الذي من شأنه أن يحصد عند ~~استوائه كالقمح والشعير وما يشبههما من الزروع. # فالحصيد بمعنى المحصود ، وهو صفة لموصوف محذوف أى : وحب الزرع الحصيد. ~~فهذا التركيب من باب حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه للعلم به. # وخص الحب بالذكر ، لاحتياج الناس إليه أكثر من غيره ، فصار كأنه المقصود ~~بالبيان. # وقوله : ( @QUR@01 والنخل ... ) معطوف على ( @QUR@01 جنات )، و ( ~~@QUR@01 باسقات ) حال من النخل. ومعنى «باسقات» مرتفعات ، من البسوق بمعنى ~~الارتفاع والعلو. يقال : بسق فلان على أصحابه من باب دخل إذا فاقهم وزاد ~~عليهم في الفضل. PageV13P335 # والنخل : اسم جنس يذكر ويؤنث ويجمع. وخص بالذكر مع أنه من جملة ما اشتملت ~~عليه الجنات ، لمزيد فضله وكثرة منافعه. # وجملة ( @QUR@03 لها طلع نضيد ) في محل نصب على الحال من النخل. # والطلع : أول ما يخرج من ثمر النخل. ويسمى الكفرى. يقال : طلع الطلع ~~طلوعا. إذا كان في أول ظهوره. # والنضيد : بمعنى المنضود ، أى : المتراكب بعضه فوق بعض مأخوذ من نضد فلان ~~المتاع ينضده ، إذا رتبه ترتيبا حسنا. # أى : وأنبتنا أيضا في الأرض بعد إنزالنا الماء عليها من السحاب ، النخل ~~الطوال ، الزاخر بالثمار الكثيرة التي ترتب بعضها على بعض بطريقة جميلة .. # وقوله : ( @QUR@02 رزقا للعباد ) بيان للحكمة من إنزال المطر وإنبات ~~الزرع .. # أى : أنبتنا ما أنبتنا من الجنات ومن النخل الباسقات .. ليكون ذلك ms5294 رزقا ~~نافعا للعباد .. # ( @QUR@04 وأحيينا به بلدة ميتا ) أى : وأحيينا بذلك الماء الذي أنزلناه ~~بلدة كانت مجدبة ، وأرضا كانت خالية من النبات والزروع ، وتذكير ( @QUR@01 ~~ميتا ) لكون البلدة بمعنى المكان. # وقوله : ( @QUR@02 كذلك الخروج ) جملة مستأنفة لبيان أن الخروج من القبور ~~عند البعث ، مثله كمثل هذا الإحياء للأرض التي كانت جدباء ميتة ، بأن أنبتت ~~من كل زوج بهيج بعد أن كانت خالية من ذلك. # فوجه الشبه بين إحياء الأرض بالنبات بعد جدبها ، وبين إحياء الإنسان ~~بالبعث بعد موته ، استواء الجميع في أنه جاء بعد عدم. # قال ابن كثير : قوله : ( @QUR@04 وأحيينا به بلدة ميتا ... ) وهي الأرض ~~التي كانت هامدة ، فلما نزل عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج. ~~وذلك بعد أن كانت لا نبات فيها ، فهذا مثال للبعث بعد الموت والهلاك ، كذلك ~~يحيى الله الموتى ، وهذا المشاهد من عظيم قدرته بالحس ، أعظم مما أنكره ~~الجاحدون للبعث .. # كقوله تعالى : ( @QUR@07 لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ). # وقوله : ( @QUR@022 أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي ~~بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير ) (1) وقوله ~~تعالى : ( @QUR@04 ومن آياته أنك ترى PageV13P336 # @QUR@018 الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ، إن الذي ~~أحياها لمحي الموتى ، إنه على كل شيء قدير ) (1). # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أقامت ألوانا من الأدلة على وحدانية الله ~~تعالى وقدرته ، وعلى أن البعث حق ، وأنه آت لا ريب فيه. # وبعد هذا العرض البديع لمظاهر قدرة الله تعالى في هذا الكون ، ولمظاهر ~~نعمه على خلقه ، ساقت السورة الكريمة جانبا من أحوال المكذبين للرسل ~~السابقين. تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من قومه ، فقال تعالى : # ( @QUR@07 كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود (12) @QUR@04 وعاد ~~وفرعون وإخوان لوط (13) @QUR@09 وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق ~~وعيد (14) @QUR@010 أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد ) (15) # أى : لا تحزن أيها الرسول الكريم لما أصابك من أذى من هؤلاء المشركين ~~الجاحدين المكذبين فقد سبقهم إلى هذا التكذيب والكفر ms5295 والجحود «قوم نوح» ~~عليه السلام ، فإنهم قد قالوا في حقه إنه مجنون ، كما حكى عنهم ذلك في قوله ~~تعالى : ( @QUR@09 كذبت قبلهم قوم نوح ، فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر ~~). وقوله : ( @QUR@02 وأصحاب الرس ) معطوف على ما قبله ، والرس في لغة ~~العرب : البئر التي لم تبن بعد بالحجارة ، وقيل : هي البئر مطلقا. # وللمفسرين في حقيقة أصحاب الرس أقوال : فمنهم من قال إنهم من بقايا قبيلة ~~ثمود ، بعث الله إليهم واحدا من أنبيائه ، فكذبوه ورسوه في تلك البئر ، أى ~~: ألقوا به فيها فأهلكهم سبحانه بسبب ذلك. # وقيل : هم الذين قتلوا حبيبا النجار عند ما جاء يدعوهم إلى الدين الحق ، ~~وكانت تلك البئر بأنطاكية ، وبعد قتلهم له ألقوه فيها. وقيل : هم قوم شعيب ~~عليه السلام .. # واختار ابن جرير رحمه الله أن أصحاب الرس هم أصحاب الأخدود ، الذين جاء ~~الحديث عنهم في سورة البروج. PageV13P337 # والمراد بثمود : قوم صالح عليه السلام الذين كذبوه فأهلكهم الله تعالى . # والمراد بعاد : قوم هود عليه السلام الذين اغتروا بقوتهم ، وكذبوا نبيهم ، ~~فأخذهم سبحانه أخذ عزيز مقتدر. # ( @QUR@01 وفرعون ) هو الذي أرسل الله إليه موسى عليه السلام فكذبه وقال ~~لقومه ( @QUR@08 أنا ربكم الأعلى. فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ). # ( @QUR@02 وإخوان لوط ) هم قومه الذين أتوا بفاحشة لم يسبقوا إليها. ~~قالوا : ووصفهم الله تعالى بأنهم إخوانه ، لأنه كانت تربطه بهم رابطة ~~المصاهرة حيث إن امرأته عليه السلام كانت منهم. # ( @QUR@02 وأصحاب الأيكة ) هم قوم شعيب عليه السلام كما قال تعالى : ( ~~@QUR@010 كذب أصحاب الأيكة المرسلين. إذ قال لهم شعيب ألا تتقون ) (1). # والأيكة : اسم لمنطقة كانت مليئة بالأشجار ، ومكانها في الغالب بين ~~الحجاز وفلسطين حول خليج العقبة ، ولعلها المنطقة التي تسمى بعمان. # وكان قوم شعيب يعبدون الأوثان ، ويطففون في المكيال فنهاهم شعيب عن ذلك ، ~~ولكنهم كذبوه فأهلكهم الله تعالى . # ( @QUR@02 وقوم تبع ) وهو تبع الحميرى اليماني ، وكان مؤمنا وقومه كفار ، ~~قالوا : وكان اسمه سعد أبو كرب ، وقد أشار القرآن إلى قصتهم في آيات أخرى ~~منها قوله تعالى : ( @QUR@05 أهم خير أم قوم تبع .. ) (2). # والتنوين في قوله تعالى : ( @QUR@03 كل كذب الرسل ms5296 ... ) عوض عن المضاف إليه. # أى : كل قوم من هؤلاء الأقوام السابقين كذبوا رسولهم الذي جاء لهدايتهم. # وقوله : ( @QUR@02 فحق وعيد ) بيان لما حل بهم بسبب تكذيبهم لرسلهم. أى : ~~كل واحد من هؤلاء الأقوام كذبوا رسولهم ، فكانت نتيجة ذلك أن وجب ونزل بهم ~~وعيدي ، وهو العذاب الذي توعدتهم به ، كما قال سبحانه : ( @QUR@028 فكلا ~~أخذنا بذنبه ، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا. ومنهم من أخذته الصيحة ، ومنهم ~~من خسفنا به الأرض ، ومنهم من أغرقنا ، وما كان الله ليظلمهم ، ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون ) (3). PageV13P338 # قال ابن كثير : قوله : ( @QUR@03 كل كذب الرسل ... ) أى : كل من هذه ~~الأمم ، وهؤلاء القرون كذب رسوله ، ومن كذب رسولا فكأنما كذب جميع الرسل. # ( @QUR@02 فحق وعيد ) أى : فحق عليهم ما أوعدهم الله تعالى على التكذيب ~~من العذاب والنكال ، فليحذر المخاطبون أن يصيبهم ما أصابهم ، فإنهم قد ~~كذبوا رسولهم كما كذب أولئك (1). # وبعد هذا العرض لمصارع المكذبين ، عادت السورة إلى تقرير الحقيقة التي ~~كفر بها الجاهلون والجاحدون ، وهي أن البعث حق ، فقال تعالى : ( @QUR@010 ~~أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد ) والاستفهام للإنكار ~~والنفي ، وقوله ( @QUR@01 فعيينا ) من العي بمعنى العجز. يقال : عيى فلان ~~بهذا الشيء ، إذا عجز عنه ، وانقطعت حيلته فيه ، ولم يهتد إلى طريقة توصله ~~إلى مقصوده منه. # واللبس : الخلط. يقال : لبس على فلان الأمر من باب ضرب إذا اشتبه واختلط ~~عليه ، ولم يستطع التمييز بين ما هو صواب وما هو خطأ. # أى : أفعجزت قدرتنا عن خلق هؤلاء الكافرين وإيجادهم من العدم ، حتى ~~يتوهموا أننا عاجزون عن إعادتهم إلى الحياة بعد موتهم؟. # كلا إننا لم نعجز عن شيء من ذلك لأن قدرتنا لا يعجزها شيء ، ولكن هؤلاء ~~الكافرين لانطماس بصائرهم ، واستيلاء الشيطان عليهم ، قد صاروا في لبس وخلط ~~من أمرهم ، بدليل أنهم يقرون بأننا نحن الذين خلقناهم ولم يكونوا شيئا ~~مذكورا ، ومع ذلك فهم ينكرون قدرتنا على الخلق الجديد أى : على إعادتهم إلى ~~الحياة الدنيا مرة أخرى بعد موتهم. # فقوله تعالى : ( @QUR@07 بل هم في لبس من خلق جديد ) أى : بل إن ms5297 هؤلاء ~~الكافرين في خلط وشك وحيرة من أن يكون هناك خلق جديد أى خلق مستأنف لهم بعد ~~موتهم ، مع أنهم لو كانوا يعقلون لعلموا أن القادر على الخلق من العدم ، ~~قادر على إعادة هذا المخلوق من باب أولى ، كما قال سبحانه : ( @QUR@09 وهو ~~الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده ، وهو أهون عليه .. ) (2). # قال الآلوسى : وقوله : ( @QUR@07 بل هم في لبس من خلق جديد ) عطف على ~~مقدر يدل عليه PageV13P339 # ما قبله ، كأن قيل : إنهم معترفون بالأول غير منكرين قدرتنا عليه ، فلا ~~وجه لإنكارهم الثاني ، بل هم في خلط وشبهة في خلق مستأنف .. (1). # وقال بعض العلماء ما ملخصه : في الآية أسئلة ثلاثة : لم عرف الخلق الأول؟ ~~ولم نكر اللبس؟ ولم نكر الخلق الجديد؟. # وللإجابة على ذلك نقول : عرف الخلق الأول للتعميم والتهويل والتفخيم ومنه ~~تعريف الذكور في قوله ( @QUR@08 يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور ). # وأما التنكير فأمره منقسم ، فأحيانا يقصد به التفخيم ، من حيث ما فيه من ~~الإبهام .. وهو المقصود هنا من تنكير لفظ ( @QUR@01 لبس ). كأنه قيل : بل ~~هم في لبس أى لبس. # وأحيانا يقصد به التقليل والتهوين لأمره ، وهو المقصود هنا بقوله من ( ~~@QUR@02 خلق جديد ) أى : أن هذا الخلق الجديد شيء هين بالنسبة إلى الخلق ~~الأول ، وإن كان كل شيء هين بالنسبة إلى قدرة الله تعالى (2). # ثم صورت السورة الكريمة بعد ذلك علم الله تعالى الشامل لكل شيء تصويرا ~~يأخذ بالألباب ، وبينت سكرات الموت وغمراته ، وأحوال الإنسان عند البعث .. ~~بيانا رهيبا مؤثرا ، قال تعالى : # ( @QUR@014 ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من ~~حبل الوريد (16) @QUR@08 إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ~~(17) @QUR@08 ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (18) @QUR@09 وجاءت سكرة ~~الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد (19) @QUR@06 ونفخ في الصور ذلك يوم ~~الوعيد (20) @QUR@06 وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد (21) @QUR@012 لقد كنت ~~في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) (22) PageV13P340 # والمراد بالإنسان في قوله تعالى : ( @QUR@08 ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما ~~توسوس به نفسه .. ) جنسه. وقوله ms5298 : ( @QUR@01 توسوس ) من الوسوسة وهو الصوت ~~الخفى ، والمراد به حديث الإنسان مع نفسه. قال الشاعر : # وأكذب النفس إذا حدثتها %~% إن صدق النفس يزرى بالأمل # و ( @QUR@01 ما ) موصولة ، والضمير عائد عليها والباء صلة ، أى : ونعلم ~~الأمر الذي تحدثه نفسه به. ويصح أن تكون مصدرية ، والضمير للإنسان ، والباء ~~للتعدية ، أى ونعلم وسوسة نفسه إياه. # والمتدبر في هذه الآية يرى أن افتتاحها يشير إلى مضمونها ، لأن التعبير ~~بخلقنا ، يشعر بالعلم التام بأحوال المخلوق ، إذ خالق الشيء وصانعه أدرى ~~بتركيب جزئياته. أى : والله لقد خلقنا بقدرتنا هذا الإنسان. ونعلم علما ~~تاما شاملا ما تحدثه به نفسه من أفكار وخواطر .. # وقوله : ( @QUR@06 ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) تقرير وتوكيد لما قبله. # وحبل الوريد : عرق في باطن العنق يسرى فيه الدم ، والإضافة بيانية. أى : ~~حبل هو الوريد. أى : ونحن بسبب علمنا التام بأحواله كلها ، أقرب إليه من ~~أقرب شيء لديه ، وهو عرق الوريد الذي في باطن عنقه ، أو أقرب إليه من دمائه ~~التي تسرى في عروقه. # فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن علم الله تعالى بأحوال الإنسان ، أقرب ~~إلى هذا الإنسان ، من أعضائه ومن دمائه التي تسرى في تلك الأعضاء. # والمقصود من القرب : القرب عن طريق العلم ، لا القرب في المكان لاستحالة ~~ذلك عليه تعالى . # قال القرطبي : قوله : ( @QUR@03 ولقد خلقنا الإنسان ) يعنى الناس. ( ~~@QUR@05 ونعلم ما توسوس به نفسه ) أى : ما يختلج في سره وقلبه وضميره ، وفي ~~هذا زجر عن المعاصي التي استخفى بها .. ( @QUR@06 ونحن أقرب إليه من حبل ~~الوريد ) هو حبل العاتق ، وهو ممتد من ناحية حلقه إلى عاتقه ، وهما وريدان ~~عن يمين وشمال .. والحبل هو الوريد فأضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين .. وهذا ~~تمثيل لشدة القرب. أى : ونحن أقرب إليه من حبل وريده الذي هو من نفسه .. ~~وهذا القرب ، هو قرب العلم والقدرة ، وأبعاض الإنسان يحجب البعض البعض ، ~~ولا يحجب علم الله تعالى شيء (1). PageV13P341 # وقال القشيري : في هذه الآية هيبة وفزع وخوف لقوم ، وروح وأنس وسكون قلب ~~لقوم (1). # وعلى هذا التفسير الذي سرنا عليه. وسار عليه من ms5299 قبلنا جمهور المفسرين ~~يكون الضمير ( @QUR@01 نحن ) يعود إلى الله تعالى ، وجيء بهذا الضمير بلفظ ~~( @QUR@01 نحن ) على سبيل التعظيم. # ويرى الإمام ابن كثير أن الضمير هنا يعود إلى الملائكة ، فقد قال ~~رحمه الله وقوله : ( @QUR@06 ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) يعنى ملائكته ~~تعالى أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه. ومن تأوله على العلم فإنما فر ~~لئلا يلزم حلول أو اتحاد ، وهما منفيان بالإجماع تعالى الله وتقدس ولكن ~~اللفظ لا يقتضيه فإنه لم يقل : وأنا أقرب إليه من حبل الوريد وإنما قال : ( ~~@QUR@06 ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) كما قال في المحتضر ( @QUR@04 ونحن ~~أقرب إليه منكم ) يعنى ملائكته. # وكذلك الملائكة أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه ، بإقدار الله لهم ~~على ذلك (2). # وهذا الذي ذهب إليه ابن كثير وإن كان مقبولا لأن قرب الملائكة من العبد ~~بإقدار الله لهم على ذلك إلا أن ما ذهب إليه الجمهور من أن الضمير ( ~~@QUR@01 نحن ) لله تعالى أدل على قرب الله سبحانه لأحوال عباده ، وأظهر في ~~معنى الآية ، وأزجر للإنسان عن ارتكاب المعاصي. # و ( @QUR@01 إذ ) في قوله تعالى : ( @QUR@03 إذ يتلقى المتلقيان ... ) ~~ظرف منصوب بقوله ( @QUR@01 أقرب ). أى : ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ، ~~في الوقت الذي يتلقى فيه ( @QUR@01 المتلقيان ) وهما الملكان جميع ما يصدر ~~عن هذا الإنسان. # وهو سبحانه وإن كان في غير حاجة إلى كتابة هذين الملكين لما يصدر عن ~~الإنسان ، إلا أنه تعالى قضى بذلك لحكم متعددة ، منها إقامة الحجة على ~~العبد يوم القيامة ، كما أشار سبحانه إلى ذلك في قوله : ( @QUR@015 ... ~~ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا. اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك ~~حسيبا ) (3). # ومفعول التلقي في الفعل الذي هو يتلقى ، وفي الوصف الذي هو المتلقيان ، ~~محذوف ، والتقدير إذ يتلقى المتلقيان جميع ما يصدر عن الإنسان فيكتبانه عليه. PageV13P342 # وقوله : ( @QUR@05 عن اليمين وعن الشمال قعيد ) بيان ليقظة الملكين ~~وحرصهما على تسجيل كل ما يصدر عن الإنسان. # و ( @QUR@01 قعيد ) بمعنى المقاعد ، أى الملازم للإنسان ، كالجليس بمعنى ~~المجالس. # والمعنى : عن يمين الإنسان ملك ملازم له لكتابة ms5300 الحسنات ، وعن الشمال ~~كذلك ملك آخر ملازم له لكتابة السيئات وحذف لفظ قعيد من الأول لدلالة ~~الثاني عليه ، كما في قول الشاعر : # نحن بما عندنا وأنت بما %~% عندك راض والرأى مختلف # أى : نحن راضون بما عندنا وأنت راض بما عندك .. # ثم أكد سبحانه كل هذه المعاني بقوله : ( @QUR@08 ما يلفظ من قول إلا لديه ~~رقيب عتيد ) أى : ما يتكلم هذا الإنسان من كلام ، وما يفعل من فعل ، إلا ~~ولديه ملك «رقيب» أى : حفيظ يكتب أقواله «عتيد» أى : مهيأ لذلك ، حاضر عنده ~~لا يفارقه. # يقال : عتد الشيء ككرم عتادة وعتادا ، أى : حضر ، فهو عتد وعتيد ، ويتعدى ~~بالهمزة وبالتضعيف ، فيقال : أعتده صاحبه وعتده ، إذا هيأه وأعده. # والمراد أن الملكين اللذين أحدهما عن يمينه والثاني عن شماله ، كلاهما ~~مراقب لأعمال الإنسان ، حاضر لكتابتها. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@08 وإن عليكم لحافظين. كراما ~~كاتبين. يعلمون ما تفعلون ) وقوله سبحانه : ( @QUR@011 أم يحسبون أنا لا ~~نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون ) وقوله عز وجل : ( @QUR@011 هذا ~~كتابنا ينطق عليكم بالحق ، إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ). # قال بعض العلماء ما ملخصه : وبعض العلماء يرى أن الملكين يكتبان كل شيء ~~حتى الأنين في المرض .. لأن قوله تعالى ( @QUR@02 من قول ) نكرة في سياق ~~النفي فتعم كل قول .. # وبعضهم يرى أن الملكين لا يكتبان من الأعمال إلا ما فيه ثواب أو عقاب ، ~~وقالوا : إن في الآية نعتا محذوفا ، سوغ حذفه العلم به ، لأن كل الناس ~~يعلمون أن الجائز لا ثواب فيه ولا عقاب ، وتقدير النعت المحذوف : ما يلفظ ~~من قول مستوجب للجزاء إلا ولديه رقيب عتيد .. (1). # ثم بين سبحانه حالة الإنسان عند الاحتضار فقال : ( @QUR@04 وجاءت سكرة ~~الموت بالحق PageV13P343 # @QUR@05 ذلك ما كنت منه تحيد ). أى : وجاءت لكل إنسان سكرة الموت وشدته ~~وغمرته وكربته ، ملتبسة بالحق الذي لا شك فيه ولا باطل معه ( @QUR@01 ذلك ) ~~أى : الموت الذي هو نهاية كل حي ( @QUR@04 ما كنت منه تحيد ) أى : تميل ~~وتهرب وتفر منه في حياتك. يقال : حاد فلان عن الشيء يحيد حيدة .. إذا تنحى ~~عنه ms5301 وابتعد. # أخرج الإمام أحمد وابن جرير عن عبد الله مولى الزبير بن العوام قال : لما ~~حضر أبو بكر الموت ، بكت ابنته عائشة ، وتمثلت بقول الشاعر : # لعمرك ما يغنى الحذار عن الفتى %~% إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # فقال لها أبو بكر رضى الله عنه : لا تقولي ذلك يا بنتي ، ولكن قولي : ( ~~@QUR@09 وجاءت سكرة الموت بالحق ، ذلك ما كنت منه تحيد ). # ثم بين سبحانه نهاية هذه الدنيا فقال : ( @QUR@03 ونفخ في الصور ) أى : ~~النفخة الأخيرة .. ( @QUR@03 ذلك يوم الوعيد ) أى : ذلك الوقت الذي يكون ~~فيه النفخ الأخير في الصور ، هو الوقت الذي توعد الله تعالى فيه كل كافر ~~بسوء المصير ، كما وعد كل مؤمن بحسن الجزاء. # وخص الوعيد بالذكر ، لتهويل هذا اليوم ، وتحذير العصاة مما سيكون فيه. # ( @QUR@03 وجاءت كل نفس ) من النفوس المؤمنة والكافرة والمطيعة والعاصية ~~( @QUR@03 معها سائق وشهيد ) أى : معها ملك يسوقها إلى المحشر ، ومعها ملك ~~آخر يشهد عليها .. ثم يقال للكافر في هذا اليوم العصيب : ( @QUR@04 لقد كنت ~~في غفلة ) تامة ( @QUR@02 من هذا ) الذي تعانيه اليوم وتشاهده ( @QUR@03 ~~فكشفنا عنك غطاءك ) أى : فأنزلنا عنك في هذا اليوم تلك الغفلة التي كانت ~~تحجبك عن الاستعداد لهذا اليوم بالإيمان والعمل الصالح. # ( @QUR@03 فبصرك اليوم حديد ) أى : فبصرك ونظرك في هذا اليوم نافذ قوى ، ~~تستطيع أن تبصر به ما كنت تنكره في الدنيا ، من البعث والحساب والثواب ~~والعقاب. # يقال : فلان حديد البصر ، إذا كان شديد الإبصار بحيث يرى أكثر مما يراه غيره. # وهكذا نرى أن هذه الآيات الكريمة ، قد بينت بأسلوب بليغ مؤثر ، شمول علم ~~الله تعالى لكل شيء ، كما بينت حالة الإنسان يوم القيامة ، يوم تأتى كل نفس ~~ومعها سائق وشهيد .. # ثم يحكى سبحانه بعد ذلك ما يقوله قرين الإنسان يوم القيامة فيقول : PageV13P344 # ( @QUR@06 وقال قرينه هذا ما لدي عتيد (23) @QUR@06 ألقيا في جهنم كل ~~كفار عنيد (24) @QUR@04 مناع للخير معتد مريب (25) @QUR@010 الذي جعل مع ~~الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد (26) @QUR@010 قال قرينه ربنا ما ~~أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد (27) @QUR@08 قال لا تختصموا لدي وقد قدمت ~~إليكم ms5302 بالوعيد (28) @QUR@08 ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد (29) ~~@QUR@09 يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد (30) @QUR@05 وأزلفت ~~الجنة للمتقين غير بعيد (31) @QUR@06 هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ (32) ~~@QUR@07 من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب (33) @QUR@05 ادخلوها بسلام ~~ذلك يوم الخلود (34) @QUR@06 لهم ما يشاؤن فيها ولدينا مزيد ) (35) # والمراد بقرينه في قوله تعالى : ( @QUR@02 وقال قرينه ... ) الملك الموكل ~~بكتابة ما يصدر عن الإنسان في حياته ، وجاء به مفردا مع أن لكل إنسان ~~قرينين لأن المراد به الجنس. # ويصح أن يكون المراد بقرينه هنا ، شيطانه الذي أضله وأغواه .. # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( @QUR@02 وقال قرينه ... ) أى : شيطانه ~~المقيض له في الدنيا ، ففي الحديث : «ما من أحد إلا وقد وكل به قرينه من ~~الجن» قالوا : ولا أنت يا رسول الله؟ قال : «ولا أنا ، إلا أن الله تعالى ~~أعاننى عليه ، فأسلم فلا يأمرنى إلا بخير». # وقوله : ( @QUR@04 هذا ما لدي عتيد ) إشارة إلى الشخص الكافر نفسه ، أى : ~~هذا ما عندي قد هيأته لجهنم .. # وقال قتادة : قرينه : الملك الموكل بسوقه وبكتابة سيئاته ، يقول مشيرا ~~إلى ما في صحيفته وما فيها من سيئات : هذا الذي في صحيفته من سيئات مكتوب ~~عندي ، وحاضر للعرض. و «ما» نكرة موصوفة بالظرف وبعتيد ، أو موصولة والظرف ~~صلتها ، و «عتيد» خبر بعد PageV13P345 # خبر لاسم الإشارة ، أو خبر لمبتدأ محذوف .. (1). # ثم يقال بعد ذلك للملكين الموكلين به ، أو للسائق والشهيد : ( @QUR@06 ~~ألقيا في جهنم كل كفار عنيد ) أى : اقذفا في جنهم باحتقار وغضب كل «كفار» ~~أى : كل مبالغ في الجحود والكفر «عنيد» أى : معاند للحق مع علمه بأنه حق .. # يقال : عند فلان عن الحق من باب قعد فهو عاند وعنيد وعنود ، إذا ركب ~~الخلاف والعصيان وأبى أن ينقاد للحق مع علمه بأنه حق ، مأخوذ من العند وهو ~~عظم يعرض في الحلق فيحول بين الطعام وبين دخوله إلى الجسم. # وقوله ( @QUR@04 مناع للخير معتد مريب ) صفات أخرى لذلك الكافر الملقى في جهنم. # أى : مبالغ في المنع لكل خير يجب فعله. وهو بعد ذلك كثير الاعتداء ، ~~وكثير الشك ms5303 فيما هو حق وبر. # ( @QUR@06 الذي جعل مع الله إلها آخر ) في العبادة والطاعة ( @QUR@01 ~~فألقياه ) أيها الملكان ( @QUR@03 في العذاب الشديد ) الذي يذله ويهينه. # والاسم الموصول مبتدأ يشبه الشرط في العموم ، ولذا دخلت الفاء في خبره ~~وهو قوله : ( @QUR@01 فألقياه ... ). # ( @QUR@02 قال قرينه ) أى : شيطانه الذي كان يزبن له السوء في الدنيا. ~~والجملة مستأنفة لأنها جواب عما يزعمه الكافر يوم القيامة من أن قرينه هو ~~الذي أغواه وحمله على الكفر .. # أى : قال الشيطان في رده على الكافر : يا ربنا إننى ما أطغيته ، ولا ~~أجبرته على الكفر والعصيان ( @QUR@01 ولكن ) هو الذي ( @QUR@04 كان في ضلال ~~بعيد ) دون أن أكرهه أنا على هذا الضلال أو الكفر. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@033 وقال الشيطان لما قضي الأمر ، ~~إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم ، وما كان لي عليكم من سلطان إلا ~~أن دعوتكم فاستجبتم لي ، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ، ما أنا بمصرخكم وما ~~أنتم بمصرخي ) (2). # ( @QUR@01 قال ) أى : الخالق عز وجل ( @QUR@03 لا تختصموا لدي ) أى : لا ~~تتنازعوا عندي في هذا الموقف ، فإن التنازع لا فائدة فيه. PageV13P346 # ( @QUR@04 وقد قدمت إليكم بالوعيد ) أى : والحال أنى قد حذرتكم على ألسنة ~~رسلي من سوء عاقبة الكفر ، والآن لا مجال لهذا الاعتذار أو التخاصم. # ( @QUR@04 ما يبدل القول لدي ) أى : لا خلف لوعدى ، ولا معقب لحكمي ، بل ~~هو كائن لا محالة ، وهو أنى : ( @QUR@06 لأملأن جهنم من الجنة والناس ~~أجمعين ). # ( @QUR@04 وما أنا بظلام للعبيد ) أى : وما أنا من شأنى أن أعذب أحدا ~~بدون ذنب جناه. وإنما أنا من شأنى أن أجازى الذين أساؤوا بما عملوا ، ~~وأجازى الذين أحسنوا بالحسنى ، وأعفو عن كثير من ذنوب عبادي سوى الشرك بي. # ( @QUR@09 يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ) أى : اذكر أيها ~~العاقل لتتعظ وتعتبر يوم نقول لجهنم هل امتلأت من كل كفار عنيد مناع للخير ~~معتد مريب ، واكتفيت من كل من جعل معى إلها آخر ..؟ # فترد جهنم وتقول : يا إلهى ( @QUR@03 هل من مزيد ) أى : يا إلهى هل بقي ~~شيء منى لم يمتلئ من هؤلاء الكافرين؟ أنت تعلم ms5304 يا خالقي أنى قد امتلأت ، ~~ولم يبق منى موضع لقدم. # قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : يخبر الله تعالى أنه يقول لجهنم ~~يوم القيامة : هل امتلأت؟ وذلك أنه وعدها أنه سيملؤها من الجنة والناس ~~أجمعين ، فهو سبحانه يأمر بمن يأمر به إليها ، ويلقى فيها وهي تقول : ( ~~@QUR@03 هل من مزيد ) أى : هل بقي شيء تزيدونى؟ .. # هذا هو الظاهر من سياق الآية ، وعليه تدل الأحاديث ، فقد أخرج البخاري عن ~~أنس بن مالك. عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «يلقى في النار الكفرة وتقول ~~: هل من مزيد ، حتى يضع سبحانه فيها قدمه فتقول : قط قط أى : حسبي حسبي ..» ~~وعن ابن عباس قوله : ( @QUR@04 وتقول هل من مزيد ) أى : وهل في من مكان ~~يزاد في. # وعن عكرمة قوله : وتقول : ( @QUR@03 هل من مزيد ) وهل في مدخل واحد؟ قد ~~امتلأت (1). # وقال الشوكانى : وهذا الكلام على طريقة التخييل والتمثيل ولا سؤال ولا ~~جواب. كذا قيل. والأولى أنه على طريقة التحقيق ، ولا يمنع من ذلك عقل ولا شرع. # قال الواحدي : أراها الله تصديق قوله : ( @QUR@06 لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين )، فلما امتلأت قال لها : ( @QUR@06 هل امتلأت وتقول هل من ~~مزيد ) أى : قد امتلأت ولم يبق في موضع PageV13P347 # لم يمتلئ. وقيل : إن هذا الاستفهام بمعنى الاستزادة. أى : إنها تطلب ~~الزيادة على من قد صار فيها .. والمزيد : إما مصدر كالمحيد. أو اسم مفعول ~~كالمنيع ، فالأول بمعنى : هل من زيادة. والثاني بمعنى هل من شيء تزيدونيه ~~.. (1). # وكعادة القرآن في المقارنة بين عاقبة الأشرار والأخيار ، جاء بعد ذلك ~~الحديث عن المتقين وحسن عاقبتهم فقال تعالى : ( @QUR@05 وأزلفت الجنة ~~للمتقين غير بعيد ). # وقوله : ( @QUR@01 وأزلفت ) من الإزلاف بمعنى القرب ، يقال : أزلفه إذا ~~قربه ، ومنه الزلفة والزلفى بمعنى القربة والمنزلة .. وهو معطوف على قوله ~~سبحانه ( @QUR@03 ونفخ في الصور ). # وقوله : ( @QUR@02 غير بعيد ) صفة لموصوف مذكر محذوف ، ولذا قال غير بعيد ~~ولم يقل غير بعيدة. أى : وأدنيت وقربت الجنة للمتقين في مكان غير بعيد منهم ~~، فصاروا يرونها ويشاهدون ما فيها من خيرات لا يحيط بها الوصف. # وفائدة ms5305 قوله : ( @QUR@02 غير بعيد ) بعد قوله ( @QUR@01 وأزلفت ) للتأكيد ~~والتقرير ، كقولك : فلان قريب غير بعيد ، وعزيز غير ذليل .. # قال الجمل ما ملخصه : فإن قيل : ما وجه التقريب مع أن الجنة مكان ، ~~والأمكنة يقرب منها وهي لا تقرب؟. # فالجواب : أن الجنة لا تنقل .. لكن الله تعالى يطوى المسافة التي بين ~~المؤمن والجنة حتى لكأنها حاضرة أمامه وذلك من باب التكريم والتشريف للمؤمن (2). # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@06 هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ ) يعود ~~إلى الجنة التي قربت لهم .. والجملة على تقدير القول ، أى : قربت الجنة ممن ~~هم أهلها ، ويقال لهم عند دخولها : هذا الذي ترونه من نعيم ، هو ما سبق أن ~~وعد الله تعالى به كل ( @QUR@01 أواب ) أى رجاع إليه بالتوبة ( @QUR@01 ~~حفيظ ) أى : حافظ لحدوده وأوامره ونواهيه بحيث لا يتجاوزها ، وإنما ينفذها ~~، ويقف عندها. # ( @QUR@04 من خشي الرحمن بالغيب .. ) أى : من خاف مقام ربه دون أن يراه ~~أو يطلع عليه ، والجملة بدل أو عطف بيان من قوله : ( @QUR@03 لكل أواب حفيظ ~~) وقوله : ( @QUR@01 بالغيب ) متعلق بمحذوف حال من الرحمن ، أى : خشيه وهو ~~غائب عنه لا يراه ولا يشاهده. PageV13P348 # ( @QUR@03 وجاء بقلب منيب ) أى : وجاء ربه يوم القيامة بقلب راجع إليه ، ~~مخلص في طاعته ، مقبل على عبادته .. # هؤلاء الذين يفعلون ذلك في دنياهم ، يقال لهم يوم الحساب على سبيل ~~التبشير والتكريم : # ( @QUR@02 ادخلوها بسلام ) أى ادخلوا الجنة التي وعدكم الله إياها بسلام ~~وأمان واطمئنان. # ( @QUR@01 ذلك ) اليوم وهو يوم الثواب والعطاء الجزيل من الله تعالى ( ~~@QUR@02 يوم الخلود ) الذي لا انتهاء له ، ولا موت بعده .. # ( @QUR@04 لهم ما يشاؤن فيها ) أى : لهؤلاء المتقين ما يشاءون ويشتهون .. ~~في الجنة. # ( @QUR@02 ولدينا مزيد ) أى : وعندنا فضلا عن كل هذا النعيم الذي يرفلون ~~فيه المزيد منه ، مما لم يخطر لهم على بال ، ولم تره أعينهم قبل ذلك. # قال ابن كثير : وقوله : ( @QUR@02 ولدينا مزيد ) كقوله تعالى : ( @QUR@04 ~~للذين أحسنوا الحسنى وزيادة )، وقد تقدم في صحيح مسلم عن صهيب بن سنان ، ~~أنها النظر إلى وجه الله الكريم (1). # ثم تحدثت السورة الكريمة في أواخرها عن مصارع المكذبين السابقين ، وعن ~~مظاهر ms5306 قدرة الله تعالى وعن الدواء الذي يزيل عن القلوب همومها ، وعن أهوال ~~يوم القيامة ، فقال تعالى : # ( @QUR@015 وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد ~~هل من محيص (36) @QUR@013 إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع ~~وهو شهيد (37) @QUR@013 ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ~~وما مسنا من لغوب (38) @QUR@012 فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل ~~طلوع الشمس وقبل الغروب (39) @QUR@03 ومن الليل فسبحه PageV13P349 # @QUR@02 وأدبار السجود (40) @QUR@07 واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب ~~(41) @QUR@07 يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج (42) @QUR@06 إنا نحن ~~نحيي ونميت وإلينا المصير (43) @QUR@09 يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر ~~علينا يسير (44) @QUR@013 نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر ~~بالقرآن من يخاف وعيد ) (45) # و ( @QUR@01 كم ) في قوله تعالى : ( @QUR@05 وكم أهلكنا قبلهم من قرن ~~.... ) خبرية بمعنى كثير ، وهي منصوبة بما بعدها ، والقرن يطلق على جماعة ~~من الناس تعيش في زمن واحد ، ومقداره مائة سنة على الراجح . # وقوله : ( @QUR@02 من قرن ) تمييز لكم ، وجملة ( @QUR@04 هم أشد منهم ~~بطشا ) صفة ، والبطش : السطوة والأخذ بشدة. أى : واعلم أيها الرسول الكريم ~~أننا أهلكنا كثيرا من القرون الماضية التي كذبت رسلها ، كقوم نوح وعاد ~~وثمود ، وقد كانوا أشد من قومك قوة وأكثر جمعا ، ومادام الأمر كما ذكرنا لك ~~، فلا تحزن ولا تبتئس لما يصيبك من الكافرين المعاصرين لك ، فنحن في قدرتنا ~~أن ندمرهم تدميرا. # والضمير في قوله تعالى : ( @QUR@03 فنقبوا في البلاد ) يعود إلى أهل تلك ~~القرون المهلكة الماضية. والتنقيب : السير في الأرض ، والطواف فيها. والبحث ~~بين أرجائها ، يقال : نقب فلان في الأرض ، إذا ذهب فيها وأصل النقب : الخرق ~~والدخول في الشيء ، ومنه قولهم : نقب فلان الجدار ، إذا أحدث فيه خرقا. # والمراد به هنا : السير في الأرض ، والتفتيش فيها .. # قال الآلوسى : ( @QUR@03 فنقبوا في البلاد ) أى : ساروا في الأرض وطوفوا ~~فيها حذر الموت .. # قال الشاعر : # نقبوا في البلاد حذر الموت %~% وجالوا في الأرض كل مجال # وشاع التنقيب في العرف بمعنى التنقير عن الشيء والبحث عن أحواله ms5307 .. # والفاء على تفسير التنقيب بالسير ونحوه ، لمجرد التعقيب ، وعلى تفسيره ~~بالتصرف PageV13P350 # للسببية ، لأن تصرفهم في البلاد مسبب عن اشتداد بطشهم ، وهي على الوجهين ~~عاطفة على معنى ما قبلها ، كأنه قيل : اشتد بطشهم فنقبوا في البلاد .. (1). # والاستفهام في قوله سبحانه : ( @QUR@03 هل من محيص ) للإنكار والنفي ، ~~والمحيص : المعدل والمهرب ، يقال : حاص فلان عن الشيء يحيص حيصا ، ومحيصا ، ~~إذا عدل وحاد عنه ، وحاول الهروب منه. أى : أن هؤلاء المكذبين السابقين ، ~~كانوا أشد من مشركي قريش قوة وأكثر جميعا ، وكانوا أكثر ضربا في الأرض ~~وسيرا فيها فلما نزل بهم بأسنا حاولوا الهرب والفرار ، فلم يجدوا مكانا ~~يهربون فيه ، بل نزل بهم عذابنا فدمرناهم تدميرا. # فعليكم أيها المشركون أن تعتبروا بهم ، حتى لا يصيبكم ما أصابهم. # فالمقصود بالآية الكريمة ، تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وتحذير أعدائه ~~من سوء عاقبة الكفر والعناد. # ( @QUR@03 إن في ذلك ) الإهلاك للأمم المكذبة السابقة ( @QUR@01 لذكرى ) ~~أى : لتذكرة وعبرة ( @QUR@04 لمن كان له قلب ) أى : لمن كان له قلب يعي ما ~~يسمع ، ويعقل ما يوجه إليه ، ويعمل بمقتضى هذا التوجيه الحكيم. ( @QUR@05 ~~أو ألقى السمع وهو شهيد ) أى : فيما سقناه عبرة وعظة لمن كان له قلب يعي ~~الحقائق ، ولمن أصغى إلى ما يلقى إليه من إرشادات ، وهو حاضر الذهن صادق ~~العزم لتنفيذ ما جاءه من الحق .. # قال صاحب الكشاف : ( @QUR@04 لمن كان له قلب ) أى : قلب واع ، لأن من لا ~~يعي قلبه فكأنه لا قلب له ، وإلقاء السمع : الإصغاء. ( @QUR@02 وهو شهيد ) ~~أى : حاضر بفطنته ، لأن من لا يحضر ذهنه فكأنه غائب .. أو هو مؤمن شاهد على ~~صحته ، وأنه وحى الله .. (2). # ثم بين سبحانه مظاهر قدرته ووحدانيته فقال : ( @QUR@013 ولقد خلقنا ~~السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ، وما مسنا من لغوب ). واللغوب : ~~التعب والنصب والإعياء ، مصدر لغب كدخل يقال : لغب فلان لغوبا ، إذا اشتد ~~تعبه وضعفه. # أى : والله لقد خلقنا بقدرتنا السموات والأرض وما بينهما من كائنات لا ~~يعلمها إلا الله ، في ستة أوقات وما مسنا بسبب هذا الخلق العظيم نصب أو تعب ~~أو إعياء. ms5308 # فالمراد بالأيام مطلق الأوقات التي لا يعلم مقدارها إلا الله تعالى وقيل ~~: هذه الأيام من أيام الدنيا ، وقيل : من أيام الآخرة .. PageV13P351 # وقال سعيد بن جبير : الله تعالى قادر على أن يخلق السموات والأرض وما ~~بينهما في لمحة ولحظة ، ولكنه سبحانه خلقهن في ستة أيام ليعلم عباده التثبت ~~في الأمور والتأنى فيها. # والمقصود بالآية الكريمة بيان كمال قدرة الله تعالى . والرد على من أنكر ~~البعث والنشور. وعلى اليهود الذين زعموا أن الله تعالى خلق العالم في ستة ~~أيام ثم استراح في اليوم السابع وهو يوم السبت. # والفاء في قوله : ( @QUR@04 فاصبر على ما يقولون ) فصيحة. أى : إذا كان ~~الحال كما بينا لك يا محمد ، فاصبر على ما يقوله هؤلاء الضالون المكذبون من ~~أقوال لا يؤيدها عقل أو نقل. # وقوله : ( @QUR@08 وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ) إرشاد له ~~صلى الله عليه وسلم إلى ما يعينه على الصبر. # أى : اصبر أيها الرسول الكريم على أقوال هؤلاء الكافرين ، ونزه ربك تعالى ~~عن كل ما لا يليق به ، وتقرب إليه بالعبادات والطاعات ( @QUR@05 قبل طلوع ~~الشمس وقبل الغروب ) وهما وقتا الفجر والعصر. # وخصهما سبحانه بالذكر لفضلهما وشرفهما. # ( @QUR@03 ومن الليل فسبحه ) أيضا ونزهه عن كل ما لا يليق به ، ( @QUR@02 ~~وأدبار السجود ) أى : وفي أدبار وأعقاب الصلوات فأكثر من تسبيحه عز وجل ~~وتقديسه. # ومن الأحاديث التي وردت في فضل التسبيح بعد الصلوات المكتوبة ، ما ثبت في ~~الصحيحين عن أبى هريرة أنه قال : «جاء فقراء المهاجرين فقالوا : يا رسول ~~الله ، ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم. فقال : «وما ذاك»؟ ~~قالوا : يصلون كما نصلى ، ويصومون كما نصوم ، ويتصدقون ولا نتصدق. فقال ~~صلى الله عليه وسلم : «أفلا أعلمكم شيئا إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم ، ولا ~~يكون أحد أفضل منكم إلا من فعل مثل ما فعلتم؟ تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر ~~كل صلاة ثلاثا وثلاثين». # قال : فقالوا : يا رسول الله سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلناه ففعلوا مثله. # فقال صلى الله عليه وسلم : «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» (1). # وشبيه بهذه ms5309 الآية قوله تعالى : ( @QUR@020 فاصبر على ما يقولون ، وسبح ~~بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ، ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار ~~لعلك ترضى ) (2). PageV13P352 # ثم أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يلقى سمعه لما يخبره به تعالى من ~~أهوال يوم القيامة فقال : ( @QUR@01 واستمع .... ) والمستمع إليه محذوف ~~للتهويل والتعظيم .. أى : واستمع أيها الرسول الكريم أو أيها العاقل لما ~~سأخبرك به من أهوال يوم القيامة. # ثم بين سبحانه ذلك فقال : ( @QUR@06 يوم يناد المناد من مكان قريب ). # أى : استمع استماع تنبه وتيقظ يوم يناد المناد وهو إسرافيل عليه السلام من ~~مكان قريب بحيث يسمع نداءه الناس جميعا .. # قال ابن كثير : قال قتادة : قال كعب الأحبار : يأمر الله ملكا أن ينادى ~~على صخرة بيت المقدس : أيتها العظام البالية ، والأوصال المتقطعة ، إن الله ~~يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء (1). # وفي ورود الأمر بالاستماع مطلقا ، ثم توضيحه بما بعده ، تهويل وتعظيم ~~للمخبر به ، لما في الإبهام ، ثم التفسير ، من التهويل والتفخيم لشأن ~~المحدث عنه. # وقوله : ( @QUR@04 يوم يسمعون الصيحة بالحق ) بدل من قوله : ( @QUR@02 ~~يوم يناد ). # أى : يوم يسمعون صيحة البعث من القبور. والحشر للجزاء ، سماعا ملتبسا ~~بالحق الذي لا يحوم حوله باطل ، والمراد بهذه الصيحة : النفخة الثانية ( ~~@QUR@01 ذلك ) اليوم هو ( @QUR@02 يوم الخروج ) من الأجداث كأنهم جراد منتشر. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@023 ونفخ في الصور فإذا هم من ~~الأجداث إلى ربهم ينسلون. قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ، هذا ما وعد ~~الرحمن وصدق المرسلون ). # ثم بين سبحانه ما يدل على كمال قدرته فقال : ( @QUR@06 إنا نحن نحيي ~~ونميت وإلينا المصير ). أى : إنا بقدرتنا وإرادتنا نحيى ونميت من نشاء ~~إحياءه أو إماتته ، وإلينا وحدنا مرجع العباد ومصيرهم ، لا يشاركنا في ذلك مشارك. # اذكر أيضا أيها العاقل ( @QUR@05 يوم تشقق الأرض عنهم سراعا .. ) أى يوم ~~تتشقق الأرض عمن في باطنها من مخلوقات ، فيخرجون إلينا سراعا. كما قال ~~تعالى : ( @QUR@09 يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده ، وتظنون إن لبثتم إلا قليلا ~~) (2). PageV13P353 # وقوله : ( @QUR@04 ذلك حشر علينا يسير ) أى : ذلك التشقق للأرض وما يترتب ~~عليه من ms5310 بعث وجمع وحشر ، يسير وهين علينا ، لأن قدرتنا لا يعجزها شيء. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بهذه الآية التي فيها من التسلية للرسول ~~صلى الله عليه وسلم ومن التحديد الدقيق لوظيفته ، فقال تعالى : ( @QUR@013 نحن ~~أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار ، فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ). أى : ~~نحن أيها الرسول الكريم أعلم بما يقوله هؤلاء المشركون في شأنك وفي شأن ~~دعوتك ، وسنجازيهم على ذلك بما يستحقونه من عقاب ، فاصبر على أقوالهم ، ~~وبلغ رسالة ربك دون أن تخشى أحدا سواه. # وأنت لست بمسلط عليهم لتجبرهم على اتباعك ، وتقهرهم على الدخول في ~~الإسلام ، وإنما وظيفتك التذكير بهذا القرآن لمن يخشى عذابي ، ويخاف وعيدي. # كما قال سبحانه : ( @QUR@07 فذكر إنما أنت مذكر. لست عليهم بمصيطر ). # وكما قال تعالى : ( @QUR@013 وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ، ~~فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ). # وبعد فهذا تفسير محرر لسورة «ق» التي حفظها بعض الصحابة من فم النبي ~~صلى الله عليه وسلم خلال تكراره لها في خطب الجمعة. # نسأل الله تعالى أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا ، وأنس نفوسنا. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV13P354 ### ||| * فهرس المجلد الثالث عشر ### ||| * الجزء الخامس والعشرون والسادس والعشرون ### ||| * من سورة «الشورى» الى سورة «ق» # 1 تفسير سورة ~~«الشورى»........................................................ 5 # 2 تفسير سورة ~~«الزخرف»...................................................... 53 # 3 تفسير سورة ~~«الدخان».................................................... 111 # 4 تفسير سورة ~~«الجاثية»...................................................... 137 # 5 تفسير سورة ~~«الأحقاف»................................................... 171 # 6 تفسير سورة ~~«محمد»...................................................... 211 # 7 تفسير سورة ~~«الفتح»...................................................... 251 # 8 تفسير سورة ~~«الحجرات»................................................... 293 # 9 تفسير سورة ~~«ق»......................................................... 327 PageV13P355 ### ||| * ![](https://books.rafed.net/Books/3956_altafsir-alwasit-14/images/image001.gif) PageV14P001 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * ( @QUR@07 ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ) (127) PageV14P003 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الذاريات PageV14P005 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة ( @QUR@01 الذاريات ) من السور المكية الخالصة ، وعدد آياتها ستون ~~آية. وكان نزولها بعد سورة «الأحقاف». # 2 وقد افتتحت هذه السورة بقسم من الله تعالى ، ببعض مخلوقاته ، على أن ~~البعث حق ، وعلى أن الجزاء حق. # قال تعالى : ( @QUR@014 والذاريات ذروا. فالحاملات وقرا. فالجاريات يسرا. ~~فالمقسمات أمرا. إنما توعدون لصادق. وإن الدين لواقع ms5311 ). # 3 ثم بينت السورة الكريمة بعد ذلك ، ما أعده سبحانه لعباده المتقين ، ~~فقال تعالى : ( @QUR@028 إن المتقين في جنات وعيون. آخذين ما آتاهم ربهم ، ~~إنهم كانوا قبل ذلك محسنين. كانوا قليلا من الليل ما يهجعون. وبالأسحار هم ~~يستغفرون. وفي أموالهم حق للسائل والمحروم ). # 4 ثم ساق سبحانه بعد ذلك طرفا من قصة إبراهيم ولوط وهود وصالح وموسى ونوح ~~عليهم السلام مع أقوامهم ، ليكون في هذا البيان ما يدعو كل عاقل إلى الاتعاظ ~~والاعتبار ، بحسن عاقبة الأخيار ، وسوء عاقبة الأشرار. # 5 ثم ختم سبحانه السورة الكريمة ببيان ما يدل على كمال قدرته ، وعلى سعة ~~رحمته ، ودعا الناس جميعا إلى إخلاص العبادة والطاعة له ، لأنه سبحانه ما ~~خلقهم إلا لعبادته. # قال تعالى : ( @QUR@038 وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. ما أريد منهم ~~من رزق وما أريد أن يطعمون. إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين. فإن للذين ~~ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون. فويل للذين كفروا من يومهم ~~الذي يوعدون ). # 6 هذا ، والمتدبر في هذه السورة الكريمة ، يراها كغيرها من السور المكية ~~قد ركزت حديثها على إقامة الأدلة على أن العبادة لا تكون إلا لله الواحد ~~القهار ، وعلى أن PageV14P007 # البعث حق ، والجزاء حق ، وعلى أن سنة الله تعالى قد اقتضت أن يجعل ~~العاقبة الطيبة لأنبيائه وأتباعهم ، والعاقبة السيئة للمكذبين لرسلهم ، ~~وعلى أن الوظيفة التي من أجلها خلق الله تعالى الجن والإنس ، إنما هي ~~عبادته وطاعته. # نسأل الله تعالى أن يهدينا جميعا إلى صراطه المستقيم. وصلى الله على ~~سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # د. محمد سيد طنطاوى # 18 من جمادى الأولى 1406 ه # 29 / 1 / 1986 م PageV14P008 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@02 والذاريات ذروا (1) @QUR@02 فالحاملات وقرا (2) @QUR@02 ~~فالجاريات يسرا (3) @QUR@02 فالمقسمات أمرا (4) @QUR@03 إنما توعدون لصادق ~~(5) @QUR@03 وإن الدين لواقع (6) @QUR@03 والسماء ذات الحبك (7) @QUR@04 ~~إنكم لفي قول مختلف (8) @QUR@04 يؤفك عنه من أفك (9) @QUR@02 قتل الخراصون ~~(10) @QUR@05 الذين هم في غمرة ساهون (11) @QUR@04 يسئلون أيان يوم الدين ~~(12) @QUR@05 يوم هم على النار يفتنون (13) @QUR@07 ذوقوا فتنتكم هذا الذي ~~كنتم به تستعجلون ms5312 ) (14) # والمراد بالذاريات : الرياح التي تذرو الشيء ، أى تسوقه وتحركه وتنقله من مكانه. # فهذا اللفظ اسم فاعل من ذرا المعتل ، بمعنى فرق وبدد. يقال : ذرت الرياح ~~التراب تذروه ذروا ، وتذريه ذريا من بابى عدا ورمي إذا طيرته وفرقته. # ومنه قوله تعالى : ( @QUR@017 واضرب لهم مثل الحياة الدنيا ، كماء ~~أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح ... ) ~~(1). أى : تنقله وتحركه من مكان إلى آخر. # والمفعول محذوف ، و «ذروا» مصدر مؤكد ، وناصبه لفظ الذاريات ، أى : وحق ~~الرياح التي تذرو التراب وغيره ذروا ، وتحركه تحريكا شديدا. # والمراد بالحاملات : السحب التي تحمل الأمطار الثقيلة ، فتسير بها من ~~مكان إلى آخر. PageV14P009 # والوقر بكسر الواو كالحمل وزنا ومعنى ، وهو مفعول به. # أى : فالسحب الحاملات للأمطار الثقيلة ، وللمياه الغزيرة ، التي تنزل على ~~الأرض اليابسة ، فتحولها بقدرة الله تعالى إلى أرض خضراء. # وهذا الوصف للسحاب بأنه يحمل الأمطار الثقيلة ، قد جاء ما يؤيده من ~~الآيات القرآنية ، ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@016 وهو الذي يرسل الرياح ~~بشرا بين يدي رحمته ، حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت .. ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب ~~الثقال .. ) (2). # والمراد بالجاريات : السفن التي تجرى في البحر ، فتنقل الناس وأمتعتهم من ~~بلد إلى بلد. # وقوله : ( @QUR@01 يسرا ) صفة لمصدر محذوف بتقدير مضاف ، أى : فالجاريات ~~بقدرة الله تعالى في البحر جريا ذا يسر وسهولة ، إلى حيث يسيرها ربانها. # ويصح أن يكون قوله ( @QUR@01 يسرا ) حال. أى. فالجاريات في حال كونها ~~ميسرة مسخرا لها البحر. # ومن الآيات التي تشبه في معناها هذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@06 ومن ~~آياته الجوار في البحر كالأعلام ) (3). # والمراد بالمقسمات في قوله سبحانه ( @QUR@02 فالمقسمات أمرا ) الملائكة ، ~~فإنهم يقسمون أرزاق العباد وأمورهم وشئونهم ... على حسب ما يكلفهم الله ~~تعالى به من شئون مختلفة. # و ( @QUR@01 أمرا ) مفعول به ، للوصف الذي هو المقسمات ، وهو مفرد أريد ~~به الجمع ، أى : المقسمات لأمور العباد بأمر الله تعالى وإرادته. # وهذا التفسير لتلك الألفاظ ، قد ورد عن بعض الصحابة ، فعن أبى الطفيل أنه ~~سمع عليا رضى الله عنه ms5313 يقول وهو على منبر الكوفة : لا تسألونى عن آية في ~~كتاب الله ، ولا عن سنة رسول الله ، إلا أنبأتكم بذلك ، فقام إليه ابن ~~الكواء فقال : يا أمير المؤمنين. ما معنى قوله تعالى : ( @QUR@02 والذاريات ~~ذروا ) قال : الريح. ( @QUR@02 فالحاملات وقرا ) قال : السحاب. ( @QUR@02 ~~فالجاريات يسرا ) قال : السفن ، ( @QUR@02 فالمقسمات أمرا ) قال : ~~الملائكة. PageV14P010 # وروى مثل هذا التفسير عن عمر بن الخطاب ، وعن ابن عباس. (1). # ومن العلماء من يرى أن هذه الألفاظ جميعها صفات للرياح. # قال الإمام الرازي. هذه صفات أربع للرياح ، فالذاريات : هي الرياح التي ~~تنشئ السحاب أولا. والحاملات : هي الرياح التي تحمل السحب التي هي بخار ~~الماء ... والجاريات : هي الرياح التي تجرى بالسحب بعد حملها. والمقسمات : ~~هي الرياح التي تفرق الأمطار على الأقطار (2). # ومع وجاهة رأى الإمام الرازي في هذه المسألة ، إلا أننا نؤثر عليه الرأى ~~السابق ، لأنه ثابت عن بعض الصحابة ، ولأن كون هذه الألفاظ الأربعة لها ~~معان مختلفة ، أدل على قدرة الله تعالى وعلى فضله على عباده. # وقد تركنا أقوالا ظاهرة الضعف والسقوط. كقول بعضهم : الذاريات هن النساء ~~، فإنهن يذرين الأولاد ، بمعنى أنهن يأتين بالأولاد بعضهم في إثر بعض ، كما ~~تنقل الرياح الشيء من مكان إلى مكان. # قال الآلوسى : ثم إذا حملت هذه الصفات على أمور مختلفة متغايرة بالذات ~~كما هو الرأى المعول عليه فالفاء للترتيب في الأقسام ذكرا ورتبة ، باعتبار ~~تفاوت مراتبها في الدلالة على كمال قدرته عز وجل وهذا التفاوت إما على ~~الترقي أو التنزل ، لما في كل منها من الصفات التي تجعلها أعلى من وجه ~~وأدنى من آخر. # وإن حملت على واحد وهو الرياح ، فهي لترتيب الأفعال والصفات ، إذ الريح ~~تذرو الأبخرة إلى الجو أولا ، حتى تنعقد سحابا ، فتحمله ثانيا ، وتجرى به ~~ثالثا ناشرة وسائقة له إلى حيث أمرها الله تعالى ثم تقسم أمطاره (3). # وقوله : ( @QUR@03 إنما توعدون لصادق ) جواب القسم. و «ما» موصولة والعائد ~~محذوف ، والوصف بمعنى المصدر. أى : وحق هذه الأشياء التي ذكرتها لكم إن ~~الذي توعدونه من الجزاء والحساب والبعث .. لصدق لا يحوم حوله كذب أوشك. # ويجوز ms5314 أن تكون «ما» مصدرية. أى : إن الوعد بالبعث والجزاء والحساب لصادق. # وقوله : ( @QUR@03 وإن الدين لواقع ) تأكيد وتقرير لما قبله. أى : وإن ~~الجزاء على الأعمال لواقع PageV14P011 # وقوعا لا ريب فيه. فالمراد بالدين هنا : الجزاء ، كما في قوله سبحانه ( ~~@QUR@05 يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ... ). # ومنه قولهم : «كما تدين تدان» أى : كما تعمل تجازى ، ومعنى وقوعه : حصوله. # ثم أقسم سبحانه قسما آخر بالسماء ذات الحبك فقال : ( @QUR@011 والسماء ~~ذات الحبك. إنكم لفي قول مختلف. يؤفك عنه من أفك ). # والحبك : جمع حبيكة ، كطريقة ، وزنا ومعنى ، أو جمع حباك كمثل ومثال ، ~~والحبيكة والحباك. الطريقة في الرمل وما يشبهه. أى : وحق السماء ذات الطرق ~~المتعددة ، والتي لا ترونها بأعينكم لبعدها عنكم. # ويرى بعضهم أن معنى ذات الحبك : ذات الخلق الحسن المحكم ... أو ذات ~~الزينة والجمال. # قال القرطبي : وفي الحبك أقوال : الأول : قال : ابن عباس : ذات الخلق ~~الحسن المستوي يقال ، حبك فلان الثوب يحبكه بكسر الباء إذا أجاد نسجه. # الثاني : ذات الزينة. الثالث : ذات النجوم ، الرابع : ذات الطرائق. ~~ولكنها تبعد من العباد فلا يرونها. الخامس : ذات الشدة ... (1). # وقوله : ( @QUR@04 إنكم لفي قول مختلف ) جواب القسم. وقوله : ( @QUR@02 ~~يؤفك عنه ... ) من الأفك بفتح الهمزة وسكون الفاء بمعنى الصرف للشيء عن ~~وجهه الذي يجب أن يكون عليه. # والضمير في «عنه» يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى القرآن الكريم. # فيكون المعنى : وحق السماء ذات الطرق المتعددة ، وذات الهيئة البديعة ~~المحكمة الجميلة .. # إنكم أيها المشركون «لفي قول مختلف» أى : متناقض متخالف ، فمنكم من يقول ~~عن القرآن الكريم إنه : أساطير الأولين ، ومنكم من يقول عن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم : إنه ساحر أو مجنون. # والحق أنه يصرف عن الإيمان بهذا القرآن الكريم الذي جاء به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم من صرفه الله تعالى عنه ، بسبب إيثاره الغي على الرشد ، ~~والضلالة على الهداية ، والكفر على الإيمان. # والتعبير بقوله : ( @QUR@02 من أفك ) للإشعار بأن هذا الشقي الذي آثر ~~الكفر على الإيمان ، قد PageV14P012 # صرف عن الرشاد وعن الخير صرفا ، ليس هناك ما هو أشد منه ms5315 في سوء العاقبة. # فهذا التعبير شبيه في التهويل بقوله تعالى : ( @QUR@05 فغشيهم من اليم ما ~~غشيهم ). # قال الجمل : ( @QUR@01 يؤفك ) يصرف ( @QUR@01 عنه ) عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم. أى : عن الإيمان به ( @QUR@02 من أفك ) أى ~~: من صرف عن الهداية في علم الله تعالى . # وقيل : الضمير للقول المذكور. أى : يرتد ، أى : يصرف عن هذا القول من صرف ~~عنه في علم الله تعالى وهم المؤمنون (1). # ثم بين سبحانه سوء عاقبة المكذبين فقال : ( @QUR@016 قتل الخراصون. الذين ~~هم في غمرة ساهون. يسئلون أيان يوم الدين. يوم هم على النار يفتنون ). # والخراصون : جمع خراص ، وأصل الخرص : الظن والتخمين ، ومنه الخارص الذي ~~يخرص النخلة ليقدر ما عليها من ثمر ، والمراد به هنا : الكذب ، لأنه ينشأ ~~غالبا عن هذا الخرص ، والمراد بالآية الدعاء عليهم باللعن والطرد من رحمة ~~الله تعالى . # أى : لعن وطرد من رحمة الله تعالى هؤلاء الكذابون ، الذين قالوا في ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ما هو منزه عنه ... والذين هم ( @QUR@03 في غمرة ~~ساهون ) أى : في جهالة تغمرهم كما يغمر الماء الأرض. فهم ساهون وغافلون عن ~~كل خير. # فالغمرة : ما يغمر الشيء ويستره ويغطيه ، ومنه قولهم : نهر غمر ، أى : ~~يغمر من دخله. # والمراد : أنهم في جهالة غامرة لقلوبهم. وفي غفلة تامة عما ينفعهم. # وهذا التعبير فيه ما فيه من تصوير ما هم عليه من جهالة وغفلة ، حيث ~~يصورهم سبحانه وكأن ذلك قد أحاط بهم وغمرهم حتى لكأنهم لا يحسون بشيء مما حولهم. # ثم بين سبحانه ما كانوا عليه من سوء أدب فقال : ( @QUR@04 يسئلون أيان ~~يوم الدين ). # و «أيان» بمعنى متى. أى : يسألون سؤال استهزاء واستخفاف فيقولون : متى ~~يكون هذا البعث الذي تحدثنا عنه يا محمد ، ومتى يوم الجزاء والحساب الذي ~~تهددنا به؟ # وهنا يأتيهم الجواب الذي يردعهم ويبين لهم سوء مصيرهم. فيقول سبحانه : ( ~~@QUR@05 يوم هم على النار يفتنون ) أى يقع هذا اليوم الذي تسألون عنه وهو ~~يوم البعث والحساب والجزاء ... يوم تحرقون بالنار أيها الكافرون ، وتعذبون ~~فيها عذاب أليما. # و «يفتنون» مأخوذ من الفتن بمعنى ms5316 الاختبار والامتحان ، يقال : فتنت الذهب ~~بالنار ، إذا PageV14P013 # أذبته لتظهر جودته من غيرها. والمراد به هنا : الإحراق بالنار. # وعدى «يفتنون» بعلى ، لتضمنه معنى يعرضون ، أو على بمعنى في. # وقوله : ( @QUR@02 ذوقوا فتنتكم .. ) مقول لقول محذوف. # أى : هذا اليوم الذي يسألون عنه واقع يوم الجزاء .. يوم يقال لهم وهم ~~يعرضون على النار : ذوقوا العذاب المعد لكم ، أو ذوقوا سوء عاقبة كفركم. # ( @QUR@01 هذا ) العذاب المهين ، هو ( @QUR@04 الذي كنتم به تستعجلون ) ~~في الدنيا ، وتقولون على سبيل الاستهزاء والإنكار للنبي صلى الله عليه وسلم ~~ولأصحابه : ( @QUR@06 متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ). # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أكدت بأقوى الأساليب وأحكمها ، أن يوم البعث ~~والجزاء والحساب حق ، وان المكذبين بذلك سيذوقون أشد العذاب. # وكعادة القرآن الكريم في قرن الترغيب بالترهيب أو العكس ، جاء الحديث عن ~~حسن عاقبة المتقين بعد الحديث عن سوء مصير المكذبين فقال سبحانه : # ( @QUR@05 إن المتقين في جنات وعيون (15) @QUR@09 آخذين ما آتاهم ربهم ~~إنهم كانوا قبل ذلك محسنين (16) @QUR@06 كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ~~(17) @QUR@03 وبالأسحار هم يستغفرون (18) @QUR@05 وفي أموالهم حق للسائل ~~والمحروم (19) @QUR@04 وفي الأرض آيات للموقنين (20) @QUR@04 وفي أنفسكم ~~أفلا تبصرون (21) @QUR@05 وفي السماء رزقكم وما توعدون (22) @QUR@010 فو رب ~~السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ) (23) # والمعنى : ( @QUR@02 إن المتقين ) وهم الذين صانوا أنفسهم عن كل مالا ~~يرضى الله تعالى . # ( @QUR@03 في جنات وعيون ) أى : مستقرين في جنات وبساتين فيها عيون عظيمة ~~، لا يبلغ وصفها الواصفون. PageV14P014 # ( @QUR@04 آخذين ما آتاهم ربهم ) أى : هم منعمون في الجنات وما اشتملت ~~عليه من عيون جارية ، حالة كونهم آخذين وقابلين لما أعطاهم ربهم من فضله ~~وإحسانه. # وقوله : ( @QUR@05 إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ) بمثابة التعليل لما قبله. ~~أى : هم في هذا الخير العميم من ربهم لأنهم ، كانوا قبل ذلك أى : في الدنيا ~~محسنين لأعمالهم ، ومؤدين لكل ما أمرهم به سبحانه بإتقان وإخلاص. # ثم بين سبحانه مظاهر إحسانهم فقال : ( @QUR@06 كانوا قليلا من الليل ما ~~يهجعون ) أى كانوا ينامون من الليل وقتا قليلا ، أما أكثره فكانوا يقضونه ~~في العبادة والطاعة. # والهجوع : النوم ليلا ، وقيده بعضهم بالنوم ms5317 القليل ، إذ الهجعة هي النومة ~~الخفيفة ، تقول : أتيت فلانا بعد هجعة ، أى بعد نومة قليلة. # عن الحسن قال : كانوا لا ينامون من الليل إلا أقله ، كابدوا قيام الليل. # ثم مدحهم سبحانه بصفة أخرى فقال : ( @QUR@03 وبالأسحار هم يستغفرون ) ~~والأسحار جمع سحر ، وهو الجزء الأخير من الليل. # أى ، وكانوا في أوقات الأسحار يرفعون أكف الضراعة إلى الله تعالى ~~يستغفرونه مما فرط منهم من ذنوب ، ويلتمسون منه تعالى قبول توبتهم وغسل ~~حوبتهم. # قال الإمام الرازي ما ملخصه : وفي الآية إشارة إلى أنهم كانوا يتهجدون ~~ويجتهدون ، ثم يريدون أن يكون عملهم أكثر من ذلك ، وأخلص منه ، ويستغفرون ~~من التقصير ، وهذه سيرة الكريم : يأتى بأبلغ وجوه الكرم ويستقله ، ويعتذر ~~من التقصير ، واللئيم يأتى بالقليل ويستكثره. # وفيه وجه آخر ألطف منه : وهو أنه تعالى لما بين أنهم يهجعون قليلا ، ~~والهجوع مقتضى الطبع. قال ( @QUR@01 يستغفرون ) أى : من ذلك القدر من النوم ~~القليل. # ومدحهم بالهجوع ولم يمدحهم بكثرة السهر ... للإشارة إلى أن نومهم عبادة ، ~~حيث مدحهم بكونهم هاجعين قليلا ، وذلك الهجوع أورثهم الاشتغال بعبادة أخرى ~~، وهو الاستغفار ... في وجوه الأسحار ، ومنعهم من الإعجاب بأنفسهم ومن ~~الاستكبار .. (1). # ثم مدحهم سبحانه للمرة الثالثة فقال : ( @QUR@05 وفي أموالهم حق للسائل ~~والمحروم ). # والسائل : هو من يسأل غيره العون والمساعدة. والمحروم : هو المتعفف عن ~~السؤال مع أنه لا مال له لحرمان أصابه ، بسبب مصيبة نزلت به ، أو فقر كان ~~فيه .. أو ما يشبه ذلك. PageV14P015 # قال ابن جرير بعد أن ذكر جملة من الأقوال في المراد من المحروم هنا : ~~والصواب من القول في ذلك عندي : أنه الذي قد حرم الرزق واحتاج ، وقد يكون ~~ذلك بذهاب ماله وثمره فصار ممن حرمه الله. وقد يكون بسبب تعففه وتركه ~~المسألة. وقد يكون بأنه لا سهم له في الغنيمة لغيبته عن الواقعة (1). # أى : أنهم بجانب قيامهم الليل طاعة لله تعالى واستغفارا لذنوبهم .. ~~يوجبون على أنفسهم في أموالهم حقا للسائل والمحروم ، تقربا إلى الله سبحانه ~~بمقتضى ما جبلوا عليه من كرم وسخاء. # فالمراد بالحق هنا : ما يقدمونه من أموال للمحتاجين ms5318 على سبيل التطوع وليس ~~المراد به الزكاة المفروضة ، لأن السورة مكية والزكاة إنما فرضت في السنة ~~الثانية من الهجرة. # قال الآلوسى : ( @QUR@03 وفي أموالهم حق ) هو غير الزكاة كما قال ابن ~~عباس ومجاهد وغيرهما. # وقال منذر بن سعيد : هذا الحق هو الزكاة المفروضة ، وتعقب بأن السورة ~~مكية. وفرض الزكاة بالمدينة. وقيل : أصل فريضة الزكاة كان بمكة والذي كان ~~بالمدينة القدر المعروف اليوم ... والجمهور على الأول (2). # والمتأمل في هذه الآيات الكريمة يرى أن هؤلاء المتقين ، قد مدحهم الله ~~تعالى هذا المدح العظيم ، لأنهم عرفوا حق الله عليهم فأدوه بإحسان وإخلاص ، ~~وعرفوا حق الناس عليهم فقدموه بكرم وسخاء. # ثم لفت سبحانه الأنظار إلى ما في الأرض من دلائل على قدرته ووحدانيته ~~فقال : ( @QUR@04 وفي الأرض آيات للموقنين ). أى : وفي الأرض آيات عظيمة ~~وعبر وعظات بليغة ، تدل على وحدانية الله وقدرته ، كصنوف النبات ، ~~والحيوانات ، والمهاد ، والجبال ، والقفار ، والأنهار ، والبحار. وهذه ~~الآيات والعبر لا ينتفع بها إلا الموقنون بأن المستحق للعبادة إنما هو الله ~~عز وجل . # ثم لفتة أخرى إلى النفس البشرية ، قال تعالى : ( @QUR@04 وفي أنفسكم أفلا ~~تبصرون ). # أى : وفي أنفسكم وذواتكم وخلقكم ... أفلا تبصرون إبصار تذكر واعتبار ، ~~فإن في خلقكم من سلالة من طين ، ثم جعلكم نطفة فعلقة فمضغة فخلقا آخر ، ثم ~~في رعايتكم في بطون أمهاتكم. ثم في تدرجكم من حال إلى حال ، ثم في اختلاف ~~ألسنتكم وألوانكم ، ثم في PageV14P016 # التركيب العجيب الدقيق لأجسادكم وأعضائكم. ثم في تفاوت عقولكم وأفهامكم ~~واتجاهاتكم. # في كل ذلك وغيره ، عبرة للمعتبرين وعظة للمتعظين. # ورحم الله صاحب الكشاف ، فقد قال عند تفسيره لهاتين الآيتين ( @QUR@03 ~~وفي الأرض آيات ) تدل على الصانع وقدرته وحكمته وتدبيره ، حيث هي مدحوة ~~كالبساط ... وفيها المسالك والفجاج للمتقلبين فيها ، والماشين في مناكبها. # وهي مجزأة : فمن سهل وجبل ، وبر وبحر ، وقطع متجاورات : من صلبة ورخوة ، ~~وطيبة وسبخة ، وهي كالطروقة تلقح بألوان النبات ... وتسقى بماء واحد ، ~~ونفضل بعضها على بعض في الأكل ، وكلها موافقة لحوائج ساكنيها. # في كل ذلك آيات ( @QUR@01 للموقنين ) أى : للموحدين الذين سلكوا الطريق ~~السوى .. فازدادوا ms5319 إيمانا على إيمانهم. # ( @QUR@02 وفي أنفسكم ) في حال ابتدائها وتنقلها من حال إلى حال ، وفي ~~بواطنها وظواهرها ، من عجائب الفطر. وبدائع الخلق ، ما تتحير فيه الأذهان ، ~~وحسبك بالقلوب ، وما ركز فيها من العقول ، وخصت به من أصناف المعاني ، ~~وبالألسن والنطق ومخارج الحروف ، وما في تركيبها وترتيبها ولطائفها : من ~~الآيات الدالة على حكمة المدبر .. فتبارك الله أحسن الخالقين (1). # ثم لفتة ثالثة للأنظار إلى الأسباب الظاهرة للرزق ، تراها في قوله تعالى ~~: ( @QUR@05 وفي السماء رزقكم وما توعدون ). # أى : أن أرزاقكم مقدرة مكتوبة عنده سبحانه وهي تنزل إليكم من جهة السماء ~~، عن طريق الأمطار التي تنزل على الأرض الجدباء. فتنبت بإذن الله من كل زوج بهيج. # كما قال تعالى : ( @QUR@09 هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا ~~) (2). # وقال سبحانه : ( @QUR@017 يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ، ثم يعرج إليه ~~في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ) (3). # قال القرطبي : قوله : ( @QUR@03 وفي السماء رزقكم ) الرزق هنا : ما ينزل ~~من السماء من مطر PageV14P017 # ينبت به الزرع ، ويحيى به الإنسان ... أى : وفي السماء سبب رزقكم ، سمى ~~المطر سماء لأنه من السماء ينزل. # وقال سفيان الثوري : ( @QUR@03 وفي السماء رزقكم ) أى : عند الله في ~~السماء رزقكم (1). # وقوله : ( @QUR@02 وما توعدون ) أى : وفي السماء محددة ومقدرة أرزاقكم. ~~وما توعدون به من ثواب أو عقاب ، ومن خير أو شر ، ومن بعث وجزاء. # و ( @QUR@01 ما ) في محل رفع عطف على قوله ( @QUR@01 رزقكم ) أى : وفي ~~السماء رزقكم والذي توعدونه من ثواب على الطاعة ، ومن عقاب على المعصية. # فالآية الكريمة وإن كانت تلفت الأنظار إلى أسباب الرزق وإلى مباشرة هذه ~~الأسباب ، إلا أنها تذكر المؤمن بأن يكون اعتماده على خالق الأسباب ، وأن ~~يراقبه ويطيعه في السر والعلن لأنه سبحانه هو صاحب الخلق والأمر. # ثم ختم سبحانه هذه الآيات بهذا القسم فقال : ( @QUR@010 فو رب السماء ~~والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ). # والضمير في قوله ( @QUR@01 إنه ) يعود إلى ما سبق الإخبار عنه من أمر ~~البعث والحساب والجزاء والرزق .. وغير ذلك مما يدل على صدق الرسول ~~صلى الله ms5320 عليه وسلم فيما أخبر به عن ربه. # ولفظ «مثل» منصوب بنزع الخافض ، و «ما» مزيدة للتأكيد أى : فوحق رب السماء ~~والأرض ، إن جميع ما ذكرناه لكم في هذه السورة ، أو في هذا القرآن ، حق ~~ثابت لا مرية فيه ، كمثل نطقكم الذي تنطقونه بألسنتكم دون أن تشكوا في كونه ~~قد صدر عنكم لا عن غيركم. # فالمقصود بالآية الكريمة ، تأكيد صدق ما أخبر به الله تعالى عباده في هذه ~~السورة وغيرها ، لأن نطقهم بألسنتهم حقيقة لا يجادل فيها مجادل ، وكذلك ما ~~جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند ربه ، وما تلاه عليهم في هذه السورة ~~وغيرها ، حق ثابت لا ريب فيه. # وهكذا نرى هذه الآيات قد بشرت المتقين بألوان من البشارات ، ثم لفتت عقول ~~الناس إلى ما في الأرض وإلى ما في أنفسهم وإلى ما في السماء من عظات وعبر. # ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن قصص بعض الأنبياء السابقين فبدأت ~~بجانب من قصة إبراهيم عليه السلام مع الملائكة الذين جاءوا لبشارته بابنه ~~إسحاق ، فقال تعالى : PageV14P018 # ( @QUR@06 هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين (24) @QUR@09 إذ دخلوا عليه ~~فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون (25) @QUR@06 فراغ إلى أهله فجاء بعجل ~~سمين (26) @QUR@05 فقربه إليهم قال ألا تأكلون (27) @QUR@09 فأوجس منهم ~~خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم (28) @QUR@09 فأقبلت امرأته في صرة ~~فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم (29) @QUR@08 قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم ~~العليم (30) @QUR@05 قال فما خطبكم أيها المرسلون (31) @QUR@06 قالوا إنا ~~أرسلنا إلى قوم مجرمين (32) @QUR@05 لنرسل عليهم حجارة من طين (33) @QUR@04 ~~مسومة عند ربك للمسرفين (34) @QUR@06 فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين (35) ~~@QUR@07 فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين (36) @QUR@07 وتركنا فيها آية ~~للذين يخافون العذاب الأليم ) (37) # (1) وهذه القصة التي تحكى لنا هنا ما دار بين إبراهيم عليه السلام وبين ~~الملائكة الذين جاءوا لبشارته بابنه إسحاق ، ولإخباره بإهلاك قوم لوط ، قد ~~وردت قبل ذلك في سورتي هود والحجر. # وقد افتتحت هنا بأسلوب الاستفهام ( @QUR@06 هل أتاك حديث ضيف إبراهيم ~~المكرمين ) للإشعار بأهمية هذه القصة ، وتفخيم شأنها ، وبأنها لا علم ms5321 بها ~~إلا عن طريق الوحى ... وقيل إن هل هنا بمعنى قد. # والمعنى : هل أتاك أيها الرسول الكريم حديث ضيف إبراهيم المكرمين؟ إننا ~~فيما أنزلناه عليك من قرآن كريم ، نقص عليك قصتهم بالحق الذي لا يحوم حوله ~~باطل ، على سبيل التثبيت لك ، والتسلية لقلبك. PageV14P019 # والضيف في الأصل مصدر بمعنى الميل ، يقال ضاف فلان فلانا إذا مال كل واحد ~~منهما نحو الآخر ، ويطلق على الواحد والجماعة. والمراد هنا : جماعة ~~الملائكة الذين قدموا على إبراهيم عليه السلام وعلى رأسهم جبريل ، ووصفهم ~~بأنهم كانوا مكرمين ، لإكرام الله تعالى لهم بطاعته وامتثال أمره. ولإكرام ~~إبراهيم لهم ، حيث قدم لهم أشهى الأطعمة وأجودها. # قال الآلوسى : قيل : كانوا اثنى عشر ملكا وقيل : كانوا ثلاثة : جبريل ~~وإسرافيل وميكائيل. وسموا ضيفا لأنهم كانوا في صورة الضيف ، ولأن إبراهيم ~~عليه السلام حسبهم كذلك ، فالتسمية على مقتضى الظاهر والحسبان. # وبدأ بقصة إبراهيم وإن كانت متأخرة عن قصة عاد ، لأنها أقوى في غرض ~~التسلية (1). # والظرف في قوله : ( @QUR@03 إذ دخلوا عليه .. ) متعلق بلفظ ( @QUR@01 ~~حديث ) السابق. # أى : هل بلغك حديثهم الواقع في وقت دخولهم عليه .. أو بمحذوف تقديره : ~~اذكر ، أى : اذكر وقت أن دخلوا عليه ( @QUR@02 فقالوا سلاما )، أى : ~~فقالوا نسلم عليك سلاما. # ( @QUR@04 قال سلام قوم منكرون ) أى : قال إبراهيم في جوابه عليهم : ~~عليكم سلام ، أنتم قوم منكرون أى : غير معروفين لي قبل ذلك. # قال صاحب الكشاف : أنكرهم للسلام الذي هو علم الإسلام ، أو أراد أنهم ~~ليسوا من معارفه ، أو من جنس الناس الذين عهدهم .. أو رأى لهم حالا وشكلا ~~خلاف حال الناس وشكلهم ، أو كان هذا سؤالا لهم ، كأنه قال : أنتم قوم ~~منكرون فعرفوني من أنتم .. (2). # وقيل : إن إبراهيم قد قال ذلك في نفسه ، والتقدير : هؤلاء قوم منكرون ، ~~لأنه لم يرهم قبل ذلك. # وقال إبراهيم في جوابه عليهم ( @QUR@01 سلام ) بالرفع ، لإفادة الدوام ~~والثبات عن طريق الجملة الاسمية ، التي تدل على ذلك ، وللإشارة إلى أدبه ~~معهم ، حيث رد على تحيتهم بأفضل منها. # ثم بين سبحانه ما فعله إبراهيم بعد ذلك فقال : ( @QUR@06 فراغ إلى أهله ~~فجاء ms5322 بعجل سمين ) أى : فذهب إلى أهله في خفية من ضيوفه. فجاء إليهم بعجل ~~ممتلئ لحما وشحما. يقال : راغ فلان إلى كذا ، إذا مال إليه في استخفاء وسرعة. PageV14P020 # ( @QUR@02 فقربه إليهم ) أى : فذهب إلى أهله فذبح عجلا وشواه ، فقربه إلى ~~ضيوفه وقال لهم : ( @QUR@02 ألا تأكلون ) أى : حضهم على الأكل شأن المضيف ~~الكريم. فقال لهم على سبيل التلطف وحسن العرض : ألا تأكلون من طعامي. # قال ابن كثير : وهذه الآيات انتظمت آداب الضيافة ، فإنه جاء بطعامه من ~~حيث لا يشعرون بسرعة. ولم يمتن عليهم أولا فقال : نأتيكم بطعام؟ بل جاء به ~~بسرعة وخفاء ، وأتى بأفضل ما وجد من ماله ، وهو عجل سمين مشوى فقربه إليهم ~~، لم يضعه وقال : اقتربوا ، بل وضعه بين أيديهم ، ولم يأمرهم أمرا يشق على ~~سامعه بصيغة الجزم ، بل قال : ( @QUR@02 ألا تأكلون ) على سبيل العرض ~~والتلطف ، كما يقول القائل اليوم : إن رأيت أن تتفضل وتحسن وتتصدق. فافعل (1). # ولكن إبراهيم مع هذا العرض الحسن ، والكرم الواضح ، لم يجد من ضيوفه ~~استجابة لدعوته. ( @QUR@03 فأوجس منهم خيفة ) أى : فأضمر في نفسه خوفا منهم ~~حين رأى إعراضا عن طعامه ، مع حضهم على الأكل منه ، ومع جودة هذا الطعام. # وهنا كشف الملائكة له عن ذواتهم فقالوا ( @QUR@02 لا تخف ) أى : لا تخف ~~فإنا رسل الله ( @QUR@03 وبشروه بغلام عليم ) أى : وبشروه بغلام سيولد له ، ~~وسيكون كثير العلم عند ما يبلغ سن الرشد ، وهذا الغلام إسحاق عليه السلام . # ثم يحكى القرآن بعد ذلك ما كان من امرأته بعد أن سمعت بهذه البشرى فقال : ~~( @QUR@09 فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم ). # أى : فأقبلت امرأة ابراهيم عليه السلام وهي تصيح في تعجب واستغراب من هذه ~~البشرى. فضربت بيدها على وجهها وقالت : أنا عجوز عقيم فكيف ألد؟. # والصرة : من الصرير وهو الصوت ، ومنه صرير الباب ، أى : صوته ، والصك ~~الضرب الشديد على الوجه ، وعادة ما تفعله النساء إذا تعجبن من شيء. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى في سورة هود : ( @QUR@013 قالت يا ويلتى ~~أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا ، إن هذا لشيء ms5323 عجيب ). # وهنا رد عليها الملائكة بما يزيل تعجبها واستغرابها واستبعادها لأن يكون ~~لها ولد مع كبر سنها ، ويحكى القرآن ذلك فيقول : ( @QUR@08 قالوا كذلك قال ~~ربك إنه هو الحكيم العليم ). # أى : قال الملائكة لامرأة إبراهيم : لا تتعجبى من أن يكون لك غلام في هذه ~~السن ، فإن PageV14P021 # هذا الحكم هو حكم ربك. وهذا القول الذي بشرناك به هو قوله سبحانه وقوله ~~لا مرد له : إنه تعالى هو الحكيم في كل أقواله وأفعاله. العليم بأحوال خلقه. # وهنا عرف إبراهيم عليه السلام حقيقة ضيوفه : فأخذ يسألهم : ( @QUR@05 قال ~~فما خطبكم أيها المرسلون ) والخطب : الأمر الهام ، والشأن الخطير ، وجمعه خطوب. # أى : قال لهم إبراهيم بعد أن اطمأن إليهم ، وعلم أنهم ملائكة. فما شأنكم ~~الخطير الذي من أجله جئتم إلى أيها المرسلون بعد هذه البشارة؟. # ( @QUR@01 قالوا ) في الإجابة عليه ، ( @QUR@02 إنا أرسلنا )، بأمر ربنا ~~( @QUR@03 إلى قوم مجرمين ) قوم لوط ( @QUR@05 لنرسل عليهم حجارة من طين ) ~~أى : لنرسل عليهم بعد قلب قراهم حجارة من طين متحجر ، حالة كون هذه الحجارة ~~( @QUR@04 مسومة عند ربك للمسرفين ) أى : معلمة عند الله تعالى وفي علمه ، ~~وقد أعدها سبحانه لرجم هؤلاء الذين أسرفوا في عصيانهم له تعالى وأتوا ~~بفاحشة لم يسبقهم إليها أحد من العالمين. # فقوله : ( @QUR@01 مسومة ) حال من الحجارة ، والسومة : العلامة. ومنه ~~قوله تعالى : ( @QUR@02 والخيل المسومة ). # والفاء في قوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@013 فأخرجنا من كان فيها من ~~المؤمنين ، فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ) هي الفصيحة ، لأنها قد ~~أفصحت عن كلام محذوف. # والمعنى : ففارق الملائكة إبراهيم ذاهبين إلى قوم لوط لإهلاكهم وجرى ~~بينهم وبين لوط عليه السلام ما جرى ثم أخذوا في تنفيذ ما كلفناهم به ، ~~فأخرجنا بفضلنا ورحمتنا من كان في قرية لوط من المؤمنين دون أن يمسهم ~~عذابنا ، فما وجدنا في تلك القرية غير أهل بيت واحد من المسلمين ، أما بقية ~~سكان هذه القرية فقد دمرناهم تدميرا. # ووصف سبحانه الناجين من العذاب وهم لوط وأهل بيته إلا امرأته بصفتى ~~الإيمان والإسلام ، على سبيل المدح لهم ، أى : أنهم كانوا مصدقين بقلوبهم ، ~~ومنقادين ms5324 لأحكام الله تعالى بجوارحهم. # قال ابن كثير : احتج بهاتين الآيتين من ذهب إلى رأى المعتزلة ، ممن لا ~~يفرقون بين معنى الإيمان ، والإسلام ، لأنه أطلق عليهم المؤمنين والمسلمين ~~وهذا الاستدلال ضعيف ، لأن هؤلاء كانوا قوما مؤمنين ، وعندنا أن كل مؤمن ~~مسلم ولا ينعكس ، فاتفق الاسمان هنا لخصوصية الحال ، ولا يلزم ذلك في كل ~~حال (1). PageV14P022 # ثم بين سبحانه أنه قد ترك من وراء هلاكهم ما يدعو غيرهم إلى الاعتبار بهم ~~فقال : ( @QUR@02 وتركنا فيها ) أى : في قرية قوم لوط التي جعل الملائكة ~~عاليها سافلها ( @QUR@01 آية ) أى : علامة تدل على ما أصابهم من هلاك ، قيل ~~: هي تلك الأحجار التي أهلكوا بها. # وهذه الآية إنما هي ( @QUR@04 للذين يخافون العذاب الأليم ) لأنهم هم ~~الذين يعتبرون وينتفعون بها ، أما غيرهم من الذين استحوذ عليهم الشيطان ، ~~فإن هذه الآيات لا تزيدهم إلا رجسا على رجسهم. # ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن جانب من قصص موسى وهود وصالح ونوح. ~~عليهم السلام مع أقوامهم ، فقال سبحانه : # ( @QUR@08 وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين (38) @QUR@06 فتولى ~~بركنه وقال ساحر أو مجنون (39) @QUR@07 فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم ~~وهو مليم (40) @QUR@07 وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم (41) @QUR@09 ~~ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم (42) @QUR@08 وفي ثمود إذ قيل ~~لهم تمتعوا حتى حين (43) @QUR@08 فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ~~ينظرون (44) @QUR@07 فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين (45) @QUR@08 ~~وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين ) (46) # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 وفي موسى ) معطوف على قوله تعالى قبل ذلك ( ~~@QUR@02 وتركنا فيها ) والكلام على حذف مضاف. # والظرف في قوله : ( @QUR@06 إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين ). متعلق ~~بمحذوف هو نعت لقوله ( @QUR@01 آية ) قبل ذلك. # أى : وتركنا في قصة موسى أيضا آية ، هذه الآية كائنة وقت أن أرسلناه إلى ~~فرعون ( @QUR@02 بسلطان مبين ) أى : بمعجزة واضحة بينة هي اليد والعصا ~~وغيرهما. PageV14P023 # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 فتولى بركنه وقال ساحر أو مجنون ) بيان لموقف ~~فرعون من موسى عليه السلام أى : أرسلنا موسى بآياتنا الدالة على صدقه إلى ~~فرعون وملئه ، فما كان من ms5325 فرعون إلا أن أعرض عن دعوة الحق ، وتعاظم على ~~موسى بملكه وجنوده وقوته ... وقال في شأن موسى عليه السلام هو ساحر أو مجنون. # والركن جانب البدن. والمراد به هنا : جنوده الذين يركن إليهم ، وقوته ~~التي اغتر بها. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@02 فتولى بركنه ) أى : فأعرض عن الإيمان ~~بموسى ، على أن ركنه جانب بدنه وعطفه ، والتولي به كناية عن الإعراض ، ~~والباء للتعدية ، لأن معناه : ثنى عطفه. # وقال قتادة : تولى بقومه على أن الركن بمعنى القوم ، لأنه يركن إليهم ~~ويتقوى بهم ، والباء للمصاحبة أو الملابسة ... وقيل : تولى بقوته وسلطانه. ~~فالركن يستعار للقوة .. (1). # ثم بين سبحانه نتيجة إعراض فرعون عن الحق فقال : ( @QUR@07 فأخذناه ~~وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم ). # والنبذ : الطرح للشيء بدون اكتراث أو اهتمام به ، وقوله ( @QUR@01 مليم ) ~~من ألام ، إذا أتى ما يلام عليه ، كأغرب إذا أتى أمرا غريبا ، وجملة ، وهو ~~مليم ، حال من المفعول في قوله ( @QUR@01 فأخذناه ). # أى : فأخذنا فرعون هو وجنوده الذين ارتكن إليهم أخذ عزيز مقتدر ، فألقينا ~~بهم جميعا في البحر بدون اعتداد بهم ، بعد أن أتى فرعون بما يلام عليه من ~~الكفر والطغيان. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف وصف نبي الله يونس عليه السلام بما وصف ~~به فرعون في قوله تعالى : ( @QUR@04 فالتقمه الحوت وهو مليم )؟ # قلت : موجبات اللوم تختلف ، وعلى حسب اختلافها تختلف مقادير اللوم ، ~~فراكب الكبيرة ملوم على مقدارها ، وكذلك مقترف الصغيرة. ألا ترى إلى قوله ~~تعالى : ( @QUR@02 وعصوا رسله )، وقوله ( @QUR@04 وعصى آدم ربه فغوى ) لأن ~~الكبيرة والصغيرة يجمعها اسم العصيان ، كما يجمعهما اسم القبيح والسيئة (2). # ثم تنتقل السورة بعد ذلك إلى بيان ما حل بقوم هود عليه السلام فتقول : ( ~~@QUR@016 وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم. ما تذر من شيء أتت عليه ~~إلا جعلته كالرميم ). # أى : وتركنا في قصة عاد أيضا وهم قوم هود عليه السلام آية وعبرة ، وقت أن PageV14P024 # أرسلنا عليهم الريح العقيم. أى : الريح الشديدة التي لا خير فيها من ~~إنشاء مطر ، أو تلقيح شجر ، وهي ريح الهلاك وأصل العقم : اليبس المانع من ~~قبول ms5326 الأثر. # شبه سبحانه الريح التي أهلكتهم وقطعت دابرهم ، بالمرأة التي انقطع نسلها ~~، بجامع انعدام الأثر في كل. # ثم وصف سبحانه هذه الريح التي توهموا أنها تحمل لهم الخير ، بينما هي ~~تحمل لهم الهلاك ، وصفها بقوله : ( @QUR@06 ما تذر من شيء أتت عليه ) أى : ~~ما تترك من شيء مرت عليه. # ( @QUR@03 إلا جعلته كالرميم ) أى : إلا جعلته كالشىء الميت الذي رم ~~وتحول إلى فتات مأخوذ من رم الشيء إذا تفتت وتهشم. ويقال للنبات إذا يبس ~~وتفتت : رميم وهشيم. # كما يقال للعظم إذا تكسر وبلى : رميم. ومنه قوله تعالى : ( @QUR@06 قال ~~من يحي العظام وهي رميم ). # ثم انتقلت السورة بعد ذلك إلى بيان ما حل بقوم صالح عليه السلام فقال ~~تعالى : ( @QUR@08 وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين ). # أى : وتركنا كذلك في قصة صالح عليه السلام مع قومه آية وعظة ، وقت أن قال ~~لهم على سبيل الإنذار والتحذير من المداومة على الكفر .. تمتعوا بحياتكم ~~التي تعيشونها في هذه الدنيا ، حتى وقت معين في علم الله تعالى تنتهي عنده ~~أعماركم. # وهذا التمتع بالحياة حتى حين ، يحتمل أن المقصود به ، ما أشار إليه ~~سبحانه في سورة هود بقوله : ( @QUR@01 فعقروها ) أى الناقة ( @QUR@010 فقال ~~تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ، ذلك وعد غير مكذوب ) ويحتمل أن يكون المقصود ~~به : ما قدره الله تعالى من عمر منذ أن بلغهم صالح رسالة ربه إلى أن عقروا ~~الناقة ، وحق عليهم العذاب. # قال القرطبي : قوله : ( @QUR@02 وفي ثمود ) أى : وفيهم أيضا عبرة وعظة ، ~~حين قيل لهم عيشوا متمتعين بالدنيا ( @QUR@02 حتى حين ) أى : إلى وقت ~~الهلاك وهو ثلاثة أيام ، كما في سورة هود .. وقيل : معنى ( @QUR@01 تمتعوا ~~) أى : أسلموا وتمتعوا إلى وقت فراغ آجالكم (1). # ثم بين سبحانه ما كان منهم من كفر وفجور فقال : ( @QUR@04 فعتوا عن أمر ~~ربهم ) أى : فتكبروا واستهانوا بما أمرهم الله تعالى به على لسان نبيهم ~~صالح عليه السلام . # ( @QUR@02 فأخذتهم الصاعقة ) وهي كل عذاب مهلك ، من الصعق بمعنى الإهلاك. PageV14P025 # ( @QUR@02 وهم ينظرون ) أى : وهم يرونها عيانا ، لأن العذاب كما تشير ~~الآية نزل بهم نهارا. ms5327 # ( @QUR@07 فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين ) أى : أنه حين نزل ~~بهم عذابنا ، أعجزهم عن الحركة ، وشل حواسهم ، فما استطاعوا أن يهربوا منه. ~~وما قدروا على القيام بعد أن كانوا قاعدين ، وما نصرهم من بأسنا ناصر. # ثم ختم سبحانه هذه الآيات بلمحة عن قصة نوح عليه السلام فقال ( @QUR@04 ~~وقوم نوح من قبل ) أى : وأهلكنا قوم نوح من قبل هؤلاء جميعا بالطوفان. # ( @QUR@04 إنهم كانوا قوما فاسقين ) أى : خارجين عن طاعتنا ، منغمسين في ~~الكفر والعصيان. # وهكذا ساقت السورة الكريمة جانبا من قصص هؤلاء الأنبياء ، ليكون في ذلك ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتذكرة للمتذكرين. # وبعد هذا الحديث عن هؤلاء الأقوام .. جاء الحديث عن مظاهر قدرة الله ~~تعالى وسعة رحمته ، ووافر نعمه ، وحض الناس على شكره تعالى وطاعته. فقال ~~عز وجل : # ( @QUR@05 والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون (47) @QUR@04 والأرض ~~فرشناها فنعم الماهدون (48) @QUR@07 ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ~~(49) @QUR@08 ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين (50) @QUR@011 ولا ~~تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين ) (51) # ولفظ ( @QUR@01 السماء ... ) منصوب على الاشتغال. أى : وبنينا السماء ~~بنيناها ( @QUR@01 بأيد ) أى : بقوة وقدرة. يقال : آد الرجل يئيد كباع إذا ~~اشتد وقوى. # ( @QUR@02 وإنا لموسعون ) أى : وإنا لقادرون على توسعتها بتلك الصورة ~~العجيبة من الوسع بمعنى القدرة والطاقة ، يقال : أوسع الرجل ، أى : صار ذا ~~سعة ، والمفعول محذوف ، أى : وإنا لموسعون السماء ، أو الأرزاق. # فالجملة تصوير بديع لمظاهر قدرة الله ، وكمال قوته ، وواسع فضله. # ( @QUR@02 والأرض فرشناها ) أى : وفرشنا الأرض بقدرتنا أيضا ، بأن ~~مهدناها وبسطناها وجعلناها صالحة لمنفعتكم وراحتكم. PageV14P026 # ( @QUR@02 فنعم الماهدون ) نحن ، يقال : مهدت الفراش ، إذا بسطته ووطأته ~~وحسنته. # وفي هاتين الآيتين ما فيهما من الدلالة على قدرة الله تعالى ورحمته ~~بعباده ، حيث أوجد هذه السماء الواسعة التي تعتبر الأرض بما فيها كحلقة في ~~فلاة بالنسبة لها ، فهي تحوى مئات الملايين من النجوم المتناثرة في أرجائها ~~.. وأوجد سبحانه الأرض لتكون موطنا للإنسان ، ومنزلا لراحته. # ثم قال تعالى : ( @QUR@05 ومن كل شيء خلقنا زوجين ) أى : نوعين متقابلين ~~كالذكر والأنثى. والليل والنهار ، والسماء ms5328 والأرض ، والغنى والفقر ، والهدى ~~والضلال. # ( @QUR@02 لعلكم تذكرون ) أى فعلنا ذلك لعلكم تعتبرون وتتعظون وتتذكرون ~~ما يجب عليكم نحونا من الشكر والطاعة وإخلاص العبادة لنا وحدنا. # والفاء في قوله : ( @QUR@03 ففروا إلى الله ... ) للتفريع على قوله تعالى ~~( @QUR@02 لعلكم تذكرون )، أى : ما دام الأمر كما ذكرت لكم من وجود التذكر ~~والاعتبار ، ففروا إلى الله من معصيته إلى طاعته ، ومن كفره إلى شكره ، ومن ~~السيئات إلى الحسنات. # قال الإمام الرازي ما ملخصه : وفي هذا التعبير لطائف ؛ لأنه ينيء عن سرعة ~~الإهلاك ، كأنه يقول : الإهلاك والعذاب أسرع وأقرب ، من أن يحتمل الحال ~~الإبطاء في الرجوع. فافزعوا سريعا إلى الله تعالى وفروا إلى طاعته ، فإنه ~~لا مهرب منه (1). # وقوله : ( @QUR@05 إني لكم منه نذير مبين ) تعليل للأمر بالفرار ، أى : ~~أسرعوا إلى طاعة الله تعالى إنى لكم من عقابه المعد لمن يصر على معصيته ~~نذير بين الإنذار. # ثم أكد سبحانه هذا الإنذار ، ونهى عن التقاعس فقال : ( @QUR@06 ولا ~~تجعلوا مع الله إلها آخر ) أى : واحذروا أن تجعلوا مع الله تعالى إلها آخر ~~، في العبادة أو الطاعة ( @QUR@03 إني لكم منه ) سبحانه ( @QUR@02 نذير ~~مبين ). # فالآية الأولى كان التعليل فيها للأمر بالفرار إلى الله تعالى والثانية ~~كان التعليل فيها للنهى عن الإشراك به سبحانه . # وبذلك ترى أن هذه الآيات الكريمة ، قد بينت جانبا من الدلائل على قدرة ~~الله تعالى وأمرت الناس بإخلاص العبادة لله ، ونهت عن الإشراك به. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة ، ببيان مواقف الأقوام من رسلهم ، وببيان ~~الوظيفة التي أوجد الله تعالى الناس من أجلها فقال : PageV14P027 # ( @QUR@013 كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون ~~(52) @QUR@06 أتواصوا به بل هم قوم طاغون (53) @QUR@05 فتول عنهم فما أنت ~~بملوم (54) @QUR@05 وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين (55) @QUR@06 وما خلقت ~~الجن والإنس إلا ليعبدون (56) @QUR@09 ما أريد منهم من رزق وما أريد أن ~~يطعمون (57) @QUR@07 إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين (58) @QUR@09 فإن ~~للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون (59) @QUR@07 فويل للذين ~~كفروا من يومهم الذي يوعدون ) (60) # وقوله : ( @QUR@01 كذلك ) خبر لمبتدأ محذوف. أى : الأمر ms5329 كذلك ، واسم ~~الإشارة مشار به إلى الكلام الذي سيتلوه ، إذ أن ما بعده وهو قوله : ( ~~@QUR@07 ما أتى الذين من قبلهم من رسول ) تفسير له. أى : الأمر أيها الرسول ~~الكريم كما نخبرك ، من أنه ما أتى الأقوام الذين قبل قومك من رسول يدعوهم ~~إلى عبادتنا وطاعتنا ، إلا وقالوا له كما قال قومك في شأنك هو ساحر أو مجنون. # والمقصود بالآية الكريمة تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من ~~مشركي قريش ، حيث بين له سبحانه أن الرسل السابقين قد كذبتهم أممهم ، ~~فصبروا حتى أتاهم نصره سبحانه . # ثم أضاف سبحانه إلى هذه التسلية تسلية أخرى فقال : ( @QUR@02 أتواصوا به ~~)؟ والضمير المجرور يعود إلى القول المذكور ، والاستفهام للتعجيب من ~~أحوالهم. أى : أوصى السابقون اللاحقين أن يقولوا لكل رسول يأتيهم من ربهم. ~~أنت أيها الرسول ساحر أو مجنون؟ # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 بل هم قوم طاغون ) إضراب عن تواصيهم إضراب ~~إبطال ، لأنهم لم يجمعهم زمان واحد حتى يوصى بعضهم بعضا ، وإنما الذي جمعهم ~~تشابه القلوب ، والالتقاء على الكفر والفسوق والعصيان. PageV14P028 # أى : أوصى بعضهم بعضا بهذا القول القبيح؟ كلا لم يوص بعضهم بعضا لأنهم لم ~~يتلاقوا ، وإنما تشابهت قلوبهم ، فاتحدت ألسنتهم في هذا القول المنكر. # ثم تسلية ثالثة نراها في قوله تعالى : ( @QUR@02 فتول عنهم ) أى : فأعرض ~~عنهم وعن جدالهم ، وسر في طريقك الذي رسمه الحكيم الخبير لك. # ( @QUR@02 فما أنت ) أيها الرسول الكريم ( @QUR@01 بملوم ) على الإعراض ~~عنهم ، وما أنت بمعاتب منا على ترك مجادلتهم. # ( @QUR@05 وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) أى : أعرض عن هؤلاء المشركين ~~، وداوم على التذكير والتبشير والإنذار مهما تقول المتقولون ، فإن التذكير ~~بما أوحيناه إليك من هدايات سامية ، وآداب حكيمة .. ينفع المؤمنين ، ولا ~~ينفع غيرهم من الجاحدين. # ثم بين سبحانه الوظيفة التي من أجلها أوجد الله تعالى الجن والإنس فقال : ~~( @QUR@06 وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ). # وللعلماء في تفسير هذه الآية أقوال منها : أن معناها : إنى ما أوجدت الجن ~~والإنس إلا وهم مهيئون لعبادتي وطاعتي. بسبب ما ركبت فيهم من عقول تعقل ، ~~وبسبب ما أرسلت إليهم ms5330 من رسل يهدونهم إلى الخير ، فمنهم من أطاع الرسل ، ~~وجرى على مقتضى ما تقتضيه الفطرة ، فآمن بالرسل ، واتبع الحق والرشد ، ففاز ~~وسعد ، ومنهم من أعرض عن دعوة الرسل ، وعاند فطرته وموجب استعداده فخسر وخاب. # ومنهم من يرى أن معناها : إنى ما خلقت الجن والإنس إلا ليقروا لي ~~بالعبودية طوعا أو كرها ، لأن المؤمن يطيع باختياره ، والكافر مذعن منقاد ~~لقضاء ربه ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@08 ولله يسجد من في السماوات ~~والأرض طوعا وكرها ) (1). # ومنهم من يرى معناها : إنى ما خلقت الجن والإنس إلا ليعرفونى. # قال القرطبي ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@06 وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون ) قيل : إن هذا خاص فيمن سبق في علم الله أنه يعبده. فجاء بلفظ ~~العموم ومعناه الخصوص .. فالآية في المؤمنين منهم. # وقال على رضى الله عنه : أى : وما خلقت الجن والإنس إلا لآمرهم بعبادتي ~~قال تعالى ( @QUR@09 وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ). PageV14P029 # وقيل : ( @QUR@02 إلا ليعبدون ) أى : إلا ليقروا لي بالعبادة طوعا أو ~~كرها (1). # ويبدو لنا أن أرجح هذه الأقوال هو ما أشرنا إليه أولا ، من أن معنى الآية ~~الكريمة ، أن الله تعالى قد خلق الثقلين لعبادته وطاعته ، ولكن منهم من ~~أطاعه سبحانه ، ومنهم من عصاه. لاستحواذ الشيطان عليه. # قال الإمام ابن كثير بعد أن ذكر جملة من الأقوال : ومعنى الآية أنه تعالى ~~خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له ، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء ، ومن ~~عصاه عذبه أشد العذاب. # وفي الحديث القدسي : قال الله عز وجل «يا ابن آدم ، تفرغ لعبادتي أملأ ~~صدرك غنى ، وأسد فقرك ، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلا ، ولم أسد فقرك ...». # وفي بعض الكتب الإلهية. يقول الله تعالى «يا ابن آدم ، خلقتك لعبادتي فلا ~~تلعب ، وتكفلت برزقك فلا تتعب ، فاطلبنى تجدني. فإن وجدتني وجدت كل شيء ، ~~وإن فتك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء» (2). # ثم بين سبحانه أنه غنى عن العالمين فقال : ( @QUR@09 ما أريد منهم من رزق ~~وما أريد أن يطعمون ) أى : ما أريد منهم منفعة أو ms5331 رزقا كما يريد الناس ~~بعضهم من بعض .. وما أريد منهم طعاما ولا شرابا ، فأنا الذي أطعم ولا أطعم ~~كما قال سبحانه : ( @QUR@012 قل أغير الله أتخذ وليا ، فاطر السماوات ~~والأرض وهو يطعم ولا يطعم ) (3). # قال الآلوسى : والآية لبيان أن شأنه تعالى مع عباده ليس كشأن السادة مع ~~عبيدهم ، لأنهم إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم وأرزاقهم ، ~~ومالك العبيد نفى أن يكون ملكه إياهم لذلك ، فكأنه سبحانه يقول : ما أريد ~~أن أستعين بهم ، كما يستعين ملاك العبيد بعبيدهم ، فليشتغلوا بما خلقوا له ~~من عبادتي (4). # ثم بين سبحانه أنه هو صاحب القوة والرزق فقال : ( @QUR@07 إن الله هو ~~الرزاق ذو القوة المتين ) أى : إن الله تعالى هو الرزاق لغيره دون أحد سواه ~~، وهو سبحانه صاحب القوة التي لا تشبهها قوة ، وهو المتين أى : الشديد ~~القوة أيضا فهو صفة للرزاق ، أو لقوله : ( @QUR@01 ذو )، أو خبر مبتدأ ~~محذوف. وهو مأخوذ من المتانة بمعنى القوة الفائقة. PageV14P030 # ثم بين سبحانه سوء عاقبة الظالمين فقال : ( @QUR@09 فإن للذين ظلموا ~~ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون ). # والذنوب في الأصل : الدلو العظيمة المملوءة ماء ، ولا يقال لها ذنوب إذا ~~كانت فارغة. وجمعها ذنائب ، كقلوص وقلائص ، وكانوا يستسقون الماء فيقسمونه ~~بينهم على الأنصباء. فيكون لهذا ذنوب ، ولهذا ذنوب. فالمراد بالذنوب هنا : ~~النصيب ، والمعنى : فإن للذين ظلموا أنفسهم بعبادتهم لغير الله ، وبظلمهم ~~لغيرهم ، نصيبا من العذاب ، مثل نصيب نظرائهم في الظلم والكفر ، فلا ~~يستعجلون عذابي ، فإنه نازل بهم في الوقت الذي أريد. # ( @QUR@07 فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون ) أى : فهلاك للذين ~~كفروا ، هذا الهلاك سيكون في اليوم الذي توعدتهم بالهلاك فيه ، والذي هو ~~نازل بهم بلا ريب أو شك. # وبعد : فهذا تفسير لسورة «الذاريات» ، نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا ~~لوجهه ، ونافعا لعباده. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # القاهرة مدينة نصر # د. محمد سيد طنطاوى # مساء السبت 21 جمادى الأولى 1406 ه 1 / 2 / 1986 م PageV14P031 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الطور PageV14P033 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «الطور» ms5332 من السور المكية الخالصة ، وعدد آياتها تسع وأربعون آية ~~في الكوفي والشامي ، وثمان وأربعون في البصري ، وسبع وأربعون في المصحف ~~الحجازي. # وهذه السورة من السور التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بها كثيرا في صلاته. # روى الشيخان عن جبير بن مطعم قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في ~~المغرب بالطور ، فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه. # وروى البخاري عن أم سلمة قالت : شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنى ~~اشتكى. فقال : طوفي من وراء الناس وأنت راكبة ، فطفت ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يصلى إلى جنب البيت ، يقرأ بالطور وكتاب مسطور (1). # 2 وتفتتح سورة «الطور» بقسم من الله تعالى ببعض مخلوقاته على أن البعث حق ~~، وعلى أن الجزاء حق ، وعلى أن كل ذلك كائن يوم تبدل الأرض غير الأرض ~~والسموات. # تفتتح بهذا الافتتاح الذي يبعث الوجل والخوف في النفوس فتقول : ( ~~@QUR@020 والطور. وكتاب مسطور. في رق منشور. والبيت المعمور ، والسقف ~~المرفوع. والبحر المسجور. إن عذاب ربك لواقع. ما له من دافع ). # 3 وكعادة القرآن الكريم في المقارنة بين الأخيار والأشرار ، يأتى الحديث ~~عن حسن عاقبة المؤمنين ، بعد الحديث عن سوء عاقبة المكذبين ، فيقول سبحانه ~~: ( @QUR@019 إن المتقين في جنات ونعيم. فاكهين بما آتاهم ربهم ، ووقاهم ~~ربهم عذاب الجحيم. كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون ). # 4 ثم تنتقل السورة الكريمة إلى الحديث عن مفتريات المشركين وأكاذيبهم ، ~~فتحكيها PageV14P035 # بأمانة. وتقذف بالحق الذي أوحاه سبحانه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم فإذا ~~بتلك المفتريات والأكاذيب زاهقة وباطلة ، وتسوق ذلك بأسلوب ساحر خلاب فتقول ~~: ( @QUR@033 أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون. قل تربصوا ، فإني معكم ~~من المتربصين. أم تأمرهم أحلامهم بهذا ، أم هم قوم طاغون. أم يقولون تقوله ~~، بل لا يؤمنون. فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين ). # 5 ثم تختتم السورة الكريمة بما يسلى النبي صلى الله عليه وسلم وبما يرسم له ~~العلاج الشافي فتقول : ( @QUR@015 واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ، وسبح بحمد ~~ربك حين تقوم. ومن الليل ms5333 فسبحه وإدبار النجوم ). # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # د. محمد سيد طنطاوى # 3 من جمادى الآخرة سنة 1406 ه # 12 من فبراير سنة 1986 م PageV14P036 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@01 والطور (1) @QUR@02 وكتاب مسطور (2) @QUR@03 في رق منشور (3) ~~@QUR@02 والبيت المعمور (4) @QUR@02 والسقف المرفوع (5) @QUR@02 والبحر ~~المسجور (6) @QUR@04 إن عذاب ربك لواقع (7) @QUR@04 ما له من دافع (8) ~~@QUR@04 يوم تمور السماء مورا (9) @QUR@03 وتسير الجبال سيرا (10) @QUR@03 ~~فويل يومئذ للمكذبين (11) @QUR@05 الذين هم في خوض يلعبون (12) @QUR@06 يوم ~~يدعون إلى نار جهنم دعا (13) @QUR@06 هذه النار التي كنتم بها تكذبون (14) ~~@QUR@06 أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون (15) @QUR@012 اصلوها فاصبروا أو لا ~~تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون ) (16) # افتتح الله تعالى هذه السورة الكريمة بالقسم بخمسة أشياء هي من أعظم ~~مخلوقاته ، للدلالة على كمال قدرته ، وبديع صنعته ، وتفرد ألوهيته .. فقال ~~سبحانه : ( @QUR@01 والطور ) والمراد به جبل الطور ، والمشار إليه في قوله ~~تعالى : ( @QUR@04 والتين والزيتون. وطور سينين ). # قال القرطبي : والطور : اسم الجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى. أقسم ~~الله به تشريفا وتكريما له ، وتذكيرا لما فيه من الآيات ... وقيل : إن ~~الطور اسم لكل جبل أنبت ، ومالا ينبت فليس بطور (1). PageV14P037 # ( @QUR@02 وكتاب مسطور ) أى مكتوب متسق الكتابة ، منتظم الحروف ، مرتب ~~المعاني ، فالمراد بالكتاب : المكتوب. وبالمسطور : الذي سطرت حروفه وكلماته ~~تسطيرا جميلا حسنا. # والأظهر أن المقصود به القرآن الكريم ، لأن الله تعالى قد أقسم به كثيرا ~~، ومن ذلك قوله سبحانه ( @QUR@06 حم والكتاب المبين* يس والقرآن الحكيم ). # وقيل : المقصود به : جنس الكتب السماوية المنزلة. وقيل : صحائف الأعمال. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@02 وكتاب مسطور ) أى : مكتوب على وجه ~~الانتظام ، فإن السطر ترتيب الحروف المكتوبة. والمراد به على ما قال الفراء ~~: الكتاب الذي تكتب فيه الأعمال ، ويعطاه العبد يوم القيامة بيمينه أو ~~بشماله ، وقال الكلبي : هو التوراة. وقيل : القرآن الكريم وقيل : اللوح ~~المحفوظ (1). # وقوله : في ( @QUR@02 رق منشور ) متعلق بمسطور. أى : مسطور في رق. والرق ~~بالفتح كل ما يكتب فيه من ألواح وغيرها. وأصله : الجلد الرقيق الذي يكتب عليه. # والمنشور : المبسوط ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@07 ونخرج ms5334 له يوم القيامة ~~كتابا يلقاه منشورا ). # أى : أن هذا الكتاب المسطور ، كائن في صحائف مبسوطة ظاهرة لكل من ينظر إليها. # وقوله : ( @QUR@02 والبيت المعمور ) هو بيت في السماء السابعة تطوف به ~~الملائكة بأمر الله تعالى . # قال ابن كثير : ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في ~~حديث الإسراء والمعراج ، بعد مجاوزته إلى السماء السابعة : «ثم رفع بي إلى ~~البيت المعمور ، وإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألفا من الملائكة» (2). # وقيل المراد بالبيت المعمور هنا : البيت الحرام ، وسمى بذلك لأنه معمور ~~بالحجاج والعمار ، ( @QUR@02 والسقف المرفوع )، أى : والسماء المرفوعة ، ~~وسميت سقفا لكونها بمثابة السقف للأرض كما قال تعالى ( @QUR@08 وجعلنا ~~السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون ). # ( @QUR@02 والبحر المسجور ) أى : المملوء بالماء ، يقال ، سجر فلان الحوض ~~إذا ملأه بالماء. # أو المسجور : بمعنى : المملوء بالنار من السجر ، وهو إيقاد النار في ~~التنور ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@05 ... ثم في النار يسجرون ). PageV14P038 # والمراد بالبحر هنا : جنسه. قال ابن عباس : تملأ البحار كلها يوم القيامة ~~بالنار ، فيزاد بها في نار جهنم. # وبهذا نرى أن الله تعالى قد أقسم بخمسة أشياء من مخلوقاته ، للدلالة على ~~وحدانيته ، وعلى شمول قدرته ، وعلى بديع صنعته. # وجواب هذا القسم قوله سبحانه : ( @QUR@04 إن عذاب ربك لواقع ) أى : وحق ~~هذه المخلوقات الضخمة البديعة ، إن عذاب ربك لواقع وقوعا لا شك فيه على ~~الكافرين يوم القيامة. # وقوله : ( @QUR@04 ما له من دافع ) خبر ثان لإن في قوله : ( @QUR@04 إن ~~عذاب ربك لواقع ) أى : هو واقع دون أن يستطيع أحد أن يدفعه أو يرده. # عن جبير بن مطعم رضى الله عنه قال : قدمت المدينة على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لأكلمه في أسارى بدر ، فجئت إليه وهو يصلى بأصحابه صلاة ~~المغرب ، فسمعته يقرأ ( @QUR@01 والطور ) إلى ( @QUR@08 إن عذاب ربك لواقع ~~، ما له من دافع ) فكأنما صدع قلبي ، فأسلمت خوفا من نزول العذاب وما كنت ~~أظن أن أقوم مقامي ... (1). # والظرف في قوله : ( @QUR@04 يوم تمور السماء مورا ) متعلق بقوله ( ~~@QUR@01 لواقع ) ومنصوب به ، أى : إن هذا العذاب لواقع ms5335 يوم تضطرب السماء ~~اضطرابا شديدا ، وتتحرك بمن فيها تحركا تتداخل معه أجزاؤها. # فالمور. هو الحركة والاضطراب والدوران ، والمجيء والذهاب ، والتموج ~~والتكفؤ ، يقال : مار الشيء مورا ، إذا تحرك واضطرب. # ( @QUR@03 وتسير الجبال سيرا ) أى عذاب ربك واقع يوم تضطرب السماء بأهلها ~~وتزول الجبال عن أماكنها ، وتتطاير كالسحب ، ثم تتفتت كالرمال ، ثم تصير ~~كالصوف المنفوش. # قال تعالى : ( @QUR@014 وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب ، ~~صنع الله الذي أتقن كل شيء ) (2). # وقال سبحانه : ( @QUR@011 يوم تكون السماء كالمهل. وتكون الجبال كالعهن. ~~ولا يسئل حميم حميما ) (3). PageV14P039 # وقوله : ( @QUR@03 فويل يومئذ للمكذبين ) أى : فهلاك وحسرة في هذا اليوم ~~للمكذبين به. # ( @QUR@05 الذين هم في خوض يلعبون ) أى : إذا كان الأمر كما ذكرنا لك ~~أيها العاقل فهلاك وحسرة في هذا اليوم للمكذبين بالحق ، الذين هم عاشوا ~~حياتهم الدنيا يلهون ويلعبون دون أن يذكروا حسابا ولا ثوابا ولا عقابا. # وأصل الخوض : المشي في الماء ، ثم غلب استعماله في الاندفاع في كل باطل. # ثم بين سبحانه حالهم يوم القيامة فقال : ( @QUR@012 يوم يدعون إلى نار ~~جهنم دعا ، هذه النار التي كنتم بها تكذبون ). # والدع : الدفع بعنف وشدة. يقال : دع فلان فلانا دعا ، إذا دفعه بجفوة ~~وغلظة ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@08 أرأيت الذي يكذب بالدين. فذلك الذي ~~يدع اليتيم ). # أى : اذكر أيها العاقل لتعتبر وتتعظ ، يوم يدفع هؤلاء المكذبون إلى النار ~~دفعا قويا. لا رحمة معه ، ولا شفقة فيه ، ثم يقال لهم بعد هذا الطرد الشديد ~~: هذه هي النار التي كنتم بها تكذبون في الدنيا ، ادخلوها فبئس مثوى ~~المتكبرين. # ثم يقال لهم أيضا على سبيل التوبيخ والزجر : ( @QUR@02 أفسحر هذا ) أى ~~أفسحر هذا الذي ترونه من العذاب كما كنتم تزعمونه في الدنيا؟ # ( @QUR@04 أم أنتم لا تبصرون ) أى : أم أنتم عمى عن مشاهدة العذاب المعد ~~لكم فلا تبصرونه؟ لا ، إن هذا العذاب ليس سحرا ، ولستم أنتم بمحجوبين عن ~~رؤيته ، بل هو أمام أعينكم ، ومهيأ لاستقبالكم ، وهذه النار تناديكم ، ~~وملائكتنا تقول لكم : # ( @QUR@01 اصلوها ) أى : ادخلوها ، وقاسوا حرها ( @QUR@04 فاصبروا أو لا ~~تصبروا ) أى : ادخلوها داخرين فاصبروا على سعيرها ms5336 أو لا تصبروا ، فهي ~~مأواكم لا محالة. # ( @QUR@02 سواء عليكم ) الأمران ، الصبر وعدمه ، لأن كليهما لا فائدة لكم ~~من ورائه. # فقوله : ( @QUR@02 سواء عليكم ) خبر لمبتدأ محذوف. أى : الأمران سواء ~~بالنسبة لكم. # ( @QUR@02 إنما تجزون ) في هذا اليوم عاقبة ، ( @QUR@03 ما كنتم تعملون ) ~~أى : في الدنيا. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم علل استواء الصبر وعدمه بقوله : ( ~~@QUR@05 إنما تجزون ما كنتم تعملون )؟ # قلت : لأن الصبر إنما يكون له مزية على الجزع ، لنفعه في العاقبة بأن ~~يجازى عليه الصابر PageV14P040 # جزاء الخير ، فأما الصبر على العذاب الذي هو الجزاء ، ولا عاقبة له ولا ~~منفعة ، فلا مزية له على الجزع (1). # وكعادة القرآن الكريم في المقارنة بين سوء عاقبة المكذبين ، وحسن عاقبة ~~المؤمنين ، جاء الحديث عن المتقين ، بعد الحديث عن الكافرين ، فقال تعالى : # ( @QUR@05 إن المتقين في جنات ونعيم (17) @QUR@08 فاكهين بما آتاهم ربهم ~~ووقاهم ربهم عذاب الجحيم (18) @QUR@06 كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون ~~(19) @QUR@07 متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين (20) @QUR@019 ~~والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من ~~عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين (21) @QUR@05 وأمددناهم بفاكهة ولحم مما ~~يشتهون (22) @QUR@08 يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم (23) ~~@QUR@07 ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون (24) @QUR@05 وأقبل بعضهم ~~على بعض يتساءلون (25) @QUR@07 قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين (26) ~~@QUR@06 فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم (27) @QUR@09 إنا كنا من قبل ~~ندعوه إنه هو البر الرحيم ) (28) # المعنى : ( @QUR@02 إن المتقين ) الذين صانوا أنفسهم عن كل ما نهى الله ~~تعالى عنه. # ( @QUR@02 في جنات ) عظيمة وفي ( @QUR@01 نعيم ) دائم لا ينقطع. ( ~~@QUR@01 فاكهين ) أى : متلذذين متنعمين بما يحيط بهم من خيرات ، مأخوذ من ~~الفكاهة بفتح الفاء وهي طيب العيش مع PageV14P041 # النشاط ، يقال : فكه الرجل فكها ، وفكاهة فهو فكه وفاكه. إذا طاب عيشه ، ~~وزاد سروره ، وعظم نشاطه ، وسميت الفاكهة بهذا الاسم لتلذذ الإنسان بها. # ( @QUR@07 بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم ) أى متلذذين بسبب ما ~~آتاهم ربهم من جنات عظيمة ، ووقاهم سبحانه بفضله ورحمته العذاب الذي ~~يؤلمهم. # ويقال لهم فضلا عن ذلك على سبيل التكريم ms5337 : ( @QUR@03 كلوا واشربوا هنيئا ~~) أى : كلوا أكلا مريئا ، واشربوا شربا هنيئا. والهنيء من المأكول والمشروب ~~: مالا يلحقه تعب أو سوء عاقبة. # وقوله : ( @QUR@04 متكئين على سرر مصفوفة ) منصوب على الحال من فاعل ( ~~@QUR@01 كلوا ) أو من الضمير المستكن في قوله ( @QUR@01 جنات ). # أى : هم في جنات عظيمة ، حالة كونهم متكئين فيها على سرر موضوعة على صفوف ~~منتظمة ، وعلى خطوط مستوية ، والسرر : جمع سرير وهو ما يجلس عليه الإنسان ~~للراحة. # وقوله : ( @QUR@03 وزوجناهم بحور عين ) بيان لنعمة أخرى من النعم التي ~~يتلذذون بها. # أى : وفضلا عن كل ذلك ، فقد زوجناهم بنساء جميلات. # وبذلك نرى أن هؤلاء المتقين ، قد أكرمهم الله تعالى بكل أنواع النعيم ، ~~من مسكن طيب ، ومأكل كريم ، ومشرب هنيء ، وأزواج مطهرات من كل سوء. # ثم بين سبحانه أنواعا أخرى من تكريمه تعالى لهم ، فقال : ( @QUR@014 ~~والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم ، وما ألتناهم من ~~عملهم من شيء ). # والآية الكريمة بيان لحال طائفة من أهل الجنة وهم الذين شاركتهم ذريتهم ~~الأقل عملا منهم في الإيمان إثر بيان حال المتقين بصفة عامة. # والاسم الموصول مبتدأ ، وخبره جملة ( @QUR@03 ألحقنا بهم ذريتهم ). ~~والمراد بالذرية هنا : ما يشمل الآباء والأبناء وقوله : ( @QUR@01 واتبعتهم ~~) معطوف على ( @QUR@01 آمنوا ). وقوله ( @QUR@01 بإيمان ) متعلق بالاتباع ~~، والباء للسببية أو بمعنى في. # ومعنى : ( @QUR@01 ألتناهم ) أنقصناهم. يقال : فلان ألت فلانا حقه يألته ~~من باب ضرب إذا بخسه حقه. # والمعنى : والذين آمنوا بنا حق الإيمان واتبعتهم ذريتهم في هذا الإيمان ، ~~ألحقنا بهم ذريتهم ، بأن جمعناهم معهم في الجنة ، وما نقصنا هؤلاء ~~المتبوعين شيئا من ثواب أعمالهم ، بسبب إلحاق ذريتهم بهم في الدرجة ، بل ~~جمعنا بينهم في الجنة. وساوينا بينهم في العطاء حتى ولو كان PageV14P042 # بعضهم أقل من بعض في الأعمال فضلا منا وكرما. # قال الإمام ابن كثير : يخبر تعالى عن فضله وكرمه ، وامتنانه ولطفه بخلقه ~~وإحسانه : أن المؤمنين إذا اتبعتهم ذرياتهم في الإيمان ، يلحقهم بآبائهم في ~~المنزلة وإن لم يبلغوا عملهم ، لتقر أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم ~~، فيجمع بينهم على أحسن الوجوه ، بأن يرفع الناقص العمل بكامل ms5338 العمل ، ولا ~~ينقص ذاك من عمله ومنزلته. للتساوى بينه وبين ذاك. ولهذا قال : ( @QUR@09 ~~ألحقنا بهم ذريتهم ، وما ألتناهم من عملهم من شيء ). # عن ابن عباس قال : إن الله ليرفع ذرية المؤمن في درجته ، وإن كانوا دونه ~~في العمل ، لتقر بهم عينه ، ثم قرأ هذه الآية. # وفي رواية أخرى عنه قال عند ما سئل عن هذه الآية : هم ذرية المؤمنين ~~يموتون على الإيمان ، فإن كانت منازل آبائهم أرفع من منازلهم ألحقوا ~~بآبائهم ، ولم ينقصوا من أعمالهم التي عملوها شيئا (1). # وقال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى تنكير الإيمان؟ قلت : معناه ~~الدلالة على أنه إيمان خاص عظيم المنزلة ، ويجوز أن يراد : إيمان الذرية ~~الداني المحل ، كأنه قال : بشيء من الإيمان ، لا يؤهلهم لدرجة الآباء ~~ألحقناهم بهم (2). # قال الجمل : والذرية هنا تصدق على الآباء والأبناء ، فإن المؤمن إذا كان ~~عمله الصالح أكثر ألحق به من هو دونه في العمل أبا كان أو ابنا ، وهذا ~~منقول عن ابن عباس وغيره. # وعن ابن عباس أيضا يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : «إذا دخل أهل ~~الجنة الجنة ، سأل أحدهم عن أبويه وعن زوجته وولده ، فيقال : إنهم لم ~~يدركوا ما أدركت ، فيقول : يا رب إنى عملت لي ولهم ، فيؤمر بإلحاقهم به» (3). # وقوله : ( @QUR@05 كل امرئ بما كسب رهين ) أى : كل إنسان مرهون بعمله عند ~~الله تعالى فإن كان عمله صالحا سعد وفاز ، وأطلق نفسه من كل ما يسوؤها ~~ويحزنها ، وإن كان غير ذلك جوزي على حسب عمله وسعيه. # والتعبير بقوله ( @QUR@01 رهين ) للإشعار بأن كل إنسان مرتهن بعمله ، حتى ~~لكأن العمل بمنزلة الدين ، وأن الإنسان لا يستطيع الفكاك منه إلا بعد أدائه. PageV14P043 # ثم بين سبحانه جانبا آخر من مظاهر فضله على عباده المؤمنين فقال : ( ~~@QUR@05 وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون ). أى : وأمددنا هؤلاء المؤمنين ~~على سبيل الزيادة عما عندهم بفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة وبلحم لذيذ ~~تشتهيه نفوسهم. # ( @QUR@03 يتنازعون فيها كأسا ) أى : يتجاذبون على سبيل المداعبة ، ~~ويتعاطون على سبيل التكريم ، الأوانى المملوءة بالخمر التي هي لذة ~~للشاربين. ms5339 # ( @QUR@05 لا لغو فيها ولا تأثيم ) أى : لا يصدر منهم في أعقاب شربهم ~~لتلك الخمر ، ما جرت به العادة في أعقاب شرب خمر الدنيا ، من أن الشارب لها ~~يصدر منه كلام ساقط لا خير فيه ، ويأتى من الأقوال والأفعال ما يعاقب عليه. ~~ويرتكب الإثم بسببه. # قال صاحب الكشاف : ( @QUR@03 لا لغو فيها ) أى : في شربها ( @QUR@02 ولا ~~تأثيم ) أى : لا يتكلمون في أثناء الشرب بسقط الحديث ، وما لا طائل تحته ، ~~كفعل المتنادمين في الدنيا على الشراب في سفههم وعربدتهم ، ولا يفعلون ما ~~يؤثم به فاعله ، أى : ينسب إلى الإثم لو فعله في دار التكليف من الكذب ~~والشتم والفواحش ، وإنما يتكلمون بالحكم وبالكلام الحسن متلذذين بذلك ، لأن ~~عقولهم ثابتة غير زائلة وهم حكماء علماء (1). # ( @QUR@04 ويطوف عليهم غلمان لهم ) أى : ويطوف عليهم بتلك الكئوس المليئة ~~بالخمر ، غلمان لهم ، لكي يكونوا في خدمتهم. # ( @QUR@03 كأنهم لؤلؤ مكنون ) أى : كأن هؤلاء الغلمان في صفائهم ونقائهم ~~، لؤلؤ مصون ومحفوظ في صدفه لم تنله الأيدى. # يقال : كننت الشيء كنا وكنونا ، إذا جعلته في كن ، وسترته عن الأعين. # ثم حكى سبحانه تساؤلهم وهم في الجنة ، فقال : ( @QUR@05 وأقبل بعضهم على ~~بعض يتساءلون ) أى : وأقبل بعضهم على بعض وهم في الجنة ، يسأل أحدهم الآخر ~~عن أحواله وعن أعماله ، وعن حسن عاقبته. # ( @QUR@01 قالوا ) أى : قال كل مسئول لسائله : ( @QUR@06 إنا كنا قبل في ~~أهلنا مشفقين ) أى : إنا كنا في الدنيا ونحن نعيش بين أهلنا خائفين من ~~أهوال يوم القيامة ، وكنا نقدم العمل الصالح الذي نرجو أن ننال بسببه رضا ~~ربنا : فقبل تعالى بفضله منا هذا العمل ( @QUR@03 فمن الله علينا ) أى ~~فتكرم علينا بمغفرته ورضوانه. PageV14P044 # ( @QUR@03 ووقانا عذاب السموم ) اى : وانقدنا من عذاب النار التي تنفذ ~~بحرها وسعيرها ، إلى العظام والمسام ، نفاذ الريح الحارة إلى الأجساد ، ~~فتؤثر فيها تأثير السم في البدن. # قال صاحب الكشاف : والسموم : الريح الحارة التي تدخل المسام ، فسميت بها ~~نار جهنم ، لأنها بهذه الصفة. # ( @QUR@05 إنا كنا من قبل ندعوه .. ) أى : إنا كنا من قبل في الدنيا ~~ندعوه أن يجنبنا هذا العذاب. كما كنا ms5340 أيضا نخلص له العبادة والطاعة. # ( @QUR@01 إنه ) سبحانه ( @QUR@03 هو البر الرحيم ) أى : هو المحسن على ~~عباده ، الرحيم بهم. # فالبر بفتح الباء مشتق من البر بكسرها ، بمعنى المحسن ، يقال : بر فلان ~~في يمينه ، إذا صدق فيها ، وأحسن أداءها. # وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة ، قد بشرت المتقين ببشارات متعددة ، وذكرت ~~نعما متعددة أنعم بها سبحانه عليهم. # ثم عادت السورة الكريمة مرة أخرى إلى الحديث عن الكافرين ، فأمرت النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يمضى في طريقه دون أن يهتم بأكاذيبهم ، وحكت جانبا من ~~هذه الأكاذيب التي قالوها في حقه صلى الله عليه وسلم ولقنته الجواب المزهق لها ~~.. فقال تعالى : # ( @QUR@08 فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون (29) @QUR@07 أم ~~يقولون شاعر نتربص به ريب المنون (30) @QUR@06 قل تربصوا فإني معكم من ~~المتربصين (31) @QUR@08 أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون (32) ~~@QUR@06 أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون (33) @QUR@06 فليأتوا بحديث مثله إن ~~كانوا صادقين (34) @QUR@08 أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون (35) ~~@QUR@07 أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون (36) @QUR@03 أم عندهم خزائن PageV14P045 # @QUR@04 ربك أم هم المصيطرون (37) @QUR@09 أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت ~~مستمعهم بسلطان مبين (38) @QUR@05 أم له البنات ولكم البنون (39) @QUR@07 ~~أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (40) @QUR@05 أم عندهم الغيب فهم يكتبون ~~(41) @QUR@07 أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون (42) @QUR@09 أم لهم ~~إله غير الله سبحان الله عما يشركون (43) @QUR@09 وإن يروا كسفا من السماء ~~ساقطا يقولوا سحاب مركوم ) (44) # والفاء في قوله سبحانه : ( @QUR@08 فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا ~~مجنون ) للإفصاح. والكاهن : هو الإنسان الذي يزعم أنه يخبر عن الأشياء ~~المغيبة ، والمجنون : هو الإنسان الذي سلب عقله ، فصار لا يعي ما يقول. # أى : إذا كان الأمر كما ذكرنا لك قبل ذلك أيها الرسول الكريم فاثبت على ~~ما أنت عليه من التذكير بما أوحينا إليك .. فما أنت بسبب إنعام الله عليك ~~بكاهن ولا مجنون كما يزعم أولئك الكافرون. # قال الجمل : والباء في قوله ( @QUR@02 بنعمة ربك ) للسببية ، وهي متعلقة ~~بالنفي الذي أفادته «ما» أى : انتفى كونك كاهنا أو مجنونا ، بسبب ms5341 إنعام ~~الله عليك بالعقل الراجح ، وعلو الهمة ، وكرم الفعال ، وطهارة الأخلاق ، ~~وهم معترفون بذلك لك قبل النبوة (1). # ثم أخذت السورة الكريمة في تقريع هؤلاء الجاهلين بأسلوب استنكارى فيه ما ~~فيه من التعجب من جهالاتهم. وفيه ما فيه من الرد الحكيم على أكاذيبهم ، ~~فساقت أقاويلهم بهذا الأسلوب الذي تكرر فيه لفظ «أم» خمس عشرة مرة ، وكلها ~~إلزامات ليس لهم عنها جواب. وبدأت بقوله تعالى : ( @QUR@013 أم يقولون شاعر ~~نتربص به ريب المنون. قل تربصوا فإني معكم من المتربصين )، و «أم» في هذه ~~الآيات بمعنى بل والهمزة. # وقوله : ( @QUR@01 نتربص ) من التربص بمعنى الانتظار والترقب. # وقوله : ( @QUR@02 ريب المنون ) يعنون به : حوادث الدهر التي تحدث له ~~صلى الله عليه وسلم منها PageV14P046 # الموت. فالمنون : الدهر ، وريبه : حوادثه التي يصيبه بسببها الهلاك. # أى : بل أيقولون عنك أيها الرسول الكريم إنك شاعر ، وأنهم يترقبون موتك ~~لكي يستريحوا منك. كما استراحوا من الشعراء الذين من قبلك ، كزهير والنابغة ~~.. قل لهم على سبيل التبكيت والتهديد : تربصوا وترقبوا موتى فإنى معكم من ~~المنتظرين ، وستعلمون أينا خير مقاما وأحسن عاقبة. # قال الآلوسى : ( @QUR@04 نتربص به ريب المنون ) أى : الدهر ، وهو فعول من ~~المن بمعنى القطع ؛ لأنه يقطع الأعمال وغيرها ، ومنه حبل منين أى : مقطوع ، ~~والريب : مصدر رابه إذا أقلقه ، أريد به حوادث الدهر وصروفه ، لأنها تقلق ~~النفوس ، وعبر عنها بالمصدر مبالغة ... وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس ، ~~تفسيره المنون بالموت. # روى أن قريشا اجتمعت في دار الندوة ، وكثرت آراؤهم فيه صلى الله عليه وسلم ~~حتى قال قائل منهم : تربصوا به ريب المنون ، فإنه شاعر سيهلك كما هلك زهير ~~والنابغة والأعشى ، فافترقوا على هذه المقالة (1). # ثم وبخهم سبحانه على غفلتهم وعنادهم فقال : ( @QUR@08 أم تأمرهم أحلامهم ~~بهذا ، أم هم قوم طاغون ). # والأحلام : جمع حلم بكسر الحاء والمراد بها هنا : العقول. وكان شيوخ قريش ~~يدعون بذي الأحلام والنهى. # ويطلق الحلم في الأصل على ضبط النفس عن هيجان الغضب. وأطلق هنا على العقل ~~لكونه منشأ له. # أى : بل أتأمرهم عقولهم التي زعموا سلامتها ، بأن يقولوا في ms5342 شأنك أيها ~~الرسول الكريم إنك شاعر أم مجنون؟ # لا ، إن أى عقل سليم لم يأمرهم بذلك ، وإنما هم قوم دأبهم الطغيان ~~والعناد وتجاوز الحدود التي لا يجوز تجاوزها. # والعقول إذا استعملت في الشرور والآثام ، ضاع رشدها ، وفقدت سلامتها. # ولقد قيل لعمرو بن العاص. رضى الله عنه : ما بال قومك لم يؤمنوا وهم ~~أصحاب الأحلام؟ فقال : تلك عقول كادها الله تعالى أى : لم يصحبها التوفيق ~~والرشاد. PageV14P047 # ( @QUR@012 أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون. فليأتوا بحديث مثله إن كانوا ~~صادقين ) والتقول : تكلف القول واختلاقه. وأكثر ما يكون استعمالا في الكذب ~~، يقال : فلان تقول على فلان ، إذا افترى عليه الكذب. أى : بل أيقولون عنك ~~أيها الرسول إنك افتريت هذا القرآن ، واختلقته من عند نفسك ، لا إنك معصوم ~~عن ذلك ، وأنت ما نطقت إلا بما أوحيناه إليك ، ولكنهم هم المفترون للكذب ~~عليك ، وما حملهم على ذلك إلا عدم إيمانهم بالحق ، وانغماسهم في الباطل ، ~~وإصرارهم على الجحود. # وإذا كان الأمر كما زعموا فها هو ذا القرآن أمامهم يسمعون آياته ... ~~فليأتوا بحديث يشابه القرآن في بلاغته. وهدايته ، وسمو تشريعاته وآدابه. # وقد تحداهم سبحانه في آيات أخرى أن يأتوا بعشر سور من مثله فقال : ( ~~@QUR@018 أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ، وادعوا من ~~استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ) (1). # ثم تحداهم سبحانه أن يأتوا بسورة واحدة من مثله فقال : ( @QUR@020 وإن ~~كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ، وادعوا شهداءكم من ~~دون الله إن كنتم صادقين ) (2). # ولكنهم في جميع مراحل التحدي ، وقفوا عاجزين مبهوتين ، فثبت أن هذا ~~القرآن من عند الله ، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. # ثم وبخهم سبحانه على عدم تفكرهم في خلق أنفسهم فقال : ( @QUR@015 أم ~~خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون. أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون ). # أى : بل أخلقوا على هذه الكيفية البديعة ، والهيئة القويمة ، من غير أن ~~يكون هناك خالق لهم؟ أم هم الذين خلقوا أنفسهم بدون احتياج لخالق؟ أم هم ms5343 ~~الذين قاموا بخلق السموات والأرض؟ # لا ، إن شيئا من ذلك لم يحدث ، فإنهم لم يخلقوا من غير شيء ، وإنما الذي ~~خلقهم بقدرته تعالى هو الله وحده ، كما خلق سبحانه السموات والأرض بقدرته ~~أيضا وهم يعترفون بذلك ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@06 ولئن سألتهم من ~~خلقهم ليقولن الله ... ). ( @QUR@08 ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله ... ). PageV14P048 # وقوله : ( @QUR@03 بل لا يوقنون ) أى : هم ليسوا على يقين من أمرهم ، ~~وإنما هم يخبطون خبط عشواء ، فهم مع اعترافهم بأن الله تعالى هو الذي خلقهم ~~، إلا أن هذا الاعتراف صار كالعدم ، لأنهم لم يعملوا بموجبه ، من إخلاص ~~العبادة له تعالى والإيمان بالحق الذي جاءهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من عند خالقهم. # ثم قال تعالى : ( @QUR@07 أم عندهم خزائن ربك أم هم المصيطرون ) أى : بل ~~أعند هؤلاء الغافلين ( @QUR@02 خزائن ربك ) أى : مفاتيح أرزاقه تعالى ~~لعباده ، ومقدراته لهم ، حتى يقسموها عليهم كما شاءوا ، أم هم المصيطرون ~~على أحوال هذا الكون ، المتسلطون على مقدراته ، حتى لكأنهم أربابه ~~المتغلبون عليه؟. # كلا لا شيء لهم من ذلك إطلاقا ، وإنما هم وغيرهم فقراء إلى رزق الله ~~تعالى لهم ( @QUR@05 أم لهم سلم يستمعون فيه ... ) والسلم : هو ما يتوصل به ~~إلى الأمكنة العالية. # أى : بل ألهم سلم يصعدون بواسطته إلى السماء ، ليستمعوا إلى وحينا وأمرنا ~~ونهينا .. # إن كان أمرهم كذلك : ( @QUR@04 فليأت مستمعهم بسلطان مبين ) أى : فليأت ~~من استمع منهم إلى شيء من كلامنا أو وحينا بحجة واضحة تدل على صدقه فيما ادعاه. # ومما لا شك فيه أنهم لا حجة لهم ، بل هم كاذبون إذا ما ادعوا ذلك ، لأن ~~وحى الله تعالى خاص بأناس معينين ، ليسوا منهم قطعا. # ( @QUR@05 أم له البنات ولكم البنون ) أى : بل أيقولون إن لله تعالى ~~البنات ولهم الذكور ، إن قولهم هذا من أكبر الأدلة على جهلهم وسوء أدبهم. ~~لأن الله تعالى هو الخالق للنوعين ، وهو سبحانه ( @QUR@08 يهب لمن يشاء ~~إناثا ويهب لمن يشاء الذكور ). # ( @QUR@07 أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون ) أى : بل أتسألهم أجرا على ~~دعوتك إياهم إلى ms5344 الحق ، فهم بسبب ذلك قد أثقلتهم الديون والمغارم ، فصاروا ~~ينفرون من دعوتك؟ كلا إنك لم تطلب منهم شيئا من ذلك. # والمغرم : الدين الذي يكون على الإنسان ، فيثقل كاهله ، ويحزن نفسه. # ( @QUR@05 أم عندهم الغيب فهم يكتبون ) أى : بل أيزعمون أن عندهم علم ~~الغيب فهم يكتبونه للناس ، ويطلعونهم عليه ..؟. # كلا إنهم لا علم لهم بشيء من الغيب ، لأن علم الغيب مرده إلى الله تعالى ~~وحده ، كما PageV14P049 # قال سبحانه : ( @QUR@012 عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا. إلا من ~~ارتضى من رسول ... ) (1). # ( @QUR@07 أم يريدون كيدا ، فالذين كفروا هم المكيدون ) أى : بل أيريدون ~~بك أيها الرسول الكريم الكيد والأذى والهلاك ، إن كانوا يريدون بك ذلك ~~فاعلم أن الذين كفروا بك وبدعوتك وأرادوا بك وبها الكيد والأذى ، هم ~~المغلوبون الخاسرون الذين يحيق بهم كيدهم ويعود عليهم وباله. # فقوله : ( @QUR@01 المكيدون ) اسم مفعول من الكيد ، وهو المكر والخبث ... # وقد عاد عليهم وبال مكرهم فعلا ، فقد خرج صلى الله عليه وسلم من بين جموعهم ~~ليلة الهجرة ، دون أن يروه ، وكانوا محيطين بداره ليقتلوه ، وأحبط الله ~~تعالى مكرهم. # ( @QUR@09 أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون ) أى : بل ألهم إله ~~غير الله تعالى يرزقهم من فضله ، ويرعاهم بلطفه في جميع أطوار حياتهم. # كلا إنهم لا إله لهم سواه تعالى وتنزه سبحانه عن شركهم وكفرهم. # ( @QUR@09 وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم ) والكسف جمع ~~كسفة وهي القطعة من الشيء ، والمركوم : المتراكم الذي تجمع بعضه فوق بعض. # أى : وإذا رأى هؤلاء الجاهلون قطعة عظيمة من العذاب نازلة عليهم لتهديدهم ~~وزجرهم. قالوا : هذا النازل علينا سحاب متراكم ، قد اجتمع بعضه فوق بعض ~~ليسقينا ، ولم يصدقوا أنه نذير عذاب شديد لهم. وهذا شأن الطغاة المعاندين ، ~~وقد سبقهم إلى ذلك قوم عاد ، فإنهم حين رأوا العذاب مقبلا نحوهم قالوا ( ~~@QUR@03 هذا عارض ممطرنا ) فرد الله تعالى عليهم بقوله ( @QUR@09 بل هو ما ~~استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم ). # هذا : والمتأمل في هذه الآيات الكريمة : يراها قد حملت على المشركين حملة ~~شديدة ، حيث وبختهم على ms5345 جهالاتهم ، وتحدتهم بأسلوب تعجيزى أن يأتوا بمثل ~~القرآن الكريم ، وتهكمت بهم وبعقولهم الفارغة التي انقادوا لها بدون تفكر ~~أو تدبر ، وبينت أنهم قوم متناقضون مع أنفسهم ، لأنهم يقرون أن الله تعالى ~~هو الخالق لهم ولغيرهم ، ومع ذلك فهم يعبدون غيره. وينسبون البنات إليه دون ~~البنين ... # وقد ذكر بعض المفسرين أن ما أصابهم من هزيمة يوم بدر ، كان في السنة ~~الخامسة عشرة من PageV14P050 # بعثته صلى الله عليه وسلم وأن هذه الآيات قد تكرر فيها لفظ «أم» خمس عشرة ~~مرة ، بعدد هذه السنين ، ولذا قالوا : إن ذلك فيه إشارة إلى إعجاز القرآن ~~الكريم. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة. بتوجيه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~، على سبيل التسلية والتكريم ، حيث أمره سبحانه بالإعراض عنهم ، لأنه ~~سبحانه هو الذي سيتولى حسابهم وعقابهم .. فقال تعالى : # ( @QUR@07 فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون (45) @QUR@09 يوم لا ~~يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون (46) @QUR@010 وإن للذين ظلموا عذابا ~~دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون (47) @QUR@010 واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ~~وسبح بحمد ربك حين تقوم (48) @QUR@05 ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم ) (49) # والفاء في قوله سبحانه : ( @QUR@01 فذرهم ... ) واقعة في جواب شرط مقدر. ~~أى : إذا كان حال هؤلاء المشركين كما ذكرنا لك أيها الرسول الكريم فاتركهم ~~في طغيانهم يعمهون .. # ( @QUR@06 حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون ) أى : فدعهم يخوضوا ويلعبوا ~~حتى يأتيهم اليوم الذي فيه يموتون ويهلكون. # قال القرطبي : قوله ( @QUR@01 يصعقون ) بفتح الياء قراءة العامة. وقرأ ~~ابن عامر وعاصم بضمها. قال الفراء : هما لغتان : صعق وصعق مثل سعد وسعد. ~~قال قتادة : يوم يموتون. وقيل : هو يوم بدر ، وقيل : يوم النفخة الأولى. ~~وقيل : يوم القيامة يأتيهم فيه من العذاب ما يزيل عقولهم ... (1). # وقوله : ( @QUR@06 يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ... ) بدل من قوله : ( ~~@QUR@01 يومهم ). أى : اتركهم أيها الرسول الكريم ولا تكترث بهم. وامض في ~~دعوتك إلى الحق ، فعما قريب سيأتيهم اليوم الذي لن ينفعهم فيه مكرهم السيئ ~~، وكيدهم القبيح .. # ( @QUR@03 ولا هم ينصرون ) فيه من عقابنا من أى جهة من الجهات ، أو من أى ms5346 ~~شخص من الأشخاص. PageV14P051 # ( @QUR@03 وإن للذين ظلموا ) وهم هؤلاء الكافرون ( @QUR@03 عذابا دون ذلك ~~) أى : عذابا آخر دون ذلك العذاب الذي سينزل بهم عند موتهم وفي حياتهم ... # ( @QUR@04 ولكن أكثرهم لا يعلمون ) لا يعلمون ذلك ، لجهلهم بما سينتظرهم ~~من عقاب. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة ، بتلك التسلية الرقيقة لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم فقال : ( @QUR@05 واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ... ). # أى : واصبر أيها الرسول الكريم ( @QUR@02 لحكم ربك ) إلى أن ننزل بهم ~~عقابنا في الوقت الذي نشاؤه ونختاره ( @QUR@02 فإنك بأعيننا ) أى : فإنك ~~بمرأى منا وتحت رعايتنا وحمايتنا وحفظنا ... # ( @QUR@05 وسبح بحمد ربك حين تقوم ) أى : وأكثر من تسبيح ربك وتنزيهه عن ~~كل مالا يليق به حين تقوم من منامك ، أو من مجلسك ، أو حين تقوم للصلاة .. # ( @QUR@03 ومن الليل فسبحه ) أى : ومن الليل فأكثر من تسبيح ربك ( ~~@QUR@02 وإدبار النجوم ) أى : وأكثر من تسبيحه تعالى وقت إدبار النجوم ~~وغروبها ، وذلك في أواخر الليل. # وبذلك ترى أن الله تعالى قد أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالإكثار من ~~التسبيح له عز وجل في كل الأوقات ، لأن هذا التسبيح يجلو عن النفس همومها ~~وأحزانها .. # وبعد : فهذا تفسير لسورة «الطور» نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه ، ~~ونافعا لعباده ... # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # القاهرة مدينة نصر # مساء الثلاثاء 16 جمادى الأولى 1406 ه # 25 / 2 / 1986 # م كتبة الراجي عفو ربه # د. محمد سيد طنطاوى PageV14P052 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة النجم PageV14P053 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «النجم» من السور المكية الخالصة ، وعدد آياتها ثنتان وستون آية ~~في المصحف الكوفي ، وإحدى وستون في غيره ، وكان نزولها بعد سورة «الإخلاص» ~~، فهي تعتبر من أوائل ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم من قرآن ، إذ لم ~~يسبقها في النزول سوى اثنتين وعشرين سورة ، أما ترتيبها في المصحف ، فهي ~~السورة الثالثة والخمسون. # 2 ويبدو أنها سميت بهذا الاسم منذ عهد النبوة .. # قال الآلوسى : سورة «والنجم». وتسمى أيضا سورة النجم بدون واو . وهي مكية ~~على الإطلاق. وفي الإتقان : استثنى منها ms5347 : الذين يجتنبون كبائر الإثم ... ~~إلى آخر الآية ... وهي كما أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال : أول سورة ~~أعلن النبي صلى الله عليه وسلم بقراءتها ، فقرأها في الحرم والمشركون يسمعون. # وأخرج البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، عنه قال : أول سورة ~~أنزلت فيها سجدة سورة «والنجم» ، فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد ~~الناس كلهم إلا رجلا رأيته يأخذ كفا من تراب فسجد عليه ، فرأيته بعد ذلك ~~قتل كافرا ، وهو أمية بن خلف .. # وذكر أبو حيان أن سبب نزولها ، قول المشركين : إن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~يختلق القرآن .. (1). # 3 وقد افتتحت السورة الكريمة بقسم منه سبحانه بالنجم ، على صدق النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه ، ثم وصف سبحانه جبريل عليه السلام وهو ~~أمين الوحى ، بصفات تدل على قوته وشدته ، وعلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ~~رآه على هيئته التي خلقه الله عليها. # قال تعالى : ( @QUR@034 والنجم إذا هوى. ما ضل صاحبكم وما غوى. وما ينطق ~~عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى. علمه شديد القوى. ذو مرة فاستوى. وهو بالأفق ~~الأعلى. ثم دنا فتدلى. فكان قاب قوسين أو أدنى ). PageV14P055 # 4 ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن الآلهة المزعومة فبينت ~~أن هذه الآلهة إنما هي أسماء أطلقها الجاهلون عليها ، دون أن يكون لها أدنى ~~نصيب من الصحة ، وأن العبادة إنما تكون لله وحده. # قال سبحانه : ( @QUR@027 أفرأيتم اللات والعزى. ومناة الثالثة الأخرى. ~~ألكم الذكر وله الأنثى. تلك إذا قسمة ضيزى. إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم ~~وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ). # 5 ثم أرشد الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم إلى الطريق الحكيم الذي يجب ~~عليه أن يسلكه في دعوته ، وسلاه عما لحقه من المشركين من أذى ، فقال سبحانه ~~: ( @QUR@027 فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ، ذلك ~~مبلغهم من العلم ، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى ). # 6 وبعد أن ساق سبحانه ms5348 جانبا من مظاهر رحمته بعباده ( @QUR@07 الذين ~~يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) أتبع ذلك ببيان مظاهر عدله في ~~خلقه ، وقدرته على كل شيء ، وساق ما يشهد لذلك من أخبار الغابرين المكذبين ~~الذين لا يخفى حالهم على المشركين المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم ، وأنذر ~~هؤلاء المشركين بسوء المصير ، إذا لم يعودوا إلى الحق ، ويكفوا عن جحودهم ~~وعنادهم .. # قال تعالى : ( @QUR@025 هذا نذير من النذر الأولى. أزفت الآزفة. ليس لها ~~من دون الله كاشفة. أفمن هذا الحديث تعجبون. وتضحكون ولا تبكون. وأنتم ~~سامدون. فاسجدوا لله واعبدوا ). # 7 هذا ، والمتأمل في هذه السورة الكريمة يراها بجانب إقامتها الأدلة ~~الساطعة على وحدانية الله تعالى وعلى صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه ~~عن ربه يراها بجانب ذلك قد ساقت ما ساقت من براهين واضحة ، ومن توجيهات ~~حكيمة .. بأسلوب بليغ أخاذ ، له لفظه المنتقى ، ومعناه السديد ، وتراكيبه ~~الموزونة وزنا بديعا ... مما يشهد بأن هذا القرآن من عند الله ، ولو كان من ~~عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. # نسأل الله تعالى أن يجعل القرآن ربيع حياتنا ، وأنس نفوسنا ، وصلى الله ~~على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # دولة قطر الدوحة # مساء السبت 20 جمادى الآخرة 1406 ه # 1 / 3 / 1986 م # د. محمد سيد طنطاوى PageV14P056 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@03 والنجم إذا هوى (1) @QUR@05 ما ضل صاحبكم وما غوى (2) @QUR@04 ~~وما ينطق عن الهوى (3) @QUR@05 إن هو إلا وحي يوحى (4) @QUR@03 علمه شديد ~~القوى (5) @QUR@03 ذو مرة فاستوى (6) @QUR@03 وهو بالأفق الأعلى (7) ~~@QUR@03 ثم دنا فتدلى (8) @QUR@05 فكان قاب قوسين أو أدنى (9) @QUR@05 ~~فأوحى إلى عبده ما أوحى (10) @QUR@05 ما كذب الفؤاد ما رأى (11) @QUR@04 ~~أفتمارونه على ما يرى (12) @QUR@04 ولقد رآه نزلة أخرى (13) @QUR@03 عند ~~سدرة المنتهى (14) @QUR@03 عندها جنة المأوى (15) @QUR@05 إذ يغشى السدرة ~~ما يغشى (16) @QUR@05 ما زاغ البصر وما طغى (17) @QUR@06 لقد رأى من آيات ~~ربه الكبرى ) (18) # افتتح الله تعالى هذه السورة بهذا القسم العظيم ، للدلالة على صدق رسوله ~~صلى الله عليه وسلم وللرد على أولئك المشركين الجاهلين ، الذين زعموا أن النبي ~~صلى الله ms5349 عليه وسلم قد اختلق القرآن الكريم. # والنجم : هو الكوكب الذي يبدو للناظرين ، لامعا في جو السماء ليلا. # والمراد به هنا : جنسه ، أى : ما يشمل كل نجم بازغ في السماء ، فأل فيه للجنس. # وقيل : أل فيه للعهد والمراد به نجم مخصوص هو : الشعرى ، وهو نجم كان ~~معروفا عند العرب. وقد جاء الحديث عنه في آخر السورة ، في قوله تعالى : ( ~~@QUR@04 وأنه هو رب الشعرى ). قالوا : وكانت قبيلة خزاعة تعبده. PageV14P057 # وقيل المراد به : الثريا ، فإنه من النجوم المشهورة عند العرب ... # وقيل : المراد به هنا : المقدار النازل من القرآن على النبي ~~صلى الله عليه وسلم وجمعه نجوم ، وقد فسره بعضهم بذلك في قوله تعالى : ( ~~@QUR@04 فلا أقسم بمواقع النجوم ). # ومعنى «هوى» : سقط وغرب. يقال هوى الشيء يهوى بكسر الواو هويا بضم الهاء ~~وفتحها إذا سقط من أعلى إلى أسفل .. # قال الآلوسى : وأظهر الأقوال ، القول بأن المراد بالنجم ، جنس النجم ~~المعروف ، فإن أصله اسم جنس لكل كوكب. وعلى القول بالتعيين ، فالأظهر القول ~~بأنه الثريا ووراء هذين القولين ، القول بأن المراد به : المقدار النازل من ~~القرآن .. (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 ما ضل صاحبكم وما غوى ، وما ينطق عن الهوى ). ~~جواب القسم. و «ما» نافية. و «ضل» من الضلال ، والمراد به هنا : عدم الاهتداء ~~إلى الحق ، وإلى الطريق المستقيم. # و «غوى» من الغي ، وهو الجهل الناشئ من اعتقاد فاسد ، وهو ضد الرشد .. # و «الهوى» الميل مع شهوات النفس ، دون التقيد بما يقتضيه الحق ، أو العقل ~~السليم. # والمعنى : وحق النجم الذي ترونه بأعينكم أيها المشركون عند غروبه وأفوله ~~، وعند رجمنا به للشياطين .. إن محمدا صلى الله عليه وسلم الذي أرسلناه إليكم ~~( @QUR@03 شاهدا ومبشرا ونذيرا )، ما ضل عن طريق الحق في أقواله وأفعاله ، ~~وما كان رأيه مجانبا للصواب في أمر من الأمور ، وما ينطق بنطق صادر عن هوى ~~نفسه ورأيه ، وإنما ينطق بما نوحيه إليه من قرآن كريم ، ومن قول حكيم ، ومن ~~توجيه سديد. # وقد أقسم سبحانه بالنجم عند غروبه ، للإشعار بأن هذا المخلوق العظيم مسخر ~~لإرادة الله تعالى وقدرته فهو مع ms5350 لمعانه وظهوره في السماء لا يتأبى عن ~~الغروب والأفول ، إذا ما أراد الله تعالى له ذلك ، ولا يصلح أن يكون إلها ، ~~لأنه خاضع لإرادة خالقه. # ولقد حكى سبحانه عن نبيه إبراهيم أنه حين ( @QUR@014 جن عليه الليل رأى ~~كوكبا قال هذا ربي ، فلما أفل قال لا أحب الآفلين ). # قال بعض العلماء : والوجه أن يكون قوله : ( @QUR@02 إذا هوى ) بدل اشتمال ~~من النجم ، لأن المراد من النجم أحواله الدالة على قدرة خالقه ومصرفه ، ومن ~~أعظم أحواله حال هويه PageV14P058 # وسقوطه ، ويكون «إذا» اسم زمان مجردا عن معنى الظرفية ، في محل جر بحرف ~~القسم .. (1). # وقال سبحانه : ( @QUR@01 صاحبكم ) للإشارة إلى ملازمته صلى الله عليه وسلم ~~لهم ، طوال أربعين سنة قبل البعثة ، وأنهم في تلك المدة الطويلة لم يشاهدوا ~~منه إلا الصدق ، والأمانة ، والعقل الراجح ، والقول السديد .. وأنهم لم يخف ~~عليهم حاله بل كانوا مصاحبين له ، ومطلعين على سلوكه بينهم ، فقولهم بعد ~~بعثته صلى الله عليه وسلم إنه ساحر أو مجنون .. هو نوع من كذبهم البين ، ~~وجهلهم المطبق .. # وقوله : ( @QUR@05 إن هو إلا وحي يوحى ) استئناف بيانى مؤكد لما قبله. # والضمير «هو» يعود إلى المنطوق به ، المفهوم من قوله تعالى : ( @QUR@04 ~~وما ينطق عن الهوى ). أى : إن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يصدر نطقه فيما ~~يأتيكم به عن هوى نفسه ورأيه ، وإنما الذي ينطق به ، هو وحى من الله تعالى ~~أوحاه إليه على سبيل الحقيقة التي لا يحوم حولها شك أو ريب. # ومتعلق «يوحى» محذوف للعلم به. أى : ما هذا الذي ينطق به إلا وحى أوحاه ~~سبحانه إلى نبيكم صلى الله عليه وسلم . # قال الإمام ابن كثير : قوله : ( @QUR@05 إن هو إلا وحي يوحى ) أى : إنما ~~يقول ما أمر بتبليغه إلى الناس كاملا موفورا من غير زيادة ولا نقصان ... ~~فعن عبد الله بن عمرو قال : كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أريد حفظه. فنهتنى قريش فقالوا : إنك تكتب كل شيء تسمعه من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه ms5351 وسلم بشر يتكلم في الغضب ~~، فأمسكت عن الكتابة ، فذكرت ذلك له ، فقال : «اكتب فو الذي نفسي بيده ، ما ~~خرج منى إلا الحق». # وعن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لا أقول إلا حقا» ~~فقال بعض أصحابه : فإنك تداعبنا يا رسول الله؟ قال : «إنى لا أقول إلا حقا» (2). # وقال صاحب الكشاف : ويحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء ، ~~ويجاب بأن الله تعالى إذا سوغ لهم الاجتهاد ، كان الاجتهاد وما يستند إليه ~~كله وحيا لا نطقا عن الهوى (3). PageV14P059 # ثم بين سبحانه بعد ذلك جانبا من صفات جبريل عليه السلام الذي ينزل بالقرآن ~~على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( @QUR@03 علمه شديد القوى ). # أى : علم النبى صلى الله عليه وسلم القرآن ، ملك من ملائكتنا الكرام ، وهو ~~جبريل عليه السلام الذي أعطيناه قوة شديدة ، استطاع بها أن ينفذ ما كلفناه ~~بتنفيذه. # والضمير المنصوب في «علمه» هو المفعول الأول ، والثاني محذوف. أى : ~~القرآن ، لأن علم تتعدى إلى مفعولين. # وقوله : ( @QUR@02 شديد القوى ) صفة لموصوف محذوف. أى : ملك شديد القوى. # قالوا : وقد بلغ من شدة قوته ، أنه اقتلع قرى قوم لوط عليه السلام ثم ~~رفعها إلى السماء ، ثم قلبها. بأن جعل أعلاها أسفلها ... # وقوله تعالى : ( @QUR@03 ذو مرة فاستوى ) صفة أخرى من صفات جبريل ~~عليه السلام . والمرة بكسر الميم تطلق على قوة الذات ، وحصافة العقل ورجاحته ~~، مأخوذ من أمررت الحبل ، إذا أحكمت فتله .. # وشبيه بهاتين الآيتين قوله تعالى : ( @QUR@013 إنه لقول رسول كريم. ذي ~~قوة عند ذي العرش مكين. مطاع ثم أمين ... ). # وقوله : ( @QUR@01 فاستوى ) أى : فاستقام على صورة ذاته الحقيقية ، دون ~~الصورة الآدمية التي كان ينزل بها على الرسول صلى الله عليه وسلم . # ( @QUR@03 وهو بالأفق الأعلى ) أى : وهو أى جبريل بالجهة العليا من ~~السماء المقابلة للناظر إليها ( @QUR@03 ثم دنا فتدلى ) أى : ثم قرب جبريل ~~عليه السلام من النبي صلى الله عليه وسلم ( @QUR@01 فتدلى ) أى : فانخفض من ~~أعلى إلى أسفل ... # وأصل التدلي : أن ينزل الشيء من طبقته إلى ما تحتها ، حتى لكأنه معلق في ~~الهواء ms5352 ، ومنه قولهم : تدلت الثمرة إذا صارت معلقة في الهواء من أعلى إلى ~~أسفل .. # ثم صور سبحانه شدة قرب جبريل من النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( @QUR@05 ~~فكان قاب قوسين أو أدنى ) والقاب : المقدار المعين : وقيل : هو ما بين وتر ~~القوس ومقبضها .. # والقوس : آلة معروفة عند العرب ، يشد بها وتر من جلد ، وتستعمل في الرمي ~~بالسهام. # وكان من عادة العرب في الجاهلية ، أنهم إذا تحالفوا ، يخرجون قوسين ~~ويلصقون إحداهما بالأخرى ، فيكون قاب إحداهما ملاصقا للآخر ، حتى لكأنهما ~~قاب واحد ، ثم ينزعونهما معا ويرمون بهما سهما واحدا ، فيكون ذلك دليلا على ~~التحالف التام والرضا الكامل ... PageV14P060 # والمعنى : أن جبريل عليه السلام بعد أن كان بالجهة العليا من السماء ، ثم ~~قرب من النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم زاد في القرب ، حتى كان على مقدار مسافة ~~قوسين منه صلى الله عليه وسلم أو أقرب من ذلك. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@02 قاب قوسين ) مقدار قوسين عربيتين ، ~~والقاب والقيب ، والقاد والقيد ، المقدار ... وقد جاء التقدير بالقوس ، ~~والرمح ، والسوط ، والذراع ، والباع ، والخطوة والشبر ... ومنه الحديث ~~الشريف : «لقاب قوس أحدكم من الجنة ، وموضع قده ، خير من الدنيا وما فيها» ~~والقد السوط ... # فإن قلت : كيف تقدير قوله : ( @QUR@03 فكان قاب قوسين )، قلت : تقديره ~~فكان مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين ، فحذفت هذه المضافات .. (1). # و «أو» في قوله : ( @QUR@02 أو أدنى ) للشك ، ولكن هذا الشك من جهة العباد ~~، أى : أن الرائي إذا رأى هذا الوضع قال : هو قاب قوسين أو أقرب من ذلك ، ~~ويصح أن تكون بمعنى «بل». # قال الجمل : قوله : ( @QUR@02 أو أدنى ) هذه الآية كقوله : ( @QUR@06 ~~وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون ) لأن المعنى : فكان جبريل بأحد هذين ~~المقدارين في رأى الرائي. أى : لتقارب ما بينهما يشك الرائي في ذلك. # وأدنى : أفعل تفضيل. والمفضل عليه محذوف. أى : أو أدنى من قاب قوسين. # ويصح أن تكون بمعنى بل ، أى : بل هو أدنى .. (2). # وقوله : ( @QUR@05 فأوحى إلى عبده ما أوحى ) أى : فأوحى جبريل عليه السلام ~~، إلى عبد الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ما ms5353 أوحى من قرآن كريم ، ومن ~~هدى حكيم. # فالضمير في قوله : ( @QUR@01 فأوحى ) أى : جبريل ، لأن الحديث في شأنه ، ~~وإيحاؤه إنما هو بأمر الله تعالى ومشيئته ، ويرى بعضهم أنه يعود إلى الله ~~تعالى . # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@01 فأوحى ) أى : جبريل ( @QUR@02 إلى عبده ) ~~أى : عبد الله ، وهو النبي صلى الله عليه وسلم ، والإضمار ولم يجر له تعالى ~~ذكر ، لكونه في غاية الظهور ، ومثله كثير في الكلام ، ومنه : ( @QUR@012 ~~ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ... ). # ( @QUR@02 ما أوحى ) أى : الذي أوحاه ، والضمير المستتر لجبريل أيضا . PageV14P061 # وقيل : الضمير المستتر لله تعالى . أى : أوحى جبريل إلى عبد الله ، ما ~~أوحاه الله إلى جبريل. # والأول مروى عن الحسن ، وهو الأحسن. # وقيل : ضمير أوحى الأول والثاني لله تعالى والمراد بالعبد جبريل ~~عليه السلام وهو كما ترى ... (1). # وأبهم سبحانه ما أوحاه ، لتفخيم شأنه ، وإعلاء قدره ، حتى لكأنه لا تحيط ~~به عبارة ، ولا يحده الوصف ، وشبيه بهذا التعبير قوله تعالى : ( @QUR@08 ~~فأتبعهم فرعون بجنوده ، فغشيهم من اليم ما غشيهم .. ) (2). # وعبر سبحانه عن رسوله صلى الله عليه وسلم بعبده ، وأضافه إليه ، للتشريف ~~والتكريم ، ولبيان أنه عبد من عباده تعالى الذين اصطفاهم لحمل رسالته ، ~~وتبليغ ما أوحاه إليه. # وقوله : ( @QUR@05 ما كذب الفؤاد ما رأى ) رد على المشركين ، وتكذيب لهم ~~، فيما زعموه من أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتلق الوحى عن جبريل ، ولم ~~يشاهده. # واللام في قوله ( @QUR@01 الفؤاد ) عوض عن المضاف إليه ، والفؤاد : العقل ~~أو القلب ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@09 وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت ~~لتبدي به .. ) (3). # وقراءة الجمهور ( @QUR@01 كذب ) بفتح الذال مع التخفيف ، وقرأ ابن عامر ~~بفتحها مع التشديد ، و «ما» موصولة ، والعائد محذوف. # أى : ما كذب فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم وما أنكر ، الذي رآه ببصره من ~~صورة جبريل عليه السلام لأنه لم يكن يجهله ، بل كان معروفا لديه ، وصاحب ~~الوحى إليه ، فهو صلى الله عليه وسلم عرفه بقلبه ، وتأكدت هذه المعرفة برؤيته ~~له بعينيه. # فالكذب هنا : بمعنى الإنكار والتردد والشك في صحة ما يراه. ms5354 # قال صاحب الكشاف قوله : ( @QUR@05 ما كذب الفؤاد ما رأى ) أى : ما كذب ~~فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم ما رآه ببصره من صورة جبريل عليه السلام . # أى : ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك ، ولو قال ذلك على سبيل الفرض لكان ~~كاذبا لأنه عرفه ، يعنى أنه رآه بعينه ، وعرفه بقلبه ، ولم يشك في أن ما ~~رآه حق. PageV14P062 # وقرئ. ( @QUR@02 ما كذب ) بالتشديد ، أى : صدقه ولم يشك أنه جبريل بصورته (1). # ثم وبخ سبحانه المشركين على تكذيبهم للنبي صلى الله عليه وسلم فيما يخبرهم ~~عنه من شئون الوحى ، فقال : ( @QUR@04 أفتمارونه على ما يرى ). # والمماراة : المجادلة والملاحاة بالباطل. يقال : مارى فلان فلانا مماراة ~~ومراء ، إذا جادله ، مأخوذ من مرى الناقة يمريها. إذا مسح ضرعها ليستدر ~~لبنها ، ويأخذه كاملا ، فشبه الجدال بذلك ، لأن كل واحد من المتجادلين يمرى ~~ما عند صاحبه ، أى : يسعى لاستخراج كل ما عنده ، حتى يقيم الحجة عليه. # وعدى الفعل بعلى لتضمنه معنى المغالبة. # أى : أفتجادلون نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم فيما رآه بعينيه ، وتجادلونه ~~في شيء هو تحقق منه بعقله وبصره ، وهو ملاقاته ورؤيته لأمين وحينا جبريل ~~عليه السلام ؟ إن مجادلتكم له في ذلك ، هو من قبيل التعنت الواضح ، والجهل ~~الفاضح ، لأنكم كذبتموه وجادلتموه في شيء هو قد رآه وتحقق منه ، وأنتم ~~تعلمون أنه صادق أمين. # فالمقصود بالاستفهام تبكيتهم وتجهيلهم على جدالهم بالباطل. # هذا وقد ذكر العلماء ، أن هذه الآيات ، تشير إلى رؤية النبي ~~صلى الله عليه وسلم لجبريل ، على الهيئة التي خلقه الله تعالى عليها ، فقد كان ~~جبريل يأتى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة آدمي ، فسأله أن يريه نفسه على ~~صورته التي خلق عليها ، فأراه نفسه مرتين : مرة في الأرض وهي التي تشير ~~إليها هذا الآيات ، ومرة في السماء ، وهي التي تشير إليها الآيات التالية. # وقد توسع الإمام ابن كثير في ذكر الأحاديث التي وردت في ذلك فقال ما ~~ملخصه : # عن عبد الله بن مسعود ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ير جبريل في ~~صورته ms5355 إلا مرتين ، أما واحدة فإنه سأله أن يراه في صورته ، فسد الأفق ، ~~وأما الثانية فإنه كان معه حيث صعد ... (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 ولقد رآه نزلة أخرى .. ) إشارة إلى المرة ~~الثانية التي رأى فيها الرسول صلى الله عليه وسلم جبريل على هيئته التي خلقه ~~الله تعالى عليها ، وكان ذلك في ليلة الإسراء والمعراج. أى : والله لقد رأى ~~محمد صلى الله عليه وسلم جبريل في صورته التي خلق عليها ، حالة كونه نازلا من ~~السماء نزلة أخرى. # وقد جاء الإخبار عن هذه الرؤية بصيغة مؤكدة بلام القسم وبقد .. للرد على ~~المشركين PageV14P063 # الذين أنكروا ذلك ، فكأنه سبحانه يقول لهم : لئن كنتم قد أنكرتم هذه ~~الرؤية في الأرض ، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يره في الأرض فقط ، بل رآه رؤية ~~أعظم من ذلك ، وهي رؤيته له في السماء ، حين كان مصاحبا له في رحلته ليلة ~~الإسراء والمعراج. # قال الآلوسى : ( @QUR@04 ولقد رآه نزلة أخرى ) أى : رأى النبي ~~صلى الله عليه وسلم جبريل في صورته التي خلقه الله عليها ( @QUR@02 نزلة أخرى ~~) أى : مرة أخرى ، وهي فعلة من النزول ، أقيمت مقام المرة ، ونصبت نصبها ~~على الظرفية ، لأن أصل المرة مصدر مر يمر ، ولشدة اتصال الفعل بالزمان يعبر ~~به عنه. ولم يقل مرة بدل نزلة ؛ ليفيد أن الرؤية في هذه المرة ، كانت بنزول ~~ودنو ، كالرؤية في المرة الأولى ، الدال عليها ما مر ... # والمراد من الجملة القسمية ، نفى الريبة والشك عن المرة الأخيرة ، وكانت ~~ليلة الإسراء (1). # وقوله : ( @QUR@03 عند سدرة المنتهى ) بيان للمكان الذي تمت عنده الرؤية ~~الثانية. # والسدرة في الأصل : تطلق على شجرة النبق ، وهو ثمر معروف في بلاد العرب. # والمنتهى : اسم مكان ، أو مصدر ميمى بمعنى الانتهاء. وإضافة السدرة إليه ~~، من باب إضافة الشيء إلى مكانه ، كما في قولهم : أشجار البستان. أو من ~~إضافة المحل إلى الحال ، كما في قولك : كتاب الفقه أو النحو .. # وسمى هذا المكان بسدرة المنتهى ، لانتهاء علوم الخلائق عنده ، وما وراءه ~~لا يعلمه إلا الله تعالى . # أخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال ms5356 : لما أسرى برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى ، وهي في السماء السابعة وإليها ~~ينتهى ما يعرج من الأرض فيقبض منها. وإليها ينتهى ما يهبط من فوقها فيقبض ~~منها (2). # ثم بين سبحانه ما يدل على شرف هذا المكان فقال : ( @QUR@03 عندها جنة ~~المأوى ). # أى : عند سدرة المنتهى ، جنة المأوى. أى : الجنة التي تأوى وتسكن إليها ~~أرواح المؤمنين الصادقين ، الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه. # ثم نوه سبحانه بما يحيط بذلك المكان من جلال وجمال لا تحيط العبارة بوصفه فقال : # ( @QUR@05 إذ يغشى السدرة ما يغشى ). PageV14P064 # والظرف «إذ». في موضع الحال من «سدرة المنتهى» ، لقصد الإشادة بما أحاط ~~بذلك المكان من شرف وبهاء .. أو هو متعلق بقوله : ( @QUR@01 رآه ). # أى : ولقد رأى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام على هيئته التي ~~خلقه الله عليها مرة أخرى ، عند ذلك المكان الجليل المسمى بسدرة المنتهى ، ~~حالة كون هذا المكان ينزل به ما ينزل ، ويغشاه ما يغشاه من الفيوضات ~~الربانية ، والأنوار القدسية ، والخيرات التي لا يحيط بها الوصف .. # فهذا الإبهام في قوله ( @QUR@02 ما يغشى ) المقصود به التهويل والتعظيم ~~والتكثير ، لما يغشى هذا المكان من خيرات وبركات ... # وقوله تعالى ( @QUR@05 ما زاغ البصر وما طغى ) بيان لما كان عليه النبي ~~صلى الله عليه وسلم من ثبات واطمئنان عند رؤيته لما أذن الله تعالى له في رؤيته. # والزيغ : هو الميل عن حدود الاستقامة. والطغيان : تجاوز الحدود المشروعة. # أى : ما مال بصر النبي صلى الله عليه وسلم عما أذن الله تعالى له في رؤيته. ~~وما تجاوزه إلى ما لم يؤذن له في رؤيته ، بل كان بصره صلى الله عليه وسلم ~~منصبا على ما أبيح له النظر إليه. # فالمقصود من الآية الكريمة ، الثناء على النبي صلى الله عليه وسلم ، ووصفه ~~بما هو أهله من أدب وطاعة لخالقه عز وجل . # قال ابن كثير : قوله : ( @QUR@05 ما زاغ البصر وما طغى ) قال ابن عباس : ~~ما ذهب يمينا ولا شمالا ، وما جاوز ما أمر به ، وهذه صفة عظيمة في الثبات ms5357 ~~والطاعة. فإنه ما فعل إلا ما أمر به ، ولا سأل فوق ما أعطى ، وما أحسن قول ~~القائل : # رأى جنة المأوى وما فوقها ولو %~% رأى غيره ما قد رآه لتاها (1) # ثم عظم سبحانه من شأن ما أراه لنبيه صلى الله عليه وسلم فقال : ( @QUR@06 ~~لقد رأى من آيات ربه الكبرى ). # والكلام جواب لقسم محذوف ، والآيات جمع آية ، والمراد بها العجائب التي ~~أطلع الله تعالى عليها نبيه صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة ، وهي ليلة ~~الإسراء والمعراج. # والكبرى : صفة لهذه الآيات ، وحذف المرئي : لتفخيم أمره وتعظيمه. # أى : والله لقد رأى محمد صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة أمورا عظاما لا ~~يحيط بها الوصف ، وقد PageV14P065 # أكرمناه برؤيتها ليزداد يقينا على يقينه ، وثباتا على ثباته ، وقوة على ~~قوته في تبليغ رسالتنا ، وحمل أمانتنا. # هذا ، وقد جرينا في تفسيرنا لهذه الآيات على الرأى الذي سار عليه ~~المحققون من العلماء وهو أن هذه الآيات تحكى رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ~~لجبريل مرتين ، كما سبق أن بينا ، وأن الضمائر في تلك الآيات منها ما يرجع ~~إلى جبريل ، ومنها ما يرجع إلى الله عز وجل . # وقد أعدنا كل ضمير إلى مرجعه الذي نراه مناسبا للمقام ... # فمثلا : الضمير المنصوب في قوله تعالى : ( @QUR@04 ولقد رآه نزلة أخرى ) ~~قلنا : إنه يعود إلى جبريل. أى : أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى جبريل على ~~هيئته التي خلقه الله عليها مرة أخرى ، غير المرة الأولى التي كانت في ~~أوائل بعثته صلى الله عليه وسلم . # ولكن بعض المفسرين يرون أن مرجع الضمير في هذه الآية وغيرها ، يعود إلى ~~الله تعالى ، ويستدلون بذلك على أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى ربه. # وقد فصل القول في هذه المسألة الإمام الآلوسى فقال ما ملخصه : فالضمائر ~~في «دنا» «وتدلى» «وأوحى ..» وكذلك الضمير المنصوب في «رآه» لله عز وجل .. # واستدل بذلك مثبتو رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لله عز وجل كابن عباس وغيره .. # وخالفت في ذلك عائشة رضى الله عنها فقد أخرج مسلم عن مسروق ms5358 قال : كنت عند ~~عائشة فقالت : ثلاث من تكلم بواحدة منهن ، فقد أعظم على الله تعالى الفرية. # قلت : ما هن؟ قالت : من زعم أن محمدا يعلم الغيب فقد كذب ، ومن زعم أن ~~محمدا كتم شيئا فقد كذب ، ومن زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله ~~الفرية ، فقلت : يا أم المؤمنين : ألم يقل الله تعالى : ( @QUR@04 ولقد رآه ~~نزلة أخرى )؟. فقالت : أنا أول من سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ~~فقال : «لا ، إنما هو جبريل ، لم أره على صورته التي خلق عليها سوى هاتين ~~المرتين. رأيته منهبطا من السماء سادا ما بين السماء إلى الأرض». # ثم قال الآلوسى : ولا يخفى أن جواب الرسول صلى الله عليه وسلم على عائشة ، ~~ظاهر في أن الضمير المنصوب في ( @QUR@01 رآه ) ليس راجعا إليه تعالى ، بل ~~إلى جبريل عليه السلام .. (1). # والمتأمل في هذه الآيات الكريمة يراها ترد على المشركين مزاعمهم ، بأبلغ ~~أسلوب ، وأقوى PageV14P066 # بيان ، وتثبت أن هذا القرآن ، قد بلغه الرسول صلى الله عليه وسلم عن جبريل ~~عليه السلام دون أن يزيد فيه شيئا ، أو ينقص منه شيئا ، وأنه سبحانه قد أعطى ~~نبيه صلى الله عليه وسلم من المعجزات ، ومن الخيرات والبركات .. ما لم يعط غيره. # وبعد هذا التصوير البديع لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من حق واضح ~~، ومن تكريم عظيم ومن طاعة تامة لخالقه عز وجل بعد كل ذلك أخذت السورة ~~الكريمة ، في تصوير ما عليه المشركون من باطل وجهل وفي تبكيتهم على عبادتهم ~~لأصنام لا تسمع ولا تبصر ، ولا تملك الدفاع عن نفسها فضلا عن غيرها .. فقال ~~تعالى : # ( @QUR@03 أفرأيتم اللات والعزى (19) @QUR@03 ومناة الثالثة الأخرى (20) ~~@QUR@04 ألكم الذكر وله الأنثى (21) @QUR@04 تلك إذا قسمة ضيزى (22) ~~@QUR@025 إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ~~إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى (23) @QUR@04 ~~أم للإنسان ما تمنى (24) @QUR@03 فلله الآخرة والأولى (25) @QUR@018 وكم من ~~ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن ms5359 الله لمن يشاء ~~ويرضى (26) @QUR@09 إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية ~~الأنثى (27) @QUR@016 وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا ~~يغني من الحق شيئا ) (28) # والهمزة في قوله : ( @QUR@01 أفرأيتم ) للإنكار والتهكم ، والفاء لترتيب ~~الرؤية على ما سبق ذكره من صفات جليلة لله تعالى تدل على وحدانيته ، وكمال ~~قدرته ، ومن ثناء على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى جبريل عليه السلام والرؤية ~~هنا ، علمية ومفعولها الثاني محذوف ، لدلالة قوله سبحانه ( @QUR@04 ألكم ~~الذكر وله الأنثى ) عليه. PageV14P067 # و «اللات» اسم لصنم كان لثقيف بالطائف. قال الشاعر : # وفرت ثقيف إلى «لاتها» %~% بمنقلب الخائب الخاسر # وكان هذا الصنم على هيئة صخرة مربعة ، قد بنوا عليه بناء ونقشوا عليه ~~نقوشا ، وكانت قريش وجمهور العرب ، يعظمونه ويعبدونه .. # وكأنهم قد سموه بهذا الاسم ، على سبيل الاشتقاق من اسم الله تعالى فقالوا ~~«اللات» قصدا للتأنيث .. # و ( @QUR@01 العزى ): فعلى من العز. وهي اسم لصنم ، وقيل لشجرة حولها ~~بناء وأستار ، وكانت بمكان يقال له نخلة ، بين مكة والطائف ، وكانت قريش ~~تعظمها ، كما قال أبو سفيان يوم أحد «لنا العزى ولا عزى لكم». # فقال صلى الله عليه وسلم قولوا له : «الله مولانا ولا مولى لكم». # ولعلهم قد سموها بذلك. أخذا من لفظ العزيز ، أو من لفظ العز ، فهي تأنيث ~~الأعز ، كالفضلى والأفضل. # وأما «مناة» فكانت صخرة ضخمة ، بمكان يقال له المشلل ، بين مكة والمدينة ~~، وكانت قبيلة خزاعة والأوس والخزرج في جاهليتهم يعظمونها ويهلون منها للحج ~~إلى الكعبة. # قالوا : وسميت بهذا الاسم ، لأن دماء الذبائح كانت تمنى عندها ، أى : ~~تراق وتسكب. # والمعنى : لقد ذكرنا لكم أيها المشركون ما يدل على وحدانيتنا ، وكمال ~~قدرتنا. وسمو منزلة نبينا صلى الله عليه وسلم .. فأخبرونى بعد ذلك ما شأن هذه ~~الأصنام التي لا تضر ولا تنفع ، كاللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى. إنها ~~أشياء في غاية الحقارة والعجز ، فكيف سويتم بينها وبين الخالق عز وجل في ~~العبادة ، وكيف أبحتم لأنفسكم تعظيمها ، وزعمتم أنها بنات الله ...؟. # فالمقصود بالاستفهام التعجيب من أحوالهم ، والتجهيل لعقولهم. # ويصح أن ms5360 تكون الرؤية في قوله سبحانه ( @QUR@01 أفرأيتم ) بصرية ، فلا ~~تحتاج إلا لمفعول واحد. أى : انظروا بأعينكم إلى تلك الأصنام ، التي من ~~أشهرها : اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ، أترونها تملك الدفاع عن ~~نفسها فضلا عن غيرها؟ إنها لا تملك شيئا ، فكيف عظمتموها مع حقارتها ~~وعجزها؟. # والاستفهام أيضا للتهكم بهم ، والتعجيب من تفكيرهم السقيم. # قال الآلوسى : والظاهر أن «الثالثة الأخرى» صفتان لمناة. وهما على ما قيل ~~للتأكيد ... PageV14P068 # وقال بعض الأجلة : الثالثة للتأكيد. و ( @QUR@01 الأخرى ) للذم بأنها ~~متأخرة في الرتبة ، وضيعة المقدار ... # والكلام خطاب لعبدة هذه المذكورات ، وقد كانوا مع عبادتهم لها يقولون : ~~إن الملائكة عليهم السلام وتلك المعبودات الباطلة ، بنات الله. تعالى الله ~~عن ذلك علوا كبيرا فقيل لهم توبيخا وتبكيتا : ( @QUR@03 أفرأيتم اللات ~~والعزى .... ) إلخ (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 ألكم الذكر وله الأنثى. تلك إذا قسمة ضيزى ) ~~توبيخ آخر لهم على جهلهم ، وبيان لسبب التوبيخ والتهكم. # ولفظ «ضيزى» بمعنى جائرة وظالمة. يقال : ضاز فلان في حكمه ، إذا جار وظلم ~~ولم يراع القسط في أقواله وأفعاله ، ويقال : ضاز فلان فلانا حقه ، إذا بخسه ~~ونقصه ... # قال الجمل ما ملخصه : قرأ الجمهور ( @QUR@01 ضيزى ) من ضازه يضيزه. إذا ~~جار عليه ، فمعنى «ضيزى» جائرة. وعلى هذا فتحتمل وجهين : أحدهما أن تكون ~~صفة على فعلى ، بضم الفاء وإنما كسرت الفاء لتصح الياء كبيض جمع أبيض .. # وثانيهما : أن تكون من ضأزه بالهمز كقراءة ابن كثير ، إلا أن الهمزة قد ~~خففت .. ومعنى ضأزه يضأزه : نقصه .. (2). # أى : أجعلتم لله تعالى البنات ، وجعلتم لأنفسكم البنين ، مع تفضيلكم ~~للبنين على البنات ، ومع اعترافكم بأن الله تعالى هو الخالق لكم ولكل شيء. # إن فعلكم هذا لهو في غاية الجور والظلم ، لأنكم نسبتم إلى الله تعالى وهو ~~خالقكم ما استنكفتم من نسبته لأنفسكم ... # فأنت ترى أنه سبحانه لم يكتف بوصفهم بالكفر ، بل أضاف إلى ذلك وصفهم ~~بالجور والحمق وانطماس البصيرة. # وجملة : ( @QUR@04 تلك إذا قسمة ضيزى ) تعليل للإنكار والتوبيخ المستفاد ~~من الاستفهام في قوله : ( @QUR@04 ألكم الذكر وله الأنثى ). # وقدم سبحانه الجار والمجرور في قوله : ( @QUR@01 ألكم ... ) لإفادة ~~التخصيص. # والإشارة بتلك ms5361 تعود إلى القسمة المفهومة من قوله : ( @QUR@04 ألكم الذكر ~~وله الأنثى ) PageV14P069 # و ( @QUR@01 إذا ) في قوله : ( @QUR@02 تلك إذا ... ) حرف جواب. أى : إن ~~كان الأمر كما زعمتم ، فقسمتكم إذا قسمة جائرة ظالمة. # ثم بين لهم سبحانه وجه الحق في هذه الأصنام فقال : ( @QUR@013 إن هي إلا ~~أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ، ما أنزل الله بها من سلطان ... ). أى : ما ~~هذه الأصنام التي عبدتموها من دون الله ، أو توهمتم أنها تشفع لكم عنده ~~تعالى . ما هي إلا أسماء محضة ، ليس فيها شيء أصلا من صفات الألوهية ، ~~وأنتم وآباؤكم سميتموها آلهة من تلقاء أنفسكم ، دون أن يكون معكم على هذه ~~التسمية شيء من الحجة أو الدليل أو البرهان ... # فالضمير «هي» يعود إلى اللات والعزى ومناة وغيرها من الآلهة الباطلة. # والمراد بقوله : ( @QUR@01 أسماء ): أنها ليس لها من الألوهية التي ~~أثبتوها لها سوى اسمها ، وأما معناها وحقيقتها فهي أبعد ما تكون عن ذلك .. # وجملة «سميتموها» صفة للأسماء ، والهاء هي المفعول الثاني ، والمفعول ~~الأول محذوف ، والتقدير : إن هي إلا أسماء سميتموها الأصنام ، أى : سميتم ~~بها الأصنام. # والمراد بالسلطان : الحجة والدليل ، والمراد بالإنزال : الإخبار بأنها ~~آلهة و «من» مزيدة لتوكيد عدم الإنزال على سبيل القطع والبت .. # أى : ما أخبر الله تعالى عنها بأنها آلهة ، بأى لون من ألوان الإخبار ، ~~ولا توجد حجة من الحجج حتى ولو كانت واهية تشير إلى ألوهيتها ... # ثم يهمل سبحانه خطابهم بعد ذلك ، ويذرهم في أوهامهم يعمهون ، ويلتفت ~~بالحديث عنهم حتى كأنهم لا وجود لهم ، فيقول : ( @QUR@07 إن يتبعون إلا ~~الظن وما تهوى الأنفس ... ). # أى : ما يتبع هؤلاء الجاهلون في عبادتهم لتلك الآلهة الباطلة ، إلا ~~الظنون الكاذبة ، وإلا ما تشتهيه أنفسهم الأمارة بالسوء ، وتقليد للآباء ~~بدون تفكر أو تدبر .. # فالمراد بالظن هنا : الظن الباطل الذي يقوم على الاعتقاد الفاسد ، كما في ~~قوله تعالى : ( @QUR@08 إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ). # والتعريف في قوله سبحانه : ( @QUR@03 وما تهوى الأنفس ) عوض عن المضاف ~~إليه. و ( @QUR@01 ما ) موصولة والعائد محذوف. أى : والذي تهواه أنفسهم ~~التي استحوذ عليها الشيطان .. # وجملة : ( @QUR@05 ولقد جاءهم ms5362 من ربهم الهدى ) حالية من فاعل «يتبعون» ، ~~وجيء بها لزيادة التعجب من حالهم. # أى : هم ما يتبعون إلا الظنون وما تهواه أنفسهم المحجوبة عن الحق ، ~~والحال أنه قد جاء PageV14P070 # إليهم ، ووصل إلى مسامعهم من ربهم ، ما يهديهم إلى الصواب لو كانوا ~~يعقلون. # وأكد سبحانه هذه الجملة بلام القسم وقد ، لتأكد الخبر ، ولزيادة التعجب ~~من أحوالهم التي بلغت الغاية في الغرابة .. # والتعبير بقوله : ( @QUR@01 جاءهم ) يشعر بأن الحق قد وصل إليهم بدون ~~عناء منهم ، ولكنهم مع ذلك رفضوه وأعرضوا عنه. # والتعريف في لفظ «الهدى» يدل على كماله وسموه. أى. ولقد جاءهم من ربهم ~~الهدى الكامل الذي ينتهى بمن يتبعه إلى الفوز والسعادة. # والمراد به : ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من قرآن كريم ومن سنة ~~مطهرة .. # ثم بين سبحانه أن شهوات النفس ومطالبها وأمنياتها لا تتحقق إلا في الإطار ~~الذي يريده الله تعالى لها ، فقال : ( @QUR@07 أم للإنسان ما تمنى. فلله ~~الآخرة والأولى ). # والاستفهام هنا أيضا للإنكار ، ولإبطال اتباعهم للظنون ولما تهواه أنفسهم .. # أى : إن هؤلاء قد اتبعوا في ضلالهم وكفرهم الظنون والأوهام ، وما تشتهيه ~~قلوبهم من حب للرياسة ، ومن تقليد للآباء ، ومن تطلع إلى أن هذه الأصنام ~~ستشفع لهم عند الله تعالى ... # مع أن وقائع الحياة وشواهدها التي يرونها بأعينهم ، تدل دلالة واضحة ، ~~على أنه ليس كل ما يتمناه الإنسان يدركه ، وليس كل ما يريده يتحقق له ... ~~لأن كل شيء في هذه الحياة مرهون بإرادته ومشيئته سبحانه وهو عز وجل صاحب ~~الدار الآخرة ، وصاحب الدار الأولى وهي دار الدنيا ، ولا يقع فيهما إلا ما ~~يريده .. # فالمقصود من الآيتين الكريمتين ، نفى ما كان يتمناه أولئك المشركون من ~~شفاعة أصنامهم لهم يوم القيامة ، كما حكى عنهم سبحانه ذلك في قوله : ( ~~@QUR@07 ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ... ). ونفى ما كانت تتطلع ~~إليه نفوس بعضهم ، من نزول القرآن عليه ، أو من اختصاصه بالنبوة. فقد حكى ~~سبحانه عنهم قولهم : ( @QUR@011 .. لو لا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم ) (1). # كما أن المقصود بها كذلك ms5363 ، ترويض النفس البشرية على عدم الجري وراء ~~ظنونها وأهوائها ، بل عليها أن تتمسك بالحق ، وأن تعتصم بطاعة الله تعالى ~~وأن تباشر الأسباب التي شرعها سبحانه ، ثم بعد ذلك تترك النتائج له يسيرها ~~كيف يشاء ، فإن له الآخرة والأولى. PageV14P071 # وقدم سبحانه الجار والمجرور في قوله : ( @QUR@04 أم للإنسان ما تمنى ) ~~لإفادة أن هذا التمني هو محط الإنكار ، وأن الإنسان العاقل هو الذي لا يجرى ~~وراء أمنياته ، وإنما هو الذي يسعى إلى تحقيق ما أمره الله تعالى به من ~~تكاليف. # وقدم سبحانه الآخرة على الأولى ، لأنها الأهم ، إذ نعيمها هو الخالد ~~الباقي ، أما شهوات الدنيا وملذاتها ، فهي مهما كثرت ، زائلة فانية. # ثم بين سبحانه أن الملائكة مع سمو منزلتهم ، وشدة حرصهم على طاعة الله ~~تعالى ، لا يملكون الشفاعة لأحد إلا بإذنه عز وجل فقال : ( @QUR@018 وكم من ~~ملك في السماوات ، لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ~~ويرضى ). # و «كم» هنا خبرية بمعنى كثير ، وهي في موضع رفع على الابتداء ، وخبرها ~~جملة ، «لا تغنى شفاعتهم ...» وهي وإن كانت مفردة لفظا ، إلا أنها في معنى ~~الجمع .. # أى : وكثير من الملائكة المقربين لدينا في السموات العلا ، لا تغنى ~~شفاعتهم عندنا شيئا من الأشياء. إلا من بعد أن يأذن الله تعالى لهم فيها ، ~~لمن يشاء أن يشفعوا له ، ويرضى سبحانه عن هذا المشفوع له. # فالآية الكريمة من قبيل ضرب المثل للمشركين ، الذين توهموا أن أصنامهم ~~ستشفع لهم ، وكأنه سبحانه يقول لهم : إذا كان الملائكة مع سمو منزلتهم ~~عندنا لا يشفعون إلا بإذننا ، ولمن نرضى عنه ... فكيف وصل بكم الجهل والحمق ~~أيها المشركون إلى توهم أن أصنامكم مع خستها وحقارتها ستشفع لكم عندنا؟. # وقوله : ( @QUR@02 في السماوات ) صفة «لملك» والمقصود بهذه الصفة التشريف ~~والتكريم. # وقوله : ( @QUR@01 شيئا ) التنكير فيه للتقليل والتعميم ، وهو في موقع ~~المفعول المطلق. # أى : لا تغنى شفاعتهم شيئا من الإغناء حتى ولو كان في غاية القلة .. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@08 ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن ~~أذن له .. ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@010 .. ولا ms5364 يشفعون إلا لمن ارتضى ، وهم من خشيته ~~مشفقون ) (2). # وهذه الآيات الكريمة بجانب تيئيسها للكافرين من الحصول على أية شفاعة ، ~~لأنهم ليسوا ممن رضى الله عنهم ، تدعو المؤمنين إلى مواصلة المحافظة على ~~أداء حقوقه سبحانه ، PageV14P072 # لينالوا رضاه عنهم يوم القيامة ، وليكونوا أهلا للحصول على الشفاعة التي ~~يبغونها. # ثم عادت السورة إلى ذم الكافرين الذين وصفوا الملائكة بصفات لا تليق بهم. ~~فقال تعالى : ( @QUR@05 إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ) وما فيها من حساب ~~وجزاء وثواب وعقاب ... ( @QUR@04 ليسمون الملائكة تسمية الأنثى )، أى : ~~ليصفون الملائكة بوصف الإناث فيقولون : الملائكة بنات الله كما قال تعالى : ~~( @QUR@012 وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ، ~~ستكتب شهادتهم ويسئلون ) (1). # ولفظ : «الملائكة» هنا في معنى استغراق كل فرد ، أى : ليسمون كل واحد ~~منهم ويصفونه بصفة الأنوثة. # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 وما لهم به من علم ، إن يتبعون إلا الظن ... ) ~~رد عليهم فيما قالوه ، وتجهيل لهم فيما زعموه ، والجملة حال من ضمير ~~«ليسمون». # أى : إنهم ليصفون الملائكة بالأنوثة ، والحال أنهم لا علم لهم بتكوين ~~هؤلاء الملائكة ، أو بصفتهم .. وإنما يتبعون الظن الباطل في أقوالهم ~~وأحكامهم .. # ( @QUR@08 .. وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ) أى : وإن الظن الباطل ، ~~والاعتقاد الخاطئ لا يغنى في معرفة الحق شيئا ، حتى ولو كان هذا الشيء ~~قليلا ، لأن العقائد السليمة ، لا تبنى على الظنون والأوهام ، وإنما تبنى ~~على الحقائق الراسخة والعلوم الثابتة. # وأظهر سبحانه لفظ الظن هنا ، مع تقدم ذكره لتكون الجملة مستقلة بنفسها ، ~~ولتكون أيضا بمثابة المثل الذي يقال في الموضع الذي يناسبه. # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة ، قد وبخت المشركين على شركهم بأسلوب ~~منطقي سليم ، حيث ساقت لهم الحقائق في أسلوب يغلب عليه طابع الموازنة ~~والمقارنة ، والاستشهاد بالواقع ، ووضع أيديهم على أماكن الدواء ، لو كانوا ~~ممن يريدونه ، ويبحثون عنه. # وبعد هذا البيان الحكيم الذي يحق الحق ، ويبطل الباطل ، أمر الله تعالى ~~نبيه صلى الله عليه وسلم أن يمضى في طريقه الذي رسمه سبحانه له ، وأن يترك ~~حساب هؤلاء الضالين لله تعالى الذي يجازى كل نفس بما ms5365 كسبت ، والذي يعلم ~~السر وأخفى ، والذي رحمته وسعت كل شيء ... فقال تعالى : PageV14P073 # ( @QUR@011 فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا (29) ~~@QUR@016 ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن ~~اهتدى (30) @QUR@016 ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤا ~~بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى (31) @QUR@031 الذين يجتنبون كبائر ~~الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من ~~الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ) (32) # والفاء في قوله : ( @QUR@011 فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا ~~الحياة الدنيا ) للإفصاح .. # وأصل الإعراض : لفت الوجه عن الشيء ، لأن الكاره لشيء يعرض بصفحة خده عنه. # والمراد به هنا : ترك هؤلاء المشركين ، وعدم الحرص على إيمانهم ، بعد أن ~~وصلتهم دعوة الحق ... أى : إذا كان الأمر كما ذكرنا لك أيها الرسول الكريم ~~من أن هؤلاء المشركين ، ما يتبعون في عقائدهم إلا الظن الباطل ، وإلا ما ~~تشتهيه أنفسهم .. # فاترك مجادلتهم ولا تهتم بهم ، بعد أن بلغتهم رسالة ربك ... فإنهم قوم قد ~~أصروا على عنادهم. وعلى الإدبار عن وحينا وقرآننا الذي أنزلناه إليك ، ولم ~~يريدوا من حياتهم إلا التشبع من زينة الحياة الدنيا ، ومن شهواتها ومتعها .. # ومن كان كذلك فلن تستطيع أن تهديه ، لأنه آثر الغي على الرشد ، والضلالة ~~على الهداية. وجيء بالاسم الظاهر في مقام الإضمار ، فقيل : ( @QUR@06 فأعرض ~~عن من تولى عن ذكرنا ) ولم يقل : فأعرض عنهم .. لبيان ما تؤذن به صلة ~~الموصول من علة الأمر بالإعراض عنهم ، وهي أنهم قوم أعرضوا عن الوحى ، ولم ~~يريدوا سوى متع دنياهم ، وأما ما يتعلق بالآخرة فهم في غفلة عنه. # وقوله : ( @QUR@04 ذلك مبلغهم من العلم ) تسلية له صلى الله عليه وسلم عما ~~أصابه منهم ، وتحقير لهم PageV14P074 # ولأفكارهم ، وتهوين من شأنهم .. أى : ذلك الذي تراه منهم من التولي عن ~~قرآننا ، ومن الحرص على عرض الحياة الدنيا ، منتهى علمهم ، ولا علم سواه ... # فاسم الإشارة «ذلك» يعود إلى المفهوم من ms5366 الكلام السابق وهو توليهم عن ~~القرآن الكريم ، وتكالبهم على الحياة الدنيا .. # وفي هذه الجملة المعترضة ما فيها من تحقير أمرهم ، ومن الازدراء بعلمهم ~~الذي أدى بهم إلى إيثار الشر على الخير ، والعاجلة على الآجلة ... # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ... ) تعليل ~~للأمر بالإعراض عنهم ، والإهمال لشأنهم ، وتسلية أخرى له صلى الله عليه وسلم . # أى : امض أيها الرسول الكريم في طريقك ، وأعرض عن هؤلاء الجاحدين ~~المعاندين ، الذين أصروا على عدم الاستجابة لك ، بعد أن سلكت معهم كل وسيلة ~~تهديهم إلى الحق ... إن ربك أيها الرسول الكريم هو أعلم بمن أصر من الناس ~~على الضلال ، وهو سبحانه أعلم بمن شأنه الاهتداء ، والاستجابة للحق .. # والمراد بالعلم هنا لازمه ، أى : ما يترتب عليه من ثواب وعقاب ، ثواب ~~للمؤمنين ، وعقاب للكافرين. # وكرر سبحانه قوله ( @QUR@02 هو أعلم ) لزيادة التقرير ، والمراد بمن ضل : ~~من أصر على الضلال ، وبمن اهتدى : من عنده الاستعداد لقبول الحق والهداية. # وقدم سبحانه من ضل على من اهتدى هنا ، لأن الحديث السابق واللاحق معظمه ~~عن المشركين ، الذين عبدوا من دون الله تعالى أصناما لا تضر ولا تنفع .. # وضمير الفصل في قوله سبحانه ( @QUR@02 هو أعلم ) لتأكيد هذا العلم ، ~~وقصره عليه سبحانه قصرا حقيقيا ، إذ هو تعالى الذي يعلم دخائل النفوس ، ~~وغيره لا يعلم. # ثم بين سبحانه ما يدل على شمول ملكه لكل شيء فقال : ( @QUR@07 ولله ما في ~~السماوات وما في الأرض .. ). أى : ولله تعالى وحده جميع ما في السموات وما ~~في الأرض خلقا ، وملكا ، وتصرفا ... # واللام في قوله : ( @QUR@09 ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ، ويجزي الذين ~~أحسنوا بالحسنى ) متعلقة بمحذوف يدل عليه الكلام السابق. # أى : فعل ما فعل سبحانه من خلقه للسموات والأرض وما فيهما ، ليجزي يوم PageV14P075 # القيامة ، الذين أساءوا في أعمالهم بما يستحقونه من عقاب ، وليجزي الذين ~~أحسنوا في أعمالهم بما يستحقونه من ثواب. # وقوله : ( @QUR@01 بالحسنى ) صفة لموصوف محذوف ، أى : بالمثوبة الحسنى ~~التي هي الجنة. # وقوله : ( @QUR@07 الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم .. ) ~~صفة لقوله : ( @QUR@02 الذين أحسنوا ) أو بدل منه. ms5367 # والمراد بكبائر الإثم : الآثام الكبيرة ، والجرائم الشديدة ، التي يعظم ~~العقاب عليها. كقتل النفس بغير حق ، وأكل أموال الناس بالباطل .. # والفواحش : جمع فاحشة ، وهي ما قبح من الأقوال والأفعال كالزنا ، وشرب ~~الخمر ... # وعطفها على كبائر الإثم من باب عطف الخاص على العام ، لأنها أخص من ~~الكبائر ، وأشد إثما. # واللمم : ما صغر من الذنوب ، وأصله : ما قل قدره من كل شيء : يقال : ألم ~~فلان بالمكان ، إذا قل مكثه فيه. وألم بالطعام : إذا قل أكله منه .. وقيل : ~~اللمم ، مقاربة الذنب دون الوقوع فيه ، من قولهم : ألم فلان بالشيء ، إذا ~~قاربه ولم يخالطه .. # وجمهور العلماء على أن الاستثناء هنا منقطع ، وأن اللمم هو الذنوب ~~الصغيرة ، كالنظرة الخائنة ولكن بدون مداومة ، والإكثار من الممازحة .. # قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : «واللمم» : صغائر الذنوب ، ومحقرات ~~الأعمال ، وهذا استثناء منقطع .. # قال الإمام أحمد : عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : ما رأيت شيئا أشبه ~~باللمم ، مما قال أبو هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «إن الله كتب ~~على ابن آدم حظه من الزنا ، أدرك ذلك لا محالة ، فزنا العين النظر ، وزنا ~~اللسان النطق ، والنفس تتمنى وتشتهي ، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه». # وعن مجاهد أنه قال في هذه الآية ( @QUR@02 إلا اللمم ) الذي يلم بالذنب ~~ثم يدعه ، كما قال الشاعر : # إن تغفر اللهم تغفر جما %~% وأى عبد لك ما ألما (1) # ومن العلماء من يرى أن الاستثناء هنا متصل ، وأن المراد باللمم ارتكاب ~~شيء من الفواحش ، ثم التوبة منها توبة صادقة نصوحا .. PageV14P076 # فعن الحسن أنه قال : اللمم من الزنا أو السرقة أو شرب الخمر ، ثم لا يعود ~~... (1). # ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب ، لأن العلماء قسموا الذنوب ~~إلى كبائر وصغائر ، وأن اللمم من النوع الثاني الذي لا يدخل تحت كبائر ~~الإثم والفواحش. # قال صاحب الكشاف : واللمم : ما قل وصغر ... والمراد به الصغائر من الذنوب ~~، ولا يخلو قوله تعالى ( @QUR@02 إلا اللمم ) من أن يكون استثناء منقطعا .. ~~كأنه قيل : كبائر الإثم غير اللمم (2). # وليس المقصود من قوله تعالى ms5368 : ( @QUR@02 إلا اللمم ) فتح الباب لارتكاب ~~صغائر الذنوب ، وإنما المقصود فتح باب التوبة ، والحض على المبادرة بها ، ~~حتى لا ييأس مرتكب الصغائر من رحمة الله تعالى وحتى لا يمضى قدما في ارتكاب ~~هذه الصغائر ، إذ من المعروف أن ارتكاب الصغائر ، قد يجر إلى ارتكاب ~~الكبائر. # كذلك من المقصود بهذا الاستثناء أن لا يعامل مرتكب الصغائر ، معاملة ~~مرتكب الكبائر. # هذا ، وقد أفاض الإمام الآلوسي في الحديث عن الكبائر والصغائر ، فقال : ~~والآية عند الأكثرين دليل على أن المعاصي منها الكبائر ، ومنها الصغائر .. # وأنكر جماعة من الأئمة هذا الانقسام ، وقالوا : سائر المعاصي كبائر. # ثم قال : واختلف القائلون بالفرق بين الكبائر والصغائر في حد الكبيرة ~~فقيل : هي كل ما لحق صاحبها عليها بخصوصها وعيد شديد ، بنص كتاب أو سنة .. # وقيل : كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ، ورقة الديانة. # واعتمد الواحدي أنه لا حد لها يحصرها ويعرفها العباد به ، وقد أخفى الله ~~تعالى أمرها ليجتهدوا في اجتناب المنهي عنه ، رجاء أن تجتنب الكبائر .. (3). # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 إن ربك واسع المغفرة ... ) تعليل لاستثناء ~~اللمم ، وتنبيه على أن إخراجه عن حكم المؤاخذة ، ليس لخلوه عن الذنب في ~~ذاته ، بل لسعة رحمة الله ومغفرته. # أى : إن ربك أيها الرسول الكريم واسع المغفرة والرحمة ، لعباده الذين ~~وقعوا فيما نهاهم عنه سبحانه ثم تابوا إليه توبة صادقة نصوحا. # ثم بين سبحانه أن هذه الرحمة الواسعة ، صادرة عن علم شامل للظواهر ~~والبواطن ، PageV14P077 # فقال : ( @QUR@013 هو أعلم بكم ، إذ أنشأكم من الأرض ، وإذ أنتم أجنة في ~~بطون أمهاتكم ... ). # والظرف «إذ» متعلق بقوله ( @QUR@01 أعلم ) والأجنة : جمع جنين ، ويطلق ~~على ما يكون بداخل الأرحام قبل خروجه منها. # وسمى بذلك ، لأنه يكون مستترا في داخل الرحم ، كما قال تعالى : ( ~~@QUR@011 يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث .. ) (1). # أى : هو سبحانه أعلم بكم من وقت إنشائه إياكم من الأرض ، ضمن خلقه لأبيكم ~~آدم ، ومن وقت أن كنتم أجنة في بطون أمهاتكم ، يعلم أطواركم فيها ، ويرعاكم ~~برحمته ، إلى أن تنفصلوا عنها. # وقال سبحانه ( @QUR@03 في بطون أمهاتكم ms5369 ) مع أن الجنين لا يكون إلا في ~~بطن أمه ، للتذكير برعايته تعالى لهم ، وهم في تلك الأطوار المختلفة من وقت ~~العلوق إلى حين الولادة ، وللحض على مداومة شكره وطاعته. # وقوله تعالى : ( @QUR@07 فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ) تحذير من ~~التفاخر بالأعمال والأحساب والأنساب ، لأنه سبحانه لا يخفى عليه شيء من ~~أحوال الناس ، والفاء للتفريع على ما تقدم. أى : إذا كان الأمر كما ذكرت ~~لكم من عدم مؤاخذتى إياكم على اللمم ، فإن ذلك بسبب سعة رحمتي ، فلا تمدحوا ~~أنفسكم بأنكم فعلتم كذا وكذا من الأفعال الحسنة ، بل اشكروني على سعة رحمتي ~~ومغفرتي ، فإنى أنا العليم بسائر أحوالكم ، الخبير بالظواهر والبواطن ~~للأتقياء والأشقياء. # قالوا : والآية نزلت في قوم من المؤمنين ، كانوا يعملون أعمالا حسنة ، ثم ~~يتفاخرون بها. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@03 فلا تزكوا أنفسكم ... ) أى فلا ~~تنسبوها إلى زكاء العمل ، زيادة الخير. وعمل الطاعات ، أو إلى الزكاء ~~والطهارة من المعاصي ، ولا تثنوا عليها واهضموها فقد علم الله الزكي منكم ~~والتقى أولا وآخرا ، قبل أن يخرجكم من صلب آدم ، وقبل أن تخرجوا من بطون ~~أمهاتكم. # وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب أو الرياء ، فأما من اعتقد أن ما عمله من ~~العمل الصالح ، من الله وبتوفيقه وتأييده. ولم يقصد به التمدح ، لم يكن من ~~المزكين لأنفسهم ، لأن المسرة بالطاعة طاعة ، وذكرها شكر لله تعالى (2). PageV14P078 # وقال الآلوسى : والمراد النهى عن تزكية السمعة أو المدح للدنيا ، أو ~~التزكية على سبيل القطع ، وأما التزكية لإثبات الحقوق ونحوه كالإخبار عن ~~أحوال الناس بما يعلم منهم وجربوا فيه من ثقة وعدالة فهي جائزة (1). # وبعد هذا التوجيه الحكيم للنفوس البشرية ، والبيان البديع لمظاهر رحمة ~~الله تعالى بعباده بعد ذلك أخذت السورة في الحديث مرة أخرى عن الكافرين. ~~وفي الرد على شبهاتهم ، وفي بيان مظاهر قدرته تعالى فقال سبحانه : # ( @QUR@03 أفرأيت الذي تولى (33) @QUR@03 وأعطى قليلا وأكدى (34) @QUR@05 ~~أعنده علم الغيب فهو يرى (35) @QUR@07 أم لم ينبأ بما في صحف موسى (36) ~~@QUR@03 وإبراهيم الذي وفى (37) @QUR@05 ألا تزر وازرة وزر أخرى (38) ~~@QUR@06 وأن ليس للإنسان إلا ما ms5370 سعى (39) @QUR@04 وأن سعيه سوف يرى (40) ~~@QUR@04 ثم يجزاه الجزاء الأوفى (41) @QUR@04 وأن إلى ربك المنتهى (42) ~~@QUR@04 وأنه هو أضحك وأبكى (43) @QUR@04 وأنه هو أمات وأحيا (44) @QUR@05 ~~وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى (45) @QUR@04 من نطفة إذا تمنى (46) ~~@QUR@04 وأن عليه النشأة الأخرى (47) @QUR@04 وأنه هو أغنى وأقنى (48) ~~@QUR@04 وأنه هو رب الشعرى (49) @QUR@04 وأنه أهلك عادا الأولى (50) ~~@QUR@03 وثمود فما أبقى (51) @QUR@09 وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم ~~وأطغى (52) @QUR@02 والمؤتفكة أهوى (53) @QUR@03 فغشاها ما غشى (54) ~~@QUR@04 فبأي آلاء ربك تتمارى (55) @QUR@05 هذا نذير من النذر الأولى (56) ~~@QUR@02 أزفت الآزفة (57) @QUR@03 ليس لها من PageV14P079 # @QUR@03 دون الله كاشفة (58) @QUR@04 أفمن هذا الحديث تعجبون (59) ~~@QUR@03 وتضحكون ولا تبكون (60) @QUR@02 وأنتم سامدون (61) @QUR@03 فاسجدوا ~~لله واعبدوا ) (62) # ذكر المفسرون روايات في سبب نزول قوله تعالى : ( @QUR@06 أفرأيت الذي ~~تولى. وأعطى قليلا وأكدى ) منها : أنها نزلت في الوليد بن المغيرة ، كان قد ~~سمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ، وجلس إليه ووعظه ، فهم أن يدخل في ~~الإسلام. فعاتبه رجل من المشركين ، وقال له : أتترك ملة آبائك؟ ارجع إلى ~~دينك ، واثبت عليه ، وأنا أتحمل عنك كل شيء تخافه في الآخرة ، لكن على أن ~~تعطيني كذا وكذا من المال. # فوافقه الوليد على ذلك ، ورجع عماهم به من الدخول في الإسلام ، وأعطى بعض ~~المال لذلك الرجل ، ثم أمسك عن الباقي ، وبخل به ، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآيات .. (1). # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@01 أفرأيت ... ) للتعجيب من حال هذا ~~الإنسان ، الذي أعرض عن الحق ، بعد أن عرف الطريق إليه. # أى : أفرأيت أيها الرسول الكريم حالا أعجب من حال هذا الإنسان الذي تولى ~~عن الهدى ، ونبذه وراء ظهره ، بعد أن قارب الدخول فيه. # ( @QUR@02 وأعطى قليلا ) من العطاء ( @QUR@01 وأكدى ) أى ثم قطع هذا ~~العطاء. # قال صاحب الكشاف : ( @QUR@01 وأكدى ) أى : وقطع عطيته وأمسك ، وأصله ~~إكداء الحافر ، وهو أن تلقاه كديه ، وهي صلابة كالصخر فيمسك عن الحفر ... (2). # والمراد به هنا : ذمه بالبخل والشح ، بعد ذمه بالتولى عن الحق. # ( @QUR@05 أعنده علم الغيب فهو يرى ) أى : أعند هذا الإنسان الذي أعرض عن ~~الرشد ، علم الغيوب المستترة عن الأعين والنفوس ، فهو وحده يراها ، ويطلع ~~عليها ويعلم أن في إمكان الغير ms5371 أن يحمل عنه أوزاره وذنوبه يوم القيامة؟. # كلا ، إنه لا علم عنده بشيء من ذلك ، وإنما هو قد ارتد على أعقابه ، ~~لانطماس بصيرته. بعد أن قارب الرشد والصواب. # فالاستفهام في قوله : ( @QUR@03 أعنده علم الغيب ... ) للنفي والإنكار. PageV14P080 # وقدم سبحانه الظرف «عنده» وهو مسند ، على «علم الغيب» وهو مسند إليه ، ~~لإفادة الاهتمام بهذه العندية التي من أعجب العجب ادعاؤها ، وللإشعار بأنه ~~بعيد عنها بعد الأرض عن السماء. # والفاء في قوله : ( @QUR@02 فهو يرى ) للسببية ، ومفعول ( @QUR@01 يرى ) محذوف. # أى : فهو بسبب معرفته للعوالم الغيبية ، يبصر رفع العذاب عنه ، ويعلم أن ~~غيره سيتكفل بافتدائه من هذا العذاب. # ثم وبخه سبحانه على جهالته وعدم فهمه فقال : ( @QUR@015 أم لم ينبأ بما ~~في صحف موسى ، وإبراهيم الذي وفى ، ألا تزر وازرة وزر أخرى ... ). # و «أم» هنا للإضراب الانتقالى من ذمه على إعراضه وبخله ، إلى ذمه على جهله ~~وحمقه ، وصحف موسى : هي التوراة التي أنزلها سبحانه عليه. # وصحف إبراهيم : هي الصحف التي أوحى الله تعالى إليه بما فيها ، وقد ذكر ~~سبحانه ذلك في قوله تعالى : ( @QUR@08 إن هذا لفي الصحف الأولى ، صحف ~~إبراهيم وموسى ). # وخصت صحف هذين النبيين الكريمين بالذكر ، لأنها كانت أشهر من غيرها عند ~~العرب ، وكانوا يسألون أهل الكتاب من اليهود عما خفى عليهم من صحف موسى. # وقدم سبحانه هنا صحف موسى ، لاشتهارها بسعة الأحكام التي اشتملت عليها ، ~~بالنسبة لما وصل إليهم من صحف إبراهيم. # وأما في سورة الأعلى فقدمت صحف إبراهيم على صحف موسى لوقوعهما بدلا من ~~الصحف الأولى ، وصحف إبراهيم أقدم من صحف موسى ، فكان الإتيان بهما على ~~الترتيب الزمنى أنسب بالمقام. # وحذف سبحانه متعلق «ووفى» ليتناول كل ما يجب الوفاء به ، كمحافظته على ~~أداء حقوق الله تعالى ، واجتهاده في تبليغ الرسالة التي كلفه سبحانه ~~بتبليغها ، ووقوفه عند الأوامر التي أمره تعالى بها ، وعند النواهي التي ~~نهاه عنها ... # وأن في قوله تعالى : ( @QUR@05 ألا تزر وازرة وزر أخرى ) مخففة من ~~الثقيلة. واسمها ضمير الشأن محذوف ، والجملة بدل من صحف موسى وإبراهيم. # وقوله ( @QUR@01 تزر ) من الوزر بمعنى الحمل ms5372 .. وقوله ( @QUR@01 وازرة ) ~~صفة لموصوف محذوف. أى : نفس وازرة. # والمعنى : إذا كان هذا الإنسان المتولى عن الحق .. جاهلا بكل ما يجب ~~العلم به من شئون PageV14P081 # الدين ، فهلا سأل العلماء عن صحف موسى وإبراهيم عليهما السلام ففيها أنه ~~لا تحمل نفس آثمة حمل أخرى يوم القيامة. # قال الآلوسى : وقوله : ( @QUR@05 ألا تزر وازرة وزر أخرى ) أى : أنه لا ~~تحمل نفس من شأنها الحمل ، حمل نفس أخرى .. ولا يؤاخذ أحد بذنب غيره. ~~ليتخلص الثاني من عقابه. ولا يقدح في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : «من سن ~~سنة سيئة فعليه وزرها ، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» فإن ذلك وزر ~~الإضلال الذي هو وزره لا وزر غيره (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@06 وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ... ) معطوف على ما ~~قبله ، لبيان عدم إثابة الإنسان بعمل غيره ، إثر بيان عدم مؤاخذته بذنب سواه. # أى : كما أنه لا تحمل نفس آثمة حمل نفس أخرى ، فكذلك لا يحصل الإنسان إلا ~~على نتيجة عمله الصالح ، لا على نتيجة عمل غيره. # فالمراد بالسعي في الآية. السعى الصالح ، والعمل الطيب ، لأنه قد جاء في ~~مقابلة الحديث عن الأوزار والذنوب. # وقوله تعالى : ( @QUR@08 وأن سعيه سوف يرى. ثم يجزاه الجزاء الأوفى ) ~~بيان لثمرة هذا السعى الصالح يوم القيامة. # أى : ليس للإنسان إلا ثمرة عمله الصالح بدون زيادة أو نقص ، وهذا العمل ~~الصالح سوف يراه مسجلا أمامه في صحف مكرمة ، وفي ميزان حسناته ، ثم يجازيه ~~الله تعالى عليه الجزاء التام الكامل. الذي لا نقص فيه ولا بخس. # وفي رؤية الإنسان لعمله الصالح يوم القيامة ، تشريف وتكريم له ، كما قال ~~تعالى ( @QUR@022 يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم ~~وبأيمانهم ، بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار ، خالدين فيها ، ذلك ~~هو الفوز العظيم ) (2). # هذا ، وقد توسع العلماء في الجمع بين قوله تعالى : ( @QUR@06 وأن ليس ~~للإنسان إلا ما سعى ) وبين النصوص التي تفيد أن الإنسان قد ينتفع بعمل غيره ~~، وهذه خلاصة لأقوالهم : # قال الإمام ابن كثير : ومن هذه الآية استنبط الشافعى ومن اتبعه ، أن ~~القراءة ms5373 لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى. لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم ، ~~ولهذا لم يندب إليه رسول الله PageV14P082 # صلى الله عليه وسلم أمته ، ولا حثهم عليه ، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء ، ~~ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة ، ولو كان خيرا لسبقونا إليه ، وباب ~~القربات يقتصر فيه على النصوص ، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء. # فأما الدعاء والصدقة ، فذاك مجمع على وصولهما ، ومنصوص من الشارع عليهما. # وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبى هريرة قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : ولد صالح يدعو ~~له ، أو صدقة جارية من بعده ، أو علم ينتفع به». فهذه الثلاثة في الحقيقة. ~~هي من سعيه وكده وعمله (1). # وقال الجمل في حاشيته على الجلالين : واستشكل الحصر في هذه الآية ( ~~@QUR@06 وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) بقوله تعالى في آية أخرى : ( ~~@QUR@014 والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ~~ألتناهم من عملهم من شيء ... ) وبالأحاديث الواردة في ذلك كحديث : «إذا مات ~~ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ...». # وأجيب : بأنها مخصوصة بقوم إبراهيم وموسى ، لأنها حكاية لما في صحفهم ، ~~وأما هذه الأمة فلها ما سعت هي ، وما سعى لها غيرها ، لما صح من أن لكل نبي ~~وصالح شفاعة. وهو انتفاع بعمل الغير ، ومن تأمل النصوص وجد من انتفاع ~~الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى ، فلا يجوز أن تؤول الآية على خلاف ~~الكتاب والسنة واجتماع الأمة ، وحينئذ فالظاهر أن الآية عامة ، قد خصصت ~~بأمور كثيرة ... # ثم قال الشيخ الجمل رحمه الله : وقال الشيخ تقى الدين أبو العباس أحمد بن ~~تيمية : من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله. فقد خرق الإجماع. وذلك ~~باطل من وجوه كثيرة : # أحدها : أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره. وهو انتفاع بعمل الغير. # ثانيها : أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الموقف في الحساب ثم لأهل ~~الجنة في دخولها. # ثالثها : أنه صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الكبائر ms5374 في الخروج من النار ، ~~وهذا انتفاع بسعي الغير. # رابعها : أن الملائكة يستغفرون ويدعون لمن في الأرض ، وذلك منفعة بعمل الغير. # خامسها : أن الله تعالى يخرج من النار من لم يعمل خيرا قط أى من المؤمنين ~~بمحض رحمته ، وهذا انتفاع بغير عملهم. PageV14P083 # سادسها : أن أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم ، وذلك انتفاع بمحض ~~عمل الغير. # سابعها : قال الله تعالى في قصة الغلامين اليتيمين : ( @QUR@03 وكان ~~أبوهما صالحا ) فانتفعا بصلاح أبيهما ، وليس من سعيهما. # ثامنها : أن الميت ينتفع بالصدقة عنه ، وبالعتق ، بنص السنة والإجماع ، ~~وهو من عمل الغير. # تاسعها : أن الحج المفروض يسقط عن الميت ، بحج وليه بنص السنة ، وهو ~~انتفاع بعمل الغير. # عاشرها : أن الحج المنذور أو الصوم المنذور ، يسقط عن الميت بعمل غيره ، ~~وهو انتفاع بعمل الغير. # حادي عشر : المدين قد امتنع صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليه حتى قضى دينه ~~أبو قتادة ، وقضى دين الآخر على بن أبى طالب ، وانتفع بصلاة النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو من عمل الغير. # ثانى عشر : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن صلى وحده : «ألا رجل يتصدق ~~على هذا فيصلى معه» فقد حصل له فضل الجماعة بفعل الغير. # ثالث عشر : أن الإنسان تبرأ ذمته من ديون الغير ، إذا قضاها عنه قاض ، ~~وذلك انتفاع بعمل الغير. # رابع عشر : أن من عليه تبعات ومظالم ، إذا حلل منها سقطت عنه ، وهذا ~~انتفاع بعمل الغير. # خامس عشر : أن الجار الصالح ينفع في المحيا وفي الممات كما جاء في الأثر ~~وهذا انتفاع بعمل الغير. # سادس عشر : أن جليس أهل الذكر يرحم بهم ، وهو لم يكن معهم ، ولم يجلس ~~لذلك بل لحاجة عرضت له ، والأعمال بالنيات ، فقد انتفع بعمل غيره. # سابع عشر : الصلاة على الميت ، والدعاء له في الصلاة ، انتفاع للميت ~~بصلاة الحي عليه وهو عمل غيره. # ثامن عشر : أن الجمعة تحصل باجتماع العدد ، وكذا الجماعة بكثرة العدد وهو ~~انتفاع للبعض بالبعض. # تاسع عشر : أن الله تعالى قال لنبيه : ( @QUR@06 وما كان الله ليعذبهم ~~وأنت فيهم ) وقال PageV14P084 # تعالى ms5375 : ( @QUR@06 ولو لا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات ... ) فقد رفع الله ~~تعالى العذاب عن بعض الناس بسبب بعض ، وذلك انتفاع بعمل الغير. # تمام العشرين : أن صدقة الفطر تجب على الصغير وغيره ممن يمونه الرجل ، ~~فإنه ينتفع بذلك من يخرج عنه ، ولا سعى له فيها. # ثم قال رحمه الله : ومن تأمل العلم وجد انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا ~~يكاد يحصى ، فكيف يجوز أن تتأول الآية الكريمة ، على خلاف صريح الكتاب ~~والسنة ، وإجماع الأمة ... (1). # والخلاصة أن الآية الكريمة قد تكون من قبيل العام الذي قد خص بأمور ~~كثيرة. كما سبق أن أشرنا ، وقد تكون مخصوصة بقوم إبراهيم وموسى ~~عليهما السلام ، لأنها حكاية عما في صحفهما ، أما الأمة الإسلامية فلها ~~سعيها ، ولها ما سعى لها به غيرها ، وهذا من فضل الله ورحمته بهذه الأمة. # وقد قال بعض الصالحين في معنى هذه الآية : ليس للإنسان إلا ما سعى عدلا ، ~~ولله تعالى أن يجزيه بالحسنة ألفا فضلا. # ولهذه المسألة تفاصيل أخرى في كتب الفقه ، فليرجع إليها من شاء. # ثم بين سبحانه بعد ذلك جانبا من مظاهر قدرته ورحمته ، فقال تعالى : ( ~~@QUR@04 وأن إلى ربك المنتهى ). أى : وأن إلى ربك وحده لا إلى غيره انتهاء ~~الخلق ومرجعهم ومصيرهم فيجازى الذين أساءوا بما عملوا ، ويجازى الذين ~~أحسنوا بالحسنى. # فقوله : ( @QUR@01 المنتهى ): مصدر بمعنى الانتهاء ، والمراد بذلك ~~مرجعهم إليه تعالى وحده ، ( @QUR@04 وأنه هو أضحك وأبكى ) أى : وأنه سبحانه ~~هو الذي أوجد في هذا الكون ما يؤدى إلى ضحك الإنسان وسروره تارة ، وما يؤدى ~~إلى حزنه وبكائه تارة أخرى. فبسبب ما يحيط بالإنسان من مؤثرات ومن مشاعر ~~مختلفة : تارة يضحك وتارة يبكى. # وما أكثر هذه المؤثرات والأحوال والاعتبارات والدوافع .. في حياة ~~الإنسان. # فالآية الكريمة انتقال من وجوب الاعتبار بأحوال الآخرة إلى وجوب الاعتبار ~~بأحوال الإنسان ، وبما يحيط به من مؤثرات تارة تضحكه وتارة تبكيه. # وأسند سبحانه الفعلين إليه ؛ لأنه هو خالقهما ، وهو الموجد لأسبابهما. PageV14P085 # وحذف سبحانه المفعول به لهما ، لأنهما هما المقصودان بالذات ، لدلالتهما ~~على كمال قدرته تعالى أى : وأنه وحده ms5376 عز وجل هو الذي أوجد في الإنسان الضحك ~~والبكاء ، فالفعلان منزلان منزلة الفعل اللازم. # وقدم سبحانه الضحك على البكاء ، للإشعار بمزيد فضله ومنته على عباده. # وقوله : ( @QUR@04 وأنه هو أمات وأحيا ) أى : وأنه تعالى بقدرته وحدها ، ~~هو الذي أحيا من يريد إحياءه من مخلوقاته ، وأمات من يريد إماتته منهم. # وهذا رد على أولئك الجاهلين الذين أنكروا ذلك ، وقالوا كما حكى القرآن ~~عنهم ( @QUR@012 ... ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ، وما يهلكنا إلا ~~الدهر .. ) (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@09 وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى ، من نطفة إذا ~~تمنى ). # وأصل النطفة : الماء الصافي ، أو القليل من الماء الذي يبقى في الدلو أو ~~القربة ، وجمعها نطف ونطاف ، يقال : نطفت القربة ، إذا تقاطر ماؤها بقلة. # وقوله : ( @QUR@01 تمنى ) أى : تتدفق في رحم المرأة ، يقال : أمنى الرجل ~~ومنى إذا خرج منه المنى. # أى : وأنه تعالى وحده ، هو الذي خلق الزوجين الكائنين من الذكر والأنثى ، ~~من نطفة تتدفق من الرجل إلى رحم الأنثى ، فتلتقى ببويضة الأنثى ، فيكون ~~منهما الإنسان بإذن الله . # كما قال تعالى : ( @QUR@028 أيحسب الإنسان أن يترك سدى. ألم يك نطفة من ~~مني يمنى. ثم كان علقة فخلق فسوى. فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى. أليس ~~ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ) (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 وأن عليه النشأة الأخرى ) أى : وأن عليه وحده ~~سبحانه الإحياء بعد الإماتة ، والإعادة إلى الحياة مرة أخرى يوم البعث ~~والنشور. # والنشأة هي المرة من الإنشاء ، أى : الإيجاد والتكوين والخلق ، والأخرى : ~~مؤنث الأخير ، والمراد أنه سبحانه يوجد النشأة التي لا نشأة بعدها. # وقوله : ( @QUR@04 وأنه هو أغنى وأقنى ) أى : وأنه سبحانه هو الذي أغنى ~~الناس بالأموال الكثيرة المؤثلة ، التي يقتنيها الناس ويحتفظون بها لأنفسهم ~~ولمن بعدهم. PageV14P086 # فقوله : ( @QUR@01 أقنى ) من القنية بمعنى الادخار للشيء ، والمحافظة عليه. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@04 وأنه هو أغنى وأقنى ) أى : وأعطى القنية ~~وهو ما يبقى ويدوم من الأموال ، ببقاء نفسه ، كالرياض والحيوان والبناء. # وأفرد سبحانه ذلك بالذكر مع دخوله في ( @QUR@01 أغنى ) لأن القنية أنفس ~~الأموال وأشرفها .. # وإنما لم يذكر المفعول ، لأن القصد إلى الفعل نفسه .. (1). # وقوله ms5377 : ( @QUR@04 وأنه هو رب الشعرى ) أى : وأنه سبحانه هو رب ذلك ~~الكوكب المضيء ، الذي يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر ، ويسمى الشعرى ~~اليمانية. # وخص هذا النجم بالذكر ، مع أنه تعالى هو رب كل شيء لأن بعض العرب كانوا ~~يعبدون هذا الكوكب ، فأخبرهم سبحانه بأن هذا الكوكب مربوب له تعالى وليس ~~ربا كما يزعمون. # قال القرطبي : واختلف فيمن كان يعبده : فقال السدى : كانت تعبده حمير ~~وخزاعة. وقال غيره : أول من عبده رجل يقال له أبو كبشة ، أحد أجداد النبي ~~صلى الله عليه وسلم من جهة أمهاته ، ولذلك كان مشركو قريش يسمون النبي ~~صلى الله عليه وسلم ابن أبى كبشة. حين دعاهم إلى ما يخالف دينهم .. (2). # وبعد هذه الجولة في الأنفس والآفاق ، ساقت السورة جانبا من مصارع ~~الغابرين ، فقال تعالى : ( @QUR@018 وأنه أهلك عادا الأولى. وثمود فما ~~أبقى. وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى. والمؤتفكة أهوى ). أى : ~~وأنه تعالى هو الذي أهلك بقدرته قبيلة عاد الأولى ، وهم قوم هود عليه السلام . # وسميت قبيلة عاد بالأولى ، لتقدمها في الزمان على قبيلة عاد الثانية ، ~~التي هي قوم صالح عليه السلام ، وتسمى أيضا بثمود. # وقوله : ( @QUR@01 وثمود ) معطوف على عاد. أى : وأنه أهلك أيضا قبيلة ~~ثمود ، دون أن يبقى منهم أحدا. # وهلاك هاتين القبيلتين قد جاء في آيات كثيرة منها قوله تعالى : ( ~~@QUR@014 كذبت ثمود وعاد بالقارعة. فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية. وأما عاد ~~فأهلكوا بريح صرصر عاتية ). PageV14P087 # وقوله : ( @QUR@04 وقوم نوح من قبل ... ) أى : وأهلك أيضا قوم نوح من قبل ~~إهلاكه لعاد وثمود .. # ( @QUR@02 إنهم كانوا ) أى : قوم نوح ( @QUR@03 هم أظلم وأطغى ) أى : هم ~~كانوا أشد في الظلم والطغيان من عاد وثمود ، فقد آذوا نوحا عليه السلام أذى ~~شديدا ، استمر صابرا عليه زمنا طويلا. وكان هلاكهم بالطوفان ، كما قال ~~تعالى : ( @QUR@04 فأخذهم الطوفان وهم ظالمون ). # وقدم قبيلتي عاد وثمود في الذكر على قوم نوح مع أن قوم نوح أسبق لأن ~~هاتين القبيلتين كانتا مشهورتين عند العرب أكثر ، وديارهم معروفة لهم. # والمراد بالمؤتفكات قوم لوط عليه السلام ، وسموا بذلك لأن ms5378 قريتهم ائتفكت ~~بأهلها ، أى : انقلبت رأسا على عقب. يقال : أفكه عن كذا يأفكه إذا قلبه ~~وصرفه. ومنه الإفك ، لأنه قلب للحق عن وجهه الصحيح. # أى : وأهلك سبحانه القرى المؤتفكة بأهلها ، بأن أهوى بها جبريل ~~عليه السلام إلى الأرض بعد أن رفعها إلى السماء ( @QUR@03 فغشاها ما غشى ) ~~أى : فأصابها ما أصابها من العذاب المهين ، والدمار الشامل ، كما قال تعالى ~~: ( @QUR@017 جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود. ~~مسومة عند ربك ، وما هي من الظالمين ببعيد ) (1). # ويجوز أن يكون الضمير في ( @QUR@01 فغشاها ) يعود إلى جميع الأمم ~~المذكورة ، وأبهم سبحانه ما غشيهم من عذاب ، للتهويل والتعميم. # وقوله سبحانه ( @QUR@04 فبأي آلاء ربك تتمارى ) تذكير بنعم الله تعالى ~~بعد التحذير من نقمة. أى : فبأى نعمة من نعم الله تعالى تتشكك أيها ~~الإنسان. # والآلاء : جمع إلى ، وأى : اسم استفهام المقصود به التذكير بهذه النعم. # وسمى سبحانه ما مر في آيات السورة نعما ، مع أن فيها النعم والنقم ، لأن ~~في النقم عظات للمتعظين ، وعبرا للمعتبرين ، فهي نعم بهذا الاعتبار. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بهذا الإنذار الشديد ، فقال تعالى : ( ~~@QUR@05 هذا نذير من النذر الأولى ) والنذير بمعنى المنذر ، وهو من يخبر ~~غيره بخبر فيه مضرة به ، لكي يحذره. أى : هذا الرسول الكريم ، وما جاء به ~~من قرآن حكيم ، نذير لكم أيها الناس من جنس الإنذارات الأولى. التي أتى بها ~~الأنبياء السابقون لأممهم فاحذروا مخالفة رسولنا PageV14P088 # صلى الله عليه وسلم لأن مخالفته تؤدى إلى هلاككم وخسرانكم. # فقوله تعالى : ( @QUR@02 من النذر ) على حذف مضاف. أى : من جنس النذر ~~التي سبقت .. # ( @QUR@02 أزفت الآزفة ) أى : قربت الساعة ، ودنت القيامة ، يقال : أزف ~~السفر كفرح أزفا ، إذا دنا وقرب ، وأل في الآزفة للعهد ، وهي علم بالغلبة ~~على الساعة. # ( @QUR@02 ليس لها ) أى : الساعة ( @QUR@04 من دون الله كاشفة ) أى : ليس ~~لها أحد سوى الله تعالى يستطيع الإخبار عنها ، والكشف عن علاماتها ، والعلم ~~بوقتها وبوقوعها. # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@04 أفمن هذا الحديث تعجبون ) للإنكار ~~والتوبيخ. # أى : أفمن هذا القرآن وما اشتمل عليه من هدايات وتشريعات .. تتعجبون ms5379 ، ~~وتنكرون كونه من عند الله تعالى . # ( @QUR@03 وتضحكون ولا تبكون ) أى : وتضحكون ضحك استهزاء وتهكم منه وممن ~~جاء به صلى الله عليه وسلم ولا تبكون خشية من الله تعالى ، ومن سماع ما اشتمل ~~عليه هذا القرآن من وعد ووعيد. # ( @QUR@02 وأنتم سامدون ) أى : وأنتم لاهون معرضون ، يقال : سمد يسمد : ~~كدخل إذ اشتغل باللهو والإعراض عن الرشد. # أو المعنى : وأنتم رافعون رءوسكم تكبرا يقال : سمد سمودا ، إذا رفع رأسه ~~تكبرا وغرورا ، وكل متكبر فهو سامد ، ومنه قولهم : بعير سامد في سيره إذا ~~رفع رأسه متبخترا في مشيته. # وقيل السمود : الغناء بلغة حمير ، ومنه قول بعضهم لجاريته : اسمدى لنا ، ~~أى : غنى لنا. # أى : وأنتم سادرون في غنائكم ولهوكم ، دون أن تكترثوا بزواجر القرآن ~~الكريم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 فاسجدوا لله واعبدوا ) إرشاد لهم إلى ما يجب ~~عليهم ، ونهى لهم عن الكفر والضلال. # فالفاء في قوله تعالى : ( @QUR@01 فاسجدوا ) لترتيب الأمر بالسجود ، على ~~الإنذار بالعذاب الشديد إذا ما استمروا في كفرهم ولهوهم. # والمراد بالسجود : الخضوع لله تعالى وإخلاص العبادة له ، ويندرج فيه سجود ~~الصلاة ، وسجود التلاوة. # أى : اتركوا ما أنتم عليه من كفر وضلال ، وخصوا الله تعالى بالخضوع ~~الكامل ، PageV14P089 # وبالعبادة التامة ، التي لا شرك فيها لأحد معه سبحانه . # قال الآلوسى : وهذه آية سجدة عند أكثر أهل العلم ، وقد سجد النبي ~~صلى الله عليه وسلم عندها. # أخرج الشيخان ، وأبو داود ، والنسائي عن ابن مسعود قال : «أول سورة أنزلت ~~فيها سجدة : سورة «النجم» فسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وسجد الناس كلهم إلا رجلا». # هذا ، وقد ذكر بعض المفسرين قصة الغرانيق. وملخصها أن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم ، فلما بلغ قوله تعالى ( @QUR@06 أفرأيتم ~~اللات والعزى ، ومناة الثالثة الأخرى ) ألقى الشيطان على لسانه : تلك ~~الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى. # وقد قال الإمام ابن كثير عند حديثه عن هذه القصة : إنها من روايات وطرق ~~كلها مرسلة ، ولم أرها مسندة من وجه صحيح. # وقد ذكرنا عند تفسيرنا لقوله تعالى : ( @QUR@027 وما أرسلنا من قبلك من ~~رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ms5380 ألقى الشيطان في أمنيته ، فينسخ الله ما يلقي ~~الشيطان ، ثم يحكم الله آياته ، والله عليم حكيم ). ذكرنا ما يدل على ~~بطلان هذه القصة من جهة النقل ومن جهة العقل .. (1). # وبعد. فهذا تفسير لسورة «النجم» نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه ، ~~ونافعا لعباده. # وصلى الله على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم ... # قطر الدوحة # صباح السبت 27 جمادى الآخرة 1406 ه # 8 / 3 / 1986 # كتبه الراجي عفو ربه # د. محمد سيد طنطاوى PageV14P090 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة القمر PageV14P091 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة # 1 سورة القمر : هي السورة الرابعة والخمسون في ترتيب المصحف ، أما ~~ترتيبها في النزول فكان بعد سورة الطارق ، وقبل سورة «ص». # ويبلغ عدد السور التي نزلت قبلها ، سبعا وثلاثين سورة. # ويغلب على الظن أن نزولها كان في السنوات الأولى من بعثته ~~صلى الله عليه وسلم قال بعض العلماء : وكان نزولها في حدود سنة خمس قبل ~~الهجرة. ففي الصحيح أن عائشة رضى الله عنها قالت : أنزل على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بمكة ، وإنى لجارية ألعب ، قوله تعالى : ( @QUR@06 بل ~~الساعة موعدهم ، والساعة أدهى وأمر ) (1). # 2 وتسمى هذه السورة بسورة القمر ، وبسورة اقتربت الساعة ، وتسمى بسورة ~~اقتربت ، حكاية لأول كلمة افتتحت بها. # روى الإمام مسلم وأهل السنن عن أبى واقد الليثي أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيد بسورتى «ق» و «اقتربت الساعة». # وعدد آياتها : خمس وخمسون آية وهي من السور المكية الخالصة على الرأى ~~الصحيح ، وقيل : هي مكية إلا ثلاث آيات منها ، وهي قوله تعالى : ( @QUR@015 ~~أم يقولون نحن جميع منتصر. سيهزم الجمع ويولون الدبر. بل الساعة موعدهم ~~والساعة أدهى وأمر ) فإنها نزلت يوم بدر ، وهذا القيل لا دليل له يعتمد عليه. # ويرده ما أخرجه ابن أبى حاتم عن أبى هريرة قال : أنزل الله تعالى على ~~نبيه صلى الله عليه وسلم بمكة قبل يوم بدر : سيهزم الجمع ويولون الدبر ، وقال ~~عمر بن الخطاب : قلت : يا رسول الله أى جمع يهزم؟ فلما كان يوم بدر ، ~~وانهزمت قريش ، نظرت ms5381 إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم مصلتا بالسيف ~~، وهو يقول : ( @QUR@04 سيهزم الجمع ويولون الدبر ) فكانت ليوم بدر. PageV14P093 # وبذلك نرى أن هذا الحديث ، وحديث عائشة السابق ، يدلان على أن هذه الآيات ~~مكية أيضا ، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما قرأها في غزوة بدر على سبيل ~~الاستشهاد بها. # 3 والسورة الكريمة قد تحدثت في مطلعها عن اقتراب يوم القيامة ، وعن جحود ~~المشركين للحق بعد إذ جاءهم ، وعما سيكونون عليه يوم القيامة من ندم وحسرة. ~~قال تعالى : ( @QUR@017 اقتربت الساعة وانشق القمر. وإن يروا آية يعرضوا ~~ويقولوا سحر مستمر. وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر ). # 4 ثم تحدثت السورة الكريمة عن مصارع الغابرين ، فذكرت ما حل من هلاك ~~ودمار ، بقوم نوح ، وهود ، ولوط عليهم السلام وما حل أيضا بفرعون وملئه من عقاب. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة ، ببيان مظاهر قدرته ، وبليغ حكمته ، ودقة ~~نظامه في كونه ، وبشر المتقين بما يشرح صدورهم فقال تعالى : ( @QUR@037 إنا ~~كل شيء خلقناه بقدر. وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر. ولقد أهلكنا أشياعكم ~~فهل من مدكر. وكل شيء فعلوه في الزبر. وكل صغير وكبير مستطر. إن المتقين في ~~جنات ونهر. في مقعد صدق عند مليك مقتدر ). # 5 والمتدبر في السورة الكريمة يراها قد اهتمت بالحديث عن أهوال يوم ~~القيامة ، وعن تعنت المشركين وعنادهم ، وعن سنن الله تعالى في خلقه ، التي ~~من أبرز مظاهرها ، نصر المؤمنين ، وخذلان الكافرين. # والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ~~آله وصحبه وسلم .. # دولة قطر الدوحة # صباح السبت 27 جمادى الآخرة 1406 ه # 8 / 3 / 1986 م # د. محمد سيد طنطاوى PageV14P094 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@04 اقتربت الساعة وانشق القمر (1) @QUR@07 وإن يروا آية يعرضوا ~~ويقولوا سحر مستمر (2) @QUR@06 وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر (3) ~~@QUR@07 ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر (4) @QUR@05 حكمة بالغة فما ~~تغن النذر (5) @QUR@08 فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر (6) @QUR@08 ~~خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر (7) @QUR@08 مهطعين إلى ~~الداع ms5382 يقول الكافرون هذا يوم عسر ) (8) # افتتحت السورة الكريمة بهذا الافتتاح الذي يبعث في النفوس الرهبة والخشية ~~، فهو يخبر عن قرب انقضاء الدنيا وزوالها. # إذ قوله تعالى : ( @QUR@02 اقتربت الساعة ) أى : قرب وقت حلول الساعة ، ~~ودنا زمان قيامها. # والساعة في الأصل : اسم لمدار قليل من الزمان غير معين ، وتحديدها بزمن ~~معين اصطلاح عرفي ، وتطلق في عرف الشرع على يوم القيامة. # وأطلق على يوم القيامة يوم الساعة ، لوقوعه بغتة ، أو لسرعة ما فيه من ~~الحساب ، أو لأنه على طوله قدر يسير عند الله تعالى . # وقد وردت أحاديث كثيرة ، تصرح بأن ما مضى من الدنيا كثير بالنسبة لما بقي ~~منها ، ومن PageV14P095 # هذه الأحاديث ما رواه البزار عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ~~أصحابه ذات يوم ، وقد كادت الشمس أن تغرب .. فقال : «والذي نفسي بيده ما ~~بقي من الدنيا فيما مضى منها ، إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه». # وروى الشيخان عن سهل بن سعد قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ~~«بعثت أنا والساعة هكذا» وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى .. (1). # وشبيه بهذا الافتتاح قوله تعالى : في مطلع سورة الأنبياء : ( @QUR@07 ~~اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ). # وقوله سبحانه في افتتاح سورة النحل : ( @QUR@09 أتى أمر الله فلا ~~تستعجلوه ، سبحانه وتعالى عما يشركون ). # والمقصود من هذا الافتتاح المتحدث عن قرب يوم القيامة ، تذكير الناس ~~بأهوال هذا اليوم ، وحضهم على حسن الاستعداد لاستقباله عن طريق الإيمان ~~والعمل الصالح. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 وانشق القمر ) معطوف على ما قبله عطف جملة على جملة. # وقوله : ( @QUR@01 وانشق ) من الانشقاق بمعنى الافتراق والانفصال. # أى : اقترب وقت قيام الساعة ، وانفصل وانفلق القمر بعضه عن بعض فلقتين ، ~~معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم ، وكان ذلك بمكة قبل هجرته صلى الله عليه وسلم ~~بنحو خمس سنين ، وقد رأى هذا الانشقاق كثير من الناس .. # وقد ذكر المفسرون كثيرا من الأحاديث في هذا الشأن ، وقد بلغت الأحاديث ~~مبلغ التواتر المعنوي .. # قال الإمام ابن كثير : وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أى ms5383 : انشقاق القمر ~~، فقد وقع في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات. # ثم ذكر رحمه الله جملة من الأحاديث التي وردت في ذلك ، ومنها ما رواه ~~الشيخان عن أنس بن مالك قال : سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم آية ، ~~فانشق القمر بمكة مرتين ، فقال : ( @QUR@04 اقتربت الساعة وانشق القمر ). # وأخرج الإمام أحمد عن جبير بن مطعم عن أبيه قال : انشق القمر على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار فلقتين : فلقة على هذا الجبل وفلقة على هذا ~~الجبل. فقالوا : سحرنا محمد ، PageV14P096 # فقالوا : إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم. # وروى الشيخان عن ابن مسعود قال : انشق القمر على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم شقتين ، حتى نظروا إليه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«اشهدوا» (1). # وقال الآلوسى : بعد أن ذكر عددا من الأحاديث في هذا الشأن : والأحاديث ~~الصحيحة في الانشقاق كثيرة ، واختلف في تواتره ، فقيل : هو غير متواتر : ~~وفي شرح المواقف أنه متواتر. وهو الذي اختاره العلامة السبكى ، فقد قال : ~~الصحيح عندي أن انشقاق القمر متواتر ، منصوص عليه في القرآن ، مروى في ~~الصحيحين وغيرهما من طرق شتى ، لا يمترى في تواتره. # وقد جاءت أحاديثه في روايات صحيحة ، عن جماعة من الصحابة ، منهم على بن ~~أبى طالب ، وأنس ، وابن مسعود .. # ثم قال رحمه الله بعد أن ذكر شبهات المنكرين لحادث الانشقاق : والحاصل أنه ~~ليس عند المنكر سوى الاستبعاد ، ولا يستطيع أن يأتى بدليل على الاستحالة ~~الذاتية ولو انشق ، والاستبعاد في مثل هذه المقامات قريب من الجنون. عند من ~~له عقل سليم (2). # ثم بين سبحانه موقف هؤلاء المشركين من معجزاته صلى الله عليه وسلم فقال : ( ~~@QUR@07 وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ). # أى : وإن ير هؤلاء المشركون آية ومعجزة تدل على صدقك أيها الرسول الكريم ~~يعرضوا عنها جحودا وعنادا. ويقولوا على سبيل التكذيب لك ما هذا الذي أتيتنا ~~به يا محمد إلا سحر مستمر ، أى : سحر دائم نعرفه عنك ، وليس جديدا ms5384 علينا منك. # قال صاحب الكشاف : ( @QUR@01 مستمر ) أى دائم مطرد ، وكل شيء قد انقادت ~~طريقته ، ودامت حاله ، قيل فيه قد استمر ، لأنهم لما رأوا تتابع المعجزات ، ~~وترادف الآيات. قالوا : «هذا سحر مستمر». # وقيل : مستمر ، أى : قوى محكم من المرة بمعنى القوة ، وقيل : هو من استمر ~~الشيء إذا اشتدت مرارته ، أى : مستبشع عندنا مر على لهواتنا ، لا نقدر أن ~~نسيغه كما لا يساغ الشيء المر. وقيل : مستمر ، أى : مار ذاهب زائل عما قريب ~~من قولهم : مر الشيء واستمر إذا ذهب (3). PageV14P097 # ثم أخبر سبحانه عن حالهم في الماضي ، بعد بيان حالهم في المستقبل ، فقال ~~تعالى : ( @QUR@06 وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر ). # أى : أن هؤلاء الجاحدين جمعوا كل الرذائل ، فهم إن يروا معجزة تشهد لك ~~بالصدق أيها الرسول الكريم يعرضوا عنها ، ويصفوها بأنها سحر ، وهم في ~~ماضيهم كذبوا دعوتك ، واتبعوا أهواءهم الفاسدة ، ونفوسهم الأمارة بالسوء. # وجملة : ( @QUR@03 وكل أمر مستقر ) معترضة ، وهي جارية مجرى المثل ، أى : ~~وكل أمر لا بد وأن يستقر إلى غاية ، وينتهى إلى نهاية ، وكذلك أمر هؤلاء ~~الظالمين ، سينتهي إلى الخسران ، وأمر المؤمنين سينتهي إلى الفلاح. # وفي هذا الاعتراض تسلية وتبشير للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه بحسن ~~العاقبة ، وتيئيس وإقناط لأولئك المشركين من زوال أمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم كما كانوا يتمنون ويتوهمون. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@05 لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون ). # ثم بين سبحانه أنهم قوم لا تتأثر قلوبهم بالمواعظ والنذر ، فقال : ( ~~@QUR@012 ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر ، حكمة بالغة فما تغن النذر ). # والأنباء : جمع نبأ وهو الخبر المشتمل على أمور هامة ، من شأنها أن يتأثر ~~بها السامع. # ومزدجر : مصدر ميمى ، وأصله مزتجر. فأبدلت تاء الافتعال دالا ، وأصله من ~~الزجر. بمعنى المنع والانتهار. أى : ولقد جاء لهؤلاء المشركين في القرآن ~~الكريم ، من الأنباء الهامة ، ومن أخبار الأمم البائدة ، ما فيه ازدجار ~~وانتهار لهم عن الارتكاس في القبائح وعن الإصرار على الفسوق والكفر ~~والعصيان. # و «ما» في قوله سبحانه : ( @QUR@03 ما فيه مزدجر ) موصولة ، وهي فاعل ~~لقوله ( @QUR@01 جاءهم )، وقوله ms5385 ( @QUR@02 من الأنباء ) في موضع الحال ~~منها .. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 حكمة بالغة ) بدل من «ما» أو خبر لمبتدأ محذوف. # والحكمة : العلم النافع الذي يترتب عليه تحرى الصواب في القول والفعل. # أى : هذا الذي جاءهم من أنباء الماضين ، ومن أخبار السابقين فيه ما فيه ~~عن الحكم البليغة ، والعظات الواضحة التي لا خلل فيها ولا اضطراب. # و «ما» في قوله : ( @QUR@03 فما تغن النذر ) نافية ، والنذر : جمع نذير ~~بمعنى منذر. # أى : لقد جاء إلى هؤلاء المشركين من الأخبار ومن الحكم البليغة ما يزجرهم ~~عن ارتكاب PageV14P098 # الشرور ، وما فيه إنذار لهم بسوء العاقبة إذا ما استمروا في غيهم ، ولكن ~~كل ذلك لا غناء فيه ، ولا نفع من ورائه لهؤلاء الجاحدين المعاندين الذين ~~عموا وصموا ... # ويصح أن تكون «ما» هنا ، للاستفهام الإنكارى. أى : ما الذي تغنيه النذر ~~بالنسبة لهؤلاء المصرين على الكفر؟ إنها لا تغنى شيئا ما داموا لم يفتحوا ~~قلوبهم للحق : # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@08 فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر ) ~~للتفريع على ما تقدم ، وهي تفيد السببية. # وقوله : ( @QUR@03 يوم يدع الداع ) ظرف لقوله : ( @QUR@03 يخرجون من ~~الأجداث ) والداع : هو إسرافيل عليه السلام الذي ينفخ في الصور بأمر الله ~~تعالى . # والمراد بالنكر : الأمر الفظيع الهائل ، الذي لم تألفه النفوس ، ولم تر ~~له مثيلا في الشدة. # أى : إذا كان هذا حالهم من عدم إغناء النذر فيهم ، فتول عنهم أيها الرسول ~~الكريم ، ولا تبال بهم ، واتركهم في طغيانهم يعمهون ، وانتظر عليهم إلى ~~اليوم الذي يدعوهم فيه الداعي ، إلى أمر فظيع عظيم ، تنكره النفوس ، لعدم ~~عهدهم بمثله ، وهو يوم البعث والنشور. # قال الجمل : وقوله : ( @QUR@03 يوم يدع الداع ) منصوب إما باذكر مضمرا .. ~~وإما بيخرجون .. # وحذفت الواو من «يدع» لفظا لالتقاء الساكنين ، ورسما تبعا للفظ ، وحذفت ~~الياء من ( @QUR@01 الداع ) للتخفيف ... والداع هو إسرافيل .. (1). # وقوله : ( @QUR@02 خشعا أبصارهم ) حال من الفاعل في قوله : ( @QUR@01 ~~يخرجون ... ): أى : ذليلة أبصارهم بحيث تنظر إلى ما أمامها من أهوال نظرة ~~البائس الذليل ، الذي لا يستطيع أن يحقق نظره فيما ينظر إليه. # قال القرطبي : الخشوع في البصر : الخضوع ms5386 والذلة. وأضاف سبحانه الخشوع إلى ~~الأبصار ، لأن أثر العز والذل يتبين في ناظر الإنسان. # قال تعالى : ( @QUR@02 أبصارها خاشعة ) وقال تعالى : ( @QUR@010 وتراهم ~~يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي ... ). # ويقال : خشع واختشع إذا ذل. وخشع ببصره إذا غضه .. PageV14P099 # وقرأ حمزة والكسائي : خاشعا أبصارهم .. (1). # وقوله : ( @QUR@06 يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر ) أى : يخرجون من ~~القبور ، وعيونهم ذليلة من شدة الهول ، وأجسادهم تملأ الآفاق ، حتى لكأنهم ~~جراد منتشر ، قد سد الجهات. واستتر بعضه ببعض. # فالمقصود بالجملة الكريمة تشبيههم بالجراد في الكثرة والتموج ، والاكتظاظ ~~والانتشار في الأقطار وهم يسرعون الخطا نحو أرض المحشر. # وقوله : ( @QUR@03 مهطعين إلى الداع ) أى : مسرعين نحوه ، وقد مدوا ~~أعناقهم إلى الإمام ، مأخوذ من الإهطاع ، وهو الإسراع في المشي مع مد العنق ~~إلى الإمام. يقال : أهطع فلان في جريه ، إذا أسرع فيه من الخوف ، فهو مهطع. # ( @QUR@02 يقول الكافرون ) وقد رأوا من أهوال يوم القيامة ما يدهشهم : ( ~~@QUR@03 هذا يوم عسر ) أى : يقولون هذا يوم صعب شديد ، بسبب ما يعاينون من ~~أهواله ويتوقعون فيه من سوء العاقبة. # والمتأمل في هذه الآيات الكريمة ، يراها قد وصفت أحوال الكافرين في هذا ~~اليوم ، وصفا تقشعر من هوله الأبدان .. فهم أذلاء ضعفاء ينظرون إلى ما يحيط ~~بهم نظرة الخائف المفتضح ، وهم في حالة خروجهم من قبورهم كأنهم الجراد ~~المنتشر ، في الكثرة والتموج والاضطراب ، وهم يسرعون نحو الداعي بذعر دون ~~أن يلووا على شيء ، ودون أن يكون في إمكانهم المخالفة أو التأخر عن دعوته. # ثم هم بعد ذلك يقولون على سبيل التحسر والتفجع : هذا يوم شديد الصعوبة ~~والعسر. # ثم عرضت السورة بعد ذلك جانبا من مصارع الغابرين ، لعل في هذا العرض ما ~~يروعهم عن الكفر والجحود ، وما يحملهم على انتهاج طريق الحق والهدى ، فقال ~~تعالى : # ( @QUR@09 كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر (9) ~~@QUR@05 فدعا ربه أني مغلوب فانتصر (10) @QUR@05 ففتحنا أبواب السماء بماء ~~منهمر (11) PageV14P100 # @QUR@09 وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر (12) @QUR@05 ~~وحملناه على ذات ألواح ودسر (13) @QUR@06 تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر ~~(14) @QUR@06 ولقد تركناها ms5387 آية فهل من مدكر (15) @QUR@04 فكيف كان عذابي ~~ونذر (16) @QUR@07 ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) (17) # وقصة نوح عليه السلام مع قومه ، قد وردت بصورة أكثر تفصيلا في سور أخرى. ~~كسورة هود ، والمؤمنون ، ونوح ، والأعراف. # ولكنها جاءت هنا كغيرها من القصص بصورة حاسمة قاصمة ، تزلزل النفوس ، ~~وتفتح العيون على مصارع الغابرين ، لكي يعتبر الكافرون ، وينتهوا عن كفرهم. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@04 كذبت قبلهم قوم نوح ... ) شروع في تعداد ~~بعض ما ذكر من الأنباء الموجبة للانزجار ، ونوع تفصيل لها ، وبيان لعدم ~~تأثرهم بها ، تقريرا لفحوى قوله : ( @QUR@03 فما تغن النذر ). # والفعل «كذبت» منزل منزلة اللازم. أى : فعل التكذيب قبل قومك قوم نوح .. (1). # وفي هذه الجملة الكريمة تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم لأن المصيبة إذا ~~عمت خفت ، وشبيه بهذه الآية قوله سبحانه : ( @QUR@07 وإن يكذبوك فقد كذبت ~~رسل من قبلك ... ). # وأسند سبحانه التكذيب إلى جميع قوم نوح عليه السلام . لأن الذين آمنوا به ~~منهم عدد قليل ، كما قال تعالى : في سورة هود : ( @QUR@05 وما آمن معه إلا ~~قليل ). # وقوله تعالى : ( @QUR@02 فكذبوا عبدنا ) تأكيد لتكذيبهم له عليه السلام ، ~~فكأنه سبحانه يقول : إن قوم نوح عليه السلام قد أصروا على تكذيبهم لعبدنا ~~ونبينا ، وتواصوا بهذا التكذيب فيما بينهم ، حتى لكأن الكبار قد أوصوا به ~~الصغار. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى قوله : ( @QUR@02 فكذبوا عبدنا ) ~~بعد قوله : ( @QUR@01 كذبت )؟ قلت معناه : كذبوا فكذبوا عبدنا. أى : كذبوه ~~تكذيبا على عقب تكذيب ، كلما مضى منهم قرن مكذب ، تبعهم قرن مكذب. # أو معناه : كذبت قوم نوح الرسل ، فكذبوا عبدنا ، أى : لما كانوا مكذبين ~~بالرسل ، PageV14P101 # جاحدين للنبوة رأسا ، كذبوا نوحا لأنه من جملة الرسل .. (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 وقالوا مجنون وازدجر ) بيان لما كانوا عليه من ~~انطماس بصيرة ، ومن سوء خلق .. أى : أنهم لم يكتفوا بتكذيب نبيهم ومرشدهم ~~وهاديهم إلى الخير. بل أضافوا إلى ذلك وصفه بالجنون ، والاعتداء عليه ~~بأنواع الأذى والترهيب. # فقوله : ( @QUR@01 وازدجر ) معطوف على قوله ( @QUR@01 قالوا ) وهو مأخوذ ~~من الزجر بمعنى المنع والتخويف ، وصيغة الافتعال للمبالغة في زجره وإيذائه. # وقد حكى القرآن في ms5388 آيات أخرى ألوانا من هذا الزجر والإيذاء ومن ذلك قوله ~~تعالى كما حكى عنهم : ( @QUR@09 قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من ~~المرجومين ). # ثم حكى سبحانه ما فعله نوح عليه السلام بعد أن صبر على إيذاء قومه فقال : ~~( @QUR@05 فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ). # أى : وبعد أن يئس نوح عليه السلام من إيمان قومه .. تضرع إلى ربه قائلا : ~~يا رب إن قومي قد غلبوني بقوتهم وتمردهم ... فانتصر لي منهم ، فأنت أقوى ~~الأقوياء ، وأعظم نصير للمظلومين والمغلوبين على أمرهم من أمثالى. # وحذف متعلق «فانتصر» للإيجاز. أى : فانتقم لي منهم. # ولقد كانت نتيجة هذا الدعاء ، الإجابة السريعة ، كما يشعر بذلك التعبير ~~بالفاء في قوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@05 ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر ). # أى : فأجبنا لنوح دعاءه ، ففتحنا أبواب السماء بماء كثير منهمر ، أى : ~~منصب على الأرض بقوة وبكثرة وتتابع. يقال : همر فلان الماء يهمر بكسر الميم ~~وضمها إذا صبه بكثرة. وقراءة الجمهور ( @QUR@01 ففتحنا ) بتخفيف التاء ، ~~وقرأ ابن عامر بتشديدها على المبالغة. # قال الجمل : والمراد من الفتح والأبواب والسماء : حقائقها فإن للسماء ~~أبوابا تفتح وتغلق. والباء في قوله : ( @QUR@01 بماء ) للتعدية على ~~المبالغة ، حيث جعل الماء كالآلة التي يفتح بها ، كما تقول : فتحت بالمفتاح ~~.. (2). # وقوله : ( @QUR@03 وفجرنا الأرض عيونا ... ) معطوف على قوله : ( @QUR@01 ~~ففتحنا ) وتفجير الماء : إسالته بقوة وشدة وكثرة ، ومنه قوله تعالى : ( ~~@QUR@010 وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ). PageV14P102 # وقوله : ( @QUR@01 عيونا ) تمييز محول عن المفعول به ، والأصل : وفجرنا ~~عيون الأرض ، ولكن جيء به على هذا الأسلوب المشتمل على التمييز للمبالغة ، ~~حتى لكأن الأرض جميعها قد تحولت إلى عيون متفجرة. # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 فالتقى الماء على أمر قد قدر ) بيان لكمال ~~حكمته تعالى بعد بيان مظاهر قدرته. أى : فاجتمع الماء النازل من السماء ، ~~مع الماء المتفجر من الأرض ، على أمر قد قدره الله تعالى وقضاه أزلا ، وهو ~~هلاك قوم نوح بالطوفان. # فالمراد بالماء : ماء السماء وماء الأرض. # وقال سبحانه ( @QUR@02 فالتقى الماء ) بالإفراد ، لتحقيق أن التقاء ~~الماءين لم يكن بطريقة المجاورة ، بل كان بطريق الاتحاد والاختلاط ms5389 ، حتى ~~لكأن الماء النازل من السماء. والمتفجر من الأرض ، قد التقيا في مكان واحد ~~كما يلتقى الجيشان المعدان لإهلاك غيرهما. # و ( @QUR@01 على ) في قوله تعالى : ( @QUR@04 على أمر قد قدر ) للاستعلاء ~~المفيد لشدة التمكن والمطابقة. أى : التقى الماء بعضه ببعض على الحال ~~والشأن الذي قدرناه وقضيناه له ، دون أن يحيد على ذلك قيد شعرة ، إذ كل شيء ~~عندنا بمقدار. # ثم بين سبحانه بعض مظاهر فضله على عبده نوح عليه السلام فقال : ( @QUR@07 ~~وحملناه على ذات ألواح ودسر ، تجري بأعيننا ... ). # والدسر : جمع دسار ككتاب وكتب أى : مسامير تربط بعض الخشب ببعض ، وأصل ~~الدسر : الدفع الشديد بقوة ، سمى به المسمار ، لأنه يدق في الخشب فيدفع بقوة. # وقيل : الدسر : الخيوط التي تشد بها ألواح السفينة ، وقيل الدسر : صدرها ~~ومقدمتها ، وقوله : ( @QUR@03 ذات ألواح ودسر ) صفة لموصوف محذوف. # أى : وحملنا نوحا ومن معه من المؤمنين ، على سفينة ذات ألواح من الخشب ~~ومسامير يشد بها هذا الخشب ويربط .. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@05 وحملناه على ذات ألواح ودسر ) أراد ~~السفينة ، وهو من الصفات التي تقوم مقام الموصوفات ، فتنوب منابها ، وتؤدى ~~مؤداها ، بحيث لا يفصل بينها وبينها. وهذا من فصيح الكلام وبديعه .. (1). PageV14P103 # وعدى فعل ( @QUR@01 وحملناه ) إلى نوح وحده ، مع أن السفينة حملت معه ~~المؤمنين ، لأن هذا الحمل كان إجابة لدعوته ، وقد جاءت آيات أخرى أخبرت بأن ~~المؤمنين كانوا معه في السفينة ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : ( @QUR@015 ~~فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك ، فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم ~~الظالمين ... ). # وقوله ( @QUR@02 تجري بأعيننا ) أى تجرى هذه السفينة بمرأى منا ، وتحت ~~رعايتنا وقدرتنا. # ثم بين سبحانه الأسباب التي جعلت قوم نوح محل غضب الله تعالى ونقمته فقال ~~: ( @QUR@04 جزاء لمن كان كفر ). # وقوله : ( @QUR@01 جزاء ) مفعول لأجله ، لقوله : ( @QUR@01 ففتحنا ) وما ~~عطف عليه ، أى : فعلنا ما فعلنا من فتح السماء بماء منهمر ، جزاء لكفرهم ~~بالله تعالى وبنبيه نوح عليه السلام الذي كان نعمة لهم ، ولكنهم كفروها ولم ~~يشكروا الله عليها ، فاستحقوا الغرق والدمار. # وحذف سبحانه متعلق ( @QUR@01 كفر ) لدلالة الكلام عليه ، أى : كفر به. ms5390 # قال الآلوسى. وقوله : ( @QUR@04 جزاء لمن كان كفر ) أى : فعلنا ذلك جزاء ~~لنوح عليه السلام ، فإنه كان نعمة أنعمها الله تعالى على قومه فكفروها ، ~~وكذا كل نبي نعمة من الله تعالى على أمته. # وجوز أن يكون على حذف الجار ، وإيصال الفعل إلى الضمير ، واستتاره في ~~الفعل ، بعد انقلابه مرفوعا. أى : لمن كفر به ، وهو نوح عليه السلام أى : ~~جحدت نبوته. # فالكفر عليه ضد الإيمان ، وعلى الأول كفران النعمة .. (1). # والضمير المنصوب في قوله تعالى : ( @QUR@03 ولقد تركناها آية ... ) يعود ~~إلى الفعلة المهلكة التي فعلها الله تعالى بقوم نوح عليه السلام . # أى : ولقد تركنا فعلتنا بقوم نوح ، وإهلاكنا لهم ، آية وعلامة لمن بعدهم. ~~وعظة وعبرة لمن يعتبر ويتعظ بها. # ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى : ( @QUR@09 وقوم نوح لما كذبوا الرسل ~~أغرقناهم وجعلناهم للناس آية ... ) (2) ويصح أن يكون الضمير بعود إلى ~~السفينة. أى : ولقد أبقينا هذه السفينة من بعد إهلاك قوم نوح ، علامة وعبرة ~~لمن يشاهدها. PageV14P104 # ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى : ( @QUR@06 فأنجيناه وأصحاب السفينة ، ~~وجعلناها آية للعالمين ) (1). # قال القرطبي : قوله : ( @QUR@03 ولقد تركناها آية ... ) يريد هذه الفعلة عبرة. # وقيل : أراد السفينة ، تركها آية لمن بعد قوم نوح يعتبرون بها فلا يكذبون ~~الرسل .. # قال قتادة : أبقاها الله تعالى بباقردى ، من أرض الجزيرة قرب الموصل ~~بالعراق لتكون عبرة وآية ، حتى نظر إليها أوائل هذه الأمة ، وكم من سفينة ~~صارت بعدها رمادا ... (2). # ويبدو لنا أن الآية الكريمة تتسع للرأيين فهذه العقوبة التي أنزلها ~~سبحانه بقوم نوح عليه السلام بقيت عبرة لمن بعدهم لينزجروا ، ويكفوا عن ~~تكذيب الرسل ، كما أن السفينة قد أبقاها سبحانه بعد إغراقهم إلى الزمن الذي ~~قدره وأراده ، لتكون أيضا عبرة وعظة لغيرهم. # والاستفهام في قوله : ( @QUR@03 فهل من مدكر ) للحض على التذكر والاعتبار ~~، ولفظ ( @QUR@01 مدكر ) أصله مذتكر من الذكر الذي هو ضد النسيان ، فأبدلت ~~التاء دالا مهملة ، وكذا الذال المعجمة ثم أدغمت فيها ، ومنه قوله تعالى : ~~( @QUR@07 وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة ... ) أى : وتذكر بعد نسيان. # أى : ولقد تركنا ما فعلناه بقوم نوح عبرة ، فاعتبروا بذلك أيها ms5391 الناس ، ~~وأخلصوا لله تعالى العبادة والطاعة ، لتنجوا من غضبه وعقابه. # والاستفهام في قوله سبحانه : ( @QUR@04 فكيف كان عذابي ونذر ) للتهويل ~~والتعجيب من شدة هذا العذاب الذي حاق بقوم نوح عليه السلام . # أى : فكيف كان عذابي لهم ، وإنذارى إياهم؟ لقد كانا على كيفية هائلة لا ~~يحيط بها الوصف ، ولا تحدها العبارة. # والنذر : مفردة نذير ، وجمع لتكرار الإنذار من نوح عليه السلام لقومه. # قال الجمل : وقرئ في السبع بإثبات الياء وحذفها. وأما في الرسم فلا تثبت ~~لأنها من ياءات الزوائد ، وكذا يقال في المواضع الآتية كلها .. (3). PageV14P105 # ثم بين سبحانه مظاهر فضله ورحمته على هذه الأمة ، حيث جعل كتابه ميسرا في ~~حفظه وفهمه ، فقال تعالى : ( @QUR@07 ولقد يسرنا القرآن للذكر ، فهل من ~~مدكر ). # أى : والله لقد سهلنا القرآن ( @QUR@01 للذكر ) أى : للتذكر والحفظ ، بأن ~~أنزلناه فصيحا في ألفاظه ، بليغا في تراكيبه ، واضحا في معانيه ، سهل الحفظ ~~لمن أراد أن يحفظه .. فهل من معتبر ومتعظ ، بقصصه ، ووعده ، ووعيده ، وأمره ~~، ونهبه؟. # وقد وردت هذه الآية في أعقاب قصة نوح وهود وصالح ولوط عليهم السلام ، ~~لتأكيد مضمون ما سبق في قوله تعالى : ( @QUR@012 ولقد جاءهم من الأنباء ما ~~فيه مزدجر. حكمة بالغة فما تغن النذر ). # وللتنبيه والإشعار بأن كل قصة من تلك القصص جديرة بإيجاب الاتعاظ ، ~~وكافية في الاعتبار والازدجار ( @QUR@09 لمن كان له قلب ، أو ألقى السمع ~~وهو شهيد ). # والمقصود بالآية الكريمة التحضيض على حفظ القرآن الكريم والاعتبار ~~بمواعظه ، والعمل بما فيه من تشريعات حكيمة ، وآداب قويمة ، وهدايات سامية .. # ثم انتقلت إلى الحديث عن قصة قبيلة عاد مع نبيهم هود عليه السلام فذكرت ما ~~حل بهم من عقاب بسبب كفرهم وطغيانهم ، فقال تعالى : # ( @QUR@06 كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر (18) @QUR@09 إنا أرسلنا عليهم ~~ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر (19) @QUR@06 تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل ~~منقعر (20) @QUR@04 فكيف كان عذابي ونذر (21) @QUR@07 ولقد يسرنا القرآن ~~للذكر فهل من مدكر ) (22) # والمراد بعاد ، تلك القبيلة التي ينتهى نسبها إلى جدهم عاد ، وكانت ~~مساكنهم بالأحقاف في جنوب الجزيرة العربية. وكانوا يعبدون الأصنام ، فأرسل ~~الله تعالى إليهم نبيهم ms5392 هودا عليه السلام لكي يأمرهم بعبادة الله تعالى وحده ~~، وينهاهم عن عبادة غيره .. # وقد جاء الحديث عنهم بصورة أكثر تفصيلا ، في سور : الأعراف ، وهود ، ~~والشعراء ، والأحقاف ... ولم تعطف قصتهم هنا على قصة نوح التي قبلها ، ~~للإشعار بأنها قصة مستقلة جديرة بأن يعتبر بها المعتبرون ، ويتعظ بها ~~المتعظون .. PageV14P106 # وحذف المفعول في قوله : ( @QUR@02 كذبت عاد ) للعلم به وهو نبيهم هود ~~عليه السلام أى : كذبت قبيلة عاد نبيها هودا عليه السلام . # والاستفهام في قوله سبحانه : ( @QUR@04 فكيف كان عذابي ونذر ) للتهويل ، ~~ولتشويق السامعين إلى معرفة العذاب الشديد الذي حل بهم. أى : كذبت قبيلة ~~عاد نبيها ، فهل علمتم ما حل بها من دمار وهلاك؟ إن كنتم لم تعلموا ذلك ~~فهاكم خبره .. # ( @QUR@05 إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا ... ) أى : إنا أرسلنا عليهم ريحا ~~شديدة البرودة والقوة ، ذات صوت هائل. # ( @QUR@04 في يوم نحس مستمر ) أى : في يوم مشئوم عليهم ، وشؤمه دائم ~~ومستمر لم ينقطع عنهم حتى دمرهم. # قال ابن كثير : قوله : ( @QUR@01 مستمر ) أى : مستمر عليهم نحسه ودماره ، ~~لأنه يوم اتصل فيه عذابهم الدنيوي بالأخروى .. (1). # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@019 فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في ~~أيام نحسات ، لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ، ولعذاب الآخرة أخزى ~~وهم لا ينصرون ) (2). # وإضافة «يوم» إلى «نحس» من إضافة الزمان إلى ما يقع فيه ، كقولهم : يوم ~~فتح خيبر ... # والمراد أنه يوم منحوس ومشئوم بالنسبة لهؤلاء المهلكين ، وليس المراد أنه ~~يوم منحوس بذاته ، لأن الأيام يداولها الله تعالى بين الناس ، بمقتضى ~~إرادته وحكمته. # وقوله : ( @QUR@06 تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر ) بيان لقوة هذه ~~الريح وشدتها .. # والنزع : الإزالة للشيء بعنف ، حتى يزول عن آخره ، وينفصل عما كان متصلا به. # والمراد بالناس : هؤلاء المهلكين من قوم هود عليه السلام . # والأعجاز : جمع عجز ، وهو مؤخر الشيء وأسفله. وأعجاز النخل : أصولها التي ~~تقوم عليها. والمراد بها هنا : النخل بتمامه ما عدا الفروع. # وقوله : ( @QUR@01 منقعر ) اسم فاعل انقعر ، مطاوع قعره أى : بلغ قعره ~~بالحفر ، يقال : قعر فلان البئر إذا بلغ قعرها في الحفر ، وهو صفة للنخل. ~~أى : أن الريح ms5393 لشدتها وقوتها ، كانت PageV14P107 # تقتلعهم من أماكنهم ، وتلقى بهم بعيدا وهم صرعى ، فكأنهم وهم ممددون على ~~الأرض هلكى ، أعجاز نخل قد انقلع عن أصوله ، وسقط على الأرض ... # قال ابن كثير : وذلك أن الريح كانت تأتى أحدهم ، فترفعه حتى تغيبه عن ~~الأبصار. ثم تنكسه على أم رأسه ، فيسقط على الأرض ، فتنخلع رأسه فيبقى جثة ~~بلا رأس ، ولهذا قال : ( @QUR@04 كأنهم أعجاز نخل منقعر ) (1). # فالآية الكريمة فيها ما فيها من التفظيع لما أصابهم من هلاك واستئصال. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@021 وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر ~~عاتية. سخرها عليهم سبع ليال ، وثمانية أيام حسوما ، فترى القوم فيها صرعى ~~، كأنهم أعجاز نخل خاوية ) (2). # ثم ختم سبحانه قصة هؤلاء الطغاة ، بمثل ما ختم به قصة قوم نوح ، من تذكير ~~للناس بما أصاب هؤلاء الظالمين من عذاب أليم ، ومن دعوتهم إلى الاعتبار ~~بقصص القرآن ، وزواجره ووعده ووعيده .. فقال تعالى : ( @QUR@011 فكيف كان ~~عذابي ونذر. ولقد يسرنا القرآن للذكر ، فهل من مدكر ). # ثم جاءت بعد قصة قوم هود ، قصة قوم صالح عليهما السلام فقال سبحانه : # ( @QUR@03 كذبت ثمود بالنذر (23) @QUR@010 فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه ~~إنا إذا لفي ضلال وسعر (24) @QUR@09 أألقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب ~~أشر (25) @QUR@05 سيعلمون غدا من الكذاب الأشر (26) @QUR@07 إنا مرسلوا ~~الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر (27) @QUR@08 ونبئهم أن الماء قسمة بينهم ~~كل شرب محتضر (28) @QUR@04 فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر (29) @QUR@04 فكيف ~~كان عذابي ونذر (30) @QUR@03 إنا أرسلنا عليهم PageV14P108 # @QUR@05 صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر (31) @QUR@07 ولقد يسرنا القرآن ~~للذكر فهل من مدكر ) (32) # وقصة قبيلة ثمود مع نبيهم صالح عليه السلام قد وردت في سور متعددة منها ~~سورة الأعراف ، وسورة هود ، وسورة الشعراء ، وسورة النمل. # وينتهى نسبهم إلى جدهم ثمود ، وقيل سموا بذلك لقلة ماء المكان الذي كانوا ~~يعيشون فيه ، لأن الثمد هو الماء القليل. # وكانت مساكنهم بالحجر بكسر الحاء وسكون الجيم ، وهو مكان يقع بين الحجاز ~~والشام ، وما زال معروفا إلى الآن. # ونبيهم صالح عليه السلام ينتهى نسبه إلى نوح عليه السلام . # وقوله : ( @QUR@03 كذبت ثمود بالنذر ) أى : كذبت قبيلة ثمود بالنذر ms5394 التي ~~جاءتهم عن طريق رسولهم صالح عليه السلام فالنذر بمعنى الإنذارات التي أنذرهم ~~بها صالح عليه السلام ثم حكى سبحانه مظاهر تكذيبهم فقال : ( @QUR@05 فقالوا ~~أبشرا منا واحدا نتبعه ... ). # و «بشرا» منصوب على المفعولية بالفعل «نتبعه» على طريقة الاشتغال ، وقدم ~~لاتصاله بهمزة الاستفهام ، لأن حقها التصدير ، والاستفهام للإنكار ، وواحدا ~~صفة لقوله ( @QUR@01 بشرا ). أى : أن قوم صالح عليه السلام حين جاءهم ~~برسالته التي تدعوهم إلى إخلاص العبادة لله تعالى ، أنكروا ذلك ، وقالوا : ~~أنتبع واحدا من البشر جاءنا بهذا الكلام الذي يخالف ما كان عليه آباؤنا ~~وأجدادنا؟. # ( @QUR@05 إنا إذا لفي ضلال وسعر ) أى : إنا إذا لو اتبعناه لصرنا في ~~ضلال عظيم ، وفي ( @QUR@01 سعر ) أى وفي جنون واضح ، ومنه قولهم : ناقة ~~مسعورة ، إذا كانت لا تستقر على حال ، وتفرط في سيرها كالمجنونة. # أو المعنى : إنا لو اتبعناه لكنا في ضلال ، وفي نيران عظيمة. فالسعر ~~بمعنى النار المسعرة ، ثم أخذوا في تفنيد دعوته ، فقالوا : ( @QUR@05 أألقي ~~الذكر عليه من بيننا .. ) والاستفهام للإنكار والنفي. والمراد بالإلقاء : ~~الإنزال. وبالذكر : الوحى الذي أوحاه الله تعالى إليه ، وبلغه لهم. أى : ~~أأنزل الوحى على صالح وحده دوننا؟ لا لم ينزل عليه الوحى دوننا ، فهو واحد ~~من أفنائنا ، وليس من أشرافنا ... PageV14P109 # ( @QUR@04 بل هو كذاب أشر ) أى : بل صالح فيما يدعونا إليه كذاب ( ~~@QUR@01 أشر ) أى : بطر متكبر ، معجب بنفسه ، يقال : أشر فلان ، إذا أبطرته ~~النعمة ، وصار مغرورا متكبرا على غيره ، ولا يستعمل نعم الله فيما خلقت له. # وهكذا الجاهلون الجاحدون ، يقلبون الحقائق ، وتصير الحسنات في عقولهم ~~سيئات ، فصالح عليه السلام الذي جاءهم بما يسعدهم ، أصبح في نظرهم كذابا ~~مغرورا ، لا يليق بهم أن يتبعوه .. # وقد رد سبحانه عليهم ردا يحمل لهم التهديد والوعيد ، فقال تعالى : ( ~~@QUR@05 سيعلمون غدا من الكذاب الأشر ). # أى : سيعلم هؤلاء الكافرون ، في الغد القريب يوم ينزل بهم العذاب المبين ~~، من هو الكذاب في أقواله ، ومن هو المغرور المتكبر على غيره ، أصالح ~~عليه السلام أم هم؟! والتعبير بالسين في قوله ( @QUR@01 سيعلمون ) لتقريب ~~مضمون الجملة وتأكيده. # والمراد بقوله : ( @QUR@01 غدا ) الزمن المستقبل القريب ms5395 الذي سينزل فيه ~~العذاب عليهم .. # ثم بين سبحانه بعد ذلك ، ما أمر به نبيه صالحا عليه السلام فقال : ( ~~@QUR@015 إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم ، فارتقبهم واصطبر ، ونبئهم أن الماء ~~قسمة بينهم كل شرب محتضر ). # وقوله : ( @QUR@02 مرسلوا الناقة ) أى : مخرجوها وباعثوها ، لأنهم ~~اقترحوا على نبيهم صالح أن يأتيهم بمعجزة تدل على صدقه ، لكي يتبعوه ، ~~فأخرج الله تعالى لهم تلك الناقة ، من مكان مرتفع قريب منهم. # وإلى هذا المعنى أشار سبحانه في آيات أخرى منها قوله تعالى : ( @QUR@025 ~~قالوا إنما أنت من المسحرين. ما أنت إلا بشر مثلنا. فأت بآية إن كنت من ~~الصادقين. قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ) (1). # وقوله ( @QUR@01 فتنة ) أى : اختبارا وامتحانا لهم ، فهو مفعول لأجله. # وقوله : ( @QUR@01 فارتقبهم ) من الارتقاب بمعنى الانتظار ، ومثله ( ~~@QUR@01 واصطبر ) فهو من الاصطبار ، وأل في قوله : ( @QUR@05 ونبئهم أن ~~الماء قسمة بينهم .. ) للعهد. أى : الماء المعهود لهم ، وهو ماء قريتهم ~~الذي يستعملونه في حوائجهم المتنوعة. # وقوله : ( @QUR@01 قسمة ) بمعنى المقسوم ، وعبر عنه بالمصدر للمبالغة. PageV14P110 # والضمير في «بينهم» يعود عليهم وعلى الناقة ، وجيء بضمير العقلاء على ~~سبيل التغليب. وقوله : ( @QUR@01 محتضر ) اسم مفعول من الحضور الذي هو ضد ~~الغيبة ، وحذف المتعلق لظهوره. أى : محتضر عنده صاحبه. # والشرب : النصيب والمرة من الشرب. # أى : وقلنا لنبينا صالح على سبيل الإرشاد والتعليم ، بعد أن طلب منه قومه ~~معجزة تدل على صدقه. قلنا له. أخبرهم أننا سنرسل الناقة ، وسنخرجها لهم ~~أمام أعينهم ، لتكون دليلا على صدقك ، ولتكون امتحانا واختبارا لهم ، حتى ~~يظهر لك وللناس أيؤمنون أم يصرون على كفرهم. # ( @QUR@01 فارتقبهم ) أيها الرسول الكريم ، وانتظر ماذا سيصنعون بعد ذلك ~~( @QUR@01 واصطبر ) على أذاهم صبرا جميلا ، حتى يحكم الله بينك وبينهم. # ( @QUR@01 ونبئهم ) أى. وأخبرهم خبرا هاما ، هذا الخبر هو ( @QUR@02 أن ~~الماء ) الذي يستقون منه ( @QUR@02 قسمة بينهم ) وبين الناقة ، أى : مقسوم ~~بينهم وبينها ، فهم لا يشاركونها في يوم شربها ، وهي لا تشاركهم في يوم شربهم. # ( @QUR@03 كل شرب محتضر ) أى : كل نصيب من الماء يحضره من هوله ، فالناقة ~~تحضر إلى الماء في يومها ، وهم يحضرون إليه في ms5396 يوم آخر. # ففي هاتين الآيتين تعليم حكيم من الله تعالى لنبيه صالح ، وإرشاد له إلى ~~ما يجب أن يسلكه معهم ، بيقظة واعية يدل عليها قوله تعالى : ( @QUR@01 ~~فارتقبهم ) وبصبر جميل لا يأس معه ولا ضجر ، كما يشير إليه قوله تعالى : ( ~~@QUR@01 واصطبر ). # وسياق القصة ينبئ عن كلام محذوف ، يعلم من سياقها ، والتقدير : أرسلنا ~~الناقة ، وقلنا له أخبرهم ، أن الماء مقسوم بينهم وبين الناقة واستمروا على ~~ذلك فترة من الزمان ، ولكنهم ملوا هذه القسمة ، ولم يرتضوها ، وأجمعوا على ~~قتل الناقة .. # ( @QUR@02 فنادوا صاحبهم ) وهو «قدار بن سالف» وهو المعبر عنه بقوله ~~تعالى في آية أخرى : ( @QUR@03 إذ انبعث أشقاها ). # وعبر عنه سبحانه بصاحبهم ، لأنه كان معروفا ، وزعيما من زعمائهم .. # والمقصود بندائهم إياه : إغراؤه بعقر الناقة وقتلها ، مخالفين بذلك وصية ~~نبيهم لهم بقوله ( @QUR@07 ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم ). # وقوله تعالى : ( @QUR@02 فتعاطى فعقر ) مفرع على ما قبله ، وقوله : ( ~~@QUR@01 فتعاطى ) مطاوع PageV14P111 # للفعل عاطاه ، وهو مشتق من عطا يعطو ، إذا تناول الشيء. # وهذه الصيغة «تعاطى» تشير إلى تعدد الفاعل ، فكأن هذا النداء بقتل الناقة ~~، تدافعوه فيما بينهم ، وألقاه بعضهم على بعض ، فكان كل واحد منهم يدفعه ~~إلى غيره ، حتى استقر عند ذلك الشقي الذي ارتضى القيام به وتولى كبره ، حيث ~~عقر الناقة ، فمفعول «عقر» محذوف للعلم به. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@01 فتعاطى ) العقر ، أى : فاجترأ على تعاطيه ~~مع عظمه غير مكترث به. # ( @QUR@01 فعقر ) أى : فأحدث العقر بالناقة ، وجوز أن يكون فتعاطى الناقة ~~فعقرها. أو : فتعاطى السيف فقتلها ، وعلى كل فمفعول تعاطى محذوف .. (1). # ولا تعارض بين هذه الآية التي تثبت أن الذي عقر الناقة هو هذا الشقي ، ~~وبين الآيات الأخرى التي تصرح بأنهم هم الذين عقروها ، كما في قوله تعالى ( ~~@QUR@07 فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ... ). # لأن المقصود أن القوم قد اتفقوا على هذا القتل للناقة ، فنادوا واحدا ~~منهم لتنفيذه ، فنفذه وهم له مؤيدون ، فصاروا كأنهم جميعا عقروها ، لرضاهم ~~بفعله ، والعقر. يطلق على القتل والذبح والجرح ، والمراد هنا : قتلها ~~ونحرها. # والتعبير بقوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@04 فكيف كان عذابي ms5397 ونذر ) يشير ~~إلى هول العقوبة التي نزلت بهم ، بسبب ما فعلوه من عقر الناقة ، ومن ~~تكذيبهم لنبيهم. # أى : انظر وتدبر أيها العاقل كيف كان عذابي وإنذارى لهؤلاء القوم؟ لقد ~~كان شيئا هائلا لا تحيط به العبارة. # ثم فصل سبحانه هذا العقاب فقال : ( @QUR@08 إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة ~~فكانوا كهشيم المحتظر ). # والهشيم : ما تهشم وتفتت وتكسر من الشجر اليابس ، مأخوذ من الهشم بمعنى ~~الكسر للشيء اليابس ، أو الأجوف. # والمحتظر : هو الذي يعمل الحظيرة التي تكون مسكنا للحيوانات. # أى : إنا أرسلنا عليهم بقدرتنا ومشيئتنا صيحة واحدة صاحها بهم جبريل عليه PageV14P112 # السلام فصاروا بعدها كغصون الأشجار اليابسة المكسرة ، يجمعها إنسان ليعمل ~~منها حظيرة لسكنى حيواناته. # والمقصود بهذا التشبيه ، بيان عظم ما أصابهم من عقاب مبين ، جعلهم ، ~~كالأعواد الجافة حين تتحطم وتتكسر ويجمعها الجامع ليصنع منها حظيرته ، أو ~~لتكون تحت أرجل مواشيه. # وهذا العذاب عبر عنه هنا وفي سورة هود بالصيحة فقال : ( @QUR@04 وأخذ ~~الذين ظلموا الصيحة ... ). # وعبر عنه في سورة الأعراف بالرجفة فقال : ( @QUR@02 فأخذتهم الرجفة ... ) ~~وعبر عنه في سورة فصلت بالصاعقة فقال : ( @QUR@014 وأما ثمود فهديناهم ~~فاستحبوا العمى على الهدى. فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون ). # وعبر عنه في سورة الحاقة بالطاغية ، فقال : ( @QUR@04 فأما ثمود فأهلكوا ~~بالطاغية ... ). # ولا تعارض بين هذه التعبيرات لأنها متقاربة في معناها ، ويكمل بعضها بعضا ~~، وهي تدل على شدة ما أصابهم من عذاب. # فكأنه سبحانه يقول : لقد نزل بهؤلاء المكذبين الصيحة التي زلزلت كيانهم ، ~~فصعقتهم وأبادتهم ، وجعلتهم كعيدان الشجر اليابس .. # ثم ختم سبحانه هذه القصة بما ختم به سابقتها فقال : ( @QUR@07 ولقد يسرنا ~~القرآن للذكر فهل من مدكر ). # وجاءت بعد قصة قوم صالح ، قصة قوم لوط عليهما السلام فقال تعالى : # ( @QUR@04 كذبت قوم لوط بالنذر (33) @QUR@09 إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا ~~آل لوط نجيناهم بسحر (34) @QUR@07 نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر (35) ~~@QUR@05 ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر (36) @QUR@09 ولقد راودوه عن ~~ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر (37) @QUR@05 ولقد صبحهم بكرة عذاب ~~مستقر (38) @QUR@03 فذوقوا عذابي ونذر (39) @QUR@07 ولقد يسرنا القرآن ~~للذكر فهل من مدكر ) (40) PageV14P113 # وقصة لوط ms5398 عليه السلام قد وردت في سور متعددة ، منها : سور الأعراف ، وهود ~~، والشعراء ، والنمل ، والعنكبوت ... # ولوط عليه السلام هو على الراجح ابن أخى إبراهيم عليه السلام ، وكان قد آمن ~~به وهاجر معه إلى أرض الشام ، فبعثه الله تعالى إلى أهل سدوم. وهي قرية ~~بوادي الأردن وكالوا يأتون الفواحش التي لم يسبقهم إليها أحد .. # وقوله تعالى ( @QUR@04 كذبت قوم لوط بالنذر ) أى : كذبوا بالإنذارات ~~والتهديدات التي هددهم بها نبيهم لوط ، إذا لم يستجيبوا لإرشاداته وأمره ~~ونهيه .... # فكانت نتيجة هذا التكذيب والفجور الذي انغمسوا فيه الهلاك والدمار كما ~~قال تعالى : ( @QUR@04 إنا أرسلنا عليهم حاصبا ... ). # والحاصب : الريح التي تحصب ، أى : ترمى بالحصباء ، وهي الحجارة الصغيرة ~~التي تهلك من نصيبه بأمر الله تعالى . # فقوله : ( @QUR@01 حاصبا ) صفة لموصوف محذوف وهو الريح ، وجيء به مذكرا ~~لكون موصوفه وهو الريح في تأويل العذاب ، أى : إنا أرسلنا عليهم عذابا ~~حاصبا أهلكهم .. # والاستثناء في قوله سبحانه : ( @QUR@05 إلا آل لوط نجيناهم بسحر ) ~~استثناء متصل ، لأنهم من قومه. والسحر : هو الوقت الذي يختلط فيه سواد آخر ~~الليل ، ببياض أول النهار وهو قبيل مطلع الفجر بقليل. # أى : إنا أرسلنا عليهم ريحا شديدة ترميهم بالحصباء فتهلكهم ، إلا آل لوط ~~، وهم من آمن به من قومه ، فقد نجيناهم من هذا العذاب المهلك في وقت السحر ~~، فالباء في قوله ( @QUR@01 بسحر ) بمعنى «في» الظرفية. أو هي للملابسة ، ~~أى : حال كونهم متلبسين بسحر. # وقوله تعالى ( @QUR@03 نعمة من عندنا ... ) علة الإيحاء ، والنعمة بمعنى ~~الإنعام ، أى : أنجينا آل لوط من العذاب الذي نزل بقومه على سبيل الإنعام ~~الصادر من عندنا عليهم لا من عند غيرنا. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 كذلك نجزي من شكر ) بيان لسبب هذا الإنعام ~~والإيحاء .. # أى : مثل هذا الجزاء العظيم ، المتمثل في إيحائنا للمؤمنين من آل لوط وفي ~~إنعامنا عليهم .. نجازي كل شاكر لنا ، ومستجيب لأمرنا ونهينا. # فالآية الكريمة بشارة للمؤمنين الشاكرين حتى يزدادوا من الطاعة لربهم ، ~~وتعريض بسوء مصير الكافرين الذين لم يشكروا الله تعالى على نعمه. PageV14P114 # وفي قوله تعالى : ( @QUR@02 من عندنا ) تنويه عظيم بهذا الإنعام ، لأنه ~~صادر من ms5399 عنده تعالى الذي لا تعد ولا تحصى نعمه. # ثم بين سبحانه الأسباب التي أدت بقوم لوط إلى الدمار والهلاك فقال : ( ~~@QUR@05 ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر ... ). # والبطشة : المرة من البطش ، بمعنى الأخذ بعنف وقوة ، والمراد بها هنا : ~~الإهلاك الشديد. # والتمارى : تفاعل من المراء بمعنى الجدال ، والمراد به هنا : التكذيب ~~والاستهزاء ، ولذا عدى بالباء دون في. أى : والله لقد أنذرهم لوط ~~عليه السلام وخوفهم من عذابنا الشديد الذي لا يبقى ولا يذر ، ولكنهم كذبوه ~~واستهزءوا به ، وبتهديده وبتخويفه إياهم. # ثم يحكى سبحانه صورة أخرى من فجورهم فقال : ( @QUR@09 ولقد راودوه عن ~~ضيفه ، فطمسنا أعينهم ، فذوقوا عذابي ونذر ). # والمراودة : مقابلة ، من راد فلان يرود ، إذا جاء وذهب ، لكي يصل إلى ما ~~يريده من غيره عن طريق المحايلة والمخادعة. # والمراد بضيفه ضيوفه من الملائكة الذين جاءوا إلى لوط عليه السلام لإخباره ~~بإهلاك قومه ، وبأن موعدهم الصبح ... أى : والله لقد حاول هؤلاء الكفرة ~~الفجرة المرة بعد المرة ، مع لوط عليه السلام أن يمكنهم من فعل الفاحشة مع ~~ضيوفه ... # فكانت نتيجة محاولاتهم القبيحة أن ( @QUR@02 فطمسنا أعينهم ) أى حجبناها ~~عن النظر ، فصاروا لا يرون شيئا أمامهم. # قال القرطبي : يروى أن جبريل عليه السلام ضربهم بجناحه فعموا ، وقيل : ~~صارت أعينهم كسائر الوجه لا يرى لها شق. كما تطمس الريح الأعلام بما تسفى ~~عليها من التراب. وقيل : طمس الله على أبصارهم فلم يروا الرسل (1). # وعدى سبحانه فعل المراودة بعن. لتضمينه معنى الإبعاد والدفع. أى : حاولوا ~~دفعه عن ضيوفه ، ليتمكنوا منهم. # وأسند المراودة إليهم جميعا : لرضاهم عنها ، بقطع النظر عمن قام بها. # وقوله : ( @QUR@03 فذوقوا عذابي ونذر ) مقول لقول محذوف ، أى طمسنا ~~أعينهم وقلنا لهم : ذوقوا عذابي الشديد الذي سينزل بكم ، بسبب تكذيبكم ~~لرسولي ، واستخفافكم بما وجه إليكم من تخويف وإنذار. PageV14P115 # والمراد من هذا الأمر : الخبر. أى : فأذقتهم عذابي الذي أنذرهم به لوط ~~عليه السلام . # ثم بين سبحانه ما حل بهم من عذاب فقال : ( @QUR@05 ولقد صبحهم بكرة عذاب ~~مستقر ... ). والبكرة : أول النهار وهو وقت الصبح ، وجيء بلفظ بكرة ~~للإشعار بتعجيل العذاب لهم ms5400 ، أى : والله لقد نزل بهم عذابنا في الوقت ~~المبكر من الصباح نزولا دائما ثابتا مستقرا لا ينفك عنهم ، ولا ينفكون عنه ~~.. وقلنا لهم : ذوقوا عذابي ، وسوء عاقبة تكذيبكم لرسولي لوط عليه السلام . # ثم ختم سبحانه قصتهم بما ختم به القصص السابقة فقال : ( @QUR@07 ولقد ~~يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ). # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما فائدة تكرير قوله : ( @QUR@010 فذوقوا ~~عذابي ونذر. ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر )؟. # قلت : فائدته أن يجددوا عند استماع كل نبأ من أنباء الأولين ادكارا ~~واتعاظا ، وأن يستأنفوا تنبها واستيقاظا إذا سمعوا الحث على ذلك والبعث ~~عليه ، وأن يقرع لهم العصا مرات ، ويقعقع لهم الشن تارات لئلا يغلبهم السهو ~~، ولا تستولى عليهم الغفلة ، وهذا حكم التكرير ، كقوله : ( @QUR@04 فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان ) عند كل نعمة عدها في سورة الرحمن. # وكقوله : ( @QUR@03 ويل يومئذ للمكذبين ) عند كل آية أوردها في سورة ~~المرسلات ، وكذلك تكرير الأنباء والقصص في أنفسها ، لتكون تلك العبر حاضرة ~~للقلوب ، مصورة للأذهان ، مذكورة غير منسية في كل أوان .. (1). # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة ، ببيان ما حل بفرعون وقومه ، وبتحذير ~~مشركي قريش من سوء عاقبة كفرهم ، وببيان ما أعد لهم من عذاب يوم القيامة ، ~~وبتبشير المتقين بحسن العاقبة فقال تعالى : # ( @QUR@05 ولقد جاء آل فرعون النذر (41) @QUR@07 كذبوا بآياتنا كلها ~~فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر (42) @QUR@09 أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة ~~في الزبر (43) @QUR@05 أم يقولون نحن جميع منتصر (44) @QUR@02 سيهزم الجمع PageV14P116 # @QUR@02 ويولون الدبر (45) @QUR@06 بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر ~~(46) @QUR@05 إن المجرمين في ضلال وسعر (47) @QUR@09 يوم يسحبون في النار ~~على وجوههم ذوقوا مس سقر (48) @QUR@05 إنا كل شيء خلقناه بقدر (49) @QUR@06 ~~وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر (50) @QUR@06 ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من ~~مدكر (51) @QUR@05 وكل شيء فعلوه في الزبر (52) @QUR@04 وكل صغير وكبير ~~مستطر (53) @QUR@05 إن المتقين في جنات ونهر (54) @QUR@06 في مقعد صدق عند ~~مليك مقتدر ) (55) # وقصة فرعون وملئه مع موسى عليه السلام قد تكررت في سور متعددة ، منها سور ~~: الأعراف ، ويونس ، وهود ، وطه ، والشعراء ، والقصص. # وهنا جاء الحديث عن فرعون وملئه في آيتين ، بين ms5401 سبحانه ما حل بهم من عذاب ~~، بسبب تكذيبهم لآيات الله تعالى ، فقال سبحانه : ( @QUR@05 ولقد جاء آل ~~فرعون النذر ). # والمراد بآل فرعون : أقرباؤه وحاشيته وأتباعه الذين كانوا يؤيدونه ~~ويناصرونه. # والنذر : جمع نذير ، اسم مصدر بمعنى الإنذار ، وجيء به بصيغة الجمع ، ~~لكثرة الإنذارات التي وجهها موسى عليه السلام إليهم. # أى : والله لقد جاء إلى فرعون وآله ، الكثير من الإنذارات والتهديدات على ~~لسان نبينا موسى عليه السلام ولكنهم لم يستجيبوا له ... # بل ( @QUR@03 كذبوا بآياتنا كلها ) أى : بل كذبوا بجميع المعجزات التي ~~أيدنا موسى عليه السلام بها ، والتي كانت تدل أعظم دلالة على صدقه فيما ~~يدعوهم إليه. # وأكد سبحانه هذه المعجزات بقوله ، كلها للإشعار بكثرتها ، وبأنهم قد ~~أنكروها جميعا دون أن يستثنوا منها شيئا. # وقوله : ( @QUR@04 فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر ) بيان لشدة العذاب الذي نزل ~~بهم إذ الأخذ PageV14P117 # مستعار ، للانتقام الشديد ، وانتصاب ( @QUR@01 أخذ ... ) على المفعولية ~~المطلقة ، وإضافته إلى «عزيز مقتدر» من إضافة المصدر إلى فاعله. # والعزيز : الذي لا يغلبه غالب ، والمقتدر : الذي لا يعجزه شيء يريده. # أى : فأخذناهم أخذا لم يبق منهم أحدا ، بل أهلكناهم جميعا ، لأن هذا ~~الأخذ صادر عن الله عز وجل الذي لا يغلبه غالب ، ولا يعجزه شيء. # ووصف سبحانه ذاته هنا بصفة العزة والاقتدار ، للرد على دعاوى فرعون ~~وطغيانه وتبجحه ، فقد وصل به الحال أن زعم أنه الرب الأعلى .. فأخذه سبحانه ~~أخذ عزيز مقتدر ، يحق الحق ويبطل الباطل. # وبعد هذا الحديث المتنوع عن أخبار الطغاة الغابرين ، التفتت السورة ~~الكريمة بالخطاب إلى كفار مكة ، لتحذرهم من سوء عاقبة الاقتداء بالكافرين ، ~~ولتدعوهم إلى التفكر والاعتبار ، فقال تعالى : ( @QUR@09 أكفاركم خير من ~~أولئكم أم لكم براءة في الزبر ). # والاستفهام للنفي والإنكار ، والمراد بالخيرية ، الخيرية الدنيوية ، ~~كالقوة والغنى والجاه ، والسلطان ، والخطاب لأهل مكة. # والبراءة من الشيء : التخلص من تبعاته وشروره ، والمراد بها التخلص من ~~العذاب الذي أعده الله تعالى للكافرين ، والسلامة منه. # والزبر : جمع زبور ، وهو الكتاب الذي يكتب فيه. # والمعنى : أكفاركم يا أهل مكة خير من أولئكم السابقين في القوة والغنى ~~والتمكين في الأرض ...؟ أم ms5402 أن لكم عندنا عهدا في كتبنا ، بأن لا نؤاخذكم ~~على كفركم وشرككم ...؟ # كلا ، ليس لكم شيء من ذلك فأنتم لستم بأقوى من قوم نوح وهود وصالح ولوط ، ~~أو من فرعون وملئه ، وأنتم أيضا لم تأخذوا منا عهدا بأن نبرئكم من العقوبة ~~عن كفركم .. # وما دام الأمر كذلك فكيف أبحتم لأنفسكم الإصرار على الكفر والجحود؟ إن ما ~~أنتم عليه من شرك لا يليق بمن عنده شيء من العقل السليم. # ثم انتقل سبحانه إلى توبيخهم على شيء آخر من أقوالهم الباطلة فقال : ( ~~@QUR@05 أم يقولون نحن جميع منتصر ). أى. بل أيقولون نحن جميع يد واحدة ، ~~وسننتصر على من خالفنا وعادانا؟ ولقد توهموا ذلك فعلا ، وجاهروا به. # وقد رد الله تعالى عليهم بما يبطل دعاواهم فقال : ( @QUR@04 سيهزم الجمع ~~ويولون الدبر ) والتعريف في ( @QUR@01 الجمع ) للعهد ، والدبر : الظهر وما ~~أدبر من المتجه إلى الأمام. PageV14P118 # أى : سيهزم جمع هؤلاء الكافرين ويولون أدبارهم نحوكم أيها المؤمنون ~~ويفرون من أمامكم .. # والتعبير بالسين لتأكيد أمر هزيمتهم في المستقبل القريب ، كما في قوله ~~تعالى : ( @QUR@09 قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد ). # والآية الكريمة من باب الإخبار بالغيب ، الدال على إعجاز القرآن الكريم. # قال الآلوسى : والآية من دلائل النبوة ، لأن الآية مكية ، وقد نزلت حيث ~~لم يفرض جهاد ، ولا كان قتال ، ولذا قال عمر يوم نزلت : أى جمع يهزم ، أى : ~~من جموع الكفار. فلما كان يوم بدر ، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب في ~~الدرع وهو يقول ( @QUR@04 سيهزم الجمع ويولون الدبر ) فعرفت تأويلها يومئذ ~~.. (1). # ثم بين سبحانه أن هزيمة المشركين ستعقبها هزيمة أشد منها ، وأنكى فقال : ~~( @QUR@06 بل الساعة موعدهم ، والساعة أدهى وأمر ). # والمراد بالساعة ، يوم القيامة «وأدهى» : اسم تفضيل من الداهية ، وهي ~~الأمر المنكر الفظيع الذي لا يعرف طريق للخلاص منه. # وقوله ( @QUR@01 وأمر ) أى : وأشد مرارة وقبحا. أى : ليس هذا الذي يحصل ~~لهم في الدنيا من هزائم نهاية عقوباتهم ، بل يوم القيامة هو يوم نهاية ~~وعيدهم السيئ ، ويوم القيامة هو أعظم داهية ، وأشد مرارة مما سيصيبهم من ~~عذاب ms5403 دنيوى. # ثم فصل سبحانه ما سينزل بهم من عذاب يوم القيامة فقال : ( @QUR@05 إن ~~المجرمين في ضلال وسعر ). أى : في بعد عن الاهتداء إلى الحق بسبب انطماس ~~بصائرهم ، وإيثارهم الغي على الرشد ، وفي نار مسعرة تغشاهم من فوقهم ومن تحتهم. # ويقال لهم ( @QUR@06 يوم يسحبون في النار على وجوههم ) أى : يوم يجرون في ~~النار على وجوههم ، على سبيل الإهانة والإذلال. # ( @QUR@03 ذوقوا مس سقر ) أى : ويقال لهم : ذوقوا مس جهنم التي كنتم ~~تكذبون بها ، وقاسوا آلامها وعذابها. # فقوله تعالى : ( @QUR@01 سقر ) علم على جهنم ، مأخوذ من سقرت الشمس الشيء ~~وصقرته ، إذا غيرت معالمه وأذابته ، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. PageV14P119 # ثم بين سبحانه بعد ذلك مظاهر كمال قدرته وحكمته فقال : ( @QUR@011 إنا كل ~~شيء خلقناه بقدر. وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ). # وقوله : ( @QUR@01 كل ) منصوب بفعل يفسره ما بعده ، والقدر : ما قدره ~~الله تعالى على عباده ، حسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته. # أى : إنا خلقنا كل شيء في هذا الكون ، بتقدير حكيم ، وبعلم شامل ، ~~وبإرادة تامة وبتصريف دقيق لا مجال معه للعبث أو الاضطراب ، كما قال تعالى ~~: ( @QUR@04 وكل شيء عنده بمقدار )، وكما قال سبحانه : ( @QUR@011 وإن من ~~شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم )، وكما قال عز وجل : ( ~~@QUR@05 وخلق كل شيء فقدره تقديرا ). # قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : وقد استدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة ~~، على إثبات قدر الله السابق لخلقه ، وهو علمه بالأشياء قبل كونها. وردوا ~~بهذه الآية وبما شاكلها ، وبما ورد في معناها من أحاديث على الفرقة القدرية ~~، الذين ظهروا في أواخر عصر الصحابة. # ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة عن أبى هريرة قال ~~: جاء مشركوا قريش يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر ، فنزلت : ( ~~@QUR@014 يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر ، إنا كل شيء خلقناه ~~بقدر ) (1). # والباء في قوله ( @QUR@01 بقدر ) للملابسة. أى : خلقناه ملتبسا بتقدير ~~حكيم ، اقتضته سنتنا ومشيئتنا في وقت لا يعلمه أحد سوانا ... # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ms5404 ) بيان لكمال ~~قدرته تعالى . # واللمح : النظر السريع العاجل الذي لا تريث معه ولا انتظار ، يقال : لمح ~~فلان الشيء إذا أبصره بنظر سريع ... وقوله : ( @QUR@01 واحدة ) صفة لموصوف محذوف. # أى : وما أمرنا وشأننا في خلق الأشياء وإيجادها ، إلا كلمة واحدة وهي قول ~~: «كن» فتوجد هذه الأشياء كلمح البصر في السرعة. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@010 إنما أمره إذا أراد شيئا أن ~~يقول له كن فيكون ). # والمراد بهذه الآية وأمثالها : بيان كمال قدرة الله تعالى وسرعة إيجاده ~~لكل ما يريد PageV14P120 # إيجاده ، وتحذير الظالمين من العذاب الذي متى أراده الله تعالى فلن يدفعه ~~عنهم دافع ، بل سيأتيهم كلمح البصر في السرعة. # والتعبير بقوله : ( @QUR@01 واحدة ) لإفادة أن كل ما يريد الله تعالى ~~إيجاده فسيوجد في أسرع وقت ، وبكلمة واحدة لا بأكثر منها ، سواء أكان ذلك ~~الموجود جليلا أم حقيرا ، صغيرا أم كبيرا ... # ثم بين سبحانه ما يدل على نفاذ هذه القدرة وسرعتها فقال : ( @QUR@06 ولقد ~~أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر ). # والأشياع : جمع شيعة ، وشيعة الرجل : أعوانه وأنصاره ، وكل جماعة من ~~الناس اتفقت في رأيها فهم شيعة. قالوا : وهو مأخوذ من الشياع ، وهو الحطب ~~الصغار الذي يوقد مع الكبار ، حتى تشتعل النار. والمراد به هنا : الأشباه ~~والنظائر. # أى : والله لقد أهلكنا أشباهكم ونظائركم في الكفر من الأمم السابقة ، ~~فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم ، واتعظوا بما نزل بهم من عقاب. # فالمقصود بالآية الكريمة التهديد والتحذير. والاستفهام فيها للحض على ~~الاتعاظ والاعتبار. # ثم بين سبحانه أن كل ما يعمله الإنسان. هو مسجل عليه ، فقال : ( @QUR@05 ~~وكل شيء فعلوه في الزبر ). أى : وكل شيء فعله هؤلاء المشركون وغيرهم ، ~~مكتوب ومحفوظ في كتب الحفظة ، ومسجل عليهم لدى الكرام الكاتبين ، بدون ~~زيادة أو نقصان .. # كما قال تعالى بعد ذلك : ( @QUR@04 وكل صغير وكبير مستطر ) أى : وكل صغير ~~من الأقوال أو الأفعال ، وكل كبير منهما ، فهو مكتوب عندنا ، ومسجل على صاحبه. # فقوله : ( @QUR@01 مستطر ) بمعنى مسطور ومكتتب. يقال : سطر يسطر سطرا ، ~~إذا كتب ، واستطر مثله ، والآية الكريمة مؤكدة لما قبلها. # ومن الآيات الكثيرة التي وردت في ms5405 هذا المعنى قوله تعالى : ( @QUR@022 وما ~~يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ~~إلا في كتاب مبين ) (1). # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة ، بتلك البشارة العظيمة للمتقين فقال : ( ~~@QUR@011 إن المتقين في جنات ونهر. في مقعد صدق عند مليك مقتدر ). PageV14P121 # أى : إن المتقين الذين صانوا أنفسهم عن كل محارم الله تعالى كائنين في ~~جنات عاليات المقدار ، وفي ( @QUR@01 نهر ) أى : وفي سعة من العيش ، ومن ~~مظاهر ذلك أن الأنهار الواسعة تجرى من تحت مساكنهم ، فالمراد بالنهر جنسه. # وقوله : ( @QUR@03 في مقعد صدق ) أى : في مكان مرضى ، وفي مجلس كريم ، لا ~~لغو فيه ولا تأثيم وهو الجنة ، فالمراد بالمقعد مكان القعود الذي يقيم فيه ~~الإنسان بأمان واطمئنان. # ( @QUR@03 عند مليك مقتدر ) أى : مقربين عند ملك عظيم ، قادر على كل شيء. # فالمراد بالعندية هنا ، عندية الرتبة والمكانة والتشريف. # وقال سبحانه عند مليك ، للمبالغة في وصفه سبحانه بسعة الملك وعظمته ، إذ ~~وصفه سبحانه بمليك ، أبلغ من وصفه بمالك أو ملك ، لأن ( @QUR@01 مليك ) ~~صيغة مبالغة بزنة فعيل. # وتنكير «مقتدر» للتعظيم والتهويل ، وهو أبلغ من قادر ، إذ زيادة المبنى ~~تشعر بزيادة المعنى. أى : عظيم القدرة بحيث لا يحيط بها الوصف. # وبعد فهذا تفسير محرر لسورة «القمر» نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا ~~لوجهه ، ونافعا لعباده. # والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ~~آله وصحبه وسلم .. # الدوحة قطر # مساء الأربعاء # 2 من رجب سنة 1406 ه # 12 / 3 / 1986 م # كتبه الراجي عفو ربه # د. محمد سيد طنطاوى PageV14P122 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الرحمن PageV14P123 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «الرحمن» سميت بهذا الاسم ، لافتتاحها بهذا الاسم الجليل من أسماء ~~الله تعالى . # وقد وردت تسميتها بهذا الاسم في الحديث الذي أخرجه الإمام الترمذي عن ~~جابر بن عبد الله قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه فقرأ ~~عليهم سورة «الرحمن» من أولها إلى آخرها ، فسكتوا ، فقال صلى الله عليه وسلم : ~~«لقد قرأتها على الجن ، فكانوا أحسن ms5406 مردودا منكم كنت كلما أتيت على قوله ~~تعالى : ( @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان ) قالوا : ولا بشيء من نعمك يا ~~ربنا نكذب فلك الحمد» (1). # وسميت في حديث مرفوع أخرجه البيهقي عن على بن أبى طالب رضى الله عنه : ~~«عروس القرآن». # وقد ذكروا في سبب نزولها ، أن المشركين عند ما قالوا : ( @QUR@02 وما ~~الرحمن ) نزلت هذه السورة لترد عليهم ، ولتثنى على الله تعالى بما هو أهله. # 2 وهي مكية في قول جمهور الصحابة والتابعين ، وروى عن ابن مسعود وابن ~~عباس أنها مدنية ، وقيل هي مكية إلا قوله تعالى : ( @QUR@05 يسئله من في ~~السماوات والأرض ... ). # قال القرطبي : والقول الأول أصح ، لما روى عن عروة بن الزبير قال : أول ~~من جهر بالقرآن بمكة بعد النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن مسعود. # وذلك أن الصحابة قالوا : ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر به قط ، فمن رجل ~~يسمعهم إياه؟ # فقال ابن مسعود : أنا ، فقالوا : نخشى عليك ، إنما نريد رجلا له عشيرة ~~يمنعونه ، فأبى ، ثم قام عند المقام فقال : بسم الله الرحمن الرحيم. ( ~~@QUR@03 الرحمن ، علم القرآن ... ) ثم تمادى رافعا بها صوته وقريش في ~~أنديتها ، فتأملوا وقالوا : ما يقول ابن أم عبد؟ PageV14P125 # قالوا : هو يقول الذي يزعم محمد أنه أنزل عليه ، ثم ضربوه حتى أثروا في ~~وجهه .. وفي هذا دليل على أنها مكية .. (1). # والحق أن ما ذهب إليه الإمام القرطبي من كون سورة الرحمن مكية ، هو ما ~~تطمئن إليه النفس ، لأن السورة من أولها إلى آخرها فيها سمات القرآن المكي ~~، الذي يغلب عليه الحديث المفصل عن الأدلة على وحدانية الله وقدرته وعظم ~~نعمه على خلقه ، والمقارنة بين حسن عاقبة الأخبار ، وسوء عاقبة الأشرار ... # 3 وعدد آياتها ثمان وسبعون آية في المصحف الحجازي ، وست وسبعون في المصحف ~~البصري. # 4 وتبدأ السورة الكريمة بالثناء على الله تعالى ، ثم بالثناء على القرآن ~~الكريم ، ثم ببيان جانب من مظاهر قدرة الله تعالى ، ومن جميل صنعه ، وبديع ~~فعله .. قال تعالى : ( @QUR@021 الرحمن علم القرآن. خلق الإنسان. علمه ~~البيان. الشمس والقمر بحسبان. والنجم والشجر يسجدان. والسماء ms5407 رفعها ووضع ~~الميزان. ألا تطغوا في الميزان ). # 5 وبعد أن ساق سبحانه ما ساق من ألوان النعم ، أتبع ذلك ببيان أن كل من ~~على ظهر هذه الأرض مصيره إلى الفناء ، وأن الباقي هو وجه الله تعالى وحده ~~... وببيان أهوال القيامة ، وسوء عاقبة المكذبين وحسن عاقبة المؤمنين .. # قال تعالى : ( @QUR@06 يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام ). # ( @QUR@011 ولمن خاف مقام ربه جنتان. فبأي آلاء ربكما تكذبان. ذواتا ~~أفنان ). # 6 ثم وصفت ما أعده الله تعالى للمتقين وصفا يشرح الصدور ، ويقر العيون ، ~~فقد أعد سبحانه لهم بفضله وكرمه الحور العين ، والفرش التي بطائنها من ~~إستبرق. # قال تعالى : ( @QUR@034 حور مقصورات في الخيام. فبأي آلاء ربكما تكذبان. ~~لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان. فبأي آلاء ربكما تكذبان. متكئين على رفرف خضر ~~وعبقري حسان. فبأي آلاء ربكما تكذبان. تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام ). # وهكذا نرى السورة الكريمة تطوف بنا في آفاق هذا الكون ، فتحكى لنا من بين ~~ما تحكى جانبا من مظاهر قدرة الله تعالى ونعمه على خلقه وتقول في أعقاب كل نعمة PageV14P126 # ( @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان )، وتتكرر هذه الآية فيها إحدى ~~وثلاثين مرة ، لتذكير الجن والإنس بهذه النعم كي يشكروا الله تعالى عليها ~~شكرا جزيلا. # نسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعا من عباده الشاكرين عند الرخاء ، ~~الصابرين عند البلاء. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .. # قطر الدوحة # مساء الأربعاء 2 من رجب 1406 ه # 12 / 3 / 1986 م # كتبه الراجي عفو ربه # د. محمد سيد طنطاوى PageV14P127 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@01 الرحمن (1) @QUR@02 علم القرآن (2) @QUR@02 خلق الإنسان (3) ~~@QUR@02 علمه البيان (4) @QUR@03 الشمس والقمر بحسبان (5) @QUR@03 والنجم ~~والشجر يسجدان (6) @QUR@04 والسماء رفعها ووضع الميزان (7) @QUR@04 ألا ~~تطغوا في الميزان (8) @QUR@06 وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان (9) ~~@QUR@03 والأرض وضعها للأنام (10) @QUR@05 فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام ~~(11) @QUR@04 والحب ذو العصف والريحان (12) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان ) (13) # افتتحت السورة الكريمة بهذا الاسم الجليل لله عز وجل وهو لفظ مشتق من ~~الرحمة ، وصيغته الدالة على المبالغة ، تنبه إلى عظم هذه الرحمة وسعتها. # وهذا ms5408 اللفظ مبتدأ ، وما بعده أخبار له. # ثم بين سبحانه مظاهر قدرته ومنته على عباده بأجل النعم وأعظمها شأنا ، ~~فقال : ( @QUR@02 علم القرآن ) والقرآن هو أعظم وحى أنزله سبحانه على ~~أنبيائه ورسله. # أى : علم نبيه صلى الله عليه وسلم القرآن الذي هو أعظم النعم شأنا وأرفعها ~~مكانا ، إذ باتباع توجيهاته وإرشاداته ، يظفر الإنسان بالسعادة الدنيوية ~~والأخروية. # ولفظ ( @QUR@01 القرآن ) هو المفعول الثاني لعلم ، والمفعول الأول محذوف. # وهذه الآية الكريمة تتضمن الرد على المشركين الذين زعموا أن هذا القرآن ~~قد تعلمه PageV14P128 # الرسول صلى الله عليه وسلم من البشر ، كما حكى سبحانه عنهم في قوله : ( ~~@QUR@07 ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر ... ) (1). # وفي قوله : ( @QUR@012 وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه ~~عليه قوم آخرون ... ) (2). # كما تتضمن الرد عليهم لزعمهم أنهم لا يعرفون الرحمن ، كما في قوله تعالى ~~: ( @QUR@08 وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن ... ) (3). # وقوله تعالى : ( @QUR@04 خلق الإنسان. علمه البيان ) بيان لنعمتين أخريين ~~من نعمه سبحانه . والمراد بالإنسان : جنسه ، والمراد بالبيان : الفهم ~~والنطق والإفصاح عما يريد الإفصاح عنه بالكلام الذي أداته اللسان. # أى خلق سبحانه بقدرته الإنسان على أجمل صورة ، وأحسن تقويم ، ومكنه من ~~الإفصاح عما في نفسه عن طريق المنطق السليم ، والقول الواضح ، كما مكنه من ~~فهم كلام غيره له ، فتميز بذلك عن الأجناس الأخرى ، وصار أهلا لحمل الأمانة ~~التي عجزت عن حملها السموات والأرض والجبال ، وأصبح مستعدا لتلقى العلوم ~~والخلافة في الأرض .. # ورحم الله تعالى صاحب الكشاف ، فقد صور هذه المعاني بأسلوبه الرصين فقال ~~: عدد الله عز وجل آلاءه فقدم ما هو أسبق قدما من ضروب آلائه ، وأصناف ~~نعمائه ، وهي نعمة الدين ، وقدم من نعمة الدين ما هو في أعلى مراتبها ، ~~وأقصى مراقيها ، وهو إنعامه بالقرآن وتنزيله وتعليمه ، لأنه أعظم وحى الله ~~رتبة ، وأعلاه منزلة. وأحسنه في أبواب الدين أثرا ، وهو سنام الكتب ~~السماوية ، ومصداقها ، والعيار عليها. # وأخر ذكر خلق الإنسان عن ذكره ، ثم أتبعه إياه ، ليعلم أنه إنما خلقه ~~للدين ، وليحيط علما بوحيه ، وكتبه ، وما خلق الإنسان من أجله ms5409 .. ثم ذكر ما ~~تميز به الإنسان عن سائر الحيوان من البيان ، وهو المنطق الفصيح المعرب عما ~~في الضمير .. # ولفظ ( @QUR@01 الرحمن ) مبتدأ ، وهذه الأفعال مع ضمائرها أخبار مترادفة ~~، وإخلاؤها من العاطف ، لمجيئها على نمط التعديد ، كما تقول : زيد أغناك ~~بعد فقر ، أعزك بعد ذل ، كثرك بعد قلة .. فما تنكر من إحسانه .. (4). PageV14P129 # وقوله تعالى : ( @QUR@03 الشمس والقمر بحسبان ) بيان لنعمة رابعة من نعمه ~~تعالى التي لا تحصى. # والحسبان : مصدر زيدت فيه الألف والنون ، والمراد بحساب دقيق ، وتقدير ~~حكيم ، والجار والمجرور متعلق بمحذوف .. أى : الشمس والقمر يجريان في هذا ~~الكون ، بحساب دقيق في بروجهما ومنازلهما ، بحيث لا يشوب جريهما اختلال أو ~~اضطراب ، وبذلك يعرف الناس السنين والشهور والأيام ، ويعرفون أشهر الحج ~~والصوم ، وغير ذلك من شئون الحياة ... # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@015 لا الشمس ينبغي لها أن تدرك ~~القمر ، ولا الليل سابق النهار ، وكل في فلك يسبحون ) (1). # ثم قال تعالى : ( @QUR@03 والنجم والشجر يسجدان ) والمراد بالنجم هنا عند ~~بعضهم النبات الذي لا ساق له ، وسمى بذلك. لأنه ينجم أى يظهر من الأرض بدون ساق. # ويرى آخرون : أن المراد به نجوم السماء ، فهو اسم جنس لكل ما يظهر في ~~السماء من نجوم. ويؤيد هذا الرأى قوله تعالى : ( @QUR@025 ألم تر أن الله ~~يسجد له من في السماوات ومن في الأرض ، والشمس والقمر والنجوم والجبال ~~والشجر والدواب ، وكثير من الناس ، وكثير حق عليه العذاب ... ) (2). # والشجر : هو النبات الذي له ساق وارتفاع عن وجه الأرض. # والمراد بسجودهما : انقيادهما وخضوعهما لله تعالى كانقياد الساجد لخالقه .. # قال ابن كثير : قال ابن جرير : اختلف المفسرون في معنى قوله : ( @QUR@01 ~~والنجم ) بعد إجماعهم على أن الشجر ما قام على ساق ، فعن ابن عباس قال : ~~النجم : ما انبسط على وجه الأرض من النبات. وكذا قال هذا القول سعيد بن ~~جبير ، والسدى ، وسفيان الثوري ، وقد اختاره ابن جرير .. # وقال مجاهد : النجم المراد به هنا الذي يكون في السماء ، وكذا قال الحسن ~~وقتادة ، وهذا القول هو الأظهر ... (3). # وقوله تعالى : ( @QUR@04 والسماء رفعها ووضع الميزان ... ) أى : والسماء ~~أوجدها بقدرته ms5410 مرفوعة بدون أعمدة ، وأنتم ترون ذلك بأعينكم. PageV14P130 # فالمقصود بقوله ( @QUR@01 رفعها ) لفت الأنظار إلى مظاهر قدرته تعالى ، ~~وإلى وجوب شكره وإخلاص العبادة له ، والتزام طاعته .. # والميزان : يطلق على الآلة التي يزن الناس بها ما يريدون وزنه من الأشياء ~~المختلفة. # والمراد به هنا : وجوب التزام العدل في الأحكام ، وشاع إطلاق الميزان على ~~العدل في الأحكام ، لأن كليهما تضبط به الأحكام ، وتنال الحقوق. أى : ~~والسماء خلقها مرفوعة ابتداء ، وشرع وأثبت العدل وأمر باتباعه في الأقوال ~~والأحكام ، ليستقيم أمر الناس. # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( @QUR@02 ووضع الميزان ) أى : شرع العدل ~~وأمر به ، لينتظم أمر العالم ويستقيم ، كما قال صلى الله عليه وسلم : «بالعدل ~~قامت السموات والأرض» أى : بقيتا على أتقن نظام .. وتفسير الميزان بالعدل ، ~~هو المروي عن مجاهد ، والطبري ، والأكثرين ، وهو مستعار للعدل استعارة ~~تصريحية. # وعن ابن عباس والحسن وقتادة ، أن المراد بالميزان ما تعرف به مقادير ~~الأشياء ، وهو الآلة المسماة بهذا الاسم .. أى : أوجده في الأرض ليضبط ~~الناس معاملاتهم في أخذهم وعطائهم .. (1). # وجملة : ( @QUR@04 ألا تطغوا في الميزان ) بمنزلة التعليل لما قبلها. أى ~~: شرع العدل بين الناس ، وأوجب عليهم التمسك به في كل شئونهم ، لئلا ~~يتجاوزوه إلى غيره من الجور والظلم. والطغيان : هو تجاوز الحدود المشروعة ~~في كل شيء. # ثم أكد سبحانه هذا المعنى وهو التزام العدل تأكيدا صريحا فقال : ( ~~@QUR@06 وأقيموا الوزن بالقسط ، ولا تخسروا الميزان ). # وقوله : ( @QUR@01 وأقيموا ) من الإقامة ، والمراد به الإتيان بالشيء على ~~أكمل صورة ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@02 وأقيموا الصلاة ... ) أى : أدوها ~~كاملة الأركان والسنن والخشوع. # والقسط : العدل ، يقال : أقسط فلان في حكمه ، إذا عدل ، والباء للمصاحبة. # وقوله : ( @QUR@02 ولا تخسروا ) من الإخسار بمعنى النقص والبخس والجور. # والمعنى : شرع الله العدل ، ونهاكم عن تجاوزه ، وأمركم أن تقيموا حياتكم ~~عليه في أوزانكم التي تتعاملون بها فيما بينكم ، وفي كل أحوالكم ، فاحذروا ~~أن تخالفوا أمره ... PageV14P131 # وكرر سبحانه لفظ «الميزان» للتنبيه على شدة عناية الله تعالى بإقامة ~~العدل بين الناس في معاملاتهم ، وفي سائر شئونهم ، إذ بدونه لا يستقيم لهم ~~حال ، ولا يصلح لهم بال ، ولا ms5411 يستقر لهم قرار ... # ثم انتقلت السورة الكريمة ، إلى بيان جانب من مظاهر نعمه الأرضية ، فقال ~~تعالى : ( @QUR@03 والأرض وضعها للأنام ). # والمراد بالأنام : الخلائق المختلفون في ألوانهم وأشكالهم وألسنتهم ، ~~والذين يعيشون في شتى أقطارها وفجاجها ... وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه. # أى : والأرض «وضعها» أى : أوجدها موضوعة على هذا النظام البديع ، من أجل ~~منفعة الناس جميعا ، لأن إيجادها على تلك الصورة الممهدة المفروشة .. جعلهم ~~ينتفعون بما فيها من كنوز وخيرات ، ويتقلبون عليها من مكان إلى آخر .. وصدق ~~الله إذ يقول : ( @QUR@08 هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا .. ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام. والحب ذو العصف ~~والريحان )، بيان لبعض ما اشتملت عليه هذه الأرض من خيرات. # والفاكهة : اسم لما يأكله الإنسان من ثمار على سبيل التفكه والتلذذ ، لا ~~على سبيل القوت الدائم ، مأخوذة من قولهم فكه فلان كفرح إذا تلذذت نفسه ~~بالشيء .. والأكمام : جمع كم بكسر الكاف ، وهو الطلع قبل أن تخرج منه ~~الثمار. # وقوله : ( @QUR@02 ذو العصف ) أى : ذو القشر الذي يكون على الحب ، وسمى ~~بذلك لأن الرياح تعصف به. أى : تطيره لخفته ، أو المراد به الورق بعد أن ~~ييبس ومنه قوله تعالى : ( @QUR@03 فجعلهم كعصف مأكول ). # والريحان : هو النبات ذو الرائحة الطيبة ، وقيل هو الرزق. # أى : في هذه الأرض التي تعيشون عليها أوجد الله تعالى الفاكهة التي ~~تتلذذون بأكلها ، وأوجد لكم النخيل ذات الأوعية التي يكون فيها الثمر .. # وأوجد لكم الحب ، الذي تحيط به قشوره ، كما ترون ذلك بأعينكم ، في سنابل ~~القمح والشعير وغيرهما. # وأوجد لكم النبات الذي يمتاز بالرائحة الطيبة التي تبهج النفوس وتشرح ~~الصدور ، فأنت ترى أنه تعالى قد ذكر في هذه الآيات ألوانا من النعم ، فقد ~~أوجد في الأرض الفاكهة للتلذذ ، وأوجد الحب للغذاء ، وأوجد النباتات ذات ~~الرائحة الطيبة. PageV14P132 # قال القرطبي ما ملخصه : وقراءة العامة ( @QUR@04 والحب ذو العصف والريحان ~~) بالرفع فيها كلها ، عطفا على «فاكهة» أى : فيها فاكهة وفيها الحب ذو ~~العصف ، وفيها الريحان .. # وقرأ ابن عامر بالنصب فيها كلها عطفا على الأرض ، أو بإضمار ms5412 فعل ، أى : ~~وخلق الحب ذا العصف والريحان. أى : وخلق الريحان. # وقرأ حمزة والكسائي بجر ( @QUR@01 الريحان ) عطفا على العصف. أى : فيها ~~الحب ذو العصف والريحان ، ولا يمتنع ذلك على قول من جعل الريحان بمعنى ~~الرزق ، فيكون كأنه قال : والحب ذو الرزق ، لأن العصف رزق للبهائم ، ~~والريحان رزق للناس .. (1). # ثم ختم سبحانه هذه النعم بقوله : ( @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان ). # والفاء للتفريع على النعم المتعددة التي سبق ذكرها ، والاستفهام للتعجيب ~~ممن يكذب بهذه النعم ، والآلاء : جمع إلى بكسر الهمزة وفتحها وسكون اللام ~~وهي النعمة ، والخطاب للمكلفين من الجن والإنس ، وقيل لأفراد الإنس مؤمنهم ~~وكافرهم ، أى : فبأى واحدة من هذه النعم تكذبان ربكما ، أى : تجحدان فضله ~~ومننه يا معشر الجن والإنس مع أن كل نعمة من هذه النعم تستحق منكم الطاعة ~~لي ، والخضوع لعزتى والإخلاص في عبادتي. # قال الجمل ما ملخصه : كررت هذه الآية هنا إحدى وثلاثين مرة تقريرا للنعمة ~~، وتأكيدا للتذكير بها ، وذلك كقول الرجل لمن أحسن إليه ، وهو ينكر هذا ~~الإحسان : ألم تكن فقيرا فأغنيتك ، أفتنكر هذا؟ ألم تكن عريانا فكسوتك ، ~~أفتنكر هذا ...؟ # ومثل هذا الكلام شائع في كلام العرب ، وذلك أن الله تعالى عدد على عباده ~~نعمه ، ثم خاطبهم بقوله : ( @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان ). # وقد كرر سبحانه هذه الآية ثماني مرات ، عقب آيات فيها تعداد عجائب خلقه ، ~~ومبدأ هذا الخلق ونهايته ، ثم كررها سبع مرات عقب آيات فيها ذكر النار ~~وشدائدها بعدد أبواب جهنم .. ثم كررها أيضا ثماني مرات في وصف الجنتين ~~وأهلهما ، بعدد أبواب الجنة ، وكررها كذلك ثماني مرات في الجنتين اللتين ~~هما دون الجنتين السابقتين ، فمن اعتقد الثمانية الأولى ، وعمل بموجبها ، ~~استحق هاتين الثمانيتين من الله تعالى ، ووقاه السبعة السابقة بفضله وكرمه ~~.. (2). PageV14P133 # ثم انتقلت السورة الكريمة الى الحديث عن نعمة خلق الإنسان ، وعن مظاهر ~~قدرته في هذا الكون ، فقال تعالى : # ( @QUR@05 خلق الإنسان من صلصال كالفخار (14) @QUR@06 وخلق الجان من مارج ~~من نار (15) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (16) @QUR@04 رب المشرقين ورب ~~المغربين (17) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (18) @QUR@03 مرج البحرين ~~يلتقيان (19) @QUR@04 بينهما برزخ لا ms5413 يبغيان (20) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (21) @QUR@04 يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان (22) @QUR@04 فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (23) @QUR@06 وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام (24) ~~@QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان ) (25) # والصلصال الطين اليابس الذي تسمع له صوتا وصلصلة إذا قرع بشيء. # والفخار : الخزف المجوف الذي صار كذلك بعد أن أدخل في النار. # ولا تعارض بين هذه الآية ، وبين غيرها من الآيات التي تحكى أن الإنسان ~~خلق من تراب أو من طين أو من صلصال من حمأ مسنون. # لأن كل آية تتحدث عن مرحلة من مراحل خلق الإنسان ، لأن هذا التراب صار ~~طينا ، ثم خمر هذا الطين فصار حمأ مسنونا ، أى : طينا أسود متغير الرائحة ، ~~ثم يبس هذا الطين فصار صلصالا كالفخار. # فالآيات الكريمة التي تحدثت عن خلق الإنسان لا يصادم بعضها بعضا ، وإنما ~~يؤيد بعضها بعضا. # قال بعض العلماء : وقد أثبت العلم الحديث أن جسم الإنسان يحتوي من ~~العناصر ما تحتويه الأرض ، فهو يتكون من الكربون ، والأكسجين ، والحديد ... PageV14P134 # وهذه نفسها هي العناصر المكونة للتراب ، وإن اختلفت نسبها من إنسان إلى ~~آخر ، وفي الإنسان عن التراب ، إلا أن أصنافها واحدة. # إلا أن هذا الذي أثبته العلم لا يجوز أن يؤخذ على أنه التفسير الحتمي ~~للنص القرآنى. # فقد تكون الحقيقة القرآنية تعنى هذا الذي أثبته العلم ، أو تعنى شيئا آخر ~~سواه ، وتقصد إلى صورة أخرى من الصور الكثيرة التي يتحقق بها معنى خلق ~~الإنسان من تراب ، أو من طين ، أو من صلصال ... # والذي ننبه إليه بشدة ، هو ضرورة عدم قصر النص القرآنى على كشف علمي بشرى ~~، قابل للخطأ والصواب ، وقابل للتعديل والتبديل ، كلما اتسعت معارف الإنسان ~~، وكثرت وتحسنت وسائله للمعرفة (1). # والمعنى : خلق سبحانه بقدرته أباكم آدم الذي هو أصلكم ، وعنه تفرع جنسكم ~~من طين يابس يشبه الفخار في يبوسته وصلابته. # ( @QUR@01 وخلق ) سبحانه ( @QUR@01 الجان ) أى : جنس الجن ( @QUR@04 من ~~مارج من نار ) أى : من لهب خالص لا دخان فيه ، أو مما اختلط بعضه ببعض من ~~اللهب الأحمر وغير الأحمر ، إذ المارج ، هو المختلط ، وهو اسم فاعل بمعنى ~~اسم المفعول مثل دافق ms5414 ، أى : خلق جنس الجان من خليط من لهب النار. ومن في ~~قوله ( @QUR@02 من نار ) للبيان. # قال ابن كثير : يذكر الله تعالى خلقه الإنسان من صلصال كالفخار ، وخلقه ~~الجان من مارج من نار ، وهو طرف لهبها قاله الضحاك ، وعن ابن عباس : من ~~مارج من نار ، أى : من لهب النار .. # وروى مسلم عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «خلقت ~~الملائكة من نور ، وخلق الجان من مارج من نار. وخلق آدم مما وصف لكم» (2). # والمقصود بالآيتين تذكير بنى آدم بفضلهم على غيرهم ، حيث بين سبحانه لهم ~~مبدأ خلقهم ، وأنهم قد خلقوا من عنصر غير الذي خلق منه الجن ، وأن الله ~~تعالى قد أمر إبليس المخلوق من النار ، بالسجود لأبيهم آدم المخلوق من ~~الطين ، فعليهم أن يشكروا الله تعالى على هذه النعمة ، وأن يحذروا وسوسة ~~إبليس وجنوده. # وبعد أن أمر بشكر هذه النعم ، أتبع ذلك ببيان مظهر آخر من مظاهر قدرته ، فقال : PageV14P135 # ( @QUR@08 رب المشرقين ، ورب المغربين. فبأي آلاء ربكما تكذبان ). # أى : هو سبحانه رب مشرق الشمس في الشتاء والصيف ، ورب مغربها فيهما ، وفي ~~هذا التدبير المحكم منافع عظمى للإنسان والحيوان والنبات. # ولا تعارض بين هذه الآية ، وبين قوله تعالى في آية أخرى : ( @QUR@03 رب ~~المشرق والمغرب ... ) (1). لأن المراد بهما جنسهما ، فهما صادقان على كل ~~مشرق من مشارق الشمس التي هي ثلاثمائة وستون مشرقا ، وعلى كل مغرب من ~~مغاربها التي هي كذلك. # أو بين قوله تعالى في آية ثالثة : ( @QUR@07 رب السماوات والأرض وما ~~بينهما ورب المشارق ) (2). أى : ورب جميع المشارق التي تشرق منها الشمس في ~~كل يوم على مدار العام إذ لها في كل يوم مشرق معين تشرق منه ، ولها في كل ~~يوم أيضا مغرب تغرب فيه. # ثم قال سبحانه : ( @QUR@015 مرج البحرين يلتقيان. بينهما برزخ لا يبغيان. ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان. يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ). # وقوله : ( @QUR@01 مرج ) من المرج بمعنى الإرسال والتخلية ، ومنه قولهم : ~~مرج فلان دابته. إذا أرسلها إلى المرج ، وهو المكان الذي ترعى فيه الدواب. # ويصح أن يكون من المرج ms5415 بمعنى الخلط ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@04 فهم في ~~أمر مريج ) أى : مختلط ، وقيل للمرعى : مرج لاختلاط الدواب فيه بعضها ببعض. # والمراد بالبحرين : البحر العذب ، والبحر الملح. والبرزخ : الحاجز الذي ~~يحجز بينهما ، بقدرة الله تعالى . # والمعنى : خلق الله تعالى البحرين ، وأرسلهما بقدرته في مجاريهما ، بحيث ~~يلتقيان ويتصل أحدهما بالآخر ، ومع ذلك لم يختلطا ، بل يبقى المالح على ~~ملوحته. والعذب على عذوبته ، لأن حكمة الله قد اقتضت أن يفصل بينهما ، ~~بحواجز من أجرام الأرض ، أو بخواص في كل منهما ، تمنعهما هذه الخواص وتلك ~~الحواجز ، من أن يختلطا ، ولو لا ذلك لاختلطا وامتزجا ، وهذا من أكبر ~~الأدلة على قدرة الله تعالى ، ورحمته بعباده ، إذ أبقى الله تعالى المالح ~~على ملوحته ، والعذب على عذوبته ، لينتفع الناس بكل منهما في مجال الانتفاع به ... PageV14P136 # فالماء العذب ينتفع به في الشراب للناس والدواب والنبات .. والماء الملح ~~ينتفع به في أشياء أخرى ، كاستخراج الملح منه ، وفي غير ذلك من المنافع .. # ومن بديع صنع الله في هذا الكون ، أنك تشاهد البحار الهائلة على سطح ~~الأرض ، والأنهار الكثيرة ، ومع ذلك فكل نوع منهما باق على خصائصه ، مع أن ~~كلا منهما قد يلتقى بالآخر. # قال بعض العلماء : والمقصود بالبحرين ما يعرفه العرب من هذين النوعين ~~وهما نهر الفرات. وبحر العجم ، المسمى اليوم بالخليج الفارسي. والتقاؤهما : ~~انصباب ماء الفرات في الخليج الفارسي ، في شاطئ البصرة ، والبلاد التي على ~~الشاطئ العربي من الخليج الفارسي تعرف عند العرب ببلاد البحرين لذلك. # والمراد بالبرزخ بينهما : الفاصل بين الماءين : الحلو والملح بحيث لا ~~يغير أحد البحرين طعم الآخر بجواره وذلك بسبب ما في كل منهما من خصائص تدفع ~~عنه اختلاط الآخر به وهذا من مسائل الثقل النوعي. # وذكر البرزخ تشبيه بليغ ، أى : بينهما مثل البرزخ ، ومعنى لا يبغيان : أى ~~لا يبغى أحدهما على الآخر ، أى : لا يغلب عليه فيفسد طعمه ، فاستعير لهذه ~~الغلبة لفظ البغي .. (1). # وقال صاحب الظلال رحمه الله : والبحران المشار إليهما هما البحر المالح ، ~~والبحر العذب ، ويشمل الأول البحار والمحيطات ، ويشمل الثاني الأنهار. ومرج ~~البحرين ms5416 : أرسلهما وتركهما يلتقيان. ولكنهما لا يبغيان ، ولا يتجاوز كل ~~منهما حده المقدر ، ووظيفته المقسومة ، وبينهما برزخ من طبيعتهما من صنع ~~الله تعالى . # وتصب جميع الأنهار تقريبا في البحار ، وهي التي تنقل إليها أملاح الأرض ، ~~فلا تغير طبيعة البحار ولا تبغى عليها ، ومستوى سطوح الأنهار أعلى في ~~العادة من مستوى سطح البحر ، ومن ثم لا يبغى البحر على الأنهار التي تصب ~~فيه. ولا يغمر مجاريها بمائه الملح .. وبينهما دائما هذا البرزخ من صنع ~~الله ، فلا يبغيان. # فلا عجب أن يذكر سبحانه البحرين ، وما بينهما من برزخ ، في مجال الآلاء ~~والنعم .. (2). # ثم يذكر سبحانه بعض نعمه المختبئة في البحرين فيقول : ( @QUR@04 يخرج ~~منهما اللؤلؤ والمرجان ). PageV14P137 # و ( @QUR@01 اللؤلؤ ) في أصله حيوان ، وهو أعجب ما في البحار ، فهو يهبط ~~إلى الأعماق ، وهو داخل صدفة جيرية تقيه من الأخطار .. ويفرز مادة لزجة ~~تتجمد مكونة «اللؤلؤ». # والمرجان أيضا حيوان يعيش في البحار ... ويكون جزرا مرجانية ذات ألوان ~~مختلفة : صفراء برتقالية ، أو حمراء قرنفلية ، أو زرقاء زمردية (1). # ومن اللؤلؤ والمرجان تتخذ الحلي الغالية الثمن ، العالية القيمة ، التي ~~تتحلى بها النساء .. # والآية الكريمة صريحة في أن اللؤلؤ والمرجان يخرجان من البحرين الملح ~~والعذب إلا أن كثيرا من المفسرين ساروا على أنه أى : اللؤلؤ والمرجان يخرج ~~من أحدهما فحسب ، وهو البحر الملح .. # قال الآلوسى ما ملخصه : واللؤلؤ صغار الدر ، والمرجان كباره .. وقيل : ~~العكس .. # والمشاهد أن خروج «اللؤلؤ والمرجان» من أحدهما وهو الملح .. لكن لما ~~التقيا وصارا كالشىء الواحد جاز أن يقال : يخرجان منهما ، كما يقال : ~~يخرجان من البحر ، ولا يخرجان من جميعه ، ولكن من بعضه ، كما تقول : خرجت ~~من البلد ، وإنما خرجت من محلة من محاله ، بل من دار واحدة من دوره ، وقد ~~يسند إلى الإثنين ما هو لأحدهما ، كما يسند إلى الجماعة ما صدر من واحد ~~منهم .. (2). # والحق أن ما سار عليه الإمام الآلوسى وغيره : من أن اللؤلؤ والمرجان ~~يخرجان من البحر الملح لا من البحر العذب ، مخالف لما جاء صريحا في قوله ~~تعالى : ( @QUR@019 وما يستوي البحران ، هذا عذب ms5417 فرات سائغ شرابه ، وهذا ~~ملح أجاج ، ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها ... ) (3). # فإن هذه الآية صريحة في أن اللؤلؤ والمرجان يخرجان من كلا البحرين الملح ~~والعذب ، وقد أثبتت البحوث العلمية صحة ذلك ، فقد عثر عليهما في بعض ~~الأنهار العذبة ، التي في ضواحي ويلز واسكتلاندا في بريطانيا .. (4). # ثم بين سبحانه نعمة أخرى من نعمة التي مقرها البحار فقال : ( @QUR@010 ~~وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام. فبأي آلاء ربكما تكذبان ). PageV14P138 # والجوار : أى السفن الجارية ، فهي صفة لموصوف محذوف دل عليه متعلقه ، وهو ~~قوله تعالى ( @QUR@02 في البحر ). # والمنشآت : جمع منشأة اسم مفعول أى : مرفوعة الشراع ، وهو ما يسمى بالقلع ~~، من أنشأ فلان الشيء ، إذا رفعه عن الأرض ، وأنشأ في سيرة إذا أسرع ... # أى : وله سبحانه وحده لا لغيره ، التصرف المطلق في السفن المرفوعة القلاع ~~والتي تجرى في البحر ، وهي تشبه : الجبال في ضخامتها وعظمتها. # والتعبير : بقوله تعالى ( @QUR@01 وله ) للإشعار بأن كونهم هم الذين ~~صنعوها لا يخرجها عن ملكه تعالى وتصرفه ، إذ هو الخالق الحقيقي لهم ولها ، ~~وهو الذي سخر تلك السفن لتشق ماء البحر بأمره. # ومن الآيات الكثيرة التي تشبه هذه الآية في دلالتها على قدرة الله تعالى ~~وعلى مننه على عباده بهذه السفن التي تجرى في البحر بأمره. قوله تعالى : ( ~~@QUR@028 ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام. إن يشأ يسكن الريح فيظللن ~~رواكد على ظهره ، إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور. أو يوبقهن بما كسبوا ويعف ~~عن كثير ) (1). # وبعد هذا الحديث المتنوع عن مظاهر قدرة الله تعالى ، ونعمه على عباده ... ~~جاء الحديث عن تفرده تعالى بالبقاء ، بعد فناء جميع المخلوقات التي على ظهر ~~الأرض ، وعن افتقار الناس إليه وحده سبحانه وغناه عنهم فقال تعالى : # ( @QUR@04 كل من عليها فان (26) @QUR@06 ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام (27) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (28) @QUR@010 يسئله من في ~~السماوات والأرض كل يوم هو في شأن (29) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~(30) @QUR@04 سنفرغ لكم أيه الثقلان (31) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~(32) @QUR@06 يا معشر الجن والإنس إن استطعتم PageV14P139 # @QUR@011 أن تنفذوا من أقطار السماوات ms5418 والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا ~~بسلطان (33) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (34) @QUR@08 يرسل عليكما شواظ ~~من نار ونحاس فلا تنتصران (35) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان ) (36) # والضمير في ( @QUR@01 عليها ) يعود إلى الأرض بقرينة المقام ، والمراد ~~بمن عليها : كل من يعيش فوقها ، ويدخل فيهم دخولا أوليا بنو آدم ، لأنهم هم ~~المقصودون بالخطاب ، ولذا جيء بمن الموصولة الخاصة بالعقلاء. # أى : كل من على الأرض من إنسان وحيوان وغيرهما سائر إلى الزوال والفناء ( ~~@QUR@03 ويبقى وجه ربك ) وذاته بقاء لا تغير معه ولا زوال ، فهو سبحانه ( ~~@QUR@02 ذو الجلال ) أى : ذو العظمة والاستغناء المطلق ( @QUR@01 والإكرام ~~) أى : والفضل التام ، والإحسان الكامل .. # وقال سبحانه : ( @QUR@03 ويبقى وجه ربك ) ولم يقل ويبقى وجه ربكما. كما ~~في قوله : ( @QUR@03 فبأي آلاء ربكما ... ). # لأن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التكريم والتشريف ، ويدخل ~~تحته كل من يتأتى له الخطاب على سبيل التبع. # قال القرطبي : لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة هلك أهل الأرض. فنزلت ( ~~@QUR@05 كل شيء هالك إلا وجهه ) فأيقنت الملائكة بالهلاك. # وقوله : ( @QUR@03 ويبقى وجه ربك ) أى : ويبقى الله ، فالوجه عبارة عن ~~وجوده وذاته ، قال الشاعر : # قضى على خلقه المنايا %~% فكل شيء سواه زائل # وهذا الذي ارتضاه المحققون من علمائنا .. (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@010 يسئله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن ~~) بيان لغناه المطلق عن غيره ، واحتياج غيره إليه. PageV14P140 # والمراد باليوم هنا : مطلق الوقت مهما قل زمنه ، والشأن : الأمر العظيم ، ~~والحدث الهام .. # أى : أنه سبحانه يسأله من في السموات والأرض ، سؤال المحتاج إلى رزقه ، ~~وفضله ، وستره ، وعافيته .. وهو عز وجل في كل وقت من الأوقات ، وفي كل لحظة ~~من اللحظات ، في شأن عظيم. وأمر جليل ، حيث يحدث ما يحدث من أحوال في هذا ~~الكون ، فيحيى ويميت ، ويعز ويذل ، ويغنى ويفقر ، ويشفى ويمرض .. دون أن ~~يشغله شأن عن شأن .. # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( @QUR@05 كل يوم هو في شأن ) أى : كل وقت ~~من الأوقات ، هو في شأن من الشئون ، التي من جملتها إعطاء ما سألوا. فإنه ~~تعالى لا يزال ينشئ أشخاصا ، ويفنى آخرين ، ويأتى ms5419 بأحوال ، ويذهب بأحوال ، ~~حسبما تقتضيه إرادته المبنية على الحكم البالغة .. # أخرج البخاري في تاريخه ، وابن ماجة ، وجماعة عن أبى الدرداء ، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية : «من شأنه : أن يغفر ذنبا ، ويفرج ~~كربا ، ويرفع قوما ، ويخفض آخرين». # وسأل بعضهم أحد الحكماء ، عن كيفية الجمع بين هذه الآية ، وبين ما صح من ~~أن القلم قد جف بما هو كائن إلى يوم القيامة ، فقال : «شئون يبديها لا شئون ~~يبتديها» .. # وانتصب «كل يوم» على الظرفية ، والعامل فيه هو العامل في قوله تعالى : ( ~~@QUR@02 في شأن ) وهو ثابت المحذوف ، فكأنه قيل : هو ثابت في شأن كل يوم .. (1). # ثم هدد سبحانه الذين يخالفون عن أمره تحذيرا شديدا ، فقال : ( @QUR@08 ~~سنفرغ لكم أيه الثقلان. فبأي آلاء ربكما تكذبان ). # وجيء بحرف التنفيس الدال على القرب وهو السين للإشعار بتحقق ما أخبر به ~~سبحانه . # وقوله : ( @QUR@01 سنفرغ ) من الفراغ ، وهو الخلو عما يشغل .. # والمراد به هنا : القصد إلى الشيء والإقبال عليه ، يقال : فلان فرغ لفلان ~~وإليه ، إذا قصد إليه لأمر ما ... # والثقلان : تثنية ثقل بفتحتين ، وأصله كل شيء له وزن وثقل ، والمراد بهما ~~هنا : الإنس والجن. PageV14P141 # والمعنى : سنقصد يوم القيامة إلى محاسبتكم على أعمالكم ، وسنجازيكم عليها ~~بما تستحقون ، وسيكون هذا شأننا أيها الثقلان في هذا اليوم العظيم. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@02 سنفرغ لكم ) مستعار من قول الرجل لمن ~~يتهدده ، سأفرغ لك ، يريد سأتجرد للإيقاع بك من كل ما يشغلني عنك ، حتى لا ~~يكون لي شغل سواه ، والمراد : التوفر على النكاية فيه ، والانتقام منه. # ويجوز أن يراد ستنتهى الدنيا وتبلغ آخرها ، وتنتهي عند ذلك شئون الخلق ~~التي أرادها بقوله تعالى : ( @QUR@05 كل يوم هو في شأن )، فلا يبقى إلا ~~شأن واحد ، وهو جزاؤكم ، فجعل ذلك فراغا لهم على طريق المثل ... (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@013 يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من ~~أقطار السماوات والأرض فانفذوا ... ) مقول لقول محذوف ، دل عليه ما قبله. # والمعشر برنة مفعل اسم للجمع الكثير الذي يعد عشرة فعشرة. # وقوله : ( @QUR@01 تنفذوا ) من النفاذ بمعنى الخروج ms5420 من الشيء ، والأمر ~~منه وهو قوله : ( @QUR@01 فانفذوا ) مستعمل في التعجيز. والأقطار : جمع قطر ~~بضم القاف وسكون الطاء وهو الناحية الواسعة .. # والمعنى : سنقصد إلى محاسبتكم ومجازاتكم على أعمالكم يوم القيامة ، ~~وسنقول لكم على سبيل التعجيز والتحدي. يا معشر الجن والإنس ، إن استطعتم أن ~~تنفذوا وتخرجوا من جوانب السموات والأرض ومن نواحيهما المتعددة .. فانفذوا ~~واخرجوا ، وخلصوا أنفسكم من المحاسبة والمجازاة .. # وجملة : ( @QUR@04 لا تنفذون إلا بسلطان ) بيان للتعجيز المتمثل في قوله ~~تعالى ؛ ( @QUR@01 فانفذوا )، والسلطان المراد به هنا : القدرة والقوة. # أى : لا تنفذون من هذا الموقف العصيب الذي أنتم فيه إلا بقدرة عظيمة ، ~~وقوة خارقة ، تزيد على قوة خالقكم الذي جعلكم في هذا الموقف ، وأنى لكم هذه ~~القوة التي أنتم أبعد ما تكونون عنها؟. # فالمقصود بالآية الكريمة ، تحذير الفاسقين والكافرين ، من التمادي في ~~فسقهم وكفرهم ، وبيان أنهم سيكونون في قبضة الله تعالى وتحت سلطانه ، وأنهم ~~لن يستطيعوا الهروب من قبضته وقضائه فيهم بحكمه العادل. PageV14P142 # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@020 فإذا برق البصر. وخسف القمر. ~~وجمع الشمس والقمر. يقول الإنسان يومئذ أين المفر. كلا لا وزر. إلى ربك ~~يومئذ المستقر ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران ) ~~استئناف في جواب سؤال مقدر عما سيصيبهم إذا ما حاولوا الفرار. # والشواظ : اللهب الذي لا يخالطه دخان ، لأنه قد تم اشتعاله فصار أشد ~~إحراقا. # والنحاس : المراد به هنا الدخان الذي لا لهب فيه ، ويصح أن يراد به : ~~الحديد المذاب. أى : أنتم لا تستطيعون الهرب من قبضتنا بأى حال من الأحوال ~~، وإذا حاولتم ذلك ، أرسلنا عليكم وصببنا على رءوسكم لهبا خالصا فأحرقكم ، ~~ودخانا لا لهب معه فكتم أنفاسكم ، وفي هذه الحالة لا تنتصران. ولا تبلغان ~~ما تبغيانه ، ولا تجدان من يدفع عنكم عذابنا وبأسنا. # هذا والمتأمل في تلك الآيات الكريمة. يراها قد صورت بأسلوب بديع تفرد ~~الله تعالى بالملك والبقاء ، وافتقار الخلائق جميعا إلى عطائه ، وأنهم ~~جميعا في قبضته ، ولن يستطيعوا الهروب من حكمه فيهم .. # ثم بين سبحانه بعد ذلك جانبا من أهوال يوم القيامة ، ومن ms5421 العذاب الذي ~~يحيط بالمجرمين ، وينزل بهم ، فقال تعالى : # ( @QUR@06 فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان (37) @QUR@04 فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (38) @QUR@08 فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان (39) ~~@QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (40) @QUR@06 يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ ~~بالنواصي والأقدام (41) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (42) @QUR@06 هذه ~~جهنم التي يكذب بها المجرمون (43) @QUR@05 يطوفون بينها وبين حميم آن (44) ~~@QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان ) (45) PageV14P143 # وجواب «إذا» في قوله سبحانه : ( @QUR@06 فإذا انشقت السماء فكانت وردة ~~كالدهان ) محذوف لتهويل أمره .. # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 فكانت وردة ) تشبيه بليغ ، أى : فكانت كالوردة ~~في الحمرة. # والوردة جمعها ورود ، وهي زهرة حمراء معروفة ذات أغصان شائكة. والدهان : ~~ما يدهن به الشيء .. أى : فإذا انشقت السماء ، فصارت حين انشقاقها وتصدعها ~~، كالوردة الحمراء في لونها ، وكالدهان الذي يدهن به الشيء في ذوبانها ~~وسيلانها ، رأيت ما يفزع القلوب ، ويزلزل النفوس من شدة الهول. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@016 ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل ~~الملائكة تنزيلا. الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@020 فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة ، وحملت الأرض ~~والجبال فدكتا دكة واحدة ، فيومئذ وقعت الواقعة. وانشقت السماء فهي يومئذ ~~واهية .. ) (2). # وقوله عز وجل : ( @QUR@011 يوم تكون السماء كالمهل ، وتكون الجبال كالعهن ~~، ولا يسئل حميم حميما ) (3). # ثم بين سبحانه ما يترتب على هذا الانشقاق والذوبان للسماء من أهوال فقال ~~: ( @QUR@08 فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان ). أى : ففي هذا اليوم ~~العصيب ، وهو يوم الحشر ، لا يسأل عن ذنبه أحد ، لا من الإنس ولا من الجن. # أى : أنهم لا يسألون عن ذنوبهم عند خروجهم من قبورهم ، وإنما يسألون عن ~~ذلك في موقف آخر ، وهو موقف الحساب والجزاء ، إذ في يوم القيامة مواقف ~~متعددة. # وبذلك يجاب عن الآيات التي تنفى السؤال يوم القيامة ، والآيات التي تثبته ~~، كقوله تعالى : ( @QUR@07 فو ربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون ). # وبعضهم يرى أن السؤال المنفي في بعض الآيات هو سؤال الاستخبار والاستعلام ~~، والسؤال المثبت هو سؤال التوبيخ والتقريع .. عن الأسباب التي جعلتهم ~~ينحرفون عن الطريق المستقيم ، ويسيرون في طريق الفسوق والعصيان ms5422 ... PageV14P144 # ثم بين سبحانه ما يحل بالمجرمين في هذا اليوم من عذاب فقال : ( @QUR@025 ~~يعرف المجرمون بسيماهم ، فيؤخذ بالنواصي والأقدام. فبأي آلاء ربكما تكذبان. ~~هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يطوفون بينها وبين حميم آن. فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان ). # وقوله : ( @QUR@01 بسيماهم ) أى : بعلاماتهم التي تدل عليهم ، وهي زرقة ~~العيون. وسواد الوجوه ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@09 ويوم القيامة ترى ~~الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ... ) (1). # وكما في قوله سبحانه : ( @QUR@08 يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ ~~زرقا ... ) (2). # والنواصي : جمع ناصية ، وهي مقدم الرأس. والأقدام : جمع قدم ، وهو ظاهر ~~الساق ، و «أل» في هذين اللفظين عوض عن المضاف إليه. # والمراد بالطواف في قوله : ( @QUR@02 يطوفون بينها .. ) كثرة التردد ~~والرجوع إليها بين وقت وآخر. # والحميم : الماء الشديد الغليان والحرارة. # و ( @QUR@01 آن ): أى : قد بلغ النهاية في شدة الحرارة ، يقال : أنى ~~الحميم ، أى انتهى حره إلى أقصى مداه ، فهو آن وبلغ الشيء أناه بفتح الهمزة ~~وكسرها إذا وصل إلى غاية نضجه وإدراكه ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@017 يا ~~أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ~~ناظرين إناه ) أى : نضجه .. # أى : في هذا اليوم ، وهو يوم الحساب والجزاء ( @QUR@02 يعرف المجرمون ) ~~بسواد وجوههم ، وزرقة عيونهم ، وبما تعلو أفئدتهم من غبرة ترهقها قترة. ~~فتأخذ الملائكة بالشعر الذي في مقدمة رءوسهم ، وبالأمكنة الظاهرة من ~~سيقانهم ، وتقذف بهم في النار ، وتقول لهم على سبيل الإهانة والإذلال : هذه ~~جهنم التي كنتم تكذبون بها في الدنيا أيها المجرمون ، فترددوا بين مائها ~~الحار ، وبين سعيرها البالغ النهاية في الشدة. # وفي قوله : ( @QUR@03 فيؤخذ بالنواصي والأقدام ) إشارة إلى التمكن منهم ~~تمكنا شديدا ، بحيث لا يستطيعون التفلت أو الهرب. # وقد ختمت كل آية من هذه الآيات السابقة بقوله تعالى : ( @QUR@04 فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان ) لأن عقاب العصاة المجرمين ، وإثابة الطائعين المتقين ، ~~يدل على كمال عدله PageV14P145 # سبحانه ، وعلى فضله ونعمته على من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى. # قال الإمام ابن كثير : ولما كان معاقبة العصاة المجرمين ، وتنعيم المتقين ~~، من فضله. ورحمته ، وعدله ، ولطفه ms5423 بخلقه ، وكان إنذاره لهم من عذابه وبأسه ~~، مما يزجرهم عما هم فيه من الشرك والمعاصي وغير ذلك قال ممتنا بذلك على ~~بريته ( @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان ) (1). # وكعادة القرآن الكريم في قرن أحوال الأخيار ، بأحوال الأشرار ، أو العكس ~~: جاء الحديث عما أعده سبحانه للمتقين من جزيل الثواب ، بعد الحديث عما ~~سينزل بالمجرمين من عقاب فقال تعالى : # ( @QUR@05 ولمن خاف مقام ربه جنتان (46) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~(47) @QUR@02 ذواتا أفنان (48) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (49) ~~@QUR@03 فيهما عينان تجريان (50) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (51) ~~@QUR@05 فيهما من كل فاكهة زوجان (52) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (53) ~~@QUR@09 متكئين على فرش بطائنها من إستبرق وجنى الجنتين دان (54) @QUR@04 ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان (55) @QUR@09 فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس ~~قبلهم ولا جان (56) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (57) @QUR@03 كأنهن ~~الياقوت والمرجان (58) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (59) @QUR@05 هل ~~جزاء الإحسان إلا الإحسان (60) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان ) (61) # قال الآلوسى : قوله تعالى : ( @QUR@05 ولمن خاف مقام ربه جنتان ... ) ~~شروع في تعديد الآلاء التي تفاض في الآخرة على المتقين ، بعد بيان سوء ~~عاقبة المكذبين. # و ( @QUR@01 مقام ) مصدر ميمى بمعنى القيام مضاف إلى الفاعل. أى : ولمن ~~خاف قيام ربه عليه وكونه مراقبا له ، ومهيمنا عليه فالقيام هنا مثله في ~~قوله تعالى ( @QUR@05 أفمن هو قائم على كل PageV14P146 # @QUR@03 نفس بما كسبت ... ) أو هو اسم مكان. والمراد به مكان وقوف الخلق ~~في يوم القيامة للحساب .. إذ الخلق جميعا قائمون له تعالى كما في قوله ~~سبحانه : ( @QUR@05 يوم يقوم الناس لرب العالمين ) (1). # والمعنى : ولكل من خاف القيام بين يدي ربه للحساب ، وخشي هيمنته سبحانه ~~عليه ، ومجازاته له ... لكل من خاف ذلك وقدم في دنياه العمل الصالح ، ( ~~@QUR@01 جنتان ) يتنقل بينهما ، ليزداد سروره ، وحبوره. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم قال : ( @QUR@01 جنتان )؟ قلت الخطاب ~~للثقلين ، فكأنه قيل لكل خائفين منكما جنتان. جنة للخائف الإنسى ، وجنة ~~للخائف الجنى. # ويجوز أن يقال : جنة لفعل الطاعات ، وجنة لترك المعاصي ، لأن التكليف ~~دائر عليهما ، وأن يقال : جنة يثاب بها وأخرى تضم إليها على وجه التفضل ، ~~كقوله تعالى : ( @QUR@04 للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) (2). # وقوله : ( @QUR@02 ذواتا أفنان ms5424 ) صفة للجنتين. والأفنان جمع فنن بفتحتين ~~وهو الغصن. # أى : جنتان صاحبتا أغصان عظيمة. تمتاز بالجمال واللين والنضرة. # ثم وصفهما سبحانه بصفات أخرى كريمة فقال : ( @QUR@03 فيهما عينان تجريان ~~) أى : في كل جنة منهما عين تجرى بالماء العذب الفرات ... # ( @QUR@05 فيهما من كل فاكهة زوجان ) أى : وفيهما كذلك من كل نوع من ~~أنواع الفاكهة صنفان ، ليتفكه المتقون ويتلذذوا بتلك الفواكه الكثيرة ، ~~التي لا هي مقطوعة ، ولا هي ممنوعة. # ثم بين سبحانه حسن مجلسهم فقال : ( @QUR@09 متكئين على فرش بطائنها من ~~إستبرق ، وجنى الجنتين دان ). # والجملة الكريمة حال من قوله تعالى : ( @QUR@04 ولمن خاف مقام ربه .. ). # وعبر سبحانه بالاتكاء لأنه من صفات المتنعمين الذين يعيشون عيشة راضية ، ~~لاهم معها ولا حزن. # والفرش : جمع فراش ككتب وكتاب وهو ما يبسط على الأرض للنوم أو الاضطجاع. PageV14P147 # والبطائن : جمع بطانة ، وهي ما قابل الظهارة من الثياب ، ومشتقة من البطن ~~المقابلة للظهر ، ومن أقوالهم : أفرشنى فلان ظهره وبطنه ، أى : أطلعنى على ~~سره وعلانيته. # والإستبرق : الديباج المصنوع من الحرير السميك ، وهو من أجود أنواع ~~الثياب. # والمعنى : أن هؤلاء الذين خافوا مقام ربهم ونهوا أنفسهم عن الهوى ، ~~يعيشون في الجنات حالة كونهم ، متكئين في جلستهم على فرش بطائنها الداخلية ~~من الديباج السميك. ( @QUR@03 وجنى الجنتين دان ) أى : وما يجنى ويؤخذ من ~~الجنتين قريب التناول ، دانى القطاف. # فالمراد بقوله تعالى : ( @QUR@02 وجنى الجنتين ) ما يجتنى من ثمارهما و ( ~~@QUR@01 دان ) من الدنو بمعنى القرب. # أى : أنهم لا يتعبون أنفسهم في الحصول على تلك الفواكه ، وإنما يقطفون ما ~~يشاءون منها ، وهم متكئون على فراشهم الوثير. # ثم بين سبحانه ألوانا أخرى من نعيمهم فقال : ( @QUR@016 فيهن قاصرات ~~الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان. فبأي آلاء ربكما تكذبان ، كأنهن ~~الياقوت والمرجان ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 قاصرات الطرف ) صفة لموصوف محذوف. والطمث : ~~كناية عن افتضاض البكارة. يقال : طمث الرجل امرأته من باب ضرب وقتل ، إذا ~~أزال. بكارتها. وأصل الطمث : الجماع المؤدى إلى خروج دم الفتاة البكر ، ثم ~~أطلق على كل جماع وإن لم يكن معه دم. # أى : في هاتين الجنتين اللتين أعدهما ms5425 سبحانه لمن خاف مقامه .. نساء ~~قاصرات عيونهن على أزواجهن ، ولا يلتفتن إلى غيرهم. وهؤلاء النساء من ~~صفاتهن أيضا أنهن أبكار ، لم يلمسهن ولم يزل بكارتهن أحد قبل هؤلاء الأزواج ~~... وكأن هؤلاء النساء في صفائهن وجمالهن وحمرة خدودهن ... الياقوت ~~والمرجان. # ثم ختم سبحانه هذه النعم بقوله : ( @QUR@05 هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ~~) والاستفهام لنفى أن يكون هناك مقابل لعمل الخير ، سوى الجزاء الحسن ، ~~فالمراد بالإحسان الأول ، القول الطيب ، والفعل الحسن ، والمراد بالإحسان ~~الثاني : الجزاء الجميل الكريم على فعل الخير. # أى : ما جزاء من آمن وعمل صالحا ، وخاف مقام ربه ، ونهى نفسه عن الهوى .. ~~إلا أن يجازى الجزاء الحسن ، ويقدم له العطاء الذي يشرح صدره وتقر به عينه. # وقد عقب سبحانه بعد كل آية من تلك الآيات السابقة بقوله : ( @QUR@03 فبأي ~~آلاء ربكما PageV14P148 # @QUR@01 تكذبان ) لأن كل آية قد اشتملت على نعمة أو نعم عظيمة من شأن ~~العاقل أن يشكر الله تعالى عليها شكرا جزيلا. # ثم واصلت السورة حتى نهايتها ، حديثها عن النعم التي منحها سبحانه لمن ~~خاف مقام ربه ، فقال تعالى : # ( @QUR@03 ومن دونهما جنتان (62) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (63) ~~@QUR@01 مدهامتان (64) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (65) @QUR@03 فيهما ~~عينان نضاختان (66) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (67) @QUR@04 فيهما ~~فاكهة ونخل ورمان (68) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (69) @QUR@03 فيهن ~~خيرات حسان (70) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (71) @QUR@04 حور مقصورات ~~في الخيام (72) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (73) @QUR@06 لم يطمثهن إنس ~~قبلهم ولا جان (74) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (75) @QUR@06 متكئين ~~على رفرف خضر وعبقري حسان (76) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (77) ~~@QUR@06 تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام ) (78) # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 ومن دونهما جنتان ) معطوف على قوله تعالى قبل ~~ذلك : ( @QUR@05 ولمن خاف مقام ربه جنتان ). # ولفظ دون هنا يحتمل أنه بمعنى غير. أى : ولمن خاف مقام ربه جنتان ، وله ~~أيضا جنتان أخريان غيرهما ، فهو من باب قوله سبحانه ( @QUR@04 للذين أحسنوا ~~الحسنى وزيادة ). # قالوا : ويشهد لهذا الاحتمال. أن الله تعالى قد وصف هاتين الجنتين بما ~~يقارب وصفه للجنتين السابقتين ، وأن تكرير هذه الأوصاف من باب الحض على ~~العمل الصالح الذي يوصل الى الظفر بتلك الجنات ms5426 ، وما اشتملت عليه من خيرات. PageV14P149 # ويحتمل أن لفظ دون هنا : بمعنى أقل ، أى : وأقل من تلك الجنتين في ~~المنزلة والقدر ، جنتان أخريان .. # وعلى هذا المعنى سار جمهور المفسرين ، ومن المفسرين الذين ساروا على هذا ~~الرأى الإمام ابن كثير ، فقد قال رحمه الله هاتان الجنتان دون اللتين قبلهما ~~في المرتبة والفضيلة والمنزلة ، بنص القرآن ، فقد قال تعالى : ( @QUR@03 ~~ومن دونهما جنتان ).. # فالأوليان للمقربين ، والأخريان : لأصحاب اليمين .. # والدليل على شرف الأولين على الأخريين وجوه : # أحدها : أنه نعت الأوليين قبل هاتين ، والتقديم يدل على الاعتناء ، ثم ~~قال : ( @QUR@03 ومن دونهما جنتان ) وهذا ظاهر في شرف المتقدم ، وعلوه على ~~الثاني. # وقال هناك ( @QUR@02 ذواتا أفنان ) وهي الأغصان ، أو الفنون في الملاذ : ~~وقال هاهنا ( @QUR@01 مدهامتان ) أى : سوداوان من شدة الري من الماء .. (1). # وقال الإمام القرطبي : فإن قيل : كيف لم يذكر أهل هاتين الجنتين ، كما ~~ذكر أهل الجنتين الأوليين؟. # قيل : الجنان الأربع لمن خاف مقام ربه. إلا أن الخائفين مراتب ، فالجنتان ~~الأوليان لأعلى العباد منزلة في الخوف من الله تعالى ، والجنتان الأخريان ~~لمن قصرت حاله في الخوف من الله تعالى (2). # وقال الآلوسى : قوله تعالى : ( @QUR@03 ومن دونهما جنتان ) مبتدأ وخبر أى ~~: ومن دون تينك الجنتين في المنزلة والقدر جنتان أخريان والأكثرون على أن ~~الأوليين للسابقين ، وهاتين لأصحاب اليمين ... # وقوله : ( @QUR@01 مدهامتان ) صفة للجنتين .. أى : هما شديدتا الخضرة ، ~~والخضرة إذا اشتدت ضربت إلى السواد من كثرة الري .. (3). # ثم فصل سبحانه أوصاف هاتين الجنتين فقال : ( @QUR@03 فيهما عينان نضاختان ~~) أى : فوارتان بالماء الذي لا ينقطع منهما من النضخ وهو فوران الماء من ~~العيون مع حسنه وجماله. # ( @QUR@04 فيهما فاكهة ونخل ورمان ) وعطف سبحانه النخل والرمان على ~~الفاكهة مع أنهما منها ، لفضلهما ، فكأنهما لما لهما من المزية جنسان آخران. PageV14P150 # أو كما يقول صاحب الكشاف : لأن النخل ثمره فاكهة وطعام ، والرمان فاكهة ~~ودواء ، فلم يخلصا للتفكه ، ولذا قال أبو حنيفة رحمه الله إذا حلف لا يأكل ~~فاكهة ، فأكل رمانا أو رطبا لم يحنث ... (1). # والضمير في قوله تعالى : ( @QUR@03 فيهن خيرات حسان ) يعود إلى الجنات ~~الأربع : الجنتين المذكورتين في ms5427 قوله تعالى : ( @QUR@05 ولمن خاف مقام ربه ~~جنتان ) والجنتين المذكورتين هنا في قوله سبحانه : ( @QUR@03 ومن دونهما ~~جنتان ). # ولفظ ( @QUR@01 خيرات ) صفة لموصوف محذوف. أى : نساء خيرات حسان. # أى : في هذه الجنات نساء فاضلات الأخلاق ، حسان الخلق والخلق. # قال الجمل : قوله : ( @QUR@01 خيرات ) فيه وجهان : أحدهما : أنه جمع خيرة ~~بزنة فعلة بسكون العين يقال : امرأة خيرة ، وأخرى شرة ، والثاني. أنه جمع ~~خيرة المخفف من خيرة بالتشديد ، ويدل على ذلك قراءة خيرات بتشديد الياء .. (2). # وقوله ( @QUR@04 حور مقصورات في الخيام ) بدل من خيرات. والحور : جمع ~~حوراء ، وهي المرأة ذات الحور ، أى : ذات العين التي اشتد بياضها واشتد ~~سوادها في جمال وحسن .. # ومقصورات : جمع مقصورة أى : محتجبة في بيتها. قد قصرت نفسها على زوجها ~~... فهي لا تجرى في الطرقات .. بل هي ملازمة لبيتها ، وتلك صفة النساء ~~الفضليات اللاتي يزورهن من يريدهن ، أما هن فكما قال الشاعر : # ويكرمها جاراتها فيزرنها %~% وتعتل عن إتيانهن فتعذر # أى : في تلك الجنات نساء خيرات فضليات جميلات مخدرات. ملازمات لبيوتهن ، ~~لا يتطلعن إلى غير رجالهن .. # هؤلاء النساء ( @QUR@02 لم يطمثهن ) أى : لم يلمسهن ويباشرهن ( @QUR@04 ~~إنس قبلهم ولا جان ). # أى : لم يجامعهن أحد لا من الإنس ولا من الجن قبل الرجال الذين خصصهن ~~الله تعالى لهم .. # وقوله : ( @QUR@06 متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان ... ) حال من قوله ~~تعالى : ( @QUR@04 ولمن خاف مقام ربه ... ). PageV14P151 # والرفرف : مأخوذ من الرف بمعنى الارتفاع ، وهو اسم جمع واحده رفرفة ، أو ~~اسم جنس جمعى و ( @QUR@01 خضر ) صفة له .. # والعبقري : وصف لكل ما كان ممتازا في جنسه. نادر الوجود في صفاته والمراد ~~به هنا الثوب الموشى بالذهب ، والبالغ النهاية في الجودة والجمال .. # قال القرطبي : العبقري : ثياب منقوشة تبسط .. قال القتيبي : كل ثوب وشى ~~عند العرب فهو عبقري. وقال أبو عبيد : هو منسوب الى أرض يعمل فيها الوشي .. # ويقال : عبقر قرية باليمن تنسج فيها بسط منقوشة. وقال ابن الأنبارى : إن ~~الأصل فيه أن عبقر قرية يسكنها الجن ينسب إليها كل فائق جليل ، ومنه قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم : في عمر ابن الخطاب : فلم أر ms5428 عبقريا يفرى فريه .. (1). # أى : هؤلاء الذين خافوا مقام ربهم ، قد أسكناهم بفضلنا الجنات العاليات ~~حالة كونهم فيها على الفرش الجميلة المرتفعة. وعلى الأبسطة التي بلغت ~~الغاية في حسنها وجودتها ودقة وشيها .. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بقوله : ( @QUR@06 تبارك اسم ربك ذي الجلال ~~والإكرام ). # أى : جل شأن الله تعالى ، وارتفع اسمه الجليل عما لا يليق بشأنه العظيم ، ~~فهو عز وجل صاحب الجلال. أى : العظمة والاستغناء المطلق ، والإكرام. أى : ~~الفضل التام ، والإحسان الذي لا يقاربه إحسان. # وبعد : فهذا تفسير لسورة «الرحمن» نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه ~~ونافعا لعباده. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .. # الدوحة قطر # صباح الأحد 6 من رجب 1406 ه # 16 من مارس 1986 م. # كتبه الراجي عفو ربه # د. محمد سيد طنطاوى PageV14P152 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الواقعة PageV14P153 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «الواقعة» هي السورة السادسة والخمسون في ترتيب المصحف ، أما ~~ترتيبها في النزول ، فقد كان نزولها بعد سورة «طه» وقبل سورة «الشعراء». # وقد عرفت بهذا الاسم منذ عهد النبوة ، فعن ابن عباس قال : قال أبو بكر ~~رضى الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله قد شبت. قال : شيبتني ~~هود والواقعة والمرسلات ، وعم يتساءلون ، وإذا الشمس كورت. # وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال : سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول : «من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا ~~...» (1). # 2 وعدد آياتها ست وتسعون آية عند الكوفيين. وسبع وتسعون عند البصريين ، ~~وتسع وتسعون عند الحجازيين والمدنيين. # 3 وسورة «الواقعة» من السور المكية الخالصة ، واستثنى بعضهم بعض آياتها ، ~~وعدها من الآيات المدنية ، ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@06 ثلة من الأولين. ~~وثلة من الآخرين ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 فلا أقسم بمواقع النجوم ... ) إلى قوله تعالى : ~~( @QUR@04 وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ). # والذي تطمئن إليه النفس أن السورة كلها مكية ، وأن ما استثنى منها لم يقم ~~دليل يعتد به على صحته. # 4 وقد افتتحت سورة «الواقعة» بالحديث عن أهوال يوم القيامة ، وعن ms5429 أقسام ~~الناس في هذا اليوم .. # قال تعالى : ( @QUR@015 وكنتم أزواجا ثلاثة ، فأصحاب الميمنة ما أصحاب ~~الميمنة ، وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة ، والسابقون السابقون ... ). # 5 وبعد أن فصل سبحانه الحديث عن كل قسم من هذه الأقسام ، وبين ما أعد له PageV14P155 # من جزاء عادل ... أتبع ذلك بالحديث عن مظاهر قدرته ، وسعة رحمته ، وعظيم ~~فضله ، فقال تعالى : ( @QUR@013 نحن خلقناكم فلو لا تصدقون. أفرأيتم ما ~~تمنون ، أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ... ). # ( @QUR@08 أفرأيتم ما تحرثون ، أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ... ). # ( @QUR@011 أفرأيتم الماء الذي تشربون ، أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن ~~المنزلون ). # ( @QUR@010 أفرأيتم النار التي تورون ، أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن ~~المنشؤن ). # 6 وكما افتتحت السورة الكريمة ببيان أهوال يوم القيامة ، وبيان أنواع ~~الناس في هذا اليوم .. اختتمت أيضا بالحديث عن أقسام الناس يوم الحساب ، ~~وعاقبة كل قسم ، قال تعالى : ( @QUR@040 فأما إن كان من المقربين ، فروح ~~وريحان وجنة نعيم. وأما إن كان من أصحاب اليمين ، فسلام لك من أصحاب اليمين ~~، وأما إن كان من المكذبين الضالين ، فنزل من حميم ، وتصلية جحيم ، إن هذا ~~لهو حق اليقين ، فسبح باسم ربك العظيم ). # 7 هذا والمتدبر في هذه السورة الكريمة ، يراها قد ساقت بأسلوب بليغ مؤثر ~~، ما يحمل الناس على حسن الاستعداد ليوم القيامة ، عن طريق الإيمان العميق ~~، والعمل الصالح ، وما يبين لهم عن طريق المشاهدة مظاهر قدرة الله تعالى ~~ووحدانيته ، وما يكشف لهم النقاب عن أقسام الناس في يوم الحساب ، وعن عاقبة ~~كل قسم ، وعن الأسباب التي وصلت بكل قسم منهم إلى ما وصل إليه من جنة أو نار .. # وما يريهم عجزهم المطلق أمام قدرة الله تعالى وأمام قضائه وقدره .. فهم ~~يرون بأعينهم أعز إنسان عندهم ، تنتزع روحه من جسده .. ومع ذلك فهم عاجزون ~~عن أن يفعلوا شيئا .. # وصدق الله إذ يقول : ( @QUR@025 فلو لا إذا بلغت الحلقوم. وأنتم حينئذ ~~تنظرون ، ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون. فلو لا إن كنتم غير مدينين. ~~ترجعونها إن كنتم صادقين ).. # نسأل الله تعالى أن يجعلنا من عباده المقربين .. وصلى الله على سيدنا ms5430 ~~محمد وعلى آله وصحبه وسلم .. # د. محمد سيد طنطاوى # الدوحة قطر # مساء الاثنين 7 من رجب سنة 1406 ه # 17 من مارس سنة 1986 م PageV14P156 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@03 إذا وقعت الواقعة (1) @QUR@03 ليس لوقعتها كاذبة (2) @QUR@02 ~~خافضة رافعة (3) @QUR@04 إذا رجت الأرض رجا (4) @QUR@03 وبست الجبال بسا ~~(5) @QUR@03 فكانت هباء منبثا (6) @QUR@03 وكنتم أزواجا ثلاثة (7) @QUR@05 ~~فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة (8) @QUR@05 وأصحاب المشئمة ما أصحاب ~~المشئمة (9) @QUR@02 والسابقون السابقون (10) @QUR@02 أولئك المقربون (11) ~~@QUR@03 في جنات النعيم (12) @QUR@03 ثلة من الأولين (13) @QUR@03 وقليل من ~~الآخرين (14) @QUR@03 على سرر موضونة (15) @QUR@03 متكئين عليها متقابلين ~~(16) @QUR@04 يطوف عليهم ولدان مخلدون (17) @QUR@05 بأكواب وأباريق وكأس من ~~معين (18) @QUR@05 لا يصدعون عنها ولا ينزفون (19) @QUR@03 وفاكهة مما ~~يتخيرون (20) @QUR@04 ولحم طير مما يشتهون (21) @QUR@02 وحور عين (22) ~~@QUR@03 كأمثال اللؤلؤ المكنون (23) @QUR@04 جزاء بما كانوا يعملون (24) ~~@QUR@06 لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما (25) @QUR@04 إلا قيلا سلاما سلاما ) (26) # افتتحت سورة «الواقعة» بتقرير الحقيقة التي لا شك فيها ، وهي أن يوم ~~القيامة حق وأن الحساب حق ، وأن الجزاء حق .. PageV14P157 # وقد اختير الافتتاح بالظرف المتضمن معنى الشرط ، لأنه ينبه الأذهان ويحرك ~~النفوس لترقب الجواب. # والواقعة من أسماء القيامة كالقارعة ، والحاقة ، والآزفة .. # قال الجمل : وفي ( @QUR@01 إذا ) هنا أوجه : أحدها : أنها ظرف محض ، ليس ~~فيها معنى الشرط ، والعامل فيها ليس ، من حيث ما فيها من معنى النفي ، كأنه ~~قيل : ينتفى التكذيب بوقوعها إذا وقعت. # والثاني : أن العامل فيها اذكر مقدرا. الثالث : أنها شرطية وجوابها مقدر ~~، أى : إذا وقعت الواقعة كان ، كيت وكيت ، وهو العامل فيها .. (1). # وقال بعض العلماء : والذي يظهر لي صوابه ، أن إذا هنا : هي الظرفية ~~المتضمنة معنى الشرط ، وأن قوله الآتي : ( @QUR@04 إذا رجت الأرض رجا ) بدل ~~من قوله : ( @QUR@03 إذا وقعت الواقعة ) وأن الجواب إذا هو قوله : ( ~~@QUR@02 فأصحاب الميمنة ... ). # وعليه فالمعنى : إذا قامت القيامة ، وحصلت هذه الأحوال العظيمة ، ظهرت ~~منزلة أصحاب الميمنة ، وأصحاب المشأمة .. (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@03 ليس لوقعتها كاذبة ) مؤكد لما قبله ، من أن وقوع ~~يوم القيامة حق لا ريب فيه. # وكاذبة : صفة لموصوف محذوف ، وهي اسم فاعل بمعنى المصدر .. # أى : عند ما تقع القيامة ، لا تكذبها نفس ms5431 من النفوس التي كانت تجحدها في ~~الدنيا ، بل كل نفس حينئذ تكون مصدقة لها. # قال القرطبي : قوله : ( @QUR@03 ليس لوقعتها كاذبة ). الكاذبة مصدر ~~بمعنى الكذب ، والعرب قد تضع الفاعل والمفعول موضع المصدر ، كقوله تعالى : ~~( @QUR@04 لا تسمع فيها لاغية ) أى : لغو .. # أى : ليس لقيام القيامة كذب ولا تخلف ، بل هي واقعة يقينا .. # أو الكاذبة صفة والموصوف محذوف ، أى : ليس لوقعتها حال كاذبة أو نفس ~~كاذبة .. (3) PageV14P158 # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@012 الله لا إله إلا هو ليجمعنكم ~~إلى يوم القيامة لا ريب فيه .. ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@012 فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ، ~~وكفرنا بما كنا به مشركين ) (2). # ثم بين سبحانه ما يترتب على قيام الساعة من أحوال فقال : ( @QUR@02 خافضة ~~رافعة ) أى : هي خافضة للأشقياء إلى أسفل الدركات : وهي رافعة للسعداء إلى ~~أعلى الدرجات. # والخفض والرفع يستعملان عند العرب في المكان والمكانة. وفي العز والإهانة ~~.. ونسب سبحانه الخفض والرفع إلى القيامة على سبيل المجاز. # والمقصود بالآية الكريمة ترغيب الصالحين في الازدياد من العمل الصالح ، ~~لترفع منزلتهم يوم القيامة ، وترهيب الفاسقين من سوء المصير الذي ينتظرهم ، ~~إذا ما استمروا في فسقهم وعصيانهم. # ويرى بعضهم أن المراد بالخفض والرفع في هذا اليوم ، ما يترتب عليه من ~~تناثر النجوم ، ومن تبدل الأرض غير الأرض ، ومن صيرورة الجبال كالعهن ~~المنفوش .. # وعلى هذا يكون المقصود بالآية : التهويل من شأن يوم القيامة ، حتى يستعد ~~الخلق لاستقباله ، بالإيمان والعمل الصالح ، حتى لا يصيبهم فيه ما يصيب ~~العصاة المفسدين ، من خزي وهوان .. # والآية الكريمة تسع المعنيين ، لأن في هذا اليوم يرتفع الأخيار وينخفض ~~الأشرار ، ولأن فيه أيضا ( @QUR@05 تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ... ). # والمراد بالرج في قوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@07 إذا رجت الأرض رجا. ~~وبست الجبال بسا ... ) التحريك الشديد ، والاضطراب الواضح. يقال : رج فلان ~~الشيء رجا ، إذا حركه بعنف وزلزلة بقوة .. # وقوله ( @QUR@01 وبست ) من البس بمعنى التفتيت والتكسير الدقيق ، ومنه ~~قولهم : بس فلان السويق ، إذا فتته ولته وهيأه للأكل ... # أى : إذا رجت الأرض وزلزلت زلزالا شديدا ، وفتت الجبال تفتيتا حتى صارت ~~كالسويق PageV14P159 # الملتوت ms5432 .. فكانت تلك الجبال كالهباء المنبث أى : المتفرق الذي يلوح من ~~خلال شعاع الشمس إذا ما دخل من نافذة .. # إذا ما حدث كل ذلك ، وجد كل إنسان جزاءه من خير أو شر ، ( @QUR@012 فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ). # فجواب الشرط ما ذكرته الآيات بعد ذلك من حسن عاقبة أصحاب الميمنة وسوء ~~عاقبة أصحاب المشأمة. # ومن الآيات الكثيرة ، التي وردت في معنى هذه الآيات قوله تعالى : ( ~~@QUR@08 يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا ) (1). # والخطاب في قوله تعالى : ( @QUR@03 وكنتم أزواجا ثلاثة ) للناس جميعا ، ~~وكان بمعنى صار ، والأزواج بمعنى الأصناف والأنواع .. # أى : وصرتم أيها الناس في هذا اليوم الهائل الشديد ، أصنافا ثلاثة ، على ~~حسب أحوالكم في الدنيا .. # ثم فصل سبحانه الحديث عن الأزواج الثلاثة فقال : ( @QUR@012 فأصحاب ~~الميمنة ما أصحاب الميمنة ، وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة. والسابقون ~~السابقون ). # والمراد بأصحاب الميمنة ، أولئك السعداء الذين يؤتون كتبهم يوم القيامة ~~بأيمانهم ، أو لأنهم يذهب بهم ذات اليمين إلى الجنة .. # أو سموا بذلك ، لأنهم ميامين ، أى : أصحاب بركة على أنفسهم ، لأنهم ~~أطاعوا ربهم وخالفوا أهواءهم .. فكانت عاقبتهم الجنة. # وسمى الآخرون بأصحاب المشأمة ، لأنهم مشائيم ، أى : أصحاب شؤم على أنفسهم ~~، لأنهم طغوا وآثروا الحياة الدنيا ، فكانت عاقبتهم النار. # أو سموا بذلك ، لأنهم يؤتون كتبهم بشمائلهم. أو لأنهم يذهب بهم ذات ~~الشمال إلى النار .. والعرب تسمى الشمال شؤما ، كما تسمى اليمين يمنا. # والتعبير بقوله : ( @QUR@03 ما أصحاب الميمنة ) للتفخيم والإعلاء من ~~شأنهم ، كما أن التعبير بقوله تعالى : ( @QUR@03 ما أصحاب المشئمة ) ~~للتحقير والتعجيب من حالهم. # وجملة : ( @QUR@03 ما أصحاب الميمنة ) مكونة من مبتدأ وهو ما الاستفهامية ~~، وخبر وهو PageV14P160 # ما بعدها ، وهذه الجملة خبر لقوله ( @QUR@02 فأصحاب الميمنة ). ووضع ~~فيها الاسم الظاهر موضع الضمير للتفخيم ، بخلاف وضعه في أصحاب المشأمة ، ~~فهو للتشنيع عليهم. # وشبيه بهذا الأسلوب قوله تعالى : ( @QUR@03 الحاقة ما الحاقة ) و ( ~~@QUR@03 القارعة ما القارعة ) ولا يؤتى بمثل هذا التركيب إلا في مواضع ~~التفخيم ، أو التعجيب .. # والمعنى : فأصحاب الميمنة ، أى شيء هم في أحوالهم وصفاتهم الكريمة ، ~~وأصحاب المشأمة ms5433 ، أى شيء هم في أحوالهم وصفاتهم القبيحة؟. # وقد ترك هذا الاستفهام التعجيبى على إبهامه ، لتذهب النفس فيه كل مذهب من ~~الثواب أو العقاب .. # وقوله : ( @QUR@02 والسابقون السابقون ) هؤلاء هم الصنف الثالث ، وهم ~~الذين سبقوا غيرهم إلى كل قول أو فعل فيه طاعة لله تعالى وتقرب إلى جلاله. # والأظهر في إعراب مثل هذا التركيب ، أنه مبتدأ وخبر ، على عادة العرب في ~~تكريرهم اللفظ ، وجعلهم الثاني خبرا عن الأول ، ويعنون بذلك أن اللفظ ~~المخبر عنه ، معروف خبره ، ولا يحتاج إلى تعريفه ، كما في قول الشاعر : # أنا أبو النجم ، وشعري شعري # يعنى : أن شعري هو الذي أتاك خبره ، وانتهى إليك وصفه .. # والمعنى : والسابقون هم الذين اشتهرت أحوالهم. وعرفت منزلتهم ، وبلغت من ~~الرفعة مبلغا لا يفي به إلا الإخبار عنهم بهذا الوصف. # وحذف سبحانه المتعلق في الآية لإفادة العموم ، أى : هم السابقون إلى كل ~~فضل ومكرمة وطاعة .. # وأخرهم سبحانه عن أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ، لتشويق السامع إلى ~~معرفة أحوالهم ، وبيان ما أعد لهم من ثواب عظيم ، فصله بعد ذلك في قوله ~~تعالى : ( @QUR@05 أولئك المقربون. في جنات النعيم ... ) أى : والسابقون ~~غيرهم إلى كل فضيلة وطاعة ، أولئك هم المقربون عند الله تعالى وأولئك هم ~~الذين مقرهم جنات النعيم. # فالجملة الكريمة مستأنفة استئنافا بيانيا ، لأنها جواب يثيره في النفوس ~~قوله تعالى ( @QUR@02 والسابقون السابقون ) و ( @QUR@01 أولئك ) مبتدأ ، ~~وخبره ما بعده. وما فيه من معنى البعد ، مع قرب العهد بالمشار إليه ، ~~للإشعار يسمو منزلتهم عند الله تعالى ولفظ ( @QUR@01 المقربون ) PageV14P161 # مأخوذ من القربة بمعنى الحظوة ، وهو أبلغ من القريب ، لدلالة صيغته على ~~الاصطفاء والاجتباء .. # أى : أولئك هم المقربون من ربهم عز وجل قربا لا يعرف أحد مقداره. # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 في جنات النعيم ) بيان لمظهر من مظاهر آثار هذا ~~التقرب. # قال الآلوسى : وقوله : ( @QUR@03 في جنات النعيم ) متعلق بقوله ( @QUR@01 ~~المقربون ) أو بمضمر هو حال من ضميره ، أى كائنين في جنات النعيم. # وعلى الوجهين. فيه إشارة إلى أن قربهم محض لذة وراحة ، لا كقرب خواص ~~الملك القائمين بأشغاله عنده ، بل كقرب جلسائه وندمائه الذين ms5434 لا شغل لهم ، ~~ولا يرد عليهم أمر أو نهى ، ولذا قيل ( @QUR@02 جنات النعيم ) دون جنات ~~الخلود ونحوه .. (1). # ثم قال تعالى : ( @QUR@06 ثلة من الأولين. وقليل من الآخرين ) والثلة : ~~الجماعة الكثيرة من الناس ، وأصلها : القطعة من الشيء .. وهي خبر لمبتدأ ~~محذوف ، وللمفسرين في المراد بالثلة من الأولين ، وبالقليل من الآخرين ، ~~اتجاهان : # أولهما : يرى أصحابه أن المراد بقوله : ( @QUR@03 ثلة من الأولين ): ~~أولئك السابقون من الأمم الكثيرة السابقة على الأمة الإسلامية ، وهم الذين ~~صدقوا أنبياءهم وعزروهم ونصروهم. # والمراد بقوله : ( @QUR@03 وقليل من الآخرين ) المؤمنون من هذه الأمة ~~الإسلامية. # وعلى هذا المعنى سار صاحب الكشاف. فقد قال : الثلاثة ، الأمة الكثيرة من ~~الناس ، قال الشاعر : # وجاءت إليهم ثلة خندقية %~% بجيش كتيار من السيل مزبد # وقوله عز وجل : ( @QUR@03 وقليل من الآخرين ) كفى به دليلا على الكثرة أى ~~في لفظ ( @QUR@01 ثلة ) وهو من الثل وهو الكسر .. كأنها جماعة كسرت من ~~الناس وقطعت منهم. # والمعنى : أن السابقين من الأولين كثير ، وهم الأمم من لدن آدم ~~عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم .. ( @QUR@03 وقليل من الآخرين )، ~~وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم (2). # وأما الاتجاه الثاني فيرى أصحابه ، أن الخطاب في قوله تعالى : ( @QUR@03 ~~وكنتم أزواجا ثلاثة ) للأمة الإسلامية خاصة ، وأن المراد بقوله ( @QUR@03 ~~ثلة من الأولين ) صدر هذه الأمة الاسلامية. PageV14P162 # وأن المراد بقوله تعالى : ( @QUR@03 وقليل من الآخرين ) من أتى بعد صدر ~~هذه الأمة إلى يوم القيامة. # وقد أفاض الإمام ابن كثير في ترجيح هذا القول ، فقال ما ملخصه : وقد ~~اختلفوا في المراد بقوله : ( @QUR@06 ثلة من الأولين وقليل من الآخرين ) ~~فقيل : المراد بالأولين الأمم الماضية ، وبالآخرين من هذه الأمة .. وهو ~~اختيار ابن جرير. # وهذا الذي اختاره ابن جرير هاهنا فيه نظر ، بل هو قول ضعيف ، لأن هذه ~~الأمة ، هي خير الأمم بنص القرآن ، فيبعد أن يكون المقربون أكثر منها ، ~~اللهم إلا أن يقابل مجموع الأمم بهذه الأمة ... # فالقول الراجح أن يكون المراد بقوله تعالى ( @QUR@03 ثلة من الأولين ) أى ~~: من صدر هذه الأمة. # والمراد بقوله : ( @QUR@03 وقليل من الآخرين ) أى : من هذه الأمة .. # وروى ms5435 عن الحسن أنه قال : أما السابقون فقد مضوا ، ولكن اللهم اجعلنا من ~~أصحاب اليمين. # وقد رجح بعض العلماء القول الأول فقال ما ملخصه : وقد اختلف أهل العلم في ~~المراد بهذه الثلة من الأولين ، وهذا القليل من الآخرين المذكورين هنا. # كما اختلفوا في الثلتين المذكورتين في قوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@06 ~~ثلة من الأولين ، وثلة من الآخرين ). # وظاهر القرآن يفيد في هذا المقام : أن الأولين في الموضعين من الأمم ~~الماضية. # والآخرين فيهما من هذه الأمة. # وأن قوله تعالى : ( @QUR@06 ثلة من الأولين ، وقليل من الآخرين ) في ~~السابقين خاصة. # وأن قوله تعالى : ( @QUR@06 ثلة من الأولين ، وثلة من الآخرين ) في أصحاب ~~اليمين خاصة. # وذلك لشمول الآيات لجميع الأمم ، إذ قوله تعالى : ( @QUR@03 وكنتم أزواجا ~~ثلاثة ) خطاب لجميع أهل المحشر ، فظهر أن السابقين وأصحاب اليمين. منهم من ~~هو من الأمم السابقة ، ومنهم من هو من هذه الأمة .. # ولا غرابة في أن يكون السابقون من الأمم السابقة أكثر .. لأن الأمم ~~الماضية أمم كثيرة .. وفيهم أنبياء كثيرون. PageV14P163 # وأما أصحاب اليمين من هذه الأمة ، فيحتمل أن يكونوا أكثر من أصحاب اليمين ~~من جمع الأمم ، لأن الثلة تتناول العدد الكثير وقد يكون أحد العددين .. ~~الكثيرين ، أكثر من الآخر ، مع أنهما كلاهما كثير. # ولهذا تعلم أن ما دل عليه ظاهر القرآن واختاره ابن جرير. لا ينافي ما جاء ~~من أن نصف أهل الجنة من هذه الأمة .. (1). # ثم بين سبحانه ما أعده لهؤلاء السابقين بالخيرات من عطاء كريم ، فقال : ( ~~@QUR@03 على سرر موضونة ). # والسرر : جمع سرير ، وهو ما يستعمله الإنسان لنومه أو الاتكاء عليه في جلسته. # والموضونة : أى المنسوجة بالذهب نسجا محكما ، لراحة الجالس عليها ~~ولتكريمه. يقال : وضن فلان الغزل يضنه ، إذا نسجه نسجا متقنا جميلا. # أى : مستقرين على سرر قد نسجت أطرافها بالذهب وبما يشبهه ، نسجا بديعا ~~يشرح الصدر. فقوله : ( @QUR@03 على سرر موضونة ) حال من المقربين .. # ومثله قوله : ( @QUR@03 متكئين عليها متقابلين ) أى : مضطجعين عليها ~~اضطجاع الذي امتلأ قلبه بالراحة ، وفراغ البال من كل ما يشغله ، وقد قابل ~~وجه كل واحد منهم وجه الآخر ms5436 ، ليتم سرورهم ونعيمهم ، إذ تقابل وجوه الأحباب ~~يزيد الأنس والبهجة. # ( @QUR@04 يطوف عليهم ولدان مخلدون ) أى : يدور عليهم من أجل خدمتهم ~~غلمان ، شبابهم باق لا يتغير ، وهيئتهم الجميلة على حالها لا تتبدل ، فهم ~~دائما على تلك الهيئة المنعوتة بالشباب والمنظر الحسن. # ( @QUR@05 بأكواب وأباريق وكأس من معين ) أى : يطوفون عليهم ، بأكواب أى ~~: بأقداح لا عرى لها ، وأباريق ، أى : وبأوان ذات عرا ( @QUR@03 وكأس من ~~معين ) أى : وبإناء مملوء بالخمر الكثير الجاري فقوله ( @QUR@01 معين ) من ~~المعن بمعنى الكثرة. # ( @QUR@03 لا يصدعون عنها .. ) أى لا يصيبهم صداع أو تعب بسبب شرب هذه ~~الخمر. فعن هنا بمعنى باء السببية. # قوله : ( @QUR@02 ولا ينزفون ) أى : ولا تذهب الخمر عقولهم ، كما تفعل ~~خمر الدنيا بشاربيها ، مأخوذ من النزف ، بمعنى اختلاط العقل. PageV14P164 # وقوله : ( @QUR@03 وفاكهة مما يتخيرون ) أى : ويطاف عليهم بفاكهة يتلذذون ~~بأكلها ، وهذه الفاكهة تأتيهم من كل نوع ، على حسب ما يريدون ويشتهون. # ( @QUR@04 ولحم طير مما يشتهون ) مما يحبونه ويختارونه من هذه اللحوم ~~الطيبة المحببة إلى النفوس ، يطاف عليهم به أيضا وقوله : ( @QUR@02 وحور ~~عين ) معطوف على قوله ( @QUR@02 ولدان مخلدون ) أى : ويطوف عليهم أيضا نساء ~~عيونهن شديدة البياض والسواد في سعة وجمال. # وهؤلاء الحور العين ( @QUR@03 كأمثال اللؤلؤ المكنون ) أى : يشبهن اللؤلؤ ~~المكنون الذي لم تلمسه الأيدى ، في صفاء بياضهن ، وفي شدة جمالهن. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 جزاء بما كانوا يعملون ) بيان للأسباب التي ~~أوصلتهم إلى هذا النعيم الكبير .. # ولفظ ( @QUR@01 جزاء ) منصوب على أنه مفعول لأجله لفعل محذوف ، أى : ~~أعطيناهم هذا العطاء الجزيل ، جزاء مناسبا بسبب ما كانوا يعملونه في الدنيا ~~من أعمال صالحة. # قوله تعالى : ( @QUR@010 لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما. إلا قيلا سلاما ~~سلاما ) تتميم للنعم التي أنعم سبحانه عليهم بها في الجنة. # واللغو : الكلام الساقط الذي لا فائدة منه ، ولا وزن له. يقال : لغا فلان ~~يلغو. إذا قال كلاما يلام عليه. # والتأثيم : مصدر إثم ، إذا نسب غيره إلى الإثم وفعل ما لا يليق. # أى : أن هؤلاء المقربين لا يسمعون في الجنة كلاما لا يعتد به ، ولا ~~يسمعون أيضا كلاما سيئا أو قبيحا ms5437 ، بأن ينسب بعضهم إلى بعض ما لا يليق به ، ~~وإنما الذي يسمعونه هو الكلام الطيب المشتمل على الأمان المتكرر ، والتحية ~~الدائمة. # ولفظ ( @QUR@01 سلاما ) الأول ، بدل من قوله ( @QUR@01 قيلا ) أو نعت له ~~.. أى : سالما من العيوب. # والتكرير لهذا اللفظ القصد منه التأكيد ، والإشعار بكثرة تحيتهم بهذا ~~اللفظ الدال على المحبة والوئام. # أى : لا يسمعون في الجنة إلا سلاما إثر سلام ، وتحية في أعقاب تحية ، ~~ومودة تتلوها مودة. # والاستثناء منقطع ، لأن السلام لا يندرج تحت اللغو ، وهو من تأكيد المدح ~~بما يشبه الذم ، و ( @QUR@01 قيلا ) بمعنى : قولا ، وهو منصوب على ~~الاستثناء .. PageV14P165 # وإلى هنا نجد الآيات الكريمة ، قد بينت أقسام الناس يوم القيامة. وفصلت ~~ما أعده سبحانه للسابقين ، من عطاء جزيل ، وفضل عميم. # وبعد هذا الحديث الزاخر بالخيرات والبركات عن السابقين .. جاء الحديث عن ~~أصحاب اليمين وعما أعده الله تعالى لهم من ثواب فقال سبحانه : # ( @QUR@05 وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين (27) @QUR@03 في سدر مخضود (28) ~~@QUR@02 وطلح منضود (29) @QUR@02 وظل ممدود (30) @QUR@02 وماء مسكوب (31) ~~@QUR@02 وفاكهة كثيرة (32) @QUR@04 لا مقطوعة ولا ممنوعة (33) @QUR@02 وفرش ~~مرفوعة (34) @QUR@03 إنا أنشأناهن إنشاء (35) @QUR@02 فجعلناهن أبكارا (36) ~~@QUR@02 عربا أترابا (37) @QUR@02 لأصحاب اليمين (38) @QUR@03 ثلة من ~~الأولين (39) @QUR@03 وثلة من الآخرين ) (40) # قال الآلوسى : قوله تعالى : ( @QUR@02 وأصحاب اليمين ... ) شروع في بيان ~~تفاصيل شئونهم ، بعد بيان شئون السابقين. # وأصحاب : مبتدأ وقوله : ( @QUR@03 ما أصحاب اليمين ) جملة استفهامية ~~مشعرة بتفخيمهم ، والتعجب من حالهم ، وهي خبر المبتدأ .. أو معترضة ، ~~والخبر قوله : ( @QUR@03 في سدر مخضود ... ) (1). # والسدر : شجر النبق ، واحده سدرة ، ومخضود. أى : منزوع الشوك ، يقال : ~~خضد فلان الشجر ، إذا قطع الشوك الذي به فهو خضيد ومخضود ، أو مخضود بمعنى ~~ملئ بالثمر حتى تثنت أغصانه ، من خضدت الغصن ، إذا ثنيته وأملته إلى جهة أخرى. # أى : وأصحاب اليمين ، المقول فيهم ما أصحاب اليمين على سبل التفخيم ، ~~مستقرون يوم القيامة في حدائق مليئة بالشجر الذي خلا من الشوك وامتلأ ~~بالثمار الطيبة ، التي تثنت أغصانها لكثرتها ... PageV14P166 # قال القرطبي : وذكر ابن المبارك قال : حدثنا صفوان عن سليم بن عامر قال : ~~كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون : إنه لينفعنا الأعراب ومسائلهم. ~~قال ms5438 : أقبل أعرابى يوما فقال : يا رسول الله ، لقد ذكر الله في القرآن : ~~شجرة مؤذية ، وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذى صاحبها؟ # فقال صلى الله عليه وسلم : وما هي؟ قال : السدر ، فإن له شوكا مؤذيا ، فقال ~~: صلى الله عليه وسلم : ألم يقل الله تعالى ( @QUR@03 في سدر مخضود )؟ خضد ~~الله تعالى شوكه فجعل مكان كل شوكة ثمرة (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@02 وطلح منضود ) بيان لنعمة ثانية. والطلح : قالوا ~~هو شجر الموز. واحدة طلحة ، والمنضود : المتراكب بعضه فوق بعض ، بحيث صار ~~ثمره متراصا على هيئة جميلة تسر الناظرين. # فقوله ( @QUR@01 منضود ) اسم مفعول من النضد وهو الرص. يقال ؛ نضد فلان ~~متاعه ، من باب ضرب إذا وضع بعضه فوق بعض بطريقة منسقة جميلة ، ومنه قوله ~~تعالى : ( @QUR@05 والنخل باسقات لها طلع نضيد ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 وظل ممدود ) أى : متسع منبسط ، بحيث لا يزول ~~كما يزول الظل في الدنيا ، ويحل محله ضوء الشمس. # أخرج الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها عاما وفي ~~رواية مائة عام اقرءوا إن شئتم ( @QUR@02 وظل ممدود ) (2). # وقوله سبحانه ( @QUR@02 وماء مسكوب ) أى : وفيها ماء كثير مصبوب يجرى على ~~الأرض ، ويأخذون منه ما شاءوا ، بدون جهد أو تعب. # يقال : سكب فلان الماء سكبا ، إذا صبه بقوة وكثرة. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 وفاكهة كثيرة ، لا مقطوعة ولا ممنوعة ) أى : وهم ~~بجانب كل ذلك يتلذذون في الجنة بفاكهة كثيرة ، هذه الفاكهة ليست مقطوعة ~~عنهم في وقت من الأوقات ، ولا تمتنع عن طالبها متى طلبها. # وجمع سبحانه بين انتفاء قطعها ومنعها ، للإشعار بأن فاكهة الجنة ليست ~~كفاكهة الدنيا PageV14P167 # فهي تارة تكون مقطوعة ، لأنها لها أوقاتا معينة تظهر فيها ، وتارة تكون ~~موجودة ولكن يصعب الحصول عليها ، لامتناع أصحابها عن إعطائها. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 وفرش مرفوعة ) أى : وفيها أيضا فرش منضدة ، قد ~~ارتفعت عن الأرض ، ليتكئ عليها أهل الجنة وأزواجهم. # والضمير في قوله تعالى : ( @QUR@03 إنا أنشأناهن إنشاء ... ) عائد إلى ~~غير مذكور ، إلا أنه يفهم من سياق الكلام. ms5439 لأن الحديث عن الفرش المرفوعة ~~يشير إلى من يجلس عليها ، وهم الرجال ونساؤهم ، أى : نساؤهم من أهل الدنيا ~~أو الحور العين ، ويرى بعضهم أنه يعود إلى مذكور ، لأن المراد بالفرش ~~النساء ، والعرب تسمى المرأة لباسا ، وإزارا ، وفراشا. # والإنشاء : الخلق والإيجاد. فيشمل إعادة ما كان موجودا ثم عدم ، كما يشمل ~~الإيجاد على سبيل الابتداء. # أى : إنا أنشأنا هؤلاء النساء المطهرات من كل رجس حسى أو معنوي ، إنشاء ~~جميلا ، يشرح الصدور. # ( @QUR@01 فجعلناهن ) بقدرتنا ( @QUR@01 أبكارا ) أى : فصيرناهن أبكارا ~~ليكون ذلك أكثر تلذذا بهن. # قال الآلوسى : وفي الحديث الذي أخرجه الطبراني عن أبى سعيد مرفوعا إن أهل ~~الجنة إذا جامعوا نساءهم ، عدن أبكارا (1). # وقوله : ( @QUR@02 عربا أترابا ) صفة أخرى من صفات هؤلاء النساء الفضليات ~~الجميلات. # وقوله : ( @QUR@01 عربا ) جمع عروب كرسل ورسول من أعرب فلان في قوله إذا ~~نطق بفصاحة وحسن بيان. # وأترابا : جمع ترب بكسر التاء وسكون الراء وترب الإنسان هو ما كان مساويا ~~له في السن. # أى : إنا أنشأنا هؤلاء النساء على تلك الصورة الجميلة ، فجعلناهن أبكارا ~~كما جعلناهن أيضا محببات إلى أزواجهن ، ومستويات في سن واحدة. # روى الترمذي عن الحسن قال : أتت عجوز فقالت يا رسول الله ادع الله تعالى ~~أن يدخلني الجنة ، فقال صلى الله عليه وسلم : «يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها ~~عجوز ، فولت تبكى». PageV14P168 # فقال صلى الله عليه وسلم : أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز ، إن الله تعالى ~~يقول : ( @QUR@07 إنا أنشأناهن إنشاء ، فجعلناهن أبكارا. عربا أترابا ... ) (1). # واللام في قوله : ( @QUR@02 لأصحاب اليمين ) متعلقة بأنشأناهن ، أو ~~جعلناهن. # أى : أنشأناهن كذلك ، ليكن في صحبة أصحاب اليمين ، على سبيل التكريم لهم .. # وقوله : ( @QUR@06 ثلة من الأولين ، وثلة من الآخرين ) خبر لمبتدأ محذوف. ~~أى : أصحاب اليمين جماعة كبيرة منهم من الأمم الماضية ، وجماعة كبيرة أخرى ~~من هذه الأمة الإسلامية. # وبذلك نرى أن الله تعالى قد ذكر لنا ألوانا من النعم التي أنعم بها على ~~أصحاب اليمين. كما ذكر قبل ذلك ألوانا أخرى مما أنعم به على السابقين. # قال الآلوسى : ولم يقل سبحانه في حق أصحاب ms5440 اليمين : ( @QUR@04 جزاء بما ~~كانوا يعملون ). # كما قال سبحانه ذلك في حق السابقين ، رمزا إلى أن الفضل في حقهم متمحض ، ~~كأن عملهم لقصوره عن عمل السابقين ، لم يعتبر اعتباره. # ثم الظاهر أن ما ذكر من أصحاب اليمين ، هو حالهم الذي ينتهون إليه فلا ~~ينافي أن يكون منهم من يعذب لمعاص فعلها ، ومات غير تائب عنها ، ثم يدخل ~~الجنة .. (2). # وبعد هذا الحديث الذي يشرح الصدور ، ويقر العيون ، وترتاح له الأفئدة. عن ~~السابقين وعن أصحاب اليمين .. جاء الحديث عن أصحاب الشمال ، وهم الذين ~~استحبوا العمى على الهدى وآثروا الغي على الرشد ، فقال تعالى : # ( @QUR@05 وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال (41) @QUR@03 في سموم وحميم ~~(42) @QUR@03 وظل من يحموم (43) @QUR@04 لا بارد ولا كريم (44) @QUR@05 ~~إنهم كانوا قبل ذلك مترفين (45) @QUR@05 وكانوا يصرون على الحنث العظيم ~~(46) @QUR@09 وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون ~~(47) @QUR@02 أوآباؤنا الأولون (48) @QUR@02 قل إن PageV14P169 # @QUR@02 الأولين والآخرين (49) @QUR@05 لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ~~(50) @QUR@05 ثم إنكم أيها الضالون المكذبون (51) @QUR@05 لآكلون من شجر من ~~زقوم (52) @QUR@03 فمالؤن منها البطون (53) @QUR@04 فشاربون عليه من الحميم ~~(54) @QUR@03 فشاربون شرب الهيم (55) @QUR@04 هذا نزلهم يوم الدين ) (56) # وقوله تعالى : ( @QUR@05 وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال ). أى : ما قصة ~~هؤلاء القوم؟ وما حالهم؟ وما جزاؤهم؟ .. # ثم بين سبحانه ذلك فقال : ( @QUR@03 في سموم وحميم ) والسموم : الريح ~~الشديدة الحرارة. التي تدخل في مسام الجسد ، فكأنها السم القاتل. # والحميم : الماء الذي بلغ النهاية في الغليان. أى : هم في الآخرة مستقرون ~~فيما يهلكهم من الريح الحارة ، والماء الشديد الغليان. # وهم كذلك في ( @QUR@03 ظل من يحموم ) أى : في دخان أسود شديد يخنق ~~أنفاسهم ، والعرب يقولون لكل شيء شديد السواد : أسود يحموم ، مأخوذ من ~~الشيء الأحم ، وهو الأسود من كل شيء ، ومثله الحمم. # و ( @QUR@01 من ) في قوله : ( @QUR@02 من يحموم ) للبيان. إذ الظل هنا هو ~~نفس اليحموم وتسميته ظلا من باب التهكم بهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 لا بارد ولا كريم ) صفتان للظل. أى : هذا الظل ~~لا شيء فيه من البرودة التي يستروح بها من الحر. ولا شيء فيه من النفع لمن ~~يأوى إليه. # فهاتان الصفتان لبيان انتفاء البرودة ms5441 والنفع عنه ، ومتى كان كذلك انتفت ~~عنه صفات الظلال التي يحتاج إليها. # قال صاحب الكشاف : قوله تعالى : ( @QUR@04 لا بارد ولا كريم ) نفى لصفتى ~~الظل عنه ، يريد أنه ظل ولكن لا كسائر الظلال سماه ظلا ثم نفى عنه برد الظل ~~وروحه ونفعه لمن يأوى إليه من أذى الحر ، ليمحق ما في مدلول الظل من ~~الاسترواح إليه. والمعنى : أنه ظل حار ضار ، إلا أن للنفي في نحو هذا شأنا ~~ليس للإثبات ، وفيه تهكم بأصحاب المشأمة ، وأنهم لا يستأهلون الظل البارد ~~الكريم ، الذي هو لأضدادهم في الجنة .. (1). PageV14P170 # ثم بين سبحانه الأسباب التي أدت بهؤلاء الأشقياء إلى هذا المصير الأليم ، ~~فقال تعالى ؛ ( @QUR@05 إنهم كانوا قبل ذلك مترفين ) أى : إنهم كانوا قبل ~~ذلك العذاب الذي حل بهم ، أى : كانوا في الدنيا ( @QUR@01 مترفين ) أى : ~~متنعمين بطرين ، متبعين لهوى أنفسهم ، وسالكين خطوات الشيطان. دون أن يصدهم ~~عن ذلك صاد ، أو يردعهم رادع. # فالمراد بالترف هنا : بطر النعمة ، وعدم شكر الله تعالى عليها ، والمترف ~~: هو الذي يتقلب في نعم الله تعالى ، ولكنه يستعملها في المعاصي لا في ~~الطاعات ، وفي الشرور لا في الخيرات. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 وكانوا يصرون على الحنث العظيم ) بيان لسبب آخر ~~من الأسباب التي أدت بهم إلى هذا المصير السيئ. # والحنث : الذنب الكبير ، والمعصية الشديدة ، ويندرج تحته الإشراك بالله ~~تعالى ، وإنكار البعث والجزاء ، والحلف الكاذب مع تعمد ذلك. # أى : وكانوا في الدنيا يصرون على ارتكاب الذنوب العظيمة ، ويتعمدون ~~إتيانها بدون تحرج أو تردد ، ومن مظاهر ذلك أنهم أقسموا بالأيمان المغلظة ~~أنه لا بعث ولا حساب ، ولا جزاء ، كما قال تعالى : ( @QUR@09 وأقسموا بالله ~~جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ... ) (1). # ثم حكى سبحانه لونا من أقوالهم الباطلة ، وحججهم الداحضة فقال : ( ~~@QUR@011 وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون ~~أوآباؤنا الأولون ). # أى : أنهم فوق ترفهم وإصرارهم على ارتكاب الآثام كانوا يقولون على سبيل ~~الإنكار لمن نصحهم باتباع الحق : أإذا متنا ، وانتهت حياتنا ووضعنا في ~~القبور ، وصرنا ترابا وعظاما ، أإنا لمبعوثون ومعادون إلى الحياة مرة أخرى؟ ~~وهل آباؤنا ms5442 الأولون الذين صاروا من قبلنا عظاما ورفاتا يبعثون أيضا ؟. # ولا شك أن قولهم هذا دليل على انطماس بصائرهم ، وعلى شدة غفلتهم عن آثار ~~قدرة الله تعالى التي لا يعجزها شيء ، والتي من آثارها إيجادهم من العدم. # ولذا لقن الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم الجواب الذي يخرس ألسنتهم فقال ~~سبحانه : ( @QUR@09 قل إن الأولين والآخرين ، لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ). # أى : قل لهم أيها الرسول الكريم إن الأمم السابقة التي من جملتها آباؤكم. والأمم PageV14P171 # اللاحقة التي من جملتها أنتم. الكل مجموعون ومسوقون إلى المحشر في وقت ~~واحد محدد في علم الله تعالى . وعند ما يأتى هذا الوقت ماله من دافع. # فالميقات هنا : بمعنى الوقت والأجل ، والمراد به هنا : يوم القيامة. # ووصفه سبحانه بأنه معلوم ، للإشعار بكونه معينا وواقعا وقوعا لا ريب فيه ~~، ولكن في الوقت الذي يشاؤه الله تعالى ويختاره. # ثم بين سبحانه ما سيحل بهم من عذاب في هذا اليوم فقال : ( @QUR@010 ثم ~~إنكم أيها الضالون المكذبون ، لآكلون من شجر من زقوم ... ). # والجملة الكريمة معطوفة على قوله تعالى : ( @QUR@04 إن الأولين والآخرين ~~لمجموعون ... ) # وداخلة في حيز القول. و ( @QUR@01 ثم ) للتراخي الزمانى أو الرتبى ~~والخطاب للمشركين الذين أعرضوا عن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم . # و ( @QUR@01 من ) في قوله : ( @QUR@02 من شجر ) ابتدائية ، وفي قوله : ( ~~@QUR@02 من زقوم ) بيانية. # وشجر الزقوم : لا وجود له في الدنيا ، وإنما يخلقه الله تعالى في النار ~~كما يخلق غيره من أصناف العذاب ، كالحيات والعقارب .. # وقيل : هو شجر سام ، متى مسه جسد إنسان ، تورم هذا الإنسان ومات ويوجد ~~هذا الشجر في الأراضي المجدبة المجاورة للصحراء. # والزقوم من التزقم ، وهو ابتلاع الشيء الكرية ، بمشقة شديدة .. # والمعنى : ثم قل لهم أيها الرسول الكريم على سبيل التقريع والتبكيت : ~~إنكم أيها الضالون عن الحق. المكذبون بالبعث والجزاء ، لآكلون يوم القيامة ~~من شجر ، هو شجر الزقوم ، الذي هو أخبث الشجر وأبشعه ... # ( @QUR@03 فمالؤن منها البطون ) أى : فمالئون من هذه الشجرة الخبيثة ~~بطونكم ، لشدة الجوع الذي حل بكم .. # وجاء الضمير مؤنثا في قوله : ( @QUR@01 منها ) لأن الشجر ms5443 هنا بمعنى ~~الشجرة ، أو لأن ضمائر الجمع لغير العاقل تأتى مؤنثة في الغالب. # ثم قال تعالى : ( @QUR@07 فشاربون عليه من الحميم. فشاربون شرب الهيم ) ~~والضمير في قوله : ( @QUR@01 عليه ) يعود على الأكل المستفاد من قوله : ( ~~@QUR@01 لآكلون ).. # أى : ثم إنكم أيها الضالون المكذبون بعد هذا الأكل الخبيث من شجرة الزقوم ~~.. تشربون. # عليه في بطونكم ماء قد بلغ أقصى درجات الحرارة ، فصرتم في شرابكم كالإبل العطاش PageV14P172 # التي لا يرويها الماء مهما كثر لأنها مصابة بداء ، هذا الداء يمنعها من ~~الشبع منه ، فما تزال تشرب منه حتى تهلك. # فقوله : ( @QUR@01 الهيم ) صفة لموصوف محذوف ، أى : الإبل الهيم ، جمع ~~أهيم للمذكر. وهيماء للمؤنث. # والهيام بضم الهاء داء يصيب الإبل ، يجعلها تشرب فلا تشبع ، وما تزال ~~تشرب حتى تهلك ، أو تسقم سقما شديدا يؤدى إلى موتها ، والفاء في قوله تعالى ~~: ( @QUR@02 فشاربون عليه ) عطف على ( @QUR@01 لآكلون ... ) لإفادة أن ~~شربهم مع عطشهم الشديد ، يأتى بعد أكلهم من الزقوم ، بدون مهلة أو استراحة. # وقوله : ( @QUR@02 فشاربون شرب ... ) تأكيد لما قبله ، للتنبيه على أن ~~هذا الشراب مع فظاعته وقبحه لا مفر لهم منه ، ولا انفكاك لهم عنه. # ثم ختم سبحانه هذه الآيات بقوله : ( @QUR@04 هذا نزلهم يوم الدين ) ~~والنزل : ما يعد للضيف من منزل حسن ، ومأكل حسن لإكرامه. # أى : هذا المذكور من أنواع العذاب المهين .. نزلهم ومسكنهم ومقرهم أول ~~قدومهم يوم الجزاء ... # فالإشارة بقوله : ( @QUR@01 هذا ) إلى ما ذكر قبل ذلك من عذاب مهين ، من ~~مظاهره أكلهم من الزقوم ، وشربهم من الحميم .. # والتعبير عما أعد لهم من عذاب بالنزل ، على سبل التهكم ، كما في قول ~~الشاعر : # وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا %~% جعلنا القنا والمرهفات له نزلا # وبذلك نرى الآيات الكريمة ، وقد بينت ما أعد لأصحاب الشمال ، من عذاب ~~مهين ، بأسلوب تقشعر من هوله الأبدان ... # * * * # وبعد هذا الحديث الجامع عن أقسام الناس يوم القيامة ، وعن جزاء كل قسم ~~... أخذت السورة الكريمة في إقامة الأدلة على وحدانية الله تعالى وعلى كمال ~~قدرته ... # وجاءت هذه الأدلة لا عن طريق أمور تخييلية ، أو فلسفية ، أو غيبية ... ~~وإنما عن طريق ms5444 أمور يحسونها بأنفسهم ، ويشاهدونها بأعينهم .. عن طريق خلقهم ~~، وزروعهم التي يزاولونها بأيديهم ، والماء الذي يشربونه ، والنار التي ~~يوقدونها .. # لنستمع إلى السورة الكريمة ، وهي تحكى كل ذلك فتقول : PageV14P173 # ( @QUR@05 نحن خلقناكم فلو لا تصدقون (57) @QUR@03 أفرأيتم ما تمنون (58) ~~@QUR@05 أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون (59) @QUR@07 نحن قدرنا بينكم الموت ~~وما نحن بمسبوقين (60) @QUR@09 على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا ~~تعلمون (61) @QUR@07 ولقد علمتم النشأة الأولى فلو لا تذكرون (62) @QUR@03 ~~أفرأيتم ما تحرثون (63) @QUR@05 أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون (64) ~~@QUR@06 لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون (65) @QUR@02 إنا لمغرمون (66) ~~@QUR@03 بل نحن محرومون (67) @QUR@04 أفرأيتم الماء الذي تشربون (68) ~~@QUR@07 أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون (69) @QUR@07 لو نشاء ~~جعلناه أجاجا فلو لا تشكرون (70) @QUR@04 أفرأيتم النار التي تورون (71) ~~@QUR@06 أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤن (72) @QUR@05 نحن جعلناها ~~تذكرة ومتاعا للمقوين (73) @QUR@04 فسبح باسم ربك العظيم ) (74) # وقوله تعالى : ( @QUR@05 نحن خلقناكم فلو لا تصدقون ) رد على إنكار ~~المشركين للبعث والجزاء ، ولو لا هنا للتحضيض ، والفاء لترتيب التحضيض على ~~ما قبله. # أى : نحن الذين خلقناكم أيها الجاحدون هذا الخلق الأول بقدرتنا وحدها ، ~~فهلا صدقتم بذلك ، وأطعتم رسولنا صلى الله عليه وسلم فيما جاءكم به من عندنا ، ~~وأيقنتم بأن الأولين والآخرين سيقفون أمامنا يوم القيامة للحساب؟. # فالمراد بقوله تعالى : ( @QUR@01 خلقناكم ): خلقهم من سلالة من طين ، ثم ~~جعلهم نطفة في قرار مكين كما قال تعالى : ( @QUR@024 ولقد خلقنا الإنسان من ~~سلالة من طين ، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين. ثم خلقنا النطفة علقة ، ~~فخلقنا العلقة مضغة ، فخلقنا المضغة عظاما ، فكسونا PageV14P174 # @QUR@010 العظام لحما ، ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ) (1). # فإن قيل : إنهم كانوا يعترفون بأن الله تعالى قد خلقهم ، بدليل قوله ~~تعالى : ( @QUR@06 ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ... ) فما فائدة قوله ~~سبحانه ( @QUR@02 نحن خلقناكم ... )؟ # فالجواب أنهم لما كان اعترافهم بمنزلة العدم ، حيث أشركوا مع الله تعالى ~~آلهة أخرى في العبادة قيل لهم على سبيل الإلزام والتبكيت : ( @QUR@02 نحن ~~خلقناكم ... ). # ثم ذكر سبحانه بعد ذلك أربعة أدلة على صحة هذا البعث وإمكانه ، أما ~~الدليل الأول فتراه في قوله تعالى : ( @QUR@08 أفرأيتم ما تمنون ، أأنتم ms5445 ~~تخلقونه أم نحن الخالقون ... ). # وقوله : ( @QUR@01 تمنون ) مأخوذ من أمنى بمعنى قذف المنى ، يقال : أمنى ~~الرجل النطفة ، إذا قذفها. والاستفهام للتقرير ، والرؤية علمية. و ( ~~@QUR@01 ما ) موصولة وهي المفعول الأول لقوله ( @QUR@01 أفرأيتم ) والجملة ~~الفعلية صلة الموصول ، والعائد إلى الموصول محذوف. وجملة : أأنتم تخلقونه ~~... هو المفعول الثاني. # والضمير المنصوب في قوله : ( @QUR@01 تخلقونه ) يعود إلى الاسم الموصول ~~في قوله : ( @QUR@02 ما تمنون ). أى : أخبرونى أيها المشركون عما تصبونه ~~وتقذفونه من المنى في أرحام النساء؟ أأنتم تخلقون ما تمنونه من النطف علقا ~~فمضغا .. أم نحن الذين خلقنا ذلك؟ لا شك أنكم تعرفون بأننا نحن الذين خلقنا ~~كل ذلك ، وما دام الأمر كما تعرفون ، فلما ذا عبدتم مع الله تعالى آلهة أخرى. # فالاستفهام للتقرير حيث إنهم لا يملكون إلا الاعتراف بأن الله تعالى وحده ~~خلق الإنسان في جميع أطواره. # قال الجمل : و ( @QUR@01 أم ) في هذه المواضع الأربعة منقطعة ، لوقوع ~~جملة بعدها ، والمنقطعة تقدر ببل والهمزة الاستفهامية ، فيكون الكلام ~~مشتملا على استفهامين ، الأول : أأنتم تخلقونه؟ وجوابه : لا. والثاني : ~~مأخوذ من ( @QUR@01 أم ) أى : بل أنحن الخالقون؟ وجوابه نعم (2). # ثم أكد سبحانه خلقه لكل شيء ، وقدرته على كل شيء. فقال تعالى ( @QUR@016 ~~نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين. على أن نبدل أمثالكم ، وننشئكم في ~~ما لا تعلمون ). # أى نحن وحدنا الذين قدرنا لموتكم آجالا مختلفة ، وأعمارا متفاوتة ، فمنكم ~~من يموت PageV14P175 # صغيرا ، ومنكم من يموت كبيرا ، وما نحن بمسبوقين ، أى : وما نحن بمغلوبين ~~على ذلك ، بل نحن قادرون قدرة تامة على تحديد آجالكم ، فمن حضره أجله فلن ~~يستطيع أن يتأخر عنه ساعة ، أو يتقدم عنه ساعة. كما قال تعالى : ( @QUR@08 ~~فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ). # وقوله تعالى : ( @QUR@04 على أن نبدل أمثالكم ) متعلق بقوله : ( @QUR@04 ~~نحن قدرنا بينكم الموت ... ). # والمراد بتبديل أمثالهم : إيجاد قوم آخرين من ذرية أولئك الذين ماتوا. # والمعنى : نحن وحدنا الذين قدرنا بينكم الموت وحددناه على حسب مشيئتنا ~~ونحن الذين في قدرتنا أن نبدل من الذين ماتوا منكم أشباها لهم ، نوجدهم ~~بقدرتنا أيضا كما قال سبحانه : ( @QUR@018 وربك الغني ms5446 ذو الرحمة إن يشأ ~~يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء ، كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين ) (1). # ويصح أن يكون قوله تعالى : ( @QUR@01 قدرنا ) بمعنى قضينا وكتبنا ، ويكون ~~قوله : ( @QUR@04 على أن نبدل أمثالكم ) متعلق بقوله ( @QUR@01 بمسبوقين ) ~~، ويكون المراد بتبديل أمثالهم. إيجاد قوم آخرين سواهم. # والمعنى : نحن الذين وحدنا كتبنا عليكم الموت ، وقضيناه على جميع الخلق ~~فكل نفس ذائقة الموت ، وما نحن بمغلوبين على إهلاككم ، وعلى خلق أمثالكم ~~بدلا منكم كما قال تعالى : ( @QUR@022 يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى ~~الله. والله هو الغني الحميد ، إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ، وما ذلك على ~~الله بعزيز ) (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 وننشئكم في ما لا تعلمون ) بيان للون آخر من ~~ألوان قدرته تعالى . # أى : نحن لسنا بعاجزين ولا بمغلوبين .. على أن نهلككم ونأتى بدلا منكم ~~بغيركم. ولسنا أيضا بعاجزين على أن ننشئكم بعد إهلاككم فيما لا تعلمونه من ~~الصور ، والهيئات ، والصفات. # قال صاحب الكشاف : قوله تعالى : ( @QUR@04 نحن قدرنا بينكم الموت ) أى : ~~قدرناه تقديرا ، وقسمناه عليكم قسمة الرزق على اختلاف وتفاوت كما تقتضيه ~~مشيئتنا فاختلفت أعماركم من قصير وطويل ومتوسط ... PageV14P176 # وقوله : ( @QUR@03 وما نحن بمسبوقين ) يقال : سبقته على الشيء إذا أعجزته ~~عنه ، وغلبته عليه ، ولم تمكنه منه ، فمعنى قوله ( @QUR@07 وما نحن ~~بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم ) أنا قادرون على ذلك لا تغلبوننا عليه. ~~وأمثالكم جمع مثل بسكون الثاء أى : على أن نبدل منكم ومكانكم أشباهكم من ~~الخلق ( @QUR@01 و ) على أن ( @QUR@01 ننشئكم ) في خلق لا تعلمونها وما ~~عهدتم مثلها. يعنى أنا نقدر على الأمرين جميعا : على خلق ما يماثلكم وما لا ~~يماثلكم ، فكيف نعجز عن إعادتكم. # ويجوز أن يكون أمثالكم جمع مثل ، بفتحتين أى : على أن نبدل ونغير صفاتكم ~~التي أنتم عليها في خلقكم وأخلاقكم ، وننشئكم في صفات لا تعلمونها .. (1). # ثم لفت سبحانه أنظارهم إلى ما يعلمونه من حالهم فقال : ( @QUR@07 ولقد ~~علمتم النشأة الأولى فلو لا تذكرون ). # أى : والله لقد علمتم النشأة الأولى من خلقكم ، حيث أوجدناكم من نطفة ~~فعلقة فمضغة ... فهلا تذكرتم ذلك وعقلتموه ، وعرفتم أن من قدر على ms5447 خلقكم ~~ولم تكونوا شيئا مذكورا .. قادر على إعادتكم إلى الحياة مرة أخرى؟. # فالمقصود بهذه الآيات الكريمة إقامة الأدلة الساطعة ، على إمكانية البعث ~~وعلى أن من قدر على خلق الإنسان مع العدم قادر على إعادته. # قال القرطبي : وفي الخبر : عجبا كل العجب للمكذب بالنشأة الأخرى ، وهو ~~يرى النشأة الأولى. وعجبا للمصدق بالنشأة الآخرة ، وهو لا يسعى لدار القرار (2). # ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان الدليل الثاني على صحة البعث ~~وإمكانيته. فقال تعالى : ( @QUR@019 أفرأيتم ما تحرثون. أأنتم تزرعونه أم ~~نحن الزارعون ، لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون. إنا لمغرمون. بل نحن ~~محرومون ). # والحرث : شق الأرض من أجل زراعتها ، والمراد به هنا : وضع البذر فيها بعد حرثها. # أى : أخبرونى عن البذور التي تلقون بها في الأرض بعد حرثها ، أأنتم الذين ~~تنبتونها وتصيرونها زرعا بهيجا نضرا أم نحن الذين نفعل ذلك؟ لا شك أنا نحن ~~الذين نصير هذه البذور زروعا ونباتا يانعا ، ولو نشاء لجعلنا هذا النبات ( ~~@QUR@01 حطاما ) أى مكسرا مهشما يابسا لا نفع فيه ، فظللتم بسبب ذلك ( ~~@QUR@01 تفكهون ) أى : فصرتم بسبب ما أصاب زرعكم من هلاك ، تتعجبون مما ~~أصابه ، وتتحسرون على ضياع أموالكم ، وتندمون على الجهد الذي بذلتموه من ~~غير فائدة .. PageV14P177 # وأصل التفكه : التنقل في الأكل من فاكهة إلى أخرى ، ثم استعير للتنقل من ~~حديث إلى آخر ، وهو هنا ما يكون من أحاديثهم المتنوعة بعد هلاك الزرع. # والمراد بالتفكه هنا : التعجب والندم والتحسر على ما أصابهم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 إنا لمغرمون ) مقول لقول محذوف. أى : فصرتم ~~بسبب تحطيم زروعكم تتعجبون ، وتقولون على سبيل التحسر : إنا لمهلكون بسبب ~~هلاك أقواتنا ، من الغرام بمعنى الهلاك. أو إنا لمصابون بالغرم والاحتياج ~~والفقر ، بسبب ما أصاب زرعنا. من الغرم وهو ذهاب المال بلا مقابل. # وتقولون أيضا : ( @QUR@03 بل نحن محرومون ) من منافع هذا الزرع الذي كنا ~~نعلق الآمال على الانتفاع به ، والاستفادة بثماره .. # قال الإمام القرطبي رحمه الله عند تفسيره لهذه الآيات : والمستحب لكل من ~~يلقى البذر في الأرض أن يقرأ بعد الاستعاذة : ( @QUR@03 أفرأيتم ما تحرثون ~~... ) الآيات. ثم يقول ms5448 : بل الله الزارع ، والمنبت والمبلغ. اللهم صل على ~~محمد ، وارزقنا ثمر هذا الزرع ، وجنبنا ضرره ، واجعلنا لأنعمك من الشاكرين ~~، ولآلائك من الذاكرين ، وبارك فيه يا رب العالمين ... (1). # ثم ذكر سبحانه الدليل الثالث على إمكانية البعث ، وعلى كمال قدرته تعالى ~~فقال : ( @QUR@018 أفرأيتم الماء الذي تشربون. أأنتم أنزلتموه من المزن أم ~~نحن المنزلون. لو نشاء جعلناه أجاجا فلو لا تشكرون ). # أى : وأخبرونى أيضا عن الماء الذي تشربونه ، أأنتم الذين أنزلتموه من ( ~~@QUR@01 المزن ) أى. من السحاب أم نحن الذين أنزلناه؟. # لا شك أننا نحن الذين أنزلناه ، ولا تستطيعون إنكار ذلك ، لأن إنكاركم ~~لذلك يعتبر نوعا من المكابرة المكشوفة ، والمغالطة المفضوحة. # وتخصيص هذا الوصف ، وهو ( @QUR@02 الذي تشربون ) بالذكر ، مع كثرة منافع ~~الماء ، لأن الشرب أهم المقاصد التي من أجلها أنزل سبحانه الماء من السحاب. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 لو نشاء جعلناه أجاجا ... ) بيان لمظهر من ~~مظاهر رحمته سبحانه ومفعولي المشيئة هنا وفي ما قبله إلى قوله ( @QUR@04 لو ~~نشاء لجعلناه حطاما ... ) محذوف ، للاكتفاء عنه بجواب الشرط. PageV14P178 # والماء الأجاج : هو الماء الشديد الملوحة والمرارة في وقت واحد. # أى : لو نشاء أن نجعل هذا الماء النازل من المزن لشربكم ، ماء جامعا بين ~~الملوحة والمرارة لفعلنا ، ولكنا لم نشأ ذلك رحمة بكم ، وفضلا منا عليكم. # وقوله : ( @QUR@03 فلو لا تشكرون ) حض على الشكر لله تعالى أى : فهلا ~~شكرتم الله تعالى على هذه النعم ، وأخلصتم له العبادة والطاعة ووضعتم نعمه ~~في مواضعها. # فالمراد بالشكر هنا : أن يواظب العبد على شكر ربه ، وعلى المداومة على ما ~~يرضيه وعلى استعمال النعم فيما خلقت له. # أما شكر الرب عز وجل لعبده فمعناه : منحه الثواب الجزيل ، على عمله الصالح ~~: ومنه قوله تعالى : ( @QUR@07 ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم ). # قال بعض العلماء : واعلم أن مادة الشكر تتعدى إلى النعمة تارة ، وإلى ~~المنعم أخرى. # فإن عديت إلى النعمة ، تعدت إليها بنفسها دون حرف الجر ، كقوله تعالى : ( ~~@QUR@08 رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي ... ). # وإن عديت إلى المنعم تعدت إليه بحرف الجر الذي هو اللام ، كقوله تعالى ms5449 : ~~( @QUR@04 واشكروا لي ولا تكفرون .. ) (1). # وقال سبحانه هنا : ( @QUR@04 لو نشاء جعلناه أجاجا ) وقال في الآيات ~~السابقة : ( @QUR@04 لو نشاء لجعلناه حطاما ... ) بلام التأكيد ، لأن إنزال ~~الماء من السماء وتحويله من ماء عذب إلى ماء ملح ، مما لا يتوهم أن لأحد ~~قدرة عليه سوى الله تعالى لذا لم يحتج الأمر إلى تأكيد .. # أما جفاف الزرع بعد نضارته ، حتى يعود حطاما ، فمما يحتمل أنه من فعل ~~الزارع ، أو لأى سبب آخر ، كآفة زراعية ، لذا أكد سبحانه أنه هو الفاعل ~~لذلك على الحقيقة ، وأنه تعالى قادر على تحطيمه بعد نموه وريعانه. # ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الدليل الرابع على قدرته تعالى على البعث ~~والنشور ، فقال تعالى : ( @QUR@019 أفرأيتم النار التي تورون ، أأنتم ~~أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤن. نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين. فسبح ~~باسم ربك العظيم ). # وقوله : ( @QUR@01 تورون ) أى : توقدون ، من أورى النار إذا قدحها ~~وأوقدها. ويقال : ورى الزند يرى وريا ، إذا خرجت ناره وفعله من باب وعى ~~وأوراه غيره إذا استخرج النار منه. PageV14P179 # وقوله : ( @QUR@01 للمقوين ) مأخوذ من أقوى الرجل إذا دخل في القواء ، ~~وهو الفضاء الخالي من العمران ، والمراد بهم هنا المسافرون ، لأنهم في معظم ~~الأحيان يسلكون في سفرهم الصحارى والفضاء من الأرض. # وخصهم سبحانه بالذكر ، لأنهم أكثر من غيرهم انتفاعا بالنار ، وأحوج من ~~غيرهم إليها. # والمراد بشجرة النار : المرخ والعفار ، وهما شجرتان ، يقدح غصن إحداهما ~~بغصن الأخرى فتتولد النار منهما بقدرة الله تعالى ... # ومن أمثال العرب : لكل شجر نار ، واستمجد المرخ والعفار. أى : وعلا على ~~غيرهما المرخ والعفار لأنهما أكثر الشجر نصيبا في استخراج النار. فهو مثل ~~يضرب في تفضيل الشيء على غيره. # والمعنى : وأخبرونى أيضا عن النار التي تقدحونها وتستخرجونها من الشجر ~~الرطب الأخضر ، أأنتم خلقتم شجرتها ، واخترعتم أصلها ، أم نحن الخالقون لها ~~وحدنا؟. # لا شك أن الجواب الذي لا جواب غيره ، أننا نحن الذين أنشأنا شجرتها لا أنتم. # ونحن الذين جعلناها تذكرة ، نذكر الناس بها في دار الدنيا إذا أحسوا بشدة ~~حرارتها ، بنار الآخرة التي هي أشد وأبقى ، حتى يقلعوا عن الأقوال ms5450 والأفعال ~~التي تؤدى بهم إلى نار الآخرة. # ونحن أيضا الذين جعلنا هذه النار ( @QUR@01 متاعا ) أى منفعة ( @QUR@01 ~~للمقوين ) أى للمسافرين ، والذين هم في حاجة إليها في شئونهم المختلفة. # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@04 فسبح باسم ربك العظيم ) لترتيب ما ~~بعدها على ما قبلها. # أى : وما دام الأمر كذلك ، فسبح أيها العاقل باسم ربك العظيم ، بأن تنزهه ~~عن الشريك والولد ، وبأن تخلص له العبادة والطاعة. # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة ، قد ذكرت أربعة أدلة على إمكانية البعث ~~: الأول عن طريق خلق الإنسان. والثاني عن طريق إنبات النبات ، والثالث عن ~~طريق إنزال الماء من السحاب : والرابع عن طريق إنشاء الشجر الذي تستخرج منه النار. # وإنها لأدلة واضحة على كمال قدرة الله تعالى ووحدانيته لكل عبد منيب. # وبعد أن ساق سبحانه هذه الأدلة المتنوعة على كمال قدرته وعلى صحة البعث .. PageV14P180 # التفت سبحانه بالحديث إلى أولئك الذين وصفوا القرآن بأنه أساطير الأولين ~~.. فرد عليهم بما يخرس ألسنتهم ، ونعت القرآن بنعوت جليلة فقال تعالى : # ( @QUR@04 فلا أقسم بمواقع النجوم (75) @QUR@05 وإنه لقسم لو تعلمون عظيم ~~(76) @QUR@03 إنه لقرآن كريم (77) @QUR@03 في كتاب مكنون (78) @QUR@04 لا ~~يمسه إلا المطهرون (79) @QUR@04 تنزيل من رب العالمين ) (80) # قال بعض العلماء : ورد القسم على هذا النحو في القرآن الكريم كثيرا ، ومن ~~ذلك قوله تعالى : ( @QUR@06 فلا أقسم بالشفق ، والليل وما وسق ) وقوله : ( ~~@QUR@05 فلا أقسم بالخنس. الجوار الكنس ... ). # وقد جاء على غير هذه الصورة ، أى : من غير لا النافية ، ومن غير الفعل ~~«أقسم» كما في قوله تعالى : ( @QUR@09 فو رب السماء والأرض إنه لحق .. ~~وتالله لأكيدن أصنامكم ... ). # وتارة يكون القسم بأشياء مختلفة من خلقه تعالى كالصافات ، والطور ، ~~والتين ، والقرآن (1). والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@04 فلا أقسم بمواقع ~~النجوم ) للتفريع على ما تقدم من أدلة البعث. # و ( @QUR@01 فلا ) عند أكثر المفسرين في هذا التركيب وأمثاله : مزيدة ~~للتأكيد ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@04 لئلا يعلم أهل الكتاب ... ) أى ~~ليعلم أهل الكتاب. والمعنى هنا : فأقسم بمواقع النجوم .. # قالوا : وزيادتها هنا جاءت جريا على سنن العرب من زيادتها قبل القسم ، ~~كما في قولهم : لا وأبيك ، كأنهم ms5451 ينفون ما سوى المقسم عليه ، فيفيد الكلام ~~التأكيد. # ويرى بعضهم أن لا هنا : للنفي فيكون المعنى : فلا أقسم بمواقع النجوم ، ~~لأن الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم أصلا فضلا عن هذا القسم العظيم. # قال الآلوسى ما ملخصه : ( @QUR@02 فلا أقسم ... ) لا مزيدة للتأكيد مثلها ~~في قوله تعالى : PageV14P181 # ( @QUR@04 لئلا يعلم أهل الكتاب ) أو هي لام القسم بعينها أشبعت فتحتها ~~فتولدت منها ألف أى : فلأقسم .. # وقيل إن لا هنا للنفي والرد على ما يقوله الكفار في القرآن من أنه سحر. ~~كأنه قيل : فلا صحة لما يقولون فيه ، ثم استؤنف فقيل أقسم .. # وقال بعضهم إن «لا» كثيرا ما يؤتى بها قبل القسم على نحو الاستفتاح ، كما ~~في قولهم لا وأبيك .. # وقال أبو مسلم وجمع : إن الكلام على ظاهره المتبادر منه. والمعنى : لا ~~أقسم إذ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم. أى : لا يحتاج إلى قسم أصلا ، ~~فضلا عن هذا القسم العظيم .. (1). # والمواقع : جمع موقع ، وموقع الشيء ما يوجد فيه ، وما يسقط من مكان مرتفع. # فالمراد بمواقع النجوم : مساقطها التي تسقط فيها عند غروبها .. وقيل : ~~مواضعها من بروجها في السماء ، ومنازلها منها .. وقيل : المراد مواقعها يوم ~~القيامة عدما تنتشر وتتفرق .. وأقسم سبحانه بذلك ، للتنوية بشأنها ، ولما ~~فيها من الدلالة على أن لهذا الكون خالقا قادرا حكيما ، يسير كواكبه بدقة ~~ونظام بديع ، لا اختلال معه ولا اضطراب .. إذ كل نجم من هذه النجوم ~~المتناثرة في الفضاء ، له مجاله الذي يغيب فيه ، وله مكانه الذي لا يصطدم ~~فيه بغيره. # قال بعض العلماء : إن هذه النجوم والكواكب ، التي تزيد على عدة بلايين ~~نجم ، ما يمكن رؤيته بالعين المجردة ، وما لا يرى إلا بالمجاهر والأجهزة ، ~~وما يمكن أن تحس به الأجهزة ، دون أن تراه كلها تسبح في الفلك الغامض ، ولا ~~يوجد أى احتمال أن يقترب مجال مغناطيسى لنجم ، من مجال نجم آخر ، أو يصطدم ~~بكوكب آخر .. (2). # ومن العلماء من يرى أن المراد بمواقع النجوم أوقات نزول القرآن نجما نجما ~~، وطائفة من الآيات تلى طائفة أخرى .. # قال ابن ms5452 كثير : واختلفوا في معنى قوله «بمواقع النجوم» فعن ابن عباس أنه ~~يعنى نجوم القرآن فإنه نزل جملة ليلة القدر ، من السماء العليا إلى السماء ~~الدنيا ، ثم نزل مفرقا بعد ذلك .. # وعن قتادة : «مواقع النجوم» منازلها .. وقال مجاهد : مطالعها ومشارقها .. ~~وعن الحسن : انتشارها يوم القيامة .. (3). PageV14P182 # ويبدو لنا أن تفسير النجوم هنا ، بنجوم السماء هو الأرجح ، لأنه هو ~~الظاهر من معنى الآية الكريمة. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 وإنه لقسم لو تعلمون عظيم ) كلام معترض بين ~~القسم وجوابه والضمير في «وإنه» يعود إلى القسم المذكور في قوله : ( ~~@QUR@04 فلا أقسم بمواقع النجوم ) أو يعود إلى ( @QUR@02 بمواقع النجوم ) ~~بتأويله بمعنى المذكور .. # قال صاحب الكشاف : ( @QUR@02 بمواقع النجوم ) أى : بمساقطها ، ومغاربها ~~.. واستعظم ذلك بقوله : ( @QUR@05 وإنه لقسم لو تعلمون عظيم ).. وهو ~~اعتراض في اعتراض ، لأنه اعترض به بين المقسم والمقسم عليه ، وهو قوله : ( ~~@QUR@03 إنه لقرآن كريم ) واعترض بقوله لو تعلمون بين الموصوف وصفته .. (1). # وجواب «لو» إما محذوف بالكلية لأنه لا يتعلق بذكره غرض ، إذ المقصود هو ~~نفى علمهم ، أى : أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم عظيم ، ولكنكم لا تعلمون ~~قيمته ومنزلته. # وإما أن يكون جوابها مقدرا ، فيكون المعنى : أقسم بمواقع النجوم ، وإنه ~~لقسم عظيم لو كان عندكم علم نافع ، لعظمتموه ، ولآمنتم بما أقسمنا عليه ، ~~ولكنكم لم تعظموه ولم تؤمنوا لجهلكم ، ولانطماس بصائركم .. # والضمير في قوله سبحانه : ( @QUR@03 إنه لقرآن كريم ) راجع إلى غير مذكور ~~في الكلام إلا أن علم المخاطبين به واستحضارهم له ، نزل منزلة ذكره .. # أى : أقسم بمواقع النجوم ، إن هذا الذي يتلوه عليكم نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم لقرآن كريم. أى : رفيع القدر طاهر الأصل ، كثير المنافع ، ~~ظاهر الفضل ، لأن الناس يجدون فيه كل ما يريدونه من سعادة وخير .. # وليس أمره كما زعمتم من أن الشياطين تنزلت به ، أو أنه من أساطير الأولين .. # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 في كتاب مكنون ) وصف آخر للقرآن الكريم ، ~~والمكنون : المستور والمحجوب عن أنظار الناس ، بحيث لا يعلم كنهه إلا الله ~~تعالى ، والمراد بالكتاب : اللوح المحفوظ. أى : أن هذا القرآن الكريم قد ~~جعله الله تعالى في ms5453 كتاب مصون من غير الملائكة المقربين ، بحيث لا يطلع ~~عليه أحد سواهم .. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 لا يمسه إلا المطهرون ): صفة للكتاب الذي هو ~~اللوح المحفوظ. أى : أن هذا القرآن قد اقتضت حكمتنا أن نجعله في كتاب مصون ~~بحيث لا يطلع PageV14P183 # عليه قبل نزوله. من اللوح المحفوظ ولا يمسه أحد ، إلا الملائكة المطهرون ~~من كل ما يوجب الطهارة. # وعلى هذا التفسير يكون الغرض من الآيات الكريمة ، نفى ما زعمه المشركون ~~من أن القرآن تنزلت به الشياطين ، وإثبات أن هذا القرآن مصون في كتاب مستور ~~عن الأعين ، هو اللوح المحفوظ. وأن الملائكة المطهرين وحدهم هم الذين ~~يطلعون على هذا القرآن من اللوح المحفوظ ، وهم وحدهم الذين ينزلون به على ~~الرسول صلى الله عليه وسلم . # كما قال تعالى : ( @QUR@016 وإنه لتنزيل رب العالمين ، نزل به الروح ~~الأمين ، على قلبك لتكون من المنذرين. بلسان عربي مبين .. ) (1). # وكما قال سبحانه : ( @QUR@013 وما تنزلت به الشياطين. وما ينبغي لهم وما ~~يستطيعون ، إنهم عن السمع لمعزولون ... ) (2). # ومنهم من يرى أن قوله تعالى : ( @QUR@04 لا يمسه إلا المطهرون ) صفة أخرى ~~للقرآن الكريم ، فيكون المعنى : إن هذا القرآن الكريم. لا يصح أن يمسه إلا ~~المطهرون من الناس ، عن الحدث الأصغر ، والحدث الأكبر ، فيكون المراد ~~بالطهارة : الطهارة الشرعية .. # وقد رجح العلماء الرأى الأول الذي يرى أصحابه أن قوله تعالى : ( @QUR@04 ~~لا يمسه إلا المطهرون ) صفة للوح المحفوظ المعبر عنه بأنه كتاب مكنون ، وأن ~~المراد بالمطهرين : الملائكة المقربون .. # وقالوا في تأييد ما ذهبوا إليه : إن الآيات مسوقة لتنزيه القرآن عن أن ~~تنزل به الشياطين ، وأنه في مكان مأمون لا يصل إليه إلا الملائكة المقربون. # والآيات أيضا مكية ، والقرآن المكي أكثر اهتمامه كان موجها إلى إبطال ~~شبهات المشركين ، وليس إلى الأحكام الفرعية ، التي تحدث عنها القرآن المدني كثيرا. # كذلك قالوا : إن وصف الكتاب بأنه ( @QUR@01 مكنون ) يدل على شدة الصون ~~والستر عن الأعين ، بحيث لا تناله أيدى البشر ، وهذا لا ينطبق إلا على ~~اللوح المحفوظ ، أما القرآن فيمسه المؤمن وغير المؤمن .. (3). # قال الإمام القرطبي ما ملخصه قوله : ( @QUR@04 لا ms5454 يمسه إلا المطهرون ) ~~اختلف في معنى PageV14P184 # ( @QUR@02 لا يمسه ) هل هو حقيقة في المس بالجارحة أو معنى؟ وكذلك اختلف ~~في ( @QUR@01 المطهرون ) من هم؟ .. # فقال أنس وسعيد بن جبير : لا يمس ذلك الكتاب إلا المطهرون من الذنوب وهم ~~الملائكة .. # وقيل المراد بالكتاب : المصحف الذي بأيدينا ، وهو الأظهر ، وقد روى مالك ~~وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في كتابه الذي كتبه إلى شرحبيل بن ~~كلال ... «ألا يمس القرآن إلا طاهر». # وقالت أخت عمر لعمر عند إسلامه : ( @QUR@04 لا يمسه إلا المطهرون ) فقام ~~واغتسل. ثم أخذ الصحيفة التي بيدها ، وفيها القرآن. # ثم قال : واختلف العلماء في مس المصحف على غير وضوء : فالجمهور على المنع ... # وفي مس الصبيان إياه على وجهين : أحدهما المنع اعتبارا بالبالغ والثاني ~~الجواز ، لأنه لو منع لم يحفظ القرآن. لأن تعلمه حال الصغر ، ولأن الصبى ~~وإن كانت له طهارة إلا أنها ليست بكاملة ، لأن النية لا تصح منه ، فإذا جاز ~~أن يحمله على طهارة ، جاز أن يحمله محدثا (1). # ثم ختم سبحانه هذه الآيات الكريمة بقوله : ( @QUR@04 تنزيل من رب ~~العالمين ) أى : هذا الكتاب الكريم منزل من رب العالمين ، لا رب سواه ، ولا ~~خالق غيره ، وبذلك يرى : أن هذه الآيات الكريمة ، قد وصف الله تعالى فيها ~~القرآن الكريم ، بجملة من الصفات الجليلة ، فقد وصفه سبحانه بأنه كريم ، ~~ووصفه بأنه مصون ومحفوظ من أن يمسه أحد سوى ملائكته المقربين ، وسوى عباده ~~المطهرين من الأحداث ، ووصفه بأنه منزل من عنده لا من عند أحد سواه كما زعم ~~أولئك الجاهلون. # ثم تتحدث السورة في أواخرها. بأسلوب مؤثر ، عن لحظات الموت. وعن اللحظات ~~التي يفارق الإنسان فيها هذه الحياة ، وأحباؤه من حوله لا يملكون له نفعا ~~.. وعن بيان الحالة التي يكون عليها هذا المفارق لهم ، فتقول : # ( @QUR@04 أفبهذا الحديث أنتم مدهنون (81) @QUR@04 وتجعلون رزقكم أنكم ~~تكذبون (82) @QUR@05 فلو لا إذا بلغت الحلقوم (83) @QUR@03 وأنتم حينئذ ~~تنظرون (84) @QUR@02 ونحن أقرب PageV14P185 # @QUR@05 إليه منكم ولكن لا تبصرون (85) @QUR@06 فلو لا إن كنتم غير ~~مدينين (86) @QUR@04 ترجعونها إن كنتم صادقين (87) @QUR@05 فأما إن كان من ~~المقربين (88) @QUR@04 فروح ms5455 وريحان وجنة نعيم (89) @QUR@06 وأما إن كان من ~~أصحاب اليمين (90) @QUR@05 فسلام لك من أصحاب اليمين (91) @QUR@06 وأما إن ~~كان من المكذبين الضالين (92) @QUR@03 فنزل من حميم (93) @QUR@02 وتصلية ~~جحيم (94) @QUR@05 إن هذا لهو حق اليقين (95) @QUR@04 فسبح باسم ربك العظيم ) (96) # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@04 أفبهذا الحديث أنتم مدهنون ) ~~للإنكار والتوبيخ. وهو داخل على مقدر. # والمراد بالحديث : القرآن الكريم ، وما تضمنه من هدايات وإرشادات ~~وتشريعات .. # وقوله : ( @QUR@01 مدهنون ) من الإدهان وأصله جعل الجلد ونحوه مدهونا ~~بشيء من الدهن ليلين ، ثم صار حقيقة عرفية في الملاينة والمسايرة والمداراة ~~ومنه قوله تعالى : ( @QUR@04 ودوا لو تدهن فيدهنون ). # والمراد به هنا : تظاهر المشركين بمهادنة الرسول صلى الله عليه وسلم وبما ~~جاء به من قرآن كريم ، وإبداؤهم من اللين خلاف ما يبطنون من المكر ~~والبغضاء. # ويصح أن يكون الإدهان هنا : بمعنى التكذيب والنفاق ، إذ أن هذه المعاني ~~أيضا تتولد عن المداهنة والمسايرة. # أى : أتعرضون أيها المشركون عن الحق الذي جاءكم به رسولنا ~~صلى الله عليه وسلم فتظهرون أمامه بمظهر المداهن والمهادن ، الذي يلين أمام ~~خصمه ، ولا يقابله بالشدة والحزم : مع أنه في الوقت نفسه يضمر له أشد أنواع ~~السوء والكراهية؟ .. # إذا كان هذا شأنكم ، فاعلموا أن تصرفكم هذا لا يخفى علينا؟! .. # وقوله سبحانه وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون معطوف على ما قبله من باب عطف ~~الجملة على الجملة. والكلام على حذف مضاف. # والمعنى : أتعرضون عن هذا القرآن على سبل المداهنة والملاينة ، وتجعلون ~~شكر نعمة رزقنا PageV14P186 # لكم به. وبالمطر الذي لا حياة لكم بدونه ، أنكم تكذبون بكونهما من عند ~~الله تعالى فتقولون في شأن القرآن ، أساطير الأولين ، وتقولون إذا ما ~~أنزلنا المطر عليكم : مطرنا بسبب نوء كذا. أى : بسبب سقوط النجم في جهة ~~المغرب من الفجر. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@04 وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ) أى : ~~وتجعلون شكركم أنكم تكذبون ، تقولون أمطرنا بنوء كذا وكذا ، وبنجم كذا وكذا ~~وأكثر الروايات أن قوله تعالى : ( @QUR@02 وتجعلون رزقكم ) نزل في القائلين ~~: مطرنا بنوء كذا .. أخرج مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال : مطر الناس على ~~عهد رسول الله صلى الله ms5456 عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم : أصبح من الناس شاكر ~~ومنهم كافر. قالوا : هذه رحمة وضعها الله وقال بعضهم : لقد صدق نوء كذا ~~فنزلت هذه الآية : ( @QUR@04 فلا أقسم بمواقع النجوم ) حتى بلغ ( @QUR@04 ~~وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ). # ثم قال الإمام الآلوسى : والآية على القول بنزولها في قائلى ذلك : ظاهرة ~~في كفرهم المقابل للإيمان ، فكأنهم كانوا يقولونه عن اعتقاد أن الكواكب ~~مؤثرة حقيقة موجدة للمطر ، وهو كفر بلا ريب بخلاف قوله مع اعتقاد أنه من ~~فضل الله تعالى ، وأن النوء ميقات وعلامة فإنه ليس بكفر .. (1). # وقد ذكر المفسرون هنا جملة من الأحاديث في هذا المعنى فارجع إليها إن شئت ~~.. (2). # ثم انتقلت الآيات إلى توبيخهم على أمر آخر ، وهو غفلتهم عن قدرة الله ~~تعالى ووحدانيته وهم يشاهدون آثار قدرته أمام أعينهم فقال تعالى : ( ~~@QUR@025 فلو لا إذا بلغت الحلقوم. وأنتم حينئذ تنظرون. ونحن أقرب إليه ~~منكم ولكن لا تبصرون ، فلو لا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين ). # ولو في الموضعين للتحضيض على التذكر والاعتبار ، ولإبراز عجزهم في أوضح ~~صورة ، إذ إظهار عجزهم هو المقصود هنا بالحض .. # وقوله ( @QUR@02 إذا بلغت ) ظرف متعلق بقوله ( @QUR@01 ترجعونها ) أى : ~~تردونها ، وقد قدم عليه لتهويله ، والتشويق إلى الفعل المحضوض عليه ، وهو ~~إرجاع الروح إلى صاحبها. # والضمير في ( @QUR@01 بلغت ) يعود إلى الروح ، وهي وإن كانت لم تذكر إلا ~~أنها مفهومه من الكلام. PageV14P187 # والحلقوم : مجرى الطعام وأل فيه للعهد الجنسي. # وجملة : ( @QUR@03 وأنتم حينئذ تنظرون ) حال من ضمير ( @QUR@01 بلغت )، ~~ومفعول ( @QUR@01 تنظرون ) محذوف والتقدير : تنظرون وتبصرون صاحب الروح وهو ~~في تلك الحالة العصيبة. # وجملة ( @QUR@01 ترجعونها ... ) جواب الشرطين في قوله : ( @QUR@04 إن ~~كنتم غير مدينين ) وفي قوله : ( @QUR@03 إن كنتم صادقين ). # وجملة ( @QUR@04 ونحن أقرب إليه منكم ) مستأنفة لتأكيد توبيخهم على ~~جهالاتهم وعدم اعتبارهم حتى في أوضح المواقف التي تدل على قدرة خالقهم ~~عز وجل . # والمعنى : إذا كنتم أيها الجاحدون المكذبون لم تعتبروا ولم تتعظوا بكل ما ~~سقناه لكم من ترغيب وترهيب على لسان رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم فهلا ~~اعتبرتم واتعظتم وآمنتم بوحدانيتنا ms5457 وقدرتنا .. حين ترون أعز وأحب إنسان ~~إليكم ، وقد بلغت روحه حلقومه ، وأوشكت على أن تفارق جسده ... # ( @QUR@01 وأنتم ) أيها المحيطون بهذا المحتضر العزيز عليكم ( @QUR@01 ~~حينئذ ) أى : حين وصل الأمر به إلى تلك الحالة التي تنذر بقرب نهايته ، ~~أنتم ( @QUR@01 تنظرون ) إلى ما يقاسيه من غمرات الموت ، وتبصرون ما فيه من ~~شدة وكرب ، وتحرصون كل الحرص على إنجائه مما حل به ولكن حرصكم يذهب أدراج ~~الرياح. # ( @QUR@01 ونحن ) في هذه الحالة وغيرها ، ( @QUR@03 أقرب إليه منكم ) أى ~~: ونحن أقرب إليه منكم بعلمنا وبقدرتنا ، حيث إنكم لا تعرفون حقيقة ما هو ~~فيه من أهوال ولا تدركون عظيم ما فيه من كرب ، ولا تقدرون على رفع شيء من ~~قضائنا فيه وفي غيره. # وقوله : ( @QUR@03 ولكن لا تبصرون ) استدراك للكلام السابق. أى : ونحن ~~أقرب إلى هذا المحتضر منكم ، ولكنكم لا تدركون ذلك لجهلكم بقدرتنا النافذة ~~، وحكمتنا البالغة .. # ( @QUR@06 فلو لا إن كنتم غير مدينين ) أى : فهلا إن كنتم غير عاجزين عن ~~رد قضائنا في هذا المحتضر الحبيب إليكم ، وغير مربوبين لنا ، وخاضعين ~~لسلطاننا .. يقال : دان السلطان الرعية ، إذا ساسهم وأخضعهم لنفوذه. # هلا إن كنتم غير خاضعين لنا ( @QUR@01 ترجعونها ) أى : ترجعون الروح إلى ~~صاحبها ( @QUR@03 إن كنتم صادقين ) في اعتقادكم بأن آلهتكم تستطيع الدفاع ~~عنكم وفي اعتقادكم أنه لا بعث ولا حساب بعد الموت ، وفي توهمكم أن هناك قوة ~~سوى قوة الله عز وجل يمكنها أن تساعدكم عند الشدائد والمحن. PageV14P188 # وهكذا نجد هذه الآيات الكريمة ، تقيم أوضح الأدلة وأكثرها تأثيرا في ~~النفوس ، على كمال قدرة الله تعالى وعلى نفاذ مشيئته وإرادته ... # فهي تتحدى البشر جميعا أن يعيدوا الروح إلى أحب الناس إليهم ، وهم واقفون ~~من حوله وقفة الحائر المستسلم. العاجز عن فعل أى شيء من شأنه أن يدفع عن ~~هذا المحتضر ما فيه من كرب ، أو أن يؤخر انتزاع روحه من جسده ، ولو لزمن ~~قليل .. # ثم تمضى السورة الكريمة بعد ذلك ، في بيان مصير هذه الروح ، التي توشك أن ~~تستدبر الحياة الفانية ، وتستقبل الحياة الباقية فتقول : ( @QUR@09 فأما إن ~~كان من المقربين فروح ms5458 وريحان وجنة نعيم ). # والروح : بمعنى الراحة والأمان والاطمئنان والريحان شجر طيب الرائحة. # أى : فأما إن كان صاحب هذه النفس التي فارقت الدنيا ، من المقربين إلينا ~~السابقين بالخيرات .. فله عندنا راحة لا تقاربها راحة ، وله رحمة واسعة ، ~~وله طيب رائحة عند قبض روحه ، وعند نزوله في قبره ، وعند وقوفه بين أيدينا ~~للحساب يوم الدين ، وله جنات ينعم فيها بما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ~~ولا خطر على قلب بشر. # ( @QUR@01 وأما ) إن كان هذا الإنسان ( @QUR@03 من أصحاب اليمين ) وهم ~~الذين ثقلت موازين حسناتهم .. # ( @QUR@05 فسلام لك من أصحاب اليمين ) أى : فتقول له الملائكة عند قبض ~~روحه وفي قبره ، وفي الجنة ، سلام لك يا صاحب اليمين ، من أمثالك أصحاب ~~اليمين. # قال الآلوسى : وقوله : ( @QUR@05 فسلام لك من أصحاب اليمين ) قيل هو على ~~تقدير القول. أى : فيقال لذلك المتوفى منهم : سلام لك يا صحاب اليمين من ~~إخوانك أصحاب اليمين. # وجوز أن يكون المعنى : فسلامة لك عما يشغل القلب من جهتهم فإنهم في خير. ~~أى : كن فارغ البال من جهتهم فإنهم بخير. # وذكر بعض الأجلة أن هذه الجملة ، كلام يفيد عظمة حالهم ، كما يقال : فلان ~~ناهيك به ، وحسبك أنه فلان ، إشارة إلى أنه ممدوح فوق حد التفصيل .. (1). # ( @QUR@03 وأما إن كان ) هذا المتوفى ( @QUR@03 من المكذبين الضالين ) ~~وهم أصحاب الشمال ( @QUR@03 فنزل من حميم ) أى : فله نزل أى : مكان ( ~~@QUR@02 من حميم ) أى : من ماء قد بلغ أقصى PageV14P189 # درجات الحرارة وعبر عن المكان الذي ينزل فيه بالنزل ، على سبل التهكم ، ~~إذا النزل في الأصل يطلق على ما يقدم للضيف على سبل التكريم .. # وقوله : ( @QUR@02 وتصلية جحيم ) أى : وله أيضا إدخال في نار جهنم التي ~~تشوى جسده وتحرقه. # ( @QUR@05 إن هذا لهو حق اليقين ) أى : إن هذا الذي قصصناه عليك أيها ~~الرسول الكريم في هذه السورة وغيرها ، لهو الحق الثابت الذي لا يحوم حوله ~~شك أو ريب .. # فقوله : ( @QUR@02 حق اليقين ) من إضافة الصفة إلى الموصوف ، أى : لهو ~~اليقين الحق .. # أو هو من إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف اللفظين ، كما في قوله تعالى ms5459 : ~~( @QUR@02 حبل الوريد ) إذ الحبل هو الوريد ، والقصد من مثل هذا التركيب ~~التأكيد. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بقوله : ( @QUR@04 فسبح باسم ربك العظيم ) ~~أى : إذا كان الأمر كما ذكرنا لك أيها الرسول الكريم فنزه ربك العظيم في ~~ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله ، عن كل ما لا يليق به .. # وبعد فهذا تفسير لسورة «الواقعة» نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه ، ~~ونافعا لعباده ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .. # الدوحة قطر # صباح الأربعاء 16 من رجب سنة 1406 ه 26 / 3 / 1986 م # كتبه الراجي عفو ربه # د. محمد سيد طنطاوى PageV14P190 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الحديد PageV14P191 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «الحديد» هي السورة السابعة والخمسون في ترتيب المصحف ، وسميت ~~بذلك لقوله تعالى فيها : ( @QUR@07 وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع ~~للناس ). # وعدد آياتها تسع وعشرون آية في المصحف الكوفي ، وثمان وعشرون في غيره. # 2 وقد اختلف المفسرون في كونها مدنية أو مكية ، فابن كثير والقرطبي ~~يقولان بأنها مدنية ، ولا يذكران خلافا في ذلك. # بينما نرى صاحب الكشاف يقول إنها مكية ، ولا يذكر أيضا خلافا في ذلك. # ومن المفسرين من يرى بأن سورة الحديد منها ما هو مكي ومنها ما هو مدني. # قال الآلوسى : أخرج جماعة عن ابن عباس أنها نزلت بالمدينة وقال النقاش ~~وغيره : هي مدنية بإجماع المفسرين ، ولم يسلم له ذلك ، فقد قال قوم إنها مكية. # وقال ابن عطية : لا خلاف أن فيها قرآنا مدنيا. لكن يشبه أن يكون صدرها ~~مكيا .. ويشهد لهذا ما أخرجه البزار في مسنده ، والطبراني وابن مردويه .. ~~عن عمر رضى الله عنه أنه دخل على أخته قبل أن يسلم ، فإذا صحيفة فيها أول ~~سورة الحديد ، فقرأه حتى بلغ قوله تعالى : ( @QUR@08 آمنوا بالله ورسوله ~~وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ) فأسلم (1). # والذي يبدولنا بعد تدبرنا لهذه السورة الكريمة أنها يغلب عليها طابع ~~القرآن المدني ، الذي يتحدث عن الجهاد في سبيل الله ، وعن الإنفاق من أجل ~~إعلاء كلمته ، وعن سوء مصير المنافقين ، وعن إرشاد المؤمنين إلى كيفية ms5460 ~~إقامة الدولة القوية العادلة .. وهذا لا يمنع من أن يكون من بين آياتها ما ~~هو مكي ، متى ثبت ذلك عن طريق النقل الصحيح. # 3 وقد افتتحت السورة الكريمة ببيان أن الله تعالى قد نزهه عن كل ما لا ~~يليق به ، جميع ما في السموات وما في الأرض ، وأنه عز وجل هو مالكها ، وهو ~~الأول والآخر ، والظاهر والباطن والمحيي والمميت والخالق لكل شيء ، والعليم ~~بكل شيء. PageV14P193 # قال تعالى : ( @QUR@029 سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز ~~الحكيم. له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. هو الأول ~~والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ). # 4 ثم حضت السورة الكريمة المؤمنين على الثبات على إيمانهم ، وعلى الإنفاق ~~في سبيل الله ، ووعدتهم على ذلك بأجزل الثواب. # قال تعالى : ( @QUR@012 من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له ، وله ~~أجر كريم ). # 5 ثم تتحدث السورة الكريمة بعد ذلك بأسلوبها البليغ المؤثر ، عن حسن ~~عاقبة المؤمنين ، وسوء عاقبة المنافقين ، فتحكى جانبا مما يدور بين ~~الفريقين من محاورات فتقول : ( @QUR@047 يوم يقول المنافقون والمنافقات ~~للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم ، قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا ، ~~فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة ، وظاهره من قبله العذاب ، ~~ينادونهم ألم نكن معكم؟ قالوا : بلى ، ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم ~~، وغرتكم الأماني ، حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور ). # 6 وبعد أن تنتقل السورة الكريمة إلى حث المؤمنين على الخشوع لله ، وعلى ~~تذكر الموت ، وعلى البذل في سبيل الله ... بعد كل ذلك تبين لهم مصير الحياة ~~الدنيا ، وتدعوهم إلى إيثار الآجلة على العاجلة ، والباقية على الفانية ~~فتقول : ( @QUR@064 اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو ، وزينة وتفاخر ~~بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد ، كمثل غيث أعجب الكفار نباته ، ثم يهيج ~~فتراه مصفرا ثم يكون حطاما ، وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان ، ~~وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ، سابقوا إلى مغفرة من ربكم ، وجنة ~~عرضها كعرض السماء والأرض ، أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ، ذلك فضل الله ~~يؤتيه من ms5461 يشاء ، والله ذو الفضل العظيم ). # 7 ثم تقرر السورة بعد ذلك أن كل شيء بقضاء الله وقدره ، وأنه سبحانه قد ~~أرسل رسله ، وأنزل عليهم كتبه ، وأمرهم بنشر العدل بين الناس ، كما أمرهم ~~بإعداد القوة لإرهاب أعداء الحق ، لأن الناس في كل زمان ومكان فيهم ~~المهتدون ، وفيهم الضالون ، كما قال تعالى : ( @QUR@05 فمنهم مهتد وكثير ~~منهم فاسقون ). # 8 ثم ختم سبحانه السورة بهذا النداء الحكيم للمؤمنين فقال : ( @QUR@044 ~~يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ، ~~ويجعل لكم نورا تمشون به ، ويغفر لكم والله غفور رحيم. لئلا يعلم أهل ~~الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله ، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ~~، والله ذو الفضل العظيم ). PageV14P194 # 9 وبعد ، فهذا عرض مجمل لسورة «الحديد» ومنه نرى أنها زاخرة بالحديث عن ~~مظاهر قدرة الله تعالى ، وعن صفاته الجليلة .. وعن دعوة المؤمنين إلى ~~التمسك بتعاليم دينهم ، تمسكا يكون مقدما على كل شيء من زينة هذه الحياة ~~الدنيا ، لأن هذا التمسك يجعلهم يعيشون سعداء في دنياهم ، وينالون بسببه ~~الفوز والفلاح في أخراهم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل ~~العظيم. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم # د. محمد سيد طنطاوى # الدوحة قطر # مساء الأربعاء 16 من رجب سنة 1406 ه 26 / 3 / 1986 PageV14P195 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@09 سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (1) @QUR@011 ~~له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير (2) @QUR@09 هو ~~الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم (3) @QUR@036 هو الذي خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما ~~يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله ~~بما تعملون بصير (4) @QUR@08 له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور ~~(5) @QUR@012 يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات ~~الصدور ) (6) # افتتحت سورة «الحديد» بتنزيه الله تعالى عن كل ما لا ms5462 يليق به ، وبالثناء ~~عليه تعالى بما هو أهله ، وببيان جانب من صفاته الجليلة ، الدالة على ~~وحدانيته ، وقدرته ، وعزته ، وحكمته ، وعلمه المحيط بكل شيء. # افتتحت بقوله عز وجل : ( @QUR@09 سبح لله ما في السماوات والأرض وهو ~~العزيز الحكيم ). # وقوله : ( @QUR@01 سبح ) من التسبيح ، وأصله الإبعاد عن السوء ، من قولهم ~~سبح فلان في الماء ، إذا توغل فيه ، وسبح الفرس ، إذا جرى بعيدا وبسرعة. PageV14P196 # قالوا : وهذا الفعل ( @QUR@01 سبح ) قد يتعدى بنفسه ، كما في قوله تعالى ~~: ( @QUR@03 وسبحوه بكرة وأصيلا ) وقد يتعدى باللام كما هنا. وهي للتأكيد ~~والتبيين أى : سبح لله لا لغيره. # والمراد بالتسبيح هنا : تنزيه الله تعالى عن كل مالا يليق بجلاله وكماله. # والمعنى : نزه الله تعالى وعظمه وخضع له ، وانقاد لمشيئته .. جميع ما في ~~السموات والأرض من كائنات ومخلوقات .. لا يعلمها إلا هو سبحانه . # وقد جاء التسبيح تارة بصيغة الفعل الماضي كما في هذه السورة ، وكما في ~~سورتي الحشر والصف ، وتارة بصيغة المضارع ، كما في سورتي الجمعة والتغابن ، ~~وتارة بصيغة الأمر كما في سورة الأعلى ، وتارة بصيغة المصدر كما في سورة ~~الإسراء. # جاء التسبيح بهذه الصيغ المتنوعة ، للإشعار بأن تسبيح هذه المخلوقات لله ~~تعالى شامل لجميع الأوقات والأحوال. # قال تعالى ( @QUR@021 تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن ، وإن من ~~شيء إلا يسبح بحمده ، ولكن لا تفقهون تسبيحهم ، إنه كان حليما غفورا ) (1). # وختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@03 وهو العزيز الحكيم )، ~~والعزيز : هو الغالب على كل شيء ، إذ العزة معناها : الغلبة على الغير ، ~~ومنه قوله تعالى : ( @QUR@03 وعزني في الخطاب ) أى : غلبني في الخصام. # وفي أمثال العرب : من عز بز ، أى : من غلب غيره تفوق عليه. # والحكيم مأخوذ من الحكمة ، وهي وضع الأمور في مواضعها اللائقة بها. # أى : وهو سبحانه الغالب الذي لا يغلبه شيء الحكيم الذي يضع الأمور في ~~مواضعها السليمة. # ثم ذكر سبحانه صفات أخرى من صفاته الجليلة فقال : ( @QUR@011 له ملك ~~السماوات والأرض يحيي ويميت ، وهو على كل شيء قدير ). # أى. له سبحانه وحده دون أن يشاركه مشارك ، ملك السموات والأرض ، إذ هو ~~تعالى المتصرف ms5463 فيهما ، والخالق لهما ، إن شاء أبقاهما وإن شاء أزالهما. # وملكه سبحانه للسموات والأرض ، ملك حقيقى ، لأنه لا ينازعه فيه منازع ، ~~ولا يشاركه مشارك .. بخلاف ملك غيره لبعض متاع الدنيا ، فإنه ملك زائل مهما ~~طال ، ومفتقر إلى من يحميه ويدافع عنه. PageV14P197 # وقوله : ( @QUR@02 يحيي ويميت ) صفة أخرى من صفاته عز وجل أى : هو الخالق ~~للحياة لمن شاء أن يحييه ، وهو الخالق للموت لمن أراد أن يميته. # وهذه الجملة خبر لمبتدأ محذوف ، وهي في الوقت نفسه بدل اشتمال مما قبلها ~~إذ الإحياء والإماتة ، مما يشتمل عليه ملك السموات والأرض. # وخص سبحانه هاتين الصفتين بالذكر ، لأنه هو المتفرد بهما ، ولا يستطيع ~~أحد أن يدعى أن له عملا فيهما ، ومن ادعى ذلك كانت دعواه من قبيل المغالطة ~~والمجادلة بالباطل ، إذ الموجد الحقيقي لهما هو الله عز وجل وما سواه فهو ~~سبب لهما. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 وهو على كل شيء قدير ) تذييل مؤكد لما قبله. أى ~~: وهو سبحانه على كل شيء من الأشياء التي من جملتها ما ذكر قدير على ~~إيجادها أو إعدامها. # ثم ذكر سبحانه صفات أخرى من صفاته الجليلة فقال : ( @QUR@09 هو الأول ~~والآخر ، والظاهر والباطن ، وهو بكل شيء عليم ). # أى : هو سبحانه الأول والسابق على جميع الموجودات ، إذ هو موجدها ومحدثها ~~ابتداء. فهو موجود قبل كل شيء وجودا لا حد ولا وقت لبدايته. # ( @QUR@01 والآخر ) أى : الباقي بعد هلاك وفناء جميع الموجودات ، كما قال ~~تعالى : ( @QUR@05 كل شيء هالك إلا وجهه ). # وآثر لفظ ( @QUR@01 الآخر ) على لفظ الباقي ليتم الطباق بين الوصفين ~~المتقابلين ... # وهو ( @QUR@01 الظاهر ) أى : الظاهر وجوده عن طريق مخلوقاته التي أوجدها ~~بقدرته إذ من المعروف عند كل عاقل أن كل مخلوق لا بد له من خالق ، وكل ~~موجود لا بد له من موجد. # فلفظ ( @QUR@01 الظاهر ) مشتق من الظهور الذي هو ضد الخفاء ، والمراد به ~~هنا ظهور الأدلة العقلية والنقلية على وجوده ووحدانيته وقدرته وعلمه. # ويجوز أن يكون مشتقا من الظهور ، بمعنى الغلبة والعلو على الغير ، كما في ~~قوله تعالى : ( @QUR@09 إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم ms5464 في ملتهم .. ). # وعليه يكون المعنى : وهو الغالب العالي على كل شيء. # وهو ( @QUR@01 الباطن ) من البطون بمعنى الخفاء والاستتار ، أى : وهو ~~سبحانه المحتجب يكنه ذاته عن أن تدركه الأبصار ، أو أن تحيط بحقيقة ذاته ~~العقول ، كما قال تعالى PageV14P198 # ( @QUR@09 لا تدركه الأبصار ، وهو يدرك الأبصار ، وهو اللطيف الخبير ) (1). # ويصح أن يكون ( @QUR@01 الباطن ) بمعنى العالم بما بطن وخفى من الأمور ~~يقال : فلان أبطن بهذا الأمر من غيره ، أى : أعلم بهذا الشيء من غيره. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله : ( @QUR@04 وهو بكل شيء عليم ) أى : وهو ~~سبحانه عليم بكل ما في هذا الكون ، لا تخفى عليه خافية من شئونه ، كما قال ~~تعالى : ( @QUR@011 إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ) (2). # قال ابن كثير : وهذه الآية هي المشار إليها في حديث عرباض بن معاوية أنها ~~أفضل من ألف آية. # وقد اختلفت عبارات المفسرين في هذه الآية على نحو بضعة عشر قولا وقال ~~البخاري : قال يحيى : الظاهر على كل شيء علما والباطن على كل شيء علما. # وروى الإمام مسلم في صحيحه ، والإمام أحمد في مسنده عن أبى هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو عند النوم فيقول : «اللهم رب السموات ورب ~~العرش العظيم ، ربنا ورب كل شيء ، منزل التوراة والإنجيل والقرآن ، فالق ~~الحب والنوى ، لا إله إلا أنت ، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته ، ~~أنت الأول فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس ~~فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء. اقض عنا الدين ، وأغننا من الفقر ~~..» (3). # ثم ساق سبحانه ألوانا أخرى من الأدلة التي تدل على وحدانيته وقدرته فقال ~~: ( @QUR@012 هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ). # والأيام : جمع يوم ، واليوم في اللغة مطلق الوقت ، أى : في ستة أوقات لا ~~يعلم مقدارها إلا الله تعالى . وقيل : هذه الأيام من أيام الدنيا. # والاستواء في اللغة : يطلق على الاستقرار ، كما في قوله تعالى ( @QUR@03 ~~واستوت على الجودي ) أى استقرت سفينة نوح عليه السلام ms5465 عند ذلك الجبل المسمى ~~بذلك الاسم .. كما يطلق بمعنى القصد ، ومنه قولهم : استوى إلى يخاصمني ، أى ~~: قصد لي. كما يطلق بمعنى الاستيلاء والقهر ، ومنه قول الشاعر : قد استوى ~~بشر على العراق. PageV14P199 # وعرش الله ، مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم أما حقيقته وكيفيته فلا ~~يعلمها إلا الله تعالى . # وقد ذكر العرش في إحدى وعشرين آية من القرآن الكريم ، كما ذكر الاستواء ~~على العرش في سبع آيات. # أى : هو سبحانه الذي خلق السموات والأرض في ستة أوقات ، ثم استوى على ~~العرش ، استواء يليق به تعالى . بلا كيف ، ولا تمثيل ، ولا تشبيه ، ~~لاستحالة اتصافه تعالى : بصفات المحدثين ، ولوجوب تنزيهه عما لا يليق به ( ~~@QUR@06 ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ). # قال الإمام مالك رحمه الله الكيف غير معقول ، والاستواء غير مجهول ، ~~والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة. # ثم بين سبحانه شمول علمه فقال : ( @QUR@015 يعلم ما يلج في الأرض وما ~~يخرج منها ، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ). # وقوله : ( @QUR@01 يلج ) من الولوج بمعنى الدخول ، يقال : ولج فلان بيته ~~، إذا دخله. # وقوله : ( @QUR@01 يعرج ) من العروج وهو الذهاب في صعود ، والسماء ، جهة ~~العلو مطلقا. # أى أنه سبحانه يعلم ما يلج في الأرض ، وما يدخل فيها من ماء نازل من ~~السماء ، ومن جواهر وكنوز قد طويت في باطنها ، ومن بذور ومعادن في طياتها. # ويعلم أيضا ( @QUR@03 ما يخرج منها ) من نبات وحبوب وكنوز ، وغير ذلك من ~~أنواع الخيرات ، ويعلم كذلك ( @QUR@04 ما ينزل من السماء ) من أمطار ، ~~وثلوج ، وبرد ، وصواعق ، وبركات ، من عنده تعالى لأهل الأرض. # ويعلم أيضا ما يصعد فيها من الملائكة ، ومن الأعمال الصالحة ، كما قال ~~تعالى ( @QUR@07 إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ). # وعدى العروج بحرف في ، لتضمنه معنى الاستقرار ، وهو في الأصل يعدى بحرف ~~إلى ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@011 تعرج الملائكة والروح إليه في يوم ~~كان مقداره خمسين ألف سنة ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 وهو معكم أين ما كنتم ) أى : وهو معكم بعلمه ~~ولطفه ورحمته .. أينما كنتم وحيثما وجدتم. # قال الآلوسى : قوله تعالى : وهو معكم أينما كنتم ms5466 تمثيل لإحاطة علمه تعالى PageV14P200 # بهم ، وتصوير لعدم خروجهم عنه أينما كانوا ، وقيل المعية مجاز مرسل عن ~~العلم بعلاقة السببية والقرينة السياق واللحاق مع استحالة الحقيقة. # وقد أول السلف هذه الآية بذلك ، أخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن ~~عباس أنه قال فيها : عالم بكم أينما كنتم. # وأخرج أيضا عن سفيان الثوري انه سئل عنها فقال : علمه معكم. # وفي البحر : أنه أجمعت الأمة على هذا التأويل فيها ، وأنها لا تحمل على ~~ظاهرها من المعية بالذات (1). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@04 والله بما تعملون بصير ) ~~أى : والله تعالى لا يخفى عليه شيء من أقوالكم أو أفعالكم .. بل هو مطلع ~~عليكم اطلاعا تاما. # ثم أكد سبحانه كمال قدرته فقال ( @QUR@04 له ملك السماوات والأرض ) أى : ~~له سبحانه التصرف الكلى في السموات والأرض. وفيما فيهما من موجودات ، من ~~حيث الإيجاد والإعدام وسائر التصرفات. # ( @QUR@04 وإلى الله ترجع الأمور ) أى : وإلى الله تعالى وحده لا إلى ~~غيره ، مرد الأمور كلها ، والحكم عليها ، والتصرف فيها .. وليس إلى أحد ~~غيره لا على سبيل الاستقلال ، ولا على سبيل الاشتراك. # ( @QUR@08 يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ) أى : يدخل ~~سبحانه طائفة من الليل في النهار ، فيقصر الليل ويزيد النهار ويدخل طائفة ~~من النهار في الليل ، فيقصر النهار ، ويزيد الليل ، ثم يسيران على هذا ~~النظام البديع ، دون أن يسبق أحدهما الآخر. # ( @QUR@04 وهو عليم بذات الصدور ) و «ذات» هنا مؤنث ذو بمعنى صاحب. # أى : وهو سبحانه عليم علما تاما بمكنونات الصدور ، وما تضمره من خير أو ~~شر وما يتردد فيها من خواطر وأفكار. # والمتأمل في هذه الآيات الكريمة من أول السورة إلى هنا ، يراها قد اشتملت ~~على بضع عشرة صفة ، من صفات الله عز وجل الدالة على وجوب إخلاص العبادة له ، ~~والانقياد لأمره ونهيه. PageV14P201 # ثم دعا سبحانه عباده المؤمنين إلى التمسك بهذا الإيمان ، وإلى تنفيذ ~~تكاليفه ، ووعدهم على ذلك بأجزل الثواب ، فقال تعالى : # ( @QUR@015 آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين ~~آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير (7) @QUR@015 وما لكم لا ms5467 تؤمنون بالله ~~والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين (8) @QUR@017 ~~هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله ~~بكم لرؤف رحيم (9) @QUR@037 وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث ~~السماوات والأرض لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة ~~من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون ~~خبير (10) @QUR@012 من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر ~~كريم ) (11) # والخطاب في قوله تعالى : ( @QUR@03 آمنوا بالله ورسوله ) إلى الناس جميعا ~~ويدخل فيه المؤمنون دخولا أوليا ، ويكون المقصود بدعوتهم إلى الإيمان ~~المداومة عليه والتمسك بتعاليمه ، وتنفيذ توجيهاته .. كما قال تعالى : ( ~~@QUR@017 يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ، والكتاب الذي نزل على ~~رسوله ، والكتاب الذي أنزل من قبل ) (1). # وقوله : ( @QUR@05 وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ) بيان لما يقتضيه هذا ~~الإيمان. # وقوله : ( @QUR@01 مستخلفين ) اسم مفعول من الاستخلاف ، بمعنى أن يخلف ~~الإنسان غيره ، أو أن يخلفه غيره من بعده. PageV14P202 # أى : آمنوا أيها الناس بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم إيمانا حقا ، ~~وإن من مقتضيات هذا الإيمان ، أن تنفقوا من أموالكم في وجوه الخير ، فإن ~~هذه الأموال هي عارية في أيديكم ، فقد ورثتموها من غيركم ، وغيركم سيرثها ~~عنكم ، وهي في جميع الأحوال ملك لله تعالى وحده على الحقيقة. # قال القرطبي : قوله : ( @QUR@05 وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ) دليل ~~على أن أصل الملك لله سبحانه وأن العبد ليس له فيه إلا التصرف الذي يرضى ~~الله فيثيبه على ذلك بالجنة ، فمن أنفق منها في حقوق الله ، وهان عليه ~~الإنفاق منها ، كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه ، ~~كان له الأجر الجزيل. # وقال الحسن : مستخلفين فيه : ورثتكم إياه عمن كان قبلكم. # وهذا يدل على أنها ليست بأموالكم في الحقيقة ، وما أنتم إلا بمنزلة ~~النواب والوكلاء ، فاغتنموا الفرصة فيها بإقامة الحق ، قبل أن تزال عنكم ~~إلى من بعدكم (1). # ثم بين سبحانه ما أعده لهؤلاء المنفقين فقال : ( @QUR@03 فالذين ms5468 آمنوا ~~منكم ) إيمانا حقا .. ( @QUR@01 وأنفقوا ) أموالهم فيما يرضى الله تعالى ( ~~@QUR@01 لهم ) منه عز وجل ( @QUR@02 أجر كبير ) لا يعلم مقداره إلا الله ~~تعالى . # ثم رغبهم سبحانه في الثبات على الإيمان بالله ورسوله فقال : ( @QUR@015 ~~وما لكم لا تؤمنون بالله ، والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم ، وقد أخذ ميثاقكم ~~إن كنتم مؤمنين ). # أى : وأى مانع يمنعكم من الثبات على الإيمان. ومن القيام بتكاليفه ، ومن ~~إخلاص العبادة له تعالى وحده ، والحال أن الرسول صلى الله عليه وسلم بينكم ~~صباح مساء ، يدعوكم إلى الإيمان بربكم ، وقد أخذ سبحانه عليكم العهود ~~والمواثيق على هذا الإيمان ، عن طريق ما ركب فيكم من عقول تعقل ، وعن طريق ~~ما نصب لكم من أدلة متنوعة كلها تدل على وجوب إخلاص العبادة لله الواحد ~~القهار. # قال : الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : أى : وأى شيء يمنعكم من ~~الإيمان ، والرسول بين أظهركم يدعوكم إلى ذلك ، ويبين لكم الحجج والبراهين ~~على صحة ما جاءكم به. وقد روينا في الحديث من طرق ، في أوائل شرح كتاب ~~الإيمان من صحيح البخاري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوما لأصحابه ~~: «أى المؤمنين أعجب إليكم إيمانا؟» قالوا : الملائكة. PageV14P203 # قال : «ومالهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟» قالوا : فالأنبياء قال : «وما ~~لهم لا يؤمنون والوحى ينزل عليهم» قالوا : فنحن ، قال : «فما لكم لا تؤمنون ~~وأنا بين أظهركم؟ ولكن أعجب المؤمنين إيمانا قوم يجيئون بعدكم ، يجدون صحفا ~~يؤمنون بما فيها». # وقوله تعالى : ( @QUR@03 وقد أخذ ميثاقكم ) كما قال تعالى : ( @QUR@012 ~~واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به ، إذ قلتم سمعنا وأطعنا .. ~~) ويعنى بذلك بيعة الرسول صلى الله عليه وسلم . # وزعم ابن جرير : أن المراد بذلك : الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم (1). # وجواب الشرط في قوله تعالى : ( @QUR@03 إن كنتم مؤمنين ) محذوف لدلالة ما ~~قبله عليه. # أى : إن كنتم مؤمنين لسبب من الأسباب ، فعلى رأس هذه الأسباب وجود الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بينكم يدعوكم إلى هذا الإيمان ويقنعكم بوجوب الاعتصام به. # ثم ذكر سبحانه جانبا من مظاهر فضله على نبيه ms5469 صلى الله عليه وسلم وعليهم فقال ~~: ( @QUR@017 هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى ~~النور. وإن الله بكم لرؤف رحيم ). # والرءوف : مبالغة في الاتصاف بالرأفة ، ومعناها : كراهية إصابة الغير بما ~~يضره أو يؤذيه. # والرحيم : مبالغة في الاتصاف بصفة الرحمة. ومعناه : محبة إيصال الخير ~~والنفع إلى الغير. # أى : هو سبحانه وحده الذي ينزل على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ( ~~@QUR@02 آيات بينات ) أى : حججا واضحات ، ودلائل باهرات ، لكي يخرجكم من ~~ظلمات الكفر والجهل ، إلى نور الإيمان والعلم. # وإن الله تعالى بكم أيها الناس لكثير الرأفة والرحمة ، حيث أنزل إليكم ~~كتابه ، وأرسل إليكم رسوله صلى الله عليه وسلم . # وكما حضهم سبحانه على الثبات على الإيمان .. حضهم أيضا مرة أخرى على ~~الإنفاق في سبيله بأبلغ أسلوب ، فقال : ( @QUR@011 وما لكم ألا تنفقوا في ~~سبيل الله ، ولله ميراث السماوات والأرض ). # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@04 وما لكم ألا تنفقوا .. ) للتعجيب ~~من حال من يمسك عن الإنفاق في سبيل الله ، مع أن كل المقتضيات تدعوه إلى ~~هذا الإنفاق. والكلام في قوله PageV14P204 # تعالى : ( @QUR@04 ولله ميراث السماوات والأرض ) على حذف مضاف ، والجملة ~~حال من فاعل ( @QUR@02 ألا تنفقوا )، أو من مفعوله المعلوم مما تقدم. # وإضافة ميراث إلى السموات والأرض ، من إضافة المصدر إلى المفعول أى : وأى ~~سبب يحملكم على البخل وعدم الإنفاق في سبيل إعلاء كلمة الله ، والحال أن ~~لله تعالى ميراث أهل السموات وأهل الأرض. # إنه لا عذر لكم في الشح والإمساك بعد أن بينت لكم ما بينت من وجوب ~~الإنفاق في سبيل الله. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@04 ولله ميراث السماوات والأرض ) أى : يرث ~~كل شيء فيهما ، ولا يبقى لأحد مال ، على أن ميراثهما مجاز أو كناية عن ~~ميراث ما فيهما ، لأن أخذ الظرف يلزمه أخذ المظروف. وجوز أن يراد : يرثهما ~~وما فيهما ، واختير الأول ، لأنه يكفى لتوبيخهم ، إذ لا علاقة لأخذ السموات ~~والأرض هنا .. والجملة مؤكدة للتوبيخ ، فإن ترك الإنفاق بغير سبب قبيح منكر ~~، ومع تحقيق ما يوجب الإنفاق أشد في القبح ، وأدخل في الإنكار ms5470 (1). # ثم قال تعالى : ( @QUR@018 لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ، ~~أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ). # والمراد بمن أنفق من قبل الفتح وقاتل : السابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار ، الذين أنفقوا الكثير من أموالهم ، قيل فتح مكة ... وقيل : ~~المراد بالفتح : صلح الحديبية. # وإنما كان الذين أنفقوا وقاتلوا قبل هذا الوقت ، أعظم درجة ممن فعل ذلك ~~بعد هذا الوقت ، لأن الأيام التي سبقت الفتح تعرض المسلمون خلالها لكثير من ~~المصائب والخوف والجوع ونقص الثمرات .. فكان الإنفاق والجهاد فيها أشق على ~~النفس ، والثواب على قدر المشقة. # أى : لا يستوي منكم أيها المؤمنون في الفضيلة والدرجة من أنفق الكثير من ~~ماله ، من قبل أن تفتح مكة ، وجاهد في سبيل الله تعالى جهادا كبيرا ، أولئك ~~الذين فعلوا ذلك ، أعظم درجة ومنزلة من الذين أنفقوا وقاتلوا بعد أن فتحت مكة. # فالجملة الكريمة بيان لتفاوت الدرجات ، على حسب تفاوت الأحوال والأعمال ، ~~وعطف سبحانه القتال في قوله ( @QUR@01 وقاتلوا ) على الإنفاق في قوله : ( ~~@QUR@01 أنفقوا ) للإشعار بشدة ارتباطهما ، وأنه لا غنى لأحدهما عن الآخر. PageV14P205 # قال القرطبي : أكثر المفسرين على أن المراد بالفتح : فتح مكة. وقال ~~الشعبي والزهري : فتح الحديبية ... وفي الكلام حذف. أى : لا يستوي منكم من ~~أنفق من قبل الفتح وقاتل ، ومن أنفق من بعد الفتح وقائل ، فحذف لدلالة ~~الكلام عليه. # وإنما كانت النفقة قبل الفتح أعظم ، لأن حاجة الناس كانت أكثر لضعف ~~الإسلام ، وفعل ذلك كان على المنفقين حينئذ أشق ، والأجر على قدر النصب (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@02 من أنفق .. ) عام يشمل جميع من بذل ماله قبل ~~الفتح في سبيل الله. # وقيل : المراد به أبو بكر الصديق رضى الله عنه لأنه أول من أسلم ، وأول ~~من أنفق. # وقوله عز وجل : ( @QUR@04 وكلا وعد الله الحسنى ) مدح للفريقين ، ودفع ~~للتوهم من أن يظن ظان أن الفريق الثاني وهو الذي أنفق من بعد الفتح وقاتل ، ~~محروم من الأجر. # أى : وكلا الفريقين وعده الله تعالى المثوبة الحسنى وهي الجنة ، إلا أن ~~الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا ، أعظم درجة ms5471 من الذين أنفقوا وقاتلوا ~~بعد ذلك. # فهذه الآية أصل في تفاضل أهل الفضل فيما بينهم ، وأن الفضل ثابت لهم ~~جميعا إلا أنهم تفاوتوا على حسب أعمالهم وجهادهم وسبقهم. # ثم حتم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@04 والله بما تعملون خبير ) ~~أى : أنه تعالى لا تخفى عليه خافية من أعمالكم الظاهرة أو الباطنة فأخلصوا ~~أقوالكم وأفعالكم لله تعالى لتنالوا أجره وثوابه. # وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث التي ~~تدل على فضل الصحابة رضوان الله عليهم ومنها ما جاء في الحديث الصحيح أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لا تسبوا أصحابى ، فو الذي نفسي بيده لو ~~أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (2). # ثم ختم سبحانه هذه الآيات الكريمة ، بتحريض أشد وأقوى على الإنفاق في ~~وجوه الخير ، فقال تعالى : ( @QUR@012 من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ، ~~فيضاعفه له ، وله أجر كريم ). PageV14P206 # قال القرطبي : القرض : اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء ، وأقرض فلان فلانا ~~، أى : أعطاه ما يتجازاه واستقرضت من فلان أى : طلبت منه القرض فأقرضنى ، ~~واقترضت منه أى : أخذت منه القرض. وأصل الكلمة : القطع. ومنه المقراض ، ~~وأقرضته ، أى : قطعت له من مالي قطعة يجازى عليها. # ثم قال : والتعبير بالقرض في هذه الآية ، إنما هو تأنيس وتقريب للناس بما ~~يفهمونه ، والله هو الغنى الحميد ، لكنه تعالى شبه عطاء المؤمن في الدنيا ~~بما يرجو به ثوابه في الآخرة بالقرض ، كما شبه إعطاء النفوس والأموال في ~~أخذ الجنة بالبيع والشراء» (1). # والقرض الحسن : هو الإنفاق من المال الحلال ، مع صدق النية ، دون رياء أو ~~سمعة. أو من أو أذى مع تحرى أوسط الأموال. # والاستفهام : للحض على البذل والعطاء ، والتحريض على التحلي بمكارم ~~الأخلاق. # و ( @QUR@01 من ) اسم استفهام مبتدأ ، و ( @QUR@01 ذا ) اسم إشارة خبره ، ~~و ( @QUR@01 الذي ) وصلته صفة لاسم الإشارة ، أو بدل منه. # والمعنى : من هذا المؤمن القوى الإيمان ، الذي يقدم ماله في الجهاد من ~~أجل إعلاء كلمة الله ، وفي غير ذلك من وجوه الخير كمعاونة المحتاجين ms5472 ، وسد ~~حاجة البائسين ... ( @QUR@02 فيضاعفه له ) أى : فيعطيه سبحانه أجره على ~~إنفاقه أضعافا مضاعفة. # ( @QUR@03 وله أجر كريم )، أى : ولهذا المنفق فضلا عن كل ذلك أجر كريم ~~عند خالقه ، لا يعلم مقداره إلا هو تعالى . # فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة ، قد اشتملت على ألوان من الحض على ~~الإنفاق في وجوه الخير. # ومن ذلك التعبير بالاستفهام في ذاته ، لأنه للتنبيه وبعث النفوس إلى ~~التدبر والاستجابة. # ومن ذلك أيضا التعبير بقوله : ( @QUR@03 من ذا الذي ).. إذ لا يستفهم ~~بتلك الطريقة إلا إذا كان المقام ذا شأن وخطر ، وكأن المخاطب لعظم شأنه ، ~~من شأنه أن يشار إليه ، وأن يجمع له بين اسم الإشارة وبين الاسم الموصول. # ومن ذلك تسميته ما يبذله الباذل قرضا ، ولمن هذا القرض؟ إنه لله الذي له ~~خزائن السموات والأرض. PageV14P207 # فكأنه تعالى يقول : أقرضونى مما أعطيتكم ، وسأضاعف لكم هذا القرض أضعافا ~~مضاعفة ، يوم القيامة ( @QUR@09 يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا ). # ومن ذلك إخفاء مرات المضاعفة ، وضم الأجر الكريم إليها. # ومن ذلك التعبير عن الإنفاق بالقرض ، إذ القرض معناه : إخراج المال. ~~وانتظار ما يقابله من بدل. # والخلاصة أن هذه الآية وما قبلها ، فيها ما فيها من الدعوة إلى الإنفاق ~~في وجوه الخير ، وإلى الجهاد في سبيل الله. # ثم بين سبحانه ما أعده للمؤمنين الصادقين من ثواب ، وساق جانبا مما يدور ~~بينهم وبين المنافقين من محاورات .. فقال تعالى : # ( @QUR@022 يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ~~بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم ~~(12) @QUR@027 يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من ~~نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه ~~الرحمة وظاهره من قبله العذاب (13) @QUR@020 ينادونهم ألم نكن معكم قالوا ~~بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله ~~وغركم بالله الغرور (14) @QUR@015 فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين ~~كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير ) (15) # وقوله تعالى ( @QUR@03 يوم ترى المؤمنين ) منصوب بفعل مقدر ، والرؤية ms5473 ~~بصرية ، والخطاب لكل من يصلح له. PageV14P208 # والمعنى : واذكر أيها العاقل لتتعظ ولتعتبر ، يوم تبصر المؤمنين ~~والمؤمنات ( @QUR@05 يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ). والأيمان : جمع ~~يمين. والمراد جهة اليمين. # أى : يتحرك نورهم معهم من أمامهم ، ومن جهة يمينهم ، على سبيل التشريف ~~والتكريم لهم. # قال ابن كثير : يقول تعالى مخبرا عن المؤمنين المتصدقين ، أنهم يوم ~~القيامة ، يسعى نورهم بين أيديهم في عرصات القيامة بحسب أعمالهم ، كما قال ~~عبد الله بن مسعود : يؤتون نورهم على قدر أعمالهم ، ويمرون على الصراط ، ~~منهم من نوره مثل الجبل ، ومنهم من نوره مثل النخلة ، ومنهم من نوره مثل ~~الرجل القائم (1). # وعطف سبحانه ( @QUR@01 المؤمنات ) على ( @QUR@01 المؤمنين ) للتنبيه على ~~أن كلا من الذكر والأنثى. له أجره على عمله الصالح ، بدون إجحاف أو محاباة ~~لجنس على جنس ، كما قال تعالى : ( @QUR@018 من عمل صالحا من ذكر أو أنثى ~~وهو مؤمن ، فلنحيينه حياة طيبة ، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) (2). # والباء في قوله : ( @QUR@01 وبأيمانهم ) بمعنى عن. واقتصر على ذكر ~~الأيمان على سبيل التشريف لتلك الجهة ، والمراد أن نورهم يحيط بهم من جميع ~~جوانبهم. # وقوله : ( @QUR@013 بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~، ذلك هو الفوز العظيم ) مقول لقول محذوف. # وقوله : ( @QUR@01 بشراكم ) اسم مصدر من بشر. أى : أخبر بما يسر. # والمعنى : تقول لهم الملائكة على سبيل التكريم والتحية : نبشركم اليوم ~~بجنات عظيمة. تجرى من تحت ثمارها وأشجارها الأنهار العذبة ، حالة كونكم ~~خالدين فيها خلودا أبديا ، وذلك الذي أنتم فيه من نور يسعى بين أيديكم ، ~~ومن جنات أنتم خالدون فيها .. هو الفوز العظيم ، الذي لا يعادله فوز أو فلاح. # وقوله عز وجل : ( @QUR@04 يوم يقول المنافقون والمنافقات ) بدل من قوله ~~تعالى ( @QUR@04 يوم ترى المؤمنين والمؤمنات ). # أى : واذكر أيها العاقل أيضا يوم يقول المنافقون والمنافقات ، الذين ~~أظهروا الإسلام ، وأبطنوا الكفر ، يقولون للذين آمنوا ، على سبيل التذلل ~~والتحسر. PageV14P209 # ( @QUR@04 انظرونا نقتبس من نوركم ) أى انتظرونا وتريثوا في سيركم لكي ~~نلحق بكم ، فنستنير بنوركم الذي حرمنا منه ، وننتفع بالاقتباس من نوركم ~~الذي أكرمكم الله تعالى به. # قال الآلوسى : ( @QUR@01 انظرونا ms5474 ) أى : انتظرونا ( @QUR@03 نقتبس من ~~نوركم ) نصب منه ، وذلك بأن يلحقوا بهم ، فيستنيروا به .. وأصل الاقتباس ~~طلب القبس ، أى الجذوة من النار. # وقولهم للمؤمنين ذلك ، لأنهم في ظلمة لا يدرون كيف يمشون فيها. وروى أن ~~ذلك يكون على الصراط (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@05 قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا ) حكاية لما يرد ~~به عليهم المؤمنون ، أو الملائكة. # أى : قال المؤمنون في ردهم على هؤلاء المنافقين : ارجعوا وراءكم حيث ~~الموقف الذي كنا واقفين فيه فالتمسوا منه النور ، أو ارجعوا إلى الدنيا ~~فالتمسوا نورا ، عن طريق تحصيل سببه وهو الإيمان ، أو ارجعوا خائبين فلا ~~نور لكم عندنا. # وهذا القول من المؤمنين لهم ، على سبيل التهكم بهم ، إذ لا نور وراء ~~المنافقين. # وقوله : ( @QUR@01 وراءكم ) تأكيد لمعنى ( @QUR@01 ارجعوا ) إذ الرجوع ~~يستلزم الوراء. # ثم بين سبحانه ما حدث للمنافقين بعد ذلك فقال : ( @QUR@012 فضرب بينهم ~~بسور له باب باطنه فيه الرحمة ، وظاهره من قبله العذاب ). # أى : فضرب بين المؤمنين وبين المنافقين يحاجز عظيم ، هذا الحاجز العظيم ، ~~والسور الكبير ( @QUR@02 له باب ) باطن هذا الباب مما يلي المؤمنين ( ~~@QUR@02 فيه الرحمة ) أى : فيه الجنة ، وظاهر هذا الباب مما يلي المنافقين ~~( @QUR@03 من قبله العذاب ). # أى : يأتى من جهته العذاب. قالوا : وهذا السور ، هو الحجاب المذكور في ~~سورة الأعراف في قوله تعالى : ( @QUR@08 وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال ~~يعرفون كلا بسيماهم ). # والمقصود بهذه الآية الكريمة ، بيان أن المؤمنين في مكان آمن تحيط به ~~الجنة ، أما المنافقون ففي مكان مظلم يؤدى بهم إلى النار وبئس القرار. # ثم حكى سبحانه أن المنافقين لم يكتفوا بهذا الرجاء للمؤمنين ، بل أخذوا ~~ينادونهم في تحسر وتذلل فيقولون لهم كما حكى القرآن عنهم : ( @QUR@04 ~~ينادونهم ألم نكن معكم ). PageV14P210 # أى : ينادى المنافقون المؤمنين نداء كله حسرة وندامة ، فيقولون لهم : ألم ~~نكن معكم في الدنيا ، نصلى كما تصلون ، وننطق بالشهادتين كما تنطقون؟ # ( @QUR@02 قالوا بلى ) أى : قال المؤمنون للمنافقين : بل كنتم معنا في ~~الدنيا تنطقون بالشهادتين. # ( @QUR@01 ولكنكم ) في الدنيا ( @QUR@02 فتنتم أنفسكم ) أى : أظللتم ~~أنفسكم بالنفاق الذي هو كفر باطن ، وإسلام ظاهر. # ( @QUR@01 وتربصتم ) والتربص : الانتظار والترقب ، أى ms5475 : وانتظرتم وقوع ~~المصائب بالمؤمنين. # ( @QUR@01 وارتبتم ) أى : وشككتم في الحق الذي جاءكم به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وأعرضتم عنه. # ( @QUR@02 وغرتكم الأماني ) والأمانى : جمع أمنية ، وهي ما يمنون به ~~أنفسهم من الباطل. كزعمهم أنهم مصلحون ، وأنهم على الحق ، وأن المسلمين على ~~الباطل. # ( @QUR@04 حتى جاء أمر الله ) أى : بقيتم على الفتنة ، والارتياب ، ~~والتربص ، والاغترار بالباطل ، حتى جاءكم أمر الله ، وهو قضاؤه فيكم ~~بالموت. # ( @QUR@03 وغركم بالله الغرور ) أى : وخدعكم في سعة رحمة الله الشيطان. ~~فأطمعكم بأنكم ستنجون من عقابه تعالى مهما فتنتم أنفسكم وتربصتم بالمؤمنين ~~وارتبتم في كون الإسلام حق. # وها أنتم الآن ترون سوء عاقبة نفاقكم ، وإصراركم على كفركم. # ( @QUR@04 فاليوم لا يؤخذ منكم ) أيها المنافقون ( @QUR@01 فدية ) وهي ما ~~يبذل من أجل افتداء النفس من العذاب. # ( @QUR@04 ولا من الذين كفروا ) أى : ولا يؤخذ أيضا من الذين كفروا ظاهرا ~~وباطنا فداء. # ( @QUR@01 مأواكم ) جميعا ( @QUR@01 النار ). أى : المكان الذي تستقرون ~~فيه ، هو النار. # ( @QUR@02 هي مولاكم ) أى : هذه النار هي أولى بكم من غيرها. والأصل هي ~~مكانكم الذي يقال فيه أولى بكم. # ويجوز أن يكون المعنى : هذه النار : هي ناصركم ، من باب التهكم بهم ، على ~~حد قول الشاعر : تحية بينهم ضرب وجيع ... أى : لا ناصر لكم إلا النار. # والمراد نفى الناصر لهم على سبيل القطع ، بعد نفى أخذ الفدية منهم. (1) PageV14P211 # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@02 هي مولاكم ) قيل : هي أولى بكم ... ~~وحقيقة مولاكم ، أى : مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم كما قيل هو مئنة ~~للكرم ، أى مكان لقول القائل إنه لكريم. # ويجوز أن يراد : هي ناصركم. أى : لا ناصر لكم غيرها. والمراد : نفى ~~الناصر على البتات ، ونحوه قولهم أصيب فلان بكذا فاستنصر بالجزع. ومنه قوله ~~تعالى ( @QUR@05 وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل ). # وقيل : هي مولاكم ، أى تتولاكم كما توليتم في الدنيا أعمال أهل النار. # وعطف سبحانه الذين كفروا على المنافقين في عدم قبول الفدية ، لاتحادهم في ~~التكذيب بيوم الدين ، وفي الاستهزاء بالحق الذي جاءهم من عند الله تعالى . # والمخصوص بالذم في قوله تعالى : ( @QUR@02 وبئس المصير ) محذوف والتقدير ~~: وبئس ms5476 المصير جهنم التي هي المكان الذي تصيرون إليه. # فأنت ترى أن المؤمنين قد بينوا للمنافقين ، أنهم يوافقونهم على أنهم ~~كانوا معهم في الدنيا. # ولكن الذي أدى بهؤلاء المنافقين إلى هذا المصير الأليم هو : فتنة أنفسهم ~~، والتربص بالمؤمنين ، والارتياب في صدق الرسول صلى الله عليه وسلم والاغترار ~~بخداع الشيطان .. فما نزل بهم من عذاب إنما هو بسبب أفعالهم القبيحة. # وبعد هذا الحديث المؤثر عن المؤمنين ونورهم ، وعن المنافقين وظلماتهم وعن ~~تلك المحاورات التي تدور بينهم .. بعد كل ذلك حرض سبحانه المؤمنين ، على أن ~~يروضوا أنفسهم على خشية الله تعالى وحذرهم من أن ينهجوا نهج أهل الكتاب في ~~قسوة القلب ، ووعد سبحانه المؤمنين الصادقين بالأجر الجزيل ، وبالنور ~~العظيم ، فقال تعالى : # ( @QUR@028 ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من ~~الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم ~~وكثير منهم فاسقون (16) @QUR@013 اعلموا أن الله يحي الأرض بعد موتها قد ~~بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون (17) @QUR@04 إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا PageV14P212 # @QUR@08 الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم (18) @QUR@020 والذين ~~آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم ~~والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم ) (19) # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@02 ألم يأن ) للتقرير ، و «يأن» فعل ~~مضارع ، يقال : أنى الشيء كرمى أنيا وأناء بالفتح وإنى بالكسر إذا حان أناه ~~، أى : وقته ، فهو فعل معتل حذفت منه الياء لسبقه بلم الجازمة ، ومنه قوله ~~تعالى ( @QUR@017 يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن ~~لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ) أى غير ناظرين حلول وقته. # والخطاب في الآية يحتمل أن يكون من باب العتاب لطائفة من المؤمنين ، ~~أصابهم بعض الفتور أو التكاسل ، فيما أمروا به من الاجتهاد في طاعة الله ~~تعالى بعد أن فتح الله تعالى لهم أقطار الأرض ورزقهم بالكثير من لين العيش ~~، وخيرات الدنيا. # ويؤيد هذا ما أخرجه ابن المبارك ، وعبد الرازق ، وابن المنذر عن الأعمش ~~قال : لما قدم أصحاب رسول الله صلى ms5477 الله عليه وسلم المدينة ، فأصابوا من لين ~~العيش ما أصابوا. بعد أن كان لهم من الجهد وشظف العيش فكأنهم فتروا عن بعض ~~ما كانوا عليه ، فعوتبوا على ذلك فنزلت هذه الآية. # ويحتمل أن يكون الخطاب في الآية لجميع المؤمنين ، على سبيل الحض على ~~المداومة على طاعة الله تعالى ، والتحذير من التقصير. # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@09 ألم يأن للذين آمنوا أن ~~تخشع قلوبهم لذكر الله ). # استئناف لعتاب المؤمنين على الفتور والتكاسل فيما ندبوا إليه ، والمعاتب ~~على ما قاله الزجاج طائفة منهم ، وإلا فإن من المؤمنين من لم يزل خاشعا منذ ~~أن أسلم إلى أن لقى ربه (1). PageV14P213 # والخشوع : التذلل والخضوع ، واللام في قوله ( @QUR@02 لذكر الله ) ~~للتعليل ، والمراد بذكر الله تعالى : ما يشمل كل قول أو فعل يؤدى إلى الخوف ~~من الله تعالى بحيث يظهر أثر ذلك على الجوارح. # وقيل : المراد به : القرآن الكريم ، فيكون قوله تعالى بعد ذلك ( @QUR@04 ~~وما نزل من الحق ) من باب عطف الشيء على نفسه ، لاختلاف اللفظين ، كما في ~~قوله تعالى : ( @QUR@010 سبح اسم ربك الأعلى. الذي خلق فسوى. والذي قدر ~~فهدى ). # والمعنى : لقد آن الأوان أن تخشع قلوب المؤمنين لذكر الله تعالى وأن تلين ~~قلوبهم لما أنزله سبحانه على نبيه صلى الله عليه وسلم من قرآن ، تقشعر منه ~~جلود الذين يخافون ربهم ، وترق له مشاعرهم ونفوسهم. # وبعد هذا التحريض للمؤمنين على المسارعة في طاعة الله تعالى وخشيته ~~والإكثار من ذكره : نهاهم سبحانه عن التشبه بأهل الكتاب ، الذين طال عليهم ~~الأمد في الانغماس في شهوات الدنيا فقست قلوبهم فقال تعالى ( @QUR@015 ولا ~~يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد ، فقست قلوبهم ، وكثير ~~منهم فاسقون ). # والمراد بالذين أوتوا الكتاب : اليهود والنصارى ، وبالكتاب : التوراة ~~والإنجيل. # والجملة الكريمة معطوفة على قوله تعالى : ( @QUR@01 تخشع ) والأمد : ~~الغاية من زمان أو مكان. والمراد به هنا : الزمان الطويل. # أى : لقد آن الأوان أن تخشع قلوب الذين آمنوا لذكر الله وما نزل من الحق ~~، وآن الأوان أيضا أن لا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبلهم ms5478 ، حيث طال ~~عليهم الوقت وهم منغمسون في الشهوات والملذات ، فقست قلوبهم ، وصارت لا ~~تتأثر لا بالترغيب ولا بالترهيب ، ولا تفرق بين الحرام والحلال. وأصبح كثير ~~منهم خارجين عن الصراط المستقيم. # فأنت ترى الآية الكريمة قد حضت المؤمنين على الركون إلى ذكر الله تعالى ~~بشدة ومداومة .. ونهتهم عن التشبه بأهل الكتاب في عدم الخشوع وفي قسوة ~~القلوب ، بسبب استيلاء المطامع والشهوات على قلوبهم. # قال صاحب الكشاف ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@02 ألم يأن ) من أنى ~~الأمر إذا جاء أناه أى : وقته .. والآية نهى للمؤمنين عن مماثلة أهل الكتاب ~~في قسوة القلوب ، وذلك ان بنى إسرائيل ، كان الحق يحول بينهم وبين شهواتهم ~~، وإذا سمعوا التوراة والإنجيل خشعوا ورقت PageV14P214 # قلوبهم ، فلما طال عليهم الزمان ، غلبهم الجفاء والقسوة ، واختلفوا ~~وأحدثوا ما أحدثوا من التحريف وغيره. # فإن قلت : ما معنى لذكر الله وما نزل من الحق؟ قلت : يجوز أن يراد بالذكر ~~وبما نزل من الحق القرآن ، لأنه جامع للأمرين : الذكر والموعظة وأنه حق ~~نازل من السماء. # وأن يراد خشوعها إذا ذكر الله. وإذا تلى القرآن ، كقوله تعالى : ( ~~@QUR@014 إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم. وإذا تليت عليهم ~~آياته زادتهم إيمانا ) (1). # والآية الكريمة تشير إلى أن الإهمال لذكر الله ، والاسترسال في الشهوات ~~كل ذلك يؤدى إلى فسوة القلوب ، وإلى الفسوق عن أمر الله تعالى . # ولذا وجدنا كثيرا من الآيات القرآنية ، والأحاديث النبوية ، تحض على ~~الإكثار من ذكر الله تعالى قال سبحانه : ( @QUR@010 والذاكرين الله كثيرا ~~والذاكرات ، أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما ). # وفي الحديث الشريف : يقول صلى الله عليه وسلم : «لا يقعد قوم يذكرون الله ~~تعالى إلا حفتهم الملائكة ، وغشيتهم الرحمة ، ونزلت عليهم السكينة ، وذكرهم ~~فيمن عنده». # ولقد كان سماع الآية الكريمة ، بتدبر وتفكر وخشوع ، على رأس الأسباب التي ~~أدت إلى توبة بعض العصاة توبة صادقة نصوحا. # فهذا هو الفضل بن عياض يذهب ليلا لارتكاب ما نهى الله عنه ، فيسمع قارئا ~~يقرأ هذه الآية ، فيرتجف ويعود أدراجه وهو يقول : بلى والله قد آن أوان ~~الخشوع لذكر الله ms5479 .. اللهم إنى تبت إليك ، وجعلت توبتي إليك جوار بيتك ~~الحرام (2). # ثم وجه سبحانه خطابه إلى المؤمنين فقال : ( @QUR@013 اعلموا أن الله يحي ~~الأرض بعد موتها ، قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون ). # وافتتاح الآية بقوله تعالى : ( @QUR@01 اعلموا. ) يؤذن بأن ما سيلقى على ~~مسامعهم من توجيهات ، جدير بالانتباه إلى مضمونه ، وإلى الامتثال لما اشتمل ~~عليه من أمر أو نهى. # وليس المقصود من الآية إخبار المؤمنين بأن الله تعالى قادر على إحياء ~~الأرض بعد موتها ، فذلك أمر يعتقدونه ، ولا يتم إيمانهم إلا به. # وإنما المقصود من هذه الآية الكريمة ، بيان أن المواظبة على ذكر الله ~~تعالى وعلى تلاوة PageV14P215 # كتابه ، كل ذلك يكون له أثره في خشوع النفوس ، وفي طهارة القلوب ... كأثر ~~المطر عند ما ينزل على الأرض الجدباء المقفرة ... فما تلبث إلا أن تهتز ~~وتربو وتنبت من كل زوج بهيج. # قال الإمام الرازي : قوله تعالى : ( @QUR@07 اعلموا أن الله يحي الأرض ~~بعد موتها ). فيه وجهان : # الأول : أنه تمثيل. والمعنى : أن القلوب التي ماتت بسبب القساوة ، ~~المواظبة على الذكر سبب لعودة حياة الخشوع إليها ، كما يحيى الله تعالى ~~الأرض بالغيث. # والثاني : أن المراد من قوله : ( @QUR@04 يحي الأرض بعد موتها )، بعث ~~الأموات فذكر ذلك ترغيبا في الخشوع والخضوع ، وزجرا عن القساوة (1). # والمراد بالآيات في قوله تعالى : ( @QUR@06 قد بينا لكم الآيات لعلكم ~~تعقلون ) الدلائل الدالة على وحدانيته وقدرته ، وعلمه سبحانه . # أى : قد بينا لكم الدلائل والبراهين الناطقة بقدرتنا وحكمتنا .. لعلكم ~~بهذا البيان تعقلون ما أرشدناكم إليه ، وتعملون بموجب ما عقلتموه ، وبذلك ~~تنالون الفلاح والسعادة ، وتخشع قلوبكم لذكرنا ولآياتنا. # ثم بين سبحانه ما أعده للمؤمنين الذين يبذلون أموالهم في سبيله. والذين ~~صدقوا ما عاهدوا الله عليه. فقال : ( @QUR@012 إن المصدقين والمصدقات ~~وأقرضوا الله قرضا حسنا ، يضاعف لهم ، ولهم أجر كريم ). # وقراءة : ( @QUR@03 إن المصدقين والمصدقات ) بتشديد الصاد من التصدق ، ~~فأدغمت التاء في الصاد بعد قلبها صادا لقرب مخرجيهما ... وأصل الكلام : ~~المتصدقين والمتصدقات. # وقرأ ابن كثير وغيره ( @QUR@03 إن المصدقين والمصدقات ) بتخفيف الصاد على ~~أنه من التصديق لما جاء به الرسول صلى الله ms5480 عليه وسلم . # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : علام عطف قوله : ( @QUR@01 وأقرضوا )؟ # قلت : على معنى الفعل في المصدقين ، لأن «أل» بمعنى الذين ، واسم الفاعل ~~بمعنى : اصدقوا ، فكأنه قيل : «إن الذين أصدقوا وأقرضوا» (2). # والمعنى : إن المؤمنين والمؤمنات الذين تصدقوا بأموالهم في وجوه الخير ~~والدين ( @QUR@04 وأقرضوا الله قرضا حسنا ) بأن أنفقوا أموالهم الحلال في ~~سبيل الله بدون من أو أذى. PageV14P216 # هؤلاء الذين فعلوا ذلك ( @QUR@02 يضاعف لهم ) أجرهم عند الله تعالى ~~أضعافا كثيرة. # ( @QUR@01 ولهم ) فضلا عن كل ذلك ، أجر كريم ، لا يعلم مقداره إلا هو ~~سبحانه . # وقوله : ( @QUR@04 والذين آمنوا بالله ورسله ) مبتدأ. # وقوله : ( @QUR@03 أولئك هم الصديقون ) خبره ، والذين آمنوا بالله ورسله ~~إيمانا حقا لهم منزلة الصديقين : منزلة المبالغين في الصدق واليقين. # فالصديق بتشديد الدال هو المبالغ في الصدق بما جاءه به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وفي تنفيذ ما كلف به تنفيذا تاما. # ( @QUR@03 والشهداء عند ربهم ) وهم الذين استشهدوا في سبيل الله تعالى : ~~( @QUR@02 لهم أجرهم ) العظيم عند الله تعالى ( @QUR@01 ونورهم ) الذي يسعى ~~بين أيديهم وبأيمانهم يوم القيامة لهم كذلك. # فعلى هذا التفسير يكون قوله : ( @QUR@03 والشهداء عند ربهم ) مبتدأ ، ~~وجملة ( @QUR@03 لهم أجرهم ونورهم )، خبره ، ويكون الوقف على ( @QUR@01 ~~الصديقون ) وقفا تاما .. والضمائر في ( @QUR@03 لهم أجرهم ونورهم ) ~~للشهداء. # ويصح أن يكون قوله ( @QUR@01 والشهداء ) معطوف على ( @QUR@01 الصديقون ) ~~عطف المفرد على المفرد ، فهو عطف على الخبر. أى : وهم الشهداء عند ربهم .. ~~ويكون الوقف على الشهداء تاما ، وأخبر سبحانه عن الذين آمنوا بالله ورسله ، ~~أنهم صديقون وشهداء. # والمعنى على هذا الوجه : والذين آمنوا بالله ورسله ، أولئك هم الذين في ~~حكمه تعالى بمنزلة الصديقين والشهداء المشهورين بعلو الرتبة ، ورفعة ~~الدرجة. # وقوله تعالى ( @QUR@05 عند ربهم لهم أجرهم ونورهم ) أى : للذين آمنوا ~~بالله ورسله عند ربهم ، مثل أجر الصديقين والشهداء ولهم مثل نورهم يوم ~~القيامة ، وناهيك به من أجر عظيم ، ونور عميم. # وحذف ما يفيد التشبيه في الجملتين ، للتنبيه على قوة المماثلة وبلوغها حد ~~الاتحاد. # وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : يريد أن المؤمنين بالله ورسله ~~، هم عند الله تعالى بمنزلة الصديقين ms5481 والشهداء ، وهم الذين سبقوا إلى ~~التصديق ، واستشهدوا في سبيل الله. # وقوله : ( @QUR@03 لهم أجرهم ونورهم ) أى : لهم مثل أجر الصديقين ~~والشهداء ومثل نورهم. # فإن قلت : كيف يسوى بينهم في الأجر ولا بد من التفاوت؟ قلت : المعنى أن الله PageV14P217 # تعالى يعطى الذين آمنوا بالله ورسله أجرهم. ويضاعفه لهم بفضله. حتى يساوى ~~أجرهم مع أضعافه ، أجر أولئك ، أى : أجر الصديقين والشهداء. # ويجوز أن يكون قوله : ( @QUR@01 والشهداء ) مبتدأ ، وقوله ، ( @QUR@02 ~~لهم أجرهم ) خبره ... (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@07 والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم ~~) بيان لسوء عاقبة الكافرين ، بعد بيان حسن عاقبة المؤمنين الصادقين. # أى : والذين كفروا بالله ورسله ، وكذبوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا ~~وقدرتنا أولئك أصحاب الجحيم ، الملازمون لها ملازمة الشيء لصاحبه. # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد حضت المؤمنين على المواظبة على ذكر ~~الله تعالى وطاعته ونهتهم عن التشبه بالذين قست قلوبهم ، وبشرت المصدقين ~~والمصدقات ، والذين آمنوا بالله تعالى وبرسله إيمانا حقا .. بالأجر العظيم ~~، وبالعطاء الجزيل. # ثم بين سبحانه حال الحياة ، التي ركن إليها الكافرون ، واطمأنوا بها .. ~~ودعا المؤمنين إلى أن تكون هممهم متجهة نحو الآخرة ، عن طريق التسلح ~~بالأعمال الصالحة. فقال تعالى : # ( @QUR@039 اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم ~~وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه ~~مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما ~~الحياة الدنيا إلا متاع الغرور (20) @QUR@09 سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة ~~عرضها كعرض السماء PageV14P218 # @QUR@016 والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء والله ذو الفضل العظيم ) (21) # أى : ( @QUR@01 اعلموا ) أيها المؤمنون علم استجابة وامتثال لما آمركم به ~~( @QUR@03 أنما الحياة الدنيا ) التي تعيشون فيها ما شاء الله لكم أن ~~تعيشوا .. ( @QUR@01 لعب ) واللعب : هو قضاء الوقت في قول أو فعل لا فائدة ~~من ورائه. # ( @QUR@01 ولهو ) واللهو : اسم لفعل أو قول يقصد من ورائه التلذذ والتمتع ~~، وصرف الآلام والهموم عن النفس. # ( @QUR@01 وزينة ) الزينة اسم لما يتزين به الإنسان من ملبس أو مسكن أو ~~ما يشبههما مما يفعله ms5482 من أجل أن يكون في أعين الناس مهيبا جميلا. # ( @QUR@02 وتفاخر بينكم ) أى : وتفاخر فيما بينكم بالأموال والمناصب ~~والأحساب والأعمال .. وتكاثر في الأموال والأولاد ، والتكاثر تفاعل من ~~الكثرة كما أن التفاخر تفاعل من الفخر وصيغة التفاعل جيء بها هنا ، ~~للمبالغة في إظهار ما يتفاخرون به ، وما يتكاثرون فيه ، حتى لكأنه ينافس ~~غيره في ذلك ويريد الظهور عليه. # والحرص على التفاخر والتكاثر في الأموال والأولاد ، من طبيعة كثير من ~~الناس ، كما قال تعالى : ( @QUR@05 ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر ). # ثم بين سبحانه حال الحياة الدنيا ، التي يلعب الناس فيها ، ويلهون ~~ويتفاخرون. ويتكاثرون. # فقال : ( @QUR@05 كمثل غيث أعجب الكفار نباته ). # أى : هذه الحياة الدنيا حالها وصفتها ومثلها كمثل مطر أعجب الكفار وراقهم ~~وسرهم ، ما ترتب على هذا المطر ، من نبات جميل نبت من الأرض بعد هطول الغيث عليها. # فقوله تعالى : ( @QUR@01 كمثل ) خبر لمبتدأ محذوف ، أى : مثلها كمثل مطر. # والمراد بالكفار هنا : الجاحدون لنعم الله تعالى الساترون لها ، وخصوا ~~بالذكر ، لأنهم أشد إعجابا وسرورا وانغماسا في زينة الحياة الدنيا من غيرهم. # وروى عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أن المراد بالكفار هنا : الزراع ~~الذين يزرعون الأرض بعد نزول المطر عليها ، ويبذرون فيها البذور سموا كفارا ~~من الكفر بمعنى PageV14P219 # الستر والإخفاء ، يقال : كفر الزارع بذره أو زرعه إذا أخفاه في الأرض ، ~~حتى لا يتعرض للتلف أو الضياع. # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما ). # والهيجان : الاضطراب والثوران ، ومنه سميت الحرب بالهيجاء ، لأن فيها ~~يضطرب المقاتلون ، ويثور بعضهم على بعض. # ويرى بعضهم أن معنى ( @QUR@01 يهيج ) هنا : ييبس ويجف. # وعطف سبحانه جملة ( @QUR@01 يهيج ) بحرف ( @QUR@01 ثم ) لإفادة التراخي ~~الرتبى ، إذ أن وصول النبات إلى درجة من الهيجان وبلوغ منتهاه ، لا يتأتى ~~إلا بعد زمن طويل من بدء زراعته. # ولم يرتض بعض المحققين هذا المعنى فقال : تفسير ( @QUR@01 يهيج ) بييبس ~~فيه تسامح ، فإن حقيقته أن يتحرك إلى أقصى ما يتأتى له. أى : من الطول ~~والغلظ (1). # أى : ثم يتحرك هذا النبات الذي أعجب الكفار إلى أقصى ما يتأتى له ms5483 من طول ~~وقوة ، ثم يبدأ في الضعف ، فتراه أيها الناظر إليه نباتا مصفرا متغيرا عما ~~كان عليه من النضرة ، آخذا في الذبول وفي التهيؤ للحصاد ، ثم يكون بعد ذلك ~~حطاما ، أى : نباتا محطما مكسرا. # والمقصود بقوله تعالى ( @QUR@02 كمثل غيث .. ) إلخ التقرير والتأكيد لما ~~وصفت به الدنيا من كونها لعبا ولهوا وزينة. # وتشبيهها في سرعة زوالها ، وانقضاء نعيمها ، وقلة فائدتها .. بحال نبات ~~ظهر على الأرض بعد هطول المطر عليها ، واستمر في ظهوره وجماله ونضرته ~~وهيجانه ، لفترة ما من الحياة ، أعجب خلالها الكفار به ، ثم حل بهذا النبات ~~اليانع الاصفرار والاضمحلال حتى صار حطاما مفتتا تذروه الرياح. # والمقصود بهذا التشبيه ، زجر الناس عن الركون إلى الحياة الدنيا ركونا ~~ينسون معه فرائض الله تعالى وتكاليفه التي كلفهم بها سبحانه . # وعطف سبحانه : ( @QUR@02 فتراه مصفرا ) بالفاء للإشعار بقصر المسافة ، ~~مهما طالت في عرف الناس بين نضرة الزرع واستوائه ، وبين اصفراره ونهايته. # قال صاحب الكشاف رحمه الله : أراد سبحانه أن الدنيا ليست إلا محقرات من ~~الأمور ، وهي اللعب واللهو ... وأما الآخرة فما هي إلا أمور عظام. PageV14P220 # وشبه حال الدنيا بسرعة تقضيها ، مع قلة جدواها ، بنبات أنبته الغيث ~~فاستوى واكتمل ، وأعجب به الكفار الجاحدون لنعمة الله ، فيما رزقهم من ~~الغيث ، والنبات .. فبعث عليه العاهة فهاج واصفر وصار حطاما (1). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة ببيان عظم الآخرة ، وهوان الدنيا فقال : ( ~~@QUR@04 وفي الآخرة عذاب شديد ) أى : لمن كفر بالله تعالى وفسق عن أمره. # ( @QUR@04 ومغفرة من الله ورضوان ) أى : لمن آمن بالله تعالى واتبع ما ~~جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وحافظ على أداء ما كلف به بإخلاص وحسن ~~اقتداء. # ( @QUR@06 وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) أى : وما أحوال الحياة ~~الدنيا وما اشتملت عليه من شهوات ، إلا متاع زائل ، لا يقدم عليه ، ولا ~~يتشبع به إلا من خدع بزخرفه ، واغتر بمظهره. # فالمراد بالغرور : الخديعة ، مصدر غره. أى : خدعه وأطمعه بالباطل. # ثم أمرهم سبحانه بالمسارعة الى ما يسعدهم ، بعد أن بين لهم حال الحياة ~~الدنيا فقال : ( @QUR@010 سابقوا إلى مغفرة من ms5484 ربكم وجنة عرضها كعرض السماء ~~والأرض ). # وقوله تعالى ( @QUR@01 سابقوا ) من المسابقة وهي محاولة أن يسبق الإنسان غيره. # و ( @QUR@01 من ) في قوله ( @QUR@02 من ربكم ) ابتدائية ، والجار ~~والمجرور صفة المغفرة. # أى : سارعوا أيها المؤمنون مسارعة السابقين لغيرهم ، إلى مغفرة عظيمة ~~كائنة من ربكم. # فالتعبير بقوله : ( @QUR@01 سابقوا ) لإلهاب الحماس وحض النفوس إلى ~~الاستجابة لما أمروا به ، حتى لكأنهم في حالة مسابقة يحرص كل قرين فيها إلى ~~أن يسبق قرينه. # وقوله : ( @QUR@05 وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ... ) معطوف على ~~المغفرة. أى : سابقوا غيركم أيها المؤمنون إلى مغفرة عظيمة من ربكم ، وإلى ~~جنة كريمة ؛ هذه الجنة عرضها وسعتها ورحابتها .. كسعة السماء والأرض. # وهذه الجنة قد ( @QUR@05 أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ) إيمانا حقا ، ~~جعلهم لا يقصرون في أداء واجب من الواجبات التي كلفهم سبحانه بها. # قال الإمام الفخر الرازي ما ملخصه : في كون الجنة عرضها كعرض السماء ~~والأرض وجوه :. PageV14P221 # منها : أن المراد لو جعلت السموات والأرضون طبقا طبقا ... لكان ذلك مثل ~~عرض الجنة ، وهذا غاية في السعة لا يعلمها إلا الله تعالى . # ومنها : أن المقصود المبالغة في الوصف بالسعة للجنة ، وذلك لأنه لا شيء ~~عندنا أعرض منهما (1). # وخص سبحانه العرض بالذكر ، ليكون أبلغ في الدلالة على عظمها ، واتساع ~~طولها ، لأنه إذا كان عرضها كهذا ، فإن العقل يذهب كل مذهب في تصور طولها ، ~~فقد جرت العادة أن يكون الطول أكبر من العرض. # قال الإمام ابن كثير : وقد روينا في مسند الإمام أحمد أن هرقل ملك الروم ~~كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إنك دعوتني إلى جنة عرضها السموات ~~والأرض ، فأين النار؟ فقال صلى الله عليه وسلم : «سبحان الله ، فأين الليل إذا ~~جاء النهار» (2). # واسم الإشارة في قوله تعالى : ( @QUR@010 ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ~~والله ذو الفضل العظيم ) يعود إلى الذي وعد الله تعالى به عباده المؤمنين ~~من المغفرة والجنة. # أى : ذلك العطاء الجزيل فضل الله تعالى وحده وهو صاحب الفضل العظيم لا ~~يعلم مقداره إلا هو عز وجل . # فأنت ترى أن الله تعالى بعد أن ms5485 بين حال الحياة الدنيا. دعا المؤمنين إلى ~~المسابقة إلى العمل الصالح ، الذي يوصلهم الى ما هو أكرم وأبقى ... وهو الجنة. # وشبيه بهاتين الآيتين قوله تعالى : ( @QUR@029 زين للناس حب الشهوات من ~~النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة ~~والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب. قل أأنبئكم ~~بخير من ذلكم ... ) (3). # ثم بين سبحانه أن كل شيء في هذه الحياة ، خاضع لقضاء الله تعالى وقدره ، ~~وأن على المؤمن الصادق أن يكون شاكرا عند الرخاء ، صابرا عند البلاء ... ~~فقال تعالى : # ( @QUR@012 ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب PageV14P222 # @QUR@09 من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير (22) @QUR@015 لكيلا ~~تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور (23) ~~@QUR@012 الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله هو الغني ~~الحميد ) (24) # و ( @QUR@01 ما ) في قوله تعالى ( @QUR@04 ما أصاب من مصيبة ) نافية ، و ~~( @QUR@01 من ) مزيدة لتأكيد هذا النفي وإفادة عمومه. ومفعول «أصاب» محذوف. ~~وقوله ( @QUR@02 في الأرض )، إشارة إلى المصائب التي تقع فيها من فقر وقحط ~~، وزلازل. # وقوله : ( @QUR@03 ولا في أنفسكم ) للإشارة إلى ما يصيب الإنسان في ذاته ~~، كالأمراض ، والهموم. # والاستثناء في قوله تعالى ( @QUR@03 إلا في كتاب ) من أعم الأحوال ، ~~والمراد بالكتاب : اللوح المحفوظ ، أو علمه عز وجل الشامل لكل شيء. # وقوله : ( @QUR@01 نبرأها ) من البرء بفتح الباء بمعنى الخلق والإيجاد ، ~~والضمير فيه يعود إلى النفس ، أو إلى الأرض ، أو إلى جميع ما ذكره الله ~~تعالى من خلق المصائب في الأرض والأنفس. # والمعنى : واعلموا أيها المؤمنون علما يترتب عليه آثاره من العمل الصالح ~~أنه ما أصابكم أو ما أصاب أحدا مصيبة ، هذه المصيبة كائنة في الأرض كالقحط ~~والزلازل أو في أنفسكم كالأسقام والأوجاع إلا وهذه المصائب مسجلة في كتاب ~~لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ... وهذا التسجيل كائن من قبل أن نخلق ~~هذه الأنفس ، وهذه المصائب. # وكرر سبحانه حرف النفي في قوله ( @QUR@03 ولا في أنفسكم ) للإيماء إلى أن ~~المصائب التي تتعلق بذات الإنسان ms5486 ، يكون أشد تأثرا واهتماما بها ، أكثر من غيرها. # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@05 إن ذلك على الله يسير ) يعود إلى ~~الكتابة في الكتاب. # أى : إن ذلك الذي أثبتناه في لوحنا المحفوظ وفي علمنا الشامل لكل شيء .. ~~قبل أن نخلقكم ، وقبل أن نخلق الأرض .. يسير وسهل علينا ، لأن قدرتنا لا ~~يعجزها شيء ، وعلمنا لا يعزب عنه شيء. PageV14P223 # فالآية الكريمة صريحة في بيان أن ما يقع في الأرض وفي الأنفس من مصائب ~~ومن غيرها من مسرات مكتوب ومسجل عند الله تعالى قبل خلق الأرض والأنفس. # وخص سبحانه المصائب بالذكر ، لأن الإنسان يضطرب لوقوعها اضطرابا شديدا ، ~~وكثيرا ما يكون إحساسه بها ، وإدراكه لأثرها ، أشد من إحساسه وإدراكه ~~للمسرات. # ومن الآيات التي تشبه هذه الآية في معناها قوله تعالى : ( @QUR@014 قل لن ~~يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ، هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) (1). # ثم بين سبحانه الحكم التي من أجلها فعل ذلك فقال : ( @QUR@09 لكيلا تأسوا ~~على ما فاتكم ، ولا تفرحوا بما آتاكم ). # فاللام في قوله : ( @QUR@02 لكيلا تأسوا .. ) متعلقة بمحذوف. وقوله : ( ~~@QUR@01 تأسوا ) من الأسى ، وهو الحزن والضيق الشديد. يقال : أسى فلان على ~~كذا كفرح فهو يأسى أسى ، إذا حزن واغتم لما حدث ، ومنه قوله تعالى حكاية عن ~~شعيب عليه السلام : ( @QUR@016 فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ~~ربي ونصحت لكم ، فكيف آسى على قوم كافرين ) (2). # أى : فعلنا ما فعلنا من إثبات ما يصيبكم في كتاب من قبل خلقكم ، ~~وأخبرناكم بذلك ، لكي لا تحزنوا على ما أصابكم من مصائب حزنا يؤدى بكم إلى ~~الجزع ، وإلى عدم الرضا بقضاء الله وقدره ولكي لا تفرحوا بما أعطاكم الله ~~تعالى من نعم عظمى وكثيرة .. فرحا يؤدى بكم إلى الطغيان وإلى عدم استعمال ~~نعم الله تعالى فيما خلقت له .. فإن من علم ذلك علما مصحوبا بالتدبر ~~والاتعاظ ... هانت عليه المصائب ، واطمأنت نفسه لما قضاه الله تعالى وكان ~~عند الشدائد صبورا ، وعند المسرات شكورا. # ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : يعنى : أنكم إذا ~~علمتم أن كل شيء ms5487 مقدر مكتوب عند الله ، قل أساكم على الفائت ، وفرحكم على ~~الآتي ، لأن من علم أن ما عنده مفقود لا محالة ، لم يتفاقم جزعه عند فقده ، ~~لأنه وطن نفسه على ذلك ، وكذلك من علم أن بعض الخير واصل إليه ، وأن وصوله ~~لا يفوته بحال ، لم يعظم فرحه عند نيله. # فإن قلت : فلا أحد يملك نفسه عند مضرة تنزل به ، ولا عند منفعة ينالها ، ~~أن لا يحزن ولا يفرح؟ PageV14P224 # قلت : المراد الحزن المخرج إلى ما يذهل صاحبه عن الصبر والتسليم لأمر ~~الله تعالى ورجاء ثواب الصابرين ، والفرح المطغى الملهى عن الشكر. # فأما الحزن الذي لا يكاد الإنسان يخلو منه مع الاستسلام ، والسرور بنعمة ~~الله ، والاعتداد بها مع الشكر ، فلا بأس بهما (1). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@06 والله لا يحب كل مختال ~~فخور ). # أى : والله تعالى لا يحب أحدا من شأنه الاختيال بما آتاه سبحانه من نعم ~~دون أن يشكره تعالى عليها ، ومن شأنه أيضا التفاخر والتباهي على الناس بما ~~عنده من أموال وأولاد .. وإنما يحب الله تعالى من كان من عباده متواضعا ~~حليما شاكرا لخالقه عز وجل . # فأنت ترى أن هاتين الآيتين قد سكبتا في قلب المؤمن ، كل معاني الثقة ~~والرضا بقضاء الله في كل الأحوال. # وليس معنى ذلك عدم مباشرة الأسباب التي شرعها الله تعالى لأن ما سجله ~~الله في كتابه علينا قبل أن يخلقنا ، لا علم لنا به. وإنما علمه مرده إليه ~~وحده تعالى . # وهو سبحانه لا يحاسبنا على ما نجهله ، وإنما يحاسبنا على ما أمرنا به ، ~~أو نهانا عنه عن طريق رسوله صلى الله عليه وسلم . # وكما سجل سبحانه أحوالنا قبل أن يخلقنا ، فقد شرع الأسباب وأمرنا ~~بمباشرتها. وبين لنا في كثير من آياته ، أن جزاءنا من خير أو شر على حسب ~~أعمالنا. # وعند ما قال بعض الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم : أفلا نتكل على ما قدره ~~الله علينا؟ # أجابهم بقوله : «اعملوا فكل ميسر لما خلق له». # وقوله سبحانه بعد ذلك : ( @QUR@05 الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ) ~~بدل ms5488 من قوله تعالى : ( @QUR@03 كل مختال فخور ) والمراد بالذين يبخلون : كل ~~من يبخل بماله أو بعلمه .. فكأنه تعالى يقول : والله لا يحب الذين يبخلون ~~بما أعطاهم من فضله ، بخلا يجعلهم لا ينفقون شيئا منه في وجوه الخير ، لأن ~~حبهم لأموالهم جعلهم يمسكونها ويشحون بها شحا شديدا .. ولا يكنفون بذلك ، ~~بل يأمرون غيرهم بالبخل والشح. # وعلى رأس هؤلاء الذين لا يحبهم الله تعالى المنافقون ، فقد كانوا يبخلون ~~بأموالهم عن إنفاق شيء منها في سبيل الله ، وكانوا يتواصون بذلك فيما بينهم ~~، فقد قال سبحانه PageV14P225 # في شأنهم : ( @QUR@020 هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله ~~حتى ينفضوا. ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد ) تذييل ~~المقصود به ذم هؤلاء البخلاء على بخلهم. # وجواب الشرط محذوف ، أغنت عنه جملة ( @QUR@05 فإن الله هو الغني الحميد ) ~~والغنى : هو الموصوف بالغنى وهي صفة من صفات الله عز وجل إذ هو الغنى غنى ~~مطلقا ، والخلق جميعا في حاجة إلى عطائه سبحانه والحميد : وصف مبالغة من ~~الحمد. والمراد به أنه تعالى كثير الحمد والعطاء للمنفقين في وجوه الخير. # أى : ومن يعرض عن هدايات الله تعالى وعن إرشاداته ... فلن يضر الله شيئا ~~، فإن الله تعالى هو صاحب الغنى المطلق الذي لا يستغنى عن عطائه أحد ، وهو ~~سبحانه كثير الحمد والعطاء لمن استجاب لأمره فأنفق مما رزقه الله بدون ~~اختيال أو تفاخر أو أذى. # ثم بين سبحانه أن حكمته قد اقتضت أن يرسل رسله إلى الناس ، ليهدوهم إلى ~~طريق الحق ، وأن الناس منهم من اتبع الرسل ، ومنهم من أعرض عنهم ، ومنهم من ~~ابتدع أمورا من عند نفسه لم يرعها حق رعايتها .. فقال تعالى : # ( @QUR@028 لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ~~ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله ~~من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز (25) @QUR@014 ولقد أرسلنا نوحا ~~وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون ~~(26) @QUR@011 ثم قفينا على آثارهم برسلنا ms5489 وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه ~~الإنجيل PageV14P226 # @QUR@028 وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما ~~كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين ~~آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون ) (27) # والمراد بالبينات في قوله تعالى : ( @QUR@04 لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ) ~~الحجج والدلائل التي تشهد لهم بأنهم رسل من عند الله تعالى وتدخل فيها ~~المعجزات دخولا أوليا. # والمراد بالكتاب : جنس الكتب. وتشمل التوراة والإنجيل وغيرهما. # والميزان : الآلة المعروفة بين الناس لاستعمالها في المكاييل وغيرها .. ~~والمراد بها العدل بين الناس في أحكامهم ومعاملاتهم. # وشاع إطلاق الميزان على العدل ، باستعارة لفظ الميزان على العدل ، على ~~وجه تشبيه المعقول بالمحسوس ، والمراد بإنزاله : تبليغه ونشره بين الناس. # أى : بالله لقد أرسلنا رسلنا ، وأيدناهم بالحجج والبراهين الدالة على ~~صدقهم ، وأنزلنا معهم كتبنا السماوية ، بأن بلغناهم إياها عن طريق وحينا ، ~~وأنزلنا معهم العدل بأن أرشدناهم إلى طرقه ، وإلى إعطاء كل ذي حق حقه. # قال ابن كثير : يقول الله تعالى : ( @QUR@04 لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ) ~~أى : بالمعجزات ، والحجج الباهرات ، والدلائل القاطعات ( @QUR@03 وأنزلنا ~~معهم الكتاب ) وهو النقل الصدق ( @QUR@01 والميزان ) وهو العدل أو وهو الحق ~~الذي تشهد به العقول الصحيحة المستقيمة المخالفة للآراء السقيمة (1). # وأكد سبحانه هذا الإرسال ، للرد على أولئك الجاحدين الذين أنكروا نبوة ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولبيان أنه واحد من هؤلاء الرسل الكرام ، وأن رسالته ~~إنما هي امتداد لرسالتهم .. وقوله تعالى : ( @QUR@03 ليقوم الناس بالقسط ) ~~علة لما قبله. أى : أرسلنا الرسل. وأنزلنا الكتاب وشرعنا العدل ، ليقوم ~~الناس بنشر ما يؤدى إلى صلاح بالهم ، واستقامة أحوالهم ، عن طريق التزامهم ~~بالحق والقسط في كل أمورهم. PageV14P227 # قال الآلوسى : «والقيام بالقسط» أى : بالعدل ، يشمل التسوية في أمور ~~التعامل باستعمال الميزان ، وفي أمور المعاد باحتذاء الكتاب ، وهو أى : ~~القسط لفظ جامع مشتمل على جميع ما ينبغي الاتصاف به ، معاشا ومعادا (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@07 وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ) ~~معطوف على ما قبله. # والمراد بإنزال الحديد : خلقه وإيجاده. وتهيئته للناس ، والإنعام به ~~عليهم ، كما في قوله سبحانه ( @QUR@014 وأنزل لكم من ms5490 الأنعام ثمانية أزواج ~~يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق ) (2). # والمراد بالبأس الشديد : القوة الشديدة التي تؤدى إلى القتل وإلحاق الضرر ~~بمن توجه إليه ، أى : لقد أرسلنا رسلنا بالأدلة الدالة على صدقهم ، وأنزلنا ~~معهم ما يرشد الناس إلى صلاحهم. # وأوجدنا الحديد ، وأنعمنا به عليكم ، ليكون قوة شديدة لكم في الدفاع عن ~~أنفسكم ، وفي تأديب أعدائكم ، وليكون كذلك مصدر منفعة لكم في مصالحكم وفي ~~شئون حياتكم. # فمن الحديد تكون السيوف وآلات الحرب .. ومنه ومعه غيره تتكون القصور ~~الفارهة ، والمبانى العالية الواسعة ، والمصانع النافعة .. وآلات الزراعة ~~والتجارة. # فالآية الكريمة تلفت أنظار الناس إلى سنة من سنن الله تعالى قد أرسل ~~الرسل وزودهم بالهدايات السماوية التي تهدى الناس إلى ما يسعدهم .. وزودهم ~~أيضا بالقوة المادية التي تحمى الحق الذي جاءوا به وترد كيد الكائدين له في ~~نحورهم ، وترهب كل من يحاول الاعتداء عليه ، كما قال تعالى : ( @QUR@014 ~~وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ، ترهبون به عدو الله وعدوكم ~~) (3). # ورحم الله الإمام ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : ما ملخصه : ~~أى : وجعلنا الحديد رادعا لمن أبى الحق ، وعانده بعد قيام الحجة عليه ، ~~ولهذا أقام الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث عشرة سنة ، تنزل عليه السور ~~المكية ، لبيان أن دين الله حق. # فلما قامت الحجة على من خالفه ، شرع الله القتال بعد الهجرة ، حماية للحق ~~، وأمرهم بضرب رقاب من عاند الحق وكذبه. PageV14P228 # وقد روى الإمام أحمد عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له. وجعل رزقي تحت ~~ظل رمحي ، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمرى ، ومن تشبه بقوم فهو منهم. # ولهذا قال تعالى : ( @QUR@05 وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ) يعنى السلاح ~~كالسيف والحراب. # ( @QUR@02 ومنافع للناس ) أى : في معايشهم كالفأس والقدوم .. وغير ذلك (1). # هذا ، ومن المفسرين الذين فصلوا القول في منافع الحديد ، وفي بيان لما ذا ~~خصه الله تعالى بالذكر : الإمام الفخر الرازي فقد قال ms5491 رحمه الله ما ملخصه : ~~ثم إن الحديد لما كانت الحاجة إليه شديدة ، جعله الله سهل الوجدان ، كثير ~~الوجود. والذهب لما كانت حاجة الناس إليه قليلة ، جعله الله تعالى عزيز ~~الوجود. # وبهذا تتجلى رحمة الله على عباده ، فإن كل شيء كانت حاجتهم إليه أكثر جعل ~~الحصول عليه أيسر. # فالهواء وهو أعظم ما يحتاج الإنسان إليه جعل الله تعالى الحصول عليه سهلا ~~ميسورا .. فعلمنا من ذلك أن كل شيء كانت الحاجة إليه أكثر ، كان وجدانه أسهل. # ولما كانت الحاجة إلى رحمة الله تعالى أشد من الحاجة إلى كل شيء ، فنرجوه ~~من فضله أن يجعلها أسهل الأشياء وجدانا ، كما قال الشاعر : # سبحان من خص العزيز بعزة %~% والناس مستغنون عن أجناسه وأذل أنفاس الهواء وكل ذي %~% نفس ، فمحتاج إلى أنفاسه (2) # وقوله : سبحانه : ( @QUR@06 وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب .. ) ~~معطوف على محذوف يدل عليه السياق. # والمراد بقوله : ( @QUR@01 وليعلم ) أى : وليظهر علمه تعالى للناس ، حتى ~~يشاهدوا آثاره. # أى : وأنزل سبحانه الحديد لكي يستعملوه في الوجوه التي شرعها الله وليظهر ~~سبحانه أثر علمه حتى يشاهد الناس ، من الذي سيتبع الحق منهم ، فينصر دين ~~الله تعالى وينصر رسله ، ويستعمل نعمه فيما خلقت له حالة كونه لا يرى الله تعالى PageV14P229 # بعينيه ، وإنما يتبع أمره ، ويؤمن بوحدانيته ووجوده وعلمه وقدرته .. عن ~~طريق ما أوحاه سبحانه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم . # فقوله : ( @QUR@01 بالغيب ) حال من فاعل ( @QUR@01 ينصره ). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@04 إن الله قوي عزيز ) أى : ~~أن الله تعالى هو المتصف بالقوة التي ليس بعدها قوة وبالعزة التي لا ~~تقاربها عزة. # وختمت الآية بهذا الختام ، لأنه هو المناسب لإرسال الرسل ، ولإنزال الكتب ~~والحديد الذي فيه بأس شديد ومنافع للناس. # فكان هذا الختام تعليل لما قبله. أى : لأن الله تعالى قوى في أخذه عزيز ~~في انتقامه فعل ما فعل من إرسال الرسل ، ومن إنزال الحديد. # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما ~~النبوة والكتاب .. ) معطوف على جملة : ( @QUR@04 لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ~~) عطف الخاص على العام. # أى : لقد ms5492 أرسلنا رسلا كثيرين .. وبالله لقد أرسلنا نوحا وإبراهيم ، ~~وجعلنا في ذريتهما عددا من الأنبياء ، وأوحينا إليهم كتبنا ، التي تهدى ~~أقوامهم إلى طريق الحق ، كالتوراة التي أنزلناها على موسى ، وكالزبور الذي ~~أنزلناه على داود. # وخص سبحانه نوحا وإبراهيم عليهما السلام بالذكر ، لشهرتهما ولأن جميع ~~الأنبياء من نسلمها. # والضمير في قوله تعالى : ( @QUR@05 فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون ) أى : ~~فمن ذريتهم من اهتدى إلى الدين الحق ، وآمن به ، وقام بأداء تكاليفه. وكثير ~~من أفراد هذه الذرية فاسقون. أى : خارجون عن الاهتداء إلى الحق ، منغمسون ~~في الكفر والضلال. # ( @QUR@09 ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم ) والتقفيه ~~إتباع الرسول برسول آخر يقال : قفا فلان أثر فلان .. إذا اتبعه ، وقفى على ~~أثره بفلان ، إذا اتبعه إياه .. وأصله من القفا وهو مؤخر العنق .. فكأن ~~الذي يتبع أثر غيره قد أتاه من جهة قفاه. # وضمير الجمع في قوله ( @QUR@02 على آثارهم ) يعود إلى نوح وإبراهيم ~~وذريتهما الذين كانت فيهم النبوة والكتاب. # أى : ثم أرسلنا بعدهم رسولا بعد رسول. حتى انتهينا إلى عيسى عليه السلام ( ~~@QUR@02 وآتيناه الإنجيل ) أى : أوحيناه إليه ليكون هداية لقومه. PageV14P230 # قالوا : والإنجيل كلمة يونانية من النجل وهو الأصل ، يقال : رحم الله ~~ناجليه ، أى : والديه ، وقيل : الإنجيل مأخوذ من نجلت الشيء إذا استخرجته ~~وأظهرته. ويقال للماء الذي يخرج من البئر : نجل. وقيل هو من النجل الذي هو ~~سعة العين ، ومنه قولهم : طعنة نجلاء ، أى : واسعة. # وسمى الإنجيل بهذا الاسم ، لأنه سعة ونور وضياء ، أنزله الله تعالى على ~~نبيه عيسى ، ليكون بشارة وهداية لقومه (1). # وأعاد سبحانه مع عيسى عليه السلام كلمة ( @QUR@01 وقفينا ) للإشعار بأن ~~المسافة التي كانت بين عيسى عليه السلام وبين آخر رسول من بنى إسرائيل كانت ~~مسافة طويلة. # ثم بين سبحانه بعض السمات التي كانت واضحة في أتباع عيسى فقال : ( ~~@QUR@016 وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما ~~كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله ). # والرأفة : اللين وخفض الجناح ، والرحمة. العطف والشفقة. # قالوا : وعطف الرحمة على الرأفة من باب عطف العام على الخاص ، لأن ms5493 الرأفة ~~، رحمة خاصة ، تتعلق بدفع الأذى والضر. أما الرحمة فهي أشمل وأعم ، لأنها ~~عطف وشفقة على كل من كان في حاجة إليها. # و «الرهبانية» معناها الفعلة المنسوبة إلى الرهبان. وهم النصارى المبالغون ~~في الرهبة والخوف من الله تعالى والزهد في متاع الحياة الدنيا. # قال بعض العلماء : والرهبانية : اسم للحالة التي يكون عليها الراهب متصفا ~~بها في غالب شئون دينه ، والياء فيها ياء النسبة إلى الراهب على غير قياس ، ~~لأن قياس النسب إلى الراهب : الراهبية ، والنون فيها مزيدة للمبالغة في ~~النسبة ، كما زيدت في قولهم : شعرانى ، لكثير الشعر ، ولحياني لعظيم اللحية (2). # وقوله تعالى : ورهبانية ابتدعوها .. منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر. # أى : وابتدعوا رهبانية ابتدعوها ، فهو من باب الاشتغال. # ويصح أن يكون معطوفا على قوله : ( @QUR@02 رأفة ورحمة ) وقوله : ( ~~@QUR@01 ابتدعوها ) في موضع PageV14P231 # الصفة ، والكلام على حذف مضاف ، أى : وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة ~~ورهبانية مبتدعة لهم. # وجملة : ما كتبناها عليهم ، مستأنفة مبينة لجملة ( @QUR@01 ابتدعوها ). # والاستثناء في قوله : ( @QUR@04 إلا ابتغاء رضوان الله ) منقطع. # والضمير في قوله : ( @QUR@02 فما رعوها ) يعود لهؤلاء الذين ابتدعوا ~~الرهبانية. # والمعنى : ثم أتبعنا كل رسول من ذرية نوح وإبراهيم برسول آخر ، حتى ~~انتهينا إلى عيسى عليه السلام فأرسلناه إلى بنى إسرائيل وآتيناه الإنجيل ~~وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه وآمنوا به ( @QUR@01 رأفة ) أى لينا وخفض جناح ~~( @QUR@01 ورحمة ) أى : شفقة وعطفا ، وحب رهبانية مبتدعة منهم ، أى : هم ~~الذين ابتدعوها واخترعوها واختاروها لأنفسهم ، زهدا في متاع الحياة الدنيا. # ونحن ما كتبنا عليهم هذه الرهبانية ، وإنما هم الذين ابتدعوها من أجل أن ~~يرضى الله عنهم ( @QUR@04 فما رعوها حق رعايتها ) أى : ولكنهم بمرور الأيام ~~، لم يحافظ كثير منهم على ما تقتضيه هذه الرهبانية من زهد وتقى وعفاف .. بل ~~صارت طقوسا خالية من العبادة الصحيحة ، ولم يصبر على تكاليفها إلا عدد قليل منهم. # ولذا ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@08 فآتينا الذين آمنوا ~~منهم أجرهم ، وكثير منهم فاسقون ). # أى : أما الذين استمروا على اتباعهم لعيسى عليه السلام وعلى الإيمان بالحق ~~إيمانا صحيحا خاليا مما يفسده .. فقد أعطيناهم أجورهم ms5494 الطيبة كاملة غير ~~منقوصة. # وأما الذين بدلوا ما جاء به عيسى عليه السلام حيث كفروا به وقالوا : الله ~~ثالث ثلاثة ، أو قالوا : المسيح ابن الله فسيلقون ما يستحقونه من عقاب. # وقوله : ( @QUR@03 وكثير منهم فاسقون ) يدل على أن الذين خرجوا عن الدين ~~الحق الذي جاء به عيسى عليه السلام وفسقوا عن أمر ربهم .. أكثر من الذين ~~آمنوا به إيمانا صحيحا. # قال الإمام ابن جرير : واختلف أهل التأويل في الذين لم يرعوا الرهبانية ~~حق رعايتها. فقال بعضهم : هم الذين ابتدعوها ، ولم يقوموا بها ، ولكنهم ~~بدلوا وخالفوا دين الله الذي بعث به عيسى ، فتنصروا وتهودوا. # وقال آخرون : بل هم قوم جاءوا من بعد الذين ابتدعوها فلم يرعوها حتى ~~رعايتها ، لأنهم كانوا كفارا .. فهم الذين وصفهم الله بأنهم لم يرعوها حق ~~رعايتها. # وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال : إن الذين وصفهم الله بأنهم لم ~~يرعوا الرهبانية حق PageV14P232 # رعايتها ، بعض الطوائف التي ابتدعتها ، وذلك لأن الله تعالى قد أخبر أنه ~~آتى الذين آمنوا منهم أجرهم ، فدل ذلك على أن منهم من قد رعاها حق رعايتها. # وكثير منهم أى : من الذين ابتدعوا الرهبانية أهل معاص ، وخروج عن طاعة ~~الله تعالى وعن الإيمان به (1). # وقال الإمام الآلوسى ما ملخصه : وقوله تعالى ( @QUR@03 ما كتبناها عليهم ~~) جملة مستأنفة. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 إلا ابتغاء رضوان الله ) استثناء منقطع ، أى : ~~ما فرضناها نحن عليهم رأسا ، ولكن ابتدعوها وألزموا بها أنفسهم ابتغاء ~~رضوان الله. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 فما رعوها حق رعايتها ) أى : ما حافظوا عليها حق ~~المحافظة ، ذم لهم من حيث إن ذلك كالنذر ، وهو عهد مع الله تعالى يجب ~~رعايته ، لا سيما إذا قصد به رضاه عز وجل . # وجائز أن يكون الاستثناء متصلا من أعم العلل. أى : ما قضيناها عليهم لشيء ~~من الأشياء ، إلا ليبتغوا بها رضوان الله ، ويستحقوا بها الثواب ، ومن ~~ضرورة ذلك أن يحافظوا عليها .. إلا أنهم لم يحافظوا عليها ، ولم يرعوها حق ~~رعايتها. # والفرق بين الوجهين : أن الأول يقتضى أنهم لم يؤمروا بها أصلا ، وأن ~~الثاني يقتضى أنهم أمروا ms5495 بها ، لابتغاء رضوان الله ، فما رعوها حق رعايتها. # والظاهر أن الضمير في قوله ( @QUR@02 فما رعوها ) يعود لأولئك الذين ~~ابتدعوا الرهبانية ، والمراد نفى وقوع الرعاية من جميعهم ، أى : فما رعاها ~~كلهم بل بعضهم (2). # فالآية الكريمة تثنى على الذين أحسنوا اتباع عيسى عليه السلام فطهروا ~~أرواحهم من كل دنس ، وزهدوا في متع الحياة الدنيا .. وتذم الذين بدلوا ما ~~جاء به عيسى عليه السلام وقالوا الأقوال الباطلة في شأنه ، وفعلوا الأفعال ~~القبيحة التي تغضب الله تعالى : # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بهذا النداء للمؤمنين فقال تعالى : PageV14P233 # ( @QUR@022 يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من ~~رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم (28) @QUR@022 ~~لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله ~~يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) (29) # أى : يا من آمنتم بالله تعالى حق الإيمان ، اتقوا الله في كل ما تأتون ~~وما تذرون ، وداوموا على الإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم واثبتوا على ذلك. # ( @QUR@04 يؤتكم كفلين من رحمته ) أى : يعطكم بسبب ذلك نصيبين وضعفين من ~~رحمته سبحانه وفضله. # وأصل الكفل كما يقول القرطبي كساء يكتفل به الراكب فيحفظه من السقوط .. ~~أى يؤتكم نصيبين يحفظانكم من هلكة المعاصي ، كما يحفظ الكفل الراكب من ~~السقوط (1). # ( @QUR@05 ويجعل لكم نورا تمشون به ) أى : ويجعل لكم بفضله نورا تمشون به ~~يوم القيامة. كما قال تعالى : ( @QUR@09 يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى ~~نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ). # ( @QUR@02 ويغفر لكم ) أى : ما فرط منكم من ذنوب ، بأن يزيلها عنكم. # ( @QUR@03 والله غفور رحيم ) أى : واسع المغفرة والرحمة لمن اتقاه ~~وأطاعه. # فأنت ترى أن الله تعالى قد وعد المؤمنين على تقواهم وعلى إيمانهم برسوله ~~، أن يؤتيهم نصيبين من رحمته .. وأن يجعل لهم نورا يمشون به ، فيهديهم إلى ~~ما يسعدهم في كل شئونهم ، وأن يغفر لهم ما سبق من ذنوبهم .. فضلا منه وكرما. # قالوا : وأعطى الله تعالى للمؤمنين نصيبين من الأجر ، لأن أولهما بسبب ~~إيمانهم بالرسول صلى الله عليه وسلم . # وثانيهما : بسبب ms5496 إيمانهم بالرسل السابقين ، كما أعطى مؤمنى أهل الكتاب ~~نصيبين من PageV14P234 # الأجر : أحدهما للإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم والثاني للإيمان بعيسى ~~عليه السلام الذي نسخت شريعته بالشريعة المحمدية. # وقوله سبحانه : ( @QUR@011 لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من ~~فضل الله ... ) # رد على مزاعم أهل الكتاب أنهم شعب الله المختار ، وأنهم أفضل من الأمة ~~الإسلامية. # قال الجمل ما ملخصه : لما سمع من لم يؤمن من أهل الكتاب قوله تعالى ( ~~@QUR@06 أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ... ) قالوا للمسلمين : أما من ~~آمن منا بكتابكم فله أجره مرتين لإيمانه بكتابنا وكتباكم. ومن لم يؤمن منا ~~بكتابكم فله أجر كأجركم ، فبأى شيء فضلتم علينا؟ فأنزل الله هذه الآية. # ولا زائدة ، واللام متعلقة بمحذوف ، هو معنى الجملة الطلبية المتضمنة ~~لمعنى الشرط ، إذ التقدير : إن تتقوا وتؤمنوا برسوله ، يؤتكم الله من فضله ~~كذا وكذا وقد أعلمناكم بذلك لكي يعلم أهل الكتاب عدم قدرتهم على شيء من فضل الله. # أى : أنهم لا ينالون شيئا مما ذكر من فضله .. كالكفلين من رحمته وكمغفرة ~~الذنوب لأنهم لم يؤمنوا برسوله صلى الله عليه وسلم ولم يخلصوا العبادة له ~~عز وجل .. (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@011 وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو ~~الفضل العظيم ) مؤكد لما قبله ، ومقرر له. # أى : ليعلم أهل الكتاب عدم قدرتهم على الظفر بشيء من فضل الله إلا إذا ~~آمنوا بالله ورسله .. وليعلموا أيضا أن الفضل والعطاء بيد الله تعالى وحده ~~، يمنحه لمن يشاء ويختار من عباده ، وهو سبحانه صاحب الفضل الواسع العظيم. # وعلى هذا التفسير الذي سرنا عليه يكون المقصود من الآيتين تحريض المؤمنين ~~من هذه الأمة على الثبات على تقوى الله تعالى واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم ~~في كل ما جاء به ، وتبشيرهم بالعطاء الجزيل إذا ما فعلوا ذلك. # والرد على المتفاخرين من أهل الكتاب ، الذين زعموا أنهم أبناء الله ~~وأحباؤه ، وأنهم ليس أحد أفضل منهم ، وأن الأجر ثابت لهم سواء آمنوا ~~بالرسول صلى الله عليه وسلم أم استمروا على كفرهم. # قال الإمام ابن ms5497 كثير عند تفسيره لهاتين الآيتين : لما افتخر أهل الكتاب ~~بأنهم يؤتون أجرهم PageV14P235 # مرتين ، أنزل الله هذه الآية ( @QUR@08 يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وآمنوا برسوله ... ) في حق هذه الأمة. # وهي كقوله تعالى : ( @QUR@019 يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل ~~لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ، ويغفر لكم ، والله ذو الفضل العظيم ). # ومما يؤيد هذا القول أى : أن هذه الآية في حق هذه الأمة ما رواه الإمام ~~أحمد عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مثلكم ومثل اليهود ~~والنصارى كمثل رجل استعمل عمالا فقال : من يعمل لي من صلاة الصبح إلى نصف ~~النهار على قيراط قيراط؟ ألا فعملت اليهود. # ثم قال : من يعمل لي من صلاة الظهر إلى صلاة العصر على قيراط قيراط؟ ألا ~~فعملت النصارى. # ثم قال : من يعمل لي من صلاة العصر إلى غروب الشمس على قيراطين قيراطين؟ ~~ألا فأنتم الذين عملتم فغضبت النصارى واليهود ، وقالوا : نحن أكثر عملا ~~وأقل عطاء. قال : هل ظلمتكم من أجركم شيئا ، قالوا لا : قال فإنما هو فضلي ~~أوتيه من أشاء (1). # ويرى بعض المفسرين أن الخطاب لمن آمن من أهل الكتاب ، فيكون المعنى : يا ~~من آمنتم بموسى وبعيسى وبمحمد عليهم الصلاة والسلام اتقوا الله وآمنوا ~~برسوله صلى الله عليه وسلم واثبتوا على ذلك ، يؤتكم الله تعالى كفلين من رحمته. # وليعلم الذين لم يؤمنوا من أهل الكتاب ، أنهم لن ينالوا شيئا مما ناله ~~المؤمنون منهم. # ومن المفسرين الذين ساروا على هذا التفسير الإمام ابن جرير ، فقد قال ~~رحمه الله عند تفسيره لهذه الآية : يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدقوا ~~الله ورسوله من أهل الكتابين : التوراة والإنجيل ، خافوا الله ، وآمنوا ~~برسوله محمد صلى الله عليه وسلم يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ~~ويغفر لكم .. # أى : يؤتكم أجرين لإيمانكم بعيسى وبمحمد عليهما الصلاة والسلام (2). # ويبدو لنا أن الخطاب في هذه الآية للمؤمنين من هذه الأمة ، على سبيل الحض ~~والتبشير ، وأن قوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@011 لئلا يعلم أهل الكتاب ألا ms5498 ~~يقدرون على شيء من فضل الله ... ) واضح في ذلك ، وان جعل الخطاب لمؤمنى أهل ~~الكتاب لا دليل عليه. PageV14P236 # ولذا قال بعض المحققين : هذه الآية الكريمة من سورة الحديد ، في المؤمنين ~~من هذه الأمة ، وأن سياقها واضح في ذلك ، وأن من زعم من أهل العلم أنها في ~~أهل الكتاب فقد غلط ، وان ما وعد الله به المؤمنين من هذه الأمة ، أعظم مما ~~وعد به مؤمنى أهل الكتاب (1). # وبعد : فهذا تفسير لسورة «الحديد» نسأل الله تعالى ان يجعله خالصا لوجهه ~~، ونافعا لعباده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. |فندق الشيراتون بالدوحة قطر صباح الخميس 24 من رجب 1406 ه 3 من أبريل 1986 ~~م|كتبه الراجي عفو ربه محمد سيد طنطاوى| PageV14P237 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة المجادلة PageV14P239 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «المجادلة» بفتح الدال وكسرها والثاني أظهر ، لأن افتتاح السورة ~~في المرأة التي جادلت النبي صلى الله عليه وسلم في شأن زوجها . # وهذه السورة : هي السورة الثامنة والخمسون في ترتيب المصحف ، أما ترتيبها ~~في النزول فكان بعد سورة «المنافقون» ، وقبل سورة «التحريم». # وعدد آياتها ثنتان وعشرون آية في المصحف الكوفي والبصري والشامي ، وإحدى ~~وعشرون آية في المصحف المكي والمدني. # 2 وهي من السور المدنية الخالصة. ومن قال بأن فيها آيات مكية ، لم يأت ~~بدليل يعتمد عليه في ذلك. # قال القرطبي : «هذه السورة مدنية في قول الجميع ، إلا رواية عن عطاء : أن ~~العشر الأول منها مدني ، وباقيها مكي. وقال الكلبي : نزل جميعها بالمدينة. ~~غير قوله تعالى : ( @QUR@08 ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ) نزلت ~~بمكة» (1). # 3 وقد افتتحت سورة «المجادلة» بالحديث عن المرأة التي جادلت النبي ~~صلى الله عليه وسلم في شأن زوجها ، وقد أصدر سبحانه حكمه العادل في مسألتها ، ~~مبينا حكم الظهار فقال تعالى : ( @QUR@047 والذين يظاهرون من نسائهم ثم ~~يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ، ذلكم توعظون به ، والله ~~بما تعملون خبير. فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا ، فمن ~~لم ms5499 يستطع فإطعام ستين مسكينا ، ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله ، وتلك حدود الله ~~، وللكافرين عذاب أليم ). # 4 ثم انتقلت السورة إلى الحديث عن الذين يحادون الله ورسوله فبينت سوء ~~عاقبتهم ، لأن الله تعالى لا يخفى عليه شيء من أحوالهم ، فهو سبحانه ( ~~@QUR@021 ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ، ولا خمسة إلا هو سادسهم ، ~~ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو PageV14P241 # @QUR@015 معهم أين ما كانوا ، ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة ، إن الله ~~بكل شيء عليم ). # 5 ثم وجه سبحانه ثلاثة نداءات إلى المؤمنين ، أمرهم في أول نداء بأن ~~يتناجوا بالبر والتقوى .. وأمرهم في النداء الثاني أن يفسح بعضهم لبعض في ~~المجالس .. وأمرهم في النداء الثالث إذا ما ناجوا الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أن يقدموا بين يدي نجواهم صدقة. # قال تعالى : ( @QUR@023 يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول ، فقدموا ~~بين يدي نجواكم صدقة ، ذلك خير لكم وأطهر ، فإن لم تجدوا فإن الله غفور ~~رحيم ). # 6 وبعد أن عجبت السورة الكريمة من أحوال المنافقين ، وبينت سوء عاقبتهم ، ~~وكيف أن الشيطان قد استحوذ عليهم ، فأنساهم ذكر الله. # بعد كل ذلك ختمت السورة الكريمة ببيان حسن عاقبة المؤمنين الصادقين ~~وببيان صفاتهم الكريمة ، فقال عز وجل ( @QUR@051 لا تجد قوما يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر ، يوادون من حاد الله ورسوله ، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم ~~أو إخوانهم أو عشيرتهم ، أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ، وأيدهم بروح منه ، ~~ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ، رضي الله عنهم ورضوا عنه ~~، أولئك حزب الله ، ألا إن حزب الله هم المفلحون ). # 7 هذا ، والمتأمل في سورة المجادلة ، يراها قد بينت حكم الظهار ، وأبطلت ~~ما كان شائعا من أن الرجل إذا ظاهر من زوجته لا تحل له .. وساقت جانبا من ~~فضل الله تعالى على عباده ، حيث أجاب دعاء امرأة قد اشتكت إليه ، وقضى في ~~مساءلتها قبل أن تقوم من مكانها ، وهي بجانب النبي صلى الله عليه وسلم تجادله ~~في شأن زوجها. # كما يراها قد كشفت القناع عن المنافقين ، وفضحتهم ms5500 على أقوالهم الباطلة ، ~~وأفعالهم الذميمة ، وموالاتهم لأعداء الله ورسوله. # كما يراها قد ساقت ألوانا متعددة من الآداب التي يجب على المؤمنين أن ~~يتحلوا بها ، وبشرتهم برضا الله تعالى عنهم ، متى أخلصوا له سبحانه العبادة ~~والطاعة. # والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ~~آله وصحبه وسلم. # د. محمد سيد طنطاوى # الدوحة قطر # صباح الأحد : 27 من رجب سنة 1406 ه # 6 / 4 / 1986 م PageV14P242 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@018 قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله ~~يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير (1) @QUR@023 الذين يظاهرون منكم من ~~نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من ~~القول وزورا وإن الله لعفو غفور (2) @QUR@021 والذين يظاهرون من نسائهم ثم ~~يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما ~~تعملون خبير (3) @QUR@026 فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن ~~يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك ~~حدود الله وللكافرين عذاب أليم ) (4) # ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات منها ما أخرجه الإمام أحمد ~~عن يوسف بن عبد الله بن سلام ، عن خولة بنت ثعلبة قالت : فى والله وفي زوجي ~~أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة. # قالت : كنت عنده ، وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه ، قالت : فدخل على يوما ~~فراجعته بشيء فغضب ، فقال : أنت على كظهر أمى. PageV14P243 # قالت : ثم خرج فجلس في نادى قومه ساعة ، ثم رجع ، فإذا هو يريدني عن نفسي ~~، فقالت له : كلا والذي نفس خولة بيده لا تخلص إلى ، وقلت ما قلت ، حتى ~~يحكم الله ورسوله فينا بحكمه .. # قالت : فواثبنى ، فامتنعت عنه ، فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف ~~فألقيته عنى. # ثم خرجت إلى بعض جاراتي ، فاستعرت منها ثيابا ، ثم خرجت حتى جئت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فجلست بين يديه ، فذكرت له صلى الله عليه وسلم ما لقيت ~~من زوجي ms5501 ، وجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه. # قالت : فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «يا خويلة ، ابن عمك شيخ ~~كبير فاتقى الله فيه». # قالت : فو الله ما برحت حتى نزل فى قرآن ، فتغشى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ما كان يتغشاه ، ثم سرى عنه ، فقال لي : «يا خويلة قد أنزل ~~الله فيك وفي صاحبك قرآنا». ثم قرأ على هذه الآيات. # وفي رواية : أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له : يا رسول الله ، ~~إن أوسا تزوجني وأنا شابة مرغوب في ، فلما خلا سنى ، ونثرت بطني ، جعلني ~~عليه كأمه ، وتركني إلى غير أحد ، فإن كنت تجد لي رخصة يا رسول الله فحدثني بها. # فقال صلى الله عليه وسلم : «ما أمرت بشيء في شأنك حتى الآن» وفي رواية أنه ~~قال لها : «ما أراك إلا قد حرمت عليه». # فقالت : يا رسول الله ، إنه ما ذكر طلاقا ، وأخذت تجادل النبي ~~صلى الله عليه وسلم ثم قالت : اللهم إنى أشكو إليك فاقتي ، وشدة حالي ، وإن لي ~~من زوجي أولادا صغارا ، إن ضمهم إليه ضاعوا ، وإن ضممتهم إلى جاعوا. # قالت : وما برحت حتى نزل القرآن ، فقال صلى الله عليه وسلم : «يا خولة ~~أبشرى» ثم قرأ على هذه الآيات (1). # و «قد» في قوله تعالى : ( @QUR@011 قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ~~وتشتكي إلى الله ) للتحقيق ولتوقع الإجابة من الله تعالى على ما جادلت فيه ~~تلك المرأة النبي صلى الله عليه وسلم . # قال صاحب الكشاف : «فإن قلت ما معنى «قد» في قوله : ( @QUR@02 قد سمع .. )؟ PageV14P244 # قلت : «معناه التوقع ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمجادلة كانا ~~يتوقعان أن يسمع الله تعالى مجادلتها وشكواها ، وينزل في ذلك ما يفرج ~~كربها» (1). # والسماع في قوله تعالى : ( @QUR@01 سمع ) بمعنى علم الله تعالى التام بما ~~دار بين تلك المرأة ، وبين الرسول صلى الله عليه وسلم واستجابته سبحانه ~~لشكواها ، وحكمه في تلك المسألة ، بما يبطل ما كان شائعا بشأنها قبل نزول ~~هذه الآية. # وقوله : ( @QUR@01 تجادلك ) من المجادلة ، وهي ms5502 المفاوضة على سبيل ~~المغالبة والمنازعة ، وأصلها من جدلت الحبل : إذا أحكمت فتله. # وقوله : ( @QUR@01 تشتكي ) من الشكو ، وأصله فتح الشكوة وهي سقاء صغير ~~يجعل فيه الماء وإظهار ما فيها ، ثم شاع هذا الاستعمال في إظهار الإنسان ~~لما يؤلمه ويؤذيه ، وطلب إزالته. # والمعنى : قد سمع الله تعالى سماعا تاما ، قول هذه المرأة التي تجادلك ~~أيها الرسول الكريم في شأن ما دار بينها وبين زوجها ، وفيما صدر عنه في ~~حقها من الظهار ، وسمع سبحانه شكواها إليه ، والتماسها منه عز وجل حل قضيتها ~~، وتفريج كربتها ، وإزالة ما نزل بها من مكروه. # وقال سبحانه ( @QUR@02 التي تجادلك ) بأسلوب الاسم الموصول للإشعار بأنها ~~كانت في نهاية الجدال والشكوى ، وفي أقصى درجات التوكل على ربها ، والأمل ~~في تفريج كربتها ، رحمة بها وبزوجها وبأبنائها. # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 والله يسمع تحاوركما ) جملة حالية ، والتحاور : ~~مراجعة الكلام من الجانبين. يقال : حاور فلان فلانا في الكلام إذا راجعه ~~فيما يقوله. # أى : والحال أن الله تعالى يسمع ما يدور بينك أيها الرسول الكريم وبين ~~تلك المرأة ، من مراجعة في الكلام ، ومن أخذ ورد في شأن قضيتها. # والمقصود بذلك ، بيان الاعتناء بشأن هذا التحاور ، والتنويه بأهميته ، ~~وأنه تعالى قد تكرم وتفضل بإيجاد التشريع الحكيم لحل هذه القضية. # وعبر سبحانه بصيغة المضارع ، لزيادة التنويه بشأن ذلك التحاور ، واستحضار ~~صورته في ذهن السامع ، ليزداد عظة واعتبارا. # وجملة : ( @QUR@04 إن الله سميع بصير ) تذييل قصد به التعليل لما قبله ~~بطريق التحقيق. PageV14P245 # أى : أنه سبحانه يسمع كل المسموعات ، ويبصر كل المبصرات ، على أتم وجه ~~وأكمله ، ومن مقتضيات ذلك ، أن يسمع تحاوركما ، ويبصر ما دار بينكما. # قال القرطبي : «أخرج ابن ماجة أن عائشة رضى الله عنها قالت : تبارك الذي ~~وسع سمعه كل شيء إنى لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ، ويخفى على بعضه ، وهي ~~تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول : يا رسول الله!! أكل ~~شبابي ، ونثرت له بطني ، حتى إذا كبر سنى .. ظاهر منى!! اللهم إنى أشكو إليك. # وفي البخاري عن عائشة قالت : الحمد لله الذي وسع ms5503 سمعه الأصوات ، لقد جاءت ~~المجادلة تشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في ناحية البيت ما أسمع ~~ما تقول ، فأنزل الله تعالى : ( @QUR@08 قد سمع الله قول التي تجادلك في ~~زوجها ) (1). # ثم شرع سبحانه في بيان شأن الظهار في ذاته ، وفي بيان حكمه المترتب عليه ~~شرعا فقال : ( @QUR@013 الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم ، إن ~~أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم ). # وقوله : ( @QUR@01 يظهرون ) من الظهار ، وهو لغة مصدر ظاهر ، وهو مفاعلة ~~من الظهر. # قال الآلوسى : والظهار يراد به معان مختلفة راجعة إلى الظهر معنى ولفظا ~~باختلاف الأغراض ، فيقال : ظاهر زيد عمرا ، أى : قابل ظهره بظهره حقيقة ، ~~وكذا إذا غايظه ... وظاهره إذا ناصره باعتبار أنه يقال : قوى ظهره إذا ~~نصره» (2). # والمراد به هنا : أن يقول الرجل لزوجته : أنت على كظهر أمى ، قاصدا بذلك ~~تحريم زوجته على نفسه كتحريم أمه عليه. # وكان هذا القول من الرجل لامرأته يؤدى إلى طلاقها منه ، بحيث لا تحل له ~~حتى تنكح زوجا غيره ، وقيل : إلى طلاقها منه طلاقا مؤبدا لا تحل له بعده. # وقيل : إن هذا القول لم يكن طلاقا من كل وجه ، بل كانت الزوجة تبقى بعده ~~معلقة ، فلا هي مطلقة ، ولا هي غير مطلقة. # و «من» في قوله ( @QUR@02 من نسائهم ) بيانية ، لإفادة أن هذا تشريع عام ، ~~وليس خاصا بخولة بنت ثعلبة ، التي نزلت في شأنها هذه الآيات. # وجملة : ( @QUR@03 ما هن أمهاتهم ) قائمة مقام الخبر ، ودالة عليه. PageV14P246 # والمعنى : الذين يظاهرون منكم أيها المؤمنون من نسائهم بأن يقولوا لهن : ~~أنتن علينا كظهر أمهاتنا ، مخطئون فيما يقولون ، فإن زوجاتهم لسن بأمهاتهم. # ( @QUR@05 إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم ) أى : ليس أمهاتهم على سبيل ~~الحقيقة والواقع إلا النساء اللائي ولدنهم وأرضعنهم ، وقمن برعايتهم في ~~مراحل الطفولة والصبا والشباب. # ثم أكد سبحانه هذا المعنى بقوله : ( @QUR@06 وإنهم ليقولون منكرا من ~~القول وزورا ). # أى : وإن هؤلاء الرجال الذين يقولون لأزواجهم : أنتن علينا كظهور أمهاتنا ~~في الحرمة ، ليتفوهون بما هو منكر من القول ، في حكم الشرع وفي حكم العقل ، ~~وفي حكم الطبع. وفضلا عن ms5504 كل ذلك فهو قول كاذب وباطل إذ لم يحرم الله تعالى ~~الزوجة على زوجها ، كما حرم عليه أمه. فعلاقة الأزواج بأمهاتهم ، تختلف ~~اختلافا تاما عن علاقتهم بزوجاتهم. # وإذا فالمقصود بهذه الجملة الكريمة : التوبيخ على هذا القول ، وهو قول ~~الرجل لزوجته : أنت على كظهر أمى ، وذم من ينطق به ، لأنه يعرض مقام ~~الأمهات وهو مقام في أسمى درجات الاحترام والتبجيل إلى تخيلات قبيحة تصاحب ~~النطق بهذا الكلام. # وكعادة القرآن الكريم في قرن الترهيب بالترغيب ، حتى لا تيأس النفوس من ~~رحمة الله ، ختمت الآية الكريمة بما يدل على فضله تعالى . # فقال : ( @QUR@04 وإن الله لعفو غفور ) أى : وإن الله تعالى لكثير العفو ~~والمغفرة ، لمن تاب إليه سبحانه وأناب وأقلع عن تلك الأقوال والأفعال التي ~~يبغضها سبحانه . # ثم أخذت السورة الكريمة في تفصيل حكم الظهار ، بعد بيان كونه منكرا من ~~القول وزورا ، فقال تعالى : ( @QUR@014 والذين يظاهرون من نسائهم ، ثم ~~يعودون لما قالوا ، فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ). # وقد اختلف العلماء في معنى قوله تعالى : ( @QUR@04 ثم يعودون لما قالوا ). # فمنهم من يرى أن المراد منه ، ثم يرجعون عما قالوا ، قاصدين معاشرة ~~زوجاتهم .. أو قاصدين تحليل ما حرموه على أنفسهم بالنسبة لزوجاتهم بسبب ~~الظهار. # ومنهم من يرى أن المراد بهذه الجملة : العودة إلى ما كانوا يقولونه في ~~الجاهلية ، بعد أن هداهم الله تعالى إلى الإسلام ، فيكون المعنى : ثم ~~يعودون إلى ما كانوا يقولونه في الجاهلية من ألفاظ الظهار ، التي يبغضها ~~الله تعالى . # وهذا القول يبدو عليه الضعف من جهة : جعله الفعل المضارع الدال على الحال ~~والاستقبال وهو ( @QUR@01 يظهرون )، بمعنى الماضي المنقطع ، ومن جهة جعلهم ~~أن المظاهر بعد الإسلام ، كان PageV14P247 # قد ظاهر في الجاهلية ، مع أن هذا ليس بلازم. إذ لم يثبت أن «أوس بن ~~الصامت» كان قد ظاهر من زوجته في الجاهلية ، وهذا الحكم إنما هو حق المظاهر ~~في الإسلام. # ومنهم من يرى أن المراد بهذه الجملة : تكرار لفظ الظهار ، فمعنى ثم ~~يعودون لما قالوا : ثم يعودون إلى تكرار لفظ الظهار مرة أخرى. # وكان أصحاب ms5505 هذا القول يرون ، أن الكفارة لا تكون إلا بتكرار ألفاظ الظهار ~~، وهو قول لا يؤيده دليل ، لأنه لم يثبت أن خولة أو غيرها كرر عليها زوجها ~~لفظ الظهار أكثر من مرة ، بل الثابت أنه عند ما قال لها : أنت على كظهر أمى ~~، ذهبت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقصت عليه ما جرى بينها وبين زوجها. # وقد رجح الإمام ابن جرير الرأى الأول فقال : والصواب من القول في ذلك ~~عندي أن يقال : معنى اللام في قوله : ( @QUR@02 لما قالوا ) بمعنى إلى أو ~~في ، لأن معنى الكلام : ثم يعودون لنقض ما قالوا من التحريم فيحللونه ، وإن ~~قيل : ثم يعودون إلى تحليل ما حرموا ، أو في تحليل ما حرموا فصواب ، لأن كل ~~ذلك عود له ، فتأويل الكلام : ثم يعودون لتحليل ما حرموا على أنفسهم مما ~~أحله الله لهم (1). # والمعنى : والذين يظاهرون منكم أيها المؤمنون من نسائهم ، ثم يندمون على ~~ما فعلوا ، ويريدون أن يعودوا عما قالوه ، وأن يرجعوا إلى معاشرة زوجاتهم. # فعليهم في هذه الحالة إعتاق رقبة ( @QUR@04 من قبل أن يتماسا ) أى : من ~~قبل أن يستمتع أحدهما بالآخر ، أى يحرم عليهما الجماع ودواعيه قبل التكفير. # والمراد بالرقبة : المملوك ، من تسمية الكل باسم الجزء. # واسم الإشارة في قوله سبحانه ( @QUR@07 ذلكم توعظون به والله بما تعملون ~~خبير ) يعود إلى الحكم بالكفارة. # أى : ذلكم الذي شرعنا لكم أيها المؤمنون وهو الحكم بالكفارة إنما شرعناه ~~من أجل أن تتعظوا به ، وتنزجروا عن النطق بالألفاظ التي تؤدى إلى الظهار ، ~~والله تعالى خبير ومطلع على كل ما تقولونه من أقوال ، وما تفعلونه من أفعال ~~وسيحاسبكم على ذلك حسابا دقيقا. # وما دام الأمر كذلك ، فافعلوا ما أمركم به ، واجتنبوا ما نهاكم عنه. PageV14P248 # ثم بين سبحانه جانبا من مظاهر يسره في أحكامه فقال : ( @QUR@010 فمن لم ~~يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا ). # أى ، فمن لم يجد منكم أيها المؤمنون رقبة يعتقها ، أو يجد المال الذي ~~يشترى به الرقبة فيعتقها .. فعليه في هذه الحالة ، أن يصوم شهرين متتابعين ~~من قبل أن ms5506 يستمتع أحدهما بالآخر. # ( @QUR@06 فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ) أى : فمن لم يستطع أن يصوم ~~شهرين متتابعين ، لسبب من الأسباب كمرض أو غيره فعليه في هذه الحالة أن ~~يطعم ستين مسكينا ، بأن يقدم لهم طعاما يكفى لغدائهم وعشائهم بصورة مشبعة. # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@04 ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله ) إشارة إلى ~~ما سبق الحديث عنه ، من تشريع يتعلق بالظهار. ومحله إما الرفع على الابتداء ~~، أو النصب بمضمر معلل بما بعده. # أى : ذلك واقع ، أو فعلنا ذلك ليزداد إيمانكم بالله ورسوله ، وعملكم ~~بشريعة الإسلام ، وتنفيذكم للتكاليف التي كلفكم الله تعالى بها. # ( @QUR@06 وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم ) أى : وتلك الأحكام التي ~~ذكرناها لكم هي حدود الله تعالى التي لا يجوز تعديها ، فالزموها وقفوا ~~عندها ، وللكافرين الذين يتعدونها ولا يقفون عندها ، عذاب شديد الألم على ~~من ينزل به. # هذا ، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى : # 1 أن الدعاء متى صدر عن لسان صادق ، وعن قلب عامر باليقين .. أجابه الله ~~تعالى لصاحبه في الحال أو في الوقت الذي يريده سبحانه . # والدليل على ذلك أن السيدة خولة بنت ثعلبة ، عند ما تضرعت إلى الله تعالى ~~بالدعاء ، أن يكشف كربها ، وأن يحل قضيتها .. أجاب سبحانه دعاءها ، وأنزل ~~قرآنا يتلى ، وأحكاما يعمل بها في شأن الظهار. # ورضى الله عن السيدة عائشة فقد قالت : الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات ، ~~لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسوله الله صلى الله عليه وسلم وأنا في ناحية ~~البيت. ما أسمع ما تقول ، فأنزل الله عز وجل : ( @QUR@08 قد سمع الله قول ~~التي تجادلك في زوجها ... ) الآيات. # وقال القرطبي : «المرأة التي اشتكت هي خولة بنت ثعلبة .. وقد مر بها عمر ~~بن الخطاب في خلافته ، والناس معه فاستوقفته طويلا ووعظته وقالت : يا عمر ~~قد كنت تدعى عميرا ، ثم قيل لك يا عمر ، ثم قيل لك يا أمير المؤمنين ، فاتق ~~الله يا عمر ، فإن من أيقن بالموت خاف PageV14P249 # الفوت ، ومن أيقن الحساب خاف العذاب. # فقيل له : يا أمير المؤمنين ، أتقف ms5507 هذا الوقوف لتلك المرأة العجوز؟ فقال ~~: والله لو حبستني من أول النهار إلى آخره لا زلت إلا للصلاة المكتوبة. ~~أتدرون من هذه؟ إنها خولة بنت ثعلبة ، سمع الله قولها من فوق سبع سماوات ، ~~أيسمع رب العالمين قولها ولا يسمعه عمر» (1). # 2 أخذ العلماء من قوله تعالى : ( @QUR@05 الذين يظاهرون منكم من نسائهم ~~... ) أنه ليس للنساء ظهار ، فلو ظاهرت امرأة من زوجها لم يلزمها شيء .. ~~لأن الحل والعقد ، والتحليل والتحريم في النكاح ، إنما هو بيد الرجل لا بيد ~~المرأة. # ويرى بعضهم أن عليها كفارة يمين ، ولا يحول قولها هذا بينها وبين زوجها ~~من مجامعتها. كما أخذ الحنفية والحنابلة والمالكية من هذه الآية ، أن ~~الظهار خاص بالمسلمين ، لأنهم هم المخاطبون ، ولأن غيرهم من الذميين ليسوا ~~من أهل الكفارة. # وقال الشافعية : كما يصح طلاق الذمي وتترتب عليه أحكامه ، يصح ظهار الذمي ~~وتترتب عليه أحكامه .. كذلك أخذ العلماء من هذه الآية : صحة ظهار العبد من ~~زوجته ، لأن أحكام النكاح في حقه ثابتة ، وإذا تعذر عليه العتق والإطعام. ~~فإنه قادر على الصوم. # 3 يؤخذ من قوله تعالى : ( @QUR@06 وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا ) ~~أن الظهار حرام ، لأن الله تعالى قد وصفه بأنه منكر من القول ، وبأنه زور. # والفعل الذي يوصف بهذا الوصف ، يجب على المؤمن أن يتنزه عنه. # 4 يرى الحنفية والظاهرية أنه يكفى في الكفارة بالنسبة للظهار تحرير رقبة ~~حتى ولو كانت كافرة ، لأن الله تعالى يقول : ( @QUR@02 فتحرير رقبة ) ولو ~~كان الإيمان شرطا لبينه كما بينه في كفارة القتل. فوجب أن يطلق ما أطلقه ، ~~وأن يقيد ما قيده ، ويعمل بكل منهما في موضعه. # ويرى جمهور الفقهاء اشتراط الإيمان في الرقبة ، لأنه من المعروف حمل ~~المطلق على المقيد إذا كان من جنسه ، وما دام قد ورد النص على كون الرقبة ~~مؤمنة في بعض الآيات ، فيجب حمل بقية الآيات على ذلك. # 5 دل قوله تعالى ( @QUR@04 من قبل أن يتماسا ) على حرمة الجماع قبل ~~التكفير. # وألحق بعضهم بالجماع دواعيه من التقبيل ونحوه ، لأن الأصل في الأحكام أنه ~~إذا ms5508 حرم شيء منها ، أن يلحق بذلك الشيء المحرم ما يوصل إليه إذ طريق المحرم محرم. PageV14P250 # ويرى بعضهم أن المحرم إنما هو الجماع فقط ، لأن حرمة الجماع ليست لمعنى ~~يخل بالنكاح ، وعليه فلا يلزم من تحريم الجماع تحريم دواعيه ، فإن الحائض ~~يحرم جماعها دون دواعيه. # قال القرطبي : ولا يقرب المظاهر امرأته ولا يباشرها ولا يتلذذ بشيء حتى ~~يكفر ، خلافا للشافعي في أحد قوليه .. فإن وطئها قبل أن يكفر ، استغفر الله ~~تعالى وأمسك عنها حتى يكفر كفارة واحدة. # وقال مجاهد وغيره : عليه كفارتان (1). # 6 قوله تعالى : ( @QUR@03 فصيام شهرين متتابعين .. ) صريح في وجوب تتابع ~~الصوم من غير انقطاع بين الأيام ، فلو أفطر يوما من الشهرين من غير عذر ~~انقطع التتابع ، ولزمه استئناف الصوم من جديد. # أما الإفطار بعذر كمرض ونحوه فيرى بعضهم وجوب الاستئناف ، لزوال التتابع ~~الذي صرحت به الآية. # ويرى فريق آخر من العلماء ، أن الإفطار بعذر لا يمنع التتابع. # 7 أخذ العلماء من قوله تعالى ( @QUR@06 فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ~~) أن المطلوب من المظاهر أن يطعم هؤلاء المساكين إطعاما يشبعهم في الغداء ~~والعشاء ، سواء أكان ذلك بالتمليك أم بالإباحة ، فأيهما وقع من المكفر ~~أجزأه ، وسواء أطعمهم جملة أم متفرقين. # وأوجب الشافعية تمليك المساكين .. بأن يملك لكل مسكين مدا أو صاعا من ~~غالب قوت البلد الذي يسكنه من عليه الكفارة. # أما حكم من عجز عن الكفارة ، فيرى جمهور العلماء أنها لا تسقط عنه ، بل ~~تستقر في ذمته حتى يتمكن من أدائها ، كسائر الديون والحقوق ، فإنها لا تسقط ~~، وإنما تبقى في ذمة من عليه ، حتى يتمكن من أدائها. # قال القرطبي : «وقد ذكر الله تعالى الكفارة هنا مرتبة ، فلا سبيل إلى ~~الصيام إلا عند العجز عن الرقبة ، وكذلك لا سبيل إلى الإطعام إلا عند عدم ~~الاستطاعة على الصيام» (2). PageV14P251 # هذا ، ومن أراد التوسع في هذه الأحكام الفقهية ، فعليه يكتب الفروع وببعض ~~كتب التفسير (1). # ثم بين سبحانه سوء عاقبة الذين يحاربون الله ورسوله ، ولا يدركون أنه ~~سبحانه معهم أينما كانوا ، ويعلم ما يتناجون به من ms5509 إثم وعدوان ومعصية ~~للرسول صلى الله عليه وسلم فقال تعالى : # ( @QUR@018 إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم ~~وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين (5) @QUR@015 يوم يبعثهم الله ~~جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد (6) ~~@QUR@047 ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ~~ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا ~~هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء ~~عليم (7) @QUR@039 ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ~~ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك به ~~الله ويقولون في أنفسهم لو لا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها ~~فبئس المصير ) (8) # وقوله سبحانه : ( @QUR@01 يحادون ) من المحادة بمعنى المعاداة والمباغضة ~~، وأصلها أن تكون أنت في حد أى : في جانب وعدوك في حد آخر ، فكنى بها عن ~~المعاداة لأنها لازمة لها. PageV14P252 # وقوله : ( @QUR@01 كبتوا ) من الكبت بمعنى الخزي والذل ، يقال : كبت الله ~~العدو كبتا من باب ضرب إذا أهانه وأذله وأخزاه. # قال الجمل : والذين يحادون الله هم الكافرون ، وهذه الآية وردت في غزوة ~~الأحزاب. # والمقصود منها البشارة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، بأن ~~أعداءهم المتحزبين القادمين عليهم ، سيصيبهم الكبت والذل ، وسيتفرق جمعهم ~~.. (1). # والمعنى : إن الذين يحاربون دين الإسلام الذي شرعه الله تعالى . وجاء به ~~رسوله صلى الله عليه وسلم ( @QUR@01 كبتوا ) وأصابهم الخزي والذل ( @QUR@05 ~~كما كبت الذين من قبلهم ) من أعداء الحق. # وأوثر هنا الفعل ( @QUR@01 يحادون ) لوقوعه عقب الكلام عن حدود الله ~~تعالى في قوله عز وجل وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم. # وقوله تعالى : ( @QUR@01 كبتوا ) بمعنى سيكبتون ، وعبر عن ذلك بالماضي ، ~~للإشعار بتحقق الذل والخسران ، لأولئك المتحزبين الذين جمعوا جموعهم ~~لمحاربة الله ورسوله. # وقد حقق الله تعالى وعده ، إذ ردهم بغيظهم دون أن ينالوا خيرا. # وجملة : ( @QUR@04 وقد أنزلنا آيات بينات ... ) حال من الضمير ms5510 في ( ~~@QUR@01 كبتوا .. ) أى : كبتوا لمجادلتهم للحق ، والحال أنا قد أنزلنا آيات ~~واضحات ، تدل على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من عند ربه ، ~~وتشهد بأن أعداءه على الباطل والضلال. # ( @QUR@01 وللكافرين ) الذين أعرضوا عن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وحاربوها ( @QUR@02 عذاب مهين ) أى عذاب يهينهم ويذلهم ويخزيهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 يوم يبعثهم الله جميعا ) يصح أن يكون متعلقا ~~بقوله : ( @QUR@01 مهين ) كما يصح أن يكون منصوبا فعل مقدر. # أى : اذكر أيها العاقل لتتعظ وتعتبر ، يوم يبعث الله تعالى هؤلاء ~~الكافرين جميعا من قبورهم ، فينبئهم ويخبرهم بما عملوا من أعمال سيئة. # والمراد بالإنباء في قوله : ( @QUR@03 فينبئهم بما عملوا ) المجازاة ~~والمحاسبة وإنزال حكمه بهم. # وجملة : ( @QUR@02 أحصاه الله ) مستأنفة ، لأنها بمنزلة الجواب عما قبلها ~~، فكأن سائلا سأل وقال : كيف ينبئهم الله بأعمالهم؟ فكان الجواب : أحصى ~~الله تعالى عليهم عملهم ، وسجله عليهم تسجيلا تاما. PageV14P253 # وجملة ( @QUR@01 ونسوه ) حال من مفعول أحصى أى : والحال أنهم قد نسوا ما ~~عملوه ، لتهاونهم به حين اقترفوه ، ولاعتقادهم بأنهم لن يسألوا عنه يوم ~~القيامة ، فهم قد أنكروا البعث والحساب والثواب والعقاب. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@05 والله على كل شيء شهيد ) ~~أى : والله تعالى مشاهد لكل شيء في هذا الكون ، ولا تخفى عليه خافية من ~~أحوال خلقه. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@028 ووضع الكتاب فترى المجرمين ~~مشفقين مما فيه ، ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا ~~كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا ) (1). # ثم أقام سبحانه الأدلة على شمول علمه فقال : ( @QUR@019 ألم تر أن الله ~~يعلم ما في السماوات وما في الأرض ، ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ). # والاستفهام في قوله : ( @QUR@02 ألم تر .. ) للتقرير ، والرؤية بمعنى ~~العلم والإدراك القلبي .. والخطاب لكل من هو أهل له. # والنجوى : اسم مصدر بمعنى المسارة ، يقال : نجوته نجوا ونجوى وناجيته ~~مناجاة ، أى : ساررته بكلام على انفراد. وأصله : ان تخلو بمن تناجيه بسر ~~معين في نجوة من الأرض ، أى : في مكان مرتفع منفصل عما حوله. ms5511 # وقيل : أصله من النجاة ، لأن الإسرار بالشيء فيه معاونة على النجاة. # وتطلق النجوى على القوم المتناجين ، كما في الآية التي معنا. # قال الآلوسى : وقوله تعالى : ( @QUR@08 ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم ) استئناف مقرر لما قبله من سعة علمه تعالى ، و «يكون» من كان ~~التامة. و «من» مزيدة و «نجوى» فاعل ، وإضافتها إلى ثلاثة من إضافة المصدر ~~إلى فاعله .. والاستثناء في قوله ( @QUR@03 إلا هو رابعهم ) مفرغ من أهم ~~الأحوال ... (2). # والمعنى : لقد علمت أيها العاقل علما لا يخالطه شك أو تردد ، أن الله ~~تعالى يعلم علما تاما ، ما في السموات وما في الأرض من كائنات مختلفة ~~الأجناس والأنواع .. وأنه سبحانه ما يقع من تناجى ثلاثة فيما بينهم إلا وهو ~~تعالى يعلمه ، كأنه حاضر معهم ، ومشاهد لهم ، كما يعلمه الرابع حين يكون ~~معهم في التناجي. # ( @QUR@05 ولا خمسة إلا هو سادسهم ) أى : ولا يكون التناجي بين خمسة إلا ~~وهو سبحانه معهم ، يعلم ما يتناجون به كما يعلم ذلك سادسهم فيما لو كان ~~التناجي بين ستة. PageV14P254 # وقوله تعالى ( @QUR@012 ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما ~~كانوا ) بيان لشمول علمه لجميع الأحداث. # أى : ولا يقع التناجي بين ما هو أقل من ذلك العدد أو أكثر كالاثنين ~~والستة إلا وهو سبحانه يعلم علما تاما ما يجرى بينهم في أى مكان كانوا ، ~~وعلى أية حالة وجدوا. # ( @QUR@06 ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة ) أى : ثم يخبرهم سبحانه يوم ~~القيامة بما عملوه في الدنيا من أعمال كبيرة أو صغيرة ، ويجازيهم عليها بما ~~يستحقونه من ثواب أو عقاب. # ( @QUR@05 إن الله بكل شيء عليم ) فهو سبحانه لا يخفى عليه شيء في الأرض ~~ولا في السماء. # والمقصود بهذه الآية الكريمة ، بيان شمول علم الله تعالى لكل شيء ، وأنه ~~سبحانه يحصى على الناس أعمالهم إحصاء الحاضر معهم ، المشاهد لهم ، الذي لا ~~يعزب عنه شيء من حركاتهم أو سكناتهم ، ولذا افتتح سبحانه الآية بالعلم ، ~~واختتمها بالعلم أيضا . # قال الإمام الرازي ما ملخصه : ذكر سبحانه الثلاثة والخمسة لوجوه : أحدها ~~: أن ms5512 هذه إشارة إلى كمال رحمته ، وذلك لأن الثلاثة إذا اجتمعوا ، فإذا أخذ ~~اثنان في التناجي والمشاورة بقي الواحد ضائعا وحيدا ، فيضيق قلبه فيقول ~~الله تعالى له : أنا جليسك وأنيسك. # وثانيها : أن العدد الفرد أشرف من الزوج ، لأن الله وتر يحب الوتر ، فخص ~~الأعداد الفردية بالذكر للتنبيه على شرفها. # وثالثها : أن الآية نزلت في قوم من المنافقين ، اجتمعوا على التناجي ~~مغايظة للمؤمنين ، وكانوا على هذين العددين : أى كانوا في مرة ثلاثة وفي ~~مرة أخرى خمسة فنزلت الآية الكريمة بيانا للواقع (1). # ويبدو لنا أن ذكر العدد إنما هو من باب التمثيل ، وأن المقصود الأصلى من ~~الآية الكريمة ، بيان أن علم الله تعالى يشمل كل كبير وصغير ، وكثير وقليل ~~، ولذا قال سبحانه : ( @QUR@012 ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ~~ما كانوا ). # قال القرطبي : قال الفراء : المعنى غير مقصود ، والعدد غير مقصود ، لأنه ~~تعالى إنما قصد وهو أعلم أنه مع كل عدد قل أو كثر ، يعلم ما يقولون سرا ~~وجهرا ، ولا تخفى عليه خافية ، فمن أجل ذلك اكتفى بذكر بعض العدد ، دون بعض ~~.. (2). PageV14P255 # ثم عجب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم من حال قوم يؤثرون الغي على ~~الرشد ، وينصحون فلا يستجيبون للنصيحة ، وينهون عن الشرور فيأبون إلا ~~الانغماس فيها ، فقال تعالى : ( @QUR@017 ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ~~ثم يعودون لما نهوا عنه ، ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول ). # قال الآلوسى : قال ابن عباس : نزلت في اليهود والمنافقين ، كانوا يتناجون ~~دون المؤمنين ، وينظرون إليهم ويتغامزون بأعينهم عليهم ، يوهمونهم عند ~~أقاربهم أنهم أصابهم شر ، فلما كثر ذلك منهم. شكا المؤمنون إلى الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فنهاهم عن التناجي دون المؤمنين ، فعادوا لمثل فعلهم. # والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والهمزة للتعجب من حالهم ، وصيغة المضارع ~~للدلالة على تكرار فعلهم ، وتجدده ، واستحضار صورته الغريبة (1). # والمعنى : إن شئت أن تعجب أيها الرسول الكريم فاعجب من حال هؤلاء اليهود ~~والمنافقين الذين نهيتهم أنت عن التناجي فيما بينهم ، بما يقلق المؤمنين ~~ويغيظهم ... ولكنهم لم يستجيبوا ms5513 لنصحك ونهيك ، بل استمروا على تناجيهم بما ~~هو إثم وعدوان ومعصية لك ، ولما جئتهم به من عند الله تعالى . # وعبر بقوله تعالى : ( @QUR@05 ثم يعودون لما نهوا عنه ) للإشعار بأنهم ~~قوم لا تؤثر فيهم النصائح وإنما هم يستمعون إليها ، ثم يهجرون العمل بها. ~~ويعودون إلى فجورهم وفسقهم. # ووصف تناجيهم بأنه كان مشتملا على الإثم والعدوان ومعصية الرسول ، لا على ~~الإثم فقط أو على العدوان فقط .. لبيان أن تناجيهم مشتمل على كل أنواع ~~السوء والفحشاء ، فهم يتناجون بكلام هو إثم وشر في ذاته ، وبأقوال مشتملة ~~على ظلم المؤمنين والاعتداء على دينهم وعلى أعراضهم ، وبأفعال هي معصية ~~للرسول صلى الله عليه وسلم ، لأنهم لم يستجيبوا لنهيه إياهم عن المناجاة بما ~~يؤذى المؤمنين ويحزنهم .. بل استمروا في طغيانهم يعمهون. # والباء في قوله : ( @QUR@01 بالإثم ) للملابسة ، أى يتناجون متلبسين ~~بالإثم وبالعدوان وبمعصية الرسول صلى الله عليه وسلم . # ثم بين سبحانه أن هؤلاء المنافقين ومن لف لفهم من اليهود ، لم يكتفوا ~~بتلك المناجاة القبيحة التي كانوا يديرونها فيما بينهم ، لإغاظة المؤمنين ، ~~بل أضافوا إلى ذلك النطق أمام الرسول صلى الله عليه وسلم بالكلام السيئ ~~وبالعبارات التي تدل على سوء طويتهم ، فقال تعالى : PageV14P256 # ( @QUR@08 وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك به الله ). # أى : وإذا جاء هؤلاء المنافقون واليهود إلى مجلسك أيها الرسول الكريم ~~ألقوا إليك بتحية ، هذه التحية لم يأذن بها الله تعالى ولم يخاطبك بها. # وقد كان المنافقون عند ما يدخلون على الرسول صلى الله عليه وسلم لا يقولون ~~له كلمة : «السلام عليكم» وهي تحية الإسلام ، إنما يقولون له : أنعم صباحا ~~أو مساء .. متجنبين النطق بتحية الإسلام ، ومستعملين تحية الجاهلية. # روى الشيخان عن عائشة : أن ناسا من اليهود ، دخلوا على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقالوا : السام أى : الموت عليك يا أبا القاسم. فقال ~~صلى الله عليه وسلم «وعليكم». # قالت عائشة : وقلت : عليكم السام ولعنكم الله وغضب عليكم. # فقال صلى الله عليه وسلم يا عائشة إن الله لا يحب الفاحش والمتفحش. # فقلت : ألا تسمعهم يقولون : السام؟ فقال ms5514 صلى الله عليه وسلم «أو سمعت قولي : ~~عليكم» فأنزل الله تعالى ( @QUR@08 وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك به الله ) (1). # ثم بين سبحانه رذيلة أخرى من رذائلهم المتعددة فقال : ( @QUR@09 ويقولون ~~في أنفسهم لو لا يعذبنا الله بما نقول ). # والمراد بأنفسهم هنا : أى فيما بينهم وفي مجامعهم ، أو فيما بينهم وبين ~~أنفسهم. # أى : إذا جاءك هؤلاء المنافقون ومن على شاكلتهم في الضلال ، نطقوا أمامك ~~بتحية لم يحيك بها الله تعالى ولا يكتفون بذلك ، بل يقولون فيما بينهم على ~~سبيل التباهي والجحود للحق ( @QUR@06 لو لا يعذبنا الله بما نقول ) أى : ~~هلا يعذبنا الله بسبب ما قلناه لو كان محمد صلى الله عليه وسلم رسولا من عنده ~~تعالى أى : أنهم ينكرون نبوته صلى الله عليه وسلم لأنها في زعمهم لو كانت حقا ~~، لعذبهم الله تعالى بسبب إساءتهم إليه ، وإعراضهم عن نهيه لهم. # وقد رد الله تعالى عليهم بما يكبتهم ، وبما يسلى نبيه صلى الله عليه وسلم ~~فقال : ( @QUR@05 حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير ). # أى : لا تحزن أيها الرسول الكريم لمسالك هؤلاء المنافقين معك ومع أصحابك ~~، فإن هؤلاء المنافقين ومن لف لفهم ، كافيهم من العذاب جهنم يصلونها ~~ويقاسون حرها ، فبئس المصير جهنم لو كانوا يعلمون. PageV14P257 # وبعد أن فضح الله تعالى المنافقين ومن على شاكلتهم في الكفر والضلال ، ~~وبين سوء عاقبتهم بسبب مسالكهم الخبيثة .. بعد كل ذلك وجه الله تعالى ثلاث ~~نداءات إلى المؤمنين ، أدبهم فيها بأدبه السامي .. فقال تعالى : # ( @QUR@020 يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ~~ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون (9) ~~@QUR@017 إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا ~~بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (10) @QUR@031 يا أيها الذين آمنوا ~~إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا ~~فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما ~~تعملون خبير (11) @QUR@023 يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا ~~بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا ms5515 فإن الله غفور رحيم ~~(12) @QUR@024 أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب ~~الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير ~~بما تعملون ) (13) # فقوله تعالى : ( @QUR@06 يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم ) تعليم وإرشاد ~~منه سبحانه للمؤمنين ، لكي يكون حديثهم فيما بينهم ، يقوم على الخير لا على ~~الشر ، وعلى الطاعة لا على المعصية ، وعلى البر والتقوى لا على الإثم ~~والعدوان ، حتى لا يتشبهوا بالمنافقين ، الذين كانوا على النقيض من ذلك. PageV14P258 # أى : يا من آمنتم بالله تعالى حق الإيمان ، ( @QUR@02 إذا تناجيتم ) بأن ~~أسر بعضكم إلى بعض حديثا ( @QUR@06 فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية ~~الرسول ) كما هو شأن المنافقين ومن على شاكلتهم في الكفر والضلال. # ( @QUR@01 وتناجوا ) فيما بينكم ( @QUR@02 بالبر والتقوى ) والبر ضد ~~الإثم والعدوان ، وهو يعم جميع أفعال الخير التي أمر الله تعالى بها. # والتقوى : الامتثال لأمر الله تعالى وصيانة النفس عن كل مالا يرضاه. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@05 واتقوا الله الذي إليه ~~تحشرون ) أى : وراقبوا الله تعالى في كل أحوالكم ، فإنه وحده يكون مرجعكم ~~يوم القيامة ، وسيبعثكم ويجمعكم للحساب والجزاء. # والمراد بالنجوى في قوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@07 إنما النجوى من ~~الشيطان ليحزن الذين آمنوا .. ): نجوى المنافقين فيما بينهم ، وهي التي ~~عبر عنها سبحانه قبل ذلك بقوله : ( @QUR@05 ويتناجون بالإثم والعدوان ~~ومعصية الرسول ). # فأل في قوله تعالى : ( @QUR@01 النجوى ) للعهد ، أى : إنما النجوى ~~المعهودة التي كان يتناجى المنافقون بها فيما بينهم ، كائنة من الشيطان لا ~~من غيره ، لأنه هو الذي حرضهم وأغراهم ، بأن يتساروا بالإثم والعدوان. # وقوله : ( @QUR@03 ليحزن الذين آمنوا ) قرأ الجمهور : ( @QUR@01 ليحزن ) ~~بفتح الياء وضم الزاى مضارع حزن ، فيكون ( @QUR@02 الذين آمنوا ) فاعل ، ~~والحزن : الهم والغم. # أى : زين الشيطان للمنافقين هذه النجوى السيئة ، لكي يحزن المؤمنون ~~ويغتموا ، بسبب ظنهم أن من وراء هذه النجوى أخبارا سيئة تتعلق بهم أو ~~بذوبهم. # وقرأ نافع ( @QUR@01 ليحزن ) بضم الياء وكسر الزاى فيكون ( @QUR@02 الذين ~~آمنوا ) مفعولا. أى : فعل الشيطان ما فعل مع المنافقين ، لكي يدخل الحزن ~~والغم على المؤمنين. # وأسند سبحانه النجوى إلى الشيطان ms5516 ، باعتبار أنه هو الذي يوسوس بها ، ~~ويزينها في قلوب هؤلاء المنافقين وأشباههم. # وجملة : ( @QUR@06 وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله ) معترضة لتثبيت ~~المؤمنين ، وتسليتهم عما أصابهم من المنافقين. # واسم ليس : الشيطان أو التناجي ، والاستثناء مفرغ من أهم الأحوال ، ~~و «شيئا» منصوب على المفعول المطلق. PageV14P259 # أى : لا تحزنوا أيها المؤمنون لمسالك المنافقين معكم ، ولا تخافوا من ~~تناجيهم فيما بينهم ، فإنها نجوى زينها لهم الشيطان ، واعلموا أن كيد ~~الشيطان لن يضركم شيئا من الضرر في حال من الأحوال إلا في حال إرادة الله ~~تعالى ومشيئته. # وما دام الأمر كما بينت لكم ، فاجعلوا توكلكم أيها المؤمنون على الله ~~تعالى وحده ، ولا تبالوا بالمنافقين ، ولا بتناجيهم ، ولا بما يسوله ~~الشيطان لهم من قبائح ، فإن كل شيء بقضاء الله وقدره. # قال الآلوسى ما ملخصه : وحاصل هذا الكلام أن ما يتناجى المنافقون به مما ~~يحزن المؤمنين. إن وقع فهو إرادة الله تعالى ومشيئته ، ولا دخل للمنافقين ~~فيه ، وما دام الأمر كذلك ، فلا يكترث المؤمنون بتناجيهم ، وليتوكلوا على ~~الله عز وجل ولا يخافوا من تناجيهم. # ثم إن التناجي بين المؤمنين قد يكون منهيا عنه ، فقد أخرج الشيخان ~~وغيرهما عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «إذا كنتم ثلاثة ~~، فلا يتناجى اثنان دون الآخر ، حتى تختلطوا بالناس من أجل أن ذلك يحزنه». # ومثل التناجي في ذلك ، أن يتكلم اثنان بحضور ثالث بلغة لا يفهمها الثالث ~~، إن كان يحزنه ذلك (1). # وروى الإمام مسلم عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا ~~كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه ، فإن ذلك يحزنه» (2). # والخلاصة أن تعاليم الإسلام ، تنهى عن التناجي في الحالات التي توقع ~~الريبة في القلوب ، وتزعزع الثقة بين الأفراد والجماعات. # وهذا النهى لون من الأدب الحكيم الذي يحفظ للمؤمنين مودتهم ومحبتهم ويبعد ~~عن نفوسهم الشكوك والريب ، ويطرد عن قلوبهم نزغات الشيطان الذي يجرى من ابن ~~آدم مجرى الدم. # ثم لفت سبحانه أنظار المؤمنين إلى أدب رفيع فقال : ( @QUR@014 يا أيها ~~الذين ms5517 آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم ). # وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها ما روى عن قتادة أنه ~~قال : نزلت PageV14P260 # هذه الآية في مجالس الذكر ، وذلك أنهم كانوا إذا رأوا أحدهم مقبلا ، ضنوا ~~بمجالسهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض. # وقال مقاتل بن حيان : أنزلت هذه الآية يوم الجمعة ، وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يومئذ في الصفة ، وفي المكان ضيق ، وكان يكرم أهل بدر من ~~المهاجرين والأنصار ، فجاء ناس من أهل بدر وقد سبقوا في المجالس فقاموا ~~حيال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا السلام عليكم أيها النبي ورحمة الله ~~وبركاته ، فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ثم سلموا على القوم بعد ذلك ، ~~فردوا عليهم السلام ، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم. # فعرف النبي صلى الله عليه وسلم ما يحملهم على القيام فلم يفسح لهم ، فشق ذلك ~~عليه ، فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار من غير أهل بدر : قم يا فلان ، ~~قم يا فلان. # فشق ذلك على من أقيم من مجلسه وعرف صلى الله عليه وسلم الكراهة في وجوههم. # فقال المنافقون : ألستم تزعمون أن صاحبكم هذا يعدل بين الناس؟ والله ما ~~رأيناه قد عدل على هؤلاء .. فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~«رحم الله رجلا يفسح لأخيه» فجعلوا يقومون بعد ذلك سراعا ، ونزلت هذه الآية (1). # وقوله ( @QUR@01 تفسحوا ) من التفسح ، وهو تفعل بمعنى التوسع ، يقال : ~~فسح فلان لفلان في المجلس من باب نفع إذا أوجد له فسحة في المكان ليجلس فيه. # والمعنى : يا من آمنتم بالله حق الإيمان ، إذا قيل لكم توسعوا في مجالسكم ~~لتسع أكبر قدر من إخوانكم فامتثلوا واستجيبوا. لأن فعلكم هذا يؤدى إلى أن ~~يفسح الله تعالى لكم في رحمته ، وفي منازلكم في الجنة ، وفي كل شيء تحبونه. # وحذف سبحانه متعلق ( @QUR@03 يفسح الله لكم ) ليشمل كل ما يرجو الناس أن ~~يفسح الله لهم فيه من ms5518 رزق ، ورحمة ، وخير دنيوى وأخروى. # والمراد بالمجالس : مجالس الخير ، كمجالس الذكر ، والجهاد ، والصلاة ، ~~وطلب العلم ، وغير ذلك من المجالس التي يحبها الله تعالى . # وقراءة الجمهور : «إذا قيل لكم تفسحوا في المجلس» ، بالإفراد على إرادة ~~الجنس .. أى : قيل لكم تفسحوا في أى مجلس خير فافسحوا .. لأن هذا التوسع ~~يؤدى إلى ازدياد المحبة والمودة بينكم. وقرأ عاصم بصيغة الجمع. PageV14P261 # ثم أرشدهم سبحانه إلى نوع آخر من الأدب السامي فقال : ( @QUR@04 وإذا قيل ~~انشزوا فانشزوا ). # والنشوز الارتفاع عن الأرض. يقال : نشز ينشز وينشز من بابى نصر وضرب إذا ~~ارتفع من مكانه. # أى : وإذا قبل لكم أيها المؤمنون انهضوا من أماكنكم ، للتوسعة على ~~المقبلين عليكم ، فانهضوا ولا تتكاسلوا. # وقوله : ( @QUR@09 يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ~~) جواب الأمر في قوله : ( @QUR@01 فانشزوا ). # وعطف «الذين أوتوا العلم» على «الذين آمنوا» من باب عطف الخاص على العام ~~، على سبيل التعظيم والتنويه بقدر العلماء. # أى : وإذا قيل لكم ارتفعوا عن مواضعكم في المجالس فارتفعوا ، فإنكم إن ~~تفعلوا ذلك ، يرفع الله تعالى المؤمنين الصادقين منكم درجات عظيمة في ~~الآخرة ، ويرفع العلماء منكم درجات أعظم وأكبر. # ويرى بعضهم أن المراد بالموصولين واحد ، والعطف في الآية لتنزيل التغاير ~~في الصفات ، منزلة التغاير في الذات. # والمعنى : يرفع الله الذين آمنوا العالمين درجات عظيمة لا يعلم مقدارها ~~إلا الله تعالى . # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بما يدل على شمول علمه فقال : ( @QUR@04 ~~والله بما تعملون خبير ). # أى : والله تعالى مطلع اطلاعا تاما على نواياكم ، وعلى ظواهركم وبواطنكم ~~، فاحذروا مخالفة أمره ، واتبعوا ما أرشدكم إليه من أدب وسلوك. # هذا : ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة : أن إفساح ~~المؤمن لأخيه المؤمن في المجلس ، من الآداب الإسلامية التي ينبغي التحلي ~~بها ، لأن هذا الفعل بجانب رفعه للدرجات فإنه سبب للتوادد والتعاطف ~~والتراحم. # قال القرطبي ما ملخصه : والصحيح في الآية أنها عامة في كل مجلس اجتمع ~~المسلمون فيه للخير والأجر ، سواء أكان مجلس حرب ، أم ذكر ، أم مجلس يوم ~~الجمعة ... ولكن بدون أذى ، PageV14P262 # فقد ms5519 أخرج الشيخان عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لا ~~يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه». # وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى ان يقام الرجل من مجلسه ثم ~~يجلس فيه آخر ، «ولكن تفسحوا وتوسعوا» (1). # وعلى أية حال فإن الآية الكريمة ترشد المؤمنين في كل زمان ومكان ، إلى ~~لون من مكارم الأخلاق ، ألا وهو التوسعة في المجالس ، وتقديم أهل العلم ~~والفضل ، وإنزالهم منازلهم التي تليق بهم في المجالس. # كذلك أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة أنه يجوز القيام للقادم. # قال الإمام ابن كثير : وقد اختلف الفقهاء في جواز القيام للوارد إذا جاء ~~على أقوال : فمنهم من رخص في ذلك محتجا بحديث : «قوموا إلى سيدكم». # ومنهم من منع من ذلك ، محتجا بحديث : «من أحب أن يتمثل له الرجال قياما. ~~فليتبوأ مقعده من النار». # ومنهم من فضل فقال : يجوز القيام للقادم من سفر ، وللحاكم في محل ولايته ~~، كما دل عليه قصة سعد بن معاذ ، فإنه لما استقبله النبي صلى الله عليه وسلم ~~حاكما في بنى قريظة ، فرآه مقبلا قال للمسلمين : «قوموا إلى سيدكم» ، وما ~~ذاك إلا ليكون أنفذ لحكمه والله أعلم . # فأما اتخاذه أى القيام دينا ، فإنه من شعار الأعاجم .. وفي الحديث المروي ~~في السنن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجلس حيث انتهى به المجلس ، ~~ولكن حيث يجلس يكون صدر ذلك المجلس ، وكان الصحابة يجلسون منه على مراتبهم ~~، فالصديق عن يمينه ، وعمر عن يساره ، وبين يديه غالبا عثمان وعلى لأنهما ~~كانا ممن يكتب الوحى ، وكان يأمرهما بذلك .. (2). # كذلك أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة ، فضل العلماء وسمو منزلتهم. # قال صاحب الكشاف : عن عبد الله بن مسعود أنه كان إذا قرأ هذه الآية قال : ~~يا أيها الناس افهموا هذه الآية ، ولترغبكم في العلم. وفي الحديث الشريف : ~~«بين العالم والعابد مائة درجة» وفي حديث آخر : «فضل العالم على العابد ، ~~كفضل القمر ليلة البدر على سائر النجوم». # وعن بعض الحكماء أنه قال ms5520 : ليت شعري أى شيء أدرك من فاته العلم ، وأى شيء ~~فات من أدرك العلم. PageV14P263 # وعن الأحنف : كل عز لم يوطد بعلم فإلى ذل يصير (1). # ثم أرشدهم سبحانه إلى لون ثالث من الأدب السامي ، فناداهم للمرة الثالثة ~~بقوله : ( @QUR@023 يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي ~~نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا ، فإن الله غفور رحيم ). # والمراد بقوله تعالى ( @QUR@02 إذا ناجيتم ): إذا أردتم المناجاة ، كما ~~في قوله تعالى ( @QUR@04 إذا قمتم إلى الصلاة ). # والمراد بقوله : ( @QUR@03 بين يدي نجواكم ) أى : قبل مناجاتكم للرسول ~~صلى الله عليه وسلم بقليل ، والكلام من باب الاستعارة التمثيلية. حيث شبهت ~~هيئة قرب الشيء من آخر. بهيئة وصول الشخص إلى من يريد الوصول إليه ، على ~~سبيل تشبيه المعقول بالمحسوس. # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@04 ذلك خير لكم وأطهر ) يعود إلى تقديم ~~الصدقة ، والجملة بمنزلة التعليل للأمر بتقديمها. # والمعنى : يا من آمنتم بالله تعالى حق الإيمان ، إذا أردتم مناجاة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم والحديث معه في أمر ما على سبيل السر ، فقدموا صدقة ~~للفقراء قبل مناجاته صلى الله عليه وسلم فذلك التقديم خير لكم لما فيه من ~~الثواب ، وأكثر طهرا لنفوسكم ، فإن لم تجدوا شيئا تتصدقون به قبل مناجاتكم ~~له صلى الله عليه وسلم فلا تحزنوا فإن الله تعالى واسع المغفرة والرحمة. # وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات ، منها : ما جاء عن ابن ~~عباس رضى الله عنهما أنه قال : نزلت بسبب أن المسلمين كانوا يكثرون المسائل ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شقوا عليه ، فأراد الله تعالى أن يخفف ~~عن نبيه صلى الله عليه وسلم فلما نزلت هذه الآية ، كف كثير من الناس ، ثم وسع ~~الله عليهم بالآية التي بعدها (2). # وقال بعض العلماء : إن هذا الأمر قد اشتمل على فوائد كثيرة : # منها : تعظيم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وإكبار شأن مناجاته ، كأنها شيء ~~لا ينال بسهولة. # ومنها : التخفيف عن النبي صلى الله عليه وسلم بالتقليل من المناجاة ، حتى ~~يتفرغ ms5521 صلى الله عليه وسلم للمهام العظمى التي كلفه سبحانه بها. # ومنها : تهوين الأمر على الفقراء الذين قد يغلبهم الأغنياء على مجلس ~~الرسول صلى الله عليه وسلم PageV14P264 # فإنهم إذا علموا أن قرب الأغنياء من الرسول صلى الله عليه وسلم ومناجاتهم له ~~، تسبقها الصدقة ، لم يضجروا. # ومنها : عدم شغل الرسول صلى الله عليه وسلم بما لا يكون مهما من الأمور ، ~~فيتفرغ للرسالة. فإن الناس وقد جبلوا على الشح بالمال ، يقتصدون في ~~المناجاة التي تسبقها الصدقة. # ومنها : تمييز محب الدنيا من محب الآخرة ، فإن المال محك الدواعي (1). # ثم بين سبحانه جانبا من مظاهر لطفه بعباده فقال : ( @QUR@07 أأشفقتم أن ~~تقدموا بين يدي نجواكم صدقات ). # الإشفاق معناه : أن يتوقع الإنسان عدم حصوله على ما يريده والمراد به هنا ~~: الخوف. # والاستفهام مستعمل فيما يشبه اللوم والعتاب ، لتخلف بعضهم عن مناجاة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بسبب تقديم الصدقة. # و «إذ» في قوله : ( @QUR@03 فإذ لم تفعلوا ) ظرفية مفيدة للتعليل. # والمعنى : أخفتم أيها المؤمنون أن تقدموا قبل مناجاتكم للرسول ~~صلى الله عليه وسلم صدقة فيصيبكم بسبب ذلك الفقر ، إذا ما واظبتم على ذلك. # ( @QUR@06 فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم ) أى : فحين لم تفعلوا ما ~~كلفناكم به من تقديم الصدقة قبل مناجاتكم للرسول صلى الله عليه وسلم ، وتاب ~~الله تعالى عليكم ، بأن رخص لكم في هذه المناجاة بدون تقديم صدقة ، وخفف ~~عنكم ما كان قد كلفكم به سبحانه والفاء في قوله : ( @QUR@07 فأقيموا ~~الصلاة. وآتوا الزكاة ، وأطيعوا الله ورسوله ) معطوفة على كلام محذوف. # أى : فحين خففنا عنكم الصدقة بفضلنا ورحمتنا فداوموا على إقامة الصلاة ، ~~وعلى إعطاء الزكاة لمستحقيها ، وأطيعوا الله ورسوله ، في كل ما أمركم به أو ~~نهاكم عنه. # واعلموا أن الله تعالى خبير بما تعملون ، ولا يخفى عليه شيء من أقوالكم ~~أو أفعالكم ، وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا ~~بالحسنى. # وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية ناسخة للتي قبلها ، لأنها أسقطت وجوب ~~تقديم الصدقة الذي أمرت به الآية السابقة. # وقد لخص الإمام الآلوسى كلام العلماء في هذه ms5522 المسألة تلخيصا حسنا فقال : ~~«واختلف في أن الأمر للندب أو للوجوب ، لكنه نسخ بقوله تعالى : ( @QUR@03 ~~أأشفقتم أن تقدموا ... ) PageV14P265 # وهو وإن كان متصلا به تلاوة ، لكنه غير متصل به نزولا. وقيل نسخ بآية ~~الزكاة. والمعول عليه الأول. # ولم يعين مقدار الصدقة ، ليجزئ القليل والكثير. أخرج الترمذي عن على بن ~~أبى طالب قال : لما نزلت ( @QUR@012 يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول ~~فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ... ). # قال لي النبي : صلى الله عليه وسلم : «ما ترى في دينار» قلت : لا يطيقونه ~~قال : «نصف دينار» قلت : لا يطيقونه ، قال : «فكم»؟ قلت : شعيرة. قال : ~~«فإنك لزهيد». # فلما نزلت : ( @QUR@03 أأشفقتم أن تقدموا ... ) قال صلى الله عليه وسلم : ~~«خفف الله عن هذه الأمة» ولم يعمل بها على المشهور غير على كرم الله وجهه. # واختلف في مدة بقاء هذا الأمر. أى : الأمر بتقديم الصدقة : فعن مقاتل : ~~عشرة أيام. # وقال قتادة : ساعة من نهار ... (1). # قال بعض العلماء : «والآية الناسخة متأخرة في النزول ، وإن كانت تالية ~~للآية المنسوخة في التلاوة. # والظاهر والله أعلم أن الحادثة من باب الابتلاء والامتحان ، ليظهر للناس ~~محب الدنيا من محب الآخرة ، والله بكل شيء عليم» (2). # وقال أحد العلماء : «ولا يشتم من قوله تعالى : ( @QUR@07 أأشفقتم أن ~~تقدموا بين يدي نجواكم صدقات ... ). أن الصحابة قد وقع منهم تقصير. فإن ~~التقصير إنما يكون إذا ثبت أنه كانت هناك مناجاة لم تصحبها صدقة ، والآية ~~قالت : ( @QUR@03 فإذ لم تفعلوا ) أى : ما أمرتم به من الصدقة ، وقد يكون ~~عدم الفعل ، لأنهم لم يناجوا ، فلا يكون عدم الفعل تقصيرا. # وأما التعبير بالإشفاق من جانبهم ، فلا يدل على تقصيرهم ، فقد يكون الله ~~تعالى علم أن كثيرا منهم استكثر التصدق عند كل مناجاة في المستقبل لو دام ~~الوجوب ، فقال الله تعالى لهم ( @QUR@01 أأشفقتم ). # وكذلك ليس في قوله ( @QUR@03 وتاب الله عليكم ) ما يدل على أنهم قصروا ، ~~فإنه يحمل على أن المعنى أنه تاب عليهم برفع التكليف عنهم تخفيفا ، ومثل ~~هذا يجوز أن يعبر عنه بالتوبة ...» (3). PageV14P266 # ثم تعود السورة مرة أخرى إلى الحديث عن المنافقين ms5523 وأشباههم ، فتصور ~~أحوالهم ، وتبين سوء مصيرهم ، وتكشف القناع عن الأسباب التي أدت بهم إلى ~~الخسران والهلاك فقال تعالى : # ( @QUR@019 ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا ~~منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون (14) @QUR@010 أعد الله لهم عذابا شديدا ~~إنهم ساء ما كانوا يعملون (15) @QUR@010 اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل ~~الله فلهم عذاب مهين (16) @QUR@015 لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من ~~الله شيئا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (17) @QUR@017 يوم يبعثهم الله ~~جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم ~~الكاذبون (18) @QUR@015 استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب ~~الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون ) (19) # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@05 ألم تر إلى الذين تولوا ... ) ~~للتعجيب من حال هؤلاء المنافقين ، حيث اتخذوا اليهود حلفاء لهم ، ينقلون ~~إليهم أسرار المؤمنين ... # أى : ألم ينته إلى علمك أيها الرسول الكريم حال أولئك المنافقين ، الذين ~~اتخذوا اليهود أولياء ، يناصحونهم ويطلعونهم على أخباركم. # فالمراد بالقوم الذين غضب الله عليهم : اليهود ، ووصفهم بذلك للتنفير ~~منهم ، ولبيان أن المنافقين قد بلغوا النهاية في القبح والسوء ، حيث والوا ~~وناصروا من غضب الله عليهم ، لا من رضى الله عنهم. # ثم دمغ سبحانه هؤلاء المنافقين برذيلة أخرى فقال : ( @QUR@05 ما هم منكم ~~ولا منهم ) أى : أن هؤلاء المنافقين بمسلكهم هذا ، صاروا بمنزلة الذين ~~ليسوا منكم أيها المؤمنون وليسوا أيضا منهم ، أى : من اليهود. PageV14P267 # وإنما هم دائما لا مبدأ لهم ولا عقيدة ، فهم كما قال سبحانه ( @QUR@09 ~~مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ... ). # وفي الحديث الشريف : «مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين غنمين أى ~~المترددة بين قطيعين لا تدرى أيهما تتبع». # قال الجمل : وقوله : ( @QUR@05 ما هم منكم ولا منهم ) فيه أوجه. أحدها : ~~أن هذه الجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب ، فقد أخبر عنهم بأنهم ليسوا ~~من المؤمنين الخلص ، ولا من الكافرين الخلص ، بل هم كقوله تعالى : ( ~~@QUR@03 مذبذبين بين ذلك ... ). # والضمير في قوله ( @QUR@02 ما هم ) يعود على المنافقين ، وفي قوله ( ~~@QUR@01 منهم ) يعود ms5524 على اليهود. # الثاني : أنها حال من فاعل «تولوا» والمعنى على ما تقدم. # الثالث : أنها صفة ثانية لقوله «قوما» ، وعليه يكون الضمير في قوله : # «ما هم» يعود على اليهود ، والضمير في قوله : «منهم» يعود على المنافقين. # يعنى : أن اليهود ليسوا منكم أيها المؤمنون ولا من المنافقين. ومع ذلك ~~تولاهم «المنافقون» ... إلا أن في هذا الوجه تنافرا بين الضمائر ، فإن ~~الضمير في «ويحلفون» عائد على المنافقين ، وعلى الوجهين الأولين تتحد ~~الضمائر» (1). # ثم دمغهم سبحانه برذيلة ثالثة أشد نكرا من سابقتيها فقال : ( @QUR@05 ~~ويحلفون على الكذب وهم يعلمون ). # أى : أنهم ينقلون إلى اليهود أسرار المؤمنين ، مع أنهم لا تربطهم باليهود ~~أية رابطة ، لا من دين ولا من نسب ... وفضلا عن كل ذلك ، فإن هؤلاء ~~المنافقين يواظبون ويستمرون على الحلف الكاذب المخالف للواقع ، والحال أنهم ~~يعلمون أنهم كاذبون علما لا يخالطه شك أو ريب. # فأنت ترى أن الله تعالى قد ذم هؤلاء المنافقين. بجملة من الصفات القبيحة ~~، التي على رأسها تعمدهم الكذب ، وإصرارهم عليه. # قال صاحب الكشاف : «قوله : ( @QUR@03 ويحلفون على الكذب ) أى : يقولون : ~~والله إنا لمسلمون ، فيحلفون على الكذب الذي هو ادعاء الإسلام ، ( @QUR@02 ~~وهم يعلمون ) أن المحلوف عليه كذب بحت. # فإن قلت : فما فائدة قوله : ( @QUR@02 وهم يعلمون )؟ قلت : الكذب أن ~~يكون لا على وفاق PageV14P268 # المخبر عنه ، سواء علم المخبر أم لم يعلم .. فالمعنى أنهم الذين يخبرون ~~وخبرهم خلاف ما يخبرون عنه ، وهم عالمون بذلك متعمدون له ، كمن يحلف ~~بالغموس ...» (1). # وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية روايات منها : أنها نزلت في رجل يقال له ~~: عبد الله بن نبتل وكان من المنافقين الذين يجالسون رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثم يرفعون حديثه إلى اليهود ، وفي يوم من الأيام كان ~~صلى الله عليه وسلم جالسا في إحدى حجراته ، فقال لمن حوله : «يدخل عليكم الآن ~~رجل قلبه جبار ، وينظر بعيني شيطان» فدخل ابن نبتل ، وكان أزرق أسمر قصيرا ~~خفيف اللحية فقال له صلى الله عليه وسلم : «علام تشتمني أنت وأصحابك»؟. # فحلف بالله ما فعل ذلك ، فقال له ms5525 النبي صلى الله عليه وسلم : «فعلت» فانطلق ~~فجاء بأصحابه ، فحلفوا بالله ما سبوه ، فنزلت هذه الآية (2). # ومن الآيات الكثيرة التي صرحت بأن المنافقين يحلفون الأيمان الكاذبة على ~~سبيل التعمد قوله تعالى : ( @QUR@012 وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا ~~معكم. يهلكون أنفسهم. والله يعلم إنهم لكاذبون ) (3). # ثم بين سبحانه ما أعده لهم من عذاب فقال : ( @QUR@05 أعد الله لهم عذابا ~~شديدا ... ) أى : هيأ الله تعالى لهؤلاء المنافقين عذابا قد بلغ النهاية في ~~الشدة والألم. # وجملة ( @QUR@05 إنهم ساء ما كانوا يعملون ) تعليل لنزول العذاب الشديد ~~بهم ، أى : إن هذا العذاب الشديد المهيأ لهم ؛ سببه سوء أعمالهم في الدنيا ~~، واستحبابهم العمى على الهدى. # وقوله سبحانه ( @QUR@07 اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله ... ) ~~بيان لرذيلة رابعة أو خامسة ، لا تقل في قبحها عما سبقها من رذائل ، وقوله ~~: ( @QUR@01 أيمانهم ) جمع يمين بمعنى الحلف. # وقوله : ( @QUR@01 جنة ) من الجن بمعنى الستر عن الخاصة ، وهذه المادة ~~وما اشتق منها تدور حول الستر والخفاء. وتطلق الجنة على الترس الذي يضعه ~~المقاتل على صدره أو على ذراعيه ليتقى به الضربات من عدوه. # ومفعول ( @QUR@01 فصدوا ): محذوف للعلم به. # أى : أن هؤلاء المنافقين قد اتخذوا أيمانهم الكاذبة. وهي حلفهم للمسلمين ~~بأنهم معهم ، وبأنهم لا يضمرون شرا لهم .. اتخذوا من كل ذلك وقاية وسترة عن ~~المؤاخذة ، كما يتخذ المقاتل الترس وقاية له من الأذى .. PageV14P269 # ( @QUR@01 فصدوا ) الناس ( @QUR@03 عن سبيل الله ) أى : عن دينه الحق ، ~~وطريقه المستقيم. # ( @QUR@03 فلهم عذاب مهين ) أى : فترتب على تسترهم خلف الأيمان الفاجرة ، ~~وعلى صدهم غيرهم عن الحق ، أن أعد الله تعالى لهم عذابا يهينهم ويذلهم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا ~~... ) رد على ما كانوا يزعمونه من أنهم لن يعذبوا ، لأنهم أكثر أموالا ~~وأولادا من المؤمنين. # قال القرطبي : «قال مقاتل : قال المنافقون إن محمدا يزعم أنه ينصر يوم ~~القيامة لقد شقينا إذا فو الله لننصرن يوم القيامة بأنفسنا وأولادنا ~~وأموالنا إن كانت قيامة ، فنزلت» (1). # ومن المعروف أن عبد الله بن أبى بن سلول زعيم المنافقين ، كان من أغنياء ms5526 ~~المدينة ، وكان يوطن نفسه على أن يكون رئيسا للمدينة قبيل الإسلام ، وهو ~~القائل كما حكى القرآن عنه : ( @QUR@08 لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز ~~منها الأذل )... # أى : أن هؤلاء المنافقين المتفاخرين بأموالهم وأولادهم ، لن تغنى عنهم ~~أموالهم ولا أولادهم شيئا من الغناء. # ( @QUR@01 أولئك ) المنافقون هم ( @QUR@05 أصحاب النار هم فيها خالدون ) ~~خلودا أبديا ، ثم بين سبحانه حالهم يوم القيامة ، وأنهم سيكونون على مثل ~~حالهم في الدنيا من الكذب والفجور .. فقال تعالى ( @QUR@017 يوم يبعثهم ~~الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ، ويحسبون أنهم على شيء ، ألا إنهم ~~هم الكاذبون ). # أى : اذكر أيها الرسول الكريم يوم يبعث الله تعالى هؤلاء المنافقين جميعا ~~للحساب والجزاء «فيحلفون» لله تعالى في الآخرة بأنهم مسلمون «كما» كانوا ~~«يحلفون لكم» في الدنيا بأنهم مسلمون. # «ويحسبون» في الآخرة لغبائهم وانطماس بصائرهم «أنهم» بسبب تلك الأيمان ~~الفاجرة «على شيء» من جلب المنفعة أو دفع المضرة. # أى يتوهمون في الآخرة أن هذه الأيمان قد تنفعهم في تخفيف شيء من العذاب عنهم. # ( @QUR@04 ألا إنهم هم الكاذبون ) أى الذين بلغوا في الكذب حدا لا غاية وراءه. # فأنت ترى أن الآية الكريمة قد بينت أن هؤلاء المنافقين في الدنيا ، قد ~~بعثوا والنفاق ما زال في قلوبهم ، وسلوكهم القبيح لا يزال متلبسا بهم. فهم ~~لم يكتفوا بكذبهم على المؤمنين في الدنيا ، بل وفي الآخرة أيضا يحلفون لله ~~تعالى بأنهم كانوا مسلمين. PageV14P270 # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@012 ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا ~~والله ربنا ما كنا مشركين ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ) (2). # ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : يعنى ليس العجب ~~من حلفهم لكم في الدنيا بأنهم مسلمون فإنكم بشر تخفى عليكم السرائر. ولكن ~~العجب من حلفهم لله عالم الغيب والشهادة بأنهم كانوا مسلمين في الدنيا. # والمراد وصفهم بالتوغل في نفاقهم ، ومرونهم عليه ، وأن ذلك بعد موتهم ~~وبعثهم باق فيهم لا يضمحل» (3). # وقال بعض العلماء ما ملخصه : وقوله : ( @QUR@04 ويحسبون أنهم على شيء ) ~~حذفت صفة شيء ، لظهور ms5527 معناها من المقام ، أى : ويحسبون أنهم على شيء نافع. # وهذا يقتضى توغلهم في النفاق ، ومرونتهم عليه ، وأنه باق في أرواحهم بعد ~~بعثهم ، لأن نفوسهم خرجت من الدنيا متخلقة به ، فإن النفوس إنما تكتسب ~~تزكية أو خبثا في عالم التكليف. # وفي الحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن رجلا من أهل الجنة ~~يستأذن ربه أن يزرع ، فيقول الله له : أولست فيما شئت؟ قال : بلى يا ربي ~~ولكن أحب أن أزرع ، فأسرع وبذر ، فيبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده ~~وتكويره أمثال الجبال. # وكان رجل من أهل البادية عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ~~لا نجد هذا الرجل إلا قرشيا أو أنصاريا ، فإنهم أصحاب زرع ، فأما نحن أى ~~أهل البوادي فلسنا بأصحاب زرع ، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم إقرارا لما ~~فهمه الأعرابى. # وفي حديث جابر بن عبد الله الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه ، أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : يبعث كل عبد على ما مات عليه. # قال عياض : هو عام في كل حالة مات عليها المرء ، وقال السيوطي : يبعث ~~الزمار بمزماره ، وشارب الخمر بقدحه. PageV14P271 # قلت : «ثم تتجلى لهم الحقائق على ما هي عليه ، إذ تصير العلوم على ~~الحقيقة» (1). # ثم بين سبحانه الأسباب التي جعلت المنافقين ينغمسون في نفاقهم فقال : ( ~~@QUR@06 استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله .. ). # وقوله : ( @QUR@01 استحوذ ) من الحوذ : وهو أن يتبع السائق حاذيى البعير ~~، أى : أدبار فخذه ثم يسوقه سوقا عنيفا ، لا يستطيع البعير الفكاك منه ... ~~والمراد به هنا : شدة الاستيلاء والغلبة ... ومنه قول السيدة عائشة في عمر ~~رضى الله عنهما : «كان أحوذيا» أى : كان ضابطا للأمور ، ومستوليا عليها ~~استيلاء تاما ... # والمعنى : إن هؤلاء المنافقين قد استولى عليهم الشيطان استيلاء تاما ، ~~بحيث صيرهم تابعين لوساوسه وتزيينه ، فهم طوع أمره ، ورهن إشارته ، فترتب ~~على طاعتهم له أن أنساهم طاعة الله تعالى ، وحسابه ، وجزاءه ، فعاشوا ~~حياتهم يتركون ما هو خير ، ويسرعون نحو ما هو شر ... # ( @QUR@01 أولئك ) الموصوفون بتلك الصفات القبيحة ( @QUR@02 حزب الشيطان ~~) أى : جنوده وأتباعه ( @QUR@06 ألا ms5528 إن حزب الشيطان هم الخاسرون ) خسارة لا ~~تقاربها خسارة ، لأنهم آثروا العاجل على الآجل ، والفاني على الباقي ، ~~والضلال على الهدى ... # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة ببيان سنة من سننه في خلقه ، وهي أن الذلة ~~والصغار لأهل الباطل ، والعزة والغلبة لأهل الحق ... الذين رضى الله عنهم ~~ورضوا عنه ، فقال تعالى : # ( @QUR@08 إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين (20) @QUR@09 ~~كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز (21) @QUR@025 لا تجد قوما ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو ~~أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم PageV14P272 # @QUR@026 الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم ~~المفلحون ) (22) # أى : إن الذين يحادون دين الله تعالى ، ويحاربون ما جاء به رسوله ~~صلى الله عليه وسلم ، أولئك الذين يفعلون ذلك ... # «في الأذلين» أى : في عداد أذل خلق الله تعالى وهم المنافقون ومن لف لفهم ~~، من الكافرين وأهل الكتاب. # وقال سبحانه : ( @QUR@03 أولئك في الأذلين ) للإشعار بأنهم مظروفون ~~وكائنون ، في ذروة أشد خلق الله ذلا وصغارا. # ثم بشر سبحانه من هم على الحق بأعظم البشارات فقال : ( @QUR@09 كتب الله ~~لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز ). # أى : أثبت الله تعالى ذلك في اللوح المحفوظ وقضاه ، وأراد وقوعه في الوقت ~~الذي يشاؤه. # فالمراد بالكتابة : القضاء والحكم. وعبر بالكتابة للمبالغة في تحقق ~~الوقوع. # وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية ، أنه لما فتح الله تعالى للمؤمنين ما ~~فتح من الأرض ، قال المؤمنون : إنا لنرجو أن يفتح الله لنا فارس والروم. # فقال بعض المنافقين : أتظنون الروم وفارس كبعض القرى التي تغلبتم عليها ، ~~والله إنهم لأكثر عددا وأشد بطشا ، من أن تظنوا فيهم ذلك ، فنزلت. # قال الآلوسى : ( @QUR@02 كتب الله ) أى : أثبت في اللوح المحفوظ ، أو قضى ~~وحكم .. وهذا التعبير جار مجرى القسم ، ولذا قال سبحانه : ( @QUR@03 لأغلبن ~~أنا ورسلي ) أى : بالحجة والسيف وما يجرى مجراه ، أو بأحدهما .. (1). # ( @QUR@03 إن الله قوي ) على ms5529 نصر رسله وأوليائه ( @QUR@01 عزيز ) لا ~~يغلبه غالب بل هو القاهر فوق عباده. PageV14P273 # والمقصود بالآية الكريمة : تقرير سنة من سننه تعالى التي لا تتخلف ، وأن ~~النصر سيكون حليفا لأوليائه ، في الوقت الذي علمه وأراده. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@011 إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا ~~في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) (1). # وقوله تعالى ( @QUR@012 ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين. إنهم لهم ~~المنصورون. وإن جندنا لهم الغالبون ) (2). # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بهذه الآية الجامعة لصفات المؤمنين ~~الصادقين فقال : ( @QUR@012 لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون ~~من حاد الله ورسوله ). # وقوله : ( @QUR@01 يوادون ) من الموادة بمعنى حصول المودة والمحبة. # أى : لا تجد أيها الرسول الكريم قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر حق ~~الإيمان ، يوالون ويحبون من حارب دين الله تعالى وأعرض عن هدى رسوله. # والمقصود من هذه الآية الكريمة النهى عن موالاة المنافقين وأشباههم ، ~~وإنما جاءت بصيغة الخبر ، لأنه أقوى وآكد في التنفير عن موالاة أعداء الله ~~، إذ الإتيان بصيغة الخبر تشعر بأن القوم قد امتثلوا لهذا النهى ، وأن الله ~~سبحانه قد أخبر عنهم بذلك. # وافتتحت الآية بقوله : ( @QUR@03 لا تجد قوما ) لأن هذا الافتتاح يثير ~~شوق السامع لمعرفة هؤلاء القوم. # وقوله : ( @QUR@03 ولو كانوا آباءهم ) تصريح بوجوب ترك هذه الموادة لمن ~~حارب الله ورسوله ، مهما كانت درجة قرابة هذا المحارب. # أى : من شأن المؤمنين الصادقين أن يبتعدوا عن موالاة أعداء الله ورسوله ، ~~ولو كان هؤلاء الأعداء. ( @QUR@01 آباءهم ) الذين أتوا إلى الحياة عن ~~طريقهم ( @QUR@02 أو أبناءهم ) الذين هم قطعة منهم. ( @QUR@02 أو إخوانهم ) ~~الذين تربطهم بهم رابطة الدم ( @QUR@02 أو عشيرتهم ) التي ينتسبون إليها ، ~~وذلك لأن قضية الإيمان يجب أن تقدم على كل شيء. # وقدم الآباء لأنهم أول من تجب طاعتهم ، وثنى بالأبناء لأنهم ألصق الناس ~~بهم ، وثلث بالإخوان لأنهم الناصرون لهم ، وختم بالعشيرة لأن التناصر بها ~~يأتى في نهاية المطاف. PageV14P274 # ثم أثنى سبحانه على هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين لم يوالوا أعداء الله ~~مهما بلغت درجة قرابتهم فقال : ( @QUR@05 أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ). # أى : أولئك الذين لا يوادون أعداء ms5530 الله مهما كانوا ، هم الذين كتب الله ~~تعالى الإيمان في قلوبهم ، فاختلط بها واختلطت به ، فصارت قلوبهم لا تحب ~~إلا من أحب دين الله ، ولا تبغض إلا من أبغضه. # ( @QUR@03 وأيدهم بروح منه ) أى : وثبتهم وقواهم بنور من عنده سبحانه ~~فصاروا بسبب ذلك أشداء على الكفار ، رحماء بينهم. # ( @QUR@01 ويدخلهم ) سبحانه يوم القيامة ( @QUR@07 جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها ) خلودا أبديا ، ( @QUR@03 رضي الله عنهم ) بسبب ~~طاعتهم له ، ( @QUR@02 ورضوا عنه ) بسبب ثوابه لهم. # ( @QUR@01 أولئك ) الموصوفون بذلك ( @QUR@02 حزب الله ) الذي يشرف من ~~ينتسب إليه. # ( @QUR@06 ألا إن حزب الله هم المفلحون ) فلاحا ونجاحا ليس بعدهما فلاح ~~أو نجاح. # وقد ذكروا روايات متعددة في سبب نزول هذه الآية الكريمة ، منها : أنها ~~نزلت في أبى عبيدة عامر بن الجراح ، فقد قتل أباه وكان كافرا في غزوة بدر. # والآية الكريمة تصدق على أبى عبيدة وغيره ممن حاربوا آباءهم وأبناءهم ~~وإخوانهم وعشيرتهم ، عند ما استحب هؤلاء الآباء والأبناء الكفر على ~~الإيمان. # وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة ، وجوب عدم موالاة الكفار والفساق ~~والمنافقين والمجاهرين بارتكاب المعاصي ... مهما بلغت درجة قرابتهم ، ومهما ~~كانت منزلتهم. # ومن دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم «اللهم لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي ~~يدا ولا نعمة» (1). # وبعد فهذا تفسير لسورة «المجادلة» نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه ~~، ونافعا لعباده. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # كتبه الراجي عفو ربه # د. محمد سيد طنطاوى # الدوحة قطر # مساء الجمعة غرة شعبان سنة 1406 ه # 11 / 4 / 1986 م PageV14P275 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الحشر PageV14P277 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «الحشر» من السور المدنية الخالصة ، وقد عرفت بهذا الاسم منذ ~~العهد النبوي ، وسماها ابن عباس بسورة «بنى النضير» فقد أخرج البخاري عن ~~سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس : سورة الحشر. قال : «سورة بنى النضير» ~~ولعل ابن عباس رضى الله عنهما سماها بهذا الاسم لحديثها المفصل عن غزوة بنى ~~النضير. # 2 وعدد آياتها أربع وعشرون آية ، وكان نزولها بعد سورة «البينة» ms5531 وقبل ~~سورة «النصر» أى : أنها تعتبر من أواخر ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم ~~من سور قرآنية فهي السورة الثامنة والتسعون في ترتيب النزول. # أما ترتيبها في المصحف ، فهي السورة التاسعة والخمسون. # 3 وقد افتتحت سورة «الحشر» بتنزيه الله تعالى عما لا يليق به ، ثم تحدثت ~~عن غزوة «بنى النضير» ، فذكرت جانبا من نصره لعباده المؤمنين ومن خذلانه ~~لأولئك الضالين .. قال تعالى : ( @QUR@041 هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل ~~الكتاب من ديارهم لأول الحشر ، ما ظننتم أن يخرجوا ، وظنوا أنهم مانعتهم ~~حصونهم من الله ، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ، وقذف في قلوبهم الرعب ، ~~يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ، فاعتبروا يا أولي الأبصار .. ). # 4 ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن تقسيم أموال بنى النضير ، وعن حكمة الله ~~تعالى في إرشاده النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا التقسيم ، فقال سبحانه : ( ~~@QUR@037 ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ، فلله ، وللرسول ، ولذي ~~القربى ، واليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل ، كي لا يكون دولة بين ~~الأغنياء منكم ، وما آتاكم الرسول فخذوه ، وما نهاكم عنه فانتهوا ، واتقوا ~~الله إن الله شديد العقاب ) # 5 وبعد أن أثنت السورة الكريمة على المهاجرين لبلائهم وإخلاصهم وعفة ~~نفوسهم ، كما أثنت على الأنصار لسخائهم ، وطهارة قلوبهم ... بعد كل ذلك ~~أخذت السورة في التعجيب من حال المنافقين ، الذين تحالفوا مع اليهود ضد ~~المؤمنين ، وذكرت جانبا من أقوالهم الكاذبة ، ووعودهم الخادعة .. PageV14P279 # فقال تعالى : ( @QUR@028 ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين ~~كفروا من أهل الكتاب ، لئن أخرجتم لنخرجن معكم ، ولا نطيع فيكم أحدا أبدا ~~وإن قوتلتم لننصرنكم ، والله يشهد إنهم لكاذبون ). # 6 ثم وجهت السورة في أواخرها نداء إلى المؤمنين ، أمرتهم فيه بتقوى الله ~~، ونهتهم عن التشبه بالفاسقين عن أمر الله ، الذين تركوا ما أمرهم به ~~سبحانه ، فكانت عاقبة أمرهم خسرا .. # وختمت بذكر جانب من أسماء الله تعالى وصفاته ، فقال تعالى : ( @QUR@036 ~~هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز ~~الجبار المتكبر ، سبحان الله عما يشركون. ms5532 هو الله الخالق البارئ المصور ، ~~له الأسماء الحسنى ، يسبح له ما في السماوات والأرض ، وهو العزيز الحكيم ). # 7 وبذلك نرى السورة الكريمة قد طوفت بنا مع بعض مغازي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ومع التشريعات الحكيمة التي شرعها الله تعالى في تقسيم ~~الغنائم ، ومع صور زاهية كريمة من أخلاق المهاجرين والأنصار ، ومع صور ~~قاتمة كريهة من أخلاق المنافقين وإخوانهم من اليهود .. # ومع جانب من أسماء الله تعالى وصفاته ، التي تليق به عز وجل . # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ... # الدوحة قطر # صباح الأحد : 2 من شعبان سنة 1406 ه # 12 / 4 / 1986 م # د. محمد سيد طنطاوى PageV14P280 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@011 سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم (1) ~~@QUR@041 هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ~~ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم ~~يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ~~فاعتبروا يا أولي الأبصار (2) @QUR@015 ولو لا أن كتب الله عليهم الجلاء ~~لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار (3) @QUR@012 ذلك بأنهم شاقوا ~~الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب (4) @QUR@013 ما قطعتم من ~~لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين ) (5) # افتتحت سورة «الحشر» بالثناء على الله تعالى وبتنزيهه عن كل ما لا يليق ~~بذاته الجليلة ، فقال عز وجل : ( @QUR@011 سبح لله ما في السماوات وما في ~~الأرض وهو العزيز الحكيم ). # وأصل التسبيح لغة : الإبعاد عن السوء. وشرعا : تنزيه الله تعالى عن كل ما ~~لا يليق بجلاله وكماله. PageV14P281 # والذي يتدبر القرآن الكريم ، يجد أن الله تعالى قد ذكر فيه أن كل شيء في ~~هذا الكون يسبح بحمده تعالى ، كما في قوله : ( @QUR@010 وإن من شيء إلا ~~يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) كما ذكر سبحانه أن الملائكة تسبح له ، ~~كما في قوله : ( @QUR@05 ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ... ). # وكذلك الرعد ، كما في قوله ms5533 : ( @QUR@06 ويسبح الرعد بحمده والملائكة من ~~خيفته ... ). # وكذلك الجبال والطير قال تعالى : ( @QUR@012 إنا سخرنا الجبال معه يسبحن ~~بالعشي والإشراق والطير محشورة كل له أواب ) (1). # وقد سبق أن ذكرنا خلال تفسيرنا لقوله تعالى : ( @QUR@010 وإن من شيء إلا ~~يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ... ) أن الرأى الذي تطمئن إليه النفس ، ~~أن التسبيح حقيقى ، ولكن بلغة لا يعلمها إلا الله تعالى (2). # والمعنى : سبح لله تعالى ونزهه عن كل ما لا يليق به ، جميع ما في السموات ~~وجميع ما في الأرض من كائنات ومخلوقات. وهو عز وجل ( @QUR@01 العزيز ) الذي ~~لا يغلبه غالب ( @QUR@01 الحكيم ) في أقواله وأفعاله. # وقد افتتحت بعض السور كسورة الحديد والحشر والصف بالفعل الماضي ، لإفادة ~~الثبوت والتأكيد ، وأن التسبيح قد تم فعلا. # وافتتحت بعض السور ، كسورة الجمعة والتغابن بالفعل المضارع «يسبح» لإفادة ~~تجدد هذا التسبيح في كل وقت ، وحدوثه في كل لحظة. # ثم بين سبحانه جانبا من مظاهر فضله على المؤمنين ، حيث نصرهم على أعدائهم ~~، فقال : ( @QUR@012 هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم ~~لأول الحشر ... ). # والمراد بالذين كفروا من أهل الكتاب هنا : يهود بنى النضير ، وقصتهم ~~معروفة في كتب السنة والسيرة ، وملخصها : أن هؤلاء اليهود كانوا يسكنون في ~~ضواحي المدينة فذهب إليهم النبي صلى الله عليه وسلم ليستعين بهم في دفع دية ~~لقتيلين قتلهما بعض المسلمين خطأ ، فاستقبلوه استقبالا حسنا ، وأظهروا له ~~صلى الله عليه وسلم استعدادهم للمساعدة فيما يطلبه منهم ، ثم خلا بعضهم ببعض ~~وقالوا : إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه ، فمن منكم يصعد إلى أعلى ~~هذا البيت الذي يجلس تحته محمد صلى الله عليه وسلم فيلقى عليه حجرا فيريحنا منه. PageV14P282 # فتعهد واحد منهم بذلك ، وقبل أن يتم فعله ، نزل جبريل عليه السلام على ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما أضمره اليهود من غدر وخيانة فرجع ~~صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأخبر أصحابه بما أضمره له يهود بنى النضير ، ~~ونزل قوله تعالى : ( @QUR@024 يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم ~~، إذ هم قوم أن يبسطوا ms5534 إليكم أيديهم ، فكف أيديهم عنكم واتقوا الله ، وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون ) (1). # ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يستعدوا لحصار بنى النضير ، ~~وتأديبهم على غدرهم .. فحاصرهم المؤمنون بضعا وعشرين ليلة ، وانتهى الأمر ~~بإجلائهم ، عن المدينة ، فمنهم من ذهب إلى خبير ، ومنهم من ذهب إلى غيرها. # واللام في قوله تعالى : ( @QUR@02 لأول الحشر ) متعلقة بأخرج ، والحشر : ~~الجمع ، يقال : حشر القائد جنده إذا جمعهم ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@09 ~~وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون ). # أى : هو سبحانه الذي أخرج بقدرته الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم ، ~~وهم يهود بنى النضير عند مبدأ الحشر المقدر لهم في علمه ، بأن مكنكم أيها ~~المؤمنون من محاصرتهم وجمعهم في مكان واحد ، ثم طردهم من المدينة المنورة ~~إلى أماكن أخرى ، بسبب غدرهم وسوء صنيعهم. # قال صاحب الكشاف : اللام في قوله : ( @QUR@02 لأول الحشر ) تتعلق بأخرج ، ~~وهي مثل اللام في قوله : ( @QUR@04 يا ليتني قدمت لحياتي ) وفي قولك : جئته ~~لوقت كذا .. # والمعنى : أخرج الذين كفروا عند أول الحشر. ومعنى أول الحشر : أن هذا أول ~~حشرهم إلى الشام ، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء قط .. أو المعنى : هذا أول ~~حشرهم ، وآخر حشرهم : إجلاء عمر رضى الله عنه لهم من خيبر إلى الشام. # وقيل معناه : أخرجهم من ديارهم لأول ما حشر لقتالهم ، لأنه أول قتال ~~قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم .. (2). # وقصر سبحانه إخراجهم عليه فقال : هو الذي أخرج الذين كفروا ، مع أن ~~المسلمين قد اشتركوا في إخراجهم عن طريق محاصرتهم ؛ للإشعار بأن السبب ~~الحقيقي في إخراجهم من ديارهم ، هو ما قذفه الله تعالى في قلوبهم من الرعب ~~.. أما محاصرة المؤمنين لهم فهي PageV14P283 # أسباب فرعية ، قد تؤدى إلى إخراجهم ، وقد لا تؤدى ، وللإشعار أيضا بأن كل ~~شيء إنما هو بقضاء الله وقدره .. # ووصفهم سبحانه بالكفر وبأنهم من أهل الكتاب ، للتشنيع عليهم وزيادة ~~مذمتهم ، حيث إنهم جمعوا بين رذيلتين : رذيلة الكفر بالحق ، ورذيلة عدم ~~العمل بكتابهم الذي أمر باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يجدونه مكتوبا ~~عندهم ms5535 في التوراة والإنجيل ، والذي يأمرهم بالمعروف ، وينهاهم عن المنكر. # و «من» في قوله تعالى : ( @QUR@03 من أهل الكتاب ) للبيان ، حتى لا يظن ~~بأن المراد بالذين كفروا هنا ، مشركو قريش ، وإن كان الجميع يشتركون في ~~الكفر والفسوق والعصيان. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 ما ظننتم أن يخرجوا ... ) تذكير للمؤمنين بنعم ~~الله تعالى عليهم. # أى : ما ظننتم أيها المؤمنون أن يهود بنى النضير سيخرجون من ديارهم بتلك ~~السهولة ، وذلك لتملكهم لألوان من القوة ، كقوة السلاح ، وكثرة العدد ، ~~ووجود من يحميهم ممن يسكنون معكم في المدينة ، وهم حلفاؤهم من بنى قومهم ، ~~كبني قريظة وغيرهم ، ومن غير بنى قومهم كالمنافقين الذين وعدوهم ومنوهم. # وقوله : ( @QUR@06 وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله ) معطوف على ما قبله. # أى : أنتم أيها المؤمنون ظننتم أن اليهود لن يخرجوا من ديارهم لما معهم ~~من قوة ، وهم أيضا ظنوا أن حصونهم ستمنع بأس الله عنهم ، وأنها ستحول بينهم ~~وبين خروجهم منها ، ونصركم عليهم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@010 فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم ~~الرعب ... ) متفرع عن الظن السابق ، الذي ظنه المؤمنون ، والذي ظنه أعداؤهم ~~وهم بنو النضير. # أى : أنتم ظننتم أنهم لن يخرجوا من ديارهم ، وهم ظنوا أيضا أن حصونهم ~~ستمنعهم من نصركم عليهم ، فكانت النتيجة أن أتاهم بأس الله وعقابه من حيث ~~لم يحتسبوا ومن حيث لم يخطر ببال ، بأن قذف في قلوبهم الرعب والفزع فخرجوا ~~من حصونهم التي تمنعوا بها ، ومن ديارهم التي سكنوها زمنا طويلا صاغرين أذلاء. # والتعبير بقوله : ( @QUR@04 من حيث لم يحتسبوا ) إشارة إلى أن ما نزل بهم ~~من هزيمة ، لم يكونوا يتوقعونها أصلا ، إذ الاحتساب مبالغة في الحسبان ، أى ~~: أتاهم عقاب الله تعالى من المكان الذي كانوا يعتقدون أمانهم فيه ، وفي ~~زمان لم يكونوا أصلا يتوقعون حلول هزيمتهم عنده. PageV14P284 # وعبر سبحانه بالقذف ، لأنه كناية عن الرمي بقوة وعنف وسرعة. والرعب : شدة ~~الخوف والفزع ، وأصله : الامتلاء. تقول : رعبت الحوض إذا ملأته. # أى : وقذف سبحانه في قلوبهم الرعب الذي ملأها بالجزع والفزع فاستسلموا ~~بسبب ذلك لما حكم به الرسول صلى الله ms5536 عليه وسلم عليهم. # ثم بين سبحانه ما حدث منهم خلال جلائهم فقال : ( @QUR@09 يخربون بيوتهم ~~بأيديهم وأيدي المؤمنين ، فاعتبروا يا أولي الأبصار ) والتخريب : إسقاط ~~البناء وهدمه أو إفساده. # أى : أن هؤلاء اليهود ، بلغ من سوء نيتهم ، ومن اضطراب أمرهم ، أنهم عند ~~ما أجمعوا أمرهم على الرحيل عن المدينة ، أخذوا يخربون بيوتهم بأيديهم ، عن ~~طريق إسقاط بنائها ، وهدم السليم منها ، وإزالة ما اشتملت عليه من أبواب ~~وغيرها .. حتى لا ينتفع المسلمون بها من بعدهم .. # وأخذوا يخربونها أيضا بأيدى المؤمنين ، أى : بسبب أن المؤمنين كانوا ~~يزيلون من طريقهم كل عقبة حتى يقتحموا عليهم ديارهم ، فترتب على ذلك أن ~~هدموا بعض بيوت بنى النضير من الخارج ، ليستطيعوا التمكن منهم. # قال صاحب الكشاف : ما معنى تخريبهم لها بأيدى المؤمنين؟ قلت : لما عرضوهم ~~لذلك ، وكانوا السبب فيه. فكأنهم أمروهم به ، وكلفوهم إياه ... (1). # أى : أن يهود بنى النضير بسبب تحصنهم في ديارهم ، ومحاولتهم عدم النزول ~~على حكم الرسول صلى الله عليه وسلم حملوا المؤمنين على تخريب هذه الحصون من ~~الخارج ، ليدخلوا عليهم .. # والخطاب في قوله تعالى : ( @QUR@04 فاعتبروا يا أولي الأبصار ) لكل من ~~يصلح له. # قال الجمل في حاشيته : والاعتبار مأخوذ من العبور والمجاوزة من شيء إلى ~~شيء ، ولهذا سميت العبرة عبرة ، لأنها تنتقل من العين إلى الخد. وسمى علم ~~التعبير بذلك ، لأن صاحبه ينتقل من المتخيل إلى المعقول ، وسميت الألفاظ ~~عبارات ، لأنها تنقل المعاني من لسان القائل إلى عقل المستمع ، ويقال : ~~السعيد من اعتبر بغيره ، لأنه ينتقل بواسطة عقله من حال ذلك الغير إلى حال نفسه. # ولهذا قال القشيري : الاعتبار هو النظر في حقائق الأشياء ، وجهات دلالتها ~~، ليعرف بالنظر فيها شيء آخر .. (2). PageV14P285 # أى : إذا كان الأمر كما بينا لكم أيها الناس ، فاعتبروا واتعظوا يا أصحاب ~~العقول السليمة ، والعيون الناظرة ، بما جرى لهؤلاء اليهود ، حيث دبر الله ~~تعالى أمر إخراجهم من ديارهم تدبيرا حكيما ، ونصر المؤمنين عليهم بأيسر ~~طريق ، وجعل ديارهم من بعدهم ، خير عبرة وعظة لكل ذي بصر ، فقد خلفوها من ~~بعدهم شاهد صدق على أن الغدر ms5537 نهايته الخسران .. وعلى أن النصر إنما هو لمن ~~اتبع الصدق والوفاء بالعهد .. # قال الآلوسى : واشتهر الاستدلال بهذه الجملة ، على مشروعية العمل بالقياس ~~الشرعي ، قالوا : لأنه تعالى أمر فيها بالاعتبار ، وهو العبور والانتقال من ~~الشيء إلى غيره ، وذلك متحقق في القياس ، إذ فيه نقل الحكم من الأصل إلى ~~الفرع .. (1). # ثم بين سبحانه جانبا من حكمته في إخراجهم فقال : ( @QUR@015 ولو لا أن ~~كتب الله عليهم الجلاء ، لعذبهم في الدنيا ، ولهم في الآخرة عذاب النار ). # ولفظ «لو لا» هنا حرف امتناع لوجود أى : امتنع وجود جوابها لوجود شرطها ~~.. و «أن» مصدرية ، وهي مع ما في حيزها في محل رفع على الابتداء. لأن لو لا ~~الامتناعية لا يليها إلا المبتدأ ، والخبر محذوف. # والجلاء : الإخراج. يقال : جلا فلان عن مكان كذا ، إذا خرج منه. وأجلاه ~~عنه غيره ، إذا أخرجه عنه : # قال القرطبي : والجلاء مفارقة الوطن ، يقال جلا بنفسه جلاء ، وأجلاه غيره ~~إجلاء ، والفرق بين الجلاء والإخراج وإن كان معناهما في الإبعاد واحدا من ~~وجهين : # أحدهما : أن الجلاء ما كان مع الأهل والولد ، والإخراج قد يكون مع بقاء ~~الأهل والولد. # الثاني : أن الجلاء لا يكون إلا لجماعة ، والإخراج يكون لواحد ولجماعة ~~... (2). # أى : ولو لا أن الله تعالى قد قدر على هؤلاء اليهود ، الجلاء عن ديارهم ، ~~لو لا أن ذلك موجود ، لعذبهم في الدنيا عذابا شديدا ، استأصل معه شأفتهم. # ولكن الله تعالى كتب عليهم الجلاء دون القتل والإهلاك لمصلحة اقتضتها ~~حكمته ، لعل من مظاهرها أن يغنم المسلمون ديارهم وأموالهم ، دون أن تراق ~~دماء من الفريقين ، ودون أن يعرض المؤمنون أنفسهم لمخاطر القتال. # وجملة «ولهم في الآخرة عذاب النار» مستأنفة. أى : أن هؤلاء اليهود إن ~~نجوا من القتل PageV14P286 # والإهلاك في الدنيا ، فلن ينجوا في الآخرة من العذاب الذي يذلهم ويهينهم ~~، بل سيحل بهم عذاب مقيم ، لا فكاك لهم منه. # واسم الإشارة في قوله تعالى ( @QUR@05 ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ) ~~يعود إلى ما نزل وسينزل بهم من عذاب. # وقوله تعالى : ( @QUR@01 شاقوا ) من المشاقة بمعنى المعاداة والمخاصمة ، ~~حتى لكأن كل ms5538 واحد من المتخاصمين في شق ومكان يخالف شق صاحبه ومكانه. # أى : ذلك الذي حل بهم في الدنيا من عقاب ، والذي سيحل بهم في الآخرة من ~~عذاب ، سببه أن هؤلاء الذين كفروا من أهل الكتاب ، عادوا الله تعالى ~~وخالفوا دعوة رسوله صلى الله عليه وسلم . # ( @QUR@03 ومن يشاق الله ) بأن يخالف ما أمر به ، أو نهى عنه. يعذبه الله ~~تعالى ويخذله ، فإنه سبحانه شديد العقاب. # وجملة ( @QUR@04 فإن الله شديد العقاب ) قائمة مقام جواب الشرط ، أى : ~~ومن يخالف أمر الله تعالى عذبه ، فإنه سبحانه شديد العقاب ، لمن أعرض عن ~~طاعته وذكره. # ثم ساق سبحانه ما يغرس الطمأنينة في قلوب المؤمنين ، الذين اشتركوا في ~~تخريب ديار بنى النضير ، وفي قطع نخيلهم ، فقال تعالى : ( @QUR@013 ما ~~قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين ). # و «ما» شرطية في موضع نصب ، بقوله : ( @QUR@01 قطعتم ) وقوله : ( @QUR@02 ~~من لينة ) بيان لها .. # وقوله : ( @QUR@02 فبإذن الله ) جزاء الشرط. واللام في قوله تعالى : ( ~~@QUR@02 وليخزي الفاسقين ) متعلقة بمحذوف. # واللينة : واحدة اللين ، وهو النخل كله ، أو كرام النخل فقط. # قال الآلوسى ما ملخصه : اللينة هي النخلة مطلقا .. وهي فعلة من اللون ، ~~وياؤها مقلوبة عن واو لكسر ما قبلها فأصل لينة : لونة ... # وقيل : اللينة : النخلة مطلقا .. وقيل : هي النخلة القصيرة ، وقيل : ~~الكريمة من النخل .. ويمكن أن يقال : أراد باللينة النخلة الكريمة ... (1). # وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية روايات منها : أن المسلمين عند ما أخذوا ~~في تقطيع نخيل PageV14P287 # اليهود ، قال اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم : يا محمد إنك تنهى عن الفساد ~~، فما بالك تأمر بقطع النخيل؟ فأنزل الله هذه الآية. # وقيل : إن المسلمين بعد أن قطعوا بعض النخيل ، ظنوا أنهم قد أخطئوا في ~~ذلك ، فقالوا : # لنسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية. # وقيل : إن المسلمين نهى بعضهم بعضا عن قطع النخيل ، وقالوا إنما هي مغانم ~~المسلمين ، فنزلت هذه الآية ؛ لتصديق من نهى عن القطع ، وتحليل من قطع من الإثم. # والمعنى : لا تختلفوا أيها المؤمنون في شأن ما فعلتموه ms5539 بنخيل بنى النضير ~~، فإن الذي قطع شيئا من هذه النخيل لا إثم عليه ، والذي لم يقطع لا إثم ~~عليه أيضا لأن كلا الأمرين بإذن الله تعالى ورضاه ، وفي كليهما مصلحة لكم. # لأن من قطع يكون قد فعل ما يغيظ العدو ويذله ، ويحمله على الاستسلام ~~والخضوع لأمركم .. # ومن ترك يكون قد فعل ما يعود بالخير عليكم ، لأن تلك النخيل الباقية ، ~~منفعتها ستئول إليكم ... # وقد شرع سبحانه لكم كلا الأمرين في هذا المقام ( @QUR@02 وليخزي الفاسقين ~~) عن أمره ، وهم يهود بنى النضير ، ومن ناصرهم ، وأيدهم ، وسار على طريقتهم ~~في الخيانة والغدر. # فالآية الكريمة المقصود بها : إدخال المسرة والبهجة في قلوب المؤمنين ، ~~حتى لا يتأثروا بما حدث منهم بالنسبة لنخيل بنى النضير ، وحتى يتركوا ~~الخلاف في شأن هذه المسألة ، بعد أن صدر حكم الله تعالى فيها ، وهو أن ~~القطع والترك بإذنه ورضاه ، لأن كلا الأمرين يغرس الحسرة في قلوب الأعداء .. # وعبر سبحانه باللينة عن النخلة ، لأن لفظ «لينة» أخف لفظا ، وأدخل في ~~كونها نخلة من كرام النخل. # وقال سبحانه : ( @QUR@05 أو تركتموها قائمة على أصولها ) لتصوير هيئتها ~~وحسنها وأن فروعها قد بقيت قائمة على أصولها ، التي هي جذورها وجذوعها. # قال الآلوسى : وقوله : ( @QUR@02 وليخزي الفاسقين ) متعلق بمقدر على أنه ~~علة له ، وذلك المقدر عطف على مقدر آخر. أى : ليعز المؤمنين ، وليخزى ~~الفاسقين أى : ليذلهم .. # والمراد بالفاسقين : أولئك الذين كفروا من أهل الكتاب. ووضع الظاهر موضع ~~المضمر ، PageV14P288 # إشعارا بعلة الحكم أى أن فسقهم هو السبب في إخزائهم .. (1). # هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية : أن تخريب ديار ~~العدو ، وقطع الأشجار التي يملكها ، وهدم حصونه ومعسكراته .. جائز مادام في ~~ذلك مصلحة تعود على المسلمين ، وما دامت هناك حرب بينهم وبين أعدائهم. # ثم بين سبحانه حكم الفيء الذي أفاءه على المسلمين في غزوة بنى النضير ~~وفيما يشبهها من غزوات ، وأمر المؤمنين بأن يطيعوا رسوله صلى الله عليه وسلم ~~في أمره ونهيه ، وأثنى سبحانه على المهاجرين والأنصار لقوة إيمانهم ، ~~ولنقاء قلوبهم وسخاء نفوسهم .. فقال تعالى : # ( @QUR@025 وما أفاء الله ms5540 على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ~~ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير (6) @QUR@037 ~~ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول ~~فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب (7) @QUR@018 ~~للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ~~ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون (8) @QUR@015 والذين تبوؤا ~~الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة PageV14P289 # @QUR@016 مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح ~~نفسه فأولئك هم المفلحون (9) @QUR@023 والذين جاؤ من بعدهم يقولون ربنا ~~اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين ~~آمنوا ربنا إنك رؤف رحيم ) (10) # وقوله : ( @QUR@013 وما أفاء الله على رسوله منهم ، فما أوجفتم عليه من ~~خيل ولا ركاب ... ) معطوف على قوله تعالى : ( @QUR@04 ما قطعتم من لينة ... ~~) لبيان نعمة أخرى من النعم التي أنعم بها سبحانه على المؤمنين ، في غزوة ~~بنى النضير. # و ( @QUR@01 أفاء ) من الفيء بمعنى الرجوع ، يقال : فاء عليه ، إذا رجع ، ~~ومنه قوله تعالى في شأن الإيلاء : ( @QUR@06 فإن فاؤ فإن الله غفور رحيم ).. # والمراد به هنا معناه الشرعي : وهو ما حصل عليه المؤمنون من أموال ~~أعدائهم بدون قتال ، كأن يكون هذا المال عن طريق الصلح ، كما فعل بنو ~~النضير ، فقد صالحوا المؤمنين على الخروج من المدينة ، على أن يكون لكل ~~ثلاثة منهم حمل بعير سوى السلاح وأن يتركوا بقية أموالهم للمسلمين. # والضمير في قوله ( @QUR@01 منهم ) يعود إلى بنى النضير ، الذي عبر سبحانه ~~عنهم بقوله : ( @QUR@08 هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب ... ). # وقوله : ( @QUR@02 فما أوجفتم ... ) من الإيجاف بمعنى الإسراع في السير ~~يقال : وجف الفرس يجف وجفا ووجيفا ، إذا أسرع في سيره. والجملة خبر «ما» ~~الموصولة في قوله : ( @QUR@02 وما أفاء ... ) وما في قوله ( @QUR@02 فما ~~أوجفتم ) نافية. # والركاب : اسم جمع للإبل التي تركب ، وفي ms5541 الكلام حذف أغنى عنه قوله ~~سبحانه : ( @QUR@02 فما أوجفتم ... ). # والمعنى : اعلموا أيها المؤمنون أن ما أعطاه الله تعالى لرسوله ~~صلى الله عليه وسلم من أموال بنى النضير التي صالحوه عليها ، فلا حق لكم فيها ~~لأنكم لم تنالوها بقتالكم لهم على الخيل أو الإبل ، وإنما تفضل بها سبحانه ~~على نبيه صلى الله عليه وسلم بلا قتال يذكر ، فقد كانت PageV14P290 # ديار بنى النضير على بعد ميلين من المدينة ، فذهب إليها المسلمون راجلين ~~، وحاصروها حتى تم استسلام بنى النضير لهم .. # قال الآلوسى : روى أن بنى النضير لما أجلوا عن أوطانهم ، وتركوا رباعهم ~~وأموالهم. طلب المسلمون تخميسها كغنائم بدر ، فأنزل الله تعالى : ( ~~@QUR@013 وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ~~... ) فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة. # فقد أخرج البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وغيرهم عن ~~عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال : كانت أموال بنى النضير ، مما أفاء الله ~~تعالى : على رسوله صلى الله عليه وسلم مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ~~ركاب ، وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ، فكان ينفق على أهله منها ~~نفقة سنة ، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله تعالى . # وقال الضحاك : كانت أموال بنى النضير لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ، ~~فآثر بها المهاجرين. وقسمها عليهم ، ولم يعط الأنصار منها شيئا ، إلا ثلاثة ~~منهم أعطاهم لفقرهم .. (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 ولكن الله يسلط رسله على من يشاء ... ) استدراك ~~على النفي في قوله تعالى : ( @QUR@03 فما أوجفتم عليه ... ). # أى : ليس لكم الحق أيها المؤمنون في أموال بنى النضير ، لأنكم لم تظفروا ~~بها عن طريق قتال منكم لهم ، ولكن الله تعالى سلط رسوله صلى الله عليه وسلم ~~عليهم وعلى ما في أيديهم ، كما كان يسلط رسله على من يشاء من أعدائهم ، ~~والله تعالى قدير على كل شيء ... # وما دام الأمر كذلك ، فاتركوا رسولكم صلى الله عليه وسلم يتصرف في أموال بنى ~~النضير بالطريقة التي يريدها ويختارها بإلهام من الله ms5542 عز وجل . # وقوله تعالى : ( @QUR@012 ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ، فلله ~~وللرسول ولذي القربى ... ) يرى كثير من العلماء أنه وارد على سبيل ~~الاستئناف الابتدائى ، وأنه سيق لبيان حكم شرعي جديد ، يختلف عن الحكم الذي ~~أوردته الآية السابقة على هذه الآية .. # إذ أن الآية السابقة ، واردة في حكم أموال بنى النضير بصفة خاصة ، وهذه ~~في حكم الفيء بعد ذلك بصفة عامة. PageV14P291 # وعليه يكون المعنى : لقد بينت لكم أيها المؤمنون حكم أموال بنى النضير ، ~~وهي أنها لرسولنا صلى الله عليه وسلم يضعها حيث يشاء. # أما ما أفاءه الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم من أموال أهل القرى ~~الأخرى ، كقريظة وفدك وغيرهما فحكم هذا الفيء أنه يقسم إلى خمسة أقسام : # قسم للرسول صلى الله عليه وسلم ينفق منه على نفسه وأهله وما تبقى منه يكون ~~في مصالح المسلمين. # وقسم لأقاربه صلى الله عليه وسلم وهم : بنو هاشم وبنو المطلب .. # وقسم لليتامى : وهم أطفال المسلمين الذين مات آباؤهم عنهم قبل أن يبلغوا. # وقسم للمساكين : وهم الذين ليس لهم مال يكفيهم ضروريات الحياة. # وقسم لأبناء السبيل : وهم المسافرون المنقطعون عن مالهم في سفرهم ، ولو ~~كانوا أغنياء في بلدهم .. # وقد رجح الإمام ابن جرير هذا الرأى ، فقال بعد استعراضه للأقوال : ~~والصواب من القول في ذلك عندي أن هذه الآية حكمها غير حكم الآية التي قبلها ~~وذلك أن الآية التي قبلها ، مال جعله الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم ~~خاصة دون غيره. لم يجعل فيه لأحد نصيبا .. # فإذا كانت هذه الآية التي قبلها مضت ، وذكر المال الذي خص الله به رسوله ~~صلى الله عليه وسلم ولم يجعل لأحد منه شيئا ، وكانت هذه الآية خبرا عن المال ~~الذي جعله الله لأصناف شتى ، كان معلوما بذلك أن المال الذي جعله لأصناف من ~~خلقه. غير المال الذي جعله للنبي صلى الله عليه وسلم (1). # وقال الآلوسى عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@08 ~~ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ... ) بيان لحكم ما ms5543 أفاءه الله على ~~رسوله من قرى الكفار على العموم ، بعد بيان حكم ما أفاءه من بنى النضير ... # فالجملة جواب سؤال مقدر ناشئ مما فهم من الكلام السابق ، فكأن قائلا يقول ~~: قد علمنا حكم ما أفاءه الله تعالى من بنى النضير ، فما حكم ما أفاء الله ~~عز وجل من غيرهم؟ ... # فقيل : ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى. ~~ولذا لم يعطف على ما تقدم ، ولم يذكر في الآية قيد الإيجاف ولا عدمه ... PageV14P292 # وسهمه سبحانه وسهم رسوله واحد ، وذكره تعالى : افتتاح كلام للتيمن ~~والتبرك. فإن لله ما في السموات وما في الأرض ، وفيه تعظيم لشأن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم . # وأهل القرى المذكورون في الآية هم : أهل الصفراء ، وينبع ، ووادي القرى ، ~~وما هنالك من قرى العرب ، التي تسمى قرى عرينة ، وحكمها مخالف لحكم أموال ~~بنى النضير (1). # ومن العلماء من يرى أن الآية التي معنا ، بمنزلة البيان والتفسير للآية ~~التي قبلها ، لأن الآية الأولى لم تبين المستحقين للفيء الذي أفاءه الله ~~تعالى على رسوله من أموال بنى النضير ، فجاءت الآية الثانية وبينت ~~المستحقين له. # وعلى رأس المفسرين الذين قالوا بهذا الرأى صاحب الكشاف ، فقد قال عند ~~تفسيره لهذه الآية : لم يدخل سبحانه العاطف على هذه الجملة وهي قوله : ( ~~@QUR@02 ما أفاء ... ) لأنها بيان للأولى ، فهي منها غير أجنبية عنها. بين ~~لرسوله صلى الله عليه وسلم ما يصنع بما أفاءه الله عليه ، وأمره أن يضعه حيث ~~يضع الخمس من الغنائم ، مقسوما على الأقسام الخمسة (2). # وقال الإمام ابن كثير : قوله تعالى : ( @QUR@08 ما أفاء الله على رسوله ~~من أهل القرى ): أى جميع البلدان التي تفتح هكذا ، فحكمها حكم أموال بنى ~~النضير ، ولهذا قال : ( @QUR@08 فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل ). فهذه مصارف أموال الفيء ووجوهه .. (3). # ومن هذا نرى أن أصحاب الرأى الأول ، يقولون : إن الآيتين في حكمين ~~مختلفين ، لأن الآية الأولى في بيان حكم أموال بنى النضير ، وأن الله تعالى ~~قد جعلها للرسول صلى الله عليه وسلم يضعها حيث يشاء ، وأما ms5544 الآية الثانية فهي ~~في حكم أموال القرى الأخرى التي أفاءها الله تعالى على رسوله ~~صلى الله عليه وسلم ، وأن الله تعالى قد حدد له وجوه صرفها ، فقال : ( @QUR@04 ~~فلله وللرسول ولذي القربى ... ). # وأما أصحاب الرأى الثاني فيرون أن الآية الثانية مفصلة لما أجملته الآية ~~الأولى ، وأن كل فيء يقسم بالطريقة التي بينتها الآية الثانية. # ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب ، لأن الثابت في السنة الصحيحة ~~: أن أموال بنى النضير ، لم يخمسها صلى الله عليه وسلم بل كانت له خاصة ، ~~يوزعها كما يشاء ، وقد آثر بها المهاجرين ، وقسمها عليهم : ولم يعط الأنصار ~~منها شيئا سوى ثلاثة رجال منهم ، كانت بهم PageV14P293 # حاجة فأعطاهم ، وبذلك نرى أنه صلى الله عليه وسلم لم يتقيد في التوزيع لهذه ~~الأموال ، بمن ورد ذكرهم في الآية الثانية. # وما دام الأمر كذلك ، فلا حاجة إلى القول بأن الآية الثانية ، بيان ~~وتفصيل للآية الأولى. # هذا وهناك أقوال أخرى في معنى هذه الآية ، مبسوطة في كتب الفقه والتفسير ~~، فليرجع إليها من شاء المزيد من الأحكام الفقهية .. (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ... ) بيان ~~لحكمة هذا التشريع الذي شرعه سبحانه بالنسبة للأموال التي أتت عن طريق ~~الفيء .. والضمير المستتر في قوله : ( @QUR@01 يكون ) للفيء. # و «الدولة» بضم الدال المشددة اسم لما يتداوله الناس فيما بينهم من أموال ~~، فيكون في يد هذا تارة ، وفي يد ذاك تارة أخرى. # والدولة بفتح الدال المشددة اسم للنوبة من الظفر والنصر في الحرب وغيرها. # يقال : لفلان على فلان دولة ، أى : غلبة ونصر. # وبعضهم يرى أن الدولة بالضم والفتح بمعنى واحد ، وهو ما يدور ويدول ~~للإنسان من الغنى والنصر. # والمعنى : شرعنا لكم هذه الأحكام المتعلقة بتقسيم الفيء ، كي لا يكون ~~المال الناجم عنه ، متداولا بين أيدى أغنيائكم دون فقرائكم. # والمقصود بهذه الجملة الكريمة ، إبطال ما كان شائعا في الجاهلية ، من ~~استئثار قواد الجيوش ، ورؤساء القبائل ، بالكثير من الغنائم دون غيرهم ممن ~~اشترك معهم في الحروب ، كما قال أحد الشعراء ، لأحد الرؤساء أو القادة : # لك ms5545 المرباع منها والصفايا %~% وحكمك والنشيطة والفضول # أى : لك أيها القائد وحدك من الغنيمة ربعها ، والصفايا أى : والنفيس منها ~~، ولك أيضا ما تحكم به على العدو ، ولك النشيطة ، وهي ما يصيبه الجيش من ~~العدو قبل الحرب ، ولك كذلك الفضول ، أى : ما يبقى بعد قسمة الغنائم. # وقد أبطل الإسلام كل ذلك ، حيث جعل مصارف الفيء ، تعود إلى المسلمين ~~جميعا ، بطريقة عادلة ، بينها سبحانه في هذه الآية وفي غيرها .. PageV14P294 # قال بعض العلماء : والجدير بالذكر هنا : أن دعاة المذاهب الاقتصادية ~~الفاسدة ، يحتجون بهذه الآية على مذهبهم الفاسد ، ويقولون : ويجوز للدولة ~~أن تستولى على مصادر الإنتاج ورءوس الأموال ، لتعطيها أو تشرك فيها الفقراء ~~، وما يسمونهم طبقة العمال ، وهذا على ما فيه من كساد اقتصادى ، وفساد ~~اجتماعي ، قد ثبت خطؤه وظهر بطلانه مجانبا لحقيقة الاستدلال. # لأن هذا المال ترك لمرافق المسلمين العامة ، من الإنفاق على المجاهدين ، ~~وتأمين الغزاة في الحدود والثغور ، وليس يعطى للأفراد كما يقولون ، ثم هو ~~أساسا مال جاء غنيمة للمسلمين ، وليس نتيجة كدح الفرد وكسبه الحلال. # ولما كان مال الغنيمة ليس ملكا لشخص ، ولا هو أيضا كسب لشخص معين ، تحقق ~~فيه العموم في مصدره ، وهو الغنيمة ، والعموم في مصرفه وهو عموم مصالح ~~الأمة ، ولا دخل ولا وجود للفرد فيه ، فشتان بين هذا الأصل في التشريع ، ~~وهذا الفرع في التضليل .. (1). # ثم أمر سبحانه المسلمين أن يمتثلوا أمر رسولهم صلى الله عليه وسلم امتثالا ~~تاما ، فقال : ( @QUR@014 وما آتاكم الرسول فخذوه ، وما نهاكم عنه فانتهوا ~~واتقوا الله إن الله شديد العقاب ). # وقوله : ( @QUR@01 آتاكم ) من الإتيان ، والمقصود به هنا ما جاءهم به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم من هدايات وتشريعات ، وآداب. ويدخل في ذلك دخولا ~~أوليا قسمته لفيء بنى النضير بين المهاجرين ، دون الأنصار. # أى : ما أمركم الرسول صلى الله عليه وسلم بفعله أيها المؤمنون فافعلوه ، وما ~~نهاكم عن فعله فاجتنبوه ، واتقوا الله في كل أحوالكم ، فإنه سبحانه شديد ~~العقاب لمن خالف أمره. ومنهم من جعل ( @QUR@01 آتاكم ) هنا بمعنى أعطاكم من ~~الفيء ، وجعل ( @QUR@01 نهاكم ) بمعنى نهاكم عن ms5546 الأخذ منه ، وكأن صاحب هذا ~~الرأى يستعين على ما ذهب إليه بفحوى المقام. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@03 وما آتاكم الرسول ) من قسمة غنيمة أو ~~فيء فخذوه وما نهاكم عنه ، أى : عن أخذه منه ( @QUR@01 فانتهوا ) عنه. # والأجود أن يكون الأمر والنهى عاما في كل ما آتى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ونهى عنه ، وأمر الفيء داخل في عمومه .. (2). PageV14P295 # وقال الإمام ابن كثير : وقوله تعالى : ( @QUR@08 وما آتاكم الرسول فخذوه ~~وما نهاكم عنه فانتهوا ). # أى : مهما أمركم به فافعلوه ، ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه ، فإنه إنما يأمر ~~بخير ، وينهى عن شر. # أخرج الشيخان عن ابن مسعود أنه قال : لعن الله الواشمات والمستوشمات ~~والمتنمصات ، والمتفلجات للحسن ، والمغيرات لخلق الله عز وجل فبلغ ذلك امرأة ~~من بنى أسد يقال لها أم يعقوب ، وكانت تقرأ القرآن ، فأتته فقالت : بلغني ~~انك قلت كذا وكذا ، فقال : ومالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو في كتاب الله. # فقالت : لقد قرأت ما بين لوحى المصحف فما وجدته. فقال : إن كنت قرأتيه ~~فقد وجدتيه ، أما قرأت : ( @QUR@08 وما آتاكم الرسول فخذوه ، وما نهاكم عنه ~~فانتهوا )؟ قالت : بلى. # قال : فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه. قالت : إنى لأظن أهلك ~~يفعلونه!! .. # قال : اذهبي فانظرى ، فذهبت فلم تر من حاجتها شيئا. فجاءت فقالت : ما ~~رأيت شيئا. قال : لو كان كذا لم تجامعنا .. (1). # وقال بعض العلماء وفي الآية دليل على وجوب الأخذ بالسنن الصحيحة في كل ~~الأمور. # وعن أبى رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لا ألفين أحدكم متكئا ~~على أريكته يأتيه أمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدرى!! ما وجدنا في ~~كتاب الله اتبعناه ...» وهذا الحديث من أعلام النبوة ، فقد وقع ذلك بعد من ~~الجاهلين بكتاب الله ، وبمنصب الرسالة ، ومن الزنادقة الصادين عن سبيل الله ~~.. (2). # ثم أثنى سبحانه على المهاجرين الذين فارقوا أموالهم وعشيرتهم ، من أجل ~~إعلاء كلمته تعالى فقال : ( @QUR@018 للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ~~ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ms5547 ورضوانا وينصرون الله ورسوله ، أولئك ~~هم الصادقون ). # قال الإمام الرازي : اعلم أن هذا بدل من قوله تعالى : ( @QUR@06 ولذي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ... ) كأنه قيل : أعنى بأولئك ~~الأربعة ، هؤلاء الفقراء المهاجرين الذين من صفتهم كذا وكذا. PageV14P296 # ثم إنه تعالى وصفهم بأمور ، أولها : أنهم فقراء ، ثانيها : أنهم مهاجرون ~~وثالثها : أنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم ، يعنى أن الكفار أجبروهم على ~~الخروج ... ورابعها : أنهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا ، والمراد بالفضل ~~ثواب الجنة ، وبالرضوان : قوله : ( @QUR@04 ورضوان من الله أكبر ). # وخامسها : قوله : ( @QUR@03 وينصرون الله ورسوله ) أى : بأنفسهم ~~وأموالهم. # وسادسها : قوله : ( @QUR@03 أولئك هم الصادقون ) يعنى أنهم لما هجروا ~~لذات الدنيا وتحملوا شدائدها لأجل الدين ، ظهر صدقهم في دينهم .. (1). # فأنت ترى أن الله تعالى قد وصف المهاجرين في سبيله ، بجملة من المناقب ~~الحميدة. التي استحقوا بسببها الفلاح والفوز برضوان الله. # ثم مدح سبحانه بعد ذلك الأنصار ، الذين يحبون من هاجر إليهم فقال : ( ~~@QUR@010 والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم ، يحبون من هاجر إليهم ). # والجملة الكريمة معطوفة على ( @QUR@01 المهاجرين ) أو مبتدأ وخبره : ( ~~@QUR@01 يحبون ) والتبوؤ : النزول في المكان ، ومنه المباءة للمنزل الذي ~~ينزل فيه الإنسان. # والمراد بالدار : المدينة المنورة ، وأل للعهد. أى : الدار المعهودة ~~المعروفة وهي دار الهجرة. # وقوله : ( @QUR@01 والإيمان ) منصوب بفعل مقدر. أى : وأخلصوا الإيمان. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى عطف الإيمان على الدار ، ولا يقال : ~~تبوأوا الإيمان؟ .. # قلت معناه : تبوأوا الدار وأخلصوا الإيمان. كقوله : علفتها تبنا وماء باردا. # أى : وجعلوا الإيمان مستقرا ومتوطنا لهم ، لتمكنهم منه ، واستقامتهم عليه ~~، كما جعلوا المدينة كذلك. # أو أراد : دار الهجرة ودار الإيمان ، فأقام لام التعريف في الدار مقام ~~المضاف إليه ، وحذف المضاف من دار الإيمان ، ووضع المضاف إليه مقامه .. # أو سمى المدينة لأنها دار الهجرة ، ومكان ظهور الإيمان بالإيمان .. (2). # وقوله : ( @QUR@02 من قبلهم ) أى : من قبل المهاجرين ، وهو متعلق بقوله ( ~~@QUR@01 تبوؤا ). PageV14P297 # وقوله : ( @QUR@04 يحبون من هاجر إليهم ) خبر المبتدأ ، أو حال من الذين ~~تبوأوا الدار ... # أى : هذه هي صفات المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ... وهذا هو جزاؤهم ... # أما الذين سكنوا دار ms5548 الهجرة وهي المدينة المنورة ، من قبل المهاجرين ، ~~وأخلصوا إيمانهم وعبادتهم لله تعالى ، فإن من صفاتهم أنهم يحبون إخوانهم ~~الذين هاجروا إليهم حبا شديدا ، لأن الإيمان ربط قلوبهم برباط المودة ~~والمحبة. وقوله : ( @QUR@07 ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ) صفة أخرى ~~من صفات الأنصار. # ومعنى : ( @QUR@01 يجدون ) هنا : يحسون ويعلمون ، والضمير للأنصار ، وفي ~~قوله ( @QUR@01 أوتوا ) للمهاجرين. والحاجة في الأصل : اسم مصدر بمعنى ~~الاحتياج ، أى الافتقار إلى الشيء. # والمراد بها هنا : المأرب أو الرغبة الناشئة عن التطلع إلى ما منحه النبي ~~صلى الله عليه وسلم للمهاجرين دون الأنصار ، من فيء أو غيره. # أى : أن من صفات الأنصار أيضا أنهم لا تتطلع نفوسهم إلى شيء مما أعطى ~~للمهاجرين من الفيء أو غيره ، لأن المحبة التي ربطت قلوب الأنصار ~~بالمهاجرين ، جعلت الأنصار يرتفعون عن التشوف إلى شيء مما أعطاه النبي ~~صلى الله عليه وسلم المهاجرين وحدهم ... # ثم وصفهم سبحانه بصفة ثالثة كريمة فقال : ( @QUR@07 ويؤثرون على أنفسهم ~~ولو كان بهم خصاصة ... ). # والإيثار معناه : أن يؤثر الإنسان غيره على نفسه ، على سبيل الإكرام ~~والنفع ، والخصاصة : شدة الحاجة ، وأصلها من خصاص البيت ، وهو ما يبقى بين ~~عيدانه من الفرج والفتحات. # أى : أن من صفات الأنصار أنهم كانوا يقدمون في النفع إخوانهم المهاجرين ~~على أنفسهم ، ولو كانوا في حاجة ماسة ، وفقر واضح ، إلى ما يقدمونه ~~لإخوانهم المهاجرين. # ولقد ضرب الأنصار رضى الله عنهم أروع الأمثال وأسماها في هذا المضمار ، ~~ومن ذلك ما رواه الشيخان والترمذي والنسائي وغيرهم عن أبى هريرة قال : أتى ~~رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، أصابنى الجهد ، فأرسل ~~إلى نسائه فلم يجد شيئا ، فقال صلى الله عليه وسلم : «ألا رجل يضيف هذا الرجل ~~الليلة رحمه الله »؟ فقال رجل من الأنصار وفي رواية أنه أبو طلحة فقال : أنا ~~يا رسول الله ، فذهب به إلى أهله ، فقال لامرأته : أكرمى ضيف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قالت : والله ما عندي إلا قوت الصبية!! قال : إذا أراد ~~الصبية العشاء فنوميهم ، وتعالى فأطفئى السراج ، ونطوى ms5549 بطوننا الليلة لضيف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعلت. PageV14P298 # ثم غدا الضيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «لقد عجب الله الليلة من فلان وفلانة» وأنزل الله فيهما ~~: ( @QUR@07 ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة .. ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) تذييل ~~قصد به حض الناس على التحلي بفضيلة السخاء والكرم. # والشح : يرى بعضهم أنه بمعنى البخل ، ويرى آخرون أن الشح غريزة في النفس ~~تحملها على الإمساك والتقتير ، وأما البخل فهو المنع ذاته ، فكأن البخل أثر ~~من آثار الشح. # قال صاحب الكشاف : «الشح» بالضم والكسر وقد قرئ بهما : اللؤم ، وأن تكون ~~نفس المرء كزة حريصة على المنع كما قال الشاعر : # يمارس نفسا بين جنبيه كزة %~% إذا هم بالمعروف قالت له مهلا # وقد أضيف إلى النفس لأنه غريزة فيها ، وأما البخل فهو المنع نفسه ، ومنه ~~قوله تعالى : ( @QUR@03 وأحضرت الأنفس الشح ... ) (2). # أى : ومن يوق بتوفيق الله وفضله شح نفسه وحرصها على الإمساك ، فيخالفها ~~فيما تأمره به من المنع والتقتير. فأولئك الذين يخالفونها هم المفلحون ، ~~الفائزون برضا الله عز وجل . # ومن الأحاديث التي وردت في النهى عن الشح ، ما أخرجه مسلم في صحيحه عن ~~جابر بن عبد الله ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «إياكم والظلم فإن ~~الظلم ظلمات يوم القيامة ، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم ، حملهم ~~على أن سفكوا دماءهم ، واستحلوا محارمهم» (3). # ثم مدح سبحانه كل من سار على نهج المهاجرين والأنصار في قوة الإيمان ، ~~وفي طهارة القلب ، وسماحة النفس فقال تعالى : ( @QUR@019 والذين جاؤ من ~~بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في ~~قلوبنا غلا للذين آمنوا ... ). # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@04 والذين جاؤ من بعدهم ... ) عطف عند ~~الأكثرين أيضا على المهاجرين ، والمراد بهؤلاء : قيل : الذين هاجروا حين ~~قوى الإسلام ، فالمجىء حسى ، وهو مجيئهم إلى المدينة ، وضمير من بعدهم ، ~~للمهاجرين الأولين. PageV14P299 # وقيل هم المؤمنون بعد الفريقين إلى يوم القيامة ، فالمجىء إما إلى الوجود ms5550 ~~أو إلى الإيمان وضمير ( @QUR@02 من بعدهم ) للفريقين : المهاجرين والأنصار. # وهذا هو الذي يدل عليه كلام عمر رضى الله عنه وكلام كثير من السلف ~~كالصريح فيه ، فالآية قد استوعبت جميع المؤمنين .. (1). # ويبدو لنا أن هذا الرأى الثاني ، وهو كون الذين جاءوا من بعدهم يشمل ~~المؤمنين الصادقين جميعا ، أقرب إلى الصواب ، لأنهم هم التابعون بإحسان ~~للمهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة ، كما قال تعالى : ( @QUR@013 ~~والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ، والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه ... ) (2). # وعليه يكون المعنى : والذين جاءوا من بعد المهاجرين والأنصار ، واتبعوهم ~~بإحسان إلى يوم القيامة ( @QUR@01 يقولون ) على سبيل الدعاء لأنفسهم ~~ولإخوانهم في العقيدة ، ( @QUR@03 ربنا اغفر لنا ) أى : يا ربنا اغفر لنا ~~ذنوبنا ، واغفر ، لإخواننا في الدين ( @QUR@03 الذين سبقونا بالإيمان ) فهم ~~أسبق منا إلى الخير والفضل .. ( @QUR@02 ولا تجعل ) يا ربنا ( @QUR@03 في ~~قلوبنا غلا ) أى : حسدا وحقدا ( @QUR@02 للذين آمنوا ) أى : يا ربنا لا ~~تجعل في قلوبنا أى غل أو حسد لإخواننا المؤمنين جميعا. # ( @QUR@04 ربنا إنك رؤف رحيم ) أى : يا ربنا إنك شديد الرأفة بعبادك واسع ~~الرحمة بهم. # وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة ، أن من حق الصحابة رضى الله عنهم ~~على من جاءوا بعدهم ، أن يدعوا لهم ، وأن ينزلوهم في قلوبهم منزلة الاحترام ~~والتبجيل والتكريم .. # ورحم الله الإمام القرطبي فقد أفاض في بيان هذا المعنى ، فقال ما ملخصه : ~~قوله تعالى : ( @QUR@04 والذين جاؤ من بعدهم ... ) يعنى التابعين ، ومن دخل ~~في الإسلام إلى يوم القيامة. # قال ابن أبى ليلى : الناس على ثلاثة منازل : المهاجرون ، والذين تبوأوا ~~الدار والإيمان ، والذين جاءوا من بعدهم ، فاجتهد ألا تخرج من هذه المنازل. # وهذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة .. # وقال الإمام الرازي : واعلم أن هذه الآيات قد استوعبت جميع المؤمنين ~~لأنهم إما المهاجرون ، أو الأنصار ، أو الذين جاءوا من بعدهم ، وبين أن من ~~شأن من جاء من بعد PageV14P300 # المهاجرين والأنصار ، أن يذكر السابقين ، وهم المهاجرون والأنصار بالدعاء ~~والرحمة ، فمن لم يكن كذلك ، بل ذكرهم بسوء كان خارجا من جملة أقسام ~~المؤمنين ، بحسب نص هذه ms5551 الآية .. (1). # وبعد أن رسمت السورة الكريمة ، تلك الصورة الوضيئة للمهاجرين والأنصار ~~والذين اتبعوهم بإحسان .. بعد كل ذلك أخذت في رسم صورة أخرى ، متباينة تمام ~~المباينة مع صورة هؤلاء الصادقين ، ألا وهي صورة المنافقين ، الذين انضموا ~~إلى كل مناوئ للدعوة الإسلامية ، فقال تعالى : # ( @QUR@028 ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل ~~الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم ~~لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون (11) @QUR@016 لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ~~ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون (12) ~~@QUR@012 لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون (13) ~~@QUR@023 لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم ~~شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون (14) @QUR@011 كمثل ~~الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم (15) @QUR@017 كمثل ~~الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب ~~العالمين (16) PageV14P301 # @QUR@010 فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين ) (17) # قال الآلوسى : قوله تعالى : ( @QUR@05 ألم تر إلى الذين نافقوا ... ) ~~حكاية لما جرى بين الكفرة والمنافقين من الأقوال الكاذبة والأحوال الفاسدة ~~وتعجب منها بعد حكاية محاسن أحوال المؤمنين على اختلف طبقاتهم ، والخطاب ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب. # والآية كما روى عن ابن عباس نزلت في رهط من بنى عوف منهم عبد الله بن أبى ~~بن سلول ... بعثوا إلى بنى النضير بما تضمنته الجمل المحكية ، بقوله تعالى ~~: ( @QUR@07 يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب ... ) (1). # والمراد بالأخوة في قوله سبحانه : ( @QUR@02 يقولون لإخوانهم ): أخوة في ~~الكفر والفسوق والعصيان ... # والمعنى : ألم يصل إلى علمك أيها الرسول الكريم حال أولئك المنافقين ~~الذين أظهروا الإسلام ، وأبطنوا الكفر ، وهم يقولون لإخوانهم في الكفر من ~~أهل الكتاب ، وهم : يهود بنى النضير ، أثناء محاصرتكم أيها المؤمنون لهم. # يقولون لهم : «والله لئن أخرجتم» من دياركم ( @QUR@02 لنخرجن معكم ) أى : ~~لنخرجن من ديارنا معكم ، لنكون مصاحبين لكم ms5552 حيثما سرتم. # ويقولون لهم : أيضا ( @QUR@05 ولا نطيع فيكم أحدا أبدا ... ) أى : ولا ~~نطيع في شأنكم أحدا أبدا ، يريد العدوان عليكم ، أو يريد منعنا من الخروج ~~معكم ومؤازرتكم .. # ويقولون لهم كذلك : ( @QUR@03 وإن قوتلتم لننصرنكم ) أى : وإن قاتلكم ~~المسلمون ، لنقفن إلى جواركم ، ولنقدمن العون الذي يؤدى إلى نصركم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 والله يشهد إنهم لكاذبون ) رد عليهم ، وإبطال ~~لمزاعمهم. # أى : والله تعالى يشهد بأن هؤلاء المنافقين لكاذبون في أقوالهم ، وفي ~~عهودهم .. # ثم أبطل سبحانه أقوالهم بصورة أكثر تفصيلا فقال : ( @QUR@016 لئن أخرجوا ~~لا يخرجون معهم ، ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ، ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم ~~لا ينصرون ). PageV14P302 # أى : والله لئن أخرج المؤمنون اليهود من ديارهم ، فإن هؤلاء المنافقين لا ~~يخرجون معهم ، ولئن قاتل المؤمنون اليهود ، فإن المنافقين لن ينصروا اليهود ~~، ولئن نصروهم على سبيل الفرض والتقدير ليولين المنافقون الأدبار فرارا ~~منكم أيها المؤمنون ، ثم لا ينصرون بعد ذلك ، لا هم ولا من قاموا بنصرهم ، ~~لأن الفريقين اجتمعوا على الباطل واتحدت قلوبهم في الجبن والخور والحرص على ~~الحياة .. # فأنت ترى أن هاتين الآيتين الكريمتين ، قد وصفتا المنافقين ، بالكفر ~~والعصيان. وبالتحالف مع كل محارب للدعوة الإسلامية ، وبنقض العهود ، وخلف ~~الوعود ، وبالجبن الخالع ، والكذب الواضح ... # وقد تحقق ما أخبرت عنه الآيتان عن هؤلاء المنافقين. فإن يهود بنى النضير ~~عند ما جد الجد ، وحالت ساعة رحيلهم .. أرسلوا إلى المنافقين يطلبون عونهم ~~، فما كان من المنافقين إلا أن خذلوهم ، وتحللوا من وعودهم لهم .. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف قيل : ( @QUR@02 ولئن نصروهم .. ) يعد ~~الإخبار بأنهم لا ينصرونهم؟ قلت : معناه ، ولئن نصروهم على سبيل الفرض ~~والتقدير .. كقوله ( @QUR@04 لئن أشركت ليحبطن عملك ) وكما يعلم سبحانه ما ~~يكون فهو يعلم ما لا يكون. # والمعنى : ولئن نصر المنافقون اليهود لينهزمن المنافقون ثم لا ينصرون بعد ~~ذلك. أى يهلكهم الله تعالى ولا ينفعهم نفاقهم ، لظهور كفرهم ، أو لينهزمن ~~اليهود ثم لا ينفعهم نصر المنافقين لهم. # وفيه دليل على صحة النبوة لأنه إخبار بالغيب .. (1). # وبعد أن بشر الله تعالى المؤمنين بهزيمة أعدائهم أمامهم ، أتبع ذلك ~~ببشارة ms5553 أخرى ، وهي أن هؤلاء المنافقين وإخوانهم في الكفر ، يخشون المؤمنين ~~خشية شديدة ، فقال سبحانه : ( @QUR@07 لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ~~... ). # والرهبة : مصدر رهب ، بمعنى خاف ، يقال : رهب فلان فلانا ، إذا خافه خوفا ~~شديدا من داخل نفسه .. # أى : لأنتم أيها المؤمنون أشد خوفا في نفوس هؤلاء المنافقين واليهود ، من ~~ربهم الذي خلقهم وأوجدهم. PageV14P303 # وقوله : ( @QUR@05 ذلك بأنهم قوم لا يفقهون ) تعليل لسبب جبنهم وخوفهم ، ~~واسم الإشارة يعود إلى كون المؤمنين أشد رهبة في صدور المنافقين واليهود من ~~الله تعالى . # أى : أنتم أشد رهبة في قلوبهم من الله تعالى : بسبب أنهم قوم لا يفقهون ~~الحق ، ولا يعلمون شيئا عن عظمة الله سبحانه وجلاله وقدرته .. # والمقصود من هذه الآية الكريمة ، تهوين أمر هؤلاء الأعداء في نفوس ~~المؤمنين وبيان أن هؤلاء الأعداء قد بلغ الجبن والخور فيهم مبلغا كبيرا ، ~~لدرجة أن خشيتهم لكم ، أشد من خشيتهم لله تعالى . # والتعبير بالرهبة للإشعار بأنها رهبة خفية لا يعلمها إلا الله تعالى وأن ~~هؤلاء المنافقين واليهود ، مهما تظاهروا أمام المؤمنين بالبأس والقوة. فهم ~~في قرارة نفوسهم يخافون المؤمنين خوفا شديدا ... # قال صاحب الكشاف : رهبة مصدر رهب المبنى للمفعول ، كأنه قيل أشد مرهوبية. # وقوله : ( @QUR@02 في صدورهم ) دلالة على نفاقهم. يعنى : أنهم يظهرون لكم ~~في العلانية خوف الله ، وأنتم أهيب في صدورهم من الله تعالى . # فإن قلت : كأنهم كانوا يرهبون من الله حتى تكون رهبتهم منهم أشد؟. # قلت : معناه أن رهبتهم في السر منكم ، أشد من رهبتهم من الله التي ~~يظهرونها لكم. وكانوا يظهرون لهم رهبة شديدة من الله ... (1). # فأنت ترى أن الآية الكريمة قد قررت حقيقة راسخة في نفوس المنافقين ~~وأشباههم ، وإن كانوا يحاولون إخفاءها وسترها ، وهي أن خشيتهم من الناس أشد ~~من خشيتهم من الله تعالى . # ثم يقرر سبحانه حقيقة أخرى ، أيدتها التجارب والمشاهد الواقعية ، فقال ~~تعالى : ( @QUR@018 لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر ، ~~بأسهم بينهم شديد ، تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ... ). # والآية الكريمة بدل اشتمال من التي قبلها ، لأن شدة الخوف من المؤمنين ms5554 ~~جعلت اليهود وحلفاءهم ، لا يقاتلون المسلمين ، إلا من وراء الخنادق والحصون .. # والجدر : جمع جدار ، وهو بناء مرتفع يحتمي به من يقاتل من خلفه. و ( ~~@QUR@01 جميعا ) بمعنى مجتمعين كلهم .. PageV14P304 # أى : أن هؤلاء اليهود وحلفاءهم من المنافقين ، لا يقاتلونكم مجتمعين كلهم ~~في موطن من المواطن إلا في قرى محصنة بالخنادق وغيرها ، أو يقاتلونكم من ~~وراء الجدران التي يتسترون بها ، لأنهم يعجزون عن مبارزتكم ، وعن مواجهتكم ~~وجها لوجه ، لفرط رهبتهم منكم .. # قال ابن كثير : يعنى أنهم في جبنهم وهلعهم ، لا يقدرون على مواجهة جيش ~~الإسلام ، بالمبارزة والمقاتلة ، بل إما في حصون ، أو من وراء جدر محاصرين ~~، فيقاتلونكم للدفع عنهم ضرورة ... (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@03 بأسهم بينهم شديد ) جملة مستأنفة ، كأن قائلا ~~قال : ولما ذا لا يقاتلون المؤمنين إلا على هذه الصورة؟ فكان الجواب : ~~بأسهم بينهم شديد. أى : عداوتهم فيما بينهم عداوة شديدة ، بحيث لا يتفقون ~~على رأى ، وقوتهم يستعملونها فيما بينهم استعمالا واسعا ، فإذا ما التقوا ~~بكم تحولت هذه القوة إلى جبن وهلع .. # قال صاحب الكشاف : يعنى أن البأس الشديد الذي يوصفون به ، إنما هو فيما ~~بينهم إذا اقتتلوا ، ولو قاتلوكم لم يبق لهم ذلك البأس والشدة ، لأن الشجاع ~~يجبن والعزيز يذل ، عند محاربة الله ورسوله .. (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@04 تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ) استئناف آخر للإجابة ~~عما يقال : من أنه كيف تكون عداوتهم فيما بينهم شديدة ، ونحن نراهم ~~متفقين؟. # فكان الجواب : ليس الأمر كما يظهر من حالهم من أن بينهم تضامنا وترابطا ~~.. بل الحق أنهم متدابرون مختلفون متباغضون .. وإن كانت ظواهرهم تدل على ~~خلاف ذلك .. # أى : تحسبهم أيها الناظر إليهم مؤتلفين .. والحال أن قلوبهم متفرقة ، ~~ومنازعهم مختلفة وبواطنهم تباين ظواهرهم .. وما دام الأمر كذلك فلا تبالوا ~~بهم أيها المؤمنون ، بل أغلظوا عليهم ، وجاهدوهم بكل قوة وجسارة .. # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@05 ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ) يعود إلى ما ~~سبق ذكره ، من شدة عداوتهم فيما بينهم ، ومن مخالفة بواطنهم لظواهرهم. # أى : ذلك الذي ذكرناه لكم من شدة بأسهم فيما بينهم ، ومن مخالفة بواطنهم ~~لظواهرهم ، سببه أنهم قوم ms5555 لا يعقلون الحق والهدى والرشاد .. وإنما هم ~~ينساقون وراء أهوائهم بدافع من الأحقاد والمطامع والشهوات ، بدون إدراك ~~لعواقب الأمور ، أو للفهم الصحيح .. PageV14P305 # ثم ساق سبحانه مثلين زيادة في تثبيت المؤمنين ، وفي التهوين من شأن ~~أعدائهم فقال تعالى : ( @QUR@011 كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال ~~أمرهم ولهم عذاب أليم ). # وقوله : ( @QUR@01 كمثل ... ) خبر لمبتدأ محذوف. والمراد بالذين من قبلهم ~~: يهود بنى قينقاع ، وكفار قريش الذين حل بهم ما حل من هزائم في غزوة بدر. # والوبال : المرعى الضار الذي ترعاه الماشية ، دون أن تدرك سوء عاقبته. # أى : مثل هؤلاء اليهود والمنافقين ، وحالهم العجيبة .. كمثل الذين من ~~قبلهم ، وهم يهود بنى قينقاع ، الذين أخرجوا من المدينة بسبب غدرهم ، وكان ~~خروجهم قبل خروج بنى النضير بزمن ليس بالطويل ، وكمثل مشركي قريش الذين حلت ~~بهم الهزيمة في غزوة بدر ، فإن هؤلاء وهؤلاء قد ذاقوا في الدنيا سوء عاقبة ~~كفرهم بدون إمهال .. # أما في الآخرة فلهم عذاب شديد الألم والإهانة. # ووجه الشبه بين السابقين واللاحقين ، أن الجميع قد اغتروا بمالهم وقوتهم ~~، فتطاولوا على المؤمنين ، ونقضوا عهودهم معهم .. فكانت عاقبتهم جميعا أن ~~أذلهم الله تعالى في الدنيا ، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى .. # وأما المثل الثاني فيتجلى في قوله تعالى : ( @QUR@012 كمثل الشيطان إذ ~~قال للإنسان اكفر ، فلما كفر قال إني بريء منك .. ). # أى : مثل المنافقين في تزيينهم الشر والفساد ليهود بنى النضير .. كمثل ~~الشيطان إذ قال للإنسان في الدنيا اكفر بالله تعالى فلما كفر ذلك الإنسان ~~ومات على الكفر ، وبعث يوم القيامة ، ووجد مصيره السيئ .. ندم وألقى التبعة ~~على الشيطان الذي قال له : إنى برىء منك ومن كفرك ، إنى أخاف الله رب ~~العالمين ، ووجه الشبه : أن المنافقين تبرأوا من معاونتهم ومن مناصرتهم .. ~~عند ما حانت ساعة الجد ... كما يتبرأ الشيطان من كفر الكافر يوم القيامة. # ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله تعالى : ( @QUR@033 وقال ~~الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ، ووعدتكم فأخلفتكم ، وما ~~كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ، فلا تلوموني ولوموا ms5556 ~~أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي .. ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها .. ) ~~من تمام المثل الذي ضربه الله تعالى للمنافقين واليهود ... PageV14P306 # أى : فكان عاقبة ذلك الشيطان وذلك الإنسان ، أنهما في النار ، حالة ~~كونهما خالدين فيها خلودا أبديا ، وكذلك حال المنافقين واليهود ... # ( @QUR@01 وذلك ) الخلود في النار ( @QUR@02 جزاء الظالمين ) الذين ~~تجاوزوا حدود الله تعالى وحاربوا أولياءه سبحانه . # والمراد بالشيطان والإنسان جنسهما ، وقد ذكر بعضهم هنا قصصا تدل على أن ~~المراد بالإنسان شخص معين ، وقد أضربنا عنها صفحا لضعفها .. (1). # وبذلك ترى أن هذه الآيات الكريمة قد ذمت المنافقين واليهود ذما شنيعا ، ~~وأضعفت من شأنهم ، وساقت لهم من الأمثلة ما يجعل المؤمنين يستخفون بهم ، ~~ويجاهدونهم بغلظة وشدة. # ثم وجه سبحانه نداء إلى المؤمنين أمرهم فيه بتقواه وبتقديم العمل الصالح ~~الذي ينفعهم يوم يلقونه ، ونهاهم عن التشبه بالقوم الفاسقين .. فقال تعالى : # ( @QUR@018 يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد ~~واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون (18) @QUR@010 ولا تكونوا كالذين نسوا ~~الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون (19) @QUR@010 لا يستوي أصحاب النار ~~وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون (20) @QUR@018 لو أنزلنا هذا القرآن ~~على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم ~~يتفكرون ) (21) # والمراد بالغد في قوله تعالى : ( @QUR@011 يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد ... ) يوم القيامة .. # أى : يا من آمنتم بالله تعالى حق الإيمان ( @QUR@02 اتقوا الله ) أى ~~صونوا أنفسكم عن كل ما يغضب الله تعالى ، وراقبوه في السر والعلن. وقفوا ~~عند حدوده فلا تتجاوزوها. PageV14P307 # ( @QUR@05 ولتنظر نفس ما قدمت لغد ) أى : ولتنظر كل نفس ، ولتتأمل في ~~الأعمال التي عملتها في الدنيا. والتي ستحاسب عليها في يوم القيامة ، فإن ~~كانت خيرا ازدادت منها ، وإن كانت غير ذلك أقلعت عنها. # وعبر سبحانه عن يوم القيامة بالغد ، للإشعار بقربه ، وأنه آت لا ريب فيه ~~، كما يأتى اليوم الذي يلي يومك. والعرب تخبر عن المستقبل القريب بالغد كما ~~في قول الشاعر : # فإن يك صدر هذا اليوم ولى ms5557 %~% فإن غدا لناظره قريب # وقال سبحانه : ( @QUR@02 ولتنظر نفس ) لإفادة العموم ، أى : كل نفس عليها ~~أن تنظر نظرة محاسبة ومراجعة في أعمالها بحيث لا تقدم إلا على ما كان صالحا منها. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى تنكير النفس والغد؟ قلت : أما تنكير ~~النفس فاستقلالا للأنفس النواظر فيما قدمت للآخرة ، كأنه قيل : ولتنظر نفس ~~واحدة في ذلك ، وأما تنكير الغد ، فلتعظيمه وإبهام أمره ، كأنه قيل : لغد ~~لا يعرف كنهه لعظمه. # وعن مالك بن دينار : مكتوب على باب الجنة : وجدنا ما عملنا ، وربحنا ما ~~قدمنا ، وخسرنا ما خلفنا ... (1). # وكرر سبحانه الأمر بالتقوى فقال : و ( @QUR@02 اتقوا الله ) للتأكيد. أى ~~: اتقوا الله بأن تؤدوا ما كلفكم به من واجبات ، وبأن تجتنبوا ما نهاكم عنه ~~من سيئات. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 إن الله خبير بما تعملون ) تعليل للحض على ~~التقوى أى : اتقوه في كل ما تأتون وما تذرون ، لأنه تعالى لا تخفى عليه ~~خافية من أعمالكم ، بل هو سبحانه محيط بها إحاطة تامة ، وسيجازيكم عليها ~~بما تستحقون يوم القيامة. # وقد جاء الأمر بتقوى الله تعالى في عشرات الآيات من القرآن الكريم ، لأن ~~تقوى الله تعالى هي جماع كل خير ، وملاك كل بر ، ومن الأدلة على ذلك. أننا ~~نرى القرآن يبين لنا أن تقوى الله قد أمر بها كل نبي قومه ، قال تعالى : ( ~~@QUR@018 كذبت قوم نوح المرسلين. إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون. إني لكم ~~رسول أمين. فاتقوا الله وأطيعون ... ). # وتارة نجد القرآن الكريم يبين لنا الآثار الطيبة التي تترتب على تقوى ~~الله في الدنيا والآخرة ، فيقول : ( @QUR@012 ولو أن أهل القرى آمنوا ~~واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ... ). PageV14P308 # ويقول : ( @QUR@011 ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ). # ويقول سبحانه : ( @QUR@07 الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ). # ويقول عز وجل : ( @QUR@011 إن المتقين في جنات ونهر ، في مقعد صدق عند ~~مليك مقتدر ). # وبعد هذا الأمر المؤكد بالتقوى ، جاء النهى عن التشبه بمن خلت قلوبهم من ~~التقوى ، فقال تعالى : ( @QUR@07 ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم ms5558 ~~أنفسهم ... ). # أى : تمسكوا أيها المؤمنون بتقوى الله تعالى ومراقبته والبعد عن كل مالا ~~يرضيه. واحذروا أن تكونوا كأولئك الذين تركوا التكاليف التي كلفهم الله ~~تعالى بها ، فتركهم سبحانه إلى أنفسهم ، بأن جعلهم ناسين لها ، فلم يسعوا ~~إلى ما ينفعها ، بل سعوا فيما يضرها ويرديها. # فالمراد بالنسيان هنا : الترك والإهمال ، والكلام على حذف مضاف. أى : ~~نسوا حقوق الله تعالى وما أوجب عليهم من تكاليف. # والفاء في قوله : ( @QUR@01 فأنساهم ) للسببية ، أى : أن نسيانهم لما يجب ~~عليهم نحو أنفسهم من تهذيب وتأديب .. كان سببه نسيانهم لما يجب عليهم نحو ~~خالقهم من طاعته وخشيته. # ثم بين سبحانه سوء مصيرهم فقال : ( @QUR@03 أولئك هم الفاسقون ) أى : ~~أولئك الذين تركوا ما يجب عليهم نحو خالقهم ونحو أنفسهم ، هم الفاسقون عن ~~أمره ، الخارجون على شريعته ودينه ، الخالدون يوم القيامة في العذاب ~~المهين. # ثم حذر سبحانه المؤمنين من نسيان طاعته ، وخشيته بأسلوب آخر فقال : ( ~~@QUR@010 لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة ، أصحاب الجنة هم الفائزون ... ). # أى : لا يستوي في حكم الله تعالى وفي جزائه ( @QUR@02 أصحاب النار ) ~~الذين استحقوا الخلود فيها ( @QUR@02 وأصحاب الجنة ) الذين ظفروا برضوانه ~~تعالى بسبب إيمانهم وعملهم الصالح .. # ( @QUR@04 أصحاب الجنة هم الفائزون ) بالسعادة التي ليس بعدها سعادة ، ~~وبالنعيم الذي لا يقاربه نعيم. # وقال سبحانه : ( @QUR@06 لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة ... ) بدون ~~بيان مالا يستويان فيه ، للإشعار بالبون الشاسع بين الفريقين ، في سلوكهم ~~وفي أعمالهم ، وفي تفكيرهم ، وفي نظرتهم إلى الحياة ، وفي العاقبة التي ~~ينتهى إليها كل فريق ... # قال صاحب الكشاف : هذا تنبيه للناس ، وإيذان لهم بأنهم لفرط غفلتهم ، ~~وقلة فكرهم في العاقبة ، وتهالكهم على إيثار العاجلة ، واتباع الشهوات : ~~كأنهم لا يعرفون الفرق بين الجنة PageV14P309 # والنار ، والبون العظيم بين أصحابهما ، وأن الفوز مع أصحاب الجنة ، فمن ~~حقهم أن يعلموا ذلك وينبهوا عليه ، كما تقول لمن يعق أباه ، هو أبوك ، ~~تجعله بمنزلة من لا يعرفه ، فتنبهه بذلك على حق الأبوة ، الذي يقتضى البر ~~والتعطف .. (1). # ومن الآيات الكثيرة التي تشبه هذه الآية في معناها ، قوله تعالى : ( ~~@QUR@013 وما يستوي الأعمى والبصير ، والذين ms5559 آمنوا وعملوا الصالحات ، ولا ~~المسيء قليلا ما تتذكرون ) (2). # ثم نوه سبحانه بشأن القرآن الكريم ، المشتمل على ألوان من الهدايات ~~والمواعظ ، والآداب والأحكام ، التي في اتباعها سعادة الناس وفوزهم فقال : ~~( @QUR@012 لو أنزلنا هذا القرآن على جبل ، لرأيته خاشعا متصدعا من خشية ~~الله ... ). # والمراد بالجبل : حقيقته والكلام على سبيل الفرض والتقدير ، واختير الجبل ~~، لأنه أشد الأشياء صلابة ، وقلة تأثر بما ينزل به. # أى : لو أنزلنا على سبل الفرض والتقدير هذا القرآن العظيم الشأن على جبل ~~من الجبال العالية الشامخة الصلبة وخاطبناه به .. لرأيت أيها العاقل هذا ~~الجبل الذي هو مثال في الشدة والغلظة والضخامة وعدم التأثر. لرأيته ( ~~@QUR@05 خاشعا متصدعا من خشية الله ). # أى : لرأيته متذللا متشققا من شدة خوفه من الله تعالى ومن خشيته. # قال الآلوسى : وهذا تمثيل لعلو شأن القرآن ، وقوة تأثيره ، والغرض من هذه ~~الآية توبيخ الإنسان على قسوة قلبه ، وقلة تخشعه عند تلاوة القرآن الكريم ، ~~وتدبر ما فيه من القوارع ، وهو الذي لو أنزل على جبل وقد ركب فيه العقل ~~لخشع وتصدع. # ويشير إلى كونه تمثيلا ، قوله تعالى : ( @QUR@06 وتلك الأمثال نضربها ~~للناس لعلهم يتفكرون ) (3). # أى : وتلك الأمثال الباهرة التي اشتمل عليها هذا القرآن العظيم ، نضربها ~~ونسوقها للناس ، لكي يتفكروا فيها ، ويعملوا بما تقتضيه من توجيهات حكيمة ~~ومن مواعظ سديدة ، ومن إرشادات نافعة. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بالثناء على ذاته تعالى وببيان بعض أسمائه ~~الحسنى فقال تعالى : PageV14P310 # ( @QUR@013 هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن ~~الرحيم (22) @QUR@019 هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام ~~المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون (23) @QUR@017 ~~هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات ~~والأرض وهو العزيز الحكيم ) (24) # قال الجمل : لما وصف تعالى القرآن بالعظم ، ومعلوم أن عظم الصفة تابع ~~لعظم الموصوف ، أتبع ذلك بوصف عظمته تعالى فقال : ( @QUR@07 هو الله الذي ~~لا إله إلا هو ) أى : هو الله الذي وجوده من ذاته ، فلا عدم له بوجه من ~~الوجوه ، فلا شيء يستحق ms5560 الوصف بهذا غيره ، لأنه هو الموجود أزلا وأبدا ، ~~فهو حاضر في كل ضمير ، غائب بعظمته عن كل حس ، فلذلك تصدع الجبل من خشيته. # أى : هو المعبود الذي لا تنبغي العبادة والألوهية إلا له ، الذي لا إله ~~إلا هو ، فإنه لا مجانس له ، ولا يليق ولا يصح ، ولا يتصور ، أن يكافئه أو ~~يدانيه شيء ... (1). # وقوله : ( @QUR@03 عالم الغيب والشهادة ) أى : هو سبحانه العليم علما ~~تاما بما غاب عن أذهان الخلائق وعقولهم ، وبما هو حاضر ومشاهد أمام أعينهم. # فالمراد بالغيب : كل ما غاب عن إحساس الناس وعن مداركهم .. # والمراد بالشهادة : ما يشاهدونه بعيونهم ، ويدركونه بعقولهم .. # والتعريف فيهما للاستغراق الحقيقي ، لأن الله تعالى لا يخفى عليه شيء في ~~هذا الكون. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 هو الرحمن الرحيم ) أى : هو العظيم الرحمة ~~الدائمة ، لأن لفظ PageV14P311 # ( @QUR@01 الرحمن ) صيغة مبالغة لكثرة الشيء وعظمته ، ولفظ ( @QUR@01 ~~الرحيم ) صيغة تدل على الدوام والاستمرار. # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 هو الله الذي لا إله إلا هو ... ) تأكيد لأمر ~~التوحيد لأن مقام التعظيم يقتضى ذلك. # ثم عدد سبحانه بعد ذلك بعض أسمائه الحسنى ، وصفاته الجليلة فقال : ( ~~@QUR@01 الملك ) أى : المالك لجميع الأشياء ، والحاكم على جميع المخلوقات ~~والمتصرف فيها تصرف المالك في ملكه. # ( @QUR@01 القدوس ) أى : المنزه عن كل نقص ، البالغ أقصى ما يتصوره العقل ~~في الطهارة وفي البعد عن النقائص والعيوب ، وعن كل ما لا يليق. # من القدس بمعنى الطهارة ، والقدس بفتح الدال اسم للإناء الذي يتطهر به ~~ومنه القادوس. # وجاء لفظ القدوس بعد لفظ الملك ، للإشعار بأنه تعالى وإن كان مالكا لكل ~~شيء ، إلا أنه لا يتصرف فيما يملكه تصرف الملوك المغرورين الظالمين ، وإنما ~~يتصرف في خلقه تصرفا منزها عن كل ظلم ونقص وعيب .. # ( @QUR@01 السلام ) أى : ذو السلامة من كل ما لا يليق ، أو ذو السلام على ~~عباده في الجنة ، كما قال تعالى : ( @QUR@05 سلام قولا من رب رحيم ). # ( @QUR@01 المؤمن ) أى : الذي وهب لعباده نعمة الأمان والاطمئنان ، والذي ~~صدق رسله بأن أظهر على أيديهم المعجزات التي تدل على أنهم صادقون فيما ~~يبلغونه عنه. # ( @QUR@01 المهيمن ) أى : الرقيب على عباده ، الحافظ ms5561 لأقوالهم وأفعالهم ~~وأحوالهم ، من الأمن ، ثم قلبت همزته هاء ، وقيل أصله هيمن بمعنى رقب ، ~~فهاؤه أصلية. # ( @QUR@01 العزيز ) أى : الذي يغلب غيره ، ولا يتجاسر على مقامه أحد .. # ( @QUR@01 الجبار ) أى : العظيم القدرة ، القاهر فوق عباده. # قال القرطبي : قال ابن عباس : الجبار : هو العظيم. وجبروت الله عظمته. ~~وهو على هذا القول صفة ذات ، من قولهم : نخلة جبارة .. # وقيل هو من الجبر وهو الإصلاح ، يقال : جبرت العظم فجبر ، إذا أصلحته بعد ~~الكسر ، فهو فعال من جبر ، إذا أصلح الكسير وأغنى الفقير .. (1). PageV14P312 # ( @QUR@01 المتكبر ) أى : الشديد الكبرياء ، والعظمة والجلالة. والتنزه ~~عما لا يليق بذاته. وهاتان الصفتان الجبار المتكبر صفتا مدح بالنسبة لله ~~تعالى ، وصفتا ذم بالنسبة لغيره تعالى ، وفي الحديث الصحيح عن أبى هريرة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال فيما يرويه عن ربه : «الكبرياء ردائي. ~~والعظمة إزارى. فمن نازعنى في واحد منهما قصمته. ثم قذفته في النار». # ( @QUR@04 سبحان الله عما يشركون ) أى : تنزه سبحانه وتقدس عن إشراك ~~المشركين. وكفر الكافرين. # ( @QUR@03 هو الله الخالق ) لكل شيء الموجد لهذا الكون على مقتضى حكمته .. # ( @QUR@01 البارئ ) أى : المبدع المخترع للأشياء. والمبرز لها من العدم ~~إلى الوجود. # ( @QUR@01 المصور ) أى : المصور للأشياء والمركب لها ، على هيئات مختلفة ~~، وأنواع شتى من التصوير ، وهو التخطيط والتشكيل .. # ( @QUR@03 له الأسماء الحسنى ) والحسنى تأنيث الأحسن. أى : له الأسماء ~~التي هي أحسن الأسماء لدلالتها على أفضل المعاني. من تحميد. وتقديس. وقدرة. ~~وسمع .. وغير ذلك من الأسماء الكريمة ، والصفات الجليلة. # ( @QUR@02 يسبح له ) تعالى وينزهه عن كل سوء ( @QUR@04 ما في السماوات ~~والأرض ) من مخلوقات .. # ( @QUR@03 وهو العزيز الحكيم ) أى : وهو عز وجل الغالب لغيره. الحكيم في ~~كل تصرفاته. # قال الإمام ابن كثير : وفي الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : «إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها ~~دخل الجنة ، وهو وتر يحب الوتر .. # ثم ذكر رحمه الله هذه الأسماء نقلا عن سنن الترمذي فقال : هو الله الذي لا ~~إله إلا هو ، الرحمن الرحيم ، الملك ، القدوس ، السلام ، المؤمن ، المهيمن ~~، العزيز ، الجبار ms5562 ، المتكبر ، الخالق ، البارئ ، المصور ، الغفار ، القهار ~~، الوهاب ، الرزاق ، الفتاح ، العليم ، القابض ، الباسط ، الخافض ، الرافع ~~، المعز ، المذل ، السميع ، البصير ، الحكم ، العدل ، اللطيف ، الخبير ، ~~الحليم ، العظيم ، الغفور ، الشكور ، العلى ، الكبير ، الحفيظ ، المقيت ، ~~الحسيب ، الجليل ، الكريم ، الرقيب ، المجيب ، الواسع ، الحكيم ، الودود ، ~~المجيد ، الباعث ، الشهيد ، الحق ، الوكيل ، القوى ، المتين ، الولي ، ~~الحميد ، المحصى ، المبدئ ، المعيد ، المحيي ، المميت ، الحي ، القيوم ، ~~الواحد ، الماجد ، الواجد ، الصمد ، القادر ، PageV14P313 # المقتدر ، المؤخر ، الأول ، الآخر ، الظاهر ، الباطن ، الوالي ، المتعالي ~~، البر ، التواب ، المنتقم ، العفو ، الرءوف ، مالك الملك ، ذو الجلال ~~والإكرام ، المقسط ، الجامع ، الغنى ، المغني ، المانع ، الضار ، النافع ، ~~النور ، الهادي ، البديع ، الباقي ، الوارث ، الرشيد الصبور. # ثم قال الإمام ابن كثير : وسياق ابن ماجة لهذا الحديث بزيادة ونقصان ، ~~وتقديم وتأخير .. والذي عول عليه جماعة من الحفاظ ، أن سرد الأسماء في هذا ~~الحديث مدرج فيه أى : ذكر الراوي في الحديث كلاما لنفسه أو لغيره من غير ~~فصل بين ألفاظ الحديث وألفاظ الراوي وأن أهل العلم جمعوا هذه الأسماء من ~~القرآن الكريم. # ثم ليعلم أن الأسماء الحسنى ليست منحصرة في التسعة والتسعين ، بدليل ما ~~رواه الإمام أحمد عن ابن مسعود ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ~~«ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن فقال : اللهم إنى عبدك ، وابن عبدك ، وابن ~~أمتك ، ناصيتي بيدك ، ماض فى حكمك ، عدل في قضاؤك ، أسألك بكل اسم هو لك ، ~~سميت به نفسك ، أو أعلمته أحدا من خلقك ، أو أنزلته في كتابك ، أن تجعل ~~القرآن ربيع قلبي ، ونور صدري. وجلاء حزنى ، وذهاب همي ، إلا أذهب الله همه ~~وحزنه ، وأبدله مكانه فرجا». # فقيل يا رسول الله ، أفلا نتعلمها؟ فقال : «بلى ، ينبغي لكل من سمعها أن ~~يتعلمها» وذكر أبو بكر بن العربي أن بعضهم جمع من الكتاب والسنة ألف اسم ~~لله تعالى (1). # وبعد : فهذا تفسير لسورة «الحشر» نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه ~~ونافعا لعباده. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # القاهرة مساء الخميس 22 من شعبان 1406 ه # 1 / 5 / 1986 م # كتبه الراجي عفو ربه # د. ms5563 محمد سيد طنطاوى PageV14P314 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الممتحنة PageV14P315 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «الممتحنة» هي السورة الستون في ترتيب المصحف ، أما ترتيبها في ~~النزول فكان بعد سورة الأحزاب ، وقبل سورة النساء ، وهي من السور المدنية ~~الخالصة ، وعدد آياتها ثلاث عشرة آية. # واشتهرت بهذا الاسم منذ العهد النبوي ، إلا أن منهم من يقرؤها بفتح الحاء ~~، على أنها صفة للمرأة التي نزلت فيها ، ومنهم من يقرؤها بكسر الحاء على ~~أنها صفة للسورة. # قال القرطبي : الممتحنة بكسر الحاء أى : المختبرة ، أضيف الفعل إليها ~~محازا ، كما سميت سورة براءة بالفاضحة ، لما كشفت من رذائل المنافقين ، ومن ~~قال في هذه السورة الممتحنة بفتح الحاء فإنه أضافها إلى المرأة التي نزلت ~~فيها. وهي أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط. قال الله تعالى : ( @QUR@04 ~~فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن ) وهي امرأة عبد الرحمن بن عوف ، ولدت له ~~إبراهيم بن عبد الرحمن (1). # وقال صاحب الإتقان : وتسمى «سورة الامتحان» و «سورة المودة». # 2 وقد افتتحت هذه السورة بتوجيه نداء إلى المؤمنين ، نهتهم فيه عن اتخاذ ~~أعداء الله وأعدائهم أولياء ، وبينت لهم ما جبل عليه هؤلاء الأعداء من ~~كراهية للحق ، كما بينت لهم سوء عاقبة من يوالى هؤلاء الأعداء. # قال تعالى ( @QUR@049 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ~~تلقون إليهم بالمودة ، وقد كفروا بما جاءكم من الحق ، يخرجون الرسول وإياكم ~~أن تؤمنوا بالله ربكم ، إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي. وابتغاء مرضاتي ~~تسرون إليهم بالمودة ، وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ، ومن يفعله منكم ~~فقد ضل سواء السبيل ). # 3 ثم انتقلت السورة الكريمة إلى دعوتهم إلى الاقتداء بأبيهم إبراهيم ~~عليه السلام الذي قطع صلته بأقرب الناس إليه ، عند ما رآه مصرا على كفره ، ~~وأعلن أنه عدو لكل من أشرك مع الله تعالى في العبادة آلهة أخرى. PageV14P317 # قال تعالى : ( @QUR@052 قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ، ~~إذ قالوا لقومهم إنا برآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله ، كفرنا بكم ، ~~وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا ms5564 بالله وحده إلا قول ~~إبراهيم لأبيه ، لأستغفرن لك ، وما أملك لك من الله من شيء ، ربنا عليك ~~توكلنا وإليك أنبنا ، وإليك المصير ). # 4 ثم بشر سبحانه المؤمنين ، بأنه بفضله وكرمه سيجمع شملهم بأقاربهم الذين ~~تشددوا في عداوتهم ، بأن يهدى هؤلاء الأقارب إلى الحق ، فيتصل حبل المودة ~~بينهم جميعا ، ببركة اجتماعهم تحت كلمة الإسلام ، فقال تعالى : ( @QUR@015 ~~عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة ، والله قدير ، والله ~~غفور رحيم ). # 5 وبعد أن رخص للمؤمنين في مودة الكفار الذين لم يقاتلوهم ولم يلحقوا بهم ~~أذى .. ونهاهم عن مودة الكفار الذين قاتلوهم وآذوهم .. بعد كل ذلك وجه ~~سبحانه نداء ثانيا إلى المؤمنين بين لهم حكم النساء اللائي أتين مؤمنات ~~إليهم ، بعد أن تركن أزواجهن الكفار ، وفصل سبحانه هذه الأحكام حرصا على ~~النساء المؤمنات. # فقال تعالى : ( @QUR@027 يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ~~فامتحنوهن ، الله أعلم بإيمانهن ، فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى ~~الكفار ، لا هن حل لهم ، ولا هم يحلون لهن ). # 6 ثم أمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبايع النساء المؤمنات على ما ~~بايع عليه الرجال ، وأن يأخذ عليهن العهود على الطاعة لله تعالى والبعد عن ~~محارمه. # قال تعالى : ( @QUR@039 يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن ~~لا يشركن بالله شيئا ، ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ، ولا يأتين ~~ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ، ولا يعصينك في معروف ، فبايعهن ~~واستغفر لهن الله ، إن الله غفور رحيم ). # 7 ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بتوجيه نداء ثالث إلى المؤمنين نهاهم فيه ~~مرة أخرى عن موالاة أعداء الله وأعدائهم .. فقال سبحانه : ( @QUR@020 يا ~~أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم ، قد يئسوا من الآخرة كما ~~يئس الكفار من أصحاب القبور ). # 8 هذا والمتأمل في هذه السورة الكريمة ، يراها قد ساقت للمؤمنين ألوانا ~~من التربية التي تغرس العقيدة السليمة في قلوبهم ، وتجعلهم يضحون من أجلها ~~بكل شيء ، ويقدمونها في تصرفاتهم على محبة الآباء والأبناء والعشيرة ~~والأموال ، وتكشف لهم ms5565 عن سوء نيات الكافرين نحوهم ، وعن حرصهم على إنزال ~~الضرر بهم ، كما ضربت لهم الأمثال بإبراهيم عليه السلام لكي يقتدوا به في ~~قوة إيمانه ، وفي إخلاصه لدينه ، كما بينت لهم من يجوز لهم مودتهم PageV14P318 # من الكافرين ، ومن لا يجوز لهم ذلك منهم .. ثم ختمت ببيان بعض الأحكام ~~التي تتعلق بالنساء المؤمنات المتزوجات من الكافرين ، وبالنساء اللائي جئن ~~إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لكي يبايعنه على الإيمان والطاعة. # وسنفصل القول في هذه الأحكام خلال تفسيرنا لهذه السورة الكريمة ،. # نسأل الله تعالى أن يلهمنا الرشد ، وأن يجنبنا الزلل. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم # د. محمد سيد طنطاوى # القاهرة مدينة نصر # 3 من شعبان سنة 1406 ه # 2 / 5 / 1986 م PageV14P319 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@049 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون ~~إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا ~~بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم ~~بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء ~~السبيل (1) @QUR@013 إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم ~~وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون (2) @QUR@013 لن تنفعكم أرحامكم ولا ~~أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير ) (3) # افتتحت سورة «الممتحنة» بهذا النداء للمؤمنين ، وقد تضمن هذا النداء ~~نهيهم عن موالاة أعداء الله وأعدائهم. # وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات منها ، ما ذكره الإمام ~~الآلوسى فقال : نزلت في حاطب بن أبى بلتعة .. فقد أخرج الإمام أحمد ، ~~والبخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن حبان ، وجماعة ~~عن على بن أبى طالب رضى الله عنه قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنا والزبير والمقداد فقال : انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ وهو مكان بين مكة ~~والمدينة فإن بها ظعينة معها كتاب ، فخذوه منها فأتونى به فخرجنا حتى أتينا ~~الروضة ، فإذا نحن بالظعينة فقلنا لها : أخرجى الكتاب. فقالت : ما معى PageV14P320 # من ms5566 كتاب ، فقلنا : أخرجى الكتاب أو لنلقين الثياب ، فأخرجته من عقاصها ، ~~فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه : من حاطب بن أبى بلتعة ، ~~إلى أناس من المشركين بمكة ، يخبرهم ببعض أمر النبي صلى الله عليه وسلم . # فقال صلى الله عليه وسلم «ما هذا يا حاطب ،؟» فقال حاطب : لا تعجل على يا ~~رسول الله إنى كنت إنسانا ملصقا في قريش ، ولم أكن منها ، وكان من معك من ~~المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهلهم وأموالهم بمكة ، فأحببت إذ فاتنى ذلك ~~من النسب فيها ، أن أصطنع إليهم يدا ، يحمون بها قرابتي ، وما فعلت ذلك ~~كفرا ولا ارتدادا عن الإسلام. # فقال عمر : دعني يا رسول الله أضرب عنقه ، فقال ، صلى الله عليه وسلم : «إنه ~~شهد بدرا ، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد ~~غفرت لكم» فنزلت هذه الآيات (1). # وقد ذكروا أن هذه القصة كانت في الوقت الذي أعد فيه النبي ~~صلى الله عليه وسلم العدة لأجل العمرة ، سنة صلح الحديبية. وقيل كانت هذه ~~القصة في الوقت الذي تهيأ النبي صلى الله عليه وسلم لفتح مكة ، وكان من بين ~~الذين علموا ذلك حاطب بن أبى يلتعة. # والمراد بالعدو هنا : الأعداء عموما ، ويدخل فيهم دخولا أوليا كفار قريش ~~، الذين أرسل إليهم حاطب بن أبى بلتعة خطابه ، لكي يحذرهم من مهاجمة ~~المسلمين لهم. # والمراد بالعداوة : العداوة الدينية التي جعلت المشركين ، يحرصون كل ~~الحرص على أذى المسلمين ، أى : يا من آمنتم بالله تعالى إيمانا حقا ، ~~احذروا أن تتخذوا أعدائى وأعداءكم أولياء وأصدقاء وحلفاء. بل جاهدوهم ~~وأغلظوا عليهم ، واقطعوا الصلة التي بينكم وبينهم. # وناداهم بصفة الإيمان ، لتحريك حرارة العقيدة الدينية في قلوبهم ولحضهم ~~على الاستجابة لما نهاهم عنه. # وقدم سبحانه عداوته للمشركين ، على عداوة المؤمنين لهم ، لأن عداوة هؤلاء ~~المشركين لله تعالى أشد وأقبح ، حيث عبدوا غير خالقهم ، وشكروا غير رازقهم ~~، وكذبوا رسل ربهم وآذوهم. # وفي الحديث القدسي : «إنى والجن والإنس في نبأ عظيم. أخلق ويعبد غيرى ، ~~وأرزق ويشكر سواي .. خيرى ms5567 إلى العباد نازل ، وشرهم إلى صاعد ، أتحبب إليهم ~~بالنعم. ويتبغضون إلى بالمعاصي». PageV14P321 # وعبر سبحانه بالاتخاذ الذي هو افتعال من الأخذ ، للمبالغة في نهيهم عن ~~موالاة هؤلاء الأعداء ، إذ الاتخاذ يشعر بشدة الملابسة والملازمة. # والمفعول الأول لقوله ( @QUR@01 تتخذوا ) قوله : ( @QUR@01 عدوي ) ~~والمفعول الثاني قوله : ( @QUR@01 أولياء ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 تلقون إليهم بالمودة ) تفسير وتوضيح لهذه ~~المولاة التي نهوا عنها أو في موضع الحال من ضمير ( @QUR@02 لا تتخذوا ). # وحقيقة الإلقاء : قذف ما في اليد على الأرض أو في الفضاء ، والمراد به ~~هنا : إيصال ما يدخل السرور على قلوب أعدائهم. والباء في قوله : ( @QUR@01 ~~بالمودة ) لتأكيد اتصال الفعل بمفعوله. # أى : احذروا أن تعاملوا أعدائى وأعداءكم معاملة الأصدقاء والحلفاء ، بأن ~~تظهروا لهم المودة والمحبة. # ويصح أن تكون الباء للسببية فيكون المعنى : تلقون إليهم بأخباركم التي لا ~~يجوز لكم إظهارها لهم ، بسبب مودتكم لهم. # وقد ذكروا أن حاطبا أرسل بهذه الرسالة إلى أهل مكة ، عند ما تجهز النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه للذهاب إليها لأجل العمرة عام الحديبية ، أو لأجل ~~فتح مكة. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ( @QUR@01 تلقون ) بم يتعلق؟ قلت : يجوز أن ~~يتعلق بقوله : ( @QUR@02 لا تتخذوا ) حالا من ضميره .. ويجوز أن يكون ~~استئنافا. # والإلقاء : عبارة عن إيصال المودة والإفضاء بها إليهم يقال : ألقى إليه ~~خراشى صدره أى أسرار صدره وأفضى إليه بقشوره. # والباء في ( @QUR@01 بالمودة ) إما زائدة مؤكدة للتعدى مثلها في قوله : ( ~~@QUR@05 ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) وإما ثابتة على أن مفعول تلقون ~~محذوف ، ومعناه : تلقون إليهم أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب المودة ~~التي بينكم وبينهم (1). # ثم ساق سبحانه الأسباب التي من شأنها تحمل المؤمنين على عدم موالاة أعداء ~~الله وأعدائهم ، فقال : ( @QUR@06 وقد كفروا بما جاءكم من الحق ) أى : لا ~~تتخذوا أيها المؤمنون هؤلاء الأعداء أولياء ، وتلقون إليهم بالمودة ، ~~والحال أن هؤلاء الأعداء قد كفروا بما جاءكم PageV14P322 # على لسان رسولكم صلى الله عليه وسلم من الحق الذي يتمثل في القرآن الكريم ، ~~وفي كل ما أوحاه سبحانه إلى رسوله. # فالمقصود من هذه الجملة الكريمة ، تصوير ms5568 هؤلاء الكافرين ، بما ينفر ~~المؤمنين من إلقاء المودة إليهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@07 يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم ) ~~بيان لسبب آخر من الأسباب التي تدعو المؤمنين إلى مقاطعة أعدائهم الكافرين. # وجملة : ( @QUR@02 يخرجون الرسول ) يصح أن تكون مستأنفة لبيان كفرهم ، أو ~~في محل نصب حال من فاعل ( @QUR@01 كفروا ) وقوله : ( @QUR@01 وإياكم ) ~~معطوف على الرسول ، وقدم عليهم على سبيل التشريف لمقامه صلى الله عليه وسلم ~~وجملة ( @QUR@02 أن تؤمنوا ) في محل نصب مفعول لأجله. # أى : أن هؤلاء الكافرين لم يكتفوا بكفرهم بما جاءكم أيها المؤمنون من ~~الحق ، بل تجاوزوا ذلك إلى محاولة إخراج رسولكم صلى الله عليه وسلم وإخراجكم ~~من مكة ، من أجل إيمانكم بالله ربكم ، وإخلاصكم العبادة له تعالى وأسند ~~سبحانه محاولة الإخراج إلى جميع الأعداء ، لأنهم كانوا راضين بهذا الفعل. ~~ومتواطئين على تنفيذه ؛ بعضهم عن طريق التخطيط له ، وبعضهم عن طريق التنفيذ ~~الفعلى. # والمتأمل في هذه الجمل الكريمة ، يراها قد ساقت أقوى الأسباب وأعظمها ، ~~للتشنيع على مشركي قريش ، ولإلهاب حماس المؤمنين من أجل عدم إلقاء المودة إليهم. # وجواب الشرط في قوله تعالى : ( @QUR@08 إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي ~~وابتغاء مرضاتي ) محذوف لدلالة ما قبله عليه أى : إن كنتم أيها المؤمنون قد ~~خرجتم من مكة من أجل الجهاد في سبيلي ، ومن أجل طلب مرضاتي ، فاتركوا اتخاذ ~~عدوى وعدوكم أولياء ، واتركوا مودتهم ومصافاتهم. # فالمقصود من الجملة الكريمة ، زيادة التهييج للمؤمنين ، حتى لا يبقى في ~~قلوبهم أى شيء من المودة نحو الكافرين. # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 تسرون إليهم بالمودة ) بدل من قوله تعالى : قبل ~~ذلك : ( @QUR@03 تلقون إليهم بالمودة ). بدل بعض من كل. لأن إلقاء المودة ~~أعم من أن تكون في السر أو في العلن. # ويصح أن يكون بدل اشتمال ، لأن الإسرار إليهم بالمودة ، مما اشتمل عليه ~~إلقاء المودة إليهم. PageV14P323 # وهذه الجملة جيء بها على سبيل العتاب والتعجيب ممن في قلبه مودة لهؤلاء ~~الكافرين ، بعد أن بين الله تعالى له ، ما يوجب قطع كل صلة بهم. # ومفعول ( @QUR@01 تسرون ) محذوف. أى : ترسلون إليهم أخبار المسلمين سرا ، ~~بسبب مودتكم لهم؟ ms5569 وجملة : ( @QUR@06 وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ) هي ~~مناط التعجيب ممن يتخذ هؤلاء الأعداء أولياء. أو من يسر إليهم بالمودة ، ~~وهي حالية من فاعل ( @QUR@01 تلقون ) و ( @QUR@01 تسرون ). # أى : تفعلون ما تفعلون من إلقاء المودة إلى عدوى وعدوكم ، ومن إسراركم ~~بها إليهم والحال أنى أعلم منهم ومنكم بما أخفيتموه في قلوبكم ، وما ~~أعلنتموه ، ومخبر رسولنا صلى الله عليه وسلم بذلك. # وما دام الأمر كذلك فكيف أباح بعضكم لنفسه ، أن يطلع عدوى وعدوكم على ما ~~لا يجوز اطلاعه عليه؟! # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@06 وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ) في ~~موضع الحال و ( @QUR@01 أعلم ) أفعل تفضيل. والمفضل عليه محذوف. أى : منكم ~~... و ( @QUR@01 ما ) موصولة أو مصدرية ، وذكر ( @QUR@02 ما أعلنتم ) مع ~~الاستغناء عنه ، للإشارة إلى تساوى العلمين في علمه عز وجل . # ولذا قدم ( @QUR@02 بما أخفيتم ). وفي هذه الحال إشارة إلى أنه لا طائل ~~لهم في إسرار المودة إليهم كأنه قيل : تسرون إليهم بالمودة والحال أنى أعلم ~~ما أخفيتم وما أعلنتم ، ومطلع رسولي على ما تسرون ، فأى فائدة وجدوى لكم في ~~الإسرار؟ (1). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة ببيان سوء عاقبة من يخالف أمره فقال : ( ~~@QUR@07 ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل ). # والضمير في قوله : ( @QUR@01 يفعله ) يعود إلى الاتخاذ المفهوم من قوله ( ~~@QUR@02 لا تتخذوا ). # أى ومن يفعل ذلك الاتخاذ لعدوي وعدوكم أولياء. ويلقى إليهم بالمودة ، فقد ~~أخطأ طريق الحق والصواب. وضل عن الصراط المستقيم. # ثم بين سبحانه حال هؤلاء الأعداء عند ما يتمكنون من المؤمنين فقال : ( ~~@QUR@013 إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم ~~بالسوء ، وودوا لو تكفرون ). # ومعنى ( @QUR@01 يثقفوكم ) يظفروا بكم ، ويدركوا طلبتهم منكم. وأصل الثقف ~~: الحذق في PageV14P324 # إدراك الشيء وفعله ، ومنه رجل ثقف إذا كان سريع الفهم ، ويقال : ثقفت ~~الرجل في الحرب إذا أدركته وظفرت به. # أى : إن يظفر بكم هؤلاء الأعداء أيها المؤمنون ويتمكنوا منكم ، يظهروا ~~لكم ما انطوت عليه قلوبهم نحوكم من بغضاء : ولا يكتفون بذلك ، بل يمدون ~~إليكم أيديهم بما يضركم ، وألسنتهم مما يؤذيكم. # ثم هم بعد كل ذلك يودون ms5570 ويتمنون أن تصيروا كفارا مثلهم. # فأنت ترى أن الآية الكريمة ، قد وضحت أن هؤلاء الكافرين ، قد سلكوا في ~~عداوتهم للمؤمنين كل مسلك ، فهم عند تمكنهم من المؤمنين يظهرون حقدهم ~~القديم ، ويؤذونهم بأيديهم وألسنتهم ، ويتمنون في جميع الأحوال أن يردوهم ~~بعد إيمانهم كافرين. # وقال سبحانه : ( @QUR@02 ويبسطوا إليكم .. ) للإشعار بكثرة ما ينزلونه ~~بالمؤمنين من أذى ، إذ التعبير بالبسط يدل على الكثرة والسعة. # وقوله : ( @QUR@03 وودوا لو تكفرون ) معطوف على جملة الشرط والجزاء ، ~~ويكون سبحانه قد أخبر عنهم بخبرين : # أحدهما : ما تضمنته الجملة الشرطية من عداوتهم للمؤمنين. # وثانيهما : تمنيهم ارتدادهم من الإيمان إلى الكفر. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف أورد جواب الشرط مضارعا مثله ، ثم قال : ~~( @QUR@01 وودوا ) بلفظ الماضي؟ # قلت : الماضي وإن كان يجرى في باب الشرط مجرى المضارع في علم الإعراب. ~~فإن فيه نكتة ، كأنه قيل : وودوا قبل كل شيء كفركم وارتدادكم. يعنى : أنهم ~~يريدون ان يلحقوا بكم مضار الدنيا والدين جميعا ، من قتل الأنفس وتمزيق ~~الأعراض ، وردكم كفارا. # وهذا الرد إلى الكفر أسبق المضار عندهم وأولها ، لعلمهم أن الدين أعز ~~عليكم من أرواحكم ، لأنكم بذالون لها دونه. والعدو أهم شيء عنده ، أن يقصد ~~أعز شيء عند صاحبه (1). # ثم بين سبحانه الآثار السيئة التي تترتب على ضلالهم عن سواء السبيل فقال ~~: ( @QUR@09 لن تنفعكم أرحامكم. ولا أولادكم ، يوم القيامة يفصل بينكم ... ). PageV14P325 # والأرحام : جمع رحم والمراد بهم الأقارب ، الذين كان بعض المؤمنين يوالون ~~المشركين من أجلهم. # أى : منكم أيها المؤمنون من أفشى أسراركم للكافرين ، خوفا على أقاربه أو ~~أولاده الذين يعيشون في مكة مع هؤلاء الكافرين ، والحق أنه لن تنفعكم ~~قراباتكم ولا أولادكم الذين توالون المشركين من أجلهم شيئا من النفع يوم ~~القيامة ، لأنه في هذا اليوم ( @QUR@02 يفصل بينكم ) أى يفرق بينكم وبين ~~أقاربكم وأولادكم يوم القيامة ، كما قال تعالى : ( @QUR@010 فإذا نفخ في ~~الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ) وكما قال سبحانه : ( @QUR@015 ~~يوم يفر المرء من أخيه ، وأمه وأبيه ، وصاحبته وبنيه ، لكل امرئ منهم يومئذ ~~شأن يغنيه ). # وخص سبحانه الأولاد بالذكر مع أنهم ms5571 من الأرحام ، لمزيد المحبة لهم والحنو عليهم. # قال الشوكانى : ، وجملة ( @QUR@04 يوم القيامة يفصل بينكم ) مستأنفة ~~لبيان عدم نفع الأرحام والأولاد في ذلك اليوم. ومعنى ( @QUR@02 يفصل بينكم ~~) يفرق بينكم ، فيدخل أهل طاعته الجنة. ويدخل أهل معصيته النار ، وقيل : ~~المراد بالفصل بينهم ، أنه يفر كل منهم من الآخر من شدة الهول .. قيل : ~~ويجوز أن يتعلق ( @QUR@02 يوم القيامة ) بما قبله. أى : لن تنفعكم أرحامكم ~~ولا أولادكم يوم القيامة ، فيوقف عليه ، ويبتدأ بقوله ( @QUR@02 يفصل بينكم ~~) والأولى أن يتعلق بما بعده أى : يفصل بينكم يوم القيامة ، فيوقف على ( ~~@QUR@01 أولادكم ) ويبتدأ بيوم القيامة (1). # وقراءة الجمهور ( @QUR@02 يفصل بينكم ) بضم الياء وإسكان الفاء وفتح ~~الصاد على البناء للمجهول. وقرأ عاصم ( @QUR@02 يفصل بينكم ) بفتح الياء ~~وكسر الصاد على البناء للفاعل ، وقرأ حمزة والكسائي ( @QUR@02 يفصل بينكم ) ~~بضم الياء وفتح الفاء وتشديد الصاد مع الكسر بالبناء للفاعل أيضا . # وقرأ ابن عامر ( @QUR@02 يفصل بينكم ) بضم الياء وفتح الفاء وتشديد الصاد ~~مع الفتح على البناء للمجهول. # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@04 والله بما تعملون بصير ) ~~أى : والله تعالى لا يخفى عليه شيء من أعمالكم ، بل هو مطلع عليها اطلاعا ~~تاما وسيجازيكم يوم القيامة بما تستحقونه من ثواب أو عقاب. # هذا ، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من الآيات الكريمة ما يأتى : PageV14P326 # 1 أن هذه الآيات أصل في النهى عن موالاة الأعداء ومصافاتهم بأية صورة من ~~الصور ، وشبيه بها قوله تعالى : ( @QUR@018 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا ~~مبينا ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@024 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم ~~لا يألونكم خبالا. ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم ~~أكبر ) (2). # 2 أن هذه الآيات الكريمة تتجلى فيها رحمة الله تعالى بعباده المؤمنين ، ~~حيث ناداهم بهذه الصفة مع وقوع بعضهم في الخطأ الجسيم ، وهو إفشاء أسرار ~~المؤمنين لأعدائهم قالوا : وفي هذا رد على المعتزلة الذين يقولون : إن ~~المعصية تنافى الإيمان. # 3 أن هذه الآيات الكريمة فيها ما فيها من ms5572 الأساليب الحكيمة في الدعوة إلى ~~الفضائل واجتناب الرذائل ، لأن الله تعالى عند ما نهى المؤمنين عن موالاة ~~أعدائه وأعدائهم ، ساق لهم الأسباب التي تحملهم على قطع كل صلة بهؤلاء ~~الأعداء. بأن ذكر لهم أن هؤلاء الأعداء قد كفروا بالحق ، وحرصوا على إخراج ~~الرسول والمؤمنين من ديارهم ، وأنهم إن يتمكنوا من المؤمنين ، فسينزلون بهم ~~أشد ألوان الأذى. # وهكذا يجب أن يتعلم الدعاة إلى الله تعالى أن على رأس الوسائل التي ~~توصلهم إلى النجاح في دعوتهم ، أن يأتوا في دعوتهم بالأسباب المقنعة ~~لاعتناق الحق ، واجتناب الباطل. # 4 أن هذه الآيات الكريمة صريحة في أن ما يتعلق بالدين والعقيدة ، يجب أن ~~يقدم على ما يتعلق بالأرحام والأولاد ، لأن الأرحام والأولاد لن تنفع يوم ~~القيامة ، وإنما الذي ينفع هو ما يتعلق بالاستجابة لما يفرضه الدين علينا ~~من واجبات وتكاليف. # وبعد هذا النهى للمؤمنين عن موالاة أعداء الله وأعدائهم .. ساقت لهم ~~السورة الكريمة ، جانبا من قصة إبراهيم عليه السلام الذي تبرأ من كل صلة ~~تربطه بغيره سوى صلة الإيمان ، وإخلاص العبادة لله تعالى ، وأمرتهم بأن ~~يقتدوا به في ذلك لينالوا رضا الله عز وجل فقال تعالى : # ( @QUR@012 قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم PageV14P327 # @QUR@040 إنا برآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا ~~وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه ~~لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا ~~وإليك المصير (4) @QUR@013 ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا ~~إنك أنت العزيز الحكيم (5) @QUR@019 لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان ~~يرجوا الله واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد ) (6) # والأسوة كالقدوة ، وهي اتباع الغير على الحالة التي يكون عليها ، قال ~~تعالى : ( @QUR@08 لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ). # قال الآلوسى : قوله تعالى : ( @QUR@07 قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم ~~) تأكيد لأمر الإنكار عليهم ، والتخطئة في موالاة الكفار ، بقصة إبراهيم ~~عليه السلام ومن معه ms5573 ، ليعلم أن الحب في الله تعالى والبغض فيه سبحانه من ~~أوثق عرا الإيمان ، فلا ينبغي أن يغفل عنها. # والأسوة بضم الهمزة وكسرها بمعنى الائتساء والاقتداء ، وتطلق على الخصلة ~~التي من حقها أن يؤتسى ويقتدى بها ، وعلى نفس الشخص المؤتسى به (1). # والمعنى : قد كان لكم أيها المؤمنون أسوة حسنة ، وخصلة حميدة ، ومنقبة ~~كريمة ، في قصة أبيكم إبراهيم عليه السلام ، وفي قصة الذين آمنوا معه. # وافتتح سبحانه الكلام بقوله : ( @QUR@02 قد كانت ) لتأكيد الخبر ، فإن ~~هذا الأسلوب المشتمل على قد وفعل الكون ، يفيد التأكيد بموجب الخبر ، ~~والتعريض بغفلة من يخالفه. # ووصف سبحانه الأسوة بالحسن ، على سبيل المدح لها والتحريض على الاقتداء ~~بصاحبها. PageV14P328 # وعطف سبحانه على إبراهيم الذين آمنوا معه ، ليتم التمثيل لحال المسلمين ~~مع رسولهم صلى الله عليه وسلم أى : كونوا أيها المؤمنون متأسين ومقتدين ~~برسولكم صلى الله عليه وسلم ومطيعين له ، ومستجيبين لتوجيهاته ، كما كان أتباع ~~أبيكم إبراهيم كذلك. # ثم بين سبحانه ما يجب عليهم الاقتداء به من حال إبراهيم عليه السلام ~~والمؤمنين معه ، فقال : ( @QUR@023 إذ قالوا لقومهم إنا برآؤا منكم ، ومما ~~تعبدون من دون الله ، كفرنا بكم ، وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا ~~، حتى تؤمنوا بالله وحده ) و ( @QUR@01 إذ ) ظرف زمان بمعنى وقت وحين ، وهو ~~بدل اشتمال من إبراهيم والذين معه. أو خبر لكان. # و ( @QUR@01 برآؤا ) جمع برىء. يقال : برئ فلان من كذا يبرأ براء وبراءة. ~~إذا ابتعد عنه ، لكراهته له. # أى : قد كان لكم أيها المؤمنون أسوة حسنة في إبراهيم عليه السلام وفي ~~الذين آمنوا معه ، وقت أن قالوا لقومهم الكافرين ، بشجاعة وقوة : إنا برآء ~~منكم ، ومن آلهتكم التي تعبدونها من دون الله عز وجل وإننا قد كفرنا بكم ~~وبمعبوداتكم ( @QUR@01 وبدا ) أى : وظهر بيننا وبينكم العداوة والبغض على ~~سبيل التأييد والاستمرار ، ولن نتخلى عن ذلك معكم ، حتى تؤمنوا بالله تعالى ~~وحده ، وتتركوا عبادتكم لغيره تعالى . # فأنت ترى أن إبراهيم عليه السلام والمؤمنين معه ، قد أعلنوا بكل شجاعة ~~وشدة ، إيمانهم الكامل بالحق ، وبراءتهم وكراهيتهم واحتقارهم ، لكل من أشرك ~~مع الله تعالى ms5574 في العبادة آلهة أخرى. # وأنهم لم يكتفوا بالتغيير القلبي للمنكر ، بل جاهروا بعداوتهم له ، ~~وبالتنزه عن اقترابهم منه. وبتجافيهم عنه ... ولعل هذا هو أقصى ما كانوا ~~يملكونه بالنسبة لتغيير هذا المنكر في ذلك الوقت. # وقد أخبرنا القرآن الكريم أن إبراهيم عليه السلام لم يكتف بذلك ، بل حطم ~~الأصنام التي كان يعبدها قومه وقال لهم : ( @QUR@09 أف لكم ولما تعبدون من ~~دون الله أفلا تعقلون ). # قال صاحب الكشاف : أى : كان فيهم أى : في إبراهيم ومن آمن معه مذهب حسن ~~مرضى ، جدير بأن يؤتسى به ، ويتبع أثره ، وهو قولهم لكفار قومهم ما قالوا ، ~~حيث كاشفوهم بالعداوة ، وقشروا لهم العصا ، وأظهروا لهم البغضاء والمقت ، ~~وصرحوا بأن سبب عداوتهم وبغضائهم ، ليس إلا كفرهم بالله. # وما دام هذا السبب قائما ، كانت العداوة قائمة ، حتى إن أزالوه وآمنوا ~~بالله وحده ، PageV14P329 # انقلبت العداوة موالاة ، والبغضاء مودة ، والمقت محبة فأفصحوا عن محض ~~الإخلاص .. (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@06 إلا قول إبراهيم لأبيه ، لأستغفرن لك .. ) كلام ~~معترض بين الأقوال التي حكاها سبحانه عن إبراهيم عليه السلام . # والاستثناء يترجح أنه منقطع ، لأن هذا القول من إبراهيم لأبيه ، ليس من ~~جنس الكلام السابق ، الذي تبرأ فيه هو ومن معه مما عليه أقوامهم الكافرون. # والمعنى : اقتدوا أيها المؤمنون بأبيكم إبراهيم عليه السلام وبالذين آمنوا ~~معه ، في براءتهم من الشرك والمشركين .. ولكن لا تقتدوا به في استغفاره ~~لأبيه الكافر ، لأن استغفاره له كان عن موعدة وعدها إياه ، فلما تبين له ~~أنه عدو لله تبرأ منه. # قال الإمام الشوكانى ما ملخصه : قوله : ( @QUR@06 إلا قول إبراهيم لأبيه ~~لأستغفرن لك .. ) هو استثناء متصل من قوله : ( @QUR@02 في إبراهيم ) بتقدير ~~مضاف .. أى : قد كانت لكم أسوة حسنة في مقالات إبراهيم ، إلا في قوله لأبيه ~~: لأستغفرن لك. # ويصح أن يكون استثناء متصلا من قوله : ( @QUR@02 أسوة حسنة ) وصح ذلك لأن ~~القول من جملة الأسوة ، فكأنه قيل : قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم في ~~جميع أقواله وأفعاله ، إلا في قوله لأبيه لأستغفرن لك. # أو هو استثناء منقطع ، أى : اقتدوا بإبراهيم في كل أقواله وأحواله ms5575 ، لكن ~~لا تقتدوا به في قوله لأبيه المشرك : لأستغفرن لك ، بأن تستغفروا لآبائكم ~~المشركين ، لأن استغفار إبراهيم لأبيه المشرك كان عن موعدة وعدها إياه ، أو ~~أنه ظن أن أباه قد أسلم .. (2). # وقوله سبحانه ( @QUR@07 وما أملك لك من الله من شيء ) حكاية لبقية كلام ~~إبراهيم لأبيه ، وليس الاستثناء متوجها إليه ، لأن هذه الجملة بيان لما ~~تحلى به إبراهيم عليه السلام من آداب مع ربه تعالى حيث فوض الأمر إليه ~~سبحانه . # أى : وعد إبراهيم أباه بالاستغفار له ، أملا في هدايته ، وقال له : يا ~~أبت إنى لا أملك لك من أمر قبول الاستغفار شيئا ، بل الأمر كله لله ، إن ~~شاء عذبك وإن شاء عفا عنك ، والجملة الكريمة في محل نصب على الحال من فاعل ~~( @QUR@02 لأستغفرن لك ) أى : لأستغفرن لك حالة كوني لا أملك من أمر ~~المغفرة أو غيرها شيئا ، وإنما الذي يملك ذلك هو الله عز وجل . # ثم حكى سبحانه بعد ذلك جانبا مما تضرع به إبراهيم عليه السلام إلى خالقه ~~فقال : ( @QUR@07 ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ). PageV14P330 # أى : يا ربنا عليك وحدك فوضنا أمورنا ، وإليك وحدك قبول توبتنا ، وإليك ~~لا إلى أحد سواك مرجعنا ومصيرنا. # ( @QUR@06 ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ) والفتنة هنا مصدر بمعنى ~~المفتون ، أى : المعذب ، مأخوذ من فتن فلان الفضة إذا أذابها. # أى : يا ربنا لا تجعلنا مفتونين معذبين لهؤلاء الكافرين ، بأن تسلطهم ~~علينا فيفتنونا بعذاب لا نستطيع صده ، كما قال تعالى : ( @QUR@05 إن الذين ~~فتنوا المؤمنين والمؤمنات ... ) أى : عذبوهم وحاولوا إنزال الضرر والأذى بهم. # ويصح أن يكون المعنى : يا ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ، بأن تعذبنا ~~بأيديهم ، فيظنوا بسبب ذلك أنهم على الحق ، ونحن على الباطل ، ويزعموا أننا ~~لو كنا على الحق ما انتصروا علينا. # ولبعض العلماء رأى آخر في فهم هذه الآية ، وهو أن المراد بالفتنة هنا : ~~اضطراب حال المسلمين وفساده. وكونهم لا يصلحون أن يكونوا قدوة لغيرهم في ~~وجوه الخير ... فيكون المعنى : يا ربنا لا تجعل أعمالنا وأقوالنا سيئة. ~~فيترتب على ذلك أن ينفر الكافرون ms5576 من ديننا ، بحجة أنه لو كان دينا سليما ، ~~لظهر أثر ذلك على أتباعه ، ولكانوا بعيدين عن كل تفرق وتباعد وتأخر. # قال بعض العلماء ما ملخصه : قوله : ( @QUR@06 ربنا لا تجعلنا فتنة للذين ~~كفروا ). الفتنة : اضطراب الحال وفساده ، وهي اسم مصدر ، فتجيء بمعنى ~~المصدر ، كقوله تعالى : ( @QUR@04 والفتنة أشد من القتل ). # وتجيء وصفا للمفتون والفاتن. # ومعنى جعلهم فتنة للذين كفروا : جعلهم مفتونين يفتنهم الذين كفروا ، ~~فيصدق ذلك بأن يتسلط عليهم الذين كفروا فيفتنون. # ويصدق أيضا بأن تختل أمور دينهم بسبب الذين كفروا. أى : بسبب محبتهم ~~والتقرب منهم. # وعلى الوجهين ، فالفتنة من إطلاق المصدر على اسم المفعول .. واللام في ~~«للذين كفروا» على الوجهين أيضا للملك ، أى : مفتونين مسخرين لهم. # ويجوز عندي أن تكون «فتنة» مصدرا بمعنى اسم الفاعل ، أى : لا تجعلنا ~~فاتنين ، أى : سبب فتنة للذين كفروا ، فيكون كناية عن معنى : لا تغلب الذين ~~كفروا علينا ، واصرف عنا PageV14P331 # ما يكون من اختلال أمرنا ، وسوء الأحوال ، كي لا يكون شيء من ذلك فاتنا ~~للذين كفروا .. أى : يزيدهم كفرا ، لأنهم يظنون أنا على الباطل وأنهم على ~~الحق (1). # وقوله : ( @QUR@07 واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم ) أى : واغفر ~~لنا يا ربنا ذنوبنا ، إنك أنت الغالب الذي لا يغالب ، الحكيم في كل أقواله ~~وأفعاله. # وقوله سبحانه : ( @QUR@012 لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجوا ~~الله واليوم الآخر ) تأكيد لقوله تعالى قبل ذلك : ( @QUR@07 قد كانت لكم ~~أسوة حسنة في إبراهيم ) والغرض من هذا التأكيد ، تحريض المؤمنين على التأسى ~~بالسابقين في قوة إيمانهم وشدة إخلاصهم. # أى : لقد كان لكم أيها المؤمنون أسوة حسنة ، وقدوة طيبة ، في أبيكم ~~إبراهيم عليه السلام وفيمن آمن به ، وهذه القدوة إنما ينتفع بها من كان يرجو ~~لقاء الله تعالى ورضاه ، ومن كان يرجو ثوابه وجزاءه الطيب. # وجيء بلام القسم في قوله : ( @QUR@03 لقد كان لكم .. ) على سبيل المبالغة ~~في التأكيد بوجوب التأسى بإبراهيم ، وبمن آمن معه. # وجملة ( @QUR@06 لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر ) بدل من قوله ( ~~@QUR@01 لكم ) بدل اشتمال. # وفائدة هذا البدل : الإيذان بأن من ms5577 يؤمن بالله واليوم الآخر ، لا يترك ~~الاقتداء بإبراهيم عليه السلام وبمن آمن معه ، وأن ترك ذلك من علامات عدم ~~الإيمان الحق. # كما ينبئ عنه التحذير في قوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@07 ومن يتول فإن ~~الله هو الغني الحميد ). # أى : ومن يعرض عن هذا التأسى ، فوبال إعراضه عليه وحده ، فإن الله تعالى ~~هو الغنى عن جميع خلقه ، الحميد لمن يمتثل أمره. # والمتدبر في هذه الآيات الكريمة ، من أول السورة إلى هنا ، يجد أن الله ~~تعالى لم يترك وسيلة للتنفير من موالاة أعدائه ، إلا أظهرها وكشف عنها. # ثم فتح سبحانه لعباده باب رحمته وفضله ، فبشرهم بأنه قد يهدى إلى الإسلام ~~قوما من الأعداء الذين تربط بينهم وبين المؤمنين رابطة الدم والقرابة وحدد ~~لهم القواعد التي عليها يبنون مودتهم وعداوتهم لغيرهم ، فقال تعالى : PageV14P332 # ( @QUR@015 عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله ~~قدير والله غفور رحيم (7) @QUR@021 لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في ~~الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ~~(8) @QUR@021 إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من ~~دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ) (9) # «عسى» فعل مقاربة يدل على الرجاء ، وإذا صدر من الله تعالى كان متحقق ~~الوقوع ، لصدوره من أكرم الأكرمين. # قال صاحب الكشاف : «عسى» وعد من الله على عادات الملوك ، حيث يقولون في ~~بعض الحوائج : عسى أو لعل ، فلا تبقى شبهة للمحتاج في تمام ذلك ، أو قصد به ~~إطماع المؤمنين (1). # وقال الجمل في حاشيته : لما أمر الله المؤمنين بعداوة الكفار ، عادى ~~المؤمنون أقرباءهم المشركين وأظهروا لهم العداوة والبراءة. وعلم الله شدة ~~ذلك على المؤمنين ، فوعد سبحانه المسلمين بإسلام أقاربهم الكفار ، ~~فيوالونهم موالاة جائزة ، وذلك من رحمته سبحانه بالمؤمنين ، ورأفته بهم ، ~~فقال : ( @QUR@010 عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة ) (2). # والمعنى : عسى الله تعالى أن يجعل بينكم أيها المؤمنون وبين الذين ~~عاديتموهم من أقاربكم الكفار ، مودة ومحبة .. بأن يهديهم إلى الدخول في دين ~~الإسلام ، فتتحول ms5578 عداوتكم لهم ، إلى أخوة صادقة. وصلة طيبة ، ومحبة شديدة. # وقد أنجز الله تعالى وعده ، فهدى كثيرا من كفار قريش إلى الدخول في ~~الإسلام ، PageV14P333 # والتقوا هم وأقاربهم الذين سبقوهم إلى الإسلام ، على طاعة الله ومحبته ، ~~والدفاع عن دينه ، وبذل أنفسهم وأموالهم في سبيله. # ( @QUR@05 والله قدير ، والله غفور رحيم ) أى : والله تعالى شديد القدرة ~~على أن يغير أحوال القلوب ، فيصبح المشركون مؤمنين ، والأعداء أصدقاء ، ~~والله تعالى واسع المغفرة والرحمة ، لمن استجاب لأمره ونهيه ، وأقلع عن ~~المعصية إلى الطاعة ، ونبذ الكفر وتحول إلى الإيمان. # فالآية الكريمة بشارة عظيمة للمؤمنين ، بأنه سبحانه كفيل بأن يجمع شملهم ~~بكثير من أقاربهم الكافرين ، وبأن يحول العداء الذي بينهم ، إلى مودة ومحبة ~~، بسبب التقاء الجميع على طاعة الله تعالى وإخلاص العبادة له. # وقد تم ذلك بصورة موسعة ، بعد أن فتحت مكة ، ودخل الناس في دين الله ~~أفواجا. # ثم بين سبحانه للمؤمنين القاعدة التي يسيرون عليها في مودتهم وعداوتهم ~~وصلتهم ومقاطعتهم. فقال تعالى : ( @QUR@021 لا ينهاكم الله عن الذين لم ~~يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ، أن تبروهم وتقسطوا إليهم ، إن ~~الله يحب المقسطين ). # وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية والتي بعدها روايات منها ، ما ~~أخرجه البخاري وغيره عن أسماء بنت أبى بكر الصديق قالت : أتتنى أمى راغبة ~~أى : في عطائي وهي مشركة في عهد قريش ... فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أأصلها؟ فأنزل الله تعالى : ( @QUR@03 لا ينهاكم الله ). # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «نعم صلى أمك». # وروى الإمام أحمد وجماعة عن عبد الله بن الزبير قال : قدمت قتيلة بنت عبد ~~العزى وهي مشركة على ابنتها أسماء بنت أبى بكر بهدايا ، فأبت أسماء أن تقبل ~~هديتها ، أو تدخلها بيتها ، حتى أرسلت إلى عائشة ، لكي تسأل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن هذا ، فسألته ، فأنزل الله تعالى ( @QUR@09 لا ينهاكم ~~الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ). # وقال الحسن وأبو صالح : نزلت هذه الآية في قبائل من العرب كانوا قد ~~صالحوا النبي صلى الله عليه ms5579 وسلم على أن لا يقاتلوه ، ولا يعينوا عليه. # وقال مجاهد : نزلت في قوم بمكة آمنوا ولم يهاجروا ، فكان المهاجرون ~~والأنصار يتحرجون من برهم ، لتركهم فرض الهجرة. # قال الآلوسى بعد أن ذكر هذه الروايات وغيرهما : والأكثرون على أنها في كفرة PageV14P334 # اتصفوا بما في حيز الصلة .. (1). # والذي تطمئن إليه النفس أن هاتين الآيتين ، ترسمان للمسلمين المنهج الذي ~~يجب أن يسيروا عليه مع غيرهم ، وهو أن من لم يقاتلنا من الكفار ، ولم يعمل ~~أو يساعد على إلحاق الأذى والضرر بنا ، فلا يأس من بره وصلته. # ومن قاتلنا ، وحاول إيذاءنا منهم. فعلينا أن نقطع صلتنا به ، وأن نتخذ ~~كافة الوسائل لردعه وتأديبه ، حتى لا يتجاوز حدوده معنا. # والمعنى : ( @QUR@03 لا ينهاكم الله ) تعالى أيها المؤمنون ( @QUR@01 عن ~~) مودة وصلة الكافرين ( @QUR@09 الذين لم يقاتلوكم ، في الدين ، ولم ~~يخرجوكم من دياركم ) أى : لم يقاتلوكم من أجل أنكم مسلمون ، ولم يحاولوا ~~إلحاق أى أذى بكم ، كالعمل على إخراجكم من دياركم. # لا ينهاكم الله تعالى عن ( @QUR@02 أن تبروهم ) أى : عن أن تحسنوا ~~معاملتهم وتكرموهم. وعن أن ( @QUR@02 تقسطوا إليهم ) أى تقضوا إليهم بالعدل ~~، وتعاملوهم بمثل معاملتهم لكم ، ولا تجوروا عليهم في حكم من الأحكام. # ( @QUR@04 إن الله يحب المقسطين ) أى العادلين في أقوالهم وأفعالهم ~~وأحكامهم ، الذين ينصفون الناس ، ويعطونهم العدل من أنفسهم ، ويحسنون إلى ~~من أحسن إليهم. # ( @QUR@03 إنما ينهاكم الله ) تعالى ( @QUR@01 عن ) بر وصلة ( @QUR@04 ~~الذين قاتلوكم في الدين ) أى قاتلوكم لأجل أنكم على غير دينهم ( @QUR@03 ~~وأخرجوكم من دياركم ) التي تسكنونها ( @QUR@03 وظاهروا على إخراجكم ). # أى : وعاونوا غيرهم على إخراجكم من دياركم ، يقال : ظاهر فلان فلانا على ~~كذا ، إذا عاونه في الوصول إلى مطلبه. # وقوله : ( @QUR@02 أن تولوهم ) بدل اشتمال ( @QUR@03 عن الذين قاتلوكم ) ~~أى : ينهاكم سبحانه عن موالاة ، ومواصلة ، وبر الذين قاتلوكم في الدين ، ~~وأخرجوكم من دياركم. # ( @QUR@02 ومن يتولهم ) أى : ومن يبر منكم أيها المؤمنون هؤلاء الذين ~~قاتلوكم ( @QUR@01 فأولئك ) الذين يفعلون ذلك ( @QUR@02 هم الظالمون ) ~~لأنفسهم ظلما شديدا يستحقون بسببه العقاب الذي لا يعلمه إلا هو سبحانه . # فأنت ترى أن الآية الأولى قد رخصت لنا في ms5580 البر والصلة قولا وفعلا للكفار ~~الذين لم يقاتلونا لأجل ديننا ، ولم يحاولوا الإساءة إلينا ، بينما الآية ~~الثانية قد نهتنا عن البر أو الصلة PageV14P335 # لأولئك الكافرين ، الذين قاتلونا من أجل مخالفتنا لهم في العقيدة ، ~~وحاولوا إخراجنا من ديارنا أو أخرجوا بعضنا بالفعل وعاونوا غيرهم على إنزال ~~الأذى بنا. # هذا ، ويرى بعض العلماء أن الآية الأولى منسوخة. # قال القرطبي : قال ابن زيد : كان هذا في أول الإسلام عند الموادعة ، وترك ~~الأمر بالقتال ، ثم نسخ هذا الحكم. # قال قتادة : نسخها قوله تعالى ( @QUR@04 فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) (1). # والذي عليه المحققون من العلماء ، أن الآية محكمة وليست منسوخة ، لأنها ~~تقرر حكما يتفق مع شريعة الإسلام في كل زمان ومكان ، وهو أننا لا نؤذى إلا ~~من آذانا ، ولا نقاتل إلا من أظهر العداوة لنا بأية صورة من الصور. # وأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله تؤيد عدم النسخ ، فقد كان ~~صلى الله عليه وسلم يستقبل الوفود التي تأتيه لمناقشتها في بعض الأمور الدينية ~~، مقابلة كريمة ، ويتجلى ذلك فيما فعله مع وفد نجران ، ووفد تميم وغيرهما. # كذلك مما يؤيد عدم النسخ ، أنه لا تعارض بين هذه الآية ، وبين آية السيف ~~، لأن الأمر بالقتال إنما هو بالنسبة لقوم يستحقونه ، بأن يكونوا قد ~~قاتلونا أو أخرجونا من ديارنا ، كما جاء في الآية الثانية. # وأما الرخصة في البر والصلة ، فهي في شأن الذين لم يقاتلونا ولم يخرجونا ~~من ديارنا ، وهذا ما صرحت به الآية الأولى. # ورحم الله الإمام ابن جرير فقد قال بعد أن ذكر الآراء في ذلك : وأولى ~~الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : عنى بقوله تعالى : ( @QUR@09 لا ~~ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين .. ) جميع أصناف الملل والأديان ~~، أن تبروهم وتصلوهم وتقسطوا إليهم .. ويشمل ذلك من كانت تلك صفته ، دون ~~تخصيص لبعض دون بعض. # ولا معنى لقول من قال : ذلك منسوخ ، لأن بر المؤمن من أهل الحرب ، ممن ~~بينه وبينه قرابة نسب ، أو ممن لا قرابة بينه ولا نسب ، غير محرم ، ولا ~~منهى عنه ، إذا لم ms5581 يكن في ذلك ، دلالة له أو لأهل الحرب ، على عورة لأهل ~~الإسلام ، أو تقوية لهم بكراع أو سلاح (2). PageV14P336 # ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان بعض الأحكام التي تتعلق بالنساء ~~المؤمنات ، اللاتي تركن أزواجهن الكفار ، ورغبن في الهجرة إلى دار السلام ~~فقال تعالى : # ( @QUR@056 يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ~~الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل ~~لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا ~~آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر وسئلوا ما أنفقتم وليسئلوا ما ~~أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم (10) @QUR@021 وإن فاتكم ~~شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا ~~واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ) (11) # قال الإمام القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@08 يا أيها الذين آمنوا إذا ~~جاءكم المؤمنات مهاجرات ): لما أمر الله المسلمين بترك موالاة المشركين ، ~~واقتضى ذلك مهاجرة المسلمين عن بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام ، وكان التناكح ~~من أوكد أسباب الموالاة ، فبين سبحانه أحكام مهاجرة النساء. # قال ابن عباس : جرى الصلح مع مشركي قريش عام الحديبية على أن من أتاه من ~~أهل مكة رده إليهم ، فجاءت سعيدة بنت الحارث الأسلمية بعد الفراغ من الكتاب ~~، والنبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية بعد ، فأقبل زوجها وكان كافرا .. فقال ~~: يا محمد ، اردد على امرأتى ، فإنك شرطت ذلك ، وهذه طينة الكتاب لم تجف ~~بعد ، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقيل : جاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط ، فجاء أهلها يسألون رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يردها. # وقيل : هربت من زوجها عمرو بن العاص ومعها أخواها فرد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أخويها وحبسها ، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ردها علينا ~~للشرط ، فقال : «كان الشرط في الرجال لا في PageV14P337 # النساء» فأنزل الله هذه الآية (1). # والمعنى : يا من آمنتم بالله تعالى حق الإيمان ، ( @QUR@04 إذا جاءكم ~~المؤمنات مهاجرات )، من دار الكفر إلى دار الإيمان ، وراغبات في فراق ~~الكافرين ms5582 ، والبقاء معكم. # ( @QUR@01 فامتحنوهن ) أى : فاختبروهن اختبارا يغلب معه الظن بأنهن ~~صادقات في هجرتهن وفي إيمانهن ، وفي موافقة قلوبهن لألسنتهن. # وقد ذكر ابن جرير في كيفية امتحانهن صيغا منها : ما جاء عن ابن عباس أنه ~~قال : كانت المرأة إذا أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم حلفها بأنها ما خرجت ~~بغضا لزوجها ، ولا رغبة في الانتقال من أرض إلى أرض ، ولا التماسا لدنيا ، ~~وإنما خرجت حبا لله ولرسوله (2). # وجملة : ( @QUR@03 الله أعلم بإيمانهن ) معترضة لبيان أن معرفة خفايا ~~القلوب ، مردها إلى الله تعالى وحده. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@03 الله أعلم بإيمانهن ) أى : منكم ، ~~لأنكم لا تكسبون فيه علما تطمئن معه نفوسكم ، وإن استحلفتموهن ودرستم ~~أحوالهن ، وعند الله حقيقة العلم به (3). # والمراد بالعلم في قوله تعالى : ( @QUR@07 فإن علمتموهن مؤمنات فلا ~~ترجعوهن إلى الكفار ) الظن الغالب. # أى : فإن غلب على ظنكم بعد امتحانهن أنهن مؤمنات صادقات في إيمانهن ، ~~فأبقوهن عندكم ، ولا ترجعوهن إلى أزواجهن أو إلى أهلهن من الكفار. # وسمى الظن القوى علما للإيذان بأنه كالعلم في وجوب العمل بمقتضاه ، وإنما ~~رد الرسول صلى الله عليه وسلم الرجال الذين جاءوه مؤمنين بعد صلح الحديبية ، ~~ولم يرد النساء المؤمنات ، لأن شرط الرد كان في الرجال ولم يكن في النساء ~~كما سبق أن ذكرنا نقلا عن القرطبي ، ولأن الرجل لا يخشى عليه من الفتنة في ~~الرد ما يخشى على المرأة ، من إصابة المشرك إياها ، وتخويفها ، وإكراهها ~~على الردة. # قال بعض العلماء : قال كثير من المفسرين : إن هذه الآية مخصصة لما جاء في ~~معاهدة صلح الحديبية ، والتي كان فيها من جاء من الكفار مسلما إلى المسلمين ~~ردوه إلى المشركين ، ومن جاء من المسلمين كافرا للمشركين ، لا يردونه على ~~المسلمين ، فأخرجت الآية النساء من المعاهدة ، PageV14P338 # وأبقت الرجال ، من باب تخصيص العموم. # وتخصيص السنن بالقرآن ، وتخصيص القرآن بالسنن ، أمر معلوم. # ومن أمثلة تخصيص السنة بالكتاب ، قوله : صلى الله عليه وسلم : «ما أبين من ~~حي فهو ميت» أى : فهو محرم ، فقد جاء تخصيص هذا العموم بقوله تعالى : ( ~~@QUR@03 ومن أصوافها وأوبارها ms5583 ) أى : ليس محرما ، ومن أمثلة تخصيص الكتاب ~~بالسنة قوله تعالى : ( @QUR@04 حرمت عليكم الميتة والدم ) فقد جاء تخصيص ~~هذا العموم بحديث : «أحلت لنا ميتتان ودمان ، أما الميتتان : فالجراد ~~والحوت ، وأما الدمان : فالكبد والطحال». # وقال بعض المفسرين : إنها ليست مخصصة للمعاهدة ، لأن النساء لم يدخلن ~~فيها ابتداء ، وإنما كانت في حق الرجال فقط. # والذي يظهر والله أعلم أنها مخصصة لمعاهدة الحديبية ، وهي من أحسن ~~الأمثلة لتخصيص السنة بالقرآن كما قال الإمام ابن كثير (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ) تعليل للنهى ~~عن رد المؤمنات المهاجرات إلى دار الكفر ، أو إلى أزواجهن الكفار. # أى : لا ترجعوا أيها المؤمنون النساء المؤمنات المهاجرات إليكم من أرض ~~الكفر إلى أزواجهن الكافرين ، فإن هؤلاء المؤمنات صرن بسبب إيمانهن لا يصح ~~ارتباطهن بأزواجهن الكفار ، كما لا يصح لهؤلاء الكافرين الارتباط بالنساء ~~المؤمنات. # فالجملة الكريمة المقصود بها تأكيد النهى عن رد المؤمنات المهاجرات إلى ~~أرض الكفر ، ووجوب التفرقة بين المرأة المؤمنة وزوجها الكافر في جميع ~~الأحوال. # قال ابن كثير : هذه الآية هي التي حرمت المسلمات على المشركين وقد كان ~~ذلك جائزا في أول الإسلام ، أن يتزوج المشرك المؤمنة .. (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@03 وآتوهم ما أنفقوا ) بيان لمظهر من مظاهر عدالة ~~الإسلام في أحكامه. والخطاب لولاة الأمور. وهذا الإيتاء إنما هو للأزواج ~~المعاهدين ، أما إذا كانوا حزبيين فلا يعطون شيئا. # أى : وسلموا إلى المشركين الذين جاءكم نساؤهم مؤمنات ، ما دفعوه لهن من ~~مهور ، قال PageV14P339 # القرطبي : قوله : ( @QUR@03 وآتوهم ما أنفقوا ): أمر الله تعالى إذا ~~أمسكت المرأة المسلمة ، أن يرد إلى زوجها المشرك ما أنفق ، وذلك من الوفاء ~~بالعهد ، لأنه لما منع من أهله ، بحرمة الإسلام ، أمر سبحانه برد المال ~~إليه ، حتى لا يقع عليهم خسران من الوجهين : الزوجة والمال (1). # فالمراد بقوله تعالى ( @QUR@02 ما أنفقوا ): ما دفعه المشركون لأزواجهم ~~المؤمنات. # وعبر عن هذه المهور بالنفقة ، للإشعار بأن هؤلاء الزوجات المؤمنات ، ~~أصبحت لا صلة لهن بأزواجهن المشركين. # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ~~) تكريم لهؤلاء النساء المسلمات ms5584 اللائي فررن بدينهن من أزواجهن المشركين. # أى : ولا حرج عليكم أيها المؤمنون في نكاح هؤلاء المؤمنات ، بعد فراقهن ~~لأزواجهن المشركين ، وبعد استبرائكم لأرحامهن ، وعليكم أن تدفعوا لهن ~~مهورهن كاملة غير منقوصة. # ونص على دفع المهر لهن مع أنه أمر معلوم لكي لا يتوهم متوهم ، أن رد ~~المهر الى الزوج الكافر ، يغنى عن دفع مهر جديد لهن إذا تزوجن بعد ذلك ~~بأزواج مسلمين ، إذ المهر المردود للكفار ، لا يقوم مقام المهر الذي يجب ~~على المسلم إذا ما تزوج بامرأة مسلمة فارقت زوجها الكافر. # والمراد بالإيتاء : ما يشمل الدفع العاجل ، والتزام الدفع في المستقبل. # ثم نهى الله تعالى المسلمين عن إبقاء الزوجات المشركات في عصمتهم فقال : ~~( @QUR@04 ولا تمسكوا بعصم الكوافر ). # والعصم : جمع عصمة ، والمراد بها هنا : عقد النكاح الذي يربط بين الزوج ~~والزوجة ، والكوافر : جمع كافرة ، كضوارب جمع ضاربة. # أى : ولا يصح لكم أيها المؤمنون أن تبقوا في عصمتكم ، زوجاتكم اللائي ~~آثرن الكفر على الإيمان ، وأبين الهجرة معكم من دار الكفر إلى دار الإسلام ~~، وقد بادر المسلمون بعد نزول هذه الآية بتطليق زوجاتهم الكافرات فطلق عمر ~~بن الخطاب رضى الله عنه امرأتين له كانتا مشركتين ، وطلق طلحة بن عبيد الله ~~إحدى زوجاته وكانت مشركة. PageV14P340 # وهذه الجملة الكريمة تأكيد لقوله تعالى قبل ذلك : ( @QUR@08 لا هن حل لهم ~~ولا هم يحلون لهن ). # ثم بين سبحانه حكما آخر من الأحكام التي تدل على عدالة الإسلام في ~~تشريعاته فقال : ( @QUR@06 وسئلوا ما أنفقتم وليسئلوا ما أنفقوا ) والجملة ~~الكريمة معطوفة على قوله تعالى قبل ذلك : ( @QUR@03 وآتوهم ما أنفقوا ). # أى : كما أنى شرعت لكم أن تعطوا الأزواج المشركين ، مهور نسائهم المسلمات ~~اللائي فررن إليكم ، وتركن أزواجهن الكفار ، فكذلك شرعت لكم أن تطلبوا مهور ~~نسائكم المشركات اللائي انفصلتم عنهن لكفرهن ، ولحقن بهؤلاء المشركين ، ~~وليطلب المشركون منكم مهور نسائهم المؤمنات اللائي انفصلن عنهم وهاجرن إليكم. # ثم ختم سبحانه هذه الآية الكريمة ببيان أن هذه الأحكام ، إنما هي من الله ~~تعالى العليم بأحوال النفوس ، الحكيم في أقواله وأفعاله ، فقال : ( @QUR@08 ~~ذلكم حكم الله ms5585 يحكم بينكم والله عليم حكيم ). # أى : ذلكم الذي ذكرناه لكم من تشريعات تتعلق بالمؤمنات المهاجرات هي ~~أحكام من الله تعالى فاتبعوها ، فهو سبحانه صاحب الحكم المطلق بينكم ، وهو ~~سبحانه عليم بأحوال عباده ، حكيم في كل تصرفاته وتشريعاته. # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم ) ~~بيان لحكم آخر يتعلق بالنساء اللائي التحقن بالمشركين ، وتركن أزواجهن ~~المسلمين ، وأبى المشركون أن يدفعوا للمسلمين مهور هؤلاء الزوجات. # والجملة الكريمة معطوفة على قوله تعالى قبل ذلك : ( @QUR@06 وسئلوا ما ~~أنفقتم وليسئلوا ما أنفقوا ). # وقد ذكروا أن المسلمين لما نزل قوله تعالى : ( @QUR@08 يا أيها الذين ~~آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات .. ) الآية. كتبوا إلى المشركين يعلمونهم ~~بما تضمنته هذه الآية. # فامتنع المشركون عن دفع مهور النساء اللائي ذهبن إليهم ، بعد أن تركن ~~أزواجهن المسلمين ، فنزل قوله تعالى : ( @QUR@08 وإن فاتكم شيء من أزواجكم ~~إلى الكفار فعاقبتم ) (1). # قال ابن كثير : أقر المؤمنون بحكم الله فأدوا ما أمروا به من نفقات ~~المشركين التي أنفقوها PageV14P341 # على نسائهم ، وأبى المشركون أن يقروا بحكم الله فيما فرض عليهم من أداء ~~نفقات المسلمين ، فقال الله تعالى للمؤمنين به ، ( @QUR@05 وإن فاتكم شيء ~~من أزواجكم ) الآية (1). # وقوله ( @QUR@01 فاتكم ) من الفوت بمعنى الفراق والترك والهرب ... يقال : ~~فاتنى هذا الشيء ، إذا لم أتمكن من الحصول عليه ، وعدى بحرف إلى لتضمنه ~~معنى الفرار. # ولفظ «شيء» هنا المراد به بعض ، وقوله : ( @QUR@02 من أزواجكم ) بيان ~~للفظ شيء. # وقوله : ( @QUR@01 فعاقبتم ) يرى بعضهم أنه من العقوبة. # وعليه يكون المعنى : وإن تفلتت وفرت امرأة من أزواجكم أيها المؤمنون إلى ~~الكفار ، وامتنعوا عن دفع مهرها لكم. ( @QUR@01 فعاقبتم ) أى : فغزوتم أنتم ~~بعد ذلك هؤلاء الكافرين وانتصرتم عليهم وظفرتم بمغانم منهم. # ( @QUR@04 فآتوا الذين ذهبت أزواجهم ) منكم إلى الكفار من هذه المغانم ( ~~@QUR@03 مثل ما أنفقوا ) أى : مثل المهور التي أنفقوها على زوجاتهم اللائي ~~فررن إلى المشركين. # ويرى بعضهم أن قوله ( @QUR@01 فعاقبتم ) صيغة تفاعل من العقبة بضم العين ~~وسكون القاف وهي النوبة ، بمعنى أن يصير الإنسان في حالة تشبه حالة غيره. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@01 فعاقبتم ) من العقبة ms5586 لا من العقاب ، وهي ~~في الأصل النوبة في ركوب أحد الرفيقين على دابة لهما والآخر بعده : أى : ~~فجاءت عقبتكم أى نوبتكم من أداء المهر. # شبه الحكم بالأداء المذكور ، بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب في الركوب. # وحاصل المعنى : إن لحق أحد من أزواجكم بالكفار ، أو فاتكم شيء من مهورهن. # ( @QUR@07 فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا ) من مهر المهاجرة ~~التي تزوجتموها ، ولا تعطوا شيئا لزوجها الكافر ، ليكون قصاصا (2). # وعبر عن هؤلاء الزوجات اللائي تركن أزواجهن المؤمنين ، وفررن إلى ~~المشركين ، بلفظ «شيء» لتحقير هؤلاء الزوجات ، وتهوين أمرهن على المسلمين ، ~~وبيان أنهن بمنزلة الشيء الضائع المفقود الذي لا قيمة له. # قال صاحب الكشاف : وجميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين ست نسوة. PageV14P342 # وقد أعطى الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمنين مهور نسائهم اللاحقات ~~بالمشركين من الغنيمة (1). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@06 واتقوا الله الذي أنتم به ~~مؤمنون ) أى : واتقوا الله تعالى أيها المؤمنون في كل شئونكم ، ونفذوا ما ~~أمركم به أو نهاكم عنه ، فإن الإيمان الحق به عز وجل يستلزم منكم ذلك. # فالمقصود بهذا التذييل ، الحض على الوفاء بما أمر الله تعالى به ، بدون ~~تهاون أو تقاعس. # وبعد أن بين سبحانه حكم النساء المؤمنات المهاجرات من دار الكفر إلى دار ~~الإسلام ، أتبع ذلك بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بمبايعتهن وغيرهن على عدم ~~الإشراك بالله تعالى ، وعلى اجتناب الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، فقال ~~تعالى : # ( @QUR@039 يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن ~~بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان ~~يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله ~~إن الله غفور رحيم ) (12) # فهذه الآية الكريمة ، اشتملت على أحكام متممة للأحكام المشتملة عليها ~~الآيتان السابقتان عليها. # فكأن الله تعالى يقول : ( @QUR@015 إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ~~الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات ، فلا ترجعوهن إلى الكفار ).. ~~وبايعهن أيها الرسول الكريم على إخلاص العبادة لله تعالى . # قال القرطبي ما ملخصه : وفي ms5587 صحيح مسلم عن عائشة قالت : كانت المؤمنات إذا ~~هاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتحن بهذه الآية .. وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا أقررن بذلك من قولهن ، قال لهن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «انطلقن فقد بايعتكن». PageV14P343 # ولا والله ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط ، غير أنه ~~بايعهن بالكلام .. وما مست كف رسول الله صلى الله عليه وسلم كف امرأة قط ، ~~وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن : «قد بايعتكن كلاما» (1). # والمعنى : ( @QUR@07 يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك ) أى : ~~مبايعات لك ، أو قاصدات مبايعتك ، ومعاهدتك على الطاعة لما تأمرهن به ، أو ~~تنهاهن عنه. # وأصل المبايعة : مقابلة شيء بشيء على سبيل المعاوضة. وسميت المعاهدة ~~مبايعة ، تشبيها لها بها ، فإن الناس إذا التزموا قبول ما شرط عليهم من ~~التكاليف الشرعية ، طمعا في الثواب ، وخوفا من العقاب ، وضمن لهم ~~صلى الله عليه وسلم ذلك في مقابلة وفائهم بالعهد صار كأن كل واحد منهم باع ما ~~عنده في مقابل ما عند الآخر. # والمقتضى لهذه المبايعة بعد الامتحان لهن ، أنهن دخلن في الإسلام ، بعد ~~أن شرع الله تعالى ما شرع من أحكام وآداب .. فكان من المناسب أن يأخذ النبي ~~صلى الله عليه وسلم عليهن العهود ، بأن يلتزمن بالتكاليف التي كلفهن الله ~~تعالى بها. # ثم بين سبحانه ما تمت عليه المبايعة فقال : ( @QUR@06 على أن لا يشركن ~~بالله شيئا ) أى : يبايعنك ويعاهدنك على عدم الإشراك بالله تعالى في أى أمر ~~من الأمور التي تتعلق بالعقيدة أو بالعبادة أو بغيرهما. # ( @QUR@04 ولا يسرقن ولا يزنين ). أى ويبايعنك أيضا على عدم ارتكاب ~~فاحشة السرقة ، أو فاحشة الزنا ، فإنهما من الكبائر التي نهى الله تعالى عنها. # ( @QUR@03 ولا يقتلن أولادهن ) أى : ويبايعنك كذلك ، على عدم قتلهن ~~لأولادهن. # والمراد به هنا : النهى عن قتل البنات ، وكان ذلك في الجاهلية يقع تارة ~~من الرجال ، وأخرى من النساء ، فكانت المرأة إذا حانت ولادتها حفرت حفرة ، ~~فولدت بجانبها ، فإذا ولدت بنتا رمت بها في الحفرة ms5588 ، وسوتها بالتراب ، وإذا ~~ولدت غلاما أبقته. # قال ابن كثير : وقوله ( @QUR@03 ولا يقتلن أولادهن ) وهذا يشمل قتله بعد ~~وجوده ، كما كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الإملاق ، ويعم قتله وهو ~~جنين ، كما قد يفعله بعض الجهلة من النساء ، تطرح نفسها لئلا تحبل ، إما ~~لغرض فاسد ، أو ما أشبهه (2). PageV14P344 # وقوله : ( @QUR@07 ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ) معطوف ~~على ما قبله وداخل تحت النهى. # والبهتان : الخبر الكاذب الصريح في كذبه ، والذي يجعل من قيل فيه يقف ~~مبهوتا ومتحيرا من شدة أثر هذا الكذب السافر. # والافتراء : اختلاق الكذب واختراع الشخص له من عند نفسه. # وللمفسرين في معنى هذه الجملة الكريمة أقوال ، منها : أن المرأة في ~~الجاهلية كانت تلتقط المولود وتقول لزوجها : هذا ولدي منك ، فذلك هو ~~البهتان المفترى بين أيديهن وأرجلهن ، لأن الولد إذا وضعته الأم ، سقط بين ~~يديها ورجليها. # ويرى بعضهم أن معنى الجملة الكريمة : ولا تأتوا بكذب شنيع تختلقونه من ~~جهة أنفسكم ، فاليد والرجل كناية عن الذات ، لأن معظم الأفعال بهما ، ولذا ~~قيل لمن ارتكب جناية قولية أو فعلية : هذا جزاء ما كسبت يداك (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 ولا يعصينك في معروف ) من الأقوال الجامعة لكل ~~ما يخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ويأمر بفعله ، أو ينهى عن الاقتراب منه. # ويشمل ذلك النهى عن شق الجيوب ، ولطم الخدود ، ودعوى الجاهلية وغير ذلك ~~من المنكرات التي نهى الإسلام عنها. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 فبايعهن واستغفر لهن الله ) جواب ( @QUR@01 إذا ~~) التي في أول الآية. # أى : إذا جاءك المؤمنات قاصدات لمبايعتك على الالتزام بتعاليم الإسلام ، ~~فبايعهن على ذلك ... واستغفر لهن الله تعالى عما فرط منهن من ذنوب. ( ~~@QUR@04 إن الله غفور رحيم ) أى : إن الله تعالى واسع المغفرة والرحمة ~~لعباده المؤمنين. # وهذه المبايعة يبدو أنها وقعت منه صلى الله عليه وسلم للنساء أكثر من مرة : ~~إذ منها ما وقع في أعقاب صلح الحديبية ، بعد أن جاءه بعض النساء المؤمنات ~~مهاجرات من دار الكفر إلى دار الإسلام ، كما حدث من أم كلثوم بنت عقبة بن ~~أبى معيط ، ومن سبيعة ms5589 الأسلمية ، ومن أميمة بنت بشر ، ومن غيرهن من النساء ~~اللائي تركن أزواجهن الكفار ، وهاجرن إلى دار الإسلام. PageV14P345 # ومنها ما وقع في أعقاب فتح مكة ، فقد جاء إليه صلى الله عليه وسلم بعد فتحها ~~نساء من أهلها ليبايعنه على الإسلام. # قال الآلوسى : والمبايعة وقعت غير مرة ، ووقعت في مكة بعد الفتح ، وفي ~~المدينة. # وممن بايعنه صلى الله عليه وسلم في مكة ، هند بنت عتبة ، زوج أبى سفيان .. ~~فقرأ عليهن صلى الله عليه وسلم الآية ، فلما قال. ( @QUR@02 ولا يسرقن ) قالت ~~: والله إنى لأصيب الهنة من مال أبى سفيان ولا أدرى أيحل لي ذلك؟ فقال أبو ~~سفيان : ما أصبت من شيء فيما مضى فهو حلال لك .. فلما قرأ صلى الله عليه وسلم ~~( @QUR@02 ولا يزنين ) قالت : أو تزنى الحرة؟ .. # فلما قرأ ( @QUR@03 ولا يقتلن أولادهن ) قالت : ربيناهم صغارا وقتلتهم ~~كبارا. وفي رواية أنها قالت : قتلت الآباء وتوصينا بالأولاد. # فلما قرأ صلى الله عليه وسلم : ( @QUR@03 ولا يأتين ببهتان ) قالت : والله ~~إن البهتان لقبيح ، ولا يأمر الله تعالى إلا بالرشد ومكارم الأخلاق. # فلما قرأ ( @QUR@04 ولا يعصينك في معروف ) قالت : والله ما جلسنا مجلسنا ~~هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء. # والتقييد بالمعروف ، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يأمر إلا به ، ~~للتنبيه على أنه لا يجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق. # وتخصيص الأمور المعدودة بالذكر في حقهن ، لكثرة وقوعها فيما بينهن (1). # وقد ذكر الإمام ابن كثير ، جملة من الأحاديث التي تدل على أن هذه البيعة ~~قد تمت في أوقات متعددة ، وفي أماكن مختلفة ، وأنها شملت الرجال والنساء. # ومن هذه الأحاديث ما أخرجه الإمام أحمد عن سلمى بنت قيس إحدى نساء بنى ~~عدى بن النجار قالت : جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم نبايعه ، في نسوة من ~~الأنصار ، فشرط علينا : ألا نشرك بالله شيئا ، ولا نسرق ، ولا نزني ، ولا ~~نقتل أولادنا ، ولا نأتى ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ، ولا نعصيه في ~~معروف .. ثم قال صلى الله عليه وسلم «ولا تغششن أزواجكن». قالت : فبايعناه ، ~~ثم انصرفنا. # فقلت ms5590 لامرأة منهن : ارجعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسليه : ما غش ~~أزواجنا؟ فسألته فقال : «تأخذ ماله فتحابى به غيره». PageV14P346 # وفي الصحيحين عن عبادة بن الصامت قال : كنا عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في مجلس فقال : بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ، ولا ~~تسرقوا ، ولا تزنوا ، ولا تقتلوا أولادكم .. فمن وفي منكم فأجره على الله ، ~~ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا ، فهو كفارة له ، ومن أصاب من ذلك ~~شيئا فستره الله عليه ، فهو إلى الله ، إن شاء غفر له ، وإن شاء عذبه (1). # وكما افتتح سبحانه السورة الكريمة بنداء للمؤمنين ، نهاهم فيه عن موالاة ~~أعدائه وأعدائهم ، اختتمها أيضا بنداء لهم ، نهاهم فيه مرة أخرى عن مصافاة ~~قوم قد غضب الله عليهم ، فقال تعالى : # ( @QUR@020 يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا ~~من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور ) (13) # والمراد بالقوم الذين غضب الله عليهم : المشركون ، بصفة عامة ، ويدخل ~~فيهم دخولا أوليا اليهود ، لأن هذا الوصف كثيرا ما يطلق عليهم. # فقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية ، أن قوما من فقراء المؤمنين ، كانوا ~~يواصلون اليهود. ليصيبوا من ثمارهم ، وربما أخبروهم عن شيء من أخبار ~~المسلمين ، فنزلت الآية لتنهاهم عن ذلك. # أى : يا من آمنتم بالله تعالى حق الإيمان ، ينهاكم الله تعالى عن أن ~~تتخذوا الأقوام الذين غضب الله عليهم أولياء ، وأصفياء ، بأن تفشوا إليهم ~~أسرار المسلمين ، أو بأن تطلعوهم على ما لا يصح الاطلاع عليه. # وقوله تعالى : ( @QUR@010 قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب ~~القبور ) تعليل للنهى عن موالاتهم ، وتنفير من الركون إليهم. # واليأس : فقدان الأمل في الحصول على الشيء ، أو في توقع حدوثه. # والكلام على حذف مضاف ، أى قد يئس هؤلاء اليهود من العمل للآخرة وما فيها ~~من ثواب ، وآثروا عليها الحياة الفانية .. كما يئس الكفار من عودة موتاهم ~~إلى الحياة مرة أخرى PageV14P347 # للحساب والجزاء ، لاعتقادهم بأنه لا بعث بعد الموت ، ولا ثواب ولا عقاب ~~كما حكى ms5591 القرآن عنهم ذلك في آيات كثيرة منها قوله تعالى ( @QUR@08 قالوا ~~أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون ). # فالمقصود من الآية الكريمة ، تشبيه حال هؤلاء اليهود في شدة إعراضهم عن ~~العمل للآخرة .. بحال أولئك الكفار الذين أنكروا إنكارا تاما ، أن هناك ~~بعثا للأموات الذين فارقوا الحياة ، ودفنوا في قبورهم. # وعلى هذا الوجه يكون قوله تعالى : ( @QUR@03 من أصحاب القبور ) متعلق ~~بقوله ( @QUR@01 يئسوا ) و ( @QUR@01 من ) لابتداء الغاية. # ويصح أن يكون قوله تعالى : ( @QUR@03 من أصحاب القبور ) بيانا للكفار ، ~~فيكون المعنى : قد يئسوا من الآخرة ، وما فيها من جزاء ... كما يئس الكفار ~~الذين ماتوا وسكنوا القبور ، من أن ينالوا شيئا ولو قليلا من الرحمة ، أو ~~تخفيف العذاب عنهم ، أو العودة إلى الدنيا ليعملوا عملا صالحا غير الذي ~~أرادهم وأهلكهم. # وعلى كلا القولين ، فالآية الكريمة تنهى المؤمنين عن موالاة قوم غضب الله ~~عليهم ، بأبلغ أسلوب ، وأحكم بيان. # حيث وصفت هؤلاء القوم ، بأنهم قد أحاط بهم غضب الله تعالى بسبب فسوقهم عن ~~أمره ، وإعراضهم عن طاعته ، وإنكارهم للدار الآخرة وما فيها من جزاء. # وبعد فهذا تفسير لسورة «الممتحنة» نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه ~~، ونافعا لعباده. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # كتبه الراجي عفو ربه # د. محمد سيد طنطاوى # القاهرة مدينة نصر # صباح السبت : 2 من رمضان 1406 ه # 10 من مايو 1986 م PageV14P348 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الصف PageV14P349 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «الصف» من السور المدنية الخالصة ، وقد اشتهرت بهذا الاسم منذ عهد ~~النبوة. # فقد أخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن سلام قال : تذاكرنا : أيكم يأتى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسأله عن أحب الأعمال إلى الله؟ فلم يقم أحد ~~منا ، فأرسل إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا ، فجمعنا فقرأ علينا هذه ~~السورة ، يعنى سورة الصف كلها (1). # قال الآلوسى : وتسمى أيضا سورة الحواريين ، وسورة عيسى عليه السلام . # وعدد آياتها أربع عشرة آية ، وكان نزولها بعد سورة «التغابن» وقبل سورة ~~«الفتح». # 2 وقد افتتحت بتسبيح الله ms5592 تعالى عن كل ما لا يليق به ، ثم وجهت نداء إلى ~~المؤمنين نهتهم فيه أن يقولوا قولا لم تطابقه أفعالهم ، فقال تعالى ( ~~@QUR@018 يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون. كبر مقتا عند الله ~~أن تقولوا ما لا تفعلون ). # وبعد أن ذكر سبحانه جانبا مما قاله موسى عليه السلام لقومه ، وما قاله ~~عيسى عليه السلام لقومه ، أتبع ذلك ببيان ما جبل عليه الكافرون من كذب على ~~الحق ومن كراهية لظهور نوره ، فقال تعالى ( @QUR@027 ومن أظلم ممن افترى ~~على الله الكذب. وهو يدعى إلى الإسلام ، والله لا يهدي القوم الظالمين ، ~~يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم ، والله متم نوره ولو كره الكافرون ). # 3 ثم وجه سبحانه نداء إلى المؤمنين ، دعاهم فيه بأبلغ أسلوب إلى الجهاد ~~في سبيله ، بالأنفس والأموال ، وحضهم على أن يقتدوا بالحواريين فقال : ( ~~@QUR@036 يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم ~~للحواريين من أنصاري إلى الله ، قال الحواريون نحن أنصار الله ، فآمنت ~~طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم ، فأصبحوا ~~ظاهرين ). PageV14P351 # 4 وهكذا نجد السورة الكريمة تفتتح بتنزيه الله تعالى عن كل نقص ، وتنهى ~~عن أن تكون الأقوال مخالفة للأفعال ، وتبشر الذين يجاهدون في سبيل الله ~~تعالى بمحبته ورضوانه ، وتذم الذين آذوا رسل الله تعالى وأنكروا نبوتهم بعد ~~أن جاءوهم بالبينات ، وترشد إلى التجارة الرابحة التي توصل إلى الفوز ~~العظيم. # نسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعا من الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه ، ~~وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # د. محمد سيد طنطاوى # القاهرة مدينة نصر # 2 من رمضان 1406 ه 10 / 5 / 1986 م PageV14P352 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@011 سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم (1) ~~@QUR@09 يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون (2) @QUR@09 كبر مقتا ~~عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون (3) @QUR@011 إن الله يحب الذين يقاتلون ~~في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ) (4) # افتتحت سورة «الصف» كما افتتحت ms5593 قبلها سورة الحديد والحشر بتنزيه الله ~~تعالى عن كل ما لا يليق به. # أى : نزه الله تعالى وقدسه ، جميع ما في السموات وجميع ما في الأرض من ~~مخلوقات ، وهو عز وجل ( @QUR@01 العزيز ) الذي لا يغلبه غالب ( @QUR@01 ~~الحكيم ) في كل أقواله وأفعاله. # ثم وجه سبحانه نداء إلى المؤمنين فقال : ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا ~~لم تقولون ما لا تفعلون ). # وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآيات روايات منها : ما روى عن ابن عباس أنه ~~قال : كان أناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون : لوددنا أن الله ~~عز وجل دلنا على أحب الأعمال إليه ، فنعمل به ، فأخبر الله نبيه أن أحب ~~الأعمال إليه ، إيمان به لا شك فيه ، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا ~~الإيمان ولم يقروا به. # فلما نزل الجهاد كره ذلك أناس من المؤمنين وشق عليهم أمره ، فنزلت هذه ~~الآيات. PageV14P353 # وقال قتادة والضحاك : نزلت توبيخا لقوم كانوا يقولون : قتلنا ، ضربنا ، ~~طعنا ، وفعلنا ، ولم يكونوا فعلوا ذلك (1). # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@02 لم تقولون ) للإنكار والتوبيخ على ~~أن يقول الإنسان قولا لا يؤيده فعله ، لأن هذا القول إما أن يكون كذبا ، ~~وإما أن يكون خلفا للوعد ، وكلاهما يبغضه الله تعالى . # و ( @QUR@01 لم ) مركبة من اللام الجارة ، وما الاستفهامية ، وحذفت ألف ~~ما الاستفهامية مع حرف الجر ، تخفيفا لكثرة استعمالها معا ، كما في قولهم : ~~بم ، وفيم ، وعم. # أى : يا من آمنتم بالله واليوم الآخر .. لما ذا تقولون قولا ، تخالفه ~~أفعالكم ، بأن تزعموا بأنكم لو كلفتم بكذا لفعلتموه ، فلما كلفتم به قصرتم ~~فيه ، أو أن تقولوا بأنكم فعلتم كذا وكذا ، مع أنكم لم تفعلوا ذلك. # وناداهم بصفة الإيمان الحق ، لتحريك حرارة الإيمان في قلوبهم ، وللتعريض ~~بهم ، إذ من شأن الإيمان الحق أن يحمل المؤمن على أن يكون قوله مطابقا لفعله. # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) ~~بيان للآثار السيئة التي تترتب على القول الذي يخالفه الفعل. # وقوله : ( @QUR@01 كبر ) بمعنى عظم ، لأن الشيء الكبير ، لا يوصف بهذا ~~الوصف ، إلا إذا كان فيه ms5594 كثرة وشدة في نوعه. # والمقت : البغض الشديد ، ومنه قوله تعالى ( @QUR@017 ولا تنكحوا ما نكح ~~آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا )، وهو ~~منصوب على التمييز المحول عن الفاعل : للإشعار بأن قولهم هذا مقت خالص لا ~~تشوبه شائبة من الرضا. # أى : كبر وعظم المقت الناشئ عن قولكم قولا لا تطابقه أفعالكم. # وقال سبحانه : ( @QUR@04 كبر مقتا عند الله ) للإشعار بشناعة هذا البغض ~~من الله تعالى لهم ، بسبب مخالفة قولهم لفعلهم ، لأنه إذا كانت هذه الصفة ~~عظيمة الشناعة عند الله ، فعلى كل عاقل أن يجتنبها ، ويبتعد عنها. # قال صاحب الكشاف ما ملخصه : ونداؤهم بالإيمان تهكم بهم وبإيمانهم وهذا من ~~أفصح الكلام وأبلغه في معناه. وقصد في «كبر» التعجب من غير لفظه ... ومعنى ~~التعجب : تعظيم PageV14P354 # الأمر في قلوب السامعين ، لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره ~~وأشكاله وأسند إلى ( @QUR@02 أن تقولوا ) ونصب ( @QUR@01 مقتا ) على ~~التمييز ، للدلالة على أن قولهم ما لا يفعلون مقت خالص لا شوب فيه ، لفرط ~~تمكن المقت منه. واختير لفظ المقت ، لأنه أشد البغض وأبلغه ، ومنه قيل : ~~نكاح المقت وهو أن يتزوج الرجل امرأة أبيه . # وإذا ثبت كبر مقته عند الله ، فقد تم كبره وشدته ، وانزاحت عنه الشكوك .. (1). # فأنت ترى أن الله تعالى قد ذم الذين يقولون ما لا يفعلون ذما شديدا ، ~~ويندرج تحت هذا الذم ، الكذب في القول ، والخلف في الوعد ، وحب الشخص ~~للثناء دون أن يكون قد قدم عملا يستحق من أجله الثناء. # وبعد أن وبخ سبحانه الذين يقولون ما لا يفعلون ، أتبع ذلك ببيان من يحبهم ~~الله تعالى فقال : ( @QUR@011 إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ~~كأنهم بنيان مرصوص ). # ومحبة الله تعالى لشخص ، معناها : رضاه عنه ، وإكرامه له. # والصف يطلق على الأشياء التي تكون منتظمة في مظهرها ، متناسقة في أماكنها ~~، والمرصوص : هو المتلاصق الذي انضم بعضه إلى بعض. يقال : رصصت البناء ، ~~إذا ألزقت بعضه ببعض حتى صار كالقطعة الواحدة. # والمعنى : أن الله تعالى يحب الذين يقاتلون في سبيل ms5595 إعلاء دينه قتالا ~~شديدا ، حتى لكأنهم في ثباتهم ، واجتماع كلمتهم ، وصدق يقينهم .. بنيان قد ~~التصق بعضه ببعض ، فلا يستطيع أحد أن ينفذ من بين صفوفه. # فالمقصود بالآية الكريمة : الثناء على المجاهدين الصادقين ، الذين يثبتون ~~أمام الأعداء وهم يقاتلونهم ، ثباتا لا اضطراب معه ولا تزلزل. # قال الإمام الرازي : أخبر الله تعالى أنه يحب من يثبت في الجهاد ، ويلزم ~~مكانه ، كثبوت البناء المرصوص. # ويجوز أن يكون على أن يستوي أمرهم في حرب عدوهم ، حتى يكونوا في اجتماع ~~الكلمة ، وموالاة بعضهم بعضا ، كالبنيان المرصوص (2). PageV14P355 # ثم ساق سبحانه جانبا مما قاله موسى عليه السلام لقومه. وكيف أنهم عند ما ~~انصرفوا عن الحق ، عاقبهم سبحانه بما يستحقون من عقاب فقال : # ( @QUR@024 وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول ~~الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين ) (5) # وموسى عليه السلام هو ابن عمران ، وهو واحد من أولى العزم من الرسل ، ~~وينتهى نسبه إلى إبراهيم عليه السلام . # وقد أرسله الله تعالى إلى فرعون وقومه وإلى بنى إسرائيل ، وقد لقى ~~عليه السلام من الجميع أذى كثيرا. # ومن ذلك أن فرعون وقومه وصفوه بأنه ساحر ، وبأنه مهين ، ولا يكاد يبين. # وأن بنى إسرائيل قالوا له عند ما أمرهم بطاعته : سمعنا وعصينا ، وقالوا ~~له : أرنا الله جهرة وقالوا له : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة .. وقالوا له ~~: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون. # وقالوا عنه : إنه مصاب في جسده بالأمراض ، فبرأه الله تعالى مما قالوا. # قال ابن كثير : وفي هذا تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم فيما أصابه من ~~الكفار من قومه وغيرهم ، وأمر له بالصبر ، ولهذا قال : «رحمة الله على موسى ~~، لقد أوذى بأكثر من هذا فصبر». # وفيه نهى للمؤمنين عن أن ينالوا من النبي صلى الله عليه وسلم ، أو يوصلوا ~~إليه أذى ، كما قال تعالى ( @QUR@017 يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين ~~آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا ، وكان عند الله وجيها ) (1). # أى : واذكر أيها الرسول الكريم وذكر أتباعك ms5596 ليتعظوا ويعتبروا ، وقت أن ~~قال موسى عليه السلام لقومه على سبيل الإنكار والتعجيب من حالهم. # ( @QUR@04 يا قوم لم تؤذونني ): قال لهم : يا أهلى ويا عشيرتي لما ذا ~~تلحقون الأذى بي؟. PageV14P356 # «وقد» في قوله تعالى : ( @QUR@06 وقد تعلمون أني رسول الله إليكم ) ~~للتحقيق ، والجملة حالية ، وجيء بالمضارع بعد «قد» للدلالة على أن علمهم ~~بصدقه متجدد بتجدد ما يأتيهم به من آيات ومعجزات. # قال الجمل : قوله : ( @QUR@06 وقد تعلمون أني رسول الله إليكم ) قد ~~للتحقيق. أى : تحقيق علمهم. أى : لا للتقريب ولا للتقليل ، وفائدة ذكرها ~~التأكيد ، والمضارع بمعنى الماضي. # أى : وقد علمتم ، وعبر بالمضارع ليدل على استصحاب الحال ، وعلى أنها ~~مقررة للإنكار. # فإن العلم برسالته يوجب تعظيمه ، ويمنع إيذاءه ؛ لأن من عرف الله تعالى ~~وعظمته ، عظم رسوله (1). # ثم بين سبحانه ما ترتب على إيثارهم الغي على الهدى ، فقال : ( @QUR@05 ~~فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ). # والزيغ : هو الميل عن طريق الحق ، يقال : زاغ يزيغ زيغا وزيغانا ، إذا ~~مال عن الجادة ، وأزاغ فلان فلانا ، إذا حوله عن طريق الخير إلى طريق الشر. # أى : فلما أصروا على الميل عن الحق مع علمهم به. واستمروا على ذلك دون أن ~~تؤثر المواعظ في قلوبهم ... أمال الله تعالى قلوبهم عن قبول الهدى. ~~لإيثارهم الباطل على الحق ، والضلالة على الهداية. # كما قال تعالى : ( @QUR@020 ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ~~ويتبع غير سبيل المؤمنين ، نوله ما تولى ، ونصله جهنم وساءت مصيرا ) (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 والله لا يهدي القوم الفاسقين ) تذييل قصد به ~~التقرير لما قبله ، من أن الزيغ يؤدى إلى عدم الهداية ، وبيان سنة من سنن ~~الله في خلقه ، وهي أن من استحب العمى على الهدى ، وأصر على ذلك .. كانت ~~عاقبته الخسران. # أى : وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن لا يهدى القوم الخارجين عن طريق الحق ~~، إلى ما يسعدهم في حياتهم وبعد مماتهم ، لأنهم هم الذين اختاروا طريق ~~الشقاء ، وأصروا على سلوكها. PageV14P357 # ثم ذكر سبحانه جانبا مما قاله عيسى عليه السلام لبنى إسرائيل ، فقال تعالى : # ( @QUR@032 وإذ قال عيسى ابن مريم يا ms5597 بني إسرائيل إني رسول الله إليكم ~~مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما ~~جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين ) (6) # أى : واذكر أيضا أيها الرسول الكريم وذكر الناس ليعتبروا ويتعظوا ، وقت ~~أن قال عيسى ابن مريم ، مخاطبا من أرسله الله إليهم بقوله : ( @QUR@07 يا ~~بني إسرائيل إني رسول الله إليكم ) لكي أخرجكم من ظلمات الكفر والشرك ، إلى ~~نور الإيمان والتوحيد. # ولم يقل لهم يا قوم كما قال لهم موسى عليه السلام بل قال : ( @QUR@03 يا ~~بني إسرائيل ) لأنه لا أب له فيهم ، وإن كانت أمه منهم ، والأنساب إنما ~~تكون من جهة الآباء ، لا من جهة الأمهات. # وفي قوله ( @QUR@04 إني رسول الله إليكم ) إخبار صريح منه لهم ، بأنه ليس ~~إلها وليس ابن إله كما زعموا وإنما هو عبد الله ورسوله. # وقوله ( @QUR@06 مصدقا لما بين يدي من التوراة ) جملة حالية لإثبات حقيقة ~~رسالته ، وحضهم على تأييده وتصديقه والإيمان به. # أى : إنى رسول الله تعالى إليكم بالكتاب الذي أنزله الله على وهو الإنجيل ~~، حال كوني مصدقا للكتاب الذي أنزله الله تعالى على نبيه موسى عليه السلام ~~وهذا الكتاب هو التوراة ، وما دام الأمر كذلك فمن حقي عليكم ، أن تؤمنوا به ~~، وأن تتبعوني ، لأنى لم آتكم بشيء يخالف التوراة ، بل هي مشتملة على ما ~~يدل على صدقى ، فكيف تعرضون عن دعوتي. # وقوله : ( @QUR@04 مصدقا لما بين يدي ) فيه نوع مجاز ، لأن ما بين يدي ~~الإنسان هو ما أمامه ، فسمى ما مضى كذلك لغاية ظهوره واشتهاره. واللام في ~~«لما» لتقوية العامل ، نحوه قوله تعالى ( @QUR@03 فعال لما يريد ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ) معطوف ~~على ما قبله. PageV14P358 # والتبشير : الإخبار بما يسر النفس ويبهجها ، بحيث يظهر أثر ذلك على بشرة ~~الإنسان ، وكان إخباره بأن نبيا سيأتى من بعده اسمه أحمد تبشيرا ، لأنه ~~سيأتيهم بما يسعدهم ، ويرفع الأغلال عنهم ، كما قال تعالى : ( @QUR@07 ويضع ~~عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ). # ولفظ ( @QUR@01 أحمد ) اسم من أسماء نبينا صلى الله عليه وسلم وهو علم ms5598 منقول ~~من الصفة ، وهذه الصفة يصح أن تكون مبالغة من الفاعل. فيكون معناها : أنه ~~صلى الله عليه وسلم أكثر حمدا لله تعالى من غيره. # ويصح أن تكون من المفعول ، فيكون معناها أنه يحمده الناس لأجل ما فيه من ~~خصال الخير ، أكثر مما يحمدون غيره. # قال الآلوسى : وهذا الاسم الجليل ، علم لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وصح ~~من رواية مالك ، والبخاري ، ومسلم .. عن جبير بن مطعم قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «إن لي أسماء ؛ أنا محمد ، وأنا أحمد ، وأنا الحاشر الذي ~~يحشر الناس على قدمي ، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر ، وأنا العاقب» (1). # وبشارة عيسى عليه السلام بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ثابتة ثبوتا قطعيا ~~بهذه الآية الكريمة ، وإذا كانت بعض الأناجيل قد خلت من هذه البشارة ، ~~فبسبب ما اعتراها من تحريف وتبديل على أيدى علماء أهل الكتاب. # ومع ذلك فقد وجدت هذه البشارة في بعض الأناجيل ، كإنجيل يوحنا ، في الباب ~~الرابع عشر ، قال الإمام الرازي : في الإصحاح الرابع عشر من إنجيل يوحنا ~~هكذا : وأنا أطلب لكم إلى أبى ، حتى يمنحكم ويعطيكم الفارقليط حتى يكون ~~معكم إلى الأبد. # والفارقليط هو روح الحق واليقين (2). # ومنهم من يرى أن لفظ فارقليط معناه باليونانية : أحمد أو محمد (3). # ومن أصرح الأدلة على أن صفات الرسول صلى الله عليه وسلم موجودة في التوراة ~~والإنجيل ، قوله تعالى ( @QUR@012 الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ) (4). PageV14P359 # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين ) بيان ~~لموقف بنى إسرائيل الجحودى من أنبياء الله تعالى . # والضمير في قوله ( @QUR@01 جاءهم ) يرى بعضهم أنه يعود لعيسى ، ويرى ~~آخرون أنه يعود لمحمد صلى الله عليه وسلم أى : فلما جاء عيسى عليه السلام أو ~~محمد صلى الله عليه وسلم إلى بنى إسرائيل بالآيات البينات الدالة على صدقه ، ~~قالوا على سبيل العناد والجحود : هذا سحر واضح في بابه. لا يخفى على أى ~~ناظر أو متأمل. # ومن المعروف أن بنى إسرائيل قد كذبوا عيسى عليه ms5599 السلام وكفروا به ، ونسبوا ~~إلى أمه الطاهرة ، ما هي بريئة منه ، ومنزهة عنه. # كما كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم وكفروا به ، وصدق الله إذ يقول : ( ~~@QUR@010 فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ، فلعنة الله على الكافرين ). # ووصفوا ما جاء به بأنه سحر مبين ، على سبيل المبالغة فكأنهم يقولون إن ما ~~جاء به هو السحر بعينه ، مع أنهم يعرفون أن ما جاء به هو الحق كما يعرفون ~~أبناءهم ، ولكن ما جبلوا عليه من جحود وعناد ، حال بينهم وبين النطق بكلمة الحق. # ثم بين سبحانه أن هؤلاء المشركين هم أشد الناس ظلما للحق ، وأنه سبحانه ~~سيظهره لا محالة ، رضوا بذلك أم كرهوا وأن هذا الدين سيظهره الله تعالى على ~~بقية الأديان ، مهما كره الكافرون. فقال تعالى : # ( @QUR@016 ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام ~~والله لا يهدي القوم الظالمين (7) @QUR@011 يريدون ليطفؤا نور الله ~~بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون (8) @QUR@014 هو الذي أرسل رسوله ~~بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) (9) # والاستفهام في قوله : ( @QUR@07 ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب ) ~~للإنكار والنفي. والافتراء : اختلاق الكذب واختراعه من جهة الشخص دون أن ~~يكون له أساس من الصحة ، وقوله : ( @QUR@04 وهو يدعى إلى الإسلام ) جملة حالية. PageV14P360 # أى : ولا أحد أشد ظلما من إنسان يختلق الكذب من عند نفسه على دين الله ~~تعالى وشريعته ، والحال أن هذا الإنسان يدعوه الداعي إلى الدخول في دين ~~الإسلام الذي لا يرتضى الله تعالى سواه دينا. # ( @QUR@01 والله ) تعالى ( @QUR@04 لا يهدي القوم الظالمين ) إلى ما فيه ~~فلاحهم ، لسوء استعدادهم ، وإيثارهم الباطل على الحق. # ثم بين سبحانه ما يهدف إليه هؤلاء الظالمون من وراء افترائهم الكذب على ~~الدين الحق ، فقال تعالى : ( @QUR@05 يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم ). # والمراد بنور الله : دين الإسلام الذي ارتضاه سبحانه لعباده دينا ، وبعث ~~به رسوله صلى الله عليه وسلم وقيل المراد به : حججه الدالة على وحدانيته تعالى ~~وقيل المراد به : القرآن .. وهي معان متقاربة. # والمراد بإطفاء نور الله : محاولة طمسه وإبطاله ms5600 والقضاء عليه ، بكل وسيلة ~~يستطيعها أعداؤه ، كإثارتهم للشبهات من حول تعاليمه ، وكتحريضهم لمن كان ~~على شاكلتهم في الضلال على محاربته. # والمراد بأفواههم : أقوالهم الباطلة الخارجة من تلك الأفواه التي تنطق ~~بما لا وزن له من الكلام. # والمعنى : يريد هؤلاء الكافرون بالحق ، أن يقضوا على دين الإسلام ، وأن ~~يطمسوا تعاليمه السامية التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق ~~أقاويلهم الباطلة الصادرة عن أفواههم ، من غير أن يكون لها مصداق من الواقع ~~تنطبق عليه ، أو أصل تستند إليه ، وإنما هي أقوال من قبيل اللغو الساقط ~~المهمل الذي لا وزن له ولا قيمة. # قال صاحب الكشاف : مثل حالهم في طلبهم إبطال نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالتكذيب ، بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم منبثق في الآفاق يريد الله أن ~~يزيده ويبلغه الغاية القصوى في الإشراق أو الإضاءة ، ليطفئه بنفخه ويطمسه (1). # والجملة الكريمة فيها ما فيها من التهكم والاستهزاء بهؤلاء الكافرين ، ~~حيث شبههم سبحانه في جهالاتهم وغفلتهم ، بحال من يريد إطفاء نور الشمس ~~الوهاج ، بنفخة من فمه الذي لا يستطيع إطفاء ما هو دون ذلك بما لا يحصى من ~~المرات. PageV14P361 # وقوله تعالى : ( @QUR@06 والله متم نوره ولو كره الكافرون ) بشارة ~~للمؤمنين بأن ما هم عليه من حق ، لا بد أن يعم الآفاق. # أى : والله تعالى بقدرته التي لا يعجزها شيء ، متم نوره ، ومظهر دينه ~~ومؤيد نبيه صلى الله عليه وسلم ولو كره الكافرون ذلك فإن كراهيتهم لظهور دين ~~الله تعالى لا أثر لها ولا قيمة. فالآية الكريمة وعد من الله تعالى ~~للمؤمنين ، بإظهار دينهم ، وإعلاء كلمتهم ، لكي يزيدهم ذلك ثباتا على ~~ثباتهم ، وقوة على قوتهم. # ثم أكد سبحانه وعده بإتمام نوره ، وبين كيفية هذا الإتمام فقال : ( ~~@QUR@011 هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ... ). # والمراد بالهدى : القرآن الكريم : المشتمل على الإرشادات السامية ، ~~والتوجيهات القويمة ، والأخبار الصادقة ، والتشريعات الحكيمة. # والمراد بدين الحق : دين الإسلام الذي هو خاتم الأديان. # وقوله : ( @QUR@04 ليظهره على الدين كله ) من الإظهار بمعنى الإعلاء ms5601 ~~والغلبة بالحجة والبرهان ، والسيادة والسلطان. # والجملة تعليلية لبيان سبب هذا الإرسال والغاية منه. # والضمير في «ليظهره» يعود على الدين الحق ، أو على الرسول ~~صلى الله عليه وسلم أى : هو الله سبحانه الذي أرسل رسوله محمدا ~~صلى الله عليه وسلم بالقرآن الهادي للتي هي أقوم. وبالدين الحق الثابت الذي لا ~~ينسخه دين آخر ، وكان هذا الإرسال لإظهار هذا الدين الحق على سائر الأديان ~~بالحجة والغلبة. # ( @QUR@03 ولو كره المشركون ) ذلك ، فإن كراهيتهم لا أثر لها في ظهوره ، ~~وفي إعلائه على جميع الأديان. # ولقد أنجز الله تعالى وعده ، حيث جعل دين الإسلام ، هو الدين الغالب على ~~جميع الأديان ، بحججه وبراهينه الدالة على أنه الدين الحق الذي لا يحوم ~~حوله باطل. # هذا ، وقد ساق الإمام ابن كثير بعض الأحاديث التي تؤيد ذلك ، ومنها : ما ~~ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «إن الله زوى لي ~~الأرض مشارقها ومغاربها ، وسيبلغ ملك أمتى ما زوى لي منها» (1). PageV14P362 # ثم وجه سبحانه نداء إلى المؤمنين ، أرشدهم فيه إلى ما يسعدهم ، وينجيهم ~~من كل سوء ، فقال تعالى : # ( @QUR@012 يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ~~(10) @QUR@015 تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ~~ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (11) @QUR@017 يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم (12) ~~@QUR@09 وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين ) (13) # وهذه الآيات الكريمة جواب عما قاله بعض المؤمنين لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : لو نعلم أى الأعمال أحب إلى الله لعملناها ، كما سبق. أن ~~ذكرنا في سبب قوله تعالى : ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا ~~تفعلون ). # فكأنه سبحانه بعد أن نهاهم عن أن يقولوا قولا ، تخالفه أفعالهم ، وضرب ~~لهم الأمثال بجانب من قصة موسى وعيسى عليهما السلام وبشرهم بظهور دينهم على ~~سائر الأديان. # بعد كل ذلك أرشدهم إلى أحب الأعمال إليه سبحانه فقال : ( @QUR@08 يا أيها ~~الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة ms5602 ). # والتجارة في الأصل معناها : التصرف في رأس المال ، وتقليبه في وجوه ~~المعاملات المختلفة ، طلبا للربح. # والمراد بها هنا : العقيدة السليمة ، والأعمال الصالحة ، التي فسرت بها ~~بعد ذلك في قوله تعالى ( @QUR@03 تؤمنون بالله ورسوله ). # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@02 هل أدلكم ) للتشويق والتحضيض إلى ~~الأمر المدلول عليه. # والمعنى : يا من آمنتم بالله تعالى وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ~~ألا تريدون أن PageV14P363 # أدلكم على تجارة رابحة ، تنجيكم مزاولتها ومباشرتها ، من عذاب شديد ~~الألم؟ إن كنتم تريدون ذلك ، فهاكم الطريق إليها ، وهي : ( @QUR@09 تؤمنون ~~بالله ورسوله ، وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ). # فقوله سبحانه : ( @QUR@03 تؤمنون بالله ورسوله ) استئناف مفسر وموضح ~~لقوله ( @QUR@02 هل أدلكم )؟ فكأن سائلا قال : وما هذه التجارة؟ دلنا ~~عليها ، فكان الجواب : تؤمنون بالله ورسوله. # أى : تداومون مداومة تامة على الإيمان بالله تعالى وبرسوله ~~صلى الله عليه وسلم وتجاهدون في سبيل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه بأموالكم ~~وأنفسكم. # قالوا : وقوله ( @QUR@01 تؤمنون ) خبر في معنى الأمر ، ويدل عليه قراءة ~~ابن مسعود : آمنوا بالله ورسوله ، وجاهدوا في سبيله. # وفائدة العدول إلى الخبر : الإشعار بأنهم قد امتثلوا لما أرشدوا إليه ، ~~فكأنه سبحانه يخبر عن هذا الامتثال الموجود عندهم. # وجاء التعبير بقوله : ( @QUR@02 هل أدلكم ) لإفادة أن ما يذكر بعد ذلك من ~~الأشياء التي تحتاج إلى من يهدى إليها ، لأنها أمور مرد تحديدها إلى الله ~~تعالى . # وتنكير لفظ التجارة ، للتهويل والتعظيم ، أى : هل أدلكم على تجارة عظيمة ~~الشأن ...؟ وأطلقت التجارة هنا على الإيمان والعمل الصالح ، لأنهما ~~يتلاقيان ويتشابهان في أن كليهما المقصود من ورائه الربح العظيم ، والسعى ~~من أجل الحصول على المنافع. # وقدم سبحانه هنا الجهاد بالأموال على الجهاد بالأنفس ، لأن المقام مقام ~~تفسير وتوضيح لمعنى التجارة الرابحة عن طريق الجهاد في سبيل الله ، ومن ~~المعلوم أن التجارة تقوم على تبادل الأموال ، وهذه الأموال هي عصب الجهاد ، ~~فعن طريقها تشترى الأسلحة والمعدات التي لا غنى للمجاهدين عنها ، وفي ~~الحديث الشريف «من جهز غازيا فقد غزا». # وقدم سبحانه في قوله : ( @QUR@010 إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة ms5603 .. ) (1) قدم الأنفس على الأموال ، لأن الحديث هناك ~~، كان في معرض الاستبدال والعرض والطلب ، والأخذ والعطاء ... فقدم سبحانه ~~الأنفس لأنها أعز ما يملكه الإنسان ، وجعل في مقابلها الجنة لأنها أعز ما ~~يوهب ، وأسمى ما تتطلع إلى نيله النفوس. PageV14P364 # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@06 ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) يعود ~~إلى ما سبق ذكره من الإيمان والجهاد. أى : ذلكم الذي أرشدناكم إلى التمسك ~~به من الإيمان والجهاد في سبيل الله ، هو خير لكم من كل شيء إن كنتم من أهل ~~العلم والفهم. # فقوله ( @QUR@01 تعلمون ) منزل منزلة الفعل اللازم ، للإشعار بأن من ~~يخالف ذلك لا يكون لا من أهل العلم ، ولا من أهل الإدراك. # وجعله بعضهم فعلا متعديا ، ومفعوله محذوف ، والتقدير : إن كنتم تعلمون ~~أنه خير لكم فافعلوه ، ولا تتقاعسوا عن ذلك. # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 يغفر لكم ذنوبكم ) مجزوم على أنه جواب لشرط ~~مقدر ، أى : إن تمتثلوا أمره تعالى يغفر لكم ذنوبكم. # ويصح أن يكون مجزوما على أنه جواب للأمر المدلول عليه بلفظ الخبر في قوله ~~تعالى قبل ذلك ( @QUR@04 تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون ). لأنهما كما قلنا ~~وإن جاءا بلفظ الخبر ، إلا أنهما في معنى الأمر ، أى : آمنوا وجاهدوا. # أى : آمنوا بالله تعالى إيمانا حقا ، وجاهدوا في سبيل إعلاء كلمته ~~بأموالكم وأنفسكم ، يغفر لكم سبحانه ذنوبكم ، بأن يزيلها عنكم ، ويسترها عليكم. # ( @QUR@01 ويدخلكم ) فضلا عن ذلك ( @QUR@01 جنات ) عاليات ( @QUR@04 تجري ~~من تحتها الأنهار ) أى : # تجرى من تحت مساكنها وبساتينها الأنهار. # ويعطيكم ( @QUR@02 مساكن طيبة ) أى : قصورا مشتملة على كل ما هو طيب ونافع. # وخصت المساكن الطيبة بالذكر ، لأن المجاهدين قد فارقوا مساكنهم ، ومنهم ~~من استشهد بعيدا عنها ، وفيها أهله وماله ... فوعدهم سبحانه بما هو خير منها. # وقوله ( @QUR@03 في جنات عدن ) أى : هذه المساكن الطيبة كائنة في جنات ~~باقية خالدة ، لا تزول ولا تنتهي ، بل أصحابها يقيمون فيها إقامة دائمة ، ~~يقال : عدن فلان بالمكان ، إذا أقام فيه إقامة مؤبدة. # ( @QUR@03 ذلك الفوز العظيم ) أى : ذلك الذي منحناكم إياه من مغفرة ~~لذنوبكم ، ومن خلودكم في الجنة ... هو الفوز العظيم الذي لا ms5604 يقاربه فوز ، ~~ولا يدانيه ظفر. # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 وأخرى تحبونها ) بيان لنعمة أخرى يعطيهم سبحانه ~~إياها ، سوى ما تقدم من نعم عظمى. PageV14P365 # ولفظ «أخرى» مبتدأ خبره دل عليه ما تقدم ، وقوله : ( @QUR@01 تحبونها ) ~~صفة للمبتدأ. # أى : ولكم فضلا عن كل ما تقدم نعمة أخرى تحبونها وتتطلعون إليها. # وهذه النعمة هي : ( @QUR@01 نصر ) عظيم كائن ( @QUR@02 من الله ) تعالى ~~لكم ( @QUR@02 وفتح قريب ) أى : عاجل ( @QUR@02 وبشر المؤمنين ) أى : وبشر ~~أيها الرسول الكريم المؤمنين بذلك ، حتى يزدادوا إيمانا على إيمانهم ، وحتى ~~تزداد قلوبهم انشراحا وسرورا. # ويدخل في هذا النصر والفتح القريب دخولا أوليا : فتح مكة ، ودخول الناس ~~في دين الله أفواجا. # وهذه الآية الكريمة من معجزات القرآن الكريم. الراجعة إلى الإخبار بالغيب ~~، حيث أخبر سبحانه بالنصر والفتح ، فتم ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه ~~، في أكمل صورة ، وأقرب زمن. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بنداء ثالث وجهه إلى المؤمنين ، دعاهم فيه ~~إلى التشبه بالصالحين الصادقين من عباده فقال : # ( @QUR@036 يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم ~~للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من ~~بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين ) (14) # والحواريون : جمع حوارى. وهم أنصار عيسى عليه السلام الذين آمنوا به ~~وصدقوه ، وأخلصوا له ولازموه ، وكانوا عونا له في الدعوة إلى الحق ، وكانوا ~~اثنى عشر رجلا. # يقال : فلان حوارى فلان ، أى : هو من خاصة أصحابه ، ومنه قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الزبير بن العوام : «لكل نبي حوارى ، وحواريي الزبير». # وأصل الحور : شدة البياض والصفاء ، ومنه قولهم في خالص لباب الدقيق : ~~الحوارى ، وفي النساء البيض الحسان : الحواريات والحوريات. PageV14P366 # وسمى الله تعالى أصفياء عيسى وأنصاره بذلك لشدة إخلاصهم له ، وطهارة ~~قلوبهم من الغش والنفاق ، فصاروا في نقائهم وصفائهم كالشىء الأبيض الخالص. # والأنصار : جمع نصير ، وهو من ينصر غيره نصرا شديدا مؤزرا. # والمراد بنصر الله تعالى : نصر دينه وشريعته ونبيه الذي أرسله بالهدى ، ~~ودين الحق. # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو : كونوا أنصارا ms5605 لله. # والمعنى : يا من آمنتم بالله تعالى حق الإيمان داوموا وواظبوا على أن ~~تكونوا أنصارا لدين الله في كل حال ، كما كان الحواريون كذلك ، عند ما ~~دعاهم عيسى عليه السلام إلى نصرته والوقوف إلى جانبه. # فالكلام محمول على المعنى ، والمقصود منه حض المؤمنين على طاعة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وعلى الاستجابة التامة لما يدعوهم إليه ، كما فعل ~~الحواريون مع عيسى ، حيث ثبتوا على دينهم ، وصدقوا مع نبيهم ، دون أن تنال ~~منهم الفتن أو المصائب. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما وجه صحة التشبيه وظاهره تشبيه كونهم ~~أنصارا بقول عيسى لهم ( @QUR@04 من أنصاري إلى الله ). # قلت التشبيه محمول على المعنى ، وعليه يصح ، والمراد كونوا أنصار الله ، ~~كما كان الحواريون أنصار عيسى كذلك حين قال لهم : من أنصارى إلى الله. # فإن قلت : فما معنى قوله : ( @QUR@04 من أنصاري إلى الله )؟ قلت : يجب ~~أن يكون معناه مطابقا لجواب الحواريين : ( @QUR@03 نحن أنصار الله ) والذي ~~يطابقه أن يكون المعنى : من جندي متوجها إلى نصرة دين الله (1). # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@04 من أنصاري إلى الله ) للحض على ~~نصرته والوقوف إلى جانبه. # وأضافهم عليه السلام إليه ، باعتبارهم أنصار دعوته ودينه. # وقوله : ( @QUR@02 إلى الله ) متعلق بأنصارى ، ومعنى «إلى» الانتهاء ~~المجازى. # أى : قال عيسى للحواريين على سبيل الامتحان لقوة إيمانهم : من الجند ~~المخلصون الذين أعتمد عليهم بعد الله تعالى في نصرة دينه ، وفي التوجه إليه ~~بالعبادة والطاعة وتبليغ رسالته ...؟ PageV14P367 # فأجابوه بقولهم : نحن أنصار دين الله تعالى ونحن الذين على استعداد أن ~~نبذل نفوسنا وأموالنا في سبيل تبليغ دعوته عز وجل ومن أجل إعلاء كلمته. # وقوله تعالى : ( @QUR@07 فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة ) مفرع ~~على ما قبله ، لبيان موقف قومه منه. # أى : قال الحواريون لعيسى عند ما دعاهم إلى اتباع الحق : نحن أنصار دين ~~الله ، ونحن الذين سنثبت على العهد .. أما بقية بنى إسرائيل فقد افترقوا ~~إلى فرقتين : فرقة آمنت بعيسى وبما جاء به من عند الله تعالى ، وفرقة أخرى ~~كفرت به وبرسالته. # وقوله : ( @QUR@07 فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم ms5606 فأصبحوا ظاهرين ) بيان ~~للنتائج التي تحققت لكل طائفة من الطائفتين : المؤمنين والكافرين. # وقوله : ( @QUR@01 ظاهرين ) من الظهور بمعنى الغلبة ، يقال : ظهر فلان ~~على فلان ، إذا تغلب عليه وقهره. # أى : كان من قوم عيسى من آمن به ، ومنهم من كفر به ، فأيدنا وقوينا ~~ونصرنا الذين آمنوا به ، على الذين كفروا به ، فصار المؤمنون ظاهرين ~~ومنتصرين على أعدائهم بفضله تعالى ومشيئته. # والمقصود من هذا الخبر حض المؤمنين في كل زمان ومكان ، على الإيمان ~~والعمل الصالح ، لأن سنة الله تعالى قد اقتضت أن يجعل العاقبة لهم ، كما ~~جعلها لأتباع عيسى المؤمنين ، على أعدائهم الكافرين. # قال بعض العلماء : وتأويل هذا النص يمكن أن ينصرف إلى أحد معنيين : إما ~~أن الذين آمنوا برسالة عيسى عليه السلام ، هم المسيحيون إطلاقا ، من استقام ~~، ومن دخلت في عقيدته الانحرافات ، وقد أيدهم الله تعالى على اليهود الذين ~~لم يؤمنوا به أصلا ، كما حدث في التاريخ. # وإما أن الذين آمنوا : هم الذين أصروا على التوحيد في وجه المؤلهين لعيسى ~~، والمثلثين وسائر النحل التي انحرفت عن التوحيد. # ومعنى : أنهم أصبحوا ظاهرين ، أى : بالحجة والبرهان ، أو أن التوحيد الذي ~~هم عليه ، هو الذي أظهره الله بهذا الدين الأخير أى : دين الإسلام وجعل له ~~الجولة الأخيرة في الأرض. كما وقع في التاريخ. PageV14P368 # هذا المعنى الأخير هو الأرجح والأقرب في هذا السياق (1). # وبعد : فهذا تفسير لسورة «الصف» نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه ، ~~ونافعا لعباده. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # كتبه الراجي عفو ربه # د. محمد سيد طنطاوى # القاهرة : مدينة نصر # مساء الخميس 7 من رمضان سنة 1406 ه # الموافق 15 / 5 / 1986 م PageV14P369 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الجمعة PageV14P371 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «الجمعة» من السور المدنية الخالصة. # قال الآلوسى : هي مدنية ، كما روى عن ابن عباس وابن الزبير ، والحسن ، ~~ومجاهد ، وعكرمة ، وقتادة ، وإليه ذهب الجمهور. # وقال ابن يسار : هي مكية ، وحكى ذلك عن ابن عباس ومجاهد : والأول هو ~~الصحيح. لما رواه البخاري وغيره عن أبى هريرة قال ms5607 : كنا جلوسا عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم حين أنزلت سورة الجمعة ، فتلاها ، فلما بلغ ( @QUR@05 ~~وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ... ) قال له رجل : يا رسول الله من هؤلاء ~~الذين لم يلحقوا بنا؟ فوضع صلى الله عليه وسلم يده على سلمان الفارسي ، وقال : ~~«والذي نفسي بيده لو كان الإيمان بالثريا لناله رجال من هؤلاء ...». # ومن المعروف أن إسلام أبى هريرة كان بعد الهجرة بمدة بالاتفاق .. (1). # 2 وعدد آياتها إحدى عشرة آية ، وكان نزولها بعد سورة «التحريم» ، وقبل ~~سورة «التغابن». # وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يقرؤها في صلاة الجمعة ، فقد روى ~~الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة «الجمعة والمنافقون». # وأخرج ابن حيان والبيهقي عن جابر بن سمرة أنه قال : كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة بسورة «الكافرون» وبسورة ~~«قل هو الله أحد ...» ، وكان يقرأ في صلاة العشاء الأخيرة من ليلة الجمعة ، ~~بسورة «الجمعة» ، وبسورة «المنافقون» .. وسميت بهذا الاسم لحديثها عن يوم ~~الجمعة ، وعن وجوب السعى إلى صلاتها. PageV14P373 # 3 وقد اشتملت السورة الكريمة ، على الثناء على الله عز وجل ، وعلى مظاهر ~~نعمه على عباده ، حيث أرسل فيهم رسولا كريما ، ليزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة .. # كما اشتملت على توبيخ اليهود وذمهم ، لعدم عملهم بالكتاب الذي أنزله ~~سبحانه لهدايتهم وإصلاح حالهم .. # كما اشتملت على دعوة المؤمنين ، إلى المحافظة على صلاة الجمعة ، وعلى ~~المبادرة إليها دون أن يشغلهم عنها شاغل. # نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المحافظين على فرائضه وتكاليفه. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .. # القاهرة # 5 من شوال 1406 ه # 11 / 6 / 1986 م # د. محمد سيد طنطاوى PageV14P374 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@012 يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز ~~الحكيم (1) @QUR@021 هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ~~ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا ms5608 من قبل لفي ضلال مبين (2) ~~@QUR@08 وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم (3) @QUR@010 ذلك ~~فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) (4) # افتتحت سورة «الجمعة» كغيرها من أخواتها «المسبحات» بالثناء على الله ~~تعالى وببيان أن المخلوقات جميعها ، تسبح بحمده تعالى وتقدس له. # والتسبيح : تنزيه الله تعالى عما لا يليق به ، اعتقادا وقولا وعملا مأخوذ ~~من السبح وهو المر السريع في الماء أو الهواء ، لأن المسبح لله ، تعالى ~~مسرع في تنزيهه تعالى وتبرئته من كل سوء. # وقوله : ( @QUR@01 القدوس ) من التقديس بمعنى التعظيم والتطهير وغير ذلك ~~من صفات الكمال. # أى : أن التسبيح : نفى ما لا يليق بذاته تعالى ، والتقديس : إثبات ما ~~يليق بجلاله سبحانه والمعنى : ينزه الله تعالى ويبعده عن كل نقص ، جميع ما ~~في السموات ، وجميع ما في الأرض من مخلوقات ، فهو سبحانه ( @QUR@01 الملك ) ~~أى : المدبر لشئون هذا الكون ، المتصرف فيه تصرف المالك فيما يملكه ... PageV14P375 # ( @QUR@01 القدوس ) أى : البليغ في الطهارة وفي التنزه عن كل نقص ، من ~~القدس بضم القاف وسكون الدال بمعنى الطهر ، وأصله القدس بفتح القاف والدال ~~وهو الإناء الذي يكون فيه ما يتطهر به ، ومنه القادوس وهو إناء معروف. # ( @QUR@01 العزيز ) الذي لا يغلبه غالب ( @QUR@01 الحكيم ) في كل أقواله ~~وأفعاله وتصرفاته. # هذا ، ومن الآيات الكثيرة الدالة على أن جميع من في السموات ومن في الأرض ~~، يسبحون لله تعالى قوله عز وجل : ( @QUR@021 تسبح له السماوات السبع والأرض ~~ومن فيهن ، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ، إنه كان ~~حليما غفورا .. ) (1). # ثم بين سبحانه جانبا من مظاهر فضله على خلقه ، فقال : ( @QUR@014 هو الذي ~~بعث في الأميين رسولا منهم ، يتلوا عليهم آياته ، ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة ... ). # وقوله : ( @QUR@01 الأميين ) جمع أمى ، وهو صفة لموصوف محذوف. أى : في ~~الناس أو في القوم الأميين ، والمراد بهم العرب ، لأن معظمهم كانوا لا ~~يعرفون القراءة والكتابة. # وسمى من لا يعرف القراءة والكتابة بالأمى ، لغلبة الأمية عليه ، حتى لكأن ~~حاله بعد تقدمه في السن ، كحاله يوم ولدته أمه في عدم معرفته للقراءة ~~والكتابة. # و «من» ms5609 في قوله تعالى : ( @QUR@01 منهم ) للتبعيض ، باعتبار أنه واحد منهم ~~، ويشاركهم في بعض صفاتهم وهي الأمية. # وقوله : ( @QUR@01 يتلوا ... ) من التلاوة ، وهي القراءة المتتابعة ~~المرتلة ، التي يكون بعضها تلو بعض. # وقوله : ( @QUR@01 ويزكيهم ) من التزكية بمعنى التطهير والتنقية من السوء ~~والقبائح. # والمراد بالكتاب : القرآن ، والمراد بتعليمه : بيان معانيه وحقائقه ، ~~وشرح أحكامه وأوامره ونواهيه .. # والمراد بالحكمة : العلم النافع ، المصحوب بالعمل الصالح ، وفي وضعها إلى ~~جانب الكتاب إشارة إلى أن المقصود بها السنة النبوية المطهرة ، إذ بالكتاب ~~وبالسنة ، يعرف الناس أصلح الأقوال والأفعال ، وأعدل الأحكام وأقوم الآداب ~~، وأسمى الفضائل .. # أى : هو سبحانه وحده ، الذي ( @QUR@01 بعث ) بفضله وكرمه ، ( @QUR@01 في ~~) العرب ( @QUR@02 الأميين رسولا ) كريما عظيما ، كائنا ( @QUR@01 منهم ) ~~أى : من جنسهم يعرفون حسبه ونسبه وخلقه .. هذا PageV14P376 # الرسول الكريم أرسلناه إليهم ، ليقرأ عليهم آيات الله تعالى التي أنزلها ~~عليه لهدايتهم وسعادتهم ، متى آمنوا بها ، وعملوا بما اشتملت عليه من ~~توجيهات سامية .. # وأرسلناه إليهم أيضا ليزكيهم ، أى : وليطهرهم من الكفر والقبائح ~~والمنكرات وليعلمهم الكتاب ، بأن يحفظهم إياه ، ويشرح لهم أحكامه ، ويفسر ~~لهم ما خفى عليهم من ألفاظه ومعانيه. # وليعلمهم أيضا الحكمة. أى : العلم النافع المصحوب بالعمل الطيب وصدر ~~سبحانه الآية الكريمة بضمير اسم الجلالة ، لتربية المهابة في النفوس ، ~~ولتقوية ما اشتملت عليه من نعم وأحكام ، إذ هو سبحانه وحده الذي فعل ذلك لا غيره. # وعبر سبحانه بفي المفيدة للظرفية في قوله تعالى : ( @QUR@02 في الأميين ) ~~. للإشعار بأن هذا الرسول الكريم الذي أرسله إليهم ، كان مقيما فيهم ، ~~وملازما لهم ، وحريصا على أن يبلغهم رسالة الله تعالى في كل الأوقات ~~والأزمان. # والتعبير بقوله : ( @QUR@01 منهم ) فيه ما فيه من دعوتهم إلى الإيمان به ~~، لأن هذا الرسول الكريم ، ليس غريبا عنهم ، بل هو واحد منهم شرفهم من شرفه ~~، وفضلهم من فضله .. # وهذه الآية الكريمة صريحة في أن الله تعالى قد استجاب دعوة نبيه إبراهيم ~~عليه السلام عند ما دعاه بقوله : ( @QUR@016 ربنا وابعث فيهم رسولا منهم ~~يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ، إنك أنت العزيز الحكيم ~~.. ) (1). # وقد جاء ترتيب هذه الآية الكريمة وأمثالها في أسمى ms5610 درجات البلاغة والحكمة ~~، لأن أول مراحل تبليغ الرسالة ، يكون بتلاوة القرآن ، ثم ثنى سبحانه ~~بتزكيه النفوس من الأرجاس ، ثم ثلث بتعليم الكتاب والحكمة لأنهما يكونان ~~بعد التبليغ والتزكية للنفوس. # ولذا قالوا : إن تعليم الكتاب غير تلاوته ، لأن تلاوته معناها ، قراءته ~~قراءة مرتلة ، أما تعليمه فمعناه : بيان أحكامه ، وشرح ما خفى من ألفاظه ~~وأحكامه .. # فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة ، قد اشتملت على جملة من الصفات الجليلة ~~التي منحها سبحانه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم . # ثم بين سبحانه بعد ذلك حال الناس قبل بعثته صلى الله عليه وسلم فقال : ( ~~@QUR@07 وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ). PageV14P377 # وهذه الجملة الكريمة في موضع الحال من قوله : ( @QUR@05 هو الذي بعث في ~~الأميين ... ) و «إن» في قوله ( @QUR@02 وإن كانوا ... ) مخففة من الثقيلة ، ~~واسمها ضمير الشأن محذوف .. # أى : هو سبحانه بفضله وكرمه ، الذي بعث في الأميين رسولا منهم ، وحالهم ~~أنهم كانوا قبل إرسال هذا الرسول الكريم فيهم ، في ضلال واضح لا يخفى أمره ~~على عاقل ، ولا يلتبس قبحه على ذي ذوق سليم. وحقا لقد كان الناس قبل أن ~~يبزغ نور الإسلام ، الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عند ربه ، في ~~ضلال واضح ، وظلام دامس ، من حيث العقائد والعبادات ، والأخلاق والمعاملات .. # فكان من رحمة الله تعالى بهم ، أن أرسل فيهم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم ~~لكي يخرجهم من ظلمات الكفر والفسوق والعصيان ، إلى نور الهداية والاستقامة ~~والإيمان. # ثم بين سبحانه أن رسالة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم لن يكون نفعها مقصورا ~~على المعاصرين له والذين شاهدوه ... بل سيعم نفعها من سيجيئون من بعدهم ، ~~فقال تعالى : ( @QUR@08 وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم ... ). # وقوله : ( @QUR@01 وآخرين ) جمع آخر بمعنى الغير ، والجملة معطوفة على ~~قوله قبل ذلك ( @QUR@02 في الأميين ... ) فيكون المعنى : # هو سبحانه الذي بعث في الأميين رسولا منهم ، كما بعثه في آخرين منهم. # ( @QUR@03 لما يلحقوا بهم ) أى : لم يجيئوا بعد ، وهم كل من يأتى بعد ~~الصحابة من أهل الإسلام إلى يوم القيامة ms5611 ، بدليل قوله تعالى : ( @QUR@08 ~~وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ... ) (1). # أى : وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به يا أهل مكة ، ولأنذر به جميع من ~~بلغه هذا الكتاب ، ووصلت إليه دعوته من العرب وغيرهم إلى يوم القيامة ... # وفي الحديث الشريف : «بلغوا عن الله تعالى فمن بلغته آية من كتاب الله ، ~~فقد بلغه أمر الله». # وعن محمد بن كعب قال : من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ~~... (2). # ويصح أن يكون قوله : ( @QUR@05 وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ... ) معطوف ~~على الضمير المنصوب في قوله : ( @QUR@01 ويعلمهم ... ) فيكون المعنى : PageV14P378 # هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة ، ويعلم آخرين منهم ( @QUR@03 لما يلحقوا بهم ) أى : لم ~~يجيئوا بعد وسيجيئون ... وهم كل من آمن بالرسول من بعد الصحابة إلى يوم ~~القيامة. # قال صاحب الكشاف : وقوله : ( @QUR@01 وآخرين ) مجرور عطف على الأميين ~~يعنى : أنه بعثه في الأميين الذين على عهده ، وفي آخرين من الأميين الذين ~~لم يلحقوا بهم بعد ، وسيلحقون بهم ، وهم الذين بعد الصحابة. # وقيل : لما نزلت قيل : من هم يا رسول الله ، فوضع يده على سلمان ثم قال : ~~«لو كان الإيمان عند الثريا لتناوله رجال من هؤلاء». # وقيل : هم الذين يأتون من بعدهم إلى يوم القيامة. # ويجوز أن ينتصب عطفا على المنصوب في ( @QUR@01 ويعلمهم ) أى يعلمهم ويعلم ~~آخرين ، لأن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مستندا إلى أوله ، ~~فكأنه هو الذي تولى كل ما وجد منه .. (1). # والمتأمل في هذه الآية الكريمة يراها تشير إلى أن دعوة النبي ~~صلى الله عليه وسلم ستبلغ غير المعاصرين له صلى الله عليه وسلم وأنهم سيتبعونها ، ~~ويؤمنون بها ، ويدافعون عنها .. # وهذا ما أيده الواقع ، فقد دخل الناس في دين الله أفواجا من العرب ومن ~~غير العرب ، ومن أهل المشارق والمغارب .. # فالآية الكريمة تخبر عن معجزة من معجزات القرآن الكريم ، ألا وهي الإخبار ~~عن أمور مستقبلة أيدها الواقع المشاهد. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 وهو العزيز الحكيم ) تذييل المقصود به بيان أن ~~قدرته تعالى لا ms5612 يعجزها شيء ، وأن حكمته هي أسمى الحكم وأسداها. # أى : وهو سبحانه العزيز الذي لا يغلب قدرته شيء ، الحكيم فيما يريده ~~ويقدره ويوجده. # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@06 ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ... ) يعود ~~إلى ما تقدم ذكره من كرمه تعالى على عباده ، حيث اختص رسوله محمدا ~~صلى الله عليه وسلم بهذه الرسالة الجامعة لكل خير وبركة ، وحيث وفق من وفق من ~~الأميين وغيرهم ، إلى اتباع هذا الرسول الكريم .. PageV14P379 # أى : ذلك البعث منا لرسولنا محمد صلى الله عليه وسلم لكي يهدى الناس بإذننا ~~إلى الصراط المستقيم ، هو فضلنا الذي نؤتيه ونخصه لمن نشاء اختصاصه به من ~~عبادنا .. # ( @QUR@01 والله ) تعالى : هو ( @QUR@03 ذو الفضل العظيم ) الذي لا ~~يقاربه فضل ، ولا يدانيه كرم. # كما قال سبحانه : ( @QUR@019 قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ~~واسع عليم. يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) (1). # ثم انتقلت السورة الكريمة بعد هذا البيان لفضل الله تعالى على نبيه ~~صلى الله عليه وسلم وعلى من أرسله لهدايتهم ، إلى الحديث عن جانب من رذائل ~~اليهود. وأمرت النبي صلى الله عليه وسلم أن يتحداهم وأن يرد على أكاذيبهم .. ~~فقال تعالى : # ( @QUR@023 مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل ~~أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين ~~(5) @QUR@018 قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون ~~الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين (6) @QUR@09 ولا يتمنونه أبدا بما قدمت ~~أيديهم والله عليم بالظالمين (7) @QUR@018 قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ~~ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ) (8) # والمراد بالمثل في قوله تعالى : ( @QUR@04 مثل الذين حملوا التوراة ... ) ~~الصفة والحال ... # والمراد بالذين حملوا التوراة : اليهود الذين كلفهم الله تعالى بالعمل ~~بما اشتملت عليه التوراة من هدايات وأحكام وآداب ... ولكنهم نبذوها وتركوا ~~العمل بها .. PageV14P380 # والأسفار : جمع سفر ، وهو الكتاب الكبير المشتمل على ألوان من العلم ~~النافع ، وسمى بذلك لأنه يسفر ويكشف عما فيه من المعاني المفيدة للمطلع عليها. # والمعنى : حال ms5613 هؤلاء اليهود الذين أنزل الله تعالى عليهم التوراة ~~لهدايتهم .. ولكنهم لم ينتفعوا بها .. كحال الحمار الذي يحمل كتب العلم ~~النافع ، ولكنه لم يستفد من ذلك شيئا ، لأنه لا يفقه شيئا مما يحمله .. # ففي هذا المثل شبه الله تعالى اليهود الذين لم ينتفعوا بالتوراة التي ~~فيها الهداية والنور ، بحال الحمار الذين يحمل كتب العلوم النافعة دون أن ~~يستفيد بها. # ووجه الشبه بين الاثنين : هو عدم الانتفاع بما من شأنه أن ينتفع به ~~انتفاعا عظيما ، لسمو قيمته ، وجلال منزلته. # قال صاحب الكشاف : شبه اليهود في أنهم حملة التوراة وقراؤها وحفاظ ما ~~فيها ، ثم إنهم غير عاملين بها ، ولا بمنتفعين بآياتها ... بالحمار ، حمل ~~أسفارا ، أى : كتبا كبارا من كتب العلم ، فهو يمشى بها ، ولا يدرى منها إلا ~~ما يمر بجنبيه وظهره من الكد والتعب ، وكل من علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله ~~، وبئس المثل .. (1). # وقال الإمام ابن كثير : يقول تعالى ذاما لليهود الذين أعطوا التوراة فلم ~~يعملوا بها ، إن مثلهم في ذلك كمثل الحمار يحمل أسفارا .. فهو يحملها حملا ~~حسيا ولا يدرى ما عليه ، وكذلك هؤلاء. لم يعملوا بمقتضى ما في التوراة بل ~~أولوه وحرفوه ، فهم أسوأ من الحمار ، لأن الحمار لا فهم له ، وهؤلاء لهم ~~فهوم لم يستعملوها ، ولهذا قال تعالى : في آية أخرى : ( @QUR@08 أولئك ~~كالأنعام بل هم أضل ، أولئك هم الغافلون .. ) (2). # وقال القرطبي : وفي هذا المثل تنبيه من الله تعالى لمن حمل الكتاب ، أن ~~يتعلم معانيه ، ويعمل بما فيه ، لئلا يلحقه من الذم ما لحق هؤلاء اليهود ، ~~قال الشاعر : # زوامل للأسفار لا علم عندهم %~% بجيدها ، إلا كعلم الأباعر لعمرك ما يدرى البعير إذا غدا %~% بأوساقه ، أو راح ما في الغرائر (3) # وعبر سبحانه عن تكليفهم العمل بالتوراة وعن تركهم لذلك بقوله : ( @QUR@05 ~~حملوا التوراة ثم لم يحملوها ) للإشعار بأن هذا التكليف منه تعالى لهم ، ~~كان عهدا مؤكدا عليهم ، حتى لكأنهم تحملوه كما يتحمل الإنسان شيئا قد وضع ~~فوق ظهره أو كتفيه. ولكنهم PageV14P381 # نبذوا هذا العهد ، وألقوا بما فوق أكتافهم من أحمال ، وانقادوا لأهوائهم ms5614 ~~وشهواتهم انقياد الأعمى لقائده .. # ولفظ «ثم» في قوله ( @QUR@03 ثم لم يحملوها ) للتراخي النسبي ، لأن عدم ~~وفائهم بما عهد إليهم ، أشد عجبا من تحملهم لهذه العهود. # وشبههم ، بالحمار الذي هو مثل في البلادة والغباء ، لزيادة التشنيع عليهم ~~، والتقبيح لحالهم ، حيث زهدوا وأعرضوا عن الانتفاع بأثمن شيء نافع ، وهو ~~كتاب الله كما هو شأن الحمار الذي لا يفرق فيما يحمله على ظهره بين الشيء ~~النافع والشيء الضار. # وجملة «يحمل أسفارا» في موضع الحال من الحمار ، أو في موضع جر على أنها ~~صفة للحمار ، باعتبار أن المقصود به الجنس ، فهو معرفة لفظا ، نكرة معنى. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : «يحمل» ما محله؟ قلت : محله النصب على الحال ~~، أو الجر على الوصف ، لأن لفظ الحمار هنا ، كلفظ اللئيم في قول الشاعر : ~~ولقد أمر على اللئيم يسبني .. (1). # ثم أضاف سبحانه إلى ذم هؤلاء اليهود ذما آخر فقال : ( @QUR@07 بئس مثل ~~القوم الذين كذبوا بآيات الله ... ). # و ( @QUR@01 بئس ) فعل ذم ، وفاعله ما بعده وهو قوله : ( @QUR@02 مثل ~~القوم ) وقد أغنى هذا الفاعل عن ذكر المخصوص بالذم ، لحصول العلم بأن ~~المذموم هو حال هؤلاء القوم الذين وصفهم سبحانه بأنهم قد كذبوا بآياته. # أى : بئس المثل مثل هؤلاء القوم الذين كذبوا بآيات الله تعالى الدالة على ~~وحدانيته وقدرته ، وعلى صدق أنبيائه فيما يبلغونه عنه تعالى . # وقوله : ( @QUR@05 والله لا يهدي القوم الظالمين ) تذييل قصد به بيان ~~الأسباب التي أدت إلى عدم توفيق الله تعالى لهم إلى الهداية. # أى : والله تعالى قد اقتضت حكمته ، أن لا يهدى إلى طريق الخير ، من ظلم ~~نفسه ، بأن آثر الغي على الرشد ، والعمى على الهدى ، والشقاوة على السعادة ~~، لسوء استعداده ، وانطماس بصيرته. # ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتحدى اليهود ، وأن يرد على ~~مزاعمهم ردا يخرس PageV14P382 # ألسنتهم ، ويكشف عن أكاذيبهم .. فقال سبحانه : ( @QUR@018 قل يا أيها ~~الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم ~~صادقين ). # قال الآلوسى : وأمر صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم ذلك ، إظهارا ms5615 لكذبهم ، ~~فإنهم كانوا يقولون : ( @QUR@04 نحن أبناء الله وأحباؤه ) ويدعون أن الآخرة ~~خالصة لهم عند الله. # وروى أنه لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب يهود المدينة إلى يهود ~~خيبر : إن اتبعتم محمدا أطعناه ، وإن خالفتموه خالفناه. فقالوا أى : يهود ~~خيبر : «نحن أبناء خليل الرحمن ، ومنا عزير ابن الله ، ومنا الأنبياء ومتى ~~كانت النبوة في العرب؟ نحن أحق بها من محمد صلى الله عليه وسلم ، ولا سبيل إلى ~~اتباعه ، فنزلت هذه الآيات .. (1). # والمقصود بالذين هادوا ، أى : الذين ادعو أنهم على الديانة اليهودية ، ~~يقال : هاد فلان وتهود. إذا دخل في اليهودية ، نسبة إلى يهوذا أحد أبناء ~~يعقوب عليه السلام ، أو سموا بذلك حين تابوا عن عبادة العجل ، من هاد يهود ~~هودا بمعنى تاب ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@011 واكتب لنا في هذه الدنيا ~~حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك ... ) أى : تبنا إليك. # ومعنى ، أولياء الله ... مقربين منه ، كرماء عليه ، لهم منزلة خاصة عنده ~~تعالى وقوله : ( @QUR@02 فتمنوا الموت ... ) جواب الشرط ، والتمني معناه : ~~ارتياح النفس ، ورغبتها القوية في الحصول على الشيء. # ويستعمل التمني في المعنى القائم بالقلب ، بأن تتطلع نفس الشخص إلى ~~الحصول على الشيء. كما يستعمل عن طريق النطق باللسان ، بأن يقول الإنسان ~~بلسانه ، ليتني أحصل على كذا. # وهذا المعنى الثاني هو المراد هنا ، لأن المعنى الكائن في القلب لا يعلمه ~~أحد سوى الله تعالى . # ومعنى الآية الكريمة : قل يا محمد لهؤلاء اليهود الزاعمين. أنهم أبناء ~~الله وأحباؤه ، وأنهم أولياء الله تعالى المقربون إليه من دون سائر خلقه ~~... قل لهم على سبيل التحدي والتعجيز والتبكيت إن كان الأمر كما زعمتم ، ~~فاذكروا أمام الناس بألسنتكم لفظا ، يدل على أنكم تحبون الموت وترغبون فيه ~~، لكي تظفروا بعد الموت بالمحبة الكاملة من الله ، ولكي تنتقلوا من شقاء ~~الدنيا ومتاعبها إلى النعيم الخالص بعد موتكم. PageV14P383 # وجواب الشرط في قوله : ( @QUR@03 إن كنتم صادقين ) محذوف لدلالة ما قبله عليه. # أى : إن كنتم صادقين في دعواكم أنكم أولياء الله من دون الناس فتمنوا الموت. # وافتتحت الآية الكريمة بلفظ ( @QUR@01 قل ) للاهتمام ms5616 بشأن التحدي من ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لهم ، ولبيان أنه أمر من الله تعالى وليس للرسول ~~صلى الله عليه وسلم سوى التنفيذ. # وجيء بإن الشرطية المفيدة للشك ، مع أنهم قد زعموا أنهم أولياء لله فعلا ~~، للإشعار بأن زعمهم هذا وإن كانوا قد كرروا النطق والتباهي به .. إلا أنه ~~بمنزلة الشيء الذي تلوكه الألسنة ، دون أن يكون له أساس من الواقع ، فهو ~~لوضوح بطلانه صار بمنزلة الشيء الذي يفترض وقوعه افتراضا على سبيل التوبيخ لهم. # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( @QUR@05 قل يا أيها الذين هادوا ) أى : ~~تهودوا ( @QUR@05 إن زعمتم أنكم أولياء لله ) أى : أحباء لله ، ولم يضف ~~سبحانه لفظ أولياء إليه ، كما في قوله : ( @QUR@07 ألا إن أولياء الله لا ~~خوف عليهم ... ) ليؤذن بالفرق بين مدعى الولاية ، ومن يخصه تعالى بها. # وقوله : ( @QUR@03 من دون الناس ... ) حال من الضمير الراجع إلى اسم ( ~~@QUR@01 إن ) أى : متجاوزين عن الناس. # ( @QUR@02 فتمنوا الموت ) أى : فتمنوا من الله أن يميتكم وينقلكم من دار ~~البلية إلى محل الكرامة. فإن من أيقن أنه من أهل الجنة أحب أن يخلص إليها ~~من هذه الدنيا التي هي دار كدر وتعب .. (1). # ثم أخبر سبحانه عن واقعهم وعن حالتهم المستقبلة فقال : ( @QUR@09 ولا ~~يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين ). # أى : أن هؤلاء اليهود لا يتمنى أحدهم الموت أبدا. بسبب ما قدمته أيديهم ~~من آثام ، والله تعالى لا تخفى عليه خافية من سيئاتهم واعتداءاتهم وظلمهم ~~بل هو سبحانه يسجل ذلك عليهم ، ويجازيهم بما يستحقونه من عقاب .. # فالآية الكريمة خبر من الله تعالى عن اليهود بأنهم يكرهون الموت ، ولا ~~يتمنونه ، ولا يستطيعون قبول ما تحداهم به صلى الله عليه وسلم من طلبهم تمنى ~~الموت ، لعلمهم بأنهم لو أجابوه إلى طلبه ، لحل بهم الموت الذي يكرهونه. # وقد صح من عدة طرق عن ابن عباس أنه قال : لو تمنوا الموت لشرق أحدهم ~~بريقه .. PageV14P384 # وقال ابن جرير : وبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «لو أن اليهود ~~تمنوا الموت لماتوا ، ولرأوا مقاعدهم من النار ..» (1). # وقال ابن ms5617 كثير : وروى الإمام أحمد عن ابن عباس قال : قال أبو جهل لعنه ~~الله : إن رأيت محمدا عند الكعبة ، لآتينه حتى أطأ عنقه. قال : فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : «لو فعل لأخذته الملائكة عيانا ، ولو أن اليهود ~~تمنوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار. ولو خرج الذين يباهلون رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا (2). # وقال صاحب الكشاف ما ملخصه : وقوله : ( @QUR@03 ولا يتمنونه أبدا ) أى : ~~بسبب ما قدموا من الكفر ، وقد قال لهم صلى الله عليه وسلم : «والذي نفسي بيده ~~لا يقولها أحد منكم إلا غص بريقه» فلو لا أنهم كانوا موقنين بصدق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لتمنوا ، ولكنهم علموا أنهم لو تمنوا لماتوا من ساعتهم ~~ولحقهم الوعيد فما تمالك أحد منهم أن يتمنى ، وهي إحدى المعجزات لأنها ~~إخبار بالغيب وكانت كما أخبر . # فإن قلت : ما أدراك أنهم لم يتمنوا الموت؟ قلت : لو تمنوا لنقل ذلك عنهم ~~، كما نقلت سائر الحوادث ، ولكان ناقلوه من أهل الكتاب وغيرهم من أولى ~~المطاعن في الإسلام ، أكثر من الذر ، وليس أحد منهم نقل عنه ذلك ... (3). # هذا ، ويكفى في تحقيق هذه المعجزة ، ألا يصدر تمنى الموت عن اليهود الذين ~~تحداهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، وهم الذين كانوا يضعون العراقيل في ~~طريق دعوته .. ولا يقدح في هذه المعجزة ، أن ينطق يهودي بعد العهد النبوي ~~بتمني الموت ، وهو حريص على الحياة ، لأن المعنيين بالتحدي هم اليهود ~~المعاصرون للعهد النبوي. # والمقصود بقوله تعالى : ( @QUR@03 والله عليم بالظالمين ) التهديد ~~والوعيد. أى : والله تعالى عليم علما تاما بأحوال هؤلاء الظالمين ، ~~وسيعاقبهم العقاب الذي يتناسب مع ظلمهم وبغيهم. فالمراد من العلم لازمه ، ~~وهو الجزاء والحساب .. # وعبر سبحانه هنا بقوله : ( @QUR@02 ولا يتمنونه ... ) وفي سورة البقرة ~~بقوله : ( @QUR@02 ولن يتمنوه ... ). # للإشعار بأنهم يكرهون الموت في الحال وفي المستقبل كراهة شديدة. PageV14P385 # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يخبرهم بأنهم لا مفر لهم من ~~الموت ، مهما حرصوا على الهروب منه. فقال تعالى : ( @QUR@08 قل ms5618 إن الموت ~~الذي تفرون منه ، فإنه ملاقيكم ... ). # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء اليهود الذين يكرهون الموت ، ويزعمون ~~أنهم أحباب الله؟ .. # قل لهم على سبيل التوبيخ والتبكيت : إن الموت الذي تكرهونه ، وتحرصون على ~~الفرار منه ، لا مهرب لكم منه ، ولا محيص لكم عنه ، فهو نازل بكم إن عاجلا ~~أو آجلا كما قال سبحانه ( @QUR@09 أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في ~~بروج مشيدة ... ). # فالمقصود بهذه الآية الكريمة إخبارهم بأن هلعهم من الموت مهما اشتد لن ~~يفيدهم شيئا ، لأن الموت نازل بهم لا محالة ... # ثم بين سبحانه أنهم بعد الموت ، سيجدون الجزاء العادل فقال : ( @QUR@010 ~~ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة ، فينبئكم بما كنتم تعملون ). # أى : قل لهم أيها الرسول الكريم : إن الموت نازل بكم لا محالة. ثم بعد ~~هلاككم سترجعون إلى الله تعالى الذي يعلم السر والعلانية ، والجهر والخفاء ~~، فيجازيكم على أعمالكم السيئة ، بما تستحقونه من عقاب. # فالمراد بالإنباء عما كانوا يعملونه ، الحساب على ذلك ، والمجازاة عليه. # وشبيه بهذه الآيات قوله تعالى في سورة البقرة : # ( @QUR@051 قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس ، ~~فتمنوا الموت إن كنتم صادقين. ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم ~~بالظالمين. ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ، ومن الذين أشركوا ، يود أحدهم ~~لو يعمر ألف سنة ، وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر ، والله بصير بما ~~يعملون ) (1). # وبعد هذا التوبيخ والتحدي لليهود الذين زعموا أنهم أولياء لله من دون ~~الناس .. وجه سبحانه للمؤمنين نداء أمرهم فيه بالمسارعة إلى أداء فرائضه ~~ونهاهم عن أن تشغلهم دنياهم عن ذكره وطاعته ، فقال تعالى : PageV14P386 # ( @QUR@022 يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا ~~إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (9) @QUR@015 فإذا ~~قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا ~~لعلكم تفلحون (10) @QUR@021 وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك ~~قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين ) (11) # والمقصود بالنداء في قوله سبحانه ms5619 : ( @QUR@07 يا أيها الذين آمنوا إذا ~~نودي للصلاة ... ) جميع المكلفين بها ، الذين يجب عليهم أداؤها .. # وناداهم سبحانه بصفة الإيمان ، لتحريك حرارة الإيمان في قلوبهم ، ~~ولتحريضهم على المسارعة إليها ، إذ من شأن المؤمن القوى ، أن يكون مطيعا ~~لما يأمره خالقه به. # والمراد بالنداء : الأذان والإعلام بوقت حلولها. # والمقصود بالصلاة المنادى لها هنا : صلاة الجمعة ، بدليل قوله تعالى ( ~~@QUR@03 من يوم الجمعة ). # واللام في قوله ( @QUR@01 للصلاة ) للتعليل ، و ( @QUR@01 من ) بمعنى في ~~، أو للبيان ، أو للتبعيض ، لأن يوم الجمعة زمان ، تقع فيه أعمال ، منها ~~الصلاة المعهودة فيه وهي صلاة الجمعة لأن الأمر بترك البيع خاص بها ، لوجود ~~الخطبة فيها. # وقوله : ( @QUR@01 فاسعوا ... ) جواب الشرط ، من السعى ، وهو المشي ~~السريع. # والمراد به هنا : المشي المتوسط بوقار وسكينة ، وحسن تهيؤ لصلاة الجمعة .. # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( @QUR@04 فاسعوا إلى ذكر الله ) أى : ~~امشوا إليه بدون إفراط في السرعة .. # فقد أخرج الستة في كتبهم عن أبى سلمة من حديث أبى هريرة قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ، وأتوها ~~وأنتم تمشون ، وعليكم السكينة ، فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا». PageV14P387 # والمراد بذكر الله : الخطبة والصلاة جميعا ، لاشتمالهما عليه ، واستظهر ~~بعضهم أن المراد به الصلاة ، وقصره بعضهم على الخطبة .. (1). # وإنما عبر سبحانه بالسعي لتضمنه معنى زائدا على المشي ، وهو الجد والحرص ~~على التبكير ، وعلى توقى التأخير. # والمعنى : يا من آمنتم بالله حق الإيمان ، إذا نادى المنادى لأجل الصلاة ~~في يوم الجمعة ، فامضوا إليها بجد ، وإخلاص نية ، وحرص على الانتفاع بما ~~تسمعونه من خطبة الجمعة ، التي هي لون من ألوان ذكر الله تعالى وطاعته. # والأمر في قوله سبحانه : ( @QUR@06 فاسعوا إلى ذكر الله ، وذروا البيع .. ~~) الظاهر أنه للوجوب ، لأن الأمر يقتضى الوجوب ، ما لم يوجد له صارف عن ذلك ~~، ولا صارف له هنا. # والمراد من البيع هنا : المعاملة بجميع أنواعها ، فهو يعم البيع والشراء ~~وسائر أنواع المعاملات. # أى : إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ، فاخرجوا إليها بحرص وسكينة ووقار. ~~واتركوا المعاملات الدنيوية من بيع ، وشراء ms5620 ، وإجارة ، وغيرها. # وإنما قال سبحانه : ( @QUR@02 وذروا البيع ... ) لأنه أهم أنواع ~~المعاملات ، فهو من باب التعبير عن الشيء بأهم أجزائه. # واسم الإشارة في قوله سبحانه : ( @QUR@06 ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) ~~يعود إلى ما سبق ذكره من الأمر بالسعي إلى ذكر الله ، متى نودي للصلاة ، ~~وترك الاشتغال بالبيع وما يشبهه. # أى : ذلكم الذي أمرتكم به من السعى إلى ذكر الله عند النداء للصلاة من ~~يوم الجمعة ، ومن ترك أعمالكم الدنيوية .. خير لكم مما يحصل لكم من رزق في ~~هذه الأوقات ، عن طريق البيع أو الشراء أو غيرهما. # فالمفضل عليه محذوف ، لدلالة الكلام عليه ، والمفضل هو السعى إلى ذكر ~~الله تعالى . # وهذا التفضيل باعتبار أن منافع السعى إلى ذكر الله تعالى باقية دائمة ، ~~أما المنافع الدنيوية فهي زائلة فانية ... # وجواب الشرط في قوله ( @QUR@03 إن كنتم تعلمون ) محذوف. أى : إن كنتم ~~تعلمون ما هو خير لكم ، فاسعوا إلى ذكر الله عند النداء للصلاة ، واتركوا ~~البيع والشراء. PageV14P388 # أو إن كنتم من أهل العلم والفقه السليم للأمور ، عرفتم أن امتثال أمر ~~الله تعالى بأن تسعوا ، إلى ذكره عند النداء لصلاة الجمعة ، خير لكم من ~~الاشتغال في هذا الوقت بالبيع والشراء .. # إذ في هذا الامتثال سعادتكم ونجاتكم من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. # ثم بين سبحانه جانبا من مظاهر تيسيره عليهم في تشريعاته فقال : ( ~~@QUR@010 فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ، وابتغوا من فضل الله ... ). # أى : فإذا فرغتم من أداء الصلاة وأقمتموها على أكل وجه ، فانتشروا في ~~الأرض ، وامشوا في مناكبها ، لأداء أعمالكم التي كنتم قد تركتموها عند ~~النداء للصلاة ، واطلبوا الربح واكتساب المال والرزق ، من فضل الله تعالى ~~ومن فيض إنعامه ، والأمر هنا للإباحة ، لأنه وارد بعد حظر ، فهو كقوله ~~تعالى : ( @QUR@03 وإذا حللتم فاصطادوا ... ). # أى : أن الانتشار في الأرض بعد الصلاة لطلب الرزق ، ليس واجبا عليهم ، إذ ~~طلب الرزق قد يكون في هذا الوقت ، وقد يكون في غيره ... # والمقصود من الآية إنما هو تنبيه الناس ، إلى أن لهم في غير وقت الصلاة ، ~~سعة من الزمن في طلب ms5621 الرزق ، وفي الاشتغال بالأمور الدنيوية ، فعليهم أن ~~يسعوا إلى ذكر الله ، إذا ما نودي للصلاة من يوم الجمعة ، وأن يحرصوا على ~~ذلك حرصا تاما ، مصحوبا بالنية الطيبة ، وبالهيئة الحسنة. وبالمضي المبكر ~~إلى المسجد. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ) تحذير لهم ~~من الانتشار في الأرض لمصالحهم الدنيوية ، دون أن يعطوا طاعة الله تعالى ~~وعبادته ، ما تستحقه من عناية ومواظبة. # أى : إذا قضيت الصلاة ، فانتشروا في الأرض لتحصيل معاشكم ، دون أن يشغلكم ~~ذلك عن الإكثار من ذكر الله تعالى في كل أحوالكم ، فإن الفلاح كل الفلاح في ~~تقديم ما يتعلق بأمور الدين ، على ما يتعلق بأمور الدنيا ، وفي تفضيل ما ~~يبقى على ما يفنى. # والمتأمل في هذه الآية الكريمة يراها ترسم للمسلم التوازن السامي ، بين ~~ما يقتضيه دينه ، وما تقتضيه دنياه. # إنها تأمره بالسعي في الأرض ، ولكن في غير وقت النداء للصلاة من يوم ~~الجمعة ، ودون أن يشغله هذا السعى عن الإكثار من ذكر الله ، فإن الفلاح في ~~الإقبال على الطاعات التي ترضيه سبحانه : ومن بين هذه الطاعات أن يكثر ~~الإنسان من ذكر الله تعالى ، حتى في حالة سعيه لتحصيل رزقه. PageV14P389 # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بعتاب يحمل في طياته ثوب التأديب والإرشاد ~~والتأنيب ، لمن آثر مطالب الدنيا على مطالب الآخرة فقال تعالى : ( @QUR@09 ~~وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما ... ). # قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : يعاتب تبارك وتعالى على ما كان وقع من ~~الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة ، التي قدمت المدينة يومئذ ، ~~فقال : ( @QUR@09 وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما ... ). # فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن جابر قال : قدمت عير أى : تجارة المدينة ، ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فخرج الناس ، وبقي اثنا عشر ~~رجلا ، فنزلت هذه الآية. # وفي رواية عن جابر أيضا أنه قال : بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم ~~الجمعة ، فقدمت عير إلى المدينة ، فابتدرها الناس ، حتى لم يبق مع الرسول ~~صلى الله عليه وسلم إلا اثنا ms5622 عشر رجلا ، فقال صلى الله عليه وسلم : «والذي نفسي ~~بيده ، لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد ، لسال بكم الوادي نارا» ونزلت هذه ~~الآية .. (1). # وفي رواية أن الذين بقوا في المسجد كانوا أربعين ، وأن العير كانت لعبد ~~الرحمن بن عوف ، وكان قد أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر ... (2). # وفي رواية أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يخطب ، فقدم دحية الكلبي بتجارة ~~له فتلقاه أهله بالدفوف. فخرج الناس. # و «إذا» في قوله تعالى : ( @QUR@03 وإذا رأوا تجارة ... ) ظرف للزمان ~~الماضي المجرد عن الشرط ، لأن هذه الآية نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بعد أن انفض عنه من انفض وهو يخطب وقوله : ( @QUR@01 انفضوا ) من الانفضاض ~~، بمعنى التفرق. يقال : انفض فلان عن فلان إذا تركه وانصرف عنه ، وهو من ~~الفض ، بمعنى كسر الشيء والتفريق بين أجزائه. # والضمير في قوله ( @QUR@01 إليها ) يعود للتجارة ، وكانت عودته إليها دون ~~اللهو ، لأن الانفضاض كان لها بالأصالة ، والمراد باللهو هنا : فرحهم بمجيء ~~التجارة واستقبالهم لها بالدفوف ، لأنهم كانوا في حالة شديدة من الفقر ~~وغلاء الأسعار. # والتعبير بأو يشير إلى أن بعض المنفضين قد انفضوا من أجل التجارة ، وأن ~~البعض الآخر قد انفض من أجل اللهو. PageV14P390 # قال الجمل في حاشيته : والذي سوغ لهم الخروج وترك الرسول صلى الله عليه وسلم ~~يخطب ، أنهم ظنوا أن الخروج بعد تمام الصلاة جائز ، لانقضاء المقصود وهو ~~الصلاة ، لأنه كان صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام يصلى الجمعة قبل الخطبة ~~كالعيدين ، فلما وقعت هذه الواقعة ، ونزلت الآية ، قدم الخطبة وأخر الصلاة ~~... (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 وتركوك قائما ) جملة حالية من فاعل ( @QUR@01 ~~انفضوا ) والمقصود بها توبيخهم على هذا التصرف ، حيث تركوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم واقفا يخطب على المنبر ، وانصرفوا إلى التجارة واللهو. # وقوله سبحانه : ( @QUR@012 قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة ، ~~والله خير الرازقين ) إرشاد لهم إلى ما هو الأنفع والأبقى والأكرم لهم. # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الذين انفضوا عنك وأنت تخطب .. قل لهم ~~: ما عند الله تعالى ms5623 من ثواب ومن عطاء خير من اللهو الذي يشغلكم عن ذكر ~~الله ، ومن التجارة التي تبتغون من ورائها الربح المادي ، والمنافع ~~العاجلة. # والله تعالى هو خير الرازقين ، لأنه سبحانه هو وحده الذي يقسم الأرزاق ، ~~وهو الذي يعطى ويمنع ، كما قال سبحانه : ( @QUR@019 ما يفتح الله للناس من ~~رحمة فلا ممسك لها ، وما يمسك فلا مرسل له من بعده ، وهو العزيز الحكيم ). # وقدمت التجارة على اللهو في صدر الآية ، لأن رؤيتها كانت الباعث الأعظم ~~على الانفضاض إليها ، وترك الرسول صلى الله عليه وسلم قائما يخطب على المنبر ، ~~ولم يبق معه إلا عدد قليل من أصحابه. # وأخرت في آخر الآية وقدم اللهو عليها ، ليكون ذمهم على انفضاضهم أشد ~~وأوجع ، حتى لا يعودوا إلى مثل ذلك. # هذا ، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى : # 1 فضل يوم الجمعة ، وفضل صلاة يوم الجمعة ، والتحذير من ترك أدائها. # ومن الأحاديث التي وردت في هذا المعنى ، ما رواه مسلم وأبو داود والنسائي ~~عن أبى هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «خير يوم طلعت فيه ~~الشمس يوم الجمعة ، فيه خلق آدم. وفيه أدخل الجنة ، وفيه أخرج منها ، ولا ~~تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة». # وروى الشيخان عن أبى هريرة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : «نحن ~~الآخرون PageV14P391 # أى : زمنا السابقون يوم القيامة قبل غيرهم ، بيد أنهم أى : اليهود ~~والنصارى أوتوا الكتاب من قبلنا ، وأوتيناه من بعدهم ، ثم هذا يومهم الذي ~~فرض عليهم أى : تعظيمه فاختلفوا فيه فهدانا الله ، فالناس لنا فيه تبع : ~~اليهود غدا أى : السبت والنصارى بعد غد أى : الأحد ». # وروى مسلم والنسائي عن ابن عمر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول على ~~أعواد منبره : «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أى : تركهم صلاة الجمعة أو ~~ليختمن الله على قلوبهم ، ثم ليكونن من الغافلين ..». # قال القرطبي ما ملخصه : وإنما سميت الجمعة جمعة ، لأنها مشتقة من الجمع ~~حيث يجتمع الناس فيها للصلاة .. وكان يقال ليوم الجمعة : العروبة ... # قال ms5624 البيهقي : وروينا عن موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب الزهري ، أن مصعب بن ~~عمير ، كان أول من جمع الجمعة بالمدينة للمسلمين ، قبل أن يهاجر إليها ~~الرسول صلى الله عليه وسلم . # ثم قال القرطبي : وأما أول جمعة جمعها صلى الله عليه وسلم بأصحابه ، قال أهل ~~السير والتاريخ : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرا حتى نزل بقباء ، ~~على بنى عمرو بن عوف ، يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول ~~حين اشتد الضحى ومن تلك السنة يعد التاريخ فأقام بقباء إلى يوم الخميس ، ~~وأسس مسجدهم ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة ، فأدركته الجمعة في بنى سالم ~~بن عوف ، في بطن واد لهم ، فجمع بهم وخطب ، وهي أول خطبة خطبها بالمدينة ، ~~وقال فيها : الحمد لله ، أحمده وأستعينه ، وأستغفره وأستهديه .. (1). # 2 الآية الكريمة وإن كانت قد أمرت المؤمنين بالسعي إلى صلاة الجمعة عند ~~النداء لها ، إلا أن هناك أحاديث متعددة تحض على التبكير بالحضور إليها ، ~~وبالغسل لها ، وبمس الطيب ، وبالحضور إليها على أحسن حالة .. # ومن تلك الأحاديث ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة أى : كغسل الجنابة ~~ثم راح إلى المسجد ، فكأنما قرب بدنة أى : ناقة ضخمة .. ومن راح في الساعة ~~الثانية فكأنما قرب بقرة ، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ~~أى له قرون ومن راح في الساعة الرابعة PageV14P392 # فكأنما قرب دجاجة ، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ، فإذا ~~خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر». # وروى ابن ماجة عن ابن مسعود قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : «إن ~~الناس يجلسون يوم القيامة على قدر ترواحهم إلى الجمعات ، الأول ثم الثاني ~~ثم الثالث ثم الرابع ، وما رابع أربعة من الله ببعيد». # وروى الشيخان عن أبى سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ~~«على كل مسلم الغسل يوم الجمعة ، ويلبس من صالح ثيابه ، وإن كان له طيب مس ms5625 ~~منه ..». # 3 أخذ العلماء من قوله تعالى : ( @QUR@013 ... إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع .. ) أن صلاة الجمعة فريضة محكمة ، ~~وأن السعى لأدائها واجب ، وأن ترك ذلك محرم شرعا .. # ومن المعروف بين العلماء أن الأمر يقتضى الوجوب ، ما لم يوجد له صارف ، ~~ولا صارف له هنا .. # قال الإمام القرطبي : فرض الله تعالى الجمعة على كل مسلم ، ردا على من ~~يقول : إنها فرض على الكفاية ، ونقل عن بعض الشافعية أنها سنة. # وجمهور الأمة والأئمة أنها فرض على الأعيان ، لقوله تعالى : ( @QUR@013 ~~... إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ... ). # وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «لينتهين أقوام عن ودعهم ~~الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين». # وهذا حجة واضحة في وجوب الجمعة وفرضيتها .. (1). # قال بعض العلماء : جاء في الآية الكريمة الأمر بالسعي ، والأمر للوجوب ~~فيكون السعى واجبا ، وقد أخذ العلماء من ذلك أن الجمعة فريضة ، لأنه سبحانه ~~قد رتب الأمر للذكر على النداء للصلاة ، فإذا كان المراد بالذكر هو الصلاة ~~، فالدلالة ظاهرة ، لأنه لا يكون السعى لشيء واجبا ، حتى يكون ذلك الشيء واجبا. # وأما إذا كان المراد بالذكر الخطبة فقط ، فهو كذلك لأن الخطبة شرط الصلاة ~~، وقد أمر بالسعي إليه ، والأمر للوجوب ، فإذا وجب السعى للمقصود تبعا ، ~~فما ذلك إلا لأن المقصود بالذات واجب ... PageV14P393 # كما أن الاشتغال بالبيع أو الشراء وقت النداء محرم ، لأن الأمر للوجوب ، ~~وقال بعضهم : هو مكروه كراهة تحريم .. (1). # ومما يدل على أن صلاة الجمعة فريضة محكمة ، وأن السعى إليها واجب ، وأن ~~الاشتغال عنها بالبيع أو الشراء محرم ، ما جاء في الأحاديث من الأمر ~~بالمحافظة عليها ، ومن التحذير من تركها ، ومن ذلك ما رواه أبو داود من ~~حديث أبى الجعد ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «من ترك ثلاث جمع ~~تهاونا بها ، طبع الله على قلبه». # 4 قوله تعالى : ( @QUR@06 فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض .. ) يدل ~~دلالة واضحة ، على سمو شريعة الإسلام ms5626 ، وعلى سماحتها ويسرها ، وجمعها بين ~~مطالب الدنيا ومطالب الآخرة. # ومع أن هذا الأمر بالانتشار بعد الصلاة للإباحة كما سبق أن قلنا إلا أن ~~بعض السلف كان إذا انتهت الصلاة ، خرج من المسجد ، ودار في السوق ساعة ، ثم ~~رجع إلى المسجد فصلى ما شاء أن يصلى. # قال الإمام ابن كثير : كان عراك بن مالك أحد كبار التابعين إذا صلى ~~الجمعة ، انصرف فوقف على باب المسجد وقال : اللهم إنى أجبت دعوتك وصليت ~~فريضتك ، وانتشرت كما أمرتنى ، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين .. (2). # هذا ، وهناك أحكام أخرى توسع المفسرون والفقهاء في الحديث عنها ، فليرجع ~~إليها من شاء المزيد من معرفة هذه الأحكام والآداب .. # وبعد : فهذا تفسير لسورة «الجمعة» نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه ~~، ونافعا لعباده .. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .. # كتبه الراجي عفو ربه # د. محمد سيد طنطاوى # القاهرة : مدينة نصر : # صباح الثلاثاء 10 من شوال سنة 1406 ه # الموافق 17 / 6 / 1986 م PageV14P394 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة المنافقون PageV14P395 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «المنافقون» من السور المدنية الخالصة ، وعدد آياتها إحدى عشرة ~~آية ، وكان نزولها بعد سورة «الحج» ، وقبل سورة «المجادلة» (1). # وقد عرفت بهذا الاسم منذ عهد النبوة ، فقد جاء في حديث زيد بن أرقم الذي ~~سنذكره خلال تفسيرنا لها أنه قال : «فلما أصبحنا قرأ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم سورة المنافقين». # وقال الآلوسى : أخرج سعيد بن منصور ، والطبراني في الأوسط بسند حسن عن ~~أبى هريرة ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الجمعة في ~~الركعة الأولى بسورة الجمعة ، فيحرض بها المؤمنين ويقرأ في الركعة الثانية ~~بسورة المنافقين ، فيقرع بها المنافقين. # 2 والمحققون من العلماء على أن هذه السورة ، نزلت في غزوة بنى المصطلق ، ~~وقد جاء ذلك في بعض الروايات التي وردت في سبب نزول بعض آياتها ، والتي ~~سنذكرها خلال تفسيرنا لها بإذن الله وكانت هذه الغزوة في السنة الخامسة من ~~الهجرة. # وذكر بعضهم أنها نزلت في غزوة «تبوك» ، ومما ms5627 يشهد لضعف هذا القول ، أن ~~المنافقين في هذا الوقت وهو السنة التاسعة من الهجرة ، كانوا قد زالت ~~دولتهم ، وضعف شأنهم ، وما كان لواحد منهم أن يقول : ( @QUR@08 لئن رجعنا ~~إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ). # 3 وسميت هذه السورة بسورة «المنافقون» ، لأنها فضحتهم ، ووصفتهم بما هم ~~أهله من صفات ذميمة ، ومن طباع قبيحة ، ومن مسالك سيئة ... ويكاد حديثها ~~يكون مقصورا عليهم ، وعلى أكاذيبهم ودسائسهم. # وحديث القرآن عن النفاق والمنافقين ، قد ورد في كثير من السور المدنية ، ~~ففي سورة البقرة نجد حديثا مستفيضا عنهم ، يبدأ بقوله تعالى : ( @QUR@011 ~~ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر ، وما هم بمؤمنين ). # وفي سورة آل عمران نجد توبيخا من الله تعالى لهم ، كما في قوله عز وجل : ( ~~@QUR@016 الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا ، لو أطاعونا ما قتلوا ، قل فادرؤا ~~عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين ). PageV14P397 # وفي سورة النساء نجد آيات متعددة تتحدث عن قبائحهم ، ومن ذلك قوله تعالى ~~: ( @QUR@045 ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك ، وما أنزل ~~من قبلك ، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ، ويريد ~~الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا. وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى ~~الرسول ، رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا ). # أما سورة «التوبة» فهي أكثر السور حديثا عنهم ، ولذا سميت بالفاضحة لأنها ~~فضحتهم على رءوس الأشهاد ، كما سميت بالمنقرة ، لأنها نقرت عما في قلوبهم ، ~~وكشفت عنه ، كما سميت بالمبعثرة لأنها بعثرت أسرارهم .. (1). # والحق أنه لا تكاد تخلو سورة من السور المدنية ، من الحديث عن المنافقين ~~وعن سوء سلوكهم وأخلاقهم. ووجوب ابتعاد المؤمنين عنهم. # 4 والنفاق إنما يظهر ويفشو حيث تكون القوة ، لذا لم يكن للمنافقين أثر في ~~العهد المكي ، لأن المؤمنين كانوا قلة مستضعفين في الأرض ، ومن كان هذا ~~شأنه لا ينافقه الناس ، فضلا عن أن مشركي مكة كانوا بطبيعتهم جبابرة ، ~~وكانوا يعلنون حربهم على الدعوة الإسلامية إعلانا سافرا. لا التواء معه ولا ~~مداهنة. # أما المؤمنون في العهد المدني ، فقد كانوا أقوياء خصوصا بعد أن ms5628 أسسوا ~~دولتهم ، وانتصروا على المشركين في غزوة بدر .. كما انتصروا على اليهود .. ~~فظهرت حركة النفاق في المدينة ، لمداهنة المؤمنين ، وللحصول على نصيبهم من ~~الغنائم التي يغنمها المؤمنون .. ولغير ذلك من الأسباب التي ذكرها العلماء ~~والمؤرخون ... (2). # وسورة «المنافقون» فضحت أحوالهم ، وكشفت عن دخائلهم وعن خسة نفوسهم .. ~~وختمت بموعظة المؤمنين ، وبحثهم على الإنفاق في سبيل الله ، وعلى تقديم ~~العمل الصالح ، الذي ينفعهم في دنياهم وفي آخرتهم. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # القاهرة مدينة نصر # مساء الثلاثاء : 10 من شوال سنة 1406 ه # 17 / 6 / 1986 م # د. محمد سيد طنطاوى PageV14P398 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@017 إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك ~~لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون (1) @QUR@012 اتخذوا أيمانهم جنة ~~فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون (2) @QUR@011 ذلك بأنهم آمنوا ~~ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون (3) @QUR@022 وإذا رأيتهم تعجبك ~~أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم ~~العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون ) (4) # افتتح الله تعالى السورة الكريمة ، بالحديث عن صفة من أبرز الصفات ~~الذميمة للمنافقين ، ألا وهي صفة الكذب والخداع ، فقال تعالى ( @QUR@08 إذا ~~جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله ... ). # و ( @QUR@01 إذا ) هنا ظرف للزمان الماضي ، بقرينة كون جملتيها ماضيتين ، ~~وجواب «إذا» قوله ( @QUR@05 قالوا نشهد إنك لرسول الله ... ) والخطاب ~~للرسول صلى الله عليه وسلم . # و ( @QUR@01 المنافقون ) جمع منافق ، وهو من يظهر الإسلام ويخفى الكفر ، ~~أو من يظهر خلاف ما يبطن من أقوال وأفعال. # أى : إذا حضر المنافقون إلى مجلسك أيها الرسول الكريم قالوا لك على سبيل ~~الكذب والمخادعة والمداهنة .. نشهد أنك رسول من عند الله تعالى ، وأنك صادق ~~فيما تبلغه عن ربك. PageV14P399 # وعبروا عن التظاهر بتصديقهم له صلى الله عليه وسلم بقولهم ( @QUR@01 نشهد ) ~~المأخوذ من الشهادة التي هي إخبار عن أمر مقطوع به وأكدوا هذه الشهادة بإن ~~واللام ، للإيهام بأن شهادتهم صادقة ، وأنهم لا يقصدون بها إلا وجه الحق ، ~~وأن ms5629 ما على ألسنتهم يوافق ما في قلوبهم. # قال الشوكانى : أكدوا شهادتهم بإن واللام ، للإشعار بأنها صادرة من صميم ~~قلوبهم ، مع خلوص نياتهم ، والمراد بالمنافقين ، عبد الله بن أبى وأتباعه. # ومعنى نشهد : نحلف ، فهو يجرى مجرى القسم ، ولذا يتلقى بما يتلقى به ~~القسم ... # ومثل نشهد : نعلم ، فإنه يجرى مجرى القسم كما في قول الشاعر : # ولقد علمت لتأتين منيتي %~% إن المنايا لا تطيش سهامها (1) # وقوله : ( @QUR@04 والله يعلم إنك لرسوله ) جملة معترضة مقررة لمضمون ما ~~قبلها ، من كونه صلى الله عليه وسلم رسول من عند الله تعالى حقا. # وجملة : ( @QUR@05 والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ) معطوفة على قوله : ~~( @QUR@02 قالوا نشهد ). # أى : إذا حضر المنافقون إليك أيها الرسول الكريم قالوا كذبا وخداعا : ~~نشهد إنك لرسول الله ، والله تعالى ( @QUR@03 يعلم إنك لرسوله ) حقا سواء ~~شهدوا بذلك أم لم يشهدوا ، فأنت لست في حاجة إلى هذه الشهادة التي تخالف ~~بواطنهم. # ( @QUR@01 والله ) تعالى ( @QUR@04 يشهد إن المنافقين لكاذبون ) في قولهم ~~: نشهد إنك لرسول الله ، لأن قولهم هذا يباين ما أخفته قلوبهم المريضة ، من ~~كفر ونفاق وعداوة لك وللحق الذي جئت به. # والإيمان الحق لا يتم إلا إذا كان ما ينطق به اللسان ، يوافق ويواطئ. ما ~~أضمره القلب ، وهؤلاء قد قالوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، فثبت كذبهم في ~~قولهم : نشهد إنك لرسول الله .. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : أى : فائدة في قوله تعالى : ( @QUR@04 والله ~~يعلم إنك لرسوله )؟ قلت : لو قال : قالوا نشهد إنك لرسول الله ، والله ~~يشهد إن المنافقين لكاذبون ، لكان يوهم أن قولهم هذا كذب ، فوسط بينهما ~~قوله : ( @QUR@04 والله يعلم إنك لرسوله ) ليميط هذا الإيهام .. (2). # وجيء بالفعل ( @QUR@01 يشهد ) في الإخبار عن كذبهم فيما قالوه ، للمشاكلة ~~، حتى يكون إبطال خبرهم مساويا لإخبارهم ولما نطقوا به. PageV14P400 # ثم بين سبحانه جانبا من الوسائل التي كانوا يستعملونها لكي يصدقهم من ~~يسمعهم فقال تعالى : ( @QUR@03 اتخذوا أيمانهم جنة ).. # والأيمان : بفتح الهمزة جمع يمين ، والجنة بضم الجيم ما يستتر به المقاتل ~~ليتقى ضربات السيوف والرماح والنبال .. # أى : أن هؤلاء المنافقين إذا ظهر كذبهم ، أو إذا ms5630 جوبهوا بما يدل على ~~كفرهم ونفاقهم ، أقسموا ، بالأيمان المغلظة بأنهم ما قالوا أو فعلوا ما ~~يسيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى المؤمنين .. # فهم يستترون بالحلف الكاذب ، حتى لا يصيبهم أذى من المؤمنين ، كما يستتر ~~المقاتل بترسه من الضربات. # وقد حكى القرآن كثيرا من أيمانهم الكاذبة ، ومن ذلك قوله تعالى : ( ~~@QUR@010 ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ، ولكنهم قوم يفرقون ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@015 يحلفون بالله ما قالوا ، ولقد قالوا كلمة ~~الكفر ، وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا ... ) (2). # وقوله عز وجل : ( @QUR@012 يحلفون بالله لكم ليرضوكم ، والله ورسوله أحق ~~أن يرضوه إن كانوا مؤمنين ) (3). # قال الآلوسى : قال قتادة : كلما ظهر شيء منهم يوجب مؤاخذتهم ، حلفوا ~~كاذبين ، عصمة لأموالهم ودمائهم .. (4). # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@04 فصدوا عن سبيل الله ... ) للتفريع على ~~ما تقدم. # أى : اتخذوا أيمانهم الفاجرة ذريعة أمام المؤمنين لكي يصدقوهم ، فتمكنوا ~~عن طريق هذه الأيمان الكاذبة ، من صد بعض الناس عن الصراط المستقيم ، ومن ~~تشكيكهم في صحة ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم . # فهم قد جمعوا بين رذيلتين كبيرتين : إحداهما : تعمد الأيمان الكاذبة ، ~~والثانية : إعراضهم عن الحق ، ومحاولتهم صرف غيرهم عنه. PageV14P401 # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 إنهم ساء ما كانوا يعملون ) تذييل قصد به بيان ~~قبح أحوالهم ، وسوء عاقبتهم. # و «ساء» : فعل ماض بمعنى بئس في إفادة الذم ، و «ما» موصولة والعائد محذوف. # أى : إن هؤلاء المنافقين بئس ما كانوا يقولونه من أقوال كاذبة ، وساء ما ~~كانوا يفعلونه من أفعال قبيحة ، سيكونون بسببها يوم القيامة في الدرك ~~الأسفل من النار. # واسم الإشارة في قوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@05 ذلك بأنهم آمنوا ثم ~~كفروا ) يعود إلى ما تقدم ذكره من الكذب ، ومن الصد عن سبيل الله ، ومن قبح ~~الأقوال والأفعال. # أى : ذلك الذي ذكر من حالهم الذي دأبوا عليه من الكذب والخداع والصد عن ~~سبيل الله ... سببه أنهم ( @QUR@01 آمنوا ) أى : نطقوا بكلمة الإسلام ~~بألسنتهم دون أن يستقر الإيمان في قلوبهم ، ثم كفروا ، أى : ثم ارتكسوا في ~~الكفر واستمروا عليه ، وظهر منهم ما يدل ms5631 على رسوخهم فيه ظهورا جليا ، ~~كقولهم : ( @QUR@04 أنؤمن كما آمن السفهاء ... ) وكقولهم للمجاهدين : ( ~~@QUR@04 لا تنفروا في الحر ... ). # ( @QUR@03 فطبع على قلوبهم ) أى : فختم الله تعالى عليها بالكفر نتيجة ~~إصرارهم عليه ، فصاروا ، بحيث لا يصل إليها الإيمان. # ( @QUR@03 فهم لا يفقهون ) أى : فهم لا يدركون حقيقة الإيمان أصلا ، ولا ~~يشعرون به ، ولا يفهمون حقائقه لانطماس بصائرهم. # وقوله : ( @QUR@01 ذلك ) مبتدأ ، وقوله ( @QUR@04 بأنهم آمنوا ثم كفروا ~~... ) خبر : والباء للسببية. # و ( @QUR@01 ثم ) للتراخي النسبي ، لأن إبطان الكفر مع إظهار الإيمان ~~أعظم من الكفر الصريح ، وأشد ضررا وقبحا. # قال صاحب الكشاف : فان قلت : المنافقون لم يكونوا إلا على الكفر الثابت ~~الدائم ، فما معنى قوله : ( @QUR@03 آمنوا ثم كفروا )؟. # قلت : فيه ثلاثة أوجه : أحدها : آمنوا : أى نطقوا بكلمة الشهادة ، وفعلوا ~~كما يفعل من يدخل في الإسلام ، ثم كفروا. أى : ثم ظهر كفرهم بعد ذلك وتبين ~~بما أطلع الله عليه المؤمنين من قولهم : إن كان ما يقوله محمد ~~صلى الله عليه وسلم حقا فنحن حمير .. # والثاني : آمنوا ، أى : نطقوا بالإيمان عند المؤمنين ، ثم نطقوا بالكفر ~~عند شياطينهم استهزاء بالإسلام ، كقوله تعالى : ( @QUR@013 وإذا لقوا الذين ~~آمنوا قالوا آمنا ، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ). PageV14P402 # الثالث : أن يراد أهل الردة منهم .. (1). # ثم رسم سبحانه لهم بعد ذلك صورة تجعل كل عاقل يستهزئ بهم ، ويحتقرهم ، ~~ويسمو بنفسه عن الاقتراب منهم. فقال تعالى : ( @QUR@011 وإذا رأيتهم تعجبك ~~أجسامهم. وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة ). # قال القرطبي : قال ابن عباس : كان عبد الله بن أبى ، وسيما جسيما صحيحا ~~صبيحا ، ذلق اللسان ، فإذا قال : سمع النبي صلى الله عليه وسلم مقالته. (2) ~~وقال الكلبي : المراد ابن أبى ، وجد بن قيس ، ومعتب بن قشير ، كانت لهم ~~أجسام ومنظر ، وفصاحة ... # و ( @QUR@01 خشب ) بضم الخاء والشين جمع خشبة بفتحهما كثمرة وثمر. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي : كأنهم خشب بضم الخاء وسكون الشين ~~كبدنة وبدن. # أى : وإذا رأيت أيها الرسول الكريم هؤلاء المنافقين ، أعجبتك أجسامهم ، ~~لكمالها وحسن تناسقها ، وإن يقولوا قولا حسبت أنه صدق ، لفصاحته ، وأحببت ~~الاستماع إليه لحلاوته. # وعدى ms5632 الفعل «تسمع» باللام ، لتضمنه معنى تصغ لقولهم. # وجملة : ( @QUR@03 كأنهم خشب مسندة ) مستأنفة ، أو خبر لمبتدأ محذوف. # أى : كأنهم وهم جالسون في مجلسك ، مستندين على الجدران ، وقد خلت قلوبهم ~~من الخير والإيمان ، كأنهم بهذه الحالة ، مجموعة من الأخشاب الطويلة ~~العريضة ، التي استندت إلى الحوائط ، دون أن يكون فيها حسن ، أو نفع ، أو عقل. # فهم أجسام تعجب ، وأقوال تغرى بالسماع إليها ، ولكنهم قد خلت قلوبهم من ~~كل خير ، وامتلأت نفوسهم بكل الصفات الذميمة. فهم كما قال القائل : # لا بأس بالقوم من طول ومن غلظ %~% جسم البغال وأحلام العصافير # وشبههم سبحانه بالخشب المسندة على سبيل الذم لهم ، أى : كأنهم في عدم ~~الانتفاع بهم ، وخلوهم من الفائدة كالأخشاب المسندة إلى الحوائط الخالية من ~~أية فائدة. PageV14P403 # ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال : فإن قلت : ما معنى ( @QUR@03 كأنهم خشب ~~مسندة ) قلت : شبهوا في استنادهم وما هم إلا أجرام خالية عن الإيمان والخير ~~بالخشب المسندة إلى الحوائط لأن الخشب إذا انتفع به ، كان في سقف أو جدار ~~أو غيرهما من مظان الانتفاع ، وما دام متروكا فارغا غير منتفع به ، أسند ~~إلى الحائط ، فشبهوا به في عدم الانتفاع. # ويجوز أن يراد بالخشب المسندة الأصنام المنحوتة من الخشب ، المسندة إلى ~~الحيطان ، وشبهوا بها في حسن صورهم ، وقلة جدواهم ، والخطاب للرسول ~~صلى الله عليه وسلم أو لكل من يخاطب .. (1). # فأنت ترى القرآن الكريم وصفهم بتلك الصفة البديعة في التنفير منهم وعدم ~~الاغترار بمظهرهم لأنهم كما قال القائل : # لا تخدعنك اللحى ولا الصور %~% تسعة أعشار من ترى بقر تراهم كالسحاب منتشرا %~% وليس فيه لطالب مطر في شجر السرو منهم شبه %~% له رواء وماله ثمر # ثم وصفهم سبحانه بعد ذلك بالجبن والخور فقال : ( @QUR@04 يحسبون كل صيحة ~~عليهم ... ). # والصيحة : المرة من الصياح ، والمراد بها ما ينذر ويخيف أى : يظنون لجبن ~~قلوبهم ولسوء نواياهم ، وخبث نفوسهم أن كل صوت ينادى به المنادى ، لنشدان ~~ضالة ، أو انفلات دابة ... إنما هو واقع عليهم ضار بهم مهلك لهم .. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@04 يحسبون كل صيحة عليهم ) أى : واقعة ms5633 عليهم ~~، ضارة لهم ، لجبنهم وهلعهم. # وقيل : كانوا على وجل من أن ينزل الله تعالى فيهم ما يهتك أستارهم ، ~~ويبيح دماءهم وأموالهم. # والوقف على «عليهم» الواقع مفعولا ثانيا ل «يحسبون» وهو وقف تام. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 هم العدو ) استئناف. أى : هم الكاملون في ~~العداوة ، والراسخون فيها ، فإن أعدى الأعداء ، العدو المداجى. # ( @QUR@01 فاحذرهم ) لكونهم أعدى الأعداء ، ولا تغترن بظواهرهم .. (2). PageV14P404 # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 قاتلهم الله أنى يؤفكون ) دعاء عليهم بالطرد من ~~رحمة الله تعالى ، وتعجيب لكل مخاطب من أحوالهم التي بلغت النهاية في السوء ~~والقبح. # عن ابن عباس أن معنى ( @QUR@02 قاتلهم الله ) طردهم من رحمته ولعنهم ، ~~وكل شيء في القرآن قتل فهو لعن .. (1). # و ( @QUR@01 أنى ) بمعنى كيف ، و ( @QUR@01 يؤفكون ) بمعنى يصرفون ، من ~~الأفك بفتح الهمزة والفاء بمعنى الانصراف عن الشيء. # أى : لعن الله تعالى هؤلاء المنافقين ، وطردهم من رحمته ، لأنهم بسيب ~~مسالكهم الخبيثة ، وأفعالهم القبيحة ، وصفاتهم السيئة ... صاروا محل مقت ~~العقلاء ، وعجبهم ، إذ كيف ينصرفون عن الحق الواضح إلى الباطل الفاضح ، ~~وكيف يتركون النور الساطع ، ويدخلون في الظلام الدامس؟!! # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة : قد فضحت المنافقين ، وحذرت من شرورهم ~~، ووصفتهم بالصفات التي تخزيهم ، وتكشف عن دخائلهم المريضة. # ثم وصفهم سبحانه بصفات أخرى ، لا تقل في قبحها وبشاعتها عن سابقتها فقال ~~تعالى : # ( @QUR@014 وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤسهم ورأيتهم ~~يصدون وهم مستكبرون (5) @QUR@018 سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ~~لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين (6) @QUR@020 هم الذين ~~يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات ~~والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون (7) @QUR@07 يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ~~ليخرجن الأعز PageV14P405 # @QUR@010 منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا ~~يعلمون ) (8) # وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات متعددة ، فصلها الإمام ~~ابن كثير رحمه الله فقال ما ملخصه : # وقد ذكر غير واحد من السلف أن هذا السياق كله نزل في عبد الله بن أبى بن ~~سلول وأتباعه ، فقد ذكر محمد بن إسحاق ms5634 ، أنه لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم ~~المدينة بعد غزوة أحد ، قام عبد الله بن أبى ، والرسول صلى الله عليه وسلم ~~يخطب للجمعة ، فقال : أيها الناس ، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرمكم ~~الله به .. فأخذ بعض المسلمين بثيابه من نواحيه وقالوا له : اجلس يا عدو ~~الله ، لست لهذا المقام بأهل ، وقد صنعت ما صنعت يعنون مرجعه بثلث الناس ~~دون أن يشتركوا في غزوة أحد . # فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول : والله لكأنما قلت بجرا أى : أمرا منكرا ~~أن قمت أشدد أمره. # فلقيه رجال من الأنصار بباب المسجد ، فقالوا له : ويلك ، مالك؟ .. ارجع ~~للنبي يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : والله ما أبتغى أن ~~يستغفر لي. # وفي رواية أنه قيل له : لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألته أن ~~يستغفر لك ، فجعل يلوى رأسه ويحركه استهزاء ... # ثم قال الإمام ابن كثير رحمه الله ما ملخصه : وذكر ابن إسحاق في حديثه عن ~~غزوة بنى المصطلق وكانت في شعبان من السنة الخامسة من الهجرة أن غلاما لعمر ~~بن الخطاب رضى الله عنه اسمه الجهجاه بن سعيد الغفاري تزاحم على ماء مع رجل ~~من الأنصار اسمه سنان بن وبر .. # فقال سنان : يا معشر الأنصار ، وقال الجهجاه : يا معشر المهاجرين. فغضب ~~عبد الله بن أبى وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم وقال : أو قد ~~فعلوها؟!! قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا. والله ما مثلنا وجلابيب قريش ~~يعنى المهاجرين إلا كما قال القائل : «سمن كلبك يأكلك» والله لئن رجعنا إلى ~~المدينة ، ليخرجن الأعز منها الأذل. # فذهب زيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر ... PageV14P406 # فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله ، مر عباد بن بشر فليضرب عنق عبد الله ~~بن أبى بن سلول. # فقال صلى الله عليه وسلم : فكيف إذا الناس تحدث يا عمر ، أن محمدا يقتل ~~أصحابه؟ لا ، ولكن ناد يا عمر في الناس بالرحيل. # فلما بلغ عبد الله بن أبى أن ذلك قد ms5635 بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه ~~فاعتذر إليه ، وحلف بالله ما قال الذي قاله عنه زيد بن أرقم .. # وراح رسول الله صلى الله عليه وسلم مهجرا في ساعة كان لا يروح فيها ، فلقيه ~~أسيد بن الحضير ، فقال له : يا رسول الله ، لقد رحت في ساعة ما كنت تروح فيها. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما بلغك ما قال صاحبك ابن أبى؟ زعم أنه ~~إذا قدم المدينة أنه سيخرج الأعز منها الأذل. # فقال أسيد : فأنت يا رسول الله العزيز وهو الذليل .. # وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الوقت الذي لم يتعود السفر ~~فيه ، ليشغل الناس عن الحديث ، الذي كان من عبد الله بن أبى. # قال ابن إسحاق : ونزلت سورة المنافقين في ابن أبى وأتباعه ، فلما نزلت ~~أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذن زيد بن أرقم ثم قال : هذا الذي أوفى ~~الله بأذنه. # وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم بعث إلى زيد فقرأها عليه ثم قال : «إن ~~الله قد صدقك» ثم قال ابن إسحاق : وبلغني أن عبد الله بن عبد الله بن أبى ~~بلغه ما كان من أمر أبيه ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : يا ~~رسول الله بلغني أنك تريد قتل أبى .. فإن كنت فاعلا ، فمرني به ، فأنا أحمل ~~إليك رأسه ، فو الله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده منى ، ~~وإنى أخشى أن تأمر غيرى بقتله ، فلا تدعني نفسي أن أرى قاتل أبى يمشى على ~~الأرض فأقتله ، فأكون قد قتلت مؤمنا بكافر ، فأدخل النار. # فقال صلى الله عليه وسلم : «بل نترفق به ونحسن صحبته ، ما بقي معنا». # وذكر عكرمة وابن زيد وغيرهما : أن الناس لما قفلوا راجعين إلى المدينة ، ~~وقف عبد الله بن عبد الله بن أبى على باب المدينة ، واستل سيفه ، فجعل ~~الناس يمرون عليه ، فلما جاء أبوه قال له : وراءك فقال له أبوه : ويلك ~~مالك؟ فقال : والله لا تجوز من هاهنا ms5636 حتى يأذن لك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فإنه العزيز وأنت الذليل. PageV14P407 # فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يسير في مؤخرة الجيش شكا إليه ~~عبد الله بن أبى ما فعله ابنه عبد الله معه. # فقال ابنه : والله يا رسول الله لا يدخلها حتى تأذن له. فأذن له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم . # فقال عبد الله لأبيه : أما إذ أذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فجز الآن (1). # والآن وبعد ذكر جانب من هذه الآثار التي وردت في سبب نزول هذه الآيات ، ~~نعود إلى تفسيرها فنقول وبالله التوفيق. # قوله تعالى : ( @QUR@010 وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله ، ~~لووا رؤسهم .. ) بيان لصفة أخرى من صفات المنافقين ، تدل على عنادهم ~~وإصرارهم على كفرهم ونفاقهم. # والقائل لهم : ( @QUR@05 تعالوا يستغفر لكم رسول الله ) جماعة من ~~المؤمنين ، على سبيل النصح لهؤلاء المنافقين لعلهم يقلعون عن كفرهم ~~وفجورهم. # والمراد باستغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم : توبتهم من ذنوبهم ، ~~وتركهم لنفاقهم ، وإعلان ذلك أمامه صلى الله عليه وسلم لكي يدعو الله تعالى ~~لهم بقبول توبتهم. # وقوله : ( @QUR@02 لووا رؤسهم ) من اللى بمعنى الإمالة من جانب إلى آخر ، ~~يقال : لوى فلان رأسه ، إذا أمالها وحركها ، وهو كناية عن التكبر والإعراض ~~عن النصيحة. # أى : وإذ قال قائل لهؤلاء المنافقين : لقد نزل في شأنكم ما نزل من الآيات ~~القرآنية التي تفضحكم .. فتوبوا إلى الله توبة نصوحا ، وأقلعوا عن نفاقكم ، ~~وأقبلوا نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم بقلب سليم ، لكي يستغفر الله تعالى ~~لكم ، بأن يلتمس منه قبول توبتكم .. ما كان من هؤلاء المنافقين ، إلا أن ~~تكبروا ولجوا في طغيانهم ، وأمالوا رءوسهم استهزاء وسخرية ممن نصحهم. # ( @QUR@01 ورأيتهم ) أيها المخاطب ( @QUR@01 يصدون ) أى : يعرضون عن ~~النصيحة ( @QUR@02 وهم مستكبرون ) عن قبولها ، لانطماس بصائرهم ، وإصرارهم ~~على ما هم فيه من باطل وجحود للحق. # قال الآلوسى ما ملخصه : روى أنه لما صدق الله تعالى زيد بن أرقم فيما ~~أخبر به عن ابن أبى ، مقت الناس ابن أبى ، وقال ms5637 له بعضهم : امض إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم واعترف بذنبك ، يستغفر لك ، فلوى رأسه إنكارا لهذا ~~الرأى ، وقال لهم : لقد أشرتم على بالإيمان PageV14P408 # فآمنت ، وأشرتم على بأن أعطى زكاة مالي فأعطيت .. ولم يبق لكم إلا أن ~~تأمرونى بالسجود لمحمد صلى الله عليه وسلم . # وفي حديث أخرجه أحمد والشيخان .. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاهم ~~ليستغفر لهم ، فلووا رءوسهم .. (1). # وقوله : ( @QUR@02 يستغفر لكم ... ) مجزوم في جواب الأمر ، وهو قوله : ( ~~@QUR@01 تعالوا ) وقوله : ( @QUR@02 لووا رؤسهم ) جواب ( @QUR@01 إذا ). # والتعبير بقوله : ( @QUR@01 تعالوا ) تتضمن إرادة تخليص هؤلاء المنافقين ~~مما هم فيه من ضلال ، وإرادة ارتفاعهم من انحطاط هم فيه إلى علو يدعون إليه ~~، لأن الأصل في كله «تعال» أن يقولها من كان في مكان عال ، لمن هو أسفل منه. # والتعبير بقوله تعالى ، ( @QUR@04 ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون ) يرسم ~~صورة بغيضة لهم وهم يتركون دعوة الناصح لهم ، بعناد وتكبر وغرور ، وبراهم ~~الرائي بعينه وهم على تلك الصورة المنكرة ، التي تدل على جهالاتهم وإعراضهم ~~عن كل خير. # وقوله سبحانه : ( @QUR@012 سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن ~~يغفر الله لهم .. ) تيئيس له صلى الله عليه وسلم من إيمانهم ، ومن قبولهم للحق. # ولفظ «سواء» اسم مصدر بمعنى الاستواء ، والمراد به الفاعل. أى : مستو ، ~~ولذلك يوصف به كما يوصف بالمصدر ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@010 قل يا ~~أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ... ) أى : مستوية. # أى : إن هؤلاء الراسخين في الكفر والنفاق ، قد استوى عندهم استغفارك لهم ~~وعدم استغفارك ، فهم لتأصل الجحود فيهم صاروا لا يفرقون بين الحق والباطل ، ~~ولا يؤمنون بثواب أو عقاب ... ولذلك فلن يغفر الله تعالى لهم مهما حرصت على ~~هدايتهم وصلاحهم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 إن الله لا يهدي القوم الفاسقين ) تعليل ~~لانتفاء المغفرة من الله تعالى لهم. # أى : لن يغفر الله تعالى لهم ، لأن سنته سبحانه قد اقتضت أن لا يهدى إلى ~~طاعته ، وأن لا يشمل بمغفرته ، من فسق عن أمره ، وآثر الباطل على الحق ، ~~والكفر على الإيمان ، لسوء استعداده ، واتباعه لخطوات الشيطان. ms5638 # وقوله سبحانه : ( @QUR@011 هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول ~~الله حتى PageV14P409 # @QUR@01 ينفضوا ... ) كلام مستأنف جار مجرى التعليل لفسقهم ، وحكاية ~~لجانب من أقوالهم الفاسدة ... والقائل هو عبد الله بن أبى ، كما جاء في ~~روايات أسباب النزول لهذه الآيات ، والتي سبق أن ذكرنا بعضها. # ونسب سبحانه القول إليهم جميعا ، لأنهم رضوا به ، وقبلوه منه. # ومرادهم بمن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم : المهاجرون الذين تركوا ~~ديارهم في مكة ، واستقروا بالمدينة. # أى : إن هؤلاء المنافقين لن يغفر الله تعالى لهم ، لأنهم فسقوا عن أمره ، ~~ومن مظاهر فسوقهم وفجورهم ، أنهم أيدوا زعيمهم في النفاق ، عند ما قال لهم ~~: لا تنفقوا على من عند رسول الله من فقراء المهاجرين ، ولا تقدموا لأحد ~~منهم عونا أو مساعدة ، حتى ينفضوا من حوله. أى : حتى يتفرقوا من حوله. يقال ~~: انفض القوم : إذا فنيت أزوادهم يقال : نفض الرجل وعاءه من الزاد فانفض ، ~~إذ انتهى زاده. وليس مرادهم حتى ينفضوا ويتفرقوا عنه ، فإذا فعلوا ذلك ~~فأنفقوا عليهم. وإنما مرادهم ، استمروا على عدم مساعدتكم لهم ، حتى يتركوا ~~المدينة ، وتكون مسكنا لكم وحدكم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا ~~يفقهون ). # والخزائن : جمع خزينة ، وهي ما يخزن فيها المال والطعام وما يشبههما ، ~~والمراد بها أرزاق العباد التي يمنحها الله تعالى لعباده. # أى : ولله تعالى وحده لا لأحد غيره ، ملك أرزاق العباد جميعا : فيعطى من ~~يشاء ، ويمنع من يشاء ، ولكن المنافقين لا يفقهون ذلك ولا يدركونه ، لجهلهم ~~بقدرة الله تعالى ، ولاستيلاء الجحود والضلال على نفوسهم. # ثم حكى سبحانه قولا آخر من أقوالهم القبيحة فقال : ( @QUR@09 يقولون لئن ~~رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ... ). # والقائل هو عبد الله بن سلول ، ولكن القرآن نسب القول إليهم جميعا لأنهم ~~رضوا بقوله ، ووافقوه عليه. # وجاء الأسلوب بصيغة المضارع ، لاستحضار هذه المقالة السيئة ، وتلك الصورة ~~البغيضة لهؤلاء القوم. # والأعز : هو القوى لعزته ، بمعنى أنه يغلب غيره ، والأذل هو الذي يغلبه ~~غيره لذلته وضعفه. PageV14P410 # وأراد عبد الله بن أبى بالأعز ، نفسه ، وشيعته من المنافقين ms5639 ، وأراد ~~بالأذل ، الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المهاجرين وغيرهم من المؤمنين ~~الصادقين. # والمراد بالرجوع في قوله ( @QUR@02 لئن رجعنا ) الرجوع إلى المدينة بعد ~~انتهاء غزوة بنى المصطلق. # أى : يقول هؤلاء المنافقون على سبيل التبجح وسوء الأدب لئن رجعنا إلى ~~المدينة بعد انتهاء هذه الغزوة ، ليخرجن الفريق الأعز منا الفريق الأذل من ~~المدينة ، حتى لا يبقى فيها أحد من هذا الفريق الأذل ، بل تصبح خالية الوجه ~~لنا. وقد رد الله تعالى على مقالتهم الباطلة هذه بما يخرس ألسنتهم فقال : ( ~~@QUR@08 ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ، ولكن المنافقين لا يعلمون ). # أى : لقد كذب المنافقون فيما قالوه ، فإن لله تعالى وحده العزة المطلقة ~~والقوة التي لا تقهر ، وهي أيضا لمن أفاضها عليه من رسله ومن المؤمنين ~~الصادقين ، وهي بعيدة كل البعد عن أولئك المنافقين. # وقال سبحانه : ( @QUR@02 ولرسوله وللمؤمنين ) بإعادة حرف الجر ، لتأكيد ~~أمر هذه العزة ، وأنها متمكنة منهم لأنها مستمدة من إيمانهم بالله تعالى وحده. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 ولكن المنافقين لا يعلمون ) استدراك قصد به ~~تجهيل هؤلاء المنافقين ، أى : ليست العزة إلا لله تعالى ولرسوله وللمؤمنين ~~، ولكن المنافقين لا يعلمون ذلك ، ولا يعرفونه لاستيلاء الجهل والغباء ~~عليهم ، لأنهم لو كانت لهم عقول تعقل ، لعلموا أن العزة لدعوة الحق ، بدليل ~~انتشارها في الآفاق يوما بعد يوم ، وانتصار أصحابها على أعدائهم حينا بعد ~~حين ، وازدياد سلطانهم وقتا بعد وقت. # قال صاحب الكشاف قوله تعالى : ( @QUR@02 ولله العزة ... ) أى : الغلبة ~~والقوة لله تعالى ، ولمن أعزه الله وأيده من رسوله ، ومن المؤمنين ، وهم ~~الأخصاء بذلك ، كما أن المذلة والهوان ، للشيطان وذويه من الكافرين ~~والمنافقين. # وعن الحسن بن على رضى الله عنهما أن رجلا قال له : إن الناس يزعمون أن ~~فيك تيها ، قال : ليس بتيه ، ولكنه عزة ، وتلا هذه الآية (1). # وقال الإمام الرازي : العزة غير الكبر ، ولا يحل للمؤمن أن يذل نفسه لغير ~~الله فالعزة معرفة الإنسان بحقيقة نفسه ، وإكرامها عن أن يضعها في غير ~~موضعها اللائق بها ، كما PageV14P411 # أن الكبر جهل الإنسان بنفسه ، وإنزالها فوق منزلتها. فالعزة تشبه الكبر ms5640 ~~من حيث الصورة ، وتختلف من حيث الحقيقة ، كاشتباه التواضع بالضعة ، ~~فالتواضع محمود ، والضعة مذمومة ، والكبر مذموم والعزة محمودة .. (1). # هذا ، وإن المتدبر لهذه الآيات الكريمة وفي أسباب نزولها ، ليرى فيها ~~ألوانا من العظات والعبر. # يرى فيها التصرف الحكيم من الرسول صلى الله عليه وسلم إذ أنه ~~صلى الله عليه وسلم بمجرد أن بلغته تلك الأقوال التي قالها عبد الله بن أبى ، ~~لكي يثير الفتنة بين المسلمين ، ما كان منه إلا أن أمر عمر ابن الخطاب ، ~~بأن ينادى في الناس بالرحيل .. لكي يشغل الناس عما تفوه به ابن أبى ، حتى ~~لا يقع بينهم ما لا تحمد عقباه. # كما يرى كيف أنه صلى الله عليه وسلم عالج تلك الأحداث بحكمة حكيمة فعند ما ~~أشار عليه عمر رضى الله عنه بقتل ابن أبى .. ما كان منه صلى الله عليه وسلم ~~إلا أن قال له : يا عمر ، كيف إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه؟! وأبى ~~صلى الله عليه وسلم أن يأمر بقتله بل ترك لعشيرته من الأنصار تأديبه وتوبيخه. # ولقد بلغ الحال بابنه عبد الله رضى الله عنه وهو أقرب الناس إليه ، أن ~~يمنعه من دخول المدينة حتى يأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم بدخولها. # كما يرى المتدبر لهذه الآيات ، والأحداث التي نزلت فيها ، أن النفوس إذا ~~جحدت الحق ، واستولت عليها الأحقاد ، واستحوذ عليها الشيطان .. أبت أن تسلك ~~الطريق المستقيم ، مهما كانت معالمه واضحة أمامها .. # فعبد الله بن أبى وجماعته ، وقفوا من الدعوة الإسلامية موقف المحارب لها ~~ولأتباعها ، وسلكوا في إذاعة السوء حول الرسول صلى الله عليه وسلم وحول أصحابه ~~كل مسلك .. مع أن آيات القرآن الكريم ، كانت تتلى على مسامعهم صباح مساء ، ~~ومع أن إرشادات الرسول صلى الله عليه وسلم كانت تصل إليهم يوما بعد يوم ، ومع ~~أن المؤمنين الصادقين كانوا لا يكفون عن نصحهم ووعظهم .. # كما نرى أن الإيمان متى خالطت بشاشته القلوب ، ضحى الإنسان من أجله بكل ~~شيء .. فعبد الله بن عبد الله بن أبى بن سلول ، يقول للرسول ms5641 ~~صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله بلغني أنك تريد قتل أبى ، فإن كنت لا بد ~~فاعلا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه .. PageV14P412 # ثم يقف على باب المدينة شاهرا سيفه ، ثم يمنع أباه من دخولها حتى يأذن له ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بدخولها ، وحتى يقول : إن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~هو العزيز ، وأنه هو أى عبد الله ابن أبى هو الذليل. # وهكذا تعطينا هذه الآيات وأحداثها ما تعطينا من عبر وعظات .. # ثم تختتم السورة الكريمة بنداء توجهه إلى المؤمنين ، تأمرهم فيه ~~بالمواظبة على طاعة الله تعالى وتنهاهم عن أن يشغلهم عن ذلك شاغل ، وتحضهم ~~على الإنفاق في سبيل إعلاء كلمته سبحانه ، وعلى تقديم العمل الصالح الذي ~~ينفعهم قبل فوات الأوان ، قال تعالى : # ( @QUR@018 يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر ~~الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون (9) @QUR@022 وأنفقوا من ما رزقناكم ~~من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لو لا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن ~~من الصالحين (10) @QUR@011 ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير ~~بما تعملون ) (11) # والمقصود من هذه الآيات الكريمة نهى المؤمنين عن التشبه بالمنافقين الذين ~~سبق الحديث عنهم بصورة مفصلة ، وحضهم على الاستجابة لما كلفهم الله تعالى ~~به. أى : يا من آمنتم بالله تعالى إيمانا حقا ، ( @QUR@08 لا تلهكم أموالكم ~~ولا أولادكم عن ذكر الله ... ) أى : لا تشغلكم أموالكم التي تهتمون بجمعها ~~وتحصيلها .. ولا أولادكم الذين هم أشهى ثمرات حياتكم .. لا يشغلكم ذلك عن ~~أداء ما كلفكم سبحانه بأدائه من طاعات ، فالمراد بذكر الله ، ما يشمل جميع ~~التكاليف من صلاة وزكاة وصيام وحج ، وغير ذلك من الطاعات التي أمر الله ~~تعالى بها. # وخص الأموال والأولاد بتوجه النهى عن الاشتغال بهما اشتغالا يلهى عن ذكر ~~الله ، لأنهما أكثر الأشياء التي تلهى عن طاعة الله تعالى .. PageV14P413 # فمن أجل الاشتغال بجمع المال ، يقضى الإنسان معظم حياته ، وكثير من الناس ~~من أجل جمع المال ، يضحون بما يفرضه عليهم دينهم من واجبات ، ومن أخلاق ، ~~ومن ms5642 سلوك وآداب .. # ومن أجل راحة الأولاد قد يضحى الآباء براحتهم ، وبما تقضى به المروءة ، ~~وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول : «الولد مجبنة مبخلة». # والتعبير بقوله تعالى : ( @QUR@08 لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر ~~الله ) يشعر بأن المسلم إذا اشتغل بجمع المال. وبرعاية الأولاد ، دون أن ~~يصرفه ذلك عن طاعة الله ، أو عن أداء حق من حقوقه تعالى ، فإن هذا الاشتغال ~~لا يكون مذموما ، بل يكون مرضيا عنه من الله تعالى . # واسم الإشارة في قوله سبحانه : ( @QUR@06 ومن يفعل ذلك فأولئك هم ~~الخاسرون ) يعود إلى ما سبق ذكره من اللهو عن ذكر الله ، بسبب الأموال ~~والأولاد. # أى : ومن يشغله حبه لماله وأولاده عن ذكر الله ، وعن أداء ما كلفه سبحانه ~~به ، فأولئك هم البالغون أقصى درجات الخسران والغفلة. لأنهم خالفوا ما ~~أمرهم به ربهم ، وآثروا ما ينفعهم في عاجلتهم الفانية ، على ما ينفعهم في ~~آجلتهم الباقية ، ثم حضهم سبحانه على الإنفاق في سبيله فقال : ( @QUR@022 ~~وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لو لا أخرتني ~~إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ). # والمراد بالإنفاق : إنفاق المال في وجوه الخير والطاعات ، فيشمل الزكاة ~~المفروضة ، والصدقات المستحبة ، وغير ذلك من وجوه البر والخير. # و «من» في قوله تعالى ( @QUR@02 مما رزقناكم ) للتبعيض إذ المطلوب إنفاقه ~~بعض المال الذي يملكه الإنسان ، وليس كله ، وهذا من باب التوسعة منه تعالى ~~على عباده ، ومن مظاهر سماحة شريعته عز وجل . # والمراد بالموت : علاماته وأماراته الدالة على قرب وقوعه. # وقوله ( @QUR@01 فيقول ) معطوف على قوله ( @QUR@02 أن يأتي ) ومسبب عنه. # و ( @QUR@02 لو لا ) بمعنى هلا فهي حرف تحضيض. # وقوله : ( @QUR@01 فأصدق ) منصوب على أنه في جواب التمني ، وقوله : ( ~~@QUR@01 وأكن ) بالجزم ، لأنه معطوف على محل ( @QUR@01 فأصدق ) كأنه قيل : ~~إن أخرتنى إلى أجل قريب أتصدق وأكن من الصالحين. # والمعنى : يا من آمنتم بالله حق الإيمان ، لا تشغلكم أموالكم ولا أولادكم ~~عن طاعة الله PageV14P414 # تعالى بل داوموا عليها كل المداومة ، وأنفقوا بسخاء وسماحة نفس مما ~~أعطيناكم من أرزاق كثيرة ms5643 ، ومن نعم لا تحصى ، وليكن إنفاقكم من قبل أن تنزل ~~بأحدكم أمارات الموت وعلاماته ... # وحينئذ يقول أحدكم يا رب ، هلا أخرت وفاتي إلى وقت قريب من الزمان لكي ~~أتدارك ما فاتنى من تقصير ، ولكي أتصدق بالكثير من مالي ، وأكون من عبادك ~~الصالحين. # وقال سبحانه ( @QUR@02 مما رزقناكم ) فأسند الرزق إليه ، لكي يكون أدعى ~~إلى الامتثال والاستجابة ، لأنه سبحانه مع أن الأرزاق جميعها منه ، إلا أنه ~~فضلا منه وكرما اكتفى منهم بإنفاق جزء من تلك الأرزاق. # وقدم سبحانه المفعول وهو «أحدكم» على الفاعل وهو «الموت» ، للاهتمام ~~بالمفعول ، وللإشعار بأن الموت نازل بكل إنسان لا محالة. # والتعبير بقوله : ( @QUR@06 لو لا أخرتني إلى أجل قريب ... ) يشعر بأن ~~القائل قد قال ذلك زيادة في تأميل الاستجابة ، فكأنه يقول : يا رب ألتمس ~~منك أن تؤخر أجلى إلى وقت قريب لا إلى وقت بعيد لكي أتدارك ما فاتنى في هذا ~~الوقت القريب الذي هو منتهى سؤالى ، وغاية أملى .. # وقد بين سبحانه بعد ذلك أنه لا تأخير في الأجل متى انتهى لا من قريب ولا ~~من بعيد .. فقال : ( @QUR@07 ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها .. ). # أى : ولن يؤخر الله تعالى نفسا من النفوس ، متى انتهى أجلها في هذه ~~الحياة ، وانقضى عمرها من هذه الدنيا ، كما قال سبحانه : ( @QUR@08 فإذا ~~جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ). # وقوله : ( @QUR@04 والله خبير بما تعملون ) أى : والله تعالى مطلع اطلاعا ~~تاما على أعمالكم الظاهرة والباطنة ، وسيجازيكم عليها بما تستحقون من ثواب ~~أو عقاب. # وبعد فهذا تفسير لسورة «المنافقون» نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه ~~، ونافعا لعباده. # والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ~~آله وصحبه وسلم .. |القاهرة : صباح الجمعة 13 من شوال سنة 1406 ه 30 / 6 / 1986 م|كتبه الراجي ~~عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى| PageV14P415 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة التغابن PageV14P417 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة التغابن هي السورة الرابعة والستون في ترتيب المصحف ، أما نزولها ~~على النبي صلى الله عليه وسلم فكان كما ذكره ms5644 صاحب الإتقان بعد سورة «الجمعة» ~~وقبل سورة «الصف». وعدد آياتها ثماني عشرة آية. # 2 وجمهور المفسرين على أنها من السور المدنية. # قال الشوكانى : وهي مدنية في قول الأكثر ، وقال الضحاك : هي مكية ، وقال ~~الكلبي : # هي مكية ومدنية. # أخرج ابن الضريس عن ابن عباس أنه قال : نزلت سورة التغابن بالمدينة. # وفي رواية أخرى عنه : أنها نزلت بمكة إلا آيات من آخرها نزلن بالمدينة في ~~عوف بن مالك الأشجعى ، شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جفاء أهله وولده ~~، فأنزل الله تعالى ( @QUR@011 يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم ~~عدوا لكم فاحذروهم .. ) إلى آخر السورة (1). # ويبدو لنا أن بعض آيات هذه السورة يغلب عليها طابع القرآن المكي ، ~~كالآيات التي تتحدث عن مظاهر قدرة الله تعالى وعن إنكار المشركين للبعث ~~والرد عليهم. # لذا نرجح والله أعلم أن النصف الأول منها من القرآن المكي ، والنصف ~~الأخير من القرآن المدني. # 3 والسورة الكريمة بعد ذلك من أهم مقاصدها : تنزيه الله تعالى عن الشريك ~~أو الولد ، وبيان ألوان من مظاهر قدرته ومننه على خلقه ، والرد على ~~المشركين الذين زعموا أنهم لن يبعثوا ، والمقارنة بين حسن عاقبة الأخيار ~~وسوء عاقبة الأشرار ، وبيان أن كل شيء يقع في PageV14P419 # هذا الكون هو بقضاء الله وقدره. وتحريض المؤمنين على تقوى الله تعالى ~~وعلى إيثار ما عنده على كل شيء من شهوات هذه الدنيا. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # د. محمد سيد طنطاوى # القاهرة مدينة نصر # مساء الجمعة 13 من شوال 1406 ه # 30 / 6 / 1986 م PageV14P420 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@017 يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو ~~على كل شيء قدير (1) @QUR@011 هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله ~~بما تعملون بصير (2) @QUR@09 خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم ~~وإليه المصير (3) @QUR@014 يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما ~~تعلنون والله عليم بذات الصدور (4) @QUR@013 ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من ~~قبل فذاقوا وبال ms5645 أمرهم ولهم عذاب أليم (5) @QUR@016 ذلك بأنه كانت تأتيهم ~~رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني ~~حميد ) (6) # سورة «التغابن» هي آخر السور المفتتحة بالتسبيح ، فقد قال سبحانه في ~~مطلعها. # ( @QUR@08 يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض .. ) أى : ينزه الله ~~تعالى عن كل نقص ، ويجله عن كل ما لا يليق به ، جميع الكائنات التي في ~~سماواته سبحانه وفي أرضه. كما قال عز وجل : ( @QUR@021 تسبح له السماوات ~~السبع والأرض ومن فيهن ، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ، ولكن لا تفقهون ~~تسبيحهم ، إنه كان حليما غفورا ) (1). PageV14P421 # وجيء هنا وفي سورة الجمعة بصيغة المضارع ( @QUR@01 يسبح ) للدلالة على ~~تجدد هذا التسبيح ، وحدوثه في كل وقت وآن. # وجيء في سورة الحديد ، والحشر ، والصف ، بصيغة الماضي ( @QUR@01 سبح ). ~~للدلالة على أن التسبيح قد استقر وثبت لله تعالى وحده ، من قديم الزمان. # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ) مؤكد ~~لما قبله ، من بيان أن جميع الكائنات تسبح لله تعالى لأنه مالكها وصاحب ~~الفضل المطلق عليها. # وتقديم الجار والمجرور ( @QUR@01 له ) لإفادة الاختصاص والقصر. # أى : له سبحانه وحده ملك هذا الكون ، وله وحده الحمد التام المطلق من ~~جميع مخلوقاته ، وليس لغيره شيء منهما ، وإذا وجد شيء منهما لغيره فهو من ~~فيضه وعطائه ، إذ هو سبحانه القدير الذي لا يقف في وجه قدرته وإرادته شيء. # ثم بين سبحانه أقسام خلقه في هذه الحياة فقال : ( @QUR@07 هو الذي خلقكم ~~فمنكم كافر ، ومنكم مؤمن ). # والخطاب في قوله : ( @QUR@01 خلقكم ) لجميع المكلفين من هذه الأمة. # والفاء في قوله : ( @QUR@02 فمنكم كافر ) للتفريع المشعر بالتعجب من وجود ~~من هو كافر بالله تعالى مع أنه سبحانه هو الذي خلقه ، وخلق كل شيء. # وقدم ذكر الكافر ، لأنه الأهم في هذا المقام ، ولأنه الأكثر عددا في هذه ~~الحياة. # أى : هو سبحانه الذي خلقكم بقدرته ، دون أن يشاركه في ذلك مشارك ، وزودكم ~~بالعقول التي تعينكم على معرفة الخير من الشر ، والنافع من الضار وأرسل ~~إليكم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم لكي يخرجكم من ms5646 ظلمات الكفر إلى نور ~~الإيمان ، وأنزل معه الكتاب الذي يدلكم على أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأنه صادق فيما يبلغه عن ربه ، وأمركم هذا الرسول الكريم بإخلاص العبادة ~~لله تعالى وحده ، ولم يترك رسولنا صلى الله عليه وسلم وسيلة تهديكم إلى الحق ~~إلا وأرشدكم إليها ... # ومع ذلك وجد منكم المختار للكفر بالحق ، المعرض عن الإيمان بوحدانية الله ~~تعالى وكان منكم المستجيب للحق باختياره المخلص في عقيدته لله تعالى المؤمن ~~بوحدانيته ، المؤدى لجميع التكاليف التي كلفه سبحانه بها. # قال القرطبي بعد أن ذكر جملة من الأقوال في معنى هذه الآية : وقال الزجاج ~~وقوله أحسن الأقوال ، والذي عليه الأئمة والجمهور من الأمة : إن الله خلق ~~الكافر ، PageV14P422 # وكفره فعل له وكسب ، مع أن الله خالق الكفر. وخلق المؤمن ، وإيمانه فعل ~~له وكسب ، مع أن الله خالق الإيمان. # والكافر يكفر ويختار الكفر بعد خلق الله إياه ، لأن الله تعالى قدر ذلك ~~عليه وعلمه منه ، ولا يجوز أن يوجد من كل واحد منهما ، غير الذي قدر عليه ، ~~وعلمه منه .. (1). # وقوله : ( @QUR@04 والله بما تعملون بصير ) أى : والله تعالى لا تخفى ~~عليه خافية من أعمالكم ، وسيحاسبكم عليها يوم القيامة ، وسيجازى الذين ~~أساءوا بما عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. # ( @QUR@04 خلق السماوات والأرض بالحق ) أى : خلقهن خلقا ملتبسا بالحق ~~الذي لا يحوم حوله باطل ، وبالحكمة التي لا يشوبها اضطراب أو عبث ، فالباء ~~في قوله «بالحق» للملابسة. # والمراد بالسموات والأرض : ذواتهن وأجرامهن التي هي أكبر من خلق الناس. # والمراد بالحق : المقصد الصحيح ، والغرض السليم ، الواقع على أتم الوجوه ~~وأفضلها وأحكمها. # ثم بين سبحانه بعض مظاهر نعمه على الناس فقال : ( @QUR@03 وصوركم فأحسن ~~صوركم ). # وقوله : ( @QUR@01 وصوركم ) من التصوير ، وهو جعل الشيء على صورة لم يكن ~~عليها ، وهو مأخوذ من مادة صار الشيء إلى كذا ، بمعنى تحول إليه ، أو من ~~صاره إلى كذا ، بمعنى أماله وحوله. # أى : وأوجدكم سبحانه يا بنى آدم على أحسن الصور وأكملها وأبدعها وأجملها ~~، بدليل أن الإنسان لا يتمنى أن يكون على غير صورته التي خلقه الله ms5647 عليها ، ~~كأن يكون على صورة حيوان أو غيره. # وصدق الله إذ يقول : ( @QUR@06 لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ). # قال الآلوسى : ولعمري إن الإنسان أعجب نسخة في هذا العالم ، قد اشتملت ~~على دقائق وأسرار شهدت ببعضها الآثار ، وعلم ما علم منها أولو الأبصار ، ~~وكل ما يشاهد من الصور الإنسانية حسن ، لكن الحسن كغيره من المعاني على ~~طبقات ومراتب .. كما قال بعض الحكماء : شيئان لا غاية لهما الجمال والبيان. PageV14P423 # وقوله تعالى ( @QUR@02 وإليه المصير ) معطوف على ما قبله ، لأن التصوير ~~يقتضى الإيجاد ، فبين سبحانه أن هذا الإيجاد يعقبه الفناء لكل شيء سوى وجهه ~~الكريم. # أى : وإليه وحده تعالى مرجعكم بعد انتهاء آجالكم في هذه الحياة ، لكي ~~يجازيكم على أعمالكم الدنيوية. # ثم بين سبحانه شمول علمه لكل شيء فقال : ( @QUR@05 يعلم ما في السماوات ~~والأرض ) أى : هو سبحانه لا يخفى عليه شيء في السموات والأرض. # ( @QUR@05 ويعلم ما تسرون وما تعلنون ) أيها الناس والتصريح بذلك مع ~~اندراجه فيما قبله ، من علم ما في السموات وما في الأرض ، لمزيد التأكيد في ~~الوعد والوعيد. # ( @QUR@04 والله عليم بذات الصدور ) والمراد بذات الصدور ، النوايا ~~والخواطر التي تخفيها الصدور ، وتكتمها القلوب. # أى : والله تعالى عليم علما تاما بالنوايا والخواطر التي اشتملت عليها ~~الصدور ، فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد اشتملت على ثلاث جمل ، كل جملة ~~منها أخص من سابقتها. # وجمع سبحانه بينها للإشارة إلى أن علمه تعالى محيط بالجزئيات والكليات ، ~~دون أن يعزب عن علمه تعالى شيء منها. # وفي هذا رد على أولئك الكفار الجاحدين ، الذين استبعدوا إعادتهم إلى ~~الحياة ، بعد أن أكلت الأرض أجسادهم ، وقالوا كما حكى القرآن عنهم ( ~~@QUR@08 أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد ). # ثم وبخهم سبحانه على عدم اعتبارهم بالسابقين من قبلهم فقال : ( @QUR@013 ~~ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل ، فذاقوا وبال أمرهم. ولهم عذاب أليم ). # والاستفهام في قوله ( @QUR@02 ألم يأتكم .. ) للتقرير والتبكيت. # والمراد بالذين كفروا من قبل : قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم ، من الأقوام ~~الذين أعرضوا عن الحق ، فكانت عاقبتهم الدمار والهلاك. # والخطاب لمشركي ms5648 قريش وأمثالهم ، ممن استحبوا العمى على الهدى. # والوبال في الأصل : الشدة المترتبة على أمر من الأمور ، ومنه الوبيل ~~للطعام الثقيل على المعدة. المضر لها ... والمراد به هنا : العقاب الشديد ~~الذي نزل بهم فأهلكهم ، وعبر عن هذا العقاب بالوبال ، للإشارة إلى أنه كان ~~عذابا ثقيلا جدا ، لم يستطيعوا الفرار أو الهرب منه. # والمراد بأمرهم : كفرهم وفسوقهم عن أمر ربهم ، ومخالفتهم لرسلهم. PageV14P424 # وقوله ( @QUR@01 فذاقوا ) معطوف على كفروا ، عطف المسبب على السبب والذوق ~~مجاز في مطلق الإحساس والوجدان. شبه ما حل بهم من عقاب ، بشيء كريه الطعم ~~والمذاق. # وعبر عن كفرهم بالأمر ، للإشعار بأنه أمر قد بلغ النهاية في القبح ~~والسوء. # والمعنى : لقد أتاكم ووصل إلى علمكم أيها المشركون حال الذين كفروا من ~~قبلكم من أمثال قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم ، وعلمتم أن إصرارهم على كفرهم ~~قد أدى بهم إلى الهلاك وإلى العذاب الأليم ، فعليكم أن تعتبروا بهم. وأن ~~تفيئوا إلى رشدكم ، وأن تتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله ~~تعالى لإخراجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. # فالمقصود من الآية الكريمة تحذير الكافرين الذين أرسل الرسول ~~صلى الله عليه وسلم إليهم من سوء عاقبة إصرارهم على كفرهم. # ثم بين سبحانه الأسباب التي أدت إلى سوء عاقبة هؤلاء السابقين فقال : ( ~~@QUR@09 ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات ، فقالوا : أبشر يهدوننا ). # أى : ذلك الذي أصاب الأقوام السابقين من هلاك ودمار ، سببه أنهم كانت ~~تأتيهم رسلهم بالآيات البينات ، وبالمعجزات الواضحات ، الدالة على صدقهم ، ~~فما كان من هؤلاء الأقوام إلا أن أعرضوا عن دعوة الرسل ، وقال كل قوم منهم ~~لرسولهم على سبيل الإنكار والتكذيب والتعجب : أبشر مثلنا يهدوننا إلى الحق ~~والرشد؟!!. # فالباء في قوله ( @QUR@01 بأنه ) للسببية ، والضمير ضمير الشأن لقصد ~~التهويل والاستفهام في قوله ( @QUR@01 أبشر ) للإنكار والمراد بالبشر : ~~الجنس ، وهو مرفوع على أنه مبتدأ وخبره جملة ( @QUR@01 يهدوننا ). # وشبيه بهذه الآية ما حكاه القرآن من قول قوم صالح له : ( @QUR@019 فقالوا ~~أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر. أألقي الذكر عليه من بيننا ~~بل ms5649 هو كذاب أشر ... ) (1). ، والفاء في قوله : ( @QUR@04 فكفروا وتولوا ~~واستغنى الله ) للسببية. # أى : فكفروا بسبب هذا القول الفاسد : ( @QUR@01 وتولوا ) أى : وأعرضوا عن ~~الحق إعراضا تاما ( @QUR@02 واستغنى الله ) أى : واستغنى الله تعالى عنهم ~~وعن إيمانهم ، والسين والتاء للمبالغة في غناه سبحانه عنهم. # ( @QUR@03 والله غني حميد ) أى : والله تعالى غنى عنهم وعن العالمين ، ~~محمود من كل PageV14P425 # مخلوقاته بلسان الحال والمقال ، وهو تعالى يجازى الشاكرين له بما ~~يستحقونه من جزاء كريم. # ثم حكى سبحانه مزاعم الجاحدين للبعث والحساب ، ورد عليهم بما يبطلها ، ~~ودعاهم إلى الإيمان بالحق ، وحضهم على العمل الصالح الذي ينفعهم يوم ~~القيامة ، وبشر المؤمنين بما يشرح صدورهم ، وبين أن كل شيء في هذا الكون ~~يسير بإذنه تعالى وإرادته ، فقال سبحانه : # ( @QUR@018 زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن ~~بما عملتم وذلك على الله يسير (7) @QUR@010 فآمنوا بالله ورسوله والنور ~~الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير (8) @QUR@027 يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك ~~يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري ~~من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم (9) @QUR@011 والذين ~~كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير (10) ~~@QUR@016 ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله ~~بكل شيء عليم (11) @QUR@011 وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما ~~على رسولنا البلاغ المبين (12) @QUR@09 الله لا إله إلا هو وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون ) (13) # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@06 زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا ). ~~الزعم : ادعاء العلم ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : «زعموا مطية الكذب» وعن ~~شريح : لكل شيء كنية وكنية PageV14P426 # الكذب زعموا ، ويتعدى إلى المفعولين تعدى العلم ، كما قال الشاعر : # وإن الذي قد عاش يا أم مالك %~% يموت ، ولم أزعمك عن ذاك معزلا # و «أن» مع ما في حيزها قائم مقامهما (1). # و ( @QUR@01 بلى ) حرف يذكر في الجواب لإثبات النفي في كلام سابق ، ~~والمراد هنا : إثبات ما نفوه وهو البعث. # أى : زعم الذين كفروا من أهل مكة وأشباههم من المشركين ، أنهم لن يبعثوا ms5650 ~~يوم القيامة ، لأن البعث وما يترتب عليه من حساب ، في زعمهم محال. # قل لهم أيها الرسول الكريم على سبيل الجزم واليقين ، كذبتم فيما تزعمونه ~~من أنه لا بعث ولا حساب .. والله لتبعثن يوم القيامة ، ثم لتنبؤن بما ~~عملتموه في الدنيا من أعمال سيئة ، ولتحاسبن عليها حسابا عسيرا ، يترتب ~~عليه الإلقاء بكم في النار. # وجيء في نفى زعمهم بالجملة القسمية ، لتأكيد أمر البعث الذي نفوه بحرف ( ~~@QUR@01 لن ) ولبيان ان البعث وما يترتب عليه من ثواب وعقاب ، أمر ثابت ~~ثبوتا قطعيا. وجملة ( @QUR@04 ثم لتنبؤن بما عملتم ) ارتقاء في الإيطال. و ~~( @QUR@01 ثم ) للتراخي النسبي. # أى : قل لهم إنكم لا تبعثون فحسب ، بل ستبعثون ، ثم تجدون بعد ذلك ما هو ~~أشد من البعث ، ألا وهو إخباركم بأعمالكم السيئة ، ثم الإلقاء بكم في النار ~~بعد ذلك. # فالمراد بالإنباء لازمه ، وهو ما يترتب عليه من حساب وعقاب. # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@04 وذلك على الله يسير ) يعود إلى البعث ~~وما يترتب عليه من حساب. # أى : وذلك البعث والحساب ، يسير وهين على الله تعالى لأنه سبحانه لا ~~يعجزه شيء ، ولا يحول دون تنفيذ قدرته حائل. # فهذا التذييل المقصود به إزالة ما توهموه وزعموه من أن البعث أمر محال ، ~~كما قالوا : ( @QUR@08 أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد ). # والفاء في قوله تعالى ( @QUR@06 فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا ~~.. ) هي الفصيحة ، أى : التي تفصح عن شرط مقدر. # والمراد بالنور : القرآن الكريم ، كما قال تعالى : ( @QUR@05 وكذلك ~~أوحينا إليك روحا من PageV14P427 # @QUR@017 أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ، ولكن جعلناه نورا ~~نهدي به من نشاء من عبادنا ) (1). # والمعنى : إذا علمتم ما ذكرناه لكم أيها المشركون فاتركوا العناد ، ~~وآمنوا بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم إيمانا حقا ، وآمنوا أيضا ~~بالقرآن الكريم الذي أنزلناه على عبدنا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ~~ليكون هذا القرآن معجزة ناطقة بصدقه صلى الله عليه وسلم . # وجملة ( @QUR@04 والله بما تعملون خبير ) تذييل قصد به الوعد والوعيد ، ~~أى : والله تعالى مطلع اطلاعا تاما على كل تصرفاتكم ms5651 ، وسيمنحكم الخير إن ~~آمنتم ، وسيلقى بكم في النار إن بقيتم على كفركم. # ثم حذرهم سبحانه من أهوال يوم القيامة فقال تعالى : ( @QUR@07 يوم يجمعكم ~~ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ). # والظرف ( @QUR@01 يوم ) متعلق بقوله تعالى قبل ذلك : ( @QUR@04 ثم لتنبؤن ~~بما عملتم ). # والمراد بيوم الجمع : يوم القيامة. سمى بذلك لأنه اليوم الذي يجتمع فيه ~~الأولون والآخرون في مكان واحد للحساب والجزاء. # وسمى أيضا بيوم التغابن ، لأنه اليوم الذي يغبن فيه أهل الحق أهل الباطل. # والتغابن تفاعل من الغبن بمعنى الخسران والنقص ، يقال غبن فلان فلانا إذا ~~بخسه حقه ، بأن أخذ منه سلعة بثمن أقل من ثمنها المعتاد ، وأكثر ما يستعمل ~~الغبن في البيع والشراء ، وفعله من باب ضرب ، ويطلق الغبن على مطلق الخسران ~~أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الجاحدين للبعث : لتبعثن يوم القيامة ثم ~~لتنبؤن بما عملتم يوم القيامة يوم يجتمع الخلائق للحساب فيغبن فيه أهل الحق ~~أهل الباطل ، ويغبن فيه المؤمنون الكافرين ، لأن أهل الإيمان ظفروا بالجنة ~~، وبالمقاعد التي كان سيظفر بها الكافرون لو أنهم آمنوا ، ولكن الكافرين ~~استمروا على كفرهم فخسروا مقاعدهم في الجنة ، ففاز بها المؤمنون. # قال القرطبي : ( @QUR@02 يوم التغابن ) أى : يوم القيامة ... وسمى يوم ~~القيامة بيوم التغابن ، لأنه غبن أهل الجنة أهل النار. # أى : أن أهل الجنة أخذوا الجنة ، وأهل النار أخذوا النار على طريق ~~المبادلة فوقع الغبن على الكافرين لأجل مبادلتهم الخير بالشر ، والنعيم ~~بالعذاب. PageV14P428 # يقال : غبنت فلانا ، إذا بايعته أو شاريته ، فكان النقص عليه ، والغلبة لك. # فإن قيل : فأى معاملة وقعت بينهما حتى يقع الغبن فيها؟ قيل له : هو تمثيل ~~الغبن في الشراء والبيع (1). # وقال الآلوسى ما ملخصه : ( @QUR@03 ذلك يوم التغابن ) أى يوم غبن فيه أهل ~~الجنة أهل النار ، فالتفاعل ليس على ظاهره ، كما في التواضع والتحامل ~~لوقوعه من جانب واحد ، واختير للمبالغة. # وقد ورد هذا التفسير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة. واختاره الواحدي. # وقال غير واحد : ( @QUR@03 ذلك يوم التغابن ) أى : اليوم الذي غبن فيه ~~بعض الناس بعضا ، بنزول السعداء منازل الأشقياء لو كانوا سعداء ، وبالعكس ms5652 ~~ففي الحديث الصحيح : «ما من عبد يدخل الجنة إلا أرى مقعده من النار لو أساء ~~ليزداد شكرا ، وما من عبد يدخل النار إلا أرى مقعده من الجنة لو أحسن ~~ليزداد حسرة وهو مستعار من تغابن القوم في التجارة ، وفيه تهكم بالأشقياء ~~لأنهم لا يغبنون حقيقة السعداء ، بنزولهم في منازلهم من النار (2). # ثم فصل سبحانه أحوال الناس في هذا اليوم الهائل الشديد فقال ؛ ( @QUR@014 ~~ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا ، يكفر عنه سيئاته ، ويدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ). # أى : ومن يؤمن بالله تعالى إيمانا حقا ، ويعمل عملا صالحا ، يكفر الله ~~تعالى عنه سيئاته التي عملها في الدنيا بأن يزيلها من صحيفة عمله فضلا منه ~~تعالى وكرما وفوق ذلك يدخله بفضله وإحسانه جنات تجرى من تحت ثمارها الأنهار ~~( @QUR@03 خالدين فيها أبدا ) أى : خلودا أبديا. # ( @QUR@01 ذلك ) الذي ذكرناه لكم من تكفير السيئات ، ومن دخول الجنات .. ~~هو ( @QUR@02 الفوز العظيم ) الذي لا فوز يقاربه أو يدانيه. # ( @QUR@02 والذين كفروا ) بربهم بأن أشركوا معه في العبادة آلهة أخرى. # ( @QUR@02 وكذبوا بآياتنا ) الدالة على وحدانيتنا ، وعلى صدق نبينا ~~صلى الله عليه وسلم . PageV14P429 # ( @QUR@01 أولئك ) الكافرون المكذبون هم ( @QUR@04 أصحاب النار خالدين ~~فيها ) خلودا أبديا ( @QUR@02 وبئس المصير ) مصيرهم النار. # ففي هاتين الآيتين الكريمتين ، بيان للتغابن ، وتفصيل له ، لاحتوائهما ~~على بيان منازل السعداء والأشقياء ، وهو ما وقع فيه التغابن. # ثم بين سبحانه أن كل شيء بقضائه وقدره فقال : ( @QUR@07 ما أصاب من مصيبة ~~إلا بإذن الله ). # والمراد بالمصيبة : الرزية والنكبة ، وكل ما يسوء الإنسان في نفسه أو ~~ماله أو ولده .. والمفعول محذوف ، و «من» للتأكيد ، و ( @QUR@01 مصيبة ) فاعل. # أى : ما أصاب أحدا مصيبة في نفسه أو ماله أو ولده .. إلا بإذن الله تعالى ~~وأمره وإرادته ، لأن كل شيء بقضائه سبحانه وقدره. # قال القرطبي : قيل : سبب نزولها أن الكفار قالوا : لو كان ما عليه ~~المسلمون حقا لصانهم الله تعالى عن المصائب. # فأنزل الله تعالى هذه الآية للرد على المشركين ، ولبيان أن كل شيء ~~بإرادته سبحانه . # ثم بين سبحانه أن الإيمان الحق يعين على استقبال المصائب بصبر ms5653 جميل فقال ~~: ( @QUR@09 ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم ) أى : ومن يؤمن ~~بالله تعالى إيمانا حقا يهد قلبه الى الصبر الجميل ، وإلى الاستسلام لقضائه ~~سبحانه لأن إيمانه الصادق يجعله يعتقد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما ~~أخطأه لم يكن ليصيبه ، والله تعالى عليم بكل شيء ، لا تخفى عليه خافية في ~~الأرض ولا في السماء. # قال الإمام ابن كثير : قوله تعالى : ( @QUR@05 ومن يؤمن بالله يهد قلبه ) ~~أى : ومن أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره : فصبر واحتسب واستسلم ~~لقضائه تعالى هدى الله قلبه ، وعوضه عما فاته من الدنيا. # وفي الحديث المتفق عليه : عجبا للمؤمن ، لا يقضى الله له قضاء إلا كان ~~خيرا له ، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ، وإن أصابته سراء شكر فكان ~~خيرا له ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن (1). # ثم ختم سبحانه هذه الآيات الكريمة بحض الناس على الطاعة والإخلاص في PageV14P430 # العبادة ، وحذرهم من اقتراف المعاصي فقال : ( @QUR@011 وأطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول ، فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين ). # أى : وعليكم أيها الناس أن تطيعوا الله تعالى طاعة تامة ، وأن تطيعوا ~~رسوله في كل ما يأمركم به أو ينهاكم عنه. # فإن أعرضتم عن ذلك ، وانصرفتم عما أمرناكم به أو نهيناكم عنه فلا ضرر على ~~رسولنا بسبب إعراضكم لأن حسابكم وجزاءكم علينا يوم القيامة ، وليس على ~~رسولنا صلى الله عليه وسلم بالنسبة لكم سوى البلاغ الواضح البين ، بحيث لا ~~يترك بابا من أبواب الخير إلا ويبينه لكم ، ولا يترك بابا من أبواب الشر ~~إلا وحذركم منه. # ( @QUR@01 الله ) تعالى ( @QUR@04 لا إله إلا هو ) أى : هو المستحق ~~للعبادة دون غيره ، فأخلصوا له هذه العبادة والطاعة ( @QUR@02 وعلى الله ) ~~تعالى وحده ( @QUR@02 فليتوكل المؤمنون ) أى : فليفوضوا أمورهم إليه ، ~~وليعقدوا رجاءهم عليه فهو سبحانه صاحب الخلق والأمر ، تبارك الله رب ~~العالمين. # وفي نهاية السورة الكريمة ، وجه سبحانه نداء إلى المؤمنين ، حذرهم فيه من ~~فتنة الأزواج والأولاد والأموال ، وحضهم على مراقبته وتقواه ، وحذرهم من ~~البخل والشح ، ووعدهم بالأجر العظيم متى أطاعوه .. فقال تعالى : # ( @QUR@019 يا ms5654 أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ~~فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم (14) @QUR@08 إنما ~~أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم (15) @QUR@016 فاتقوا الله ما ~~استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون (16) @QUR@02 إن تقرضوا PageV14P431 # @QUR@010 الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم (17) ~~@QUR@05 عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم ) (18) # ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات منها ما روى عن ابن عباس رضى ~~الله عنهما أن رجلا سأله عن هذه الآيات فقال : هؤلاء رجال أسلموا من مكة ، ~~فأرادوا أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أولادهم وأزواجهم أن ~~يتركوهم ليهاجروا. # فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أى بالمدينة رأوا الناس قد تفقهوا ~~في الدين ، فهموا أن يعاقبوهم أى : يعاقبوا أولادهم وأزواجهم فأنزل الله ~~تعالى هذه الآيات (1). # وفي رواية أخرى عن ابن عباس أن هذه الآيات نزلت بالمدينة في عوف بن مالك ~~الأشجعى ، شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم جفاء أهله وولده فنزلت (2). # وصدرت الآيات الكريمة بالنداء بصفة الإيمان ، لحضهم على الاستجابة لما ~~اشتملت عليه هذه الآيات من توجيهات سامية وإرشادات عالية .. فإن من شأن ~~الإيمان الحق ، أن يحمل صاحبه على طاعة الله عز وجل . # و ( @QUR@01 من ) في قوله ( @QUR@04 إن من أزواجكم وأولادكم .. ) ~~للتبعيض. # والمراد بالعداوة ما يشمل العداوة الدينية والدنيوية ، بأن يكون هؤلاء ~~الأولاد والأزواج يضمرون لآبائهم وأزواجهم العداوة والبغضاء وسوء النية ، ~~يسبب الاختلاف في الطباع أو في العقيدة والأخلاق. # والعفو : ترك المعاقبة على الذنب بعد العزم على هذه المعاقبة. # والصفح : الإعراض عن الذنب وإخفاؤه ، وعدم إشاعته. # أى : يا من آمنتم بالله حق الإيمان ، إن بعض أزواجكم وأولادكم ، يعادونكم ~~ويخالفونكم في أمر دينكم. وفي أمور دنياكم ، ( @QUR@01 فاحذروهم ) أى : ~~فاحذروا أن تطيعوهم في أمر يتعارض مع تعاليم دينكم ، فإنه لا طاعة لمخلوق ~~في معصية الخالق. # ( @QUR@02 وإن تعفوا ) أيها المؤمنون عنهم ، بأن تتركوا عقابهم بعد ~~التصميم عليه PageV14P432 # ( @QUR@01 وتصفحوا ) عنهم ، بأن تتركوا عقابهم بدون عزم عليه .. ( ~~@QUR@01 وتغفروا ms5655 ) ما فرط منهم من أخطاء ، بأن تخفوها عليهم. # وقوله : ( @QUR@04 فإن الله غفور رحيم ) قائم مقام جواب الشرط. أى : وإن ~~تفعلوا ذلك من العفو والصفح والمغفرة ، يكافئكم الله تعالى على ذلك مكافأة ~~حسنة ، فإن الله تعالى واسع المغفرة والرحمة لمن يعفون ويصفحون ويغفرون. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 إنما أموالكم وأولادكم فتنة. ) تعميم بعد تخصيص ~~، وتأكيد التحذير الذي اشتملت عليه الآية السابقة. # والمراد بالفتنة هنا : ما يفتن الإنسان ويشغله ويلهيه عن المداومة على ~~طاعة الله تعالى . # أى : إن أموالكم وأولادكم أيها المؤمنون على رأس الأمور التي تؤدى ~~المبالغة والمغالاة في الاشتغال بها ، إلى التقصير في طاعة الله تعالى ، ~~وإلى مخالفة أمره. والإخبار عنهم بأنهم ( @QUR@01 فتنة ) للمبالغة ، ~~والمراد أنهم سبب للفتنة أى : لما يشغل عن رضاء الله وطاعته ، إذا ما جاوز ~~الإنسان الحد المشروع في الاشتغال بهما. # قال الآلوسى : قوله تعالى : ( @QUR@04 إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) أى : ~~بلاء ومحنة ، لأنهم يترتب عليهم الوقوع في الإثم والشدائد الدنيوية وغير ~~ذلك. وفي الحديث. يؤتى بالرجل يوم القيامة ، فيقال : أكل عياله حسناته. # وأخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي .. عن بريدة قال. كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يخطب ، فأقبل الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ~~ويعثران فنزل صلى الله عليه وسلم من فوق المنبر ، فحملهما .. ثم صعد المنبر ~~فقال : صدق الله إذ يقول : ( @QUR@04 إنما أموالكم وأولادكم فتنة )، إنى ~~لما نظرت إلى هذين الغلامين يمشيان ويعثران ، لم أصبر أن قطعت كلامي ، ~~ونظرت إليهما (1). # وقال الجمل : قال الحسن في قوله تعالى : ( @QUR@06 إن من أزواجكم ~~وأولادكم عدوا لكم ) أدخل سبحانه ( @QUR@01 من ) للتبعيض ، لأنهم كلهم ~~ليسوا بأعداء ، ولم يذكر من في قوله ( @QUR@04 إنما أموالكم وأولادكم فتنة ~~)، لأنهما لا يخلوان من الفتنة ، واشتغال القلب بهما ، وقدم الأموال على ~~الأولاد ، لأن الفتنة بالمال أكثر. وترك ذكر الأزواج في الفتنة ، لأن منهن ~~من يكن صلاحا وعونا على الآخرة (2). PageV14P433 # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 والله عنده أجر عظيم ) معطوف على جملة ( ~~@QUR@04 إنما أموالكم وأولادكم فتنة ). # أى : والله تعالى عنده أجر عظيم ، لمن آثر محبة الله تعالى وطاعته ، على ~~محبة الأزواج ms5656 والأولاد والأموال. # والفاء في قوله سبحانه ( @QUR@04 فاتقوا الله ما استطعتم ) للإفصاح ~~والتفريع على ما تقدم. # و ( @QUR@01 ما ) في قوله : ( @QUR@02 ما استطعتم ) مصدرية ظرفية. # والمراد بالاستطاعة : نهاية الطاقة والجهد. # أى : إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من أن المؤمن الصادق في إيمانه هو الذي ~~لا يشغله ماله أو ولده أو زوجه عن ذكر الله تعالى فابذلوا نهاية قدرتكم ~~واستطاعتكم في طاعة الله تعالى وداوموا على ذلك في جميع الأوقات والأزمان. # وليس بين هذه الآية ، وبين قوله تعالى ( @QUR@04 اتقوا الله حق تقاته ) ~~تعارض ، لأن كلتا الآيتين تأمران المسلم بأن يبذل قصارى جهده ، ونهاية ~~طاقته ، في المواظبة على أداء ما كلفه الله به ، ولذلك فلا نرى ما يدعو إلى ~~قول من قال : إن الآية التي معنا نسخت الآية التي تقول : ( @QUR@08 يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ). # قال الآلوسى : أخرج ابن أبى حاتم عن سعيد بن جبير قال : لما نزلت : ( ~~@QUR@04 اتقوا الله حق تقاته ) اشتد على القوم العمل ، فقاموا حتى ورمت ~~أقدامهم. فأنزل الله هذه الآية ( @QUR@04 فاتقوا الله ما استطعتم ) تخفيفا ~~على المسلمين (1). # وحذف متعلق التقوى ، لقصد التعميم ، أى : فاتقوا الله مدة استطاعتكم في ~~كل ما تأتون وما تذرون ، واعلموا أنه تعالى ( @QUR@08 يريد الله بكم اليسر ~~ولا يريد بكم العسر ) و ( @QUR@07 ما جعل عليكم في الدين من حرج ) ومن ~~الأحاديث التي وردت في معنى الآية الكريمة ، ما رواه البخاري عن جابر بن ~~عبد الله قال : بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة ، ~~فلقننى «فيما استطعت». # وعطف قوله تعالى ( @QUR@02 واسمعوا وأطيعوا ) على قوله ( @QUR@02 فاتقوا ~~الله ) من باب عطف الخاص على العام ، للاهتمام به. PageV14P434 # أى : فاتقوا الله تعالى في كل ما تأتون وما تذرون ، واسمعوا ما يبلغكم ~~إياه رسولنا عنا سماع تدبر وتفكر ، وأطيعوه في كل ما يأمركم به أو ينهاكم عنه. # ( @QUR@01 وأنفقوا ) مما رزقكم الله تعالى من خير ، يكن ذلك الإنفاق ( ~~@QUR@02 خيرا لأنفسكم ) في دنياكم وفي آخرتكم. # ( @QUR@04 ومن يوق شح نفسه ) أى : ومن يستطع أن يبعد نفسه عن الشح ~~والبخل. ms5657 # ( @QUR@03 فأولئك هم المفلحون ) أى : الفائزون فوزا تاما لا نقص معه. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بالحض على الإنفاق في سبيله فقال : ( ~~@QUR@07 إن تقرضوا الله قرضا حسنا ، يضاعفه لكم ). # أى : إن تبذلوا أموالكم في وجوه الخير التي يحبها الله تعالى ، بذلا ~~مصحوبا بالإخلاص وطيب النفس ، يضاعف الله تعالى لكم ثواب هذا الإنفاق ~~والإقراض بأن يجعل لكم الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. # ( @QUR@02 ويغفر لكم ) فضلا عن ذلك ذنوبكم ببركة هذا الإنفاق الخالص ~~لوجهه الكريم. # ( @QUR@02 والله شكور ) أى : كثير الشكر لمن أطاعه ( @QUR@01 حليم ) لا ~~يعاجل بالعقوبة المذنبين. # ( @QUR@05 عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم ) أى : هو سبحانه يعلم علما ~~تاما ما كان خافيا عليكم وما كان ظاهرا لكم ، وهو عز وجل القوى الذي لا ~~يغلبه غالب ، الحكيم في كل أقواله وأفعاله. # وبعد فهذا تفسير لسورة «التغابن» نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه ~~ونافعا لعباده. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # الاسكندرية العجمي # صباح الخميس 30 من شوال سنة 1406 ه # 26 من يونيو 1986 م # كتبه الراجي عفو ربه # د / محمد سيد طنطاوى PageV14P435 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الطلاق PageV14P437 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «الطلاق» من السور المدنية الخالصة ، وقد سماها عبد الله بن مسعود ~~بسورة النساء القصرى ، أما سورة النساء الكبرى فهي التي بعد سورة آل عمران. # وكان نزولها بعد سورة «الإنسان» وقبل سورة «البينة» ، وترتيبها بالنسبة ~~للنزول : السادسة والتسعون ، أما ترتيبها بالنسبة لترتيب المصحف ، فهي ~~السورة الخامسة والستون. # 2 وعدد آياتها إحدى عشرة آية في المصحف البصري ، وفيما عداه اثنتا عشرة آية. # 3 ومعظم آياتها يدور حول تحديد أحكام الطلاق ، وما يترتب عليه من أحكام ~~العدة ، والإرضاع ، والإنفاق ، والسكن ، والإشهاد على الطلاق ، وعلى ~~المراجعة. # وخلال ذلك تحدثت السورة الكريمة حديثا جامعا عن وجوب تقوى الله تعالى وعن ~~مظاهر قدرته ، وعن حسن عاقبة التوكل عليه ، وعن يسره في تشريعاته ، وعن ~~رحمته بهذه الأمة حيث أرسل فيها رسوله صلى الله عليه وسلم ليتلو على الناس ~~آيات الله تعالى ويخرجهم من ms5658 ظلمات الكفر إلى نور الإيمان بإذنه سبحانه وقد ~~افتتحت بقوله تعالى . PageV14P439 ### ||| * التفسير ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@042 يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة ~~واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة ~~مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله ~~يحدث بعد ذلك أمرا (1) @QUR@030 فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو ~~فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من ~~كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) @QUR@021 ~~ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد ~~جعل الله لكل شيء قدرا ) (3) # افتتح الله تعالى السورة الكريمة بتوجيه النداء إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال : ( @QUR@010 يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن ~~لعدتهن وأحصوا العدة ). # وأحكام الطلاق التي وردت في هذه الآية ، تشمل النبي صلى الله عليه وسلم كما ~~تشمل جميع المكلفين من أمته صلى الله عليه وسلم . # وإنما كان النداء له صلى الله عليه وسلم وكان الخطاب بالحكم عاما له ولأمته ~~، تشريفا وتكريما له صلى الله عليه وسلم لأنه هو المبلغ للناس ، وهو إمامهم ~~وقدوتهم والمنفذ لأحكام الله تعالى فيهم. PageV14P440 # قال صاحب الكشاف : خص النبي صلى الله عليه وسلم بالنداء ، وعم بالخطاب ، لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم إمام أمته وقدوتهم ، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم : ~~يا فلان : افعلوا كيت وكيت ، وإظهارا لتقدمه ، واعتبارا لترؤسه ، وأنه مدرة ~~قومه ولسانهم والمدرة : القرية. # أى : أنه بمنزلة القرية لقومه ، وأنه الذي يصدرون عن رأيه ، ولا يستبدون ~~بأمر دونه ، فكان هو وحده في حكم كلهم ، وساد مسد جميعهم (1). # وهذا التفسير الذي اقتصر عليه صاحب الكشاف ، هو المعول عليه ، وهو الذي ~~يناسب بلاغة القرآن وفصاحته ، ويناسب مقام النبي صلى الله عليه وسلم . # وقيل : الخطاب له ولأمته : والتقدير : يا أيها النبي وأمته إذا طلقتم ، ~~فحذف المعطوف لدلالة ما بعده عليه. # وقيل : هو خطاب لأمته فقط ، بعد ندائه ms5659 عليه السلام وهو من تلوين الخطاب ، ~~خاطب أمته بعد أن خاطبه. # وقيل : إن الكلام على إضمار قول ، أى : يا أيها النبي قل لأمتك إذا طلقتم (2). # والحق أن الذي يتدبر القرآن الكريم ، يرى أن الخطاب والأحكام المترتبة ~~عليه ، تارة تكون خاصة به صلى الله عليه وسلم كما في قوله تعالى : ( @QUR@015 ~~يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ). # وتارة يكون شاملا له صلى الله عليه وسلم ولأمته كما في هذه الآية التي معنا ~~، وكما في قوله تعالى : ( @QUR@08 يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين ~~واغلظ عليهم ). # وتارة يكون صلى الله عليه وسلم خارجا عنه كما في قوله تعالى : ( @QUR@029 ~~إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ، ولا تنهرهما ، ~~وقل لهما قولا كريما. واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ، وقل رب ارحمهما كما ~~ربياني صغيرا ) (3). # فصيغة الخطاب هنا وإن كانت موجهة إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه ليس ~~داخلا فيها ، لأن والديه لم يكونا موجودين عند نزول هاتين الآيتين. # والمراد بقوله : ( @QUR@03 إذا طلقتم النساء ) أى : إذا أردتم تطليقهن ، ~~لأن طلاق المطلقة من باب تحصيل الحاصل. PageV14P441 # وهذا الأسلوب يرد كثيرا في القرآن الكريم ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@010 ~~يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم .. ) أى : إذا ~~أردتم القيام للصلاة فاغسلوا. # والمراد بالنساء هنا : الزوجات المدخول بهن ، لأن غير المدخول بهن خرجن ~~بقوله تعالى : ( @QUR@019 يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ، فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ) (1). # واللام في قوله سبحانه : فطلقوهن لعدتهن ، هي التي تسمى بلام التوقيت ، ~~وهي بمعنى عند ، أو بمعنى في ، كما يقول القائل : كتبت هذا الكتاب لعشر ~~مضين من شهر كذا. # ومنه قوله تعالى : ( @QUR@04 أقم الصلاة لدلوك الشمس .. ): أى عند أو في ~~وقت دلوكها. # وقوله : ( @QUR@02 وأحصوا العدة ) من الإحصاء بمعنى العد والضبط ، وهو ~~مشتق من الحصى ، وهي من صغار الحجارة ، لأن العرب كانوا إذا كثر عدد الشيء ~~، جعلوا لكل واحد من ms5660 المعدود حصاة ، ثم عدوا مجموع ذلك الحصى. # والمراد به هنا : شدة الضبط ، والعناية بشأن العد ، حتى لا يحصل خطأ في ~~وقت العدة. والمعنى : يا أيها النبي ، أخبر المؤمنين ومرهم ، إذا أرادوا ~~تطليق نسائهم المدخول بهن ، من المعتدات بالحيض. فعليهم أن يطلقوهن في وقت عدتهن. # أى : في طهر لم يجامعوهن فيه ، ثم يتركوهن حتى تنقضي عدتهن. # وعليهم كذلك أن يضبطوا أيام العدة ضبطا تاما حتى لا يقع في شأنها خطأ أو لبس. # قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : خوطب النبي صلى الله عليه وسلم أولا تشريفا ~~وتكريما ، ثم خاطب الأمة تبعا ، فقال : ( @QUR@010 يا أيها النبي إذا طلقتم ~~النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة ... ). # روى ابن أبى حاتم عن أنس قال : طلق النبي صلى الله عليه وسلم حفصة ، فأتت ~~أهلها ، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقيل له : راجعها فإنها صوامة قوامة ، ~~وهي من أزواجك في الجنة. # وروى البخاري أن عبد الله بن عمر ، طلق امرأة له وهي حائض ، فذكر عمر ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ، فتغيظ صلى الله عليه وسلم ثم قال : ~~فليراجعها ، ثم يمسكها حتى تطهر ، ثم تحيض فتطهر ، فإن بدا له أن يطلقها ~~فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها ، فتلك العدة التي أمر الله تعالى . PageV14P442 # ثم قال رحمه الله : ومن هاهنا أخذ الفقهاء أحكام الطلاق ، وقسموه إلى طلاق ~~سنة ، وطلاق بدعة. # فطلاق السنة : أن يطلقها طاهرا من غير جماع ، أو حاملا قد استبان حملها. # والبدعى : هو أن يطلقها في حال الحيض ، وما يشبهه كالنفاس ، أو في طهر قد ~~جامعها فيه ، ولا يدرى أحملت أم لا؟ .. (1). # وتعليق ( @QUR@01 طلقتم ) بإذا الشرطية ، يشعر بأن الطلاق خلاف الأصل ، ~~إذ الأصل في الحياة الزوجية أن تقوم على المودة والرحمة ، وعلى الدوام ~~والاستقرار. # قال تعالى : ( @QUR@014 ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا ~~إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ... ). # قال القرطبي : روى الثعلبي من حديث ابن عمر قال : قال رسول ~~صلى الله عليه وسلم «إن من أبغض الحلال إلى الله الطلاق». # وعن أبى موسى قال رسول ms5661 الله صلى الله عليه وسلم : «لا تطلقوا النساء إلا من ~~ريبة فإن الله عز وجل لا يحب الذواقين ولا الذواقات». # وعن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما حلف بالطلاق ، ولا ~~استحلف به إلا منافق» (2). # والمراد بالأمر في قوله تعالى : ( @QUR@02 فطلقوهن لعدتهن ) إرشاد ~~المؤمنين إلى ما يجب عليهم اتباعه إذا ما أرادوا مفارقة أزواجهم ، ونهيهم ~~عن إيقاع الطلاق في حال الحيض أو ما يشبهها كالنفاس ، لأن ذلك يكون طلاقا ~~بدعيا محرما ، إذ يؤدى إلى تطويل عدة المرأة لأن بقية أيام الحيض لا تحسب ~~من العدة ، ويؤدى أيضا إلى عدم الوفاء لها ، حيث طلقها في وقت رغبته فيها ~~فاترة ... # ولكن الطلاق مع ذلك يعتبر واقعا ونافذا عند جمهور العلماء. # قال القرطبي : من طلق في طهر لم يجامع فيه ، نفذ طلاقه وأصاب السنة ، وإن ~~طلقها وهي حائض نفذ طلاقه وأخطأ السنة. # وقال سعيد بن المسيب : لا يقع الطلاق في الحيض لأنه خلاف السنة ، وإليه ~~ذهبت الشيعة. PageV14P443 # وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال : طلقت امرأتى وهي حائض ، فذكر ذلك ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتغيظ وقال : فليراجعها ثم فليمسكها حتى تحيض ~~حيضة مستقبلة سوى حيضتها التي طلقها فيها. # وكان عبد الله بن عمر قد طلقها تطليقة ، فحسبت من طلاقها ، وراجعها عبد ~~الله بن عمر كما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم . # وفي رواية أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له : «هي واحدة» وهذا نص. وهو ~~يرد على الشيعة قولهم (1). # وقد بسط الفقهاء وبعض المفسرين الكلام في هذه المسألة فليرجع إليها من ~~شاء ... (2). # والمخاطب بقوله ( @QUR@02 وأحصوا العدة ) الأزواج على سبيل الأصالة ، ~~لأنهم هم المخاطبون بقوله ( @QUR@01 طلقتم ) وبقوله ( @QUR@01 فطلقوهن )، ~~ويدخل معهم الزوجات على سبيل التبع ، وكذلك كل من له صلة بهذا الحكم ، وهو ~~إحصاء العدة. # ثم أمر سبحانه بتقواه فقال : ( @QUR@03 واتقوا الله ربكم ) أى ، واتقوا ~~الله ربكم ، بأن تصونوا أنفسكم عن معصيته ، التي من مظاهرها إلحاق الضرر ~~بأزواجكم ، بتطليقهن في وقت حيضهن. أو في غير ذلك من ms5662 الأوقات المنهي عن ~~وقوع الطلاق فيها. # فالمقصود بهذه الجملة الكريمة : التحذير من التساهل في أحكام الطلاق ~~والعدة ، كما كان أهل الجاهلية يفعلون. # وجمع سبحانه بين لفظ الجلالة ، وبين الوصف بربكم ، لتأكيد الأمر بالتقوى ~~، وللمبالغة في وجوب المحافظة على هذه الأحكام. # ثم بين سبحانه حكما آخر يتعلق بالأزواج والزوجات فقال : ( @QUR@011 لا ~~تخرجوهن من بيوتهن ، ولا يخرجن ، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ). # والجملة الكريمة مستأنفة ، أو حال من ضمير ( @QUR@02 وأحصوا العدة ) أى : ~~حالة كون العدة في بيوتهن ، والخطاب للأزواج ، والزوجات ، والاستثناء مفرغ ~~من أعم الأحوال والأساليب. # والفاحشة : الفعلة البالغة الغاية في القبح والسوء ، وأكثر إطلاقها على الزنا. # وقوله : ( @QUR@01 مبينة ) صفة للفاحشة ، وقراءة الجمهور بكسر الياء أى : ~~بفاحشة توضح لمن تبلغه أنها فاحشة لشدة قبحها. PageV14P444 # وقرأ ابن كثير ( @QUR@01 مبينة ) بفتح الياء أى : بفاحشة قامت الحجة على ~~مرتكبيها قياما لا مجال معه للمناقشة أو المجادلة. # أى : واتقوا الله ربكم أيها المؤمنون فيما تأتون وتذرون ، ومن مظاهر هذه ~~التقوى ، أنكم لا تخرجون زوجاتكم المطلقات من مساكنهن إلى أن تنقضي عدتهن ، ~~وهن أيضا لا يخرجن منها بأنفسهن في حال من الأحوال ، إلا في حال إتيانهن ~~بفاحشة عظيمة ثبتت عليهن ثبوتا واضحا. # فالمقصود بالجملة الكريمة نهى الأزواج عن إخراج المطلقات المعتدات من ~~مساكنهن عند الطلاق إلى أن تنتهي عدتهن ، ونهى المعتدات عن الخروج منها إلا ~~عند ارتكابهن الفاحشة الشديدة القبح. # وأضاف سبحانه البيوت الى ضمير النساء فقال : ( @QUR@04 لا تخرجوهن من ~~بيوتهن ) للإشعار بأن استحقاقهن للمكث في بيوت أزواجهن مدة عدتهن كاستحقاق ~~المالك لما يملكه ، ولتأكيد النهى عن الإخراج والخروج. # وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة ، أن المطلقة لا يصح إخراجها أو ~~خروجها من بيت الزوجية ما دامت في عدتها ، إلا لأمر ضروري. # قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله : ( @QUR@04 لا تخرجوهن من بيوتهن ) أى : ~~من مساكنهن عند الطلاق إلى أن تنقضي عدتهن ... وعدم العطف للإيذان ~~باستقلاله بالطلب اعتناء به ، والنهى عن الإخراج يتناول بمنطوقه عدم ~~إخراجهن غضبا عليهن ، أو كراهة لمساكنتهن ... ويتناول بإشارته عدم الإذن ~~لهن بالخروج ، لأن ms5663 خروجهن محرم ، لقوله تعالى : ( @QUR@02 ولا يخرجن ) ~~فكأنه قيل : لا تخرجوهن ، ولا تأذنوا لهن في الخروج إذا طلبن ذلك ، ولا ~~يخرجن بأنفسهن إن أردن ، فهناك دلالة على أن سكونهن في البيوت حق للشرع ~~مؤكد ، فلا يسقط بالإذن .. وهذا رأى الأحناف. # ومذهب الشافعية أنهما لو اتفقا على الانتقال جاز. إذ الحق لا يعدوهما ، ~~فيكون المعنى : لا تخرجوهن ولا يخرجن باستبدادهن. # والاستثناء في قوله : ( @QUR@05 إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) يرى بعضهم ~~أنه راجع إلى ( @QUR@02 ولا يخرجن ) فتكون الفاحشة المبينة هي نفس الخروج ~~قبل انقضاء العدة ، أى : لا يطلق لهن في الخروج ، إلا في الخروج الذي هو ~~فاحشة ، ومن المعلوم أنه لا يطلق لهن فيه ، فيكون ذلك منعا من الخروج على ~~أبلغ وجه .. كما يقال لا تزن إلا أن تكون فاسقا ... (1). PageV14P445 # وقال بعض العلماء : والذي تخلص لي أن حكمة السكنى للمطلقة ، أنها حفظ ~~للأعراض ، فإن المطلقة يكثر التفات العيون لها ، وقد يتسرب سوء الظن إليها ~~، فيكثر الاختلاف عليها ، ولا تجد ذا عصمة يذب عنها ، فلذلك شرعت لها ~~السكنى ، فلا تخرج إلا لحاجياتها الضرورية .. # ومن الحكم أيضا في ذلك أن المطلقة قد لا تجد مسكنا ، لأن غالب النساء لم ~~تكن لهن أموال ، وإنما هن عيال على الرجال .. # ويزاد في المطلقة الرجعية ، قصد استبقاء الصلة بينها وبين مطلقها ، لعله ~~يثوب إليه رشده فيراجعها .. # فهذا مجموع علل ، فإذا تخلفت واحدة منها لم يتخلف الحكم ، لأن الحكم ~~المعلل بعلتين فأكثر لا يبطله سقوط بعضها .. (1). # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@03 وتلك حدود الله ) يعود إلى الأحكام ~~التي سبق الحديث عنها ، والحدود : جمع حد ، وهو ما لا يصح تجاوزه أو الخروج عنه. # أى : وتلك الأحكام التي بيناها لكم ، هي حدود الله تعالى التي لا يصح لكم ~~تعديها أو تجاوزها ، وإنما يجب عليكم الوقوف عندها ، وتنفيذ ما اشتملت عليه ~~من آداب وهدايات. # ثم بين سبحانه سوء عاقبة من يتجاوز حدوده فقال : ( @QUR@07 ومن يتعد حدود ~~الله فقد ظلم نفسه ) أى : ومن يتجاوز حدود الله التي حدها لعباده ، بأن أخل ~~بشيء منها ، فقد حمل ms5664 نفسه وزرا ، وأكسبها إثما ، وعرضها للعقوبة والعذاب. # وقوله تعالى : ( @QUR@08 لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ) ترغيب في ~~امتثال الأحكام السابقة ، بعد أن سلك في شأنها مسلك الترهيب من مخالفتها ، ~~ودعوة إلى فتح باب المصالحة بين الرجل وزوجه ، وعدم السير في طريق المفارقة ~~حتى النهاية .. # والخطاب لكل من يصلح له ، أو هو للمتعدى بطريق الالتفات ، والجملة ~~الكريمة مستأنفة ، مسوقة لتعليل مضمون ما قبلها ، وتفصيل لأحواله. # أى : اسلك أيها المسلم الطريق الذي أرشدناك إليه في حياتك الزوجية ، ~~وامتثل ما أمرناك به ، فلا تطلق امرأتك وهي حائض ، ولا تخرجها من بيتها قبل ~~تمام عدتها ... ولا تقفل باب المصالحة بينك وبينها ، بل اجعل باب المصالحة ~~مفتوحا ، فإنك لا تدرى لعل الله تعالى يحدث بعد ذلك النزاع الذي نشب بينك ~~وبين زوجك أمرا نافعا لك ولها ، بأن يحول البغض إلى حب ، والخصام إلى وفاق ~~، والغضب إلى رضا .. PageV14P446 # فالجملة الكريمة قد اشتملت على أسمى ألوان الإرشاد لحمل النفوس المتجهة ~~نحو الطلاق .. إلى التريث والتعقل ، وفتح باب المواصلة بعد المقاطعة ~~والتقارب بعد التباعد ، لأن تقليب القلوب بيد الله عز وجل وليس بعيدا عن ~~قدرته تعالى تحويل القلوب إلى الحب بعد البغض. # قال القرطبي : الأمر الذي يحدثه الله أن يقلب قلبه من بغضها إلى محبتها ، ~~ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها ، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه ، ~~فيراجعها. # وقال جميع المفسرين : أراد بالأمر هنا الرغبة في الرجعة .. (1). # ثم بين سبحانه حكما يتعلق بما بين الزوجين من حقوق فقال تعالى : ( ~~@QUR@08 فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف ، أو فارقوهن بمعروف .. ). # والفاء في قوله ( @QUR@02 فإذا بلغن ... ) للتفريع على ما تقدم من أحكام ~~تتعلق بالعدة. # والمراد ببلوغ أجلهن ، مقاربة نهاية مدة العدة بقرينة ما بعده ، لأن ~~الرجل لا يؤمر بإمساك زوجه بعد انقضاء عدتها ، لأن الإمساك يكون قبل ~~انقضائها. # فالكلام من باب المجاز ، لمشابهة مقاربة الشيء ، بالحصول فيه ، والتلبس به. # والمراد بالإمساك المراجعة وعدم السير في طريق مفارقتها. # والمعروف : ما أمر به الشرع من حسن المعاملة بين الزوجين ، وحرص كل واحد ms5665 ~~منهما على أداء ما عليه لصاحبه من حقوق. # والمعنى : لقد بينت لكم جانبا من الأحكام التي تتعلق بعدة النساء ، فإذا ~~قاربن وشارفن آخر عدتهن ، فأمسكوهن وراجعوهن بحسن معاشرة ، أو فارقوهن ~~بمعروف بأن تعطوهن حقوقهن كاملة غير منقوصة ، بأن تكفوا ألسنتكم عن ذكرهن ~~بسوء .. # والأمر في قوله : ( @QUR@01 فأمسكوهن )، و ( @QUR@01 فارقوهن ) للإباحة ~~، و «أو» للتخيير. # والتعبير بالإمساك للإشعار بأن المطلقة طلاقا رجعيا لها حكم الزوجة ، ما ~~عدا الاستمتاع بها ، فعليه أن يستمسك بها ، ولا يتسرع في فراقها ، فهي ما ~~زالت في عصمته. # وقدم سبحانه الإمساك على الفراق ، للإشارة إلى أنه هو الأولى رعاية لحق ~~الزوجية ، وإبقاء للمودة والرحمة. PageV14P447 # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@010 وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن ~~، فأمسكوهن بمعروف ، أو سرحوهن بمعروف ... ). # ثم قال سبحانه : ( @QUR@04 وأشهدوا ذوي عدل منكم ) أى : وأشهدوا عند ~~المراجعة لأزواجكم وعند مفارقتكم لهن رجلين تتوفر فيهما العدالة والاستقامة ~~لان الإشهاد يقطع التنازع ، ويدفع الريبة ، وينفى التهمة. # والأمر في قوله : ( @QUR@01 وأشهدوا ) للندب والاستحباب في حالتي ~~المراجعة والمفارقة ، فهو كقوله تعالى : ( @QUR@03 وأشهدوا إذا تبايعتم ) ~~وهذا رأى جمهور العلماء. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@04 وأشهدوا ذوي عدل منكم ) أى : عند الرجعة ~~إن اخترتموها ، أو الفرقة إن اخترتموها ، تبريا عن الريبة ، وقطعا للنزاع. ~~وهذا أمر ندب كما في قوله تعالى : ( @QUR@03 وأشهدوا إذا تبايعتم ). # وقال الشافعى في القديم : إنه للوجوب في الرجعة. وزعم الطبرسي أن الظاهر ~~أنه أمر بالإشهاد على الطلاق ، وأنه مروى عن أثمة أهل البيت ، وأنه للوجوب ~~، وشرط في صحة الطلاق .. (1). # وقوله : ( @QUR@03 وأقيموا الشهادة لله ) معطوف على ما قبله ، والخطاب ~~لكل من تتعلق به الشهادة. # والمراد بإقامة الشهادة : أداؤها بالعدل والصدق. # أى : وعليكم أيها المؤمنون عند أدائكم للشهادة ، أن تؤدوها بالعدل ~~والأمانة ، وأن تجعلوها خالصة لوجه الله تعالى وامتثالا لأمره. # والجملة الكريمة دليل على أن أداء الشهادة على وجهها الصحيح عند الحكام ~~وغيرهم ، أمر واجب ، لأن الشهادة هنا اسم للجنس ، ولأن الله تعالى يقول في ~~آية أخرى : ( @QUR@08 ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ... ). # والإشارة في قوله سبحانه : ( @QUR@09 ذلكم يوعظ به ms5666 من كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر ) تعود إلى جميع ما تقدم من أحكام ، كإحصاء العدة وعدم إخراج ~~المطلقة من بيت الزوجية حتى تنتهي عدتها ، والحث على أداء الشهادة بالحق ~~والعدل. # والوعظ معناه : التحذير مما يؤذى بطريقة تؤثر في القلوب ، وتهدى النفوس ~~إلى الرشد. PageV14P448 # أى : ذلك الذي ذكرناه لكم من أحكام إنما يتأثر به ، ويعمل بمقتضاه الذين ~~يؤمنون بالله تعالى وباليوم الآخر إيمانا حقا. # وخص سبحانه الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر بالذكر ، لأنهم هم المنتفعون ~~بهذه الأحكام ، وهم المنفذون لها تنفيذا صحيحا. # ثم بشر سبحانه عباده الذين يتقونه ويراقبونه ببشارات متعددة فقال : ( ~~@QUR@011 ومن يتق الله يجعل له مخرجا ، ويرزقه من حيث لا يحتسب ). # والجملة الكريمة اعتراض بين قوله تعالى : ( @QUR@03 وأقيموا الشهادة لله ~~) وبين قوله سبحانه بعد ذلك : ( @QUR@04 واللائي يئسن من المحيض ). # وجيء بهذا الاعتراض بين هذه الأحكام لحمل النفوس على تقبل تشريعاته تعالى ~~وآدابه ، ولحض الزوجين على مراقبته سبحانه وتقواه. # أى : ومن يتق الله تعالى في كل أقواله وأفعاله وتصرفاته. يجعل له سبحانه ~~مخرجا من هموم الدنيا وضوائقها ومتاعبها ، ومن شدائد الموت وغمراته ، ومن ~~أهوال الآخرة وعذابها ، ويرزقه الفوز بخير الدارين ، من طريق لا تخطر له ~~على بال ، ولا ترد له على خاطر ، فإن أبواب رزقه سبحانه لا يعلمها أحد إلا ~~هو عز وجل . # وفي هذه الجملة الكريمة ما فيها من البشارة للمؤمن ، حتى يثبت فؤاده ، ~~ويستقيم قلبه ، ويحرص على طاعة الله تعالى في كل أحواله. # قال القرطبي : قال أبو ذر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنى لأعلم ~~آية لو أخذ الناس بها لكفتهم ، ثم تلا : ( @QUR@011 ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا ، ويرزقه من حيث لا يحتسب ). # وعن جابر بن عبد الله قال : نزلت هذه الآية في عوف بن مالك الأشجعى ، أسر ~~المشركون ابنا له ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك. فقال له ~~صلى الله عليه وسلم : «اتق الله واصبر ، وآمرك وزوجك أن تستكثرا من قول : لا ~~حول ولا قوة إلا بالله». # فعاد إلى بيته وقال لامرأته ms5667 : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنى وإياك ~~أن نستكثر من قول : لا حول ولا قوة إلا بالله. فقالت : نعم ما أمرنا ، ~~فجعلا يقولان ذلك ، فغفل العدو عن ابنه ، فساق غنمهم وجاء بها إلى أبيه عوف ~~، فنزلت الآية ... (1). # ثم قال تعالى : ( @QUR@016 ومن يتوكل على الله فهو حسبه ، إن الله بالغ ~~أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا ). PageV14P449 # ولفظ حسب بمعنى كاف وأصله اسم مصدر أو مصدر ، ومعنى ( @QUR@02 بالغ أمره ~~) بإضافة الوصف إلى مفعوله ، أى : يبلغ ما يريده سبحانه ، وقرأ الجمهور ( ~~@QUR@02 بالغ أمره ) بتنوين الوصف ونصب أمره على المفعولية ، والمراد بأمره ~~، شأنه ومراده. وهذه الجملة تعليل لما قبلها. # أى : ومن يفوض أمره إلى الله تعالى ويتوكل عليه وحده ، فهو سبحانه كافيه ~~في جميع أموره ، لأنه سبحانه يبلغ ما يريده ، ولا يفوته مراد ، ولا يعجزه ~~شيء ، ولا يحول دون أمره حائل .. ومن مظاهر حكمه في خلقه ، أنه عز وجل قد ~~جعل لكل شيء تقديرا قبل وجوده ، وعلم علما تاما مقاديرها وأوقاتها ~~وأحوالها. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@05 إنا كل شيء خلقناه بقدر ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 وخلق كل شيء فقدره تقديرا ) وقوله عز وجل : ( ~~@QUR@04 وكل شيء عنده بمقدار ). # قال بعض العلماء ما ملخصه : ولهذه الجملة ، وهي قوله تعالى : ( @QUR@06 ~~قد جعل الله لكل شيء قدرا ) موقع تتجلى فيه صورة من صور إعجاز القرآن ، في ~~ترتيب مواقع الجمل بعضها بعد بعض .. فهذه الجملة لها موقع الاستئناف ~~البياني الناشئ عما اشتملت عليه جمل : ( @QUR@06 ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا .. ) إلى قوله : ( @QUR@04 إن الله بالغ أمره ) لأن استعداد السامعين ~~لليقين بما تضمنته تلك الجمل متفاوت ، فقد يستبعد بعض السامعين تحقق الوعد ~~لأمثاله ، فيقول : أين انا من تحصيل هذا الشيء .. ويتملكه اليأس .. فيقول ~~الله تعالى له : ( @QUR@06 قد جعل الله لكل شيء قدرا ) أى : فلا تيأس أيها ~~الإنسان. # ولها موقع التعليل لجملة ( @QUR@02 وأحصوا العدة ) فإن العدة من الأشياء ~~التي تعد ، فلما أمر الله بإحصائها علل ذلك فقال : ( @QUR@06 قد جعل الله ~~لكل شيء قدرا ). # ولها موقع التذبيل لجملة ( @QUR@010 وتلك حدود ms5668 الله ، ومن يتعد حدود الله ~~فقد ظلم نفسه ) أى : الذي وضع تلك الحدود ، قد جعل الله لكل شيء قدرا لا ~~يعدوه ، كما جعل الحدود. # ولها موقع التعليل لجملة : ( @QUR@08 فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو ~~فارقوهن بمعروف )، لأن المعنى إذا بلغن القدر الذي جعله الله لمدة العدة ، ~~فقد حصل المقصد الشرعي ، الذي أشار إليه بقوله تعالى : ( @QUR@08 لا تدري ~~لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ). # ولها موقع التعليل لجملة : ( @QUR@03 وأقيموا الشهادة لله ) فإن الله ~~تعالى جعل الشهادة قدرا لرفع النزاع. PageV14P450 # فهذه الجملة جزء آية ، وهي تحتوى على حقائق من الحكمة ... (1). # ثم ذكر سبحانه أحكاما أخرى تتعلق بعدة أنواع أخرى من النساء وأكد الأمر ~~بتقواه عز وجل وأمر برعاية النساء والإنفاق عليهن .. فقال تعالى : # ( @QUR@028 واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة ~~أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله ~~يجعل له من أمره يسرا (4) @QUR@014 ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله ~~يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا (5) @QUR@032 أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ~~ولا تضآروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ~~فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له ~~أخرى (6) @QUR@025 لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه ~~الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا ) (7) # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@06 واللائي يئسن من المحيض من نسائكم ~~) لما بين سبحانه أمر الطلاق والرجعة في التي تحيض ، وكانوا قد عرفوا عدة ~~ذوات الأقراء ، عرفهم سبحانه في هذه السورة عدة التي لا ترى الدم. # وقال أبو عثمان عمر بن سالم : لما نزلت عدة النساء في سورة «البقرة» في ~~المطلقة والمتوفى عنها زوجها ، قال أبى بن كعب : يا رسول الله ، إن ناسا ~~يقولون قد بقي من النساء من لم يذكر فيهن شيء ، الصغار وذوات الحمل ، فنزلت ~~هذه الآية. PageV14P451 # وقال مقاتل : لما ذكر سبحانه قوله : ( @QUR@05 والمطلقات يتربصن بأنفسهن ~~ثلاثة قروء ... ). # قال ms5669 خلاد بن النعمان : يا رسول الله فما عدة التي لم تحض ، وما عدة التي ~~انقطع حيضها ، وعدة الحبلى ، فنزلت هذه الآية .. (1). # وجملة : ( @QUR@04 واللائي يئسن من المحيض ... ) معطوفة على قوله تعالى ~~قبل ذلك : ( @QUR@02 فطلقوهن لعدتهن ... ) لبيان أحكام أخرى تتعلق بعدة نوع ~~آخر من النساء بعد بيان عدة النساء ذوات الأقراء. # والمراد باللائى يئسن من المحيض : النساء اللائي تقدمن في السن ، وانقطع ~~عنهن دم الحيض. # وقوله : ( @QUR@01 يئسن ) من اليأس ، وهو فقدان الأمل من الحصول على الشيء. # والمراد بالمحيض : دم الحيض الذي يلفظه رحم المرأة في وقت معين ، وفي حال ~~معينة ... # وقوله : ( @QUR@02 إن ارتبتم ) من الريبة بمعنى الشك. # قوله : ( @QUR@01 واللائي ) اسم موصول مبتدأ ، وقوله ( @QUR@01 يئسن ) ~~صلته ، وجملة الشرط والجزاء وهي قوله : ( @QUR@05 إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة ~~أشهر ) خبره. # والمعنى : لقد بينت لكم أيها المؤمنون عدة النساء المعتدات بالمحيض ، أما ~~النساء المتقدمات في السن واللائي فقدن الأمل في رؤية دم الحيض ، فعليكم إن ~~ارتبتم ، وشككتم في عدتهن أو جهلتموها ، أن تقدروها بثلاثة أشهر. # هذا ، وقد قدر بعضهم سن اليأس بالنسبة للمرأة بستين سنة ، وبعضهم قدره ~~بخمس وخمسين سنة. # وبعضهم لم يحدده بسن معينة ، بل قال : إن هذا السن يختلف باختلاف الذوات ~~والإفطار والبيئات .. كاختلاف سن ابتداء الحيض. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 واللائي لم يحضن ) معطوف على قوله : ( @QUR@02 ~~واللائي يئسن ) وهو مبتدأ وخبره محذوف لدلالة ما قبله عليه. # والتقدير : واللائي يئسن من المحيض من نسائكم ، إن ارتبتم في عدتهن ، ~~فعدتهن ثلاثة أشهر ، واللاتي لم يحضن بعد لصغرهن ، وعدم بلوغهن سن المحيض ~~.. فعدتهن أيضا ثلاثة أشهر. PageV14P452 # ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان عدة المرأة ذات الحمل ، فقال تعالى : ~~( @QUR@06 وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ... ). # وقوله : ( @QUR@01 وأولات ): اسم جمع للفظ ذات. بمعنى صاحبه ، لأنه لا ~~مفرد لكلمة ( @QUR@01 أولات ) من لفظها ، كما أنه لا مفرد من لفظها لكلمة ~~«أولو» التي هي بمعنى أصحاب ، وإنما مفردها «ذو». # والأحمال : جمع حمل بفتح الحاء كصحب وأصحاب ، والمراد به : الجنين الذي ~~يكون في بطن المرأة. # والأجل : انتهاء المدة المقدرة للشيء. # وقوله : ( @QUR@01 وأولات ... ) مبتدأ ، و ( @QUR@01 أجلهن ms5670 ) مبتدأ ثان ، ~~وقوله : ( @QUR@03 أن يضعن حملهن ) خبر المبتدأ الثاني ، والمبتدأ الثاني ~~وخبره ، خبر الأول. # والمعنى : والنساء ذوات الأحمال ( @QUR@01 أجلهن ) أى : نهاية عدتهن ، أن ~~يضعن ما في بطونهن من حمل ، فمتى وضعت المرأة ما في بطنها ، فقد انقضت ~~عدتها ، لأنه ليس هناك ما هو أدل على براءة الرحم ، من وضع الحمل. # وهذا الحكم عام في كل ذوات الأحمال ، سواء أكن مطلقات ، أم كن قد توفى ~~عنهن أزواجهن. # وقد ساق الإمام ابن كثير جملة من الأحاديث التي تؤيد ذلك ، ومن تلك ~~الأحاديث ما رواه الشيخان ، من أن سبيعة الأسلمية وضعت بعد موت زوجها ~~بأربعين ليلة ، فخطبت فأنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد أصحابه. # وعن أبى بن كعب قال : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم : ( @QUR@06 وأولات ~~الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ): للمطلقة ثلاثا وللمتوفى عنها زوجها ، فقال ~~: هي للمطلقة ثلاثا وللمتوفى عنها .. (1). # قالوا : ولا تعارض بين هذه الآية ، وبين قوله تعالى في سورة البقرة ( ~~@QUR@010 والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر ~~وعشرا ... ) لأن آية سورة البقرة ، خاصة بالنساء اللائي توفى عنهن أزوجهن ~~ولم يكن هؤلاء النساء من ذوات الأحمال. # وفي هذه المسألة أقوال أخرى مبسوطة في مظانها ... (2). PageV14P453 # ثم كرر سبحانه الأمر بتقواه ، وبشر المتقين بالخير العميم فقال : ( ~~@QUR@03 ومن يتق الله ) تعالى فينفذ ما كلف به. ويبتعد عما نهى عنه. # ( @QUR@02 يجعل له ) سبحانه ( @QUR@03 من أمره يسرا ) أى : يجعل له من ~~الأمر العسير أمرا ميسورا. ويحول له الأمر الصعب إلى أمر سهل ، لأنه سبحانه ~~له الخلق والأمر .. # ( @QUR@01 ذلك ) الذي ذكرناه لكم من أحكام ( @QUR@02 أمر الله ) أى : ~~حكمه وشرعه ( @QUR@02 أنزله إليكم ) لتعلموا به ، وتسيروا على هديه. # ( @QUR@03 ومن يتق الله ) تعالى في كل شئونه وأحواله .. ( @QUR@03 يكفر ~~عنه سيئاته ) أى : يمح عنه ذنوبه ، ولا يؤاخذه عليها ، ( @QUR@03 ويعظم له ~~أجرا ) أى : ويضاعف له حسناته ، ويجزل له العطاء والمثوبة يوم القيامة. # ثم أمر سبحانه الرجال بأن يحسنوا معاملة النساء المطلقات ، ونهاهم عن ~~الإساءة إليهن بأى لون من ألوان الإساءة فقال : ( @QUR@06 أسكنوهن من حيث ~~سكنتم من وجدكم ms5671 ... ) والخطاب للرجال الذين يريدون فراق أزواجهن ، والضمير ~~المنصوب في قوله ( @QUR@01 أسكنوهن ) يعود إلى النساء المطلقات. # و ( @QUR@01 من ) للتبعيض ، والوجد : السعة والقدرة. # أى : أسكنوا المطلقات في بعض البيوت التي تسكنونها والتي في وسعكم ~~وطاقتكم إسكانهن فيها. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@01 أسكنوهن ) وما بعده : بيان لما شرط ~~من التقوى في قوله : ( @QUR@06 ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ... ) كأنه ~~قيل : كيف نعمل بالتقوى في شأن المعتدات؟ فقيل : ( @QUR@01 أسكنوهن ). # فإن قلت : فقوله : ( @QUR@02 من وجدكم ) ما موقعه؟ قلت : هو عطف بيان ~~لقوله ( @QUR@03 من حيث سكنتم )، وتفسير له ، كأنه قيل : أسكنوهن مكانا من ~~مسكنكم مما تطيقونه. # والسكنى والنفقة : واجبتان لكل مطلقة. وعند مالك والشافعى : ليس للمبتونة ~~إلا السكن ولا نفقة لها ، وعن الحسن وحماد : لا نفقة لها ولا سكنى ، لحديث ~~فاطمة بنت قيس : أن زوجها أبت طلاقها ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«لا سكنى لك ولا نفقة ...» (1). # ثم أتبع سبحانه الأمر بالإحسان إلى المطلقات ، بالنهى عن إلحاق الأذى بهن ~~فقال : ( @QUR@04 ولا تضآروهن لتضيقوا عليهن ... ). PageV14P454 # أى : ولا تستعملوا معهن ما يؤذيهن ويضرهن ، لكي تضيقوا عليهن ما منحه ~~الله تعالى لهن من حقوق ، بأن تطيلوا عليهن مدة العدة ، فتصبح الواحدة منهن ~~كالمعلقة ، أو بأن تضيقوا عليهن في السكنى ، حتى يلجأن إلى الخروج ، ~~والتنازل عن حقوقهن. # وقوله تعالى : ( @QUR@09 وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ~~.. ) أى : وإن كان المطلقات أصحاب حمل فعليكم يا معشر الأزواج أن تقدموا ~~لهن النفقة المناسبة ، حتى يضعن حملهن. # قال الإمام ابن كثير : قال كثير من العلماء منهم ابن عباس ، وطائفة من ~~السلف. هذه هي البائن ، إن كانت حاملا أنفق عليها حتى تضع حملها ، قالوا : ~~بدليل أن الرجعية تجب نفقتها سواء أكانت حاملا أم غير حامل. # وقال آخرون : بل السياق كله في الرجعيات ، وإنما نص على الإنفاق على ~~الحامل وإن كانت رجعية لأن الحمل تطول مدته غالبا. فاحتيج إلى النص على ~~وجوب الإنفاق إلى الوضع ، لئلا يتوهم أنه إنما تجب النفقة بمقدار مدة العدة ~~.. (1). # ولما كان الحمل ينتهى بالوضع ، انتقلت ms5672 السورة الكريمة إلى بيان ما يجب ~~للمطلقات بعد الوضع ، فقال تعالى : ( @QUR@05 فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن ). # أى : عليكم أيها المؤمنون أن تقدموا لنسائكم ذوات الحمل اللائي طلقتموهن ~~طلاقا بائنا ، عليكم أن تقدموا لهن النفقة حتى يضعن حملهن ، فإذا ما وضعن ~~حملهن وأرادوا أن يرضعن لكم أولادكم منهن ، فعليكم أيضا أن تعطوهن أجورهن ~~على هذا الإرضاع ، وأن تلتزموا بذلك لهن. # وقد أخذ العلماء من هذه الآية أن الأم المطلقة طلاقا بائنا ، إذا أرادت ~~أن ترضع ولدها بأجر المثل ، فليس لأحد أن يمنعها من ذلك ، لأنها أحق به من ~~غيرها ، لشدة شفقتها عليه ... وليس للأب أن يسترضع غيرها حينئذ. كما أخذوا ~~منها أيضا أن نفقة الولد الصغير على أبيه ، لأنه إذا لزمته أجرة الرضاع ، ~~فبقية النفقات الخاصة بالصغير تقاس على ذلك. # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 وأتمروا بينكم بمعروف ) حض منه سبحانه للآباء ~~والأمهات على التعاون والتناصح في وجوه الخير والبر. # والائتمار معناه : التشاور وتبادل الرأى ، وسمى التشاور بذلك لأن ~~المتشاورين في مسألة ، يأمر أحدهما الآخر بشيء فيستجيب لأمره ، ويقال : ~~أئتمر القوم وتآمروا بمعنى واحد. PageV14P455 # أى : عليكم أيها الآباء والأمهات أن تتشاوروا فيما ينفع أولادكم ، وليأمر ~~بعضكم بعضا بما هو حسن ، فيما يتعلق بالإرضاع والأجر وغيرهما. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى ) إرشاد إلى ما يجب ~~عليهما في حالة عدم التراضي على الإرضاع أو الأجر. # والتعاسر مأخوذ من العسر الذي هو ضد اليسر والسماحة ، يقال تعاسر ~~المتبايعان ، إذا تمسك كل واحد منهما برأيه ، دون أن يتفقا على شيء. # أى : وإن اشتد الخلاف بينكم ، ولم تصلوا إلى حل ، بأن امتنع الأب عن دفع ~~الأجرة للأم ، أو امتنعت الأم عن الإرضاع إلا بأجر معين. فليس معنى ذلك أن ~~يبقى المولود جائعا بدون رضاعة ، بل على الأب أن يبحث عن مرضعة أخرى ، لكي ~~ترضع له ولده ، فالضمير في قوله ( @QUR@01 له ) يعود على الأب. # قال صاحب الكشاف قوله : ( @QUR@05 وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى ) أى : ~~فستوجد مرضعة غير الأم ترضعه ، وفيه طرف من معاتبة الأم على المعاسرة ، كما ~~تقول ms5673 لمن تستقضيه حاجة فيتوانى : سيقضيها غيرك. تريد لن تبقى غير مقضية ~~وأنت ملوم. # وقد علق المحشى على الكشاف بقوله : وخص الأم بالمعاتبة ، لأن المبذول من ~~جهتها هو لبنها وهو غير متمول ولا مضنون به في العرف ، وخصوصا في الأم على ~~الولد ، ولا كذلك المبذول من جهة الأب ، فإنه المال المضنون به عادة فالأم ~~إذا أجدى باللوم ، وأحق بالعتب .. (1). # قالوا : وفي هذه الجملة أيضا طرف من معاتبة الأب ، لأنه كان من الواجب ~~عليه أن يسترضى الأم ، ولا يكون مصدر عسر بالنسبة لها ، حرصا على مصلحة الولد. # ثم رسم سبحانه لعباده المنهج الذي لو اتبعوه لعاشوا آمنين مطمئنين فقال : ~~( @QUR@05 لينفق ذو سعة من سعته ). # والإنفاق : بذل المال في المصالح المتنوعة التي أحلها الله تعالى ، ~~كالمأكل والمشرب ، والملبس ، والمسكن ، وإعطاء كل ذي حق حقه .. # والسعة : البسطة في المال والرزق. # أى : على كل من أعطاه الله تعالى سعة وبسطة في المال والرزق ، أن ينفق ~~مما أعطاه الله تعالى وأن لا يبخل ، فإن البخل صفة قبيحة ، ولا سيما في ~~الأغنياء. PageV14P456 # فعليكم أيها الآباء أن تعطوا بسخاء كل من يستحقون العطاء ، وعلى رأسهم ~~الأمهات لأولادكم ، اللائي يقمن بإرضاعهم بعد مفارقتكم لهن ، وأن لا تبخلوا ~~عليهن في أجرة الرضاع ، أو في النفقة على الأولاد. # ثم قال تعالى : ( @QUR@08 ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله ... ) ~~أى : ومن كان رزقه ضيقا وليس واسعا .. فلينفق على قدر ماله ورزقه وطاقته ، ~~مما آتاه الله تعالى من رزق. # وقوله : ( @QUR@07 لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ... ) تعليل لما قبله ~~، أى : فلينفق كل إنسان على نفسه وعلى زوجه ، وعلى أولاده ، وعلى أقاربه ، ~~وعلى غيرهم. على حسب حاله ، فإن كان موسرا أنفق على حسب يسره ، وإن كان ~~معسرا أنفق على حسب عسره .. لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا بقدر ما ~~أعطاها من طاقة أو رزق .. # روى ابن جرير أن عمر بن الخطاب سأل عن أبى عبيدة فقيل له : إنه يلبس ~~الغليظ من الثياب ، ويأكل الخشن من الطعام ، فبعث إليه بألف دينار ، وقال ms5674 ~~للرسول : انظر ماذا يصنع إذا أخذها : فلما أخذها ، ما لبث أن لبس ألين ~~الثياب ، وأكل أطيب الطعام .. فجاء الرسول فأخبره فقال عمر : رحم الله أبا ~~عبيدة ، لقد عمل بهذه الآية : ( @QUR@013 لينفق ذو سعة من سعته ، ومن قدر ~~عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله ... ) (1). # ثم ختم سبحانه الآية الكريمة ببشارة لمن يتبع أمره فقال : ( @QUR@05 ~~سيجعل الله بعد عسر يسرا ) أى : سيجعل الله تعالى بفضله وإحسانه اليسر بعد ~~العسر ، والسعة بعد الضيق ، والغنى بعد الفقر .. لمن شاء من عباده ، لأنه ~~سبحانه هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ، وهو بعباده خبير بصير. # قال الإمام ابن كثير : وقد روى الإمام أحمد عن أبى هريرة قال : دخل رجل ~~على أهله. فلما رأى ما بهم من الفاقة خرج إلى البرية ، فلما رأت امرأته ذلك ~~قامت إلى الرحى فوضعتها ، وإلى التنور فسجرته أى أوقدته ، ثم قالت : اللهم ~~ارزقنا ، فنظرت ، فإذا الجفنة قد امتلأت .. # قال : وذهبت إلى التنور فوجدته ممتلئا ، قال : فرجع الزوج فقال لأهله : ~~أأصبتم بعدي شيئا؟ فقالت امرأته : نعم من ربنا .. # فذكر الرجل ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : أما إنه لو لم ترفعها ، لم ~~تزل تدور إلى يوم القيامة .. (2). PageV14P457 # وبعد هذه التشريعات الحكيمة التي تتعلق بالطلاق وما يترتب عليه من آثار ، ~~وبعد هذا التذكير المتكرر بوجوب تقوى الله تعالى والمحافظة على أداء ~~تكاليفه ، وبعد هذا الوعظ المؤثر في قلوب الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر .. # بعد كل ذلك ساق سبحانه جانبا من سوء عاقبة الأقوام الذين فسقوا عن أمر ~~ربهم ، وخالفوا رسله : وكرر الأمر بتقواه ، وذكر الناس بجانب من نعمه ، حيث ~~أرسل إليهم رسوله صلى الله عليه وسلم ليتلو عليهم آياته .. كما ذكرهم بعظيم ~~قدرته تعالى وشمول علمه ، فقال سبحانه : # ( @QUR@014 وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا ~~وعذبناها عذابا نكرا (8) @QUR@07 فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا ~~(9) @QUR@017 أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين ~~آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا (10) @QUR@034 رسولا يتلوا عليكم آيات الله ~~مبينات ms5675 ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور ومن يؤمن ~~بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد ~~أحسن الله له رزقا (11) @QUR@025 الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ~~يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل ~~شيء علما ) (12) # وكلمة ( @QUR@01 كأين ) اسم لعدد كثير منهم ، يفسره ما بعده ، فهي بمعنى ~~«كم» الخبرية التي تفيد التكثير ، وهي مبتدأ ، وقوله ( @QUR@02 من قرية ) ~~تمييز لها. # وجملة ( @QUR@04 عتت عن أمر ربها ) خبر للمبتدأ. والعتو : الخروج عن ~~الطاعة ، يقال : عتا فلان يعتو عتوا وعتيا. إذا تجبر وطغى وتجاوز الحدود في ~~الاستكبار والعناد. PageV14P458 # والمراد بالقرية : أهلها ، على سبيل المجاز المرسل ، من إطلاق المحل ~~وإرادة الحال ، فهو كقوله تعالى : ( @QUR@05 وسئل القرية التي كنا فيها ). # والقرينة على أن المراد بالقرية أهلها ، قوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@05 ~~أعد الله لهم عذابا شديدا ... ). # والمراد بالمحاسبة في قوله ( @QUR@01 فحاسبناها ... ) المجازاة والمعاقبة ~~الدنيوية على أعمالهم ، بدليل قوله تعالى عن العذاب الأخروى بعد ذلك ( ~~@QUR@05 أعد الله لهم عذابا شديدا ... ). # ويجوز أن يراد بالمحاسبة هنا : العذاب الأخروى ، وجيء بلفظ الماضي على ~~سبيل التأكيد وتحقق الوقوع ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@05 ونادى أصحاب ~~الجنة أصحاب النار ... ). # ويكون قوله سبحانه : ( @QUR@05 أعد الله لهم عذابا شديدا ... ) تكريرا ~~للوعيد. # والمعنى : وكثير من أهل القرى الماضية ، خرجوا عن طاعة ربهم ، وعصوا رسله ~~، فكانت نتيجة ذلك أن سجلنا عليهم أفعالهم تسجيلا دقيقا ، وجازيناهم عليها ~~جزاء عادلا ، بأن عذبناهم عذابا فظيعا. وعاقبناهم عقابا نكرا .. # والشيء النكر بضمتين وبضم فسكون ما ينكره العقل من شدة كيفية حدوثه ~~إنكارا عظيما. # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@03 فذاقت وبال أمرها ... ) للتفريع على ما تقدم. # والوبال : الثقل ، ومنه الطعام الوبيل ، أى : الوخيم الثقيل على المعدة ~~فيكون سببا في فسادها ومرضها. والذوق : الإحساس بالشيء إحساسا واضحا .. # أى : فترتب على هذا الحساب والعقاب ، أن ذاق أهل تلك القرى سوء عاقبة ~~بغيهم وجحودهم لنعم الله .. # وكان عاقبة أمرها خسرا أى : وكانت نهايتهم نهاية خاسرة خسارة عظيمة ، كما ~~يخسر ms5676 التاجر صفقته التجارية التي عليها قوام حياته. # ثم بين سبحانه ما أعده لهم في الآخرة من عذاب ، بعد بيان ما حل بهم في ~~الدنيا فقال : ( @QUR@05 أعد الله لهم عذابا شديدا ... ). # أى : أن ما أصابهم في الدنيا بسبب فسوقهم عن أمر ربهم ، ليس نهاية المطاف ~~، بل هيأ الله تعالى لهم عذابا أشد من ذلك وأبقى في الآخرة .. # وما دام الأمر كذلك ( @QUR@012 فاتقوا الله يا أولي الألباب ، الذين ~~آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا ... ). PageV14P459 # والألباب جمع لب ، وهو العقل السليم الذي يرشد صاحبه إلى الخير والبر. # وقوله ( @QUR@02 الذين آمنوا ) منصوب بإضمار أعنى على سبيل البيان ~~للمنادى ، أو عطف بيان له. # والمراد بالذكر : القرآن الكريم ، وقد سمى بذلك في آيات كثيرة منها قوله ~~تعالى : ( @QUR@06 لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم ... ) أى : فيه شرفكم ~~وعزكم ، وفيه ما يذكركم بالحق ، وينهاكم عن الباطل. # أى : فاتقوا الله تعالى يا أصحاب العقول السليمة ، ويا من آمنتم بالله ~~تعالى حق الإيمان ، فهو سبحانه الذي أنزل عليكم القرآن الكريم ، الذي فيه ~~ما يذكركم عما غفلتم عنه من عقيدة سليمة ، ومن أخلاق كريمة ، ومن آداب ~~قويمة .. # وفي ندائهم بوصف «أولى الألباب» إشعار بأن العقول الراجحة هي التي تدعو ~~أصحابها إلى تقوى الله وطاعته ، وإلى كل كمال في الطباع والسلوك. # والمراد بالرسول في قوله تعالى : ( @QUR@06 رسولا يتلوا عليكم آيات الله ~~مبينات ) محمد صلى الله عليه وسلم وللمفسرين جملة من الأقوال في إعرابه ، ~~فمنهم من يرى أنه منصوب بفعل مقدر ، ومنهم من يرى أنه بدل من ذكرا ... (1). # والمعنى : فاتقوا الله أيها المؤمنون فقد أنزلنا إليكم قرآنا فيه ما ~~يذكركم بخير الدنيا والآخرة ... وأرسلنا إليكم رسولا هو عبدنا محمد ~~صلى الله عليه وسلم لكي يتلو عليكم آياتنا تلاوة تدبر وفهم ، يعقبهما تنفيذ ما ~~اشتملت عليه هذه الآيات من أحكام وآداب وهدايات .. # ولكي يخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ظلمات الشرك الذي كانوا واقعين ~~فيه ، إلى نور الإيمان الذي صاروا إليه. # ومنهم من فسر الذكر بالرسول صلى الله عليه وسلم .. # قال الآلوسى ما ملخصه ms5677 : وقوله : ( @QUR@05 قد أنزل الله إليكم ذكرا ) هو ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعبر عنه بالذكر ، لمواظبته على تلاوة القرآن الذي ~~هو ذكر ... # وقوله تعالى ( @QUR@01 رسولا ) بدل من ( @QUR@01 ذكرا )، وعبر عن إرساله ~~بالإنزال ، لأن الإرسال مسبب عنه .. PageV14P460 # والظاهر أن الذكر هو القرآن ، والرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم ورسولا ~~منصوب بمقدر ، أى : وأرسل رسولا .. (1). # ثم بين سبحانه حسن عاقبة المؤمنين الصادقين فقال : ( @QUR@03 ومن يؤمن ~~بالله ) إيمانا حقا ( @QUR@01 ويعمل ) عملا ( @QUR@02 صالحا يدخله ) سبحانه ~~بفضله وإحسانه ( @QUR@08 جنات تجري من تحتها الأنهار ، خالدين فيها أبدا ) ~~خلودا أبديا .. # وقوله : ( @QUR@05 قد أحسن الله له رزقا ) حال من الضمير المنصوب في قوله ~~( @QUR@01 يدخله )، والجمع في الضمائر باعتبار معنى ( @QUR@01 من ) كما أن ~~الأفراد في الضمائر الثلاثة باعتبار لفظها : والرزق : كل ما ينتفع به ~~الإنسان ، وتنكيره للتعظيم. # أى : قد وسع الله تعالى لهذا المؤمن الصادق في إيمانه رزقه في الجنة ، ~~وأعطاه من الخير والنعيم ، ما يشرح صدره ، ويدخل السرور على نفسه. ويصلح ~~باله .. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بما يدل على كمال قدرته ، وسعة علمه فقال : ~~( @QUR@08 الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن .. ). # أى : الله تعالى وحده هو الذي خلق سبع سماوات طباقا وخلق من الأرض مثلهن ~~، أى : في العدد فهي سبع كالسماوات. # والتعدد قد يكون باعتبار أصول الطبقات الطينية والصخرية والمائية ~~والمعدنية ، وغير ذلك من الاعتبارات التي لا يعلمها إلا الله تعالى . # قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية يقول تعالى مخبرا عن قدرته ~~التامة ، وسلطانه العظيم ، ليكون ذلك باعثا على تعظيم ما شرع من الدين ~~القويم : ( @QUR@05 الله الذي خلق سبع سماوات ) كقوله تعالى إخبارا عن نوح ~~أنه قال لقومه : ( @QUR@08 ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا ... ) ~~وقال تعالى ( @QUR@07 تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن ). # وقوله : ( @QUR@03 ومن الأرض مثلهن ) أى : سبعا أيضا كما ثبت في الصحيحين ~~: «من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه مع سبع أرضين». # وفي صحيح البخاري : «خسف به إلى سبع أرضين ...» ومن حمل ذلك على سبعة ~~أقاليم ، فقد أبعد النجعة ms5678 ، وأغرق في النزع ، وخالف القرآن والحديث بلا ~~مستند .. (2). PageV14P461 # وقال الآلوسى : الله الذي خلق سبع سماوات مبتدأ وخبر ( @QUR@03 ومن الأرض ~~مثلهن ) أى : وخلق من الأرض مثلهن ، على أن ( @QUR@01 مثلهن ) مفعول لفعل ~~محذوف ، والجملة معطوفة على الجملة قبلها. # والمثلية تصدق بالاشتراك في بعض الأوصاف ، فقال الجمهور : هي هنا في ~~كونها سبعا وكونها طباقا بعضها فوق بعض ، بين كل أرض وأرض مسافة كما بين ~~السماء والأرض ، وفي كل أرض سكان من خلق الله ، لا يعلم حقيقتهم أحد إلا ~~الله تعالى . # وقيل : المثلية في الخلق لا في العدد ولا في غيره ، فهي أرض واحدة مخلوقة ~~كالسماوات السبع. # ورد هذا القيل بأنه قد صح من رواية البخاري وغيره ، قوله صلى الله عليه وسلم ~~: «اللهم رب السموات السبع وما أظللن ، ورب الأرضين السبع وما أقللن ...» (1). # والذي نراه أن كون المثلية في العد ، هو المعول عليه ، لورود الأحاديث ~~الصحيحة التي صرحت بأن الأرضين سبع ، فعلينا أن نؤمن بذلك ، وأن نرد كيفية ~~تكوينها ، وهيئاتها ، وأبعادها ، ومساحاتها ، وخصائصها .. إلى علم الله ~~تعالى . # وقوله : ( @QUR@03 يتنزل الأمر بينهن ) أى : يجرى أمر الله تعالى وقضاؤه ~~وقدره بينهن ، وينفذ حكمه فيهن ، فالمراد بالأمر : قضاؤه وقدره ووحيه. # واللام في قوله تعالى : ( @QUR@014 لتعلموا أن الله على كل شيء قدير ، ~~وأن الله قد أحاط بكل شيء علما ) متعلقة بقوله ( @QUR@01 خلق )... # أى : خلق سبحانه سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ، وأخبركم بذلك ، لتعلموا ~~علما تاما أن الله تعالى على كل شيء قدير ، وأن علمه تعالى قد أحاط بكل شيء ~~سواء أكان هذا الشيء جليلا أم حقيرا ، صغيرا أم كبيرا ... # وبعد : فهذا تفسير لسورة «الطلاق» نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه ~~ونافعا لعباده ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .. # الاسكندرية العجمي : 24 من شوال سنة 1406 ه # 30 من يونيو سنة 1986 م # كتبه الراجي عفو ربه # محمد سيد طنطاوى PageV14P462 ### ||| * تفسير ### ||| * سورة التحريم PageV14P463 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «التحريم» من السور المدنية الخالصة ، وتسمى أيضا بسورة ( @QUR@02 ~~لم تحرم ) وبسورة «النبي» صلى الله ms5679 عليه وسلم وعدد آياتها اثنتا عشرة آية. # 2 وكان نزولها بعد سورة «الحجرات» وقبل سورة «الجمعة» فهي السورة الخامسة ~~بعد المائة بالنسبة لترتيب نزول السور القرآنية ، أما ترتيبها في المصحف ، ~~فهي السورة السادسة والستون. # 3 والسورة الكريمة في مطلعها تحكى جانبا مما دار بين النبي ~~صلى الله عليه وسلم وبين بعض زوجاته فتعرض صفحة من حياته صلى الله عليه وسلم في ~~بيته ، ومن عتاب الله تعالى له ومن فضله عليه ، ودفاعه عنه. # 4 ثم وجهت نداء إلى المؤمنين أمرتهم فيه بأن يداوموا على العمل الصالح ~~الذي ينجيهم من عذاب الله تعالى وحرضتهم على التسلح بالتوبة النصوح لأنها ~~على رأس الأسباب التي تؤدى إلى تكفير سيئاتهم. # 5 ثم ختمت السورة الكريمة بضرب مثلين أحدهما للذين آمنوا ، ويتمثل في ~~امرأة فرعون وفي مريم ابنة عمران ، والآخر للذين كفروا ويتمثل في امرأة نوح ~~وامرأة لوط عليهما السلام والغرض من ذلك العظة والاعتبار. PageV14P465 ### ||| * التفسير # وقد افتتح سبحانه السورة الكريمة بقوله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@015 يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك ~~والله غفور رحيم (1) @QUR@011 قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم ~~وهو العليم الحكيم (2) @QUR@029 وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما ~~نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من ~~أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير (3) @QUR@021 إن تتوبا إلى الله فقد صغت ~~قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين ~~والملائكة بعد ذلك ظهير (4) @QUR@017 عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا ~~خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا ) (5) # وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات متعددة ، منها ما رواه ~~الشيخان وغيرهما عن عائشة رضى الله عنها قالت : كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يشرب عسلا عند زينب بنت جحش ، ويمكث عندها فتواطأت أنا ~~وحفصة على أيتنا دخل عليها فلتقل له : أكلت مغافير؟ والمغافير : صمغ حلو له ~~رائحة كريهة إنى أجد منك ms5680 ريح مغافير. # فدخل على إحداهما فقالت له ذلك ، فقال : بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ~~ولن أعود إليه ، وقد حلفت ، فلا تخبري بذلك أحدا ، فنزلت هذه الآيات. PageV14P466 # وفي رواية أن التي شرب عندها العسل : حفصة بنت عمر ، وأن القائلة له ذلك ~~: سودة بنت زمعة ، وصفية بنت حيي. # قالوا : والاشتباه في الاسم لا يضر ، بعد ثبوت أصل القصة. # وأخرج النسائي والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس ، أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كانت له أمة يطؤها ، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى جعلها على ~~نفسه حراما ، فأنزل الله تعالى ( @QUR@09 يا أيها النبي لم تحرم ما أحل ~~الله لك )... الآيات .... # وروى ابن جرير عن زيد بن أسلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصاب أم ~~إبراهيم مارية ، في بيت بعض نسائه وفي رواية في بيت حفصة فقالت : يا رسول ~~الله في بيتي وعلى فراشي؟ فجعلها أى مارية عليه حراما ، وحلف بهذا .. فأنزل ~~الله هذه الآيات (1). # قال القرطبي ما ملخصه : «وأصح هذه الأقوال أولها .. والصحيح أن التحريم ~~كان في العسل ، وأنه شربه عند زينب ، وتظاهرت عليه عائشة وحفصة فيه ، فجرى ~~ما جرى فحلف ألا يشربه وأسر ذلك ، ونزلت الآية في الجميع» (2). # وقال الإمام ابن كثير بعد أن ساق عددا من الروايات في هذا الشأن : ~~والصحيح أن ذلك كان في تحريمه صلى الله عليه وسلم للعسل (3). # وقال الآلوسى : قال النووي في شرح مسلم : الصحيح أن الآية في قصة العسل ، ~~لا في قصة مارية المروية في غير الصحيحين ، ولم تأت قصة مارية من طريق صحيح. # والصواب أن شرب العسل كان عند زينب بنت جحش .. (4). # وقد افتتح سبحانه السورة الكريمة بتوجيه النداء إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال : ( @QUR@09 يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ). # وفي توجيه النداء إليه صلى الله عليه وسلم تنبيه إلى أن ما سيذكر بعد النداء ~~، شيء مهم ، بالنسبة له ولسائر المسلمين. # والاستفهام في قوله تعالى ( @QUR@06 لم تحرم ما أحل الله لك .. ) للنفي ~~المصحوب بالعتاب منه ms5681 سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم . PageV14P467 # وجملة ( @QUR@03 تبتغي مرضات أزواجك ) حال من فاعل ( @QUR@01 تحرم )، ~~والعتاب واقع على مضمون هذه الجملة والتي قبلها ، وهي قوله ( @QUR@06 لم ~~تحرم ما أحل الله لك ). # والمعنى : يا أيها الرسول الكريم ، لما ذا حرمت على نفسك ما أحله الله ~~تعالى لك من شراب أو غيره؟ أفعلت ذلك من أجل إرضاء أزواجك؟. # إنه لا ينبغي لك أن تفعل ذلك ، لأن ما أباحه الله تعالى لك ، لا يصح أن ~~تحرمه على نفسك أو أن تمتنع عن تعاطيه ، فتشق على نفسك من أجل إرضاء غيرك. # قال بعض العلماء : «ناداه بلفظ «النبي» إشعارا بأنه الذي نبئ بأسرار ~~التحليل والتحريم الإلهى ، والمراد بتحريمه ما أحل له ، امتناعه منه ، ~~وحظره إياه على نفسه. # وهذا المقدار مباح ، ليس في ارتكابه جناح ، وإنما قيل له ( @QUR@06 لم ~~تحرم ما أحل الله لك ) رفقا به ، وشفقة عليه ، وتنويها لقدره ولمنصبه ~~صلى الله عليه وسلم أن يراعى مرضاة أزواجه بما يشق عليه ، جريا على ما ألف من ~~لطف الله تعالى به ، ورفعه عن أن يحرج بسبب أحد من البشر الذين هم أتباعه ~~..» (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 والله غفور رحيم ) تسلية للرسول ~~صلى الله عليه وسلم عما أصابه من وقع هذا اللوم ، ومن أثر هذا العتاب ، وإرشاد ~~له صلى الله عليه وسلم بأن ما فعله داخل تحت مغفرة الله تعالى ورحمته. # أى : والله تعالى واسع المغفرة والرحمة وقد غفر لك بفضله وكرمه ما فعلته ~~بسبب بعض أزواجك ، وجعلك على رأس من تظلهم رحمته. # ثم بين سبحانه جانبا من مظاهر رحمته فقال : ( @QUR@06 قد فرض الله لكم ~~تحلة أيمانكم ). # وقوله ( @QUR@01 فرض ) هنا بمعنى شرع ، والتحلة : مصدر بمعنى التحليل ، ~~والمراد بها الكفارة ، وهي مصدر حلل كالتكرمة مصدر كرم ، من الحل الذي هو ~~ضد العقد. # أى : قد شرع الله تعالى لكم تحليل الأيمان التي عقدتموها ، عن طريق ~~الكفارة ، لأن اليمين إذا كانت في أمر لا يحبه الله تعالى فالعدول عنها ~~أولى وأفضل. # وفي الحديث الشريف يقول صلى الله عليه وسلم «إنى والله لا أحلف ms5682 على يمين ~~فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وفعلت الذي هو خير». # وقد اختلف العلماء في التحريم الذي كان من النبي صلى الله عليه وسلم أكان ~~بيمين أم لا. PageV14P468 # وظاهر الآية يؤيد القول بالإيجاب لقوله تعالى : ( @QUR@06 قد فرض الله ~~لكم تحلة أيمانكم ) لأن هذه الجملة الكريمة تشعر بأن هناك يمينا تحتاج إلى كفارة. # وقد جاء في بعض الروايات الصحيحة أنه قال : «بل شربت عسلا عند زينب بنت ~~جحش ، فلن أعود له ، وقد حلفت. لا تخبري بذلك أحدا ...». # قال الآلوسى ما ملخصه : واختلفوا هل كفر النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه ~~هذه أولا؟ # فعن الحسن أنه صلى الله عليه وسلم لم يكفر لأنه كان مغفورا له ما تقدم من ~~ذنبه وما تأخر ، وإنما هو تعليم للمؤمنين. # وعن مقاتل : أنه صلى الله عليه وسلم أعتق رقبة ... ونقل مالك عن زيد بن أسلم ~~أنه صلى الله عليه وسلم أعطى الكفارة (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 والله مولاكم ) أى : وهو سبحانه سيدكم ومتولى ~~أموركم وناصركم. وهو تعالى : ( @QUR@02 العليم الحكيم ) أى : العليم بجميع ~~أحوالكم وشئونكم ، الحكيم في كل أقواله وأفعاله وتدبير شئون عباده. # والظرف في قوله تعالى ( @QUR@07 وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا ) ~~متعلق بمحذوف تقديره اذكر ، وقوله : ( @QUR@01 أسر ) من الإسرار بالشيء ~~بمعنى كتمانه وعدم إشاعته. # والمراد ببعض أزواجه : حفصة رضى الله عنها . # والمراد بالحديث قوله لها كما جاء في بعض الروايات : «بل شربت عسلا عند ~~زينب ، ولن أعود ، وقد حلفت فلا تخبري بذلك أحدا ...». # أو قوله لها في شأن مارية : «إنى قد حرمتها على نفسي ، فاكتمي ذلك فأخبرت ~~بذلك عائشة». # أى : واذكر أيها العاقل لتعتبر وتتعظ وقت أن أسر النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى زوجه حفصة حديثا ، يتعلق بشربه العسل في بيت زينب بنت جحش ، وقوله ~~صلى الله عليه وسلم لحفصة لا تخبري بذلك أحدا». # ( @QUR@03 فلما نبأت به ) أى : فلما أخبرت حفصة عائشة بهذا الحديث الذي ~~أمرت بكتمانه ( @QUR@03 وأظهره الله عليه ) أى : وأطلع الله تعالى نبيه ~~صلى الله عليه وسلم على ما ms5683 قالته حفصة لعائشة. PageV14P469 # فالمراد بالإظهار : الاطلاع ، وهو مشتق من الظهور بمعنى التغلب. # وعبر بالإظهار عن الاطلاع ، لأن حفصة وعائشة كانتا حريصتين على عدم معرفة ~~ما دار بينهما في هذا الشأن ، فلما أطلع الله تعالى نبيه على ذلك كانتا ~~بمنزلة من غلبتا على أمرهما. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 عرف بعضه وأعرض عن بعض ) بيان للمسلك السامي ~~الذي سلكه صلى الله عليه وسلم في معاتبته لحفصة على إفشائها لما أمرها أن ~~تكتمه والمفعول الأول لعرف محذوف أى : عرفها بعضه. # أى : فحين خاطب صلى الله عليه وسلم حفصة في شأن الحديث الذي أفشته ، اكتفى ~~بالإشارة إلى جانب منه ، ولم يذكر لها تفاصيل ما قاله لها سابقا. لسمو ~~أخلاقه صلى الله عليه وسلم إذ في ذكر التفاصيل مزيد من الخجل والإحراج لها. # قال بعضهم : ما زال التغافل من فعل الكرام وما استقصى كريم قط وقال ~~الشاعر : # ليس الغبي بسيد في قومه %~% لكن سيد قومه المتغابى # وإنما عرفها صلى الله عليه وسلم ببعض الحديث ، ليوقفها على خطئها وعلى أنه ~~كان من الواجب عليها أن تحفظ سره صلى الله عليه وسلم . # قالوا : ولعل حفصة رضى الله عنها قد فعلت ذلك ، ظنا منها أنه لا حرج في ~~إخبار عائشة بذلك ، أو أنها اجتهدت فأخطأت ، ثم تابت وندمت على خطئها. # ثم حكى سبحانه ما قالته حفصة للرسول صلى الله عليه وسلم وما رد به عليها ~~فقال : ( @QUR@011 فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم ~~الخبير ). # أى : فلما سمعت من الرسول صلى الله عليه وسلم ما يدل على أنه قد اطلع على ما ~~قالته لعائشة ، قالت له : من أخبرك بما دار بيني وبينها؟ فأجابها ~~صلى الله عليه وسلم بقوله : أخبرنى بذلك الله تعالى العليم بجميع أحوال عباده ~~وتصرفاتهم .. الخبير بما تكنه الصدور ، وبما يدور في النفوس من هواجس ~~وخواطر. # وإنما قالت له صلى الله عليه وسلم : ( @QUR@03 من أنبأك هذا ) لتتأكد من أن ~~عائشة لم تخبره صلى الله عليه وسلم بما دار بينهما في هذا الشأن ... فلما قال ~~لها صلى ms5684 الله عليه وسلم : ( @QUR@03 نبأني العليم الخبير ) تحقق ظنها في كتمان ~~عائشة لما قالته لها ، وتيقنت أن الذي أخبره بذلك هو الله عز وجل . # وفي تذييل الآية الكريمة بقوله : ( @QUR@02 العليم الخبير ) إشارة حكيمة ~~وتنبيه بليغ ، إلى أن من الواجب على كل عاقل ، أن يكون ملتزما لكتمان ~~الأسرار التي يؤتمن عليها ، وأن إذاعتها ولو في أضيق الحدود لا تخفى على ~~الله عز وجل لأنه سبحانه عليم بكل معلوم ، PageV14P470 # ومحيط بخبايا النفوس وخلجاتها. # ثم وجه سبحانه بعد ذلك خطابه إلى حفصة وعائشة ، فأمرهما بالتوبة عما صدر منهما. # فقال : ( @QUR@07 إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ). # ولفظ ( @QUR@01 صغت ) بمعنى مالت وانحرفت عن الواجب عليهما. يقال صغا ~~فلان يصغو ويصغى صغوا ، إذا مال نحو شيء معين. ويقال : صغت : الشمس ، إذا ~~مالت نحو الغروب ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@07 ولتصغى إليه أفئدة الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة ). # وجواب الشرط محذوف ، والتقدير : إن تتوبا إلى الله ، فلتوبتكما موجب أو ~~سبب ، فقد مالت قلوبكما عن الحق ، وانحرفت عما يجب عليكما نحو الرسول ~~صلى الله عليه وسلم من كتمان لسره ، ومن حرص على راحته ، ومن احترام لكل تصرف ~~من تصرفاته .. وجاء الخطاب لهما على سبيل الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ، ~~مبالغة في المعاتبة ، فإن المبالغ في ذلك يوجه الخطاب إلى من يريد معاتبته ~~مباشرة. # وقال سبحانه ( @QUR@03 فقد صغت قلوبكما ) بصيغة الجمع للقلوب ، ولم يقل ~~قلبا كما بالتثنية ، لكراهة اجتماع تثنيتين فيما هو كالكلمة الواحدة ، مع ~~ظهور المراد ، وأمن اللبس. # ثم ساق سبحانه ما هو أشد في التحذير والتأديب فقال : ( @QUR@014 وإن ~~تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين ، والملائكة بعد ذلك ~~ظهير ). # وقوله ( @QUR@01 تظاهرا ) أصله تتظاهرا فحذفت إحدى التاءين تخفيفا. ~~والمراد بالتظاهر : التعاون والتآزر ، يقال : ظاهر فلان فلانا إذا أعانه ~~على ما يريده ، وأصله من الظهر ، لأن من يعين غيره فكأنه يشد ظهره ، ويقوى أمره. # قال تعالى : ( @QUR@018 إلا الذين عاهدتم من المشركين ، ثم لم ينقصوكم ~~شيئا ، ولم يظاهروا عليكم أحدا ، فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ) (1). # وجواب الشرط أيضا محذوف أى : وإن ms5685 تتعاونا عليه بما يزعجه ، ويغضبه ، من ~~الإفراط في الغيرة ، وإفشاء سره. فلا يعدم ناصرا ولا معينا بل سيجد الناصر ~~الذي ينصره عليكما ، فإن الله تعالى ( @QUR@02 هو مولاه ) أى : ناصره ~~ومعينه ( @QUR@01 وجبريل ) كذلك ناصره ومعينه عليكما. # ( @QUR@02 وصالح المؤمنين ) أى : وكذلك الصالحون من المؤمنين من أنصاره ~~وأعوانه. PageV14P471 # ( @QUR@04 والملائكة بعد ذلك ظهير ) أى : والملائكة بعد نصر الله تعالى ~~له ، وبعد نصر جبريل وصالح المؤمنين له ، مؤيدونه ومناصرونه وواقفون في صفه ضدكما. # وفي هذه الآية الكريمة أقوى ألوان النصر والتأييد للرسول صلى الله عليه وسلم ~~وأسمى ما يتصوره الإنسان من تكريم الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ومن ~~غيرته عز وجل عليه ، ومن دفاعه عنه صلى الله عليه وسلم . # وفيها تعريض بأن من يحاول إغضاب الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه لا يكون من ~~صالح المؤمنين. # وقوله : ( @QUR@01 وجبريل ) مبتدأ ، وقوله : ( @QUR@03 وصالح المؤمنين ~~والملائكة ) معطوف عليه. # وقوله : ( @QUR@02 بعد ذلك ) متعلق بقوله ( @QUR@01 ظهير ) الذي هو خبر ~~عن الجميع. # وقد جاء بلفظ المفرد ، لأن صيغة فعيل يستوي فيها الواحد وغيره. فكأنه ~~تعالى قال : والجميع بعد ذلك مظاهرون له ، واختير الإفراد للإشعار بأنهم ~~جميعا كالشىء الواحد في تأييده ونصرته ، وبأنهم يد واحدة على من يعاديه. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : قوله : ( @QUR@02 بعد ذلك ) تعظيم للملائكة ~~ومظاهرتهم ، وقد تقدمت نصرة الله وجبريل وصالح المؤمنين ، ونصرة الله تعالى ~~أعظم وأعظم؟ # قلت : مظاهرة الملائكة من جملة نصرة الله ، فكأنه فضل نصرته تعالى بهم ~~وبمظاهرتهم على غيرها من وجوه نصرته ، لفضلهم ...» (1). # وخص جبريل بالذكر مع أنه من الملائكة ، للتنويه بمزيد فضله ، فهو أمين ~~الوحى ، والمبلغ عن الله تعالى إلى رسله. # هذا ، ومما يدل على أن الخطاب في قوله تعالى : ( @QUR@04 إن تتوبا إلى ~~الله )، لحفصة وعائشة ، ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن ابن عباس أنه قال : ~~لم أزل حريصا على أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم اللتين قال الله تعالى فيهما : ( @QUR@07 إن تتوبا إلى ~~الله فقد صغت قلوبكما ). # فلما كان ببعض الطريق ... قلت : يا أمير المؤمنين ms5686 ، من المرأتان من أزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم اللتان قال الله تعالى فيهما : ( @QUR@07 إن تتوبا ~~إلى الله فقد صغت قلوبكما ). # فقال عمر : وا عجبا لك يا ابن عباس .. هما حفصة وعائشة (2). PageV14P472 # ثم أضاف سبحانه إلى تكريمه لنبيه تكريما آخر ، وإلى تهديده لمن تسيء إليه ~~من أزواجه تهديدا آخر فقال تعالى : ( @QUR@09 عسى ربه إن طلقكن أن يبدله ~~أزواجا خيرا منكن ). # قال الجمل ما ملخصه : سبب نزولها أنه صلى الله عليه وسلم لما أشاعت حفصة ما ~~أسرها به ، اغتم صلى الله عليه وسلم وحلف أن لا يدخل عليهن شهرا مؤاخذة لهن. # ولما بلغ عمر رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اعتزل نساءه .. ~~قال له يا رسول الله : لا يشق عليك أمر النساء ، فإن كنت طلقتهن فإن الله ~~معك وملائكته وجبريل وميكائيل ، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك. # قال عمر : وقلما تكلمت بكلام إلا رجوت أن الله يصدق قولي الذي أقوله ~~فنزلت هذه الآية. # فاستأذن عمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبر الناس أنه لم يطلق نساءه فأذن ~~له فقام على باب المسجد ، ونادى بأعلى صوته : لم يطلق النبي ~~صلى الله عليه وسلم نساءه (1). # و ( @QUR@01 عسى ) كلمة تستعمل في الرجاء ، والمراد بها هنا التحقيق ، ~~لأنها صادرة عن الله عز وجل . # قال الآلوسى : ( @QUR@01 عسى ) في كلامه تعالى للوجوب ، وأن الوجوب هنا ~~إنما هو بعد تحقق الشرط وقيل : هي كذلك إلا هنا ، والشرط معترض بين اسم ( ~~@QUR@01 عسى ) وخبرها. # والجواب محذوف. أى : إن طلقكن فعسى ... و ( @QUR@01 أزواجا ) مفعول ثان ~~ليبدل و ( @QUR@01 خيرا ) صفته (2). # أى : عسى إن طلقكن رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم بإذن ربه ومشيئته ، أن ~~يبدله سبحانه أزواجا خيرا منكن. # ثم وصف سبحانه هؤلاء الأزواج بقوله ( @QUR@01 مسلمات ) منقادات ومطيعات ~~لله ولرسوله ، ومتصفات بكل الصفات التي أمر بها الإسلام. # ( @QUR@01 مؤمنات ) أى : مذعنات ومصدقات بقلوبهن لكل ما جاء به النبي ~~صلى الله عليه وسلم من عند ربه. # ( @QUR@01 قانتات ) أى : قائمات بالطاعة لله ولرسوله على أكمل وجه. PageV14P473 # ( @QUR@01 تائبات ) أى : مقلعات عن الذنوب ms5687 والمعاصي ، وإذا مسهن شيء منها ~~ندمن وتبن إليه تعالى توبة صادقة نصوحا. # ( @QUR@01 عابدات ) أى : مقبلات على عبادته تعالى إقبالا عظيما. # ( @QUR@01 سائحات ) أى : ذاهبات في طاعة الله أى مذهب ، من ساح الماء : ~~إذا سال في أنحاء متعددة ، وقيل معناه : مهاجرات. وقيل : صائمات. تشبيها ~~لهن بالسائح الذي لا يصحب معه الزاد غالبا فلا يزال ممسكا عن الطعام حتى يجده. # ( @QUR@01 ثيبات ) جمع ثيب بوزن سيد وهي المرأة التي سبق لها الزواج ، من ~~ثاب يثوب ثوبا ، إذا رجع ، وسميت المرأة التي سبق لها الزواج بذلك. لأنها ~~ثابت إلى بيت أبويها بعد زواجها ، أو رجعت إلى زوج آخر غير زوجها الأول. # ( @QUR@01 وأبكارا ) جمع بكر ، وهي الفتاة العذراء التي لم يسبق لها ~~الزواج ، وسميت بذلك لأنها لا تزال على أول حالتها التي خلقت عليها. # وهذه الصفات جاءت منصوبة على أنها نعت لقوله ( @QUR@01 أزواجا ) أو حال. # ولم يعطف بعضها على بعض بالواو ، لأجل التنصيص على ثبوت جميع تلك الصفات ~~لكل واحدة منهن. # وعطف سبحانه ( @QUR@01 وأبكارا ) على ما قبله لتنافى الوصفين ، إذ ~~الثيبات لا يوصفن بالأبكار ، وكذلك الأبكار لا يوصفن بالثيبات ، ولا يجتمع ~~الوصفان في ذات واحدة. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف تكون المبدلات خيرا منهن ، ولم يكن على ~~وجه الأرض نساء خير من أمهات المؤمنين؟ # قلت : إذا طلقهن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعصيانهن له ، وإيذائهن إياه ~~، لم يبقين على تلك الصفة ، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف مع ~~الطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والنزول على هداه ورضاه خيرا منهن. # فإن قلت : لم أخليت الصفات كلها من العاطف ، ووسط بين الثيبات والأبكار؟ ~~قلت : لأنهما صفتان متنافيتان لا يجتمعان فيهن اجتماع سائر الصفات فيهن ، ~~فلم يكن بد من الواو (1). # هذا ، والمتأمل في هذه الآيات الكريمة يراها ترسم جانبا من حياة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم مع PageV14P474 # أزواجه ، وهذا الجانب فيه ما فيه من العظات التي من أبرزها تكريم الله ~~تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وإرشاده إلى ما هو أهدى وأقوم ، وسمو أخلاقه ~~صلى ms5688 الله عليه وسلم في معاملته لأهله ، وتحذير أزواجه من أن يتصرفن أى تصرف لا ~~يرغب فيه ، ولا يميل إليه : وتعليم المؤمنين والمؤمنات في كل زمان ومكان ~~كيف تكون العلاقة الطيبة بين الرجال والنساء. # * * * # ثم وجه سبحانه بعد ذلك نداءين إلى المؤمنين ، أمرهم في أولهما أن يؤدوا ~~واجبهم نحو أنفسهم ونحو أهليهم ، حتى ينجو من عذاب النار ، وأمرهم في ~~ثانيهما بالمداومة على التوبة الصادقة النصوح ، ووجه نداء إلى الكافرين بين ~~لهم فيه سوء عاقبة كفرهم ، ثم وجه سبحانه نداء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~أمره فيه بأن يجاهد الكفار والمنافقين جهادا مصحوبا بالغلظة والخشونة .. ~~فقال تعالى : # ( @QUR@023 يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس ~~والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ~~(6) @QUR@012 يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم ~~تعملون (7) @QUR@046 يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ~~ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي ~~الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا ~~أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير (8) @QUR@012 يا أيها النبي ~~جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير ) (9) PageV14P475 # وقوله تعالى : ( @QUR@01 قوا ) أمر من الوقاية ، يقال : وقى يقي ، كضرب يضرب. # والمعنى : يا من آمنتم بالله تعالى حق الإيمان ، أبعدوا أنفسكم عن النار ~~عن طريق فعل الحسنات. واجتناب السيئات ، وأبعدوا أهليكم أيضا عنها ، عن ~~طريق نصحهم وإرشادهم وأمرهم بالمعروف. ونهيهم عن المنكر. # قال القرطبي ، قال قتادة ومجاهد : قوا أنفسكم بأفعالكم ، وقوا أهليكم ~~بوصيتكم. # ففي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «كلكم راع وكلكم مسئول ~~عن رعيته فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عنهم ، والرجل راع على أهل ~~بيته وهو مسئول عنهم». # وقال صلى الله عليه وسلم : «ما نحل والد ولدا ، أفضل من أدب حسن». # وقال صلى الله عليه وسلم : «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع ، واضربوهم عليها ~~لعشر ، وفرقوا ms5689 بينهم في المضاجع». # وقد روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوتر يقول : ~~قومي فأوترى يا عائشة. # وذكر القشيري أن عمر رضى الله عنه لما نزلت هذه الآية قال يا رسول الله : ~~نقى أنفسنا فكيف بأهلينا؟ # فقال : «تنهونهم عما نهاكم الله عنه ، وتأمرونهم بما أمركم الله به» (1). # وجاء لفظ النار منكرا ، للتهويل. أى : نارا عظيمة لا يعلم مقدار حرها إلا ~~الله تعالى . # وقوله : ( @QUR@03 وقودها الناس والحجارة ) أى : هذه النار لا توقد كما ~~يوقد غيرها بالحطب وما يشبهها ، وإنما مادة اشتعالها تتكون من الناس الذين ~~كانوا في الدنيا يشركون مع الله تعالى آلهة أخرى في العبادة ، ومن الحجارة ~~التي كانت تعبد من دونه تعالى . # ثم أضاف سبحانه إلى تهويلها أمرا آخر وصفة أخرى فقال : ( @QUR@012 عليها ~~ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ). # والغلاظ : جمع غليظ وهو المتصف بالضخامة والغلظة التي هي ضد الرقة. # وهذا اللفظ صفة مشبهة ، وفعله غلظ ككرم. PageV14P476 # وشداد : جمع شديد ، وهو المتصف بالقوة والشدة ، يقال : فلان شديد على ~~فلان ، أى : قوى عليه ، بحيث يستطيع أن ينزل به ما يريد من الأذى والعقاب. # أى : هذه النار من صفاتها أيضا أن الموكلين بإلقاء الكفار والفساق فيها ، ~~ملائكة قساة في أخذهم أهل النار ، أقوياء عليهم ، بحيث لا يستطيع أهل النار ~~أن يفلتوا منهم ، أو أن يعصوا لهم أمرا. # وهؤلاء الملائكة من صفاتهم كذلك أنهم لا يعصون لله تعالى أمرا. وإنما ~~ينفذون ما يكلفهم سبحانه به تنفيذا تاما. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت أليس الجملتان لا يعصون .. ويفعلون في معنى واحد؟ # قلت : لا فإن معنى الأولى أنهم يتقبلون أوامره ويلتزمونها ولا يأبونها ~~ولا ينكرونها ، ومعنى الثانية : أنهم يؤدون ما يؤمرون به ، ولا يتثاقلون ~~عنه ولا يتوانون فيه. # ثم بين سبحانه ما تقوله الملائكة لأهل النار عند ما يعرضون عليها فقال : ~~( @QUR@07 يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم ) والمراد باليوم ، يوم ~~القيامة فأل فيه للعهد. # أى : تقول الملائكة لهم في هذا اليوم العسير على ms5690 سبيل التبكيت والتوبيخ ~~لا تعتذروا أيها الكافرون عن كفركم ، بأن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير ~~أو بأن غيرنا أضلنا ، أو بأننا ما كنا مشركين ... فإن هذه الأعذار لن ~~تنفعكم ، وأنتم في هذا اليوم إنما تعاقبون على كفركم في الدنيا ، وعلى ~~إصراركم على ذلك حتى أدرككم الموت. # فالآية الكريمة توبيخ للكافرين ، وتيئيس لهم من قبول أعذارهم الكاذبة. # ثم يرشد سبحانه المؤمنين ، إلى ما يعينهم على الوقاية من النار فيقول : ( ~~@QUR@09 يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا ... ). # والتوبة : العزم الصادق على عدم العودة إلى المعصية والندم على ما فعله ~~منها في الماضي ، والنصوح صيغة مبالغة من النصح ، وصفت بها التوبة على سبيل ~~الإسناد المجازى ، والمقصود وصف التائبين بها ، من نصح فلان التوب إذا خاطه ~~، فكأن التائب يرقع ما مزقه بالمعصية. أو من قولهم : عسل ناصح. # وقد ذكروا في معنى هذه الجملة أكثر من عشرين وجها. # قال القرطبي ما ملخصه : اختلفت عبارة العلماء ، وأرباب القلوب ، في ~~التوبة النصوح على ثلاثة وعشرين قولا ، فقيل : هي التي لا عودة بعدها ، كما ~~لا يعود اللبن إلى الضرع. # وقال قتادة : النصوح الصادقة الناصحة .. الخالصة. PageV14P477 # وقال القرطبي : التوبة النصوح يجمعها أربعة أشياء : الاستغفار باللسان ، ~~والإقلاع بالأبدان ، وإضمار ترك العود بالجنان ، ومهاجرة سيئ الإخوان. # وقال الفقهاء : التوبة التي لا تعلق لها بحق آدمي لها ثلاثة شروط : أحدها ~~أن يقلع عن المعصية ، وثانيها : أن يندم على ما فعله ، وثالثها : أن يعزم ~~على أن لا يعود إليها. # فإذا اجتمعت هذه الشروط في التوبة كانت نصوحا. # وإن كانت تتعلق بحق آدمي ، فشروطها أربعة ، هذه الثلاثة المتقدمة ، ~~والرابع أن يبرأ من حق صاحبها ، فإن كانت المعصية مالا أو نحوه رده إليه ، ~~وإن كانت حد قذف ونحوه مكنه من نفسه ، أو طلب العفو منه ، وإن كانت غيبة ~~استحله منها. # وهي واجبة من كل معصية على الفور ، ولا يجوز تأخيرها .. (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@012 عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ، ويدخلكم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار ). # والرجاء المستفاد من فعل ( @QUR@01 عسى ) مستعمل هنا ms5691 في الوعد الصادق منه ~~تعالى على سبيل الكرم والفضل ، فقد قالوا إن كل ترج في القرآن واقع منه ~~تعالى فضلا منه وكرما. # أى : يا من آمنتم بالله حق الإيمان ، توبوا إلى الله تعالى «توبة صادقة» ~~بحيث تندمون على ما فرط منكم من ذنوب ، وتعزمون على عدم العودة إليها ، ~~وتستمرون على توبتكم طوال حياتكم .. فإنكم متى فعلتم ذلك غفر الله تعالى ~~لكم ذنوبكم : وكفر عنكم سيئاتكم ، وأدخلكم جنات تجرى من تحت أشجارها ~~وثمارها الأنهار. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@02 عسى ربكم ): إطماع من الله لعباده. ~~وفيه وجهان : أحدهما أن يكون على ما جرت به عادة الجبابرة من الإجابة بعسى ~~ولعل. ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت. والثاني : أن يجيء به تعليما ~~للعباد وجوب الترجح بين الخوف والرجاء .. (2). # والظرف في قوله سبحانه : ( @QUR@013 يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا ~~معه ، نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ) منصوب بقوله تعالى قبل ذلك : ( ~~@QUR@01 يدخلكم )، أو بفعل مضمر تقديره : اذكر. PageV14P478 # وقوله : ( @QUR@02 لا يخزي ) من الخزي بمعنى الافتضاح : يقال أخزى الله ~~فلانا إذا فضحه ، والمراد به هنا : عذاب النار. # وقوله : ( @QUR@03 والذين آمنوا معه ) معطوف على النبي ، وجملة ( @QUR@02 ~~نورهم يسعى ) مستأنفة. # أى : يدخلكم الله بفضله وكرمه ( @QUR@05 جنات تجري من تحتها الأنهار ) ~~يوم القيامة ، يوم ينجى سبحانه النبي صلى الله عليه وسلم وينجى الذين آمنوا ~~معه من عذاب النار ، ومن خزي هذا اليوم العصيب. # وهم جميعا وعلى رأسهم الرسول صلى الله عليه وسلم نورهم وهم على الصراط ، ~~يسعى ويمتد وينتشر ( @QUR@02 بين أيديهم ). # أى أمامهم ( @QUR@01 وبأيمانهم ) أى : وعن أيمانهم. # ويقولون على سبيل الحمد والشكر لله تعالى يا ربنا ( @QUR@03 أتمم لنا ~~نورنا ) بأن تزيده ولا تنقصه حتى ندخل جنتك. # ( @QUR@02 واغفر لنا ) يا ربنا ذنوبنا ( @QUR@01 إنك ) يا ربنا ، ( ~~@QUR@04 على كل شيء قدير ). # وفي عطف الذين آمنوا على النبي صلى الله عليه وسلم إشعار بأن سبب انتفاء ~~خزيهم ، هو إيمانهم الصادق ، وعملهم الصالح ، وصحبتهم الكريمة للنبي ~~صلى الله عليه وسلم . # والضمير في قوله ( @QUR@01 نورهم ) يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~والذين آمنوا معه. ms5692 # وخص سبحانه الأمام واليمين بالذكر ، لفضل هذين المكانين ، إذ النور عند ~~ما يكون من الأمام يستمتع الإنسان بمشاهدته ، وعند ما يكون من جهة اليمين ~~يزداد تفاؤلا وانشراحا به. # والتخصيص بذلك لا ينفى أن يكون النور محيطا بهم من كل جوانبهم ، وهو نور ~~حقيقى يكرم الله تعالى به عباده الصالحين. # وختموا دعاءهم بقولهم كما حكى القرآن عنهم : ( @QUR@05 إنك على كل شيء ~~قدير ) للإشارة إلى أنهم كانوا على جانب كبير من رجاء تحقيق دعائهم ، لأنهم ~~يسألون ويدعون الله تعالى الذي لا يقف أمام قدرته شيء. # ثم أمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجاهد الكفار والمنافقين جهادا ~~كبيرا فقال : ( @QUR@08 يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ). # وخص النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر بالجهاد ، مع أن الأمر به يشمل ~~المؤمنين معه ، لأنه صلى الله عليه وسلم هو قائدهم ورائدهم. PageV14P479 # وجهاده صلى الله عليه وسلم للكفار يكون بدعوتهم إلى الحق حتى يسلموا ، فإذا ~~لم يستجيبوا جاهدهم بالسيف والسلاح حتى يزهق باطلهم. # وجهاده للمنافقين يكون بتأديبهم وزجرهم وإلقاء الرعب في قلوبهم ، حتى ~~يأمن المؤمنون شرهم ، وحتى يشعروا بأن النبي والمؤمنين لهم بالمرصاد. # والغلظة في الأصل : تطلق على الشيء الصلب الغليظ ، والمراد بها هنا : ~~معاملتهم بالشدة والخشونة والقسوة .. حتى يأمن المؤمنون جانبهم ، ويتقوا شرهم. # أى : يا أيها النبي الكريم جاهد أنت ومن معك من المؤمنين ، الكفار ~~والمنافقين. وعاملهم جميعا بالخشونة والغلظة .. حتى يهابوك أنت ومن معك ، ~~وحتى تكونوا في مأمن منهم ومن أذاهم إذ الحق لا بد له من قوة تحميه وتدفع ~~عنه كيد أعدائه. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 ومأواهم جهنم وبئس المصير ) بيان لسوء مصيرهم في ~~الآخرة. # أى : أن هؤلاء الكافرين والمنافقين ، حالهم في الدنيا المجاهدة والمعاملة ~~التي لا تسامح معها ولا تساهل ، حتى تكون كلمتهم السفلى ، وكلمة الله تعالى ~~هي العليا. # أما حالهم في الآخرة ، فالإلقاء بهم في جهنم ، وبئس المأوى والمسكن جهنم ~~، فالمخصوص بالذم محذوف ، وهو جهنم ، أو المأوى. # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أرشدت النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، ~~إلى ms5693 ما يسعدهم في دنياهم وآخرتهم. # وبعد هذه النداءات ، للمؤمنين ، وللكافرين وللنبي صلى الله عليه وسلم ضرب ~~سبحانه مثلين لنساء كافرات في بيوت أنبياء ، ولنساء مؤمنات في بيوت كفار ، ~~لتزداد الموعظة وضوحا ، وليزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم ، وليشعر ~~الجميع ولا سيما أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أنهم مسئولون أمام الله تعالى ~~عن أعمالهم .. فقال تعالى : # ( @QUR@027 ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت ~~عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا ~~النار مع الداخلين (10) PageV14P480 # @QUR@024 وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك ~~بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين (11) @QUR@017 ~~ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها ~~وكتبه وكانت من القانتين ) (12) # والمراد بضرب المثل. إيراد حالة غريبة ، ليعرف بها حالة أخرى مشابهة لها ~~في الغرابة. وقوله ( @QUR@01 مثلا ) مفعول ثان لضرب ، والمفعول الأول ( ~~@QUR@02 امرأت نوح ... ). # والمتدبر للقرآن الكريم ، يراه قد أكثر من ضرب الأمثال ، لأن فيها تقريبا ~~للبعيد ، وتوضيحا للغريب وتشبيه الأمر المعقول بالأمر المحسوس ، حتى يرسخ ~~في الأذهان ... # أى : جعل الله تعالى مثلا لحال الكافرين ، وأنه لا يغنى أحد عن أحد ( ~~@QUR@04 امرأت نوح وامرأت لوط ) عليهما السلام . # وعدى الفعل ( @QUR@01 ضرب ) باللام ، للإشعار بأن هذا المثل إنما سيق من ~~أجل أن يعتبر به الذين كفروا ، وأن يقلعوا عن جهالاتهم التي جعلتهم يعتقدون ~~أن أصنامهم ستشفع لهم يوم القيامة. # وقوله تعالى : ( @QUR@07 كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما ... ~~) بيان لحال هاتين المرأتين ، ولما قامتا به من أفعال شائنة ، تتنافى مع ~~صلتهما بهذين النبيين الكريمين ... # والمراد بالتحتية هنا : كونهما زوجين لهذين النبيين الكريمين ، وتحت ~~عصمتهما وصيانتهما ، وأشد الناس التصاقا بهما. # وقال سبحانه ( @QUR@03 كانتا تحت عبدين ... ) للتعظيم ، أى : كانتا في ~~عصمة نبيين لهما من سمو المنزلة ما لهما عند الله تعالى . # ووصفهما سبحانه بالصلاح ، مع أنهما نبيان والنبوة أعظم هبة من الله لعبد ~~من عباده للتنويه بشأن الصالحين من الناس ، حتى يحرصوا ms5694 على هذه الصفة ، ~~ويتمسكوا بها ، فقد مدح الله تعالى من هذه صفته في آيات كثيرة ، منها قوله ~~تعالى : ( @QUR@05 وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين ). PageV14P481 # وخيانة امرأة نوح له ، كانت عن طريق إفشاء أسراره ، وقولها لقومه : إنه مجنون. # وخيانة امرأة لوط له ، كانت عن طريق إرشاد قومه إلى ضيوفه .. مع استمرار ~~هاتين المرأتين على كفرهما ... # قال الإمام ابن كثير : قوله : ( @QUR@01 فخانتاهما ) أى : في الإيمان ، ~~لم يوافقاهما على الإيمان ، ولا صدقاهما في الرسالة .. # وليس المراد بقوله : ( @QUR@01 فخانتاهما ) في فاحشة ، بل في الدين ، فإن ~~نساء الأنبياء معصومات عن الوقوع في الفاحشة ... # وعن ابن عباس : قال : ما زنتا ، أما امرأة نوح ، فكانت تخبر أنه مجنون ، ~~وأما خيانة امرأة لوط ، فكانت تدل على قومها على أضيافه. # وفي رواية عنه قال : كانت خيانتهما أن امرأة نوح ، كانت تفشى سره ، فإذا ~~آمن مع نوح أحد أخبرت الجبابرة من قوم نوح به ، وأما امرأة لوط ، فكانت إذا ~~أضاف لوط أحدا ، أخبرت به أهل المدينة ممن يعمل السوء .. (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@011 فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار ~~مع الداخلين ) بيان لما أصابهما من سوء العاقبة بسبب خيانتهما. # أى : أن نوحا ولوطا عليهما السلام مع جلالة قدرهما ، لم يستطيعا أن يدفعا ~~شيئا من العذاب عن زوجتيهما الخائنتين لهما ، وإنما قيل لهاتين المرأتين ~~عند موتهما. أو يوم القيامة ، ادخلا النار مع سائر الداخلين من الكفرة ~~الفجرة .. # وقوله ( @QUR@01 شيئا ) منصوب على أنه مفعول مطلق لقوله : ( @QUR@01 ~~يغنيا )، وجاء منكرا للتقليل والتحقير ، أى : فلم يغنيا عنهما شيئا من ~~الإغناء حتى ولو كان قليلا ... # وقوله : ( @QUR@02 مع الداخلين ) بعد قوله : ( @QUR@02 ادخلا النار ) ~~لزيادة تبكيتهما ، ولتأكيد مساواتهما في العذاب مع غيرهما من الكافرين ~~الخائنين الذين لا صلة لهما بالأنبياء من حيث القرابة أو ما يشبهها. # ثم ضرب سبحانه مثلا للمؤمنين فقال : ( @QUR@07 وضرب الله مثلا للذين ~~آمنوا امرأت فرعون ) وهي آسية ابنة مزاحم ، التي لم يمنعها ظلام الكفر الذي ~~كانت تعيش فيه في بيت فرعون ، ولم يشغلها ما كانت فيه من متاع الحياة ~~الدنيا وزينتها .. عن أن ms5695 تطلب الحق ، وتعرض عن الباطل ، وأن تكفر بكل ما ~~يدعيه زوجها من كذب وطغيان. PageV14P482 # قال الجمل : آمنت بموسى عليه السلام لما غلب السحرة ، وتبين لها أنه على ~~الحق. ولم تضرها الوصلة بالكافر ، وهي الزوجية التي هي من أعظم الوصل ولا ~~نفعه إيمانها ، لأن كل امرئ بما كسب رهين .. # وروى الشيخان عن أبى موسى الأشعرى أنه قال : كمل من الرجال كثير ، ولم ~~يكمل من النساء إلا أربع : مريم ابنة عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة ~~بنت محمد صلى الله عليه وسلم وآسية بنت مزاحم ، امرأة فرعون. # قيل : إنها إسرائيلية وأنها عمة موسى. وقيل إنها ابنة عم فرعون .. ومن ~~فضائلها أنها اختارت القتل على الملك ، وعذاب الدنيا على النعيم الذي كانت ~~فيه بعد أن خالط الإيمان قلبها (1). # أى : وجعل الله تعالى حال امرأة فرعون ، مثلا للمؤمنين ، حيث آمنت بالحق ~~بعد أن تبين لها ، دون أن يصرفها عن ذلك أى صارف ، فكان ما فعلته في أسمى ~~درجات الإخلاص وصدق اليقين .. # والظرف في قوله : ( @QUR@02 إذ قالت ... ) متعلق بمحذوف ، أو بقوله : ( ~~@QUR@01 مثلا ). # أى : وضرب الله تعالى مثلا للذين آمنوا ، حال امرأة فرعون وقت أن قالت ( ~~@QUR@07 رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ) أى : ابن لي بيتا في مستقر رحمتك ، ~~أو في جنتك التي لا يستطيع أحد التصرف فيها إلا بإذنك. # وقوله : ( @QUR@02 في الجنة ) بدل أو عطف بيان لقوله تعالى ( @QUR@01 ~~عندك ) وقدم عندك ، للإشعار بأن محبتها للقرب من رحمته تعالى أهم من أى شيء آخر. # ( @QUR@04 ونجني من فرعون وعمله ) أى : ونجنى من طغيان فرعون ، ومن عمله ~~الذي بلغ النهاية في السوء والقبح .. # ( @QUR@01 ونجني ) أيضا من القوم الظالمين ، وهم أتباع فرعون وحاشيته ~~وملؤه ، وشيعته .. # وفي هذا الدعاء أسمى ألوان الأدب ، فهي تسأل الله تعالى أن يعوضها عن دار ~~فرعون ، دارا في أعلى درجات الجنة ... PageV14P483 # وهذا الدعاء يشعر بأن فرعون وقومه ، قد صدوها عن الإيمان ، وهددوها بأنها ~~إن آمنت .. حرموها من قصر فرعون ، وزينته وفخامته. # كما أنها سألت ربها عز وجل أن ينجيها من ذات فرعون ، ومن عمله السيئ ms5696 ، ومن ~~كل من حام حول فرعون ، واتبعه في طغيانه وكفره. # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 ومريم ابنت عمران .. ) معطوف على ( @QUR@02 ~~امرأت فرعون ... ). # أى : وضرب الله تعالى مثلا آخر للمؤمنين مريم ابنة عمران ... # ( @QUR@03 التي أحصنت فرجها ) أى حفظته وصانته ، إذ الإحصان جعل الشيء ~~حصينا ، بحيث لا يتوصل إليه ، وهو كناية عن عفتها وطهارتها وبعدها عن كل ~~فاحشة .. # وقوله ( @QUR@04 فنفخنا فيه من روحنا ) مفرع على ما قبله. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@02 فنفخنا فيه ) النافخ رسوله جبريل ~~عليه السلام فالإسناد مجازى. وقيل الكلام على حذف مضاف ، أى : فنفخ رسولنا ، ~~وضمير ( @QUR@01 فيه ) للفرج. # واشتهر أن جبريل عليه السلام نفخ في جيبها فوصل أثر ذلك إلى الفرج. # وقال الفراء : ذكر المفسرون أن الفرج جيب درعها ، وهو محتمل لأن الفرج ~~معناه في اللغة ، كل فرجة بين شيئين ، وموضع جيب درع المرأة مشقوق فهو فرج ~~، وهذا أبلغ في الثناء عليها ، لأنها إذا منعت جيب درعها ، فهي للنفس أمنع ~~.. (1). # أى : فنفخ رسولنا جبريل في فرجها أو في جيب درعها ، روحا من أرواحنا هي ~~روح عبدنا ونبينا عيسى عليه السلام . # وإضافة الروح إلى ذاته تعالى لأنه هو الخالق والموجد وللإشارة إلى أن ~~تكوين المخلوق الحي في رحمها ، كان على غير الأسباب المعتادة. # وقوله تعالى : ( @QUR@07 وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين ) ~~زيادة في مدحها ، وفي الثناء عليها .. # أى : وكان من صفات مريم ابنة عمران أنها آمنت إيمانا حقا ( @QUR@02 ~~بكلمات ربها ) أى : بشرائعه التي شرعها لعباده ، وبما ألقاه إليها من ~~إرشادات عن طريق وحيه. # ( @QUR@01 وكتبه ) أى : وصدقت بكتبه التي أنزلها على أنبيائه. وقرأ ~~الجمهور وكتابه PageV14P484 # بالإفراد ، على أن المراد به جنس الكتب ، أو الإنجيل الذي أنزله سبحانه ~~على ابنها عيسى. # و ( @QUR@01 من ) في قوله تعالى : ( @QUR@03 وكانت من القانتين ) ~~للابتداء ، أى : وكانت من نسل الرجال القانتين ، الذين بذلوا أقصى جهدهم في ~~طاعة الله تعالى ، وفي إخلاص العبادة له. # ويصح أن تكون ( @QUR@01 من ) للتبعيض. أى : وكانت من عداد المواظبين على ~~الطاعة ، وجيء بجمع الذكور على سبيل التغليب ، وللإشعار بأن طاعتها لا تقل ~~عن طاعة الرجال ، الذين ms5697 بلغوا الغاية في المواظبة على طاعة الله تعالى . # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة ، قد اشتملت على ثلاثة أمثال : مثل ~~للكافرين ، ومثلين للمؤمنين. # وقد تضمن مثل الكفار ، أن الكافر يعاقب على كفره ، دون أن ينفعه ما بينه ~~وبين المؤمنين من قرابة أو نسب .. كما حدث لامرأة نوح وامرأة لوط .. # وأما المثلان اللذان للمؤمنين ، فقد تضمنا أن اتصال المؤمن بالكافر ، لا ~~يضره شيئا إذا فارقه في كفره وعمله ... # وقد وضح صاحب الكشاف هذا المعنى فقال : ما ملخصه مثل الله تعالى حال ~~الكفار ، في أنهم يعاقبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين .. دون أن ينفعهم ما ~~بينهم وبينهم من صلة أو قرابة بحال امرأة نوح وامرأة لوط : فإنهما لما ~~نافقتا وخانتا الرسولين. لم يغن عنهما ما بينهما وبينهما من وصلة الزواج ~~شيئا .. # ومثل حال المؤمنين في أن وصلة الكافرين لا تضرهم. ولا تنقص شيئا من ~~ثوابهم وزلفاهم عند الله بحال امرأة فرعون ، فإنها مع كونها زوجة أعدى ~~أعداء الله ، فإنها بسبب إيمانها قد رفع منزلتها عنده .. # وبحال مريم ابنة عمران ، فقد أعطاها الله ما أعطاها من الكرامة .. مع أن ~~قومها كانوا كافرين ... # وفي طي هذين التمثيلين تعريض بأمى المؤمنين المذكورتين في أول السورة ، ~~وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كرهه ، وتحذير ~~لهما على أغلظ وجه وأشده ... # وإشارة إلى أن من حقهما أن تكونا في الإخلاص والكمال فيه ، كمثل هاتين ~~المؤمنتين ، وأن لا تتكلا على أنهما زوجا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن ~~ذلك الفضل لا ينفعهما إلا مع كونهما مخلصتين .. PageV14P485 # وأسرار التنزيل ورموزه في كل باب ، بالغة من اللطف والخفاء ، حدا يدق عن ~~تفطن العالم ، ويزل عن تبصره (1). # وبعد : فهذا تفسير لسورة «التحريم» نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه ~~، ونافعا لعباده ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. |الاسكندرية العجمي : مساء 36 من شوال 1406 ه 4 من يوليو 1986 م|كتبه ~~الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى| PageV14P486 ### ||| * فهرس المجلد الرابع عشر ms5698 ### ||| * من سورة الذاريات إلى سورة التحريم # 1 تفسير سورة ~~«الذاريات»....................................................... 5 # 2 تفسير سورة ~~«الطور»........................................................ 33 # 3 تفسير سورة ~~«النجم»....................................................... 53 # 4 تفسير سورة ~~«القمر»........................................................ 91 # 5 تفسير سورة ~~«الرحمن»..................................................... 123 # 6 تفسير سورة ~~«الواقعة»..................................................... 153 # 7 تفسير سورة ~~«الحديد»..................................................... 191 # 8 تفسير سورة ~~«المجادلة»..................................................... 239 # 9 تفسير سورة ~~«الحشر»...................................................... 277 # 10 تفسير سورة ~~«الممتحنة».................................................. 315 # 11 تفسير سورة ~~«الصف»................................................... 349 # 12 تفسير سورة ~~«الجمعة».................................................... 371 # 13 تفسير سورة ~~«المنافقون».................................................. 395 # 14 تفسير سورة ~~«التغابن»................................................... 417 # 15 تفسير سورة ~~«الطلاق»................................................... 437 # 16 تفسير سورة ~~«التحريم»................................................... 463 PageV14P487 ![](https://books.rafed.net/Books/3957_altafsir-alwasit-15/images/image001.gif) PageV15P001 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * ( @QUR@07 ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ) (127) PageV15P003 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الملك ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «الملك» من السور المكية الخالصة ، ومن السور ذات الأسماء ~~المتعددة ، قال الآلوسى : وتسمى «تبارك» و «المانعة» و «المنجية» ~~و «المجادلة». # فقد أخرج الطبراني عن ابن مسعود قال : كنا نسميها على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «المانعة». # وأخرج الترمذي وغيره عن ابن عباس قال : ضرب بعض أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم خباءه على قبر ، وهو لا يحسب أنه قبر ، فإذا قبر إنسان ~~يقرأ سورة الملك حتى ختمها. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال ~~صلى الله عليه وسلم : هي المانعة ، هي المنجية ، تنجيه من عذاب القبر. # وفي رواية عن ابن عباس أنه قال لرجل : ألا أتحفك بحديث تفرح به؟ قال : ~~بلى. قال : اقرأ سورة «تبارك الذي بيده الملك» وعلمها أهلك ، وجميع ولدك ~~... فإنها المنجية والمجادلة يوم القيامة عند ربها لقارئها .. # وقد جاء في فضلها أخبار كثيرة ، منها سوى ما تقدم ما أخرجه أبو داود ~~والترمذي والنسائي ، عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن ~~سورة من كتاب الله ، ما هي إلا ثلاثون آية ، شفعت لرجل حتى غفر له ، ( ~~@QUR@04 تبارك الذي بيده الملك ... ) (1). # وكان نزولها بعد سورة «المؤمنون» وقبل سورة «الحاقة» .. وعدد آياتها إحدى ~~وثلاثون آية في المصحف المكي .. وثلاثون آية في غيره. PageV15P005 # 2 والسورة الكريمة ms5699 زاخرة بالحديث عن أدلة وحدانية الله تعالى وقدرته وعن ~~مظاهر فضله ورحمته بعباده ، وعن بديع خلقه في هذا الكون ، وعن أحوال ~~الكافرين ، وأحوال المؤمنين يوم القيامة ، وعن وجوب التأمل والتدبر في ~~ملكوت السموات والأرض .. وعن الحجج الباهرة التي لقنها سبحانه لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم لكي يقذف بها في وجوه المبطلين ، والتي تبدأ في بضع آيات ~~بقوله تعالى ( @QUR@01 قل ). # ومن ذلك قوله سبحانه : ( @QUR@023 قل هو الرحمن آمنا به ، وعليه توكلنا ، ~~فستعلمون من هو في ضلال مبين. قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم ~~بماء معين ). # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .. ||الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى| PageV15P006 ### ||| * التفسير # افتتح سبحانه السورة الكريمة بقوله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@09 تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير (1) @QUR@011 الذي ~~خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور (2) @QUR@018 ~~الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ~~ترى من فطور (3) @QUR@010 ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو ~~حسير ) (4) # ولفظ ( @QUR@01 تبارك ) فعل ماض لا ينصرف. وهو مأخوذ من البركة ، بمعنى ~~الكثرة من كل خير. وأصلها النماء والزيادة أى : كثر خيره وإحسانه ، وتزايدت ~~بركاته. # أو مأخوذ من البركة بمعنى الثبوت. يقال : برك البعير ، إذا أناخ في موضعه ~~فلزمه وثبت فيه. وكل شيء ثبت ودام فقد برك. أى : ثبت ودام خيره على خلقه. # والملك بضم الميم وسكون اللام : السلطان والقدرة ونفاذ الأمر. # أى : جل شأن الله تعالى وكثر خيره وإحسانه ، وثبت فضله على جميع خلقه ، ~~فهو سبحانه الذي بيده وقدرته التمكن والتصرف في كل شيء على حسب ما يريد ~~ويرضى ، وهو عز وجل الذي لا يعجزه أمر في الأرض أو في السماء. # واختار سبحانه الفعل «تبارك» للدلالة على المبالغة في وفرة العظمة ~~والعطاء ، فإن هذه الصيغة ترد للكناية عن قوة الفعل وشدته .. كما في قولهم ~~: تواصل الخير ، إذا تتابع بكثرة مع دوامه .. # والتعريف في لفظ «الملك» للجنس. وتقديم المسند وهو ms5700 «بيده» على المسند إليه ، PageV15P007 # لإفادة الاختصاص. أى : بيده وحده لا بيد أحد سواه جميع أنواع السلطان ~~والقدرة ، والأمر والنهى .. # قال الإمام الرازي : وهذه الكلمة تستعمل لتأكيد كونه تعالى ملكا ومالكا ، ~~تقول : بيد فلان الأمر والنهى ، والحل والعقد. وذكر اليد إنما هو تصوير ~~للإحاطة ولتمام قدرته ، لأنها محلها مع التنزه عن الجارحة .. (1). # وجملة ( @QUR@05 وهو على كل شيء قدير ) معطوفة على قوله ( @QUR@02 بيده ~~الملك ) الذي هو صلة الموصول ، وذلك لإفادة التعميم بعد التخصيص ، لأن ~~الجملة الأولى وهي ( @QUR@03 الذي بيده الملك ) أفادت عموم تصرفه في سائر ~~الموجودات ، وهذه أفادت عموم تصرفه سبحانه في سائر الموجودات والمعدومات ، ~~إذ بيده سبحانه إعدام الموجود ، وإيجاد المعدوم. # ثم ساق سبحانه بعد ذلك ، ما يدل على شمول قدرته ، وسمو حكمته ، فقال : ( ~~@QUR@08 الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا .. ). # والموت : صفة وجودية تضاد الحياة. والمراد بخلقه : إيجاده. أو هو عدم ~~الحياة عما هي من شأنه. والمراد بخلقه على هذا المعنى : تقديره أزلا. # واللام في قوله : ( @QUR@01 ليبلوكم ... ) متعلقة بقوله : ( @QUR@01 خلق ~~). وقوله : ( @QUR@01 ليبلوكم ) بمعنى يختبركم ويمتحنكم ... # وقوله ( @QUR@01 أيكم ) مبتدأ ، و ( @QUR@01 أحسن ) خبره ، و ( @QUR@01 ~~عملا ) تمييز ، والجملة في محل نصب مفعول ثان لقوله ( @QUR@01 ليبلوكم ). # والمعنى : ومن مظاهر قدرته سبحانه التي لا يعجزها شيء ، أنه خلق الموت ~~لمن يشاء إماتته ، وخلق الحياة لمن يشاء إحياءه ، ليعاملكم معاملة من ~~يختبركم ويمتحنكم ، أيكم أحسن عملا في الحياة ، لكي يجازيكم بما تستحقونه ~~من ثواب .. # أو المعنى : خلق الموت والحياة ، ليختبركم أيكم أكثر استعدادا للموت ، ~~وأسرع إلى طاعة ربه عز وجل . # قال القرطبي ما ملخصه : قوله : ( @QUR@04 الذي خلق الموت والحياة ).. ~~قيل : الذي خلقكم للموت والحياة ، يعنى : للموت في الدنيا والحياة في ~~الآخرة. # وقدم الموت على الحياة ، لأن الموت إلى القهر أقرب .. وقيل : لأنه أقدم ، ~~لأن الأشياء في PageV15P008 # الابتداء كانت في حكم الموت .. وقيل : لأن أقوى الناس داعيا إلى العمل ، ~~من نصب موته بين عينيه ، فقدم لأنه فيما يرجع على الغرض الذي سيقت له الآية أهم. # قال قتادة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «إن ms5701 الله تعالى أذل ~~ابن آدم بالموت ، وجعل الدنيا دار حياة ، ثم دار موت ، وجعل الآخرة دار ~~جزاء ثم دار بقاء ..» وعن أبى الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~«لولا ثلاث ما طأطأ ابن آدم رأسه : الفقر والمرض والموت ، وإنه مع ذلك ~~لوثاب ..» وقال العلماء : الموت ليس بعدم محض ، ولا فناء صرف ، وإنما هو ~~انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته ، وحيلولة بينهما ، وتبدل حال ، وانتقال ~~من دار إلى دار ، والحياة عكس ذلك .. (1). # وأوثر بالذكر من المخلوقات الموت والحياة ، لأنهما أعظم العوارض لجنس ~~الحيوان ، الذي هو أعجب موجود على ظهر الأرض ، والذي الإنسان نوع منه ، وهو ~~المقصود بالمخاطبة ، إذ هو الذي رضى بحمل الأمانة التي عجزت عن حملها ~~السموات والأرض .. # والتعريف في الموت والحياة للجنس. و «أحسن» أفعل تفضيل ، لأن الأعمال التي ~~يقوم بها الناس في هذه الحياة متفاوتة في الحسن من الأدنى إلى الأعلى. # وجملة «وهو العزيز الغفور» تذييل قصد به أن جميع الأعمال تحت قدرته ~~وتصرفه. # أى : وهو سبحانه الغالب الذي لا يعجزه شيء الواسع المغفرة لمن شاء أن ~~يغفر له ويرحمه من عباده ، كما قال تعالى : ( @QUR@09 وإني لغفار لمن تاب ~~وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ). # ثم بين سبحانه مظهرا آخر من مظاهر قدرته التي لا يعجزها شيء فقال : ( ~~@QUR@05 الذي خلق سبع سماوات طباقا ... ). # والجملة الكريمة صفة للعزيز الغفور ، أو عطف بيان أو بدل ، أو خبر لمبتدأ محذوف. # وطباقا صفة لسبع سموات. وهي مصدر طابق مطابقة وطباقا ، من قولك : طابق ~~فلان النعل ، إذا جعله طبقة فوق أخرى ، وهو جمع طبق ، كجبل وجبال ، أو جمع ~~طبقة كرحبة ورحاب .. أى : هو سبحانه لا غيره الذي أوجد وخلق على غير مثال ~~سابق سبع PageV15P009 # سموات متطابقة ، أى : بعضها فوق بعض ، بطريقة متقنة محكمة .. لا يقدر على ~~خلقها بتلك الطريقة إلا هو ، ولا يعلم كنه تكوينها وهيئاتها .. أحد سواه ~~عز وجل . # وقوله سبحانه ( @QUR@07 ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ) مؤكد لما قبله ، ~~والتفاوت مأخوذ من الفوت ، وأصله الفرجة بين الإصبعين. تقول : تفاوت ~~الشيئان ms5702 تفاوتا ، إذا حدث تباعد بينهما ، والجملة صفة ثانية لسبع سماوات ، ~~أو مستأنفة لتقرير وتأكيد ما قبلها .. والخطاب لكل من يصلح له. # أى : هو سبحانه الذي خلق سبع سماوات بعضها فوق بعض ، مع تناسقها ، وإتقان ~~تكوينها ، وإحكام صنعها .. بحيث لا ترى أيها العاقل في خلق السموات السبع ~~شيئا من الاختلاف ، أو الاضطراب ، أو عدم التناسب .. بل كلها محكمة ، جارية ~~على مقتضى نهاية النظام والإبداع. # وقال سبحانه : ( @QUR@05 ما ترى في خلق الرحمن ... ) ولم يقل : ما ترى في ~~السموات السبع من تفاوت ، للإشعار بأن هذا الخلق البديع ، هو ما اقتضته ~~رحمته تعالى بعباده ، لكي تجرى أمورهم على حالة تلائم نظام معيشتهم .. ~~وللتنبيه أيضا على أن جميع مخلوقاته تسير على هذا النمط البديع في صنعها ~~وإيجادها ، كما قال تعالى : ( @QUR@06 صنع الله الذي أتقن كل شيء ) (1). ~~وكما قال سبحانه : ( @QUR@05 الذي أحسن كل شيء خلقه ... ) (2). # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@07 ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ) أى ~~: من اختلاف واضطراب في الخلقة ولا تناقض ، إنما هي مستوية ومستقيمة ، ~~وحقيقة التفاوت : عدم التناسب ، كأن بعض الشيء يفوت بعضا ولا يلائمه ، ومنه ~~قولهم : خلق متفاوت ، وفي نقيضه متناصف. # فإن قلت : ما موقع هذه الجملة مما قبلها؟ قلت : هي صفة مشايعة لقوله ( ~~@QUR@01 طباقا ) وأصلها : ما ترى فيهن من تفاوت ، فوضع مكان الضمير قوله : ~~( @QUR@02 خلق الرحمن ) تعظيما لخلقهن ، وتنبيها على سبب سلامتهن من ~~التفاوت ، وهو أنه خلق الرحمن ، وأنه بباهر قدرته هو الذي يخلق مثل ذلك ~~الخلق المتناسب .. (3). # ثم ساق سبحانه بأسلوب فيه ما فيه من التحدي ، ما يدل على أن خلقه خال من ~~التفاوت والخلل فقال : ( @QUR@016 فارجع البصر هل ترى من فطور ، ثم ارجع ~~البصر كرتين ، ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير ). PageV15P010 # والفطور جمع فطر ، وهو الشق والصدع ، يقال : فطر فلان الشيء فانفطر ، إذا ~~شقه ، وبابه نصر. # وقوله ( @QUR@01 كرتين ) مثنى كرة ، وهي المرة من الكر ، وهو الرجوع إلى ~~الشيء مرة أخرى ، يقال كر المقاتل على عدوه ، إذا عاد إلى مهاجمته بعد أن تركه. # والمراد بالكرتين هنا : معاودة النظر وتكريره ms5703 كثيرا ، بدون الاقتصار على ~~المرتين ، فالتثنية هنا : كناية عن مطلق التكرير ، كما في قولهم : لبيك ~~وسعديك. # وقوله : ( @QUR@01 خاسئا ) أى صاغرا خائبا لأنه لم يجد ما كان يطلبه ~~ويتمناه. # وقوله : ( @QUR@01 حسير ) بمعنى كليل ومتعب ، من حسر بصر فلان يحسر حسورا ~~إذا كل وتعب من طول النظر والتأمل والفحص ، وفعله من باب قعد. # والمعنى : ما ترى أيها الناظر في خلق الرحمن من تفاوت أو خلل .. فإن كنت ~~لا تصدق ما أخبرناك به ، أو في أدنى شك من ذلك ، فكرر النظر فيما خلقنا حتى ~~يتضح لك الأمر ، ولا يبقى عندك أدنى شك أو شبهه .. # والاستفهام في قوله : ( @QUR@04 هل ترى من فطور ) للتقرير. أى : إنك مهما ~~نظرت في خلق الرحمن. وشددت في التفحص والتأمل .. فلن ترى فيه من شقوق أو ~~خلل أو تفاوت .. # وقوله : ( @QUR@04 ثم ارجع البصر كرتين ) تعجيز إثر تعجيز ، وتحد في ~~أعقاب تحد .. أى : ثم لا تكتف بإعادة النظر مرة واحدة ، فربما يكون قد فاتك ~~شيء في النظرة الأولى والثانية .. بل أعد النظر مرات ومرات .. فتكون ~~النتيجة التي لا مفر لك منها ، أن بصرك بعد طول النظر والتأمل ينقلب إليك ~~خائبا وهو كليل متعب .. لأنه بعد هذا النظر الكثير لم يجد في خلقنا شيئا من ~~الخلل أو الوهن أو التفاوت. # قال صاحب الكشاف ما ملخصه : قوله : ( @QUR@03 ينقلب إليك البصر ) أى : إن ~~رجعت البصر ، وكررت النظر ، لم يرجع إليك بصرك بما التمسته من رؤية الخلل ، ~~وإدراك العيب ، بل يرجع إليك بالخسوء والحسور .. أى : بالبعد عن إصابة ~~الملتمس. # فإن قلت : كيف ينقلب البصر خاسئا حسيرا برجعه كرتين اثنتين؟ # قلت : معنى التثنية هنا التكرير بكثرة كقولك لبيك وسعديك .. # فإن قلت : فما معنى «ثم ارجع البصر»؟ قلت : أمره برجع البصر ، ثم أمره ~~بأن لا يقتنع PageV15P011 # بالرجعة الأولى ، وبالنظرة الحمقاء وأن يتوقف بعدها ، ويجم بصره ثم يعاود ~~ويعاود ، إلى أن يحسر بصره من طول المعاودة ، فإنه لا يعثر على شيء من فطور ~~.. (1). # هذا ، والمتأمل في هذه الآيات الكريمة ، يراها قد ساقت ما يدل على ~~وحدانية الله تعالى ms5704 وقدرته بأبلغ أسلوب ، ودعت الغافلين الذين فسقوا عن أمر ~~ربهم ، إلى التدبر في هذا الكون الذي أوجده سبحانه في أبدع صورة وأتقنها ، ~~فإن هذا التدبر من شأنه أن يهدى إلى الحق ، ويرشد إلى الصواب .. # ثم ساق سبحانه بعد ذلك أدلة أخرى على وحدانيته وقدرته ، وبين ما أعده ~~للكافرين من عذاب ، بسبب إصرارهم على كفرهم .. فقال تعالى : # ( @QUR@012 ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين ~~وأعتدنا لهم عذاب السعير (5) @QUR@07 وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس ~~المصير (6) @QUR@08 إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور (7) @QUR@013 ~~تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير (8) ~~@QUR@018 قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم ~~إلا في ضلال كبير (9) @QUR@011 وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب ~~السعير (10) @QUR@05 فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير ) (11) # قال الإمام الرازي : اعلم أن هذا هو الدليل الثاني على كونه تعالى قادرا ~~عالما ، وذلك لأن هذه الكواكب نظرا إلى أنها محدثة ومختصة بمقدار معين ، ~~وموضع خاص ، وسير معين ، تدل على أن صانعها قادر. # ونظرا إلى كونها محكمة متقنة موافقة لمصالح العباد ، ومن كونها زينة لأهل ~~الدنيا ، وسببا لانتفاعهم بها ، تدل على أن صانعها عالم. PageV15P012 # ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الصافات : ( @QUR@011 إنا زينا ~~السماء الدنيا بزينة الكواكب. وحفظا من كل شيطان مارد ) (1). # وقوله : ( @QUR@01 زينا ) من التزيين بمعنى التحسين والتجميل. و ( ~~@QUR@01 الدنيا ) صيغة تفضيل من الدنو بمعنى القرب. # والمصابيح : جمع مصباح وهو السراج المضيء. والمراد بها النجوم. وسميت ~~بالمصابيح على التشبيه بها في حسن المنظر ، وفي الإضاءة ليلا .. # والرجوم : جمع رجم ، وهو في الأصل مصدر رجمه رجما من باب نصر إذا رماه ~~بالرجام أى : بالحجارة ، فهو اسم لما يرجم به ، أى : ما يرمى به الرامي ~~غيره من حجر ونحوه ، تسمية للمفعول بالمصدر ، مثل الخلق بمعنى المخلوق. # وصدرت الآية الكريمة بالقسم ، لإبراز كمال العناية بمضمونها. # والمعنى : وبالله لقد زينا وجملنا السماء القريبة منكم بكواكب مضيئة ~~كإضاءة السرج ، وجعلنا بقدرتنا من ms5705 هذه الكواكب ، ما يرجم الشياطين ويحرقها ~~، إذا ما حاولوا أن يسترقوا السمع ، كما قال تعالى : ( @QUR@021 وأنا لمسنا ~~السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا. وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع ، ~~فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا ) (2). # قال الإمام ابن كثير : قوله : ( @QUR@03 وجعلناها رجوما للشياطين ) عاد ~~الضمير في قوله ( @QUR@01 وجعلناها ) على جنس المصابيح لا على عينها ، لأنه ~~لا يرمى بالكواكب التي في السماء ، بل بشهب من دونها ، وقد تكون مستمدة ~~منها والله أعلم . # قال قتادة : إنما خلقت هذه النجوم لثلاث خصال : خلقها زينة للسماء ، ~~ورجوما للشياطين ، وعلامات يهتدى بها ، فمن تأول فيها غير ذلك فقد قال ~~برأيه ، وأخطأ حظه ، وأضاع نصيبه ، وتكلف ما لا علم له به .. (3). # فالضمير في قوله : ( @QUR@01 وجعلناها ) يعود إلى المصابيح ، ومنهم من ~~أعاده إلى السماء الدنيا ، على تقدير : وجعلنا منها رجوما للشياطين الذين ~~يسترقون السمع. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 وأعتدنا لهم عذاب السعير ) بيان لسوء مصيرهم في ~~الآخرة ، بعد بيان سوء مصيرهم في الدنيا عن طريق إحراقهم بالشهب. PageV15P013 # أى : وهيأنا لهؤلاء الشياطين في الآخرة بعد إحراقهم في الدنيا بالشهب ~~عذاب النار المشتعلة المستعرة. # فالسعير بزنة فعيل اسم لأشد النار اشتعالا. يقال : سعر فلان النار كمنع ~~إذا أوقدها بشدة. # وكان السعير عذابا للشياطين مع أنهم مخلوقون من النار ، لأن نار جهنم أشد ~~من النار التي خلقوا منها ، فإذا ألقوا فيها صارت عذابا لهم ، إذ السعير ~~أشد أنواع النار التهابا واشتعالا وإحراقا .. # وقوله : ( @QUR@07 وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير ) معطوف على ~~ما قبله. # أى : هيأنا للشياطين عذاب السعير ، وهيأنا أيضا للذين كفروا بربهم من ~~الإنس عذاب جهنم ، وبئس المصير عذاب جهنم. # ثم بين سبحانه أحوالهم الأليمة حينما يلقون جميعا في النار فقال : ( ~~@QUR@08 إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور .. ). # والظرف «إذا» متعلق بقوله ( @QUR@01 سمعوا ) والشهيق : تردد النفس في ~~الصدر بصعوبة وعناء .. # أى : أن هؤلاء الكافرين بربهم ، عند ما يلقون في النار ، يسمعون لها صوتا ~~فظيعا منكرا ، ( @QUR@02 وهي تفور ) أى : وحالها أنها تغلى بهم غليان ~~المرجل بما فيه ، إذ الفور ms5706 : شدة الغليان ، ويقال ذلك في النار إذا هاجت ، ~~وفي القدر إذا غلت .. # ( @QUR@04 تكاد تميز من الغيظ ) أى تكاد النار تتقطع وينفصل بعضها عن بعض ~~، لشدة غضبها عليهم ، والتهامها لهم ، وتميز أصله تتميز فحذفت إحدى التاءين ~~تخفيفا. # والغيظ أشد الغضب ، والجملة في محل نصب على الحال ، أو في محل رفع على ~~أنها خبر لمبتدأ محذوف. أى : هي تكاد تتقطع من شدة غضبها عليهم .. # وقوله : ( @QUR@06 كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ... ) كلام مستأنف ~~لبيان حال أهلها. # والفوج : الجماعة من الناس ولفظ ( @QUR@01 كلما ) مركب من كل الدال على ~~الشمول ، ومن ما المصدرية الظرفية. # أى : في كل وقت وآن ، يلقى بجماعة من الكافرين في النار ، يسألهم خزنتها ~~من الملائكة ، سؤال تبكيت وتقريع ، بقولهم : PageV15P014 # ( @QUR@03 ألم يأتكم نذير ) أى : ألم يأتكم يا معشر الكافرين نذير في ~~الدنيا ، ينذركم ويخوفكم من أهوال هذا اليوم ، ويدعوكم إلى إخلاص العبادة ~~لله تعالى وحده. # ثم حكى سبحانه ما رد به الكافرون على خزنة جهنم فقال : ( @QUR@012 قالوا ~~بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء .. ). # أى : قال الكافرون على سبيل التحسر والتفجع في ردهم على خزنة جهنم : بلى ~~لقد جاءنا المنذر الذي أنذرنا وحذرنا من سوء عاقبة الكفر .. ولكننا كذبناه ~~، وأعرضنا عن دعوته ، بل وتجاوزنا ذلك بأن قلنا له على سبيل العناد والجحود ~~والغرور : ما نزل الله على أحد من شيء من الأشياء التي تتلوها علينا ، ~~وتأمرنا بها ، أو تنهانا عن مخالفتها. # وقوله : ( @QUR@06 إن أنتم إلا في ضلال كبير ) يحتمل أنه من كلام ~~الكافرين لرسلهم الذين أنذروهم وحذروهم من الإصرار على الكفر. # أى : جاءنا الرسل الذين أنذرونا .. فكذبناهم ، وقلنا لهم : ما نزل الله ~~من شيء من الأشياء على ألسنتكم .. وقلنا لهم أيضا ما أنتم إلا في ضلال كبير ~~، أى : في ذهاب واضح عن الحق ، وبعد شديد عن الصواب. # ويحتمل أن يكون من كلام الملائكة ، أى : قال لهم الملائكة على سبيل ~~التجهيل والتوبيخ : ما أنتم أيها الكافرون إلا في ضلال كبير ، بسبب تكذيبكم ~~لرسلكم ، وإعراضكم عمن حذركم وأنذركم. # قال ms5707 صاحب الكشاف : فإن قلت : ( @QUR@06 إن أنتم إلا في ضلال كبير ) من ~~المخاطبون به؟ # قلت : هو من جملة قول الكفار وخطابهم للمنذرين ، على أن النذير بمعنى ~~الإنذار. والمعنى : ألم يأتكم أهل نذير : أو وصف به منذروهم لغلوهم في ~~الإنذار ، كأنهم ليسوا إلا إنذارا .. # ويجوز أن يكون من كلام الخزنة للكفار على إرادة القول : أرادوا حكاية ما ~~كانوا عليه من ضلالهم في الدنيا ، أو أرادوا بالضلال : الهلاك .. (1). # وجمع سبحانه الضمير في قوله ( @QUR@02 إن أنتم .. ) مع أن الملائكة قد ~~سألوهم ( @QUR@03 ألم يأتكم نذير ) بالإفراد ، للإشعار بأن هؤلاء الكافرين ~~لم يكتفوا بتكذيب النذير الذي أنذرهم ، بل كذبوه وأتباعه الذين آمنوا به. # فكأن كل فوج منهم كان يقول للرسول الذي جاء لهدايته : أنت وأتباعك في ~~ضلال كبير. PageV15P015 # ثم بين سبحانه جانبا آخر من حسراتهم في هذا اليوم فقال : ( @QUR@011 ~~وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ، ما كنا في أصحاب السعير .. ). # أى : وقال الكافرون بربهم على سبيل الحسرة والندامة لو كنا في الدنيا ~~نسمع ما يقال لنا على لسان رسولنا ، سماع طاعة وتفكر واستجابة ، أو نعقل ما ~~يوجه إلينا من هدايات وإرشادات .. # لو كنا كذلك ، ما صرنا في هذا اليوم من جملة أصحاب النار المسعرة ، الذين ~~هم خالدون فيها أبدا. # وقدم سبحانه السماع على التعقل ، مراعاة للترتيب الطبيعي ، لأن السماع ~~يكون أولا ، ثم يعقبه التعقل والتدبر لما يسمع. # والفاء الأولى في قوله تعالى : ( @QUR@05 فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب ~~السعير ) للإفصاح ، والثانية للسببية ، والسحق : البعد ، يقال : سحق ككرم ~~وعلم سحقا ، أى : بعد بعدا ، وفلان أسحقه الله ، أى : أبعده عن رحمته ، وهو ~~مصدر ناب عن فعله في الدعاء ، ونصبه على أنه مفعول به لفعل مقدر ، أى : ~~ألزمهم الله سحقا ، أو منصوب على المصدرية ، أى : فسحقهم الله سحقا. # أى : إذا كان الأمر كما أخبروا عن أنفسهم ، فقد أقروا واعترفوا بذنوبهم ، ~~وأن الله تعالى ما ظلمهم ، وأن ندمهم لن ينفعهم في هذا اليوم .. بل هم ~~جديرون بالدعاء عليهم بالطرد من رحمة الله تعالى وبخلودهم في نار السعير. # واللام في قوله ( @QUR@01 لأصحاب ) للتبيين ms5708 ، كما في قولهم : سقيا لك. # فالآية الكريمة توضح أن ما أصابهم من عذاب كان بسبب إقرارهم بكفرهم ، ~~وإصرارهم عليه حتى الممات ، وفي الحديث الشريف : «لن يدخل أحد النار ، إلا ~~وهو يعلم أن النار أولى به من الجنة». وفي حديث آخر : «لن يهلك الناس حتى ~~يعذروا من أنفسهم» (1). # وكعادة القرآن الكريم في قرنه الترغيب بالترهيب أو العكس ، أخذت السورة ~~في بيان حسن عاقبة المؤمنين ، بعد بيان سوء عاقبة الكافرين ، وفي لفت أنظار ~~الناس إلى نعم الله تعالى عليهم ، لكي يشكروه ويخلصوا له العبادة .. قال ~~تعالى : # ( @QUR@09 إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير (12) PageV15P016 # @QUR@09 وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور (13) @QUR@07 ~~ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير (14) @QUR@014 هو الذي جعل لكم الأرض ~~ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور (15) @QUR@011 أأمنتم ~~من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور (16) @QUR@012 أم أمنتم من في ~~السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير (17) @QUR@08 ولقد كذب الذين ~~من قبلهم فكيف كان نكير ) (18) # وقوله : ( @QUR@01 يخشون ) من الخشية ، وهي أشد الخوف وأعظمه ، والغيب : ~~مصدر غاب يغيب ، وكثيرا ما يستعمل بمعنى الغائب ، وهو ما لا تدركه الحواس ~~ولا يعلم ببداهة العقل. # أى : إن الذين يخشون ربهم فيخافون عذابه ، ويعبدونه كأنهم يرونه ، مع ~~أنهم لا يرونه بأعينهم .. هؤلاء الذين تلك صفاتهم ، لهم من خالقهم عز وجل ~~مغفرة عظيمة ، وأجر بالغ الغاية في الكبر والضخامة. # وقوله ( @QUR@01 بالغيب ) حال من الفاعل ، أى : غائبا عنهم ، أو من ~~المفعول. أى : غائبين عنه. أى. يخشون عذابه دون أن يروه سبحانه . # ويجوز أن يكون المعنى : يخشون عذابه حال كونهم غائبين عن أعين الناس ، ~~فهم يراقبونه سبحانه في السر ، كما يراقبونه في العلانية كما قال الشاعر : # يتجنب الهفوات في خلواته %~% عف السريرة ، غيبه كالمشهد # والحق أن هذه الصفة ، وهي خوف الله تعالى بالغيب ، على رأس الصفات التي ~~تدل على قوة الإيمان ، وعلى طهارة القلب ، وصفاء النفس .. # ثم بين سبحانه بأبلغ أسلوب ، ان السر يتساوى مع العلانية بالنسبة لعلمه ~~تعالى ms5709 فقال : ( @QUR@09 وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ~~... ). # وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية ، أن المشركين كانوا ينالون من النبي ~~صلى الله عليه وسلم فلما PageV15P017 # أطلعه الله تعالى على أمرهم ، فقال بعضهم لبعض : أسروا قولكم كي لا يسمعه ~~رب محمد .. (1). # وصيغة الأمر في قوله : ( @QUR@01 وأسروا ) و ( @QUR@01 اجهروا ) مستعملة ~~في التسوية بين الأمرين ، كما في قوله تعالى ( @QUR@04 فاصبروا أو لا ~~تصبروا ... ). # أى : إن إسراركم أيها الكافرون بالإساءة إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~أو جهركم بهذه الإساءة ، يستويان في علمنا ، لأننا لا يخفى علينا شيء من ~~أحوالكم ، فسواء عندنا من أسر منكم القول ومن جهر به. # وجملة ( @QUR@04 إنه عليم بذات الصدور ) تعليل للتسوية المستفادة من صيغة ~~الأمر أى : سواء في علمه تعالى إسراركم وجهركم ، لأنه سبحانه عليم علما ~~تاما بما يختلج في صدوركم ، وما يدور في نياتكم التي هي بداخل قلوبكم. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@014 ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما ~~توسوس به نفسه ، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ). # ثم أكد سبحانه شمول علمه لكل شيء بقوله : ( @QUR@07 ألا يعلم من خلق وهو ~~اللطيف الخبير ). # واللطيف من اللطف ، وهو العالم بخبايا الأمور ، والمدبر لها برفق وحكمة ~~ويسر .. # والخبير : من الخبر ، وهو العلم بجزئيات الأشياء الخفية ، التي من شأنها ~~أن يخبر الناس بعضهم بعضا بحدوثها ، لأنها كانت خافية عليهم. # ولفظ ( @QUR@01 من ) في قوله ( @QUR@02 من خلق ) يصح أن يكون مفعولا ~~لقوله ( @QUR@01 يعلم )، والعائد محذوف أى : ألا يعلم الله تعالى شأن ~~الذين خلقهم ، والحال أنه سبحانه هو الذي لطف علمه ودق ، إذ هو المدبر ~~لأمور خلقه برفق وحكمة ، العليم علما تاما بأسرار النفوس وخبايا ما توسوس به .. # ويجوز أن يكون ( @QUR@01 من ) فاعلا لقوله ( @QUR@01 يعلم ) على أن ~~المقصود به ذاته تعالى ، ويكون مفعول يعلم محذوفا للعلم به ، والمعنى : ألا ~~يعلم السر ومضمرات القلوب الله الذي خلق كل شيء وأوجده ، وهو سبحانه ~~الموصوف بأنه لطيف خبير. # والاستفهام على الوجهين لإنكار ما زعمه المشركون من انتفاء علمه تعالى ~~بما يسرونه فيما بينهم ، حيث ms5710 قال بعضهم لبعض : أسروا قولكم كي لا يسمعه رب محمد. PageV15P018 # ثم ذكر سبحانه جانبا من مظاهر فضله على عباده فقال : ( @QUR@014 هو الذي ~~جعل لكم الأرض ذلولا ، فامشوا في مناكبها ، وكلوا من رزقه وإليه النشور ). # والذلول : السهلة المذللة المسخرة لما يراد منها ؛ من مشى عليها ، أو غرس ~~فيها ، أو بناء فوقها .. من الذل وهو سهولة الانقياد للغير ، ومنه قوله ~~تعالى : ( @QUR@07 قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول .. ) أى : غير مذللة ولا ~~مدربة على حرث الأرض .. # والأمر في قوله ( @QUR@03 فامشوا في مناكبها ) للإباحة ، والمناكب جمع ~~منكب وهو ملتقى الكتف مع العضد والمراد به هنا : جوانبها أو طرقها وفجاجها ~~أو أطرافها .. # وهو مثل لفرط التذليل ، وشدة التسخير .. # أى : هو سبحانه الذي جعل لكم بفضله ورحمته الأرض المتسعة الأرجاء. مذللة ~~مسخرة لكم ، لتتمكنوا من الانتفاع بها عن طريق المشي عليها ، أو البناء ~~فوقها. أو غرس النبات فيها .. # ومادام الأمر كذلك فامشوا في جوانبها وأطرافها وفجاجها .. ملتمسين رزق ~~ربكم فيها ، وداوموا على ذلك ، ففي الحديث الشريف : «التمسوا الرزق في ~~خبايا الأرض». # والمراد بقوله : ( @QUR@03 وكلوا من رزقه ) الانتفاع بما فيها من وجوه ~~النعم ، وعبر عنه بالأكل لأنه أهم وجوه الانتفاع. # فالآية الكريمة دعوة حارة للمسلمين لكي ينتفعوا بما في الأرض من كنوز ، ~~حتى يستغنوا عن غيرهم في مطعمهم ومشربهم وملبسهم وسائر أمور معاشهم .. فإنه ~~بقدر تقصيرهم في استخراج كنوزها ، تكون حاجتهم لغيرهم. # قال بعض العلماء : قال الإمام النووي في مقدمة المجموع : إن على الأمة ~~الإسلامية أن تعمل على استثمار وإنتاج كل حاجاتها حتى الإبرة ، لتستغنى عن ~~غيرها ، وإلا احتاجت إلى الغير بقدر ما قصرت في الإنتاج .. # وقد أعطى الله تعالى العالم الإسلامى الأولوية في هذا كله. فعليهم أن ~~يحتلوا مكانهم ، ويحافظوا على مكانتهم ، ويشيدوا كيانهم بالدين والدنيا معا ~~.. (1). # وقد أفاض بعض العلماء في بيان معنى قوله تعالى : ( @QUR@06 هو الذي جعل ~~لكم الأرض ذلولا .. ). فقال ما ملخصه : والناس لطول إلفهم لحياتهم على هذه ~~الأرض وسهولة PageV15P019 # استقرارهم عليها .. ينسون نعمة الله في تذليلها لهم وتسخيرها. والقرآن ~~يذكرهم هذه ms5711 النعمة الهائلة ، ويبصرهم بها ، في هذا التعبير الذي يدرك منه ~~كل أحد ، وكل جيل ، ما ينكشف له من علم هذه الأرض الذلول .. # والله تعالى جعل الأرض ذلولا للبشر من حيث جاذبيتها .. ومن حيث سطحها .. ~~ومن حيث تكوينها ، ومن حيث إحاطة الهواء بها .. ومن حيث حجمها .. (1). # وقوله : ( @QUR@02 وإليه النشور ) معطوف على ما قبله ، لبيان أن مصيرهم ~~إليه تعالى بعد قضائهم في الأرض المذللة لهم ، مدة حياتهم .. # أى : وإليه وحده مرجعكم ، وبعثكم من قبوركم ، بعد أن قضيتم على هذه الأرض ~~، الأجل الذي قدره سبحانه لكم. # ثم حذر سبحانه من بطشه وعقابه فقال : ( @QUR@011 أأمنتم من في السماء أن ~~يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور ).. # والخسف : انقلاب ظاهر السطح من بعض الأرض فيصير باطنا ، والباطن ظاهرا .. # والمور : شدة الاضطراب والتحرك. يقال : مار الشيء مورا ، إذا ارتج واضطرب ~~، والمراد بمن في السماء : الله عز وجل بدون تحيز أو تشبيه أو حلول في مكان. # قال الإمام الآلوسى : قوله : ( @QUR@04 أأمنتم من في السماء ) وهو الله ~~عز وجل كما ذهب إليه غير واحد ، فقيل على تأويل : من في السماء أمره وقضاؤه ~~، يعنى أنه من التجوز في الإسناد ، أو أن فيه مضافا مقدرا ، وأصله : من في ~~السماء أمره ، فلما حذف وأقيم المضاف إليه مقامه ارتفع واستتر ، وقيل على ~~تقدير : خالق من في السماء .. # وقيل في بمعنى على ، ويراد العلو بالقهر والقدرة .. # وأئمة السلف لم يذهبوا إلى غيره تعالى والآية عندهم من المتشابه وقد قال ~~صلى الله عليه وسلم آمنوا بمتشابهه ولم يقل أولوه. فهم مؤمنون بأنه عز وجل في ~~السماء : على المعنى الذي أراده سبحانه مع كمال التنزيه. وحديث الجارية ~~التي قال لها الرسول صلى الله عليه وسلم أين الله؟ فأشارت إلى السماء من أقوى ~~الأدلة في هذا الباب. وتأويله بما أول به الخلف ، خروج عن دائرة الإنصاف ~~عند ذوى الألباب .. (2). PageV15P020 # والمعنى : أأمنتم أيها الناس من في السماء وهو الله عز وجل أن يذهب الأرض ~~بكم ، فيجعل أعلاها أسفلها .. فإذا هي تمور بكم وتضطرب ، وترتج ارتجاجا ~~شديدا تزول معه ms5712 حياتكم. # فالمقصود بالآية الكريمة تهديد الذين يخالفون أمره ، بهذا العذاب الشديد ~~، وتحذيرهم من نسيان بطشه وعقابه. # والباء في قوله ( @QUR@01 بكم ) للمصاحبة. أى : يخسفها وأنتم مصاحبون لها ~~بذواتكم ، بعد أن كانت مذللة ومسخرة لمنفعتكم .. # ثم انتقل سبحانه من تهديدهم بالخسف إلى تهديدهم بعذاب آخر فقال : ( ~~@QUR@012 أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير ). # أى : بل أأمنتم أيها الناس من السماء ، وهو الله عز وجل بسلطانه وقدرته .. ~~أن يرسل عليكم ( @QUR@01 حاصبا ) أى : ريحا شديدة مصحوبة بالحصى والحجارة ~~التي تهلك ، فحينئذ ستعلمون عند معاينتكم للعذاب ، كيف كان إنذارى لكم ~~متحققا وواقعا وحقا .. # فالاستفهام في الآيتين المقصود به التعجيب من أمنهم عذاب الله تعالى عند ~~مخالفتهم لأمره ، وخروجهم عن طاعته. # وقدم سبحانه التهديد بالخسف على التهديد بإرسال الحاصب ، لأن الخسف من ~~أحوال الأرض ، التي سبق أن بين لهم أنه خلقها مذللة لهم ، وفيها ما فيها من ~~منافعهم ، فهذه المنافع ليس عسيرا على الله تعالى أن يحولها إلى عذاب لهم .. # ثم ذكرهم سبحانه بما جرى للكافرين السابقين فقال : ( @QUR@08 ولقد كذب ~~الذين من قبلهم فكيف كان نكير ).. # أى : وو الله لقد كذب الذين من قبل كفار مكة من الأمم السابقة ، كقوم نوح ~~وعاد وثمود .. فكان إنكارى عليهم ، وعقابي لهم ، شديدا ومبيرا ومدمرا لهم ~~تدميرا تاما. # فالنكير بمعنى الإنكار ، والاستفهام في قوله : ( @QUR@03 فكيف كان نكير ) ~~للتهويل. # أى : إن إنكارى عليهم كفرهم كان إنكارا عظيما ، لأنه ترتب عليه ، أن ~~أخذتهم أخذ عزيز مقتدر. # كما قال تعالى : ( @QUR@024 فكلا أخذنا بذنبه ، فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا ، ومنهم من أخذته الصيحة ، ومنهم من خسفنا به الأرض ، ومنهم من ~~أغرقنا ، وما كان الله ليظلمهم ، PageV15P021 # @QUR@04 ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) (1). # ثم تنتقل السورة بعد هذا التهديد والإنذار ، إلى دعوتهم إلى التأمل ~~والتفكر ، في مشهد الطير صافات في الجو .. وفي أحوال أنفسهم عند اليأس ~~والفقر ، وعند الهزيمة والإعراض عن الحق .. فيقول سبحانه : # ( @QUR@015 أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن ~~إنه بكل شيء بصير (19) @QUR@015 أمن هذا الذي هو ms5713 جند لكم ينصركم من دون ~~الرحمن إن الكافرون إلا في غرور (20) @QUR@012 أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك ~~رزقه بل لجوا في عتو ونفور (21) @QUR@012 أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن ~~يمشي سويا على صراط مستقيم ) (22) # قال بعض العلماء : قوله : ( @QUR@04 أولم يروا إلى الطير .. ) عطف على ~~جملة ( @QUR@06 هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا .. ) استرسالا في الدلائل على ~~انفراد الله تعالى بالتصرف في الموجودات ، وقد انتقل من دلالة أحوال البشر ~~وعالمهم ، إلى دلالة أعجب أحوال العجماوات ، وهي أحوال الطير في نظام ~~حركاتها في حال طيرانها ، إذ لا تمشى على الأرض كما هو في حركات غيرها على ~~الأرض ، فحالها أقوى دلالة على عجيب صنع الله المنفرد به .. (2). # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@02 أولم يروا .. ) للتعجيب من حال ~~المشركين ، لعدم تفكرهم فيما يدعو إلى التفكر والاعتبار .. # والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام ، والطير : جمع طائر كصحب وصاحب .. # والمعنى : أغفل هؤلاء المشركون ، وانطمست أعينهم عن رؤية الطير فوقهم ، ~~وهن ( @QUR@01 صافات ) أى : باسطات أجنحتهن في الهواء عند الطيران في الجو ~~، ( @QUR@01 ويقبضن ) أى : PageV15P022 # ويضممن أجنحتهن تارة على سبيل الاستظهار بها على شدة التحرك في الهواء .. ~~( @QUR@02 ما يمسكهن ) في حالتي البسط والقبض ( @QUR@02 إلا الرحمن ) الذي ~~وسعت رحمته وقدرته كل شيء ، والذي أحسن كل شيء خلقه .. # ( @QUR@01 إنه ) سبحانه ( @QUR@03 بكل شيء بصير ) أى : إنه سبحانه مطلع ~~على أحوال كل شيء ، ومدبر لأمره على أحسن الوجوه وأحكمها .. # قال صاحب الكشاف : ( @QUR@01 صافات ) باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها ~~، لأنهن إذا بسطنها صففن قوادمها صفا ( @QUR@01 ويقبضن ) أى : ويضممنها إذا ~~ضربن بها جنوبهن. # فإن قلت : لم قيل ( @QUR@01 ويقبضن ) ولم يقل : وقابضات؟ # قلت : لأن الأصل في الطيران هو صف الأجنحة ، لأن الطيران في الهواء ~~كالسباحة في الماء ، والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها. وأما القبض ~~فطارئ على البسط. للاستظهار به على التحرك ، فجيء بما هو طارئ غير أصل بلفظ ~~الفعل ، على معنى أنهن صافات ، ويكون منهن القبض تارة كما يكون من السابح ~~.. (1). # والمراد بإمساكهن : عدم سقوطهن إلى الأرض بقدرته وحكمته تعالى حيث أودع ~~فيها من الخصائص ms5714 ما جعلها تطير في الجو ، كالسابح في الماء. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@012 ألم يروا إلى الطير مسخرات في ~~جو السماء ما يمسكهن إلا الله .. ) (2). # ثم لفت أنظارهم للمرة الثانية إلى قوة بأسه ، ونفاذ إرادته ، وعدم وجود ~~من يأخذ بيدهم إذا ما أنزل بهم عقابه فقال : ( @QUR@010 أمن هذا الذي هو ~~جند لكم ينصركم من دون الرحمن ). # والاستفهام للتحدى والتعجيز ، وأم منقطعة بمعنى بل ، فهي للإضراب ~~الانتقالى من غرض إلى آخر ، ومن حجة إلى أخرى. # ومن اسم استفهام مبتدأ ، وخبره اسم الإشارة ، وما بعده صفته. # والمراد بالجند : الجنود الذين يهرعون لنصرة من يحتاج إلى نصرتهم. ولفظ ( ~~@QUR@01 دون ) أصله ظرف للمكان الأسفل .. ويطلق على الشيء المغاير ، فيكون ~~بمعنى غير كما هنا ، والمقصود بالآية تحقير شأن هؤلاء الجند ، والتهوين من شأنهم. PageV15P023 # والمعنى : بل أخبرونى أيها المشركون بعد أن ثبتت غفلتكم وعدم تفكيركم ~~تفكيرا ينفعكم ، من هذا الحقير الذي تستعينون به في نصركم ودفع الضر عنكم ، ~~متجاوزين في ذلك إرادة الرحمن ومشيئته ونصره. أو من هذا الذي ينصركم نصرا ~~كائنا غير نصر الرحمن ، أو من ينصركم من عذاب كائن من عنده تعالى . # والجواب الذي لا تستطيعون جوابا سواه : هو أنه لا ناصر لكم يستطيع أن ~~ينصركم من دون الله تعالى ، كما قال سبحانه ( @QUR@015 وإن يمسسك الله بضر ~~فلا كاشف له إلا هو ، وإن يردك بخير فلا راد لفضله .. ) # وكما قال عز وجل : ( @QUR@016 ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ، ~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 إن الكافرون إلا في غرور ) كلام معترض بين ما ~~قبله وما بعده ، لبيان حالهم القبيح وواقعهم المنكر. # والغرور : صفة في النفس تجعلها تعرض عن الحق جحودا وعنادا وجهلا. أى ليس ~~الكافرون إلا في غرور عظيم ، وفي جهل تام ، عن تدبر الحق ، لأنهم زين لهم ~~الشيطان سوء أعمالهم ، فرأوها حسنة. # ثم انتقل سبحانه إلى إلزامهم بنوع آخر من الحجج فقال : ( @QUR@07 أمن هذا ~~الذي يرزقكم إن أمسك رزقه ).. # أى : بل أخبرونى من هذا الذي يزعم أنه ms5715 يستطيع أن يوصل إليكم الرزق والخير ~~، إذا أمسك الله تعالى عنكم ذلك ، أو منع عنكم الأسباب التي تؤدى إلى نفعكم ~~وإلى قوام حياتكم ، كمنع نزول المطر إليكم ، وكإهلاك الزروع والثمار التي ~~تنبتها الأرض .. # إنه لا أحد يستطيع أن يرزقكم سوى الله تعالى . # وقوله : ( @QUR@05 بل لجوا في عتو ونفور ) جملة مستأنفة جواب لسؤال ~~تقديره : فهل انتفع المشركون بتلك المواعظ فكان الجواب كلا إنهم لم ينتفعوا ~~، بل ( @QUR@01 لجوا ) أى تمادوا في اللجاج والجدال بالباطل و ( @QUR@02 في ~~عتو ) أى : وفي استكبار وطغيان ، وفي ( @QUR@01 نفور ) أى : شرود وتباعد عن ~~الطريق المستقيم. # أى : أنهم ساروا في طريق أهوائهم حتى النهاية ، دون أن يستمعوا إلى صوت ~~نذير أو واعظ أو مرشد. # ثم ضرب سبحانه مثلا لأهل الإيمان وأهل الكفر ، وأهل الحق وأهل الباطل ، فقال PageV15P024 # سبحانه : ( @QUR@012 أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى ، أمن يمشي سويا على ~~صراط مستقيم ). # والمكب : هو الإنسان الساقط على وجهه ، يقال : كب فلان فلانا وأكبه ، إذا ~~صرعه وقلبه بأن جعل وجهه على الأرض .. فهو اسم فاعل من أكب. # وقوله : ( @QUR@01 أهدى ) مشتق من الهدى ، وهو معرفة طريق الحق والسير ~~فيها ، والمفاضلة هنا ليست مقصودة ، لأن الذي يمشى مكبا على وجهه ، لا شيء ~~عنده من الهداية أو الرشد إطلاقا حتى يفاضل مع غيره ، وفيه لون من التهكم ~~بهذا المكب على وجهه. # و «السوى» هو الإنسان الشديد الاستواء والاستقامة ، فهو فعيل بمعنى فاعل. # ومنه قوله تعالى حكاية عما قاله إبراهيم عليه السلام لأبيه : ( @QUR@014 ~~يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا ) أى : ~~مستويا. # قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : ( @QUR@06 أفمن يمشي مكبا ~~على وجهه أهدى ... ): هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر ، فالكافر مثله ~~فيما هو فيه ، كمثل من يمشى مكبا على وجهه ، أى : يمشى منحنيا لا مستويا ~~على وجهه ، أى : لا يدرى أين يسلك ، ولا كيف يذهب ، بل هو تائه حائر ضال ، ~~أهذا أهدى ( @QUR@03 أمن يمشي سويا ) أى : منتصب القامة ( @QUR@03 على صراط ~~مستقيم ) أى على طريق واضح بين ms5716 ، وهو في نفسه مستقيم وطريقه مستقيمة. # هذا مثلهم في الدنيا ، وكذلك يكونون في الآخرة ، فالمؤمن يحشر يمشى سويا ~~على صراط مستقيم .. وأما الكافر فإنه يحشر يمشى على وجهه إلى النار .. # وروى الإمام أحمد عن أنس قال : قيل يا رسول الله ، كيف يحشر الناس على ~~وجوههم؟ فقال : «أليس الذي أمشاهم على أرجلهم قادرا على أن يمشيهم على ~~وجوههم» (1)؟. # وقال الجمل : هذا مثل للمؤمن والكافر ، حيث شبه سبحانه المؤمن في تمسكه ~~بالدين الحق ، ومشيه على منهاجه ، بمن يمشى في الطريق المعتدل ، الذي ليس ~~فيه ما يتعثر به .. # وشبه الكافر في ركوبه ومشيه على الدين الباطل ، بمن يمشى في الطريق الذي ~~فيه حفر وارتفاع وانخفاض ، فيتعثر ويسقط على وجهه ، وكلما تخلص من عثرة وقع ~~في أخرى. # فالمذكور في الآية هو المشبه به ، والمشبه محذوف ، لدلالة السياق عليه .. (2). PageV15P025 # وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة قد لفتت أنظار الناس إلى التفكر والاعتبار ~~، ووبخت المشركين على جهالاتهم وطغيانهم ، وساقت مثالا واضحا للمؤمن ~~والكافر ، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة. # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في بعض آيات أن يذكر الكافرين ~~بنعم الله تعالى عليهم ، وأن يرد على شبهاتهم وأكاذيبهم بما يدحضها ، وأن ~~يكل أمره وأمرهم إليه وحده تعالى فقال : # ( @QUR@012 قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما ~~تشكرون (23) @QUR@08 قل هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (24) @QUR@07 ~~ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (25) @QUR@09 قل إنما العلم عند الله ~~وإنما أنا نذير مبين (26) @QUR@013 فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا ~~وقيل هذا الذي كنتم به تدعون (27) @QUR@015 قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن ~~معي أو رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب أليم (28) @QUR@013 قل هو الرحمن ~~آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ضلال مبين (29) @QUR@010 قل أرأيتم ~~إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين ) (30) # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء المشركين على سبيل تبصيرهم بالحجج ~~والدلائل الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا ، وعلى سبيل التنويع في الإرشاد ~~والتوجيه .. قل ms5717 لهم : الرحمن عز وجل هو الذي أنشأكم وأوجدكم في كل طور من ~~أطوار حياتكم ، وهو سبحانه الذي أوجد لكم السمع الذي تسمعون به ، والأبصار ~~التي تبصرون بها الكائنات ، والأفئدة أى والقلوب التي تدركونها بها .. # ولكنكم مع كل هذه النعم ( @QUR@03 قليلا ما تشكرون ) خالقكم عز وجل . PageV15P026 # وجمع سبحانه الأفئدة والأبصار ، وأفرد السمع ، لأن القلوب تختلف باختلاف ~~مقدار ما تفهمه مما يلقى إليها من إنذار أو تبشير ، ومن حجة أو دليل ، فكان ~~من ذلك تعدد القلوب بتعدد الناس على حسب استعدادهم. # وكذلك شأن الناس فيما تنتظمه أبصارهم من آيات الله في كونه ، فإن أنظارهم ~~تختلف في عمق تدبرها وضحولته ، فكان من ذلك تعدد المبصرين ، بتعدد مقادير ~~ما يستنبطون من آيات الله في الآفاق. # وأما المسموع فهو بالنسبة للناس جميعا شيء واحد ، هو الحجة يناديهم بها ~~المرسلون ، والدليل يوضحه لهم النبيون. # لذلك كان الناس جميعا كأنهم سمع واحد ، فكان إفراد السمع إيذانا من الله ~~بأن حجته واحدة ، ودليله واحد لا يتعدد. # وقوله : ( @QUR@03 قليلا ما تشكرون ) صفة لمصدر محذوف ، أى : شكرا قليلا ~~، و ( @QUR@01 ما ) مزيدة لتأكيد التقليل. # وعبر سبحانه بقوله ( @QUR@01 قليلا ) لحضهم على الإكثار من شكره تعالى ، ~~وذلك عن طريق إخلاص العبادة له عز وجل : ونبذ عبادة غيره. # ثم أمره سبحانه للمرة الثانية أن يذكرهم بنعمة أخرى فقال ( @QUR@08 قل هو ~~الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون ). أى : وقل لهم أيها الرسول الكريم ~~الرحمن تعالى وحده ( @QUR@05 هو الذي ذرأكم في الأرض ). # أى : هو الذي خلقكم وبثكم وكثركم في الأرض ، إذ الذرء معناه : الإكثار من ~~الموجود .. # وقوله : ( @QUR@02 وإليه تحشرون ) بيان لمصيرهم بعد انتهاء آجالهم في هذه ~~الدنيا. # أى : وإليه وحده لا إلى غيره يكون مرجعكم للحساب والجزاء يوم القيامة. # ثم حكى سبحانه أقوالهم التي تدل على طغيانهم وجهالاتهم فقال : ( @QUR@07 ~~ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ). # والوعد : مصدر بمعنى الموعود ، والمقصود به ما أخبرهم به صلى الله عليه وسلم ~~من أن هناك بعثا وحسابا وجزاء .. ومن أن العاقبة والنصر للمؤمنين. # أى : ويقول هؤلاء الجاحدون للرسول صلى ms5718 الله عليه وسلم ولأصحابه ، على سبيل التهكم PageV15P027 # والاستهزاء : متى يقع هذا الذي تخبروننا عنه من البعث والحساب والجزاء ، ~~ومن النصر لكم لا لنا ..؟. # وجواب الشرط محذوف والتقدير : إن كنتم صادقين فيما تقولونه لنا ، فأين ~~هو؟ إننا لا نراه ولا نحسه. # وهنا يأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم للمرة الثالثة ، أن يرد ~~عليهم الرد الذي يكبتهم فيقول : ( @QUR@09 قل إنما العلم عند الله وإنما ~~أنا نذير مبين ). # أى : قل لهم يا محمد علم قيام الساعة ، وعلم اليوم الذي سننتصر فيه عليكم ~~.. عند الله تعالى وحده ، لأن هذا العلم ليس من وظيفتي. # وإنما وظيفتي أنى نذير لكم ، أحذركم من سوء عاقبة كفركم ، فإذا استجبتم ~~لي نجوتم ، وإن بقيتم على كفركم هلكتم. # واللام في قوله : ( @QUR@01 العلم ) للعهد. أى : العلم بوقت هذا الوعد ، ~~عند الله تعالى وحده. # والمبين : اسم فاعل من أبان المتعدى ، أى : مبين لما أمرت بتبليغه لكم ~~بيانا واضحا لا لبس فيه ولا غموض. # ثم حكى سبحانه حالهم عند ما يرون العذاب الذي استعجلوه فقال : ( @QUR@013 ~~فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا ، وقيل هذا الذي كنتم به تدعون ). # والفاء في قوله : ( @QUR@03 فلما رأوه زلفة ... ) هي الفصيحة. و ( ~~@QUR@01 فلما ) ظرف بمعنى حين. و ( @QUR@01 رأوه ) مستعمل في المستقبل وجيء ~~به بصيغة الماضي لتحقق الوقوع ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@05 أتى أمر ~~الله فلا تستعجلوه .. ). # و ( @QUR@01 زلفة ) اسم مصدر لأزلف إزلافا ، بمعنى القرب. ومنه قوله ~~تعالى : ( @QUR@02 وأزلفت الجنة ... ) أى : قربت للمتقين ، وهو حال من ~~مفعول ( @QUR@01 رأوه ). # والمعنى : لقد حل بالكافرين العذاب الذي كانوا يستعجلونه ، ويقولون : متى ~~هذا الوعد. فحين رأوه نازلا بهم ، وقريبا منهم ( @QUR@04 سيئت وجوه الذين ~~كفروا ) أى : ساءت رؤيته وجوههم ، وحلت عليها غبرة ترهقها قترة. # ( @QUR@01 وقيل ) لهم على سبيل التوبيخ والتأنيب ( @QUR@05 هذا الذي كنتم ~~به تدعون ) أى : هذا هو العذاب الذي كنتم تتعجلون وقوعه في الدنيا ، ~~وتستهزءون بمن يحذركم منه. # فقوله ( @QUR@01 تدعون ) من الدعاء بمعنى الطلب ، أو من الدعوى. PageV15P028 # و ( @QUR@01 سيئت ) فعل مبنى للمجهول. وأسند سبحانه حصول السوء إلى ~~الوجوه ، لتضمينه معنى كلحت ms5719 وقبحت واسودت ، لأن الخوف من العذاب قد ظهرت ~~آثاره على وجوههم. # وقال سبحانه ( @QUR@04 سيئت وجوه الذين كفروا ) بالإظهار ، ولم يقل ~~وجوههم ، لذمهم بصفة الكفر ، التي كانت السبب في هلاكهم. # ومفعول ( @QUR@01 تدعون ) محذوف. والتقدير : وقيل لهم هذا الذي كنتم ~~تدعون عدم وقوعه. قد وقع ، وها أنتم تشاهدونه أمام أعينكم. # والجار والمجرور في قوله ( @QUR@01 به ) متعلق بتدعون لأنه مضمن معنى ~~تكذبون. # والقائل لهم هذا القول : هم خزنة النار ، على سبيل التبكيت لهم. # ثم أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم للمرة الرابعة ، أن يرد على ما ~~كانوا يتمنونه بالنسبة له ولأصحابه فقال : ( @QUR@015 قل أرأيتم إن أهلكني ~~الله ومن معي أو رحمنا ، فمن يجير الكافرين من عذاب أليم ). # ولقد كان المشركون يتمنون هلاك النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا يرددون ذلك ~~في مجالسهم ، وقد حكى القرآن عنهم ذلك في آيات منها قوله تعالى : ( @QUR@07 ~~أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ). # أى : قل لهم أيها الرسول الكريم ( @QUR@01 أرأيتم ) أى : أخبرونى ( ~~@QUR@03 إن أهلكني الله ). تعالى وأهلك ( @QUR@02 من معي ) من أصحابى ~~وأتباعى ( @QUR@02 أو رحمنا ) بفضله وإحسانه بأن رزقنا الحياة الطويلة ، ~~ورزقنا النصر عليكم. # فأخبرونى في تلك الحالة ( @QUR@06 فمن يجير الكافرين من عذاب أليم ) أى : ~~من يستطيع أن يمنع عنكم عذاب الله الأليم ، إذا أراد أن ينزله بكم؟ مما لا ~~شك فيه أنه لن يستطيع أحد أن يمنع ذلك عنكم. # قال صاحب الكشاف : كان كفار مكة يدعون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعلى المؤمنين بالهلاك ، فأمر بأن يقول لهم : نحن مؤمنون متربصون لإحدى ~~الحسنيين : إما أن نهلك كما تتمنون ، فننقلب إلى الجنة ، أو نرحم بالنصرة ~~عليكم ، أما أنتم فماذا تصنعون؟ من يجيركم وأنتم كافرون من عذاب أليم لا ~~مفر لكم منه. PageV15P029 # يعنى : إنكم تطلبون لنا الهلاك الذي هو استعجال للفوز والسعادة ، وأنتم ~~في أمر هو الهلاك الذي لا هلاك بعده .. (1). # والمراد بالهلاك : الموت ، وبالرحمة : الحياة والنصر بدليل المقابلة ، ~~وقد منح الله تعالى نبيه العمر المبارك النافع ، فلم يفارق صلى الله عليه وسلم ~~الدنيا إلا بعد ms5720 أن بلغ الرسالة ، وأدى الأمانة ، ودخل الناس في دين الله ~~أفواجا ، وكانت كلمته هي العليا. # والاستفهام في قوله ( @QUR@01 أرأيتم ) للإنكار والتعجيب من سوء تفكيرهم. # والرؤية علمية ، والجملة الشرطية بعدها سدت مسد المفعولين. # وقال سبحانه ( @QUR@03 فمن يجير الكافرين ) للإشارة إلى أن كفرهم هو ~~السبب في بوارهم وفي نزول العذاب الأليم بهم. # ثم أمره سبحانه للمرة الخامسة ، أن يبين لهم أنه هو وأصحابه معتمدون على ~~الله تعالى وحده ، ومخلصون له العبادة والطاعة ، فقال : ( @QUR@07 قل هو ~~الرحمن آمنا به وعليه توكلنا .. ). # أى : وقل يا محمد لهؤلاء الجاحدين : إذا كنتم قد أشركتم مع الله تعالى ~~آلهة أخرى في العبادة ، فنحن على النقيض منكم ، لأننا أخلصنا عبادتنا ~~للرحمن الذي أوجدنا برحمته ، وآمنا به إيمانا حقا ، وعليه وحده توكلنا ~~وفوضنا أمورنا. # وأخر سبحانه مفعول ( @QUR@01 آمنا ) وقدم مفعول ( @QUR@01 توكلنا )، ~~للتعريض بالكافرين ، الذين أصروا على ضلالهم ، فكأنه يقول : نحن آمنا ولم ~~نكفر كما كفرتم ، وتوكلنا عليه وحده ، ولم نتوكل على ما أنتم متوكلون عليه ~~من أصنامكم وأموالكم وأولادكم .. # وقوله ( @QUR@06 فستعلمون من هو في ضلال مبين ) مسوق مساق التهديد ~~والوعيد أى : فستعلمون في عاجل أمرنا وآجله ، أنحن الذين على الحق أم أنتم؟ ~~ونحن الذين على الباطل أم أنتم؟ .. # فالمقصود بالآية الكريمة التهديد والإنذار ، مع إخراج الكلام مخرج ~~الإنصاف ، الذي يحملهم على التدبر والتفكر لو كانوا يعقلون. # ثم أمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم للمرة السادسة ، أن يذكرهم بنعمة ~~الماء الذي يشربونه فقال : ( @QUR@010 قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن ~~يأتيكم بماء معين ). PageV15P030 # وقوله ( @QUR@01 غورا ) مصدر غارت البئر ، إذا نضب ماؤها وجف. يقال : غار ~~الماء يغور غورا ، إذا ذهب وزال .. # والمعين : هو الماء الظاهر الذي تراه العيون ، ويسهل الحصول عليه ، وهو ~~فعيل من معن إذا قرب وظهر. # أى : وقل لهم أيها الرسول الكريم على سبيل التوبيخ وإلزام الحجة : ~~أخبرونى إن أصبح ماؤكم غائرا في الأرض ، بحيث لا يبقى له وجود أصلا. # فمن يستطيع أن يأتيكم بماء ظاهر على وجه الأرض ، تراه عيونكم ، ~~وتستعملونه في شئونكم ومنافعكم. # إنه لا أحد ms5721 يستطيع ذلك إلا الله تعالى وحده ، فعليكم أن تشكروه على نعمه ~~، لكي يزيدكم منها. # وبعد : فهذا تفسير لسورة «الملك» نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه ، ~~ونافعا لعباده. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .. ||كتبه الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى| PageV15P031 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة القلم ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «ن» أو «القلم» تعتبر من أوائل السور القرآنية ، التي نزلت على ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقد ذكر السيوطي في كتابه «الإتقان» أنها السورة ~~الثانية في النزول ، بعد سورة «العلق» (1). # ويرى بعض العلماء أنها السورة الرابعة في النزول ، فقد سبقتها سور : ~~العلق ، والمدثر ، والمزمل ، وعدد آياتها اثنتان وخمسون آية. # 2 والمحققون على أنها من السور المكية الخالصة ، فقد ذكر الزمخشري وابن ~~كثير .. أنها مكية ، دون أن يذكرا في ذلك خلافا. # وقال الآلوسى : هي من أوائل ما نزل من القرآن بمكة ، فقد نزلت على ما روى ~~عن ابن عباس ( @QUR@03 اقرأ باسم ربك ... ) ثم هذه ، ثم المزمل ، ثم المدثر ~~، وفي البحر أنها مكية بلا خلاف فيها ، بين أهل التأويل. # وفي الإتقان : استثنى منها : ( @QUR@04 إنا بلوناهم كما بلونا ... ) إلى ~~قوله تعالى : ( @QUR@03 لو كانوا يعلمون ) (2). # 3 والذي تطمئن إليه النفس ، أن سورة ( @QUR@01 ن ) من السور المكية ~~الخالصة ، لأنه لم يقم PageV15P033 # دليل مقنع. على أن فيها آيات مدنية ، بجانب أن أسلوبها وموضوعاتها تشير ~~إلى أنها من السور المكية الخالصة. # كذلك نميل إلى أن بعض آياتها قد نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن ~~جهر بدعوته. # 4 وقد فصل هذا المعنى بعض العلماء فقال ما ملخصه : لا يمكن تحديد التاريخ ~~الذي نزلت فيه هذه السورة ، سواء مطلعها أو جملتها. # والروايات التي تقول : إن هذه السورة هي الثانية في النزول بعد سورة ~~العلق كثيرة ، ولكن سياق السورة وموضوعها وأسلوبها ، يجعلنا نرجح غير هذا ، ~~حتى ليكاد يتعين أنها نزلت بعد فترة من الدعوة العامة ، التي جاءت بعد نحو ~~ثلاث سنوات من الدعوة الفردية ، في ms5722 الوقت الذي أخذت فيه قريش تدفع هذه ~~الدعوة وتحاربها ، وتصف الرسول صلى الله عليه وسلم بما هو برىء منه ، كذلك ~~ذكرت بعض الروايات في السورة آيات مدنية ، ونحن نستبعد هذا كذلك ، ونعتقد ~~أن السورة كلها مكية ، لأن طابع آياتها عميق في مكيته. # والذي نرجحه بشأن السورة كلها ، أنها ليست الثانية في ترتيب النزول وأنها ~~نزلت بعد فترة من البعثة النبوية ، بل بعد الجهر بالدعوة ، وبعد أن أخذت ~~قريش في محاربتها بصورة عنيفة. # والسورة قد أشارت إلى شيء من عروض المشركين : ( @QUR@04 ودوا لو تدهن ~~فيدهنون ) وظاهر أن مثل هذه المحاولة لا تكون والدعوة فردية ، إنما تكون ~~بعد ظهورها ، وشعور المشركين بخطرها .. (1). # 5 والذي يتدبر هذه السورة الكريمة ، يراها قد اشتملت على مقاصد من أبرزها ~~: تحدى المشركين بهذا القرآن الكريم ، والثناء على النبي صلى الله عليه وسلم ~~بأفضل أنواع الثناء ( @QUR@014 ما أنت بنعمة ربك بمجنون. وإن لك لأجرا غير ~~ممنون. وإنك لعلى خلق عظيم ). # والتسلية الجميلة له صلى الله عليه وسلم عما أصابه من أعدائه ( @QUR@015 ~~فستبصر ويبصرون. بأيكم المفتون. إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم ~~بالمهتدين ). # ونهيه صلى الله عليه وسلم عن مهادنة المشركين أو ملاينتهم أو موافقتهم على ~~مقترحاتهم الماكرة ، قال تعالى : ( @QUR@016 ودوا لو تدهن فيدهنون. ولا تطع ~~كل حلاف مهين ، هماز مشاء بنميم ، مناع للخير معتد أثيم ). # ثم نراها تضرب الأمثال لأهل مكة ، لعلهم يتعظون ويعتبرون ، ويتركون الجحود PageV15P034 # والبطر .. ( @QUR@021 إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة ، إذ أقسموا ~~ليصرمنها مصبحين. ولا يستثنون. فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون. فأصبحت ~~كالصريم ). # ثم نرى من مقاصدها كذلك : المقارنة بين عاقبة الأخيار والأشرار ، ليهلك ~~من هلك عن بينة ، ويحيا من حي عن بينة. # وتسفيه أفكار المشركين وعقولهم ، بأسلوب مؤثر خلاب : ( @QUR@012 أفنجعل ~~المسلمين كالمجرمين ، ما لكم كيف تحكمون. أم لكم كتاب فيه تدرسون ).. # وتهديدهم بأقصى ألوان التهديد : ( @QUR@015 فذرني ومن يكذب بهذا الحديث ، ~~سنستدرجهم من حيث لا يعلمون. وأملي لهم إن كيدي متين .. ). # ثم تختتم بتكرار التسلية للرسول صلى الله عليه ms5723 وسلم وبأمره بالصبر على أذى ~~أعدائه : ( @QUR@044 فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت ، إذ نادى وهو ~~مكظوم ، لو لا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم ، فاجتباه ربه ~~فجعله من الصالحين. وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا ~~الذكر ويقولون إنه لمجنون. وما هو إلا ذكر للعالمين ). # وبعد : فهذه كلمة مجملة عن سورة «القلم» تكشف عن زمان ومكان نزولها. وعن ~~أهم المقاصد والأهداف ، التي اشتملت عليها. # ونسأل الله تعالى أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا ، وأنس نفوسنا. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .. # د. محمد سيد طنطاوى PageV15P035 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@04 ن والقلم وما يسطرون (1) @QUR@05 ما أنت بنعمة ربك بمجنون (2) ~~@QUR@05 وإن لك لأجرا غير ممنون (3) @QUR@04 وإنك لعلى خلق عظيم (4) ~~@QUR@02 فستبصر ويبصرون (5) @QUR@02 بأيكم المفتون (6) @QUR@011 إن ربك هو ~~أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (7) @QUR@03 فلا تطع المكذبين (8) ~~@QUR@04 ودوا لو تدهن فيدهنون (9) @QUR@05 ولا تطع كل حلاف مهين (10) ~~@QUR@03 هماز مشاء بنميم (11) @QUR@04 مناع للخير معتد أثيم (12) @QUR@04 ~~عتل بعد ذلك زنيم (13) @QUR@05 أن كان ذا مال وبنين (14) @QUR@07 إذا تتلى ~~عليه آياتنا قال أساطير الأولين (15) @QUR@03 سنسمه على الخرطوم ) (16) # افتتحت سورة «القلم» بأحد الحروف المقطعة ، وهي آخر سورة في ترتيب المصحف ~~، افتتحت بواحد من هذه الحروف. أما بالنسبة لترتيب النزول ، فقد تكون أول ~~سورة نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في السور المفتتحة بالحروف المقطعة. # وقد قلنا عند تفسيرنا لسورة البقرة : وردت هذه الحروف المقطعة تارة مفردة ~~بحرف واحد ، وتارة مركبة من حرفين أو ثلاثة ، أو أربعة ، أو خمسة. # فالسور التي بدئت بحرف واحد ثلاث سور وهي : ص ، ق ، ن. PageV15P036 # والسور التي بدئت بحرفين تسع سور وهي : طه ، يس ، طس ، وحم ، في ست سور ، ~~وهي : غافر ، فصلت ، الزخرف ، الدخان ، الجاثية ، الأحقاف. # والسور التي بدئت بثلاثة أحرف ، ثلاث عشرة سورة وهي : ( @QUR@01 الم ) في ~~ست سور ، وهي : البقرة ، آل عمران ، العنكبوت ، الروم ، لقمان ، السجدة. # و ( @QUR@01 الر ) في خمس سور ، وهي : يونس ، هود ، يوسف ، إبراهيم ، الحجر. # و ( @QUR@01 طسم ) في سورتين ms5724 وهما : الشعراء ، والقصص. # وهناك سورتان بدئتا بأربعة أحرف وهما : الرعد ، «المر» ، والأعراف ~~«المص». # وهناك سورتان أيضا بدئتا بخمسة أحرف ، وهما : «مريم» «كهيعص» والشورى : ~~«حم عسق» فيكون مجموع السور التي افتتحت بالحروف المقطعة : تسعا وعشرين سورة. # هذا ، وقد وقع خلاف بين العلماء في المعنى المقصود بتلك الحروف المقطعة ~~التي افتتحت بها بعض السور القرآنية ، ويمكن إجمال خلافهم في رأيين رئيسيين : # الرأى الأول يرى أصحابه : أن المعنى المقصود منها غير معروف ، فهي من ~~المتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه. # وإلى هذا الرأى ذهب ابن عباس في بعض الروايات عنه كما ذهب إليه الشعبي ، ~~وسفيان الثوري وغيرهم من العلماء. # فقد أخرج ابن المنذر عن الشعبي أنه سئل عن فواتح السور فقال : إن لكل ~~كتاب سرا ، وإن سر هذا القرآن في فواتح السور. # ويروى عن ابن عباس أنه قال : عجزت العلماء عن إدراكها. # وعن على بن أبى طالب أنه قال : «إن لكل كتاب صفوة ، وصفوة هذا الكتاب ~~حروف التهجي». # وفي رواية أخرى عن الشعبي أنه قال : «سر الله فلا تطلبوه». # ومن الاعتراضات التي وجهت إلى هذا الرأى ، أنه إذا كان الخطاب بهذه ~~الفواتح غير مفهوم للناس لأنه من المتشابه ، فإنه يترتب على ذلك أنه ~~كالخطاب بالمهمل ، أو مثل ذلك كمثل المتكلم بلغة أعجمية مع أناس عرب لا ~~يفهمونها. # وقد أجيب عن ذلك بأن هذه الألفاظ ، لم ينتف الإفهام عنها عند كل أحد ، ~~فالرسول PageV15P037 # صلى الله عليه وسلم كان يفهم المراد منها ، وكذلك بعض أصحابه المقربين ، ~~ولكن الذي ننفيه أن يكون الناس جميعا فاهمين لمعنى هذه الحروف المقطعة في ~~أوائل بعض السور. # وهناك مناقشات أخرى للعلماء حول هذا الرأى ، يضيق المجال عن ذكرها. # أما الرأى الثاني فيرى أصحابه أن المعنى المقصود منها معلوم ، وأنها ليست ~~من المتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه. # وأصحاب هذا الرأى قد اختلفوا فيما بينهم في تعيين هذا المعنى المقصود على ~~أقوال كثيرة من أهمها ما يأتى : # أأن هذه الحروف أسماء للسور ، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم : «من قرأ ms5725 ~~حم السجدة حفظ إلى أن يصبح» ، وبدليل اشتهار بعض السور بالتسمية بها كسورة ~~«ص» وسورة «يس». # ولا يخلو هذا القول من الضعف ، لأن كثيرا من السور قد افتتحت بلفظ واحد ~~من هذه الفواتح ، والغرض من التسمية رفع الاشتباه. # ب وقيل : إن هذه الحروف قد جاءت هكذا فاصلة ، للدلالة على انقضاء سورة ~~وابتداء أخرى. # ج وقيل : إنها حروف مقطعة ، بعضها من أسماء الله تعالى ، وبعضها من صفاته ~~، فمثلا : ( @QUR@01 الم ) أصلها : أنا الله أعلم. # د وقيل : إنها اسم الله الأعظم. إلى غير ذلك من الأقوال التي لا تخلو من ~~مقال ، والتي أوصلها الإمام السيوطي في كتابه «الإتقان» إلى أكثر من عشرين قولا. # ه ولعل أقرب الآراء إلى الصواب أن يقال : إن هذه الحروف المقطعة ، قد ~~وردت في افتتاح بعض السور ، للإشعار بأن هذا القرآن الذي تحدى الله به ~~المشركين ، هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التي يعرفونها ، ويقدرون ~~على تأليف الكلام منها ، فإذا عجزوا عن الإتيان بسورة من مثله ، فذلك ~~لبلوغه في الفصاحة والبلاغة ، مرتبة يقف فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها بمراحل شاسعة. # وفضلا عن ذلك ، فإن تصدير هذه السور بمثل هذه الحروف المقطعة ، يجذب ~~أنظار المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم ، إلى الإنصات والتدبر ، ~~لأنه يطرق أسماعهم في أول التلاوة ألفاظ غير مألوفة في مجاري كلامهم. وذلك ~~مما يلفت أنظارهم ليتبينوا ما يراد منها ، فيسمعوا حكما وحججا قد تكون سببا ~~في هدايتهم واستجابتهم للحق. PageV15P038 # هذه خلاصة لآراء العلماء في الحروف المقطعة ، التي افتتحت بها بعض السور ~~القرآنية ، ومن أراد مزيدا لذلك فليرجع مثلا إلى كتاب «البرهان» للزركشى. ~~وكتاب «الإتقان» للسيوطي ، وتفسير «الآلوسى». # ولفظ «ن» على الرأى الذي رجحناه ، يكون إشارة إلى إعجاز القرآن ... # وقيل : هو من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه .. # وقد ذكر بعض المفسرين أقوالا أخرى ، لا يعتمد عليها لضعفها ، ومن ذلك ~~قولهم : إن «نون» اسم لحوت عظيم ... أو اسم للدواة .. وقيل : «نون» لوح من ~~نور .. (1). # والواو في قوله : ( @QUR@01 والقلم ) للقسم ، والمراد بالقلم : جنسه ، ~~فهو يشمل كل قلم يكتب ms5726 به و «ما» في قوله ( @QUR@02 وما يسطرون ) موصولة أو ~~مصدرية. و ( @QUR@01 يسطرون ) مضارع سطر من باب نصر ، يقال : سطر الكتاب ~~سطرا ، إذا كتبه. والسطر : الصف من الشجر وغيره ، وأصله من السطر بمعنى ~~القطع ، لأن صفوف الكتابة تبدو وكأنها قطع متراصة. # وجواب القسم قوله : ( @QUR@05 ما أنت بنعمة ربك بمجنون ). # أى : وحق القلم الذي يكتب به الكاتبون من مخلوقاتنا المتعددة ، إنك أيها ~~الرسول الكريم لمبرأ مما اتهمك به أعداؤك من الجنون ، وكيف تكون مجنونا وقد ~~أنعم الله تعالى عليك بالنبوة والحكمة. # فالمقصود بالآيات الكريمة تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عما أصابه من ~~المشركين ، ودفع تهمهم الباطلة دفعا يأتى عليها من القواعد فيهدمها ، ~~وإثبات أنه رسول من عنده تعالى . # وأقسم سبحانه بالقلم ، لعظيم شرفه ، وكثرة منافعه ، فبه كتبت الكتب ~~السماوية ، وبه تكتب العلوم المفيدة .. وبه يحصل التعارف بين الناس .. # وصدق الله إذ يقول : ( @QUR@011 اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم ~~الإنسان ما لم يعلم ). # قال القرطبي : أقسم سبحانه بالقلم. لما فيه من البيان كاللسان. وهو واقع ~~على كل قلم مما يكتب به من في السماء من في الأرض ، ومنه قول أبى الفتح ~~البستي : # إذا أقسم الأبطال يوما بسيفهم %~% وعدوه مما يكسب المجد والكرم كفى قلم الكتاب عزا ورفعة %~% مدى الدهر أن الله أقسم بالقلم (2) PageV15P039 # والضمير في قوله : ( @QUR@01 يسطرون ) راجع إلى غير مذكور في الكلام ، ~~إلا أنه معلوم للسامعين ، لأن ذكر القلم يدل على أن هناك من يكتب به. # ونفى سبحانه عنه صلى الله عليه وسلم الجنون بأبلغ أسلوب ، لأن المشركين ~~كانوا يصفونه بذلك ، قال تعالى . ( @QUR@012 وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك ~~بأبصارهم ، لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون ). # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@05 ما أنت بنعمة ربك بمجنون ). جواب القسم ~~، والباء الثانية مزيدة لتأكيد النفي. ومجنون خبر ما ، والباء الأولى ~~للملابسة ، والجار والمجرور في موضع الحال من الضمير في الخبر ، والعامل ~~فيها معنى النفي. # والمعنى : انتفى عنك الجنون في حال كونك ملتبسا بنعمة ربك أى : منعما ~~عليك بما أنعم من حصافة الرأى ، والنبوة .. (1). # وفي إضافته ms5727 صلى الله عليه وسلم إلى الرب عز وجل مزيد إشعار بالتسلية والقرب ~~والمحبة. ومزيد إشعار أيضا بنفي ما افتراه الجاهلون من كونه ~~صلى الله عليه وسلم مجنونا ، لأن هذه الصفة لا تجتمع في عبد أنعم الله تعالى ~~عليه ، وقربه ، واصطفاه لحمل رسالته وتبليغ دعوته. # ثم بشره سبحانه ببشارة ثانية فقال : ( @QUR@05 وإن لك لأجرا غير ممنون ). # وقوله : ( @QUR@01 ممنون ) مأخوذ من المن بمعنى القطع ، تقول : مننت ~~الحبل ، إذا قطعته. ويصح أن يكون من المن ، بمعنى أن يعطى الإنسان غيره ~~عطية ثم يفتخر بها عليه ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا ~~لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ... ). # أى : وإن لك أيها الرسول الكريم عندنا ، لأجرا عظيما لا يعلم مقداره إلا ~~نحن ، وهذا الأجر غير مقطوع بل هو متصل ودائم وغير ممنون. # وهذه الجملة الكريمة وما بعدها ، معطوفة على جملة جواب القسم ، لأنهما من ~~جملة المقسم عليه .. # ثم أثنى سبحانه عليه بأجمل ثناء وأطيبه فقال : ( @QUR@04 وإنك لعلى خلق ~~عظيم ). # والخلق كما يقول الإمام الرازي ملكة نفسانية ، يسهل على المتصف بها ~~الإتيان بالأفعال الجميلة ... و.... (2). # والعظيم : الرفيع القدر ، الجليل الشأن ، السامي المنزلة. PageV15P040 # أى : وإنك أيها الرسول الكريم لعلى دين عظيم ، وعلى خلق كريم ، وعلى سلوك ~~قويم ، في كل ما تأتيه وما تتركه من أقوال وأفعال .. # والتعبير بلفظ «على» يشعر بتمكنه صلى الله عليه وسلم ورسوخه في كل خلق كريم. ~~وهذا أبلغ رد على أولئك الجاهلين الذين وصفوه بالجنون ، لأن الجنون سفه لا ~~يحسن معه التصرف. أما الخلق العظيم ، فهو أرقى منازل الكمال ، في عظماء ~~الرجال. # وإن القلم ليعجز عن بيان ما اشتملت عليه هذه الآية الكريمة ، من ثناء من ~~الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم . # قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : قال قتادة : ذكر ~~لنا أن سعد بن هشام سأل السيدة عائشة عن معنى هذه الآية فقالت : ألست تقرأ ~~القرآن؟ قال : بلى. قالت : فإن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن .. # ومعنى هذا ، أنه صلى الله عليه ms5728 وسلم صار امتثال القرآن أمرا ونهيا ، سجية له ~~وخلقا وطبعا ، فمهما أمره القرآن فعله ، ومهما نهاه عنه تركه ، هذا مع ما ~~جبله الله عليه من الخلق الكريم ، كالحكمة ، والعفة ، والشجاعة ، والعدالة ~~.. (1). # وكيف لا يكون صلى الله عليه وسلم جماع كل خلق عظيم وهو القائل : «إنما بعثت ~~لأتمم مكارم الأخلاق». # ثم بشره سبحانه ببشارات أخرى فقال : ( @QUR@015 فستبصر ويبصرون. بأيكم ~~المفتون. إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ، وهو أعلم بالمهتدين ). # والفاء في قوله : ( @QUR@01 فستبصر ... ) للتفريع على ما تقدم من قوله : ~~( @QUR@05 ما أنت بنعمة ربك بمجنون ). # والفعل «تبصر ويبصرون» من الإبصار الذي هو الرؤية بالعينين ، وقيل : ~~بمعنى العلم .. والسين في ( @QUR@01 فستبصر ... ) للتأكيد. # والباء في قوله ( @QUR@01 بأيكم ... ) يرى بعضهم أنها بمعنى في. والمفتون ~~: اسم مفعول ، وهو الذي أصابته فتنة. أدت إلى جنونه ، والعرب كانوا يقولون ~~للمجنون : فتنته الجن. أو هو الذي اضطرب أمره واختل تكوينه وضعف تفكيره ... ~~كأولئك المشركين الذين قالوا في النبي صلى الله عليه وسلم أقوالا لا يقولها ~~عاقل .. PageV15P041 # أى : لقد ذكرنا لك أيها الرسول الكريم أنك بعيد عما اتهمك به الكافرون ، ~~وأن لك عندنا المنزلة التي ليس بعدها منزلة .. وما دام الأمر كذلك فسترى ~~وستعلم ، وسيرى وسيعلم هؤلاء المشركون ، في أى فريق منكم الإصابة بالجنون؟ ~~أفي فريق المؤمنين أم بفريق الكافرين .. # قال الجمل في حاشيته ما ملخصه : قوله : ( @QUR@02 فستبصر ويبصرون ) قال ~~ابن عباس : فستعلم ويعلمون يوم القيامة حين يتميز الحق من الباطل ، وقيل في ~~الدنيا بظهور عاقبة أمرك .. # ( @QUR@02 بأيكم المفتون ) الباء مزيدة في المبتدأ ، والتقدير : أيكم ~~المفتون ، فزيدت الباء كزيادتها في نحو : بحسبك درهم .. # وقيل : الباء بمعنى «في» الظرفية ، كقولك : زيد بالبصرة. أى : فيها. ~~والمعنى : في أى فرقة منكم المفتون. # وقيل : المفتون مصدر جاء على مفعول كالمعقول والميسور. أى ، بأيكم الفتون ~~.. (1) وجملة : ( @QUR@08 إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله .. ) تعليل لما ~~ينبئ عنه ما قبله من ظهور جنونهم بحيث لا يخفى على أحد ، وتأكيد لوعده ~~صلى الله عليه وسلم بالنصر ، ولوعيدهم بالخيبة والخسران. # أى : إن ربك أيها الرسول ms5729 الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك ، هو أعلم بمن ضل ~~عن سبيله ، وبمن أعرض عن طريق الحق والصواب .. وهو سبحانه أعلم بالمهتدين ~~الذين اهتدوا إلى ما ينفعهم ويسعدهم في دنياهم وآخرتهم .. # وما دام الأمر كذلك : فذرهم في طغيانهم يعمهون ، وسر في طريقك ، فستكون ~~العاقبة لك ولأتباعك. # ثم أرشده سبحانه إلى جانب من مسالكهم الخبيثة ، وصفاتهم القبيحة ، وحذره ~~من الاستجابة إلى شيء من مقترحاتهم ، فقال : ( @QUR@07 فلا تطع المكذبين. ~~ودوا لو تدهن فيدهنون ). # وقوله : ( @QUR@01 ودوا ) من الود بمعنى المحبة. وقوله : ( @QUR@01 تدهن ~~) من الإدهان وهي المسايرة والمصانعة والملاينة للغير. وأصله أن يجعل على ~~الشيء دهنا لكي يلين أو لكي يحسن شكله ، ثم استعير للملاينة والمساهلة مع الغير. PageV15P042 # أى : إن ربك أيها الرسول الكريم لا يخفى عليه شيء من أحوالك وأحوالهم ، ~~وما دام الأمر كذلك ، فاحذر أن تطيع هؤلاء المكذبين في شيء مما يقترحونه ~~عليك ، فإنهم أحبوا وودوا أن تقبل بعض مقترحاتهم ، وأن تلاينهم وتطاوعهم ~~فيما يريدون منك .. وهم حينئذ يظهرون لك من جانبهم الملاينة والمصانعة .. ~~حتى لكأنهم يميلون نحو الاستجابة لك ، وترك إيذائك وإيذاء أصحابك. # فالآية الكريمة تشير إلى بعض المساومات التي عرضها المشركون على النبي ~~صلى الله عليه وسلم وما أكثرها ، ومنها : ما ذكره ابن إسحاق في سيرته من أن ~~بعض زعماء المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : يا محمد ، هلم فلنعبد ما ~~تعبد ، وتعبد ما نعبد ، فنشترك نحن وأنت في الأمر ، فإن كان الذي تعبد خيرا ~~مما نعبد ، كنا قد أخذنا بحظنا منه ، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد ، كنت ~~قد أخذت بحظك منه ، فنزلت سورة «الكافرون». # ومنها ما دار بينه صلى الله عليه وسلم وبين الوليد بن المغيرة تارة ، وبينه ~~وبين عتبة بن ربيعة تارة أخرى .. مما هو معروف في كتب السيرة. # ولقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم لعمه أبى طالب عند ما نصحه بأن يترك ~~المشركين وشأنهم ، وقال له : يا ابن أخى أشفق على نفسك وعلى ، ولا تحملني ~~من الأمر مالا أطيق. # قال له صلى الله عليه ms5730 وسلم : يا عماه ، والله لو وضعوا الشمس في يميني ، ~~والقمر في يساري. على أن أترك هذا الأمر ما تركته ، حتى يظهره الله أو أهلك ~~فيه ..» والتعبير بقوله : ( @QUR@04 ودوا لو تدهن فيدهنون ) يشير إلى أن ~~الملاينة والمصانعة كانت منهم ، لا منه صلى الله عليه وسلم ، فهم الذين كانوا ~~يحبون منه أن يستجيب لمقترحاتهم ، لكي يقابلوا ذلك بالتظاهر بأنهم على صلة ~~طيبة به وبأصحابه. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@03 فلا تطع المكذبين ) تهييج وإلهاب ~~للتصميم على معاصاتهم ، وكانوا قد أرادوه على أن يعبد الله مدة ، وآلهتهم ~~مدة ، ويكفوا عن غوائلهم. # وقوله : ( @QUR@02 لو تدهن ) لو تلين وتصانع ( @QUR@01 فيدهنون ). # فإن قلت : لما ذا رفع «فيدهنون» ولم ينصب بإضمار «أن» وهو جواب التمني؟ ~~قلت : قد عدل إلى طريق آخر ، وهو أنه جعل خبر مبتدأ محذوف. أى : فهم يدهنون ~~، كقوله : ( @QUR@08 فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا ) على معنى : ~~ودوا لو تدهن فهم يدهنون .. (1). PageV15P043 # ثم يكرر سبحانه النهى للنبي صلى الله عليه وسلم عن طاعة كل حلاف مهين. هماز ~~مشاء بنميم .. # فيقول : ( @QUR@016 ولا تطع كل حلاف مهين. هماز مشاء بنميم. مناع للخير ~~معتد أثيم. عتل بعد ذلك زنيم ). # وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآيات الكريمة ، نزلت في الوليد بن ~~المغيرة .. وقيل : إنها نزلت في الأخنس بن شريق .. # والآيات الكريمة يشمل النهى فيها كل من هذه صفاته ، ويدخل فيها الوليد بن ~~المغيرة ، والأخنس بن شريق .. دخولا أوليا. # أى : ولا تطع أيها الرسول الكريم كل من كان كثير الحلف بالباطل ، وكل من ~~كان مهينا ، أى : حقيرا ذليلا وضيعا. من المهانة ، وهي القلة في الرأى ~~والتمييز. # ( @QUR@01 هماز ) أى : عياب للناس ، أو كثير الاغتياب لهم ، من الهمز ، ~~وأصله : الطعن في الشيء بعود أو نحوه ، ثم استعير للذي يؤذى الناس بلسانه ~~وبعينه وبإشارته ، ويقع فيهم بالسوء ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@04 ويل لكل ~~همزة لمزة ). # ( @QUR@02 مشاء بنميم ) أى : نقال للحديث السيئ لكي يفسد بين الناس .. ~~والنميم والنميمة مصدران بمعنى السعاية والإفساد. يقال : نم فلان الحديث من ~~بابى قتل وضرب إذا سار ms5731 بين الناس بالفتنة. وأصل النم : الهمس والحركة ~~الخفيفة ثم استعملت في السعى بين الناس بالفساد على سبيل المجاز. # ( @QUR@04 مناع للخير معتد أثيم ) أى : هو شديد المنع لكل ما فيه خير ، ~~ولكل من يستحقه ، خصوصا إذا كان من يستحقه من المؤمنين. # ثم هو بعد ذلك ( @QUR@01 معتد ) أى : كثير العدوان على الناس ( @QUR@01 ~~أثيم ) أى : مبالغ في ارتكابه للآثام ، لا يترك سيئة دون أن يرتكبها. # وقد جاءت صفات الذم السابقة بصيغة المبالغة ، للإشعار برسوخه فيها ، ~~وباقترافه لها بسرعة وشدة. # ( @QUR@04 عتل بعد ذلك زنيم ) والعتل : هو الجاف الغليظ ، القاسي القلب : ~~الفظ الطبع ، الأكول الشروب .. بدون تمييز بين حلال وحرام. مأخوذ من عتله ~~يعتله بكسر التاء وضمها إذا جره بعنف وغلظة .. # والزنيم هو اللصيق بالقوم دون أن يكون منهم ، وإنما هو دعى فيهم ، حتى لكأنه PageV15P044 # فيهم كالزنمة ، وهي ما يتدلى من الجلد في حلق المعز أو الشاة .. # وقيل : الزنيم ، هو الشخص الذي يعرف بالشر واللؤم بين الناس ، كما تعرف ~~الشاة بزنمتها. أى : بعلامتها. # ومعنى : «بعد ذلك» : كمعنى «ثم» أى : ثم هو بعد كل تلك الصفات القبيحة ~~السابقة : جاف غليظ ، ملصق بالقوم ، دعى فيهم .. # فهذه تسع صفات ، كل صفة منها قد بلغت النهاية في القبح والسوء ، ساقها ~~سبحانه لذم الوليد بن المغيرة وأشباهه في الكفر والفجور. # وقوله : ( @QUR@05 أن كان ذا مال وبنين .... ) متعلق بقوله قبل ذلك ( ~~@QUR@04 ولا تطع كل حلاف ... ) # أى : ولا تطع من كانت هذه صفاته لكونه ذا مال وبنين ، فإن ماله وولده لن ~~يغنى عنه من الله تعالى شيئا. # وقوله : ( @QUR@07 إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ) كلام ~~مستأنف جار مجرى التعليل للنهى عن طاعته ، والأساطير جمع أسطورة بمعنى ~~أكذوبة. # أى : لا تطعه لأنه فضلا عما اتسم به من صفات قبيحة تراه إذا تتلى عليه ~~آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا .. وعلى صدقك يا محمد فيما تبلغه عنا ~~، قال هذا العتل الزنيم ، هذه الآيات أكاذيب الأولين وترهاتهم. # ثم ختم هذه الآيات بأشد أنواع الوعيد لمن هذه صفاته فقال تعالى ( @QUR@03 ~~سنسمه على الخرطوم ). # أى : سنبين أمره ms5732 ونوضحه توضيحا يجعل الناس يعرفونه معرفة تامة لا خفاء ~~معها ولا لبس ولا غموض ، كما لا تخفى العلامة الكائنة على الخرطوم ، الذي ~~يراد به هنا الأنف. والوسم عليه يكون بالنار. # أو سنلحق به عارا لا يفارقه ، بل يلازمه مدى الحياة ، وكان العرب إذا ~~أرادوا أن يسبوا رجلا سبة قبيحة .. قالوا : قد وسم فلان ميسم سوء .. أى : ~~التصق به عار لا يفارقه ، كالسمة التي هي العلامة التي لا يمحى أثرها .. # وذكر الوسم والخرطوم فيه ما فيه من الذم ، لأن فيه جمعا بين التشويه الذي ~~يترتب على الوسم السيئ ، وبين الإهانة ، لأن كون الوسم في الوجه بل في أعلى ~~جزء من الوجه وهو الأنف .. دليل على الإذلال والتحقير. # ومما لا شك فيه أن وقع هذه الآيات على الوليد بن المغيرة وأمثاله ، كان ~~قاصما لظهورهم ، PageV15P045 # ممزقا لكيانهم ، هادما لما كانوا يتفاخرون به من أمجاد زائفة ، لأنه ذم ~~لهم من رب الأرض والسماء ، الذي لا يقول إلا حقا وصدقا. # كذلك كانت هذه الآيات تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ولأصحابه ، عما ~~أصابهم من أذى ، من هؤلاء الحلافين بالباطل والزور ، المشائين بين الناس ~~بالنميمة ، المناعين لكل خير وبر. # وبمناسبة الحديث السابق الذي فيه إشارة إلى المال والبنين ، اللذين كانا ~~من أسباب بطر هؤلاء الكافرين وطغيانهم .. ساق القرآن بعد ذلك قصة أصحاب ~~الجنة ، لتكون موعظة وعبرة لكل عاقل ، فقال تعالى : # ( @QUR@010 إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ~~(17) @QUR@02 ولا يستثنون (18) @QUR@07 فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون ~~(19) @QUR@02 فأصبحت كالصريم (20) @QUR@02 فتنادوا مصبحين (21) @QUR@07 أن ~~اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين (22) @QUR@03 فانطلقوا وهم يتخافتون (23) ~~@QUR@06 أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين (24) @QUR@04 وغدوا على حرد ~~قادرين (25) @QUR@05 فلما رأوها قالوا إنا لضالون (26) @QUR@03 بل نحن ~~محرومون (27) @QUR@08 قال أوسطهم ألم أقل لكم لو لا تسبحون (28) @QUR@06 ~~قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين (29) @QUR@05 فأقبل بعضهم على بعض ~~يتلاومون (30) @QUR@06 قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين (31) @QUR@010 عسى ~~ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون (32) @QUR@08 كذلك العذاب ~~ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ) (33) # قال الإمام ms5733 ابن كثير ما ملخصه : هذا مثل ضربه الله تعالى لكفار قريش ، ~~فيما أهدى إليهم من الرحمة العظيمة ، وأعطاهم من النعم الجسيمة ، وهو بعثه ~~محمدا صلى الله عليه وسلم إليهم فقابلوه بالتكذيب والمحاربة .. PageV15P046 # وقد ذكر بعض السلف : أن أصحاب الجنة هؤلاء كانوا من أهل اليمن كانوا من ~~قرية يقال لها : «ضروان» على ستة أميال من صنعاء .. وكان أبوهم قد ترك لهم ~~هذه الجنة ، وكانوا من أهل الكتاب ، وقد كان أبوهم يسير فيها سيرة حسنة ، ~~فكان ما استغله منها يرد فيها ما يحتاج إليه ، ويدخر لعياله قوت سنتهم ، ~~ويتصدق بالفاضل. # فلما مات وورثه أولاده ، قالوا : لقد كان أبونا أحمق ، إذ كان يصرف من ~~هذه الجنة شيئا للفقراء ، ولو أنا منعناهم لتوفر ذلك لنا ، فلما عزموا على ~~ذلك عوقبوا بنقيض قصدهم ، فقد أذهب الله ما بأيديهم بالكلية : أذهب رأس ~~المال ، والربح .. فلم يبق لهم شيء .. (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@01 بلوناهم ) أى : اختبرناهم وامتحناهم ، مأخوذ من ~~البلوى ، التي تطلق على الاختبار ، والابتلاء قد يكون بالخير وقد يكون ~~بالشر ، كما قال تعالى : ( @QUR@08 كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر ~~والخير فتنة ).. وكما في قوله سبحانه : ( @QUR@05 وبلوناهم بالحسنات ~~والسيئات لعلهم يرجعون ). # والمراد بالابتلاء هنا : الابتلاء بالشر بعد جحودهم لنعمة الخير. # أى : إنا امتحنا مشركي قريش بالقحط والجوع. حتى أكلوا الجيف ، بسبب كفرهم ~~بنعمنا ، وتكذيبهم لرسولنا صلى الله عليه وسلم كما ابتلينا من قبلهم أصحاب ~~الجنة ، بأن دمرناها تدميرا ، بسبب بخلهم وامتناعهم عن أداء حقوق الله منها .. # ويبدو أن قصة أصحاب الجنة ، كانت معروفة لأهل مكة ، ولذا ضرب الله تعالى ~~المثل بها. حتى يعتبروا ويتعظوا .. # ووجه المشابهة بين حال أهل مكة ، وحال أصحاب الجنة .. يتمثل في أن كلا ~~الطرفين قد منحه الله تعالى نعمة عظيمة ، ولكنه قابلها بالجحود وعدم الشكر. # و ( @QUR@01 إذ ) في قوله : ( @QUR@04 إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين .. ) ~~تعليلية. # والضمير في ( @QUR@01 أقسموا ) يعود لمعظمهم ، لأن الآيات الآتية بعد ذلك ~~، تدل على أن أوسطهم قد نهاهم عما اعتزموه من حرمان المساكين ، ومن مخالفة ~~ما يأمرهم شرع الله تعالى به .. # قال تعالى ms5734 : ( @QUR@08 قال أوسطهم ألم أقل لكم لو لا تسبحون ... ). # وقوله : ( @QUR@01 ليصرمنها ) من الصرم وهو القطع. يقال : صرم فلان زرعه ~~من باب ضرب إذا جزه وقطعه ، ومنه قولهم : انصرم حبل المودة بين فلان وفلان ~~، إذا انقطع. PageV15P047 # وقوله : ( @QUR@01 مصبحين ) أى : داخلين في وقت الصباح المبكر. # أى : إنا امتحنا أهل مكة بالبأساء والضراء ، كما امتحنا أصحاب البستان ~~الذين كانوا قبلهم ، لأنهم أقسموا بالأيمان المغلظة ، ليقطعن ثمار هذا ~~البستان في وقت الصباح المبكر. # ( @QUR@02 ولا يستثنون ) أى : دون أن يجعلوا شيئا ولو قليلا من ثمار هذا ~~البستان للمحتاجين ، الذين أوجب الله تعالى لهم حقوقا في تلك الثمار. # وقيل معنى ( @QUR@02 ولا يستثنون ) ولم يقولوا إن شاء الله ، كما قال ~~تعالى : ( @QUR@011 ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ... ). # والجملة الكريمة معطوفة على قوله تعالى : ( @QUR@01 ليصرمنها )، وهي في ~~الوقت نفسه مقسم عليه. # أى : أقسموا ليصر منها في وقت الصباح المبكر ، وأقسموا كذلك على أن لا ~~يعطوا شيئا منها للفقراء أو المساكين. # ثم بين سبحانه ما ترتب على هذا القسم الذي لم يقصد به الخير ، وإنما قصد ~~به الشر فقال : ( @QUR@09 فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون. فأصبحت ~~كالصريم ). # والطائف : مأخوذ من الطواف ، وهو المشي حول الشيء من كل نواحيه ومنه ~~الطواف حول الكعبة. وأكثر ما يستعمل لفظ الطائف في الشر كما هنا ، ومنه ~~قوله تعالى : ( @QUR@012 إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا ~~فإذا هم مبصرون ). # وعدى لفظ «طائف» بحرف «على» لتضمينه معنى : تسلط أو نزل. والصريم كما ~~يقول القرطبي : الليل المظلم .. أى : احترقت فصارت كالليل الأسود. # وعن ابن عباس : كالرماد الأسود. أو : كالزرع المحصود. فالصريم بمعنى ~~المصروم ، أى : المقطوع ما فيه .. (1). # أى : أقسم هؤلاء الجاحدون على أن لا يعطوا شيئا من جنتهم للمحتاجين ، ~~فكانت نتيجة نيتهم السيئة ، وعزمهم على الشر .. أن نزل بهذه الحديقة بلاء ~~أحاط بها فأهلكها ، فصارت كالشىء المحترق الذي قطعت ثماره ، ولم يبق منه ~~شيء ينفع. # ولم يعين سبحانه نوع هذا الطائف ، أو كيفية نزوله ، لأنه لا يتعلق بذكره ~~غرض ms5735 ، وإنما المقصود ما ترتب عليه من آثار توجب الاعتبار. PageV15P048 # وتنكير لفظ ( @QUR@01 طائف ) للتهويل. و ( @QUR@01 من ) في قوله ( ~~@QUR@02 من ربك ) للابتداء ، والتقييد بكونه من الرب عز وجل لإفادة أنه بلاء ~~لا قبل لأحد من الخلق بدفعه. # قال القرطبي : في هذه الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان ، ~~لأنهم عزموا على أن يفعلوا ، فعوقبوا قبل فعلهم. ومثله قوله تعالى : ( ~~@QUR@09 ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ). وفي الحديث الصحيح ~~: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما ، فالقاتل والمقتول في النار. قيل : يا ~~رسول الله ، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال : إنه كان حريصا على قتل ~~صاحبه» .. (1). # ثم يصور سبحانه أحاسيسهم وحركاتهم ، وقد خرجوا لينفذوا ما عزموا عليه من ~~سوء .. فيقول : ( @QUR@02 فتنادوا مصبحين ) أى : فنادى بعضهم بعضا في وقت ~~الصباح المبكر ، حتى لا يراهم أحد. # فقالوا في تناديهم : ( @QUR@07 أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين ) أى : ~~قال بعضهم لبعض : هيا بنا لنذهب إلى بستاننا لكي نقطع ما فيه من ثمار في ~~هذا الوقت المبكر ، حتى لا يرانا أحد ، إذ الغدو هو الخروج إلى المكان في ~~غدوة النهار. أى : في أوله. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : هلا قيل : اغدوا إلى حرثكم ، وما معنى ~~«على»؟. # قلت : لما كان الغدو إليه ليصرموه ويقطعوه : كان غدوا عليه ، كما تقول : ~~غدا عليهم العدو. ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإقبال ، كقولهم : يغدى عليه ~~بالجفنة ويراح. أى : فأقبلوا على حرثكم باكرين .. (2). # وجواب الشرط في قوله : ( @QUR@03 إن كنتم صارمين ) محذوف لدلالة ما قبله ~~عليه. أى : إن كنتم صارمين فاغدوا ( @QUR@03 فانطلقوا وهم يتخافتون ) أى : ~~فانطلقوا مسرعين نحو جنتهم وهم يتسارون فيما بينهم ، إذ التخافت : تفاعل من ~~خفت فلان في كلامه ، إذا نطق به بصوت منخفض لا يكاد يسمع. # وجملة : ( @QUR@06 أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين ) مفسرة لما قبلها ~~لأن التخافت فيه معنى القول دون حروفه أى : انطلقوا يتخافتون وهم يقولون ~~فيما بينهم : احذروا أن يدخل جنتكم اليوم وأنتم تقطعون ثمارها أحد من ~~المساكين. PageV15P049 # وجملة : «وغدوا على حرد قادرين» حالية. والحرد : القصد. ms5736 يقال : فلان حرد ~~فلان من باب ضرب أى : قصد قصده. # قال الإمام الشوكانى : الحرد يكون بمعنى المنع والقصد .. لأن القاصد إلى ~~الشيء حارد. يقال : حرد يحرد إذا قصد .. وقال أبو عبيدة : ( @QUR@02 على ~~حرد ) أى : على منع ، من قولهم : حردت الإبل حردا ، إذا قلت ألبانها. ~~والحرود من الإبل : القليلة اللبن .. وقال السدى : ( @QUR@02 على حرد ): ~~أى : على غضب .. وقال الحسن : على حرد ، أى : على حاجة وفاقة. وقيل : ( ~~@QUR@02 على حرد ) أى : على انفراد. يقال : حرد يحرد حردا ، إذا تنحى عن ~~قومه ، ونزل منفردا عنهم دون أن يخالطهم .. # أى : أن أصحاب الجنة ساروا إليها غدوة ، على أمر قد قصدوه وبيتوه .. ~~موقنين أنهم قادرون على تنفيذه ، لأنهم قد اتخذوا له جميع وسائله ، من ~~الكتمان والتبكير والبعد عن أعين المساكين. # أو : ساروا إليها في الصباح المبكر ، وهم ليس معهم أحد من المساكين أو من ~~غيرهم ، وهم في الوقت نفسه يعتبرون أنفسهم قادرين على قطع ثمارها ، دون أن ~~يشاركهم أحد في تلك الثمار. # ثم صور سبحانه حالهم تصويرا بديعا عند ما شاهدوا جنتهم ، وقد صارت ~~كالصريم ، فقال : ( @QUR@05 فلما رأوها قالوا إنا لضالون ). # أى : فحين شاهدوا جنتهم وهي على تلك الحال العجيبة قال بعضهم لبعض : إنا ~~لضالون عن طريق جنتنا ، تائهون عن الوصول إليها .. لأن هذه الجنة الخاوية ~~على عروشها ليست هي جنتنا التي عهدناها بالأمس القريب ، زاخرة بالثمار. # ثم اعترفوا بالحقيقة المرة ، بعد أن تأكدوا أن ما أمامهم هي حديقتهم ~~فقالوا : ( @QUR@03 بل نحن محرومون ) أى : لسنا بضالين عن الطريق إليها ، ~~بل الحقيقة أن الله تعالى قد حرمنا من ثمارها .. بسبب إصرارنا على حرماننا ~~المساكين من حقوقهم منها. # وهنا تقدم إليهم أوسطهم رأيا ، وأعدلهم وأمثلهم تفكيرا .. فقال لهم : ( ~~@QUR@06 ألم أقل لكم لو لا تسبحون ). # والاستفهام للتقرير. و ( @QUR@02 لو لا ) حرف تحضيض بمعنى هلا. والتسبيح ~~هنا بمعنى : الاستغفار والتوبة ، وإعطاء كل ذي حق حقه. # أى : قال لهم أعقلهم وأصلحهم بعد أن شاهد ما شاهد من أمر الحديقة. قال ~~لهم : لقد قلت لكم عند ما عزمتم على حرمان المساكين حقوقهم ms5737 منها .. اتقوا ~~الله ولا تفعلوا ذلك ، PageV15P050 # وسيروا على الطريقة التي كان يسير عليها أبوكم ، وأعطوا المساكين حقوقهم ~~منها ، ولكنكم خالفتموني ولم تطيعوا أمرى ، فكانت نتيجة مخالفتكم لنصحي ، ~~ما ترون من خراب الجنة ، التي أصابنى من خرابها ما أصابكم. # وكعادة كثير من الناس الذين : لا يقدرون النعمة إلا بعد فوات الأوان .. ~~قالوا لأعقلهم وأصلحهم : ( @QUR@05 سبحان ربنا إنا كنا ظالمين ). # أى : قالوا وهم يعترفون بظلمهم وجرمهم .. ( @QUR@02 سبحان ربنا ) أى : ~~ننزه ربنا ونستغفره عما حدث منا ، فإننا كنا ظالمين لأنفسنا حين منعنا حق ~~الله تعالى عن عباده. # ثم حكى سبحانه ما دار بينهم بعد أن أيقنوا أن حديقتهم قد دمرت فقال : ( ~~@QUR@05 فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون ). أى : يلوم بعضهم بعضا ، وكل واحد ~~منهم يلقى التبعة على غيره ، ويقول له : أنت الذي كنت السبب فيما أصابنا من ~~حرمان .. # ( @QUR@03 قالوا يا ويلنا ) أى : يا هلاكنا ويا حسرتنا .. ( @QUR@03 إنا ~~كنا طاغين ) أى : إنا كنا متجاوزين لحدودنا ، وفاسقين عن أمر ربنا ، عند ما ~~صممنا على البخل بما أعطانا سبحانه من فضله. ( @QUR@02 عسى ربنا ) بفضله ~~وإحسانه ( @QUR@04 أن يبدلنا خيرا منها ) أى : أن يعطينا ما هو خير منها ( ~~@QUR@03 إنا إلى ربنا ) لا إلى غيره ( @QUR@01 راغبون ) أى : راغبون في ~~عطائه ، راجعون إليه بالتوبة والندم .. # قال الآلوسى : قال مجاهد : إنهم تابوا فأبدلهم الله تعالى خيرا منها. ~~وحكى عن الحسن : التوقف. وسئل قتادة عنهم : أهم من أهل الجنة أم من أهل ~~النار؟ فقال للسائل : لقد كلفتني تعبا .. (1). # ثم ختم سبحانه قصتهم بقوله : ( @QUR@02 كذلك العذاب ) أى : مثل الذي ~~بلونا به أصحاب الجنة ، من إهلاك جنتهم بسبب جحودهم لنعمنا .. يكون عذابنا ~~لمن خالف أمرنا من كبار مكة وغيرهم. # فقوله : ( @QUR@01 كذلك ) خبر مقدم ، و ( @QUR@01 العذاب ) مبتدأ مؤخر. ~~والمشار إليه هو ما تضمنته القصة من إتلاف تلك الجنة ، وإذهاب ثمارها. # وقدم المسند وهو الخبر ، على المسند إليه وهو المبتدأ ، للاهتمام بإحضار ~~تلك الصورة العجيبة في ذهن السامع. PageV15P051 # وقوله : ( @QUR@06 ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ) يدل على أن ~~المراد بالعذاب السابق عذاب الدنيا. # أى : مثل ذلك العذاب ms5738 الذي أنزلناه بأصحاب الجنة في الدنيا ، يكون عذابنا ~~لمشركي قريش ، أما عذاب الآخرة فهو أشد وأبقى وأعظم .. ولو كانوا من أهل ~~العلم والفهم ، لعلموا ذلك ، ولأخذوا منه حذرهم عن طريق الإيمان والعمل ~~الصالح. هذا ، والمتأمل في هذه القصة ، يراها زاخرة بالمفاجآت ، وبتصوير ~~النفس الإنسانية في حال غناها وفي حال فقرها ، في حال حصولها على النعمة ~~وفي حال ذهاب هذه النعمة من بين يديها. # كما يراها تحكى لنا سوء عاقبة الجاحدين لنعم الله ، إذ أن هذا الجحود ~~يؤدى إلى زوال النعم ، ورحم الله القائل : من لم يشكر النعم فقد تعرض ~~لزوالها ، ومن شكرها فقد قيدها بعقالها. # ثم تبدأ السورة بعد ذلك في بيان حسن عاقبة المؤمنين ، وفي محاجة المجرمين ~~، وفي تحديهم بالسؤال تلو السؤال ، إلزاما لهم بالحجة ، وتقريعا لهم على ~~غفلتهم ، وتذكيرا لهم بيوم القيامة الذي سيندمون عنده ، ولن ينفعهم الندم. # قال تعالى : # ( @QUR@06 إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم (34) @QUR@03 أفنجعل المسلمين ~~كالمجرمين (35) @QUR@04 ما لكم كيف تحكمون (36) @QUR@05 أم لكم كتاب فيه ~~تدرسون (37) @QUR@05 إن لكم فيه لما تخيرون (38) @QUR@012 أم لكم أيمان ~~علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون (39) @QUR@04 سلهم أيهم ~~بذلك زعيم (40) @QUR@08 أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين ~~(41) @QUR@09 يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون (42) ~~@QUR@011 خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون ) (43) # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 إن للمتقين عند ربهم .. ) بيان لما وعد به ~~سبحانه المؤمنين الصادقين ، بعد بيان وعيده للجاحدين المكذبين. PageV15P052 # أى : إن للذين اتقوا ربهم ، وصانوا أنفسهم عما حرمه .. جنات ليس لهم فيها ~~إلا النعيم الخالص ، والسرور التام. والخير الذي لا ينقطع ولا يمتنع. # واللام في قوله : ( @QUR@01 للمتقين ) للاستحقاق ، وقال سبحانه ( @QUR@02 ~~عند ربهم ) للتشريف والتكريم. # أى : هذه الجنات اختص الرب عز وجل بها الذين اتقوه في كل أحوالهم. # وإضافة الجنات إلى النعيم ، للإشارة إلى أن النعيم ملازم لها لا يفارقها ~~فلا يكون فيها ما يكون في جنات الدنيا من تغير في الأحوال ، فهي تارة مثمرة ~~، وتارة ليست كذلك. # والاستفهام في قوله : ( @QUR@03 أفنجعل المسلمين ms5739 كالمجرمين ) للنفي ~~والإنكار. والفاء للعطف على مقدر يقتضيه الكلام. # أى : أنحيف في أحكامنا فنجعل الذين أخلصوا لنا العبادة. كالذين أشركوا ~~معنا آلهة أخرى؟ أو نجعل الذين أسلموا وجوههم لنا ، كالذين فسقوا عن أمرنا؟ # كلا ، لن نجعل هؤلاء كهؤلاء ، فإن عدالتنا تقتضي التفريق بينهم. # قال الجمل : لما نزلت هذه الآية وهي قوله : ( @QUR@02 إن للمتقين ... ) ~~قال كفار مكة للمسلمين إن الله فضلنا عليكم في الدنيا ، فلا بد وأن يفضلنا ~~عليكم في الآخرة ، فإذا لم يحصل التفضيل ، فلا أقل من المساواة فأجابهم ~~الله تعالى بقوله : ( @QUR@03 أفنجعل المسلمين كالمجرمين ) (1). # ثم أضاف سبحانه إلى توبيخهم توبيخا آخر فقال : ( @QUR@04 ما لكم ، كيف ~~تحكمون ). # وقوله ( @QUR@02 ما لكم ) جملة من مبتدأ وخبر ، وهي بمثابة تأنيب آخر لهم ~~وقوله : ( @QUR@02 كيف تحكمون ) تجهيل لهم ، وتسفيه لعقولهم. # أى : ما الذي حدث لعقولكم ، حتى ساويتم بين الأخيار والأشرار والأطهار ~~والفجار ، ومن أخلصوا لله عبادتهم ، ومن كفروا به؟ # ثم انتقل سبحانه من توبيخهم على جهلهم ، إلى توبيخهم على كذبهم فقال : ( ~~@QUR@010 أم لكم كتاب فيه تدرسون. إن لكم فيه لما تخيرون ). # و ( @QUR@01 أم ) هنا وما بعدها للإضراب الانتقالى ، وهي بمعنى بل ، ~~والضمير في قوله ( @QUR@01 فيه ) يعود على الكتاب. # وقوله : ( @QUR@01 تدرسون ) أى : تقرأون بعناية وتفكير. PageV15P053 # وقوله : ( @QUR@01 تخيرون ) أصله : تتخيرون. والتخير : تطلب ما هو خير. ~~يقال : فلان تخير الشيء واختاره ، إذا أخذ خيره وجيده. # أى : بل ألكم أيها المشركون كتاب قرأتم فيه بفهم وتدبر المساواة بين ~~المتقين والمجرمين ، وأخذتم منه ما اخترتموه من أحكام؟ كلا ، إنه لا يوجد ~~كتاب سماوي ، أو غير سماوي ، يوافقكم على التسوية بين المتقين والمجرمين. ~~وأنتم إنما تصدرون أحكاما كاذبة. ما أنزل الله بها من سلطان. # ثم انتقل سبحانه إلى توبيخهم على لون آخر من مزاعمهم فقال : ( @QUR@012 ~~أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة ، إن لكم لما تحكمون ). # أى : وقل لهم يا محمد على سبيل إلزامهم الحجة : بل ألكم ( @QUR@01 أيمان ~~) أى : عهود ومواثيق مؤكدة ( @QUR@01 علينا ) وهذه العهود ( @QUR@01 بالغة ~~) أقصى مداها في التوكيد ، وثابتة لكم علينا ( @QUR@03 إلى يوم القيامة ) ~~بأننا قد سوينا ms5740 بين المسلمين والمجرمين في أحكامنا ، كما زعمتم أنتم؟ إن ~~كانت لكم علينا هذه الأيمان والعهود ، فأظهروها للناس ، وفي هذه الحالة ~~يكون من حقكم أن تحكموا بما حكمتم به. # ومما لا شك فيه ، أنهم ليست لهم عهود عند الله بما زعموه من أحكام ، ~~وإنما المقصود من الآية الكريمة ، بيان كذبهم في أقوالهم ، وبيان أنهم لا ~~يستطيعون أن يأتوا بجواب يثبتون به مدعاهم. # وقوله : ( @QUR@04 إن لكم لما تحكمون ) جواب القسم ، لأن قوله : ( ~~@QUR@04 أم لكم أيمان علينا ) بمعنى : أم أقسمنا لكم أيمانا موثقة بأننا ~~رضينا بأحكامكم التي تسوون فيها بين المسلمين والمجرمين. # ثم أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يسألهم سؤال تبكيت وتأنيب فقال : ~~( @QUR@04 سلهم أيهم بذلك زعيم ). # والزعيم : هو الضامن ، والمتكلم عن القوم ، والناطق بلسانهم .. # واسم الإشارة يعود على الحكم الباطل الذي حكموه ، وهو التسوية بين ~~المسلمين والمجرمين. # أى : سل أيها الرسول الكريم هؤلاء المشركين ، سؤال تقريع وتوبيخ ، أى ~~واحد منهم سيكون يوم القيامة ، كفيلا بتحمل مسئولية هذا الحكم ، وضامنا بأن ~~المسلمين سيكونون متساوين مع المجرمين في الأحكام عند الله تعالى . PageV15P054 # ثم انتقل سبحانه إلى إلزامهم الحجة عن طريق آخر فقال : ( @QUR@08 أم لهم ~~شركاء ، فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين ). # أى : بل ألهم شركاء يوافقونهم على هذا الحكم الباطل ، إن كان عندهم ذلك ، ~~فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين في زعمهم التسوية بين المتقين والمجرمين. # والمراد بالشركاء هنا : الأصنام التي يشركونها في العبادة مع الله عز وجل . # وحذف متعلق الشركاء لشهرته. أى : أم لهم شركاء لنا في الألوهية يشهدون ~~لهم بصحة أحكامهم. # والأمر في قوله : ( @QUR@01 فليأتوا ... ) للتعجيز. # والمتدبر في هذه الآيات الكريمة ، يرى أن الله تعالى قد وبخهم باستفهامات ~~سبعة : أولها قوله تعالى : ( @QUR@01 أفنجعل .... ) الثاني : ( @QUR@02 ما ~~لكم ... ) الثالث : ( @QUR@02 كيف تحكمون ) الرابع : ( @QUR@03 أم لكم كتاب ~~) الخامس : ( @QUR@03 أم لكم أيمان ) السادس : ( @QUR@03 أيهم بذلك زعيم ) ~~السابع : ( @QUR@03 أم لهم شركاء ). # قال الآلوسى : وقد نبه سبحانه في هذه الآيات ، على نفى جميع ما يمكن أن ~~يتعلقوا به في تحقيق دعواهم ، حيث نبه سبحانه على نفى الدليل العقلي ms5741 بقوله ~~( @QUR@04 ما لكم كيف تحكمون ). وعلى نفى الدليل النقلى بقوله ( @QUR@03 ~~أم لكم كتاب .. )، وعلى نفى أن يكون الله وعدهم بذلك بقوله ( @QUR@03 أم ~~لكم أيمان .. ) وعلى نفى التقليد الذي هو أوهن من حبال القمر بقوله ( ~~@QUR@03 أم لهم شركاء ... ) (1). # ثم بين سبحانه جانبا من أهوال يوم القيامة ، ومن حال الكافرين فيه ، فقال ~~: ( @QUR@020 يوم يكشف عن ساق ، ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون. خاشعة ~~أبصارهم ترهقهم ذلة ، وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون ). # والظرف «يوم» يجوز أن يكون متعلقا بقوله تعالى قبل ذلك ( @QUR@02 فليأتوا ~~بشركائهم ... ) ويصح أن يكون متعلقا بمحذوف تقديره. اذكر ، والمراد باليوم ~~، يوم القيامة. # والكشف عن الساق معناه التشمير عنها وإظهارها ، وهو مثل لشدة الحال ، ~~وصعوبة الخطب والهول ، وأصله أن الإنسان إذا اشتد خوفه ، أسرع في المشي ، ~~وشمر عن ثيابه ، فينكشف ساقه. # قال صاحب الكشاف : الكشف عن الساق ، والإبداء عن الخدام. أى : الخلخال الذي PageV15P055 # تلبسه المرأة في رجلها وهو جمع خدمة كرقاب جمع رقبة مثل في شدة الأمر ، ~~وصعوبة الخطب ، وأصله في الروع والهزيمة وتشمير المخدرات عن سوقهن في الهرب ~~، وإبداء خدامهن عند ذلك .. # كما قال الشاعر : # أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها %~% وإن شمرت عن سوقها الحرب شمرا # فمعنى يوم يكشف عن ساق : يوم يشتد الأمر ويتفاقم ، ولا كشف ولا ساق ، كما ~~تقول للأقطع الشحيح : يده مغلولة ، ولا يد ثم ولا غل ، وإنما هو مثل في ~~البخل .. # فإن قلت : فلم جاءت منكرة في التمثيل؟ قلت : للدلالة على أنه أمر مبهم في ~~الشدة ، فظيع خارج عن المألوف .. (1). # والمعنى : اذكر لهم أيها الرسول الكريم لكي يعتبروا ويتعظوا أهوال يوم ~~القيامة ، يوم يشتد الأمر ، ويعظم الهول. # ( @QUR@01 ويدعون ) هؤلاء الذين فسقوا عن أمر ربهم في هذا اليوم ( ~~@QUR@02 إلى السجود ) لله تعالى على سبيل التوبيخ لهم ، لأنهم كانوا ~~ممتنعين عنه في الدنيا .. # ( @QUR@02 فلا يستطيعون ) أى : فلا يستطيعون ذلك ، لأنه الله تعالى سلب ~~منهم القدرة على السجود له في هذا اليوم العظيم ، لأنه يوم جزاء وليس يوم ~~تكليف والذين يدعونهم إلى السجود ، هم الملائكة بأمره ms5742 تعالى . # وقوله : ( @QUR@02 خاشعة أبصارهم ... ) حال من فاعل ( @QUR@01 يدعون ) ~~وخشوع الأبصار : كناية عن الذلة والخوف الشديد. ونسب الخشوع إلى الأبصار ، ~~لظهور أثره فيها. # أى : هم يدعون إلى السجود فلا يستطيعون ذلك. لأنه تعالى سلب منهم القدرة ~~عليه ، ثم يساقون إلى النار ، حالة كونهم ذليلة أبصارهم ، منخفضة رءوسهم .. # ( @QUR@02 ترهقهم ذلة ) أى : تغشاهم وتعلوهم ذلة وانكسار .. # ( @QUR@02 وقد كانوا ) في الدنيا ( @QUR@03 يدعون إلى السجود ) لله تعالى ~~( @QUR@02 وهم سالمون ) أى : وهم قادرون على السجود له تعالى ، ومتمكنون من ~~ذلك أقوى تمكن ... ، ولكنهم كانوا يعرضون عمن يدعوهم إلى إخلاص العبادة لله ~~تعالى ، ويستهزئون به .. # قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : قوله : ( @QUR@04 يوم يكشف عن ساق ... ) ~~يعنى يوم القيامة ، وما يكون فيه من الأهوال ، والزلازل ، والبلايا ، ~~والامتحان ، والأمور العظام .. PageV15P056 # روى البخاري عن أبى سعيد الخدري قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ~~يكشف ربنا عن ساقه ، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ، ويبقى من كان يسجد في ~~الدنيا رياء وسمعة ، فيذهب ليسجد فيعود ظهره ، طبقا واحدا أى : يصير ظهره ~~كالشىء الصلب فلا يقدر على السجود . # وعن ابن عباس قال : ( @QUR@04 يوم يكشف عن ساق ): وهو يوم كرب وشدة .. (1). # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة ، بالتهديد الشديد للكافرين ، وببيان جانب ~~من تصرفه الحكيم معهم ، وبتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم ، ~~ويأمره بالصبر على أذاهم ، وعلى أحقادهم التي تنبئ عنها نظراتهم المسمومة ~~إليه ، فقال تعالى : # ( @QUR@010 فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (44) ~~@QUR@05 وأملي لهم إن كيدي متين (45) @QUR@07 أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم ~~مثقلون (46) @QUR@05 أم عندهم الغيب فهم يكتبون (47) @QUR@011 فاصبر لحكم ~~ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم (48) @QUR@011 لو لا أن تداركه ~~نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم (49) @QUR@05 فاجتباه ربه فجعله من ~~الصالحين (50) @QUR@012 وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا ~~الذكر ويقولون إنه لمجنون (51) @QUR@05 وما هو إلا ذكر للعالمين ) (52) # والفاء في قوله : ( @QUR@05 فذرني ومن يكذب بهذا الحديث ... ) لترتيب ما ~~بعدها على ما قبلها. # والفعل : ( @QUR@01 فذرني ) من الأفعال التي يأتى منها الأمر ms5743 والمضارع ، ~~ولم يسمع لها ماض ، وهو بمعنى اترك. يقال : ذره يفعل كذا ، أى : اتركه. ~~ومنه قوله تعالى ( @QUR@07 ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون ). # والمراد ( @QUR@02 بهذا الحديث ... ) ما أوحاه الله تعالى إلى نبيه ~~صلى الله عليه وسلم من قرآن كريم ، ومن توجيهات حكيمة ، لكي يبلغها للناس. PageV15P057 # والاستدراج : استنزال الشيء من درجة إلى أخرى ، والانتقال به من حالة إلى ~~أخرى ، والسين والتاء فيه للطلب والمراد به هنا : التمهل في إنزال العقوبة. # والإملاء : الإمداد في الزمن ، والإمهال والتأخير ، مأخوذ من الملاوة ~~والملوة ، وهي الطائفة الطويلة من الزمن. والملوان. الليل : والنهار ، ~~والمراد به هنا : إمدادهم بالكثير من النعم .. # يقال : أملى فلان لبعيره ، إذا أرخى له في الزمام ، ووسع له في القيد ، ~~ليتسع المرعى. # والكيد كالمكر ، وهو التدبير الذي يقصد به غير ظاهره ، بحيث ينخدع ~~الممكور به ، فلا يفطن لما يراد به ، حتى يقع عليه ما يسوؤه. # وإضافة الكيد إليه تعالى يحمل على المعنى اللائق به كإبطال مكر أعدائه ، ~~وكإمدادهم بالنعم. ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. # والمقصود بهاتين الآيتين الكريمتين : تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عما ~~أصابه من أعدائه. # والمعنى : إذا كانت أحوال هؤلاء المشركين ، كما ذكرت لك أيها الرسول ~~الكريم فكل أمرهم إلى ، واترك أمر هؤلاء الذين يكذبونك فيما جئتهم به من ~~عندنا إلى ربك ، ولا تشغل بالك بهم. فإنى سأقربهم قليلا قليلا إلى ما ~~يهلكهم ويضاعف عقابهم ، بأن أسوق لهم النعم ، حتى يفاجئهم الهلاك من حيث لا ~~يعلمون أن صنعنا هذا معهم هو لون من الاستدراج ، ثم إنى أمد لهم في أسباب ~~الحياة الرغدة ، ليزدادوا إثما ، ثم آخذهم أخذ عزيز مقتدر ، وهذا لون من ~~ألوان كيدي الشديد القوى ، الذي لا يفطن إليه أمثال هؤلاء الجاهلين ~~الأغبياء .. # وشبيه بهاتين الآيتين قوله تعالى : ( @QUR@029 فلما نسوا ما ذكروا به ~~فتحنا عليهم أبواب كل شيء ، حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم ~~مبلسون. فقطع دابر القوم الذين ظلموا. والحمد لله رب العالمين ) (1). # وفي الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى أن رسول الله صلى الله ms5744 عليه وسلم قال : ~~«إن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته». # وقال الحسن البصري : كم من مستدرج بالإحسان ، وكم من مفتون بالثناء عليه ~~، وكم من مغرور بالستر عليه. # قال الآلوسى : وقوله ( @QUR@01 سنستدرجهم .. ) استئناف مسوق لبيان كيفية ~~التعذيب المستفاد من الكلام السابق إجمالا. PageV15P058 # وقوله : ( @QUR@04 من حيث لا يعلمون ) أى : من حيث لا يعلمون أنه استدراج ~~، بل يزعمون أن ذلك إيثار لهم ، وتفضل على المؤمنين مع أنه سبب هلاكهم. # وقوله : ( @QUR@02 وأملي لهم ) أى : وأمهلهم ليزدادوا إثما. ( @QUR@03 إن ~~كيدي متين ) أى : لا يدفع بشيء. # وتسمية ذلك كيدا وهو ضرب من الاحتيال لكونه في صورته ، حيث إنه سبحانه ~~يفعل معهم ما هو نفع لهم ظاهرا ، ومراده عز وجل به الضرر ، لما علم من خبث ~~جبلتهم ، وتماديهم في الكفر والجحود .. (1). # ثم عادت السورة الكريمة إلى إبطال معاذيرهم ، بأسلوب الاستفهام الإنكارى ~~، الذي تكرر فيها كثيرا ، فقال تعالى : ( @QUR@012 أم تسئلهم أجرا فهم من ~~مغرم مثقلون. أم عندهم الغيب فهم يكتبون )؟ # والمغرم والغرامة : ما يفرض على المرء أداؤه من مال وغيره. # والمثقلون : جمع مثقل ، وهو من أثقلته الديون ، حتى صار في حالة عجز عن ~~أدائها. # والمراد بالغيب : علم الغيب ، وهو ما غاب عن علم البشر ، فالكلام على حذف مضاف. # والمعنى : بل أتسألهم يا محمد على دعوتك لهم إلى الحق والخير ( @QUR@01 ~~أجرا ) دنيويا ( @QUR@01 فهم ) من أجل ذلك مثقلون بالديون المالية ، ~~وعاجزون عن دفعها لك .. فترتب على هذا الغرم الثقيل. أن أعرضوا عن دعوتك ، ~~وتجنبوا الدخول في دينك؟. # أم أن هؤلاء القوم عندهم علم الغيب ، بأن يكونوا قد اطلعوا على ما سطرناه ~~في اللوح المحفوظ من أمور غيبية لا يعلمها أحد سوانا .. فهم يكتبون ذلك ، ~~ثم يصدرون أحكامهم. ويجادلونك في شأنها. وكأنهم قد اطلعوا على بواطن ~~الأمور!. # الحق الذي لا حق سواه ، أن هؤلاء القوم ، أنت لم تطلب منهم أجرا على ~~دعوتك إياهم إلى إخلاص العبادة لنا ، ولا علم عندهم بشيء من الغيوب التي لا ~~يعلمها أحد سوانا ، وكل ما يزعمونه في هذا الشأن فهو ضرب من الكذب والجهل ms5745 .. # وما دام الأمر كما ذكرنا لك ( @QUR@01 فاصبر ) أيها الرسول الكريم لحكم ~~ربك ، ولقضائه فيك وفيهم ، وسر في طريقك التي كلفناك به ، وهو تبليغ ~~رسالتنا إلى الناس .. وستكون العاقبة لك ولأتباعك. PageV15P059 # ( @QUR@02 ولا تكن ) أيها الرسول الكريم ( @QUR@02 كصاحب الحوت ) وهو ~~يونس عليه السلام . # أى : لا يوجد منك ما وجد منه ، من الضجر ، والغضب على قومه الذين لم ~~يؤمنوا ، ففارقهم دون أن يأذن له ربه بمفارقتهم .. # والظرف في قوله : ( @QUR@04 إذ نادى وهو مكظوم ) منصوب بمضاف محذوف ، ~~وجملة «وهو مكظوم» في محل نصب على الحال من فاعل «نادى» .. # والمكظوم بزنة مفعول : المملوء غضبا وغيظا وكربا ، مأخوذ من كظم فلان ~~السقاء إذا ملأه ، وكظم الغيظ إذا حبسه وهو ممتلئ به. # أى : لا يكن حالك كحال صاحب الحوت ، وقت ندائه لربه عز وجل وهو مملوء غيظا ~~وكربا ، لما حدث له مع قومه. ولما أصابه من بلاء وهو في بطن الحوت. # وهذا النداء قد أشار إليه سبحانه في آيات منها قوله تعالى : ( @QUR@031 ~~وذا النون إذ ذهب مغاضبا ، فظن أن لن نقدر عليه ، فنادى في الظلمات أن لا ~~إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. فاستجبنا له ونجيناه من الغم ~~وكذلك ننجي المؤمنين ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@011 لو لا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو ~~مذموم .. ) استئناف لبيان جانب من فضله تعالى على عبده يونس عليه السلام . # و ( @QUR@02 لو لا ) هنا حرف امتناع لوجود ، و ( @QUR@01 أن ) يجوز أن ~~تكون مخففة من ( @QUR@01 أن ) الثقيلة ، واسمها ضمير الشأن ، وهو ومحذوف ، ~~وجملة ( @QUR@04 تداركه نعمة من ربه ) خبرها. # ويجوز أن تكون مصدرية. أى : لولا تدارك رحمة من ربه. # والتدارك : تفاعل من الدرك بفتح الدال بمعنى اللحاق بالغير. والمقصود به ~~هنا : المبالغة في إدراك رحمة الله تعالى لعبده يونس عليه السلام . # قال الجمل : قرأ العامة : ( @QUR@01 تداركه )، وهو فعل ماضى مذكر ، حمل ~~على معنى النعمة ، لأن تأنيثها غير حقيقى ، وقرأ ابن عباس وابن مسعود : ~~تداركته على لفظ النعمة وهو خلاف المرسوم .. (2). # والمراد بالنعمة : رحمته سبحانه بيونس عليه السلام وقبول توبته ، وإجابة ~~دعائه .. PageV15P060 # والنبذ ms5746 : الطرح والترك للشيء ، والعراء : الأرض الفضاء الخالية من النبات وغيره. # والمعنى : لولا أن الله تدارك عبده يونس برحمته ، وبقبول توبته .. لطرح ~~من بطن الحوت بالأرض الفضاء الخالية من النبات والعمران .. وهو مذموم ، أى ~~: وهو ملوم ومؤاخذ منا على ما حدث منه .. # ولكن ملامته ومؤاخذته منا قد امتنعت ، لتداركه برحمتنا ، حيث قبلنا توبته ~~، وغسلنا حوبته ، ومنحناه الكثير من خيرنا وبرنا .. # فالمقصود من الآية الكريمة بيان جانب من فضل الله تعالى على عبده يونس ~~عليه السلام ، وبيان أن رحمته تعالى به ، ونعمته عليه ، قد حالت بينه وبين ~~أن يكون مذموما على ما صدر منه ، من مغاضبة لقومه ومفارقته لهم بدون إذن من ربه .. # قال الجمل ما ملخصه : قوله : ( @QUR@02 وهو مذموم ) أى : ملوم ومؤاخذ ~~بذنبه والجملة حال من مرفوع «نبذ» ، وهي محط الامتناع المفاد بلولا ، فهي ~~المنفية لا النبذ بالعراء .. # أى : لنبذ بالعراء وهو مذموم ، لكنه رحم فنبذ غير مذموم .. # فلولا هنا ، حرف امتناع لوجود ، وأن الممتنع القيد في جوابها لا هو نفسه ~~.. (1). # وقوله : ( @QUR@05 فاجتباه ربه فجعله من الصالحين ) تأكيد وتفصيل لنعمة ~~الله تعالى التي أنعم بها على عبده يونس عليه السلام ، وهو معطوف على مقدر. # أى : فتداركته النعمة فاصطفاه ربه عز وجل حيث رد عليه الوحى بعد انقطاعه ، ~~وأرسله إلى مائة ألف أو يزيدون من الناس ، وقبل توبته ، فجعله من عباده ~~الكاملين في الصلاح والتقوى ، وفي تبليغ الرسالة عن ربه. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة ، ببيان ما كان عليه الكافرون من كراهية ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ومن حقد عليه ، فقال تعالى : ( @QUR@017 وإن يكاد ~~الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم ، لما سمعوا الذكر ، ويقولون إنه لمجنون. ~~وما هو إلا ذكر للعالمين ). # وقوله : ( @QUR@01 ليزلقونك ) من الزلق بفتحتين ، وهو تزحزح الإنسان عن ~~مكانه ، وقد يؤدى به هذا التزحزح إلى السقوط على الأرض ، يقال : زلقه يزلقه ~~، وأزلقه يزلقه إزلاقا ، إذا نحاه وأبعده عن مكانه ، واللام فيه للابتداء. # قال الشوكانى : قرأ الجمهور : ( @QUR@01 ليزلقونك ) بضم الياء من أزلقه ، ~~أى : أزل رجله .. PageV15P061 # وقرأ نافع وأهل المدينة ( @QUR@01 ليزلقونك ) بفتح الياء من ms5747 زلق عن موضعه. # و ( @QUR@01 إن ) هي المخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير الشأن محذوف ، ~~و «لما» ظرفية منصوبة بيزلقونك. أو هي حرف ، وجوابها محذوف لدلالة ما قبلها ~~عليه. أى : لما سمعوا الذكر كادوا يزلقونك ... (1). # أى : وإن يكاد الذين كفروا ليهلكونك ، أو ليزلون قدمك عن موضعها ، أو ~~ليصرعونك بأبصارهم من شدة نظرهم إليك شزرا ، بعيون ملؤها العداوة والبغضاء ~~حين سمعوا الذكر ، وهو القرآن الكريم .. # ( @QUR@01 ويقولون ) على سبيل البغض لك ( @QUR@02 إنه لمجنون ) أى : إن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لمن الأشخاص الذين ذهبت عقولهم .. # ( @QUR@02 وما هو ) أى : القرآن الذي أنزلناه عليك ( @QUR@03 إلا ذكر ~~للعالمين ) أى : تذكير بالله تعالى وبدينه وبهداياته .. وشرف لهم وللعالمين جميعا. # وجاء قوله ( @QUR@01 يكاد ) بصيغة المضارع ، للإشارة إلى استمرار ذلك في ~~المستقبل. # وجاء قوله ( @QUR@01 سمعوا ) بصيغة الماضي ، لوقوعه مع ( @QUR@01 لما )، ~~وللإشعار بأنهم قد حصل منهم هذا القول السيئ .. # وجاء قوله ( @QUR@01 ليزلقونك ) بلام التأكيد للإشعار بتصميمهم على هذه ~~الكراهية ، وحرصهم عليها. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 وما هو إلا ذكر للعالمين ) رد على أكاذيبهم ، ~~وإبطال لأقوالهم الزائفة ، حيث وصفوه صلى الله عليه وسلم بالجنون ، لأنه إذا ~~كان ما جاء به شرف وموعظة وهداية وتذكير بالخير للناس .. لم يكن معقولا أن ~~يكون مبلغه مجنونا. # ومنهم من فسر قوله تعالى : ( @QUR@02 ليزلقونك بأبصارهم .. ) أى : ~~ليحسدونك عن طريق النظر الشديد بعيونهم .. # قال الإمام ابن كثير : وقوله : ( @QUR@06 وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك ~~بأبصارهم ) قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما : ( @QUR@01 ليزلقونك ): لينفذونك ~~بأبصارهم ، أى : ليعينوك بأبصارهم ، بمعنى ليحسدونك لبغضهم إياك ، لولا ~~وقاية الله لك ، وحمايتك منهم. # وفي هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله عز وجل ، ~~كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة. PageV15P062 # ثم ساق رحمه الله جملة من الأحاديث في هذا المعنى ، منها ما رواه أبو داود ~~في سننه ، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لا رقية إلا من عين ~~أو حمه أى : سم ، أو دم لا يرقأ». # وروى الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى ms5748 الله عليه وسلم ~~قال : «العين حق ، ولو كان شيء سابق القدر سبقت العين». # وعن ابن عباس أيضا قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن ~~والحسين فيقول : «أعيذ كما بكلمات الله التامة ، من كل شيطان وهامة والهامة ~~كل ذات سم يقتل ، ومن كل عين لامة». # وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «العين حق حتى ~~لتورد الرجل القبر ، والجمل القدر ، وإن أكثر هلاك أمتى في العين (1)». # وبعد : فهذا تفسير محرر لسورة «ن» ، نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا ~~لوجهه ، ونافعا لعباده. # والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ~~آله وصحبه وسلم .. ||كتبه الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى| PageV15P063 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الحاقة ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «الحاقة» من السور المكية الخالصة ، وكان نزولها بعد سورة «الملك» ~~وقبل سورة «المعارج» ، وعدد آياتها إحدى وخمسون آية ، وعند بعضهم اثنتان ~~وخمسون آية. # قال الآلوسى : «ويدل على مكيتها ما أخرجه الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب ~~قال : «خرجت أتعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن أسلم ، فوجدته قد ~~سبقني إلى المسجد ، فوقفت خلفه ، فاستفتح بسورة (الحاقة)، فجعلت أعجب من ~~تأليف القرآن ، فقلت أى في نفسي : هذا والله شاعر ، فقرأ ( @QUR@07 وما هو ~~بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ) فقلت : كاهن ، فقرأ ( @QUR@010 ولا بقول كاهن ~~قليلا ما تذكرون. تنزيل من رب العالمين ) إلى آخر السورة. فوقع الإسلام في ~~قلبي كل موقع» (1). # وعلى هذا الحديث يكون نزولها في السنة الرابعة أو الخامسة من البعثة لأن ~~إسلام عمر رضى الله عنه كان تقريبا في ذلك الوقت. # 2 والسورة الكريمة زاخرة بالحديث عن أهوال يوم القيامة ، وعن مصارع ~~المكذبين ، وعن أحوال أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ، وعن إقامة الأدلة ~~المتعددة على أن هذا القرآن من عند الله تعالى وعلى أن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم صادق فيما يبلغه عن ربه عز وجل . # وتمتاز هذه السورة بقصر آياتها ، وبرهبة وقعها على النفوس ، إذ ms5749 كل قارئ ~~لها بتدبر PageV15P065 # وتفكر ، يحس عند قراءتها بالهول القاصم ، وبالجد الصارم ، وببيان أن هذا ~~الدين حق لا يشوبه باطل. وأن ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم صدق لا ~~يحوم حوله كذب. # نرى ذلك كله في اسمها ، وفي حديثها عن مصارع الغابرين ، وعن مشاهد يوم ~~القيامة التي يشيب لها الولدان. # نسأل الله تعالى أن يرحمنا جميعا برحمته. ||الراجي عفو ربه د / محمد سيد طنطاوى| PageV15P066 ### ||| * التفسير # افتتح سبحانه السورة الكريمة بقوله : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@01 الحاقة (1) @QUR@02 ما الحاقة (2) @QUR@04 وما أدراك ما الحاقة ~~(3) @QUR@04 كذبت ثمود وعاد بالقارعة (4) @QUR@04 فأما ثمود فأهلكوا ~~بالطاغية (5) @QUR@06 وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية (6) @QUR@015 سخرها ~~عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل ~~خاوية (7) @QUR@05 فهل ترى لهم من باقية (8) @QUR@06 وجاء فرعون ومن قبله ~~والمؤتفكات بالخاطئة (9) @QUR@06 فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية (10) ~~@QUR@07 إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية (11) @QUR@06 لنجعلها لكم ~~تذكرة وتعيها أذن واعية ) (12) # وكلمة «الحاقة» مأخوذة من حق الشيء إذا ثبت وجوده ثبوتا لا يحتمل الشك .. ~~وهي من أسماء الساعة ، وسميت الساعة بهذا الاسم لأن الأمور تثبت فيها وتحق ~~، خلافا لما كان يزعمه الكافرون من أنه لا بعث ولا حساب ولا جزاء. # والهاء فيها يصح أن تكون هاء التأنيث ، فيكون لفظ «الحاقة» صفة لموصوف ~~محذوف ، أى : الساعة الحاقة. # ويصح أن تكون هاء مصدر ، بزنة فاعلة ، مثل الكاذبة للكذب والباقية للبقاء ~~، والطاغية للطغيان. PageV15P067 # وأصلها تاء المرة ، ولكنها لما أريد بها المصدر ، قطع النظر عن المرة ، ~~وصار لفظ «الحاقة» بمعنى الحق الثابت الوقوع. # ولفظ «الحاقة» مبتدأ ، و «ما» مبتدأ ثان ، ولفظ الحاقة الثاني ، خبر ~~المبتدأ الثاني ، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره ، خبر المبتدأ الأول. # قال القرطبي ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@03 الحاقة. ما الحاقة ) يريد ~~القيامة ، سميت بذلك : لأن الأمور تحق فيها. # وقيل سميت بذلك ، لأنها تكون من غير شك. أو لأنها أحقت لأقوام الجنة ، ~~ولأقوام النار ، أو لأن فيها يصير كل إنسان حقيقا بجزاء عمله ، أو لأنها ~~تحق كل محاق في دين الله ms5750 بالباطل. أى : تبطل حجة كل مخاصم في دين الله ~~بالباطل يقال : حاققته فحققته فأنا أحقه ، إذا غالبته فغلبته .. والتحاق ~~التخاصم ، والاحتقاق : الاختصام .. (1). # و «ما» في قوله ( @QUR@04 وما أدراك ما الحاقة ) اسم استفهام المقصود به ~~هنا التهويل والتعظيم ، وهي مبتدأ. وخبرها جملة ( @QUR@03 أدراك ما الحاقة ~~) وما الثانية وخبرها في محل نصب سادة مسد المفعول الثاني لقوله ( @QUR@01 ~~أدراك ) لأن أدرى يتعدى لمفعولين ، الأول بنفسه والثاني بالباء ، كما في ~~قوله تعالى : ( @QUR@010 قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به ) (2). # وهذا الأسلوب الذي جاءت به هذه الآيات الكريمة ، فيه ما فيه من التهويل ~~من شأن الساعة ، ومن التعظيم لأمرها ، فكأنه تعالى يقول : يوم القيامة الذي ~~يخوض في شأنه الكافرون ، والذي تحق فيه الأمور وتثبت. أتدري أى شيء عظيم ~~هو؟ وكيف تدرى أيها المخاطب؟ ونحن لم نحط أحدا بكنه هذا اليوم ، ولا بزمان وقوعه؟ # وإنك أيها العاقل مهما تصورت هذا اليوم ، فإن أهواله فوق ما تتصور ، ~~وكيفما قدرت لشدائده : فإن هذه الشدائد فوق ما قدرت. # ومن مظاهر هذا التهويل لشأن يوم القيامة افتتاح السورة بلفظ «الحاقة» ~~الذي قصد به ترويع المشركين ، لأن هذا اللفظ يدل على أن يوم القيامة حق. # كما أن تكرار لفظ «ما» ثلاث مرات ، مستعمل أيضا في التهويل والتعظيم ، ~~كما أن إعادة المبتدأ في الجملة الواقعة خبرا عنه بلفظه ، بأن قال ( ~~@QUR@02 ما الحاقة ) ولم يقل ما هي ، يدل أيضا على التهويل. لأن الإظهار في ~~مقام الإضمار يقصد به ذلك ، ونظيره PageV15P068 # قوله تعالى : ( @QUR@05 وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين ). ( @QUR@05 ~~وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال ). # والخطاب في الآيات الكريمة ، لكل من يصلح له ، لأن المقصود تنبيه الناس ~~إلى أن الساعة حق. وأن الحساب والجزاء فيها حق ، لكي يستعدوا لها بالإيمان ~~والعمل الصالح. # قال بعض العلماء ما ملخصه : واستعمال «ما أدراك» غير استعمال «ما يدريك» ~~.. فقد روى عن ابن عباس أنه قال : كل شيء من القرآن من قوله ( @QUR@02 ما ~~أدراك ) فقد أدراه ، وكل شيء من قوله : ( @QUR@02 وما يدريك ) فقد طوى عنه. # فإن صح هذا ms5751 عنه فمراده أن مفعول «ما أدراك» محقق الوقوع ، لأن الاستفهام ~~فيه للتهويل وأن مفعول «ما يدريك» غير محقق الوقوع لأن الاستفهام فيه ~~للإنكار ، وهو في معنى نفى الدراية. # قال تعالى : ( @QUR@06 وما أدراك ما هيه. نار حامية ) وقال سبحانه ( ~~@QUR@05 وما يدريك لعل الساعة قريب ) (1). # ثم فصل سبحانه أحوال بعض الذين كذبوا بالساعة ، وبين ما ترتب على تكذيبهم ~~من عذاب أليم فقال : ( @QUR@014 كذبت ثمود وعاد بالقارعة. فأما ثمود ~~فأهلكوا بالطاغية. وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية ). # وثمود : هم قوم صالح عليه السلام ، سموا بذلك باسم جدهم ثمود. وقيل سموا ~~بذلك لقلة المياه التي كانت في مساكنهم ، لأن الثمد هو الماء القليل. # وكانت مساكنهم بين الحجاز والشام. وما زالت أماكنهم معروفة باسم قرى صالح ~~وتقع بين المملكة الأردنية الهاشمية ، والمملكة العربية السعودية. # وقد ذكرت قصتهم في سور : الأعراف ، وهود ، والشعراء ، والنمل ، والقمر ~~... إلخ. # وأما عاد فهم قبيلة عاد ، وسموا بذلك نسبة إلى جدهم الذي كان يسمى بهذا ~~الاسم ، وكانت مساكنهم بالأحقاف باليمن والأحقاف جمع حقف وهو الرمل الكثير ~~المائل ... وينتهى نسب عاد وثمود إلى نوح عليه السلام . # والقارعة : اسم فاعل من قرعه ، إذا ضربه ضربا شديدا ، ومنه قوارع الدهر ، ~~أى : شدائده وأهواله ، ويقال : قرع فلان البعير ، إذا ضربه ومنه قولهم : ~~العبد يقرع بالعصا. PageV15P069 # ولفظ القارعة ، من أسماء يوم القيامة ، وسمى يوم القيامة بذلك ، لأنه ~~يقرع القلوب ويزجرها لشدة أهواله : وهو صفة لموصوف محذوف ، أى : بالساعة ~~القارعة. # والطاغية من الطغيان وهو تجاوز الحد ، والمراد بها هنا الصاعقة أو الصيحة ~~التي أهلكت قوم ثمود ، كما قال تعالى : ( @QUR@08 وأخذ الذين ظلموا الصيحة ~~فأصبحوا في ديارهم جاثمين ) (1). # ولفظ الطاغية أيضا صفة لموصوف محذوف. # والريح الصرصر العاتية : هي الريح الشديدة التي يكون لها صوت كالصرير ، ~~كما قال تعالى : ( @QUR@07 فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات ) (2). # والعاتية من العتو بمعنى الشدة والقوة وتجاوز الحد. # أى : كذبت قبيلة ثمود ، وقبيلة عاد ، بالقيامة التي تقرع القلوب ، وتزلزل ~~النفوس ، فأما قبيلة «ثمود» فأهلكوا ، بالصيحة أو بالصاعقة ، أو بالرجفة ، ~~التي تجاوزت الحد في ms5752 الشدة والهول والطغيان. # وأما قبيلة عاد ، فأهلكت بالريح الشديدة ، التي لها صوت عظيم ، والتي ~~تجاوزت كل حد في قوتها. # وابتدأ سبحانه بذكر ما أصاب هاتين القبيلتين ، لأنهما أكثر القبائل ~~المكذبة معرفة لمشركي قريش ، لأنهما من القبائل العربية ، ومساكنهما كانت ~~في شمال وجنوب الجزيرة العربية. # ثم بين سبحانه كيفية نزول العذاب بهم فقال : ( @QUR@07 سخرها عليهم سبع ~~ليال ، وثمانية أيام حسوما ). # والتسخير : التذليل عن طريق القهر والأمر الذي لا يمكن مخالفته. # وحسوما : من الحسم بمعنى التتابع ، من حسمت الدابة ، إذا تابعت كيها على ~~الداء مرة بعد مرة حتى ينحسم .. أو من الحسم بمعنى القطع ، ومنه سمى السيف ~~حساما لأنه يقطع الرءوس ، وينهى الحياة. # قال صاحب الكشاف : «والحسوم» : لا يخلو من أن يكون جمع حاسم ، كشهود ~~وقعود. أو PageV15P070 # مصدرا كالشكور والكفور ، فإن كان جمعا فمعنى قوله ( @QUR@01 حسوما ): ~~نحسات حسمت كل خير ، واستأصلت كل بركة. أو : متتابعة هبوب الرياح ، ما خفتت ~~ساعة حتى أتت عليهم ، تمثيلا لتتابعها بتتابع فعل الحاسم في إعادة الكلى ~~على الداء ، كرة بعد كرة حتى ينحسم. # وإن كان مصدرا ، فإما أن ينتصب بفعله مضمرا ، أى : تحسم حسوما ، بمعنى ~~تستأصل استئصالا. أو يكون صفة كقولك : ذات حسوم .. (1). # أى : أرسل الله تعالى على هؤلاء المجرمين الريح التي لا يمكنها التخلف عن ~~أمره ، فبقيت تستأصل شأفتهم ، وتخمد أنفاسهم .. ( @QUR@05 سبع ليال وثمانية ~~أيام حسوما ) أى : متتابعة ومتوالية حتى قطعت دابرهم ، ودمرتهم تدميرا. # وقوله : ( @QUR@01 حسوما ) يصح أن يكون نعتا لسبع ليال وثمانية أيام ، ~~ويصح أن يكون منصوبا على المصدرية بفعل من لفظه ، أى : تحسمهم حسوما. # ثم صور سبحانه هيئاتهم بعد أن هلكوا فقال : ( @QUR@08 فترى القوم فيها ~~صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية ). # والخطاب في قوله ( @QUR@01 فترى .. ) لغير معين. والفاء للتفريع على ما ~~تقدم والضمير في قوله ( @QUR@01 فيها ) يعود إلى الأيام والليالى. أو إلى ~~مساكنهم. # وقوله : ( @QUR@01 صرعى ) أى : هلكى ، جمع صريع كقتيل وقتلى ، وجريح وجرحى. # والأعجاز جمع عجز ، والمراد بها هنا جذوع النخل التي قطعت رءوسها. # وخاوية ، أى : ساقطة ، مأخوذ من خوى النجم ، إذا سقط للغروب أو ms5753 من خوى ~~المكان إذا خلا من أهله وسكانه ، وصار قاعا صفصفا. بعد أن كان ممتلئا ~~بعماره. # أى : أرسل الله تعالى على هؤلاء الظالمين الريح المتتابعة لمدة سبع ليال ~~وثمانية أيام ، فدمرتهم تدميرا ، وصار الرائي ينظر إليهم فيراهم وقد ألقوا ~~على الأرض هلكى ، كأنهم في ضخامة أجسادهم ... جذوع نخل ساقطة على الأرض ، ~~وقد انفصلت رءوسها عنها. # وعبر سبحانه بقوله : ( @QUR@02 فترى القوم ... ) لاستحضار صورتهم في ~~الأذهان ، حتى يزداد المخاطب اعتبارا بأحوالهم ، وبما حل بهم. # والتشبيه بقوله : ( @QUR@04 كأنهم أعجاز نخل خاوية ) المقصود منه تشنيع ~~صورتهم ، والتنفير من PageV15P071 # مصيرهم السيئ ، لأن من كان هذا مصيره ، كان جديرا بأن يتحامى ، وأن تجتنب ~~أفعاله التي أدت به إلى هذه العاقبة المهينة. # والاستفهام في قوله : ( @QUR@05 فهل ترى لهم من باقية ) للنفي ، والخطاب ~~أيضا لكل من يصلح له ، وقوله ( @QUR@01 باقية ) صفة لموصوف محذوف .. أى : ~~فهل ترى لهم من فرقة أو نفس باقية. # ثم بين سبحانه النهاية السيئة لأقوام آخرين فقال : ( @QUR@012 وجاء فرعون ~~ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة. فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية ). # وفرعون : هو الذي قال لقومه من بين ما قال أنا ربكم الأعلى ... وقد أرسل ~~الله تعالى إليه نبيه موسى عليه السلام ولكنه أعرض عن دعوته .. وكانت نهايته الغرق. # والمراد بمن قبله : الأقوام الذين سبقوه في الكفر ، كقوم نوح وإبراهيم ~~عليهما السلام . # والمراد بالمؤتفكات : قرى قوم لوط عليه السلام التي اقتلعها جبريل ~~عليه السلام ثم قلبها بأن جعل عاليها سافلها ، مأخوذ من ائتفك الشيء إذا ~~انقلب رأسا على عقب. # قال تعالى ( @QUR@09 جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل ~~منضود ) (1). # والمراد بالمؤتفكات هنا : سكانها وهم قوم لوط الذين أتوا بفاحشة ما سبقهم ~~إليها أحد من العالمين. # وخصوا بالذكر ، لشهرة جريمتهم وبشاعتها وشناعتها .. ولمرور أهل مكة على ~~قراهم وهم في طريقهم إلى الشام للتجارة ، كما قال تعالى : ( @QUR@07 وإنكم ~~لتمرون عليهم مصبحين. وبالليل أفلا تعقلون ) (2). # أى : وبعد أن أهلكنا أقوام عاد وثمود .. جاء فرعون ، وجاء أقوام آخرون ~~قبله ، وجاء قوم لوط ، وكانوا جميعا كافرين برسلنا ، ومعرضين عن دعوة الحق ms5754 ~~ومرتكبين للفعلات الخاطئة ، والفواحش المنكرة. # ومن مظاهر ذلك أنهم ( @QUR@03 فعصوا رسول ربهم ) أى : كل أمة من أمم ~~الكفر تلك ، عصت PageV15P072 # رسولها حين أمرها بالمعروف ، ونهاها عن المنكر. # فكانت نتيجة إصرارهم على ارتكاب المعاصي والفواحش .. أن أخذهم الله تعالى ~~( @QUR@02 أخذة رابية ) أى : أخذة زائدة في الشدة لزيادة قبائحهم على ~~الأخذات التي أخذ بها غيرهم. # فقوله : ( @QUR@01 رابية ) مأخوذ من ربا الشيء إذا زاد وتضاعف. # وقال سبحانه ( @QUR@03 فعصوا رسول ربهم ) ولم يقل رسولهم ، للإشعار بأنهم ~~لم يكتفوا بمعصية الرسول الذي هو بشر مثلهم ، وإنما تجاوزوا ذلك إلى ~~الاستخفاف بما جاءهم به من عند ربهم وخالقهم وموجدهم. # والتعبير بالأخذ ، للإشعار بسرعة الإهلاك وشدته ، فإذا وصف هذا الأخذ ~~بالزيادة عن المألوف ، كان المقصود به الزيادة في الاعتبار والاتعاظ لأن ~~هؤلاء جميعا قد أهلكهم سبحانه هلاك الاستئصال ، الذي لم يبق منهم باقية. # ثم حكى سبحانه ما جرى لقوم نوح عليه السلام وبين جانبا من مننه ونعمه على ~~المخاطبين ، فقال : ( @QUR@013 إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية. ~~لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية ). # وقوله : ( @QUR@01 طغى ) من الطغيان وهو مجاوزة الحد في كل شيء ، ~~والجارية صفة لموصوف محذوف. # أى : اذكروا أيها الناس لتعتبروا وتتعظوا ، ما جرى للكافرين من قوم نوح ~~عليه السلام فإنهم حين أصروا على كفرهم ، أغرقناهم بالطوفان ، وحين علا ~~الماء واشتد في ارتفاعه اشتدادا خارقا للعادة .. حملنا آباءكم الذين آمنوا ~~بنوح عليه السلام في السفينة الجارية ، التي صنعها نوح بأمرنا. وحفظناهم ~~بفضلنا ورحمتنا في تلك السفينة إلى أن انتهى الطوفان. # وقد فعلنا ذلك ( @QUR@03 لنجعلها لكم تذكرة ) أى : لنجعل لكم هذه النعمة ~~وهي إنجاؤكم وإنجاء آبائكم من الغرق عبرة وعظة وتذكيرا بنعم الله تعالى عليكم. # وهذه النعمة والمنة ( @QUR@01 تعيها ) وتحفظها ( @QUR@02 أذن واعية ). ~~أى : أذن من شأنها أن تحفظ ما يجب حفظه ، وتعى ما يجب وعيه. # فقوله : ( @QUR@01 واعية ) من الوعى بمعنى الحفظ للشيء في القلب. يقال : ~~وعى فلان الشيء يعيه إذا حفظه أكمل حفظ. PageV15P073 # وقال سبحانه ( @QUR@03 حملناكم في الجارية ) مع أن الحمل كان للآباء ~~الذين آمنوا بنوح عليه ms5755 السلام لأن في نجاة الآباء ، نجاة للأبناء ، ولأنه لو ~~هلك الآباء لما وجد الأبناء. # قال صاحب الكشاف قوله : ( @QUR@01 حملناكم ) أى : حملنا آباءكم ، في ~~الجارية ، أى : في السفينة الجارية ، لأنهم إذا كانوا من نسل المحمولين ~~الناجين ، كان حمل آبائهم منة عليهم ، وكأنهم هم المحمولون ، لأن نجاتهم ~~سبب ولادتهم. # ( @QUR@01 لنجعلها ) الضمير للفعلة : وهي نجاة المؤمنين وإغراق الكفرة ( ~~@QUR@01 تذكرة ) عبرة وعظة. ( @QUR@03 وتعيها أذن واعية ) من شأنها أن تعى ~~وتحفظ ما يجب حفظه ووعيه ، ولا تضيعه بترك العمل. # فإن قلت : لم قيل : أذن واعية على التوحيد والتنكير؟ قلت : للإيذان بأن ~~الوعاة فيهم قلة ، ولتوبيخ الناس بقلة من يعي منهم ، وللدلالة على أن الأذن ~~الواحدة إذا وعت وعقلت عن الله ، فهي السواد الأعظم عند الله ، وأن ما ~~سواها لا يبالى بهم ، وإن ملأوا الخافقين .. (1). # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ذكرت الناس بأهوال يوم القيامة بأبلغ ~~أسلوب ، وبينت ما حل بالمكذبين بطريقة تبعث الخوف والوجل في القلوب. # ثم أخذت السورة في تفصيل أهوال يوم القيامة ، وفي بيان ما تكون عليه ~~الأرض والسماء في هذا اليوم ، وفي بيان ما أعده سبحانه لمن أوتى كتابه ~~بيمينه في هذا اليوم ، فقال تعالى : # ( @QUR@06 فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة (13) @QUR@06 وحملت الأرض ~~والجبال فدكتا دكة واحدة (14) @QUR@03 فيومئذ وقعت الواقعة (15) @QUR@05 ~~وانشقت السماء فهي يومئذ واهية (16) @QUR@09 والملك على أرجائها ويحمل عرش ~~ربك فوقهم يومئذ ثمانية (17) PageV15P074 # @QUR@06 يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية (18) @QUR@09 فأما من أوتي ~~كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤا كتابيه (19) @QUR@05 إني ظننت أني ملاق ~~حسابيه (20) @QUR@04 فهو في عيشة راضية (21) @QUR@03 في جنة عالية (22) ~~@QUR@02 قطوفها دانية (23) @QUR@08 كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في ~~الأيام الخالية ) (24) # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@04 فإذا نفخ في الصور .. ) للتفريع ، أى : ~~لتفريع ما بعدها على ما قبلها ، وهو الحديث عن أهوال يوم القيامة. # والصور : هو البوق الذي ينفخ فيه إسرافيل بأمر الله تعالى . # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@06 فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة ) شروع في ~~بيان نفس الحاقة ، وكيفية وقوعها ، إثر بيان عظم شأنها ، بإهلاك مكذبيها. # والمراد بالنفخة الواحدة : النفخة الأولى ms5756 ، التي عندها يكون خراب العالم. ~~وقيل هي النفخة الثانية. والأول أولى ، لأنه هو المناسب لما بعده (1). # وجواب الشرط قوله : ( @QUR@03 فيومئذ وقعت الواقعة ). أو قوله : ( ~~@QUR@06 يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية ). # أى : فإذا نفخ إسرافيل في الصور بأمرنا. وقعت الواقعة التي لا مفر من ~~وقوعها ، لكي يحاسب الناس على أعمالهم. # ووصفت النفخة بأنها واحدة ، للتأكيد على أنها نفخة واحدة وليست أكثر ، ~~وللتنبيه على أن هذه النفخة مع أنها واحدة تتأثر بها السموات والأرض ~~والجبال ، وهذا دليل على وحدانية الله تعالى وقدرته. # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة ) بيان ~~لما ترتب على تلك النفخة الهائلة من آثار. PageV15P075 # والمراد بحمل الأرض والجبال : إزالتهما من أماكنهما ، وتفريق أجزائهما. # والدك : هو الدق الشديد الذي يترتب عليه التكسير والتفتيت للشيء. # أى : عند ما ينفخ إسرافيل في الصور بأمرنا نفخة واحدة ، وعند ما تزال ~~الأرض والجبال عن أماكنهما ، وتتفتت أجزاؤهما تفتتا شديدا. # فيومئذ ( @QUR@02 وقعت الواقعة ) أى : ففي هذا الوقت تقع الواقعة التي لا ~~مرد لوقوعها ، والواقعة من أسماء يوم القيامة. كالحاقة ، والقارعة. # ثم بين سبحانه ما تكون عليه السماء في هذا اليوم فقال : ( @QUR@05 وانشقت ~~السماء فهي يومئذ واهية ). # والانشقاق : الانفطار والتصدع. ومعنى : ( @QUR@01 واهية ) ضعيفة متراخية. # يقال : وهي البناء يهي وهيا فهو واه ، إذا كان ضعيفا جدا ، ومتوقعا سقوطه. # أى : وفي هذا الوقت أيضا الذي يتم فيه النفخ في الصور بأمرنا تتصدع ~~السماء وتتفطر ، وتصير في أشد درجات الضعف والاسترخاء ، والتفرق. # وقيد سبحانه هذا الضعف بهذا الوقت ، للإشارة إلى أنه ضعف طارئ ، قد حدث ~~بسبب النفخ في الصور ، أما قبل ذلك فكانت في نهاية الإحكام والقوة. # وهذا كله للتهويل من شأن هذه النفخة ، ومن شأن المقدمات التي تتقدم قيام ~~الساعة ، حتى يستعد الناس لها بالإيمان والعمل الصالح. # والمراد بالملك في قوله تعالى : ( @QUR@03 والملك على أرجائها ) جنس ~~الملك ، فيشمل عدد مبهم من الملائكة .. أو جميع الملائكة إذا أردنا بأل ~~معنى الاستغراق. # والأرجاء : الأطراف والجوانب ، جمع رجا بالقصر ، وألفه منقلبة عن واو ، ~~مثل : قفا وقفوان. # أى : والملائكة في ms5757 ذلك الوقت يكونون على أرجاء السماء وجوانبها ، ينفذون ~~أمر الله تعالى ( @QUR@06 ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) أى : ~~والملائكة واقفون على أطراف السماء ، ونواحيها. ويحمل عرش ربك فوق هؤلاء ~~الملائكة في هذا اليوم ، ثمانية منهم ، أو ثمانية من صفوفهم التي لا يعلم ~~عددها إلا الله تعالى . # وعرش الله تعالى مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم ، فنحن نؤمن بأن لله ~~عز وجل عرشا ، إلا أننا نفوض معرفة هيئته وكنهه .. إلى الله تعالى . PageV15P076 # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( @QUR@03 والملك على أرجائها ) أى : ~~والجنس المتعارف بالملك ، وهم الملائكة .. على جوانب السماء التي لم تتشقق. # ( @QUR@04 ويحمل عرش ربك فوقهم ) أى : فوق الملائكة الذين هم على الأرجاء ~~المدلول عليهم بالملك ، وقيل : فوق العالم كلهم. # ( @QUR@02 يومئذ ثمانية ) أى : من الملائكة ، أو ثمانية صفوف لا يعلم ~~عدتهم إلا الله تعالى (1). # هذا ، وقد وردت في صفة هؤلاء الملائكة الثمانية ، أحاديث ضعيفة لذا ضربنا ~~صفحا عن ذكرها. # ثم بين سبحانه ما يجرى على الناس في هذا اليوم فقال : ( @QUR@06 يومئذ ~~تعرضون لا تخفى منكم خافية ). # والعرض أصله : إظهار الشيء لمن يريد التأمل فيه ، أو الحصول عليه ، ومنه ~~عرض البائع سلعته على المشترى. # وهو هنا كناية عن لازمه وهو المحاسبة. # أى : في هذا اليوم تعرضون للحساب والجزاء ، لا تخفى منكم خافية ، أى ~~تعرضون للحساب ، دون أن يخفى منكم أحد على الله تعالى أو دون أن تخفى منكم ~~نفس واحدة على خالقها عز وجل . # قال الجمل : وقوله : ( @QUR@02 يومئذ تعرضون ) أى : تسألون وتحاسبون ، ~~وعبر عنه بذلك تشبيها له بعرض السلطان العسكر والجند ، لينظر في أمرهم ~~فيختار منهم المصلح للتقريب والإكرام ، والمفسد للإبعاد والتعذيب (2). # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@05 فأما من أوتي كتابه بيمينه .. ) لتفصيل ~~ما يترتب على العرض والحساب من جزاء. # والمراد بكتابه : ما سجلته الملائكة عليه من أعمال في الدنيا ، والمراد ~~بيمينه : يده اليمنى ، لأن من يعطى كتابه بيده اليمنى ، يكون هذا الإعطاء ~~دليلا على فوزه ونجاته من العذاب. PageV15P077 # والعرب يذكرون التناول باليمين ، على أنه كناية عن الاهتمام بالشيء ~~المأخوذ ، وعن الاعتزاز به ms5758 ، ومنه قول الشاعر : # إذا ما راية رفعت لمجد %~% تلقاها عرابة باليمين # وجملة ( @QUR@04 فيقول هاؤم اقرؤا كتابيه ) جواب «أما» ولفظ «هاؤم» هنا : # اسم فعل أمر. بمعنى : خذوا ، والهاء في قوله «كتابيه وحسابيه» وما ~~ماثلهما للسكت ، والأصل كتابي وحسابي فأدخلت عليهما هاء السكت لكي تظهر ~~فتحة الياء. # والمعنى في هذا اليوم يعرض كل إنسان للحساب والجزاء ، ويؤتى كل فرد كتاب ~~أعماله ، فأما من أعطى كتاب أعماله بيمينه ، على سبيل التبشير والتكريم ، ( ~~@QUR@01 فيقول ) على سبيل البهجة والسرور لكل من يهمه أن يقول له : ( ~~@QUR@03 هاؤم اقرؤا كتابيه ) أى : هذا هو كتابي فخذوه واقرءوه فإنكم ~~ستجدونه مشتملا على الإكرام لي ، وتبشيرى بالفوز الذي هو نهاية آمالى ، ~~ومحط رجائي. # ( @QUR@02 إني ظننت ) أى : تيقنت وعلمت ( @QUR@03 أني ملاق حسابيه ) أى : ~~إنى علمت أن يوم القيامة حق ، وتيقنت أن الحساب والجزاء صدق ، فأعددت للأمر ~~عدته عن طريق الإيمان الكامل ، والعمل الصالح. # قال الضحاك : كل ظن في القرآن من المؤمن فهو يقين ، ومن الكافر فهو شك. # وهذه الجملة الكريمة بمنزلة التعليل للبهجة والمسرة التي دل عليها قوله ~~تعالى ( @QUR@03 هاؤم اقرؤا كتابيه ). # ( @QUR@01 فهو ) أى : هذا المؤمن الفائز برضا الله تعالى ( @QUR@03 في ~~عيشة راضية ) أى : في حياة ذات رضا ، أى : ثابت ودائم لها الرضا. فهي صيغة ~~نسب ، كلابن وتامر لصاحب اللبن والتمر. # أو فهو في عيشة مرضية يرضى بها صاحبها ولا يبغضها ، فهي فاعل بمعنى مفعول ~~، على حد قولهم : ماء دافق بمعنى مدفوق. # وفي هذا التعبير ما فيه من الدلالة على أن هذه الحياة التي يحياها المؤمن ~~في الجنة ، في أسمى درجات الحبور والسرور ، حتى لكأنه لو كان للمعيشة عقل ، ~~لرضيت لنفسها بحالتها ، ولفرحت بها فرحا عظيما. # ( @QUR@03 في جنة عالية ) أى : هذا الذي أوتى كتابه بيمينه ، يكون أيضا ~~في جنة مرتفعة على غيرها ، وهذا لون من مزاياها. PageV15P078 # ( @QUR@02 قطوفها دانية ) أى : ثمارها قريبة التناول لهذا المؤمن ، ~~يقطفها كلما أرادها بدون تعب. فالقطوف جمع قطف بمعنى مقطوف ، وهو ما يجتنيه ~~الجاني من الثمار ، و ( @QUR@01 دانية ) اسم فاعل ، من الدنو بمعنى القرب. ~~وجملة ( @QUR@08 كلوا واشربوا ms5759 هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية ) مقول ~~لقول محذوف. # أى : يقال لهؤلاء المؤمنين الصادقين ، الذين أعطوا كتابهم بأيمانهم كلوا ~~أكلا طيبا ، واشربوا هنيئا مريئا بسبب ما قدمتموه في دنياكم من إيمان بالله ~~تعالى ومن عمل صالح خالص لوجهه تعالى . # قال الإمام ابن كثير : أى : يقال لهم ذلك ، تفضلا عليهم ، وامتنانا ~~وإنعاما وإحسانا ، وإلا فقد ثبت في الصحيح ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال : «اعملوا وسددوا وقاربوا ، واعلموا أن أحدا منكم لن يدخله عمله ~~الجنة. قالوا : ولا أنت يا رسول الله؟ قال : ولا أنا ، إلا أن يتغمدني الله ~~برحمة منه وفضل» (1). # وكعادة القرآن الكريم ، في بيان سوء عاقبة الأشرار ، بعد بيان حسن عاقبة ~~الأخيار ، أو العكس ، جاء الحديث عمن أوتى كتابه بشماله ، بعد الحديث عمن ~~أوتى كتابه بيمينه ، فقال تعالى : # ( @QUR@011 وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه (25) ~~@QUR@04 ولم أدر ما حسابيه (26) @QUR@04 يا ليتها كانت القاضية (27) ~~@QUR@04 ما أغنى عني ماليه (28) @QUR@03 هلك عني سلطانيه (29) @QUR@02 خذوه ~~فغلوه (30) @QUR@03 ثم الجحيم صلوه (31) @QUR@07 ثم في سلسلة ذرعها سبعون ~~ذراعا فاسلكوه (32) @QUR@06 إنه كان لا يؤمن بالله العظيم (33) @QUR@05 ولا ~~يحض على طعام المسكين (34) @QUR@05 فليس له اليوم هاهنا حميم (35) @QUR@05 ~~ولا طعام إلا من غسلين (36) @QUR@04 لا يأكله إلا الخاطؤن ) (37) PageV15P079 # أى : ( @QUR@05 وأما من أوتي كتابه بشماله ) أى : من الجهة التي يعلم أن ~~الإتيان منها يؤدى إلى هلاكه وعذابه. # ( @QUR@01 فيقول ) على سبيل التحسر والتفجع ( @QUR@05 يا ليتني لم أوت ~~كتابيه ) أى : فيقول يا ليتني لم أعط هذا الكتاب ، لأن إعطائى إياه بشمالي ~~دليل على عذابي وعقابي. # ( @QUR@04 ولم أدر ما حسابيه ) أى : ويا ليتني لم أعرف شيئا عن حسابي ، ~~فإن هذه المعرفة التي لم أحسن الاستعداد لها ، أوصلتنى إلى العذاب المبين. # ( @QUR@04 يا ليتها كانت القاضية ) أى : ويا ليت الموتة التي متها في ~~الدنيا ، كانت هي الموتة النهائية التي لا حياة لي بعدها. # فالضمير للموتة التي ماتها في الدنيا ، وإن كان لم يجر لها ذكر ، إلا ~~أنها عرفت من المقام. # والمراد بالقاضية : القاطعة لأمره ، التي لا بعث بعدها ولا ms5760 حساب .. لأن ~~ما وجده بعدها أشد مما وجده بعد حلوله بها. # قال قتادة : تمنى الموت ولم يكن عنده في الدنيا شيء أكره منه. وشر من ~~الموت ما يطلب منه الموت. # ثم أخذ هذا الذي أوتى كتابه بشماله يتحسر على تفريطه وغروره ، ويحكى ~~القرآن ذلك فيقول : ( @QUR@04 ما أغنى عني ماليه ) أى : هذه الأموال التي ~~كنت أملكها في الدنيا ، وأتفاخر بها. لم تغن عنى شيئا من عذاب الله ، ولم ~~تنفعني ولو منفعة قليلة. # فما نافية ، والمفعول محذوف للتعميم ، ويجوز أن تكون استفهامية والمقصود ~~بها التوبيخ. # أى : أى شيء أغنى عنى مالي؟ إنه لم يغن عنى شيئا. # ( @QUR@03 هلك عني سلطانيه ) أى : ذهب عنى ، وغاب عنى في هذا اليوم ما ~~كنت أتمتع به في الدنيا من جاه وسلطان ، ولم يحضرني شيء منه ، كما أن حججي ~~وأقوالى التي كنت أخاصم بها المؤمنين. قد ذهبت أدراج الرياح. # وعدى الفعل «هلك» بعن ، لتضمنه معنى غاب وذهب. # وخلال هذا التفجع والتحسر الطويل ... يأتى أمر الله تعالى الذي لا يرد ، ~~فيقول سبحانه للزبانية المكلفين بإنزال العذاب بالكافرين : ( @QUR@02 خذوه ~~فغلوه ) أى : خذوا هذا الكافر ، فاجمعوا يديه إلى عنقه. # فقوله : ( @QUR@01 خذوه ) معمول لقول محذوف. وهو جواب عن سؤال نشأ مما ~~سبق من الكلام. فكأنه قيل : وماذا يفعل به بعد هذا التحسر والتفجع. فكان ~~الجواب : أمر PageV15P080 # الله تعالى ملائكته بقوله : ( @QUR@02 خذوه فغلوه ).. # وقوله : ( @QUR@01 فغلوه ) من الغل بضم الغين وهو ربط اليدين إلى العنق ~~على سبيل الإذلال. # ( @QUR@03 ثم الجحيم صلوه ) أى : ثم بعد هذا التقييد والإذلال .. اقذفوا ~~به إلى الجحيم ، وهي النار العظيمة ، الشديدة التأجج والتوهج. # ومعنى ( @QUR@01 صلوه ) بالغوا في تصليته النار ، بغمسه فيها مرة بعد ~~أخرى. يقال : صلى فلان النار ، إذا ذاق حرها ، وصلى فلان فلانا النار ، إذا ~~أدخله فيها. وقلبه على جمرها كما تقلب الشاة في النار. # ( @QUR@07 ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه ) والسلسلة : اسم ~~لمجموعة من حلق الحديد ، يربط بها الشخص لكي لا يهرب ، أو لكي يزاد في ~~إذلاله وهو المراد هنا. # وقوله : ( @QUR@01 ذرعها ) أى : طولها. والمراد بالسبعين : حقيقة ms5761 هذا ~~المقدار في الطول ، أو يكون هذا العدد كناية عن عظيم طولها ، كما في قوله ~~تعالى : ( @QUR@015 استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ، إن تستغفر لهم سبعين مرة ~~فلن يغفر الله لهم ... ) (1). # وقوله : ( @QUR@01 فاسلكوه ) من السلك بمعنى الإدخال في الشيء ، كما في ~~قوله تعالى ( @QUR@04 ما سلككم في سقر ) أى : ما أدخلكم فيها. # أى : خذوا هذا الكافر ، فقيدوه ثم أعدوه للنار المحرقة. ثم اجعلوه مغلولا ~~في سلسلة طولها سبعون ذراعا ، بحيث تكون محيطة به إحاطة تامة. أى ألقوا به ~~في الجحيم وهو مكبل في أغلاله. # و ( @QUR@01 ثم ) في كل آية جيء بها للتراخي الرتبى ، لأن كل عقوبة أشد ~~من سابقتها. إذ إدخاله في السلسلة الطويلة. أعظم من مطلق إلقائه في الجحيم ~~كما أن إلقاءه في الجحيم ، أشد من مطلق أخذه وتقييده. # وفي هذه الآيات ما فيها من تصوير يبعث في القلوب الخوف الشديد ، ويحملها ~~على حسن الاستعداد لهذا اليوم. الذي لا تغنى فيه نفس عن نفس شيئا. # وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات بعض الأحاديث والآثار ، ~~منها : ما رواه ابن أبى حاتم ، عن المنهال بن عمرو قال : إذا قال الله ~~عز وجل ( @QUR@01 خذوه .. ) ابتدره PageV15P081 # سبعون ألف ملك ، وإن الملك منهم ليقول هكذا أى : ليفعل هكذا فيلقى سبعين ~~ألفا في النار (1). # ثم بين سبحانه الأسباب التي أدت بهذا الشقي إلى هذا المصير الأليم فقال : ~~( @QUR@011 إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ، ولا يحض على طعام المسكين ). # أى : إن هذا الشقي إنما حل به ما حل من عذاب .. لأنه كان في الدنيا ، ~~مصرا على الكفر ، وعلى عدم الإيمان بالله الواحد القهار .. # وكان كذلك ( @QUR@02 لا يحض ) أى : لا يحث نفسه ولا غيره ( @QUR@03 على ~~طعام المسكين ) أى : على بذل طعامه أو طعام غيره للمسكين ، الذي حلت به ~~الفاقة والمسكنة. # ولعل وجه التخصيص لهذين الأمرين بالذكر ، أن أقبح شيء يتعلق بالعقائد ، ~~وهو الكفر بالله تعالى وأن أقبح شيء في الطباع ، هو البخل وقسوة القلب. # ثم ختم سبحانه هذه الآيات ، بزيادة البيان للمصير الأليم لهذا الشقي ms5762 فقال ~~: ( @QUR@03 فليس له اليوم ) أى : يوم القيامة ( @QUR@02 هاهنا حميم ) أى : ~~ليس له في هذا اليوم من صديق ينفعه ، أو من قريب يشفق عليه ، أو يحميه ، أو ~~يدفع عنه. # ( @QUR@05 ولا طعام إلا من غسلين ) أى : وليس له في جهنم من طعام سوى ~~الغسلين وهو صديد أهل النار .. أو شجر يأكله أهل النار ، فيغسل بطونهم ، أى ~~: يخرج أحشاءهم منها ، أو ليس لهم إلا شر الطعام وأخبثه. # ( @QUR@02 لا يأكله ) أى : الغسلين ( @QUR@02 إلا الخاطؤن ) أى : إلا ~~الكافرون الذين تعمدوا ارتكاب الذنوب ، وأصروا عليها ، من خطئ الرجل : إذا ~~تعمد ارتكاب الذنب. # فالخاطئ هو من يرتكب الذنب عن تعمد وإصرار. والمخطئ : هو من يرتكب الذنب ~~عن غير إصرار وتعمد. # وهكذا. نجد الآيات الكريمة قد ساقت أشد ألوان الوعيد والعذاب .. للكافرين ~~، بعد أن ساقت قبل ذلك ، أعظم أنواع النعيم المقيم للمؤمنين. # وبعد هذا العرض الذي بلغ الذروة في قوة التأثير لأهوال يوم القيامة ، ~~ولبيان حسن عاقبة المتقين ، وسوء عاقبة المكذبين .. بعد كل ذلك أخذت السورة ~~في أواخرها ، في تقرير حقيقة هذا الدين ، وفي تأكيد صدق الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه ، وفي بيان أن هذا القرآن من عنده تعالى ~~وحده .. فقال سبحانه : PageV15P082 # ( @QUR@04 فلا أقسم بما تبصرون (38) @QUR@03 وما لا تبصرون (39) @QUR@04 ~~إنه لقول رسول كريم (40) @QUR@07 وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون (41) ~~@QUR@06 ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون (42) @QUR@04 تنزيل من رب العالمين ~~(43) @QUR@05 ولو تقول علينا بعض الأقاويل (44) @QUR@03 لأخذنا منه باليمين ~~(45) @QUR@04 ثم لقطعنا منه الوتين (46) @QUR@06 فما منكم من أحد عنه ~~حاجزين (47) @QUR@03 وإنه لتذكرة للمتقين (48) @QUR@05 وإنا لنعلم أن منكم ~~مكذبين (49) @QUR@04 وإنه لحسرة على الكافرين (50) @QUR@03 وإنه لحق اليقين ~~(51) @QUR@04 فسبح باسم ربك العظيم ) (52) # والفاء في قوله : ( @QUR@07 فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون ) للتفريع ~~على ما فهم مما تقدم ، من إنكار المشركين ليوم القيامة ، ولكون القرآن من ~~عند الله. # و ( @QUR@01 فلا ) في مثل هذا التركيب يرى بعضهم أنها مزيدة ، فيكون ~~المعنى : أقسم بما تبصرون من مخلوقاتنا كالسماء والأرض والجبال والبحار ... ~~وبما لا تبصرون منها ، كالملائكة والجن. # وقوله : ( @QUR@04 إنه لقول رسول ms5763 كريم ) جواب القسم ، وهو المحلوف عليه ~~أى : أقسم إن هذا القرآن لقول رسول كريم ، هو محمد صلى الله عليه وسلم . # وأضاف سبحانه القرآن إلى الرسول صلى الله عليه وسلم باعتبار أنه هو الذي ~~تلقاه عن الله تعالى وهو الذي بلغه عنه بأمره وإذنه. # أى : أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول هذا القرآن ، وينطق به ، على وجه ~~التبليغ عن الله تعالى . # قال الإمام ابن كثير : قوله ( @QUR@04 إنه لقول رسول كريم ) يعنى محمدا ~~صلى الله عليه وسلم أضافه إليه على معنى التبليغ ، لأن الرسول من شأنه أن يبلغ ~~عن المرسل ، ولهذا أضافه في سورة التكوير إلى الرسول الملكي فقال : ( ~~@QUR@013 إنه لقول رسول كريم. ذي قوة عند ذي العرش مكين ، مطاع ثم أمين ) ~~وهو جبريل عليه السلام (1). PageV15P083 # وبعضهم يرى أن «لا» في مثل هذا التركيب ليست مزيدة ، وإنما هي أصلية ، ~~ويكون المقصود من الآية الكريمة ، بيان أن الأمر من الوضوح بحيث لا يحتاج ~~إلى قسم ، إذ كل عاقل عند ما يقرأ القرآن ، يعتقد أنه من عند الله. # ويكون المعنى : فلا أقسم بما تبصرونه من مخلوقات ، وبما لا تبصرونه .. ~~لظهور الأمر واستغنائه عن القسم. # قال الشوكانى : قوله : ( @QUR@07 فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون ) ~~هذا رد لكلام المشركين ، كأنه قال : ليس الأمر كما تقولون. و «لا» زائدة ~~والتقدير : فأقسم بما تشاهدونه وبما لا تشاهدونه. # وقيل إن «لا» ليست زائدة ، بل هي لنفى القسم ، أى : لا أحتاج إلى قسم ~~لوضوح الحق في ذلك. والأول أولى (1). # وتأكيد قوله : ( @QUR@04 إنه لقول رسول كريم ) بإن وباللام ، للرد على ~~المشركين الذين قالوا عن القرآن الكريم : أساطير الأولين. # ثم أضاف سبحانه إلى هذا التأكيد تأكيدات أخرى فقال : ( @QUR@013 وما هو ~~بقول شاعر ، قليلا ما تؤمنون. ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون ). # والشاعر : هو من يقول الشعر. والكاهن : هو من يتعاطى الكهانة عن طريق ~~الزعم بأنه يعلم الغيب. # وانتصب «قليلا» في الموضعين على أنه صفة لمصدر محذوف ، و «ما» مزيدة ~~لتأكيد القلة. # والمراد بالقلة في الموضعين انتفاء الإيمان منهم أصلا أو ms5764 أن المراد ~~بالقلة : إيمانهم اليسير ، كإيمانهم بأن الله هو الذي خلقهم ، مع إشراكهم ~~معه آلهة أخرى في العبادة. # أى : ليس القرآن الكريم بقول شاعر ، ولا بقول كاهن ، وإنما هو تنزيل من ~~رب العالمين ، على قلب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم لكي يبلغه إليكم ، ولكي ~~يخرجكم بواسطته من ظلمات الكفر ، إلى نور الإيمان. # ولكنكم أيها الكافرون لا إيمان عندكم أصلا ، أو قليلا ما تؤمنون بالحق ، ~~وقليلا ما تتذكرونه وتتعظون به. PageV15P084 # ففي الآيتين رد على الجاحدين الذين وصفوا الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه ~~شاعر أو كاهن. # وخص هذين الوصفين بالذكر هنا لأن وصفه صلى الله عليه وسلم بأنه ( @QUR@02 ~~رسول كريم ) كاف لنفى الجنون أو الكذب عنه صلى الله عليه وسلم أما وصفه بالشعر ~~والكهانة فلا ينافي عندهم وصفه بأنه كريم ، لأن الشعر والكهانة كان معدودين ~~عندهم من صفات الشرف ، لذا نفى سبحانه عنه صلى الله عليه وسلم أنه شاعر أو ~~كاهن ، وأثبت له أنه رسول كريم. # وقوله : ( @QUR@04 تنزيل من رب العالمين ) تأكيد لكون القرآن من عند الله ~~تعالى وأنه ليس بقول شاعر أو كاهن. # أى : هذا القرآن ليس كما زعمتم أيها الكافرون وإنما هو منزل من رب ~~العالمين ، لا من أحد سواه عز وجل . # ثم بين سبحانه ما يحدث للرسول صلى الله عليه وسلم لو أنه على سبيل الفرض غير ~~أو بدل شيئا من القرآن فقال : ( @QUR@018 ولو تقول علينا بعض الأقاويل ، ~~لأخذنا منه باليمين ، ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من أحد عنه حاجزين ). # والتقول : افتراء القول ، ونسبته إلى من لم يقله ، فهو تفعل من القول يدل ~~على التكلف والتصنع والاختلاق. # والأقاويل : جمع أقوال ، الذي هو جمع قول ، فهو جمع الجمع. # أى : ولو أن محمدا صلى الله عليه وسلم افترى علينا بعض الأقوال ، أو نسب ~~إلينا قولا لم نقله ، أو لم نأذن له في قوله .. لو أنه فعل شيئا من ذلك على ~~سبيل الفرض. # ( @QUR@03 لأخذنا منه باليمين ) أى : لأخذنا منه باليد اليمنى من يديه ، ~~وهو كناية عن إذلاله وإهانته. # أو ms5765 : لأخذناه بالقوة والقدرة ، وعبر عنهما باليمين ، لأن قوة كل شيء في ~~ميامنه. # والمقصود بالجملة الكريمة : التهويل من شأن الأخذ ، وأنه أخذ شديد سريع ~~لا يملك معه تصرفا أو هربا. # ثم أضاف سبحانه إلى هذا التهويل ما هو أشد منه في هذا المعنى فقال : ( ~~@QUR@04 ثم لقطعنا منه الوتين ). # أى : ثم بعد هذا الأخذ بقوة وسرعة ، لقطعنا وتينه. وهو عرق يتصل بالقلب. ~~متى قطع مات صاحبه. PageV15P085 # وهذا التعبير من مبتكرات القرآن الكريم ، ومن أساليبه البديعة ، إذ لم ~~يسمع عن العرب أنهم عبروا عن الإهلاك بقطع الوتين. # ثم بين سبحانه أن أحدا لن يستطيع منع عقابه فقال : ( @QUR@06 فما منكم من ~~أحد عنه حاجزين ). # أى : فما منكم من أحد أيها المشركون يستطيع أن يدفع عقابنا عنه ، أو يحول ~~بيننا وبين ما نريده ، فالضمير في «عنه» يعود إلى الرسول صلى الله عليه وسلم . # قال صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الآيات : التقول : افتعال القول ، كأن ~~فيه تكلفا من المفتعل ، وسمى الأقوال المتقولة «أقاويل» ، تصغيرا بها ~~وتحقيرا ، كقولك : الأعاجيب والأضاحيك ، كأنها جمع أفعولة من القول. # والمعنى : ولو ادعى علينا شيئا لم نقله لقتلناه صبرا ، كما يفعل الملوك ~~بمن يتكذب عليهم. معاجلة بالسخط والانتقام ، فصور قتل الصبر بصورته ليكون ~~أهول ، وهو أن يؤخذ بيده ، وتضرب رقبته. # وخص اليمين عن اليسار ، لأن القاتل إذا أراد أن يوقع الضرب في قفا ~~المقتول أخذ بيساره ، وإذا أراد أن يوقعه في جيده وأن يكفحه بالسيف وهو أشد ~~على المصبور لنظره إلى السيف أخذ بيمينه. # ومعنى : ( @QUR@03 لأخذنا منه باليمين ): لأخذنا بيمينه. كما أن قوله : ~~( @QUR@04 ثم لقطعنا منه الوتين ): لقطعنا وتينه ، والوتين : نياط القلب ، ~~وهو حبل الوريد ، إذا قطع مات صاحبه (1). # وفي هذه الآيات الكريمة أقوى الأدلة على أن هذا القرآن من عند الله تعالى ~~لأنه لو كان كما زعم الزاعمون أنه من تأليف الرسول صلى الله عليه وسلم لما نطق ~~بهذه الألفاظ التي فيها ما فيها من تهديده ووعيده. # كما أنها كذلك فيها إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم لم يتقول شيئا ms5766 .. ~~وإنما بلغ هذا القرآن عن ربه عز وجل دون أن يزيد حرفا أو ينقص حرفا .. لأن ~~حكمة الله تعالى قد اقتضت أن يهلك كل من يفترى عليه الكذب ، ومن يزعم أن ~~الله تعالى أوحى إليه ، مع أنه سبحانه لم يوح إليه. PageV15P086 # وقوله سبحانه ( @QUR@03 وإنه لتذكرة للمتقين ) معطوف على قوله : ( ~~@QUR@04 إنه لقول رسول كريم ). # أى : إن هذا القرآن لقول رسول كريم بلغه عن الله تعالى وإنه لتذكير ~~وإرشاد لأهل التقوى ، لأنهم هم المنتفعون بهداياته. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 وإنا لنعلم أن منكم مكذبين ) تبكيت وتوبيخ ~~لهؤلاء الكافرين ، الذين جحدوا الحق بعد أن تبين لهم أنه حق. # أى : وإنا لا يخفى علينا أن منكم أيها الكافرون من هو مكذب للحق عن جحود ~~وعناد ، ولكن هذا لن يمنعنا من إرسال رسولنا بهذا الدين لكي يبلغه إليكم ، ~~ومن شاء بعد ذلك فليؤمن ومن شاء فليكفر ، وسنجازى كل إنسان بما يستحقه من ~~ثواب أو عقاب. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 وإنه لحسرة على الكافرين ) بيان لما يكون عليه ~~الكافرون من ندم شديد ، عند ما يرون حسن مصير المؤمنين ، وسوء مصير ~~المكذبين. # والحسرة : هي الندم الشديد المتكرر ، على أمر نافع قد مضى ولا يمكن ~~تداركه. # أى : وإن هذا القرآن الكريم ، ليكون يوم القيامة ، سبب حسرة شديدة وندامة ~~عظيمة ، على الكافرين ، لأنهم يرون المؤمنين به في هذا اليوم في نعيم مقيم ~~، أما هم فيجدون أنفسهم في عذاب أليم. # وقوله : ( @QUR@03 وإنه لحق اليقين ) معطوف على ما قبله ، أى : وإن هذا ~~القرآن لهو الحق الثابت الذي لا شك في كونه من عند الله تعالى وأن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم قد بلغه إلى الناس دون أن يزيد فيه حرفا ، أو ينقص منه حرفا. # وإضافة الحق إلى اليقين ، من إضافة الصفة إلى الموصوف. أى : لهو اليقين ~~الحق ، أو هو من إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف اللفظين ، كما في قوله : ( ~~@QUR@02 حبل الوريد )، إذ الحبل هو الوريد. # والمقصود من مثل هذا التركيب : التأكيد. # وقد قالوا : إن مراتب العلم ثلاثة : أعلاها : حق اليقين ، ويليها : عين ~~اليقين ، ويليها ms5767 : علم اليقين. # فحق اليقين : كعلم الإنسان بالموت عند نزوله به ، وبلوغ الروح الحلقوم. ~~وعين اليقين : كعلمه به عند حلول أماراته وعلاماته الدالة على قربه .. وعلم ~~اليقين : كعلمه بأن الموت سينزل به لا محالة مهما طال الأجل .. والفاء في ~~قوله تعالى ( @QUR@03 فسبح باسم ربك PageV15P087 # @QUR@01 العظيم ) للإفصاح. أى : إذا كان الأمر كما ذكرنا لك من أن هذا ~~الدين حق ، وأن البعث حق ، وأن القرآن حق ، فنزه اسم ربك العظيم عما لا ~~يليق به ، من النقائص ، في الاعتقاد ، أو في العبادة ، أو في القول ، أو في الفعل. # والباء في قوله : ( @QUR@02 باسم ربك ) للمصاحبة. أى : نزه ربك تنزيها ~~مصحوبا بكل ما يليق به من طاعة وإخلاص ومواظبة على مراقبته وتقواه. # والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله ~~وصحبه وسلم. ||كتبه الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى| PageV15P088 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة المعارج ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة (المعارج) هي السورة السبعون في ترتيب المصحف ، أما ترتيبها في ~~النزول فهي السورة الثامنة والسبعون ، وكان نزولها بعد سورة (الحاقة) وقبل ~~سورة (النبأ). # وتسمى أيضا بسورة (سأل سائل)، وذكر السيوطي في كتابه (الإتقان) أنها ~~تسمى كذلك بسورة (الواقع). # وهذه الأسماء الثلاثة قد وردت ألفاظها في السورة الكريمة. قال تعالى ( ~~@QUR@012 سأل سائل بعذاب واقع. للكافرين ليس له دافع. من الله ذي المعارج ). # وهي من السور المكية الخالصة ، وعدد آياتها أربع وأربعون آية في عامة ~~المصاحف ، وفي المصحف الشامي ثلاث وأربعون آية. # والسورة الكريمة نراها في مطلعها ، تحكى لنا جانبا من استهزاء المشركين ~~بما أخبرهم به النبي صلى الله عليه وسلم من بعث وثواب وعقاب .. وترد عليهم بما ~~يكبتهم ، حيث تؤكد أن يوم القيامة حق ، وأنه واقع ، وأن أهواله شديدة. # قال تعالى ( @QUR@042 سأل سائل بعذاب واقع. للكافرين ليس له دافع. من ~~الله ذي المعارج. تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف ~~سنة. فاصبر صبرا جميلا. إنهم يرونه بعيدا. ونراه قريبا. يوم تكون السماء ~~كالمهل. وتكون الجبال كالعهن. ولا يسئل ms5768 حميم حميما ). # 3 ثم تنتقل السورة بعد ذلك إلى تصوير طبيعة الإنسان ، وتمدح المحافظين ~~على صلاتهم ، وعلى أداء حقوق الله تعالى في أموالهم ، كما تمدح الذين ~~يؤمنون بأن البعث حق ، PageV15P089 # ويستعدون لهذا اليوم بالإيمان والعمل الصالح. # قال تعالى ( @QUR@019 إن الإنسان خلق هلوعا. إذا مسه الشر جزوعا ، وإذا ~~مسه الخير منوعا. إلا المصلين ، الذين هم على صلاتهم دائمون ). # 4 ثم أخذت السورة الكريمة في أواخرها في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وفي توبيخ الكافرين على مسالكهم الخبيثة بإزاء الدعوة الإسلامية ، وفي بيان ~~أن يوم القيامة الذي يكذبون به آت لا ريب فيه. # قال تعالى : ( @QUR@026 فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي ~~يوعدون. يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون. خاشعة أبصارهم ~~ترهقهم ذلة ، ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون ). # 5 هذا والمتدبر في هذه السورة الكريمة ، يرى أن على رأس القضايا التي ~~اهتمت بالحديث عنها : التذكير بيوم القيامة ، وبأهواله وشدائده ، وببيان ما ~~فيه من حساب ، وجزاء ، وثواب وعقاب. # والحديث عن النفس الإنسانية بصفة عامة في حال عسرها ويسرها ، وصحتها ~~ومرضها ، وأملها ويأسها ... واستثناء المؤمنين الصادقين ، من كل صفة لا ~~يحبها الله تعالى وأنهم بسبب إيمانهم الصادق ، وعملهم الصالح ، سيكونون يوم ~~القيامة. في جنات مكرمين. # كما أن السورة الكريمة اهتمت بالرد على الكافرين ، وبتسلية الرسول ~~صلى الله عليه وسلم عما لحقه منهم ، وببيان مظاهر قدرة الله تعالى التي لا ~~يعجزها شيء. ||الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى| PageV15P090 ### ||| * التفسير # افتتح سبحانه سورة (المعارج) بقوله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@04 سأل سائل بعذاب واقع (1) @QUR@04 للكافرين ليس له دافع (2) ~~@QUR@04 من الله ذي المعارج (3) @QUR@011 تعرج الملائكة والروح إليه في يوم ~~كان مقداره خمسين ألف سنة (4) @QUR@03 فاصبر صبرا جميلا (5) @QUR@03 إنهم ~~يرونه بعيدا (6) @QUR@02 ونراه قريبا (7) @QUR@04 يوم تكون السماء كالمهل ~~(8) @QUR@03 وتكون الجبال كالعهن (9) @QUR@04 ولا يسئل حميم حميما (10) ~~@QUR@09 يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه (11) @QUR@02 ~~وصاحبته وأخيه (12) @QUR@03 وفصيلته التي تؤويه (13) @QUR@06 ومن في الأرض ~~جميعا ثم ينجيه (14) @QUR@03 كلا إنها لظى (15) @QUR@02 نزاعة للشوى (16) ~~@QUR@04 تدعوا من أدبر وتولى ms5769 (17) @QUR@02 وجمع فأوعى ) (18) # وقوله تعالى ( @QUR@04 سأل سائل بعذاب واقع ) قرأه الجمهور بإظهار الهمزة ~~في ( @QUR@01 سأل ). # وقرأه نافع وابن عامر ( @QUR@01 سأل ) بتخفيف الهمزة. # قال الجمل : قرأ نافع وابن عامر بألف محضة ، والباقون ، بهمزة محققة وهي الأصل. # فأما القراءة بالألف ففيها ثلاثة أوجه : أحدها : أنها بمعنى قراءة الهمزة ~~، وإنما خففت بقلبها ألفا. والثاني : أنها من سال يسال ، مثل خاف يخاف ، ~~والألف منقلبة عن واو ، والواو منقلبة عن الهمزة. PageV15P091 # والثالث : من السيلان ، والمعنى : سال واد في جهنم بعذاب ، فالألف منقلبة ~~عن ياء (1). # وقد حكى القرآن الكريم عن كفار مكة ، أنهم كانوا يسألون النبي ~~صلى الله عليه وسلم على سبيل التهكم والاستهزاء عن موعد العذاب الذي يتوعدهم ~~به إذا ما استمروا على كفرهم ، ويستعجلون وقوعه. # قال تعالى : ( @QUR@07 ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ) وقال ~~سبحانه ( @QUR@06 ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده ). # وعلى هذا يكون السؤال على حقيقته ، وأن المقصود به الاستهزاء بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين. # ومنهم من يرى أن سأل هنا بمعنى دعا. أى : دعا داع على نفسه بعذاب واقع. # قال الآلوسى ما ملخصه : ( @QUR@04 سأل سائل بعذاب واقع ) أى : دعا داع به ~~، فالسؤال بمعنى الدعاء ، ولذا عدى بالباء تعديته بها في قوله ( @QUR@05 ~~يدعون فيها بكل فاكهة آمنين ). والمراد : استدعاء العذاب وطلبه .. وقيل ~~إنها بمعنى «عن» كما في قوله : ( @QUR@03 فسئل به خبيرا ). # والسائل هو النضر بن الحارث كما روى النسائي وجماعة وصححه الحاكم حيث قال ~~إنكارا واستهزاء «اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من ~~السماء ، أو ائتنا بعذاب أليم». وقيل السائل : أبو جهل ، حيث قال : «فأسقط ~~علينا كسفا من السماء» (2). # وعلى أية حال فسؤالهم عن العذاب ، يتضمن معنى الإنكار والتهكم ، كما ~~يتضمن معنى الاستعجال ، كما حكته بعض الآيات الكريمة .. # ومن بلاغة القرآن ، تعدية هذا الفعل هنا بالباء ، ليصلح لمعنى الاستفهام ~~الإنكارى ، ولمعنى الدعاء والاستعجال. # أى : سأل سائل النبي صلى الله عليه وسلم سؤال تهكم ، عن العذاب الذي توعد به ~~الكافرين إذا ما استمروا على كفرهم. وتعجله في وقوعه ms5770 بل أضاف إلى ذلك ~~لتجاوزه الحد في عناده وطغيانه أن قال : «اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ~~فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم». PageV15P092 # وقال سبحانه ( @QUR@02 بعذاب واقع ) ولم يقل بعذاب سيقع ، للإشارة إلى ~~تحقق وقوع هذا العذاب في الدنيا والآخرة. # أما الدنيا فمن هؤلاء السائلين من قتل في غزوة بدر وهو النضر بن الحارث ، ~~وأبو جهل وغيرهما ، وأما في الآخرة فالعذاب النازل بهم أشد وأبقى. # ثم وصف سبحانه العذاب بصفات أخرى ، غير الوقوع فقال : ( @QUR@08 للكافرين ~~ليس له دافع. من الله ذي المعارج ). واللام في قوله ( @QUR@01 للكافرين ) ~~بمعنى على. أو للتعليل. # أى : سأل سائل عن عذاب واقع على الكافرين ، هذا العذاب ليس له دافع يدفعه ~~عنهم ، لأنه واقع من الله تعالى ( @QUR@02 ذي المعارج ). # والمعارج جمع معرج ، وهو المصعد ، ومنه قوله تعالى ( @QUR@018 ولو لا أن ~~يكون الناس أمة واحدة ، لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ~~ومعارج عليها يظهرون ) (1). # وقد ذكر المفسرون في المراد بالمعارج وجوها منها : أن المراد بها السموات ~~، فعن ابن عباس أنه قال أى : ذي السموات ، وسماها معارج لأن الملائكة ~~يعرجون فيها. # ومنها : أن المراد بها : النعم والمنن. فعن قتادة أنه قال : ذي المعارج ، ~~أى : ذي الفواضل والنعم. وذلك لأن لأياديه ووجوه إنعامه مراتب ، وهي تصل ~~إلى الناس على مراتب مختلفة. # ومنها : أن المراد بها الدرجات التي يعطيها لأوليائه في الجنة. # وفي وصفه سبحانه ذاته ب ( @QUR@02 ذي المعارج ): استحضار لصورة عظمة ~~جلاله ، وإشعار بكثرة مراتب القرب من رضاه وثوابه ، فإن المعارج من خصائص ~~منازل العظماء. # فأنت ترى أن الله تعالى قد وصف هذا العذاب الواقع على الكافرين. بجملة من ~~الصفات ، لتكون ردا فيه ما فيه من التهديد والوعيد للجاحدين ، الذين ~~استهزءوا به وأنكروه. # والمراد بالروح في قوله : ( @QUR@011 تعرج الملائكة والروح إليه في يوم ~~كان مقداره خمسين ألف سنة ): جبريل عليه السلام وأفرد بالذكر لتمييزه وفضله ~~، فهو من باب عطف الخاص على العام. # والضمير في «إليه» يعود إلى الله تعالى . # أى : تصعد الملائكة وجبريل ms5771 عليه السلام معهم ، إليه تعالى . PageV15P093 # والسلف على أن هذا التعبير وأمثاله ، من المتشابه الذي استأثر سبحانه ~~بعلمه. مع تنزيهه عز وجل عن المكان والجسمية. ولوازم الحدوث ، التي لا تليق ~~بجلاله. # وقيل : «إليه» أى : إلى عرشه تعالى أو إلى محل بره وكرامته. # قال القرطبي ما ملخصه : قوله : ( @QUR@07 في يوم كان مقداره خمسين ألف ~~سنة ) أى : عروج الملائكة إلى المكان الذي هو محلهم في وقت كان مقداره على ~~غيرهم لو صعد ، خمسين ألف سنة. # وعن مجاهد : هذا اليوم هو مدة عمر الدنيا ، من أول ما خلقت إلى آخر ما ~~بقي منها ، خمسون ألف سنة. # وقال ابن عباس : هو يوم القيامة ، جعله الله على الكافرين مقدار خمسين ~~ألف سنة. # ثم قال القرطبي : «وهذا القول أحسن ما قيل في الآية إن شاء الله بدليل ما ~~رواه قاسم بن أصبغ من حديث أبى سعيد الخدري قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة» ، فقلت : ما أطول هذا؟ ~~فقال صلى الله عليه وسلم «والذي نفسي بيده ، إنه ليخفف عن المؤمن حتى يكون أخف ~~عليه من صلاة المكتوبة يصليها في الدنيا». # وفي رواية عن ابن عباس أيضا أنه سئل عن هذه الآية فقال : أيام سماها الله ~~عز وجل ، وهو أعلم بها كيف تكون وأكره أن أقول فيها ما لا أعلم. # وقيل : ذكر خمسين ألف سنة تمثيل لما يلقاه الناس في موقف الحساب من شدائد ~~، والعرب تصف أيام الشدة بالطول ، وأيام الفرح بالقصر (1). # وقال بعض العلماء : وقد ذكر سبحانه في سورة السجدة أنه ( @QUR@017 يدبر ~~الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما ~~تعدون ). # وقال في سورة الحج : ( @QUR@08 وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ) ~~وذكر هنا ( @QUR@07 في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ). # والجمع بين هذه الآيات من وجهين : أولهما : ما جاء عن ابن عباس من أن يوم ~~الألف في سورة الحج ، هو أحد الأيام الستة التي خلق الله تعالى فيها ~~السموات والأرض. ms5772 # ويوم الألف في سورة السجدة ، هو مقدار سير الأمر وعروجه إليه تعالى . # ويوم الخمسين ألفا هنا : هو يوم القيامة. PageV15P094 # وثانيهما : أن المراد بجميعها يوم القيامة ، وأن الاختلاف باعتبار حال ~~المؤمن والكافر. # ويدل لهذا الوجه قوله تعالى : ( @QUR@08 فذلك يومئذ يوم عسير ، على ~~الكافرين غير يسير ) (1). # أى : أن يوم القيامة يتفاوت طوله بحسب اختلاف الشدة ، فهو يعادل في حالة ~~ألف سنة من سنى الدنيا ، ويعادل في حالة أخرى خمسين ألف سنة. # وقوله تعالى : ( @QUR@08 فاصبر صبرا جميلا. إنهم يرونه بعيدا. ونراه ~~قريبا .. ) متفرع على قوله سبحانه ( @QUR@02 سأل سائل ) لأن السؤال كان ~~سؤال استهزاء ، يضيق به الصدر ، وتغتم له النفس. # والصبر الجميل : هو الصبر الذي لا شكوى معه لغير الله عز وجل ولا يخالطه ~~شيء من الجزع ، أو التبرم بقضاء الله وقدره. # أى : لقد سألوك أيها الرسول الكريم عن يوم القيامة ، وعن العذاب الذي ~~تهددهم به ... سؤال تهكم واستعجال .. فاصبر صبرا جميلا على غرورهم وجحودهم ~~وجهالاتهم. # إنهم يرون هذا اليوم وما يصحبه من عذاب .. يرونه «بعيدا» من الإمكان أو ~~من الوقوع ، ولذلك كذبوا بما جئتهم به من عندنا ، واستهزؤا بك .. ونحن نراه ~~قريبا من الإمكان ، بل هو كائن لا محالة في الوقت الذي تقتضيه حكمتنا ~~ومشيئتنا. # ثم بين سبحانه جانبا من أهوال هذا اليوم فقال : ( @QUR@011 يوم تكون ~~السماء كالمهل. وتكون الجبال كالعهن. ولا يسئل حميم حميما ). # ولفظ «يوم» متعلق بقوله : «قريبا» أو بمحذوف يدل عليه قوله : ( @QUR@01 ~~واقع ) أى : هو واقع هذا العذاب يوم تكون السماء في هيئتها ومظهرها ~~«كالمهل» أى : تكون واهية مسترخية .. كالزيت الذي يتبقى في قعر الإناء. # ( @QUR@03 وتكون الجبال كالعهن ) أى : كالصوف المصبوغ ألوانا ، لاختلاف ~~ألوان الجبال ، فإن الجبال إذا فتتت وتمزقت في الجو ، أشبهت الصوف المنفوش ~~إذا طيرته الرياح ، قيل : أول ما تتغير الجبال تصير رملا مهيلا ، ثم عهنا ~~منفوشا ، ثم هباء منبثا. # ووجه الشبه أن السماء في هذا اليوم تكون في انحلال أجزائها ، كالشىء ~~الباقي في قعر الإناء من الزيت ، وتكون الجبال في تفرق أجزائها كالصوف ~~المصبوغ الذي تطاير في ms5773 الجو. # وفي هذا اليوم أيضا ( @QUR@04 لا يسئل حميم حميما ) أى : لا يسأل صديق ~~صديقه النصرة PageV15P095 # أو المعونة ، ولا يسأل قريب قريبه المساعدة والمؤازرة .. لأن كل واحد ~~منهما مشغول بهموم نفسه من شدة هول الموقف ، كما قال تعالى : ( @QUR@015 ~~يوم يفر المرء من أخيه. وأمه وأبيه. وصاحبته وبنيه. لكل امرئ منهم يومئذ ~~شأن يغنيه ). # والحميم : هو الصديق الوفي القريب من نفس صديقه. # وضمير الجمع في قوله سبحانه ( @QUR@01 يبصرونهم ) يعود إلى الحميمين ، ~~نظرا لعمومهما ، لأنه ليس المقصود صديقين مخصوصين ، وإنما المقصود كل صديق ~~مع صديقه. # والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا ، إجابة عن سؤال تقديره : ولما ذا لا ~~يسأل الصديق صديقه في هذا اليوم؟ ألأنه لا يراه؟ فكان الجواب : لا ، إنه ~~يراه ويشاهده ، ويعرف كل قريب قريبه ، وكل صديق صديقه في هذا اليوم .. ولكن ~~كل واحد منهم مشغول بهمومه. # قال صاحب الكشاف : ( @QUR@01 يبصرونهم ) أى : يبصر الأحماء الأحماء ، فلا ~~يخفون عليهم ، فلا يمنعهم من المساءلة أن بعضهم لا يبصر بعضا ، وإنما ~~يمنعهم التشاغل. # فإن قلت : ما موقع يبصرونهم؟ قلت : هو كلام مستأنف ، كأنه لما قال : ( ~~@QUR@04 ولا يسئل حميم حميما ) قيل : لعله لا يبصره ، فقيل في الجواب : ~~يبصرونهم ، ولكنهم لتشاغلهم لم يتمكنوا من تساؤلهم. # فإن قلت : لم جمع الضميرين في ( @QUR@01 يبصرونهم ) وهي للحميمين؟ قلت : ~~المعنى على العموم لكل حميمين ، لا لحميمين اثنين (1). # ثم بين سبحانه حالة المجرمين في هذا اليوم فقال : يوم المجرم أى : يحب ~~المجرم في هذا اليوم ويتمنى. # ( @QUR@06 لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه ) أى : يتمنى ويحب لو يفتدى نفسه ~~من عذاب هذا اليوم بأقرب الناس إليه ، وألصقهم بنفسه .. وهم بنوه وأولاده. # ويود أيضا لو يفتدى نفسه ب ( @QUR@02 صاحبته وأخيه ) أى : بزوجته التي هي ~~أحب الناس إليه ، وبأخيه الذي يستعين به في النوائب. # ( @QUR@03 وفصيلته التي تؤويه ) أى : ويود كذلك أن ينقذ نفسه ، من العذاب ~~بأقرب الأقرباء إليه. وهم أهله وعشيرته التي ينتسب إليها ، إذا الفصيلة هم ~~الأقرباء الأدنون من القبيلة ، والذين هو واحد منهم. # ومعنى ( @QUR@01 تؤويه ) تضمه إليها ، وتعتبره فردا منها ، وتدافع عنه ~~بكل وسيلة. ms5774 PageV15P096 # وقوله : ( @QUR@06 ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه ) داخل في إطار ما يتمناه ويوده. # أى : يود هذا المجرم أن يفتدى نفسه من عذاب هذا اليوم ، بأولاده ، ~~ويصاحبته ، وبأخيه ، وبعشيرته التي هو فرد منها ، وبأهل الأرض جميعا من ~~الجن والإنس. # ثم يتمنى أيضا أن يقبل منه هذا الافتداء ، لكي ينجو بنفسه من هذا العذاب. # فقوله ( @QUR@02 ثم ينجيه ) معطوف على قوله ( @QUR@01 يفتدي )، أى : يود ~~لو يفتدى ثم لو ينجيه الافتداء. وكان العطف بثم ، للإشعار باستبعاد هذا ~~الافتداء ، وأنه عسير المنال. # وقوله : ( @QUR@03 ومن في الأرض ) معطوف على ( @QUR@01 ببنيه ) أى : ~~ويفتدى نفسه بجميع أهل الأرض. # وهكذا نرى الآيات الكريمة تحكى لنا بهذا الأسلوب المؤثر ، حالة المجرم في ~~هذا اليوم ، وأنه يتمنى أن يفتدى نفسه مما حل به من عذاب ، بأقرب وأحب ~~الناس إليه ، بل بأهل الأرض جميعا .. ولكن هيهات أن يقبل منه شيء من ذلك. # ولذا جاء الرد الزاجر له عما تمناه في قوله تعالى ( @QUR@03 كلا إنها لظى ~~) وكلا حرف ردع وزجر ، وإبطال لكلام سابق ، وهو هنا ما كان يتمناه ويحبه .. ~~من أن يفتدى نفسه ببنيه ، وبصاحبته وأخيه .. إلخ. # و «لظى» علم لجهنم ، أو لطبقة من طبقاتها. واللظى : اللهب الخالص ، ~~والضمير للنار المدلول عنها بذكر العذاب. # أى : كلا أيها المجرم ليس الأمر كما وددت وتمنيت .. وإنما الذي في ~~انتظارك ، هو النار التي هي أشد ما تكون اشتعالا. # والتي من صفاتها كونها ( @QUR@02 نزاعة للشوى ).. أى : قلاعة لجلدة ~~الرأس وأطراف البدن ، كاليد والرجل ، ثم تعود هذه الجلدة والأطراف كما كانت. # فقوله : ( @QUR@01 نزاعة ) صيغة مبالغة من النزع بمعنى القلع والفصل. ~~والشوى : جمع شواة بفتح الشين ، وهي من جوارح الإنسان ما لم يكن مقتلا ، ~~مثل اليد والرجل. والجمع باعتبار ما لكل أحد من جوارح وأطراف. يقال : فلان ~~رمى فأشوى ، إذا لم يصب مقتلا ممن رماه. # وقيل : الشواة : جلدة الرأس. والجمع باعتبار كثرة الناس. # وهذه النار الملتهبة من صفاتها أيضا أنها ( @QUR@04 تدعوا من أدبر وتولى ~~) أى : تدعو لدخولها والاصطلاء بحرها ، من أدبر وأعرض وتولى عن الحق والرشد ~~، ونأى بجانبه عن ms5775 طريق الهدى والاستقامة. PageV15P097 # قال ابن كثير : هذه النار تدعو إليها أبناءها الذين خلقهم الله تعالى لها ~~وقدر لهم أنهم في الدار الدنيا يعملون عملها ، فتدعوهم يوم القيامة بلسان ~~طلق ذلق أى : فصيح بليغ ثم تلتقطهم من بين أهل المحشر ، كما يلتقط الطير ~~الحب ، وذلك أنهم كانوا كما قال سبحانه ممن أدبر وتولى. أى : ممن كذب بقلبه ~~، وترك العمل بجوارحه (1). # ( @QUR@02 وجمع فأوعى ) أى جمع المال بعضه على بعض فأوعاه ، أى : فأمسكه ~~في وعائه وكنزه ومنع حق الله تعالى فيه ، وبخل به على مستحقيه. فقوله ( ~~@QUR@01 فأوعى ) أى : فجعله في وعاء. وفي الحديث الشريف ، يقول ~~صلى الله عليه وسلم : «لا توعى أى لا تجمع مالك في الوعاء على سبيل الكنز ~~فيوعى الله عليك» أى : فيمنع الله تعالى فضله عنك ، كما منعت وقترت. # وفي قوله سبحانه ( @QUR@01 وجمع ) إشارة إلى الحرص والطمع ، وفي قوله ( ~~@QUR@01 فأوعى ) إشارة إلى بخله وطول أمله. # قال قتادة : ( @QUR@02 جمع فأوعى ): كان جموعا للخبيث من المال. # وبعد هذا البيان المؤثر الحكيم عن طبائع المجرمين ، وعن أهوال يوم الدين ~~، وعن سوء عاقبة المكذبين .. اتجهت السورة الكريمة إلى الحديث عن سجايا ~~النفوس البشرية في حالتي الخير والشر ، والغنى والفقر ، والشكر والجحود .. ~~واستثنت من تلك السجايا نفوس المؤمنين الصادقين ، فقال تعالى . # ( @QUR@04 إن الإنسان خلق هلوعا (19) @QUR@04 إذا مسه الشر جزوعا (20) ~~@QUR@04 وإذا مسه الخير منوعا (21) @QUR@02 إلا المصلين (22) @QUR@05 الذين ~~هم على صلاتهم دائمون (23) @QUR@05 والذين في أموالهم حق معلوم (24) ~~@QUR@02 للسائل والمحروم (25) @QUR@04 والذين يصدقون بيوم الدين (26) ~~@QUR@04 والذين هم من عذاب PageV15P098 # @QUR@02 ربهم مشفقون (27) @QUR@05 إن عذاب ربهم غير مأمون (28) @QUR@04 ~~والذين هم لفروجهم حافظون (29) @QUR@010 إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم فإنهم غير ملومين (30) @QUR@07 فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم ~~العادون (31) @QUR@05 والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون (32) @QUR@04 ~~والذين هم بشهاداتهم قائمون (33) @QUR@05 والذين هم على صلاتهم يحافظون ~~(34) @QUR@04 أولئك في جنات مكرمون ) (35) # والمراد بالإنسان في قوله تعالى : ( @QUR@012 إن الإنسان خلق هلوعا ، إذا ~~مسه الشر جزوعا ، وإذا مسه الخير منوعا ) جنسه لا فرد معين منه ، كما في ~~قوله تعالى : ( @QUR@010 والعصر إن الإنسان لفي خسر ، إلا الذين آمنوا ms5776 ~~وعملوا الصالحات .. ) وكما في قوله سبحانه : ( @QUR@08 خلق الإنسان من عجل ~~سأريكم آياتي فلا تستعجلون ). # ويدخل فيه الكافر دخولا أوليا ، لأن معظم الصفات التي استثنيت بعد ذلك من ~~صفات المؤمنين الصادقين ، وعلى رأسها قوله سبحانه : ( @QUR@02 إلا المصلين ). # وقوله : ( @QUR@01 هلوعا ) صيغة مبالغة من الهلع ، وهو إفراط النفس ، ~~وخروجها عن التوسط والاعتدال ، عند ما ينزل بها ما يضرها ، أو عند ما تنال ~~ما يسرها. # والمراد بالشر : ما يشمل الفقر والمرض وغيرهما مما يتأذى به الإنسان. # والمراد بالخير : ما يشمل الغنى والصحة وغير ذلك مما يحبه الإنسان ، ~~وتميل إليه نفسه. # والجزوع : هو الكثير الجزع. أى : الخوف. والمنوع : هو الكثير المنع لنعم ~~الله تعالى وعدم إعطاء شيء منها للمحتاجين إليها. # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( @QUR@04 إن الإنسان خلق هلوعا ) الهلع : ~~سرعة الجزع عند مس المكروه ، وسرعة المنع عند مس الخير ، من قولهم : ناقة ~~هلوع ، أى : سريعة السير. # وسئل ابن عباس عن الهلوع فقال : هو كما قال الله تعالى : ( @QUR@08 إذا ~~مسه الشر جزوعا ، وإذا مسه الخير منوعا ). # ولا تفسير أبين من تفسيره سبحانه . PageV15P099 # والإنسان : المراد به الجنس ، أو الكافر .. وأل في الشر والخير للجنس ~~أيضا (1). # والتعبير بقوله : ( @QUR@02 خلق هلوعا ) يشير إلى أن جنس الإنسان إلا من ~~عصم الله مفطور ومطبوع ، على أنه إذا أصابه الشر جزع ، وإذا مسه الخير بخل ~~.. وأن هاتين الصفتين ليستا من الصفات التي يحبها الله تعالى بدليل أنه ~~سبحانه قد استثنى المصلين وغيرهم من التلبس بهاتين الصفتين. # وبدليل أن من صفات المؤمن الصادق أن يكون شكورا عند الرخاء صبورا عند ~~الضراء. # وفي الحديث الشريف ، يقول صلى الله عليه وسلم : «شر ما في الرجل : شح هالع ، ~~وجبن خالع» وفي حديث آخر يقول صلى الله عليه وسلم : «عجبا لأمر المؤمن ، إن ~~أمره كله له خير ، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر ~~فكان خيرا له». # قال الجمل : وقوله : ( @QUR@01 جزوعا ) و ( @QUR@01 منوعا ) فيهما ثلاثة ~~أوجه : أحدها : أنهما منصوبان على الحال من الضمير في ( @QUR@01 هلوعا )، ~~وهو العامل فيهما. والتقدير : هلوعا حال كونه ms5777 جزوعا وقت مس الشر ، ومنوعا ~~وقت مس الخير : الثاني : أنهما خبران لكان أو صار مضمرة. أى : إذا مسه الشر ~~كان أو صار جزوعا ، وإذا مسه الخير كان أو صار منوعا. الثالث : أنهما نعتان ~~لقوله : «هلوعا» (2). # ثم وصف سبحانه من استثناهم من الإنسان الهلوع ، بجملة من الصفات الكريمة ~~، فقال : ( @QUR@07 إلا المصلين. الذين هم على صلاتهم دائمون ). # أى : إن الناس جميعا قد جبلوا على الجزع عند الضراء ، وعلى المنع عند ~~السراء .. إلا المصلين منهم ، الذين يواظبون على أدائها مواظبة تامة ، دون ~~أن يشغلهم عن أدائها : عسر أو يسر ، أو غنى أو فقر ، أو إقامة أو سفر. # فهم ممن قال سبحانه في شأنهم : ( @QUR@019 رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع ~~عن ذكر الله ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، يخافون يوما تتقلب فيه القلوب ~~والأبصار ). # وقال سبحانه : ( @QUR@03 على صلاتهم دائمون ) للإشارة إلى أنهم لا يشغلهم ~~عنها شاغل ، إذ الدوام على الشيء عدم تركه. # وفي إضافة «الصلاة» إلى ضمير «المصلين» تنويه بشأنهم ، وإشعار باختصاصها ~~بهم ، إذ هم أصحابها الملازمون لها. PageV15P100 # ثم وصفهم سبحانه بصفة ثانية فقال : ( @QUR@07 والذين في أموالهم حق ~~معلوم. للسائل والمحروم ). # والمراد بالحق المعلوم : ما أوجبوه على أنفسهم من دفع جزء من أموالهم ~~للمحتاجين ، على سبيل التقرب إلى الله تعالى وشكره على نعمه ، ويدخل في هذا ~~الحق المعلوم دخولا أوليا ما فرضه سبحانه عليهم من زكاة أموالهم. # قالوا : ولا يمنع ذلك من أن تكون السورة مكية ، فقد يكون أصل مشروعية ~~الزكاة بمكة ، ثم أتى تفصيل أحكامها بالمدينة ، عن طريق السنة النبوية ~~المطهرة. # والسائل : هو الذي يسأل غيره الصدقة ، والمحروم : هو الذي لا يسأل غيره ~~تعففا ، وإن كان في حاجة إلى العون والمساعدة. # أى : ومن الذين استثناهم سبحانه من صفة الهلع : أولئك المؤمنون الصادقون ~~الذين جعلوا في أموالهم حقا معينا ، يخرجونه عن إخلاص وطيب خاطر ، لمن ~~يستحقونه من السائلين والمحرومين .. على سبيل الشكر لخالقهم على ما أنعم ~~عليهم من نعم. # ووصف سبحانه ما يعطونه من أموالهم بأنه ( @QUR@01 حق ) للاشارة إلى أنهم ~~لصفاء أنفسهم قد جعلوا السائل ms5778 والمحروم ، كأنه شريك لهم في أموالهم ، وكأن ~~ما يعطونه له إنما هو بمثابة الحق الثابت عندهم له. # ثم وصفهم سبحانه بصفات كريمة أخرى فقال : ( @QUR@04 والذين يصدقون بيوم ~~الدين ) والتصديق بيوم الدين معناه : الإيمان الجازم باليوم الآخر وما فيه ~~من بعث وحساب وجزاء. # ( @QUR@06 والذين هم من عذاب ربهم مشفقون ) أى : أن من صفاتهم : أنهم مع ~~قوة إيمانهم ، وكثرة أعمالهم الصالحة ، لا يجزمون بنجاتهم من عذاب الله ~~تعالى وإنما دائما أحوالهم مبنية على الخوف والرجاء ، إذ الإشفاق توقع حصول ~~المكروه وأخذ الحذر منه. # وجملة ( @QUR@05 إن عذاب ربهم غير مأمون ) تعليلية ، ومقررة لمضمون ما ~~قبلها ، أى : إنهم مشفقون من عذاب ربهم .. لأن العاقل لا يأمن عذابه عز وجل ~~مهما أتى من طاعات ، وقدم من أعمال صالحة. # وشبيه بهذه الآية قوله سبحانه ( @QUR@010 والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم ~~وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ) (1). PageV15P101 # ثم قال تعالى : ( @QUR@021 والذين هم لفروجهم حافظون. إلا على أزواجهم أو ~~ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ). # أى : أن من صفاتهم أيضا أنهم أعفاء ، ممسكون لشهواتهم ، لا يستعملونها ~~إلا مع زوجاتهم اللائي أحلهن سبحانه لهم أو مع ما ملكت أيمانهم من الإماء ~~والسراري. # وجملة ( @QUR@03 فإنهم غير ملومين ) تعليل للاستثناء. أى : هم حافظون ~~لفروجهم ، فلا يستعملون شهواتهم إلا مع أزواجهم. أو ما ملكت أيمانهم فإنهم ~~غير مؤاخذين على ذلك ، لأن معاشرة الأزواج وما ملكت الأيمان مما أحله الله ~~تعالى . # وقوله : ( @QUR@04 فمن ابتغى وراء ذلك ) أى : فمن طلب خلاف ذلك الذي أحله ~~سبحانه . ( @QUR@03 فأولئك هم العادون ) أى : فأولئك هم المعتدون ~~المتجاوزون حدود خالقهم ، الوالغون في الحرام الذي نهى الله تعالى عنه. # يقال : عدا فلان الشيء يعدوه عدوا ، إذا جاوزه وتركه. أى : أنهم تجاوزوا ~~الحلال وتركوه خلف ظهورهم ، واتجهوا ناحية الحرام فولغوا فيه. # قوله : ( @QUR@05 والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ) أى : أن من صفات ~~هؤلاء المؤمنين الصادقين ، الذين إذا مسهم الشر لا يجزعون ، وإذا مسهم ~~الخير لا يمنعون .. أنهم لا يخلون بشيء من الأمانات التي يؤتمنون عليها ، ~~ولا ينقضون ms5779 شيئا من العهود التي يعاهدون غيرهم عليها ، وإنما هم يراعون ذلك ~~ويحفظونه حفظا تاما. # فقوله ( @QUR@01 راعون ) جمع راع ، وهو الذي يرعى الحقوق والأمانات ~~والعهود ويحفظها ويحرسها ، كما يحرس الراعي غنمه وإبله حراسة تامة. # وقوله : ( @QUR@04 والذين هم بشهاداتهم قائمون ) أى : والذين هم من ~~صفاتهم أنهم يؤدون الشهادة على وجهها الحق ، فلا يشهدون بالزور أو الباطل ، ~~ولا يكتمون الشهادة إذا طلب منهم أن يؤدوها ، عملا بقوله تعالى ( @QUR@08 ~~ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ). # فالشهادات : جمع شهادة. والمراد بالقيام بها : أداؤها على أتم وجه وأكمله ~~وأعدله ، إذ القيام بها يشمل الاهتمام بشأنها ، وحفظها إلى أن يؤديها ~~صاحبها على الوجه الذي يحبه سبحانه . # وكما افتتح سبحانه هذه الصفات الكريمة بمدح الذين هم على صلاتهم دائمون ، فقد PageV15P102 # ختمها بمدح الذين يحافظون عليها فقال : ( @QUR@05 والذين هم على صلاتهم ~~يحافظون ) أى : يؤدونها كاملة غير منقوصة. لا في خشوعها ، ولا في القراءة ~~فيها ، ولا في شيء من أركانها وسننها. # وهذا الافتتاح والختام ، يدل على شرفها وعلو قدرها ، واهتمام الشارع ~~بشأنها. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف قال : ( @QUR@03 على صلاتهم دائمون ) ثم ~~( @QUR@03 على صلاتهم يحافظون )؟. قلت : معنى دوامهم عليها ، أن يواظبوا ~~على أدائها ، لا يخلون بها ، ولا يشتغلون عنها بشيء من الشواغل. # ومحافظتهم عليها : أن يراعوا إسباغ الوضوء لها ، ومواقيتها ، وسننها ، ~~وآدابها .. فالدوام يرجع إلى نفس الصلاة ، والمحافظة تعود إلى أحوالها (1). # فأنت ترى أن الله تعالى قد وصف هؤلاء المؤمنين الصادقين ، الذين حماهم ~~سبحانه من صفة الهلع .. وصفهم بثماني صفات كريمة ، منها : المداومة على ~~الصلاة ، والمحافظة على الإنفاق في وجوه الخير ، والتصديق بيوم القيامة وما ~~فيه من ثواب وعقاب ، والحفظ لفروجهم ، وأداء الأمانات والشهادات. # ثم بين سبحانه ما أعده لهم من عطاء جزيل فقال : ( @QUR@04 أولئك في جنات ~~مكرمون ) أى : أولئك المتصفون بذلك في جنات عظيمة ، يستقبلون فيها بالتعظيم ~~والحفاوة .. حيث تقول لهم الملائكة : ( @QUR@07 سلام عليكم بما صبرتم فنعم ~~عقبى الدار ). # وبعد هذه الصورة المشرقة لهؤلاء المكرمين .. أخذت السورة في تصوير موقف ~~المشركين من دعوة الرسول صلى الله ms5780 عليه وسلم إياهم إلى الحق ، وفي تسليته عما ~~لحقه منهم من أذى ، وفي بيان أحوالهم السيئة عند ما يعرضون للحساب .. فقال ~~تعالى . # ( @QUR@06 فما ل الذين كفروا قبلك مهطعين (36) @QUR@05 عن اليمين وعن ~~الشمال عزين (37) @QUR@08 أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم (38) ~~@QUR@05 كلا إنا خلقناهم مما يعلمون (39) @QUR@07 فلا أقسم برب المشارق ~~والمغارب إنا لقادرون (40) @QUR@05 على أن نبدل خيرا منهم PageV15P103 # @QUR@03 وما نحن بمسبوقين (41) @QUR@08 فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا ~~يومهم الذي يوعدون (42) @QUR@09 يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب ~~يوفضون (43) @QUR@09 خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون ) (44) # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@011 فما ل الذين كفروا قبلك مهطعين ، ~~عن اليمين وعن الشمال عزين ) للتعجيب من حال هؤلاء الذين كفروا ، ومن ~~تصرفاتهم التي تدل على منتهى الغفلة والجهل. و «ما» مبتدأ. و «الذين كفروا» خبره. # وقوله ( @QUR@01 مهطعين ) من الإهطاع ، وهو السير بسرعة ، مع مد العنق ، ~~واتجاه البصر نحو شيء معين. # و ( @QUR@01 عزين ) جمع عزة كفئة وهي الجماعة. وأصلها عزوة بكسر العين من ~~العزو ، لأن كل فرقة تعتزى إلى غير من تعتزى إليه الأخرى ، فلامها واو ، ~~وقيل : لامها هاء ، والأصل عزهة. # قال القرطبي : والعزين : جماعات متفرقة. ومنه الحديث الذي خرجه مسلم ~~وغيره ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه يوما فرآهم حلقا فقال ~~: مالي أراكم عزين : ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ قالوا : وكيف ~~تصف الملائكة عند ربها؟ قال : يتمون الصفوف الأول ، ويتراصون في الصف (1). # وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآيات ، أن المشركين كانوا يجتمعون حول النبي ~~صلى الله عليه وسلم ويستمعون إليه ، ثم يكذبونه ويستهزئون به وبالمؤمنين ، ~~ويقولون : لئن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد صلى الله عليه وسلم فلندخلنها ~~قبلهم ، وليكونن لنا فيها أكثر مما لهم (2). # والمعنى : ما بال هؤلاء الكافرين مسرعين نحوك أيها الرسول الكريم وناظرين ~~إليك بعيون لا تكاد تفارقك ، وملتفين من حولك عن يمينك وعن شمالك ، جماعات ~~متعددة ، ومظهرين التهكم والاستهزاء بك وبأصحابك؟ # ما بالهم يفعلون ذلك مع علمهم في قرارة أنفسهم بأنك ms5781 أنت الصادق الأمين» PageV15P104 # وقدم سبحانه الظرف ( @QUR@01 قبلك ) الذي بمعنى جهتك ، على قوله ( ~~@QUR@01 مهطعين ) للاهتمام ، حيث إن مقصدهم الأساسى من الإسراع هو الاتجاه ~~نحو النبي صلى الله عليه وسلم للاستهزاء به وبأصحابه. # والمراد بقوله : ( @QUR@04 عن اليمين وعن الشمال ): جميع الجهات ، إلا ~~أنه عبر بهاتين الجهتين ، لأنهما الجهتان اللتان يغلب الجلوس فيهما حول الشخص. # وقوله : ( @QUR@01 عزين ) تصوير بديع لالتفافهم من حوله جماعات متفرقة في ~~مشاربها ، وفي مآربها ، وفي طباعها. # والاستفهام في قوله تعالى ( @QUR@08 أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم ~~) للنفي والإنكار. # أى : أيطمع كل واحد من هؤلاء الكافرين أن يدخل الجنة التي هي محل نعيمنا ~~وكرامتنا بدون إيمان صادق ، وبدون عمل نافع ..؟ # وقوله سبحانه ( @QUR@01 كلا ) ردع لهم وزجر عن هذا الطمع ، أى : كلا ليس ~~الأمر كما يزعمون من أنهم سيدخلون الجنة قبل المؤمنين أو معهم أو بعدهم .. ~~وإنما هم سيكون مأواهم جهنم وبئس المصير. # وقال سبحانه : ( @QUR@04 أيطمع كل امرئ منهم ) ولم يقل : أيطمعون أن ~~يدخلوا الجنة ، للإشعار بأن كل واحد من هؤلاء الكافرين كان طامعا في دخولها ~~، لاستيلاء الغرور والجهالة على قلبه. # وجملة ( @QUR@04 إنا خلقناهم مما يعلمون ) تأكيد لهذا الردع والزجر ، ~~وتهوين من شأنهم ، وإبطال لغرورهم ، وتنكيس لخيلائهم بأسلوب بديع مهذب .. ~~لأنه مما لا شك فيه أنهم يعلمون أنهم قد خلقوا من ماء مهين ، ومن كان كذلك ~~فلا يليق به متى كان عاقلا أن يغتر أو يتطاول. # قال صاحب الكشاف ما ملخصه : ويجوز أن يراد بقوله : ( @QUR@04 إنا خلقناهم ~~مما يعلمون ) أى : من النطفة المذرة ، وهي منصبهم الذي لا منصب أوضع منه. ~~ولذلك أبهم وأخفى : إشعارا بأنه منصب يستحيا من ذكره ، فمن أين يتشرفون ~~ويدعون التقدم ، ويقولون : لندخلن الجنة قبلهم. # وقيل : معناه إنا خلقناهم من نطفة كما خلقنا بنى آدم كلهم ، ومن حكمنا أن ~~لا يدخل أحد الجنة ، إلا بالإيمان والعمل الصالح ، فكيف يطمع في دخولها من ~~ليس له إيمان وعمل (1). PageV15P105 # ثم ساق سبحانه ما يدل على كمال قدرته ، وعلى زيادة التهوين من شأن هؤلاء ~~الكافرين ، والتحقير من أمرهم فقال : ( @QUR@015 فلا ms5782 أقسم برب المشارق ~~والمغارب إنا لقادرون. على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين ). # وجمع سبحانه هنا المشارق والمغارب ، باعتبار أن لها في كل يوم من أيام ~~السنة مشرقا معينا تشرق منه ، ومغربا معينا تغرب فيه. # وقال في سورة الرحمن ( @QUR@04 رب المشرقين ورب المغربين ) أى : مشرق ~~ومغرب الشتاء والصيف. # وقال في سورة المزمل : ( @QUR@03 رب المشرق والمغرب ) والمراد بهما هنا : ~~جنسهما ، فهما صادقان على كل مشرق من مشارق الشمس ، وعلى كل مغرب من ~~مغاربها. # وبذلك يتبين أنه لا تعارض بين مجيء هذه الألفاظ تارة مفردة ، وتارة بصيغة ~~المثنى ، وتارة بصيغة الجمع. # وجملة ( @QUR@02 إنا لقادرون ): جواب القسم. أى : أقسم بالله تعالى الذي ~~هو رب مشارق الشمس والقمر والكواكب ومغاربها .. إنا لقادرون قدرة تامة ( ~~@QUR@05 على أن نبدل خيرا منهم ) أى : على أن نخلق خلقا آخر خيرا منهم ~~ونهلك هؤلاء المجرمين إهلاكا تاما .. أو على أن نبدل ذواتهم ، فنخلقهم خلقا ~~جديدا يكون خيرا من خلقهم الذي هم عليه .. فإن قدرتنا لا يعجزها شيء. # وقوله ( @QUR@03 وما نحن بمسبوقين ) معطوف على جواب القسم ومؤكد له. أى : ~~إنا لقادرون على ذلك ، وما نحن بمغلوبين أو عاجزين عن أن نأتى بقوم آخرين ~~خير منهم. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@022 يا أيها الناس أنتم الفقراء ~~إلى الله والله هو الغني الحميد. إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد. وما ذلك ~~على الله بعزيز ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@010 .. وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ، ثم لا ~~يكونوا أمثالكم ) (2)، والمقصود بهذه الآيات الكريمة تهديد المشركين وبيان ~~أن قدرته تعالى لا يعجزها شيء. # والفاء في قوله : ( @QUR@03 فذرهم يخوضوا ويلعبوا .. ) للتفريع على ما ~~تقدم. والخوض يطلق على السير في الماء ، والمراد به هنا : الكلام الكثير ~~الذي لا نفع فيه. # واللعب : اشتغال الإنسان بشيء لا فائدة من ورائه. والمراد به هنا : ~~استهزاؤهم بالحق الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم . PageV15P106 # أى : ما دام الأمر كما ذكرنا لك أيها الرسول الكريم فاترك هؤلاء الكافرين ~~، ليخوضوا في باطلهم ، ويلعبوا في دنياهم ، ولا تلتفت إليهم. # ودعهم في هزلهم ولهوهم ( @QUR@05 حتى ms5783 يلاقوا يومهم الذي يوعدون ) وهو يوم ~~القيامة الذي لا شك في إتيانه ووقوعه. # وقوله ( @QUR@05 يوم يخرجون من الأجداث سراعا ) بدل من ( @QUR@01 يومهم ) ~~. والأجداث جمع جدث بفتح الجيم والدال وهو القبر. أى : اتركهم يخوضوا ~~ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم المحتوم. وهو اليوم الذي يخرجون فيه من قبورهم ~~مسرعين إلى الداعي. # ( @QUR@04 كأنهم إلى نصب يوفضون ) والنصب بضمتين حجارة كانوا يعظمونها. ~~وقيل : هي الأصنام ، وسميت بذلك لأنهم كانوا ينصبونها ويقيمونها للعبادة. # ( @QUR@01 يوفضون ) أى : يسرعون. يقال : وفض فلان يفض وفضا كوعد إذا أسرع ~~في سيره. أى : يخرجون من قبورهم مسرعين إلى الداعي ، مستبقين إليه ، كما ~~كانوا في الدنيا يسرعون نحو أصنامهم وآلهتهم لكي يستلموها ، ويلتمسوا منها ~~الشفاعة. # ( @QUR@02 خاشعة أبصارهم ) أى : يخرجون من قبورهم ، حالة كونهم ذليلة ~~خاضعة أبصارهم ، لا يرفعونها لما هم فيه من الخزي والهوان. # ( @QUR@02 ترهقهم ذلة ) أى : تغشاهم ذلة شديدة ، وهوان عظيم. يقال : رهقه ~~الأمر يرهقه رهقا ، إذا غشيه بقهر وغلبة لا يمكن له دفعها. # ( @QUR@05 ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون ) أى : ذلك الذي ذكرناه من ~~الأهوال ، هو اليوم الذي كانوا يوعدونه في الدنيا على ألسنة الرسل ، والذي ~~كانوا ينكرون وقوعه ، وها هو ذا في حكم الواقع ، لأن كل ما أخبر الله تعالى ~~عنه ، فهو متحقق الوقوع. كما قال سبحانه في أول السورة : ( @QUR@08 سأل ~~سائل بعذاب واقع. للكافرين ليس له دافع ). # وهكذا افتتحت السورة بإثبات أن يوم القيامة حق ، واختتمت كذلك بإثبات أن ~~يوم القيامة حق. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ||كتبه الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى| PageV15P107 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة نوح ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «نوح» عليه السلام من السور المكية الخالصة ، وسميت بهذا الاسم ~~لاشتمالها على دعوته عليه السلام وعلى مجادلته لقومه ، وعلى موقفهم منه ، ~~وعلى دعائه عليهم. # وكان نزولها بعد سورة «النحل» وقبل سورة «إبراهيم». # وعدد آياتها ثمان وعشرون آية في المصحف الكوفي. وتسع وعشرون في المصحف ~~البصري والشامي ، وثلاثون آية في المصحف المكي والمدني. # 2 وهذه السورة الكريمة من أولها إلى آخرها ms5784 ، تحكى لنا ما قاله نوح لقومه ~~، وما ردوا به عليه ، كما تحكى تضرعه إلى ربه عز وجل وما سلكه مع قومه في ~~دعوته لهم إلى الحق ، تارة عن طريق الترغيب وتارة عن طريق الترهيب ، وتارة ~~عن طريق دعوتهم إلى التأمل والتفكر في نعم الله تعالى عليهم ، وتارة عن ~~طريق تذكيرهم بخلقهم. # كما تحكى أنه عليه السلام بعد أن مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما دعا ~~الله تعالى أن يستأصل شأفتهم. فقال : ( @QUR@033 رب لا تذر على الأرض من ~~الكافرين ديارا. إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ، ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا. رب ~~اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ، ولا تزد ~~الظالمين إلا تبارا ). PageV15P109 ### ||| * التفسير # قد افتتح سبحانه السورة الكريمة بقوله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@014 إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب ~~أليم (1) @QUR@07 قال يا قوم إني لكم نذير مبين (2) @QUR@05 أن اعبدوا الله ~~واتقوه وأطيعون (3) @QUR@018 يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن ~~أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون ) (4) # وقصة نوح عليه السلام مع قومه ، قد وردت في سور متعددة منها : سورة ~~الأعراف ، ويونس ، وهود ، والشعراء ، والعنكبوت. # وينتهى نسب نوح عليه السلام إلى شيث بن آدم ، وقد ذكر نوح في القرآن في ~~ثلاثة وأربعين موضعا. # وكان قوم نوح يعبدون الأصنام ، فأرسل الله تعالى إليهم نوحا ليدلهم على ~~طريق الرشاد. # وقد افتتحت السورة هنا بالأسلوب المؤكد بإن ، للاهتمام بالخبر ، وللاتعاظ ~~بما اشتملت عليه القصة من هدايات وإرشادات. # وأن في قوله ( @QUR@03 أن أنذر قومك ) تفسيرية ، لأنها وقعت بعد أرسلنا ، ~~والإرسال فيه معنى القول دون حروفه ، فالجملة لا محل لها من الإعراب. # ويصح أن تكون مصدرية ، أى : بأن أنذر قومك ... والإنذار ، هو الإخبار ~~الذي معه تخويف. # وقوم الرجل : هم أهله وخاصته الذين يجتمعون معه في جد واحد. وقد يقيم ~~الرجل بين الأجانب. فيسميهم قومه على سبيل المجاز للمجاورة. PageV15P110 # أى : إنا قد اقتضت حكمتنا أن نرسل نوحا عليه السلام إلى قومه ، وقلنا ms5785 له : ~~يا نوح عليك أن تنذرهم وتخوفهم من عذابنا ، وأن تدعوهم إلى إخلاص العبادة ~~لنا ، من قبل أن ينزل بهم عذاب مؤلم ، لا طاقة لهم بدفعه ، لأن هذا العذاب ~~من الله تعالى الذي لا راد لقضائه ، ولا معقب لحكمه. # وقال سبحانه ( @QUR@03 أن أنذر قومك ) ولم يقل : أن أنذر الناس ، لإثارة ~~حماسته في دعوته ، لأن قوم الرجل يحرص الإنسان على منفعتهم .. أكثر من حرصه ~~على منفعة غيرهم. # والآية الكريمة صريحة في أن ما أصاب قوم نوح من عذاب أليم ، كان بسبب ~~إصرارهم على كفرهم ، وعدم استماعهم إلى إنذاره لهم. # ثم حكى سبحانه بعد ذلك ما قاله نوح لقومه فقال : ( @QUR@012 قال يا قوم ~~إني لكم نذير مبين أن اعبدوا الله ، واتقوه وأطيعون ). # اى : قال نوح لقومه على سبيل التلطف في النصح ، والتقرب إلى قلوبهم يا ~~قوم ويا أهلى وعشيرتي : إنى لكم منذر واضح الإنذار ، ولا أسألكم على هذا ~~الإنذار الخالص أجرا ، وإنما ألتمس أجرى من الله. # وإنى آمركم بثلاثة أشياء : أن تخلصوا لله تعالى العبادة ، وأن تتقوه في ~~كل أقوالكم وأفعالكم ، وأن تطيعوني في كل ما آمركم به وأنهاكم عنه. # وافتتح كلامه معهم بالنداء ( @QUR@02 يا قوم )، أملا في لفت أنظارهم ~~إليه ، واستجابتهم له ، فإن النداء من شأنه التنبيه للمنادى. # ووصف إنذاره لهم بأنه ( @QUR@01 مبين )، ليشعرهم بأنه لا لبس في دعوته ~~لهم إلى الحق ، ولا خفاء في كونهم يعرفونه ، ويعرفون حرصه على منفعتهم ... # وقال : ( @QUR@02 إني لكم ) للإشارة الى أن فائدة استجابتهم له ، تعود ~~عليهم لا عليه ، فهو مرسل من أجل سعادتهم وخيرهم. # وأمرهم بطاعته ، بعد أمرهم بعبادة الله وتقواه ، لأن طاعتهم له هي طاعة ~~لله تعالى كما قال تعالى : ( @QUR@06 من يطع الرسول فقد أطاع الله ). # ثم بين لهم ما يترتب على إخلاص عبادتهم لله ، وخشيتهم منه سبحانه ، ~~وطاعتهم لنبيهم فقال : ( @QUR@08 يغفر لكم من ذنوبكم ، ويؤخركم إلى أجل ~~مسمى ). # وقوله : ( @QUR@01 يغفر ) مجزوم في جواب الأوامر الثلاثة ، و ( @QUR@01 ~~من ) للتبعيض أى : يغفر لكم بعض ذنوبكم ، وهي تلك التي اقترفوها قبل ~~إيمانهم وطاعتهم لنبيهم ، أو الذنوب ms5786 التي PageV15P111 # تتعلق بحقوق الله تعالى دون حقوق العباد. # ويرى بعضهم أن «من» هنا زائدة لتوكيد هذه المغفرة. أى : يغفر لكم جميع ~~ذنوبكم التي فرطت منكم ، متى آمنتم واتقيتم ربكم ، وأطعتم نبيكم. # ( @QUR@04 ويؤخركم إلى أجل مسمى ) أى : ويؤخر آجالكم إلى وقت معين عنده ~~سبحانه ، ويبارك لكم فيها ، بأن يجعلها عامرة بالعمل الصالح ، وبالحياة ~~الآمنة الطيبة. # فأنت ترى أن نوحا عليه السلام قد وعدهم بالخير الأخروى وهو مغفرة الذنوب ~~يوم القيامة ، وبالخير الدنيوي وهو البركة في أعمارهم. وطول البقاء في هناء وسلام. # قال ابن كثير : ( @QUR@04 ويؤخركم إلى أجل مسمى ) أى : ويمد في أعماركم ، ~~ويدرأ عنكم العذاب ، الذي إذا لم تنزجروا عما أنهاكم عنه : أوقعه سبحانه بكم. # وقد يستدل بهذه الآية من يقول : إن الطاعة والبر وصلة الرحم. يزاد بها في ~~العمر حقيقة ، كما ورد به الحديث : «صلة الرحم تزيد في العمر» (1). # وقوله : ( @QUR@010 إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون ) بمنزلة ~~التعليل لما قبله. أى : يغفر لكم سبحانه من ذنوبكم ، ويؤخركم إلى أجل معين ~~عنده تعالى إن الوقت الذي حدده الله عز وجل لانتهاء أعماركم ، متى حضر ، لا ~~يؤخر عن موعده ، ( @QUR@03 لو كنتم تعلمون ) أى : لو كنتم من أهل العلم ~~لاستجبتم لنصائحى ، وامتثلتم أمرى ، وبذلك تنجون من العقاب الدنيوي ~~والأخروى. # قال الآلوسى : قوله ( @QUR@03 لو كنتم تعلمون ). أى : لو كنتم من أهل ~~العلم لسارعتم لما آمركم به. لكنكم لستم من أهله في شيء ، لذا لم تسارعوا ، ~~فجواب لو مما يتعلق بأول الكلام. # ويجوز أن يكون مما يتعلق بآخره. أى : لو كنتم من أهل العلم لعلمتم ذلك ، ~~أى : عدم تأخير الأجل إذا جاء وقته المقدر له. والفعل في الوجهين منزل ~~منزلة اللازم .. (2). # ثم قصت علينا الآيات الكريمة بعد ذلك ، ما قاله نوح لربه. على سبيل ~~الشكوى والضراعة ، وما وجهه إلى قومه من نصائح فيها ما فيها من الترغيب ~~والترهيب ، ومن الإرشاد الحكيم ، والتوجيه السديد .. قال تعالى : PageV15P112 # ( @QUR@07 قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا (5) @QUR@05 فلم يزدهم دعائي ~~إلا فرارا (6) @QUR@014 وإني كلما دعوتهم لتغفر ms5787 لهم جعلوا أصابعهم في ~~آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا (7) @QUR@04 ثم إني ~~دعوتهم جهارا (8) @QUR@07 ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا (9) @QUR@06 ~~فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا (10) @QUR@04 يرسل السماء عليكم مدرارا ~~(11) @QUR@09 ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا (12) ~~@QUR@06 ما لكم لا ترجون لله وقارا (13) @QUR@03 وقد خلقكم أطوارا (14) ~~@QUR@08 ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا (15) @QUR@07 وجعل القمر ~~فيهن نورا وجعل الشمس سراجا (16) @QUR@05 والله أنبتكم من الأرض نباتا (17) ~~@QUR@05 ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا (18) @QUR@05 والله جعل لكم الأرض ~~بساطا (19) @QUR@04 لتسلكوا منها سبلا فجاجا ) (20) # وقوله تعالى : ( @QUR@012 قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا ، فلم يزدهم ~~دعائي إلا فرارا ) بيان للطرق والمسالك التي سلكها نوح مع قومه ، وهو ~~يدعوهم إلى إخلاص العبادة لله تعالى بحرص شديد ومواظبة تامة .. وموقف قومه ~~من دعوته لهم. # والمقصود بهذا الخبر لازم معناه ، وهو الشكاية إلى ربه ، والتمهيد لطلب ~~النصر منه تعالى عليهم ، لأنه سبحانه لا يخفى عليه أن نوحا عليه السلام لم ~~يقصر في تبليغ رسالته. # أى : قال نوح متضرعا إلى ربه : يا رب إنك تعلم أننى لم أقصر في دعوة قومي ~~إلى عبادتك ، تارة بالليل وتارة بالنهار ، من غير فتور ولا توان. PageV15P113 # ( @QUR@03 فلم يزدهم دعائي ) لهم إلى عبادتك وطاعتك ( @QUR@02 إلا فرارا ~~) أى : إلا تباعدا من الإيمان وإعراضا عنه. والفرار : الزوغان والهرب. يقال ~~: فر فلان يفر فرارا ، فهو فرور ، إذا هرب من طالبه ، وزاغ عن عينه. # والتعبير بقوله : ( @QUR@04 دعوت قومي ليلا ونهارا )، يشعر بحرص نوح ~~التام على دعوتهم ، في كل وقت يظن فيه أن دعوته لهم قد تنفع. # كما أن التعبير بقوله : ( @QUR@05 فلم يزدهم دعائي إلا فرارا ) يدل دلالة ~~واضحة على إعراضهم التام عن دعوته ، أى : فلم يزدهم دعائي شيئا من الهدى ، ~~وإنما زادهم بعدا عنى ، وفرارا منى. # وإسناد الزيادة إلى الدعاء ، من باب الإسناد إلى السبب ، كما في قولهم : ~~سرتنى رؤيتك. # وقوله ( @QUR@01 فرارا ) مفعول ثان لقوله ( @QUR@02 فلم يزدهم ) ~~والاستثناء مفرغ من عموم الأحوال والمستثنى منه مقدر ، أى : فلم يزدهم ~~دعائي شيئا من أحوالهم التي كانوا ms5788 عليها إلا الفرار. # ويصح أن يكون الاستثناء منقطعا. أى : فلم يزدهم دعائي قربا من الحق ، لكن ~~زادهم فرارا منه. # ثم أضاف إلى فرارهم منه ، حالة أخرى. تدل على إعراضهم عنه ، وعلى ~~كراهيتهم له ، فقال : ( @QUR@014 وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم ، جعلوا ~~أصابعهم في آذانهم ، واستغشوا ثيابهم ، وأصروا واستكبروا استكبارا ). # وقوله : ( @QUR@01 كلما ) معمول لجملة : ( @QUR@01 جعلوا ) التي هي خبر ~~إن ، واللام في قوله ( @QUR@02 لتغفر لهم ) للتعليل. # والمراد بأصابعهم : جزء منها. واستغشاء الثياب معناه : جعلها غشاء ، أى : ~~غطاء لرءوسهم ولأعينهم حتى لا ينظروا إليه ، ومتعلق الفعل «دعوتهم» محذوف ~~لدلالة ما تقدم عليه ، وهو أمرهم بعبادة الله وتقواه. # والمعنى : وإنى يا مولاي كلما دعوتهم الى عبادتك وتقواك وطاعتي فيما ~~أمرتهم به ، لكي تغفر لهم ذنوبهم .. ما كان منهم إلا أن جعلوا أصابعهم في ~~آذانهم حتى لا يسمعوا قولي ، وإلا أن وضعوا ثيابهم على رءوسهم. وأبصارهم ~~حتى لا يرونى ، وإلا أن ( @QUR@01 أصروا ) إصرارا تاما على كفرهم ( @QUR@02 ~~واستكبروا استكبارا ) عظيما عن قبول الحق. # فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة ، قد صورت عناد قوم نوح ، وجحودهم للحق ، ~~تصويرا بلغ الغاية في استحبابهم العمى على الهدى. PageV15P114 # فهي أولا جاءت بصيغة «كلما» الدالة على شمول كل دعوة وجهها إليهم نبيهم ~~نوح عليه السلام أى : في كل وقت أدعوهم إلى الهدى يكون منهم الإعراض. # وهي ثانيا عبرت عن عدم استماعهم إليه بقوله تعالى : ( @QUR@04 جعلوا ~~أصابعهم في آذانهم ). وعبر عن الأنامل بالأصابع على سبيل المبالغة في ~~إرادة سد المسامع ، فكأنهم لو أمكنهم إدخال أصابعهم جميعها في آذانهم ~~لفعلوا. حتى لا يسمعوا شيئا مما يقوله نبيهم لهم. # فإطلاق اسم الأصابع على الأنامل من باب المجاز المرسل ، لعلاقة البعضية ، ~~حيث أطلق سبحانه الكل وأراد البعض ، مبالغة في كراهيتهم لسماع كلمة الحق. # وهي ثالثا عبرت عن كراهيتهم لنبيهم ومرشدهم بقوله تعالى : ( @QUR@02 ~~واستغشوا ثيابهم ) أى : بالغوا في التغطى بها ، حتى لكأنهم قد طلبوا منها ~~أن تلفهم بداخلها حتى لا يتسنى لهم رؤيته إطلاقا. # وهذا كناية عن العداوة الشديدة ، ومنه قول القائل : لبس لي فلان ثياب ~~العداوة. ms5789 # وهي رابعا قد بينت بأنهم لم يكتفوا بكل ذلك ، بل أضافوا إليه الإصرار على ~~الكفر وهو التشديد فيه ، والامتناع من الإقلاع عنه مأخوذ من الصرة بمعنى ~~الشدة والاستكبار العظيم عن الاستجابة للحق. # فقد أفادت هذه الآية ، أنهم عصوا نوحا وخالفوه مخالفة ليس هناك ما هو ~~أقبح منها ظاهرا ، حيث عطلوا أسماعهم وأبصارهم ، وليس هناك ما هو أقبح منها ~~باطنا ، حيث أصروا على كفرهم ، واستكبروا على اتباع الحق. # ومع كل هذا الإعراض والعناد .. فقد حكت لنا الآيات بعد ذلك ، أن نوحا ~~عليه السلام قد واصل دعوته لهم بشتى الأساليب. فقال كما حكى القرآن عنه : ( ~~@QUR@04 ثم إني دعوتهم جهارا ). # وقوله : ( @QUR@01 جهارا ) صفة لمصدر محذوف ، أى : دعوتهم دعاء جهارا. أى ~~: مجاهرا لهم بدعوتي ، بحيث صارت دعوتي لهم أمامهم جميعا. # ( @QUR@04 ثم إني أعلنت لهم ) تارة ( @QUR@03 وأسررت لهم إسرارا ) تارة أخرى. # أى : أنه عليه السلام توخى ما يظنه يؤدى إلى نجاح دعوته ، وراعى أحوالهم ~~في ذلك ، فهو تارة يدعوهم جهرا ، وتارة يدعوهم سرا ، وتارة يجمع بين ~~الأمرين. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ذكر أنه دعاهم ليلا ونهارا ، ثم دعاهم جهارا ، ثم PageV15P115 # دعاهم في السر والعلن ، فيجب أن تكون ثلاث دعوات مختلفات حتى يصح العطف؟ # قلت : قد فعل عليه السلام كما يفعل الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ~~في الابتداء بالأهون والترقي في الأشد فالأشد ، فافتتح بالمناصحة في السر ، ~~فلما لم يقبلوا ثنى بالمجاهرة ، فلما لم تؤثر ثلث بالجمع بين الإسرار ~~والإعلان. # ومعنى «ثم» : الدلالة على تباعد الأحوال ، لأن الجهار أغلظ من الإسرار ، ~~والجمع بين الأمرين أغلظ من إفراد أحدهما .. (1). # ثم حكى سبحانه جانبا من إرشادات نوح لقومه فقال : ( @QUR@03 فقلت ~~استغفروا ربكم ). # أى : فقلت لهم على سبيل النصح والإرشاد إلى ما ينفعهم ويغريهم بالطاعة ( ~~@QUR@02 استغفروا ربكم ) بأن تتوبوا إليه ، وتقلعوا عن كفركم وفسوقكم ( ~~@QUR@01 إنه ) سبحانه ( @QUR@02 كان غفارا ). # أى : كثير الغفران لمن تاب إليه وأناب. # ( @QUR@04 يرسل السماء عليكم مدرارا ) والمراد بالسماء هنا : المطر لأنه ~~ينزل منها ، وقد جاء في الحديث الشريف أن من أسماء المطر السماء ، فقد ms5790 روى ~~الشيخان عن زيد بن خالد الجهني أنه قال «صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صلاة الصبح بالحديبية ، على إثر سماء كانت من الليل ..» أى : على إثر أمطار ~~نازلة بالليل. # ومنه قول بعض الشعرا : # إذا نزل السماء بأرض قوم %~% رعيناه وإن كانوا غضابا # والمدرار : المطر الغزير المتتابع ، يقال : درت السماء بالمطر ، إذا نزل ~~منها بكثرة وتتابع ، والدر ، والدرور معناه : السيلان .. فقوله ( @QUR@01 ~~مدرارا ) صيغة مبالغة منهما. # أى : استغفروا ربكم وتوبوا إليه ، فإنكم إذا فعلتم ذلك أرسل الله تعالى ~~عليكم بفضله ورحمته ، أمطارا غزيرة متتابعة ، لتنتفعوا بها في مختلف شئون ~~حياتكم. # وفضلا عن ذلك : ( @QUR@06 ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ) أى : ~~بساتين عظيمة ، ( @QUR@03 ويجعل لكم أنهارا ) جارية تحت أشجار هذه الجنات ، ~~لتزداد جمالا ونفعا. # قال الإمام الرازي ما ملخصه : «إن قوم نوح لما كذبوه زمانا طويلا ، حبس ~~الله عنهم PageV15P116 # المطر ، وأعقم أرحام نسائهم .. فرجعوا إلى نوح ، فقال لهم : استغفروا ~~ربكم من الشرك ، حتى يفتح عليكم أبواب نعمه. # واعلم أن الاشتغال بالطاعة ، سبب لانفتاح أبواب الخيرات ، ويدل عليه وجوه ~~: أحدها : أن الكفر سبب لخراب العالم. والإيمان سبب لعمارة العالم. وثانيها ~~: الآيات الكثيرة التي وردت في هذا المعنى ، ومنها قوله تعالى ( @QUR@012 ~~ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض .. ) ~~وثالثها : أن عمر خرج يستسقى فما زاد على الاستغفار. فقيل له : ما رأيتك ~~استسقيت؟ فقال : لقد استسقيت لكم بمجاديح السماء ، والمجاديح : جمع مجدح ~~بكسر فسكون وهو نجم من النجوم المعروفة عند العرب. # وشكا رجل الى الحسن البصري الفاقة ، وشكا إليه آخر الجدب ، وشكا إليه ~~ثالث قلة النسل .. فأمر الجميع بالاستغفار .. فقيل له : أتاك رجال يشكون ~~إليك أنواعا من الحاجة ، فأمرتهم جميعا بالاستغفار؟ فتلا الحسن هذه الآيات ~~الكريمة (1). # وما قاله الإمام الرازي رحمه الله ، يؤيده القرآن الكريم في كثير من آياته ~~، ويؤيده واقع الحياة التي نحياها ونشاهد أحداثها. # أما آيات القرآن الكريم فمنها قوله تعالى : ( @QUR@08 وأن لو استقاموا ~~على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا ) (2). # وقوله سبحانه على لسان هود عليه السلام ms5791 : ( @QUR@015 ويا قوم استغفروا ~~ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم .. ) (3). # وقال عز وجل : ( @QUR@012 من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ، ~~فلنحيينه حياة طيبة ) (4). # وأما واقع الحياة. فإننا نشاهد بأعيننا الأمم التي تطبق شريعة الله تعالى ~~وتعمل بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من آداب وأحكام وهدايات. # نرى هذه الأمم سعيدة في حياتها ، آمنة في أوطانها ، يأتيها رزقها رغدا من ~~كل مكان ، وإذا أصابها شيء من النقص في الأنفس أو الثمرات .. فذلك من باب ~~الامتحان الذي يمتحن الله تعالى به عباده ، والذي لا يتعارض مع كون العاقبة ~~الطيبة إنما هي لهذه الأمم الصادقة في إيمانها. PageV15P117 # وما يجرى على الأمم والشعوب ، يجرى أيضا على الأفراد والجماعات ، فتلك ~~سنة الله التي لا تتغير. # أما الأمم الفاسقة عن أمر ربها ، فإنها مهما أوتيت من ثراء وبسطة في ~~الرزق ... فإن حياتها دائما تكون متلبسة بالقلق النفسي ، والشقاء القلبي ، ~~والاكتئاب الذي يؤدى إلى فساد الحال واضطراب البال. # وقوله سبحانه بعد ذلك حكاية عن نوح عليه السلام : ( @QUR@09 ما لكم لا ~~ترجون لله وقارا. وقد خلقكم أطوارا ): بيان لما سلكه نوح في دعوته لقومه ، ~~من جمعه بين الترغيب والترهيب. # فهو بعد أن أرشدهم إلى أن استغفارهم وطاعتهم لربهم ، تؤدى بهم إلى البسطة ~~في الرزق .. أتبع ذلك بزجرهم لسوء أدبهم مع الله تعالى منكرا عليهم ~~استهتارهم واستخفافهم بما يدعوهم إليه. # وقوله : ( @QUR@02 ما لكم ) مبتدأ وخبر ، وهو استفهام قصد به توبيخهم ~~والتعجيب من حالهم. # ولفظ «ترجون» يرى بعضهم أنه بمعنى تعتقدون. والوقار معناه : التعظيم ~~والإجلال. # والأطوار : جمع طور ، وهو المرة والتارة من الأفعال والأزمان. # أى : ما الذي حدث لكم أيها القوم حتى صرتم لا تعتقدون لله تعالى عظمة أو ~~إجلالا ، والحال أنه سبحانه هو الذي خلقكم وأوجدكم في أطوار متعددة ، نطفة ~~، فعلقة ، فمضغة. # كما قال سبحانه ( @QUR@034 ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. ثم ~~جعلناه نطفة في قرار مكين. ثم خلقنا النطفة علقة ، فخلقنا العلقة مضغة ، ~~فخلقنا المضغة عظاما ، فكسونا العظام ms5792 لحما ، ثم أنشأناه خلقا آخر ، فتبارك ~~الله أحسن الخالقين ) (1). # وكما قال تعالى ( @QUR@024 الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ~~، ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة ، يخلق ما يشاء ، وهو العليم القدير ) (2). # قال القرطبي ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@06 ما لكم لا ترجون لله ~~وقارا ) قيل : الرجاء هنا بمعنى الخوف. # أى : ما لكم لا تخافون لله عظمة وقدرة على أخذكم بالعقوبة. PageV15P118 # وقيل : المعنى : مالكم لا تعلمون لله عظمة .. أولا ترون لله عظمة .. أو ~~لا تبالون أن لله عظمة .. والوقار : العظمة ، والتوقير : التعظيم .. (1). # وبعد هذا الترغيب والترهيب والتوبيخ .. أخذ في لفت أنظارهم إلى عجائب صنع ~~الله في خلقه ، فقال : ( @QUR@015 ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا. ~~وجعل القمر فيهن نورا ، وجعل الشمس سراجا ). # والاستفهام في قوله : ( @QUR@02 ألم تروا .. ) للتقرير ، والرؤية : بصرية ~~وعلمية ، لأنهم يشاهدون مخلوقات الله تعالى ويعلمون أنه سبحانه هو الخالق. ~~و ( @QUR@01 طباقا ) أى : متطابقة كل طبقة أعلى من التي تحتها. # أى : لقد علمتم ورأيتم أن الله تعالى هو الذي خلق ( @QUR@02 سبع سماوات ) ~~متطابقة ، بعضها فوق بعض ( @QUR@04 وجعل القمر فيهن نورا ) أى : وجعل ~~سبحانه بقدرته القمر في السماء الدنيا نورا للأرض ومن فيها. # وإنما قال ( @QUR@01 فيهن ) مع أنه في السماء الدنيا ، لأنها محاطة بسائر ~~السموات فما فيها يكون كأنه في الكل. أو لأن كل واحدة منها شفافة ، فيرى ~~الكل كأنه سماء واحدة. فساغ أن يقال فيهن. # وقوله : ( @QUR@03 وجعل الشمس سراجا ) أى : كالسراج في إضاءتها وتوهجها ~~وإزالة ظلمة الليل ، إذ السراج هو المصباح الزاهر نوره ، الذي يضيء ما حوله. # قال الآلوسى : قوله ( @QUR@04 وجعل القمر فيهن نورا ) أى : منورا لوجه ~~الأرض في ظلمة الليل ، وجعله فيهن مع أنه في إحداهن وهي السماء الدنيا ، ~~كما يقال : زيد في بغداد وهو في بقعة منها. والمرجح له الإيجاز والملابسة ~~بالكلية والجزئية ، وكونها طباقا شفافة. # ( @QUR@03 وجعل الشمس سراجا ) يزيل الظلمة .. وتنوينه للتعظيم ، وفي ~~الكلام تشبيه بليغ ، ولكون السراج أعرف وأقرب ، جعل مشبها به ، ولاعتبار ~~التعدي إلى الغير في مفهومه بخلاف النور ، كان ms5793 أبلغ منه. (2). # وقال بعض العلماء : وفي جعل القمر نورا ، إيماء إلى أن ضوء القمر ليس من ~~ذاته. فإن القمر مظلم. وإنما يستضيء بانعكاس أشعة الشمس على ما يستقبلها من ~~وجهه ، بحسب اختلاف ذلك الاستقبال من تبعض وتمام ، هو أثر ظهوره هلالا .. ~~ثم بدرا. PageV15P119 # وبعكس ذلك جعلت الشمس سراجا ، لأنها ملتهبة ، وأنوارها ذاتية فيها ، ~~صادرة عنها إلى الأرض وإلى القمر ، مثل أنوار السراج تملأ البيت .. (1). # ثم انتقل نوح عليه السلام من تنبيههم إلى ما في خلق السموات والشمس والقمر ~~من دلالة على وحدانية الله وقدرته .. إلى لفت أنظارهم إلى التأمل في خلق ~~أنفسهم ، وفي مبدئهم وإعادتهم إلى الحياة مرة أخرى بعد موتهم ، فقال كما ~~حكى القرآن عنه : ( @QUR@010 والله أنبتكم من الأرض نباتا. ثم يعيدكم فيها ~~، ويخرجكم إخراجا ). # والمراد بأنبتكم : أنشأكم وأوجدكم ، فاستعير الإنبات للإنشاء للمشابهة ~~بين إنبات النبات ، وإنشاء الإنسان ، من حيث إن كليهما تكوين وإيجاد للشيء ~~بقدرته تعالى . # والمراد بأنبتكم : أنبت أصلكم وهو أبوكم آدم ، فأنتم فروع عنه. و ( ~~@QUR@01 نباتا ) مصدر لأنبت على حذف الزوائد ، فهو مفعول مطلق لأنبتكم ، ~~جيء به للتوكيد ، ومصدره القياسي «إنباتا» ، واختير «نباتا» لأنه أخف. # قال الجمل : قوله : نباتا ، يجوز أن يكون مصدرا لأنبت على حذف الزوائد. ~~ويسمى اسم مصدر ، ويجوز أن يكون مصدرا لنبتم مقدرا. أى : فنبتم نباتا فيكون ~~منصوبا بالمطاوع المقدر. (2). # أى : والله تعالى هو الذي أوجد وأنشأ أباكم آدم من الأرض إنشاء وجعلكم ~~فروعا عنه ، ثم يعيدكم إلى هذه الأرض بعد موتكم لتكون قبورا لكم ، ثم ~~يخرجكم منها يوم البعث للحساب والجزاء. # وعبر سبحانه عن الإنشاء بالإنبات ، لأن هذا التعبير يشعر بأن الإنسان ~~مخلوق محدث ، وأنه مثل النبات يحصد ثم يعود إلى الحياة مرة أخرى. # وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : «استعير الإنبات للإنشاء كما ~~يقال : زرعك الله للخير. وكانت هذه الاستعارة أدل دليل على الحدوث لأنهم ~~إذا كانوا نباتا كانوا محدثين لا محالة حدوث النبات» (3). # ثم ختم نوح عليه السلام إرشاداته لقومه ، بلفت أنظارهم إلى نعمة الأرض ~~التي يعيشون عليها ، فقال ms5794 : ( @QUR@09 والله جعل لكم الأرض بساطا لتسلكوا ~~منها سبلا فجاجا ). PageV15P120 # أى : والله تعالى وحده هو الذي جعل لكم بفضله ومنته الأرض مبسوطة. حيث ~~تتقلبون عليها كما يتقلب النائم على البساط. # وجعلها لكم كذلك ( @QUR@03 لتسلكوا منها سبلا ) أى : لكي تتخذوا منها ~~لأنفسكم طرقا ( @QUR@01 فجاجا ) أى : متسعة جمع فج وهو الطريق الواسع. # وقوله : ( @QUR@01 بساطا ) تشبيه بليغ. أى : جعلها لكم كالبساط ، وهذا لا ~~يتنافى مع كون الأرض كروية ، لأن الكرة إذا عظمت جدا ، كانت القطعة منها ~~كالسطح والبساط في إمكان الانتفاع بها ، والتقلب على أرجائها. # وهكذا نرى أن نوحا عليه السلام قد سلك مع قومه مسالك متعددة لإقناعهم بصحة ~~ما يدعوهم إليه ، ولحملهم على طاعته ، والإيمان بصدق رسالته. # لقد دعاهم بالليل والنهار ، وفي السر وفي العلانية ، وبين لهم أن طاعتهم ~~لله تعالى تؤدى إلى إمدادهم بالأموال والأولاد ، والجنات والأنهار ووبخهم ~~على عدم خشيتهم من الله تعالى وذكرهم بأطوار خلقهم ، ولفت أنظارهم إلى بديع ~~صنعه سبحانه في خلق السموات والشمس والقمر ، ونبههم إلى نشأتهم من الأرض ، ~~وعودتهم إليها ، وإخراجهم منها للحساب والجزاء ، وأرشدهم إلى نعم الله ~~تعالى في جعل الأرض مبسوطة لهم. # وهكذا حاول نوح عليه السلام أن يصل إلى آذان قومه وإلى عقولهم وقلوبهم ، ~~بشتى الأساليب الحكيمة ، والتوجيهات القويمة ، في صبر طويل وإرشاد دائم. # ولكن قومه كانوا قد بلغوا الغاية في الغباء والجهالة والعناد والطغيان ، ~~لذا نرى السورة الكريمة تحكى عن نوح عليه السلام ضراعته إلى ربه ، والتماسه ~~منه تعالى استئصال شأفتهم ، وقطع دابرهم ، لنستمع في تدبر إلى قوله تعالى . # ( @QUR@013 قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا ~~خسارا (21) @QUR@03 ومكروا مكرا كبارا (22) @QUR@013 وقالوا لا تذرن آلهتكم ~~ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا (23) @QUR@08 وقد أضلوا كثيرا ~~ولا تزد الظالمين إلا ضلالا (24) @QUR@010 مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا ~~نارا فلم يجدوا لهم من دون PageV15P121 # @QUR@02 الله أنصارا (25) @QUR@010 وقال نوح رب لا تذر على الأرض من ~~الكافرين ديارا (26) @QUR@010 إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا ~~فاجرا كفارا (27) @QUR@015 رب اغفر لي ولوالدي ولمن ms5795 دخل بيتي مؤمنا ~~وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا ) (28) # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا .. ) كلام ~~مستأنف. لأن ما سبقه يستدعى سؤالا تقديره : ماذا كانت عاقبة قوم نوح بعد أن ~~نصحهم ووعظهم بتلك الأساليب المتعددة؟ فكان الجواب : ( @QUR@02 قال نوح ) ~~عليه السلام بعد أن طال نصحه لقومه ، وبعد أن مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين ~~عاما ، وبعد أن يئس من إيمانهم وبعد أن أخبره سبحانه أنه لن يؤمن من قومك ~~إلا من قد آمن. # ( @QUR@01 قال ) متضرعا إلى ربه ( @QUR@03 رب إنهم عصوني ) أى : إن قومي ~~قد عصوني وخالفوا أمرى ، وكرهوا صحبتي ، وأصروا واستكبروا استكبروا ~~استكبارا عظيما عن دعوتي. # ( @QUR@08 واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا ) أى : إنهم أصروا ~~على معصيتي ، ولم يكتفوا بذلك بل بجانب إعراضهم عنى ، اتبعوا غيرى .. ~~اتبعوا رؤساءهم أهل الأموال والأولاد الذين لم تزدهم النعم التي أنعمت بها ~~عليهم إلا خسرانا وجحودا ، وضلالا في الدنيا ، وعقوبة في الآخرة. # فالمراد بالذين لم يزدهم مالهم وولدهم إلا خسارا : أولئك الكبراء ~~والزعماء الذين رزقهم الله المال والولد ، ولكنهم استعملوا نعمه في معصيته ~~لا في طاعته. # وقوله : ( @QUR@03 ومكروا مكرا كبارا ) صفة أخرى من صفاتهم الذميمة ، وهو ~~معطوف على صلة «من» والجمع باعتبار معناها ، كما أن الإفراد في الضمائر ~~السابقة باعتبار اللفظ. # والمكر : هو التدبير في خفاء لإنزال السوء بالممكور به. # أى : أن هؤلاء الزعماء الذين استعملوا نعمك في الشر ، لم يكتفوا بتحريض ~~أتباعهم على معصيتي ، بل مكروا بي وبالمؤمنين مكرا قد بلغ النهاية في ~~الضخامة والعظم. # فقوله : ( @QUR@01 كبارا ) مبالغة في الكبر والعظم. أى : مكرا كبيرا جدا ~~لا تحيط بحجمه العبارة. # وكان من مظاهر مكرهم : تحريضهم لسفلتهم على إنزال الأذى بنوح عليه السلام PageV15P122 # وبأتباعه ، وإيهامهم لهؤلاء السفلة أنهم على الحق ، وأن نوحا ومن معه على ~~الباطل. # وكان من مظاهر مكرهم أيضا ما حكاه القرآن بعد ذلك عنهم في قوله : ( ~~@QUR@013 وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ~~ونسرا ). # أى : ومن مظاهر مكر هؤلاء الرؤساء أنهم قالوا ms5796 لأتباعهم. احذروا أن تتركوا ~~عبادة آلهتكم ، التي وجدتم على عبادتها آباءكم ، واحذروا أيضا أن تتركوا ~~عبادة هذه الأصنام الخمسة بصفة خاصة ، وهي : ود وسواع ويغوث ويعوق ونسرا. # قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : وهذه أسماء ~~أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون الله. فقد روى البخاري عن ابن عباس : ~~صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد ، أما «ود» فكانت لقبيلة ~~بنى كلب بدومة الجندل. وأما «سواع» فكانت لهذيل ، وأما «يغوث» فكانت لبنى ~~غطيف ، وأما «يعوق» فكانت لهمدان ، وأما «نسر» فكانت لحمير. # وهي أسماء رجال صالحين من قوم نوح عليه السلام فلما هلكوا أوحى الشيطان ~~إلى قومهم ، أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون عليها أنصابا ، ~~وسموها بأسمائهم ، ففعلوا. # وقال ابن جرير : كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح ، وكان لهم أتباع يقتدون ~~بهم ، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم : لو صورناهم كان ~~أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم ، فصوروهم ، فلما ماتوا وجاء آخرون دب ~~إليهم إبليس فقال : إنما كانوا يعبدونهم ، وبهم يسقون المطر. فعبدوهم. (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@08 وقد أضلوا كثيرا ، ولا تزد الظالمين إلا ضلالا ) ~~معمول لقول مقدر ، وهذا القول المقدر معطوف على أقوال نوح السابقة. # أى : قال نوح مناجيا ربه بعد أن يئس من إيمان قومه : يا رب ، إن قومي قد ~~عصوني ، وإنهم قد اتبعوا رؤساءهم المغرورين ، وإن هؤلاء الرؤساء قد مكروا ~~بي وبأتباعى مكرا عظيما ، ومن مظاهر مكرهم أنهم حرضوا السفهاء على العكوف ~~على عبادة أصنامهم .. وأنهم قد أضلوا خلقا كثيرا بأن حببوهم في الكفر ~~وكرهوا إليهم الإيمان. # وقال نوح أيضا وأسألك يا رب أن لا تزيد الكافرين إلا ضلالا على ضلالهم ، ~~فأنت الذي أخبرتنى بأنه ( @QUR@08 لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ). PageV15P123 # وإذا فدعاء نوح عليه السلام عليهم بالازدياد من الضلال الذي هو ضد الهدى ، ~~إنما كان بعد أن يئس من إيمانهم ، وبعد أن أخبره ربه أنهم لن يؤمنوا. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@03 وقد أضلوا كثيرا ) الضمير للرؤساء ، ~~ومعناه : وقد ms5797 أضلوا كثيرا قبل هؤلاء الذين أمروهم بأن يتمسكوا بعبادة ~~الأصنام .. ويجوز أن يكون الضمير للأصنام ، كقوله تعالى ( @QUR@05 إنهن ~~أضللن كثيرا من الناس ). # فإن قلت : علام عطف قوله : ( @QUR@05 ولا تزد الظالمين إلا ضلالا )؟ قلت ~~: على قوله ( @QUR@03 رب إنهم عصوني ) على حكاية كلام نوح .. ومعناه : قال ~~رب إنهم عصون ، وقال : ولا تزد الظالمين إلا ضلالا. # فإن قلت : كيف جاز أن يريد لهم الضلال ، ويدعو الله بزيادته؟ قلت : ~~لتصميمهم على الكفر ، ووقوع اليأس من إيمانهم .. ويجوز أن يريد بالضلال : ~~الضياع والهلاك .. (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@012 مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا ، فلم يجدوا ~~لهم من دون الله أنصارا ) كلام معترض بين ضراعات نوح إلى ربه. والمقصود به ~~التعجيل ببيان سوء عاقبتهم ، والتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من قومه. # و «من» في قوله ( @QUR@02 مما خطيئاتهم ) للتعليل ، و «ما» مزيدة لتأكيد ~~هذا التعليل. # والخطيئات جمع خطيئة ، والمراد بها هنا : الإشراك به تعالى وتكذيب نوح ~~عليه السلام والسخرية منه ومن المؤمنين. # أى : بسبب خطيئاتهم الشنيعة ، وليس بسبب آخر ( @QUR@03 أغرقوا فأدخلوا ~~نارا ) يصلون سعيرها في قبورهم إلى يوم الدين ، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى. # وهم عند ما نزل بهم الطوفان الذي أهلكهم ، وعند ما ينزل بهم عذاب الله في ~~الآخرة. لن يجدوا أحدا ينصرهم ويدفع عنهم عذابه تعالى لا من الأصنام التي ~~تواصوا فيما بينهم بالعكوف على عبادتها ، ولا من غير هذه الأصنام. # فالآية الكريمة تعريض بمشركي قريش ، الذين كانوا يزعمون أن أصنامهم ستشفع ~~لهم يوم القيامة ، والذين حكى القرآن عنهم قولهم : ( @QUR@07 ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى ). # والتعبير بالفاء في قوله : ( @QUR@010 أغرقوا فأدخلوا نارا ، فلم يجدوا ~~لهم من دون الله أنصارا ) للإشعار بأن دخولهم النار كان في أعقاب غرقهم ~~بدون مهلة ، وبأن صراخهم وعويلهم كان بعد PageV15P124 # نزول العذاب بهم مباشرة ، إلا أنهم لم يجدوا أحدا ، يدفع عنهم شيئا من ~~هذا العذاب الأليم. # ثم واصلت السورة الكريمة حكاية ما ناجى نوح به ربه ، فقالت : ( @QUR@010 ~~وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ). # أى : وقال نوح ms5798 متابعا حديثه مع ربه ، ومناجاته له : يا رب ، لا تترك على ~~الأرض من هؤلاء الكافرين ( @QUR@01 ديارا ) أى : واحدا يسكن دارا ، أو ~~واحدا منهم يدور في الأرض ويتحرك عليها ، بل خذهم جميعا أخذ عزيز مقتدر. # فقوله ( @QUR@01 ديارا ) مأخوذ من الدار ، أو الدوران ، وهو التحرك ، ~~والمقصود : لا تذر منهم أحدا أصلا ، بل اقطع دابرهم جميعا. # قالوا : والديار من الأسماء التي لا تستعمل إلا في النفي العام. يقال : ~~ما بالدار ديار. أى : ليس بها أحد ألبتة ، وهو اسم بزنة فيعال. # وقوله ( @QUR@05 إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ) تعليل لدعائه عليهم جميعا ~~بالهلاك. أى : يا رب لا تترك منهم أحدا سالما ، بل أهلكهم جميعا لأنك إن ~~تترك منهم أحدا على أرضك بدون إهلاك ، فإن هؤلاء المتروكين من دأبهم كما ~~رأيت منهم زمانا طويلا إضلال عبادك عن طريق الحق. # وقوله : ( @QUR@05 ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ) زيادة في ذمهم وفي ~~التشنيع عليهم. # والفاجر : هو المتصف بالفجور ، والملازم له ملازمة شديدة ، والفجور : هو ~~الفعل البالغ للنهاية في الفساد والقبح. # والكفار : هو المبالغ في الكفر ، والجحود لنعم الله تعالى . # أى : إنك يا إلهى إن تتركهم بدون إهلاك ، يضلوا عبادك عن كل خير ، وهم ~~فوق ذلك ، لن يلدوا إلا من هو مثلهم في الفجور والكفران لأنهم قد نشأوا ~~أولادهم على كراهية الحق ، وعلى محبة الباطل. # قال الجمل : فإن قيل : كيف علم نوح أن أولادهم يكفرون؟ أجيب : بأنه لبث ~~فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ، فعرف طباعهم وأحوالهم ، وكان الرجل منهم ~~ينطلق إليه بابنه ويقول له : احذر هذا أى نوحا فإنه كذاب ، وإن أبى حذرني ~~منه ، فيموت الكبير ، وينشأ الصغير على ذلك. (1) وعلى أية حال فالذي نعتقده ~~أن نوحا عليه السلام ما دعا عليهم بهذا الدعاء ، وما قال في شأنهم هذا القول ~~وهو واحد من أولى العزم من الرسل إلا بعد أن يئس من PageV15P125 # إيمانهم ، وإلا بعد أن أخبره ربه : أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ، ~~وإلا بعد أن رأى منهم بعد ألف سنة إلا خمسين عاما عاشها ms5799 معهم أنهم قوم قد ~~استحبوا العمى على الهدى ، وأن الأبناء منهم يسيرون على طريقة الآباء في ~~الكفر والفجور .. وإلى جانب دعاء نوح عليه السلام على الكافرين بالهلاك ~~الساحق .. نراه يختتم دعاءه بالمغفرة والرحمة للمؤمنين ، فيقول : ( @QUR@04 ~~رب اغفر لي ولوالدي ). # أى : يا رب أسألك أن تغفر لي ذنوبي ، وأن تغفر لوالدي أيضا ذنوبهما ، ~~ويفهم من هذا الدعاء أنهما كانا مؤمنين ، وإلا لما دعا لهما بهذا الدعاء. # ( @QUR@04 ولمن دخل بيتي مؤمنا ) واغفر يا إلهى لكل من دخل بيتي وهو متصف ~~بصفة الإيمان ، فيخرج بذلك من دخله وهو كافر كامرأته وابنه الذي غرق مع ~~المغرقين. # ( @QUR@02 وللمؤمنين والمؤمنات ) أى : واغفر يا رب ذنوب المؤمنين ~~والمؤمنات بك إلى يوم القيامة. # ( @QUR@05 ولا تزد الظالمين إلا تبارا ) أى : ولا تزد الظالمين إلا هلاكا ~~وخسارا ودمارا. يقال : تبره يتبره ، إذا أهلكه. ويتعدى بالتضعيف فيقال : ~~تبره الله تتبيرا ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@06 إن هؤلاء متبر ما هم فيه ). # وهكذا اختتمت السورة الكريمة بهذا الدعاء الذي فيه طلب المغفرة للمؤمنين ~~، والهلاك للكافرين. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ||كتبه الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى| PageV15P126 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الجن ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «الجن» من السور المكية الخالصة ، وتسمى بسورة ( @QUR@02 قل أوحي ~~... )، وعدد آياتها ثمان وعشرون آية بلا خلاف ، وكان نزولها بعد سورة ~~«الأعراف» وقبل سورة «يس» وقد سبقها في ترتيب النزول ثمان وثلاثون سورة ، ~~إذ هي السورة التاسعة والثلاثون كما ذكر السيوطي . # أما ترتيبها في المصحف ، فهي السورة الثانية والسبعون. # 2 والمتدبر لهذه السورة الكريمة ، يراها قد أعطتنا صورة واضحة عن عالم ~~الجن ، فهي تحكى أنهم أعجبوا بالقرآن الكريم ، وأن منهم الصالح ومنهم غير ~~الصالح ، وأنهم لا يعلمون الغيب ، وأنهم أهل للثواب والعقاب ، وأنهم لا ~~يملكون النفع لأحد ، وأنهم خاضعون لقضاء الله تعالى فيهم. # كما أن هذه السورة قد ساقت لنا ألوانا من سنن الله التي لا تتخلف ، والتي ~~منها : أن الذين يستقيمون على طريقه يحيون حياة طيبة في الدنيا والآخرة .. # كما أنها ms5800 لقنت النبي صلى الله عليه وسلم الإجابات التي يرد بها على شبهات ~~المشركين وأكاذيبهم ، وساقت له ما يسليه عن سفاهاتهم ، وما يشرح صدره ، ~~ويعينه على تبليغ رسالة ربه .. # ويبدو أن نزول هذه السورة الكريمة كان في حوالى السنة العاشرة ، أو ~~الحادية عشرة ، من البعثة كما سنرى ذلك من الروايات ، وأن نزولها كان دفعة ~~واحدة .. PageV15P127 ### ||| * التفسير # وقد افتتحت هذه السورة بقوله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@013 قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا ~~عجبا (1) @QUR@09 يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا (2) @QUR@09 ~~وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا (3) @QUR@07 وأنه كان يقول ~~سفيهنا على الله شططا (4) @QUR@010 وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على ~~الله كذبا (5) @QUR@011 وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن ~~فزادوهم رهقا (6) @QUR@09 وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا (7) ~~@QUR@08 وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا (8) @QUR@013 ~~وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا (9) ~~@QUR@013 وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا (10) ~~@QUR@09 وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا (11) @QUR@011 وأنا ~~ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا (12) @QUR@014 وأنا لما ~~سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا (13) PageV15P128 # @QUR@010 وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا ~~(14) @QUR@05 وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ) (15) # وقد ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآيات روايات منها ما أخرجه الشيخان ~~والترمذي ، عن ابن عباس أنه قال : انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~طائفة من أصحابه ، عامدين إلى سوق عكاظ بنخلة ، وقد حيل بين الشياطين وبين ~~خبر السماء ، وأرسلت عليهم الشهب ، فرجعت الشياطين إلى قومهم ، فقالوا : ~~مالكم؟ قالوا : حيل بيننا وبين خبر السماء ، وأرسلت علينا الشهب ، قالوا : ~~ما ذاك إلا لشيء حدث ، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها ، فانظروا ما هذا الذي ~~حال بيننا وبين خبر السماء؟ فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها ، فمر ms5801 ~~النفر من الجن الذي أخذوا نحو تهامة ، عامدين إلى سوق عكاظ ، فوجدوا الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بنخلة يصلى بأصحابه صلاة الصبح ، فلما سمعوا القرآن ، ~~استمعوا إليه وقالوا : هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء. # فرجعوا إلى قومهم فقالوا : يا قومنا ، إنا سمعنا قرآنا عجبا ، يهدى الى ~~الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا ، وأنزل الله تعالى على نبيه ( @QUR@08 ~~قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ... ). # وروى أبو داود عن علقمة عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ~~أتانى داعي الجن ، فذهبت معهم ، فقرأت عليهم القرآن .. # وهناك رواية ثالثة لابن إسحاق ملخصها : أنه لما مات أبو طالب ، خرج النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يلتمس النصرة من أهلها ويدعوهم إلى الإيمان .. ~~فأغروا به سفهاءهم ، يسبونه ويستهزئون به .. # فانصرف صلى الله عليه وسلم عنهم ، حتى إذا كان ببطن نخلة هو موضع بين مكة ~~والطائف قام يصلى من الليل ، فمر به نفر من جن نصيبين وهو موضع قرب الشام ~~فاستمعوا إليه ، فلما فرغ من صلاته ، ولوا إلى قومهم منذرين ، قد آمنوا ~~وأجابوا إلى ما سمعوا ، فقص الله تعالى خبرهم عليه .. # وهناك روايات أخرى في عدد هؤلاء الجن ، وفي الأماكن التي التقوا فيها مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم وفيما قرأه الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم ، وفيمن ~~كان معه من الصحابة خلال التقائه بهم .. PageV15P129 # ويبدو لنا من مجموع الروايات ، أن لقاء النبي صلى الله عليه وسلم بالجن قد ~~تعدد ، وأنهم تارة استمعوا إليه صلى الله عليه وسلم دون أن يراهم ، وتارة ~~التقى بهم وقرأ عليهم القرآن (1). # قال الآلوسى : وقد دلت الأحاديث على أن وفادة الجن كانت ست مرات ، ويجمع ~~بذلك بين اختلاف الروايات في عددهم وفي غير ذلك. وذكر ابن مردويه عن ابن ~~عباس أنه قال : صرفت الجن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين .. (2). # قال القرطبي : واختلف أهل العلم في أصل الجن. فعن الحسن البصري : أن الجن ~~ولد إبليس ، والإنس ولد آدم ، ومن هؤلاء ms5802 وهؤلاء مؤمنون وكافرون ، وهم شركاء ~~في الثواب والعقاب ، فمن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمنا فهو ولى الله ، ومن كان ~~من هؤلاء وهؤلاء كافرا فهو شيطان .. # وعن ابن عباس : أن الجن هم ولد الجان وليسوا بشياطين ومنهم المؤمن ~~والكافر ، والشياطين هم ولد إبليس ، لا يموتون إلا مع إبليس .. (3). # وقال بعض العلماء : عالم الجن من العوالم الكونية ، كعالم الملائكة وقد ~~أخبر الله تعالى أنه خلقه من مارج من نار ، أى : أن عنصر النار فيه هو ~~الغالب ، وأنه يرى الأناسى وهم لا يرونه ، أى : بصورته الجبلية ، وإن كان ~~يرى حين يتشكل بأشكال أخرى ، كما رئي جبريل حين تشكل بشكل آدمي. # وأخبر سبحانه بأن الجن قادرون على الأعمال الشاقة. وأن الله سخر الشياطين ~~لسليمان يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل ... # وأخبر بأن من الجن مؤمنين ، وأن منهم شياطين متمردين ، ومن هؤلاء إبليس ~~اللعين. # ولم يختلف أهل الملل في وجودهم ، بل اعترفوا به كالمسلمين ، وإن اختلفوا ~~في حقيقتهم ، ولا تلازم بين الوجود والعلم بالحقائق ، ولا بينه وبين الرؤية ~~بالحواس ، فكثير من الأشياء الموجودة لا تزال حقائقها مجهولة ، وأسرارها ~~محجوبة ، وكثير منها لا يرى بالحواس. ألا ترى الروح وهي مما لا شك في ~~وجودها في الإنسان والحيوان لم يدرك كنهها أحد ولم يرها أحد ، وغاية ما علم ~~من أمرها بعض صفاتها وآثارها .. # وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى الجن ، كما بعث إلى الإنس ، فدعاهم ~~الى التوحيد ، وأنذرهم PageV15P130 # وبلغهم القرآن ، وسيحاسبون على الأعمال يوم الحساب كما يحاسب الناس ، ~~فمؤمنهم كمؤمنهم ، وكافرهم ككافرهم وكل ذلك جاء صريحا في القرآن والسنة .. (1). # وقد افتتح سبحانه السورة الكريمة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول ~~للناس ما حدث من الجن عند سماعهم للقرآن. فقال : ( @QUR@08 قل أوحي إلي أنه ~~استمع نفر من الجن .. ). # وفي هذا الأمر دلالة على أن المأمور به شيء هام ، يستدعى من السامعين ~~التيقظ والانتباه ، والامتثال للمأمور به ، وتصديقه صلى الله عليه وسلم فيما ~~أخبر به. # والنفر : الجماعة من واحد إلى عشرة ، وأصله في اللغة ms5803 الجماعة من الإنس ~~فأطلق على الجماعة من الجن على وجه التشبيه. # أى : قل أيها الرسول الكريم للناس ، إن الله تعالى قد أخبرك عن طريق أمين ~~وحيه جبريل : أن جماعة من الجن قد استمعوا إليك وأنت تقرأ القرآن .. # فقالوا على سبيل الفرح والإعجاب بما سمعوا : ( @QUR@02 إنا سمعنا ) من ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ( @QUR@02 قرآنا عجبا ) أى : إنا سمعنا قرآنا جليل ~~الشأن ، بديع الأسلوب ، عظيم القدر .. # هذا القرآن ( @QUR@03 يهدي إلى الرشد ) أى : إلى الخير والصواب والهدى ( ~~@QUR@02 فآمنا به ) إيمانا حقا ، لا يخالطه شك أو ريب ( @QUR@04 ولن نشرك ~~بربنا أحدا ) أى : فآمنا بما اشتمل عليه هذا الكتاب من دعوة إلى إخلاص ~~العبادة لله تعالى وحده ، ولن نشرك معه في العبادة أحدا كائنا من كان هذا الأحد. # والمقصود من أمره صلى الله عليه وسلم بذلك ، دعوة مشركي قريش إلى الإيمان ~~بالحق الذي جاء به صلى الله عليه وسلم كما آمن جماعة من الجن به ، وإعلامهم ~~بأن رسالته صلى الله عليه وسلم تشمل الجن والإنس. # وضمير «أنه» للشأن ، وخبر «أن» جملة «استمع نفر من الجن» ، وتأكيد هذا ~~الخبر بأن ، للاهتمام به لغرابته. ومفعول «استمع» محذوف لدلالة قوله : ( ~~@QUR@04 إنا سمعنا قرآنا عجبا ) عليه. # ووصفهم للقرآن بكونه ( @QUR@05 قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد ) يدل على ~~تأثرهم به تأثرا شديدا ، وعلى إعجابهم العظيم بنظمه المتقن ، وأسلوبه ~~الحكيم ، ومعانيه البديعة .. ولذا أعلنوا إيمانهم به بدون تردد ، كما يشعر ~~بذلك التعبير بالفاء في قوله : ( @QUR@02 فآمنا به ... ). PageV15P131 # والتعبير بقوله تعالى : ( @QUR@03 فقالوا إنا سمعنا .. ) يحتمل أنهم ~~قالوا ذلك فيما بينهم ، أو لإخوانهم الذين رجعوا إليهم ، كما في قوله تعالى ~~في سورة الأحقاف : ( @QUR@020 قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد ~~موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ... ) ويحتمل أنهم ~~قالوا ذلك في أنفسهم على سبيل الإعجاب ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@09 ~~ويقولون في أنفسهم لو لا يعذبنا الله بما نقول ) بل إننا نرجح أن قولهم هذا ~~قد شمل كل ذلك ، لأن هذا هو الذي يتناسب مع إعجابهم بالقرآن الكريم ms5804 ، ومع ~~حرصهم على إيمان أكبر عدد منهم به. # ثم حكى سبحانه أن هذا النفر من الجن بعد استماعهم إلى القرآن وإيمانهم به ~~، أخذوا في الثناء على الخالق عز وجل فقال حكاية عنهم : ( @QUR@09 وأنه ~~تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا ). # ولفظ «وأن» قد تكرر في هذه السورة الكريمة أكثر من عشر مرات ، تارة ~~بالإضافة الى ضمير الشأن ، وتارة بالإضافة الى ضمير المتكلم. # ومن القراء السبعة من قرأه بفتح الهمزة ، ومنهم من قرأه بكسرها ، فمن قرأ ~~( @QUR@04 وأنه تعالى جد ربنا .. ) بالفتح فعلى أنه معطوف على محل الجار ~~والمجرور في قوله ( @QUR@02 فآمنا به ) فكأنه قيل : فصدقناه وصدقنا أنه ~~تعالى جد ربنا .. ومن قرأ بالكسر فعلى أنه معطوف على المحكي بعد القول ، أى ~~: قالوا : إنا سمعنا قرآنا عجبا ، وقالوا : إنه تعالى جد ربنا .. # قال الجمل في حاشيته ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@04 وأنه تعالى جد ~~ربنا ... ) قرأه حمزة والكسائي وأبو عامر وحفص بفتح «أن» ، وقرأه الباقون ~~بالكسر .. # وتلخيص هذا أن «أن» المشددة في هذه السورة على ثلاثة أقسام : قسم ليس معه ~~واو العطف ، فهذا لا خلاف بين القراء في فتحه أو كسره ، على حسب ما جاءت به ~~التلاوة واقتضته العربية ، كقوله : ( @QUR@05 قل أوحي إلي أنه استمع ... ) ~~لا خلاف في فتحه لوقوعه موقع المصدر ، وكقوله : ( @QUR@04 إنا سمعنا قرآنا ~~عجبا ) لا خلاف في كسره لأنه محكي بالقول. # القسم الثاني أن يقترن بالواو ، وهو أربع عشرة كلمة ، إحداها : لا خلاف ~~في فتحها ، وهي قوله : ( @QUR@03 وأن المساجد لله ... ) وهذا هو القسم ~~الثالث. والثانية وهي قوله : ( @QUR@05 وأنه لما قام عبد الله ... ) كسرها ~~ابن عامر وأبو بكر وفتحها الباقون. # والاثنتا عشرة الباقية ، فتحها بعضهم ، وكسرها بعضهم وهي قوله : تعالى : ~~( @QUR@04 وأنه تعالى جد ربنا ) وقوله : ( @QUR@03 وأنه كان يقول ).. و ( ~~@QUR@02 أنا ظننا ).. و ( @QUR@03 أنه كان رجال ).. و ( @QUR@02 أنهم ~~ظنوا .. PageV15P132 # @QUR@02 وأنا لمسنا ).. و ( @QUR@02 أنا كنا ).. و ( @QUR@03 أنا لا ~~ندري ).. و ( @QUR@03 أنا منا الصالحون ).. و ( @QUR@04 أنا لما سمعنا ~~الهدى ).. و ( @QUR@03 أنا منا المسلمون ) (1). # وقوله : ( @QUR@01 تعالى ) من التعالي وهو شدة العلو. و ( @QUR@02 جد ~~ربنا ms5805 ) الجد بفتح الجيم العظمة والجلال. # قال القرطبي : الجد في اللغة : العظمة والجلال ، ومنه قول أنس : كان ~~الرجل إذا حفظ البقرة وآل عمران جد في عيوننا. أى : عظم. فمعنى جد ربنا : ~~عظمته وجلاله. # وقيل معنى «جد ربنا ...» : غناه ، ومنه قيل للحظ جد. ورجل مجدود ، أى : ~~محظوظ. وفي الحديث : «ولا ينفع ذا الجد منك الجد» أى : ولا ينفع ذا الغنى ~~منك غناه ، وإنما تنفعه الطاعة .. (2). # وجملة ( @QUR@05 ما اتخذ صاحبة ولا ولدا ) بيان وتفسير لما قبله. # أى : آمنا به سبحانه إيمانا حقا ، وصدقنا نبيه فيما جاءنا به من عنده ، ~~وصدقنا أيضا أن الحال والشأن تعالى وتعاظم جلال ربنا ، وتنزه في ذاته ~~وصفاته ، عن أن يكون له شريك في ملكه. أو أن تكون له صاحبة أو أن يكون له ~~ولد ، كما زعم الزاعمون من الكافرين الجاهلين. # وفي هذا القول من هذا النفر من الجن ، رد على أولئك المشركين الذين كانوا ~~يزعمون أن الملائكة بنات الله تعالى ، وأنهم أى الملائكة جاءوا عن طريق ~~مصاهرته سبحانه للجن ، كما حكى عنهم سبحانه ذلك في قوله : ( @QUR@014 ~~وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ، ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون ، سبحان الله ~~عما يصفون ). # ثم حكى سبحانه أقوالا أخرى لهؤلاء المؤمنين من الجن فقال : ( @QUR@07 ~~وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا .. ) والمراد بالسفيه هنا : إبليس لعنه ~~الله ، وقيل المراد به الجنس فيشمل كل كافر ومتمرد من الجن ، والشطط ، ~~مجاوزة الحد والعدل في كل شيء ، أى : أننا ننزه الله تعالى عما كان يقوله ~~سفهاؤنا وعلى رأسهم إبليس من أن لله عز وجل صاحبة أو ولدا ، فإن هذا القول ~~بعيد كل البعد عن الحق والعدل والصواب. # وقوله : ( @QUR@010 وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا ) ~~اعتذار منهم عن كفرهم السابق ، فكأنهم يقولون بعد أن استمعوا إلى القرآن ، ~~وآمنوا بالله تعالى وحده : إننا PageV15P133 # ننزه الله تعالى عما قاله السفهاء في شأنه .. وإذا كنا قد اتبعناهم قبل ~~إيماننا ، فسبب ذلك أننا صدقنا هؤلاء السفهاء فيما قالوه لنا ، وما كنا ~~نعتقد أو نتصور أو نظن ms5806 أن هؤلاء السفهاء يصل بهم الفجور والكذب .. إلى هذا ~~الحد الشنيع. # وقوله : ( @QUR@01 كذبا ) مفعول به لتقول ، أو صفة لمصدر محذوف ، أى : ~~قولا مكذوبا. # ثم حكى سبحانه عنهم تكذيبهم لما كان متعارفا عليه في الجاهلية من أن للجن ~~سلطانا على الناس ، وأن لهم قدرة على النفع والضر ... فقال تعالى : ( ~~@QUR@011 وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا .. ). # وقوله : ( @QUR@01 يعوذون ) من العوذ بمعنى الاستجارة بالشيء والالتجاء ~~إليه طلبا للنجاة. # والرهق : الإثم وغشيان المحارم .. # قال صاحب الكشاف : والرهق : غشيان المحارم ، والمعنى : أن الإنس ~~باستعاذتهم بهم أى بالجن زادوهم كفرا وتكبرا. وذلك أن الرجل من العرب كان ~~إذا أمسى في واد قفر في بعض مسايره ، وخاف على نفسه قال : أعوذ بسيد هذا ~~الوادي من سفهاء قومه ، يريد الجن وكبيرهم ، فإذا سمعوا ذلك استكبروا ~~وقالوا : سدنا الجن والإنس ، فذلك رهقهم ، أو : فزاد الجن والإنس رهقا ~~بإغوائهم وإضلالهم لاستعاذتهم بهم .. (1). # فالمقصود من الآية الكريمة بيان فساد ما كان شائعا في الجاهلية بل وفي ~~بعض البيئات حتى الآن من أن الجن لهم القدرة على النفع والضر وأن بعض الناس ~~كانوا يلجئون إليهم طلبا لمنفعتهم وعونهم على قضاء مصالحهم. # وإطلاق اسم الرجال على الجن ، من باب التشبيه والمشاكلة لوقوعه من رجال ~~من الإنس ، فإن الرجل اسم للمذكر البالغ من بنى آدم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا ). ~~بيان لما استنكره هؤلاء النفر المؤمنون من الجن على قومهم الكافرين. وعلى ~~من يشبهونهم في الكفر من الإنس. # أى : وأنهم أى الإنس ظنوا واعتقدوا ( @QUR@02 كما ظننتم ) واعتقدتم أيها ~~الجن ، أن الله تعالى لن يبعث أحدا بعد الموت ، وهذا الظن منهم ومنكم ظن ~~خاطئ فاسد ، فإن البعث حق ، وإن الحساب حق ، وإن الجزاء حق. PageV15P134 # وفي هذا القول من مؤمنى الجن ، تعريض بمشركي قريش ، الذين أنكروا البعث ، ~~وقالوا : ( @QUR@011 ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا ~~الدهر .. ). # ثم حكى سبحانه عنهم ما قالوه عند اقترابهم من السماء ، طلبا لمعرفة ~~أخبارها .. قبل أن يؤمنوا ms5807 فقال : ( @QUR@021 وأنا لمسنا السماء فوجدناها ~~ملئت حرسا شديدا وشهبا ... وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع ، فمن يستمع ~~الآن يجد له شهابا رصدا ). # وقوله : ( @QUR@01 لمسنا ) من اللمس ، وحقيقته الجس باليد ، واستعير هنا ~~، لطلب أخبار السماء ، لأن الماس للشيء في العادة ، إنما يفعل ذلك طلبا ~~لاختباره ومعرفته. # والحرس : اسم جمع للحراس ، كخدم وكخدام ، والشهب : جمع شهاب ، وهو القطعة ~~التي تنفصل عن بعض النجوم ، فتسقط في الجو أو على الأرض أو في البحر. # أى : وأنا طلبنا أخبار السماء كما هي عادتنا قبل أن نؤمن ( @QUR@05 ~~فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا ) أى : فوجدناها قد امتلأت بالحراس الأشداء ~~من الملائكة الذين يحرسونها من استراق السمع ... كما أنا قد وجدناها قد ~~امتلأت بالشهب التي تنقض على مسترقى السمع فتحرقهم. # ( @QUR@04 وأنا كنا نقعد منها ) أى من السماء ( @QUR@02 مقاعد للسمع ) أى ~~: كنا نقعد منها مقاعد كائنة للسمع ، خالية من الحرس والشهب ... # ( @QUR@03 فمن يستمع الآن ) بعد نزول القرآن ، الذي هو معجزة للنبي ~~صلى الله عليه وسلم والذي آمنا به وصدقناه. # ( @QUR@04 يجد له شهابا رصدا ) أى : فمن يجلس الآن ليسترق السمع من ~~السماء يجد له شهابا معدا ومهيأ للانقضاض عليه فيهلكه. # فالرصد : جمع راصد ، وهو الحافظ للشيء ، وهو وصف لقوله «شهابا». # والفاء في قوله : ( @QUR@03 فمن يستمع الآن ) للتفريع على محذوف ، وكلمة ~~«الآن» في مقابل كلمة «كنا» الدالة على المحذوف .. # والتقدير : كنا نقعد منها مقاعد للسمع ، فنستمع أشياء ، وقد انقضى ذلك ، ~~وصرنا من يستمع الآن منا يجد له شهابا رصدا ، ينقض عليه فيحرقه. # والمقصود من هاتين الآيتين : تأكيد إيمانهم بالله تعالى ، وبرسوله ~~صلى الله عليه وسلم ، وحض غيرهم على اتباعهم ، وتحذيرهم من التعرض لاستراق السمع. PageV15P135 # قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهاتين الآيتين : «يخبر الله تعالى عن ~~الجن حين بعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه القرآن ، وكان ~~من حفظه له أن السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا ، وحفظت من سائر أرجائها ، ~~وطردت الشياطين عن مقاعدها التي كانت تقعد فيها قبل ذلك ، لئلا يسترقوا ~~شيئا من القرآن ، فيلقوه على ألسنة ms5808 الكهنة ، فيلتبس الأمر ويختلط ولا يدرى ~~من الصادق ، وهذا من لطف الله بخلقه ، ورحمته بعباده ، وحفظه لكتابه العزيز ~~، ولهذا قالت الجن : «وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا ، ~~وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع ، فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا» أى : ~~من يروم أن يسترق السمع اليوم يجد له شهابا مرصدا ، لا يتخطاه ولا يتعداه ، ~~بل يمحقه ويهلكه» (1). # وقال بعض العلماء : والصحيح أن الرجم كان موجودا قبل المبعث. فلما بعث ~~صلى الله عليه وسلم كثر وازداد ، كما ملئت السماء بالحرس والشهب. وليس في ~~الآية دلالة على أن كل ما يحدث من الشهب إنما هو للرجم ، بل إنهم إذا ~~حاولوا استراق السمع رجموا بالشهب ، وإلا فالشهب الآن وفيما مضى قد تكون ~~ظواهر طبيعية ولأسباب كونية ... (2). # ثم حكى سبحانه ما قالوه على سبيل الإقرار بأنهم لا يعلمون شيئا من الغيوب ~~فقال : ( @QUR@013 وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم ~~رشدا ). # أى : وقال هؤلاء الجن المؤمنون على سبيل الاعتراف بأن مرد علم الغيوب إلى ~~الله تعالى وحده : قالوا وإنا لا ندري ولا نعلم الآن ، بعد هذه الحراسة ~~المشددة للسماء ، أأريد بأهل الأرض ما يضر بهم ، أم أراد الله تعالى بها ما ~~ينفعهم؟. # قال الآلوسى : ولا يخفى ما في قولهم هذا من الأدب ، حيث لم يصرحوا بنسبة ~~الشر إلى الله تعالى ، كما صرحوا به في الخير ، وإن كان فاعل الكل هو الله ~~تعالى ولقد جمعوا بين الأدب وحسن الاعتقاد ... (3). # ثم حكى سبحانه ما قالوه في وصف حالهم وواقعهم فقال : ( @QUR@03 وأنا منا ~~الصالحون .... ) أى : منا الموصوفون بالصلاح والتقوى ... وهم الذين آمنوا ~~بالله تعالى إيمانا حقا ، ولم يشركوا معه في العبادة أحدا ... # ( @QUR@03 ومنا دون ذلك ) أى : ومنا قوم دون ذلك في الصلاح والتقوى ... ~~وهم الذين فسقوا عن أمر ربهم ، ولم يستقيموا على صراطه ودينه. PageV15P136 # وقوله : ( @QUR@03 كنا طرائق قددا )، تشبيه بليغ. والطرائق : جمع طريقة ~~، وهي الحالة والمذهب. # وقددا : جمع قدة ، وهي الفرقة والجماعة من الناس ، الذين تفرقت مشاربهم ~~وأهواؤهم. # والجملة الكريمة ms5809 بيان وتفسير لما قبلها. # أى : وأنا في واقع أمرنا منا الصالحون الأخيار ... ومنا من درجته ورتبته ~~أقل من ذلك بكثير أو بقليل ... فنحن في حياتنا كنا قبل سماعنا للقرآن ~~كالمذاهب المختلفة في حسنها وقبحها ، وكالطرق المتعددة في استقامتها ~~واعوجاجها ... أما الآن فقد وفقنا الله تعالى إلى الإيمان به ، وإلى إخلاص ~~العبادة له ... # ومن وجوه البلاغة في الآية الكريمة ، أنهم قالوا : ( @QUR@03 ومنا دون ~~ذلك )، ليشمل التعبير من هم دون الكمال في الصلاح ، ومن هم قد انحدروا في ~~الشرور والآثام إلى درجة كبيرة ، وهم الأشرار. # والمقصود من الآية الكريمة ، مدح الصالحين ، وذم الطالحين ، ودعوتهم إلى ~~الاقتداء بأهل الصلاح والتقوى والإيمان. # ثم حكى سبحانه ما قالوه بشأن عجزهم المطلق أمام قدرة خالقهم فقال : ( ~~@QUR@011 وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ، ولن نعجزه هربا ). # والظن هنا بمعنى العلم واليقين. وقوله : ( @QUR@01 نعجزه ) من الإعجاز ، ~~وهو جعل الغير عاجزا عن الحصول على ما يريد. وقوله ( @QUR@02 في الأرض ) و ~~( @QUR@01 هربا ) في موضع الحال. # أى : وأننا قد علمنا وتيقنا بعد إيماننا وبعد سماعنا للقرآن ... أننا في ~~قبضة الله تعالى وتحت قدرته ، ولن نستطيع الهرب من قضائه سواء كنا في الأرض ~~أم في غيرها. # فقوله : ( @QUR@02 في الأرض ) إشارة إلى عدم قدرتهم على النجاة من قضائه ~~تعالى مهما حاولوا اللجوء إلى أية بقعة من بقاعها ، ففي أى بقعة منها ~~يكونون ، يدركهم قضاؤه وقدره. # وقوله : ( @QUR@03 ولن نعجزه هربا ) إشارة إلى أن هربهم إلى السماء لا ~~إلى الأرض ، لن ينجيهم مما يريده سبحانه بهم. # فالمقصود بالآية الكريمة : إظهار عجزهم المطلق أمام قدرة الله تعالى وعدم ~~تمكنهم من الهرب من قضائه ، سواء ألجأوا إلى الأرض ، أم إلى السماء. # وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله تعالى : ( @QUR@014 وما أنتم بمعجزين في ~~الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ). PageV15P137 # ثم حكى سبحانه حالهم عند ما سمعوا ما يهديهم إلى الرشد ... فقال تعالى : ~~( @QUR@014 وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به ، فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ~~ولا رهقا ... ). # أى : وأننا لما سمعنا الهدى ، أى : القرآن ms5810 من النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~@QUR@02 آمنا به ) بدون تردد أو شك ( @QUR@03 فمن يؤمن بربه ) وبما أنزله ~~على نبيه صلى الله عليه وسلم ( @QUR@03 فلا يخاف بخسا ) أى : نقصا في ثوابه ( ~~@QUR@02 ولا رهقا ) أى : ولا يخاف أيضا ظلما يلحقه بزيادة في سيئاته ، أو ~~إهانة تذله وتجعله كسير القلب ، منقبض النفس. # فالمراد بالبخس : الغبن في الأجر والثواب. والمراد بالرهق : الإهانة ~~والمذلة والمكروه. # والمقصود بالآية الكريمة إظهار ثقتهم المطلقة في عدالة الله تعالى . # وقوله سبحانه : ( @QUR@015 وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون ، فمن أسلم ~~فأولئك تحروا رشدا. وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ) تأكيد وتفصيل لما قبله. # والقاسطون : هم الجائرون الظالمون ، جمع قاسط ، وهو الذي ترك الحق واتبع ~~الباطل ، اسم فاعل من قسط الثلاثي بمعنى جار ، بخلاف المقسط فهو الذي ترك ~~الباطل واتبع الحق. # مأخوذ من أقسط الرباعي بمعنى عدل. # أى : وأنا معاشر الجن ( @QUR@02 منا المسلمون ) الذين أسلموا وجوههم لله ~~وأخلصوا له العبادة. # ( @QUR@02 ومنا القاسطون ) أى : الجائرون المائلون عن الحق إلى الباطل. # ( @QUR@02 فمن أسلم ) منا ( @QUR@01 فأولئك ) المسلمون ( @QUR@02 تحروا ~~رشدا ) أى : توخوا وقصدوا الرشد والحق. # ( @QUR@02 وأما القاسطون ) وهم الذين آثروا الغي على الرشد ( @QUR@03 ~~فكانوا لجهنم حطبا ) أى : وقودا لجهنم ، كما توقد النار بما يلقى فيها من ~~حطب وما يشبهه. # وإلى هنا نرى الآيات الكريمة قد حكت أقوالا متعددة ، لهؤلاء النفر من ~~الجن ، الذين استمعوا إلى القرآن ، فآمنوا به ، وقالوا لن نشرك بربنا أحدا. # ثم بين سبحانه سنة من سننه التي لا تتخلف ، وهي أن الاستقامة على طريقه ~~توصل إلى السعادة ، وأن الإعراض عن طاعته تعالى يؤدى إلى الشقاء ، وأمر ~~رسوله صلى الله عليه وسلم أن يعلن للناس حقائق دعوته ، وخصائص رسالته ، ~~وإقراره أمامهم بأنه لا يملك لهم ضرا ولا نفعا ، وأن علم الغيب مرده إلى ~~الله تعالى وحده ، فقال سبحانه : PageV15P138 # ( @QUR@08 وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا (16) @QUR@010 ~~لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا (17) @QUR@08 وأن ~~المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا (18) @QUR@010 وأنه لما قام عبد الله ~~يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا (19) @QUR@08 قل ms5811 إنما أدعوا ربي ولا أشرك به ~~أحدا (20) @QUR@08 قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا (21) @QUR@012 قل إني ~~لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا (22) @QUR@016 إلا بلاغا من ~~الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا (23) ~~@QUR@011 حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا (24) ~~@QUR@011 قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا (25) @QUR@07 ~~عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا (26) @QUR@013 إلا من ارتضى من رسول ~~فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا (27) @QUR@013 ليعلم أن قد أبلغوا ~~رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا ) (28) # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء ~~غدقا ... ) معطوف على قوله تعالى : ( @QUR@05 أنه استمع نفر من الجن ... ) ~~فهو من جملة الموحى به ، وهو من كلام الله تعالى لبيان سنة من سننه في خلقه ~~، واسم «أن» المخففة ضمير الشأن ، والخبر قوله ، ( @QUR@02 لو استقاموا ... ~~) والضمير يعود على القاسطين سواء أكانوا من الإنس أم من الجن. # والماء الغدق : هو الماء الكثير ، يقال : غدقت عين فلان غدقا كفرح إذا ~~كثر دمعها فهي غدقة ، ومنه الغيداق للماء الواسع الكثير ، والمراد : ~~لأعطيناهم نعما كثيرة. PageV15P139 # أى : ولو أن هؤلاء العادلين عن طريق الحق إلى طريق الباطل استقاموا على ~~الطريقة المثلى ، التي هي طريق الإسلام ، والتزموا بما جاءهم به النبي ~~صلى الله عليه وسلم من عند ربه ... # لو أنهم فعلوا ذلك ، لفتحنا عليهم أبواب الرزق ، ولأعطيناهم من بركاتنا ~~وخيراتنا الكثير ... وخص الماء الغدق بالذكر ، لأنه أصل المعاش والسعة. # ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله تعالى : ( @QUR@011 ومن يتق ~~الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ) وقوله سبحانه ( @QUR@012 ولو ~~أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ... ) ~~وقوله تعالى ( @QUR@016 ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم ~~من ربهم ، لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ... ). # ثم بين سبحانه الحكمة في هذا العطاء لعباده فقال : ( @QUR@02 لنفتنهم فيه ~~) وأصل الفتن الامتحان والاختبار. تقول : فتنت الذهب ms5812 بالنار ، أى : اختبرته ~~لتعرف مقدار جودته. # والمعنى : نعطيهم ما نعطيهم من خيراتنا ، لنختبرهم ونمتحنهم ، ليظهر ~~للخلائق موقفهم من هذه النعم ، أيشكروننا عليها فنزيدهم منها ، أم يجحدون ~~ويبطرون فنمحقها من بين أيديهم ...؟. # والجملة الكريمة معترضة بين ما قبلها ، وبين قوله تعالى بعد ذلك : ( ~~@QUR@08 ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا ). # وقوله : ( @QUR@01 يسلكه ) من السلك بمعنى إدخال الشيء في الشيء ومنه ~~قوله تعالى : ( @QUR@05 كذلك نسلكه في قلوب المجرمين ). والصعد : الشاق. ~~يقال : فلان في صعد من أمره ، أى : في مشقة وتعب ، وهو مصدر صعد كفرح صعدا ~~وصعودا. # أى : ومن يعرض عن طاعة ربه ومراقبته وخشيته ... يدخله سبحانه في عذاب شاق ~~أليم ، لا مفر منه ، ولا مهرب له عنه. # ومن الحقائق والحكم التي نأخذها من هاتين الآيتين ، أن الاستقامة على أمر ~~الله ، تؤدى إلى السعادة التي ليس بعدها سعادة ، وأن رخاء العيش وشظافته ~~هما لون من ألوان الابتلاء والاختبار ، كما قال تعالى : ( @QUR@04 ونبلوكم ~~بالشر والخير فتنة )، وأن الإعراض عن ذكر الله .... عاقبته الخسران المبين ~~، والعذاب الأليم. # قال القرطبي ما ملخصه : قوله : ( @QUR@02 لنفتنهم فيه ) أى لنختبرهم كيف ~~شكرهم فيه على تلك النعم. # وقال عمر بن الخطاب في هذه الآية : أينما كان الماء كان المال ، وأينما ~~كان المال كانت الفتنة PageV15P140 # فمعنى ( @QUR@01 لأسقيناهم ) لوسعنا عليهم في الدنيا ، وضرب الماء الغدق ~~الكثير لذلك مثلا ، لأن الخير والرزق كله ، بالمطر يكون ، فأقيم مقامه. # وفي صحيح مسلم ، عن أبى سعيد الخدري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~: «أخوف ما أخاف عليكم ، ما يخرج لكم من زهرة الدنيا ، قالوا : وما زهرة ~~الدنيا؟ قال : بركات الأرض ...». # وقال صلى الله عليه وسلم : «والله ما الفقر أخشى عليكم ، وإنما أخشى عليكم ~~أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من قبلكم ، فتنافسوها ، كما تنافسوها ~~فتهلككم كما أهلكتهم» (1). # ثم بين سبحانه أن المساجد التي تقام فيها الصلاة والعبادات ، يجب أن تنسب ~~إلى الله تعالى وحده ، فقال : ( @QUR@08 وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله ~~أحدا ). # والجملة الكريمة معطوفة على قوله تعالى قبل ذلك : ( @QUR@07 أوحي ms5813 إلي أنه ~~استمع نفر من الجن ). # والمساجد : جمع مسجد ، وهو المكان المعد لإقامة الصلاة والعبادة فيه. ~~واللام في قوله ( @QUR@01 لله )، للاستحقاق. # أى : وأوحى إلى أيضا أن المساجد التي هي أماكن الصلاة والعبادة لا تكون ~~إلا لله تعالى وحده ، ولا يجوز أن تنسب إلى صنم من الأصنام ، أو طاغوت من ~~الطواغيت. # قال الإمام ابن كثير : قال قتادة : كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا ~~كنائسهم وبيعهم ، أشركوا بالله ، فأمر الله نبيه والمؤمنين ، أن يوحدوه وحده. # وقال سعيد بن جبير : نزلت في أعضاء السجود. أى : هي لله فلا تسجدوا بها ~~لغيره ... وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أمرت أن أسجد على ~~سبعة أعظم : على الجبهة وأشار بيده إلى أنفه واليدين ، والركبتين ، وأطراف ~~القدمين (2). # ويبدو لنا أن المراد بالمساجد هنا الأماكن المعدة للصلاة والعبادة ، لأن ~~هذا هو المتبادر من معنى الآية ، وأن المقصود بها توبيخ المشركين الذين ~~وضعوا الأنصاب والأصنام ، في المسجد الحرام وأشركوها في العبادة مع الله ~~تعالى . # وأضاف سبحانه المساجد إليه ، على سبيل التشريف والتكريم وقد تضاف إلى ~~غيره تعالى على سبيل التعريف فحسب ، وفي الحديث الشريف : «الصلاة في مسجدى ~~هذا خير من ألف صلاة في غيره ، إلا المسجد الحرام». PageV15P141 # ثم بين سبحانه حال الصالحين من الجن ، عند ما استمعوا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن ، ويتقرب إلى الله تعالى بالعبادة فقال : ~~( @QUR@010 وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا ). # أى : وأوحى الله تعالى فيما أوحى من شأن الجن ، ( @QUR@05 أنه لما قام ~~عبد الله ) وهو محمد صلى الله عليه وسلم ( @QUR@01 يدعوه ) أى : يدعو الله ~~تعالى ويعبده في الصلاة ، ( @QUR@01 كادوا ) أى : الجن ( @QUR@03 يكونون ~~عليه لبدا ) أى : كادوا من شدة التزاحم عليه ، والتكتل حوله .. يكونون ~~كاللبد ، أى : كالشىء الذي تلبد بعضه فوق بعض. ولفظ «لبدا» جمع لبدة ، وهي ~~الجماعة المتزاحمة ، ومنه لبدة الأسد للشعر المتراكم في رقبته. # ووضع سبحانه الاسم الظاهر موضع المضمر ، إذ مقتضى الظاهر أن يقال : وأنه ~~لما قمت تدعو الله .. أو لما قمت ms5814 أدعو الله ... تكريما للنبي ~~صلى الله عليه وسلم حيث وصفه بأنه «عبد الله» لما في هذه الإضافة من التشريف ~~والتكريم. # والجن : إنما ازدحموا حول الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يصلى ويقرأ القرآن ~~... تعجبا مما شاهدوه من صلاته ، ومن حسن قراءته ، ومن كمال اقتداء أصحابه ~~، قياما ، وركوعا ، وسجودا ... ومنهم من يرى أن الضمير في «كادوا» يعود ~~لكفار قريش ، فيكون المعنى : وأنه لما قام محمد صلى الله عليه وسلم يدعو ربه ~~... كادوا من تزاحمهم عليه ، يكونون كاللبد ، لا لكي ينتفعوا بما يسمعون ، ~~ولكن لكي يطفئوا نور الله بأفواههم ، والحال أن الله تعالى قد رد كيدهم في ~~نحورهم ، وأبى إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون. # قال صاحب الكشاف : «عبد الله» هو النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن قلت : هلا ~~قيل : رسول الله أو النبي؟ قلت : لأن تقديره وأوحى إلى أنه لما قام عبد ~~الله ، فلما كان واقعا في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نفسه ، جيء به ~~على ما يقتضيه التواضع والتذلل ، أو لأن المعنى أن عبادة عبد الله ، لله ~~تعالى ليست بأمر مستبعد عن العقل ولا مستنكر ، حتى يكونوا عليه لبدا. # ومعنى «قام يدعوه» : قام يعبده. يريد : قيامه لصلاة الفجر بنخلة حين أتاه ~~الجن ، فاستمعوا لقراءته ، وتزاحموا عليه. # وقيل معناه : لما قام رسول يعبد الله وحده ، مخالفا المشركين في عبادتهم ~~كاد المشركون لتظاهرهم عليه وتعاونهم على عداوته ، يزدحمون عليه متراكمين ~~... (1). # ويبدو لنا أن عودة الضمير في «كادوا» على مؤمنى الجن أرجح ، لأن هذا هو ~~الموافق PageV15P142 # لإعجابهم بالقرآن الذي سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم لأن هذا هو الظاهر ~~من سياق الآيات ، حيث إن الحديث عنهم ، ولأن الآثار قد وردت في أن الجن قد ~~التفوا حول النبي صلى الله عليه وسلم حين سمعوه يقرأ القرآن. # ومن هذه الآثار قول الزبير بن العوام : هم الجن حين استمعوا القرآن من ~~النبي صلى الله عليه وسلم كادوا يركب بعضهم بعضا ازدحاما عليه ... (1). # ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ms5815 أن يعلن لجميع من أرسل إليهم ، ~~أنه لا يعبد أحدا سواه عز وجل فقال : ( @QUR@08 قل إنما أدعوا ربي ولا أشرك ~~به أحدا ). # أى : قل أيها الرسول الكريم لجميع من أرسلناك إليهم من الجن والإنس : إنى ~~أعبد ربي وحده ، وأتوجه إليه وحده بالدعاء والطلب ، ولا أشرك معه أحدا في ~~عبادتي أو صلاتي أو نسكي ... # وقل لهم ، كذلك : ( @QUR@05 إني لا أملك لكم ضرا ) أى : لا أملك ما يضركم ~~( @QUR@02 ولا رشدا ) أى : ولا أملك ما ينفعكم ، وإنما الذي يملك ذلك هو ~~الله تعالى وحده. # وقل لهم للمرة الثالثة : ( @QUR@06 إني لن يجيرني من الله أحد ) أى : إنى ~~لن يمنعني أحد من الله تعالى إن أرادنى بسوء. # ( @QUR@05 ولن أجد من دونه ملتحدا ) أى : ولن أجد من دونه ملجأ أركن ~~إليه. يقال : التحد فلان إلى كذا ، أى : مال إليه. # فالآية الكريمة بيان لعجزه صلى الله عليه وسلم عن شئون نفسه أمام قدرة خالقه ~~عز وجل بعد بيان عجزه عن شئون غيره. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 إلا بلاغا من الله ورسالاته .... ) استثناء من ~~مفعول ( @QUR@02 لا أملك )، وهما قوله قبل ذلك : ( @QUR@03 ضرا ولا رشدا ) ~~وما يليهما اعتراض مؤكد لنفى الاستطاعة. أى : قل لهم أيها الرسول الكريم ~~إنى لا أملك ما يضركم ولا أملك ما ينفعكم ، وإنما الذي أملكه هو تبليغ ~~رسالات ربي إليكم ، بأمانة واجتهاد. # والبلاغ : مصدر بلغ ، وهو إيصال الكلام أو الحديث إلى الغير ، ويطلق على ~~الكلام المبلغ من إطلاق المصدر على المفعول ، مثل : «هذا خلق الله» ، و «من» ~~ابتدائية صفة لقوله : «بلاغا» أى : بلاغا كائنا من جهة الله تعالى وأمره. ~~والرسالات : جمع رسالة ، وهي PageV15P143 # ما يرسل إلى الغير من كلام أو كتاب. والمراد بها هنا : تبليغ ما أوحاه ~~الله تعالى إلى نبيه للناس. # قال الآلوسى ما ملخصه وقوله : ( @QUR@04 إلا بلاغا من الله .... ) ~~استثناء من مفعول لا أملك ... وما بينهما اعتراض ... فإن كان المعنى : لا ~~أملك أن أضركم ولا أن أنفعكم ، كان استثناء متصلا ، كأنه قيل : لا أملك ~~شيئا إلا بلاغا ، وإن كان المعنى : لا أملك أن أقسركم على ms5816 الغي والرشد ، ~~كان منقطعا ، أو من باب : لا عيب فيهم غير أن سيوفنا ... أى : أنه من أسلوب ~~تأكيد الشيء بما يشبه ضده ، وقوله ( @QUR@01 ورسالاته ) عطف على قوله ( ~~@QUR@01 بلاغا ) وقوله : ( @QUR@02 من الله ) متعلق بمحذوف وقع صفه له. أى ~~: بلاغا كائنا من الله ... (1). # ثم بين سبحانه بعد ذلك سوء عاقبة من يخالف أمره فقال : ( @QUR@04 ومن يعص ~~الله ورسوله ) فيما أمرا به ، أو نهيا عنه. # ( @QUR@02 فإن له ) أى : لهذا العاصي ( @QUR@05 نار جهنم خالدين فيها ~~أبدا ) أى : فحكمه أن له نار جهنم ، وجمع سبحانه خالدين باعتبار معنى «من» ~~، كما أن الإفراد في قوله ( @QUR@02 فإن له ) باعتبار لفظها. # وقوله : «أبدا» مؤكد لمعنى الخلود. أى : خالدين فيها خلودا أبديا لا ~~نهاية له. # وقوله سبحانه : ( @QUR@011 حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ~~ناصرا وأقل عددا ) تهديد ووعيد للكافرين بسبب استهزائهم بالمؤمنين ، فقد ~~حكى القرآن عن الكفار أنهم قالوا : ( @QUR@03 نحن جميع منتصر )، ( @QUR@08 ~~وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين ) وقالوا : ( @QUR@06 متى ~~هذا الوعد إن كنتم صادقين ). # و ( @QUR@01 حتى ) هنا حرف ابتداء. وهي متعلقة بمحذوف دل عليه الكلام ، ~~وهو سخرية الكافرين من المؤمنين. و ( @QUR@01 إذا ) اسم زمان للمستقبل مضمن ~~معنى الشرط ، وهي في محل نصب بجوابه الذي هو قوله ( @QUR@01 فسيعلمون ). # والمعنى : أن هؤلاء الكفار لا يزالون على ما هم عليه من غرور وعناد وجحود ~~... حتى إذا رأوا ما يوعدون من العذاب في الدنيا والآخرة ( @QUR@01 ~~فسيعلمون ) حينئذ من هو أضعف جندا وأقل عددا ، أهم المؤمنون كما يزعم هؤلاء ~~الكافرون ؟ أم أن الأمر سيكون على العكس؟ لا شك أن الأمر سيكون على العكس ، ~~وهو أن الكافرين في هذا اليوم سيكونون في غاية الضعف والذلة والهوان. PageV15P144 # وجيء بالجملة التي أضيف إليها لفظ «إذا» فعلا ماضيا ، للتنبيه على تحقق ~~الوقوع. والآية الكريمة تشير إلى خيبة هؤلاء الكافرين ، وتلاشى آمالهم ... ~~فإنهم في هذا اليوم سيفقدون الناصر لهم ، كما أنهم سيفقدونه من جهة أنفسهم ~~، لأنهم مهما كثر عددهم ، فهم مغلوبون. # ثم أمر الله تعالى رسوله للمرة الرابعة ، أن يعلن للناس أن هذا اليوم ms5817 ~~الذي يأتى فيه نصر الله للمؤمنين لا يعلمه إلا هو ، فقال تعالى : ( ~~@QUR@011 قل إن أدري أقريب ما توعدون. أم يجعل له ربي أمدا ... ). # أى : وقل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الكافرين إن نصر الله لنا آت لا ريب ~~فيه ، وعذاب الله لكم آت أيضا لا ريب فيه ، ولكني لا أدرى ولا أعلم أيتحقق ~~ذلك في الوقت العاجل القريب ، أم يجعل الله تعالى لذلك «أمدا» أى : غاية ~~ومدة معينة من الزمان ، لا يعلم وقتها إلا هو سبحانه . # والمقصود من الآية الكريمة : بيان أن العذاب نازل بهم قطعا ولكن موعده قد ~~يكون بعد وقت قريب ، وقد يكون بعد وقت بعيد ، لأن تحديد هذا الوقت مرده إلى ~~الله تعالى وحده. # وقوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@07 عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا ) ~~تعليل لما قبله. أى : أنا لا أدرى متى يكون عذابكم أيها الكافرون لأن مرد ~~علم ذلك إلى الله تعالى الذي هو عليم بكل شيء من الظواهر والبواطن ، والذي ~~اقتضت حكمته أن لا يطلع أحدا على غيوبه ، وعلى ما استتر وخفى من أمور خلقه. # وقوله : ( @QUR@013 إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه ~~رصدا ) استثناء من النفي في قوله : ( @QUR@05 فلا يظهر على غيبه أحدا ). # أى : هو سبحانه عالم الغيب ، فلا يطلع على غيبه أحدا من خلقه ، إلا ~~الرسول الذي ارتضاه واختاره من خلقه ، فإنه سبحانه قد يطلعه على بعض غيوبه ~~، ليكون ذلك معجزة له ، دالة على صدقه أمام قومه. # فإذا ما أراد سبحانه إطلاع رسوله المصطفى لحمل رسالته على بعض غيوبه ، ~~سخر له من جميع جوانبه حرسا من الملائكة يحرسونه من وسوسة الشيطان ونوازعه ~~، ومن كل ما يتعارض مع توصيل وحيه سبحانه إلى رسله ، بكل أمانة وصيانة. # ومعنى ( @QUR@02 من ارتضى ... ): من اختار واصطفى واجتبى ، وعبر عن ذلك ~~بقوله ( @QUR@02 من ارتضى )، للإشعار بأنه سبحانه يخص هؤلاء الذين رضى ~~عنهم ورضوا عنه بالاطلاع على بعض غيوبه ، على سبيل التأييد والتكريم لهم. PageV15P145 # و «من» في قوله ( @QUR@02 من رسول ) للبيان. والمراد بالرسول هنا : ما ms5818 ~~يشمل كل رسول اختاره سبحانه لحمل رسالته ، سواء أكان من البشر أم من ~~الملائكة. # والضمير في قوله تعالى ( @QUR@01 فإنه ) و ( @QUR@01 يسلك ) يعودان على ~~الله عز وجل وأطلق السلك على إيصال الخبر إلى الرسول المرتضى ، للإشعار بأن ~~هذا الخبر الذي أطلع الله تعالى رسوله عليه ، قد وصل إليه وصولا مؤكدا ، ~~ومحفوظا من كل تحريف ، كما يدخل الشيء في الشيء دخولا تاما بقوة وضبط ، إذ ~~حقيقة السلك. إدخال الشيء في الشيء بشدة وعناية ... # والمراد بقوله : ( @QUR@05 من بين يديه ومن خلفه ) جميع الجهات ، وعبر عن ~~جميع الجهات بذلك ، لأن معظم ما يتعرض له الإنسان يكون من هاتين الجهتين. # والرصد : جمع راصد ، وهو ما يحفظ الشيء ، ويصونه من كل ما لا يريده ، أى ~~: إلا من ارتضى سبحانه من رسول ، فإنه عز وجل يطلعه على ما يشاؤه من غيوبه ، ~~ويجعل له حراسا من جميع جوانبه ، يحفظونه من كل سوء. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@05 إلا من ارتضى من رسول ... ) أى : لكن ~~الرسول المرتضى بظهره جل وعلا على بعض الغيوب المتعلقة برسالته ... إما ~~لكون بعض هذه الغيوب من مباديها ، بأن يكون معجزة ، وإما لكونه من أركانها ~~وأحكامها كعامة التكاليف الشرعية ، وكيفيات الأعمال وأجزيتها ، ونحو ذلك من ~~الأمور الغيبية ، التي بيانها من وظائف الرسالة. # بأن يسلك من جميع جوانبه عند اطلاعه على ذلك ، حرسا من الملائكة يحرسونه ~~من تعرض الشياطين ، لما أريد اطلاعه عليه ... (1). # واللام في قوله تعالى : ( @QUR@06 ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ... ) ~~متعلقة بقوله ( @QUR@01 يسلك ). # والضمير في ( @QUR@01 ليعلم ) يعود إلى الله تعالى ، والمراد بالعلم : ~~علم المشاهدة الذي يترتب عليه الجزاء ، أى : أطلع الله تعالى من ارتضاهم ~~على بعض غيوبه ، وحرسهم من وصول الشياطين إلى هذا الذي أظهرهم عليه من غيوب ~~... ليعلم تعالى علم مشاهدة يترتب عليه الجزاء ، أن الرسل قد أبلغوا رسالته ~~سبحانه إلى خلقه ، وأنه تعالى قد ( @QUR@03 أحاط بما لديهم ) أى : أحاط ~~علمه تعالى بكل ما لدى الرسل وغيرهم من أقوال PageV15P146 # وأفعال ، ( @QUR@04 وأحصى كل شيء عددا ) أى : وأحصى كل شيء في هذا الكون ~~إحصاء تاما ، وعلما ms5819 كاملا. # قال الشوكانى : قوله : ( @QUR@06 ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ... ) ~~اللام متعلقة بيسلك ، والمراد به العلم المتعلق بالإبلاغ الموجود بالفعل ، ~~و «أن» هي المخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير الشأن ، والخبر الجملة ، ~~والرسالات عبارة عن الغيب الذي أريد إظهاره لمن ارتضاه الله من رسول ... # وقال قتادة : ليعلم محمد أن الرسل قبله قد أبلغوا الرسالة كما بلغ هو ، ~~وفيه حذف تتعلق به اللام ، أى : أخبرناه صلى الله عليه وسلم بحفظنا الوحى ، ~~ليعلم أن الرسل قبله كانوا على حالته من التبليغ بالحق والصدق. # وقيل : ليعلم الرسل أن الملائكة قد بلغوا رسالات ربهم ... (1). # ويبدو لنا أن عودة الضمير في «ليعلم» إلى الله تعالى هو الأظهر ، أى : ~~ليعلم الله تعالى أن رسله قد أبلغوا رسالاته علم مشاهدة كما علمه غيبا ، ~~لأن علم الله بذلك لا يكون إلا على وفق ما وقع ... # وهكذا ساقت لنا سورة «الجن» الكثير من الحقائق التي تتعلق بإصلاح العقائد ~~والأخلاق والسلوك والأفكار التي طغى كثير منها على العقول والأفهام ... # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ||الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى| PageV15P147 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة المزمل ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «المزمل» هي السورة الثالثة والسبعون في ترتيب المصحف ، أما ~~ترتيبها في النزول على النبي صلى الله عليه وسلم فهي السورة الثالثة أو ~~الرابعة ، إذ يرى بعضهم أنه لم يسبقها في النزول سوى سورتي العلق والمدثر ، ~~بينما يرى آخرون أنه لم يسبقها سوى سور العلق ، ونون ، والمدثر. # وعدد آياتها عشرون آية عند الكوفيين ، وتسع عشرة آية عند البصريين وثماني ~~عشرة آية عند الحجازيين. # 2 وجمهور العلماء على أن سورة «المزمل» من السور المكية الخالصة ، فابن ~~كثير مثلا عند تفسيره لها قال : تفسير سورة «المزمل» ، وهي مكية. # وحكى بعضهم أنها مكية سوى آيتين ، فقد قال القرطبي : مكية كلها في قول ~~الحسن وعكرمة وعطاء وجابر ، وقال ابن عباس وقتادة : هي مكية إلا آيتين منها ~~، وهما قوله تعالى : ( @QUR@09 واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا. ~~وذرني والمكذبين ... ). # وقال الثعلبي ms5820 : هي مكية إلا الآية الاخيرة منها وهي قوله تعالى : ( ~~@QUR@010 إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه .... ) فإنها نزلت ~~بالمدينة (1). # وقال الشيخ ابن عاشور ما ملخصه : وقال في الإتقان : إن استثناء قوله ~~تعالى : PageV15P149 # ( @QUR@09 إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ... ) إلى آخر السورة ~~، يرده ما أخرجه الحاكم عن عائشة أنها قالت : نزلت هذه الآية بعد نزول صدر ~~السورة بسنة ... # ثم قال الشيخ ابن عاشور : وهذا يعنى أن السورة كلها مكية ، والروايات ~~تظاهرت على أن هذه الآية قد نزلت منفصلة عما قبلها ، بمدة مختلف في قدرها ، ~~فعن عائشة أنها سنة ... ومن قال بأن هذه الآية مدنية ، يكون نزولها بعد ~~نزول ما قبلها بسنين ... # والظاهر أن هذه الآية مدنية ، لقوله تعالى : ( @QUR@06 ... وآخرون ~~يقاتلون في سبيل الله ) ومن المعروف أن القتال لم يفرض إلا في المدينة إن ~~لم يكن ذلك إنباء بمغيب على وجه المعجزة (1). # 3 والسورة الكريمة : زاخرة بالحديث الذي يدخل التسلية والصبر على قلب ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، ويعلى من شأن القرآن الكريم ، ويرشد المؤمنين إلى ~~ما يسعدهم ويصلح بالهم ، ويهدد الكافرين بسوء المصير إذا ما استمروا في ~~طغيانهم ، ويذكر الناس بأهوال يوم القيامة ... ويسوق لهم ألوانا من يسر ~~شريعته ورأفته عز وجل بعباده ، وإثابتهم بأجزل الثواب على أعمالهم الصالحة. PageV15P150 ### ||| * التفسير # افتتح سبحانه السورة الكريمة بقوله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@03 يا أيها المزمل (1) @QUR@04 قم الليل إلا قليلا (2) @QUR@05 ~~نصفه أو انقص منه قليلا (3) @QUR@06 أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا (4) ~~@QUR@05 إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا (5) @QUR@08 إن ناشئة الليل هي أشد وطئا ~~وأقوم قيلا (6) @QUR@06 إن لك في النهار سبحا طويلا (7) @QUR@06 واذكر اسم ~~ربك وتبتل إليه تبتيلا (8) @QUR@09 رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه ~~وكيلا (9) @QUR@07 واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا (10) @QUR@06 ~~وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا (11) @QUR@04 إن لدينا أنكالا ~~وجحيما (12) @QUR@05 وطعاما ذا غصة وعذابا أليما (13) @QUR@08 يوم ترجف ~~الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا (14) @QUR@011 إنا أرسلنا إليكم ~~رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا (15) @QUR@06 فعصى فرعون ms5821 ~~الرسول فأخذناه أخذا وبيلا (16) @QUR@08 فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل ~~الولدان شيبا (17) @QUR@06 السماء منفطر به كان وعده مفعولا (18) @QUR@09 ~~إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ) (19) PageV15P151 # وقد ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه السورة الكريمة روايات منها ما رواه ~~البزار والطبراني في الأوسط ، وأبو نعيم في الدلائل عن جابر رضى الله عنه ~~قال : اجتمعت قريش في دار الندوة فقالوا : سموا هذا الرجل اسما تصدوا الناس ~~عنه فقالوا : كاهن. قالوا : ليس بكاهن. قالوا : مجنون. قالوا : ليس بمجنون. ~~قالوا : ساحر. قالوا : ليس بساحر ... فتفرق المشركون على ذلك. فبلغ ذلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم فتزمل في ثيابه وتدثر فيها. فأتاه جبريل فقرأ عليه : ~~( @QUR@03 يا أيها المزمل ) ( @QUR@03 يا أيها المدثر ... ). # وقيل : إنه صلى الله عليه وسلم كان نائما بالليل متزملا في قطيفة ... فجاءه ~~جبريل بقوله تعالى ( @QUR@07 يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا ... ). # وقيل : إن سبب نزول هذه الآيات ما رواه الشيخان وغيرهما من حديث جابر بن ~~عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : جاورت بحراء ، فلما قضيت ~~جواري ، هبطت ، فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئا ، ونظرت عن شمالي فلم أر ~~شيئا ... فرفعت رأسى فإذا الذي جاءني بحراء ، جالس على كرسي بين السماء ~~والأرض ... فرجعت فقلت : دثروني دثروني ، وفي رواية : فجئت أهلى فقلت : ~~زملوني زملوني ، فأنزل الله تعالى : ( @QUR@03 يا أيها المدثر ... ) (1). # وجمهور العلماء يقولون : وعلى أثرها نزلت : ( @QUR@03 يا أيها المزمل ... ). # و ( @QUR@01 المزمل ): اسم فاعل من تزمل فلان بثيابه ، إذا تلفف فيها ، ~~وأصله المتزمل ، فأدغمت التاء في الزاى والميم. # وافتتح الكلام بالنداء للتنبيه على أهمية ما يلقى على المخاطب من أوامر ~~أو نواه. # وفي ندائه صلى الله عليه وسلم بلفظ «المزمل» تلطف معه ، وإيناس لنفسه ، ~~وتحبب إليه ، حتى يزداد نشاطا ، وهو يبلغ رسالة ربه. # والمعنى : يا أيها المتزمل بثيابه ، المتلفف فيها ، رهبة مما رآه من ~~عبدنا جبريل. أو هما وغما مما سمعه من المشركين ، من وصفهم له بصفات هو ~~برىء منها. # ( @QUR@04 قم الليل إلا قليلا ) أى : قم الليل متعبدا لربك ms5822 ، ( @QUR@02 ~~إلا قليلا ) منه ، على قدر ما تأخذ من راحة لبدنك ، فقوله : ( @QUR@02 إلا ~~قليلا ) استثناء من الليل ... # وقوله ( @QUR@01 نصفه ) بدل من ( @QUR@01 قليلا ) بدل كل من كل ، على ~~سبيل التفصيل بعد الإجمال ... PageV15P152 # أى : قم نصف الليل للعبادة لربك ، واجعل النصف الثاني من الليل لراحتك ~~ونومك ... # ووصف سبحانه هذا النصف الكائن للراحة بالقلة فقال ( @QUR@02 إلا قليلا ) ~~للإشعار بأن النصف الآخر ، العامر بالعبادة والصلاة ... هو النصف الأكثر ~~ثوابا وقربا من الله تعالى بالنسبة للنصف الثاني المتخذ للراحة والنوم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 أو انقص منه قليلا. أو زد عليه ... ) تخيير له ~~صلى الله عليه وسلم فيما يفعله ، وإظهار لما اشتملت عليه شريعة الإسلام من يسر ~~وسماحة ... # فكأنه تعالى يقول له على سبيل التلطف والإرشاد إلى ما يشرح صدره يا أيها ~~المتلفف بثيابه ، قم الليل للعبادة والصلاة ، إلا وقتا قليلا منه يكون ~~لراحتك ونومك ، وهذا الوقت القليل المتخذ للنوم والراحة قد يكون نصف الليل ~~، أو قد يكون أقل من النصف بأن يكون في حدود ثلث الليل ، ولك أيها الرسول ~~الكريم أن تزيد على ذلك ، بأن تجعل ثلثى الليل للعبادة ، وثلثه للنوم ~~والراحة ... # فأنت ترى أن الله تعالى قد رخص لنبيه صلى الله عليه وسلم في أن يجعل نصف ~~الليل أو ثلثه ، أو ثلثيه للعبادة والطاعة. وأن يجعل المقدار الباقي من ~~الليل للنوم والراحة ... # وخص سبحانه الليل بالقيام ، لأنه وقت سكون الأصوات ... فتكون العبادة فيه ~~أكثر خشوعا ، وأدعى لصفاء النفس ، وطهارة القلب ، وحسن الصلة بالله عز وجل . # هذا ، وقد استمر وجوب الليل على الرسول صلى الله عليه وسلم حتى بعد فرض ~~الصلوات الخمس عليه وعلى أمته. تعظيما لشأنه ، ومداومة له على مناجاة ربه ، ~~خصوصا في الثلث الأخير من الليل ، يدل على ذلك قوله تعالى : ( @QUR@012 ومن ~~الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) (1). # وقد كان المسلمون يقتدون بالرسول صلى الله عليه وسلم في قيام الليل وقد أثنى ~~سبحانه عليهم بسبب ذلك في آيات كثيرة منها قوله تعالى : ( @QUR@024 تتجافى ~~جنوبهم عن المضاجع ، يدعون ربهم خوفا وطمعا ms5823 ومما رزقناهم ينفقون. فلا تعلم ~~نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ) (2). # وقد ذكر الإمام أحمد حديثا طويلا عن سعيد بن هشام ، وفيه أنه سأل السيدة ~~عائشة عن قيامه صلى الله عليه وسلم بالليل ، فقالت له : ألست تقرأ هذه السورة ~~، يا أيها المزمل ...؟. PageV15P153 # إن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة ، فقام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم. وأمسك الله ختامها في ~~السماء اثنى عشر شهرا. ثم أنزل التخفيف في آخر هذه السورة ، فصار قيام ~~الليل تطوعا من بعد فريضة .. (1). # قال القرطبي ما ملخصه : واختلف : هل كان قيام الليل فرضا وحتما ، أو كان ~~ندبا وحضا؟ والدلائل تقوى أن قيامه كان حتما وفرضا ، وذلك أن الندب والحض ، ~~لا يقع على بعض الليل دون بعض ، لأن قيامه ليس مخصوصا به وقت دون وقت. # واختلف أيضا هل كان فرضا على النبي صلى الله عليه وسلم وحده؟ أو عليه وعلى ~~من كان قبله من الأنبياء؟ أو عليه وعلى أمته؟ ثلاثة أقوال ... أصحها ثالثها ~~للحديث المتقدم الذي رواه سعيد بن هشام عن عائشة رضى الله عنها (2). # وقال بعض العلماء بعد أن ساق أقوال العلماء في هذه المسألة بشيء من ~~التفصيل : والذي يستخلص من ذلك أن أرجح الأقوال ، هو القول القائل بأن ~~التهجد كان فريضة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أمته ، إذ هو الذي يمكن ~~أن تأتلف عليه النصوص القرآنية ، ويشهد له ما تقدم من الآثار عن ابن عباس ~~وعائشة وغيرهما. # ويرى بعض العلماء أن وجوب التهجد باق على الناس جميعا ، وأنه لم ينسخ ، ~~وإنما الذي نسخ هو وجوب قيام جزء مقدر من الليل ، لا ينقص كثيرا عن النصف .. # ويرد على هذا القول بما ثبت في الصحيحين ، من أن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~قال للرجل الذي سأله عما يجب عليه من صلاة؟ قال : خمس صلوات في اليوم ~~والليلة. قال : هل على غيرها؟ قال : لا إلا أن تطوع». # ويرى فريق آخر : أن قيام الليل ms5824 نسخ عن الرسول وعن أمته بآخر سورة المزمل. ~~واستبدل به قراءة القرآن ، على ما يعطيه قوله تعالى ( @QUR@011 علم أن لن ~~تحصوه فتاب عليكم فاقرؤا ما تيسر من القرآن ) ويدل عليه أيضا ظاهر ما روى ~~عن عائشة ، من قولها : فصار قيام الليل تطوعا من بعد الفريضة ، دون أن تقيد ~~ذلك بقيد. # ويرى فريق ثالث : أن وجوب التهجد استمر على النبي وعلى الأمة ، حتى نسخ ~~بالصلوات الخمس ليلة المعراج. # ويرى فريق رابع : أن قيام الليل نسخ عن الأمة وحدها ، وبقي وجوبه على ~~النبي صلى الله عليه وسلم على ما يعطيه ظاهر آية الإسراء. PageV15P154 # ولعل أرجح هذه الأقوال هو القول الرابع .. فإن آية سورة الإسراء وهي قوله ~~تعالى : @QUR@06 ومن الليل فتهجد به نافلة لك ... ) تدل على أن وجوب التهجد ~~قد بقي عليه صلى الله عليه وسلم (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@03 ورتل القرآن ترتيلا ) إرشاد له صلى الله عليه وسلم ~~ولأمته إلى أفضل طريقة لقراءة القرآن الكريم ، حتى يستمروا عليها ، وهم في ~~أول عهدهم بنزول القرآن الكريم. # والترتيل : جعل الشيء مرتلا ، أى : منسقا منظما ، ومنه قولهم : ثغر مرتل ~~، أى : منظم الأسنان ، لم يشذ بعضها عن بعض ... # أى : قم أيها الرسول الكريم الليل إلا قليلا منه ... متعبدا لربك مرتلا ~~للقرآن ترتيلا جميلا حسنا ، تستبين معه الكلمات والحروف ، حتى يفهمها ~~السامع ، وحتى يكون ذلك أعون على حسن تدبره ، وأثبت لمعانيه في القلب ... # قال الإمام ابن كثير : وكذلك كان يقرأ صلى الله عليه وسلم فقد قالت عائشة : ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ السورة فيرتلها ... وسئل أنس عن قراءته ~~صلى الله عليه وسلم فقال : كانت مدا ... وقال صلى الله عليه وسلم : «زينوا القرآن ~~بأصواتكم». # وقال عبد الله بن مسعود : لا تنثروه نثر الرمل ، ولا تهذوه هذ الشعر ~~وقفوا عند عجائبه ، وحركوا به القلوب (2) أى لا تسرعوا في قراءته كما ~~تسرعوا في قراءة الشعر. والهذ : سرعة القطع هذا ، وليس معنى قوله سبحانه : ~~( @QUR@03 ورتل القرآن ترتيلا )، أن يقرأ بطريقة فيها تلحين أو تطريب يغير ~~من ألفاظ القرآن ، ويخل بالقراءة ms5825 الصحيحة من حيث الأداء ، ومخارج الحروف ، ~~والغن والمد ، والإدغام والإظهار ... وغير ذلك مما تقتضيه القراءة السليمة ~~للقرآن الكريم. # وإنما معنى قوله تعالى : ( @QUR@03 ورتل القرآن ترتيلا ) أن يقرأه بصوت ~~جميل وبخشوع وتدبر ، وبالتزام تام للقراءة الصحيحة ، من حيث مخارج الحروف ~~ومن حيث الوقف والمد والإظهار والإخفاء ، وغير ذلك ... # وقد بسط القول في هذه المسألة بعض العلماء فارجع إليه إن شئت (3). # وقوله تعالى : ( @QUR@05 إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ) تعليل للأمر بقيام ~~الليل ، وهو كلام PageV15P155 # معترض بين قوله سبحانه ( @QUR@02 قم الليل ... ) وبين قوله تعالى بعد ذلك ~~: ( @QUR@03 إن ناشئة الليل .... ). # والمراد بالقول الثقيل : القرآن الكريم الذي أنزله سبحانه على قلب نبيه ~~صلى الله عليه وسلم . # ويشهد لثقل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة ، منها : ما ~~رواه الإمام البخاري من أن السيدة عائشة قالت : ولقد رأيته صلى الله عليه وسلم ~~ينزل عليه الوحى ، في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا. # ومنها قوله صلى الله عليه وسلم «ما من مرة يوحى إلى ، إلا ظننت أن نفسي ~~تفيض» أى : تخرج ... # ومنها قول زيد بن ثابت : أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء من ~~القرآن وفخذه على فخذي فكادت ترض فخذي أى : تتكسر ... # ومنها ما رواه هشام بن عروة عن أبيه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~أوحى عليه وهو على ناقته ، وضعت جرانها أى باطن عنقها فما تستطيع أن تتحرك ~~، حتى يسرى عنه (1). # أى : قم أيها الرسول الكريم الليل إلا قليلا منه متعبدا لربك ، متقربا ~~إليه بألوان الطاعات ، فإنا سنلقى عليك قولا ثقيلا ، وهذا القول هو القرآن ~~الكريم ، الثقيل في وزنه وفي ميزان الحق ، وفي أثره في القلوب ، وفيما ~~اشتمل عليه من تكاليف ، وصدق الله إذا يقول : ( @QUR@012 لو أنزلنا هذا ~~القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ... ) # قال الجمل : قوله : ( @QUR@05 إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ) أى : كلاما ~~عظيما جليلا ذا خطر وعظمة ، لأنه كلام رب العالمين ، وكل شيء له خطر ومقدار ~~فهو ثقيل. # أو هو ms5826 ثقيل لما فيه من التكاليف ، والوعد والوعيد ، والحلال والحرام ، ~~والحدود والأحكام. # قال قتادة : ثقيل والله في فرائضه وحدوده ... وقال محمد بن كعب : ثقيل ~~على المنافقين ، لأنه يهتك أسرارهم ... وقال السدى : ثقيلا بمعنى كريم ، ~~مأخوذ من قولهم : فلان ثقل على ، أى كرم على ... وقال ابن المبارك : هو ~~والله ثقيل مبارك ، كما ثقل في الدنيا ، ثقل في الميزان يوم القيامة. # وقيل : ثقيلا بمعنى أن العقل الواحد لا يفي بإدراك فوائده ومعانيه ، ~~فالمتكلمون غاصوا في بحار معقولاته. والفقهاء بحثوا في أحكامه ... والأولى ~~أن جميع هذه المعاني فيه. PageV15P156 # وقيل : المراد بالقول الوحى ، كما في الخبر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان إذا أوحى إليه ، وهو على ناقته وضعت جرانها أى : وضعت صدرها على الأرض ~~فما تستطيع أن تتحرك حتى يسرى عنه ... (1). # ويبدو لنا أن وصف القرآن بالثقل وصف حقيقى ، لما ثبت من ثقله على النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقت نزوله عليه ... وهذا لا يمنع أن ثقله يشمل ما اندرج ~~فيه من علوم نافعة ، ومن هدايات سامية ، ومن أحكام حكيمة ، ومن آداب قويمة ~~، ومن تكاليف جليلة الشأن. # وعبر سبحانه عن إيحائه بالقرآن إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بالإلقاء ~~للإشعار بأنه يلقى إليه على غير ترقب منه صلى الله عليه وسلم ، بل ينزل إليه ~~في الوقت الذي يريده سبحانه وللإشارة من أول الأمر إلى أن ما يوحى إليه شيء ~~عظيم وشديد الوقع على النفس. # ثم بين سبحانه بعد ذلك الحكمة من أمره له صلى الله عليه وسلم بقيام الليل ~~إلا قليلا منه للعبادة والطاعة فقال : ( @QUR@08 إن ناشئة الليل هي أشد ~~وطئا وأقوم قيلا ). # وقوله : ( @QUR@01 ناشئة ): وصف من النشء وهو الحدوث ، وهو صفة لموصوف ~~محذوف. وقوله : ( @QUR@01 وطئا ) بمعنى مواطأة وموافقة ، وأصل الوطء : وضع ~~الرجل على الأرض بنظام وترتيب ، ثم استعير للموافقة ، ومنه قوله تعالى ( ~~@QUR@05 ليواطؤا عدة ما حرم الله )، ومنه قولهم : وطأت فلانا على كذا ، ~~إذا وافقته عليه. وهو منصوب على التمييز. وقوله : ( @QUR@01 قيلا ) بمعنى قولا. # وقوله : ( @QUR@01 أقوم ) بمعنى أفضل وأنفع. # والمعنى : يا أيها ms5827 المزمل قم الليل إلا قليلا منه للعبادة والطاعة. فإن ~~العبادة الناشئة بالليل. هي أشد مواطأة وموافقة لإصلاح القلب ، وتهذيب ~~النفس ، وأقوم قولا ، وأنفع وقعا ، وأفضل قراءة من عبادة النهار ، لأن ~~العبادة الناشئة بالليل يصحبها ما يصحبها من الخشوع والإخلاص ، لهدوء ~~الأصوات بالليل ، وتفرغ العابد تفرغا تاما لعبادة ربه. # قال الشوكانى ما ملخصه : قوله : ( @QUR@03 إن ناشئة الليل ... ) أى : ~~ساعاته وأوقاته ، لأنها تنشأ أولا فأولا ، ويقال : نشأ الشيء ينشأ ، إذا ~~ابتدأ وأقبل شيئا بعد شيء ، فهو ناشئ ... قال الزجاج : ناشئة الليل ، كل ما ~~نشأ منه ، أى : حدث منه ... والمراد ساعات الليل الناشئة ، فاكتفى بالوصف ~~عن الاسم الموصوف. # وقيل : إن ناشئة الليل ، هي النفس التي تنشأ من مضجعها للعبادة ، أى : ~~تنهض ، من PageV15P157 # نشأ من مكانه ، إذا نهض منه. # ( @QUR@03 هي أشد وطئا ) قرأ الجمهور ( @QUR@01 وطئا ) بفتح الواو وسكون ~~الطاء مقصورة ، وقرأ بعضهم وطاء بكسر الواو وفتح الطاء ممدودة. # والمعنى على القراءة الأولى : أن الصلاة الناشئة في الليل ، أثقل على ~~المصلى من صلاة النهار ، لأن الليل للنوم ... ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ~~«اللهم اشدد وطأتك على مضر». # والمعنى على القراءة الثانية : أنها أشد مواطأة وموافقة بين السمع والبصر ~~والقلب واللسان ، لانقطاع الأصوات والحركات ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@05 ~~ليواطؤا عدة ما حرم الله ) أى : ليوافقوا. # ( @QUR@02 وأقوم قيلا ) أى : وأشد مقالا. وأثبت قراءة ، لحضور القلب فيها ~~، وهدوء الأصوات ، وأشد استقامة واستمرارا على الصواب ... (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 إن لك في النهار سبحا طويلا ) تقرير للأمر ~~بقيام الليل إلا قليلا منه للعبادة والطاعة والتقرب إليه سبحانه . # والسبح : مصدر سبح ، وأصله الذهاب في الماء والتقلب فيه ثم استعير للتقلب ~~والتصرف المتسع ، الذي يشبه حركة السابح في الماء. # أى : إنا أمرناك بقيام الليل للعبادة والطاعة ، لأن لك في النهار أيها ~~الرسول الكريم تقلبا وتصرفا في مهماتك ، واشتغالا بأعباء الرسالة يجعلك لا ~~تستطيع التفرغ لعبادتنا ، أما في الليل فتستطيع ذلك لأنه وقت السكون ~~والراحة والنوم. # فالمقصود من الآية الكريمة التخفيف والتيسير عليه صلى الله عليه وسلم وبيان ~~الحكمة من أمره بقيام الليل إلا ms5828 قليلا منه للعبادة ، حيث لم يجمع سبحانه ~~عليه الأمر بالتهجد في الليل والنهار ، وإنما يسر عليه الأمر ، فجعله ~~بالليل فحسب ، أما النهار فهو لمطالب الحياة : ولتبليغ رسالته سبحانه إلى الناس. # ثم أمره سبحانه بعد ذلك بالمداومة على ذكره ليلا ونهارا فقال : ( ~~@QUR@015 واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا. رب المشرق والمغرب لا إله إلا ~~هو فاتخذه وكيلا ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@01 وتبتل ) من التبتل ، وهو الاشتغال الدائم ~~بعبادة الله تعالى ، والانقطاع لطاعته. ومنه قولهم بتل فلان الحبل ، إذا ~~قطعه ، وامرأة بتول. PageV15P158 # أى : منقطعة عن الزواج ، ومتفرغة لعبادة الله تعالى والمراد به هنا : ~~التفرغ لما يرضى الله تعالى ، والاشتغال بذلك عن كل شيء سواه. # أى : وداوم أيها الرسول الكريم على ذكر الله تعالى عن طريق تسبيحه ، ~~وتحميده وتكبيره ، وتفرغ لعبادته وطاعته تفرغا تاما ، دون أن يشغلك عن ذلك شاغل. # فربك عز وجل هو ( @QUR@03 رب المشرق والمغرب ). أى : هو سبحانه رب جهتي ~~الشروق والغروب للشمس. # ( @QUR@04 لا إله إلا هو ) مستحق للعبادة والطاعة ، وما دام الأمر كذلك ( ~~@QUR@02 فاتخذه وكيلا ). # أى : فاتخذه وكيلك الذي تفوض إليه أمرك ، وتلجأ إليه في كل أحوالك ... إذ ~~الوكيل هو الذي توكل إليه الأمور ، ويترك له التصرف فيها. # وليس المراد بقوله تعالى : ( @QUR@06 واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا ) ~~الانقطاع التام عن الأعمال ، لأن هذا يتنافى مع قوله تعالى قبل ذلك : ( ~~@QUR@06 إن لك في النهار سبحا طويلا )، وإنما المراد التنبيه إلى أنه ~~صلى الله عليه وسلم ينبغي له أن لا يشغله السبح الطويل بالنهار ، عن طاعته ~~عز وجل وعن المداومة على مراقبته وذكره. # ومما لا شك فيه أن ما كان يقوم به النبي صلى الله عليه وسلم من الاشتغال ~~بأمر الدعوة إلى وحدانية الله تعالى ، ومن تعليم الناس العلم النافع ، ~~والعمل الصالح ... كل ذلك يندرج تحت المواظبة على ذكر الله تعالى ، وعلى ~~التفرغ لعبادته. # وقال سبحانه ( @QUR@03 وتبتل إليه تبتيلا ) ولم يقل تبتلا حتى يكون الفعل ~~موافقا لمصدره ، للإشارة إلى أن التبتل والانقطاع إلى الله يحتاجان إلى عمل ~~اختياري منه صلى الله عليه وسلم ms5829 ، بأن يجرد نفسه عن كل ما سوى الله تعالى ، ~~وبذلك يحصل التبتل الذي هو أثر للتبتيل ، بمعنى : ترويض النفس وتعويدها على ~~العبادة والطاعة. # ووصف سبحانه ذاته بأنه ( @QUR@03 رب المشرق والمغرب )، لمناسبة الأمر ~~بذكره في الليل والنهار ، وهما وقت ابتداء طلوع الشمس وغروبها ، فكأنه ~~سبحانه يقول : داوم على طاعتي لأنى أنا رب جميع جهات الأرض ، التي فيها ~~تشرق الشمس وتغرب. # والمراد بالمشرق والمغرب هنا جنسهما ، فهما صادقان على كل مشرق من مشارق ~~الشمس ، التي هي ثلاثمائة وستون مشرقا كما يقول العلماء وعلى كل مغرب من ~~مغاربها التي هي كذلك. # والمراد بالمشرقين والمغربين كما جاء في سورة الرحمن : مشرق ومغرب الشتاء ~~والصيف. PageV15P159 # والمراد بالمشارق والمغارب كما جاء في سورة المعارج : مشرق ومغرب كل يوم ~~للشمس والكواكب. # ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بالصبر الجميل ، على ~~أذى قومه فقال : ( @QUR@07 واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا .... ). # أى : اجعل يا محمد اعتمادك وتوكلك على وحدي ، واصبر على ما يقوله أعداؤك ~~في حقك من أكاذيب وخرافات ... واهجرهم هجرا جميلا ، أى : واعتزلهم وابتعد ~~عنهم ، وقاطعهم مقاطعة حسنة ، بحيث لا تقابل السيئة يمثلها ، ولا تزد على ~~هجرهم : بأن تسبهم ، أو ترميهم بالقبيح من القول ... # قال الإمام الرازي ما ملخصه : والمعنى أنك لما اتخذتني وكيلا فاصبر على ~~ما يقولون ، وفوض أمرهم إلى ، فإنى لما كنت وكيلا لك أقوم بإصلاح أمرك ، ~~أحسن من قيامك بإصلاح نفسك. # واعلم أن مهمات العباد محصورة في أمرين : في كيفية معاملتهم مع الله ، ~~وقد ذكر سبحانه ذلك في الآيات السابقة ، وفي كيفية معاملتهم مع الخلق ، وقد ~~جمع سبحانه كل ما يحتاج إليه في هذا الباب في هاتين الكلمتين ، وذلك لأن ~~الإنسان إما أن يكون مخالطا للناس ، أو مجانبا لهم. # فإن كان مخالطا لهم فعليه أن يصبر على إيذائهم ... وإما أن يكون مجانبا ~~لهم ، فعليه أن يهجرهم هجرا جميلا ... بأن يجانبهم بقلبه وهواه ، ويخالفهم ~~في أفعالهم ، مع المداراة والإغضاء ... (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا ) أى ~~: ودعني وشأنى ms5830 مع هؤلاء المكذبين بالحق ، ولا تهتم أنت بأمرهم ، فأنا ~~خالقهم ، وأنا القادر على كل شيء يتعلق بهم. # وقوله : ( @QUR@02 أولي النعمة ) وصف لهم جيء به على سبيل التوبيخ لهم ، ~~والتهكم بهم ، حيث جحدوا نعم الله ، وتوهموا أن هذه النعم من مال أو ولد ~~ستنفعهم يوم القيامة. # والنعمة بفتح النون مع التشديد : تطلق على التنعم والترفه وغضارة العيش ~~في الدنيا. PageV15P160 # وأما النعمة بكسر النون فاسم للحالات الملائمة لرغبة الإنسان من غنى أو ~~عافية أو نحوهما. # وأما النعمة بالضم فهي اسم المسرة. يقال : فلان في نعمة بضم النون أى : ~~في فرح وسرور. # وقوله : ( @QUR@02 ومهلهم قليلا ) أى : واتركهم ودعهم في باطلهم وقتا ~~قليلا ، فسترى بعد ذلك سوء عاقبة تكذيبهم للحق. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 إن لدينا أنكالا وجحيما ... ) تعليل لما قبله. ~~والأنكال : جمع نكل بكسر النون وسكون الكاف وهو القيد الثقيل ، يوضع في ~~الرجل لمنع الحركة. وسميت القيود بذلك لأنها تجعل صاحبها موضع عبرة وعظة ، ~~أو لأنها تجعل صاحبها ممنوعا من الحركة ، والتقلب في مناكب الأرض. # أى : إن لدينا ما هو أشد من ردك عليهم ... وهو تلك القيود التي نقيد ~~حركتهم بها ، وإن لدينا «جحيما» أى : نارا شديدة الاشتعال نلقى بهم فيها ، ~~وإن لدينا كذلك «طعاما ذا غصة» أى : طعاما يلتصق في الحلوق ، فلا هو خارج ~~منها ، ولا هو نازل عنها ، بل هو ناشب فيها لبشاعته ومرارته. # وهذا الطعام ذو الغصة ، يشمل ما يتناولونه من الزقوم ومن الغسلين ومن ~~الضريع ، كما جاء في آيات أخرى. والغصة : ما ينشب في الحلق من عظم أو غيره. ~~وجمعه غصص. # وإن لدينا فوق كل ذلك ( @QUR@02 عذابا أليما ) أى : عذابا شديد الإيلام ~~لمن ينزل به. # فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد توعدت هؤلاء المكذبين بألوان من ~~العقوبات الشديدة ، توعدتهم بالقيود التي تشل حركتهم ، وبالنار المشتعلة ~~التي تحرق أجسادهم ، وبالطعام البشع الذي ينشب في حلوقهم ، وبالعذاب الأليم ~~الذي يشقيهم ويذلهم. # والظرف في قوله تعالى : ( @QUR@04 يوم ترجف الأرض والجبال ... ) منصوب ~~بالاستقرار العامل في «لدنيا» ، الذي هو الخبر في الحقيقة. # أى : استقر لهم ms5831 ذلك العذاب الأليم لدينا ، يوم القيامة ، يوم تضطرب ~~وتتزلزل الأرض والجبال. # ( @QUR@02 وكانت الجبال ) في هذا اليوم ( @QUR@02 كثيبا مهيلا ) أى : ~~رملا مجتمعا ، بعد أن كانت قبل ذلك الوقت أحجارا صلبة كبيرة. # فقوله : ( @QUR@01 كثيبا ) من كثب الشيء يكثبه ، إذا جمعه من قرب ثم صبه ~~، وجمعه كثب PageV15P161 # وكثبان ، وهي تلال الرمال المجتمعة كالربوة. # وقوله ( @QUR@01 مهيلا ) اسم مفعول من هال الشيء هيلا ، إذا نثره ، وفرقه ~~بعد اجتماعه. # والشيء المهيل : هو الذي يحرك أسفله فينهار أعلاه ويتساقط بسرعة. # ثم يذكر سبحانه بعد ذلك هؤلاء المكذبين بما حل بالمكذبين من قبلهم ، ~~فيقول : ( @QUR@017 إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم ، كما أرسلنا إلى ~~فرعون رسولا. فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا ). # أى : إنا أرسلنا إليكم أيها المكذبون رسولا عظيم الشأن ، رفيع القدر ، ~~وهو محمد صلى الله عليه وسلم ، ( @QUR@02 شاهدا عليكم ) أى : سيكون يوم ~~القيامة شاهدا عليكم ، بأنه قد بلغكم رسالة الله تعالى دون أن يقصر في ذلك ~~أدنى تقصير. # والكاف في قوله تعالى : ( @QUR@05 كما أرسلنا إلى فرعون رسولا ) للتشبيه ~~، أى : أرسلنا إليكم يا أهل مكة رسولا شاهدا عليكم هو محمد صلى الله عليه وسلم ~~كما أرسلنا من قبلكم إلى فرعون رسولا شاهدا عليه ، هو موسى عليه السلام وأكد ~~الخبر في قوله تعالى : ( @QUR@02 إنا أرسلنا ... ) لأن المشركين كانوا ~~ينكرون نبوة النبي صلى الله عليه وسلم . # ونكر رسولا ، لأنهم كانوا يعرفونه حق المعرفة ، وللتعظيم من شأنه ~~صلى الله عليه وسلم أى : أرسلنا إليكم رسولا عظيم الشأن ، سامى المنزلة جامعا ~~لكل الصفات الكريمة. # والفاء في قوله : ( @QUR@03 فعصى فرعون الرسول ) للتفريع. أى : أرسلنا ~~إليكم رسولا كما أرسلنا إلى فرعون رسولا قبل ذلك ، فكانت النتيجة أن عصى ~~فرعون أمر الرسول الذي أرسلناه إليه ، واستهزأ به ، وتطاول عليه فكانت ~~عاقبة هذا التطاول ، أن أخذناه ( @QUR@02 أخذا وبيلا ). # أى أهلكنا فرعون إهلاكا شديدا ، وعاقبناه عقابا ثقيلا ، فوبيل بزنة فعيل ~~صفة مشبهة ، مأخوذة من وبل المكان ، إذا وخم هواؤه وكان ثقيلا رديئا. ويقال ~~: مرعى وبيل ، إذا كان وخما رديئا. # وخص سبحانه موسى وفرعون بالذكر ، لأن أخبارهما كانت ms5832 مشهورة عند أهل مكة. # وأل في قوله ( @QUR@03 فعصى فرعون الرسول ) للعهد. أى : فعصى فرعون ~~الرسول المعهود عندكم ، وهو موسى عليه السلام . PageV15P162 # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم نكر الرسول ثم عرف؟ قلت : لأنه أراد : ~~أرسلنا إلى فرعون بعض الرسل ، فلما أعاده وهو معهود بالذكر أدخل لام ~~التعريف. إشارة إلى المذكور بعينه .. (1). # وأظهر سبحانه اسم فرعون مع تقدم ذكره فقال : ( @QUR@03 فعصى فرعون الرسول ~~)، دون أن يؤتى بضميره ، للإشعار بفظاعة هذا العصيان ، وبلوغه النهاية في ~~الطغيان. # والمقصود من هاتين الآيتين ، تهديد المشركين ، بأنهم إذا ما استمروا في ~~تكذيبهم لرسولهم ، محمد صلى الله عليه وسلم فقد يصيبهم من العذاب ما أصاب ~~فرعون عند ما عصى موسى عليه السلام . # ثم ذكرهم سبحانه بأهوال يوم القيامة ، لعلهم يتعظون أو يرتدعون فقال : ( ~~@QUR@014 فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا ، السماء منفطر به ~~كان وعده مفعولا ). # والاستفهام في قوله : ( @QUR@01 فكيف ) مستعمل في التوبيخ والتعجيز ، و ( ~~@QUR@01 تتقون ) بمعنى تصونون أنفسكم من العذاب ، ومعنى ( @QUR@02 إن كفرتم ~~) إن بقيتم على كفركم وأصررتم عليه. وقوله ( @QUR@01 يوما ): منصوب على ~~أنه مفعول به لقوله : ( @QUR@01 تتقون ). # وقوله : ( @QUR@03 السماء منفطر به ) صفة ثانية لهذا اليوم. # والمراد بالولدان : الأطفال الصغار ، وبه بمعنى فيه .. # والمقصود بهاتين الآيتين أيضا تأكيد التهديد للمشركين ، حتى يقلعوا عن ~~شركهم وكفرهم .. أى : إذا كان الأمر كما ذكرنا لكم من سوء عاقبة المكذبين ، ~~فكيف تصونون أنفسكم إذا ما بقيتم على كفركم من عذاب يوم هائل شديد ، هذا ~~اليوم من صفاته أنه يحول الشعر الشديد السواد للولدان ، إلى شعر شديد ~~البياض .. # وهذا اليوم من صفاته أيضا أنه لشدة هوله ، أن السماء مع عظمها وصلابتها ~~تصير شيئا منفطرا أى : متشققا ( @QUR@01 به ) أى : فيه ، والضمير يعود إلى ~~اليوم .. # وصدر سبحانه الحديث عن يوم القيامة ، بلفظ الاستفهام «كيف» للإشعار بشدة ~~هوله. وأنه أمر يعجز الواصفون عن وصفه. # ووصف سبحانه هذا اليوم بأنه يشيب فيه الولدان ، ثم وصفه بأن السماء مع ~~عظمها تتشقق فيه ، للارتقاء في الوصف من العظيم إلى الأعظم ، إذ أن تحول ~~شعر الأطفال من ms5833 السواد PageV15P163 # إلى البياض مع شدته وعظمه أشد منه وأعظم ، انشقاق السماء في هذا اليوم. # قال صاحب الكشاف : وقوله ( @QUR@03 يجعل الولدان شيبا ) مثل في الشدة ، ~~يقال في اليوم الشديد ، يوم يشيب نواصي الأطفال والأصل فيه أن الهموم ~~والأحزان ، إذا تفاقمت على الإنسان ، أسرع فيه الشيب ، كما قال أبو الطيب : # والهم يخترم الجسيم نحافة %~% ويشيب ناصية الصبى ويهرم # ويجوز أن يوصف اليوم بالطول ، وأن الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة ~~والشيب. وقوله : ( @QUR@03 السماء منفطر به ) وصف لليوم بالشدة أيضا وأن ~~السماء على عظمها وإحكامها تنفطر فيه فما ظنك بغيرها من الخلائق .. (1). # ووصف سبحانه السماء بقوله : ( @QUR@01 منفطر ) بصيغة التذكير ، حيث لم ~~يقل منفطرة ، لأن هذه الصيغة ، صيغة نسب. أى : ذات انفطار ، كما في قولهم : ~~امرأة مرضع وحائض ، أى : ذات إرضاع وذات حيض. أو على تأويل أن السماء بمعنى ~~السقف ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@04 وجعلنا السماء سقفا محفوظا ) أو على ~~أن السماء اسم جنس واحده سماوة ، فيجوز وصفه بالتذكير والتأنيث .. # وقوله : ( @QUR@03 كان وعده مفعولا ) الضمير فيه يعود إلى الخالق عز وجل ~~والوعد مصدر مضاف لفاعله. أى : كان وعد ربك نافذا ومفعولا ، لأنه سبحانه لا ~~يخلف موعوده. # ويجوز أن تكون هذه الجملة صفة ثالثة لليوم ، والضمير في وعده يعود إليه ، ~~ويكون من إضافة المصدر لمفعوله. أى : كان الوعد بوقوع يوم القيامة نافذا ~~ومفعولا. # ثم ختم سبحانه هذه التهديدات بقوله : ( @QUR@09 إن هذه تذكرة فمن شاء ~~اتخذ إلى ربه سبيلا ). # واسم الإشارة «هذه» يعود إلى الآيات المتقدمة ، المشتملة على الكثير من ~~القوارع والزواجر. # والتذكرة : اسم مصدر بمعنى التذكير والاتعاظ والاعتبار. ومفعول «شاء» محذوف. # والمعنى : إن هذه الآيات التي سقناها لكم تذكرة وموعظة ، فمن شاء النجاة ~~من أهوال يوم القيامة ، فعليه أن يؤمن بالله تعالى إيمانا حقا ، وأن يتخذ ~~بسبب إيمانه وعمله الصالح ، طريقا وسبيلا إلى رضا ربه ورحمته ومغفرته. PageV15P164 # والتعبير بقوله : ( @QUR@03 فمن شاء اتخذ ... ) ليس من قبيل التخيير ، ~~وإنما المقصود به الحض والحث على سلوك الطريق الموصل إلى الله تعالى بدليل ~~قوله تعالى قبل ذلك : ( @QUR@03 إن هذه تذكرة ms5834 ) أى : هذه الآيات تذكرة ~~وموعظة ، فمن ترك العمل بها ساءت عاقبته ، ولم يكن من الذين سلكوا طريق ~~النجاة. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@010 وقل الحق من ربكم فمن شاء ~~فليؤمن ومن شاء فليكفر ) هذا ، والمتأمل في هذه الآيات الكريمة ، من أول ~~السورة إلى هنا ، يراها قد نادت الرسول صلى الله عليه وسلم نداء فيه ما فيه من ~~الملاطفة والمؤانسة ، وأمرته بأن يقوم الليل إلا قليلا متعبدا لربه ، كما ~~أمرته بالصبر على أذى المشركين ، حتى يحكم الله تعالى بينه وبينهم. # كما يراها قد هددت المكذبين بأشد أنواع التهديد. وذكرتهم بأهوال يوم ~~القيامة ، وبما حل بالمكذبين من قبلهم ، وحرضتهم على سلوك الطريق المستقيم. # وبعد هذه الإنذارات المتعددة للمكذبين ، عادت السورة الكريمة إلى الحديث ~~عن قيام الليل لعبادة الله تعالى وطاعته ... فقال سبحانه : # ( @QUR@078 إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة ~~من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤا ~~ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون ~~من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤا ما تيسر منه وأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير ~~تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ) (20) # والمراد بالقيام في قوله تعالى : ( @QUR@011 إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى ~~من ثلثي الليل ونصفه وثلثه ... ) التهجد بالليل عن طريق الصلاة تقربا إلى ~~الله تعالى . # وقوله : ( @QUR@01 أدنى ) بمعنى أقرب ، من الدنو بمعنى القرب ، تقول : ~~رأيت فلانا أدنى إلى فعل PageV15P165 # الخير من فلان. أى : أقرب ، واستعير هنا للأقل ، لأن المسافة التي بين ~~الشيء والشيء إذا قربت كانت قليلة ، وهو منصوب على الظرفية بالفعل «تقوم». # وقوله : ( @QUR@02 ونصفه وثلثه ) قرأه بعض القراء السبعة بالجر عطفا على ~~( @QUR@02 ثلثي الليل ) وقرأه الجمهور بالنصب عطفا على أدنى. # والمعنى على قراءة الجمهور : إن ربك أيها الرسول الكريم يعلم أنك تقوم من ~~الليل ، مدة قد تصل تارة إلى ثلثى الليل ms5835 ، وقد تصل تارة أخرى إلى نصفه أو ~~إلى ثلثه ... على حسب ما يتيسر لك ، وعلى حسب أحوال الليل في الطول والقصر. # والمعنى على قراءة غير الجمهور : إن ربك يعلم أنك تقوم تارة أقل من ثلثى ~~الليل وتارة أقل من نصفه ، وتارة أقل من ثلثه .. وذلك لأنك لم تستطع ضبط ~~المقدار الذي تقومه من الليل ، ضبطا دقيقا ، ولأن النوم تارة يزيد وقته ~~وتارة ينقص ، والله تعالى قد رفع عنك المؤاخذة بسبب عدم تعمدك القيام أقل ~~من ثلث الليل .. # فالآية الكريمة المقصود منها بيان رحمة الله تعالى بنبيه صلى الله عليه وسلم ~~حيث قبل منه قيامه بالليل متهجدا ، حتى ولو كان هذا القيام أقل من ثلث ~~الليل .. # وافتتاح الآية الكريمة بقوله سبحانه ( @QUR@03 إن ربك يعلم .. ) يشعر ~~بالثناء عليه صلى الله عليه وسلم . وبالتلطف معه في الخطاب ، حيث إنه ~~صلى الله عليه وسلم كان مواظبا على قيام الليل. على قدر استطاعته ، بدون تقصير ~~أو فتور. # وفي الحديث الشريف : أنه صلى الله عليه وسلم قام الليل حتى تورمت قدماه. # والتعبير بقوله تعالى : ( @QUR@06 أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه ) يدل ~~على أن قيامه صلى الله عليه وسلم كان متفاوتا في طوله وقصره ، على حسب ما تيسر ~~له صلى الله عليه وسلم ، وعلى حسب طول الليل وقصره. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 وطائفة من الذين معك ) معطوف على الضمير ~~المستتر في قوله : ( @QUR@01 تقوم ). # أى : أنت أيها الرسول الكريم تقوم أدنى من ثلثى الليل ونصفه وثلثه ، ~~وتقوم طائفة من أصحابك للصلاة معك ، أما بقية أصحابك فقد يقومون للتهجد في ~~منازلهم. # روى البخاري في صحيحه عن عائشة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ذات ~~ليلة في المسجد ، فصلى بصلاته ناس ، ثم صلى من القابلة فكثر الناس ، ثم ~~اجتمعوا في الليلة الثالثة PageV15P166 # أو الرابعة ، فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أصبح قال : ~~«قد رأيت الذي صنعتم ، ولم يمنعني من الخروج إليكم ، إلا أنى خشيت أن تفرض ~~عليكم». # قال بعض العلماء : قوله : ( @QUR@04 وطائفة من الذين معك ) معطوف ms5836 على ~~الضمير المستكن في ( @QUR@01 تقوم ). # وهو وإن كان ضمير رفع متصل ، قد سوغ العطف عليه الفصل بينه وبين المعطوف. # والمعنى : أن الله يعلم أنه كان يقوم كذلك جماعة من الذين آمنوا بك ، ~~واتبعوا هداك .. # وقد يقال : إن هذا يدل على أن قيام الليل لم يكن فرضا على جميع الأمة ، ~~وهو خلاف ما تقرر تفسيره في أول السورة ، ويخالف أيضا ما دلت عليه الآثار ~~المتقدمة هناك .. # والجواب : أنه ليس في الآية ما يفيد أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا ~~جميعا يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة التهجد في جماعة واحدة ، فلعل ~~بعضهم كان يقيمها في بيته ، فلا ينافي ذلك فرضية القيام على الجميع .. (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 والله يقدر الليل والنهار ) بيان لشمول علمه ~~تعالى ولنفاذ إرادته. أى : والله تعالى وحده ، هو الذي يعلم مقادير ساعات ~~الليل والنهار ، وهو الذي يحدد زمانهما طولا وقصرا على حسب ما تقتضيه ~~مشيئته وحكمته. # والآية الكريمة تفيد الحصر والاختصاص ، عن طريق سياق الكلام ، ودلالة ~~المقام. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 علم أن لن تحصوه فتاب عليكم ) مؤكد لما قبله ، ~~وإحصاء الأشياء ، عدها والإحاطة بها. # والضمير المنصوب في قوله : ( @QUR@01 تحصوه ) يعود على المصدر المفهوم من ~~قوله : ( @QUR@01 يقدر ) في الجملة السابقة. # والتوبة في قوله سبحانه : ( @QUR@02 فتاب عليكم ) يصح أن تكون بمعنى ~~المغفرة ، وعدم المؤاخذة ، أو بمعنى قبولها منهم ، والتيسير عليهم في ~~الأحكام. وتخفيفها عنهم. # أى : والله تعالى هو الذي يقدر أجزاء الليل والنهار ، وهو الذي يعلم دون ~~غيره أنكم لن تستطيعوا تقدير ساعاته تقديرا دقيقا .. ولذلك خفف الله عنكم ~~في أمر القيام ، ورفع عنكم المقدار المحدد ، وغفر لكم ما فرط منكم من تقصير ~~غير مقصود ، ورخص لكم أن تقوموا المقدار الذي تستطيعون قيامه من الليل ، ~~مصلين ومتهجدين .. PageV15P167 # فالجملة الكريمة تقرر جانبا من فضل الله تعالى على عباده ، ومن رحمته بهم .. # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@05 فاقرؤا ما تيسر من القرآن ) للإفصاح ، ~~والمراد بالقراءة الصلاة ، وعبر عنها بالقراءة ، لأنها من أركانها .. أى : ~~إذا كان الأمر كما وضحت لكم ، فصلوا ما تيسر لكم ms5837 من الليل. # قال الآلوسي : قوله : ( @QUR@05 فاقرؤا ما تيسر من القرآن ) أى : فصلوا ~~ما تيسر لكم من صلاة الليل ، وعبر عن الصلاة بالقراءة كما عبر عنها بسائر ~~أركانها ، وقيل : الكلام على حقيقته ، من طلب قراءة القرآن بعينها وفيه بعد ~~عن مقتضى السياق. # ومن ذهب إلى الأول قال : إن الله تعالى افترض قيام مقدار معين من الليل ، ~~لقوله : ( @QUR@05 قم الليل إلا قليلا ، نصفه ... ) إلخ. ثم نسخ بقيام ~~مقدار ما منه ، في قوله : ( @QUR@07 فتاب عليكم. فاقرؤا ما تيسر من القرآن ~~... ) فالأمر في الموضعين للوجوب ، إلا أن الواجب أولا كان معينا من ~~معينات. وثانيا كان بعضا مطلقا ، ثم نسخ وجوب القيام على الأمة مطلقا ~~بالصلوات الخمس. # ومن قال بالثاني. ذهب إلى أن الله تعالى رخص لهم في ترك جميع القيام ~~للصلاة ، وأمر بقراءة شيء من القرآن ليلا ، فكأنه قيل : فتاب عليكم ورخص ~~لكم في الترك ، فاقرءوا ما تيسر من القرآن ، إن شق عليكم القيام .. (1). # وقال الإمام ابن كثير : وقوله : ( @QUR@05 فاقرؤا ما تيسر من القرآن ) أى ~~: من غير تحديد بوقت ، أى : لكن قوموا من الليل ما تيسر ، وعبر عن الصلاة ~~بالقراءة ، كما قال في آية أخرى : ( @QUR@03 ولا تجهر بصلاتك ) أى : ~~بقراءتك ( @QUR@03 ولا تخافت بها ). # وقد استدل الأحناف بهذه الآية على أنه لا يتعين قراءة الفاتحة في الصلاة ~~، بل لو قرأ بها أو بغيرها من القرآن ، ولو بآية. أجزأه واعتضدوا بحديث ~~المسيء صلاته الذي في الصحيحين ، وفيه : «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن». # وقد أجابهم الجمهور بحديث عبادة بن الصامت ، وهو في الصحيحين أيضا أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وفي ~~صحيح مسلم عن أبى هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «كل صلاة لا ~~يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج .. غير تمام» وفي صحيح ابن خزيمة عن أبى ~~هريرة مرفوعا : «لا تجزئ صلاة من لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (2). PageV15P168 # وقوله سبحانه بعد ذلك : ( @QUR@022 علم أن سيكون منكم مرضى ، وآخرون ~~يضربون في الأرض يبتغون من ms5838 فضل الله ، وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤا ~~ما تيسر منه ... ) بدل اشتمال من جملة : ( @QUR@06 علم أن لن تحصوه فتاب ~~عليكم ... )، أو هو كلام مستأنف لبيان الحكمة التي من أجلها خفف الله على ~~المسلمين قيام الليل. # أى : صلوا من الليل على قدر استطاعتكم من غير تحديد بوقت ، فالله تعالى ~~يعلم أنكم لا تستطيعون ضبط ساعات الليل ولا أجزائه ، فخفف عنكم لذلك ، ~~ولعلمه أيضا أن منكم المرضى الذين يعجزون عن قيام ثلثى الليل أو نصفه أو ~~أقل من ذلك بقليل. # ومنكم أيضا الذين ( @QUR@03 يضربون في الأرض ) أى : يسافرون فيها للتجارة ~~وللحصول على مطالب الحياة ، وهم في كل ذلك يبتغون ويطلبون الرزق من فضله ~~تعالى . ومنكم أيضا الذين يقاتلون من أجل إعلاء كلمة الله ، ويجاهدون من ~~أجل نشر دينه ومادام الأمر كذلك ، فقد أبحت لكم بفضلي وإحسانى أن تصلوا من ~~الليل ما تيسر لكم. # وقد جمع سبحانه بين السعى في الأرض لطلب الرزق ، وبين الجهاد في سبيله ، ~~للإشعار بأن الأول لا يقل في فضله عن الثاني ، متى توفرت فيه النية الطيبة ~~، وعدم الانشغال به عن ذكر الله تعالى . # قال الإمام القرطبي : سوى الله تعالى في هذه الآية بين درجة المجاهدين ~~والمكتسبين المال الحلال ، للنفقة على النفس والعيال .. فكان هذا دليلا على ~~أن كسب المال بمنزلة الجهاد في سبيل الله. # وفي الحديث الشريف : ما من جالب يجلب طعاما من بلد إلى بلد ، فيبيعه بسعر ~~يومه ، إلا كانت منزلته عند الله كمنزلة الشهداء. ثم قرأ صلى الله عليه وسلم ~~هذه الآية .. (1). # وأعيدت جملة ( @QUR@04 فاقرؤا ما تيسر منه ) لتأكيد التيسير والتخفيف ~~وتقريره ، وليعطف عليه ما بعده من بقية الأوامر ، وهي قوله تعالى : ( ~~@QUR@02 وأقيموا الصلاة ) أى : وأدوها كاملة الأركان والخشوع والسنن .. في ~~وقتها بدون تأخير. # ( @QUR@02 وآتوا الزكاة ) أى : قدموها لمستحقيها من الفقراء والمساكين ~~وغيرهما. # قال ابن كثير : أى : أقيموا الصلاة الواجبة عليكم ، وآتوا الزكاة ~~المفروضة ، وهذا يدل PageV15P169 # لمن قال : إن فرض الزكاة نزل بمكة ، لكن مقادير النصاب لم تبين إلا ~~بالمدينة .. (1). # وقوله : ( @QUR@04 وأقرضوا الله قرضا حسنا ms5839 ). والقرض : ما قدمته لغيرك ~~من مال ، على أن يرده إليك بعد ذلك. والمراد من إقراض الله تعالى : إعطاء ~~الفقراء والمساكين ما يحتاجونه على سبيل المعاونة والمساعدة. # وشبه سبحانه إعطاء الصدقة للمحتاج ، بقرض يقدم له تعالى ، للإشعار بأن ما ~~سيعطى لهذا المحتاج ، سيعود أضعافه على المعطى. لأن الله تعالى قد وعد أن ~~يكافئ على الصدقة بعشر أمثالها ، وهو سبحانه بعد ذلك يضاعف لمن يشاء الثواب ~~والعطاء. # ووصف القرض بالحسن ، لحض النفوس على الإخلاص وعلى البعد عن الرياء والأذى ~~.. ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بقوله : ( @QUR@05 وما تقدموا لأنفسكم من ~~خير ) أى : أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ، وأقرضوا الله قرضا حسنا ، وافعلوا ~~ما تستطيعونه بعد ذلك من وجوه الخير ، وما تقدموا لأنفسكم من هذا الخير ~~الذي يحبه سبحانه ( @QUR@03 تجدوه عند الله ). أى : تجدوا ثوابه وجزاءه ~~عند الله تعالى ، ففي الكلام إيجاز بالحذف ، وقد استغنى عن المحذوف بذكر ~~الجزاء عليه. والهاء في قوله ( @QUR@01 تجدوه ) هو المفعول الأول. # والضمير المنفصل في قوله : ( @QUR@04 هو خيرا وأعظم أجرا ) هو ضمير الفصل ~~.. و ( @QUR@01 خيرا ) هو المفعول الثاني. أى : كل فعل موصوف بأنه خير ، ~~تقدمونه عن إخلاص لغيركم ، لن يضيع عند الله تعالى ثوابه ، بل ستجدون جزاءه ~~وثوابه مضاعفا عند الله تعالى . # ( @QUR@06 واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ) أى : وواظبوا على ~~الاستغفار وعلى التوبة النصوح ، وعلى التضرع إلى الله تعالى أن يغفر لكم ما ~~فرط منكم ، فإنه سبحانه واسع المغفرة والرحمة ، لمن تاب إليه وأناب .. # وبعد : فهذا تفسير لسورة «المزمل» نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه ~~، ونافعا لعباده. ||الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى| PageV15P170 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة المدثر ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «المدثر» من أوائل السور التي نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويغلب على الظن أن نزولها كان بعد نزول صدر سورة «اقرأ». # ويشهد لذلك ما رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة رضى الله عنها : أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم جاءه الوحى وهو في غار حراء ، فجاءه الملك فقال له : ( ~~@QUR@09 اقرأ باسم ربك ms5840 الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ). # وروى الشيخان أيضا وغيرهما ، عن يحيى بن أبى كثير قال : سألت أبا سلمة بن ~~عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن؟ فقال : يا أيها المدثر. قلت : يقولون ~~: اقرأ باسم ربك .. # فقال أبو سلمة : سألت جابر بن عبد الله عن ذلك ، فقال : يا أيها المدثر ~~لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : جاورت بحراء ، فلما ~~قضيت جواري : هبطت الوادي ، فنوديت عن يميني فلم أر شيئا ، ونظرت عن شمالي ~~فلم أر شيئا .. فرفعت رأسى ، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي ~~بين السماء والأرض ، فرجعت على أهلى فقلت : دثروني ، دثروني. فنزلت ( ~~@QUR@05 يا أيها المدثر ، قم فأنذر ). # قال الآلوسى ما ملخصه : وظاهر هذا الحديث يقتضى نزول هذه السورة قبل سورة ~~اقرأ ، مع أن المروي في الصحيحين عن عائشة أن سورة «اقرأ» أول ما نزل على ~~الإطلاق ، وهو الذي ذهب إليه أكثر الأمة ، حتى قال بعضهم وهو الصحيح. # وللجمع بين هذين الحديثين وجوه منها : أن مراد جابر بالأولية أولية ~~مخصوصة ، بما نزل بعد PageV15P171 # فترة الوحى ، لا أولية مطلقة كما هو الحال بالنسبة لسورة اقرأ. أو أن ~~السؤال في حديث جابر ، كان عن نزول سورة كاملة ، فبين أن سورة المدثر نزلت ~~بكمالها. أو أن جابرا قد قال ذلك باجتهاده ، ويقدم على هذا الاجتهاد ما ~~ذكرته عائشة من أن أول ما نزل على الإطلاق ، هو صدر سورة اقرأ .. (1). # أقول : وفي هذا الحديث ما يدل على أن الملك قد جاء رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بحراء قبل رؤيته في هذه المرة ، وفي غار حراء بدأ الوحى ~~ونزل قول الله تعالى : «اقرأ باسم ربك الذي خلق ...» وذلك يدل على أن ~~«اقرأ» أول ما نزل على الإطلاق ، وهو ما جاء في الصحيحين عن السيدة عائشة ~~رضى الله عنها. # وعلى أية حال فسورة المدثر تعتبر من أوائل ما نزل على النبي ~~صلى الله عليه وسلم من قرآن ، كما يرى ذلك من تدبر آياتها التي تحض الرسول ms5841 ~~صلى الله عليه وسلم على إنذار الناس بدعوته. # وعدد آياتها : ست وخمسون آية في المصحف الكوفي ، وخمس وخمسون في البصري. # 2 ومن أهم مقاصدها : تكريم النبي صلى الله عليه وسلم ، وأمره بتبليغ ما ~~أوحاه الله تعالى إليه الى الناس ، وتسليته عما أصابه من أذى ، وتهديد ~~أعدائه بأشد ألوان العقاب ، وبيان حسن عاقبة المؤمنين ، وسوء عاقبة ~~المكذبين ، والرد عليهم بما يبطل دعاواهم .. PageV15P172 ### ||| * تفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@03 يا أيها المدثر (1) @QUR@02 قم فأنذر (2) @QUR@02 وربك فكبر ~~(3) @QUR@02 وثيابك فطهر (4) @QUR@02 والرجز فاهجر (5) @QUR@03 ولا تمنن ~~تستكثر (6) @QUR@02 ولربك فاصبر (7) @QUR@04 فإذا نقر في الناقور (8) ~~@QUR@04 فذلك يومئذ يوم عسير (9) @QUR@04 على الكافرين غير يسير (10) ~~@QUR@04 ذرني ومن خلقت وحيدا (11) @QUR@04 وجعلت له مالا ممدودا (12) ~~@QUR@02 وبنين شهودا (13) @QUR@03 ومهدت له تمهيدا (14) @QUR@04 ثم يطمع أن ~~أزيد (15) @QUR@05 كلا إنه كان لآياتنا عنيدا (16) @QUR@02 سأرهقه صعودا ~~(17) @QUR@03 إنه فكر وقدر (18) @QUR@03 فقتل كيف قدر (19) @QUR@04 ثم قتل ~~كيف قدر (20) @QUR@02 ثم نظر (21) @QUR@03 ثم عبس وبسر (22) @QUR@03 ثم ~~أدبر واستكبر (23) @QUR@06 فقال إن هذا إلا سحر يؤثر (24) @QUR@05 إن هذا ~~إلا قول البشر (25) @QUR@02 سأصليه سقر (26) @QUR@04 وما أدراك ما سقر (27) ~~@QUR@04 لا تبقي ولا تذر (28) @QUR@02 لواحة للبشر (29) @QUR@03 عليها تسعة ~~عشر ) (30) # قد افتتح الله تعالى سورة المدثر ، بالملاطفة والمؤانسة في النداء ~~والخطاب ، كما افتتح سورة المزمل. والمدثر اسم فاعل من تدثر فلان ، إذا لبس ~~الدثار ، وهو ما كان من الثياب فوق الشعار الذي يلي البدن ، ومنه حديث : ~~«الأنصار شعار والناس دثار». # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@03 يا أيها المدثر ) ملاطفة في الخطاب ~~من الكريم إلى الحبيب ، إذ ناداه بحاله ، وعبر عنه بصفته ، ولم يقل يا محمد ~~ويا فلان ، ليستشعر اللين PageV15P173 # والملاطفة من ربه ، كما تقدم في سورة المزمل. ومثله قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم لعلى إذ نام في المسجد «قم أبا تراب». # وكان قد خرج مغاضبا لفاطمة رضى الله عنها ، فسقط رداؤه وأصابه التراب. ~~ومثله قوله صلى الله عليه وسلم لحذيفة بن اليمان ليلة الخندق «قم يا نومان» (1). # والمراد بالقيام في قوله تعالى : قم فأنذر ، المسارعة والمبادرة والتصميم ~~على تنفيذ ما أمره سبحانه به ، والإنذار هو ms5842 الإخبار الذي يصاحبه التخويف. # أى : قم أيها الرسول الكريم وانهض من مضجعك ، وبادر بعزيمة وتصميم ، على ~~إنذار الناس وتخويفهم من سوء عاقبتهم ، إذا ما استمروا في كفرهم ، وبلغ ~~رسالة ربك إليهم دون أن تخشى أحدا منهم ، ومرهم بأن يخلصوا له تعالى ~~العبادة والطاعة. # والتعبير بالفاء في قوله : ( @QUR@01 فأنذر ) للإشعار بوجوب الإسراع بهذا ~~الإنذار بدون تردد. # وقال : فأنذر ، دون فبشر ، لأن الإنذار هو المناسب في ابتداء تبليغ الناس ~~دعوة الحق حتى يرجعوا عما هم فيه من ضلال. # ومفعول أنذر محذوف. أى : قم فأنذر الناس ، ومرهم بإخلاص العبادة لله. # وقوله : ( @QUR@02 وربك فكبر ) أمر آخر له صلى الله عليه وسلم ولفظ ( ~~@QUR@01 وربك ) منصوب على التعظيم لفعل ( @QUR@01 فكبر ) قدم على عامله ~~لإفادة التخصيص. # أى : يا أيها المدثر بثيابه لخوفه مما رآه من ملك الوحى ، لا تخف ، وقم ~~فأنذر الناس من عذاب الله ، إذا ما استمروا في شركهم ، واجعل تكبيرك ~~وتعظيمك وتبجيلك لربك وحده ، دون أحد سواه ، وصفه بما هو أهله من تنزيه ~~وتقديس. # والمراد بتطهير الثياب في قوله تعالى : ( @QUR@02 وثيابك فطهر ) تطهيرها ~~من النجاسات. # والمقصود بالثياب حقيقتها ، وهي ما يلبسه الإنسان لستر جسده .. # ومنهم من يرى أن المقصود بها ذاته ونفسه صلى الله عليه وسلم أى : ونفسك ~~فطهرها من كل ما يتنافى مع مكارم الأخلاق ، ومحاسن الشيم. # وقال صاحب الكشاف : قوله تعالى : ( @QUR@02 وثيابك فطهر ) أمر بأن تكون ~~ثيابه طاهرة من النجاسات ، لأن طهارة الثياب شرط في الصلاة ، ولا تصح إلا ~~بها. وهي الأولى والأحب في غير الصلاة. وقبيح بالمؤمن الطيب أن يحمل خبثا. PageV15P174 # وقيل : هو أمر بتطهير النفس مما يستقذر من الأفعال ، ويستهجن من العادات. ~~يقال : فلان طاهر الثياب ، وطاهر الجيب والذيل والأردان ، إذا وصفوه ~~بالنقاء من المعايب ، ومدانس الأخلاق. ويقال : فلان دنس الثياب : للغادر ~~والفاجر ، وذلك لأن الثوب يلابس الإنسان ، ويشتمل عليه .. (1). # وسواء أكان المراد بالثياب هنا معناها الحقيقي ، أو معناها المجازى ~~المكنى به عن النفس والذات ، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مواظبا على ~~الطهارة الحسية والمعنوية في كل شئونه وأحواله ms5843 ، فهو بالنسبة لثيابه كان ~~يطهرها من كل دنس وقذر ، وبالنسبة لذاته ونفسه ، كان أبعد الناس عن كل سوء ~~ومنكر من القول أو الفعل. # إلا أننا نميل إلى حمل اللفظ على حقيقته ، لأنه لا يوجد ما يوجب حمله على ~~غير ذلك. # ثم أمره سبحانه بأمر رابع فقال : ( @QUR@02 والرجز فاهجر ) والأصل في ~~كلمة الرجز أنها تطلق على العذاب ، قال تعالى : ( @QUR@011 فلما كشفنا عنهم ~~الرجز إلى أجل هم بالغوه ، إذا هم ينكثون ). # والمراد به هنا : الأصنام والأوثان ، أو المعاصي والمآثم التي يؤدى ~~اقترافها إلى العذاب. أى : وداوم أيها الرسول الكريم على ما أنت عليه من ~~ترك عبادة الأصنام والأوثان ، ومن هجر المعاصي والآثام. # فالمقصود بهجر الرجز : المداومة على هجره وتركه ، لأنه صلى الله عليه وسلم ~~لم يلتبس بشيء من ذلك. # ثم نهاه سبحانه عن فعل ، لا يتناسب مع خلقه الكريم صلى الله عليه وسلم فقال ~~: ( @QUR@03 ولا تمنن تستكثر ) والمن : أن يعطى الإنسان غيره شيئا ، ثم ~~يتباهى به عليه ، والاستكثار : عد الشيء الذي يعطى كثيرا. # أى : عليك أيها الرسول الكريم أن تبذل الكثير من مالك وفضلك لغيرك ، ولا ~~تظن أن ما أعطيته لغيرك كثيرا مهما عظم وجل فإن ثواب الله وعطاءه أكثر ~~وأجزل ... # ويصح أن يكون المعنى : ولا تعط غيرك شيئا ، وأنت تتمنى أن يرد لك هذا ~~الغير أكثر مما أعطيته ، فيكون المقصود من الآية : النهى عن تمنى العوض. # قال ابن كثير : قوله : ( @QUR@03 ولا تمنن تستكثر ) قال ابن عباس : لا ~~تعط العطية تلتمس أكثر منها. PageV15P175 # وقال الحسن البصري : لا تمنن بعملك على ربك تستكثره ، وعن مجاهد : لا ~~تضعف أن تستكثر من الخير. # وقال ابن زيد : لا تمنن بالنبوة على الناس : تستكثرهم بها ، تأخذ على ذلك ~~عوضا من الدنيا. # فهذه أربعة أقوال ، والأظهر القول الأول المروي عن ابن عباس وغيره (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 ولربك فاصبر ) أى : وعليك أيها الرسول الكريم ~~أن توطن نفسك على الصبر ، على التكاليف التي كلفك بها ربك ، وأن تتحمل ~~الآلام والمشاق في سبيل دعوة الحق ، بعزيمة صادقة ، وصبر جميل ، وثبات لا ~~يخالطه ms5844 تردد أو ضعف. # فهذه ست وصايا قد اشتملت على ما يرشد إلى التحلي بالعقيدة السليمة ، ~~والأخلاق الكريمة. # ثم ذكر سبحانه بعد ذلك جانبا من أهوال يوم القيامة فقال : ( @QUR@012 ~~فإذا نقر في الناقور. فذلك يومئذ يوم عسير. على الكافرين غير يسير ). # والفاء في قوله : ( @QUR@04 فإذا نقر في الناقور ) للسببية. والناقور ~~بزنة فاعول : من النقر ، وهو اسم لما ينقر فيه ، أى : لما ينادى فيه بصوت ~~مرتفع. والمراد به هنا : الصور أو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل بأمر الله ~~تعالى النفخة الثانية التي يكون بعدها الحساب والجزاء. # والفاء في قوله : ( @QUR@01 فذلك ) واقعة في جواب ( @QUR@01 فإذا ) واسم ~~الإشارة يعود إلى مدلول النقر وما يترتب عليه من حساب وجزاء. وقوله ( ~~@QUR@01 يومئذ ) بدل من اسم الإشارة. # والتنوين فيه عوض عن جملة وقوله : ( @QUR@01 عسير ) و ( @QUR@02 غير يسير ~~) صفتان لليوم. # أى : أنذر أيها الرسول الكريم الناس ، وبلغهم رسالة ربك ، واصبر على أذى ~~المشركين ، فإنه إذا نفخ إسرافيل بأمرنا النفخة الثانية ، صار ذلك النفخ ~~وما يترتب عليه من أهوال ، وقتا وزمانا عسير أمره على الكافرين ، وغير يسير ~~وقعه عليهم. # ووصف اليوم بالعسير ، باعتبار ما يقع فيه من أحداث يشيب من هولها ~~الولدان. # وقوله : ( @QUR@02 غير يسير ) تأكيد لمعنى ( @QUR@01 عسير ) كما يقال : ~~هذا أمر عاجل غير آجل. # قال صاحب الكشاف فإن قلت : ما فائدة قوله : ( @QUR@02 غير يسير ) وقوله : ~~( @QUR@01 عسير ) مغن عنه؟ قلت : لما قال ( @QUR@02 على الكافرين ) فقصر ~~العسر عليهم قال : ( @QUR@02 غير يسير ) ليؤذن بأنه لا يكون عليهم كما يكون ~~على المؤمنين يسيرا هينا ، ليجمع بين وعيد الكافرين PageV15P176 # وزيادة غيظهم ، وبين بشارة المؤمنين وتسليتهم. ويجوز أن يراد أنه عسير لا ~~يرجى أن يرجع يسيرا. كما يرجى تيسير العسير من أمور الدنيا (1). # ثم ذكر سبحانه جانبا من قصة زعيم من زعماء المشركين. افترى الكذب على ~~الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم فكانت عاقبته العذاب المهين ، فقال ~~تعالى : ( @QUR@018 ذرني ومن خلقت وحيدا. وجعلت له مالا ممدودا. وبنين ~~شهودا. ومهدت له تمهيدا. ثم يطمع أن أزيد. كلا ... ). # وقد ذكر المفسرون أن هذه الآيات ms5845 نزلت في شأن الوليد بن المغيرة المخزومي ~~، وذكروا في ذلك روايات منها : أن المشركين عند ما اجتمعوا في دار الندوة ، ~~ليتشاوروا فيما يقولونه في شأن الرسول صلى الله عليه وسلم وفي شأن القرآن ~~الكريم قبل أن تقدم عليهم وفود العرب للحج. فقال بعضهم : هو شاعر ، وقال ~~آخرون بل هو كاهن .. أو مجنون .. وأخذ الوليد يفكر ويرد عليهم ، ثم قال بعد ~~أن فكر وقدر : ما هذا الذي يقوله محمد صلى الله عليه وسلم إلا سحر يؤثر ، أما ~~ترونه يفرق بين الرجل وامرأته ، وبين الأخ وأخيه .. (2). # قال الآلوسى : نزلت هذه الآيات في الوليد بن المغيرة المخزومي ، كما روى ~~عن ابن عباس وغيره. بل قيل : كونها فيه متفق عليه .. وقوله : ( @QUR@01 ~~وحيدا ) حال من الياء في ( @QUR@01 ذرني ) أى : ذرني وحدي معه فأنا أغنيك ~~في الانتقام منه ، أو من التاء في خلقت أى : خلقته وحدي ، لم يشركني في ~~خلقه أحد ، فأنا أهلكه دون أن أحتاج إلى ناصر في إهلاكه ، أو من الضمير ~~المحذوف العائد على «من» أى : ذرني ومن خلقته وحيدا فريدا لا مال له ولا ~~ولد .. وكان الوليد يلقب في قومه بالوحيد .. لتفرده بمزايا ليست في غيره ~~فتهكم الله تعالى به وبلقبه ، أو صرف هذا اللقب من المدح إلى الذم (3). # أى : اصبر أيها الرسول الكريم على ما يقوله أعداؤك فيك من كذب وبهتان ، ~~واتركني وهذا الذي خلقته وحيدا فريدا لا مال له ولا ولد ثم أعطيته الكثير ~~من النعم ، فلم يشكرني على ذلك. # والتعبير بقوله ( @QUR@01 ذرني ) للتهديد والوعيد ، وهذا الفعل يأتى منه ~~الأمر والمضارع فحسب ، ولم يسمع منه فعل ماض. # وقوله : ( @QUR@04 وجعلت له مالا ممدودا ) أى : وجعلت له مالا كثيرا ~~واسعا ، يمد بعضه بعضا ، PageV15P177 # فقوله : ( @QUR@01 ممدودا ) اسم مفعول من «مد» الذي بمعنى أطال بأن شبهت ~~كثرة المال ، بسعة مساحة الجسم. # أو من «مد» الذي هو بمعنى زاد في الشيء من مثله ، ومنه قولهم : مد الوادي ~~النهر ، أى : مده بالماء زيادة على ما فيه. # قالوا : وكان الوليد من أغنى أهل مكة ، فقد كانت له أموال ms5846 كثيرة من الإبل ~~والغنم والعبيد والبساتين وغير ذلك من أنواع الأموال. # ( @QUR@02 وبنين شهودا ) أى : وجعلت له بجانب هذا المال الممدود أولادا ~~يشهدون مجالسه ، لأنهم لا حاجة بهم إلى مفارقته في سفر أو تجارة ، إذ هم في ~~غنى عن ذلك بسبب وفرة المال في أيدى أبيهم. # فقوله : ( @QUR@01 شهودا ) جمع شاهد بمعنى حاضر ، وهو كناية عن كثرة ~~تنعمهم وائتناسه بهم. # قيل : كانوا عشرة ، وقيل ثلاثة عشر ، منهم : الوليد ، وخالد ، وعمارة ، ~~وهشام ، والعاصي ، وعبد شمس. # وقد أسلم منهم ثلاثة ، وهم : خالد ، وهشام ، وعمارة. (1) ( @QUR@03 ومهدت ~~له تمهيدا ) والتمهيد مصدر مهد ، بمعنى سوى الشيء ، وأزال منه ما يجعله ~~مضطربا متنافرا ، ومنه مهد الصبى. أى : المكان المعد لراحته. والمراد ~~بالتمهيد هنا : تيسير الأمور ، ونفاذ الكلمة ، وجمع وسائل الرياسة له. # أى : جعلت له مالا كثيرا ، وأولادا شهودا ، وفضلا عن ذلك ، فقد هيأت له ~~وسائل الراحة والرياسة تهيئة حسنة ، أغنته عن الأخذ والرد مع قومه ، بل صار ~~نافذ الكلمة فيهم بدون عناء أو تعب. # فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد ذكرت أن الله تعالى قد أعطى الوليد بن ~~المغيرة ، جماع ما يحتاجه الإنسان في هذه الحياة ، فقد أعطاه المال الوفير ~~، والبنين الشهود ، والجاه التام الذي وصل إليه بدون جهد أو تعب. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 ثم يطمع أن أزيد ) بيان لما جبل عليه هذا ~~الإنسان من طمع وشره .. أى : مع إمدادى له بكل هذه النعم ، هو لا يشبع ، بل ~~يطلب المزيد منها لشدة حرصه وطمعه. و «ثم» هنا للاستبعاد والاستنكار ~~والتأنيب ، فهي للتراخي الرتبى ، والجملة PageV15P178 # معطوفة على قوله تعالى قبل ذلك : «جعلت ومهدت ...» أى : أعطيته كل هذه ~~النعم ، ثم بعد ذلك هو شره لا يشبع ، وإنما يطلب المزيد منها ثم المزيد. # وقوله تعالى : ( @QUR@01 كلا ) زجر وردع وقطع لرجائه وطمعه ، وحكم عليه ~~بالخيبة والخسران. أى : كلا ، لن أعطيه شيئا مما يطمع فيه ، بل سأمحق هذه ~~النعم من بين يديه ، لأنه قابلها بالجحود والبطر ، ومن لم يشكر النعم ~~يعرضها للزوال ، ومن شكرها زاده الله تعالى منها ، كما قال سبحانه : ( ~~@QUR@08 لئن شكرتم ms5847 لأزيدنكم ، ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ). # وقوله : ( @QUR@04 إنه كان لآياتنا عنيدا ) تعليل للزجر والردع وقطع ~~الرجاء. أى : كلا لن أمكنه مما يريده ويتمناه .. لأنه كان إنسانا شديد ~~المعاندة والإبطال لآياتنا الدالة على وحدانيتنا ، وعلى صدق رسولنا فيما ~~يبلغه عنا. ومن مظاهر ذلك أنه وصف رسولنا صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر ... # قال مقاتل : ما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقص من ماله وولده حتى هلك. # ثم بين سبحانه ما أعده له من عذاب أليم فقال : ( @QUR@02 سأرهقه صعودا ) ~~. والإرهاق : الإتعاب الشديد ، وتحميل الإنسان ما لا يطيقه. يقال : فلان ~~رهقه الأمر يرهقه ، إذا حل به بقهر ومشقة لا قدرة له على دفعها. ومنه قوله ~~تعالى : ( @QUR@05 ولا ترهقني من أمري عسرا ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@021 والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها ~~وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم ، كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل ~~مظلما ... ). # والصعود : العقبة الشديدة ، التي لا يصل الصاعد نحوها إلا بمشقة كبيرة ، ~~وتعب قد يؤدى إلى الهلاك والتلف. وهذه الكلمة صيغة مبالغة من الفعل صعد. # وهذه الآية الكريمة في مقابل قوله تعالى قبل ذلك : ( @QUR@03 ومهدت له ~~تمهيدا ) أى : أن هذا الجاه الذي أتاه في الدنيا بدون تعب ... سيلقى في ~~الآخرة ما هو نقيضه من تعب وإذلال .. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@02 سأرهقه صعودا ) أى : سأغشيه عقبة ~~شاقة المصعد. # وهو مثل لما يلقى من العذاب الشاق الصعد الذي لا يطاق. وعن النبي ~~صلى الله عليه وسلم : «يكلف أن يصعد عقبة في النار ، كلما وضع عليها يده ذابت ~~، فإذا رفعها عادت ، وإذا وضع رجله عليها ذابت ، فإذا رفعها عادت». وعنه ~~صلى الله عليه وسلم : «الصعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفا ثم يهوى فيه ~~كذلك أبدا» (1). PageV15P179 # ثم صور سبحانه حال هذا الشقي تصويرا بديعا يثير السخرية منه ومن تفكيره ~~فقال : ( @QUR@03 إنه فكر وقدر ) أى : إن هذا الشقي ردد فكره وأداره في ~~ذهنه ، وقدر وهيأ في نفسه كلاما شنيعا يقوله في حق الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وفي حق القرآن الكريم. ms5848 # يقال : قدر فلان الشيء في نفسه ، إذا هيأه وأعده .. # والجملة الكريمة تعليل للوعيد والزجر ، وتقرير لاستحقاقه له ، أو بيان ~~لمظاهر عناده .. # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 فقتل كيف قدر. ثم قتل كيف قدر ) تعجيب من ~~تفكيره وتقديره ، وذم شديد له على هذا التفكير السيئ ... # أى : إنه فكر مليا ، وهيأ نفسه طويلا للنطق بما يقوله في حق الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وفي حق القرآن ، ( @QUR@01 فقتل ) أى : فلعن ، أو عذب ، ~~وهو دعاء عليه ( @QUR@02 كيف قدر ) أى : كيف فكر هذا التفكير العجيب البالغ ~~النهاية في السوء والقبح. # وقوله : ( @QUR@04 ثم قتل كيف قدر ) تكرير للمبالغة في ذمه ، والتعجيب من ~~سوء تقديره ، وفي الدعاء عليه باللعن والطرد من رحمته تعالى . # والعطف بثم لإفادة التفاوت في الرتبة ، وأن الدعاء عليه والتعجيب من حاله ~~في الجملة الثانية ، أشد منه في الجملة الأولى. # وقوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@08 ثم نظر. ثم عبس وبسر. ثم أدبر واستكبر ~~... ) تصوير آخر لحالة هذا الشقي ، يرسم حركات جسده ، وخلجات قلبه ، ~~وتقاطيع وجهه .. رسما بديعا ، يثير في النفوس السخرية من هذا الشقي. # أى : إنه فكر تفكيرا مليا ، وقدر في نفسه ما سيقوله في شأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم تقديرا طويلا ، ... ولم يكتف بكل ذلك ، بل فكر وقدر ( ~~@QUR@02 ثم نظر ) أى : ثم نظر في وجوه من حوله نظرات يكسوها الجد المصطنع ~~المتكلف ، حتى لكأنه يقول لهم : اسمعوا وعوا لما سأقوله لكم .. # ( @QUR@03 ثم عبس وبسر ) أى : ثم قطب ما بين عينيه حين استعصى عليه أن ~~يجد في القرآن مطعنا ، وكلح وجهه ، وتغير لونه ، وارتعشت أطرافه ، حين ضاقت ~~عليه مذاهب الحيل ، في أن يجد في القرآن مطعنا. # يقال : عبس فلان يعبس عبوسا ، إذا قطب جبينه. وأصله من العبس وهو ما تعلق ~~بأذناب الإبل من أبوالها وأبعارها بعد أن جف عليها. # ويقال : بسر فلان يبسر بسورا ، إذا قبض ما بين عينيه كراهية للشيء. # ومنه قوله تعالى : ( @QUR@08 ووجوه يومئذ باسرة. تظن أن يفعل بها فاقرة. ). PageV15P180 # ( @QUR@03 ثم أدبر واستكبر ) أى : ثم إنه بعد هذا التفكير والتقدير ، ~~وبعد هذا العبوس والبسور ، بعد ms5849 ذلك أدبر عن الحق ، واستكبر عن قبوله. # ( @QUR@01 فقال ) على سبيل الغرور والجحود ( @QUR@05 إن هذا إلا سحر يؤثر ~~) أى : ما هذا القرآن الذي يقرؤه محمد صلى الله عليه وسلم علينا ، إلا سحر ~~مأثور أى : مروى عن الأقدمين ، ومنقول من أقوالهم وكلامهم. # وجملة ( @QUR@05 إن هذا إلا قول البشر ) بدل مما قبلها ، أى : ما هذا ~~القرآن إلا سحر مأثور عن السابقين ، فهو من كلام البشر ، وليس من كلام الله ~~تعالى كما يقول محمد صلى الله عليه وسلم . # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى «ثم» الداخلة في تكرير الدعاء؟ قلت ~~: الدلالة على أن الكرة الثانية أبلغ من الأولى ، ونحوه قوله : ألا يا ~~أسلمي ثم أسلمي ، ثمت أسلمي. # فإن قلت : ما معنى المتوسطة بين الأفعال التي بعدها؟ قلت : الدلالة على ~~أنه قد تأتى في التأمل والتمهل ، وكأن بين الأفعال المتناسقة تراخيا ~~وتباعدا .. # فإن قلت : فلم قيل : ( @QUR@03 فقال إن هذا ... ) بالفاء بعد عطف ما قبله ~~بثم؟ قلت : لأن الكلمة لما خطرت بباله بعد التطلب ، لم يتمالك أن نطق بها ~~من غير تلبث. # فإن قلت : فلم لم يوسط حرف العطف بين الجملتين؟ قلت : لأن الأخرى جرت من ~~الأولى مجرى التوكيد من المؤكد (1). # ثم بين سبحانه بعد ذلك الوعيد الشديد الذي توعد به هذا الشقي الأثيم فقال ~~: ( @QUR@02 سأصليه سقر ) وسقر : اسم لطبقة من طبقات جهنم ، والجملة ~~الكريمة بدل من قوله : ( @QUR@02 سأرهقه صعودا ) أى : سأحرقه بالنار ~~المتأججة الشديدة الاشتعال. # وقوله : ( @QUR@04 وما أدراك ما سقر ) تهويل من حال هذه النار وتفظيع ~~لشدة حرها. # أى : وما أدراك ما حال سقر؟ إن حالها وشدتها لا تستطيع العبارة أن تحيط بها. # وجملة ( @QUR@04 لا تبقي ولا تذر ) بدل اشتمال من التهويل الذي أفادته ~~جملة ( @QUR@04 وما أدراك ما سقر ). # أى : هذه النار لا تبقى شيئا فيها إلا أهلكته ، ولا تترك من يلقى فيها ~~سليما ، بل تمحقه محقا ، وتبلعه بلعا ، وتعيده بأمر الله تعالى إلى الحياة ~~مرة أخرى ليزداد من العذاب ، كما PageV15P181 # قال تعالى : ( @QUR@08 كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا ~~العذاب ... ). # وقوله : ( @QUR@02 لواحة للبشر ms5850 ) صفة ثالثة من صفات سقر. # ومعنى : ( @QUR@01 لواحة ) مغيرة للبشرات. مسودة للوجوه ، صيغة مبالغة من ~~اللوح بمعنى تغيير الشيء يقال : فلان لوحته الشمس ، إذا سودت ظاهره ~~وأطرافه. والبشر : جمع بشرة وهي ظاهر الجلد. # أى : أن هذه النار من صفاتها أيضا أنها تغير ألوان الجلود ، فتجعلها ~~مسودة بعد أن كانت على غير هذا اللون ، وأنها تنزل بالأجساد من الآلام ما ~~لا يعلمه إلا الله تعالى . # وقوله تعالى : ( @QUR@03 عليها تسعة عشر ) صفة رابعة من صفات سقر. أى : ~~على هذه النار تسعة عشر ملكا ، يتولون أمرها ، وينفذون ما يكلفهم الله ~~تعالى في شأنها. # قال القرطبي : قوله تعالى ( @QUR@03 عليها تسعة عشر ) أى : على سقر تسعة ~~عشر من الملائكة ، يلقون فيها أهلها. ثم قيل : على جملة النار تسعة عشر من ~~الملائكة هم خزنتها. مالك وثمانية عشر ملكا. # ويحتمل أن يكون التسعة عشر نقيبا. ويحتمل أن يكون تسعة عشر ملكا بأعيانهم ~~، وعلى هذا أكثر المفسرين .. (1). # ثم بين سبحانه بعد ذلك جانبا من مظاهر قدرته وحكمته ، وابتلائه لعباده ~~بشتى أنواع الابتلاء ، ليتميز قوى الإيمان من ضعيفه. # فقال تعالى : # ( @QUR@058 وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة ~~للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا ~~يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ~~ما ذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم ~~جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر (31) @QUR@01 كلا PageV15P182 # @QUR@01 والقمر (32) @QUR@03 والليل إذ أدبر (33) @QUR@03 والصبح إذا ~~أسفر (34) @QUR@03 إنها لإحدى الكبر (35) @QUR@02 نذيرا للبشر (36) @QUR@07 ~~لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ) (37) # قال الإمام ابن كثير : يقول الله تعالى : ( @QUR@04 وما جعلنا أصحاب ~~النار ) أى : خزانها ( @QUR@02 إلا ملائكة ) أى : غلاظا شدادا. وذلك رد على ~~مشركي قريش حين ذكر عدد الخزنة. فقال أبو جهل : يا معشر قريش ، أما يستطيع ~~كل عشرة منكم لواحد منهم فتغلبونهم؟ فقال الله تعالى : # ( @QUR@06 وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ). أى : شديدي الخلق لا ~~يقاومون ولا يغالبون. # وقد قيل : إن أبا الأشد ms5851 واسمه : كلدة بن أسيد بن خلف قال : يا معشر قريش ~~، اكفوني منهم اثنين وأنا أكفيكم سبعة عشر ، إعجابا منه بنفسه ، وكان قد ~~بلغ من القوة فيما يزعمون أنه كان يقف على جلد البقرة. ويجاذبه عشرة ~~لينتزعوه من تحت قدميه ، فيتمزق الجلد ، ولا يتزحزح عنه .. (1). # وقال الجمل في حاشيته : قال ابن عباس : لما نزلت هذه الآية ( @QUR@03 ~~عليها تسعة عشر ). قال أبو جهل لقريش : ثكلتكم أمهاتكم! محمد ~~صلى الله عليه وسلم يخبر أن خزنة النار تسعة عشر ، وأنتم الشجعان ، أفيعجز كل ~~عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم؟. # فقال أبو الأشد : أنا أكفيكم منهم سبعة عشر ، عشرة على ظهري ، وسبعة على بطني. # واكفوني أنتم اثنين .. فأنزل الله تعالى : ( @QUR@06 وما جعلنا أصحاب ~~النار إلا ملائكة .. ) (2). # والمقصود من هذه الآية الكريمة الرد على المشركين ، الذين سخروا من النبي ~~صلى الله عليه وسلم عند ما عرفوا منه أن على سقر تسعة عشر ملكا يتولون أمرها .. # أى : إننا أوجدنا النار لعذاب الكافرين ، وما جعلنا خزنتها إلا من ~~الملائكة الغلاظ الشداد ، الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ~~، والذين لا قدرة لأحد من البشر على مقاومتهم أو مخالفة أمرهم ، لأنهم أشد ~~بأسا ، وأقوى بطشا من كافة الإنس والجن .. # والاستثناء من عموم الأنواع. أى : وما جعلنا أصحاب النار إلا من نوع ~~الملائكة ، الذين لا قدرة لأحد من البشر على مقاومتهم .. PageV15P183 # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ) بيان ~~لحكمة أخرى من ذكر هذا العدد .. # والفتنة بمعنى الاختبار والامتحان. تقول : فتنت الذهب بالنار ، أى : ~~اختبرته بها ، لتعلم جودته من رداءته. وقوله : ( @QUR@02 إلا فتنة ) مفعول ~~ثان لقوله ( @QUR@01 جعلنا ) والكلام على حذف مضاف .. # أى : وما جعلنا عدة خزنة النار تسعة عشر ، إلا ليكون هذا العدد سبب فتنة ~~واختبار للذين كفروا ، ولقد زادهم هذا الامتحان والاختبار جحودا وضلالا ، ~~ومن مظاهر ذلك أنهم استهزءوا بالنبي صلى الله عليه وسلم عند ما قرأ عليهم ~~القرآن ، فحق عليهم عذابنا ووعيدنا .. # قال الإمام الرازي : وإنما صار هذا العدد سببا لفتنة الكفار من وجهين ms5852 : ~~الأول أن الكفار كانوا يستهزئون ويقولون : لم لا يكونون عشرين بدلا من تسعة ~~عشر وما المقتضى لتخصيص هذا العدد؟. # والثاني أن الكفار كانوا يقولون : هذا العدد القليل ، كيف يكون وافيا ~~بتعذيب أكثر العالم من الجن والإنس ..؟ # وأجيب عن الأول : بأن هذا السؤال لازم على كل عدد يفرض ، وأفعال الله ~~تعالى لا تعلل ، فلا يقال فيها لم كان هذا العدد ، فإن ذكره لحكمة لا ~~يعلمها إلا هو سبحانه . # وأجيب عن الثاني : بأنه لا يبعد أن الله تعالى يعطى ذلك العدد القليل قوة ~~تفي بذلك ، فقد اقتلع جبريل وحده. مدائن قوم لوط على أحد جناحيه ، ورفعها ~~إلى السماء .. ثم قلبها ، فجعل عاليها سافلها .. # وأيضا فأحوال القيامة ، لا تقاس بأحوال الدنيا ، وليس للعقل فيها مجال .. (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ، ويزداد الذين ~~آمنوا إيمانا ... ) # علة أخرى ، لذكر هذا العدد. والاستيقان : قوة اليقين ، فالسين والتاء ~~للمبالغة. # أى : وما جعلنا عدتهم كذلك أيضا إلا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب من ~~اليهود والنصارى ، بأن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق فيما يبلغه عن ربه ، إذ ~~أن الكتب السماوية التي بين أيديهم قد ذكرت هذا العدد. كما ذكره القرآن ~~الكريم ، وإلا ليزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم ، بصدق نبيهم ~~صلى الله عليه وسلم ، إذ أن الإخبار عن المغيبات عن طريق القرآن الكريم ، من ~~شأنها أن تجعل الإيمان في قلوب المؤمنين الصادقين ، يزداد رسوخا وثباتا. PageV15P184 # قال الإمام ابن كثير : قوله : ( @QUR@04 ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ) أى ~~: يعلمون أن هذا الرسول حق ، فإنه نطق بمطابقة ما بأيديهم من الكتب ~~السماوية المنزلة على الأنبياء قبله .. (1). # وقال الآلوسى : وأخرج الترمذي وابن مردويه عن جابر قال : قال ناس من ~~اليهود ، لأناس من المسلمين : هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟ فأخبروا بذلك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : «هكذا وهكذا» في مرة عشرة. وفي مرة تسعة. # وقال الآلوسى : واستشعر من هذا أن الآية مدنية ، لأن اليهود إنما كانوا ~~فيها ، وهو استشعار ضعيف ، لأن السؤال لصحابى فلعله كان مسافرا فاجتمع ~~بيهودي حيث كان .. وأيضا لا ms5853 مانع إذ ذاك من إتيان بعض اليهود نحو مكة .. (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@06 ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون ) معطوف ~~على قوله : ( @QUR@01 ليستيقن .. ) وهو مؤكد لما قبله ، من الاستيقان ~~وازدياد الإيمان ، ونفى لما قد يعترى المستيقن من شبهة عارضة. # أى : فعلنا ما فعلنا ليكتسب أهل الكتاب اليقين من نبوته صلى الله عليه وسلم ~~وليزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم. ولتزول كل ريبة أو شبهة قد تطرأ على ~~قلوب الذين أوتوا الكتاب ، وعلى قلوب المؤمنين .. # وقوله سبحانه : ( @QUR@012 وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ما ذا ~~أراد الله بهذا مثلا ) بيان لعلة أخرى لكون خزنة سقر تسعة عشر. # أى : ما جعلنا عدتهم كذلك إلا فتنة للذين كفروا ، وإلا ليستيقن الذين ~~أوتوا الكتاب من صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وإلا ليزداد الذين آمنوا ~~إيمانا ، وإلا لنزول الريبة من قلوب الفريقين ، وإلا ليقول الذين في قلوبهم ~~مرض ، أى : شك وضعف إيمان ، وليقول الكافرون المصرون على التكذيب : ما ~~الأمر الذي أراده الله بهذا المثل ، وهو جعل خزنة سقر تسعة عشر؟ فالمقصود ~~بالاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@06 ما ذا أراد الله بهذا مثلا ) ~~الإنكار. والإشارة بهذا مرجعها إلى قوله تعالى قبل ذلك : ( @QUR@03 عليها ~~تسعة عشر ) وقوله : ( @QUR@01 مثلا ) حال من اسم الإشارة ، والمراد به ~~العدد السابق. وسموه مثلا لغرابته عندهم. أى : ما الفائدة في أن تكون عدة ~~خزنة سقر تسعة عشر ، وليسوا أكثر أو أقل؟ وهم يقصدون بذلك نفى أن يكون هذا ~~العدد من عنده تعالى . PageV15P185 # قال الآلوسى : قوله تعالى : ( @QUR@06 ما ذا أراد الله بهذا مثلا ) أى : ~~أى شيء أراده الله تعالى ، أو ما الذي أراده الله تعالى بهذا العدد ~~المستغرب استغراب المثل. # وعلى الأول تكون ( @QUR@02 ما ذا ) بمنزلة اسم واحد .. وعلى الثاني : هي ~~مؤلفة من كلمة ( @QUR@01 ما ) اسم استفهام مبتدأ ، و ( @QUR@01 ذا ) اسم ~~موصول خبره ، والجملة بعده صلة ، والعائد فيها محذوف ، و ( @QUR@01 مثلا ) ~~نصب على التمييز أو على الحال .. وعنوا بالإشارة : التحقير ، وغرضهم : نفى ~~أن يكون ذلك من عند الله تعالى .. (1). # واسم الإشارة في قوله تعالى : ( @QUR@08 كذلك يضل الله ms5854 من يشاء ويهدي من ~~يشاء ) يعود إلى ما تضمنه الكلام السابق ، من استيقان أهل الكتاب ، وازدياد ~~المؤمنين إيمانا ، واستنكار الكافرين ومن في قلوبهم مرض لهذا المثل. # أى : مثل ذلك الضلال الحاصل للذين في قلوبهم مرض وللكافرين ، يضل الله ~~تعالى من يشاء إضلاله من خلقه ، ومثل ذلك الهدى الحاصل في قلوب المؤمنين ، ~~يهدى الله من يشاء هدايته من عباده ، إذ هو سبحانه الخالق لكل شيء ، وهو ~~على كل شيء قدير. # ثم ساق سبحانه بعد ذلك ما يخرس ألسنة الكافرين ، الذين أنكروا هذا العدد ~~الذي جعله الله تعالى على سقر ، ليتصرف فيها على حسب إرادته تعالى ومشيئته ~~، فقال : ( @QUR@06 وما يعلم جنود ربك إلا هو ). والجنود : جمع جند ، وهو ~~اسم لما يتألف منه الجيش من أفراد. # والمراد بهم هنا : مخلوقاته تعالى الذين سخرهم لتنفيذ أمره ، وسموا جنودا ~~، تشبيها لهم بالجنود في تنفيذ مراده سبحانه . # أى : وما يعلم عدد جنود ربك أيها الرسول الكريم ، ولا مبلغ قوتهم ، إلا ~~هو عز وجل وما هذا العدد الذي ذكرناه لك إلا جزء من جنودنا ، الذين حجبنا ~~علم عددهم وكثرتهم .. عن غيرنا. # قال الإمام ابن كثير : قوله تعالى : ( @QUR@06 وما يعلم جنود ربك إلا هو ~~) أى : وما يعلم عددهم وكثرتهم إلا هو تعالى ، لئلا يتوهم متوهم أنماهم ~~تسعة عشر فقط. # وقد ثبت في حديث الإسراء المروي في الصحيحين وغيرهما ، عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال في صفة البيت المعمور ، الذي في السماء السابعة : ~~فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك .. (2). PageV15P186 # والضمير في قوله : ( @QUR@05 وما هي إلا ذكرى للبشر ) يعود إلى سقر .. أى ~~: وما سقر التي ذكرت لكم أن عليها تسعة عشر ملكا يلون أمرها ، إلا تذكرة ~~وعظة للبشر ، لأن من يتذكر حرها وسعيرها وشدة عذابها .. من شأنه ، أن يخلص ~~العبادة لله تعالى ، وأن يقدم في دنياه العمل الصالح الذي ينفعه في أخراه. # وقيل : الضمير للآيات الناطقة بأحوال سقر. أى : وما هذه الآيات التي ذكرت ~~بشأن سقر وأهوالها إلا ذكرى للبشر. # ثم أبطل سبحانه ما أنكره ms5855 الذين في قلوبهم مرض ، وما أنكره الكافرون مما ~~جاء به القرآن الكريم ، فقال : ( @QUR@020 كلا والقمر. والليل إذ أدبر. ~~والصبح إذا أسفر. إنها لإحدى الكبر. نذيرا للبشر. لمن شاء منكم أن يتقدم أو ~~يتأخر ). # و ( @QUR@01 كلا ) حرف زجر وردع وإبطال لكلام سابق. والواو في قوله : ( ~~@QUR@01 والقمر ) للقسم والمقسم به ثلاثة أشياء : القمر والليل والصبح ، ~~وجواب القسم قوله : ( @QUR@03 إنها لإحدى الكبر ... ). # أى : كلا ، ليس الأمر كما أنكر هؤلاء الكافرون ، من أن تكون عدة الملائكة ~~الذين على سقر ، تسعة عشر ملكا ، أو من أن تكون سقر مصير هؤلاء الكافرين ، ~~أو من أن في قدرتهم مقاومة هؤلاء الملائكة. # كلا ، ليس الأمر كذلك ، وحق القمر الذي ( @QUR@06 قدرناه منازل حتى عاد ~~كالعرجون القديم )، وحق ( @QUR@03 الليل إذ أدبر ) أى : وقت أن ولى ذاهبا ~~بسبب إقبال النهار عليه ، وحق ( @QUR@03 الصبح إذا أسفر )، أى : إذا أضاء ~~وابتدأ في الظهور والسطوع. # والضمير في قوله تعالى : ( @QUR@03 إنها لإحدى الكبر ) يعود إلى سقر. ~~والكبر : جمع كبرى ، والمراد بها : الأمور العظام ، والخطوب الجسام. # أى : إن سقر التي تهكم بها وبخزنتها الكافرون ، لهى إحدى الأمور العظام ، ~~والدواهي الكبار ، التي قل أن يوجد لها نظير أو مثيل في عظمها وفي شدة عذاب ~~من يصطلى بنارها. # وأقسم سبحانه بهذه الأمور الثلاثة ، لزيادة التأكيد ، ولإبطال ما تفوه به ~~الجاحدون ، بأقوى أسلوب. # وكان القسم بهذه الأمور الثلاثة ، لأنها تمثل ظهور النور بعد الظلام ، ~~والهداية بعد الضلال ، ولأنها تناسب قوله تعالى قبل ذلك : ( @QUR@08 كذلك ~~يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ). PageV15P187 # وانتصب لفظ «نذيرا» من قوله : ( @QUR@02 نذيرا للبشر ) على أنه حال من ~~الضمير في قوله ( @QUR@03 إنها لإحدى الكبر ) أى : إن سقر لعظمى العظائم ، ~~ولداهية الدواهي ، حال كونها إنذارا للبشر ، حتى يقلعوا عن كفرهم وفسوقهم ، ~~ويعودوا إلى إخلاص العبادة لخالقهم. # ويصح أن يكون تمييزا لإحدى الكبر ، لما تضمنته من معنى التعظيم ، كأنه ~~قيل : إنها لإحدى الكبر إنذارا للبشر ، وردعا لهم عن التمادي في الكفر ~~والضلال .. فالنذير بمعنى الإنذار. # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ) بدل مفصل من ms5856 ~~مجمل ، هذا المجمل هو قوله ( @QUR@01 للبشر ). # أى : إن سقر لهى خير منذر للذين إن شاءوا تقدموا إلى الخير ففازوا ، وإن ~~شاءوا تأخروا عنه فهلكوا. فالمراد بالتقدم نحو الطاعة والهداية. والمراد ~~بالتأخر : التأخر عنهما والانحياز نحو الضلال والكفر إذ التقدم تحرك نحو ~~الأمام ، وهو كناية عن قبول الحق ، وبعكسه التأخر .. # ويجوز أن يكون المعنى : هي خير نذير لمن شاء منكم التقدم نحوها ، أو ~~التأخر عنها. # وتعليق ( @QUR@01 نذيرا ) بفعل المشيئة ، للإشعار بأن عدم التذكر مرجعه ~~إلى انطماس القلب ، واستيلاء المطامع والشهوات عليه ، وللإيذان بأن من لم ~~يتذكر ، فتبعة تفريطه واقعة عليه وحده ، وليس على غيره. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@07 لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ) الجار ~~والمجرور بدل من الجار والمجرور فيما سبق ، أعنى ( @QUR@01 للبشر ) وضمير ~~«شاء» للموصول. أى : نذيرا للمتمكنين منكم من السبق إلى الخير ، والتخلف ~~عنه. وقال السدى : أن يتقدم إلى النار المتقدم ذكرها ، أو يتأخر عنها إلى ~~الجنة ، وقال الزجاج : أن يتقدم إلى المأمورات أو يتأخر عن المنهيات .. (1). # ثم بين سبحانه جانبا من مظاهر عدله في أحكامه : وفي بيان الأسباب التي ~~أدت إلى فوز المؤمنين ، وهلاك الكافرين .. فقال تعالى : # ( @QUR@05 كل نفس بما كسبت رهينة (38) @QUR@03 إلا أصحاب اليمين (39) ~~@QUR@03 في جنات يتساءلون (40) @QUR@02 عن المجرمين (41) @QUR@04 ما سلككم ~~في سقر (42) @QUR@04 قالوا لم نك من PageV15P188 # @QUR@01 المصلين (43) @QUR@04 ولم نك نطعم المسكين (44) @QUR@04 وكنا ~~نخوض مع الخائضين (45) @QUR@04 وكنا نكذب بيوم الدين (46) @QUR@03 حتى ~~أتانا اليقين (47) @QUR@04 فما تنفعهم شفاعة الشافعين (48) @QUR@05 فما لهم ~~عن التذكرة معرضين (49) @QUR@03 كأنهم حمر مستنفرة (50) @QUR@03 فرت من ~~قسورة (51) @QUR@09 بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة (52) @QUR@05 ~~كلا بل لا يخافون الآخرة (53) @QUR@03 كلا إنه تذكرة (54) @QUR@03 فمن شاء ~~ذكره (55) @QUR@011 وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل ~~المغفرة ) (56) # وقوله تعالى : ( @QUR@01 رهينة ) خبر عن ( @QUR@02 كل نفس )، وهو بمعنى ~~مرهونة. أى : كل نفس مرهونة عند الله تعالى بكسبها ، مأخوذة بعملها ، فإن ~~كان صالحا أنجاها من العذاب ، وإن كان سيئا أهلكها ، وجعلها محلا للعقاب. # قالوا : وإنما كانت مرهونة ، لأن الله تعالى جعل تكليف عباده كالدين ~~عليهم ، ونفوسهم تحت ms5857 استيلائه وقهره ، فهي مرهونة ، فمن وفي دينه الذي كلف ~~به ، خلص نفسه من عذاب الله تعالى الذين نزل منزلة علامة الرهن ، وهو أخذه ~~في الدين ، ومن لم يوف عذب. (1) والاستثناء في قوله ( @QUR@03 إلا أصحاب ~~اليمين ) استثناء متصل أى أن كل نفس مرهونة بعملها .. إلا أصحاب اليمين وهم ~~المؤمنين الصادقون فإنهم مستقرون ( @QUR@02 في جنات ) عالية ( @QUR@03 ~~يتساءلون عن المجرمين ) أى : يسأل بعضهم بعضا عن أحوال المجرمين. # وهذا التساؤل إنما يكون قبل أن يروهم ، فإذا ما رأوهم سألوهم بقولهم. ( ~~@QUR@04 ما سلككم في سقر ) أى : قال أصحاب اليمين للمجرمين : ما الذي ~~أدخلكم في سقر ، وجعلكم وقودا لنارها وسعيرها؟ والسؤال إنما هو على سبيل ~~التوبيخ والتحسير لهؤلاء المجرمين. # وعبر سبحانه بقوله : ( @QUR@02 ما سلككم ... ) للإشعار بأن الزج بهم في ~~سقر ، كان بعنف وقهر ، لأن السلك معناه : إدخال شيء بصعوبة وقسر ، ومنه ~~قوله تعالى : ( @QUR@01 كذلك PageV15P189 # @QUR@011 نسلكه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين ) ثم ~~حكى سبحانه ما رد به المجرمون على أصحاب اليمين فقال : ( @QUR@020 قالوا لم ~~نك من المصلين. ولم نك نطعم المسكين. وكنا نخوض مع الخائضين. وكنا نكذب ~~بيوم الدين. حتى أتانا اليقين ). أى : قال المجرمون لأصحاب اليمين : الذي ~~أدى بنا إلى الإلقاء في سقر ، أننا في الدنيا لم نقم بأداء الصلاة الواجبة ~~علينا ، ولم نعط المسكين ما يستحقه من عطاء ، بل بخلنا عليه ، وحرمناه ~~حقوقه .. # وكنا أيضا في الدنيا نخوض في الأقوال السيئة وفي الأفعال الباطلة مع ~~الخائضين فيها ، دون أن نتورع عن اجتناب شيء منها. # وأصل الخوض : الدخول في الماء ، ثم استعير للجدال الباطل ، وللأحاديث ~~التي لا خير من ورائها. # وكنا أيضا نكذب بيوم القيامة ، وننكر إمكانه ووقوعه ، وبقينا على هذا ~~الإنكار والضلال ( @QUR@03 حتى أتانا اليقين ) أى : حتى أدركنا الموت ، ~~ورأينا بأعيننا صدق ما كنا نكذب به. # فأنت ترى أن هؤلاء المجرمين قد اعترفوا بأن الإلقاء بهم في سقر لم يكن ~~على سبيل الظلم لهم ، وإنما كان بسبب تركهم للصلاة وللإطعام ، وتعمدهم ~~ارتكاب الباطل من الأقوال والأفعال ، وتكذيبهم بيوم القيامة وما ms5858 فيه من ~~حساب وجزاء. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 فما تنفعهم شفاعة الشافعين ) حكم منه سبحانه ~~عليهم بحرمانهم ممن يشفع لهم أو ينفعهم. # أى : أن هؤلاء المجرمين لن تنفعهم يوم القيامة شفاعة أحد لهم ، فيما لو ~~تقدم أحد للشفاعة لهم على سبيل الفرض والتقدير ، وإنما الشفاعة تنفع غيرهم ~~من المسلمين. # والاستفهام في قوله : ( @QUR@011 فما لهم عن التذكرة معرضين ، كأنهم حمر ~~مستنفرة فرت من قسورة ) للتعجيب من إصرارهم على كفرهم ، ومن إعراضهم عن ~~الحق الذي دعاهم إليه نبيهم صلى الله عليه وسلم . # والمراد بالتذكرة : التذكير بمواعظ القرآن وإرشاداته ، والحمر : جمع حمار ~~، والمراد به الحمار الوحشي المعروف بشدة نفوره وهروبه إذا ما أحس بحركة ~~المقتنص له. # وقوله : ( @QUR@01 مستنفرة ) أى : شديدة النفور والهرب فالسين والتاء ~~للمبالغة. PageV15P190 # والقسورة : الأسد ، سمى بذلك لأنه يقسر غيره من السباع ويقهرها ، وقيل : ~~القسورة اسم لجماعة الرماة الذين يطاردون الحمر الوحشية ، ولا واحد له من ~~لفظه ، ويطلق هذا اللفظ عند العرب على كل من كان بالغ النهاية في الضخامة ~~والقوة. من القسر بمعنى القهر. أى : ما الذي حدث لهؤلاء الجاحدين المجرمين ~~، فجعلهم يصرون إصرارا تاما على الإعراض عن مواعظ القرآن الكريم ، وعن ~~هداياته وإرشاداته ، وأوامره ونواهيه .. حتى لكأنهم في شدة إعراضهم عنه ، ~~ونفورهم منه حمر وحشية قد نفرت بسرعة وشدة من أسد يريد أن يفترسها ، أو من ~~جماعة من الرماة أعدوا العدة لاصطيادها؟. # قال صاحب الكشاف : شبههم سبحانه في إعراضهم عن القرآن ، واستماع الذكر ~~والموعظة ، وشرادهم عنه بحمر جدت في نفارها مما أفزعها. # وفي تشبيههم بالحمر : مذمة ظاهرة ، وتهجين لحالهم بين ، كما في قوله ~~تعالى : ( @QUR@04 كمثل الحمار يحمل أسفارا )، وشهادة عليهم بالبله وقلة ~~العقل ، ولا ترى مثل نفار حمير الوحش ، واطرادها في العدو ، إذا رابها رائب ~~ولذلك كان أكثر تشبيهات العرب ، في وصف الإبل ، وشدة سيرها ، بالحمر ، ~~وعدوها إذا وردت ماء فأحست عليه بقانص .. (1). # والتعبير بقوله : ( @QUR@02 فما لهم ... ) وما يشبهه قد كثر استعماله في ~~القرآن الكريم ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@04 فما لهم لا يؤمنون ... ) ~~والمقصود منه التعجيب من إصرار المخاطبين على باطلهم ms5859 ، أو على معتقد من ~~معتقداتهم .. مع أن الشواهد والبينات تدل على خلاف ذلك. # وقال سبحانه ( @QUR@02 عن التذكرة ) بالتعميم ، ليشمل إعراضهم كل شيء ~~يذكرهم بالحق ، ويصرفهم عن الباطل. # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة ) ~~معطوف على كلام مقدر يقتضيه المقام ، وهو بيان لرذيلة أخرى من رذائلهم ~~الكثيرة. # والصحف : جمع صحيفة ، وهي ما يكتب فيها. ومنشره : صفة لها والمراد بها : ~~الصحف المفتوحة غير المطوية. بحيث يقرؤها كل من رآها. # وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية : أن المشركين قالوا للرسول ~~صلى الله عليه وسلم لن نتبعك حتى تأتى لكل واحد منا بكتاب من السماء ، عنوانه ~~: من رب العالمين ، إلى فلان بن فلان ، نؤمر في هذا الكتاب باتباعك. # أى : إن هؤلاء الكافرين لا يكتفون بمواعظ القرآن .. بل يريد كل واحد منهم ~~أن يعطى PageV15P191 # صحفا مفتوحة ، وكتبا غير مطوية ، بحيث يقرؤها كل من يراها. وفيها الأمر ~~من الله تعالى لهم بوجوب اتباعهم للرسول صلى الله عليه وسلم . # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@012 أو ترقى في السماء ولن نؤمن ~~لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه .. ). # وقوله سبحانه ( @QUR@05 كلا بل لا يخافون الآخرة ) إبطال آخر لكلامهم ، ~~وزجر لهم عن هذا الجدال السخيف. أى : كلا ليس الأمر كما أرادوا وزعموا بل ~~الحق أن هؤلاء القوم لا يخافون الآخرة ، وما فيها من حساب وجزاء ، لأنهم لو ~~كانوا يخافون لما اقترحوا تلك المقترحات السخيفة المتعنتة .. # وقوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@03 كلا إنه تذكرة ) زجر آخر مؤكد للزجر ~~السابق. أى : كلا ثم كلا ، لن نمكنهم مما يريدون ، ولن نستجيب لمقترحاتهم ~~السخيفة .. لأن القرآن الكريم فيه التذكير الكافي ، والوعظ الشافي ، لمن هو ~~على استعداد للاستجابة لذلك. # فالضمير في ( @QUR@01 إنه ) يعود إلى القرآن ، لأنه معلوم من المقام ، ~~والجملة بمنزلة التعليل للردع عن سؤالهم الذي اقترحوا فيه تنزيل صحف مفتوحة ~~من عند الله تعالى تأمرهم باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم .. # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 فمن شاء ذكره ) تفريع عن كون القرآن تذكرة وعظة ~~لمن كان له قلب يفقه ، أو عقل ms5860 يعقل. # أى : إن القرآن الكريم مشتمل على ما يذكر الإنسان بالحق ، وما يهديه إلى ~~الخير والرشد ، فمن شاء أن يتعظ به اتعظ ، ومن شاء أن ينتفع بهداياته انتفع ~~، ومن شاء أن يذكر أوامره ونواهيه وتكاليفه .. فعل ذلك ، وظفر بما يسعده ، ~~ويشرح صدره. # والتعبير بقوله تعالى ( @QUR@03 فمن شاء ذكره ) يشعر بأن تذكر القرآن ~~وحفظه. والعمل بأحكامه وإرشاداته .. في إمكان كل من كان عنده الاستعداد لذلك. # أى : إن التذكر طوع مشيئتكم أيها الناس متى كنتم جادين وصادقين ومستعدين ~~لهذا التذكر ، فاعملوا لذلك بدون إبطاء أو تردد .. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بما يدل على نفاذ مشيئته وإرادته فقال : ( ~~@QUR@011 وما يذكرون إلا أن يشاء الله ، هو أهل التقوى وأهل المغفرة ). # أى : فمن شاء أن يذكر القرآن وما فيه من مواعظ ذكر ذلك ، ولكن هذا التذكر ~~والاعتبار والاتعاظ. لا يتم بمجرد مشيئتكم ، وإنما يتم في حال مشيئة الله ~~تعالى وإرادته ، فهو PageV15P192 # سبحانه أهل التقوى ، أى : هو الحقيق بأن يتقى ويخاف عذابه ، وهو عز وجل ~~«أهل المغفرة» أى : هو وحده صاحب المغفرة لذنوب عباده ، لا يسأل عما يفعل ~~وهم يسألون. # فالمقصود من الآية الكريمة ، بيان أن هذا التذكر لمواعظ القرآن ، لا يتم ~~إلا بعد إرادة الله تعالى ومشيئة ، لأنه هو الخالق لكل شيء ، وبيان أن ~~مشيئة العباد لا أثر لها إلا إذا كانت موافقة لمشيئة الله ، التي لا يعلمها ~~أحد سواه. # أخرج الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أنس أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ( @QUR@05 هو أهل التقوى وأهل المغفرة ) ~~فقال : قد قال ربكم أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معى إله ، فمن اتقاني فلم ~~يجعل معى إلها آخر ، فأنا أهل أن أغفر له. # وبعد : فهذا تفسير لسورة المدثر ، نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه ~~ونافعا لعباده ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ||الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى| PageV15P193 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة القيامة ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «القيامة» من السور المكية الخالصة ms5861 ، وتعتبر من السور التي كان ~~نزولها في أوائل العهد المكي ، فهي السورة الحادية والثلاثون في ترتيب ~~النزول ، وكان نزولها بعد سورة (القارعة) وقبل سورة (الهمزة). أما ترتيبها ~~في المصحف فهي السورة الخامسة والسبعون. # وعدد آياتها أربعون آية في المصحف الكوفي ، وتسع وثلاثون في غيره. # 2 والسورة الكريمة زاخرة بالحديث عن أهوال يوم القيامة ، وعن أحوال الناس ~~فيه : ( @QUR@014 وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة. ووجوه يومئذ باسرة. ~~تظن أن يفعل بها فاقرة ). # كما أنها تتحدث عن إمكانية البعث ، وعن حتمية وقوعه : ( @QUR@028 أيحسب ~~الإنسان أن يترك سدى. ألم يك نطفة من مني يمنى. ثم كان علقة فخلق فسوى. ~~فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى. أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى؟ ). # ولقد روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال : من سأل عن يوم القيامة ~~، أو أراد أن يعرف حقيقة وقوعه ، فليقرأ هذه السورة. PageV15P195 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@04 لا أقسم بيوم القيامة (1) @QUR@04 ولا أقسم بالنفس اللوامة (2) ~~@QUR@05 أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه (3) @QUR@06 بلى قادرين على أن نسوي ~~بنانه (4) @QUR@05 بل يريد الإنسان ليفجر أمامه (5) @QUR@04 يسئل أيان يوم ~~القيامة (6) @QUR@03 فإذا برق البصر (7) @QUR@02 وخسف القمر (8) @QUR@03 ~~وجمع الشمس والقمر (9) @QUR@05 يقول الإنسان يومئذ أين المفر (10) @QUR@03 ~~كلا لا وزر (11) @QUR@04 إلى ربك يومئذ المستقر (12) @QUR@06 ينبؤا الإنسان ~~يومئذ بما قدم وأخر (13) @QUR@05 بل الإنسان على نفسه بصيرة (14) @QUR@03 ~~ولو ألقى معاذيره (15) @QUR@06 لا تحرك به لسانك لتعجل به (16) @QUR@04 إن ~~علينا جمعه وقرآنه (17) @QUR@04 فإذا قرأناه فاتبع قرآنه (18) @QUR@04 ثم ~~إن علينا بيانه ) (19) # افتتح الله تعالى هذه السورة الكريمة بقوله تعالى : ( @QUR@04 لا أقسم ~~بيوم القيامة ). # وللعلماء في مثل هذا التركيب أقوال منها : أن حرف «لا» هنا جيء به ، لقصد ~~المبالغة في تأكيد القسم ، كما في قولهم : لا والله. # قال الآلوسى : إدخال «لا» النافية صورة على فعل القسم ، مستفيض في كلامهم ~~وأشعارهم. # ومنه قول امرئ القيس : لا وأبيك يا ابنة العامري .. يعنى : وأبيك. # ثم قال : وملخص ما ذهب إليه جار الله في ذلك ، أن «لا» هذه ، إذا وقعت في خلال PageV15P196 # الكلام كقوله تعالى ms5862 ( @QUR@04 فلا وربك لا يؤمنون ) فهي صلة تزاد لتأكيد ~~القسم ، مثلها في قوله تعالى : ( @QUR@04 لئلا يعلم أهل الكتاب ) لتأكيد ~~العلم .. (1). # ومنها : أن «لا» هنا ، جيء بها لنفى ورد كلام المشركين المنكرين ليوم ~~القيامة ، فكأنه تعالى يقول : لا ، ليس الأمر كما زعموا ، ثم قال : أقسم ~~بيوم القيامة الذي يبعث فيه الخلق للجزاء. # قال القرطبي : وذلك كقولهم : لا والله لا أفعل. فلا هنا رد لكلام قد مضى ~~، وذلك كقولك : لا والله إن القيامة لحق ، كأنك أكذبت قوما أنكروها .. (2). # ومنها : أن «لا» في هذا التركيب وأمثاله على حقيقتها للنفي ، والمعنى لا ~~أقسم بيوم القيامة ولا بغيره ، على أن البعث حق ، فإن المسألة أوضح من أن ~~تحتاج إلى قسم. # وقد رجح بعض العلماء القول الأول فقال : وصيغة لا أقسم ، صيغة قسم ، أدخل ~~حرف النفي على فعل «أقسم» لقصد المبالغة في تحقيق حرمة المقسم به ، بحيث ~~يوهم للسامع أن المتكلم يهم أن يقسم به ، ثم يترك القسم مخافة الحنث ~~بالمقسم به فيقول : لا أقسم به ، أى : ولا أقسم بأعز منه عندي. وذلك كناية ~~عن تأكيد القسم (3). # والمراد بالنفس اللوامة : النفس التقية المستقيمة التي تلوم ذاتها على ما ~~فات منها ، فهي مهما أكثرت من فعل الخير تتمنى أن لو ازدادت من ذلك ، ومهما ~~قللت من فعل الشر ، تمنت أيضا أن لو ازدادت من هذا التقليل. # قال ابن كثير : عن الحسن البصري في هذه الآية : إن المؤمن والله ما نراه ~~إلا يلوم نفسه ، يقول : ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتى؟ ... وإن الفاجر ~~يمضى قدما ما يعاتب نفسه. # وفي رواية عن الحسن أيضا ليس أحد من أهل السموات والأرض إلا يلوم نفسه ~~يوم القيامة» (4). # وجواب القسم يفهم من قوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@05 أيحسب الإنسان ألن ~~نجمع عظامه ). والمراد بالإنسان : جنسه. أو المراد به الكافر المنكر ~~للبعث. والاستفهام للتوبيخ والتقريع. PageV15P197 # وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية أن بعض المشركين قالوا للنبي ~~صلى الله عليه وسلم : يا محمد حدثني عن يوم القيامة ، فأخبره صلى الله عليه وسلم ~~عنه. فقال المشرك ms5863 : لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك يا محمد أو يجمع الله ~~العظام. فنزلت هذه الآية. # والمعنى : أقسم بيوم القيامة الذي لا شك في وقوعه في الوقت الذي نشاؤه ، ~~وأقسم بالنفس اللوامة التقية التي تلوم ذاتها على الخير ، لما ذا لم تستكثر ~~منه ، وعلى الشر لما ذا فعلته ، لنجمعن عظامكم أيها الناس ولنبعثنكم للحساب ~~والجزاء. # وافتتح سبحانه السورة الكريمة بهذا القسم ، للإيذان بأن ما سيذكر بعده ~~أمر مهم ، من شأن النفوس الواعية أن تستشرف له ، وأن تستجيب لما اشتمل عليه ~~من هدايات وإرشادات. # ووصف سبحانه النفس باللوامة بصيغة المبالغة للإشعار بأنها كريمة مستقيمة ~~تكثر من لوم ذاتها ، وتحض صاحبها على المسارعة في فعل الخيرات. # والعظام المراد بها الجسد ، وعبر عنه بها ، لأنه لا يقوم إلا بها ، وللرد ~~على المشركين الذين استبعدوا ذلك ، وقالوا كما حكى القرآن عنهم : ( @QUR@05 ~~من يحي العظام وهي رميم ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 بلى قادرين على أن نسوي بنانه ) تأكيد لقدرته ~~تعالى على إحياء الموتى بعد أن صاروا عظاما نخرة ، وإبطال لنفيهم إحياء ~~العظام وهي رميم. # و ( @QUR@01 قادرين ) حال من فاعل الفعل المقدر بعد بلى. وقوله : ( ~~@QUR@01 نسوي ) من التسوية ، وهي تقويم الشيء وجعله متقنا مستويا ، يقال : ~~سوى فلان الشيء إذا جعله متساويا لا عوج فيه ولا اضطراب. # والبنان : جمع بنانة ، وهي أصابع اليدين والرجلين ، أو مفاصل تلك الأصابع ~~وأطرافها. # أى : ليس الأمر كما زعم هؤلاء المشركون من أننا لا نعيد الإنسان إلى ~~الحياة بعد موته للحساب والجزاء ، بل الحق أننا سنجمعه وسنعيده إلى الحياة ~~حالة كوننا قادرين قدرة تامة ، على هذا الجمع لعظامه وجسده ، وعلى جعل ~~أصابعه وأطرافه وأنامله مستوية الخلق ، متقنة الصنع ، كما كانت قبل الموت. # وخصت البنان بالذكر ، لأنها أصغر الأعضاء ، وآخر ما يتم به الخلق ، فإذا ~~كان سبحانه قادرا على تسويتها مع لطافتها ودقتها ، فهو على غيرها مما هو ~~أكبر منها أشد قدرة. # وقوله تعالى ( @QUR@05 بل يريد الإنسان ليفجر أمامه ) بيان لحال أخرى من ~~أحوال فجور PageV15P198 # هؤلاء المشركين وطغيانهم ، وانتقال من إنكار الحسبان إلى الإخبار عن حال ms5864 ~~هذا الإنسان. # والفجور : يطلق على القول البالغ النهاية في السوء ، وعلى الفعل القبيح ~~المنكر ، ويطلق على الكذب ، ولذا وصفت اليمين الكاذبة ، باليمين الفاجرة ~~فيكون فجر بمعنى كذب ، وزنا ومعنى. # ولفظ «الأمام» يطلق على المكان الذي يكون في مواجهة الإنسان ، والمراد به ~~هنا : الزمان المستقبل وهو يوم القيامة ، الذي دل عليه قوله تعالى بعد ذلك ~~: ( @QUR@04 يسئل أيان يوم القيامة ). # أى : أن هذا الإنسان المنكر للبعث والحساب لا يريد أن يكف عن إنكاره ~~وكفره ، بل يريد أن يستمر على فجوره وتكذيبه لهذا اليوم بكل إصرار وجحود ، ~~فهو يسأل عنه سؤال استهزاء وتهكم فيقول : ( @QUR@03 أيان يوم القيامة ) أى ~~: متى يجيء يوم القيامة هذا الذي تتحدثون عنه أيها المؤمنون وتخشون ما فيه ~~من حساب وجزاء؟ # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@05 بل يريد الإنسان ليفجر أمامه ) قال ~~ابن عباس : يعنى الكافر. يكذب بما أمامه من البعث والحساب .. ودليله ( ~~@QUR@04 يسئل أيان يوم القيامة ). أى : يسأل متى يكون؟ على وجه التكذيب ~~والإنكار ، فهو لا يقنع بما هو فيه من التكذيب. ولكن يأثم لما بين يديه. ~~ومما يدل أن الفجور : التكذيب ، ما ذكره القتبى وغيره ، من أن أعرابيا قصد ~~عمر بن الخطاب ، وشكا إليه نقب إبله ودبرها أى : مرضها وجربها وسأله أن ~~يحمله على غيرها فلم يحمله. فقال الأعرابى. # أقسم بالله أبو حفص عمر %~% ما مسها من نقب ولا دبر # فاغفر له اللهم إن كان فجر # يعنى إن كان كذبني فيما ذكرت .. (1). # وأعيد لفظ الإنسان في هذه الآيات أكثر من مرة ، لأن المقام يقتضى توبيخه ~~وتقريعه ، وتسجيل الظلم والجحود عليه. # والضمير في «أمامه» يجوز أن يعود إلى يوم القيامة. أى : بل يريد الإنسان ~~ليكذب بيوم القيامة. الثابت الوقوع في الوقت الذي يشاؤه الله عز وجل . # ويجوز أن يعود على الإنسان ، فيكون المعنى : بل يريد الإنسان أن يستمر في ~~فجوره وتكذيبه بيوم القيامة في الحال وفي المآل. أى : أن المراد بأمامه : ~~مستقبل أيامه. PageV15P199 # وجيء بلفظ «أيان» الدال على الاستفهام للزمان البعيد ، للإشعار بشدة ~~تكذيبهم ، وإصرارهم على عدم وقوعه في أى ms5865 وقت من الأوقات. # ثم ساق سبحانه جانبا من أهوال يوم القيامة ، على سبيل التهديد والوعيد ~~لهؤلاء المكذبين. # فقال : ( @QUR@013 فإذا برق البصر. وخسف القمر. وجمع الشمس والقمر. يقول ~~الإنسان يومئذ أين المفر ). # و «برق» بكسر الراء وفتحها دهش وفزع وتحير ولمع من شدة شخوصه وخوفه. # يقال : برق بصر فلان كفرح ونصر إذا نظر إلى البرق فدهش وتحير. # والمراد بخسوف القمر : انطماس نوره ، واختفاء ضوئه. # والمراد بجمع الشمس والقمر : اقترانهما ببعضهما بعد افتراقهما واختلال ~~النظام المعهود للكون ، اختلالا تتغير معه معالمه ونظمه. وجواب ( @QUR@01 ~~فإذا ) قوله : ( @QUR@02 يقول الإنسان ) أى : فإذا برق بصر الإنسان وتحير ~~من شدة الفزع والخوف ، بعد أن رأى ما كان يكذب به في الدنيا. # والتعريف في البصر : للاستغراق ، إذ أبصار الناس جميعا في هذا اليوم ، ~~تكون في حالة فزع ، إلا أن هذا الفزع يتفاوت بينهم في شدته. # ( @QUR@02 وخسف القمر ) أى : ذهب ضوؤه. وانطمس نوره. # ( @QUR@03 وجمع الشمس والقمر ) أى : وقرن بينهما بعد أن كانا متفرقين. # والتصقا بعد أن كانا متباعدين ، وغاب ضوؤهما بعد أن كانا منيرين. # ( @QUR@05 يقول الإنسان يومئذ أين المفر ) أى : فإذا ما تم كل ذلك ، يقول ~~الإنسان في هذا الوقت الذي يبرق فيه البصر ، ويخسف فيه القمر ، ويجمع فيه ~~بين الشمس والقمر : أين المفر. أى : أين الفرار من قضاء الله تعالى ومن ~~قدره وحسابه. فالمفر مصدر بمعنى الفرار. والاستفهام بمعنى التمني أى : ليت ~~لي مكانا أفر إليه مما أراه. # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 كلا لا وزر. إلى ربك يومئذ المستقر ) إبطال ~~لهذا التمني ، ونفى لأن يكون لهذا الإنسان مهرب من الحساب. # والوزر : المراد به الملجأ والمكان الذي يحتمي به الشخص للتوقي مما يخافه ~~، وأصله : الجبل المرتفع المنيع ، من الوزر وهو الثقل. PageV15P200 # أى : كلا لا وزر ولا ملجأ لك. أيها الإنسان من المثول أمام ربك في هذا ~~اليوم للحساب والجزاء. # ومهما طال عمرك ، وطال رقادك في قبرك .. فإلى ربك وحده نهايتك ومستقرك ~~ومصيرك ، في هذا اليوم الذي لا محيص لك عنه. # وقوله سبحانه ( @QUR@06 ينبؤا الإنسان يومئذ بما قدم وأخر ) بيان لما ~~يحدث ms5866 له يوم القيامة ، أى : يخبر الإنسان في هذا اليوم بما قدم من أعمال ~~حسنة. وبما أخر منها فلم يعملها ، مع أنه كان في إمكانه أن يعملها ، ~~والمقصود بالآية المجازاة على الأعمال لا مجرد الإخبار. # قال الإمام ابن كثير : قوله تعالى : ( @QUR@06 ينبؤا الإنسان يومئذ بما ~~قدم وأخر ) أى : يخبر بجميع أعماله قديمها وحديثها أولها وآخرها ، صغيرها ~~وكبيرها ، كما قال سبحانه : ( @QUR@08 ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك ~~أحدا ) (1). # ثم أكد سبحانه هذا المعنى بقوله : ( @QUR@08 بل الإنسان على نفسه بصيرة. ~~ولو ألقى معاذيره ). # والبصيرة هنا بمعنى الحجة المشاهدة عليه ، وهي خبر عن المبتدأ وهو ( ~~@QUR@01 الإنسان ) والجار والمجرور متعلق بلفظ بصيرة والهاء فيها للمبالغة ~~، مثل هاء علامة ونسابة. # أى : بل الإنسان حجة بينة على نفسه ، وشاهدة بما كان منه من الأعمال ~~السيئة ، ولو أدلى بأية حجة يعتذر بها عن نفسه. لم ينفعه ذلك. # قال صاحب الكشاف : ( @QUR@01 بصيرة ) أى : حجة بينة ، وصفت بالبصارة على ~~المجاز ، كما وصفت الآيات بالإبصار في قوله : ( @QUR@04 فلما جاءتهم آياتنا ~~مبصرة ) أو : عين بصيرة والمعنى أنه ينبأ بأعماله ، وإن لم ينبأ ففيه ما ~~يجزئ عن الإنباء ، لأنه شاهد عليها بما عملت ، لأن جوارحه تنطق بذلك ، كما ~~قال تعالى ( @QUR@09 يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا ~~يعملون ). # ( @QUR@03 ولو ألقى معاذيره ) أى : ولو جاء بكل معذرة يعتذر بها عن نفسه ~~ويجادل عنها. # وعن الضحاك : ولو أرخى ستوره ، وقال : المعاذير : الستور ، واحدها معذار ~~، فإن صح فلأنه يمنع رؤية المحتجب ، كما تمنع المعذرة عقوبة المذنب .. # فإن قلت : أليس قياس المعذرة أن تجمع معاذر لا معاذير؟ قلت : المعاذير ~~ليس بجمع معذرة ، إنما هو اسم جمع لها. ونحوه : المناكير في المنكر (2). PageV15P201 # فالمقصود بهاتين الآيتين : بيان أن الإنسان لن يستطيع أن يهرب من نتائج ~~عمله مهما حاول ذلك ، لأن جوارحه شاهدة عليه ، ولأن أعذاره لن تكون مقبولة ~~، لأنها جاءت في غير وقتها ، كما قال تعالى : ( @QUR@010 يوم لا ينفع ~~الظالمين معذرتهم ، ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ). # ثم أرشد الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم إلى ما ms5867 يجب عليه عند تبليغ ~~القرآن إليه عن طريق الوحى. فقال سبحانه : ( @QUR@018 لا تحرك به لسانك ~~لتعجل به. إن علينا جمعه وقرآنه. فإذا قرأناه فاتبع قرآنه. ثم إن علينا ~~بيانه ). # والضمير في ( @QUR@01 به ) يعود إلى القرآن الكريم المفهوم من المقام. ~~والمراد بقوله : ( @QUR@02 لا تحرك ) نهيه صلى الله عليه وسلم عن التعجل في ~~القراءة. # والمقصود بقوله : قرآنه ، قراءته عليك ، وتثبيته على لسانك وفي قلبك بحيث ~~تقرؤه متى شئت فهو مصدر مضاف لمفعوله. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@01 وقرآنه ) أى : إثبات قراءته في لسانك ، ~~فالقرآن هنا ، وكذا فيما بعده ، مصدر كالرجحان بمعنى القراءة .. مضاف إلى ~~المفعول وقيل : قرآنه ، أى : تأليفه على لسانك .. (1). # أى : لا تتعجل أيها الرسول الكريم بقراءة القرآن الكريم عند ما تسمعه من ~~أمين وحينا جبريل عليه السلام ، بل تريث وتمهل حتى ينتهى من قراءته ثم اقرأ ~~من بعده ، فإننا قد تكفلنا بجمعه في صدرك وبقراءته عليك عن طريق وحينا ، ~~وما دام الأمر كذلك ، فمتى قرأ عليك جبريل القرآن فاتبع قراءته ولا تسبقه ~~بها ، ثم إن علينا بعد ذلك بيان ما خفى عليك منه ، وتوضيح ما أشكل عليك من ~~معانيه. # قال الإمام ابن كثير ما ملخصه ؛ هذا تعليم من الله تعالى لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم في كيفية تلقيه الوحى من الملك ، فإنه كان يبادر إلى أخذه ~~، ويسابق الملك في قراءته. # روى الشيخان وغيرهما عن ابن عباس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يعالج من ~~التنزيل شدة ، فكان يحرك شفتيه يريد أن يحفظه مخافة أن يتفلت منه شيء ، أو ~~من شدة رغبته في حفظه فأنزل الله تعالى هذه الآيات (2). # فأنت ترى أن الله تعالى قد ضمن لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يجمع له القرآن ~~في صدره وأن يجريه على لسانه ، بدون أى تحريف أو تبديل ، وأن يوضح له ما ~~خفى عليه منه. # قالوا : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ما نزل عليه الوحى بعد ذلك ~~بالقرآن ، أطرق وأنصت ، وشبيه بهذه الآيات قوله سبحانه : ( @QUR@06 فتعالى ~~الله الملك الحق ، ولا تعجل ms5868 PageV15P202 # @QUR@011 بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ، وقل رب زدني علما ). # ثم عادت السورة الكريمة مرة أخرى إلى الحديث عن يوم القيامة ، وعن أحوال ~~الناس فيه ، وعن حالة الإنسان في وقت الاحتضار ، وعن مظاهر قدرته تعالى وعن ~~حكمته في البعث والحساب والجزاء ، فقال سبحانه : # ( @QUR@04 كلا بل تحبون العاجلة (20) @QUR@02 وتذرون الآخرة (21) @QUR@03 ~~وجوه يومئذ ناضرة (22) @QUR@03 إلى ربها ناظرة (23) @QUR@03 ووجوه يومئذ ~~باسرة (24) @QUR@05 تظن أن يفعل بها فاقرة (25) @QUR@04 كلا إذا بلغت ~~التراقي (26) @QUR@03 وقيل من راق (27) @QUR@03 وظن أنه الفراق (28) ~~@QUR@03 والتفت الساق بالساق (29) @QUR@04 إلى ربك يومئذ المساق (30) ~~@QUR@04 فلا صدق ولا صلى (31) @QUR@03 ولكن كذب وتولى (32) @QUR@05 ثم ذهب ~~إلى أهله يتمطى (33) @QUR@03 أولى لك فأولى (34) @QUR@04 ثم أولى لك فأولى ~~(35) @QUR@05 أيحسب الإنسان أن يترك سدى (36) @QUR@06 ألم يك نطفة من مني ~~يمنى (37) @QUR@05 ثم كان علقة فخلق فسوى (38) @QUR@05 فجعل منه الزوجين ~~الذكر والأنثى (39) @QUR@07 أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ) (40) # وقوله سبحانه ( @QUR@06 كلا بل تحبون العاجلة. وتذرون الآخرة ) بيان لما ~~جبل عليه كثير من الناس ، من إيثارهم منافع الدنيا الزائلة ، على منافع ~~الآخرة الباقية ، وزجر ونهى لهم عن سلوك هذا المسلك ، الذي يدل على قصر ~~النظر ، وضعف التفكير. # أى : كلا أيها الناس ليس الرشد في أن تتركوا العمل الصالح الذي ينفعكم ~~يوم القيامة ، وتعكفوا على زينة الحياة الدنيا العاجلة .. بل الرشد كل ~~الرشد في عكس ذلك ، وهو أن تأخذوا من دنياكم وعاجلتكم ما ينفعكم في آخرتكم ~~، كما قال سبحانه : ( @QUR@011 وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس ~~نصيبك من الدنيا ). # وشبيه بهاتين الآيتين قوله تعالى ( @QUR@08 إن هؤلاء يحبون العاجلة ~~ويذرون وراءهم يوما ثقيلا ) (1). PageV15P203 # ثم يبين سبحانه حال السعداء والأشقياء يوم القيامة فقال : ( @QUR@014 ~~وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة. ووجوه يومئذ باسرة. تظن أن يفعل بها ~~فاقرة ). # وقوله : ( @QUR@01 ناضرة ) اسم فاعل من النضرة بفتح النون المشددة وسكون ~~الضاد وهي الجمال والحسن. تقول : وجه نضير ، إذا كان حسنا جميلا. # وقوله : ( @QUR@01 باسرة ) من البسور وهو شدة الكلوح والعبوس ، ومنه قوله ~~تعالى : ( @QUR@03 ثم عبس وبسر ) يقال : بسر فلان يبسر بسورا ، إذا قبض ما ~~بين عينيه كراهية ms5869 للشيء الذي يراه. # والفاقرة : الداهية العظيمة التي لشدتها كأنها تقصم فقار الظهر. يقال : ~~فلان فقرته الفاقرة ، أى : نزلت به مصيبة شديدة أقعدته عن الحركة. وأصل ~~الفقر : الوسم على أنف البعير بحديدة أو نار حتى يخلص إلى العظم أو ما يقرب منه. # والمراد بقوله : ( @QUR@01 يومئذ ): يوم القيامة الذي تكرر ذكره في ~~السورة أكثر من مرة. # والجملة المقدرة المضاف إليها «إذ» والمعوض عنها بالتنوين تقديرها يوم إذ ~~برق البصر. # والمعنى : في يوم القيامة ، الذي يبرق فيه البصر ، ويخسف القمر .. تصير ~~وجوه حسنة مشرقة ، ألا وهي وجوه المؤمنين الصادقين .. وهذه الوجوه تنظر إلى ~~ربها في هذا اليوم نظرة سرور وحبور ، بحيث تراه سبحانه على ما يليق بذاته ، ~~وكما يريد أن تكون رؤيته عز وجل بلا كيفية ، ولا جهة ، ولا ثبوت مسافة. # وهناك وجوه أخرى تصير في هذا اليوم كالحة شديدة العبوس ، وهي وجوه ~~الكافرين والفاسقين عن أمر ربهم ، وهذه الوجوه ( @QUR@01 تظن ) أى : تعتقد ~~أو تتوقع ، أن يفعل بها فعلا يهلكها ، ويقصم ظهورها لشدته وقسوته. # وجاء لفظ «وجوه» في الموضعين منكرا ، للتنويع والتقسيم ، كما في قوله ~~تعالى ( @QUR@06 فريق في الجنة وفريق في السعير ) وكما في قول الشاعر : # فيوم علينا ويوم لنا %~% ويوم نساء ويوم نسر # وقد أخذ العلماء من قوله تعالى : ( @QUR@03 إلى ربها ناظرة ) أن الله ~~تعالى يتكرم على عباده المؤمنين في هذا اليوم ، فيربهم ذاته بالكيفية التي ~~يريدها سبحانه . # ومنهم من فسر ( @QUR@01 ناظرة ) بمعنى منتظرة ، أى : منتظرة ومتوقعة ما ~~يحكم الله تعالى به عليها. # قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات : وقد ثبتت رؤية المؤمنين ~~لله عز وجل PageV15P204 # في الدار الآخرة ، في الأحاديث الصحاح ، من طرق متواترة عند أئمة الحديث ~~، لا يمكن دفعها ولا منعها. لحديث أبى سعيد وأبى هريرة وهما في الصحيحين أن ~~ناسا قالوا : يا رسول الله ، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال : «هل تضارون ~~في رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب» قالوا : لا ، قال : «فإنكم ترون ~~ربكم كذلك». # وفي الصحيحين عن جرير بن عبد الله قال : نظر رسول الله ms5870 صلى الله عليه وسلم ~~إلى القمر ليلة البدر فقال : «إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر». # ثم قال ابن كثير رحمه الله : وهذا بحمد الله مجمع عليه بين الصحابة ~~والتابعين وسلف هذه الأمة. كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام ، وهداة ~~الأنام. # ومن تأول ( @QUR@03 إلى ربها ناظرة ) فقال : تنتظر الثواب من ربها .. فقد ~~أبعد هذا القائل النجعة ، وأبطل فيما ذهب إليه. وأين هو من قوله تعالى ( ~~@QUR@06 كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ). # قال الشافعى : ما حجب الفجار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه عز وجل .. (1). # ثم زجر سبحانه الذين يكذبون بيوم الدين ، ويؤثرون العاجلة على الآجلة ، ~~زجرهم بلون آخر من ألوان الردع والزجر ، حيث ذكرهم بأحوالهم الأليمة عند ما ~~يودعون هذه الدنيا فقال : ( @QUR@010 كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق. ~~وظن أنه الفراق ). # والضمير في ( @QUR@01 بلغت ) يعود إلى الروح المعلومة من المقام. كما في ~~قوله تعالى ( @QUR@05 فلو لا إذا بلغت الحلقوم .. ) ومنه قول الشاعر : # أماوى ما يغنى الثراء عن الفتى %~% إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # والتراقي : جمع ترقوة ، وهي العظام المحيطة بأعالى الصدر عن يمينه ، وعن ~~شماله ، وهي موضع الحشرجة ، وجواب الشرط محذوف. # أى : حتى إذا بلغت روح الإنسان التراقي ، وأوشكت أن تفارق صاحبها .. وجد ~~كل إنسان ثمار عمله الذي عمله في دنياه ، وانكشفت له حقيقة عاقبته. # والمقصود من الآية الكريمة وما بعدها : الزجر عن إيثار العاجلة على ~~الآجلة. فكأنه تعالى يقول : احذروا أيها الناس ذلك قبل أن يفاجئكم الموت ، ~~وقبل أن تبلغ أرواحكم نهايتها ، وتنقطع عند ذلك آمالكم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 وقيل من راق ) بيان لما يقوله أحباب الإنسان ~~الذي بلغت PageV15P205 # روحه التراقي ، على سبيل التحسر والتوجع واستبعاد شفائه. و ( @QUR@01 من ~~) اسم استفهام مبتدأ. و ( @QUR@01 راق ) خبره ، وهو اسم فاعل من الرقية ، ~~وهي كلام يقوله القائل ، أو فعل يفعله الفاعل من أجل شفاء المريض. والمراد ~~به هنا : مطلق الطبيب الذي يرجى على يديه الشفاء لهذا المحتضر. # أى : اذكروا أيها الناس وقت بلوغ الروح نهايتها ، ووقت أن وقف من يهمهم ms5871 ~~أمر المريض مستسلمين لقضاء الله تعالى وملتمسين من كل من بيده شفاء مريضهم ~~، أن يتقدم لإنقاذه مما هو فيه من كرب ، ولكنهم لا يجدون أحدا يحقق لهم ~~آمالهم. # قال الآلوسى : قوله ( @QUR@03 وقيل من راق ) أى : وقال من حضر صاحبها ، ~~من يرقيه وينجيه مما هو فيه ، من الرقية ، وهو ما يستشفى به الملسوع ~~والمريض من الكلام المعد لذلك ، ولعله أريد به مطلق الطبيب ، أعم من أن يطب ~~بالقول أو بالفعل .. والاستفهام عند البعض حقيقى. وقيل : هو استفهام ~~استبعاد وإنكار. أى : قد بلغ هذا المريض مبلغا لا أحد يستطيع أن يرقيه. # وقيل هذا الكلام من كلام ملائكة الموت. أى : أيكم يرقى بروحه ، أملائكة ~~الرحمة ، أم ملائكة العذاب ، من الرقى وهو العروج. والاستفهام عليه حقيقى. # ووقف حفص رواية عن عاصم على ( @QUR@01 من ) وابتدأ بقوله : ( @QUR@01 راق ~~) وكأنه قصد أن لا يتوهم أنهما كلمة واحدة ، فسكت سكتة لطيفة ، لتشعر أنهما ~~كلمتان (1). # والضمير المستتر في قوله تعالى : ( @QUR@03 وظن أنه الفراق ) يعود إلى ~~هذا الإنسان الذي أشرف على الموت ، والذي بلغت روحه نهاية حياتها ، والظن ~~هنا بمعنى اليقين ، أو بمعنى العلم المقارب لليقين. # أى : وأيقن هذا المحتضر ، أو توقع أن نهايته قد اقتربت ، وأنه عما قليل ~~سيودع أهله وأحبابه ... وسيفارقهم فراقا لا لقاء بعده ، إلا يوم يقوم الناس ~~للحساب. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 والتفت الساق بالساق ) أى : والتوت والتصقت إحدى ~~ساقيه بالأخرى. عند سكرات الموت وشدته ، فصارتا متلاصقتين لا تكاد إحداهما ~~تتزحزح عن الأخرى ، فكأنهما ملتفتان. # ويصح أن يكون المعنى : والتفت الساق بالساق عند وضع هذا الذي أدركه الموت ~~في كفنه ، لأن هذا الكفن قد ضم جميع جسده ، والتصقت كل ساق بالأخرى. PageV15P206 # ومنهم من يرى أن هذه الآية الكريمة : كناية عن هول الموت وشدته كما في ~~قوله تعالى : ( @QUR@04 يوم يكشف عن ساق ) والعرب لا تذكر الساق إلا في ~~المحن والشدائد العظام ، ومنه قولهم : قامت الحرب على ساق. # قال صاحب الكشاف : «والتفت» ساقه بساقه والتوت عليها عند الموت ، وعن ~~قتادة : # ماتت رجلاه فلا تحملانه وقد كان عليهما جوالا. وقيل : التفت ms5872 شدة فراق ~~الدنيا بشدة إقبال الآخرة ، على أن الساق مثل في الشدة. وعن سعيد ابن ~~المسيب : هما ساقاه حين تلفان في أكفانه (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 إلى ربك يومئذ المساق ) أى : إلى ربك أيها ~~الرسول الكريم مساق الناس ومرجعهم لا إلى غيره يوم القيامة .. لكي يحاسبوا ~~على أعمالهم. # فالمساق مصدر ميمى من ساق الشيء إذا سيره أمامه إلى حيث يريد. # ثم بين سبحانه جانبا من الأسباب التي أدت إلى سوء عاقبة المكذبين للحق ، ~~فقال تعالى : ( @QUR@012 فلا صدق ولا صلى. ولكن كذب وتولى. ثم ذهب إلى أهله ~~يتمطى ). # والفاء للتفريع على ما تقدم ، من قوله تعالى : ( @QUR@05 أيحسب الإنسان ~~ألن نجمع عظامه ).. إلخ. # أو للتفريع والعطف على قوله سبحانه : ( @QUR@04 إلى ربك يومئذ المساق ) ~~.. أى : أن هذا الإنسان الذي أنكر الحساب والجزاء ، وفارق الحياة ، كانت ~~عاقبة أمره خسرا ، فلا هو صدق بالحق الذي جاءه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا ~~هو أدى الصلاة التي فرضها الله تعالى عليه ، ولكنه كذب بكل ذلك ، وتولى ، ~~وأعرض عن سبيل الرشاد. # ثم بعد ذلك : ( @QUR@04 ذهب إلى أهله يتمطى ) أى : ذهب إلى أهله متبخترا ~~متفاخرا ، متباهيا بإصراره على كفره وفجوره. # وقوله : ( @QUR@01 يتمطى ) من المط بمعنى المد. وأصله : يتمطط ، قلبت فيه ~~الطاء حرف علة ، ووصف المتبختر في مشيه بذلك ، لأنه يمط خطاه ، ويمدها على ~~سبيل الإعجاب بنفسه ، والتباهي بما هو عليه من كفر وضلال. # ولم يذكر سبحانه المتعلق والمفعول في الآيات الكريمة ، للإشعار بأن هذا ~~الإنسان الجاحد الجاهل .. لم يصدق بشيء من الحق ، ولم يؤد لله تعالى فرضا ~~ولا سنة ، ولكنه PageV15P207 # استمر على تكذيبه وإعراضه عن الصراط المستقيم ، ولم يكتف بكل ذلك ، بل ~~تفاخر وتباهي أمام غيره بما هو عليه من باطل. # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 أولى لك فأولى. ثم أولى لك فأولى ) دعاء على ~~هذا الإنسان الشقي ، المصر على إعراضه عن الحق .. بالهلاك وسوء العاقبة. و ~~( @QUR@01 أولى ) اسم تفضيل من ولى ، وفاعله ضمير محذوف يقدره كل قائل أو ~~سامع بما يدل على المكروه. # والكاف في قوله ( @QUR@01 لك ) للتبيين ، والكاف خطاب لهذا الإنسان ms5873 ~~المخصوص بالدعاء عليه. # وقوله : ( @QUR@01 فأولى ) تأكيد لقوله ( @QUR@02 أولى لك ) وجملة ( ~~@QUR@04 ثم أولى لك فأولى ) مؤكدة للجملة الأولى. أى : أجدر بك هذا الهلاك ~~الذي ينتظرك قريبا أيها الإنسان الجاحد ، ثم أجدر بك ، لأنك أصررت على كل ~~ما هو باطل وسوء. # قال القرطبي ما ملخصه : هذا تهديد بعد تهديد ، ووعيد بعد وعيد .. # روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المسجد ذات يوم ، فاستقبله أبو ~~جهل على باب المسجد ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ، فهزه مرة أو ~~مرتين ثم قال : «أولى لك فأولى». فقال أبو جهل : أتهددني يا محمد فو الله ~~إنى لأعز أهل هذا الوادي وأكرمه ، ونزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ~~قال لأبى جهل (1). # وجيء بحرف «ثم» في عطف الجملة الثانية على الأولى ، لزيادة التأكيد ، ~~وللارتقاء في الوعيد ، وللإشعار بأن التهديد الثاني أشد من الأول ، كما في ~~قوله تعالى : ( @QUR@07 كلا سوف تعلمون. ثم كلا سوف تعلمون ). # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بالإشارة إلى الحكمة من البعث والجزاء ، ~~وببيان جانب من مظاهر قدرته فقال : ( @QUR@05 أيحسب الإنسان أن يترك سدى ). # والاستفهام للإنكار كما قال في قوله تعالى قبل ذلك : ( @QUR@05 أيحسب ~~الإنسان ألن نجمع عظامه ). # و «سدى» بضم السين مع القصر بمعنى مهمل. يقال : إبل سدى ، أى : مهملة ليس ~~لها راع يحميها .. وهو حال من فاعل «يترك». # أى : أيظن هذا الإنسان الذي أنكر البعث والجزاء ، أن نتركه هكذا مهملا ، ~~فلا نجازيه PageV15P208 # على أعماله التي عملها في الدنيا؟ إن كان يحسب ذلك فهو في وهم وضلال ، ~~لأن حكمتنا قد اقتضت أن نكرم المتقين ، وأن تعاقب المكذبين. # والاستفهام في قوله : ( @QUR@06 ألم يك نطفة من مني يمنى .. ) للتقرير ، ~~والنطفة : القليل من الماء و ( @QUR@01 يمنى ) يراق هذا المنى في رحم ~~المرأة. # أى : كيف يحسب هذا الإنسان أنه سيترك سدى؟ ألم يك في الأصل قطرة ماء تصب ~~من الرجل في رحم المرأة وتراق فيه؟ بل إنه كان كذلك. # ثم ( @QUR@01 كان ) بعد ذلك ( @QUR@01 علقة ) أى : قطعة دم متجمد ( ~~@QUR@02 فخلق فسوى ) أى ms5874 : فخلقه الله تعالى خلقا آخر بقدرته ، وسواه في ~~أحسن تقويم ، كما قال : ( @QUR@06 لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم .. ). # وجملة ( @QUR@07 أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ) بمثابة النتيجة بعد ~~المقدمات والأدلة. # أى : أليس ذلك الرب العظيم الشأن والقدرة ، الذي أحسن كل شيء خلقه : ~~والذي خلق الإنسان في تلك الأطوار المتعددة ... أليس ذلك الإله صاحب الخلق ~~والأمر. # ( @QUR@05 بقادر على أن يحيي الموتى ) وعلى أن يعيدهم إلى الحياة مرة ~~أخرى ، ليجازى الذين أساءوا بما عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى؟ بلى ~~إنه لقادر على ذلك قدرة تامة. # وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث منها : ~~أن رجلا كان إذا قرأ هذه الآية قال : سبحانك اللهم وبلى. فسئل عن ذلك فقال ~~: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك (1). # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ||الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى| PageV15P209 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الإنسان ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «الإنسان» يرى بعضهم أنها من السور المكية الخالصة ، ويرى آخرون ~~أنها من السور المدنية. # قال الآلوسى : هي مكية عند الجمهور ، وقال مجاهد وقتادة : مدنية كلها ، ~~وقال الحسن : مدنية إلا آية واحدة ، وهي قوله تعالى : ( @QUR@06 ولا تطع ~~منهم آثما أو كفورا ) (1). # 2 والذي تطمئن إليه النفس أن هذه السورة ، من السور المكية الخالصة ، فإن ~~أسلوبها وموضوعها ومقاصدها .. كل ذلك يشعر بأنها من السور المكية ، إذ من ~~خصائص السور المكية ، كثرة حديثها عن حسن عاقبة المؤمنين ، وسوء عاقبة ~~المكذبين ، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالصبر ، وإثبات أن هذا ~~القرآن من عند الله تعالى والتحريض على مداومة ذكر الله تعالى وطاعته .. ~~وكل هذه المعاني نراها واضحة في هذه السورة. # ولقد رأينا الإمام ابن كثير وهو من العلماء المحققين عند تفسيره لهذه ~~السورة ، قال بأنها مكية ، دون أن يذكر في ذلك خلافا ، مما يوحى بأنه لا ~~يعتد بقول من قال بأنها مدنية. # 3 وتسمى هذه السورة أيضا بسورة «هل أتى على الإنسان» ، فقد روى ms5875 البخاري ~~في باب القراءة في الفجر عن أبى هريرة ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقرأ في الفجر سورة «ألم السجدة». وسورة. «هل أتى على الإنسان». # وتسمى أيضا بسورة : الدهر ، والأبرار ، والأمشاج ، لورود هذه الألفاظ فيها. PageV15P211 # وعدد آياتها : إحدى وثلاثون آية بلا خلاف. # 4 ومن مقاصدها البارزة : تذكير الإنسان بنعم الله تعالى عليه ، حيث خلقه ~~سبحانه من نطفة أمشاج ، وجعله سميعا بصيرا ، وهداه السبيل. # وحيث أعد له ما أعد من النعيم الدائم العظيم .. متى أطاعه واتقاه. # كما أن من مقاصدها : إنذار الكافرين بسوء العاقبة إذا ما استمروا على ~~كفرهم. وإثبات أن هذا القرآن من عند الله تعالى وأمر الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وأمته بالصبر والإكثار من ذكر الله تعالى بكرة وأصيلا. # وبيان أن حكمته تعالى قد اقتضت أنه : ( @QUR@010 يدخل من يشاء في رحمته ، ~~والظالمين أعد لهم عذابا أليما ). PageV15P212 ### ||| * التفسير # افتتح سبحانه السورة الكريمة بقوله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@011 هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا (1) ~~@QUR@010 إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (2) ~~@QUR@07 إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا ) (3) # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@04 هل أتى على الإنسان .. ) للتقرير. ~~والمراد بالإنسان : جنسه ، فيشمل جميع بنى آدم ، والحين : المقدار المجمل ~~من الزمان ، لا حد لأكثره ولا لأقله. والدهر : الزمان الطويل غير المحدد ~~بوقت معين. # والمعنى : لقد أتى على الإنسان ( @QUR@03 حين من الدهر ) أى : وقت غير ~~محدد من الزمان الطويل الممتد في هذه الحياة الدنيا. # ( @QUR@04 لم يكن شيئا مذكورا ) أى : لم يكن هذا الإنسان في ذلك الحين من ~~الدهر ، شيئا مذكورا من بين أفراد جنسه ، وإنما كان شيئا غير موجود إلا في ~~علم الله تعالى . # ثم أوجده سبحانه بعد ذلك من نطفة فعلقة فمضغة .. ثم أنشأه سبحانه بعد ذلك ~~خلقا آخر ، فتبارك الله أحسن الخالقين. # فالمقصود بهذه الآية الكريمة بيان مظهر من مظاهر قدرته عز وجل حيث أوجد ~~الإنسان من العدم ، ومن كان قادرا على ذلك ، كان من باب أول قادرا على ~~إعادته ms5876 إلى الحياة بعد موته ، للحساب والجزاء. # قال الإمام الفخر الرازي ما ملخصه : اتفقوا على أن «هل» هاهنا ، وفي قوله ~~تعالى : ( @QUR@04 هل أتاك حديث الغاشية ). بمعنى قد ، كما تقول : هل رأيت صنيع PageV15P213 # فلان ، وقد علمت أنه قد رآه. وتقول : هل وعظتك وهل أعطيتك ، ومقصودك أن ~~تقرره بأنك قد أعطيته ووعظته. # والدليل على أن «هل» هنا ليست للاستفهام الحقيقي .. أنه محال على الله ~~تعالى فلا بد من حمله على الخبر (1). # وجاءت الآية الكريمة بأسلوب الاستفهام ، لما فيه من التشويق إلى معرفة ما ~~سيأتى بعده من كلام. # وجملة ( @QUR@04 لم يكن شيئا مذكورا ) في موضع نصب على الحال من الإنسان ~~، والعائد محذوف. أى : حالة كون هذا الإنسان ، لم يكن في ذلك الحين من ~~الدهر ، شيئا مذكورا من بين أفراد جنسه. وإنما كان نسيا منسيا ، لا يعلم ~~بوجوده أحد سوى خالقه عز وجل . # ثم فصل سبحانه بعد هذا التشويق ، أطوار خلق الإنسان فقال : ( @QUR@07 إنا ~~خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه ) والمراد بالإنسان هنا أيضا جنسه ~~وجميع أفراده. # و «أمشاج» بمعنى أخلاط من عناصر شتى ، مشتق من المشج بمعنى الخلط ، يقال : ~~مشج فلان بين كذا وكذا من باب ضرب إذا خلط ومزج بينهما ، وهو جمع مشج كسبب ~~، أو مشج ككتف ، أو مشيج كنصير. # قال الجمل : «أمشاج» نعت لنطفة. ووقع الجمع صفة لمفرد ، لأنه في معنى ~~الجمع ، أو جعل كل جزء من النطفة نطفة ، فاعتبر ذلك فوصف بالجمع .. (2). # ويرى صاحب الكشاف ان لفظ «أمشاج» مفرد جاء على صيغة أفعال ، كلفظ أعشار ~~في قولهم : برمة أعشار ، أى : برمة متكسرة قطعا قطعا ، وعليه يكون المفرد ~~قد نعت بلفظ مفرد مثله. فقد قال رحمه الله : «من نطفة أمشاج» كبرمة أعشار .. ~~وهي ألفاظ مفردة غير جموع. # ولذلك وقعت صفات للأفراد ، والمعنى : من نطفة قد امتزج فيها الماءان .. (3). # وجملة «نبتليه» حال من الإنسان. أو من فاعل «خلقنا». PageV15P214 # أى : إنا خلقنا الإنسان بقدرتنا وحدها. «من نطفة» أى : من منى ، وهو ماء ~~الرجل وماء المرأة ، «أمشاج» أى : ممتزج أحدهما بالآخر امتزاجا تاما. # أو خلقناه ms5877 من نطفة مختلطة بعناصر متعددة ، تتكون منها حياة الإنسان ~~بقدرتنا وحكمتنا. # وخلقناه كذلك حالة كوننا مريدين ابتلاءه واختباره بالتكاليف ، في مستقبل ~~حياته حين يكون أهلا لهذه التكاليف. # ( @QUR@01 فجعلناه ) بسبب إرادتنا ابتلاءه واختباره بالتكاليف عند بلوغه ~~سن الرشد ( @QUR@02 سميعا بصيرا ) أى : فجعلناه بسبب هذا الابتلاء ~~والاختبار والتكاليف مزودا بوسائل الإدراك ، التي بواسطتها يسمع الحق ~~ويبصره ويستجيب له ويدرك الحقائق والآيات الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ~~وصدق رسلنا .. إدراكا سليما ، متى اتبع فطرته ، وخالف وساوس الشيطان ~~وخطواته. # وخص سبحانه السمع والبصر بالذكر ، لأنهما أنفع الحواس للإنسان ، إذ عن ~~طريق السمع يتلقى دعوة الحق وما اشتملت عليه من هدايات ، وعن طريق البصر ~~ينظر في الأدلة المتنوعة الكثيرة التي تدل على وحدانية الله تعالى وعلى صدق ~~أنبيائه فيما جاءوا به من عند ربهم. # وقوله سبحانه ( @QUR@03 إنا هديناه السبيل ) تعليل لقوله ( @QUR@01 ~~نبتليه )، وتفصيل لقوله تعالى ( @QUR@03 فجعلناه سميعا بصيرا )، والمراد ~~بالهداية هنا : الدلالة إلى طريق الحق ، والإرشاد إلى الصراط المستقيم. # أى : إنا بفضلنا وإحساننا قد أرشدنا الإنسان إلى ما يوصله إلى طريق الحق ~~والصواب ، وأرشدناه إلى ما يسعده ، عن طريق إرسال الرسل وتزويده بالعقل ~~المستعد للتفكر والتدبر في آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا. # وقوله : ( @QUR@04 إما شاكرا وإما كفورا ) حالان من ضمير الغيبة في ~~«هديناه» وهو ضمير الإنسان. # و «إما» للتفصيل باعتبار تعدد الأحوال مع اتحاد الذات : أو للتقسيم للمهدي ~~بحسب اختلاف الذوات والصفات. # أى : إنا هديناه ودللناه على ما يوصله إلى الصراط المستقيم ، في حالتي ~~شكره وكفره ، لأنه إن أخذ بهدايتنا كان شاكرا ، وإن أعرض عنها كان جاحدا ~~وكافرا لنعمنا ، فالهداية موجودة في كل الأحوال ، إلا أن المنتفعين بها هم ~~الشاكرون وحدهم. # ومثل ذلك كمثل رجلين ، يرشدهما مرشد إلى طريق النجاة ، فأحدهما يسير في ~~هذا الطريق PageV15P215 # فينجو من العثرات والمتاعب والمخاطر .. والآخر يعرض عن ذلك فيهلك. # ولما كان الشكر قل من يتصف به ، كما قال سبحانه : ( @QUR@04 وقليل من ~~عبادي الشكور ) جاء التعبير بقوله سبحانه ( @QUR@01 شاكرا ) بصيغة اسم ~~الفاعل. ولما كان الجحود والكفر يعم أكثر الناس ، جاء التعبير ms5878 بقوله تعالى ~~( @QUR@01 كفورا ) بصيغة المبالغة. # والمقصود من الآية الكريمة : قفل الباب أمام الذين يفسقون عن أمر ربهم ، ~~ويرتكبون ما يرتكبون من السيئات .. ثم بعد ذلك يعلقون أفعالهم هذه على قضاء ~~الله وقدره ، ويقولون كما حكى القرآن عن المشركين : ( @QUR@011 لو شاء الله ~~ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ) (1). # ثم بين سبحانه بعد هذه الهداية ، ما أعده لفريق الكافرين ، وما أعده ~~لفريق الشاكرين ، فقال تعالى : # ( @QUR@06 إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا (4) @QUR@08 إن ~~الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا (5) @QUR@07 عينا يشرب بها عباد ~~الله يفجرونها تفجيرا (6) @QUR@07 يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره ~~مستطيرا (7) @QUR@07 ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (8) ~~@QUR@010 إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا (9) @QUR@07 ~~إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا (10) @QUR@08 فوقاهم الله شر ذلك ~~اليوم ولقاهم نضرة وسرورا (11) @QUR@05 وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا (12) ~~@QUR@010 متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا (13) ~~@QUR@06 ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا (14) @QUR@03 ويطاف عليهم بآنية PageV15P216 # @QUR@05 من فضة وأكواب كانت قواريرا (15) @QUR@05 قواريرا من فضة قدروها ~~تقديرا (16) @QUR@06 ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا (17) @QUR@04 ~~عينا فيها تسمى سلسبيلا (18) @QUR@09 ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم ~~حسبتهم لؤلؤا منثورا (19) @QUR@07 وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا ~~(20) @QUR@013 عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ~~ربهم شرابا طهورا (21) @QUR@08 إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا ) (22) # فقوله سبحانه : ( @QUR@03 إنا أعتدنا للكافرين .. ) كلام مستأنف لبيان ~~جزاء الكافرين ، بعد أن تطلعت إليه النفس ، بعد سماعها لقوله تعالى : ( ~~@QUR@04 إما شاكرا وإما كفورا ). # وابتدأ سبحانه بذكر جزاء الكافر ، لأن ذكره هو الأقرب ولأن الغرض بيان ~~جزائه على سبيل الإجمال ، ثم تفصيل القول بعد ذلك في بيان جزاء المؤمنين. # والسلاسل : جمع سلسلة ، وهي القيود المصنوعة من الحديد والتي يقيد بها ~~المجرمون. وقد قرأ بعض القراء السبعة هذا اللفظ بالتنوين ، وقرأه آخرون ~~بدون تنوين. # والأغلال : جمع غل بضم الغين وهو القيد الذي يقيد به المذنب ويكون في ~~عنقه ، قال تعالى : ( @QUR@012 إذ الأغلال في أعناقهم ، والسلاسل يسحبون ms5879 في ~~الحميم ثم في النار يسجرون ). # والمعنى : إنا أعتدنا وهيأنا للكافرين سلاسل يقادون بها ، وأغلالا تجمع ~~بها أيديهم إلى أعناقهم على سبيل الإذلال لهم ، وهيأنا لهم فوق ذلك نارا ~~شديدة الاشتعال تحرق بها أجسادهم. # ثم بين سبحانه ما أعده للمؤمنين الصادقين من خير عميم فقال : ( @QUR@08 ~~إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا ). # والأبرار : جمع بر أو بار. وهو الإنسان المطيع لله تعالى طاعة تامة ، ~~والمسارع في فعل الخير ، والشاكر لله تعالى على نعمه. # والكأس : هو الإناء الذي توضع فيه الخمر ، ولا يسمى بهذا الاسم إلا إذا ~~كانت الخمر PageV15P217 # بداخله ، ويصح أن يطلق الكأس على الخمر ذاتها على سبيل المجاز ، من باب ~~تسمية الحال باسم المحل ، وهو المراد هنا. لقوله تعالى ( @QUR@03 كان ~~مزاجها كافورا ). و «من» للتبعيض. # والضمير في قوله ( @QUR@01 مزاجها ) يعود إلى الكأس التي أريد بها الخمر ~~، والمراد «بمزاجها» : خليطها من المزج بمعنى الخلط يقال : مزجت الشيء ~~بالشيء ، إذا خلطته به. # والكافور : اسم لسائل طيب الرائحة ، أبيض اللون ، تميل إليه النفوس. # أى : إن المؤمنين الصادقين ، الذين أخلصوا لله تعالى الطاعة والعبادة ~~والشكر .. يكافئهم سبحانه على ذلك ، بأن يجعلهم يوم القيامة في جنات عالية ~~، ويتمتعون بالشراب من خمر ، هذه الخمر كانت مخلوطة بالكافور الذي تنتعش له ~~النفوس ، وتحبه الأرواح والقلوب ، لطيب رائحته ، وجمال شكله. # وذكر سبحانه هذه الأشياء في هذه السورة من الكافور والزنجبيل ، وغيرهما ، ~~لتحريض العقلاء على الظفر في الآخرة بهذه المتع التي كانوا يشتهونها في ~~الدنيا ، على سبيل تقريب الأمور لهم ، وإلا فنعيم الآخرة لا يقاس في لذته ~~ودوامه بالنسبة لنعيم الدنيا الفاني. # قال ابن عباس : كل ما ذكر في القرآن مما في الجنة وسماه ، ليس له من ~~الدنيا شبيه إلا في الاسم. فالكافور ، والزنجبيل ، والأشجار والقصور ، ~~والمأكول والمشروب ، والملبوس والثمار ، لا يشبه ما في الدنيا إلا في مجرد الاسم. # وقوله سبحانه ( @QUR@05 عينا يشرب بها عباد الله .. ) بدل من قوله : ( ~~@QUR@03 كان مزاجها كافورا ) لأن ماءها في بياض الكافور وفي رائحته ~~وبرودته. # أى : أن الأبرار يشربون من كأس ، ماؤها ms5880 ينبع من عين في الجنة ، هذا الماء ~~له بياض الكافور ورائحته وبرودته. # وعدى فعل «يشرب» بالباء ، التي هي باء الإلصاق ، لأن الكافور يمزج به ~~شرابهم. أى ؛ عينا يشرب عباد الله ماءهم وخمرهم بها. أى : مصحوبا بمائها ~~وخمرها. # ومنهم من جعل الباء هنا بمعنى من التبعيضية. أى : عينا يشرب من بعض مائها ~~وخمرها عباد الله ، وهم الأبرار. # وعبر عنهم بذلك لتشريفهم وتكريمهم ، حيث أضافهم سبحانه إلى ذاته. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم وصل فعل الشرب بحرف الابتداء أولا ، ~~وبحرف الإلصاق آخرا؟ قلت : لأن الكأس مبدأ شربهم وأول غايته ، وأما العين ~~فبها يمزجون PageV15P218 # شرابهم ، فكأن المعنى : يشرب عباد الله بها الخمر ، كما تقول : شربت ~~الماء بالعسل .. (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 يفجرونها تفجيرا ) صفة أخرى للعين ، أى : ~~يسيرونها ويجرونها إلى حيث يريدون ، وينتفعون بها كما يشاءون ، ويتبعهم ~~ماؤها إلى كل مكان يتجهون إليه. # فالتعبير بقوله : ( @QUR@02 يفجرونها تفجيرا ) إشارة إلى كثرتها وسعتها ~~وسهولة حصولهم عليها. # يقال : فجر فلان الماء ، إذا أخرجه من الأرض بغزارة ومنه قوله تعالى ( ~~@QUR@010 وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ). # ثم بين سبحانه بعد ذلك في آيات متعددة ، الأسباب التي من أجلها وصلوا إلى ~~النعيم الدائم. فقال تعالى : ( @QUR@07 يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره ~~مستطيرا ). # والنذر : ما يوجبه الإنسان على نفسه من طاعة لله تعالى ، والوفاء به : ~~أداؤه أداء كاملا. أى : أن من الأسباب التي جعلت الأبرار يحصلون على تلك ~~النعم ، أنهم من أخلاقهم الوفاء بالنذر ، ومن صفاتهم أيضا أنهم يخافون يوما ~~عظيما هو يوم القيامة ، الذي كان عذابه فاشيا منتشرا غاية الانتشار. # فقوله : ( @QUR@01 مستطيرا ) اسم فاعل من استطار الشيء إذا انتشر وامتد ~~أمره. والسين والتاء فيه للمبالغة ، وأصله طار. ومنه قولهم : استطار الغبار ~~، إذا انتشر في الهواء وتفرق ، وجيء بصيغة المضارع في قوله : ( @QUR@01 ~~يوفون ) للدلالة على تجدد وفائهم في كل وقت وحين. # والتعريف في «النذر» للجنس ، لأنه يعم كل نذر. # وجاء لفظ اليوم منكرا ، ووصف بأن له شرا مستطيرا .. لتهويل أمره ، وتعظيم ~~شأنه ، حتى يستعد الناس لاستقباله ms5881 بالإيمان والعمل الصالح. # ثم وصفهم سبحانه بصفات أخرى فقال : ( @QUR@07 ويطعمون الطعام على حبه ~~مسكينا ويتيما وأسيرا ). # أى : أن هؤلاء الأبرار من صفاتهم أيضا أنهم يطعمون الطعام مع حب هذا ~~الطعام لديهم ، ومع حاجتهم إليه واشتهائهم له. # ومع كل ذلك فهم يقدمونه للمسكين ، وهو المحتاج إلى غيره لفقره وسكونه عن ~~الحركة .. PageV15P219 # ولليتيم : وهو من فقد أباه وهو صغير ، وللأسير : وهو من أصبح أمره بيد ~~غيره. وخص الإطعام بالذكر : لما في تقديمه من كرم وسخاء وإيثار ، لا سيما ~~مع الحاجة إليه ، كما يشعر به قوله تعالى ( @QUR@02 على حبه ) أى : على ~~حبهم لذلك الطعام ، وقيل الضمير في قوله ( @QUR@02 على حبه ) يعود إلى الله ~~عز وجل أى : يطعمون الطعام على حبهم له تعالى . # والأول أولى. ويؤيده قوله تعالى ( @QUR@07 لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما ~~تحبون ). # و «على» هنا بمعنى مع ، والجملة في محل نصب على الحال. أى : حالة كونهم ~~كائنين على حب هذا الطعام. # وخص هؤلاء الثلاثة بالذكر ، لأنهم أولى الناس بالرعاية والمساعدة. # وقد ذكروا في سبيل نزول هذه الآية ، والآيتين اللتين يعدها ، روايات منها ~~، أنها نزلت في الإمام على وزوجه فاطمة رضى الله عنهما . # قال القرطبي بعد أن ذكر هذه الروايات : والصحيح أنها نزلت في جميع ~~الأبرار ، وفي كل من فعل فعلا حسنا ، فهي عامة .. (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@04 إنما نطعمكم لوجه الله ) بيان لشدة إخلاصهم ، ~~ولطهارة نفوسهم. وهو مقول لقول محذوف أى : يقدمون الطعام لهؤلاء المحتاجين ~~مع حبهم لهذا الطعام ، ومع حاجتهم إليه .. ثم يقولون لهم بلسان الحال أو ~~المقال : إنما نطعمكم ابتغاء وجه الله تعالى وطلبا لمثوبته ورحمته. # ( @QUR@06 لا نريد منكم جزاء ولا شكورا ) أى : لا نريد منكم جزاء على ما ~~قدمناه لكم ، ولا نريد منكم شكرا على ما فعلناه ، فإننا لا نلتمس ذلك إلا ~~من الله تعالى خالقنا وخالقكم. # ثم أضافوا إلى ذلك قولهم : ( @QUR@07 إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا ~~قمطريرا ). # والعبوس : صفة مشبهة لمن هو شديد العبس ، أى كلوح الوجه وانقباضه. # والقمطرير : الشديد الصعب من كل شيء يقال : اقمطر يومنا ، إذا ms5882 اشتدت ~~مصائبه. # ووصف اليوم بهذين الوصفين على سبيل المجاز في الإسناد ، والمقصود وصف ~~أهله بذلك ، فهو من باب : فلان نهاره صائم. PageV15P220 # أى : ويقولون لهم أيضا عند تقديم الطعام لهم : إنا نخاف من ربنا يوما ، ~~تعبس فيه الوجوه ، من شدة هوله ، وعظم أمره ، وطول بلائه. # أى : أنهم لم يقدموا الطعام مع حبهم له رياء ومفاخرة ، وإنما قدموه ~~ابتغاء وجه الله ، وخوفا من عذابه. # والفاء في قوله : ( @QUR@05 فوقاهم الله شر ذلك اليوم .. ) للتفريع على ~~ما تقدم ولبيان ما ترتب على إخلاصهم وسخائهم من ثواب. أى : فترتب على ~~وفائهم بالنذور ، وعلى خوفهم من عذاب الله تعالى وعلى سخائهم وإخلاصهم ، ~~ترتب على كل ذلك أن دفع الله تعالى عنهم شر ذلك اليوم ، وهو يوم القيامة. # ( @QUR@03 ولقاهم نضرة وسرورا ) أى : وجعلهم يلقون فيها حسنا وبهجة في ~~الوجوه ، وسرورا وانشراحا في الصدور ، بدل العبوس والكلوح الذي حل بوجوه ~~الكفار. # ( @QUR@03 وجزاهم بما صبروا ) أى : بسبب صبرهم ( @QUR@01 جنة ) عظيمة .. ~~و ( @QUR@01 حريرا ) جميلا يلبسونه. ( @QUR@02 متكئين فيها ) أى : في الجنة ~~( @QUR@02 على الأرائك ) أى : على السرر ، أو على ما يتكأ عليه من سرير أو ~~فراش ونحوه. # ( @QUR@06 لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا ) أى : لا يرون فيها شمسا شديدة ~~الحرارة بحيث تؤذيهم أو تضرهم ، ولا يرون فيها كذلك ( @QUR@01 زمهريرا ) أى ~~: بردا مفرطا ، يقال : زمهر اليوم ، إذا اشتد برده. # والمقصود من الآية الكريمة أنهم لا يرون في الجنة إلا جوا معتدلا ، لا هو ~~بالحار ولا هو بالبارد. # وقوله سبحانه ( @QUR@03 ودانية عليهم ظلالها .. ) معطوف على قوله قبل ذلك ~~: ( @QUR@01 متكئين ). # و «ظلالها» فاعل «دانية» والضمير في «ظلالها» يعود إلى الجنة. # أى : أن الأبرار جالسون في الجنة جلسة الناعم البال ، المنشرح الصدر. ~~وظلال أشجار الجنة قريبة منهم ، ومحيطة بهم ، زيادة في إكرامهم. # ( @QUR@03 وذللت قطوفها تذليلا ) أى : أنهم فضلا عن ذلك قد سخرت لهم ثمار ~~الجنة تسخيرا ، وسهل الله تعالى لهم تناولها تسهيلا عظيما ، بحيث إن القاعد ~~منهم والقائم PageV15P221 # والمضطجع ، يستطيع أن يتناول هذه الثمار اللذيذة بدون جهد أو تعب. # فقوله تعالى : ( @QUR@01 وذللت ) من التذليل بمعنى الانقياد ms5883 والتسخير ، ~~يقال : ذلل الكرم بضم الذال إذا تدلت عناقيده وصارت في متناول اليد. ~~والقطوف : جمع قطف بكسر القاف وهو العنقود حين يقطف أو الثمار المقطوفة. # وبعد أن وصف سبحانه جانبا من طعامهم ولباسهم ومسكنهم أخذت السورة الكريمة ~~في وصف شرابهم. فقال تعالى : ( @QUR@013 ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب ~~كانت قواريرا. قواريرا من فضة قدروها تقديرا ). # وقوله : ( @QUR@01 ويطاف ) من الطواف ، وهو السعى المكرر حول الشيء ، ~~ومنه الطواف بالكعبة. والآنية : جمع إناء ، وهو اسم لكل وعاء يوضع فيه ~~الطعام والشراب والمراد بها هنا : الأوانى : التي يستعملونها في مجالس ~~شرابهم. # والأكواب : جمع كوب ، وهو القدح الذي لا عروة له ، وعطفه على الآنية من ~~باب عطف الخاص على العام. # والقوارير : جمع قارورة وهي في الأصل إناء رقيق من الزجاج النقي الشفاف ، ~~توضع فيه الأشربة وما يشبهها ، فتستقر فيه. # أى : ويطاف على هؤلاء الأبرار بآنية كائنة من فضة ، وبأكواب وأقداح من ~~فضة أيضا وجعلت هذه الأكواب في مثل القوارير في صفائها ونقائها ، وفي مثل ~~الفضة في جمالها وحسنها ، بحيث يرى ما بداخلها من خارجها. # وقوله سبحانه ( @QUR@02 قدروها تقديرا ) أى : إن الطائفين بهذه الأكواب ~~عليهم ، قد وضعوا فيها من الشراب على مقدار ما يشبع هؤلاء الأبرار ويرويهم ~~بدون زيادة أو نقصان والطائفون عليهم بذلك هم الخدم الذين جعلهم الله تعالى ~~لخدمة هؤلاء الأبرار. وبنى الفعل للمجهول للعلم بهم. # وقال سبحانه هنا ( @QUR@03 بآنية من فضة ) وفي سورة الزخرف ( @QUR@06 ~~يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب .. ) زيادة في تكريمهم وفي سمو منزلتهم ، ~~إذ تارة يطاف عليهم بأكواب من فضة ، وتارة يطاف عليهم بصحاف من ذهب ، ومن ~~المعروف أنه كلما تعددت المناظر الحسنة ، والمشارب اللذيذة ، كان ذلك أبهج للنفس. # والمراد بالكينونة في قوله تعالى ( @QUR@02 كانت قواريرا .. ) أنها تكونت ~~ووجدت على هذه الصفة. PageV15P222 # قال الآلوسى : قوله تعالى ( @QUR@02 كانت قواريرا ) أى : كانت تلك ~~الأكواب قوارير ، جمع قارورة ، وهي إناء رقيق من الزجاج توضع فيه الأشربة ، ~~ونصبه على الحال ، فإن «كان» تامة ، وهو كما تقول : خلقت قوارير. وقوله ~~تعالى : ( @QUR@03 قواريرا من فضة ) بدل. ms5884 والكلام على التشبيه البليغ. # والمراد تكونت جامعة بين صفاء الزجاجة وشفيفها ، ولون الفضة وبياضها. # وقرأ نافع والكسائي وأبو بكر بتنوين ( @QUR@01 قواريرا ) في الموضعين ~~وصلا ، وإبداله ألفا وقفا. وابن كثير يمنع صرف الثاني ويصرف الأول .. ~~والقراءة بمنع صرفهما للباقين (1). # وقال الشوكانى : وجملة «قدروها تقديرا» صفة لقوارير .. أى : قدرها السقاة ~~من الخدم ، الذين يطوفون عليهم على قدر ما يحتاج إليه الشاربون من أهل ~~الجنة ، من دون زيادة ولا نقصان .. ، وقيل : قدرها الملائكة. وقيل : قدرها ~~الشاربون لها من أهل الجنة على مقدار حاجتهم ، فجاءت كما يريدون في الشكل ~~لا تزيد ولا تنقص .. (2). # ثم بين سبحانه محاسن شراب أهل الجنة فقال : ( @QUR@010 ويسقون فيها كأسا ~~كان مزاجها زنجبيلا عينا فيها تسمى سلسبيلا ). # والمراد بالكأس هنا : كأس الخمر. والضمير في قوله ( @QUR@01 فيها ) يعود ~~إلى الجنة. والزنجبيل : نبات ذو رائحة عطرية طيبة ، والعرب كانوا يستلذون ~~الشراب الممزوج به. # والسلسبيل وصف قيل مشتق من السلاسة بمعنى السهولة واللين ، يقال : ماء ~~سلسل ، أى : عذب سائغ للشاربين ، ومعنى ( @QUR@01 تسمى ) على هذا الرأى. أى ~~: توصف بالسلاسة والعذوبة. # وقيل : السلسبيل : اسم لهذه العين ، لقوله تعالى ( @QUR@01 تسمى ). # أى : أن هؤلاء الأبرار بجانب كل ما تقدم من نعم يسقون في الجنة من كأس ~~مليئة بالخمر ، وهذه الخمر التي يشربونها ممزوجة بالزنجبيل ، فتزداد لذة ~~على لذتها. # ويسقون أيضا من عين فيها أى : في الجنة تسمى سلسبيلا ، وذلك لسلاسة مائها ~~ولذته وعذوبته ، وسهولة نزوله إلى الحلق. # قال صاحب الكشاف : ( @QUR@01 سلسبيلا ) سميت بذلك لسلاسة انحدارها في ~~الحلق ، وسهولة مساغها. يعنى : أنها في طعم الزنجبيل ، وليس فيها لذعة ، ~~ولكن فيها نقيض اللذع PageV15P223 # وهو السلاسة ، فقال : شراب سلسل وسلسال وسلسبيل ، وقد زيدت الباء في ~~التركيب حتى صارت الكلمة خماسية. ودلت على غاية السلاسة .. (1). # ثم أخبر سبحانه عن نوع آخر من الخدم ، يطوفون على هؤلاء الأبرار لخدمتهم ~~، فقال : ( @QUR@09 ويطوف عليهم ولدان مخلدون ، إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا ~~منثورا ). # أى : ويطوف على هؤلاء الأبرار ( @QUR@02 ولدان مخلدون ) أى : دائمون على ~~ما هم عليه من النضارة والشباب .. إذا رأيتهم أيها المخاطب ( @QUR@01 ~~حسبتهم ) وظننتهم ( @QUR@02 لؤلؤا ms5885 منثورا ) أى : حسبتهم من حسنهم ، وصفاء ~~ألوانهم ، ونضارة وجوههم .. لؤلؤا ودرا مفرقا في جنبات المجالس وأوسطها. # فقوله تعالى ( @QUR@01 مخلدون ) احتراس المقصود منه دفع توهم أنهم ~~سيصيرون في يوم من الأيام كهولا ، قالوا : وشبهوا باللؤلؤ المنثور ، لأن ~~اللؤلؤ إذا نثر على البساط ، كان أكثر جمالا منه فيما لو كان منظوما. # ( @QUR@03 وإذا رأيت ثم ) وثم هنا ظرف مكان مختص بالبعيد ، وهو منصوب على ~~الظرفية ، ومفعول الرؤية غير مذكور ، لأن القصد : وإذا صدرت منك أيها ~~المخاطب رؤية إلى هناك ، أى : إلى الجنة ونعيمها .. ( @QUR@02 رأيت نعيما ) ~~لا يقادر قدره ( @QUR@02 وملكا كبيرا ) أى : واسعا لا غاية له. # فقوله سبحانه ( @QUR@01 رأيت ) الثانية ، جواب إذا. والشمار إليه «بثم» ~~التي هي بمعنى هناك معلوم من المقام ، لأن المقصود به الجنة التي سبق ~~الحديث عنها في مثل قوله : ( @QUR@05 وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا ) أى : ~~وإذا سرحت ببصرك إلى هناك رأيت نعيما وملكا كبيرا. # ثم فصل سبحانه جانبا من مظاهر هذا النعيم العظيم فقال ( @QUR@013 عاليهم ~~ثياب سندس خضر وإستبرق ، وحلوا أساور من فضة ، وسقاهم ربهم شرابا طهورا ). # وقوله ( @QUR@01 عاليهم ) بفتح الياء وضم الهاء بمعنى فوقهم ، فهو ظرف ~~خبر مقدم ، وثياب مبتدأ مؤخر ، كأنه قيل : فوقهم ثياب ويصح أن يكون حالا ~~للأبرار. أى : تلك حال أهل النعيم والملك الكبير وهم الأبرار. # وقرأ نافع وحمزة ( @QUR@01 عاليهم ) بسكون الياء وكسر الهاء على أن ~~الكلام جملة مستأنفة استئنافا بيانيا ، لقوله تعالى ( @QUR@04 رأيت نعيما ~~وملكا كبيرا )، ويكون لفظ ( @QUR@01 عاليهم ) أسم فاعل مبتدأ. PageV15P224 # وقوله : ( @QUR@02 ثياب سندس ) فاعله ساد مسد الخبر ، ويصح أن يكون خبرا ~~مقدما ، وما بعده مبتدأ مؤخر. # وإضافة الثياب إلى السندس بيانية ، مثل : خاتم ذهب والسندس : الديباج ~~الرقيق. والإستبرق : الديباج الغليظ. # والمعنى : أن هؤلاء الأبرار ، أصحاب النعيم المقيم ، والملك الكبير ، فوق ~~أجسادهم ثياب من أفخر الثياب ، لأنهم يجمعون في لباسهم بين الديباج الرقيق ~~، والديباج الغليظ ، على سبيل التنعيم والجمع بين محاسن الثياب. # وكانت تلك الملابس من اللون الأخضر ، لأنها أبهج للنفس ، وشعار لباس ~~الملوك. # وكلمة : «خضر» قرأها بعضهم بالرفع على أنها صفة لثياب ، وقرأها ms5886 البعض ~~الآخر بالجر ، على أنها صفة لسندس. وكذلك كلمة «وإستبرق» قرئت بالرفع عطفا ~~على ثياب ، وقرئت بالجر عطفا على سندس. # وقوله : ( @QUR@04 وحلوا أساور من فضة ) بيان لما يتزينون به في أيديهم ، ~~أى أن هؤلاء الأبرار يلبسون في أيديهم أساور من فضة ، كما هو الشأن بالنسبة ~~للملوك في الدنيا ، ومنه ما ورد في الحديث من ذكر سوارى كسرى. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 وسقاهم ربهم شرابا طهورا ) أى : وفضلا عن كل تلك ~~الملابس الفاخرة سقاهم ربهم بفضله وإحسانه شرابا بالغا نهاية الطهر ، فهو ~~ليس كخمر الدنيا ، فيه الكثير من المساوئ التي تؤدى إلى ذهاب العقول .. ~~وإنما خمر الآخرة : شراب لذيذ طاهر من كل خبث وقذر وسوء. # وجاء لفظ «طهورا» بصيغة المبالغة ، للإشعار بأن هذا الشراب قد بلغ ~~النهاية في الطهارة. # ثم ختم سبحانه هذا العطاء الواسع العظيم ، ببيان ما ستقوله الملائكة ~~لهؤلاء الأبرار على سبيل التكريم والتشريف ، فقال : ( @QUR@08 إن هذا كان ~~لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا ). # وهذه الآية الكريمة مقول لقول محذوف ، والقائل هو الله تعالى أو ملائكته ~~بأمره سبحانه وإذنه ، أى : سقاهم ربهم شرابا طهورا في الآخرة ، ويقال لهم ~~عند تمتعهم بكل هذا النعيم ، ( @QUR@02 إن هذا ) النعيم الذي تعيشون فيه ( ~~@QUR@03 كان لكم جزاء ) على إيمانكم وعملكم الصالح في الدنيا. PageV15P225 # ( @QUR@03 وكان سعيكم مشكورا ) أى : مرضيا ومقبولا عند خالقكم ، فازدادوا ~~أيها الأبرار سرورا على سروركم ، وبهجة على بهجتكم. # وبعد هذا التفصيل لما أعده الله تعالى لعباده الأخيار من أصناف النعيم ، ~~المتعلق بمأكلهم ، ومشربهم .. أخذت السورة الكريمة. في أواخرها في تثبيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وفي دعوته صلى الله عليه وسلم إلى المداومة ~~على التحلي بفضيلة الصبر ، وإلى الإكثار من ذكره تعالى وأنذرت الكافرين ~~والفاسقين إذا ما استمروا في ضلالهم. فقال تعالى : # ( @QUR@06 إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا (23) @QUR@09 فاصبر لحكم ربك ~~ولا تطع منهم آثما أو كفورا (24) @QUR@05 واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا (25) ~~@QUR@07 ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا (26) @QUR@08 إن هؤلاء يحبون ~~العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا (27) @QUR@09 نحن خلقناهم وشددنا أسرهم ~~وإذا شئنا بدلنا ms5887 أمثالهم تبديلا (28) @QUR@09 إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ ~~إلى ربه سبيلا (29) @QUR@011 وما تشاؤن إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما ~~حكيما (30) @QUR@010 يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما ) (31) # وجاء قوله تعالى : ( @QUR@06 إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا ) مؤكدا ~~بجملة من المؤكدات. منها : إن ، ونحن ، وتنزيلا .. للرد على أولئك الجاحدين ~~الذين أنكروا أن يكون القرآن من عند الله تعالى وقالوا في شأنه : ( ~~@QUR@010 لو نشاء لقلنا مثل هذا ، إن هذا إلا أساطير الأولين ). # أى : إنا نحن وحدنا أيها الرسول الكريم ، الذين نزلنا عليك القرآن تنزيلا ~~محكما ، وفصلناه تفصيلا متقنا ، بأن أنزلناه على قلبك مفرقا على حسب ~~مشيئتنا وحكمتنا. PageV15P226 # والفاء في قوله : ( @QUR@03 فاصبر لحكم ربك ) للإفصاح. وعدى فعل الصبر ~~باللام ، لتضمنه معنى الخضوع والاستسلام لقضائه سبحانه . # أى : ما دام الأمر كما ذكرنا لك أيها الرسول الكريم فاصبر لحكم ربك ، ~~واخضع لقضائه ومشيئته ، فهو سبحانه الكفيل بنصرك عليهم. # وقوله : ( @QUR@06 ولا تطع منهم آثما أو كفورا ) أى : ولا تطع أيها ~~الرسول الكريم من هؤلاء المشركين ، من كان داعيا إلى الإثم والفجور ، أو من ~~كان داعيا إلى الكفر والجحود. # ولم يقل سبحانه ولا تطع منهم آثما وكفورا بالواو ، لأن الواو تجعل الكلام ~~محتملا للنهى عن المجموع ، وأن طاعة أحدهما دون الآخر تكفى في الامتثال. # ولذا قال الزجاج : إن «أو» هنا أوكد من الواو ، لأنك إذا قلت : لا تطع ~~زيدا وعمرا ، فأطاع أحدهما كان غير عاص ، فإن أبدلتها بأو ، فقد دللت على ~~أن كل واحد منهما ، أهل لأن يعصى ، ويعلم منه النهى عن إطاعتهما معا (1). # والآثم : هو الفاجر بأقواله وأفعاله. والكفور : هو الجاحد بقلبه ولسانه. # ورحم الله صاحب الكشاف ، فقد قال عند تفسيره لهاتين الآيتين ما ملخصه : ~~تكرير الضمير بعد إيقاعه اسما لإن : تأكيد على تأكيد ، لمعنى اختصاص الله ~~تعالى بالتنزيل ، ليتقرر في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه إذا كان هو ~~المنزل للقرآن ، لم يكن تنزيله على أى وجه نزل ، إلا حكمة وصوابا ، كأنه ~~قيل : ما نزل عليك القرآن تنزيلا ms5888 مفرقا منجما ، إلا أنا لا غيرى ، وقد ~~عرفتني حكيما فاعلا لكل ما أفعله. # فإن قلت : كلهم كانوا كفرة ، فما معنى القسمة في قوله : ( @QUR@03 آثما ~~أو كفورا )؟ قلت : معناه لا تطع منهم راكبا لما هو إثم ، داعيا لك إليه ، ~~أو فاعلا لما هو كفر ، داعيا لك إليه. لأنهم إما أن يدعوه إلى مساعدتهم على ~~فعل إثم أو كفر ، أو غير إثم ولا كفر : فنهى عن أن يساعدهم على الاثنين دون ~~الثالث. فإن قلت : معنى أو : ولا تطع أحدهما ، فهلا جيء بالواو وليكون نهيا ~~عن طاعتهما جميعا؟ # قلت : لو قيل : ولا تطعهما ، جاز أن يطيع أحدهما ، وإذا قيل : لا تطع ~~أحدهما ، علم أن الناهي عن طاعة أحدهما : عن طاعتهما جميعا أنهى ، كما إذا ~~نهى عن أن يقول لأبويه أف ، علم أنه منهى عن ضربهما بالطريق الأولى .. (2). PageV15P227 # والمقصود من هاتين الآيتين تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم وتيئيس ~~المشركين من استجابته صلى الله عليه وسلم لأى مطلب من مطالبهم الفاسدة. # ثم أرشده سبحانه إلى ما يعينه على الصبر والثبات. فقال : ( @QUR@012 ~~واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا. ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا ). # والبكرة : أول النهار. والأصيل : آخره. والمراد : المداومة على ذكر الله ~~تعالى في كل وقت. أى : داوم أيها الرسول الكريم على ذكر الله تعالى في أول ~~النهار وفي آخره ، وعلى صلاة الفجر ، والظهر والعصر. # ( @QUR@04 ومن الليل فاسجد له ) تعالى وأكثر من ذكره ، وواظب على صلاة ~~المغرب والعشاء. # ( @QUR@03 وسبحه ليلا طويلا ) أى : ونزهه تعالى وتهجد له وقتا طويلا من الليل. # فهاتان الآيتان ترشدان الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ما يعينه على الازدياد ~~من فضيلة الصبر الجميل ، والثبات على الحق. # ومن الآيات الكثيرة التي تشبه هاتين الآيتين في معناهما : قوله تعالى ( ~~@QUR@021 وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ، إن الحسنات يذهبن ~~السيئات ، ذلك ذكرى للذاكرين. واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ). # وقوله تعالى : ( @QUR@013 ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون ، فسبح ~~بحمد ربك وكن من الساجدين ). # ثم بين سبحانه جانبا من ms5889 الأسباب التي تجعله صلى الله عليه وسلم لا يطيع أحدا ~~منهم فقال : ( @QUR@08 إن هؤلاء يحبون العاجلة ، ويذرون وراءهم يوما ثقيلا ). # أى : نحن قد نهيناك يا محمد عن طاعة أحد من هؤلاء المشركين ، لأنهم جميعا ~~ديدنهم ودأبهم أنهم يحبون ( @QUR@01 العاجلة ) أى : الدنيا ولذائذها ~~وشهواتها ، العاجلة الزائلة. # ( @QUR@02 ويذرون وراءهم ) أى : ويتركون وينبذون وراء ظهورهم ( @QUR@02 ~~يوما ثقيلا ) وهو يوم القيامة ، الشديد الأهوال ، الذي يجعل الولدان شيبا. # ومع شدة هوله فهم لا يستعدون له ، ولا يحسبون له حسابا. # فالآية الكريمة توبيخ وتجهيل لهم ، حيث آثروا الفاني على الباقي ، ~~والعاجل على الآجل. # ووصف يوم القيامة بالثقل ، لشدة ما يقع فيه من أهوال وكروب ، فهو كالشىء ~~الثقيل الذي لا يستطاع حمله. PageV15P228 # ثم بين سبحانه مظاهر فضله عليهم ، ومع ذلك أشركوا معه في العبادة غيره ~~فقال : ( @QUR@09 نحن خلقناهم ، وشددنا أسرهم ، وإذا شئنا بدلنا أمثالهم ~~تبديلا ). # أى : نحن وحدنا الذين خلقناهم وأوجدناهم من العدم. # ونحن وحدنا الذين ( @QUR@02 شددنا أسرهم ) أى : قوينا وأحكمنا وأتقنا ~~خلقهم ، بأن منحناهم السمع والأبصار والأفئدة والعقول .. وربطنا بين ~~مفاصلهم وأجزاء أجسادهم ربطا عجيبا معجزا. # يقال : أسر الله تعالى فلانا ، أى : خلقه وبابه ضرب وفرس شديد الأسر ، أى ~~: شديد الخلق ، والأسر : القوة ، مشتق من الإسار بكسر الهمزة وهو الحبل ~~الذي تشد به الأحمال ، يقال : أسر فلان الحمل أسرا ، إذا أحكم ربطه ، ومنه ~~الأسير لأنه يربط بالإسار ، أى : القيد. # والمقصود بالأسر هنا : الإحكام والإتقان ، والامتنان عليهم بأن الله ~~تعالى خلقهم في أحسن وأتقن خلق. # وقوله سبحانه ( @QUR@05 وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا ) تأكيد لشمول ~~قدرته تعالى أى : ونحن وحدنا الذين خلقناهم ، ونحن وحدنا الذين ربطنا ~~مفاصلهم وأعضاءهم ربطا متقنا بديعا. # ومع ذلك ، فإننا إذا شئنا إهلاكهم أهلكناهم ، وجئنا بأمثالهم وأشباههم في ~~شدة الخلق ، وبدلناهم تبديلا معجزا ، لا يقدر عليه أحد سوانا. # وقوله : ( @QUR@01 تبديلا ) منصوب على أنه مفعول مطلق مؤكد لعامله وهو ~~بدلناهم. # ومن الآيات الشبيهة لهذه الآية في معناها قوله تعالى : ( @QUR@012 إن يشأ ~~يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@011 إن يشأ ms5890 يذهبكم ويأت بخلق جديد. وما ذلك على ~~الله بعزيز ) (2). # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بالحض على طاعته ، وبالتحذير من معصيته ~~فقال : ( @QUR@09 إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ). # أى : إن هذه الآيات التي أنزلناها عليك يا محمد تذكرة وموعظة للناس ، فمن شاء PageV15P229 # أن يتخذ إلى الله تعالى وسيلة وطريقة يتقرب بها إليه تعالى اتخذها ، ~~لأنها خير هداية إلى رضاه سبحانه . # والتعبير بقوله : ( @QUR@06 فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ) تحريض شديد على ~~المسارعة إلى الطاعة ، لأن الله تعالى قد مكن الناس من ذلك ، حيث وهبهم ~~الاختيار والعقول المفكرة ، وأرسل إليهم الرسل ليخرجوهم من الظلمات إلى النور. # ثم بين سبحانه أن مشيئته فوق كل مشيئة فقال : ( @QUR@06 وما تشاؤن إلا أن ~~يشاء الله ). # أى : وما تشاءون شيئا من الأشياء ، إلا بعد خضوع هذا الشيء لمشيئة الله ~~تعالى وإرادته ، إذ هو الخالق سبحانه لكل شيء ، وهو صاحب الخلق والأمر ~~تبارك الله رب العالمين. # ( @QUR@05 إن الله كان عليما حكيما ) أى : إنه تعالى كان وما زال صاحب ~~العلم المطلق الذي لا يحده شيء ، وصاحب الحكمة البليغة التي لا نهاية لها. # ( @QUR@01 يدخل ) سبحانه ( @QUR@02 من يشاء ) إدخاله ( @QUR@02 في رحمته ~~) لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه. # ( @QUR@03 والظالمين أعد لهم ) سبحانه ( @QUR@02 عذابا أليما ) بسبب ~~إصرارهم على ظلمهم ، وإيثارهم الباطل على الحق ، والغي على الرشد. # نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن هم أهل لرحمته ورضوانه ، وأن يبعدنا عمن ~~هم أهل لعذابه ونقمته. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ||الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى| PageV15P230 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة المرسلات ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «المرسلات» هي السورة السابعة والسبعون في ترتيب المصحف ، أما ~~ترتيبها في النزول فهي السورة الثالثة والثلاثون ، وقد كان نزولها بعد سورة ~~«الهمزة» ، وقبل سورة «ق». # وهي من السور المكية الخالصة ، وقيل إن آية : ( @QUR@06 وإذا قيل لهم ~~اركعوا لا يركعون ) مدنية ، وهذا القيل لا وزن له ، لأنه لا دليل عليه. ~~وعدد آياتها : خمسون آية. # 2 وقد ذكروا في فضلها أحاديث منها ms5891 : ما أخرجه الشيخان عن عبد الله بن ~~مسعود قال : بينما نحن مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار بمنى ، إذ نزلت ~~عليه : «والمرسلات» ، فإنه ليتلوها ، وإنى لأتلقاها من فيه ، وإن فاه لرطب بها .. # وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال : إن أم الفضل امرأة العباس سمعته يقرأ ~~«والمرسلات عرفا» ، فقالت : يا بنى ذكرتني بقراءتك هذه السورة. إنها لآخر ~~ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في المغرب (1). # 3 وسورة المرسلات زاخرة بالحديث عن أهوال يوم القيامة ، وعن أحوال ~~المكذبين في هذا اليوم ، وعن مظاهر قدرة الله تعالى ، وعن حسن عاقبة ~~المتقين .. PageV15P231 ### ||| * التفسير # وقد افتتحت هذه السورة بقوله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@02 والمرسلات عرفا (1) @QUR@02 فالعاصفات عصفا (2) @QUR@02 ~~والناشرات نشرا (3) @QUR@02 فالفارقات فرقا (4) @QUR@02 فالملقيات ذكرا (5) ~~@QUR@03 عذرا أو نذرا (6) @QUR@03 إنما توعدون لواقع (7) @QUR@03 فإذا ~~النجوم طمست (8) @QUR@03 وإذا السماء فرجت (9) @QUR@03 وإذا الجبال نسفت ~~(10) @QUR@03 وإذا الرسل أقتت (11) @QUR@03 لأي يوم أجلت (12) @QUR@02 ليوم ~~الفصل (13) @QUR@05 وما أدراك ما يوم الفصل (14) @QUR@03 ويل يومئذ ~~للمكذبين ) (15) # وللمفسرين في معنى هذه الصفات الخمس : «المرسلات والعاصفات والناشرات ~~والفارقات والملقيات» اتجاهات ، فمنهم من صدر تفسيره ببيان أن المراد بها ~~الملائكة. فقد قال صاحب الكشاف : أقسم الله بطوائف من الملائكة ، أرسلهن ~~بأوامره فعصفن في مضيهن كما تعصف الرياح ، تخففا في امتثال أمره. وبطوائف ~~منهن نشرن أجنحتهن في الجو عند انحطاطهن بالوحي ، أو نشرن الشرائع في الأرض ~~.. ففرقن بين الحق والباطل ، فألقين ذكرا إلى الأنبياء عذرا ، للمحقين ، أو ~~نذرا للمبطلين. # فإن قلت : ما معنى عرفا؟ قلت : متتابعة كشعر العرف أى : عرف الفرس يقال : ~~جاءوا عرفا واحدا ، وهم عليه كعرف الضبع : إذا تألبوا عليه .. (1). # ومنهم من يرى أن المراد بالمرسلات وما بعدها : الرياح ، فقد قال الجمل في ~~حاشيته : PageV15P232 # أقسم الله تعالى بصفات خمس موصوفها محذوف ، فجعلها بعضهم الرياح في الكل ~~، وجعلها بعضهم الملائكة في الكل ... وغاير بعضهم فجعل الصفات الثلاث الأول ~~، لموصوف واحد هو الرياح وجعل الرابعة لموصوف ثان وهو الآيات ، وجعل ~~الخامسة لموصوف ثالث وهو الملائكة .. (1). # وسنسير نحن على هذا الرأى الثالث ، لأنه في ms5892 تصورنا أقرب الآراء إلى ~~الصواب ، إذ أن هذه الصفات من المناسب أن يكون بعضها للرياح ، وبعضها ~~للملائكة. # فيكون المعنى : وحق الرياح المرسلات لعذاب المكذبين ، فتعصفهم عصفا ، ~~وتهلكهم إهلاكا شديدا ، فقوله : ( @QUR@01 عصفا ) وصف مؤكد للإهلاك الشديد ~~، يقال : عصفت الريح ، إذا اشتدت ، وعصفت الحرب بالقوم ، إذا ذهبت بهم ، ~~وناقة عصوف ، إذا مضت براكبها مسرعة ، حتى لكأنها الريح. # وقوله : ( @QUR@02 والناشرات نشرا ) أى : وحق الرياح التي تنتشر انتشارا ~~عظيما في الآفاق ، فتأتى بالسحب ، التي تتحول بقدرة الله تعالى إلى أمطار ~~غزيرة نافعة. # قال ابن كثير بعد أن ذكر آراء العلماء في معنى هذه الألفاظ : والأظهر أن ~~المرسلات هي الرياح ، كما قال تعالى : ( @QUR@03 وأرسلنا الرياح لواقح .. ) ~~وقال سبحانه : ( @QUR@08 وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ). ~~وهكذا العاصفات هي الرياح ، يقال : عصفت الريح إذا هبت بتصويت ، وكذا ( ~~@QUR@01 الناشرات ): هي الرياح التي تنشر السحاب في آفاق السماء كما يشاء ~~الرب عز وجل . # وقوله سبحانه ( @QUR@02 فالفارقات فرقا ) يصح أن يكون وصفا للملائكة ~~الذين ينزلون بالشرائع المفرقة بين الحق والباطل ، وبين أهل الحق وأهل ~~الضلال. # ويصح أن يكون وصفا للآيات التي أنزلها الله تعالى للتمييز بين الخير ~~والشر ، والرشد والغي. # وقوله ( @QUR@02 فالملقيات ذكرا ) قال القرطبي : هم الملائكة بإجماع ، ~~يلقون كتب الله تعالى إلى الأنبياء عليهم السلام .. (2). # فالمراد بالذكر في قوله ( @QUR@02 فالملقيات ذكرا ): وحى الله تعالى ~~الذي يبلغه الملائكة إلى الرسل. PageV15P233 # وقوله ( @QUR@03 عذرا أو نذرا ) منصوبان على أنهما بدل اشتمال من قوله ( ~~@QUR@01 ذكرا ) أو مفعول لأجله. أى : أن الملائكة يلقون وحى الله تعالى إلى ~~أنبيائه ، لإزالة أعذار المعتذرين عن الإيمان ، حتى لا يقولوا ما جاءنا من ~~بشير ولا نذير ، ولإنذار الكافرين والفاسقين ، حتى يقلعوا عن كفرهم ~~وفسوقهم. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى ( @QUR@011 رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون ~~للناس على الله حجة بعد الرسل ). # قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما العذر والنذر ، وبما ذا انتصبا؟ قلت : هما ~~مصدران من أعذر إذا محا الإساءة ، ومن أنذر إذا خوف على فعل كالكفر والنكر ~~، ويجوز أن يكون جمع عذير ، بمعنى المعذرة ، وجمع نذير ms5893 بمعنى الإنذار ... ~~وأما انتصابهما فعلى البدل من ذكرا ... أو على المفعول له .. (1). # وجملة ( @QUR@03 إنما توعدون لصادق ) جواب القسم ، وجيء بها مؤكدة ، ~~لتقوية تحقيق وقوع الجواب ، وما وعدوا به هو البعث والحساب. # أى : وحق الرياح المرسلة لعذاب المشركين .. وحق الملائكة الذين نرسلهم ~~بوحينا للتفريق بين الحق والباطل ، ولتبليغ رسلنا ما كلفناهم به .. إنكم ~~أيها الكافرون لمبعوثون ومحاسبون على أعمالكم يوم القيامة الذي لا شك في ~~وقوعه وحصوله وثبوته. # ثم بين سبحانه علامات هذا اليوم فقال : ( @QUR@03 فإذا النجوم طمست ) أى ~~: محقت وذهب ضوؤها ، وزال نورها. يقال : طمست الشيء ، من باب ضرب إذا محوته ~~واستأصلت أثره ، ( @QUR@03 وإذا السماء فرجت ) أى : شقت أو فتحت ، وتدلت ~~أرجاؤها ، ووهت أطرافها. ( @QUR@03 وإذا الجبال نسفت ) أى : اقتلعت وأزيلت ~~من أماكنها. يقال : نسف فلان البناء ينسفه ، إذا قلعه من أصله. # ( @QUR@03 وإذا الرسل أقتت ) أى : بلغت وقتها الذي كانت تنتظره ، وهو يوم ~~القيامة ، للقضاء بينهم وبين أقوامهم. فقوله : ( @QUR@01 أقتت ) من التوقيت ~~، وهو جعل الشيء منتهيا إلى وقته المحدد له. # قال الآلوسى : قوله ( @QUR@03 وإذا الرسل أقتت ) أى : بلغت ميقاتها. وجوز ~~أن يكون المعنى : عين لها الوقت الذي تحضر فيه للشهادة على الأمم ، وذلك ~~عند مجيء يوم القيامة .. (2). PageV15P234 # وجواب ( @QUR@01 فإذا ) وما عطف عليها في قوله ( @QUR@03 فإذا النجوم ~~طمست ) محذوف ، والتقدير : وقع ما وعدناكم به وهو يوم القيامة. # وقوله : ( @QUR@013 لأي يوم أجلت. ليوم الفصل. وما أدراك ما يوم الفصل. ~~ويل يومئذ للمكذبين ) تعليل لبلوغ الرسل الى الوقت الذي كانوا ينتظرونه ~~لأخذ حقوقهم من أقوامهم الظالمين ، والاستفهام للتهويل والتعظيم من شأن هذا ~~اليوم. (1) # أى : لأى يوم أخرت الأمور التي كانت متعلقة بالرسل؟ من تعذيب الكافرين ، ~~وإثابة المتقين .. إنها أخرت وأجلت ، ليوم الفصل ، وهو يوم القيامة ، الذي ~~يفصل الله تعالى فيه بقضائه العادل بين العباد. # ( @QUR@02 وما أدراك )، أيها المخاطب ( @QUR@03 ما يوم الفصل )؟ إنه ~~يوم هائل شديد ، لا تحيط العبارة بكنهه ، ولا يعلم إلا الله تعالى وحده ~~مقدار أهواله. # ويقال في هذا اليوم لكل فاسق عن أمر ربه ، ومشرك معه في العبادة غيره ، ( ~~@QUR@03 ويل يومئذ للمكذبين ms5894 ) أى : هلاك وحسرة في هذا اليوم للمكذبين بالحق ~~الذي جاء به الرسل ، وبلغوه إلى أقوامهم. # وقد تكررت هذه الآية عشر مرات في تلك السورة الكريمة ، على سبيل الوعيد ~~والتهديد لهؤلاء المكذبين لرسلهم ، والجاحدين لنعم خالقهم ، والويل : أشد ~~السوء والشر ، وهو في الأصل مصدر بمعنى الهلاك ، وكان حقه النصب بفعل من ~~لفظه أو معناه ، إلا أنه رفع على الابتداء ، للدلالة على ثبات الهلاك ~~ودوامه للمدعو عليه. # وقوله ( @QUR@01 يومئذ ) ظرف للويل أو صفة له ، ولذا صح الابتداء به. # ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك ألوانا من الأدلة على وحدانية الله تعالى ~~وقدرته ، كإهلاك المكذبين السابقين ، وخلق الأولين والآخرين ، والإنعام على ~~الناس بالجبال والأنهار .. # قال تعالى : # ( @QUR@03 ألم نهلك الأولين (16) @QUR@03 ثم نتبعهم الآخرين (17) @QUR@03 ~~كذلك نفعل بالمجرمين (18) @QUR@03 ويل يومئذ للمكذبين (19) PageV15P235 # @QUR@05 ألم نخلقكم من ماء مهين (20) @QUR@04 فجعلناه في قرار مكين (21) ~~@QUR@03 إلى قدر معلوم (22) @QUR@03 فقدرنا فنعم القادرون (23) @QUR@03 ويل ~~يومئذ للمكذبين (24) @QUR@04 ألم نجعل الأرض كفاتا (25) @QUR@02 أحياء ~~وأمواتا (26) @QUR@07 وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا (27) ~~@QUR@03 ويل يومئذ للمكذبين (28) @QUR@06 انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون ~~(29) @QUR@06 انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب (30) @QUR@06 لا ظليل ولا يغني من ~~اللهب (31) @QUR@04 إنها ترمي بشرر كالقصر (32) @QUR@03 كأنه جمالت صفر ~~(33) @QUR@03 ويل يومئذ للمكذبين (34) @QUR@04 هذا يوم لا ينطقون (35) ~~@QUR@04 ولا يؤذن لهم فيعتذرون (36) @QUR@03 ويل يومئذ للمكذبين (37) ~~@QUR@05 هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين (38) @QUR@05 فإن كان لكم كيد ~~فكيدون (39) @QUR@03 ويل يومئذ للمكذبين ) (40) # والاستفهام في قوله ( @QUR@03 ألم نهلك الأولين ) وفي الآيات المماثلة له ~~بعد ذلك ، للتقرير ، والمقصود به استخراج الاعتراف والإقرار من مشركي قريش ~~على صحة البعث ، لأن من قدر على الإهلاك ، قادر على الإعادة. # أى : لقد أهلكنا الأقوام الأولين الذين كذبوا رسلهم ، كقوم نوح وعاد وثمود. # ( @QUR@03 ثم نتبعهم الآخرين ) أى : أهلكنا الأولين ، ثم نتبعهم بإهلاك ~~المتأخرين عنهم ، والذين يشبهون سابقيهم في الكفر والجحود. # و «ثم» هنا للتراخي الرتبى ، لأن إهلاك الآخرين الذين لم يعتبروا بمن ~~سبقهم سيكون أشد من إهلاك غيرهم ، وفي ذلك تهديد شديد ووعيد واضح لمشركي مكة. # وقوله : ( @QUR@03 كذلك نفعل بالمجرمين ) أى : مثل ذلك الفعل الشنيع ، ~~والعقاب الأليم ، نفعل ms5895 بالمجرمين الذين أصروا على كفرهم وعنادهم حتى أدركهم الموت. PageV15P236 # فالكاف بمعنى مثل ، والإشارة في قوله : ( @QUR@01 كذلك ) تعود إلى الفعل ~~المأخوذ من قوله ( @QUR@01 نفعل ) أى ؛ مثل ذلك الفعل نفعل بالمجرمين. # ثم كرر سبحانه التهديد والوعيد لهم ، لعلهم يرتدعون أو يتعظون فقال : ( ~~@QUR@03 ويل يومئذ للمكذبين ). # ثم قال سبحانه ممتنا على خلقه بإيجادهم في هذه الحياة ، ومحتجا على إمكان ~~الإعادة بخلقهم ولم يكونوا شيئا مذكورا ، فقال : ( @QUR@05 ألم نخلقكم من ~~ماء مهين ). # أى : لقد خلقناكم أيها الناس من نطفة حقيرة ضعيفة ، من مهن الشيء بفتح ~~الميم وضم الهاء إذا ضعف ، وميمه أصلية ، وليس هو من مادة هان ، و «من» ~~ابتدائية. # وقوله : ( @QUR@04 فجعلناه في قرار مكين ) تفصيل لكيفية الخلق على سبيل ~~الإدماج ، والقرار : اسم للمكان الذي يستقر فيه الماء ، والمراد به رحم ~~المرأة. والمكين صفة له. # أى : خلقناكم من ماء ضعيف ، ومن مظاهر قدرتنا وحكمتنا ولطفنا بكم أننا ~~جعلنا هذا الماء الذي خلقتم منه ، في مكان حصين ، قد بلغ النهاية في تمكنه ~~وثباته. # فقوله ( @QUR@01 مكين ) بمعنى متمكن ، من مكن الشيء مكانة ، إذا ثبت ورسخ. # وقوله : ( @QUR@03 إلى قدر معلوم ) بيان لبديع حكمته ، والقدر بمعنى ~~المقدار المحدد المنضبط ، الذي لا يتخلف. # أى : جعلنا هذا الماء في قرار مكين ، إلى وقت معين محدد في علم الله ~~تعالى يأذن عنده بخروج هذا المخلوق من رحم أمه ، إلى الحياة ، وهذا الوقت ~~هو مدة الحمل. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 فقدرنا فنعم القادرون ) ثناء منه تعالى على ذاته ~~بما هو أهله. أى : فقدرنا ذلك الخلق تقديرا حكيما منضبطا ، وتمكنا من ~~إيجاده في أطوار متعددة ، فنعم المقدرون نحن ، ونعم الموجدون نحن لما نوجده ~~من مخلوقات. # وما دام الأمر كذلك فويل وهلاك يوم القيامة ، للمكذبين بوحدانيتنا ~~وقدرتنا. # ثم انتقل سبحانه إلى الاستدلال على إمكانية البعث بطريق ثالث فقال : ( ~~@QUR@010 ألم نجعل الأرض كفاتا ، أحياء وأمواتا ، وجعلنا فيها رواسي شامخات ). # والكفات : اسم للمكان الذي يكفت فيه الشيء. أى ؛ يجمع ويضم ويوضع فيه. # يقال : كفت فلان الشيء يكفته كفتا ، من باب ضرب إذا جمعه ووضعه بداخل شيء ~~معين ، ومنه ms5896 سمى الوعاء كفاتا ، لأن الشيء يوضع بداخله ، وهو منصوب على أنه ~~مفعول ثان لقوله ( @QUR@01 نجعل )، لأن الجعل هنا بمعنى التصيير. PageV15P237 # وقوله : ( @QUR@02 أحياء وأمواتا ) منصوبان على أنهما مفعولان به ، لقوله ~~( @QUR@01 كفاتا ). أو مفعولان لفعل محذوف. # أى : لقد جعلنا الأرض وعاء ومكانا تجتمع فيه الخلائق : الأحياء منهم ~~يعيشون فوقها ، والأموات منهم يدفنون في باطنها ، ( @QUR@02 وجعلنا فيها ) ~~أيضا جبالا ( @QUR@01 رواسي ) أى : ثوابت ( @QUR@01 شامخات ) أى : مرتفعات ~~ارتفاعا كبيرا ، جمع شامخ وهو الشديد الارتفاع. # قال صاحب الكشاف : الكفات : من كفت الشيء إذا ضمه وجمعه .. وبه انتصب ( ~~@QUR@02 أحياء وأمواتا ) كأنه قيل : كافتة أحياء وأمواتا ، أو انتصبا بفعل ~~مضمر يدل عليه ، وهو تكفت. # والمعنى : تكفت أحياء على ظهرها ، وأمواتا في بطنها. # فإن قلت : لم قيل أحياء وأمواتا على التنكير ، وهي كفات الأحياء والأموات ~~جميعا؟ قلت : هو من تنكير التفخيم ، كأنه قيل : تكفت أحياء لا يعدون ، ~~وأمواتا لا يحصرون .. (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@03 وأسقيناكم ماء فراتا ) بيان لنعمة أخرى من أجل ~~نعمه على خلقه ، أى : وأسقيناكم بفضلنا ورحمتنا ماء ( @QUR@01 فراتا ) أى : ~~عذبا سائغا للشاربين. # وقوله تعالى ( @QUR@03 ويل يومئذ للمكذبين ) تكرير للتوبيخ والتقريع على ~~جحودهم لنعم الله ، التي يرونها بأعينهم ، ويحسونها بحواسهم ويستعملونها ~~لمنفعتهم. # ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان المصير الأليم الذي ينتظر هؤلاء ~~المكذبين ، فقال تعالى : ( @QUR@025 انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون. ~~انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب. لا ظليل ولا يغني من اللهب. إنها ترمي بشرر ~~كالقصر. كأنه جمالت صفر ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@01 انطلقوا ) مفعول لقول محذوف. أى : يقال ~~للكافرين يوم القيامة على سبيل الإهانة والإذلال : انطلقوا إلى ما كنتم ~~تكذبون به في الدنيا من العذاب. # وقوله : ( @QUR@06 انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب .. ) بدل مما قبله ، وأعيد ~~فعل ( @QUR@01 انطلقوا .. ) على سبيل التوكيد ، لقصد الزيادة في تقريعهم ~~وتوبيخهم. # والمراد بالظل : دخان جهنم ، وسمى بذلك لشدة كثافته ، أى : انطلقوا أيها ~~المشركون إلى ظل من دخان جهنم الذي يتصاعد من وقودها ، ثم يتفرق بعد ذلك ~~إلى ثلاث شعب ، شأن الدخان العظيم عند ما يرتفع. PageV15P238 # وسمى هذا الدخان العظيم الخانق بالظل ، على سبيل ms5897 التهكم بهم ، إذ هم في ~~هذه الحالة يكونون في حاجة شديدة إلى ظل يأوون إلى برده. # ثم وصف سبحانه هذا الظل بصفة ثانية فقال : ( @QUR@02 لا ظليل ) أى : ليس ~~هو بظل على سبيل الحقيقة ، وإنما هو دخان خانق لا برد فيه. # ثم وصفه بصفة ثالثة فقال : ( @QUR@04 ولا يغني من اللهب ) أى : أن هذا ~~الظل الذي تنطلقون إليه لا يغنى شيئا من الإغناء ، من حر لهب جهنم التي هي ~~مأواكم ونهايتكم. # وبهذه الصفات يكون لفظ الظل ، قد فقد خصائصه المعروفة من البرودة والشعور ~~عنده بالراحة .. وصار المقصود به ظلا آخر ، لا برد فيه ، ولا يدفع عنهم ~~شيئا من حر اللهب. # وهذه الصفات إنما جيء بها لدفع ما يوهمه لفظ «ظل». # وعدى الفعل «يغنى» بحرف من ، لتضمنه معنى يبعد. # والضمير في قوله سبحانه : ( @QUR@04 إنها ترمي بشرر كالقصر .. ) لجهنم ، ~~لأن السياق كله في شأنها وفي شأن المصطلين بلهيبها. # والشرر : واحده شررة ، وهي القطعة التي تتطاير من النار لشدة اشتعالها. # والقصر : البناء العالي المرتفع. وقيل : هو الغليظ من الشجر. أو هو قطع ~~من الخشب ، يجمعها الجامعون للاستدفاء بها من البرد. وقوله : ( @QUR@01 ~~جمالت ) جمع جمل كحجارة وحجر. # قال الآلوسى : «جمالة» بكسر الجيم كما قرأ به حمزة والكسائي وحفص وهو جمع جمل. # والتاء لتأنيث الجمع. يقال : جمل وجمال وجمالة .. والتنوين للتكثير. # وقرأ الجمهور جمالات بكسر الجيم مع الألف والتاء جمع جمال .. فيكون جمع ~~الجمع .. (1). # والمعنى : إنها أى : جهنم ترمى المكذبين بالحق ، الذين هم وقودها ، ~~ترميهم بشرر متطاير منها لشدة اشتعالها ، كل واحدة من هذا الشرر كأنها ~~البناء المرتفع في عظمها وارتفاعها. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 كأنه جمالت صفر ) وصف آخر للشرر ، أى : كأن هذا ~~الشرر في هيئته ولونه وسرعة حركته .. جمال لونها أصفر. PageV15P239 # واختير اللون الأصفر للجمال ، لأن شرر النار عند ما يشتد اشتعالها يكون ~~مائلا إلى الصفرة. # وقيل المراد بالصفر هنا : السواد ، لأن سواد الإبل يضرب إلى الصفرة. # فأنت ترى أن الله تعالى قد شبه الشرر الذي ينفصل عن النار في عظمته ~~وضخامته بالقصر ، وهو البناء العالي المرتفع ms5898 ، وشبهه أيضا حين يأخذ في ~~الارتفاع والتفرق .. بالجمال الصفر ، في هيئتها ولونها وسرعة حركتها ، ~~وتزاحمها. # والمقصود بهذا التشبيه : زيادة الترويع والتهويل ، فإن هؤلاء الكافرين ~~لما كذبوا بالحساب والجزاء ، وصف الله تعالى لهم نار الآخرة بتلك الصفات ~~المرعبة ، لعلهم يقلعون عن شركهم ، لا سيما وأنهم يرون النار في دنياهم ، ~~ويرون شررها حين يتطاير ... وإن كان الفرق شاسعا بين نار الدنيا ونار ~~الآخرة. # وزيادة في التخويف والإنذار ختمت هذه الآيات أيضا بقوله تعالى ( @QUR@03 ~~ويل يومئذ للمكذبين ). # ثم صور سبحانه حالهم عند ما يردون على النار ، ويوشكون على القذف بهم ~~فيها ، فقال تعالى ( @QUR@024 هذا يوم لا ينطقون ، ولا يؤذن لهم فيعتذرون ، ~~ويل يومئذ للمكذبين. هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين. فإن كان لكم كيد ~~فكيدون. ويل يومئذ للمكذبين ). # أى : ويقال لهؤلاء المجرمين أيضا عند الإلقاء بهم في النار : هذا يوم لا ~~ينطقون فيه بشيء ينفعهم ، أو لا ينطقون فيه إطلاقا لشدة دهشتهم ، وعظم ~~حيرتهم. # ويكون في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة ، فإنهم بعد أن خوطبوا خطاب ~~إهانة وإذلال بقوله تعالى : ( @QUR@01 انطلقوا ) أعرض المخاطبون لهم ، على ~~سبيل الإهمال لهؤلاء الكافرين ، وقالوا لهم : هذا يوم القيامة الذي لا يصح ~~لكم النطق فيه. # وهذا لا يتعارض مع الآيات التي تفيد نطقهم ، كما في قوله تعالى : ( ~~@QUR@05 وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ) لأن في يوم القيامة مواطن متعددة ، ~~فهم قد ينطقون في موطن ، ولا ينطقون في موطن آخر. # وقوله تعالى ( @QUR@04 ولا يؤذن لهم فيعتذرون ) معطوف على ما قبله. أى : ~~في يوم القيامة لا ينطق هؤلاء المجرمون نطقا يفيدهم ، ولا يؤذن لهم في ~~الاعتذار عما ارتكبوه من سوء ، حتى يقبل اعتذارهم ، وإنما يرفض اعتذارهم ~~رفضا تاما ، لأنه قد جاء في غير وقته وأوانه. PageV15P240 # يقال : اعتذرت إلى فلان ، إذا أتيت له بعذر يترتب عليه محو الإساءة. # ثم يقال لهم أيضا على سبيل التحدي والتقريع ( @QUR@01 هذا ) هو يوم ~~القيامة ( @QUR@02 يوم الفصل ) بين المحقين والمبطلين ( @QUR@01 جمعناكم ) ~~فيه أيها الكافرون مع من تقدمكم من الكفار ( @QUR@01 الأولين ). # ( @QUR@03 فإن كان لكم ) أيها الكافرون ( @QUR@01 كيد ) أى ms5899 : مخرج وحيلة ~~ومنفذ من العذاب الذي حل بكم ( @QUR@01 فكيدون ) أى : فافعلوه وقوموا به ~~فأنتم الآن في أشد حالات الاحتياج إلى من يخفف العذاب عنكم. # أو المعنى : ( @QUR@04 فإن كان لكم كيد ) أى : قدرة على كيد ديني ورسلي ~~والمؤمنين ، كما كنتم تفعلون في الدنيا ( @QUR@01 فكيدون ) أى : فأظهروه ~~اليوم. والأمر للتعجيز ، لأنه من المعروف أنهم في يوم القيامة لا قدرة لهم ~~ولا حيلة. # وهكذا نجد أن هذه الآيات الكريمة ، قد ساقت ألوانا من الأدلة على وحدانية ~~الله تعالى ، وعلى أن يوم البعث حق ، وعلى العاقبة السيئة التي سيكون عليها ~~الكافرون يوم القيامة. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بالموازنة بين حال المتقين ، وحال المجرمين ~~، فقال : # ( @QUR@05 إن المتقين في ظلال وعيون (41) @QUR@03 وفواكه مما يشتهون (42) ~~@QUR@06 كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون (43) @QUR@04 إنا كذلك نجزي ~~المحسنين (44) @QUR@03 ويل يومئذ للمكذبين (45) @QUR@05 كلوا وتمتعوا قليلا ~~إنكم مجرمون (46) @QUR@03 ويل يومئذ للمكذبين (47) @QUR@06 وإذا قيل لهم ~~اركعوا لا يركعون (48) @QUR@03 ويل يومئذ للمكذبين (49) @QUR@04 فبأي حديث ~~بعده يؤمنون ) (50) # أى : ( @QUR@02 إن المتقين ) الذين صانوا في دنياهم أنفسهم عن الكفر ~~والفسوق والعصيان ، واعتصموا بالرشد والهدى والإيمان. # سيكونون يوم القيامة ( @QUR@02 في ظلال ) الأشجار والقصور ، جمع ظل : وهو ~~كل موضع PageV15P241 # لا تصل إليه الشمس. وفي ( @QUR@01 عيون ) من ماء وعسل ولبن وخمر. # وهم أيضا في ( @QUR@01 فواكه ) وهي ما يتفكه به ويتنعم. جمع فاكهة ( ~~@QUR@02 مما يشتهون ) أى : يأكلون من تلك الفواكه ما يشتهونه منها ، بدون ~~تعب في طلبها ، فهي تحت أيديهم. # ويقال لهم على سبيل التكريم والتشريف ( @QUR@01 كلوا ) أكلا مريئا ( ~~@QUR@01 واشربوا ) شربا ( @QUR@01 هنيئا ) جزاء ( @QUR@03 بما كنتم تعملون ~~) في الدنيا من أعمال صالحة. # ( @QUR@04 إنا كذلك نجزي المحسنين ) أى : إنا من شأننا أننا نعطى مثل هذا ~~الجزاء الطيب للمؤمنين الذين أحسنوا أقوالهم وأفعالهم ، وصانوا أنفسهم عن ~~كل ما لا يرضينا ، هذا هو جزاء المتقين المحسنين ، أما الكافرون المكذبون ، ~~فيقال لهم مرة ومرات على سبيل التوبيخ والزجر : ( @QUR@05 كلوا وتمتعوا ~~قليلا إنكم مجرمون ). # أى : ( @QUR@01 كلوا ) في دنياكم كما تأكل الأنعام ( @QUR@01 وتمتعوا ) ~~بملذاتكم متاعا ( @QUR@01 قليلا ) سينتهي عما قريب ، وستلقون في آخرتكم أشد ~~أنواع العذاب. بسبب أنكم ms5900 كنتم في الدنيا دأبكم الإجرام ، والإصرار على ~~الكفر والفسوق والعصيان. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف صح أن يقال لهم ذلك في الآخرة؟ قلت : ~~يقال لهم ذلك في الآخرة إيذانا بأنهم كانوا في الدنيا أحقاء بأن يقال لهم ، ~~وكانوا من أهله ، تذكيرا بحالهم السمجة ، وبما جنوا على أنفسهم من إيثار ~~المتاع القليل ، على النعيم والملك الخالد. # وعلل ذلك بكونهم مجرمين ، دلالة على أن كل مجرم ماله إلا الأكل والتمتع ~~أياما قليلة ، ثم البقاء في الهلاك أبدا. ويجوز أن يكون ( @QUR@02 كلوا ~~وتمتعوا ) كلاما مستأنفا خطابا للمكذبين في الدنيا .. (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 ويل يومئذ للمكذبين ) أى : هلاك دائم وعذاب ~~مقيم يوم القيامة للمكذبين ، الذين آثروا المتاع القليل الفاني في الدنيا ، ~~على النعيم الدائم في الآخرة. # ( @QUR@06 وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ) أى : وإذا قيل لهؤلاء ~~المجرمين اركعوا في الدنيا مع الراكعين ، وأدوا فريضة الصلاة مع الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ومع المؤمنين. # إذا قيل لهم ذلك على سبيل النصح والإرشاد صموا آذانهم ، وأصروا واستكبروا ~~استكبارا ، وأبوا أن يصلوا مع المصلين. # وعبر عن الصلاة بالركوع ، باعتبار أن الركوع من أهم أركانها ، فهو من باب ~~التعبير بالجزء عن الكل. PageV15P242 # ( @QUR@03 ويل يومئذ للمكذبين ) أى : هلاك شديد يوم القيامة لهؤلاء ~~المكذبين. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بهذا التعجيب من أحوالهم التي بلغت النهاية ~~في القبح والجحود والعناد فقال تعالى : ( @QUR@04 فبأي حديث بعده يؤمنون ). # والفاء للإفصاح ، أى : إذا كانوا لم يؤمنوا بهذا القرآن المشتمل على أسمى ~~أنواع الهدايات وأحكمها وأوضحها .. فبأى حديث بعد القرآن يؤمنون؟ إنه من ~~المستبعد إيمانهم بعد أن أعرضوا عن كل الحجج التي تهدى إلى الإيمان ، ~~فالاستفهام في قوله : ( @QUR@02 فبأي حديث ... ) مستعمل في الإنكار ~~التعجيبى من حالهم ، والضمير في «بعده» يعود إلى القرآن ، وهو وإن لم يسبق ~~له ذكر ، فإنه ملحوظ في أذهانهم ، إذ في كل وقت يذكرهم الرسول ~~صلى الله عليه وسلم به. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@06 فبأي حديث بعد الله وآياته ~~يؤمنون ). # وبعد : فهذا تفسير لسورة «المرسلات» نسأل الله تعالى أن يجعله ms5901 خالصا ~~لوجهه ونافعا لعباده. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ||الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى| PageV15P243 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة النبأ ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «النبأ» هي أول سورة في الجزء الأخير من القرآن الكريم ، وتسمى ~~أيضا بسورة «عم يتساءلون» وبسورة «عم» ، وبسورة «المعصرات» ، وبسورة ~~«التساؤل» ، فهذه خمسة أسماء لهذه السورة ، سميت بها لورود هذه الألفاظ فيها. # 2 وهي من السور المكية الخالصة ، وعدد آياتها أربعون آية في المصحف ~~الكوفي والمكي ، وإحدى وأربعون في غيرهما. وكان نزولها بعد سورة «المعارج» ~~، وقبل سورة «النازعات». # 3 وهذه السورة من أهم مقاصدها : توبيخ المشركين على خوضهم في القرآن ~~الكريم بدون علم ، وتهديدهم بسوء المصير إذا ما استمروا في طغيانهم ، ~~وإقامة الأدلة المتنوعة على وحدانية الله تعالى وعلى مظاهر قدرته ، وبيان ~~ما أعده سبحانه للكافرين من عقاب ، وما أعده للمتقين من ثواب ، وإنذار ~~للناس بوجوب تقديم العمل الصالح من قبل أن يأتى يوم القيامة ، الذي لا ينفع ~~فيه الندم على ما فات .. # 4 ويبلغ عدد سور هذا الجزء الأخير من القرآن الكريم سبعا وثلاثين سورة ، ~~كلها مكية ، سوى سورتي «البينة والنصر» وكلها تمتاز بقصرها ، على تفاوت في ~~هذا القصر ، ومعظمها مشتمل على إقامة الأدلة على وحدانية الله تعالى ، وعلى ~~أن هذا القرآن من عند الله. وعلى صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ~~ربه ، وعلى المقارنة بين حسن عاقبة PageV15P245 # الأخيار ، وسوء عاقبة الأشرار ، وعلى التذكير المتكرر بأهوال يوم القيامة ~~، وبأنه آت لا ريب فيه ، وعلى التحذير من الغفلة عن الاستعداد له ، وعلى ~~الإفاضة في بيان نعم الله تعالى على الناس ، وعلى بيان ما حل بالمكذبين ~~السابقين من دمار .. # كل ذلك بأسلوب بديع معجز ، تخشع له القلوب ، وتتأثر به النفوس ، وتقشعر ~~منه جلود الذين يخشون ربهم .. PageV15P246 ### ||| * التفسير # وقد افتتح سبحانه السورة الكريمة بقوله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@02 عم يتساءلون (1) @QUR@03 عن النبإ العظيم (2) @QUR@04 الذي هم ~~فيه مختلفون (3) @QUR@02 كلا سيعلمون (4) ( @QUR@03 ثم كلا سيعلمون (5) ~~@QUR@04 ألم نجعل الأرض مهادا (6) @QUR@02 والجبال ms5902 أوتادا (7) @QUR@02 ~~وخلقناكم أزواجا (8) @QUR@03 وجعلنا نومكم سباتا (9) @QUR@03 وجعلنا الليل ~~لباسا (10) @QUR@03 وجعلنا النهار معاشا (11) @QUR@04 وبنينا فوقكم سبعا ~~شدادا (12) @QUR@03 وجعلنا سراجا وهاجا (13) @QUR@05 وأنزلنا من المعصرات ~~ماء ثجاجا (14) @QUR@04 لنخرج به حبا ونباتا (15) @QUR@02 وجنات ألفافا ~~(16) @QUR@05 إن يوم الفصل كان ميقاتا (17) @QUR@06 يوم ينفخ في الصور ~~فتأتون أفواجا (18) @QUR@04 وفتحت السماء فكانت أبوابا (19) @QUR@04 وسيرت ~~الجبال فكانت سرابا ) (20) # ولفظ «عم» مركب من كلمتين ، هما حرف الجر «عن» و «ما» التي هي اسم استفهام ~~، فأصل هذا اللفظ : «عن ما» فأدغمت النون في الميم لأن الميم تشاركها في ~~الغنة ، وحذفت الألف ليتميز الخبر عن الاستفهام. والجار والمجرور متعلق ~~بفعل «يتساءلون». # والتساؤل : تفاعل من السؤال ، بمعنى أن يسأل بعض الناس بعضا عن أمر معين ~~، على سبيل معرفة وجه الحق فيه ، أو على سبيل التهكم. # والنبأ : الخبر مطلقا ، ويرى بعضهم أنه الخبر ذو الفائدة العظيمة. PageV15P247 # والمعنى : عن أى شيء يتساءل هؤلاء المشركون؟ وعن أى أمر يسأل بعضهم بعضا؟ ~~إنهم يتساءلون عن النبأ العظيم ، والخبر الهام الذي جاءهم به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ، والذي نطق به القرآن الكريم ، من أن البعث حق ، ومن أن ~~هذا القرآن الكريم من عند الله تعالى ومن أن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق ~~فيما يأمرهم به أو ينهاهم عنه. # وافتتح سبحانه الكلام بأسلوب الاستفهام ، لتشويق السامع إلى المستفهم عنه ~~، ولتهويل أمره ، وتعظيم شأنه. # والضمير في قوله ( @QUR@01 يتساءلون ) يعود إلى المشركين ، الذين كانوا ~~يكثرون من التساؤل فيما بينهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وعما جاء به من ~~عند ربه ، فقد أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن الحسن قال : لما بعث النبي ~~صلى الله عليه وسلم جعلوا يتساءلون فيما بينهم عن أمره وعما جاءهم به فنزل ~~قوله تعالى : ( @QUR@05 عم يتساءلون. عن النبإ العظيم ... ) (1). # وصح عود الضمير إليهم مع أنهم لم يسبق لهم ذكر ، لأنهم معروفون من السياق ~~، إذ هم دون غيرهم الذين كانوا يتساءلون فيما بينهم على سبيل التهكم عما ~~جاء به النبي صلى الله عليه وسلم . # وقوله تعالى : ( @QUR@03 عن النبإ العظيم ) تهويل لشأن هذا الأمر الذي ms5903 ~~يتساءلون فيما بينهم عنه ، ووصف سبحانه النبأ بالعظم ، زيادة في هذا ~~التهويل والتفخيم من شأنه ، لكي تتوجه إليه أذهانهم ، وتلتفت إليهم ~~أفهامهم. # فكأنه سبحانه يقول : عن أى شيء يسأل هؤلاء الجاحدون بعضهم بعضا؟ أتريدون ~~أن تعرفوا ذلك على سبيل الحقيقة؟ إنهم يتساءلون عن النبأ العظيم ، وعن ~~الخبر الجسيم ، ( @QUR@04 الذي هم فيه مختلفون ) ما بين منكر له إنكارا ~~تاما ، كما حكى سبحانه عنهم في قوله : ( @QUR@010 إن هي إلا حياتنا الدنيا ~~نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين ) (2). وما بين متردد في شأنه ، كما حكى ~~سبحانه عن بعضهم في قوله : ( @QUR@022 وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ~~ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة ، إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين ) (3). # قال صاحب الكشاف قوله : ( @QUR@01 عم ) أصله عما ، على أنه حرف جر ، دخل ~~على ما الاستفهامية. # ومعنى هذا الاستفهام : تفخيم الشأن ، كأنه قال : عن أى شيء يتساءلون. ~~ونحوه ما في PageV15P248 # قولك : زيد ما زيد؟ جعلته لانقطاع قرينه ، وعدم نظيره ، كأنه شيء خفى ~~عليك جنسه ، فأنت تسأل عن جنسه ، وتفحص عن جوهره ، كما تقول : ما الغول وما ~~العنقاء ..؟. # و ( @QUR@01 يتساءلون ) يسأل بعضهم بعضا .. والضمير لأهل مكة ، فقد كانوا ~~يتساءلون فيما بينهم عن البعث. # وقوله : ( @QUR@03 عن النبإ العظيم ) بيان للشأن المفخم. # فإن قلت : قد زعمت أن الضمير في ( @QUR@01 يتساءلون ) للكفار ، فما تصنع ~~بقوله : ( @QUR@04 الذي هم فيه مختلفون )؟ قلت : كان فيهم من يقطع القول ~~بإنكار البعث ، ومنهم من يشك. # وقيل : الضمير للمسلمين والكافرين جميعا ، وكانوا جميعا يسألون عنه ، أما ~~المسلم فليزداد خشية واستعدادا ، وأما الكافر فليزداد استهزاء .. (1). # ثم هدد سبحانه هؤلاء المستهزئين بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم تهديدا ~~شديدا ، فقال ( @QUR@05 كلا سيعلمون ، ثم كلا سيعلمون ). # و «كلا» حرف زجر وردع ، والمقصود بها هنا : ردع أولئك المتسائلين عن النبأ ~~العظيم ، ونوعدهم على اختلافهم في شأنه. # أى : كلا ليس الأمر كما يتوهمه أولئك المتسائلون ، من استهزائهم بما ~~جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم ومن إنكارهم لكون القرآن الكريم من عند ~~الله ، أو لكون البعث ms5904 حق. بل الحق كل الحق أن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق ~~كل الصدق فيما يبلغه عن ربه ، وأن هؤلاء المتسائلين سيرون عما قريب سوء ~~عاقبة استهزائهم واختلافهم. # والجملة الثانية وهي قوله : ( @QUR@03 ثم كلا سيعلمون ) جيء بها لزيادة ~~التهديد والوعيد ، ولبيان أن الوعيد الثاني أشد وأبلغ من الوعيد الأول. # وحذف مفعول ( @QUR@01 سيعلمون ) للتعميم والتهويل ، أى : سيعلمون علم ~~اليقين ما سيحل بهم من عذاب مقيم ، وسيرون ذلك رأى العين عما قريب ، كما ~~قال تعالى ( @QUR@05 إنهم يرونه بعيدا ، ونراه قريبا ). # ثم ساق سبحانه بعد ذلك تسعة أدلة ، كلها تدل على أن البعث حق ، لأن ~~القادر على إيجاد هذه الأشياء ، قادر أيضا على إعادتهم إلى الحياة ، فقال ~~تعالى : ( @QUR@04 ألم نجعل الأرض مهادا ) والاستفهام هنا للتقرير ، أى : ~~لقد جعلنا بقدرتنا التي لا يعجزها شيء PageV15P249 # الأرض كالفراش الممهد الموطأ ، لتتمكنوا من الاستقرار عليها ، ومن التقلب ~~فيها .. كما يتقلب الطفل في مهده ، أى : فراشه. # والمهاد : مصدر بمعنى الفراش الموطأ الممهد ، وهو اسم لما يوضع للصبي لكي ~~ينام عليه ، ووصفت الأرض به على سبيل المبالغة في جعلها مكان استقرار الناس ~~وانتفاعهم وراحتهم ، والكلام على سبيل التشبيه البليغ ، أو على حذف مضاف. # وجعل بمعنى صير. أى : لقد صيرنا الأرض بقدرتنا كفراش الصبى بالنسبة لكم ، ~~حيث تتقلبون عليها كما يتقلب الصبى في فراشه .. أو صيرناها ذات مهاد. # قال صاحب الكشاف ما ملخصه : فإن قلت : كيف اتصل قوله : ( @QUR@04 ألم ~~نجعل الأرض مهادا ) بما قبله؟. قلت : لما أنكروا البعث قيل لهم : ألم يخلق ~~من يضاف إليه البعث هذه الخلائق العجيبة الدالة على كمال قدرته ، فما وجه ~~إنكار قدرته على البعث. وما هو إلا اختراع كهذه الاختراعات؟ # ومهادا : فراشا ، وقرئ : مهدا. ومعناه : أنها لهم كالمهد للصبي ، وهو ما ~~يمهد له فينوم عليه ، تسمية للممهود بالمصدر ، كضرب الأمير. أو وصفت ~~بالمصدر ، أو بمعنى ذات مهد ... (1). # وقوله : ( @QUR@02 والجبال أوتادا ) معطوف على ما قبله ، والأوتاد : جمع ~~وتد ، وهو ما يشد به الشيء حتى لا يتحرك أو يضطرب ، والكلام على التشبيه أيضا . # أى : لقد صيرنا بقدرتنا ms5905 الأرض كالمهاد لتتمكنوا من الاستقرار عليها .. ~~وجعلنا الجبال كالأوتاد للأرض ، لئلا تميد أو تضطرب بكم .. كما قال تعالى : ~~( @QUR@07 وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم .. ) (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 وخلقناكم أزواجا ) دليل ثالث على قدرته ، ~~والأزواج : جمع زوج. وهو اسم للعدد الذي يكرر الواحد منه مرة واحدة ، ~~والمراد به هنا : الذكور والإناث. # أى : ومن مظاهر قدرتنا أننا خلقناكم يا بنى آدم مزدوجين ، أى : ذكرا ~~وأنثى ، ليتأتى التناسل ، وحفظ النوع من الانقراض ، وتنظيم أمر المعاش في ~~الأرض ، عن طريق استمتاع كل نوع بالآخر ، كما قال تعالى : ( @QUR@014 ومن ~~آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها ، وجعل بينكم مودة ورحمة ~~.. ) (3). PageV15P250 # قال الآلوسى : ( @QUR@01 أزواجا ) أى : مزدوجين ذكرا وأنثى ليتسنى ~~التناسل. # وقيل أزواجا : أى : أصنافا في اللون والصورة واللسان. وقيل : يجوز أن ~~يكون المراد من الخلق أزواجا : الخلق من منيين : منى الرجل ومنى المرأة .. (1). # وقوله تعالى ( @QUR@03 وجعلنا نومكم سباتا ) بيان لدليل رابع على قدرته ~~تعالى على البعث. و «السبات» مصدر بمعنى السبت ، أى : القطع ، يقال : سبت ~~فلان الشيء سبتا ، إذا قطعه ، وسبت فلان شعره ، إذا حلقه وأزاله وفعله كضرب ونصر . # ويصح أن يكون قوله سباتا من السبت بمعنى الراحة والسكون ، يقال : سبت ~~فلان يسبت ، إذا استراح بعد تعب ، ومنه سمى يوم السبت ، لأن اليهود ينقطعون ~~فيه عن أعمالهم للراحة. # والمعنى : وجعلنا بمقتضى حكمتنا ورحمتنا نومكم «سباتا» أى : قطعا للحركة ~~، لتحصل لكم للراحة التي لا تستطيعون مواصلة العمل إلا بعدها. # وهذه الحالة التي لا بد لكم منها ، وهي الراحة بعد عناء العمل عن طريق ~~النوم ثم استيقاظكم منه ، أشبه ما تكون بإعادة الحياة إليكم بعد موتكم .. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 وجعلنا الليل لباسا ، وجعلنا النهار معاشا ) ~~بيان لنعمة أخرى من نعمه التي لا تحصى ، والتي تدل على كمال قدرته. أى : ~~وجعلنا بقدرتنا ورحمتنا الليل كاللباس الساتر لكم ، فهو يلفكم بظلمته ، كما ~~يلف اللباس صاحبه .. كما أننا جعلنا النهار وقت معاشكم ، لكي تحصلوا فيه ما ~~أنتم في حاجة إلى تحصيله من أرزاق ومنافع. # ووصف سبحانه الليل بأنه كاللباس ، والنهار ms5906 بأنه وقت المعاش ، لأن الشأن ~~فيهما كذلك ، إذ الليل هو وقت الراحة والسكون والاختلاء .. والنهار هو وقت ~~السعى والحركة والانتشار. # ثم لفت سبحانه الأنظار إلى مظاهر قدرته في خلق السموات فقال : ( @QUR@04 ~~وبنينا فوقكم سبعا شدادا ). # أى : وبنينا وأوجدنا بقدرتنا التي لا يعجزها شيء ، فوقكم أيها الناس سبع ~~سماوات قويات محكمات ، لا يتطرق إليهن فطور أو شقوق على مر العصور ، وكر ~~الدهور. # فقوله ( @QUR@01 شدادا ) جمع شديدة ، وهي الهيئة الموصوفة بالشدة والقوة. # وقوله سبحانه ( @QUR@03 وجعلنا سراجا وهاجا ) نعمة أخرى من نعمه الدالة ~~على قدرته. PageV15P251 # والمراد بالسراج الوهاج : الشمس ، وصفت بكونها سراجا ، لأنها كالمصباح في ~~إضاءته لما حوله. ووصف السراج بأنه وهاج ، مبالغة في شدة ضيائه ولمعانه ، ~~من الوهج يفتح الواو والهاء بمعنى شدة الضياء .. # والكلام على التشبيه البليغ ، والمقصود منه تقريب صفة المشبه إلى الأذهان ~~، وإلا فالشمس أعظم من كل سراج. # أى : وأنشأنا وأوجدنا بقدرتنا ومنتنا في السماء ، سراجا زاهرا مضيئا .. ~~هو الشمس المتوهجة من شدة حرارتها وضيائها ، والتي تشرق على هذا الكون ~~فتحول ظلامه إلى نور ، بقدرته تعالى . # أما الدليل التاسع على قدرته تعالى على البعث ، فنراه في قوله تعالى : ( ~~@QUR@011 وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا ، لنخرج به حبا ونباتا. وجنات ~~ألفافا ). # والمعصرات بضم الميم وكسر الصاد السحب التي تحمل المطر ، جمع معصرة بكسر ~~الصاد اسم فاعل ، من أعصرت السحابة إذا أوشكت على إنزال الماء لامتلائها به .. # قال ابن كثير : عن ابن عباس : «المعصرات» الرياح. لأنها تستدر المطر من ~~السحاب .. وفي رواية عنه أن المراد بها : السحاب ، وكذا قال عكرمة .. ~~واختاره ابن جرير .. # وقال الفراء : هي السحاب التي تتحلب بالماء ولم تمطر بعد ، كما يقال : ~~امرأة معصر ، إذا حان حيضها ولم تحض بعد. # وعن الحسن وقتادة : المعصرات : يعنى السموات. وهذا قول غريب ، والأظهر أن ~~المراد بها السحاب ، كما قال تعالى : ( @QUR@018 الله الذي يرسل الرياح ~~فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء. ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من ~~خلاله .. ) (1). # والثجاج : المندفع بقوة وكثرة ، يقال : ثج الماء كرد إذا انصب بقوة وكثرة. # ومطر ثجاج ms5907 ، أى : شديد الانصباب جدا. # وقوله : ( @QUR@01 ألفافا ) اسم جمع لا واحد له من لفظه ، كالأوزاع ~~للجماعات المتفرقة. وقيل : جمع لفيف ، كأشراف وشريف. أى : وأنزلنا لكم يا ~~بنى آدم بقدرتنا ورحمتنا من السحائب التي أوشكت على الإمطار ، ماء كثيرا ~~متدفقا بقوة ، لنخرج بهذا الماء حبا تقتاتون به كالقمح والشعير .. ونباتا ~~تستعملونه لدوابكم كالتبن والكلأ ، ولنخرج بهذا الماء أيضا بساتين قد التفت ~~أغصانها لتقاربها وشدة نمائها. PageV15P252 # فهذه تسعة أدلة أقامها سبحانه على أن البعث حق ، وهي أدلة مشاهدة محسوسة ~~، لا يستطيع عاقل إنكار واحد منها .. ومادام الأمر كذلك فكيف ينكرون قدرته ~~على البعث ، مع أنه تعالى قد أوجد لهم كل هذه النعم التي منها ما يتعلق ~~بخلقهم ، ومنها ما يتعلق بالأرض والسموات ، ومنها ما يتعلق بنومهم ، ~~وبالليل والنهار ، ومنها ما يتعلق بالشمس ، وبالسحب التي تحمل لهم الماء ~~الذي لا حياة لهم بدونه. # وبعد إيراد هذه الأدلة المقنعة لكل عاقل ، أكد سبحانه ما اختلفوا فيه ، ~~وما تساءلوا عنه ، وبين جانبا من أماراته وعلاماته فقال : ( @QUR@019 إن ~~يوم الفصل كان ميقاتا. يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا. وفتحت السماء ~~فكانت أبوابا. وسيرت الجبال فكانت سرابا ). # والمراد بيوم الفصل : يوم القيامة ، لأن فيه يكون الفصل بين المحق ~~والمبطل ، والمحسن والمسيء ، فيجازى كل إنسان على حسب عمله. # والميقات بزنة مفعال مشتق من الوقت ، وهو الزمان المحدد لفعل ما. والمراد ~~به هنا : قيام الساعة ، وبعث الناس من قبورهم. أى : إن يوم البعث والجزاء ، ~~كان ميعادا ووقتا محددا لبعث الأولين والآخرين ، وما يترتب على ذلك من جزاء ~~وثواب وعقاب. # وقوله ( @QUR@04 يوم ينفخ في الصور ... ) بدل مما قبله. أى : يوم القيامة ~~آت لا ريب فيه ، يوم نأمر إسرافيل بأن ينفخ في الصور. أى : في القرن الذي ~~أوجدناه لذلك. # ( @QUR@02 فتأتون أفواجا ) أى : فتخرجون من قبوركم جماعات جماعات ، ~~وطوائف ، طوائف ، دون أن يستطيع أحد منكم التخلف عن الحضور إلى المكان الذي ~~أعددناه لذلك. # ( @QUR@02 وفتحت السماء ... ) في هذا اليوم وشقت .. ( @QUR@02 فكانت ~~أبوابا ) أى : فصارت شقوقها وفتحاتها كالأبواب في سعتها وكثرتها. # ( @QUR@02 وسيرت الجبال ... ) أى : وأزيلت ms5908 الجبال وحركت من أماكنها بعد ~~تفتتها. # ( @QUR@02 فكانت سرابا ) أى : فصارت بعد تفتتها واقتلاعها من أماكنها ... ~~كالسراب ، وهو ما يلوح في الصحارى ، فيظنه الرائي ماء وهو ليس بماء. # وبعد هذا البيان البديع لجانب من مظاهر قدرته تعالى على كل شيء ، ومن ~~ألوان نعمه على خلقه ، ومن تقرير أن البعث حق ... بعد كل ذلك ، بين سبحانه ~~جزاء الكافرين ، وجزاء المتقين في هذا اليوم فقال تعالى : PageV15P253 # ( @QUR@04 إن جهنم كانت مرصادا (21) @QUR@02 للطاغين مآبا (22) @QUR@03 ~~لابثين فيها أحقابا (23) @QUR@06 لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا (24) ~~@QUR@03 إلا حميما وغساقا (25) @QUR@02 جزاء وفاقا (26) @QUR@05 إنهم كانوا ~~لا يرجون حسابا (27) @QUR@03 وكذبوا بآياتنا كذابا (28) @QUR@04 وكل شيء ~~أحصيناه كتابا (29) @QUR@05 فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا (30) @QUR@03 إن ~~للمتقين مفازا (31) @QUR@02 حدائق وأعنابا (32) @QUR@02 وكواعب أترابا (33) ~~@QUR@02 وكأسا دهاقا (34) @QUR@06 لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا (35) ~~@QUR@05 جزاء من ربك عطاء حسابا (36) @QUR@010 رب السماوات والأرض وما ~~بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا (37) @QUR@014 يوم يقوم الروح والملائكة ~~صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا (38) @QUR@09 ذلك اليوم ~~الحق فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا (39) @QUR@016 إنا أنذرناكم عذابا قريبا ~~يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا ) (40) # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 إن جهنم كانت مرصادا ... ) كلام مستأنف لبيان ~~أهوال جهنم وأحوالها. وجهنم : اسم لدار العذاب في الآخرة. # والمرصاد : مفعال من الرصد. تقول : رصدت فلانا أرصده ، إذا ترقبته ~~وانتظرته ، بحيث لا يهرب منك ، «فمرصادا» صيغة مبالغة للراصد الشديد الرصد ~~، وصفت جهنم بذلك ، لأن الكافرين لا يستطيعون التفلت منها مهما حاولوا ذلك. # قال القرطبي : «مرصادا» مفعال من الرصد ، والرصد : كل شيء كان أمامك ... ~~وقال مقاتل : «مرصادا» أى : محبسا. وقيل : طريقا وممرا. وذكر القشيري : أن ~~المرصاد : المكان الذي يرصد فيه الواحد العدد. أى : هي معدة لهم ، فالمرصاد ~~بمعنى المحل ... وذكر PageV15P254 # الماوردي ، أنها بمعنى راصدة ... وفي الصحاح : الراصد الشيء الراقب له. ~~تقول : رصدته أرصده ، إذا ترقبته ... (1). # والمعنى : إن جهنم التي هي دار العذاب في الآخرة ، كانت بأمر الله تعالى ~~ومشيئته معدة ومهيئة للكافرين ، فهي ترصدهم وترقبهم بحيث لا يستطيعون الهرب ~~منها ، فهي كالحارس اليقظ ms5909 الذي يقف بالمرصد فلا يستطيع أحد أن يتجاوزه. # والمقصود بالآية الكريمة تهديد المشركين ، وبيان أنهم لا مهرب لهم من ~~جهنم ، وأنها في انتظارهم ، كما ينتظر العدو عدوه ليقضى عليه. # وقوله : ( @QUR@02 للطاغين مآبا ) بدل من ( @QUR@01 مرصادا ) وقوله ( ~~@QUR@01 مآبا ) من الأوب بمعنى المرجع. يقال : آب فلان يؤوب ، إذا رجع ... # أى : إن جهنم كانت للمتجاوزين الحد في الظلم والطغيان ، هي المكان المهيأ ~~لهم ، والذي لا يستطيعون الهرب منه ، بل هي مرجعهم الوحيد الذي يرجعون إليه. # وقوله : ( @QUR@03 لابثين فيها أحقابا ) أى : مقيمين في جهنم أزمانا ~~طويلة لا يعلم مقدارها إلا الله تعالى إذ الأحقاب : جمع حقب بضمتين أو بضم ~~فسكون ، وهو الزمان الطويل. # ( @QUR@03 لا يذوقون فيها ) أى : في جهنم ( @QUR@01 بردا ) أى : شيئا ~~يخفف عنهم حرها ، من هواء بارد ، أو نسيم عليل ( @QUR@02 ولا شرابا ) أى : ~~شيئا من الشراب الذي يطفئ عطشهم ، ويخفف من عذابهم. # ( @QUR@03 إلا حميما وغساقا ) والحميم. هو الماء الذي بلغ الغاية في ~~الحرارة. والغساق : هو ما يسيل من جلودهم من القيح والدماء والصديد. يقال : ~~غسق الجرح كضرب وسمع غسقانا ، إذا سالت منه مياه صفراء. أى : أن هؤلاء ~~الطغاة لا يذوقون في جهنم شيئا من الهواء البارد ، ولا من الشراب النافع ، ~~لكنهم يذوقون فيها الماء الذي بلغ النهاية في الحرارة ، والصديد الذي يسيل ~~من جروحهم وجلودهم. # فالاستثناء في قوله ( @QUR@03 إلا حميما وغساقا )، استثناء منقطع ، لأن ~~الحميم ليس من جنس البرد في شيء ، وكذلك الغساق ليس من جنس الشراب في شيء. # وقوله سبحانه ( @QUR@02 جزاء وفاقا ) بيان لعدالة الله تعالى معهم ، أى : ~~أننا لم PageV15P255 # نظلمهم بإلقائهم في جهنم ، وإنما جازيناهم بذلك جزاء موافقا لأعمالهم ~~السيئة في الدنيا. # فقوله : ( @QUR@01 جزاء ) منصوب على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف ، وقوله ( ~~@QUR@01 وفاقا ) صفة له والوفاق مصدر وافق ، وهو هنا بمعنى اسم الفاعل. أى ~~: جوزوا جزاء موافقا لأعمالهم القبيحة التي كانوا يعملونها في الدنيا. # ثم علل سبحانه ما أصابهم من عذاب أليم ، فقال : ( @QUR@08 إنهم كانوا لا ~~يرجون حسابا. وكذبوا بآياتنا كذابا ). أى : إن هؤلاء الطغاة كانوا في ~~الدنيا لا يخافون حسابنا ms5910 ، ولا يفكرون فيه ، بل كانوا يكذبون به ، وبكل ما ~~جاءهم به رسولنا تكذيبا عظيما. # وقوله : ( @QUR@01 كذابا ) مصدر كذب ، ومجيء فعال بمعنى تفعيل في مصدر ~~فعل فصيح شائع. # وأوثر هذا المصدر دون التكذيب ، للإشعار بأن تكذيبهم لآيات الله تعالى قد ~~وصل الغاية في قبحه وإفراطه. وهو منصوب على أنه مفعول مطلق مؤكد لعامله. # قال صاحب الكشاف : قوله ( @QUR@01 كذابا ) أى : تكذيبا. وفعال في باب فعل ~~، كله فاش في كلام فصحاء العرب لا يقولون غيره. وهو مصدر كذب ... (1). # ثم بين سبحانه شمول علمه لكل شيء فقال : ( @QUR@04 وكل شيء أحصيناه كتابا ~~) و «كل» منصوب على الاشتغال ، والإحصاء للشيء : ضبطه ضبطا محكما. وأصله من ~~لفظ الحصا ، واستعمل فيه لأنهم كانوا يعتمدون على الحصا في العد ، كما ~~يعتمد بعض الناس الآن على الأصابع. # قال الجمل : وقوله : ( @QUR@01 كتابا ) فيه أوجه : أحدها : أنه مصدر من ~~معنى أحصيناه ، أى : # إحصاء فالتجوز في نفس المصدر. والثاني : أنه مصدر لأحصينا ، لأنه في معنى ~~كتبنا. فالتجوز في نفس الفعل ... (2). أى : وكل شيء في هذا الكون ، قد ~~أحصيناه إحصاء تاما ، بحيث لا يعزب منه شيء عن علمنا ، مهما كان صغيرا. # والفاء في قوله ( @QUR@05 فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا ) للتفريع على ما ~~تقدم من كون جهنم كانت مرصادا ، للطاغين مآبا ... # أى : إن جهنم كانت معدة ومهيأة لهؤلاء الطغاة بسبب أعمالهم القبيحة ، ~~وسيقال لهم يوم القيامة على سبيل الإذلال والإهانة ، ذوقوا سوء عاقبة كفركم ~~وفسوقكم وعصيانكم ، فلن نزيدكم إلا عذابا فوق العذاب الذي أنتم فيه. PageV15P256 # قال ابن كثير : قال قتادة ، عن أبى أيوب الأزدى ، عن عبد الله بن عمرو ~~قال : لم ينزل في شأن أهل النار آية أشد من هذه الآية ( @QUR@05 فذوقوا فلن ~~نزيدكم إلا عذابا ) قال : فهم في مزيد من العذاب أبدا ... (1). # وكعادة القرآن الكريم في الموازنة بين عاقبة الأشرار والأخيار ، جاء ~~الحديث عن حسن عاقبة المتقين ، بعد الحديث عن سوء عاقبة الطاغين فقال تعالى ~~: ( @QUR@03 إن للمتقين مفازا ) أى : للمتقين الذين صانوا أنفسهم عن كل ~~مالا يرضى ربهم ... ( @QUR@01 مفازا ) أى : فوزا برضوانه وجنته فقوله ms5911 ( ~~@QUR@01 مفازا ) مصدر بمعنى الفوز والظفر بالمطلوب ، وتنوينه للتعظيم. # ثم فصل سبحانه مظاهر هذا الفوز فقال : ( @QUR@02 حدائق وأعنابا ) أى : إن ~~لهم في هذه الجنان التي ظفروا بها حدائق ، أى : بساتين فيها ماء وأشجار ~~مثمرة ... سميت بذلك تشبيها لها بحدقة العين في الهيئة ، وحصول الماء فيها. # وإن لهم كذلك في هذه الجنان ( @QUR@01 أعنابا ) جمع عنب ، وهو الكرم ، ~~وخصت الأعناب بالذكر ، لأنها من أعظم الفواكه وأحبها إلى النفوس. # وإن لهم أيضا ( @QUR@02 كواعب أترابا ) أى : فتيات في ريعان الشباب ، قد ~~تقاربت أعمارهن ، وتساوين في الجمال والنضارة وحسن الهيئة. # فالكواعب ، جمع كاعب ، وهي الفتاة التي وصلت إلى سن البلوغ ، وسميت بذلك ~~لأنها في تلك السن يتكعب ثدياها ، أى : يستديران مع ارتفاع ... # والأتراب ، جمع ترب بكسر التاء وسكون الراء وهو المساوى لغيره في السن ، ~~وأكثر ما يطلق هذا اللفظ على الإناث. قيل : سمى من تقاربن في السن بذلك ، ~~على سبيل التشبيه بالترائب ، أى : بالضلوع التي في الصدر في التساوي ... # وإن لهم أيضا ( @QUR@02 كأسا دهاقا ) أى : كأسا مليئة بالخمر. يقال دهق ~~الحوض كجعل وأدهقه ، إذا ملأه حتى فاض من جوانبه. # ( @QUR@03 لا يسمعون فيها ) أى : في الجنة ( @QUR@01 لغوا ) أى : كلاما ~~ساقطا لا يعتد به. ولا يسمعون أيضا ( @QUR@01 كذابا ) أى كلاما كاذبا. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 جزاء من ربك عطاء حسابا ) بيان لمظاهر فضله ~~ومننه على هؤلاء المتقين ... وقوله : ( @QUR@01 جزاء ) منصوب بفعل محذوف من ~~لفظه ، و ( @QUR@01 من ) ابتدائية. PageV15P257 # أى : هؤلاء المتقون كوفئوا مكافأة صادرة من ربك على سبيل العطاء أى : ~~الإحسان والتفضل ، حتى شيعوا واكتفوا. # فقوله : ( @QUR@01 حسابا ) صفة للعطاء وهو بمعنى كاف. فهو مصدر أقيم مقام ~~الوصف ، من قولهم : أحسبه الشيء ، إذا كفاه حتى قال حسبي ، أى : كافينى. # قال صاحب الكشاف : و ( @QUR@01 حسابا ) صفة بمعنى كافيا ، من أحسبه الشيء ~~إذا كفاه حتى قال حسبي ... (1). # ويصح أن يكون قوله ( @QUR@01 حسابا ) معناه «محسوبا». أى : كافأهم الله ~~تعالى على أعمالهم الحسنة في الدنيا مكافأة محسوبة ، على قدر أعمالهم ~~الطيبة. # وقوله : ( @QUR@06 رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن ... ) قرأه ~~بعضهم بجر لفظ «رب» على أنه بدل ms5912 «من ربك» ، وقرأه البعض الآخر بالرفع على ~~أنه خبر لمبتدأ محذوف. # أى : هذا الجزاء العظيم للمتقين هو كائن من ربك ، الذي هو رب أهل السموات ~~وأهل الأرض ، ورب ما بينهما من مخلوقات لا يعلمها إلا هو ، وهو سبحانه صاحب ~~الرحمة الواسعة العظيمة التي لا تقاربها رحمة ... # وقوله : ( @QUR@04 لا يملكون منه خطابا ) مقرر ومؤكد لما قبله ، من كونه ~~تعالى هو رب كل شيء. أى : أهل السموات والأرض وما بينهما ، خاضعون ومربوبون ~~لله تعال الواحد القهار ، الذي لا يقدر أحد منهم كائنا من كان أن يخاطبه ~~إلا بإذنه ، ولا يملك أن يفعل ذلك إلا بمشيئته. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@07 من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ~~) وقوله سبحانه : ( @QUR@010 يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي ~~وسعيد ) (2). # والظرف في قوله تعالى : ( @QUR@05 يوم يقوم الروح والملائكة صفا ... ) ~~متعلق بقوله تعالى قبل ذلك : ( @QUR@04 لا يملكون منه خطابا )... والمراد ~~بالروح : جبريل عليه السلام . أى : لا يملك أحد أن يخاطب الله تعالى إلا ~~بإذنه ، يوم القيامة ، ويوم يقوم جبريل عليه السلام بين يدي خالقه قيام تذلل ~~وخضوع ، ويقوم الملائكة أيضا قياما كله أدب وخشوع ، وهم في صفوف منتظمة. PageV15P258 # ( @QUR@02 لا يتكلمون ) أى : لا يستطيع جبريل ولا الملائكة ولا غيرهم ~~الكلام ( @QUR@05 إلا من أذن له الرحمن ) منهم بالكلام أو بالشفاعة. # ( @QUR@02 وقال صوابا ) أى : وقال المأذون له في الكلام قولا صوابا يرضى ~~الخالق عز وجل . # وكون المراد بالروح : جبريل عليه السلام هو الرأى الراجح ، لأن القرآن ~~الكريم قد وصفه بذلك في آيات منها قوله تعالى : ( @QUR@09 نزل به الروح ~~الأمين. على قلبك لتكون من المنذرين ) (1). # وهناك أقوال أخرى في المراد به ، منها : أنه ملك من الملائكة ، ومنها : ~~أرواح بنى آدم. # وجملة «لا يتكلمون» مؤكدة لجملة «لا يملكون منه خطابا» والضمير لجميع ~~الخلائق. # وقد أفادت الآية الكريمة أن الذين يتكلمون في هذا اليوم الهائل الشديد ، ~~هم الذين يأذن الله تعالى لهم بالكلام ، وهم الذين يقولون قولا صوابا يرضى ~~الله تعالى عنه. # وجملة : «وقال صوابا» يجوز أن تكون في موضع ms5913 الحال من الاسم الموصول «من». ~~أى : لا يستطيع أحد منهم الكلام إلا الشخص الذي قد أذن الله تعالى له في ~~الكلام ، والحال أن هذا المأذون له قد قال صوابا. # ويصح أن تكون معطوفة على جملة «أذن له الرحمن». أى : لا يستطيعون الكلام ~~إلا الذين أذن لهم الرحمن في الكلام ، وإلا الذين قالوا قولا صوابا يرضى ~~الله ، فإنهم يتكلمون. # والمقصود من الآية الكريمة ، بيان أن الخلائق جميعا يكونون في هذا اليوم ~~، في قبضة الرحمن وتحت تصرفه ، وأنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا إلا ~~بإذنه تعالى . # واسم الإشارة في قوله تعالى : ( @QUR@03 ذلك اليوم الحق ) يعود إلى يوم ~~البعث الذي يقوم الناس فيه لله رب العالمين. أى : ذلك اليوم الذي يقوم فيه ~~الخلائق للحساب والجزاء ، هو اليوم الحق الذي لا شك في حدوثه. ولا ريب في ثبوته. # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@06 فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا ) هي ~~الفصيحة ، ومفعول المشيئة محذوف. أى : لقد بينا لكم ما يهديكم ، وإذا كان ~~الأمر كذلك ، فمن شاء منكم أن يتخذ إلى ربه مرجعا حسنا وطريقا إلى رضاه ، ~~فليتخذه الآن ، من قبل أن يأتى هذا اليوم الذي لا بيع فيه ولا خلال. PageV15P259 # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بهذا الإنذار البليغ فقال : ( @QUR@016 إنا ~~أنذرناكم عذابا قريبا ، يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ، ويقول الكافر يا ~~ليتني كنت ترابا ). # والإنذار : الإخبار بحصول شيء تسوء عاقبته ، في وقت يستطيع المنذر فيه أن ~~يجنب نفسه الوقوع في ذلك الشيء. أى : إنا أخبرناكم أيها الناس بأن هناك ~~عذابا قريبا ، سيحل بمن يستحقه عما قريب. # وذلك العذاب سيكون أشد هولا ، وأبقى أثرا ، يوم القيامة ، ( @QUR@06 يوم ~~ينظر المرء ما قدمت يداه ) أى : يوم يرى كل إنسان عمله حاضرا أمامه ، ~~ومسجلا عليه ... # ( @QUR@06 ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا )، أى : ويقول الإنسان ~~الكافر في هذا اليوم على سبيل الحسرة والندامة ، يا ليتني كنت في الدنيا ~~ترابا ، ولم أخلق بشرا ، ولم أكلف بشيء من التكاليف ، ولم أبعث ولم أحاسب. # فالمقصود بالآية قطع أعذار المعتذرين بأبلغ وجه ms5914 ، من قبل أن يأتى يوم لا ~~ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV15P260 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة النازعات ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «النازعات» من السور المكية الخالصة. وتسمى بسورة «والنازعات» ~~بإثبات الواو ، حكاية لأول ألفاظها ، ومن ذكرها بدون واو ، جعل لفظ ~~«النازعات» علما عليها ، وتسمى أيضا سورة «الساهرة» وسورة «الطامة» ، لوقوع ~~هذين اللفظين فيها دون غيرها. # 2 وهي السورة التاسعة والسبعون في ترتيب المصحف ، أما ترتيبها في النزول ~~فهي السورة الحادية والثمانون من بين السور المكية ، وكان نزولها بعد سورة ~~«النبأ» ، وقبل سورة «الانفطار» ، أى : أن سورة النازعات تعتبر من أواخر ~~السور المكية نزولا. # 3 وعدد آياتها خمس وأربعون آية في المصحف الكوفي ، وست وأربعون في غيره. # 4 ومن أهم مقاصدها : إقامة الأدلة على وحدانية الله تعالى ، وعلى أن ~~البعث حق ، وذكر جانب كبير من علاماته وأهواله ، والرد على الجاحدين الذين ~~أنكروا وقوعه ، وتذكير الناس بجانب مما دار بين موسى عليه السلام وبين فرعون ~~من مناقشات ، وكيف أن الله تعالى قد أخذ فرعون أخذ عزيز مقتدر. # كما أن السورة الكريمة اشتملت على مظاهر قدرته تعالى ، التي نراها ~~ونشاهدها في خلقه سبحانه للسموات وللأرض ... وما اشتملتا عليه عن عجائب. # ثم ختمت ببيان حسن عاقبة المتقين ، وسوء عاقبة الكافرين ، وبالإجابة على ~~أسئلة السائلين عن يوم القيامة ، وبيان أن موعد مجيء هذا اليوم مرده إلى ~~الله تعالى وحده. # قال تعالى : ( @QUR@026 يسئلونك عن الساعة أيان مرساها. فيم أنت من ~~ذكراها. إلى ربك منتهاها. إنما أنت منذر من يخشاها. كأنهم يوم يرونها لم ~~يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ). PageV15P261 ### ||| * التفسير # افتتح سبحانه سورة النازعات بقوله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@02 والنازعات غرقا (1) @QUR@02 والناشطات نشطا (2) @QUR@02 ~~والسابحات سبحا (3) @QUR@02 فالسابقات سبقا (4) @QUR@02 فالمدبرات أمرا (5) ~~@QUR@03 يوم ترجف الراجفة (6) @QUR@02 تتبعها الرادفة (7) @QUR@03 قلوب ~~يومئذ واجفة (8) @QUR@02 أبصارها خاشعة (9) @QUR@05 يقولون أإنا لمردودون ~~في الحافرة (10) @QUR@04 أإذا كنا عظاما نخرة (11) @QUR@05 قالوا تلك إذا ~~كرة خاسرة (12) @QUR@04 فإنما هي زجرة واحدة (13) @QUR@03 فإذا هم بالساهرة ms5915 ) (14) # والواو في قوله ( @QUR@01 والنازعات ... ) وما بعده ، للقسم ، وجواب ~~القسم محذوف دل عليه ما بعده ، والتقدير : وحق هذه المخلوقات العظيمة ... ~~لتبعثن. # وكذلك المقسم به محذوف ، إذ أن هذه الألفاظ وهي : النازعات ، والناشطات ~~والسابحات ، والسابقات ، والمدبرات ، صفات لموصوفات محذوفة ، اختلف ~~المفسرون في المراد بها على أقوال كثيرة. أشهرها : أن المراد بهذه ~~الموصوفات ، طوائف من الملائكة ، كلفهم الله تعالى بالقيام بأعمال عظيمة ، ~~وأفعال جسيمة. # والنازعات : جمع نازعة. والنزع : جذب الشيء بقوة ، كنزع القوس عن كبده. # ومنه قوله تعالى في النزع الحسى : ( @QUR@06 ونزع يده فإذا هي بيضاء ~~للناظرين ) وقوله سبحانه في النزع المعنوي : ( @QUR@010 ونزعنا ما في ~~صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين ). PageV15P262 # وقوله : ( @QUR@01 غرقا ) اسم مصدر من أغرق ، وأصله إغراقا. والإغراق في ~~الشيء ، المبالغة فيه والوصول به إلى نهايته ، يقال : أغرق فلان هذا الأمر ~~، إذا أوغل فيه ، ومنه قوله : نزع فلان في القوس فأغرق ، أى : بلغ غاية ~~المد حتى انتهى إلى النصل. # وهو منصوب على المصدرية ، لالتقائه مع اللفظ الذي قبله في المعنى ، وكذلك ~~الشأن بالنسبة للألفاظ التي بعده ، وهي : «نشطا» و «سبحا» و «سبقا». # والمعنى : وحق الملائكة الذين ينزعون أرواح الكافرين من أجسادهم ، نزعا ~~شديدا ، يبلغ الغاية في القسوة والغلظة. # ويشير إلى هذا المعنى قوله تعالى في آيات متعددة ، منها قوله سبحانه : ( ~~@QUR@013 ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا ، الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ~~وذوقوا عذاب الحريق ). # وقوله : ( @QUR@02 والناشطات نشطا ): المقصود به طائفة أخرى من ~~الملائكة. والناشطات من النشط ، وهو السرعة في العمل ، والخفة في أخذ الشيء ~~، ومنه الأنشوطة ، للعقدة التي يسهل حلها ، ويقال : نشطت الدلو من البئر من ~~باب ضرب إذا نزعتها بسرعة وخفة. # أى : وحق الملائكة الذين ينشطون ويسرعون إسراعا شديدا لقبض أرواح ~~المؤمنين بخفة وسهولة ويقولون لهم على سبيل البشارة والتكريم : ( @QUR@09 ~~يا أيتها النفس المطمئنة. ارجعي إلى ربك راضية مرضية ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 والسابحات سبحا ) قسم ثالث بطائفة ثالثة من ~~طوائف الملائكة ، التي تسبح في هذا الكون ، أى : تنطلق بسرعة لتنفيذ أمر ~~الله تعالى ، ولتسبيحه ، وتحميده ، وتكبيره ، وتقديسه. # أى : وحق الملائكة الذين ms5916 يسرعون التنقل في هذا الكون إسراعا شديدا ، ~~لتنفيذ ما كلفهم سبحانه به ، ولتسبيحه وتنزيهه عن كل نقص ... # وقوله تعالى : ( @QUR@02 فالسابقات سبقا ) المقصود به طائفة رابعة من ~~الملائكة ، تسبق غيرها في تنفيذ أمر الله تعالى ، إذ السبق معناه : أن ~~يتجاوز السائر من يسير معه ، ويسبقه إلى المكان المقصود الوصول إليه ، كما ~~قال تعالى في صفات المتقين : ( @QUR@07 أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها ~~سابقون ). # وقوله : ( @QUR@02 فالمدبرات أمرا ) المقصود به طائفة خامسة من الملائكة ~~، من وظائفهم تدبير PageV15P263 # شأن الخلائق ، وتنظيم أحوالهم بالطريقة التي يأمرهم سبحانه بها ، فنسبة ~~التدبير إليهم ، إنما هي على سبيل المجاز ، لأن كل شيء في هذا الكون إنما ~~هو بقضاء الله وتقديره وتدبيره. # والمراد بالأمر : الشأن والغرض المهم ، وتنوينه للتعظيم ، ونصبه على ~~المفعولية للفظ المدبرات. أى : وحق الملائكة الذين يرتبون شئون الخلائق ، ~~وينظمون أمورهم بالطريقة التي يكلفهم سبحانه بها. # وجاء العطف في قوله : ( @QUR@02 فالسابقات فالمدبرات ) بالفاء ، للدلالة ~~على ترتيب ما بعدها على ما قبلها بغير مهلة. وللإيذان بأن هاتين الصفتين ~~متفرعتين عما قبلهما. # وعلى هذا التفسير الذي سرنا فيه على أن هذه الصفات لموصوف واحد ، سار ~~كثير من المفسرين : فصاحب الكشاف صدر تفسيره لهذه الآيات بقوله : أقسم ~~سبحانه بطوائف الملائكة ، التي تنزع الأرواح من الأجساد وبالطوائف التي ~~تنشطها ، أى تخرجها ... وبالطوائف التي تسبح في مضيها ، أى : تسرع فتسبق ~~إلى ما أمروا به ، فتدبر أمرا من أمور العباد مما يصلحهم في دينهم ودنياهم ~~، كما رسم الله تعالى لهم ... وأسند التدبير إليهم أى إلى الملائكة لأنهم ~~من أسبابه ... (1). # وقال الشوكانى : أقسم سبحانه بهذه الأشياء التي ذكرها ، وهي الملائكة ~~التي تنزع أرواح العباد عن أجسادهم ، كما ينزع النازع القوس فيبلغ بها غاية ~~المد ، وكذا المراد بالناشطات ، والسابحات ، والسابقات ، والمدبرات ، يعنى ~~الملائكة. والعطف مع اتحاد الكل لتنزيل التغاير الوصفي ، منزلة التغاير ~~الذاتي ، كما في قول الشاعر : # إلى الملك القرم ، وابن الهمام %~% وليث الكتيبة في المزدحم # وهذا قول الجمهور من الصحابة ، والتابعين ، ومن بعدهم ... (2). # ومنهم من يرى أن المراد بالنازعات : النجوم تنتقل من مكان إلى ms5917 مكان ، أو ~~الأقواس التي تنزع السهام ، أو الغزاة ينزعون من دار الإسلام إلى دار الحرب ... # ومنهم من يرى أن المراد بالناشطات : الكواكب السيارة ، أو السفن التي ~~تمخر عباب الماء ... وأن المراد بالسابحات والسابقات : النجوم ، أو الشمس ~~والقمر ، والليل والنهار ... # أما المدبرات فقد أجمعوا على أن المراد بها الملائكة. # قال الجمل : اختلفت عبارات المفسرين في هذه الكلمات ، هل هي صفات لشيء ~~واحد ، أو PageV15P264 # لأشياء مختلفة ، على أوجه : واتفقوا على أن المراد بقوله : ( @QUR@02 ~~فالمدبرات أمرا ) وصف لشيء واحد ، وهم الملائكة ... (1). # ويبدو لنا أن كون هذه الصفات جميعها لشيء واحد ، هو الملائكة ، أقرب إلى ~~الصواب ، لأنه المأثور عن كثير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. # ثم شرع سبحانه في بيان علامات القيامة وأهوالها فقال : ( @QUR@05 يوم ~~ترجف الراجفة. تتبعها الرادفة ... ). والراجفة : من الرجف وهو الاضطراب ~~الشديد ، والحركة القوية ، لأن بسببها تضطرب الأمور ، وتختل الشئون. يقال : ~~رجفت الأرض والجبال ، إذا اهتزت اهتزازا شديدا. # والمراد بها : ما يحدث في هذا الكون عند النفخة الأولى التي يموت بعدها ~~جميع الخلائق. # والمراد بالرادفة : النفخة الثانية ، التي تردف الأولى ، أى : تأتى بعدها ~~، وفيها يبعث الموتى بإذن الله تعالى ، يقال : فلان جاء ردف فلان ، إذا جاء ~~في أعقابه. # أى : اذكر أيها العاقل لتعتبر وتتعظ ، يوم ينفخ في الصور فتضطرب الأرض ~~وتهتز ، ويموت جميع الخلق ، ثم يتبع ذلك نفخة أخرى يبعث بعدها الموتى بإذن ~~الله تعالى . # وجملة «تتبعها الرادفة» في محل نصب على الحال من الراجفة. # وشبيه بهاتين الآيتين قوله تعالى : ( @QUR@022 ونفخ في الصور فصعق من في ~~السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ، ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ~~ينظرون ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 قلوب يومئذ واجفة. أبصارها خاشعة ) بيان لما ~~يترتب على قيام الساعة ، وبعث الخلائق ، من خوف ورعب. # أى : قلوب كثيرة في هذا اليوم الهائل الشديد تكون في نهاية الاضطراب ~~والفزع. يقال : وجف القلب يجف وجفا ووجيفا ، إذا ارتفعت ضرباته من شدة ~~الخوف ... # وتكون أبصار أصحاب هذه القلوب خاشعة ، أى ذليلة مهينة ، لما يعتريهم من ~~الفزع الشديد ، والرعب الذي ms5918 لا حدود له ... # ولفظ «قلوب» مبتدأ ، وتنكيره للتكثير ، وقوله : ( @QUR@01 واجفة ) صفة ~~للقلوب ، وجملة «أبصارها خاشعة» خبر ثان للقلوب. # والمراد بهذه القلوب : قلوب المشركين الذين أنكروا في الدنيا البعث ~~والجزاء ، فلما بعثوا PageV15P265 # اعتراهم الرعب الشديد ، والفزع الذي لا يقاربه فزع ... # فأما قلوب المؤمنين فهي بفضل الله ورحمته تكون في أمان واطمئنان ، كما ~~قال تعالى : ( @QUR@011 لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا ~~يومكم الذي كنتم توعدون ). # وإضافة الأبصار إلى ضمير القلوب لأدنى ملابسة ، لأن الأبصار لأصحاب هذه ~~القلوب ، وكلاهما من جوارح الأجساد. # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 يقولون أإنا لمردودون في الحافرة. أإذا كنا ~~عظاما نخرة ) حكاية لما كان يقوله هؤلاء الكافرون في الدنيا ، من إنكار ~~للبعث ، ومن استهزاء لمن كان يذكرهم به ، ومن استبعاد شديد لحصوله ... # والمراد بالحافرة : العودة إلى الحياة مرة أخرى بعد موتهم وتحولهم إلى ~~عظام بالية. # قال صاحب الكشاف : ( @QUR@02 في الحافرة ). أى : في الحالة الأولى يعنون ~~: الحياة بعد الموت. # فإن قلت : ما حقيقة هذه الكلمة؟ قلت : يقال : رجع فلان في حافرته ، أى : ~~في طريقه التي جاء فيها فحفرها. أى : أثر فيها بمشيه فيها : جعل أثر قدميه ~~حفرا ... ثم قيل لمن كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه : رجع إلى حافرته ، ~~أى : طريقته وحالته الأولى ... (1). # وقوله : ( @QUR@01 نخرة ) صفة مشتقة من قولهم : نخر العظم بفتح النون ~~وكسر الخاء إذا بلى وصار سهل التفتيت والكسر. وقرأ حمزة والكسائي «ناخرة» ~~بمعنى بالية فارغة جوفاء ، يسمع منها عند هبوب الريح نخير ، أى : صوت. # أى : أن هؤلاء المشركين كانوا يقولون في الدنيا على سبيل التعجيب ~~والاستهزاء والإنكار لأمر البعث والحساب : أنرد إلى الحياة مرة أخرى بعد ~~موتنا وبعد أن نصير في قبورنا عظاما بالية. # وعبر سبحانه عن قولهم هذا بالمضارع «يقولون» لاستحضار حالتهم الغريبة ، ~~حيث أنكروا ما قام الدليل على عدم إنكاره ، وللإشعار بأن هذا الإنكار كان ~~متجددا ومستمرا منهم. # وقد ساق سبحانه أقوالهم هذه بأسلوب الاستفهام ، للإيذان بأنهم كانوا ~~يقولون ما يقولون في شأن البعث على سبيل التهكم والتعجب ممن يحدثهم عنه ، ~~كما هو شأن ms5919 المستفهم PageV15P266 # عن شيء الذي لا يقصد معرفة الحقيقة ، وإنما يقصد التعجيب والإنكار. # وجملة «أإذا كنا عظاما نخرة» مؤكدة للجملة السابقة عليها ، التي يستبعدون ~~فيها أمر البعث بأقوى أسلوب. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 قالوا تلك إذا كرة خاسرة ) حكاية لقول آخر من ~~أقوالهم الفاسدة ، وهو بدل اشتمال من قوله سبحانه قبل ذلك : ( @QUR@05 ~~يقولون أإنا لمردودون في الحافرة ). # واسم الإشارة «تلك» يعود إلى الردة المستفادة من قولهم «أإنا لمردودون ....». # ولفظ «إذا» جواب لكلامهم المتقدم. والكرة : المرة من الكر بمعنى الرجوع ، ~~وجمعها : كرات أى : يقول هؤلاء الجاحدون : أنرد إلى الحياة التي كنا فيها ~~بعد أن نموت ونفنى؟ وبعد أن نصير عظاما نخرة؟ لو حدث هذا بأن رددنا إلى ~~الحياة مرة أخرى ، لكانت عودتنا عودة خاسرة غير رابحة ، وهم يقصدون بهذا ~~الكلام الزيادة في التهكم والاستهزاء بالبعث. # والخسران : أصله عدم الربح في التجارة ، والمراد به هنا : حدوث ما ~~يكرهونه لهم. # ونسب الخسران إلى الكرة على سبيل المجاز العقلي ، للمبالغة في وصفهم ~~الرجعة بالخيبة والفشل ، وإلا فالمراد خيبتهم وفشلهم هم ، لأنهم تبين لهم ~~كذبهم ، وصدق من أخبرهم بأن الساعة حق. # وقد رد سبحانه عليهم ردا سريعا حاسما يخرس ألسنتهم فقال : ( @QUR@07 ~~فإنما هي زجرة واحدة. فإذا هم بالساهرة ). # والزجرة : المرة من الزجر ، وهو الصياح المصحوب بالغضب ، يقال : زجر فلان ~~فلانا ، إذا أمره أو نهاه عن شيء بحدة وغضب. # والساهرة : الأرض المستوية الخالية من النبات. # والمراد بها هنا : الأرض التي يحشر الله تعالى فيها الخلائق. # قال القرطبي : قوله : ( @QUR@03 فإذا هم بالساهرة ) أى : على وجه الأرض ، ~~بعد أن كانوا في بطنها. سميت بهذا الاسم ، لأن فيها نوم الحيوان وسهرهم ، ~~والعرب تسمى الفلاة ووجه الأرض ساهرة ، بمعنى ذات سهر ، لأنه يسهر فيها ~~خوفا منها ، فوصفها بصفة ما فيها ... (1). # والفاء في قوله : ( @QUR@03 فإنما هي زجرة ... ) للتفريع على قولهم ~~السابق ، وضمير «هي» يعود PageV15P267 # إلى الحالة والقصة التي أنكروها ، وهي قيام الساعة. # أى : قل لهم أيها الرسول الكريم على سبيل التوبيخ والتقريع : ليس الأمر ~~كما زعمتم من أنه لا بعث ولا جزاء ... بل الحق ms5920 أن ذلك آت لا ريب فيه ، وأن ~~عودتكم إلى الحياة مرة أخرى لا تقتضي من خالقكم سوى صيحة واحدة يصيحها ملك ~~من ملائكته بكم ، فإذا أنتم قيام من قبوركم ، ومجتمعون في المكان الذي ~~يحدده الله تعالى لاجتماعكم ولحسابكم وجزائكم. # وعبر سبحانه عن اجتماعهم بأرض المحشر بإذا الفجائية فقال : ( @QUR@03 ~~فإذا هم بالساهرة ) للإيذان بأن اجتماعهم هذا سيكون في نهاية السرعة والخفة ~~، وأنه سيتحقق في أعقاب الزجرة بدون أقل تأخير. # ووصف سبحانه الزجرة بأنها واحدة ، لتأكيد ما في صيغة المرة من معنى ~~الوحدة ، أى : أن الأمر لا يقتضى سوى الإذن منا بصيحة واحدة لا أكثر ، ~~تنهضون بعدها من قبوركم للحساب والجزاء ، نهوضا لا تملكون معه التأخر أو ~~التردد ... والمراد بها : النفخة الثانية. # وقال سبحانه : ( @QUR@02 فإذا هم ) بضمير الغيبة ، إهمالا لشأنهم ، ~~وتحقيرا لهم عن استحقاق الخطاب. # وشبيه بهاتين الآيتين قوله تعالى : ( @QUR@022 ونفخ في الصور فصعق من في ~~السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ~~ينظرون ). # وإلى هنا نجد السورة الكريمة قد حدثتنا حديثا بليغا مؤثرا عن أهوال يوم ~~القيامة ، وعن أحوال المجرمين في هذا اليوم العسير. # ثم ساق سبحانه بعد ذلك جانبا من قصة موسى مع فرعون ، لتكون تسلية للنبي ~~صلى الله عليه وسلم عما أصابه من هؤلاء الجاحدين ، وتهديدا لهم حتى يقلعوا عن ~~غيهم ... فقال تعالى : # ( @QUR@04 هل أتاك حديث موسى (15) @QUR@06 إذ ناداه ربه بالواد المقدس ~~طوى (16) @QUR@05 اذهب إلى فرعون إنه طغى (17) @QUR@06 فقل هل لك إلى أن ~~تزكى (18) @QUR@04 وأهديك إلى ربك فتخشى (19) @QUR@03 فأراه الآية الكبرى ~~(20) @QUR@02 فكذب وعصى (21) @QUR@03 ثم أدبر يسعى (22) @QUR@01 فحشر PageV15P268 # @QUR@01 فنادى (23) @QUR@04 فقال أنا ربكم الأعلى (24) @QUR@05 فأخذه ~~الله نكال الآخرة والأولى (25) @QUR@06 إن في ذلك لعبرة لمن يخشى ) (26) # قال الإمام الرازي : اعلم أن وجه المناسبة بين هذه القصة وبين ما قبلها ~~من وجهين : # الأول : أنه تعالى حكى عن الكفار إصرارهم على إنكار البعث ، حتى انتهوا ~~في ذلك الإنكار إلى حد الاستهزاء في قولهم : ( @QUR@04 تلك إذا كرة خاسرة ) ~~، وكان ذلك يشق على الرسول صلى الله عليه وسلم ms5921 فذكر سبحانه قصة موسى ~~عليه السلام ، وبين أنه تحمل المشقة في دعوة فرعون ، ليكون ذلك تسلية للرسول ~~صلى الله عليه وسلم . # الثاني : أن فرعون كان أقوى من كفار قريش ... فلما تمرد على موسى ، أخذه ~~الله تعالى نكال الآخرة والأولى ، فكذلك هؤلاء المشركون في تمردهم عليك ، ~~إن أصروا ، أخذهم الله وجعلهم نكالا .... (1). # والمقصود من الاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@04 هل أتاك حديث موسى ... ~~) التشويق إلى الخبر ، وجعل السامع في أشد حالات الترقب لما سيلقى إليه ، ~~حتى يكون أكثر وعيا لما سيسمعه. # والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم لقصد تسليته ، ويندرج فيه كل من يصلح له. # والمعنى : هل وصل إلى علمك أيها الرسول الكريم خبر موسى عليه السلام مع ~~فرعون؟ إن كان لم يصل إليك فهاك جانبا من خبره نقصه عليك ، فتنبه له ، ~~لتزداد ثباتا على ثباتك ، وثقة في نصر الله تعالى لك على ثقتك. # والظرف «إذ» في قوله تعالى : ( @QUR@06 إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى ) ~~متعلق بلفظ «حديث» ، والجملة بدل اشتمال مما قبلها. # و «الواد» المكان المنخفض بين جبلين ، أو بين مكانين مرتفعين. و «المقدس» : ~~بمعنى المطهر. و «طوى» اسم للوادي. وقد جاء الحديث عنه في آيات متعددة ، ~~منها قوله تعالى : ( @QUR@02 فلما أتاها ) أى النار ( @QUR@012 نودي يا ~~موسى. إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى ) (2). PageV15P269 # والمعنى : هل بلغك أيها الرسول الكريم خبر موسى ، وقت أن ناديناه وهو ~~بالواد المقدس طوى ، الذي هو بجانب الطور الأيمن ، بالنسبة للقادم من أرض ~~مدين التي هي في شمال الحجاز. # ويدل على ذلك قوله تعالى : ( @QUR@047 فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله ~~آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا. لعلي آتيكم منها ~~بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون. فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن ~~في البقعة المباركة من الشجرة ، أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 اذهب إلى فرعون ... ) مقول لقول محذوف ، أى : ~~ناديناه وقلنا له : ( @QUR@01 اذهب ) يا موسى إلى فرعون إنه طغى ، أى : إنه ~~تجاوز كل ms5922 حد في الكفر والغرور والعصيان. # وفرعون : لقب لكل ملك من ملوك مصر في ذلك الزمان ، وقد قالوا إن فرعون ~~الذي أرسل الله تعالى إليه موسى عليه السلام هو منفتاح بن رمسيس الثاني. # ثم بين سبحانه ما قاله لموسى على سبيل الإرشاد إلى أحكم وأفضل وسائل ~~الدعوة إلى الحق فقال : ( @QUR@010 فقل هل لك إلى أن تزكى ، وأهديك إلى ربك ~~فتخشى ). # والمقصود بالاستفهام هنا : الحض والترغيب في الاستجابة للحق ، كما تقول ~~لمن تنصحه : هل لك في كذا ، والجار والمجرور «لك» خبر لمبتدأ محذوف ، أى : ~~هل لك رغبة في التزكية. # أى : اذهب يا موسى إلى فرعون ، فقل له على سبيل النصح الحكيم. والإرشاد ~~البليغ : هل لك يا فرعون رغبة في أن أدلك على ما يزكيك ويطهرك من الرجس ~~والفسوق والعصيان. # وهل لك رغبة أيضا في أن أرشدك الى الطريق الذي يوصلك إلى رضى ربك ، ~~فيترتب على وصولك إلى الطريق السوى ، الخشية منه تعالى والمعرفة التامة ~~بجلاله وسلطانه. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@03 وأهديك إلى ربك .... ) أى : وأرشدك ~~إلى معرفة الله ، أى : أنبهك عليه فتعرفه ( @QUR@01 فتخشى ) لأن الخشية لا ~~تكون إلا بالمعرفة ... وذكر الخشية ، لأنها ملاك الأمر ، من خشي الله أتى ~~منه كل خير ، ومن أمن اجترأ على كل شيء. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : «من ~~خاف أدلج ، أى : سار في أول الليل ومن أدلج بلغ المنزل». # بدأ مخاطبته بالاستفهام الذي معناه العرض ، كما يقول الرجل لضيفه : هل لك ~~أن تنزل بنا؟ وأردفه الكلام الرقيق ليستدعيه بالتلطف في القول ، ويستنزله ~~بالمداراة من عتوه ، كما أمر PageV15P270 # بذلك في قوله تعالى ( @QUR@08 فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ... ~~) (1). # والحق أن هاتين الآيتين فيهما أسمى ألوان الإرشاد إلى الدعوة إلى الحق ~~بالحكمة والموعظة الحسنة. # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@05 فأراه الآية الكبرى. فكذب وعصى ) ~~للإفصاح والتفريع على كلام محذوف يفهم من المقام. والتقدير : فامتثل موسى ~~عليه السلام أمر ربه ، فذهب إلى فرعون ، فدعاه إلى الحق ، فكذبه فرعون ، فما ~~كان من موسى إلا أن أراه الآية الكبرى التي ms5923 تدل على صدقه ، وهي أن ألقى ~~أمامه عصاه فإذا هي حية تسعى ، وأن نزع يده من جيبه فإذا هي بيضاء من غير سوء. # ولكن فرعون لم يستجب لدعوة موسى ، بعد أن أراه الآية الكبرى الدالة على ~~صدقه ، بل كذب ما رآه تكذيبا شديدا ، وعصى أمر ربه عصيانا كبيرا. # ( @QUR@03 ثم أدبر يسعى ) أى : ثم أضاف إلى تكذيبه وعصيانه. إعراضه ~~وتوليه عن الإيمان والطاعة. وسعيه سعيا حثيثا في إبطال أمر موسى ، وإصراره ~~على تكذيب معجزته. # وجاء العطف هنا بثم ، للدلالة إلى أنه قد تجاوز التكذيب والعصيان ، إلى ~~ما هو أشد منهما في الجحود والعناد ، وهو الإعراض عن الحق والسعى الشديد في ~~إبطاله. # ثم بين سبحانه ما فعله بعد ذلك فقال : ( @QUR@06 فحشر فنادى فقال أنا ~~ربكم الأعلى ). # والحشر : جمع الناس ، والنداء : الجهر بالصوت لإسماع الغير ، ومفعولاهما ~~محذوفان. # أى : فجمع فرعون الناس عن طريق جنده ، وناداهم بأعلى صوته ، قائلا لهم : ~~أنا ربكم الأعلى الذي لا رب أعلى منه ، وليس الأمر كما يقول موسى من أن لكم ~~إلها سواي. # والتعبير بالفاء في قوله : ( @QUR@01 فنادى ) للإشعار بأنه بمجرد أن ~~جمعهم دعاهم إلى الاعتراف بأنه هو رب الأرباب. # وجاء نداؤه بالصيغة الدالة على الحصر ( @QUR@03 أنا ربكم الأعلى ) للرد ~~على ما قاله موسى له. من وجوب إخلاص العبادة لله تعالى وحده. # ثم بين سبحانه ما ترتب على هذا الفجور الذي تلبس به فرعون ، وعلى هذا ~~الطغيان الذي تجاوز معه كل حد ، فقال : ( @QUR@05 فأخذه الله نكال الآخرة ~~والأولى ). PageV15P271 # والنكال : مصدر بمعنى التنكيل ، وهو العقاب الذي يجعل من رآه في حالة ~~تمتعه وتصرفه عما يؤدى إليه ، يقال : نكل فلان بفلان ، إذا أوقع به عقوبة ~~شديدة تجعله نكالا وعبرة لغيره. وهو منصوب على أنه مصدر مؤكد لقوله ( ~~@QUR@01 فأخذه )، لأن معناه نكل به ، والتعبير بالأخذ للإشعار بأن هذه ~~العقوبة كانت محيطة بالمأخوذ بحيث لا يستطيع التفلت منها. # والمراد بالآخرة : الدار الآخرة ، والمراد بالأولى : الحياة الدنيا. # أى : أن فرعون عند ما تمادى في تكذيبه وعصيانه وطغيانه ... كانت نتيجة ~~ذلك أن أخذه الله تعالى ms5924 أخذ عزيز مقتدر ، بأن أنزل به في الآخرة أشد أنواع ~~الإحراق ، وأنزل به في الدنيا أفظع ألوان الإغراق. # وقدم سبحانه عذاب الآخرة على الأولى ، لأنه أشد وأبقى. # ومنهم من يرى أن المراد بالآخرة قوله لقومه : ( @QUR@03 أنا ربكم الأعلى ~~)، وأن المراد بالأولى تكذيبه لموسى عليه السلام أى ، فعاقبه الله تعالى ~~على هاتين المعصيتين وهذا العقاب الأليم ، بأن أغرقه ومن معه جميعا ... # ويبدو لنا أن التفسير الأول هو الأقرب إلى ما تفيده الآية الكريمة ، إذ ~~من المعروف أن الآخرة ، هي ما تقابل الأولى وهي دار الدنيا ، ولذا قال ~~الإمام ابن كثير : قوله تعالى : ( @QUR@05 فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ~~) أى : انتقم الله منه انتقاما جعله به عبرة ونكالا لأمثاله من المتمردين ~~في الدنيا. ويوم القيامة بئس الرفد المرفود ، كما قال تعالى : ( @QUR@09 ~~وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون ). هذا هو الصحيح ~~في معنى الآية ، أن المراد بقوله : ( @QUR@03 نكال الآخرة والأولى ) أى : ~~الدنيا والآخرة. وقيل المراد بذلك كلمتاه الأولى والثانية. وقيل : كفره ~~وعصيانه ، والصحيح الذي لا شك فيه الأول ... (1). # والإشارة في قوله تعالى : ( @QUR@06 إن في ذلك لعبرة لمن يخشى )، تعود ~~إلى حديث موسى الذي دار بينه وبين فرعون ، وما ترتب عليه من نجاة لموسى ومن ~~إهلاك لفرعون. # أى : إن في ذلك الذي ذكرناه عما دار بين موسى وفرعون ، لعبرة وعظة ، لمن ~~يخشى الله تعالى ، ويقف عند حدوده ، لا لغيره ممن لا يتوبون ولا يتذكرون ~~ولا تخالط أنفسهم خشية الله تعالى . # والمقصود من هذه القصة كلها ، تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتهديد ~~المشركين بأنهم إذا ما استمروا في طغيانهم ، كانت عاقبتهم كعاقبة فرعون. PageV15P272 # وبعد هذا الاستطراد عن طريق ذكر جانب مما دار بين موسى وفرعون ... عادت ~~السورة الكريمة ، كما بدأت إلى الحديث عن أهوال يوم القيامة ، وعن إمكانية ~~وقوعه ، وعن أحوال الناس فيه. وعن أن موعد قيامه مرد علمه إلى الله تعالى ~~وحده ، فقال سبحانه : # ( @QUR@06 أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها (27) @QUR@03 رفع سمكها فسواها ~~(28) @QUR@04 وأغطش ليلها وأخرج ضحاها (29) @QUR@04 والأرض بعد ذلك دحاها ms5925 ~~(30) @QUR@04 أخرج منها ماءها ومرعاها (31) @QUR@02 والجبال أرساها (32) ~~@QUR@03 متاعا لكم ولأنعامكم (33) @QUR@04 فإذا جاءت الطامة الكبرى (34) ~~@QUR@05 يوم يتذكر الإنسان ما سعى (35) @QUR@04 وبرزت الجحيم لمن يرى (36) ~~@QUR@03 فأما من طغى (37) @QUR@03 وآثر الحياة الدنيا (38) @QUR@04 فإن ~~الجحيم هي المأوى (39) @QUR@09 وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ~~(40) @QUR@04 فإن الجنة هي المأوى (41) @QUR@05 يسئلونك عن الساعة أيان ~~مرساها (42) @QUR@04 فيم أنت من ذكراها (43) @QUR@03 إلى ربك منتهاها (44) ~~@QUR@05 إنما أنت منذر من يخشاها (45) @QUR@09 كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا ~~إلا عشية أو ضحاها ) (46) # والخطاب في قوله تعالى : ( @QUR@03 أأنتم أشد خلقا ... ) لأولئك الجاحدين ~~الجاهلين الذين استنكروا إعادتهم إلى الحياة بعد موتهم ، وقالوا : ( ~~@QUR@04 أإنا لمردودون في الحافرة ). # وجاء هذا الخطاب على سبيل التقريع والتوبيخ لهم ، حيث بين لهم سبحانه أن ~~إعادتهم إلى الحياة ، ليست بأصعب من خلق السموات والأرض. # و ( @QUR@01 أشد ) أفعل تفضيل ، والمفضل عليه محذوف ، لدلالة قوله تعالى ~~: ( @QUR@02 أم السماء ) عليه. # والمراد بالأشد هنا : الأصعب بالنسبة لاعتقاد المخاطبين ، إذ كل شيء في ~~هذا الكون خاضع لإرادة الله تعالى ومشيئته ( @QUR@010 إنما أمره إذا أراد ~~شيئا أن يقول له كن فيكون ). PageV15P273 # والمعنى : أخلقكم أيها الجاهلون بعد موتكم ، وإعادتكم إلى الحياة بعد ~~هلاككم ، أشد وأصعب في تقديركم ، أم خلق السماء التي ترون بأعينكم عظمتها ~~وضخامتها ، والتي أوجدها سبحانه وبناها بقدرته. # فالمقصود من الآية الكريمة لفت أنظارهم إلى أمر معلوم عندهم بالمشاهدة ، ~~وهو أن خلق السماء أعظم وأبلغ من خلقهم ، ومن كان قادرا على الأبلغ والأعظم ~~كان على ما هو أقل منه وهو خلقهم وإعادتهم بعد موتهم أقدر. # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@07 لخلق السماوات والأرض أكبر من ~~خلق الناس ... ). # ثم بين سبحانه جانبا من بديع قدرته في خلق السماء فقال : ( @QUR@03 رفع ~~سمكها فسواها ). # والسمك بفتح السين المشددة وسكون الميم : الرفع في الفضاء ، وجعل الشيء ~~عاليا عن غيره. # تقول : سمكت الشيء ، إذا رفعته في الهواء ، وبناء مسموك ، أى : مرتفع ، ~~ومنه قول الشاعر : # إن الذي سمك السماء بنى لنا %~% بيتا دعائمه أعز وأطول # أى : أن الله تعالى بقدرته ، جعل مقدار ارتفاع السماء عن الأرض عظيما ، ~~وبجانب ذلك سوى ms5926 بحكمته هذه السماء ، بأن جعلها خالية من الشقوق والثقوب ... ~~كما قال سبحانه : ( @QUR@07 ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ... ). # وجملة «وأغطش ليلها ....» معطوفة على «بناها» ، والإغطاش : الإظلام ~~الشديد. يقال : غطش الليل من باب ضرب إذا اشتد ظلامه. # أى : وجعل بقدرته ليل هذه السماء مظلما غاية الإظلام : بسبب مغيب شمسها. # ( @QUR@02 وأخرج ضحاها ) أى : وأبرز وأضاء نهارها ، إذ الضحى في الأصل : ~~انتشار الشمس ، وامتداد النهار. ثم سمى به هذا الوقت ، لبروز ضوء الشمس فيه ~~أكثر من غيره ، فهو من باب تسمية الشيء باسم أشرف أجزائه وأطيبها. # وأضاف سبحانه الليل والضحى إلى السماء لأنهما يحدثان بسبب غروب شمسها ~~وطلوعها. # ثم انتقلت الآيات الكريمة من الاستدلال على قدرته تعالى عن طريق خلق ~~السماء ، PageV15P274 # إلى الاستدلال على قدرته عن طريق خلق الأرض فقال : ( @QUR@04 والأرض بعد ~~ذلك دحاها ). # ولفظ «الأرض» منصوب على الاشتغال. واسم الإشارة «ذلك» يعود إلى خلق ~~السماء وتسويتها ورفعها وإغطاش ليلها. وقوله ( @QUR@01 دحاها ) من الدحو ~~بمعنى البسط ، تقول : دحوت الشيء أدحوه ، إذا بسطته ... # أى : خلق سبحانه السماء وسواها ، وأغطش ليلها وأخرج ضحاها ، والأرض بعد ~~كل ذلك الخلق البديع للسماء ، بسطها وأوسعها لتكون مستقرا لكم وموضعها ~~لتقلبكم عليها ... # وقد أخذ بعض العلماء من هذه الآية ، تأخر خلق الأرض عن خلق السماء ... # وجمهور العلماء على أن خلق الأرض متقدم على خلق السماء ، بدليل قوله ~~تعالى : ( @QUR@019 هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ، ثم استوى إلى ~~السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم ) (1). # قالوا في الجمع بين هذه الآية التي معنا ، وبين آية سورة البقرة ، بما ~~روى عن ابن عباس من أنه سئل عن الجمع بين هاتين الآيتين فقال : خلق الله ~~تعالى الأرض أولا غير مدحوة ، ثم خلق السماء ، ثم دحا الأرض بعد ذلك ، وجعل ~~فيها الرواسي والأنهار وغيرهما. أى : أن أصل خلق الأرض كان قبل خلق السماء ~~، ودحوها بجبالها وأشجارها ، كان بعد خلق السماء. # وقالوا أيضا في وجه الجمع ، إن لفظ بعد في قوله تعالى ( @QUR@02 بعد ذلك ~~) بمعنى مع. أى : والأرض مع ذلك ms5927 بسطها ومهدها لسكنى أهلها فيها ... (2). # وقدم سبحانه هنا خلق السماء على الأرض ، لأنه أدل على القدرة الباهرة ، ~~لعظم السماء وانطوائها على الأعاجيب. # وقوله سبحانه ( @QUR@06 أخرج منها ماءها ومرعاها. والجبال أرساها ) بدل ~~اشتمال من قوله ( @QUR@01 دحاها )، أو بيان وتفسير لدحوها ، والمرعى : ~~مصدر ميمى أطلق على المفعول ، كالخلق بمعنى المخلوق ، أى أخرج منها ما يرعى. # أى : والأرض جعلها مستقرا لكم ، ومكانا لانتفاعكم ، بأن أخرج منها ماءها ~~، عن طريق تفجير العيون والآبار والبحار ، وأخرج منها ( @QUR@01 مرعاها ) ~~أى : جميع ما يقتات به الناس والدواب ، بدليل قوله تعالى بعد ذلك : ( ~~@QUR@03 متاعا لكم ولأنعامكم ). PageV15P275 # وكذلك من مظاهر قدرته تعالى ورحمته بكم ، أنه أثبت الجبال في الأرض حتى ~~لا تميد أو تضطرب ، فالمقصود بإرساء الجبال : تثبيتها في الأرض. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 متاعا لكم ولأنعامكم ) بيان لوجه المنة في خلق ~~الأرض على هذه الطريقة البديعة. # والمتاع : اسم لما يتمتع به الإنسان من منافع الحياة الدنيا لمدة محدودة ~~من الزمان ، وانتصب لفظ «متاعا» هنا بفعل مقدر من لفظه ، أى : متعناكم متاعا. # والمعنى : دحونا الأرض ، وأخرجنا منها ماءها ومرعاها ... لتكون موضع ~~منفعة لكم ، تتمتعون بخيراتها أنتم وأنعامكم ، إلى وقت معين من الزمان ، ~~تتركونها لانتهاء أعماركم. # ثم بين سبحانه حال الأشقياء والسعداء يوم القيامة ، فقال : ( @QUR@04 ~~فإذا جاءت الطامة الكبرى ). والطامة : اسم للمصيبة العظمى ، التي تطم ~~وتغلب وتعلو ما سواها من مصائب ، من قولهم : طم الشيء يطمه طما ، إذا غمره. ~~وكل شيء كثر وعلا على غيره ، فقد طم عليه. ويقال : طم الماء الأرض إذا غمرها. # وهذا الوصف ليوم القيامة ، من أوصاف التهويل والشدة ، لأن أحوالها تغمر ~~الناس وتجعلهم لا يفكرون في شيء سواها. # وجواب الشرط محذوف ، والمجيء هنا : بمعنى الحدوث والوقوع ، أى : فإذا ~~وقعت القيامة ، وقامت الساعة ... حدث ما حدث ما لم يكن في الحسبان من شدائد ~~وأهوال. # وقوله : ( @QUR@05 يوم يتذكر الإنسان ما سعى ) بدل اشتمال من الجملة التي ~~قبلها وهي قوله : ( @QUR@03 فإذا جاءت الطامة ) لأن ما أضيف إليه لفظ «يوم» ~~من الأحوال التي يشملها يوم القيامة ، وتذكر الإنسان لسعيه في الدنيا ، ~~يكون ms5928 بإطلاعه على أعماله التي نسيها ، ورؤيته إياها في كتاب لا يغادر صغيرة ~~ولا كبيرة إلا أحصاها. # أى : فإذا قامت القيامة ، وتذكر الإنسان في هذا الوقت ما كان قد نسيه من ~~أعمال في دنياه ، وقع له من الخوف والفزع مالا يدخل تحت وصف .. # وقوله : ( @QUR@04 وبرزت الجحيم لمن يرى ) معطوف على قوله ( @QUR@01 جاءت ~~). أى : فإذا جاءت الطامة الكبرى ، وتذكر الإنسان فيها ما كان قد نسيه من ~~أعمال دنيوية ( @QUR@02 وبرزت الجحيم ) أى : وأظهرت إظهارا واضحا لا خفاء ~~فيه ولا لبس ( @QUR@02 لمن يرى ) أى : لكل راء. كان الهول الأعظم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 فأما من طغى .... ) تفصيل لأحوال الناس في هذا اليوم. PageV15P276 # أى : ( @QUR@03 فأما من طغى ) بأن تجاوز الحدود في الكفر والفسوق ~~والعصيان ( @QUR@03 وآثر الحياة الدنيا ) بأن قدم متاعها الفاني ، على نعيم ~~الآخرة الخالد ... # ( @QUR@04 فإن الجحيم هي المأوى ) أى : فإن مصير هذا الإنسان الشقي سيكون ~~إلى النار الملتهبة ، لا منزل له سواها في هذا اليوم. # ( @QUR@05 وأما من خاف مقام ربه ) أى : خاف عظمته وجلاله ، وسلح نفسه ~~بالإيمان والعمل الصالح استعدادا لهذا اليوم الذي يجازى فيه كل إنسان بما ~~يستحقه. # ( @QUR@04 ونهى النفس عن الهوى ) أى : وزجر نفسه وكفها عن السيئات ~~والمعاصي والميول نحو الأهواء الضالة المضلة. # ( @QUR@04 فإن الجنة هي المأوى ) أى : فإن الجنة في هذا اليوم ، ستكون هي ~~مأواه ومنزله ومستقره ... # ثم لقن الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم الجواب الذي يرد به على المشركين ~~، الذين كانوا يكثرون من سؤاله عن يوم القيامة ، على سبيل الإنكار ~~والاستهزاء ، فقال تعالى : ( @QUR@05 يسئلونك عن الساعة أيان مرساها ). # وأيان : اسم يستفهم به عن تعيين الوقت وتحديده ، فهو ظرف زمان متضمن معنى ~~«متى» ومرساها : مصدر ميمى من أرسى الشيء إذا ثبته وأقره ، ولا يكاد يستعمل ~~هذا اللفظ إلا في الشيء الثقيل ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@02 والجبال ~~أرساها ... ). # ونسبة الإرساء إلى الساعة ، باعتبار تشبيه المعاني بالأجسام. و «أيان» خبر ~~مقدم ، و «مرساها» مبتدأ مؤخر. # والمعنى : يسألك يا محمد هؤلاء القوم عن وقت قيام الساعة ، قائلين لك : ~~متى يكون استقرارها وإرساؤها ووقوعها؟. # وأطلق ms5929 على يوم القيامة ساعة لوقوع بغتة ، أو لسرعة ما فيه من الحساب ، أو ~~لأنه على طوله ، زمان يسير عند الله تعالى . # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 فيم أنت من ذكراها. إلى ربك منتهاها ) واقع ~~موقع الجواب عن سؤالهم عن الساعة ، وعن وقت وقوعها. # والمقصود بهذا الجواب توبيخهم على إلحاحهم في السؤال عنها ، مع أن الأولى ~~بهم كان الاستعداد لها بالإيمان والعمل الصالح. # و «ما» في قوله ( @QUR@01 فيم ) اسم استفهام بمعنى : أى شيء ، وهي هنا ~~مستعملة في التعجيب PageV15P277 # من كثرة أسئلتهم عن شيء لا يهمهم حدوثه ، وإنما الذي يهمهم لو كانوا ~~يعقلون هو حسن الاستعداد له. # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@04 فيم أنت من ذكراها ) إنكار ورد لسؤال ~~المشركين عنها. أى : في أى شيء أنت من أن تذكر لهم وقتها ، وتعلمهم به حتى ~~يسألونك بيانها ، كقوله تعالى ( @QUR@04 يسئلونك كأنك حفي عنها ) ~~فالاستفهام للإنكار. وفيم خبر مقدم ، وأنت مبتدأ مؤخر. وقوله ( @QUR@02 من ~~ذكراها ) على تقدير مضاف ، أى : ذكرى وقتها ، وهو متعلق بما تعلق به الخبر. # وقيل : ( @QUR@01 فيم ) إنكار لسؤالهم ، وما بعده استئناف تعليل للإنكار ~~، وبيان لبطلان السؤال. أى : فيم هذا السؤال ، ثم ابتدئ فقيل : أنت من ~~ذكراها. أى : إرسالك وأنت خاتم النبيين ... علامة من علاماتها. (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@03 إلى ربك منتهاها ) أى : إلى ربك وحده منتهى علم ~~قيامها ، لأنه سبحانه هو وحده دون غيره العليم علما تاما بالوقت الذي ستقوم ~~فيه الساعة. # ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله : ( @QUR@05 إن الله عنده علم ~~الساعة ... ) وقوله سبحانه ( @QUR@015 يسئلونك عن الساعة أيان مرساها ، قل ~~إنما علمها عند ربي ، لا يجليها لوقتها إلا هو .... ). # وقوله تعالى : ( @QUR@05 إنما أنت منذر من يخشاها ) تحديد لوظيفته ~~صلى الله عليه وسلم أى : ليست وظيفتك أيها الرسول الكريم معرفة الوقت الذي ~~تقوم فيه الساعة ، فهذا أمر مرد معرفته إلى الله وحده ... وإنما وظيفتك ~~امتثال ما أمرت به ، من بيان اقترابها ، وتفصيل أهوالها ، ودعوة الناس إلى ~~حسن الاستعداد لها بالإيمان والعمل الصالح ... # وإذا كان الأمر كذلك فلما ذا ترك هؤلاء الجاهلون ما يجب عليهم من الإيمان ms5930 ~~والعمل الصالح ، وأخذوا يسألونك عن أشياء خارجة عن وظيفتك؟. # وخص سبحانه الإنذار بمن يخشى قيام الساعة ، مع أن رسالته صلى الله عليه وسلم ~~إلى الناس كافة. وإنذاره إنما هو لهم جميعا ، لأن هؤلاء الذين يخشون وقوعها ~~، ويعملون العمل الصالح الذي ينجيهم من أهوالها ، هم الذين ينتفعون بهذا ~~الإنذار. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة ، ببيان حالهم عند قيام الساعة ، فقال ~~تعالى : ( @QUR@09 كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ). PageV15P278 # والعشية : هي الوقت الكائن من الزوال إلى الغروب. والضحى : الوقت الكائن ~~من أوائل النهار إلى الزوال. # أى : كأن هؤلاء المشركين حين يرون الساعة وقد فاجأتهم بأهوالها ، لم ~~يلبثوا في دنياهم أو في قبورهم إلا وقتا يسيرا ، يشبه العشية أو الضحى ~~بالنسبة للزمان الطويل. # فالمقصود من الآية الكريمة : بيان أن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن ~~المشركين عند إتيانها كأنهم ما لبثوا في انتظارها إلا يوما أو بعض يوم ... # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف صحت إضافة الضحى إلى العشية؟ قلت : لما ~~بينهما من الملابسة لاجتماعهما في نهار واحد. # فإن قلت : فهلا قيل : إلا عشية أو ضحى وما فائدة الإضافة؟ قلت : للدلالة ~~على أن مدة لبثهم ، كأنها لم تبلغ يوما كاملا ، ولكن ساعة منه عشيته أو ~~ضحاه ، فلما ترك اليوم أضافه إلى عشيته ، فهو كقوله : ( @QUR@06 لم يلبثوا ~~إلا ساعة من نهار ) (1). # وبعد : فهذا تفسير لسورة «النازعات» نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا ~~لوجهه ونافعا لعباده. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV15P279 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة عبس ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «عبس» من السور المكية ، وتسمى سورة «الصاخة» وسورة «السفرة» ~~لوقوع هذه الألفاظ فيها. # 2 وعدد آياتها : اثنتان وأربعون آية في المصحف الكوفي ، وإحدى وأربعون في ~~البصري ، وأربعون في الشامي ... وكان نزولها بعد سورة «النجم» وقبل سورة ~~«القدر» ، فهي تعتبر السورة الثالثة والعشرون في ترتيب النزول ، أما في ~~ترتيب المصحف فهي السورة الثمانون. # وقد افتتحت بإرشاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما يجب عليه نحو ضعفاء ~~المسلمين ms5931 ، وبإرساء القاعدة التي يجب على المسلمين أن يتبعوها عند معاملتهم ~~للناس ، والثناء على المؤمنين الصادقين مهما كان عجزهم وضعفهم والتحذير من ~~إهمال شأنهم. # ثم تذكير المؤمنين بجانب من نعمه تعالى عليهم ، لكي يزدادوا شكرا له ~~تعالى على شكرهم ، ثم تذكيرهم أيضا بأهوال يوم القيامة ، وبأحوال الناس فيه. PageV15P281 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@02 عبس وتولى (1) @QUR@03 أن جاءه الأعمى (2) @QUR@04 وما يدريك ~~لعله يزكى (3) @QUR@04 أو يذكر فتنفعه الذكرى (4) @QUR@03 أما من استغنى ~~(5) @QUR@03 فأنت له تصدى (6) @QUR@04 وما عليك ألا يزكى (7) @QUR@04 وأما ~~من جاءك يسعى (8) @QUR@02 وهو يخشى (9) @QUR@03 فأنت عنه تلهى (10) @QUR@03 ~~كلا إنها تذكرة (11) @QUR@03 فمن شاء ذكره (12) @QUR@03 في صحف مكرمة (13) ~~@QUR@02 مرفوعة مطهرة (14) @QUR@02 بأيدي سفرة (15) @QUR@02 كرام بررة ) (16) # وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات ملخصها : أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان جالسا في أحد الأيام ، مع جماعة من زعماء قريش يدعوهم ~~إلى الإسلام ، ويشرح لهم تعاليمه ، فأقبل عبد الله بن أم مكتوم وكان كفيف ~~البصر فقال : أقرئنى وعلمني مما علمك الله ، يا رسول الله ، وكرر ذلك ، وهو ~~لا يعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم مشغول بدعوة هؤلاء الزعماء إلى الإسلام ~~، رجاء أن يسلم بسبب إسلامهم خلق كثير ... # فلما أكثر عبد الله من طلبه ، أعرض عنه الرسول صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه ~~الآيات التي عاتب الله تعالى فيها نبيه صلى الله عليه وسلم على هذا الإعراض ~~... فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يكرمه ، إذا رآه ، ويقول له : ~~«مرحبا بمن عاتبني فيه ربي» ويبسط له رداءه ... (1). # قال الآلوسى : وعبد الله بن أم مكتوم ، هو ابن خال السيدة خديجة ، واسمه ~~عمرو بن قيس. وأم مكتوم كنية أمه ، واسمها عاتكة بنت عبد الله المخزومية ، ~~واستخلفه صلى الله عليه وسلم PageV15P282 # على المدينة أكثر من مرة ... وهو من المهاجرين الأولين. قيل : مات ~~بالقادسية شهيدا يوم فتح المدائن أيام عمر بن الخطاب رضى الله عنه ... (1). # ولفظ «عبس» من باب ضرب مأخوذ من العبوس ، وهو تقطيب الوجه ، وتغير هيئته ~~مما يدل على الغضب. # وقوله ( @QUR@01 وتولى ms5932 ) مأخوذ من التولي وأصله تحول الإنسان عن مكانه ~~الذي هو فيه إلى مكان آخر. والمراد به هنا الإعراض عن السائل وعدم الإقبال عليه. # وحذف متعلق التولي ، لمعرفة ذلك من سياق الآيات ، إذ من المعروف أن ~~إعراضه صلى الله عليه وسلم كان عن عبد الله ابن أم مكتوم الذي قاطعه خلال ~~حديثه مع بعض زعماء قريش. # وأل في قوله تعالى : ( @QUR@01 الأعمى ) للعهد. والمقصود بهذا الوصف : ~~التعريف وليس التنقيص من قدر عبد الله بن أم مكتوم رضى الله عنه وكذلك في ~~هذا الوصف إيماء إلى أن له عذرا في مقاطعة الرسول صلى الله عليه وسلم عند ~~حديثه مع زعماء قريش ، فهو لم يكن يراه وهو يحادثهم ويدعوهم إلى الإسلام. # وجاء الحديث عن هذه القصة بصيغة الحكاية ، وبضمير الغيبة ، للإشعار بأن ~~هذه القصة ، من الأمور التي لا يحب الله تعالى أن يواجه بها نبيه ~~صلى الله عليه وسلم على سبيل التكريم له ، والعطف عليه ، والرحمة به. # وجملة ( @QUR@04 وما يدريك لعله يزكى ) في موضع الحال ، وفيها التفات من ~~الغيبة إلى الخطاب ، و «ما» استفهامية مبتدأ ، وجملة «يدريك» خبره. والكاف ~~مفعول أول ، وجملة الترجي سادة مسد المفعول الثاني. والضمير في ( @QUR@01 ~~لعله ) يعود إلى عبد الله ابن أم مكتوم المعبر عنه بالأعمى. # والمعنى : عبس صلى الله عليه وسلم وضاق صدره ، وأعرض بوجهه ، لأن جاءه الرجل ~~الأعمى ، وجعل يخاطبه وهو مشغول بالحديث مع غيره. # ( @QUR@02 وما يدريك ) أى : وأى شيء يجعلك أيها الرسول الكريم داريا بحال ~~هذا الأعمى الذي عبست في وجهه ( @QUR@02 لعله يزكى ) أى : لعله بسبب ما ~~يتعلمه منك يتطهر ويتزكى ، ويزداد نقاء وخشوعا لله رب العالمين ( @QUR@01 ~~أو ) لعله ( @QUR@01 يذكر ) أى : يتذكر ما كان في غفلة عنه ( @QUR@02 ~~فتنفعه الذكرى ) أى : فتنفعه الموعظة التي سمعها منك. PageV15P283 # قال الآلوسى ما ملخصه : وفي التعبير عنه صلى الله عليه وسلم بضمير الغيبة ~~إجلال له ... كما أن في التعبير عنه صلى الله عليه وسلم بضمير الخطاب في قوله ~~تعالى : ( @QUR@02 وما يدريك ... ) إكرام له أيضا لما فيه من الإيناس بعد ~~الإيحاش والإقبال بعد ms5933 الإعراض ... (1). # ثم فصل سبحانه ما كان منه صلى الله عليه وسلم بالنسبة لهذه القصة فقال : ( ~~@QUR@019 أما من استغنى. فأنت له تصدى. وما عليك ألا يزكى. وأما من جاءك ~~يسعى. وهو يخشى. فأنت عنه تلهى ). أى : أما من استغنى عن الإيمان ، وعن ~~إرشادك أيها الرسول الكريم واعتبر نفسه في غنى عن هديك ... ( @QUR@03 فأنت ~~له تصدى ) أى : فأنت تتعرض له بالقبول ، وبالإصغاء لكلامه ، رجاء أن يسلم ، ~~فيسلم بعده غيره. # يقال : تصدى فلان لكذا ، إذا تعرض له ، وأصله تصدد من الصدد ، وهو ما ~~استقبلك وصار قبالتك ... # ( @QUR@04 وما عليك ألا يزكى ) أى : وأى شيء عليك في أن يبقى على كفره ، ~~بدون تطهر؟ إنه لا حرج عليك في ذلك ، فأنت عليك البلاغ ونحن علينا الحساب و ~~( @QUR@010 إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء .... ). # و «ما» نافية و «عليك» خبر مقدم ، وقوله : ( @QUR@02 ألا يزكى ) مبتدأ مؤخر. # ( @QUR@04 وأما من جاءك يسعى ) أى : من جاءك مسرعا في طلب الخير والهداية ~~والعلم ، وهو هذا الأعمى ، الذي لم يمنعه فقدانه لبصره من الحرص على التفقه ~~في الدين. # ( @QUR@02 وهو يخشى ) أى : وهو يخشى الله ، ويخاف عقابه ، ويرجو ثوابه. # ( @QUR@03 فأنت عنه تلهى ) أى : فأنت عنه تتشاغل ، وتفرغ جهدك مع هؤلاء ~~الزعماء ، طمعا في إيمانهم. # ويلاحظ أن هذه الآيات الكريمة ، أكثر حدة في العتاب من سابقتها ، حيث ساق ~~سبحانه هذه الآيات في صورة أشبه ما تكون بالتعجيب ممن يفعل ذلك ... # ثم ساق سبحانه ما هو أشد في العتاب وفي التحذير فقال : ( @QUR@03 كلا ~~إنها تذكرة ). # أى : كلا أيها الرسول الكريم ليس الأمر كما فعلت ، من إقبالك على زعماء ~~قريش طمعا في إسلامهم ، ومن تشاغلك وإعراضك عمن جاء يسعى وهو يخشى ... # الضمير في قوله ( @QUR@01 إنها ) يعود إلى آيات القرآن الكريم ، أى : إن ~~آيات القرآن الكريم PageV15P284 # لمشتملة على التذكير بالحق ، وعلى الموعظة الحكيمة التي ينبغي على كل ~~عاقل أن يعمل بموجبها ، وأن يسير بمقتضاها. # ( @QUR@03 فمن شاء ذكره ) أى : فمن شاء أن يتعظ ويعتبر وينتفع بهذا ~~التذكير فاز وربح ، ومن شاء غير ذلك خسر ms5934 وضاع ، فالجملة الكريمة لتهديد ~~الذين يعرضون عن الموعظة ، وليست للتخبير كما يتبادر من فعل المشيئة. # وهي معترضة للترغيب في حفظ هذه الآيات ، وفي العمل بما اشتملت عليه من ~~هدايات. # وجاء الضمير مذكرا في قوله : ( @QUR@03 فمن شاء ذكره ) لأن التذكرة هنا ~~بمعنى التذكير والاتعاظ. # أى : فمن شاء التذكير والاعتبار ، تذكر واعتبر وحفظ ذلك دون أن ينساه ... # وقوله : ( @QUR@03 في صحف مكرمة ) خبر ثان لقوله ( @QUR@02 إنها تذكرة ) ~~وما بينهما اعتراض ... # أى : إن آيات القرآن تذكرة ، مثبتة أو كائنة في صحف عظيمة ( @QUR@01 ~~مكرمة ) عند الله تعالى لأنها تحمل آياته. # هذه الصحف أيضا ( @QUR@01 مرفوعة ) أى : ذات منزلة رفيعة ( @QUR@01 مطهرة ~~) أى : منزهة عن أن يمسها ما يدنسها. # وهي كائنة ( @QUR@02 بأيدي سفرة ) وهم الملائكة الذين جعلهم الله تعالى ~~سفراء بينه وبين رسله : جمع سافر بمعنى سفير. أى : رسول وواسطة ، أو هم ~~الملائكة الذين ينسخون ويكتبون هذه الآيات بأمره تعالى جمع سافر بمعنى كاتب ~~، يقال : سفر فلان يسفره ، إذا كتبه. # ( @QUR@02 كرام بررة ) أى : هذه الآيات بأيدى سفرة من صفاتهم أنهم مكرمون ~~ومعظمون عنده تعالى ، وأنهم أتقياء مطيعون لله تعالى كل الطاعة ، جمع بر ، ~~وهو من كان كثير الطاعة والخشوع لله عز وجل ... # هذا والمتأمل في هذه الآيات الكريمة يراها قد اشتملت على كثير من الآداب ~~والأحكام ، ومن ذلك : أن شريعة الله تعالى تجعل التفاضل بين الناس ، أساسه ~~الإيمان والتقوى ، فمع أن عبد الله ابن أم مكتوم ، كان قد قاطع الرسول ~~صلى الله عليه وسلم خلال حديثه مع بعض زعماء قريش .... ومع أن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم لم يتشاغل عنه إلا لحرصه على جذب هؤلاء الزعماء إلى ~~الإسلام. # مع كل ذلك ، وجدنا الآيات الكريمة ، تعاتب النبي صلى الله عليه وسلم عتابا ~~تارة فيه رقة. وتارة فيه شدة. وذلك لأن الميزان الذي أنزله الله تعالى ~~للناس مع الرسل ، لكي يبنوا عليه PageV15P285 # حياتهم ، هو : ( @QUR@05 إن أكرمكم عند الله أتقاكم ). # ولقد استجاب الرسول الكريم لهذا التوجيه الحكيم ، فبنى حياته كلها بعد ~~ذلك على هذا الميزان العادل ، ومن مظاهر ذلك : إكرامه لابن ms5935 أم مكتوم ، ~~وقوله له كلما رآه : «أهلا بمن عاتبني فيه ربي». # وفعل صلى الله عليه وسلم ما يشبه ذلك ، مع جميع المؤمنين الصادقين الذين ~~كانوا من فقراء المسلمين ، ولم يكونوا أصحاب جاه أو نفوذ أو عشيرة قوية. # لقد جعل زيد بن حارثة وهو الغريب عن مكة والمدينة أميرا على الجيش ~~الإسلامى في غزوة مؤتة ، وكان في هذا الجيش عدد كبير من كبار الصحابة. # وقال صلى الله عليه وسلم في شأن سلمان الفارسي : «سلمان منا أهل البيت». # وقال صلى الله عليه وسلم في شأن عمار بن ياسر ، عند ما استأذن عليه في ~~الدخول : «ائذنوا له. مرحبا بالطيب المطيب». # وكان من مظاهر تكريمه لعبد الله بن مسعود ، أن جعله كأنه واحد من أهل بيته. # فعن أبى موسى الأشعرى قال : قدمت أنا وأخى من اليمن ، فمكثنا حينا وما ~~نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من كثرة ~~دخولهم على رسول الله ، ولزومهم له ... # وقال صلى الله عليه وسلم لأبى بكر الصديق عند ما حدث كلام بينه وبين سلمان ~~وصهيب وبلال في شأن أبى سفيان : يا أبا بكر لعلك أغضبتهم ، لئن كنت أغضبتهم ~~فقد أغضبت ربك. # فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه ... أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب ~~وبلال في نفر ، فقالوا : ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها ، فقال أبو ~~بكر : أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟. # فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال : «يا أبا بكر لعلك أغضبتهم؟ لئن ~~كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك» فأتاهم فقال : يا إخوتاه أأغضبتكم؟ قالوا : لا. ~~ويغفر الله لك يا أخى ... (1). # ولقد سار خلفاؤه صلى الله عليه وسلم على هذه السنة ، فكانوا يكرمون الفقراء ~~، فأبو بكر رضى الله عنه أذن لصهيب وبلال في الدخول عليه ، قبل أن يأذن ~~لأبى سفيان وسهيل بن عمرو ... PageV15P286 # وعمر رضى الله عنه يقول في شأن أبى بكر : «هو سيدنا وأعتق سيدنا» يعنى : ~~بلال ابن رباح ... # قال صاحب الكشاف عند تفسيره ، لهذه الآيات : ولقد ms5936 تأدب الناس بأدب الله ~~في هذا تأدبا حسنا ، فقد روى عن سفيان الثوري رحمه الله ، أن الفقراء كانوا ~~في مجلسه أمراء ... (1). # ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك ، إلى الحديث عن جانب من نعم الله ~~تعالى على خلقه ، وموقفهم من هذه النعم ، فقال تعالى : # ( @QUR@04 قتل الإنسان ما أكفره (17) @QUR@04 من أي شيء خلقه (18) ~~@QUR@04 من نطفة خلقه فقدره (19) @QUR@03 ثم السبيل يسره (20) @QUR@03 ثم ~~أماته فأقبره (21) @QUR@04 ثم إذا شاء أنشره (22) @QUR@05 كلا لما يقض ما ~~أمره (23) @QUR@04 فلينظر الإنسان إلى طعامه (24) @QUR@04 أنا صببنا الماء ~~صبا (25) @QUR@04 ثم شققنا الأرض شقا (26) @QUR@03 فأنبتنا فيها حبا (27) ~~@QUR@02 وعنبا وقضبا (28) @QUR@02 وزيتونا ونخلا (29) @QUR@02 وحدائق غلبا ~~(30) @QUR@02 وفاكهة وأبا (31) @QUR@03 متاعا لكم ولأنعامكم ) (32) # قال الإمام الرازي : اعلم أنه تعالى لما بدأ بذكر القصة المشتملة على ~~ترفع صناديد قريش على فقراء المسلمين ، عجب عباده المؤمنين من ذلك ، فكأنه ~~قيل : وأى سبب في هذا العجب والترفع؟ مع أن أوله نطفة قذرة ، وآخره جيفة ~~مذرة ، وفيما بين الوقتين حمال عذرة. فلا عجب أن ذكر الله تعالى ما يصلح أن ~~يكون علاجا لعجبهم وما يصلح أن يكون علاجا لكفرهم ، فإن خلقة الإنسان يستدل ~~بها على وجود الصانع ، وعلى القول بالبعث والحشر والنشر ... (2). # والمراد بالإنسان هنا : الإنسان الكافر الجاحد لنعم ربه. ومعنى «قتل» : ~~لعن وطرد من PageV15P287 # رحمة الله تعالى ، ويصح أن يكون المراد به الجنس ، ويدخل فيه الكافر ~~دخولا أوليا. أى : لعن وطرد من رحمة الله تعالى ذلك الإنسان الذي ما أشد ~~كفره وجحوده لنعم الله تعالى . # والدعاء عليه باللعن من الله تعالى ، المقصود به : التهديد والتحقير من ~~شأن هذا الإنسان الجاحد ، إذ من المعلوم أن الله سبحانه هو الذي يتوجه إليه ~~الناس بالدعاء ، وليس هو سبحانه الذي يدعو على غيره ، إذ الدعاء في العادة ~~إنما يكون من العاجز ، وجل شأن الله تعالى عن العجز. # وجملة «ما أكفره» تعليل لاستحقاق هذا الإنسان الجاحد التحقير والتهديد. # وهذه الآية الكريمة المتأمل فيها يراها مع بلوغها نهاية الإيجاز قد بلغت ~~أيضا نهاية الإعجاز في أسلوبها ، حيث جمعت أشد ألوان الذم والتحقير بأبلغ ~~أسلوب وأوجزه. # ولذا ms5937 قال صاحب الكشاف : ( @QUR@02 قتل الإنسان ) دعاء عليه ، وهي من أشنع ~~دعواتهم ، لأن القتل قصارى شدائد الدنيا وفظائعها ( @QUR@02 ما أكفره ) ~~تعجيب من إفراطه في كفران نعمة الله ، ولا ترى أسلوبا أغلظ منه ، ولا أخشن ~~متنا ، ولا أدل على سخط ، ولا أبعد في المذمة ، مع تقارب طرفيه ، ولا أجمع ~~للائمة ، على قصر متنه ... (1). # ثم فصل سبحانه جانبا من نعمه ، التي تستحق من هذا الإنسان الشكر لا الكفر ~~فقال : ( @QUR@04 من أي شيء خلقه ) أى : من أى شيء خلق الله تعالى هذا ~~الإنسان الكافر الجحود ، حتى يتكبر ويتعظم عن طاعته ، وعن الإقرار بتوحيده ~~، وعن الاعتراف بأن هناك بعثا وحسابا وجزاء ...؟. # ثم وضح سبحانه كيفية خلق الإنسان فقال : ( @QUR@04 من نطفة خلقه فقدره ) ~~أى : خلق الله تعالى الإنسان من نطفة ، أى : من ماء قليل يخرج من الرجل إلى ~~رحم المرأة ( @QUR@01 فقدره ) أى : فأوجد الله تعالى الإنسان بعد ذلك ~~إيجادا متقنا محكما ، حيث صير بقدرته النطفة علقة فمضغة ... ثم أنشأه خلقا ~~آخر ( @QUR@04 فتبارك الله أحسن الخالقين ). # ( @QUR@03 ثم السبيل يسره ) أى : ثم بعد أن خلقه في أحسن تقويم ، ومنحه ~~العقل الذي يتمكن معه من التفكير السليم. يسر سبحانه له طريق النظر القويم ~~، الذي يميز به بين الحق والباطل ، والخير والشر ، والهدى والضلال. PageV15P288 # قال ابن كثير : قوله : ( @QUR@03 ثم السبيل يسره ) قال العوفى عن ابن ~~عباس : ثم يسر عليه خروجه من بطن أمه. وهكذا قال عكرمة ... واختاره ابن جرير. # وقال مجاهد : هذه الآية كقوله : ( @QUR@07 إنا هديناه السبيل ، إما شاكرا ~~وإما كفورا ) أى : بيناه له ووضحناه وسهلنا عليه علمه ... وهذا هو الأرجح ~~... (1). # وجاء العطف «بثم» هنا ، للإشعار بالتراخى الرتبى ، لأن تيسير معرفة طريق ~~الخير والشر ، أعجب وأدل على قدرة الله تعالى وبديع صنعه من أى شيء آخر. # ولفظ «السبيل» منصوب على الاشتغال بفعل مقدر ، أى : ثم يسر السبيل يسره ، ~~فالضمير في يسره يعود إلى السبيل. أى : سهل سبحانه الطريق للإنسان. # ( @QUR@03 ثم أماته فأقبره ) أى : ثم أمات سبحانه هذا الإنسان ، بأن سلبه ~~الحياة ( @QUR@01 فأقبره ). أى : فجعله ذا قبر يوارى فيه جسده تكريما ms5938 له ، ~~ولم يتركه مطروحا على وجه الأرض ، بحيث يستقذره الناس ، ويكون عرضة لاعتداء ~~الطيور والحيوانات عليه. # يقال : قبر فلان الميت يقبره بكسر الباء وضمها ، إذا دفنه بيده فهو قابر. ~~ويقال : أقبره ، إذا أمر بدفنه ، أو مكن غيره من دفنه. # وفي الآية الكريمة إشارة إلى أن مواراة الأجساد في القبور من سنن الإسلام ~~، أما تركها بدون دفن ، أو حرقها ... فيتنافى مع تكريم هذه الأجساد. # ( @QUR@04 ثم إذا شاء أنشره ) أى : ثم بعد أن خلق الله هذا الخلق البديع ~~، وهداه النجدين ، وأمر بستر جسده في القبر بعد موته ... بعد كل ذلك إذا ~~شاء أحياه بعد الموت ، للحساب والجزاء. يقال : أنشر الله تعالى الموتى ~~ونشرهم ، إذا بعثهم من قبورهم. # وقال سبحانه ( @QUR@02 إذا شاء ) للإشعار بأن هذا البعث إنما هو بإرادته ~~ومشيئته ، وفي الوقت الذي يختاره ويريده ، مهما تعجله المتعجلون. # ثم زجر سبحانه هذا الإنسان زجرا شديدا لتقصيره في أداء حق خالقه ، فقال ~~تعالى : ( @QUR@05 كلا لما يقض ما أمره ) أى : كلا إن هذا الإنسان الجاحد ~~المغرور ... لم يقض ولم يؤد ما أمره الله تعالى به من تكاليف ومن شكر ~~لخالقه ، ومن تأمل في آياته ، ومن طاعة لرسله ... بل استمر في طغيانه ~~وعناده. # فالمقصود بهذه الآية الكريمة : ردع هذا الإنسان الجاحد وزجره ، وبيان أن ~~هذا الردع سببه PageV15P289 # إهماله لحقوق خالقه ، وعدم اهتمامه بأدائها. # ثم ساقت الآيات بعد ذلك ألوانا من نعمه تعالى على خلقه فقال : ( @QUR@04 ~~فلينظر الإنسان إلى طعامه ) والفاء هنا للتفريع على ما تقدم ، مع إفادتها ~~معنى الفصيحة. # أى : إذا أراد أن يقضى ويؤدى ما أمره الله تعالى من تكاليف ، فلينظر هذا ~~الإنسان إلى طعامه ، وكيف أوجده سبحانه له ، ورزقه إياه ، ومكنه منه ... ~~فإن في هذا النظر والتدبر والتفكر ، ما يعينه على طاعة خالقه ، وإخلاص ~~العبادة له. # ثم بين سبحانه مظاهر تهيئة هذا الطعام للإنسان ... فقال : ( @QUR@04 أنا ~~صببنا الماء صبا ). # قال الجمل : قرأ الكوفيون ( @QUR@01 أنا ) بالفتح. على البدل من طعامه ، ~~فيكون في محل جر بدل اشتمال ، بمعنى أن صب الماء سبب في إخراج الطعام فهو ms5939 ~~مشتمل عليه. # وقرأ غيرهم بكسر الهمزة على الاستئناف المبين لكيفية إحداث الطعام ... (1). # والصب : إنزال الماء بقوة وكثرة. أى : إنا أنزلنا المطر من السماء إنزالا ~~مصحوبا بالقوة والكثرة ، لحاجتكم الشديدة إليه في حياتكم. # ( @QUR@04 ثم شققنا الأرض شقا ) أى : ثم شققنا الأرض بالنبات شقا بديعا ~~حكيما ، بحيث تخرج النباتات من باطنها خروجا يبهج النفوس ، وتقر به العيون. # ( @QUR@03 فأنبتنا فيها حبا ) أى : فأنبتنا في الأرض حبا كثيرا ، تقتاتون ~~منه ، وتدخرونه لحين حاجتكم إليه ، والحب : يشمل الحنطة والشعير والذرة. # ( @QUR@08 وعنبا وقضبا. وزيتونا ونخلا. وحدائق غلبا. وفاكهة وأبا ) أى : ~~وأنبتنا في الأرض أيضا بقدرتنا ورحمتنا ( @QUR@01 عنبا ) وهو ثمر الكرم ~~المعروف بلذة طعمه. # ( @QUR@01 وقضبا ) وهو كل ما يؤكل من النبات رطبا ، كالقثاء والخيار ~~ونحوهما ، وقيل : هو العلف الرطب الذي تأكله الدواب ، وسمى قضبا ، لأنه ~~يقضب أى يقطع بعد ظهوره مرة بعد أخرى. # وأنبتنا فيها كذلك ( @QUR@02 زيتونا ونخلا ) وهما شجرتان معروفتان ~~بمنافعهما الجمة ، وبثمارهما المفيدة. # ( @QUR@02 وحدائق غلبا ) والحدائق جمع حديقة وهي البستان المليء بالزروع ~~والثمار. # و ( @QUR@01 غلبا ) جمع غلباء. أى : وأنبتنا في الأرض حدائق عظيمة ، ذات ~~أشجار ضخمة ، قد PageV15P290 # التف بعضها على بعض لكثرتها وقوتها. فقوله ( @QUR@01 غلبا ) بمعنى عظاما ~~، وأصلها من الغلب بفتحتين ، بمعنى الغلظ ، يقال شجرة غلباء ، وهضبة غلباء. ~~أى : عظيمة مرتفعة. ويقال : حديقة غلباء ، إذا كانت عظيمة الشجر. ويقال : ~~رجل أغلب ، إذا كان غليظ الرقبة. # وأنبتنا فيها أيضا بقدرتنا وفضلنا ( @QUR@02 فاكهة وأبا )... والفاكهة : ~~اسم للثمار التي يتناولها الإنسان على سبيل التفكه والتلذذ ، مثل الرطب ~~والعنب والتفاح. # والأب : اسم للكلأ الذي ترعاه الأنعام ، مأخوذ من أب فلان الشيء ، إذا ~~قصده واتجه نحوه ، لحاجته إليه ... والكلأ والعشب يتجه إليه الإنسان بدوابه للرعي. # قال صاحب الكشاف : والأب : المرعى ، لأنه يؤب ، أى : يؤم وينتجع .... وعن ~~أبى بكر الصديق رضى الله عنه أنه سئل عن الأب فقال : أى سماء تظلني ، وأى ~~أرض تقلني ، إذا قلت في كتاب الله مالا علم لي به ... # وعن عمر رضى الله عنه أنه قرأ هذه الآية فقال : كل هذا قد عرفنا ، فما ~~الأب؟ ثم رفع ms5940 عصا كانت في يده وقال : هذا لعمر الله التكلف ، وما عليك يا ~~ابن أم عمر أن لا تدرى ما الأب؟ ثم قال : اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب ~~، وما لا فدعوه. # فإن قلت : فهذا يشبه النهى عن تتبع معاني القرآن والبحث عن مشكلاته؟ قلت ~~: لم يذهب إلى ذلك ، ولكن القوم كانت أكبر همتهم عاكفة على العمل ، وكان ~~التشاغل بشيء من العلم لا يعمل به تكلفا عندهم ، فأراد أن الآية مسوقة في ~~الامتنان على الإنسان بمطعمه ، واستدعاء شكره ، وقد علم من فحوى الآية ، أن ~~الأب بعض ما أنبته الله للإنسان متاعا له أو لأنعامه فعليك بما هو أهم ، من ~~النهوض بالشكر لله تعالى على ما تبين لك أو لم يشكل ، مما عدد من نعمه ، ~~ولا تتشاغل عنه بطلب معنى الأب ، ومعرفة النبات الخاص الذي هو اسم له ، ~~واكتف بالمعرفة الجملية ، إلى أن يتبين لك في غير هذا الوقت ... (1). # وقال بعض العلماء : والذي يتبين لي في انتفاء علم الصديق والفاروق بمدلول ~~لفظ الأب ، وهما من خلص العرب لأحد سببين : # إما لأن هذا اللفظ كان قد تنوسى من استعمالهم ، فأحياه القرآن لرعاية ~~الفاصلة ، فإن الكلمة قد تشتهر في بعض القبائل أو في بعض الأزمان وتنسى في ~~بعضها ، مثل اسم السكين عند الأوس والخزرج. فقد قال أنس بن مالك : ما كنا ~~نقول إلا المدية ، حتى سمعت قول PageV15P291 # الرسول صلى الله عليه وسلم يذكر أن سليمان قال : «ائتوني بالسكين أقسم الطفل ~~بينهما نصفين». # وإما لأن كلمة الأب تطلق على أشياء كثيرة ، منها النبت الذي ترعاه ~~الأنعام ، ومنها التبن ، ومنها يابس الفاكهة ، فكان إمساك أبى بكر وعمر عن ~~بيان معناه ، لعدم الجزم بما أراد الله منه على التعيين ، وهل الأب مما ~~يرجع إلى قوله ( @QUR@02 متاعا لكم ) أو إلى قوله ( @QUR@01 ولأنعامكم ) (1). # ثم ختم سبحانه هذه النعم بقوله : ( @QUR@03 متاعا لكم ولأنعامكم )، أى : ~~أنبت لكم تلك الزروع والثمار ... لتكون موضع انتفاع لكم ولأنعامكم إلى حين ~~من الزمان. # إذ المتاع : هو ما ينتفع به الإنسان إلى حين ثم ينتهى ms5941 ويزول ، ولفظ ~~«متاعا» منصوب بفعل محذوف ، أى : فعل ذلك متاعا لكم ، أو متعكم بذلك تمتيعا ~~لكم ولأنعامكم. # أو قوله ( @QUR@02 متاعا لكم ) حال من الألفاظ السابقة : العنب والقضب ~~والزيتون والنخل. # أى : حالة كون هذه المذكورات موضع انتفاع لكم ولأنعامكم. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بالحديث عن أحوال الناس في يوم القيامة. # فقال تعالى : # ( @QUR@03 فإذا جاءت الصاخة (33) @QUR@05 يوم يفر المرء من أخيه (34) ~~@QUR@02 وأمه وأبيه (35) @QUR@02 وصاحبته وبنيه (36) @QUR@06 لكل امرئ منهم ~~يومئذ شأن يغنيه (37) @QUR@03 وجوه يومئذ مسفرة (38) @QUR@02 ضاحكة مستبشرة ~~(39) @QUR@04 ووجوه يومئذ عليها غبرة (40) @QUR@02 ترهقها قترة (41) ~~@QUR@04 أولئك هم الكفرة الفجرة ) (42) # والفاء في قوله سبحانه ( @QUR@03 فإذا جاءت الصاخة ) للدلالة على ترتيب ~~ما بعدها على ما قبلها من فنون النعم. وجواب ( @QUR@01 فإذا ) محذوف يدل ~~عليه قوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@06 لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه )، ~~ويصح أن يكون جوابه قوله : ( @QUR@03 وجوه يومئذ مسفرة ). # والصاخة : الصيحة الشديدة التي تصخ الآذان ، أى تزلزلها لشدة صوتها ، ~~وأصل الصخ : الصك الشديد ، والمراد بها هنا : النفخة الثانية التي بعدها ~~يبعث الناس من قبورهم ... PageV15P292 # أى : فإذا جاءت الصيحة العظيمة التي بعدها يخرج الناس من قبورهم للحساب ~~والجزاء ، كان ما كان من سعادة أقوام ، ومن شقاء آخرين. # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه ) بدل مما ~~قبله وهو قوله ( @QUR@03 فإذا جاءت الصاخة ) والفرار : الهروب من أجل ~~التخلص من شيء مخيف. # والمعنى : يوم يقوم الناس من قبورهم للحساب والجزاء يكونون في كرب عظيم ، ~~يجعل الواحد منهم ، يهرب من أخيه الذي هو من ألصق الناس به ، ويهرب كذلك من ~~أمه وأبيه ، ومن صاحبته وهي زوجه وبنيه الذين هم فرع عنه. # والمراد بفراره منهم : عدم اشتغاله بشيء يتعلق بهم ، وعدم التفكير فيهم ~~وفي الالتقاء بهم ، لاشتغاله بحال نفسه اشتغالا ينسيه كل شيء سوى التفكير ~~في مصيره ... وذلك لشدة الهول ، وعظم الخطب. # وخص سبحانه هؤلاء النفر بالذكر ، لأنهم أخص القرابات ، وأولاهم بالحنو ~~والرأفة ، فالفرار منهم لا يكون إلا في أشد حالات الخوف والفزع. # قال صاحب الكشاف : «يفر» منهم لاشتغاله بما هو مدفوع إليه ، ولعلمه بأنهم ~~لا ms5942 يغنون عنه شيئا : وبدأ بالأخ ثم بالأبوين لأنهما أقرب منه ثم بالصاحبة ~~والبنين ، لأنهم أقرب وأحب ، كأنه قال : يفر من أخيه ، بل من أبويه ، بل من ~~صاحبته وبنيه ... (1). # وجملة : ( @QUR@06 لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ) مستأنفة. واردة لبيان ~~سبب الفرار. وللمبالغة في تهويل شأن هذا اليوم. # أى : لكل واحد منهم في هذا اليوم العظيم ، شأن وأمر يغنيه ويكفيه عن ~~الاشتغال بأى أمر آخر سواه. يقال : فلان أغنى فلانا عن كذا ، إذا جعله في ~~غنية عنه. # وقد ساق ابن كثير رحمه الله عند تفسيره لهذه الآية عددا من الأحاديث ، ~~منها ما رواه النسائي عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~«تحشرون حفاة عراة غرلا» بضم فسكون جمع أغرل ، وهو الأقلف غير المختون قال ~~ابن عباس : فقالت زوجته : يا رسول الله ، أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال : ~~«لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه». أو قال : «ما أشغله عن النظر» (2). # ثم بين سبحانه أقسام الناس في هذا اليوم فقال : ( @QUR@04 وجوه يومئذ ~~مسفرة. ضاحكة PageV15P293 # @QUR@01 مستبشرة ) أى : وجوه كثيرة في هذا اليوم تكون مضيئة مشرقة ، ~~يعلوها السرور ، والاستبشار والانشراح ، لما تراه من حسن استقبال الملائكة لهم. # وقوله : ( @QUR@01 وجوه ) مبتدأ وإن كان نكرة ، إلا أنه صح الابتداء به ~~لكونه في حيز التنويع و ( @QUR@01 مسفرة ) خبره ، وقوله ( @QUR@01 يومئذ ) ~~متعلق به ، والإسفار : النور والضياء. # والمراد أن هذه الوجوه متهللة فرحا ، وعليها أثر النعيم. # أما القسم المقابل لهذا القسم ، فقد عبر عنه سبحانه بقوله : ( @QUR@04 ~~ووجوه يومئذ عليها غبرة ) أى : عليها غبار ، من شدة الهم والكرب والغم الذي ~~يعلوها. # ( @QUR@02 ترهقها قترة ) أى : تغشاها وتعلوها ظلمة وسواد ، وذلة وهوان ، ~~من شدة ما أصابها من خزي وخسران. يقال : فلان رهقه الكرب ، إذا اعتراه وغشيه. # ( @QUR@01 أولئك ) يعنى أصحاب تلك الوجوه التي يعلوها الغبار والسواد ( ~~@QUR@03 هم الكفرة الفجرة ) أى : الجامعون بين الكفر الذي هو فساد الاعتقاد ~~، وبين الفجور الذي هو فساد القول والفعل. # نسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعا من أصحاب الوجوه المسفرة ، الضاحكة ~~المستبشرة. # وصلى الله على سيدنا محمد ms5943 وعلى آله وصحبه وسلم ... PageV15P294 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة التكوير ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «التكوير» ، وتسمى أيضا بسورة : «إذا الشمس كورت» ، وهي من السور ~~المكية بلا خلاف ، وعدد آياتها : تسع وعشرون آية. # وتعتبر من أوائل السور القرآنية نزولا ، فهي السورة السادسة أو السابعة ~~في ترتيب النزول ، فقد كان نزولها بعد سورة الفاتحة. وقبل سورة «الأعلى». # أخرج الإمام أحمد والترمذي عن ابن عمر قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأى العين ، ~~فليقرأ «إذا الشمس كورت» ، «وإذا السماء انفطرت» «وإذا السماء انشقت». # 2 والمتأمل في هذه السورة الكريمة ، يراها في نصفها الأول ، تسوق أمارات ~~يوم القيامة وعلاماته ، بأسلوب مؤثر يبعث في القلوب الخوف والوجل. # ويراها في نصفها الثاني تؤكد أن هذا القرآن الكريم من عند الله تعالى ، ~~وليس من كلام البشر ، وأن جبريل الأمين قد نزل به على قلب النبي ~~صلى الله عليه وسلم . PageV15P295 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@03 إذا الشمس كورت (1) @QUR@03 وإذا النجوم انكدرت (2) @QUR@03 ~~وإذا الجبال سيرت (3) @QUR@03 وإذا العشار عطلت (4) @QUR@03 وإذا الوحوش ~~حشرت (5) @QUR@03 وإذا البحار سجرت (6) @QUR@03 وإذا النفوس زوجت (7) ~~@QUR@03 وإذا الموؤدة سئلت (8) @QUR@03 بأي ذنب قتلت (9) @QUR@03 وإذا ~~الصحف نشرت (10) @QUR@03 وإذا السماء كشطت (11) @QUR@03 وإذا الجحيم سعرت ~~(12) @QUR@03 وإذا الجنة أزلفت (13) @QUR@04 علمت نفس ما أحضرت ) (14) # تكرر لفظ «إذا» في هذه الآيات اثنتي عشرة مرة ، وجواب الشرط قوله : ( ~~@QUR@04 علمت نفس ما أحضرت ). وهذا التكرار بلفظ إذا من مقاصده التشويق ~~للجواب ، لأن السامع عند ما يجد هذا الظرف وقد تكرر يكون في ترقب وشوق ~~لمعرفة الجواب. # وعند ما يسمعه يتمكن من نفسه كل التمكن. # ولفظ «الشمس مرفوع على أنه فاعل بفعل محذوف يفسره ما بعده ، أى : إذا ~~كورت الشمس كورت. وأصل التكوير : لف الشيء على جهة الاستدارة ، تقول : كورت ~~العمامة ، إذا لففتها. # قال صاحب الكشاف : في التكوير وجهان : أحدهما : أن يكون من كورت العمامة ~~إذا لففتها. أى : يلف ضوء الشمس لفا فيذهب انبساطه وانتشاره في الآفاق ، ~~وهو عبارة عن إزالتها والذهاب بها ، لأنها ms5944 ما دامت باقية ، كان ضياؤها ~~منبسطا غير ملفوف. # وثانيهما : أن يكون لفها عبارة عن رفعها وسترها ، لأن الثوب إذا أريد ~~رفعه ، لف وطوى PageV15P296 # ونحوه قوله تعالى : ( @QUR@03 يوم نطوي السماء ) (1). # أى : إذا الشمس أزيل ضوؤها بعد انتشاره وانبساطه ، فأصبحت مظلمة بعد أن ~~كانت مضيئة ، ومستتره بعد أن كانت بارزة. # ( @QUR@03 وإذا النجوم انكدرت ) أى : تناثرت وتساقطت وانقلبت هيئتها من ~~اللمعان والظهور ، إلى الميل نحو الظلام والسواد. # أى : وإذا النجوم تساقطت وانقضت. يقال : انكدر البازي ، إذا نزل على ~~فريسته بسرعة ، وانكدر الأعداء على القوم إذا جاءوا أرسالا متتابعين ~~فانصبوا عليهم. # ويصح أن يكون المعنى : وإذا النجوم تغيرت وانطمس نورها ، وزال لمعانها ، ~~من قولهم : كدرت الماء فانكدر ، إذا خلط به ما يجعله مائلا إلى السواد ~~والغبرة. # ( @QUR@03 وإذا الجبال سيرت ) أى : اقتلعت من أماكنها فسارت في الفضاء ~~بقدرة الله تعالى . قال تعالى ( @QUR@011 ويوم نسير الجبال وترى الأرض ~~بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا ). وقال سبحانه : ( @QUR@04 وسيرت ~~الجبال فكانت سرابا ). # ( @QUR@03 وإذا العشار عطلت ) والعشار : جمع عشراء كنفساء ، وهي الناقة ~~التي أتى على حملها عشرة أشهر. وتسمى بهذا الاسم إلى أن تضع لتمام السنة. ~~والنوق العشار كانت من أثمن الأموال عند العرب ، وكانوا يحافظون عليها حتى ~~في أشد حالات الخوف. # ومعنى «عطلت» : أهملت وتركت بدون راع يحميها ، أو يلتفت إليها ، وهذا ~~تصوير بديع لما يصيب الناس من أهوال ، تجعلهم لا يلتفتون إلى أعز أموالهم لديهم. # أى : وإذا النوق العشار التي هي أغلى الأموال عطلت ، أى تركت دون أن ~~يلتفت إليها أحد. لانشغال كل إنسان بنفسه. # وقيل : المراد بالعشار : السحب المحملة بالأمطار. أى : وإذا السحب ~~الحاملة للأمطار قد عطلت عن نزول المطر منها ، وصارت خالية من الماء الذي ~~يحيى الأرض بعد موتها. # قال القرطبي ما ملخصه : ( @QUR@03 وإذا العشار عطلت ) أى : النوق الحوامل ~~التي في بطونها أولادها ، الواحدة عشراء .. وإنما خصت بالذكر ، لأنها أعز ~~ما تكون عند العرب .. وهذا على وجه المثل. لأن في القيامة لا تكون ناقة ~~عشراء ، ولكن أراد به المثل ، أن هول يوم القيامة ، بحال ما ms5945 لو كان للرجل ~~ناقة عشراء لعطلها واشتغل بنفسه. PageV15P297 # وقيل : العشار : السحاب يعطل مما يكون فيه وهو الماء فلا يمطر ، والعرب ~~تشبه السحاب بالحامل. # وقيل : الديار تعطل فلا تسكن ... والأول أشهر ، وعليه من الناس الأكثر (1). # ( @QUR@03 وإذا الوحوش حشرت ) أى : وإذا الحيوانات المتوحشة كالأسد ~~والنمر وغيرهما. # ( @QUR@01 حشرت ) أى : جمعت من أماكنها المتفرقة ، وخرجت في ذهول ، ~~وتلاقت دون أن يعتدى بعضها على بعض ، مخالفة بذلك ما طبعت عليه من النفور ~~والتقاتل. # قال الآلوسى قوله : ( @QUR@02 وإذا الوحوش ) جمع وحش ، وهو حيوان البر ~~الذي ليس في طبعه التأنس ببني آدم .. ( @QUR@01 حشرت ) أى : جمعت من كل ~~جانب. وقيل : حشرت. أى : أميتت .. وقيل : حشرت : بعثت للقصاص ، فيحشر كل ~~شيء حتى الذباب. # أخرج مسلم والترمذي عن أبى هريرة في هذه الآية قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة ، حتى يقاد للشاة ~~الجماء من الشاة القرناء ..» (2). # ( @QUR@03 وإذا البحار سجرت ) أى : امتلأت وفاض ماؤها واختلط عذبها ~~بملحها ، وصارت بحرا واحدا ، مأخوذ من قولهم : سجر الحوض ، إذا ملأه حتى ~~فاض من جانبيه. # ويصح أن يكون معنى «سجرت» : أحميت بالنار حتى تبخرت مياهها ، وظهرت النار ~~في مكانها ، من قولهم : سجر فلان التنور ، إذا ملأه بالحطب المعد للحرق. # ( @QUR@03 وإذا النفوس زوجت ) وقوله : ( @QUR@01 زوجت ) من التزويج وهو ~~جعل الشيء زوجا لغيره ، بعد أن كان كلاهما فردا ، ويطلق الزوج أيضا على ~~الصنف والنوع ، كما في قوله تعالى ( @QUR@07 ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين ~~اثنين ). # أى : وإذا النفوس اقترنت كل واحدة منها ببدنها ، أو بمن يشبهها ، أو ~~بعملها. # قال الفخر الرازي : قوله : ( @QUR@03 وإذا النفوس زوجت ) فيه وجوه : ~~أحدها : قرنت الأرواح بالأجساد. # ثانيها : يصيرون فيها أى : يوم القيامة ثلاثة أصناف ، كما قال تعالى ( ~~@QUR@03 وكنتم أزواجا ثلاثة ). PageV15P298 # ثالثها : أنه يضم إلى كل صنف من كان في طبقته ، فيضم الطائع إلى مثله .. (1). # ثم قال تعالى : ( @QUR@06 وإذا الموؤدة سئلت. بأي ذنب قتلت ) ولفظ ~~«الموءودة» من الوأد ، وهو دفن الطفلة حية. # قال صاحب الكشاف وأد يئد مقلوب من آد يؤود : إذا أثقل. قال تعالى ms5946 ( ~~@QUR@03 ولا يؤده حفظهما )، لأنه إثقال بالتراب. # فإن قلت : ما حملهم على وأد البنات؟ قلت : الخوف من لحوق العار بهم من ~~أجلهن ، أو الخوف من الإملاق. # فإن قلت : فما معنى سؤال الموءودة عن ذنبها الذي قتلت به؟ وهلا سئل ~~الوائد عن موجب قتله لها؟ قلت : سؤالها وجوابها تبكيت لقاتلها ، نحو ~~التبكيت لقوم عيسى في قوله تعالى لعيسى : ( @QUR@09 أأنت قلت للناس اتخذوني ~~وأمي إلهين من دون الله ) (2). # أى : وإذا الموءودة سئلت ، على سبيل التبكيت والتقريع لمن قتلها ، بأى ~~سبب من الأسباب قتلك قاتلك. # ولا شك أنها لم ترتكب ما يوجب قتلها ، وإنما القصد من ذلك إلزام قائلها ~~الحجة ، حتى يزداد افتضاحا على افتضاحه. # وقد حكى القرآن في كثير من الآيات ، ما كان يفعله أهل الجاهلية من قتلهم ~~للبنات ، ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@028 وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه ~~مسودا وهو كظيم. يتوارى من القوم من سوء ما بشر به ، أيمسكه على هون أم ~~يدسه في التراب ، ألا ساء ما يحكمون ) (3). # ولم يكن الوأد معمولا به عند جميع قبائل العرب ، فقريش مثلا لم يعرف عنها ~~ذلك وإنما عرف في قبائل ربيعة ، وكنده ، وتميم. ولكنهم لما كانوا جميعا ~~راضين عن هذا الفعل ، جاء الحكم عاما في شأن أهل الجاهلية. # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 وإذا الصحف نشرت ) أى : بسطت بعد أن كانت مطوية ~~، وهي صحف الأعمال التي سجلتها الملائكة على أصحابها ، سواء أكانت تلك ~~الأعمال خيرا أم شرا ، فهذه الصحائف تطوى عند الموت ، وتنشر يوم القيامة ، ~~يوم الحساب والجزاء. PageV15P299 # قال تعالى : ( @QUR@020 وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم ~~القيامة كتابا يلقاه منشورا. اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) (1). # ( @QUR@03 وإذا السماء كشطت ) أى : قلعت وأزيلت ، وأصل الكشط إزالة جلدة ~~الحيوان عنه. يقال : كشطت البعير كشطا ، إذا نزعت جلده منه. أى : وإذا ~~السماء نزعت وأزيلت ، فلم تبق على هيئتها التي كانت عليها ، من إظلالها لما تحتها. # ( @QUR@03 وإذا الجحيم سعرت ) أى : أوقدت إيقادا شديدا للكفار ، والجحيم ~~هي النار ذات الطبقات المتعددة من الوقود كالحطب وغيره ، وتسعيرها : ~~إيقادها ms5947 بشدة. # ( @QUR@03 وإذا الجنة أزلفت ) أى : قربت وأدنيت من المؤمنين ، كما في ~~قوله تعالى : ( @QUR@05 وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد ). من الزلفى بمعنى ~~القرب ، يقال : تزلف فلان إلى فلان ، إذا تقرب منه. # وقوله : ( @QUR@04 علمت نفس ما أحضرت ) هو جواب الشرط لكل تلك الظروف ~~السابقة. أى : إذا الشمس كورت ، وإذا النجوم انكدرت تبين لكل نفس ما عملته ~~من خير أو شر ، ومن حسن أو قبيح .. ورأت ذلك رأى العين ، كما قال تعالى : ( ~~@QUR@020 يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا ، وما عملت من سوء تود لو أن ~~بينها وبينه أمدا بعيدا .. ). # والمراد بالنفس عموم الأنفس ، لأن النكرة في سياق النفي تشمل كل نفس ~~وأسند سبحانه الإحضار إلى النفوس ، لأنها هي المباشرة لأعمالها في الدنيا ، ~~والتي ستجد جزاءها في الآخرة. # وجعلت معرفة النفوس لجزاء أعمالها ، حاصلة عند حصول مجموع الشروط التي ~~ذكرت في الجمل الاثنتى عشرة ، لأن بعض الأزمان والأحوال التي تضمنتها هذه ~~الشروط مقارن لحصول علم النفوس بأعمالها ، كما في الستة الأخيرة ، فإنها ~~تكون عند فصل القضاء ، وبعضها يحصل قبل ذلك بقليل ، كما في الأحوال الستة ~~المذكورة أولا ، إلا أنه لما كان بعض هذه الأمور من مبادئ يوم القيامة ، ~~وبعضها من روادفه ، نسب علمها بذلك إلى زمان وقوع هذه الأمور كلها ، تهويلا ~~للخطب ، وتفظيعا للأمر. وإشعارا بأن ما يسبق يوم القيامة وما يعقبه ، كل ~~ذلك من الأهوال التي يشيب لها الولدان. # وبعد أن ساق سبحانه ما ساق من أحوال تدل على شدائد يوم القيامة ، أتبع ذلك PageV15P300 # ببيان أن هذا القرآن من عنده تعالى وأن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق فيما ~~يبلغه عن ربه ، فقال : # ( @QUR@03 فلا أقسم بالخنس (15) @QUR@02 الجوار الكنس (16) @QUR@03 ~~والليل إذا عسعس (17) @QUR@03 والصبح إذا تنفس (18) @QUR@04 إنه لقول رسول ~~كريم (19) @QUR@06 ذي قوة عند ذي العرش مكين (20) @QUR@03 مطاع ثم أمين ~~(21) @QUR@03 وما صاحبكم بمجنون (22) @QUR@04 ولقد رآه بالأفق المبين (23) ~~@QUR@05 وما هو على الغيب بضنين (24) @QUR@05 وما هو بقول شيطان رجيم (25) ~~@QUR@02 فأين تذهبون (26) @QUR@05 إن هو إلا ذكر للعالمين (27) @QUR@05 لمن ~~شاء منكم أن يستقيم (28) @QUR@08 وما تشاؤن إلا أن ms5948 يشاء الله رب العالمين ) (29) # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@03 فلا أقسم بالخنس .. ) للتفريع على ما ~~تقدم من تحقيق وقوع البعث ، وهي تعطى أيضا معنى الإفصاح ، و «لا» مزيدة ~~لتأكيد القسم ، وجواب القسم قوله تعالى ( @QUR@04 إنه لقول رسول كريم ). # و ( @QUR@01 بالخنس ) بزنة ركع جمع خانس ، والخنوس : الاستخفاء والاستتار ~~، يقال : خنست الظبية والبقرة ، إذا اختفت في بيتها. # و ( @QUR@01 الجوار ) جمع جارية ، وهي التي تجرى بسرعة ، من الجري بمعنى ~~الإسراع في السير. # و ( @QUR@01 الكنس ) جمع كانس. يقال : كنس الظبى ، إذا دخل كناسه بكسر ~~الكاف وهو البيت الذي يتخذه للمبيت ، وسمى بذلك لأنه يتخذه من أغصان ~~الأشجار ، ويكنس الرمل إليه حتى يكون مختفيا عن الأعين. # وهذه الصفات ، المراد بها النجوم ، لأنها بالنهار تكون مختفية عن الأنظار ~~، ولا تظهر إلا بالليل ، فشبهت بالظباء التي تختفى في بيوتها ولا تظهر إلا ~~في أوقات معينة. # أى : إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من أن البعث حق ... فأقسم بالنجوم التي تخنس PageV15P301 # بالنهار ، أى : يغيب ضوؤها عن العيون بالنهار ، ويظهر بالليل ، والتي ~~تجرى من مكان إلى آخر بقدرة الله تعالى ثم تكنس أى : تستتر وقت غروبها كما ~~تتوارى الظباء في كنسها ... إن هذا القرآن لقول رسول كريم. # قال ابن كثير ما ملخصه : قوله تعالى ( @QUR@05 فلا أقسم بالخنس ، الجوار ~~الكنس ): هي النجوم تخنس بالنهار ، وتظهر بالليل ، روى ذلك عن على بن أبى ~~طالب وابن عباس ومجاهد. # وقال بعض الأئمة : وإنما قيل للنجوم «الخنس» أى : في حال طلوعها ، ثم هي ~~جوار في فلكها ، وفي حال غيبوبتها ، يقال لها «كنس» ، من قول العرب. أوى ~~الظبى إلى كناسه : إذا تغيب فيه. # وفي رواية عن ابن عباس : أنها الظباء ، وفي أخرى أنها بقر الوحش حين تكنس ~~إلى الظل أو إلى بيوتها. # وتوقف ابن جرير في قوله : ( @QUR@03 بالخنس الجوار الكنس ) هل هي النجوم ~~أو الظباء وبقر الوحش قال : ويحتمل أن يكون الجميع مرادا .. (1). # وقوله : ( @QUR@06 والليل إذا عسعس. والصبح إذا تنفس ) معطوف على ما ~~قبله. وداخل في حيز القسم. # وقوله ( @QUR@01 عسعس ) أدبر ظلامه أو أقبل ، فهذا اللفظ ms5949 من الألفاظ التي ~~تستعمل في الشيء وضده ، إلا أن المناسب هنا يكون المراد به إقبال الظلام ، ~~لمقابلته بالصبح إذا تنفس ، أى : أضاء وأسفر وتبلج. # وقيل : العسعسة : رقة الظلام وذلك في طرفي النهار ، فهو من المشترك ~~المعنوي ، وليس من الأضداد ، أى : أقبل وأدبر معا. أى : وحق النجوم التي ~~تغيب بالنهار ، وتجرى في حال استتارها .. وحق الليل إذا أقبل بظلامه ، ~~والصبح إذا أقبل بضيائه. # ( @QUR@01 إنه ) أى : القرآن الكريم ( @QUR@03 لقول رسول كريم ) وهو ~~جبريل عليه السلام الذي أرسله ربه إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم لكي يبلغه ~~وحيه تعالى . # وأقسم الله تعالى بهذه الأشياء ، لأنها في حركاتها المختلفة ، من ظهور ~~وأفول ، ومن إقبال وإدبار .. تدل دلالة ظاهرة على قدرة الله تعالى ، وعلى ~~بديع صنعه في خلقه. PageV15P302 # ونسب سبحانه القول إلى الرسول وهو جبريل لأنه هو الواسطة في تبليغ الوحى ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم . # ثم وصف سبحانه أمين وحيه جبريل بخمس صفات : أولها : قوله ( @QUR@01 كريم ~~) أى : ملك شريف ، حسن الخلق ، بهى المنظر ، ثانيها : ( @QUR@02 ذي قوة ) ~~أى : صاحب قوة وبطش. # كما قال تعالى : ( @QUR@03 علمه شديد القوى .. ) ثالثها : ( @QUR@04 عند ~~ذي العرش مكين ) أى : أن من صفات جبريل عليه السلام أنه ذو مكانة رفيعة ، ~~ومنزلة عظيمة عند الله تعالى . # رابعها : قوله تعالى ( @QUR@01 مطاع ) أى يطيعه من معه من الملائكة ~~المقربين. # وخامسها : قوله : سبحانه ( @QUR@02 ثم أمين ) و «ثم» بفتح الثاء ظرف مكان ~~للبعيد. والعامل ما قبله أو ما بعده ، والمعنى : أنه مطاع في السموات عند ~~ذي العرش ، أو أمين فيها ، أى : يؤدى ما كلفه الله تعالى به بدون أية زيادة ~~أو نقص. # قال الشوكانى : ومن قال إن المراد بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم فالمعنى ~~: أنه ذو قوة على تبليغ الرسالة إلى الأمة ، مطاع يطيعه من أطاع الله ، ~~أمين على الوحى. # وقوله : ( @QUR@03 وما صاحبكم بمجنون ): الخطاب لأهل مكة ، والمراد ~~بصاحبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم . # والمعنى : وما محمد يا أهل مكة بمجنون ، وذكره بوصف الصحبة للإشعار بأنهم ~~عالمون بأمره ، وأنه ليس مما يرمونه من ms5950 الجنون وغيره في شيء ، وأنهم افتروا ~~عليه ذلك ، عن علم منهم ، بأنه أعقل الناس وأكملهم ، وهذه الجملة داخلة في ~~جواب القسم. # فأقسم سبحانه بأن القرآن نزل به جبريل ، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس ~~كما يقولون من أنه مجنون ، وأنه يأتى بالقرآن من جهة نفسه (1). # فالمقصود بالآية نفى الجنون عن النبي صلى الله عليه وسلم بأكمل وجه ، وتوبيخ ~~أعدائه الذين اتهموه بتهمة هم أول من يعلم عن طريق مشاهدتهم لاستقامة ~~تفكيره ، وسمو أخلاقه أنه أكمل الناس عقلا وأقومهم سلوكا. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 ولقد رآه بالأفق المبين ) معطوف أيضا على قوله ~~تعالى قبل ذلك : ( @QUR@04 إنه لقول رسول كريم ) فهو من جملة المقسم عليه. PageV15P303 # والمقصود بهذه الرؤية : رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام ~~لأول مرة ، على الهيئة التي خلقه الله عليها ، عند ما كان الرسول ~~صلى الله عليه وسلم يتعبد في غار حراء ، وكان صلى الله عليه وسلم قد سأل جبريل أن ~~يريه نفسه ، على الهيئة التي خلقه الله تعالى عليها. # والأفق : هو الفضاء الواسع الذي يبدو للعين ما بين السماء والأرض. # والمبين : وصف للأفق ، أى : بالأفق الواضح البين ، الذي لا تشتبه معه ~~المرئيات. # والمعنى : وو الله لقد رأى صاحبكم محمد صلى الله عليه وسلم جبريل ، بصورته ~~التي خلقه الله عليها ، بالأفق الواضح البين ، الذي لا تلتبس فيه المرئيات ~~، ولا مجال فيه للأوهام والتخيلات. # والمقصود من الآية الكريمة الرد على المشركين الذين كانوا إذا أخبرهم ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه رأى جبريل. كذبوه واستهزءوا به ، وتأكيد أن ~~هذه الرؤية كانت حقيقة واقعة ، لا مجال معها للتشكيك أو اللبس. # قال الإمام ابن كثير : وقوله تعالى ( @QUR@04 ولقد رآه بالأفق المبين ) ~~يعنى : ولقد رأى محمد جبريل الذي يأتيه بالرسالة عن الله عز وجل وعلى الصورة ~~التي خلقه الله عليها ، له ستمائة جناح ( @QUR@02 بالأفق المبين ) أى : ~~البين ، وهي الرؤية الأولى التي كانت بالبطحاء أى بالمكان المجاور لغار ~~حراء. وهي المذكورة في قوله تعالى : ( @QUR@022 علمه شديد القوى. ذو مرة ~~فاستوى. وهو بالأفق الأعلى. ms5951 ثم دنا فتدلى ، فكان قاب قوسين أو أدنى. فأوحى ~~إلى عبده ما أوحى .. ) (1). # والضمير في قوله تعالى : ( @QUR@05 وما هو على الغيب بضنين ) يعود إلى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم المعبر عنه قبل ذلك ( @QUR@01 بصاحبكم ). # والغيب : ما غاب عن مدارك الناس وحواسهم ، لأن الله تعالى قد استأثر بعلمه. # والضنين : هو البخيل بالشيء ، مأخوذ من الضن بالكسر والفتح بمعنى البخل. # قال الآلوسى : «وما هو» أى : رسول الله صلى الله عليه وسلم «على الغيب» أى : ~~على ما يخبر به من الوحى إليه وغيره من الغيوب «بضنين» من الضن بكسر الضاد ~~وفتحها بمعنى البخل ، أى : ببخيل ، أى : لا يبخل بالوحي ، ولا يقصر في ~~التعليم والتبليغ ، ومنح كل ما هو مستعد له من العلوم ، على خلاف الكهنة ~~فإنهم لا يطلعون غيرهم على ما يزعمون معرفته إلا بإعطائهم حلوانا. PageV15P304 # وقرأ ابن كثير والكسائي وأبو عمر بظنين بالظاء أى : وما هو على الغيب ~~بمتهم ، من الظنة بالكسر بمعنى التهمة. # ثم قال : ورجحت هذه القراءة ، لأنها أنسب بالمقام ، لاتهام الكفرة له ~~صلى الله عليه وسلم بذلك ، ونفى التهمة ، أولى من نفى البخل. (1). # وهذا القول لا نوافق الآلوسى رحمه الله عليه ، لأن القراءة متى ثبتت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز التفاضل بينها وبين غيرها التي هي مثلها في ~~الثبوت ، والقراءتان هنا سبعيتان ، ومن ثم فلا ينبغي التفاضل بينهما. ~~والمعنى عليهما واضح ولا تعارض فيه. # أى : وما محمد صلى الله عليه وسلم ببخيل بتبليغ الوحى ، بل هو مبلغ له على ~~أكمل وجه وأتمه ، وما هو أيضا بمتهم فيما يبلغه عن ربه ، لأنه ~~صلى الله عليه وسلم سيد أهل الصدق والأمانة. # وقوله سبحانه ( @QUR@05 وما هو بقول شيطان رجيم ) معطوف أيضا على قوله ~~تعالى ( @QUR@04 إنه لقول رسول كريم ) والضمير هنا يعود على القرآن الكريم. # أى : وليس هذا القرآن الكريم ، المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ~~بقول شيطان مرجوم مسترق للسمع .. وإنما هو كلام الله تعالى الذي لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه. # وهذا رد ms5952 آخر على المشركين الذين زعموا أن القرآن الكريم إنما هو من باب ~~الكهانة ، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو كاهن ، تلقنه الشياطين هذا ~~القرآن. # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 فأين تذهبون ) جملة معترضة بين ما سبقها ، وبين ~~قوله تعالى بعد ذلك ( @QUR@05 إن هو إلا ذكر للعالمين )، والمقصود فيها ~~توبيخهم وتعجيزهم عن أن يأتوا ولو بحجة واحدة يدافعون بها عن أنفسهم. # والفاء لتفريع هذا التعجيز والتوبيخ ، على الحجج السابقة ، المثبتة بأن ~~هذا القرآن من عند الله تعالى وليس من عند غيره. # وأين اسم استفهام عن المكان ، والاستفهام هنا للتعجيز والتقريع ، وهو ~~منصوب بقوله : ( @QUR@01 تذهبون ). # أى : إذا كان الأمر كما ذكرنا لكم ، فأى طريق تسلكون أوضح وأبين من هذا ~~الطريق الذي أرشدناكم إليه؟ إنه لا طريق لكم سوى هذا الطريق الذي أرشدناكم إليه. PageV15P305 # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@02 فأين تذهبون ) استضلال لهم ، كما ~~يقال لتارك الجادة اعتسافا أو ذهابا في بنيات الطريق أى : في الطريق ~~المتشعبة عن الطريق الأصلى أين تذهب؟ مثلت حالهم في تركهم الحق وعدولهم عنه ~~إلى الباطل (1). # ( @QUR@05 إن هو إلا ذكر للعالمين ) أى : ما هذا القرآن الكريم ، إلا ~~تذكير وإرشاد وهدايات للبشر جميعا. # وهذا الذكر العظيم إنما هو ( @QUR@05 لمن شاء منكم أن يستقيم ) أى : هو ~~نافع لمن شاء منكم أيها الناس أن يستقيم على طريق الحق ، وأن يلزم الرشاد ~~ويترك الضلال. # والجملة الكريمة بدل مما قبلها ، للإشعار بأن الذين استجابوا لهدى القرآن ~~قد شاءوا لأنفسهم الهداية والاستقامة. # فالمقصود بهذه الجملة : الثناء عليهم ، والتنويه بشأنهم. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة ، ببيان أن مشيئته تعالى هي النافذة ، فقال ~~: ( @QUR@08 وما تشاؤن إلا أن يشاء الله رب العالمين ). # أى : وما تشاءون الاستقامة أو غيرها ، إلا إذا شاءها وأرادها الله تعالى ~~رب العالمين ، إذ مشيئة الله تعالى هي النافذة ، أما مشيئتكم فلا وزن لها ~~إلا إذا أذنت بها مشيئته تعالى . # فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن كل مشيئة لا قيمة لها ولا وزن .. إلا ~~إذا أيدتها مشيئة الله عز وجل . # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ms5953 آله وصحبه وسلم. PageV15P306 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الانفطار ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «الانفطار» من السور المكية الخالصة ، وتسمى أيضا سورة «إذا ~~السماء انفطرت» ، وسورة «المنفطرة» أى : السماء المنفطرة. # 2 وعدد آياتها : تسع عشرة آية. وهي السورة الثانية والثمانون في ترتيب ~~المصحف ، أما ترتيبها في النزول ، فكان نزولها بعد سورة (النازعات)، وقبل ~~سورة (الانشقاق)، أى أنها السورة الثانية والثمانون أيضا في ترتيب النزول. # 3 وقد اشتملت هذه السورة الكريمة على إثبات البعث ، وعلى أهوال يوم ~~القيامة ، وعلى تنبيه الناس إلى وجوب الاستعداد لهذا اليوم الشديد ، وعلى ~~جانب من نعم الله على خلقه ، وعلى بيان حسن عاقبة الأبرار ، وسوء عاقبة ~~الفجار. PageV15P307 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@03 إذا السماء انفطرت (1) @QUR@03 وإذا الكواكب انتثرت (2) ~~@QUR@03 وإذا البحار فجرت (3) @QUR@03 وإذا القبور بعثرت (4) @QUR@05 علمت ~~نفس ما قدمت وأخرت (5) @QUR@07 يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم (6) ~~@QUR@04 الذي خلقك فسواك فعدلك (7) @QUR@06 في أي صورة ما شاء ركبك (8) ~~@QUR@04 كلا بل تكذبون بالدين (9) @QUR@03 وإن عليكم لحافظين (10) @QUR@02 ~~كراما كاتبين (11) @QUR@03 يعلمون ما تفعلون (12) @QUR@04 إن الأبرار لفي ~~نعيم (13) @QUR@04 وإن الفجار لفي جحيم (14) @QUR@03 يصلونها يوم الدين ~~(15) @QUR@04 وما هم عنها بغائبين (16) @QUR@05 وما أدراك ما يوم الدين ~~(17) @QUR@06 ثم ما أدراك ما يوم الدين (18) @QUR@09 يوم لا تملك نفس لنفس ~~شيئا والأمر يومئذ لله ) (19) # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 إذا السماء انفطرت ) بيان لما ستكون عليه ~~السماء عند اقتراب قيام الساعة. # ومعنى : ( @QUR@01 انفطرت ) انشقت ، من الفطر بفتح الفاء بمعنى الشق ، ~~كما قال تعالى في أول سورة الانشقاق : ( @QUR@03 إذا السماء انشقت ). يقال ~~: فطرت الشيء فانفطر ، أى : شققته فانشق. أى : إذا السماء تصدعت وتشققت في ~~الوقت الذي يريده الله تعالى لها أن تكون كذلك. PageV15P308 # ( @QUR@03 وإذا الكواكب انتثرت ) أى : وإذا النجوم تهاوت وتساقطت وتفرقت ~~، ويقال : نثرت الشيء على الأرض ، إذا ألقيته عليها متفرقا. فانتثار ~~الكواكب معناه : تفرقها عن مواضعها التي كانت فيها. # ( @QUR@03 وإذا البحار فجرت ) أى : شققت جوانبها ، فزالت الحواجز التي ~~بينها ، واختلط بعضها ببعض فصارت جميعها بحرا واحدا ، فقوله ( @QUR@01 فجرت ~~) مأخوذ من الفجر بفتح الفاء وهو شق الشيء شقا ms5954 واسعا ، يقال : فجر الماء ~~فتفجر ، إذا شقه شقا واسعا ترتب عليه سيلان الماء بشدة. # ( @QUR@03 وإذا القبور بعثرت ) أى : صار باطنها ظاهرها ، وخرج ما فيها من ~~الموتى مسرعين ، يقال : بعثر فلان متاعه ، إذا فرقه وبدده وقلب بعضه على بعض. # والمراد أن التراب الذي كان فيها يبعثر ويزال ، ويخرج الموتى من تلك ~~القبور للحساب والجزاء. # وقوله : ( @QUR@05 علمت نفس ما قدمت وأخرت ) جواب ( @QUR@01 إذا ) في ~~الآيات الأربع. # أى : إذا تم ذلك ، علمت كل نفس ما قدمت من خير أو شر ، وما أخرت من سنة ~~حسنة ، أو سنة سيئة يعمل بها بعدها. # قال الجمل ما ملخصه : واعلم أن المراد من هذه الآيات أنه إذا وقعت هذه ~~الأشياء التي هي أشراط الساعة ، فهناك يحصل الحشر والنشر ، وهي هنا أربعة : ~~اثنان منها يتعلقان بالعلويات ، واثنان يتعلقان بالسفليات ، والمراد بهذه ~~الآيات : بيان تخريب العالم ، وفناء الدنيا ، وانقطاع التكاليف ... وإنما ~~كررت إذا لتهويل ما في حيزها من الدواهي. # وجواب ( @QUR@01 إذا ) وما عطف عليها قوله ( @QUR@02 علمت نفس ) أى : ~~علمت كل نفس وقت هذه المذكورات الأربعة ( @QUR@02 ما قدمت ) من الأعمال وما ~~أخرت منها فلم تعمله. # ومعنى علم النفس بما قدمت وأخرت : العلم التفصيلي. وذلك عند نشر الصحف ~~كما تقدم في سورة التكوير أما العلم الإجمالى فيحصل في أول زمن الحشر ، لأن ~~المطيع يرى آثار السعادة ، والعاصي يرى آثار الشقاوة في أول الأمر ، وأما ~~العلم التفصيلي فإنما يحصل عند قراءة الكتب والمحاسبة ... (1). # وبعد أن أشار سبحانه إلى أهوال علامات الساعة التي من شأنها أن تنبه ~~العقول والحواس والمشاعر ... أتبع ذلك بنداء للإنسان فقال تعالى : PageV15P309 # ( @QUR@07 يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ) والغرور : الخداع. يقال ~~: غر فلان فلانا ، إذا خدعه وأطمعه بالباطل. والخطاب لجنس الإنسان. وقيل ~~للكافر. # و «ما» استفهامية ، والمقصود بالاستفهام : الإنكار والتعجيب من حال هذا ~~الإنسان المخدوع. # أى : يا أيها الإنسان المخلوق بقدرة ربك وحده ، أى شيء غرك وخدعك وجعل ~~جانبا من جنسك يكفر بخالقه ، ويعبد غيره ، وجانبا آخر يعصى ربه ، ويقصر في ~~أداء حقوقه؟ # قال الإمام ابن كثير : قوله ms5955 تعالى : ( @QUR@07 يا أيها الإنسان ما غرك ~~بربك الكريم ): هذا تهديد ، لا كما يتوهمه بعض الناس من أنه إرشاد إلى ~~الجواب ، حيث قال : ( @QUR@01 الكريم )، حتى يقول قائلهم : غره كرمه. بل ~~المعنى في الآية : ما غرك يا بن آدم بربك الكريم ، أى : العظيم حتى أقدمت ~~على معصيته ، وقابلته بما لا يليق؟ كما جاء في الحديث : «يقول الله يوم ~~القيامة : يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟» ... # وهذا الذي تخيله هذا القائل ليس تحته طائل ، لأنه إنما أتى باسمه الكريم ~~لينبه على أنه لا ينبغي أن يقابل الكريم بالأفعال القبيحة ، وأعمال السوء ~~... (1). # والمقصود بالنداء هنا : التنبيه إلى ما سيأتى بعده من توجيهات ، وليس ~~المقصود به طلب الإقبال على شيء معين. # وإيثار تعريف الله تعالى بصفة الرب ، لما في معنى الرب من التربية ~~والرعاية والملكية ، والإيجاد من العدم ... ففي هذا الوصف تذكير للإنسان ~~بنعم خالقه الذي أنشأه من العدم ، وتعهده بالرعاية والتربية. # وكذلك الوصف بالكريم ، فيه أيضا تذكير لهذا الإنسان بكرم ربه عليه ، إذ ~~مقتضى هذا الكرم منه تعالى ، أن يقابل المخلوق ذلك بالشكر والطاعة. # وقوله سبحانه : ( @QUR@010 الذي خلقك فسواك فعدلك. في أي صورة ما شاء ~~ركبك ) صفات أخرى للرب عز وجل الكريم المنان. # والخلق : هو الإيجاد على مقدار معين مقصود. والتسوية : جعل الشيء سويا ، ~~أى : قويما سليما خاليا من الاضطراب والاختلال. # وقوله : ( @QUR@01 فعدلك ) قرأها بعضهم بفتح الدال مع التخفيف ، وقرأها ~~آخرون بفتحها مع التشديد ، وهما متقاربان ، إلا أن التشديد يفيد المبالغة ~~في التعديل ، الذي هو جعل البنية PageV15P310 # معتدلة ، متناسبة الأعضاء ، فالتسوية ترجع إلى عدم النقصان في الأعضاء ، ~~والتعديل يرجع إلى عدم التخالف فيها وهذا ، باعتبار الأصل في خلق الإنسان ، ~~فلا عبرة بوجود ما يخالف ذلك في قلة من أفراد الإنسان. # والمعنى : يا أيها الإنسان ، أى شيء خدعك وجرأك على معصية ربك الكريم ... ~~الذي من مظاهر كرمه أنه ( @QUR@02 خلقك فسواك ) بأن جعل أعضاءك سوية سليمة. ~~مهيأة لا لاكتساب منافعها على حسب ما تقتضيه حكمة خالقك ( @QUR@01 فعدلك ) ~~أى : فعدل أعضاءك بأن جعلها متناسقة متوازنة بعضها مع ms5956 بعض ، فلم يجعل مثلا ~~إحدى يديك طويلة والأخرى قصيرة. ولم يجعل مثلا جانبا من جسدك أبيض ، والأخر أسود. # ومن مظاهر قدرته وكرمه أيضا أنه سبحانه ركبك ووضعك في أى صورة من الصور ~~المتنوعة التي اقتضتها مشيئته وحكمته. # فقوله : ( @QUR@03 في أي صورة ) متعلق بركبك. و «ما» مزيدة ، و «شاء» صفة ~~لصورة. ولم يعطف «ركبك» على ما قبله بالفاء ، كما عطف ما قبله بها ، لأنه ~~بيان لقوله : ( @QUR@01 فعدلك ). والتقدير : فعدلك بأن ركبك في أى صورة من ~~الصور التي شاءها لك ، وهي صورة فيها ما فيها من العجائب والأسرار ، فضلا ~~عن أنها أحسن صورة وأكملها ، كما قال تعالى : ( @QUR@06 لقد خلقنا الإنسان ~~في أحسن تقويم ). # فالمقصود من الآيات الكريمة ، تذكير الإنسان بفضل ربه تعالى عليه ، وحضه ~~على طاعته وشكره ، وتوبيخه على تقصيره وجحوده ، وتهديده بسوء المصير إذا ما ~~استمر في غفلته وغروره. # قال بعض العلماء : إن خلق الإنسان على هذه الصورة الجميلة السوية ~~المعتدلة ، الكاملة الشكل والوظيفة. أمر يستحق التدبر الطويل ، والشكر ~~العميق. والأدب الجم لربه الكريم الذي أكرمه بهذه الخلقة. # وهناك مؤلفات كاملة في وصف كمال التكوين الإنسان العضوى ودقته وإحكامه. # كاكتمال التكوين الجسدى ، والعضلى ، والجلدى ، والهضمى ، والدموي والعظمى ~~، والتنفسى ، والتناسلى ، والعصبي ... للإنسان. # وإن جزءا من أذن الإنسان «الأذن الوسطى» لهو سلسلة من نحو أربعة آلاف ~~جزئية دقيقة معقدة ، متدرجة بنظام بالغ الدقة في الحجم والشكل. # ومركز حاسة الإبصار في العين التي تحتوى على مائة وثلاثين مليونا من ~~مستقبلات الضوء ، PageV15P311 # وهي أطراف الأعصاب ، ويقوم بحمايتها الجفن ذو الأهداب الذي يقيها ليلا ~~ونهارا ... (1). # ثم يكشف القرآن بعد ذلك عن علة الغرور والغفلة وهي التكذيب بيوم الحساب ~~ويقرر أن كل عمل يعمله الإنسان هو مسجل عليه فيقول : ( @QUR@012 كلا بل ~~تكذبون بالدين. وإن عليكم لحافظين. كراما كاتبين. يعلمون ما تفعلون ). # و «كلا» حرف ردع وزجر ، وهي هنا للردع والزجر عن الاغترار بكرم الله تعالى ~~وعن جعله ذريعة إلى الكفر والفسوق والعصيان. # وقوله ( @QUR@03 بل تكذبون بالدين ) إبطال لوجود ما يدعو إلى غرورهم لو ~~كانوا يعقلون. # أى : كلا ms5957 ليس هناك شيء يقتضى غروركم بالله تعالى ويجرؤكم على عصيانه لو ~~كنتم تتفكرون وتتدبرون ... ولكن تكذيبكم بالبعث والحساب والجزاء هو الذي ~~حملكم على الكفر والفسوق والعصيان. # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله ( @QUR@01 كلا ) ردع عن الاغترار بكرم الله ~~تعالى وقوله : ( @QUR@03 بل تكذبون بالدين ) إضراب عن جملة مقدرة ، ينساق ~~إليها الكلام ، كأنه قيل بعد الردع بطريق الاعتراض ، وأنتم لا ترتدعون عن ~~ذلك ، بل تجترئون على أعظم منه ، حيث تكذبون بالجزاء والبعث رأسا ، أو بدين ~~الإسلام ، اللذين هما من جملة أحكامه ، فلا تصدقون سؤالا ولا جوابا ، ولا ~~ثوابا ولا عقابا ، وفيه ترق من الأهون إلى الأعظم. # وعن الراغب : «بل» هنا لتصحيح الثاني وإبطال الأول. كأنه قيل : ليس هنا ~~مقتض لغرورهم ، ولكن تكذيبهم بالبعث حملهم على ما ارتكبوه. # وقيل تقدير الكلام : كلا إنكم لا تستقيمون على ما توجبه نعمى إليكم ، ~~وإرشادى لكم ، بل تكذبون بالدين ... (2). # وقوله : ( @QUR@03 وإن عليكم لحافظين ) عطف على جملة ( @QUR@02 تكذبون ~~بالدين ) لتأكيد ثبوت الجزاء على الأعمال ، وتسجيل هذه الأعمال تسجيلا تاما. # وقوله ( @QUR@01 لحافظين ) صفة لموصوف محذوف. أى : وإن عليكم لملائكة ~~يحفظون أعمالكم عليكم ، ويسجلونها دون أن يضيعوا منها شيئا. # وقوله : ( @QUR@05 كراما كاتبين. يعلمون ما تفعلون ) صفات أخرى لهؤلاء ~~الملائكة. PageV15P312 # أى : وإن عليكم ملائكة من صفاتهم أنهم يحفظون أعمالكم ، ويسجلونها عليكم ~~، وأنهم لهم عند الله تعالى الكرامة والمنزلة الحسنة ، وأنهم يكتبون ~~أعمالكم كلها ، وأنهم يعلمون أفعالكم التي تفعلونها سواء أكانت قليلة أم ~~كثيرة ، صغيرة أم كبيرة. # فالمقصود بهذه الآيات الكريمة : بيان أن البعث حق ، وأن الحساب حق ، وأن ~~الجزاء حق ، وأن أعمال الإنسان مسجلة عليه تسجيلا تاما ، بواسطة ملائكة لا ~~يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. # أما كيفية هذه الكتابة من الملائكة لأعمال الإنسان ، وعلى أى شيء تكون ~~هذه الكتابة ، ومتى تكون هذه الكتابة ... فمن الأمور التي يجب الإيمان بها ~~كما وردت ، مع تفويض كنهها وكيفيتها ودقتها إلى الله تعالى لأنه لم يرد ~~حديث صحيح عن المعصوم صلى الله عليه وسلم يعتمد عليه في بيان ذلك. # ثم بين سبحانه النتائج المترتبة ms5958 على كتابة الملائكة لأفعال الإنسان فقال ~~: ( @QUR@015 إن الأبرار لفي نعيم. وإن الفجار لفي جحيم. يصلونها يوم ~~الدين. وما هم عنها بغائبين ). # والأبرار : جمع بر بفتح الباء ، وهو الإنسان التقى الموفى بعهد الله ~~تعالى . # والفجار : جمع فاجر ، وهو الإنسان الكثير الفجور ، أى : الخروج عن طاعة ~~الله تعالى . أى : إن المؤمنين الصادقين الذين وفوا بما عاهدوا الله عليه ، ~~لفي نعيم دائم ، وهناء مقيم ، وإن الفجار الذين نقضوا عهودهم مع الله ، ~~وفسقوا عن أمره ، لفي نار متأججة بعضها فوق بعض ، هؤلاء الفجار الذين شقوا ~~عصا الطاعة ( @QUR@01 يصلونها ) أى : يدخلون الجحيم ويقاسون حرها ( @QUR@02 ~~يوم الدين ) أى : يوم الجزاء والحساب. # ( @QUR@04 وما هم عنها بغائبين ) أى : وما هم عن النار بمبعدين ، بل هم ~~ملازمون لها ملازمة تامة. # ثم فخم سبحانه وعظم من شأن يوم الجزاء فقال : ( @QUR@011 وما أدراك ما ~~يوم الدين. ثم ما أدراك ما يوم الدين ). # و «ما» اسم استفهام مبتدأ. وجملة «أدراك» خبره ، والكاف مفعول أول. # وجملة ( @QUR@03 ما يوم الدين ) المكونة من مبتدأ وخبر سدت مسد المفعول ~~الثاني لأدراك. والتكرار للتهويل والتعظيم ليوم الدين ، كما في قوله تعالى ~~( @QUR@07 الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة ). # أى : وأى شيء أدراك عظم وشدة يوم الحساب والجزاء ، ثم أى شيء أدراك بذلك؟ PageV15P313 # إننا نحن وحدنا الذين ندرك شدة هوله ... وقد أخبرناك بجانب مما يحدث فيه ~~من شدائد ، لتنذر الناس ، حتى يستعدوا له بالإيمان والعمل الصالح. # ثم فصل سبحانه جانبا من أهواله فقال : ( @QUR@09 يوم لا تملك نفس لنفس ~~شيئا ، والأمر يومئذ لله ). أى : يوم الدين والجزاء هو اليوم الذي لا تملك ~~فيه نفس لغيرها شيئا من النفع. وإنما الذي ينفع فيه هو الإيمان والعمل ~~الصالح ، والأمر فيه لله تعالى وحده ، ولا سلطان ولا تصرف لأحد سواه. # وقوله : ( @QUR@03 يوم لا تملك ... ) بيان ليوم الدين. وقد قرأ بعض ~~القراء السبعة ( @QUR@01 يوم ) بالنصب على أنه منصوب بفعل محذوف. أى : اذكر ~~يوم لا تملك نفس لنفس شيئا. # وقرأ البعض الآخر بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. أى : هو يوم لا تملك ~~نفس ms5959 لنفس شيئا ... أو على أنه بدل من «يوم الدين». # وهكذا اختتمت السورة الكريمة كما بدئت بالتهويل من شأن يوم القيامة ، ~~ليزداد العقلاء استعدادا له ، عن طريق الإيمان والعمل الصالح الذي يرضى ~~الله تعالى . # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV15P314 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة المطففين ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «المطففين» أو سورة «ويل للمطففين» أو سورة «التطفيف» من السور ~~التي اختلف المفسرون في كونها مكية أو مدنية أو بعضها مكي وبعضها مدني. # فصاحب الكشاف يقول : مكية ... وهي آخر سورة نزلت بمكة. # والإمام ابن كثير يقول : هي مدنية ، دون أن يذكر في ذلك خلافا. # والإمام القرطبي يقول : سورة «المطففين» : مكية في قول ابن مسعود والضحاك ~~ومدنية في قول الحسن وعكرمة ، وهي ست وثلاثون آية. # قال مقاتل : وهي أول سورة نزلت بالمدينة. وقال ابن عباس وقتادة : هي ~~مدنية إلا ثماني آيات ، من قوله تعالى : ( @QUR@03 إن الذين أجرموا ) إلى ~~آخرها. فإنها مكية. وقال الكلبي وجابر بن زيد : نزلت بين مكة والمدينة. # والإمام الآلوسى يجمع كل هذه الأقوال في تفسيره بشيء من التفصيل دون أن ~~يرجح بينها. # 2 ويبدو لنا أن سورة المطففين من السور المكية ، إلا أننا نرجح أنها من ~~آخر ما نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم من قرآن مكي ، وقد ذكرها الإمام ~~السيوطي في كتابه الإتقان ، على أنها آخر سورة مكية ، نزلت على الرسول ~~صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة (1). # ومما يجعلنا نرجح أن سورة المطففين من السور المكية : حديثها الواضح عن ~~الفجار والأبرار. PageV15P315 # وعن يوم القيامة وسوء عاقبة المكذبين به ، وعن أقوال المشركين في شأن ~~القرآن الكريم. # وعن الموازنة بين مصير المؤمنين والكافرين ، وعن موقف كفار قريش من فقراء ~~المؤمنين. # وهذه الموضوعات نراها من السمات الواضحة للقرآن المكي ، وإذا كان القرآن ~~المدني قد تحدث عنها ، فبصورة أقل تفصيلا من القرآن المكي. # 3 والسورة الكريمة في مطلعها تهدد الذين ينقصون المكيال والميزان ويبخسون ~~الناس أشياءهم. وتذكرهم بيوم البعث والحساب والجزاء ، لعلهم يتوبون إلى ~~خالقهم ويستغفرونه مما ms5960 فرط منهم. # ثم تسوق موازنة مفصلة بين سوء عاقبة الفجار ، وحسن عاقبة الأبرار. # ثم تختتم بذكر ما كان يفعله المشركون مع فقراء المؤمنين ، من استهزاء ~~وإيذاء ، وبشرت هؤلاء المؤمنين : بأنهم يوم الجزاء والحساب ، سيضحكون من ~~الكفار ، كما ضحك الكفار منهم في الدنيا. قال تعالى : ( @QUR@015 فاليوم ~~الذين آمنوا من الكفار يضحكون. على الأرائك ينظرون. هل ثوب الكفار ما كانوا ~~يفعلون ). PageV15P316 ### ||| * التفسير # وقد افتتح سبحانه هذه السورة الكريمة بقوله : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@02 ويل للمطففين (1) @QUR@06 الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون ~~(2) @QUR@05 وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون (3) @QUR@05 ألا يظن أولئك أنهم ~~مبعوثون (4) @QUR@02 ليوم عظيم (5) @QUR@05 يوم يقوم الناس لرب العالمين ~~(6) @QUR@06 كلا إن كتاب الفجار لفي سجين (7) @QUR@04 وما أدراك ما سجين ~~(8) @QUR@02 كتاب مرقوم (9) @QUR@03 ويل يومئذ للمكذبين (10) @QUR@04 الذين ~~يكذبون بيوم الدين (11) @QUR@07 وما يكذب به إلا كل معتد أثيم (12) @QUR@07 ~~إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين (13) @QUR@08 كلا بل ران على ~~قلوبهم ما كانوا يكسبون (14) @QUR@06 كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون (15) ~~@QUR@04 ثم إنهم لصالوا الجحيم (16) @QUR@07 ثم يقال هذا الذي كنتم به ~~تكذبون ) (17) # الويل : لفظ دال على الهلاك أو الشر ، وهو اسم لا فعل له من لفظه ... ~~وقيل : هو اسم واد في جهنم. # والمطففين جمع مطفف ، من الطفيف ، وهو الشيء التافه الحقير ، لأن ما ~~يغتاله المطفف من غيره شيء قليل. والتطفيف : الإنقاص في المكيال أو الميزان ~~عن الحدود المطلوبة. # قال الإمام ابن جرير : وأصل التطفيف ، من الشيء الطفيف ، وهو القليل النزر. # والمطفف : المقلل صاحب الحق عما له من الوفاء والتمام في كيل أو وزن. ~~ومنه قيل للقوم الذين PageV15P317 # يكونون سواء في حسبة أو عدد : هم سواء كطف الصاع. يعنى بذلك كقرب الممتلئ ~~منه ناقص عن الملء .... (1). # وقوله : ( @QUR@01 اكتالوا ) من الاكتيال وهو افتعال من الكيل. والمراد ~~به : أخذ مالهم من مكيل من غيرهم بحكم الشراء. # ومعنى : ( @QUR@03 كالوهم أو وزنوهم ): كالوهم أو وزنوا لهم ، فحذفت ~~اللام ، فتعدى الفعل إلى المفعول ، فهو من باب الحذف والإيصال. # فالواوان في «كالوهم أو وزنوهم» يعودان إلى الاسم الموصول في قوله : ( ~~@QUR@03 الذين إذا اكتالوا ). والضميران المنفصلان ms5961 «هم» ، يعودان إلى الناس. # قال صاحب الكشاف : والضمير في «كالوهم أو وزنوهم» ضمير منصوب راجع إلى ~~الناس. وفيه وجهان : أن يراد : كالوا لهم ، أو وزنوا لهم فحذف الجار ، ~~وأوصل الفعل ، كما في قول الشاعر : # ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا %~% ولقد نهيتك عن بنات الأوبر # بمعنى جنيت لك. وأن يكون على حذف مضاف ، وإقامة المضاف إليه مقامه ، ~~والمضاف هو المكيل أو الموزون ... (2). # والمعنى : هلاك شديد ، وعذاب أليم ، للمطففين ، وهم الذين يبخسون حقوق ~~الناس في حالتي الكيل والوزن وما يشبههما ، ومن مظاهر ذلك أنهم إذا اشتروا ~~من الناس شيئا حرصوا على أن يأخذوا حقوقهم منهم كاملة غير منقوصة ، وإذا ~~باعوا لهم شيئا ، عن طريق الكيل أو الوزن أو ما يشبههما ( @QUR@01 يخسرون ) ~~أى : ينقصون في الكيل أو الوزن. # يقال : خسر فلان الميزان وأخسره ، إذا نقصه ، ولم يتمه كما يقتضيه العدل ~~والقسط. # وافتتحت السورة الكريمة بلفظ «الويل» للإشعار بالتهديد الشديد ، والوعيد ~~الأليم لمن يفعل ذلك. وقوله ( @QUR@01 ويل ) مبتدأ ، وهو نكرة ، وسوغ ~~الابتداء به كونه دعاء. وخبره «للمطففين». # وقال سبحانه ( @QUR@04 إذا اكتالوا على الناس ) ولم يقل : من الناس. ~~للإشارة إلى ما في عملهم المنكر من الاستيلاء والقهر والظلم. PageV15P318 # وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : لما كان اكتيالهم من الناس ~~اكتيالا يضرهم ، ويتحامل فيه عليهم ، أبدل «على» مكان «من» للدلالة على ذلك. # ويجوز أن يتعلق «على» بيستوفون ، ويقدم المفعول على الفعل لإفادة ~~الخصوصية. أى : يستوفون على الناس خاصة ، فأما أنفسهم فيستوفون لها. # وقال الفراء : «من» و «على» يعتقبان في هذا الموضوع ، لأنه حق عليه ، فإذا ~~قال : اكتلت عليك ، فكأنه قال : أخذت ما عليك. وإذا قال : اكتلت منك ، ~~فكقوله : استوفيت منك ... (1). # والتعبير بقوله : ( @QUR@01 يستوفون ) و ( @QUR@01 يخسرون ) يدل على ~~حرصهم الشديد فيما يتعلق بحقوقهم. وإهمالهم الشنيع لحقوق غيرهم ، إذ ~~استيفاء الشيء ، أخذه وافيا تاما ، فالسين والتاء فيه للمبالغة. # وأما ( @QUR@01 يخسرون ) فمعناه إيقاع الخسارة على الغير في حالتي الكيل ~~والوزن وما يشبههما. # ثم أتبع سبحانه هذا التهديد للمطففين. بما يجعل الناس يتعجبون من أحوالهم ~~، فقال تعالى : # ( @QUR@012 ألا يظن أولئك ms5962 أنهم مبعوثون ليوم عظيم. يوم يقوم الناس لرب ~~العالمين ). # والهمزة للاستفهام التعجيبى من أحوالهم ، والجملة مستأنفة مسوقة لتفظيع ~~ما فعلوه من بخس الناس أشياءهم. وأدخلت همزة الاستفهام على «لا» النافية ~~لزيادة التوبيخ والإنكار ، حتى لكأن سوء عاقبة التطفيف لا تخطر لهم على بال. # والظن هنا مستعمل في معناه الحقيقي ، وهو اعتقاد الشيء اعتقادا راجحا. # وقال سبحانه : ( @QUR@03 ألا يظن أولئك ... ) ولم يقل : ألا يظنون ، لقصد ~~تمييزهم والتشهير بهم ، زيادة في ذمهم ، وفي تقبيح أفعالهم. # أى : أبلغت الجرأة بهؤلاء المطففين ، أنهم صاروا من بلادة الحس ، ومن ~~فقدان الشعور ، لا يخشون الحساب يوم القيامة ، ولا يخافون العذاب الشديد ~~الذي سينزل بهم ، يوم يقوم الناس من قبورهم استجابة لأمر رب العالمين ، حيث ~~يتلقون جزاءه العادل ، وحكمه النافذ. # ووصف سبحانه اليوم بالعظم. باعتبار عظم ما يقع فيه من أهوال. # وقوله : ( @QUR@05 يوم يقوم الناس لرب العالمين ) بدل مما قبله. واللام ~~في قوله ( @QUR@01 لرب ) PageV15P319 # للتعليل. أى : يقومون لأجل ربوبيته تعالى وتلقى حكمه الذي لا يستطيعون ~~الفرار منه. وفي هذا الوصف ما فيه من استحضار جلاله وعظمته سبحانه . # قال القرطبي : وفي هذا الإنكار والتعجيب ، وكلمة الظن. ووصف اليوم ~~بالعظيم ، وقيام الناس فيه لله خاضعين ، ووصف ذاته برب العالمين ، بيان ~~بليغ لعظم الذنب ، وتفاقم الإثم في التطفيف ، وفيما كان مثل حاله من الحيف ~~وترك القيام بالقسط والعمل على التسوية والعدل ، في كل أخذ وإعطاء ، بل في ~~كل قول وعمل .. (1). # هذا ، وقد جاء الأمر بإيفاء الكيل والميزان ، والنهى عن تطفيفهما ، في ~~آيات كثيرة ، منها قوله تعالى : ( @QUR@027 وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا ~~قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ، ولا تنقصوا المكيال والميزان إني ~~أراكم بخير ، وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ) (2). # ومنها قوله سبحانه : ( @QUR@011 وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس ~~المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا ) (3). # وقوله تعالى : ( @QUR@09 وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا ~~وسعها ) (4). # قال بعض العلماء ما ملخصه : والتصدي لشأن المطففين بهذا الأسلوب في سورة ~~مكية ، أمر يلفت النظر ، فالسورة المكية عادة توجه اهتمامها إلى ms5963 أصول ~~العقائد. # ومن ثم فالتصدى لهذا الأمر بذاته ، يدل أولا على أن الإسلام ، كان يواجه ~~في البيئة المكية ، حالة صارخة من هذا التطفيف يزاولها الكبراء .. الذين ~~يملكون إكراه الناس على ما يريدون فهم «يكتالون على الناس» لا من الناس .. ~~فكأن لهم سلطانا على الناس. # ويدل ثانيا على طبيعة هذا الدين ، وشمول منهجه للحياة الواقعية ، وشئونها ~~العملية ، وإقامتها على الأساس الأخلاقى الأصيل في طبيعة هذا المنهج الإلهى ~~القويم .. (5). # ثم زجر سبحانه هؤلاء الفاسقين عن أمره زجرا شديدا ، وتوعدهم بالعذاب ~~الشديد ، فقال تعالى : ( @QUR@06 كلا إن كتاب الفجار لفي سجين ). # وقوله : ( @QUR@01 كلا ) حرف ردع وزجر ، وما بعده كلام مستأنف ، وقد تكرر ~~في الآيات التي PageV15P320 # معنا ثلاث مرات ، والمراد به هنا : ردعهم وزجرهم عما كانوا فيه من الشرك ~~، والتطفيف في الكيل والميزان. # والفجار : جمع فاجر ، وهو مأخوذ من الفجور ، وهو شق الشيء شقا واسعا ، ~~وسمى الفجار بذلك مبالغة في هتكهم لحرمات الله ، وشقهم لستر الشريعة ، بدون ~~خوف أو وجل. يقال : فجر فلان فجورا فهو فاجر ، وهم فجار وفجرة ، إذا ~~تجاوزوا كل حد أمر الله تعالى بالوقوف عنده. والمراد بالكتاب المكتوب. أى : ~~صحيفة الأعمال. # والسجين : اختلفوا في معناه على أقوال منها : أنه علم أو وصف لواد في ~~جهنم ، صيغ بزنة فعيل بكسر الفاء مع تشديد العين المكسورة ، مأخوذ من السجن ~~بمعنى الحبس. يقال : سجن الحاكم فلانا يسجنه بضم الجيم سجنا ، إذا حبسه. # قال ابن كثير : قوله : ( @QUR@06 كلا إن كتاب الفجار لفي سجين ) أى : إن ~~مصيرهم ومأواهم لفي سجين ، فعيل من السجن ، وهو الضيق ، كما يقال : فلان ~~فسيق وشريب وخمير وسكير ونحو ذلك ، ولهذا عظم أمره فقال : ( @QUR@04 وما ~~أدراك ما سجين )؟ أى : هو أمر عظيم ، وسجن مقيم ، وعذاب أليم. # ثم قد قال قائلون : هو تحت الأرض السابعة .. وقيل : بئر في جهنم. # والصحيح أن «سجينا» مأخوذ من السجن ، وهو الضيق ، فإن المخلوقات كل ما ~~تسافل منها ضاق ، وكل ما تعالى منها اتسع .. ولما كان مصير الفجار إلى جهنم ~~، وهي أسفل سافلين. # قال سبحانه : ( @QUR@06 كلا إن كتاب الفجار ms5964 لفي سجين ) وهو يجمع الضيق ~~والسفول .. (1). # أى : كلا ، ليس الأمر كما يزعم هؤلاء المشركون من أنه لا بعث ولا جزاء ، ~~بل الحق أن البعث أمر واقع ، ماله من دافع ، وأن ما عمله هؤلاء الفجار من ~~كفر ومن تطفيف في الكيل والميزان ، لمكتوب في صحائف أعمالهم ، ومسجل عليهم ~~في ديوان الشر الذي يوصلهم إلى قاع جهنم. # وقوله : ( @QUR@04 وما أدراك ما سجين ) تهويل وتفظيع لهذا الشيء الضيق ~~الذي يؤدى إلى القذف بهم في أعماق جهنم. # وقوله : ( @QUR@02 كتاب مرقوم ) خبر لمبتدأ محذوف يعود إلى «كتاب الفجار» ~~والمرقوم : المكتوب كتابة واضحة بينة تشبه الخط. الظاهر في الثوب المنسوج. ~~يقال : رقم فلان PageV15P321 # الكتاب ، إذا جعل له رقما ، أى : علامة يعرف بها. # أى : وهو أى : كتاب الفجار كتاب بين الكتابة ، يفهم صاحبه ما فيه فهما ~~واضحا لا خفاء معه ولا التباس. فقوله : ( @QUR@02 كتاب مرقوم ) بيان وتفسير ~~لكتاب الفجار ، وهو ديوان الشر الجامع لأعمالهم السيئة. # ومنهم من جعل قوله تعالى : ( @QUR@02 كتاب مرقوم ) ليس تفسيرا لكتاب ~~الفجار ، وإنما هو تفسير لقوله ( @QUR@01 سجين ). # قال الشوكانى ما ملخصه : وسجين هو ما فسره به سبحانه من قوله ( @QUR@06 ~~وما أدراك ما سجين. كتاب مرقوم ) فأخبر بهذا أنه كتاب مرقوم ، أى : مسطور. # ومنهم من جعله بيانا وتفسيرا لكتاب المذكور في قوله ( @QUR@03 إن كتاب ~~الفجار ) على تقدير : هو كتاب مرقوم ، أى : قد بينت حروفه. # والأولى ما ذكرناه أولا ، ويكون المعنى : إن كتاب الفجار الذين من جملتهم ~~المطففون .. لفي ذلك الكتاب المدون للقبائح ، المختص بالشر ، وهو سجين ، ثم ~~ذكر ما يدل على تهويله ، فقال : ( @QUR@04 وما أدراك ما سجين ) ثم بينه ~~بقوله : ( @QUR@02 كتاب مرقوم ) (1). # وعلى أية حال ، فالمقصود بيان المصير السيئ الذي ينتظر هؤلاء الفجار ، ~~حيث سجلت عليهم أعمالهم في ديوان الشر الذي يجمع أعمالهم القبيحة ، والتي ~~ستؤدى بهم إلى السجن الدائم ، وإلى العذاب المقيم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 ويل يومئذ للمكذبين ) وعيد وتهديد لأولئك ~~المنكرين للبعث ، والذين من صفاتهم تطفيف الكيل والميزان. أى : هلاك عظيم ، ~~وعذاب أليم ، وسجن دائم في قاع جهنم ، لأولئك المكذبين ، للبعث والحساب ~~والجزاء. ms5965 # ثم فصل سبحانه هذا التكذيب فقال : ( @QUR@04 الذين يكذبون بيوم الدين ) ~~أى : يكذبون بيوم القيامة وما فيه من ثواب وعقاب. # ( @QUR@03 وما يكذب به ) أى : بيوم الدين ( @QUR@04 إلا كل معتد أثيم ) ~~أى : وما يكذب بهذا اليوم إلا كل إنسان متجاوز الحدود المشروعة ، ومبالغ في ~~ارتكاب الآثام والقبائح. # هذا المكذب بيوم القيامة من صفاته أيضا أنه ( @QUR@07 إذا تتلى عليه ~~آياتنا قال أساطير الأولين ). PageV15P322 # أى : إذا تقرأ على هذا المكذب آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا وصدق ~~رسولنا .. قال هذه الآيات هي من أساطير الأقوام الأولين وترهاتهم وقصصهم ~~المخترعة التي لا أصل لها. # فأنت ترى أن هؤلاء المكذبين ، قد وصفهم الله تعالى بثلاث صفات هي : ~~الاعتداء على الحق. والمبالغة في ارتكاب الآثام ، والجرأة في الافتراء ~~والكذب ، حيث وصفوا القرآن بأنه ليس من عند الله تعالى . # ثم بين سبحانه الأسباب التي حملتهم على أن يقولوا في القرآن ما قالوا ، ~~فقال : ( @QUR@08 كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ). # وقوله : ( @QUR@01 ران ) من الرين بتشديد الراء مع الفتح وهو الصدأ الذي ~~يعلو الحديد والمرآة وما يشبههما ، يقال : ران ذنب فلان على قلبه من باب ~~باع رينا وريونا ، إذا غلب عليه وغطاه ، وكل ما غلبك فقد ران بك ، ومنه ~~قولهم : ران النعاس على فلان ، إذا استولى عليه. أى : كلا ، ليس الأمر كما ~~زعموا من أن القرآن أساطير الأولين ، بل الحق أن الذي حملهم على قولهم هذا ~~، هو الكفر والعناد والجحود .. الذي استولى على قلوبهم في الدنيا فغطاها ~~وطمسها ، فصارت لا تميز بين الكلام الحق والكلام الباطل ، ولا بين كلام ~~الله تعالى وكلام غيره. # وفي الحديث الشريف الذي أخرجه الترمذي عن أبى هريرة ، أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : إن العبد إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه ، ~~فإن تاب منها صقل قلبه ، أى : عاد إليه صفاؤه ، وإن زاد في الذنوب زادت حتى ~~تعلو قلبه وذلك هو الران الذي قال الله في شأنه : ( @QUR@08 كلا بل ران على ~~قلوبهم ما كانوا يكسبون ) (1). # وقوله : ( @QUR@02 بل ران ) قرأه الجمهور بإدغام ms5966 اللام في الراء بعد ~~قلبها راء لتقارب مخرجيهما. وقرأه عاصم بالوقف الخفيف على لام بل والابتداء ~~بكلمة ران بدون إدغام. # وقوله : ( @QUR@06 كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) بيان لسوء مصيرهم ~~يوم القيامة. # وكلا هنا تأكيد لسابقتها لزيادة الردع والزجر ، ويصح أن تكون كلا هنا ~~بمعنى حقا. # أى : حقا إن هؤلاء الفجار سيكونون يوم القيامة في حالة احتجاب وامتناع عن ~~رؤية الله تعالى وعن رضاه. # قال الآلوسى : «كلا» ردع وزجر عن الكسب الرائن ، أو بمعنى حقا «إنهم». أى ~~: هؤلاء المكذبين ( @QUR@04 عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) لا يرونه سبحانه وهو عز وجل PageV15P323 # حاضر ناظر لهم ، بخلاف المؤمنين ، فالحجاب : مجاز عن عدم الرؤية ، لأن ~~المحجوب لا يرى ما حجب ، أو الحجب المنع ، والكلام على حذف مضاف. أى : عن ~~رؤية ربهم لممنوعون فلا يرونه سبحانه . # واحتج مالك رحمه الله بهذه الآية ، على رؤية المؤمنين له تعالى ، من جهة ~~دليل الخطاب ، وإلا فلو حجب الكل لما أغنى هذا التخصيص. # وقال الشافعى رحمه الله : لما حجب سبحانه قوما بالسخط دل على أن قوما ~~يرونه بالرضا .. (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@011 ثم إنهم لصالوا الجحيم ، ثم يقال هذا الذي ~~كنتم به تكذبون ) بيان للون آخر من سوء مصيرهم. # أى : أن هؤلاء المكذبين سيكونون يوم القيامة محجوبين عن رؤية الله تعالى ~~لسخطه عليهم ، وممنوعين من رحمته ، ثم إنهم بعد ذلك لداخلون في أشد طبقات ~~النار حرا .. ثم يقال لهم بواسطة خزنة جهنم على سبيل التقريع والتأنيب ، ~~هذا هو العذاب الذي كنتم به تكذبون في الدنيا ، وتقولون لمن يحذركم منه : ( ~~@QUR@06 متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ). # فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد اشتملت على أشد ألوان الإهانة ؛ لأنها ~~أخبرت أن هؤلاء المكذبين : محجوبون عن ربهم ، وأنهم مقاسون حر جهنم ، وأنهم ~~لا يقابلون من خزنتها إلا بالتيئيس من الخروج منها ، وبالتأنيب والتقريع. # وكعادة القرآن الكريم في قرن الترهيب بالترغيب ، والعكس ، ساقت السورة ~~الكريمة بعد ذلك ، ما أعده سبحانه للأبرار من خير وفير ، ومن نعيم مقيم ، ~~فقال تعالى : # ( @QUR@06 كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين ms5967 (18) @QUR@04 وما أدراك ما ~~عليون (19) @QUR@02 كتاب مرقوم (20) @QUR@02 يشهده المقربون (21) @QUR@04 ~~إن الأبرار لفي نعيم (22) @QUR@03 على الأرائك ينظرون (23) @QUR@05 تعرف في ~~وجوههم نضرة النعيم (24) @QUR@04 يسقون من رحيق مختوم (25) @QUR@06 ختامه ~~مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون (26) @QUR@01 ومزاجه PageV15P324 # @QUR@02 من تسنيم (27) @QUR@04 عينا يشرب بها المقربون ) (28) # وقوله : ( @QUR@01 كلا ) هنا ، تكرير للردع والزجر السابق في قوله تعالى ~~قبل ذلك : ( @QUR@05 إن كتاب الفجار لفي سجين )، لبيان ما يقابل ذلك من أن ~~كتاب الأبرار في عليين. # ولفظ «عليين» جمع علي بكسر العين وتشديد اللام المكسورة من العلو. ويرى ~~بعضهم أن هذا اللفظ مفرد ، وأنه اسم للديوان الذي تكتب فيه أعمال الأبرار. # قال صاحب الكشاف : وكتاب الأبرار : ما كتب من أعمالهم. وعليون : علم ~~لديوان الخير ، الذي دون فيه كل ما عملته الملائكة وصلحاء الثقلين. منقول ~~من جمع «علي» بزنة فعيل بكسر الفاء والعين المشددة من العلو ، كسجين من ~~السجن. سمى بذلك إما لأنه سبب الارتفاع إلى أعالى الدرجات في الجنة ، وإما ~~لأنه مرفوع في السماء السابعة .. تكريما له وتعظيما .. (1). # أى : حقا إن ما كتبته الملائكة من أعمال صالحة للأتقياء الأبرار ، لمثبت ~~في ديوان الخير ، الكائن في أعلى مكان وأشرفه. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 وما أدراك ما عليون ) تفخيم لشأن هذا الديوان ، ~~وتنويه عظيم بشرفه. # وقوله : ( @QUR@02 كتاب مرقوم ) تفسير لما كتب لهؤلاء الأبرار من خير ~~وبركة ، أى : كتاب الأبرار كتاب واضح بين ، يقرؤه أصحابه بسهولة ويسر ، ~~فتنشرح صدورهم ، وتقر عيونهم. # وقوله تعالى ( @QUR@02 يشهده المقربون ) صفة أخرى جيء بها على سبيل المدح ~~لهذا المكتوب من الأعمال الصالحة لهؤلاء الأخيار. # أى : كتاب الأبرار ، وصحائف أعمالهم ، في أسمى مكان وأعلاه ، وهو كتاب ~~واضح بين ، يقرءونه فيظهر البشر والسرور على وجوههم ، وهو فوق ذلك ( ~~@QUR@02 يشهده المقربون ) أى : يطلع عليه الملائكة المقربون من الله تعالى ~~، ليكون هذا الاطلاع شهادة لهؤلاء الأبرار ، بأنهم محل رضا الله تعالى ~~وتكريمه وثوابه. # ثم بين سبحانه حالهم في الجنة ، بعد بيان ما اشتمل عليه كتابهم من خير ~~وبر فقال تعالى : ( @QUR@04 إن الأبرار لفي نعيم ) أى : لفي نعيم دائم ، لا ~~يحول ولا يزول. # ( @QUR@03 على الأرائك ينظرون ) والأرائك ms5968 : جمع أريكة بزنة سفينة وهي اسم للسرير PageV15P325 # الذي يكون مفروشا فرشا أنيقا جميلا. # أى : هم في نعيم دائم لا يقادر قدره ، وهم أيضا يجلسون على السرر المهيأة ~~لجلوسهم تهيئة حسنة ، ينظرون إلى كل ما يدخل البهجة والسرور على نفوسهم. # وحذف مفعول «ينظرون» لقصد التعميم ، أى : ينظرون إلى كل ما يبهج نفوسهم. # ( @QUR@05 تعرف في وجوههم نضرة النعيم ) أى : تعرف في وجوههم أيها الناظر ~~إليهم البهجة والحسن ، وصلاح البال ، وهناءة العيش. # وإضافة النضرة وهي الجمال الواضح إلى النعيم الذي هو بمعنى التنعم ~~والترفه من إضافة المسبب إلى السبب. وهذه الجملة الكريمة صفة ثالثة من صفات ~~هؤلاء الأبرار ، ثم تأتى الصفة الرابعة المتمثلة في قوله تعالى : ( @QUR@04 ~~يسقون من رحيق مختوم ). # والرحيق : اسم للخمر الطيبة الصافية الخالية من كل ما يكدر أو يذهب العقل. # والمختوم : أى المسدود الذي لم تمسه يد قبل أيدى هؤلاء الأبرار. # وقوله : ( @QUR@02 ختامه مسك ) صفة ثانية للرحيق. أى : أن هؤلاء الأبرار ~~من صفاتهم أيضا أنهم يسقيهم ربهم بفضله وكرمه من خمر طيبة بيضاء لذيذة ، ~~خالصة من كل كدر .. هذه الخمر مختوم على إنائها بخاتم ، بحيث لم تمسها يد ~~قبل أيديهم. وهذه الخمر أيضا من صفاتها أن شاربها يجد في نهاية شربها ما ~~يشبه المسك في جودة الرائحة. # وقال الشوكانى : وقوله : ( @QUR@02 ختامه مسك ) أى : آخر طعمه ريح المسك ~~إذا رفع الشارب فاه من آخر شرابه ، وجد ريحه كريح المسك. وقيل : مختوم ~~أوانيه بمسك مكان الطين ، وكأنه تمثيل لكمال نفاسته ، وطيب رائحته. # والحاصل أن المختوم والختام إما أن يكون من ختام الشيء وهو آخره أو من ~~ختم الشيء وهو جعل الخاتم عليه ، كما تختم الأشياء بالطين ونحوه. # وقراءة الجمهور ( @QUR@01 ختامه ) وقرأ الكسائي خاتمه والخاتم والختام ~~يتقاربان في المعنى إلا أنا الخاتم الاسم ، والختام المصدر .. (1). # واسم الإشارة في قوله تعالى : ( @QUR@04 وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ) ~~يعود للرحيق المختوم ، الدال على صلاح بالهم ، وحسن أحوالهم. # وأصل التنافس : التغالب في الشيء النفيس ، وهو الذي تحرص عليه النفوس ، بحيث PageV15P326 # يبتغيه ويطلبه كل إنسان لنفسه خاصة. يقال : نفس ms5969 فلان على فلان بهذا الشيء ~~كفرح إذا بخل به عليه. أى : ومن أجل الحصول على ذلك الرحيق المختوم ، ~~والنعيم المقيم .. فليرغب الراغبون ، وليتسابق المتسابقون ، وليتنافس ~~المتنافسون في وجوه الخير. عن طريق المسارعة في تقديم الأعمال التي ترضى ~~الله تعالى . # فالمقصود من الآية الكريمة : تحريض الناس وحضهم على تقديم العمل الصالح ، ~~الذي يوصلهم يوم القيامة إلى أعلى الدرجات. # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 ومزاجه من تسنيم. عينا يشرب بها المقربون ) صفة ~~ثالثة من صفات هذا الرحيق. # والمزاج : ما يمزج به الشيء ، ويطلق على الممزوج بالشيء كما هنا فهو من ~~إطلاق المصدر على المفعول. # والتسنيم : علم لعين في الجنة مسماة بهذا الاسم ، وهذا اللفظ مصدر سنمه ~~إذا رفعه. يقال : سنم فلان الطعام. إذا جعله كهيئة السنام في ارتفاعه. # قالوا : وسميت هذه العين بهذا الاسم ، لأنها تنبع من مكان مرتفع ، أو ~~لعلو مكانتها. # وقوله : ( @QUR@01 عينا ) منصوب على المدح. # أى : ومزاج هذا الرحيق وخليطه كائن من ماء لعين في الجنة ، مرتفعة المكان ~~والمكانة ، هذه العين يشرب منها المقربون إلى الله تعالى شرابهم. # قال الآلوسى : والباء في قوله ( @QUR@01 بها ) إما زائدة. أى يشربها. أو ~~بمعنى من. أى : يشرب منها ، أو على تضمين يشرب معنى يروى. أى : يشرب راوين ~~بها. أى يروى بها المقربون .. (1). # وإلى هنا نجد أن هذه الآيات الكريمة قد بشرت الأبرار ببشارات متعددة ، ~~بشرتهم بأن صحائف أعمالهم في أعلى عليين ، وبأنهم في تعميم مقيم ، وبأنهم ~~ينظرون إلى كل ما يشرح صدورهم ، وبأن الناظر إليهم يرى آثار النعمة ~~والرفاهية على وجوههم ، وبأن شرابهم من خمر طيبة لذيذة الطعم والرائحة. # ثم حكى سبحانه جانبا من الرذائل التي كان يفعلها المشركون مع المؤمنين ، ~~وبشر المؤمنين بأن العاقبة الطيبة ستكون لهم .. فقال تعالى : PageV15P327 # ( @QUR@08 إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون (29) @QUR@04 ~~وإذا مروا بهم يتغامزون (30) @QUR@06 وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين ~~(31) @QUR@06 وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون (32) @QUR@04 وما أرسلوا ~~عليهم حافظين (33) @QUR@06 فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون (34) ~~@QUR@03 على الأرائك ينظرون (35) @QUR@06 هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون ) (36) # وقد ذكر المفسرون في ms5970 سبب نزول هذه الآيات ، أن بعض المشركين كأبى جهل ~~والعاص بن وائل كانوا يستهزئون من فقراء المسلمين كصهيب وعمار بن ياسر. # وقوله سبحانه ( @QUR@01 أجرموا ) من الإجرام ، وهو ارتكاب الجرم. ويطلق ~~على الإثم العظيم. والذنب الكبير ، والمراد بإجرامهم هنا : كفرهم بالله ~~تعالى واستهزاؤهم بالمؤمنين. أى : إن الذين ارتكبوا في دنياهم أقبح الجرائم ~~وأشنعها ، وهم زعماء المشركين ( @QUR@01 كانوا ) في الدنيا ( @QUR@04 من ~~الذين آمنوا يضحكون ) أى : كانوا في حياتهم يتهكمون بالمؤمنين ، ويسخرون ~~منهم ، ويعتبرونهم الأراذل الذين يجب الابتعاد عنهم. # ( @QUR@04 وإذا مروا بهم يتغامزون ) أى : وإذا مر هؤلاء المجرمون ~~بالمؤمنين سخروا منهم ، وتغامزوا فيما بينهم على سبيل الاستهزاء بفقراء ~~المؤمنين. # والتغامز : تفاعل من الغمز ، وهو الإشارة بالجفون والحواجب على سبيل ~~الطعن والتهكم. # أى : يغمز أحدهم الآخر لينبه إلى ما عليه فقراء المسلمين من شظف العيش ، ~~ومن غير ذلك من الأحوال التي لا يرضاها المشركون لجهلهم وغرورهم وبلادة حسهم. # ( @QUR@06 وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين ) أى : وإذا رجع هؤلاء ~~المجرمون إلى أهلهم من مجالسهم التي كانوا فيها .. رجعوا متلذذين ~~باستخفافهم بالمؤمنين. والسخرية منهم. # فهم لإيغالهم في الكفر والفسوق والعصيان ، لا يكتفون بالغمز واللمز عند ~~ما يرون المؤمنين ، بل يجعلونهم عند عودتهم إلى أهليهم ، مادة تفكههم ~~وضحكهم. # فقوله : ( @QUR@01 فكهين ) جمع فكه ، صفة مشبهة ، وهي قراءة حفص عن عاصم. PageV15P328 # وقرأ الجمهور فاكهين اسم فاعل : من فكه بزنة فرح إذا مزح في كلامه ليضحك ~~أو يضحك غيره. # وحذف متعلق «فكهين» للعلم به. أى : رجعوا فكهين بسبب حديثهم عن المؤمنين. # وقوله : ( @QUR@06 وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون ) أى : أن هؤلاء ~~الذين أجرموا ، لا يكتفون بغمز المؤمنين ولمزهم وجعلهم مادة السخرية في ~~أحاديثهم مع أهليهم. # بل إنهم تجاوزوا ذلك ، فهم عند ما يرون المؤمنين يقولون عنهم : هؤلاء هم ~~الضالون ، لأنهم تركوا دين آبائهم وأجدادهم ، ودخلوا في دين آخر. # فمرادهم بالضلال : فساد الرأى. وعدم البقاء على دينهم القديم. # وهكذا الأشرار يرون أن أهل الحق والتقى في ضلال. # وجملة : ( @QUR@04 وما أرسلوا عليهم حافظين ) جملة حالية من الضمير في ( ~~@QUR@01 قالوا ). # أى : قالوا إن ms5971 هؤلاء المؤمنين لضالون ، والحال أن هؤلاء المشركين ما ~~أرسلهم الله تعالى ليكونوا وكلاء عنه ، حتى يحكموا على هذا الفريق بالضلال. ~~وعلى غيره بالرشاد. # فالمقصود بالآية الكريمة : تأنيب الذين أجرموا وتوبيخهم على تصرفاتهم ، ~~لأن الحكم على الغير بالهداية والضلال. هم ليسوا أهلا له إطلاقا ؛ لأن الله ~~تعالى لم يكلفهم بذلك ، وإنما كلفهم باتباع الرسول الذي أرسله سبحانه ~~لهدايتهم. # فحكمهم على المؤمنين بالضلال يدل على نهاية الغرور والجهل. # ثم ببشر الله تعالى المؤمنين بما سيكونون عليه يوم القيامة من نعيم فقال ~~: ( @QUR@09 فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون. على الأرائك ينظرون ). # والفاء في قوله ( @QUR@01 فاليوم ) للسببية ، والمراد باليوم : يوم ~~الجزاء والحساب. # أى : فبسبب استهزاء الذين أجرموا من المؤمنين في الدنيا ، كافأ الله ~~تعالى المؤمنين على صبرهم ، بأن جعلهم يوم القيامة يضحكون من الكفار حين ~~يرونهم أذلاء مهانين ، كما كان الكفار يضحكون من المؤمنين في الدنيا. # فالمقصود من الآية الكريمة تسلية المؤمنين ، وتبشيرهم بأنهم سيأخذون ~~بثأرهم من المشركين عما قريب .. وأنهم أى : المؤمنين سيكونون يوم القيامة ~~على سرر قد فرشت بأجمل الفراش ، وأنهم لا ينظرون إلا إلى ما يسرهم ويبهج ~~نفوسهم. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بقوله : ( @QUR@06 هل ثوب الكفار ما كانوا ~~يفعلون ) PageV15P329 # والاستفهام للتقرير. وقوله : ( @QUR@01 ثوب ) من التثويب والإثابة ، أى ~~المجازاة. # يقال : ثوب فلان فلانا وأثابه ، بمعنى جازاه المجازاة اللائقة به. # والمعنى : لقد جوزي الكفار بالجزاء المناسب لتهكمهم بالمؤمنين في الدنيا ~~، فقد أنزلنا بهم ما يستحقونه من عقاب أليم ، جزاء وفاقا. # وجاء الجزاء بأسلوب الاستفهام ، لتأكيد هذا الجزاء ، حتى لكأن المخاطب هو ~~الذي نطق بهذا الجزاء العادل الذي استحقه الكافرون. ولبيان أن عدالة الله ~~تعالى تقتص من المعتدين مهما طالت بهم الحياة. # والتعبير بثوب مع أنه أكثر ما يستعمل في الخير إنما هو من باب التهكم بهم ~~، كما في قوله تعالى : ( @QUR@03 فبشرهم بعذاب أليم ). # نسأل الله تعالى أن يجعلنا من عباده المؤمنين الصادقين. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV15P330 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الانشقاق ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة ms5972 «الانشقاق» وتسمى سورة «إذا السماء انشقت» من السور المكية ، وكان ~~نزولها بعد سورة «الانفطار» ، وقبل سورة «الروم» وعدد آياتها خمس وعشرون ~~آية في المصحف المكي والكوفي. وفي المصحف الشامي والبصري ثلاث وعشرون آية. # 2 والسورة الكريمة ابتدأت بوصف أشراط الساعة. ثم فصلت الحديث عن أحوال ~~السعداء والأشقياء يوم القيامة ، وخلال ذلك حرضت المؤمنين على أن يزدادوا ~~من الإيمان والعمل الصالح ، وحذرت الكافرين من سوء عاقبة إصرارهم على كفرهم ~~وفسوقهم. PageV15P331 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@03 إذا السماء انشقت (1) @QUR@03 وأذنت لربها وحقت (2) @QUR@03 ~~وإذا الأرض مدت (3) @QUR@04 وألقت ما فيها وتخلت (4) @QUR@03 وأذنت لربها ~~وحقت (5) @QUR@09 يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه (6) ~~@QUR@05 فأما من أوتي كتابه بيمينه (7) @QUR@04 فسوف يحاسب حسابا يسيرا (8) ~~@QUR@04 وينقلب إلى أهله مسرورا (9) @QUR@06 وأما من أوتي كتابه وراء ظهره ~~(10) @QUR@03 فسوف يدعوا ثبورا (11) @QUR@02 ويصلى سعيرا (12) @QUR@05 إنه ~~كان في أهله مسرورا (13) @QUR@05 إنه ظن أن لن يحور (14) @QUR@06 بلى إن ~~ربه كان به بصيرا (15) @QUR@03 فلا أقسم بالشفق (16) @QUR@03 والليل وما ~~وسق (17) @QUR@03 والقمر إذا اتسق (18) @QUR@04 لتركبن طبقا عن طبق (19) ~~@QUR@04 فما لهم لا يؤمنون (20) @QUR@06 وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون ~~(21) @QUR@04 بل الذين كفروا يكذبون (22) @QUR@04 والله أعلم بما يوعون ~~(23) @QUR@03 فبشرهم بعذاب أليم (24) @QUR@09 إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لهم أجر غير ممنون ) (25) # وقوله : ( @QUR@01 انشقت ) من الانشقاق بمعنى الانفطار والتصدع ، بحيث ~~تتغير هيئتها ، ويختل نظامها ، كما قال تعالى : ( @QUR@08 يوم تبدل الأرض ~~غير الأرض والسماوات وبرزوا لله PageV15P332 # @QUR@02 الواحد القهار ) (1). # وانشقاق السماء قد ورد في آيات متعددة منها قوله تعالى : ( @QUR@04 ويوم ~~تشقق السماء بالغمام ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان ). # ومعنى «أذنت» : استمعت. يقال : أذن له ، بمعنى استمع له بإصغاء تام وبابه ~~طرب وفي الحديث الصحيح : «ما أذن الله لشيء إذنه لنبي يتغنى بالقرآن» ، ~~وقال الشاعر : # صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به %~% وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا # وجملة «وحقت» معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه. أى : جعلت حقيقة وجديرة ~~بالاستماع والانقياد لما يريده الله تعالى منها ، من قولهم فلان محقوق بكذا ~~، وحق له أن يفعل كذا ، أى : وجب عليه ms5973 ذلك وجوبا لا انفكاك له عنه. # وجواب الشرط «إذا» وما عطف عليه محذوف ، والتقدير : إذا السماء تصدعت ~~واختل نظامها ، واستمعت لأمر ربها استماعا تاما ، وانقادت لحكمه انقياد ~~العبد لسيده ، وجعلت حقيقة وجديرة بالانقياد والاستماع والطاعة في جميع ~~الأحوال. # ( @QUR@03 وإذا الأرض مدت ) أى : بسطت وتساوت بحيث صارت في مستوى واحد ، ~~بدون ارتفاع في جانب أو انخفاض في آخر ، كما قال تعالى : ( @QUR@06 لا ترى ~~فيها عوجا ولا أمتا ). # ( @QUR@04 وألقت ما فيها وتخلت ) أى : وطرحت ما بداخلها من أجساد ومن ~~كنوز ، ومن غيرهما ، وخلت من ذلك خلوا تاما. # وقوله ( @QUR@03 وأذنت لربها وحقت ) تأكيد لقدرته تعالى ونفاذ أمره. أى : ~~واستمعت الأرض كما استمعت السماء لأمر ربها ، وحق لها أن تستمع وأن تنقاد ~~لحكمه تعالى لأنها خاضعة خضوعا تاما ، لقضائه وأمره. # إذا حدث كل ذلك .. قامت الساعة ، ووجد كل إنسان جزاءه عند ربه سبحانه . # قال صاحب الكشاف : حذف جواب «إذا» ليذهب المقدر كل مذهب. أو اكتفاء بما ~~علم في مثلها من سورتي التكوير والانفطار. وقيل : جوابها ما دل عليه قوله : ~~( @QUR@01 فملاقيه ) أى : إذا السماء انشقت لاقى الإنسان كدحه. PageV15P333 # وقوله : ( @QUR@03 وأذنت لربها وحقت ) أذن له : استمع له .. والمعنى : ~~أنها فعلت في انقيادها لله تعالى حين أراد انشقاقها ، فعل المطواع الذي إذا ~~ورد عليه الأمر من جهة المطاع أنصت له وأذعن ، ولم يأب ولم يمتنع ، كقوله ~~تعالى ( @QUR@02 أتينا طائعين ). # «وحقت» هو من قولك : هو محقوق بكذا وحقيق به ، يعنى : وهي حقيقة بأن ~~تنقاد ولا تمتنع .. (1). # وقال الجمل في حاشيته : وقوله ( @QUR@01 وحقت ) الفاعل في الأصل هو الله ~~تعالى أى : حق وأوجب الله عليها سمعه وطاعته .. فعلم من ذلك أن الفاعل ~~محذوف ، وأن المفعول هو سمعها وطاعتها له تعالى (2). # ثم وجه سبحانه بعد ذلك نداء للإنسان ، دعاه فيه إلى طاعته وإخلاص العبادة ~~له ، فقال : ( @QUR@09 يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه ) ~~والمراد بالإنسان هنا : جنسه. وأصل الكدح في كلام العرب : السعى في سبيل ~~الحصول على الشيء بجد واجتهاد وعناء. # مأخوذ من كدح فلان جلده ، إذا خدشه ، ومنه ms5974 قول الشاعر : # وما الدهر إلا تارتان فمنهما %~% أموت ، وأخرى أبتغى العيش أكدح # وقول الآخر : # ومضت بشاشة كل عيش صالح %~% وبقيت أكدح للحياة وأنصب # أى : وبقيت أسعى سعيا حثيثا للحياة ، وأتعب من أجل الحصول على مطالبي فيها. # والضمير في قوله : ( @QUR@01 فملاقيه ) يعود إلى الله تعالى ، ويصح أن ~~يعود للكدح ، بمعنى ملاق جزاء هذا الكدح. # والمعنى : يا أيها الإنسان إنك باذل في حياتك جهدا كبيرا من أجل مطالب نفسك. # وإنك بعد هذا الكدح والعناء ... مصيرك في النهاية إلى لقاء ربك ، حيث ~~يحاسبك على عملك وكدحك .. فقدم في دنياك الكدح المشروع ، والعمل الصالح. # والسعى الحثيث في طاعته تعالى ، لكي تنال ثواب ربك ورضاه. # قال ابن كثير : وقوله : ( @QUR@08 يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا ~~) أى : ساع إلى ربك سعيا ، وعامل عملا ( @QUR@01 فملاقيه ) ثم إنك ستلقى ما ~~عملت من خير أو شر. PageV15P334 # ويشهد لذلك ما رواه أبو داود الطيالسي .. عن جابر قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «قال جبريل : يا محمد ، عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب ما ~~شئت فإنك مفارقه ، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه». # ومن الناس من يعيد الضمير على قوله ( @QUR@01 ربك ) أى : فملاق ربك ~~فيجازيك بعملك ، ويكافئك على سعيك ، وعلى هذا فكلا القولين متلازم. (1). # ثم فصل سبحانه بعد ذلك عاقبة هذا الكدح ، والسعى المتواصل .. فقال تعالى ~~: ( @QUR@013 فأما من أوتي كتابه بيمينه. فسوف يحاسب حسابا يسيرا. وينقلب ~~إلى أهله مسرورا ). # والمراد بالكتاب هنا : صحيفة العمل التي سجلت فيها حسنات الإنسان ~~وسيئاته. # والمراد بالحساب اليسير : عرض الأعمال ، مع التجاوز عن الهفوات ، بفضل ~~الله تعالى : أى : الناس جميعا يكدحون في هذه الحياة ، ثم يعودون إلى ~~خالقهم للحساب والجزاء ، فأما من أعطى كتابه بيمينه ، وهم المؤمنون ~~الصادقون ، فسوف يحاسب من ربه تعالى حسابا يسيرا سهلا ، بأن تعرض أعماله ~~على خالقه تعالى ثم يكون التجاوز عن المعاصي والثواب على الطاعة ، بدون ~~مناقشة أو مطالبة بعذر أو حجة. # ثم ينقلب هذا الإنسان بعد ذلك إلى أهله وعشيرته ، مبتهجا مسرورا ، بسبب ~~فضل الله تعالى عليه ms5975 ، ورحمته به. # وعبر سبحانه عن فوز هذا الإنسان ، بأنه يؤتى كتابه بيمينه ، للإشعار بأنه ~~من أهل السعادة والتقوى ، فقد جرت العادة أن اليد اليمنى إنما تتناول بها ~~الأشياء الزكية الحسنة. والباء في قوله ( @QUR@01 بيمينه ) للملابسة أو ~~المصاحبة ، أو بمعنى في. # قال الآلوسى : والحساب اليسير : هو السهل الذي لا مناقشة فيه. وفسره ~~صلى الله عليه وسلم بالعرض وبالنظر في الكتاب ، مع التجاوز ، أخرج الشيخان عن ~~عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «ليس أحد يحاسب إلا هلك». قلت يا ~~رسول الله ، جعلني الله فداك ، أليس الله تعالى يقول ( @QUR@09 فأما من ~~أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا )، قال : ذلك العرض يعرضون ومن ~~نوقش الحساب هلك». # وأخرج الإمام أحمد عن عائشة أيضا قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول في بعض صلاته : «اللهم حاسبني حسابا يسيرا» فلما انصرف قلت له : يا ~~رسول الله ، PageV15P335 # ما الحساب اليسير؟ قال : «أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه». (1). # ثم بين سبحانه حال الأشقياء ، بعد بيانه لحال السعداء فقال : ( @QUR@011 ~~وأما من أوتي كتابه وراء ظهره ، فسوف يدعوا ثبورا. ويصلى سعيرا ). أى : ~~وأما من أعطى صحيفة أعماله لسوادها وقبح أعمالها بشماله من وراء ظهره وهو ~~الكافر والعياذ بالله قيل تغل يمناه إلى عنقه ، وتجعل شماله وراء ظهره ، ~~على سبيل الإهانة والإذلال له. # ( @QUR@03 فسوف يدعوا ثبورا ) أى : فسوف يطلب الهلاك ، بأن ينادى عليه ~~بحسرة وندامة ويقول : أيها الموت أقبل فهذا أوانك ، لتنقذنى مما أنا فيه من سوء. # وفي طلبه للهلاك ، وتفضيله على ما هو فيه ، دليل على أن هذا الشقي ~~والعياذ بالله قد وصل به الحال السيئ إلى أقصى مداه ، حتى لقد أصبح الهلاك ~~نهاية أمانيه ، كما قال الشاعر : # كفى بك داء أن ترى الموت شافيا %~% وحسب المنايا أن يكن أمانيا # فالمراد بالدعاء في قوله ( @QUR@02 يدعوا ثبورا ) النداء. والثبور : ~~الهلاك ، بأن يقول : يا ثبوراه أقبل فهذا أوان إقبالك. # وقوله تعالى ( @QUR@02 ويصلى سعيرا ) بيان للعذاب الذي يحل به. أى : ~~ويدخل النار الشديدة الاشتعال فيتقلب فيها ، ويقاسى حرها. ms5976 # وقوله سبحانه ( @QUR@010 إنه كان في أهله مسرورا. إنه ظن أن لن يحور ) ~~تعليل لما أصابه من سوء. أى : إن هذا الشقي كان في الدنيا فرحا بطرا بين ~~أهله ، لا يفكر في عاقبة ، ولا يعمل حسابا لغير ملذاته وشهواته. وإنه فوق ~~ذلك ( @QUR@01 ظن ) أى : أيقن أنه لن يرجع إلى ربه يوم القيامة ، ليحاسبه ~~على أعماله ، ويجازيه بما يستحقه من جزاء. # قال القرطبي : قوله ( @QUR@05 إنه ظن أن لن يحور ) أى : لن يرجع حيا ~~مبعوثا فيحاسب. ثم يثاب أو يعاقب. يقال : حار فلان يحور إذا رجع ، ومنه قول لبيد : # وما المرء إلا كالشهاب وضوئه %~% يحور رمادا بعد إذ هو ساطع # فالحور في كلام العرب : الرجوع ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «اللهم إنى ~~أعوذ بك من الحور بعد الكور» يعنى : من الرجوع إلى النقصان بعد الزيادة .. (2). PageV15P336 # وقوله سبحانه ( @QUR@06 بلى إن ربه كان به بصيرا ) إيجاب لما نفاه ، ~~وإثبات لما استبعده ، وجملة «إن ربه» بمنزلة التعليل لما أفادته بلى من ~~إبطال لما نفاه. # أى : ليس الأمر كما زعم من أنه لن يبعث ولن يرجع إلى ربه ... بل الحق ~~الذي لا يشوبه باطل ، أن هذا الشقي سيرجع إلى ربه يوم البعث والنشور ، ~~ليجازيه على أعماله ، لأنه سبحانه كان وما زال عليما بأحوال هذا الشقي ~~وغيره ، إذ لا يخفى عليه سبحانه شيء في الأرض ولا في السماء. # فالمراد بالبصر هنا : العلم التام بأحوال الخلق. # ثم أقسم سبحانه ببعض مخلوقاته ، على أن مشيئته نافذة ، وقضاءه لا يرد ، ~~وحكمه لا يتخلف. فقال : ( @QUR@013 فلا أقسم بالشفق. والليل وما وسق. ~~والقمر إذا اتسق. لتركبن طبقا عن طبق ). # والفاء في قوله ( @QUR@02 فلا أقسم ) واقعة في جواب شرط مقدر ، وهي التي ~~يعبر عنها بالفصيحة ، و «لا» مزيدة لتأكيد القسم ، وجوابه «لتركبن». # والشفق : الحمرة التي تظهر في الأفق الغربي بعد غروب الشمس ، وهو ضياء من ~~شعاعها ، وسمى شفقا لرقته ، ومنه الشفقة لرقة القلب. # والوسق : جمع الأشياء ، وضم بعضها إلى بعض. يقال : وسق الشيء يسقه كضرب ~~إذا جمعه فاجتمع ، ومنه قولهم : إبل مستوسقة ، أى ms5977 : مجتمعة ، وأمر متسق. أى ~~: مجتمع على ما يسر صاحبه ويرضيه. # واتساق القمر : اجتماع ضيائه ونوره ، وهو افتعال من الوسق. وهو الجمع ~~والضم ، وذلك يكون في الليلة الرابعة عشرة من الشهر. # أى : أقسم بالحمرة التي تظهر في الأفق الغربي ، بعد غروب الشمس ، وبالليل ~~وما يضمه تحت جناحه من مخلوقات وعجائب لا يعلمها إلا الله تعالى وبالقمر ~~إذا ما اجتمع نوره ، واكتمل ضياؤه ، وصار بدرا متلألئا. # وفي القسم بهذه الأشياء ، دليل واضح على قدرة الله تعالى الباهرة ، لأن ~~هذه الأشياء تتغير من حال إلى حال ، ومن هيئة إلى هيئة .. فالشفق حالة تأتى ~~في أعقاب غروب الشمس ، والليل يأتى بعد النهار ، والقمر يكتمل بعد نقصان ~~... وكل هذه الحالات الطارئة ، دلائل على قدرة الله تعالى . # وقوله سبحانه ( @QUR@04 لتركبن طبقا عن طبق ) جواب القسم كما سبق أن ~~أشرنا . PageV15P337 # والمراد بالركوب : الملاقاة والمعاناة ، والخطاب للناس ، والطبق جمع طبقة ~~، وهي الشيء المساوى لشيء آخر ، والمراد بها هنا : الحالة أو المرتبة ، وعن ~~بمعنى بعد. # أى : وحق الشفق ، والليل وما وسق ، والقمر إذا اتسق .. لتلاقن أيها الناس ~~أحوالا بعد أحوال ، هي طبقات ومراتب في الشدة ، بعضها أصعب من بعض ، وهي ~~الموت ، وما يكون بعده من حساب وجزاء يوم القيامة. # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( @QUR@04 لتركبن طبقا عن طبق ) خطاب لجنس ~~الإنسان المنادى أولا ، باعتبار شموله لأفراده ، والمراد بالركوب : ~~الملاقاة ، والطبق في الأصل ما طابق غيره مطلقا. وخص في العرف بالحال ~~المطابقة لغيرها .. و «عن» للمجاوزة ، أو بمعنى «بعد». والجار والمجرور ~~متعلق بمحذوف صفة أو حالا من فاعل لتركبن ، والظاهر أن «طبقا» منصوب على ~~المفعولية. أى : لتلاقن حالا كائنة بعد حال ، كل واحدة مطابقة لأختها في ~~الشدة والهول .. منها ما هو في الدنيا ، ومنها ما هو في الآخرة. # وقرأ الأخوان حمزة والكسائي وابن كثير ( @QUR@01 لتركبن ) بفتح الباء على ~~أنه خطاب للإنسان أيضا ، لكن باعتبار اللفظ ، لا باعتبار الشمول. # وأخرج البخاري عن ابن عباس أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، أى : لتركبن ~~أيها الرسول الكريم أحوالا شريفة بعد أخرى من ms5978 مراتب القرب. أو مراتب من ~~الشدة بعد مراتب من الشدة ، ثم تكون العاقبة لك .. (1). # والفاء في قوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@010 فما لهم لا يؤمنون. وإذا قرئ ~~عليهم القرآن لا يسجدون. ) لترتيب ما بعدها من الإنكار والتعجيب على ما ~~قبلها ، و «ما» للاستفهام الإنكارى. أى : إذا كان الأمر كما وضحنا لك أيها ~~الرسول الكريم من أن البعث حق ، ومن أن المستحق للعبادة هو الله تعالى وحده ~~.. فأى شيء يمنع هؤلاء الكافرين من الإيمان ، مع أن كل الدلائل والبراهين ~~تدعوهم إلى الإيمان. # وأى : مانع منعهم من السجود والخضوع لله تعالى عند ما يقرأ عليهم القرآن ~~الكريم ، الذي أنزلناه عليك لإخراجهم من الظلمات إلى النور. # فالمقصود من الآيتين الكريمتين تعجيب الناس من حال هؤلاء الكافرين الذين ~~قامت أمامهم PageV15P338 # جميع الأدلة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه ، ومع ذلك ~~فهم مصرون على كفرهم وجحودهم وعنادهم. # قال الآلوسى : وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه سجد عند قراءة هذه الآية ، ~~فقد أخرج مسلم وأبو داود والترمذي .. عن أبى هريرة قال : سجدنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في ( @QUR@03 إذا السماء انشقت ) وفي ( @QUR@03 اقرأ ~~باسم ربك .. ) وهي سنة عند الشافعى ، وواجبة عند أبى حنيفة .. (1). # أما الإمام مالك فالرواية الراجحة في مذهبه ، أن هذه الآية ليست من آيات ~~سجود التلاوة. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 بل الذين كفروا يكذبون ) إضراب انتقالي ، من ~~التعجيب من عدم إيمانهم مع ظهور كل الأدلة على وجوب الإيمان ، إلى الإخبار ~~عنهم بأنهم مستمرون على كفرهم ، أى : ليس هناك أى مانع يمنع الكافرين من ~~الإيمان ، بعد أن قامت جميع الشواهد على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ، بل ~~الحق أن هؤلاء الكافرين إنما استمروا على كفرهم بسبب عنادهم وحسدهم للرسول ~~صلى الله عليه وسلم على ما آتاه الله تعالى من فضله ، وتكذيبهم للحق عنادا ~~وجحودا. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 والله أعلم بما يوعون ) كلام معترض بين سابقه ~~ولا حقه ، والمقصود به التهديد والوعيد. # ومعنى «يوعون» يضمرون ويخفون ويسرون ، وأصل الإيعاء حفظ ms5979 الأمتعة في ~~الوعاء ، يقال : أوعى فلان الزاد والمتاع ، إذا جعله في الوعاء ، والمراد ~~به هنا : الإضمار والإخفاء ، كما في قول الشاعر : والشر أخبث ما أوعيت من زاد. # أى : والله تعالى أعلم من كل أحد ، بما يضمره هؤلاء الكافرون ، وبما ~~يخفونه في صدورهم من تكذيب للحق ، ومن جحود للقرآن الكريم ، ومن معاداة ~~للمؤمنين. # وقوله : ( @QUR@03 فبشرهم بعذاب أليم ) تفريع على قوله : ( @QUR@04 بل ~~الذين كفروا يكذبون ). # والتبشير : الإخبار بما يسر ، والمراد به هنا التهكم بهم ، بدليل توعدهم ~~بالعذاب الأليم. # أى : فبشر أيها الرسول الكريم هؤلاء الكافرين المكذبين للحق ، بالعذاب ~~الأليم. # والاستثناء في قوله تعالى : ( @QUR@08 إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~فلهم أجر غير PageV15P339 # @QUR@01 ممنون ) استثناء منقطع. أى : هذا هو حال الكافرين ، لكن الذين ~~آمنوا إيمانا حقا ، وقدموا في دنياهم الأعمال الصالحة ، فلهم في الآخرة أجر ~~غير مقطوع ، فقوله ( @QUR@01 ممنون ) من من : إذا قطع يقال : مننت الحبل ~~إذا قطعته ، أو لهم أجر خالص من شوائب الامتنان ، وهو أن يعطى الإنسان غيره ~~عطاء ، ثم يتباهى عليه به. # نسأل الله تعالى أن يجعلنا من عباده المؤمنين الصادقين. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV15P340 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة البروج ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «البروج» من السور المكية الخالصة ، وتسمى سورة «السماء ذات ~~البروج» فقد أخرج الإمام أحمد عن أبى هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان يقرأ في العشاء الآخرة ، بالسماء ذات البروج. # وعدد آياتها : اثنتان وعشرون آية. وكان نزولها بعد سورة «والشمس وضحاها» ~~وقبل سورة «والتين والزيتون». # 2 والسورة الكريمة من أهم مقاصدها : تثبيت المؤمنين ، وتسليتهم عما ~~أصابهم من أعدائهم ، عن طريق ذكر جانب مما تحمله المجاهدون من قبلهم ، فكأن ~~الله تعالى يقول للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه : اصبروا كما صبر المؤمنون ~~السابقون ، واثبتوا كما ثبتوا ، فإن العاقبة ستكون لكم. # كما أن السورة الكريمة ساقت الأدلة على وحدانية الله تعالى وقدرته ، ~~ونفاذ أمره. PageV15P341 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@03 والسماء ذات البروج (1) @QUR@02 واليوم الموعود (2) @QUR@02 ~~وشاهد ومشهود (3) @QUR@03 قتل ms5980 أصحاب الأخدود (4) @QUR@03 النار ذات الوقود ~~(5) @QUR@04 إذ هم عليها قعود (6) @QUR@06 وهم على ما يفعلون بالمؤمنين ~~شهود (7) @QUR@09 وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد (8) ~~@QUR@010 الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد (9) @QUR@014 ~~إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب ~~الحريق (10) @QUR@014 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير (11) @QUR@04 إن بطش ربك لشديد (12) ~~@QUR@04 إنه هو يبدئ ويعيد (13) @QUR@03 وهو الغفور الودود (14) @QUR@03 ذو ~~العرش المجيد (15) @QUR@03 فعال لما يريد (16) @QUR@04 هل أتاك حديث الجنود ~~(17) @QUR@02 فرعون وثمود (18) @QUR@05 بل الذين كفروا في تكذيب (19) ~~@QUR@04 والله من ورائهم محيط (20) @QUR@04 بل هو قرآن مجيد (21) @QUR@03 ~~في لوح محفوظ ) (22) # والبروج : جمع برج. وهي في اللغة : القصور العالية الشامخة ، ويدل لذلك PageV15P342 # قوله تعالى ( @QUR@09 أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ~~) أى : ولو كنتم في قصور عظيمة محصنة. # والمراد بها هنا : المنازل الخاصة بالكواكب السيارة ، ومداراتها الفلكية ~~الهائلة ، وهي اثنا عشر منزلا : الحمل ، والثور ، والجوزاء ، والسرطان ، ~~والأسد ، والسنبلة ، والميزان ، والعقرب ، والقوس ، والجدى ، والدلو ، ~~والحوت. # وسميت بالبروج ، لأنها بالنسبة لهذه الكواكب كالمنازل لساكنيها. # قال القرطبي : قوله : ( @QUR@03 والسماء ذات البروج ): قسم أقسم الله ~~عز وجل به. وفي البروج أربعة أقوال : أحدها : ذات النجوم. الثاني : ذات ~~القصور .. الثالث : ذات الخلق الحسن. الرابع : ذات المنازل .. وهي اثنا عشر ~~منزلا .. (1) وقوله : ( @QUR@02 واليوم الموعود ) المقصود به : يوم القيامة ~~، لأن الله تعالى وعد الخلق به ، ليجازى فيه الذين أساءوا بما عملوا ، ~~ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. # وقوله : ( @QUR@02 وشاهد ومشهود ) قسم ثالث ببعض مخلوقاته تعالى . ~~والشاهد اسم فاعل من المشاهدة بمعنى الرؤية ، فالشاهد هو الرائي ، أو ~~المخبر غيره عما رآه وشاهده. # والمشهود : اسم مفعول ، وهو هنا الشيء المرئي ، أو المشهود عليه بأنه حق. # فالمراد بالشاهد : من يحضر ذلك اليوم من الخلائق المبعوثين ، وما يراه ~~فيه من عجائب وأهوال ، من المشاهدة بمعنى الرؤية والحضور ، أو من يشهد في ~~ذلك اليوم على غيره ، من الشهادة على الخصم. # وقد ذكر المفسرون في معنى هذين اللفظين ، ما يقرب من عشرين وجها. ms5981 # قال صاحب الكشاف وقوله : ( @QUR@02 وشاهد ومشهود ) يعنى : وشاهد في ذلك ~~اليوم ومشهود فيه. والمراد بالشاهد : من يشهد فيه من الخلائق كلهم. ~~وبالمشهود : ما في ذلك اليوم من عجائبه. ثم قال : وقد اضطربت أقوال ~~المفسرين فيهما ، فقيل : الشاهد والمشهود : محمد صلى الله عليه وسلم ويوم ~~القيامة. وقيل : عيسى وأمته. وقيل : أمة محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأمم. ~~وقيل : يوم التروية ويوم عرفة. وقيل : يوم عرفة ويوم الجمعة. وقيل : الحجر ~~الأسود. والحجيج. وقيل : الأيام والليالى. وقيل : الحفظة وبنو آدم .. (2). PageV15P343 # ويبدو لنا أن أقرب الأقوال إلى الصواب : أن المراد بالشاهد هنا : الحاضر ~~في ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة ، والرائي لأهواله وعجائبه. # وأن المراد بالمشهود : ما يشاهد في ذلك اليوم من أحوال يشيب لها الولدان. # وقال سبحانه ( @QUR@02 وشاهد ومشهود ) بالتنكير ، لتهويل أمرهما ، وتفخيم ~~شأنهما. # وقوله تعالى ( @QUR@03 قتل أصحاب الأخدود ) جواب القسم بتقدير اللام وقد. # أى : وحق السماء ذات البروج ، وحق اليوم الموعود ، وحق الشاهد والمشهود ، ~~لقد قتل ولعن أصحاب الأخدود ، وطردوا من رحمة الله بسبب كفرهم وبغيهم. # والأخدود : وهو الحفرة العظيمة المستطيلة في الأرض ، كالخندق ، وجمعه ~~أخاديد ، ومنه الخد لمجارى الدمع ، والمخدة : لأن الخد يوضع عليها. # ويقال : تخدد وجه الرجل ، إذا صارت فيه التجاعيد .. ومنه قول الشاعر : # ووجه كأن الشمس ألقت رداءها %~% عليه ، نقى اللون لم يتخدد # وقيل : إن جواب القسم محذوف ، دل عليه قوله تعالى : ( @QUR@03 قتل أصحاب ~~الأخدود ) كأنه قيل : أقسم بهذه الأشياء إن كفار مكة لملعونون كما لعن ~~أصحاب الأخدود. # وأصحاب الأخدود : هم قوم من الكفار السابقين ، حفروا حفرا مستطيلة في ~~الأرض ، ثم أضرموها بالنار ، ثم ألقوا فيها المؤمنين ، الذين خالفوهم في ~~كفرهم ، وأبوا إلا إخلاص العبادة لله تعالى وحده. # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 النار ذات الوقود ) بدل اشتمال مما قبله وهو ~~الأخدود. # والوقود : اسم لما توقد به النار كالحطب ونحوه. وذات الوقود : صفة للنار. # أى : قتل وطرد من رحمة الله أصحاب الأخدود ، الذين أشعلوا فيه النيران ~~ذات اللهب الشديد ، لكي يلقوا المؤمنين فيها. # والظرف في قوله تعالى ( @QUR@04 إذ هم عليها قعود ms5982 ) متعلق بقوله تعالى : ~~( @QUR@01 قتل ). أى : لعنوا وطردوا من رحمة الله ، حين قعدوا على الأخدود ~~، ليشرفوا على من يعذبونهم من المؤمنين. # فالضمير «هم» يعود على أولئك الطغاة الذين كانوا يعذبون المؤمنين ويجلسون ~~على حافات الأخدود ليروهم وهم يحرقون بالنار ، أو ليأمروا أتباعهم ~~وزبانيتهم بالجد في التعذيب حتى لا يتهاونوا في ذلك. PageV15P344 # و ( @QUR@01 على ) للاستعلاء المجازى ، إذ من المعلوم أنهم لا يقعدون فوق ~~النار ، وإنما هم يقعدون حولها ، لإلقاء المؤمنين فيها. # وجملة ( @QUR@06 وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود ) في موضع الحال من ~~الضمير في قوله : ( @QUR@04 إذ هم عليها قعود ). أى : أن هؤلاء الطغاة ~~الظالمين ، لم يكتفوا بإشعال النار ، والقعود حولها وهم يعذبون المؤمنين ، ~~بل أضافوا إلى ذلك ، أنهم يشهدون تعذيبهم ، ويرونه بأعينهم على سبيل التشفي ~~منهم ، فقوله ( @QUR@01 شهود ) بمعنى حضور ، أو بمعنى يشهد بعضهم لبعض أمام ~~ملكهم الظالم ، بأنهم ما قصروا في تعذيب المؤمنين. وهذا الفعل منهم. يدل ~~على نهاية القسوة والظلم ، وعلى خلو قلوبهم من أى رحمة أو شفقة. # قال الآلوسى : وقوله : ( @QUR@06 وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود ) أى ~~: يشهد بعضهم لبعض عند الملك ، بأن أحدا لم يقصر فيما أمر به ، أو يشهدون ~~عنده على حسن ما يفعلون .. أو يشهد بعضهم على بعض بذلك الفعل الشنيع يوم ~~القيامة ، أو يشهدون على أنفسهم بذلك ، كما قال تعالى : ( @QUR@09 يوم تشهد ~~عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ). # وقيل : «على» بمعنى مع. أى : وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور ~~، لا يرقون لهم ، لغاية قسوة قلوبهم ...» (1). # ثم بين سبحانه الأسباب التي حملت هؤلاء الطغاة على إحراق المؤمنين فقال : ~~( @QUR@019 وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد. الذي له ملك ~~السماوات والأرض ، والله على كل شيء شهيد ). # والنقمة هنا بمعنى الإنكار والكراهية. يقال : نقم فلان هذا الشيء ، من ~~باب ضرب إذا كرهه وأنكره. # أى : أن هؤلاء الكافرين ما كرهوا المؤمنين ، وما أنزلوا بهم ما أنزلوا من ~~عذاب ، إلا لشيء واحد ، وهو أن المؤمنين أخلصوا عبادتهم لله تعالى صاحب ~~العزة التامة ، والحمد المطلق ، والذي ms5983 له ملك جميع ما في السموات والأرض ، ~~وهو سبحانه على كل شيء شهيد ورقيب ، لا يخفى عليه أمر من أمور عباده ، أو ~~حال من أحوالهم. # فالمقصود من هاتين الآيتين الكريمتين ، التعجيب من حال هؤلاء المجرمين ، ~~حيث عذبوا المؤمنين ، لا لشيء إلا من أجل إيمانهم بخالقهم ، وكأن الإيمان ~~في نظرهم جريمة تستحق الإحراق بالنار. PageV15P345 # وهكذا النفوس عند ما يستحوذ عليها الشيطان ، تتحول الحسنات في نظرها إلى ~~سيئات ، وقديما قال المنكوسون من قوم لوط عليه السلام ( @QUR@08 أخرجوا آل ~~لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ). # والاستثناء في قوله : ( @QUR@04 إلا أن يؤمنوا بالله .. ) استثناء مفصح ~~عن براءة المؤمنين مما يعاب وينكر ، فهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم ~~كما في قول القائل : # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم %~% بهن فلول من قراع الكتائب # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@021 قل يا أهل الكتاب هل تنقمون ~~منا إلا أن آمنا بالله ، وما أنزل إلينا ، وما أنزل من قبل ، وأن أكثركم ~~فاسقون ). # قال الإمام ابن كثير : وقد اختلفوا في أهل هذه القصة من هم؟ فعن على ابن ~~أبى طالب : أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل زواج المحارم ، فامتنع عليه ~~علماؤهم ، فعمد إلى حفر أخدود ، فقذف فيه من أنكر عليه منهم. # وعنه أنهم كانوا قوما من اليمن ، اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم ، فتغلب مؤمنوهم ~~على كفارهم ، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين ، فخذوا لهم الأخاديد ، ~~وأحرقوهم فيها. # ثم ذكر رحمه الله بعد ذلك جملة من الآثار في هذا المعنى فارجع إليها إن ~~شئت. (1) وعلى أية حال فالمقصود بهذه الآيات الكريمة ، تثبيت المؤمنين على ~~ما هم عليه من الإيمان ، وتسليتهم عما أصابهم من أعدائهم ، وإعلامهم بأن ما ~~نزل بهم من أذى ، قد نزل ما هو أكبر منه بالمؤمنين السابقين ، فعليهم أن ~~يصبروا كما صبر أسلافهم ، وقد اقتضت سنته تعالى أن يجعل العاقبة للمتقين. # ثم هدد سبحانه كفار قريش بسوء المصير ، إذا ما استمروا في إيذائهم ~~للمؤمنين ، فقال تعالى : ( @QUR@014 إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ، ~~ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم ms5984 عذاب الحريق ). # وقوله : ( @QUR@01 فتنوا ) من الفتن ، بمعنى الاختبار والامتحان. تقول : ~~فتنت الذهب بالنار ، أى : أدخلته في النار لتعلم جودته من رداءته ، والمراد ~~به هنا : التعذيب والتحريق بالنار. # أى : إن الظالمين الذين عذبوا المؤمنين والمؤمنات ، وأحرقوهم بالنار ثم ~~لم يتوبوا إلى الله تعالى من ذنوبهم ، ويرجعوا عن تعذيبهم للمؤمنين ~~والمؤمنات ، فلهم في الآخرة عذاب PageV15P346 # جهنم ، بسبب إصرارهم على كفرهم وعدوانهم ، ولهم نار أخرى زائدة على غيرها ~~في الإحراق. # والمراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات : كفار قريش ، كأبى جهل وأمية ~~ابن خلف. وغيرهما ، فقد عذبوا بلالا ، وعمار بن ياسر ، وأباه وأمه سمية. # ويؤيد أن المراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات كفار قريش ، قوله تعالى ~~: ( @QUR@03 ثم لم يتوبوا ) لأن هذه الجملة تحريض على التوبة ، وترغيب فيها ~~للكافرين المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم . # ويصح أن يراد بهم جميع من عذبوا المؤمنين والمؤمنات ، ويدخل فيه أصحاب ~~الأخدود ، وكفار قريش دخولا أوليا. # وجمع سبحانه بين عذاب جهنم لهم ، وبين عذاب الحريق ، لبيان أن العذاب لهم ~~مضاعف ، بسبب طغيانهم وشركهم. # ثم بين سبحانه بعد ذلك ما أعده للمؤمنين والمؤمنات من ثواب وعطاه كريم ~~فقال : ( @QUR@04 إن الذين آمنوا وعملوا ) الأعمال ( @QUR@02 الصالحات لهم ~~) أى : عند ربهم ( @QUR@05 جنات تجري من تحتها الأنهار ) أى تجرى من تحت ~~أشجارها وبساتينها الأنهار ( @QUR@01 ذلك ) العطاء هو ( @QUR@02 الفوز ~~الكبير ) الذي لا فوز يضارعه أو يقاربه. # ثم ساق سبحانه بعد ذلك ، ما يدل على نفاذ قدرته ومشيئته ، حتى يزداد ~~المؤمنون ثباتا على ثباتهم ، وصبرا على صبرهم فقال : ( @QUR@04 إن بطش ربك ~~لشديد ). # والبطش : هو الأخذ بقوة وسرعة وعنف. أى : إن بطش ربك أيها الرسول الكريم ~~بالظالمين والطغاة لبالغ نهاية القوة والعنف : فمر أصحابك فليصبروا على ~~الأذى ، فإن العاقبة الحسنة ستكون لهم وحدهم. # ( @QUR@04 إنه هو يبدئ ويعيد ) أى : إنه وحده هو الذي يخلق الخلق أولا في ~~الدنيا ، ثم يعيدهم إلى الحياة بعد موتهم للحساب والجزاء ، وهو سبحانه وحده ~~الذي يبدئ البطش بالكفار في الدنيا ثم يعيده عليهم في الآخرة بصورة أشد وأبقى. # وحذف سبحانه المفعول في الفعلين ، لقصد العموم ms5985 ، ليشمل كل ما من شأنه أن ~~يبدأ وأن يعاد من الخلق أو من العذاب أو من غيرهما. # ( @QUR@03 وهو الغفور الودود ) أى : وهو سبحانه الواسع المغفرة لمن تاب ~~وآمن ، وهو الكثير المحبة والود لمن أطاعه واتبع هداه. PageV15P347 # ( @QUR@03 ذو العرش المجيد ) أى : وهو عز وجل صاحب العرش العظيم ، الذي لا ~~يعرف كنهه إلا هو سبحانه ، وهو ( @QUR@01 المجيد ) أى : العظيم في ذاته ~~وصفاته. # ( @QUR@03 فعال لما يريد ) أى : وهو تعالى الذي يفعل كل شيء يريده. دون ~~أن يعترض عليه أحد ، بل فعله هو النافذ ، وأمره هو السارى والمطاع. # وجاءت كلمة «فعال» بصيغة المبالغة ، للدلالة على أن ما يريده ويفعله مع ~~كثرته هو في غاية النفاذ والسرعة ، كما قال تعالى : ( @QUR@010 إنما أمره ~~إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ). # فهذه الصفة من الصفات الجامعة لعظمته الذاتية ، وعظمة نعمه ومننه ~~وعطاياه. # ثم ساق سبحانه بعد ذلك ، ما يدل على شدة بطشه ، ونفاذ أمره فقال : ( ~~@QUR@06 هل أتاك حديث الجنود. فرعون وثمود ). # والاستفهام هنا : للتقرير والتهويل. والمراد بالجنود : الجموع الكثيرة ~~التي عتت عن أمر ربها ، فأخذها سبحانه أخذ عزيز مقتدر ، وقوله : ( @QUR@02 ~~فرعون وثمود ) بدل من الجنود. # والمراد بفرعون وثمود : ملؤهما وقومهما الذين آثروا الغي على الرشد ، ~~والضلالة على الهداية ، والباطل على الحق. أى : لقد بلغك أيها الرسول ~~الكريم حديث فرعون الذي طغى وبغى ، واتبعه قومه في طغيانه وبغيه ، وحديث ~~قوم صالح عليه السلام وهم الذين كذبوا نبيهم. وآذوه ، وعقروا الناقة التي ~~نهاهم عن أن يمسوها بسوء. # وكيف أنه سبحانه قد دمر الجميع تدميرا شديدا ، جزاء كفرهم وبغيهم. # وخص سبحانه جند فرعون وثمود بالذكر ، لأنهم كانوا أشد من غيرهم بغيا ~~وظلما ، ولأنهم كانت قصصهم معروفة لأهل مكة أكثر من غيرهم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@09 بل الذين كفروا في تكذيب. والله من ورائهم محيط ~~) إضراب انتقالي ، المقصود منه بيان أن هؤلاء المشركين المعاصرين للنبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يتعظوا بمن سبقهم. # أى : لقد كانت عاقبة جنود فرعون وثمود ، الهلاك والدمار ، بسبب إصرارهم ~~على كفرهم ، ولكن قومك أيها الرسول لم يعتبروا ms5986 بهم ، بل استمروا في تكذيبهم ~~لك ، وفي إعراضهم عنك .. واعلم أن الله تعالى محيط بهم إحاطة تامة ، ولن ~~يفلتوا من عقابه بأية حيلة من الحيل ، فهم تحت قبضته وسلطانه ، وسينزل بهم ~~بأسه في الوقت الذي يريده. # وقوله تعالى ( @QUR@07 بل هو قرآن مجيد ، في لوح محفوظ ) إضراب انتقالي ~~آخر ، من PageV15P348 # بيان شدة تكذيبهم للحق ، إلى بيان أن القرآن الكريم هو كتاب الله الذي لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. # أى : ليس الأمر كما قال هؤلاء المشركون في القرآن من أنه أساطير الأولين ~~.. بل الحق أن هذا القرآن هو كلام الله تعالى البالغ النهاية في الشرف ~~والرفعة والعظمة. # وأنه كائن في لوح محفوظ من التغيير والتبديل ، ومن وصول الشياطين إليه. ~~ونحن نؤمن بأن القرآن الكريم كائن في لوح محفوظ ، إلا أننا نفوض معرفة ~~حقيقة هذا اللوح وكيفيته إلى علمه تعالى ، لأنه من أمر الغيب الذي تفرد ~~الله تعالى بعلمه .. وما قيل في وصف هذا اللوح لم يرد به حديث صحيح يعتمد عليه. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV15P349 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الطارق ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «الطارق» من السور المكية ، وعدد آياتها سبع عشرة آية ، وكان ~~نزولها بعد سورة «البلد» وقبل سورة «القمر» وهي السورة السادسة والثلاثون ، ~~في ترتيب النزول ، أما في المصحف ، فهي السورة السادسة والثمانون. # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بها كثيرا ، فقد أخرج الإمام أحمد عن ~~أبى هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العشاء الآخرة ~~«بالسماء ذات البروج ، والسماء والطارق». # وأخرج أيضا عن خالد بن أبى جبل العدواني : أنه أبصر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في مشرق بضم الميم ثقيف. أى في سوق ثقيف وهو قائم على قوس ~~أو عصى. حين أتاهم يبتغى عندهم النصر. فسمعته يقول : ( @QUR@02 والسماء ~~والطارق ) حتى ختمها. قال : فوعيتها في الجاهلية ثم قرأتها في الإسلام. قال ~~: فدعتني ثقيف فقالوا : ماذا سمعت من هذا الرجل؟ فقرأتها عليهم. فقال من ms5987 ~~معهم من قريش : نحن أعلم بصاحبنا لو كنا نعلم أن ما يقول حقا لا تبعناه. (1). # 2 والسورة الكريمة من مقاصدها : إقامة الأدلة على وحدانية الله تعالى ، ~~وعلى كمال قدرته ، وبليغ حكمته ، وسعة علمه ، وإثبات أن هذا القرآن من عنده ~~تعالى ، وأن العاقبة للمتقين. PageV15P351 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@02 والسماء والطارق (1) @QUR@04 وما أدراك ما الطارق (2) @QUR@02 ~~النجم الثاقب (3) @QUR@06 إن كل نفس لما عليها حافظ (4) @QUR@04 فلينظر ~~الإنسان مم خلق (5) @QUR@04 خلق من ماء دافق (6) @QUR@05 يخرج من بين الصلب ~~والترائب (7) @QUR@04 إنه على رجعه لقادر (8) @QUR@03 يوم تبلى السرائر (9) ~~@QUR@06 فما له من قوة ولا ناصر (10) @QUR@03 والسماء ذات الرجع (11) ~~@QUR@03 والأرض ذات الصدع (12) @QUR@03 إنه لقول فصل (13) @QUR@03 وما هو ~~بالهزل (14) @QUR@03 إنهم يكيدون كيدا (15) @QUR@02 وأكيد كيدا (16) ~~@QUR@04 فمهل الكافرين أمهلهم رويدا ) (17) # والطارق : اسم فاعل من الطروق. والمراد به هنا : النجم الذي يظهر ليلا في ~~السماء. # قال القرطبي ما ملخصه : الطارق : النجم ، اسم جنس سمى بذلك لأنه يطرق ~~ليلا ، ومنه الحديث : نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرق المسافر أهله ليلا ~~.. والعرب تسمى كل قاصد في الليل طارقا. يقال : طرق فلان ، إذا جاء ليلا .. ~~وأصل الطرق : الدق ، ومنه سميت المطرقة ، فسمى قاصد الليل طارقا ، لاحتياجه ~~في الوصول إلى الدق. # وفي الحديث : «أعوذ بك من طوارق الليل والنهار ، إلا طارقا يطرق بخير يا ~~رحمن ..» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@04 وما أدراك ما الطارق ) تنويه بشأنه إثر تفخيمه ~~بالإقسام به ، فالاستفهام مستعمل في تعظيم أمره. PageV15P352 # وقد جاء التعبير بقوله تعالى : ( @QUR@02 وما أدراك ... ) ثلاث عشرة مرة ~~في القرآن الكريم ، كلها جاء الخبر بعدها كما هنا ، وكما في قوله تعالى ( ~~@QUR@010 وما أدراك ما سقر لا تبقي ولا تذر. لواحة للبشر ) وكما في قوله ~~سبحانه : ( @QUR@017 وما أدراك ما يوم الدين. ثم ما أدراك ما يوم الدين. ~~يوم لا تملك نفس لنفس شيئا .. ) إلا واحدة لم يأت الخبر بعدها ، وهي قوله ~~تعالى : ( @QUR@07 الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة .. ). # أما التعبير بقوله تعالى : ( @QUR@02 وما يدريك .. ) فقد جاء ثلاث مرات ، ~~ولم يأت الخبر بعد واحدة من هذه المرات. قال ms5988 تعالى : ( @QUR@06 وما يدريك ~~لعل الساعة تكون قريبا ). ( @QUR@05 وما يدريك لعل الساعة قريب )، ( ~~@QUR@04 وما يدريك لعله يزكى ). # قال القرطبي : قال سفيان : كل ما في القرآن وما أدراك فقد أخبر به ، وكل ~~شيء قال فيه : وما يدريك ، لم يخبر به. # وقوله ( @QUR@02 النجم الثاقب ) بيان وتفسير للطارق ، والثاقب. أى : ~~المضيء الذي يثقب الظلام ويخرقه بنوره فينفذ فيه ، ويبدده. # والجملة الكريمة مستأنفة ، وهي جواب عن سؤال مقدر نشأ مما قبله ، كأنه ~~قيل : وما هو الطارق؟ فكان الجواب : هو النجم الثاقب. # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 إن كل نفس لما عليها حافظ ) جواب القسم وما ~~بينهما كلام معترض لتفخيم شأن المقسم به .. والحافظ : هو الذي يحفظ ما كلف ~~بحفظه ، لمقصد معين. أى : وحق السماء البديعة الصنع ، وحق النجم الذي يطلع ~~فيها فيبدد ظلام الليل ، ما كل نفس من الأنفس إلا وعليها من الملائكة من ~~يحفظ عملها ويسجله ، سواء أكان هذا العمل خيرا أم شرا. # قال الإمام الشوكانى ما ملخصه : قرأ الجمهور بتخفيف الميم في قوله : لما ~~، فتكون «إن» مخففة من الثقيلة ، فيها ضمير الشأن المقدر ، وهو اسمها ، ~~واللام هي الفارقة بين «إن» النافية ، و «إن» المخففة من الثقيلة وما مزيدة. ~~أى : إن الشأن كل نفس لعليها حافظ. # وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بتشديد الميم في قوله ( @QUR@01 لما )، فتكون ~~«إن» نافية ، و «لما» بمعنى إلا. أى : ما كل نفس إلا عليها حافظ. # والحافظ : هم الحفظة من الملائكة الذين يحفظون عليها عملها وقولها ~~وفعلها. وقيل : الحافظ هو الله تعالى وقيل : هو العقل يرشدهم إلى المصالح. PageV15P353 # والأول أولى لقوله تعالى : ( @QUR@03 ويرسل عليكم حفظة ) وقوله : ( ~~@QUR@03 وإن عليكم لحافظين ). وحفظ الملائكة إنما هو من حفظه تعالى ، ~~لأنهم لا يحفظون إلا بأمره عز وجل (1). # والمقصود من الآية الكريمة : تحقيق تسجيل أعمال الإنسان عليه ، وأنه ~~سيحاسب عليها وسيجازى عليها بما يستحقه من ثواب أو عقاب. # وبعد أن بين سبحانه أن كل نفس عليها حافظ يسجل عليها أعمالها ، أتبع ذلك ~~بأمر الإنسان بالتفكر فيما ينفعه ، بأن يعتبر بأول نشأته ، وليعلم أن من ~~خلقه من ماء مهين ms5989 ، قادر على إعادته إلى الحياة مرة أخرى ، فقال تعالى : ( ~~@QUR@013 فلينظر الإنسان مم خلق. خلق من ماء دافق. يخرج من بين الصلب ~~والترائب .. ). # والفاء في قوله ( @QUR@01 فلينظر ... ) للتفريع على ما تقدم ، وهي بمعنى ~~الفصيحة ، وقوله : ( @QUR@04 خلق من ماء دافق ) جواب الاستفهام في قوله ~~سبحانه ( @QUR@02 مم خلق ) والمقصود بالاستفهام هنا : الحث والحض على ~~التفكر والتدبر. # و «دافق» اسم فاعل من الدفق ، وهو الصب للشيء بقوة وسرعة ، يقال : تدفق ~~الماء إذا سال باندفاع وسرعة. والمراد به هنا : الماء الذي يخرج من الرجل ~~ويصب في رحم المرأة. # والصلب : يطلق على فقار الظهر بالنسبة للرجل ، والترائب : جمع تريبة ، ~~وهي العظام التي تكون في أعلى صدر المرأة ، ويعبرون عنها بقولهم موضع ~~القلادة من المرأة. # أى : إذا كان الأمر كما ذكرت لكم أيها الناس ، من أن كل نفس عليها حافظ ~~يسجل عليها أقوالها وأفعالها .. فلينظر الإنسان منكم نظر تأمل وتدبر ~~واعتبار ، وليسأل نفسه من أى شيء خلق؟ لقد خلقه الله تعالى بقدرته ، من ماء ~~متدفق ، يخرج بقوة وسرعة من الرجل ، ليصب في رحم الأنثى. # وهذا الماء الدافق من صفاته أنه يخرج من بين صلب الرجل ، ومن بين ترائب ~~المرأة ، حيث يختلط الماءان ، ويتكون منهما الإنسان في مراحله المختلفة ~~بقدرة الله تعالى . # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما وجه اتصال قوله : ( @QUR@01 فلينظر ) بما قبله؟. # قلت : وجه اتصاله به أنه لما ذكر أن على كل نفس حافظا ، أتبعه بتوصية ~~الإنسان بالنظر PageV15P354 # في أول أمره. ونشأته الأولى ، حتى يعلم أن من أنشأه قادر على إعادته ~~وجزائه ، فيعمل ليوم الإعادة والجزاء ، ولا يملى على حافظه إلا ما يسره في ~~عاقبته. # «مم خلق» استفهام جوابه : «خلق من ماء دافق» ، والدفق : صب فيه دفع. ~~ومعنى «دافق» النسبة إلى الدفق الذي هو مصدر دفق ، كاللابن والتامر. أو ~~الإسناد المجازى ، والدفق في الحقيقة لصاحبه. # ولم يقل ماءين لامتزاجهما في الرحم ، واتحادهما حين ابتدئ في خلقه ... (1). # وقال بعض العلماء : قوله : ( @QUR@04 خلق من ماء دافق ) أى : من ماء ذي ~~دفق .. وكل من منى الرجل. ومنى المرأة ، اللذين ms5990 يتخلق منهما الجنين ، ذو ~~دفق في الرحم. # ( @QUR@05 يخرج من بين الصلب والترائب ) أى : يخرج هذا الماء الدافق ، من ~~بين صلب كل واحد منهما ، وترائب كل منهما. أى : أن أعضاء وقوى كل منهما ، ~~تتعاون في تكوين ما هو مبدأ لتوالد الإنسان : ماء الرجل وهو المنى ، ومادة ~~المرأة وهي البويضة المصحوبة بالسائل ، المنصبان بدفع وسيلان سريع إلى ~~الرحم عند الاتصال الجنسي. ويسمى الفقهاء هذه المادة منيا وماء .. (2). # وقال فضيلة الشيخ ابن عاشور : وأطنب سبحانه في وصف هذا الماء الدافق ، ~~لإدماج التعليم والعبرة بدقائق التكوين ، ليستيقظ الجاهل الكافر ، ويزداد ~~المؤمن علما ويقينا. # ووصف بأنه ( @QUR@05 يخرج من بين الصلب والترائب )، لأن الناس لا ~~يتفطنون لذلك .. وهذا من الإعجاز العلمي في القرآن ، الذي لم يكن علم به ~~للذين نزل بينهم ، وهو إشارة مجملة ، وقد بينها حديث مسلم عن أم سلمة ~~وعائشة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن احتلام المرأة فقال : «تغتسل ~~إذا أبصرت الماء. فقيل له : أترى المرأة ذلك؟ فقال : وهل يكون الشبه إلا من ~~قبل ذلك ، إذا علا ماء المرأة ماء الرجل ، أشبه الولد أخواله ، وإذا علا ~~ماء الرجل ماءها ، أشبه أعمامه» (3). # وقال صاحب الظلال : ولقد كان هذا سرا مكنونا في علم الله لا يعلمه البشر ~~، حتى كان نصف القرن الأخير ، حيث اطلع العلم الحديث على هذه الحقيقة ~~بطريقته ، وعرف أنه في عظام الظهر الفقارية ، يتكون ماء الرجل. وفي عظام ~~الصدر العلوية يتكون ماء المرأة ، حيث PageV15P355 # يلتقيان في قرار مكين. فينشأ منهما الإنسان .. (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@013 إنه على رجعه لقادر. يوم تبلى السرائر ، فما ~~له من قوة ولا ناصر ). بيان لكمال قدرته تعالى وأنه كما أنشأ الإنسان من ~~ماء مهين ، قادر على إعادته إلى الحياة بعد موته. والضمير في قوله : ( ~~@QUR@01 إنه ) يعود إلى الله عز وجل لأن الخالق للإنسان من ماء دافق هو الله ~~تعالى . # والضمير في قوله «رجعه» يعود إلى الإنسان المخلوق. # وقوله : ( @QUR@01 تبلى ) من البلاء بمعنى الاختبار والامتحان ، ومنه ~~قوله تعالى ( @QUR@05 إن هذا لهو البلاء المبين ) والمراد بقوله ( @QUR@01 ~~تبلى ) هنا ms5991 : الكشف والظهور. # و ( @QUR@01 السرائر ) جمع سريرة ، وهي ما أسره الإنسان من أقوال وأفعال ~~، والظرف «يوم» متعلق بقوله : ( @QUR@01 رجعه ). # أى : إن الله تعالى الذي قدر على خلق الإنسان من ماء دافق. يخرج من بين ~~الصلب والترائب .. لقادر أيضا على إعادة خلق هذا الإنسان بعد موته ، وعلى ~~بعثه من قبره للحساب والجزاء ، يوم القيامة ، يوم تكشف المكنونات ، وتبدو ~~ظاهرة للعيان ، وترفع الحجب عما كان يخفيه الإنسان في دنياه من عقائد ونيات ~~وغيرهما. # وفي هذا اليوم لا يكون للإنسان من قوة تحميه من الحساب والجزاء ، ولا ~~يكون له من ناصر ينصره من بأس الله تعالى أو من مدافع يدافع عنه. # ثم أقسم سبحانه مرة أخرى بالسماء على أن القرآن من عنده تعالى فقال : ( ~~@QUR@012 والسماء ذات الرجع. والأرض ذات الصدع. إنه لقول فصل. وما هو ~~بالهزل ). # والرجع : المطر. وسمى بذلك لأنه يجيء ويرجع ويتكرر ، وقيل : الرجع هنا : ~~الشمس والقمر والنجوم ، يرجعن في السماء حيث تطلع من ناحية ، وتغيب في ~~الأخرى. # وقيل : المراد بالرجع : الملائكة ، لأنهم يرجعون إليها حاملين أعمال ~~العباد. # والصدع : الشق والانفطار ، يقال : تصدع الشيء ، إذا تشقق .. والمراد به ~~هنا : ما تتشقق عنه الأرض من نبات. كما قال تعالى : ( @QUR@013 أنا صببنا ~~الماء صبا. ثم شققنا الأرض شقا ، فأنبتنا فيها حبا. وعنبا وقضبا ).. PageV15P356 # أى : وحق السماء صاحبة المطر الذي ينزل من جهتها مرة فأخرى ، لنفع العباد ~~والحيوان والنبات .. وحق الأرض ذات النبات البازغ من شقوقها. # ( @QUR@01 إنه ) أى : هذا القرآن ( @QUR@02 لقول فصل ) أى : لقول فاصل ~~بين الحق والباطل ، والهدى والضلال. والغي والرشاد .. وقد بلغ النهاية في ~~ذلك حتى لكأنه نفس الفصل. # ( @QUR@03 وما هو بالهزل ) أى : وأن هذا القرآن ، ليس فيه شائبة من شوائب ~~الهزل أو اللعب أو المزاح. بل هو جد كله ، فيجب على كل عاقل ، أن يتبع هداه ~~، وأن يستجيب لأمره ونهيه. # وفي هذه الآيات الكريمة رد بليغ ، على أولئك المشركين الجاهلين ، الذين ~~وصفوا القرآن ، بأنه نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم ليهزل به ، لأنه ~~يخبرهم بأن الأموات سيعادون إلى الحياة مرة أخرى ms5992 ، وذلك أمر تستبعده نفوسهم ~~المطموسة. # وفي قوله تعالى : ( @QUR@06 والسماء ذات الرجع. والأرض ذات الصدع ) ~~مقابلة لطيفة ، حيث وصف سبحانه السماء والأرض بما يناسبهما ، وبما يشير إلى ~~أن البعث حق ، لأنه كما ينزل المطر من السماء فيحيى الأرض بعد موتها. كذلك ~~يحيى الله تعالى بقدرته الأجساد بعد موتها. وعاد الضمير في قوله ( @QUR@01 ~~إنه ) إلى القرآن مع أنه لم يسبق له ذكر لأنه معلوم من المقام. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة ، بتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وبتبشيره ~~بحسن العاقبة فقال تعالى : ( @QUR@09 إنهم يكيدون كيدا. وأكيد كيدا. فمهل ~~الكافرين أمهلهم رويدا ) وقوله : ( @QUR@01 رويدا ) تصغير «رود» بزنة عود ~~من قولهم : فلان يمشى على رود ، أى : على مهل ، وأصله من رادت الريح ترود ، ~~إذا تحركت حركة ضعيفة. # والكيد : العمل على إلحاق الضرر بالغير بطريقة خفية ، فهو نوع من المكر. # والمراد به بالنسبة لهؤلاء المشركين : تكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم ، ~~ولما جاء به من عند ربه ، فكيدهم مستعمل في حقيقته. # والمراد به بالنسبة لله تعالى : إمهالهم واستدراجهم ، حتى يأخذهم أخذ ~~عزيز مقتدر ، في الوقت الذي يختاره ويشاؤه. # أى : إن هؤلاء المشركين يحيكون المكايد لإبطال أمرك أيها الرسول الكريم ، ~~وإنى أقابل كيدهم ومكرهم بما يناسبه من استدراج من حيث لا يعلمون ، ثم ~~آخذهم أخذ عزيز مقتدر ، فتمهل أيها الرسول الكريم مع هؤلاء المشركين. ولا ~~تستعجل عقابهم. وانتظر PageV15P357 # تدبيرى فيهم ، وأمهلهم وأنظرهم «رويدا» أى : إمهالا قريبا أو قليلا ، فإن ~~كل آت قريب ، وقد حقق سبحانه لنبيه وعده بأن جعل العاقبة له ولأتباعه. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV15P358 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الأعلى ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «الأعلى» تسمى أيضا بسورة : «سبح اسم ربك الأعلى» ، فقد ثبت في ~~الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ عند ما بلغه أنه يطيل ~~الصلاة وهو يصلى بجماعة : «أفتان أنت يا معاذ؟ هلا صليت بسبح اسم ربك ~~الأعلى. والشمس وضحاها. والليل إذا يغشى» .. # 2 وسورة «الأعلى» من السور التي كان النبي صلى ms5993 الله عليه وسلم يحب قراءتها ، ~~لاشتمالها على تنزيه الله تعالى ، وعلى الكثير من نعمه ومننه ، فقد أخرج ~~الإمام أحمد عن على بن أبى طالب ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب ~~هذه السورة. # وعن النعمان بن بشير ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في العيدين : ( ~~@QUR@04 سبح اسم ربك الأعلى )، و ( @QUR@04 هل أتاك حديث الغاشية )، وإن ~~وافق يوم الجمعة قرأهما جميعا. # وعن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الوتر ~~: ( @QUR@04 سبح اسم ربك الأعلى ) و ( @QUR@04 قل يا أيها الكافرون ) و ( ~~@QUR@04 قل هو الله أحد ) (1). # 3 وعدد آياتها تسع عشرة آيه. وهي من السور المكية الخالصة. قال الآلوسى : ~~والجمهور على أنها مكية ، وعن بعضهم أنها مدنية. # والدليل على كونها مكية ، ما أخرجه البخاري عن البراء بن عازب قال : أول ~~من قدم علينا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير ، وابن أم مكتوم ~~، فجعلا يقرئاننا PageV15P359 # القرآن ، ثم جاء عمار بن ياسر ، وسعد بن أبى وقاص ، وبلال ، ثم جاء عمر ~~بن الخطاب في عشرين ، ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم فما رأيت أهل المدينة ~~فرحوا بشيء فرحهم به ، حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون : هذا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قد جاء ، فما جاء حتى قرأت ( @QUR@04 سبح اسم ربك الأعلى ) ~~في سور مثلها .. (1). # ومما يدل أيضا على أن هذه السورة مكية ، بل من أوائل السور المكية ، ما ~~ذكره الإمام السيوطي ، من أن هذه السورة كان ترتيبها في النزول الثامنة من ~~بين السور المكية ، فقد كان نزولها بعد سورة «التكوير» وقبل سورة «الليل» ، ~~بل هناك رواية عن ابن عباس أنها السورة السابعة ، إذ لم يسبقها سوى سورة : ~~العلق ، والمدثر ، والمزمل ، والقلم ، والمسد ، والتكوير .. (2). # 4 والسورة الكريمة من أهم مقاصدها : إقامة الأدلة على وحدانية الله تعالى ~~وعلى أنه تعالى منزه عن كل نقص ، وإبراز جانب عظيم من نعمه التي لا تحصى ، ~~وامتنانه على نبيه صلى الله عليه وسلم بالشريعة السمحة ، وبالقرآن ms5994 الكريم. PageV15P360 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@04 سبح اسم ربك الأعلى (1) @QUR@03 الذي خلق فسوى (2) @QUR@03 ~~والذي قدر فهدى (3) @QUR@03 والذي أخرج المرعى (4) @QUR@03 فجعله غثاء أحوى ~~(5) @QUR@03 سنقرئك فلا تنسى (6) @QUR@09 إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر ~~وما يخفى (7) @QUR@02 ونيسرك لليسرى (8) @QUR@04 فذكر إن نفعت الذكرى (9) ~~@QUR@03 سيذكر من يخشى (10) @QUR@02 ويتجنبها الأشقى (11) @QUR@04 الذي ~~يصلى النار الكبرى (12) @QUR@06 ثم لا يموت فيها ولا يحيى (13) @QUR@04 قد ~~أفلح من تزكى (14) @QUR@04 وذكر اسم ربه فصلى (15) @QUR@04 بل تؤثرون ~~الحياة الدنيا (16) @QUR@03 والآخرة خير وأبقى (17) @QUR@05 إن هذا لفي ~~الصحف الأولى (18) @QUR@03 صحف إبراهيم وموسى ) (19) # افتتحت السورة الكريمة ، بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمداومة على تنزيه ~~الله تعالى عن كل نقص ، ويدخل في هذا الأمر ، كل من يصلح للخطاب. والاسم ~~المراد به الجنس ، فيشمل جميع أسمائه تعالى . # أى : نزه أيها الرسول الكريم أسماء ربك الأعلى عن كل ما لا يليق بها ، ~~فلا تطلقها على غيره تعالى إذا كانت خاصة به ، كلفظ الجلالة. وكلفظ الرحمن ~~، ولا تذكرها في موضع لا يتناسب مع جلالها وعظمتها ، ولا تحرفها عن المعاني ~~التي وضعت لها كما يفعل الزائغون. فقد قال تعالى : ( @QUR@014 ولله الأسماء ~~الحسنى فادعوه بها ، وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون ). PageV15P361 # ونزه ربك الأعلى ، عن الشريك ، وعن الوالد ، وعن الولد ، وعن الشبيه .. ~~وعن كل ما لا يليق به. # قال الجمل : أى : نزه ربك عن كل ما لا يليق به ، في ذاته ، وصفاته ، ~~وأسمائه ، وأفعاله ، وأحكامه. أما في ذاته : فأن تعتقد أنها ليست من ~~الجواهر والأعراض. وأما في صفاته : فأن تعتقد أنها ليست محدثة ولا متناهية ~~ولا ناقصة. وأما في أفعاله : فأن تعتقد أنه سبحانه مطلق لا اعتراض لأحد ~~عليه في أمر من الأمور. وأما في أسمائه : فأن لا تذكره سبحانه إلا بالأسماء ~~التي لا توهم نقصا بوجه من الوجوه .. وأما في أحكامه : فأن تعلم أنه ما ~~كلفنا لنفع يعود عليه ، بل لمحض المالكية .. (1). # أخرج الإمام أحمد عن عامر بن عقبة الجهني قال : لما نزلت : ( @QUR@04 ~~فسبح باسم ربك العظيم ) قال لنا رسول الله صلى الله ms5995 عليه وسلم : «اجعلوها في ~~ركوعكم» فلما نزلت : ( @QUR@04 سبح اسم ربك الأعلى ) قال : «اجعلوها في ~~سجودكم». # ثم وصف سبحانه ذاته بعد وصفه بالأعلى بصفات كريمة أخرى فقال : ( @QUR@03 ~~الذي خلق فسوى ). والخلق : هو الإيجاد للشيء على غير مثال سابق ، والتسوية ~~: هي جعل المخلوقات على الحالة والهيئة التي تناسبها ، وتتلاءم مع طبيعتها. # أى : الذي خلق الخلائق كلها ، وجعلها متساوية في الأحكام والإتقان حسبما ~~اقتضته حكمته. ومنح كل مخلوق ما يناسب طبيعته ووظيفته. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@03 الذي خلق فسوى ) أى : خلق كل شيء ~~فسوى خلقه تسوية ، ولم يأت به متفاوتا غير ملتئم ، ولكن على إحكام واتساق ، ~~ودلالة على أنه صادر عن عالم ، وأنه صنعة حكيم .. (2). # ( @QUR@03 والذي قدر فهدى ) والتقدير : وضع الأشياء في مواضعها الصحيحة ، ~~بمقدار معين ، وبكيفية معينة .. تقتضيها الحكمة ، ويقرها العقل السليم. # وقوله : ( @QUR@01 فهدى ) من الهداية. بمعنى الإرشاد والدلالة على طريق ~~الخير والبر. أى : وهو سبحانه الذي جعل الأشياء على مقادير مخصوصة في ~~أجناسها ، وفي أنواعها ، وفي أفرادها. وفي صفاتها وأفعالها .. وهدى كل ~~مخلوق إلى ما ينبغي له طبعا واختيارا ، ووجهه إلى PageV15P362 # الوظيفة التي خلقه من أجلها ، بأن أوجد فيه العقل والميول والإلهامات ~~والغرائز والدوافع التي تعينه على أداء تلك الوظيفة. # وحذف سبحانه المفعول في قوله : ( @QUR@06 الذي خلق فسوى. والذي قدر فهدى ~~) للعموم ، لأن هذه الأفعال تشمل جميع مخلوقاته عز وجل . # قال الآلوسى : ( @QUR@02 والذي قدر ... ) أى : جعل الأشياء على مقادير ~~مخصوصة .. ( @QUR@01 فهدى ) أى : فوجه كل واحد منها إلى ما يصدر عنه ، ~~وينبغي له .. فلو تتبعت أحوال النباتات والحيوانات ، لرأيت في كل منها ما ~~تحار فيه العقول ، وتضيق عنه دفاتر النقول. # وأما فنون هداياته سبحانه للإنسان على الخصوص ، ففوق ذلك بمراحل .. ~~وهيهات أن يحيط بها فلك العبارة والتحرير ، ولا يعلمها إلا اللطيف الخبير. # أتزعم أنك جرم صغير %~% وفيك انطوى العالم الأكبر (1) # وقد فصل بعض العلماء الحديث عن مظاهر تقديره وهدايته سبحانه فقال : قوله ~~تعالى : ( @QUR@06 الذي خلق فسوى. والذي قدر فهدى ) أى : الذي خلق كل شيء ~~فسواه ، فأكمل صنعته ، وبلغ به غاية الكمال الذي ms5996 يناسبه ، والذي قدر لكل ~~مخلوق وظيفته وطريقته وغايته ، فهداه إلى ما خلقه لأجله ، وألهمه غاية ~~وجوده ، وقدر له ما يصلحه مدة بقائه ، وهداه إليه. وهذه الحقيقة الكبرى ~~ماثلة في كل شيء في هذا الوجود ، ويشهد بها كل شيء في رحاب هذا الكون ، من ~~الكبير إلى الصغير .. # فالطيور لها غريزة العودة إلى الموطن .. دون أن تضل عنه مهما بعد. ~~والنحلة تهتدى إلى خليتها ، مهما طمست الريح في هبوبها على الأعشاب ~~والأشجار كل دليل يرى .. # وسمك «السلمون» الصغير ، يمضى سنوات في البحر ، ثم يعود إلى نهره الخاص ~~به .. (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 والذي أخرج المرعى. فجعله غثاء أحوى ) بيان ~~لمظهر آخر من مظاهر قدرته تعالى ، التي لا يعجزها شيء. # والمرعى : النبات الذي ترعاه الحيوانات ، وهو اسم مكان للأرض الذي يوجد ~~فيها النبات. PageV15P363 # والغثاء : هو اليابس الجاف من النبات الذي ترعاه المواشي. # والأحوى : أى : المائل إلى السواد ، مأخوذ من الحوة بضم الحاء مع تشديد ~~الواو المفتوحة وهي لون يكون بين السواد والخضرة أو الحمرة. ووصف الغثاء ~~بأنه أحوى ، لأنه إذا طال عليه الزمن ، وأصابته المياه ، اسود وتعفن فصار أحوى. # أى : وهو سبحانه وحده ، الذي أنبت النبات الذي ترعاه الدواب ، حالة كون ~~هذا النبات أخضر رطبا. ثم يحوله بقدرته تعالى بعد حين إلى نبات يابس جاف. # وهذا من أكبر الأدلة المشاهدة ، على أنه تعالى يتصرف في خلقه كما يشاء ، ~~فهو القادر على تحويل الزرع الأخضر إلى زرع يابس جاف ، كما أنه قادر على ~~إحياء الإنسان بعد موته. # فالمقصود من هذه الآيات الكريمة ، الإرشاد إلى كمال قدرته ، وتنوع نعمه ~~سبحانه ، حتى يزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم ، وحتى يعود الكافرون إلى ~~رشدهم بعد هذا البيان الواضح الحكيم. # ثم بين سبحانه جانبا من مظاهر فضله على نبيه صلى الله عليه وسلم فقال : ( ~~@QUR@012 سنقرئك فلا تنسى. إلا ما شاء الله. إنه يعلم الجهر وما يخفى ). # والنسيان : زوال ما كان موجودا في حافظة الإنسان. والاستثناء مفرغ من أعم ~~المفاعيل. ومفعول المشيئة محذوف. جريا على غالب استعماله في كلام العرب .. # أى : سنقرئك ms5997 أيها الرسول الكريم القرآن على لسان أمين وحينا جبريل ~~عليه السلام . وسنجعلك حافظا وواعيا لما سيقرؤه جبريل عليك ، بحيث لا تنساه ~~في وقت من الأوقات ، أو في حال من الأحوال ، إلا في الوقت أو في الحال الذي ~~يشاء الله تعالى أن ينسيك شيئا من ذلك. فإنك ستنساه بأمره تعالى لأنه وحده ~~عز وجل هو العليم بما كان ظاهرا من الأشياء ، وبما كان خافيا منها. # فالمقصود من هاتين الآيتين : وعد الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ببيان ~~أنه سبحانه ، كما أنه قادر على أن يقرئ الرسول صلى الله عليه وسلم قراءة لا ~~ينساها ، فهو أيضا قادر على أن يزيل من صدره ما يشاء إزالته ، عن طريق ~~النسيان لما حفظه. # فالمراد بهذا الاستثناء : بيان أنه تعالى لو أراد أن يصير الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ناسيا للقرآن لقدر على ذلك ، كما قال سبحانه ( @QUR@06 ~~ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك .. ) PageV15P364 # إذ هو تعالى على كل شيء قدير ، ولكنه لم يشأ ذلك فضلا منه وكرما. # قال الإمام الشوكانى ما ملخصه : قوله : ( @QUR@03 سنقرئك فلا تنسى ) أى : ~~سنجعلك قارئا بأن نلهمك القراءة. فلا تنسى ما تقرؤه ، والجملة مستأنفة ~~لبيان هدايته صلى الله عليه وسلم الخاصة ، بعد بيان الهداية العامة ، وهي ~~هدايته صلى الله عليه وسلم لحفظ القرآن. # وقوله : ( @QUR@04 إلا ما شاء الله ) استثناء مفرغ من أعم المفاعيل ، أى ~~: لا تنسى مما تقرؤه شيئا من الأشياء ، إلا ما شاء الله أن تنساه ، وهو لم ~~يشأ سبحانه أن ينسى النبي صلى الله عليه وسلم شيئا كقوله تعالى ( @QUR@010 ~~خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ). وقيل : «لا» في ~~قوله ( @QUR@02 فلا تنسى ) للنهى ، والألف مزيدة لرعاية الفاصلة ، كما في ~~قوله تعالى : ( @QUR@02 فأضلونا السبيلا )، يعنى : فلا تغفل عن قراءته (1). # وقال الإمام الرازي : وهاتان الآيتان تدلان على المعجزة من وجهين : # أحدهما : أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان أميا ، فحفظه لهذا الكتاب المطول ~~عن غير دراسة ، ولا تكرار ، ولا كتبة ، خارق للعادة فيكون معجزا. وثانيهما ~~: أن هذه السورة ms5998 من أوائل ما نزل بمكة. فهذا إخبار عن أمر عجيب غريب مخالف ~~للعادة. سيقع في المستقبل ، وقد وقع ، فكان هذا إخبارا عن الغيب ، فيكون ~~معجزا .. (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 ونيسرك لليسرى ) معطوف على قوله ( @QUR@01 ~~سنقرئك ) وجملة : ( @QUR@05 إنه يعلم الجهر وما يخفى ) معترضة. # والتيسير بمعنى التسهيل والتخفيف ، وهو جعل العمل يسيرا على عامله بأن ~~يهيئ الله تعالى للعامل الأسباب التي تهون له العسير ، وتقرب له البعيد. # واليسرى : مؤنث الأيسر ، بمعنى الأسهل ، والموصوف محذوف. # والمعنى : سنجعلك أيها الرسول الكريم صاحب ذاكرة قوية تحفظ القرآن ولا ~~تنساه. وسنوفقك توفيقا دائما للطريقة اليسرى في كل باب من أبواب الدين : ~~علما وعملا ، واهتداء وهداية وسنرزقك الأمور الحسنة التي تجعلك تعيش سعيدا ~~في دنياك ، وظافرا برضواننا في أخراك. PageV15P365 # ولقد أنجز الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وعده ، حيث أعطاه شريعة سمحة ~~، ومنحه أخلاقا كريمة ، من مظاهرها أنه صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين ~~إلا اختار أيسرهما ، ودعا أتباعه إلى الأخذ بمبدأ التيسير ، فقال : «يسروا ~~ولا تعسروا ، وبشروا ولا تنفروا ..». # فهاتان بشارتان عظيمتان للرسول صلى الله عليه وسلم . أولاهما : تتمثل في ~~إلهامه الذاكرة الواعية الحافظة لما يوحى اليه. وثانيتهما : توفيقه ~~صلى الله عليه وسلم إلى الشريعة اليسرى ، وإلى الأخلاق الكريمة وإلى الأخذ بما ~~هو أرفق وأيسر في كل أحواله. # ثم أمره تعالى بدوام التذكير بدعوة الحق بدون إبطاء أو يأس فقال : ( ~~@QUR@019 فذكر إن نفعت الذكرى. سيذكر من يخشى. ويتجنبها الأشقى. الذي يصلى ~~النار الكبرى. ثم لا يموت فيها ولا يحيى ). # والفاء في قوله ( @QUR@01 فذكر ) للتفريع على ما تقدم ، والأمر مستعمل ~~هنا في طلب المداومة على التذكير بدعوة الحق التي أرسله سبحانه بها ، ~~والذكرى : بمعنى التذكير. # والمعنى : إذا كان الأمر كما أخبرناك أيها الرسول الكريم فداوم على تذكير ~~الناس بالهدى ودين الحق ، واتبع في ذلك الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة ~~بالتي هي أحسن ، واهتم في تذكيرك بمن تتوقع منهم قبول دعوتك ، وأعرض عن ~~الجاحدين والمعاندين والجاهلين. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كان الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا ms5999 بالذكرى ~~نفعت أو لم تنفع .. فما معنى اشتراط النفع؟ .. # قلت : هو على وجهين : أحدهما. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استفرغ ~~مجهوده في تذكيرهم ، وما كانوا يزيدون على زيادة الذكرى إلا عتوا وطغيانا ، ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتلظى حسرة وتلهفا ، ويزداد جدا في تذكيرهم ، ~~وحرصا عليه ، فقيل له : ( @QUR@09 وما أنت عليهم بجبار. فذكر بالقرآن من ~~يخاف وعيد ) وذلك بعد إلزام الحجة بتكرير التذكير. # والثاني : أن يكون ظاهره شرطا ، ومعناه ذما للمذكرين بتشديد الكاف ~~المفتوحة وإخبارا عن حالهم ، واستبعادا لتأثير الذكرى فيهم ، وتسجيلا عليهم ~~بالطبع على قلوبهم ، كما تقول للواعظ : عظ المكاسين إن سمعوا منك ، قاصدا ~~بهذا الشرط ، استبعاد ذلك ، وأنه لن يكون .. (1). # وقال الإمام الرازي ما ملخصه : جاء التعليق بالشرط في قوله تعالى : ( ~~@QUR@02 فذكر إن PageV15P366 # @QUR@02 نفعت الذكرى ) مع أنه صلى الله عليه وسلم مطلوب منه أن يذكر الناس ~~جميعا ، نفعتهم الذكرى أم لم تنفعهم للتنبيه على أشرف الحالين ، وهو وجود ~~النفع الذي من أجله شرعت الذكرى ، كقوله تعالى : ( @QUR@03 سرابيل تقيكم ~~الحر ). وللإشعار بأن المراد من الشرط : البعث على الانتفاع بالذكرى ، كما ~~يقول الإنسان لغيره بعد أن بين له الحق ، قد أوضحت لك الأمر إن كنت تعقل ، ~~فيكون مراده الحض على القبول .. (1). # ويبدو لنا أن المقصود بالآية الكريمة ، تحريض النبي صلى الله عليه وسلم على ~~المداومة على دعوة الناس إلى قبول الحق الذي جاء به ، فإن هذا التذكير إن ~~لم ينفع الناس جميعا ، فسينفع بعضهم ، فقد اقتضت سنة الله تعالى أن لا تخلو ~~الأرض ممن يستمع إلى الحق ، ويستجيب له. # ويدل على هذا المعنى قوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@03 سيذكر من يخشى ) أى ~~: سينتفع بتذكيرك أيها الرسول الكريم من يخشى الله تعالى ويخاف عذابه ، ~~ويرجو ثوابه. # ( @QUR@02 ويتجنبها الأشقى ) أى : ويتجنب الذكرى ، ويبتعد عن الموعظة ، ~~ويتجافى عن النصيحة ، الإنسان الشديد الشقاوة والتعاسة ، الذي أبى إلا ~~الإصرار على كفره وعناده ، وخلا من خشية الله تعالى . والمراد بالأشقى : ~~الجنس ، أى : يبتعد عن الانتفاع بالتذكير جميع الأشقياء وهم الكافرون. # وقيل : المراد به ms6000 الكافر المتوغل في كفره كأبى جهل والوليد بن المغيرة ~~وأشباههما. # وقوله : ( @QUR@04 الذي يصلى النار الكبرى ) صفة للأشقى. أى : سيبتعد عن ~~الانتفاع بتذكيرك أيها الرسول الكريم الكافر المصر على كفره ، الذي من ~~صفاته أنه سيصلى وسيلقى في أشد طبقات النار سعيرا وحريقا ، وهي الطبقة ~~السفلى منها. # فوصف النار بالكبرى ، من قبيل التهويل والإنذار للمصرين على كفرهم ( ~~@QUR@06 ثم لا يموت فيها ولا يحيى ) أى : ثم إن هذا الشقي بعد أن يلقى به ~~في النار الكبرى ، ( @QUR@03 لا يموت فيها ) فيستريح من العذاب ( @QUR@02 ~~ولا يحيى ) حياة طيبة فيها شيء من الراحة ، بل يبقى هكذا ( @QUR@08 يأتيه ~~الموت من كل مكان وما هو بميت ). # وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@018 والذين كفروا لهم نار جهنم لا ~~يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها ، كذلك نجزي كل كفور ) (2). PageV15P367 # وبعد هذا البيان الذي يهز القلوب .. عن سوء عاقبة الأشقياء ، ساق سبحانه ~~ما يدخل البهجة والسرور على النفوس ، عن طريق بيان حسن عاقبة السعداء ، ~~فقال : ( @QUR@08 قد أفلح من تزكى. وذكر اسم ربه فصلى ). # أى : قد أفلح وفاز وانتفع بالتذكير ، من حاول تزكية نفسه وتطهيرها من كل سوء. # ومن ذكر اسم ربه بقلبه ولسانه ، فصلى الصلوات الخمس التي فرضها الله ~~تعالى عليه. وأضاف إليها ما استطاع من نوافل وسنن. # وعبر سبحانه بقوله : ( @QUR@02 قد أفلح ) ليجمع في هذا التعبير البليغ ، ~~كل معاني الخير والنفع ، لأن الفلاح معناه : وصول المرء إلى ما يطمح إليه ~~من فوز ونفع. وجاء التعبير بالماضي المسبوق بقد ، للدلالة على تحقيق هذا ~~الفلاح بفضل الله تعالى ورحمته. # وقد اشتملت هاتان الآيتان على الطهارة من العقائد الباطلة ( @QUR@01 تزكى ~~) وعلى استحضار معرفة الله تعالى ( @QUR@03 وذكر اسم ربه ) وعلى أداء ~~التكاليف الشرعية التي على رأسها الصلاة ( @QUR@01 فصلى ). # وهذه المعاني هي التي وصلت صاحبها إلى الفلاح الذي ليس بعده فلاح. # وقوله تعالى : ( @QUR@07 بل تؤثرون الحياة الدنيا ، والآخرة خير وأبقى ) ~~الإضراب فيه عن كلام مقدر يفهم من السياق. # والمعنى : لقد بينت لكم ما يؤدى إلى فلاحكم وفوزكم .. ولكنكم يا بنى آدم ~~كثير منكم ms6001 لم يستجب لما بينته له ، بل أنتم تؤثرون الحياة الدنيا ، بأن ~~تقدموا زينتها وشهواتها ومتعها .. على ما ينفعكم في آخرتكم ، والحال أن ما ~~في الدار الآخرة من نعيم ، خير وأبقى من حطام الدنيا ، لأن الدنيا ومتعها ~~زائلة ، أما الآخرة فخيرها باق لا يزول. # والخطاب لجميع الناس ، ويدخل فيه الكافرون دخولا أوليا ، وعليه يكون ~~المراد بإيثار الحياة الدنيا بالنسبة للمؤمنين ، ما لا يخلو منه غالب الناس ~~، من اشتغالهم في كثير من الأحيان بمنافع الدنيا ، وتقصيرهم فيما يتعلق ~~بآخرتهم. # ويرى كثير من العلماء : أن الخطاب للكافرين على سبيل الالتفات ، ويؤيد أن ~~الخطاب للكافرين قراءة أبى عمرو بالياء على طريقة الغيبة. # أى : بل إن الكافرين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة ، مع أن الآخرة خير وأبقى. # ثم ختم سبحانه السورة بقوله : ( @QUR@08 إن هذا لفي الصحف الأولى. صحف ~~إبراهيم وموسى ) أى : إن هذا الذي ذكرناه من فلاح من تزكى ، ومن إيثاركم ~~الحياة الدنيا على PageV15P368 # الآخرة ، لكائن وثابت ومذكور في الصحف الأولى ، التي هي صحف إبراهيم ~~وموسى ، التي أنزلها سبحانه على هذين النبيين الكريمين ، ليعلما الناس ما ~~اشتملت عليه من آداب وأحكام ومواعظ. وفي إبهام هذه الصحف ، ووصفها بالقدم ، ~~ثم بيان أنها لنبيين كريمين من أولى العزم من الرسل ، تنويه بشأنها ، ~~وإعلاء من قدرها. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV15P369 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الغاشية ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «الغاشية» ، وتسمى سورة «هل أتاك حديث الغاشية» من السور المكية ~~الخالصة ، وعدد آياتها ست وعشرون آية ، وهي السورة الثامنة والثمانون في ~~ترتيب المصحف ، أما ترتيبها في النزول ، فهي السورة السابعة والستون من بين ~~السور المكية ، وكان نزولها بعد سورة «الذاريات» وقبل سورة «الكهف». # 2 وهي من السور التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤها كثيرا ، فقد أخرج ~~الإمام مسلم في صحيحه ، عن النعمان بن بشير ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان يقرأ «سبح اسم ربك الأعلى» «والغاشية» في صلاة الجمعة والعيدين. # وفي رواية أيضا عن النعمان بن بشير أن ms6002 الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقرأ ~~هذه السورة مع سورة الجمعة ، في صلاة الجمعة. # 3 وقد اشتملت السورة الكريمة على بيان أحوال الكافرين والمؤمنين يوم ~~القيامة ، كما لفتت أنظار الناس إلى مظاهر قدرة الله في خلقه ، لكي يتفكروا ~~ويتدبروا أن الخالق لهذه الأشياء بتلك الصورة البديعة ، هو المستحق للعبادة ~~والطاعة ، وأنهم سيعودون إليه للحساب والجزاء ( @QUR@07 إن إلينا إيابهم. ~~ثم إن علينا حسابهم ). PageV15P371 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@04 هل أتاك حديث الغاشية (1) @QUR@03 وجوه يومئذ خاشعة (2) ~~@QUR@02 عاملة ناصبة (3) @QUR@03 تصلى نارا حامية (4) @QUR@04 تسقى من عين ~~آنية (5) @QUR@06 ليس لهم طعام إلا من ضريع (6) @QUR@06 لا يسمن ولا يغني ~~من جوع (7) @QUR@03 وجوه يومئذ ناعمة (8) @QUR@02 لسعيها راضية (9) @QUR@03 ~~في جنة عالية (10) @QUR@04 لا تسمع فيها لاغية (11) @QUR@03 فيها عين جارية ~~(12) @QUR@03 فيها سرر مرفوعة (13) @QUR@02 وأكواب موضوعة (14) @QUR@02 ~~ونمارق مصفوفة (15) @QUR@02 وزرابي مبثوثة (16) @QUR@06 أفلا ينظرون إلى ~~الإبل كيف خلقت (17) @QUR@04 وإلى السماء كيف رفعت (18) @QUR@04 وإلى ~~الجبال كيف نصبت (19) @QUR@04 وإلى الأرض كيف سطحت (20) @QUR@04 فذكر إنما ~~أنت مذكر (21) @QUR@03 لست عليهم بمصيطر (22) @QUR@04 إلا من تولى وكفر ~~(23) @QUR@04 فيعذبه الله العذاب الأكبر (24) @QUR@03 إن إلينا إيابهم (25) ~~@QUR@04 ثم إن علينا حسابهم ) (26) # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@04 هل أتاك حديث الغاشية ) للتحقيق ~~والتقرير ، أو المقصود به التعجيب من حديث القيامة ، والتشويق إلى الاستماع إليه. # والغاشية : لفظ مشتق من الغشيان ، وهو تغطية الشيء لغيره ، يقال : غشيه ~~الأمر ، إذا PageV15P372 # غطاه ، والمقصود بالغاشية يوم القيامة ، ووصف يوم القيامة بذلك ، لأنه ~~يغشى الناس بأهواله وشدائده ، ويغطى عقولهم عن التفكير في أى شيء سواه. # والمعنى : هل بلغك أيها الرسول الكريم أو أيها المخاطب حديث يوم القيامة ~~، الذي يغشى الناس بأحواله المفزعة ، ويعمهم بشدائده .. إن كان لم يأتك ~~فهذا خبره ، وتلك هي أقسام الناس فيه. # وافتتاح السورة بهذا الافتتاح بجانب ما فيه من تشويق يدل على أهمية هذا ~~الخبر ، وأنه من الأخبار التي ينبغي الاستعداد لما اشتملت عليه من معاني لا ~~يصح التغافل عنها. # ثم فصل سبحانه أحوال الناس في هذا اليوم فقال : ( @QUR@03 وجوه يومئذ ~~خاشعة ). # قال الشوكانى : الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر ، كأنه قيل : ما ms6003 هو؟ أو ~~مستأنفة استئنافا نحويا ، لبيان ما تضمنته من كون ثم وجوه في ذلك اليوم ~~متصفة بهذه الصفة المذكورة ، و «وجوه» مرتفع على الابتداء وإن كانت نكرة ~~لوقوعه في مقام التفصيل .. والتنوين في «يومئذ» عوض عن المضاف إليه. أى : ~~يوم غشيان الغاشية. # والخاشعة : الذليلة الخاضعة ، وكل متضائل ساكن يقال له خاشع .. (1). # والمراد بالوجوه : أصحابها ، من باب التعبير عن الكل بالبعض ، وخصت ~~الوجوه بالذكر ، لأنها أشرف أعضاء الإنسان ، ولأنها هي التي تظهر عليها ~~الآثار المختلفة من حزن أو فرح. أى : وجوه في يوم قيام الساعة ، تكون خاشعة ~~ذليلة ، تبدو عليها آثار الهوان والانتكاس والخزي ، كما قال تعالى : ( ~~@QUR@06 وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل .. ). # وهذه الوجوه أيضا من صفاتها أنها ( @QUR@02 عاملة ناصبة ) أى : مكلفة ~~بالعمل الشاق المرهق الذي تنصب له الوجوه في هذا اليوم ، وتتعب تعبا ما ~~عليه من مزيد ، كجر السلاسل ، وحمل الأغلال ، والخوض في النار. # فقوله : ( @QUR@01 عاملة ) اسم فاعل من العمل ، والمراد به هنا : العمل ~~الشاق المهين. # وقوله : ( @QUR@01 ناصبة ) من النصب ، بمعنى : التعب والإعياء يقال : نصب ~~فلان بكسر الصاد كفرح ينصب نصبا ، إذا تعب في عمله تعبا شديدا. # وفي هذه الصفات زيادة توبيخ لأهل النار ، لأنهم لما تركوا في الدنيا ~~الخشوع لله تعالى PageV15P373 # والعمل لصالح ، وآثروا متع الدنيا على ثواب الآخرة .. كان جزاؤهم يوم ~~القيامة ، الإذلال ، والعمل الشاق المهين الذي لا تعقبه راحة. # ثم أخبر سبحانه عن هذه الوجوه الشقية بأخبار أخرى فقال : ( @QUR@03 تصلى ~~نارا حامية ) أى : أن هذه الوجوه تشوى بالنار الحامية يوم القيامة. يقال : ~~صلى فلان النار فهو يصلاها ، إذا لفحته بحرها لفحا شديدا. # ( @QUR@04 تسقى من عين آنية ) أى : هذه الوجوه يسقى أصحابها من عين قد ~~بلغت النهاية في الحرارة والغليان ، إذ الشيء الآتي ، هو الذي بلغ النهاية ~~في الحرارة ، يقال : أتى الماء يأتى كرمى يرمى ، إذا بلغ الغاية في الغليان ~~، ومنه قوله تعالى ( @QUR@05 يطوفون بينها وبين حميم آن ). # قال الإمام ابن جرير : قوله : ( @QUR@04 تسقى من عين آنية ) أى : تسقى ~~أصحاب هذه الوجوه من شراب عين قد أنى ms6004 حرها ، فبلغ غايته في شدة الحر ، ~~وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .. فعن ابن عباس : هي التي قد طال ~~أنيها أى : حرها . # وقال بعضهم : عنى بقوله : ( @QUR@03 من عين آنية ) أى : من عين حاضرة أى ~~: حاضرة لعذابهم .. (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@012 ليس لهم طعام إلا من ضريع. لا يسمن ولا يغني من ~~جوع ). # والضريع : هو شجر في النار يشبه الشوك ، فيه ما فيه من المرارة والحرارة ~~وقبح الرائحة. # وقوله : ( @QUR@01 يسمن ) من السمن بكسر السين وفتح الميم وهو وفرة اللحم ~~والشحم في الحيوان وغيره. يقال : فلان أسمنه الطعام ، إذا عاد عليه بالسمن. # وقوله ( @QUR@01 يغني ) من الإغناء ودفع الحاجة. يقال : أغنانى هذا الشيء ~~عن غيره ، إذا كفاه واستغنى به عن سواه. أى : أن أصحاب هذه الوجوه التعيسة ~~بجانب شرابهم من الماء البالغ النهاية في الحرارة ، لهم أيضا طعام من أقبح ~~الطعام وأردئه وأشنعه وأشده مرارة .. هذا الطعام لا يأتى بسمن ، ولا يغنى ~~من جوع ، بل إن آكله ليزدرده رغما عنه. # فأنت ترى أن الله تعالى قد أخبر عن أصحاب هذه الوجوه الشقية بجملة من ~~الأخبار المحزنة المؤلمة ، التي منها ما يتعلق بهيئاتهم ، ومنها ما يتعلق ~~بأحوالهم ، ومنها ما يتعلق بشرابهم ، ومنها ما يتعلق بطعامهم. PageV15P374 # ووصف سبحانه طعامهم بأنه لا يسمن ولا يغنى من جوع ، لزيادة تقبيح هذا ~~الطعام ، وأنه شر محض ، لا مكان لأية فائدة معه. # قال صاحب الكشاف : الضريع : اليابس من نبات الشبرق ، وهو جنس من الشوك ، ~~ترعاه الإبل مادام رطبا. فإذا يبس تحامته الإبل وهو سم قاتل .. # فإن قلت : كيف قيل : ( @QUR@06 ليس لهم طعام إلا من ضريع ) وفي الحاقة ( ~~@QUR@05 ولا طعام إلا من غسلين؟ ). قلت : العذاب ألوان ، والمعذبون طبقات ~~، فمنهم : أكلة الزقوم ، ومنهم أكلة الغسلين ، ومنهم أكلة الضريع. # والضريع : منفعتا الغذاء منفيتان عنه : وهما إماطة الجوع ، وإفادة القوة ~~والسمن في البدن. أو أريد : أن لا طعام لهم أصلا ، لأن الضريع ليس بطعام ~~للبهائم ، فضلا عن الإنس ، لأن الطعام ما أشبع أو أسمن ، وهما منه بمعزل ، ~~كما تقول : ليس لفلان ظل إلا ms6005 الشمس. تريد : نفى الظل على التوكيد .. (1). # وبعد هذا الحديث المؤثر عن الكافرين وسوء عاقبتهم .. جاء الحديث عن ~~المؤمنين ونعيمهم ، فقال تعالى : ( @QUR@08 وجوه يومئذ ناعمة. لسعيها ~~راضية. في جنة عالية ). # قال الآلوسى : قوله : ( @QUR@03 وجوه يومئذ ناعمة ) شروع في رواية حديث ~~أهل الجنة ، وتقديم حكاية أهل النار ، لأنه أدخل في تهويل الغاشية ، وتفخيم ~~حديثها ، ولأن حكاية حسن حال أهل الجنة ، بعد حكاية سوء أهل النار ، مما ~~يزيد المحكي حسنا وبهجة .. وإنما لم تعطف هذه الجملة على تلك الجملة ، ~~إيذانا بكمال التباين بين مضمونهما .. (2). # أى : وجوه كثيرة تكون يوم القيامة ، ذات بهجة وحسن ، وتكون متنعمة في ~~الجنة بما أعطاها سبحانه من خير عميم ، جزاء عملها الصالح في الدنيا. # ( @QUR@02 لسعيها راضية ) أى : لعملها الذي عملته في الدنيا راضية ، ~~لأنها قد وجدت من الثواب عليه في الآخرة ، أكثر مما كانت تتوقع وترجو. # فالمراد بالسعي : العمل الذي كان يعمله الإنسان في الدنيا ، ويسعى به من ~~أجل الحصول على رضا خالقه ، وهو متعلق بقوله ( @QUR@01 راضية ). وقدم عليه ~~للاعتناء بشأن هذا السعى. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 في جنة عالية ) بيان لسمو مكانتهم. أى : هم ~~كائنون في جنة PageV15P375 # عالية ، مرتفعة المكان والمكانة. فقد وصفت الجنة بالعلو ، للمبالغة في ~~حسنها وفي علو منزلتها ، فقد جرت العادة أن تكون أحسن الجنات ، ما كانت ~~مرتفعة على غيرها. # ثم وصف سبحانه هذه الجنة بجملة من الصفات الكريمة فقال : ( @QUR@04 لا ~~تسمع فيها لاغية ). أى : لا تسمع في هذه الجنة كلمة ذات لغو. واللغو : هو ~~الكلام الساقط الذي لا فائدة فيه. أى : أنك أيها المخاطب لا تسمع في الجنة ~~إلا الكلام الذي تسر له نفسك ، وتقر به عينك ، فلفظ اللاغية هنا : مصدر ~~بمعنى اللغو ، مثل الكاذبة للكذب ، وهو صفة لموصوف محذوف. # ( @QUR@03 فيها عين جارية ) أى : في هذه الجنة عيون تجرى بالماء العذب ~~الزلال المتدفق. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@03 فيها عين جارية ) يريد عيونا في غاية ~~الكثرة ، كقوله : ( @QUR@05 علمت نفس ما قدمت وأخرت ). # فالمراد بالعين هنا : جنس العيون ، وبالجارية : التي لا ينقطع ماؤها .. ( ~~@QUR@03 فيها سرر مرفوعة ) أى : في ms6006 الجنة أماكن يجلس عليها أهلها جلوسا ~~مرتفعا عن الأرض. # وينامون فوقها نوما هادئا لذيذا .. والسرر : جمع سرير ، وهو الشيء ذو ~~القوائم المرتفعة الذي يتخذ للجلوس والاضطجاع. # ووصف سبحانه هذه السرر بالارتفاع ، لزيادة تصوير حسنها. # ( @QUR@02 وأكواب موضوعة ) والأكواب جمع كوب. وهو عبارة عن الإناء الذي ~~تشرب فيه الخمر. أى : وفي الجنة أكواب كثيرة قد وضعت بين أيدى أهلها ، بحيث ~~يشربون من الخمر التي وضعت فيها ، دون أن يجدوا أى عناء في الحصول عليها. # ( @QUR@02 ونمارق مصفوفة ) والنمارق : جمع نمرقة بضم النون وسكون الميم ~~وضم الراء ، وهي الوسادة الصغيرة التي يتكئ عليها الجالس والمضجع. أى : وفي ~~الجنة وسائد كثيرة ، قد صف بعضها إلى جانب بعض صفا جميلا ، بحيث يجدها ~~الجالس قريبة منه في كل وقت. # ( @QUR@02 وزرابي مبثوثة ) والزرابي جمع زربية بتثليث الزاى وهي البساط ~~الواسع الفاخر ، أو ما يشبهه من الأشياء الثمينة التي تتخذ للجلوس عليها. ~~والمبثوثة : أى : المنتشرة على الأرض ، من البث بمعنى النشر ، كما في قوله ~~تعالى : ( @QUR@05 وبث فيها من كل دابة ). # أى : وفيها بسط فاخرة جميلة .. مبسوطة في كل مكان ، ومتفرقة في كل مجلس. # فأنت ترى أن الله تعالى قد وصف الجنة التي أعدها سبحانه لعباده المتقين ، ~~بعدد من الصفات الكريمة المتنوعة. PageV15P376 # وصفها بأنها عالية في ذاتها ، وبأنها خالية من الكلام الساقط ، وبأن ~~مياهها لا تنقطع ، وبأن أثاثها في غاية الفخامة ، حيث اجتمع فيها كل ما هو ~~مريح ولذيذ. # نسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعا من أهلها. # ثم ساق سبحانه أنواعا من الأدلة المشاهدة ، التي لا يستطيع أحد إنكارها ، ~~ليلفت أنظار الناس إلى مظاهر قدرته ووحدانيته. فقال تعالى : ( @QUR@018 ~~أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت. وإلى السماء كيف رفعت. وإلى الجبال كيف ~~نصبت. وإلى الأرض كيف سطحت ). # والاستفهام للتقريع والتوبيخ ، والتحريض على التأمل والتفكر ، والفاء ~~للعطف على مقدر يقتضيه المقام ، والمراد بالنظر : التدبر في تلك المخلوقات ~~، فإن من شأن هذا التدبر ، أنه يؤدى إلى الاعتبار والانتفاع .. والخطاب ~~لأولئك الكافرين الجاهلين ، الذين أمامهم الشواهد الواضحة على وحدانية الله ~~تعالى وقدرته ، ومع ذلك ms6007 لم ينتبهوا لها. # والمعنى : أيستمر هؤلاء الكافرون في جهلهم وضلالهم ، وفي إنكارهم لأمر ~~البعث والحساب والجزاء .. فلا ينظرون نظر اعتبار وتأمل ، إلى الإبل وهي ~~أمام أعينهم كيف خلقها الله تعالى بهذه الصورة العجيبة ، وأوجد فيها من ~~الأعضاء المتناسقة ، ومن التكوين الخلقي ، ما يجعلها تؤدى وظيفتها النافعة ~~لبنى آدم ، على أكمل وجه ، فمن لبنها يشربون ، ومن لحمها يأكلون ، وعلى ~~ظهرها يسافرون ، وأثقالهم عليها يحملون. # وخص سبحانه الإبل بالذكر من بين سائر الحيوانات ، لأنها أعز الأموال عند ~~العرب ، وأقربها إلى مألوفهم وحاجتهم ، وأبدعها خلقا وهيئة وتكوينا. # قال صاحب الكشاف : قوله تعالى : ( @QUR@04 أفلا ينظرون إلى الإبل ) نظر ~~اعتبار ( @QUR@02 كيف خلقت ) خلقا عجيبا ، دالا على تقدير مقدر ، شاهدا ~~بتدبير مدبر ، حيث خلقها للنهوض بالأثقال ، وجرها إلى البلاد الشاحطة. أى ~~البعيدة ، فجعلها تبرك حتى تحمل عن قرب ويسر ، ثم تنهض بما حملت ، وسخرها ~~منقادة لكل من اقتادها بأزمتها ، لا تعارض ضعيفا ، ولا تمانع صغيرا. # فإن قلت : كيف حسن ذكر الإبل ، مع السماء والجبال والأرض ، ولا مناسبة؟ .. # قلت : قد انتظم هذه الأشياء ، نظر العرب في أوديتهم وبواديهم ، فانتظمها ~~الذكر على حسب ما انتظمها نظرهم .. (1). PageV15P377 # وقوله تعالى : ( @QUR@04 وإلى السماء كيف رفعت ) أى : وهلا نظروا إلى ~~السماء نظر اعتبار واتعاظ ، فعرفوا أن الذي خلقها هذا الخلق البديع ، بأن ~~رفعها بدون أعمدة .. هو الله عز وجل . # ( @QUR@04 وإلى الجبال كيف نصبت ) أى : كيف وجدت بهذا الوضع الباهر بأن ~~نصبت على وجه الأرض نصبا ثابتا راسخا. يحمى الأرض من الاضطراب والتزلزل. # ( @QUR@04 وإلى الأرض كيف سطحت ) أى : كيف سويت وفرشت وبسطت بطريقة تجعل ~~الناس يتمكنون من الانتفاع بخيرها ، ومن الاستقرار عليها ، وهذا لا ينافي ~~كونها كروية ، لأن الكرة إذا اشتد عظمها .. كانت القطعة منها كالسطح في ~~إمكان الانتفاع بها. # وبعد هذا التوبيخ لأولئك المشركين الذين عموا وصموا عن الحق ، ولم ~~ينتبهوا لآيات الله تعالى الدالة على قدرته ووحدانيته .. أمر الله تعالى ~~نبيه صلى الله عليه وسلم أن يداوم على التذكير بدعوة الحق ، فقال : ( @QUR@07 ~~فذكر إنما أنت مذكر. لست عليهم بمصيطر ). # والفاء في ms6008 قوله ( @QUR@01 فذكر ) للتفريع ، وترتيب ما بعدها على ما ~~قبلها. والأمر مستعمل في طلب الاستمرار والدوام في دعوته الناس إلى الحق ، ~~ومفعول : «فذكر» محذوف للعلم به. # وجملة «إنما أنت مذكر» تعليل للأمر بالمواظبة على تبليغ الناس ما أمره ~~بتبليغه. # والمصيطر : هو المتسلط ، المتجبر ، الذي يجبر الناس على الانقياد لما ~~يأمرهم به. # وقد قرأ الجمهور هذا اللفظ بالصاد ، وقرأ ابن عامر بالسين. # أى : إذا كان الأمر كما بينا لك أيها الرسول الكريم من أحوال الناس يوم ~~الغاشية ، ومن أننا نحن الذين أوجدنا هذا الكون بقدرتنا .. فداوم أيها ~~الرسول الكريم على دعوة الناس إلى الدين الحق ، فهذه وظيفتك التي لا وظيفة ~~لك سواها ، وكل أمرهم بعد ذلك إلينا ، فأنت لست بمجبر لهم أو مكره إياهم ~~على اتباعك ، وإنما أنت عليك البلاغ ونحن علينا الحساب. # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 إلا من تولى وكفر. فيعذبه الله العذاب الأكبر ) ~~كلام معترض بين قوله : ( @QUR@01 فذكر ... ) وبين قوله تعالى بعد ذلك : ( ~~@QUR@03 إن إلينا إيابهم ) والاستثناء فيه استثناء منقطع ، و «إلا» بمعنى ~~لكن ، و «من» موصولة مبتدأ .. والخبر. «فيعذبه الله العذاب الأكبر» .. # أى : داوم أيها الرسول الكريم على التذكير .. لكن من تولى وأعرض عن ~~تذكيرك وإرشادك ، وأصر على كفره ، فنحن الذين سنتولى تعذيبهم تعذيبا شديدا. PageV15P378 # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بقوله : ( @QUR@07 إن إلينا إيابهم. ثم إن ~~علينا حسابهم ). # وهاتان الآيتان تعليل لقوله تعالى قبل ذلك ( @QUR@03 لست عليهم بمصيطر ). # والإياب مأخوذ من الأوب بمعنى الرجوع إلى المكان الذي كان فيه قبل ذلك. ~~والمراد به هنا : الرجوع إلى الله تعالى يوم القيامة للحساب والجزاء. # أى : داوم أيها الرسول الكريم على تذكير الناس بدعوة الحق ، بدون إجبار ~~لهم ، أو تسلط عليهم ، واتركهم بعد ذلك وشأنهم .. فإن إلينا وحدنا رجوعهم ~~بعد الموت لا إلى أحد سوانا ، ثم إن علينا وحدنا أيضا حسابهم على أعمالهم ، ~~ومجازاتهم عليها بالجزاء الذي نراه مناسبا لهم. # وصدر سبحانه الآيتين بحرف التأكيد «إن» وعطف الثانية على الأولى بحرف ~~«ثم» المفيد للتراخي في الرتبة ، وقدم خبر «إن» في الجملتين على اسمها .. ~~لإفادة ms6009 التهديد والوعيد ، وتأكيد أن رجوعهم إليه تعالى أمر لا شك فيه. وأن ~~حسابهم يوم القيامة سيكون حسابا عسيرا ، لأنه صادر عمن لا تخفى عليه خافية ~~في الأرض ولا في السماء. # نسأل الله تعالى أن يجعلنا من عباده الصالحين ، وصلى الله على سيدنا محمد ~~وعلى آله وصحبه وسلم .. PageV15P379 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الفجر ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «الفجر» من السور المكية الخالصة ، بل هي من أوائل ما نزل على ~~النبي صلى الله عليه وسلم من سور قرآنية ، فهي السورة العاشرة في ترتيب النزول ~~، وكان نزولها بعد سورة «والليل إذا يغشى» ، وقبل سورة «الضحى» ، أما ~~ترتيبها في المصحف فهي السورة التاسعة والثمانون. # وعدد آياتها : ثلاثون آية في المصحف الكوفي ، واثنتان وثلاثون في الحجازي ~~، وتسع وعشرون في البصري. # 2 ومن أهم مقاصد هذه السورة الكريمة : تذكير المشركين بما حل بالمكذبين ~~من قبلهم ، كقوم عاد وثمود وفرعون ، وبيان أحوال الإنسان في حال غناه وفي ~~حال فقره ، وردعه عن الانقياد لهوى نفسه ، ولفت نظره إلى أهوال يوم القيامة ~~، وأنه في هذا اليوم لن ينفعه ندمه أو تحسره على ما فات ، وتبشير أصحاب ~~النفوس المؤمنة المطمئنة ، برضا ربها عنها ، وبظفرها بجنة عرضها السموات ~~والأرض. PageV15P381 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@01 والفجر (1) @QUR@02 وليال عشر (2) @QUR@02 والشفع والوتر (3) ~~@QUR@03 والليل إذا يسر (4) @QUR@06 هل في ذلك قسم لذي حجر (5) @QUR@06 ألم ~~تر كيف فعل ربك بعاد (6) @QUR@03 إرم ذات العماد (7) @QUR@06 التي لم يخلق ~~مثلها في البلاد (8) @QUR@05 وثمود الذين جابوا الصخر بالواد (9) @QUR@03 ~~وفرعون ذي الأوتاد (10) @QUR@04 الذين طغوا في البلاد (11) @QUR@03 فأكثروا ~~فيها الفساد (12) @QUR@05 فصب عليهم ربك سوط عذاب (13) @QUR@03 إن ربك ~~لبالمرصاد ) (14) # افتتح سبحانه السورة الكريمة بالقسم بخمسة أشياء لها شرفها وعظمها ، ولها ~~فوائدها الدينية والدنيوية .. ولها دلالتها الواضحة على كمال قدرته تعالى . # أقسم أولا بالفجر ، وهو وقت انفجار الظلمة عن النهار من كل يوم ، ووقت ~~بزوغ الضياء وانتشاره على الكون بعد ليل بهيم. # فالمراد بالفجر : الوقت الذي يبدأ فيه النهار في الظهور ، بعد ظلام الليل ~~، والتعريف فيه للجنس ، لأن المقصود هذا ms6010 الوقت من كل يوم. # وقيل المراد بالفجر هنا : صلاة الفجر ، لأنها صلاة مشهودة ، أى : تشهدها ~~الملائكة ، كما أن التعريف فيه للعهد ، فقيل : فجر يوم النحر ، وقيل : فجر ~~يوم الجمعة .. # ويبدو لنا أن الرأى الأول أرجح ، لأن قوله تعالى بعد ذلك ( @QUR@02 وليال ~~عشر ) يرجح أن المراد به وقت معين. هذا الوقت يوجد مع كل يوم جديد. # وأقسم سبحانه ثانيا بقوله : ( @QUR@02 وليال عشر ) والمراد بها : الليالى ~~العشر الأول من PageV15P382 # شهر ذي الحجة ، لأنها وقت مناسك الحج ، ففيها الإحرام ، والطواف ، ~~والوقوف بعرفة .. # وقيل المراد بها : الليالى العشر الأواخر من رمضان وقيل : الليالى العشر ~~الأول من شهر المحرم .. # قال الإمام ابن كثير : والليالى العشر : المراد بها : عشر ذي الحجة. كما ~~قاله ابن عباس وابن الزبير ، ومجاهد ، وغير واحد من السلف والخلف. # وقد ثبت في صحيح البخاري ، عن ابن عباس مرفوعا : «ما من أيام العمل ~~الصالح ، أحب إلى الله تعالى فيهن ، من هذه الأيام» يعنى : عشر ذي الحجة ~~قالوا : «ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال : ولا الجهاد في سبيل الله ، إلا ~~رجلا خرج بنفسه وماله ، ثم لم يرجع من ذلك بشيء» .. # وقيل : المراد بذلك : العشر الأول من المحرم. وقيل : العشر الأول من ~~رمضان. والصحيح القول الأول .. (1). # وأقسم سبحانه ثالثا ورابعا بقوله : ( @QUR@02 والشفع والوتر ) والشفع : ~~ما يكون ثانيا لغيره ، والوتر : هو الشيء المنفرد. # وقد ذكر المفسرون في المراد بهذين اللفظين أقوالا متعددة ، فمنهم من يرى ~~أنهما يعمان كل الأشياء شفعها ووترها ، ومنهم من يرى أن المراد بالشفع : ~~يوم النحر ، لكونه اليوم العاشر من ذي الحجة ، وأن المراد بالوتر : يوم ~~عرفة ، لأنه اليوم التاسع من شهر ذي الحجة. ومنهم من يرى أن المراد بهما : ~~الصلاة المكتوبة ، ما كان منها شفعا ، كصلاة الظهر والعصر والعشاء والصبح ، ~~وما كان منها وترا كالمغرب. # ومنهم من يرى أن المراد بالشفع : جميع المخلوقات ، وبالوتر : الله تعالى ~~الواحد الصمد. # وقد رجح بعض العلماء هذا القول فقال ما ملخصه : والواقع أن أقرب الأقوال ~~عندي والله أعلم . أن المراد بالوتر ، هو الله تعالى ، للحديث : «إن ms6011 الله ~~وتر يحب الوتر» ، وما سواه شفع .. لأنه ثبت علميا أنه لا يوجد كائن موجود ~~بمعنى الوتر قط ، حتى الحصاة الصغيرة ، فإنه ثبت أن كل كائن جماد أو غيره ~~مكون من ذرات ، والذرة لها نواة ومحيط. PageV15P383 # ولهذا كان القول بأن الوتر هو الله ، وبأن الشفع : جميع المخلوقات .. هو ~~الراجح ، وهو الأعم في المعنى .. (1). # وأقسم سبحانه خامسا بقوله : ( @QUR@03 والليل إذا يسر ) أى : وحق الليل ~~عند ما يسرى ويمضى ، تاركا من خلفه ظلامه ، ليحل محله النهار بضيائه. # أو المعنى : وحق الليل وقت أن يسرى فيه السارون ، بعد أن أخذوا حظهم من ~~النوم ، فإسناد السرى إلى الليل على سبيل المجاز ، كما في قولهم : ليل نائم ~~، أى : ينام فيه الناس ، وقرأ الجمهور يسر بحذف الياء وصلا ووقفا ، اكتفاء ~~عنها بالكسرة تخفيفا. # وقرأ نافع وأبو عمرو بإثبات الياء عند الوصل ، وبحذفها عند الوقف. # والمراد بالليل هنا : عمومه ، وقيل : المراد به هنا : ليلة القدر ، أو ~~ليلة المزدلفة. # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@06 هل في ذلك قسم لذي حجر ) للتقرير ~~والتعظيم لما أقسم به سبحانه من مخلوقات. واسم الإشارة «ذلك» يعود إلى تلك ~~الأشياء التي أقسم الله تعالى بها. # والمراد بالحجر العقل ، وسمى بذلك لأنه يحجر صاحبه ويمنعه عن ارتكاب مالا ~~ينبغي ، كما سمى عقلا ، لأنه يعقل صاحبه عن ارتكاب السيئات ، كما يعقل ~~العقال البعير عن الضلال. # والمعنى : هل في ذلك الذي أقسمنا به من الفجر ، والليالى العشر ، والشفع ~~والوتر .. قسم ، أى : مقسم به ، حقيق أن تؤكد به الأخبار عند كل ذي عقل سليم؟. # مما لا شك فيه أن كل ذي عقل سليم ، يعلم تمام العلم ، أن ما أقسم الله به ~~من هذه الأشياء حقيق أن يقسم به ، لكونها أى : هذه الأشياء أمورا جليلة ، ~~خليقة بالإقسام بها لفخامة شأنها ، كما أن كل ذي عقل سليم يعلم أيضا أن ~~المقسم بهذا القسم ، وهو الله عز وجل صادق فيما أقسم عليه. # فالمقصود من وراء القسم بهذه الأشياء ، تحقيق المقسم عليه. بأسلوب فيه ما ~~فيه من التأكيد والتشويق وتحقيق المقسم عليه. ms6012 # وجواب القسم محذوف دل عليه قوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@06 ألم تر كيف ~~فعل ربك بعاد ). إلى قوله : ( @QUR@05 فصب عليهم ربك سوط عذاب ). PageV15P384 # والتقدير : وحق هذه المخلوقات لتعذبن أيها الكافرون كما عذب الذين من ~~قبلكم ، مثل عاد وثمود وفرعون. # قال الجمل : فإن قلت : ما فائدة قوله تعالى : ( @QUR@06 هل في ذلك قسم ~~لذي حجر ). بعد أن أقسم سبحانه بالأشياء المذكورة؟ قلنا : هو لزيادة ~~التأكيد والتحقيق للمقسم عليه ، كمن ذكر حجة باهرة ، ثم قال : أفيما ذكرته حجة؟. # وجواب القسم محذوف ، أى : لتعذبن يا كفار مكة ، وقيل هو مذكور وهو قوله : ~~( @QUR@03 إن ربك لبالمرصاد )، وقيل محذوف لدلالة المعنى عليه ، أى ~~لنجازين كل أحد بعمله .. (1). # ثم ذكر سبحانه على سبيل الاستشهاد ، ما أنزله من عذاب مهين ، بالأقوام ~~المكذبين. فقال تعالى : ( @QUR@06 ألم تر كيف فعل ربك بعاد ). # والاستفهام في قوله : ( @QUR@02 ألم تر .. ) للتقرير ، والرؤية : علمية ، ~~تشبيها للعلم اليقيني بالرؤية في الوضوح والانكشاف ، لأن أخبار هذه الأمم ~~كانت معلومة للمخاطبين. # ويجوز أن تكون الرؤية بصرية ، لكل من شاهد آثار هؤلاء الأقوام البائدين .. # والمراد بعاد : تلك القبيلة المشهورة بهذا الاسم ، والتي كانت تسكن ~~الأحقاف ، وهو مكان في جنوب الجزيرة العربية ، معروف للعرب ، قال تعالى : ( ~~@QUR@012 وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله ، واتبعوا أمر كل جبار عنيد ). # سموا بذلك نسبة إلى أبيهم عاد بن عوص ، بن إرم ، بن سام ، بن نوح ~~عليه السلام فقوله تعالى : ( @QUR@01 إرم ) عطف بيان لعاد ، لأنه جده ~~الأدنى. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 ذات العماد ) صفة لعاد ، و «ذات» وصف مؤنث لأن ~~المراد بعاد القبيلة ، سمى أولاده باسمه ، كما سمى بنو هاشم هاشما. # والمقصود بهذه القبيلة عاد الأولى ، التي أرسل الله تعالى إليهم هودا ~~عليه السلام . وكانوا معروفين بقوتهم وضخامة أجسامهم .. وقد جاء الحديث عنهم ~~كثيرا في القرآن الكريم ، ومن ذلك قوله تعالى : ( @QUR@012 فأما عاد ~~فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة ... ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 التي لم يخلق مثلها في البلاد ) صفة أخرى ~~لقبيلة عاد. # والمعنى : لقد وصل إلى علمك أيها الرسول الكريم بصورة يقينية ، خبر ms6013 قبيلة ~~عاد ، التي جدها الأدنى «إرم بن سام بن نوح «والتي كانت تسكن بيوتا ذات ~~أعمدة ، ترفع عليها PageV15P385 # خيامهم ومبانيهم الفارهة .. والتي لم يخلق مثلها أى : مثل هذه القبيلة ~~أحد في ضخامة أجسام أفرادها ، وفي قوة أبدانها ، وفيما أعطاها الله تعالى ~~من غنى وقوة. # قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : قوله تعالى : ( @QUR@015 ألم تر كيف فعل ~~ربك بعاد. إرم ذات العماد. التي لم يخلق مثلها في البلاد ) هؤلاء كانوا ~~متمردين عتاة .. فذكر سبحانه كيف أهلكهم. # وهؤلاء هم عاد الأولى ، وهم أولاد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح ، وهم ~~الذين أرسل الله إليهم نبيه هودا عليه السلام فكذبوه فأهلكهم الله تعالى . # فقوله : ( @QUR@03 إرم ذات العماد ) عطف بيان ، زيادة تعريف بهم. وقوله : ~~( @QUR@02 ذات العماد ) لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشعر التي ترفع بالأعمدة ~~الشداد. # وقال هاهنا : ( @QUR@06 التي لم يخلق مثلها في البلاد ) أى : القبيلة ~~التي لم يخلق مثلها في بلادهم ، لقوتهم وشدتهم ، وعظم تركيبهم .. فالضمير ~~في ( @QUR@01 مثلها ) يعود إلى القبيلة. # ومن زعم أن المراد بقوله : ( @QUR@03 إرم ذات العماد ) مدينة إما دمشق أو ~~الاسكندرية .. ففيه نظر .. لأن المراد إنما هو الإخبار عن إهلاك القبيلة ~~المسماة بعاد ، وليس المراد الإخبار عن مدينة أو إقليم. وإنما نبهت على ذلك ~~لئلا يغتر بما ذكره جماعة من المفسرين من أن المراد بقوله تعالى : ( ~~@QUR@03 إرم ذات العماد ... ) مدينة مبنية بلبن الذهب والفضة .. فهذا كله ~~من خرافات الإسرائيليين .. (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@08 وثمود الذين جابوا الصخر بالواد. وفرعون ذي ~~الأوتاد ) معطوف على ما قبله. والمراد بثمود : القبيلة المسماة بهذا الاسم ~~، نسبة إلى جدها ثمود ، وقد أرسل الله تعالى إليهم نبيهم صالحا عليه السلام ~~فكذبوه ، فأهلكهم الله تعالى . # وكانت مساكنهم بين الشام والحجاز ، وما زالت معروفة حتى الآن باسم قرى صالح. # وقوله : ( @QUR@01 جابوا ) بمعنى قطعوا. من الجواب بمعنى القطع والخرق ، ~~والصخرة الحجارة العظيمة. # والواد : اسم للأرض المنخفضة بين مكانين مرتفعين ، وكان هؤلاء القوم ~~يقطعون الصخور من الجبال ، ليتخذوا منها بيوتهم بواديهم ، أى : بالمكان ~~الذي كانوا يسكنونه. PageV15P386 # فقوله : ( @QUR@01 بالواد ) علم بالغلبة ms6014 للمكان الذي كانوا يسكنون فيه ، ~~ويسمى بوادي القرى ، وقد قال تعالى في شأنهم : ( @QUR@05 وتنحتون من الجبال ~~بيوتا فارهين ). # والمراد بفرعون هنا : هو وقومه. والمراد بالأوتاد : الجنود والعساكر ~~الذين يشدون ملكه ويقوونه ، كما تشد الخيام وتقوى بالأوتاد. # قال الآلوسى : وصف فرعون بذلك لكثرة جنوده وخيامهم ، التي يضربون أوتادها ~~في منازلهم ، أو لأنه كان يدق لمن يريد تعذيبه أربعة أوتاد ، ويشده بها .. (1). # وقال بعض العلماء : ووصف فرعون بذي الأوتاد ، لأن مملكته كانت تحتوى على ~~الأهرامات ، التي بناها أسلافه ، لأن صورة الهرم على الأرض تشبه الوتد ~~المدقوق ، ويجوز أن يكون المراد بالأوتاد : التمكن والثبات على سبيل ~~الاستعارة ، أى : ذي القوة .. (2). # وقال صاحب الظلال : ( @QUR@03 وفرعون ذي الأوتاد ) وهي على الأرجح ~~الأهرامات ، التي تشبه الأوتاد الثابتة في الأرض المتينة البنيان ، وفرعون ~~المشار إليه هنا ، هو فرعون الطاغية الجبار ، الذي أرسل الله تعالى إليه ~~موسى عليه السلام .. (3). # والمعنى : لقد علمت أيها الرسول الكريم وعلم معك كل من هو أهل للخطاب ، ~~ما فعله ربك بقبيلة عاد ، التي جدها إرم بن سام بن نوح ، والتي كانت صاحبة ~~أعمدة عظيمة ترفع عليها بيوتها ، والتي لم يخلق في بلادها مثلها في القوة ~~والغنى. # وعلمت أيضا ما فعله ربك بقوم ثمود ، الذين قطعوا صخر الجبال ، واتخذوا ~~منها بيوتا بوادي قراهم ، التي ما زالت معروفة. # وعلمت كذلك ما فعلناه بفرعون صاحب المبانى القوية الفخمة وصاحب الجنود ~~والعساكر الذين يشدون ملكه. # و ( @QUR@04 الذين طغوا في البلاد ) فأفسدوها ، وتجاوزوا كل حد في ~~العصيان والظلم. # ( @QUR@02 فأكثروا فيها ) أى : في البلاد ( @QUR@01 الفساد ) عن طريق ~~الفسوق والخروج عن طاعتنا. ( @QUR@05 فصب عليهم ربك سوط عذاب ) أى : فكانت ~~نتيجة طغيانهم وفسادهم ، أن أنزل ربك عليهم ، نوعا عظيما من العذاب المهين. PageV15P387 # والسوط : آلة تتخذ من الجلود القوية ، يضرب بها الجاني ، وإضافتها إلى ~~العذاب ، من إضافة الصفة إلى الموصوف. أى : فصب عليهم ربك عذابا. «سوطا» أى ~~: كالسوط في سرعته ، وشدته وتتابعه ، فهو تشبيه بليغ. # وعبر سبحانه على إنزال العذاب بهم بالصب وهو الإفراغ لما في الظرف بقوة ~~للإيذان بكثرته وتتابعه. # وسميت ms6015 أنواع العذاب النازلة بهم سوطا تسمية للشيء باسم آلته .. # قال صاحب الكشاف : وذكر السوط. إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من ~~العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعد لهم في الآخرة ، كالسوط إذا قيس إلى سائر ~~ما يعذب به. # وعن عمر بن عبيد : كان الحسن إذا أتى على هذه الآية قال : إن عند الله ~~أسواطا كثيرة ، فأخذهم بسوط منها .. (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 إن ربك لبالمرصاد ) تذييل وتعليل لإصابتهم بسوط عذاب. # والمرصاد في الأصل : اسم للمكان الذي يجلس فيه الجالس لترقب أو رؤية شيء ما. # والمراد : إن ربك أيها الرسول الكريم يرصد عمل كل إنسان ، ويحصيه عليه ، ~~ويجازيه به ، دون أن يخفى عليه سبحانه شيء في الأرض أو السماء. # وفي هذه الآيات الكريمة تخويف شديد للكافرين ، وتهديد لهم على إصرارهم في ~~جحودهم ، وأنهم إذا ما ساروا في طريق الجحود والعناد ، فسيصيبهم ما أصاب ~~هؤلاء الطغاة. # ثم ذكر سبحانه حال الإنسان عند اليسر والعسر ، والغنى والفقر ، والسراء ~~والضراء فقال : # ( @QUR@011 فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن ~~(15) @QUR@010 وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن (16) ~~@QUR@05 كلا بل لا تكرمون اليتيم (17) @QUR@04 ولا تحاضون على طعام PageV15P388 # @QUR@01 المسكين (18) @QUR@04 وتأكلون التراث أكلا لما (19) @QUR@04 ~~وتحبون المال حبا جما (20) @QUR@06 كلا إذا دكت الأرض دكا دكا (21) @QUR@05 ~~وجاء ربك والملك صفا صفا (22) @QUR@09 وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر ~~الإنسان وأنى له الذكرى (23) @QUR@05 يقول يا ليتني قدمت لحياتي (24) ~~@QUR@05 فيومئذ لا يعذب عذابه أحد (25) @QUR@04 ولا يوثق وثاقه أحد (26) ~~@QUR@04 يا أيتها النفس المطمئنة (27) @QUR@05 ارجعي إلى ربك راضية مرضية ~~(28) @QUR@03 فادخلي في عبادي (29) @QUR@02 وادخلي جنتي ) (30) # والفاء في قوله : ( @QUR@02 فأما الإنسان ... ) للتفريع على ما تقدم ، ~~ولترتيب ما بعدها على ما قبلها. # والمراد بالإنسان هنا : جنسه. وقيل المراد به الكافر. ولفظ «الإنسان» ~~مبتدأ ، وخبره : ( @QUR@03 فيقول ربي أكرمن ). # والمعنى : هذه سنة ربك أيها العاقل في عباده ، أنه تعالى لهم بالمرصاد ، ~~فهو يراقب أعمالهم ، ويحاسبهم عليها ، ويجازيهم بها ، والسعيد من الناس هو ~~الذي يفقه هذه الحقيقة ، فيؤدى ما كلفه خالقه به ... فأما الإنسان ، الشقي ~~الغافل ms6016 عن طاعة ربه .. # ( @QUR@06 إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه ) أى : إذا ما اختبره وامتحنه ~~ربه بألوان من النعم ، بأن منحه المال الكثير ، والجاه العريض ، وأسباب ~~القوة والمنعة ( @QUR@01 فيقول ) على سبيل التباهي والتفاخر .. ( @QUR@02 ~~ربي أكرمن ) أى : ربي أعطانى ذلك ، لأنى مستحق لهذه النعم ، كما قال تعالى ~~: ( @QUR@023 ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ، ليقولن هذا لي ، وما ~~أظن الساعة قائمة ، ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى ) (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه ... ) بيان ~~لموقف هذا الإنسان عند فقره. أى : وأما إذا ما امتحنا هذا الإنسان بسلب بعض ~~النعم عنه ، وبضيق الرزق .. ( @QUR@01 فيقول ) على سبيل التضجر والتأفف ~~وعدم الرضا بقضائه سبحانه : ( @QUR@02 ربي أهانن ) أى : ربي أذلنى بالفقر ، ~~وأنزل بي الهوان والشرور. PageV15P389 # وقول هذا الإنسان في الحالين ، قول مذموم ، يدل على سوء فكره ، وقصور ~~نظره ، وانطماس بصيرته ، لأنه في حالة العطاء والسعة في الرزق. يتفاخر ~~ويتباهى ، ويتوهم أن هذه النعم هو حقيق وجدير بها ، وليست من فضل الله ~~تعالى وكأنه يقول ما قاله قارون : ( @QUR@05 إنما أوتيته على علم عندي ) ~~وفي حالة المنع والضيق في الرزق يجزع ، ويأبى أن يرضى بقضاء الله وقدره .. ~~ولا يخطر بباله أن نعم الله ، إنما هي فضل تفضل به سبحانه عليه ليختبره ، ~~أيشكر أم يكفر. وأن تضييقه عليه في الرزق ، ليس من الإهانة في شيء ، بل هو ~~للابتلاء أيضا والامتحان ، كما قال تعالى : ( @QUR@06 ونبلوكم بالشر والخير ~~فتنة ، وإلينا ترجعون ). # قال الإمام الشوكانى عند تفسيره لهاتين الآيتين : وهذه صفة الكافر الذي ~~لا يؤمن بالبعث ، لأنه لا كرامة عنده إلا الدنيا والتوسع في متاعها ، ولا ~~إهانة عنده إلا فوتها وعدم وصوله إلى ما يريد من زينتها ، فأما المؤمن ~~فالكرامة عنده أن يكرمه الله بطاعته ، ويوفقه لعمل الآخرة. # ويحتمل أن يراد الإنسان على العموم ، لعدم تيقظه أن ما صار إليه من الخير ~~، وما أصيب به من الشر في الدنيا ، ليس إلا للاختبار والامتحان ، وأن ~~الدنيا بأسرها ، لا تعدل عند الله تعالى جناح بعوضة .. (1). # واقتصر سبحانه في ms6017 الآية الكريمة على تقتير الرزق ، في مقابلة النعمة ، ~~دون غير ذلك من الأمراض والآفات ، للإشعار بأن هذا الإنسان يعتبر دنياه ~~جنته ومنتهى آماله. فهو لا يفكر إلا في المال ولا يحزن إلا من أجله ، وأن ~~المقياس عنده لمقادير الناس هو على حسب ما عندهم من أموال كما قال شاعرهم : # فلو شاء ربي كنت قيس بن عاصم %~% ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد فأصبحت ذا مال كثير وطاف بي %~% بنون كرام ، سادة لمسود # ولما كان هذا القول مذموما من هذا الإنسان في الحالين. لعدم شكره لله ~~تعالى في حالة الرخاء ، ولعدم صبره على قضائه في حالة البأساء. # لما كان الأمر كذلك جاء حرف الردع بعد ذلك فقال تعالى : ( @QUR@010 كلا ~~بل لا تكرمون اليتيم. ولا تحاضون على طعام المسكين ). # فقول تعالى : ( @QUR@01 كلا ) زجر وردع عن قول هذا الإنسان ( @QUR@02 ربي ~~أكرمن ) عند PageV15P390 # حصول النعمة ، وعن قوله ( @QUR@02 ربي أهانن ) عند حصول التقتير في الرزق ~~، لأن الله تعالى قد يوسع على الكافر وهو مهان ومبغوض منه تعالى ، وقد يضيق ~~سبحانه على المؤمن مع محبته له ، وكلا الأمرين حاصل بمقتضى حكمته عز وجل ~~والمؤمن الصادق هو الذي يشكر عند الرخاء ، ويصبر عند البأساء. # و «بل» هنا للإضراب الانتقالى ، من ذمهم على القبيح من القول ، إلى ذمهم ~~بما هو أشنع منه ، وهو ارتكابهم للقبيح من الأفعال. # أى : كلا ليس قولكم هذا وهو أن الإكرام في الإعطاء ، والإهانة في المنع ~~هو القبيح فحسب ، بل هناك ما هو أقبح منه ، وهو أنكم أيها الكافرون . # ( @QUR@03 لا تكرمون اليتيم ) أى : لا تعطفون على اليتيم وهو الذي مات ~~أبوه وهو صغير ، بأن تتركوه معرضا للفقر والاحتياج ، دون أن تعملوا على ~~تقديم يد المساعدة إليه. # ( @QUR@05 ولا تحاضون على طعام المسكين ) أى : ولا يحث بعضكم بعضا على ~~إطعام المساكين والبائسين. # ونفى الحض على إطعامهم ، نفى لإطعامهم من باب أولى ، وفي ذلك زيادة ~~لمذلتهم ، لأنهم لا يطعمون ، ولا يحضون غيرهم عليه ، لأنهم قوم خلت قلوبهم ~~من الرحمة والعطف. # قال الآلوسى : قوله سبحانه : ( @QUR@04 بل لا ms6018 تكرمون اليتيم ... ) إلخ. ~~انتقال وترق من ذم هذا الإنسان على القبيح من القول ، إلى الأقبح من الفعل ~~، والالتفات إلى الخطاب ، لتشديد التقريع ، وتأكيد التشنيع .. والجمع ~~باعتبار معنى الإنسان ، إذ المراد الجنس. أى : بل لكم أفعال وأحوال أشد شرا ~~مما ذكر ، وأدل على تهالككم على المال ، حيث أكرمكم سبحانه بكثرة المال ، ~~ولكنكم لم تؤدوا ما يلزمكم فيه من إكرام اليتيم. # والمراد بطعام المسكين : إطعامه ، فالطعام مصدر بمعنى الإطعام .. أو ~~المراد به : الشيء المطعوم ، ويكون الكلام على حذف مضاف. أى : على بذل طعام ~~المسكين .. (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 وتأكلون التراث أكلا لما ) بيان لرذيلة ثالثة ~~من رذائلهم المتعددة. والتراث : هو المال الموروث عن الغير. والمراد بالأكل ~~مطلق الانتفاع ، وخص الأكل بالذكر ، لأنه يشمل معظم وجوه التصرفات المالية. PageV15P391 # والم : الجمع بدون تفرقة بين الحلال والحرام ، مأخوذ من قولهم : لم ~~الطعام ، إذا أكله كله دون أن يترك منه شيئا. # أى : ومن صفاتكم القبيحة أنكم تأكلون المال الموروث عن غيركم ، أكلا ~~شديدا ، بحيث لا تتركون منه شيئا ، ولا تفرقون بين ما هو حلال أو حرام ، ~~ولا بين ما يحمد وما لا يحمد ، بل تأخذون حقوقكم وحقوق غيركم من النساء ~~والصبيان. # ومن صفاتكم أيضا أنكم ( @QUR@04 تحبون المال حبا جما ) أى : حبا كثيرا مع ~~حرص وشره. يقال : جم الماء في الحوض ، إذا كثر واجتمع ، ومنه الجموم للبئر ~~الكثيرة الماء. # والحب المفرط للمال من الصفات الذميمة ، لأنه يؤدى إلى جمعه من كل طريق ، ~~بدون تفرقة بين ما يحل منه وما يحرم. # فأنت ترى أن الله تعالى قد وصف هذا النوع من الناس ، بأنه قد جمع في سوء ~~سلوكه ، بين النطق بالقبيح من الأقوال ، وبين ارتكاب القبيح من الأفعال ، ~~وهي : ترك اليتيم بلا رعاية ، وعدم الحض على إطعام المحتاج ، وجمع المال ~~الموروث بدون تفرقة بين حلاله وحرامه ، والإفراط في حب المال بطريقة ذميمة. # وبعد هذا الزجر والردع لهم ، لسوء أقوالهم وأفعالهم ، أخذت السورة ~~الكريمة في زجرهم وردعهم عن طريق تذكيرهم بأهوال الآخرة فقال : تعالى : ( ~~@QUR@06 كلا إذا دكت الأرض دكا دكا ). وقوله ms6019 تعالى : ( @QUR@06 كلا إذا ~~دكت الأرض دكا دكا ) ردع لهم وزجر عن أفعالهم السابقة ، وهي عدم إكرام ~~اليتيم ، وعدم الحض على طعام المسكين. # وقوله : ( @QUR@02 دكت الأرض ) من الدك : بمعنى الكسر والدق والزلزلة ~~الشديدة ، والتحطيم الجسيم ، وانتصب لفظ «دكا» الأول على أنه مصدر مؤكد ~~للفعل ، وانتصاب الثاني على أنه تأكيد للأول. وقيل : تكرار «دكا» للدلالة ~~على الاستيعاب ، كقولك : قرأت النحو بابا بابا ، أى : قرأته كله. # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@04 كلا إذا دكت الأرض ... ) أى : ما ~~هكذا ينبغي أن يكون الأمر. فهو رد لانكبابهم على الدنيا ، وجمعهم لها ، فإن ~~من فعل ذلك يندم يوم تدك الأرض ، ولا ينفعه الندم ، والدك : الكسر والدق ، ~~أى : زلزلت وحركت تحريكا بعد تحريك. # وقوله : ( @QUR@02 دكا دكا ) أى : مرة بعد مرة ، زلزلت فكسر بعضها بعضا ~~فتكسر كل شيء PageV15P392 # على ظهرها .. (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@02 وجاء ربك ... ) هذه الآية وأمثالها من آيات ~~الصفات التي يرى السلف وجوب الإيمان بها كما جاءت ، بمعنى أننا نؤمن بمجيء ~~الله تعالى ولكن من غير تكييف ولا تمثيل ، بل نكل علم كيفية مجيئه إلى ~~مشيئته تعالى . # والخلف يؤولون ذلك بأى المجيء هنا بمعنى مجيء أمره وقضائه. # قال الآلوسى : قوله تعالى : ( @QUR@02 وجاء ربك ... ) قال منذر بن سعيد ، ~~معناه : ظهر سبحانه للخلق هنالك ، وليس ذلك بمجيء نقلة .. وقيل : الكلام ~~على حذف مضاف للتهويل ، أى : وجاء أمر ربك وقضاؤه. واختار جمع أنه تمثيل ~~لظهور آيات اقتداره تعالى وتبيين آثار قدرته وسلطانه ، مثلت حاله سبحانه في ~~ذلك ، بحال الملك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهيبة ما لا يظهر ~~بحضور عساكره ووزرائه وخواصه عن بكرة أبيهم ، وأنت تعلم ما للسلف في ~~المتشابه من الكلام. # ( @QUR@01 والملك ) أى : جنس الملك ، فيشمل جميع الملائكة ( @QUR@02 صفا ~~صفا ) أى : مصطفين ، أو ذوى صفوف .. (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@03 وجيء يومئذ بجهنم ) أى : وأحضرت جهنم وظهرت ~~وبرزت للكافرين والفاسقين يوم القيامة ، يوم تدك الأرض دكا. # وقوله : ( @QUR@01 يومئذ ) منصوب بقوله ( @QUR@01 جيء ). وقوله ( ~~@QUR@01 بجهنم ) قائم مقام الفاعل. # روى الإمام مسلم في صحيحه عن ابن مسعود قال : قال رسول الله ~~صلى الله ms6020 عليه وسلم : «يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام ، مع كل زمام ~~سبعون ألف ملك يجرونها .. (3). # ( @QUR@01 يومئذ ) أى : في هذا اليوم العسير ، وهو يوم القيامة وهو بدل ~~من قوله تعالى : ( @QUR@03 إذا دكت الأرض ) ( @QUR@02 يتذكر الإنسان ) أى : ~~يتذكر ما فرط منه من ذنوب ، وما ارتكبه من سيئات ، وما وقع فيه من كفر ~~وفسوق عن أمر ربه. # ( @QUR@03 وأنى له الذكرى ) أى : ومن أين له الانتفاع بهذا التذكر ، لأنه ~~تذكر قد جاء في غير وقت الانتفاع به ، وهو وقت الحساب على الأعمال ، لا وقت ~~التوبة من السيئ منها. # ( @QUR@01 يقول ) هذا الإنسان الشقي ( @QUR@04 يا ليتني قدمت لحياتي ) أى ~~: يقول حين يرى العذاب PageV15P393 # ماثلا أمامه ، يقول على سبيل التحسر والتفجع : يا ليتني قدمت أعمالا ~~صالحة لأجل حياتي هذه في الآخرة ، فاللام للتعليل ، وقدمت أعمالا صالحة في ~~وقت حياتي في الدنيا لأنتفع بها في هذا اليوم ، فتكون اللام للتوقيت. # ( @QUR@01 فيومئذ ) أى : ففي هذا اليوم لا ينفعه الندم ولا التحسر ، و ( ~~@QUR@08 لا يعذب عذابه أحد ، ولا يوثق وثاقه أحد ) والوثاق : الرباط الذي ~~يقيد به الأسير. # أى : ففي هذا اليوم لا يعذب كعذاب الله أحد ، ولا يوثق كوثاقه أحد ، ~~فالضمير في قوله : ( @QUR@01 عذابه ) و ( @QUR@01 وثاقه ) يعود إلى الله ~~تعالى ولفظ «أحد» فاعل. # وقرأ الكسائي : ( @QUR@02 لا يعذب ) و ( @QUR@02 لا يوثق ) بفتح الذال ~~المشددة ، وفتح الثاء على البناء للمفعول ، والضمير في قوله ( @QUR@01 ~~عذابه ) و ( @QUR@01 وثاقه ) يعود للكافر. # أى : فيومئذ لا يعذب أحد مثل عذاب ذلك الإنسان الكافر المتحسر ، ولا يوثق ~~أحد مثل وثاقه ، ولفظ «أحد» هنا نائب فاعل. # وشبيه بهاتين الآيتين قوله تعالى : ( @QUR@05 قال الله إني منزلها عليكم ~~) أى : المائدة ( @QUR@012 فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه ~~أحدا من العالمين ). # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بهذه البشارة العظيمة للمؤمنين فقال : ( ~~@QUR@014 يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية. فادخلي في ~~عبادي وادخلي جنتي ). # والنفس المطمئنة : هي النفس الآمنة من الخوف أو الحزن في يوم القيامة. ~~بسبب إيمانها الصادق ، وعملها الصالح ، والكلام على إرادة القول. أى : يقول ~~الله ms6021 تعالى على لسان ملائكته ، إكراما للمؤمنين ، عند وفاتهم ، أو عند تمام ~~حسابهم : يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة ، الناعمة بروح اليقين ، الواثقة ~~بفضل الله تعالى ورحمته. ( @QUR@05 ارجعي إلى ربك راضية مرضية ) أى : ارجعي ~~إلى ربك الذي خلقك ، وأنت راضية تمام الرضا بما أعطاك سبحانه من ثواب ، ~~ومرضى عنك منه تعالى بسبب إيمانك الصادق ، وعملك الصالح. # ( @QUR@03 فادخلي في عبادي ) أى : فادخلي في زمرة عبادي الصالحين ~~المرضيين. ( @QUR@02 وادخلي جنتي ) التي وعدتهم بها ، والتي أعددتها ~~لنعيمهم الدائم المقيم. # وقد ذكروا أن هذه الآيات الكريمة نزلت في شأن عثمان بن عفان لما تصدق ~~ببئر رومة. # وقيل : نزلت في حمزة بن عبد المطلب حين استشهد. PageV15P394 # قال القرطبي : والصحيح أنها عامة في نفس كل مؤمن مخلص طائع .. # نسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعا من أصحاب النفوس المطمئنة. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .. PageV15P395 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة البلد ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «البلد» وتسمى سورة «لا أقسم» من السور المكية الخالصة ، وعلى ذلك ~~سار المحققون من المفسرين. # قال القرطبي : سورة «البلد» مكية باتفاق .. (1). # وقال الآلوسى : مكية في قول الجمهور بتمامها ، وقيل : مدنية بتمامها. ~~وقيل : مدنية إلا أربع آيات من أولها. واعترض كلا القولين بأنه يأباهما ~~قوله ( @QUR@02 بهذا البلد ) إذ المقصود بهذا البلد مكة ، ولقوة الاعتراض ~~ادعى الزمخشري الإجماع على مكيتها .. (2). # والذي تطمئن إليه النفس ، أن هذه السورة من السور المكية الخالصة ، ولا ~~يوجد دليل يعتمد عليه يخالف ذلك. # قال الشوكانى : سورة «البلد» ، ويقال لها سورة «لا أقسم» وهي عشرون آية. ~~وهي مكية بلا خلاف. وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن ~~عباس قال : نزلت سورة «لا أقسم» بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. # 2 وهي السورة الخامسة والثلاثون في ترتيب نزول السور ، فقد كان نزولها ~~بعد سورة «ق» ، وقبل سورة «الطارق» ، أما ترتيبها في المصحف فهي السورة ~~التسعون. # ومن مقاصدها : التنويه بشأن مكة ، لشرفها وحرمتها ووجود البيت المعظم بها ~~، وتعداد نعم الله تعالى على الإنسان حتى يرجع عن ms6022 عصيانه وغروره ، ويخلص ~~العبادة لخالقه ، وبيان حسن عاقبة الأخيار ، وسوء عاقبة الأشرار .. PageV15P397 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@04 لا أقسم بهذا البلد (1) @QUR@04 وأنت حل بهذا البلد (2) ~~@QUR@03 ووالد وما ولد (3) @QUR@05 لقد خلقنا الإنسان في كبد (4) @QUR@06 ~~أيحسب أن لن يقدر عليه أحد (5) @QUR@04 يقول أهلكت مالا لبدا (6) @QUR@05 ~~أيحسب أن لم يره أحد (7) @QUR@04 ألم نجعل له عينين (8) @QUR@02 ولسانا ~~وشفتين (9) @QUR@02 وهديناه النجدين (10) @QUR@03 فلا اقتحم العقبة (11) ~~@QUR@04 وما أدراك ما العقبة (12) @QUR@02 فك رقبة (13) @QUR@06 أو إطعام ~~في يوم ذي مسغبة (14) @QUR@03 يتيما ذا مقربة (15) @QUR@04 أو مسكينا ذا ~~متربة (16) @QUR@09 ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ~~(17) @QUR@03 أولئك أصحاب الميمنة (18) @QUR@06 والذين كفروا بآياتنا هم ~~أصحاب المشأمة (19) @QUR@03 عليهم نار مؤصدة ) (20) # افتتحت السورة الكريمة بالقسم ، تشويقا لما يرد بعده ، وتأكيدا للمقسم عليه. # و «لا» في مثل هذا التركيب ، يرى المحققون أنها مزيدة للتأكيد ، والمعنى : ~~أقسم بهذا البلد. أى : مكة المكرمة ، وقد جاء القسم بها في قوله تعالى : ( ~~@QUR@07 والتين والزيتون ، وطور سينين ، وهذا البلد الأمين ). # قال الشيخ محمد عبده رحمه الله : قوله ( @QUR@02 لا أقسم ... ) عبارة من ~~عبارات العرب في PageV15P398 # القسم ، يراد بها تأكيد الخبر ، كأنه في ثبوته وظهوره لا يحتاج إلى قسم. ~~ويقال إنه يؤتى بها في القسم إذا أريد تعظيم المقسم به. كأن القائل يقول : ~~إنى لا أعظمه بالقسم ، لأنه عظيم في نفسه ، والمعنى في كل حال على القسم .. (1). # وقال بعض العلماء : «لا» هذه للنفي ، وهذه عبارة تعود العرب أن يقولوها ~~عند ما يكون المقسم عليه ظاهرا أمره ، كأنه تعالى يقول : أنا لا أقسم بهذه ~~الأشياء ، على إثبات هذا المطلوب الذي أذكره بعد ، لأن إثباته أظهر وأجلى ~~وأقوى من أن يحاول محاول إثباته بالقسم. # ويقال : معناه : أنا لا أقسم بهذه الأشياء على إثبات المطلوب ، لأنه أعظم ~~وأجل وأكبر من أن يقسم عليه ، بهذه الأمور الهينة الشأن ، والغرض على هذا ~~الوجه ، تعظيم المقسم عليه ، وتفخيم شأنه .. (2). # والإشارة بلفظ «هذا» مع بيانه بالبلد ، إشارة إلى حاضر في أذهان السامعين ~~، لأن مكة بعضهم كان يعيش فيها. وبعضهم كان يعرفها معرفة لا خفاء ms6023 معها ، ~~وشبيه بذلك قوله تعالى : ( @QUR@012 إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي ~~حرمها وله كل شيء ). # وفائدة الإتيان باسم الإشارة هنا : تمييز المقسم به أكمل تمييز لقصد ~~التنويه به. # وجملة : ( @QUR@04 وأنت حل بهذا البلد ) معترضة بين القسم وجوابه. # وقوله تعالى ( @QUR@01 حل ) اسم مصدر أحل بمعنى أباح ، فيكون المعنى : ~~وأنت أيها الرسول الكريم قد استحل كفار مكة إيذاءك ومحاربتك .. مع أنهم ~~يحرمون ذلك النسبة لغيرك ، في هذا البلد الأمين. # ويصح أن يكون لفظ «حل» هنا بمعنى الحلال الذي هو ضد الحرام يقال : هو حل ~~وحلال ، وحرم وحرام .. فيكون المعنى : وأنت أيها الرسول الكريم قد أحل الله ~~تعالى لك أن تفعل بهؤلاء المشركين ما شئت من القتل أو العفو. # وتكون الجملة الكريمة ، بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم بأن الله تعالى ~~سينصره على مشركي قريش ، ويمكنه من رقابهم .. وقد أنجز له سبحانه ذلك يوم ~~الفتح الأكبر. # قال صاحب الكشاف : أقسم الله تعالى بالبلد الحرام وما بعده ، على أن ~~الإنسان خلق مغمورا في مكابدة المشاق والشدائد ، واعترض بين القسم والمقسم ~~عليه بقوله : ( @QUR@01 وأنت PageV15P399 # @QUR@03 حل بهذا البلد ) يعنى : ومن المكابدة أن مثلك يا محمد على عظم ~~حرمتك ، يستحل بهذا البلد الحرام ، كما يستحل الصيد في غير الحرم. # وفيه تثبيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث على احتمال ما كان يكابد من ~~أهل مكة ، وتعجيب من حالهم في عداوته. # أو سلى صلى الله عليه وسلم بالقسم ببلده ، على أن الإنسان لا يخلو من مقاساة ~~الشدائد ، واعترض بأن وعده فتح مكة تتميما للتسلية والتنفيس عليه فقال : ( ~~@QUR@04 وأنت حل بهذا البلد ). # يعنى : وأنت حل به في المستقبل ، تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر. # فإن قلت : أين نظير قوله : ( @QUR@02 وأنت حل ) في معنى الاستقبال؟ قلت : ~~قوله تعالى ( @QUR@04 إنك ميت وإنهم ميتون ). # وكفاك دليلا قاطعا على أنه للاستقبال ، وأن تفسيره بالحال محال ، أن ~~السورة بالاتفاق مكية ، وأين الهجرة من وقت نزولها؟ فما بال الفتح؟ (1). # ويرى بعضهم أن معنى قوله تعالى : ( @QUR@04 وأنت حل بهذا البلد ): وأنت ~~مقيم ms6024 بهذا البلد ، ونازل فيه ، وحال به ، وكفى فخرا لمكة أن تنزل فيها أيها ~~الرسول الكريم فإن الأمكنة الشريفة تزداد شرفا بنزول رسل الله تعالى فيها ، ~~فكيف وأنت خاتمهم وإمامهم؟. # قال بعض العلماء : وحكى ابن عطية عن بعض المتأولين : أن معنى «وأنت حل ~~بهذا البلد» وأنت ساكن بهذا البلد ، حال فيه .. وهو يقتضى أن تكون هذه ~~الآية موضع الحال من ضمير «أقسم» فيكون القسم بالبلد مقيدا باعتبار بلد ~~محمد صلى الله عليه وسلم وهو تأويل جميل ، لو ساعد عليه ثبوت استعمال «حل» ~~بمعنى حال ، أى : مقيم في مكان ، فإن هذا لم يرد في كتب اللغة .. ولذا لم ~~يذكر هذا المعنى صاحب الكشاف .. (2). # ويبدو لنا أن هذه الأقوال لا تعارض بينها ، بل يؤيد بعضها بعضا ، لأن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم قد آذاه أهل مكة ، بينما حرموا إيذاء غيره ، وأن ~~الله تعالى قد مكن رسوله صلى الله عليه وسلم منهم. كما حدث في غزوة الفتح ، ~~وأنه صلى الله عليه وسلم قد أقام معهم في مكة أكثر من خمسين سنة ، وكان يلقب ~~عندهم بالصادق الأمين .. PageV15P400 # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 ووالد وما ولد ) معطوف على المقسم به الأول وهو ~~قوله تعالى : ( @QUR@02 بهذا البلد ). وداخل في حيز القسم. والمراد ~~بالوالد آدم عليه السلام ، والمراد بما ولد : ذريته من بعده. # أى : أقسم بهذا البلد الذي له ماله من الشرف ، والمكانة السامية بين ~~البلاد .. وأقسم بأبيكم آدم ، وبذريته من بعده .. أو أقسم بكل والد وبكل مولود. # وجيء باسم الموصول «ما» في قوله ( @QUR@02 وما ولد ) دون «من» مع أنها ~~أكثر استعمالا في العاقل الذي هو مراد هنا ، لأن «ما» أشد إبهاما ، وشدة ~~الإبهام المقصود بها هنا التفخيم والتعظيم .. وشبيه بذلك قوله تعالى : ( ~~@QUR@011 فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت ... ) ~~كما أن تنكير لفظ «والد» هنا للتعظيم أيضا. # وقيل المراد بالوالد هنا : ابراهيم عليه السلام وبما ولد : الصالحون من ذريته. # وقيل المراد بالوالد : من يولد له ، وبقوله ( @QUR@02 وما ولد ) الذي لم ~~يولد له وعليه تكون ما نافية. ms6025 # وقد رجح الإمام ابن جرير المعنى الأول فقال : والصواب من القول في ذلك ، ~~ما قاله الذين قالوا : إن الله تعالى أقسم بكل والد وولده ، لأن الله تعالى ~~عم كل والد وما ولد ، وغير جائز أن يخص ذلك إلا بحجة يجب التسليم لها من ~~خبر أو عقل. ولا خبر بخصوص ذلك ، ولا برهان يجب التسليم له بخصوصه ، فهو ~~على عمومه .. (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@05 لقد خلقنا الإنسان في كبد ) جواب القسم. والمراد ~~بالإنسان : جنسه ، والكبد : الشدة والتعب والمشقة ، من المكابدة للشيء ، ~~بمعنى تحمل المشاق والمتاعب في فعله. وأصله من كبد الرجل بزنة طرب فهو أكبد ~~، إذا أصيبت كبده بالمرض ، ثم اتسع فيه فاستعمل في كل تعب ومشقة تنال ~~الإنسان. # والمعنى : لقد خلقنا الإنسان لهذه الشدائد والآلام ، التي هي من طبيعة ~~هذه الحياة الدنيا ، والتي لا يزال يكابدها وينوء بها ، ويتفاعل معها .. ~~حتى تنتهي حياته ، ولا فرق في ذلك بين غنى أو فقير ، وحاكم أو محكوم وصالح ~~أو صالح .. فالكل يجاهد ويكابد ويتعب ، من أجل بلوغ الغاية التي يبتغيها. # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( @QUR@05 لقد خلقنا الإنسان في كبد ) أى ~~: في تعب ومشقة ، فإنه لا يزال يقاسى فنون الشدائد من وقت نفخ الروح إلى ~~حين نزعها. PageV15P401 # وعن ابن عمر رضى الله عنهما يكابد الشكر على السراء ويكابد الصبر على ~~الضراء. وقيل : لقد خلقناه منتصب القامة واقفا ، ولم نجعله منكبا على وجهه. # وقيل : جعلناه منتصبا رأسه في بطن أمه ، فإذا أذن له في الخروج قلب رأسه ~~إلى قدمي أمه .. وهذه الأقوال ضعيفة لا يعول عليها ، والصحيح الأول .. (1). # والحق أن تفسير الكبد بالمشقة والتعب ، هو الذي تطمئن إليه النفس ؛ لأنه ~~لا يوجد في هذه الحياة إنسان إلا وهو مهموم ومشغول بمطالب حياته ، وفي كبد ~~وتعب للحصول على آماله ورغباته وغاياته ، ورحم الله القائل : # تعب كلها الحياة فما أعجب %~% إلا من راغب في ازدياد # وقال سبحانه ( @QUR@02 في كبد ) للإشعار بأنه لشدة مقاساته ومكابدته ~~للمشاق والمتاعب ، وعدم انفكاكه عنها .. كالظرف بداخل المظروف فهو في محن ~~ومتاعب ، حتى يصير ms6026 إلى عالم آخر تغاير أحواله أحوال هذا العالم. # والاستفهام في قوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@015 أيحسب أن لن يقدر عليه ~~أحد. يقول أهلكت مالا لبدا. أيحسب أن لم يره أحد ) للإنكار والتوبيخ. # أى : أيظن هذا الإنسان الذي هو في تعب ومشقة طول حياته ، أنه قد بلغ من ~~القوة والمنعة .. بحيث لا يقدر عليه أحد. # إن كان يتوهم ذلك ، فهو في ضلال مبين ، لأن الله تعالى الذي خلقه ، قادر ~~على إهلاكه في لمح البصر ، وقادر على أن يسلط عليه من يذله ، ويقضى عليه. # ويدخل في هذا التوبيخ دخولا أوليا ، أولئك المشركون الذين اغتروا بقوتهم ~~، فآذوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إيذاء شديدا. # ثم حكى سبحانه جانبا من أقوال هذا النوع الجاحد المغرور من بنى آدم فقال ~~: ( @QUR@04 يقول أهلكت مالا لبدا ). أى : يقول هذا الإنسان المغرور بقوته ~~، والمفتون بماله ، المتفاخر بما معه من حطام الدنيا. يقول على سبيل ~~التباهي والتعالي على غيره لقد أنفقت مالا كثيرا ، في عداوة النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، وفي إيذاء أتباعه ، وفي غير ذلك من الوجوه التي كان أهل ~~الجاهلية يظنونها خيرا ، وما هي إلا شر محض. وعبر سبحانه عن إنفاق هذا ~~الشقي لما له بقوله : ( @QUR@02 يقول أهلكت ... ). للإشعار ، بأن ما أنفقه ~~من مال هو شيء هالك ، لأنه لم ينفق في الخير ، وإنما أنفق في الشر. PageV15P402 # والمال اللبد : هو المال الكثير الذي تلبد والتصق بعضه ببعض لكثرته وهو ~~جمع لبدة بضم اللام وسكون الباء كغرفة وغرف ، وهي ما تلبد من صوف أو شعر ، ~~أى : تجمع والتصق بعضه بعض. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 أيحسب أن لم يره أحد ) توبيخ لهذا المغرور إثر ~~توبيخ ، وتجهيل في أعقاب تجهيل. أى : أيظن هذا الجاهل المغرور ، حين أنفق ~~المال الكثير في المعاصي والسيئات ، أن الله تعالى غير مطلع عليه؟ إن كان ~~يظن ذلك فهو في نهاية الجهالة وانطماس البصيرة ، لأن الله تعالى مطلع عليه ~~، ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء ، وسيحاسبه على ذلك حسابا عسيرا. # وفي الحديث الشريف : لن تزل قدما ms6027 عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع : عن ~~شبابه فيم أبلاه ، وعن عمره فيم أفناه ، وعن ماله من أين اكتسبه ، وفيم أنفقه. # ثم ساق سبحانه بعد ذلك جانبا من مظاهر نعمه ، على هذا الإنسان الجاهل ~~المغرور. فقال تعالى : ( @QUR@08 ألم نجعل له عينين. ولسانا وشفتين. ~~وهديناه النجدين ). # والاستفهام هنا للتقرير ، لأن الله تعالى قد جعل له كل ذلك ، ولكنه لم ~~يشكر الله تعالى على هذه النعم ، بل قابلها بالجحود والبطر .. # أى : لقد جعلنا لهذا الإنسان عينين ، يبصر بهما ، وجعلنا له لسانا ينطق ~~به ، وشفتين وهما الجلدتان اللتان تستران الفم والأسنان تساعدانه على النطق ~~الواضح السليم. # واقتصر سبحانه على العينين ، لأنهما أنفع المشاعر ، ولأن المقصود إنكار ~~ظنه أنه لم يره أحد ، ولأن الإبصار حاصل بذاتهما. # وذكر سبحانه اللسان وذكر معه الشفتين. للدلالة على أن النطق السليم ، لا ~~يتأتى إلا بوجودهما معا ، فاللسان لا ينطق نطقا صحيحا بدون الشفتين ، وهما ~~لا ينطقان بدونه. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 وهديناه النجدين ) بيان لنعمة أخرى هي أجل النعم ~~وأعظمها. # والنجد : الأرض المرتفعة ، وجمعه نجود ، ومنه سميت بلاد نجد بهذا الإسم ، ~~لأنها مرتفعة عن غيرها ... والمراد بالنجدين هنا : طريق الخير. وطريق الشر ~~، أى : وهدينا هذا الإنسان وأرشدناه إلى طريق الخير والشر ، عن طريق رسلنا ~~الكرام ، وعن طريق ما منحناه من عقل ، يميز به بين الحق والباطل ، ثم ~~وهبناه الاختيار لأحدهما ، كما قال تعالى : ( @QUR@07 إنا هديناه السبيل ~~إما شاكرا وإما كفورا ). # قال بعض العلماء : وكأنهما إنما سميا نجدين أى : سبيل الخير والشر : ~~لأنهما لما وضحت PageV15P403 # الدلائل ، وقربت الحجج ، وظهرت البراهين ، جعلا كالطريق المرتفعة العالية ~~، في أنها واضحة لذوي الأبصار. # أو إنما سميا بذلك ، للإشارة إلى أن في كل منهما وعورة يشق معها السلوك ، ~~ولا يصبر عليها إلا من جاهد نفسه وراضها ، وليس سلوك طريق الشر بأهون من ~~سلوك الخير ، بل الغالب أن يكون طريق الشر ، أشق وأصعب ، وأحوج إلى الجهد ~~.. (1). # وبعد بيان هذه النعم الجليلة التي أنعم الله بها سبحانه على الإنسان ، ~~أتبع سبحانه ذلك بحضه على المداومة على فعل ms6028 الخير ، وعلى إصلاح نفسه ، فقال ~~تعالى : ( @QUR@022 فلا اقتحم العقبة. وما أدراك ما العقبة. فك رقبة. أو ~~إطعام في يوم ذي مسغبة. يتيما ذا مقربة. أو مسكينا ذا متربة ). # والفاء في قوله سبحانه : ( @QUR@03 فلا اقتحم العقبة ) للتفريع على ما ~~تقدم ، والمقصود بهذه الآية الحض على فعل الخير بدل الشر. # وقوله : ( @QUR@01 اقتحم ) من الاقتحام للشيء ، بمعنى دخوله بشدة. يقال : ~~اقتحم الجنود أرض العدو ، إذا دخلوها بقوة وسرعة ، وبدون مبالاة بارتكاب ~~المخاطر. # والعقبة في الأصل : الطريق الوعر في الجبل ، والمراد بها هنا : مجاهدة ~~النفس ، وقسرها على مخالفة هواها وشهوتها ، وحملها على القول والفعل الذي ~~يرضى الله تعالى . # والمعنى : لقد جعلنا للإنسان عينين ولسانا وشفتين. وهديناه النجدين. فهلا ~~بعد كل هذه النعم ، فعل ما يرضينا ، بأن جاهد نفسه وهواه ، وبأن قدم ماله ~~في فك الرقاب ، وإطعام اليتامى والمساكين. # قال الجمل : وقوله : ( @QUR@03 فلا اقتحم العقبة ) أى : فهلا اقتحم ~~العقبة ، فلا بمعنى هلا التي للتحضيض. أى : الذي أنفق ماله في عداوة النبي ~~صلى الله عليه وسلم هلا أنفقه في اقتحام العقبة فيأمن .. (2). # وقد استعيرت العقبة لمجاهدة النفس ، وحملها على الإنفاق في سبيل الخير ، ~~لأن هذه الأعمال شاقة على النفس ، فجعلت كالذي يتكلف سلوك طريق وعر .. # ويصح أن تكون «لا» هنا ، على معناها الحقيقي وهو النفي ، فيكون المعنى : أن هذا PageV15P404 # الإنسان الذي جعلنا له عينين .. لم يشكرنا على نعمنا ، فلا هو اقتحم ~~العقبة ، ولا هو فعل شيئا ينجيه من عذابنا. # وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : قوله : ( @QUR@03 فلا اقتحم ~~العقبة ) يعنى : فلم يشكر تلك الأيادى والنعم بالأعمال الصالحة : من فك ~~الرقاب ، وإطعام اليتامى والمساكين .. بل غمط النعم ، وكفر بالمنعم .. # فإن قلت : قلما تقع «لا» الداخلة على الماضي ، غير مكررة ، فما لها لم ~~تكرر في الكلام الأفصح؟. قلت : هي متكررة في المعنى ، لأن المعنى ( @QUR@03 ~~فلا اقتحم العقبة ).. فلا فك رقبة ، ولا أطعم مسكينا. ألا ترى أنه فسر ~~اقتحام العقبة بذلك .. (1). # والاستفهام في قوله سبحانه : ( @QUR@04 وما أدراك ما العقبة ) لتفخيم ~~شأنها ، والتهويل من أمرها ، والتشويق إلى معرفتها. # والكلام ms6029 على حذف مضاف ، والتقدير : وما أدراك ما اقتحام العقبة؟. # ثم فسر سبحانه ذلك بقوله : ( @QUR@02 فك رقبة ). والمراد بفك الرقبة ~~إعتاقها وتخليصها من الرق والعبودية. إذ الفك معناه : تخليص الشيء من الشيء .. # وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ، جملة من الأحاديث التي ~~وردت في فضل عتق الرقاب ، وتحريرها من الرق .. # ومن هذه الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم «من أعتق رقبة مؤمنة ، أعتق الله ~~بكل إرب منها أى عضو منها إربا منه من النار ...». # وقوله صلى الله عليه وسلم : «ومن أعتق رقبة مؤمنة فهي فكاكه من النار ...» (2). # وقراءة الجمهور ( @QUR@02 فك رقبة ) برفع «فك» وإضافته إلى «رقبة». # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي : «فك» بفتح الكاف على أنه فعل ماض ، ~~ونصب لفظ «رقبة» على أنه مفعول به. # وقد ذهب جمع من المفسرين إلى أن المراد بفك الرقبة : أن يخلص الإنسان ~~نفسه من المعاصي والسيئات ، التي تكون سببا في دخوله النار. # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 أو إطعام في يوم ذي مسغبة ) بيان لفضيلة ثانية ~~من الفضائل التي PageV15P405 # تؤدى إلى مجاهدة النفس ، وحملها على طاعة الله تعالى . # والمسغبة : المجاعة ، مصدر ميمى بمعنى السغب ، يقال : سغب الرجل كفرح ~~ونصر إذا أصابه الجوع. ووصف اليوم بذلك على سبيل المبالغة كما في قولهم : ~~نهاره صائم .. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي «أطعم» بصيغة الفعل الماضي. # أى : اقتحام العقبة. أى : التمكن من حمل النفس على طاعة الله تعالى يتمثل ~~في فك الرقاب. وفي إطعام المحتاجين في يوم يشتد فيه جوعهم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 يتيما ذا مقربة. أو مسكينا ذا متربة ) بيان ~~لفضيلة ثالثة من الفضائل التي تؤدى إلى رضا الله تعالى . # وقوله : ( @QUR@01 يتيما ) منصوب على أنه مفعول به لقوله «إطعام» أو أطعم ~~على القراءة الثانية. واليتيم : هو الشخص الذي مات أبوه وهو صغير .. # والمقربة : بمعنى القرابة ، مصدر ميمى ، من قرب فلان من فلان ، إذا كان ~~بينهما نسب قريب .. # والمتربة : الحاجة والافتقار الشديد ، مصدر ميمى من ترب الرجل كطرب إذا ~~افتقر ، حتى لكأنه قد لصق بالتراب من شدة الفقر ms6030 ، وأنه ليس له مأوى سوى ~~التراب. # وأما قولهم : أترب فلان ، فمعناه استغنى ، حتى لكأن ماله قد صار كالتراب ~~من كثرته. # أى : اقتحام العقبة من أكبر مظاهره : فك الرقاب ، وإطعام الطعام لليتامى ~~الأقارب ، وللمساكين المحتاجين إلى العون والمساعدة. # وخص سبحانه الإطعام بكونه في يوم ذي مجاعة ، لأن إخراج المال في وقت ~~القحط ، أثقل على النفس ، وأوجب لجزيل الأجر ، كما قال تعالى : ( @QUR@07 ~~لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ). # وقيد سبحانه اليتيم بكونه ذا مقربة ، لأنه في هذه الحالة يكون له حقان : ~~حق القرابة ، وحق اليتم ، ومن كان كذلك فهو أولى بالمساعدة من غيره. # وقوله تعالى : ( @QUR@09 ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر ، وتواصوا ~~بالمرحمة ) معطوف على قوله تعالى قبل ذلك ( @QUR@03 فلا اقتحم العقبة .. ). # و «ثم» هنا للتراخي الرتبى ، للدلالة على أن ما بعدها أصل لقبول ما قبلها. # والمعنى : هلا كان هذا الإنسان ممن فكوا الرقاب ، وأطعموا الطعام لليتامى ~~والمساكين .. ثم كان فضلا عن كل ذلك من الذين آمنوا بالله تعالى إيمانا حقا ~~، وممن أوصى بعضهم PageV15P406 # بعضا بفضيلة الصبر ، وفضيلة التراحم والتعاطف .. # لقد كان من الواجب عليه .. لو كان عاقلا أن يكون من المؤمنين الصادقين ، ~~ولكنه لتعاسته وشقائه وغروره لم يكن كذلك ، لأنه لا هو اقتحم العقبة ، ولا ~~هو آمن .. # وخص سبحانه من أوصاف المؤمنين تواصيهم بالصبر ، وتواصيهم بالمرحمة ، لأن ~~هاتين الصفتين على رأس الصفات الفاضلة بعد الإيمان بالله تعالى : # واسم الإشارة في قوله : ( @QUR@03 أولئك أصحاب الميمنة ) يعود على الذين ~~آمنوا وتواصوا بالصبر ، وتواصوا بالمرحمة. أى : أولئك الموصوفون بتلك ~~الصفات الكريمة ، هم أصحاب الجهة اليمنى التي فيها السعداء الذين يؤتون ~~كتابهم بأيمانهم ، فالمراد بالميمنة : جهة اليمين .. # ثم بين سبحانه بعد ذلك سوء عاقبة الكافرين فقال : ( @QUR@03 والذين كفروا ~~بآياتنا ) أى : الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ( @QUR@03 هم أصحاب المشأمة ) ~~أى : هم في جهة الشمال التي فيها الأشقياء ، أو هم أصحاب الشؤم على أنفسهم ~~بسبب إصرارهم على كفرهم. # ( @QUR@03 عليهم نار مؤصدة ) أى : عليهم نار مغلقة بحيث لا يستطيعون ~~الخروج منها ، تقول : آصدت الباب وأوصدته ، إذا أحكمت ms6031 غلقه ، والاسم فيهما ~~، الإصاد والوصاد .. # نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أصحاب الميمنة. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV15P407 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الشمس ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 هذه السورة الكريمة سماها معظم المفسرين ، سورة «الشمس» ، وعنونها ~~الإمام ابن كثير بقوله : تفسير سورة «والشمس وضحاها». # وهي من السور المكية الخالصة ، وعدد آياتها : خمس عشرة آية في معظم ~~المصاحف ، وفي المصحف المكي ست عشرة آية ، وكان نزولها بعد سورة «القدر» ~~وقبل سورة «البروج». # 2 ومن مقاصدها : تهديد المشركين بأنهم سيصيبهم ما أصاب المكذبين من قبلهم ~~، إذا ما استمروا في كفرهم ، وبيان مظاهر قدرته تعالى في خلقه ، وبيان حسن ~~عاقبة من يزكى نفسه ، وسوء عاقبة من يتبع هواها. PageV15P409 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@02 والشمس وضحاها (1) @QUR@03 والقمر إذا تلاها (2) @QUR@03 ~~والنهار إذا جلاها (3) @QUR@03 والليل إذا يغشاها (4) @QUR@03 والسماء وما ~~بناها (5) @QUR@03 والأرض وما طحاها (6) @QUR@03 ونفس وما سواها (7) ~~@QUR@03 فألهمها فجورها وتقواها (8) @QUR@04 قد أفلح من زكاها (9) @QUR@04 ~~وقد خاب من دساها (10) @QUR@03 كذبت ثمود بطغواها (11) @QUR@03 إذ انبعث ~~أشقاها (12) @QUR@07 فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها (13) @QUR@07 ~~فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها (14) @QUR@03 ولا يخاف ~~عقباها ) (15) # افتتح سبحانه هذه السورة الكريمة ، بالقسم بكائنات عظيمة النفع ، جليلة ~~القدر ، لها آثارها في حياة الناس والحيوان والنبات ، ولها دلالتها الواضحة ~~على وحدانيته تعالى وكمال قدرته ، وبديع صنعه. # فقال سبحانه : ( @QUR@02 والشمس وضحاها ) والضحى الوقت الذي ترتفع فيه ~~الشمس بعد إشراقها ، فتكون أكمل ما تكون ضياء وشعاعا .. # فالمراد بضحاها : ضوؤها كما يرى مجاهد ، أو النهار كله كما اختار قتادة ~~وغيره ، أو حرها كما قال مقاتل . # وهذه الأقوال لا تنافر بينها ، لأن لفظ الضحى في الأصل ، يطلق على الوقت ~~الذي تنبسط فيه الشمس ، ويمتد النهار ، تقول : ضحى فلان يضحى كرضى يرضى ، ~~إذا برز PageV15P410 # للشمس ، وتعرض لحرها ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@013 إن لك ألا تجوع فيها ~~ولا تعرى. وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى ). # وقوله تعالى : ( @QUR@03 والقمر إذا تلاها ) أى : تبعها ، تقول : فلان ~~تلا فلانا يتلوه ، إذا تبعه ، قال بعض العلماء : فأما ms6032 أن القمر تابع للشمس ~~فيحتمل معنيين : أحدهما : أنه تال لها في ارتباط مصالح الناس ، وتعلق منافع ~~هذا العالم بحركته ، وقد دل علم الهيئة على أن بين الشمس والقمر من ~~المناسبة ما ليس بين غيرهما من الكواكب. وثانيهما : أن القمر يأخذ نوره ~~ويستمده من نور الشمس. وهذا قول الفراء قديما ، وقد قامت الأدلة عند علماء ~~الهيئة والنجوم ، على أن القمر يستمد ضوءه من الشمس .. (1). # وقال الشيخ ابن عاشور : وفي الآية إشارة إلى أن نور القمر ، مستفاد من ~~نور الشمس ، أى : من توجه أشعة الشمس إلى ما يقابل الأرض من القمر ، وليس ~~نيرا بذاته ، وهذا إعجاز علمي من إعجاز القرآن .. (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 والنهار إذا جلاها ) أى : جلى الشمس وأظهرها ~~وكشفها للناظرين. # قال الآلوسى : وقوله : ( @QUR@03 والنهار إذا جلاها ) أى : جلى النهار ~~الشمس ، أى : أظهرها ، فإنها تنجلي وتظهر إذا انبسط النهار ، ومضى منه مدة ~~، فالإسناد مجازى كالإسناد في نحو : صام نهاره. # وقيل : الضمير المنصوب يعود إلى الأرض ، وقيل : إلى الدنيا ، والمراد بها ~~وجه الأرض ، وقيل : إلى الظلمة ، وجلاها حينئذ بمعنى أزالها ، وعدم ذكر ~~المرجع على هذه الأقوال للعلم به. # والأول أولى ، لذكر المرجع واتساق الضمائر .. (3). # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 والليل إذا يغشاها ) أى : يغشى الليل الشمس ~~فيغطي ضوءها ، فالضمير في يغشاها يعود إلى الشمس. # وقيل : يعود إلى الدنيا ، وقيل : إلى الأرض أى : يغشى الليل الدنيا ~~والأرض بظلامه. # والحق أن في قوله تعالى ( @QUR@01 جلاها ) و ( @QUR@01 يغشاها ) إشارة ~~واضحة إلى أن الضمير فيهما يعود إلى الشمس ، إذ النهار يجلى الشمس ويكشفها ~~أتم انكشاف ، والليل يزيل ضوءها PageV15P411 # ويستره ، فنسب سبحانه إلى النهار ما يلائمه بالنسبة للشمس ، وكذلك الحال ~~بالنسبة لليل. # ثم قال تعالى : ( @QUR@03 والسماء وما بناها ) أى : وحق السماء وحق من ~~بناها وأنشأها وأوجدها على تلك الصورة البديعة الرائعة. # فما هنا اسم موصول بمعنى من ، والمراد بمن بناها : الله عز وجل وأوثرت على ~~من التي تأتى للعاقل كثيرا ، لإشعارها معنى الوصفية. أى : وحق السماء ، وحق ~~القادر العظيم الذي بناها وأوجدها على هذه الهيئة الجميلة الدقيقة. # وقد أشار إلى ذلك ms6033 صاحب الكشاف فقال : والوجه أن تكون «ما» موصولة أى : في ~~هذه الآية وما بعدها وإنما أوثرت على من لإرادة معنى الوصفية ، كأنه قيل : ~~والسماء ، والقادر العظيم الذي بناها (1). # ومنهم من يرى أن «ما» هنا مصدرية ، فيكون المعنى : وحق السماء وبنيانها. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 والأرض وما طحاها ) أى : وحق الأرض ومن بسطها من ~~كل جانب ، وجعلها مهيأة للاستقرار عليها : يقال : طحى فلان الشيء ودحاه ، ~~إذا بسطه ووسعه. # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 ونفس وما سواها ) أى : وحق النفوس ، وحق من ~~أنشأها من العدم في أحسن تقويم ، وجعلها مستعدة لتلقى ما يكملها ويصلحها. # ويبدو أن المراد بالنفس هنا ذات الإنسان ، من باب إطلاق الحال على المحل ~~، ويكون المراد بتسويتها : استواء خلقة الإنسان ، وتركيب أعضائه في أجمل صورة. # ومن قال بأن المراد بالنفس هنا : القوة المدبرة للإنسان ، يكون المقصود ~~بتسويتها. منحها القوى الكثيرة المتنوعة ، التي توصلها إلى حسن المعرفة ، ~~والتمييز بين الخير والشر ، والنفع والضر ، والهدى والضلال. # قالوا : وقوله : تعالى بعد ذلك : ( @QUR@03 فألهمها فجورها وتقواها ) ~~يشير إلى أن المراد بالنفس في قوله تعالى : ( @QUR@03 ونفس وما سواها ) ~~القوة المدبرة للإنسان ، والتي عن طريقها يدرك الأمور إدراكا واضحا. ويختار ~~منها ما يناسب استعداده. # والإلهام : هو التعريف والإفهام للشيء ، أو التمكين من فعله أو تركه ، ~~والفجور : فعل ما يؤدى إلى الخسران والشقاء. والتقوى : هي الإتيان بالأقوال ~~والأفعال التي ترضى الله تعالى وتصون الإنسان من غضبه عز وجل . PageV15P412 # أى : فعرف سبحانه النفس الإنسانية وألهمها وأفهمها معنى الفجور والتقوى ، ~~وبين لها حالهما ، ووضح لها ما ينبغي أن تفعله وما ينبغي أن تتركه ، من خير ~~أو شر ، ومن طاعة أو معصية ، بحيث يتميز عندها الرشد من الغي ، والخبيث من الطيب. # ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله تعالى : ( @QUR@02 وهديناه ~~النجدين ) وقوله عز وجل : ( @QUR@07 إنا هديناه السبيل. إما شاكرا وإما ~~كفورا ). # وقدم سبحانه هنا الفجور على التقوى ، مراعاة لأحوال المخاطبين بهذه ~~السورة ، وهم كفار قريش ، الذين كانت أعمالهم قائمة على الفجور والخسران ، ~~بسبب إعراضهم عما جاءهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ms6034 من حق وبر. # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها ) يصح أن ~~يكون جوابا للقسم. والفلاح : الظفر بالمطلوب. والتزكية : التزود من الخير ~~والطاعة ، والحرص على تطهير النفس من كل سوء ، وقوله : ( @QUR@01 دساها ) ~~أى : نقصها وأخفاها بالمعاصي والآثام. وأصل فعل دسى : دسس ، فلما اجتمع ~~ثلاث سينات ، قلبت الثالثة ياء ، يقال : دس فلان الشيء إذا أخفاه وكتمه. # والمعنى : وحق الشمس وضحاها ، وحق القمر إذا تلاها. وحق النفس وحق من ~~سواها ، وجعلها متمكنة من معرفة الخير والشر. لقد أفلح وفاز وظفر بالمطلوب ~~، ونجا من المكروه ، من طهر نفسه من الذنوب والمعاصي. وقد خاب وخسر نفسه. ~~وأوقعها في التهلكة ، من نقصها وأخفاها وأخملها وحال بينها وبين فعل الخير ~~بسبب ارتكاب الموبقات والشرور. # قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله تعالى : ( @QUR@04 قد أفلح من زكاها ) جواب ~~القسم. وإليه ذهب الزجاج وغيره. والأصل : لقد أفلح ، فحذفت اللام لطول ~~الكلام المقتضى للتخفيف. وفاعل من «زكاها» ضمير «من» والضمير المنصوب للنفس ~~... (1). # ويرى المحققون من العلماء أن جواب القسم محذوف ، للعلم به ، فكأنه سبحانه ~~قد قال : وحق الشمس وضحاها ، وحق القمر إذا تلاها .. ليقعن البعث والحساب ~~والجزاء ، أو لتحاسبن على أعمالكم. ودليل هذا الجواب قوله تعالى بعد ذلك : ~~( @QUR@03 كذبت ثمود بطغواها ) لأن هذه الآية الكريمة وما بعدها ، تدل على ~~أن الله تعالى قد اقتضت سنته ، أن يحاسب من فسق عن أمره ، وأصر على تكذيب رسله. # وعلى هذا سار صاحب الكشاف ، فقد قال : فإن قلت : فأين جواب القسم؟ قلت : هو PageV15P413 # محذوف ، تقديره : ليدمدمن الله عليهم ، أى : على مكة لتكذيبهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، كما دمدم على قبيلة ثمود لأنهم كذبوا صالحا عليه السلام ~~وأما قوله : ( @QUR@04 قد أفلح من زكاها ) فكلام تابع لقوله : ( @QUR@03 ~~فألهمها فجورها وتقواها ) على سبيل الاستطراد ، وليس من جواب القسم في شيء ~~.. (1). # وقد أقسم الله تعالى بهذه الكائنات المختلفة ، والتي لها مالها من ~~المنافع بالنسبة للإنسان وغيره ، لتأكيد وحدانيته ، وكمال قدرته ، وبليغ حكمته. # وبدأ سبحانه بالشمس ، لأنها أعظم هذه الكائنات ، وللتنويه بشأن الإسلام ، ~~وأن هديه ms6035 كضياء الشمس ، الذي لا يترك للظلام أثرا. # وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات بعض الأحاديث ، منها ما ~~رواه الطبراني عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا مر بهذه الآية : ( @QUR@06 ونفس وما سواها. فألهمها ~~فجورها وتقواها ) وقف ثم قال : «اللهم آت نفسي تقواها أنت وليها ومولاها. ~~وخير من زكاها». وعن أبى هريرة رضى الله عنه. قال : سمعت النبي يقرأ ( ~~@QUR@03 فألهمها فجورها وتقواها ) قال : «اللهم آت نفسي تقواها ، وزكها أنت ~~خير من زكاها ، أنت وليها ومولاها» (2). # وبعد هذا الحديث الطويل المؤكد بالقسم ، والدال على وحدانيته ، وبديع ~~صنعه .. أتبع ذلك ببيان ما حل بالمكذبين السابقين ، ليكون هذا البيان عبرة ~~وعظة للمشركين المعاصرين للنبي ، فقال تعالى : ( @QUR@023 كذبت ثمود ~~بطغواها. إذ انبعث أشقاها. فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها. فكذبوه ~~فعقروها. فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها. ولا يخاف عقباها ). # والمراد بثمود : تلك القبيلة التي أرسل الله تعالى إلى أهلها صالحا ~~عليه السلام لكي يأمرهم بإخلاص العبادة لله وحده. ومفعول «كذبت» محذوف للعلم به. # والباء في قوله «بطغواها» للسببية ، والطغوى : اسم مصدر من الطغيان ، وهو ~~مجاوزة الحد المعتاد. # أى : كذبت قبيلة ثمود نبيهم صالحا عليه السلام بسبب طغيانهم وإفراطهم في الجحود PageV15P414 # والتكبر والعناد. وقيل : إن الباء للتعدية ، والطغوى : اسم للعذاب الذي ~~نزل بهم ، والذي توعدهم به نبيهم. # أى : كذبت ثمود بعذابها ، الذي توعدهم رسولهم به ، إذا ما استمروا في ~~كفرهم وطغيانهم. # والظرف في قوله سبحانه : ( @QUR@03 إذ انبعث أشقاها ) متعلق بقوله ( ~~@QUR@01 بطغواها )، لأن وقت انبعاث أشقاهم لقتل الناقة. هو أشد أوقات ~~طغيانهم وفجورهم. # وفعل «انبعث» مطاوع بعث ، تقول : بعثته فانبعث ، كما تقول : كسرته ~~فانكسر. # ويصح أن يكون متعلقا بقوله : ( @QUR@01 كذبت ). # وقوله ( @QUR@01 أشقاها ) أى : أشقى تلك القبيلة ، وهو قدار بزنة غراب بن ~~سالف ، الذي يضرب به المثل في الشؤم ، فيقال : فلان أشأم من قدار. # أى : كذبت ثمود نبيها ، بسبب طغيانها ، وقت أن أسرع أشقى تلك القبيلة ، ~~وهو قدار بن سالف ، لعقر الناقة التي نهاهم نبيهم عن ms6036 مسها بسوء. # وعبر سبحانه بقوله : ( @QUR@01 انبعث ) للإشعار بأنه قام مسرعا عند ما ~~أرسله قومه لقتل الناقة ، ولم يتردد في ذلك لشدة كفره وجحوده. # وقوله تعالى : ( @QUR@07 فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها ) أى : ~~فقال لهم رسول الله تعالى إليهم. وهو صالح عليه السلام على سبيل التحذير ~~والإنذار : احذروا عقر ناقة الله تعالى ، واحذروا سقياها ، أى : الوقت ~~المحدد لشرابها فلا تمنعوها فيه من الشرب ، فإن لها يوما لا تشاركونها فيه ~~الشرب ، وإن لكم يوما آخر هي لن تشارككم فيه. وقد قال لهم صالح عليه السلام ~~هذا الكلام ، عند ما شعر بأنهم قد بيتوا النية على عقرها. # فالفاء في قوله تعالى : ( @QUR@02 فقال لهم ... ) عاطفة على قوله ( ~~@QUR@01 كذبت ) لإفادة الترتيب والتعقيب .. # أى : قال لهم ذلك في أعقاب شعوره بتصميمهم على تكذيبه ، وعلى قتل الناقة. # ولفظ «ناقة» منصوب على التحذير ، والكلام على حذف مضاف. أى : احذروا عقر ~~ناقة الله ، وأضيفت إلى لفظ الجلالة ، على سبيل التشريف لها ، لأنها قد ~~جعلها سبحانه معجزة لنبيه صالح عليه السلام ودليلا على صدقه. # وقوله : ( @QUR@01 وسقياها ) معطوف على ناقة الله ، وهو منصوب أيضا على ~~التحذير. PageV15P415 # أى : احذروا أن تقتلوا الناقة ، واحذروا أن تشاركوها في اليوم الخاص ~~بشربها ، فضلا عن أن تؤذوها. # وقوله سبحانه : ( @QUR@07 فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ~~) بيان لموقفهم السيئ من تحذير نبيهم لهم ولما أصابهم من عذاب مهلك بسبب ~~هذا التكذيب. # وقوله : ( @QUR@01 فدمدم ) بزنة فعلل بمعنى تضعيف العذاب وترديده ، يقال ~~: دمدمت على الشيء ، أى : أطبقت عليه ، ودمدم عليه القبر ، أى : أطبقه عليه. # أى : فكذب قوم صالح نبيهم ، وأصروا على هذا التكذيب ، وتجاوزوا ذلك إلى ~~عقر الناقة التي نهاهم عن مسها بسوء ... فكانت نتيجة ذلك ، أن أهلكهم الله ~~تعالى وأن أخذهم أخذ عزيز مقتدر ، فقد أطبق عليهم الأرض ، وسواها من فوقهم ~~جميعا دون أن يفلت منهم أحد ، وصاروا كلهم تحت ترابها ، ونجى سبحانه صالحا ~~ومن آمن معه. بفضله ورحمته. # والضمير في قوله سبحانه : ( @QUR@03 ولا يخاف عقباها ) يعود إلى الله ~~تعالى أى : ولا يخاف الله تعالى عاقبة ms6037 ما فعله بهؤلاء الطغاة الأشقياء ، ~~لأن الذي يخاف إنما هو المخلوق. # أما الخالق لكل شيء ، فإنه تعالى لا يخاف أحدا ، لأنه لا يسأل عما يفعل ، ~~ولأنه تعالى هو العادل في أحكامه. والضمير في عقباها ، يعود إلى الفعلة أو ~~إلى الدمدمة. # ومنهم من جعل الضمير في «يخاف» يعود إلى أشقاها ، أى : أن هذا الشقي قد ~~أسرع إلى عقر الناقة دون أن يخشى سوء عاقبة فعله ، لطغيانه وجهله. # نسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعا من عباده الصالحين. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ||الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى| PageV15P416 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الليل ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سميت هذه السورة في معظم المصاحف سورة «الليل» وفي بعض كتب التفسير ~~سميت بسورة «والليل» ، وعنون لها الإمام البخاري بسورة «والليل إذا يغشى» ، ~~وعدد آياتها إحدى وعشرون آية. # وجمهور العلماء على أنها مكية ، وقال بعضهم : هي مدنية ، وقال آخرون : ~~بعضها مكي ، وبعضها مدني ، والحق أن هذه السورة من السور المكية الخالصة ، ~~وكان نزولها بعد سورة. «الأعلى» وقبل سورة «القمر» ، فهي تعتبر السورة ~~التاسعة في النزول من بين السور المكية. # قال الإمام الشوكانى. وهي مكية عند الجمهور ، فعن ابن عباس قال : نزلت ~~سورة «والليل إذا يغشى» بمكة. وأخرج ابن مردويه عن الزبير مثله .. # وفي رواية عن ابن عباس أنه قال : إنى لأقول إن هذه السورة نزلت في ~~السماحة والبخل .. (1). # 2 وحقا ما قاله ابن عباس رضى الله عنهما ، فإن السورة الكريمة ، قد احتوت ~~على بيان شرف المؤمنين ، وفضائل أعمالهم ، ومذمة المشركين ، وسوء فعالهم ، ~~وأنه تعالى قد أرسل رسوله للتذكير بالحق ولإنذار المخالفين عن أمره تعالى ~~أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم. PageV15P417 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@03 والليل إذا يغشى (1) @QUR@03 والنهار إذا تجلى (2) @QUR@04 وما ~~خلق الذكر والأنثى (3) @QUR@03 إن سعيكم لشتى (4) @QUR@04 فأما من أعطى ~~واتقى (5) @QUR@02 وصدق بالحسنى (6) @QUR@02 فسنيسره لليسرى (7) @QUR@04 ~~وأما من بخل واستغنى (8) @QUR@02 وكذب بالحسنى (9) @QUR@02 فسنيسره للعسرى ~~(10) @QUR@06 وما يغني عنه ماله إذا تردى (11) @QUR@03 إن علينا للهدى (12) ~~@QUR@04 وإن لنا ms6038 للآخرة والأولى (13) @QUR@03 فأنذرتكم نارا تلظى (14) ~~@QUR@04 لا يصلاها إلا الأشقى (15) @QUR@03 الذي كذب وتولى (16) @QUR@02 ~~وسيجنبها الأتقى (17) @QUR@04 الذي يؤتي ماله يتزكى (18) @QUR@06 وما لأحد ~~عنده من نعمة تجزى (19) @QUR@05 إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى (20) @QUR@02 ~~ولسوف يرضى ) (21) # أقسم الله سبحانه في افتتاح هذه السورة بثلاثة أشياء ، على أن أعمال ~~الناس مختلفة. # أقسم أولا بالليل فقال : ( @QUR@03 والليل إذا يغشى ) أى : وحق الليل إذا ~~يغشى النهار ، فيغطي ضياءه ، ويذهب نوره ، ويتحول الكون معه من حالة إلى ~~حالة ، إذ عند حلول الليل يسكن الخلق عن الحركة ، ويأوى كل إنسان أو حيوان ~~إلى مأواه ، ويستقبلون النوم الذي فيه ما فيه من الراحة لأبدانهم ، كما قال ~~تعالى : ( @QUR@06 وجعلنا الليل لباسا. وجعلنا النهار معاشا ). PageV15P418 # وأقسم ثانيا بالنهار فقال : ( @QUR@03 والنهار إذا تجلى ) أى : وحق ~~النهار حين ينكشف ويظهر ، ويزيل الليل وظلمته ، ويخرج الناس معه ليباشروا ~~أعمالهم المتنوعة. # وأقسم ثالثا بقوله : ( @QUR@04 وما خلق الذكر والأنثى ) و «ما» هنا يصح أن ~~تكون موصولة ، بمعنى الذي ، فيكون سبحانه قد أقسم بذاته ، وجاء التعبير بما ~~، للدلالة على الوصفية ، ولقصد التفخيم. # فكأنه تعالى يقول : وحق الخالق العظيم ، الذي لا يعجزه شيء ، والذي خلق ~~نوع الذكور ، ونوع الإناث من ماء واحد. # ويصح أن تكون «ما» هنا حرفا مصدريا ، فيكون المعنى : وحق خلق الذكر ~~والأنثى ، وعليه يكون سبحانه قد أقسم بفعل من أفعاله التي تدل على كمال ~~قدرته ، وبديع صنعته ، حيث أوجد الذكور والإناث من ماء واحد ، كما قال ~~سبحانه : ( @QUR@09 وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى ) ~~وحيث وهب سبحانه الذكور لمن يشاء ، ووهب الإناث لمن يشاء ، وجعل العقم لمن يشاء. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 إن سعيكم لشتى ) هو جواب القسم. وشتى جمع شتيت. ~~مثل : جريح وجرحى ، ومريض ومرضى. والشيء الشتيت : هو المتفرق المتناثر بعضه ~~عن بعض ، من الشتات بمعنى الابتعاد والافتراق. # والمعنى : وحق الليل إذا يغشى النهار فيستر ضياءه ، وحق النهار إذا تجلى ~~وأسفر وأزال الليل وظلامه ، وحق الخالق العظيم القادر الذي أوجد الذكور ~~والإناث. # وحق كل ذلك ، إن أعمالكم ومساعيكم أيها الناس في هذه الحياة ، لهى ألوان ~~شتى ms6039 ، وأنواع متفرقة ، منها الهدى ومنها الضلال ، ومنها الخير ، ومنها الشر ~~، ومنها الطاعة ، ومنها المعصية .. وسيجازى سبحانه كل إنسان على حسب عمله. # وحذف مفعول «يغشى» للتعميم ، أى يغشى كل شيء ويواريه بظلامه. # وأسند سبحانه التجلي إلى النهار ، على سبيل المدح له بالاستنارة ~~والإسفار. # والمراد بالسعي : العمل. وقوله «سعيكم» مصدر مضاف فيفيد العموم فهو في ~~معنى الجمع أى : إن مساعيكم لمتفرقة. # قال القرطبي : السعى : العمل ، فساع في فكاك نفسه ، وساع في عطبها ، يدل ~~عليه قوله صلى الله عليه وسلم : «الناس غاديان : فمبتاع نفسه فمعتقها ، وبائع ~~نفسه فموبقها» (1). PageV15P419 # ثم فصل سبحانه ما أجمله في قوله : ( @QUR@03 إن سعيكم لشتى ) فقال : ( ~~@QUR@022 فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى. فسنيسره لليسرى. وأما من بخل ~~واستغنى. وكذب بالحسنى. فسنيسره للعسرى. وما يغني عنه ماله إذا تردى ) ~~والحسنى تأنيث الأحسن ، وهي صفة لموصوف محذوف. # أى : ( @QUR@03 فأما من أعطى ) حق الله تعالى ، بأن أنفق من ماله في وجوه ~~الخير : كإعتاق الرقاب ، ومساعدة المحتاجين .. ( @QUR@01 واتقى ) المحارم ~~والمعاصي ( @QUR@02 وصدق بالحسنى ) أى : وأيقن بالخصلة الحسنى ، وهي ~~الإيمان بكل ما يجب الإيمان به ، أو أيقن بالملة الحسنى ، وهي ملة الإسلام ~~، أو بالمثوبة الحسنى وهي الجنة. # ( @QUR@02 فسنيسره لليسرى ) أى : فسنهيئه للخصلة التي توصله إلى اليسر ~~والراحة وصلاح البال ، بأن نوفقه لأداء الأعمال الصالحة التي تؤدى إلى ~~السعادة. # وحذف مفعول «أعطى واتقى» للعلم بهما ، أى : أعطى ما كلفه الله تعالى به ، ~~واتقى محارمه. # ( @QUR@03 وأما من بخل ) بماله فلم يؤد حقوق الله تعالى فيه ، ولم يبذل ~~شيئا منه في وجوه البر. ( @QUR@01 واستغنى ) أى : واستغنى عن ثواب الله ~~تعالى ، وتطاول على الناس بماله وجاهه ، وآثر متع الدنيا على نعيم الآخرة ~~... ( @QUR@02 وكذب بالحسنى ) أى : وكذب بالخصلة الحسنى التي تشمل الإيمان ~~بالحق ، وبيوم القيامة وما فيه من حساب وجزاء. # ( @QUR@02 فسنيسره للعسرى ) أى : فسنهيئه للخصلة التي توصله إلى العسر ~~والمشقة والشدة ، بأن نجعله بسبب سوء اختياره ، يؤثر الغي على الرشد ، ~~والباطل على الحق ، والبخل على السخاء ، فتكون عاقبته فرطا ، ونهايته ~~الخسران والبوار. # والمتأمل في هذه الآيات الكريمة يراها ، وقد وصفت المؤمنين ms6040 الصادقين ~~بثلاث صفات هي جماع كل خير ، وأساس جميع الفضائل : وصفهم بالسخاء ، وبالخوف ~~من الله تعالى ، وبالتصديق بكل ما يجب التصديق به ، ورتب على ذلك توفيقهم ~~للخصلة الحسنى .. التي تنتهي بهم إلى الفوز والسعادة. # ووصف أيضا أهل الفسوق والفجور بثلاث صفات ، هي أساس البلاء ، ومنبع ~~الفساد ، ألا وهي : البخل ، والغرور ، والتكذيب بكل ما يجب الإيمان به .. ~~ورتب سبحانه على ذلك تهيئتهم للخصلة العسرى ، التي توصلهم إلى سوء المصير ، ~~وشديد العقاب .. PageV15P420 # وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات ، جملة من الأحاديث ~~الشريفة ، فقال ما ملخصه : قوله : ( @QUR@02 وكذب بالحسنى ) أى : بالجزاء ~~في الدار الآخرة ( @QUR@02 فسنيسره للعسرى ) أى : لطريق الشر ، كما قال ~~تعالى : ( @QUR@013 ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ، ~~ونذرهم في طغيانهم يعمهون ) والآيات في هذا المعنى كثيرة ، ودالة على أن ~~الله يجازى من قصد الخير بالتوفيق له ، ومن قصد الشر بالخذلان ، وكل ذلك ~~بقدر مقدر ، والأحاديث الدالة على هذا المعنى كثيرة. # منها : ما أخرجه البخاري عن على بن أبى طالب رضى الله عنه قال : كنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في بقيع الغرقد في جنازة ، فقال : «ما منكم من ~~أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ، ومقعده من النار» فقالوا : يا رسول الله ~~أفلا نتكل؟ فقال : «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» ثم قرأ : ( @QUR@04 فأما ~~من أعطى واتقى ... ) إلى قوله : ( @QUR@01 للعسرى ) (1). # و «ما» في قوله سبحانه : ( @QUR@06 وما يغني عنه ماله إذا تردى ) يجوز أن ~~تكون نافية. والتردي : السقوط من أعلى إلى أسفل. يقال : تردى فلان من فوق ~~الجبل ، إذا سقط من أعلاه إلى أسفله. والمراد به هنا : النزول إلى القبر ~~بعد الموت ، أو السقوط في النار بسبب الكفر والفسوق والعصيان ، من الردى ~~بمعنى الهلاك. # أى : ولا يغنى شيئا عن هذا الشقي الذي بخل واستغنى وكذب بالحسنى ، ماله ~~وجاهه وكل ما كان يملكه في الدنيا ، إذا سقط يوم القيامة في النار. # ويجوز أن تكون «ما» استفهامية : ويكون الاستفهام المقصود به الإنكار ~~والتوبيخ ، أى : وماذا يغنى عن ms6041 هذا الشقي ماله بعد هلاكه ، وبعد ترديه في ~~جهنم يوم القيامة؟ إنه لن يغنى عنه شيئا ماله الذي يخل به في الدنيا ، بل ~~سيهوى في جهنم دون أن يشفع له شافع ، أو ينصره ناصر ، وصدق الله إذ يقول : ~~( @QUR@05 ونرثه ما يقول ويأتينا فردا ). وإذ يقول : ( @QUR@012 ولقد ~~جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة. وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ... ). # ثم بين سبحانه بعد ذلك ، أنه قد أعذر إلى عباده ، حيث وضح لهم طريق الخير ~~وطريق الشر ، وكشف لهم عن حسن عاقبة من أعطى واتقى وصدق بالحسنى ، وسوء ~~عاقبة من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فقال تعالى : ( @QUR@07 إن علينا للهدى. ~~وإن لنا للآخرة والأولى ). أى : إن علينا بمقتضى حكمتنا ورحمتنا بعبادنا ~~أن نبين لهم طريق الحق ، وطريق الباطل ، بواسطة رسلنا ، فمن شاء بعد ذلك ~~فليؤمن فينال الثواب ، ومن شاء بعد ذلك PageV15P421 # فليكفر فيحل به العقاب ، لأننا نجازي كل إنسان على حسب عمله ، بعد أن ~~هديناه النجدين ، وأرشدناه إلى سبيل الرشد وسبيل الغي. # وإن لنا وحدنا كل ما في الدنيا ، وكل ما في الآخرة. إذ الخلق والأمر ~~بيدنا ، والعطاء والمنع لا يملكه أحد سوانا ، وهذا الكون كله تحت تصرفنا ~~وقدرتنا. # والفاء في قوله سبحانه : ( @QUR@03 فأنذرتكم نارا تلظى ) للإفصاح عن مقدر ~~، لأنها تدل على مراعاة مضمون الكلام الذي قبلها ، وتأتى بعده بما يفصله ~~ويزيده وضوحا .. # وقوله : ( @QUR@01 تلظى ) أى : تتوقد وتتوهج وتلتهب ، وأصله تتلظى ، ~~فحذفت إحدى التاءين تخفيفا. أى : إذا كان الأمر كما ذكرت لكم ، من حسن ~~عاقبة من أعطى واتقى ، ومن سوء عاقبة من بخل واستغنى ، ومن أن كل شيء تحت ~~قدرتنا وتصرفنا .. فأكون بذلك قد حذرتكم من عذاب عظيم يوم القيامة ، ~~وخوفتكم من السقوط في نار عظيمة تلتهب وتتوقد ، وهذه النار ( @QUR@02 لا ~~يصلاها ) أى : لا يحترق بها ( @QUR@02 إلا الأشقى ) أى : من اشتد شقاؤه ~~بسبب إصراره على كفره وفجوره. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 الذي كذب وتولى ) صفة لهذا الشقي ، لزيادة ~~التشنيع عليه ، والذم له. أى : سيحترق بهذه النار هذا الإنسان الذي بلغ ~~الغاية في الشقاء والتعاسة ، والذي من ms6042 صفاته أنه كذب بالحق ، وأعرض عن ~~الطاعة. وسار في طريق الكفر والجحود ، حتى أدركه الموت ، وهو على ذلك. # وكعادة القرآن الكريم في المقابلة بين الأشرار والأخيار ، وبين السعداء ~~والأشقياء ، جاء الحديث بعد ذلك عن حال الأتقياء ، فقال تعالى ( @QUR@02 ~~وسيجنبها الأتقى ) أى : وسيبتعد عن هذه النار المتأججة الأتقى ، وهو من ~~بالغ في صيانة نفسه عن كل ما يغضب الله تعالى ، وحرص كل الحرص على فعل ما ~~يرضيه عز وجل . # فالمراد بالأشقى والأتقى : الشديد الشقاء ، والشديد التقوى. # والتعبير بقوله : ( @QUR@01 وسيجنبها ) يشعر بابتعاده عنها ابتعادا تاما ~~، بحيث تكون النار في جانب ، وهذا الأتقى في جانب آخر ، كما قال تعالى : ( ~~@QUR@018 إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون. لا يسمعون ~~حسيسها ، وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون ). # والفعل «جنب» يتعدى إلى مفعولين ، أولهما هنا هو لفظ الأتقى ، الذي ارتفع ~~على أنه نائب فاعل ، والمفعول الثاني هو الهاء. # ثم وصف سبحانه هذا الإنسان المبالغ في تقواه وطاعته لربه فقال : ( ~~@QUR@02 الذي يؤتي PageV15P422 # @QUR@02 ماله يتزكى ) أى : هذا الإنسان الشديد التقوى من صفاته أنه يقدم ~~ماله لغيره ، وينفقه في وجوه البر والطاعة ، رجاء أن يكون عند ربه زاكيا ~~ناميا ، خاليا من شبهة الرياء والتفاخر ، وأملا في أن يتطهر به من الذنوب. # فقوله ( @QUR@01 يتزكى ) في محل نصب على الحال من فاعل ( @QUR@01 يؤتي ) ~~أى : يؤتى ماله حال كونه لا يطلب من وراء ذلك إلا تزكية ماله ، وتطهير نفسه. # وقوله سبحانه : ( @QUR@011 وما لأحد عنده من نعمة تجزى. إلا ابتغاء وجه ~~ربه الأعلى ) بيان لبلوغه أسمى درجات الإخلاص والنقاء. # أى : أن هذا الإنسان الكامل في تقاه لا يفعل ما يفعل من وجوه الخيرات ، ~~من أجل المجازاة لغيره على نعمة سلفت من هذا الغير له ، وإنما يفعل ما يفعل ~~من أجل شيء واحد ، وهو طلب رضا الله تعالى والظفر بثوابه ، والإخلاص ~~لعبادته سبحانه . # قال الآلوسى : وقوله : ( @QUR@05 إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ) منصوب على ~~الاستثناء المنقطع من قوله : ( @QUR@02 من نعمة ) لأن الابتغاء لا يندرج ~~فيها ، فالمعنى : لكنه فعل ذلك لابتغاء وجه ربه سبحانه ms6043 وطلب رضاه ، لا ~~لمكافأة لأحد على نعمة. # وجوز أن يكون نصبه على أنه مفعول لأجله ، أى : لا يؤتى ماله لأجل شيء من ~~الأشياء إلا لأجل طلب رضا ربه ، لا لأجل شيء آخر ، فهو استثناء مفرغ من أعم ~~العلل والأسباب .. (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 ولسوف يرضى ) المقصود به الوعد الصادق لهذا ~~التقى ، بما يزيد في سروره ، وفي قرة عينه. # أى : ولسوف نعطى هذا التقى الذي أعطى واتقى وصدق بالحسنى ، من أجل الظفر ~~برضا ربه تعالى لا من أجل شيء آخر .. لسوف نعطيه عطاء يرضيه ويسعده ويشرح صدره. # هذا ، وأكثر المفسرين على أن هذه الآيات الكريمة نزلت في شأن سيدنا أبى ~~بكر الصديق رضى الله عنه . # قال الإمام ابن جرير ما ملخصه : وذكر أن هذه الآيات نزلت في أبى بكر ~~الصديق .. فقد كان يعتق العجائز من النساء إذا أسلمن ، ويشترى الضعفة من ~~العبيد فيعتقهم ، فقال له أبوه : يا بنى ، أراك تعتق أناسا ضعفاء ، فلو أنك ~~تعتق رجالا جلداء أى : أشداء يقومون معك ، ويمنعونك ، ويدفعون عنك. PageV15P423 # فقال أبو بكر : أى أبت .. إنما أريد ما عند الله ، فنزلت هذه الآيات .. (1). # وقال الإمام ابن كثير : وقد ذكر غير واحد من المفسرين ، أن هذه الآيات قد ~~نزلت في أبى بكر الصديق رضى الله عنه حتى إن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين ~~على ذلك ، ولا شك أنه داخل فيها ، وأولى الأمة بعمومها ، فإن لفظها لفظ ~~العموم ، وهو قوله : ( @QUR@06 وسيجنبها الأتقى ، الذي يؤتي ماله يتزكى ... ~~) ولكنه مقدم الأمة ، وسابقهم في جميع هذه الأوصاف ، وسائر الأوصاف الحميدة ~~، فإنه كان صديقا ، تقيا ، كريما ، جوادا ، بذالا لماله في طاعة مولاه ، ~~ونصرة رسوله صلى الله عليه وسلم .. (2). # نسأل الله تعالى أن يحشرنا جميعا في زمرة عباده الأتقياء الأنقياء. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV15P424 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة والضحى ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «الضحى» من السور المكية الخالصة ، بل هي من أوائل السور المكية ، ~~فقد كان نزولها بعد سورة «الفجر» وقبل سورة «الانشراح» ، وتعتبر بالنسبة ~~لترتيب النزول السورة الحادية ms6044 عشرة من بين السور المكية ، أما ترتيبها في ~~المصحف فهي السورة الثالثة والتسعون ، وعدد آياتها إحدى عشرة آية. # 2 والقارئ لها ، يرى بوضوح أنها نزلت في فترة تأخر نزول الوحى فيها على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأن المشركين قد أشاعوا الشائعات الكاذبة حول سبب ~~تأخر الوحى ، فنزلت هذه السورة الكريمة ، لتخرس ألسنتهم. ولتبشر النبي ~~صلى الله عليه وسلم برضا ربه تعالى عنه ، ولتسوق جانبا من نعم خالقه عليه ، ~~ولترشده بل وترشد أمته في شخصه بالمداومة على مكارم الأخلاق ، التي من ~~مظاهرها : العطف على اليتيم ، والإحسان إلى السائل ، وعدم كتمان نعم الله ~~تعالى . PageV15P425 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@01 والضحى (1) @QUR@03 والليل إذا سجى (2) @QUR@05 ما ودعك ربك ~~وما قلى (3) @QUR@05 وللآخرة خير لك من الأولى (4) @QUR@04 ولسوف يعطيك ربك ~~فترضى (5) @QUR@04 ألم يجدك يتيما فآوى (6) @QUR@03 ووجدك ضالا فهدى (7) ~~@QUR@03 ووجدك عائلا فأغنى (8) @QUR@04 فأما اليتيم فلا تقهر (9) @QUR@04 ~~وأما السائل فلا تنهر (10) @QUR@04 وأما بنعمة ربك فحدث ) (11) # وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه السورة الكريمة روايات منها : ما أخرجه ~~الإمام البخاري ومسلم وغيرهما عن جندب بن سفيان قال : اشتكى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلة أو ليلتين ، فأتت امرأة وفي رواية أنها أم ~~جميل امرأة أبى لهب فقالت : يا محمد ، ما أرى شيطانك إلا قد تركك. فأنزل ~~الله تعالى : ( @QUR@09 والضحى والليل إذا سجى ، ما ودعك ربك وما قلى ). # وأخرج ابن أبى شيبة والطبراني وابن مردويه ، من حديث خولة ، وكانت تخدم ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن جروا دخل تحت سرير رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فمات ، فمكث النبي صلى الله عليه وسلم أياما لا ينزل عليه الوحى ، فقال ~~صلى الله عليه وسلم يا خولة ماذا حدث في بيتي ، إن جبريل لا يأتينى ، قالت ~~خوله : فقلت يا نبي الله ما أتى علينا يوم خير منا اليوم. فأخذ برده فلبسه ~~، وخرج ، فقلت في نفسي لو هيأت البيت وكنسته ، فأهويت بالمكنسة تحت السرير ~~، فإذا بشيء ثقيل ، لم أزل به حتى بدا لي الجر وميتا ms6045 ، فأخذته بيدي ، ~~فألقيته خلف الدار ، فجاء صلى الله عليه وسلم ترعد لحيته وكان إذا نزل عليه ~~الوحى أخذته الرعدة فقال يا خولة دثرينى ، فأنزل الله تعالى هذه السورة .. PageV15P426 # وذكر بعضهم : أن جبريل عليه السلام أبطأ في نزوله على النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، فقال المشركون : قد قلاه ربه وودعه. فأنزل الله تعالى ~~هذه الآيات .. (1). # والضحى : هو وقت ارتفاع الشمس بعد إشراقها ، وهو وقت النشاط والحركة ، ~~والإقبال على السعى والعمل .. ولذا خص بالقسم به. وقيل : المراد بالضحى هنا ~~: النهار كله ، بدليل أنه جعل في مقابلة الليل كله. # والأول أولى : لأن الضحى يطلق على وقت انتشار ضياء الشمس حين ترتفع ، ~~وتلقى بأشعتها على الكون ، ويبرز الناس لأعمالهم المتنوعة. # ومعنى «سجا» : سكن. يقال : سجا الليل يسجو سجوا ، إذا سكن وهدأ وأسدل ~~ظلامه على الكون. ويقال : تسجى فلان بملابسه ، إذا غطى بها جميع جسده ، ~~ومنه قولهم : سجى الميت تسجية ، إذا غطى بكفنه .. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@01 سجى ) أى : سكن وركد ظلامه. وقيل : ~~ليلة ساجية. أى : ساكنة الريح : وقيل معناه : سكون الناس والأصوات فيه. ~~وسجا البحر : سكنت أمواجه. وطرف ساج ، أى : ساكن فاتر .. (2). # أى : وحق الضحى وهو الوقت الذي ترتفع فيه الشمس ، ويتم إشراقها ، ويأخذ ~~الناس في النشاط والحركة .. وحق الليل إذا سكن وهجع فيه الناس بعد عناء العمل. # وجواب القسم قوله تعالى : ( @QUR@05 ما ودعك ربك وما قلى ) أى : ما تركك ~~ربك أيها الرسول الكريم منذ أن اختارك لحمل رسالته ، وما أبغضك ولا كرهك ، ~~بل أنت محل رضانا ومحبتنا ورعايتنا .. # فقوله : ( @QUR@01 ودعك ) من التوديع ، وهو في الأصل الدعاء للمسافر ، ~~ببلوغ الدعة ، وخفض العيش ، ثم استعير للمفارقة بعد الاتصال ، تشبيها بفراق ~~المسافر في انقطاع الصلة ، حيث شبه سبحانه انقطاع صلة الكلام بانقطاع صلة ~~الإقامة. # والمقصود : نفى أن يكون الله تعالى قد قطع وحيه عن نبيه صلى الله عليه وسلم . # وقوله : ( @QUR@01 قلى ) من القلا بكسر القاف وهو شدة البغض ، يقال : قلا ~~فلان فلانا يقليه ، إذا كرهه وأبغضه بشدة. ومنه قوله تعالى : ( @QUR@04 إني ~~لعملكم من القالين ). PageV15P427 # والمراد ما ms6046 قطع الله تعالى عنك وحيه أيها الرسول الكريم ، وما كرهك ، ~~وهذا رد بليغ على المشركين الذين زعم بعضهم أن الله تعالى قد ترك نبيه ، ~~وزعم آخرون أنه قد أبغضه ، وحذف مفعول «قلا» للدلالة عليه في قوله تعالى ( ~~@QUR@02 ما ودعك )، وهو إيجاز لفظي لظهور : المحذوف ، ومثله قوله تعالى ~~بعد ذلك : ( @QUR@01 فآوى )، ( @QUR@01 فهدى )، ( @QUR@01 فأغنى ).. # ثم بشره سبحانه ببشارتين عظيمتين ، قد بلغتا الدرجة العليا في السمو ~~والرفعة ، فقال : ( @QUR@09 وللآخرة خير لك من الأولى. ولسوف يعطيك ربك ~~فترضى ). # أى : وللدار الآخرة وما أعده الله لك فيها من نعيم لا يحيط به وصف ، خير ~~لك من دار الدنيا التي أعطيناك فيها ما أعطيناك فيها من نبوة ، وكرامة ~~ومنازل عالية ، وخلق كريم. # وفضلا عن كل ذلك فأنت أيها الرسول الكريم سوف يعطيك ربك من خيرى الدنيا ~~والآخرة ، كل ما يسعدك ويرضيك ، من نصر عظيم ، وفتح مبين ، وتمكين في الأرض ~~، وإعلاء لكلمة الحق على يدك ، وعلى أيدى أصحابك الصادقين ، ومنازل عظمى في ~~الآخرة لا يعلم مقدارها إلا الله تعالى ، كالمقام المحمود ، والشفاعة ، ~~والوسيلة ... وبذلك ترضى رضاء تاما بما أعطاك سبحانه من نعم ومنن. # فالمراد بالآخرة : الدار الآخرة التي تقابل الدار الأولى ، وهي الحياة ~~الدنيا ، وبعضهم جعل المراد بالآخرة ، نهاية أمره صلى الله عليه وسلم في هذه ~~الدنيا ، والمراد بالأولى بداية أمره صلى الله عليه وسلم في هذه الدنيا ، ~~فيكون المعنى : ولنهاية أمرك أيها الرسول الكريم خير من بدايته ، فإن كل ~~يوم يمضى من عمرك ، سيزيدك الله تعالى فيه ، عزا على عز ، ونصرا على نصر ، ~~وتأييدا على تأييد .. حتى ترى الناس وقد دخلوا في دين الله أفواجا .. وقد ~~صدق الله تعالى لنبيه وعده حيث فتح له مكة ، ونشر دعوته في مشارق الأرض ~~ومغاربها. # قال الآلوسى : وحمل الآخرة على الدار الآخرة المقابلة للدنيا ، والأولى ~~على الدار الأولى وهي الدنيا ، هو الظاهر .. وقال بعضهم : يحتمل : أن يراد ~~بهما نهاية أمره صلى الله عليه وسلم وبدايته ، فاللام فيهما للعهد ، أو عوض عن ~~المضاف إليه. أى : لنهاية أمرك خير من بدايته ، فأنت ms6047 لا تزال تتزايد قوة ، ~~وتتصاعد رفعة .. (1). # وجيء بحرف الاستقبال في قوله تعالى : ( @QUR@04 ولسوف يعطيك ربك فترضى ) ~~، لإفادة أن هذا العطاء مستمر غير مقطوع ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@02 ~~ولسوف يرضى ). PageV15P428 # وحذف المفعول الثاني في قوله : ( @QUR@01 يعطيك )، ليعم كل وجوه العطاء ~~التي يحبها صلى الله عليه وسلم أى : ولسوف يعطيك ربك عطاء يرضيك رضاء تاما. # والتعبير بقوله ( @QUR@01 فترضى ) المشتمل على فاء التعقيب ، للإشعار ~~بأنه عطاء عاجل النفع ، وأنه سيأتى إليه صلى الله عليه وسلم في وقت قريب ، وقد ~~أنجز سبحانه وعده. # قال الجمل : وقوله سبحانه : ( @QUR@01 وللآخرة ) اللام فيه للابتداء ~~مؤكدة لمضمون الجملة. وإنما قيد بقوله تعالى ( @QUR@01 لك ) لأنها ليست ~~خيرا لكل أحد. وقوله : ( @QUR@02 ولسوف يعطيك ... ) هذا وعد شامل لما أعطاه ~~الله تعالى له من كمال النفس ، وظهور الأمر ، وإعلاء الدين .. واللام لام ~~الابتداء ، والمبتدأ محذوف ، أى : ولأنت سوف يعطيك ربك ، وليست لام القسم ، ~~لأنها لا تدخل على المضارع ، إلا مع نون التوكيد .. (1). # ثم عدد سبحانه نعمه على نبيه صلى الله عليه وسلم فقال : ( @QUR@04 ألم يجدك ~~يتيما فآوى .. ). # والاستفهام هنا للتقرير ، واليتيم : هو من فقد أباه وهو صغير. # أى : لقد كنت أيها الرسول الكريم يتيما ، حيث مات أبوك وأنت في بطن أمك ، ~~فآواك الله تعالى بفضله وكرمه ، وتعهدك برعايته وحمايته وعصمته ، وسخر لك ~~جدك عبد المطلب ليقوم بكفالتك ، ومن بعده سخر لك عمك أبا طالب ، حيث تولى ~~رعايتك والدفاع عنك قبل الرسالة وبعدها ، إلى أن مات. # وقوله تعالى ( @QUR@03 ووجدك ضالا فهدى ) بيان لنعمة أخرى أنعم سبحانه ~~بها على نبيه صلى الله عليه وسلم : # وللمفسرين في معنى هذه الآية كلام طويل ، نختار منه قولين : أولهما : أن ~~المراد بالضلال هنا الحيرة في الوصول إلى الحق ، والغفلة عما أوحاه الله ~~تعالى إليه بعد ذلك من قرآن كريم ، ومن تشريعات حكيمة .. مع اعتقاده ~~صلى الله عليه وسلم قبل النبوة أن قومه ليسوا على الدين الحق ، بدليل أنه لم ~~يشاركهم في عبادتهم للأصنام ، ولا في السلوك الذي يتنافى من مكارم الأخلاق. # وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله ms6048 : ( @QUR@01 ضالا ) معناه : ~~الضلال عن علم الشرائع وما طريقه السمع .. (2). PageV15P429 # وقال الإمام الشيخ محمد عبده رحمه الله : عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه ~~: نشأ صلى الله عليه وسلم موحدا ، لم يسجد لصنم ، وطاهر الخلق ، لم يرتكب ~~فاحشة ، حتى عرف بين قومه بالصادق الأمين ، فضلال الشرك ، وضلال الهوى في ~~العمل ، كانا بعيدين عن ذاته الكريمة. # ولكن للضلال أنواع أخر ، منها : اشتباه المآخذ على النفس ، حتى تأخذها ~~الحيرة فيما ينبغي أن تختار .. وهذا هو الذي عناه الله تعالى بالضلال في ~~هذه الآية الكريمة. # وقد هداه سبحانه إلى الحق بعد هذه الحيرة ، بأن اختار له دينا قويما ~~وعلمه كيف يرشد قومه. هذا هو معنى قوله تعالى : ( @QUR@03 ووجدك ضالا فهدى ~~)، وهو معنى قوله تعالى في سورة الشورى : ( @QUR@013 وكذلك أوحينا إليك ~~روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ... ). # وليس في وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالضال على هذا المعنى شين له ، أو حط ~~من شأنه ، بل هذا فخره وإكليل مجده صلى الله عليه وسلم حيث كان على غير علم ~~فعلمه الله ، ولم يكن مطلعا على الغيب ، فأطلعه الله على ما يريد اطلاعه ~~عليه ، وبهذا التفسير نستغني عن خلط المفسرين في التأويل .. (1). # أما القول الثاني في معنى الآية الكريمة ، فهو أنه صلى الله عليه وسلم كان ~~بين قوم مشركين ، وكان بعرضة أن يضل معهم ، ولكن الله تعالى حبب إليه ~~الانفراد عنهم ، واعتزال شركهم وسوء أخلاقهم .. فكان بذلك كالشجرة المنفردة ~~في الصحراء ، والعرب تسمى الشجرة التي بهذه الصفة ضالة. # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@03 ووجدك ضالا فهدى ) أى : غافلا عما ~~يراد بك من أمر النبوة ، فهداك ، أى : أرشدك. والضلال هنا بمعنى الغفلة. # وقال قوم : ( @QUR@01 ضالا ) أى : لم تكن تدرى القرآن الكريم والشرائع ، ~~فهداك الله إليهما. # وقال قوم ( @QUR@01 ضالا ) أى : وجدك في قوم ضلال فهداهم الله تعالى بك ، ~~والعرب إذا وجدت شجرة منفردة في فلاة من الأرض ، لا شجر معها ، سموها ضالة ~~، فيهتدى بها إلى الطريق ، فقال سبحانه لنبيه ( @QUR@03 ووجدك ضالا فهدى ) ~~أى : لا أحد على ms6049 دينك ، وأنت وحيد ليس معك أحد ، فهديت بك الخلق إلى ديني ~~.. (2). # هذا هما القولان اللذان نرتاح إليهما ، وارتياحنا إلى أولهما أشد وأقوى ؛ ~~لأن الرسول PageV15P430 # صلى الله عليه وسلم قد نشأ في بيئة منحرفة في عقائدها وأخلاقها ، لم تطمئن ~~نفسه الكريمة إليها ، إلا أنه كان حائرا في الوصول إلى الدين الحق ، فهداه ~~الله تعالى إليه ، والهداية إلى الحق بعد الحيرة والضلال عنه ، منة عظمى ، ~~ونعمة كبرى. # وهناك أقوال أخرى ضعيفة كقولهم : ( @QUR@01 ضالا ) أى : عن القبلة فهداك ~~الله إليها ، أو ( @QUR@01 ضالا ) في شعاب مكة ، فهداك الله وردك إلى عمك ~~أو ( @QUR@01 ضالا ) في سفرك مع عمك إلى الشام ، فردك الله تعالى إليه. # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 ووجدك عائلا فأغنى ) بيان لنعمة ثالثة من نعمه ~~تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم . # وأصل العائل : الإنسان الذي له عائلة لا يستطيع الإنفاق عليها ، ثم أطلق ~~هذا اللفظ على الإنسان الفقير حتى ولو لم تكن له عائلة أو أسرة ، والفقر ~~يسمى عيلة ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@03 وإن خفتم عيلة ) أى : فقرا ( ~~@QUR@07 فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء ... ). # أى : وقد كنت أيها الرسول الكريم فقيرا ، حيث مات أبوك دون أن يترك لك ~~مالا كثيرا ، ونشأت في كنف جدك ثم عمك ، وأنت على هذه الحال. ثم أغناك الله ~~تعالى بفضله وكرمه بنوعين من الغنى : # أما أولهما وهو الأعظم : فهو غنى النفس ، بأن منحك نفسا عفيفة قانعة بما ~~أعطاك سبحانه من رزق ، حتى ولو كان كفافا. # وأما ثانيهما : فهو الغنى المادي عن الاحتياج إلى الناس ، بما أجراه على ~~يديك من الربح في التجارة ، وبما وهبتك زوجك خديجة من مالها ، فعشت مستور ~~الحال ، غير محتاج إلى من ينفق عليك. # وهكذا نجد الآيات الكريمة تبين لنا أن من فضل الله تعالى على نبيه ~~صلى الله عليه وسلم أنه آواه في يتمه وصغره ، وهداه من ضلاله وحيرته ، وأغناه ~~بعد فقره وحاجته. # وبعد أن عدد سبحانه هذه النعم لنبيه صلى الله عليه وسلم أمره بشكرها ، وأداء ~~حقوقها. # فقال تعالى : ( @QUR@04 فأما اليتيم فلا تقهر ... ) والقهر ms6050 : التغلب على ~~الغير والإذلال له. # أى : إذا كان الأمر كما أخبرتك من أنك كنت يتيما فآويناك ، وكنت ضالا ~~فهديناك ، وكنت فقيرا فأغنيناك ، فتذكر هذه النعم ، واشكر ربك عليها ، ومن ~~مظاهر هذا الشكر : أن تواسى اليتيم ، وأن تكرمه. وأن تكون رفيقا به .. ولا ~~تكن كأهل الجاهلية الذين كانوا يقهرون الأيتام ويذلونهم ويظلمونهم .. PageV15P431 # ولقد استجاب النبي صلى الله عليه وسلم لما أمره ربه به ، فأكرم اليتامى ~~ورعاهم ، وحض على ذلك في أحاديث كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم : «أنا ~~وكافل اليتيم كهاتين في الجنة» وأشار صلى الله عليه وسلم بإصبعيه السبابة ~~والوسطى. # ومن الآيات القرآنية التي وردت في هذا المعنى قوله تعالى : ( @QUR@011 ~~ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ... ). # وقد تكرر الأمر برعاية اليتيم ، وبالمحافظة على ماله في مطلع سورة النساء ~~خمس مرات قال تعالى : ( @QUR@03 وآتوا اليتامى أموالهم ... ) وقال سبحانه : ~~( @QUR@015 وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ، ~~مثنى وثلاث ورباع ... ) وقال عز وجل : ( @QUR@06 وابتلوا اليتامى حتى إذا ~~بلغوا النكاح .. )، وقال سبحانه : ( @QUR@09 وإذا حضر القسمة أولوا القربى ~~واليتامى والمساكين فارزقوهم منه ) وقال تعالى : ( @QUR@011 إن الذين ~~يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا .. ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 وأما السائل فلا تنهر ) معطوف على ما قبله. أى ~~: وكما أننا قد هديناك بعد حيرة .. فاشكر نعمنا على ذلك ، بأن تفتح صدرك ~~للسائل الذي يسألك العون ، أو يسألك معرفة ما يجهله من علم. فالمراد ~~بالسائل ، ما يشمل كل سائل عن مال ، أو عن علم ، أو عن غير ذلك من شئون ~~الحياة. # قال القرطبي : قوله : ( @QUR@04 وأما السائل فلا تنهر ) أى : لا تزجره ، ~~فهو نهى عن إغلاظ القول .. وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ~~«ردوا السائل ببذل يسير ، أو رد جميل ..». # وفي حديث أبى هارون العبدى قال : كنا إذا أتينا أبا سعيد الخدري يقول : ~~مرحبا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إن رسول الله قال : «إن الناس لكم ~~تبع ، وإن رجالا يأتونكم من أقطار ms6051 الأرض يتفقهون ، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم ~~خيرا ...» (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@04 وأما بنعمة ربك فحدث ) والتحديث بالشيء : ~~الإخبار به ، والحديث عنه ، أى : وكما كنت عائلا فأغنيناك بفضلنا وإحساننا ~~، فاشكرنا على ذلك ، بأن تظهر نعمنا عليك ولا تسترها ، وأذعها بين الناس ، ~~وأمر أتباعك أن يفعلوا ذلك ، ولكن بدون تفاخر أو مباهاة ... فإن ذكر النعم ~~على سبيل الرياء والتفاخر والتطاول على الغير ... يبغضه الله تعالى ، ~~ويعاقب صاحبه عقابا أليما. PageV15P432 # قال الإمام ابن كثير : وقوله : ( @QUR@04 وأما بنعمة ربك فحدث ) أى : ~~وكما كنت عائلا فقيرا فأغناك الله ، فحدث بنعمة الله عليك ، كما جاء في ~~الدعاء : «واجعلنا شاكرين لنعمتك. مثنين بها ، قابليها ، وأتمها علينا». ~~وعن أبى نضرة قال : كان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن يحدث بها. وعن ~~النعمان بن بشير قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر : ~~«من لم يشكر القليل ، لم يشكر الكثير ، ومن لم يشكر الناس ، لم يشكر الله ~~والتحدث بنعمة الله شكر ، وتركها كفر ، والجماعة رحمة والفرقة عذاب ...» (1). # فأنت ترى أن الله تعالى قد ذكر ثلاث نعم مما أنعم به على نبيه ~~صلى الله عليه وسلم وأرشده إلى كيفية شكرها. نسأل الله تعالى أن يجعلنا من ~~عباده الشاكرين. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV15P433 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الشرح ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 هذه السورة الكريمة من السور المكية ، وتسمى : سورة «الشرح» وسورة «ألم ~~نشرح» وسورة «الانشراح» ، وترتيبها في النزول ، الثانية عشرة ، وكان نزولها ~~بعد سورة الضحى ، وقبل سورة «العصر». وعدد آياتها ثماني آيات. # 2 وكما عدد الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بعض نعمه العظيمة عليه في ~~سورة الضحى ، جاءت سورة الشرح ، لتسوق نعما أخرى منه تعالى عليه ~~صلى الله عليه وسلم حاثا إياه على شكره ، ليزيده منها. PageV15P435 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@04 ألم نشرح لك صدرك (1) @QUR@03 ووضعنا عنك وزرك (2) @QUR@03 ~~الذي أنقض ظهرك (3) @QUR@03 ورفعنا لك ذكرك (4) @QUR@04 فإن مع العسر يسرا ~~(5) @QUR@04 إن مع العسر يسرا (6) @QUR@03 فإذا فرغت فانصب (7) @QUR@03 ~~وإلى ربك ms6052 فارغب ) (8) # والاستفهام في قوله سبحانه : ( @QUR@04 ألم نشرح لك صدرك ) للتقرير لأنه ~~إذا دخل على النفي قرره ، وهذا التقرير المقصود به التذكير ، حتى يداوم على ~~شكره تعالى . # وأصل الشرح : البسط للشيء وتوسعته ، يقال : شرح فلان الشيء ، إذا وسعه ، ~~ومنه شرح فلان الكتاب ، إذا وضحه ، وأزال مجمله ، وبسط ما فيه من غموض. # والمراد بشرح الصدر هنا : توسعته وفتحه ، لقبول كل ما هو من الفضائل ~~والكمالات النفسية. وإذهاب كل ما يصد عن الإدراك السليم وعن الحق والخير ~~والهدى. # وهذا الشرح ، يشمل الشق البدني لصدره صلى الله عليه وسلم كما يشمل الشرح ~~المعنوي لصدره صلى الله عليه وسلم عن طريق إيداعه الإيمان والهدى والعلم ~~والفضائل. # قال الإمام ابن كثير : قوله : ( @QUR@04 ألم نشرح لك صدرك ) يعنى : أما ~~شرحنا لك صدرك. أى : نورناه وجعلناه فسيحا رحيبا واسعا ، كقوله ( @QUR@05 ~~أفمن شرح الله صدره للإسلام .... )، وقيل المراد بقوله : ( @QUR@04 ألم ~~نشرح لك صدرك ) شرح صدره ليلة الإسراء ، كما تقدم من رواية مالك بن صعصعة ~~... وهذا وإن كان واقعا ، ولكن لا منافاة ، فإن من جملة شرح صدره ~~صلى الله عليه وسلم الذي فعل بصدره ليلة الإسراء ، ما نشأ عنه من الشرح ~~المعنوي أيضا ... (1). PageV15P436 # والمعنى : لقد شرحنا لك أيها الرسول الكريم صدرك شرحا عظيما ، بأن أمرنا ~~ملائكتنا بشقه وإخراج ما فيه مما يتنافى مع ما هيأناك له من حمل رسالتنا ~~إلى الناس ، وبأن أودعنا فيه من الهدى والمعرفة والإيمان والفضائل والحكم ~~... ما لم نعطه لأحد سواك. # ونون العظمة في قوله سبحانه ( @QUR@01 نشرح ) تدل على عظمة النعمة ، من ~~جهة أن المنعم العظيم ، إنما يمنح العظيم من النعم ، وفي ذلك إشارة الى أن ~~نعمة الشرح ، مما لا تصل العقول إلى كنه جلالتها. # واللام في قوله تعالى : ( @QUR@01 لك ) للتعليل ، وهو يفيد أن ما فعله ~~الله تعالى به ، إنما هو من باب تكريمه ، ومن أجل تشريفه وتهيئته لحمل ~~رسالته العظمى إلى خلقه ، فمنفعة هذا الشرح إنما تعود إليه وحده ~~صلى الله عليه وسلم لا إلى غيره. # قال الإمام الرازي : فإن قيل : لم ذكر الصدر ولم ms6053 يذكر القلب؟ فالجواب أن ~~محل الوسوسة هو الصدر ، كما قال تعالى : ( @QUR@05 الذي يوسوس في صدور ~~الناس )، فإزالة تلك الوسوسة ، وإبدالها بدواعى الخير ، هي الشرح ، فلا ~~جرم خص ذلك الشرح بالصدر دون القلب. # قال محمد بن على الترمذي : القلب محل العقل والمعرفة ، وهو الذي يقصده ~~الشيطان ، فالشيطان يجيء إلى الصدر الذي هو حصن القلب ، فإذا وجد مسلكا ~~أغار فيه ، وبث فيه الهموم ، فيضيق القلب ، ولا يجد للطاعة لذة ، وإذا طرد ~~العدو في الابتداء ، حصل الأمن ، وانشرح الصدر ... (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 ووضعنا عنك وزرك. الذي أنقض ظهرك ) بيان لنعمة ~~أخرى من النعم التي أنعم بها سبحانه على نبيه صلى الله عليه وسلم . # والمراد بالوضع هنا : الإزالة والحط ، لأن هذا اللفظ إذا عدى بعن كان ~~للحط والتخفيف ، وإذا عدى بعلى كان للحمل والتثقيل. # تقول : وضعت عن فلان قيده : إذا أزلته عنه ، ووضعته عليه : إذا حملته إياه. # والوزر : الحمل الثقيل ، و ( @QUR@02 أنقض ظهرك ) أى : أثقله وأوهنه ~~وأتعبه ، حتى سمع له نقيض ، وهو الصوت الخفى الذي يسمع من الرحل الكائن فوق ~~ظهر البعير ، إذا كان هذا الرحل ثقيلا ، ولا يكاد البعير يحمله إلا بمشقة وعسر. # والمعنى : لقد شرحنا لك أيها الرسول الكريم صدرك ، وأزلنا عنك ما أثقل ظهرك PageV15P437 # من أعباء الرسالة ، وعصمناك من الذنوب والآثام ، وطهرناك من الأدناس ، ~~فصرت بفضلنا وإحساننا جديرا بحمل هذه الرسالة ، بتبليغها على أكمل وجه وأتمه. # فالمراد بوضع وزره عنه صلى الله عليه وسلم مغفرة ذنوبه ، وإلى هذا المعنى ~~أشار الإمام ابن كثير بقوله : قوله تعالى : ( @QUR@03 ووضعنا عنك وزرك ) ~~بمعنى ( @QUR@09 ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ). # وقال غير واحد من السلف في قوله : ( @QUR@03 الذي أنقض ظهرك ) أى : أثقلك ~~حمله ... (1). # ويرى كثير من المفسرين أن المراد بوضع وزره عنه صلى الله عليه وسلم : إزالة ~~العقبات التي وضعها المشركون في طريق دعوته ، وإعانته على تبليغ الرسالة ~~على أكمل وجه ، ورفع الحيرة التي كانت تعتريه قبل النبوة. # قال بعض العلماء : وقد ذكر جمهرة المفسرين أن المراد بالوزر في هذه الآية ~~: الذنب ، ثم ms6054 راحوا يتأولون الكلام ، ويتمحلون الأعذار ، ويختلفون في جواز ~~ارتكاب الأنبياء للمعاصي ، وكل هذا كلام ، ولا داعي إليه ، ولا يلزم حمل ~~الآية عليه. # والمراد والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم بالوزر : الحيرة التي اعترته ~~صلى الله عليه وسلم قبل البعثة ، حين فكر فيما عليه قومه من عبادة الأوثان. ~~وأيقن بثاقب فكره أن للكون خالقا هو الجدير بالعبادة ، ثم تحير في الطريق ~~الذي يسلكه لعبادة هذا الخالق ، وما زال كذلك حتى أوحى الله إليه بالرسالة ~~فزالت حيرته. ولما دعا قومه إلى عبادة الله ، وقابلوا دعوته بالإعراض ... ~~ثقل ذلك عليه ، وغاظه من قومه أن يكذبوه ... وكان ذلك حملا ثقيلا ... شق ~~عليه القيام به. # فليس الوزر الذي كان ينقض ظهره ، ذنبا من الذنوب ... ولكنه كان هما نفسيا ~~يفوق ألمه ، ألم ذلك الثقل الحسى ... فلما هداه الله تعالى إلى إنقاذ أمته ~~من أوهامها الفاسدة ... كان ذلك بمثابة رفع الحمل الثقيل ، الذي كان ينوء ~~بحمله. لا جرم كانت هذه الآية واردة على سبيل التمثيل ، واقرأ إن شئت قوله ~~تعالى : ( @QUR@018 ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون. فسبح بحمد ربك وكن ~~من الساجدين. واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) (2). # ويبدو لنا أن هذا القول الثاني ، هو الأقرب إلى الصواب. لأن الكلام هنا ~~ليس عن الذنوب التي ارتكبها النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة كما يرى بعض ~~المفسرين وإنما الكلام هنا عن النعم التي أنعم بها سبحانه عليه والتي من ~~مظاهرها توفيقه للقيام بأعباء الرسالة ، وبإقناع كثير من الناس بأنه على ~~الحق ، واستجابتهم له صلى الله عليه وسلم . PageV15P438 # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 ورفعنا لك ذكرك ) بيان لنعمة ثالثة من نعمه ~~تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم . أى : لقد شرحنا لك أيها الرسول الكريم ~~صدرك ، وأزلنا عن قلبك الحيرة التي كانت تعتريك قبل تبليغ الرسالة وبعد ~~تبليغها ، بأن يسرنا لك كل صعب. # وفوق ذلك فقد رفعنا لك ذكرك ، بأن جعلناك رفيع الشأن ، سامى المنزلة ، ~~عظيم القدر ، ومن مظاهر ذلك : أننا جعلنا اسمك مقرونا باسمنا في النطق ~~بالشهادتين. # وفي الأذان ، وفي الإقامة ms6055 ، وفي التشهد ، وفي غير ذلك من العبادات ، ~~وأننا فضلناك على جميع رسلنا ، بل على جميع الخلق على الإطلاق ، وأننا ~~أعطيناك الشفاعة العظمى ، وجعلنا طاعتك من طاعتنا. # قال الآلوسى : أخرج أبو يعلى ، وابن جرير ... عن أبى سعيد الخدري عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «أتانى جبريل فقال لي : إن ربك يقول : ~~أتدري كيف رفعت ذكرك؟ قلت : الله تعالى أعلم. قال : «إذا ذكرت ذكرت معى». # ثم أضاف سبحانه إلى هذه النعم الجليلة ، ما يدخل السرور على قلبه ~~صلى الله عليه وسلم وما يبعث الأمل في نفسه وفي نفوس أصحابه ، بأن بين لهم سنة ~~من سننه التي لا تتخلف فقال : ( @QUR@08 فإن مع العسر يسرا إن مع العسر ~~يسرا ). # والفاء للإفصاح ، ومع بمعنى بعد ، وأل في العسر لاستغراق أنواع العسر ~~المعروفة للمخاطبين. من فقر ، وضعف ، وقلة في الوسائل التي تؤدى إلى إدراك ~~المطلوب. والجملة الثانية مؤكدة ومقررة للجملة الأولى. والتنكير في قوله ( ~~@QUR@01 يسرا ) للتفخيم. # والمعنى : إذا تقرر عندك ما أخبرناك به ، من شرح الصدر ، ووضع الوزر. ~~ورفع الذكر ... فاعلم أنه ما من عسر إلا ويعقبه يسر ، وما من شدة إلا ويأتى ~~بعدها الفرج ، وما من غم أو هم ، إلا وينكشف ، وتحل محله المسرة ... وما ~~دام الأمر كذلك ، فتذرع أنت وأصحابك بالصبر ، واعتصموا بالتوكل على الله ، ~~فإن العاقبة لكم. # ففي هاتين الآيتين ما فيهما من تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ولأتباعه ، ~~ومن وعد صادق بأن كل صعب يلين ، وكل شديد يهون ، وكل عسير يتيسر. متى صبر ~~الإنسان الصبر الجميل ، وتسلح بالعزيمة القوية ، وبالإيمان العميق بقضاء ~~الله تعالى وقدره. # وأكد سبحانه هاتين الآيتين ، لأن هذه القضية قد تكون موضع شك ، خصوصا ~~بالنسبة لمن تكاثرت عليهم الهموم وألوان المتاعب ، فأراد سبحانه أن يؤكد ~~للناس في كل زمان ومكان ، أن اليسر يعقب العسر لا محالة ، والفرج يأتى بعد ~~الضيق ، فعلى المؤمن أن يقابل المصائب بصبر جميل ، وبأمل كبير في تيسير ~~الله وفرجه ونصره. PageV15P439 # وقال سبحانه ( @QUR@03 مع العسر يسرا ) ولم يقل بعد العسر يسرا ، للإشعار ~~بأن ms6056 هذا اليسر ، ليس بعد العسر بزمن طويل ، وإنما هو سيأتى في أعقابه بدون ~~مهلة طويلة ، متى وطن الإنسان نفسه على الصبر والأمل في فرج الله تعالى . # وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهاتين الآيتين بعض الآثار ، منها ما ~~رواه ابن أبى حاتم ، عن عائد بن شريح قال : سمعت أنس بن مالك يقول : كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم جالسا وحياله جحر فقال : «لو جاء العسر فدخل هذا ~~الجحر ، لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه». # وعن الحسن قال : كانوا يقولون : لا يغلب عسر واحد يسرين اثنين. # وعن قتادة : ذكر لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم بشر أصحابه فقال : «لن ~~يغلب عسر يسرين». ومعنى هذا أن العسر معرف في الحالين ، فهو مفرد ، واليسر ~~منكر فمتعدد ، ولهذا قال : «لن يغلب عسر يسرين» فالعسر الأول عين الثاني ، ~~واليسر تعدد ... (1). # وقال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف تعلق قوله : ( @QUR@04 فإن مع العسر ~~يسرا ) بما قبله؟ قلت : كان المشركون يعيرون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين بالفقر فذكره الله تعالى بما أنعم به عليه من جلائل النعم ثم قال ~~: ( @QUR@04 فإن مع العسر يسرا )، كأنه قال : خولناك ما خولناك فلا تيأس ~~من فضل الله ، فإن مع العسر الذي أنتم فيه يسرا. # فإن قلت «إن مع» للصحبة ، فما معنى اصطحاب اليسر للعسر؟ قلت : أراد أن ~~الله يصيبهم بيسر بعد العسر الذي كانوا فيه بزمان قريب ، فقرب اليسر ~~المترقب حتى جعله كالمقارن للعسر ، زيادة في التسلية ، وتقوية القلوب. # فإن قلت : فما المراد باليسرين؟ قلت : يجوز أن يراد بهما ما تيسر لهم من ~~الفتوح في أيام النبي صلى الله عليه وسلم ، وما تيسر لهم في أيام الخلفاء ... ~~وأن يراد يسر الدنيا ويسر الآخرة. # فإن قلت : فما معنى هذا التنكير؟ قلت التفخيم ، كأنه قال : إن مع العسر ~~يسرا عظيما وأى يسر ... (2). # وبعد هذا التعديد لتلك النعم العظيمة ، أمر الله تعالى نبيه ~~صلى الله عليه وسلم في الاجتهاد في العبادة فقال تعالى : ( @QUR@06 فإذا فرغت ~~فانصب. وإلى ربك فارغب ). # وأصل الفراغ ms6057 خلو الإناء مما بداخله من طعام أو غيره ، والمراد به هنا ~~الخلو من الأعمال PageV15P440 # التي تشغل الإنسان ، والنصب : التعب والاجتهاد في تحصيل المطلوب. # أى : فإذا فرغت أيها الرسول الكريم من عمل من الأعمال ، فاجتهد في مزاولة ~~عمل آخر من الأعمال التي تقربك من الله تعالى ، كالصلاة ، والتهجد ، وقراءة ~~القرآن الكريم. واجعل رغبتك في جميع أعمالك وعباداتك ، من أجل إرضاء ربك ، ~~لا من أجل شيء آخر ، فهو وحده القادر على إبلاغك ما تريد ، وتحقيق آمالك. # فالمقصود بهاتين الآيتين حثه صلى الله عليه وسلم وحث أتباعه في شخصه على ~~استدامة العمل الصالح ، وعدم الانقطاع عنه ، مع إخلاص النية لله تعالى فإن ~~المواظبة على الأعمال الصالحة مع الإخلاص فيها ، تؤدى إلى السعادة التي ليس ~~بعدها سعادة. # ولقد استجاب صلى الله عليه وسلم لهذا الإرشاد الحكيم ، فقد قام الليل حتى ~~تورمت قدماه ، وعند ما سئل لم كل هذه العبادة ، وقد غفر الله لك ما تقدم من ~~ذنبك؟ قال : «أفلا أكون عبدا شكورا». # وسار أصحابه من بعده على هذا الهدى القويم : فعمروا حياتهم بالباقيات ~~الصالحات من الأعمال ، دون أن يكون للفراغ السيئ ، مكان في حياتهم ، بل ~~واصلوا الجهاد بالجهاد ، وأعمال البر بمثلها. # ومن أقوال عمر بن الخطاب رضى الله عنه : «إنى لأكره لأحدكم أن يكون خاليا ~~، لا في عمل دنيا ولا دين». # وفي رواية أنه قال : «إنى لأنظر إلى الرجل فيعجبني ، فإذا قيل : إنه لا ~~عمل له سقط من عيني». # نسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعا ممن يعمرون أوقاتهم بالأعمال الصالحة ، ~~والخالصة لوجهه الكريم. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV15P441 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة التين ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 وتسمى أيضا سورة «والتين» وعدد آياتها ثماني آيات ، والصحيح أنها مكية. # وقد روى ذلك عن ابن عباس وغيره ، ويؤيد كونها مكية ، القسم بمكة في قوله ~~تعالى : ( @QUR@03 وهذا البلد الأمين )، وعن قتادة أنها مدنية ، وهو قول ~~لا دليل عليه. # وكان نزولها بعد سورة «البروج» ، وقبل سورة «لإيلاف قريش». # 2 وقد اشتملت هذه السورة ms6058 الكريمة ، على التنبيه بأن الله تعالى قد خلق ~~الإنسان في أحسن تقويم ، فعليه أن يكون شاكرا لخالقه ، مخلصا له العبادة ~~والطاعة. PageV15P443 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@02 والتين والزيتون (1) @QUR@02 وطور سينين (2) @QUR@03 وهذا ~~البلد الأمين (3) @QUR@06 لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (4) @QUR@04 ثم ~~رددناه أسفل سافلين (5) @QUR@09 إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر ~~غير ممنون (6) @QUR@04 فما يكذبك بعد بالدين (7) @QUR@04 أليس الله بأحكم ~~الحاكمين ) (8) # اتفق المفسرون على أن المراد بطور سينين : الجبل الذي كلم الله تعالى ~~عليه موسى عليه السلام وسينين ، وسيناء ، وسينا ، اسم للبقعة التي فيها هذا ~~الجبل ، بإضافة «طور» إلى ما بعده ، من إضافة الموصوف إلى الصفة. # قال الإمام الشوكانى : «وطور سينين» هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى ، ~~اسمه الطور. ومعنى سينين : المبارك الحسن .. وقال مجاهد : سينين كل جبل فيه ~~شجر مثمر ، فهو سينين وسيناء. وقال الأخفش : طور : جبل. وسينين شجر ، ~~واحدته سينه ، ولم ينصرف سينين كما لم ينصرف سيناء ، لأنه جعل اسما للبقعة ~~.. (1). # وأقسم سبحانه به ، لأنه من البقاع المباركة ، وأعظم بركة حلت به ووقعت ~~فيه ، تكليم الله تعالى ، لنبيه موسى عليه السلام . # كما اتفقوا أيضا على أن المراد بالبلد الأمين : مكة المكرمة ، وسمى ~~بالأمين لأن من دخله كان آمنا ، وقد حرمها تعالى على جميع خلقه ، وحرم ~~شجرها وحيوانها ، وفي PageV15P444 # الحديث الصحيح ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بعد فتحها : «إن الله حرم ~~مكة يوم خلق السموات والأرض فهي حرام إلى أن تقوم الساعة ، لم تحل لأحد ~~قبلي ، ولن تحل لأحد بعدي ، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار ، فلا يعضد أى : ~~يقطع شجرها ، ولا ينفر صيدها ، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد ...». # إلا أن خلافهم في المراد بقوله تعالى : ( @QUR@02 والتين والزيتون )، ~~وقد ذكر الإمام القرطبي هذا الخلاف فقال ما ملخصه : قوله : ( @QUR@02 ~~والتين والزيتون ): قال ابن عباس وغيره : هو تينكم الذي تأكلون ، وزيتونكم ~~الذي تعصرون منه الزيت. قال تعالى : ( @QUR@09 وشجرة تخرج من طور سيناء ~~تنبت بالدهن وصبغ للآكلين ) وهي شجرة الزيتون. # وقال أبو ذر : أهدى للنبي صلى ms6059 الله عليه وسلم سلة تين ، فقال : «كلوا» وأكل ~~منها. ثم قال : «لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة ، لقلت هذه ...». # وعن معاذ : أنه استاك بقضيب زيتون ، وقال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول : «نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة» ... # وهذا هو الرأى الذي تطمئن إليه النفس لأنه هو المتبادر من اللفظ وهناك ~~أقوال أخرى رأينا أن نضرب عنها صفحا لضعفها وتهافتها. # ثم قال الإمام القرطبي : وهذا القول هو أصح الأقوال ، لأنه الحقيقة ، ولا ~~يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل. وإنما أقسم بالتين لأنه كان ستر آدم ~~في الجنة ، لقوله تعالى : ( @QUR@05 يخصفان عليهما من ورق الجنة ) وكان ورق ~~التين ، ولأنه كثير المنافع. # وأقسم بالزيتون لأنه الشجرة المباركة ، قال تعالى : ( @QUR@05 يوقد من ~~شجرة مباركة زيتونة ... ) وفيه منافع كثيرة ... (1). # وقال الإمام ابن جرير بعد أن ساق جملة من الأقوال في المقصود بالتين ~~والزيتون : والصواب من القول في ذلك عندنا ، قول من قال : التين : هو التين ~~الذي يؤكل. والزيتون : هو الزيتون الذي يعصر منه الزيت ، لأن ذلك هو ~~المعروف عند العرب ، ولا يعرف جبل يسمى تينا ، ولا جبل يقال له زيتون. إلا ~~أن يقول قائل : المراد من الكلام القسم بمنابت التين ، ومنابت الزيتون ، ~~فيكون ذلك مذهبا ، وإن لم يكن على صحة ذلك أنه كذلك ، دلالة في ظاهر ~~التنزيل ... (2). PageV15P445 # وما ذهب إليه الإمامان : ابن جرير والقرطبي ، من أن المراد بالتين ~~والزيتون ، حقيقتهما ، هو الذي نميل إليه ، لأنه هو الظاهر من معنى اللفظ ، ~~ولأنه ليس هناك من ضرورة تحمل على مخالفته ، ولله تعالى أن يقسم بما شاء من ~~مخلوقاته ، فهو صاحب الخلق والأمر ، تبارك الله رب العالمين. # وجملة : ( @QUR@06 لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم .... ) وما عطف عليه ~~جواب القسم. # أى : وحق التين الذي هو أحسن الثمار ، صورة وطعما وفائدة ، وحق الزيتون ~~الذي يكفى الناس حوائج طعامهم وإضاءتهم ، وحق هذا البلد الأمين ، وهو مكة ~~المكرمة ، وحق طور سنين الذي كلم الله تعالى عليه نبيه موسى تكليما ... وحق ~~هذه الأشياء ... لقد خلقنا الإنسان في أعدل قامة ms6060 ، وأجمل صورة ، وأحسن هيئة ~~، ومنحناه بعد ذلك ما لم نمنحه لغيره ، من بيان فصيح ، ومن عقل راجح ، ومن ~~علم واسع ، ومن إرادة وقدرة على تحقيق ما يبتغيه في هذه الحياة ، بإذننا ~~ومشيئتنا. # والتقويم في الأصل : تصيير الشيء على الصورة التي ينبغي أن يكون عليها في ~~التعديل والتركيب. تقول : قومت الشيء تقويما ، إذا جعلته على أحسن الوجوه ~~التي ينبغي أن يكون عليها ... في التعديل والتركيب. تقول : قومت الشيء ~~تقويما ، إذا جعلته على أحسن الوجوه التي ينبغي أن يكون عليها ... وهذا ~~الحسن يشمل الظاهر والباطن للإنسان ... # والمراد بالإنسان هنا : جنسه. أى : لقد خلقنا بقدرتنا وحكمتنا جنس ~~الإنسان في أكمل صورة ، وأحكم عقل ... # وقوله تعالى : ( @QUR@04 ثم رددناه أسفل سافلين ) معطوف على ما قبله ~~وداخل في حيز القسم. وضمير الغائب يعود إلى الإنسان ... # وحقيقة الرد : إرجاع الشيء إلى مكانه السابق ، والمراد به هنا : تصيير ~~الإنسان على حالة غير الحالة التي كان عليها ، وأسفل : أفعل تفضيل ، أى : ~~أشد سفالة مما كان يتوقع. # وللمفسرين في هذه الآية الكريمة اتجاهات منها : أن المراد بالرد هنا : ~~الرد إلى الكبر والضعف ، كما قال تعالى : ( @QUR@024 الله الذي خلقكم من ~~ضعف ، ثم جعل من بعد ضعف قوة ، ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة ، يخلق ما ~~يشاء ، وهو العليم القدير ) (1). # وعلى هذا الرأى يكون المردودون إلى أسفل سافلين ، أى : إلى أرذل العمر ، ~~هم بعض أفراد جنس الإنسان ، لأنه من المشاهد أن بعض الناس هم الذين يعيشون ~~تلك الفترة الطويلة PageV15P446 # من العمر ، كما قال تعالى : ( @QUR@030 هو الذي خلقكم من تراب. ثم من ~~نطفة ، ثم من علقة ، ثم يخرجكم طفلا ، ثم لتبلغوا أشدكم ، ثم لتكونوا شيوخا ~~، ومنكم من يتوفى من قبل ، ولتبلغوا أجلا مسمى ، ولعلكم تعقلون ) (1). # وقد رجح ابن جرير هذا الرأى فقال : «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصحة ، ~~وأشبهها بتأويل الآية ، قول من قال معناه : ثم رددناه إلى أرذل العمر. إلى ~~عمر الخرفى الذين ذهبت عقولهم من الهرم والكبر ، فهو في أسفل من سفل في ~~إدبار العمر ، وذهاب العقل ...» (2). # ومنها : أن المراد ms6061 بالرد هنا : الرد إلى النار ، والمعنى : لقد خلقنا ~~الإنسان في أحسن تقويم ، ثم رددناه إلى أقبح صورة ، وأخس هيئة ... حيث ~~ألقينا به في أسفل سافلين ، أى : في النار ، بسبب استحبابه العمى على الهدى ~~، والكفر على الإيمان ... # وقد رجح هذا الرأى ابن كثير فقال : قوله : ( @QUR@04 ثم رددناه أسفل ~~سافلين ) أى : إلى النار ... أى : ثم بعد هذا الحسن والنضارة ، مصيره إلى ~~النار ، إن لم يطع الله تعالى ويتبع الرسل. ولهذا قال : ( @QUR@05 إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات ... ) (3). # وعلى هذا الرأى أيضا ، يكون المردودون إلى «أسفل سافلين» أى : إلى النار ~~، هم بعض أفراد جنس الإنسان ، وهم الكفار ، والفاسقون عن أمره تعالى . # ومنها : أن المراد بالرد إلى أسفل سافلين هنا : الانحراف والارتداد عن ~~الفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها ، بأن يعبد الإنسان مخلوقا مثله ، ~~ويترك عبادة خالقه ، ويطيع نفسه وشهواته وهواه ... ويترك طاعة ربه عز وجل . # وقد فصل الأستاذ الإمام هذا المعنى فقال ما ملخصه : «أقسم سبحانه أنه قوم ~~الإنسان أحسن تقويم ، وركبه أحسن تركيب ، وأكد سبحانه ذلك بالقسم ، لأن ~~الناس بسبب غفلتهم عما كرمهم الله به ، صاروا كأنهم ظنوا أنفسهم كسائر ~~أنواع العجماوات ، يفعلون كما تفعل ، لا يمنعهم حياء ولا تردهم حشمة. ~~فانحطت بذلك نفوسهم عن مقامها ، الذي كان لها بمقتضى الفطرة ... فهذا قوله ~~: ( @QUR@04 ثم رددناه أسفل سافلين )، أى : صيرناه أسفل من كثير من ~~الحيوانات التي كانت أسفل منه ، لأن الحيوان المفترس مثلا إنما يصدر في ~~عمله عن فطرته التي فطر عليها ، لم ينزل عن مقامه ، ولم ينحط عن منزلته في ~~الوجود. # أما الإنسان فإنه بإهماله عقله ، وجهله بما ينبغي أن يعمله لتوفير سعادته ~~وسعادة إخوانه ، PageV15P447 # ينقلب أرذل من سائر أنواع الحيوان ، ولطالما قلت : «إذا فسد الإنسان فلا ~~تسل عما يصدر عنه من هذيان أو عدوان» (1). # والذي يتأمل الرأى الثاني والثالث يرى أن بينهما تلازما ، لأن الانحراف ~~عن الفطرة السوية يؤدى إلى الدخول في النار وبئس القرار ، وهذان الرأيان ~~أولى بالقبول ، لأن الاستثناء في قوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@09 إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات ms6062 فلهم أجر غير ممنون ) يؤيد ذلك ، إذ المعنى عليها : ~~لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ، ثم رددناه إلى النار بسبب انحرافه عن ~~الفطرة ، وإيثاره الغي على الرشد ، والكفر على الإيمان ... # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وساروا على مقتضى فطرتهم ، فأخلصوا ~~لله تعالى العبادة والطاعة ... فلهم أجر غير مقطوع عنهم أو غير ممنون به ~~عليهم ، بل هم قد اكتسبوا هذا الأجر الدائم العظيم ، بسبب إيمانهم وعملهم ~~الصالح. # قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( @QUR@04 ثم رددناه أسفل سافلين )، «ثم» ~~هنا للتراخي الزمانى أو الرتبى ، والرد يجوز أن يكون بمعنى الجعل ، فينصب ~~مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر. فأسفل مفعول ثان ، والمعنى : ثم جعلناه من ~~أهل النار ، الذين هم أقبح ، وأسفل من كل سافل ... ويجوز أن يكون الرد ~~بمعناه المعروف ، وأسفل منصوب بنزع الخافض. # أى : رددناه إلى أسفل الأمكنة السافلة وهو جهنم ... # وقوله : ( @QUR@05 إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) استثناء متصل من ~~ضمير «رددناه» العائد على الإنسان ، فإنه في معنى الجمع ، فالمؤمنون لا ~~يردون أسفل سافلين يوم القيامة ، بل يزدادون بهجة إلى بهجتهم. وحسنا على ~~حسنهم ...» (2). # و «ما» في قوله سبحانه : ( @QUR@04 فما يكذبك بعد بالدين ) اسم استفهام ~~مبتدأ ، وخبره جملة «يكذبك». والخطاب للإنسان الذين خلقه الله تعالى في ~~أحسن تقويم ، ففي الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب. والاستفهام للإنكار ~~والتعجيب من هذا الإنسان ... # والمعنى : فأى شيء يحملك أيها الإنسان على التكذيب بالدين وبالبعث ~~وبالجزاء ، بعد أن خلقناك في أحسن تقويم ، وبعد أن أقمنا لك الأدلة على أن ~~دين الإسلام هو الدين الحق ، وعلى أن رسولنا صادق فيما يبلغك عن ربه عز وجل ؟ # فالمقصود بقوله تعالى : ( @QUR@01 يكذبك ): يجعلك مكذبا ، أى : لا عذر ~~لك في التكذيب PageV15P448 # بالحق ، وقيل : الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، وتكون «ما» بمعنى «من» ، ~~ويكون الاستفهام بها عن ذوات المخاطبين ، أى : فمن ذا الذي يكذبك أيها ~~الرسول الكريم ويكذب بيوم الدين والجزاء ، بعد أن ظهرت الدلائل على صدقك ...؟ # إن كل عاقل يجب عليه أن يصدقك ولا يكذبك ، ولا يعرض عنك. # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@04 أليس ms6063 الله بأحكم الحاكمين ) ~~للتقرير : إذ الجملة الكريمة تحقيق لما ذكر من خلق الإنسان في أحسن تقويم ، ~~ثم رده إلى أسفل سافلين. # فكأنه تعالى يقول : إن الذي فعل ذلك كله هو أحكم الحاكمين خلقا وإيجادا. ~~وصنعا وتدبيرا ، وقضاء وتقديرا ، فيجب على كل عاقل أن يخلص له العبادة ~~والطاعة ، وأن يتبع رسوله صلى الله عليه وسلم في كل ما جاء به من عند ربه ~~عز وجل . # وقد روى الإمام الترمذي عن أبى هريرة قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : # «من قرأ منكم ( @QUR@02 والتين والزيتون ... ) ثم انتهى إلى قوله تعالى ( ~~@QUR@04 أليس الله بأحكم الحاكمين ) فليقل : بلى ، وأنا على ذلك من ~~الشاهدين» (1). # نسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعا من عباده الصالحين. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV15P449 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة العلق ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 هذه السورة الكريمة تسمى سورة «العلق» ، وتسمى سورة «اقرأ» وعدد آياتها ~~تسع عشرة آية في المصحف الكوفي ، وفي الشامي ثماني عشرة آية ، وفي الحجازي ~~عشرون آية. # وصدر هذه السورة الكريمة يعتبر أول ما نزل من قرآن على النبي ~~صلى الله عليه وسلم . # 2 ومن أغراضها : التنويه بشأن القراءة والكتابة ، والعلم والتعلم ، ~~والتهديد لكل من يقف في وجه دعوة الإسلام التي جاء بها النبي ~~صلى الله عليه وسلم من عند ربه عز وجل وإعلام النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله ~~تعالى مطلع على ما يبيته له أعداؤه من مكر وحقد ، وأنه سبحانه قامعهم ~~وناصره عليهم ، وأمره صلى الله عليه وسلم بأن يمضى في طريقه ، دون أن يلتفت ~~إلى مكرهم أو سفاهاتهم. PageV15P451 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@05 اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) @QUR@04 خلق الإنسان من علق (2) ~~@QUR@03 اقرأ وربك الأكرم (3) @QUR@03 الذي علم بالقلم (4) @QUR@05 علم ~~الإنسان ما لم يعلم (5) @QUR@04 كلا إن الإنسان ليطغى (6) @QUR@03 أن رآه ~~استغنى (7) @QUR@04 إن إلى ربك الرجعى (8) @QUR@03 أرأيت الذي ينهى (9) ~~@QUR@03 عبدا إذا صلى (10) @QUR@05 أرأيت إن كان على الهدى (11) @QUR@03 أو ~~أمر بالتقوى (12) @QUR@04 أرأيت إن كذب وتولى (13) @QUR@05 ألم يعلم بأن ~~الله ms6064 يرى (14) @QUR@06 كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية (15) @QUR@03 ناصية ~~كاذبة خاطئة (16) @QUR@02 فليدع ناديه (17) @QUR@02 سندع الزبانية (18) ~~@QUR@05 كلا لا تطعه واسجد واقترب ) (19) # وقد أجمع المحققون من العلماء ، على أن هذه الآيات الكريمة ، أول ما نزل ~~على الرسول صلى الله عليه وسلم من قرآن على الإطلاق ، فقد أخرج الشيخان ~~وغيرهما عن عائشة قالت : أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحى ~~، الرؤيا الصالحة في النوم. فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ثم ~~حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث أى : فيتعبد فيه الليالى ذوات ~~العدد ، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لذلك ، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء. ~~فجاءه الملك فقال له : ( @QUR@01 اقرأ ) قال : ما أنا بقارئ ، قال ~~صلى الله عليه وسلم فأخذنى فغطني حتى بلغ منى الجهد ، ثم أرسلنى فقال : ( ~~@QUR@01 اقرأ ) فقلت : ما أنا بقارئ ، فأخذنى فغطني الثانية حتى بلغ منى ~~الجهد ، ثم أرسلنى فقال : ( @QUR@01 اقرأ ) فقلت : ما أنا بقارئ ، فأخذنى ~~فغطني الثالثة حتى بلغ منى الجهد ، ثم أرسلنى فقال : ( @QUR@05 اقرأ باسم ~~ربك الذي خلق ، PageV15P452 # @QUR@04 خلق الإنسان من علق ... ) (1). # وما ورد من أحاديث تفيد أن أول سورة نزلت هي «سورة الفاتحة» ، فمحمول على ~~أن أول سورة نزلت كاملة هي سورة الفاتحة. # كذلك ما ورد من أحاديث في أن أول ما نزل سورة المدثر ، محمول على أن أول ~~ما نزل بعد فترة الوحى. أما صدر سورة العلق فكان نزوله قبل ذلك. # قال الآلوسى بعد أن ساق الأحاديث التي وردت في ذلك : «وبالجملة فالصحيح ~~كما قال البعض وهو الذي أختاره أن صدر هذه السورة الكريمة ، هو أول ما نزل ~~من القرآن على الإطلاق. وفي شرح مسلم : الصواب أن أول ما نزل «اقرأ» ، أى : ~~مطلقا ، وأول ما نزل بعد فترة الوحى ، «يا أيها المدثر» ، وأما قول من قال ~~من المفسرين ، أول ما نزل الفاتحة ، فبطلانه أظهر من أن يذكر» (2). # والذي نرجحه ونميل إليه أن أول ما نزل من قرآن على الإطلاق ، هو صدر هذه ~~السورة الكريمة إلى قوله ms6065 ( @QUR@03 ما لم يعلم )، لورود الأحاديث الصحيحة ~~بذلك. أما بقيتها فكان نزوله متأخرا. # قال الأستاذ الإمام «أما بقية السورة فهو متأخر النزول قطعا ، وما فيه من ~~ذكر أحوال المكذبين ، يدل على أنه إنما نزل بعد شيوع خبر البعثة ، وظهور ~~أمر النبوة ، وتحرش قريش لإيذائه صلى الله عليه وسلم » (3). # وقد افتتحت السورة الكريمة بطلب القراءة من النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه ~~كان أميا لتهيئة ذهنه لما سيلقى عليه صلى الله عليه وسلم من وحى ... فقال ~~سبحانه : ( @QUR@05 اقرأ باسم ربك الذي خلق ). أى : اقرأ أيها الرسول ~~الكريم ما سنوحيه إليك من قرآن كريم ، ولتكن قراءتك ملتبسة باسم ربك. ~~وبقدرته وإرادته ، لا باسم غيره ، فهو سبحانه الذي خلق الأشياء جميعها ، ~~والذي لا يعجزه أن يجعلك قارئا ، بعد كونك لم تكن كذلك. # وقال سبحانه ( @QUR@02 باسم ربك ) بوصف الربوبية ، لأن هذا الوصف ينبئ عن ~~كمال الرأفة والرحمة والرعاية بشأن المربوب. # ووصف سبحانه ذاته بقوله : ( @QUR@02 الذي خلق ) للتذكير بهذه النعمة ، ~~لأن الخلق هو أعظم النعم ، وعليه تترتب جميعها. PageV15P453 # وجملة ( @QUR@04 خلق الإنسان من علق ) بدل من قوله ( @QUR@02 الذي خلق ) ~~بدل بعض من كل ، إذ خلق الإنسان يمثل جزءا من خلق المخلوقات التي لا يعلمها ~~إلا الله. # و «العلق» الدم الجامد ، وهو الطور الثاني من أطوار خلق الإنسان. # وقيل : العلق : مجموعة من الخلايا التي نشأت بطريقة الانقسام عن البويضة ~~الملقحة ، وسمى «علقا» لتعلقه بجدار الرحم (1). # والمقصود من هذه الجملة الكريمة بيان مظهر من مظاهر قدرته تعالى فكأنه ~~سبحانه يقول : إن من كان قادرا على أن يخلق من الدم الجامد إنسانا يسمع ~~ويرى ويعقل ... قادر أيضا على أن يجعل منك أيها الرسول الكريم قارئا ، وإن ~~لم تسبق لك القراءة. # وخص سبحانه خلق الإنسان بالذكر ، لأنه أشرف المخلوقات ولأن فيه من بدائع ~~الصنع والتدبير ما فيه. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 اقرأ وربك الأكرم ) أى : امض لما أمرتك به من ~~القراءة ، فإن ربك الذي أمرك بالقراءة هو الأكرم من كل كريم ، والأعظم من ~~كل عظيم. # قالوا : وإنما كرر سبحانه الأمر بالقراءة ، لأنه ms6066 من الملكات التي لا ترسخ ~~في النفس إلا بالتكرار والإعادة مرة فمرة. # وجملة ( @QUR@02 وربك الأكرم ) مستأنفة لقصد بيان أنه تعالى أكرم من كل ~~من يلتمس منه العطاء ، وأنه سبحانه قادر على أن يمنح نبيه نعمة القراءة ، ~~بعد أن كان يجهلها. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 الذي علم بالقلم ) أى : علم الإنسان الكتابة ~~بالقلم ، ولم يكن له علم بها ، فاستطاع عن طريقها أن يتفاهم مع غيره ، وأن ~~يضبط العلوم والمعارف ، وأن يعرف أخبار الماضين وأحوالهم ، وأن يتخاطب بها ~~مع الذين بينه وبينهم المسافات الطويلة. # ومفعولا «علم» محذوفان ، دل عليهما قوله ( @QUR@01 بالقلم ) أى : علم ~~ناسا الكتابة بالقلم. # وتخصيص هذه الصفة بالذكر ، للإيماء إلى إزالة ما قد يخطر بباله ~~صلى الله عليه وسلم من تعذر القراءة بالنسبة له ، لجهله بالكتابة ، فكأنه ~~تعالى يقول له : إن من علم غيرك القراءة والكتابة بالقلم ، قادر على تعليمك ~~القراءة وأنت لا تعرف الكتابة ، ليكون ذلك من معجزاتك الدالة على صدقك ، ~~وكفاك بالعلم في الأمى معجزة. # وجملة ( @QUR@05 علم الإنسان ما لم يعلم ) خبر عن قوله تعالى : ( @QUR@02 ~~وربك الأكرم ) وما بينهما اعتراض ، ويصح أن تكون بدل اشتمال مما قبلها وهو ~~قوله ( @QUR@02 علم بالقلم ) أى : PageV15P454 # علم الإنسان بالقلم وبدونه ما لم يكن يعلمه من الأمور على اختلافها ، ~~والمراد بالإنسان في هذه الآيات جنسه. # والمتأمل في هذه الآيات الكريمة ، يراها قد جمعت أصول الصفات الإلهية ، ~~كالوجود ، والوحدانية ، والقدرة والعلم ، والكرم. # قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات : فأول شيء من القرآن هذه ~~الآيات الكريمات المباركات ، وهو أول رحمة رحم الله بها العباد ، وأول نعمة ~~أنعم الله بها عليهم ، وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة ، وأن ~~من كرمه تعالى أن علم الإنسان ما لم يعلم ، فشرفه وكرمه بالعلم ، وهو القدر ~~الذي امتاز به أبو البرية آدم على الملائكة ... (1). # وقال المرحوم الشيخ محمد عبده : ثم إنه لا يوجد بيان أبرع ولا دليل أقطع ~~على فضل القراءة والكتابة والعلم بجميع أنواعه ، من افتتاح الله كتابه ~~وابتدائه الوحى ، بهذه الآيات الباهرات ، فإن لم يهتد المسلمون ms6067 بهذا الهدى ~~، ولم ينبههم النظر فيه إلى النهوض ، وإلى تمزيق تلك الحجب التي حجبت عن ~~أبصارهم نور العلم ... وإن لم يسترشدوا بفاتحة هذا الكتاب المبين ، ولم ~~يستضيئوا بهذا الضياء الساطع ... فلا أرشدهم الله ... (2). # ثم بين سبحانه بعد ذلك الأسباب التي تحمل الإنسان على الطغيان فقال : ( ~~@QUR@07 كلا إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى ). # و «كلا» حرف ردع وزجر لمن تكبر وتمرد ... فهو زجر عما تضمنه ما بعدها ، ~~لأن ما قبلها ليس فيه ما يوجب الزجر والردع ، ويصح أن تكون «كلا» هنا بمعنى ~~حقا. وقوله : ( @QUR@01 ليطغى ) من الطغيان ، وهو تجاوز الحق في التكبر ~~والتمرد. والضمير في قوله ( @QUR@01 رآه ) يعود على الإنسان الطاغي ، ~~والجملة متعلقة بقوله ( @QUR@01 ليطغى ) بحذف لام التعليل ، والرؤية بمعنى العلم. # والمعنى : حقا إن الإنسان ليتعاظم ويتكبر ويتمرد على الحق ، لأنه رأى ~~نفسه ذا غنى في المال والجاه والعشيرة ، ورآها لغروره وبطره ليست في حاجة ~~إلى غيره. # والمراد بالإنسان هنا : جنسه ؛ لأن من طبع الإنسان أن يطغى ، إذا ما كثرت ~~النعم بين يديه ، إلا من عصمه الله تعالى من هذا الخلق الذميم ، بأن شكره ~~سبحانه على نعمه ، واستعملها في طاعته. PageV15P455 # وقيل المراد بالإنسان هنا : أبو جهل ، وأن هذه الآيات وما بعدها حتى آخر ~~السورة قد نزلت في أبى جهل ، فقد أخرج البخاري عن ابن عباس قال : قال أبو ~~جهل : لئن رأيت محمدا يصلى عند الكعبة ، لأطأن على عنقه ، فبلغ ذلك النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال : «لئن فعل لأخذته الملائكة» .. (1). ونزول هذه ~~الآيات في شأن أبى جهل لا يمنع عموم حكمها ، ويدخل في هذا الحكم دخولا ~~أوليا أبو جهل ، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 إن إلى ربك الرجعى ) تهديد ووعيد لهذا الطاغي ، ~~والرجعى : مصدر بمعنى الرجوع. تقول : رجع إليه رجوعا ومرجعا ورجعي بمعنى واحد. # والمعنى : لا تحزن أيها الرسول الكريم مما تفوه به هذا الطاغي وأمثاله ، ~~فإن إلى ربك وحده مرجعهم ، وسيشاهدون بأعينهم ما أعددناه لهم من عذاب مهين ~~، وسيعلمون حق العلم أن ما يتعاظمون به من ms6068 مال ، لن يغنى عنهم من عذاب الله ~~شيئا يوم القيامة. # ثم عجب سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم من حال هذا الشقي وأمثاله ، فقال : ( ~~@QUR@06 أرأيت الذي ينهى. عبدا إذا صلى ). فالاستفهام في قوله تعالى : ( ~~@QUR@01 أرأيت ... ) للتعجيب من جهالة هذا الطاغي ، وانطماس بصيرته ، حيث ~~نهى عن الخير ، وأمر بالشر ، والمراد بالعبد : رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وتنكيره للتفخيم والتعظيم. # أى : أرأيت وعلمت أيها الرسول الكريم حالا أعجب وأشنع من حال هذا الطاغي ~~الأحمق ، الذي ينهاك عن إقامة العبادة لربك الذي خلقك وخلقه. # وقوله سبحانه : ( @QUR@08 أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى ) خطاب ~~آخر للنبي صلى الله عليه وسلم أى : أرأيت أيها الرسول الكريم إن صار هذا ~~الإنسان الطاغي الكافر على الهدى ، فاتبع الحق ، ودعا إلى البر والتقوى ... ~~أما كان ذلك خيرا له من الإصرار على الكفر ، ومن نهيه إياك عن الصلاة ، ~~فجواب الشرط محذوف للعلم به. # فالمراد بالهدى : اهتداؤه إلى الصراط المستقيم ، والمراد بالتقوى : صيانة ~~نفسه عن كل ما يغضب الله تعالى ، وأمره غيره بذلك. # وقوله تعالى : ( @QUR@09 أرأيت إن كذب وتولى. ألم يعلم بأن الله يرى ). PageV15P456 # أى : أرأيت أيها الرسول الكريم إن كذب هذا الكافر بما جئته به من عندنا ، ~~وتولى وأعرض عما تدعوه إليه من إيمان وطاعة لله رب العالمين. أرأيت إن فعل ~~ذلك ، أفلا أرشده عقله إلى أن خالق هذا الكون يراه ، وسيجازيه بما يستحقه ~~من عذاب مهين؟. # فالمقصود من هذه الآيات الكريمة التي تكرر فيها لفظ «أرأيت» ثلاث مرات : ~~تسلية النبي صلى الله عليه وسلم . وتعجيبه من حال هذا الإنسان الطاغي الشقي ، ~~الذي أصر على كفره. وآثر الغي على الرشد. والشرك على الإيمان .. وتهديد هذا ~~الكافر الطاغي بسوء المصير ، لأن الله تعالى مطلع على أعماله القبيحة ... ~~وسيعاقبه العقاب الأكبر. # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : فأين جواب الشرط أى في قوله تعالى : ( ~~@QUR@05 أرأيت إن كان على الهدى )؟ قلت : هو محذوف تقديره : إن كان على ~~الهدى ، ألم يعلم بأن الله يرى ، وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط ms6069 ~~الثاني. # فإن قلت : فكيف صح أن يكون «ألم يعلم» جوابا للشرط؟ قلت : كما صح في قولك ~~: إن أكرمتك أتكرمنى؟ وإن أحسن إليك زيد هل تحسن إليه؟ ... (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية ) ردع وزجر ~~لهذا الكافر الطاغي الناهي عن الخير ، ولكل من يحاول أن يفعل فعله. # والسفع : الجذب بشدة على سبيل الإذلال والإهانة ، تقول : سفعت بالشيء ، ~~إذا جذبته جذبا شديدا بحيث لا يمكنه التفلت أو الهرب ... وقيل : هو ~~الاحتراق ، من قولهم : فلان سفعته النار ، إذا أحرقته وغيرت وجهه وجسده. ~~والناصية : الشعر الذي يكون في مقدمة الرأس. أى : كلا ليس الأمر كما فعل ~~هذا الإنسان الطاغي ، ولئن لم يقلع عما هو فيه من كفر وغرور ، لنقهرنه ، ~~ولنذلنه ، ولنعذبنه عذابا شديدا في الدنيا والآخرة. # والتعبير بقوله تعالى : ( @QUR@02 لنسفعا بالناصية ) يشعر بالأخذ الشديد ~~، والإذلال المهين ، لأنه كان من المعروف عند العرب ، أنهم كانوا إذا ~~أرادوا إذلال إنسان وعقابه ، سحبوه من شعر رأسه. # والتعريف في الناصية ، للعهد التقديري. أى : بناصية ذلك الإنسان الطاغي ، ~~الذي كذب وتولى ، ونهى عن إقامة الصلاة. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 ناصية كاذبة خاطئة ) بدل من الناصية ، وجاز ~~إبدال النكرة من المعرفة ، لأن النكرة قد وصفت. فاستقلت بالفائدة. PageV15P457 # وخاطئة : اسم فاعل من خطئ فلان كعلم فهو خاطئ وهو الذي يأتى الذنب متعمدا ~~، ووصفت الناصية بأنها خاطئة مبالغة في تعمد هذا الإنسان لارتكاب المنكر ، ~~على حد قولهم : نهار صائم ، أى : صائم صاحبه ، ولأن الناصية هي مظهر الغرور ~~والكبرياء. # أى : لئن لم ينته هذا الفاجر المغرور عن كفره ... لنذلنه إذلالا شديدا ~~... ولنسحبنه إلى النار من ناصيته التي طالما كذبت بالحق ، وتعمدت ارتكاب ~~المنكر ... # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 فليدع ناديه ) رد على غروره وتفاخره بعشيرته ، ~~فقد جاء في الحديث الشريف أن أبا جهل عند ما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الصلاة ، نهره النبي صلى الله عليه وسلم وزجره وأغلظ له القول ... فقال أبو ~~جهل : أتهددني يا محمد وأنا أكثر هذا الوادي ناديا ، فأنزل الله سبحانه : ( ~~@QUR@04 فليدع ناديه. سندع الزبانية ). # وأصل النادي : المكان الذي يجتمع ms6070 فيه الناس للحديث ، ولا يسمى المكان ~~بهذا الاسم إلا إذا كان معدا لهذا الغرض ، ومنه دار الندوة ، وهي دار كان ~~أهل مكة يجتمعون فيها للتشاور في مختلف أمورهم ، وسمى بذلك لأن الناس يندون ~~إليه ، أى : يذهبون إليه ، أو ينتدون فيه ، أى : يجتمعون للحديث فيه. يقال ~~: ندا القوم ندوا من باب غزا إذا اجتمعوا. # والأمر في قوله تعالى : ( @QUR@01 فليدع ) للتعجيز ، والكلام على حذف ~~مضاف. أى : فليدع هذا الشقي المغرور أهله وعشيرته لإيذاء النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، ولمنعه من الصلاة ، إن قدروا على ذلك ، فنحن من جانبنا ~~سندع الزبانية ، وهم الملائكة الغلاظ الموكلون بعقاب هذا المغرور وأمثاله. # ولفظ الزبانية في كلام العرب : يطلق على رجال الشرطة الذين يزبنون الناس ~~، أى : يدفعونهم إلى ما يريدون دفعهم إليه بقوة وشدة وغلظة ، جمع زبنية ، ~~وأصل اشتقاقه من الزبن ، وهو الدفع الشديد ، ومنه قولهم : حرب زبون ، إذا ~~اشتد الدفع والقتال فيها ، وناقة زبون إذا كانت تركل من يحلبها. # والمقصود بهاتين الآيتين ، التهكم بهذا الإنسان المغرور ، والاستخفاف به ~~وبكل من يستنجد به ، ووعيده بأنه إن استمر في غروره ونهيه عن الصلاة فسيسلط ~~الله تعالى عليه ملائكة غلاظا شدادا. لا قبل له ولا لقومه بهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 كلا لا تطعه واسجد واقترب ) ردع آخر لهذا الكافر ~~عن الغرور والبطر والطغيان ، وإبطال لدعواه أنه سيدع أهل ناديه ، وتأكيد ~~لعجزه عن منع الرسول صلى الله عليه وسلم عن الصلاة. # أى : كلا ليس الأمر كما قال هذا المغرور من أن أهله وعشيرته سينصرونه ، ~~وسيقفون إلى PageV15P458 # جانبه في منعك أيها الرسول الكريم من الصلاة ، فإنهم وغيرهم أعجز من أن ~~يفعلوا ذلك ، وعليك أيها الرسول الكريم أن تمضى في طريقك وأن تواظب على ~~أداء الصلاة في المكان الذي تختاره ، ولا تطع هذا الشقي ، فإنه جاهل مغرور ~~، واسجد لربك وتقرب إليه تعالى بالعبادة والطاعة ، وداوم على ذلك. # فالمقصود بهذه الآية الكريمة ، حض النبي صلى الله عليه وسلم على المداومة ~~على الصلاة في الكعبة ، وعدم المبالاة بنهي الناهين عن ذلك ، فإنهم أحقر من ~~أن ms6071 يفعلوا شيئا ... # نسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعا من عباده الصالحين. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV15P459 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة القدر ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «القدر» من السور المكية عند أكثر المفسرين ، وكان نزولها بعد ~~سورة «عبس» ، وقبل سورة «الشمس» ، فهي السورة الخامسة والعشرون في ترتيب ~~النزول ، ويرى بعض المفسرين أنها من السور المدنية ، وأنها أول سورة نزلت ~~بالمدينة. # قال الآلوسى : قال أبو حيان : مدنية في قول الأكثر. وحكى الماوردي عكسه. ~~وذكر الواحدي أنها أول سورة نزلت بالمدينة. وقال الجلال في الإتقان : فيها ~~قولان ، والأكثر أنها مكية ... (1) وعدد آياتها خمس آيات ، ومنهم من عدها ~~ست آيات. والأول أصح وأرجح. # 2 والسورة الكريمة من أهم مقاصدها : التنويه بشأن القرآن ، والإعلاء من ~~قدره ، والرد على من زعم أنه أساطير الأولين ، وبيان فضل الليلة التي نزل ~~فيها ، وتحريض المسلمين على إحيائها بالعبادة والطاعة لله رب العالمين. PageV15P461 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@05 إنا أنزلناه في ليلة القدر (1) @QUR@05 وما أدراك ما ليلة ~~القدر (2) @QUR@06 ليلة القدر خير من ألف شهر (3) @QUR@09 تنزل الملائكة ~~والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر (4) @QUR@05 سلام هي حتى مطلع الفجر ) (5) # والضمير المنصوب في قوله تعالى ( @QUR@01 أنزلناه ) يعود إلى القرآن ~~الكريم ، وفي الإتيان بهذا الضمير للقرآن ، مع أنه لم يجر له ذكر ، تنويه ~~بشأنه ، وإيذان بشهرة أمره. حتى إنه ليستغنى عن التصريح به ، لحضوره في ~~أذهان المسلمين. # والمراد بإنزاله : ابتداء نزوله على النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه من ~~المعروف أن القرآن الكريم ، قد نزل على النبي صلى الله عليه وسلم منجما ، في ~~مدة ثلاث وعشرين سنة تقريبا. # ويصح أن يكون المراد بأنزلناه ، أى : أنزلناه جملة من اللوح المحفوظ إلى ~~سماء الدنيا ، ثم نزل بعد ذلك منجما على النبي صلى الله عليه وسلم . # قال الإمام ابن كثير : قال ابن عباس وغيره : أنزل الله تعالى القرآن جملة ~~واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا ، ثم نزل مفصلا ~~بحسب الوقائع ، في ثلاث وعشرين ms6072 سنة ، على رسول الله صلى الله عليه وسلم . (1) ~~والقدر الذي أضيفت إليه الليلة ، بمعنى الشرف والعظمة ، مأخوذ من قولهم : ~~لفلان قدر عند فلان ، أى : له منزلة رفيعة ، وشرف عظيم ، فسميت هذه الليلة ~~بذلك ، لعظم قدرها وشرفها ، إذ هي الليلة التي نزل فيها قرآن ذو قدر ، ~~بواسطة ملك ذي قدر ، على رسول ذي PageV15P462 # قدر ، لأجل إكرام أمة ذات قدر ، هذه الأمة يزداد قدرها وثوابها عند الله ~~تعالى إذا ما أحيوا تلك الليلة بالعبادات والطاعات. # ويصح أن يكون المراد بالقدر هنا : التقدير ، لأن الله تعالى يقدر فيها ما ~~يشاء تقديره لعباده ، إلا أن القول الأول أظهر ، لأن قوله سبحانه بعد ذلك : ~~( @QUR@05 وما أدراك ما ليلة القدر ) يفيد التعظيم والتفخيم. # أى : إنا ابتدأنا بقدرتنا وحكمتنا ، إنزال هذا القرآن العظيم ، على ~~رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر ، التي لها ما لها عندنا من قدر ~~وشرف وعظم .. لأن للطاعات فيها قدرا كبيرا ، وثوابا جزيلا. # وليلة القدر هذه هي الليلة التي قال الله تعالى في شأنها في سورة الدخان ~~: ( @QUR@026 إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين. فيها يفرق كل أمر ~~حكيم. أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين. رحمة من ربك إنه هو السميع العليم ). # وهذه الليلة هي من ليالي شهر رمضان ، بدليل قوله تعالى : ( @QUR@012 شهر ~~رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ). # قال بعض العلماء : ومن تسديد ترتيب المصحف ، أن سورة القدر وضعت عقب سورة ~~العلق ، مع أنها أقل عدد آيات من سورة البينة وسور بعدها ، وكأن ذلك إيماء ~~إلى أن الضمير في ( @QUR@01 أنزلناه ) يعود إلى القرآن ، الذي ابتدئ نزوله ~~بسورة العلق. (1). # وقال صاحب الكشاف : عظم سبحانه القرآن من ثلاثة أوجه : أحدها : أن أسند ~~إنزاله اليه ، وجعله مختصا به دون غيره. والثاني : أنه جاء بضميره دون اسمه ~~الظاهر ، شهادة له بالنباهة والاستغناء عن التنبيه عليه ، والثالث : الرفع ~~من مقدار الوقت الذي أنزل فيه. # روى أنه أنزل جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء ~~الدنيا ، وأملاه ms6073 جبريل على السفرة ثم كان ينزل به على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم نجوما في ثلاث وعشرين سنة. # وعن الشعبي : المعنى : أنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر ... (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@05 وما أدراك ما ليلة القدر ) تنويه آخر بشرف هذه ~~الليلة ، وتفخيم لشأنها ، حتى لكأن عظمتها أكبر من أن تحيط بها الكلمات ~~والألفاظ. # أى : وما الذي يدريك بمقدار عظمتها وعلو قدرها ، إن الذي يعلم مقدار ~~شرفها هو الله PageV15P463 # تعالى علام الغيوب. # ثم بين سبحانه مظاهر فضلها فقال : ( @QUR@06 ليلة القدر خير من ألف شهر ) ~~أى : ليلة القدر أفضل من ألف شهر ، بسبب ما أنزل فيها من قرآن كريم يهدى ~~للتي هي أقوم. ويخرج الناس من الظلمات إلى النور ، وبسبب أن العبادة فيها ~~أكثر ثوابا ، وأعظم فضلا من العبادة في أشهر كثيرة ليس فيها ليلة القدر. # والعمل القليل قد يفضل العمل الكثير ، باعتبار الزمان والمكان ، وإخلاص ~~النية ، وحسن الأداء ، ولله تعالى أن يخص بعض الأزمنة والأمكنة والأشخاص ~~بفضائل متميزة. # والتحديد بألف شهر يمكن أن يكون مقصودا. ويمكن أن يراد منه التكثير. وأن ~~المراد أن أقل عدد تفضله هذه الليلة هو هذا العدد. فيكون المعنى : أن هذه ~~الليلة تفضل الدهر كله. # ثم ذكر سبحانه بعد ذلك مزية أخرى لهذه الليلة المباركة فقال : ( @QUR@09 ~~تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر ). # أى : ومن مزايا وفضائل هذه الليلة أيضا ، أن الملائكة وعلى رأسهم الروح ~~الأمين جبريل ينزلون فيها أفواجا إلى الأرض ، بأمره تعالى وإذنه ، وهم ~~جميعا إنما ينزلون من أجل أمر من الأمور التي يريد إبلاغها إلى عباده ، ~~وأصل «تنزل» تتنزل ، فحذفت إحدى التاءين تخفيفا ، ونزول الملائكة إلى الأرض ~~، من أجل نشر البركات التي تحفهم ، فنزولهم في تلك الليلة يدل على شرفها ، ~~وعلى رحمة الله تعالى بعباده. # والروح : هو جبريل ، وذكره بخصوصه بعد ذكر الملائكة ، من باب ذكر الخاص ~~بعد العام ، لمزيد الفضل ، واختصاصه بأمور لا يشاركه فيها غيره. # وقوله سبحانه ( @QUR@02 بإذن ربهم ) متعلق بقوله : ( @QUR@01 تنزل )، ~~والباء للسببية ، أى : يتنزلون بسبب إذن ربهم لهم في ms6074 النزول. # قال الجمل ما ملخصه. وقوله : ( @QUR@03 من كل أمر ) يجوز في «من» وجهان : ~~أحدهما أنها بمعنى اللام ، وتتعلق بتنزل ، أى : تنزل من أجل كل أمر قضى إلى ~~العام القابل. والثاني : أنها بمعنى الباء ، أى : تنزل بكل أمر قضاه الله ~~تعالى فيها من موت وحياة ورزق. # وليس المراد أن تقدير الله لا يحدث إلا في تلك الليلة بل المراد إظهار ~~تلك المقادير لملائكته. (1) PageV15P464 # وقوله تعالى : ( @QUR@05 سلام هي حتى مطلع الفجر ) بيان لمزية ثالثة من ~~مزايا هذه الليلة ، وقوله ( @QUR@01 سلام ) مصدر بمعنى السلامة ، وهو خبر ~~مقدم ، و ( @QUR@01 هي ) مبتدأ مؤخر ، وإنما قدم الخبر تعجيلا للمسرة ، وقد ~~أخبر عن هذه الليلة بالمصدر على سبيل المبالغة ، أو على سبيل تأويل المصدر ~~باسم الفاعل ، أو على تقدير مضاف ... والمراد بمطلع الفجر : طلوعه وبزوغه. # أى : هذه الليلة يظلها ويشملها السلام المستمر ، والأمان الدائم ، لكل ~~مؤمن يحييها في طاعة الله تعالى إلى أن يطلع الفجر ، أو هي ذات سلامة حتى ~~مطلع الفجر ، أو هي سالمة من كل أذى وسوء لكل مؤمن ومؤمنة حتى طلوع الفجر. # هذا وقد أفاض العلماء في الحديث عن فضائل ليلة القدر ، وعن وقتها. وعن ~~خصائصها ... وقد لخص الإمام القرطبي ذلك تلخيصا حسنا فقال : وهنا ثلاث ~~مسائل : # الأولى : في تعيين ليلة القدر ... والذي عليه المعظم أنها ليلة سبع ~~وعشرين ... والجمهور على أنها في كل عام من رمضان ... وقيل : أخفاها سبحانه ~~في جميع شهر رمضان ، ليجتهدوا في العمل والعبادة طمعا في إدراكها. # الثانية : في علاماتها : ومنها أن تطلع الشمس في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها. # الثالثة : في فضائلها ... وحسبك قوله تعالى ( @QUR@06 ليلة القدر خير من ~~ألف شهر ) وقوله : ( @QUR@04 تنزل الملائكة والروح فيها ) وفي الصحيحين «من ~~قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر الله له ما تقدم من ذنبه ...» (1). # نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المنتفعين بهذه الليلة المباركة. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV15P465 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة البينة ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «البينة» ، تسمى أيضا سورة «لم يكن ...» وسورة «المنفكين» ms6075 وسورة ~~«القيمة» وسورة «البرية» ، وعدد آياتها ثماني آيات عند الجمهور ، وعدها ~~قراء البصرة تسع آيات. # 2 وقد اختلف المفسرون في كونها مدنية أو مكية ، وقد لخص الإمام الآلوسى ~~هذا الخلاف فقال : قال في البحر : هي مكية ... وقال ابن الزبير وعطاء بن ~~يسار : مدنية ... وجزم ابن كثير بأنها مدنية ، واستدل على ذلك بما أخرجه ~~الإمام أحمد. عن أبى خيثمة البدري قال : لما نزلت هذه السورة ، قال جبريل : ~~يا رسول الله ، إن ربك يأمرك أن تقرئها «أبيا». # فقال صلى الله عليه وسلم لأبى بن كعب رضى الله عنه : «إن جبريل أمرنى أن ~~أقرئك هذه السورة ، فقال أبى : أو قد ذكرت ثم يا رسول الله؟ قال : نعم.» ~~فبكى أبى. # وقد رجح الإمام الآلوسى كونها مدنية ، فقال : وهذا هو الأصح (1). # وهذا الذي رجحه الإمام الآلوسى هو الذي نميل إليه ، لأن حديثها عن أهل ~~الكتاب ، وعن تفرقهم في شأن دينهم ، يرجح أنها مدنية ، كما أن الإمام ~~السيوطي قد ذكرها ضمن السور المدنية ، وجعل نزولها بعد سورة «الطلاق» وقبل ~~سورة «الحشر» (2). PageV15P467 # 3 ومن أهم المقاصد التي اشتملت عليها السورة الكريمة ، توبيخ أهل الكتاب ~~والمشركين ، على إصرارهم على ضلالهم من بعد أن تبين لهم الحق. والتعجيب من ~~تناقض أحوالهم. وبيان أن كفرهم لم يكن بسبب جهلهم ، وإنما بسبب جحودهم ~~وعنادهم وحسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم على ما آتاه الله من فضله ، والتسجيل ~~عليهم بأنهم شر البرية ، وأن المؤمنين هم خير البرية. PageV15P468 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@012 لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى ~~تأتيهم البينة (1) @QUR@06 رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة (2) @QUR@03 فيها ~~كتب قيمة (3) @QUR@011 وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم ~~البينة (4) @QUR@016 وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ~~ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة (5) @QUR@016 إن الذين كفروا ~~من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية (6) ~~@QUR@09 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية (7) @QUR@021 ~~جزاؤهم عند ربهم جنات ms6076 عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه ) (8) # و «من» في قوله تعالى ( @QUR@03 من أهل الكتاب ) للبيان ، وقوله سبحانه : ~~( @QUR@01 منفكين ): للعلماء في معنى هذا اللفظ أقوال متعددة ، منها : أنه ~~اسم فاعل من انفك بمعنى انفصل ، يقال : فككت الشيء فانفك إذا افترق ما كان ~~ملتحما منه. # والبينة : الحجة الظاهرة التي يتميز بها الحق من الباطل ، وأصلها من ~~البيان بمعنى الظهور والوضوح ، لأن بها تتضح الأمور ، أو من البينونة بمعنى ~~الانفصال ، لأن بها ينفصل الحق عن الباطل بعد التباسهما. PageV15P469 # والمراد بها هنا : رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لقوله تعالى بعد ذلك : ( ~~@QUR@06 رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة )، ولأنه صلى الله عليه وسلم كان في ~~ذاته برهانا على صحة ما ادعاه من النبوة ، لتحليه بكمال العقل وبمكارم ~~الأخلاق ، ولإتيانه بالمعجزات التي تؤيد أنه صادق فيما يبلغه عن ربه. # والمعنى : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ، وهم اليهود والنصارى ، ولم ~~يكن أيضا الذين كذبوا الحق من المشركين ، ولم يكن الجميع بمفارقين ~~وبمنفصلين عن كفرهم وشركهم ، ( @QUR@03 حتى تأتيهم البينة ) التي هي الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فلما أتتهم هذه البينة ، منهم من آمن ومنهم من استمر على ~~كفره وشركه وضلاله. # وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : «كان الكفار من الفريقين ، أهل ~~الكتاب ، وعبدة الأصنام ، يقولون قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم : لا ننفك ~~عما نحن عليه من ديننا ، ولا نتركه حتى يبعث النبي المكتوب في التوراة ~~والإنجيل ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم ، فحكى الله تعالى ما كانوا يقولونه ، ~~ثم قال : ( @QUR@05 وما تفرق الذين أوتوا الكتاب )، يعنى أنهم كانوا يعدون ~~باجتماع الكلمة ، والاتفاق على الحق ، إذا جاءهم الرسول ، ثم ما فرقهم عن ~~الحق ، ولا أقرهم على الكفر ، إلا مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم ، ونظيره في ~~الكلام أن يقول الفقير الفاسق لمن يعظه : لست بمنفك عما أنا فيه حتى يرزقني ~~الله تعالى الغنى ، فيرزقه الله الغنى فيزداد فسقا ، فيقول له واعظه : لم ms6077 ~~تكن منفكا عن الفسق حتى توسر ، وما غمست رأسك في الفسق إلا بعد اليسار ، ~~يذكره ما كان يقوله توبيخا وإلزاما. # وانفكاك الشيء من الشيء ، أن يزايله بعد التحامه به. كالعظم إذا انفك من مفصله. # والمعنى : أنهم متشبثون بدينهم لا يتركونه إلا عند مجيء البينة. (1). # ومنهم من يرى : أن ( @QUR@01 منفكين ) بمعنى متروكين لا بمعنى تاركين ، ~~أى : لم يكونوا جميعا متروكين على ما هم عليه من الكفر والشرك ، حتى تأتيهم ~~البينة ، على معنى قوله تعالى : ( @QUR@05 أيحسب الإنسان أن يترك سدى ). # أو المعنى : لم يكن هؤلاء القوم منفكين من أمر الله تعالى وقدرته ونظره ~~لهم ، حتى يبعث الله تعالى إليهم رسولا منذرا ، تقوم عليهم به الحجة ، ويتم ~~على من آمن النعمة ، فكأنه تعالى قال : ما كانوا ليتركوا سدى ... (2). PageV15P470 # وهناك أقوال أخرى في معنى الآية رأينا أن نضرب عنها صفحا لضعفها. # وقد قدم الله تعالى ذكر أهل الكتاب في البيان ، لأن كفرهم أشنع وأقبح. إذ ~~كانوا يقرءون الكتب ، ويعرفون أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم فكانت قدرتهم ~~على معرفة صدقه أكبر وأتم. وفي التعبير عنهم بأهل الكتاب دون اليهود ~~والنصارى ، تسجيل للغفلة وسوء النية عليهم. حيث علموا الكتاب. وعرفوا عن ~~طريقه أن هناك رسولا كريما قد أرسله الله تعالى لهدايتهم ، ومع ذلك كفروا ~~به ، كما قال تعالى : ( @QUR@010 فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله ~~على الكافرين ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة ) بدل من ~~«البينة» على سبيل المبالغة ، حيث جعل سبحانه الرسول نفس البينة. # أى : لم يفارقوا دينهم حتى جاءهم رسول كريم ، كائن من عند الله تعالى لكي ~~يقرأ على مسامعهم صحفا من القرآن الكريم ، مطهرة ، أى : منزهة عن الشرك ~~والكفر والباطل ، وهذه الصحف من صفاتها أيضا أنها ( @QUR@03 فيها كتب قيمة ~~) أى : فيها سور آيات قرآنية مستقيمة لا عوج فيها ، بل هي ناطقة بالحق ~~والخير والصدق والهداية ، وبأخبار الأنبياء السابقين وبأحوالهم مع أقوامهم. # فقوله : ( @QUR@01 قيمة ) بمعنى مستقيمة لا عوج فيها ولا اضطراب ، من ~~قولهم : قام فلان يقوم ، إذا استوى على قدميه ms6078 في استقامة. # ثم بين سبحانه ما كان عليه أهل الكتاب من جحودهم للحق ، ومن إنكارهم له ~~مع علمهم به ، فقال تعالى ( @QUR@011 وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من ~~بعد ما جاءتهم البينة ). أى : أن الجاحدين والمعاندين والحاسدين لك أيها ~~الرسول الكريم من أهل الكتاب ، ما تفرقوا في أمره ، وما اختلفوا في شأن ~~نبوتك ... إلا من بعد أن جئتهم أنت بما يدل على صدقك ، دلالة لا يجحدها إلا ~~جهول ، ولا ينكرها إلا حسود ، ولا يعرض عنها إلا من طغى وآثر الحياة ~~الدنيا. # فالآية الكريمة كلام مستأنف ، المقصود به تسليته صلى الله عليه وسلم عما ~~أصابه من هؤلاء الجاحدين فكأنه سبحانه يقول له : لا تحزن أيها الرسول ~~الكريم لإعراض من أعرض عن دعوتك من أهل الكتاب ، فإن إعراضهم لم يكن عن جهل ~~، وإنما عن عناد وجحود وحسد لك على ما آتاك الله من فضله. # وإنما خص سبحانه هنا أهل الكتاب بالذكر ، مع أن الكلام في أول السورة كان ~~فيهم وفي المشركين ، للدلالة على شناعة حالهم ، وقبح فعالهم ، لأن الإعراض ~~عن الحق ممن له PageV15P471 # كتاب ، أشد قبحا ونكرا ، ممن ليس له كتاب وهم المشركون. # والاستثناء في الآية مفرغ ، والمستثنى منه عموم الأوقات. والمعنى : لم ~~يتفرق الجاحدون من الذين أوتوا الكتاب في وقت من الأوقات ، إلا في الوقت ~~الكائن بعد مجيء البينة لهم. # ومن الآيات القرآنية الكثيرة التي وردت في هذا المعنى قوله تعالى ( ~~@QUR@010 وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ). # ثم بين سبحانه ما كان يجب عليهم أن يفعلوه ، فقال : ( @QUR@016 وما أمروا ~~إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ~~، وذلك دين القيمة ). # والواو في قوله تعالى ( @QUR@02 وما أمروا ) للحال ، فهذه الجملة حالية ، ~~والمقصود منها بيان أن هؤلاء الضالين ، قد بلغوا النهاية في قبح الأفعال ، ~~وفي فساد العقول ، إذ أنهم تفرقوا واختلفوا وأعرضوا عن الهدى ، في حال أنهم ~~لم يؤمروا إلا بما فيه صلاحهم. # وقوله : ( @QUR@01 حنفاء ) من الحنف ، وهو الميل من الدين الباطل إلى ~~الدين الحق. كما ms6079 أن الجنف هو الميل من الحق إلى الباطل. # أى : أن هؤلاء الكافرين من أهل الكتاب تفرقوا واختلفوا في شأن الحق ، ~~والحال ، أنهم لم يؤمروا إلا بعبادة الله تعالى وحده ، مخلصين له الطاعة ، ~~ومائلين عن الأديان الباطلة إلى الدين الحق ، مؤمنين بجميع الرسل بدون ~~تفرقة بينهم ، إذ ملتهم جميعا واحدة ، ولم يؤمروا أيضا إلا بإقامة الصلاة ~~في أوقاتها بخشوع وإخلاص لله رب العالمين ، وبإيتاء الزكاة التي تطهرهم ~~وتزكيهم. # ( @QUR@01 وذلك ) الذي أمرناهم به من إخلاص العبادة لنا ، ومن أداء ~~فرائضنا ( @QUR@02 دين القيمة ). أى : دين الملة المستقيمة القيمة ، أو ~~دين الكتب القيمة. # ولفظ «القيمة» بزنة فيعلة من القوامة ، وهي غاية الاستقامة ، وهذا اللفظ ~~صفة لموصوف محذوف. # ثم بين سبحانه سوء عاقبة هؤلاء الجاحدين من أهل الكتاب ومن المشركين فقال ~~: ( @QUR@012 إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين ~~فيها ). # أى : إن الذين أصروا على كفرهم بعد أن تبين لهم ، من اليهود والنصارى ، ~~ومن المشركين الذين هم عبدة الأصنام ... مكانهم المهيأ لهم هو نار جهنم ، ~~حالة كونهم خالدين فيها خلودا أبديا ( @QUR@01 أولئك ) الموصوفون بتلك ~~الصفات الذميمة ( @QUR@03 هم شر البرية ) أى : هم شر كل صنف من أصناف ~~المخلوقات ، لإصرارهم على الكفر والإشراك مع علمهم بالحق. PageV15P472 # ولفظ «البرية» من البرى وهو التراب ، لأنهم قد خلقوا في الأصل منه ، يقال ~~: فلان براه الله تعالى يبروه بروا. أى : خلقه. وقرأ نافع بالهمز ، من ~~قولهم برأ الله تعالى الخلق يبرؤهم ، أى : خلقهم. # وقدم سبحانه أهل الكتاب في المذمة ، لأن جنايتهم في حق الرسول ~~صلى الله عليه وسلم أشد ، إذ كانوا يستفتحون به على المشركين ويقولون لهم : إن ~~نبيا قد أظلنا زمانه ، وإننا عند مبعثه سنتبعه ... فلما بعث ~~صلى الله عليه وسلم كفروا به. # وقد تضمنت هذه الآية الكريمة أمرين : الأول : أن هؤلاء الضالين خالدون في ~~النار ، والثاني : أنهم شر المخلوقات التي خلقها الله تعالى . # ثم بين سبحانه بعد ذلك حسن عاقبة المؤمنين فقال : ( @QUR@05 إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات ). أى : وعملوا الأعمال الصالحات ( @QUR@04 أولئك ~~هم خير البرية ) أى ms6080 : أولئك هم خير المخلوقات التي خلقها الله تعالى . # ( @QUR@03 جزاؤهم عند ربهم ) أى : جزاؤهم الطيب الكائن لهم عند ربهم ~~وخالقهم ومالك أمرهم. # ( @QUR@02 جنات عدن ). أى : جنات يقيمون فيها إقامة دائمة ، من عدن فلان ~~بالمكان إذا أقام فيه. ( @QUR@04 تجري من تحتها الأنهار ) أى : تجرى من تحت ~~أشجارها وثمارها الأنهار ( @QUR@03 خالدين فيها أبدا ) أى : خالدين في تلك ~~الجنات خلودا أبديا. # ( @QUR@05 رضي الله عنهم ورضوا عنه ) أى : قبل الله تعالى منهم أعمالهم ~~ورضيها عنده ، وفرحوا هم ورضوا بما أعطاهم من خير عميم. # فالمراد برضاء تعالى عنهم : قبوله لأعمالهم ، وبرضاهم عنه : فرحهم بما ~~أعطاهم من فضله. ( @QUR@01 ذلك ) أى : العطاء الجزيل ( @QUR@03 لمن خشي ربه ~~) أى : كائن وثابت لمن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى. # نسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعا من أصحاب الميمنة. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV15P473 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الزلزلة ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «الزلزلة» وتسمى أيضا سورة «إذا زلزلت» وسورة «الزلزال» من السور ~~المكية ، وقيل : هي من السور المدنية. # قال الآلوسى : هي مكية في قول ابن عباس ومجاهد وعطاء ، ومدنية في قول ~~مقاتل وقتادة. # ويبدو لنا أن القول بكونها مكية أرجح ، لأن الحديث عن أهوال يوم القيامة ~~، يكثر في السور المكية ، ولأن بعض المفسرين كالإمام ابن كثير قد اقتصر على ~~كونها مكية ، ولم يذكر في ذلك خلافا. # وعدد آياتها ثماني آيات في المصحف الكوفي ، وتسع آيات في غيره. وسبب ذلك ~~اختلافهم في قوله تعالى : ( @QUR@06 يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم ~~) هل هو آيتان أو آية واحدة. # 2 والسورة الكريمة من أهم مقاصدها : إثبات أن يوم القيامة حق وبيان ما ~~اشتمل عليه من أهوال ، وتأكيد أن كل إنسان سيجازى على حسب عمله في الدنيا ... PageV15P475 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@04 إذا زلزلت الأرض زلزالها (1) @QUR@03 وأخرجت الأرض أثقالها (2) ~~@QUR@04 وقال الإنسان ما لها (3) @QUR@03 يومئذ تحدث أخبارها (4) @QUR@04 ~~بأن ربك أوحى لها (5) @QUR@06 يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم (6) ~~@QUR@06 فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7) @QUR@06 ومن يعمل مثقال ذرة ms6081 شرا ~~يره ) (8) # وقوله تعالى : ( @QUR@01 زلزلت ) أى : حركت تحريكا شديدا لا يعلم مقداره ~~إلا الله تعالى ، إذ الزلزال : الحركة الشديدة مع الاضطراب ، وهو بفتح ~~الزاى اسم لذلك ، وبكسرها مصدر بمعنى التحرك والاضطراب ، وشبيه بهذه الآية ~~قوله تعالى : ( @QUR@04 إذا رجت الأرض رجا )، ويكون هذا الزلزال الشديد ، ~~عند ما يأذن الله تعالى بقيام الساعة ، ويبعث الناس للحساب. # وافتتح سبحانه الكلام بظرف الزمان ( @QUR@01 إذا )، لإفادة تحقق وقوع الشرط. # وقوله : ( @QUR@01 زلزالها ) مصدر مضاف لفاعله. أى : إذا زلزلت الأرض ~~زلزالها الذي لا يماثله زلزال آخر في شدته وعظمته وهوله ، كما قال تعالى : ~~( @QUR@010 يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ). # وقوله تعالى : ( @QUR@03 وأخرجت الأرض أثقالها ) بيان لأثر آخر من آثار ~~ما يحدث في هذا اليوم الهائل الشديد. # والأثقال : جمع ثقل بكسر فسكون وهو المتاع الثقيل ، ومنه قوله تعالى : PageV15P476 # @QUR@010 وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس ). # والمراد بها هنا : ما يكون في جوف الأرض من أموات وكنوز وغير ذلك مما ~~يكون في باطنها. قال أبو عبيدة والأخفش : إذا كان الميت في جوف الأرض فهو ~~ثقل لها ، وإذا كان فوقها فهو ثقل عليها ، وإنما سمى الجن والإنس بالثقلين ~~لأن الأرض تثقل بهم ... (1). # والمراد بالإنسان في قوله سبحانه : ( @QUR@04 وقال الإنسان ما لها ) جنسه ~~فيشمل المؤمن والكافر. # وقوله ( @QUR@02 ما لها ) مبتدأ وخبر ، والاستفهام : المقصود به التعجب ~~مما حدث من أهوال. # أى : وقال كل إنسان على سبيل الدهشة والحيرة ، أى : شيء حدث للأرض ، حتى ~~جعلها تضطرب هذا الاضطراب الشديد. # قال الجمل : وفي المراد بالإنسان هنا قولان : أحدهما : أنه اسم جنس يعم ~~المؤمن والكافر ، وهذا يدل على قول من جعل الزلزلة من أشراط الساعة ، ~~والمعنى : أنها حين تقع لم يعلم الكل أنها من أشراط الساعة ، فيسأل بعضهم ~~بعضا عن ذلك. والثاني : أنه الكافر خاصة ، وهذا يدل على قول من جعلها زلزلة ~~القيامة ، لأن المؤمن عارف بها فلا يسأل عنها ، والكافر جاحد لها ، فإذا ~~وقعت سأل عنها ... (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 يومئذ تحدث أخبارها ) جواب الشرط ، و «أخبارها» ~~مفعول ثان ms6082 لقوله : ( @QUR@01 تحدث ) والمفعول الأول محذوف. أى : إذا زلزلت ~~الأرض زلزالها. وأخرجت الأرض أثقالها. وقال الإنسان ماذا حدث لها ... عندئذ ~~تحدث الأرض الخلائق أخبارها ، بأن تشهد للطائع بأنه كان كذلك ، وتشهد على ~~الفاسق بأنه كان كذلك. # أخرج الإمام أحمد والترمذي والنسائي عن أبى هريرة قال : قرأ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم هذه الآية ( @QUR@03 يومئذ تحدث أخبارها ) ثم قال : ~~«أتدرون ما أخبارها»؟ قالوا : الله ورسوله أعلم. قال : «فإن أخبارها أن ~~تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها ، بأن تقول : عمل كذا وكذا يوم كذا ~~وكذا. فهذه أخبارها.» (3). # والظاهر أن هذا التحديث من الأرض على سبيل الحقيقة ، بأن يخلق الله تعالى ~~فيها حياة وإدراكا ، فتشهد بما عمل عليها من عمل صالح أو طالح ، كما تشهد ~~على من فعل ذلك. PageV15P477 # وقيل : هذا مثل ضربه الله تعالى والمقصود منه أن كل إنسان في هذا اليوم ~~سيتبين جزاء عمله ، وما أعده الله تعالى له على ما قدم في حياته الأولى ، ~~ونظير ذلك أن تقول : إن هذه الدار لتحدثنا بأنها كانت مسكونة. # قال بعض العلماء ما ملخصه : قوله : ( @QUR@03 يومئذ تحدث أخبارها ) يومئذ ~~بدل من إذا. أى : في ذلك الوقت تحدثك الأرض أحاديثها ، وتحديث الأرض تمثيل ~~كما قال الطبري وغيره أى : أن حالها وما يقع فيها من الانقلاب ، وما لم ~~يعهد من الخراب ، يعلم السائل ويفهمه الخبر ، وأن ما يراه لم يكن بسبب من ~~الأسباب التي وضعتها السنة الإلهية ، حال استقرار نظام الكون ، بل ذلك بسبب ~~( @QUR@04 بأن ربك أوحى لها ) أى : أن ما يحدث للأرض يومئذ ، إنما هو بأمر ~~إلهى خاص. بأن قال لها كوني كذلك فكانت كما قال لها (1). # وعدى فعل «أوحى» باللام مع أن حقه أن يتعدى بإلى كما في قوله تعالى ( ~~@QUR@04 وأوحى ربك إلى النحل ) لتضمينه معنى «قال» كما في قوله سبحانه ( ~~@QUR@010 فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ). # والمعنى : إن الأرض تحدث الناس عن أخبارها ، وتبينها لهم ، وتشهد عليهم ~~.... بسبب أن ربك الذي خلقك فسواك فعدلك أيها الإنسان ms6083 قد أمرها بذلك. # ثم بين سبحانه بعد ذلك أحوال الناس في هذا اليوم فقال : ( @QUR@06 يومئذ ~~يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم ). # والجملة الكريمة بدل من جملة «يومئذ تحدث أخبارها» ، وقوله ( @QUR@01 ~~يصدر ) فعل مضارع من الصدر بفتح الدال وهو الرجوع عن الشرب ، يقال : صدر ~~الناس عن الورد ، إذا انصرفوا عنه. و ( @QUR@01 أشتاتا ) جمع شتيت ، أى : ~~متفرق ، ومنه قولهم : شتت الله جمع الأعداء ، أى فرق أمرهم. # وقوله تعالى ( @QUR@01 ليروا ) فعل مضارع مبنى للمجهول ، وماضيه المبنى ~~للمعلوم «أراه» بمعنى أطلعه. أى : في هذا اليوم الذي تتزلزل فيه الأرض ~~زلزلة شديدة ... يخرج الناس من قبورهم متجهين أشتاتا إلى موقف الحساب ، وكل ~~واحد منهم مشغول بنفسه ، لكي يبصروا جزاء أعمالهم ، التي عملوها في دنياهم. # وجاء فعل «ليروا» مبنيا للمجهول ، لأن المقصود رؤيتهم لأعمالهم ، وليس ~~المقصود تعيين PageV15P478 # من يريهم إياها. ثم فصل سبحانه ما يترتب على هذه الرؤية من جزاء فقال : ( ~~@QUR@012 فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ). # و «المثقال» مفعال من الثقل ، ويطلق على الشيء القليل الذي يحتمل الوزن ، ~~و «الذرة» تطلق على أصغر النمل ، وعلى الغبار الدقيق الذي يتطاير من التراب ~~عند النفخ فيه. والمقصود المبالغة في الجزاء على الأعمال مهما بلغ صغرها ، ~~وحقر وزنها. # والفاء : للتفريع على ما تقدم. أى : في هذا اليوم يخرج الناس من قبورهم ~~متفرقين لا يلوى أحد على أحد. متجهين إلى موقف الحساب ليطلعوا على جزاء ~~أعمالهم الدنيوية ... فمن كان منهم قد عمل في دنياه عملا صالحا رأى ثماره ~~الطيبة ، حتى ولو كان هذا العمل في نهاية القلة ، ومن كان منهم قد عمل عملا ~~سيئا في دنياه ، رأى ثماره السيئة ، حتى ولو كان هذا العمل أيضا في أدنى ~~درجات القلة. # فأنت ترى أن هاتين الآيتين قد جمعتا أسمى وأحكم ألوان الترغيب والترهيب ، ~~ولذا قال كعب الأحبار : لقد أنزل الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ~~آيتين ، أحصتا ما في التوراة والإنجيل والزبور والصحف ، ثم قرأ هاتين ~~الآيتين. # وقد ساق الإمام ابن كثير عند ms6084 تفسيره لهاتين عددا من الأحاديث ، منها : ما ~~أخرجه الإمام أحمد. أن صعصعة بن معاوية ، أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ ~~عليه هاتين الآيتين ، فقال : حسبي لا أبالى أن لا أسمع غيرها. وفي صحيح ~~البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «اتقوا النار ولو بشق تمرة ، ~~ولو بكلمة طيبة». # وفي الصحيح أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لا تحقرن من ~~المعروف شيئا ، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقى ، ولو أن تلقى أخاك ~~ووجهك إليه منبسط». # وكان صلى الله عليه وسلم يقول لعائشة : «يا عائشة ، استتري من النار ولو بشق ~~تمرة ، فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان. يا عائشة. إياك ومحقرات ~~الذنوب ، فإن لها من الله تعالى طالبا» (1). # ومن الآيات الكريمة التي وردت في معنى هاتين الآيتين قوله تعالى ( ~~@QUR@015 إن الله لا يظلم مثقال ذرة ، وإن تك حسنة يضاعفها ، ويؤت من لدنه ~~أجرا عظيما ). PageV15P479 # وقوله سبحانه : ( @QUR@020 ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم ~~نفس شيئا ، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها ، وكفى بنا حاسبين ). # نسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعا ممن يواظبون على فعل الخيرات. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV15P480 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة العاديات ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «العاديات» وتسمى أيضا سورة «والعاديات» بإثبات الواو ، يرى بعضهم ~~أنها من السور المكية ، ولم يذكر في ذلك خلافا الإمام ابن كثير ، ويرى ~~بعضهم أنها مدنية. # قال الآلوسى : مكية في قول ابن مسعود وجابر والحسن وعكرمة وعطاء. ومدنية ~~في قول أنس وقتادة وإحدى الروايتين عن ابن عباس. فقد أخرج عنه البزار ، ~~وابن المنذر ، وابن أبى حاتم ، والدارقطني ، وابن مردويه أنه قال : بعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلا ، فاستمرت شهرا لا يأتيه منها خبر ، فنزلت ~~هذه السورة ... (1). # وهذه الرواية التي ساقها الآلوسى وغيره في سبب نزول هذه السورة ، ترجح ~~أنها مدنية ، وإن كان كثير من المفسرين يرى أنها مكية ، والعلم عند الله ~~تعالى . # 2 وعدد آياتها ms6085 إحدى عشرة آية ، ومن أهم أغراضها ومقاصدها ، التنويه بشأن ~~الجهاد والمجاهدين ، وبفضل الخيل التي تربط من أجل إعلاء كلمة الله تعالى ~~وبيان ما جبل عليه الإنسان من حرص على منافع الدنيا. وتحريض الناس على أن ~~يتزودوا بالعمل الصالح الذي ينفعهم يوم الحساب. PageV15P481 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@02 والعاديات ضبحا (1) @QUR@02 فالموريات قدحا (2) @QUR@02 ~~فالمغيرات صبحا (3) @QUR@03 فأثرن به نقعا (4) @QUR@03 فوسطن به جمعا (5) ~~@QUR@04 إن الإنسان لربه لكنود (6) @QUR@04 وإنه على ذلك لشهيد (7) @QUR@04 ~~وإنه لحب الخير لشديد (8) @QUR@07 أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور (9) ~~@QUR@04 وحصل ما في الصدور (10) @QUR@05 إن ربهم بهم يومئذ لخبير ) (11) # والعاديات : جمع عادية ، اسم فاعل من العدو ، وهو المشي السريع ، وأصل ~~الياء في العاديات واو ، فلما وقعت متطرفة بعد كسرة قلبت ياء ، مثل ~~الغازيات من الغزو. # والضبح : اضطراب النفس المتردد في الحنجرة دون أن يخرج من الفم ، والمراد ~~به هنا : صوت أنفاس الخيل عند جريها بسرعة. وقيل : الضبح نوع من السير ~~والعدو ، يقال : ضبحت الخيل ، إذا عدت بشدة. وهو مصدر منصوب بفعله المقدر ، ~~أى : يضبحن ضبحا ، والجملة حال من «العاديات». # والموريات : جمع مورية ، اسم فاعل من الإيراء ، وهو إخراج النار ، تقول : ~~أورى فلان ، إذا أخرج النار بزند ونحوه. # والقدح : ضرب شيء بشيء لكي يخرج من بينهما شرر النار. # والمراد به هنا : النار التي تخرج من أثر احتكاك حوافر الخيل بالحجارة ~~خلال عدوها بسرعة. و ( @QUR@01 قدحا ) منصوب بفعل محذوف ، أى : تقدحن قدحا. # و ( @QUR@01 فالمغيرات ) جمع مغيرة. وفعله أغار ، تقول : أغار فلان على ~~فلان ، إذا باغته بفعل PageV15P482 # يؤذيه. و ( @QUR@01 صبحا ) منصوب على الظرفية. وقوله : ( @QUR@03 فأثرن ~~به نقعا ) أى : هيجن وأثرن «النقع» أى : الغبار من شدة الجري. تقول : أثرت ~~الغبار أثيره ، إذا هيجته وحركته. والنون في «أثرن» ضمير العاديات. # وقوله : ( @QUR@03 فوسطن به جمعا ) أى : فتوسطن في ذلك الوقت جموع ~~الأعداء ، ففرقنها ، ومزقنها ، تقول : وسطت القوم أسطهم وسطا ، إذا صرت في وسطهم. # والمراد بالعاديات ، والموريات ، والمغيرات : خيل المجاهدين في سبيل الله ~~، والكلام على حذف الموصوف. والمعنى : وحق الخيل التي يعتلى صهواتها ~~المجاهدون من أجل ms6086 إعلاء كلمة الله تعالى . والتي تجرى بهم في ساحات القتال ~~، فيسمع صوت أنفاسها ، والتي تظهر شرر النار من أثر صك حوافرها بالحجارة ~~وما يشبهها والتي تغير على العدو في وقت الصباح ، فتثير الغبار ، وتمزق ~~جموع الأعداء. # وحق هذه الخيل الموصوفة بتلك الصفات ... ( @QUR@04 إن الإنسان لربه لكنود ). # وقد أقسم سبحانه بالخيل المستعملة للجهاد في سبيله ، للتنبيه على فضلها ، ~~وفضل ربطها ، ولما فيها من المنافع الدينية والدنيوية ، ولما يترتب على ~~استعمالها في تلك الأغراض من أجر وغنيمة ، ومن ترويع لجموع المشركين ، ~~وتمزيق لصفوفهم. # وأسند سبحانه الإغارة إليها مع أنها في الحقيقة لراكبيها ، لأن الخيول هي ~~عدة الإغارة ، وهي على رأس الوسائل لبلوغ النصر على الأعداء. # وقيل : المراد بالعاديات : الإبل ، إلا أن الأوصاف المذكورة في الآيات ~~الكريمة من الضبح والإغارة ... تؤيد أن المراد بها الخيل. # قال صاحب الكشاف : أقسم سبحانه بخيل الغزاة تعدو فتضبح. والضبح : صوت ~~أنفاسها إذا عدون. # فإن قلت : علام عطف «فأثرن»؟ قلت : على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه ~~، وهو قوله ( @QUR@02 فالمغيرات صبحا ) وذلك لصحة عطف الفعل على الاسم الذي ~~يشبه الفعل كاسم الفاعل لأن المعنى : واللائي عدون ، فأورين ، فأغرن. فأثرن ~~الغبار. (1). # والتعبير بالفاء في قوله تعالى : ( @QUR@02 فأثرن فوسطن ). وبالفعل ~~الماضي ، للإشارة إلى أن إثارة الغبار ، وتمزيق صفوف الأعداء ، قد تحقق ~~بسرعة ، وأن الظفر بالمطلوب قد تم على أحسن الوجوه. PageV15P483 # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 إن الإنسان لربه لكنود ) جواب القسم. والكنود : ~~الجحود ، يقال : فلان كند النعمة من باب دخل ، إذا جحدها ولم يشكر الله ~~عليها. وكند الحبل : أى قطعه ، وأصل الكنود : الأرض التي لا تنبت شيئا ، ~~فشبه بها الإنسان الذي يمنع الحق والخير ، ويجحد ما عليه من حقوق وواجبات. # أى : إن في طبع الإنسان إلا من عصمه الله تعالى الكنود لربه والكفران ~~لنعمته ، والنسيان لمننه وإحسانه ، والغفلة عن المواظبة على شكره تعالى ، ~~والتضرع إليه سبحانه عند الشدائد والضراء .. والتشاغل عن ذلك عند العافية ~~والرخاء. # فالمراد بالإنسان هنا : جنسه ، إذ أن هذه الصفة غالبة على طبع الإنسان ~~بنسب متفاوتة ، ولا يسلم منها إلا ms6087 من عصمه الله تعالى . # وقيل : المراد بالإنسان هنا : الكافر ، وأن المقصود به ، الوليد بن ~~المغيرة. # والأولى أن يكون المراد به الجنس ، ويدخل فيه الكافر دخولا أوليا. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 وإنه على ذلك لشهيد ) أى : وإن الإنسان على ~~كنوده وجحوده لنعم ربه «لشهيد» أى : لشاهد على نفسه بذلك ، لظهور أثر هذه ~~الصفة عليه ظهروا واضحا ، إذ هو عند لجاجه في الطغيان يجحد الجلى من النعم ~~، ويعبد من دون خالقه أصناما ، مع أنه إذا سئل عن خالقه اعترف وأقر بأن ~~خالقه هو الله تعالى ، كما قال سبحانه : ( @QUR@06 ولئن سألتهم من خلقهم ~~ليقولن الله ). # قال الإمام الشيخ محمد عبده : قوله : ( @QUR@04 وإنه على ذلك لشهيد ) أى ~~: وإن الإنسان لشهيد على كنوده ، وكفره لنعمة ربه ، لأنه يفخر بالقسوة على ~~من دونه ، وبقوة الحيلة على من فوقه ، وبكثرة ما في يده من المال مع الحذق ~~في تحصيله ، وقلما يفتخر بالمرحمة ، وبكثرة البذل اللهم إلا أن يريد غشا ~~للسامع وفي ذلك كله شهادة على نفسه بالكنود ، لأن ما يفتخر به ليس من حق ~~شكر النعمة ، بل من آيات كفرها (1). # ومنهم من يرى أن الضمير في قوله تعالى هنا ( @QUR@01 وإنه ) يعود على ~~الخالق سبحانه أى : وإن الله تعالى لعليم ولشهيد على ما يسلكه هذا الإنسان ~~من جحود ، فيكون المقصود من الآية الكريمة ، التهديد والوعيد. # قالوا : والأول أولى ، لأنه هو الذي يتسق مع سياق الآيات ، ومع اتحاد ~~الضمائر فيها. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 وإنه لحب الخير لشديد ) أى : وإن هذا الإنسان ~~لشديد الحب PageV15P484 # لجمع المال ، ولكسبه من مختلف الوجوه بدون تفرقة في كثير من الأحيان بين ~~الحلال والحرام ، ولكنزه والتكثر منه ، وبالبخل به على من يستحقه. # وصدق الله إذ يقول : ( @QUR@014 قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي ، إذا ~~لأمسكتم خشية الإنفاق ، وكان الإنسان قتورا ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@016 أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور. وحصل ما في ~~الصدور. إن ربهم بهم يومئذ لخبير ) تهديد لهذا الإنسان الكنود ... وتحريض ~~له على التفكر والاعتبار ، وتذكير له بأهوال يوم القيامة. # أى : أيفعل ما يفعل هذا الإنسان ms6088 الجحود لنعم ربه .. فلا يعلم مآله ~~وعاقبته ( @QUR@02 إذا بعثر ). أى : إذا أثير وأخرج وقلب رأسا على عقب ( ~~@QUR@03 ما في القبور ) من أموات حيث أعاد سبحانه إليهم الحياة ، وبعثهم ~~للحساب والجزاء ، كما قال تعالى : ( @QUR@03 وإذا القبور بعثرت ) أى : ~~أثيرت وأخرج ما فيها. يقال : بعثر فلان متاعه ، إذا جعل أسفله أعلاه. # ( @QUR@04 وحصل ما في الصدور ) أى : وجمع ما في القلوب من خير وشر وأظهر ~~ما كانت تخفيه ، وأبرز ما كان مستورا فيها ، بحيث لا يبقى لها سبيل إلى ~~الإخفاء أو الكتمان. # وأصل التحصيل : إخراج اللب من القشر ، والمراد به هنا : إظهار وإبراز ما ~~كانت تخفيه الصدور ، والمجازاة على ذلك. ومفعول ( @QUR@01 يعلم ) محذوف ، ~~لتذهب النفس فيه كل مذهب ويجول الفكر في استحضاره وتقديره. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 إن ربهم بهم يومئذ لخبير ) جملة مستأنفة لزيادة ~~التهديد والوعيد. # أى : إن رب المبعوثين للحساب والجزاء ، لعليم علما تاما بأحوالهم الظاهرة ~~والباطنة ، في ذلك اليوم الهائل الشديد الذي يبعث فيه الناس من قبورهم ، ~~وسيجازى سبحانه الذين أساؤوا بما عملوا ، وسيجازى الذين أحسنوا بالحسنى. # نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل طاعته ومثوبته. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV15P485 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة القارعة ### ||| * مقدمة وتمهيد # سورة «القارعة» من السور المكية الخالصة ، وكان نزولها بعد سورة «قريش» ، ~~وقبل سورة «القيامة» ، وعدد آياتها إحدى عشرة آية في المصحف الكوفي ، وعشر ~~آيات في الحجازي ، وثماني آيات في البصري والشامي. # وهي من السور التي فصلت الحديث عن أهوال يوم القيامة ، لكي يستعد الناس ~~لاستقباله ، بالإيمان والعمل الصالح. PageV15P487 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@01 القارعة (1) @QUR@02 ما القارعة (2) @QUR@04 وما أدراك ما ~~القارعة (3) @QUR@05 يوم يكون الناس كالفراش المبثوث (4) @QUR@04 وتكون ~~الجبال كالعهن المنفوش (5) @QUR@04 فأما من ثقلت موازينه (6) @QUR@04 فهو ~~في عيشة راضية (7) @QUR@04 وأما من خفت موازينه (8) @QUR@02 فأمه هاوية (9) ~~@QUR@04 وما أدراك ما هيه (10) @QUR@02 نار حامية ) (11) # ولفظ «القارعة» اسم فاعل من القرع ، وهو الضرب بشدة بحيث يحصل منه صوت شديد. # والمراد بها هنا : القيامة ، ومبدؤها النفخة الأولى ، ونهايتها : قضاء ~~الله تعالى بين ms6089 خلقه ، بحكمه العادل ، وجزائه لكل فريق بما يستحقه من جنة ~~أو نار. # وسميت القيامة بذلك. كما سميت بالطامة ، والصاخة ، والحاقة ، والغاشية ~~... إلخ لأنها تقرع القلوب بأهوالها ، وتجعل الأجرام العلوية والسفلية يصطك ~~بعضها ببعض ، فيحصل لها ما يحصل من تزلزل واضطراب وتقرع أعداء الله تعالى ~~بالخزي والعذاب والنكال ، كما قال تعالى : ( @QUR@08 ولا يزال الذين كفروا ~~تصيبهم بما صنعوا قارعة ). # والاستفهام في قوله سبحانه : ( @QUR@04 وما أدراك ما القارعة ) استفهام ~~عن حقيقتها ، والمقصود به التهويل من أمرها ، والتفظيع من حالها ، وتنبيه ~~النفوس إلى ما يكون فيها من شدائد ، تفزع لها القلوب فزعا لا تحيط العبارة ~~بتصويره ، ولا تستطيع العقول أن تدرك كنهه. PageV15P488 # و «القارعة» : مبتدأ ، و «ما» : مبتدأ ثان ، و «القارعة» : خبر المبتدأ ~~الثاني ، وجملة المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 وما أدراك ما القارعة ) معطوف على جملة «ما ~~القارعة» والخطاب في قوله ( @QUR@02 وما أدراك ) لكل من يصلح له. # أى : وما أدراك أيها المخاطب ما كنهها في الشدة؟ إنها في الشدة والهول ~~شيء عظيم. لا يعلم مقدارها إلا الله تعالى . # فالمقصود من الآيات الكريمة : تعظيم شأنها ، والتعجيب من حالها ، وأنها ~~تختلف عن قوارع الدنيا مهما بلغ عظمها اختلافا كبيرا. # وبعد أن بين سبحانه أن معرفة حقيقتها أمر عسير ... أتبع ذلك ببيان أحوال ~~الناس وقت وقوعها فقال : ( @QUR@05 يوم يكون الناس كالفراش المبثوث ). # و «يوم» منصوب بفعل مقدر. والفراش : هو الحشرة التي تتهافت نحو النار ، ~~وسمى بذلك لأنه يتفرش وينتشر من حولها. # والمبثوث : المنتشر المتفرق. تقول : بثثت الشيء ، إذا فرقته ، ومنه قوله ~~تعالى : ( @QUR@02 وزرابي مبثوثة ) أى : متناثرة متفرقة. # أى : تحصل القارعة يوم يكون الناس في انتشارهم وكثرتهم واضطرابهم ~~وإقبالهم نحو الداعي لهم نحو أرض المحشر ... كالحشرات الصغيرة المتهافتة ~~نحو النار. # فأنت ترى أنه سبحانه قد شبه الناس في هذا الوقت العصيب ، بالفراش المتفرق ~~المنتشر في كل اتجاه ، وذلك لأن الناس في هذا اليوم يكونون في فزع ، يجعل ~~كل واحد منهم مشغولا بنفسه ، وفي حالة شديدة من الخوف والاضطراب. # وقوله سبحانه ms6090 : ( @QUR@04 وتكون الجبال كالعهن المنفوش ) بيان لحالة أخرى ~~من الأحوال التي يكون عليها هذا الكون يوم القيامة. # والعهن : الصوف ذو الألوان المتعددة ، والمنفوش : المفرق بعضه عن بعض. # أى : وتكون الجبال في ذلك اليوم ، كالصوف الذي ينفش ويفرق باليد ونحوها. ~~لخفته وتناثر أجزائه ، حتى يسهل غزله. # والمتأمل في هذه الآيات الكريمة ، يراها قد اشتملت على أقوى الأساليب ~~وأبلغها ، في التحذير من أهوال يوم القيامة ، وفي الحض على الاستعداد له ~~بالإيمان والعمل الصالح. # لأنها قد ابتدأت بلفظ القارعة ، المؤذن بأمر عظيم ، ثم ثنت بالاستفهام ~~المستعمل في PageV15P489 # التهويل ، ثم أعادت اللفظ بذاته بدون إضمار له زيادة في تعظيم أمره ، ثم ~~جعلت الخطاب لكل من يصلح له ، ثم شبهت الناس فيه تشبيها تقشعر منه الجلود ، ~~ثم وصفت الجبال وهي المعروفة بصلابتها ورسوخها بأنها ستكون في هذا اليوم ~~كالصوف المتناثر الممزق. # ثم بين سبحانه أحوال السعداء والأشقياء في هذا اليوم فقال : ( @QUR@08 ~~فأما من ثقلت موازينه ، فهو في عيشة راضية ). # أى : فأما من ثقلت موازين حسناته. ورجحت أعماله الصالحة على غيرها. فهو ~~في عيشة مرضية. أو في عيشة ذات رضا من صاحبها ، لأنها عيشة هنية كريمة. # ( @QUR@04 وأما من خفت موازينه ) أى : خفت موازين حسناته ، وثقلت موازين ~~سيئاته ، ( @QUR@02 فأمه هاوية ) أى : فمرجعه ومأواه الذي يأوى إليه ، نار ~~سحيقة يهوى إليها بدون رحمة أو شفقة ، بسبب كفره وفسوقه. # فالمراد بالأم هنا : المرجع والمأوى ، وبالهاوية : النار التي يسقط فيها ~~، وسميت النار بذلك. لشدة عمقها. وسمى المأوى أما ، لأن الإنسان يأوى إليه ~~كما يأوى ويلجأ إلى أمه. # ويرى بعضهم أن المراد بأمه هنا الحقيقة ، لأن العرب يكنون عن حال المرء ~~بحال أمه في الخير وفي الشر ، لشدة محبتها له. # قال صاحب الكشاف : قوله : ( @QUR@02 فأمه هاوية ) من قولهم إذا دعوا على ~~الرجل بالهلكة ، هوت أمه ، لأنه إذا هوى أى سقط وهلك .. فقد هوت أمه ثكلا ~~وحزنا ... فكأنه قيل : وأما من خفت موازينه فقد هلك. # وقيل : «هاوية» من أسماء النار ، وكأنها النار العميقة لهوى أهل النار ~~فيها مهوى بعيدا ، كما روى : «يهوى فيها ms6091 سبعين خريفا» ، أى : فمأواه النار. # وقيل للمأوى : أم ، على التشبيه ، لأن الأم مأوى الولد ومفزعه ... (1). # وقال بعض العلماء : واعلم أنه يجب علينا أن نؤمن بما ذكره الله تعالى من ~~الميزان في هذه الآية وما يشبهها. وليس علينا أن نبحث فيما وراء ذلك مما لم ~~يثبت عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ونكل ما وراء ذلك إلى علام ~~الغيوب ، على أن وزن الأعمال ، أو وزن صحائفها أو وزن الصور الجميلة ، كل ~~ذلك أمر ممكن ، لا يترتب على فرض وقوعه محال ، فوقوع شيء من ذلك ، لا يعجز ~~الله تعالى ولا يقف أمام قدرته الغالبة ... (2). PageV15P490 # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة ، بما يزيد من هول هذه الهاوية فقال : ( ~~@QUR@06 وما أدراك ما هيه ، نار حامية ). # أى : وأى شيء يخبرك بكنه تلك النار السحيقة؟ إننا نحن الذين نخبرك بذلك ~~فنقول لك أيها المخاطب على سبيل التحذير من العمل الذي يؤدى إليها : إنها ~~نار قد بلغت النهاية في حرارتها. # نسأل الله تعالى أن يعيذنا جميعا منها. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV15P491 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة التكاثر ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «التكاثر» من السور المكية ، وسميت في بعض المصاحف سورة «ألهاكم» ~~وكان بعض الصحابة يسمونها «المقبرة». # قال القرطبي : وهي مكية في قول المفسرين. وروى البخاري أنها مدنية وهي ~~ثماني آيات. # وقد ذكروا في سبب نزولها روايات منها : ما روى عن ابن عباس أنها نزلت في ~~حيين من قريش ، بنى عبد مناف. وبنى سهم ، تكاثروا بالسادة والأشراف في ~~الإسلام ، فقال كل حي منهم : نحن أكثر سيدا ، وأعز نفرا ... فنزلت هذه ~~السورة ... (1). # 2 ومن أغراض السورة الكريمة : النهى عن التفاخر والتكاثر ، والحض على ~~التزود بالعمل الصالح ، وعلى ما ينجى من العذاب ، والتأكيد على أن يوم ~~القيامة حق ، وعلى أن الحساب حق ، وعلى أن الجزاء حق ... PageV15P493 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@02 ألهاكم التكاثر (1) @QUR@03 حتى زرتم المقابر (2) @QUR@03 كلا ~~سوف تعلمون (3) @QUR@04 ثم كلا سوف تعلمون (4) @QUR@05 كلا لو تعلمون علم ~~اليقين (5) @QUR@02 لترون الجحيم ms6092 (6) @QUR@04 ثم لترونها عين اليقين (7) ~~@QUR@05 ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم ) (8) # وقوله سبحانه : ( @QUR@01 ألهاكم ) من اللهو وهو الغفلة عن مواطن الخير ، ~~والانشغال عما هو نافع. # والتكاثر : التبارى والتباهي بالكثرة في شيء مرغوب فيه كالمال والجاه ... # أى : شغلكم أيها الناس التباهي والتفاخر بكثرة الأموال والأولاد والعشيرة ~~، كما ألهاكم حب الدنيا عن القيام بما كلفناكم به ... # ( @QUR@03 حتى زرتم المقابر ) أى : بقيتم على هذه الحال ، حتى أتاكم ~~الموت ، ودفنتم في قبوركم ، وانصرف عنكم أحب الناس إليكم ، وبقيتم وحدكم. # والخطاب عام لكل عاقل ، ويدخل فيه المشركون والفاسقون ، الذين آثروا ~~الدنيا على الآخرة دخولا أوليا. # فالمراد بزيارة المقابر : انتهاء الآجال ، والدفن في القبور بعد الموت. ~~وعبر سبحانه عن ذلك بالزيارة. لأن الميت يأتى الى القبر كالزائر له ، ثم ~~بعد ذلك يخرج منه يوم البعث والنشور ، للحساب والجزاء ، فوجوده في القبر ~~إنما هو وجود مؤقت بوقت يعلمه الله تعالى . PageV15P494 # وقد روى أن أعرابيا عند ما سمع هذه الآية قال : بعثوا ورب الكعبة ، فقيل ~~له كيف ذلك؟ فقال : لأن الزائر لا بد أن يرتحل. # وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التهالك على حطام الدنيا ، في أحاديث ~~كثيرة منها ما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن الشخير قال : انتهيت إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول : «ألهاكم التكاثر قال : يقول ابن آدم ~~مالي مالي ، وهل لك من مالك يا ابن آدم إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت ~~، أو تصدقت فأمضيت». # وقوله تعالى : ( @QUR@07 كلا سوف تعلمون. ثم كلا سوف تعلمون ) ردع وزجر ~~عن الانشغال عن طاعة الله ، وعن التكاثر بالأموال والأولاد. # وكرر لفظ «كلا» ثلاث مرات في هذه السورة ، لتأكيد هذا الزجر والردع عن كل ~~ما يشغل الإنسان عن وجوه الخير والبر. # والتعبير بقوله : ( @QUR@01 سوف ) لزيادة الزجر ، ولتحقيق حصول العلم ، ~~وحذف مفعول ( @QUR@01 تعلمون ) لظهوره من المقام. أى : اتركوا التشاغل ~~بالدنيا والتفاخر بالأموال ، فإنكم إن بقيتم على ذلك بدون توبة صادقة ، ~~فسوف تعرفون سوء عاقبة ذلك معرفة لا يخامرها شك ، ولا يفارقها ريب. # وجملة ( @QUR@04 ثم ms6093 كلا سوف تعلمون ) مؤكدة تأكيدا لفظيا للجملة التي ~~قبلها ، وهذا التأكيد المقصود منه المبالغة في الردع والزجر والتحذير من ~~التكاثر والتفاخر ... # ثم أضاف سبحانه إلى كل ما سبق من تحذيرات ، زواجر أخرى فقال : ( @QUR@011 ~~كلا لو تعلمون علم اليقين. لترون الجحيم. ثم لترونها عين اليقين )... # وجواب «لو» محذوف لقصد التهويل ، و «اليقين» فعيل بمعنى مفعول ، وعلم ~~اليقين هو العلم الجازم المطابق للواقع الذي لا شك فيه. والإضافة فيه من ~~إضافة الموصوف إلى الصفة ، أو من إضافة العام الى الخاص. # أى : لو تعلمون علما موثوقا به سوء عاقبة انشغالكم عن ذكر الله تعالى ~~وتكاثركم وتفاخركم بالأموال والأولاد ... لشغلكم هذا العلم اليقيني عما ~~أنتم عليه من التشاغل والتكاثر. # فالمقصود بهذه الجملة الكريمة : الزيادة في ردعهم ، لأنه من عادة ~~الغافلين المكابرين. أنك إذا ذكرتهم بالحق وبالرشاد ... زعموا أنهم ليسوا ~~في حاجة إلى هذا الإرشاد ، لأنهم أهل علم ومعرفة بالعواقب ، فكانت هذه ~~الآية الكريمة بمثابة تنبيههم بأنهم ليسوا على شيء من العلم PageV15P495 # الصحيح ، لأنهم لو كانوا كذلك لما تفاخروا ، ولما تكاثروا. # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 لترون الجحيم ) جواب قسم مقدر ، قصد به تأكيد ~~الوعيد الشديد في التهديد ، وبيان أن المهدد به رؤية الجحيم في الآخرة ، أى ~~: والله لترون الجحيم في الآخرة. # ثم أكد سبحانه هذا المعنى تأكيدا قويا فقال : ( @QUR@04 ثم لترونها عين ~~اليقين ) أى : ثم لترون الجحيم رؤية هي ذات اليقين ونفسه وعينه ، وذلك بأن ~~تشاهدوها مشاهدة حقيقية ، بحيث لا يلتبس عليكم أمرها. # وقد قالوا إن مراتب العلم ثلاثة : علم اليقين وهو ما كان ناتجا عن الأدلة ~~والبراهين. # وعين اليقين : وهو ما كان عن مشاهدة وانكشاف. # وحق اليقين : وهو ما كان عن ملابسة ومخالطة. # ومثال ذلك أن تعلم بالأدلة أن الكعبة موجودة ، فذلك علم اليقين ، فإذا ~~رأيتها بعينيك فذلك عين اليقين ، فإذا ما دخلت في جوفها فذلك حق اليقين ... # فأنت ترى أنه سبحانه قد حذر الناس من الاشتغال عن طاعته ، ومن التباهي ~~والتكاثر ، بأبلغ أساليب التأكيد وأقواها. # ثم ختم سبحانه السورة بقوله : ( @QUR@05 ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم ms6094 )، ~~والمراد بالنعيم هنا : ما يتنعم به الإنسان خلال حياته الدنيوية من مال ~~وولد ، ومن طعام وشراب ، ومن متعة وشهوة ... من النعومة التي هي ضد ~~الخشونة. # أى : ثم إنكم بعد ذلك أيها الناس والله لتسألن يوم القيامة عن ألوان ~~النعم التي منحكم الله تعالى إياها ، فمن أدى ما يجب عليه نحوها من شكر ~~الله تعالى عليها كان من السعداء ، ومن جحدها وغمطها وشغلته عن طاعة ربه ، ~~وتباهي وتفاخر بها ... كان من الأشقياء ، كما قال تعالى : ( @QUR@011 ومن ~~شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم ). # فالمراد بالسؤال إنما هو سؤال التكريم والتبشير للمؤمنين الشاكرين ، ~~وسؤال الإهانة والتوبيخ للفاسقين الجاحدين. # والآية الكريمة دعوة حارة للناس ، إلى شكر نعمه تعالى واستعمالها فيما ~~خلقت له. # قال القرطبي ما ملخصه : والسؤال يكون للمؤمن والكافر ... والجمع بين ~~الأخبار التي PageV15P496 # وردت في ذلك : أن الكل يسألون ، ولكن سؤال الكافر توبيخ ، لأنه قد ترك ~~الشكر ، وسؤال المؤمن سؤال تشريف ، لأنه قد شكر ، وهذا النعيم في كل نعمة ~~... (1). # نسأل الله تعالى أن يجعلنا من عباده الشاكرين ... # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ... PageV15P497 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة العصر ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «العصر» وتسمى سورة «والعصر» من السور المكية عند جمهور المفسرين ~~، وكان نزولها بعد سورة «الانشراح» وقبل سورة «العاديات» فهي السورة ~~الثالثة عشرة في ترتيب النزول. # وقيل هي مدنية ، والمعول عليه الأول ، لأنه المنقول عن ابن عباس وابن ~~الزبير وغيرهما ، وعدد آياتها ثلاث آيات. # 2 وقد اشتملت على بيان من هم أهل الخسران ، ومن هم أهل السعادة. # قال الآلوسى : وهي على قصرها جمعت من العلوم ما جمعت ، فقد روى عن ~~الشافعى أنه قال : لو لم ينزل من القرآن غير هذه السورة لكفت الناس ، لأنها ~~شملت جميع علوم القرآن. # وأخرج الطبراني في الأوسط ، والبيهقي في الشعب عن أبى حذيفة وكانت له ~~صحبة أنه قال : كان الرجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقيا ~~لم يتفرقا ، حتى يقرأ أحدهما على الآخر ، سورة ms6095 «والعصر» ثم يسلم أحدهما على ~~الآخر ... أى : عند المفارقة (1). PageV15P499 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@01 والعصر (1) @QUR@04 إن الإنسان لفي خسر (2) @QUR@09 إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) (3) # وللعلماء أقوال متعددة في المقصود بالعصر هنا فمنهم من يرى أن المقصود به ~~: الدهر كله ، لما فيه من العبر التي تدل دلالة واضحة على عظيم قدرة الله ~~تعالى ، ولما فيه من الأحداث التي يراها الناس بأعينهم ، ويعرفونها عن ~~غيرهم ... # فهم يرون ويسمعون كم من غنى قد صار فقيرا ، وقوى قد صار ضعيفا ، ومسرور ~~قد أصبح حزينا ... ورحم الله القائل : # أشاب الصغير وأفنى الكبير %~% كر الغداة ومر العشى # قال القرطبي : قوله تعالى : ( @QUR@01 والعصر ) أى : الدهر ، قال ابن ~~عباس وغيره. فالعصر مثل الدهر ... وأقسم به سبحانه لما فيه من التنبيه ~~بتصرف الأحوال وتبدلها (1)... # ومنهم من يرى أن المقصود به : وقت صلاة العصر ، وقد صدر صاحب الكشاف ~~تفسيره لهذه الآية بهذا الرأى فقال : أقسم سبحانه بصلاة العصر لفضلها ، ~~بدليل قوله تعالى : ( @QUR@05 حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) وهي ~~صلاة العصر ، وقوله صلى الله عليه وسلم : «من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر ~~أهله وماله» ولأن التكليف في أدائها أشق لتهافت الناس في تجاراتهم ومكاسبهم ~~آخر النهار ... (2). # ومنهم من يرى أن المراد بالعصر هنا : عصر النبوة. لأفضليته بالنسبة لما ~~سبقه من عصور. PageV15P500 # وقد رجح الإمام ابن جرير القول الأول فقال : والصواب من القول في ذلك أن ~~يقال : إن ربنا أقسم بالعصر ، والعصر اسم الدهر ، وهو العشى ، والليل ~~والنهار ... (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 إن الإنسان لفي خسر ... ) جواب القسم ، والمراد ~~بالإنسان : جنسه ويدخل فيه الكافر دخولا أوليا. والخسر مثل الخسران ، ~~كالكفر بمعنى الكفران ... # أى : إن جنس الإنسان لا يخلو من خسران ونقصان وفقدان للربح في مساعيه ~~وأعماله طوال عمره ، وإن هذا الخسران يتفاوت قوة وضعفا. # فأخسر الأخسرين هو الكافر الذي أشرك مع خالقه إلها آخر في العبادة ، وأقل ~~الناس خسارة هو المؤمن الذي خلط عملا صالحا بآخر سيئا ثم تاب إلى الله ~~تعالى توبة صادقة. # وجاء الكلام بأسلوب ms6096 القسم ، لتأكيد المقسم عليه ، وهو أن جنس الإنسان في خسر. # وقال سبحانه ( @QUR@02 لفي خسر ) للإشعار بأن الإنسان كأنه مغمور بالخسر ~~، وأن هذا الخسران قد أحاط به من كل جانب ، وتنكير لفظ «خسر» للتهويل. أى : ~~لفي خسر عظيم. # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ... ) استثناء ~~مما قبله ، والمقصود بهذه الآية الكريمة تسلية المؤمنين الصادقين ... ~~وتبشيرهم بأنهم ليسوا من هذا الفريق الخاسر. # وقوله تعالى : ( @QUR@01 وتواصوا ) فعل ماض ، من الوصية وهي تقديم النصح ~~للغير مقرونا بالوعظ. # و «الحق» : هو الأمر الذي ثبتت صحته ثبوتا قاطعا ... # و «الصبر» : قوة في النفس تعينها على احتمال المكاره والمشاق ... # أى : أن جميع الناس في خسران ونقصان ... إلا الذين آمنوا بالله تعالى ~~إيمانا حقا ، وعملوا الأعمال الصالحات ، من صلاة وزكاة وصيام وحج ... وغير ~~ذلك من وجوه الخير ، وأوصى بعضهم بعضا بالتمسك بالحق ، الذي على رأسه ~~الثبات على الإيمان وعلى العمل الصالح ... وأوصى بعضهم بعضا كذلك بالصبر ~~على طاعة الله تعالى ، وعلى البلايا والمصائب والآلام ... التي لا تخلو ~~عنها الحياة. # فهؤلاء المؤمنون الصادقون ، الذين أوصى بعضهم بعضا بهذه الفضائل ليسوا من ~~بين الناس PageV15P501 # الذين هم في خسران ونقصان ، لأن إيمانهم الصادق وعملهم الصالح ... قد ~~حماهم من الخسران ... # قال بعض العلماء : وقد اشتملت هذه السورة الكريمة على الوعيد الشديد ، ~~وذلك لأنه تعالى حكم بالخسارة على جميع الناس ، الا من كان متصفا بهذه ~~الأشياء الأربعة ، وهي : الإيمان ، والعمل الصالح ، والتواصي بالحق ، ~~والتواصي بالصبر ، فدل ذلك على أن النجاة معلقة بمجموع هذه الأمور ، وأنه ~~كما يجب على الإنسان أن يأتى من الأعمال ما فيه الخير والنفع ، يجب عليه ~~أيضا أن يدعو غيره إلى الدين ، وينصحه بعمل الخير والبر ، ويأمر بالمعروف ~~وينهى عن المنكر ، ويحب لأخيه ما يحب لنفسه ، وأن يثبت على ذلك ، فلا يحيد ~~عنه ، ولا يزحزحه عن الدعوة إليه ما يلاقيه من مشاق ... (1). # نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أصحاب هذه الصفات. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV15P502 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الهمزة ### ||| * مقدمة وتمهيد ms6097 # 1 سورة «الهمزة» من السور المكية ، وكان نزولها بعد سورة «القيامة» وقبل ~~سورة «المرسلات» وعدد آياتها تسع آيات. # 2 ومن أهم أغراضها : التهديد الشديد لمن يعيب الناس ، ويتهكم بهم ، ~~ويتطاول عليهم ، بسبب كثرة ماله ، وجحوده للحق. # وقد ذكروا أن هذه السورة الكريمة نزلت في شأن جماعة من أغنياء المشركين ، ~~منهم : الوليد ابن المغيرة ، وأمية بن خلف ، وأبى بن خلف ... كانوا يؤذون ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ويشيعون الأقوال السيئة عنهم. # وهذا لا يمنع أن السورة الكريمة تشمل أحكامها كل من فعل مثل هؤلاء ~~المشركين ، إذ العبرة بعموم اللفظ ، لا بخصوص السبب. PageV15P503 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@04 ويل لكل همزة لمزة (1) @QUR@04 الذي جمع مالا وعدده (2) ~~@QUR@04 يحسب أن ماله أخلده (3) @QUR@04 كلا لينبذن في الحطمة (4) @QUR@04 ~~وما أدراك ما الحطمة (5) @QUR@03 نار الله الموقدة (6) @QUR@04 التي تطلع ~~على الأفئدة (7) @QUR@03 إنها عليهم مؤصدة (8) @QUR@03 في عمد ممددة ) (9) # والويل : لفظ يدل على الذم وعلى طلب العذاب والهلكة ... وقيل : اسم لواد ~~في جهنم. # والهمزة من الهمز ، بمعنى الطعن في أعراض الناس ، ورميهم بما يؤذيهم ... # واللمزة من اللمز ، بمعنى السخرية من الغير ، عن طريق الإشارة باليد أو ~~العين أو غيرهما. # قال الجمل : الهمزة واللمزة : هم المشاؤون بالنميمة ، المفرقون بين ~~الأحبة الباغون العيب للبريء ، فعلى هذا هما بمعنى واحد. # وقيل : الهمزة الذي يعيبك في الغيب ، واللمزة الذي يعيبك في الوجه وقيل : العكس. # وحاصل هذه الأقوال يرجع إلى أصل واحد ، وهو الطعن وإظهار العيب ، ويدخل ~~في ذلك من يحاكى الناس في أقوالهم وأفعالهم وأصواتهم ليضحكوا منه ... (1). # ولفظ «ويل» مبتدأ وساغ الابتداء به مع كونه نكرة ، لأنه دعاء عليهم ، ~~وقوله : ( @QUR@03 لكل همزة لمزة ) خبره ، وهمزة ولمزة وصفان لموصوف محذوف. PageV15P504 # أى : عذاب شديد ، وخزي عظيم ، لكل من يطعن في أعراض الناس ، ويغض من ~~شأنهم ، ويحقر أعمالهم وصفاتهم ، وينسب إليهم ما هم برآء منه من عيوب. # والتعبير بقوله : ( @QUR@02 همزة لمزة ) يدل على أن تلك الصفات القبيحة ، ~~كانت عادة متأصلة فيهم ، لأن اللفظ الذي بزنة فعلة بضم الفاء وفتح العين ~~يؤتى به للدلالة ms6098 على أن الموصوف به ديدنه ودأبه الإتيان بهذا الوصف ، ومنه ~~قولهم : فلان ضحكة : إذا كان يكثر من الضحك. # كما أن لفظ «فعلة» بضم الفاء وسكون العين يؤتى به للدلالة على أن الموصوف ~~به ، يكثر أن يفعل به ذلك ، ومنه قولهم : فلان ضحكة ، إذا كان الناس يكثرون ~~الضحك منه. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 الذي جمع مالا وعدده ) زيادة تشنيع وتقبيح ~~للهمزة اللمزة ... # ومعنى «عدده» : جعله عدته وذخيرته ، وأكثر من عده وإحصائه لحرصه عليه ، ~~والجملة الكريمة في محل نصب على الذم. # أى : عذاب وهلاك لكل إنسان مكثر من الطعن في أعراض الناس ، ومن صفاته ~~الذميمة أنه فعل ذلك بسبب أنه جمع مالا كثيرا ، وأنفق الأوقات الطويلة في ~~عده مرة بعد أخرى ، حبا له وشغفا به وتوهما منه أن هذا المال الكثير هو ~~مناط التفاضل بين الناس. # وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ( @QUR@01 جمع ) بتشديد الميم وهو مبالغة ~~في ( @QUR@01 جمع ) بتخفيف الميم. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 يحسب أن ماله أخلده )، صفة أخرى من صفاته ~~القبيحة ، والجملة يصح أن تكون مستأنفة استئنافا بيانيا ، جوابا لسؤال مقدر ~~، كأنه قيل : ما باله يجمع المال ويهتم به؟ فكان الجواب : يحسب أن ماله أخلده. # ويصح أن تكون حالا من فاعل «جمع» أى : هذا الجاهل المغرور جمع المال ~~وعدده ، حالة كونه يظن أن ماله يخلده في الدنيا ، ويجعله في مأمن من حوادث الدهر. # قال الأستاذ الإمام محمد عبده : أى أن الذي يحمل هذا الهمزة اللمزة على ~~الحط من أقدار الناس ، هو جمعه المال وتعديده ... فكلما نظر إلى كثرة ما ~~عنده منه ، انتفخ وظن أنه من رفعة المكانة ، بحيث يكون كل ذي فضل ومزية ~~دونه ... ويظن أن ما عنده من المال ، قد حفظ له حياته التي هو فيها ، ~~وأرصدها عليه ، فهو لا يفارقها إلى حياة أخرى ، يعاقب فيها على ما كسب من ~~سيئ الأعمال ... (1). PageV15P505 # ثم بين سبحانه بعد ذلك سوء عاقبة هذا الجاهل المغرور فقال : ( @QUR@08 ~~كلا لينبذن في الحطمة ، وما أدراك ما الحطمة ). # و «كلا» حرف زجر وردع ، والمراد به هنا إبطال ما توهمه هذا ms6099 المغرور من ~~حسبانه أن ماله سيخلده. والنبذ : الطرح للشيء والإلقاء به مع التحقير ~~والتصغير من شأنه. # والحطمة من الحطم ، وهو كسر الشيء بشدة وقوة ، ويقال : رجل حطمة ، إذا ~~كان شديدا في تحطيمه وكسره لغيره ، والمراد بالحطمة هنا : النار الشديدة ~~الاشتعال : التي لا تبقى على شيء إلا وأحرقته. # أى : كلا ليس الأمر كما زعم هذا الهمزة اللمزة ، من أن ماله سيخلده ، بل ~~الحق أنه والله ليطرحن بسبب أفعاله القبيحة في النار التي تحطم كل شيء يلقى ~~فيها ، والتي لا يعرف مقدار شدتها واشتعالها إلا الله تعالى . # فالمقصود بالاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@04 وما أدراك ما الحطمة ) ~~تهويل أمر هذه النار ، وتفظيع شأنها ، وبيان أن كنهها لا تدركه عقول البشر ... # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 نار الله الموقدة ) بيان للحطمة وتفصيل لأمرها ~~بعد إبهامها. # أى : الحطمة هي نار الله تعالى الشديدة الإحراق ، وأضيفت إلى الله تعالى ~~لزيادة الترويع والتخويف منها ، لأن خالقها عز وجل هو الذي لا يعجزه شيء. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 التي تطلع على الأفئدة ) صفة أخرى من صفات هذه ~~النار ، وقوله : ( @QUR@01 تطلع ) من الاطلاع ، بمعنى الوصول إلى الشيء ~~بسرعة ، والكشف عن خباياه ، والنفاذ إلى منتهاه. # أى : سيلقى بهذا الشقي في نار الله تعالى الموقدة ، التي تصل إلى أعماق ~~الأفئدة والقلوب ، فتحيط بها ، وتنفذ إليها ، فتحرقها إحراقا تاما. # وخصت الأفئدة التي هي القلوب بالذكر ، لأنها ألطف ما في الأبدان وأشدها ~~تألما بأدنى أذى يصيبها ، أو لأنها محل العقائد الزائفة ، والنيات الخبيثة ~~، ومنشأ الأعمال السيئة ، التي استحق هذا الهمزة اللمزة بسببها العقاب ~~الشديد. # ثم وصف سبحانه هذه النار بصفة ثالثة فقال : ( @QUR@03 إنها عليهم مؤصدة ) ~~أى : إن هذه النار من صفاتها أيضا أنها مطبقة ومغلقة عليهم بحيث لا ~~يستطيعون الخروج منها ، فقوله ( @QUR@01 مؤصدة ) اسم مفعول من قولك أوصدت ~~الباب ، إذا أغلقته بشدة ، بحيث لا يستطاع الخروج منه ... PageV15P506 # وقوله تعالى : ( @QUR@03 في عمد ممددة ) صفة رابعة من صفات هذه النار ~~الشديدة الاشتعال. # وقوله ( @QUR@01 عمد ) بفتحتين جمع عمود كأديم وأدم ، وقيل : جمع عماد ، ~~وقيل : هو اسم جمع لعمود ، وليس جمعا له ms6100 ، والمراد بها : الأوتاد التي تشد ~~بها أبواب النار. # وقرأ بعض القراء السبعة : في عمد بضمتين جمع عمود كسرير وسرر. # والممددة : الطويلة الممدودة من أول الباب إلى آخره. # أى : أن هذه النار مغلقة عليهم بأبواب محكمة ، هذه الأبواب قد شدت بأوتاد ~~من حديد ، تمتد هذه الأوتاد من أول الأبواب إلى آخرها. بحيث لا يستطيع من ~~بداخلها الفكاك منها. # وبذلك نرى السورة الكريمة قد توعدت هؤلاء المغرورين الجاهلين ، الطاعنين ~~في أعراض الناس ... بأشد ألوان العقاب ، وأكثره إهانة وخزيا لمن ينزل به. # نسأل الله تعالى أن يعيذنا من ذلك. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV15P507 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الفيل ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «الفيل» وسماها بعضهم سورة «ألم تر ...» من السور المكية الخالصة ~~، وعدد آياتها خمس آيات ، وكان نزولها بعد سورة «قل يا أيها الكافرون» ، ~~وقبل سورة «القيامة» فهي السورة التاسعة عشرة في ترتيب النزول من بين السور ~~المكية. # 2 ومن أهم مقاصدها تذكير أهل مكة بفضل الله تعالى عليهم ، حيث منع كيد ~~أعدائهم عنهم ، وعن بيته الحرام ، وبيان أن هذا البيت له مكانته السامية ~~عنده تعالى ، وأن من أراده بسوء قصمه الله تعالى ، وتبشير النبي ~~صلى الله عليه وسلم بأنه سبحانه كفيل برعايته ونصره على أعدائه ، كما نصر أهل ~~مكة على أبرهة وجيشه ، وتثبيت المؤمنين على الحق ، لكي يزدادوا إيمانا على ~~إيمانهم ، وبيان أن الله سبحانه غالب على أمره. # 3 وقصة أصحاب الفيل من القصص المشهورة عند العرب ، وملخصها : أن أبرهة ~~الأشرم الحبشي أمير اليمن من قبل النجاشي ملك الحبشة ، بنى كنيسة بصنعاء لم ~~ير مثلها في زمانها ... وأراد أن يصرف الناس من الحج إلى بيت الله الحرام ، ~~إلى الحج إليها ... ثم جمع جيشا عظيما قدم به لهدم الكعبة ... فأهلكه الله ~~تعالى وأهلك من معه من رجال وأفيال ... # وكانت ولادته صلى الله عليه وسلم في هذا العام ... (1). PageV15P509 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@07 ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل (1) @QUR@05 ألم يجعل كيدهم ~~في ms6101 تضليل (2) @QUR@04 وأرسل عليهم طيرا أبابيل (3) @QUR@04 ترميهم بحجارة ~~من سجيل (4) @QUR@03 فجعلهم كعصف مأكول ) (5) # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@02 ألم تر ... ) للتقرير بما تواتر ~~نقله وعلمه صلى الله عليه وسلم وعلمه غيره علما مستفيضا ... حتى إن العرب ~~كانوا يؤرخون بتلك الحادثة ، فيقولون : هذا الأمر حدث في عام الفيل ، أو ~~بعده أو قبله ... والمراد بالرؤية هنا : العلم المحقق. # وعبر سبحانه عن العلم بالرؤية ، لأن خبر هذه القصة كما أشرنا كان من ~~الشهرة بمكان ، فالعلم الحاصل بها مساو في قوة الثبوت للرؤية والمشاهدة. # والمعنى : لقد علمت أيها الرسول الكريم علما لا يخالطه ريب أو لبس ، ما ~~فعله ربك بأصحاب الفيل ، الذين جاءوا لهدم الكعبة ، حيث أهلكناهم إهلاكا ~~شنيعا ، كانت فيه العبرة والعظة ، والدلالة الواضحة على قدرتنا ، وعلى ~~حمايتنا لبيتنا الحرام. # وأوقع سبحانه الاستفهام عن كيفية ما أنزله بهم ، لا عن الفعل ذاته ، لأن ~~الكيفية أكثر دلالة على قدرته تعالى وعلى أنه سبحانه لا يعجزه شيء. # وفي التعبير بقوله : ( @QUR@02 فعل ربك ... ) إشارة إلى أن هذا الفعل لا ~~يقدر عليه أحد سواه سبحانه فهو الذي ربي نبيه صلى الله عليه وسلم وتعهده ~~بالرعاية ، وهو الكفيل بنصره على أعدائه ، كما نصر أهل مكة ، على جيوش ~~الحبشة ... وهم أصحاب الفيل. # ووصفوا بأنهم «أصحاب الفيل» لأنهم أحضروا معهم الفيلة ، ليستعينوا بها ~~على هدم الكعبة ، وعلى إذلال أهل مكة. PageV15P510 # والاستفهام في قوله تعالى : ( @QUR@05 ألم يجعل كيدهم في تضليل ) للتقرير ~~أيضا أى : لقد جعل الله تعالى مكر أصحاب الفيل وسعيهم لتخريب الكعبة ، في ( ~~@QUR@01 تضليل ) أى : في تخسير وإبطال وتضييع ، بأن تبرهم سبحانه تتبيرا ~~ودمرهم تدميرا. # والكيد : إرادة وقوع الإضرار بالغير في خفية ، وسمى سبحانه ما فعله أبرهة ~~وجيشه كيدا ، مع أنهم جاءوا لهدم الكعبة جهارا نهارا ... لأنهم كانوا ~~يضمرون من الحقد والحسد والعداوة لأهل مكة ، أكثر مما كانوا يظهرونه ، فهم ~~كما قال تعالى : ( @QUR@09 قد بدت البغضاء من أفواههم ، وما تخفي صدورهم ~~أكبر ... ). # والمقصود بالتضليل هنا : التضييع والإبطال. تقول : ضللت كيد فلان ، إذا ~~جعلته باطلا ضائعا. # ثم بين سبحانه مظاهر إبطاله لكيدهم فقال ms6102 : ( @QUR@04 وأرسل عليهم طيرا ~~أبابيل ). # والطير : اسم جمع لكل ما من شأنه أن يطير في الهواء ، وتنكيره للتنويع ~~والتهويل ، والأبابيل : اسم جمع لا واحد له من لفظه ، وقيل هو جمع إبالة ، ~~وهي حزمة الحطب الكبيرة ، شبهت بها الجماعة من الطير في تضامنها وتلاصقها. # أى : لقد جعل الله تعالى كيد هؤلاء المعتدين في تضييع وتخسير ... بأن ~~أرسل إليهم جماعات عظيمة من الطير ، أتتهم من كل جانب في تتابع ، فكانت ~~سببا في إهلاكهم والقضاء عليهم ... ( @QUR@06 وما يعلم جنود ربك إلا هو ). # وجملة : «ترميهم بحجارة من سجيل» بيان لما فعلته تلك الطيور بإذن الله ~~تعالى ، وهي حال من قوله ( @QUR@01 طيرا )، والسجيل : الطين اليابس ~~المتحجر ... # قال بعض العلماء : قوله : ( @QUR@04 ترميهم بحجارة من سجيل ) أى : من طين ~~متحجر محرق. # أو بحجارة من جملة العذاب المكتوب المدون في السجيل ، وهو الديوان الذي ~~كتب فيه عذاب الكفار ، كما أن السجيل هو الديوان الذي كتبت فيه أعمالهم. ~~واشتقاقه من الإسجال بمعنى الإرسال. # وعن عكرمة : كانت ترميهم بحجارة معها كالحمصة ، فإذا أصاب أحدهم حجر منها ~~، خرج به الجدري ، وكان ذلك أول يوم رئي فيه الجدري بأرض العرب. # وقال ابن عباس : كان الحجر إذا وقع على أحدهم نفط جلده أى : احترق ، فكان ~~ذلك أول الجدري. وقيل : إن أول ما رؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام. # وقال ابن جزى في تفسيره : إن الحجر كان يدخل من رأس أحدهم ويخرج من أسفله. PageV15P511 # ووقع في سائرهم الجدري والأسقام ، وانصرفوا وماتوا في الطريق متفرقين ، ~~وتمزق أبرهة قطعة قطعة ... (1). # وقوله سبحانه ( @QUR@03 فجعلهم كعصف مأكول ) بيان للآثار الفظيعة التي ~~ترتبت على ما فعلته الحجارة التي أرسلتها الطيور عليهم بإذن الله تعالى . # والعصف : ورق الزرع الذي يبقى في الأرض بعد الحصاد وتعصفه الرياح فتأكله ~~الحيوانات. أو هو التبن الذي تأكله الدواب. # أى : سلط الله تعالى عليهم طيرا ترميهم بحجارة من طين متحجر ، فصاروا ~~بسبب ذلك صرعى هالكين ، حالهم في تمزقهم وتناثرهم كحال أوراق الأشجار ~~اليابسة أو التبن الذي تأكله الدواب. # وهكذا نرى السورة الكريمة قد ساقت من ms6103 مظاهره قدرة الله تعالى ما يزيد ~~المؤمنين إيمانا على إيمانهم ، وثباتا على ثباتهم ، وما يحمل الكافرين على ~~الاهتداء إلى الحق ، والإقلاع عن الشرك والجحود لو كانوا يعقلون. # نسأل الله تعالى أن يجعلنا من عباده الشاكرين. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV15P512 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة قريش ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «قريش» تسمى أيضا سورة «لإيلاف قريش» وهي من السور المكية عند ~~جماهير العلماء ، وقيل مدنية ، والأول أصح لأنه المأثور عن ابن عباس وغيره ~~، وعدد آياتها أربع آيات ، وعند الحجازيين خمس آيات. # وكان نزولها بعد سورة «التين» وقبل سورة «القارعة» ، فهي السورة التاسعة ~~والعشرون في ترتيب النزول. # 2 ومن أهدافها : تذكير أهل مكة بجانب من نعم الله تعالى عليهم لعلهم عن ~~طريق هذا التذكير يفيئون إلى رشدهم ، ويخلصون العبادة لخالقهم وما نحهم تلك ~~النعم العظيمة. PageV15P513 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@02 لإيلاف قريش (1) @QUR@04 إيلافهم رحلة الشتاء والصيف (2) ~~@QUR@04 فليعبدوا رب هذا البيت (3) @QUR@07 الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من ~~خوف ) (4) # والإيلاف : مصدر آلفت الشيء إيلافا و «إلفا» إذا لزمته وتعودت عليه. وتقول ~~: آلفت فلانا الشيء ، إذا ألزمته إياه. والإيلاف أيضا اجتماع الشمل مع ~~الالتئام ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@013 واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم ~~أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ... ). # ولفظ «إيلاف» مضاف لمفعوله وهو قريش ، والفاعل هو الله تعالى : و «قريش» ~~هم ولد النضر بن كنانة على الأرجح وهو الجد الثالث عشر للنبي ~~صلى الله عليه وسلم . # قال القرطبي ما ملخصه : وأما قريش فهم بنو النضر بن كنانة بن خزيمة بن ~~مدركة بن إلياس ، بن مضر ، فكل من كان من ولد النضر فهو قرشي. # وسموا قريشا ، لتجمعهم بعد التفرق ، إذ التقرش : التجمع والالتئام ... أو ~~سموا بذلك لأنهم كانوا تجارا يأكلون من مكاسبهم ، والتقرش : التكسب ، ويقال ~~: قرش فلان يقرش قرشا كقتل ، إذا كسب المال وجمعه ... (1). # وقوله : ( @QUR@01 إيلافهم ) بدل أو عطف بيان من قوله ( @QUR@02 لإيلاف ~~قريش )، وهو من أسلوب الإجمال فالتفصيل للعناية بالخبر ، ليتمكن في ذهن ~~السامع ms6104 كما في قوله تعالى : ( @QUR@05 لعلي أبلغ الأسباب ، أسباب السماوات ~~... ). PageV15P514 # واللام في قوله تعالى : ( @QUR@01 لإيلاف ... ) للتعليل. والجار والمجرور ~~متعلق بقوله تعالى : ( @QUR@01 فليعبدوا ... ). وتقدير الكلام : من الواجب ~~على أهل مكة أن يخلصوا العبادة لله تعالى لأنه سبحانه هو الذي جمعهم بعد ~~تفرق ، وألف بينهم ، وهيأ لهم رحلتين فيهما ما فيهما من النفع والأمن. # وزيدت الفاء في قوله تعالى : ( @QUR@01 فليعبدوا ... ) لما في الكلام من ~~معنى الشرط ، فكأنه سبحانه يقول لهم : إن لم تعبدونى من أجل نعمى التي لا ~~تحصى ، فاعبدوني من أجل أنى جعلتكم تألفون هاتين الرحلتين النافعتين في ~~أمان واطمئنان ، وأنى جمعت شملكم ، وألفت بينكم ... # قال صاحب الكشاف : «لإيلاف قريش» متعلق بقوله : ( @QUR@01 فليعبدوا ) ~~أمرهم أن يعبدوه لأجل إيلافهم الرحلتين. # فإن قلت : فلم دخلت الفاء؟ قلت : لما في الكلام من معنى الشرط ، لأن ~~المعنى : إما لا فليعبدوه لإيلافهم. على معنى أن نعم الله عليهم لا تحصى ، ~~فإن لم يعبدوه لسائر نعمه ، فليعبدوه لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة. # وقيل المعنى : اعجبوا لإيلاف قريش. وقيل هو متعلق بما قبله في السورة ~~السابقة أى : فجعلهم كعصف مأكول. لإيلاف قريش ، وهذا بمنزلة التضمين في ~~الشعر ، وهو أن يتعلق معنى البيت بالذي قبله ... (1). # وقوله سبحانه : ( @QUR@03 رحلة الشتاء والصيف ) بيان لمظهر من مظاهر هذا ~~الإيلاف الذي منحه سبحانه لهم ، والرحلة هنا : اسم لارتحال القوم من مكان ~~إلى آخر ، ولفظ «رحلة» منصوب على أنه مفعول به لقوله ( @QUR@01 إيلافهم )... # والمراد بهذه الرحلة : ارتحالهم في الشتاء إلى بلاد اليمن ، وفي الصيف ~~إلى بلاد الشام ، من أجل التجارة ، واجتلاب الربح. واستدرار الرزق ، ~~والاستكثار من القوت واللباس وما يشبههما من مطالب الحياة. # وقيل : المراد برحلة الشتاء والصيف : رحلة الناس إليهم في الشتاء والصيف ~~للحج والعمرة ، فقد كان الناس يأتون إلى مكة في الشتاء والصيف لهذه الأغراض ~~، فيجد أهل مكة من وراء ذلك الخير والنفع ، كما قال تعالى : ( @QUR@03 ~~ليشهدوا منافع لهم ). # وبعد أن ذكرهم سبحانه بنعمه أمرهم بشكره ، فقال : ( @QUR@03 فليعبدوا رب هذا PageV15P515 # @QUR@01 البيت ... ) أى : إن كان الأمر كما ذكرنا لهم ، فليخلصوا العبادة ~~لله تعالى ms6105 الذي حمى لهم البيت الحرام ، والكعبة المشرفة ، ممن أرادهما بسوء .. # ( @QUR@04 الذي أطعمهم من جوع ) أى : الذي وسع لهم الرزق ، ومهد لهم ~~سبيله ، عن طريق الوفود التي تأتى إليهم من مشارق الأرض ومغاربها. # ( @QUR@03 وآمنهم من خوف ) أى : والذي أوجد لهم الأمن بعد الخوف ، والسعة ~~بعد الضيق ، ببركة هذا البيت الحرام. # وتنكير «جوع» و «خوف» للتعظيم ، أى : أطعمهم بدلا من جوع شديد ، وآمنهم ~~بدلا من خوف عظيم ، كانوا معرضين لهما ، وذلك كله من فضله سبحانه عليهم ، ~~ومن رحمته بهم ، حيث أتم عليهم نعمتين بهما تكمل السعادة ، ويجتمع السرور. # ومن الآيات التي تشبه هذه الآية قوله تعالى : ( @QUR@010 أولم يروا أنا ~~جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ... ). # وقوله سبحانه : ( @QUR@011 أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل ~~شيء رزقا .. ). # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV15P516 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الماعون ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «الماعون» تسمى أيضا سورة «أرأيت» وسورة «الدين» وسورة «التكذيب» ~~وهي مكية في قول الجمهور ، وقيل : هي مدنية ... # قال الآلوسى : هي مكية في قول الجمهور ... وروى عن قتادة والضحاك أنها ~~مدنية ، وقال هبة الله المفسر الضرير : نزل نصفها الأول بمكة في العاص بن ~~وائل ، ونصفها الثاني بالمدينة في عبد الله بن أبى المنافق. # وعدد آياتها سبع آيات في المصحف العراقي ، وست في المصاحف الباقية ... (1). # 2 ومن أهدافها : التعجيب من حال المشركين ، الذين كذبوا بالبعث ، واعتدوا ~~على اليتامى ، وبخلوا بما آتاهم الله تعالى من فضله ، وهجروا الصلاة ، ~~ومنعوا الزكاة. PageV15P517 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@04 أرأيت الذي يكذب بالدين (1) @QUR@04 فذلك الذي يدع اليتيم (2) ~~@QUR@05 ولا يحض على طعام المسكين (3) @QUR@02 فويل للمصلين (4) @QUR@05 ~~الذين هم عن صلاتهم ساهون (5) @QUR@03 الذين هم يراؤن (6) @QUR@02 ويمنعون ~~الماعون ) (7) # فالاستفهام في قوله سبحانه ( @QUR@01 أرأيت ) للتعجيب من حال هذا الإنسان ~~الذي بلغ النهاية في الجهالة والجحود ... ولتشويق السامع إلى ما سيذكر بعد ~~هذا الاستفهام. # والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ولكل من يصلح له. أى : أخبرنى أيها ~~الرسول الكريم أرأيت وعرفت أسوأ وأعجب ms6106 من حال هذا الإنسان الذي يكذب بيوم ~~الدين ، أى : بيوم البعث والجزاء والحساب وينكر ما جئت به من عند ربك من حق ~~وهداية. # مما لا شك فيه أن حال هذا الإنسان من أعجب الأحوال ، وعاقبته من أسوأ ~~العواقب ... # والرؤية في قوله ( @QUR@01 أرأيت ) يحتمل أن تكون بصرية ، فتتعدى لواحد ~~هو الاسم الموصول ، كأنه تعالى قال : أأبصرت أسوأ وأعجب من هذا المكذب بيوم الدين. # ويحتمل أن تكون علمية ، فتتعدى لاثنين ، أولهما : الاسم الموصول والثاني ~~: محذوف ، والتقدير : أعرفت الذي يكذب بالدين من هو؟ إننا نحن الذين نعرفك ~~صفاته ، وهي : # ( @QUR@04 فذلك الذي يدع اليتيم ) أى : فذلك الذي يكذب بالبعث والحساب ~~والجزاء ، من أبرز صفاته القبيحة. أنه «يدع اليتيم» أى : يقسو عليه ، ~~ويزجره زجرا عنيفا ، ويسد كل باب خير في وجهه ، ويمنع كل حق له ... PageV15P518 # فقوله : ( @QUR@01 يدع ) من الدع وهو الدفع الشديد ، والتعنيف الشنيع ~~للغير ... # ( @QUR@05 ولا يحض على طعام المسكين ) أى : أن من صفاته الذميمة أيضا أنه ~~لا يحث أهله وغيرهم من الأغنياء على بذل الطعام للبائس المسكين ، وذلك لشحه ~~الشديد ، واستيلاء الشيطان عليه ، وانطماس بصيرته عن كل خير. # وفي هذه الآية والتي قبلها دلالة واضحة على أن هذا الإنسان المكذب بالدين ~~قد بلغ النهاية في السوء والقبح ، فهو لقسوة قلبه لا يعطف على يتيم ، بل ~~يحتقره ويمنع عنه كل خير ، وهو لخبث نفسه لا يفعل الخير ، ولا يحض غيره على ~~فعله ، بل يحض على الشرور والآثام. # ولما كانت هذه الصفات الذميمة ، لا تؤدى إلى إخلاص أو خشوع لله تعالى ~~وإنما تؤدى إلى الرياء وعدم المبالاة بأداء التكاليف التي أوجبها سبحانه ~~على خلقه ... # لما كان الأمر كذلك ، وصف سبحانه هؤلاء المكذبين بالبعث والجزاء بأوصاف ~~أخرى ، فقال : ( @QUR@012 فويل للمصلين. الذين هم عن صلاتهم ساهون. الذين ~~هم يراؤن ويمنعون الماعون ). # والفاء في قوله : ( @QUR@01 فويل ) للتفريع والتسبب ، والويل : الدعاء ~~بالهلاك والعذاب الشديد. # وهو مبتدأ ، وقوله ( @QUR@01 للمصلين ) خبره ، والمراد بالسهو هنا : ~~الغفلة والترك وعدم المبالاة ... # أى : فهلاك شديد ، وعذاب عظيم ، لمن جمع هذه الصفات الثلاث ، بعد تكذيبه ~~بيوم الدين ms6107 ، وقسوته على اليتيم ، وامتناعه عن إطعام المسكين. # وهذه الصفات الثلاث أولها : الترك للصلاة ، وعدم المبالاة بها ، والإخلال ~~بشروطها وأركانها وسننها وآدابها. # وثانيها : أداؤها رياء وخداعا لا عن إخلاص وطاعة لله رب العالمين كما قال ~~تعالى : # ( @QUR@019 إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم ، وإذا قاموا إلى ~~الصلاة قاموا كسالى. يراؤن الناس ، ولا يذكرون الله إلا قليلا ). # وثالثها : منع الماعون : أى منع الخير والمعروف والبر عن الناس. فالمراد ~~بمنع الماعون : منع كل فضل وخير عن سواهم. فلفظ «الماعون» أصله «معونة» ~~والألف عوض من الهاء (1). والعون : هو مساعدة الغير على بلوغ حاجته ... ~~فالمراد بالماعون : ما يستعان به على PageV15P519 # قضاء الحوائج ، من إناء أو فأس ، أو نار ، أو ما يشبه ذلك. # ومنهم من يرى أن المراد بالماعون هنا : الزكاة ، لأنه جرت عادة القرآن ~~الكريم أن يذكر الزكاة بعد الصلاة. # قال الإمام ابن كثير : قوله : ( @QUR@02 ويمنعون الماعون ) أى : لا ~~أحسنوا عبادة ربهم ، ولا أحسنوا إلى خلقه ، حتى ولا بإعارة ما ينتفع به ، ~~ويستعان به ، مع بقاء عينه ورجوعه إليهم ، فهؤلاء لمنع الزكاة ومنع القربات ~~أولى وأولى ... # وسئل ابن مسعود عن الماعون فقال : هو ما يتعاوره الناس بينهم من الفأس ~~والقدر ... (1). # وهكذا نرى السورة الكريمة قد ذمت المكذبين بيوم الدين ذما شديدا حيث ~~وصفتهم بأقبح الصفات وأشنعها. # نسأل الله تعالى أن يعيذنا من ذلك. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV15P520 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الكوثر ### ||| * مقدمة وتمهيد # سورة «الكوثر» وتسمى أيضا سورة «النحر» ، تعتبر أقصر سورة في القرآن ~~الكريم ، وهي من السور المكية عند الجمهور ، وقيل مدنية. # قال بعض العلماء : والأظهر أن هذه السورة مدنية ، وعلى هذا سنسير في ~~تفسير آياتها ، وعلى القول بأنها مكية عددها الخامسة عشرة ، في عداد نزول ~~السور ، نزلت بعد سورة «العاديات» ، وقيل سورة «التكاثر» ، وعلى القول ~~بأنها مدنية ، فقد قيل إنها نزلت في الحديبية. وعدد آياتها ثلاث آيات ~~بالاتفاق (1). # والسورة الكريمة بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم بأن الله تعالى سيعطيه ~~الخير الجزيل ، والذكر الخالد. PageV15P521 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال ms6108 الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@03 إنا أعطيناك الكوثر (1) @QUR@03 فصل لربك وانحر (2) @QUR@04 إن ~~شانئك هو الأبتر ) (3) # والكوثر : فوعل من الكثرة ، مثل النوفل من النفل ، ومعناه : الشيء البالغ ~~في الكثرة حد الإفراط ، والعرب تسمى كل شيء كثر عدده ، وعظم شأنه : كوثرا ، ~~وقد قيل لأعرابية بعد رجوع ابنها من سفر : بم آب ابنك؟ قالت : آب بكوثر. أى ~~: بشيء كثير. # قال الإمام القرطبي ما ملخصه : واختلف أهل التأويل في الكوثر الذي أعطيه ~~النبي صلى الله عليه وسلم على ستة عشر قولا : الأول : أنه نهر في الجنة ، رواه ~~البخاري عن أنس ، ورواه الترمذي أيضا عن ابن عمر ... الثاني : أنه حوض ~~للنبي صلى الله عليه وسلم في الموقف ... الثالث : أنه النبوة والكتاب ... ~~الرابع : أنه القرآن ... الخامس : الإسلام. # ثم قال رحمه الله قلت : أصح هذه الأقوال الأول والثاني ، لأنه ثابت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نص في الكوثر ... وجميع ما قيل بعد ذلك في تفسيره قد ~~أعطيه صلى الله عليه وسلم زيادة على حوضه ...» (1). # وافتتح سبحانه الكلام بحرف التأكيد ، للاهتمام بالخبر ، وللإشعار بأن ~~المعطى شيء عظيم ... أى : إنا أعطيناك بفضلنا وإحساننا أيها الرسول الكريم ~~الكوثر ، أى : الخير الكثير الذي من جملته هذا النهر العظيم ، والحوض ~~المطهر ... فأبشر بذلك أنت وأمتك ، ولا تلتفت إلى ما يقوله أعداؤك في شأنك. # والفاء في قوله تعالى : ( @QUR@03 فصل لربك وانحر ) لترتيب ما بعدها على ~~ما قبلها ، والمراد بالصلاة : المداومة عليها. PageV15P522 # أى : ما دمنا قد أعطيناك هذه النعم الجزيلة ، فداوم على شكرك لنا ، بأن ~~تواظب على أداء الصلاة أداء تاما ، وبأن تجعلها خالصة لربك وخالقك ، وبأن ~~تواظب أيضا على نحرك الإبل تقربا إلى ربك. كما قال سبحانه ( @QUR@017 قل إن ~~صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له ، وبذلك أمرت وأنا ~~أول المسلمين ). # ثم بشره سبحانه ببشارة أخرى فقال : ( @QUR@04 إن شانئك هو الأبتر ) ~~والشانئ : هو المبغض لغيره ، يقال : شنأ فلان شنئا ، إذا أبغضه وكرهه. # والأبتر في الأصل : هو الحيوان المقطوع الذنب ، والمراد به هنا : الإنسان ~~الذي لا يبقى له ذكر. ms6109 ولا يدوم له أثر ... # شبه بقاء الذكر الحسن بذنب الحيوان ، لأنه تابع له وهو زينته ، وشبه ~~الحرمان من ذلك ببتر الذيل وقطعه. # والمعنى : إن مبغضك وكارهك أيها الرسول الكريم هو المقطوع عن كل خير ، ~~والمحروم من كل ذكر حسن. # قال الإمام ابن كثير : «كان العاص بن وائل إذا ذكر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : دعوه فإنه رجل أبتر لا عقب له ، فإذا هلك انقطع ذكره ~~، فأنزل الله تعالى هذه السورة. # وقال السدى : كانوا إذا مات ذكور الرجل قالوا : بتر ، فلما مات أبناء ~~النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : بتر محمد فأنزل الله هذه الآية. # وهذا يرجع إلى ما قلناه من أن الأبتر إذا مات انقطع ذكره ، فتوهموا ~~لجهلهم أنه إذا مات بنوه ينقطع ذكره ، وحاشا وكلا ، بل أبقى الله ذكره على ~~رءوس الأشهاد ، وأوجب شرعه على رقاب العباد ، مستمرا على دوام الآباد ، إلى ~~يوم الحشر والمعاد ، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم التناد ... # نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل شفاعته يوم القيامة. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV15P523 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الكافرون ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «الكافرون» تسمى أيضا سورة «المقشقشة» أى : المبرئة من الشرك ، ~~وسورة «العبادة» وسورة «الدين». # وهي من السور المكية عند الجمهور ، وكان نزولها بعد سورة «الماعون» وقبل ~~سورة «الفيل». # وقيل : إنها مدنية ، وعدد آياتها ست آيات. # 2 وقد ذكروا في سبب نزولها روايات منها ما ذكره ابن إسحاق عن ابن عباس ، ~~أن جماعة من زعماء المشركين أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له : ~~هلم فلنعبد إلهك مدة ، وأنت تعبد آلهتنا مدة ، فيحصل بذلك الصلح بيننا ~~وبينك ... فنزلت هذه السورة. # 3 وقد ذكر الإمام ابن كثير بعض الأحاديث التي تدل على أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بها كثيرا في صلاة ركعتي الفجر ، ومن ذلك ما ~~أخرجه مسلم من حديث أبى هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ ~~سورة «الكافرون» ms6110 وسورة «قل هو الله أحد» في ركعتي الفجر ... (1). PageV15P525 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@04 قل يا أيها الكافرون (1) @QUR@04 لا أعبد ما تعبدون (2) ~~@QUR@05 ولا أنتم عابدون ما أعبد (3) @QUR@05 ولا أنا عابد ما عبدتم (4) ~~@QUR@05 ولا أنتم عابدون ما أعبد (5) @QUR@04 لكم دينكم ولي دين ) (6) # أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء المشركين الذين جاءوك ليساوموك على أن ~~تعبد آلهتهم مدة ، وهم يعبدون إلهك مدة أخرى ... قل لهم على سبيل الحزم ~~والتأكيد «لا أعبد» أنا الذي تعبدونه من آلهة باطلة ، ولا أنتم عابدون ~~الإله الحق الذي أعبده ، لجهلكم وجحودكم. وعكوفكم على ما كان عليه آباؤكم ~~من ضلال. # وافتتحت السورة الكريمة بفعل الأمر «قل» للاهتمام لما سيأتى بعده من كلام ~~المقصود منه إبلاغه إليهم ، وتكليفهم بالعمل به. # ونودوا بوصف الكافرين ، لأنهم كانوا كذلك ، ولأن في هذا النداء تحقيرا ~~واستخفافا بهم. # و «ما» هنا موصولة بمعنى الذي ، وأوثرت على «من» لأنهم ما كانوا يشكون في ~~ذات الآلهة التي يعبدونها ، ولا في ذات الإله الحق الذي يعبده النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، وإنما كانوا يشكون في أوصافه تعالى ، من زعمهم أن هذه ~~الأصنام ما يعبدونها إلا من أجل التقرب إليه. ويقولون : ( @QUR@04 هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله ) مع أن الله تعالى منزه عن ذلك ، فالمقصود من «ما» هنا : ~~الصفة ، وليس الذات ، فكأنه قال : لا أعبد الباطل الذي تعبدونه ، وأنتم ~~لجهلكم لا تعبدون الإله الحق الذي أعبده. # وقوله تعالى : ( @QUR@010 ولا أنا عابد ما عبدتم ، ولا أنتم عابدون ما ~~أعبد ) تأكيد وتقرير لما اشتمل عليه الكلام السابق ... «وما» هنا مصدرية ، ~~فكأنه قبل : ولا أنا عابد عبادتكم ، ولا أنتم عابدون عبادتي. PageV15P526 # فالآيتان السابقتان تنفيان الاتحاد بينه صلى الله عليه وسلم وبينهم في ~~المعبود ، وهاتان الآيتان تنفيان الاتحاد في العبادة ، والمقصود من ذلك ~~المبالغة التامة في البراءة من معبوداتهم الباطلة ، ومن عبادتهم الفاسدة ، ~~وأنه صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين ، لا يعبدون إلا الله عز وجل ، ~~وهم بذلك يكونون قد اهتدوا إلى العبادة الصحيحة. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 لكم دينكم ولي دين ms6111 ) تذييل مؤكد لما قبله. ~~والدين : يطلق بمعنى العقيدة التي يعتقدها الإنسان ويدين بها ، وبمعنى ~~الملة التي تجرى أقواله وأفعاله على مقتضاها ، وبمعنى الحساب والجزاء. ومنه ~~قولهم : دنت فلانا بما صنع ، أى : جازيته على صنيعه. # واللفظ هنا شامل لكل ذلك ، أى : لكم أيها الكافرون دينكم وعقيدتكم التي ~~تعتقدونها ولا تتجاوزكم إلى غيركم من المؤمنين الصادقين ، فضلا عن رسولهم ~~ومرشدهم صلى الله عليه وسلم ، ولى ديني وعقيدتي التي هي عقيدة التوحيد ، والتي ~~بايعنى عليها أتباعى المؤمنون ، وهي مقصورة علينا ، وأنتم محرومون منها ، ~~وسترون سوء عاقبة مخالفتكم لي. # وقدم سبحانه المسند على المسند إليه ، لإفادة القصد والاختصاص فكأنه قيل ~~: لكم دينكم لا لغيركم ، ولى ديني لا لغيري والله تعالى هو أحكم الحاكمين ~~بيني وبينكم. # وبذلك نرى السورة الكريمة ، قد قطعت كل أمل توهم الكافرون عن طريقه ~~الوصول إلى مهادنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وإلى الاستجابة لشيء من مطالبهم ~~الفاسدة ، وإنما هو صلى الله عليه وسلم برىء براءة تامة منهم ومن معبوداتهم ~~وعباداتهم. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV15P527 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة النصر ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «النصر» تسمى أيضا سورة : ( @QUR@05 إذا جاء نصر الله والفتح )، ~~وتسمى سورة «التوديع» وهي من السور المدنية ، قيل : نزلت عند منصرف النبي ~~صلى الله عليه وسلم من غزوة خيبر ، وقيل : نزلت بمنى في أيام التشريق ، والنبي ~~صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، وقيل نزلت عند منصرفه صلى الله عليه وسلم من ~~غزوة حنين. # وكان نزولها بعد سورة «الحشر» وقبل سورة «النور» ، وهي ثلاث آيات. # 2 وقد تضافرت الأخبار رواية وتأويلا ، على أن هذه السورة تومئ إلى قرب ~~نهاية أجل النبي صلى الله عليه وسلم . # وقد ذكر الإمام ابن كثير جملة من الآثار في هذا المعنى منها ما أخرجه ~~البيهقي عن ابن عباس قال : لما نزلت سورة ( @QUR@05 إذا جاء نصر الله ~~والفتح )، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة وقال : «قد نعيت إلى نفسي» ~~فبكت ثم ضحكت ، وقالت : أخبرنى أنه ms6112 نعيت إليه نفسه فبكيت ، ثم قال : «اصبري ~~فإنك أول أهلى لحاقا بي» فضحكت. # وأخرج البخاري عن ابن عباس ، قال : كان عمر رضى الله عنه يدخلني مع أشياخ ~~بدر ، فكأن بعضهم قد وجد في نفسه أى : تغير وغضب وقال : لما ذا يدخل هذا ~~معنا ولنا أبناء مثله ، فقال عمر : إنه ممن علمتم. فدعاهم ذات يوم فأدخله ~~معهم ... فقال : ما تقولون في قوله تعالى ( @QUR@05 إذا جاء نصر الله ~~والفتح )، فقال بعضهم : أمرنا أن نحمد الله ونستغفره ، إذا نصرنا وفتح ~~علينا ، وسكت بعضهم فقال ... عمر : أكذلك تقول PageV15P529 # يا بن عباس؟ فقلت : لا ، فقال : ما تقول؟ فقلت : هو أجل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أعلمه له ... فقال عمر : لا أعلم منها إلا ما تقول. # وأخرج الطبراني عن ابن عباس أنه قال : آخر سورة نزلت من القرآن هذه ~~السورة (1). # 3 والسورة الكريمة وعد منه تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بالنصر والفتح ~~وبشارة بدخول أفواج الناس في دين الله ، وأمر منه سبحانه بالمواظبة على ~~حمده واستغفاره. PageV15P530 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@05 إذا جاء نصر الله والفتح (1) @QUR@07 ورأيت الناس يدخلون في ~~دين الله أفواجا (2) @QUR@07 فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ) (3) # والنصر : التغلب على العدو ، والإعانة على بلوغ الغاية ، ومنه قولهم : قد ~~نصر الغيث الأرض ، أى : أعان على إظهار نباتها. # والمراد به هنا : إعانة الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم على أعدائه ، ~~حتى حقق له النصر عليهم. # والفتح : يطلق على فتح البلاد عنوة والتغلب على أهلها ، ويطلق على الفصل ~~والحكم بين الناس ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@09 ربنا افتح بيننا وبين ~~قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ). # والمراد به : هنا فتح مكة. وما ترتب عليه من إعزاز الدين ، وإظهار كلمة الحق. # قال الإمام ابن كثير : والمراد بالفتح هنا فتح مكة قولا واحدا ، فإن ~~أحياء العرب كانت تتلوم أى : تنتظر بإسلامها فتح مكة ، يقولون : إن ظهر على ~~قومه فهو نبي ، فلما فتح الله عليه مكة ، دخلوا في دين الله أفواجا ، فلم ~~تمض سنتان حتى استوسقت ms6113 أى : اجتمعت جزيرة العرب على الإيمان ، ولم يبق في ~~سائر قبائل العرب إلا مظهر للإسلام ، ولله الحمد والمنة. # والأفواج : جمع فوج ، وهو الجماعة والطائفة من الناس وقوله ( @QUR@01 ~~فسبح ) جواب إذا. # والمعنى : إذا أتم الله عليك أيها الرسول الكريم وعلى أصحابك النصر ، وصارت PageV15P531 # لكم الكلمة العليا على أعدائكم ، وفتح لكم مكة ، وشاهدت الناس يدخلون في ~~دين الإسلام ، جماعات ثم جماعات كثيرة بدون قتال يذكر. # إذا علمت ورأيت كل ذلك ، فداوم وواظب على تسبيح ربك ، وتنزيهه عن كل مالا ~~يليق به شكرا له على نعمه ، وداوم أيضا على طلب مغفرته لك وللمؤمنين. # ( @QUR@01 إنه ) عز وجل ( @QUR@01 كان ) وما زال ( @QUR@01 توابا ) أى : ~~كثير القبول لتوبة عباده التائبين إليه ، كما قال سبحانه : ( @QUR@012 وهو ~~الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ، ويعلم ما تفعلون ). # نسأل الله تعالى أن يجعلنا من عباده التائبين توبة صادقة نصوحا. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV15P532 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة المسد ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «المسد» تسمى أيضا بسورة «تبت» ، وبسورة «أبى لهب» ، وبسورة ~~«اللهب» وهي من أوائل السور التي نزلت بمكة ، فهي السورة السادسة في ترتيب ~~النزول ، وكان نزولها بعد سورة «الفاتحة» ، وقبل سورة «الكوثر» وهي خمس آيات. # 2 وقد ذكروا في سبب نزول هذه السورة روايات منها : ما أخرجه البخاري عن ~~ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى البطحاء فصعد الجبل فنادى : ~~«يا صباحاه» وهي كلمة ينادى بها للإنذار من عدو قادم فاجتمعت إليه قريش ، ~~فقال : «أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أكنتم تصدقوني؟ قالوا ~~: نعم. قال : «فإنى نذير لكم بين يدي عذاب شديد». # فقال أبو لهب : ألهذا جمعتنا؟ تبا لك ، فأنزل الله تعالى هذه السورة. # وفي رواية : أنه قام ينفض يديه وجعل يقول للرسول صلى الله عليه وسلم : تبا ~~لك سائر اليوم ، ألهذا جمعتنا ، فأنزل الله تعالى هذه السورة» (1). # وأبو لهب : هو أحد أعمام النبي صلى الله عليه وسلم واسمه عبد العزى بن عبد ~~المطلب بن هاشم ms6114 ... وامرأته هي : أروى بنت حرب بن أمية ، وكنيتها أم جميل. # روى أنها لما سمعت ما نزل في زوجها وفيها من قرآن ، أتت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، وهو PageV15P533 # جالس في المسجد عند الكعبة ومعه أبو بكر الصديق ، وفي يدها فهر أى : حجر ~~فلما وقفت أخذ الله تعالى بصرها عن رسوله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا أبا ~~بكر ، بلغني أن صاحبك يهجونى ، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه ... ثم ~~انصرفت ، فقال أبو بكر : يا رسول الله أما تراها رأتك؟ فقال ~~صلى الله عليه وسلم : «ما رأتنى ، لقد أخذ الله بصرها عنى» (1). PageV15P534 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@05 تبت يدا أبي لهب وتب (1) @QUR@06 ما أغنى عنه ماله وما كسب (2) ~~@QUR@04 سيصلى نارا ذات لهب (3) @QUR@03 وامرأته حمالة الحطب (4) @QUR@05 ~~في جيدها حبل من مسد ) (5) # ومعنى ( @QUR@01 تبت ) هلكت وخسرت ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@06 وما كيد ~~فرعون إلا في تباب ) وقوله سبحانه : ( @QUR@04 وما زادوهم غير تتبيب ). # وقوله : ( @QUR@01 وتب ) أى : وقد تب وهلك وخسر ، فالجملة الأولى دعاء ~~عليه بالهلاك والخسران ، والجملة الثانية : إخبار عن أن هذا الدعاء قد ~~استجيب ، وأن الخسران قد نزل به فعلا. # أى : خسرت وخابت يدا أبى لهب ، وقد نزل هذا الهلاك والخسران به ، بسبب ~~عداوته الشديدة للحق ، الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عند ربه ~~سبحانه . # والمراد باليدين هنا : ذاته ونفسه ، من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل ، ~~كما في قوله تعالى : ( @QUR@04 ذلك بما قدمت يداك ). # ويجوز أن يكون المراد باليدين حقيقتهما ، وذلك لأنه كان يقول : يعدني ~~محمد صلى الله عليه وسلم بأشياء ، لا أدرى أنها كائنة ، يزعم أنها بعد الموت ، ~~فلم يضع في يدي شيء من ذلك ، ثم ينفخ في يديه ويقول : تبا لكما ما أرى ~~فيكما شيئا. # وقوله سبحانه : ( @QUR@06 ما أغنى عنه ماله وما كسب ) كلام مستأنف ~~للانتقال من ذمه والدعاء عليه بالهلاك ، إلى بيان أن ماله وجاهه ... لن ~~يغنى عنه من عذاب الله تعالى شيئا. PageV15P535 # أى : أن أبا لهب لن يغنى عنه ماله الكثير ، وكسبه ms6115 الوفير من حطام الدنيا ~~... لن يغنى عنه شيئا من عذاب الله تعالى ، أو شيئا من انتشار رسالة الله ~~تعالى في الأرض ، فإن الله سبحانه ناصر نبيه صلى الله عليه وسلم ومؤيده بروح منه. # والتعبير بالماضي في قوله : ( @QUR@02 ما أغنى ... ) لتحقيق وقوع عدم ~~الإغناء. # والراجح أن «ما» الأولى نافية ، والثانية موصولة. أى : ما أغنى عنه شيئا ~~ماله الذي ورثه عن أبيه ، وأيضا ما أغنى عنه شيئا ماله الذي جمعه واكتسبه ~~هو بنفسه عن طريق التجارة وغيرها. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 سيصلى نارا ذات لهب ) بيان للعاقبة السيئة التي ~~تنتظره ، بعد هذا الذم والتأنيب والوعيد. أى : سيلقى بأبى لهب في نار شديدة ~~الحرارة ، تشوى الوجوه والأبدان ، ووصف سبحانه النار بأنها «ذات لهب» ~~لزيادة تقرير المناسبة بين اسمه وكفره ، إذ هو معروف بأبى لهب ، والنار ~~موصوفة بأنها ذات لهب شديد. # ثم أعقب سبحانه ذلك ، بذم زوجه التي كانت تشاركه العداوة لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال : ( @QUR@08 وامرأته حمالة الحطب ، في جيدها حبل من ~~مسد ). # وقوله : ( @QUR@01 وامرأته ) معطوف على الضمير المستتر العائد على أبى ~~لهب في قوله ( @QUR@01 سيصلى )، وانتصاب لفظ «حمالة» على الذم بفعل مضمر ، ~~لأن المقصود به هنا الذم ، وقرأ الجمهور ( @QUR@01 حمالة ) بالرفع على أنه ~~صفة لها ، أو خبر لمبتدأ محذوف ، أى : هي حمالة الحطب. # والمقصود بقوله تعالى ( @QUR@02 حمالة الحطب ) الحقيقة ، فقد روى أنها ~~كانت تحمل بنفسها حزمة الشوك والحسك والسعدان ، فتنثرها بالليل في طريقه ~~صلى الله عليه وسلم ، لإيذائه به ، ويصح أن يكون المراد بهذه الجملة الكناية ~~عن مشيها بين الناس بالنميمة ، وإشاعة السوء حول الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فإنه يقال لمن يمشى بالنميمة ليفسد بين الناس ، إنسان يحمل الحطب بين الناس ~~، أى : أنه يفسد بينهم. # ويصح أن يكون المقصود بهذه الجملة ، حملها للذنوب والخطايا ، من قولهم : ~~فلان يحطب على ظهره ، إذا كان يكتسب الذنوب والخطايا ، فاستعير الحطب لذلك. # وقد رجح الإمام ابن جرير القول الأول ، لأنها كانت تحمل الشوك فتطرحه في ~~طريق النبي صلى الله عليه وسلم (1). PageV15P536 # وقوله سبحانه : ( @QUR@05 في جيدها ms6116 حبل من مسد ) زيادة في تبشيع صورتها ، ~~وتحقير هيئتها. # والجيد : العنق ، والمسد : الليف المتين الذي فتل بشدة ، يقال : حبل ~~ممسود ، أى مفتول فتلا قويا. # والمعنى : سيصلى أبو لهب نارا شديدة ، وستصلى معه امرأته التي تضع الشوك ~~في طريق النبي صلى الله عليه وسلم هذه النار المشتعلة أيضا ، وسيزيد الله ~~تعالى في إذلالها وتحقيرها ، بأن يأمر ملائكته بأن تضع في عنقها حبلا ~~مفتولا فتلا قويا ، على سبيل الإذلال والإهانة لها ، لأنها كانت في الدنيا ~~تزعم أنها من بنات الأشراف الأكابر. # روى عن سعيد بن المسيب أنه قال : كان لها قلادة ثمينة فقالت : لأبيعنها ~~ولأنفقن ثمنها في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم فأبدلها الله عنها حبلا في ~~جيدها من مسد النار. # والذي يتأمل هذه السورة الكريمة ، يراها قد اشتملت على أوضح الأدلة وأبلغ ~~المعجزات الدالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه ، فإن ~~الله تعالى قد أخبر بشقاء أبى لهب وامرأته. وأنهما سيصليان نارا ذات لهب ~~... وقد علما بما جاء في هذه السورة من عقاب الله لهما ... ومع ذلك فقد ~~بقيا على كفرهما حتى فارقا الحياة ، دون أن ينطقا بكلمة التوحيد ، ولو في ~~الظاهر فثبت أن هذا القرآن من عند الله ، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق ~~فيما يبلغه عن ربه عز وجل . # نسأل الله تعالى أن يلحقنا بعباده الصالحين. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV15P537 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الإخلاص ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «الإخلاص» من السور ذات الأسماء المتعددة ، وقد ذكر لها الجمل في ~~حاشيته عشرين اسما ، منها أنها تسمى سورة التفريد ، والتجريد ، والتوحيد ، ~~والنجاة ، والولاية ، والمعرفة ، والصمد ، والأساس ، والمانعة ، والبراءة ~~... (1). # 2 وقد ورد في فضلها أحاديث متعددة ، منها ما أخرجه البخاري عن أبى سعيد ~~الخدري ، أن رجلا سمع رجلا يقرأ هذه السورة ، ويرددها ، فلما أصبح ذكر ذلك ~~للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : «والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن» (2). # قال بعض العلماء ومعنى هذا الحديث : أن القرآن ms6117 أنزل على ثلاثة أقسام : ~~ثلث منها الأحكام ، وثلث منها وعد ووعيد ، وثلث منها الأسماء والصفات ، ~~وهذه السورة جمعت الأسماء والصفات. # 3 وقد ذكروا في سبب نزولها روايات منها : أن المشركين قالوا : يا محمد ، ~~انسب لنا ربك ، فأنزل الله تعالى هذه السورة الكريمة ... (3). # وجمهور العلماء على أنها السورة الثانية والعشرون في ترتيب النزول. ويرى ~~بعضهم أنها مدنية ، والأول أرجح ، لأنها جمعت أصل التوحيد ، وهذا المعنى ~~غالب في السور المكية. # وعدد آياتها خمس آيات في المصحف الحجازي والشامي ، وأربع آيات في الكوفي ~~والبصري. PageV15P539 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@04 قل هو الله أحد (1) @QUR@02 الله الصمد (2) @QUR@04 لم يلد ولم ~~يولد (3) @QUR@05 ولم يكن له كفوا أحد ) (4) # وقد افتتحت بفعل الأمر «قل» لإظهار العناية بما بعد هذا الأمر من توجيهات ~~حكيمة ، ولتلقينه صلى الله عليه وسلم الرد على المشركين الذين سألوه أن ينسب ~~لهم ربه. # و ( @QUR@01 هو ) ضمير الشأن مبتدأ ، والجملة التي بعده خبر عنه. # والأحد : هو الواحد في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله ، وفي كل شأن من شئونه ~~، فهو منزه عن التركيب من جواهر متعددة ، أو من مادة معينة ، كما أنه عز وجل ~~منزه عن الجسمية والتحيز ، ومشابهة غيره. # وفي الإتيان بضمير الشأن هنا : إشارة إلى فخامة مضمون الجملة ، مع ما في ~~ذلك من زيادة التحقيق والتقرير ، لأن الضمير يشير إلى شيء مبهم تترقبه ~~النفس ، فإذا جاء الكلام من بعده زال الإبهام ، وتمكن الكلام من النفس فضل تمكن. # وجيء بالخبر نكرة وهو لفظ «أحد» لأن المقصود الإخبار عن الله تعالى بأنه ~~واحد ، ولو قيل : الله الأحد ، لأفاد أنه لا واحد سواه ، وليس هذا المعنى ~~مقصودا هنا ، وإنما المقصود إثبات أنه واحد في ذاته وصفاته وأفعاله ... ~~ونفى ما زعمه المشركون وغيرهم ، من أنه تعالى مركب من أصول مادية أو غير ~~مادية ، أو من أنه له شريك في ملكه. # وقوله سبحانه ( @QUR@02 الله الصمد ) أى : الله تعالى هو الذي يصمد إليه ~~الخلق في حوائجهم ، ويقصدونه وحده بالسؤال والطلب ... مأخوذ من قولهم صمد ~~فلان إلى فلان. ms6118 بمعنى توجه إليه بطلب العون والمساعدة. PageV15P540 # قال صاحب الكشاف : والصمد فعل بمعنى مفعول ، من صمد إليه إذا قصده ، وهو ~~سبحانه المصمود إليه في الحوائج ، والمعنى : هو الله الذي تعرفونه وتقرون ~~بأنه خالق السموات والأرض ، وخالقكم ، وهو واحد متوحد بالإلهية لا يشارك ~~فيها ، وهو الذي يصمد إليه كل مخلوق لا يستغنون عنه ، وهو الغنى عنهم ... (1). # وجاء لفظ «الصمد» محلى بأل ، لإفادة الحصر في الواقع ونفس الأمر ، فإن ~~قصد الخلق إليه سبحانه في الحوائج ، أعم من القصد الإرادى ، والقصد الطبيعي ~~، والقصد بحسب الاستعداد الأصلى ، الثابت لجميع المخلوقات إذ الكل متجه ~~إليه تعالى طوعا وكرها. # وقوله سبحانه : ( @QUR@02 لم يلد ) تنزيه له تعالى عن أن يكون له ولد أو ~~بنت ، لأن الولادة تقتضي انفصال مادة منه ، وذلك يقتضى التركيب المنافى ~~للأحدية والصمدية ، أو لأن الولد من جنس أبيه ، وهو تعالى منزه عن مجانسة أحد. # وقوله : ( @QUR@02 ولم يولد ) تنزيه له تعالى عن أن يكون له أب أو أم ، ~~لأن المولودية تقتضي أيضا التركيب المنافى للأحدية والصمدية ، أو لاقتضائها ~~سبق العدم ، أو المجانسة ، وكل ذلك مستحيل عليه تعالى فهو سبحانه : ( ~~@QUR@08 الأول والآخر والظاهر والباطن ، وهو بكل شيء عليم ). # وقوله عز وجل : ( @QUR@05 ولم يكن له كفوا أحد ) تنزيه له تعالى عن الشبيه ~~والنظير والمماثل. # والكفؤ : هو المكافئ والمماثل والمشابه لغيره في العمل أو في القدرة. # أى : ولم يكن أحد من خلقه مكافئا ولا مشاكلا ولا مناظرا له تعالى في ذاته ~~، أو صفاته ، أو أفعاله ، فهو كما قال تعالى : ( @QUR@06 ليس كمثله شيء وهو ~~السميع البصير ). # وبذلك نرى أن هذه السورة الكريمة قد تضمنت نفى الشرك بجميع ألوانه. # فقد نفى سبحانه عن ذاته التعدد بقوله : ( @QUR@02 الله أحد ) ونفى عن ~~ذاته النقص والاحتياج بقوله : ( @QUR@02 الله الصمد )، ونفى عن ذاته أن ~~يكون والدا أو مولودا بقوله : ( @QUR@04 لم يلد ولم يولد )، ونفى عن نفسه ~~الأنداد والأشباه بقوله : ( @QUR@05 ولم يكن له كفوا أحد ). # كما نراها قد تضمنت الرد على المشركين وأهل الكتاب ، وغيرهم من أصحاب ~~الفرق الضالة ، الذين يقولون ، بالتثليث ، وبأن هناك آلهة ms6119 أخرى تشارك الله ~~تعالى في ملكه. PageV15P541 # وبغير ذلك من الأقاويل الفاسدة والعقائد الزائفة ... سبحانه وتعالى عما ~~يقولون علوا كبيرا. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV15P542 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الفلق ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «الفلق» تسمى أيضا سورة «قل أعوذ برب الفلق» وتسمى هي والتي بعدها ~~بالمعوذتين ، وكان نزولهما على الترتيب الموجود في المصحف. # ويرى الحسن وعطاء وعكرمة أنهما مكيتان ، ويرى قتادة وجماعة أنهما مدنيتان ... # قال الآلوسى عند تفسيره لهذه السورة : هي مكية في قول الحسن ... ومدنية ~~في رواية عن ابن عباس. وفي قول قتادة وجماعة ، وهو الصحيح ، لأن سبب نزولها ~~سحر اليهود ... (1). # وقد سار السيوطي في إتقانه على أنهما مكيتان ، وأن نزول سورة الفلق كان ~~بعد نزول سورة «الفيل» وقبل سورة «الناس» ، وأن نزول سورة «الناس» كان بعد ~~سورة «الفلق» وقبل سورة «الصمد». # 2 وعدد آياتها خمس آيات ، والغرض الأكبر منها : تعليم النبي ~~صلى الله عليه وسلم كيف يستعيذ بالله تعالى من شرور الحاقدين والجاحدين ~~والسحرة والفاسقين عن أمر ربهم ... PageV15P543 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@04 قل أعوذ برب الفلق (1) @QUR@04 من شر ما خلق (2) @QUR@05 ومن ~~شر غاسق إذا وقب (3) @QUR@05 ومن شر النفاثات في العقد (4) @QUR@05 ومن شر ~~حاسد إذا حسد ) (5) # والفلق : أصله شق الشيء عن الشيء ، وفصل بعض عن بعض ، والمراد به هنا : ~~الصبح ، وسمى فلقا لانفلاق الليل وانشقاقه عنه ، كما في قوله تعالى : ( ~~@QUR@02 فالق الإصباح ) أى : شاق ظلمة آخر الليل عن بياض الفجر ... # ويصح أن يكون المراد به ، كل ما يفلقه الله تعالى من مخلوقات كالأرض التي ~~تنفلق عن النبات ، والجبال التي تنفلق عن عيون الماء ... # أى : قل أيها الرسول الكريم أعوذ وأستجير وأعتصم ، بالله تعالى الذي فلق ~~الليل ، فانشق عنه الصباح ، والذي هو رب جميع الكائنات ، ومبدع كل ~~المخلوقات ... # قل أعوذ بهذا الرب العظيم ( @QUR@04 من شر ما خلق ) أى : من شر كل ذي شر ~~من المخلوقات ، لأنه لا عاصم من شرها إلا خالقها عز وجل إذ هو المالك لها ، ~~والمتصرف في ms6120 أمرها ، والقابض على ناصيتها ، والقادر على تبديل أحوالها ، ~~وتغيير شئونها. # ثم قال تعالى : ( @QUR@05 ومن شر غاسق إذا وقب ) والغاسق : الليل عند ما ~~يشتد ظلامه ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@07 أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق ~~الليل .... ) أى : إلى ظلامه. # وقوله : ( @QUR@01 وقب ) من الوقوب ، وهو الدخول ، يقال : وقبت الشمس إذا ~~غابت وتوارت في الأفق. أى : وقل أعوذ به تعالى من شر الليل إذا اشتد ظلامه ~~، وأسدل ستاره على كل شيء واختفى تحت جنحه ما كان ظاهرا. PageV15P544 # ومن شأن الليل عند ما يكون كذلك ، أن يكون مخيفا مرعبا ، لأن الإنسان لا ~~يتبين ما استتر تحته من أعداء. # ثم قال سبحانه : ( @QUR@05 ومن شر النفاثات في العقد ) وأصل النفاثات جمع ~~نفاثة ، وهذا اللفظ صيغة مبالغة من النفث ، وهو النفخ مع ريق قليل يخرج من الفم. # والعقد : جمع عقدة من العقد الذي هو ضد الحل ، وهي اسم لكل ما ربط وأحكم ربطه. # والمراد بالنفاثات في العقد : النساء السواحر ، اللائي يعقدن عقدا في ~~خيوط وينفثن عليها من أجل السحر. # وجيء بصيغة التأنيث في لفظ «النفاثات» لأن معظم السحرة كن من النساء. # ويصح أن يكون النفاثات صفة للنفوس التي تفعل ذلك ، فيكون هذا اللفظ شاملا ~~للذكور والإناث. # وقيل المراد بالنفاثات في العقد : النمامون الذين يسعون بين الناس ~~بالفساد ، فيقطعون ما أمر الله به أن يوصل ... وعلى ذلك تكون التاء في ~~«النفاثة» للمبالغة كعلامة وفهامة ، وليست للتأنيث. # أى : وقل أيضا أستجير بالله تعالى من شرور السحرة والنمامين ، ومن كل ~~الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون. # ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بقوله : ( @QUR@05 ومن شر حاسد إذا حسد ). ~~والحاسد : هو الإنسان الذي يتمنى زوال النعمة عن غيره. والحسد : حقيقة ~~واقعة. وأثره لا شك فيه ، وإلا لما أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن ~~يستعيذ من شرور الحاسدين. # قال الآلوسى : وقوله : ( @QUR@05 ومن شر حاسد إذا حسد ) أى إذا أظهر ما ~~في نفسه من الحسد وعمل بمقتضاه بترتيب مقدمات الشر ، ومبادي الاضرار ~~بالمحسود قولا وفعلا ... (1). # وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم ms6121 عن الحسد في أحاديث كثيرة منها قوله : «لا ~~تباغضوا ولا تحاسدوا ...». # ومنها قوله : «إياكم والحسد فإنه يأكل الحسنات ، كما تأكل النار الحطب». # هذا ، وقد تكلم العلماء كلاما طويلا عند تفسيرهم لقوله تعالى : ( @QUR@05 ~~ومن شر النفاثات في العقد ) عن السحر ، فمنهم من ذهب إلى أنه لا حقيقة له ~~وإنما هو تخييل وتمويه ... PageV15P545 # وجمهورهم على إثباته ، وأن له آثارا حقيقية ، وأن الساحر قد يأتى بأشياء ~~غير عادية ، إلا أن الفاعل الحقيقي في كل ذلك هو الله تعالى ... # وقد بسطنا القول في هذه المسألة عند تفسيرنا لقوله تعالى في سورة البقرة ~~: ( @QUR@016 واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ، وما كفر سليمان ~~ولكن الشياطين كفروا ، يعلمون الناس السحر ... ) (1). # نسأل الله تعالى أن يعيذنا من شرار خلقه ... # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ... PageV15P546 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * تفسير ### ||| * سورة الناس ### ||| * مقدمة وتمهيد # 1 سورة «الناس» كان نزولها بعد سورة «الفلق» ، وتسمى سورة المعوذة ~~الثانية ، والسورتان معا تسميان بالمعوذتين ، كما سبق أن أشرنا ، وعدد ~~آياتها ست آيات ... PageV15P547 ### ||| * التفسير ### ||| ** قال الله تعالى : ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@04 قل أعوذ برب الناس (1) @QUR@02 ملك الناس (2) @QUR@02 إله ~~الناس (3) @QUR@04 من شر الوسواس الخناس (4) # @QUR@05 الذي يوسوس في صدور الناس (5) @QUR@03 من الجنة والناس ) (6) # أى : قل أيها الرسول الكريم أعوذ وألتجئ وأعتصم «برب الناس» أى : بمربيهم ~~ومصلح أمورهم ، وراعى شئونهم ... إذ الرب هو الذي يقوم بتدبير أمر غيره ، ~~وإصلاح حاله ... # ( @QUR@02 ملك الناس ) أى المالك لأمرهم ملكا تاما. والمتصرف في شئونهم ~~تصرفا كاملا ... # ( @QUR@02 إله الناس ) أى : الذي يدين له الناس بالعبودية والخضوع ~~والطاعة لأنه هو وحده الذي خلقهم وأوجدهم في هذه الحياة ، وأسبغ عليهم من ~~النعم ما لا يحصى ... # وبدأ سبحانه بإضافة الناس إلى ربهم ، لأن الربوبية من أوائل نعم الله ~~تعالى على عباده ، وثنى بذكر المالك ، لأنه إنما يدرك ذلك بعد أن يصير ~~عاقلا مدركا ، وختم بالإضافة إلى الألوهية ، لأن الإنسان بعد أن يدرك ~~ويتعلم ، يدرك أن المستحق للعبادة هو الله رب العالمين. # قال الجمل : وقد وقع ترتيب هذه الإضافات على الوجه ms6122 الأكمل ، الدال على ~~الوحدانية ، لأن من رأى ما عليه من النعم الظاهرة والباطنة ، علم أن له ~~مربيا ، فإذا درج في العروج ... علم أنه تعالى غنى عن الكل ، والكل راجع ~~إليه ، وعن أمره تجرى أمورهم ، فيعلم أنه PageV15P548 # ملكهم ، ثم يعلم بانفراده بتدبيرهم بعد إبداعهم ، أنه المستحق للألوهية ~~بلا مشارك فيها ... (1). # وإنما خصت هذه الصفات بالإضافة إلى الناس مع أنه سبحانه رب كل شيء على ~~سبيل التشريف لجنس الإنسان ، ولأن الناس هم الذين أخطئوا في حقه تعالى ، إذ ~~منهم من عبد الأصنام ، ومنهم من عبد النار ، ومنهم من عبد الشمس إلى غير ~~ذلك من المعبودات الباطلة التي هي مخلوقة له تعالى . # قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم قيل : «برب الناس» مضافا إليهم خاصة؟ قلت ~~: لأن الاستعاذة وقعت من شر الموسوس في صدور الناس. فكأنه قيل : أعوذ من شر ~~الموسوس إلى الناس بربهم ، الذي يملك عليهم أمورهم ، كما يستغيث بعض ~~الموالي إذا اعتراهم خطب بسيدهم ومخدومهم ووالى أمرهم. # فإن قلت : «ملك الناس. إله الناس» ما هما من رب الناس؟ قلت : هما عطفا ~~بيان ، كقولك : سيرة أبى حفص عمر الفاروق. بين بملك الناس ، ثم زيد بيانا ~~بإله الناس ... # فإن قلت : فهلا اكتفى بإظهار المضاف إليه الذي هو الناس مرة واحدة؟ قلت : ~~أظهر المضاف إليه الذي هو الناس لأن عطف البيان للبيان ، فكان مظنة للإظهار ~~دون الإضمار ... (2). # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 من شر الوسواس الخناس ) متعلق بقوله ( @QUR@01 ~~أعوذ ). # والوسواس : اسم للوسوسة وهي الصوت الخفى ، والمصدر الوسواس بالكسر ، ~~والمراد به هنا : الوصف. من باب إطلاق اسم المصدر على الفاعل ، أو هو وصف ~~مثل : الثرثار. # و «الخناس» صيغة مبالغة من الخنوس ، وهو الرجوع والتأخر ، والمراد به : ~~الذي يلقى في نفس الإنسان أحاديث السوء. # وقوله : ( @QUR@05 الذي يوسوس في صدور الناس ) صفة لهذا الوسواس الخناس ~~وزيادة توضيح له ... # وقوله : ( @QUR@03 من الجنة والناس ) زيادة بيان للذي يوسوس في صدور ~~الناس ، وأن الوسوسة بالسوء تأتى من نوعين من المخلوقات : تأتى من الشياطين ~~المعبر عنهم بالجنة ... وتأتى من الناس. PageV15P549 # وقدم سبحانه الجنة على الناس ms6123 ، لأنهم هم أصل الوسواس ، إذ أنهم مختفون ~~عنا ، ولا نراهم ، كما قال تعالى : ( @QUR@08 إنه يراكم هو وقبيله من حيث ~~لا ترونهم ). # فلفظ الجنة بكسر الجيم مأخوذ من الجن بفتح الجيم على معنى الخفاء ~~والاستتار. # والمعنى : قل أيها الرسول الكريم أعوذ وأعتصم وأستجير ، برب الناس ، ~~ومالكهم ومعبودهم الحق ، من شر الشيطان الموسوس بالشر ، والذي يخنس ويتأخر ~~ويندحر ، إذا ما تيقظ له الإنسان ، واستعان عليه بذكر الله تعالى . # والذي من صفاته أيضا أنه يوسوس في صدور الناس بالسوء والفحشاء ، حيث يلقى ~~فيها خفية ، ما يضلها عن طريق الهدى والرشاد. # وهذا الوسواس الخناس ، قد يكون من الجن ، وقد يكون من الإنس ، فعليك أيها ~~الرسول الكريم أن تستعيذ بالله تعالى من شر النوعين جميعا. # قال تعالى : ( @QUR@015 وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن ، ~~يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ... ). # قال قتادة : إن من الجن شياطين ، وإن من الإنس شياطين ، فنعوذ بالله من ~~شياطين الإنس والجن. # وقال الإمام ابن كثير : هذه ثلاث صفات من صفات الله عز وجل الربوبية ، ~~والملك ، والألوهية. # فهو رب كل شيء ومليكه وإلهه ، فجميع الأشياء مخلوقة له ... فأمر سبحانه ~~المستعيذ أن يتعوذ بالمتصف بهذه الصفات ، من شر الوسواس الخناس ، وهو ~~الشيطان الموكل بالإنسان ، فإنه ما من أحد من بنى آدم ، إلا وله قرين يزين ~~له الفواحش ... والمعصوم من عصمه الله. # وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «ما منكم من أحد ~~إلا قد وكل به قرينه» ، قالوا : وأنت يا رسول الله؟ قال : «نعم ، إلا أن ~~الله تعالى أعاننى عليه فأسلم ، فلا يأمرنى إلا بخير» (1). # ومن الأحاديث التي وردت في فضل هذه السور الثلاث : الإخلاص والمعوذتين ، ~~ما أخرجه البخاري عن عائشة رضى الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~أوى إلى فراشه كل PageV15P550 # ليلة ، جمع كفيه ثم ينفث فيهما فيقرأ هذه السور ، ثم يمسح بهما ما استطاع ~~من جسده ، ويبدأ بها على رأسه ووجهه ، وما أقبل من جسده ، يفعل ذلك ثلاث ~~مرات ms6124 ... (1). # وبعد : فإلى هنا بحمد الله وفضله وكرمه وتوفيقه أكون قد انتهيت من هذا ~~التفسير الوسيط للقرآن الكريم ، بعد أن قضيت في كتابته زهاء خمسة عشر عاما. # وإنى لأضرع إلى الله عز وجل أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده ، كما ~~أضرع إليه سبحانه أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا ، وأنس نفوسنا ، وبهجة ~~أرواحنا. # وأن يوفقنا للعمل بما فيه من هدايات ، وآداب ، وأحكام ، ومواعظ ... وأن ~~يذكرنا منه ما نسينا ، وأن يعلمنا منه ما جهلنا ، وأن يجعله في ميزان ~~حسناتنا يوم نلقاه ( @QUR@012 يوم لا ينفع مال ولا بنون. إلا من أتى الله ~~بقلب سليم ). # كما نسأله تعالى أن لا يؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، وأن يغفر لنا ~~ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ، وأن يزيدنا من التقى والهدى والعفاف ~~والغنى ، وأن يؤتينا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ... # والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ||كتبه الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى| PageV15P551 ### ||| * فهرس إجمالى لتفسير جزء تبارك وعم # 67 سورة ~~الملك................................................................. 5 # 68 سورة ~~القلم................................................................. 33 # 69 سورة ~~الحاقة................................................................ 65 # 70 سورة ~~المعارج............................................................... 89 # 71 سورة ~~نوح................................................................ 109 # 72 سورة ~~الجن............................................................... 127 # 73 سورة ~~المزمل............................................................... 149 # 74 سورة ~~المدثر............................................................... 171 # 75 سورة ~~القيامة.............................................................. 195 # 76 سورة ~~الإنسان............................................................ 211 # 77 سورة ~~المرسلات........................................................... 231 # 78 سورة ~~النبأ................................................................ 245 # 79 سورة ~~النازعات............................................................ 261 # 80 سورة ~~عبس............................................................... 281 # 81 سورة ~~التكوير............................................................. 295 # 82 سورة ~~الانفطار............................................................ 307 # 83 سورة ~~المطففين............................................................ 315 # 84 سورة ~~الانشقاق........................................................... 331 # 85 سورة ~~البروج.............................................................. 341 # 86 سورة ~~الطارق............................................................. 351 # 87 سورة ~~الأعلى............................................................. 359 # 88 سورة ~~الغاشية............................................................. 371 # 89 سورة ~~الفجر.............................................................. 381 PageV15P553 # 90 سورة ~~البلد............................................................... 397 # 91 سورة ~~الشمس............................................................ 409 # 92 سورة ~~الليل............................................................... 417 # 93 سورة ~~الضحى............................................................ 425 # 94 سورة ~~الشرح.............................................................. 435 # 95 سورة ~~التين............................................................... 443 # 96 سورة ~~العلق............................................................... 451 # 97 سورة ~~القدر.............................................................. 461 # 98 سورة ~~البينة............................................................... 467 # 99 سورة ~~الزلزلة.............................................................. 475 # 100 سورة ~~العاديات.......................................................... 481 # 101 سورة ~~القارعة............................................................ 487 # 102 سورة ~~التكاثر........................................................... 493 # 103 سورة ~~العصر............................................................ 499 # 104 ms6125 سورة ~~الهمزة............................................................. 503 # 105 سورة ~~الفيل............................................................. 509 # 106 سورة ~~قريش............................................................. 513 # 107 سورة ~~الماعون............................................................ 517 # 108 سورة ~~الكوثر............................................................ 521 # 109 سورة ~~الكافرون.......................................................... 525 # 110 سورة ~~النصر............................................................ 529 # 111 سورة ~~المسد............................................................. 533 # 112 سورة ~~الإخلاص......................................................... 539 # 113 سورة ~~الفلق............................................................. 543 # 114 سورة ~~الناس............................................................. 547 PageV15P554 ### |EDITOR| ENDNOTES: (1) سورة إبراهيم : الآية 1. PageV01P004 (1) سورة الإسراء. الآية 9. (2) سورة المائدة : الآيتان 15 ، 16. (3) سورة الجن : الآيتان 1 ، 2. (4) سورة البقرة : الآيتان 23 ، 24. PageV01P005 (1) الأترجة : ثمرة حلوة الطعم ، طيبة الرائحة ، جميلة اللون ، تشبه التفاحة. (2) تفسير القرطبي : ح 1 ص 4 وما بعدها. PageV01P006 (1) سورة الحجر. الآية 9. (2) تفسير القرطبي ح 1 ص 26. PageV01P007 (1) تفسير ابن كثير ح 1 ص 4 وما بعدها بتصرف وتلخيص PageV01P008 (1) عرض الشيء : أظهره وأبرزه. المعجم الوسيط ح 2 ص 593. PageV01P009 (1) تفسير القرطبي. ج 1 ص 115 طبعة دار الكاتب العربي. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 8 طبعه عيسى الحلبي. (3) تفسير ابن جرير ج 1 ص 107 طبعة دار المعارف. (4) تفسير ابن كثير ج 1 ص 9. PageV01P011 (1) صحيح البخاري. كتاب التفسير. باب ما جاء في فاتحة الكتاب ج 6 ص 21. (2) أخرجه مسلم في كتاب : صلاة المسافرين وقصرها ج 2 ص 198. PageV01P012 (1) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة ج 2 ص 9. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 10. (3) سورة النحل الآية 98. (4) تفسير ابن كثير ج 1 ص 14. PageV01P013 (1) تفسير القرآن الكريم ص 16 لفضيلة الإمام الأكبر المرحوم محمود شلتوت. (2) تفسير القرطبي ج 1 ص 86. (3) تفسير القرطبي ج 1 ص 102. PageV01P014 (1) تفسير سورة الفاتحة لفضيلة المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين. مجلة لواء الإسلام العدد الأول من السنة الأولى ص 8. (2) تفسير القرآن العظيم ص 24 لفضيلة المرحوم الشيخ محمود شلتوت. PageV01P015 (1) فذة : مفردة مستقلة. PageV01P016 (1) تفسير ابن جرير ج 1 ص 135 طبعة دار المعارف. PageV01P017 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 3 طبعة المطبعة الشرقية سنة 1334 ه. PageV01P018 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 25. PageV01P019 (1) «فتح البيان ج 1 ص 29. الشيخ صديق حسن خان. (2) تفسير ابن جرير ج 1 ص 191. PageV01P020 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 13 طبعة بيروت. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ms6126 ص 25 طبعة الحلبي. PageV01P021 (1) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج 1 ص 25. PageV01P022 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 26. PageV01P023 (1) تفسير سورة الفاتحة لفضيلة الأستاذ الشيخ حامد محيسن بمجلة الأزهر السنة 22 العدد 13 ص 885 (2) تفسير سورة الفاتحة لفضيلة الإمام الأكبر المرحوم محمد الخضر حسين بمجلة لواء الإسلام العدد الأول من سنة الأولى ص 10. PageV01P024 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 30. PageV01P025 (1) تفسير القرطبي ج 1 ص 152. PageV01P027 (1) من كتاب «النبأ العظيم» ص 208 لفضيلة الدكتور محمد عبد الله دراز. PageV01P034 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 33. PageV01P039 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 36. (2) تفسير التحرير والتنوير ج 1 ص 118 للشيخ محمد الطاهر ابن عاشور. PageV01P041 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 41. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 42. PageV01P042 (1) سورة النساء الآية 136. PageV01P044 (1) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج 1 ص 42. PageV01P045 (1) تفسير الفخر الرازي ج 1 ص 169. PageV01P046 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 46. PageV01P047 (1) تفسير القرطبي ج 1 ص 186. PageV01P049 (1) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج 1 ص 50. PageV01P052 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 54. (2) تفسير القرطبي ج 1 ص 192. PageV01P053 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 64. PageV01P059 (1) قال السكاكي : المشاكلة : أن تذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته ا ه مفتاح العلوم ص 225. PageV01P061 (1) تفسير القرطبي ج 1 ص 214. PageV01P064 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 56. PageV01P068 (1) من كتاب النبأ العظيم ص 164 لفضيلة المرحوم الدكتور الشيخ محمد عبد الله دراز. PageV01P069 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 58. PageV01P073 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 97. PageV01P074 (1) تفسير الفخر الرازي ج 1 ص 222. PageV01P075 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 38. PageV01P076 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 101. (2) تفسير الفخر الرازي ج 1 ص 224. PageV01P077 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 102. (2) تفسير القاسمى ج 2 ص 77. PageV01P078 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 108. PageV01P080 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 111 وما بعدها. PageV01P083 (1) تفسير ابن جرير ج 1 ص 417 طبعة دار المعارف. PageV01P086 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 35. PageV01P088 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 69. PageV01P092 (1) تفسير القاسمى ج 2 ص 7. PageV01P093 (1) تفسير القاسمى ج 2 ص 104. PageV01P098 (1) تفسير ابن جرير ج 1 ص 521. PageV01P100 (1) رواه الإمام ms6127 أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما (2) تفسير الفخر الرازي ج 1 ص 430 PageV01P106 (1) تفسير الفخر الرازي ج 1 ص 432 بتصرف وتلخيص. PageV01P107 (1) تفسير «البحر المحيط» لأبى حيان ج 1 ص 180 ، مطبعة السعادة سنة 1327 ه. PageV01P109 (1) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج 1 ص 181 مطبعة السعادة : الطبعة الأولى سنة 1332 ه. PageV01P110 (1) تفسير القرطبي ج 1 ص 365 : طبعة دار الكتب سنة 1245 ه (سنة 1925 م). PageV01P111 (1) تفسير ابن جزير ج 1 ص 262. (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 134. PageV01P113 (1) سورة البقرة الآية 211. PageV01P115 (1) سورة الدخان الآيات 30 33. (2) سورة الجاثية الآية 17 ، 18. PageV01P116 (1) تفسير الرازي ج 1 ص 355. PageV01P117 (1) سورة البقرة الآية 255. (2) سور طه الآية 109. (3) صحيح البخاري «باب التيمم» ج 1 ص 91. PageV01P118 (1) تفسير ابن جرير ج 1 ص 268. PageV01P119 (1) سورة الأنبياء الآية 35. PageV01P120 (1) تفسير الرازي ج 1 ص 360. PageV01P121 (1) تفسير الفخر الرازي ج 1 ص 358. (2) آية سورة إبراهيم هي قوله تعالى : ( وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ، ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ) الآية 6. PageV01P122 (1) الآية 141. (2) الآيات 80 82. PageV01P123 (1) سورة الإسراء الآية 103. PageV01P124 (1) سورة الذاريات الآية 40. (2) تفسير الرازي بتصريف ج 1 ص 360. PageV01P125 (1) الآيات من 61 65. PageV01P126 (1) سورة الفرقان الآية 1. (2) سورة الأنبياء الآية 48. (3) تفسير ابن جرير ج 1 ص 285 طبعة الحلبي. PageV01P128 (1) الآية 5. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 175. (3) أعلام الموقعين لابن القيم (نقلا عن تفسير القاسمى) ج 16 ص 85. PageV01P129 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 140. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 92. PageV01P131 (1) تفسير ابن جرير ج 1 ص 286 طبعة الحلبي. PageV01P132 (1) ابن جرير ج 1 ص 290 طبعة الحلبي. PageV01P133 (1) تفسير ابن جرير ج 1 ص 268. PageV01P134 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 94. (2) تفسير ابن كثير ص 94. (3) تفسير ابن كثير ص 94. (4) تفسير ابن جرير ج 1 ص 293 طبعة الحلبي. PageV01P135 (1) تفسير ابن جرير ج 1 ص 397 ، 398 PageV01P138 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 216. PageV01P139 (1) تفسير ابن جرير ج 1 ص 98. (2) تفسير ابن جرير ج 1 ص 202. PageV01P140 (1) صحيح البخاري. باب ms6128 (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية ج 1 ص 22. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 99. (3) تفسير الكشاف ج 1 ص 218. PageV01P141 (1) وقيل كان الاستسقاء في البرية ولكن الآثار التي تدل على أنه كان في التيه أصح وأكثر. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 100. PageV01P143 (1) تفسير ابن جرير ج 1 ص 308 طبعة الحلبي. PageV01P145 (1) تفسير ابن جرير ج 1 ص 309. (2) تفسير ابن جرير ج 1 ص 309. (3) تفسير ابن حيان ج 1 ص 331. (4) فنزعوا إلى عكرهم : أى حنوا إلى أصلهم وعادتهم. (5) تفسير الكشاف ج 1 ص 271. PageV01P146 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 101. PageV01P147 (1) تفسير «التحرير والتنوير» ج 1 ص 500 الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور طبعة عيسى البابى الحلبي سنة 1964. (2) تفسير ابن جرير ج 1 ص 312. (3) تفسير ابن كثير ج 1 ص 101. PageV01P148 (1) تفسير ابن جرير ج 1 ص 315. (2) تفسير أبى حيان ج 1 ص 233. (3) الآيات 57 59. (4) الآيات من 25 28. PageV01P149 (1) تفسير ابن جرير ج 1 ص 314. (2) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج 1 ص 234. (3) تفسير ابن جرير ج 1 ص 313. PageV01P150 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 102. PageV01P151 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 217. PageV01P152 (1) تفسير ابن جرير ج 1 ص 315. (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 217. PageV01P153 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 217. (2) تفسير الفخر الرازي ج 1 ص 390. PageV01P154 (1) تفسير ابن جرير ج 1 ص 324. (2) تفسير القرطبي ج 1 ص 347. PageV01P158 (1) تفسير ابن جرير ج 1 ص 327. (2) الآيات من 163 166. (3) الآية 124. (4) الآية 154. PageV01P160 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 197 بتصرف وتلخيص وهناك روايات أخرى في شأن هذه القصة ذكرها ابن جرير وأبو حيان وغيرهما لم نذكرها لأنها لا تختلف عن النص الذي سقناه إلا في التفاصيل. PageV01P162 (1) مجلة لواء الإسلام العدد السابع السنة الثانية ص 8. (2) (ما) هنا مراد بها السؤال عن الصفة كما يقول من يسمع الناس يتكلمون عن حاتم أو الأحنف وقد علم أنهما رجلان ، ولم يعلم صفتيهما ما حاتم؟ أو ما الأحنف؟ فيقال : كريم أو حليم. (3) الفارض المسنة اسم للبقرة التي انقطعت ولادتها من الكبر ، وسميت بذلك لأنها فرضت سنها أى قطعتها وبلغت ms6129 آخرها. والبكر هي الفتية مشتقة من البكرة بالضم وهي أول النهار ، والمراد بها هنا التي لم تلد. قال ابن جرير (البكر من إناث البهائم وبنى آدم ما لم يفتحله الفحل) والعوان هي المتوسطة في السن : وصح إضافة (بين) إلى اسم الإشارة (ذلك) لأنه أشير إلى الفارض والبكر. قال ابن جرير : (العوان النصف التي قد ولدت بطنا من بطن .. وجمعها عون. يقال : امرأة عوان من نسوة عون ، وحرب عوان إذا كانت حربا قد قوتل فيها مرة بعد أخرى). PageV01P164 (1) تفسير ابن جرير ج 1 ص 335. (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 219. PageV01P165 (1) تفسير التحرير والتنوير ج 1 ص 533. PageV01P166 (1) تفسير ابن جرير ج 1 ص 358. (2) الذلول بفتح الذال فعول من ذل ذلا بكسر الذال في المصدر بمعنى لأن وسهل ، وأما الذل بضم الذال فهو ضد العز ، وهما مصدران لفعل واحد خص في الاستعمال أحد المصدرين بأحد المعنيين. PageV01P167 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 230. PageV01P168 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 220. PageV01P169 (1) تفسير التحرير والتنوير ج 1 ص 529. (2) تفسير ابن جرير ج 1 ص 309. PageV01P170 (1) تفسير المنار ج 1 ص 151. (2) تفسير ابن جرير ج 1 ص 342. PageV01P171 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 221. PageV01P173 (1) تفسير ابن جرير ج 1 ص 347. PageV01P174 (1) تفسير ابن جرير ج 1 ص 347. (2) تفسير المنار ج 1 ص 346. PageV01P175 (1) إغاثة اللهفان ج 2 ص 30 لابن القيم. PageV01P176 (1) الطمع تعلق النفس بالحصول على شيء مرغوب تعلقا قويا. (2) التحريف أصله مصدر حرف الشيء يحرفه إذا مال به إلى الحرف ، وهو يقتضى الخروج عن جادة الطريق ، ولما شاع تشبيه الحق والصواب بالجادة وبالصراط المستقيم ، شاع في تشبيه ما خالف ذلك بالانحراف. PageV01P178 (1) والضمير في (قالوا) الأولى يعود إلى فريق اليهود الذين أظهروا الإسلام نفاقا ، وفي (قالوا) الثانية يعود إلى فريق اليهود الذين بقوا على يهوديتهم ، والذين كانوا يلومون من نافقوا منهم لتحديثه المؤمنين بما يشهد بصدق محمد صلىاللهعليهوسلم . (2) تفسير الرازي ج 1 ص 400. PageV01P179 (1) تفسير ابن جرير ج 1 ص 380. PageV01P180 (1) الأميون جمع أمى ، وهو الذي لا يحسن الكتابة والقراءة. (2) تفسير ابن جرير ج 1 ص 275. PageV01P181 (1) الويل لفظ ms6130 دال على الشر أو الهلاك ، وهو مصدر لا فعل له من لفظه وقد يستعمل بدون حرف نداء كما هنا ، وقد يستعمل مع حرف النداء كما في قوله تعالى «يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا». PageV01P182 (1) تفسير القاسمى ج 1 ص 174. PageV01P183 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 218. (2) تفسير ابن جرير ج 1 ص 283 طبعة الحلبي. (3) لباب النقول في أسباب النزول للسيوطي ص 11. PageV01P184 (1) تفسير الفخر الرازي ج 3 ص 143 طبعة عبد الرحمن محمد. PageV01P185 (1) تفسير المنار ج 1 ص 370. PageV01P189 (1) سورة النور الآية 61. (2) تفسير المنار ج 1 ص 372. PageV01P191 (1) مجلة لواء الإسلام العدد 11 السنة الثانية. PageV01P192 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 123. (2) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ج 3 ص 282 للإمام ابن تيمية وقد ساق رحمهالله أكثر من عشرة آثار في هذا المعنى عند حديثه عن هذه الآية. PageV01P197 (1) تفسير ابن جرير ج 1 ص 418. (2) تفسير الكشاف بتصرف ج 1 ص 224. PageV01P202 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 225. (2) تفسير الفخر الرازي ج 1 ص 432. (3) تفسير الرازي ج 1 ص 432. PageV01P205 (1) تفسير ابن جرير ج 1 ص 424. PageV01P207 (1) عن كتاب ( النبإ العظيم ) من ص 114 : ص 122 لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد عبد الله دراز. PageV01P209 (1) تفسير ابن جرير ج 1 ص 426. PageV01P210 (1) تفسير الرازي ج 1 ص 433. PageV01P211 (1) آل عمران الآية 61. (2) تفسير ابن جرير ج 1 ص 427. (3) تفسير ابن كثير ج 1 ص 427. (4) تفسير الكشاف ج 1 ص 225. PageV01P212 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 235. PageV01P214 (1) تفسير ابن جرير ج 1 ص 431. (2) صحيح البخاري كتاب التفسير باب قوله تعالى : «قل من كان عدو لجبريل» ج 6 ص 23. PageV01P216 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 129. (2) تفسير التحرير والتنوير ج 1 ص 226. PageV01P217 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 226. PageV01P218 (1) تفسير ابن جرير ج 1 ص 449. PageV01P219 (1) تفسير المنار ج 1 ص 394. PageV01P220 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 227. (2) تفسير الفخر الرازي ج 1 ص 417. PageV01P221 (1) تفسير ابن جرير ج 1 ص 443 بتصرف وتلخيص. PageV01P223 (1) تفسير المنار ج 1 ص 346. PageV01P224 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 222. PageV01P225 (1) تفسير المنار ج 1 ص 401. PageV01P226 (1) ويجوز أن تكون (ما) ms6131 معطوفة على قوله تعالى : ( ما تتلوا الشياطين ) والمعنى على هذا الرأى. واتبع اليهود بعد أن نبذوا كتاب الله السحر الذي تلته الشياطين على عهد سليمان واتبعوا كذلك السحر الذي أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وعلى هذا الرأى يكون قوله تعالى : ( ولكن الشياطين كفروا ) يعلمون الناس السحر جملة معترضة بين المتعاطفين قصد بها تبرئة سليمان من السحر وإضافته إلى الشياطين ، وبيان أنهم هم الذين تعلموه وعلموه الناس بقصد إضلالهم. هذا وفي إعراب (ما) في قوله تعالى : (وما أنزل على الملكين) آراء أخرى اكتفينا عنها بما ذكرناه لوفاته بالغرض. (2) بابل : مدينة بالعراق ينسب إليها السحر والخمر. PageV01P227 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 228. (2) المثوبة : اسم مصدر أثاب أعطى الثواب ، والثواب الجزاء الذي يعطى للغير. PageV01P230 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 228. (2) تفسير الآلوسى ج 1 ص 384. PageV01P231 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 573. (2) فتح الباري : لابن حجر ج 12 ص 245 طبعة الحلبي. PageV01P232 (1) التفسير القيم لابن القيم تفسير سورة الفلق. (2) تفسير القرطبي ج 2 ص 64. (3) صحيح مسلم «كتاب السلام» باب السحر ج 4 ص 1719 شرح وتحقيق الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي. PageV01P233 (1) مجلة لواء الإسلام السنة الثالثة العدد الثالث ص 8. PageV01P234 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 148. (2) كتاب «الصارم المسلول على شاتم الرسول ، ص 141 للإمام ابن تيمية. PageV01P236 (1) صحيح البخاري ، باب «إذا عرض الذمي وغيره بسبب النبي. من كتاب «استتابة المتدين» ج 9 ص 20. (2) أخرجه البخاري واللفظ له في باب «كيف يرد على أهل الذمة السلام ، ج 8 ص 70 وأخرجه مسلم في كتاب السلام ، ج 4 ص 1806 تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. (3) صحيح مسلم : باب «النهى عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم من «كتاب السلام» ج 4 ص 1207. PageV01P237 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 174. PageV01P238 (1) سورة الحجر الآية رقم 9. PageV01P240 (1) سورة البقرة الآية 56. (2) سورة الأعراف الآية 138. PageV01P242 (1) مجلة لواء الإسلام السنة الثالثة العدد 5 ص 6. PageV01P243 (1) تفسير المنار ج 1 ص 421. PageV01P245 (1) تفسير ابن جرير ج 1 ص 491. (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 130. (3) سورة الشعراء الآية 54. PageV01P247 (1) هامش تفسير الكشاف ms6132 ج 1 ص 330. (2) تفسير ابن جرير ج 1 ص 649. PageV01P248 (1) تفسير الآية الكريمة للمرحوم الشيخ محمد الخضر حسين : مجلة لواء الإسلام السنة الثالثة العدد الخامس ص 7. PageV01P249 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 154. PageV01P250 (1) تفسير القرطبي ج 2 ص 77. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 179. (3) تفسير ابن كثير ج 1 ص 108. PageV01P253 (1) تفسير القرطبي ج 1 ص 86. PageV01P256 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 161. PageV01P257 (1) تفسير الرازي ج 1 ص 416. PageV01P258 (1) سورة النساء الآية 135. (2) سورة التوبة الآية 30. PageV01P259 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 170. PageV01P268 (1) تفسير الفخر الرازي ج 1 ص 476. PageV01P269 (1) أسباب النزول للنيسابورى طبعة الحلي ص 22. PageV01P276 (1) سورة يونس الآية 72. (2) سورة يونس الآية 84. (3) سورة آل عمران الآية 52. (4) سورة القصص الآية 53. PageV01P277 (1) من بحث قيم للمرحوم الشيخ محمد عبد الله دراز موضوعه (موقف الإسلام من الأديان الأخرى وعلاقته بها) نشر بمجلة لواء الإسلام العدد 11 السنة 11 ص 68 ، وكان فضيلته قد أعد هذا البحث لإلقائه في الندوة العالمية للإسلاميات ، التي انعقدت في لاهور في أواخر سنة 1957 ، إلا أن المنية عاجلته قبل الانتهاء من الندوة فرحمة الله عليه ورضوانه. PageV01P279 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 229. PageV01P280 (1) تفسير الرازي ج 1 ص 518. PageV01P281 (1) تفسير الفخر الرازي ج 3 ص 91. (2) تفسير الفخر الرازي ج 1 ص 417. PageV01P282 (1) تفسير القرطبي ج 2 ص 141 بتلخيص. PageV01P283 (1) تفسير القرطبي ج 2 ص 143. (2) تفسير ابن جرير ج 1 ص 431. PageV01P284 (1) تفسير الرازي ج 1 ص 522. PageV01P285 (1) والآيات تشهد بذلك منها قوله : ( ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون. أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت ) . إلى قوله تعالى : ( ونحن له مسلمون ) ، ومنها قوله تعالى : ( يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون ) . PageV01P288 (1) مجلة لواء الإسلام العدد 12 السنة الثالثة ص 827. PageV01P289 (1) البخاري باب «الصلاة من الإيمان» من كتاب الإيمان ج 1 ص 17. (2) البخاري باب «ما جاء في القبلة» من كتاب الصلاة ج 1 ص 106. PageV01P291 (1) هذا الآيات من 142 ، 143 ، 144. PageV01P293 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 227. PageV01P294 (1) صحيح ms6133 البخاري ، باب : «وكذلك جعلناكم أمة وسطا» من كتاب التفسير ، ج 6 ص 26. PageV01P295 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 238. PageV01P296 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 192. PageV01P297 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 193. PageV01P298 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 329. PageV01P300 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 194. PageV01P301 (1) تفسير ابن جرير ج 2 ص 27. PageV01P302 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 240. PageV01P304 (1) تفسير الآلوسى ج 2 ص 18 ط منير الدمشقي. PageV01P306 (1) تفسير التحرير والتنوير ج 2 ص 45 الشيخ محمد الطاهر بن عاشور. (2) تفسير الآلوسى ج 2 ص 19. PageV01P307 (1) تفسير المنار ج 2 ص 32. PageV01P308 (1) سورة إبراهيم الآية 6. PageV01P309 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 196. PageV01P310 (1) تفسير المنار ج 2 ص 37. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 123. PageV01P311 (1) تفسير الآلوسى ج 2 ص 20. PageV01P312 (1) تفسير الرازي ج 4 ص 168 طبعة عبد الرحمن محمد. PageV01P315 (1) تفسير القرطبي ج 2 ص 176 طبعة دار الكتب الطبعة الثانية سنة 1373 ه. PageV01P316 (1) تفسير الآلوسى ج 2 ص 34. PageV01P318 (1) أخرجه البخاري في كتاب الحج ج 2 ص 193 (2) راجع تفسير القاسمى ج 2 ص 344. PageV01P320 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 182 طبعة عبد الرحمن محمد. PageV01P321 (1) تفسير الآلوسى ج 2 ص 26. PageV01P322 (1) أخرجه البخاري في كتاب العلم. باب حفظ العلم ج 1 ص 40. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 20. PageV01P324 (1) تفسير التحرير والتنوير للشيخ الطاهر بن عاشور ج 2 ص 16. PageV01P325 (1) تفسير التحرير والتنوير للشيخ محمد بن عاشور ج 2 ص 70. PageV01P328 (1) تفسير المنار ج 2 ص 59. PageV01P331 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 229. (2) تفسير الآلوسى ج 2 ص 33. PageV01P334 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 132. PageV01P336 (1) تفسير التحرير والتنوير ج 2 ص 93 للشيخ محمد الطاهر ابن عاشور. (2) تفسير الآلوسى ج 2 ص 36. (3) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 238. PageV01P339 (1) تفسير الفخر الرازي بتصرف وتلخيص ج 5 ص 2. PageV01P340 (1) تفسير الآلوسى ج 2 ص 38 طبعة منير الدمشقي. PageV01P341 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 204 طبعة عيسى الحلبي. (2) تفسير الآلوسى ج 2 ص 28. PageV01P342 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 213. PageV01P343 (1) من كتاب «أعلام الموقعين» لابن القيم. نقلا عن تفسير القاسمى ج 2 ms6134 ص 270. (2) تفسير القرآن الكريم لفضيلة الإمام محمد الخضر حسين ، مجلة لواء الإسلام. السنة الرابعة. العدد السادس. PageV01P344 (1) تفسير الآلوسى ج 2 ص 41. PageV01P346 (1) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 8 بتصرف وتلخيص. PageV01P347 (1) تفسير الآلوسى ج 2 ص 41. (2) تفسير المنار ج 2 ص 96. PageV01P349 (1) تفسير الآلوسى ج 2 ص 41. (2) تفسير القرطبي ج 2 ص 222. PageV01P350 (1) الآية 145. وراجع كتابنا «تفسير سورة الأنعام» في معنى الآية ص 308. PageV01P353 (1) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 28 ، بتصرف. PageV01P354 (1) تفسير الآلوسى ج 2 ص 44. PageV01P356 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 140. PageV01P357 (1) المفردات في غريب القرآن ص 40 للراغب الأصفهاني. (2) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 38. PageV01P359 (1) تفسير الطبرسي ج 2 ص 92 طبعة مكتبة الحياة ببيروت سنة 1980. PageV01P360 (1) الشارف : من الدواب المسن. أه المعجم الوسيط ج 1 ص 479 (2) العطن : مبرك الإبل ومربض الغنم عند الماء. المعجم الوسيط ج 2 ص 609. PageV01P362 (1) راجع تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 44 ، وتفسير الآلوسى ج 2 ص 47. PageV01P364 (1) تفسير القرطبي ج 2 ص 245 طبعة دار الكتب المصرية سنة 1373 ه. PageV01P367 (1) تفسير القرطبي ج 2 ص 248. PageV01P368 (1) تفسير البيضاوي ص 36. PageV01P369 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 222. PageV01P370 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 223. PageV01P371 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 2 ص 51. PageV01P372 (1) الصوت مذكر ، وقد أنثه الشاعر هنا لأنه أراد به الضوضاء والجلبة على معنى الصيحة كما أفاده المعلق على القرطبي نقلا عن لسان العرب. PageV01P373 (1) تفسير القرطبي ج 2 ص 259. PageV01P374 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 144. PageV01P375 (1) تفسير القرآن الكريم لفضيلة استأذنا المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين. مجلة لواء الإسلام السنة الرابعة : العدد العاشر. PageV01P376 (1) قطعة من حديث رواه البخاري في كتاب الصوم ج 3 ص 31. (2) تفسير الرازي ج 5 ص 78. PageV01P380 (1) تفسير القرطبي ج 2 ص 276 بتصرف وتلخيص. (2) تفسير الآلوسى ج 2 ص 58. PageV01P381 (1) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 80. PageV01P382 (1) مفردات القرآن ص 312 للراغب الأصفهاني. PageV01P383 (1) الترغيب والترهيب للمنذرى ج 2 ص 85 من «كتاب الصوم». (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 216. PageV01P385 (1) تفسير القرطبي ج 2 ص 291 بتصرف وتلخيص. PageV01P386 (1) تفسير الآلوسى ج 2 ص ms6135 61. PageV01P387 (1) الترغيب والترهيب للمنذرى ج 2 ص 108. PageV01P388 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 218. (2) تفسير البيضاوي ص 39. (3) تفسير ابن كثير ج 1 ص 218. PageV01P389 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 219. (2) راجع كتاب (الدعاء) للمؤلف طبع مجمع البحوث : الكتاب السادس والخمسون. PageV01P391 (1) تفسير الآلوسى ج 2 ص 64. (2) تفسير القرطبي ج 2 ص 314. PageV01P392 (1) تفسير القرطبي ج 2 ص 314. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 149. PageV01P393 (1) تفسير الكشاف للزمخشري ج 1 ص 230. (2) مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص 163. PageV01P394 (1) تفسير المنار ج 2 ص 176. PageV01P395 (1) تفسير القرطبي ج 2 ص 332 بتصرف وتلخيص. PageV01P398 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 223. PageV01P399 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 225. PageV01P401 (1) تفسير الآلوسى ج 2 ص 71. PageV01P402 (1) تفسير القاسمى ج 2 ص 473 بتصرف. PageV01P404 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 243. PageV01P405 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 226. (2) تفسير المنار ج 2 ص 208. PageV01P406 (1) تفسير البحر المحيط ج 2 ص 65 لأبى حيان. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 226. PageV01P407 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 236. PageV01P409 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 227. (2) تفسير القاسمى ج 2 ص 476. (3) تفسير الآلوسى ج 2 ص 76. PageV01P410 (1) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 146. (2) سورة التوبة الآية 36. (3) تفسير القرطبي ج 2 ص 355. PageV01P412 (1) تفسير الآلوسى ج 1 ص 77. PageV01P413 (1) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 148 بتصرف وتلخيص. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 155. PageV01P414 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 230. PageV01P417 (1) سورة التوبة الآية 5. PageV01P418 (1) سورة البقرة الآية 185. (2) سورة الحج الآية 78. (3) الترغيب والترهيب للمنذرى ج 2 ص 208. PageV01P419 (1) سورة الحج الآية 33. (2) تفسير الآلوسى ج 2 ص 81. (3) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 163. PageV01P420 (1) تفسير القرطبي ج 2 ص 386. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 233. PageV01P421 (1) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 167 طبعة عبد الرحمن محمد. PageV01P422 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 234. PageV01P423 (1) تفسير القرطبي ج 2 ص 405. (2) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 178. PageV01P426 (1) تفسير الآلوسى ج 2 ص 86. PageV01P427 (1) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 84 بتلخيص. PageV01P428 (1) ذو المجاز : مكان خلف جبل عرفات. وعكاظ : مكان في واد بينه وبين الطائف ليلة وبينه وبين مكة ثلاث ليال ومجنة ms6136 : مكان يمر الظهران. وهذه الأماكن تسمى بأسواق العرب. PageV01P429 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 240. (2) تفسير القرطبي ج 2 ص 415. PageV01P430 (1) تفسير الآلوسى ج 2 ص 88. PageV01P432 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 243 بتصرف يسير. PageV01P433 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 248. PageV01P434 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 244. (2) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 204. PageV01P435 (1) تفسير القرطبي ج 2 ص 435 (2) تفسير القرطبي ج 3 ص 1. PageV01P436 (1) تفسير الآلوسى ج 2 ص 94. PageV01P438 (1) تفسير القرطبي ج 3 ص 16. (2) المفردات في غريب القرآن ص 379 للراغب الأصفهاني. PageV01P440 (1) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 219. PageV01P441 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 164. (2) تفسير المنار ج 2 ص 251. PageV01P442 (1) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 216. PageV01P443 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 246. (2) تفسير المنار ج 2 ص 252. PageV01P444 (1) تفسير الآية الكريمة لفضلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة بمجلة لواء الإسلام. السنة الخامسة العدد الخامس. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 247. PageV01P445 (1) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 626. PageV01P446 (1) تفسير الآلوسى ج 2 ص 97. PageV01P447 (1) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 231. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 248. PageV01P449 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 253. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 166. PageV01P450 (1) تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 3. PageV01P451 (1) تفسير القرطبي ج 3 ص 28. PageV01P452 (1) تفسير القرطبي ج 3 ص 29. PageV01P453 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 255. (2) تفسير المنار ج 2 ص 274 بتلخيص. PageV01P454 (1) تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 11. (2) تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 12. PageV01P455 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 250. (2) تفسير القرطبي ج 3 ص 31. PageV01P456 (1) تفسير المنار ج 2 ص 282 بتصرف وتلخيص. (2) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة. مجلة لواء الإسلام السنة الخامسة من العدد الثامن PageV01P457 (1) تفسير المنار ج 2 ص 284 ، 286. (2) تفسير الآلوسى ج 2 ص 102. PageV01P459 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 250. PageV01P461 (1) تفسير القرطبي ج 3 ص 34. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 169. PageV01P462 (1) تفسير الكشاف ج 1 صفحة 256. (2) تفسير الآلوسى ج 2 صفحة 104. PageV01P463 (1) صحيح البخاري كتاب الإكراه. باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر ج 9 ms6137 ص 26. PageV01P464 (1) تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 26. (2) تفسير الآلوسى ج 2 ص 105. PageV01P466 (1) حاشية الجمل ج 1 ص 170. (2) تفسير آيات الأحكام ج 1 ص 114 لفضيلة الأستاذ محمد على السائس. PageV01P467 (1) تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 29. PageV01P468 (1) تفسير القرطبي ج 3 ص 39. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 252. PageV01P469 (1) تفسير بن كثير بتصرف وتلخيص ج 1 ص 254 ، وسيرة ابن هشام ج 2 ص 240. PageV01P471 (1) تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 32. (2) تفسير الجمل ج 1 ص 173. PageV01P472 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 174. (2) تفسير الآلوسى ج 2 ص 108. PageV01P475 (1) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الشيخ محمد أبو زهرة مجلة لواء الإسلام السنة الخامسة : العدد العاشر ص 599. PageV01P476 (1) تفسير الفخر الرازي ج 2 ص 41. (2) تفسير القرطبي ج 2 ص 51. PageV01P477 (1) تفسير القرطبي ج 3 صفحة 51. PageV01P478 (1) تفسير ابن كثير ج 1 صفحة 256. (2) تفسير الكشاف في ج 1 صفحة 259. PageV01P479 (1) أخرجه مسلم في كتاب الأشربة ج 6 ص 100. (2) أحكام القرآن لابن العربي ج 1 صفحة 149. PageV01P480 (1) تفسير الآلوسى ج 2 صفحة 113. (2) تفسير القرطبي ج 3 صفحة 52. (3) راجع تفسير الآلوسى ج 2 ص 113 ، وتفسير القرطبي ج 2 ص 58. PageV01P481 (1) راجع على سبيل المثال «تفسير الجواهر» في معنى الآية للمرحوم طنطاوى جوهرى وتفسير المنار ج 2 ص 321. (2) تفسير المنار ج 2 ص 230. PageV01P482 (1) تفسير الآلوسى ج 2 ص 115. PageV01P483 (1) تفسير المنار ج 2 ص 238. (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 263. PageV01P484 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 256. PageV01P485 (1) من الآية 221 وهي ، ( ولا تنكحوا المشركات .. ) إلخ قوله : ( كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون ) الآية 242. PageV01P486 (1) سورة المائدة الآية 5. PageV01P487 (1) تفسير الآلوسى ج 2 ص 118. (2) تفسير القرطبي ج 3 ص 68 بتصرف وتلخيص. PageV01P488 (1) راجع على سبيل المثال تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 57 ، وتفسير القرطبي ج 3 ص 66. PageV01P489 (1) تفسير الفخر الرازي ج 6 صفحة 64. PageV01P490 (1) تفسير القرآن الكريم لفضيلة الأستاذ الجليل الشيخ محمد أبو زهرة مجلة لواء الإسلام السنة الخامسة العدد 12 سنة 1952. PageV01P492 (1) صحيح مسلم : كتاب الحيض ج 1 صفحة 169. PageV01P493 (1) راجع تفسير «التحرير والتنوير» ج 2 ص 350 للشيخ محمد بن عاشور. ms6138 (2) غبر الحيضة : جمع غبرة وهي آخر الشيء. يريد أن يقول : إن أم هذا الممدوح لم تحمل به في آخر مدة الحيض لذا جاء مستقيم الخلقة. (3) صحيح البخاري : كتاب الحيض ج 1 ص 82. PageV01P494 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 صفحة 179. (2) تفسير الآلوسى ج 2 صفحة 124 وبتلخيص قليل. PageV01P496 (1) تفسير الكشاف ج 1 صفحة 266. PageV01P497 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 266. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 266. (3) سورة النور الآية 22. PageV01P499 (1) تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 80. PageV01P500 (1) تفسير القرطبي ج 3 صفحة 107 بتصرف وتلخيص. PageV01P503 (1) تفسير «مجمع البيان» ج 2 صفحة 226 للطبرسي. (2) سورة البقرة الآية 234 (3 ، 4) سورة الطلاق الآية 4. (5) سورة الأحزاب الآية 49. PageV01P506 (1) تفسير الكشاف ج 1 صفحة 271. (2) تفسير الكشاف ج 1 صفحة 271. PageV01P507 (1) تفسير الآلوسى ج 2 صفحة 131. (2) تفسير الفخر الرازي ج 6 صفحة 94. (3) تفسير المنار ج 1 صفحة 271. PageV01P508 (1) تفسير الفخر الرازي ج 6 صفحة 98. (2) تفسير القرطبي ج 3 صفحة 119 بتلخيص. PageV01P509 (1) تفسير القرطبي ج 3 صفحة 120. (2 و3) تفسير الآلوسى ج 2 صفحة 134. PageV01P510 (1) تفسير القرآن الكريم لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة. مجلة لواء الإسلام السنة السادسة العدد 3 (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 271 PageV01P512 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 273. PageV01P513 (1) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني من ص 161 ، ص 100 ، ص 374 PageV01P514 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 274. PageV01P515 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 274. PageV01P516 (1) الآية 187 من هذه السورة. (2) صحيح البخاري في كتاب الطلاق الثلاث ج 7 ص 55. PageV01P517 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 276 بتلخيص. PageV01P518 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 278. PageV01P519 (1) تفسير القرطبي ج 3 ص 156. PageV01P521 (1) تفسير القرطبي ج 3 ص 159. (2) تفسير الآلوسى ج 1 ص 144. PageV01P522 (1) الترغيب والترهيب للمنذرى ج 3 ص 83. PageV01P525 (1) مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص 137. PageV01P526 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 188. (2) تفسير القرطبي ج 3 ص 162. PageV01P527 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 279. PageV01P528 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 189. PageV01P529 (1) تفسير الآلوسى ج 2 ص 147 (2) تفسير القرطبي ج 3 ص 172 PageV01P530 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 284. PageV01P532 (1) تفسير ابن ms6139 كثير ج 1 ص 185. PageV01P533 (1) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الأستاذ الجليل الشيخ محمد أبو زهرة مجلة لواء الإسلام العدد الثامن السنة السادسة سنة 1952. PageV01P534 (1) تفسير القرطبي ج 3 صفحة 188. (2) تفسير الكشاف ج 1 صفحة 282. PageV01P536 (1) تفسير القرطبي ج 3 ص 190. (2) الترغيب والترهيب للمنذرى ج 2 ص 38. (3) تفسير الكشاف ج 1 ص 284. PageV01P537 (1) سورة آل عمران الآية 47. PageV01P540 (1) تفسير القرطبي ج 3 صفحة 196. PageV01P541 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 صفحة 193. PageV01P542 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 286 بتصرف يسير. PageV01P544 (1) تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 157. بتلخيص. (2) راجع تفسير ابن كثير ج 1 ص 291 وما بعدها. PageV01P546 (1) تفسير المنار ج 2 ص 438. PageV01P547 (1) تفسير المنار ج 2 صفحة 443. PageV01P548 (1) أحكام القرآن لابن العربي ج 1 صفحة 227. PageV01P549 (1) أخرجه أبو داود في كتاب الطلاق باب نسخ متاع المتوفى عنها زوجها بما فرض لها من الميراث. (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 289. PageV01P551 (1) تفسير ابن كثير ج 3 ص 297 بتصرف يسير. (2) راجع تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 168. PageV01P552 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 297. (2) تفسير الفخر الرازي ج 1 ص 172. PageV01P553 (1) تفسير الآلوسى ج 2 صفحة 160. PageV01P554 (1) تفسير الكشاف ج 1 صفحة 290. PageV01P555 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 صفحة 197. بتصرف يسير. (2) تفسير ابن كثير ج 1 صفحة 298 بتلخيص. (3) تفسير القرطبي ج 2 صفحة 239. PageV01P556 (1) راجع تفسير المنار ج 2 ص 457 وما بعدها. PageV01P557 (1) صفوة البيان لمعانى القرآن ص 80 لفضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف. PageV01P558 (1) تفسير القرطبي ج 3 ص 239. (2) تفسير القرطبي ج 3 صفحة 239. PageV01P559 (1) تفسير ابن كثير ج 1 صفحة 299. (2) تفسير القرطبي ج 3 صفحة 237. PageV01P561 (1) تفسير الكشاف ج 1 صفحة 291. (2) تفسير الآلوسى ج 2 صفحة 166. PageV01P564 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 201. PageV01P565 (1) تفسير القاسمى ج 1 ص 646. (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 293 (3) تفسير ابن كثير ج 1 ص 301 PageV01P567 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 294. PageV01P568 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 295. (2) الهيم : الإبل التي يصيبها داء فلا تروى من الماء واحدها أهيم والأنثى هيماء. (3) تفسير القرطبي ج 3 صفحة 254. PageV01P569 (1) تفسير القرطبي ج 3 صفحة 255. PageV01P571 (1) تفسير الفخر الرازي ms6140 ج 6 صفحة 199. PageV01P572 (1) تفسير الكشاف ج 1 صفحة 297. PageV01P578 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 صفحة 206. (2) تفسير القرطبي ج 1 صفحة 102. PageV01P582 (1) مفردات القرآن للراغب الأصفهاني صفحة 21. PageV01P583 (1) تفسير الآلوسى ج 3 صفحة 9. PageV01P584 (1) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني صفحة 428 بتلخيص. (2) تفسير الكشاف ج 1 صفحة 301. (3) تفسير القرطبي ج 3 صفحة 276. PageV01P585 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 303. (2) راجع تفسير ابن كثير ج 1 ص 204 وما بعدها. PageV01P586 (1) تفسير القرطبي ج 3 صفحة 380. (2) تفسير ابن كثير ج 1 صفحة 311. PageV01P589 (1) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 25 طبعة عبد الرحمن محمد بتصرف وتلخيص. PageV01P593 (1) تفسير الآلوسى ج 3 ص 19. (2) تفسير القرطبي ج 3 صفحة 299. PageV01P595 (1) تفسير ابن كثير ج 1 صفحة 314. PageV01P596 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 314. PageV01P597 (1) تفسير القرطبي ج 3 ص 297. (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 308. PageV01P599 (1) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 44. PageV01P600 (1) تفسير القرطبي ج 3 ص 302 ، 306. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 316. PageV01P602 (1) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 49. (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 311. PageV01P603 (1) حاشية تفسير الكشاف ج 1 ص 311 للشيخ أحمد بن المنير. PageV01P604 (1) تفسير القرطبي ج 3 ص 309. PageV01P605 (1) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 49. PageV01P608 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 318. PageV01P609 (1) تفسير الكشاف ج 1 صفحة 313 بتصرف يسير. PageV01P610 (1) تفسير القرطبي ج 2 ص 218. PageV01P613 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 321. PageV01P614 (1) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 68. (2) تفسير الآلوسى ج 3 ص 39 بتلخيص. PageV01P615 (1) يعتام : أى يختار. والعقيلة : أكرم المال. والفاحش : البخيل والمعنى : أرى الموت يختار الكرام ويختار أفضل مال البخيل ومادام الأمر كذلك فلا فائدة من البخل. (2) تفسير الجمل ج 1 صفحة 223. PageV01P616 (1) تفسير القرطبي ج 3 صفحة 329. (2) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 72. PageV01P617 (1) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 74. PageV01P620 (1) تفسير القرطبي ج 3 ص 237. PageV01P622 (1) تفسير الآلوسى ج 3 ص 45 بتصرف وتلخيص. PageV01P623 (1) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 83. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 255. بتصرف يسير. PageV01P624 (1) الصفة بضم الصاد وتشديد الفاء اسم لموضع بناه النبي صلىاللهعليهوسلم في المسجد النبوي بالمدينة ليأوى إليه فقراء ms6141 المهاجرين الذين تركوا أموالهم بمكة وهاجروا إلى المدينة لإعلاء كلمة الله. (2) تفسير القرطبي ج 3 ص 339. PageV01P625 (1) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 86. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 324. (3) تفسير الكشاف ج 1 ص 328. PageV01P627 (1) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 87. PageV01P628 (1) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 88. PageV01P629 (1) تفسير الآلوسى ج 3 ص 49. (2) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 96. PageV01P632 (1) تفسير الكشاف للزمخشري ج 1 ص 320. (2) تفسير القرطبي ج 3 ص 355. (3) الانتصاف على الكشاف لابن المنير ج 1 ص 320 من الكشاف. PageV01P633 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 321. (2) تفسير الآلوسى ج 3 ص 50. PageV01P634 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 327. PageV01P635 (1) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 102. PageV01P637 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 330 بتصرف يسير. PageV01P638 (1) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 106. PageV01P639 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 331. (2) تفسير الآلوسى ج 3 صفحة 54. PageV01P640 (1) راجع على سبيل المثال تفسير القرطبي ج 3 صفحة 347. وتفسير المنار ج 3 صفحة 106. (2) تفسير آيات الأحكام بتصرف وتلخيص للشيخ محمد على السائس ج 1 صفحة 161. PageV01P641 (1) تفسير ابن كثير ج 1 صفحة 334. (2) تفسير القرطبي ج 3 صفحة 377. PageV01P643 (1) تفسير الكشاف ج 1 صفحة 325. PageV01P644 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 335. (2) تفسير القرطبي ج 3 ص 385. PageV01P645 (1) تفسير الآلوسى ج 3 ص 57. PageV01P646 (1) تفسير القرطبي ج 3 ص 397. PageV01P647 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 277. PageV01P650 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 337. (2) تفسير القرطبي ج 3 ص 407. PageV01P652 (1) تفسير الكشاف ج 1 صفحة 329. PageV01P654 (1 ، 2) تفسير ابن كثير ج 1 صفحة 239. (3) تفسير الفخر الرازي ج 7 صفحة 134. (4) تفسير الآلوسى ج 3 صفحة 64. PageV01P656 (1) تفسير الكشاف ج 1 صفحة 332. (2) تفسير الكشاف ج 1 صفحة 332. PageV01P659 (1) تفسير المنار ج 3 صفحة 146. (2) تفسير الكشاف ج 1 صفحة 332. PageV01P660 (1) تفسير الفخر الرازي ج 7 صفحة 157. (2) مفردات القرآن للراغب الأصفهاني صفحة 312. PageV01P661 (1) الحبرات : جمع حبرة. وهي ثياب يمانية. (2) تفسير القرطبي ج 4 ص 3 (3) من الآية 121 179. PageV02P005 (1) من كتاب «دروس من غزوة أحد» ص 11 للدكتور عبد العزيز كامل. PageV02P008 (1) راجع الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ج 3 ص 21 طبعة مكتبة المشهد الحسيني ms6142 (2) تفسير القرطبي ج 1 ص 102 (3) مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص 21. PageV02P017 (1) تفسير الآلوسى ج 2 ص 74. (2) مفردات القرآن ص 433 للراغب الأصفهاني بتصرف وتلخيص. PageV02P018 (1) إن شئت المزيد من المعرفة عن الحكم والأسرار في تنجيم القرآن فراجع على سبيل المثال كتاب «مناهل العرفان في علوم القرآن» ج 1 ص 46 إلى 56 لفضيلة أستاذنا المرحوم الشيخ محمد عبد العظيم الزرقانى. (2) سورة الشورى آية 13 PageV02P019 (1) حاشية الجمل ج 1 ص 225 (2) تفسير القرطبي ج 4 ص 5 (3) التفسير الكبير الفخر الرازي ج 7 ص 171 طبعة عبد الرحمن محمد سنة 1357 1938. PageV02P020 (1) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 171 (2) تفسير الآلوسى ج 3 ص 76. (3) تفسير الآلوسى ج 3 ص 76 (4) راجع ما كتبناه في ذلك «بنو إسرائيل في القرآن والسنة» ج 1 من ص 86 93. PageV02P021 (1) راجع تاريخ الأناجيل في كتاب «محاضرات في النصرانية» لفضيلة أستاذنا المرحوم محمد أبو زهرة. (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 336 طبعة دار الكتاب العربي ببيروت. PageV02P022 (1) التفسير الكبير للفخر الرازي ج 7 ص 173. PageV02P023 (1) تفسير ابن جرير ج 3 ص 170 طبعة مصطفى الحلبي. PageV02P026 (1) إذا أردت المزيد فراجع الإتقان للسيوطي. وتفسير الآلوسى ج 3 ص 80 وتفسير الفخر الرازي ج 7 ص 178. (2) حاشية الجمل على الجلالين بتصرف يسير ج 1 ص 242. PageV02P027 (1) مناهل العرفان في علوم القرآن لفضيلة الشيخ محمد عبد العظيم الزرقانى ج 2 ص 174. PageV02P028 (1) أخرجه البخاري في كتاب التفسير ج 6 ص 42. طبعة مصطفى الحلبي سنة 1345 ه (2) تفسير القرطبي ج 4 ص 14 (3) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص 644. PageV02P030 (1) تفسير الآلوسى 3 ص 83. PageV02P031 (1) التفسير الكبير للفخر الرازي ج 7 ص 184 بتلخيص يسير. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص. PageV02P033 (1) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الشيخ محمد أبو زهرة بمجلة لواء الإسلام العدد التاسع السنة الثامنة. (2) سورة فاطر الآية 2. PageV02P034 (1) التفسير الكبير الفخر الرازي ج 7 ص 195. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 348. (3) تفسير القرطبي ج 3 ص 20. PageV02P035 (1) التفسير الكبير للفخر الرازي ج 7 ص 195. PageV02P036 (1) تفسير الفخر الرازي ج ms6143 7 ص 198. (2) مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص 30. PageV02P038 (1) سورة الأعراف الآية 127. (2) سورة النازعات آية 24. (3) سورة الزخرف الآية 51. (4) سورة غافر الآية 36 37 (5) سورة الزخرف الآية 54. PageV02P039 (1) الأغمار : جمع غمر بضم الغين وهو الجاهل الذي لم يجرب الأمور. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 350. PageV02P040 (1) تفسير القرطبي ج 3 ص 25. PageV02P041 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 341. PageV02P042 (1) تفسير ابن جرير ج 3 ص 198 بتصرف وتلخيص. PageV02P043 (1) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 203. PageV02P044 (1) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص 218. (2) تفسير الآلوسى ج 3 ص 99. بتلخيص. PageV02P045 (1) سورة البقرة الآية ص 187. (2) سورة الروم آية 21. (3) أخرجه البخاري في كتاب النكاح. باب ما يتقى من شؤم المرأة ج 7 ص 11 طبعة المجلس سنة 1345. PageV02P046 (1) التفسير الكبير للفخر الرازي ج 7 ص 210. (2) التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول ج 5 ص 162 للشيخ منصور على ناصف. (3) التفسير الكبير للفخر الرازي ج 7 ص 211. PageV02P047 (1) سورة النحل الآية 5 7. PageV02P048 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 351 بتصرف وتلخيص. (2) تفسير القرطبي ج 4 ص 26. PageV02P049 (1) تفسير ابن جرير ج 3 ص 206 طبعة مصطفى الحلبي الطبعة الثانية سنة 1373 ه 1954 م (2) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق. باب صفة الجنة والنار ج 9 ص 148. PageV02P051 (1) تفسير القرطبي ج 4 ص 39. PageV02P052 (1) تفسير القرطبي ج 4 ص 41. (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 444. (3) تفسير القرطبي ج 4 ص 41. PageV02P054 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 251. (2) تفسير ابن جرير الطبري ج 2 ص 210 طبعة الحلبي. PageV02P055 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 354. (2) تفسير ابن جرير ج 3 ص 212. (3) تفسير ابن كثير ج 1 ص 354. PageV02P056 (1) سورة البقرة الآية 146. PageV02P057 (1) تفسير القرطبي ج 4 ص 44. PageV02P058 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 347. PageV02P059 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 1 ص 354. PageV02P060 (1) راجع كتابنا «بنو إسرائيل في القرآن والسنة» ج 3 ص 44. (2) سورة المائدة ، الآية 32. PageV02P061 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 355. PageV02P062 (1) صحيح البخاري : كتاب التفسير ج 6 ص 47. (2) تفسير القرطبي ج 4 ص 50. (3) تفسير ابن جرير ج 3 ص 218. (4) تفسير الآلوسى ج 3 ص 110. PageV02P065 (1) تفسير ابن كثير ج ms6144 1 ص 118. PageV02P067 (1) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 234. (2) سورة الشعراء الآيتان 88 ، 89. (3) تفسير الكشاف ج 1 ص 349. PageV02P068 (1) تفسير القرطبي ج 4 ص 52. PageV02P069 (1) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 7 طبعة عبد الرحمن محمد. (2) مفردات القرآن الراغب الأصفهاني ص 181 ، 333. PageV02P070 (1) راجع تفسير الكشاف ج 1 ص 350. PageV02P071 (1) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 10. بتصرف يسير. (2) مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص 194. (3) تفسير ابن كثير ج 1 ص 122. PageV02P072 (1) تفسير الآلوسى ج 3 ص 120. (2) مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص 533. PageV02P073 (1) سورة الممتحنة آية 1 (2) سورة المائدة آية 51. (3) تفسير الآلوسى ج 3 ص 120 (4) تفسير المنار ج 3 ص 278 (5) النوك : الحمق. والعازب : البعيد. PageV02P074 (1) تفسير الآلوسى بتصرف وتلخيص ج 3 ص 121. PageV02P077 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 325. PageV02P078 (1) تفسير الآلوسى ج 3 ص 127. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 259. PageV02P079 (1) تفسير الآلوسى ج 3 ص 130 وتفسير ابن جرير ج 3 ص 232. PageV02P080 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 358. (2) سورة النساء من الآية 80 PageV02P081 (1) مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص 30. (2) تفسير الآلوسى ج 3 ص 131. PageV02P083 (1) تفسير القرطبي ج 2 ص 107. PageV02P084 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 462. PageV02P085 (1) تفسير القرطبي ج 4 ص 68 بتلخيص. PageV02P087 (1) مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ج 2 ص 29. PageV02P088 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 357 بتلخيص يسير. PageV02P089 (1) تفسير الآلوسى ج 3 ص 139. PageV02P090 (1) تفسير القرطبي ج 4 ص 72. PageV02P092 (1) تفسير ابن جرير ج 3 ص 249. PageV02P093 (1) تفسير ابن جرير ج 3 ص 250. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 167. PageV02P094 (1) تفسير الآلوسى ج 3 ص 147. (2) تفسير القرطبي بتصرف يسير ج 4 ص 77. PageV02P095 (1) تفسير ابن كثير بتصرف يسير ج 1 ص 361. PageV02P096 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 268. (2) تفسير الآلوسى ج 3 ص 148. (3) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 42. PageV02P097 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 361. PageV02P098 (1) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 46. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 263. PageV02P101 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 361. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 269. (3) تفسير الآلوسى بتصرف يسير ج 3 ص 154. PageV02P102 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 362. PageV02P103 (1) تفسير الكشاف ج 1 ms6145 ص 357 بتصرف يسير. PageV02P104 (1) تفسير ابن جرير ج 3 ص 269. PageV02P105 (1) مفردات القرآن للراغب الاصفهانى ص 353. (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 363. PageV02P106 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 272. PageV02P107 (1) تفسير الآلوسى ج 3 ص 164. PageV02P109 (1) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 57. PageV02P111 (1) تفسير الآلوسى ج 3 ص 167. PageV02P112 (1) تفسير الآلوسى ج 3 ص 169. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 365 بتلخيص يسير. PageV02P113 (1) تفسير القرطبي ج 4 ص 95. PageV02P114 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 365. (2) تفسير الآلوسى ج 3 ص 171. PageV02P115 (1) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 13 PageV02P116 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 365. PageV02P117 (1) تفسير القرطبي ج 4 ص 100. PageV02P120 (1) الآيتان 157 ، 158. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 578. PageV02P121 (1) صفوة البيان لمعانى القرآن ج 109 ص 213 لفضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف. (2) راجع تفسير الآلوسى ج 4 ص 179. وتفسير الفخر الرازي ج 8 ص 71. PageV02P122 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 367. PageV02P123 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 367. (2) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 80. PageV02P126 (1) تفسير الآلوسى ج 3 ص 187. (2) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 82. PageV02P127 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 368. PageV02P129 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 269. PageV02P130 (1) تفسير الآلوسى 3 ص 193 (2) سورة النحل الآية 36. (3) سورة الأنبياء الآية 25 PageV02P133 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 371 (2) تفسير القرطبي ج 4 ص 105 والأريسيون هم : العمال والفلاحون وعامة الشعب. (3) تفسير ابن جرير ج 3 ص 305 طبعة مصطفى الحلبي ، سنة 1954. PageV02P134 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 371. PageV02P135 (1) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 95. PageV02P136 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 373. PageV02P137 (1) تفسير القرطبي ج 4 ص 10. PageV02P138 (1) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج 1 ص 180. PageV02P139 (1) تفسير المنار ج 3 ص 323. (2) تفسير ابن جرير ج 3 ص 311. PageV02P141 (1) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 101. PageV02P142 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 373. PageV02P143 (1) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 102. PageV02P145 (1) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 107. PageV02P147 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 288. (2) تفسير ابن جرير ج 3 ص 317 طبعة مصطفى الحلبي. PageV02P148 (1) تفسير الآلوسى ج 2 ص 502. (2) تفسير ابن جرير ج 3 ص 318. (3) تفسير ابن كثير ج 1 ms6146 ص 374. PageV02P149 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 375. PageV02P151 (1) أخرجه البخاري في كتاب التفسير باب «إن الذين يشترون» ج 6 ص 42 وأخرجه مسلم في كتاب الأيمان. (2) أخرجه البخاري في كتاب التفسير باب «إن الذين يشترون» ج 6 ص 43. (3) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 111. PageV02P152 (1) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 11. PageV02P153 (1) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 113. PageV02P154 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 376. (2) سورة البقرة الآية 75. (3) سورة النساء الآية 46. PageV02P155 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 377. PageV02P158 (1) تفسير ابن كثير بتلخيص ج 1 ص 377. PageV02P160 (1) تفسير الآلوسى ج 3 ص 209. (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 378. PageV02P162 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 379. (2) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 122. PageV02P163 (1) تفسير القرطبي ج 4 ص 125. PageV02P165 (1) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 130. PageV02P166 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 381. PageV02P168 (1) سورة المائدة آية 3 PageV02P169 (1) تفسير ابن جرير ج 3 ص 340 وتفسير ابن كثير ج 1 ص 379. (2) تفسير ابن جرير ج 3 ص 41. PageV02P171 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 381. PageV02P172 (1) مفردات القرآن ص 451 للراغب الأصفهاني. (2) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 137. PageV02P173 (1) سورة الزمر الآية 53. PageV02P174 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 383. PageV02P175 (1) سورة النساء آية 137. (2) سورة الفرقان آية 23. PageV02P176 (1) سورة المائدة الآية 36. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 380 بتصرف وتلخيص . (3) تفسير الكشاف ج 2 ص 382. PageV02P177 (1) حاشية ابن المنير على الكشاف ج 1 ص 383. PageV02P178 (1) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة باب الزكاة على الأقارب ج 2 ص 148 وأخرجه مسلم في كتاب الزكاة ج 3. PageV02P179 (1) تفسير القرطبي ج 4 ص 133. PageV02P180 (1) تفسير الآلوسى ج 4 ص 3 بتصرف يسير . (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 382 بتصرف وتلخيص . PageV02P181 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 385. PageV02P182 (1) سورة النحل الآية 123. PageV02P184 (1) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 151. (2) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء ج 4 ص 197 ، وأخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة ج 2 ص 63. PageV02P185 (1) سورة إبراهيم الآية 37. PageV02P186 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 170 بتصرف وتلخيص. (2) تفسير ابن جرير ج 4 ص 11. PageV02P187 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 297. (2) أراد بقوله : سمعته أذناى ... إلخ المبالغة ms6147 في تحقيق حفظه إياه ، وتيقنه من زمانه ومكانه ولفظه. (3) أخرجه البخاري في كتاب العلم. باب فليبلغ الشاهد الغائب ج 1 ص 37 وأخرجه مسلم في كتاب الحج ج 4 ص 109. PageV02P188 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 390. PageV02P189 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 385. PageV02P190 (1) عسا الشيخ : كبر وأسن من عسا القضيب إذا يبس. (2) قيلة : هي قيلة بنت كاهل بن عذرة وهي أم الأوس والخزرج. (3) جذعة : شابة فتية. يريد عودة الحرب قوية كما كانت. (4) تفسير ابن جرير ج 4 ص 23. PageV02P192 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 393. PageV02P194 (1) سورة البقرة الآية 109. PageV02P195 (1) تفسير ابن جرير ج 4 ص 26. PageV02P196 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 394. PageV02P197 (1) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 173 ، طبعة عبد الرحمن محمد. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 389. PageV02P199 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 396. (2) سورة النحل الآية 120. (3) سورة الزخرف الآية 22. (4) سورة يوسف الآية 45. PageV02P200 (1) سورة الحشر الآية 18 PageV02P201 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 397. PageV02P202 (1) تفسير القاسمى ج 4 ص 921. (2) هذه الأحاديث من كتاب الترغيب والترهيب للمنذرى ج 3 ص 223 وقد ذكر أحاديث أخرى في هذا الموضوع فارجع إليه إن شئت. PageV02P203 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 390. PageV02P204 (1) تفسير الآلوسى ج 4 ص 25. (2) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 181. PageV02P206 (1) سورة الزمر الآية 60. (2) سورة القيامة الآيات من 22 25. (3) تفسير الكشاف ج 1 ص 299. (4) سورة السجدة الآية 12. (5) سورة الرعد الآيتان 22 24. (6) تفسير الآلوسى ج 4 ص 26. PageV02P207 (1) سورة البينة الآية 6. PageV02P208 (1) مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص 316. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 303. PageV02P210 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 391. PageV02P212 (1) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 191. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 396. PageV02P214 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 401. (2) سورة الحج الآية 40. PageV02P218 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 217. (2) تفسير ابن جرير ج 4 ص 48. PageV02P219 (1) تفسير ابن جرير ج 1 ص 251. PageV02P221 (1) سورة المائدة الآية 32 (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 217. PageV02P222 (1) تفسير الفخر الرازي ج 1 ص 390. PageV02P223 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 397. PageV02P225 (1) تفسير الآلوسى ج 4 ص 34. PageV02P226 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 403. PageV02P227 (1) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 203. (2) تفسير ms6148 الكشاف ج 1 ص 403. PageV02P228 (1) سورة سبأ الآية 35. PageV02P229 (1) الانتصاف على الكشاف للشيخ أحمد بن المنير ج 1 ص 405. PageV02P232 (1) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 210. (2) سورة الرحمن الآية 54. (3) تفسير القرطبي ج 4 ص 178 بتلخيص. PageV02P233 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 308. PageV02P237 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 308. PageV02P239 (1) سورة النساء الآية 82. PageV02P240 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 310. PageV02P245 (1) البخاري باب «إذ همت طائفتان». من كتاب التفسير ج 6 وأخرجه مسلم في كتاب «فضائل الصحابة» ج 7 ص 1. (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 409. PageV02P246 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 411. PageV02P247 (1) سورة الأنفال آية 9 ، 10. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 401. PageV02P248 (1) تفسير الآلوسى ج 4 ص 44. PageV02P249 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 411. PageV02P250 (1) تفسير ابن جرير ج 4 ص 79. (2) حيزوم : اسم فرس من خيل الملائكة. (3) تفسير القرطبي بتصرف وتلخيص ج 4 ص 192. PageV02P251 (1) تفسير الآلوسى بتصرف وتلخيص ج 4 ص 48. (2) تفسير القاسمى ص 97. PageV02P252 (1) تفسير الآلوسى ج 4 ص 49. PageV02P254 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 413 بتلخيص. PageV02P255 (1) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 3. طبعة عبد الرحمن محمد. PageV02P257 (1) تفسير القرطبي ج 4 ص (2) تفسير ابن جرير الطبري ج 4 ص 90. PageV02P258 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 414. PageV02P259 (1) سورة النساء الآية 80. (2) تفسير الآلوسى ج 4 ص 56. PageV02P260 (1) سورة الحديد الآية 21. (2) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 4. (3) تفسير ابن كثير ج 1 ص 404. PageV02P261 (1) سورة البقرة الآية 261. PageV02P262 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 405. PageV02P263 (1) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 9. PageV02P264 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 416. PageV02P265 (1) سورة الفرقان الآيات من 68 71. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 407. (3) تفسير القرطبي ج 2 ص 231. PageV02P266 (1) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 10. PageV02P268 (1) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 12. PageV02P269 (1) حاشية الجمل على الجلالين. (2) تفسير ابن جرير ج 42 ص 101. PageV02P270 (1) سورة غافر الآية 51. PageV02P271 (1) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 14. PageV02P272 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 41. PageV02P273 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 419. (2) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 15. PageV02P274 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 420. (2) تفسير القرطبي ج 4 ص 218. PageV02P275 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 420. PageV02P277 (1) تفسير ابن جرير ج 4 ms6149 ص 109. PageV02P278 (1) تفسير الآلوسى ج 4 ص 72. PageV02P279 (1) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد ج 4 ص 62 ومسلم في كتاب الجهاد والسير ج 5 ص 13. PageV02P280 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 409. PageV02P281 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 423. PageV02P282 (1) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد ، باب «من المؤمنين رجال ..» ج 4 ص 23. PageV02P284 (1) سورة الشورى الآية 20. PageV02P285 (1) تفسير القرطبي ج 4 ص 230. PageV02P286 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 424. PageV02P288 (1) تفسير الآلوسى ج 4 ص 87. PageV02P290 (1) تفسير الآلوسى ج 4 ص 88. PageV02P291 (1) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 32. PageV02P292 (1) تفسير القرطبي ج 4 ص 223 بتصرف يسير. (2) سورة محمد الآية 7. (3) سورة آل عمران الآية 151. PageV02P295 (1) سورة الأنفال الآية 25. PageV02P296 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 324. (2) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 37. (3) تفسير ابن جرير ج 4 ص 130. PageV02P297 (1) تفسير الآلوسى ج 4 ص 90. PageV02P298 (1) تفسير ابن جرير ج 4 ص 123. PageV02P299 (1) تفسير القرطبي بتصرف وتلخيص ج 4 ص 240. PageV02P300 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 428. PageV02P301 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 403. (2) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 44. PageV02P302 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 428. PageV02P303 (1) تفسير ابن جرير ج 4 ص 143. (2) سورة لقمان آية 34. PageV02P305 (1) سورة آل عمران الآية 5. (2) سورة طه الآية 7. PageV02P306 (1) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 51. (2) مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص 214. (3) تفسير القاسمى : تفسير سورة آل عمران ص 1013. PageV02P307 (1) سورة فاطر آية 45 PageV02P308 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 430 (2) تفسير الفخر الرازي بتصرف وتلخيص ج 9 ص 54. PageV02P310 (1) مفردات القرآن ص 18 للراغب الأصفهاني. بتصرف يسير. PageV02P311 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 431. PageV02P312 (1) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 60 بتصرف وتلخيص. PageV02P313 (1) سورة التوبة الآية 128. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 420. (3) تفسير ابن كثير ج 1 ص 420. PageV02P316 (1) تفسير القرطبي ج 4 ص 249 بتصرف وتلخيص. (2) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 67. PageV02P317 (1) تفسير ابن كثير ص 421. (2) تفسير الآلوسى ج 4 ص 109. PageV02P320 (1) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 73. (2) تفسير القرطبي ج 4 ص 257. PageV02P321 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 435. (2) سورة السجدة الآية 18. (3) سورة ص الآية 28. PageV02P322 (1) سورة الزخرف الآية 32. (2) سورة النساء الآية 145. (3) مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص 167. PageV02P323 (1) سورة الإسراء الآية ms6150 21. (2) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 87. PageV02P324 (1) سورة الشورى الآية 30 PageV02P328 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 324. PageV02P329 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 437. (2) تفسير ابن كثير ج 4 ص 168. PageV02P330 (1) تفسير القرطبي ج 4 ص 266. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 334 بتصرف يسير. (3) تفسير الكشاف ج 1 ص 437. PageV02P331 (1) تفسير الآلوسى ج 4 ص 120. (2) زاد المعاد لابن القيم. نقلا عن تفسير القاسمى ص 1032. PageV02P333 (1) تفسير القرطبي ج 4 ص 268. PageV02P336 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 441. PageV02P339 (1) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 99. PageV02P340 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 441. PageV02P341 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 442. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 430. (3) تفسير الآلوسى ج 4 ص 129. PageV02P342 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 341. (2) سورة فاطر الآية 8. (3) سورة الكهف الآية 6. PageV02P346 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 341. PageV02P347 (1) سورة القصص الآية 8. (2) سورة التوبة الآية 85. PageV02P348 (1) سورة القلم الآيتان 44 ، 45. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 432. PageV02P349 (1) سورة الجن الآية 26 ، 27. PageV02P350 (1) تفسير القرطبي ج 4 ص 291 والشجاع : الثعبان الذكر الذي يقوم على ذنبه ويراقب الراجل والفارس ، والأقرع : هو الذي يكون أملس الجلد كثير السم. والزبيبتان النكتتان السوداوان فوق عينيه. PageV02P352 (1) أى المكان الذي يتدارسون فيه علومهم. PageV02P354 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 434. PageV02P355 (1) تفسير الآلوسى ج 4 ص 143. PageV02P357 (1) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 122. PageV02P358 (1) تفسير الكشاف ج ص 345. بتصرف يسير. (2) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 137. (3) تفسير ابن كثير ج 1 ص 435. PageV02P360 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 435. (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 345. PageV02P361 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 346. بتصرف يسير. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 436. PageV02P365 (1) تفسير الآلوسى ج 4 ص 151. PageV02P366 (1) أخرجه البخاري في كتاب التفسير ج 6 ص 51 باب ( لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ) . PageV02P368 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 348. PageV02P369 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 439. PageV02P370 (1) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 110. PageV02P372 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 350. PageV02P373 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 455. PageV02P375 (1) تفسير الكشف ج 1 ص 458. PageV02P378 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 461. PageV02P381 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 444. (2) تفسير القرطبي ج 4 ص 323. PageV02P382 (1) تفسير الآلوسى ms6151 ج 4 ص 178 طبعة منير الدمشقي. PageV03P006 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 1. طبعة دار الكتب المصرية سنة 1356 ه. سنة 1937 م. (2) تفسير الآلوسى ج 4 ص 178. PageV03P007 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 448 ، طبعة عيسى الحلبي. PageV03P008 (1) تفسير القرآن الكريم ص 177 ، ص 266 بتصرف وتلخيص لفضيلة الأستاذ الشيخ محمود شلتوت رحمهالله . PageV03P016 (1) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 161 طبعة عبد الرحمن محمد الطبعة الأولى سنة 1357 ه سنة 1938 م. PageV03P019 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 463. (2) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 162. PageV03P020 (1) تفسير القرطبي ج 1 ص 3 وما بعدها بتصرف وتلخيص. PageV03P021 (1) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 163 بتصرف وتلخيص. (2) تفسير الآلوسي ج 4 ص 185. PageV03P022 (1) سورة النساء الآية 36. PageV03P023 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 463. PageV03P024 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 8. (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 165. PageV03P026 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 465. PageV03P027 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 450. PageV03P028 (1) تفسير التحرير والتنوير ج 4 ص 22 للشيخ محمد الطاهر بن عاشور. (2) تفسير ابن جرير ج 4 ص 223 ، طبعة الحلبي سنة 1372 سنة 1954 م. (3) تفسير ابن جرير ج 4 ص 235 بتصرف وتلخيص . PageV03P029 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 461. PageV03P030 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 468. PageV03P031 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 468. PageV03P032 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 17. PageV03P033 (1) تفسير المنار ج 4 ص 364 وما بعدها بتصرف وتلخيص . PageV03P034 (1) تفسير الآلوسي ج 4 ص 198. (2) تفسير ابن جرير ج 4 ص 242 بتصرف يسير. PageV03P036 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 471 بتصرف يسير. (2) تفسير القرطبي ج 5 ص 24. PageV03P037 (1) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 183. (2) المفردات في غريب القرآن ص 35 للراغب الأصفهاني. PageV03P038 (1) تفسير الآلوسى ج 4 ص 102. PageV03P039 (1) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 13. PageV03P040 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 472. (2) تفسير القرآن الكريم ص 190 لفضيلة الأستاذ الشيخ محمود شلتوت. PageV03P041 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 36. PageV03P042 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 473 بتصرف وتلخيص. (2) تفسير الآلوسى ج 4 ص 701. PageV03P043 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 41. PageV03P044 (1) تفسير القرطبي ج 1 ص 34. PageV03P045 (1) تفسير الفخر الرازي ج 9 ms6152 ص 189 بتصرف وتلخيص. PageV03P046 (1) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 190. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 454. PageV03P047 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 46. PageV03P048 (1) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 195 بتصرف وتلخيص. PageV03P049 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 476. (2) تفسير الآلوسى ج 4 ص 112. PageV03P050 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 49. PageV03P052 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 49. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 455. PageV03P053 (1) تفسير ابن جرير ج 4 ص 272. (2) تفسير الآلوسى ج 4 ص 213. (3) تفسير ابن كثير ج 1 ص 456. PageV03P054 (1) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 198. (2) تفسير ابن جرير ج 4 ص 272. (3) تفسير الكشاف ج 1 ص 478. PageV03P055 (1) هامش تفسير الكشاف ج 1 ص 478. (2) تفسير الآلوسى ج 4 ص 214. بتصرف وتلخيص . PageV03P056 (1) تفسير التحرير والتنوير ج 4 ص 253 للشيخ محمد الطاهر ابن عاشور. (2) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 100. PageV03P057 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 53. (2 ، 3) تفسير ابن كثير ج 1 ص 456. PageV03P058 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 457. PageV03P059 (1) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 202. PageV03P060 (1) سورة الإسراء الآية 34. (2) سورة البقرة الآية : 22. PageV03P061 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 457 (2) المفردات في غريب القرآن ص 525 للراغب الأصفهاني. PageV03P064 (1) تفسير الآلوسى ج 4 ص 211 بتصرف وتلخيص. PageV03P065 (1) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 206. PageV03P066 (1) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة : مجلة لواء الإسلام السنة الثالثة عشرة ص 715 PageV03P067 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 71 PageV03P068 (1) تفسير الآلوسى ج 4 ص 227 PageV03P069 (1) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 218 PageV03P070 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 486 بتصرف وتلخيص PageV03P072 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 48. PageV03P074 (1) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 220. PageV03P076 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 61. PageV03P078 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 462. (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 487 (3) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 365. PageV03P081 (1) تفسير ابن جرير ج 4 ص 297. PageV03P082 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 5 ص 136 طبعة منير الدمشقي. PageV03P083 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 463. PageV03P084 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 489. PageV03P085 (1) سورة غافر الآية : ص 85. PageV03P086 (1) سورة يونس الآيات : 91 ، 92 ، 93. PageV03P087 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص ms6153 94. PageV03P088 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 490. PageV03P089 (1) تفسير ابن جرير ج 4 ص 308. PageV03P090 (1) تفسير ابن جرير ج 4. ص 309 بتصرف وتلخيص. PageV03P091 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 466. (2) من كتاب «إحياء علوم الدين» للغزالى ج 2 ص 39. PageV03P092 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 98. PageV03P093 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 467. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 369. PageV03P095 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 99 بتصرف وتلخيص. (2) أخرجه أبو داود في باب «من تزوج ولم يسم صداقا حتى مات «من كتاب النكاح ج 2 ص 231. PageV03P096 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 102. PageV03P097 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 468. PageV03P098 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 103 بتصرف وتلخيص. (2) تفسير الآلوسي ج 4 ص 244. PageV03P099 (1) تفسير الآلوسى ج 4 ص 244. (2) الكشاف ج 1 ص 493. PageV03P100 (1) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 24. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 468. (3) تفسير الكشاف ج 1 ص 494. PageV03P101 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 111. (2 ، 3) تفسير ابن كثير ج 1 ص 469. PageV03P103 (1) تفسير الآلوسى ج 4 ص 257 PageV03P104 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 112 PageV03P105 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 472. (2) تفسير الآلوسى ج 4 ص 461. (3) المفردات في غريب القرآن ص 121 للراغب الأصفهاني. PageV03P107 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 121 PageV03P108 (1) تفسير الفخر الرازي ج 10 ص 24. PageV03P109 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 124. PageV03P110 (1) تفسير الآلوسى ج 5 ص 5. PageV03P111 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 474 (2) تفسير الآلوسى ج 5 ص 7 بتصرف وتلخيص . PageV03P113 (1) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة. مجلة لواء الإسلام العدد الرابع من السنة الرابعة عشرة. PageV03P114 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 499. PageV03P115 (1) تفسير الفخر الرازي ج 1 ص 56 بتصرف وتلخيص. PageV03P116 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 500 (2) تفسير القرطبي ج 5 ص 141 PageV03P117 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 500 PageV03P120 (1) تفسير الآلوسى ج 5 ص 13 PageV03P121 (1) تفسير القاسمى ج 5 ص 1203. (2) تفسير الآلوسى ج 5 ص 16. PageV03P125 (1) تفسير الفخر الرازي ج 10 ص 72. (2) أخرجه البخاري في باب شرب السم من كتاب الطب ج 1 ص 181 ، وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان ج 1 ms6154 ص 181. (3) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز ج 3 ص 66 (4) تفسير ابن كثير ج 1 ص 480 PageV03P126 (1) سورة النجم : الآيتان 31 ، 32. PageV03P128 (1) تفسير الآلوسى ج 5 ص 17. (2) سورة الفرقان : الآيات 68 ، 69 ، 70. PageV03P129 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 504. PageV03P130 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 488. PageV03P131 (1) تفسير الفخر الرازي ج 1 ص 84. (2) تفسير الفخر الرازي ج 10 ص 84 بتصرف وتلخيص . (3) تفسير ابن جزير ج 5 ص 51. PageV03P132 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 504. (2) تفسير القرطبي ج 5 ص 51. (3) تفسير ابن جرير ج 5 ص 52. PageV03P133 (1) تفسير ابن جرير ج 5 ص 55. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 489. PageV03P134 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 168. PageV03P135 (1) تفسير الفخر الرازي ج 10 ص 88. PageV03P136 (1) تفسير الآلوسى ج 5 ص 24. (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 500 PageV03P137 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 492. (2) تفسير القرطبي ج 5 ص 171 بتصرف وتلخيص. PageV03P138 (1) تفسير الفخر الرازي ج 10 ص 90 بتصرف وتلخيص. PageV03P139 (1) تفسير الفخر الرازي ج 10 ص 91. PageV03P140 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 180. PageV03P144 (1) التاج الجامع للأصول ج 5 ص 6 للشيخ منصور على ناصف. PageV03P145 (1) التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول ج 5 ص 9 وما بعدها. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 494 PageV03P146 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 509 (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 495. PageV03P147 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 510. PageV03P148 (1) تفسير الآلوسى ج 5 ص 30. PageV03P149 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 511. PageV03P150 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 497. (2) تفسير الفخر الرازي ج 10 ص 105. PageV03P152 (1) تفسير ابن جرير ج 5 ص 94. PageV03P154 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 500. PageV03P156 (1) تفسير ابن جرير ج 5 ص 99. (2) تفسير القاسمى ج 5 ص 1247 نقلا عن : فتح البيان. PageV03P157 (1) تفسير الآلوسى ج 5 ص 39 PageV03P158 (1) تفسير الآلوسى ج 5 ص 42 PageV03P159 (1) تفسير الفخر الرازي ج 1 ص 109 بتصرف وتلخيص. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 503 PageV03P161 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 217 PageV03P162 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 504 (2) تفسير القرطبي ج 5 ص 237. PageV03P163 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 240 (2) تفسير ابن كثير ج ms6155 1 ص 506. PageV03P164 (1) تفسير التحرير والتنوير ج ص 68. طبع الدار التونسية للنشر. تأليف الأستاذ الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور. PageV03P165 (1) تفسير الآلوسى ج 5 ص 45 بتصرف يسير. PageV03P167 (1) تفسير الآلوسى ج 5 ص 45. PageV03P168 (1) تفسير الفخر الرازي ج 10 ص 118 طبعة عبد الرحمن محمد (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 517 PageV03P170 (1) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص 198 (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 148. PageV03P171 (1) تفسير ابن جرير ج 5 ص 124. PageV03P172 (1) تفسير الفخر الرازي ج 10 ص 121 طبعة عبد الرحمن محمد. (2) تفسير ابن جرير ج 5 ص 123 طبعة الحلبي. (3) تفسير ابن كثير ج 1 ص 508. PageV03P174 (1) تفسير الفخر الرازي ج 10 ص 121. بتصرف يسير . (2) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة بمجلة لواء الإسلام السنة الخامسة عشرة. العدد الأول. PageV03P175 (1) راجع كتابنا «بنوا إسرائيل في القرآن والسنة» ج 2 من ص 52 60. PageV03P176 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 245. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 510. (3) تفسير الآلوسى ج 5 ص 53. PageV03P177 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 520. PageV03P178 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 246. PageV03P179 (1) تفسير الآلوسى ج 5 ص 55. (2) تفسير ابن جرير ج 5 ص 133. PageV03P180 (1) تاريخ اليهود في جزيرة العرب لإسرائيل ولفنسون. PageV03P181 (1) تفسير الفخر الرازي ج 1 ص 132. PageV03P182 (1) تفسير الفخر الرازي ج 10 ص 135 PageV03P185 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 523. PageV03P186 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 515 بتصرف وتلخيص. (2) سورة الأحزاب الآية 72 PageV03P187 (1) سورة المعارج الآيات من 32 35 (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 294. (3) تفسير الآية الكريمة للاستاذ الشيخ محمد أبو زهره. مجلة لواء الإسلام السنة 15 العدد الرابع. PageV03P188 (1) سورة النحل الآية 90. (2) سورة ص الآية 26 (3) سورة الأنعام الآية 152 (4) سورة المائدة الآية 8 PageV03P189 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 524 PageV03P190 (1) هامش تفسير القرطبي ج 5 ص 261 (2) تفسير القرطبي ج 5 ص 262 بتصرف وتلخيص PageV03P191 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 518. (2) تفسير آيات الأحكام ج 3 ص 119. للشيخ محمد السائس. PageV03P192 (1) تفسير الآلوسى ج 5 ص 67. PageV03P194 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 519. PageV03P196 (1) تفسير الكشاف ج 1 ms6156 ص 527. PageV03P198 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 519. (2) تفسير الفخر الرازي ج 10 ص 162. PageV03P200 (1) سورة الحجر آية 92 ، 93. (2) تفسير ابن جرير ج 5 ص 158. PageV03P201 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 520. PageV03P202 (1) تفسير الفخر الرازي ج 10 ص 167 بتصرف يسير. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 522. PageV03P204 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 530 PageV03P205 (1) تفسير الفخر الرازي ج 10 ص 155 PageV03P206 (1) تفسير القاسمى ج 5 من ص 1361 إلى ص 1382 وراجعه ففيه نقول كثيرة جيدة في هذا المعنى. PageV03P207 (1) تفسير ابن جرير ج 5 ص 133 PageV03P208 (1) تفسير الفخر الرازي ج 10 ص 171. (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 531 PageV03P209 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 523. PageV03P210 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 273. PageV03P211 (1) تفسير المنار ج 5 ص 250 (2) سورة التوبة آية 122 PageV03P212 (1) تفسير الآلوسى ج 5 ص 79 PageV03P213 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 532 PageV03P214 (1) تفسير ابن جرير ج 5 ص 166 PageV03P215 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 534 PageV03P219 (1) تفسير الفخر الرازي ج 10 ص 184 PageV03P220 (1) تفسير الفخر الرازي ج 1 ص 116 PageV03P222 (1) تفسير الفخر الرازي ج 10 ص 185 بتصرف وتلخيص PageV03P224 (1) تفسير المنار ج 5 ص 263 (2) تفسير القرطبي ج 5 ص 281. PageV03P225 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 284. PageV03P228 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 285 بتلخيص. PageV03P229 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 403. (2) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة بمجلة لواء الإسلام العدد 1 السنة الخامسة عشرة. PageV03P230 (1) تفسير الآلوسى ج 5 ص 91 PageV03P231 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 529. PageV03P232 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 540 (2) تفسير الآلوسى ج 5 ص 94 PageV03P234 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 291 PageV03P235 (1) تفسير الفخر الرازي ج 10 ص 199 (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 529 PageV03P236 (1) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 198 (2) حاشية تفسير الكشاف ج 1 ص 540 PageV03P237 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 42 (2) السالفة : صفحة العنق ، وكنى بانفرادها عن الموت لأنها لا تنفرد عما يليها إلا به. (3) تفسير القرطبي ج 5 ص 293 PageV03P239 (1) تفسير الفخر الرازي ج 10 ص 204 ms6157 PageV03P240 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 294 بتصرف وتلخيص (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 407 PageV03P241 (1) تفسير ابن جرير ج 5 ص 286 (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 542. PageV03P242 (1) مفردات القرآن للراغب الاصفهانى ص 140 (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 531. PageV03P243 (1) راجع القرطبي ج 5 ص 298. والآلوسي ج 5 ص 98. والفخر الرازي ج 10 ص 208. PageV03P244 (1) راجع الآلوسى ج 5 ص 107 وتفسير الفخر الرازي ج 10 ص 281 PageV03P246 (1) تفسير ابن جرير ج 5 ص 194 (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 408 PageV03P247 (1) تفسير الفخر الرازي ج 1 ص 221. PageV03P249 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 408. PageV03P250 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 533 (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 548 PageV03P251 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 310 (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 410. PageV03P252 (1) تفسير ابن جرير ج 5 ص 201 PageV03P253 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 534 بتصرف يسير. (2) تفسير القرطبي ج 5 ص 312. (3) تفسير الكشاف ج 1 ص 548. PageV03P255 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 534 PageV03P256 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 315 (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 535 (3) هذا رأى الشافعى ورواية عن أحمد ، وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد في أظهر روايته بدخول الأصول والفروع في العاقلة. (4) تفسير القاسمى ج 5 ص 1446 PageV03P257 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 550. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 535. PageV03P259 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 536. PageV03P261 (1) تفسير القاسمى ج 5 ص 1458. PageV03P262 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 363. PageV03P263 (1) مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص 331. PageV03P264 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 553. PageV03P265 (1) تفسير الطبري ج 5 ص 226. (2) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 2. PageV03P266 (1) تفسير التحرير والتنوير للشيخ محمد الطاهر بن عاشور ج 5 ص 168. (2) تفسير الآلوسى ج 5 ص 121. PageV03P267 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 540. (2) تفسير القرطبي ج 5 ص 332. PageV03P268 (1) حاشية الجمل على الجليلين ج 1 ص 415 (2) تفسير ابن جرير ج 1 ص 231 PageV03P270 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 554 PageV03P271 (1) تفسير الآلوسي ج 5 ص 123 (2) تفسير القرطبي ج 5 ص 244 ms6158 (3) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 415 PageV03P272 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 542 وتفسير ابن جرير ج 5 ص 201 PageV03P273 (1) تفسير الآلوسى ج 5 ص 126 بتصرف يسير. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 416. (3) تفسير الكشاف ج 1 ص 555 PageV03P275 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 346 PageV03P276 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 418 (2) تفسير الآلوسى ج 5 ص 127 PageV03P277 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 348 (2) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 15 طبعة عبد الرحمن محمد. PageV03P278 (1) تفسير الآلوسى ج 5 ص 127. (2) تفسير الآلوسى ج 5 ص 129 (3) تفسير القرطبي ج 5 ص 348 PageV03P279 (1) تفسير القاسمى ج 5 ص 1492 (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 557 PageV03P280 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 351. PageV03P283 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 354 وما بعدها. PageV03P284 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 544. PageV03P285 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 545 (2) تفسير القرطبي ج 5 ص 362 PageV03P286 (1) راجع تفسير القرطبي ج 5 ص 351 وما بعدها. وتفسير ابن كثير ج 1 ص 544 وما بعدها. PageV03P287 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 420 نقلا عن الخازن PageV03P288 (1) تفسير الآلوسى ج 5 ص 134 بتصريف يسير PageV03P289 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 548 (2) تفسير القرطبي ج 5 ص 365 (3) تفسير ابن كثير ج 1 ص 547 PageV03P290 (1) تفسير ابن جرير ج 5 ص 262 بتصرف وتلخيص. PageV03P293 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 374. بتصرف يسير. PageV03P294 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 561 بتصريف يسير. PageV03P296 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 551 (2) تفسير القرطبي ج 5 ص 377 PageV03P297 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 563 (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 563. وقوله «وتوريكه الذنب» يقال : ورك فلان ذنبه على غيره أى رماه به. PageV03P299 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 563 بتصرف يسير. (2) مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص 340 PageV03P301 (1) مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص 10 (2) تفسير القرطبي ج 5 ص 381 PageV03P302 (1) تفسير الجمل ج 1 ص 424 (2) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 28 PageV03P303 (1) تفسير الكشاف ج ms6159 5 ص 144. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 424. PageV03P306 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 384 بتصرف وتلخيص. PageV03P307 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 553 (2) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 14 PageV03P308 (1) تفسير المنار ج 5 ص 415. PageV03P309 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 455. PageV03P310 (1) تفسير الآلوسى ج 5 ص 147. (2) الآية رقم 48. PageV03P311 (1) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج 3 ص 352. PageV03P312 (1) تفسير ابن جرير ج 5 ص 380. بتصرف وتلخيص. (2) مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص 466. PageV03P313 (1) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص 26. PageV03P314 (1) تفسير ابن جرير ج 5 ص 285. (2) تفسير ابن كثير ج 5 ص 285. PageV03P315 (1) تفسير ابن جرير ج 5 ص 388. PageV03P318 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 557. (3) تفسير ابن جرير ج 5 ص 291. PageV03P319 (1) تفسير الآلوسى ج 5 ص 152. PageV03P320 (1) تفسير الآلوسى ج 5 ص 115 (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 148 PageV03P322 (1) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 61 PageV03P324 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 402 (2) تفسير ابن جرير ج 5 ص 399 بتصرف يسير. PageV03P325 (1) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 62 PageV03P326 (1) تفسير ابن كثير بتلخيص يسير ج 1 ص 561 (2) تفسير الآلوسى ج 5 ص 160 PageV03P327 (1) تفسير الآلوسى ج 5 ص 161 PageV03P328 (1) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 65 PageV03P329 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 563 PageV03P330 (1) تفسير ابن جرير ج 5 ص 313 PageV03P331 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 405 (2) تفسير آيات الأحكام ج 2 ص 148 لفضيلة الشيخ محمد على السائس PageV03P332 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 564 بتصرف يسير (2) تفسير الآلوسى ج 5 ص 163 PageV03P333 (1) تفسير الآلوسى ج 5 ص 408 PageV03P334 (1) تفسير ابن جرير ج 5 ص 318. PageV03P336 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 854. PageV03P337 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 409. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 432. PageV03P338 (1) تفسير الآلوسى ج 5 ص 167 (2) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج 3 ص 269. PageV03P339 (1) تفسير ابن جرير ج 5 ص 391. PageV03P340 (1) تفسير المنار ج 5 ص 456. (2) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 72. PageV03P342 (1) تفسير القرطبي ج 5 ص 410 بتصرف وتلخيص . (2) تفسير ابن ms6160 جرير ج 5 ص 321. PageV03P343 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 565. (2) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 74. PageV03P344 (1) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 78. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 566. PageV03P347 (1) تفسير ابن جرير ج 5 ص 328. (2) سورة آل عمران الآية 72. PageV03P348 (1) تفسير الآلوسى ج 5 ص 171 بتصريف وتلخيص. (2) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص 48. PageV03P349 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 566. (2) تفسير الفخر الرازي ج 1 ص 80. (3) سورة المجادلة الآية 22. PageV03P350 (1) سورة الأنعام الآية 68. (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 578. PageV03P351 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 588 (2) تفسير القرطبي ج 5 ص 418. PageV03P352 (1) حاشية الكشاف ج 1 ص 578. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 567 بتصريف وتلخيص. PageV03P354 (1) مفردات القرآن ص 144 PageV03P355 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 568 بتصرف وتلخيص PageV03P356 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 579 (2) القرطبي ج 5 ص 424. PageV03P357 (1) سورة آل عمران الآية 28 (2) تفسير القاسمى ج 5 ص 1621 PageV03P358 (1) تفسير الآلوسى ج 5 ص 177. PageV03P359 (1) تفسير الآية الكريمة لفضيلة أستاذنا الجليل الشيخ محمد أبو زهرة مجلة لواء الإسلام السنة 17 العدد 12. PageV03P360 (1) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 88. (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 581 بتصرف يسير . PageV03P361 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 3. (2) سورة الأسراء الآية 53. PageV03P364 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 571. PageV03P365 (1) تفسير الفخر الرازي ج 1 ص 90. (2) تفسير القرطبي ج 6 ص 4. PageV03P366 (1) تفسير ابن جرير ج 6 ص 7. (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 585. PageV03P369 (1) تفسير ابن جرير ج 1 ص 290 (2) المفردات في غريب القرآن ص 281 للراغب الاصفهانى. PageV03P370 (1) سورة البقرة الآيات من 54 ، 56 وراجع تفسيرها في كتابنا (بنو إسرائيل في القرآن والسنة) ج 1 ص 462. PageV03P371 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 573. PageV03P372 (1) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 97 (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 416 PageV03P374 (1) سورة فصلت. الآية 5 PageV03P375 (1) تفسير الآلوسى ج 6 ص 9 PageV03P376 (1) سورة التحريم الآية 12 PageV03P377 (1) وتفسير الكشاف ج 1 ص 587 (2) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 99 PageV03P378 (1) تفسير صفوة البيان ص 178 لفضيلة الأستاذ الشيخ حسنين مخلوف. (2) تفسير الآلوسى ج 6 ص ms6161 10. PageV03P379 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص (2) إذا أردت المزيد من معرفة هذه المسألة فراجع تفسير القاسمى ج 5 ص 1629 إلى ص 1716. وتفسير المنار ج 6 من ص 23 إلى 59 (3) تفسير الآلوسى ج 6 ص 11 PageV03P380 (1) تفسير الكشاف وحاشيته ج 1 ص 857. PageV03P381 (1) تفسير صفوة البيان ص 109 لفضيلة الشيخ حسنين مخلوف (2) راجع تفسير الآية الكريمة في سورة آل عمران. (3) تفسير ابن جرير ج 2 ص 23 PageV03P382 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 577 بتصرف يسير . (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 589 PageV03P383 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 485 PageV03P385 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 590 PageV03P387 (1) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 108 PageV03P389 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 488 (2) تفسير الآلوسى ج 6 ص 16 PageV03P390 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 586 PageV03P391 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 449 (2) تفسير القاسمى ج 5 من ص 1723 إلى ص 1752 (3) سورة طه الآية 134. PageV03P392 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 588 (2) تفسير الآلوسى ج 6 ص 18 PageV03P393 (1) رسالة التوحيد للأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ص 117 وما بعدها. (2) تفسير ابن جرير ج 6 ص 31 PageV03P394 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 592 PageV03P395 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 21 PageV03P399 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 905 (2) سورة الأنبياء الآية 91 PageV03P400 (1) سورة السجدة الآيات من 7 9 (2) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة ، بمجلة لواء الإسلام السنة 18 العدد 9 PageV03P401 (1) الأقانيم جمع الأفنوم بضم الهمزة وسكون القاف بمعنى الأصل أو الصف. (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 594 (3) راجع تفسير الآلوسى ج 6 من ص 26 إلى 36 ، وتفسير القاسمى ج 5 ص 1765 PageV03P402 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 26 بتصرف يسير . (2) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 117. PageV03P404 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 595. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 591. PageV03P405 (1) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الشيخ محمد أبو زهرة. مجلة لواء الإسلام العدد العاشر. PageV03P406 (1) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 119 طبعة عبد الرحمن ms6162 محمد. PageV03P407 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 592 (2) تفسير القرطبي ج 6 ص 29 (3) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص 437 (4) تفسير ابن كثير ج 1 ص 595 PageV03P409 (1) تفسير الآلوسى ج 6 ص 45 PageV03P411 (1) تفسير القرطبي : ج 6 ص 30 طبعة دار الكتب المصرية سنة 1389 ه سنة 1959 PageV04P006 (1) تفسير الآلوسى ج 6 ص 48. طبعة منير الدمشقي (2 ، 3) تفسير ابن كثير ج 2 طبعة عيسى الحلبي. (4) تفسير الآلوسى ج 6 ص 47. (5) تفسير القرطبي ج 6 ص 30 (6) الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 18 طبعة مصطفى الحلبي سنة 1951. PageV04P007 (1) صحيح البخاري ج 5 ص 92 طبعة مصطفى الحلبي سنة 1945 ه (2) راجع الآيات من 20 26 من سورة المائدة. PageV04P008 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 31 PageV04P009 (1) الآيات من 1 11 (2) الآيات من 12 26 PageV04P010 (1) الآيات من 27 40 (2) الآيات من 41 50 PageV04P011 (1) الآيات من 50 66 (2) الآيات من 67 81 PageV04P012 (1) الآيات من 82 96 (2) الآيات من 97 108 PageV04P013 (1) الآيات من 109 إلى نهاية السورة. PageV04P014 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 30 PageV04P015 (1) حاشية ابن المنير على الكشاف ج 1 ص 600. (2) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص 241. (3) تفسير الطبرسي ج 6 ص 7 طبعة مكتبة دار الحياة سنة 1380 ه. PageV04P020 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 33. PageV04P021 (1) تفسير الآلوسى ج 6 ص 49. PageV04P022 (1) راجع تفسير القرطبي ج 6 ص 31. PageV04P024 (1) تفسير ابن جرير ج 6 ص 55 بتصرف يسير. PageV04P025 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 2 ص 4 PageV04P026 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 602. PageV04P027 (1) تفسير ابن جرير ج 6 ص 57 بتصرف وتلخيص (2) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 130 PageV04P028 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 602 PageV04P029 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 5 PageV04P030 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 459 (2) تفسير المنار ج 6 ص 126 PageV04P031 (1) صحيح مسلم كتاب الإمارة ج 6 ص 41 طبعة مصطفى الحلبي سنة 1380 ه سنة 1960 (2) صحيح مسلم كتاب العلم ج 8 ص 62 PageV04P032 (1) تفسير ابن جرير ج 6 ص 67 ms6163 (2) أخرجه البخاري في باب غزوة سيف البحر من كتاب المغازي ج 5 ص 211 (3) تفسير ابن كثير ج 2 ص 7 (4) تفسير ابن كثير ج 2 ص 7 PageV04P033 (1) الآية 145 من سورة الأنعام. (2) ابن كثير ج 2 ص 7 PageV04P034 (1) ابن كثير ج 3 ص 11. PageV04P037 (1) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 137. PageV04P038 (1) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 138. PageV04P039 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 61 بتصرف وتلخيص . PageV04P040 (1) تفسير الآلوسى ج 6 ص 61. PageV04P041 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 14 بتصرف وتلخيص (2) لسان العرب ج 6 ص 184. (3) تفسير القاسمى ج 6 ص 1831. PageV04P043 (1) تفسير آيات الأحكام ج 2 ص 164 للأستاذ الشيخ محمد على السائس. PageV04P044 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 15. PageV04P045 (1) سورة الأنعام. الآية 60. PageV04P046 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 606. PageV04P047 (1) سورة الأعراف الآية 32. (2) تفسير القرطبي ج 6 ص 66. PageV04P048 (1) راجع تفسير القرطبي ج 6 ص 69. وتفسير ابن كثير ج 2 ص 16. (2) سورة الأنعام الآية 121. (3) تفسير القرطبي ج 6 ص 68. PageV04P049 (1) تفسير الآلوسى ج 6 ص 65 (2) ابن كثير ج 2 ص 19 (3) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة. مجلة لواء الإسلام العدد الرابع من السنة التاسعة عشرة. PageV04P051 (1) تفسير الآلوسى ج 6 ص 65 بتصرف يسير. PageV04P053 (1) التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول ج 2 ص 277 للشيخ منصور على ناصف PageV04P054 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 20 PageV04P055 (1) تفسير القرآن الكريم ص 30 لفضيلة الأستاذ الشيخ محمود شلتوت. PageV04P056 (1) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 150 PageV04P057 (1) تفسير الآلوسى ج 6 ص 69 PageV04P058 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 60 (2) تفسير القاسمى ج 6 ص 188 PageV04P060 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 91 ص 96. PageV04P061 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 26 (2) تفسير الكشاف وحاشيته ج 1 ص 610 PageV04P062 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 6 ص 610 PageV04P063 (1) سورة الأنفال الآية 11 (2) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 165 الطبعة البهية. PageV04P064 (1) سورة البقرة الآية 237 PageV04P066 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 237 PageV04P067 (1) راجع تفسيرنا لسورة النساء الآية 43 (2) سورة البقرة الآية 185 (3) سورة الحج الآية ms6164 78 (4) سورة النساء الآية 28 PageV04P068 (1) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 178 بتصرف وتلخيص . PageV04P069 (1) تفسير ابن جرير ج 6 ص 140 PageV04P070 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 613 (2) الآية 135 من سورة النساء. (3) تفسير الآلوسى ج 6 ص 83 PageV04P073 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 31 (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 613 PageV04P074 (1) تفسير ابن جرير ج 6 ص 147 PageV04P075 (1) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 183 PageV04P077 (1) تفسير الآلوسى ج 6 ص 85 (2) سورة الأعراف الآية 160. PageV04P078 (1) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 185 PageV04P079 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 615 PageV04P080 (1) تفسير ابن جرير ج 6 ص 155 (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 615 PageV04P081 (1) سورة التوبة آية 29 PageV04P083 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 616 طبعة دار الكتاب العربي ببيروت PageV04P085 (1) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الشيخ محمد أبو زهرة رحمهالله مجلة لواء الإسلام السنة 19 العدد التاسع ص 545. (2) تفسير ابن جرير ج 6 ص 60 PageV04P086 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 33. PageV04P087 (1) تفسير ابن جرير ج 6 ص 161 (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 617 PageV04P089 (1) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الشيخ محمد أبو زهرة مجلة لواء الإسلام السنة 19 العدد 11 PageV04P091 (1) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 191. طبعة عبد الرحمن محمد PageV04P092 (1) تفسير أبى السعود ج 2 ص 17 طبعة صبيح. PageV04P093 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 35 PageV04P094 (1) تفسير الآلوسى ج 6 ص 100 (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 34 طبعة عيسى الحلبي. PageV04P095 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 120 (2) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج 2 ص 451 PageV04P096 (1) تفسير ابن جرير ج 6 ص 166 (2) المفردات في غريب القرآن ص 371 للراغب الاصفهانى (3) تفسير ابن كثير ج 2 ص 35 PageV04P098 (1) راجع تفسيرنا للآية رقم 12 من هذه السورة. PageV04P101 (1) من ذلك ما جاء في وصفهم من أن منهم عوج بن عنق الذي كان طوله ثلاثة آلاف ذراع. وأن سبعين رجلا من قوم موسى استظلوا في ظل واحد منهم. وقال الآلوسى بعد أن حكى ما قيل فيهم من صفات. وهي ms6165 عندي حديث خرافة. PageV04P102 (1) تفسير أبى السعود ج 2 ص 17 بتصرف وتلخيص (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 619 PageV04P103 (1) تفسير الآلوسى ج 6 ص 105. (2) حاشية الكشاف ج 1 ص 619 (3) تفسير الآلوسى ج 6 ص 106 PageV04P104 (1) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 198 PageV04P105 (1) تفسير ابن جرير ج 1 ص 173 PageV04P106 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 630 (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 126 PageV04P108 (1) سورة التوبة الآية 46 PageV04P109 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 623 PageV04P110 (1) تفسير الآلوسى ج 6 ص 109 بتصرف وتلخيص PageV04P111 (1) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 199. (2) تفسير الآلوسى ج 6 ص 106 (3) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 197 PageV04P112 (1) مقدمة ابن خلدون. نقلا عن تفسير القاسمى ج 6 ص 1942 PageV04P113 (1) تفسير المنار ج 6 ص 337 بتصرف يسير. PageV04P114 (1) تفسير ابن جرير ج 6 ص 168 (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 39 بتصرف وتلخيص. PageV04P115 (1) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ص 460 (2) تفسير القرطبي ج 6 ص 133 PageV04P117 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 130 (2) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج 2 ص 461 PageV04P118 (1) تفسير الآلوسى ج 6 ص 112 PageV04P119 (1) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 207 بتصرف وتلخيص ، (2) حاشية تفسير الكشاف ج 1 ص 25. PageV04P120 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 138 PageV04P121 (1) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 207 (2) تفسير الآلوسى ج 6 ص 115 PageV04P122 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 125 PageV04P123 (1) مفردات القرآن للراغب الاصفهانى ج 486. (2) تفسير المنار ج 6 ص 347. PageV04P124 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 485 بتصرف يسير. PageV04P125 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 617. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 351. PageV04P126 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 146 PageV04P127 (1) تفسير ابن جرير ج 6 ص 208. PageV04P129 (1) نائرة : أى هاجة يقال : نارت ناره في الناس بمعنى : هاجت هائجة. PageV04P131 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 151. (2) أحكام القرآن لابن العربي ج 2 ص 595. (3) تفسير ابن كثير ج 2 ص 51 بتلخيص يسير PageV04P132 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 51. (2) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 216. PageV04P133 (1) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الأستاذ الشيخ ms6166 محمد أبو زهرة. مجلة لواء الإسلام العدد السابع. السنة العشرون. (2) تفسير القرطبي ج 6 ص 157. (3) تفسير القرطبي ج 6 ص 185. PageV04P135 (1) تفسير الآلوسى ج 6 ص 120. (2) تفسير ابن جرير ج 6 ص 225. (3) تفسير ابن كثير ج 2 ص 52. PageV04P136 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 155. PageV04P137 (1) المرادات في غريب القرآن ص 523. PageV04P138 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 53 PageV04P139 (1) من كتاب الوسيلة «للإمام ابن تيمية» نقلا عن تفسير القاسمى ج 6 ص 1968 PageV04P140 (1) تفسير الآلوسى ج 6 ص 124 PageV04P141 (1) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 221. PageV04P142 (1) رواه البخاري في باب «من نوقش الحساب عذب ، ومن كتاب الرقاق» ج 8 ص 139 PageV04P143 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 488 PageV04P144 (1) تفسير المنار ج 6 ص 384 PageV04P145 (1) تفسير الآلوسى ج 6 ص 135 PageV04P146 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 160 بتصرف وتلخيص. (2) في المعجم الوسيط : المراح : مأوى الماشية ج 1 ص 381. والجرين : الجرن ، وهو الموضع الذي يداس به البر ونحوه وتجفف فيه الثمار ج 1 ص 119 ، والمجن : الترس يتقى به في الحرب وثمنه ثلاثة دراهم. PageV04P147 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 56 (2) تفسير القرطبي ج 6 ص 159 وما بعدها. PageV04P149 (1) أخرجه البخاري في كتاب الحدود ج 8 ص 213 طبعه مصطفى الحلبي سنة 1345 ه PageV04P150 (1) صحيح مسلم كتاب الحدود ج 5 ص 122 طبعة مصطفى الحلبي سنة 1380 ه (2) الوسق : ستون صاعا. (3) تفسير ابن كثير ج 2 ص 60 (4) تفسير ابن كثير ج 2 ص 58 PageV04P151 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 181 PageV04P152 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 632 بتصرف يسير (2) تفسير أبو السعود ج 2 ص 27 PageV04P153 (1) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 232 (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 400 PageV04P154 (1) تفسير الكشاف وحاشيته ج 1 ص 633 PageV04P155 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 83 بتصرف وتلخيص. PageV04P157 (1) تفسير أبى السعود ج 2 ص 29 PageV04P158 (1) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة ج 6 ص 7 (2) تفسير ابن جرير ج 6 ص 240 بتصرف يسير. PageV04P159 (1) تفسير آيات الأحكام ج 2 ص ms6167 193 لفضيلة الأستاذ محمد على السائس : (2) تفسير آيات الأحكام ج 2 ص 195 PageV04P160 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 336 PageV04P161 (1) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 236 PageV04P162 (1) تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 3 طبعة عبد الرحمن محمد PageV04P163 (1) تفسير ابن جرير ج 6 ص 39 (2) تفسير القرطبي ج 6 ص 189 PageV04P164 (1) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 4 (2) المفردات من غريب القرآن ص 149 للراغب الأصفهاني. PageV04P165 (1) تفسير الآلوسى ج 6 ص 145 PageV04P166 (1) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 402 (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 673 PageV04P167 (1) تفسير القاسمى ج 1 ص 2000 (2) تفسير «صفوة البيان» ص 194 (3) تفسير الآلوسى ج 6 ص 145 PageV04P168 (1) راجع تفسير القرطبي ج 6 ص 192 PageV04P169 (1) تفسير ابن جرير ج 6 ص 262 بتصريف وتلخيص. (2) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 12 PageV04P170 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 61 بتصرف يسير. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 61 بتصرف يسير. (3) تفسير الآلوسى ج 6 ص 118 PageV04P171 (1) راجع تفسير القرطبي ج 6 ص 191 209 (2) سورة الشورى الآية 40 (3) سورة آل عمران الآية 134 (4) تفسير ابن كثير ج 2 ص 164. (5) تفسير ابن جرير ج 6 ص 260 PageV04P172 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 639 PageV04P173 (1) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة مجلة لواء الإسلام العدد الثالث من السنة 21 PageV04P174 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 64 PageV04P175 (1) تفسير الرازي ج 12 ص 9 (2) تفسير الآلوسى ج 6 ص 150 PageV04P176 (1) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج 3 ص 50 (2) تفسير المنار ج 6 ص 404. PageV04P177 (1) تفسير ابن جرير ج 6 ص 266 (2) تفسير الكشاف ج 6 ص 640 PageV04P178 (1) تفسير ابن جرير ج 2 ص 65 PageV04P179 (1) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الشيخ الأستاذ محمد أبو زهرة. مجلة لواء الإسلام العدد الرابع السنة 21 (2) تفسير الآلوسى ج 6 ص 152 PageV04P180 (1) سورة الأنعام. ص 146 (2) سورة آل عمران الآية 50 PageV04P181 (1) سورة الأنبياء آية 25. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 67 (3) تفسير الآلوسى ج 6 ص ms6168 154. PageV04P182 (1) تفسير ابن جرير ج 6 ص 273. PageV04P184 (1) تفسير الآلوسى ج 6 ص 156. PageV04P185 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 67 بتصرف وتلخيص PageV04P186 (1) تفسير ابن جرير ج 6 ص 257 وتفسير ابن كثير ج 2 ص 68. PageV04P188 (1) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 16. PageV04P189 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 500. PageV04P190 (1) تفسير الآلوسى ج 6 ص 192. (2) تفسير الآلوسى ج 6 ص 159. PageV04P192 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 634. PageV04P193 (1) سورة الممتحنة آية 8. (2) سورة الممتحنة آية 9. PageV04P194 (1) تفسير الآلوسى ج 6 ص 160. (2) سورة محمد. الآية الأخيرة. PageV04P196 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 70. (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 698. PageV04P197 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 698. PageV04P198 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 70. (2) أخرجه البخاري في باب كيف يبايع الإمام الناس من كتاب الأحكام ج 9 ص 96. PageV04P199 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 648. (2) سورة التوبة الآية 71. (3) راجع تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 26 وما بعدها. PageV04P200 (1) المفردات في غريب القرآن ص 22. (2) تفسير القاسمى ج 6 ص 2045. PageV04P201 (1) تفسير الآلوسى ج 6 ص 171. PageV04P202 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 224. PageV04P203 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 291. (2) تفسير ابن كثير ج 3 ص 72. PageV04P204 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 233. PageV04P205 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 505. PageV04P206 (1) تفسير القاسمى ج 6 ص 251 وما بعدها بتصرف يسير. PageV04P207 (1) سورة سبأ الآية 24. PageV04P208 (1) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 28. (2) سورة التوبة. الآيتان 124 و125. PageV04P209 (1) سورة المؤمنون. الآية 61. (2) سورة المؤمنون الآية 56. PageV04P210 (1) سورة الأعراف الآية 169. PageV04P211 (1) تفسير التحرير والتنوير للشيخ محمد الطاهر بن عاشور ج 6 ص 248 (2) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 39 (3) تفسير ابن جرير ج 6 ص 298 PageV04P212 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 74 (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 75 (3) تفسير القرطبي ج 6 ص 238 PageV04P213 (1) المفردات في غريب القرآن ص 263 PageV04P214 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 655 (2) تفسير الآلوسى ج 6 ص 108 PageV04P215 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 75 (2) سورة الإسراء الآية 82 PageV04P216 (1) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج 3 ص 524 PageV04P217 (1) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 45 (2) راجع كتابنا ms6169 «بنو إسرائيل في القرآن والسنة» ج 2 من ص 288 إلى ص 320 PageV04P218 (1) راجع تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 46 بتصريف وتلخيص PageV04P219 (1) سورة الأنعام الآية 19 (2) سورة الجن الآية 16 (3) سورة هود الآية 52 PageV04P220 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 79. (2) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 79 PageV04P222 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 956 (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 510 (3) حاشية الكشاف ج 1 ص 658 PageV04P223 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 77 (2) تفسير ابن جرير ج 6 ص 39 (3) إذا أردت المزيد من ذلك فارجع إلى كتاب «أعلام النبوة» للماوردى. PageV04P224 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 78. (2) تفسير الآلوسى ج 6 ص 200 PageV04P225 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 511. (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 661 PageV04P229 (1) سورة المائدة الآية 12 (2) سورة البقرة الآية 83 PageV04P230 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 662 PageV04P231 (1) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 57 PageV04P234 (1) سورة العنكبوت الآية 40 PageV04P235 (1) راجع تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 59 PageV04P236 (1) تفسير الفخر الرازي ج 12 س 60 (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 513 PageV04P238 (1) سورة النساء : الآية 56 (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 664 PageV04P239 (1) تفسير أبو السعود ج 7 ص 50 (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 81 (3) المفردات في غريب القرآن الكريم ص 277 PageV04P240 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 81 PageV04P241 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 665 PageV04P242 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 82 PageV04P243 (1) مسند الإمام أحمد ج 2 حديث رقم 225 طبعة الحلبي. (2) صحيح البخاري باب واذكر في الكتاب مريم من كتاب الأنبياء ج 4 ص 304 (3) صحيح مسلم كتاب العلم ج 8 ص 58 PageV04P244 (1) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 63 PageV04P245 (1) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 64 (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 666 PageV04P246 (1) تفسير الآلوسى ج 6 ص 211 PageV04P247 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 667 (2) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 64 PageV04P248 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 667. PageV04P249 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 83 ms6170 (2) سورة آل عمران الآية 110 (3) راجع كتابنا بنو إسرائيل في القرآن والسنة ج 4 ص 307 مبحث تحالفهم مع المنافقين ضد المسلمين. PageV04P250 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 6 ص 651 PageV04P251 (1) تفسير ابن جرير ج 7 ص 3 PageV04P253 (1) تفسير الآلوسى ج 7 ص 1 (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 517 (3) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 517 PageV04P254 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 670 PageV04P256 (1) تفسير الآلوسى ج 7 ص 6 PageV04P257 (1) تفسير المنار ج 7 ص 18 بتصرف وبتلخيص (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 87 PageV04P259 (1) تفسير الآلوسى ج 7 ص 9 (2) تفسير القرطبي ج 6 ص 262 بتصرف وتلخيص PageV04P261 (1) تفسير الآلوسى ج 7 ص 9 (2) سورة الأعراف الآية 31 (3) سورة البقرة الآية 172. (4) أخرجه البخاري في باب الترغيب في النكاح من كتاب النكاح ج 7 ص 2 ، وأخرجه مسلم في كتاب النكاح ج 4 PageV04P262 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 672. (2) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 72. PageV04P263 (1) تفسير ابن جرير ج 7 ص 13. (2) المفردات في غريب القرآن ص 451. (3) تفسير ابن كثير ج 2 ص 89. PageV04P264 (1) سورة ن الآية : 28. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 521. PageV04P265 (1) سورة النحل الآية 94. PageV04P266 (1) تفسير القرطبي ج 1 ص 268. PageV04P267 (1) تفسير الفخر الرازي ج 2 ص 74. (2) المد : ربع صاع (3) تفسير القرطبي ج 7 ص 276. PageV04P268 (1) تفسير الفخر الرازي ج 3 ص 76 المطبعة البهية. PageV04P269 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 91 بتلخيص يسير. PageV04P270 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 275. PageV04P271 (1) تفسير المنار ج 7 ص 40 ، 48 (2) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 79 PageV04P273 (1) تفسير القرطبي ج 3 ص 51 (2) تفسير القرطبي ج 3 ص 53 PageV04P274 (1) الآية 3 من سورة المائدة. (2) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 79 (3) تفسير القرطبي ج 6 ص 286 (4) تفسير ابن جرير ج 7 ص 34 PageV04P275 (1) تفسير الآلوسى ج 7 ص 16 PageV04P278 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 675 بتصرف يسير (2) سورة البقرة الآية 219 PageV04P279 (1) سورة النساء الآية 43 (2) تفسير القرطبي ج 6 ص 286 (3) تفسير الآلوسى ج 7 ص ms6171 17 (4) البخاري في باب : صب الخمر من كتاب «المظالم والغضب» ج 3 ص 173. PageV04P280 (1) تفسير ابن جرير ج 7 ص 37. (2) قوله : «فقال بالإناء» الفعل قال هنا بمعنى أخذ أو فعل : والمعنى أنه أخذ الإناء الذي يشرب فيه الخمر فضرب به تحت شفته العليا حتى جرحها كما يجرح الحجام من يريد حجامته ، والقصد من ذلك قهر نفسه والتصميم على الكف عن شرب الخمر كفا باتا. والباطية : إناء يوضع فيه الخمر. (3) تفسير ابن جرير ج 7 ص 34 PageV04P281 (1) صحيح البخاري كتاب الأشربة ج 7 ص 136 PageV04P282 (1) أحكام القرآن لابن العربي ج 1 ص 149 (2) تفسير الآلوسى ج 2 ص 113 PageV04P283 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 288 بتصرف وتلخيص (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 92 PageV04P284 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 95 (2) تفسير القرطبي ج 6 ص 293 (3) تفسير الآلوسى ج 6 ص 211 (4) تفسير القرطبي ج 6 ص 296 PageV04P285 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 676. (2) تفسير أبى السعود ج 2 ص 57. PageV04P287 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 296. (2) سورة التوبة ؛ الآيتان 124 ، 125. (3) سورة المدثر الآية 31. PageV04P288 (1) تفسير الآلوسى ج 7 ص 21. (2) تفسير الكشاف ج 1 ص 677. PageV04P289 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 524. PageV04P290 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 302. (2) تفسير ابن جرير ج 7 ص 40. PageV04P291 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 98. (2) تفسير الآلوسى ج 7 ص 24. PageV04P293 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 308. PageV04P294 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 99. PageV04P295 (1) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الشيخ محمد أبو زهرة مجلة لواء الإسلام العدد السادس من السنة 22 PageV04P296 (1) تفسير الفخر الرازي ج 3 ص 96. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 101. PageV04P297 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 102. PageV04P299 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 421. PageV04P300 (1) تفسير الفخر الرازي ج 13 ص 99. (2) تفسير القرطبي ج 6 ص 324. PageV04P301 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 325 بتصرف وبتلخيص. PageV04P303 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 528. (2) تفسير القرطبي ج 6 ص 327. PageV04P304 (1) المفردات في غريب القرآن ص 141 للراغب الأصفهاني. PageV04P305 (1) تفسير الفخر الرازي ج 13 ص 104 وراجعه في تفسير هذه الآيات ms6172 إذا كنت تبغى المزيد من العلم والمعرفة ، فقد أجاد في هذا المقام وأبدع رحمهالله PageV04P306 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 330 (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 104 PageV04P307 (1) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 107 PageV04P308 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 323 PageV04P309 (1) تفسير الآلوسى ج 7 ص 41 PageV04P310 (1) قال الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي عند تعليقه على هذه الكلمة : أخرج أبو داود عن معاوية أن النبي صلىاللهعليهوسلم نهى عن الغلوطات يفتح الغين وضم اللام جمع غلوطة .. وهي المسائل يغالط بها العلماء ليزلوا فيها فيهيج بذلك شر وفتنه. وقيل : أصلها أغلوطة خففت بطرح الهمزة كما تقول : لجر. وأنت تريد الآجر حاشية تفسير القاسمى ج 6 ص 2178 PageV04P312 (1) سورة البقرة : الآية 204 (2) سورة الزخرف. الآية 58 (3) سورة الأنبياء الآية 7 (4) تفسير القاسمى وحاشيته بتصرف وتلخيص ج 6 ص 2166 وما بعدها (5) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 109 PageV04P313 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 107 PageV04P315 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 523 PageV04P317 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 658 (2) تفسير القرطبي ج 6 ص 343 PageV04P318 (1) تفسير ابن جرير ج 7 ص 96 (2) تفسير القاسمى ج 6 ص 391 (3) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 112 PageV04P319 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 95 PageV04P320 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 346 (2) تفسير الآلوسى ج 7 ص 46 PageV04P321 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 352 PageV04P322 (1) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 117 PageV04P323 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 688 (2) تفسير القرطبي ج 6 ص 358 PageV04P324 (1) تفسير الآلوسى ج 7 ص 51 بتصريف وتلخيص (2) تفسير القاسمى ج 6 ص 66 PageV04P325 (1) صحيح مسلم ج 5 ص 70 (2) تفسير المنار ج 7 ص 227 بتصرف وتلخيص PageV04P327 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 349 351 بتصرف يسير PageV04P328 (1) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 112 بتصرف وتلخيص PageV04P330 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 690 (2) تفسير أبى السعود ج 2 ص 70 PageV04P331 (1) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 125 PageV04P332 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 115 PageV04P333 (1) تفسير الآلوسى ms6173 ج 2 ص 169. PageV04P334 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 114 (2) تفسير الآلوسى ج 7 ص 58 PageV04P335 (1) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص 135 PageV04P336 (1) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 128 PageV04P337 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 364. بتصرف وتلخيص PageV04P338 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 367 (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 116 PageV04P339 (1) تفسير الفخر الرازي ج 2 ص 131 PageV04P340 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 693 (2) تفسير أبى السعود ج 2 ص 72. PageV04P342 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 365 (2) تفسير الآلوسى ج 7 ص 59 (3) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 129 (4) الآية الأخيرة من سورة الصف. PageV04P343 (1) سورة آل عمران. الآية 52. (2) تفسير ابن جرير ج 7 ص 135 (3) تفسير ابن كثير ج 2 ص 116 PageV04P344 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 119 (2) تفسير ابن جرير ج 7 ص 135 (3) تفسير ابن كثير ج 2 ص 119 PageV04P345 (1) تفسير القرآن الكريم ص 281 ، لفضيلة الامام الأكبر المرحوم الشيخ محمود شلتوت. PageV04P346 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 374 PageV04P347 (1) تفسير الآلوسى ج 7 ص 65 PageV04P348 (1) الفخر الرازي ج 12 ص 125 المطبعة البهية. PageV04P349 (1) تفسير صفوة البيان لمعانى القرآن ص 213 لفضيلة الأستاذ الشيخ حسنين محمد مخلوف. (2) تفسير القاسمى ج 6 ص 2223. PageV04P350 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 378 (2) تفسير الجلالين ومعه حاشية الجمل ج 1 ص 546 (3) تفسير ابن كثير ج 2 ص 121 PageV04P351 (1) تفسير الآلوسى ج 7 ص 71 PageV04P352 (1) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 138 المطبعة البهية. PageV04P353 (1) سورة الحجر الآية : 94. (2) السيرة النبوية لابن هشام ، ج 1 ص 274 طبعة المكتبة التجارية. PageV05P004 (1) سورة الأنعام والأهداف الأولى للإسلام ص 16 لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد المدني رحمهالله (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 122. PageV05P006 (1) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ، ج 1 ص 28 طبعة مكتبة المشهد الحسيني سنة 1387 ه. (2) تفسير القرآن الكريم لفضيلة الأستاذ الشيخ محمود شلتوت ص 401 طبعة دار القلم. PageV05P007 (1) الآية 136 (2) الآية 138 (3) الآية 139 (4) الآية 142 PageV05P008 (1) تفسير الآلوسي ج 8 ص 76 طبعة منير الدمشقي. PageV05P009 (1) تفسير ms6174 القرآن الكريم ص 362 وما بعدها. لفضيلة الشيخ محمود شلتوت طبعه دار القلم. PageV05P011 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 2 المطبعة الشرفية سنة 1324 ه. (2) تفسير القرطبي ج 6 ص 282. طبعة دار الكاتب العربي سنة 1967 م. PageV05P023 (1) تفسير القرآن العظيم ص 398 طبعة دار القلم. PageV05P024 (1) تفسير مفاتيح الغيب ج 4 ص 3 للفخر الرازي المطبعة الشرفية سنة 1324 ه. PageV05P027 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 384 طبعة دار الكاتب العربي سنة 1967 م. PageV05P028 (1) الكشاف ج 2 ص 3 للزمخشري. طبعة دار الكاتب العربي ببيروت. (2) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 5. (3) تفسير أبو السعود ج 2 ص 77 طبعة صبيح. (4) تفسير المنار ج 7 ص 295 للشيخ رشيد رضا. طبعة دار المنار سنة 1367 هجرية. PageV05P029 (1) مجلة لواء الإسلام العدد 5 السنة 23 : تفسير سورة الأنعام لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبى زهرة. PageV05P030 (1) تفسير القرطبي ج 2 ص 387. (2) تفسير أبى السعود ج 2 ص 78. (3) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 4. PageV05P031 (1) سورة النحل : الآية 61. (2) سورة نوح الآية 4. (3) تفسير أبى السعود ج 2 ص 80. (4) راجع تفسير ابن كثير ج 2 ص 23 طبعة عيسى الحلبي. PageV05P032 (1) سورة الأعراف الآية 187. (2) تفسير روح المعاني للآلوسى ج 7 ص 88 طبعة منير الدمشقي. PageV05P033 (1) تفسير أبو السعود ج 2 ص 80. PageV05P034 (1) تفسير الآلوسي ج 7 ص 91. PageV05P035 (1) تفسير مفاتيح الغيب ج 4 ص 11 للفخر الرازي ، المطبعة الشرفية سنة 1324 ه. (2) الكشاف ج 2 ص 6 للزمخشري طبعة دار الكتاب العربي بيروت. PageV05P036 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 390. (2) تفسير المنار ج 7 ص 307 للشيخ رشيد رضا. (3) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 7 بتصرف وتلخيص. PageV05P037 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 6. (2) تفسير سورة الأنعام لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة ، مجلة لواء الإسلام السنة 23 العدد الخامس ص 242. PageV05P038 (1) سورة محمد الآية 38. PageV05P039 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 12. PageV05P040 (1) سورة الأنعام الآية : 111. (2) سورة الحجر الآيتان : 14 ، 15. PageV05P041 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 394. (2) سورة العنكبوت الآية : 40. PageV05P042 (1) سورة هود الآية : 100. (2) سورة الصافات الآيتان 137 ، 138. PageV05P043 (1) تفسير الكشاف ج ms6175 2 ص 8. PageV05P044 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 14. PageV05P045 (1) حاشية الجمل ج 3 ص 9. (2) تفسير روح المعاني للألوسى ج 7 ص 122. (3) تفسير القرطبي ج 6 ص 191. PageV05P046 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 18. (2) تفسير المنار ج 7 ص 335. (3) سورة فاطر : آية 2. PageV05P050 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 11. PageV05P051 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 126. PageV05P052 (1) حاشية الجمل : ج 2 ص 15. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 12. PageV05P053 (1) سورة الأنعام والأهداف الأولى للإسلام ص 5 لفضيلة الأستاذ محمد المدني. PageV05P054 (1) تفسير الآلوسي ج 3 ص 121. PageV05P055 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 401. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 13. PageV05P056 (1) تفسير الآلوسى ج 7 ص 125. (2) تفسير المنار ج 7 ص 347. (3) مجلة لواء الإسلام لسنة 23 العدد 9 تفسير الآيات الكريمة لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة. PageV05P057 (1) سورة فصلت آية 26. PageV05P059 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 130. (2) سورة الكهف : الآية 6. (3) سورة فاطر الآية 8. (4) سورة يس الآية 76. (5) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 23. PageV05P065 (1) سورة المجادلة الآية 21. (2) سورة الصافات الآيات 171 ، 172 ، 173. (3) سورة غافر الآية 51. PageV05P066 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 21. (2) سورة الملك : الآية 19. PageV05P069 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 23. PageV05P073 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 428. PageV05P075 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 124. PageV05P078 (1) تفسير ابن كثير ج 3 ص 104. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 23. PageV05P079 (1) حاشية الجمل ج 2 ص 34. PageV05P080 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 54 طبعة المطبعة الشرفية 1324. (2) البحر المحيط لأبى حيان ج 4 ص 142. PageV05P082 (1) تفسير ابن جرير ج 7 ص 135. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 30 طبعة بيروت. (3) قرن الثعالب أو قرن المنازل : اسم مكان على بعد يوم وليلة من مكة وهو ميقات أهل نجد. PageV05P085 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 126. (2) تفسير القرطبي ج 7 ص 1 طبعة دار الكتاب العربي. PageV05P086 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 57. (2) تفسير القاسمى ج 6 ص 2343. PageV05P088 (1) السراب : ما يراه الشخص في منتصف النهار ملتصقا بالأرض كأنه ماء جار وهو ليس بشيء ، الآل : ما يراه بالضحى كأنه الماء بين السماء والأرض. (2) تفسير القرطبي ج 7 ص 3. PageV05P089 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 32. (2) تفسير الفخر الرازي ms6176 ج 4 ص 58. PageV05P091 (1) الكشاف ج 2 ص 33. (2) تفسير الآلوسى ج 7 ص 76. (3) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 40. PageV05P092 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 33. PageV05P093 (1) تفسير الفخر الرازي ج 2 ص 62. PageV05P094 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 2 ص 140 وما بعدها. PageV05P096 (1) المفردات في غريب القرآن ص 160 للراغب الأصفهاني. PageV05P097 (1) تفسير القرطبي ج 7 ص 13. (2) تفسير المنار ج 7 ص 506. (3) تفسير التحرير والتنوير ج 7 ص 288 للشيخ الفاضل بن عاشور. PageV05P098 (1) تفسير القرطبي ج 7 ص 14. (2) تفسير الآلوسى ج 7 ص 183. PageV05P099 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 44. PageV05P100 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 65. PageV05P101 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 65. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 145. PageV05P102 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 145. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 37. PageV05P104 (1) تفسير الآلوسى ج 7 ص 149. (2) تفسير القاسمى ج 6 ص 3368. PageV05P107 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 76. PageV05P108 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 41. (2) تفسير الآلوسى ج 2 ص 22. (3) الإنصاف على الكشاف لأحمد بن المنير ج 2 ص 40. PageV05P110 (1) تفسير التحرير والتنوير للشيخ محمد عاشور ج 7 ص 330. (2) تفسير الآلوسى ج 7 ص 206. PageV05P113 (1) تفسير المنار ج 7 ص 279. PageV05P114 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 82. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 42. (3) تفسير القاسمى ج 6 ص 2209. (4) الانتصاف على الكشاف لابن المنير ج 2 ص 42. PageV05P115 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 82. PageV05P117 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 83. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 104. PageV05P118 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 59. PageV05P120 (1) مفردات القرآن ج 87 للراغب الأصفهاني. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 155. PageV05P121 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 86. PageV05P122 (1) تفسير ابن جرير ج 7 ص 178. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 156. (3) لباب النقول في أسباب النزول للسيوطي هامش الجلالين ص 222. PageV05P126 (1) تفسير الرازي ج 4 ص 99. PageV05P127 (1) تفسير الآلوسى ج 7 ص 212. (2) تفسير المنار ج 7 ص 620. (3) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 93. PageV05P128 (1) تفسير الآلوسى ج 7 ص 224. (2) سورة الأنفال الآية 50. (3) تفسير الكشاف ج 2 ص 47. PageV05P130 (1) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء باب قوله تعالى ( واتخذ الله ms6177 إبراهيم خليلا ) وأخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيم أهلها. (2) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق. باب كيف الحشر. PageV05P131 (1) أخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق. (2) سورة البقرة الآيتان : 166 ، 167. PageV05P132 (1) تفسير الفخر الرازي ج 1 ص 97. PageV05P134 (1) تفسير المنار ج 7 ص 631. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 48. PageV05P135 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 48. (2) تفسير الكشاف : ج 2 ص 49. PageV05P136 (1) سورة يونس : الآية 5. (2) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 99. PageV05P137 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 104. PageV05P138 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 51. (2) حاشية الانتصاف على تفسير الكشاف ج 2 ص 5 لابن المنير. PageV05P139 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 51. (2) تفسير الآلوسى ج 7 ص 240. PageV05P141 (1) تفسير القاسمى ج 6 ص 2429. (2) راجع الفخر الرازي ج 4 ص 107 طبع المطبعة الشرفية سنة 1324 ه. PageV05P142 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 160). (2) مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص 146. PageV05P144 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 52. PageV05P145 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 161. (2) راجع تفسير القاسمى ج 6 ص 2446 وما بعدها. PageV05P147 (1) سورة الفرقان آية 4 ، 5. PageV05P149 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 55. (2) تفسير الآلوسى ج 7 ص 250. PageV05P150 (1) تفسير الآلوسى ج 7 ص 451. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 164. (3) تفسير الكشاف ج 1 ص 56. PageV05P151 (1) تفسير القاسمى ج 6 ص 2463. (2) تفسير التحرير والتنوير ج 7 ص 430 للشيخ محمد بن عاشور. (3) تفسير القرطبي ج 7 ص 60. PageV05P152 (1) تفسير المنار ج 7 ص 669. PageV05P153 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 164. PageV05P154 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 57. (2) تفسير الآلوسى ج 7 ص 255. PageV05P155 (1) تفسير للقاسمى ج 7 ص 2471. (2) سورة فصلت الآية 43. (3) سورة الفرقان الآية : 31. PageV05P157 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 166. PageV05P158 (1) تفسير أبى حيان ج 4 ص 408. PageV05P159 (1) تفسير الآلوسى ج 8 ص 8. PageV05P160 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 167. PageV05P161 (1) تفسير المنار ج 7 ص 16. PageV05P162 (1) أخرجه أبو داود في كتاب الأضاحى باب ذبائح أهل الكتاب. حديث رقم 281 طبعة فؤاد عبد الباقي. (2) تفسير الآلوسى ج 8 ص 12. PageV05P164 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 127. PageV05P166 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 171. (2) أخرجه البخاري في كتاب «الذبائح والصيد ، حديث رقم 141 طبعة محمد ms6178 فؤاد عبد الباقي. (3) أخرجه البخاري في كتاب «الذبائح والصيد». (4) تفسير ابن كثير ج 2 ص 169. PageV05P167 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 170. (2) راجع تفسير ابن كثير ج 2 ص 168 وما بعدها وتفسير الآلوسى ج 8 ص 14 وما بعدها. PageV05P168 (1) حاشية الجمل ج 2 ص 86. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 173. PageV05P170 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 86. (2) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 142. PageV05P171 (1) تفسير الآلوسى ج 8 ص 21. (2) أخرجه مسلم في كتاب الفضائل. (3) المسند للإمام أحمد ج 1 ص 210 طبعة الحلبي. (4) تفسير القرطبي ج 7 ص 80. PageV05P172 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 174. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 174. (3) تفسير الآلوسى ج 8 ص 2. PageV05P173 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 90. PageV05P175 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 65. PageV05P178 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 151. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 177. (3) تفسير ابن جرير ج 8 ص 27. PageV05P179 (1) تفسير أبى السعود ج 2 ص 137. (2) تفسير المنار ج 8 ص 107. PageV05P180 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 66. PageV05P181 (1) تفسير الآلوسى ج 8 ص 88. PageV05P182 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 93. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 179. PageV05P184 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 93. (2) تفسير أبى السعود ج 2 ص 193. PageV05P186 (1) البحيرة : الناقة التي تلد خمسة أبطن آخرها ذكر كانوا يشقون أذنها ويتركونها لآلهتهم والسائبة : اسم للناقة التي يتركها صاحبها فلا تنحر لأنها نجت في الحرب أو نذرها للأصنام. PageV05P189 (1) تفسير المنار ج 8 ص 129. (2) تفسير الآلوسى ج 8 ص 26. PageV05P190 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 181. (2) تفسير القاسمى ج 6 ص 2524. (3) تفسير ابن كثير ج 2 ص 181. PageV05P191 (1) تفسير القرطبي ج 7 ص 99. PageV05P194 (1) تفسير الآلوسى ج 8 ص 41. PageV05P197 (1) سورة الأنعام والأهداف الأولى للإسلام ص 83 لفضيلة الأستاذ محمد المدني. PageV05P199 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 184. PageV05P201 (1) تفسير القرطبي ج 7 ص 116. (2) الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 84 للسيوطي. (3) راجع تفسير القرطبي ج 7 ص 115 وما بعدها وتفسير المنار ج 8 ص 249 وما بعدها. PageV05P202 (1) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص ms6179 16. (2) تفسير ابن جرير ج 8 ص 75. PageV05P203 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 185. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 185. PageV05P204 (1) تفسير الآلوسى ج 8 ص 50. (2) سورة النحل الآية 35. (3) سورة الزخرف الآية 20. PageV05P206 (1) تفسير الآلوسى ج 8 ص 50. PageV05P207 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 78. PageV05P209 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 187. PageV05P211 (1) سورة الأنعام والأهداف الأولى للإسلام ص 91 لفضيلة الأستاذ محمد المدني رحمهالله . PageV05P213 (1) راجع حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 107 وتفسير الآلوسى ج 8 ص 57. PageV05P214 (1) تفسير القرآن الكريم ص 434 لفضيلة الأستاذ الشيخ محمود شلتوت. PageV05P215 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 190. PageV05P217 (1) تفسير القرآن الكريم ص 441 لفضيلة المرحوم الشيخ محمود شلتوت. PageV05P218 (1) البحر المحيط لأبى حيان ج 4 ص 254. PageV05P221 (1) تفسير الآلوسى ج 8 ص 59. PageV05P222 (1) تفسير ابن جرير ج 8 ص 67. PageV05P223 (1) تفسير ابن جرير ج 8 ص 74. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 195. PageV05P226 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 196. PageV05P228 (1) راجع الإتقان في علوم القرآن ج 3 ص 1 للإمام السيوطي. طبعة مكتبة المشهد الحسيني. PageV05P242 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 86 ، طبعة دار الكتاب العربي ببيروت. (2) تفسير الآلوسى ج 8 ص 74 منبر الدمشقي. PageV05P243 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 86. PageV05P244 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 201. PageV05P245 (1) تفسير القرآن الكريم ص 204 لفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت رحمهالله . PageV05P247 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 122. PageV05P248 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 203 بتصرف وتلخيص. PageV05P251 (1) تفسير ابن جرير ج 1 ص 521. PageV05P255 (1) تفسير الآلوسى ج 8 ص 100. (2) صفوة البيان لمعانى القرآن ص 255 ، لفضيلة الأستاذ الشيخ حسنين محمد مخلوف. PageV05P257 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 132. (2 ، 3) تفسير الكشاف ج 2 ص 97. PageV05P259 (1) تفسير الآلوسى ج 9 ص 105. PageV05P260 (1) سمو بالحمس لأنهم تحمسوا في دينهم أى : تشددوا. والحماسة : الشجاعة. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 308. PageV05P261 (1) تفسير المنار ج 8 ص 179. (2) تفسير القرطبي ج 7 ص 179. (3) حاشية الجمل على الجلالين ج 8 ص 125. (4) تفسير ابن كثير ج 2 ص 21. PageV05P263 (1) تفسير الآلوسى ج 8 ص 108. PageV05P264 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 122. PageV05P265 (1) تفسير المنار ج ms6180 8 ص 399. PageV05P266 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 137. PageV05P267 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 141. PageV05P270 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 143. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 104. PageV05P272 (1) تفسير القرآن الكريم ص لفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت. PageV05P275 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 216. (2) راجع تفسير ابن كثير ج 2 ص 216 وما بعدها. PageV05P276 (1) تفسير القرآن الكريم ص 503 لفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 216. PageV05P277 (1) تفسير المنار ج 8 ص 434. PageV05P278 (1) تفسير القاسمى ج 7 ص 2700. PageV05P282 (1) تفسير فتح البيان للشيخ صديق حسن خان ج 2 ص 342. (2) تفسير القاسمى ج 7 ص 2802. PageV05P283 (1) تفسير صفوة البيان. ص 263 لفضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف. PageV05P284 (1) تفسير الآلوسى ج 8 ص 138. PageV05P285 (1) راجع كتابنا «الدعاء» معناه ، فضله ، آدابه. شروطه ، فوائده .. إلخ من سلسلة مجمع البحوث الإسلامية الكتاب السادس والعشرون. PageV05P286 (1) أخرجه البخاري واللفظ له في كتاب الجهاد. باب ما يكره من رفع الصوت : وأخرجه مسلم في كتاب «الذكر والدعاء». (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 173. (3) الانتصاف على الكشاف لابن المنير ج 2 ص 110 من تفسير الكشاف. PageV05P287 (1) أخرجه أبو داود في كتاب الوتر باب الدعاء حديث رقم 1480 طبعة محمد فؤاد عبد الباقي. (2) تفسير المنار ج 8 ص 461. (3) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 151. PageV05P288 (1) تفسير القاسمى ج 7 ص 2756. PageV05P289 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 242 طبعة المطبعة الشرقية سنة 1324 ه. PageV05P290 (1) آية 9 من سورة فاطر. PageV05P291 (1) تفسير القاسمى ج 7 ص 2758. PageV05P292 (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 122. (1) أخرجه البخاري في كتاب العلم ، وأخرجه مسلم في كتاب الفضائل. PageV05P293 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 245 طبعة المطبعة الشريفة سنة 1324 ه. PageV05P294 (1) تفسير الآلوسى ج 8 ص 148. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 232. PageV05P295 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 271. PageV05P296 (1) سورة المطففين الآية 22. (2) سورة الأحقاف الآية 11. (3) تفسير ابن كثير ج 2 ص 222. (4) حاشية الجمل ج 2 ص 154. PageV05P297 (1) تفسير الآلوسى ج 8 ص 152. (2) تفسير القرطبي ج 7 ص 234. (3) تفسير ابن كثير ج 2 ص 223. PageV05P298 (1) سورة المؤمنون ms6181 : الآية 24. (2) حاشية الجمل ج 2 ص 155. PageV05P299 (1) قصص الأنبياء ص 50 للشيخ عبد الوهاب النجار. PageV05P301 (1) تفسير البحر المحيط ج 4 ص 123 لأبى حيان. PageV05P302 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 116. (2) تفسير الآلوسى ج 8 ص 156. PageV05P303 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 117. PageV05P305 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 119. PageV05P306 (1) الانتصاف على الكشاف ج 8 ص 123 لابن المنبر. PageV05P311 (1) مسند الإمام أحمد ج 2 ص 127 طبعة الحلبي. (2) أخرجه البخاري في كتاب المغازي : باب نزول النبي ص الحجر الحديث رقم 284 محمد فؤاد عبد الباقي ؛ وأخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق حديث 38. PageV05P313 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 230. PageV05P314 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 125. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 162. PageV05P315 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 127. PageV05P316 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 231. (2) سورة الحجر الآية 74. (3) راجع تفسير القاسمى ج 7 ص 2807 وما بعدها. وتفسير الآلوسى ج 7 ص 172 وما بعدها. PageV05P317 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 127. PageV05P319 (1) تفسير الآلوسى ج 8 ص 177. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 288. PageV05P320 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 128. PageV05P321 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 129. (2) الانتصاف على الكشاف ج 2 ص 129. PageV05P324 (1) تفسير المنار ج 9 ص 5. PageV05P325 (1) الانتصاف على الكشاف لابن المنير ج 2 ص 130. PageV05P326 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 131. PageV05P327 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 232. PageV05P328 (1) تفسير الآلوسى ج 8 ص 9. PageV05P332 (1) المفردات في غريب القرآن ص 44 للراغب الأصفهاني. PageV05P334 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 168. PageV05P335 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 124. PageV05P336 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 134. PageV05P337 (1) حاشية على الجلالين ج 3 ص 169. PageV05P338 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 135. PageV05P339 (1) تفسير الآلوسى ج 9 ص 17. PageV05P342 (1) تفسير الآلوسى ج 8 ص 21. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 139. PageV05P345 (1) تفسير القاسمى ج 4 ص 2833. PageV05P346 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 140. (2) الآية 61 من سورة طه. PageV05P347 (1) تفسير المنار ج 9 ص 66. PageV05P348 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 141. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 179. PageV05P351 (1) تفسير القرطبي ج 2 ص 293. (2) تفسير الآلوسى ج 8 ص 138. (3) تفسير المنار ج 9 ص 86. PageV05P356 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 181. (2) تفسير ms6182 الآلوسى ج 9 ص 23. PageV05P358 (1) تفسير الآلوسى ج 9 ص 35. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 148. PageV05P359 (1) تفسير الآلوسى ج 9 ص 26. PageV05P360 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 241. PageV05P361 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 149. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 185. PageV05P362 (1) اختلف المفسرون في شأن القوم الذين كانوا يعكفون على أصنام لهم عند مرور بنى إسرائيل بهم ، فقيل هم من عرب لخم. وقيل هم من لخم وجذام. وقيل كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى قومه بقتالهم ، وقيل إنهم من العرب الذين كانوا يقيمون بقرب حدود مصر. PageV05P364 (1) القذة : ريش السهم. قال ابن الأثير : يضرب مثلا للشيئين يستويان ولا يتفاوتان. (2) تفسير القرطبي ج 7 ص 273. PageV05P365 (1) تفسير الرازي ج 4 ص 291. PageV05P366 (1) تفسير الفخر الرازي ج 1 ص 385. PageV05P367 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 151. PageV05P369 (1) تفسير الآلوسى ج 9 من ص 46 55. (2) راجع تفسير سورة الأنعام ص 228. PageV05P372 (1) تفسير المنار ج 9 ص 190. PageV05P373 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 190. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 246. PageV05P374 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 161. PageV05P377 (1) قال القرطبي : (من حليهم) هذه قراءة أهل المدينة وأهل البصرة وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما (من حليهم) بكسر الحاء ، وقرأ يعقوب حليهم (بفتح الحاء والتخفيف). اه ح 7 ص 284. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 247. PageV05P378 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 159. PageV05P379 (1) تفسير ابن جرير ج 9 ص 62. (2) تفسير القاسمى ج 7 ص 2859. PageV05P380 (1) تفسير الرازي ج 4 ص 302. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 193. PageV05P381 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 510. (2) تفسير الآلوسى ج 9 ص 67. PageV05P382 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 163. PageV05P384 (1) تفسير الآلوسى ج 9 ص 71. PageV05P385 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 249. PageV05P386 (1) سورة الشورى آية 52. (2) سورة العنكبوت آية 48. PageV05P390 (1) الباب الخامس عشر : فصل (بشائر الأنبياء بنبوة محمد صلىاللهعليهوسلم ). (2) نقلا عن تفسير القاسمى ج 7 ص 2874. (3) كتاب (إظهار الحق) للشيخ رحمة الله الهندي. PageV05P391 (1) صحيح البخاري. باب «كراهة الصخب في الأسواق» من «كتاب البيوع» ج 3 ص 83. (2) الحلوية : الشاة ذات اللبن وهي للواحد وللجمع. (3) تفسير ابن كثير ج 2 ص 251. PageV05P392 (1) تفسير القرطبي ج 7 ms6183 ص 300. (2) تفسير ابن كثير ج 3 ص 254. PageV05P393 (1) صحيح البخاري (باب التيمم) ج 1 ص 77. (2) صحيح مسلم (كتاب المساجد). (3) تفسير ابن كثير ج 2 ص 255. PageV05P394 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 100. PageV05P397 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 97. PageV05P399 (1) تفسير ابن جرير ج 1 ص 237. (2) تفسير الآلوسى ج 9 ص 88. PageV05P400 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 143. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 99. (3) صحيح البخاري باب «وإذ قلنا ادخلوها هذه القرية» ج 6 ص 22. PageV05P402 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 من ص 307. PageV05P404 (1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 256. (2) تفسير القرطبي ج 7 ص 304 طبعة دار الكتب المصرية سنة 1938. PageV05P406 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 316 طبعة الأميرية الأزهرية سنة 1308 ه. (2) تفسير القرطبي ج 7 ص 306. PageV05P407 (1) تفسير القرطبي ج 7 ص 307. PageV05P409 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 515. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 267. (3) تفسير الآلوسى ج 9 ص 93. PageV05P410 (1) إغاثة اللهفان ج 1 ص 358. PageV05P411 (1) صحيح البخاري : باب (لا يذاب شحم الميتة) ج 3 ص 102 ، وأخرجه مسلم في «كتاب المساقاة» ج 2 ص 1206 طبعة الحلبي. (2) صحيح البخاري : باب (لا يذاب شحم الميتة) ج 3 ص 102 ، وأخرجه مسلم في «كتاب المساقاة» ج 2 ص 1207. PageV05P412 (1) ذكرنا هنا نماذج قليلة من تلك العقوبات ومن أراد معرفة المزيد فليرجع إلى كتابنا «بنو إسرائيل في القرآن والسنة» ج 2 ص 326 وما بعدها. (2) السامرة وهي نابلس الآن. (3) أورشليم هي بيت المقدس الآن. PageV05P414 (1) صحيح البخاري باب إخراج اليهود ج 4 ص 120. PageV05P416 (1) تاريخ الإسرائيليين ص 83 شاهين مكاريوس. PageV05P417 (1) خطر اليهود العالمية على (الإسلام والمسيحية) ص 18 لعبد الله التل. PageV05P418 (1) تاريخ الإسرائيليين ص 88. (2) اليهودية ص 73 الدكتور أحمد شلبى. PageV05P419 (1) كتاب (اليهودية العالمية وحربها المستمرة على المسيحية) ص 130 لإيليا أبو الروس. (2) سورة آل عمران آية 75. PageV05P420 (1) الصهيونية العالمية ص 44 للأستاذ عباس محمود العقاد. (2) كتاب (اليهودية) ص 33 للدكتور أحمد شلبى. PageV05P421 (1) من محاضرة مطبوعة عن (اليهود ودولة إسرائيل). (2) كتاب «كفاحى» لهتلر. PageV05P422 (1) سفر التثنية ، الإصحاح العشرون. PageV05P423 (1) تفسير القرطبي ج 7 ص 310. (2) تفسير الكشاف ج 1 ms6184 ص 516. PageV05P424 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 519. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 260. PageV05P425 (1) تفسير القرطبي ج 7 ص 312. PageV05P426 (1) تفسير الآلوسى ج 9 ص 97 بتصرف وتلخيص. PageV05P427 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 306. (2) تفسير القرآن الكريم لفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين. مجلة لواء الإسلام : السنة الثانية : العدد السابع ص 5. PageV05P428 (1) تفسير القرطبي ج 1 ص 437. PageV05P429 (1) تفسير المنار ج 9 ص 386. PageV05P430 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 177. PageV05P431 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 264. PageV05P432 (1) تفسير القاسمى ج 7 ص 2902. PageV05P434 (1) تفسير المنار ج 9 ص 405. PageV05P435 (1) تفسير الآلوسى ج 9 ص 114. PageV05P436 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 179. PageV05P439 (1) تفسير القرطبي ج 7 ص 325. PageV05P440 (1) تفسير الآلوسى ج 9 ص 123. PageV05P441 (1) تفسير القرطبي ج 7 ص 329. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 182. PageV05P443 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 215. PageV05P444 (1) تفسير الآلوسى ج 9 ص 132. PageV05P446 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 185. (2) الانتصاف على الكشاف ج 2 ص 184 لابن المنير. PageV05P448 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 2 ص 271. PageV05P449 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 185. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 218. PageV05P450 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 2 ص 274. (2) الانتصاف على الكشاف ج 2 ص 186 لابن المنبر بتصرف يسير . PageV05P453 (1) تفسير القرطبي ج 7 ص 344. PageV05P458 (1) تفسير القاسمى ج 7 ص 2936. PageV05P462 (1) تفسير الآلوسى ج 9 ص 157. PageV06P006 (1) تفسير المنار ج 9 ص 537 بتصرف يسير. (2) تفسير الآلوسى ج 9 ص 158 بتصرف يسير. PageV06P007 (1) الآية 104. (2) صحيح البخاري. كتاب التفسير ج 6 ص 77 طبعة مصطفي الحلبي سنة 1345 ه. PageV06P008 (1) السيرة النبوية لابن هشام ومعها شرحها للإمام السهيلي ج 5 ص 91 طبعة دار الكتب الحديثة بالقاهرة. PageV06P014 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 183. PageV06P023 (1) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 113 ، طبعة عبد الرحمن محمد 1357 ه 1938 م. (2) سورة الأنبياء الآية 72. (3) تفسير الآلوسى بتصرف وتلخيص ج 9 ص 16 طبعة منير الدمشقي. PageV06P024 (1) تفسير الآلوسى ج 9 ص 161. PageV06P025 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 195 ، طبعة دار الكتاب العربي بيروت. PageV06P026 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 195. (2) سورة النساء الآية 80. PageV06P027 (1) تفسير الآلوسى ج 9 ms6185 ص 164. PageV06P028 (1) سورة الرعد. الآية 28. (2) سورة الزمر. الآية 23. (3) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 118. PageV06P029 (1) تفسير ابن كثير ج 3 ص 286. PageV06P030 (1) تفسير القرآن الكريم ص 544 لفضيلة الشيخ محمود شلتوت رحمهالله PageV06P033 (1) تفسير الآلوسى ج 9 ص (2) سورة البقرة الآية 260. (3) سورة آل عمران الآية 173. PageV06P034 (1) سورة الفتح ، الآية 4. (2) سورة التوبة : الآيتان : 124 ، 125. (3) سورة الأحزاب : الآية 22. (4) تفسير ابن كثير ج 2 ص 286 طبعة عيسى الحلبي. PageV06P035 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 287 بتصرف وتلخيص. (2) راجع حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 226 ، طبعة عيسى الحلبي. PageV06P037 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 196. (2) تفسير الآلوسى ج 9 ص 170. PageV06P038 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 199. PageV06P041 (1) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 128. PageV06P042 (1) تفسير القرطبي ج 7 ص 370 ، مطبعة دار الكتب سنة 1380 ه سنة 1960 م. (2) سورة الشعراء ، الآيات 132 134. (3) سورة الإسراء ، الآية 6. (4) سورة مريم ، الآية 75. (5) سورة البقرة ، الآية 15. PageV06P043 (1) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 130. (2) صحيح مسلم ج 5 ص 156. طبعة مصطفى الحلبي سنة 1380 ه سنة 1964 م. (3) صحيح البخاري ج 5 ص 93 ، طبعة مصطفى الحلبي سنة 1345 ه. PageV06P044 (1) تفسير النار ج 9 ص 556 مطبعة دار المنار ، الطبعة الثانية سنة 1967 ه. (2) سورة آل عمران الآيات من 123 125. PageV06P045 (1) تفسير ابن كثير بتصرف وتلخيص ج 1 ص 401. PageV06P046 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 230 بتصرف يسير. (2) تفسير القرطبي ج 8 ص 372. (3) تفسير ابن كثير ج 2 ص 291. PageV06P048 (1) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 132. (2) تفسير المنار ج 4 ص 185. PageV06P049 (1) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 133. (2) المفردات في غريب القرآن ص 178. الأصفهاني. طبعة مصطفى الحلبي سنة 1961. PageV06P050 (1) تفسير ابن جرير ج 9 ص 195. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 293. (3) تفسير القرطبي ج 7 ص 379. PageV06P051 (1) تفسير الآلوسى ج 9 ص 117 بتلخيص يسير PageV06P052 (1) تفسير الآلوسى ج 9 ص 179. (2) حاشية الجمل الجلالين ج 9 ص 179. PageV06P053 (1) تفسير الآلوسى ج 9 ص 178. (2) معالم التنزيل للبقرى ج 1 ص 10. (3) تفسير الكشاف ج 2 ص 201. (4) تفسير القرطبي ج 4 ص 192. PageV06P055 (1) تفسير الآلوسى ج 9 ms6186 ص 174. (2) تفسير ابن جرير ج 9 ص 197 ، ص 198. (3) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 135. PageV06P056 (1) تفسير المنار ج 4 ص 113. (2) تفسير المنار ج 9 ص 565. PageV06P057 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 201. PageV06P058 (1) تفسير في ظلال القرآن ج 9 ص 815 للمرحوم الأستاذ سيد قطب. PageV06P059 (1) تفسير الآلوسى ج 9 ص 128. PageV06P061 (1) تفسير ابن جرير ج 9 ص 203. (2) تفسير ابن جرير ج 9 ص 203. PageV06P062 (1) تفسير القرطبي ج 7 ص 384. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 395. PageV06P063 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 207. (2) تفسير الآلوسى ج 9 ص 185. (3) تفسير أبى السعود ج 2 ص 223. PageV06P064 (1) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 141. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 296. PageV06P065 (1) نفس المرجع السابق. (2) تفسير ابن جرير ج 9 ص 208. (3) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص 370 بتصرف وتلخيص. PageV06P066 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 236. PageV06P067 (1) تفسير ابن جرير ج 9 ص 208. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 208. PageV06P068 (1) تفسير الآلوسى ج 9 ص 178. (2) سورة النور الآية 45. (3) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 236. PageV06P069 (1) تفسير المنار ج 9 ص 578. PageV06P070 (1) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 114. PageV06P071 (1) تفسير القرطبي ج 7 ص 389. (2) سورة النساء. الآية 80. (3) المفردات في غريب القرآن ص 137. PageV06P072 (1) تفسير ابن جرير ج 9 ص 217. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 298 باختصار يسير (3) تفسير الكشاف ج 2 ص 210. PageV06P073 (1) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 148 وقد ذكر بضعة أقوال غير هذا القول فراجعه إن شئت. PageV06P074 (1) المفردات في غريب القرآن ص 371 للراغب الأصفهاني. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 211 بتصريف يسير PageV06P075 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 299 وهناك أحاديث أخرى ذكرها في هذا فراجعها إن شئت. PageV06P076 (1) تفسير القرطبي ج 7 ص 391. (2) تفسير القاسمى ج 8 ص 2977. PageV06P077 (1) تفسير ابن جرير ج 9 ص 220. PageV06P078 (1) راجع تفسير بن جرير ج 9 ص 221. وتفسير الفخر الرازي ج 5 ص 151 وابن كثير ج 2 ص 300. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 213. PageV06P080 (1) تفسير المنار ج 9 ص 594 بتصرف وتلخيص. PageV06P081 (1) تفسير ابن جرير ج 9 ص 224 بتصرف وتلخيص. ms6187 (2) تفسير الآلوسى ج 9 ص 196. PageV06P082 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 2 ص 303 وتفسير ابن جرير ج 9 ص 226. (2) تفسير ابن جرير ج 9 ص 228. PageV06P085 (1) المفردات في غريب القرآن ص 471 للراغب الأصفهاني بتصريف يسير. (2) تفسير الآلوسى ج 9 ص 198. PageV06P086 (1) من «في ظلال القرآن» ج 9 ص 844 للأستاذ سيد قطب. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 304 بتصرف وتلخيص. (3) تفسير ابن جرير ج 9 ص 231. PageV06P087 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 216 وقوله : «نفاجة» أى : تكبر ، والصلف : الغرور ومجاوزة الحد. والراعدة السحابة وهذا مثل يضرب للرجل يتوعد ثم لا يعمل شيئا. (2) تفسير الآلوسى ج 9 ص 99. PageV06P088 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 242. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 216. PageV06P089 (1) سورة الفتح الآية 25. PageV06P090 (1) تفسير ابن جرير ج 9 ص 238. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 306. PageV06P091 (1) تفسير القرطبي ج 7 ص 40. (2) سورة فصلت ، الآية 26. PageV06P092 (1) تفسير ابن جرير ج 9 ص 240. (2) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 160. (3) تفسير ابن كثير ج 2 ص 207. PageV06P093 (1) تفسير ابن جرير ج 9 ص 245. PageV06P094 (1) تفسير الآلوسى ج 1 ص 206. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 244. PageV06P096 (1) سورة الحجرات : الآية 9. (2) سورة النساء : الآية 93. PageV06P097 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 308 بتصرف وتلخيص. PageV06P098 (1) تفسير القرطبي ج 8 ص 1. طبعة دار الكتب المصرية سنة 1961 م. PageV06P099 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 311. (2) تفسير القاسمى ج 8 ص 2997. PageV06P100 (1) تفسير ابن جرير ج 11 ص 4. (2) تفسير ابن جرير ج 11 ص 8. PageV06P101 (1) تفسير القرطبي ج 8 ص 12. PageV06P102 (1) تفسير الآلوسى بتصرف وتلخيص ج 19 ص 3. PageV06P103 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 222. (2) راجع تفسير القرطبي ج 8 من ص 1 إلى ص 20. PageV06P104 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 46. PageV06P105 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 223. (2) تفسير ابن جرير ج 10 ص 11. PageV06P106 (1) تفسير الآلوسى ج 10 ص 7 بتصرف وتلخيص. PageV06P107 (1) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 169. (2) تفسير المنار ج 10 ص 22. PageV06P108 (1) تفسير الآلوسى ج 10 ص 8. (2) تفسير ابن جرير ج 19 ص 13. (3) تفسير القرطبي ج 8 ص 23. PageV06P109 (1) سورة آل عمران ms6188 الآية 13. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 225. (3) تفسير القاسمى ج 8 ص 3010. PageV06P110 (1) سورة البقرة الآية 249. (2) سورة آل عمران الآية 13. (3) سورة الكهف الآية 43. PageV06P111 (1) تفسير الآلوسى ج 10 ص 14. PageV06P112 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 36. PageV06P113 (1) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 172. (2) المفردات في غريب القرآن ص 50. PageV06P114 (1) تفسير الآلوسى ج 10 ص 15. PageV06P116 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 227 وقوله : «ولا ادحر» الدحور : الطرد والإبعاد قال ابن حجر : والحديث أخرجه مالك في الموطأ من رواية طلحة ابن عبيد الله ابن كريز مرسلا ، ومن طريق مالك أخرجه عبد الرزاق والطبري والبيهقي في الشعب ، وانفرد أبو النضر بن إسماعيل بن إبراهيم العجلى عن مالك فقال : عن طلحة عن أبيه : قال ابن عبد البر : الصواب مرسل ، حاشية الكشاف ج 2 ص 228. PageV06P117 (1) تفسير ابن جرير ج 10 ص 18 ، وتفسير ابن كثير ج 2 ص 317. (2) تفسير ابن جرير ج 10 ص 20. (3) تفسير ابن كثير ج 2 ص 317 ، ص 318. PageV06P118 (1) راجع تفسير القرطبي ج 8 ص 26. (2) راجع تفسير المنار ج 10 ص 31 للشيخ رشيد رضا. PageV06P119 (1) راجع تفسير «في ظلال القرآن» ج 10 ص 30 للأستاذ سيد قطب وقد نقلنا قبل ذلك جانبا من كلام صاحب المنار. (2) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 176. PageV06P121 (1) سورة التوبة الآية 58. PageV06P122 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 319. PageV06P123 (1) تفسير القاسمى ج 8 ص 316. PageV06P126 (1) المفردات في غريب القرآن ص 30. (2) سورة النازعات الآية 24. (3) سورة الزخرف الآية 51. PageV06P127 (1) سورة الأعراف الآية 127. (2) سورة الزخرف الآية 54. PageV06P128 (1) سورة الرعد الآية 11. (2) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 181 المطبعة البهية. (3) تفسير الكشاف ج 2 ص 230. PageV06P129 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 251. PageV06P130 (1) راجع تفسير المنار ج 2 ص 46 ففيه المقال بتمامه. PageV06P131 (1) تفسير الفخر الرازي ج 15 ص 182 المطبعة البهية. (2) سورة النور ، الآية 45. (3) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 236. PageV06P132 (1) تفسير الآلوسى ج 10 ص 22. PageV06P133 (1) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص 79. PageV06P134 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 252. PageV06P135 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 320. (2) تفسير الفخر الرازي ج 15 ص 320. PageV06P136 (1) المفردات في ms6189 غريب القرآن ج 322. PageV06P137 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 232. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 253. PageV06P138 (1) راجع تفسير ابن جرير ج 10 ص 32 طبعة مصطفى الحلبي الطبعة الثانية سنة 1973 ه ، سنة 1954 م. (2) تفسير الفخر الرازي ج 15 ص 186 المطبعة البهية. (3) سورة التوبة الآية 101. PageV06P139 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 254. (2) تفسير القرطبي ج 8 ص 35. PageV06P140 (1) تفسير القاسمى ج 8 ص 3025. (2) تفسير الفخر الرازي ج 15 ص 185 المطبعة البهية. (3) أوزار الحرب : أثقالها من آلة حرب وسلاح وغيره. PageV06P141 (1) تفسير القرطبي ج 8 ص 37. (2) أحكام القرآن القسم الثاني ص 862 لابن العربي. طبعة عيسى الحلبي. الطبعة الأولى سنة 1957. (3) سورة البقرة الآية 190. (4) سورة البقرة : الآية 193. PageV06P142 (1) رياض الصالحين للإمام النووي ص 489 طبعة عيسى الحلبي. PageV06P143 (1) العيس : الإبل البيض. والمراسيل : سهلة السير وجنح : مائلة صدورها إلى الأرض. (2) تفسير القرطبي بتصرف يسير ج 8 ص 39. PageV06P144 (1) سورة براءة «التوبة» الآية 5. (2) سورة براءة «التوبة» الآية 36. (3) سورة براءة «التوبة» الآية 29. (4) تفسير ابن جرير ج 10 ص 34. PageV06P145 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 322. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 233. PageV06P146 (1) تفسير الفخر الرازي ج 15 ص 188. PageV06P147 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 233. (2) صحيح البخاري ج 5 ص 200 من «كتاب المغازي» طبعة مصطفى الحلبي سنة 1945 وصحيح مسلم ج 3 ص 108 من «كتاب الزكاة». (3) تفسير ابن كثير ج 2 ص 323. PageV06P148 (1) تفسير الفخر الرازي ج 15 ص 191. طبعة عبد الرحمن محمد. PageV06P149 (1) تفسير القاسمى ج 8 ص 3030. (2) المفردات في غريب القرآن ص 113. (3) تفسير ابن كثير ج 2 ص 324. PageV06P150 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 235. (2) تفسير المنار ج 10 ص 89 بتصريف وتلخيص. PageV06P151 (1) تفسير الآلوسى ج 10 ص 31 بتصريف وتلخيص. (2) صفوة البيان لمعانى القرآن ص 307 لفضيلة الأستاذ الشيخ حسنين مخلوف. PageV06P152 (1) تفسير القاسمى ج 8 ص 3039. PageV06P153 (1) صحيح مسلم ج 5 ص 156 من كتاب الجهاد والسير طبعة مصطفى الحلبي سنة 1960. PageV06P154 (1) سورة إبراهيم الآية 36. (2) سورة المائدة الآية 118. (3) سورة نوح الآية 26. (4) سورة يونس الآية 88. (5) تفسير ابن كثير ج 2 ص 325. (6) الروض الأنف في شرح ms6190 السيرة النبوية لابن هشام ج 5 ص 106. PageV06P155 (1) سورة محمد عليهالسلام الآية 5. (2) تفسير الفخر الرازي ج 13 ص 202. (3) تفسير الكشاف ج 2 ص 227. PageV06P157 (1) تفسير ابن جرير ج 10 ص 44. (2) تفسير الآلوسى ج 10 ص 35. PageV06P158 (1) تفسير ابن جرير ج 10 ص 48. (2) تفسير القاسمى ج 8 ص 3939. (3) تفسير الآلوسى ج 10 ص 36. PageV06P159 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 328. PageV06P161 (1) تفسير الفخر الرازي ج 15 ص 206. PageV06P162 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 327. (2) صحيح البخاري «باب التيمم» ج 1 ص 91. PageV06P163 (1) أحكام القرآن لابن العربي ج 2 ص 784 طبعة عيسى الحلبي الطبعة الأولى سنة 1957 م. PageV06P164 (1) سورة الكهف الآية 10. (2) سورة يوسف الآية 69. (3) تفسير الآلوسى ج 10 ص 37. PageV06P166 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 259. PageV06P167 (1) تفسير الفخر الرازي ج 15 ص 212. PageV06P168 (1) تفسير الآلوسى ج 10 ص 39. PageV06P169 (1) الآية 3. (2) الآية 11. (3) الآية 27. (4) الآية 102. (5) الآية 106. PageV06P176 (1) صحيح البخاري : ج 6 ص 183 طبعة مصطفى الحلبي سنة 1345. (2) راجع تفسير الآلوسى ج 10 ص 36. الطباعة المنيرية الطبعة الثانية. (3) تفسير ابن كثير ج 2 ص 231. طبعة عيسى الحلبي. PageV06P177 (1) تفسير المنار ج 10 ص 174. (2) تفسير «في ظلال القرآن» للمرحوم سيد قطب. الطبعة الخامسة سنة 1386 ه وسنة 1967 م. PageV06P178 (1) تفسير القرطبي ج 8 ص 61 طبعة دار الكتب المصرية سنة 1380 ه سنة 1961 م. (2) تفسير الفخر الرازي ج 15 ص 216. طبعة عبد الرحمن محمد سنة 1357 ه سنة 1938 م. (3) حاشية الجمل على الجلالين. ج 2 ص 261. طبعة عيسى الحلبي. PageV06P180 (1) راجع «المسند للإمام أحمد» شرح وتحقيق الأستاذ الشيخ أحمد شاكر. ج 1 حديث رقم 299 طبعة دار المعارف. الطبعة الثالثة سنة 1949. فقد تكلم الأستاذ أحمد شاكر على هذا الحديث كلاما طويلا فانظره. PageV06P181 (1) تفسير أبى السعود ج 2 ص 250. طبعة محمد عبد اللطيف. (2) تفسير القرآن الكريم ص 602 لفضيلة الأستاذ الشيخ محمود شلتوت. طبعة دار القلم. الطبعة الرابعة سنة 1966. PageV06P182 (1) تفسير الآلوسى ج 10 ص 36. (2) تفسير المنار بتصرف وتلخيص ج 10 ص 175. للسيد محمد رشيد رضا. PageV06P183 (1) تفسير القرطبي ج 8 ص 63. PageV06P184 (1) راجع تفسير «في ظلال القرآن» للأستاذ ms6191 سيد قطب ص 90 وما بعدها. طبعة دار إحياء التراث العربي ببيروت. الطبعة الخامسة سنة 1386 ه سنة 1968 م. PageV06P192 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 331 طبعة عيسى الحلبي. PageV06P193 (1) السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 190 طبعة مصطفى الحلبي سنة 1355 ه سنة 1936 م تحقيق مصطفى السقا. (2) تفسير الفخر الرازي ج 15 ص 217 طبعة عبد الرحمن محمد. PageV06P194 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 242 طبعة دار الكتاب العربي ببيروت. PageV06P195 (1) تفسير القرآن الكريم ص 612 لفضيلة الإمام الأكبر محمود شلتوت. PageV06P196 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 263. طبعة عيسى الحلبي. PageV06P197 (1) تفسير القرآن الكريم ص 616 لفضيلة الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت. طبعة دار القلم. الطبعة الرابعة سنة 1966. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 263. PageV06P198 (1) راجع تفسير ابن جرير ج 10 ص 62 طبعة مصطفى الحلبي الطبعة الثانية سنة 1373. PageV06P199 (1) تفسير الفخر الرازي ج 15 ص 220. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 265. (3) تفسير الكشاف ج 2 ص 244. PageV06P200 (1) تفسير ابن جرير ج 10 من ص 67 إلى ص 76. (2) تفسير القاسمى بتصرف يسير ج 8 ص 2068 ، طبعة عيسى الحلبي الطبعة الأولى سنة 1377 ه سنة 1958. (3) تفسير ابن كثير ج 2 ص 333. PageV06P201 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 264. PageV06P202 (1) تفسير المنار ج 10 ص 184. (2) تفسير القرآن الكريم ص 618 لفضيلة الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت. PageV06P204 (1) تفسير الآلوسى ج 10 ص 44. طبعة منير الدمشقي. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 335 بتصرف يسير . PageV06P205 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 325. بتصرف وتلخيص. (2) سورة الأنفال الآية 48. PageV06P207 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 428. PageV06P208 (1) تفسير القاسمى ج 10 ص 377. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 337. (3) تفسير الفخر الرازي ج 15 ص 227. (4) تفسير الفخر الرازي ج 15 ص 227. PageV06P209 (1) تفسير القرطبي ج 8 ص 86. (2) تفسير القرآن الكريم ص 622 لفضيلة الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت. PageV06P210 (1) راجع تفسير (في ظلال القرآن) ج 1 ص 142 للأستاذ سيد قطب. PageV06P211 (1) تفسير الآلوسى. بتصرف وتلخيص. ج 10 ص 49. PageV06P212 (1) راجع تفسير ابن جرير ج ms6192 10 ص 82 وحاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 266. PageV06P213 (1) تفسير الآلوسى بتصرف يسير ج 10 ص 49. (2) تفسير ابن جرير بتصرف وتلخيص ج 10 ص 83. PageV06P214 (1) سورة آل عمران الآية 167. PageV06P215 (1) سورة النحل الآية 92. (2) لمعرفة ذلك بالتفصيل راجع تفسير «في ظلال القرآن» ج 10 من ص 141 إلى ص 145. PageV06P218 (1) تفسير المنار ج 10 ص 228. (2) تفسير القرطبي ج 10 ص 82. (3) تفسير الفخر الرازي ج 15 ص 234. (4) تفسير الكشاف ج 2 ص 251. PageV06P219 (1) تفسير الآلوسى ج 10 ص 64 بتصرف يسير. PageV06P220 (1) سورة الأنفال الآية 30. (2) الكشاف ج 2 ص 253. PageV06P221 (1) تفسير الفخر الرازي ج 15 ص 235 بتصرف يسير. (2) تفسير الفخر الرازي ج 16 ص 2 طبعة عبد الرحمن محمد سنة 1938. PageV06P222 (1) تفسير الآلوسى ج 10 ص 55 بتصرف وتلخيص. (2) تفسير الفخر الرازي ج 16 ص 4. PageV06P223 (1) المفردات في غريب القرآن ص 117 للراغب الأصفهاني. (2) تفسير ابن جرير ج 10 ص 92. PageV06P224 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 340. PageV06P225 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 170. (2) تفسير المنار ج 10 ص 249. PageV06P226 (1) تفسير الفخر الرازي ج 16 ص 8. PageV06P227 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 255 بتصريف يسير. (2) تفسير الآلوسي ج 10 ص 59 بتصريف وتلخيص. (3) سورة الفرقان الآية 23. PageV06P228 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 370. (2) من كتاب «رياض الصالحين» للإمام النووي ص 418 ، ص 419 ، ص 614 ، 615 طبعة عيسى الحلبي. PageV06P229 (1) تفسير الآلوسى ج 10 ص 60. (2) تفسير ابن جرير ج 10 ص 96. PageV06P230 (1) تفسير المنار ج 10 ص 259. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 271. PageV06P231 (1) سورة النمل : الآية 59. (2) تفسير الفخر الرازي ج 16 ص 14 وتلخيص يسير. PageV06P232 (1) تفسير الآلوسى ج 60 ص 62. PageV06P233 (1) سورة آل عمران الآية 192. PageV06P234 (1) تفسير القرطبي ج 8 الآية 94. PageV06P235 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 342. PageV06P236 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 343. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 257. PageV06P237 (1) تفسير ابن كثير. بتصرف وتلخيص. ج 2 ص 343. وراجع تفاصيل هذه الغزوة في السيرة النبوية لابن هشام ج 4 من ص 80 إلى ص 143. طبعة الحلبي سنة 1936 تحقيق مصطفى السقا وزميليه. (2) تفسير الآلوسى ج 10 ms6193 ص 65 بتصرف وتلخيص : PageV06P239 (1) تفسير القرطبي ج 8 ص 101. (2) الكفة. بالكسر. حبالة الصائد. والحابل : الذي ينصب الحبالة. PageV06P240 (1) سورة الأنفال الآية 38. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 246. (3) تفسير القاسمى ج 10 ص 3099. PageV06P242 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 261. (2) تفسير الآلوسى ج 1 ص 68. PageV06P243 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 68. (2) تفسير ابن جرير ج 10 ص 107. (3) تبالة : بلد باليمن خصبة ومثلها جرس. (4) تفسير الكشاف ج 2 ص 260. PageV06P244 (1) سورة النساء الآية 48. PageV06P245 (1) راجع تفسير المنار ج 10 ص 322 وما بعدها. (2) تفسير القرطبي ج 10 ص 105. (3) تفسير الآلوسى ج 10 ص 68. PageV06P246 (1) تفسير القرطبي ج 8 ص 107 بتصرف يسير PageV06P247 (1) تفسير الفخر الرازي ج 16 ص 27. PageV06P248 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 347. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 375. PageV06P249 (1) سورة النساء. الآية 161. (2) سورة الحديد 27. (3) سورة المائدة. الآية 3. (4) سورة آل عمران الآية 85. PageV06P250 (1) تفسير القرطبي ج 8 ص 114 PageV06P251 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 124. PageV06P252 (1) تفسير القرطبي ج 8 طبعة دار الكتب المصرية سنة 138 ه 1961 م. (2) كتاب الخراج لأبى يوسف ص 14. PageV06P253 (1) تفسير القاسمى ج 8 ص 312. PageV06P254 (1) الإسلام والنصرانية ص 74. (2) تفسير القاسمى ج 8 ص 3108. (3) راجع على سبيل المثال تفسير القرطبي ج 8 ص 109. وتفسير المنار ج 10 ص 331 وتفسير القاسمى ج 8 ص 3105. PageV06P255 (1) تفسير ابن جرير ج 10 ص 110. (2) تفسير البيضاوي ص 223. PageV06P256 (1) راجع تفسير المنار ص 377 وما بعدها ففيه كلام مفيد عن عقيدة اليهود والنصارى. (2) راجع على سبيل المثال تفسير ابن جرير ج 10 ص 111. وتفسير الآلوسى ج 10 ص 72. (3) سورة مريم الآيات : 92 95. (4) سورة الكهف الآيتان 4 ، 5. PageV06P257 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 264. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 277. PageV06P258 (1) تفسير المنار بتصرف وتلخيص ج 10 ص 399 وراجع تفسير في ظلال القرآن ج 10 ص 200. (2) سورة الصافات. الآية 70. (3) تفسير ابن جرير ج 10 ص 113. PageV06P259 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 348. (2) تفسير الآلوسى ج 1 ص 75. PageV06P260 (1) تفسير المنار ج 10 ص 426. PageV06P261 (1) راجع تفسير «في ظلال القرآن» ج 10 ص 203 للأستاذ سيد قطب. طبعة دار ms6194 إحياء التراث العربي الطبعة الخامسة. PageV06P262 (1) تفسير الآلوسى ج 10 ص 76 بتصرف وتلخيص. (2) تفسير أبى السعود ج 2 ص 267. طبعة صبيح. PageV06P263 (1) الركوسية «بفتح الراء المشددة» قوم لهم دين بين النصارى والصابئين. (2) المرباع بمعنى الربع ، كالمعشار بمعن العشر. وكان الناس في الجاهلية يعطون رئيسهم ربع ما يغنمونه خالصا له دون أن يشاركه فيه أحد. وكان عدى رئيسا لقومه. (3) تفسير ابن كثير ج 2 ص 349. PageV06P265 (1) تفسير الفخر الرازي ج 16 ص 41. PageV06P266 (1) سورة المائدة الآيتان 62 ، 63. (2) سورة المائدة الآية 59. (3) سورة النساء الآية 46. (4) تفسير المنار ج 10 ص 462 بتصرف يسير. PageV06P267 (1) سورة الجمعة الآية 11. (2) تفسير الفخر الرازي ج 16 ص 47 بتصرف وتلخيص. (3) تفسير الآلوسى : ج 10 ص 78. PageV06P269 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 268. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 250. PageV06P270 (1) أخرجه الترمذي في باب ما ذكر عن بنى إسرائيل ، ج 4 ص 206 طبعة مصطفى الحلبي سنة 1345 ه. (2) راجع المسند ج 4 ص 125 ، طبعة عيسى الحلبي. تحقيق الأستاذ أحمد شاكر. PageV06P271 (1) تفسير القرطبي ج 8 ص 125. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 352 بتصرف وتلخيص. PageV06P272 (1) تفسير القاسمى ج 8 ص 3137. (2) صحيح البخاري ج 1 ص 18 باب : الزكاة من الإسلام. من كتاب الإيمان. (3) صحيح البخاري ج 4 ص 3 باب «أن يترك ورثته أغنياء». من كتاب الوصايا. PageV06P273 (1) تفسير القرطبي ج 8 ص 131. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 268. PageV06P274 (1) تفسير الفخر الرازي ج 16 ص 45. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 351. PageV06P275 (1) تفسير المنار ج 10 ص 48. (2) سورة الأعراف الآية 54. PageV06P276 (1) تفسير القرطبي ج 8 ص 132. (2) حاشية الجمل ج 2 ص 280. (3) صحيح البخاري ج 6 ص 83 كتاب التفسير. PageV06P277 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 354. PageV06P278 (1) تفسير ابن جرير ج 10 ص 127. (2) تفسير القرطبي ج 8 ص 136. (3) راجع تفسير الآلوسى ج 10 ص 82. وتفسير المنار ج 10 ص 484. PageV06P279 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 270. (2) تفسير القرطبي ج 8 ص 139. PageV06P280 (1) تفسير الفخر الرازي ج 16 ص 58 بتصرف يسير. PageV06P281 (1) تفسير الفخر الرازي ج 16 ص 58. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ms6195 ص 28. (3) راجع تفسير ابن كثير ج 2 ص 534. PageV06P282 (1) تفسير القرطبي ج 8 ص 137. PageV06P283 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 355 بتصريف يسير. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 356. PageV06P284 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 39 بتصرف وتلخيص. PageV06P286 (1) لمعرفة تفاصيل غزوة تبوك : راجع «سيرة ابن هشام» ج 4 ص 159. طبعة الحلبي. (2) سورة الإسراء. الآية 46. (3) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 282. PageV06P287 (1) الآلوسى تفسير ج 10 ص 85. PageV06P288 (1) تفسير الفخر الرازي بتصرف وتلخيص ج 16 ص 60. (2) تفسير المنار ج 10 ص 595 بتصرف وتلخيص. PageV06P289 (1) تفسير ابن جرير ج 10 ص 135. PageV06P290 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 272. (2) أخرجه البخاري في تفسير سورة التوبة ج 6 ص 83 وأخرجه مسلم في كتاب «فضائل الصحابة» ج 7 ص 108. PageV06P291 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 358. PageV06P292 (1) راجع قصة الهجرة في كتاب «السيرة النبوية» لابن هشام ج 2 ص 480 طبعة مصطفى الحلبي سنة 1955. PageV06P293 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 10 ص 89. (2) تفسير الفخر الرازي ج 16 ص 63. تفسير المنار ج 10 ص 417. (3) تفسير القرطبي ج 16 ص 69. PageV06P294 (1) تفسير القرطبي ج 8 ص 153. (2) تفسير القرطبي ج 8 ص 151. PageV06P295 (1) تفسير ابن جرير ج 10 ص 140 بتصريف يسير. (2) تفسير الآلوسى ج 10 ص 93 بتصريف يسير. (3) سورة التوبة الآية 91. (4) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 285. PageV06P296 (1) الوجار بكسر الواو وفتحها بيت الثعلب. (2) تفسير القرطبي ج 8 ص 150. PageV06P297 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 442 المطبعة الشرقية سنة 1324 ه الطبعة الثانية. (2) تفسير القرطبي ج 8 ص 154 طبعة دار الكاتب العربي سنة 1947. (3) مرماتين : تثنية مرماة ، وهي ظلف الشاة ، أو ما بين ظلفها من اللحم. PageV06P298 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 443. (2) تفسير ابن جرير ج 14 ص 271 طبعة دار المعارف. تحقيق محمود شاكر. PageV06P299 (1) تفسير أبى السعود ج 2 ص 272 ، طبعة صبيح. (2) تفسير المنار ج 10 ص 453. (3) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 444. PageV06P301 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 192 طبعة مصطفى الحلبي سنة 1966. (2) تفسير أبى السعود ج 2 ص 272. (3) حاشية تفسير الكشاف ج ms6196 2 ص 192. PageV06P302 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 443. (2) تفسير القرطبي ج 7 ص 154. PageV06P303 (1) تفسير الآلوسى ج 10 ص 110. (2) حاشية الكشاف ج 3 ص 274 طبعة دار الكاتب العربي ببيروت. (3) تفسير المنار ج 10 ص 454. PageV06P304 (1) تفسير الآلوسى ج 10 ص 110. (2) سورة النساء الآية 143. PageV06P305 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 275. PageV06P306 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 287. (2) تفسير الآلوسى ج 10 ص 111. بتصرف يسير. (3) تفسير القاسمى ج 8 ص 3167. PageV06P307 (1) تفسير الآلوسى ج 10 ص 112. (2) تفسير القرطبي ج 8 ص 57. PageV06P308 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 361. PageV06P309 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 361. PageV06P310 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 362. PageV06P311 (1) تفسير الآلوسى ج 10 ص 114. (2) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 448. PageV06P312 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 288. PageV06P313 (1) تفسير الآلوسى ج 10 ص 116. PageV06P314 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 279. PageV06P315 (1) تفسير القرطبي ج 8 ص 161. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 289. PageV06P316 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 280. PageV06P317 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 453. PageV06P318 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 452. PageV06P319 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 290. PageV06P320 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 455. PageV06P321 (1) تفسير المنار ج 10 ص 566. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 291. (3) تفسير المنار ج 10 ص 567. PageV06P322 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 456 طبعة المطبعة الشرفية سنة 1324 ه الطبعة الثانية. PageV06P323 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 364. PageV06P324 (1) تفسير آيات الأحكام ج 3 ص 42 لفضيلة الشيخ محمد على السائس. PageV06P326 (1) الآية 271. (2) تفسير القاسمى ج 8 ص 3182. (3) سورة الكهف. الآية 79. (4) راجع تفسير القرطبي ج 8 ص 168. PageV06P328 (1) تفسير آيات الأحكام ج 3 ص 34 للأستاذ محمد على السائس بتصرف وتلخيص (2) تفسير القرطبي ج 8 ص 191. PageV06P329 (1) تفسير القرطبي ج 8 ص 177. (2) تفسير القرطبي ج 8 ص 181. PageV06P330 (1) في ظلال القرآن ج 10. PageV06P331 (1) تفسير الآلوسى ج 10 ص 125. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 284. (3) تفسير القاسمى ج 8 ص 3186. PageV06P332 (1) حاشية الكشاف لابن المنبر ج 2 ص 19. (2) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 465. PageV06P333 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 199. (2) تفسير القرطبي ج 8 ص 193 ms6197 بتصرف يسير PageV06P334 (1) تفسير أبى السعود ج 2 ص 279. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 279. PageV06P335 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 295. PageV06P336 (1) تفسير المنار ج 1 ص 610. PageV06P337 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 288. (2) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 448. PageV06P338 (1) تفسير المنار ج 10 ص 610. (2) تفسير الآلوسى ج 10 ص 131. PageV06P339 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 460. (2) الحقب بفتحتين حبل يشد به الرحل في بطن البعير .. (3) تنكبه الحجارة : تصيبه وتؤذيه. (4) تفسير ابن جرير ج 14 ص 333 طبعة دار المعارف. PageV06P340 (1) تفسير ابن جرير ج 14 ص 334. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 367. PageV06P341 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 470. PageV06P342 (1) تفسير الآلوسى ج 10 ص 134. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 278. PageV06P345 (1) سورة الصافات. الآيتان 137 ؛ 138. PageV06P346 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 369. (2) تفسير الكشاف بتصرف يسير ج 2 ص 289. PageV06P348 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 270. PageV06P349 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 381. PageV06P351 (1) تفسير ابن جرير ج 14 ص 362 بتصرف يسير. طبعة دار المعارف. PageV06P352 (1) تفسير الآلوسى ج 10 ص 138. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 372. بتصرف وتلخيص. PageV06P353 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 300 بتصرف يسير PageV06P354 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 374 بتصرف وتلخيص. PageV06P356 (1) تفسير المنار ج 10 ص 646. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 301. PageV06P357 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 478. طبعة المطبعة الشرفية سنة 1324 ه. (2) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 476. طبعة المطبعة الشرفية سنة 1324 ه. PageV06P359 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 375. (2) تفسير ابن جرير ج 14 ص 386. طبعة دار المعارف. (3) تفسير ابن كثير ج 2 ص 375. PageV06P360 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 304. (2) سورة «المنافقون» الآية 6. (3) سورة الحاقة الآية 32. PageV06P362 (1 ، 2) تفسير ابن جرير ج 14 ص 397. PageV06P363 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 304. PageV06P364 (1) تفسير الآلوسى ج 10 ص 151. (2) راجع تفسير ابن كثير ج 2 ص 376 فقد ساق هنا جملة من الأحاديث في هذا المعنى. (3) الأحقاب : الأزمان الطويلة. والأرى : السل والصاب نبات مر. PageV06P365 (1) تفسير المنار ج 10 ص 660. PageV06P366 (1) تفسير الآلوسى ج 2 ص ms6198 152. PageV06P367 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 482. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 305. PageV06P368 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 2 ص 378 ففيه جملة من الأحاديث في هذا المعنى. PageV06P369 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 306 بتصرف يسير. PageV06P370 (1) الآية رقم 55 وراجع تفسيرنا لها. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 299. PageV06P372 (1) تفسير القرطبي ج 8 ص 224. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 381. PageV06P375 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 300. PageV06P376 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 308. (2) تفسير الآلوسى ج 10 ص 158. PageV06P378 (1) تفسير المنار ج 10 ص 158. PageV06P379 (1) تفسير القرطبي بتصرف يسير ج 8 ص 226. (2) سورة البقرة الآية 286. (3) سورة الفتح الآية 17. (4) تفسير ابن كثير ج 2 ص 226. PageV06P380 (1) تفسير الآلوسى ج 11 ص 4. PageV06P384 (1) تفسير المنار ج 11 ص 8. (2) تفسير القرطبي ج 8 ص 233. PageV06P385 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 283 بتصرف وتلخيص. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 211. PageV06P386 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 314. PageV06P388 (1) تفسير الآلوسى ج 11 ص 7. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 371. PageV06P390 (1) تفسير القرطبي بتصرف وتلخيص ج 8 ص 240. (2) تفسير الآلوسى ج 11 ص 10. PageV06P392 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 384. (2) تفسير الآلوسى ج 11 ص 11. PageV06P393 (1) سورة الملك الآية 3. (2) تفسير أبى السعود ج 2 ص 393. (3) تفسير الآلوسى ج 11 ص 11. PageV06P394 (1) تفسير ابن جرير ج 14 ص 105 طبعة دار المعارف. (2) تفسير ابن جرير ج 14 ص 102. PageV06P395 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 386. (2) تفسير القاسمى بتصرف وتلخيص ج 8 ص 3252. PageV06P396 (1) تفسير آيات الأحكام بتصرف وتلخيص ج 3 ص 48. PageV06P397 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 386. (2) تفسير الآلوسى ج 11 ص 16. PageV06P398 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 316. (2) تفسير الآلوسى بتصرف ج 11 ص 17. PageV06P399 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 2 ص 782. PageV06P401 (1) تفسير القرطبي ج 8 ص 258. (2) تفسير الآلوسى ج 11 ص 19. PageV06P403 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 110 بتصرف وتلخيص. (2) تفسير المنار ج 11 ص 45. PageV06P404 (1) تفسير القاسمى ج 8 ص 3267. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 310. (3) تفسير ابن كثير ج 2 ص 379. (4) تفسير ابن كثير ج 2 ص 389. PageV06P406 (1) تفسير ابن ms6199 كثير ج 2 ص 390. (2) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 506. (3) تفسير القرطبي ج 8 ص 267. PageV06P407 (1) تفسير أبى السعود ج 2 ص 291. PageV06P408 (1) تفسير الآلوسى ج 11 ص 19. (2) تفسير القاسمى ج 8 ص 3273. PageV06P409 (1) حاشية الجمل على الجلالين بتصريف وتلخيص ج 2 ص 321. PageV06P410 (1) تفسير القاسمى ج 8 ص 3080. (2) تفسير الآلوسى ج 10 ص 31. PageV06P411 (1) راجع تفسير المنار ج 11 ص 54. (2) سورة الأنعام الآية 11. (3) سورة الحج الآية 46. (4) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 509. PageV06P412 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 510. PageV06P413 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 22 ص 33. (2) تفسير القرطبي ج 8 ص 273. PageV06P414 (1) سورة مريم الآية 47. (2) سورة الممتحنة الآية 4. (3) تفسير الآلوسى ج 11 ص 35 بتصرف وتلخيص. PageV06P415 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 116. (2) تفسير المنار ج 2 ص 316. PageV06P416 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 515. (2) تفسير القرطبي ج 8 ص 287. (3) تفسير الكشاف ج 2 ص 116. PageV06P417 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 324 بتصرف يسير. (2) تفسير الآلوسى ج 11 ص 39. PageV06P418 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 2 ص 396. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 324. (3) راجع تفسير الآلوسى ج 11 ص 40. PageV06P419 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 325. (2) راجع تفسير الآية رقم 106 من هذه السورة ص 399. PageV06P420 (1) راجع الحديث بتمامه في تفسير ابن كثير ج 2 ص 397. PageV06P422 (1) تفسير القرطبي ج 8 ص 928. PageV06P423 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 321. PageV06P424 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 329 بتصرف يسير. PageV06P426 (1) تفسير ابن جرير ج 14 ص 573 طبعة دار المعارف. (2) تفسير المنار ج 11 ص 80. (3) تفسير القرطبي ج 8 ص 293. PageV06P427 (1) تفسير ابن كثير بتصرف وتلخيص ج 2 ص 401. PageV06P428 (1) تفسير القرطبي ج 8 ص 301. (2) تفسير القرطبي ج 8 ص 302. PageV06P432 (1) الآية 98. PageV07P006 (1) الآية 101. (2) الآية 7 تفسير المنار ج 11 ص 141 الطبعة الرابعة مكتبة القاهرة. PageV07P007 (1) تفسير الآلوسى ج 11 ص 58 الطبعة المنيرية. (2) تفسير الفخر الرازي ج 17 ص 5 طبعة عبد الرحمن محمد سنة 1357 ه سنة 1937 م. PageV07P014 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 2 ص 406 طبعة عيسى الحلبي. PageV07P015 (1) تفسير ابن جرير ج 7 ص ms6200 58. طبعة دار المعرفة ببيروت. PageV07P016 (1) سورة الإسراء الآية 95. (2) سورة «سبأ» الآية 37. (3) تفسير الكشاف ج 2 ص 224. طبعة مصطفى الحلبي. PageV07P017 (1) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج 5 ص 123 طبعة مطبعة السعادة سنة 1338 ه. (2) تفسير الآلوسى ج 11 ص 63. (3) تفسير ابن جرير ج 11 ص 60 طبعة بولاق سنة 1327 ه. PageV07P018 (1) تفسير الفخر الرازي ج 17 ص 8. PageV07P019 (1) تفسير الآلوسى ج 11 ص 64. (2) تفسير في ظلال القرآن ج 11 ص 1762 طبعة دار الشروق. (3) المفردات في غريب القرآن ص 329. PageV07P020 (1) سورة البقرة الآية 255. (2) سورة النجم الآية 26. PageV07P022 (1) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج 5 ص 124. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 334 طبعة حجازي بالقاهرة. PageV07P023 (1) تفسير الآلوسى ج 11 ص 67. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 334. PageV07P024 (1) سورة نوح الآية 16. (2) سورة الفرقان الآية 61. (3) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 334. (4) تفسير الآلوسى ج 11 ص 69. (5) سورة يس الآية 40. (6) سورة التوبة الآية 62. PageV07P025 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 408. PageV07P026 (1) تفسير الفخر الرازي ج 17 ص 38. PageV07P027 (1) تفسير الفخر الرازي ج 17 ص 39. PageV07P028 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 408. PageV07P029 (1) تفسير الفخر الرازي ج 17 ص 43. (2) سورة الأحزاب الآية 44. (3) سورة الرعد الآيتان 24 ، 25. (4) سورة مريم الآية 61. PageV07P030 (1) تفسير القرطبي ج 8 ص 313. (2) تفسير المنار ج 11 ص 311. PageV07P031 (1) سورة العنكبوت الآيتان 52 ، 53. (2) سورة الأنفال الآية 42. (3) تفسير الفخر الرازي ج 17 ص 48 طبعة عبد الرحمن محمد. PageV07P032 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 409. (2) تفسير الآلوسى ج 11 ص 79. PageV07P033 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 282. PageV07P034 (1) تفسير الآلوسى ج 11 ص 80. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 409. PageV07P035 (1) تفسير القرطبي ج 6 ص 294. PageV07P036 (1) تفسير الآلوسى ج 11 ص 83. PageV07P037 (1) تفسير الآلوسى ج 11 ص 85. PageV07P038 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 229. PageV07P039 (1) تفسير القرطبي ج 8 ص 330. PageV07P040 (1) تفسير الفخر الرازي ج 17 ص 57. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 41. PageV07P041 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 337. PageV07P042 (1) راجع تفسير الكشاف ج 2 ص 231. PageV07P043 (1) تفسير الآلوسى ج 11 ص 90. PageV07P044 (1) سورة الأنعام الآية 111. PageV07P045 (1) سورة الإسراء الآيات 90 93. (2) سورة يونس الآيتان 95 ، 96. (3) سورة ms6201 الأنعام الآية 7. PageV07P046 (1) تفسير الآلوسى ج 11 ص 93. PageV07P047 (1) تفسير الفخر الرازي ج 17 ص 65. PageV07P048 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 231. PageV07P049 (1) سورة الشورى الآية 41. PageV07P050 (1) تفسير الآلوسى ج 11 ص 97. PageV07P051 (1) تفسير الفخر الرازي ج 17 ص 27. (2) راجع تفسير المنار ج 11 ص 344. (3) راجع تفسير المنار ج 11 ص 343. PageV07P052 (1) تفسير الآلوسى ج 11 ص 100. PageV07P053 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 323. PageV07P054 (1) تفسير القرطبي ج 8 ص 328. (2) تفسير أبن كثير ج 2 ص 413. (3) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 342. PageV07P055 (1) صحيح مسلم ج 1 كتاب الإيمان ، حديث رقم 297 طبعة محمد فؤاد عبد الباقي. PageV07P057 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 414. PageV07P058 (1) سورة الفتح الآية 25. PageV07P060 (1) تفسير القرطبي ج 8 ص 336. PageV07P064 (1) سورة الروم الآية 27. PageV07P065 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 236. PageV07P066 (1) تفسير الفخر الرازي ج 17 ص 90. (2) راجع تفسير القرطبي ج 8 ص 341. (3) سورة الأنعام الآية 33. PageV07P067 (1) تفسير المنار ج 11 ص 364. PageV07P068 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 417. PageV07P069 (1) تفسير الآلوسى ج 11 ص 119. (2) راجع تفسير في ظلال القرآن ج 11 ص 1785 وما بعدها طبعة دار الشروق. PageV07P072 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 238. (2) تفسير الآلوسى ج 11 ص 120. (3) سورة العنكبوت الآية 40. PageV07P073 (1) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص 119. PageV07P076 (1) الآية 35. (2) الآية 55. (3) سورة المؤمنون الآية 112 ، 113. (4) سورة المنازعات الآية الأخيرة. (5) تفسير القرطبي يتصرف وتلخيص ج 8 ص 348. PageV07P077 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 239. (2) سورة الرعد الآية 40. (3) سورة غافر الآية 77. (4) تفسير ابن كثير ج 2 ص 419. PageV07P079 (1) تفسير القرطبي ج 8 ص 350. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 240. (3) سورة غافر الآيتان 84 ، 85. PageV07P082 (1) المفردات في غريب القرآن ص 481. PageV07P083 (1) سورة سبأ الآية 3. (2) سورة التغابن الآية 7. PageV07P084 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 241. PageV07P085 (1) تفسير الآلوسى ج 11 ص 140. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 421. PageV07P088 (1) تفسير القرطبي ج 8 ص 354. (2) سورة الأنعام الآية ص 139. PageV07P089 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 423. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 242. PageV07P090 (1) تفسير الآلوسى ج 11 ص 144. PageV07P091 (1) تفسير الفخر الرازي ج 17 ص 126. PageV07P094 (1) تفسير الآلوسى ج 12 ص 152. PageV07P095 (1) تفسير القاسمى ج 9 ص 3374 ، طبعة الحلبي سنة 1958. PageV07P096 (1) سورة المنافقون آية 8. (2) تفسير القرطبي ج 8 ms6202 ص 359. (3) سورة الصافات آية 180. PageV07P097 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 244. PageV07P098 (1) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص 146 بتصرف وتلخيص. PageV07P099 (1) سورة مريم الآيات 88 95. (2) تفسير الآلوسى ج 11 ص 156. PageV07P100 (1) تفسير الفخر الرازي ج 17 ص 135. PageV07P102 (1) تفسير الآلوسى ج 11 ص 140. PageV07P103 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 245 طبعة مصطفى الحلبي سنة 1966. PageV07P104 (1) تفسير البيضاوي ج 1 ص 454 طبعة مصطفى الحلبي الطبعة الثانية سنة 1388 ه. PageV07P107 (1) تفسير ابن كثير ج 1 طبعة دار الشعب ص 230 المجلد الرابع. (2) تفسير ابن جرير ج 7 ص 100 طبعة دار المعرفة بيروت. PageV07P108 (1) الآية 101. PageV07P109 (1) الآية 107 (2) الآية 108 (3) الآية 130 (4) الآية 133 (5) الآية 88 حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 315 (6) تفسير الكشاف ج 2 ص 264. PageV07P110 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 247. PageV07P111 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 365. PageV07P112 (1) سورة المؤمنون الآيتان 23 ، 24. PageV07P113 (1) تفسير (في ظلال القرآن) للأستاذ سيد قطب ج 11 ص 466. PageV07P114 (1) سورة الأعراف الآيتان 117 ، 118. PageV07P115 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 267. (2) تفسير الآلوسى ج 12 ص 148. PageV07P116 (1) تفسير أبن كثير ج 4 ص 323. PageV07P117 (1) تفسير أبن جرير ج 7 ص 104 طبعة دار المعرفة بيروت. PageV07P118 (1) تفسير (فتح القدير) للإمام الشوكانى ج 2 ص 466. PageV07P119 (1) تفسير القرطبي ج 8 ص 271. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 249. (3) تفسير الآلوسى ج 11 ص 152. PageV07P120 (1) تفسير القرطبي ج 8 ص 374. (2) راجع تفسير المنار ج 11 ص 473. (3) سورة آل عمران الآية 178. (4) تفسير ابن جرير ج 7 ص 108. PageV07P122 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 25. (2) تفسير فتح القدير ، للإمام الشوكانى ج 2 ص 470. PageV07P123 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 370. (2) تفسير ابن كثير ج 4 ص 225. PageV07P124 (1) تفسير الآلوسى ج 11 ص 160. PageV07P126 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 4 ص 227 ، طبعة دار الشعب. PageV07P127 (1) تفسير فتح القدير ج 2 ص 470. (2) تفسير أبن كثير ج 4 ص 229. (3) تفسير الآلوسى ج 11 ص 167. PageV07P128 (1) تفسير الآلوسى ج 11 ص 168. (2) تفسير أبن كثير ج 4 ص 231. PageV07P130 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 253. (2) تفسير الآلوسى ج 11 ص 168. PageV07P131 (1) سورة غافر الآية 85. PageV07P132 (1) تفسير القرطبي ج 8 ms6203 ص 387. PageV07P133 (1) تفسير فتح القدير ج 2 ص 473. (2) تفسير القاسمى ج 6 ص 3400. PageV07P134 (1) تفسير القرطبي ج 8 ص 386. PageV07P136 (1) سورة الإسراء الآية 77. PageV07P137 (1) تفسير الآلوسى ج 11 ص 178. PageV07P139 (1) سورة فاطر الآية 2. (2) تفسير ابن كثير ج 4 ص 234. PageV07P141 (1) تفسير القرطبي ج 9 ص 2 طبعة دار الكاتب العربي بالقاهرة. PageV07P146 (1) السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 145. (2) تفسير الآلوسى ج 11 ص 178 الطبعة المنيرية. PageV07P147 (1) الآيات من 1 24. (2) الآيات من 25 40. PageV07P148 (1) الآيات من 41 60. PageV07P149 (1) الآيات من 62 83. PageV07P150 (1) الآيات من 84 107. (2) الآيات ص 108 إلى آخر السورة. PageV07P151 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 258. PageV07P156 (1) تفسير فتح القدير ج 2 ص 480. (2) تفسير التحرير والتنوير للشيخ محمد الطاهر بن عاشور ج 11 ص 315. PageV07P157 (1) سورة النساء الآية 108. PageV07P159 (1) تفسير الآلوسى ج 11 ص 185. PageV07P160 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 238. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 380. PageV07P161 (1) تفسير الآلوسى ج 12 ص 2. (2) سورة النور الآية 45. (3) سورة الملك الآية 15. PageV07P162 (1) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 2 ص 484. PageV07P163 (1) سورة فصلت الآيات من 9 12. (2) تفسير القرطبي ج 12 ص 8. PageV07P164 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 4 ص 240 طبعة الشعب. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 260. PageV07P165 (1) تفسير القرطبي ج 9 ص 10. PageV07P166 (1) تفسير الآلوسى ج 12 ص 14. PageV07P167 (1) تفسير الفخر الرازي ج 17 ص 190 طبعة عبد الرحمن محمد. PageV07P168 (1) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 2 ص 485. PageV07P169 (1) التفسير الكبير للفخر الرازي ج 17 ص 192 طبعة عبد الرحمن محمد سنة 1357 ه. PageV07P170 (1) سورة الفرقان الآيتان 7 ، 8. PageV07P172 (1) الآية 88. (2) الآية 34. (3) الآية 23. (4) الآية 38. PageV07P173 (1) سورة الشورى الآية 20. (2) سورة الإسراء الآيات من 17 20. (3) من كتاب رياض الصالحين للإمام النووي من باب «تحريم الرياء» ص 619. PageV07P176 (1) تفسير المنار ج 12 ص 50. PageV07P177 (1) تفسير الآلوسى ج 12 ص 25. (2) راجع تفسير الآلوسى ج 12 ص 25. PageV07P179 (1) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 2 ص 488. PageV07P180 (1) تفسير الفخر الرازي ج 17 ص 203 طبعة عبد الرحمن محمد. PageV07P182 (1) تفسير ابن كثير المجلد الرابع ص 247 طبعة دار الشعب. PageV07P183 (1) تفسير الفخر الرازي ج 17 ص 206. PageV07P184 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 389. PageV07P185 (1) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص ms6204 240. PageV07P187 (1) تفسير ابن كثير ج 3 ص 222. PageV07P188 (1) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 2 ص 493. PageV07P189 (1) سورة المؤمنون الآية 33 ، 34. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 391. PageV07P190 (1) سورة الشعراء الآية 111. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 265. PageV07P191 (1) تفسير المنار ج 12 ص 64. PageV07P192 (1) تفسير في ظلال القرآن ج 12 ص 542. PageV07P193 (1) تفسير الآلوسى ج 12 ص 35. PageV07P194 (1) تفسير البيضاوي ص 467. PageV07P196 (1) تفسير الآلوسى ج 12 ص 41. PageV07P197 (1) تفسير ابن جرير ج 12 ص 20. PageV07P199 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 252 طبعة دار الشعب. PageV07P200 (1) تفسير الفخر الرازي ج 17 ص 124. PageV07P202 (1) تفسير المنار ج 12 ص 75. PageV07P203 (1) راجع تفسير القرطبي ج 9 ص 23. (2) تفسير ابن جرير ج 12 ص 25. (3) تفسير الفخر الرازي ج 17 ص 226. PageV07P204 (1) سورة القصص الآية 29. (2) تفسير الآلوسى ج 12 ص 50. PageV07P205 (1) تفسير الآلوسى ج 12 ص 50. (2) تفسير سورة هود ص 73. PageV07P206 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 155. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 270. PageV07P207 (1) سورة يس الآية 82. PageV07P208 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 257. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 400. PageV07P209 (1) راجع تفسير القاسمى ج 9 ص 3446 وتفسير المنار ج 12 ص 90. PageV07P210 (1) راجع تفسيرنا لسورة التوبة ج 6 ص 31. (2) تفسير القاسمى ج 9 ص 3448. PageV07P212 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 259. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 273. (3) تفسير الفخر الرازي ج 18 ص 3. PageV07P213 (1) تفسير القرطبي ج 9 ص 47. (2) تفسير المنار ج 12 ص 86. PageV07P217 (1) تفسير المنار ج 12 ص 108. PageV07P218 (1) في ظلال القرآن ج 12 ص 85 للأستاذ سيد قطب. PageV07P219 (1) قصص الأنبياء ص 50 لفضيلة الشيخ عبد الوهاب النجار. PageV07P220 (1) تفسير الآلوسى ج 12 ص 73. PageV07P222 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 275. PageV07P224 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 276. (2) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 13. PageV07P225 (1) سورة فصلت الآية 15. PageV07P227 (1) سورة الأعراف الآية 74. (2) سورة الشعراء الآيات من 146 150. PageV07P231 (1) سورة الأعراف الآية 77. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 408. PageV07P234 (1) سورة الأعراف ، الآية 146. PageV07P236 (1) الآيات من 51 إلى 60. (2) الآيات من 24 إلى 37. PageV07P237 (1) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج 5 ص 241 طبعة دار الفكر ببيروت. PageV07P238 (1) تفسير القرطبي ج 9 ص 70. PageV07P239 (1) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 2 ص 510. (2) حاشية ms6205 الجمل على الجلالين ج 2 ص 411. PageV07P240 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 281. (2) تفسير المنار ج 12 ص 130. PageV07P241 (1) تفسير الآلوسى ج 11 ص 35. PageV07P242 (1) تفسير القاسمى ج 9 ص 3467. PageV07P243 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 266. PageV07P244 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 230. (2) تفسير ابن كثير ج 4 ص 266. PageV07P245 (1) تفسير القرطبي ج 9 ص 74. (2) تفسير التحرير والتنوير للشيخ ابن عاشور ج 12 ص 135. (3) تفسير الآلوسى ج 12 ص 95. PageV07P246 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 268. (2) تفسير الفخر الرازي ج 18 ص 32. PageV07P247 (1) تفسير القرطبي ج 9 ص 86. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 413. PageV07P248 (1) تفسير فتح القدير ج 2 ص 514. PageV07P249 (1) تفسير القرطبي ج 9 ص 79. (2) تفسير الفخر الرازي ج 18 ص 36. PageV07P250 (1) تفسير الآلوسى ج 12 ص 101. PageV07P251 (1) سورة الصافات الآيتان 137 138. PageV07P252 (1) تفسير القاسمى ج 9 ص 3472. PageV07P253 (1) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 2 ص 518. PageV07P256 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 416. (2) تفسير ابن جرير ج 1 ص 308. PageV07P257 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 287. PageV07P259 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 287. (2) تفسير ابن كثير ج 4 ص 275. PageV07P260 (1) تفسير أبى السعود ج ص. PageV07P262 (1) سورة الإسراء الآية 101. PageV07P266 (1) سورة غافر الآية 45. (2) سورة القصص الآية 42. PageV07P267 (1) سورة العنكبوت آية 40. PageV07P268 (1) تفسير الفخر الرازي ج 18 ص 56. (2) تفسير ابن كثير ج 4 ص 279. PageV07P271 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 292 بتصرف وتلخيص. PageV07P273 (1) سورة النبأ الآية 38. (2) سورة طه الآية 108. (3) تفسير ابن كثير ج 4 ص 279. PageV07P274 (1) تفسير الآلوسى ج 12 ص 126. (2) تفسير الآلوسى ج 12 ص 126. PageV07P275 (1) سورة النساء. الآيتان 168 ، 169. (2) راجع تفسيرنا لسورة الأعراف ص 323. (3) تفسير المنار ج 12 ص 160. PageV07P276 (1) تفسير القاسمى ج 9 ص 3486. (2) تفسير ابن جرير ج 12 ص 70. (3) تفسير ابن كثير ج 4 ص 281. PageV07P277 (1) راجع تفسير الشوكانى ج 2 ص 525. PageV07P278 (1) تفسير الفخر الرازي ج 18 ص 68. PageV07P279 (1) تفسير المنار ج 12 ص 162. PageV07P280 (1) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 2 ص 529. PageV07P281 (1) لمعرفة هذه القراءات راجع حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 426 وتفسير الآلوسى ج 12 ص 133. PageV07P282 (1) تفسير الفخر الرازي ج 18 ص 70. (2) تفسير القرطبي ج 9 ص 136. PageV07P283 (1) تفسير الآلوسى ج 12 ms6206 ص 136. (2) تفسير القرطبي ج 9 ص 107. PageV07P284 (1) تفسير القاسمى بتصرف يسير ج 9 ص 3491. PageV07P285 (1) تفسير القرطبي ج 9 ص 109. (2) تفسير ابن كثير ج 4 ص 284. PageV07P286 (1) سورة النساء الآية 31. (2) سورة النجم الآية 32. (3) راجع تفسير ابن كثير ج 4 ص 286. PageV07P287 (1) تفسير الآلوسى ج 12 ص 143. PageV07P288 (1) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 2 ص 534. (2) تفسير ابن كثير ج 4 ص 290. PageV07P290 (1) تفسير ابن جرير ج 12 ص 84. PageV07P291 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 291. PageV07P292 (1) تفسير الآلوسى ج 12 ص 1147. (2) تفسير القرطبي ج 9 ص 115. PageV07P293 (1) تفسير الآلوسى ج 12 ص 148. PageV07P294 (1) تفسير الآلوسى ج 12 ص 170 طبعة منير الدمشقي. PageV07P298 (1) تفسير الآلوسى ج 12 ص 170. (2) الآيات من 1 6. PageV07P299 (1) الآيات من 7 18. (2) الآيات من 19 29. PageV07P300 (1) الآيات من 30 35. (2) الآيات من 36 42. (3) الآيات من 43 57. PageV07P301 (1) الآيات من 58 68. PageV07P302 (1) الآيات من 69 87. (2) الآيات من 88 101. PageV07P303 (1) الآيات من 102 111. PageV07P304 (1) تفسير القاسمى ج 9 ص 3555. PageV07P308 (1) تفسير «في ظلال القرآن» ج 12 ص 1950. PageV07P310 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 293. طبعة دار الشعب. PageV07P314 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 432. (2) تفسير الفخر الرازي ج 18 ص 85. PageV07P315 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 298. PageV07P317 (1) لمعرفة المزيد عن الرؤيا المنامية راجع تفسير القاسمى ج 9 ص 3508. (2) تفسير الآلوسى ج 12 ص 164. PageV07P318 (1) تفسير القرطبي ج 9 ص 131. (2) تفسير الآلوسى ج 12 ص 171. PageV07P322 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 305. PageV07P323 (1) تفسير القرطبي ج 9 ص 132. PageV07P324 (1) تفسير الآلوسى ج 12 ص 177. PageV07P327 (1) تفسير الآلوسى ج 12 ص 179. (2) تفسير القرطبي ج 9 ص 150. (3) تفسير القاسمى ج 9 ص 3520. PageV07P330 (1) تفسير الشوكانى ج 3 ص 13. PageV07P332 (1) تفسير الآلوسى ج 12 ص 103. PageV07P333 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 310. PageV07P334 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 310. (2) تفسير التحرير والتنوير ج 12 ص 250 للشيخ الفاضل بن عاشور. PageV07P337 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 444. PageV07P338 (1) تفسير القاسمى ج 9 ص 3528. PageV07P340 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 311. (2) تفسير الآلوسى ج 12 ص 191. PageV07P341 (1) تفسير المنار ج 12 ص 378. PageV07P342 (1) تفسير الآلوسى ج 12 ص 195. PageV07P344 (1) تفسير المنار ج 12 ص 287. PageV07P345 (1) من كتاب (رياض الصالحين) ص 621 باب تحريم الخلوة بالأجنبية. ms6207 (2) الوساد معروف وهو ما يتوسد به الإنسان عند نومه والسواد بكسر السين مصدر ساوده إذا أسر إليه بالحديث. قالوا : وهذه الكلمة كانت لابنة الخص ، اعتذرت بها عن نفسها بعد أن فتنت فقيل لها لما ذا هذا السلوك وأنت سيدة قومك؟ فقالت هذه الكلمة التي ذهبت مثلا ... راجع تفسير المنار ج 12 ص 278. PageV07P347 (1) تفسير القرطبي ج 9 ص 168. (2) تفسير الفخر الرازي ج 18 ص 116. PageV07P348 (1) من تفسير «في ظلال القرآن» للأستاذ سيد قطب ج 12 ص 1981 طبعة دار الشروق. PageV07P349 (1) تفسير المنار ج 12 ص 291. PageV07P351 (1) تفسير الآلوسى ج 12 ص 204. (2) تفسير «في ظلال القرآن» ج 12 ص 1984. PageV07P352 (1) تفسير الآلوسى ج 12 ص 209. PageV07P353 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 313. طبعة دار الشعب. PageV07P355 (1) راجع تفسير الفخر الرازي ج 18 ص 133. PageV07P357 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 319. وقوله (وفتلها منه في الذروة والغارب) مثل يضرب لمن يتلطف في خداع غيره ، حتى يتمكن من إخضاعه له ، ومن انقياده لأمره والذروة بالكسر والضم أعلى الشيء والمراد به هنا أعلى سنام البعير ، والغارب المكان الذي العنق والسنام منه ، والمراد أن صاحب الجمل يخفى الخطام ويأخذ في التحايل على الجمل حتى يتمكن منه فيضع فيه الخطام ويقوده به. PageV07P358 (1) تفسير المنار ج 17 ص 307. PageV07P361 (1) تفسير الرازي ج 18 ص 144. (2) راجع تفسير ابن كثير ج 4 ص 316 طبعة دار الشعب وراجع تفسير المنار ج 2 ، ص 313. PageV07P364 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 217. PageV07P365 (1) تفسير التحرير والتنوير ج 12 ص 280 للشيخ محمد الطاهر بن عاشور. PageV07P366 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 323. (2) صحيح البخاري كتاب التعبير ج 9 ص 17. PageV07P367 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 324. PageV07P368 (1) تفسير القرطبي ج 9 ص 203. PageV07P370 (1) تفسير الفخر الرازي ج 18 ص 151. PageV07P372 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 325. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 317 ، وما ورد في هذه الأحاديث إنما هو من باب التواضع من سيدنا رسول الله صلىاللهعليهوسلم وإلا فإنه صلىاللهعليهوسلم أقوى الرسل عزما ، وأرفعهم مقاما ، وأشدهم صبرا. PageV07P374 (1) في ظلال القرآن ج 12 ص 1955. PageV07P375 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 326. PageV07P376 (1) تفسير ms6208 ابن كثير ج 4 ص 320. PageV07P378 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 328. PageV07P379 (1) راجع تفسير القرطبي ج 9 ص 216. PageV07P380 (1) تفسير الفخر الرازي ج 18 ص 165. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 329. PageV07P382 (1) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 2 ص 37. (2) راجع تفسير القرطبي ج 9 ص 231. PageV07P383 (1) تفسير الآلوسى ج 13 ص 11. PageV07P388 (1) تفسير الآلوسى بتصرف وتلخيص ج 13 ص 15. PageV07P391 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 485. (2) تفسير الآلوسى ج 13 ص 2. PageV07P395 (1) تفسير فتح القدير للإمام الشوكانى ج 3 ص 43. (2) تفسير الآلوسى ج 13 ص 28. PageV07P397 (1) تفسير الآلوسى ج 13 ص 29. (2) تفسير فتح القدير ج 3 ص 43. (3) تفسير الآلوسى ج 13 ص 32. PageV07P399 (1) تفسير القاسمى ج 9 ص 3578. PageV07P401 (1) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 3 ص 46. PageV07P402 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 2. PageV07P406 (1) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 3 ص 48. PageV07P407 (1) في ظلال القرآن ج 13 ص 2026. PageV07P408 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 2 ص 491. PageV07P415 (1) سورة هود الآية 49. (2) سورة القصص الآية 44. PageV07P419 (1) سورة آل عمران الآية 44. (2) تفسير الآلوسى ج 13 ص 65. PageV07P420 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 341 طبعة دار الشعب. PageV07P421 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 431 طبعة دار الشعب. PageV07P422 (1) تفسير القاسمى ج 9 ص 3615. PageV07P424 (1) الآية رقم 13. (2) تفسير الآلوسى ج 13 ص 76 طبعة منير الدمشقي. PageV07P430 (1) تفسير الآلوسى ج 13 ص 75. (2) الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 12 طبعة مصطفى الحلبي. PageV07P431 (1) سورة يس الآية 40. PageV07P439 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 349. طبعة دار المعرفة ببيروت. (2) تفسير في ظلال القرآن ج 4 ص 2046 طبعة دار الشروق. PageV07P440 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 353 طبعة دار الشعب. PageV07P441 (1) تفسير الفخر الرازي ج 19 ص 70 طبعة عبد الرحمن محمد. PageV07P442 (1) تفسير القرطبي ج 9 ص 284 طبعة دار الكتب. PageV07P444 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 491 طبعة عيسى الحلبي. (2) سورة ق الآية 3. (3) سورة غافر الآيتان 71 ، 72. PageV07P445 (1) سورة العنكبوت الآيتان 53 ، 54. (2) سورة الأنفال الآية 32. PageV07P446 (1) سورة فاطر الآية 45. PageV07P447 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 255. (2) سورة الإسراء الآيات 90 وما بعدها. PageV07P448 (1) تفسير القاسمى ج 9 ص 3648. PageV07P449 (1) تفسير ابن كثير المجلد الرابع ص ms6209 357 طبعة دار الشعب. (2) سورة القمر الآية 49. (3) سورة الحجر الآية 21. PageV07P450 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 494. (2) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 3 ص 69. PageV07P451 (1) تفسير ابن كثير المجلد الرابع ص 359. PageV07P452 (1) تفسير ابن كثير المجلد 4 ص 362 طبعة دار الشعب. PageV07P453 (1) سورة الأعراف الآية 57. PageV07P454 (1) سورة الإسراء الآية 44. (2) راجع تفسير الآلوسى ج 13 ص 106 طبعة منير الدمشقي. (3) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 3 ص 72. PageV07P455 (1) تفسير ابن كثير المجلد الرابع ص 363. (2) تفسير ابن جرير ج 1 ص 290. (3) تفسير القرطبي ج 9 ص 926. PageV07P456 (1) راجع تفسير القرطبي ج 9 ص 299. (2) سورة النمل الآيتان 50 ، 51. PageV07P457 (1) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 3 ص 73. PageV07P458 (1) تفسير القرطبي ج 9 ص 301. (2) تفسير الشوكانى ج 3 ص 73. PageV07P459 (1) سورة النحل الآية 48. (2) سورة آل عمران الآية 83. PageV07P460 (1) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 31 طبعة عبد الرحمن محمد. PageV07P461 (1) سورة آل عمران الآية 106. PageV07P465 (1) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 3 ص 85. PageV07P466 (1) تفسير الفخر الرازي ج 19 ص 39. PageV07P468 (1) تفسير الآلوسى ج 13 ص 129. PageV07P469 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 357 بتصرف قليل. (2) في ظلال القرآن ج 13 ص 2058 للأستاذ سيد قطب. PageV07P470 (1) سورة الشعراء آية 89. (2) راجع تفسير ابن كثير ج 4 ص 373 ، طبعة دار الشعب القاهرة. PageV07P471 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 373. PageV07P472 (1) تفسير (فتح القدير) للإمام الشوكانى ج 3 ص 80. PageV07P473 (1) سورة آل عمران الآية 197. (2) تفسير الآلوسى ج 13 ص 131. PageV07P474 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 359. PageV07P476 (1) سورة الأنبياء الآية 50. (2) سورة الحجر الآية 9. PageV07P477 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 4 ص 376 طبعة دار الشعب. PageV07P478 (1) سورة الأنبياء الآية 107. (2) سورة الفرقان الآية 60. PageV07P479 (1) سورة الأنعام الآية 111. PageV07P480 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 382. (2) تفسير ابن كثير ج 4 ص 385. PageV07P481 (1) تفسير الآلوسى ج 13 ص 141. PageV07P482 (1) سورة الدخان الآية 10 ، 11. PageV07P483 (1) سورة الشعراء الآية 187. (2) سورة الأعراف الآية 66. (3) سورة الزخرف الآية 52. (4) سورة الحج الآية 48. PageV07P484 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 383. (2) سورة النجم الآية 23. PageV07P485 (1) تفسير الفخر الرازي ج 19 ص 56. PageV07P486 (1) تفسير الآلوسى ج 13 ص 104. PageV07P487 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 507. (2) تفسير التحرير والتنوير ج 13 ص ms6210 155 الشيخ محمد الطاهر بن عاشور. PageV07P488 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 4 ص 386. PageV07P489 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 377. PageV07P491 (1) سورة الأنبياء الآية 10. (2) سورة الزخرف الآية 44. PageV07P492 (1) سورة الزمر الآية 65. (2) تفسير الشوكانى ج 3 ص 88. PageV07P493 (1) تفسير الفخر الرازي ج 19 ص 66. (2) سورة الحديد الآية 22. (3) سورة الحج الآية 70. (4) تفسير الشوكانى ج 3 ص 88. PageV07P494 (1) سورة الأنبياء الآية 44. (2) تفسير الآلوسى ج 13 ص 155. PageV07P496 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 512. PageV07P497 (1) راجع الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 27 ، تحقيق محمد أبى الفضل إبراهيم. (2) تفسير الآلوسى ج 13 ص 161 طبعة منير الدمشقي. PageV07P504 (1) سورة البقرة الآية 23. (2) تفسير الفخر الرازي ج 19 ص 72. PageV07P509 (1) تفسير الآلوسى ج 13 ص 165. PageV07P511 (1) تفسير الفخر الرازي ج 19 ص 79. (2) تفسير ابن كثير ج 4 ص 197. PageV07P512 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 366. (2) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 3 ص 14. (3) تفسير التحرير والتنوير ج 13 ص 188 للشيخ الفاضل بن عاشور. PageV07P513 (1) تفسير الفخر الرازي ج 19 ص 83. PageV07P514 (1) سورة الإسراء الآية 101. (2) سورة الأعراف الآيتان 107 ، 108. (3) سورة الأعراف الآية 130. (4) سورة الأعراف الآية 133. (5) تفسير الآلوسى ج 12 ص 168. PageV07P515 (1) تفسير الآلوسى ج 13 ص 168. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 367. PageV07P516 (1) تفسير الفخر الرازي ج 19 ص 84. (2) تفسير الآلوسى ج 13 ص 168. PageV07P517 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 298. PageV07P518 (1) تفسير الآلوسى ج 13 ص 170. PageV07P519 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 515. PageV07P520 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 299. PageV07P521 (1) صحيح مسلم كتاب البر والصلة باب تحريم الظلم. PageV07P522 (1) تفسير الفخر الرازي ج 19 ص 88 طبعة دار الكتب العلمية طهران. (2) تفسير ابن كثير ج 4 ص 400. PageV07P524 (1) تفسير ابن جرير ج 13 ص 127. PageV07P525 (1) تفسير الآلوسى ج 13 ص 173. (2) تفسير التحرير والتنوير ج 13 ص 196. (3) راجع تفسير الشوكانى ج 3 ص 97 ففيه ما يقرب من عشرة أقوال في معنى الآية. PageV07P526 (1) تفسير القرطبي ج 9 ص 346. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 516. PageV07P527 (1) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 3 ص 98. PageV07P528 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 517. PageV07P529 (1) تفسير الآلوسى ج 13 ص 177. PageV07P530 (1) تفسير الفخر الرازي ج ms6211 19 ص 99. PageV07P532 (1) سورة الأعراف الآية 88. (2) سورة النمل الآية 56. (3) تفسير الآلوسى ج 13 ص 179. PageV07P533 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 371. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 518. PageV07P534 (1) سورة ق الآيات من 24 26. (2) تفسير ابن كثير ج 4 ص 403. PageV07P535 (1) تفسير أضواء البيان ج 3 ص 106 للشيخ محمد أمين الشنقيطى. PageV07P536 (1) تفسير الفخر الرازي ج 19 ص 104. PageV07P538 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 520. PageV07P539 (1) تفسير الآلوسى ج 13 ص 183. (2) سورة الفرقان الآية 23. (3) سورة آل عمران الآية 117. (4) تفسير ابن كثير ج 4 ص 116. PageV07P540 (1) تفسير الآلوسى ج 13 ص 160. (2) سورة غافر الآية 57. (3) سورة فاطر الآيات من 15 17. (4) سورة محمد الآية 38. (5) سورة النساء الآية 133. PageV07P541 (1) تفسير الشوكانى ج 3 ص 3. PageV07P542 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 373. (2) تفسير ابن كثير ج 4 ص 408. PageV07P543 (1) تفسير الفخر الرازي ج 19 ص 110 (2) سورة النساء الآية 120. PageV07P544 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 522. (2) تفسير القرطبي ج 9 ص 357. PageV07P545 (1) تفسير الآلوسى ج 13 ص 189. PageV07P546 (1) تفسير الشوكانى ج 3 ص 104. (2) سورة الأحزاب الآية 44. (3) سورة الرعد الآية 23 ، 24. (4) سورة الفرقان الآية 75. PageV07P547 (1) تفسير الآلوسى ج 13 ص 160. PageV07P548 (1) تفسير الآلوسى ج 13 ص 191. (2) تفسير ابن جرير ج 13 ص 137. PageV07P549 (1) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 3 ص 106. PageV07P550 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 413. PageV07P551 (1) تفسير الآلوسى ج 13 ص 194. (2) راجع تفسير ابن كثير ج 4 من ص 413 إلى ص 426 طبعة دار الشعب. PageV07P552 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 376. (2) تفسير ابن كثير ج 4 ص 126. (3) راجع تفسير ابن جرير ج 14 ص 146. PageV07P554 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 378. PageV07P555 (1) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 3 ص 109. (2) سورة الزمر الآية 8. (3) سورة لقمان الآية 24. (4) سورة آل عمران الآيتان 196 ، 197. PageV07P556 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 525. (2) سورة الفرقان الآية 67. PageV07P557 (1) سورة البقرة آية 254. PageV07P558 (1) سورة الشورى آية 27. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 526. PageV07P560 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 430. (2) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 3 ص 110. PageV07P561 (1) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 135. (2) تفسير ابن كثير ج 4 ص 431. (3) الآية 126. PageV07P563 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 379. (2) سورة ms6212 الصافات الآيات 109 113. PageV07P564 (1) سورة المائدة آية 118. (2) تفسير الآلوسى ج 13 ص 211. PageV07P565 (1) راجع تفسير القرطبي ج 9 ص 271. PageV07P566 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 381. PageV07P567 (1) تفسير الآلوسى ج 13 ص 212 وراجع صحيح البخاري تجد فيه حديثا طويلا في هذا الموضوع. PageV07P568 (1) تفسير الفخر الرازي ج 19 ص 138. PageV07P569 (1) سورة التوبة الآية 114. PageV07P570 (1) تفسير القرطبي ج 9 ص 276. PageV07P571 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 532. PageV07P573 (1) سورة المؤمنون الآيتان 99 100. (2) سورة السجدة آية 12. (3) سورة النحل آية 38. PageV07P574 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 434. PageV07P575 (1) سورة مريم الآيات 88 90. (2) سورة غافر الآية 51. (3) سورة المجادلة الآية 21. PageV07P576 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 384. (2) حاشية الانتصاف على الكشاف ج 2 ص 384. (3) سورة النساء الآية 56. PageV07P577 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 437. (2) سورة الصافات الآية 22. (3) سورة مريم الآية 68. PageV07P578 (1) سورة لقمان الآية 28. PageV07P579 (1) تفسير الفخر الرازي ج 19 ص 150. PageV07P580 (1) راجع البرهان للإمام الزركشي ج 1 ص 193 والإتقان للإمام السيوطي ج 1 ص 27. (2) سورة الشعراء الآية 149 (3) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 3 ص 120 PageV08P005 (1) تفسير الآلوسى ج 14 ص 2. PageV08P006 (1) تفسير الآلوسى ج 14 ص 3. (2) تفسير فتح القدير ج 3 ص 121. (3) حاشية الجمل على الجلالين بتصرف قليل ج 2 ص 537. PageV08P010 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 386. (2) تفسير الآلوسى ج 14 ص 5. PageV08P011 (1) سورة المؤمنون الآيتان 99 ، 100. (2) سورة الأنعام الآية 27. (3) راجع تفسير ابن كثير. المجلد الرابع ص 443 طبعة دار الشعب (4) تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج 3 ص 117 للشيخ محمد الأمين الشنقيطى. PageV08P012 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 387. (2) سورة محمد الآية 12. PageV08P013 (1) تفسير الآلوسى ج 14 ص 9. (2) سورة الزخرف الآية 83. (3) سورة الطور الآية 45. (4) سورة ابراهيم الآية 30. PageV08P014 (1) تفسير ابن جرير ج 14 ص 5. (2) سورة الأعراف الآية 34. PageV08P015 (1) تفسير في ظلال القران ج 14 ص 2166 للأستاذ سيد قطب. (2) سورة الأنبياء الآية 50. PageV08P016 (1) تفسير الآلوسى ج 14 ص 11. (2) سورة الفرقان الآية 21. (3) سورة الفرقان الآية 7. PageV08P017 (1) تفسير فتح القدير ج 3 ص 122 للشوكانى. (2) سورة الأنعام الآية 8. (3) تفسير الكشاف ج 2 ص 388. PageV08P018 (1) تفسير الآلوسى ج 14 ص 15. (2) تفسير الفخر الرازي ج 19 ص 160. PageV08P019 (1) هو القاضي ms6213 إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد الأزدى البصري ولد سنه 200 ه وتوفى سنة 282. كان من الأئمة الأعلام في التفسير والحديث والفقه. (2) تفسير التحرير والتنوير ج 14 ص 21 لسماحة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور. (3) راجع تفسير القرطبي ج 10 ص 5. (4) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 529. PageV08P020 (1) سورة الذاريات الآيتان 52 ، 53. PageV08P021 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 388. (2) حاشية الكشاف ج 2 ص 388. (3) تفسير ابن جرير ج 14 ص 9. PageV08P022 (1) راجع تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 63 طبعة عبد الرحمن محمد. (2) تفسير الفخر الرازي ج 19 ص 166. PageV08P023 (1) تفسير فتح القدير ج 3 ص 123. PageV08P024 (1) تفسير القرطبي ج 10 ص 9. (2) تفسير أضواء البيان ج 3 ص 121 الشيخ محمد الأمين الشنقيطى. (3) سورة يونس الآية 5. PageV08P026 (1) سورة الصافات الآيتان 6 ، 7. (2) سورة الملك الآية 5. PageV08P027 (1) تفسير القرطبي ج 10 ص 11. (2) سورة الصافات الآيات 6 10. (3) سورة الجن الآيتان 8 ، 9 PageV08P028 (1) راجع تفسير التحرير والتنوير للشيخ محمد الطاهر بن عاشور ج 14 ص 24. (2) سورة الذاريات الآية 48. (3) سورة لقمان الآية 10. (4) سورة القمر الآية 49. PageV08P029 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 447. (2) سورة يس الآية 82. PageV08P030 (1) سورة الشورى الآية 27. (2) تفسير ابن كثير ج 4 ص 448. PageV08P031 (1) تفسير التحرير والتنوير ج 14 ص 38 لسماحة الشيخ الامام محمد الطاهر بن عاشور. (2) سورة النحل الآيتان 10 ، 11. (3) سورة المؤمنون الآية 18. PageV08P032 (1) سورة ق الآية 43. (2) سورة مريم الآية 40. (3) تفسير ابن جرير ج 14 ص 26. PageV08P033 (1) سورة الرحمن الآية 14. (2) تفسير ابن جرير ج 14 ص 28. PageV08P035 (1) تفسير الآلوسى ج 14 ص 31. (2) سورة آل عمران الآية 59. (3) سورة السجدة الآية 7. (4) سورة ص الآية 71. (5) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 543. PageV08P036 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 451. PageV08P037 (1) تفسير القرطبي ج 10 ص 25. (2) سورة الأنبياء الآية 23. (3) سورة الأعراف الآية 27. PageV08P038 (1) سورة الكهف الآية 50. (2) تفسير القاسمى ج 2 ص 104. (3) صحيح مسلم «كتاب الزهد» باب في أحاديث متفرقة ج 8 ص 227. PageV08P039 (1) سورة الأعراف الآية 12. (2) سورة ص الآية 76. (3) تفسير الآلوسى ج 14 ص 43. PageV08P040 (1) سورة الأنبياء الآية 18. (2) تفسير التحرير والتنوير ج 14 ص 49. (3) تفسير الفخر الرازي ج 19 ص 185. (4) سورة الأسراء ms6214 الآية 63. PageV08P042 (1) سورة البقرة الآية 36. (2) سورة الأعراف الآية 17. PageV08P043 (1) تفسير الآلوسى ج 14 ص 46. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 391. (3) تفسير ابن جرير ج 14 ص 33. PageV08P044 (1) سورة الإسراء الآية 65. (2) تفسير الآلوسى ج 14 ص 47. PageV08P045 (1) الحجزة بضم الحاء وسكون الجيم معقد الإزار. (2) تفسير ابن كثير ج 4 ص 455. PageV08P046 (1) سورة فاطر الآية 6. PageV08P047 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 4 ص 459 وابن جرير ج 14 ص 36. PageV08P049 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 458. (2) سورة الذاريات الآيتان 15 ، 16. (3) سورة الأعراف الآية 43. (4) سورة فاطر الآيتان 34 35. (5) سورة الكهف الآيتان 107 ، 108. PageV08P050 (1) تفسير الفخر الرازي ج 49 ص 55. PageV08P052 (1) تفسير الآلوسى ج 14 ص 55. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 548. PageV08P053 (1) الآيتان ، 24 ، 25. (2) الآية 70. (3) سورة هود الآية 71. PageV08P054 (1) سورة هود الآية 72. (2) تفسير الفخر الرازي ج 19 ص 197. PageV08P055 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 393. (2) تفسير (أضواء البيان) ج 3 ص 155 للشيخ محمد الأمين الشنقيطى. PageV08P057 (1) تفسير الآلوسى ج 14 ص 62. (2) سورة هود الآية 77. (3) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 80. PageV08P059 (1) تفسير القرطبي ج 9 ص 79. PageV08P060 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 456. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 395. PageV08P061 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 268. PageV08P064 (1) تفسير الفخر الرازي ج 18 ص 32. PageV08P065 (1) تفسير الآلوسى ج 14 ص 66. PageV08P066 (1) راجع تفسير القرطبي ج 10 ص 42. (2) سورة البقرة الآية 273. (3) سورة محمد الآية 30. (4) راجع تفسير القاسمى ج 14 ص 3764. PageV08P068 (1) سورة يوسف الآيتان 105 ، 106. (2) سورة الصافات الآيتان 137 ، 138. PageV08P069 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 492. PageV08P070 (1) سورة الشعراء الآية 149. (2) سورة الأعراف الآية 74. PageV08P071 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 463. PageV08P072 (1) سورة الزخرف الآية 89. (2) سورة البقرة الآية 109. PageV08P074 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 397. PageV08P075 (1) تفسير القرطبي ج 10 ص 55. PageV08P076 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 398. (2) تفسير ابن كثير ج 4 ص 566. PageV08P077 (1) تفسير في ظلال القرآن ج 14 ص 3154. (2) سورة طه الآيتان 130 ، 131. (3) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 3 ص 142. PageV08P078 (1) صحيح البخاري : كتاب الاعتصام ، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلىاللهعليهوسلم ج 9 ص 115 وصحيح مسلم كتاب الفضائل ج 7 ص 63. (2) تفسير ابن كثير ج 4 ص 66. PageV08P079 (1) تفسير القرطبي ج 10 ص 59. PageV08P080 (1) راجع تفسير ms6215 الآلوسى ج 14 ص 74 وما بعدها. (2) تفسير ابن جرير ج 14 ص 23. PageV08P081 (1) تفسير الفخر الرازي ج 19 ص 215. PageV08P083 (1) تفسير أضواء البيان الشيخ الأمين الشنقيطى ج 2 ص 203. PageV08P084 (1) صحيح البخاري ج 2 ص 91 : كتاب الجنائز «باب الدخول على الميت ..» (2) تفسير ابن كثير ج 4 ص 472. PageV08P085 (1) الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 27 طبعة المشهد الحسيني تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. (2) الآية رقم 68. (3) تفسير القرطبي ج 10 ص 65. (4) تفسير الآلوسى ج 14 89. PageV08P090 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 2 ص 596. PageV08P091 (1) سورة الشورى. الآية 18. (2) سورة الحج. الآية 47. PageV08P099 (1) تفسير التحرير والتنوير ، لفضيلة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور ج 14 ص 97. (2) سورة الشورى : الآية 52. PageV08P100 (1) سورة مريم : الآية 64. (2) سورة الزخرف الآية 31. (3) سورة الأنعام الآية 124. PageV08P101 (1) تفسير الآلوسي ج 14 ص 94. (2) حاشية الجمل ج 2 ص 557. (3) سورة الدخان الآيتان 38 ، 39. PageV08P102 (1) سورة المؤمنون ، الآية 91. (2) سورة غافر ، الآية 57. PageV08P103 (1) سورة الكهف الآية 54. (2) سورة الفرقان الآية 55. PageV08P104 (1) سورة المؤمنون آية 21. (2) تفسير البحر المحيط ج 5 ص 475 بتصرف وتلخيص. PageV08P105 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 397. PageV08P106 (1) تفسير القرطبي ج 10 ص 71. (2) سورة غافر الآيتان 79 ، 80. (3) سورة يس. الآيتان 71 ، 72. (4) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 559. PageV08P107 (1) تفسير القرطبي ج 10 ص 79. (2) تفسير في ظلال القرآن ج 14 ص 2161 للأستاذ سيد قطب. (3) تفسير القاسمى ج 10 ص 3870. (4) راجع تفسير القرطبي ج 10 ص 76. وتفسير ابن كثير ج 4 ص 476 طبعة دار الشعب. PageV08P108 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 560. PageV08P109 (1) في ظلال القرآن ج 14 ص 2161. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 561. PageV08P110 (1) سورة الأنعام الآية 153. (2) سورة الإنسان الآيتان 2 ، 3. (3) سورة يونس الآية 99. PageV08P111 (1) تفسير الآلوسى ج 14 ص 105. (2) سورة الواقعة الآيات 68 70. PageV08P112 (1) سورة الواقعة الآيات 63 70. (2) سورة الرعد الآية 4. (3) سورة النمل الآية 60. PageV08P113 (1) تفسير الآلوسى ج 14 ص 108. PageV08P114 (1) سورة يس الآية 40. (2) سورة الأعراف الآية 54. PageV08P115 (1) سورة الروم الآية 22. PageV08P116 (1) تفسير المراغي ج 14 ص 61. (2) سورة الرحمن الآيات 19 ، 22. PageV08P117 (1) تفسير القرطبي ج 10 ص 87. (2) سورة يس الآيات 41 44. PageV08P118 (1) تفسير القرطبي ج 10 ص 90. PageV08P119 (1) سورة لقمان الآية 10. (2) سورة ms6216 النبأ الآيتان 6 ، 7. (3) سورة نوح الآيتان 19 ، 20. PageV08P120 (1) سورة الأنعام الآية 97. PageV08P121 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 405 بتصرف يسير. (2) تفسير ابن كثير ج 4 ص 482. PageV08P123 (1) سورة الصافات الآيتان 95 ، 96. PageV08P124 (1) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 2 ص 156. PageV08P125 (1) سورة غافر. الآية 60. PageV08P126 (1) تفسير القرطبي ج 10 ص 95. PageV08P127 (1) تفسير الآلوسى ج 14 ص 131. (2) سورة الفرقان. الآيتان 5 ، 6. (3) سورة العنكبوت. الآية 13. PageV08P129 (1) تفسير الآلوسي ج 14 ص 124. (2) التفسير الكبير للفخر الرازي ج 20 ص 18. (3) في ظلال القرآن ج 14 ص 2167 للأستاذ سيد قطب. (4) تفسير ابن جرير ج 14 ص 66. PageV08P130 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 484. (2) سورة الأنعام الآية 164. (3) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 566. PageV08P131 (1) سورة الحشر. الآية 2. PageV08P132 (1) سورة النمل الآيات 50 ، 51 ، 52. (2) تفسير القرطبي ج 10 ص 97. (3) تفسير الفخر الرازي ج 20 ص 20. PageV08P133 (1) تفسير ابن جرير ج 14 ص 68. (2) سورة العنكبوت. الآية 40. PageV08P134 (1) سورة القصص : الآية 74. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 567. PageV08P135 (1) تفسير الآلوسى ج 14 ص 128. (2) سورة الأنفال الآية 50. PageV08P136 (1) سورة الحجر الآية 44. PageV08P137 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 407. (2) سورة النحل الآية 97. PageV08P138 (1) سورة الأعلى الآيتان 16 ، 17. PageV08P139 (1) سورة فصلت الآية 30. PageV08P140 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 569. PageV08P141 (1) سورة الطور الآية 14. PageV08P142 (1) سورة الإنسان الآيتان 2 ، 3. (2) سورة الكهف الآية 29. (3) سورة الزخرف الآية 19. PageV08P143 (1) سورة الأنعام الآية 148 ، 149. (2) راجع تفسيرنا لسورة الأنعام من ص 205 إلى ص 211. PageV08P144 (1) سورة الرعد الآية 40. (2) سورة البقرة : الآية 272. PageV08P145 (1) سورة الصف الآية 5. (2) سورة الصافات الآيتان 137 ، 138. PageV08P146 (1) تفسير الآلوسي ج 14 ص 39. PageV08P147 (1) سورة المائدة الآية 41. (2) سورة الأعراف الآية 186. PageV08P148 (1) تفسير القرطبي ج 10 ص 105. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 571. PageV08P149 (1) سورة التغابن الآية 7. (2) سورة يس الآية 78 ، 79. PageV08P150 (1) سورة القمر الآية 50. (2) سورة لقمان الآية 28. (3) تفسير ابن كثير ج 4 ص 491. (4) تفسير أضواء البيان ج 3 ص 272 الشيخ محمد الأمين الشنقيطى. PageV08P151 (1) تفسير ابن جرير ج 14 ص 73. PageV08P152 (1) تفسير القرطبي ج 10 ص 107. PageV08P153 (1) تفسير ابن جرير ج 14 ص 74. PageV08P154 (1) سورة يونس الآية 2. (2) تفسير ابن كثير ج 4 ص 492. PageV08P155 (1) سورة يوسف الآية 109. (2) سورة الإسراء الآية 94. (3) سورة التغابن الآية 6. PageV08P156 (1) تفسير الآلوسى ج ms6217 14 ص 147. PageV08P157 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 572. PageV08P158 (1) تفسير الآلوسى ج 14 ص 150. (2) تفسير أضواء البيان للشيخ الشنقيطى ج 3 ص 276. (3) سورة القصص الآية 81. PageV08P159 (1) سورة الحشر آية 2. (2) سورة الأعراف الآيات 97 99. PageV08P160 (1) تفسير التحرير والتنوير. للشيخ محمد الطاهر بن عاشور. (2) تفسير ابن كثير ج 4 ص 494. (3) تفسير القرطبي ج 10 ص 110. وتخوف في البيت بمعنى تنقص ، والرحل : السفر. والتامك : المرتفع. والقرد المتراكم لحمه بعضه فوق بعض من السمن. والنبعة : شجرة من أشجار الجبال يتخذ منها القسي. والسفن : كما يتنقص المنشار أو ما يشبهه أعواد الأشجار. PageV08P161 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 494 طبعة دار الشعب. (2) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 3 ص 166. PageV08P163 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 574. (2) تفسير الآلوسى ج 14 ص 157. PageV08P164 (1) التفسير الكبير للفخر الرازي ج 20 ص 47. PageV08P165 (1) تفسير الآلوسى ج 14 ص 161. (2) سورة الإسراء الآية 39. (3) سورة الأنبياء الآية 22. PageV08P166 (1) سورة الصافات الآية 9. PageV08P167 (1) سورة فصلت الآية 51. (2) سورة يونس الآية 12. (3) تفسير الشوكانى ج 3 ص 169. PageV08P169 (1) تفسير الآلوسي ج 14 ص 167. PageV08P170 (1) راجع تفسيرنا لهذه الآية في كتابنا (تفسير سورة الأنعام) من ص 185 إلى ص 188. PageV08P171 (1) سورة الزخرف الآيتان 19 ، 20. (2) تفسير الآلوسي ج 14 ص 169. PageV08P172 (1) سورة هود الآية 102. PageV08P175 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 497. (2) تفسير القرطبي ج 10 ص 120. (3) سورة الكهف الآية 58. (4) سورة إبراهيم الآية 42. (5) سورة نوح الآية 4. PageV08P176 (1) سورة سبأ الآية 35. (2) سورة مريم الآية 37. (3) تفسير الكشاف ج 2 ص 432. PageV08P177 (1) في ظلال القرآن ج 14 ص 2179. (2) تفسير القرطبي ج 10 ص 121. (3) سورة الأعراف الآية 51. PageV08P178 (1) سورة غافر الآية 43. (2) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 3 ص 173. PageV08P179 (1) تفسير الآلوسي ج 14 ص 176. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 580. PageV08P182 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 616. (2) تفسير الآلوسي ج 14 ص 178. PageV08P183 (1) تفسير القرطبي ج 10 ص 127. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 580. PageV08P184 (1) تفسير الآلوسى ج 14 ص 180. (2) تفسير القرطبي ج 10 ص 128. PageV08P185 (1) تفسير القرطبي ج 10 ص 128. (2) راجع تفسير آيات الأحكام ج 3 ص 52 لفضيلة الشيخ محمد على السائس رحمهالله . PageV08P186 (1) تفسير القرطبي ج 10 ص ms6218 133. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 618. PageV08P187 (1) الكشاف وحاشيته ج 2 ص 618. PageV08P188 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 575. PageV08P189 (1) تفسير فتح البيان ج 5 ص 267 للشيخ صديق خان. (2) راجع على سبيل المثال كتاب : الإسلام والطب الحديث» للدكتور عبد العزيز إسماعيل. PageV08P190 (1) سورة النساء الآية 82. (2) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 332. PageV08P191 (1) سورة الروم. الآية 55. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 577. PageV08P192 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 620. PageV08P193 (1) سورة الروم الآية 28. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 577. (3) سورة الروم الآية 21. PageV08P194 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 577. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 586. PageV08P195 (1) تفسير فتح القدير للشيخ صديق حسن خان ج 5 ص 273. (2) تفسير الآلوسى ج 14 ص 195. PageV08P198 (1) تفسير القرطبي ج 10 ص 149. PageV08P200 (1) تفسير الآلوسى ج 14 ص 197. PageV08P202 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 589. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 579. (3) سورة الملك الآية 24. PageV08P205 (1) تفسير القرطبي ج 10 ص 152. PageV08P206 (1) الفرع : الشعر التام : والمتن : ما عن يمين الرأس وشماله ، والفاحم : الشديد السواد. والأثيت : الكثير المتكاثف. والمتعثكل : الذي دخل بعضه في بعض لكثرته (راجع تفسير القرطبي ج 10 ص 154). PageV08P207 (1) سورة فصلت الآية 5. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 626. PageV08P208 (1) تفسير القرطبي ج 10 ص 160. (2) سورة النمل الآية 14. PageV08P209 (1) تفسير فتح البيان ج 5 ص 282. PageV08P210 (1) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 342. (2) سورة المرسلات الآيتان 36 ، 37. PageV08P211 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 626. (2) تفسير القرطبي ج 10 ص 162. PageV08P212 (1) تفسير القرطبي ج 10 ص 163. (2) تفسير الآلوسى ج 14 ص 208 بتصرف وتلخيص . (3) تفسير فتح البيان ج 5 ص 284 للشيخ صديق حسن خان. PageV08P213 (1) سورة مريم الآيتان 81 ، 82. (2) سورة إبراهيم الآيات 22. (3) تفسير القرطبي ج 10 ص 163. (4) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 592. PageV08P214 (1) تفسير ابن جرير ج 14 ص 107. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 581. PageV08P215 (1) تفسير الآلوسى ج 14 ص 212. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 582. PageV08P216 (1) سورة الحشر الآية 7. (2) سورة النساء الآية 115. (3) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 593. PageV08P217 (1) تفسير القرطبي ج 10 ص 166. PageV08P219 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 583. (2) تفسير فتح القدير ج 5 ص 289. (3) تفسير القرطبي ms6219 ج 10 ص 169. PageV08P221 (1) سورة الإسراء الآية 34. (2) سورة البقرة الآية 40. (3) رياض الصالحين للإمام النووي ص 302. PageV08P222 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 594. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 583. (3) راجع تفسير هذه الآية في تفسيرنا لسورة البقرة ص 499. PageV08P223 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 584. (2) المفردات في غريب القرآن للراغب الاصفهانى ص 166. PageV08P224 (1) تفسير القرطبي ج 10 ص 171. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 584. (3) تفسير الكشاف ج 2 ص 631. PageV08P225 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 427. PageV08P227 (1 ، 2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 585. PageV08P228 (1) تفسير الآلوسى ج 14 ص 224. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 596. PageV08P229 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 427. (2) سورة الفرقان الآية 23. (3) تفسير ابن كثير ج 2 ص 585. (4) تفسير الآلوسى ج 14 ص 227. PageV08P230 (1) سورة آل عمران الآية 148. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 428. PageV08P231 (1) سورة المائدة الآية 6. (2) سورة الأعراف الآية 4. (3) تفسير ابن كثير ج 1 ص 14. PageV08P232 (1) تفسير القرآن الكريم ج 16 لفضيلة الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت. (2) تفسير الآلوسى ج 14 ص 228. (3) تفسير آيات الأحكام ص 52 ج 3 لفضيلة الشيخ محمد على السائس رحمهالله . (4) سورة الحجر الآية 42. (5) سورة الأسراء الآية 65. PageV08P233 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 428. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 598. (3) تفسير الآلوسى ج 14 ص 231. (4) تفسير القاسمى ج 10 ص 3858. PageV08P235 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 586. (2) تفسير الآلوسى ج 14 ص 233. PageV08P237 (1) تفسير القاسمى ج 10 ص 3861. PageV08P239 (1) تفسير الآلوسى ج 14 ص 237. (2) تفسير آيات الأحكام ج 3 ص 54. PageV08P240 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 2 ص 587. PageV08P241 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 588. (2) تفسير الآلوسى ج 14 ص 239. PageV08P243 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 431. PageV08P244 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 639. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 589. PageV08P245 (1) راجع تفسير الكشاف ج 2 ص 639. PageV08P247 (1) تفسير الآلوسى ج 14 ص 244. PageV08P248 (1) إذا أردت التفصيل لتفسير هذه الآية فارجع الى تفسير الآية رقم 173 من سورة البقرة ص 350 للمؤلف. PageV08P249 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 14 ص 247. (2) سورة الانعام الآية 139. (3) سورة يونس الآية 59. PageV08P250 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 433. (2) تفسير القاسمى ج 10 ص 3872. (3) تفسير ابن ms6220 كثير ج 2 ص 590. PageV08P251 (1) تفسير الآلوسى ج 14 ص 248. (2) سورة لقمان الآية 24. (3) سورة البقرة الآية 126. PageV08P252 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 590. (2) سورة يونس الآية 44. PageV08P253 (1 ، 2) تفسير الآلوسى ج 14 ص 249. PageV08P254 (1) سورة النساء الآية 17. PageV08P255 (1) سورة القصص الآية 23. (2) سورة الزخرف الآية 22. (3) سورة هود الآية 8. (4) سورة البقرة الآية 124. PageV08P256 (1) سورة الأنعام الآية 79. (2) سورة الشعراء الآية 84. (3) سورة مريم الآية 49. PageV08P257 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 434. (2) سورة الأنعام الآية 90. (3) تفسير القرطبي ج 10 ص 190. PageV08P258 (1) سورة آل عمران الآية 67. (2) تفسير ابن جرير الطبري ج 1 ص 327. PageV08P259 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 605. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 591. PageV08P260 (1) تفسير الآلوسى ج 14 ص 254. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 435. PageV08P263 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 596. PageV08P264 (1) سورة الشورى الآية 40. PageV08P265 (1) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ج 1 ص 27 طبعة المشهد الحسيني. (2 ، 3) تفسير ابن كثير ج 5 ص 3 طبعة مكتبة الشعب. (4) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج 6 ص 3. PageV08P272 (1) تفسير الآلوسى ج 15 ص 2. PageV08P273 (1) تفسير القرطبي ج 10 ص 204. (2) حاشية الجمل ج 2 ص 608. PageV08P280 (1) تفسير القاسمى ج 10 ص 3884. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 426. PageV08P281 (1) تفسير الآلوسى ج 15 ص 9. (2) سورة الأنبياء الآية 81. PageV08P282 (1) سورة الأنبياء الآية 71. (2) تفسير القاسمى ج 10 ص 3885. (3) تفسير ابن كثير المجلد الخامس ص 8 طبعة دار الشعب. PageV08P283 (1) تفسير ابن كثير المجلد الخامس ص 7 طبعة دار الشعب. (2) تفسير القرطبي ج 10 ص 205 (3) تفسير القاسمى ج 10 ص 2888. PageV08P284 (1) تفسير أضواء البيان ج 3 ص 348 لفضيلة المرحوم الشيخ محمد الأمين الشنقيطى. PageV08P285 (1) راجع الشفا للقاضي عياض ج 1 ص 145 وما بعدها. PageV08P286 (1) تفسير الفخر الرازي ج 20 ص 153 طبعة دار الكتاب العالمية. (2) تفسير الآلوسى ج 15 ص 15. PageV08P287 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 438. PageV08P288 (1) تفسير البحر المحيط لأبي حيان ج 6 ص 8 طبعة دار الفكر بيروت. PageV08P289 (1) تفسير الآلوسى ج 15 ص 17. PageV08P290 (1) تفسير أبى حيان ج 6 ص 10. PageV08P292 (1) تفسير البحر المحيط ج 6 ص 11. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 617. (3) تفسير الفخر الرازي ج 2 ص ms6221 159. PageV08P293 (1) تفسير البحر المحيط ج 5 ص 11. PageV08P294 (1) تفسير البحر المحيط ج 6 ص 11. (2) تفسير أضواء البيان ج 3 ص 372 للمرحوم الشيخ محمد الأمين الشنقيطى. PageV08P295 (1) ذكرنا معظم هذه الأقوال في كتابنا «بنو إسرائيل في القرآن والسنة» ج 2 ص 359 وناقشناها ، وضعفنا ما يستحق التضعيف منها ، ورجحنا ما يستحق الترجيح. (2) تفسير ابن جرير ج 16 ص 17 بتصرف وتلخيص. PageV08P296 (1) أى بنو إسرائيل. PageV08P297 (1) تفسير الدر المنثور للسيوطي ج 4 ص 163. PageV08P298 (1) من كتاب «تاريخ الإسرائيليين» ص 76 لشاهين مكاريوس. (2) من مقال للاستاذ عمر طلعت زهران عنوانه «تدمير أورشليم» نشر بمجلة الأزهر المجلد 21 ص 47. (3) تاريخ الإسرائيليين ص 77 لشاهين مكاريوس. PageV08P299 (1) سورة الأعراف الآية 167. PageV08P300 (1) تفسير ابن كثير المجلد 5 ص 44. (2) تفسير الفخر الرازي ج 20 ص 156. (3) راجع كتابنا «بنو إسرائيل في القرآن والسنة» ج 2 من ص 347 إلى ص 396. (4) تفسير الفخر الرازي ج 20 ص 160. PageV08P301 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 439. (2) في ظلال القرآن ج 15 ص 2215. PageV08P302 (1) تفسير الآلوسى ج 15 ص 22. (2) الآلوسي ج 15 ص 23. PageV08P303 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 46. (2) تفسير القرطبي ج 10 ص 225. (3) تفسير ابن جرير ج 15 ص 37. PageV08P304 (1) سورة الأنبياء الآية 37. PageV08P305 (1) تفسير البحر المحيط ج 6 ص 14. PageV08P306 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 440. (2) سورة يس الآية 37. (3) سورة فصلت الآية 37. (4) سورة آل عمران الآية 190. PageV08P307 (1) تفسير الآلوسى ج 15 ص 30. PageV08P308 (1) تفسير الآلوسى ج 15 ص 31. (2) تفسير ابن كثير ج 5 ص 47. PageV08P309 (1) سورة الأنبياء الآية 47. (2) سورة الأنعام الآية 164. (3) سورة فاطر الآية 18. PageV08P310 (1) سورة العنكبوت الآية 13. (2) سورة النحل الآية 25. (3) سورة التحريم الآية 6. (4) تفسير الآلوسي ج 15 ص 37. PageV08P311 (1) سورة النساء الآية 165. (2) سورة طه الآية 134. (3) سورة المائدة الآية 19. (4) تفسير ابن كثير ج 5 ص 50. (5) راجع تفسير الآلوسي ج 15 ص 37 وتفسير أضواء البيان ج 3 ص 429 للشيخ الشنقيطي. PageV08P312 (1) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج 6 ص 17. PageV08P313 (1) سورة النساء الآية 165. PageV08P314 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 442. (2) تفسير ابن جرير ج 15 ص 43. (3) سورة الأعراف الآية 28. PageV08P315 (1) تفسير الآلوسي ج 15 ص 44. PageV08P316 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 59. (2) سورة ms6222 محمد الآية 10. (3) سورة ق الآية 16. PageV08P317 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 443. PageV08P318 (1) تفسير الفخر الرازي ج 20 ص 178. (2) تفسير أضواء البيان ج 3 ص 448 للشيخ محمد الأمين الشنقيطي. PageV08P319 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 60 طبعة دار الشعب بالقاهرة. (2) تفسير الفخر الرازي ج 20 ص 182. PageV08P321 (1) تفسير الآلوسى ج 15 ص 53. PageV08P322 (2) تفسير القرطبي ج 10 ص 237. PageV08P323 (1) سورة الأنعام الآية 151. (2) سورة البقرة الآية 83. (3) تفسير القرآن الكريم ص 434 لفضيلة الأمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت رحمهالله . PageV08P324 (1) تفسير الآلوسى ج 15 ص 55. (2) تفسير البيضاوي ج 1 ص 582. (3) تفسير الكشاف ج 2 ص 444. PageV08P325 (1) تفسير الفخر الرازي ج 20 ص 191. PageV08P326 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 622. (2) تفسير ابن جرير ج 15 ص 52. PageV08P327 (1) «في ظلال القرآن» ج 15 ص 2221. PageV08P328 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 5 ص 62. PageV08P329 (1) راجع تفسير القرطبي ج 10 ص 238. (2) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج 6 ص 29. PageV08P330 (1) تفسير الآلوسى ج 2 ص 46. PageV08P331 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 446. (2) تفسير ابن كثير ج 5 ص 66 طبعة دار الشعب. (3) تفسير الفخر الرازي ج 20 ص 193. PageV08P332 (1) تفسير القرطبي ج 10 ص 249. PageV08P333 (1) تفسير الكشاف ج 1 ص 655. (2) تفسير الآلوسى ج 15 ص 65. PageV08P334 (1) تفسير الآلوسى ج 15 ص 66. PageV08P336 (1) تفسير الفخر الرازي ج 20 ص 296. (2) تفسير ابن كثير ج 5 ص 69. PageV08P338 (1) تفسير القرآن العظيم ص 441 لفضيلة المرحوم الشيخ محمود شلتوت. PageV08P339 (1) تفسير الفخر الرازي ج 20 ص 198. (2) رياض الصالحين ص 624 باب تحريم الخلوة بالأجنبية. (3) سورة النور الآيتان 30 ، 31. (4) رياض الصالحين ص 622 للإمام النووي. PageV08P340 (1) سورة الأحزاب الآية 59. (2) سورة النور الآية 2. PageV08P341 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 70. (2) سورة المائدة الآية 32. PageV08P342 (1) تفسير الآلوسى ج 15 ص 70. PageV08P343 (1) تفسير ابن جرير ج 8 ص 60 طبعة دار المعرفة بيروت. (2) تفسير الآلوسى ج 15 ص 70. (3) سورة النساء الآية 93. (4) سورة الفرقان الآية 68. PageV08P344 (1) في ظلال القرآن ج 15 ص 2235. PageV08P345 (1) سورة البقرة الآية 220. (2) سورة النساء الآية 10. (3) من كتاب رياض الصالحين ص 137 للإمام النووي. PageV08P346 (1) سورة الرعد الآية 19 ، 20. PageV08P347 (1) سورة البقرة الآية 177. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 448. (3) تفسير ms6223 الآلوسى ج 15 ص 72. PageV08P348 (1) تفسير القرطبي ج 10 ص 257. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 449. PageV08P349 (1) سورة الحجر الآية 92 ، 93. (2) سورة يس الآية 65. (3) سورة فصلت الآيتان 19 ، 20. (4) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 625. PageV08P350 (1) سورة الأعراف الآية 33. (2) سورة البقرة الآية 168 ، 169. (3) تفسير ابن كثير ج 5 ص 72. (4) من تفسير «في ظلال القرآن» ج 15 ص 2227. PageV08P351 (1) سورة طه الآية 55. (2) سورة لقمان الآية 18. (3 ، 4 ، 5) من كتاب رياض الصالحين ص 285 للإمام النووي. PageV08P352 (1) تفسير الآلوسى ج 15 ص 76. PageV08P353 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 450. PageV08P354 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 450. (2) سورة الزمر الآية 4. (3) سورة النجم الآية 21 ، 22. PageV08P355 (1) سورة مريم الآيات من 88 95. PageV08P356 (1) سورة المؤمنون الآية 91. (2) سورة الأنبياء الآية 22. (3) تفسير الكشاف ج 2 ص 451. (4) سورة الإسراء الآية 57. PageV08P357 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 76. PageV08P358 (1) صفوة البيان لمعانى القرآن ج 1 ص 457 لفضيلة الشيخ حسنين مخلوف. PageV08P359 (1) الآية 18 من سورة الحج وراجع تفسير ابن كثير ج 5 ص 76 طبعة دار الشعب. (2) راجع تفسير القرطبي ج 10 ص 266. PageV08P360 (1) المصباح المنير ج 121 للشيخ الفيومى. PageV08P361 (1) سورة فصلت الآية 5. (2) تفسير البيضاوي ج 1 ص 587. PageV08P362 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 89. (2) تفسير القرطبي ج 10 ص 269. (3) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 268. بتصرف وتلخيص . PageV08P363 (1) تفسير الآلوسى ج 15 ص 89. PageV08P364 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 629. (2) سورة الروم الآية 27. PageV08P366 (1) سورة الزمر الآية 68. (2) سورة القمر. الآيات 6 ، 7 ، 8. PageV08P367 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 672. (2) سورة المؤمنون الآية 112 ، 113. (3) سورة يس الآيات 51 ، 52. (4) سورة النازعات الآية 46. PageV08P368 (1) راجع تفسير القرطبي ج 10 ص 276. (2) سورة فصلت الآية 34. PageV08P369 (1) تفسير الآلوسى ج 15 ص 94. (2) سورة فاطر. الآية 6. (3) سورة الأعراف الآية 27. (4) تفسير ابن كثير ج 3 ص 45. PageV08P370 (1) تفسير ابن كثير ج 3 ص 46. (2) سورة الأنبياء الآية 105. (3) تفسير الكشاف ج 2 ص 673. PageV08P372 (1) تفسير ابن كثير ج 3 ص 46. (2) تفسير القرطبي ج 10 ص 279. (3) تفسير الآلوسى ج 15 ص 97. PageV08P373 (1) سورة سبأ الآية 22. PageV08P375 (1) تفسير ابن كثير ج 3 ص 47. (2) تفسير الآلوسى ج 15 ص 100. (3) سورة القصص الآية 59. (4) سورة الأنعام الآية 131. (5) سورة ms6224 هود الآية 117. PageV08P376 (1) تفسير القرطبي ج 10 ص 280. (2) تفسير ابن كثير ج 3 ص 47. (3) تفسير الآلوسى ج 15 ص 103. PageV08P377 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 674. PageV08P378 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 632. (2) تفسير الآلوسى ج 15 ص 104. (3) سورة الأعراف الآيتان 77 ، 78. (4) سورة الشمس الآيات 11 15. PageV08P379 (1) تفسير القرطبي ج 10 ص 281. PageV08P380 (1) تفسير القرطبي ج 10 ص 282. PageV08P381 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 81 طبعة دار الشعب القاهرة. PageV08P382 (1) تفسير الفخر الرازي ج 20 ص 224. PageV08P383 (1) سورة الصافات الآيات 61 65. (2) تفسير الآلوسى ج 15 ص 106. PageV08P384 (1) سورة البقرة الآية 34. (2) سورة الحجر الآيتان 30 ، 31. PageV08P386 (1) سورة الأعراف الآية 17. (2) سورة ص الآيتان 82 ، 83. (3) سورة سبأ الآية 20. PageV08P387 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 634. (2) تفسير الآلوسى ج 15 ص 111. PageV08P388 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 678. PageV08P389 (1) تفسير ابن جرير ج 15 ص 83. (2) تفسير ابن كثير ج 3 ص 50. PageV08P390 (1) سورة النحل الآيتان 99 ، 100. (2) سورة الحجر الآية 42. (3) تفسير ابن كثير ج 3 ص 50. (4) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 625. PageV08P391 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 636. PageV08P392 (1) تفسير القرطبي ج 10 ص 291. (2) تفسير ابن كثير ج 3 ص 50. (3) تفسير الآلوسى ج 15 ص 116. (4) سورة العنكبوت الآية 65. PageV08P394 (1) سورة لقمان الآية 32. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 679. PageV08P395 (1) تفسير الآلوسي ج 15 ص 117. (2) سورة الأحزاب الآية 72. PageV08P397 (1) سورة إبراهيم الآيات 32 ، 33 ، 34. (2) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 421. PageV08P398 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 681. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 638. (3) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 421. PageV08P399 (1) تفسير ابن كثير ج 3 ص 52. PageV08P400 (1) سورة الحاقة الآيات من 19 الى 25. PageV08P401 (1) تفسير القرطبي ج 10 ص 299. PageV08P402 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 638. (2) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 421. PageV08P403 (1) تفسير أضواء البيان ج 3 ص 621 للشيخ محمد الأمين الشنقيطى. PageV08P404 (1) سورة الأحزاب الآية 30. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 685. (3) تفسير ابن كثير ج 3 ص 53. PageV08P405 (1) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 127. PageV08P407 (1) تفسير آيات الأحكام ج 3 ص 60 للمرحوم الشيخ محمد على السائس. (2) تفسير القرطبي ج 10 ص 304. (3) تفسير ابن كثير ج 3 ص ms6225 54. PageV08P408 (1) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 429. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 642. PageV08P409 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 3 ص 55. PageV08P410 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 15 ص 140. (2) تفسير الآلوسى ج 15 ص 143. PageV08P411 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 688. PageV08P412 (1) المشهور أن هذه العبارة من الأثر وليست حديثا. (2) تفسير ابن كثير ج 3 ص 59. (3) سورة سبأ الآيتان 48 ، 49. (4) سورة الأنبياء الآية 18. PageV08P413 (1) تفسير ابن كثير ج 3 ص 59. (2) تفسير القرطبي ج 10 ص 314. PageV08P414 (1) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 432. PageV08P415 (1) تفسير القرطبي ج 10 ص 316. (2) أضواء البيان ج 3 ص 624 للمرحوم الشيخ محمد الأمين الشنقيطى. (3) تفسير الآلوسى ج 15 ص 146. (4) سورة التوبة 124 ، 125. (5) سورة فصلت الآية 44. PageV08P416 (1) سورة هود الآيات من 9 11. PageV08P417 (1) تفسير الآلوسى ج 15 ص 147. (2) سورة فصلت الآية 49. (3) سورة الروم الآية 36. (4) تفسير القرطبي ج 10 ص 322. PageV08P418 (1) تفسير ابن كثير ج 3 ص 60. (2) سورة غافر الآية 15. (3) سورة المجادلة الآية 22. (4) سورة الشعراء الآية 193 ، 194. (5) سورة الشورى الآية 52. (6) سورة النساء الآية 171. PageV08P420 (1) تفسير الآلوسى ج 15 ص 151. PageV08P421 (1) تفسير القرطبي ج 10 ص 324. (2) في ظلال القرآن ج 15 ص 357. للاستاذ سيد قطب رحمهالله . PageV08P422 (1) تفسير فتح البيان للشيخ صديق حسن خان ج 5 ص 401. (2) تفسير الآلوسى ج 15 ص 164. (3) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 646. PageV08P423 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 691. PageV08P424 (1) سورة هود الآية 13. (2) سورة البقرة الآية 23. PageV08P425 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 647. PageV08P426 (1) راجع تفسير ابن جرير ج 15 ص 110 وتفسير ابن كثير ج 5 ص 115 وتفسير القرطبي ج 10 ص 328. PageV08P427 (1) سورة سبأ الآية 9. PageV08P428 (1) سورة الأنفال من 32. (2) تفسير الآلوسى ج 15 ص 169. PageV08P429 (1) سورة الأنعام الآية 111. (2) سورة يونس الآية 96 ، 97. (3) سورة الحجر الآية 14 ، 15. PageV08P430 (1) تفسير الفخر الرازي ج 21 ص 58. PageV08P431 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 499. (2) سورة يونس الآية 2. (3) سورة التغابن الآية 6. PageV08P432 (1) تفسير الآلوسى ج 15 ص 173. (2) سورة الأنعام الآيتان 8 ، 9. (3) سورة الأنبياء الآية 7. (4) سورة إبراهيم الآية 4. PageV08P433 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 649. PageV08P435 (1) تفسير الآلوسى ج 15 ص 175. (2) سورة البقرة الآية 162. PageV08P436 (1) سورة النساء الآية 56. PageV08P437 (1) حاشية الجمل على الجلالين ms6226 ج 2 ص 651. (2) سورة الأحقاف الآية 33. (3) سورة يس الآية 81. (4) سورة هود الآيتان 104 ، 105. (5) تفسير الكشاف ج 2 ص 467. PageV08P438 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 651. PageV08P439 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 122. (2) تفسير الآلوسى ج 15 ص 181. PageV08P440 (1) سورة الشعراء الآيتان : 32 ، 33. (2) سورة الأعراف الآية 130. (3) سورة الشعراء الآية 63. (4) سورة الأعراف الآية 132. PageV08P441 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 123. PageV08P442 (1) تفسير الآلوسى ج 15 ص 184. PageV08P443 (1) سورة النمل الآيات 12 14. PageV08P444 (1) سورة الأعراف الآية 127. (2) تفسير الآلوسى ج 15 ص 186. PageV08P445 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 124. PageV08P446 (1) تفسير الآلوسى ج 10 ص 187. (2) أضواء البيان ج ص 575 للشيخ محمد الأمين الشنقيطى رحمهالله . PageV08P447 (1) حاشية الجمل ج 2 ص 651. PageV08P448 (1) تفسير الآلوسى ج 15 ص 191. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 656. PageV08P451 (1) سورة يونس الآية 68. (2) سورة الإسراء الآية 42 ، 43. (3) سورة المؤمنون الآية 91. (4) تفسير ابن كثير ج 5 ص 129. PageV08P452 (1) الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 27 السيوطي. (2) تفسير الآلوسى ج 15 ص 199. PageV08P458 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 5 ص 130 طبعة دار الشعب. PageV08P459 (1) راجع تفسيرنا لسورة الأنعام ص 27. (2) راجع تفسير الفخر الرازي لأول سورة الأنعام ج 4 ص 3. طبعة المطبعة الشرقية سنة 1334 ه. PageV08P462 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 472. PageV08P463 (1) سورة إبراهيم الآية 2. (2) سورة الإسراء الآية 9. (3) سورة الزمر الآية 27 ، 28. (4) سورة النساء الآية 82. PageV08P464 (1) سورة مريم الآية 97. (2) سورة التوبة الآية 30. (3) سورة النحل الآية 57. (4) تفسير الآلوسى ج 15 ص 203. (5) سورة الأنعام الآيتان 100 ، 101. PageV08P465 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 4. PageV08P466 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 472. (2) سورة مريم الآيات من 88 92. (3) أضواء البيان ج 4 ص 14 الشيخ محمد الأمين الشنقيطى. (4) تفسير الكشاف ج 2 ص 473. PageV08P467 (1) سورة السجدة. الآية 27. PageV08P468 (1) تفسير الفخر الرازي ج 21 ص 82. PageV08P470 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 5 ص 132. PageV08P471 (1) سورة المطففين الآيات 18 20. (2) تفسير أضواء البيان ج 4 ص 20. PageV08P472 (1) راجع تفسير القرطبي ج 10 ص 360. PageV08P473 (1) تفسير الآلوسى ج 15 ص 212. (2) راجع الكشاف ج 2 ص 474. PageV08P475 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 136. PageV08P479 (1) تفسير القرطبي ج 10 ص 365. (2) تفسير الآلوسى ج 15 ص 219. PageV08P480 (1) سورة الحج ms6227 الآية 31. (2) تفسير الكشاف ج 2 ص 474. PageV08P481 (1) سورة الأنعام الآية 148. (2) سورة الأحقاف الآية 4. PageV08P482 (1) سورة مريم الآيات 48 50. PageV08P483 (1) تفسير الآلوسى ج 15 ص 221 بتصريف يسير. PageV08P484 (1) تفسير الفخر الرازي ج 21 ص 99. (2) تفسير الآلوسي ج 15 ص 223. PageV08P485 (1) سورة الأعراف الآية 178. (2) سورة الإسراء الآية 97. PageV08P486 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 141. PageV08P487 (1) تفسير القرطبي ج 10 ص 372. PageV08P488 (1) تفسير الآلوسى ج 15 ص 229. (2) تفسير فتح البيان ج 5 ص 534. PageV08P489 (1) تفسير الآلوسى ج 15 ص 232. PageV08P491 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 5 ص 142. PageV08P492 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 15 ص 237. PageV08P493 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 16. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 478. PageV08P494 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 478. (2) تفسير ابن كثير ج 5 ص 143. PageV08P495 (1) تفسير الآلوسي ج 15 ص 241. PageV08P496 (1) تفسير القرطبي ج 10 ص 385. PageV08P497 (1) تفسير الآلوسى ج 15 ص 249. PageV08P498 (1) أضواء البيان ج 4 ص 77. (2) تفسير الكشف ج 2 ص 480. PageV08P499 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 146. PageV08P501 (1) راجع تفسير الفخر الرازي ج 21 ص 81 ، وتفسير القرطبي ج 10 ص 356 وتفسير الآلوسى ج 15 ص 209 ، وتفسير أضواء البيان ج 4 ص 18. PageV08P504 (1) تفسير الفخر الرازي ج 21 ص 114. (2) سورة فاطر الآية 29. (3) سورة الأنعام الآية 115. PageV08P505 (1) سورة الحجر الآية 9. (2) تفسير ابن كثير ج 5 ص 148. PageV08P506 (1) تفسير الآلوسى ج 15 ص 262. PageV08P507 (1) تفسير ابن جرير ج 15 ص 156. PageV08P508 (1) رياض الصالحين للإمام النووي ص 131 باب فضل ضعفة المسلمين. PageV08P509 (1) تفسير أضواء البيان ج 4 ص 96. PageV08P510 (1) سورة الدهر الآية 21. (2) سورة الحج الآية 23. PageV08P511 (1) تفسير الآلوسى ج 15 ص 273. PageV08P513 (1) تفسير الآلوسى ج 15 ص 274. PageV08P514 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 484. PageV08P515 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 484. PageV08P516 (1) سورة آل عمران الآية 58. (2) سورة المؤمنون الآيات من 13 14. PageV08P517 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 485. (2) تفسير ابن كثير ج 15 ص 154. PageV08P518 (1) تفسير الآلوسى ج 5 ص 279. PageV08P519 (1) سورة غافر الآيتان 84 ، 85. (2) سورة محمد الآية 11. (3) سورة الفرقان الآية 26. PageV08P522 (1) تفسير أضواء البيان ج 5 ص 108. PageV08P523 (1) تفسير الفخر الرازي ج 21 ص 130. (2) تفسير القرطبي ج 10 ص 413. PageV08P524 (1) سورة يونس الآية 24. PageV08P525 (1) تفسير الآلوسى ج 15 ص 286. (2) راجع تفسير ابن كثير ج ms6228 5 ص 157. PageV08P526 (1) راجع تفسير ابن جرير ج 15 ص 167. PageV08P527 (1) تفسير الآلوسى ج 15 ص 289. PageV08P528 (1) سورة الأنعام الآية 94. (2) سورة النحل الآية 38. PageV08P529 (1) سورة الأنبياء آية 47. (2) سورة النساء آية 40. PageV08P530 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 162. PageV08P531 (1) سورة فاطر الآية 6. (2) سورة التحريم الآية 6. PageV08P532 (1) تفسير أضواء البيان ج 4 ص 120. (2) تفسير ابن كثير ج 5 ص 163. PageV08P533 (2) تفسير الآلوسي ج 15 من 295. PageV08P534 (1) سورة لقمان الآية 11. PageV08P535 (1) سورة القصص الآية 17. (2) تفسير ابن جرير ج 15 ص 172. PageV08P536 (1) سورة الفرقان الآية 12. PageV08P537 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 167. PageV08P539 (1) سورة فاطر الآية 45. (2) سورة الرعد الآية 6. PageV08P543 (1) سورة الصافات الآيتان 137 ، 138. (2) سورة الحجر الآيتان 49 ، 50. PageV08P544 (1) التفسير الكبير للفخر الرازي ج 21 ص 143. PageV08P545 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 32. (2) تفسير الآلوسي ج 15 ص 312. (3) في ظلال القرآن ج 15 ص 2287 للأستاذ سيد قطب. PageV08P546 (1) تفسير الآلوسى ج 15 ص 313. PageV08P547 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 171. (2) تفسير البيضاوي ج 2 ص 18. (3) تفسير الآلوسى ، ج 15 ص 317. PageV08P548 (1) تفسير الفخر الرازي ج 21 ص 147. PageV08P549 (1) تفسير الآلوسى ج 15 ص 319. PageV08P550 (1) راجع ابن كثير ج 5 ص 171. والآلوسى ج 15 ص 319 وأضواء البيان ج 4 ص 157. PageV08P551 (1) تفسير فتح البيان ج 5 ص 477. (2) تفسير ابن كثير ج 5 ص 178. PageV08P552 (1) تفسير القرطبي ج 11 ص 18. PageV08P553 (1) تفسير الآلوسى ج 15 ص 335. PageV08P554 (1) تفسير القرطبي ج 11 ص 23. PageV08P556 (1) تفسير الآلوسى ج 16 ص 12. PageV08P560 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 5 ص 172 طبعة دار الشعب. PageV08P562 (1) تفسير القرطبي ج 11 ص 11. PageV08P563 (1) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ج 5 ص 23 للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي. PageV08P564 (1) راجع تفسير القرطبي ج 11 ص 25. PageV08P565 (1) راجع أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج 4 ص 178. (2) تفسير ابن كثير ج 5 ص 183. PageV08P566 (1) نظم الدرر للبقاعى ج 12 ص 128. (2) تفسير الآلوسى ج 16 ص 27. PageV08P568 (1) تفسير الفخر الرازي ج 21 ص 172. (2) تفسير القرطبي ج 11 ص 65. PageV08P576 (1) سورة الزمر الآية 68. (2) تفسير القاسمى ج 11 ص 1414. (3) تفسير المراغي ج 16 ص 20. PageV08P577 (1) في ظلال القرآن ج 16 ص 2293. PageV08P578 (1) راجع تفسير أضواء البيان ج ms6229 4 ص 181 وما بعدها للشيخ محمد الأمين الشنقيطى. PageV08P579 (1) تفسير الآلوسى ج 16 ص 45. PageV08P581 (1) تفسير الآلوسى ج 61 ص 50. PageV08P585 (1) تفسير الآلوسى ج 16 ص 52. (2) تفسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المتان ، ج 5 ص 43 للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي طبعة مؤسسة مكة للطباعة والإعلام. (3) سورة لقمان الآية 27. PageV08P587 (1) سورة الأنعام الآية 50. (2) سورة النساء الآية 48. (3) راجع تفسير ابن كثير ج 5 ص 200 طبعة دار الشعب. PageV08P588 (1) تفسير القرطبي ج 11 ص 72. (2) تفسير ابن كثير ج 3 ص 110. (3) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ج 1 ص 27. (4) تفسير الآلوسى ج 16 ص 56. PageV09P008 (1) من تفسير في ظلال القرآن ج 16 ص 422 للمرحوم سيد قطب. PageV09P010 (1) سورة آل عمران من الآيتان 37 ، 38. PageV09P012 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 4. PageV09P013 (1) تفسير الآلوسى ج 16 ص 61. (2) سورة الأنبياء الآيتان 89 ، 90. PageV09P014 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 3 ص 111. (2) راجع تفسير اضواء البيان ج 4 ص 206 للشيخ الشنقيطى رحمهالله PageV09P015 (1) تفسير القرطبي ج 11 ص 82. (2) سورة آل عمران الآية 39. (3) تفسير أضواء البيان ج 4 ص 214. PageV09P016 (1) تفسير ابن جرير ج 16 ص 38 طبعة بولاق سنة 1328 ه. (2) تفسير الآلوسى ج 16 ص 67. PageV09P017 (1) سورة آل عمران الآية 39. PageV09P019 (1) تفسير الآلوسى ج 16 ص 72. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 54. (3) تفسير ابن كثير ج 3 ص 113. (4) تفسير القرطبي ج 11 ص 87. PageV09P020 (1) تفسير ابن كثير ج 3 ص 114. (2) تفسير القرطبي ج 11 ص 90. PageV09P022 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 10. (2) سورة آل عمران الآية 47. PageV09P024 (1) تفسير القرطبي ج 11 ص 91. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 56. PageV09P025 (1) تفسير ابن كثير ج 3 ص 116. PageV09P026 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 57. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 11. (3) تفسير القرطبي ج 11 ص 92. PageV09P027 (1) تفسير الآلوسى ج 16 ص 82. (2) تفسير القرطبي ج 11 ص 92. PageV09P028 (1) تفسير ابن جرير ج 16 ص 52. (2) تفسير أضواء البيان للشيخ الشنقيطى رحمهالله ج 4 ص 248. PageV09P029 (1) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 535. PageV09P031 (1) تفسير الآلوسى ج 16 ص 87. PageV09P032 (1) تفسير الآلوسى ج 16 ص 88. PageV09P033 (1) سورة الزمر الآية 68. PageV09P034 (1) سورة مريم ms6230 الآية 88 92. PageV09P036 (1) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج 6 ص 191. PageV09P037 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 3 ص 122. PageV09P038 (1) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 544. PageV09P039 (1) سورة هود الآية 75. PageV09P040 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 19. PageV09P041 (1) سورة التوبة الآية 114. PageV09P042 (1) سورة الأعراف الآية 144. PageV09P043 (1) تفسير الآلوسى ج 16 ص 103. PageV09P044 (1) سورة القصص الآيتان 29 ، 30. PageV09P045 (1) حاشية الجبل على الجلالين ج 3 ص 57. PageV09P046 (1) تفسير الآلوسى ج 16 ص 105. PageV09P047 (1) تفسير القرطبي ج 11 ص 120. (2) آية 69. PageV09P048 (1) سورة الإسراء الآيات من 107 109. (2) سورة المائدة الآية 83. (3) تفسير ابن كثير ج 3 ص 127. PageV09P049 (1) تفسير الآلوسى ج 16 ص 111. PageV09P051 (1) تفسير القرطبي ج 11 ص 126. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 28. PageV09P052 (1) راجع تفسير ابن جرير ج 16 ص 87. (2) تفسير الآلوسى ج 16 ص 114. PageV09P053 (1) تفسير ابن كثير ج 3 ص 131. PageV09P054 (1) سورة ق الآية 3. (2) سورة النازعات الآيات 10 إلى 12. PageV09P056 (1) سورة يس الآيتان 78 ، 79. (2) سورة الواقعة الآية 62. (3) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 72. PageV09P057 (1) سورة الجاثية الآيتان 28 ، 29. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 73. PageV09P058 (1) سورة هود الآيات ص 96 ، 98. PageV09P059 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 3 ص 132. الآلوسى ج 16 ص 121. (2) راجع تفسير القرطبي ج 11 ص 139. PageV09P060 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 74. (2) سورة سبأ الآية 35. PageV09P062 (1) سورة سبأ : الآية 37. (2) سورة القلم الآيتان 44 ، 45. (3) سورة الأنعام الآيتان 44 ، 45. (4) سورة آل عمران الآية 178. PageV09P063 (1) تفسير الآلوسى ج 16 ص 126. (2) سورة الجمعة الآية 6. (3) سورة آل عمران الآية 61. (4) تفسير ابن كثير ج 3 ص 134. PageV09P064 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 38. (2) تفسير أضواء البيان للشيخ الشنقيطى ج 4 ص 364. PageV09P065 (1) تفسير الآلوسى ج 16 ص 129. PageV09P066 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 40. PageV09P068 (1) سورة الأحقاف الآية 5 ، 6. (2) سورة فاطر الآية 14. PageV09P069 (1) تفسير القرطبي ج 11 ص 150. PageV09P070 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 3 ص 137. (2) تفسير القرطبي ج 11 ص 153. PageV09P071 (1) تفسير الآلوسى ج 16 ص 137. PageV09P072 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 44. PageV09P073 (1) تفسير القرطبي ج 11 ص 159. (2) سورة الأنعام الآية 101. PageV09P074 (1) تفسير القرطبي ج 11 ص 161. (2) سورة البقرة آية 204. (3) سورة القمر آية 17. PageV09P075 (1) سورة الدخان آية 58. PageV09P076 (1) تفسير الآلوسى ج 16 ص 147. (2) تفسير القرطبي ج 11 ص 163. PageV09P082 (1) تفسير الآلوسى ms6231 ج 16 ص 148. PageV09P084 (1) تفسير القرطبي ج 11 ص 168. PageV09P085 (1) تفسير صفوة البيان ج 1 ص 293 لفضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف. PageV09P086 (1) سورة الملك الآيتان 13 ، 14. (2) سورة ق الآية 16. PageV09P087 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 82. (2) سورة الأعراف الآية 180. (3) سورة الإسراء الآية 110. PageV09P088 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 270 طبعة دار الشعب. PageV09P089 (1) سورة القصص الآية 29. PageV09P090 (1) تفسير الآلوسى ج 16 ص 171. PageV09P091 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 85. (2) تفسير الآلوسى ج 16 ص 172. (3) تفسير ابن جرير ج 16 ص 114. (4) سورة الإسراء الآية 19. PageV09P092 (1) سورة الحج الآيتان 6 ، 7. PageV09P093 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 57. PageV09P094 (1) تفسير القرطبي ج 11 ص 186 وقد تعرض لمنافع العصا فليرجع إليها من شاء. (2) تفسير ابن كثير ج 5 ص 273. PageV09P095 (1) الآية 32. (2) الآية 10. PageV09P096 (1) سورة القصص الآية 32. PageV09P097 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 60. (2) سورة القصص الآية 34. (3) راجع تفسير ابن كثير ج 5 ص 276. PageV09P098 (1) تفسير الآلوسى ج 16 ص 186. PageV09P100 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 62. PageV09P101 (1) أضواء البيان ج 5 ص 406. (2) تفسير الآلوسى ج 16 ص 189. PageV09P102 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 63. (2) تفسير الآلوسى ج 16 ص 193. PageV09P103 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 5 ص 279 وما بعدها. PageV09P104 (1) سورة القصص الآيات من 7 9. PageV09P105 (1) سورة آل عمران الآيتان 190 ، 191. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 65. (3) تفسير ابن كثير ج 3 ص 287. PageV09P106 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 93. (2) تفسير ابن كثير ج 3 ص 288. PageV09P107 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 65. (2) تفسير الآلوسى ج 16 ص 195. PageV09P108 (1) سورة البقرة الآية 49. (2) تفسير الآلوسى ج 16 ص 198. PageV09P109 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 67. (2) سورة القصص الآية 38. (3) تفسير الكشاف ج 3 ص 67. PageV09P112 (1) تفسير ابن جرير ج 16 ص 131. PageV09P113 (1) سورة المعارج الآيتان 42 ، 43. (2) سورة يس الآيتان 51 ، 52. (3) سورة الأعراف الآية 25. (4) تفسير ابن كثير ج 3 ص 292. (5) سورة الأعراف الآية 132. (6) سورة الزخرف الآية 47. PageV09P116 (1) سورة الشعراء الآيتان 34 ، 35. (2) سورة يونس الآية 78. (3) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 97. PageV09P117 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 71. PageV09P118 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 98. PageV09P120 (1) راجع تفسير القرطبي ج 11 ص 216. (2) تفسير الآلوسى ج 16 ص 226. PageV09P122 (1) تفسير ms6232 ابن كثير ج 5 ص 294 طبعة دار الشعب . PageV09P123 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 296. PageV09P124 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 75. (2) تفسير الآلوسى ج 16 ص 230. (3) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 101. (4) تفسير الكشاف ج 3 ص 75. PageV09P125 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 101. (2) سورة الأعراف الآيتان 123 ، 124. PageV09P127 (1) تفسير أضواء البيان ج 5 ص 474. للشيخ الشنقيطى. PageV09P128 (1) سورة فاطر الآية 36. PageV09P129 (1) تفسير الآلوسى ج 16 ص 235. PageV09P130 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 103. PageV09P131 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 78. (2) الآيات 52 66. PageV09P132 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 79. (2) تفسير القرطبي ج 11 ص 230. PageV09P133 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 81. (2) تفسير الآلوسى ج 16 ص 244. PageV09P136 (1) تفسير ابن جرير ج 16 ص 146. PageV09P137 (1) تفسير الآلوسى ج 16 ص 246. (2) تفسير ابن كثير ج 5 ص 304. PageV09P138 (1) تفسير ابن جرير ج 16 ص 148. (2) سورة الأعراف الآية 148. PageV09P139 (1) تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 67. PageV09P141 (1) تفسير الآلوسى ج 16 ص 251. (2) سورة الأنعام الآية 90. (3) راجع تفسير أضواء البيان ج 4 ص 507. PageV09P142 (1) راجع تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 70. PageV09P144 (1) راجع تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 71. (2) راجع تفسير الآلوسى ج 16 ص 254. PageV09P145 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 85. (2) تفسير الآلوسى ج 16 ص 256. PageV09P146 (1) سورة النساء الآية 164. (2) تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 71. (3) تفسير الكشاف ج 3 ص 86. (4) سورة النحل الآية 25. PageV09P148 (1) تفسير الآلوسى ج 16 ص 259. (2) سورة الزمر الآية 68. PageV09P149 (1) سورة النازعات الآية 46. PageV09P150 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 88. PageV09P151 (1) سورة القمر الآيات 6 8. PageV09P152 (1 ، 2) تفسير ابن كثير ج 3 ص 311. PageV09P153 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 89. PageV09P154 (1) سورة القيامة الآيات 16 19. (2) تفسير الآلوسى ج 16 ص 269. PageV09P156 (1) سورة الجاثية الآية 34. PageV09P157 (1) تفسير القرطبي ج 11 ص 251. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 113. PageV09P158 (1) تفسير القرطبي ج 11 ص 253. PageV09P159 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 92. PageV09P160 (1) سورة الأعراف آية 21. PageV09P161 (1) سورة الأعراف الآية 23. (2) سورة البقرة الآية 37. (3) سورة الأعراف الآية 24. (4) سورة البقرة الآية 38. PageV09P162 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 216. (2) سورة الإسراء آية 97. (3) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 116. PageV09P164 (1) تفسير الآلوسى ج 16 ص 280. PageV09P165 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص ms6233 219. PageV09P167 (1) تفسير الآلوسى ج 16 ص 283. PageV09P168 (1) تفسير الآلوسى ج 16 ص 285. (2) سورة هود الآية 6. (3) سورة العنكبوت الآية 60. PageV09P169 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 262. PageV09P170 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 99. (2) سورة العنكبوت الآيتان 50 ، 51. (3) تفسير ابن كثير ج 5 ص 323. PageV09P171 (1) تفسير القرطبي ج 11 ص 364. (2) سورة القصص الآية 47. PageV09P172 (1) سورة القمر آية 26. (2) سورة الفرقان آية 42. PageV09P173 (1) تفسير الآلوسى ج 17 ص 2. PageV09P178 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 324. (2) سورة الحج الآية 47. (3) سورة المعارج الآية 6 ، 7. (4) تفسير الكشاف ج 3 ص 101. PageV09P182 (1) تفسير الآلوسى ج 17 ص 9. (2) سورة الإسراء الآية 94. (3) سورة يوسف الآية 109. PageV09P184 (1) سورة الحاقة الآيات 41 43. (2) سورة يس الآيتان 69 70. PageV09P185 (1) سورة يونس الآيتان 96 97. PageV09P186 (1) تفسير القرطبي ج 11 ص 272. PageV09P187 (1) سورة الزمر الآية 30 ، 31. PageV09P188 (1) تفسير الآلوسى ج 17 ص 14. (2) سورة الزخرف الآية 44. PageV09P189 (1) تفسير القرطبي ج 11 ص 274. (2) سورة الإسراء الآية 17. PageV09P190 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 106. PageV09P191 (1) تفسير الآلوسى ج 17 ص 20. PageV09P194 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 123. (2) تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 91. PageV09P195 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 109. PageV09P196 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 111. (2) تفسير الآلوسى ج 17 ص 31. PageV09P197 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 124. PageV09P198 (1) تفسير الآلوسى ج 17 ص 32. PageV09P199 (1) سورة التحريم آية 6. PageV09P200 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 332. PageV09P201 (1 ، 2) تفسير القرطبي ج 11 ص 283. (3) راجع تفسير أضواء البيان ج 4 ص 562 للشيخ محمد الأمين الشنقيطى. PageV09P202 (1) راجع تفسير القرطبي ج 11 ص 284. PageV09P203 (1) سورة الحج الآية 65. (2) سورة ق الآية 6. (3) سورة الحجر الآية 17. (4) سورة يوسف الآية 105. PageV09P204 (1) تفسير القرطبي ج 11 ص 287. (2) تفسير الآلوسى ج 17 ص 45. PageV09P206 (1) المصباح المنير ص 86. (2) في ظلال القرآن ج 17 ص 533 للأستاذ سيد قطب رحمهالله . PageV09P207 (1) سورة الأنعام الآية 42. (2) سورة الأعراف الآية 168. (3) تفسير الكشاف ج 3 ص 116. PageV09P208 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 336. (2) تفسير الآلوسى ج 17 ص 49. PageV09P209 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 118. PageV09P210 (1) تفسير ابن جرير ج 17 ص 23. PageV09P213 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 338. (2) تفسير الآلوسى ج 17 ص 53. PageV09P214 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 120. PageV09P215 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 339. (2) تفسير القرطبي ج 11 ms6234 ص 294. (3) سورة آل عمران الآية 5. PageV09P216 (1) سورة النساء الآية 40. (2) سورة لقمان الآية 16. PageV09P217 (1) تفسير الآلوسي ج 17 ص 57. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 132. PageV09P218 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 341. (2) تفسير الآلوسي ج 17 ص 58. PageV09P220 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 122. PageV09P222 (1) تفسير الآلوسي ج 17 ص 62. PageV09P223 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 343. PageV09P224 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 124. PageV09P225 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 126. PageV09P227 (1) سورة البقرة الآية 117. (2) راجع تفسير الآلوسى ج 17 ص 68. PageV09P228 (1) سورة العنكبوت الآية 26. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 127. PageV09P229 (1) السبيل : الطريق. (2) ناديكم : مجالسكم. PageV09P230 (1) سورة العنكبوت الآيتان 28 ، 29. (2) سورة الصافات الآيتان 75 76. (3) سورة نوح الآية 26. PageV09P231 (1) تفسير الآلوسى ج 17 ص 73. PageV09P232 (1) راجع تفسير ابن جرير ج 17 ص 38 ، وتفسير ابن كثير ج 5 ص 349. PageV09P233 (1) تفسير القرطبي ج 11 ص 307. (2) في ظلال القرآن ج 17 ص 551. PageV09P234 (1) راجع تفسير أضواء البيان ج 5 ص 599 للمرحوم الشيخ محمد الأمين الشنقيطى. (2) تفسير ابن كثير ج 5 ص 352. (3) الكشاف ج 3 ص 129. PageV09P235 (1) سورة الإسراء الآية 44. (2) سورة سبأ الآية 10. (3) سورة ص الآيات 17 19. PageV09P236 (1) تفسير القرطبي ج 11 ص 321. (2) سورة ص الآية 36. (3) تفسير الكشاف ج 3 ص 130. PageV09P237 (1) سورة سبأ الآيتان 12 ، 13. PageV09P238 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 354. (2) تفسير الآلوسى ج 17 ص 80. PageV09P239 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 130. (2) سورة ص الآيتان 41 ، 42. PageV09P240 (1) تفسير الآلوسى ج 17 ص 81. (2) تفسير ابن كثير ج 5 ص 354. PageV09P241 (1) تفسير الآلوسى ج 17 ص 82. (2) سورة الصافات الآيات 139 142. PageV09P242 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 143. (2) سورة الرعد الآية 26. (3) سورة الفجر الآية 16. PageV09P243 (1) تفسير ابن جرير ج 17 ص 65. PageV09P244 (1) سورة الإسراء الآية 12. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 133. PageV09P246 (1) سورة القصص الآية 23. (2) سورة النحل الآية 120. (3) سورة يوسف الآية 45. (4) سورة الزخرف الآية 22. PageV09P247 (1) تفسير فتح القدير ج 3 ص 426 للشوكانى. (2) تفسير القاسمى ج 17 ص 4309. (3) سورة الأعراف الآية 50. (4) تفسير الكشاف ج 3 ص 134. (5) سورة الواقعة الآيتان 49 ، 50. PageV09P249 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 17 ص 92. PageV09P250 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 146. PageV09P251 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 136. PageV09P252 (1) سورة الزمر الآية 74. (2) تفسير الآلوسى ج ms6235 17 ص 153. PageV09P256 (1) سورة الأعراف الآية 128. (2) سورة غافر الآية 51. (3) تفسير ابن كثير ج 5 ص 380. PageV09P257 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 138. (2) تفسير الآلوسى ج 17 ص 106. PageV09P258 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 149. PageV09P259 (1) تفسير الآلوسى ج 17 ص 110. (2) في ظلال القرآن ج 17 ص 575. PageV09P266 (1) سورة البقرة الآية 214. (2) تفسير القرطبي ج 12 ص 3. (3) سورة سبأ الآية 33. (4) تفسير الآلوسى ج 17 ص 110. PageV09P271 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 142. PageV09P272 (1) تفسير الكشاف وحاشية ج 3 ص 142. PageV09P273 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 386 طبعة دار الشعب. (2) سورة الأحزاب الآية 11. PageV09P274 (1) سورة الزخرف الآية 58. (2) تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 143. PageV09P275 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 143. PageV09P276 (1) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج 6 ص 351. (2) سورة الروم الآية 27. (3) تفسير الآلوسى ج 17 ص 116. PageV09P277 (1) أضواء البيان ج 5 ص 20 للشيخ محمد الأمين الشنقيطى رحمهالله . (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 144. PageV09P278 (1) تفسير الآلوسى ج 17 ص 117. PageV09P280 (1) سورة فصلت الآية 39. PageV09P281 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 394. PageV09P282 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 146. (2) تفسير الآلوسى ج 17 ص 124. (3) سورة التوبة الآية 58. PageV09P284 (1) تفسير الآلوسى ج 18 ص 125. PageV09P285 (1) تفسير القرطبي ج 12 ص 18. (2) أضواء البيان ج 5 ص 48 للمرحوم الشيخ محمد الأمين الشنقيطى. PageV09P286 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 148. PageV09P288 (1) تفسير الآلوسى ج 17 ص 127. (2) سورة غافر الآية 51. (3) سورة آل عمران الآية 119. PageV09P289 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 158. PageV09P291 (1) سورة الرعد الآية 41. PageV09P292 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 401. PageV09P293 (1) سورة ص الآية 21. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 159. (3) تفسير الآلوسى ج 17 ص 134. PageV09P294 (1) سورة المائدة الآية 37. PageV09P295 (1) تفسير الآلوسى ج 17 ص 136. (2) سورة فاطر الآيتان 34 ، 35. (3) تفسير فتح القدير ج 3 ص 445. PageV09P296 (1) تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 154. PageV09P297 (1) تفسير القرطبي ج 11 ص 32. PageV09P298 (1) تفسير ابن جرير ج 17 ص 105. PageV09P299 (1) تفسير أضواء البيان ج 5 ص 62. (2) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 3 ص 448. PageV09P300 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 410. PageV09P301 (1) تفسير الآلوسى ج 17 ص 146. PageV09P302 (1) سورة ص الآية 49. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 154. PageV09P304 (1) تفسير آيات الأحكام ج 3 ص 72 لفضيلة الشيخ ms6236 محمد على السائس. PageV09P305 (1) تفسير الآلوسى ج 17 ص 148. PageV09P306 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 155. (2) تفسير القرطبي ج 12 ص 56. (3) تفسير الآلوسى ج 17 ص 150. PageV09P307 (1) تفسير القرطبي ج 12 ص 56. PageV09P308 (1) تفسير الآلوسى ج 17 ص 153. PageV09P309 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 159. PageV09P312 (1) تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 162. PageV09P314 (1) تفسير الآلوسى ج 17 ص 161. PageV09P315 (1) تفسير الآلوسى ج 17 ص 162. (2) سورة محمد الآية 4. (3) تفسير ابن كثير ج 5 ص 431. PageV09P316 (1) تفسير القرطبي ج 12 ص 70. PageV09P317 (1) سورة غافر الآية 51. (2) سورة محمد الآية 7. PageV09P318 (1) سورة الذاريات الآيات من 52 55. PageV09P319 (1) سورة العنكبوت الآية 40. (2) سورة آل عمران الآية 146. (3) سورة يوسف الآية 105. PageV09P320 (1) تفسير الآلوسى ج 17 ص 166. (2) سورة الطلاق الآيتان 8 ، 9. PageV09P321 (1) سورة الصافات الآيتان 137 ، 138. (2) تفسير الآلوسى ج 17 ص 167. PageV09P322 (1) تفسير القرطبي ج 12 ص 78. PageV09P323 (1) الغرانيق : المراد بها هنا الأصنام. وهي في الأصل تطلق على الذكور من طير الماء ، واحدها : غرنوق بضم فسكون فضم سمى به الطائر لبياضه. وقد كان المشركون يزعمون أن الأصنام تشفع لهم عند الله تعالى فسموها بالغرانيق تشبيها لها بالطيور التي ترتفع نحو السماء. PageV09P324 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 5 ص 428 طبعة دار الشعب. (2) سورة الذاريات الآيتان 52 ، 53. PageV09P325 (1) سورة الكهف الآية 6. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 164. (3) سورة الحجر الآية 9. PageV09P326 (1) سورة الأنعام الآية 121. (2) سورة الأنعام الآية 112. (3) سورة الأنبياء الآية 98. (4) تفسير الآلوسى ج 17 ص 173. PageV09P327 (1) سورة الحاقة الآيات 44 46. (2) سورة النجم الآيتان 3 ، 4. (3) سورة يونس الآية 15. PageV09P328 (1) راجع تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 167. (2) تفسير أضواء البيان ج 5 ص 731 لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطى وراجع تفسير الآلوسى ج 17 ص 175. PageV09P329 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 176. (2) تفسير ابن جرير ج 17 ص 135. PageV09P330 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 442. (2) سورة آل عمران الآية 169. (3) سورة النساء آية 100. PageV09P331 (1) تفسير القرطبي ج 12 ص 90. PageV09P333 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 168. (2) سورة المؤمنين الآية 14. (3) تفسير أضواء البيان ج 5 ص 742. PageV09P335 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 178. (2) سورة فاطر الآية 41. PageV09P336 (1) تفسير الآلوسى ج 17 ص 195. PageV09P337 (1) تفسير ابن جرير ج 17 ص 138. PageV09P338 (1) حاشية الجمل على ms6237 الجلالين ج 3 ص 180. PageV09P341 (1 ، 2) تفسير الكشاف ج 3 ص 171. PageV09P342 (1) تفسير القرطبي ج 12 ص 97. (2) تفسير الآلوسى ج 17 ص 202. PageV09P343 (1) تفسير الآلوسى ج 17 ص 208. PageV09P345 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 173. (2) سورة البقرة الآية 286. (3) سورة البقرة الآية 185. PageV09P346 (1) تفسير آيات الأحكام ج 3 ص 98 للمرحوم الشيخ محمد على السائس. (2) تفسير القرطبي ج 12 ص 101. PageV09P347 (1) سورة البقرة الآية 143. PageV09P348 (1) تفسير الآلوسى ج 18 ص 2. (2) تفسير ابن كثير ج 5 ص 454. (3) تفسير القرطبي ج 12 ص 303. (4) سورة القصص الآية 55. (5) سورة الفرقان الآية 72. PageV10P011 (1) سورة الشمس الآيتان 9 ، 10. (2) تفسير ابن كثير ج 5 ص 157. PageV10P012 (1) تفسير القرطبي ج 12 ص 107. PageV10P013 (1) سورة الزخرف الآية 72. (2) سورة الأعراف الآية 43. PageV10P014 (1) تفسير القرطبي ج 12 ص 109. (2) سورة السجدة الآيات من 6 8. (3) سورة المرسلات الآيات من 20 24. (4) تفسير «في ظلال القرآن» ج 18 ص 17. PageV10P016 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 178. PageV10P017 (1) سورة الحجر الآية 21. (2) سورة الملك الآية 30. (3) تفسير الكشاف ج 3 ص 180. (4) سورة الزمر الآية 21. PageV10P019 (1) سورة يس الآيات من 71 73. (2) سورة الزخرف الآيات من 12 14. PageV10P022 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 188. PageV10P023 (1) تفسير ابن جرير ج 12 ص 25. (2) تفسير الآلوسى ج 18 ص 27. PageV10P027 (1) سورة الأعراف آية 69. PageV10P029 (1) تفسير الآلوسى ج 18 ص 31. PageV10P032 (1) سورة الأحقاف الآية 25. PageV10P033 (1) سورة الأعراف الآية 34. (2) تفسير القرطبي ج 12 ص 125. (3) سورة يس الآية 30. PageV10P035 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 180. PageV10P036 (1) سورة آل عمران الآية 13. (2) سورة محمد الآية 38. (3) تفسير الآلوسى ج 18 ص 36. PageV10P037 (1) سورة القصص الآية 43. (2) تفسير البحر المحيط ج 6 ص 408. PageV10P038 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 5 ص 471. PageV10P039 (1) سورة القلم الآية 44 ، 45. PageV10P042 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 474. PageV10P043 (1) تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 200. (2) سورة البقرة الآية 286. (3) سورة الجاثية الآية 29. (4) سورة الكهف الآية 49. PageV10P044 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 196. PageV10P045 (1) سورة الأنعام آية 44. PageV10P046 (1) تفسير القرطبي ج 12 ص 136. PageV10P047 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 197. PageV10P048 (1) سورة النساء آية 82. (2) سورة محمد آية 24. (3) سورة الشورى آية 13. (4) سورة الأحقاف آية 9. PageV10P049 (5) تفسير الآلوسى ج 18 ص 50. PageV10P050 (1) تفسير الكاشف ج 3 ص 195. (2) سورة الزخرف الآية 44. PageV10P051 (1) تفسير أضواء البيان ج 5 ms6238 ص 806. PageV10P053 (1) سورة الأنفال آية 22 ، 23. (2) سورة الأنعام آية 28. (3) سورة الأنعام الآية 42 ، 43. PageV10P055 (1) سورة ق الآية 3. (2) سورة النازعات الآيات 10 12. PageV10P057 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 201. PageV10P060 (1) سورة الرعد آية 40. (2) سورة الأعراف الآية 199. PageV10P061 (1) سورة الشورى الآية 44. (2) سورة السجدة الآية 12. PageV10P063 (1) سورة الصافات الآية 50. PageV10P064 (1) سورة طه الآية 103. (2) سورة الروم الآية 55. PageV10P067 (1) تفسير الآلوسى ج 18 ص 72. PageV10P068 (1) تفسير الآلوسى ج 18 ص 74. PageV10P072 (1) تفسير القرطبي ج 12 ص 158. PageV10P076 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 206. (2) سورة المائدة الآية 38. PageV10P078 (1) تفسير الآلوسى ج 18 ص 84. PageV10P079 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 9. PageV10P080 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 6 ص 3 وما بعدها. PageV10P081 (1) سورة آل عمران الآية 23. (2) راجع : أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج 6 ص 5 وما ببعدها للشيخ محمد الأمين الشنقيطى. (3) تفسير الآلوسى ج 18 ص 83. PageV10P082 (1) سورة النساء الآية 24. (2) راجع تفسير : «أضواء البيان» ج 6 ص 72 وما بعدها. PageV10P083 (1) تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 227. PageV10P084 (1) تفسير القرطبي ج 12 ص 179 وراجع أيضا البيان ج 6 ص 89 وما بعدها. PageV10P086 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 6 ص 12. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 209. (3) تفسير الآلوسى ج 18 ص 105. PageV10P088 (1) تفسير آيات الأحكام ج 3 ص 136. (2) تفسير القرطبي ج 12 ص 193. PageV10P090 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 6 ص 18. وما بعدها ففيه جملة من الأحاديث في هذا الشأن. PageV10P092 (1) تفسير ابن جرير ج 18 ص 71. PageV10P093 (1) تفسير الآلوسى ج 18 ص 116. (2) سورة البقرة الآية 85. (3) سورة الحجرات الآية 11. PageV10P094 (1) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج 6 ص 437. (2) تفسير ابن كثير ج 6 ص 26. (3 ، 4) تفسير الكشاف ج 3 ص 218. PageV10P095 (1) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 246. PageV10P098 (1) سورة البقرة الآية 226. PageV10P100 (1) تفسير الآلوسى ج 18 ص 126. PageV10P101 (1) سورة فصلت الآية 20 ، 21. (2) سورة يس الآية 65. PageV10P103 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 17. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 217. PageV10P104 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 223. PageV10P106 (1) راجع تفسير القاسمى ج 12 ص 4494. PageV10P107 (1) تفسير القرطبي ج 12 ص 213. (2) سورة القصص الآية 29. PageV10P108 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 228. PageV10P109 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 29. PageV10P110 (1) سورة فصلت ms6239 الآية 42. (2) تفسير القرطبي ج 13 ص 214. (3) راجع تفسير آيات الأحكام ج 3 ص 149 لفضيلة الشيخ محمد على السائس رحمهالله . PageV10P111 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 40. (2) تفسير القرطبي ج 12 ص 219. (3) تفسير ابن كثير ج 6 ص 38. PageV10P112 (1) تفسير الآلوسى ج 18 ص 138. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 229. PageV10P114 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 49. PageV10P116 (1) تفسير القرطبي ج 12 ص 238. PageV10P117 (1) سورة الإسراء الآية 36. (2) سورة غافر الآية 19. (3) راجع كتاب «رياض الصالحين» ص 586 للإمام النووي. PageV10P118 (1) راجع تفسير القرطبي ج 12 ص 228. (2) راجع على سبيل المثال أضواء البيان للشيخ الشنقيطى ج 6 ص 192 وتفسير آيات الأحكام للشيخ السائس ج 3 ص 155. PageV10P119 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 235. PageV10P120 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 54. (2) تفسير القرطبي ج 12 ص 239. (3) تفسير ابن كثير ج 6 ص 55. PageV10P121 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 238. PageV10P122 (1) تفسير الآلوسى ج 18 ص 156. PageV10P123 (1) تفسير أضواء للبيان ج 6 ص 219 للشيخ محمد الأمين الشنقيطى. PageV10P124 (1) تفسير القرطبي ج 12 ص 256. (2) تفسير ابن كثير ج 6 ص 61. PageV10P127 (1) صفوة البيان لمعانى القرآن لفضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف ج 2 ص 84. PageV10P128 (1) راجع تفسير القاسمى ج 12 ص 4526 PageV10P129 (1) تفسير الآلوسى ج 18 ص 179. PageV10P131 (1) تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 290. PageV10P132 (1) تفسير الآلوسى ج 18 ص 183. PageV10P133 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 77. PageV10P134 (1) سورة الملك الآية 19. PageV10P135 (1) تفسير أضواء للبيان ج 6 ص 245 للمرحوم الشيخ محمد الأمين الشنقيطى. PageV10P136 (1) تفسير القرطبي ج 12 ص 289. PageV10P137 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 246. PageV10P138 (1) في ظلال القرآن ج 18 ص 111. (2) سورة الأنبياء الآية 30. (3) تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 296. PageV10P139 (1) سورة النساء الآية 60. PageV10P142 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 233. PageV10P143 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 83. (2) سورة الروم الآية 6. PageV10P145 (1) تفسير الآلوسى ج 18 ص 203. PageV10P146 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 85. (2) تفسير ابن كثير ج 6 ص 87. PageV10P147 (1) تفسير القرطبي ج 12 ص 301. PageV10P148 (1) تفسير الآلوسى ج 18 ص 210. PageV10P150 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 254. PageV10P152 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 257. PageV10P155 (1) السيرة النبوية لابن إسحاق ج 3 ص 230. (2) تفسير الآلوسى ج 18 ms6240 ص 223. PageV10P158 (1) سورة الفتح الآية 29. PageV10P159 (1) سورة الحجرات الآيتان 2 ، 3. PageV10P160 (1) تفسير القرطبي ج 12 ص 322. PageV10P161 (1) سورة الأنبياء الآية 107. (2) سورة الأعراف الآية 158. (3) سورة القمر الآية 49. PageV10P169 (1) سورة النمل الآية 88. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 263. PageV10P170 (1) تفسير الآلوسي ج 18 ص 236. PageV10P172 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 102. PageV10P173 (1) تفسير الآلوسي ج 18 ص 237. PageV10P174 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 265. PageV10P175 (1) سورة ق الآية 30. (2) تفسير الآلوسى ج 18 ص 242. PageV10P177 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 267. (2) سورة آل عمران الآية 194. PageV10P178 (1) سورة غافر الآية 8. (2) سورة الروم الآية 6. (3) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج 6 ص 486. PageV10P179 (1) سورة آل المائدة الآية 116. (2) سورة سبأ الآيتان 40 ، 41. PageV10P180 (1) تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 325. (2) تفسير القرطبي ج 13 ص 11. PageV10P181 (1) سورة آل عمران الآية 19. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 171. PageV10P182 (1) سورة الزخرف الآية 31. (2) تفسير القرطبي ج 13 ص 18. (3) سورة آل عمران الآية 20. PageV10P183 (1) تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 328. PageV10P184 (1) سورة الإسراء الآية 92. (2) سورة غافر الآية 56. (3) سورة الأنفال الآية 50. (4) سورة محمد الآية 27. PageV10P185 (1) سورة الرعد من الآيتين 23 ، 24. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 252. (3) تفسير الآلوسى ج 19 ص 6. (4) تفسير ابن جرير ج 19 ص 3. PageV10P186 (1) سورة النحل الآيتان 28 ، 29. PageV10P187 (1) سورة الانشقاق الآيتان 7 9. (2) تفسير ابن كثير ج 6 ص 113. (3) سورة المزمل الآية 18. (4) تفسير الكشاف ج 3 ص 275. PageV10P188 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 115. PageV10P189 (1) سورة الزخرف الآية 67. PageV10P190 (1) سورة المؤمنون الآية 67. (2) تفسير القاسمى ج 19 ص 4575 ، نقلا عن بدائع الفوائد للإمام ابن القيم. (3) سورة الأنعام الآية 112. PageV10P192 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 276. PageV10P193 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 118. PageV10P194 (1) سورة الحجر الآية 74. PageV10P197 (1) سورة الصافات الآيتان 137 ، 138. (2) سورة يوسف الآيتان 105 ، 106. PageV10P198 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 121. (2) تفسير الآلوسى ج 19 ص 22. PageV10P199 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 282. PageV10P201 (1) تفسير القرطبي ج 13 ص 36. PageV10P202 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 261. PageV10P203 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 283. (2) سورة النبأ الآيات من 9 11. PageV10P204 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 262. (2) سورة الشورى الآية 28. PageV10P205 (1) تفسير الكشاف ج 3 285. PageV10P206 (1) تفسير الآلوسى ج 19 ص 32. (2) تفسير ابن كثير ج 6 ص 125. PageV10P207 (1) سورة الرحمن ms6241 الآيتان 19 ، 20. (2) سورة النمل الآية 61. PageV10P208 (1) سورة القيامة الآية 39. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 287. PageV10P209 (1) تفسير الآلوسى ج 19 ص 37. (2) سورة الشعراء الآيتان 109 ، 127. PageV10P212 (1) تفسير ابن جرير ج 19 ص 19. PageV10P213 (1) سورة النساء الآية 78. (2) سورة نوح الآيتان 15 ، 16. PageV10P214 (1) سورة الإسراء الآية 37. (2) راجع تفسير ابن كثير ج 6 ص 131. PageV10P216 (1) سورة القصص الآية 55. (2) سورة السجدة آية 16. (3) سورة الزمر الآية 9. PageV10P217 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 134. PageV10P218 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 6 ص 139. PageV10P219 (1) سورة القصص الآية 55. PageV10P220 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 295. (2) سورة الزمر ، آية 20. PageV10P221 (1) سورة سبأ آية 37. (2) تفسير القرطبي ج 13 ص 84. PageV10P222 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 297. PageV10P223 (1) تفسير القرطبي ج 13 ص 87. PageV10P228 (1) تفسير الآلوسى ج 14 ص 3. (2) تفسير أضواء البيان ج 4 ص 14 للمرحوم الشيخ محمد الأمين الشنقيطى. PageV10P231 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 299. PageV10P232 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 300. PageV10P233 (1) سورة طه الآية 12. (2) سورة النازعات الآية 16. PageV10P235 (1) تفسير الآلوسى ج 19 ص 66. PageV10P237 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 306. PageV10P239 (1) سورة القصص الآية 38. PageV10P240 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 308. PageV10P241 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 310. PageV10P243 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 315. PageV10P249 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 280. (2) في ظلال القرآن ج 19 ص 212. (3) سورة الأعراف آية 137. (4) سورة القصص الآيتان 5 ، 6. PageV10P250 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 318. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 282. PageV10P255 (1) سورة التوبة الآية 114. (2) سورة الممتحنة الآية 4. PageV10P256 (1) تفسير الآلوسى ج 19 ص 106 PageV10P261 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 327. (2) تفسير القرطبي ج 13 ص 125. (3) سورة الحاقة الآية 6 ، 7. (4) سورة فصلت الآية 15. PageV10P266 (1) تفسير القرطبي ج 13 ص 129. (2) تفسير الآلوسى ج 19 ص 113. PageV10P269 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 166. (2) سورة القمر الآية 29. PageV10P270 (1) تفسير ابن كثير ج 3 ص 230. PageV10P271 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 168. PageV10P274 (1) تفسير القرطبي ج 13 ص 136. PageV10P275 (1) تفسير الآلوسى ج 19 ص 120. (2) تفسير ابن كثير ج 6 ص 170. PageV10P276 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 292. (2) تفسير الآلوسى ج 19 ص 121. PageV10P279 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 173. (2) سورة البقرة الآية 89. (3) سورة الأعراف الآية 157. (4) سورة الأنعام الآية 111. PageV10P280 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 173. PageV10P281 (1) تفسير الكشاف ms6242 ج 3 ص 337. PageV10P282 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 174. (2) سورة الإسراء الآية 15. (3) سورة القصص الآية 59. PageV10P283 (1) سورة الجن الآيتان 8 ، 9. PageV10P284 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 6 ص 176. فقد ساق جملة من الأحاديث في هذا المعنى. (2) تفسير الآلوسى ج 19 ص 134. PageV10P285 (1) والأجدل : هو الصقر. أى. فلا تكن شبيها به في القسوة والغلظة. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 341. PageV10P286 (1) تفسير الآلوسى ج 19 ص 136. PageV10P287 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 6 ص 183. PageV10P288 (1) حاشية الجمل على الجلالين. PageV10P289 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 344. (2) تفسير ابن كثير ج 6 ص 186. PageV10P290 (1) راجع الآلوسى ج 19 ص 145. (2) تفسير القرطبي ج 13 ص 153. PageV10P291 (1) تفسير القرطبي ج 13 ص 154. (2) تفسير الآلوسى ج 19 ص 154. PageV10P294 (1) تفسير الآلوسى ج 19 ص 155. (2) سورة فصلت الآية 44. PageV10P299 (1) سورة التوبة الآية 124. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 298. PageV10P300 (1) سورة فاطر الآية 8. (2) سورة الشعراء الآية 193 194. PageV10P301 (1) سورة القصص الآية 27. (2) تفسير ابن كثير ج 5 ص 270. (3) تفسير القرطبي ج 13 ص 157. PageV10P303 (1) الآية 29. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 349. (3) سورة القصص الآية 30. PageV10P304 (1) تفسير الآلوسى ج 19 ص 160. (2) تفسير فتح القدير ج 4 ص 127. PageV10P305 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 191. (2) تفسير الآلوسى ج 19 ص 166. PageV10P306 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 301. PageV10P307 (1) سورة الشعراء الآيتان 32 ، 33. (2) سورة الأعراف الآية 130. (3) سورة الشعراء الآية 63. (4) سورة الأعراف الآية 133. (5) تفسير ابن كثير ج 5 ص 221. PageV10P308 (1) سورة البقرة الآية 251. (2) سورة سبأ الآية 10. (3) سورة الأنبياء الآية 79. PageV10P311 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 353. (2) تفسير ابن كثير ج 6 ص 192. (3) تفسير الآلوسى ج 19 ص 164. PageV10P312 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 356. PageV10P314 (1) تفسير الآلوسى ج 19 ص 182. PageV10P316 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 359. PageV10P317 (1) تفسير الآلوسى ج 19 ، ص 190. (2) تفسير أضواء البيان للشيخ الشنقيطى ج 6 ص 405. PageV10P318 (1) تفسير القرطبي ج 13 ص 189. (2) تفسير ابن كثير ج 6 ص 198. (3) تفسير الكشاف ج 3 ، ص 363. PageV10P320 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 200. PageV10P322 (1) تفسير الآلوسى 19 ، ص 207. (2) سورة غافر الآية 36. PageV10P328 (1) تفسير القرطبي ج 13 ص 178. PageV10P331 (1) تفسير القرطبي ج 13 ص 168. (2) تفسير القرطبي ج 13 ص 194. PageV10P332 (1) سورة الأعراف الآيتان 75 ، 76. (2) سورة ms6243 الأعراف الآية 77. PageV10P335 (1) تفسير الآلوسى ج 49 ، ص 211. PageV10P336 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 319. PageV10P337 (1) أضواء البيان ج 6 ص 412 للشيخ محمد أمين الشنقيطى. PageV10P338 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ، ص 230. (2) تفسير الآلوسى ج 19 ، ص 216. PageV10P340 (1) تفسير الكشاف ج 2 ، ص 127. PageV10P341 (1) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج 7 ص 88. PageV10P343 (1) تفسير الآلوسى ج 20 ، ص 3. (2) تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 414. PageV10P344 (1) سورة فصلت الآية 51. PageV10P346 (1) تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 416. PageV10P347 (1) تفسير القرطبي ج 13 ص 226. (2) سورة الأنبياء الآية 40. PageV10P349 (1) تفسير الآلوسى ج 20 ص 13. (2) سورة ق الآية 22. PageV10P350 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 380. PageV10P351 (1) المصباح المنير ج 1 ص 306. PageV10P353 (1) تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 420. PageV10P354 (1) سورة النساء الآية 171. PageV10P355 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 326. PageV10P356 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 6 ص 220. PageV10P357 (1) تفسير الآلوسى ج 20 ص 29. (2) تفسير القرطبي ج 13 ص 240. PageV10P360 (1) تفسير فتح القدير ج 4 ص 155 للشوكانى. PageV10P361 (1) سورة الأنبياء الآية 103. (2) سورة فصلت الآية 40. (3) سورة النساء آية 123. PageV10P363 (1) تفسير القرطبي ج 13 ص 247. (2) تفسير الآلوسى ح 20 ص 41. PageV10P368 (1) تفسير الآلوسى ج 20 ص 42. PageV10P373 (1) تفسير الفخر الرازي ج 1 ص 358. PageV10P374 (1) تفسير فتح القدير ج 4 ص 159. PageV10P375 (1) سورة الأعراف الآية 137. (2) تفسير ابن كثير ج 6 ص 231. PageV10P376 (1) تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 426. PageV10P377 (1) تفسير الآلوسى ج 20 ص 45. PageV10P378 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 393. (2) تفسير القرطبي ج 12 ص 252. PageV10P379 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 237. (2) سورة البقرة الآية 81. (3) حاشية الجمل في الجلالين ج 3 ص 337. (4) سورة التحريم آية 11. PageV10P380 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 233. PageV10P381 (1) تفسير الآلوسى ج 20 ص 50. (2) تفسير ابن كثير ج 6 ص 233. PageV10P383 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 20 ص 52. (2) تفسير القرطبي ج 13 ص 260. PageV10P386 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 398. (2) تفسير القرطبي ج 13 ص 263. PageV10P387 (1) تفسير القرطبي ج 13 ص 267. (2) فتح القدير ج 4 ص 166. PageV10P392 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 402. (2) تفسير الآلوسى ج 20 ص 64. PageV10P394 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 238. PageV10P395 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 239. (2) تفسير فتح القدير للشوكانى ح 4 ص 169. PageV10P396 (1) حاشية الجمل على ms6244 الجلالين ج 3 ص 345. PageV10P397 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 406. (2) تفسير ابن كثير ج 6 ص 240. PageV10P398 (1) تفسير الآلوسى ج 20 ص 72. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 346. PageV10P400 (1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 270. PageV10P401 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 244. PageV10P402 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 408. PageV10P403 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 410. PageV10P404 (1) تفسير الآلوسى ج 20 ص 79. PageV10P406 (1) سورة الزخرف الآية 54. (2) سورة غافر الآيتان 36 ، 37. PageV10P407 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 248. PageV10P408 (1) تفسير الآلوسى ج 20 ص 84. PageV10P409 (1) سورة آل عمران الآية 44. PageV10P411 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 249. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 417. PageV10P412 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 251. PageV10P415 (1) تفسير الآلوسى ح 20 ص 91. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 420. PageV10P416 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 420. (2) تفسير القرطبي ج 13 ص 297. PageV10P419 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 255. PageV10P420 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 6 ص 256. PageV10P421 (1) تفسير في ظلال القرآن ج 20 ص 361. للأستاذ سيد قطب. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 472. PageV10P422 (1) سورة العنكبوت الآية 67. (2) تفسير القرطبي ج 13 ص 301. PageV10P423 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 258. PageV10P424 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 426. (2) سورة إبراهيم الآية 22. PageV10P427 (1) سورة مريم الآية 81 ، 82. PageV10P428 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 261. PageV10P429 (1) تفسير القرطبي ج 13 ص 150. PageV10P430 (1) تفسير الكاشف ج 3 ص 428. (2) سورة الأنعام الآية 94. PageV10P432 (1) تفسير القرطبي ج 3 ص 310. PageV10P434 (1) تفسير الكاشف ج 3 ص 630. PageV10P435 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 432. (2) تفسير ابن كثير ج 6 ص 266. PageV10P438 (1) تفسير القرطبي ج 13 ص 231. PageV10P441 (1) تفسير الآلوسى ج 20 ص 128. (2) تفسير الكشاف ح 3 ص 426. PageV10P442 (1) راجع كتاب الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ج 1 ص 27. (2) تفسير الآلوسى ج 20 ص 132. PageV11P004 (1) تفسير القرطبي ج 13 ص 304. PageV11P011 (1) تفسير ابن جرير ج 20 ص 83. (2) سورة آل عمران الآية 142. (3) سورة التوبة. الآية 16. (4) سورة محمد. الآية 31. (5) تفسير القرطبي ج 13 ص 324. PageV11P012 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 403. PageV11P013 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 368. PageV11P014 (1) راجع تفسير القرطبي ج 13 ص 328. PageV11P015 (1) تفسير القرطبي ج 13 ص 330. PageV11P016 (1) آية 25 من سورة النحل. (2) تفسير ابن كثير ج 6 ص 377. PageV11P018 (1) تفسير الآلوسى ج ms6245 20 ص 142. PageV11P019 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 446. PageV11P020 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 447. (2) تفسير ابن كثير ج 6 ص 280. PageV11P023 (1) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 4 ص 198. PageV11P025 (1) تفسير الآلوسى ج 20 ص 152. PageV11P028 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 451. PageV11P029 (1) سورة النمل. الآية 56. PageV11P031 (1) تفسير القرطبي ج 9 ص 74. PageV11P033 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 287. PageV11P034 (1) تفسير الآلوسى ج 20 ص 158. PageV11P037 (1) تفسير القرطبي ج 13 ص 344. PageV11P038 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 454. (2) تفسير الآلوسى ج 20 ص 162. PageV11P039 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 377. PageV11P041 (1) تفسير الآلوسى ج 20 ص 165. PageV11P042 (1) أول الجزء الحادي والعشرين. PageV11P043 (1) سورة النحل. الآية 125. (2) تفسير فتح القدير ج 4 ص 205. PageV11P044 (1) تفسير القرطبي ج 13 ص 250. PageV11P045 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 295. PageV11P046 (1) سورة الأنفال الآية 32. PageV11P049 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 299. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 461. PageV11P051 (1) تفسير الآلوسى ج 21 ص 13. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 464. PageV11P056 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 6 ص 305. وتفسير ابن جرير ج 21 ص 13. (2) تفسير القاسمى ج 12 ص 4765. (3) تفسير ابن كثير ج 6 ص 310. (4) تفسير الآلوسى ج 21 ص 17. PageV11P065 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 310. PageV11P066 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 368. PageV11P067 (1) تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 514. (2) تفسير ابن كثير ج 6 ص 314. PageV11P073 (1) تفسير فتح القدير ج 4 ص 219. (2) تفسير الآلوسى ج 21 ص 30. PageV11P075 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 433. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 289. PageV11P076 (1) سورة النحل. الآية 125. (2) تفسير فتح القدير ج 4 ص 205. (3) سورة النازعات الآيتان 13 ، 14. (4) سورة الإسراء الآية 52. PageV11P077 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 456. PageV11P079 (1) تفسير القرطبي ج 14 ص 23. PageV11P080 (1) تفسير القرطبي ج 14 ص 23. PageV11P082 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 340. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 479. PageV11P083 (1) تفسير القرطبي ج 14 ص 31. PageV11P084 (1) تفسير القرطبي ج 4 ص 35. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 294. PageV11P088 (1) تفسير الآلوسى ج 21 ص 45. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 481. PageV11P089 (1 و2) تفسير ابن كثير ج 6 ص 326. PageV11P091 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 483. (2) تفسير ابن جرير ج 21 ص 33. PageV11P093 (1) تفسير الآلوسى ج 21 ص 51. PageV11P094 (1) تفسير ابن كثير ms6246 ج 6 ص 328. PageV11P095 (1) سورة الحشر الآية 17. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 485. PageV11P096 (1) تفسير الآلوسى ج 21 ص 54. PageV11P098 (1) تفسير القرطبي ج 14 ص 46. PageV11P099 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 331. PageV11P100 (1) تفسير الآلوسى ج 21 ص 61. PageV11P101 (1) راجع الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 27 مبحث المكي والمدني. (2) تفسير الآلوسى ج 21 ص 64. PageV11P106 (1) تفسير الآلوسى ج 11 ص 58. PageV11P108 (1) تفسير الفخر الرازي ج 17 ص 5. PageV11P109 (1) لباب النقول في أسباب النزول للسيوطي ص 172. (2) تفسير القرطبي ج 14 ص 54 وراجع تفسير الآلوسى ج 21 ص 67 وما بعدها. PageV11P111 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 491. PageV11P112 (1) حاشية الجمل ج 3 ص 401. PageV11P113 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 236. (2) راجع حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 403. (3) تفسير الآلوسى ج 21 ص 82. PageV11P116 (1) تفسير فتح القدير ج 4 ص 237. PageV11P117 (1) سورة الإسراء الآية 23. (2) سورة الأنعام الآية 151. (3) سورة البقرة الآية 233. PageV11P118 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 494. PageV11P119 (1) تفسير القرطبي ج 14 ص 65. PageV11P120 (1) سورة الأنبياء. الآية 47. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 496. PageV11P121 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 21 ص 93. PageV11P124 (1) تفسير الآلوسى ج 21 ص 41. PageV11P125 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 352. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 501. PageV11P128 (1) تفسير الآلوسى ج 21 ص 100. PageV11P129 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 352. (2) حاشية الجمل ج 3 ص 409. PageV11P130 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 353. PageV11P132 (1) تفسير الآلوسى ج 21 ص 108. PageV11P133 (1) سورة الأعراف الآية 187. (2) تفسير ابن كثير ج 6 ص 357. PageV11P134 (1) تفسير الآلوسى ج 21 ص 115. (2) تفسير ابن كثير ج 6 ص 263. PageV11P138 (1) راجع حاشية الجمل ج 3 ص 412. PageV11P141 (1) تفسير القرطبي ج 14 ص 86. PageV11P142 (1) في ظلال القرآن ج 21 ص 510. (2) راجع تفسير صفوة البيان ص 263 لفضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف. PageV11P143 (1) تفسير الآلوسى ج 21 ص 120. PageV11P144 (1) تفسير أضواء البيان ج 6 ص 503 للشيخ الأمين الشنقيطى. (2) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 6 ص 249. PageV11P145 (1) تفسير القرطبي ج 14 ص 91. PageV11P147 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 6 ص 365. PageV11P151 (1) تفسير القرطبي ج 14 ص 104. PageV11P152 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 515. PageV11P153 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 419. (2) راجع تفسير الآلوسى ج 21 ص 137. (3) حاشية الجمل ms6247 ج 3 ص 419. PageV11P154 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 516. PageV11P155 (1) تفسير القرطبي ج 14 ص 110. PageV11P157 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 518. PageV11P168 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 376. (2) تفسير الآلوسى ج 21 ص 140. PageV11P169 (1) تفسير القرطبي ج 14 ص 116. (2) تفسير الكشاف بتصرف وتلخيص ج 3 ص 521. PageV11P171 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 377. (2) تفسير ابن جرير ج 21 ص 75. PageV11P172 (1) تفسير الآلوسى ج 21 ص 147. PageV11P173 (1) تفسير القرطبي ج 14 ص 121. PageV11P174 (1) تفسير القرطبي ج 14 ص 122. (2) تفسير ابن كثير ج 6 ص 281. (3) تفسير الآلوسى ج 21 ص 161. PageV11P175 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 383. PageV11P176 (1) تفسير فتح القدير ج 6 ص 262. PageV11P177 (1) تفسير الآلوسى ج 21 ص 154. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 525. PageV11P178 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 6 ص 385. والسيرة النبوية لابن اسحق ج 2 ص 229. PageV11P180 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 21 ص 156. PageV11P181 (1) تفسير ابن كثير ج 389. PageV11P182 (1) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 6 ص 266. PageV11P183 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 528. PageV11P185 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 529. (2) تفسير الآلوسى ج 21 ص 163. PageV11P187 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 392. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 530. PageV11P189 (1) تفسير القرطبي ج 14 ص 155. (2) تفسير ابن كثير ج 6 ص 392. PageV11P192 (1) راجع السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 229 وما بعدها. PageV11P193 (1) تفسير الآلوسى ج 21 ص 169. PageV11P194 (1) واها : كلمة تحنن وتلهف قالها أنس لسعد رضى الله عنهما. (2) تفسير ابن كثير ج 6 ص 395. PageV11P195 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 431. PageV11P196 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 396. PageV11P197 (1) صحيح البخاري : باب مرجع النبي صلىاللهعليهوسلم من الأحزاب ج 5 ص 142. (2) راجع تفسير ابن كثير ج 6 ص 297 والآلوسى ج 21 ص 176. PageV11P198 (1) تفسير القرطبي ج 14 ص 163. (2) تفسير الآلوسى ج 21 ص 181. (3) حاشية الجمل ج 3 ص 433. PageV11P200 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 536. PageV11P202 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 536. PageV11P203 (1) تفسير الآلوسى ج 22 ص 5. PageV11P204 (1) تفسير القرطبي ج 14 ص 178. (2) صفوة البيان في تفسير القرآن ج 2 ص 183. لفضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف. (3) في ظلال القرآن ج 22 ص 83. PageV11P205 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 6 ص 406 فقد ms6248 ساق بضعة أحاديث في هذا المعنى. PageV11P207 (1) أضواء البيان ج 6 ص 577 للشيخ محمد الأمين الشنقيطى رحمهالله . PageV11P208 (1) تفسير الآلوسى ج 22 ص 21. PageV11P209 (1) راجع تفسير القرطبي ج 14 ص 186. وتفسير ابن كثير ج 6 ص 417. PageV11P211 (1) تفسير الآلوسى ج 22 ص 24. (2) تفسير أضواء البيان ج 6 ص 580 للمرحوم الشيخ محمد الأمين الشنقيطى. (3) تفسير ابن كثير ج 6 ص 420. PageV11P213 (1) في ظلال القرآن ج 22 ص 595. PageV11P214 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 420. (2) تفسير فتح القدير ج 6 ص 285. PageV11P215 (1) تفسير القرطبي ج 14 ص 196. (2) راجع تفسير ابن كثير ج 6 ص 424. PageV11P217 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 6 ص 426. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 545. PageV11P219 (1) تفسير القرطبي ج 14 ص 198. (2) سورة يس. الآية 85. (3) سورة الرعد. الآية 22 ، 23. (4) سورة يونس. الآية 10. PageV11P220 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 547. PageV11P222 (1) تفسير الآلوسى ج 22 ص 47. PageV11P223 (1) تفسير الآلوسى ج 22 ص 48. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 443. PageV11P224 (1) راجع تفسيرنا لسورة البقرة ص 540 وما بعدها. PageV11P225 (1) تفسير آيات الأحكام ج 4 ص 22 للمرحوم الشيخ محمد على السائس. PageV11P227 (1) صحيح البخاري «كتاب النكاح» ج 7 ص 17. PageV11P228 (1) تفسير القرطبي ج 14 ص 214. PageV11P230 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 437. (2) تفسير فتح القدير ج 6 ص 293. PageV11P231 (1) تفسير القرطبي ج 14 ص 216. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 552. PageV11P232 (1 ، 2) تفسير ابن كثير ج 6 ص 438. PageV11P234 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 6 ص 440 طبعة دار الشعب. (2) تفسير الآلوسى ج 22 ص 70. PageV11P236 (1) راجع «أضواء البيان» ج 6 ص 584 للشيخ محمد الأمين الشنقيطى. (2) راجع تفسير أضواء البيان ج 6 ص 602. PageV11P239 (1) تفسير القرطبي ج 14 ص 231. PageV11P240 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 454. (2) تفسير القرطبي ج 14 ص 232. (3) تفسير ابن كثير ج 6 ص 447. PageV11P241 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 6 ص 448 وما بعدها إلى صن 469. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 557. PageV11P242 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 469. PageV11P243 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 470. (2) تفسير الآلوسى ج 22 ص 88. PageV11P244 (1) تفسير آيات الأحكام ج 4 ص 53 للشيخ محمد على السائس رحمهالله ms6249 . (2) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج 7 ص 250. PageV11P245 (1) تفسير القرطبي ج 14 ص 246. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 561. PageV11P247 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 562. PageV11P249 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 6 ص 474. PageV11P251 (1) تفسير الآلوسى ج 22 ص 96. (2) تفسير «أضواء البيان» ج 6 ص 606 للشيخ محمد الأمين الشنقيطى. (3) سورة الإسراء الآية 44. (4) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 458. PageV11P253 (1) تفسير القرطبي ج 14 ص 254. PageV11P254 (1) راجع تفسيرنا لسورة الأنعام ص 27. (2) راجع تفسير القرطبي ج 6 ص 384. (3) سورة الزمر. الآية 74. PageV11P262 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 566. (2) تفسير الآلوسى ج 22 ص 103. (3) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 459. PageV11P263 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 482. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 459. PageV11P265 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 460. PageV11P266 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 570. (2) تفسير الآلوسى ج 22 ص 109. PageV11P269 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 485. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 571. PageV11P272 (1) سورة لقمان. الآية 20. (2) تفسير القرطبي ج 14 ص 267. PageV11P273 (1) سورة الأنبياء الآية 81. (2) سورة «ص» الآية 36. PageV11P274 (1) تفسير القرطبي ج 14 ص 272. PageV11P275 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 489. PageV11P277 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 491. PageV11P278 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 576. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 577. PageV11P281 (1) راجع تفسير القرطبي ج 14 ص 290. PageV11P282 (1) تفسير القرطبي ج 14 ص 293. (2) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 4 ص 322. PageV11P283 (1) سورة يوسف. الآية 111. PageV11P284 (1) تفسير الآلوسى ج 22 ص 136. PageV11P286 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 580. PageV11P287 (1) تفسير القرطبي ج 14 ص 298. PageV11P288 (1) سورة يونس الآية 41. PageV11P289 (1) تفسير الآلوسى ج 22 ص 141. PageV11P290 (1) سورة نوح الآية 4. (2) سورة هود الآيتان 104 105. PageV11P291 (1) تفسير الآلوسى ج 22 ص 144. (2) تفسير الفخر الرازي بتصرف وتلخيص ج 7 ص 18. PageV11P292 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 475. (2) تفسير الآلوسى ج 22 ص 146. PageV11P294 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 585. (2) تفسير ابن كثير ج 6 ص 509. PageV11P296 (1) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 4 ص 330. PageV11P298 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 587. (2) حاشية الجمل ج 3 ص 478. PageV11P300 (1) تفسير البحر المحيط ج 7 ص 290. PageV11P303 (1) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 24. (2) سورة الروم. الآية 9. PageV11P304 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 590. PageV11P306 (1) تفسير ابن ms6250 كثير ج 6 ص 513. (2) تفسير الآلوسى ج 22 ص 155. PageV11P307 (1) حاشية الجمل ج 3 ص 480. PageV11P308 (1) تفسير الآلوسى ج 22 ص 157. PageV11P309 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 593. PageV11P310 (1) الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 27 للسيوطي. (2) تفسير القرطبي ج 14 ص 318. PageV11P314 (1) راجع تفسيرنا لأوائل سور : الفاتحة الأنعام الكهف سبأ. PageV11P317 (1) تفسير القرطبي ج 14 ص 319. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 483. PageV11P318 (1) تفسير الآلوسى ج 22 ص 161. (2) تفسير الكشاف ج 3 ص 595. PageV11P319 (1) سورة يونس الآية 107. (2) سورة الأنعام الآية 17. (3) تفسير ابن كثير ج 6 ص 520. PageV11P320 (1) تفسير الآلوسى ج 22 ص 167. (2) سورة فصلت الآية 43. (3) سورة الأنعام الآية 34. PageV11P322 (1) سورة الشعراء الآية 3. (2) سورة الكهف الآية 6. PageV11P325 (1) تفسير البحر المحيط ج 7 ص 302 لأبى حيان. PageV11P326 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 601. PageV11P327 (1) تفسير البخر الرازي ج 7 ص 32. (2) سورة مريم الآيتان 81 ، 82. (3) سورة النساء الآية 139. PageV11P328 (1) تفسير القرطبي ج 14 ص 328. PageV11P329 (1) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 4 ص 340. PageV11P330 (1) تفسير القاسمى ج 14 ص 4976. (2) تفسير ابن جرير ج 22 ص 81. PageV11P332 (1) تفسير المراغي ج 14 ص 61. (2) تفسير الآلوسى ج 14 ص 113. PageV11P333 (1) اضواء البيان ج 6 ص 640 للشيخ الشنقيطى رحمهالله . PageV11P334 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 606. (2) تفسير الآلوسى ج 22 ص 183. PageV11P337 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 607. PageV11P339 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 529. PageV11P340 (1) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 4 ص 346. PageV11P341 (1) تفسير الآلوسى ج 22 ص 160. PageV11P342 (1) سورة الرعد الآية 4. (2) تفسير القرطبي ج 14 ص 342. PageV11P343 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 611. PageV11P344 (1) تفسير الآلوسى ج 22 ص 194. PageV11P347 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 6 ص 532. (2) راجع تفسير ابن جرير ج 22 ص 90. (3) تفسير الشوكانى ج 4 ص 349. PageV11P348 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 614. PageV11P350 (1) تفسير الآلوسى ج 22 ص 204. PageV11P355 (1) تفسير القرطبي ج 14 ص 358. PageV11P356 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 618. (2) تفسير الآلوسى ج 22 ص 206. PageV11P357 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 500. PageV11P358 (1) تفسير القرطبي ج 15 ص 1. (2) راجع تفسير ابن كثير ج 6 ص 548. PageV12P006 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 22 ص 209. PageV12P007 (1) تفسير الآلوسى ج 22 ص 210. (2) تفسير «صفوة البيان» ج 2 ص 215 لفضيلة الأستاذ ms6251 الشيخ حسنين محمد مخلوف. PageV12P011 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 4. PageV12P012 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 549. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 503. (3) سورة يونس الآيتان 96 ، 97. PageV12P013 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 5. (2) لباب النقول في أسباب النزول ج 187 للسيوطي. PageV12P014 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 551. (2) تفسير الآلوسى ج 22 ص 218. PageV12P016 (1) راجع تفسير القرطبي ج 15 ص 14. PageV12P017 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 6 ص 559. PageV12P018 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 9. PageV12P020 (1) أول الجزء الثالث والعشرون. PageV12P021 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 11. PageV12P023 (1) تفسير الآلوسى ج 22 ص 228. (2) تفسير ابن كثير ج 6 ص 558. PageV12P024 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 11. PageV12P025 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 13. PageV12P026 (1) سورة هود آية 111. PageV12P027 (1) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 77. PageV12P028 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 561. PageV12P029 (1) تفسير فتح القدير ج 4 ص 368. PageV12P030 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 16. (2) تفسير الآلوسى ج 23 ص 12. (3) تفسير في ظلال القرآن ج 23 ص 25. PageV12P031 (1) راجع تفسير القرطبي ج 15 ص 17 وابن كثير ج 6 ص 562. PageV12P032 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 23 ص 16. (2) تفسير في ظلال القرآن ج 23 ص 25. PageV12P033 (1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 564. (2) تفسير الآلوسى ج 23 ص 23. PageV12P034 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 515. (2) تفسير ابن كثير ج 6 ص 565. (3) تفسير القرطبي ج 15 ص 34. PageV12P035 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 517. (2) تفسير فتح القدير ج 4 ص 373. PageV12P038 (1) تفسير الآلوسى ج 23 ص 31. PageV12P039 (1) سورة الأنبياء الآية 47. PageV12P041 (1) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 100. PageV12P042 (1) راجع حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 521. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 22. (3) تفسير ابن كثير ج 6 ص 570. (4) راجع تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 101. PageV12P043 (1) سورة الروم الآيات من 14 16. (2) تفسير الآلوسى ج 23 ص 40. PageV12P044 (1) سورة فاطر آية 6. (2) سورة ص الآيتان 82 ، 83. PageV12P045 (1) سورة الأنعام آية 23. PageV12P046 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 522. (2) راجع تفسير ابن كثير ج 6 ص 572 ، وتفسير القرطبي ج 15 ص 48. (3) سورة فصلت الآية 19 ، 20. PageV12P047 (1) تفسير القرطبي ج 15 ص 51. (2) سورة الروم آية 54. (3) سورة النحل الآية 70. PageV12P049 (1) راجع تفسير ms6252 الكشاف ج 4 ص 29. وراجع تفسير الآلوسى ج 23 ص 47. PageV12P051 (1) الجرير. الحبل الذي يربط به البعير. (2) فلا غير لديه ولا نكير : أى فلا غيرة لديه ولا إنكار منه لما ينزل به من خسف. PageV12P052 (1) تفسير الآلوسى ج 23 ص 53. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 30. PageV12P055 (1) تفسير فتح القدير ج 4 ص 383. (2) تفسير ابن كثير ج 6 ص 581. PageV12P056 (1) راجع الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 27. (2) راجع مقدمة تفسير سورة الانعام للمؤلف. (3) تفسير الآلوسى ج 23 ص 64. PageV12P062 (1) صحيح مسلم : في كتاب المساجد ج 2 ص 63. (2) صحيح مسلم كتاب الصلاة ج 2 ص 29. (3) تفسير ابن كثير ج 7 ص 3. PageV12P066 (1) سورة المزمل الآية 9. PageV12P067 (1) في ظلال القرآن ج 23 ص 46. PageV12P068 (1) سورة الملك آية 5. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 35. PageV12P069 (1) سورة الجن الآيتان 8 ، 9. (2) سورة الشعراء الآية 212. PageV12P070 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 5. PageV12P071 (1) سورة غافر الآية 57. (2) سورة الروم الآية 27. PageV12P072 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 532. (2) راجع تفسير الآلوسى ج 23 ص 77. PageV12P073 (1) سورة الزمر الآية 68. PageV12P074 (1) سورة الأنعام الآية 82. PageV12P076 (1) تفسير القرطبي ج 15 ص 74. PageV12P077 (1) سورة سبأ الآية 31. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 39. PageV12P078 (1) تفسير الآلوسى ج 23 ص 85. PageV12P081 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 44. PageV12P084 (1) تفسير الآلوسى ج 23 ص 92. PageV12P085 (1) تفسير القرطبي ج 15 ص 84. PageV12P086 (1) تفسير القرطبي ج 15 ص 86. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 46. PageV12P088 (1) تفسير الآلوسى ج 23 ص 98. PageV12P090 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 19. PageV12P091 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 19. PageV12P092 (1) تفسير القرطبي ج 15 ص 91. PageV12P093 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 48. (2) راجع تفسير الآلوسى ج 23 ص 110. PageV12P094 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 20. PageV12P095 (1) تفسير القرطبي ج 15 ص 96. PageV12P097 (1) تفسير القرطبي ج 15 ص 96. (2) تفسير القرطبي ج 15 ص 97. PageV12P098 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 53. (2) تفسير الآلوسى ج 23 ص 129. PageV12P099 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 55. PageV12P100 (1) تفسير الآلوسى ج 23 ص 130. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 548. PageV12P101 (1) راجع تفسير القاسمى ج 14 ص 5057. (2) راجع تفسير القاسمى ج 14 ص 5053. PageV12P104 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 23. (2) راجع تفسير الآلوسى ج 23 ص ms6253 136. PageV12P105 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 23 ص 143. PageV12P110 (1) تفسير القرطبي ج 15 ص 127. PageV12P111 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 35. PageV12P112 (1) سورة النجم الآيتان 21 ، 22. PageV12P113 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 63. (2) سورة الزخرف الآية 19. (3) تفسير الكشاف ج 4 ص 63. PageV12P114 (1) تفسير القرطبي ج 15 ص 134. PageV12P115 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 65. (2) تفسير ابن كثير ج 7 ص 38. (3) سورة العنكبوت الآية 55. PageV12P117 (1) سورة غافر آية 51. (2) سورة المجادلة آية 21. PageV12P118 (1) تفسير الآلوسى ج 23 ص 160. PageV12P124 (1) راجع تفسير أضواء البيان ج 7 ص 8 الشيخ محمد الأمين الشنقيطى. PageV12P128 (1) سورة البقرة الآية 206. (2) سورة المنافقون الآية 8. PageV12P129 (1) سورة غافر الآيتان 84 85. (2) سورة المؤمنون الآيتان 64 65. PageV12P130 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 46. PageV12P131 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 23 ص 167. PageV12P133 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 74. (2) سورة الأنعام الآية 124. PageV12P134 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 75. PageV12P136 (1) تفسير الآلوسى ج 23 ص 170. PageV12P137 (1) سورة العنكبوت الآية 40. PageV12P138 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 564. PageV12P139 (1) سورة الأنفال الآية 23. (2) سورة الحج الآية 47. PageV12P140 (1) سورة الإسراء الآية 44. PageV12P142 (1) تفسير القرطبي ج 15 ص 170. PageV12P144 (1) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج 7 ص 393. PageV12P149 (1) راجع تفسير ابن جرير ج 23 ص 93 ، وتفسير القرطبي ج 15 ص 161. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 80. (3) تفسير ابن كثير ج 7 ص 51. PageV12P150 (1) راجع تفسير القاسمى ج 14 ص 5088. (2) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 81. PageV12P151 (1) راجع تفسير القاسمى ج 14 ص 5089. (2) راجع تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 182. (3) تفسير الكشاف ج 4 ص 87. PageV12P152 (1) تفسير الآلوسى ج 23 ص 186. PageV12P153 (1) سورة الجاثية الآية 21. PageV12P155 (1) سورة يوسف آية 111. PageV12P156 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 91. PageV12P157 (1) راجع حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 573 وغيرها من كتب التفسير. (2) راجع تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 192 فقد أفاض وأجاد في تفسيره للآيات. (3) راجع تفسير القاسمى ج 14 ص 5101. PageV12P159 (1) تفسير الآلوسى ج 23 ص 198. PageV12P160 (1) راجع تفسيرنا لسورة الكهف ص 498. (2) راجع تفسير في ظلال القرآن ج 23 ص 100. PageV12P161 (1) راجع تفسير ابن جرير ج 23 ص 101. والآلوسى ج 23 ص 200 وغيرهما. (2) راجع تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج 7 ص 397. PageV12P162 (1) تفسير الفخر الرازي ج ms6254 7 ص 196. (2) تفسير القرطبي ج 15 ص 304. (3) سورة الأنبياء الآية 81. PageV12P163 (1) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 198. PageV12P165 (1) تفسير الكشاف ج 3 ص 130. (2) راجع على سبيل المثال تفسير الآلوسى ج 23 ص 306 ، والقرطبي ج 15 ص 208. PageV12P166 (1) تفسير الآلوسى ج 23 ص 207. PageV12P167 (1) راجع تفسير القرطبي ج 15 ص 212. وتفسير الآلوسى ج 23 ص 208. PageV12P168 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 99. PageV12P169 (1) تفسير الآلوسى ج 23 ص 212. PageV12P172 (1) سورة فصلت الآية 8. PageV12P173 (1) سورة الأحزاب الآيتان 67 ، 68 PageV12P175 (1) تفسير القرطبي ج 15 ص 224. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 102. PageV12P176 (1) تفسير القرطبي ج 15 ص 226. (2) تفسير ابن كثير ج 7 ص 70. PageV12P179 (1) سورة الإسراء الآية 85. PageV12P180 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 105. PageV12P181 (1) تفسير الآلوسى ج 23 ص 232. PageV12P186 (1) تفسير الآلوسى ج 23 ص 233. PageV12P191 (1) تفسير فتح القدير ج 4 ص 448. PageV12P192 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 75. (2) صفوة البيان ج 2 ص 249 لفضيلة الشيخ محمد حسنين مخلوف. PageV12P193 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 113. (2) في ضلال القرآن ج 23 ص 122. PageV12P195 (1) تفسير فتح القدير ج 4 ص 450. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 590. PageV12P196 (1) سورة المرسلات الآيات من 20 23. PageV12P197 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 591. PageV12P198 (1) تفسير الآلوسى ج 23 ص 247. PageV12P201 (1) تفسير الآلوسى ج 23 ص 248. PageV12P202 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 117. PageV12P203 (1) تفسير فتح القدير ج 4 ص 454. PageV12P204 (1) حاشية الجمل ج 3 ص 594. PageV12P205 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 594. PageV12P206 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 121. (2) تفسير الآلوسى ج 23 ص 253. PageV12P208 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 81. PageV12P209 (1) سورة الكهف آية 45. PageV12P211 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 122 «والعيمة بفتح فسكون شدة العطش». (2) سورة الأنعام الآية 122. PageV12P212 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 123. PageV12P213 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 598. PageV12P214 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 85. PageV12P215 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 125. PageV12P217 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 126. PageV12P218 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 87. (2) أول الجزء الرابع والعشرون. PageV12P220 (1) تفسير الآلوسى ج 24 ص 2. PageV12P222 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 128. (2) تفسير القرطبي ج 15 ص 258. PageV12P223 (1) الكشاف ج 4 ص 129. PageV12P226 (1) تفسير القرطبي ج 15 ص 261. PageV12P228 (1) تفسير الفخر الرازي ms6255 ج 7 ص 258. (2) سورة الإسراء الآية 46. PageV12P230 (1 ، 2) راجع تفسير الآلوسى ج 24 ص 11. PageV12P231 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 132. (2) سورة المائدة الآيتان 36 ، 37. PageV12P232 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 133. PageV12P233 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 134. PageV12P234 (1) راجع تفسير القرطبي ج 15 ص 268 ، تفسير الآلوسى ج 24 ص 15. PageV12P236 (1) راجع تفسير فتح القدير للشوكانى ج 4 ص 470. PageV12P237 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 605. (2) سورة الفرقان الآية 70. PageV12P238 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 136. PageV12P239 (1) تفسير فتح القدير ج 4 ص 472. PageV12P240 (1) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 267. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 140. PageV12P243 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 608. PageV12P244 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 141. PageV12P245 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 143. (2) تفسير الآلوسى ج 24 ص 26. PageV12P246 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 108. PageV12P248 (1) تفسير الآلوسى ج 24 ص 33. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 147. PageV12P250 (1) راجع الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ج 1 ص 27. PageV12P254 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 116. PageV12P255 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 149. PageV12P259 (1) تفسير القرطبي ج 15 ص 291. PageV12P260 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 152. PageV12P263 (1) سورة النساء الآية 22. (2) تفسير الآلوسى ج 24 ص 50. PageV12P265 (1) سورة البقرة الآية 28. PageV12P266 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 122. PageV12P267 (1) سورة آل عمران الآية 190. (2) سورة الروم الآية 23. (3) سورة يونس الآية 6. PageV12P269 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 124. (2) تفسير الآلوسى ج 24 ص 55. PageV12P270 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 156. PageV12P271 (1) تفسير القرطبي ج 15 ص 301. PageV12P272 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 157. PageV12P273 (1) تفسير القرطبي ج 15 ص 303. PageV12P274 (1) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 302. PageV12P278 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 160. PageV12P279 (1) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 303. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 161. PageV12P280 (1) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 304. (2) تفسير ابن جرير ج 24 ص 38. PageV12P282 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 131. PageV12P283 (1) راجع تفسير القرطبي ج 15 ص 308. PageV12P284 (1) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 162. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 13. PageV12P285 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 133. PageV12P288 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 15. PageV12P289 (1) سورة القصص آية 38. (2) تفسير ابن كثير ج 6 ص 248. PageV12P291 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج ms6256 4 ص 16. PageV12P292 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 168. PageV12P293 (1) راجع تفسير القرطبي ج 15 ص 318. PageV12P295 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 172. PageV12P298 (1) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 321. PageV12P300 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 150. (2) سورة فاطر آية 2. (3) تفسير الآلوسى ج 24 ص 78. PageV12P301 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 174. PageV12P302 (1) لمعرفة آداب الدعاء وشروطه وفضله .. راجع كتابنا «الدعاء» طبع مجمع البحوث الإسلامية. (2) تفسير ابن كثير ج 7 ص 142. PageV12P303 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 176. PageV12P305 (1) تفسير الآلوسى ج 24 ص 83. PageV12P306 (1) تفسير ابن جرير ج 24 ص 53. PageV12P307 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 178. PageV12P311 (1) سورة الرعد الآية 40. (2) سورة النساء الآية 164. PageV12P312 (1) سورة النحل الآية 7. (2) سورة الزخرف الآية 12. PageV12P314 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 147. PageV12P315 (1) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 181. PageV12P316 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 24 ص 94. PageV12P320 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 28. PageV12P324 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 184. PageV12P325 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 153. (2) تفسير أضواء البيان ج 7 ص 114 للشيخ محمد أمين الشنقيطى. PageV12P327 (1) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 340. PageV12P328 (1) تفسير الآلوسى ج 24 ص 99. PageV12P329 (1) تفسير ابن جرير ج 24 ص 63. (2) تفسير الآلوسى ج 24 ص 101. PageV12P330 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 32. (2) تفسير الآلوسى ج 24 ص 102. (3) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 353. PageV12P331 (1) تفسير القرطبي ج 15 ص 344. (2) سورة الأعراف الآية 54. PageV12P332 (1) سورة ق الآية 38. (2) سورة البقرة الآية 29. (3) أضواء البيان ج 7 ص 102 للشيخ الشنقيطى. PageV12P333 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 152. (2) تفسير ابن جرير ج 1 ص 290. PageV12P335 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 191. PageV12P337 (1) سورة الحاقة الآيات من 4 7. (2) تفسير أضواء البيان ج 7 ص 124 للشيخ الشنقيطى. PageV12P339 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 195. PageV12P341 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 159. (2) سورة يس الآية 65. PageV12P342 (1) تفسير القرطبي ج 15 ص 354. PageV12P344 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 39. (2) سورة الزخرف الآيتان 36 ، 37. (3) سورة «ص» آية 85. PageV12P345 (1) تفسير الآلوسى ج 24 ص 119. PageV12P346 (1) حاشية الجمل ج 4 ص 41. PageV12P347 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 198. PageV12P348 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 165. (2) تفسير الآلوسى ج 24 ص 121. PageV12P349 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ms6257 ص 168. PageV12P350 (1) حاشية الجمل ج 4 ص 44. PageV12P353 (1) سورة الأنبياء الآيتان 19 ، 20. (2) سورة الحج الآية 5. PageV12P354 (1) تفسير الآلوسى ج 2 ص 127. PageV12P356 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 202. (2) سورة الذاريات الآيتان 52 ، 53. PageV12P357 (1) تفسير القرطبي ج 15 ص 371. PageV12P359 (1) راجع تفسير أضواء للبيان ج 7 ص 140 للشيخ الشنقيطى. PageV12P360 (1) أول الجزء الخامس والعشرون. PageV12P361 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 48. PageV12P362 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 177. (2) تفسير الآلوسى ج 25 ص 11. (3) سورة النساء آية 163. PageV13P011 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 209. PageV13P012 (1) تفسير الآلوسى ج 25 ص 14. PageV13P015 (1) سورة السجدة الآية 13. (2) سورة الأنعام الآية 35. (3) تفسير الكشاف ج 4 ص 211. (4) سورة النساء الآية 59. PageV13P016 (1) تفسير أضواء البيان ج 7 ص 175. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 212. PageV13P018 (1) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 282. (2) سورة المائدة الآية 48. (3) سورة آل عمران الآية 50. PageV13P020 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 215. PageV13P021 (1) سورة الحديد الآية 25. (2) سورة الأحزاب : الآية 63. PageV13P025 (1) سورة الإسراء الآيات من 28 ، 31. PageV13P027 (1) تفسير القرطبي ج 16 ص 19. PageV13P028 (1) تفسير الآلوسى ج 25 ص 30. PageV13P029 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 187. PageV13P030 (1) راجع تفسير ابن جرير ج 25 ص 17. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 223. PageV13P031 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 63. PageV13P033 (1) تفسير الآلوسى ج 25 ص 37. PageV13P034 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 224. PageV13P035 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 255. PageV13P036 (1) سورة فاطر الآية 45. (2) راجع تفسير ابن كثير ج 3 ص 195. PageV13P037 (1) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 227. PageV13P038 (1) راجع تفسيرنا لهذه الآية في سورة النساء ص 128. PageV13P040 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 227. (2) الخوافي الريش الذي يختفى عند ما يضم الطائر جناحيه. والقوادم : الريش الظاهر الكثير. (3) تفسير القرطبي ج 16 ص 36. PageV13P041 (1) تفسير فتح القدير ج 5 ص 541. PageV13P042 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 231. PageV13P045 (1) تفسير الآلوسى ج 25 ص 25. PageV13P046 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 232. PageV13P049 (1) سورة النساء الآية 113. (2) سورة يوسف الآية 3. PageV13P050 (1) راجع تفسيرنا لسور : البقرة ، وآل عمران ، والأعراف. PageV13P058 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 546. PageV13P059 (1) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 4 ص 547. PageV13P060 (1) سورة غافر الآية 21. PageV13P061 (1) راجع حاشية الكشاف ج 4 ص 238. PageV13P062 (1) تفسير الآلوسى ج 25 ص 67. (2) سورة الأعراف الآية 57. PageV13P063 (1) تفسير القرطبي ج 16 ص 66. (2) تفسير ابن ms6258 كثير ج 7 ص 308. PageV13P065 (1) تفسير الآلوسى ج 25 ص 96. PageV13P066 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 243. PageV13P067 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 80. PageV13P068 (1) راجع تفسيرنا لهذه الآية ص 143 من تفسير سورة النحل. PageV13P069 (1) سورة الأنعام الآية 78 ، 79. (2) سورة الشعراء الآيات 75 78. PageV13P073 (1) سورة البقرة الآية 122. PageV13P074 (1) سورة الحديد. الآية 26. PageV13P075 (1) تفسير الآلوسى ج 25 ص 78. PageV13P076 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 84. (2) سورة النحل آية 71. (3) سورة الإسراء آية 21. PageV13P077 (1) سورة فصلت الآية 25. PageV13P079 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 252. PageV13P081 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 215. (2) سورة الرعد الآية 40. (3) سورة النحل الآية 36. PageV13P082 (1) سورة الأنبياء الآية 25. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 254. PageV13P083 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 255. PageV13P085 (1) سورة الأعراف الآية 133. (2) تفسير ابن كثير ج 7 ص 207. PageV13P086 (1) سورة الأعراف الآيتان 134 ، 135. PageV13P087 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 218. PageV13P088 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 220. والشوكانى ج 4 ص 561. والآلوسى ج 25 ص 94. PageV13P090 (1) تفسير الآلوسى ج 25 ص 92. PageV13P091 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 261. PageV13P092 (1) تفسير الآلوسى ج 25 ص 95. (2) تفسير ابن كثير ج 7 ص 223. PageV13P093 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 162. PageV13P094 (1) تفسير الآلوسى ج 25 ص 97. PageV13P095 (1) سورة الأنعام الآية 101. (2) سورة مريم الآيات 88 92. (3) راجع تفسير ابن جرير ج 25 ص 61. PageV13P102 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 238. (2) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 265. (3) تفسير القرطبي ج 16 ص 120. PageV13P103 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 98. PageV13P105 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 232. (2) راجع حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 99. وتفسير الآلوسى ج 25 ص 111. PageV13P115 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 270. PageV13P116 (1) تفسير الآلوسى ج 25 ص 116. PageV13P117 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 25 ص 117. (2) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 233. PageV13P118 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 233. (2) راجع تفسير ابن جرير ج 25 ص 68. (3) راجع تفسير الآلوسى ج 25 ص 118. PageV13P119 (1) سورة الزخرف الآية 49. 50. PageV13P121 (1) سورة طه الآية 47. (2) تفسير الآلوسى ج 25 ص 121. PageV13P123 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 104. (2) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 453. PageV13P125 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 105. (2) تفسير الآلوسى ج 25 ص 123. (3) راجع ms6259 تفسيرنا لسورة الشعراء. ص 251 المجلد العاشر. PageV13P126 (1) تفسير الكشاف وحاشيته ج 4 ص 276. PageV13P127 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 239. (2) سورة المائدة الآية 78. 79. PageV13P128 (1) راجع تفسير الكشاف وحاشيته ج 4 ص 379. PageV13P130 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 242. PageV13P131 (1) تفسير الآلوسى ج 25 ص 136. PageV13P135 (1) سورة آل عمران الآية 190. (2) سورة يس الآية 40. PageV13P143 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 112. (2) راجع تفسيرنا لهذه الآية في سورة البقرة ص 329 وما بعدها. PageV13P144 (1) سورة البقرة الآية 252. PageV13P145 (1) تفسير الآلوسى ج 25 ص 142. PageV13P146 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 286. PageV13P147 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 288. (2) راجع تفسير الآلوسى ج 25 ص 146. PageV13P150 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 288. PageV13P151 (1) تفسير الآلوسى ج 25 ص 148. (2) تفسير الفخر الرازي ج 1 ص 355. (3) راجع تفسير أضواء البيان ج 7 ص 251. PageV13P153 (1) راجع تفسيرنا لسورة البقرة ص 115. PageV13P154 (1) سورة الصف الآية 6. (2) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 467. PageV13P155 (1) تفسير القرطبي ج 16 ص 163. PageV13P156 (1) سورة التوبة الآية 124 125. (2) سورة فصلت الآية 44. PageV13P157 (1) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 5 ص 8. PageV13P158 (1) تفسير الآلوسى ج 25 ص 151. PageV13P159 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 253. PageV13P161 (1) تفسير الكشاف ج 7 ص 291. PageV13P162 (1) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 473. PageV13P163 (1) تفسير فتح القدير ج 5 ص 10. (2) سورة غافر الآية 87. PageV13P164 (1) راجع تفسير القرطبي ج 16 ص 174. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 120. PageV13P165 (1) تفسير ابن كثير ج 8 ص 257. PageV13P167 (1) راجع تفسيرنا لسور البقرة والأعراف ويونس. (2) سورة ص الآية 27. (3) سورة الدخان الآيتان 38 ، 39. PageV13P177 (1) سورة لقمان الآية 11. (2) تفسير القرطبي ج 16 ص 182. PageV13P179 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 295. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 296. PageV13P180 (1) سورة مريم الآية 81 ، 82. (2) سورة العنكبوت الآية 25. PageV13P181 (1) سورة الحاقة الآيتان من 44 ، 47. PageV13P182 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 260. PageV13P184 (1) سورة فصلت الآية 52. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 299. (3) تفسير ابن كثير ج 7 ص 262. PageV13P185 (1) سورة الأنعام الآية 53. (2) سورة الفرقان الآية 5. PageV13P187 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 263. PageV13P189 (1) سورة لقمان الآية 14. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 302. (3) راجع تفسير الشوكانى ج 5 ص 18. PageV13P190 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 302. PageV13P191 (1) راجع تفسير القرطبي ج 16 ص 194. PageV13P192 (1) تفسير ابن ms6260 كثير ج 7 ص 266 والآلوسى ج 26 ص 20. PageV13P193 (1) تفسير الآلوسى ج 26 ص 22. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 132. PageV13P196 (1) راجع تفسير القرطبي ج 16 ص 203. PageV13P198 (1) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 5 ص 23. PageV13P200 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 134. PageV13P201 (1) سورة الزخرف الآية 8. (2) سورة غافر الآية 82. PageV13P202 (1) تفسير القرطبي ج 16 ص 210. PageV13P203 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 272 وما بعدها طبعة دار الشعب. (2) راجع تفسير الآلوسى ج 26 ص 30. PageV13P204 (1) تفسير الآلوسى ج 26 ص 32. PageV13P205 (1) راجع تفسير أضواء البيان ج 7 ص 401. PageV13P206 (1) راجع الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 27 للسيوطي. PageV13P212 (1) سورة الفرقان الآية 23. (2) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 215. PageV13P217 (1) راجع تفسير القرطبي ج 16 ص 224. (2) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 316. PageV13P218 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 316. PageV13P220 (1) تفسير الآلوسى ج 25 ص 43. PageV13P221 (1) سورة التوبة الآية 5. PageV13P222 (1) راجع تفسير ابن جرير ج 29 ص 27. (2) راجع تفسير القرطبي ج 16 ص 228. (3) راجع تفسير آيات الأحكام ج 4 ص 76 لفضيلة الشيخ محمد على السائس. PageV13P223 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 292. PageV13P224 (1) سورة الحج الآية 40. (2) سورة الروم الآية 47. (3) سورة غافر 51. (4) راجع تفسير القرطبي ج 16 ص 232. PageV13P225 (1) تفسير الآلوسى ج 26 ص 46. PageV13P227 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 294. PageV13P228 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 321. PageV13P229 (1) راجع تفسير القرطبي ج 16 ص 238. PageV13P231 (1) تفسير الآلوسى ج 26 ص 50. PageV13P232 (1) سورة غافر الآية 85. (2) سورة سبأ الآية 52. (3) سورة الفجر الآية 23. (4) تفسير الآلوسى ج 26 ص 52. PageV13P233 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 298. PageV13P234 (1) تفسير الآلوسى ج 26 من ص 55 إلى 66. (2) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 521. PageV13P235 (1) تفسير الشوكانى ج 5 ص 38. (2) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 522. PageV13P237 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 326. (2) سورة النساء الآية 82. PageV13P238 (1) سورة الحشر الآية 11. PageV13P240 (1) سورة الأنفال الآية 50. PageV13P241 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 153. PageV13P242 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 304. PageV13P243 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 305. PageV13P245 (1) سورة آل عمران الآية 91. PageV13P246 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 155. PageV13P247 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 307. PageV13P252 (1) راجع سيرة ابن هشام ms6261 ج 3 من ص 355 إلى ص 378 وتفسير ابن كثير ج 7 ص 327. PageV13P255 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 207 وتفسير الآلوسى ج 26 ص 83. PageV13P257 (1) تفسير فتح القدير ج 5 ص 44 للشوكانى. PageV13P258 (1) تفسير صفوة البيان ج 2 ص 333 لفضيلة الشيخ حسنين مخلوف. (2) تفسير ابن كثير ج 7 ص 309. PageV13P259 (1) سورة التوبة الآية 124. PageV13P260 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 26 ص 92. PageV13P261 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 334. PageV13P262 (1) سورة البقرة الآية 143. (2) سورة النحل الآية 89. (3) سورة الأحزاب الآية 45. PageV13P263 (1) تفسير الآلوسى ج 26 ص 95. (2) راجع تفسير القرطبي ج 16 ص 266. PageV13P264 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 335. PageV13P265 (1) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 541. PageV13P267 (1) سورة فاطر الآية 2. PageV13P268 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 327. PageV13P269 (1) تفسير الآلوسى ج 26 ص 101. PageV13P270 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 328. PageV13P271 (1) سورة التوبة الآيات 25 27. PageV13P272 (1) راجع تفسير سورة الفتح ص 89 وما بعدها لفضيلة أستاذنا الدكتور أحمد الكومى. PageV13P273 (1) تفسير الآلوسى ج 26 ص 108. PageV13P275 (1) سورة الصافات ، الآيات 171 173. (2) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 223 وتفسير الآلوسى ج 26 ص 111. PageV13P277 (1) تفسير القرطبي ج 16 ص 283. PageV13P279 (1) تفسير الآلوسى ج 26 ص 120. PageV13P282 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 26 ص 122. PageV13P283 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 337. PageV13P284 (1) سورة المائدة الآية 54. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 346. PageV13P286 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 26 ص 125. PageV13P287 (1) سورة الأنفال الآية 26. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 348. (3) راجع تفسير سورة الفتح ص 160 لفضيلة استأذنا الشيخ أحمد الكومى. (4) تفسير القرطبي ج 16 ص 294. PageV13P288 (1) راجع تفسير القرطبي ج 16 ص 296. PageV13P289 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 174. PageV13P297 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 345. (2) راجع تفسير القرطبي ج 16 ص 300. (3) تفسير الآلوسى ج 26 ص 134. PageV13P298 (1) تفسير القرطبي ج 16 ص 306. (2) تفسير ابن كثير ج 7 ص 348. (3) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 347 والقرطبي ج 16 ص 304. PageV13P299 (1) تفسير أضواء البيان ج 7 ص 616 للشيخ الشنقيطى. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 355. PageV13P300 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 358. PageV13P301 (1) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 359. PageV13P302 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص ms6262 350. PageV13P303 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 360. (2) راجع تفسير القرطبي ج 16 ص 312. PageV13P304 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 26 ص 148. PageV13P305 (1) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 362. PageV13P306 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 354. PageV13P307 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 366. (2) تفسير فتح القدير ج 5 ص 63 للشوكانى. PageV13P309 (1) سورة هود الآية 38. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 367. PageV13P310 (1) سورة النور الآية 61. (2) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 370. PageV13P311 (1) تفسير ابن جرير ج 26 ص 85. (2) راجع تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 577. (3) تفسير الآلوسى ج 26 ص 154. PageV13P312 (1) تفسير آيات الأحكام ج 4 ص 92 لفضيلة الشيخ محمد على السائس. (2) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 357. (3) تفسير الآلوسى ج 26 ص 156. PageV13P314 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 357. (2) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 359. PageV13P315 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 373. (2) راجع تفسير الآلوسى ج 26 ص 161. PageV13P316 (1) تفسير القرطبي ج 16 ص 340. (2) تفسير الآلوسى ج 26 ص 161. PageV13P317 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 374. PageV13P318 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 366. (2) سورة التوبة الآية 99. PageV13P319 (1) تفسير الآلوسى ج 26 ص 176. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 376. PageV13P320 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 368. PageV13P321 (1) تفسير الآلوسى ج 26 ص 169. PageV13P322 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 378. PageV13P323 (1) راجع الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 27 للإمام السيوطي. (2) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 370. PageV13P328 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 372. PageV13P331 (1) تفسير الآلوسى ج 26 ص 172. PageV13P332 (1) سورة تبارك الآيتان 3 ، 4. PageV13P333 (1) سورة الأحقاف الآية 33. PageV13P335 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 375. PageV13P336 (1) سورة الشعراء الآية 176 وما بعدها. (2) سورة الدخان الآية 37. (3) سورة العنكبوت الآية 40. PageV13P337 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 375. (2) سورة الروم الآية 27. PageV13P338 (1) تفسير الآلوسى ج 26 ص 178. (2) راجع حاشية تفسير الكشاف ج 4 ص 382. PageV13P339 (1) راجع تفسير القرطبي ج 17 ص 9. PageV13P340 (1) حاشية الجمل ج 4 ص 192. (2) تفسير ابن كثير ج 7 ص 376. (3) سورة الإسراء الآيتان 13 ، 14. PageV13P341 (1) راجع أضواء البيان للشيخ الشنقيطى ج 7 ص 651. PageV13P342 (1) تفسير الآلوسى ج 26 ص 285. (2) سورة إبراهيم الآية 22. PageV13P345 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 381. PageV13P346 (1) تفسير فتح ms6263 القدير ج 5 ص 77 للشوكانى. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 197. PageV13P347 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 384. PageV13P348 (1) تفسير الآلوسى ج 26 ص 191. (2) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 392. PageV13P350 (1) صحيح البخاري : «كتاب الأذان» باب «الذكر بعد الصلاة» ج 1 ص 213. (2) سورة طه الآية 130. PageV13P351 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 388. (2) سورة الإسراء الآية 52. PageV13P352 (1) سورة الكهف الآية 45. PageV14P008 (1) سورة الأعراف الآية 57. (2) سورة الرعد الآية 12. (3) سورة الشورى الآية 32. PageV14P009 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 391. (2) راجع تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 628. (3) تفسير الآلوسى ج 27 ص 3. PageV14P010 (1) راجع تفسير القرطبي ج 17 ص 31. PageV14P011 (1) تفسير الجلالين وحاشيته ج 4 ص 202. PageV14P012 (1) راجع تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 635. PageV14P014 (1) تفسير ابن جرير ج 26 ص 126. (2) تفسير الآلوسى ج 27 ص 9. PageV14P015 (1) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 399. (2) سورة غافر آية 13. (3) سورة السجدة الآية 5. PageV14P016 (1) تفسير القرطبي ج 17 ص 41. PageV14P017 (1) أول الجزء السابع والعشرين. PageV14P018 (1) تفسير الآلوسى ج 27 ص 11. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 401. PageV14P019 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 397. PageV14P020 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 399. PageV14P021 (1) تفسير الآلوسى ج 27 ص 15. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 403. PageV14P023 (1) تفسير القرطبي ج 17 ص 51. PageV14P024 (1) راجع تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 655. PageV14P026 (1) سورة الرعد آية 15. PageV14P028 (1) راجع تفسير القرطبي ج 17 ص 56. (2) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 401. (3) سورة الأنعام الآية 14. (4) تفسير الآلوسى ج 27 ص 22. PageV14P029 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 404. PageV14P034 (1) تفسير القرطبي ج 17 ص 58. PageV14P036 (1) تفسير الآلوسى ج 27 ص 27. (2) تفسير ابن كثير ج 7 ص 403. PageV14P037 (1) تفسير الآلوسى ج 27 ص 29. (2) سورة النمل الآية 88. (3) سورة المعارج الآيات من 8 10. PageV14P038 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 409. PageV14P040 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 408. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 411. (3) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 216. PageV14P042 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 412. PageV14P043 (1) حاشية الجمل على الجلالية ج 4 ص 217. PageV14P045 (1) تفسير الآلوسي ج 27 ص 36. PageV14P046 (1) سورة هود الآية 13. (2) سورة البقرة الآية 23. PageV14P047 (1) سورة الجن الآيتان 26 ، 27. PageV14P049 (1) تفسير القرطبي ج 17 ص 77. PageV14P050 (1) راجع تفسير الآلوسي ج 27 ms6264 ص 44. PageV14P054 (1) تفسير الآلوسى ج 27 ص 45. PageV14P057 (1) تفسير التحرير والتنوير ج 27 ص 90 للشيخ محمد الطاهر بن عاشور. (2) راجع تفسير ابن كثير ج 4 ص 247. (3) تفسير الكشاف ج 4 ص 28. PageV14P058 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 29. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 225. PageV14P060 (1) تفسير الآلوسى ج 27 ص 49. (2) سورة طه الآية 78. (3) سورة القصص الآية 10. PageV14P061 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 29. (2) راجع ابن كثير تفسير ج 4 ص 247. PageV14P062 (1) تفسير الآلوسى ج 27 ص 50. (2) تفسير ابن كثير ج 4 ص 252. PageV14P063 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 252. PageV14P064 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 27 ص 52 وابن كثير ج 4 ص 248 وما بعدها. PageV14P065 (1) تفسير الآلوسى ج 27 ص 65. (2) راجع حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 230. PageV14P068 (1) سورة الزخرف الآية 31. PageV14P070 (1) سورة سبأ الآية 23. (2) سورة الأنبياء الآية 28. PageV14P071 (1) سورة الزخرف الآية 19. PageV14P072 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 4 ص 255. PageV14P075 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 256. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 32. (3) راجع تفسير الآلوسى ج 27 ص 61. PageV14P076 (1) سورة الزمر الآية 6. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 23. PageV14P077 (1) تفسير الآلوسى ج 27 ص 64. PageV14P078 (1) تفسير الآلوسى ج 27 ص 65. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 33. PageV14P079 (1) تفسير الآلوسى ج 27 ص 66. (2) سورة الحديد آية 12. PageV14P081 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 358. PageV14P082 (1) راجع حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 236. PageV14P084 (1) سورة الجاثية الآية 24. (2) سورة القيامة الآيات من 36 إلى 40. PageV14P085 (1) تفسير الآلوسى ج 27 ص 69. (2) تفسير القرطبي ج 17 ص 119. PageV14P086 (1) سورة هود الآيتان 82 ، 83. PageV14P087 (1) راجع تفسيرنا لسورة الحج ص 325 ، 326. PageV14P089 (1) تفسير التحرير والتنوير ج 27 ص 166 للشيخ محمد الطاهر بن عاشور. PageV14P092 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 261. PageV14P095 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 4 ص 261. (2) راجع تفسير الآلوسى ج 27 ص 76. (3) تفسير الكشاف ج 4 ص 36. PageV14P096 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 242. PageV14P098 (1) تفسير القرطبي ج 17 ص 129. PageV14P099 (1) تفسير الآلوسى ج 27 ص 81. PageV14P100 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 37. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 243. PageV14P101 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 38. PageV14P102 (1) تفسير الآلوسى ج 27 ص 83. (2) سورة الفرقان الآية 37. PageV14P103 (1) سورة العنكبوت ms6265 الآية 15. (2) تفسير القرطبي ج 17 ص 133. (3) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 84. PageV14P104 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 364. (2) سورة فصلت الآية 16. PageV14P106 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 364. (2) سورة الحاقة الآيتان 6 ، 7. PageV14P107 (1) سورة الشعراء الآيات 153 155. PageV14P109 (1) تفسير الآلوسى ج 27 ص 79. PageV14P111 (1) راجع تفسير القرطبي ج 17 ص 144. PageV14P114 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 41. PageV14P115 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 27 ص 92. PageV14P118 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 4 ص 267. PageV14P119 (1) سورة يونس الآية 61. PageV14P120 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 269. PageV14P124 (1) تفسير القرطبي ج 17 ص 151. PageV14P125 (1) سورة النحل الآية 103. (2) سورة الفرقان الآية 4. (3) سورة الفرقان الآية 60. (4) تفسير الكشاف ج 4 ص 43. PageV14P128 (1) سورة يس الآية 40. (2) سورة الحج الآية 18. (3) تفسير ابن كثير ج 4 ص 270. PageV14P129 (1) تفسير الآلوسى ج 27 ص 101. PageV14P130 (1) تفسير القرطبي ج 17 ص 157. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 254. PageV14P132 (1) راجع في ظلال القرآن ج 27 ص 3541. (2) تفسير ابن كثير ج 4 ص 271. PageV14P134 (1) سورة المزمل الآية 9. (2) سورة الصافات الآية 5. PageV14P135 (1) تفسير التحرير والتنوير ج 27 ص 246 للشيخ محمد الطاهر بن عاشور. (2) راجع في ظلال القرآن ج 27 ص 3452. PageV14P136 (1) راجع «كتاب الله والعلم الحديث» ص 105 للأستاذ عبد الرازق نوفل. (2) راجع تفسير الآلوسى ج 22 ص 106. (3) سورة فاطر الآية 12. (4) راجع دائرة معارف الشعب المصرية العدد 73 ص 537. PageV14P137 (1) سورة الشورى الآيات 32 34. PageV14P138 (1) راجع تفسير القرطبي ج 17 ص 165. PageV14P139 (1) تفسير الآلوسى ج 27 ص 110. PageV14P140 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 47. PageV14P141 (1) سورة القيامة الآيات 7 ، 12. PageV14P142 (1) سورة الفرقان الآيتان 25 ، 26. (2) سورة الحاقة الآيات 13 16. (3) سورة المعارج الآيات 8 10. PageV14P143 (1) سورة الزمر الآية 60. (2) سورة طه الآية 102. PageV14P144 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 4 ص 287. PageV14P145 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 27 ص 115. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 49. PageV14P146 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 4 ص 279. (2) راجع تفسير القرطبي ج 17 ص 184. (3) تفسير الآلوسى ج 27 ص 121. PageV14P149 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 50. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 266. PageV14P150 (1) تفسير القرطبي ج 17 ص 192. PageV14P151 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 281. PageV14P154 (1) راجع حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 270. (2) راجع أضواء البيان ms6266 ج 7 ص 761 للشيخ الشنقيطى رحمهالله . (3) تفسير القرطبي ج 17 ص 194. PageV14P157 (1) سورة النساء الآية 87. (2) سورة غافر الآية 84. PageV14P158 (1) سورة المزمل الآية 14. PageV14P159 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 27 ص 133. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 53. PageV14P161 (1) راجع أضواء البيان ج 7 ص 719 للشيخ محمد الأمين الشنقيطى. PageV14P163 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 27 ص 139. PageV14P165 (1) تفسير القرطبي ج 17 ص 207. (2) تفسير ابن كثير ج 4 ص 289. PageV14P166 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 27 ص 142. PageV14P167 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 291. (2) تفسير الآلوسى ج 27 ص 143. PageV14P168 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 50. PageV14P169 (1) سورة النحل آية 38. PageV14P170 (1) سورة المؤمنون الآيات 12 14. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 278. PageV14P174 (1) سورة الأنعام الآية 123. (2) سورة فاطر الآية 15 17. PageV14P175 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 56. (2) تفسير القرطبي ج 47 ص 216. PageV14P176 (1) تفسير القرطبي ج 17 ص 218. PageV14P177 (1) أضواء البيان ج 7 ص 794 للشيخ محمد الأمين الشنتيطى. PageV14P178 (1) راجع تفسير آيات الأحكام ج 4 ص 96 ، للشيخ محمد على السائس. PageV14P180 (1) تفسير الآلوسى ج 27 ص 152. (2) من كتاب «الله والعلم الحديث» ص 33 للأستاذ عبد الرازق نوفل. (3) تفسير ابن كثير ج 4 ص 399. PageV14P181 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 59. PageV14P182 (1) سورة الشعراء الآيات 192 195. (2) سورة الشعراء الآيات 210 212. (3) راجع تفسيرنا آيات الأحكام ج 4 ص 103. PageV14P183 (1) تفسير القرطبي ج 17 ص 326. PageV14P184 (1) تفسير الآلوسى ج 27 ص 156. (2) راجع تفسير ابن كثير ج 4 ص 299. وتفسير القرطبي ج 17 ص 228. PageV14P186 (1) تفسير الآلوسى ج 27 ص 160. PageV14P188 (1) تفسير الآلوسى ج 27 ص 164. PageV14P192 (1) سورة الإسراء الآية 44. PageV14P196 (1) سورة الأنعام الآية 104. (2) سورة آل عمران الآية 3. (3) راجع تفسير ابن كثير ج 4 ص 402. PageV14P198 (1) تفسير الآلوسى ج 27 ص 168. PageV14P200 (1) سورة النساء الآية 136. PageV14P201 (1) راجع تفسير القرطبي ج 17 ص 238. PageV14P202 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 4 ص 305. PageV14P203 (1) تفسير الآلوسى ج 27 ص 171. PageV14P204 (1) راجع تفسير القرطبي ج 17 ص 240. (2) راجع تفسير ابن كثير ج 4 ص 306. PageV14P205 (1) تفسير القرطبي ج 3 ص 239. PageV14P206 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 308. (2) سورة النحل الآية 97. PageV14P208 (1) تفسير الآلوسى ج 27 ص 176. PageV14P209 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 476. PageV14P210 (1) تفسير الآلوسى ج 27 ص ms6267 179. PageV14P212 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 64. (2) تفسير القرطبي ج 17 ص 251. PageV14P214 (1) تفسير الفخر الرازي ج 29 ص 231. طبعة دار الفكر بيروت. (2) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 65. PageV14P215 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 65. PageV14P217 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 292. PageV14P219 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 65. PageV14P220 (1) راجع تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 4. (2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 404. (3) سورة آل عمران الآيات 14 17. PageV14P221 (1) سورة التوبة الآية 51. (2) سورة الأعراف الآية 93. PageV14P223 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 66. PageV14P224 (1) سورة المنافقون الآية 7. PageV14P225 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 314. PageV14P226 (1) تفسير الآلوسى ج 27 ص 188. (2) سورة الزمر الآية 6. (3) سورة الأنفال الآية 60. PageV14P227 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 315. (2) راجع تفسير الفخر الرازي ج 29 ص 243. PageV14P228 (1) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 171. (2) تفسير التحرير والتنوير ج 27 ص 241 للشيخ محمد الطاهر ابن عاشور. رحمهالله . PageV14P230 (1) راجع تفسير ابن جرير ج 27 ص 238. (2) راجع تفسير الآلوسى ج 27 ص 191. PageV14P232 (1) تفسير القرطبي ج 17 ص 266. PageV14P233 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 298. PageV14P234 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 4 ص 267. (2) تفسير ابن جرير ج 27 ص 242. PageV14P235 (1) راجع أضواء البيان ج 7 ص 816 الشيخ محمد أمين الشنقيطى. PageV14P236 (1) تفسير القرطبي ج 17 ص 269. PageV14P240 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 318 ، وتفسير ابن جرير ج 28 ص 2. PageV14P243 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 70. PageV14P244 (1) راجع تفسير القرطبي ج 17 ص 270. (2) راجع تفسير الآلوسى ج 28 ص 4. PageV14P245 (1) تفسير ابن جرير ج 28 ص 8. PageV14P247 (1) تفسير القرطبي ج 17 ص 269. PageV14P249 (1) راجع تفسير القرطبي ج 17 ص 278. (2) راجع تفسير القرطبي ج 17 ص 285. PageV14P250 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 28 ص 3 وما بعدها. PageV14P251 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 301. PageV14P252 (1) سورة الكهف الآية 49. (2) تفسير الآلوسى ج 28 ص 23. PageV14P253 (1) راجع تفسير الفخر الرازي ج 28 ص 226. (2) تفسير القرطبي ج 17 ص 290. PageV14P254 (1) تفسير الآلوسى ج 28 ص 25. PageV14P255 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 28 ص 26. PageV14P256 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 28 ص 27. (2) تفسير ابن كثير ج 4 ص 324. PageV14P259 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 324. PageV14P260 (1) تفسير القرطبي ج 17 ms6268 ص 298. (2) تفسير ابن كثير ج 4 ص 325. PageV14P262 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 76. (2) تفسير القرطبي ج 17 ص 301. PageV14P263 (1) تفسير آيات الأحكام ج 4 ص 131 للشيخ محمد على السائس. PageV14P264 (1) تفسير الآلوسى ج 28 ص 31. (2) صفوت البيان ج 2 ص 412 لفضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف. (3) راجع تفسير آيات الأحكام ج 4 ص 133. PageV14P265 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 307. PageV14P267 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 77. (2) تفسير القرطبي ج 17 ص 304. (3) سورة التوبة الآية 42. PageV14P268 (1) تفسير القرطبي ج 17 ص 305. PageV14P269 (1) سورة الأنعام آية 23. (2) سورة الأنعام الآية 28. (3) تفسير الكشاف ج 4 ص 78. PageV14P270 (1) راجع تفسير التحرير والتنوير ، ج 28 ص 53 للشيخ محمد الطاهر بن عاشور. PageV14P271 (1) تفسير الآلوسى ج 28 ص 34. PageV14P272 (1) سورة غافر الآية 51. (2) سورة الصافات الآيات 171 173. PageV14P273 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 330. PageV14P274 (1) سورة ص آية 18 ، 19. (2) راجع تفسيرنا لسورة الإسراء الآية 44 ص 361. PageV14P281 (1) سورة المائدة الآية 11. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 79. PageV14P282 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 81. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 311. PageV14P284 (1) تفسير الآلوسى ج 28 ص 41. (2) تفسير القرطبي ج 18 ص 6. PageV14P285 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 28 ص 43. PageV14P286 (1) تفسير الآلوسى ج 28 ص 43. PageV14P288 (1) تفسير الآلوسى ج 28 ص 45. PageV14P290 (1) راجع تفسير ابن جرير ج 28 ص 38. PageV14P291 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 28 ص 45. (2) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 82. (3) تفسير ابن كثير ج 4 ص 335. PageV14P292 (1) راجع تفسير القرطبي ج 18 ص 12. PageV14P293 (1) راجع تفسير أضواء البيان ج 8 ص 54 للشيخ الشنقيطى رحمهالله . (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 82. PageV14P294 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 4 ص 336. (2) «تفسير صفوت البيان» ج 2 ص 416 لفضيلة للشيخ حسنين مخلوف. PageV14P295 (1) راجع تفسير الفخر الرازي ج 29 ص 287. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 83. PageV14P296 (1) تفسير الآلوسى ج 28 ص 52. وراجع تفسير القرطبي ج 18 ص 24. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 84. (3) تفسير ابن كثير ج 4 ص 339. PageV14P298 (1) تفسير الآلوسى ج 28 ص 54. (2) سورة التوبة الآية 100. PageV14P299 (1) تفسير الفخر الرازي ج 29 ص 289. PageV14P300 (1) تفسير الآلوسى ج 28 ص 56. PageV14P301 (1) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 58. PageV14P302 (1) تفسير ms6269 الكشاف ج 4 ص 85. PageV14P303 (1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 340. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 85. PageV14P304 (1) سورة إبراهيم الآية 22. PageV14P305 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 4 ص 341 ، وتفسير القرطبي ج 18 ص 38. PageV14P306 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 508. PageV14P307 (1) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 508. (2) سورة غافر الآية 58. (3) راجع تفسير الآلوسى ج 27 ص 62. PageV14P309 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 321. PageV14P310 (1) تفسير القرطبي ج 18 ص 46. PageV14P311 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 3 ص 515 وج 8 ص 106. PageV14P313 (1) راجع تفسير القرطبي ج 18 ص 49. PageV14P316 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 28 ص 65. وتفسير ابن كثير ج 8 ص 108. PageV14P320 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 512. PageV14P321 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 28 ص 68. PageV14P323 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 513. PageV14P324 (1) فتح القدير للشوكانى ج 5 ص 211. PageV14P325 (1) سورة النساء الآية 144. (2) سورة آل عمران الآية 118. PageV14P326 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 28 ص 69. PageV14P327 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 514. (2) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 5 ص 212. PageV14P329 (1) تفسير التحرير والتنوير ج 28 ص 139 للشيخ محمد الطاهر بن عاشور. PageV14P331 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 515. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 328. PageV14P332 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 28 ص 74. PageV14P334 (1) راجع تفسير القرطبي ج 18 ص 59. (2) راجع تفسير ابن جرير ج 28 ص 43. PageV14P335 (1) راجع تفسير القرطبي ج 18 ص 61. (2) تفسير ابن جرير ج 28 ص 45. (3) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 517. PageV14P337 (1) راجع أضواء البيان ج 8 ص 160. (2) تفسير ابن كثير ج 8 ص 118. PageV14P338 (1) تفسير القرطبي ج 18 ص 65. PageV14P339 (1) راجع تفسير القرطبي ج 18 ص 68. PageV14P340 (1) تفسير ابن كثير ج 8 ص 121. (2) تفسير الآلوسى ج 38 ص 79. PageV14P341 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 519. PageV14P342 (1) راجع تفسير القرطبي ج 18 ص 71. وتفسير ابن كثير ج 8 ص 122. (2) تفسير ابن كثير ج 8 ص 126. PageV14P343 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 28 ص 80. PageV14P344 (1) تفسير الآلوسى ج 28 ص 81. PageV14P345 (1) تفسير ابن كثير ج 8 ص 124. PageV14P346 (1) تفسير ابن جرير ج 8 ص 131. PageV14P350 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 8 ص 132. PageV14P353 (1) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 523. (2) راجع تفسير الفخر الرازي ج 8 ص ms6270 139. PageV14P354 (1) تفسير ابن كثير ج 8 ص 135. PageV14P355 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 336. (2) سورة النساء الآية 115. PageV14P356 (1) تفسير الآلوسى ج 28 ص 86. (2) راجع تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 139. (3) راجع تفسير القاسمى 16 ص 5788. (4) راجع تفسيرنا لسورة الأعراف الآية 157 ص 390. PageV14P358 (1) تفسير الكشاف ج 2 ص 265. PageV14P360 (1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 349. PageV14P361 (1) سورة التوبة الآية 111. PageV14P363 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 528. PageV14P366 (1) تفسير في ظلال القرآن ج 28 ص 89. PageV14P368 (1) تفسير الآلوسى ج 28 ص 92. PageV14P372 (1) سورة الإسراء آية 44. PageV14P375 (1) سورة البقرة الآية 129. PageV14P376 (1) سورة الأنعام الآية 19. (2) راجع تفسيرنا لسورة الأنعام ص 53. PageV14P377 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 530. PageV14P378 (1) سورة آل عمران الآيتان 73 و74. PageV14P379 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 530. (2) تفسير ابن كثير ج 8 ص 143. (3) تفسير القرطبي ج 18 ص 94. PageV14P380 (1) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 530. PageV14P381 (1) تفسير الآلوسى ج 28 ص 96. PageV14P382 (1) تفسير الآلوسى ج 28 ص 96. PageV14P383 (1) راجع تفسير ابن جرير ج 1 ص 427. (2) تفسير ابن كثير ج 8 ص 144. (3) تفسير الكشاف ج 4 ص 531 وج 1 ص 225. PageV14P384 (1) راجع تفسيرنا لسورة البقرة الآية 96 ص 214. PageV14P385 (1) تفسير الآلوسى ج 28 ص 102. PageV14P387 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 8 ص 149. (2) راجع تفسير الآلوسى ج 28 ص 105. PageV14P389 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 345. PageV14P390 (1) راجع تفسير القرطبي ج 18 ص 99. PageV14P391 (1) تفسير القرطبي ج 18 ص 105. PageV14P392 (1) تفسير آيات الأحكام ج 4 ص 152 للشيخ محمد على السائس. (2) تفسير ابن كثير ج 8 ص 149. PageV14P393 (1) راجع الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 27 للسيوطي. PageV14P396 (1) راجع مقدمة تفسيرنا لسورة التوبة. (2) راجع على سبيل المثال كتاب : (سيرة الرسول صلىاللهعليهوسلم ) ج 2 ص 176 للأستاذ محمد عزت دروزة. PageV14P397 (1) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 5 ص 230. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 538. PageV14P399 (1) سورة التوبة الآية 56. (2) سورة التوبة الآية 74. (3) سورة التوبة الآية 62. (4) تفسير الآلوسى ج 28 ص 109. PageV14P400 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 539. (2) تفسير القرطبي ج 18 ص 124. PageV14P402 (1) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 540. (2) تفسير الآلوسى ج 28 ص 112. PageV14P403 (1) تفسير ابن جرير ج 10 ص 113. PageV14P404 (1) لمعرفة هذه الآثار بالتفصيل راجع تفسير ms6271 ابن جرير ج 28 ص 71 ، وتفسير ابن كثير ج 8 ص 152. PageV14P407 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 28 ص 112. PageV14P408 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 543. PageV14P410 (1) راجع تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 151. PageV14P411 (1) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 5 ص 234. PageV14P418 (1) سورة الإسراء الآية 44. PageV14P420 (1) تفسير القرطبي ج 18 ص 132. PageV14P422 (1) سورة القمر الآيتان 24 ، 25. PageV14P424 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 548. PageV14P426 (1) سورة الشورى الآية 52. PageV14P427 (1) راجع تفسير القرطبي ج 18 ص 136. (2) تفسير الآلوسى ج 28 ص 123. PageV14P428 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 8 ص 163. PageV14P429 (1) تفسير ابن كثير ج 8 ص 165. (2) تفسير القرطبي ج 18 ص 140. PageV14P431 (1) تفسير الآلوسى ج 28 ص 127. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 353. PageV14P432 (1) تفسير الآلوسى ج 28 ص 127. PageV14P433 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 552. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 355. (3) سورة الإسراء : 23 ، 24. PageV14P440 (1) سورة الأحزاب : الآية 49. PageV14P441 (1) تفسير ابن كثير ج 8 ص 169. (2) تفسير القرطبي ج 18 ص 149. PageV14P442 (1) تفسير القرطبي ج 18 ص 151. (2) راجع تفسير الآلوسى ج 28 ص 130. وتفسير آيات الأحكام ج 4 ص 156. للشيخ السائس. PageV14P443 (1) تفسير الآلوسى ج 28 ص 133. PageV14P444 (1) تفسير التحرير والتنوير ج 28 ص 304 لفضيلة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور. PageV14P445 (1) راجع تفسير القرطبي ج 18 ص 156. PageV14P446 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 28 ص 135. PageV14P447 (1) تفسير القرطبي ج 18 ص 159. PageV14P448 (1) تفسير التحرير والتنوير ج 28 ص 314 للشيخ ابن عاشور. PageV14P450 (1) تفسير القرطبي ج 18 ص 162. PageV14P451 (1) تفسير ابن كثير ج 8 ص 176. (2) راجع تفسير آيات الأحكام ج 4 ص 166 ، وتفسير الآلوسى ج 28 ص 137. PageV14P452 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 558. PageV14P453 (1) تفسير ابن كثير ج 8 ص 179. PageV14P454 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 559. PageV14P455 (1) تفسير ابن جرير ج 28 ص 149. (2) تفسير ابن كثير ج 8 ص 181. PageV14P456 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 361. PageV14P459 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 28 ص 141. (2) راجع تفسير ابن كثير ج 8 ص 182. PageV14P460 (1) تفسير الآلوسى ج 28 ص 143. PageV14P461 (1) راجع تفسير القرطبي ج 18 ص 177 وتفسير ابن كثير ج 8 ص 185 ، وتفسير الآلوسى ج 28 ص 146. (2) راجع تفسير القرطبي ج 18 ص 179. (3) راجع تفسير ms6272 ابن كثير ج 8 ص 187. (4) راجع تفسير الآلوسى ج 28 ص 147. PageV14P466 (1) راجع تفسير القاسمى ج 16 ص 5852. PageV14P467 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 28 ص 148. PageV14P468 (1) سورة التوبة الآية 3. PageV14P470 (1) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 567. (2) راجع الحديث بتمامه في تفسير ابن كثير ج 8 ص 188 فهو حديث ممتع وطويل. PageV14P471 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 367. (2) تفسير الآلوسى ج 28 ص 155. PageV14P472 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 567. PageV14P473 (1) راجع تفسير القرطبي ج 18 ص 194. PageV14P475 (1) راجع تفسير القرطبي ج 18 ص 194. (2) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 570. PageV14P477 (1) تفسير ابن كثير ج 8 ص 198. PageV14P481 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 371. PageV14P482 (1) تفسير الآلوسى ج 28 ص 164. PageV14P483 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 570. PageV14P485 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 29 ص 2 وتفسير ابن كثير ج 8 ص 203. PageV15P004 (1) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 169. PageV15P007 (1) راجع تفسير القرطبي ج 18 ص 206. PageV15P008 (1) سورة النمل الآية 88. (2) سورة السجدة الآية 7. (3) تفسير الكشاف ج 4 ص 576. PageV15P009 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 576. PageV15P011 (1) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 173. (2) سورة الجن الآيتان 8 ، 9. (3) تفسير ابن كثير ج 8 ص 204. PageV15P012 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 578. PageV15P014 (1) تفسير ابن كثير ج 8 ص 205. PageV15P015 (1) تفسير القرطبي ج 18 ص 214. PageV15P017 (1) تفسير أضواء البيان ج 8 ص 406. PageV15P018 (1) راجع في ظلال القرآن ج 29 ص 193 نقلا عن كتاب. العلم يدعو للايمان ص 70. (2) راجع تفسير الآلوسى ج 29 ص 15. PageV15P019 (1) سورة العنكبوت آية 40. (2) تفسير التحرير والتنوير ج 29 ص 37 للشيخ محمد الطاهر بن عاشور رحمهالله . PageV15P021 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 581. (2) سورة النحل آية 79. PageV15P022 (1) تفسير ابن كثير ج 8 ص 208. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 380. PageV15P024 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 583. PageV15P029 (1) الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 27. (2) تفسير الآلوسى ج 29 ص 22. PageV15P032 (1) راجع ق ظلال القرآن ج 29 ص 214. PageV15P033 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 8 ص 213. وتفسير القرطبي ج 18 ص 223. (2) تفسير القرطبي ج 18 ص 225. PageV15P038 (1) تفسير الآلوسى ج 29 ص 24. (2) راجع تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 185. PageV15P039 (1) تفسير ابن كثير ج 8 ms6273 ص 312. PageV15P040 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 383. PageV15P041 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 586. PageV15P042 (1) تفسير ابن كثير ج 8 ص 223. PageV15P046 (1) راجع تفسير القرطبي ج 18 ص 241. PageV15P047 (1) تفسير القرطبي ج 18 ص 241. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 590. PageV15P048 (1) تفسير الآلوسى ج 29 ص 32. PageV15P050 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 388. PageV15P052 (1) تفسير الآلوسى ج 29 ص 34. PageV15P054 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 594. PageV15P055 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 8 ص 224. PageV15P056 (1) سورة الأنعام الآيتان 44 ، 45. PageV15P057 (1) تفسير الآلوسى ج 29 ص 36. PageV15P058 (1) سورة الأنبياء الآية 87 ، 88. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 391. PageV15P059 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 391. PageV15P060 (1) تفسير فتح القدير ج 5 ص 277 للشوكانى. PageV15P061 (1) تفسير ابن كثير ج 8 ص 226 وما بعدها. PageV15P062 (1) تفسير الآلوسى ج 29 ص 38. PageV15P064 (1) راجع تفسير القرطبي ج 18 ص 257. (2) سورة يونس الآية 16. PageV15P067 (1) تفسير التحرير والتنوير ج 29 ص 114 للشيخ ابن عاشور. PageV15P068 (1) سورة هود الآية 67. (2) سورة فصلت الآية 16. PageV15P069 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 598. PageV15P070 (1) سورة هود الآية 82. (2) سورة الصافات الآيتان 137 138. PageV15P071 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 600. PageV15P073 (1) تفسير الآلوسى ج 59 ص 43. PageV15P074 (1) تفسير الآلوسى ج 29 ص 45. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 397. PageV15P076 (1) تفسير ابن كثير ج 8 ص 242. PageV15P078 (1) سورة التوبة الآية 80. PageV15P080 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 8 ص 243. PageV15P081 (1) تفسير ابن كثير ج 8 ص 244. PageV15P082 (1) تفسير فتح القدير ج 5 ص 285. PageV15P083 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 607. PageV15P085 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 403. (2) تفسير الكشاف ج 29 ص 55. PageV15P091 (1) سورة الزخرف الآية 33. PageV15P092 (1) تفسير القرطبي ج 18 ص 282. PageV15P093 (1) تفسير أضواء البيان ج 6 ص 53 للشيخ محمد الأمين الشنقيطى. PageV15P094 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 609. PageV15P095 (1) تفسير ابن كثير ج 8 ص 252. PageV15P097 (1) تفسير الآلوسى ج 29 ص 61. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 406. PageV15P099 (1) سورة المؤمنون الآية 60. PageV15P100 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 612. PageV15P102 (1) تفسير القرطبي ج 18 ص 293. (2) تفسير الآلوسى ج 29 ص 64. PageV15P103 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 614. PageV15P104 (1) سورة فاطر الآيات 15 17. (2) سورة محمد الآية 38. PageV15P105 (1) تفسير ابن كثير ج 8 ص 258. (2) تفسير الآلوسى ج 29 ص ms6274 71. PageV15P111 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 616. PageV15P115 (1) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 215. (2) سورة الجن آية 16. (3) سورة هود آية 52. (4) سورة النحل آية 97. PageV15P116 (1) سورة المؤمنون الآيات 12 14. (2) سورة الروم الآية 54. PageV15P117 (1) تفسير القرطبي ج 18 ص 303. (2) تفسير الآلوسى ج 29 ص 75. PageV15P118 (1) راجع تفسير التحرير والتنوير للشيخ ابن عاشور ج 29 ص 204. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 412. (3) تفسير الكشاف ج 4 ص 618. PageV15P119 (1) تفسير ابن كثير ج 8 ص 262. PageV15P122 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 620. PageV15P123 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 415. PageV15P124 (1) راجع تفسير القرطبي ج 16 ص 210 وج 19 ص 2 ، تفسير ابن كثير ج 7 ص 272. (2) تفسير الآلوسى ج 26 ص 30 وج 29 ص 83. (3) تفسير القرطبي ج 19 ص 5. PageV15P129 (1) صفوة البيان ج 2 ص 470 فضيلة الشيخ حسنين مخلوف. PageV15P130 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 416. (2) تفسير القرطبي ج 19 ص 8. PageV15P132 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 624. PageV15P133 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 267. (2) تفسير صفوة البيان ج 2 ص 472 لفضيلة الشيخ حسنين مخلوف. (3) تفسير الآلوسى ج 29 ص 88. PageV15P135 (1) تفسير القرطبي ج 19 ص 18. (2) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 270. PageV15P140 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 630. PageV15P141 (1) راجع تفسير القرطبي ج 19 ص 43. وتفسير ابن كثير ج 7 ص 271. PageV15P142 (1) تفسير الآلوسى ج 29 ص 94. PageV15P143 (1) تفسير الآلوسى ج 29 ص 96. PageV15P145 (1) تفسير فتح القدير ج 5 ص 313 للشوكانى. PageV15P146 (1) تفسير القرطبي ج 19 ص 31. PageV15P148 (1) راجع تفسير التحرير والتنوير ج 29 ص 252 للشيخ ابن عاشور. PageV15P149 (1) راجع تفسير القرطبي ج 19 ص 32 تفسير الآلوسى ج 29 ص 101. PageV15P151 (1) سورة الإسراء الآية 79. (2) سورة السجدة الآيتان 16 ، 17. PageV15P152 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 278. (2) راجع تفسير القرطبي. PageV15P153 (1) راجع تفسير الأحكام ج 4 ص 190 للشيخ محمد على السائس رحمهالله . (2) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 276. (3) راجع تفسير آيات الأحكام ج 4 ص 193 للشيخ السائس. PageV15P154 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 277. PageV15P155 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 428. PageV15P156 (1) تفسير فتح القدير ج 5 ص 317 للشوكانى. PageV15P157 (1) راجع ms6275 تفسير فخر الرازي ج 8 ص 240. PageV15P159 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 641. PageV15P162 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 642. PageV15P163 (1) تفسير آيات الأحكام ج 4 ص 200 للشيخ محمد السائس. PageV15P166 (1) تفسير الآلوسى ج 29 ص 111. (2) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 384. PageV15P167 (1) تفسير القرطبي ج 19 ص 55. PageV15P168 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 286. PageV15P169 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 289 تفسير الآلوسى ج 29 ص 115. PageV15P171 (1) تفسير القرطبي ج 19 ص 61. PageV15P173 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 645. PageV15P174 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 290. PageV15P175 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 647. (2) تفسير ابن كثير ج 8 ص 292. (3) تفسير الآلوسى ج 29 ص 122. PageV15P176 (1) راجع حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 437. PageV15P177 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 648. PageV15P178 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 650. PageV15P180 (1) تفسير القرطبي ج 19 ص 79. PageV15P181 (1) تفسير ابن كثير ج 8 ص 294. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 440. PageV15P182 (1) تفسير الفخر الرازي. PageV15P183 (1) تفسير ابن كثير ص 8 ص 294. (2) تفسير الآلوسى ج 29 ص 127. PageV15P184 (1) تفسير الآلوسى ج 29 ص 127. (2) راجع تفسير ابن كثير ج 8 ص 295. PageV15P185 (1) تفسير الآلوسى ج 29 ص 131. PageV15P187 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 443. PageV15P188 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 656. PageV15P190 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 29 ص 135. (2) راجع تفسير القرطبي ج 19 ص 92. (3) تفسير التحرير والتنوير ج 29 ص 338 للشيخ محمد الطاهر بن عاشور. (4) تفسير ابن كثير ج 8 ص 300. PageV15P196 (1) تفسير القرطبي ج 19 ص 94. PageV15P198 (1) تفسير ابن كثير ج 8 ص 302. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 661. PageV15P200 (1) تفسير الآلوسى ج 29 ص 142. (2) راجع تفسير ابن كثير ج 8 ص 304. PageV15P201 (1) سورة الإنسان الآية 27. PageV15P202 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 8 ص 305. PageV15P204 (1) تفسير الآلوسى ج 29 ص 146. PageV15P205 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 663. PageV15P206 (1) تفسير القرطبي ج 19 ص 114. PageV15P207 (1) تفسير ابن كثير ج 8 ص 309. PageV15P208 (1) تفسير الآلوسى ج 29 ص 150. PageV15P210 (1) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 271. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 452. (3) تفسير الكشاف ج 4 ص 666. PageV15P213 (1) سورة الانعام الآية 148. PageV15P215 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 668. PageV15P218 (1) راجع تفسير القرطبي ج 19 ص 130. PageV15P219 (1) تفسير ms6276 الآلوسى ج 29 ص 159. (2) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 5 ص 350. PageV15P222 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 672. PageV15P223 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 462. (2) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 674. PageV15P226 (1) سورة النساء الآية 133. (2) سورة إبراهيم الآيتان 19 20. PageV15P228 (1) تفسير ابن كثير ج 8 ص 320. PageV15P230 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 677. PageV15P231 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 463. (2) تفسير القرطبي ج 19 ص 156. PageV15P232 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 678. (2) تفسير الآلوسى ج 29 ص 172. PageV15P233 (1) تفسير الآلوسى ج 29 ص 172. PageV15P234 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 680. PageV15P237 (1) تفسير الآلوسى ج 29 ص 126. PageV15P238 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 682. PageV15P241 (1) أسباب النزول ص 232 للسيوطي. (2) سورة المؤمنون آية 37. (3) سورة الجاثية آية 32. PageV15P247 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 683. PageV15P248 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 685. (2) سورة النحل الآية 15. (3) سورة الروم الآية 21. PageV15P249 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 30 ص 7. PageV15P250 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 327. PageV15P251 (1) تفسير القرطبي ج 19 ص 199. PageV15P254 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 689. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 474. PageV15P255 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 331.00. PageV15P256 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 690. (2) سورة هود الآية 105. PageV15P257 (1) سورة الشعراء الآيتان 193 ، 194. PageV15P258 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 693. (2) تفسير فتح القدير ج 5 ص 372. PageV15P263 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 477. PageV15P264 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 694. PageV15P265 (1) تفسير القرطبي ج 19 ص 198. PageV15P266 (1) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 321. (2) سورة طه الآيتان 11 12. PageV15P268 (1) سورة القصص الآيتان 29 30. PageV15P269 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 695. PageV15P270 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 338. PageV15P271 (1) سورة البقرة الآية 29. (2) راجع تفسيرنا لسورة فصلت ، المجلد الثاني عشر. PageV15P274 (1) تفسير الآلوسى ج 30 ص 37. PageV15P277 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 699. PageV15P278 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 342. PageV15P281 (1) تفسير الآلوسى ج 30 ص 39. PageV15P282 (1) تفسير الآلوسى ج 30 ص 39. PageV15P283 (1) رياض الصالحين ص 142. باب : ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفة. PageV15P285 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 701. (2) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 334. PageV15P286 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 703. PageV15P287 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 345. PageV15P288 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 490. PageV15P289 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 705. PageV15P290 (1) تفسير التحرير ms6277 والتنوير للشيخ ابن عاشور ج 30 ص 133. PageV15P291 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 705. (2) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 349. PageV15P292 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 707. PageV15P296 (1) تفسير القرطبي ج 19 ص 229. (2) تفسير الآلوسى ج 30 ص 51. PageV15P297 (1) راجع تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 339. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 708. (3) سورة النحل الآيتان 58 ، 59. PageV15P298 (1) سورة الإسراء الآيتان 13 ، 14. PageV15P299 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 360. PageV15P301 (1) تفسير فتح القدير ج 5 ص 391 ، للشوكانى. PageV15P302 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 361 ، وراجع تفسيرنا لهذه الآيات في سورة النجم. PageV15P303 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 30 ص 61. PageV15P304 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 713. PageV15P305 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 498. PageV15P308 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 364. PageV15P309 (1) راجع تفسير في ظلال القرآن ج 30 ص 490. (2) تفسير الآلوسى ج 30 ص 65. PageV15P311 (1) راجع الإتقان ج 1 ص 27. PageV15P314 (1) تفسير ابن جرير ج 30 ص 90. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 719. PageV15P317 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 719. PageV15P318 (1) تفسير القرطبي ج 19 ص 255. (2) سورة هود الآية 84. (3) سورة الإسراء الآية 35. (4) سورة الأنعام الآية 152. (5) راجع تفسير في ظلال القرآن ج 30 ص 501. PageV15P319 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 371. PageV15P320 (1) راجع تفسير فتح القدير ج 5 ص 399 للشوكانى. PageV15P321 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 373. PageV15P322 (1) تفسير الآلوسى ج 30 ص 72. PageV15P323 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 722. PageV15P324 (1) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 5 ص 402. PageV15P325 (1) تفسير الآلوسى ج 30 ص 76. PageV15P326 (1) سورة إبراهيم الآية 48. PageV15P332 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 725. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 508. PageV15P333 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 378. PageV15P334 (1) تفسير الآلوسى ج 30 ص 80. (2) راجع تفسير القرطبي ج 19 ص 273. PageV15P335 (1) تفسير الآلوسى ج 30 ص 82. PageV15P337 (1) تفسير الآلوسى ج 30 ص 83. PageV15P338 (1) تفسير القرطبي ج 19 ص 283. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 729. PageV15P342 (1) تفسير الآلوسى ج 30 ص 90. PageV15P344 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 387. PageV15P345 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 395. PageV15P350 (1) راجع تفسير القرطبي ج 20 ص 2. PageV15P351 (1) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 5 ص 419. PageV15P353 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 735. (2) صفوة البيان ج 2 ص ms6278 530 لفضيلة الشيخ حسنين مخلوف. (3) راجع تفسير التحرير والتنوير ج 30 ص 263 للشيخ محمد الطاهر بن عاشور. PageV15P354 (1) راجع ق ظلال القرآن ج 30 ص 535. PageV15P355 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 399. PageV15P358 (1) تفسير الآلوسى ج 30 ص 101. (2) راجع الإتقان للسيوطي ج 1 ص 27. PageV15P359 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 520. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 738. PageV15P361 (1) تفسير الآلوسى ج 30 ص 104. (2) راجع في ظلال القرآن ج 30 ص 542. PageV15P362 (1) تفسير فتح القدير ج 5 ص 424. (2) راجع تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 381. PageV15P364 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 738. PageV15P365 (1) راجع تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 382. (2) سورة فاطر الآية 36. PageV15P366 (1) تفسير فتح القدير ج 5 ص 428 للشوكانى. PageV15P372 (1) تفسير ابن جرير ج 30 ص 102. PageV15P373 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 742. (2) تفسير الآلوسى ج 30 ص 114. PageV15P374 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 745. PageV15P376 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 412. PageV15P382 (1) تفسير أضواء البيان للشيخ محمد الأمين الشنقيطى ج 8 ص 210. PageV15P383 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 530. PageV15P384 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 418. PageV15P385 (1) تفسير الآلوسى ج 30 ص 124. (2) تفسير التحرير والتنوير ج 30 ص 321 للشيخ ابن عاشور. (3) تفسير في ظلال القرآن ج 30 ص 571. PageV15P386 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 748. PageV15P387 (1) سورة فصلت الآية 50. PageV15P388 (1) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 5 ص 438. PageV15P389 (1) تفسير الآلوسى ج 30 ص 127. PageV15P390 (1) تفسير القرطبي ج 20 ص 54. (2) تفسير الآلوسى ج 30 ص 128. (3) تفسير ابن كثير ج 7 ص 421. PageV15P392 (1) تفسير القرطبي ج 20 ص 59. (2) تفسير الآلوسى ج 30 ص 133. PageV15P396 (1) تفسير جزء عم ص 24 طبعة الشعب. (2) تفسير جزء عم ص 65 لفضيلة الشيخ محمد محيى الدين عبد الحميد رحمهالله . PageV15P398 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 753. (2) تفسير التحرير والتنوير للشيخ ابن عاشور رحمهالله ج 30 ص 348. PageV15P399 (1) تفسير ابن جرير ج 30 ص 125. PageV15P400 (1) تفسير الآلوسى ج 30 ص 135. PageV15P401 (1) تفسير جزء عم ص 204 للشيخ محمد محيى الدين عبد الحميد. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 539. PageV15P403 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 755. (2) تفسير ابن كثير ج 7 ص 430. PageV15P404 (1) تفسير جزء «عم» ص 211 ms6279 لفضيلة الشيخ محمد محى الدين عبد الحميد. (2) تفسير التحرير والتنوير ج 30 ص 367. (3) تفسير الآلوسى ج 30 ص 141. PageV15P410 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 759. PageV15P411 (1) تفسير الآلوسى ج 30 ص 143. PageV15P412 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 760. (2) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 436. PageV15P413 (1) راجع تفسير فتح القدير ج 5 ص 451 ، للشوكانى. PageV15P416 (1) تفسير القرطبي ج 20 ص 82. PageV15P418 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 440. PageV15P420 (1) تفسير الآلوسى ج 30 ص 152. PageV15P422 (1) تفسير ابن جرير ج 30 ص 142. (2) تفسير ابن كثير ج 7 ص 444. PageV15P423 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 30 ص 156 ، وتفسير ابن كثير ج 7 ص 445. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 765. PageV15P426 (1) تفسير الآلوسى ج 30 ص 158. PageV15P427 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 551. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 768. PageV15P428 (1) راجع تفسير جزء عم ج 85. (2) راجع تفسير القرطبي ج 20 ص 96. PageV15P429 (1) تفسير القرطبي ج 20 ص 101. PageV15P431 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 449. PageV15P432 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 451. PageV15P435 (1) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 428. PageV15P436 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 458. (2) تفسير (جزء عم) ص 242 للشيخ محيى الدين عبد الحميد رحمهالله . PageV15P437 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 454. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 771. PageV15P439 (1) تفسير فتح القدير ج 5 ص 465. PageV15P443 (1) راجع تفسير القرطبي ج 20 ص 111. (2) راجع تفسير ابن جرير ج 30 ص 153. PageV15P444 (1) سورة الروم الآية 54. PageV15P445 (1) سورة غافر ، آية 67. (2) تفسير ابن جرير ج 30 ص 157. (3) تفسير ابن كثير ج 7 ص 457. PageV15P446 (1) راجع تفسير جزء عم ص 91 للشيخ محمد عبده رحمهالله . (2) تفسير الآلوسى ج 30 ص 176. PageV15P447 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 457. PageV15P448 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 460. (2) تفسير الآلوسى ج 30 ص 178. (3) تفسير جزء عم ص 93. PageV15P452 (1) راجع كتاب «بحوث في تفسير القرآن» (سورة العلق) لجمال عياد. PageV15P453 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 459. (2) راجع تفسير جزء عم ص 94. PageV15P454 (1) راجع تفسير ابن كثير ص 7 ص 460. PageV15P455 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 778. PageV15P456 (1) تفسير الآلوسى ج 30 ص 188. PageV15P460 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 463. PageV15P461 (1) تفسير التحرير والتنوير ج 30 ms6280 ص 456 للشيخ ابن عاشور رحمهالله . (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 780. PageV15P462 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 567. PageV15P463 (1) تفسير القرطبي ج 20 ص 134. PageV15P464 (1) تفسير الآلوسى ج 30 ص 200. (2) الإتقان ج 1 ص 27. PageV15P466 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 782. (2) راجع تفسير «أضواء البيان» ج 8 ص 397 للشيخ محمد الأمين الشنقيطى. PageV15P469 (1) تفسير القرطبي ج 20 ص 147. (2) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 573. (3) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 481. PageV15P476 (1) تفسير جزء عم ص 106 للشيخ محمد عبده. PageV15P477 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 482. PageV15P478 (1) تفسير الآلوسى ج 30 ص 214. PageV15P480 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 787. PageV15P482 (1) تفسير جزء عم ص 109. PageV15P483 (1) سورة الإسراء الآية 100. PageV15P484 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 790. (2) تفسير جزء عم ص 302 لفضيلة الشيخ محمد محيى الدين عبد الحميد (ي رحمهالله ). PageV15P489 (1) راجع تفسير القرطبي ج 20 ص 168. PageV15P492 (1) راجع تفسير القرطبي ج 20 ص 177. PageV15P496 (1) تفسير الآلوسى ج 30 ص 220. PageV15P498 (1) راجع تفسير القرطبي ج 20 ص 178. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 793. PageV15P499 (1) تفسير ابن جرير ج 30 ص 187. PageV15P500 (1) تفسير جزء «عم» ص 313 للشيخ محى الدين عبد الحميد رحمهالله . PageV15P501 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 584. PageV15P503 (1) تفسير جزء عم ص 117. PageV15P504 (1) راجع سيرة ابن إسحاق ج 1 ص 43 وتفسير الآلوسى ج 30 ص 223. PageV15P508 (1) تفسير (صفوة البيان) ج 2 ص 569 للشيخ حسنين محمد مخلوف. PageV15P511 (1) تفسير القرطبي ج 20 ص 202. PageV15P513 (1) تفسير الكشاف ج 4 ص 800. PageV15P514 (1) تفسير الآلوسى ج 30 ص 241. PageV15P516 (1) تفسير القرطبي ج 20 ص 214. PageV15P518 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 516. PageV15P519 (1) تفسير التحرير والتنوير ج 30 ص 561 للشيخ محمد الطاهر بن عاشور. PageV15P520 (1) راجع تفسير القرطبي ج 20 ص 218 ، وابن كثير ج 7 ص 519. PageV15P521 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 527. PageV15P524 (1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 529. PageV15P529 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 534. PageV15P532 (1) تفسير القرطبي ج 2 ص 231. PageV15P533 (1) راجع تفسير ابن جرير ج 20 ص 220. PageV15P535 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 602. (2) راجع تفسير القرطبي ج 20 ص 247. (3) تفسير ابن كثير ج 7 ص 538. PageV15P538 (1) راجع ms6281 تفسير الكشاف ج 4 ص 818. PageV15P540 (1) تفسير الآلوسى ج 30 ص 278. PageV15P542 (1) راجع تفسير الآلوسى ج 30 ص 284. PageV15P544 (1) راجع تفسير سورة البقرة من ص 226 236. PageV15P545 (1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 611. (2) تفسير الكشاف ج 4 ص 823. PageV15P548 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 558. PageV15P549 (1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 546. PageV15P550 ms6282